{"ً":{"ٌ":13231,"ٍ":"التفسير البسيط","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"shamela","files":["BSeeT_00.pdf","BSeeT_01.pdf","BSeeT_02.pdf","BSeeT_03.pdf","BSeeT_04.pdf","BSeeT_05.pdf","BSeeT_06.pdf","BSeeT_07.pdf","BSeeT_08.pdf","BSeeT_09.pdf","BSeeT_10.pdf","BSeeT_11.pdf","BSeeT_12.pdf","BSeeT_13.pdf","BSeeT_14.pdf","BSeeT_15.pdf","BSeeT_16.pdf","BSeeT_17.pdf","BSeeT_18.pdf","BSeeT_19.pdf","BSeeT_20.pdf","BSeeT_21.pdf","BSeeT_22.pdf","BSeeT_23.pdf","BSeeT_24.pdf","BSeeT_25.pdf"]},"ّ":"الكتاب: التفسير البسيط\nالمؤلف: أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد الواحدي (ت ٤٦٨ هـ)\nأصل تحقيقه: (١٥) رسالة دكتوراة بجامعة الإمام محمد بن سعود، ثم قامت لجنة علمية من الجامعة بسبكه وتنسيقه\nالناشر: عمادة البحث العلمي - جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.\nالطبعة: الأولى، ١٤٣٠ هـ\nعدد الأجزاء: ٢٥ (٢٤ والفهارس)\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":1,"ٕ":3,"ٖ":1770153542,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1","2","3","4","5","6","7","8","9","10","11","12","13","14","15","16","17","18","19","20","21","22","23","24"],"ٚ":[{"title":"مقدمة معالي مدير الجامعة الأستاذ الدكتور/ سليمان بن عبد الله أبا الخيل","level":1,"page":3},{"title":"مقدمة صاحب السمو الملكي الأمير الدكتور عبد العزيز بن سطام بن عبد العزيز آل سعود","level":2,"page":6},{"title":"مقدمة التحقيق","level":2,"page":9},{"title":"أهمية هذا الكتاب وسبب اختياره","level":2,"page":14},{"title":"خطة العمل","level":3,"page":16},{"title":"الفصل الأول: التعريف بالمؤلف.","level":4,"page":16},{"title":"المبحث الأول التعريف بالواحدي حياته وآثاره","level":5,"page":20},{"title":"المطلب الأول اسمه ونسبه، وكنيته، وأسرته","level":6,"page":21},{"title":"أولا: اسمه ونسبه","level":7,"page":21},{"title":"ثانيا: كنيته","level":7,"page":22},{"title":"ثالثا: أسرته","level":7,"page":23},{"title":"المطلب الثاني","level":6,"page":24},{"title":"ولادته","level":7,"page":24},{"title":"وفاته","level":7,"page":24},{"title":"المطلب الثالث موطنه","level":6,"page":25},{"title":"المطلب الرابع طلبه للعلم، ورحلاته في طلب العلم، والعلوم التي برز فيها","level":6,"page":34},{"title":"رحلاته","level":7,"page":38},{"title":"العلوم التي برز فيها","level":7,"page":38},{"title":"الواحدي والشعر","level":7,"page":43},{"title":"المطلب الخامس مذهبه وعقيدته","level":6,"page":45},{"title":"مذهبه","level":7,"page":45},{"title":"عقيدته","level":7,"page":47},{"title":"المطلب السادس شيوخه وتلاميذه","level":6,"page":54},{"title":"شيوخه","level":7,"page":54},{"title":"تلاميذه","level":7,"page":67},{"title":"المطلب السابع مؤلفاته","level":6,"page":74},{"title":"القسم الأول: ما يقطع بنسبته إليه.","level":7,"page":75},{"title":"أولا: كتبه المعروفة","level":8,"page":75},{"title":"١ - \"البسيط\"","level":9,"page":75},{"title":"٢ - \"الوسيط\"","level":9,"page":76},{"title":"٣ - \"تفسير النبي - ﷺ -\"","level":9,"page":78},{"title":"٤ - \"أسباب النزول\"","level":9,"page":80},{"title":"٤ - \"قتلى القرآن\"","level":9,"page":81},{"title":"٥ - \"فضائل القرآن\"","level":9,"page":81},{"title":"٦ - \"مسند التفسير\"","level":9,"page":82},{"title":"٧ - \"نفي التحريف عن القرآن الشريف\"","level":9,"page":82},{"title":"٨ - \"شرح ديوان المتنبي\"","level":9,"page":83},{"title":"٩ - \"الإغراب في الإعراب\"","level":9,"page":83},{"title":"١٠ - \"التحبير في شرح أسماء الله تعالى الحسنى\"","level":9,"page":84},{"title":"١١ - \"الدعوات\"","level":9,"page":84},{"title":"١٢ - \"المغازي\"","level":9,"page":84},{"title":"القسم الثاني: المؤلفات التي لا يقطع بنسبتها للواحدي","level":7,"page":84},{"title":"١ و٢ - \"معاني التفسير\"، و\"مختصر التفسير\"","level":8,"page":85},{"title":"٣ - \"الحاوي لجميع المعاني\"","level":8,"page":86},{"title":"٤ - \"جامع البيان في تفسير القرآن\"","level":8,"page":86},{"title":"٥ و٦ - \"رسالة في البسملة\"، و\"حاشية على شرح البسملة\"","level":8,"page":87},{"title":"٧ - \"رسالة في شرف علم التفسير\"","level":8,"page":87},{"title":"٨ - \"شرح معلقة النابغة الذبياني\"، أو\"شرح قصيدة النابغة\"","level":8,"page":87},{"title":"٩ - \"الوسيط في الأمثال\"","level":8,"page":88},{"title":"١٠ - \"الناسخ والمنسوخ\"","level":8,"page":89},{"title":"١١ - \"بانت سعاد\"","level":8,"page":89},{"title":"١٢ - \"منظومة في الوعظ\"","level":8,"page":89},{"title":"المطلب الثامن: مكانته","level":6,"page":91},{"title":"المطلب التاسع","level":6,"page":92},{"title":"المآخذ عليه","level":7,"page":94},{"title":"القضية الأولى: عدم السلامة من البدع، والبعد عن اتباع منهج السلف في الاعتقاد.","level":8,"page":95},{"title":"القضية الثانية: ضعف البضاعة في علم الحديث","level":8,"page":95},{"title":"القضية الثالثة: غمزه الأئمة المتقدمين","level":8,"page":97},{"title":"أولهما: تلميذه عبد الغافر الفارسي.","level":9,"page":97},{"title":"والثاني: أبو سعد السمعاني فيما نقله عنه الذهبي.","level":9,"page":97},{"title":"المبحث الثاني الأوضاع السياسية في عصر المؤلف وأثرها على الناحية العلمية","level":5,"page":102},{"title":"أهم مظاهر هذا العصر","level":6,"page":104},{"title":"أولا: تعدد الخلافة","level":7,"page":104},{"title":"ثانيا: ظهور دول إقليمية","level":7,"page":105},{"title":"١ - البويهيون","level":8,"page":105},{"title":"٢ - دولة العبيديين","level":8,"page":107},{"title":"٣ - الطوائف","level":8,"page":109},{"title":"١ - الدولة الغزنوية","level":9,"page":110},{"title":"٢ - الدولة السلجوقية","level":9,"page":113},{"title":"وقفة تأمل","level":10,"page":116},{"title":"أثر هذه السياسة على الناحية العلمية","level":6,"page":117},{"title":"أولا: ازدهار المساجد","level":7,"page":118},{"title":"ثانيا: بناء المدارس والعناية بها","level":7,"page":119},{"title":"ثالثا: انتشار المكتبات وخزائن الكتب","level":7,"page":121},{"title":"رابعا: تقدير السلاطين ووزرائهم للعلم والعلماء","level":7,"page":123},{"title":"خامسا: نشاط بعض الفرق","level":7,"page":125},{"title":"سادسا: المناظرات العلمية بين أرباب المذاهب","level":7,"page":126},{"title":"وقفة","level":8,"page":127},{"title":"الفصل الثاني دراسة عن كتاب البسيط","level":4,"page":128},{"title":"المبحث الأول اسم الكتاب","level":5,"page":130},{"title":"المبحث الثاني ثبوت نسبة الكتاب للواحدي","level":5,"page":132},{"title":"المبحث الثالث الباعث على إنشاء البسيط","level":5,"page":134},{"title":"المبحث الرابع تاريخ البدء في البسيط والانتهاء منه","level":5,"page":135},{"title":"المبحث الخامس مصادر المؤلف في كتابه \"البسيط\"","level":5,"page":136},{"title":"القسم الأول المصادر الرئيسة","level":6,"page":137},{"title":"أولا: التفسير","level":7,"page":137},{"title":"أولا: تفسير ابن عباس -﵁- (ت ٦٨) هـ","level":8,"page":137},{"title":"مكانة ابن عباس في تفسير القرآن","level":9,"page":137},{"title":"منهج ابن عباس في التفسير","level":9,"page":139},{"title":"رجوع ابن عباس إلى الشعر القديم","level":9,"page":140},{"title":"١ - الرواية المنسوبة إلى عطاء بن أبي رباح","level":10,"page":143},{"title":"٢ - رواية الكلبي","level":10,"page":146},{"title":"٣ - تفسير تنوير المقباس","level":10,"page":148},{"title":"٤ - رواية الضحاك","level":10,"page":150},{"title":"٥ - رواية العوفي","level":10,"page":152},{"title":"٦ - رواية السدي الكبير","level":10,"page":152},{"title":"٧ - رواية الوالبي","level":10,"page":153},{"title":"٨ - طريق قيس بن مسلم الكوفي،","level":10,"page":155},{"title":"٩ - طريق بن إسحاق","level":10,"page":155},{"title":"١٠ - طريق عبد الملك بن جريج،","level":10,"page":155},{"title":"١١ - ثانيا: تفسير مقاتل بن سليمان (ت ١٥٠) هـ","level":10,"page":158},{"title":"ثانيا: تفسير الطبري","level":8,"page":161},{"title":"التعريف بهذا التفسير وطريقة مؤلفه فيه","level":9,"page":161},{"title":"طريقة ابن جرير في \"تفسيره\"","level":9,"page":164},{"title":"إنكاره على من يفسر بمجرد الرأي","level":9,"page":165},{"title":"موقفه من الأسانيد","level":9,"page":167},{"title":"تقديره للإجماع","level":9,"page":168},{"title":"موقفه من القراءات","level":9,"page":168},{"title":"موقفه من الإسرائيليات","level":9,"page":169},{"title":"انصرافه عما لا فائدة فيه","level":9,"page":170},{"title":"احتكامه إلى المعروف من كلام العرب","level":9,"page":172},{"title":"رجوعه إلى الشعر القديم","level":9,"page":172},{"title":"اهتمامه بالمذاهب النحوية","level":9,"page":173},{"title":"معالجته للأحكام الفقهية","level":9,"page":174},{"title":"خوضه في مسائل الكلام","level":9,"page":175},{"title":"ثالثا: \"الكشف والبيان\" للثعلبي","level":8,"page":182},{"title":"التعريف بهذا التفسير وطريقة مؤلفه فيه","level":9,"page":183},{"title":"ويمكن أن نسجل هنا مقارنة بين \"الكشف والبيان\" للثعلبي و\"البسيط\" للواحدي في النقاط الآتية","level":9,"page":193},{"title":"ثانيا: علم القراءات","level":7,"page":196},{"title":"\"الحجة للقراء السبعة\" لأبي علي الفارسي","level":8,"page":196},{"title":"ثالثا: معاني القرآن","level":7,"page":200},{"title":"١ - \"معاني القرآن\" للفراء أبي زكريا يحي بن زياد","level":8,"page":200},{"title":"٢ - \"معاني القرآن\" للزجاج","level":8,"page":202},{"title":"منهج الزجاج في \"معاني القرآن\"","level":9,"page":203},{"title":"رابعا: اللغة","level":7,"page":205},{"title":"١ - \"تهذيب اللغة\" لأبي منصور الأزهري","level":8,"page":205},{"title":"مصادر التهذيب","level":9,"page":206},{"title":"منهج الأزهري في \"تهذيب اللغة\"","level":9,"page":210},{"title":"والمنهج المذكور يتضح في النظام الآتي","level":9,"page":210},{"title":"الطريقة الأولى","level":10,"page":212},{"title":"الطريقة الثانية","level":10,"page":213},{"title":"وبالطريقة الثالثة","level":10,"page":213},{"title":"القسم الثاني من المصادر: المصادر الثانوية.","level":6,"page":215},{"title":"١ - \"الكتاب\" لسيبويه","level":7,"page":215},{"title":"ومن أمثلة نقله بواسطة","level":8,"page":216},{"title":"٢ - كتب الكسائي","level":7,"page":218},{"title":"٣ - \"المصادر\" للفراء","level":7,"page":218},{"title":"٤ - \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة معمر بن المثنى","level":7,"page":219},{"title":"وقد ينقل عن أبي عبيدة بواسطة ومثاله.","level":8,"page":221},{"title":"٥ - \"معاني القرآن\" للأخفش","level":7,"page":222},{"title":"مثال النقل مباشرة","level":8,"page":223},{"title":"ومن أمثلة النقل بواسطة","level":8,"page":224},{"title":"٦ - كتب أبي عبيد القاسم بن سلام (ت ٢٢٤)","level":7,"page":225},{"title":"٧ - \"تأويل مشكل القرآن\"","level":7,"page":225},{"title":"٨ - \"تفسير غريب القرآن\". وهو أيضا لابن قتيبة","level":7,"page":227},{"title":"٩ - كتب المبرد (ت ٢٨٥ هـ)","level":7,"page":230},{"title":"١٠ - \"نظم القرآن\" لأبي علي الجرجاني","level":7,"page":232},{"title":"١١ - كتب أبي بكر ابن الأنباري","level":7,"page":237},{"title":"١٢ - أبو القاسم الزجاجي","level":7,"page":239},{"title":"١٣ - كتب أبي جعفر النحاس","level":7,"page":240},{"title":"١٤ - \"الإغفال فيما أغفله الزجاج من المعاني\"","level":7,"page":241},{"title":"١٥ - المسائل الحلبيات لأبي علي الفارسي","level":7,"page":243},{"title":"١٦ - الإيضاح العضدي","level":7,"page":244},{"title":"١٧ - كتاب \"سر صناعة الإعراب\" لأبي الفتح عثمان بن جني","level":7,"page":244},{"title":"منهج ابن جني في كتابه","level":8,"page":245},{"title":"منهج الواحدي في النقول من مصادره","level":8,"page":253},{"title":"وأذكر بعض الأمثلة توضح ذلك","level":8,"page":253},{"title":"بعض الملحوظات على نقل الواحدي","level":8,"page":257},{"title":"المبحث السادس منهج الواحدي في كتابه \"البسيط\"","level":5,"page":261},{"title":"المطلب الأول: مقدمة الكتاب ومنهجه إجمالا","level":6,"page":261},{"title":"وصف الكتاب ومنهجه فيه كما عرضه في المقدمة","level":7,"page":265},{"title":"فهل كتاب الواحدي كما وصفه هنا؟","level":7,"page":265},{"title":"منهج الواحدي في كتابه إجمالا","level":7,"page":266},{"title":"المطلب الثاني: منهجه في كتابه مفصلا","level":6,"page":268},{"title":"المسألة الأولى: تفسير القرآن بالقرآن","level":7,"page":268},{"title":"المسألة الثاني: تفسير القرآن بالسنة والأثر","level":7,"page":270},{"title":"المسألة الثالثة: تفسير القرآن بأقوال الصحابة والتابعين","level":7,"page":274},{"title":"المسألة الرابعة: منهجه في ذكر الإسرائيليات","level":7,"page":276},{"title":"ومن أمثلة ذلك","level":8,"page":278},{"title":"المسألة الخامسة منهجه في عرض القراءات","level":7,"page":280},{"title":"وأذكر بعض الأمثلة التي توضح ذلك","level":8,"page":285},{"title":"المسألة السادسة: منهجه في علوم القرآن","level":7,"page":287},{"title":"١ - في أسباب النزول","level":8,"page":288},{"title":"٢ - الوقف والابتداء","level":8,"page":289},{"title":"٣ - الناسخ والمنسوخ","level":8,"page":290},{"title":"٤ - الربط بين الآيات","level":8,"page":291},{"title":"المسألة السابعة: منهجه في تقرير مسائل العقيدة، والرد على الفرق","level":7,"page":292},{"title":"الرد على الفرق","level":8,"page":295},{"title":"المسألة الثامنة: منهجه في المسائل الفقهية والأصولية","level":7,"page":297},{"title":"ويمكن أن أسجل الملاحظات التالية في منهجه هنا","level":8,"page":298},{"title":"المسألة التاسعة: منهجه في اللغة وفنونها","level":7,"page":303},{"title":"١ - الجانب اللغوي","level":8,"page":303},{"title":"٢ - الجانب النحوي","level":8,"page":308},{"title":"مذهبه النحوي","level":9,"page":310},{"title":"المسائل النحوية التي يعنى بها في \"البسيط\"","level":9,"page":312},{"title":"٣ - الجوانب البلاغية","level":8,"page":316},{"title":"٤ - الشواهد الشعرية","level":8,"page":319},{"title":"المطلب الثالث مقارنة بين تفاسير الواحدي الثلاثة","level":6,"page":324},{"title":"ويمكن أن أستعرض أهم الفروق بين هذه التفاسير في النقاط التالية","level":7,"page":324},{"title":"ومن الأمثلة التي تبين الفرق بين هذه التفاسير الثلاثة","level":7,"page":326},{"title":"وقال في \"تفسير الوسيط\"","level":7,"page":331},{"title":"وقال في الوجيز","level":7,"page":333},{"title":"المبحث السابع قيمة الكتاب العلمية","level":5,"page":334},{"title":"المآخذ على تفسير البسيط","level":6,"page":337},{"title":"المبحث الثامن أثر الواحدي فيمن بعده من العلماء من خلال كتابه \"البسيط\"","level":5,"page":342},{"title":"أ- في مجال التفسير","level":6,"page":343},{"title":"١ - الفخر الرازي وتفسيره مفاتيح الغيب","level":7,"page":343},{"title":"٢ - أبو حيان من خلال تفسيره \"البحر المحيط\"","level":7,"page":346},{"title":"٣ - السمين الحلبي في تفسيره \"الدر المصون في علوم الكتاب المكنون\"","level":7,"page":347},{"title":"٤ - المفسر سليمان بن عمر العجيلي الشهير بالجمل في تفسيره \"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين للدقائق الخفية\"","level":7,"page":349},{"title":"٥ - الألوسي في تفسير \"روح المعاني\"","level":7,"page":350},{"title":"ب- في علوم القرآن","level":6,"page":351},{"title":"١ - بدر الدين الزركشي في كتابه \"البرهان في علوم القرآن\"","level":7,"page":352},{"title":"٢ - جلال الدين السيوطي في كتابه \"الإتقان في علوم القرآن\"","level":7,"page":353},{"title":"جـ- في كتب الفقه","level":6,"page":354},{"title":"د- ومن شراح الحديث","level":6,"page":357},{"title":"١ - ابن حجر في \"فتح الباري\"","level":7,"page":357},{"title":"٢ - العيني في \"عمدة القاري\" ١/ ٦٦ - ٦٧.","level":7,"page":358},{"title":"٣ - السيوطي في \"تنوير الحوالك\" ١/ ٥٩","level":7,"page":359},{"title":"٤ - المناوي في \"فيض القدير\" ٢/ ٩٠","level":7,"page":359},{"title":"المبحث التاسع النسخ المخطوطة الموجودة للبسيط التي تم التعرف عليها","level":5,"page":360},{"title":"المبحث العاشر منهج العمل في تحقيق \"البسيط\"","level":5,"page":366},{"title":"سار الباحثون في التحقيق حسب المنهج التالي","level":6,"page":366},{"title":"نماذج من النسخ الخطية للكتاب","level":2,"page":369},{"title":"مقدمة المؤلف","level":1,"page":383},{"title":"سورة الفاتحة","level":1,"page":422},{"title":"١","level":2,"page":423},{"title":"٢","level":2,"page":453},{"title":"٤","level":2,"page":487},{"title":"٥","level":2,"page":495},{"title":"٦","level":2,"page":508},{"title":"٧","level":2,"page":520},{"title":"سورة البقرة","level":1,"page":557},{"title":"١","level":2,"page":558},{"title":"٢","level":2,"page":577},{"title":"٣","level":2,"page":609},{"title":"٤","level":2,"page":627},{"title":"٥","level":2,"page":631},{"title":"٦","level":2,"page":638},{"title":"٧","level":2,"page":661},{"title":"٨","level":2,"page":672},{"title":"٩","level":2,"page":680},{"title":"١٠","level":2,"page":695},{"title":"١١","level":2,"page":706},{"title":"١٢","level":2,"page":709},{"title":"١٣","level":2,"page":713},{"title":"١٤","level":2,"page":715},{"title":"١٥","level":2,"page":721},{"title":"١٦","level":2,"page":727},{"title":"١٧","level":2,"page":735},{"title":"١٨","level":2,"page":746},{"title":"١٩","level":2,"page":749},{"title":"٢٠","level":2,"page":761},{"title":"٢١","level":2,"page":766},{"title":"٢٢","level":2,"page":772},{"title":"٢٣","level":2,"page":782},{"title":"٢٤","level":2,"page":803},{"title":"٢٥","level":2,"page":810},{"title":"٢٦","level":2,"page":818},{"title":"٢٧","level":2,"page":833},{"title":"٢٨","level":2,"page":839},{"title":"٢٩","level":2,"page":845},{"title":"٣٠","level":2,"page":857},{"title":"٣١","level":2,"page":892},{"title":"٣٢","level":2,"page":902},{"title":"٣٣","level":2,"page":908},{"title":"٣٤","level":2,"page":912},{"title":"٣٥","level":2,"page":927},{"title":"٣٦","level":2,"page":940},{"title":"٣٧","level":2,"page":952},{"title":"٣٨","level":2,"page":961},{"title":"٣٩","level":2,"page":970},{"title":"٤٠","level":2,"page":976},{"title":"٤١","level":2,"page":984},{"title":"٤٢","level":2,"page":991},{"title":"٤٣","level":2,"page":996},{"title":"٤٤","level":2,"page":999},{"title":"٤٤","level":2,"page":1002},{"title":"٤٥","level":2,"page":1006},{"title":"٤٦","level":2,"page":1009},{"title":"٤٧","level":2,"page":1017},{"title":"٤٨","level":2,"page":1018},{"title":"٤٩","level":2,"page":1040},{"title":"٥٠","level":2,"page":1058},{"title":"٥١","level":2,"page":1061},{"title":"٥٢","level":2,"page":1073},{"title":"٥٣","level":2,"page":1075},{"title":"٥٤","level":2,"page":1079},{"title":"٥٥","level":2,"page":1089},{"title":"٥٦","level":2,"page":1093},{"title":"٥٧","level":2,"page":1095},{"title":"٥٨","level":2,"page":1102},{"title":"٥٩","level":2,"page":1114},{"title":"٦٠","level":2,"page":1117},{"title":"٦١","level":2,"page":1130},{"title":"٦٢","level":2,"page":1158},{"title":"٦٣","level":2,"page":1177},{"title":"٦٤","level":2,"page":1183},{"title":"٦٥","level":2,"page":1184},{"title":"٦٦","level":2,"page":1190},{"title":"٦٧","level":2,"page":1199},{"title":"٦٨","level":2,"page":1206},{"title":"٦٩","level":2,"page":1223},{"title":"٧٠","level":2,"page":1228},{"title":"٧١","level":2,"page":1229},{"title":"٧٢","level":2,"page":1248},{"title":"٧٣","level":2,"page":1255},{"title":"٧٤","level":2,"page":1257},{"title":"٧٥","level":2,"page":1267},{"title":"٧٨","level":2,"page":1276},{"title":"٨٠","level":2,"page":1286},{"title":"٨١","level":2,"page":1287},{"title":"٨٣","level":2,"page":1295},{"title":"٨٤","level":2,"page":1305},{"title":"٨٥","level":2,"page":1308},{"title":"٨٦","level":2,"page":1319},{"title":"٨٧","level":2,"page":1320},{"title":"٨٨","level":2,"page":1325},{"title":"٨٩","level":2,"page":1331},{"title":"٩٠","level":2,"page":1334},{"title":"٩١","level":2,"page":1345},{"title":"٩٢","level":2,"page":1350},{"title":"٩٣","level":2,"page":1350},{"title":"٩٤","level":2,"page":1355},{"title":"٩٥","level":2,"page":1356},{"title":"٩٦","level":2,"page":1358},{"title":"٩٧","level":2,"page":1363},{"title":"٩٨","level":2,"page":1369},{"title":"٩٩","level":2,"page":1372},{"title":"١٠٠","level":2,"page":1372},{"title":"١٠١","level":2,"page":1374},{"title":"١٠٢","level":2,"page":1375},{"title":"١٠٣","level":2,"page":1405},{"title":"١٠٤","level":2,"page":1407},{"title":"١٠٥","level":2,"page":1410},{"title":"١٠٦","level":2,"page":1412},{"title":"١٠٧","level":2,"page":1426},{"title":"١٠٨","level":2,"page":1427},{"title":"١٠٩","level":2,"page":1432},{"title":"١١١","level":2,"page":1435},{"title":"١١٢","level":2,"page":1438},{"title":"١١٣","level":2,"page":1440},{"title":"١١٤","level":2,"page":1442},{"title":"١١٥","level":2,"page":1446},{"title":"١١٦","level":2,"page":1454},{"title":"١١٧","level":2,"page":1458},{"title":"١١٨","level":2,"page":1465},{"title":"١١٩","level":2,"page":1468},{"title":"١٢٠","level":2,"page":1475},{"title":"١٢١","level":2,"page":1479},{"title":"١٢٣","level":2,"page":1481},{"title":"١٢٤","level":2,"page":1481},{"title":"١٢٥","level":2,"page":1488},{"title":"١٢٦","level":2,"page":1500},{"title":"١٢٧","level":2,"page":1507},{"title":"١٢٨","level":2,"page":1509},{"title":"١٢٩","level":2,"page":1515},{"title":"١٣٠","level":2,"page":1521},{"title":"١٣١","level":2,"page":1528},{"title":"١٣٢","level":2,"page":1530},{"title":"١٣٣","level":2,"page":1536},{"title":"١٣٤","level":2,"page":1542},{"title":"١٣٥","level":2,"page":1542},{"title":"١٣٦","level":2,"page":1548},{"title":"١٣٧","level":2,"page":1549},{"title":"١٣٨","level":2,"page":1551},{"title":"١٣٩","level":2,"page":1554},{"title":"١٤٠","level":2,"page":1557},{"title":"١٤١","level":2,"page":1559},{"title":"١٤٢","level":2,"page":1559},{"title":"١٤٣","level":2,"page":1561},{"title":"١٤٤","level":2,"page":1577},{"title":"١٤٥","level":2,"page":1584},{"title":"١٤٦","level":2,"page":1588},{"title":"١٤٧","level":2,"page":1590},{"title":"١٤٨","level":2,"page":1590},{"title":"١٤٩","level":2,"page":1597},{"title":"١٤٩","level":2,"page":1598},{"title":"١٥٠","level":2,"page":1598},{"title":"١٥١","level":2,"page":1608},{"title":"١٥٢","level":2,"page":1611},{"title":"١٥٣","level":2,"page":1614},{"title":"١٥٤","level":2,"page":1615},{"title":"١٥٥","level":2,"page":1616},{"title":"١٥٦","level":2,"page":1619},{"title":"١٥٧","level":2,"page":1623},{"title":"١٥٨","level":2,"page":1626},{"title":"١٥٩","level":2,"page":1637},{"title":"١٦٠","level":2,"page":1639},{"title":"١٦١","level":2,"page":1639},{"title":"١٦٢","level":2,"page":1640},{"title":"١٦٣","level":2,"page":1641},{"title":"١٦٤","level":2,"page":1644},{"title":"١٦٥","level":2,"page":1658},{"title":"١٦٦","level":2,"page":1669},{"title":"١٦٧","level":2,"page":1672},{"title":"١٦٨","level":2,"page":1674},{"title":"١٦٩","level":2,"page":1679},{"title":"١٧٠","level":2,"page":1681},{"title":"١٧١","level":2,"page":1682},{"title":"١٧٢","level":2,"page":1687},{"title":"١٧٣","level":2,"page":1687},{"title":"١٧٤","level":2,"page":1697},{"title":"١٧٥","level":2,"page":1698},{"title":"١٧٦","level":2,"page":1704},{"title":"١٧٧","level":2,"page":1705},{"title":"١٧٨","level":2,"page":1721},{"title":"١٧٩","level":2,"page":1733},{"title":"١٨٠","level":2,"page":1736},{"title":"١٨١","level":2,"page":1742},{"title":"١٨٢","level":2,"page":1743},{"title":"١٨٣","level":2,"page":1746},{"title":"١٨٤","level":2,"page":1751},{"title":"١٨٥","level":2,"page":1761},{"title":"١٨٦","level":2,"page":1783},{"title":"١٨٧","level":2,"page":1788},{"title":"١٨٨","level":2,"page":1804},{"title":"١٨٩","level":2,"page":1807},{"title":"١٩٠","level":2,"page":1813},{"title":"١٩١","level":2,"page":1816},{"title":"١٩٣","level":2,"page":1818},{"title":"١٩٤","level":2,"page":1819},{"title":"١٩٥","level":2,"page":1822},{"title":"١٩٦","level":2,"page":1835},{"title":"١٩٧","level":2,"page":1858},{"title":"١٩٨","level":2,"page":1873},{"title":"١٩٩","level":2,"page":1882},{"title":"٢٠٠","level":2,"page":1887},{"title":"٢٠١","level":2,"page":1891},{"title":"٢٠٢","level":2,"page":1893},{"title":"٢٠٣","level":2,"page":1897},{"title":"٢٠٤","level":2,"page":1904},{"title":"٢٠٥","level":2,"page":1906},{"title":"٢٠٦","level":2,"page":1909},{"title":"٢٠٧","level":2,"page":1912},{"title":"٢٠٨","level":2,"page":1918},{"title":"٢٠٩","level":2,"page":1922},{"title":"٢١٠","level":2,"page":1923},{"title":"٢١١","level":2,"page":1930},{"title":"٢١٢","level":2,"page":1933},{"title":"٢١٣","level":2,"page":1940},{"title":"٢١٤","level":2,"page":1945},{"title":"٢١٥","level":2,"page":1955},{"title":"٢١٦","level":2,"page":1960},{"title":"٢١٧","level":2,"page":1967},{"title":"٢١٨","level":2,"page":1975},{"title":"٢١٩","level":2,"page":1976},{"title":"٢٢٠","level":2,"page":1989},{"title":"٢٢١","level":2,"page":1993},{"title":"٢٢٢","level":2,"page":2001},{"title":"٢٢٣","level":2,"page":2010},{"title":"٢٢٤","level":2,"page":2014},{"title":"٢٢٥","level":2,"page":2023},{"title":"٢٢٦","level":2,"page":2030},{"title":"٢٢٧","level":2,"page":2037},{"title":"٢٢٨","level":2,"page":2038},{"title":"٢٢٩","level":2,"page":2051},{"title":"٢٣٠","level":2,"page":2062},{"title":"٢٣١","level":2,"page":2065},{"title":"٢٣٣","level":2,"page":2073},{"title":"٢٣٤","level":2,"page":2088},{"title":"٢٣٥","level":2,"page":2098},{"title":"٢٣٦","level":2,"page":2107},{"title":"٢٣٧","level":2,"page":2113},{"title":"٢٣٨","level":2,"page":2120},{"title":"٢٣٩","level":2,"page":2127},{"title":"٢٤٠","level":2,"page":2129},{"title":"٢٤١","level":2,"page":2134},{"title":"٢٤٢","level":2,"page":2136},{"title":"٢٤٣","level":2,"page":2137},{"title":"٢٤٤","level":2,"page":2140},{"title":"٢٤٥","level":2,"page":2141},{"title":"٢٤٦","level":2,"page":2145},{"title":"٢٤٧","level":2,"page":2151},{"title":"٢٤٨","level":2,"page":2153},{"title":"٢٤٩","level":2,"page":2159},{"title":"٢٥٠","level":2,"page":2168},{"title":"٢٥١","level":2,"page":2169},{"title":"٢٥٣","level":2,"page":2173},{"title":"٢٥٣","level":2,"page":2173},{"title":"٢٥٤","level":2,"page":2175},{"title":"٢٥٥","level":2,"page":2176},{"title":"٢٥٦","level":2,"page":2188},{"title":"٢٥٧","level":2,"page":2198},{"title":"٢٥٨","level":2,"page":2201},{"title":"٢٥٩","level":2,"page":2208},{"title":"٢٦٠","level":2,"page":2227},{"title":"٢٦١","level":2,"page":2237},{"title":"٢٦٢","level":2,"page":2238},{"title":"٢٦٣","level":2,"page":2241},{"title":"٢٦٤","level":2,"page":2242},{"title":"٢٦٥","level":2,"page":2245},{"title":"٢٦٦","level":2,"page":2250},{"title":"٢٦٧","level":2,"page":2252},{"title":"٢٦٨","level":2,"page":2258},{"title":"٢٦٩","level":2,"page":2260},{"title":"٢٧٠","level":2,"page":2262},{"title":"٢٧١","level":2,"page":2263},{"title":"٢٧٢","level":2,"page":2274},{"title":"٢٧٣","level":2,"page":2277},{"title":"٢٧٤","level":2,"page":2287},{"title":"٢٧٥","level":2,"page":2291},{"title":"٢٧٦","level":2,"page":2297},{"title":"٢٧٦","level":2,"page":2298},{"title":"٢٧٧","level":2,"page":2301},{"title":"٢٧٨","level":2,"page":2302},{"title":"٢٧٨","level":2,"page":2303},{"title":"٢٧٩","level":2,"page":2303},{"title":"٢٨٠","level":2,"page":2306},{"title":"٢٨١","level":2,"page":2312},{"title":"٢٨٢","level":2,"page":2313},{"title":"٢٨٣","level":2,"page":2340},{"title":"٢٨٤","level":2,"page":2349},{"title":"٢٨٥","level":2,"page":2356},{"title":"٢٨٦","level":2,"page":2362},{"title":"سورة آل عمران","level":1,"page":2381},{"title":"١","level":2,"page":2382},{"title":"٣","level":2,"page":2390},{"title":"٤","level":2,"page":2404},{"title":"٦","level":2,"page":2405},{"title":"٧","level":2,"page":2406},{"title":"٨","level":2,"page":2437},{"title":"٩","level":2,"page":2438},{"title":"١٠","level":2,"page":2442},{"title":"١١","level":2,"page":2444},{"title":"١٢","level":2,"page":2448},{"title":"١٣","level":2,"page":2452},{"title":"١٤","level":2,"page":2465},{"title":"١٥","level":2,"page":2477},{"title":"١٦","level":2,"page":2479},{"title":"١٧","level":2,"page":2479},{"title":"١٨","level":2,"page":2483},{"title":"١٩","level":2,"page":2488},{"title":"٢٠","level":2,"page":2500},{"title":"٢١","level":2,"page":2507},{"title":"٢٢","level":2,"page":2510},{"title":"٢٣","level":2,"page":2511},{"title":"٢٤","level":2,"page":2514},{"title":"٢٥","level":2,"page":2516},{"title":"٢٦","level":2,"page":2518},{"title":"٢٧","level":2,"page":2534},{"title":"٢٨","level":2,"page":2541},{"title":"٢٩","level":2,"page":2550},{"title":"٣٠","level":2,"page":2552},{"title":"٣١","level":2,"page":2554},{"title":"٣٢","level":2,"page":2557},{"title":"٣٣","level":2,"page":2558},{"title":"٣٤","level":2,"page":2560},{"title":"٣٥","level":2,"page":2564},{"title":"٣٦","level":2,"page":2569},{"title":"٣٧","level":2,"page":2573},{"title":"٣٨","level":2,"page":2586},{"title":"٣٩","level":2,"page":2592},{"title":"٤٠","level":2,"page":2607},{"title":"٤١","level":2,"page":2614},{"title":"٤٢","level":2,"page":2619},{"title":"٤٣","level":2,"page":2621},{"title":"٤٤","level":2,"page":2625},{"title":"٤٥","level":2,"page":2628},{"title":"٤٦","level":2,"page":2634},{"title":"٤٧","level":2,"page":2639},{"title":"٤٨","level":2,"page":2640},{"title":"٤٩","level":2,"page":2641},{"title":"٥٠","level":2,"page":2651},{"title":"٥١","level":2,"page":2657},{"title":"٥٢","level":2,"page":2657},{"title":"٥٣","level":2,"page":2672},{"title":"٥٤","level":2,"page":2673},{"title":"٥٥","level":2,"page":2676},{"title":"٥٦","level":2,"page":2683},{"title":"٥٧","level":2,"page":2683},{"title":"٥٨","level":2,"page":2684},{"title":"٥٩","level":2,"page":2687},{"title":"٦٠","level":2,"page":2692},{"title":"٦١","level":2,"page":2694},{"title":"٦٢","level":2,"page":2699},{"title":"٦٣","level":2,"page":2701},{"title":"٦٤","level":2,"page":2701},{"title":"٦٥","level":2,"page":2706},{"title":"٦٦","level":2,"page":2707},{"title":"٦٧","level":2,"page":2713},{"title":"٦٨","level":2,"page":2714},{"title":"٦٩","level":2,"page":2715},{"title":"٧٠","level":2,"page":2718},{"title":"٧١","level":2,"page":2721},{"title":"٧٢","level":2,"page":2722},{"title":"٧٣","level":2,"page":2724},{"title":"٧٤","level":2,"page":2734},{"title":"٧٥","level":2,"page":2735},{"title":"٧٦","level":2,"page":2744},{"title":"٧٧","level":2,"page":2746},{"title":"٧٨","level":2,"page":2750},{"title":"٧٩","level":2,"page":2751},{"title":"٨٠","level":2,"page":2761},{"title":"٨١","level":2,"page":2763},{"title":"٨٢","level":2,"page":2777},{"title":"٨٣","level":2,"page":2778},{"title":"٨٤","level":2,"page":2782},{"title":"٨٥","level":2,"page":2782},{"title":"٨٦","level":2,"page":2783},{"title":"٨٧","level":2,"page":2789},{"title":"٨٨","level":2,"page":2789},{"title":"٨٩","level":2,"page":2791},{"title":"٩٠","level":2,"page":2792},{"title":"٩١","level":2,"page":2794},{"title":"٩٢","level":2,"page":2798},{"title":"٩٣","level":2,"page":2801},{"title":"٩٤","level":2,"page":2806},{"title":"٩٥","level":2,"page":2806},{"title":"٩٦","level":2,"page":2806},{"title":"٩٧","level":2,"page":2817},{"title":"٩٨","level":2,"page":2828},{"title":"٩٩","level":2,"page":2830},{"title":"١٠٠","level":2,"page":2835},{"title":"١٠١","level":2,"page":2837},{"title":"١٠٢","level":2,"page":2838},{"title":"١٠٣","level":2,"page":2844},{"title":"١٠٤","level":2,"page":2855},{"title":"١٠٥","level":2,"page":2857},{"title":"١٠٦","level":2,"page":2860},{"title":"١٠٧","level":2,"page":2865},{"title":"١٠٨","level":2,"page":2866},{"title":"١١٠","level":2,"page":2868},{"title":"١١١","level":2,"page":2874},{"title":"١١٢","level":2,"page":2878},{"title":"١١٣","level":2,"page":2883},{"title":"١١٤","level":2,"page":2894},{"title":"١١٥","level":2,"page":2895},{"title":"١١٦","level":2,"page":2897},{"title":"١١٧","level":2,"page":2898},{"title":"١١٨","level":2,"page":2905},{"title":"١١٩","level":2,"page":2919},{"title":"١٢٠","level":2,"page":2928},{"title":"١٢١","level":2,"page":2935},{"title":"١٢٢","level":2,"page":2939},{"title":"١٢٣","level":2,"page":2941},{"title":"١٢٤","level":2,"page":2946},{"title":"١٢٥","level":2,"page":2947},{"title":"١٢٦","level":2,"page":2953},{"title":"١٢٧","level":2,"page":2956},{"title":"١٢٨","level":2,"page":2958},{"title":"١٢٩","level":2,"page":2962},{"title":"١٣٠","level":2,"page":2962},{"title":"١٣١","level":2,"page":2963},{"title":"١٣٢","level":2,"page":2963},{"title":"١٣٣","level":2,"page":2964},{"title":"١٣٤","level":2,"page":2969},{"title":"١٣٥","level":2,"page":2975},{"title":"١٣٦","level":2,"page":2982},{"title":"١٣٧","level":2,"page":2982},{"title":"١٣٨","level":2,"page":2989},{"title":"١٣٩","level":2,"page":2997},{"title":"١٤٠","level":2,"page":3000},{"title":"١٤١","level":2,"page":3012},{"title":"١٤٢","level":2,"page":3021},{"title":"١٤٣","level":2,"page":3026},{"title":"١٤٤","level":2,"page":3029},{"title":"١٤٥","level":2,"page":3033},{"title":"١٤٦","level":2,"page":3038},{"title":"١٤٧","level":2,"page":3050},{"title":"١٤٨","level":2,"page":3051},{"title":"١٤٩","level":2,"page":3051},{"title":"١٥٠","level":2,"page":3052},{"title":"١٥١","level":2,"page":3052},{"title":"١٥٢","level":2,"page":3060},{"title":"١٥٣","level":2,"page":3069},{"title":"١٥٤","level":2,"page":3079},{"title":"١٥٥","level":2,"page":3092},{"title":"١٥٦","level":2,"page":3094},{"title":"١٥٧","level":2,"page":3103},{"title":"١٥٨","level":2,"page":3106},{"title":"١٥٩","level":2,"page":3107},{"title":"١٦٠","level":2,"page":3117},{"title":"١٦١","level":2,"page":3119},{"title":"١٦٢","level":2,"page":3133},{"title":"١٦٣","level":2,"page":3134},{"title":"١٦٤","level":2,"page":3138},{"title":"١٦٥","level":2,"page":3143},{"title":"١٦٦","level":2,"page":3148},{"title":"١٦٧","level":2,"page":3148},{"title":"١٦٨","level":2,"page":3154},{"title":"١٦٩","level":2,"page":3158},{"title":"١٧٠","level":2,"page":3163},{"title":"١٧١","level":2,"page":3166},{"title":"١٧٢","level":2,"page":3167},{"title":"١٧٣","level":2,"page":3169},{"title":"١٧٤","level":2,"page":3176},{"title":"١٧٥","level":2,"page":3177},{"title":"١٧٦","level":2,"page":3181},{"title":"١٧٨","level":2,"page":3187},{"title":"١٧٩","level":2,"page":3197},{"title":"١٨٠","level":2,"page":3207},{"title":"١٨١","level":2,"page":3216},{"title":"١٨٢","level":2,"page":3217},{"title":"١٨٣","level":2,"page":3218},{"title":"١٨٤","level":2,"page":3220},{"title":"١٨٥","level":2,"page":3225},{"title":"١٨٦","level":2,"page":3226},{"title":"١٨٧","level":2,"page":3231},{"title":"١٨٨","level":2,"page":3235},{"title":"١٨٩","level":2,"page":3244},{"title":"١٩١","level":2,"page":3244},{"title":"١٩٢","level":2,"page":3247},{"title":"١٩٣","level":2,"page":3251},{"title":"١٩٤","level":2,"page":3254},{"title":"١٩٥","level":2,"page":3256},{"title":"١٩٦","level":2,"page":3258},{"title":"١٩٧","level":2,"page":3260},{"title":"١٩٨","level":2,"page":3260},{"title":"١٩٩","level":2,"page":3262},{"title":"٢٠٠","level":2,"page":3265},{"title":"تفسير سورة النساء","level":1,"page":3271},{"title":"١","level":2,"page":3271},{"title":"٢","level":2,"page":3283},{"title":"٥","level":2,"page":3310},{"title":"٦","level":2,"page":3318},{"title":"٧","level":2,"page":3329},{"title":"٨","level":2,"page":3330},{"title":"٩","level":2,"page":3335},{"title":"١٠","level":2,"page":3339},{"title":"١١","level":2,"page":3342},{"title":"١٣","level":2,"page":3364},{"title":"١٤","level":2,"page":3365},{"title":"١٥","level":2,"page":3366},{"title":"١٦","level":2,"page":3373},{"title":"١٧","level":2,"page":3378},{"title":"١٨","level":2,"page":3380},{"title":"١٩","level":2,"page":3384},{"title":"٢٠","level":2,"page":3390},{"title":"٢١","level":2,"page":3392},{"title":"٢٢","level":2,"page":3396},{"title":"٢٣","level":2,"page":3402},{"title":"٢٤","level":2,"page":3420},{"title":"٢٥","level":2,"page":3439},{"title":"٢٦","level":2,"page":3450},{"title":"٢٧","level":2,"page":3454},{"title":"٢٨","level":2,"page":3456},{"title":"٢٩","level":2,"page":3457},{"title":"٣٠","level":2,"page":3461},{"title":"٣٢","level":2,"page":3466},{"title":"٣٣","level":2,"page":3469},{"title":"٣٤","level":2,"page":3475},{"title":"٣٥","level":2,"page":3484},{"title":"٣٦","level":2,"page":3491},{"title":"٣٧","level":2,"page":3498},{"title":"٣٨","level":2,"page":3501},{"title":"٣٩","level":2,"page":3503},{"title":"٤٠","level":2,"page":3504},{"title":"٤١","level":2,"page":3510},{"title":"٤٢","level":2,"page":3511},{"title":"٥٤","level":2,"page":3514},{"title":"٥٥","level":2,"page":3515},{"title":"٥٦","level":2,"page":3517},{"title":"٥٨","level":2,"page":3525},{"title":"٥٩","level":2,"page":3529},{"title":"٦٠","level":2,"page":3537},{"title":"٦١","level":2,"page":3541},{"title":"٦٢","level":2,"page":3542},{"title":"٦٣","level":2,"page":3546},{"title":"٦٤","level":2,"page":3549},{"title":"٦٥","level":2,"page":3550},{"title":"٦٦","level":2,"page":3556},{"title":"٦٧","level":2,"page":3562},{"title":"٦٨","level":2,"page":3562},{"title":"٦٩","level":2,"page":3563},{"title":"٧٠","level":2,"page":3568},{"title":"٧١","level":2,"page":3569},{"title":"٧٢","level":2,"page":3575},{"title":"٧٣","level":2,"page":3580},{"title":"٧٤","level":2,"page":3585},{"title":"٧٥","level":2,"page":3586},{"title":"٧٧","level":2,"page":3595},{"title":"٧٨","level":2,"page":3600},{"title":"٧٩","level":2,"page":3605},{"title":"٨٠","level":2,"page":3608},{"title":"٨١","level":2,"page":3611},{"title":"٨٢","level":2,"page":3619},{"title":"٨٣","level":2,"page":3622},{"title":"٨٤","level":2,"page":3641},{"title":"٨٥","level":2,"page":3644},{"title":"٨٦","level":2,"page":3651},{"title":"٨٧","level":2,"page":3661},{"title":"٨٨","level":2,"page":3662},{"title":"٨٩","level":2,"page":3666},{"title":"٩٠","level":2,"page":3669},{"title":"٩٤","level":2,"page":3675},{"title":"٩٥","level":2,"page":3682},{"title":"٩٦","level":2,"page":3688},{"title":"٩٧","level":2,"page":3689},{"title":"١٠٣","level":2,"page":3698},{"title":"١٠٣","level":2,"page":3700},{"title":"١٠٤","level":2,"page":3701},{"title":"١٠٥","level":2,"page":3705},{"title":"١٠٦","level":2,"page":3708},{"title":"١٠٨","level":2,"page":3712},{"title":"١٠٩","level":2,"page":3713},{"title":"١١٠","level":2,"page":3716},{"title":"١١١","level":2,"page":3717},{"title":"١١٢","level":2,"page":3718},{"title":"١١٣","level":2,"page":3720},{"title":"١١٤","level":2,"page":3722},{"title":"١١٥","level":2,"page":3726},{"title":"١١٦","level":2,"page":3729},{"title":"١١٧","level":2,"page":3731},{"title":"١١٨","level":2,"page":3735},{"title":"١١٩","level":2,"page":3737},{"title":"١٢٠","level":2,"page":3741},{"title":"١٢١","level":2,"page":3742},{"title":"١٢٣","level":2,"page":3743},{"title":"١٢٤","level":2,"page":3747},{"title":"١٢٥","level":2,"page":3748},{"title":"١٢٦","level":2,"page":3753},{"title":"١٢٧","level":2,"page":3754},{"title":"١٢٨","level":2,"page":3762},{"title":"١٢٩","level":2,"page":3769},{"title":"١٣٠","level":2,"page":3771},{"title":"١٣١","level":2,"page":3772},{"title":"١٣٣","level":2,"page":3773},{"title":"١٣٤","level":2,"page":3774},{"title":"١٣٥","level":2,"page":3776},{"title":"١٣٦","level":2,"page":3781},{"title":"١٣٧","level":2,"page":3783},{"title":"١٣٨","level":2,"page":3787},{"title":"١٣٩","level":2,"page":3788},{"title":"١٤٠","level":2,"page":3789},{"title":"١٤١","level":2,"page":3792},{"title":"١٤٢","level":2,"page":3795},{"title":"١٤٣","level":2,"page":3797},{"title":"١٤٤","level":2,"page":3800},{"title":"١٤٥","level":2,"page":3801},{"title":"١٤٦","level":2,"page":3803},{"title":"١٤٧","level":2,"page":3804},{"title":"١٤٨","level":2,"page":3806},{"title":"١٤٩","level":2,"page":3809},{"title":"١٥٠","level":2,"page":3810},{"title":"١٥١","level":2,"page":3810},{"title":"١٥٢","level":2,"page":3811},{"title":"١٥٣","level":2,"page":3811},{"title":"١٥٤","level":2,"page":3812},{"title":"١٥٥","level":2,"page":3815},{"title":"١٥٦","level":2,"page":3816},{"title":"١٥٧","level":2,"page":3817},{"title":"١٥٨","level":2,"page":3820},{"title":"١٥٩","level":2,"page":3821},{"title":"١٦٠","level":2,"page":3824},{"title":"١٦١","level":2,"page":3825},{"title":"١٦٢","level":2,"page":3825},{"title":"١٦٣","level":2,"page":3829},{"title":"١٦٤","level":2,"page":3831},{"title":"١٦٥","level":2,"page":3833},{"title":"١٦٦","level":2,"page":3834},{"title":"١٦٧","level":2,"page":3836},{"title":"١٦٨","level":2,"page":3837},{"title":"١٦٩","level":2,"page":3837},{"title":"١٧٠","level":2,"page":3838},{"title":"١٧١","level":2,"page":3840},{"title":"١٧٢","level":2,"page":3844},{"title":"١٧٤","level":2,"page":3845},{"title":"١٧٥","level":2,"page":3846},{"title":"١٧٦","level":2,"page":3846},{"title":"سورة المائدة","level":1,"page":3851},{"title":"١","level":2,"page":3852},{"title":"٢","level":2,"page":3857},{"title":"٣","level":2,"page":3874},{"title":"٤","level":2,"page":3894},{"title":"٥","level":2,"page":3904},{"title":"٦","level":2,"page":3911},{"title":"٧","level":2,"page":3922},{"title":"٨","level":2,"page":3925},{"title":"٩","level":2,"page":3926},{"title":"١٠","level":2,"page":3927},{"title":"١١","level":2,"page":3927},{"title":"١٢","level":2,"page":3928},{"title":"١٣","level":2,"page":3935},{"title":"١٤","level":2,"page":3942},{"title":"١٥","level":2,"page":3944},{"title":"١٦","level":2,"page":3946},{"title":"١٧","level":2,"page":3948},{"title":"١٨","level":2,"page":3950},{"title":"١٩","level":2,"page":3954},{"title":"٢٠","level":2,"page":3955},{"title":"٢١","level":2,"page":3957},{"title":"٢٢","level":2,"page":3959},{"title":"٢٣","level":2,"page":3961},{"title":"٢٤","level":2,"page":3962},{"title":"٢٥","level":2,"page":3965},{"title":"٢٦","level":2,"page":3966},{"title":"٢٧","level":2,"page":3969},{"title":"٢٨","level":2,"page":3972},{"title":"٢٩","level":2,"page":3973},{"title":"٣٠","level":2,"page":3975},{"title":"٣١","level":2,"page":3978},{"title":"٣٢","level":2,"page":3980},{"title":"٣٣","level":2,"page":3987},{"title":"٣٤","level":2,"page":3995},{"title":"٣٥","level":2,"page":3998},{"title":"٣٦","level":2,"page":3999},{"title":"٣٧","level":2,"page":4000},{"title":"٣٨","level":2,"page":4000},{"title":"٣٩","level":2,"page":4009},{"title":"٤٠","level":2,"page":4010},{"title":"٤١","level":2,"page":4011},{"title":"٤٢","level":2,"page":4017},{"title":"٤٣","level":2,"page":4020},{"title":"٤٤","level":2,"page":4022},{"title":"٤٥","level":2,"page":4031},{"title":"٤٦","level":2,"page":4036},{"title":"٤٧","level":2,"page":4037},{"title":"٤٨","level":2,"page":4038},{"title":"٤٩","level":2,"page":4048},{"title":"٥٠","level":2,"page":4051},{"title":"٥١","level":2,"page":4053},{"title":"٥٢","level":2,"page":4055},{"title":"٥٣","level":2,"page":4058},{"title":"٥٤","level":2,"page":4061},{"title":"٥٥","level":2,"page":4068},{"title":"٥٦","level":2,"page":4072},{"title":"٥٧","level":2,"page":4073},{"title":"٥٨","level":2,"page":4076},{"title":"٥٩","level":2,"page":4077},{"title":"٦٠","level":2,"page":4079},{"title":"٦١","level":2,"page":4084},{"title":"٦٢","level":2,"page":4086},{"title":"٦٣","level":2,"page":4086},{"title":"٦٤","level":2,"page":4087},{"title":"٦٥","level":2,"page":4099},{"title":"٦٦","level":2,"page":4100},{"title":"٦٧","level":2,"page":4102},{"title":"٦٨","level":2,"page":4106},{"title":"٦٩","level":2,"page":4107},{"title":"٧٠","level":2,"page":4111},{"title":"٧١","level":2,"page":4111},{"title":"٧٣","level":2,"page":4116},{"title":"٧٤","level":2,"page":4118},{"title":"٧٥","level":2,"page":4119},{"title":"٧٦","level":2,"page":4121},{"title":"٧٧","level":2,"page":4122},{"title":"٧٨","level":2,"page":4125},{"title":"٧٩","level":2,"page":4125},{"title":"٨٠","level":2,"page":4126},{"title":"٨١","level":2,"page":4127},{"title":"٨٢","level":2,"page":4128},{"title":"٨٣","level":2,"page":4132},{"title":"٨٤","level":2,"page":4132},{"title":"٨٥","level":2,"page":4133},{"title":"٨٦","level":2,"page":4133},{"title":"٨٧","level":2,"page":4133},{"title":"٨٨","level":2,"page":4135},{"title":"٨٩","level":2,"page":4135},{"title":"٩٠","level":2,"page":4143},{"title":"٩١","level":2,"page":4146},{"title":"٩٢","level":2,"page":4147},{"title":"٩٣","level":2,"page":4148},{"title":"٩٤","level":2,"page":4150},{"title":"٩٥","level":2,"page":4152},{"title":"٩٦","level":2,"page":4165},{"title":"٩٧","level":2,"page":4169},{"title":"٩٩","level":2,"page":4175},{"title":"١٠٠","level":2,"page":4175},{"title":"١٠١","level":2,"page":4176},{"title":"١٠٢","level":2,"page":4184},{"title":"١٠٣","level":2,"page":4185},{"title":"١٠٤","level":2,"page":4191},{"title":"١٠٥","level":2,"page":4192},{"title":"١٠٦","level":2,"page":4198},{"title":"١٠٧","level":2,"page":4213},{"title":"١٠٨","level":2,"page":4218},{"title":"١٠٩","level":2,"page":4219},{"title":"١١٠","level":2,"page":4221},{"title":"١١١","level":2,"page":4224},{"title":"١١٢","level":2,"page":4225},{"title":"١١٣","level":2,"page":4229},{"title":"١١٤","level":2,"page":4230},{"title":"١١٥","level":2,"page":4232},{"title":"١١٦","level":2,"page":4234},{"title":"١١٧","level":2,"page":4237},{"title":"١١٨","level":2,"page":4238},{"title":"١١٩","level":2,"page":4241},{"title":"١٢٠","level":2,"page":4246},{"title":"تفسير سورة الأنعام","level":1,"page":4253},{"title":"١","level":2,"page":4253},{"title":"٢","level":2,"page":4257},{"title":"٣","level":2,"page":4260},{"title":"٤","level":2,"page":4262},{"title":"٥","level":2,"page":4263},{"title":"٦","level":2,"page":4263},{"title":"٧","level":2,"page":4268},{"title":"٨","level":2,"page":4270},{"title":"٩","level":2,"page":4271},{"title":"١٠","level":2,"page":4275},{"title":"١١","level":2,"page":4278},{"title":"١٢","level":2,"page":4279},{"title":"١٣","level":2,"page":4283},{"title":"١٤","level":2,"page":4286},{"title":"١٦","level":2,"page":4288},{"title":"١٧","level":2,"page":4290},{"title":"١٨","level":2,"page":4291},{"title":"١٩","level":2,"page":4292},{"title":"٢٠","level":2,"page":4296},{"title":"٢١","level":2,"page":4298},{"title":"٢٢","level":2,"page":4299},{"title":"٢٣","level":2,"page":4300},{"title":"٢٥","level":2,"page":4305},{"title":"٢٧","level":2,"page":4315},{"title":"٢٨","level":2,"page":4324},{"title":"٢٩","level":2,"page":4326},{"title":"٣٠","level":2,"page":4327},{"title":"٣١","level":2,"page":4328},{"title":"٣٢","level":2,"page":4337},{"title":"٣٣","level":2,"page":4341},{"title":"٣٤","level":2,"page":4350},{"title":"٣٥","level":2,"page":4353},{"title":"٣٦","level":2,"page":4355},{"title":"٣٧","level":2,"page":4356},{"title":"٣٨","level":2,"page":4357},{"title":"٣٩","level":2,"page":4370},{"title":"٤٠","level":2,"page":4371},{"title":"٤١","level":2,"page":4380},{"title":"٤٢","level":2,"page":4381},{"title":"٤٣","level":2,"page":4384},{"title":"٤٤","level":2,"page":4385},{"title":"٤٥","level":2,"page":4389},{"title":"٤٦","level":2,"page":4392},{"title":"٤٧","level":2,"page":4396},{"title":"٤٨","level":2,"page":4397},{"title":"٥٠","level":2,"page":4398},{"title":"٥١","level":2,"page":4401},{"title":"٥٢","level":2,"page":4404},{"title":"٥٣","level":2,"page":4417},{"title":"٥٤","level":2,"page":4419},{"title":"٥٥","level":2,"page":4426},{"title":"٥٦","level":2,"page":4428},{"title":"٥٧","level":2,"page":4429},{"title":"٥٨","level":2,"page":4433},{"title":"٥٩","level":2,"page":4434},{"title":"٦٠","level":2,"page":4439},{"title":"٦١","level":2,"page":4441},{"title":"٦٢","level":2,"page":4444},{"title":"٦٣","level":2,"page":4444},{"title":"٦٤","level":2,"page":4448},{"title":"٦٦","level":2,"page":4451},{"title":"٦٧","level":2,"page":4453},{"title":"٦٨","level":2,"page":4455},{"title":"٦٩","level":2,"page":4457},{"title":"٧٠","level":2,"page":4460},{"title":"٧١","level":2,"page":4466},{"title":"٧٢","level":2,"page":4472},{"title":"٧٣","level":2,"page":4473},{"title":"٧٤","level":2,"page":4480},{"title":"٧٥","level":2,"page":4481},{"title":"٧٦","level":2,"page":4485},{"title":"٧٧","level":2,"page":4494},{"title":"٧٨","level":2,"page":4495},{"title":"٧٩","level":2,"page":4496},{"title":"٨٠","level":2,"page":4497},{"title":"٨١","level":2,"page":4499},{"title":"٨٢","level":2,"page":4500},{"title":"٨٣","level":2,"page":4502},{"title":"٨٤","level":2,"page":4503},{"title":"٨٧","level":2,"page":4510},{"title":"٨٨","level":2,"page":4510},{"title":"٨٩","level":2,"page":4511},{"title":"٩٠","level":2,"page":4514},{"title":"٩١","level":2,"page":4519},{"title":"٩٢","level":2,"page":4526},{"title":"٩٣","level":2,"page":4531},{"title":"٩٤","level":2,"page":4539},{"title":"٩٥","level":2,"page":4547},{"title":"٩٦","level":2,"page":4550},{"title":"٩٨","level":2,"page":4558},{"title":"٩٩","level":2,"page":4562},{"title":"١٠٠","level":2,"page":4571},{"title":"١٠١","level":2,"page":4574},{"title":"١٠٢","level":2,"page":4575},{"title":"١٠٣","level":2,"page":4576},{"title":"١٠٤","level":2,"page":4582},{"title":"١٠٥","level":2,"page":4584},{"title":"١٠٧","level":2,"page":4590},{"title":"١٠٨","level":2,"page":4591},{"title":"١٠٩","level":2,"page":4595},{"title":"١١٠","level":2,"page":4604},{"title":"١١١","level":2,"page":4609},{"title":"١١٣","level":2,"page":4624},{"title":"١١٤","level":2,"page":4629},{"title":"١١٥","level":2,"page":4631},{"title":"١١٦","level":2,"page":4633},{"title":"١١٧","level":2,"page":4635},{"title":"١١٨","level":2,"page":4637},{"title":"١١٩","level":2,"page":4639},{"title":"١٢٠","level":2,"page":4644},{"title":"١٢١","level":2,"page":4646},{"title":"١٢٢","level":2,"page":4649},{"title":"١٢٣","level":2,"page":4656},{"title":"١٢٤","level":2,"page":4659},{"title":"١٢٥","level":2,"page":4664},{"title":"١٢٦","level":2,"page":4677},{"title":"١٢٧","level":2,"page":4678},{"title":"١٢٨","level":2,"page":4680},{"title":"١٢٩","level":2,"page":4687},{"title":"١٣٠","level":2,"page":4688},{"title":"١٣٠","level":2,"page":4691},{"title":"١٣١","level":2,"page":4691},{"title":"١٣٢","level":2,"page":4693},{"title":"١٣٣","level":2,"page":4694},{"title":"١٣٤","level":2,"page":4695},{"title":"١٣٥","level":2,"page":4696},{"title":"١٣٦","level":2,"page":4699},{"title":"١٣٧","level":2,"page":4702},{"title":"١٣٨","level":2,"page":4708},{"title":"١٣٩","level":2,"page":4710},{"title":"١٤٠","level":2,"page":4711},{"title":"١٤١","level":2,"page":4716},{"title":"١٤٣","level":2,"page":4735},{"title":"١٤٤","level":2,"page":4741},{"title":"١٤٥","level":2,"page":4742},{"title":"١٤٦","level":2,"page":4747},{"title":"١٤٧","level":2,"page":4756},{"title":"١٤٨","level":2,"page":4757},{"title":"١٤٩","level":2,"page":4762},{"title":"١٥٠","level":2,"page":4763},{"title":"١٥١","level":2,"page":4768},{"title":"١٥٣","level":2,"page":4780},{"title":"١٥٤","level":2,"page":4784},{"title":"١٥٥","level":2,"page":4789},{"title":"١٥٦","level":2,"page":4790},{"title":"١٥٧","level":2,"page":4791},{"title":"١٥٨","level":2,"page":4792},{"title":"١٥٩","level":2,"page":4795},{"title":"١٦٠","level":2,"page":4801},{"title":"١٦١","level":2,"page":4805},{"title":"١٦٢","level":2,"page":4806},{"title":"١٦٣","level":2,"page":4809},{"title":"١٦٤","level":2,"page":4810},{"title":"١٦٥","level":2,"page":4811},{"title":"[تفسير] سورة الأعراف","level":1,"page":4819},{"title":"١","level":2,"page":4819},{"title":"٢","level":2,"page":4820},{"title":"٣","level":2,"page":4824},{"title":"٤","level":2,"page":4826},{"title":"٥","level":2,"page":4831},{"title":"٧","level":2,"page":4834},{"title":"٨","level":2,"page":4835},{"title":"٩","level":2,"page":4839},{"title":"١٠","level":2,"page":4840},{"title":"١١","level":2,"page":4850},{"title":"١٢","level":2,"page":4853},{"title":"١٣","level":2,"page":4858},{"title":"١٤","level":2,"page":4859},{"title":"١٦","level":2,"page":4860},{"title":"١٧","level":2,"page":4864},{"title":"١٨","level":2,"page":4869},{"title":"١٩","level":2,"page":4872},{"title":"٢٠","level":2,"page":4872},{"title":"٢٠","level":2,"page":4874},{"title":"٢٠","level":2,"page":4875},{"title":"٢١","level":2,"page":4876},{"title":"٢٢","level":2,"page":4878},{"title":"٢٥","level":2,"page":4884},{"title":"٢٦","level":2,"page":4885},{"title":"٢٧","level":2,"page":4896},{"title":"٢٩","level":2,"page":4901},{"title":"٣٠","level":2,"page":4907},{"title":"٣١","level":2,"page":4910},{"title":"٣٢","level":2,"page":4914},{"title":"٣٣","level":2,"page":4918},{"title":"٣٤","level":2,"page":4922},{"title":"٣٥","level":2,"page":4923},{"title":"٣٧","level":2,"page":4925},{"title":"٣٨","level":2,"page":4931},{"title":"٤٠","level":2,"page":4937},{"title":"٤١","level":2,"page":4943},{"title":"٤٢","level":2,"page":4948},{"title":"٤٣","level":2,"page":4950},{"title":"٤٤","level":2,"page":4955},{"title":"٤٥","level":2,"page":4960},{"title":"٤٦","level":2,"page":4961},{"title":"٤٧","level":2,"page":4968},{"title":"٤٨","level":2,"page":4969},{"title":"٥٠","level":2,"page":4970},{"title":"٥١","level":2,"page":4972},{"title":"٥٣","level":2,"page":4975},{"title":"٥٤","level":2,"page":4978},{"title":"٥٥","level":2,"page":4990},{"title":"٥٦","level":2,"page":4992},{"title":"٥٧","level":2,"page":4997},{"title":"٥٨","level":2,"page":5004},{"title":"٥٩","level":2,"page":5007},{"title":"٦٢","level":2,"page":5009},{"title":"٦٣","level":2,"page":5011},{"title":"٦٤","level":2,"page":5011},{"title":"٦٥","level":2,"page":5013},{"title":"٦٦","level":2,"page":5015},{"title":"٦٨","level":2,"page":5016},{"title":"٦٩","level":2,"page":5017},{"title":"٧٠","level":2,"page":5019},{"title":"٧١","level":2,"page":5019},{"title":"٧٣","level":2,"page":5020},{"title":"٧٤","level":2,"page":5022},{"title":"٧٥","level":2,"page":5023},{"title":"٧٥","level":2,"page":5023},{"title":"٧٧","level":2,"page":5024},{"title":"٧٨","level":2,"page":5026},{"title":"٨٠","level":2,"page":5029},{"title":"٨١","level":2,"page":5030},{"title":"٨٢","level":2,"page":5032},{"title":"٨٣","level":2,"page":5034},{"title":"٨٤","level":2,"page":5036},{"title":"٨٥","level":2,"page":5036},{"title":"٨٦","level":2,"page":5039},{"title":"٨٨","level":2,"page":5043},{"title":"٨٩","level":2,"page":5044},{"title":"٩٢","level":2,"page":5049},{"title":"٩٣","level":2,"page":5052},{"title":"٩٤","level":2,"page":5054},{"title":"٩٥","level":2,"page":5055},{"title":"٩٧","level":2,"page":5061},{"title":"٩٨","level":2,"page":5062},{"title":"٩٩","level":2,"page":5064},{"title":"١٠٠","level":2,"page":5065},{"title":"١٠١","level":2,"page":5068},{"title":"١٠٢","level":2,"page":5070},{"title":"١٠٣","level":2,"page":5071},{"title":"١٠٥","level":2,"page":5072},{"title":"١٠٧","level":2,"page":5076},{"title":"١٠٨","level":2,"page":5076},{"title":"١٠٨","level":2,"page":5077},{"title":"١١٠","level":2,"page":5077},{"title":"١١١","level":2,"page":5079},{"title":"١١٢","level":2,"page":5086},{"title":"١١٣","level":2,"page":5086},{"title":"١١٤","level":2,"page":5088},{"title":"١١٥","level":2,"page":5089},{"title":"١١٦","level":2,"page":5091},{"title":"١١٧","level":2,"page":5093},{"title":"١١٨","level":2,"page":5095},{"title":"١١٩","level":2,"page":5096},{"title":"١٢٠","level":2,"page":5097},{"title":"١٢١","level":2,"page":5097},{"title":"١٢٢","level":2,"page":5098},{"title":"١٢٣","level":2,"page":5098},{"title":"١٢٤","level":2,"page":5100},{"title":"١٢٥","level":2,"page":5100},{"title":"١٢٦","level":2,"page":5100},{"title":"١٢٧","level":2,"page":5102},{"title":"١٢٨","level":2,"page":5105},{"title":"١٢٩","level":2,"page":5106},{"title":"١٣٠","level":2,"page":5108},{"title":"١٣١","level":2,"page":5111},{"title":"١٣٢","level":2,"page":5116},{"title":"١٣٣","level":2,"page":5117},{"title":"١٣٤","level":2,"page":5126},{"title":"١٣٥","level":2,"page":5129},{"title":"١٣٦","level":2,"page":5129},{"title":"١٣٧","level":2,"page":5131},{"title":"١٣٨","level":2,"page":5135},{"title":"١٣٩","level":2,"page":5137},{"title":"١٤٠","level":2,"page":5138},{"title":"١٤١","level":2,"page":5140},{"title":"١٤٢","level":2,"page":5140},{"title":"١٤٣","level":2,"page":5143},{"title":"١٤٤","level":2,"page":5154},{"title":"١٤٥","level":2,"page":5155},{"title":"١٤٦","level":2,"page":5162},{"title":"١٤٧","level":2,"page":5165},{"title":"١٤٨","level":2,"page":5166},{"title":"١٤٩","level":2,"page":5172},{"title":"١٥٠","level":2,"page":5177},{"title":"١٥١","level":2,"page":5188},{"title":"١٥٢","level":2,"page":5189},{"title":"١٥٤","level":2,"page":5193},{"title":"١٥٥","level":2,"page":5196},{"title":"١٥٦","level":2,"page":5203},{"title":"١٥٩","level":2,"page":5215},{"title":"١٦٠","level":2,"page":5216},{"title":"١٦٣","level":2,"page":5219},{"title":"١٦٤","level":2,"page":5224},{"title":"١٦٥","level":2,"page":5228},{"title":"١٦٦","level":2,"page":5234},{"title":"١٦٧","level":2,"page":5234},{"title":"١٦٨","level":2,"page":5238},{"title":"١٦٩","level":2,"page":5240},{"title":"١٧٠","level":2,"page":5247},{"title":"١٧١","level":2,"page":5250},{"title":"١٧٢","level":2,"page":5253},{"title":"١٧٤","level":2,"page":5271},{"title":"١٧٥","level":2,"page":5271},{"title":"١٧٦","level":2,"page":5277},{"title":"١٧٧","level":2,"page":5284},{"title":"١٧٨","level":2,"page":5286},{"title":"١٧٩","level":2,"page":5288},{"title":"١٨٠","level":2,"page":5290},{"title":"١٨١","level":2,"page":5295},{"title":"١٨٢","level":2,"page":5296},{"title":"١٨٣","level":2,"page":5299},{"title":"١٨٤","level":2,"page":5300},{"title":"١٨٥","level":2,"page":5303},{"title":"١٨٦","level":2,"page":5304},{"title":"١٨٩","level":2,"page":5321},{"title":"١٩٠","level":2,"page":5323},{"title":"١٩١","level":2,"page":5333},{"title":"١٩٢","level":2,"page":5334},{"title":"١٩٣","level":2,"page":5335},{"title":"١٩٤","level":2,"page":5340},{"title":"١٩٥","level":2,"page":5343},{"title":"١٩٦","level":2,"page":5346},{"title":"١٩٨","level":2,"page":5349},{"title":"١٩٩","level":2,"page":5351},{"title":"٢٠١","level":2,"page":5359},{"title":"٢٠٢","level":2,"page":5367},{"title":"٢٠٣","level":2,"page":5371},{"title":"٢٠٤","level":2,"page":5375},{"title":"٢٠٥","level":2,"page":5382},{"title":"٢٠٦","level":2,"page":5387},{"title":"تفسير سورة الأنفال","level":1,"page":5395},{"title":"١","level":2,"page":5395},{"title":"٢","level":2,"page":5404},{"title":"٤","level":2,"page":5407},{"title":"٥","level":2,"page":5413},{"title":"٦","level":2,"page":5421},{"title":"٧","level":2,"page":5423},{"title":"٨","level":2,"page":5428},{"title":"٩","level":2,"page":5429},{"title":"١٠","level":2,"page":5435},{"title":"١١","level":2,"page":5436},{"title":"١٢","level":2,"page":5439},{"title":"١٣","level":2,"page":5445},{"title":"١٤","level":2,"page":5446},{"title":"١٥","level":2,"page":5448},{"title":"١٦","level":2,"page":5450},{"title":"١٧","level":2,"page":5455},{"title":"١٨","level":2,"page":5462},{"title":"١٩","level":2,"page":5464},{"title":"٢٠","level":2,"page":5468},{"title":"٢١","level":2,"page":5470},{"title":"٢٢","level":2,"page":5471},{"title":"٢٣","level":2,"page":5471},{"title":"٢٤","level":2,"page":5474},{"title":"٢٥","level":2,"page":5482},{"title":"٢٦","level":2,"page":5491},{"title":"٢٧","level":2,"page":5493},{"title":"٢٨","level":2,"page":5499},{"title":"٢٩","level":2,"page":5501},{"title":"٣٠","level":2,"page":5505},{"title":"٣١","level":2,"page":5507},{"title":"٣٢","level":2,"page":5508},{"title":"٣٣","level":2,"page":5509},{"title":"٣٤","level":2,"page":5516},{"title":"٣٥","level":2,"page":5523},{"title":"٣٦","level":2,"page":5530},{"title":"٣٧","level":2,"page":5532},{"title":"٣٨","level":2,"page":5536},{"title":"٣٩","level":2,"page":5539},{"title":"٤٠","level":2,"page":5542},{"title":"٤١","level":2,"page":5543},{"title":"٤٢","level":2,"page":5554},{"title":"٤٣","level":2,"page":5562},{"title":"٤٤","level":2,"page":5565},{"title":"٤٥","level":2,"page":5569},{"title":"٤٦","level":2,"page":5570},{"title":"٤٧","level":2,"page":5572},{"title":"٤٨","level":2,"page":5576},{"title":"٤٩","level":2,"page":5581},{"title":"٥٠","level":2,"page":5582},{"title":"٥١","level":2,"page":5585},{"title":"٥٢","level":2,"page":5589},{"title":"٥٣","level":2,"page":5590},{"title":"٥٤","level":2,"page":5592},{"title":"٥٥","level":2,"page":5593},{"title":"٥٧","level":2,"page":5594},{"title":"٥٨","level":2,"page":5597},{"title":"٥٩","level":2,"page":5599},{"title":"٦٠","level":2,"page":5603},{"title":"٦١","level":2,"page":5611},{"title":"٦٢","level":2,"page":5616},{"title":"٦٣","level":2,"page":5617},{"title":"٦٤","level":2,"page":5618},{"title":"٦٥","level":2,"page":5623},{"title":"٦٦","level":2,"page":5632},{"title":"٦٧","level":2,"page":5636},{"title":"٦٨","level":2,"page":5645},{"title":"٦٩","level":2,"page":5648},{"title":"٧٠","level":2,"page":5649},{"title":"٧١","level":2,"page":5650},{"title":"٧٢","level":2,"page":5652},{"title":"٧٣","level":2,"page":5655},{"title":"٧٤","level":2,"page":5658},{"title":"٧٥","level":2,"page":5659},{"title":"سورة براءة (التوبة)","level":1,"page":5662},{"title":"١","level":2,"page":5666},{"title":"٢","level":2,"page":5667},{"title":"٣","level":2,"page":5671},{"title":"٤","level":2,"page":5677},{"title":"٥","level":2,"page":5678},{"title":"٦","level":2,"page":5684},{"title":"٧","level":2,"page":5687},{"title":"٨","level":2,"page":5689},{"title":"٩","level":2,"page":5696},{"title":"١٠","level":2,"page":5696},{"title":"١١","level":2,"page":5697},{"title":"١٢","level":2,"page":5698},{"title":"١٣","level":2,"page":5705},{"title":"١٤","level":2,"page":5708},{"title":"١٥","level":2,"page":5710},{"title":"١٦","level":2,"page":5712},{"title":"١٧","level":2,"page":5714},{"title":"١٨","level":2,"page":5719},{"title":"١٩","level":2,"page":5721},{"title":"٢٠","level":2,"page":5725},{"title":"٢١","level":2,"page":5726},{"title":"٢٣","level":2,"page":5726},{"title":"٢٤","level":2,"page":5727},{"title":"٢٥","level":2,"page":5729},{"title":"٢٦","level":2,"page":5735},{"title":"٢٧","level":2,"page":5737},{"title":"٢٨","level":2,"page":5737},{"title":"٢٩","level":2,"page":5743},{"title":"٣٠","level":2,"page":5753},{"title":"٣١","level":2,"page":5770},{"title":"٣٢","level":2,"page":5774},{"title":"٣٣","level":2,"page":5776},{"title":"٣٤","level":2,"page":5778},{"title":"٣٥","level":2,"page":5788},{"title":"٣٦","level":2,"page":5792},{"title":"٣٧","level":2,"page":5803},{"title":"٣٨","level":2,"page":5816},{"title":"٣٩","level":2,"page":5819},{"title":"٤٠","level":2,"page":5821},{"title":"٤١","level":2,"page":5831},{"title":"٤٢","level":2,"page":5836},{"title":"٤٣","level":2,"page":5840},{"title":"٤٤","level":2,"page":5842},{"title":"٤٥","level":2,"page":5846},{"title":"٤٦","level":2,"page":5847},{"title":"٤٨","level":2,"page":5861},{"title":"٤٩","level":2,"page":5862},{"title":"٥٠","level":2,"page":5866},{"title":"٥١","level":2,"page":5866},{"title":"٥٢","level":2,"page":5868},{"title":"٥٣","level":2,"page":5872},{"title":"٥٤","level":2,"page":5874},{"title":"٥٥","level":2,"page":5876},{"title":"٥٦","level":2,"page":5880},{"title":"٥٧","level":2,"page":5880},{"title":"٥٨","level":2,"page":5883},{"title":"٥٩","level":2,"page":5887},{"title":"٦٠","level":2,"page":5887},{"title":"٦١","level":2,"page":5906},{"title":"٦٢","level":2,"page":5914},{"title":"٦٣","level":2,"page":5915},{"title":"٦٤","level":2,"page":5918},{"title":"٦٥","level":2,"page":5920},{"title":"٦٦","level":2,"page":5923},{"title":"٦٧","level":2,"page":5926},{"title":"٦٨","level":2,"page":5929},{"title":"٦٩","level":2,"page":5930},{"title":"٧٠","level":2,"page":5932},{"title":"٧١","level":2,"page":5933},{"title":"٧٢","level":2,"page":5935},{"title":"٧٣","level":2,"page":5938},{"title":"٧٤","level":2,"page":5939},{"title":"٧٥","level":2,"page":5944},{"title":"٧٧","level":2,"page":5949},{"title":"٧٩","level":2,"page":5953},{"title":"٨٠","level":2,"page":5956},{"title":"٨١","level":2,"page":5960},{"title":"٨٢","level":2,"page":5963},{"title":"٨٣","level":2,"page":5965},{"title":"٨٤","level":2,"page":5968},{"title":"٨٥","level":2,"page":5970},{"title":"٨٦","level":2,"page":5971},{"title":"٨٧","level":2,"page":5971},{"title":"٨٨","level":2,"page":5973},{"title":"٩٠","level":2,"page":5973},{"title":"٩١","level":2,"page":5979},{"title":"٩٢","level":2,"page":5980},{"title":"٩٤","level":2,"page":5990},{"title":"٩٥","level":2,"page":5990},{"title":"٩٦","level":2,"page":5992},{"title":"٩٧","level":2,"page":5993},{"title":"٩٨","level":2,"page":5998},{"title":"٩٩","level":2,"page":6002},{"title":"١٠٠","level":2,"page":6006},{"title":"١٠١","level":2,"page":6009},{"title":"١٠٢","level":2,"page":6013},{"title":"١٠٣","level":2,"page":6016},{"title":"١٠٤","level":2,"page":6022},{"title":"١٠٥","level":2,"page":6023},{"title":"١٠٦","level":2,"page":6024},{"title":"١٠٧","level":2,"page":6026},{"title":"١٠٨","level":2,"page":6031},{"title":"١٠٩","level":2,"page":6035},{"title":"١١٠","level":2,"page":6041},{"title":"١١١","level":2,"page":6046},{"title":"١١٢","level":2,"page":6049},{"title":"١١٣","level":2,"page":6056},{"title":"١١٥","level":2,"page":6061},{"title":"١١٧","level":2,"page":6063},{"title":"١١٨","level":2,"page":6067},{"title":"١١٩","level":2,"page":6070},{"title":"١٢٠","level":2,"page":6071},{"title":"١٢١","level":2,"page":6074},{"title":"١٢٢","level":2,"page":6075},{"title":"١٢٣","level":2,"page":6079},{"title":"١٢٤","level":2,"page":6081},{"title":"١٢٥","level":2,"page":6082},{"title":"١٢٦","level":2,"page":6082},{"title":"١٢٧","level":2,"page":6085},{"title":"١٢٨","level":2,"page":6088},{"title":"١٢٩","level":2,"page":6090},{"title":"سورة يونس","level":1,"page":6092},{"title":"١","level":2,"page":6093},{"title":"٢","level":2,"page":6099},{"title":"٣","level":2,"page":6103},{"title":"٤","level":2,"page":6104},{"title":"٥","level":2,"page":6105},{"title":"٦","level":2,"page":6109},{"title":"٧","level":2,"page":6109},{"title":"٩","level":2,"page":6111},{"title":"١٠","level":2,"page":6112},{"title":"١١","level":2,"page":6115},{"title":"١٢","level":2,"page":6119},{"title":"١٣","level":2,"page":6122},{"title":"١٤","level":2,"page":6123},{"title":"١٥","level":2,"page":6125},{"title":"١٦","level":2,"page":6127},{"title":"١٧","level":2,"page":6130},{"title":"١٨","level":2,"page":6130},{"title":"١٩","level":2,"page":6132},{"title":"٢٠","level":2,"page":6135},{"title":"٢١","level":2,"page":6136},{"title":"٢٢","level":2,"page":6139},{"title":"٢٣","level":2,"page":6142},{"title":"٢٤","level":2,"page":6145},{"title":"٢٥","level":2,"page":6149},{"title":"٢٦","level":2,"page":6151},{"title":"٢٧","level":2,"page":6156},{"title":"٢٨","level":2,"page":6161},{"title":"٢٩","level":2,"page":6165},{"title":"٣٠","level":2,"page":6165},{"title":"٣١","level":2,"page":6168},{"title":"٣٢","level":2,"page":6169},{"title":"٣٣","level":2,"page":6170},{"title":"٣٤","level":2,"page":6174},{"title":"٣٦","level":2,"page":6180},{"title":"٣٧","level":2,"page":6181},{"title":"٣٨","level":2,"page":6183},{"title":"٣٩","level":2,"page":6184},{"title":"٤٠","level":2,"page":6186},{"title":"٤١","level":2,"page":6186},{"title":"٤٢","level":2,"page":6187},{"title":"٤٣","level":2,"page":6188},{"title":"٤٤","level":2,"page":6191},{"title":"٤٥","level":2,"page":6191},{"title":"٤٦","level":2,"page":6198},{"title":"٤٧","level":2,"page":6199},{"title":"٤٨","level":2,"page":6201},{"title":"٤٩","level":2,"page":6202},{"title":"٥٠","level":2,"page":6202},{"title":"٥١","level":2,"page":6204},{"title":"٥٣","level":2,"page":6205},{"title":"٥٤","level":2,"page":6206},{"title":"٥٥","level":2,"page":6209},{"title":"٥٧","level":2,"page":6209},{"title":"٥٨","level":2,"page":6210},{"title":"٥٩","level":2,"page":6216},{"title":"٦٠","level":2,"page":6219},{"title":"٦١","level":2,"page":6220},{"title":"٦٢","level":2,"page":6229},{"title":"٦٣","level":2,"page":6231},{"title":"٦٥","level":2,"page":6233},{"title":"٦٦","level":2,"page":6234},{"title":"٦٧","level":2,"page":6236},{"title":"٦٨","level":2,"page":6238},{"title":"٦٩","level":2,"page":6238},{"title":"٧١","level":2,"page":6240},{"title":"٧٢","level":2,"page":6253},{"title":"٧٣","level":2,"page":6254},{"title":"٧٤","level":2,"page":6254},{"title":"٧٧","level":2,"page":6256},{"title":"٧٨","level":2,"page":6259},{"title":"٨١","level":2,"page":6260},{"title":"٨٢","level":2,"page":6261},{"title":"٨٣","level":2,"page":6262},{"title":"٨٤","level":2,"page":6268},{"title":"٨٥","level":2,"page":6268},{"title":"٨٦","level":2,"page":6269},{"title":"٨٧","level":2,"page":6270},{"title":"٨٨","level":2,"page":6273},{"title":"٨٩","level":2,"page":6279},{"title":"٩٠","level":2,"page":6283},{"title":"٩١","level":2,"page":6286},{"title":"٩٢","level":2,"page":6288},{"title":"٩٣","level":2,"page":6291},{"title":"٩٤","level":2,"page":6295},{"title":"٩٦","level":2,"page":6299},{"title":"٩٧","level":2,"page":6300},{"title":"٩٨","level":2,"page":6300},{"title":"٩٩","level":2,"page":6306},{"title":"١٠٠","level":2,"page":6306},{"title":"١٠١","level":2,"page":6309},{"title":"١٠٢","level":2,"page":6312},{"title":"١٠٣","level":2,"page":6313},{"title":"١٠٥","level":2,"page":6314},{"title":"١٠٤","level":2,"page":6314},{"title":"١٠٥","level":2,"page":6315},{"title":"١٠٦","level":2,"page":6316},{"title":"١٠٧","level":2,"page":6317},{"title":"١٠٨","level":2,"page":6318},{"title":"١٠٩","level":2,"page":6319},{"title":"سورة هود","level":1,"page":6321},{"title":"١","level":2,"page":6321},{"title":"٢","level":2,"page":6324},{"title":"٣","level":2,"page":6324},{"title":"٥","level":2,"page":6328},{"title":"٧","level":2,"page":6334},{"title":"٨","level":2,"page":6336},{"title":"٩","level":2,"page":6338},{"title":"١٠","level":2,"page":6339},{"title":"١١","level":2,"page":6340},{"title":"١٢","level":2,"page":6341},{"title":"١٣","level":2,"page":6343},{"title":"١٥","level":2,"page":6346},{"title":"١٧","level":2,"page":6350},{"title":"١٨","level":2,"page":6358},{"title":"١٩","level":2,"page":6360},{"title":"٢٠","level":2,"page":6360},{"title":"٢٢","level":2,"page":6364},{"title":"٢٣","level":2,"page":6367},{"title":"٢٤","level":2,"page":6368},{"title":"٢٥","level":2,"page":6370},{"title":"٢٦","level":2,"page":6371},{"title":"٢٧","level":2,"page":6372},{"title":"٢٨","level":2,"page":6378},{"title":"٢٩","level":2,"page":6383},{"title":"٣٠","level":2,"page":6384},{"title":"٣١","level":2,"page":6384},{"title":"٣٤","level":2,"page":6386},{"title":"٣٥","level":2,"page":6387},{"title":"٣٦","level":2,"page":6389},{"title":"٣٧","level":2,"page":6390},{"title":"٣٨","level":2,"page":6392},{"title":"٣٩","level":2,"page":6393},{"title":"٤٠","level":2,"page":6394},{"title":"٤١","level":2,"page":6400},{"title":"٤٢","level":2,"page":6405},{"title":"٤٣","level":2,"page":6407},{"title":"٤٤","level":2,"page":6410},{"title":"٤٥","level":2,"page":6413},{"title":"٤٦","level":2,"page":6415},{"title":"٤٧","level":2,"page":6420},{"title":"٤٨","level":2,"page":6421},{"title":"٤٩","level":2,"page":6423},{"title":"٥٠","level":2,"page":6424},{"title":"٥١","level":2,"page":6424},{"title":"٥٢","level":2,"page":6424},{"title":"٥٣","level":2,"page":6425},{"title":"٥٤","level":2,"page":6425},{"title":"٥٥","level":2,"page":6427},{"title":"٥٦","level":2,"page":6427},{"title":"٥٧","level":2,"page":6430},{"title":"٥٨","level":2,"page":6431},{"title":"٥٩","level":2,"page":6432},{"title":"٦٠","level":2,"page":6433},{"title":"٦١","level":2,"page":6434},{"title":"٦٢","level":2,"page":6435},{"title":"٦٣","level":2,"page":6437},{"title":"٦٤","level":2,"page":6438},{"title":"٦٥","level":2,"page":6439},{"title":"٦٦","level":2,"page":6440},{"title":"٦٨","level":2,"page":6444},{"title":"٦٩","level":2,"page":6446},{"title":"٧٠","level":2,"page":6451},{"title":"٧١","level":2,"page":6453},{"title":"٧٢","level":2,"page":6464},{"title":"٧٣","level":2,"page":6467},{"title":"٧٤","level":2,"page":6469},{"title":"٧٦","level":2,"page":6471},{"title":"٧٧","level":2,"page":6471},{"title":"٧٨","level":2,"page":6474},{"title":"٧٩","level":2,"page":6481},{"title":"٨٠","level":2,"page":6481},{"title":"٨١","level":2,"page":6484},{"title":"٨٢","level":2,"page":6489},{"title":"٨٣","level":2,"page":6496},{"title":"٨٤","level":2,"page":6499},{"title":"٨٥","level":2,"page":6501},{"title":"٨٦","level":2,"page":6501},{"title":"٨٧","level":2,"page":6503},{"title":"٨٨","level":2,"page":6507},{"title":"٨٩","level":2,"page":6510},{"title":"٩٠","level":2,"page":6512},{"title":"٩١","level":2,"page":6513},{"title":"٩٢","level":2,"page":6516},{"title":"٩٣","level":2,"page":6518},{"title":"٩٤","level":2,"page":6520},{"title":"٩٦","level":2,"page":6521},{"title":"٩٥","level":2,"page":6521},{"title":"٩٩","level":2,"page":6523},{"title":"١٠٠","level":2,"page":6525},{"title":"١٠١","level":2,"page":6526},{"title":"١٠٢","level":2,"page":6527},{"title":"١٠٣","level":2,"page":6527},{"title":"١٠٤","level":2,"page":6528},{"title":"١٠٥","level":2,"page":6529},{"title":"١٠٦","level":2,"page":6534},{"title":"١٠٧","level":2,"page":6536},{"title":"١٠٨","level":2,"page":6542},{"title":"١٠٩","level":2,"page":6546},{"title":"١١٠","level":2,"page":6547},{"title":"١١١","level":2,"page":6548},{"title":"١١٢","level":2,"page":6555},{"title":"١١٣","level":2,"page":6556},{"title":"١١٤","level":2,"page":6558},{"title":"١١٥","level":2,"page":6563},{"title":"١١٦","level":2,"page":6564},{"title":"١١٧","level":2,"page":6566},{"title":"١١٨","level":2,"page":6567},{"title":"١١٩","level":2,"page":6568},{"title":"١٢٠","level":2,"page":6571},{"title":"تفسير سورة يوسف","level":1,"page":6582},{"title":"١","level":2,"page":6582},{"title":"٢","level":2,"page":6583},{"title":"٣","level":2,"page":6584},{"title":"٤","level":2,"page":6585},{"title":"٥","level":2,"page":6595},{"title":"٦","level":2,"page":6597},{"title":"٧","level":2,"page":6601},{"title":"٨","level":2,"page":6603},{"title":"٩","level":2,"page":6604},{"title":"١٠","level":2,"page":6606},{"title":"١١","level":2,"page":6609},{"title":"١٢","level":2,"page":6610},{"title":"١٣","level":2,"page":6614},{"title":"١٤","level":2,"page":6615},{"title":"١٥","level":2,"page":6616},{"title":"١٦","level":2,"page":6618},{"title":"١٧","level":2,"page":6619},{"title":"١٨","level":2,"page":6621},{"title":"١٩","level":2,"page":6626},{"title":"٢٠","level":2,"page":6629},{"title":"٢١","level":2,"page":6634},{"title":"٢٢","level":2,"page":6638},{"title":"٢٣","level":2,"page":6640},{"title":"٢٤","level":2,"page":6646},{"title":"٢٥","level":2,"page":6654},{"title":"٢٦","level":2,"page":6655},{"title":"٢٧","level":2,"page":6659},{"title":"٢٨","level":2,"page":6659},{"title":"٢٩","level":2,"page":6659},{"title":"٣٠","level":2,"page":6661},{"title":"٣١","level":2,"page":6667},{"title":"٣٢","level":2,"page":6680},{"title":"٣٣","level":2,"page":6681},{"title":"٣٤","level":2,"page":6683},{"title":"٣٥","level":2,"page":6683},{"title":"٣٦","level":2,"page":6686},{"title":"٣٧","level":2,"page":6691},{"title":"٣٨","level":2,"page":6693},{"title":"٣٩","level":2,"page":6694},{"title":"٤١","level":2,"page":6695},{"title":"٤٠","level":2,"page":6695},{"title":"٤٢","level":2,"page":6696},{"title":"٤٣","level":2,"page":6701},{"title":"٤٤","level":2,"page":6703},{"title":"٤٥","level":2,"page":6706},{"title":"٤٦","level":2,"page":6709},{"title":"٤٧","level":2,"page":6710},{"title":"٤٨","level":2,"page":6712},{"title":"٤٩","level":2,"page":6713},{"title":"٥٠","level":2,"page":6719},{"title":"٥١","level":2,"page":6721},{"title":"٥٢","level":2,"page":6723},{"title":"٥٣","level":2,"page":6726},{"title":"٥٤","level":2,"page":6727},{"title":"٥٥","level":2,"page":6728},{"title":"٥٦","level":2,"page":6731},{"title":"٥٧","level":2,"page":6734},{"title":"٥٨","level":2,"page":6735},{"title":"٥٩","level":2,"page":6736},{"title":"٦٠","level":2,"page":6737},{"title":"٦١","level":2,"page":6737},{"title":"٦٢","level":2,"page":6738},{"title":"٦٣","level":2,"page":6740},{"title":"٦٤","level":2,"page":6741},{"title":"٦٥","level":2,"page":6743},{"title":"٦٦","level":2,"page":6745},{"title":"٦٧","level":2,"page":6747},{"title":"٦٨","level":2,"page":6748},{"title":"٦٩","level":2,"page":6751},{"title":"٧٠","level":2,"page":6754},{"title":"٧١","level":2,"page":6757},{"title":"٧٢","level":2,"page":6757},{"title":"٧٣","level":2,"page":6759},{"title":"٧٤","level":2,"page":6760},{"title":"٧٥","level":2,"page":6760},{"title":"٧٦","level":2,"page":6762},{"title":"٧٧","level":2,"page":6768},{"title":"٧٨","level":2,"page":6773},{"title":"٧٩","level":2,"page":6774},{"title":"٨٠","level":2,"page":6775},{"title":"٨١","level":2,"page":6780},{"title":"٨٢","level":2,"page":6783},{"title":"٨٣","level":2,"page":6785},{"title":"٨٤","level":2,"page":6787},{"title":"٨٦","level":2,"page":6790},{"title":"٨٥","level":2,"page":6791},{"title":"٨٧","level":2,"page":6798},{"title":"٨٨","level":2,"page":6800},{"title":"٨٩","level":2,"page":6806},{"title":"٩٠","level":2,"page":6808},{"title":"٩١","level":2,"page":6811},{"title":"٩٢","level":2,"page":6812},{"title":"٩٣","level":2,"page":6813},{"title":"٩٤","level":2,"page":6817},{"title":"٩٥","level":2,"page":6819},{"title":"٩٦","level":2,"page":6820},{"title":"٩٧","level":2,"page":6821},{"title":"٩٨","level":2,"page":6822},{"title":"٩٩","level":2,"page":6822},{"title":"١٠٠","level":2,"page":6824},{"title":"١٠١","level":2,"page":6829},{"title":"١٠٢","level":2,"page":6832},{"title":"١٠٣","level":2,"page":6832},{"title":"١٠٤","level":2,"page":6833},{"title":"١٠٥","level":2,"page":6834},{"title":"١٠٦","level":2,"page":6835},{"title":"١٠٧","level":2,"page":6836},{"title":"١٠٨","level":2,"page":6837},{"title":"١٠٩","level":2,"page":6839},{"title":"١١٠","level":2,"page":6841},{"title":"١١١","level":2,"page":6848},{"title":"سورة الرعد","level":1,"page":6852},{"title":"١","level":2,"page":6853},{"title":"٢","level":2,"page":6855},{"title":"٣","level":2,"page":6860},{"title":"٤","level":2,"page":6861},{"title":"٥","level":2,"page":6867},{"title":"٦","level":2,"page":6869},{"title":"٧","level":2,"page":6872},{"title":"٨","level":2,"page":6874},{"title":"٩","level":2,"page":6876},{"title":"١٠","level":2,"page":6878},{"title":"١١","level":2,"page":6881},{"title":"١٢","level":2,"page":6885},{"title":"١٣","level":2,"page":6886},{"title":"١٤","level":2,"page":6895},{"title":"١٥","level":2,"page":6900},{"title":"١٦","level":2,"page":6903},{"title":"١٧","level":2,"page":6905},{"title":"١٨","level":2,"page":6911},{"title":"١٩","level":2,"page":6912},{"title":"٢٠","level":2,"page":6914},{"title":"٢١","level":2,"page":6914},{"title":"٢٢","level":2,"page":6914},{"title":"٢٣","level":2,"page":6915},{"title":"٢٤","level":2,"page":6916},{"title":"٢٥","level":2,"page":6918},{"title":"٢٦","level":2,"page":6918},{"title":"٢٧","level":2,"page":6919},{"title":"٢٨","level":2,"page":6919},{"title":"٢٩","level":2,"page":6920},{"title":"٣٠","level":2,"page":6923},{"title":"٣١","level":2,"page":6924},{"title":"٣٢","level":2,"page":6931},{"title":"٣٣","level":2,"page":6932},{"title":"٣٤","level":2,"page":6938},{"title":"٣٥","level":2,"page":6938},{"title":"٣٦","level":2,"page":6948},{"title":"٣٧","level":2,"page":6948},{"title":"٣٨","level":2,"page":6949},{"title":"٣٩","level":2,"page":6950},{"title":"٤٠","level":2,"page":6956},{"title":"٤١","level":2,"page":6957},{"title":"٤٢","level":2,"page":6959},{"title":"٤٣","level":2,"page":6961},{"title":"تفسير سورة إبراهيم","level":1,"page":6966},{"title":"١","level":2,"page":6966},{"title":"٢","level":2,"page":6969},{"title":"٣","level":2,"page":6970},{"title":"٤","level":2,"page":6971},{"title":"٥","level":2,"page":6974},{"title":"٦","level":2,"page":6979},{"title":"٧","level":2,"page":6980},{"title":"٨","level":2,"page":6981},{"title":"٩","level":2,"page":6982},{"title":"١٠","level":2,"page":6987},{"title":"١٣","level":2,"page":6992},{"title":"١٤","level":2,"page":6994},{"title":"١٥","level":2,"page":6996},{"title":"١٦","level":2,"page":7002},{"title":"١٧","level":2,"page":7006},{"title":"١٨","level":2,"page":7012},{"title":"١٩","level":2,"page":7016},{"title":"٢٠","level":2,"page":7018},{"title":"٢١","level":2,"page":7019},{"title":"٢٢","level":2,"page":7022},{"title":"٢٣","level":2,"page":7034},{"title":"٢٤","level":2,"page":7035},{"title":"٢٥","level":2,"page":7037},{"title":"٢٦","level":2,"page":7042},{"title":"٢٧","level":2,"page":7045},{"title":"٢٨","level":2,"page":7047},{"title":"٢٩","level":2,"page":7048},{"title":"٣٠","level":2,"page":7048},{"title":"٣١","level":2,"page":7049},{"title":"٣٣","level":2,"page":7053},{"title":"٣٤","level":2,"page":7053},{"title":"٣٥","level":2,"page":7056},{"title":"٣٦","level":2,"page":7057},{"title":"٣٧","level":2,"page":7060},{"title":"٣٩","level":2,"page":7063},{"title":"٤٠","level":2,"page":7064},{"title":"٤١","level":2,"page":7065},{"title":"٤٢","level":2,"page":7066},{"title":"٤٣","level":2,"page":7067},{"title":"٤٤","level":2,"page":7078},{"title":"٤٥","level":2,"page":7078},{"title":"٤٦","level":2,"page":7079},{"title":"٤٧","level":2,"page":7085},{"title":"٤٨","level":2,"page":7086},{"title":"٤٩","level":2,"page":7091},{"title":"٥٠","level":2,"page":7094},{"title":"٥١","level":2,"page":7096},{"title":"٥٢","level":2,"page":7097},{"title":"سورة الحجر","level":1,"page":7099},{"title":"١","level":2,"page":7100},{"title":"٢","level":2,"page":7101},{"title":"٣","level":2,"page":7110},{"title":"٤","level":2,"page":7111},{"title":"٥","level":2,"page":7112},{"title":"٦","level":2,"page":7113},{"title":"٧","level":2,"page":7115},{"title":"٨","level":2,"page":7116},{"title":"٩","level":2,"page":7117},{"title":"١٠","level":2,"page":7120},{"title":"١١","level":2,"page":7121},{"title":"١٢","level":2,"page":7121},{"title":"١٣","level":2,"page":7125},{"title":"١٤","level":2,"page":7126},{"title":"١٥","level":2,"page":7128},{"title":"١٦","level":2,"page":7134},{"title":"١٧","level":2,"page":7136},{"title":"١٨","level":2,"page":7137},{"title":"١٩","level":2,"page":7139},{"title":"٢٠","level":2,"page":7142},{"title":"٢١","level":2,"page":7145},{"title":"٢٢","level":2,"page":7147},{"title":"٢٣","level":2,"page":7157},{"title":"٢٤","level":2,"page":7157},{"title":"٢٦","level":2,"page":7161},{"title":"٢٧","level":2,"page":7169},{"title":"٢٩","level":2,"page":7172},{"title":"٣٠","level":2,"page":7172},{"title":"٣١","level":2,"page":7174},{"title":"٣٢","level":2,"page":7175},{"title":"٣٣","level":2,"page":7175},{"title":"٣٤","level":2,"page":7175},{"title":"٣٥","level":2,"page":7175},{"title":"٣٨","level":2,"page":7176},{"title":"٣٩","level":2,"page":7176},{"title":"٤٠","level":2,"page":7177},{"title":"٤١","level":2,"page":7177},{"title":"٤٢","level":2,"page":7179},{"title":"٤٣","level":2,"page":7180},{"title":"٤٤","level":2,"page":7180},{"title":"٤٥","level":2,"page":7181},{"title":"٤٦","level":2,"page":7182},{"title":"٤٧","level":2,"page":7182},{"title":"٤٨","level":2,"page":7185},{"title":"٤٩","level":2,"page":7185},{"title":"٥٠","level":2,"page":7185},{"title":"٥١","level":2,"page":7185},{"title":"٥٢","level":2,"page":7186},{"title":"٥٤","level":2,"page":7186},{"title":"٥٥","level":2,"page":7190},{"title":"٥٦","level":2,"page":7191},{"title":"٥٧","level":2,"page":7192},{"title":"٥٨","level":2,"page":7192},{"title":"٥٩","level":2,"page":7192},{"title":"٦٠","level":2,"page":7192},{"title":"٦١","level":2,"page":7195},{"title":"٦٢","level":2,"page":7195},{"title":"٦٣","level":2,"page":7195},{"title":"٦٤","level":2,"page":7196},{"title":"٦٥","level":2,"page":7196},{"title":"٦٦","level":2,"page":7198},{"title":"٦٧","level":2,"page":7199},{"title":"٦٨","level":2,"page":7199},{"title":"٦٩","level":2,"page":7200},{"title":"٧٠","level":2,"page":7200},{"title":"٧١","level":2,"page":7201},{"title":"٧٢","level":2,"page":7201},{"title":"٧٣","level":2,"page":7207},{"title":"٧٤","level":2,"page":7208},{"title":"٧٥","level":2,"page":7208},{"title":"٧٦","level":2,"page":7210},{"title":"٧٧","level":2,"page":7211},{"title":"٧٨","level":2,"page":7211},{"title":"٧٩","level":2,"page":7212},{"title":"٨٠","level":2,"page":7213},{"title":"٨١","level":2,"page":7214},{"title":"٨٢","level":2,"page":7214},{"title":"٨٤","level":2,"page":7215},{"title":"٨٥","level":2,"page":7215},{"title":"٨٦","level":2,"page":7217},{"title":"٨٧","level":2,"page":7217},{"title":"٨٨","level":2,"page":7226},{"title":"٨٩","level":2,"page":7229},{"title":"٩٠","level":2,"page":7229},{"title":"٩١","level":2,"page":7233},{"title":"٩٢، ٩٣","level":2,"page":7239},{"title":"٩٤","level":2,"page":7240},{"title":"٩٥","level":2,"page":7244},{"title":"٩٨","level":2,"page":7245},{"title":"٩٩","level":2,"page":7246},{"title":"تفسير سورة النحل","level":1,"page":7254},{"title":"١","level":2,"page":7254},{"title":"٢","level":2,"page":7256},{"title":"٣","level":2,"page":7258},{"title":"٤","level":2,"page":7258},{"title":"٥","level":2,"page":7260},{"title":"٦","level":2,"page":7263},{"title":"٧","level":2,"page":7264},{"title":"٨","level":2,"page":7266},{"title":"٩","level":2,"page":7269},{"title":"١٠","level":2,"page":7272},{"title":"١١","level":2,"page":7274},{"title":"١٢","level":2,"page":7275},{"title":"١٣","level":2,"page":7277},{"title":"١٤","level":2,"page":7278},{"title":"١٥","level":2,"page":7281},{"title":"١٦","level":2,"page":7282},{"title":"١٧","level":2,"page":7284},{"title":"١٨","level":2,"page":7285},{"title":"٢٠","level":2,"page":7285},{"title":"٢١","level":2,"page":7286},{"title":"٢٢","level":2,"page":7287},{"title":"٢٣","level":2,"page":7287},{"title":"٢٤","level":2,"page":7288},{"title":"٢٥","level":2,"page":7290},{"title":"٢٦","level":2,"page":7292},{"title":"٢٧","level":2,"page":7294},{"title":"٢٨","level":2,"page":7296},{"title":"٢٩","level":2,"page":7297},{"title":"٣٠","level":2,"page":7298},{"title":"٣١","level":2,"page":7299},{"title":"٣٢","level":2,"page":7300},{"title":"٣٣، ٣٤","level":2,"page":7300},{"title":"٣٥","level":2,"page":7301},{"title":"٣٦","level":2,"page":7302},{"title":"٣٧","level":2,"page":7303},{"title":"٣٨","level":2,"page":7305},{"title":"٣٩","level":2,"page":7305},{"title":"٤٠","level":2,"page":7306},{"title":"٤١","level":2,"page":7308},{"title":"٤٢","level":2,"page":7310},{"title":"٤٣","level":2,"page":7310},{"title":"٤٤","level":2,"page":7312},{"title":"٤٥","level":2,"page":7314},{"title":"٤٦","level":2,"page":7316},{"title":"٤٧","level":2,"page":7316},{"title":"٤٨","level":2,"page":7319},{"title":"٤٩","level":2,"page":7326},{"title":"٥٠","level":2,"page":7329},{"title":"٥١","level":2,"page":7331},{"title":"٥٢","level":2,"page":7331},{"title":"٥٣","level":2,"page":7332},{"title":"٥٤","level":2,"page":7334},{"title":"٥٥","level":2,"page":7335},{"title":"٥٦","level":2,"page":7335},{"title":"٥٧","level":2,"page":7337},{"title":"٥٨","level":2,"page":7339},{"title":"٥٩","level":2,"page":7340},{"title":"٦٠","level":2,"page":7343},{"title":"٦١","level":2,"page":7345},{"title":"٦٢","level":2,"page":7347},{"title":"٦٣","level":2,"page":7354},{"title":"٦٤","level":2,"page":7354},{"title":"٦٥","level":2,"page":7354},{"title":"٦٦","level":2,"page":7354},{"title":"٦٧","level":2,"page":7363},{"title":"٦٨","level":2,"page":7367},{"title":"٦٩","level":2,"page":7369},{"title":"٧٠","level":2,"page":7374},{"title":"٧١","level":2,"page":7378},{"title":"٧٢","level":2,"page":7381},{"title":"٧٣","level":2,"page":7388},{"title":"٧٤","level":2,"page":7389},{"title":"٧٥","level":2,"page":7389},{"title":"٧٦","level":2,"page":7393},{"title":"٧٧","level":2,"page":7397},{"title":"٧٨","level":2,"page":7399},{"title":"٧٩","level":2,"page":7400},{"title":"٨٠","level":2,"page":7400},{"title":"٨١","level":2,"page":7406},{"title":"٨٢","level":2,"page":7409},{"title":"٨٣","level":2,"page":7410},{"title":"٨٤","level":2,"page":7412},{"title":"٨٥","level":2,"page":7413},{"title":"٨٦","level":2,"page":7413},{"title":"٨٧","level":2,"page":7415},{"title":"٨٨","level":2,"page":7415},{"title":"٨٩","level":2,"page":7416},{"title":"٩٠","level":2,"page":7419},{"title":"٩١","level":2,"page":7424},{"title":"٩٢","level":2,"page":7425},{"title":"٩٣","level":2,"page":7431},{"title":"٩٤","level":2,"page":7432},{"title":"٩٥","level":2,"page":7434},{"title":"٩٦","level":2,"page":7434},{"title":"٩٧","level":2,"page":7435},{"title":"٩٨","level":2,"page":7438},{"title":"٩٩","level":2,"page":7441},{"title":"١٠٠","level":2,"page":7441},{"title":"١٠١","level":2,"page":7442},{"title":"١٠٢","level":2,"page":7444},{"title":"١٠٣","level":2,"page":7444},{"title":"١٠٥","level":2,"page":7452},{"title":"١٠٦","level":2,"page":7454},{"title":"١٠٧","level":2,"page":7456},{"title":"١٠٨","level":2,"page":7457},{"title":"١٠٩","level":2,"page":7457},{"title":"١١٠","level":2,"page":7457},{"title":"١١١","level":2,"page":7460},{"title":"١١٢","level":2,"page":7461},{"title":"١١٣","level":2,"page":7466},{"title":"١١٤","level":2,"page":7467},{"title":"١١٥","level":2,"page":7467},{"title":"١١٦","level":2,"page":7468},{"title":"١١٧","level":2,"page":7470},{"title":"١١٨","level":2,"page":7470},{"title":"١١٩","level":2,"page":7471},{"title":"١٢٠","level":2,"page":7471},{"title":"١٢٢","level":2,"page":7473},{"title":"١٢٤","level":2,"page":7476},{"title":"١٢٥","level":2,"page":7479},{"title":"١٢٦","level":2,"page":7480},{"title":"١٢٧","level":2,"page":7483},{"title":"١٢٨","level":2,"page":7486},{"title":"سورة الإسراء","level":1,"page":7487},{"title":"١","level":2,"page":7488},{"title":"٢","level":2,"page":7495},{"title":"٣","level":2,"page":7497},{"title":"٤","level":2,"page":7498},{"title":"٥","level":2,"page":7500},{"title":"٦","level":2,"page":7504},{"title":"٧","level":2,"page":7505},{"title":"٨","level":2,"page":7511},{"title":"٩","level":2,"page":7514},{"title":"١٠","level":2,"page":7514},{"title":"١١","level":2,"page":7515},{"title":"١٢","level":2,"page":7516},{"title":"١٣","level":2,"page":7519},{"title":"١٤","level":2,"page":7526},{"title":"١٥","level":2,"page":7527},{"title":"١٦","level":2,"page":7529},{"title":"١٧","level":2,"page":7536},{"title":"١٨","level":2,"page":7537},{"title":"١٩","level":2,"page":7538},{"title":"٢٠","level":2,"page":7538},{"title":"٢١","level":2,"page":7539},{"title":"٢٢","level":2,"page":7540},{"title":"٢٣","level":2,"page":7540},{"title":"٢٤","level":2,"page":7551},{"title":"٢٥","level":2,"page":7555},{"title":"٢٦","level":2,"page":7557},{"title":"٢٧","level":2,"page":7558},{"title":"٢٨","level":2,"page":7559},{"title":"٢٩","level":2,"page":7561},{"title":"٣٠","level":2,"page":7565},{"title":"٣١","level":2,"page":7565},{"title":"٣٣","level":2,"page":7568},{"title":"٣٤","level":2,"page":7573},{"title":"٣٥","level":2,"page":7575},{"title":"٣٦","level":2,"page":7577},{"title":"٣٧","level":2,"page":7579},{"title":"٣٨","level":2,"page":7581},{"title":"٣٩","level":2,"page":7583},{"title":"٤٠","level":2,"page":7584},{"title":"٤١","level":2,"page":7584},{"title":"٤٢","level":2,"page":7588},{"title":"٤٤","level":2,"page":7589},{"title":"٤٥","level":2,"page":7591},{"title":"٤٦","level":2,"page":7594},{"title":"٤٧","level":2,"page":7596},{"title":"٤٨","level":2,"page":7600},{"title":"٤٩","level":2,"page":7601},{"title":"٥٠، ٥١","level":2,"page":7602},{"title":"٥٢","level":2,"page":7607},{"title":"٥٣","level":2,"page":7610},{"title":"٥٤","level":2,"page":7611},{"title":"٥٥","level":2,"page":7612},{"title":"٥٦","level":2,"page":7613},{"title":"٥٧","level":2,"page":7614},{"title":"٥٨","level":2,"page":7617},{"title":"٥٩","level":2,"page":7618},{"title":"٦٠","level":2,"page":7621},{"title":"٦١","level":2,"page":7628},{"title":"٦٢","level":2,"page":7629},{"title":"٦٣","level":2,"page":7634},{"title":"٦٤","level":2,"page":7634},{"title":"٦٥","level":2,"page":7641},{"title":"٦٦","level":2,"page":7641},{"title":"٦٧","level":2,"page":7642},{"title":"٦٨","level":2,"page":7643},{"title":"٦٩","level":2,"page":7645},{"title":"٧٠","level":2,"page":7646},{"title":"٧١","level":2,"page":7654},{"title":"٧٢","level":2,"page":7659},{"title":"٧٣","level":2,"page":7664},{"title":"٧٥","level":2,"page":7665},{"title":"٧٦","level":2,"page":7666},{"title":"٧٧","level":2,"page":7671},{"title":"٧٨","level":2,"page":7673},{"title":"٧٩","level":2,"page":7681},{"title":"٨٠","level":2,"page":7693},{"title":"٨١","level":2,"page":7696},{"title":"٨٢","level":2,"page":7697},{"title":"٨٣","level":2,"page":7699},{"title":"٨٤","level":2,"page":7703},{"title":"٨٥","level":2,"page":7705},{"title":"٨٦","level":2,"page":7716},{"title":"٨٧","level":2,"page":7717},{"title":"٨٨","level":2,"page":7717},{"title":"٨٩","level":2,"page":7720},{"title":"٩٠","level":2,"page":7720},{"title":"٩١","level":2,"page":7722},{"title":"٩٢","level":2,"page":7722},{"title":"٩٣","level":2,"page":7726},{"title":"٩٤","level":2,"page":7729},{"title":"٩٥","level":2,"page":7729},{"title":"٩٦","level":2,"page":7731},{"title":"٩٧","level":2,"page":7731},{"title":"٩٨","level":2,"page":7733},{"title":"٩٩","level":2,"page":7733},{"title":"١٠٠","level":2,"page":7734},{"title":"١٠١","level":2,"page":7738},{"title":"١٠٢","level":2,"page":7741},{"title":"١٠٣","level":2,"page":7744},{"title":"١٠٤","level":2,"page":7745},{"title":"١٠٥","level":2,"page":7746},{"title":"١٠٦","level":2,"page":7747},{"title":"١٠٧","level":2,"page":7750},{"title":"١٠٩","level":2,"page":7754},{"title":"١١٠","level":2,"page":7755},{"title":"١١١","level":2,"page":7760},{"title":"سورة الكهف","level":1,"page":7763},{"title":"١","level":2,"page":7763},{"title":"٢","level":2,"page":7764},{"title":"٣","level":2,"page":7767},{"title":"٤","level":2,"page":7767},{"title":"٥","level":2,"page":7768},{"title":"٦","level":2,"page":7769},{"title":"٧","level":2,"page":7772},{"title":"٨","level":2,"page":7774},{"title":"٩","level":2,"page":7775},{"title":"١٠","level":2,"page":7781},{"title":"١١","level":2,"page":7782},{"title":"١٢","level":2,"page":7784},{"title":"١٤","level":2,"page":7788},{"title":"١٥","level":2,"page":7790},{"title":"١٦","level":2,"page":7791},{"title":"١٧","level":2,"page":7794},{"title":"١٨","level":2,"page":7800},{"title":"١٩","level":2,"page":7809},{"title":"٢٠","level":2,"page":7813},{"title":"٢١","level":2,"page":7814},{"title":"٢٢","level":2,"page":7818},{"title":"٢٣","level":2,"page":7825},{"title":"٢٤","level":2,"page":7826},{"title":"٢٥","level":2,"page":7831},{"title":"٢٦","level":2,"page":7837},{"title":"٢٧","level":2,"page":7841},{"title":"٢٨","level":2,"page":7842},{"title":"٢٩","level":2,"page":7846},{"title":"٣٠","level":2,"page":7855},{"title":"٣١","level":2,"page":7856},{"title":"٣٢","level":2,"page":7870},{"title":"٣٣","level":2,"page":7871},{"title":"٣٤","level":2,"page":7876},{"title":"٣٥","level":2,"page":7878},{"title":"٣٦","level":2,"page":7878},{"title":"٣٧","level":2,"page":7879},{"title":"٣٨","level":2,"page":7880},{"title":"٣٩","level":2,"page":7884},{"title":"٤٠","level":2,"page":7886},{"title":"٤١","level":2,"page":7889},{"title":"٤٢","level":2,"page":7890},{"title":"٤٣","level":2,"page":7892},{"title":"٤٤","level":2,"page":7892},{"title":"٤٥","level":2,"page":7896},{"title":"٤٦","level":2,"page":7898},{"title":"٤٧","level":2,"page":7900},{"title":"٤٨","level":2,"page":7903},{"title":"٤٩","level":2,"page":7905},{"title":"٥٠","level":2,"page":7907},{"title":"٥١","level":2,"page":7913},{"title":"٥٢","level":2,"page":7914},{"title":"٥٣","level":2,"page":7918},{"title":"٥٤","level":2,"page":7920},{"title":"٥٥","level":2,"page":7921},{"title":"٥٦","level":2,"page":7923},{"title":"٥٧","level":2,"page":7924},{"title":"٥٨","level":2,"page":7925},{"title":"٥٩","level":2,"page":7926},{"title":"٦٠","level":2,"page":7928},{"title":"٦١","level":2,"page":7933},{"title":"٦٢","level":2,"page":7937},{"title":"٦٣","level":2,"page":7938},{"title":"٦٤","level":2,"page":7942},{"title":"٦٥","level":2,"page":7944},{"title":"٦٦","level":2,"page":7944},{"title":"٦٧","level":2,"page":7946},{"title":"٦٨","level":2,"page":7946},{"title":"٦٩","level":2,"page":7947},{"title":"٧٠","level":2,"page":7948},{"title":"٧١","level":2,"page":7948},{"title":"٧٢، ٧٣","level":2,"page":7950},{"title":"٧٤","level":2,"page":7953},{"title":"٧٦","level":2,"page":7956},{"title":"٧٧","level":2,"page":7964},{"title":"٧٨","level":2,"page":7974},{"title":"٧٩","level":2,"page":7975},{"title":"٨٠","level":2,"page":7981},{"title":"٨١","level":2,"page":7983},{"title":"٨٢","level":2,"page":7986},{"title":"٨٣","level":2,"page":7990},{"title":"٨٤","level":2,"page":7993},{"title":"٨٥","level":2,"page":7994},{"title":"٨٦","level":2,"page":7995},{"title":"٨٧","level":2,"page":7998},{"title":"٨٨","level":2,"page":7999},{"title":"٨٩","level":2,"page":8000},{"title":"٩٠","level":2,"page":8000},{"title":"٩١","level":2,"page":8001},{"title":"٩٢","level":2,"page":8002},{"title":"٩٣","level":2,"page":8003},{"title":"٩٤","level":2,"page":8004},{"title":"٩٥","level":2,"page":8009},{"title":"٩٦","level":2,"page":8010},{"title":"٩٧","level":2,"page":8014},{"title":"٩٨","level":2,"page":8021},{"title":"٩٩","level":2,"page":8023},{"title":"١٠٠","level":2,"page":8023},{"title":"١٠١","level":2,"page":8024},{"title":"١٠٢","level":2,"page":8025},{"title":"١٠٣","level":2,"page":8027},{"title":"١٠٤","level":2,"page":8028},{"title":"١٠٥","level":2,"page":8028},{"title":"١٠٦","level":2,"page":8031},{"title":"١٠٧","level":2,"page":8032},{"title":"١٠٨","level":2,"page":8034},{"title":"١٠٩","level":2,"page":8035},{"title":"١١٠","level":2,"page":8038},{"title":"سورة مريم","level":1,"page":8043},{"title":"١","level":2,"page":8044},{"title":"٢","level":2,"page":8047},{"title":"٣","level":2,"page":8048},{"title":"٤","level":2,"page":8050},{"title":"٥","level":2,"page":8052},{"title":"٦","level":2,"page":8054},{"title":"٧","level":2,"page":8058},{"title":"٨","level":2,"page":8060},{"title":"٩","level":2,"page":8063},{"title":"١٠","level":2,"page":8065},{"title":"١١","level":2,"page":8066},{"title":"١٢","level":2,"page":8067},{"title":"١٣","level":2,"page":8068},{"title":"١٤","level":2,"page":8071},{"title":"١٥","level":2,"page":8071},{"title":"١٦","level":2,"page":8073},{"title":"١٧","level":2,"page":8074},{"title":"١٨","level":2,"page":8075},{"title":"١٩","level":2,"page":8075},{"title":"٢٠","level":2,"page":8076},{"title":"٢١","level":2,"page":8077},{"title":"٢٢","level":2,"page":8078},{"title":"٢٣","level":2,"page":8080},{"title":"٢٤","level":2,"page":8085},{"title":"٢٥","level":2,"page":8088},{"title":"٢٦","level":2,"page":8092},{"title":"٢٧","level":2,"page":8097},{"title":"٢٨","level":2,"page":8098},{"title":"٢٩","level":2,"page":8100},{"title":"٣٠","level":2,"page":8102},{"title":"٣١","level":2,"page":8103},{"title":"٣٢","level":2,"page":8104},{"title":"٣٣","level":2,"page":8104},{"title":"٣٤","level":2,"page":8105},{"title":"٣٥","level":2,"page":8107},{"title":"٣٦","level":2,"page":8108},{"title":"٣٧","level":2,"page":8109},{"title":"٣٨","level":2,"page":8110},{"title":"٣٩","level":2,"page":8111},{"title":"٤٠","level":2,"page":8113},{"title":"٤١","level":2,"page":8114},{"title":"٤٢","level":2,"page":8114},{"title":"٤٣","level":2,"page":8115},{"title":"٤٤","level":2,"page":8115},{"title":"٤٥","level":2,"page":8116},{"title":"٤٦","level":2,"page":8116},{"title":"٤٧","level":2,"page":8119},{"title":"٤٩","level":2,"page":8122},{"title":"٥٠","level":2,"page":8122},{"title":"٥١","level":2,"page":8122},{"title":"٥٢","level":2,"page":8123},{"title":"٥٣","level":2,"page":8125},{"title":"٥٤","level":2,"page":8126},{"title":"٥٥","level":2,"page":8127},{"title":"٥٦، ٥٧","level":2,"page":8128},{"title":"٥٨","level":2,"page":8129},{"title":"٥٩","level":2,"page":8130},{"title":"٦٠","level":2,"page":8135},{"title":"٦١","level":2,"page":8135},{"title":"٦٢","level":2,"page":8136},{"title":"٦٣","level":2,"page":8139},{"title":"٦٤","level":2,"page":8140},{"title":"٦٥","level":2,"page":8143},{"title":"٦٦","level":2,"page":8145},{"title":"٦٧","level":2,"page":8146},{"title":"٦٨","level":2,"page":8147},{"title":"٦٩","level":2,"page":8149},{"title":"٧٠","level":2,"page":8153},{"title":"٧١","level":2,"page":8153},{"title":"٧٢","level":2,"page":8161},{"title":"٧٣","level":2,"page":8162},{"title":"٧٤","level":2,"page":8164},{"title":"٧٥","level":2,"page":8166},{"title":"٧٥","level":2,"page":8167},{"title":"٧٦","level":2,"page":8169},{"title":"٧٧","level":2,"page":8171},{"title":"٧٨","level":2,"page":8173},{"title":"٧٩","level":2,"page":8174},{"title":"٨٠","level":2,"page":8178},{"title":"٨١","level":2,"page":8179},{"title":"٨٢","level":2,"page":8180},{"title":"٨٣","level":2,"page":8182},{"title":"٨٤","level":2,"page":8187},{"title":"٨٥","level":2,"page":8188},{"title":"٨٦","level":2,"page":8192},{"title":"٨٧","level":2,"page":8193},{"title":"٨٨","level":2,"page":8193},{"title":"٨٩","level":2,"page":8194},{"title":"٩٠","level":2,"page":8195},{"title":"٩١","level":2,"page":8199},{"title":"٩٢","level":2,"page":8199},{"title":"٩٦","level":2,"page":8200},{"title":"٩٧","level":2,"page":8202},{"title":"سورة طه","level":1,"page":8205},{"title":"١","level":2,"page":8206},{"title":"٢","level":2,"page":8210},{"title":"٣","level":2,"page":8211},{"title":"٤","level":2,"page":8211},{"title":"٥","level":2,"page":8213},{"title":"٦","level":2,"page":8215},{"title":"٧","level":2,"page":8216},{"title":"٨","level":2,"page":8219},{"title":"٩","level":2,"page":8220},{"title":"١٠","level":2,"page":8221},{"title":"١١","level":2,"page":8224},{"title":"١٢","level":2,"page":8225},{"title":"١٣","level":2,"page":8230},{"title":"١٤","level":2,"page":8230},{"title":"١٥","level":2,"page":8231},{"title":"١٦","level":2,"page":8235},{"title":"١٧","level":2,"page":8236},{"title":"١٨","level":2,"page":8237},{"title":"١٩","level":2,"page":8241},{"title":"٢٠","level":2,"page":8241},{"title":"٢١","level":2,"page":8241},{"title":"٢٢","level":2,"page":8243},{"title":"٢٣","level":2,"page":8245},{"title":"٢٤","level":2,"page":8246},{"title":"٢٥","level":2,"page":8246},{"title":"٢٦","level":2,"page":8247},{"title":"٢٧","level":2,"page":8247},{"title":"٢٩","level":2,"page":8248},{"title":"٣٠","level":2,"page":8249},{"title":"٣١","level":2,"page":8249},{"title":"٣٢","level":2,"page":8250},{"title":"٣٣","level":2,"page":8251},{"title":"٣٤","level":2,"page":8251},{"title":"٣٧","level":2,"page":8252},{"title":"٣٨","level":2,"page":8252},{"title":"٣٩","level":2,"page":8252},{"title":"٤٠","level":2,"page":8259},{"title":"٤١","level":2,"page":8264},{"title":"٤٢","level":2,"page":8266},{"title":"٤٣","level":2,"page":8267},{"title":"٤٤","level":2,"page":8267},{"title":"٤٥","level":2,"page":8269},{"title":"٤٦","level":2,"page":8270},{"title":"٤٧","level":2,"page":8271},{"title":"٤٨","level":2,"page":8272},{"title":"٤٩","level":2,"page":8272},{"title":"٥٠","level":2,"page":8273},{"title":"٥١","level":2,"page":8275},{"title":"٥٢","level":2,"page":8276},{"title":"٥٣","level":2,"page":8278},{"title":"٥٤","level":2,"page":8281},{"title":"٥٥","level":2,"page":8283},{"title":"٥٦","level":2,"page":8283},{"title":"٥٧","level":2,"page":8284},{"title":"٥٨","level":2,"page":8284},{"title":"٥٩","level":2,"page":8290},{"title":"٦٠","level":2,"page":8292},{"title":"٦١","level":2,"page":8293},{"title":"٦٢","level":2,"page":8295},{"title":"٦٣","level":2,"page":8297},{"title":"٦٤","level":2,"page":8312},{"title":"٦٥","level":2,"page":8315},{"title":"٦٦","level":2,"page":8315},{"title":"٦٧","level":2,"page":8317},{"title":"٦٨","level":2,"page":8318},{"title":"٦٩","level":2,"page":8318},{"title":"٧٠","level":2,"page":8321},{"title":"٧١","level":2,"page":8322},{"title":"٧٢","level":2,"page":8324},{"title":"٧٣","level":2,"page":8325},{"title":"٧٤","level":2,"page":8326},{"title":"٧٥","level":2,"page":8329},{"title":"٧٦","level":2,"page":8331},{"title":"٧٧","level":2,"page":8331},{"title":"٧٨","level":2,"page":8337},{"title":"٧٩","level":2,"page":8339},{"title":"٨٠","level":2,"page":8339},{"title":"٨١","level":2,"page":8341},{"title":"٨٣","level":2,"page":8345},{"title":"٨٤","level":2,"page":8346},{"title":"٨٥","level":2,"page":8346},{"title":"٨٦","level":2,"page":8348},{"title":"٨٧","level":2,"page":8349},{"title":"٨٨","level":2,"page":8356},{"title":"٨٩","level":2,"page":8360},{"title":"٩٠","level":2,"page":8361},{"title":"٩١","level":2,"page":8361},{"title":"٩٢","level":2,"page":8362},{"title":"٩٣","level":2,"page":8362},{"title":"٩٤","level":2,"page":8363},{"title":"٩٥","level":2,"page":8365},{"title":"٩٦","level":2,"page":8366},{"title":"٩٧","level":2,"page":8368},{"title":"٩٨","level":2,"page":8374},{"title":"٩٩","level":2,"page":8374},{"title":"١٠٠","level":2,"page":8374},{"title":"١٠١","level":2,"page":8374},{"title":"١٠٢","level":2,"page":8375},{"title":"١٠٣","level":2,"page":8378},{"title":"١٠٤","level":2,"page":8379},{"title":"١٠٥","level":2,"page":8380},{"title":"١٠٦","level":2,"page":8381},{"title":"١٠٧","level":2,"page":8382},{"title":"١٠٨","level":2,"page":8385},{"title":"١٠٩","level":2,"page":8388},{"title":"١١٠","level":2,"page":8390},{"title":"١١١","level":2,"page":8391},{"title":"١١٢","level":2,"page":8394},{"title":"١١٣","level":2,"page":8397},{"title":"١١٤","level":2,"page":8398},{"title":"١١٥","level":2,"page":8401},{"title":"١١٧","level":2,"page":8403},{"title":"١١٨","level":2,"page":8404},{"title":"١١٩","level":2,"page":8405},{"title":"١٢٠","level":2,"page":8407},{"title":"١٢١","level":2,"page":8407},{"title":"١٢٢","level":2,"page":8408},{"title":"١٢٣","level":2,"page":8408},{"title":"١٢٤","level":2,"page":8409},{"title":"١٢٥","level":2,"page":8412},{"title":"١٢٦","level":2,"page":8412},{"title":"١٢٧","level":2,"page":8413},{"title":"١٢٨","level":2,"page":8413},{"title":"١٢٩","level":2,"page":8414},{"title":"١٣٠","level":2,"page":8416},{"title":"١٣١","level":2,"page":8418},{"title":"١٣٢","level":2,"page":8421},{"title":"١٣٣","level":2,"page":8422},{"title":"١٣٤","level":2,"page":8424},{"title":"١٣٥","level":2,"page":8424},{"title":"سورة الأنبياء","level":1,"page":8430},{"title":"١","level":2,"page":8431},{"title":"٢","level":2,"page":8434},{"title":"٣","level":2,"page":8435},{"title":"٤","level":2,"page":8440},{"title":"٥","level":2,"page":8441},{"title":"٦","level":2,"page":8443},{"title":"٧","level":2,"page":8445},{"title":"٨","level":2,"page":8447},{"title":"٩","level":2,"page":8448},{"title":"١٠","level":2,"page":8449},{"title":"١١","level":2,"page":8450},{"title":"١٢","level":2,"page":8452},{"title":"١٣","level":2,"page":8455},{"title":"١٤","level":2,"page":8457},{"title":"١٥","level":2,"page":8458},{"title":"١٦","level":2,"page":8459},{"title":"١٧","level":2,"page":8460},{"title":"١٨","level":2,"page":8463},{"title":"١٩","level":2,"page":8466},{"title":"٢٠","level":2,"page":8469},{"title":"٢١","level":2,"page":8469},{"title":"٢٢","level":2,"page":8470},{"title":"٢٣","level":2,"page":8474},{"title":"٢٤","level":2,"page":8475},{"title":"٢٦","level":2,"page":8478},{"title":"٢٧","level":2,"page":8478},{"title":"٢٨","level":2,"page":8478},{"title":"٢٩","level":2,"page":8479},{"title":"٣٠","level":2,"page":8479},{"title":"٣٢","level":2,"page":8486},{"title":"٣٣","level":2,"page":8488},{"title":"٣٤","level":2,"page":8493},{"title":"٣١","level":2,"page":8494},{"title":"٣٥","level":2,"page":8494},{"title":"٣٦","level":2,"page":8495},{"title":"٣٧","level":2,"page":8499},{"title":"٣٨","level":2,"page":8503},{"title":"٣٩","level":2,"page":8504},{"title":"٤٠","level":2,"page":8505},{"title":"٤١","level":2,"page":8506},{"title":"٤٢","level":2,"page":8506},{"title":"٤٣","level":2,"page":8508},{"title":"٤٤","level":2,"page":8512},{"title":"٤٥","level":2,"page":8514},{"title":"٤٦","level":2,"page":8516},{"title":"٤٧","level":2,"page":8517},{"title":"٤٨","level":2,"page":8521},{"title":"٤٩","level":2,"page":8524},{"title":"٥٠","level":2,"page":8524},{"title":"٥١","level":2,"page":8525},{"title":"٥٢","level":2,"page":8527},{"title":"٥٣ - ٥٥","level":2,"page":8528},{"title":"٥٦","level":2,"page":8528},{"title":"٥٧","level":2,"page":8528},{"title":"٥٨","level":2,"page":8529},{"title":"٥٩، ٦٠","level":2,"page":8531},{"title":"٦١","level":2,"page":8533},{"title":"٦٢","level":2,"page":8534},{"title":"٦٤","level":2,"page":8538},{"title":"٦٥","level":2,"page":8539},{"title":"٦٦","level":2,"page":8543},{"title":"٦٧","level":2,"page":8543},{"title":"٦٨","level":2,"page":8544},{"title":"٦٩","level":2,"page":8545},{"title":"٧٠","level":2,"page":8546},{"title":"٧١","level":2,"page":8547},{"title":"٧٢","level":2,"page":8548},{"title":"٧٣","level":2,"page":8552},{"title":"٧٤","level":2,"page":8553},{"title":"٧٥","level":2,"page":8554},{"title":"٧٦","level":2,"page":8555},{"title":"٧٨","level":2,"page":8556},{"title":"٧٧","level":2,"page":8556},{"title":"٧٩","level":2,"page":8560},{"title":"٨٠","level":2,"page":8566},{"title":"٨١","level":2,"page":8568},{"title":"٨٢","level":2,"page":8570},{"title":"٨٣","level":2,"page":8571},{"title":"٨٤","level":2,"page":8573},{"title":"٨٥","level":2,"page":8575},{"title":"٨٦","level":2,"page":8577},{"title":"٨٧","level":2,"page":8577},{"title":"٨٨","level":2,"page":8593},{"title":"٨٩","level":2,"page":8602},{"title":"٩٥","level":2,"page":8603},{"title":"٩١","level":2,"page":8605},{"title":"٩٢","level":2,"page":8609},{"title":"٩٣","level":2,"page":8612},{"title":"٩٤","level":2,"page":8614},{"title":"٩٥","level":2,"page":8615},{"title":"٩٦","level":2,"page":8622},{"title":"٩٧","level":2,"page":8625},{"title":"٩٨","level":2,"page":8630},{"title":"٩٩","level":2,"page":8633},{"title":"١٠٠","level":2,"page":8633},{"title":"١٠١","level":2,"page":8634},{"title":"١٠٢","level":2,"page":8638},{"title":"١٠٣","level":2,"page":8639},{"title":"١٠٤","level":2,"page":8642},{"title":"٠٥ ١","level":2,"page":8650},{"title":"١٠٦","level":2,"page":8652},{"title":"١٠٧","level":2,"page":8653},{"title":"١٠٨","level":2,"page":8655},{"title":"١٠٩","level":2,"page":8655},{"title":"١١١","level":2,"page":8657},{"title":"١١٢","level":2,"page":8657},{"title":"سورة الحج","level":1,"page":8661},{"title":"١","level":2,"page":8662},{"title":"٢","level":2,"page":8664},{"title":"٣","level":2,"page":8673},{"title":"٤","level":2,"page":8675},{"title":"٥","level":2,"page":8680},{"title":"٦","level":2,"page":8698},{"title":"٧","level":2,"page":8700},{"title":"٨","level":2,"page":8700},{"title":"٩","level":2,"page":8701},{"title":"١٠","level":2,"page":8705},{"title":"١١","level":2,"page":8706},{"title":"١٢","level":2,"page":8712},{"title":"١٣","level":2,"page":8712},{"title":"١٤","level":2,"page":8729},{"title":"١٥","level":2,"page":8730},{"title":"١٦","level":2,"page":8742},{"title":"١٧","level":2,"page":8742},{"title":"١٨","level":2,"page":8747},{"title":"١٩","level":2,"page":8752},{"title":"٢١","level":2,"page":8755},{"title":"٢٠","level":2,"page":8756},{"title":"٢١","level":2,"page":8759},{"title":"٢٢","level":2,"page":8760},{"title":"٢٣","level":2,"page":8760},{"title":"٢٤","level":2,"page":8762},{"title":"٢٥","level":2,"page":8763},{"title":"٢٦","level":2,"page":8777},{"title":"٢٧","level":2,"page":8780},{"title":"٢٨","level":2,"page":8784},{"title":"٢٩","level":2,"page":8792},{"title":"٣٠","level":2,"page":8799},{"title":"٣١","level":2,"page":8808},{"title":"٣٢","level":2,"page":8813},{"title":"٣٣","level":2,"page":8815},{"title":"٣٤","level":2,"page":8820},{"title":"٣٥","level":2,"page":8824},{"title":"٣٦","level":2,"page":8829},{"title":"٣٧","level":2,"page":8842},{"title":"٣٨","level":2,"page":8844},{"title":"٣٩","level":2,"page":8846},{"title":"٤٠","level":2,"page":8849},{"title":"٤١","level":2,"page":8857},{"title":"٤٢ - ٤٤","level":2,"page":8859},{"title":"٤٥","level":2,"page":8861},{"title":"٤٦","level":2,"page":8865},{"title":"٤٧","level":2,"page":8868},{"title":"٤٨ - ٥١","level":2,"page":8872},{"title":"٥٢","level":2,"page":8874},{"title":"٥٣","level":2,"page":8894},{"title":"٥٤","level":2,"page":8895},{"title":"٥٥","level":2,"page":8896},{"title":"٥٦ - ٥٧","level":2,"page":8901},{"title":"٥٨","level":2,"page":8901},{"title":"٥٩","level":2,"page":8903},{"title":"٦٠","level":2,"page":8903},{"title":"٦١","level":2,"page":8906},{"title":"٦٢","level":2,"page":8907},{"title":"٦٣","level":2,"page":8908},{"title":"٦٤","level":2,"page":8910},{"title":"٦٥","level":2,"page":8910},{"title":"٦٦","level":2,"page":8911},{"title":"٦٧","level":2,"page":8912},{"title":"٦٨، ٦٩","level":2,"page":8914},{"title":"٧٠","level":2,"page":8916},{"title":"٧١","level":2,"page":8917},{"title":"٧٢","level":2,"page":8917},{"title":"٧٣","level":2,"page":8920},{"title":"٧٤","level":2,"page":8924},{"title":"٧٥","level":2,"page":8925},{"title":"٧٦","level":2,"page":8926},{"title":"٧٧","level":2,"page":8926},{"title":"٧٨","level":2,"page":8927},{"title":"سورة المؤمنين","level":1,"page":8937},{"title":"٢","level":2,"page":8941},{"title":"٣","level":2,"page":8943},{"title":"٤","level":2,"page":8944},{"title":"٥","level":2,"page":8945},{"title":"٦","level":2,"page":8945},{"title":"٧","level":2,"page":8947},{"title":"٨","level":2,"page":8949},{"title":"٩","level":2,"page":8951},{"title":"١٠","level":2,"page":8952},{"title":"١١","level":2,"page":8954},{"title":"١٢","level":2,"page":8955},{"title":"١٣","level":2,"page":8958},{"title":"١٤","level":2,"page":8959},{"title":"١٥","level":2,"page":8964},{"title":"١٧","level":2,"page":8964},{"title":"١٨","level":2,"page":8966},{"title":"٢٠","level":2,"page":8968},{"title":"٢١","level":2,"page":8979},{"title":"٢٣","level":2,"page":8981},{"title":"٢٤","level":2,"page":8981},{"title":"٢٥","level":2,"page":8982},{"title":"٢٦","level":2,"page":8982},{"title":"٢٧، ٢٨","level":2,"page":8983},{"title":"٢٩","level":2,"page":8983},{"title":"٣٠","level":2,"page":8985},{"title":"٣١ - ٣٥","level":2,"page":8985},{"title":"٣٦","level":2,"page":8993},{"title":"٣٧","level":2,"page":9004},{"title":"٣٨","level":2,"page":9004},{"title":"٣٩","level":2,"page":9004},{"title":"٤٠","level":2,"page":9005},{"title":"٤١","level":2,"page":9005},{"title":"٤٢","level":2,"page":9007},{"title":"٤٣","level":2,"page":9007},{"title":"٤٤","level":2,"page":9008},{"title":"٤٥","level":2,"page":9013},{"title":"٤٦","level":2,"page":9014},{"title":"٤٧","level":2,"page":9014},{"title":"٤٩","level":2,"page":9015},{"title":"٥٠","level":2,"page":9016},{"title":"٥١","level":2,"page":9023},{"title":"٥٢","level":2,"page":9027},{"title":"٥٣","level":2,"page":9029},{"title":"٥٤","level":2,"page":9031},{"title":"٥٥، ٥٦","level":2,"page":9032},{"title":"٥٧","level":2,"page":9041},{"title":"٥٨","level":2,"page":9042},{"title":"٥٩","level":2,"page":9042},{"title":"٦٠","level":2,"page":9042},{"title":"٦١","level":2,"page":9046},{"title":"٦٢","level":2,"page":9048},{"title":"٦٣","level":2,"page":9049},{"title":"٦٤","level":2,"page":9052},{"title":"٦٥","level":2,"page":9055},{"title":"٦٦","level":2,"page":9055},{"title":"٦٧","level":2,"page":9056},{"title":"٦٨","level":2,"page":9067},{"title":"٦٩","level":2,"page":9067},{"title":"٧٠","level":2,"page":9068},{"title":"٧١","level":2,"page":9068},{"title":"٧٢","level":2,"page":9070},{"title":"٧٣","level":2,"page":9070},{"title":"٧٤","level":2,"page":9071},{"title":"٧٥","level":2,"page":9074},{"title":"٧٦","level":2,"page":9074},{"title":"٧٧","level":2,"page":9075},{"title":"٧٨","level":2,"page":9077},{"title":"٨٠","level":2,"page":9077},{"title":"٨٤","level":2,"page":9078},{"title":"٨٥","level":2,"page":9078},{"title":"٨٦","level":2,"page":9078},{"title":"٨٨","level":2,"page":9080},{"title":"٨٩","level":2,"page":9082},{"title":"٩٠","level":2,"page":9082},{"title":"٩٢","level":2,"page":9084},{"title":"٩٤","level":2,"page":9086},{"title":"٩٥","level":2,"page":9086},{"title":"٩٧","level":2,"page":9089},{"title":"٩٨","level":2,"page":9092},{"title":"٩٩","level":2,"page":9094},{"title":"١٠٠","level":2,"page":9097},{"title":"١٠١","level":2,"page":9100},{"title":"١٠٢","level":2,"page":9104},{"title":"١٠٤","level":2,"page":9104},{"title":"١٠٦","level":2,"page":9107},{"title":"١٠٧","level":2,"page":9107},{"title":"١٠٨","level":2,"page":9108},{"title":"١١٠","level":2,"page":9110},{"title":"١١١","level":2,"page":9115},{"title":"١١٢","level":2,"page":9116},{"title":"١١٣","level":2,"page":9117},{"title":"١١٤","level":2,"page":9118},{"title":"١١٥","level":2,"page":9119},{"title":"١١٦","level":2,"page":9120},{"title":"١١٧","level":2,"page":9121},{"title":"١١٨","level":2,"page":9122},{"title":"سورة النور","level":1,"page":9124},{"title":"١","level":2,"page":9124},{"title":"٢","level":2,"page":9127},{"title":"٣","level":2,"page":9134},{"title":"٤","level":2,"page":9150},{"title":"٥","level":2,"page":9152},{"title":"٦","level":2,"page":9167},{"title":"٧","level":2,"page":9171},{"title":"٨","level":2,"page":9173},{"title":"٩","level":2,"page":9173},{"title":"١٠","level":2,"page":9182},{"title":"١١","level":2,"page":9184},{"title":"١٢","level":2,"page":9194},{"title":"١٣","level":2,"page":9195},{"title":"١٤","level":2,"page":9196},{"title":"١٥","level":2,"page":9197},{"title":"١٦","level":2,"page":9198},{"title":"١٧","level":2,"page":9200},{"title":"١٨","level":2,"page":9200},{"title":"١٩","level":2,"page":9201},{"title":"٢٠","level":2,"page":9202},{"title":"٢١","level":2,"page":9203},{"title":"٢٢","level":2,"page":9205},{"title":"٢٣","level":2,"page":9210},{"title":"٢٤","level":2,"page":9214},{"title":"٢٥","level":2,"page":9214},{"title":"٢٦","level":2,"page":9215},{"title":"٢٧","level":2,"page":9221},{"title":"٢٨","level":2,"page":9227},{"title":"٢٩","level":2,"page":9227},{"title":"٣٠","level":2,"page":9229},{"title":"٣١","level":2,"page":9232},{"title":"٣٢","level":2,"page":9258},{"title":"٣٣","level":2,"page":9263},{"title":"٣٤","level":2,"page":9285},{"title":"٣٥","level":2,"page":9286},{"title":"٣٦","level":2,"page":9320},{"title":"٣٧","level":2,"page":9326},{"title":"٣٨","level":2,"page":9333},{"title":"٣٩","level":2,"page":9334},{"title":"٤٠","level":2,"page":9339},{"title":"٤١","level":2,"page":9349},{"title":"٤٢","level":2,"page":9351},{"title":"٤٣","level":2,"page":9352},{"title":"٤٤","level":2,"page":9361},{"title":"٤٧","level":2,"page":9364},{"title":"٤٨","level":2,"page":9365},{"title":"٤٩","level":2,"page":9365},{"title":"٥١","level":2,"page":9368},{"title":"٥٣","level":2,"page":9372},{"title":"٥٥","level":2,"page":9375},{"title":"٥٧","level":2,"page":9383},{"title":"٥٨","level":2,"page":9385},{"title":"٦٠","level":2,"page":9396},{"title":"٦١","level":2,"page":9401},{"title":"٦٢","level":2,"page":9419},{"title":"تفسير سورة الفرقان","level":1,"page":9430},{"title":"١","level":2,"page":9431},{"title":"٢","level":2,"page":9435},{"title":"٣","level":2,"page":9436},{"title":"٤","level":2,"page":9437},{"title":"٥","level":2,"page":9439},{"title":"٦","level":2,"page":9441},{"title":"٧","level":2,"page":9441},{"title":"٨","level":2,"page":9443},{"title":"٩","level":2,"page":9444},{"title":"١٠","level":2,"page":9447},{"title":"١١","level":2,"page":9450},{"title":"١٢","level":2,"page":9451},{"title":"١٣","level":2,"page":9455},{"title":"١٤","level":2,"page":9457},{"title":"١٥","level":2,"page":9459},{"title":"١٦","level":2,"page":9460},{"title":"١٧","level":2,"page":9462},{"title":"١٨","level":2,"page":9464},{"title":"١٩","level":2,"page":9470},{"title":"٢٠","level":2,"page":9473},{"title":"٢١","level":2,"page":9480},{"title":"٢٢","level":2,"page":9484},{"title":"٢٣","level":2,"page":9490},{"title":"٢٤","level":2,"page":9494},{"title":"٢٥","level":2,"page":9496},{"title":"٢٦","level":2,"page":9500},{"title":"٢٧","level":2,"page":9502},{"title":"٢٩","level":2,"page":9511},{"title":"٣٠","level":2,"page":9513},{"title":"٣١","level":2,"page":9516},{"title":"٣٢","level":2,"page":9519},{"title":"٣٣","level":2,"page":9525},{"title":"٣٤","level":2,"page":9527},{"title":"٣٥","level":2,"page":9528},{"title":"٣٦","level":2,"page":9529},{"title":"٣٧","level":2,"page":9532},{"title":"٣٨","level":2,"page":9534},{"title":"٣٩","level":2,"page":9539},{"title":"٤٠","level":2,"page":9539},{"title":"٤١","level":2,"page":9541},{"title":"٤٢","level":2,"page":9542},{"title":"٤٣","level":2,"page":9542},{"title":"٤٤","level":2,"page":9545},{"title":"٤٥","level":2,"page":9547},{"title":"٤٦","level":2,"page":9552},{"title":"٤٧","level":2,"page":9555},{"title":"٤٨","level":2,"page":9557},{"title":"٤٩","level":2,"page":9564},{"title":"٥٠","level":2,"page":9567},{"title":"٥١","level":2,"page":9570},{"title":"٥٢","level":2,"page":9571},{"title":"٥٣","level":2,"page":9572},{"title":"٥٤","level":2,"page":9578},{"title":"٥٥","level":2,"page":9581},{"title":"٥٦","level":2,"page":9585},{"title":"٥٧","level":2,"page":9585},{"title":"٥٨","level":2,"page":9586},{"title":"٥٩","level":2,"page":9586},{"title":"٦٠","level":2,"page":9590},{"title":"٦١","level":2,"page":9593},{"title":"٦٢","level":2,"page":9596},{"title":"٦٣","level":2,"page":9602},{"title":"٦٤","level":2,"page":9608},{"title":"٦٥","level":2,"page":9609},{"title":"٦٧","level":2,"page":9612},{"title":"٦٨","level":2,"page":9619},{"title":"٦٩","level":2,"page":9625},{"title":"٧٠","level":2,"page":9626},{"title":"٧١","level":2,"page":9629},{"title":"٧٢","level":2,"page":9632},{"title":"٧٤","level":2,"page":9640},{"title":"٧٥","level":2,"page":9647},{"title":"٧٦","level":2,"page":9650},{"title":"٧٧","level":2,"page":9650},{"title":"سورة الشعراء","level":1,"page":9663},{"title":"١","level":2,"page":9665},{"title":"٢","level":2,"page":9666},{"title":"٣","level":2,"page":9667},{"title":"٤","level":2,"page":9668},{"title":"٥","level":2,"page":9678},{"title":"٦","level":2,"page":9679},{"title":"٧","level":2,"page":9680},{"title":"٨","level":2,"page":9681},{"title":"٩","level":2,"page":9682},{"title":"١٠","level":2,"page":9682},{"title":"١١","level":2,"page":9683},{"title":"١٢","level":2,"page":9684},{"title":"١٣","level":2,"page":9684},{"title":"١٤","level":2,"page":9685},{"title":"١٥","level":2,"page":9686},{"title":"١٦","level":2,"page":9687},{"title":"١٧","level":2,"page":9689},{"title":"١٨","level":2,"page":9689},{"title":"١٩","level":2,"page":9690},{"title":"٢٠","level":2,"page":9691},{"title":"٢١","level":2,"page":9692},{"title":"٢٢","level":2,"page":9693},{"title":"٢٣","level":2,"page":9700},{"title":"٢٤","level":2,"page":9700},{"title":"٢٥","level":2,"page":9702},{"title":"٢٦","level":2,"page":9702},{"title":"٢٧","level":2,"page":9702},{"title":"٢٨","level":2,"page":9703},{"title":"٢٩","level":2,"page":9703},{"title":"٣٠","level":2,"page":9704},{"title":"٣٨","level":2,"page":9704},{"title":"٣٩","level":2,"page":9705},{"title":"٤٠","level":2,"page":9705},{"title":"٤٤","level":2,"page":9705},{"title":"٥٠","level":2,"page":9706},{"title":"٥١","level":2,"page":9706},{"title":"٥٢","level":2,"page":9707},{"title":"٥٣","level":2,"page":9708},{"title":"٥٤","level":2,"page":9708},{"title":"٥٥","level":2,"page":9709},{"title":"٥٦","level":2,"page":9710},{"title":"٥٧","level":2,"page":9713},{"title":"٥٨","level":2,"page":9713},{"title":"٥٩","level":2,"page":9714},{"title":"٦٠","level":2,"page":9714},{"title":"٦١","level":2,"page":9715},{"title":"٦٢","level":2,"page":9715},{"title":"٦٣","level":2,"page":9716},{"title":"٦٤","level":2,"page":9717},{"title":"٦٧","level":2,"page":9718},{"title":"٦٨","level":2,"page":9719},{"title":"٦٩","level":2,"page":9720},{"title":"٧٠، ٧١","level":2,"page":9720},{"title":"٧٢","level":2,"page":9720},{"title":"٧٣","level":2,"page":9721},{"title":"٧٤","level":2,"page":9722},{"title":"٧٥، ٧٦","level":2,"page":9722},{"title":"٧٧","level":2,"page":9722},{"title":"٧٨","level":2,"page":9725},{"title":"٧٩","level":2,"page":9726},{"title":"٨٠","level":2,"page":9726},{"title":"٨١","level":2,"page":9727},{"title":"٨٢","level":2,"page":9727},{"title":"٨٣","level":2,"page":9729},{"title":"٨٤","level":2,"page":9729},{"title":"٨٥","level":2,"page":9731},{"title":"٨٦","level":2,"page":9731},{"title":"٨٧","level":2,"page":9731},{"title":"٨٨","level":2,"page":9732},{"title":"٨٩","level":2,"page":9732},{"title":"٩٠","level":2,"page":9733},{"title":"٩١","level":2,"page":9733},{"title":"٩٢، ٩٣","level":2,"page":9734},{"title":"٩٤","level":2,"page":9734},{"title":"٩٥","level":2,"page":9736},{"title":"٩٦","level":2,"page":9736},{"title":"٩٧، ٩٨","level":2,"page":9736},{"title":"٩٩","level":2,"page":9736},{"title":"١٠٠","level":2,"page":9737},{"title":"١٠١","level":2,"page":9737},{"title":"١٠٢","level":2,"page":9738},{"title":"١٠٣","level":2,"page":9738},{"title":"١٠٥","level":2,"page":9739},{"title":"١٠٦","level":2,"page":9739},{"title":"٠٧ ١","level":2,"page":9740},{"title":"١٠٨","level":2,"page":9740},{"title":"١٠٩","level":2,"page":9740},{"title":"١١١","level":2,"page":9740},{"title":"١١٢","level":2,"page":9742},{"title":"١١٣","level":2,"page":9743},{"title":"١١٤","level":2,"page":9743},{"title":"١١٥","level":2,"page":9743},{"title":"١١٦","level":2,"page":9743},{"title":"١١٧، ١١٨","level":2,"page":9744},{"title":"١١٩","level":2,"page":9744},{"title":"١٢٠","level":2,"page":9747},{"title":"١٢١","level":2,"page":9747},{"title":"١٢٢","level":2,"page":9747},{"title":"١٢٣","level":2,"page":9748},{"title":"١٢٨","level":2,"page":9748},{"title":"١٢٩","level":2,"page":9751},{"title":"١٣٠","level":2,"page":9754},{"title":"١٣٢","level":2,"page":9755},{"title":"١٣٣ - ١٣٥","level":2,"page":9755},{"title":"١٣٦","level":2,"page":9756},{"title":"١٣٧، ١٣٨","level":2,"page":9756},{"title":"١٤٦","level":2,"page":9758},{"title":"١٤٧، ١٤٨","level":2,"page":9759},{"title":"١٤٩","level":2,"page":9762},{"title":"١٥١","level":2,"page":9765},{"title":"١٥٢","level":2,"page":9765},{"title":"١٥٣","level":2,"page":9765},{"title":"١٥٤","level":2,"page":9767},{"title":"١٥٥","level":2,"page":9767},{"title":"١٦٥","level":2,"page":9768},{"title":"١٦٦","level":2,"page":9768},{"title":"١٦٧","level":2,"page":9769},{"title":"١٦٨","level":2,"page":9769},{"title":"١٦٩","level":2,"page":9769},{"title":"١٧٠","level":2,"page":9769},{"title":"١٧١","level":2,"page":9770},{"title":"١٧٢","level":2,"page":9770},{"title":"١٧٣","level":2,"page":9770},{"title":"١٧٦","level":2,"page":9771},{"title":"١٧٧","level":2,"page":9774},{"title":"١٨١","level":2,"page":9776},{"title":"١٨٢","level":2,"page":9776},{"title":"١٨٤","level":2,"page":9776},{"title":"١٨٥","level":2,"page":9777},{"title":"١٨٦","level":2,"page":9777},{"title":"١٨٧","level":2,"page":9777},{"title":"١٨٨","level":2,"page":9777},{"title":"١٨٩","level":2,"page":9778},{"title":"١٩٢","level":2,"page":9779},{"title":"١٩٣","level":2,"page":9779},{"title":"١٩٤","level":2,"page":9780},{"title":"١٥٩","level":2,"page":9781},{"title":"١٩٦","level":2,"page":9781},{"title":"١٩٧","level":2,"page":9781},{"title":"١٩٨، ١٩٩","level":2,"page":9784},{"title":"٢٠٠","level":2,"page":9788},{"title":"٢٠١","level":2,"page":9789},{"title":"٢٠٢","level":2,"page":9790},{"title":"٢٠٣","level":2,"page":9791},{"title":"٢٠٤، ٢٠٥","level":2,"page":9791},{"title":"٢٠٦","level":2,"page":9792},{"title":"٢٠٧","level":2,"page":9792},{"title":"٢٠٨","level":2,"page":9792},{"title":"٢٠٩","level":2,"page":9792},{"title":"٢١٠","level":2,"page":9793},{"title":"٢١١","level":2,"page":9794},{"title":"٢١٢","level":2,"page":9794},{"title":"٢١٣","level":2,"page":9794},{"title":"٢١٤","level":2,"page":9795},{"title":"٢١٥","level":2,"page":9796},{"title":"٢١٦","level":2,"page":9797},{"title":"٢١٧","level":2,"page":9797},{"title":"٢١٨، ٢١٩","level":2,"page":9797},{"title":"٢٢٠","level":2,"page":9800},{"title":"٢٢١","level":2,"page":9800},{"title":"٢٢٢","level":2,"page":9800},{"title":"٢٢٣","level":2,"page":9801},{"title":"٢٢٤","level":2,"page":9803},{"title":"٢٢٥","level":2,"page":9805},{"title":"٢٢٦","level":2,"page":9807},{"title":"٢٢٧","level":2,"page":9808},{"title":"سورة النمل","level":1,"page":9811},{"title":"١","level":2,"page":9812},{"title":"٢","level":2,"page":9813},{"title":"٤","level":2,"page":9814},{"title":"٥","level":2,"page":9814},{"title":"٦","level":2,"page":9815},{"title":"٧","level":2,"page":9816},{"title":"٨","level":2,"page":9819},{"title":"٩","level":2,"page":9824},{"title":"١٠","level":2,"page":9825},{"title":"١١","level":2,"page":9828},{"title":"١٢","level":2,"page":9831},{"title":"١٣","level":2,"page":9833},{"title":"١٤","level":2,"page":9834},{"title":"١٥","level":2,"page":9835},{"title":"١٦","level":2,"page":9835},{"title":"١٧","level":2,"page":9839},{"title":"١٨","level":2,"page":9842},{"title":"١٩","level":2,"page":9847},{"title":"٢٠","level":2,"page":9849},{"title":"٢١","level":2,"page":9854},{"title":"٢٢","level":2,"page":9856},{"title":"٢٣","level":2,"page":9861},{"title":"٢٤","level":2,"page":9863},{"title":"٢٥","level":2,"page":9863},{"title":"٢٦","level":2,"page":9870},{"title":"٢٧","level":2,"page":9871},{"title":"٢٨","level":2,"page":9871},{"title":"٢٩","level":2,"page":9875},{"title":"٣٠","level":2,"page":9877},{"title":"٣١","level":2,"page":9878},{"title":"٣٢","level":2,"page":9880},{"title":"٣٣","level":2,"page":9880},{"title":"٣٤","level":2,"page":9881},{"title":"٣٥","level":2,"page":9883},{"title":"٣٦","level":2,"page":9885},{"title":"٣٧","level":2,"page":9887},{"title":"٣٨","level":2,"page":9888},{"title":"٣٩","level":2,"page":9890},{"title":"٤٠","level":2,"page":9892},{"title":"٤١","level":2,"page":9900},{"title":"٤٢","level":2,"page":9902},{"title":"٤٣","level":2,"page":9903},{"title":"٤٤","level":2,"page":9905},{"title":"٤٥","level":2,"page":9910},{"title":"٤٦","level":2,"page":9911},{"title":"٤٧","level":2,"page":9912},{"title":"٤٨","level":2,"page":9914},{"title":"٤٩","level":2,"page":9915},{"title":"٥٠","level":2,"page":9918},{"title":"٥١","level":2,"page":9919},{"title":"٥٢","level":2,"page":9921},{"title":"٥٣","level":2,"page":9922},{"title":"٥٤","level":2,"page":9923},{"title":"٥٥","level":2,"page":9924},{"title":"٥٧","level":2,"page":9924},{"title":"٥٨","level":2,"page":9924},{"title":"٥٩","level":2,"page":9925},{"title":"٦٠","level":2,"page":9927},{"title":"٦١","level":2,"page":9930},{"title":"٦٢","level":2,"page":9932},{"title":"٦٣","level":2,"page":9933},{"title":"٦٤","level":2,"page":9934},{"title":"٦٥","level":2,"page":9934},{"title":"٦٦","level":2,"page":9935},{"title":"٦٧","level":2,"page":9943},{"title":"٧٠","level":2,"page":9943},{"title":"٧١","level":2,"page":9945},{"title":"٧٢","level":2,"page":9945},{"title":"٧٣","level":2,"page":9949},{"title":"٧٤","level":2,"page":9949},{"title":"٧٥","level":2,"page":9949},{"title":"٧٦","level":2,"page":9950},{"title":"٧٧","level":2,"page":9950},{"title":"٧٨","level":2,"page":9951},{"title":"٧٩","level":2,"page":9951},{"title":"٨٠","level":2,"page":9951},{"title":"٨١","level":2,"page":9954},{"title":"٨٢","level":2,"page":9956},{"title":"٨٣","level":2,"page":9960},{"title":"٨٤","level":2,"page":9961},{"title":"٨٥","level":2,"page":9963},{"title":"٨٦","level":2,"page":9964},{"title":"٨٧","level":2,"page":9965},{"title":"٨٨","level":2,"page":9968},{"title":"٨٩","level":2,"page":9972},{"title":"٩٠","level":2,"page":9976},{"title":"٩١","level":2,"page":9976},{"title":"٩٢","level":2,"page":9979},{"title":"٩٣","level":2,"page":9979},{"title":"سورة القصص","level":1,"page":9982},{"title":"١، ٢","level":2,"page":9983},{"title":"٣","level":2,"page":9983},{"title":"٤","level":2,"page":9984},{"title":"٥","level":2,"page":9986},{"title":"٦","level":2,"page":9987},{"title":"٧","level":2,"page":9987},{"title":"٨","level":2,"page":9990},{"title":"٩","level":2,"page":9991},{"title":"١٠","level":2,"page":9993},{"title":"١١","level":2,"page":9997},{"title":"١٢","level":2,"page":10000},{"title":"١٣","level":2,"page":10003},{"title":"١٤","level":2,"page":10004},{"title":"١٥","level":2,"page":10006},{"title":"١٦","level":2,"page":10011},{"title":"١٧","level":2,"page":10011},{"title":"١٨","level":2,"page":10012},{"title":"١٩","level":2,"page":10016},{"title":"٢١","level":2,"page":10020},{"title":"٢٢","level":2,"page":10021},{"title":"٢٣","level":2,"page":10022},{"title":"٢٤","level":2,"page":10026},{"title":"٢٥","level":2,"page":10028},{"title":"٢٦","level":2,"page":10029},{"title":"٢٧","level":2,"page":10030},{"title":"٢٨","level":2,"page":10032},{"title":"٢٩","level":2,"page":10034},{"title":"٣٠","level":2,"page":10036},{"title":"٣١","level":2,"page":10038},{"title":"٣٢","level":2,"page":10039},{"title":"٣٤","level":2,"page":10046},{"title":"٣٥","level":2,"page":10049},{"title":"٣٦","level":2,"page":10051},{"title":"٣٧","level":2,"page":10051},{"title":"٣٨","level":2,"page":10052},{"title":"٣٩","level":2,"page":10054},{"title":"٤٠","level":2,"page":10054},{"title":"٤١","level":2,"page":10055},{"title":"٤٢","level":2,"page":10055},{"title":"٤٣","level":2,"page":10057},{"title":"٤٤","level":2,"page":10058},{"title":"٤٥","level":2,"page":10060},{"title":"٤٦","level":2,"page":10061},{"title":"٤٧","level":2,"page":10063},{"title":"٤٨","level":2,"page":10064},{"title":"٤٩","level":2,"page":10067},{"title":"٥٠","level":2,"page":10068},{"title":"٥١","level":2,"page":10069},{"title":"٥٢","level":2,"page":10070},{"title":"٥٣","level":2,"page":10070},{"title":"٥٤","level":2,"page":10071},{"title":"٥٥","level":2,"page":10072},{"title":"٥٦","level":2,"page":10074},{"title":"٥٧","level":2,"page":10077},{"title":"٥٨","level":2,"page":10081},{"title":"٥٩","level":2,"page":10083},{"title":"٦٠","level":2,"page":10085},{"title":"٦١","level":2,"page":10086},{"title":"٦٢","level":2,"page":10087},{"title":"٦٣","level":2,"page":10088},{"title":"٦٤","level":2,"page":10089},{"title":"٦٥","level":2,"page":10090},{"title":"٦٦","level":2,"page":10090},{"title":"٦٧","level":2,"page":10091},{"title":"٦٨","level":2,"page":10091},{"title":"٦٩","level":2,"page":10095},{"title":"٧٠","level":2,"page":10095},{"title":"٧١","level":2,"page":10095},{"title":"٧٢","level":2,"page":10096},{"title":"٧٣","level":2,"page":10097},{"title":"٧٤","level":2,"page":10099},{"title":"٧٥","level":2,"page":10099},{"title":"٧٦","level":2,"page":10100},{"title":"٧٧","level":2,"page":10110},{"title":"٧٨","level":2,"page":10112},{"title":"٧٩","level":2,"page":10116},{"title":"٨٠","level":2,"page":10118},{"title":"٨١","level":2,"page":10119},{"title":"٨٢","level":2,"page":10120},{"title":"٨٣","level":2,"page":10124},{"title":"٨٤","level":2,"page":10126},{"title":"٨٥","level":2,"page":10127},{"title":"٨٦","level":2,"page":10131},{"title":"٨٧","level":2,"page":10132},{"title":"٨٨","level":2,"page":10132},{"title":"سورة العنكبوت","level":1,"page":10136},{"title":"١، ٢","level":2,"page":10137},{"title":"٣","level":2,"page":10141},{"title":"٤","level":2,"page":10144},{"title":"٥","level":2,"page":10145},{"title":"٦","level":2,"page":10146},{"title":"٧","level":2,"page":10147},{"title":"٨","level":2,"page":10147},{"title":"٩","level":2,"page":10149},{"title":"١٠","level":2,"page":10149},{"title":"١١","level":2,"page":10152},{"title":"١٢","level":2,"page":10152},{"title":"١٣","level":2,"page":10154},{"title":"١٤","level":2,"page":10156},{"title":"١٥","level":2,"page":10156},{"title":"١٦","level":2,"page":10157},{"title":"١٧","level":2,"page":10157},{"title":"١٩","level":2,"page":10159},{"title":"٢٠","level":2,"page":10160},{"title":"٢٢","level":2,"page":10161},{"title":"٢٣","level":2,"page":10163},{"title":"٢٤","level":2,"page":10163},{"title":"٢٥","level":2,"page":10163},{"title":"٢٦","level":2,"page":10166},{"title":"٢٧","level":2,"page":10167},{"title":"٢٨","level":2,"page":10169},{"title":"٢٩","level":2,"page":10169},{"title":"٣٠","level":2,"page":10172},{"title":"٣١","level":2,"page":10173},{"title":"٣٣","level":2,"page":10173},{"title":"٣٤","level":2,"page":10175},{"title":"٣٥","level":2,"page":10175},{"title":"٣٦","level":2,"page":10175},{"title":"٣٨","level":2,"page":10175},{"title":"٤٠","level":2,"page":10177},{"title":"٤١","level":2,"page":10178},{"title":"٤٢","level":2,"page":10180},{"title":"٤٣","level":2,"page":10181},{"title":"٤٤","level":2,"page":10182},{"title":"٤٥","level":2,"page":10183},{"title":"٤٦","level":2,"page":10189},{"title":"٤٧","level":2,"page":10191},{"title":"٤٨","level":2,"page":10191},{"title":"٤٩","level":2,"page":10193},{"title":"٥٠","level":2,"page":10194},{"title":"٥١","level":2,"page":10195},{"title":"٥٢","level":2,"page":10195},{"title":"٥٣","level":2,"page":10196},{"title":"٥٤","level":2,"page":10197},{"title":"٥٥","level":2,"page":10197},{"title":"٥٦","level":2,"page":10199},{"title":"٥٧","level":2,"page":10200},{"title":"٥٨","level":2,"page":10201},{"title":"٥٩","level":2,"page":10205},{"title":"٦٠","level":2,"page":10205},{"title":"٦١","level":2,"page":10206},{"title":"٦٢","level":2,"page":10207},{"title":"٦٣","level":2,"page":10207},{"title":"٦٤","level":2,"page":10207},{"title":"٦٥","level":2,"page":10212},{"title":"٦٦","level":2,"page":10212},{"title":"٦٧","level":2,"page":10213},{"title":"٦٨","level":2,"page":10214},{"title":"٦٩","level":2,"page":10214},{"title":"تفسير سورة الروم","level":1,"page":10222},{"title":"١","level":2,"page":10222},{"title":"٢، ٣","level":2,"page":10222},{"title":"٣، ٤","level":2,"page":10225},{"title":"٤، ٥","level":2,"page":10229},{"title":"٦","level":2,"page":10230},{"title":"٧","level":2,"page":10230},{"title":"٨","level":2,"page":10232},{"title":"٩","level":2,"page":10233},{"title":"١٠","level":2,"page":10236},{"title":"١١","level":2,"page":10239},{"title":"١٢","level":2,"page":10239},{"title":"١٣","level":2,"page":10240},{"title":"١٤","level":2,"page":10240},{"title":"١٥","level":2,"page":10241},{"title":"١٦","level":2,"page":10243},{"title":"١٧","level":2,"page":10243},{"title":"١٨","level":2,"page":10244},{"title":"١٩","level":2,"page":10245},{"title":"٢٠","level":2,"page":10248},{"title":"٢١","level":2,"page":10248},{"title":"٢٢","level":2,"page":10250},{"title":"٢٣","level":2,"page":10250},{"title":"٢٤","level":2,"page":10251},{"title":"٢٥","level":2,"page":10253},{"title":"٢٦","level":2,"page":10255},{"title":"٢٧","level":2,"page":10256},{"title":"٢٨","level":2,"page":10262},{"title":"٢٩","level":2,"page":10265},{"title":"٣٠","level":2,"page":10266},{"title":"٣١","level":2,"page":10273},{"title":"٣٢","level":2,"page":10274},{"title":"٣٣","level":2,"page":10275},{"title":"٣٤","level":2,"page":10276},{"title":"٣٥","level":2,"page":10276},{"title":"٣٦","level":2,"page":10276},{"title":"٣٧","level":2,"page":10277},{"title":"٣٨","level":2,"page":10277},{"title":"٣٩","level":2,"page":10279},{"title":"٤١","level":2,"page":10284},{"title":"٤٢","level":2,"page":10288},{"title":"٤٣","level":2,"page":10289},{"title":"٤٤","level":2,"page":10289},{"title":"٤٥","level":2,"page":10290},{"title":"٤٦","level":2,"page":10290},{"title":"٤٧","level":2,"page":10290},{"title":"٤٨","level":2,"page":10291},{"title":"٤٩","level":2,"page":10292},{"title":"٥٠","level":2,"page":10293},{"title":"٥١","level":2,"page":10295},{"title":"٥٢، ٥٣","level":2,"page":10296},{"title":"٥٤","level":2,"page":10296},{"title":"٥٥","level":2,"page":10299},{"title":"٥٦","level":2,"page":10300},{"title":"٥٧","level":2,"page":10301},{"title":"٥٨","level":2,"page":10302},{"title":"٥٩","level":2,"page":10302},{"title":"٦٠","level":2,"page":10302},{"title":"سورة لقمان","level":1,"page":10305},{"title":"١، ٢","level":2,"page":10305},{"title":"٣","level":2,"page":10305},{"title":"٤","level":2,"page":10306},{"title":"٥","level":2,"page":10306},{"title":"٦","level":2,"page":10306},{"title":"١٠","level":2,"page":10312},{"title":"١٢","level":2,"page":10313},{"title":"١٣","level":2,"page":10315},{"title":"١٤","level":2,"page":10317},{"title":"١٥","level":2,"page":10320},{"title":"١٦","level":2,"page":10322},{"title":"١٧","level":2,"page":10325},{"title":"١٨","level":2,"page":10327},{"title":"١٩","level":2,"page":10329},{"title":"٢٠","level":2,"page":10332},{"title":"٢١","level":2,"page":10334},{"title":"٢٢","level":2,"page":10335},{"title":"٢٤","level":2,"page":10335},{"title":"٢٧","level":2,"page":10335},{"title":"٢٨","level":2,"page":10337},{"title":"٣١","level":2,"page":10338},{"title":"٣٢","level":2,"page":10339},{"title":"٣٣","level":2,"page":10341},{"title":"٣٤","level":2,"page":10341},{"title":"سورة السجدة","level":1,"page":10345},{"title":"١ - ٣","level":2,"page":10345},{"title":"٤","level":2,"page":10346},{"title":"٥","level":2,"page":10347},{"title":"٦","level":2,"page":10349},{"title":"٧","level":2,"page":10349},{"title":"٨","level":2,"page":10352},{"title":"٩","level":2,"page":10353},{"title":"١٠","level":2,"page":10354},{"title":"١١","level":2,"page":10356},{"title":"١٢","level":2,"page":10356},{"title":"١٣","level":2,"page":10357},{"title":"١٤","level":2,"page":10358},{"title":"١٥","level":2,"page":10360},{"title":"١٦","level":2,"page":10360},{"title":"١٧","level":2,"page":10363},{"title":"١٨","level":2,"page":10365},{"title":"١٩","level":2,"page":10366},{"title":"٢٠","level":2,"page":10366},{"title":"٢١","level":2,"page":10367},{"title":"٢٢","level":2,"page":10368},{"title":"٢٣","level":2,"page":10368},{"title":"٢٤","level":2,"page":10371},{"title":"٢٥","level":2,"page":10371},{"title":"٢٦","level":2,"page":10372},{"title":"٢٧","level":2,"page":10373},{"title":"٢٨","level":2,"page":10375},{"title":"٢٩","level":2,"page":10375},{"title":"سورة الأحزاب","level":1,"page":10378},{"title":"١","level":2,"page":10378},{"title":"٢","level":2,"page":10379},{"title":"٤","level":2,"page":10379},{"title":"٥","level":2,"page":10383},{"title":"٧","level":2,"page":10393},{"title":"٨","level":2,"page":10394},{"title":"٩","level":2,"page":10395},{"title":"١٠","level":2,"page":10396},{"title":"١١","level":2,"page":10402},{"title":"١٢","level":2,"page":10404},{"title":"١٣","level":2,"page":10405},{"title":"١٤","level":2,"page":10409},{"title":"١٥","level":2,"page":10414},{"title":"١٦","level":2,"page":10414},{"title":"١٧","level":2,"page":10415},{"title":"١٨","level":2,"page":10416},{"title":"١٩","level":2,"page":10417},{"title":"٢٠","level":2,"page":10421},{"title":"٢١","level":2,"page":10424},{"title":"٢٢","level":2,"page":10425},{"title":"٢٣","level":2,"page":10427},{"title":"٢٤","level":2,"page":10431},{"title":"٢٥","level":2,"page":10432},{"title":"٢٦","level":2,"page":10433},{"title":"٢٧","level":2,"page":10435},{"title":"٢٨","level":2,"page":10436},{"title":"٢٩","level":2,"page":10438},{"title":"٣٠","level":2,"page":10439},{"title":"٣١","level":2,"page":10442},{"title":"٣٢","level":2,"page":10443},{"title":"٣٣","level":2,"page":10445},{"title":"٣٣","level":2,"page":10450},{"title":"٣٤","level":2,"page":10452},{"title":"٣٥","level":2,"page":10453},{"title":"٣٥","level":2,"page":10455},{"title":"٣٦","level":2,"page":10460},{"title":"٣٧","level":2,"page":10462},{"title":"٣٨","level":2,"page":10469},{"title":"٣٩","level":2,"page":10470},{"title":"٤٠","level":2,"page":10471},{"title":"٤١","level":2,"page":10473},{"title":"٤٢","level":2,"page":10473},{"title":"٤٣","level":2,"page":10474},{"title":"٤٤","level":2,"page":10475},{"title":"٤٥","level":2,"page":10476},{"title":"٤٦","level":2,"page":10476},{"title":"٤٧","level":2,"page":10477},{"title":"٤٨","level":2,"page":10477},{"title":"٤٩","level":2,"page":10478},{"title":"٥٠","level":2,"page":10481},{"title":"٥١","level":2,"page":10487},{"title":"٥٢","level":2,"page":10490},{"title":"٥٣","level":2,"page":10493},{"title":"٥٤","level":2,"page":10497},{"title":"٥٥","level":2,"page":10498},{"title":"٥٦","level":2,"page":10499},{"title":"٥٧","level":2,"page":10501},{"title":"٥٨","level":2,"page":10502},{"title":"٥٩","level":2,"page":10503},{"title":"٦٠","level":2,"page":10505},{"title":"٦١","level":2,"page":10506},{"title":"٦٢","level":2,"page":10507},{"title":"٦٣","level":2,"page":10508},{"title":"٦٧","level":2,"page":10508},{"title":"٦٨","level":2,"page":10509},{"title":"٦٩","level":2,"page":10510},{"title":"٧٠","level":2,"page":10511},{"title":"٧١","level":2,"page":10513},{"title":"٧٢","level":2,"page":10513},{"title":"٧٣","level":2,"page":10518},{"title":"سورة سبأ","level":1,"page":10521},{"title":"١","level":2,"page":10521},{"title":"٢","level":2,"page":10521},{"title":"٣","level":2,"page":10522},{"title":"٤","level":2,"page":10523},{"title":"٥","level":2,"page":10523},{"title":"٦","level":2,"page":10524},{"title":"٧","level":2,"page":10525},{"title":"٨","level":2,"page":10529},{"title":"٩","level":2,"page":10529},{"title":"١٠","level":2,"page":10531},{"title":"١١","level":2,"page":10535},{"title":"١٢","level":2,"page":10539},{"title":"١٣","level":2,"page":10542},{"title":"١٤","level":2,"page":10545},{"title":"١٥","level":2,"page":10548},{"title":"١٦","level":2,"page":10552},{"title":"١٧","level":2,"page":10557},{"title":"١٨","level":2,"page":10559},{"title":"١٩","level":2,"page":10561},{"title":"٢٠","level":2,"page":10562},{"title":"٢١","level":2,"page":10564},{"title":"٢٢","level":2,"page":10565},{"title":"٢٣","level":2,"page":10566},{"title":"٢٤","level":2,"page":10571},{"title":"٢٥","level":2,"page":10574},{"title":"٢٦","level":2,"page":10575},{"title":"٢٧","level":2,"page":10575},{"title":"٢٨","level":2,"page":10576},{"title":"٢٩","level":2,"page":10577},{"title":"٣٠","level":2,"page":10578},{"title":"٣١","level":2,"page":10578},{"title":"٣٣","level":2,"page":10579},{"title":"٣٤","level":2,"page":10580},{"title":"٣٥","level":2,"page":10581},{"title":"٣٦","level":2,"page":10581},{"title":"٣٧","level":2,"page":10581},{"title":"٣٩","level":2,"page":10586},{"title":"٤٠","level":2,"page":10587},{"title":"٤١","level":2,"page":10587},{"title":"٤٢","level":2,"page":10588},{"title":"٤٤","level":2,"page":10588},{"title":"٤٥","level":2,"page":10589},{"title":"٤٦","level":2,"page":10590},{"title":"٤٧","level":2,"page":10593},{"title":"٤٨","level":2,"page":10594},{"title":"٤٩","level":2,"page":10596},{"title":"٥٠","level":2,"page":10597},{"title":"٥١","level":2,"page":10598},{"title":"٥٢","level":2,"page":10599},{"title":"٥٣","level":2,"page":10602},{"title":"٥٢","level":2,"page":10603},{"title":"٥٣","level":2,"page":10604},{"title":"٥٤","level":2,"page":10604},{"title":"سورة فاطر","level":1,"page":10606},{"title":"١","level":2,"page":10607},{"title":"٢","level":2,"page":10608},{"title":"٣","level":2,"page":10609},{"title":"٤","level":2,"page":10610},{"title":"٥","level":2,"page":10610},{"title":"٦","level":2,"page":10611},{"title":"٩","level":2,"page":10612},{"title":"١٠","level":2,"page":10613},{"title":"١١","level":2,"page":10617},{"title":"١٢","level":2,"page":10619},{"title":"١٣","level":2,"page":10619},{"title":"١٤","level":2,"page":10620},{"title":"١٥","level":2,"page":10621},{"title":"١٦","level":2,"page":10621},{"title":"١٨","level":2,"page":10622},{"title":"١٩","level":2,"page":10623},{"title":"٢٠","level":2,"page":10623},{"title":"٢١","level":2,"page":10623},{"title":"٢٢","level":2,"page":10624},{"title":"٢٣","level":2,"page":10625},{"title":"٢٤","level":2,"page":10625},{"title":"٢٦","level":2,"page":10626},{"title":"٢٧","level":2,"page":10626},{"title":"٢٨","level":2,"page":10629},{"title":"٢٩","level":2,"page":10630},{"title":"٣٠","level":2,"page":10630},{"title":"٣١","level":2,"page":10631},{"title":"٣٢","level":2,"page":10632},{"title":"٣٣","level":2,"page":10636},{"title":"٣٤","level":2,"page":10637},{"title":"٣٥","level":2,"page":10638},{"title":"٣٦","level":2,"page":10639},{"title":"٣٧","level":2,"page":10640},{"title":"٣٨","level":2,"page":10641},{"title":"٣٩","level":2,"page":10642},{"title":"٤٠","level":2,"page":10643},{"title":"٤١","level":2,"page":10644},{"title":"٤٢","level":2,"page":10647},{"title":"٤٣","level":2,"page":10647},{"title":"٤٥","level":2,"page":10652},{"title":"سورة يس","level":1,"page":10654},{"title":"١","level":2,"page":10655},{"title":"٢، ٣","level":2,"page":10656},{"title":"٤","level":2,"page":10656},{"title":"٥","level":2,"page":10657},{"title":"٦","level":2,"page":10658},{"title":"٧","level":2,"page":10659},{"title":"٨","level":2,"page":10660},{"title":"٩","level":2,"page":10663},{"title":"١٠","level":2,"page":10665},{"title":"١١","level":2,"page":10665},{"title":"١٢","level":2,"page":10666},{"title":"١٣","level":2,"page":10669},{"title":"١٤","level":2,"page":10669},{"title":"١٥","level":2,"page":10671},{"title":"١٦","level":2,"page":10671},{"title":"١٧","level":2,"page":10671},{"title":"١٨","level":2,"page":10671},{"title":"١٩","level":2,"page":10671},{"title":"٢٠","level":2,"page":10672},{"title":"٢١","level":2,"page":10673},{"title":"٢٢ - ٢٥","level":2,"page":10673},{"title":"٢٦","level":2,"page":10675},{"title":"٢٧","level":2,"page":10675},{"title":"٢٨","level":2,"page":10678},{"title":"٢٩","level":2,"page":10679},{"title":"٣٠","level":2,"page":10680},{"title":"٣١","level":2,"page":10681},{"title":"٣٢","level":2,"page":10682},{"title":"٣٣","level":2,"page":10684},{"title":"٣٤","level":2,"page":10684},{"title":"٣٥","level":2,"page":10684},{"title":"٣٦","level":2,"page":10686},{"title":"٣٧","level":2,"page":10687},{"title":"٣٨","level":2,"page":10688},{"title":"٣٩","level":2,"page":10690},{"title":"٤٠","level":2,"page":10692},{"title":"٤١","level":2,"page":10694},{"title":"٤٢","level":2,"page":10695},{"title":"٤٣","level":2,"page":10696},{"title":"٤٤","level":2,"page":10696},{"title":"٤٥","level":2,"page":10697},{"title":"٤٦","level":2,"page":10698},{"title":"٤٧","level":2,"page":10699},{"title":"٤٨","level":2,"page":10700},{"title":"٤٩","level":2,"page":10701},{"title":"٥٠","level":2,"page":10704},{"title":"٥١","level":2,"page":10704},{"title":"٥٢","level":2,"page":10706},{"title":"٥٣","level":2,"page":10708},{"title":"٥٤","level":2,"page":10708},{"title":"٥٦","level":2,"page":10711},{"title":"٥٧","level":2,"page":10713},{"title":"٥٨","level":2,"page":10714},{"title":"٥٩","level":2,"page":10715},{"title":"٦٠","level":2,"page":10716},{"title":"٦١","level":2,"page":10716},{"title":"٦٢","level":2,"page":10717},{"title":"٦٣","level":2,"page":10718},{"title":"٦٤","level":2,"page":10718},{"title":"٦٥","level":2,"page":10718},{"title":"٦٦","level":2,"page":10718},{"title":"٦٧","level":2,"page":10720},{"title":"٦٨","level":2,"page":10721},{"title":"٦٩","level":2,"page":10723},{"title":"٧٠","level":2,"page":10726},{"title":"٧١","level":2,"page":10727},{"title":"٧٢","level":2,"page":10728},{"title":"٧٣","level":2,"page":10729},{"title":"٧٤","level":2,"page":10729},{"title":"٧٥","level":2,"page":10729},{"title":"٧٦","level":2,"page":10731},{"title":"٧٧","level":2,"page":10731},{"title":"٧٨","level":2,"page":10732},{"title":"٧٩","level":2,"page":10733},{"title":"٨٠","level":2,"page":10733},{"title":"٨١","level":2,"page":10734},{"title":"٨٢","level":2,"page":10735},{"title":"٨٣","level":2,"page":10735},{"title":"تفسير سورة الصافات","level":1,"page":10743},{"title":"١","level":2,"page":10743},{"title":"٢","level":2,"page":10744},{"title":"٣","level":2,"page":10745},{"title":"٤","level":2,"page":10748},{"title":"٥","level":2,"page":10748},{"title":"٦","level":2,"page":10749},{"title":"٧","level":2,"page":10750},{"title":"٨","level":2,"page":10751},{"title":"٨","level":2,"page":10754},{"title":"٩","level":2,"page":10755},{"title":"١٠","level":2,"page":10756},{"title":"١١","level":2,"page":10758},{"title":"١٢","level":2,"page":10760},{"title":"١٦","level":2,"page":10765},{"title":"١٧","level":2,"page":10766},{"title":"١٨","level":2,"page":10766},{"title":"١٩","level":2,"page":10767},{"title":"٢٠","level":2,"page":10768},{"title":"٢١","level":2,"page":10768},{"title":"٢٢","level":2,"page":10768},{"title":"٢٣","level":2,"page":10770},{"title":"٢٤","level":2,"page":10770},{"title":"٢٦","level":2,"page":10772},{"title":"٢٧","level":2,"page":10773},{"title":"٢٨","level":2,"page":10773},{"title":"٣٠","level":2,"page":10776},{"title":"٣١","level":2,"page":10776},{"title":"٣٢","level":2,"page":10777},{"title":"٣٣","level":2,"page":10777},{"title":"٣٤ - ٣٧","level":2,"page":10777},{"title":"٤٠","level":2,"page":10779},{"title":"٤١","level":2,"page":10779},{"title":"٤٢","level":2,"page":10779},{"title":"٤٥","level":2,"page":10780},{"title":"٤٦","level":2,"page":10781},{"title":"٤٧","level":2,"page":10781},{"title":"٤٨","level":2,"page":10785},{"title":"٤٩","level":2,"page":10786},{"title":"٥٤","level":2,"page":10790},{"title":"٥٥","level":2,"page":10791},{"title":"٥٧","level":2,"page":10792},{"title":"٥٨ - ٦٠","level":2,"page":10794},{"title":"٦١","level":2,"page":10795},{"title":"٦٣","level":2,"page":10797},{"title":"٦٤","level":2,"page":10797},{"title":"٦٥","level":2,"page":10798},{"title":"٦٦","level":2,"page":10799},{"title":"٦٧","level":2,"page":10799},{"title":"٦٨","level":2,"page":10800},{"title":"٦٩","level":2,"page":10800},{"title":"٧٠","level":2,"page":10800},{"title":"٧٦","level":2,"page":10802},{"title":"٧٧","level":2,"page":10802},{"title":"٧٨","level":2,"page":10803},{"title":"٨٠","level":2,"page":10804},{"title":"٨٤","level":2,"page":10805},{"title":"٨٥","level":2,"page":10805},{"title":"٨٦","level":2,"page":10805},{"title":"٨٧","level":2,"page":10806},{"title":"٩١","level":2,"page":10808},{"title":"٩٥","level":2,"page":10813},{"title":"٩٨","level":2,"page":10814},{"title":"٩٩","level":2,"page":10814},{"title":"١٠١","level":2,"page":10816},{"title":"١٠٢","level":2,"page":10817},{"title":"١٠٣","level":2,"page":10824},{"title":"١٠٤، ١٠٥","level":2,"page":10826},{"title":"١٠٦","level":2,"page":10828},{"title":"١٠٧","level":2,"page":10829},{"title":"١٠٨","level":2,"page":10830},{"title":"١١٢","level":2,"page":10831},{"title":"١٢٣","level":2,"page":10832},{"title":"١٢٤","level":2,"page":10833},{"title":"١٢٥","level":2,"page":10834},{"title":"١٢٦","level":2,"page":10835},{"title":"١٢٨","level":2,"page":10836},{"title":"١٢٧","level":2,"page":10836},{"title":"١٣٠","level":2,"page":10836},{"title":"١٣٣","level":2,"page":10839},{"title":"١٣٨","level":2,"page":10840},{"title":"١٤٣","level":2,"page":10843},{"title":"١٤٧","level":2,"page":10849},{"title":"١٤٨","level":2,"page":10853},{"title":"١٤٩","level":2,"page":10853},{"title":"١٥٠","level":2,"page":10854},{"title":"١٥١","level":2,"page":10855},{"title":"١٥٣","level":2,"page":10855},{"title":"١٥٤","level":2,"page":10856},{"title":"١٥٦","level":2,"page":10856},{"title":"١٥٧","level":2,"page":10857},{"title":"١٥٨","level":2,"page":10857},{"title":"١٥٩","level":2,"page":10859},{"title":"١٦١، ١٦٢","level":2,"page":10859},{"title":"١٦٤","level":2,"page":10860},{"title":"١٦٧","level":2,"page":10862},{"title":"١٧١","level":2,"page":10864},{"title":"١٧٣","level":2,"page":10864},{"title":"١٧٤","level":2,"page":10864},{"title":"١٧٥ - ١٧٧","level":2,"page":10865},{"title":"١٧٩","level":2,"page":10866},{"title":"١٨٠","level":2,"page":10866},{"title":"١٨١","level":2,"page":10867},{"title":"١٨٢","level":2,"page":10867},{"title":"سورة ص","level":1,"page":10868},{"title":"١","level":2,"page":10869},{"title":"٢","level":2,"page":10876},{"title":"٣","level":2,"page":10876},{"title":"٥","level":2,"page":10886},{"title":"٦","level":2,"page":10888},{"title":"تفسير سورة الزخرف","level":1,"page":10896},{"title":"١، ٢","level":2,"page":10896},{"title":"٣","level":2,"page":10896},{"title":"٤","level":2,"page":10897},{"title":"٥","level":2,"page":10898},{"title":"٦ - ٨","level":2,"page":10901},{"title":"٩","level":2,"page":10903},{"title":"١٠","level":2,"page":10903},{"title":"١١","level":2,"page":10904},{"title":"١٢","level":2,"page":10905},{"title":"١٣","level":2,"page":10905},{"title":"١٥","level":2,"page":10907},{"title":"١٦","level":2,"page":10908},{"title":"١٧","level":2,"page":10909},{"title":"١٨","level":2,"page":10910},{"title":"١٩","level":2,"page":10912},{"title":"٢٠","level":2,"page":10915},{"title":"٢١","level":2,"page":10916},{"title":"٢٢","level":2,"page":10917},{"title":"٢٣","level":2,"page":10918},{"title":"٢٤","level":2,"page":10918},{"title":"٢٥","level":2,"page":10919},{"title":"٢٦","level":2,"page":10919},{"title":"٢٧","level":2,"page":10919},{"title":"٢٨","level":2,"page":10919},{"title":"٢٩","level":2,"page":10921},{"title":"٣٠، ٣١","level":2,"page":10922},{"title":"٣٢","level":2,"page":10923},{"title":"٣٣","level":2,"page":10925},{"title":"٣٤","level":2,"page":10928},{"title":"٣٥","level":2,"page":10929},{"title":"٣٦","level":2,"page":10931},{"title":"٣٧","level":2,"page":10934},{"title":"٣٨","level":2,"page":10934},{"title":"٣٩","level":2,"page":10935},{"title":"٤٠","level":2,"page":10937},{"title":"٤١","level":2,"page":10937},{"title":"٤٢","level":2,"page":10938},{"title":"٤٣، ٤٤","level":2,"page":10939},{"title":"٤٥","level":2,"page":10940},{"title":"٤٦","level":2,"page":10943},{"title":"٤٨","level":2,"page":10943},{"title":"٤٩","level":2,"page":10944},{"title":"٥٠","level":2,"page":10944},{"title":"٥١","level":2,"page":10945},{"title":"٥٢","level":2,"page":10945},{"title":"٥٣","level":2,"page":10949},{"title":"٥٤","level":2,"page":10949},{"title":"٥٥","level":2,"page":10951},{"title":"٥٦","level":2,"page":10951},{"title":"٥٧","level":2,"page":10953},{"title":"٥٨","level":2,"page":10956},{"title":"٥٩","level":2,"page":10957},{"title":"٦٠","level":2,"page":10958},{"title":"٦١","level":2,"page":10959},{"title":"٦٣","level":2,"page":10960},{"title":"٦٦، ٦٧","level":2,"page":10961},{"title":"٦٨","level":2,"page":10962},{"title":"٦٩، ٧٠","level":2,"page":10962},{"title":"٧١","level":2,"page":10962},{"title":"٧٢","level":2,"page":10965},{"title":"٧٦","level":2,"page":10966},{"title":"٧٧","level":2,"page":10966},{"title":"٧٨","level":2,"page":10967},{"title":"٧٩","level":2,"page":10967},{"title":"٨٠","level":2,"page":10968},{"title":"٨١","level":2,"page":10968},{"title":"٨٢","level":2,"page":10972},{"title":"٨٣","level":2,"page":10972},{"title":"٨٤","level":2,"page":10972},{"title":"٨٦","level":2,"page":10973},{"title":"٨٧","level":2,"page":10975},{"title":"٨٨","level":2,"page":10975},{"title":"سورة الدخان","level":1,"page":10980},{"title":"١، ٢","level":2,"page":10981},{"title":"٣","level":2,"page":10981},{"title":"٤","level":2,"page":10983},{"title":"٥","level":2,"page":10984},{"title":"٦","level":2,"page":10984},{"title":"٧","level":2,"page":10985},{"title":"٩","level":2,"page":10986},{"title":"١٠","level":2,"page":10986},{"title":"١١","level":2,"page":10988},{"title":"١٢","level":2,"page":10988},{"title":"١٣","level":2,"page":10988},{"title":"١٤","level":2,"page":10989},{"title":"١٥","level":2,"page":10989},{"title":"١٦","level":2,"page":10989},{"title":"١٧","level":2,"page":10990},{"title":"١٨","level":2,"page":10991},{"title":"١٩","level":2,"page":10992},{"title":"٢٠","level":2,"page":10992},{"title":"٢١","level":2,"page":10993},{"title":"٢٢","level":2,"page":10993},{"title":"٢٣","level":2,"page":10993},{"title":"٢٤","level":2,"page":10994},{"title":"٢٥","level":2,"page":10997},{"title":"٢٦","level":2,"page":10997},{"title":"٢٧","level":2,"page":10997},{"title":"٢٨","level":2,"page":10997},{"title":"٢٩","level":2,"page":10998},{"title":"٣٠","level":2,"page":11000},{"title":"٣١","level":2,"page":11000},{"title":"٣٢","level":2,"page":11000},{"title":"٣٣","level":2,"page":11001},{"title":"٣٤، ٣٥","level":2,"page":11002},{"title":"٣٦","level":2,"page":11002},{"title":"٣٧","level":2,"page":11002},{"title":"٣٨","level":2,"page":11004},{"title":"٣٩","level":2,"page":11004},{"title":"٤٠","level":2,"page":11004},{"title":"٤١","level":2,"page":11004},{"title":"٤٢","level":2,"page":11005},{"title":"٤٥","level":2,"page":11006},{"title":"٤٦","level":2,"page":11007},{"title":"٤٧","level":2,"page":11007},{"title":"٤٨","level":2,"page":11008},{"title":"٥١، ٥٢","level":2,"page":11010},{"title":"٥٣","level":2,"page":11011},{"title":"٥٤","level":2,"page":11011},{"title":"٥٥","level":2,"page":11014},{"title":"٥٦","level":2,"page":11014},{"title":"٥٧","level":2,"page":11015},{"title":"٥٨","level":2,"page":11016},{"title":"سورة الجاثية","level":1,"page":11017},{"title":"١، ٢","level":2,"page":11018},{"title":"٣","level":2,"page":11018},{"title":"٤","level":2,"page":11018},{"title":"٥","level":2,"page":11020},{"title":"٦","level":2,"page":11021},{"title":"٧","level":2,"page":11022},{"title":"٩","level":2,"page":11022},{"title":"١٠","level":2,"page":11022},{"title":"١١","level":2,"page":11023},{"title":"١٢، ١٣","level":2,"page":11024},{"title":"١٤","level":2,"page":11024},{"title":"١٥","level":2,"page":11028},{"title":"١٦","level":2,"page":11028},{"title":"١٧","level":2,"page":11028},{"title":"١٨","level":2,"page":11029},{"title":"١٩","level":2,"page":11029},{"title":"٢٠","level":2,"page":11030},{"title":"٢١","level":2,"page":11030},{"title":"٢٢","level":2,"page":11035},{"title":"٢٣","level":2,"page":11035},{"title":"٢٤","level":2,"page":11036},{"title":"٢٧","level":2,"page":11038},{"title":"٢٨","level":2,"page":11038},{"title":"٢٩","level":2,"page":11039},{"title":"٣١","level":2,"page":11041},{"title":"٣٢","level":2,"page":11041},{"title":"٣٣","level":2,"page":11042},{"title":"٣٤","level":2,"page":11043},{"title":"٣٥","level":2,"page":11043},{"title":"سورة الأحقاف","level":1,"page":11044},{"title":"١","level":2,"page":11045},{"title":"٣","level":2,"page":11045},{"title":"٤","level":2,"page":11045},{"title":"٥","level":2,"page":11049},{"title":"٦","level":2,"page":11049},{"title":"٨","level":2,"page":11049},{"title":"٩","level":2,"page":11051},{"title":"١٠","level":2,"page":11053},{"title":"١١","level":2,"page":11056},{"title":"١٢","level":2,"page":11059},{"title":"١٣","level":2,"page":11061},{"title":"١٥","level":2,"page":11061},{"title":"١٦","level":2,"page":11067},{"title":"١٧","level":2,"page":11070},{"title":"١٨","level":2,"page":11071},{"title":"١٩","level":2,"page":11072},{"title":"٢٠","level":2,"page":11073},{"title":"٢١","level":2,"page":11074},{"title":"٢٢","level":2,"page":11077},{"title":"٢٣","level":2,"page":11078},{"title":"٢٤","level":2,"page":11078},{"title":"٢٥","level":2,"page":11080},{"title":"٢٦","level":2,"page":11081},{"title":"٢٧","level":2,"page":11083},{"title":"٢٨","level":2,"page":11083},{"title":"٢٩","level":2,"page":11084},{"title":"٣٠","level":2,"page":11086},{"title":"٣١","level":2,"page":11086},{"title":"٣٢","level":2,"page":11087},{"title":"٣٣","level":2,"page":11088},{"title":"٣٥","level":2,"page":11090},{"title":"سورة محمد","level":1,"page":11094},{"title":"١","level":2,"page":11095},{"title":"٢","level":2,"page":11096},{"title":"٣","level":2,"page":11098},{"title":"٤","level":2,"page":11099},{"title":"٥","level":2,"page":11107},{"title":"٦","level":2,"page":11107},{"title":"٧","level":2,"page":11110},{"title":"٨","level":2,"page":11110},{"title":"٩","level":2,"page":11113},{"title":"١٠","level":2,"page":11114},{"title":"١١","level":2,"page":11114},{"title":"١٢","level":2,"page":11115},{"title":"١٣","level":2,"page":11116},{"title":"١٤","level":2,"page":11117},{"title":"١٥","level":2,"page":11117},{"title":"١٦","level":2,"page":11122},{"title":"١٧","level":2,"page":11124},{"title":"١٨","level":2,"page":11126},{"title":"١٩","level":2,"page":11129},{"title":"٢٠","level":2,"page":11131},{"title":"٢١","level":2,"page":11134},{"title":"٢٢","level":2,"page":11137},{"title":"٢٣","level":2,"page":11139},{"title":"٢٤","level":2,"page":11139},{"title":"٢٥","level":2,"page":11140},{"title":"٢٦","level":2,"page":11142},{"title":"٢٧","level":2,"page":11143},{"title":"٢٨","level":2,"page":11143},{"title":"٢٩","level":2,"page":11143},{"title":"٣٠","level":2,"page":11144},{"title":"٣١","level":2,"page":11151},{"title":"٣٢","level":2,"page":11152},{"title":"٣٣","level":2,"page":11153},{"title":"٣٥","level":2,"page":11154},{"title":"٣٦","level":2,"page":11156},{"title":"٣٧","level":2,"page":11156},{"title":"٣٨","level":2,"page":11157},{"title":"سورة الفتح","level":1,"page":11160},{"title":"١","level":2,"page":11161},{"title":"٢","level":2,"page":11163},{"title":"٣","level":2,"page":11166},{"title":"٤","level":2,"page":11166},{"title":"٥","level":2,"page":11167},{"title":"٦","level":2,"page":11168},{"title":"٧","level":2,"page":11170},{"title":"٨","level":2,"page":11170},{"title":"٩","level":2,"page":11171},{"title":"١٠","level":2,"page":11172},{"title":"١١","level":2,"page":11175},{"title":"١٢","level":2,"page":11178},{"title":"١٣","level":2,"page":11179},{"title":"١٤","level":2,"page":11179},{"title":"١٥","level":2,"page":11179},{"title":"١٦","level":2,"page":11182},{"title":"١٧","level":2,"page":11184},{"title":"١٨","level":2,"page":11185},{"title":"١٩","level":2,"page":11188},{"title":"٢٠","level":2,"page":11188},{"title":"٢١","level":2,"page":11190},{"title":"٢٢","level":2,"page":11191},{"title":"٢٣","level":2,"page":11192},{"title":"٢٤","level":2,"page":11192},{"title":"٢٥","level":2,"page":11195},{"title":"٢٦","level":2,"page":11200},{"title":"٢٧","level":2,"page":11203},{"title":"٢٨","level":2,"page":11207},{"title":"٢٩","level":2,"page":11207},{"title":"سورة الحجرات","level":1,"page":11218},{"title":"١","level":2,"page":11219},{"title":"٢","level":2,"page":11222},{"title":"٣","level":2,"page":11224},{"title":"٤","level":2,"page":11227},{"title":"٥","level":2,"page":11228},{"title":"٦","level":2,"page":11228},{"title":"٧","level":2,"page":11229},{"title":"٩","level":2,"page":11231},{"title":"١١","level":2,"page":11236},{"title":"١٢","level":2,"page":11239},{"title":"١٣","level":2,"page":11242},{"title":"١٤","level":2,"page":11247},{"title":"١٥","level":2,"page":11250},{"title":"١٦","level":2,"page":11251},{"title":"١٧","level":2,"page":11251},{"title":"تفسير سورة ق","level":1,"page":11253},{"title":"١","level":2,"page":11253},{"title":"٢","level":2,"page":11256},{"title":"٣","level":2,"page":11257},{"title":"٤","level":2,"page":11258},{"title":"٥","level":2,"page":11259},{"title":"٦","level":2,"page":11261},{"title":"٨","level":2,"page":11262},{"title":"٩","level":2,"page":11262},{"title":"١٠","level":2,"page":11263},{"title":"١١","level":2,"page":11265},{"title":"١٢ - ١٤","level":2,"page":11266},{"title":"١٥","level":2,"page":11266},{"title":"١٦","level":2,"page":11267},{"title":"١٧","level":2,"page":11269},{"title":"١٨","level":2,"page":11273},{"title":"١٩","level":2,"page":11273},{"title":"٢٠","level":2,"page":11274},{"title":"٢١","level":2,"page":11275},{"title":"٢٣","level":2,"page":11276},{"title":"٢٢","level":2,"page":11276},{"title":"٢٤","level":2,"page":11277},{"title":"٢٥","level":2,"page":11280},{"title":"٢٧","level":2,"page":11280},{"title":"٢٩","level":2,"page":11282},{"title":"٣٠","level":2,"page":11284},{"title":"٣١","level":2,"page":11286},{"title":"٣٢","level":2,"page":11287},{"title":"٣٣","level":2,"page":11288},{"title":"٣٤","level":2,"page":11289},{"title":"٣٥","level":2,"page":11289},{"title":"٣٦","level":2,"page":11291},{"title":"٣٧","level":2,"page":11292},{"title":"٣٨","level":2,"page":11293},{"title":"٣٩","level":2,"page":11294},{"title":"٤٠","level":2,"page":11294},{"title":"٤١","level":2,"page":11296},{"title":"٤٢","level":2,"page":11297},{"title":"٤٣","level":2,"page":11298},{"title":"٤٤","level":2,"page":11298},{"title":"٤٥","level":2,"page":11298},{"title":"سورة الذاريات","level":1,"page":11301},{"title":"١","level":2,"page":11302},{"title":"٢","level":2,"page":11302},{"title":"٣","level":2,"page":11302},{"title":"٤","level":2,"page":11303},{"title":"٥","level":2,"page":11304},{"title":"٦","level":2,"page":11305},{"title":"٧","level":2,"page":11305},{"title":"٨","level":2,"page":11307},{"title":"٩","level":2,"page":11308},{"title":"١٠","level":2,"page":11308},{"title":"١١","level":2,"page":11310},{"title":"١٢","level":2,"page":11310},{"title":"١٣","level":2,"page":11311},{"title":"١٤","level":2,"page":11312},{"title":"١٥، ١٦","level":2,"page":11312},{"title":"١٧","level":2,"page":11313},{"title":"١٨","level":2,"page":11315},{"title":"١٩","level":2,"page":11316},{"title":"٢٠","level":2,"page":11318},{"title":"٢١","level":2,"page":11319},{"title":"٢٢","level":2,"page":11319},{"title":"٢٣","level":2,"page":11320},{"title":"٢٤","level":2,"page":11325},{"title":"٢٥","level":2,"page":11326},{"title":"٢٦","level":2,"page":11327},{"title":"٢٧ - ٢٩","level":2,"page":11328},{"title":"٣٠","level":2,"page":11330},{"title":"٣١ - ٣٤","level":2,"page":11330},{"title":"٣٥","level":2,"page":11330},{"title":"٣٦","level":2,"page":11330},{"title":"٣٧","level":2,"page":11331},{"title":"٣٨","level":2,"page":11331},{"title":"٣٩","level":2,"page":11332},{"title":"٤١","level":2,"page":11332},{"title":"٤٢","level":2,"page":11334},{"title":"٤٣","level":2,"page":11334},{"title":"٤٤","level":2,"page":11334},{"title":"٤٥","level":2,"page":11336},{"title":"٤٦","level":2,"page":11337},{"title":"٤٧","level":2,"page":11338},{"title":"٤٨","level":2,"page":11339},{"title":"٥٠","level":2,"page":11340},{"title":"٤٩","level":2,"page":11340},{"title":"٥١","level":2,"page":11340},{"title":"٥٢","level":2,"page":11340},{"title":"٥٣","level":2,"page":11341},{"title":"٥٤، ٥٥","level":2,"page":11341},{"title":"٥٦","level":2,"page":11342},{"title":"٥٧","level":2,"page":11345},{"title":"٥٨","level":2,"page":11346},{"title":"٥٩","level":2,"page":11347},{"title":"٦٠","level":2,"page":11348},{"title":"سورة الطور","level":1,"page":11349},{"title":"١","level":2,"page":11350},{"title":"٢","level":2,"page":11350},{"title":"٣","level":2,"page":11351},{"title":"٤","level":2,"page":11352},{"title":"٥","level":2,"page":11353},{"title":"٦","level":2,"page":11354},{"title":"٧","level":2,"page":11356},{"title":"٩","level":2,"page":11357},{"title":"١٠","level":2,"page":11357},{"title":"١١","level":2,"page":11358},{"title":"١٢","level":2,"page":11358},{"title":"١٣","level":2,"page":11358},{"title":"١٤","level":2,"page":11359},{"title":"١٥","level":2,"page":11359},{"title":"١٦","level":2,"page":11360},{"title":"١٨","level":2,"page":11360},{"title":"١٩","level":2,"page":11361},{"title":"٢٠","level":2,"page":11362},{"title":"٢١","level":2,"page":11362},{"title":"٢٢","level":2,"page":11367},{"title":"٢٣","level":2,"page":11367},{"title":"٢٤","level":2,"page":11369},{"title":"٢٧","level":2,"page":11371},{"title":"٢٨","level":2,"page":11371},{"title":"٢٨","level":2,"page":11373},{"title":"٢٩","level":2,"page":11374},{"title":"٣٠","level":2,"page":11375},{"title":"٣١","level":2,"page":11377},{"title":"٣٢","level":2,"page":11377},{"title":"٣٣","level":2,"page":11379},{"title":"٣٥","level":2,"page":11379},{"title":"٣٦","level":2,"page":11380},{"title":"٣٧","level":2,"page":11381},{"title":"٣٨","level":2,"page":11383},{"title":"٣٩","level":2,"page":11384},{"title":"٤١","level":2,"page":11384},{"title":"٤٢","level":2,"page":11385},{"title":"٤٣","level":2,"page":11385},{"title":"٤٤","level":2,"page":11386},{"title":"٤٥","level":2,"page":11386},{"title":"٤٧","level":2,"page":11387},{"title":"٤٨","level":2,"page":11387},{"title":"٤٩","level":2,"page":11388},{"title":"سورة النجم","level":1,"page":11395},{"title":"١","level":2,"page":11396},{"title":"٢","level":2,"page":11400},{"title":"٣","level":2,"page":11400},{"title":"٤","level":2,"page":11401},{"title":"٥","level":2,"page":11401},{"title":"٦","level":2,"page":11401},{"title":"٧","level":2,"page":11403},{"title":"٨","level":2,"page":11405},{"title":"٩","level":2,"page":11407},{"title":"١٠، ١١","level":2,"page":11410},{"title":"١٢","level":2,"page":11415},{"title":"١٣","level":2,"page":11418},{"title":"١٤","level":2,"page":11419},{"title":"١٥","level":2,"page":11421},{"title":"١٦","level":2,"page":11421},{"title":"١٧","level":2,"page":11423},{"title":"١٨","level":2,"page":11424},{"title":"١٩","level":2,"page":11425},{"title":"٢٠","level":2,"page":11432},{"title":"٢١","level":2,"page":11433},{"title":"٢٢","level":2,"page":11434},{"title":"٢٣","level":2,"page":11437},{"title":"٢٤","level":2,"page":11438},{"title":"٢٥","level":2,"page":11438},{"title":"٢٦","level":2,"page":11438},{"title":"٢٧","level":2,"page":11439},{"title":"٢٨","level":2,"page":11439},{"title":"٢٩","level":2,"page":11440},{"title":"٣٠","level":2,"page":11440},{"title":"٣١","level":2,"page":11441},{"title":"٣٢","level":2,"page":11442},{"title":"٣٣","level":2,"page":11452},{"title":"٣٤","level":2,"page":11453},{"title":"٣٥","level":2,"page":11454},{"title":"٣٦","level":2,"page":11454},{"title":"٣٧","level":2,"page":11454},{"title":"٣٨","level":2,"page":11455},{"title":"٣٩","level":2,"page":11456},{"title":"٤٠","level":2,"page":11458},{"title":"٤١","level":2,"page":11458},{"title":"٤٢","level":2,"page":11458},{"title":"٤٣","level":2,"page":11460},{"title":"٤٤","level":2,"page":11461},{"title":"٤٦","level":2,"page":11461},{"title":"٤٨","level":2,"page":11462},{"title":"٤٩","level":2,"page":11464},{"title":"٥٠","level":2,"page":11465},{"title":"٥١","level":2,"page":11467},{"title":"٥٢","level":2,"page":11467},{"title":"٥٣","level":2,"page":11468},{"title":"٥٤","level":2,"page":11468},{"title":"٥٥","level":2,"page":11469},{"title":"٥٦","level":2,"page":11470},{"title":"٥٧","level":2,"page":11470},{"title":"٥٨","level":2,"page":11471},{"title":"٥٩","level":2,"page":11472},{"title":"٦٠","level":2,"page":11472},{"title":"٦١","level":2,"page":11473},{"title":"٦٢","level":2,"page":11475},{"title":"سورة القمر","level":1,"page":11476},{"title":"١","level":2,"page":11477},{"title":"٢","level":2,"page":11478},{"title":"٣","level":2,"page":11479},{"title":"٤","level":2,"page":11480},{"title":"٥","level":2,"page":11481},{"title":"٦","level":2,"page":11482},{"title":"٧","level":2,"page":11483},{"title":"٨","level":2,"page":11485},{"title":"٩","level":2,"page":11486},{"title":"١٢","level":2,"page":11486},{"title":"١٣","level":2,"page":11487},{"title":"١٤","level":2,"page":11488},{"title":"١٥","level":2,"page":11489},{"title":"١٦","level":2,"page":11490},{"title":"١٧","level":2,"page":11490},{"title":"١٩","level":2,"page":11491},{"title":"٢٠","level":2,"page":11493},{"title":"٢٣","level":2,"page":11494},{"title":"٢٤","level":2,"page":11494},{"title":"٢٥","level":2,"page":11496},{"title":"٢٦","level":2,"page":11497},{"title":"٢٧","level":2,"page":11498},{"title":"٢٨","level":2,"page":11498},{"title":"٢٩","level":2,"page":11499},{"title":"٣١","level":2,"page":11500},{"title":"٣٤","level":2,"page":11502},{"title":"٣٥","level":2,"page":11504},{"title":"٣٦","level":2,"page":11504},{"title":"٣٧","level":2,"page":11504},{"title":"٣٨","level":2,"page":11505},{"title":"٤١","level":2,"page":11506},{"title":"٤٢","level":2,"page":11506},{"title":"٤٣","level":2,"page":11506},{"title":"٤٤","level":2,"page":11507},{"title":"٤٥","level":2,"page":11508},{"title":"٤٦","level":2,"page":11509},{"title":"٤٧","level":2,"page":11509},{"title":"٤٨","level":2,"page":11510},{"title":"٤٩","level":2,"page":11511},{"title":"٥٠","level":2,"page":11514},{"title":"٥١","level":2,"page":11514},{"title":"٥٢","level":2,"page":11515},{"title":"٥٣","level":2,"page":11515},{"title":"٥٤","level":2,"page":11515},{"title":"٥٥","level":2,"page":11516},{"title":"سورة الرحمن","level":1,"page":11519},{"title":"١، ٢","level":2,"page":11519},{"title":"٥","level":2,"page":11520},{"title":"٦","level":2,"page":11521},{"title":"٧","level":2,"page":11523},{"title":"٨","level":2,"page":11524},{"title":"٩","level":2,"page":11524},{"title":"١٠","level":2,"page":11526},{"title":"١٢","level":2,"page":11528},{"title":"١٣","level":2,"page":11534},{"title":"١٤","level":2,"page":11537},{"title":"١٥","level":2,"page":11538},{"title":"١٧","level":2,"page":11539},{"title":"١٩","level":2,"page":11539},{"title":"٢٠","level":2,"page":11540},{"title":"٢٢","level":2,"page":11540},{"title":"٢٤","level":2,"page":11542},{"title":"٢٦","level":2,"page":11544},{"title":"٢٩","level":2,"page":11546},{"title":"٣١","level":2,"page":11550},{"title":"٣٣","level":2,"page":11554},{"title":"٣٥","level":2,"page":11556},{"title":"٣٧","level":2,"page":11560},{"title":"٣٩","level":2,"page":11563},{"title":"٤١","level":2,"page":11565},{"title":"٤٣","level":2,"page":11565},{"title":"٤٤","level":2,"page":11566},{"title":"٤٦","level":2,"page":11567},{"title":"٤٨","level":2,"page":11569},{"title":"٥٠","level":2,"page":11571},{"title":"٥٢","level":2,"page":11571},{"title":"٥٦","level":2,"page":11574},{"title":"٥٨","level":2,"page":11577},{"title":"٦٠","level":2,"page":11577},{"title":"٦٢","level":2,"page":11579},{"title":"٦٤","level":2,"page":11579},{"title":"٦٦","level":2,"page":11581},{"title":"٦٨","level":2,"page":11582},{"title":"٧٠","level":2,"page":11584},{"title":"٧٢","level":2,"page":11585},{"title":"٧٦","level":2,"page":11588},{"title":"٧٨","level":2,"page":11592},{"title":"سورة الواقعة","level":1,"page":11593},{"title":"تفسير سورة الواقعة","level":2,"page":11594},{"title":"١","level":2,"page":11594},{"title":"٢","level":2,"page":11595},{"title":"٣","level":2,"page":11597},{"title":"٤","level":2,"page":11598},{"title":"٥","level":2,"page":11598},{"title":"٦","level":2,"page":11600},{"title":"٧","level":2,"page":11601},{"title":"٨","level":2,"page":11602},{"title":"٩","level":2,"page":11602},{"title":"١٠، ١١","level":2,"page":11602},{"title":"١٢","level":2,"page":11604},{"title":"١٤","level":2,"page":11605},{"title":"١٥","level":2,"page":11605},{"title":"١٧","level":2,"page":11606},{"title":"١٨","level":2,"page":11608},{"title":"٢٠","level":2,"page":11608},{"title":"٢١","level":2,"page":11608},{"title":"٢٢","level":2,"page":11608},{"title":"٢٤","level":2,"page":11611},{"title":"٢٥","level":2,"page":11611},{"title":"٢٦","level":2,"page":11612},{"title":"٢٧","level":2,"page":11613},{"title":"٢٨","level":2,"page":11614},{"title":"٢٩","level":2,"page":11615},{"title":"٣٠","level":2,"page":11616},{"title":"٣١","level":2,"page":11617},{"title":"٣٢","level":2,"page":11617},{"title":"٣٤","level":2,"page":11619},{"title":"٣٥","level":2,"page":11620},{"title":"٣٧","level":2,"page":11620},{"title":"٣٨","level":2,"page":11622},{"title":"٣٩","level":2,"page":11622},{"title":"٤٠","level":2,"page":11622},{"title":"٤١","level":2,"page":11623},{"title":"٤٢","level":2,"page":11624},{"title":"٤٣","level":2,"page":11624},{"title":"٤٤","level":2,"page":11625},{"title":"٤٥","level":2,"page":11626},{"title":"٤٦","level":2,"page":11626},{"title":"٥٥","level":2,"page":11627},{"title":"٥٦","level":2,"page":11630},{"title":"٥٧","level":2,"page":11631},{"title":"٥٨","level":2,"page":11631},{"title":"٥٩","level":2,"page":11631},{"title":"٦٠","level":2,"page":11631},{"title":"٦٣، ٦٤","level":2,"page":11634},{"title":"٦٥","level":2,"page":11634},{"title":"٦٦","level":2,"page":11636},{"title":"٧٤","level":2,"page":11641},{"title":"٧٥","level":2,"page":11641},{"title":"٧٦","level":2,"page":11643},{"title":"٧٧","level":2,"page":11644},{"title":"٧٨","level":2,"page":11644},{"title":"٧٩","level":2,"page":11645},{"title":"٨٠","level":2,"page":11647},{"title":"٨١","level":2,"page":11647},{"title":"٨٢","level":2,"page":11648},{"title":"٨٣","level":2,"page":11650},{"title":"٨٤","level":2,"page":11650},{"title":"٨٥","level":2,"page":11651},{"title":"٨٦","level":2,"page":11652},{"title":"٨٧","level":2,"page":11652},{"title":"٨٨","level":2,"page":11653},{"title":"٩٠، ٩١","level":2,"page":11654},{"title":"٩٢","level":2,"page":11655},{"title":"٩٣","level":2,"page":11655},{"title":"٩٤","level":2,"page":11655},{"title":"٩٥","level":2,"page":11655},{"title":"٩٦","level":2,"page":11656},{"title":"سورة الحديد","level":1,"page":11657},{"title":"١","level":2,"page":11658},{"title":"٢","level":2,"page":11659},{"title":"٣","level":2,"page":11659},{"title":"٤","level":2,"page":11660},{"title":"٧","level":2,"page":11662},{"title":"٨","level":2,"page":11662},{"title":"١٠","level":2,"page":11663},{"title":"١١","level":2,"page":11666},{"title":"١٢","level":2,"page":11667},{"title":"١٣","level":2,"page":11668},{"title":"١٤","level":2,"page":11672},{"title":"١٥","level":2,"page":11674},{"title":"١٦","level":2,"page":11675},{"title":"١٨","level":2,"page":11679},{"title":"١٩","level":2,"page":11680},{"title":"٢٠","level":2,"page":11683},{"title":"٢١","level":2,"page":11685},{"title":"٢٢","level":2,"page":11687},{"title":"٢٣","level":2,"page":11689},{"title":"٢٤","level":2,"page":11691},{"title":"٢٥","level":2,"page":11692},{"title":"٢٧","level":2,"page":11698},{"title":"٢٨","level":2,"page":11702},{"title":"٢٩","level":2,"page":11703},{"title":"سورة المجادلة","level":1,"page":11705},{"title":"١","level":2,"page":11706},{"title":"٢","level":2,"page":11708},{"title":"٣","level":2,"page":11710},{"title":"٤","level":2,"page":11717},{"title":"٥","level":2,"page":11720},{"title":"٦","level":2,"page":11721},{"title":"٧","level":2,"page":11722},{"title":"٨","level":2,"page":11723},{"title":"٩","level":2,"page":11725},{"title":"١٠","level":2,"page":11726},{"title":"١٢","level":2,"page":11726},{"title":"١٢","level":2,"page":11732},{"title":"١٣","level":2,"page":11733},{"title":"١٤","level":2,"page":11735},{"title":"١٦","level":2,"page":11735},{"title":"١٧","level":2,"page":11736},{"title":"١٨","level":2,"page":11736},{"title":"١٩","level":2,"page":11737},{"title":"٢٠","level":2,"page":11737},{"title":"٢٢","level":2,"page":11738},{"title":"سورة الحشر","level":1,"page":11741},{"title":"١","level":2,"page":11742},{"title":"٢","level":2,"page":11742},{"title":"٣","level":2,"page":11748},{"title":"٥","level":2,"page":11748},{"title":"٦","level":2,"page":11751},{"title":"٧","level":2,"page":11755},{"title":"٨","level":2,"page":11758},{"title":"٩","level":2,"page":11759},{"title":"١٠","level":2,"page":11762},{"title":"١٠","level":2,"page":11763},{"title":"١١","level":2,"page":11764},{"title":"١٢","level":2,"page":11765},{"title":"١٣","level":2,"page":11766},{"title":"١٤","level":2,"page":11766},{"title":"١٥","level":2,"page":11768},{"title":"١٦","level":2,"page":11769},{"title":"١٧","level":2,"page":11769},{"title":"١٨","level":2,"page":11770},{"title":"١٩","level":2,"page":11770},{"title":"٢١","level":2,"page":11771},{"title":"٢٢","level":2,"page":11772},{"title":"٢٣","level":2,"page":11772},{"title":"سورة الامتحان","level":1,"page":11780},{"title":"١","level":2,"page":11780},{"title":"٢","level":2,"page":11783},{"title":"٣","level":2,"page":11783},{"title":"٤","level":2,"page":11785},{"title":"٥","level":2,"page":11787},{"title":"٦","level":2,"page":11788},{"title":"٧","level":2,"page":11789},{"title":"٨","level":2,"page":11790},{"title":"٩","level":2,"page":11792},{"title":"١٠","level":2,"page":11793},{"title":"١١","level":2,"page":11798},{"title":"١٢","level":2,"page":11800},{"title":"١٣","level":2,"page":11804},{"title":"تفسير سورة الصف","level":1,"page":11807},{"title":"١، ٢","level":2,"page":11807},{"title":"٣","level":2,"page":11808},{"title":"٤","level":2,"page":11808},{"title":"٥","level":2,"page":11809},{"title":"١٢","level":2,"page":11812},{"title":"١٣","level":2,"page":11814},{"title":"١٤","level":2,"page":11815},{"title":"سورة الجمعة","level":1,"page":11819},{"title":"١","level":2,"page":11820},{"title":"٢","level":2,"page":11820},{"title":"٣","level":2,"page":11821},{"title":"٤","level":2,"page":11823},{"title":"٥","level":2,"page":11824},{"title":"٦","level":2,"page":11826},{"title":"٨","level":2,"page":11826},{"title":"٩","level":2,"page":11827},{"title":"١٠","level":2,"page":11833},{"title":"تفسير سورة المنافقون","level":1,"page":11840},{"title":"١","level":2,"page":11840},{"title":"٤","level":2,"page":11842},{"title":"٥","level":2,"page":11845},{"title":"تفسير سورة التغابن","level":1,"page":11855},{"title":"١","level":2,"page":11855},{"title":"٢","level":2,"page":11855},{"title":"٥","level":2,"page":11856},{"title":"٦","level":2,"page":11856},{"title":"٩","level":2,"page":11856},{"title":"١١","level":2,"page":11858},{"title":"١٤","level":2,"page":11858},{"title":"١٥","level":2,"page":11859},{"title":"١٦","level":2,"page":11860},{"title":"سورة الطلاق","level":1,"page":11862},{"title":"١","level":2,"page":11863},{"title":"٢","level":2,"page":11875},{"title":"٤","level":2,"page":11879},{"title":"٦","level":2,"page":11882},{"title":"٨","level":2,"page":11887},{"title":"٩","level":2,"page":11889},{"title":"١٠","level":2,"page":11889},{"title":"١١","level":2,"page":11890},{"title":"١٢","level":2,"page":11892},{"title":"تفسير سورة التحريم","level":1,"page":11901},{"title":"١","level":2,"page":11901},{"title":"٢","level":2,"page":11905},{"title":"٣","level":2,"page":11908},{"title":"٤","level":2,"page":11912},{"title":"٥","level":2,"page":11916},{"title":"٦","level":2,"page":11918},{"title":"٨","level":2,"page":11920},{"title":"٩","level":2,"page":11923},{"title":"١٠","level":2,"page":11923},{"title":"١١","level":2,"page":11925},{"title":"١٢","level":2,"page":11926},{"title":"سورة الملك","level":1,"page":11931},{"title":"٢","level":2,"page":11932},{"title":"٧","level":2,"page":11941},{"title":"١٣","level":2,"page":11946},{"title":"٢٠","level":2,"page":11953},{"title":"٢٧","level":2,"page":11956},{"title":"٢٨","level":2,"page":11959},{"title":"سورة القلم","level":1,"page":11962},{"title":"١","level":2,"page":11963},{"title":"٢","level":2,"page":11968},{"title":"٣","level":2,"page":11968},{"title":"٤","level":2,"page":11969},{"title":"٨، ٩","level":2,"page":11973},{"title":"١٠","level":2,"page":11975},{"title":"١١","level":2,"page":11976},{"title":"١٣","level":2,"page":11977},{"title":"١٤","level":2,"page":11982},{"title":"١٦","level":2,"page":11984},{"title":"١٧","level":2,"page":11989},{"title":"١٨","level":2,"page":11990},{"title":"١٩","level":2,"page":11991},{"title":"٢١","level":2,"page":11994},{"title":"٢٦","level":2,"page":11999},{"title":"٢٧","level":2,"page":11999},{"title":"٣٠","level":2,"page":12001},{"title":"٣٤ - ٣٨","level":2,"page":12003},{"title":"٣٩","level":2,"page":12003},{"title":"٤٠","level":2,"page":12004},{"title":"٤٢","level":2,"page":12005},{"title":"٤٨","level":2,"page":12012},{"title":"تفسير سورة الحاقة","level":1,"page":12019},{"title":"١","level":2,"page":12019},{"title":"٤","level":2,"page":12024},{"title":"٨","level":2,"page":12035},{"title":"١١","level":2,"page":12040},{"title":"١٣","level":2,"page":12045},{"title":"١٨","level":2,"page":12053},{"title":"١٩","level":2,"page":12055},{"title":"٢٥","level":2,"page":12066},{"title":"٢٦","level":2,"page":12066},{"title":"٢٨","level":2,"page":12067},{"title":"٢٩","level":2,"page":12067},{"title":"٣٣","level":2,"page":12073},{"title":"٣٦","level":2,"page":12074},{"title":"٣٨","level":2,"page":12077},{"title":"٤٦","level":2,"page":12083},{"title":"٤٧","level":2,"page":12086},{"title":"٤٨","level":2,"page":12087},{"title":"سورة المعارج","level":1,"page":12089},{"title":"١","level":2,"page":12090},{"title":"٥","level":2,"page":12102},{"title":"٢٢","level":2,"page":12117},{"title":"٢٣","level":2,"page":12117},{"title":"٢٤","level":2,"page":12119},{"title":"٣٦","level":2,"page":12123},{"title":"٣٧","level":2,"page":12124},{"title":"٤٠","level":2,"page":12128},{"title":"سورة نوح","level":1,"page":12133},{"title":"١","level":2,"page":12134},{"title":"٤","level":2,"page":12135},{"title":"٦","level":2,"page":12140},{"title":"٨","level":2,"page":12140},{"title":"١٠","level":2,"page":12142},{"title":"١٥","level":2,"page":12147},{"title":"٢١","level":2,"page":12150},{"title":"٢٦","level":2,"page":12161},{"title":"سورة الجن","level":1,"page":12166},{"title":"١","level":2,"page":12167},{"title":"٢","level":2,"page":12169},{"title":"٨","level":2,"page":12181},{"title":"١٧","level":2,"page":12200},{"title":"٢٠","level":2,"page":12212},{"title":"٢١","level":2,"page":12213},{"title":"٢٢","level":2,"page":12213},{"title":"٢٣","level":2,"page":12214},{"title":"٢٧","level":2,"page":12219},{"title":"٢٨","level":2,"page":12221},{"title":"سورة المزمل","level":1,"page":12226},{"title":"١","level":2,"page":12227},{"title":"٥","level":2,"page":12238},{"title":"٦","level":2,"page":12241},{"title":"٧","level":2,"page":12250},{"title":"١٠","level":2,"page":12256},{"title":"١٥","level":2,"page":12263},{"title":"سورة المدثر","level":1,"page":12276},{"title":"١","level":2,"page":12277},{"title":"٣","level":2,"page":12279},{"title":"١١","level":2,"page":12299},{"title":"١٤","level":2,"page":12305},{"title":"١٥","level":2,"page":12306},{"title":"١٧","level":2,"page":12308},{"title":"١٨","level":2,"page":12309},{"title":"٣٧","level":2,"page":12334},{"title":"٤٩","level":2,"page":12341},{"title":"سورة القيامة","level":1,"page":12352},{"title":"١","level":2,"page":12353},{"title":"٢","level":2,"page":12357},{"title":"٥","level":2,"page":12362},{"title":"٨","level":2,"page":12368},{"title":"١١","level":2,"page":12370},{"title":"١٢","level":2,"page":12372},{"title":"١٣","level":2,"page":12373},{"title":"١٤","level":2,"page":12374},{"title":"١٥","level":2,"page":12376},{"title":"١٦","level":2,"page":12378},{"title":"١٩","level":2,"page":12383},{"title":"٢٣","level":2,"page":12389},{"title":"٢٤","level":2,"page":12393},{"title":"٢٦","level":2,"page":12396},{"title":"٢٨","level":2,"page":12401},{"title":"٢٩","level":2,"page":12401},{"title":"٣٠","level":2,"page":12404},{"title":"٣١","level":2,"page":12405},{"title":"٣٤","level":2,"page":12408},{"title":"تفسير سورة الإنسان","level":1,"page":12417},{"title":"١","level":2,"page":12417},{"title":"٣","level":2,"page":12428},{"title":"٨","level":2,"page":12440},{"title":"١١","level":2,"page":12447},{"title":"٢٠","level":2,"page":12462},{"title":"٢٣","level":2,"page":12469},{"title":"سورة المرسلات","level":1,"page":12480},{"title":"١","level":2,"page":12481},{"title":"٢","level":2,"page":12484},{"title":"٥","level":2,"page":12487},{"title":"٦","level":2,"page":12488},{"title":"٩","level":2,"page":12492},{"title":"٢٠","level":2,"page":12498},{"title":"٢٥","level":2,"page":12500},{"title":"٣٣","level":2,"page":12509},{"title":"٣٥","level":2,"page":12512},{"title":"٣٦","level":2,"page":12513},{"title":"٤١","level":2,"page":12515},{"title":"سورة النبأ","level":1,"page":12517},{"title":"١","level":2,"page":12518},{"title":"٢","level":2,"page":12520},{"title":"٣","level":2,"page":12521},{"title":"٤ - ٥","level":2,"page":12522},{"title":"٦","level":2,"page":12524},{"title":"٧","level":2,"page":12524},{"title":"٨","level":2,"page":12524},{"title":"٩","level":2,"page":12524},{"title":"١٠","level":2,"page":12525},{"title":"١١","level":2,"page":12526},{"title":"١٢","level":2,"page":12527},{"title":"١٣","level":2,"page":12527},{"title":"١٤","level":2,"page":12528},{"title":"١٥","level":2,"page":12533},{"title":"١٦","level":2,"page":12533},{"title":"١٧","level":2,"page":12534},{"title":"١٨","level":2,"page":12535},{"title":"١٩","level":2,"page":12535},{"title":"٢٠","level":2,"page":12535},{"title":"٢١","level":2,"page":12535},{"title":"٢٣","level":2,"page":12536},{"title":"٢٤","level":2,"page":12540},{"title":"٢٥","level":2,"page":12542},{"title":"٢٧","level":2,"page":12543},{"title":"٢٩","level":2,"page":12544},{"title":"٣٠","level":2,"page":12545},{"title":"٣١","level":2,"page":12545},{"title":"٣٥","level":2,"page":12549},{"title":"٣٦","level":2,"page":12551},{"title":"٣٧","level":2,"page":12553},{"title":"٣٨","level":2,"page":12554},{"title":"٤٠","level":2,"page":12558},{"title":"سورة النازعات","level":1,"page":12561},{"title":"١","level":2,"page":12562},{"title":"٢","level":2,"page":12566},{"title":"٣","level":2,"page":12570},{"title":"٤","level":2,"page":12572},{"title":"٥","level":2,"page":12574},{"title":"٧","level":2,"page":12580},{"title":"٨","level":2,"page":12581},{"title":"٩","level":2,"page":12582},{"title":"١٠","level":2,"page":12582},{"title":"١١","level":2,"page":12585},{"title":"١٢","level":2,"page":12588},{"title":"١٣","level":2,"page":12588},{"title":"١٥","level":2,"page":12591},{"title":"١٨","level":2,"page":12593},{"title":"١٩","level":2,"page":12594},{"title":"٢٠","level":2,"page":12595},{"title":"٢١","level":2,"page":12595},{"title":"٢٢","level":2,"page":12595},{"title":"٢٤","level":2,"page":12595},{"title":"٢٥","level":2,"page":12596},{"title":"٢٦","level":2,"page":12598},{"title":"٢٧","level":2,"page":12598},{"title":"٢٩","level":2,"page":12600},{"title":"٣٠","level":2,"page":12601},{"title":"٣١","level":2,"page":12604},{"title":"٣٤","level":2,"page":12604},{"title":"٣٥","level":2,"page":12605},{"title":"٣٦","level":2,"page":12606},{"title":"٣٧، ٣٨","level":2,"page":12607},{"title":"٣٩","level":2,"page":12607},{"title":"٤٠","level":2,"page":12608},{"title":"٤٢","level":2,"page":12609},{"title":"٤٣","level":2,"page":12609},{"title":"٤٤","level":2,"page":12610},{"title":"٤٥","level":2,"page":12610},{"title":"٤٦","level":2,"page":12612},{"title":"سورة عبس","level":1,"page":12614},{"title":"١، ٢","level":2,"page":12615},{"title":"٣","level":2,"page":12617},{"title":"٤","level":2,"page":12618},{"title":"٥","level":2,"page":12619},{"title":"٦","level":2,"page":12619},{"title":"٧","level":2,"page":12621},{"title":"٨","level":2,"page":12621},{"title":"٩","level":2,"page":12621},{"title":"١٠","level":2,"page":12621},{"title":"١١","level":2,"page":12622},{"title":"١٢","level":2,"page":12622},{"title":"١٣","level":2,"page":12623},{"title":"١٤","level":2,"page":12624},{"title":"١٥","level":2,"page":12624},{"title":"١٦","level":2,"page":12626},{"title":"١٧","level":2,"page":12627},{"title":"١٨","level":2,"page":12628},{"title":"١٩","level":2,"page":12628},{"title":"٢٠","level":2,"page":12629},{"title":"٢١","level":2,"page":12630},{"title":"٢٢","level":2,"page":12631},{"title":"٢٣","level":2,"page":12632},{"title":"٢٤","level":2,"page":12633},{"title":"٢٥","level":2,"page":12633},{"title":"٢٦","level":2,"page":12634},{"title":"٢٧، ٢٨","level":2,"page":12635},{"title":"٣٠","level":2,"page":12636},{"title":"٣٣","level":2,"page":12642},{"title":"٣٤ - ٣٦","level":2,"page":12643},{"title":"٣٨","level":2,"page":12646},{"title":"٣٩","level":2,"page":12646},{"title":"٤٠","level":2,"page":12646},{"title":"٤١","level":2,"page":12647},{"title":"٤٢","level":2,"page":12648},{"title":"سورة التكوير","level":1,"page":12649},{"title":"١","level":2,"page":12650},{"title":"٢","level":2,"page":12654},{"title":"٣","level":2,"page":12656},{"title":"٤","level":2,"page":12656},{"title":"٥","level":2,"page":12658},{"title":"٦","level":2,"page":12659},{"title":"٧","level":2,"page":12660},{"title":"٩","level":2,"page":12665},{"title":"١٠","level":2,"page":12666},{"title":"١١","level":2,"page":12666},{"title":"١٢","level":2,"page":12667},{"title":"١٣","level":2,"page":12667},{"title":"١٥","level":2,"page":12668},{"title":"١٦","level":2,"page":12668},{"title":"١٨","level":2,"page":12676},{"title":"١٩","level":2,"page":12677},{"title":"٢٠","level":2,"page":12679},{"title":"٢١","level":2,"page":12679},{"title":"٢١","level":2,"page":12679},{"title":"٢٢","level":2,"page":12681},{"title":"٢٣","level":2,"page":12681},{"title":"٢٤","level":2,"page":12683},{"title":"٢٥","level":2,"page":12686},{"title":"٢٦","level":2,"page":12686},{"title":"٢٧","level":2,"page":12688},{"title":"٢٨","level":2,"page":12688},{"title":"٢٩","level":2,"page":12689},{"title":"سورة الانفطار","level":1,"page":12691},{"title":"١","level":2,"page":12692},{"title":"٣","level":2,"page":12693},{"title":"٤","level":2,"page":12693},{"title":"٥","level":2,"page":12694},{"title":"٦","level":2,"page":12695},{"title":"٨","level":2,"page":12699},{"title":"٩","level":2,"page":12701},{"title":"١١","level":2,"page":12701},{"title":"١٢","level":2,"page":12702},{"title":"١٣","level":2,"page":12702},{"title":"١٤","level":2,"page":12702},{"title":"١٥","level":2,"page":12702},{"title":"١٧","level":2,"page":12702},{"title":"١٩","level":2,"page":12703},{"title":"سورة المطففين","level":1,"page":12707},{"title":"١","level":2,"page":12708},{"title":"٢","level":2,"page":12710},{"title":"٣","level":2,"page":12711},{"title":"٤","level":2,"page":12713},{"title":"٥","level":2,"page":12713},{"title":"٧","level":2,"page":12715},{"title":"٨","level":2,"page":12721},{"title":"٩","level":2,"page":12721},{"title":"١٠","level":2,"page":12723},{"title":"١١","level":2,"page":12724},{"title":"١٤","level":2,"page":12724},{"title":"١٥","level":2,"page":12727},{"title":"١٦","level":2,"page":12731},{"title":"١٧","level":2,"page":12731},{"title":"١٨","level":2,"page":12731},{"title":"١٨","level":2,"page":12731},{"title":"٢١","level":2,"page":12736},{"title":"٢٦","level":2,"page":12739},{"title":"٢٦","level":2,"page":12742},{"title":"٢٧","level":2,"page":12743},{"title":"٢٨","level":2,"page":12745},{"title":"٢٩","level":2,"page":12746},{"title":"٣٠","level":2,"page":12747},{"title":"٣١","level":2,"page":12747},{"title":"٣٢","level":2,"page":12748},{"title":"٣٣","level":2,"page":12748},{"title":"٣٥","level":2,"page":12749},{"title":"٣٦","level":2,"page":12749},{"title":"سورة الانشقاق","level":1,"page":12752},{"title":"١","level":2,"page":12753},{"title":"٢","level":2,"page":12753},{"title":"٣","level":2,"page":12754},{"title":"٤","level":2,"page":12755},{"title":"٧، ٨","level":2,"page":12757},{"title":"١٠","level":2,"page":12758},{"title":"١٣","level":2,"page":12760},{"title":"١٤","level":2,"page":12760},{"title":"١٥","level":2,"page":12762},{"title":"١٦","level":2,"page":12762},{"title":"١٨","level":2,"page":12767},{"title":"١٩","level":2,"page":12768},{"title":"٢٢","level":2,"page":12774},{"title":"٢٣","level":2,"page":12774},{"title":"٢٤","level":2,"page":12774},{"title":"٢٥","level":2,"page":12775},{"title":"سورة البروج","level":1,"page":12777},{"title":"١","level":2,"page":12778},{"title":"٢","level":2,"page":12778},{"title":"٣","level":2,"page":12779},{"title":"٤","level":2,"page":12782},{"title":"٥","level":2,"page":12787},{"title":"٦","level":2,"page":12787},{"title":"٧","level":2,"page":12788},{"title":"٨","level":2,"page":12789},{"title":"١٠","level":2,"page":12789},{"title":"١١","level":2,"page":12791},{"title":"١٢","level":2,"page":12791},{"title":"١٣","level":2,"page":12791},{"title":"١٤","level":2,"page":12792},{"title":"١٥","level":2,"page":12794},{"title":"١٦","level":2,"page":12795},{"title":"١٧","level":2,"page":12796},{"title":"١٨","level":2,"page":12796},{"title":"١٩","level":2,"page":12797},{"title":"٢٠","level":2,"page":12797},{"title":"٢١","level":2,"page":12797},{"title":"٢٢","level":2,"page":12797},{"title":"سورة الطارق","level":1,"page":12800},{"title":"١","level":2,"page":12801},{"title":"٢","level":2,"page":12802},{"title":"٥","level":2,"page":12806},{"title":"٦","level":2,"page":12806},{"title":"٧","level":2,"page":12808},{"title":"٨","level":2,"page":12811},{"title":"١٠","level":2,"page":12814},{"title":"١١","level":2,"page":12815},{"title":"١٣","level":2,"page":12818},{"title":"١٥","level":2,"page":12819},{"title":"١٦","level":2,"page":12819},{"title":"١٧","level":2,"page":12819},{"title":"سورة الأعلى","level":1,"page":12824},{"title":"١","level":2,"page":12825},{"title":"٢","level":2,"page":12827},{"title":"٩","level":2,"page":12838},{"title":"١٠","level":2,"page":12839},{"title":"سورة الغاشية","level":1,"page":12848},{"title":"١","level":2,"page":12849},{"title":"٢","level":2,"page":12851},{"title":"٣","level":2,"page":12851},{"title":"٥","level":2,"page":12854},{"title":"٦","level":2,"page":12855},{"title":"٨","level":2,"page":12861},{"title":"٩","level":2,"page":12861},{"title":"١٢","level":2,"page":12863},{"title":"١٣","level":2,"page":12863},{"title":"٢١","level":2,"page":12869},{"title":"سورة الفجر","level":1,"page":12874},{"title":"١","level":2,"page":12875},{"title":"٣","level":2,"page":12879},{"title":"٤","level":2,"page":12887},{"title":"٨","level":2,"page":12895},{"title":"١٠","level":2,"page":12896},{"title":"١٤","level":2,"page":12898},{"title":"١٥","level":2,"page":12900},{"title":"١٨","level":2,"page":12904},{"title":"تفسير سورة البلد","level":1,"page":12929},{"title":"١","level":2,"page":12929},{"title":"٢","level":2,"page":12930},{"title":"٣","level":2,"page":12932},{"title":"٤","level":2,"page":12935},{"title":"٥","level":2,"page":12941},{"title":"٦","level":2,"page":12941},{"title":"٧","level":2,"page":12942},{"title":"٨","level":2,"page":12943},{"title":"٩","level":2,"page":12943},{"title":"١٠","level":2,"page":12944},{"title":"١١","level":2,"page":12946},{"title":"١٢","level":2,"page":12949},{"title":"١٤","level":2,"page":12951},{"title":"١٥","level":2,"page":12954},{"title":"١٦","level":2,"page":12954},{"title":"١٧","level":2,"page":12956},{"title":"١٨","level":2,"page":12958},{"title":"١٩","level":2,"page":12958},{"title":"٢٠","level":2,"page":12959},{"title":"سورة الشمس","level":1,"page":12962},{"title":"١","level":2,"page":12963},{"title":"٢","level":2,"page":12970},{"title":"٣","level":2,"page":12972},{"title":"٤","level":2,"page":12972},{"title":"٥","level":2,"page":12973},{"title":"٦","level":2,"page":12973},{"title":"٧","level":2,"page":12974},{"title":"٩","level":2,"page":12976},{"title":"١٠","level":2,"page":12977},{"title":"١٠","level":2,"page":12984},{"title":"١١","level":2,"page":12984},{"title":"١٢","level":2,"page":12986},{"title":"١٣","level":2,"page":12987},{"title":"١٤","level":2,"page":12988},{"title":"١٥","level":2,"page":12991},{"title":"سورة الليل","level":1,"page":12993},{"title":"١","level":2,"page":12994},{"title":"٢","level":2,"page":12994},{"title":"٣","level":2,"page":12995},{"title":"٤","level":2,"page":12996},{"title":"٥","level":2,"page":12996},{"title":"٦","level":2,"page":12997},{"title":"٧","level":2,"page":12998},{"title":"٨","level":2,"page":12999},{"title":"٩","level":2,"page":13000},{"title":"١٠","level":2,"page":13000},{"title":"١١","level":2,"page":13001},{"title":"١٢","level":2,"page":13002},{"title":"١٣","level":2,"page":13004},{"title":"١٤","level":2,"page":13005},{"title":"١٥","level":2,"page":13005},{"title":"١٦","level":2,"page":13006},{"title":"١٧","level":2,"page":13007},{"title":"١٨","level":2,"page":13008},{"title":"١٩","level":2,"page":13008},{"title":"٢٠","level":2,"page":13009},{"title":"سورة الضحى","level":1,"page":13013},{"title":"١","level":2,"page":13014},{"title":"٢","level":2,"page":13014},{"title":"٣","level":2,"page":13018},{"title":"٦","level":2,"page":13023},{"title":"٥","level":2,"page":13024},{"title":"٦","level":2,"page":13025},{"title":"٧","level":2,"page":13026},{"title":"٨","level":2,"page":13029},{"title":"٩","level":2,"page":13031},{"title":"١٠","level":2,"page":13032},{"title":"١١","level":2,"page":13033},{"title":"سورة الشرح","level":1,"page":13036},{"title":"١","level":2,"page":13037},{"title":"٢","level":2,"page":13039},{"title":"٣","level":2,"page":13041},{"title":"٤","level":2,"page":13044},{"title":"٥","level":2,"page":13045},{"title":"٦","level":2,"page":13045},{"title":"٧","level":2,"page":13052},{"title":"٨","level":2,"page":13053},{"title":"سورة التين","level":1,"page":13056},{"title":"١","level":2,"page":13057},{"title":"٢","level":2,"page":13062},{"title":"٣","level":2,"page":13065},{"title":"٥","level":2,"page":13067},{"title":"٦","level":2,"page":13070},{"title":"٧","level":2,"page":13072},{"title":"٨","level":2,"page":13074},{"title":"سورة العلق","level":1,"page":13076},{"title":"١","level":2,"page":13077},{"title":"٢","level":2,"page":13081},{"title":"٣","level":2,"page":13081},{"title":"٤","level":2,"page":13082},{"title":"٥","level":2,"page":13082},{"title":"٦","level":2,"page":13083},{"title":"٧","level":2,"page":13084},{"title":"٨","level":2,"page":13085},{"title":"٩، ١٠","level":2,"page":13085},{"title":"١١","level":2,"page":13087},{"title":"١٢","level":2,"page":13087},{"title":"١٣","level":2,"page":13087},{"title":"١٤","level":2,"page":13088},{"title":"١٥","level":2,"page":13088},{"title":"١٦","level":2,"page":13090},{"title":"١٧","level":2,"page":13090},{"title":"١٨","level":2,"page":13092},{"title":"١٩","level":2,"page":13094},{"title":"سورة القدر","level":1,"page":13096},{"title":"١","level":2,"page":13097},{"title":"٢","level":2,"page":13102},{"title":"٣","level":2,"page":13102},{"title":"٤","level":2,"page":13104},{"title":"٥","level":2,"page":13107},{"title":"سورة البينة","level":1,"page":13110},{"title":"١","level":2,"page":13111},{"title":"٣","level":2,"page":13119},{"title":"٤","level":2,"page":13122},{"title":"٥","level":2,"page":13123},{"title":"٦","level":2,"page":13126},{"title":"٧","level":2,"page":13128},{"title":"سورة الزلزلة","level":1,"page":13129},{"title":"١","level":2,"page":13130},{"title":"٢","level":2,"page":13131},{"title":"٣","level":2,"page":13132},{"title":"٤","level":2,"page":13133},{"title":"٥","level":2,"page":13134},{"title":"سورة العاديات","level":1,"page":13139},{"title":"١","level":2,"page":13140},{"title":"٢","level":2,"page":13144},{"title":"٣","level":2,"page":13148},{"title":"٤","level":2,"page":13150},{"title":"٥","level":2,"page":13153},{"title":"٦","level":2,"page":13154},{"title":"٧","level":2,"page":13158},{"title":"٨","level":2,"page":13159},{"title":"٩","level":2,"page":13161},{"title":"١٠","level":2,"page":13161},{"title":"١١","level":2,"page":13162},{"title":"سورة القارعة","level":1,"page":13163},{"title":"١","level":2,"page":13164},{"title":"٥","level":2,"page":13167},{"title":"١٠","level":2,"page":13172},{"title":"سورة التكاثر","level":1,"page":13175},{"title":"١","level":2,"page":13176},{"title":"٢","level":2,"page":13177},{"title":"٣","level":2,"page":13180},{"title":"٤","level":2,"page":13180},{"title":"٥","level":2,"page":13181},{"title":"٦","level":2,"page":13183},{"title":"٧","level":2,"page":13184},{"title":"٨","level":2,"page":13185},{"title":"سورة العصر","level":1,"page":13192},{"title":"١","level":2,"page":13193},{"title":"٢","level":2,"page":13196},{"title":"٣","level":2,"page":13197},{"title":"سورة الهمزة","level":1,"page":13203},{"title":"١","level":2,"page":13204},{"title":"٢","level":2,"page":13207},{"title":"٦، ٧","level":2,"page":13211},{"title":"٨","level":2,"page":13212},{"title":"سورة الفيل","level":1,"page":13217},{"title":"١","level":2,"page":13218},{"title":"٢","level":2,"page":13220},{"title":"٣","level":2,"page":13221},{"title":"٤","level":2,"page":13225},{"title":"٥","level":2,"page":13227},{"title":"سورة قريش","level":1,"page":13230},{"title":"١","level":2,"page":13231},{"title":"٢","level":2,"page":13242},{"title":"٣","level":2,"page":13245},{"title":"٤","level":2,"page":13245},{"title":"سورة الماعون","level":1,"page":13249},{"title":"١","level":2,"page":13250},{"title":"٦","level":2,"page":13255},{"title":"سورة الكوثر","level":1,"page":13263},{"title":"١","level":2,"page":13264},{"title":"٢","level":2,"page":13270},{"title":"سورة الكافرون","level":1,"page":13279},{"title":"١","level":2,"page":13280},{"title":"٢","level":2,"page":13282},{"title":"٣","level":2,"page":13282},{"title":"٤","level":2,"page":13282},{"title":"سورة النصر","level":1,"page":13288},{"title":"١","level":2,"page":13289},{"title":"سورة المسد","level":1,"page":13294},{"title":"١","level":2,"page":13295},{"title":"٢","level":2,"page":13299},{"title":"٣","level":2,"page":13301},{"title":"٥","level":2,"page":13304},{"title":"سورة الإخلاص","level":1,"page":13310},{"title":"١","level":2,"page":13311},{"title":"٢","level":2,"page":13321},{"title":"سورة الفلق","level":1,"page":13334},{"title":"١","level":2,"page":13335},{"title":"٢","level":2,"page":13342},{"title":"٣","level":2,"page":13342},{"title":"٤","level":2,"page":13347},{"title":"٥","level":2,"page":13349},{"title":"سورة الناس","level":1,"page":13350},{"title":"١","level":2,"page":13351},{"title":"٤","level":2,"page":13352},{"title":"٥","level":2,"page":13353},{"title":"ثم قال الشيخ المفسر ﵀ في نسخته الأصل","level":1,"page":13357}],"ٛ":{"1,1":1,"1,2":2,"1,3":3,"1,4":4,"1,5":5,"1,6":6,"1,7":7,"1,8":8,"1,9":9,"1,10":10,"1,11":11,"1,12":12,"1,13":13,"1,14":14,"1,15":15,"1,16":16,"1,17":17,"1,18":18,"1,19":19,"1,21":20,"1,23":21,"1,24":22,"1,25":23,"1,26":24,"1,27":25,"1,28":26,"1,29":27,"1,30":28,"1,31":29,"1,32":30,"1,33":31,"1,34":32,"1,35":33,"1,36":34,"1,37":35,"1,38":36,"1,39":37,"1,40":38,"1,41":39,"1,42":40,"1,43":41,"1,44":42,"1,45":43,"1,46":44,"1,47":45,"1,48":46,"1,49":47,"1,50":48,"1,51":49,"1,52":50,"1,53":51,"1,54":52,"1,55":53,"1,56":54,"1,57":55,"1,58":56,"1,59":57,"1,60":58,"1,61":59,"1,62":60,"1,63":61,"1,64":62,"1,65":63,"1,66":64,"1,67":65,"1,68":66,"1,69":67,"1,70":68,"1,71":69,"1,72":70,"1,73":71,"1,74":72,"1,75":73,"1,76":74,"1,77":75,"1,78":76,"1,79":77,"1,80":78,"1,81":79,"1,82":80,"1,83":81,"1,84":82,"1,85":83,"1,86":84,"1,87":85,"1,88":86,"1,89":87,"1,90":88,"1,91":89,"1,92":90,"1,93":91,"1,95":92,"1,96":93,"1,97":94,"1,98":95,"1,99":96,"1,100":97,"1,101":98,"1,102":99,"1,103":100,"1,104":101,"1,105":102,"1,106":103,"1,107":104,"1,108":105,"1,109":106,"1,110":107,"1,111":108,"1,112":109,"1,113":110,"1,114":111,"1,115":112,"1,116":113,"1,117":114,"1,118":115,"1,119":116,"1,120":117,"1,121":118,"1,122":119,"1,123":120,"1,124":121,"1,125":122,"1,126":123,"1,127":124,"1,128":125,"1,129":126,"1,130":127,"1,131":128,"1,132":129,"1,133":130,"1,134":131,"1,135":132,"1,136":133,"1,137":134,"1,138":135,"1,139":136,"1,140":137,"1,141":138,"1,142":139,"1,143":140,"1,144":141,"1,145":142,"1,146":143,"1,147":144,"1,148":145,"1,149":146,"1,150":147,"1,151":148,"1,152":149,"1,153":150,"1,154":151,"1,155":152,"1,156":153,"1,157":154,"1,158":155,"1,159":156,"1,160":157,"1,161":158,"1,162":159,"1,163":160,"1,164":161,"1,165":162,"1,166":163,"1,167":164,"1,168":165,"1,169":166,"1,170":167,"1,171":168,"1,172":169,"1,173":170,"1,174":171,"1,175":172,"1,176":173,"1,177":174,"1,178":175,"1,179":176,"1,180":177,"1,181":178,"1,182":179,"1,183":180,"1,184":181,"1,185":182,"1,186":183,"1,187":184,"1,188":185,"1,189":186,"1,190":187,"1,191":188,"1,192":189,"1,193":190,"1,194":191,"1,195":192,"1,196":193,"1,197":194,"1,198":195,"1,199":196,"1,200":197,"1,201":198,"1,202":199,"1,203":200,"1,204":201,"1,205":202,"1,206":203,"1,207":204,"1,208":205,"1,209":206,"1,210":207,"1,211":208,"1,212":209,"1,213":210,"1,214":211,"1,215":212,"1,216":213,"1,217":214,"1,218":215,"1,219":216,"1,220":217,"1,221":218,"1,222":219,"1,223":220,"1,224":221,"1,225":222,"1,226":223,"1,227":224,"1,228":225,"1,229":226,"1,230":227,"1,231":228,"1,232":229,"1,233":230,"1,234":231,"1,235":232,"1,236":233,"1,237":234,"1,238":235,"1,239":236,"1,240":237,"1,241":238,"1,242":239,"1,243":240,"1,244":241,"1,245":242,"1,246":243,"1,247":244,"1,248":245,"1,249":246,"1,250":247,"1,251":248,"1,252":249,"1,253":250,"1,254":251,"1,255":252,"1,256":253,"1,257":254,"1,258":255,"1,259":256,"1,260":257,"1,261":258,"1,262":259,"1,263":260,"1,265":261,"1,266":262,"1,267":263,"1,268":264,"1,269":265,"1,270":266,"1,271":267,"1,272":268,"1,273":269,"1,274":270,"1,275":271,"1,276":272,"1,277":273,"1,278":274,"1,279":275,"1,280":276,"1,281":277,"1,282":278,"1,283":279,"1,284":280,"1,285":281,"1,286":282,"1,287":283,"1,288":284,"1,289":285,"1,290":286,"1,291":287,"1,292":288,"1,293":289,"1,294":290,"1,295":291,"1,296":292,"1,297":293,"1,298":294,"1,299":295,"1,300":296,"1,301":297,"1,302":298,"1,303":299,"1,304":300,"1,305":301,"1,306":302,"1,307":303,"1,308":304,"1,309":305,"1,310":306,"1,311":307,"1,312":308,"1,313":309,"1,314":310,"1,315":311,"1,316":312,"1,317":313,"1,318":314,"1,319":315,"1,320":316,"1,321":317,"1,322":318,"1,323":319,"1,324":320,"1,325":321,"1,326":322,"1,327":323,"1,329":324,"1,330":325,"1,331":326,"1,332":327,"1,333":328,"1,334":329,"1,335":330,"1,336":331,"1,337":332,"1,338":333,"1,339":334,"1,340":335,"1,341":336,"1,342":337,"1,343":338,"1,344":339,"1,345":340,"1,346":341,"1,347":342,"1,348":343,"1,349":344,"1,350":345,"1,351":346,"1,352":347,"1,353":348,"1,354":349,"1,355":350,"1,356":351,"1,357":352,"1,358":353,"1,359":354,"1,360":355,"1,361":356,"1,362":357,"1,363":358,"1,364":359,"1,365":360,"1,366":361,"1,367":362,"1,368":363,"1,369":364,"1,370":365,"1,371":366,"1,372":367,"1,373":368,"1,375":369,"1,376":370,"1,377":371,"1,378":372,"1,379":373,"1,380":374,"1,381":375,"1,382":376,"1,383":377,"1,384":378,"1,385":379,"1,386":380,"1,387":381,"1,389":382,"1,391":383,"1,392":384,"1,393":385,"1,394":386,"1,395":387,"1,396":388,"1,397":389,"1,398":390,"1,399":391,"1,400":392,"1,401":393,"1,402":394,"1,403":395,"1,404":396,"1,405":397,"1,406":398,"1,407":399,"1,408":400,"1,409":401,"1,410":402,"1,411":403,"1,412":404,"1,413":405,"1,414":406,"1,415":407,"1,416":408,"1,417":409,"1,418":410,"1,419":411,"1,420":412,"1,421":413,"1,422":414,"1,423":415,"1,424":416,"1,425":417,"1,426":418,"1,427":419,"1,428":420,"1,429":421,"1,431":422,"1,433":423,"1,434":424,"1,435":425,"1,436":426,"1,437":427,"1,438":428,"1,439":429,"1,440":430,"1,441":431,"1,442":432,"1,443":433,"1,444":434,"1,445":435,"1,446":436,"1,447":437,"1,448":438,"1,449":439,"1,450":440,"1,451":441,"1,452":442,"1,453":443,"1,454":444,"1,455":445,"1,456":446,"1,457":447,"1,458":448,"1,459":449,"1,460":450,"1,461":451,"1,462":452,"1,463":453,"1,464":454,"1,465":455,"1,466":456,"1,467":457,"1,468":458,"1,469":459,"1,470":460,"1,471":461,"1,472":462,"1,473":463,"1,474":464,"1,475":465,"1,476":466,"1,477":467,"1,478":468,"1,479":469,"1,480":470,"1,481":471,"1,482":472,"1,483":473,"1,484":474,"1,485":475,"1,486":476,"1,487":477,"1,488":478,"1,489":479,"1,490":480,"1,491":481,"1,492":482,"1,493":483,"1,494":484,"1,495":485,"1,496":486,"1,497":487,"1,498":488,"1,499":489,"1,500":490,"1,501":491,"1,502":492,"1,503":493,"1,504":494,"1,505":495,"1,506":496,"1,507":497,"1,508":498,"1,509":499,"1,510":500,"1,511":501,"1,512":502,"1,513":503,"1,514":504,"1,515":505,"1,516":506,"1,517":507,"1,518":508,"1,519":509,"1,520":510,"1,521":511,"1,522":512,"1,523":513,"1,524":514,"1,525":515,"1,526":516,"1,527":517,"1,528":518,"1,529":519,"1,530":520,"1,531":521,"1,532":522,"1,533":523,"1,534":524,"1,535":525,"1,536":526,"1,537":527,"1,538":528,"1,539":529,"1,540":530,"1,541":531,"1,542":532,"1,543":533,"1,544":534,"1,545":535,"1,546":536,"1,547":537,"1,548":538,"1,549":539,"1,550":540,"1,551":541,"1,552":542,"1,553":543,"1,554":544,"1,555":545,"1,556":546,"1,557":547,"1,558":548,"1,559":549,"1,560":550,"1,561":551,"2,1":552,"2,2":553,"2,3":554,"2,4":555,"2,5":556,"2,6":557,"2,7":558,"2,8":559,"2,9":560,"2,10":561,"2,11":562,"2,12":563,"2,13":564,"2,14":565,"2,15":566,"2,16":567,"2,17":568,"2,18":569,"2,19":570,"2,20":571,"2,21":572,"2,22":573,"2,23":574,"2,24":575,"2,25":576,"2,26":577,"2,27":578,"2,28":579,"2,29":580,"2,30":581,"2,31":582,"2,32":583,"2,33":584,"2,34":585,"2,35":586,"2,36":587,"2,37":588,"2,38":589,"2,39":590,"2,40":591,"2,41":592,"2,42":593,"2,43":594,"2,44":595,"2,45":596,"2,46":597,"2,47":598,"2,48":599,"2,49":600,"2,50":601,"2,51":602,"2,52":603,"2,53":604,"2,54":605,"2,55":606,"2,56":607,"2,57":608,"2,58":609,"2,59":610,"2,60":611,"2,61":612,"2,62":613,"2,63":614,"2,64":615,"2,65":616,"2,66":617,"2,67":618,"2,68":619,"2,69":620,"2,70":621,"2,71":622,"2,72":623,"2,73":624,"2,74":625,"2,75":626,"2,76":627,"2,77":628,"2,78":629,"2,79":630,"2,80":631,"2,81":632,"2,82":633,"2,83":634,"2,84":635,"2,85":636,"2,86":637,"2,87":638,"2,88":639,"2,89":640,"2,90":641,"2,91":642,"2,92":643,"2,93":644,"2,94":645,"2,95":646,"2,96":647,"2,97":648,"2,98":649,"2,99":650,"2,100":651,"2,101":652,"2,102":653,"2,103":654,"2,104":655,"2,105":656,"2,106":657,"2,107":658,"2,108":659,"2,109":660,"2,110":661,"2,111":662,"2,112":663,"2,113":664,"2,114":665,"2,115":666,"2,116":667,"2,117":668,"2,118":669,"2,119":670,"2,120":671,"2,121":672,"2,122":673,"2,123":674,"2,124":675,"2,125":676,"2,126":677,"2,127":678,"2,128":679,"2,129":680,"2,130":681,"2,131":682,"2,132":683,"2,133":684,"2,134":685,"2,135":686,"2,136":687,"2,137":688,"2,138":689,"2,139":690,"2,140":691,"2,141":692,"2,142":693,"2,143":694,"2,144":695,"2,145":696,"2,146":697,"2,147":698,"2,148":699,"2,149":700,"2,150":701,"2,151":702,"2,152":703,"2,153":704,"2,154":705,"2,155":706,"2,156":707,"2,157":708,"2,158":709,"2,159":710,"2,160":711,"2,161":712,"2,162":713,"2,163":714,"2,164":715,"2,165":716,"2,166":717,"2,167":718,"2,168":719,"2,169":720,"2,170":721,"2,171":722,"2,172":723,"2,173":724,"2,174":725,"2,175":726,"2,176":727,"2,177":728,"2,178":729,"2,179":730,"2,180":731,"2,181":732,"2,182":733,"2,183":734,"2,184":735,"2,185":736,"2,186":737,"2,187":738,"2,188":739,"2,189":740,"2,190":741,"2,191":742,"2,192":743,"2,193":744,"2,194":745,"2,195":746,"2,196":747,"2,197":748,"2,198":749,"2,199":750,"2,200":751,"2,201":752,"2,202":753,"2,203":754,"2,204":755,"2,205":756,"2,206":757,"2,207":758,"2,208":759,"2,209":760,"2,210":761,"2,211":762,"2,212":763,"2,213":764,"2,214":765,"2,215":766,"2,216":767,"2,217":768,"2,218":769,"2,219":770,"2,220":771,"2,221":772,"2,222":773,"2,223":774,"2,224":775,"2,225":776,"2,226":777,"2,227":778,"2,228":779,"2,229":780,"2,230":781,"2,231":782,"2,232":783,"2,233":784,"2,234":785,"2,235":786,"2,236":787,"2,237":788,"2,238":789,"2,239":790,"2,240":791,"2,241":792,"2,242":793,"2,243":794,"2,244":795,"2,245":796,"2,246":797,"2,247":798,"2,248":799,"2,249":800,"2,250":801,"2,251":802,"2,252":803,"2,253":804,"2,254":805,"2,255":806,"2,256":807,"2,257":808,"2,258":809,"2,259":810,"2,260":811,"2,261":812,"2,262":813,"2,263":814,"2,264":815,"2,265":816,"2,266":817,"2,267":818,"2,268":819,"2,269":820,"2,270":821,"2,271":822,"2,272":823,"2,273":824,"2,274":825,"2,275":826,"2,276":827,"2,277":828,"2,278":829,"2,279":830,"2,280":831,"2,281":832,"2,282":833,"2,283":834,"2,284":835,"2,285":836,"2,286":837,"2,287":838,"2,288":839,"2,289":840,"2,290":841,"2,291":842,"2,292":843,"2,293":844,"2,294":845,"2,295":846,"2,296":847,"2,297":848,"2,298":849,"2,299":850,"2,300":851,"2,301":852,"2,302":853,"2,303":854,"2,304":855,"2,305":856,"2,306":857,"2,307":858,"2,308":859,"2,309":860,"2,310":861,"2,311":862,"2,312":863,"2,313":864,"2,314":865,"2,315":866,"2,316":867,"2,317":868,"2,318":869,"2,319":870,"2,320":871,"2,321":872,"2,322":873,"2,323":874,"2,324":875,"2,325":876,"2,326":877,"2,327":878,"2,328":879,"2,329":880,"2,330":881,"2,331":882,"2,332":883,"2,333":884,"2,334":885,"2,335":886,"2,336":887,"2,337":888,"2,338":889,"2,339":890,"2,340":891,"2,341":892,"2,342":893,"2,343":894,"2,344":895,"2,345":896,"2,346":897,"2,347":898,"2,348":899,"2,349":900,"2,350":901,"2,351":902,"2,352":903,"2,353":904,"2,354":905,"2,355":906,"2,356":907,"2,357":908,"2,358":909,"2,359":910,"2,360":911,"2,361":912,"2,362":913,"2,363":914,"2,364":915,"2,365":916,"2,366":917,"2,367":918,"2,368":919,"2,369":920,"2,370":921,"2,371":922,"2,372":923,"2,373":924,"2,374":925,"2,375":926,"2,376":927,"2,377":928,"2,378":929,"2,379":930,"2,380":931,"2,381":932,"2,382":933,"2,383":934,"2,384":935,"2,385":936,"2,386":937,"2,387":938,"2,388":939,"2,389":940,"2,390":941,"2,391":942,"2,392":943,"2,393":944,"2,394":945,"2,395":946,"2,396":947,"2,397":948,"2,398":949,"2,399":950,"2,400":951,"2,401":952,"2,402":953,"2,403":954,"2,404":955,"2,405":956,"2,406":957,"2,407":958,"2,408":959,"2,409":960,"2,410":961,"2,411":962,"2,412":963,"2,413":964,"2,414":965,"2,415":966,"2,416":967,"2,417":968,"2,418":969,"2,419":970,"2,420":971,"2,421":972,"2,422":973,"2,423":974,"2,424":975,"2,425":976,"2,426":977,"2,427":978,"2,428":979,"2,429":980,"2,430":981,"2,431":982,"2,432":983,"2,433":984,"2,434":985,"2,435":986,"2,436":987,"2,437":988,"2,438":989,"2,439":990,"2,440":991,"2,441":992,"2,442":993,"2,443":994,"2,444":995,"2,445":996,"2,446":997,"2,447":998,"2,448":999,"2,449":1000,"2,450":1001,"2,451":1002,"2,452":1003,"2,453":1004,"2,454":1005,"2,455":1006,"2,456":1007,"2,457":1008,"2,458":1009,"2,459":1010,"2,460":1011,"2,461":1012,"2,462":1013,"2,463":1014,"2,464":1015,"2,465":1016,"2,466":1017,"2,467":1018,"2,468":1019,"2,469":1020,"2,470":1021,"2,471":1022,"2,472":1023,"2,473":1024,"2,474":1025,"2,475":1026,"2,476":1027,"2,477":1028,"2,478":1029,"2,479":1030,"2,480":1031,"2,481":1032,"2,482":1033,"2,483":1034,"2,484":1035,"2,485":1036,"2,486":1037,"2,487":1038,"2,488":1039,"2,489":1040,"2,490":1041,"2,491":1042,"2,492":1043,"2,493":1044,"2,494":1045,"2,495":1046,"2,496":1047,"2,497":1048,"2,498":1049,"2,499":1050,"2,500":1051,"2,501":1052,"2,502":1053,"2,503":1054,"2,504":1055,"2,505":1056,"2,506":1057,"2,507":1058,"2,508":1059,"2,509":1060,"2,510":1061,"2,511":1062,"2,512":1063,"2,513":1064,"2,514":1065,"2,515":1066,"2,516":1067,"2,517":1068,"2,518":1069,"2,519":1070,"2,520":1071,"2,521":1072,"2,522":1073,"2,523":1074,"2,524":1075,"2,525":1076,"2,526":1077,"2,527":1078,"2,528":1079,"2,529":1080,"2,530":1081,"2,531":1082,"2,532":1083,"2,533":1084,"2,534":1085,"2,535":1086,"2,536":1087,"2,537":1088,"2,538":1089,"2,539":1090,"2,540":1091,"2,541":1092,"2,542":1093,"2,543":1094,"2,544":1095,"2,545":1096,"2,546":1097,"2,547":1098,"2,548":1099,"2,549":1100,"2,550":1101,"2,551":1102,"2,552":1103,"2,553":1104,"2,554":1105,"2,555":1106,"2,556":1107,"2,557":1108,"2,558":1109,"2,559":1110,"2,560":1111,"2,561":1112,"2,562":1113,"2,563":1114,"2,564":1115,"2,565":1116,"2,566":1117,"2,567":1118,"2,568":1119,"2,569":1120,"2,570":1121,"2,571":1122,"2,572":1123,"2,573":1124,"2,574":1125,"2,575":1126,"2,576":1127,"2,577":1128,"2,578":1129,"2,579":1130,"2,580":1131,"2,581":1132,"2,582":1133,"2,583":1134,"2,584":1135,"2,585":1136,"2,586":1137,"2,587":1138,"2,588":1139,"2,589":1140,"2,590":1141,"2,591":1142,"2,592":1143,"2,593":1144,"2,594":1145,"2,595":1146,"2,596":1147,"2,597":1148,"2,598":1149,"2,599":1150,"2,600":1151,"2,601":1152,"2,602":1153,"2,603":1154,"2,604":1155,"2,605":1156,"2,606":1157,"2,607":1158,"2,608":1159,"2,609":1160,"2,610":1161,"2,611":1162,"2,612":1163,"2,613":1164,"2,614":1165,"2,615":1166,"2,616":1167,"2,617":1168,"2,618":1169,"2,619":1170,"2,620":1171,"2,621":1172,"2,622":1173,"2,623":1174,"2,624":1175,"2,625":1176,"2,626":1177,"2,627":1178,"2,628":1179,"2,629":1180,"2,630":1181,"2,631":1182,"2,632":1183,"2,633":1184,"2,634":1185,"2,635":1186,"2,636":1187,"2,637":1188,"2,638":1189,"2,639":1190,"2,640":1191,"2,641":1192,"3,1":1193,"3,2":1194,"3,3":1195,"3,4":1196,"3,5":1197,"3,6":1198,"3,7":1199,"3,8":1200,"3,9":1201,"3,10":1202,"3,11":1203,"3,12":1204,"3,13":1205,"3,14":1206,"3,15":1207,"3,16":1208,"3,17":1209,"3,18":1210,"3,19":1211,"3,20":1212,"3,21":1213,"3,22":1214,"3,23":1215,"3,24":1216,"3,25":1217,"3,26":1218,"3,27":1219,"3,28":1220,"3,29":1221,"3,30":1222,"3,31":1223,"3,32":1224,"3,33":1225,"3,34":1226,"3,35":1227,"3,36":1228,"3,37":1229,"3,38":1230,"3,39":1231,"3,40":1232,"3,41":1233,"3,42":1234,"3,43":1235,"3,44":1236,"3,45":1237,"3,46":1238,"3,47":1239,"3,48":1240,"3,49":1241,"3,50":1242,"3,51":1243,"3,52":1244,"3,53":1245,"3,54":1246,"3,55":1247,"3,56":1248,"3,57":1249,"3,58":1250,"3,59":1251,"3,60":1252,"3,61":1253,"3,62":1254,"3,63":1255,"3,64":1256,"3,65":1257,"3,66":1258,"3,67":1259,"3,68":1260,"3,69":1261,"3,70":1262,"3,71":1263,"3,72":1264,"3,73":1265,"3,74":1266,"3,75":1267,"3,76":1268,"3,77":1269,"3,78":1270,"3,79":1271,"3,80":1272,"3,81":1273,"3,82":1274,"3,83":1275,"3,84":1276,"3,85":1277,"3,86":1278,"3,87":1279,"3,88":1280,"3,89":1281,"3,90":1282,"3,91":1283,"3,92":1284,"3,93":1285,"3,94":1286,"3,95":1287,"3,96":1288,"3,97":1289,"3,98":1290,"3,99":1291,"3,100":1292,"3,101":1293,"3,102":1294,"3,103":1295,"3,104":1296,"3,105":1297,"3,106":1298,"3,107":1299,"3,108":1300,"3,109":1301,"3,110":1302,"3,111":1303,"3,112":1304,"3,113":1305,"3,114":1306,"3,115":1307,"3,116":1308,"3,117":1309,"3,118":1310,"3,119":1311,"3,120":1312,"3,121":1313,"3,122":1314,"3,123":1315,"3,124":1316,"3,125":1317,"3,126":1318,"3,127":1319,"3,128":1320,"3,129":1321,"3,130":1322,"3,131":1323,"3,132":1324,"3,133":1325,"3,134":1326,"3,135":1327,"3,136":1328,"3,137":1329,"3,138":1330,"3,139":1331,"3,140":1332,"3,141":1333,"3,142":1334,"3,143":1335,"3,144":1336,"3,145":1337,"3,146":1338,"3,147":1339,"3,148":1340,"3,149":1341,"3,150":1342,"3,151":1343,"3,152":1344,"3,153":1345,"3,154":1346,"3,155":1347,"3,156":1348,"3,157":1349,"3,158":1350,"3,159":1351,"3,160":1352,"3,161":1353,"3,162":1354,"3,163":1355,"3,164":1356,"3,165":1357,"3,166":1358,"3,167":1359,"3,168":1360,"3,169":1361,"3,170":1362,"3,171":1363,"3,172":1364,"3,173":1365,"3,174":1366,"3,175":1367,"3,176":1368,"3,177":1369,"3,178":1370,"3,179":1371,"3,180":1372,"3,181":1373,"3,182":1374,"3,183":1375,"3,184":1376,"3,185":1377,"3,186":1378,"3,187":1379,"3,188":1380,"3,189":1381,"3,190":1382,"3,191":1383,"3,192":1384,"3,193":1385,"3,194":1386,"3,195":1387,"3,196":1388,"3,197":1389,"3,198":1390,"3,199":1391,"3,200":1392,"3,201":1393,"3,202":1394,"3,203":1395,"3,204":1396,"3,205":1397,"3,206":1398,"3,207":1399,"3,208":1400,"3,209":1401,"3,210":1402,"3,211":1403,"3,212":1404,"3,213":1405,"3,214":1406,"3,215":1407,"3,216":1408,"3,217":1409,"3,218":1410,"3,219":1411,"3,220":1412,"3,221":1413,"3,222":1414,"3,223":1415,"3,224":1416,"3,225":1417,"3,226":1418,"3,227":1419,"3,228":1420,"3,229":1421,"3,230":1422,"3,231":1423,"3,232":1424,"3,233":1425,"3,234":1426,"3,235":1427,"3,236":1428,"3,237":1429,"3,238":1430,"3,239":1431,"3,240":1432,"3,241":1433,"3,242":1434,"3,243":1435,"3,244":1436,"3,245":1437,"3,246":1438,"3,247":1439,"3,248":1440,"3,249":1441,"3,250":1442,"3,251":1443,"3,252":1444,"3,253":1445,"3,254":1446,"3,255":1447,"3,256":1448,"3,257":1449,"3,258":1450,"3,259":1451,"3,260":1452,"3,261":1453,"3,262":1454,"3,263":1455,"3,264":1456,"3,265":1457,"3,266":1458,"3,267":1459,"3,268":1460,"3,269":1461,"3,270":1462,"3,271":1463,"3,272":1464,"3,273":1465,"3,274":1466,"3,275":1467,"3,276":1468,"3,277":1469,"3,278":1470,"3,279":1471,"3,280":1472,"3,281":1473,"3,282":1474,"3,283":1475,"3,284":1476,"3,285":1477,"3,286":1478,"3,287":1479,"3,288":1480,"3,289":1481,"3,290":1482,"3,291":1483,"3,292":1484,"3,293":1485,"3,294":1486,"3,295":1487,"3,296":1488,"3,297":1489,"3,298":1490,"3,299":1491,"3,300":1492,"3,301":1493,"3,302":1494,"3,303":1495,"3,304":1496,"3,305":1497,"3,306":1498,"3,307":1499,"3,308":1500,"3,309":1501,"3,310":1502,"3,311":1503,"3,312":1504,"3,313":1505,"3,314":1506,"3,315":1507,"3,316":1508,"3,317":1509,"3,318":1510,"3,319":1511,"3,320":1512,"3,321":1513,"3,322":1514,"3,323":1515,"3,324":1516,"3,325":1517,"3,326":1518,"3,327":1519,"3,328":1520,"3,329":1521,"3,330":1522,"3,331":1523,"3,332":1524,"3,333":1525,"3,334":1526,"3,335":1527,"3,336":1528,"3,337":1529,"3,338":1530,"3,339":1531,"3,340":1532,"3,341":1533,"3,342":1534,"3,343":1535,"3,344":1536,"3,345":1537,"3,346":1538,"3,347":1539,"3,348":1540,"3,349":1541,"3,350":1542,"3,351":1543,"3,352":1544,"3,353":1545,"3,354":1546,"3,355":1547,"3,356":1548,"3,357":1549,"3,358":1550,"3,359":1551,"3,360":1552,"3,361":1553,"3,362":1554,"3,363":1555,"3,364":1556,"3,365":1557,"3,366":1558,"3,367":1559,"3,368":1560,"3,369":1561,"3,370":1562,"3,371":1563,"3,372":1564,"3,373":1565,"3,374":1566,"3,375":1567,"3,376":1568,"3,377":1569,"3,378":1570,"3,379":1571,"3,380":1572,"3,381":1573,"3,382":1574,"3,383":1575,"3,384":1576,"3,385":1577,"3,386":1578,"3,387":1579,"3,388":1580,"3,389":1581,"3,390":1582,"3,391":1583,"3,392":1584,"3,393":1585,"3,394":1586,"3,395":1587,"3,396":1588,"3,397":1589,"3,398":1590,"3,399":1591,"3,400":1592,"3,401":1593,"3,402":1594,"3,403":1595,"3,404":1596,"3,405":1597,"3,406":1598,"3,407":1599,"3,408":1600,"3,409":1601,"3,410":1602,"3,411":1603,"3,412":1604,"3,413":1605,"3,414":1606,"3,415":1607,"3,416":1608,"3,417":1609,"3,418":1610,"3,419":1611,"3,420":1612,"3,421":1613,"3,422":1614,"3,423":1615,"3,424":1616,"3,425":1617,"3,426":1618,"3,427":1619,"3,428":1620,"3,429":1621,"3,430":1622,"3,431":1623,"3,432":1624,"3,433":1625,"3,434":1626,"3,435":1627,"3,436":1628,"3,437":1629,"3,438":1630,"3,439":1631,"3,440":1632,"3,441":1633,"3,442":1634,"3,443":1635,"3,444":1636,"3,445":1637,"3,446":1638,"3,447":1639,"3,448":1640,"3,449":1641,"3,450":1642,"3,451":1643,"3,452":1644,"3,453":1645,"3,454":1646,"3,455":1647,"3,456":1648,"3,457":1649,"3,458":1650,"3,459":1651,"3,460":1652,"3,461":1653,"3,462":1654,"3,463":1655,"3,464":1656,"3,465":1657,"3,466":1658,"3,467":1659,"3,468":1660,"3,469":1661,"3,470":1662,"3,471":1663,"3,472":1664,"3,473":1665,"3,474":1666,"3,475":1667,"3,476":1668,"3,477":1669,"3,478":1670,"3,479":1671,"3,480":1672,"3,481":1673,"3,482":1674,"3,483":1675,"3,484":1676,"3,485":1677,"3,486":1678,"3,487":1679,"3,488":1680,"3,489":1681,"3,490":1682,"3,491":1683,"3,492":1684,"3,493":1685,"3,494":1686,"3,495":1687,"3,496":1688,"3,497":1689,"3,498":1690,"3,499":1691,"3,500":1692,"3,501":1693,"3,502":1694,"3,503":1695,"3,504":1696,"3,505":1697,"3,506":1698,"3,507":1699,"3,508":1700,"3,509":1701,"3,510":1702,"3,511":1703,"3,512":1704,"3,513":1705,"3,514":1706,"3,515":1707,"3,516":1708,"3,517":1709,"3,518":1710,"3,519":1711,"3,520":1712,"3,521":1713,"3,522":1714,"3,523":1715,"3,524":1716,"3,525":1717,"3,526":1718,"3,527":1719,"3,528":1720,"3,529":1721,"3,530":1722,"3,531":1723,"3,532":1724,"3,533":1725,"3,534":1726,"3,535":1727,"3,536":1728,"3,537":1729,"3,538":1730,"3,539":1731,"3,540":1732,"3,541":1733,"3,542":1734,"3,543":1735,"3,544":1736,"3,545":1737,"3,546":1738,"3,547":1739,"3,548":1740,"3,549":1741,"3,550":1742,"3,551":1743,"3,552":1744,"3,553":1745,"3,554":1746,"3,555":1747,"3,556":1748,"3,557":1749,"3,558":1750,"3,559":1751,"3,560":1752,"3,561":1753,"3,562":1754,"3,563":1755,"3,564":1756,"3,565":1757,"3,566":1758,"3,567":1759,"3,568":1760,"3,569":1761,"3,570":1762,"3,571":1763,"3,572":1764,"3,573":1765,"3,574":1766,"3,575":1767,"3,576":1768,"3,577":1769,"3,578":1770,"3,579":1771,"3,580":1772,"3,581":1773,"3,582":1774,"3,583":1775,"3,584":1776,"3,585":1777,"3,586":1778,"3,587":1779,"3,588":1780,"3,589":1781,"3,590":1782,"3,591":1783,"3,592":1784,"3,593":1785,"3,594":1786,"3,595":1787,"3,596":1788,"3,597":1789,"3,598":1790,"3,599":1791,"3,600":1792,"3,601":1793,"3,602":1794,"3,603":1795,"3,604":1796,"3,605":1797,"3,606":1798,"3,607":1799,"3,608":1800,"3,609":1801,"3,610":1802,"3,611":1803,"3,612":1804,"3,613":1805,"3,614":1806,"3,615":1807,"3,616":1808,"3,617":1809,"3,618":1810,"3,619":1811,"3,620":1812,"3,621":1813,"3,622":1814,"3,623":1815,"3,624":1816,"3,625":1817,"3,626":1818,"3,627":1819,"3,628":1820,"3,629":1821,"3,630":1822,"3,631":1823,"3,632":1824,"3,633":1825,"3,634":1826,"3,635":1827,"3,636":1828,"3,637":1829,"4,1":1830,"4,2":1831,"4,3":1832,"4,4":1833,"4,5":1834,"4,6":1836,"4,7":1837,"4,8":1838,"4,9":1839,"4,10":1840,"4,11":1841,"4,12":1842,"4,13":1843,"4,14":1844,"4,15":1845,"4,16":1846,"4,17":1847,"4,18":1848,"4,19":1849,"4,20":1850,"4,21":1851,"4,22":1852,"4,23":1853,"4,24":1854,"4,25":1855,"4,26":1856,"4,27":1857,"4,28":1858,"4,29":1859,"4,30":1860,"4,31":1861,"4,32":1862,"4,33":1863,"4,34":1864,"4,35":1865,"4,36":1866,"4,37":1867,"4,38":1868,"4,39":1869,"4,40":1870,"4,41":1871,"4,42":1872,"4,43":1873,"4,44":1874,"4,45":1875,"4,46":1876,"4,47":1877,"4,48":1878,"4,49":1879,"4,50":1880,"4,51":1881,"4,52":1882,"4,53":1883,"4,54":1884,"4,55":1885,"4,56":1886,"4,57":1887,"4,58":1888,"4,59":1889,"4,60":1890,"4,61":1891,"4,62":1892,"4,63":1893,"4,64":1894,"4,65":1895,"4,66":1896,"4,67":1897,"4,68":1898,"4,69":1899,"4,70":1900,"4,71":1901,"4,72":1902,"4,73":1903,"4,74":1904,"4,75":1905,"4,76":1906,"4,77":1907,"4,78":1908,"4,79":1909,"4,80":1910,"4,81":1911,"4,82":1912,"4,83":1913,"4,84":1914,"4,85":1915,"4,86":1916,"4,87":1917,"4,88":1918,"4,89":1919,"4,90":1920,"4,91":1921,"4,92":1922,"4,93":1923,"4,94":1924,"4,95":1925,"4,96":1926,"4,97":1927,"4,98":1928,"4,99":1929,"4,100":1930,"4,101":1931,"4,102":1932,"4,103":1933,"4,104":1934,"4,105":1935,"4,106":1936,"4,107":1937,"4,108":1938,"4,109":1939,"4,110":1940,"4,111":1941,"4,112":1942,"4,113":1943,"4,114":1944,"4,115":1945,"4,116":1946,"4,117":1947,"4,118":1948,"4,119":1949,"4,120":1950,"4,121":1951,"4,122":1952,"4,123":1953,"4,124":1954,"4,125":1955,"4,126":1956,"4,127":1957,"4,128":1958,"4,129":1959,"4,130":1960,"4,131":1961,"4,132":1962,"4,133":1963,"4,134":1964,"4,135":1965,"4,136":1966,"4,137":1967,"4,138":1968,"4,139":1969,"4,140":1970,"4,141":1971,"4,142":1972,"4,143":1973,"4,144":1974,"4,145":1975,"4,146":1976,"4,147":1977,"4,148":1978,"4,149":1979,"4,150":1980,"4,151":1981,"4,152":1982,"4,153":1983,"4,154":1984,"4,155":1985,"4,156":1986,"4,157":1987,"4,158":1988,"4,159":1989,"4,160":1990,"4,161":1991,"4,162":1992,"4,163":1993,"4,164":1994,"4,165":1995,"4,166":1996,"4,167":1997,"4,168":1998,"4,169":1999,"4,170":2000,"4,171":2001,"4,172":2002,"4,173":2003,"4,174":2004,"4,175":2005,"4,176":2006,"4,177":2007,"4,178":2008,"4,179":2009,"4,180":2010,"4,181":2011,"4,182":2012,"4,183":2013,"4,184":2014,"4,185":2015,"4,186":2016,"4,187":2017,"4,188":2018,"4,189":2019,"4,190":2020,"4,191":2021,"4,192":2022,"4,193":2023,"4,194":2024,"4,195":2025,"4,196":2026,"4,197":2027,"4,198":2028,"4,199":2029,"4,200":2030,"4,201":2031,"4,202":2032,"4,203":2033,"4,204":2034,"4,205":2035,"4,206":2036,"4,207":2037,"4,208":2038,"4,209":2039,"4,210":2040,"4,211":2041,"4,212":2042,"4,213":2043,"4,214":2044,"4,215":2045,"4,216":2046,"4,217":2047,"4,218":2048,"4,219":2049,"4,220":2050,"4,221":2051,"4,222":2052,"4,223":2053,"4,224":2054,"4,225":2055,"4,226":2056,"4,227":2057,"4,228":2058,"4,229":2059,"4,230":2060,"4,231":2061,"4,232":2062,"4,233":2063,"4,234":2064,"4,235":2065,"4,236":2066,"4,237":2067,"4,238":2068,"4,239":2069,"4,240":2070,"4,241":2071,"4,242":2072,"4,243":2073,"4,244":2074,"4,245":2075,"4,246":2076,"4,247":2077,"4,248":2078,"4,249":2079,"4,250":2080,"4,251":2081,"4,252":2082,"4,253":2083,"4,254":2084,"4,255":2085,"4,256":2086,"4,257":2087,"4,258":2088,"4,259":2089,"4,260":2090,"4,261":2091,"4,262":2092,"4,263":2093,"4,264":2094,"4,265":2095,"4,266":2096,"4,267":2097,"4,268":2098,"4,269":2099,"4,270":2100,"4,271":2101,"4,272":2102,"4,273":2103,"4,274":2104,"4,275":2105,"4,276":2106,"4,277":2107,"4,278":2108,"4,279":2109,"4,280":2110,"4,281":2111,"4,282":2112,"4,283":2113,"4,284":2114,"4,285":2115,"4,286":2116,"4,287":2117,"4,288":2118,"4,289":2119,"4,290":2120,"4,291":2121,"4,292":2122,"4,293":2123,"4,294":2124,"4,295":2125,"4,296":2126,"4,297":2127,"4,298":2128,"4,299":2129,"4,300":2130,"4,301":2131,"4,302":2132,"4,303":2133,"4,304":2134,"4,305":2135,"4,306":2136,"4,307":2137,"4,308":2138,"4,309":2139,"4,310":2140,"4,311":2141,"4,312":2142,"4,313":2143,"4,314":2144,"4,315":2145,"4,316":2146,"4,317":2147,"4,318":2148,"4,319":2149,"4,320":2150,"4,321":2151,"4,322":2152,"4,323":2153,"4,324":2154,"4,325":2155,"4,326":2156,"4,327":2157,"4,328":2158,"4,329":2159,"4,330":2160,"4,331":2161,"4,332":2162,"4,333":2163,"4,334":2164,"4,335":2165,"4,336":2166,"4,337":2167,"4,338":2168,"4,339":2169,"4,340":2170,"4,341":2171,"4,342":2172,"4,343":2173,"4,344":2174,"4,345":2175,"4,346":2176,"4,347":2177,"4,348":2178,"4,349":2179,"4,350":2180,"4,351":2181,"4,352":2182,"4,353":2183,"4,354":2184,"4,355":2185,"4,356":2186,"4,357":2187,"4,358":2188,"4,359":2189,"4,360":2190,"4,361":2191,"4,362":2192,"4,363":2193,"4,364":2194,"4,365":2195,"4,366":2196,"4,367":2197,"4,368":2198,"4,369":2199,"4,370":2200,"4,371":2201,"4,372":2202,"4,373":2203,"4,374":2204,"4,375":2205,"4,376":2206,"4,377":2207,"4,378":2208,"4,379":2209,"4,380":2210,"4,381":2211,"4,382":2212,"4,383":2213,"4,384":2214,"4,385":2215,"4,386":2216,"4,387":2217,"4,388":2218,"4,389":2219,"4,390":2220,"4,391":2221,"4,392":2222,"4,393":2223,"4,394":2224,"4,395":2225,"4,396":2226,"4,397":2227,"4,398":2228,"4,399":2229,"4,400":2230,"4,401":2231,"4,402":2232,"4,403":2233,"4,404":2234,"4,405":2235,"4,406":2236,"4,407":2237,"4,408":2238,"4,409":2239,"4,410":2240,"4,411":2241,"4,412":2242,"4,413":2243,"4,414":2244,"4,415":2245,"4,416":2246,"4,417":2247,"4,418":2248,"4,419":2249,"4,420":2250,"4,421":2251,"4,422":2252,"4,423":2253,"4,424":2254,"4,425":2255,"4,426":2256,"4,427":2257,"4,428":2258,"4,429":2259,"4,430":2260,"4,431":2261,"4,432":2262,"4,433":2263,"4,434":2264,"4,435":2265,"4,436":2266,"4,437":2267,"4,438":2268,"4,439":2269,"4,440":2270,"4,441":2271,"4,442":2272,"4,443":2273,"4,444":2274,"4,445":2275,"4,446":2276,"4,447":2277,"4,448":2278,"4,449":2279,"4,450":2280,"4,451":2281,"4,452":2282,"4,453":2283,"4,454":2284,"4,455":2285,"4,456":2286,"4,457":2287,"4,458":2288,"4,459":2289,"4,460":2290,"4,461":2291,"4,462":2292,"4,463":2293,"4,464":2294,"4,465":2295,"4,466":2296,"4,467":2297,"4,468":2298,"4,469":2299,"4,470":2300,"4,471":2301,"4,472":2302,"4,473":2303,"4,474":2304,"4,475":2305,"4,476":2306,"4,477":2307,"4,478":2308,"4,479":2309,"4,480":2310,"4,481":2311,"4,482":2312,"4,483":2313,"4,484":2314,"4,485":2315,"4,486":2316,"4,487":2317,"4,488":2318,"4,489":2319,"4,490":2320,"4,491":2321,"4,492":2322,"4,493":2323,"4,494":2324,"4,495":2325,"4,496":2326,"4,497":2327,"4,498":2328,"4,499":2329,"4,500":2330,"4,501":2331,"4,502":2332,"4,503":2333,"4,504":2334,"4,505":2335,"4,506":2336,"4,507":2337,"4,508":2338,"4,509":2339,"4,510":2340,"4,511":2341,"4,512":2342,"4,513":2343,"4,514":2344,"4,515":2345,"4,516":2346,"4,517":2347,"4,518":2348,"4,519":2349,"4,520":2350,"4,521":2351,"4,522":2352,"4,523":2353,"4,524":2354,"4,525":2355,"4,526":2356,"4,527":2357,"4,528":2358,"4,529":2359,"4,530":2360,"4,531":2361,"4,532":2362,"4,533":2363,"4,534":2364,"4,535":2365,"4,536":2366,"4,537":2367,"4,538":2368,"4,539":2369,"4,540":2370,"4,541":2371,"4,542":2372,"4,543":2373,"4,544":2374,"4,545":2375,"5,1":2376,"5,2":2377,"5,3":2378,"5,4":2379,"5,5":2380,"5,6":2381,"5,7":2382,"5,8":2383,"5,9":2384,"5,10":2385,"5,11":2386,"5,12":2387,"5,13":2388,"5,14":2389,"5,15":2390,"5,16":2391,"5,17":2392,"5,18":2393,"5,19":2394,"5,20":2395,"5,21":2396,"5,22":2397,"5,23":2398,"5,24":2399,"5,25":2400,"5,26":2401,"5,27":2402,"5,28":2403,"5,29":2404,"5,30":2405,"5,31":2406,"5,32":2407,"5,33":2408,"5,34":2409,"5,35":2410,"5,36":2411,"5,37":2412,"5,38":2413,"5,39":2414,"5,40":2415,"5,41":2416,"5,42":2417,"5,43":2418,"5,44":2419,"5,45":2420,"5,46":2421,"5,47":2422,"5,48":2423,"5,49":2424,"5,50":2425,"5,51":2426,"5,52":2427,"5,53":2428,"5,54":2429,"5,55":2430,"5,56":2431,"5,57":2432,"5,58":2433,"5,59":2434,"5,60":2435,"5,61":2436,"5,62":2437,"5,63":2438,"5,64":2439,"5,65":2440,"5,66":2441,"5,67":2442,"5,68":2443,"5,69":2444,"5,70":2445,"5,71":2446,"5,72":2447,"5,73":2448,"5,74":2449,"5,75":2450,"5,76":2451,"5,77":2452,"5,78":2453,"5,79":2454,"5,80":2455,"5,81":2456,"5,82":2457,"5,83":2458,"5,84":2459,"5,85":2460,"5,86":2461,"5,87":2462,"5,88":2463,"5,89":2464,"5,90":2465,"5,91":2466,"5,92":2467,"5,93":2468,"5,94":2469,"5,95":2470,"5,96":2471,"5,97":2472,"5,98":2473,"5,99":2474,"5,100":2475,"5,101":2476,"5,102":2477,"5,103":2478,"5,104":2479,"5,105":2480,"5,106":2481,"5,107":2482,"5,108":2483,"5,109":2484,"5,110":2485,"5,111":2486,"5,112":2487,"5,113":2488,"5,114":2489,"5,115":2490,"5,116":2491,"5,117":2492,"5,118":2493,"5,119":2494,"5,120":2495,"5,121":2496,"5,122":2497,"5,123":2498,"5,124":2499,"5,125":2500,"5,126":2501,"5,127":2502,"5,128":2503,"5,129":2504,"5,130":2505,"5,131":2506,"5,132":2507,"5,133":2508,"5,134":2509,"5,135":2510,"5,136":2511,"5,137":2512,"5,138":2513,"5,139":2514,"5,140":2515,"5,141":2516,"5,142":2517,"5,143":2518,"5,144":2519,"5,145":2520,"5,146":2521,"5,147":2522,"5,148":2523,"5,149":2524,"5,150":2525,"5,151":2526,"5,152":2527,"5,153":2528,"5,154":2529,"5,155":2530,"5,156":2531,"5,157":2532,"5,158":2533,"5,159":2534,"5,160":2535,"5,161":2536,"5,162":2537,"5,163":2538,"5,164":2539,"5,165":2540,"5,166":2541,"5,167":2542,"5,168":2543,"5,169":2544,"5,170":2545,"5,171":2546,"5,172":2547,"5,173":2548,"5,174":2549,"5,175":2550,"5,176":2551,"5,177":2552,"5,178":2553,"5,179":2554,"5,180":2555,"5,181":2556,"5,182":2557,"5,183":2558,"5,184":2559,"5,185":2560,"5,186":2561,"5,187":2562,"5,188":2563,"5,189":2564,"5,190":2565,"5,191":2566,"5,192":2567,"5,193":2568,"5,194":2569,"5,195":2570,"5,196":2571,"5,197":2572,"5,198":2573,"5,199":2574,"5,200":2575,"5,201":2576,"5,202":2577,"5,203":2578,"5,204":2579,"5,205":2580,"5,206":2581,"5,207":2582,"5,208":2583,"5,209":2584,"5,210":2585,"5,211":2586,"5,212":2587,"5,213":2588,"5,214":2589,"5,215":2590,"5,216":2591,"5,217":2592,"5,218":2593,"5,219":2594,"5,220":2595,"5,221":2596,"5,222":2597,"5,223":2598,"5,224":2599,"5,225":2600,"5,226":2601,"5,227":2602,"5,228":2603,"5,229":2604,"5,230":2605,"5,231":2606,"5,232":2607,"5,233":2608,"5,234":2609,"5,235":2610,"5,236":2611,"5,237":2612,"5,238":2613,"5,239":2614,"5,240":2615,"5,241":2616,"5,242":2617,"5,243":2618,"5,244":2619,"5,245":2620,"5,246":2621,"5,247":2622,"5,248":2623,"5,249":2624,"5,250":2625,"5,251":2626,"5,252":2627,"5,253":2628,"5,254":2629,"5,255":2630,"5,256":2631,"5,257":2632,"5,258":2633,"5,259":2634,"5,260":2635,"5,261":2636,"5,262":2637,"5,263":2638,"5,264":2639,"5,265":2640,"5,266":2641,"5,267":2642,"5,268":2643,"5,269":2644,"5,270":2645,"5,271":2646,"5,272":2647,"5,273":2648,"5,274":2649,"5,275":2650,"5,276":2651,"5,277":2652,"5,278":2653,"5,279":2654,"5,280":2655,"5,281":2656,"5,282":2657,"5,283":2658,"5,284":2659,"5,285":2660,"5,286":2661,"5,287":2662,"5,288":2663,"5,289":2664,"5,290":2665,"5,291":2666,"5,292":2667,"5,293":2668,"5,294":2669,"5,295":2670,"5,296":2671,"5,297":2672,"5,298":2673,"5,299":2674,"5,300":2675,"5,301":2676,"5,302":2677,"5,303":2678,"5,304":2679,"5,305":2680,"5,306":2681,"5,307":2682,"5,308":2683,"5,309":2684,"5,310":2685,"5,311":2686,"5,312":2687,"5,313":2688,"5,314":2689,"5,315":2690,"5,316":2691,"5,317":2692,"5,318":2693,"5,319":2694,"5,320":2695,"5,321":2696,"5,322":2697,"5,323":2698,"5,324":2699,"5,325":2700,"5,326":2701,"5,327":2702,"5,328":2703,"5,329":2704,"5,330":2705,"5,331":2706,"5,332":2707,"5,333":2708,"5,334":2709,"5,335":2710,"5,336":2711,"5,337":2712,"5,338":2713,"5,339":2714,"5,340":2715,"5,341":2716,"5,342":2717,"5,343":2718,"5,344":2719,"5,345":2720,"5,346":2721,"5,347":2722,"5,348":2723,"5,349":2724,"5,350":2725,"5,351":2726,"5,352":2727,"5,353":2728,"5,354":2729,"5,355":2730,"5,356":2731,"5,357":2732,"5,358":2733,"5,359":2734,"5,360":2735,"5,361":2736,"5,362":2737,"5,363":2738,"5,364":2739,"5,365":2740,"5,366":2741,"5,367":2742,"5,368":2743,"5,369":2744,"5,370":2745,"5,371":2746,"5,372":2747,"5,373":2748,"5,374":2749,"5,375":2750,"5,376":2751,"5,377":2752,"5,378":2753,"5,379":2754,"5,380":2755,"5,381":2756,"5,382":2757,"5,383":2758,"5,384":2759,"5,385":2760,"5,386":2761,"5,387":2762,"5,388":2763,"5,389":2764,"5,390":2765,"5,391":2766,"5,392":2767,"5,393":2768,"5,394":2769,"5,395":2770,"5,396":2771,"5,397":2772,"5,398":2773,"5,399":2774,"5,400":2775,"5,401":2776,"5,402":2777,"5,403":2778,"5,404":2779,"5,405":2780,"5,406":2781,"5,407":2782,"5,408":2783,"5,409":2784,"5,410":2785,"5,411":2786,"5,412":2787,"5,413":2788,"5,414":2789,"5,415":2790,"5,416":2791,"5,417":2792,"5,418":2793,"5,419":2794,"5,420":2795,"5,421":2796,"5,422":2797,"5,423":2798,"5,424":2799,"5,425":2800,"5,426":2801,"5,427":2802,"5,428":2803,"5,429":2804,"5,430":2805,"5,431":2806,"5,432":2807,"5,433":2808,"5,434":2809,"5,435":2810,"5,436":2811,"5,437":2812,"5,438":2813,"5,439":2814,"5,440":2815,"5,441":2816,"5,442":2817,"5,443":2818,"5,444":2819,"5,445":2820,"5,446":2821,"5,447":2822,"5,448":2823,"5,449":2824,"5,450":2825,"5,451":2826,"5,452":2827,"5,453":2828,"5,454":2829,"5,455":2830,"5,456":2831,"5,457":2832,"5,458":2833,"5,459":2834,"5,460":2835,"5,461":2836,"5,462":2837,"5,463":2838,"5,464":2839,"5,465":2840,"5,466":2841,"5,467":2842,"5,468":2843,"5,469":2844,"5,470":2845,"5,471":2846,"5,472":2847,"5,473":2848,"5,474":2849,"5,475":2850,"5,476":2851,"5,477":2852,"5,478":2853,"5,479":2854,"5,480":2855,"5,481":2856,"5,482":2857,"5,483":2858,"5,484":2859,"5,485":2860,"5,486":2861,"5,487":2862,"5,488":2863,"5,489":2864,"5,490":2865,"5,491":2866,"5,492":2867,"5,493":2868,"5,494":2869,"5,495":2870,"5,496":2871,"5,497":2872,"5,498":2873,"5,499":2874,"5,500":2875,"5,501":2876,"5,502":2877,"5,503":2878,"5,504":2879,"5,505":2880,"5,506":2881,"5,507":2882,"5,508":2883,"5,509":2884,"5,510":2885,"5,511":2886,"5,512":2887,"5,513":2888,"5,514":2889,"5,515":2890,"5,516":2891,"5,517":2892,"5,518":2893,"5,519":2894,"5,520":2895,"5,521":2896,"5,522":2897,"5,523":2898,"5,524":2899,"5,525":2900,"5,526":2901,"5,527":2902,"5,528":2903,"5,529":2904,"5,530":2905,"5,531":2906,"5,532":2907,"5,533":2908,"5,534":2909,"5,535":2910,"5,536":2911,"5,537":2912,"5,538":2913,"5,539":2914,"5,540":2915,"5,541":2916,"5,542":2917,"5,543":2918,"5,544":2919,"5,545":2920,"5,546":2921,"5,547":2922,"5,548":2923,"5,549":2924,"5,550":2925,"5,551":2926,"5,552":2927,"5,553":2928,"5,554":2929,"5,555":2930,"5,556":2931,"5,557":2932,"5,558":2933,"5,559":2934,"5,560":2935,"5,561":2936,"5,562":2937,"5,563":2938,"5,564":2939,"5,565":2940,"5,566":2941,"5,567":2942,"5,568":2943,"5,569":2944,"5,570":2945,"5,571":2946,"5,572":2947,"5,573":2948,"5,574":2949,"5,575":2950,"5,576":2951,"5,577":2952,"5,578":2953,"5,579":2954,"5,580":2955,"5,581":2956,"5,582":2957,"5,583":2958,"5,584":2959,"5,585":2960,"5,586":2961,"5,587":2962,"5,588":2963,"5,589":2964,"5,590":2965,"5,591":2966,"5,592":2967,"5,593":2968,"5,594":2969,"5,595":2970,"5,596":2971,"5,597":2972,"5,598":2973,"5,599":2974,"5,600":2975,"5,601":2976,"5,602":2977,"5,603":2978,"5,604":2979,"5,605":2980,"5,606":2981,"5,607":2982,"5,608":2983,"5,609":2984,"5,610":2985,"5,611":2986,"5,612":2987,"5,613":2988,"5,614":2989,"5,615":2990,"6,1":2991,"6,2":2992,"6,3":2993,"6,4":2994,"6,5":2995,"6,6":2996,"6,7":2999,"6,8":3000,"6,9":3001,"6,10":3002,"6,11":3003,"6,12":3004,"6,13":3005,"6,14":3006,"6,15":3007,"6,16":3008,"6,17":3009,"6,18":3010,"6,19":3011,"6,20":3012,"6,21":3013,"6,22":3014,"6,23":3015,"6,24":3016,"6,25":3017,"6,26":3018,"6,27":3019,"6,28":3020,"6,29":3021,"6,30":3022,"6,31":3023,"6,32":3024,"6,33":3025,"6,34":3026,"6,35":3027,"6,36":3028,"6,37":3029,"6,38":3030,"6,39":3031,"6,40":3032,"6,41":3033,"6,42":3034,"6,43":3035,"6,44":3036,"6,45":3037,"6,46":3038,"6,47":3039,"6,48":3040,"6,49":3041,"6,50":3042,"6,51":3043,"6,52":3044,"6,53":3045,"6,54":3046,"6,55":3047,"6,56":3048,"6,57":3049,"6,58":3050,"6,59":3051,"6,60":3052,"6,61":3053,"6,62":3054,"6,63":3055,"6,64":3056,"6,65":3057,"6,66":3058,"6,67":3059,"6,68":3060,"6,69":3061,"6,70":3062,"6,71":3063,"6,72":3064,"6,73":3065,"6,74":3066,"6,75":3067,"6,76":3068,"6,77":3069,"6,78":3070,"6,79":3071,"6,80":3072,"6,81":3073,"6,82":3074,"6,83":3075,"6,84":3076,"6,85":3077,"6,86":3078,"6,87":3079,"6,88":3080,"6,89":3081,"6,90":3082,"6,91":3083,"6,92":3084,"6,93":3085,"6,94":3086,"6,95":3087,"6,96":3088,"6,97":3089,"6,98":3090,"6,99":3091,"6,100":3092,"6,101":3093,"6,102":3094,"6,103":3095,"6,104":3096,"6,105":3097,"6,106":3098,"6,107":3099,"6,108":3100,"6,109":3101,"6,110":3102,"6,111":3103,"6,112":3104,"6,113":3105,"6,114":3106,"6,115":3107,"6,116":3108,"6,117":3109,"6,118":3110,"6,119":3111,"6,120":3112,"6,121":3113,"6,122":3114,"6,123":3115,"6,124":3116,"6,125":3117,"6,126":3118,"6,127":3119,"6,128":3120,"6,129":3121,"6,130":3122,"6,131":3123,"6,132":3124,"6,133":3125,"6,134":3126,"6,135":3127,"6,136":3128,"6,137":3129,"6,138":3130,"6,139":3131,"6,140":3132,"6,141":3133,"6,142":3134,"6,143":3135,"6,144":3136,"6,145":3137,"6,146":3138,"6,147":3139,"6,148":3140,"6,149":3141,"6,150":3142,"6,151":3143,"6,152":3144,"6,153":3145,"6,154":3146,"6,155":3147,"6,156":3148,"6,157":3149,"6,158":3150,"6,159":3151,"6,160":3152,"6,161":3153,"6,162":3154,"6,163":3155,"6,164":3156,"6,165":3157,"6,166":3158,"6,167":3159,"6,168":3160,"6,169":3161,"6,170":3162,"6,171":3163,"6,172":3164,"6,173":3165,"6,174":3166,"6,175":3167,"6,176":3168,"6,177":3169,"6,178":3170,"6,179":3171,"6,180":3172,"6,181":3173,"6,182":3174,"6,183":3175,"6,184":3176,"6,185":3177,"6,186":3178,"6,187":3179,"6,188":3180,"6,189":3181,"6,190":3182,"6,191":3183,"6,192":3184,"6,193":3185,"6,194":3186,"6,195":3187,"6,196":3188,"6,197":3189,"6,198":3190,"6,199":3191,"6,200":3192,"6,201":3193,"6,202":3194,"6,203":3195,"6,204":3196,"6,205":3197,"6,206":3198,"6,207":3199,"6,208":3200,"6,209":3201,"6,210":3202,"6,211":3203,"6,212":3204,"6,213":3205,"6,214":3206,"6,215":3207,"6,216":3208,"6,217":3209,"6,218":3210,"6,219":3211,"6,220":3212,"6,221":3213,"6,222":3214,"6,223":3215,"6,224":3216,"6,225":3217,"6,226":3218,"6,227":3219,"6,228":3220,"6,229":3221,"6,230":3222,"6,231":3223,"6,232":3224,"6,233":3225,"6,234":3226,"6,235":3227,"6,236":3228,"6,237":3229,"6,238":3230,"6,239":3231,"6,240":3232,"6,241":3233,"6,242":3234,"6,243":3235,"6,244":3236,"6,245":3237,"6,246":3238,"6,247":3239,"6,248":3240,"6,249":3241,"6,250":3242,"6,251":3243,"6,252":3244,"6,253":3245,"6,254":3246,"6,255":3247,"6,256":3248,"6,257":3249,"6,258":3250,"6,259":3251,"6,260":3252,"6,261":3253,"6,262":3254,"6,263":3255,"6,264":3256,"6,265":3257,"6,266":3258,"6,267":3259,"6,268":3260,"6,269":3261,"6,270":3262,"6,271":3263,"6,272":3264,"6,273":3265,"6,274":3266,"6,275":3267,"6,276":3268,"6,277":3269,"6,279":3270,"6,281":3271,"6,282":3272,"6,283":3273,"6,284":3274,"6,285":3275,"6,286":3276,"6,287":3277,"6,288":3278,"6,289":3279,"6,290":3280,"6,291":3281,"6,292":3282,"6,293":3283,"6,294":3284,"6,295":3285,"6,296":3286,"6,297":3287,"6,298":3288,"6,299":3289,"6,300":3290,"6,301":3291,"6,302":3292,"6,303":3293,"6,304":3294,"6,305":3295,"6,306":3296,"6,307":3297,"6,308":3298,"6,309":3299,"6,310":3300,"6,311":3301,"6,312":3302,"6,313":3303,"6,314":3304,"6,315":3305,"6,316":3306,"6,317":3307,"6,318":3308,"6,319":3309,"6,320":3310,"6,321":3311,"6,322":3312,"6,323":3313,"6,324":3314,"6,325":3315,"6,326":3316,"6,327":3317,"6,328":3318,"6,329":3319,"6,330":3320,"6,331":3321,"6,332":3322,"6,333":3323,"6,334":3324,"6,335":3325,"6,336":3326,"6,337":3327,"6,338":3328,"6,339":3329,"6,340":3330,"6,341":3331,"6,342":3332,"6,343":3333,"6,344":3334,"6,345":3335,"6,346":3336,"6,347":3337,"6,348":3338,"6,349":3339,"6,350":3340,"6,351":3341,"6,352":3342,"6,353":3343,"6,354":3344,"6,355":3345,"6,356":3346,"6,357":3347,"6,358":3348,"6,359":3349,"6,360":3350,"6,361":3351,"6,362":3352,"6,363":3353,"6,364":3354,"6,365":3355,"6,366":3356,"6,367":3357,"6,368":3358,"6,369":3359,"6,370":3360,"6,371":3361,"6,372":3362,"6,373":3363,"6,374":3364,"6,375":3365,"6,376":3366,"6,377":3367,"6,378":3368,"6,379":3369,"6,380":3370,"6,381":3371,"6,382":3372,"6,383":3373,"6,384":3374,"6,385":3375,"6,386":3376,"6,387":3377,"6,388":3378,"6,389":3379,"6,390":3380,"6,391":3381,"6,392":3382,"6,393":3383,"6,394":3384,"6,395":3385,"6,396":3386,"6,397":3387,"6,398":3388,"6,399":3389,"6,400":3390,"6,401":3391,"6,402":3392,"6,403":3393,"6,404":3394,"6,405":3395,"6,406":3396,"6,407":3397,"6,408":3398,"6,409":3399,"6,410":3400,"6,411":3401,"6,412":3402,"6,413":3403,"6,414":3404,"6,415":3405,"6,416":3406,"6,417":3407,"6,418":3408,"6,419":3409,"6,420":3410,"6,421":3411,"6,422":3412,"6,423":3413,"6,424":3414,"6,425":3415,"6,426":3416,"6,427":3417,"6,428":3418,"6,429":3419,"6,430":3420,"6,431":3421,"6,432":3422,"6,433":3423,"6,434":3424,"6,435":3425,"6,436":3426,"6,437":3427,"6,438":3428,"6,439":3429,"6,440":3430,"6,441":3431,"6,442":3432,"6,443":3433,"6,444":3434,"6,445":3435,"6,446":3436,"6,447":3437,"6,448":3438,"6,449":3439,"6,450":3440,"6,451":3441,"6,452":3442,"6,453":3443,"6,454":3444,"6,455":3445,"6,456":3446,"6,457":3447,"6,458":3448,"6,459":3449,"6,460":3450,"6,461":3451,"6,462":3452,"6,463":3453,"6,464":3454,"6,465":3455,"6,466":3456,"6,467":3457,"6,468":3458,"6,469":3459,"6,470":3460,"6,471":3461,"6,472":3462,"6,473":3463,"6,474":3464,"6,475":3465,"6,476":3466,"6,477":3467,"6,478":3468,"6,479":3469,"6,480":3470,"6,481":3471,"6,482":3472,"6,483":3473,"6,484":3474,"6,485":3475,"6,486":3476,"6,487":3477,"6,488":3478,"6,489":3479,"6,490":3480,"6,491":3481,"6,492":3482,"6,493":3483,"6,494":3484,"6,495":3485,"6,496":3486,"6,497":3487,"6,498":3488,"6,499":3489,"6,500":3490,"6,501":3491,"6,502":3492,"6,503":3493,"6,504":3494,"6,505":3495,"6,506":3496,"6,507":3497,"6,508":3498,"6,509":3499,"6,510":3500,"6,511":3501,"6,512":3502,"6,513":3503,"6,514":3504,"6,515":3505,"6,516":3506,"6,517":3507,"6,518":3508,"6,519":3509,"6,520":3510,"6,521":3511,"6,522":3512,"6,523":3513,"6,524":3514,"6,525":3515,"6,526":3516,"6,527":3517,"6,528":3518,"6,529":3519,"6,530":3520,"6,531":3521,"6,532":3522,"6,533":3523,"6,534":3524,"6,535":3525,"6,536":3526,"6,537":3527,"6,538":3528,"6,539":3529,"6,540":3530,"6,541":3531,"6,542":3532,"6,543":3533,"6,544":3534,"6,545":3535,"6,546":3536,"6,547":3537,"6,548":3538,"6,549":3539,"6,550":3540,"6,551":3541,"6,552":3542,"6,553":3543,"6,554":3544,"6,555":3545,"6,556":3546,"6,557":3547,"6,558":3548,"6,559":3549,"6,560":3550,"6,561":3551,"6,562":3552,"6,563":3553,"6,564":3554,"6,565":3555,"6,566":3556,"6,567":3557,"6,568":3558,"6,569":3559,"6,570":3560,"6,571":3561,"6,572":3562,"6,573":3563,"6,574":3564,"6,575":3565,"6,576":3566,"6,577":3567,"6,578":3568,"6,579":3569,"6,580":3570,"6,581":3571,"6,582":3572,"6,583":3573,"6,584":3574,"6,585":3575,"6,586":3576,"6,587":3577,"6,588":3578,"6,589":3579,"6,590":3580,"6,591":3581,"6,592":3582,"6,593":3583,"6,594":3584,"6,595":3585,"6,596":3586,"6,597":3587,"6,598":3588,"6,599":3589,"6,600":3590,"6,601":3591,"6,602":3592,"6,603":3593,"6,604":3594,"6,605":3595,"6,606":3596,"6,607":3597,"6,608":3598,"6,609":3599,"6,610":3600,"6,611":3601,"6,612":3602,"6,613":3603,"6,614":3604,"6,615":3605,"6,616":3606,"6,617":3607,"6,618":3608,"6,619":3609,"6,620":3610,"6,621":3611,"6,622":3612,"6,623":3613,"6,624":3614,"6,625":3615,"6,626":3616,"6,627":3617,"6,628":3618,"6,629":3619,"6,630":3620,"6,631":3621,"6,632":3622,"6,633":3623,"6,634":3624,"6,635":3625,"6,636":3626,"6,637":3627,"6,638":3628,"6,639":3629,"6,640":3630,"6,641":3631,"6,642":3632,"6,643":3633,"6,644":3634,"7,1":3635,"7,2":3636,"7,3":3637,"7,4":3638,"7,5":3639,"7,6":3640,"7,7":3643,"7,8":3644,"7,9":3645,"7,10":3646,"7,11":3647,"7,12":3648,"7,13":3649,"7,14":3650,"7,15":3651,"7,16":3652,"7,17":3653,"7,18":3654,"7,19":3655,"7,20":3656,"7,21":3657,"7,22":3658,"7,23":3659,"7,24":3660,"7,25":3661,"7,26":3662,"7,27":3663,"7,28":3664,"7,29":3665,"7,30":3666,"7,31":3667,"7,32":3668,"7,33":3669,"7,34":3670,"7,35":3671,"7,36":3672,"7,37":3673,"7,38":3674,"7,39":3675,"7,40":3676,"7,41":3677,"7,42":3678,"7,43":3679,"7,44":3680,"7,45":3681,"7,46":3682,"7,47":3683,"7,48":3684,"7,49":3685,"7,50":3686,"7,51":3687,"7,52":3688,"7,53":3689,"7,54":3690,"7,55":3691,"7,56":3692,"7,57":3693,"7,58":3694,"7,59":3695,"7,60":3696,"7,61":3697,"7,62":3698,"7,63":3699,"7,64":3700,"7,65":3701,"7,66":3702,"7,67":3703,"7,68":3704,"7,69":3705,"7,70":3706,"7,71":3707,"7,72":3708,"7,73":3709,"7,74":3710,"7,75":3711,"7,76":3712,"7,77":3713,"7,78":3714,"7,79":3715,"7,80":3716,"7,81":3717,"7,82":3718,"7,83":3719,"7,84":3720,"7,85":3721,"7,86":3722,"7,87":3723,"7,88":3724,"7,89":3725,"7,90":3726,"7,91":3727,"7,92":3728,"7,93":3729,"7,94":3730,"7,95":3731,"7,96":3732,"7,97":3733,"7,98":3734,"7,99":3735,"7,100":3736,"7,101":3737,"7,102":3738,"7,103":3739,"7,104":3740,"7,105":3741,"7,106":3742,"7,107":3743,"7,108":3744,"7,109":3745,"7,110":3746,"7,111":3747,"7,112":3748,"7,113":3749,"7,114":3750,"7,115":3751,"7,116":3752,"7,117":3753,"7,118":3754,"7,119":3755,"7,120":3756,"7,121":3757,"7,122":3758,"7,123":3759,"7,124":3760,"7,125":3761,"7,126":3762,"7,127":3763,"7,128":3764,"7,129":3765,"7,130":3766,"7,131":3767,"7,132":3768,"7,133":3769,"7,134":3770,"7,135":3771,"7,136":3772,"7,137":3773,"7,138":3774,"7,139":3775,"7,140":3776,"7,141":3777,"7,142":3778,"7,143":3779,"7,144":3780,"7,145":3781,"7,146":3782,"7,147":3783,"7,148":3784,"7,149":3785,"7,150":3786,"7,151":3787,"7,152":3788,"7,153":3789,"7,154":3790,"7,155":3791,"7,156":3792,"7,157":3793,"7,158":3794,"7,159":3795,"7,160":3796,"7,161":3797,"7,162":3798,"7,163":3799,"7,164":3800,"7,165":3801,"7,166":3802,"7,167":3803,"7,168":3804,"7,169":3805,"7,170":3806,"7,171":3807,"7,172":3808,"7,173":3809,"7,174":3810,"7,175":3811,"7,176":3812,"7,177":3813,"7,178":3814,"7,179":3815,"7,180":3816,"7,181":3817,"7,182":3818,"7,183":3819,"7,184":3820,"7,185":3821,"7,186":3822,"7,187":3823,"7,188":3824,"7,189":3825,"7,190":3826,"7,191":3827,"7,192":3828,"7,193":3829,"7,194":3830,"7,195":3831,"7,196":3832,"7,197":3833,"7,198":3834,"7,199":3835,"7,200":3836,"7,201":3837,"7,202":3838,"7,203":3839,"7,204":3840,"7,205":3841,"7,206":3842,"7,207":3843,"7,208":3844,"7,209":3845,"7,210":3846,"7,211":3847,"7,212":3848,"7,213":3849,"7,214":3850,"7,215":3851,"7,217":3852,"7,218":3853,"7,219":3854,"7,220":3855,"7,221":3856,"7,222":3857,"7,223":3858,"7,224":3859,"7,225":3860,"7,226":3861,"7,227":3862,"7,228":3863,"7,229":3864,"7,230":3865,"7,231":3866,"7,232":3867,"7,233":3868,"7,234":3869,"7,235":3870,"7,236":3871,"7,237":3872,"7,238":3873,"7,239":3874,"7,240":3875,"7,241":3876,"7,242":3877,"7,243":3878,"7,244":3879,"7,245":3880,"7,246":3881,"7,247":3882,"7,248":3883,"7,249":3884,"7,250":3885,"7,251":3886,"7,252":3887,"7,253":3888,"7,254":3889,"7,255":3890,"7,256":3891,"7,257":3892,"7,258":3893,"7,259":3894,"7,260":3895,"7,261":3896,"7,262":3897,"7,263":3898,"7,264":3899,"7,265":3900,"7,266":3901,"7,267":3902,"7,268":3903,"7,269":3904,"7,270":3905,"7,271":3906,"7,272":3907,"7,273":3908,"7,274":3909,"7,275":3910,"7,276":3911,"7,277":3912,"7,278":3913,"7,279":3914,"7,280":3915,"7,281":3916,"7,282":3917,"7,283":3918,"7,284":3919,"7,285":3920,"7,286":3921,"7,287":3922,"7,288":3923,"7,289":3924,"7,290":3925,"7,291":3926,"7,292":3927,"7,293":3928,"7,294":3929,"7,295":3930,"7,296":3931,"7,297":3932,"7,298":3933,"7,299":3934,"7,300":3935,"7,301":3936,"7,302":3937,"7,303":3938,"7,304":3939,"7,305":3940,"7,306":3941,"7,307":3942,"7,308":3943,"7,309":3944,"7,310":3945,"7,311":3946,"7,312":3947,"7,313":3948,"7,314":3949,"7,315":3950,"7,316":3951,"7,317":3952,"7,318":3953,"7,319":3954,"7,320":3955,"7,321":3956,"7,322":3957,"7,323":3958,"7,324":3959,"7,325":3960,"7,326":3961,"7,327":3962,"7,328":3963,"7,329":3964,"7,330":3965,"7,331":3966,"7,332":3967,"7,333":3968,"7,334":3969,"7,335":3970,"7,336":3971,"7,337":3972,"7,338":3973,"7,339":3974,"7,340":3975,"7,341":3976,"7,342":3977,"7,343":3978,"7,344":3979,"7,345":3980,"7,346":3981,"7,347":3982,"7,348":3983,"7,349":3984,"7,350":3985,"7,351":3986,"7,352":3987,"7,353":3988,"7,354":3989,"7,355":3990,"7,356":3991,"7,357":3992,"7,358":3993,"7,359":3994,"7,360":3995,"7,361":3996,"7,362":3997,"7,363":3998,"7,364":3999,"7,365":4000,"7,366":4001,"7,367":4002,"7,368":4003,"7,369":4004,"7,370":4005,"7,371":4006,"7,372":4007,"7,373":4008,"7,374":4009,"7,375":4010,"7,376":4011,"7,377":4012,"7,378":4013,"7,379":4014,"7,380":4015,"7,381":4016,"7,382":4017,"7,383":4018,"7,384":4019,"7,385":4020,"7,386":4021,"7,387":4022,"7,388":4023,"7,389":4024,"7,390":4025,"7,391":4026,"7,392":4027,"7,393":4028,"7,394":4029,"7,395":4030,"7,396":4031,"7,397":4032,"7,398":4033,"7,399":4034,"7,400":4035,"7,401":4036,"7,402":4037,"7,403":4038,"7,404":4039,"7,405":4040,"7,406":4041,"7,407":4042,"7,408":4043,"7,409":4044,"7,410":4045,"7,411":4046,"7,412":4047,"7,413":4048,"7,414":4049,"7,415":4050,"7,416":4051,"7,417":4052,"7,418":4053,"7,419":4054,"7,420":4055,"7,421":4056,"7,422":4057,"7,423":4058,"7,424":4059,"7,425":4060,"7,426":4061,"7,427":4062,"7,428":4063,"7,429":4064,"7,430":4065,"7,431":4066,"7,432":4067,"7,433":4068,"7,434":4069,"7,435":4070,"7,436":4071,"7,437":4072,"7,438":4073,"7,439":4074,"7,440":4075,"7,441":4076,"7,442":4077,"7,443":4078,"7,444":4079,"7,445":4080,"7,446":4081,"7,447":4082,"7,448":4083,"7,449":4084,"7,450":4085,"7,451":4086,"7,452":4087,"7,453":4088,"7,454":4089,"7,455":4090,"7,456":4091,"7,457":4092,"7,458":4093,"7,459":4094,"7,460":4095,"7,461":4096,"7,462":4097,"7,463":4098,"7,464":4099,"7,465":4100,"7,466":4101,"7,467":4102,"7,468":4103,"7,469":4104,"7,470":4105,"7,471":4106,"7,472":4107,"7,473":4108,"7,474":4109,"7,475":4110,"7,476":4111,"7,477":4112,"7,478":4113,"7,479":4114,"7,480":4115,"7,481":4116,"7,482":4117,"7,483":4118,"7,484":4119,"7,485":4120,"7,486":4121,"7,487":4122,"7,488":4123,"7,489":4124,"7,490":4125,"7,491":4126,"7,492":4127,"7,493":4128,"7,494":4129,"7,495":4130,"7,496":4131,"7,497":4132,"7,498":4133,"7,499":4134,"7,500":4135,"7,501":4136,"7,502":4137,"7,503":4138,"7,504":4139,"7,505":4140,"7,506":4141,"7,507":4142,"7,508":4143,"7,509":4144,"7,510":4145,"7,511":4146,"7,512":4147,"7,513":4148,"7,514":4149,"7,515":4150,"7,516":4151,"7,517":4152,"7,518":4153,"7,519":4154,"7,520":4155,"7,521":4156,"7,522":4157,"7,523":4158,"7,524":4159,"7,525":4160,"7,526":4161,"7,527":4162,"7,528":4163,"7,529":4164,"7,530":4165,"7,531":4166,"7,532":4167,"7,533":4168,"7,534":4169,"7,535":4170,"7,536":4171,"7,537":4172,"7,538":4173,"7,539":4174,"7,540":4175,"7,541":4176,"7,542":4177,"7,543":4178,"7,544":4179,"7,545":4180,"7,546":4181,"7,547":4182,"7,548":4183,"7,549":4184,"7,550":4185,"7,551":4186,"7,552":4187,"7,553":4188,"7,554":4189,"7,555":4190,"7,556":4191,"7,557":4192,"7,558":4193,"7,559":4194,"7,560":4195,"7,561":4196,"7,562":4197,"7,563":4198,"7,564":4199,"7,565":4200,"7,566":4201,"7,567":4202,"7,568":4203,"7,569":4204,"7,570":4205,"7,571":4206,"7,572":4207,"7,573":4208,"7,574":4209,"7,575":4210,"7,576":4211,"7,577":4212,"7,578":4213,"7,579":4214,"7,580":4215,"7,581":4216,"7,582":4217,"7,583":4218,"7,584":4219,"7,585":4220,"7,586":4221,"7,587":4222,"7,588":4223,"7,589":4224,"7,590":4225,"7,591":4226,"7,592":4227,"7,593":4228,"7,594":4229,"7,595":4230,"7,596":4231,"7,597":4232,"7,598":4233,"7,599":4234,"7,600":4235,"7,601":4236,"7,602":4237,"7,603":4238,"7,604":4239,"7,605":4240,"7,606":4241,"7,607":4242,"7,608":4243,"7,609":4244,"7,610":4245,"7,611":4246,"8,1":4247,"8,2":4248,"8,3":4249,"8,4":4250,"8,5":4251,"8,6":4252,"8,7":4253,"8,8":4254,"8,9":4255,"8,10":4256,"8,11":4257,"8,12":4258,"8,13":4259,"8,14":4260,"8,15":4261,"8,16":4262,"8,17":4263,"8,18":4264,"8,19":4265,"8,20":4266,"8,21":4267,"8,22":4268,"8,23":4269,"8,24":4270,"8,25":4271,"8,26":4272,"8,27":4273,"8,28":4274,"8,29":4275,"8,30":4276,"8,31":4277,"8,32":4278,"8,33":4279,"8,34":4280,"8,35":4281,"8,36":4282,"8,37":4283,"8,38":4284,"8,39":4285,"8,40":4286,"8,41":4287,"8,42":4288,"8,43":4289,"8,44":4290,"8,45":4291,"8,46":4292,"8,47":4293,"8,48":4294,"8,49":4295,"8,50":4296,"8,51":4297,"8,52":4298,"8,53":4299,"8,54":4300,"8,55":4301,"8,56":4302,"8,57":4303,"8,58":4304,"8,59":4305,"8,60":4306,"8,61":4307,"8,62":4308,"8,63":4309,"8,64":4310,"8,65":4311,"8,66":4312,"8,67":4313,"8,68":4314,"8,69":4315,"8,70":4316,"8,71":4317,"8,72":4318,"8,73":4319,"8,74":4320,"8,75":4321,"8,76":4322,"8,77":4323,"8,78":4324,"8,79":4325,"8,80":4326,"8,81":4327,"8,82":4328,"8,83":4329,"8,84":4330,"8,85":4331,"8,86":4332,"8,87":4333,"8,88":4334,"8,89":4335,"8,90":4336,"8,91":4337,"8,92":4338,"8,93":4339,"8,94":4340,"8,95":4341,"8,96":4342,"8,97":4343,"8,98":4344,"8,99":4345,"8,100":4346,"8,101":4347,"8,102":4348,"8,103":4349,"8,104":4350,"8,105":4351,"8,106":4352,"8,107":4353,"8,108":4354,"8,109":4355,"8,110":4356,"8,111":4357,"8,112":4358,"8,113":4359,"8,114":4360,"8,115":4361,"8,116":4362,"8,117":4363,"8,118":4364,"8,119":4365,"8,120":4366,"8,121":4367,"8,122":4368,"8,123":4369,"8,124":4370,"8,125":4371,"8,126":4372,"8,127":4373,"8,128":4374,"8,129":4375,"8,130":4376,"8,131":4377,"8,132":4378,"8,133":4379,"8,134":4380,"8,135":4381,"8,136":4382,"8,137":4383,"8,138":4384,"8,139":4385,"8,140":4386,"8,141":4387,"8,142":4388,"8,143":4389,"8,144":4390,"8,145":4391,"8,146":4392,"8,147":4393,"8,148":4394,"8,149":4395,"8,150":4396,"8,151":4397,"8,152":4398,"8,153":4399,"8,154":4400,"8,155":4401,"8,156":4402,"8,157":4403,"8,158":4404,"8,159":4405,"8,160":4406,"8,161":4407,"8,162":4408,"8,163":4409,"8,164":4410,"8,165":4411,"8,166":4412,"8,167":4413,"8,168":4414,"8,169":4415,"8,170":4416,"8,171":4417,"8,172":4418,"8,173":4419,"8,174":4420,"8,175":4421,"8,176":4422,"8,177":4423,"8,178":4424,"8,179":4425,"8,180":4426,"8,181":4427,"8,182":4428,"8,183":4429,"8,184":4430,"8,185":4431,"8,186":4432,"8,187":4433,"8,188":4434,"8,189":4435,"8,190":4436,"8,191":4437,"8,192":4438,"8,193":4439,"8,194":4440,"8,195":4441,"8,196":4442,"8,197":4443,"8,198":4444,"8,199":4445,"8,200":4446,"8,201":4447,"8,202":4448,"8,203":4449,"8,204":4450,"8,205":4451,"8,206":4452,"8,207":4453,"8,208":4454,"8,209":4455,"8,210":4456,"8,211":4457,"8,212":4458,"8,213":4459,"8,214":4460,"8,215":4461,"8,216":4462,"8,217":4463,"8,218":4464,"8,219":4465,"8,220":4466,"8,221":4467,"8,222":4468,"8,223":4469,"8,224":4470,"8,225":4471,"8,226":4472,"8,227":4473,"8,228":4474,"8,229":4475,"8,230":4476,"8,231":4477,"8,232":4478,"8,233":4479,"8,234":4480,"8,235":4481,"8,236":4482,"8,237":4483,"8,238":4484,"8,239":4485,"8,240":4486,"8,241":4487,"8,242":4488,"8,243":4489,"8,244":4490,"8,245":4491,"8,246":4492,"8,247":4493,"8,248":4494,"8,249":4495,"8,250":4496,"8,251":4497,"8,252":4498,"8,253":4499,"8,254":4500,"8,255":4501,"8,256":4502,"8,257":4503,"8,258":4504,"8,259":4505,"8,260":4506,"8,261":4507,"8,262":4508,"8,263":4509,"8,264":4510,"8,265":4511,"8,266":4512,"8,267":4513,"8,268":4514,"8,269":4515,"8,270":4516,"8,271":4517,"8,272":4518,"8,273":4519,"8,274":4520,"8,275":4521,"8,276":4522,"8,277":4523,"8,278":4524,"8,279":4525,"8,280":4526,"8,281":4527,"8,282":4528,"8,283":4529,"8,284":4530,"8,285":4531,"8,286":4532,"8,287":4533,"8,288":4534,"8,289":4535,"8,290":4536,"8,291":4537,"8,292":4538,"8,293":4539,"8,294":4540,"8,295":4541,"8,296":4542,"8,297":4543,"8,298":4544,"8,299":4545,"8,300":4546,"8,301":4547,"8,302":4548,"8,303":4549,"8,304":4550,"8,305":4551,"8,306":4552,"8,307":4553,"8,308":4554,"8,309":4555,"8,310":4556,"8,311":4557,"8,312":4558,"8,313":4559,"8,314":4560,"8,315":4561,"8,316":4562,"8,317":4563,"8,318":4564,"8,319":4565,"8,320":4566,"8,321":4567,"8,322":4568,"8,323":4569,"8,324":4570,"8,325":4571,"8,326":4572,"8,327":4573,"8,328":4574,"8,329":4575,"8,330":4576,"8,331":4577,"8,332":4578,"8,333":4579,"8,334":4580,"8,335":4581,"8,336":4582,"8,337":4583,"8,338":4584,"8,339":4585,"8,340":4586,"8,341":4587,"8,342":4588,"8,343":4589,"8,344":4590,"8,345":4591,"8,346":4592,"8,347":4593,"8,348":4594,"8,349":4595,"8,350":4596,"8,351":4597,"8,352":4598,"8,353":4599,"8,354":4600,"8,355":4601,"8,356":4602,"8,357":4603,"8,358":4604,"8,359":4605,"8,360":4606,"8,361":4607,"8,362":4608,"8,363":4609,"8,364":4610,"8,365":4611,"8,366":4612,"8,367":4613,"8,368":4614,"8,369":4615,"8,370":4616,"8,371":4617,"8,372":4618,"8,373":4619,"8,374":4620,"8,375":4621,"8,376":4622,"8,377":4623,"8,378":4624,"8,379":4625,"8,380":4626,"8,381":4627,"8,382":4628,"8,383":4629,"8,384":4630,"8,385":4631,"8,386":4632,"8,387":4633,"8,388":4634,"8,389":4635,"8,390":4636,"8,391":4637,"8,392":4638,"8,393":4639,"8,394":4640,"8,395":4641,"8,396":4642,"8,397":4643,"8,398":4644,"8,399":4645,"8,400":4646,"8,401":4647,"8,402":4648,"8,403":4649,"8,404":4650,"8,405":4651,"8,406":4652,"8,407":4653,"8,408":4654,"8,409":4655,"8,410":4656,"8,411":4657,"8,412":4658,"8,413":4659,"8,414":4660,"8,415":4661,"8,416":4662,"8,417":4663,"8,418":4664,"8,419":4665,"8,420":4666,"8,421":4667,"8,422":4668,"8,423":4669,"8,424":4670,"8,425":4671,"8,426":4672,"8,427":4673,"8,428":4674,"8,429":4675,"8,430":4676,"8,431":4677,"8,432":4678,"8,433":4679,"8,434":4680,"8,435":4681,"8,436":4682,"8,437":4683,"8,438":4684,"8,439":4685,"8,440":4686,"8,441":4687,"8,442":4688,"8,443":4689,"8,444":4690,"8,445":4691,"8,446":4692,"8,447":4693,"8,448":4694,"8,449":4695,"8,450":4696,"8,451":4697,"8,452":4698,"8,453":4699,"8,454":4700,"8,455":4701,"8,456":4702,"8,457":4703,"8,458":4704,"8,459":4705,"8,460":4706,"8,461":4707,"8,462":4708,"8,463":4709,"8,464":4710,"8,465":4711,"8,466":4712,"8,467":4713,"8,468":4714,"8,469":4715,"8,470":4716,"8,471":4717,"8,472":4718,"8,473":4719,"8,474":4720,"8,475":4721,"8,476":4722,"8,477":4723,"8,478":4724,"8,479":4725,"8,480":4726,"8,481":4727,"8,482":4728,"8,483":4729,"8,484":4730,"8,485":4731,"8,486":4732,"8,487":4733,"8,488":4734,"8,489":4735,"8,490":4736,"8,491":4737,"8,492":4738,"8,493":4739,"8,494":4740,"8,495":4741,"8,496":4742,"8,497":4743,"8,498":4744,"8,499":4745,"8,500":4746,"8,501":4747,"8,502":4748,"8,503":4749,"8,504":4750,"8,505":4751,"8,506":4752,"8,507":4753,"8,508":4754,"8,509":4755,"8,510":4756,"8,511":4757,"8,512":4758,"8,513":4759,"8,514":4760,"8,515":4761,"8,516":4762,"8,517":4763,"8,518":4764,"8,519":4765,"8,520":4766,"8,521":4767,"8,522":4768,"8,523":4769,"8,524":4770,"8,525":4771,"8,526":4772,"8,527":4773,"8,528":4774,"8,529":4775,"8,530":4776,"8,531":4777,"8,532":4778,"8,533":4779,"8,534":4780,"8,535":4781,"8,536":4782,"8,537":4783,"8,538":4784,"8,539":4785,"8,540":4786,"8,541":4787,"8,542":4788,"8,543":4789,"8,544":4790,"8,545":4791,"8,546":4792,"8,547":4793,"8,548":4794,"8,549":4795,"8,550":4796,"8,551":4797,"8,552":4798,"8,553":4799,"8,554":4800,"8,555":4801,"8,556":4802,"8,557":4803,"8,558":4804,"8,559":4805,"8,560":4806,"8,561":4807,"8,562":4808,"8,563":4809,"8,564":4810,"8,565":4811,"8,566":4812,"9,1":4813,"9,2":4814,"9,3":4815,"9,4":4816,"9,5":4817,"9,6":4818,"9,7":4819,"9,8":4820,"9,9":4821,"9,10":4822,"9,11":4823,"9,12":4824,"9,13":4825,"9,14":4826,"9,15":4827,"9,16":4828,"9,17":4829,"9,18":4830,"9,19":4831,"9,20":4832,"9,21":4833,"9,22":4834,"9,23":4835,"9,24":4836,"9,25":4837,"9,26":4838,"9,27":4839,"9,28":4840,"9,29":4841,"9,30":4842,"9,31":4843,"9,32":4844,"9,33":4845,"9,34":4846,"9,35":4847,"9,36":4848,"9,37":4849,"9,38":4850,"9,39":4851,"9,40":4852,"9,41":4853,"9,42":4854,"9,43":4855,"9,44":4856,"9,45":4857,"9,46":4858,"9,47":4859,"9,48":4860,"9,49":4861,"9,50":4862,"9,51":4863,"9,52":4864,"9,53":4865,"9,54":4866,"9,55":4867,"9,56":4868,"9,57":4869,"9,58":4870,"9,59":4871,"9,60":4872,"9,61":4873,"9,62":4874,"9,63":4875,"9,64":4876,"9,65":4877,"9,66":4878,"9,67":4879,"9,68":4880,"9,69":4881,"9,70":4882,"9,71":4883,"9,72":4884,"9,73":4885,"9,74":4886,"9,75":4887,"9,76":4888,"9,77":4889,"9,78":4890,"9,79":4891,"9,80":4892,"9,81":4893,"9,82":4894,"9,83":4895,"9,84":4896,"9,85":4897,"9,86":4898,"9,87":4899,"9,88":4900,"9,89":4901,"9,90":4902,"9,91":4903,"9,92":4904,"9,93":4905,"9,94":4906,"9,95":4907,"9,96":4908,"9,97":4909,"9,98":4910,"9,99":4911,"9,100":4912,"9,101":4913,"9,102":4914,"9,103":4915,"9,104":4916,"9,105":4917,"9,106":4918,"9,107":4919,"9,108":4920,"9,109":4921,"9,110":4922,"9,111":4923,"9,112":4924,"9,113":4925,"9,114":4926,"9,115":4927,"9,116":4928,"9,117":4929,"9,118":4930,"9,119":4931,"9,120":4932,"9,121":4933,"9,122":4934,"9,123":4935,"9,124":4936,"9,125":4937,"9,126":4938,"9,127":4939,"9,128":4940,"9,129":4941,"9,130":4942,"9,131":4943,"9,132":4944,"9,133":4945,"9,134":4946,"9,135":4947,"9,136":4948,"9,137":4949,"9,138":4950,"9,139":4951,"9,140":4952,"9,141":4953,"9,142":4954,"9,143":4955,"9,144":4956,"9,145":4957,"9,146":4958,"9,147":4959,"9,148":4960,"9,149":4961,"9,150":4962,"9,151":4963,"9,152":4964,"9,153":4965,"9,154":4966,"9,155":4967,"9,156":4968,"9,157":4969,"9,158":4970,"9,159":4971,"9,160":4972,"9,161":4973,"9,162":4974,"9,163":4975,"9,164":4976,"9,165":4977,"9,166":4978,"9,167":4979,"9,168":4980,"9,169":4981,"9,170":4982,"9,171":4983,"9,172":4984,"9,173":4985,"9,174":4986,"9,175":4987,"9,176":4988,"9,177":4989,"9,178":4990,"9,179":4991,"9,180":4992,"9,181":4993,"9,182":4994,"9,183":4995,"9,184":4996,"9,185":4997,"9,186":4998,"9,187":4999,"9,188":5000,"9,189":5001,"9,190":5002,"9,191":5003,"9,192":5004,"9,193":5005,"9,194":5006,"9,195":5007,"9,196":5008,"9,197":5009,"9,198":5010,"9,199":5011,"9,200":5012,"9,201":5013,"9,202":5014,"9,203":5015,"9,204":5016,"9,205":5017,"9,206":5018,"9,207":5019,"9,208":5020,"9,209":5021,"9,210":5022,"9,211":5023,"9,212":5024,"9,213":5025,"9,214":5026,"9,215":5027,"9,216":5028,"9,217":5029,"9,218":5030,"9,219":5031,"9,220":5032,"9,221":5033,"9,222":5034,"9,223":5035,"9,224":5036,"9,225":5037,"9,226":5038,"9,227":5039,"9,228":5040,"9,229":5041,"9,230":5042,"9,231":5043,"9,232":5044,"9,233":5045,"9,234":5046,"9,235":5047,"9,236":5048,"9,237":5049,"9,238":5050,"9,239":5051,"9,240":5052,"9,241":5053,"9,242":5054,"9,243":5055,"9,244":5056,"9,245":5057,"9,246":5058,"9,247":5059,"9,248":5060,"9,249":5061,"9,250":5062,"9,251":5063,"9,252":5064,"9,253":5065,"9,254":5066,"9,255":5067,"9,256":5068,"9,257":5069,"9,258":5070,"9,259":5071,"9,260":5072,"9,261":5073,"9,262":5074,"9,263":5075,"9,264":5076,"9,265":5077,"9,266":5078,"9,267":5079,"9,268":5080,"9,269":5081,"9,270":5082,"9,271":5083,"9,272":5084,"9,273":5085,"9,274":5086,"9,275":5087,"9,276":5088,"9,277":5089,"9,278":5090,"9,279":5091,"9,280":5092,"9,281":5093,"9,282":5094,"9,283":5095,"9,284":5096,"9,285":5097,"9,286":5098,"9,287":5099,"9,288":5100,"9,289":5101,"9,290":5102,"9,291":5103,"9,292":5104,"9,293":5105,"9,294":5106,"9,295":5107,"9,296":5108,"9,297":5109,"9,298":5110,"9,299":5111,"9,300":5112,"9,301":5113,"9,302":5114,"9,303":5115,"9,304":5116,"9,305":5117,"9,306":5118,"9,307":5119,"9,308":5120,"9,309":5121,"9,310":5122,"9,311":5123,"9,312":5124,"9,313":5125,"9,314":5126,"9,315":5127,"9,316":5128,"9,317":5129,"9,318":5130,"9,319":5131,"9,320":5132,"9,321":5133,"9,322":5134,"9,323":5135,"9,324":5136,"9,325":5137,"9,326":5138,"9,327":5139,"9,328":5140,"9,329":5141,"9,330":5142,"9,331":5143,"9,332":5144,"9,333":5145,"9,334":5146,"9,335":5147,"9,336":5148,"9,337":5149,"9,338":5150,"9,339":5151,"9,340":5152,"9,341":5153,"9,342":5154,"9,343":5155,"9,344":5156,"9,345":5157,"9,346":5158,"9,347":5159,"9,348":5160,"9,349":5161,"9,350":5162,"9,351":5163,"9,352":5164,"9,353":5165,"9,354":5166,"9,355":5167,"9,356":5168,"9,357":5169,"9,358":5170,"9,359":5171,"9,360":5172,"9,361":5173,"9,362":5174,"9,363":5175,"9,364":5176,"9,365":5177,"9,366":5178,"9,367":5179,"9,368":5180,"9,369":5181,"9,370":5182,"9,371":5183,"9,372":5184,"9,373":5185,"9,374":5186,"9,375":5187,"9,376":5188,"9,377":5189,"9,378":5190,"9,379":5191,"9,380":5192,"9,381":5193,"9,382":5194,"9,383":5195,"9,384":5196,"9,385":5197,"9,386":5198,"9,387":5199,"9,388":5200,"9,389":5201,"9,390":5202,"9,391":5203,"9,392":5204,"9,393":5205,"9,394":5206,"9,395":5207,"9,396":5208,"9,397":5209,"9,398":5210,"9,399":5211,"9,400":5212,"9,401":5213,"9,402":5214,"9,403":5215,"9,404":5216,"9,405":5217,"9,406":5218,"9,407":5219,"9,408":5220,"9,409":5221,"9,410":5222,"9,411":5223,"9,412":5224,"9,413":5225,"9,414":5226,"9,415":5227,"9,416":5228,"9,417":5229,"9,418":5230,"9,419":5231,"9,420":5232,"9,421":5233,"9,422":5234,"9,423":5235,"9,424":5236,"9,425":5237,"9,426":5238,"9,427":5239,"9,428":5240,"9,429":5241,"9,430":5242,"9,431":5243,"9,432":5244,"9,433":5245,"9,434":5246,"9,435":5247,"9,436":5248,"9,437":5249,"9,438":5250,"9,439":5251,"9,440":5252,"9,441":5253,"9,442":5254,"9,443":5255,"9,444":5256,"9,445":5257,"9,446":5258,"9,447":5259,"9,448":5260,"9,449":5261,"9,450":5262,"9,451":5263,"9,452":5264,"9,453":5265,"9,454":5266,"9,455":5267,"9,456":5268,"9,457":5269,"9,458":5270,"9,459":5271,"9,460":5272,"9,461":5273,"9,462":5274,"9,463":5275,"9,464":5276,"9,465":5277,"9,466":5278,"9,467":5279,"9,468":5280,"9,469":5281,"9,470":5282,"9,471":5283,"9,472":5284,"9,473":5285,"9,474":5286,"9,475":5287,"9,476":5288,"9,477":5289,"9,478":5290,"9,479":5291,"9,480":5292,"9,481":5293,"9,482":5294,"9,483":5295,"9,484":5296,"9,485":5297,"9,486":5298,"9,487":5299,"9,488":5300,"9,489":5301,"9,490":5302,"9,491":5303,"9,492":5304,"9,493":5305,"9,494":5306,"9,495":5307,"9,496":5308,"9,497":5309,"9,498":5310,"9,499":5311,"9,500":5312,"9,501":5313,"9,502":5314,"9,503":5315,"9,504":5316,"9,505":5317,"9,506":5318,"9,507":5319,"9,508":5320,"9,509":5321,"9,510":5322,"9,511":5323,"9,512":5324,"9,513":5325,"9,514":5326,"9,515":5327,"9,516":5328,"9,517":5329,"9,518":5330,"9,519":5331,"9,520":5332,"9,521":5333,"9,522":5334,"9,523":5335,"9,524":5336,"9,525":5337,"9,526":5338,"9,527":5339,"9,528":5340,"9,529":5341,"9,530":5342,"9,531":5343,"9,532":5344,"9,533":5345,"9,534":5346,"9,535":5347,"9,536":5348,"9,537":5349,"9,538":5350,"9,539":5351,"9,540":5352,"9,541":5353,"9,542":5354,"9,543":5355,"9,544":5356,"9,545":5357,"9,546":5358,"9,547":5359,"9,548":5360,"9,549":5361,"9,550":5362,"9,551":5363,"9,552":5364,"9,553":5365,"9,554":5366,"9,555":5367,"9,556":5368,"9,557":5369,"9,558":5370,"9,559":5371,"9,560":5372,"9,561":5373,"9,562":5374,"9,563":5375,"9,564":5376,"9,565":5377,"9,566":5378,"9,567":5379,"9,568":5380,"9,569":5381,"9,570":5382,"9,571":5383,"9,572":5384,"9,573":5385,"9,574":5386,"9,575":5387,"9,576":5388,"10,1":5389,"10,2":5390,"10,3":5391,"10,4":5392,"10,5":5393,"10,6":5394,"10,7":5395,"10,8":5396,"10,9":5397,"10,10":5398,"10,11":5399,"10,12":5400,"10,13":5401,"10,14":5402,"10,15":5403,"10,16":5404,"10,17":5405,"10,18":5406,"10,19":5407,"10,20":5408,"10,21":5409,"10,22":5410,"10,23":5411,"10,24":5412,"10,25":5413,"10,26":5414,"10,27":5415,"10,28":5416,"10,29":5417,"10,30":5418,"10,31":5419,"10,32":5420,"10,33":5421,"10,34":5422,"10,35":5423,"10,36":5424,"10,37":5425,"10,38":5426,"10,39":5427,"10,40":5428,"10,41":5429,"10,42":5430,"10,43":5431,"10,44":5432,"10,45":5433,"10,46":5434,"10,47":5435,"10,48":5436,"10,49":5437,"10,50":5438,"10,51":5439,"10,52":5440,"10,53":5441,"10,54":5442,"10,55":5443,"10,56":5444,"10,57":5445,"10,58":5446,"10,59":5447,"10,60":5448,"10,61":5449,"10,62":5450,"10,63":5451,"10,64":5452,"10,65":5453,"10,66":5454,"10,67":5455,"10,68":5456,"10,69":5457,"10,70":5458,"10,71":5459,"10,72":5460,"10,73":5461,"10,74":5462,"10,75":5463,"10,76":5464,"10,77":5465,"10,78":5466,"10,79":5467,"10,80":5468,"10,81":5469,"10,82":5470,"10,83":5471,"10,84":5472,"10,85":5473,"10,86":5474,"10,87":5475,"10,88":5476,"10,89":5477,"10,90":5478,"10,91":5479,"10,92":5480,"10,93":5481,"10,94":5482,"10,95":5483,"10,96":5484,"10,97":5485,"10,98":5486,"10,99":5487,"10,100":5488,"10,101":5489,"10,102":5490,"10,103":5491,"10,104":5492,"10,105":5493,"10,106":5494,"10,107":5495,"10,108":5496,"10,109":5497,"10,110":5498,"10,111":5499,"10,112":5500,"10,113":5501,"10,114":5502,"10,115":5503,"10,116":5504,"10,117":5505,"10,118":5506,"10,119":5507,"10,120":5508,"10,121":5509,"10,122":5510,"10,123":5511,"10,124":5512,"10,125":5513,"10,126":5514,"10,127":5515,"10,128":5516,"10,129":5517,"10,130":5518,"10,131":5519,"10,132":5520,"10,133":5521,"10,134":5522,"10,135":5523,"10,136":5524,"10,137":5525,"10,138":5526,"10,139":5527,"10,140":5528,"10,141":5529,"10,142":5530,"10,143":5531,"10,144":5532,"10,145":5533,"10,146":5534,"10,147":5535,"10,148":5536,"10,149":5537,"10,150":5538,"10,151":5539,"10,152":5540,"10,153":5541,"10,154":5542,"10,155":5543,"10,156":5544,"10,157":5545,"10,158":5546,"10,159":5547,"10,160":5548,"10,161":5549,"10,162":5550,"10,163":5551,"10,164":5552,"10,165":5553,"10,166":5554,"10,167":5555,"10,168":5556,"10,169":5557,"10,170":5558,"10,171":5559,"10,172":5560,"10,173":5561,"10,174":5562,"10,175":5563,"10,176":5564,"10,177":5565,"10,178":5566,"10,179":5567,"10,180":5568,"10,181":5569,"10,182":5570,"10,183":5571,"10,184":5572,"10,185":5573,"10,186":5574,"10,187":5575,"10,188":5576,"10,189":5577,"10,190":5578,"10,191":5579,"10,192":5580,"10,193":5581,"10,194":5582,"10,195":5583,"10,196":5584,"10,197":5585,"10,198":5586,"10,199":5587,"10,200":5588,"10,201":5589,"10,202":5590,"10,203":5591,"10,204":5592,"10,205":5593,"10,206":5594,"10,207":5595,"10,208":5596,"10,209":5597,"10,210":5598,"10,211":5599,"10,212":5600,"10,213":5601,"10,214":5602,"10,215":5603,"10,216":5604,"10,217":5605,"10,218":5606,"10,219":5607,"10,220":5608,"10,221":5609,"10,222":5610,"10,223":5611,"10,224":5612,"10,225":5613,"10,226":5614,"10,227":5615,"10,228":5616,"10,229":5617,"10,230":5618,"10,231":5619,"10,232":5620,"10,233":5621,"10,234":5622,"10,235":5623,"10,236":5624,"10,237":5625,"10,238":5626,"10,239":5627,"10,240":5628,"10,241":5629,"10,242":5630,"10,243":5631,"10,244":5632,"10,245":5633,"10,246":5634,"10,247":5635,"10,248":5636,"10,249":5637,"10,250":5638,"10,251":5639,"10,252":5640,"10,253":5641,"10,254":5642,"10,255":5643,"10,256":5644,"10,257":5645,"10,258":5646,"10,259":5647,"10,260":5648,"10,261":5649,"10,262":5650,"10,263":5651,"10,264":5652,"10,265":5653,"10,266":5654,"10,267":5655,"10,268":5656,"10,269":5657,"10,270":5658,"10,271":5659,"10,272":5660,"10,273":5661,"10,275":5662,"10,277":5663,"10,278":5664,"10,279":5665,"10,280":5666,"10,281":5667,"10,282":5668,"10,283":5669,"10,284":5670,"10,285":5671,"10,286":5672,"10,287":5673,"10,288":5674,"10,289":5675,"10,290":5676,"10,291":5677,"10,292":5678,"10,293":5679,"10,294":5680,"10,295":5681,"10,296":5682,"10,297":5683,"10,298":5684,"10,299":5685,"10,300":5686,"10,301":5687,"10,302":5688,"10,303":5689,"10,304":5690,"10,305":5691,"10,306":5692,"10,307":5693,"10,308":5694,"10,309":5695,"10,310":5696,"10,311":5697,"10,312":5698,"10,313":5699,"10,314":5700,"10,315":5701,"10,316":5702,"10,317":5703,"10,318":5704,"10,319":5705,"10,320":5706,"10,321":5707,"10,322":5708,"10,323":5709,"10,324":5710,"10,325":5711,"10,326":5712,"10,327":5713,"10,328":5714,"10,329":5715,"10,330":5716,"10,331":5717,"10,332":5718,"10,333":5719,"10,334":5720,"10,335":5721,"10,336":5722,"10,337":5723,"10,338":5724,"10,339":5725,"10,340":5726,"10,341":5727,"10,342":5728,"10,343":5729,"10,344":5730,"10,345":5731,"10,346":5732,"10,347":5733,"10,348":5734,"10,349":5735,"10,350":5736,"10,351":5737,"10,352":5738,"10,353":5739,"10,354":5740,"10,355":5741,"10,356":5742,"10,357":5743,"10,358":5744,"10,359":5745,"10,360":5746,"10,361":5747,"10,362":5748,"10,363":5749,"10,364":5750,"10,365":5751,"10,366":5752,"10,367":5753,"10,368":5754,"10,369":5755,"10,370":5756,"10,371":5757,"10,372":5758,"10,373":5759,"10,374":5760,"10,375":5761,"10,376":5762,"10,377":5763,"10,378":5764,"10,379":5765,"10,380":5766,"10,381":5767,"10,382":5768,"10,383":5769,"10,384":5770,"10,385":5771,"10,386":5772,"10,387":5773,"10,388":5774,"10,389":5775,"10,390":5776,"10,391":5777,"10,392":5778,"10,393":5779,"10,394":5780,"10,395":5781,"10,396":5782,"10,397":5783,"10,398":5784,"10,399":5785,"10,400":5786,"10,401":5787,"10,402":5788,"10,403":5789,"10,404":5790,"10,405":5791,"10,406":5792,"10,407":5793,"10,408":5794,"10,409":5795,"10,410":5796,"10,411":5797,"10,412":5798,"10,413":5799,"10,414":5800,"10,415":5801,"10,416":5802,"10,417":5803,"10,418":5804,"10,419":5805,"10,420":5806,"10,421":5807,"10,422":5808,"10,423":5809,"10,424":5810,"10,425":5811,"10,426":5812,"10,427":5813,"10,428":5814,"10,429":5815,"10,430":5816,"10,431":5817,"10,432":5818,"10,433":5819,"10,434":5820,"10,435":5821,"10,436":5822,"10,437":5823,"10,438":5824,"10,439":5825,"10,440":5826,"10,441":5827,"10,442":5828,"10,443":5829,"10,444":5830,"10,445":5831,"10,446":5832,"10,447":5833,"10,448":5834,"10,449":5835,"10,450":5836,"10,451":5837,"10,452":5838,"10,453":5839,"10,454":5840,"10,455":5841,"10,456":5842,"10,457":5843,"10,458":5844,"10,459":5845,"10,460":5846,"10,461":5847,"10,462":5848,"10,463":5849,"10,464":5850,"10,465":5851,"10,466":5852,"10,467":5853,"10,468":5854,"10,469":5855,"10,470":5856,"10,471":5857,"10,472":5858,"10,473":5859,"10,474":5860,"10,475":5861,"10,476":5862,"10,477":5863,"10,478":5864,"10,479":5865,"10,480":5866,"10,481":5867,"10,482":5868,"10,483":5869,"10,484":5870,"10,485":5871,"10,486":5872,"10,487":5873,"10,488":5874,"10,489":5875,"10,490":5876,"10,491":5877,"10,492":5878,"10,493":5879,"10,494":5880,"10,495":5881,"10,496":5882,"10,497":5883,"10,498":5884,"10,499":5885,"10,500":5886,"10,501":5887,"10,502":5888,"10,503":5889,"10,504":5890,"10,505":5891,"10,506":5892,"10,507":5893,"10,508":5894,"10,509":5895,"10,510":5896,"10,511":5897,"10,512":5898,"10,513":5899,"10,514":5900,"10,515":5901,"10,516":5902,"10,517":5903,"10,518":5904,"10,519":5905,"10,520":5906,"10,521":5907,"10,522":5908,"10,523":5909,"10,524":5910,"10,525":5911,"10,526":5912,"10,527":5913,"10,528":5914,"10,529":5915,"10,530":5916,"10,531":5917,"10,532":5918,"10,533":5919,"10,534":5920,"10,535":5921,"10,536":5922,"10,537":5923,"10,538":5924,"10,539":5925,"10,540":5926,"10,541":5927,"10,542":5928,"10,543":5929,"10,544":5930,"10,545":5931,"10,546":5932,"10,547":5933,"10,548":5934,"10,549":5935,"10,550":5936,"10,551":5937,"10,552":5938,"10,553":5939,"10,554":5940,"10,555":5941,"10,556":5942,"10,557":5943,"10,558":5944,"10,559":5945,"10,560":5946,"10,561":5947,"10,562":5948,"10,563":5949,"10,564":5950,"10,565":5951,"10,566":5952,"10,567":5953,"10,568":5954,"10,569":5955,"10,570":5956,"10,571":5957,"10,572":5958,"10,573":5959,"10,574":5960,"10,575":5961,"10,576":5962,"10,577":5963,"10,578":5964,"10,579":5965,"10,580":5966,"10,581":5967,"10,582":5968,"10,583":5969,"10,584":5970,"10,585":5971,"10,586":5972,"10,587":5973,"10,588":5974,"10,589":5975,"10,590":5976,"10,591":5977,"10,592":5978,"10,593":5979,"10,594":5980,"10,595":5981,"10,596":5982,"10,597":5983,"11,1":5984,"11,2":5985,"11,3":5986,"11,4":5987,"11,5":5988,"11,6":5989,"11,7":5990,"11,8":5991,"11,9":5992,"11,10":5993,"11,11":5994,"11,12":5995,"11,13":5996,"11,14":5997,"11,15":5998,"11,16":5999,"11,17":6000,"11,18":6001,"11,19":6002,"11,20":6003,"11,21":6004,"11,22":6005,"11,23":6006,"11,24":6007,"11,25":6008,"11,26":6009,"11,27":6010,"11,28":6011,"11,29":6012,"11,30":6013,"11,31":6014,"11,32":6015,"11,33":6016,"11,34":6017,"11,35":6018,"11,36":6019,"11,37":6020,"11,38":6021,"11,39":6022,"11,40":6023,"11,41":6024,"11,42":6025,"11,43":6026,"11,44":6027,"11,45":6028,"11,46":6029,"11,47":6030,"11,48":6031,"11,49":6032,"11,50":6033,"11,51":6034,"11,52":6035,"11,53":6036,"11,54":6037,"11,55":6038,"11,56":6039,"11,57":6040,"11,58":6041,"11,59":6042,"11,60":6043,"11,61":6044,"11,62":6045,"11,63":6046,"11,64":6047,"11,65":6048,"11,66":6049,"11,67":6050,"11,68":6051,"11,69":6052,"11,70":6053,"11,71":6054,"11,72":6055,"11,73":6056,"11,74":6057,"11,75":6058,"11,76":6059,"11,77":6060,"11,78":6061,"11,79":6062,"11,80":6063,"11,81":6064,"11,82":6065,"11,83":6066,"11,84":6067,"11,85":6068,"11,86":6069,"11,87":6070,"11,88":6071,"11,89":6072,"11,90":6073,"11,91":6074,"11,92":6075,"11,93":6076,"11,94":6077,"11,95":6078,"11,96":6079,"11,97":6080,"11,98":6081,"11,99":6082,"11,100":6083,"11,101":6084,"11,102":6085,"11,103":6086,"11,104":6087,"11,105":6088,"11,106":6089,"11,107":6090,"11,108":6091,"11,109":6092,"11,111":6093,"11,112":6094,"11,113":6095,"11,114":6096,"11,115":6097,"11,116":6098,"11,117":6099,"11,118":6100,"11,119":6101,"11,120":6102,"11,121":6103,"11,122":6104,"11,123":6105,"11,124":6106,"11,125":6107,"11,126":6108,"11,127":6109,"11,128":6110,"11,129":6111,"11,130":6112,"11,131":6113,"11,132":6114,"11,133":6115,"11,134":6116,"11,135":6117,"11,136":6118,"11,137":6119,"11,138":6120,"11,139":6121,"11,140":6122,"11,141":6123,"11,142":6124,"11,143":6125,"11,144":6126,"11,145":6127,"11,146":6128,"11,147":6129,"11,148":6130,"11,149":6131,"11,150":6132,"11,151":6133,"11,152":6134,"11,153":6135,"11,154":6136,"11,155":6137,"11,156":6138,"11,157":6139,"11,158":6140,"11,159":6141,"11,160":6142,"11,161":6143,"11,162":6144,"11,163":6145,"11,164":6146,"11,165":6147,"11,166":6148,"11,167":6149,"11,168":6150,"11,169":6151,"11,170":6152,"11,171":6153,"11,172":6154,"11,173":6155,"11,174":6156,"11,175":6157,"11,176":6158,"11,177":6159,"11,178":6160,"11,179":6161,"11,180":6162,"11,181":6163,"11,182":6164,"11,183":6165,"11,184":6166,"11,185":6167,"11,186":6168,"11,187":6169,"11,188":6170,"11,189":6171,"11,190":6172,"11,191":6173,"11,192":6174,"11,193":6175,"11,194":6176,"11,195":6177,"11,196":6178,"11,197":6179,"11,198":6180,"11,199":6181,"11,200":6182,"11,201":6183,"11,202":6184,"11,203":6185,"11,204":6186,"11,205":6187,"11,206":6188,"11,207":6189,"11,208":6190,"11,209":6191,"11,210":6192,"11,211":6193,"11,212":6194,"11,213":6195,"11,214":6196,"11,215":6197,"11,216":6198,"11,217":6199,"11,218":6200,"11,219":6201,"11,220":6202,"11,221":6203,"11,222":6204,"11,223":6205,"11,224":6206,"11,225":6207,"11,226":6208,"11,227":6209,"11,228":6210,"11,229":6211,"11,230":6212,"11,231":6213,"11,232":6214,"11,233":6215,"11,234":6216,"11,235":6217,"11,236":6218,"11,237":6219,"11,238":6220,"11,239":6221,"11,240":6222,"11,241":6223,"11,242":6224,"11,243":6225,"11,244":6226,"11,245":6227,"11,246":6228,"11,247":6229,"11,248":6230,"11,249":6231,"11,250":6232,"11,251":6233,"11,252":6234,"11,253":6235,"11,254":6236,"11,255":6237,"11,256":6238,"11,257":6239,"11,258":6240,"11,259":6241,"11,260":6242,"11,261":6243,"11,262":6244,"11,263":6245,"11,264":6246,"11,265":6247,"11,266":6248,"11,267":6249,"11,268":6250,"11,269":6251,"11,270":6252,"11,271":6253,"11,272":6254,"11,273":6255,"11,274":6256,"11,275":6257,"11,276":6258,"11,277":6259,"11,278":6260,"11,279":6261,"11,280":6262,"11,281":6263,"11,282":6264,"11,283":6265,"11,284":6266,"11,285":6267,"11,286":6268,"11,287":6269,"11,288":6270,"11,289":6271,"11,290":6272,"11,291":6273,"11,292":6274,"11,293":6275,"11,294":6276,"11,295":6277,"11,296":6278,"11,297":6279,"11,298":6280,"11,299":6281,"11,300":6282,"11,301":6283,"11,302":6284,"11,303":6285,"11,304":6286,"11,305":6287,"11,306":6288,"11,307":6289,"11,308":6290,"11,309":6291,"11,310":6292,"11,311":6293,"11,312":6294,"11,313":6295,"11,314":6296,"11,315":6297,"11,316":6298,"11,317":6299,"11,318":6300,"11,319":6301,"11,320":6302,"11,321":6303,"11,322":6304,"11,323":6305,"11,324":6306,"11,325":6307,"11,326":6308,"11,327":6309,"11,328":6310,"11,329":6311,"11,330":6312,"11,331":6313,"11,332":6314,"11,333":6315,"11,334":6316,"11,335":6317,"11,336":6318,"11,337":6319,"11,339":6320,"11,341":6321,"11,342":6322,"11,343":6323,"11,344":6324,"11,345":6325,"11,346":6326,"11,347":6327,"11,348":6328,"11,349":6329,"11,350":6330,"11,351":6331,"11,352":6332,"11,353":6333,"11,354":6334,"11,355":6335,"11,356":6336,"11,357":6337,"11,358":6338,"11,359":6339,"11,360":6340,"11,361":6341,"11,362":6342,"11,363":6343,"11,364":6344,"11,365":6345,"11,366":6346,"11,367":6347,"11,368":6348,"11,369":6349,"11,370":6350,"11,371":6351,"11,372":6352,"11,373":6353,"11,374":6354,"11,375":6355,"11,376":6356,"11,377":6357,"11,378":6358,"11,379":6359,"11,380":6360,"11,381":6361,"11,382":6362,"11,383":6363,"11,384":6364,"11,385":6365,"11,386":6366,"11,387":6367,"11,388":6368,"11,389":6369,"11,390":6370,"11,391":6371,"11,392":6372,"11,393":6373,"11,394":6374,"11,395":6375,"11,396":6376,"11,397":6377,"11,398":6378,"11,399":6379,"11,400":6380,"11,401":6381,"11,402":6382,"11,403":6383,"11,404":6384,"11,405":6385,"11,406":6386,"11,407":6387,"11,408":6388,"11,409":6389,"11,410":6390,"11,411":6391,"11,412":6392,"11,413":6393,"11,414":6394,"11,415":6395,"11,416":6396,"11,417":6397,"11,418":6398,"11,419":6399,"11,420":6400,"11,421":6401,"11,422":6402,"11,423":6403,"11,424":6404,"11,425":6405,"11,426":6406,"11,427":6407,"11,428":6408,"11,429":6409,"11,430":6410,"11,431":6411,"11,432":6412,"11,433":6413,"11,434":6414,"11,435":6415,"11,436":6416,"11,437":6417,"11,438":6418,"11,439":6419,"11,440":6420,"11,441":6421,"11,442":6422,"11,443":6423,"11,444":6424,"11,445":6425,"11,446":6426,"11,447":6427,"11,448":6428,"11,449":6429,"11,450":6430,"11,451":6431,"11,452":6432,"11,453":6433,"11,454":6434,"11,455":6435,"11,456":6436,"11,457":6437,"11,458":6438,"11,459":6439,"11,460":6440,"11,461":6441,"11,462":6442,"11,463":6443,"11,464":6444,"11,465":6445,"11,466":6446,"11,467":6447,"11,468":6448,"11,469":6449,"11,470":6450,"11,471":6451,"11,472":6452,"11,473":6453,"11,474":6454,"11,475":6455,"11,476":6456,"11,477":6457,"11,478":6458,"11,479":6459,"11,480":6460,"11,481":6461,"11,482":6462,"11,483":6463,"11,484":6464,"11,485":6465,"11,486":6466,"11,487":6467,"11,488":6468,"11,489":6469,"11,490":6470,"11,491":6471,"11,492":6472,"11,493":6473,"11,494":6474,"11,495":6475,"11,496":6476,"11,497":6477,"11,498":6478,"11,499":6479,"11,500":6480,"11,501":6481,"11,502":6482,"11,503":6483,"11,504":6484,"11,505":6485,"11,506":6486,"11,507":6487,"11,508":6488,"11,509":6489,"11,510":6490,"11,511":6491,"11,512":6492,"11,513":6493,"11,514":6494,"11,515":6495,"11,516":6496,"11,517":6497,"11,518":6498,"11,519":6499,"11,520":6500,"11,521":6501,"11,522":6502,"11,523":6503,"11,524":6504,"11,525":6505,"11,526":6506,"11,527":6507,"11,528":6508,"11,529":6509,"11,530":6510,"11,531":6511,"11,532":6512,"11,533":6513,"11,534":6514,"11,535":6515,"11,536":6516,"11,537":6517,"11,538":6518,"11,539":6519,"11,540":6520,"11,541":6521,"11,542":6522,"11,543":6523,"11,544":6524,"11,545":6525,"11,546":6526,"11,547":6527,"11,548":6528,"11,549":6529,"11,550":6530,"11,551":6531,"11,552":6532,"11,553":6533,"11,554":6534,"11,555":6535,"11,556":6536,"11,557":6537,"11,558":6538,"11,559":6539,"11,560":6540,"11,561":6541,"11,562":6542,"11,563":6543,"11,564":6544,"11,565":6545,"11,566":6546,"11,567":6547,"11,568":6548,"11,569":6549,"11,570":6550,"11,571":6551,"11,572":6552,"11,573":6553,"11,574":6554,"11,575":6555,"11,576":6556,"11,577":6557,"11,578":6558,"11,579":6559,"11,580":6560,"11,581":6561,"11,582":6562,"11,583":6563,"11,584":6564,"11,585":6565,"11,586":6566,"11,587":6567,"11,588":6568,"11,589":6569,"11,590":6570,"11,591":6571,"11,592":6572,"11,593":6573,"11,594":6574,"11,595":6575,"12,1":6576,"12,2":6577,"12,3":6578,"12,4":6579,"12,5":6580,"12,6":6581,"12,7":6582,"12,8":6583,"12,9":6584,"12,10":6585,"12,11":6586,"12,12":6587,"12,13":6588,"12,14":6589,"12,15":6590,"12,16":6591,"12,17":6592,"12,18":6593,"12,19":6594,"12,20":6595,"12,21":6596,"12,22":6597,"12,23":6598,"12,24":6599,"12,25":6600,"12,26":6601,"12,27":6602,"12,28":6603,"12,29":6604,"12,30":6605,"12,31":6606,"12,32":6607,"12,33":6608,"12,34":6609,"12,35":6610,"12,36":6611,"12,37":6612,"12,38":6613,"12,39":6614,"12,40":6615,"12,41":6616,"12,42":6617,"12,43":6618,"12,44":6619,"12,45":6620,"12,46":6621,"12,47":6622,"12,48":6623,"12,49":6624,"12,50":6625,"12,51":6626,"12,52":6627,"12,53":6628,"12,54":6629,"12,55":6630,"12,56":6631,"12,57":6632,"12,58":6633,"12,59":6634,"12,60":6635,"12,61":6636,"12,62":6637,"12,63":6638,"12,64":6639,"12,65":6640,"12,66":6641,"12,67":6642,"12,68":6643,"12,69":6644,"12,70":6645,"12,71":6646,"12,72":6647,"12,73":6648,"12,74":6649,"12,75":6650,"12,76":6651,"12,77":6652,"12,78":6653,"12,79":6654,"12,80":6655,"12,81":6656,"12,82":6657,"12,83":6658,"12,84":6659,"12,85":6660,"12,86":6661,"12,87":6662,"12,88":6663,"12,89":6664,"12,90":6665,"12,91":6666,"12,92":6667,"12,93":6668,"12,94":6669,"12,95":6670,"12,96":6671,"12,97":6672,"12,98":6673,"12,99":6674,"12,100":6675,"12,101":6676,"12,102":6677,"12,103":6678,"12,104":6679,"12,105":6680,"12,106":6681,"12,107":6682,"12,108":6683,"12,109":6684,"12,110":6685,"12,111":6686,"12,112":6687,"12,113":6688,"12,114":6689,"12,115":6690,"12,116":6691,"12,117":6692,"12,118":6693,"12,119":6694,"12,120":6695,"12,121":6696,"12,122":6697,"12,123":6698,"12,124":6699,"12,125":6700,"12,126":6701,"12,127":6702,"12,128":6703,"12,129":6704,"12,130":6705,"12,131":6706,"12,132":6707,"12,133":6708,"12,134":6709,"12,135":6710,"12,136":6711,"12,137":6712,"12,138":6713,"12,139":6714,"12,140":6715,"12,141":6716,"12,142":6717,"12,143":6718,"12,144":6719,"12,145":6720,"12,146":6721,"12,147":6722,"12,148":6723,"12,149":6724,"12,150":6725,"12,151":6726,"12,152":6727,"12,153":6728,"12,154":6729,"12,155":6730,"12,156":6731,"12,157":6732,"12,158":6733,"12,159":6734,"12,160":6735,"12,161":6736,"12,162":6737,"12,163":6738,"12,164":6739,"12,165":6740,"12,166":6741,"12,167":6742,"12,168":6743,"12,169":6744,"12,170":6745,"12,171":6746,"12,172":6747,"12,173":6748,"12,174":6749,"12,175":6750,"12,176":6751,"12,177":6752,"12,178":6753,"12,179":6754,"12,180":6755,"12,181":6756,"12,182":6757,"12,183":6758,"12,184":6759,"12,185":6760,"12,186":6761,"12,187":6762,"12,188":6763,"12,189":6764,"12,190":6765,"12,191":6766,"12,192":6767,"12,193":6768,"12,194":6769,"12,195":6770,"12,196":6771,"12,197":6772,"12,198":6773,"12,199":6774,"12,200":6775,"12,201":6776,"12,202":6777,"12,203":6778,"12,204":6779,"12,205":6780,"12,206":6781,"12,207":6782,"12,208":6783,"12,209":6784,"12,210":6785,"12,211":6786,"12,212":6787,"12,213":6788,"12,214":6789,"12,215":6790,"12,216":6791,"12,217":6792,"12,218":6793,"12,219":6794,"12,220":6795,"12,221":6796,"12,222":6797,"12,223":6798,"12,224":6799,"12,225":6800,"12,226":6801,"12,227":6802,"12,228":6803,"12,229":6804,"12,230":6805,"12,231":6806,"12,232":6807,"12,233":6808,"12,234":6809,"12,235":6810,"12,236":6811,"12,237":6812,"12,238":6813,"12,239":6814,"12,240":6815,"12,241":6816,"12,242":6817,"12,243":6818,"12,244":6819,"12,245":6820,"12,246":6821,"12,247":6822,"12,248":6823,"12,249":6824,"12,250":6825,"12,251":6826,"12,252":6827,"12,253":6828,"12,254":6829,"12,255":6830,"12,256":6831,"12,257":6832,"12,258":6833,"12,259":6834,"12,260":6835,"12,261":6836,"12,262":6837,"12,263":6838,"12,264":6839,"12,265":6840,"12,266":6841,"12,267":6842,"12,268":6843,"12,269":6844,"12,270":6845,"12,271":6846,"12,272":6847,"12,273":6848,"12,274":6849,"12,275":6850,"12,276":6851,"12,277":6852,"12,279":6853,"12,280":6854,"12,281":6855,"12,282":6856,"12,283":6857,"12,284":6858,"12,285":6859,"12,286":6860,"12,287":6861,"12,288":6862,"12,289":6863,"12,290":6864,"12,291":6865,"12,292":6866,"12,293":6867,"12,294":6868,"12,295":6869,"12,296":6870,"12,297":6871,"12,298":6872,"12,299":6873,"12,300":6874,"12,301":6875,"12,302":6876,"12,303":6877,"12,304":6878,"12,305":6879,"12,306":6880,"12,307":6881,"12,308":6882,"12,309":6883,"12,310":6884,"12,311":6885,"12,312":6886,"12,313":6887,"12,314":6888,"12,315":6889,"12,316":6890,"12,317":6891,"12,318":6892,"12,319":6893,"12,320":6894,"12,321":6895,"12,322":6896,"12,323":6897,"12,324":6898,"12,325":6899,"12,326":6900,"12,327":6901,"12,328":6902,"12,329":6903,"12,330":6904,"12,331":6905,"12,332":6906,"12,333":6907,"12,334":6908,"12,335":6909,"12,336":6910,"12,337":6911,"12,338":6912,"12,339":6913,"12,340":6914,"12,341":6915,"12,342":6916,"12,343":6917,"12,344":6918,"12,345":6919,"12,346":6920,"12,347":6921,"12,348":6922,"12,349":6923,"12,350":6924,"12,351":6925,"12,352":6926,"12,353":6927,"12,354":6928,"12,355":6929,"12,356":6930,"12,357":6931,"12,358":6932,"12,359":6933,"12,360":6934,"12,361":6935,"12,362":6936,"12,363":6937,"12,364":6938,"12,365":6939,"12,366":6940,"12,367":6941,"12,368":6942,"12,369":6943,"12,370":6944,"12,371":6945,"12,372":6946,"12,373":6947,"12,374":6948,"12,375":6949,"12,376":6950,"12,377":6951,"12,378":6952,"12,379":6953,"12,380":6954,"12,381":6955,"12,382":6956,"12,383":6957,"12,384":6958,"12,385":6959,"12,386":6960,"12,387":6961,"12,388":6962,"12,389":6963,"12,390":6964,"12,391":6965,"12,393":6966,"12,394":6967,"12,395":6968,"12,396":6969,"12,397":6970,"12,398":6971,"12,399":6972,"12,400":6973,"12,401":6974,"12,402":6975,"12,403":6976,"12,404":6977,"12,405":6978,"12,406":6979,"12,407":6980,"12,408":6981,"12,409":6982,"12,410":6983,"12,411":6984,"12,412":6985,"12,413":6986,"12,414":6987,"12,415":6988,"12,416":6989,"12,417":6990,"12,418":6991,"12,419":6992,"12,420":6993,"12,421":6994,"12,422":6995,"12,423":6996,"12,424":6997,"12,425":6998,"12,426":6999,"12,427":7000,"12,428":7001,"12,429":7002,"12,430":7003,"12,431":7004,"12,432":7005,"12,433":7006,"12,434":7007,"12,435":7008,"12,436":7009,"12,437":7010,"12,438":7011,"12,439":7012,"12,440":7013,"12,441":7014,"12,442":7015,"12,443":7016,"12,444":7017,"12,445":7018,"12,446":7019,"12,447":7020,"12,448":7021,"12,449":7022,"12,450":7023,"12,451":7024,"12,452":7025,"12,453":7026,"12,454":7027,"12,455":7028,"12,456":7029,"12,457":7030,"12,458":7031,"12,459":7032,"12,460":7033,"12,461":7034,"12,462":7035,"12,463":7036,"12,464":7037,"12,465":7038,"12,466":7039,"12,467":7040,"12,468":7041,"12,469":7042,"12,470":7043,"12,471":7044,"12,472":7045,"12,473":7046,"12,474":7047,"12,475":7048,"12,476":7049,"12,477":7050,"12,478":7051,"12,479":7052,"12,480":7053,"12,481":7054,"12,482":7055,"12,483":7056,"12,484":7057,"12,485":7058,"12,486":7059,"12,487":7060,"12,488":7061,"12,489":7062,"12,490":7063,"12,491":7064,"12,492":7065,"12,493":7066,"12,494":7067,"12,495":7068,"12,496":7069,"12,497":7070,"12,498":7071,"12,499":7072,"12,500":7073,"12,501":7074,"12,502":7075,"12,503":7076,"12,504":7077,"12,505":7078,"12,506":7079,"12,507":7080,"12,508":7081,"12,509":7082,"12,510":7083,"12,511":7084,"12,512":7085,"12,513":7086,"12,514":7087,"12,515":7088,"12,516":7089,"12,517":7090,"12,518":7091,"12,519":7092,"12,520":7093,"12,521":7094,"12,522":7095,"12,523":7096,"12,524":7097,"12,525":7098,"12,527":7099,"12,529":7100,"12,530":7101,"12,531":7102,"12,532":7103,"12,533":7104,"12,534":7105,"12,535":7106,"12,536":7107,"12,537":7108,"12,538":7109,"12,539":7110,"12,540":7111,"12,541":7112,"12,542":7113,"12,543":7114,"12,544":7115,"12,545":7116,"12,546":7117,"12,547":7118,"12,548":7119,"12,549":7120,"12,550":7121,"12,551":7122,"12,552":7123,"12,553":7124,"12,554":7125,"12,555":7126,"12,556":7127,"12,557":7128,"12,558":7129,"12,559":7130,"12,560":7131,"12,561":7132,"12,562":7133,"12,563":7134,"12,564":7135,"12,565":7136,"12,566":7137,"12,567":7138,"12,568":7139,"12,569":7140,"12,570":7141,"12,571":7142,"12,572":7143,"12,573":7144,"12,574":7145,"12,575":7146,"12,576":7147,"12,577":7148,"12,578":7149,"12,579":7150,"12,580":7151,"12,581":7152,"12,582":7153,"12,583":7154,"12,584":7155,"12,585":7156,"12,586":7157,"12,587":7158,"12,588":7159,"12,589":7160,"12,590":7161,"12,591":7162,"12,592":7163,"12,593":7164,"12,594":7165,"12,595":7166,"12,596":7167,"12,597":7168,"12,598":7169,"12,599":7170,"12,600":7171,"12,601":7172,"12,602":7173,"12,603":7174,"12,604":7175,"12,605":7176,"12,606":7177,"12,607":7178,"12,608":7179,"12,609":7180,"12,610":7181,"12,611":7182,"12,612":7183,"12,613":7184,"12,614":7185,"12,615":7186,"12,616":7187,"12,617":7188,"12,618":7189,"12,619":7190,"12,620":7191,"12,621":7192,"12,622":7193,"12,623":7194,"12,624":7195,"12,625":7196,"12,626":7197,"12,627":7198,"12,628":7199,"12,629":7200,"12,630":7201,"12,631":7202,"12,632":7203,"12,633":7204,"12,634":7205,"12,635":7206,"12,636":7207,"12,637":7208,"12,638":7209,"12,639":7210,"12,640":7211,"12,641":7212,"12,642":7213,"12,643":7214,"12,644":7215,"12,645":7216,"12,646":7217,"12,647":7218,"12,648":7219,"12,649":7220,"12,650":7221,"12,651":7222,"12,652":7223,"12,653":7224,"12,654":7225,"12,655":7226,"12,656":7227,"12,657":7228,"12,658":7229,"12,659":7230,"12,660":7231,"12,661":7232,"12,662":7233,"12,663":7234,"12,664":7235,"12,665":7236,"12,666":7237,"12,667":7238,"12,668":7239,"12,669":7240,"12,670":7241,"12,671":7242,"12,672":7243,"12,673":7244,"12,674":7245,"12,675":7246,"12,676":7247,"13,1":7248,"13,2":7249,"13,3":7250,"13,4":7251,"13,5":7252,"13,6":7253,"13,7":7254,"13,8":7255,"13,9":7256,"13,10":7257,"13,11":7258,"13,12":7259,"13,13":7260,"13,14":7261,"13,15":7262,"13,16":7263,"13,17":7264,"13,18":7265,"13,19":7266,"13,20":7267,"13,21":7268,"13,22":7269,"13,23":7270,"13,24":7271,"13,25":7272,"13,26":7273,"13,27":7274,"13,28":7275,"13,29":7276,"13,30":7277,"13,31":7278,"13,32":7279,"13,33":7280,"13,34":7281,"13,35":7282,"13,36":7283,"13,37":7284,"13,38":7285,"13,39":7286,"13,40":7287,"13,41":7288,"13,42":7289,"13,43":7290,"13,44":7291,"13,45":7292,"13,46":7293,"13,47":7294,"13,48":7295,"13,49":7296,"13,50":7297,"13,51":7298,"13,52":7299,"13,53":7300,"13,54":7301,"13,55":7302,"13,56":7303,"13,57":7304,"13,58":7305,"13,59":7306,"13,60":7307,"13,61":7308,"13,62":7309,"13,63":7310,"13,64":7311,"13,65":7312,"13,66":7313,"13,67":7314,"13,68":7315,"13,69":7316,"13,70":7317,"13,71":7318,"13,72":7319,"13,73":7320,"13,74":7321,"13,75":7322,"13,76":7323,"13,77":7324,"13,78":7325,"13,79":7326,"13,80":7327,"13,81":7328,"13,82":7329,"13,83":7330,"13,84":7331,"13,85":7332,"13,86":7333,"13,87":7334,"13,88":7335,"13,89":7336,"13,90":7337,"13,91":7338,"13,92":7339,"13,93":7340,"13,94":7341,"13,95":7342,"13,96":7343,"13,97":7344,"13,98":7345,"13,99":7346,"13,100":7347,"13,101":7348,"13,102":7349,"13,103":7350,"13,104":7351,"13,105":7352,"13,106":7353,"13,107":7354,"13,108":7355,"13,109":7356,"13,110":7357,"13,111":7358,"13,112":7359,"13,113":7360,"13,114":7361,"13,115":7362,"13,116":7363,"13,117":7364,"13,118":7365,"13,119":7366,"13,120":7367,"13,121":7368,"13,122":7369,"13,123":7370,"13,124":7371,"13,125":7372,"13,126":7373,"13,127":7374,"13,128":7375,"13,129":7376,"13,130":7377,"13,131":7378,"13,132":7379,"13,133":7380,"13,134":7381,"13,135":7382,"13,136":7383,"13,137":7384,"13,138":7385,"13,139":7386,"13,140":7387,"13,141":7388,"13,142":7389,"13,143":7390,"13,144":7391,"13,145":7392,"13,146":7393,"13,147":7394,"13,148":7395,"13,149":7396,"13,150":7397,"13,151":7398,"13,152":7399,"13,153":7400,"13,154":7401,"13,155":7402,"13,156":7403,"13,157":7404,"13,158":7405,"13,159":7406,"13,160":7407,"13,161":7408,"13,162":7409,"13,163":7410,"13,164":7411,"13,165":7412,"13,166":7413,"13,167":7414,"13,168":7415,"13,169":7416,"13,170":7417,"13,171":7418,"13,172":7419,"13,173":7420,"13,174":7421,"13,175":7422,"13,176":7423,"13,177":7424,"13,178":7425,"13,179":7426,"13,180":7427,"13,181":7428,"13,182":7429,"13,183":7430,"13,184":7431,"13,185":7432,"13,186":7433,"13,187":7434,"13,188":7435,"13,189":7436,"13,190":7437,"13,191":7438,"13,192":7439,"13,193":7440,"13,194":7441,"13,195":7442,"13,196":7443,"13,197":7444,"13,198":7445,"13,199":7446,"13,200":7447,"13,201":7448,"13,202":7449,"13,203":7450,"13,204":7451,"13,205":7452,"13,206":7453,"13,207":7454,"13,208":7455,"13,209":7456,"13,210":7457,"13,211":7458,"13,212":7459,"13,213":7460,"13,214":7461,"13,215":7462,"13,216":7463,"13,217":7464,"13,218":7465,"13,219":7466,"13,220":7467,"13,221":7468,"13,222":7469,"13,223":7470,"13,224":7471,"13,225":7472,"13,226":7473,"13,227":7474,"13,228":7475,"13,229":7476,"13,230":7477,"13,231":7478,"13,232":7479,"13,233":7480,"13,234":7481,"13,235":7482,"13,236":7483,"13,237":7484,"13,238":7485,"13,239":7486,"13,241":7487,"13,243":7488,"13,244":7489,"13,245":7490,"13,246":7491,"13,247":7492,"13,248":7493,"13,249":7494,"13,250":7495,"13,251":7496,"13,252":7497,"13,253":7498,"13,254":7499,"13,255":7500,"13,256":7501,"13,257":7502,"13,258":7503,"13,259":7504,"13,260":7505,"13,261":7506,"13,262":7507,"13,263":7508,"13,264":7509,"13,265":7510,"13,266":7511,"13,267":7512,"13,268":7513,"13,269":7514,"13,270":7515,"13,271":7516,"13,272":7517,"13,273":7518,"13,274":7519,"13,275":7520,"13,276":7521,"13,277":7522,"13,278":7523,"13,279":7524,"13,280":7525,"13,281":7526,"13,282":7527,"13,283":7528,"13,284":7529,"13,285":7530,"13,286":7531,"13,287":7532,"13,288":7533,"13,289":7534,"13,290":7535,"13,291":7536,"13,292":7537,"13,293":7538,"13,294":7539,"13,295":7540,"13,296":7541,"13,297":7542,"13,298":7543,"13,299":7544,"13,300":7545,"13,301":7546,"13,302":7547,"13,303":7548,"13,304":7549,"13,305":7550,"13,306":7551,"13,307":7552,"13,308":7553,"13,309":7554,"13,310":7555,"13,311":7556,"13,312":7557,"13,313":7558,"13,314":7559,"13,315":7560,"13,316":7561,"13,317":7562,"13,318":7563,"13,319":7564,"13,320":7565,"13,321":7566,"13,322":7567,"13,323":7568,"13,324":7569,"13,325":7570,"13,326":7571,"13,327":7572,"13,328":7573,"13,329":7574,"13,330":7575,"13,331":7576,"13,332":7577,"13,333":7578,"13,334":7579,"13,335":7580,"13,336":7581,"13,337":7582,"13,338":7583,"13,339":7584,"13,340":7585,"13,341":7586,"13,342":7587,"13,343":7588,"13,344":7589,"13,345":7590,"13,346":7591,"13,347":7592,"13,348":7593,"13,349":7594,"13,350":7595,"13,351":7596,"13,352":7597,"13,353":7598,"13,354":7599,"13,355":7600,"13,356":7601,"13,357":7602,"13,358":7603,"13,359":7604,"13,360":7605,"13,361":7606,"13,362":7607,"13,363":7608,"13,364":7609,"13,365":7610,"13,366":7611,"13,367":7612,"13,368":7613,"13,369":7614,"13,370":7615,"13,371":7616,"13,372":7617,"13,373":7618,"13,374":7619,"13,375":7620,"13,376":7621,"13,377":7622,"13,378":7623,"13,379":7624,"13,380":7625,"13,381":7626,"13,382":7627,"13,383":7628,"13,384":7629,"13,385":7630,"13,386":7631,"13,387":7632,"13,388":7633,"13,389":7634,"13,390":7635,"13,391":7636,"13,392":7637,"13,393":7638,"13,394":7639,"13,395":7640,"13,396":7641,"13,397":7642,"13,398":7643,"13,399":7644,"13,400":7645,"13,401":7646,"13,402":7647,"13,403":7648,"13,404":7649,"13,405":7650,"13,406":7651,"13,407":7652,"13,408":7653,"13,409":7654,"13,410":7655,"13,411":7656,"13,412":7657,"13,413":7658,"13,414":7659,"13,415":7660,"13,416":7661,"13,417":7662,"13,418":7663,"13,419":7664,"13,420":7665,"13,421":7666,"13,422":7667,"13,423":7668,"13,424":7669,"13,425":7670,"13,426":7671,"13,427":7672,"13,428":7673,"13,429":7674,"13,430":7675,"13,431":7676,"13,432":7677,"13,433":7678,"13,434":7679,"13,435":7680,"13,436":7681,"13,437":7682,"13,438":7683,"13,439":7684,"13,440":7685,"13,441":7686,"13,442":7687,"13,443":7688,"13,444":7689,"13,445":7690,"13,446":7691,"13,447":7692,"13,448":7693,"13,449":7694,"13,450":7695,"13,451":7696,"13,452":7697,"13,453":7698,"13,454":7699,"13,455":7700,"13,456":7701,"13,457":7702,"13,458":7703,"13,459":7704,"13,460":7705,"13,461":7706,"13,462":7707,"13,463":7708,"13,464":7709,"13,465":7710,"13,466":7711,"13,467":7712,"13,468":7713,"13,469":7714,"13,470":7715,"13,471":7716,"13,472":7717,"13,473":7718,"13,474":7719,"13,475":7720,"13,476":7721,"13,477":7722,"13,478":7723,"13,479":7724,"13,480":7725,"13,481":7726,"13,482":7727,"13,483":7728,"13,484":7729,"13,485":7730,"13,486":7731,"13,487":7732,"13,488":7733,"13,489":7734,"13,490":7735,"13,491":7736,"13,492":7737,"13,493":7738,"13,494":7739,"13,495":7740,"13,496":7741,"13,497":7742,"13,498":7743,"13,499":7744,"13,500":7745,"13,501":7746,"13,502":7747,"13,503":7748,"13,504":7749,"13,505":7750,"13,506":7751,"13,507":7752,"13,508":7753,"13,509":7754,"13,510":7755,"13,511":7756,"13,512":7757,"13,513":7758,"13,514":7759,"13,515":7760,"13,516":7761,"13,517":7762,"13,519":7763,"13,520":7764,"13,521":7765,"13,522":7766,"13,523":7767,"13,524":7768,"13,525":7769,"13,526":7770,"13,527":7771,"13,528":7772,"13,529":7773,"13,530":7774,"13,531":7775,"13,532":7776,"13,533":7777,"13,534":7778,"13,535":7779,"13,536":7780,"13,537":7781,"13,538":7782,"13,539":7783,"13,540":7784,"13,541":7785,"13,542":7786,"13,543":7787,"13,544":7788,"13,545":7789,"13,546":7790,"13,547":7791,"13,548":7792,"13,549":7793,"13,550":7794,"13,551":7795,"13,552":7796,"13,553":7797,"13,554":7798,"13,555":7799,"13,556":7800,"13,557":7801,"13,558":7802,"13,559":7803,"13,560":7804,"13,561":7805,"13,562":7806,"13,563":7807,"13,564":7808,"13,565":7809,"13,566":7810,"13,567":7811,"13,568":7812,"13,569":7813,"13,570":7814,"13,571":7815,"13,572":7816,"13,573":7817,"13,574":7818,"13,575":7819,"13,576":7820,"13,577":7821,"13,578":7822,"13,579":7823,"13,580":7824,"13,581":7825,"13,582":7826,"13,583":7827,"13,584":7828,"13,585":7829,"13,586":7830,"13,587":7831,"13,588":7832,"13,589":7833,"13,590":7834,"13,591":7835,"13,592":7836,"13,593":7837,"13,594":7838,"13,595":7839,"13,596":7840,"13,597":7841,"13,598":7842,"13,599":7843,"13,600":7844,"13,601":7845,"13,602":7846,"13,603":7847,"13,604":7848,"13,605":7849,"13,606":7850,"13,607":7851,"13,608":7852,"13,609":7853,"13,610":7854,"13,611":7855,"13,612":7856,"13,613":7857,"13,614":7858,"13,615":7859,"13,616":7860,"13,617":7861,"13,618":7862,"13,619":7863,"14,1":7864,"14,2":7865,"14,3":7866,"14,4":7867,"14,5":7868,"14,6":7869,"14,7":7870,"14,8":7871,"14,9":7872,"14,10":7873,"14,11":7874,"14,12":7875,"14,13":7876,"14,14":7877,"14,15":7878,"14,16":7879,"14,17":7880,"14,18":7881,"14,19":7882,"14,20":7883,"14,21":7884,"14,22":7885,"14,23":7886,"14,24":7887,"14,25":7888,"14,26":7889,"14,27":7890,"14,28":7891,"14,29":7892,"14,30":7893,"14,31":7894,"14,32":7895,"14,33":7896,"14,34":7897,"14,35":7898,"14,36":7899,"14,37":7900,"14,38":7901,"14,39":7902,"14,40":7903,"14,41":7904,"14,42":7905,"14,43":7906,"14,44":7907,"14,45":7908,"14,46":7909,"14,47":7910,"14,48":7911,"14,49":7912,"14,50":7913,"14,51":7914,"14,52":7915,"14,53":7916,"14,54":7917,"14,55":7918,"14,56":7919,"14,57":7920,"14,58":7921,"14,59":7922,"14,60":7923,"14,61":7924,"14,62":7925,"14,63":7926,"14,64":7927,"14,65":7928,"14,66":7929,"14,67":7930,"14,68":7931,"14,69":7932,"14,70":7933,"14,71":7934,"14,72":7935,"14,73":7936,"14,74":7937,"14,75":7938,"14,76":7939,"14,77":7940,"14,78":7941,"14,79":7942,"14,80":7943,"14,81":7944,"14,82":7945,"14,83":7946,"14,84":7947,"14,85":7948,"14,86":7949,"14,87":7950,"14,88":7951,"14,89":7952,"14,90":7953,"14,91":7954,"14,92":7955,"14,93":7956,"14,94":7957,"14,95":7958,"14,96":7959,"14,97":7960,"14,98":7961,"14,99":7962,"14,100":7963,"14,101":7964,"14,102":7965,"14,103":7966,"14,104":7967,"14,105":7968,"14,106":7969,"14,107":7970,"14,108":7971,"14,109":7972,"14,110":7973,"14,111":7974,"14,112":7975,"14,113":7976,"14,114":7977,"14,115":7978,"14,116":7979,"14,117":7980,"14,118":7981,"14,119":7982,"14,120":7983,"14,121":7984,"14,122":7985,"14,123":7986,"14,124":7987,"14,125":7988,"14,126":7989,"14,127":7990,"14,128":7991,"14,129":7992,"14,130":7993,"14,131":7994,"14,132":7995,"14,133":7996,"14,134":7997,"14,135":7998,"14,136":7999,"14,137":8000,"14,138":8001,"14,139":8002,"14,140":8003,"14,141":8004,"14,142":8005,"14,143":8006,"14,144":8007,"14,145":8008,"14,146":8009,"14,147":8010,"14,148":8011,"14,149":8012,"14,150":8013,"14,151":8014,"14,152":8015,"14,153":8016,"14,154":8017,"14,155":8018,"14,156":8019,"14,157":8020,"14,158":8021,"14,159":8022,"14,160":8023,"14,161":8024,"14,162":8025,"14,163":8026,"14,164":8027,"14,165":8028,"14,166":8029,"14,167":8030,"14,168":8031,"14,169":8032,"14,170":8033,"14,171":8034,"14,172":8035,"14,173":8036,"14,174":8037,"14,175":8038,"14,176":8039,"14,177":8040,"14,178":8041,"14,179":8042,"14,181":8043,"14,183":8044,"14,184":8045,"14,185":8046,"14,186":8047,"14,187":8048,"14,188":8049,"14,189":8050,"14,190":8051,"14,191":8052,"14,192":8053,"14,193":8054,"14,194":8055,"14,195":8056,"14,196":8057,"14,197":8058,"14,198":8059,"14,199":8060,"14,200":8061,"14,201":8062,"14,202":8063,"14,203":8064,"14,204":8065,"14,205":8066,"14,206":8067,"14,207":8068,"14,208":8069,"14,209":8070,"14,210":8071,"14,211":8072,"14,212":8073,"14,213":8074,"14,214":8075,"14,215":8076,"14,216":8077,"14,217":8078,"14,218":8079,"14,219":8080,"14,220":8081,"14,221":8082,"14,222":8083,"14,223":8084,"14,224":8085,"14,225":8086,"14,226":8087,"14,227":8088,"14,228":8089,"14,229":8090,"14,230":8091,"14,231":8092,"14,232":8093,"14,233":8094,"14,234":8095,"14,235":8096,"14,236":8097,"14,237":8098,"14,238":8099,"14,239":8100,"14,240":8101,"14,241":8102,"14,242":8103,"14,243":8104,"14,244":8105,"14,245":8106,"14,246":8107,"14,247":8108,"14,248":8109,"14,249":8110,"14,250":8111,"14,251":8112,"14,252":8113,"14,253":8114,"14,254":8115,"14,255":8116,"14,256":8117,"14,257":8118,"14,258":8119,"14,259":8120,"14,260":8121,"14,261":8122,"14,262":8123,"14,263":8124,"14,264":8125,"14,265":8126,"14,266":8127,"14,267":8128,"14,268":8129,"14,269":8130,"14,270":8131,"14,271":8132,"14,272":8133,"14,273":8134,"14,274":8135,"14,275":8136,"14,276":8137,"14,277":8138,"14,278":8139,"14,279":8140,"14,280":8141,"14,281":8142,"14,282":8143,"14,283":8144,"14,284":8145,"14,285":8146,"14,286":8147,"14,287":8148,"14,288":8149,"14,289":8150,"14,290":8151,"14,291":8152,"14,292":8153,"14,293":8154,"14,294":8155,"14,295":8156,"14,296":8157,"14,297":8158,"14,298":8159,"14,299":8160,"14,300":8161,"14,301":8162,"14,302":8163,"14,303":8164,"14,304":8165,"14,305":8166,"14,306":8167,"14,307":8168,"14,308":8169,"14,309":8170,"14,310":8171,"14,311":8172,"14,312":8173,"14,313":8174,"14,314":8175,"14,315":8176,"14,316":8177,"14,317":8178,"14,318":8179,"14,319":8180,"14,320":8181,"14,321":8182,"14,322":8183,"14,323":8184,"14,324":8185,"14,325":8186,"14,326":8187,"14,327":8188,"14,328":8189,"14,329":8190,"14,330":8191,"14,331":8192,"14,332":8193,"14,333":8194,"14,334":8195,"14,335":8196,"14,336":8197,"14,337":8198,"14,338":8199,"14,339":8200,"14,340":8201,"14,341":8202,"14,342":8203,"14,343":8204,"14,345":8205,"14,347":8206,"14,348":8207,"14,349":8208,"14,350":8209,"14,351":8210,"14,352":8211,"14,353":8212,"14,354":8213,"14,355":8214,"14,356":8215,"14,357":8216,"14,358":8217,"14,359":8218,"14,360":8219,"14,361":8220,"14,362":8221,"14,363":8222,"14,364":8223,"14,365":8224,"14,366":8225,"14,367":8226,"14,368":8227,"14,369":8228,"14,370":8229,"14,371":8230,"14,372":8231,"14,373":8232,"14,374":8233,"14,375":8234,"14,376":8235,"14,377":8236,"14,378":8237,"14,379":8238,"14,380":8239,"14,381":8240,"14,382":8241,"14,383":8242,"14,384":8243,"14,385":8244,"14,386":8245,"14,387":8246,"14,388":8247,"14,389":8248,"14,390":8249,"14,391":8250,"14,392":8251,"14,393":8252,"14,394":8253,"14,395":8254,"14,396":8255,"14,397":8256,"14,398":8257,"14,399":8258,"14,400":8259,"14,401":8260,"14,402":8261,"14,403":8262,"14,404":8263,"14,405":8264,"14,406":8265,"14,407":8266,"14,408":8267,"14,409":8268,"14,410":8269,"14,411":8270,"14,412":8271,"14,413":8272,"14,414":8273,"14,415":8274,"14,416":8275,"14,417":8276,"14,418":8277,"14,419":8278,"14,420":8279,"14,421":8280,"14,422":8281,"14,423":8282,"14,424":8283,"14,425":8284,"14,426":8285,"14,427":8286,"14,428":8287,"14,429":8288,"14,430":8289,"14,431":8290,"14,432":8291,"14,433":8292,"14,434":8293,"14,435":8294,"14,436":8295,"14,437":8296,"14,438":8297,"14,439":8298,"14,440":8299,"14,441":8300,"14,442":8301,"14,443":8302,"14,444":8303,"14,445":8304,"14,446":8305,"14,447":8306,"14,448":8307,"14,449":8308,"14,450":8309,"14,451":8310,"14,452":8311,"14,453":8312,"14,454":8313,"14,455":8314,"14,456":8315,"14,457":8316,"14,458":8317,"14,459":8318,"14,460":8319,"14,461":8320,"14,462":8321,"14,463":8322,"14,464":8323,"14,465":8324,"14,466":8325,"14,467":8326,"14,468":8327,"14,469":8328,"14,470":8329,"14,471":8330,"14,472":8331,"14,473":8332,"14,474":8333,"14,475":8334,"14,476":8335,"14,477":8336,"14,478":8337,"14,479":8338,"14,480":8339,"14,481":8340,"14,482":8341,"14,483":8342,"14,484":8343,"14,485":8344,"14,486":8345,"14,487":8346,"14,488":8347,"14,489":8348,"14,490":8349,"14,491":8350,"14,492":8351,"14,493":8352,"14,494":8353,"14,495":8354,"14,496":8355,"14,497":8356,"14,498":8357,"14,499":8358,"14,500":8359,"14,501":8360,"14,502":8361,"14,503":8362,"14,504":8363,"14,505":8364,"14,506":8365,"14,507":8366,"14,508":8367,"14,509":8368,"14,510":8369,"14,511":8370,"14,512":8371,"14,513":8372,"14,514":8373,"14,515":8374,"14,516":8375,"14,517":8376,"14,518":8377,"14,519":8378,"14,520":8379,"14,521":8380,"14,522":8381,"14,523":8382,"14,524":8383,"14,525":8384,"14,526":8385,"14,527":8386,"14,528":8387,"14,529":8388,"14,530":8389,"14,531":8390,"14,532":8391,"14,533":8392,"14,534":8393,"14,535":8394,"14,536":8395,"14,537":8396,"14,538":8397,"14,539":8398,"14,540":8399,"14,541":8400,"14,542":8401,"14,543":8402,"14,544":8403,"14,545":8404,"14,546":8405,"14,547":8406,"14,548":8407,"14,549":8408,"14,550":8409,"14,551":8410,"14,552":8411,"14,553":8412,"14,554":8413,"14,555":8414,"14,556":8415,"14,557":8416,"14,558":8417,"14,559":8418,"14,560":8419,"14,561":8420,"14,562":8421,"14,563":8422,"14,564":8423,"14,565":8424,"15,1":8425,"15,2":8426,"15,3":8427,"15,4":8428,"15,5":8429,"15,6":8430,"15,7":8431,"15,8":8432,"15,9":8433,"15,10":8434,"15,11":8435,"15,12":8436,"15,13":8437,"15,14":8438,"15,15":8439,"15,16":8440,"15,17":8441,"15,18":8442,"15,19":8443,"15,20":8444,"15,21":8445,"15,22":8446,"15,23":8447,"15,24":8448,"15,25":8449,"15,26":8450,"15,27":8451,"15,28":8452,"15,29":8453,"15,30":8454,"15,31":8455,"15,32":8456,"15,33":8457,"15,34":8458,"15,35":8459,"15,36":8460,"15,37":8461,"15,38":8462,"15,39":8463,"15,40":8464,"15,41":8465,"15,42":8466,"15,43":8467,"15,44":8468,"15,45":8469,"15,46":8470,"15,47":8471,"15,48":8472,"15,49":8473,"15,50":8474,"15,51":8475,"15,52":8476,"15,53":8477,"15,54":8478,"15,55":8479,"15,56":8480,"15,57":8481,"15,58":8482,"15,59":8483,"15,60":8484,"15,61":8485,"15,62":8486,"15,63":8487,"15,64":8488,"15,65":8489,"15,66":8490,"15,67":8491,"15,68":8492,"15,69":8493,"15,70":8494,"15,71":8495,"15,72":8496,"15,73":8497,"15,74":8498,"15,75":8499,"15,76":8500,"15,77":8501,"15,78":8502,"15,79":8503,"15,80":8504,"15,81":8505,"15,82":8506,"15,83":8507,"15,84":8508,"15,85":8509,"15,86":8510,"15,87":8511,"15,88":8512,"15,89":8513,"15,90":8514,"15,91":8515,"15,92":8516,"15,93":8517,"15,94":8518,"15,95":8519,"15,96":8520,"15,97":8521,"15,98":8522,"15,99":8523,"15,100":8524,"15,101":8525,"15,102":8526,"15,103":8527,"15,104":8528,"15,105":8529,"15,106":8530,"15,107":8531,"15,108":8532,"15,109":8533,"15,110":8534,"15,111":8535,"15,112":8536,"15,113":8537,"15,114":8538,"15,115":8539,"15,116":8540,"15,117":8541,"15,118":8542,"15,119":8543,"15,120":8544,"15,121":8545,"15,122":8546,"15,123":8547,"15,124":8548,"15,125":8549,"15,126":8550,"15,127":8551,"15,128":8552,"15,129":8553,"15,130":8554,"15,131":8555,"15,132":8556,"15,133":8557,"15,134":8558,"15,135":8559,"15,136":8560,"15,137":8561,"15,138":8562,"15,139":8563,"15,140":8564,"15,141":8565,"15,142":8566,"15,143":8567,"15,144":8568,"15,145":8569,"15,146":8570,"15,147":8571,"15,148":8572,"15,149":8573,"15,150":8574,"15,151":8575,"15,152":8576,"15,153":8577,"15,154":8578,"15,155":8579,"15,156":8580,"15,157":8581,"15,158":8582,"15,159":8583,"15,160":8584,"15,161":8585,"15,162":8586,"15,163":8587,"15,164":8588,"15,165":8589,"15,166":8590,"15,167":8591,"15,168":8592,"15,169":8593,"15,170":8594,"15,171":8595,"15,172":8596,"15,173":8597,"15,174":8598,"15,175":8599,"15,176":8600,"15,177":8601,"15,178":8602,"15,179":8603,"15,180":8604,"15,181":8605,"15,182":8606,"15,183":8607,"15,184":8608,"15,185":8609,"15,186":8610,"15,187":8611,"15,188":8612,"15,189":8613,"15,190":8614,"15,191":8615,"15,192":8616,"15,193":8617,"15,194":8618,"15,195":8619,"15,196":8620,"15,197":8621,"15,198":8622,"15,199":8623,"15,200":8624,"15,201":8625,"15,202":8626,"15,203":8627,"15,204":8628,"15,205":8629,"15,206":8630,"15,207":8631,"15,208":8632,"15,209":8633,"15,210":8634,"15,211":8635,"15,212":8636,"15,213":8637,"15,214":8638,"15,215":8639,"15,216":8640,"15,217":8641,"15,218":8642,"15,219":8643,"15,220":8644,"15,221":8645,"15,222":8646,"15,223":8647,"15,224":8648,"15,225":8649,"15,226":8650,"15,227":8651,"15,228":8652,"15,229":8653,"15,230":8654,"15,231":8655,"15,232":8656,"15,233":8657,"15,234":8658,"15,235":8659,"15,236":8660,"15,237":8661,"15,239":8662,"15,240":8663,"15,241":8664,"15,242":8665,"15,243":8666,"15,244":8667,"15,245":8668,"15,246":8669,"15,247":8670,"15,248":8671,"15,249":8672,"15,250":8673,"15,251":8674,"15,252":8675,"15,253":8676,"15,254":8677,"15,255":8678,"15,256":8679,"15,257":8680,"15,258":8681,"15,259":8682,"15,260":8683,"15,261":8684,"15,262":8685,"15,263":8686,"15,264":8687,"15,265":8688,"15,266":8689,"15,267":8690,"15,268":8691,"15,269":8692,"15,270":8693,"15,271":8694,"15,272":8695,"15,273":8696,"15,274":8697,"15,275":8698,"15,276":8699,"15,277":8700,"15,278":8701,"15,279":8702,"15,280":8703,"15,281":8704,"15,282":8705,"15,283":8706,"15,284":8707,"15,285":8708,"15,286":8709,"15,287":8710,"15,288":8711,"15,289":8712,"15,290":8713,"15,291":8714,"15,292":8715,"15,293":8716,"15,294":8717,"15,295":8718,"15,296":8719,"15,297":8720,"15,298":8721,"15,299":8722,"15,300":8723,"15,301":8724,"15,302":8725,"15,303":8726,"15,304":8727,"15,305":8728,"15,306":8729,"15,307":8730,"15,308":8731,"15,309":8732,"15,310":8733,"15,311":8734,"15,312":8735,"15,313":8736,"15,314":8737,"15,315":8738,"15,316":8739,"15,317":8740,"15,318":8741,"15,319":8742,"15,320":8743,"15,321":8744,"15,322":8745,"15,323":8746,"15,324":8747,"15,325":8748,"15,326":8749,"15,327":8750,"15,328":8751,"15,329":8752,"15,330":8753,"15,331":8754,"15,332":8755,"15,333":8756,"15,334":8757,"15,335":8758,"15,336":8759,"15,337":8760,"15,338":8761,"15,339":8762,"15,340":8763,"15,341":8764,"15,342":8765,"15,343":8766,"15,344":8767,"15,345":8768,"15,346":8769,"15,347":8770,"15,348":8771,"15,349":8772,"15,350":8773,"15,351":8774,"15,352":8775,"15,353":8776,"15,354":8777,"15,355":8778,"15,356":8779,"15,357":8780,"15,358":8781,"15,359":8782,"15,360":8783,"15,361":8784,"15,362":8785,"15,363":8786,"15,364":8787,"15,365":8788,"15,366":8789,"15,367":8790,"15,368":8791,"15,369":8792,"15,370":8793,"15,371":8794,"15,372":8795,"15,373":8796,"15,374":8797,"15,375":8798,"15,376":8799,"15,377":8800,"15,378":8801,"15,379":8802,"15,380":8803,"15,381":8804,"15,382":8805,"15,383":8806,"15,384":8807,"15,385":8808,"15,386":8809,"15,387":8810,"15,388":8811,"15,389":8812,"15,390":8813,"15,391":8814,"15,392":8815,"15,393":8816,"15,394":8817,"15,395":8818,"15,396":8819,"15,397":8820,"15,398":8821,"15,399":8822,"15,400":8823,"15,401":8824,"15,402":8825,"15,403":8826,"15,404":8827,"15,405":8828,"15,406":8829,"15,407":8830,"15,408":8831,"15,409":8832,"15,410":8833,"15,411":8834,"15,412":8835,"15,413":8836,"15,414":8837,"15,415":8838,"15,416":8839,"15,417":8840,"15,418":8841,"15,419":8842,"15,420":8843,"15,421":8844,"15,422":8845,"15,423":8846,"15,424":8847,"15,425":8848,"15,426":8849,"15,427":8850,"15,428":8851,"15,429":8852,"15,430":8853,"15,431":8854,"15,432":8855,"15,433":8856,"15,434":8857,"15,435":8858,"15,436":8859,"15,437":8860,"15,438":8861,"15,439":8862,"15,440":8863,"15,441":8864,"15,442":8865,"15,443":8866,"15,444":8867,"15,445":8868,"15,446":8869,"15,447":8870,"15,448":8871,"15,449":8872,"15,450":8873,"15,451":8874,"15,452":8875,"15,453":8876,"15,454":8877,"15,455":8878,"15,456":8879,"15,457":8880,"15,458":8881,"15,459":8882,"15,460":8883,"15,461":8884,"15,462":8885,"15,463":8886,"15,464":8887,"15,465":8888,"15,466":8889,"15,467":8890,"15,468":8891,"15,469":8892,"15,470":8893,"15,471":8894,"15,472":8895,"15,473":8896,"15,474":8897,"15,475":8898,"15,476":8899,"15,477":8900,"15,478":8901,"15,479":8902,"15,480":8903,"15,481":8904,"15,482":8905,"15,483":8906,"15,484":8907,"15,485":8908,"15,486":8909,"15,487":8910,"15,488":8911,"15,489":8912,"15,490":8913,"15,491":8914,"15,492":8915,"15,493":8916,"15,494":8917,"15,495":8918,"15,496":8919,"15,497":8920,"15,498":8921,"15,499":8922,"15,500":8923,"15,501":8924,"15,502":8925,"15,503":8926,"15,504":8927,"15,505":8928,"15,506":8929,"15,507":8930,"15,508":8931,"15,509":8932,"15,510":8933,"15,511":8934,"15,512":8935,"15,513":8936,"15,515":8937,"15,517":8938,"15,518":8939,"15,519":8940,"15,520":8941,"15,521":8942,"15,522":8943,"15,523":8944,"15,524":8945,"15,525":8946,"15,526":8947,"15,527":8948,"15,528":8949,"15,529":8950,"15,530":8951,"15,531":8952,"15,532":8953,"15,533":8954,"15,534":8955,"15,535":8956,"15,536":8957,"15,537":8958,"15,538":8959,"15,539":8960,"15,540":8961,"15,541":8962,"15,542":8963,"15,543":8964,"15,544":8965,"15,545":8966,"15,546":8967,"15,547":8968,"15,548":8969,"15,549":8970,"15,550":8971,"15,551":8972,"15,552":8973,"15,553":8974,"15,554":8975,"15,555":8976,"15,556":8977,"15,557":8978,"15,558":8979,"15,559":8980,"15,560":8981,"15,561":8982,"15,562":8983,"15,563":8984,"15,564":8985,"15,565":8986,"15,566":8987,"15,567":8988,"15,568":8989,"15,569":8990,"15,570":8991,"15,571":8992,"15,572":8993,"15,573":8994,"15,574":8995,"15,575":8996,"15,576":8997,"15,577":8998,"15,578":8999,"15,579":9000,"15,580":9001,"15,581":9002,"15,582":9003,"15,583":9004,"15,584":9005,"15,585":9006,"15,586":9007,"15,587":9008,"15,588":9009,"15,589":9010,"15,590":9011,"15,591":9012,"15,592":9013,"15,593":9014,"15,594":9015,"15,595":9016,"15,596":9017,"15,597":9018,"15,598":9019,"15,599":9020,"15,600":9021,"15,601":9022,"15,602":9023,"15,603":9024,"15,604":9025,"15,605":9026,"15,606":9027,"15,607":9028,"15,608":9029,"15,609":9030,"15,610":9031,"15,611":9032,"15,612":9033,"15,613":9034,"16,1":9035,"16,2":9036,"16,3":9037,"16,4":9038,"16,5":9039,"16,6":9040,"16,7":9041,"16,8":9042,"16,9":9043,"16,10":9044,"16,11":9045,"16,12":9046,"16,13":9047,"16,14":9048,"16,15":9049,"16,16":9050,"16,17":9051,"16,18":9052,"16,19":9053,"16,20":9054,"16,21":9055,"16,22":9056,"16,23":9057,"16,24":9058,"16,25":9059,"16,26":9060,"16,27":9061,"16,28":9062,"16,29":9063,"16,30":9064,"16,31":9065,"16,32":9066,"16,33":9067,"16,34":9068,"16,35":9069,"16,36":9070,"16,37":9071,"16,38":9072,"16,39":9073,"16,40":9074,"16,41":9075,"16,42":9076,"16,43":9077,"16,44":9078,"16,45":9079,"16,46":9080,"16,47":9081,"16,48":9082,"16,49":9083,"16,50":9084,"16,51":9085,"16,52":9086,"16,53":9087,"16,54":9088,"16,55":9089,"16,56":9090,"16,57":9091,"16,58":9092,"16,59":9093,"16,60":9094,"16,61":9095,"16,62":9096,"16,63":9097,"16,64":9098,"16,65":9099,"16,66":9100,"16,67":9101,"16,68":9102,"16,69":9103,"16,70":9104,"16,71":9105,"16,72":9106,"16,73":9107,"16,74":9108,"16,75":9109,"16,76":9110,"16,77":9111,"16,78":9112,"16,79":9113,"16,80":9114,"16,81":9115,"16,82":9116,"16,83":9117,"16,84":9118,"16,85":9119,"16,86":9120,"16,87":9121,"16,88":9122,"16,89":9123,"16,91":9124,"16,92":9125,"16,93":9126,"16,94":9127,"16,95":9128,"16,96":9129,"16,97":9130,"16,98":9131,"16,99":9132,"16,100":9133,"16,101":9134,"16,102":9135,"16,103":9136,"16,104":9137,"16,105":9138,"16,106":9139,"16,107":9140,"16,108":9141,"16,109":9142,"16,110":9143,"16,111":9144,"16,112":9145,"16,113":9146,"16,114":9147,"16,115":9148,"16,116":9149,"16,117":9150,"16,118":9151,"16,119":9152,"16,120":9153,"16,121":9154,"16,122":9155,"16,123":9156,"16,124":9157,"16,125":9158,"16,126":9159,"16,127":9160,"16,128":9161,"16,129":9162,"16,130":9163,"16,131":9164,"16,132":9165,"16,133":9166,"16,134":9167,"16,135":9168,"16,136":9169,"16,137":9170,"16,138":9171,"16,139":9172,"16,140":9173,"16,141":9174,"16,142":9175,"16,143":9176,"16,144":9177,"16,145":9178,"16,146":9179,"16,147":9180,"16,148":9181,"16,149":9182,"16,150":9183,"16,151":9184,"16,152":9185,"16,153":9186,"16,154":9187,"16,155":9188,"16,156":9189,"16,157":9190,"16,158":9191,"16,159":9192,"16,160":9193,"16,161":9194,"16,162":9195,"16,163":9196,"16,164":9197,"16,165":9198,"16,166":9199,"16,167":9200,"16,168":9201,"16,169":9202,"16,170":9203,"16,171":9204,"16,172":9205,"16,173":9206,"16,174":9207,"16,175":9208,"16,176":9209,"16,177":9210,"16,178":9211,"16,179":9212,"16,180":9213,"16,181":9214,"16,182":9215,"16,183":9216,"16,184":9217,"16,185":9218,"16,186":9219,"16,187":9220,"16,188":9221,"16,189":9222,"16,190":9223,"16,191":9224,"16,192":9225,"16,193":9226,"16,194":9227,"16,195":9228,"16,196":9229,"16,197":9230,"16,198":9231,"16,199":9232,"16,200":9233,"16,201":9234,"16,202":9235,"16,203":9236,"16,204":9237,"16,205":9238,"16,206":9239,"16,207":9240,"16,208":9241,"16,209":9242,"16,210":9243,"16,211":9244,"16,212":9245,"16,213":9246,"16,214":9247,"16,215":9248,"16,216":9249,"16,217":9250,"16,218":9251,"16,219":9252,"16,220":9253,"16,221":9254,"16,222":9255,"16,223":9256,"16,224":9257,"16,225":9258,"16,226":9259,"16,227":9260,"16,228":9261,"16,229":9262,"16,230":9263,"16,231":9264,"16,232":9265,"16,233":9266,"16,234":9267,"16,235":9268,"16,236":9269,"16,237":9270,"16,238":9271,"16,239":9272,"16,240":9273,"16,241":9274,"16,242":9275,"16,243":9276,"16,244":9277,"16,245":9278,"16,246":9279,"16,247":9280,"16,248":9281,"16,249":9282,"16,250":9283,"16,251":9284,"16,252":9285,"16,253":9286,"16,254":9287,"16,255":9288,"16,256":9289,"16,257":9290,"16,258":9291,"16,259":9292,"16,260":9293,"16,261":9294,"16,262":9295,"16,263":9296,"16,264":9297,"16,265":9298,"16,266":9299,"16,267":9300,"16,268":9301,"16,269":9302,"16,270":9303,"16,271":9304,"16,272":9305,"16,273":9306,"16,274":9307,"16,275":9308,"16,276":9309,"16,277":9310,"16,278":9311,"16,279":9312,"16,280":9313,"16,281":9314,"16,282":9315,"16,283":9316,"16,284":9317,"16,285":9318,"16,286":9319,"16,287":9320,"16,288":9321,"16,289":9322,"16,290":9323,"16,291":9324,"16,292":9325,"16,293":9326,"16,294":9327,"16,295":9328,"16,296":9329,"16,297":9330,"16,298":9331,"16,299":9332,"16,300":9333,"16,301":9334,"16,302":9335,"16,303":9336,"16,304":9337,"16,305":9338,"16,306":9339,"16,307":9340,"16,308":9341,"16,309":9342,"16,310":9343,"16,311":9344,"16,312":9345,"16,313":9346,"16,314":9347,"16,315":9348,"16,316":9349,"16,317":9350,"16,318":9351,"16,319":9352,"16,320":9353,"16,321":9354,"16,322":9355,"16,323":9356,"16,324":9357,"16,325":9358,"16,326":9359,"16,327":9360,"16,328":9361,"16,329":9362,"16,330":9363,"16,331":9364,"16,332":9365,"16,333":9366,"16,334":9367,"16,335":9368,"16,336":9369,"16,337":9370,"16,338":9371,"16,339":9372,"16,340":9373,"16,341":9374,"16,342":9375,"16,343":9376,"16,344":9377,"16,345":9378,"16,346":9379,"16,347":9380,"16,348":9381,"16,349":9382,"16,350":9383,"16,351":9384,"16,352":9385,"16,353":9386,"16,354":9387,"16,355":9388,"16,356":9389,"16,357":9390,"16,358":9391,"16,359":9392,"16,360":9393,"16,361":9394,"16,362":9395,"16,363":9396,"16,364":9397,"16,365":9398,"16,366":9399,"16,367":9400,"16,368":9401,"16,369":9402,"16,370":9403,"16,371":9404,"16,372":9405,"16,373":9406,"16,374":9407,"16,375":9408,"16,376":9409,"16,377":9410,"16,378":9411,"16,379":9412,"16,380":9413,"16,381":9414,"16,382":9415,"16,383":9416,"16,384":9417,"16,385":9418,"16,386":9419,"16,387":9420,"16,388":9421,"16,389":9422,"16,390":9423,"16,391":9424,"16,392":9425,"16,393":9426,"16,394":9427,"16,395":9428,"16,397":9429,"16,399":9430,"16,400":9431,"16,401":9432,"16,402":9433,"16,403":9434,"16,404":9435,"16,405":9436,"16,406":9437,"16,407":9438,"16,408":9439,"16,409":9440,"16,410":9441,"16,411":9442,"16,412":9443,"16,413":9444,"16,414":9445,"16,415":9446,"16,416":9447,"16,417":9448,"16,418":9449,"16,419":9450,"16,420":9451,"16,421":9452,"16,422":9453,"16,423":9454,"16,424":9455,"16,425":9456,"16,426":9457,"16,427":9458,"16,428":9459,"16,429":9460,"16,430":9461,"16,431":9462,"16,432":9463,"16,433":9464,"16,434":9465,"16,435":9466,"16,436":9467,"16,437":9468,"16,438":9469,"16,439":9470,"16,440":9471,"16,441":9472,"16,442":9473,"16,443":9474,"16,444":9475,"16,445":9476,"16,446":9477,"16,447":9478,"16,448":9479,"16,449":9480,"16,450":9481,"16,451":9482,"16,452":9483,"16,453":9484,"16,454":9485,"16,455":9486,"16,456":9487,"16,457":9488,"16,458":9489,"16,459":9490,"16,460":9491,"16,461":9492,"16,462":9493,"16,463":9494,"16,464":9495,"16,465":9496,"16,466":9497,"16,467":9498,"16,468":9499,"16,469":9500,"16,470":9501,"16,471":9502,"16,472":9503,"16,473":9504,"16,474":9505,"16,475":9506,"16,476":9507,"16,477":9508,"16,478":9509,"16,479":9510,"16,480":9511,"16,481":9512,"16,482":9513,"16,483":9514,"16,484":9515,"16,485":9516,"16,486":9517,"16,487":9518,"16,488":9519,"16,489":9520,"16,490":9521,"16,491":9522,"16,492":9523,"16,493":9524,"16,494":9525,"16,495":9526,"16,496":9527,"16,497":9528,"16,498":9529,"16,499":9530,"16,500":9531,"16,501":9532,"16,502":9533,"16,503":9534,"16,504":9535,"16,505":9536,"16,506":9537,"16,507":9538,"16,508":9539,"16,509":9540,"16,510":9541,"16,511":9542,"16,512":9543,"16,513":9544,"16,514":9545,"16,515":9546,"16,516":9547,"16,517":9548,"16,518":9549,"16,519":9550,"16,520":9551,"16,521":9552,"16,522":9553,"16,523":9554,"16,524":9555,"16,525":9556,"16,526":9557,"16,527":9558,"16,528":9559,"16,529":9560,"16,530":9561,"16,531":9562,"16,532":9563,"16,533":9564,"16,534":9565,"16,535":9566,"16,536":9567,"16,537":9568,"16,538":9569,"16,539":9570,"16,540":9571,"16,541":9572,"16,542":9573,"16,543":9574,"16,544":9575,"16,545":9576,"16,546":9577,"16,547":9578,"16,548":9579,"16,549":9580,"16,550":9581,"16,551":9582,"16,552":9583,"16,553":9584,"16,554":9585,"16,555":9586,"16,556":9587,"16,557":9588,"16,558":9589,"16,559":9590,"16,560":9591,"16,561":9592,"16,562":9593,"16,563":9594,"16,564":9595,"16,565":9596,"16,566":9597,"16,567":9598,"16,568":9599,"16,569":9600,"16,570":9601,"16,571":9602,"16,572":9603,"16,573":9604,"16,574":9605,"16,575":9606,"16,576":9607,"16,577":9608,"16,578":9609,"16,579":9610,"16,580":9611,"16,581":9612,"16,582":9613,"16,583":9614,"16,584":9615,"16,585":9616,"16,586":9617,"16,587":9618,"16,588":9619,"16,589":9620,"16,590":9621,"16,591":9622,"16,592":9623,"16,593":9624,"16,594":9625,"16,595":9626,"16,596":9627,"16,597":9628,"16,598":9629,"16,599":9630,"16,600":9631,"16,601":9632,"16,602":9633,"16,603":9634,"16,604":9635,"16,605":9636,"16,606":9637,"16,607":9638,"16,608":9639,"16,609":9640,"16,610":9641,"16,611":9642,"16,612":9643,"16,613":9644,"16,614":9645,"16,615":9646,"16,616":9647,"16,617":9648,"16,618":9649,"16,619":9650,"16,620":9651,"16,621":9652,"16,622":9653,"16,623":9654,"16,624":9655,"16,625":9656,"16,626":9657,"17,1":9658,"17,2":9659,"17,3":9660,"17,4":9661,"17,5":9662,"17,6":9663,"17,7":9664,"17,8":9665,"17,9":9666,"17,10":9667,"17,11":9668,"17,12":9669,"17,13":9670,"17,14":9671,"17,15":9672,"17,16":9673,"17,17":9674,"17,18":9675,"17,19":9676,"17,20":9677,"17,21":9678,"17,22":9679,"17,23":9680,"17,24":9681,"17,25":9682,"17,26":9683,"17,27":9684,"17,28":9685,"17,29":9686,"17,30":9687,"17,31":9688,"17,32":9689,"17,33":9690,"17,34":9691,"17,35":9692,"17,36":9693,"17,37":9694,"17,38":9695,"17,39":9696,"17,40":9697,"17,41":9698,"17,42":9699,"17,43":9700,"17,44":9701,"17,45":9702,"17,46":9703,"17,47":9704,"17,48":9705,"17,49":9706,"17,50":9707,"17,51":9708,"17,52":9709,"17,53":9710,"17,54":9711,"17,55":9712,"17,56":9713,"17,57":9714,"17,58":9715,"17,59":9716,"17,60":9717,"17,61":9718,"17,62":9719,"17,63":9720,"17,64":9721,"17,65":9722,"17,66":9723,"17,67":9724,"17,68":9725,"17,69":9726,"17,70":9727,"17,71":9728,"17,72":9729,"17,73":9730,"17,74":9731,"17,75":9732,"17,76":9733,"17,77":9734,"17,78":9735,"17,79":9736,"17,80":9737,"17,81":9738,"17,82":9739,"17,83":9740,"17,84":9741,"17,85":9742,"17,86":9743,"17,87":9744,"17,88":9745,"17,89":9746,"17,90":9747,"17,91":9748,"17,92":9749,"17,93":9750,"17,94":9751,"17,95":9752,"17,96":9753,"17,97":9754,"17,98":9755,"17,99":9756,"17,100":9757,"17,101":9758,"17,102":9759,"17,103":9760,"17,104":9761,"17,105":9762,"17,106":9763,"17,107":9764,"17,108":9765,"17,109":9766,"17,110":9767,"17,111":9768,"17,112":9769,"17,113":9770,"17,114":9771,"17,115":9772,"17,116":9773,"17,117":9774,"17,118":9775,"17,119":9776,"17,120":9777,"17,121":9778,"17,122":9779,"17,123":9780,"17,124":9781,"17,125":9782,"17,126":9783,"17,127":9784,"17,128":9785,"17,129":9786,"17,130":9787,"17,131":9788,"17,132":9789,"17,133":9790,"17,134":9791,"17,135":9792,"17,136":9793,"17,137":9794,"17,138":9795,"17,139":9796,"17,140":9797,"17,141":9798,"17,142":9799,"17,143":9800,"17,144":9801,"17,145":9802,"17,146":9803,"17,147":9804,"17,148":9805,"17,149":9806,"17,150":9807,"17,151":9808,"17,152":9809,"17,153":9810,"17,155":9811,"17,157":9812,"17,158":9813,"17,159":9814,"17,160":9815,"17,161":9816,"17,162":9817,"17,163":9818,"17,164":9819,"17,165":9820,"17,166":9821,"17,167":9822,"17,168":9823,"17,169":9824,"17,170":9825,"17,171":9826,"17,172":9827,"17,173":9828,"17,174":9829,"17,175":9830,"17,176":9831,"17,177":9832,"17,178":9833,"17,179":9834,"17,180":9835,"17,181":9836,"17,182":9837,"17,183":9838,"17,184":9839,"17,185":9840,"17,186":9841,"17,187":9842,"17,188":9843,"17,189":9844,"17,190":9845,"17,191":9846,"17,192":9847,"17,193":9848,"17,194":9849,"17,195":9850,"17,196":9851,"17,197":9852,"17,198":9853,"17,199":9854,"17,200":9855,"17,201":9856,"17,202":9857,"17,203":9858,"17,204":9859,"17,205":9860,"17,206":9861,"17,207":9862,"17,208":9863,"17,209":9864,"17,210":9865,"17,211":9866,"17,212":9867,"17,213":9868,"17,214":9869,"17,215":9870,"17,216":9871,"17,217":9872,"17,218":9873,"17,219":9874,"17,220":9875,"17,221":9876,"17,222":9877,"17,223":9878,"17,224":9879,"17,225":9880,"17,226":9881,"17,227":9882,"17,228":9883,"17,229":9884,"17,230":9885,"17,231":9886,"17,232":9887,"17,233":9888,"17,234":9889,"17,235":9890,"17,236":9891,"17,237":9892,"17,238":9893,"17,239":9894,"17,240":9895,"17,241":9896,"17,242":9897,"17,243":9898,"17,244":9899,"17,245":9900,"17,246":9901,"17,247":9902,"17,248":9903,"17,249":9904,"17,250":9905,"17,251":9906,"17,252":9907,"17,253":9908,"17,254":9909,"17,255":9910,"17,256":9911,"17,257":9912,"17,258":9913,"17,259":9914,"17,260":9915,"17,261":9916,"17,262":9917,"17,263":9918,"17,264":9919,"17,265":9920,"17,266":9921,"17,267":9922,"17,268":9923,"17,269":9924,"17,270":9925,"17,271":9926,"17,272":9927,"17,273":9928,"17,274":9929,"17,275":9930,"17,276":9931,"17,277":9932,"17,278":9933,"17,279":9934,"17,280":9935,"17,281":9936,"17,282":9937,"17,283":9938,"17,284":9939,"17,285":9940,"17,286":9941,"17,287":9942,"17,288":9943,"17,289":9944,"17,290":9945,"17,291":9946,"17,292":9947,"17,293":9948,"17,294":9949,"17,295":9950,"17,296":9951,"17,297":9952,"17,298":9953,"17,299":9954,"17,300":9955,"17,301":9956,"17,302":9957,"17,303":9958,"17,304":9959,"17,305":9960,"17,306":9961,"17,307":9962,"17,308":9963,"17,309":9964,"17,310":9965,"17,311":9966,"17,312":9967,"17,313":9968,"17,314":9969,"17,315":9970,"17,316":9971,"17,317":9972,"17,318":9973,"17,319":9974,"17,320":9975,"17,321":9976,"17,322":9977,"17,323":9978,"17,324":9979,"17,325":9980,"17,326":9981,"17,327":9982,"17,329":9983,"17,330":9984,"17,331":9985,"17,332":9986,"17,333":9987,"17,334":9988,"17,335":9989,"17,336":9990,"17,337":9991,"17,338":9992,"17,339":9993,"17,340":9994,"17,341":9995,"17,342":9996,"17,343":9997,"17,344":9998,"17,345":9999,"17,346":10000,"17,347":10001,"17,348":10002,"17,349":10003,"17,350":10004,"17,351":10005,"17,352":10006,"17,353":10007,"17,354":10008,"17,355":10009,"17,356":10010,"17,357":10011,"17,358":10012,"17,359":10013,"17,360":10014,"17,361":10015,"17,362":10016,"17,363":10017,"17,364":10018,"17,365":10019,"17,366":10020,"17,367":10021,"17,368":10022,"17,369":10023,"17,370":10024,"17,371":10025,"17,372":10026,"17,373":10027,"17,374":10028,"17,375":10029,"17,376":10030,"17,377":10031,"17,378":10032,"17,379":10033,"17,380":10034,"17,381":10035,"17,382":10036,"17,383":10037,"17,384":10038,"17,385":10039,"17,386":10040,"17,387":10041,"17,388":10042,"17,389":10043,"17,390":10044,"17,391":10045,"17,392":10046,"17,393":10047,"17,394":10048,"17,395":10049,"17,396":10050,"17,397":10051,"17,398":10052,"17,399":10053,"17,400":10054,"17,401":10055,"17,402":10056,"17,403":10057,"17,404":10058,"17,405":10059,"17,406":10060,"17,407":10061,"17,408":10062,"17,409":10063,"17,410":10064,"17,411":10065,"17,412":10066,"17,413":10067,"17,414":10068,"17,415":10069,"17,416":10070,"17,417":10071,"17,418":10072,"17,419":10073,"17,420":10074,"17,421":10075,"17,422":10076,"17,423":10077,"17,424":10078,"17,425":10079,"17,426":10080,"17,427":10081,"17,428":10082,"17,429":10083,"17,430":10084,"17,431":10085,"17,432":10086,"17,433":10087,"17,434":10088,"17,435":10089,"17,436":10090,"17,437":10091,"17,438":10092,"17,439":10093,"17,440":10094,"17,441":10095,"17,442":10096,"17,443":10097,"17,444":10098,"17,445":10099,"17,446":10100,"17,447":10101,"17,448":10102,"17,449":10103,"17,450":10104,"17,451":10105,"17,452":10106,"17,453":10107,"17,454":10108,"17,455":10109,"17,456":10110,"17,457":10111,"17,458":10112,"17,459":10113,"17,460":10114,"17,461":10115,"17,462":10116,"17,463":10117,"17,464":10118,"17,465":10119,"17,466":10120,"17,467":10121,"17,468":10122,"17,469":10123,"17,470":10124,"17,471":10125,"17,472":10126,"17,473":10127,"17,474":10128,"17,475":10129,"17,476":10130,"17,477":10131,"17,478":10132,"17,479":10133,"17,480":10134,"17,481":10135,"17,483":10136,"17,485":10137,"17,486":10138,"17,487":10139,"17,488":10140,"17,489":10141,"17,490":10142,"17,491":10143,"17,492":10144,"17,493":10145,"17,494":10146,"17,495":10147,"17,496":10148,"17,497":10149,"17,498":10150,"17,499":10151,"17,500":10152,"17,501":10153,"17,502":10154,"17,503":10155,"17,504":10156,"17,505":10157,"17,506":10158,"17,507":10159,"17,508":10160,"17,509":10161,"17,510":10162,"17,511":10163,"17,512":10164,"17,513":10165,"17,514":10166,"17,515":10167,"17,516":10168,"17,517":10169,"17,518":10170,"17,519":10171,"17,520":10172,"17,521":10173,"17,522":10174,"17,523":10175,"17,524":10176,"17,525":10177,"17,526":10178,"17,527":10179,"17,528":10180,"17,529":10181,"17,530":10182,"17,531":10183,"17,532":10184,"17,533":10185,"17,534":10186,"17,535":10187,"17,536":10188,"17,537":10189,"17,538":10190,"17,539":10191,"17,540":10192,"17,541":10193,"17,542":10194,"17,543":10195,"17,544":10196,"17,545":10197,"17,546":10198,"17,547":10199,"17,548":10200,"17,549":10201,"17,550":10202,"17,551":10203,"17,552":10204,"17,553":10205,"17,554":10206,"17,555":10207,"17,556":10208,"17,557":10209,"17,558":10210,"17,559":10211,"17,560":10212,"17,561":10213,"17,562":10214,"17,563":10215,"18,1":10216,"18,2":10217,"18,3":10218,"18,4":10219,"18,5":10220,"18,6":10221,"18,7":10222,"18,8":10223,"18,9":10224,"18,10":10225,"18,11":10226,"18,12":10227,"18,13":10228,"18,14":10229,"18,15":10230,"18,16":10231,"18,17":10232,"18,18":10233,"18,19":10234,"18,20":10235,"18,21":10236,"18,22":10237,"18,23":10238,"18,24":10239,"18,25":10240,"18,26":10241,"18,27":10242,"18,28":10243,"18,29":10244,"18,30":10245,"18,31":10246,"18,32":10247,"18,33":10248,"18,34":10249,"18,35":10250,"18,36":10251,"18,37":10252,"18,38":10253,"18,39":10254,"18,40":10255,"18,41":10256,"18,42":10257,"18,43":10258,"18,44":10259,"18,45":10260,"18,46":10261,"18,47":10262,"18,48":10263,"18,49":10264,"18,50":10265,"18,51":10266,"18,52":10267,"18,53":10268,"18,54":10269,"18,55":10270,"18,56":10271,"18,57":10272,"18,58":10273,"18,59":10274,"18,60":10275,"18,61":10276,"18,62":10277,"18,63":10278,"18,64":10279,"18,65":10280,"18,66":10281,"18,67":10282,"18,68":10283,"18,69":10284,"18,70":10285,"18,71":10286,"18,72":10287,"18,73":10288,"18,74":10289,"18,75":10290,"18,76":10291,"18,77":10292,"18,78":10293,"18,79":10294,"18,80":10295,"18,81":10296,"18,82":10297,"18,83":10298,"18,84":10299,"18,85":10300,"18,86":10301,"18,87":10302,"18,88":10303,"18,89":10304,"18,91":10305,"18,92":10306,"18,93":10307,"18,94":10308,"18,95":10309,"18,96":10310,"18,97":10311,"18,98":10312,"18,99":10313,"18,100":10314,"18,101":10315,"18,102":10316,"18,103":10317,"18,104":10318,"18,105":10319,"18,106":10320,"18,107":10321,"18,108":10322,"18,109":10323,"18,110":10324,"18,111":10325,"18,112":10326,"18,113":10327,"18,114":10328,"18,115":10329,"18,116":10330,"18,117":10331,"18,118":10332,"18,119":10333,"18,120":10334,"18,121":10335,"18,122":10336,"18,123":10337,"18,124":10338,"18,125":10339,"18,126":10340,"18,127":10341,"18,128":10342,"18,129":10343,"18,131":10344,"18,133":10345,"18,134":10346,"18,135":10347,"18,136":10348,"18,137":10349,"18,138":10350,"18,139":10351,"18,140":10352,"18,141":10353,"18,142":10354,"18,143":10355,"18,144":10356,"18,145":10357,"18,146":10358,"18,147":10359,"18,148":10360,"18,149":10361,"18,150":10362,"18,151":10363,"18,152":10364,"18,153":10365,"18,154":10366,"18,155":10367,"18,156":10368,"18,157":10369,"18,158":10370,"18,159":10371,"18,160":10372,"18,161":10373,"18,162":10374,"18,163":10375,"18,164":10376,"18,165":10377,"18,167":10378,"18,168":10379,"18,169":10380,"18,170":10381,"18,171":10382,"18,172":10383,"18,173":10384,"18,174":10385,"18,175":10386,"18,176":10387,"18,177":10388,"18,178":10389,"18,179":10390,"18,180":10391,"18,181":10392,"18,182":10393,"18,183":10394,"18,184":10395,"18,185":10396,"18,186":10397,"18,187":10398,"18,188":10399,"18,189":10400,"18,190":10401,"18,191":10402,"18,192":10403,"18,193":10404,"18,194":10405,"18,195":10406,"18,196":10407,"18,197":10408,"18,198":10409,"18,199":10410,"18,200":10411,"18,201":10412,"18,202":10413,"18,203":10414,"18,204":10415,"18,205":10416,"18,206":10417,"18,207":10418,"18,208":10419,"18,209":10420,"18,210":10421,"18,211":10422,"18,212":10423,"18,213":10424,"18,214":10425,"18,215":10426,"18,216":10427,"18,217":10428,"18,218":10429,"18,219":10430,"18,220":10431,"18,221":10432,"18,222":10433,"18,223":10434,"18,224":10435,"18,225":10436,"18,226":10437,"18,227":10438,"18,228":10439,"18,229":10440,"18,230":10441,"18,231":10442,"18,232":10443,"18,233":10444,"18,234":10445,"18,235":10446,"18,236":10447,"18,237":10448,"18,238":10449,"18,239":10450,"18,240":10451,"18,241":10452,"18,242":10453,"18,243":10454,"18,244":10455,"18,245":10456,"18,246":10457,"18,247":10458,"18,248":10459,"18,249":10460,"18,250":10461,"18,251":10462,"18,252":10463,"18,253":10464,"18,254":10465,"18,255":10466,"18,256":10467,"18,257":10468,"18,258":10469,"18,259":10470,"18,260":10471,"18,261":10472,"18,262":10473,"18,263":10474,"18,264":10475,"18,265":10476,"18,266":10477,"18,267":10478,"18,268":10479,"18,269":10480,"18,270":10481,"18,271":10482,"18,272":10483,"18,273":10484,"18,274":10485,"18,275":10486,"18,276":10487,"18,277":10488,"18,278":10489,"18,279":10490,"18,280":10491,"18,281":10492,"18,282":10493,"18,283":10494,"18,284":10495,"18,285":10496,"18,286":10497,"18,287":10498,"18,288":10499,"18,289":10500,"18,290":10501,"18,291":10502,"18,292":10503,"18,293":10504,"18,294":10505,"18,295":10506,"18,296":10507,"18,297":10508,"18,298":10509,"18,299":10510,"18,300":10511,"18,301":10512,"18,302":10513,"18,303":10514,"18,304":10515,"18,305":10516,"18,306":10517,"18,307":10518,"18,308":10519,"18,309":10520,"18,311":10521,"18,312":10522,"18,313":10523,"18,314":10524,"18,315":10525,"18,316":10526,"18,317":10527,"18,318":10528,"18,319":10529,"18,320":10530,"18,321":10531,"18,322":10532,"18,323":10533,"18,324":10534,"18,325":10535,"18,326":10536,"18,327":10537,"18,328":10538,"18,329":10539,"18,330":10540,"18,331":10541,"18,332":10542,"18,333":10543,"18,334":10544,"18,335":10545,"18,336":10546,"18,337":10547,"18,338":10548,"18,339":10549,"18,340":10550,"18,341":10551,"18,342":10552,"18,343":10553,"18,344":10554,"18,345":10555,"18,346":10556,"18,347":10557,"18,348":10558,"18,349":10559,"18,350":10560,"18,351":10561,"18,352":10562,"18,353":10563,"18,354":10564,"18,355":10565,"18,356":10566,"18,357":10567,"18,358":10568,"18,359":10569,"18,360":10570,"18,361":10571,"18,362":10572,"18,363":10573,"18,364":10574,"18,365":10575,"18,366":10576,"18,367":10577,"18,368":10578,"18,369":10579,"18,370":10580,"18,371":10581,"18,372":10582,"18,373":10583,"18,374":10584,"18,375":10585,"18,376":10586,"18,377":10587,"18,378":10588,"18,379":10589,"18,380":10590,"18,381":10591,"18,382":10592,"18,383":10593,"18,384":10594,"18,385":10595,"18,386":10596,"18,387":10597,"18,388":10598,"18,389":10599,"18,390":10600,"18,391":10601,"18,392":10602,"18,393":10603,"18,394":10604,"18,395":10605,"18,397":10606,"18,399":10607,"18,400":10608,"18,401":10609,"18,402":10610,"18,403":10611,"18,404":10612,"18,405":10613,"18,406":10614,"18,407":10615,"18,408":10616,"18,409":10617,"18,410":10618,"18,411":10619,"18,412":10620,"18,413":10621,"18,414":10622,"18,415":10623,"18,416":10624,"18,417":10625,"18,418":10626,"18,419":10627,"18,420":10628,"18,421":10629,"18,422":10630,"18,423":10631,"18,424":10632,"18,425":10633,"18,426":10634,"18,427":10635,"18,428":10636,"18,429":10637,"18,430":10638,"18,431":10639,"18,432":10640,"18,433":10641,"18,434":10642,"18,435":10643,"18,436":10644,"18,437":10645,"18,438":10646,"18,439":10647,"18,440":10648,"18,441":10649,"18,442":10650,"18,443":10651,"18,444":10652,"18,445":10653,"18,447":10654,"18,449":10655,"18,450":10656,"18,451":10657,"18,452":10658,"18,453":10659,"18,454":10660,"18,455":10661,"18,456":10662,"18,457":10663,"18,458":10664,"18,459":10665,"18,460":10666,"18,461":10667,"18,462":10668,"18,463":10669,"18,464":10670,"18,465":10671,"18,466":10672,"18,467":10673,"18,468":10674,"18,469":10675,"18,470":10676,"18,471":10677,"18,472":10678,"18,473":10679,"18,474":10680,"18,475":10681,"18,476":10682,"18,477":10683,"18,478":10684,"18,479":10685,"18,480":10686,"18,481":10687,"18,482":10688,"18,483":10689,"18,484":10690,"18,485":10691,"18,486":10692,"18,487":10693,"18,488":10694,"18,489":10695,"18,490":10696,"18,491":10697,"18,492":10698,"18,493":10699,"18,494":10700,"18,495":10701,"18,496":10702,"18,497":10703,"18,498":10704,"18,499":10705,"18,500":10706,"18,501":10707,"18,502":10708,"18,503":10709,"18,504":10710,"18,505":10711,"18,506":10712,"18,507":10713,"18,508":10714,"18,509":10715,"18,510":10716,"18,511":10717,"18,512":10718,"18,513":10719,"18,514":10720,"18,515":10721,"18,516":10722,"18,517":10723,"18,518":10724,"18,519":10725,"18,520":10726,"18,521":10727,"18,522":10728,"18,523":10729,"18,524":10730,"18,525":10731,"18,526":10732,"18,527":10733,"18,528":10734,"18,529":10735,"18,530":10736,"19,1":10737,"19,2":10738,"19,3":10739,"19,4":10740,"19,5":10741,"19,6":10742,"19,7":10743,"19,8":10744,"19,9":10745,"19,10":10746,"19,11":10747,"19,12":10748,"19,13":10749,"19,14":10750,"19,15":10751,"19,16":10752,"19,17":10753,"19,18":10754,"19,19":10755,"19,20":10756,"19,21":10757,"19,22":10758,"19,23":10759,"19,24":10760,"19,25":10761,"19,26":10762,"19,27":10763,"19,28":10764,"19,29":10765,"19,30":10766,"19,31":10767,"19,32":10768,"19,33":10769,"19,34":10770,"19,35":10771,"19,36":10772,"19,37":10773,"19,38":10774,"19,39":10775,"19,40":10776,"19,41":10777,"19,42":10778,"19,43":10779,"19,44":10780,"19,45":10781,"19,46":10782,"19,47":10783,"19,48":10784,"19,49":10785,"19,50":10786,"19,51":10787,"19,52":10788,"19,53":10789,"19,54":10790,"19,55":10791,"19,56":10792,"19,57":10793,"19,58":10794,"19,59":10795,"19,60":10796,"19,61":10797,"19,62":10798,"19,63":10799,"19,64":10800,"19,65":10801,"19,66":10802,"19,67":10803,"19,68":10804,"19,69":10805,"19,70":10806,"19,71":10807,"19,72":10808,"19,73":10809,"19,74":10810,"19,75":10811,"19,76":10812,"19,77":10813,"19,78":10814,"19,79":10815,"19,80":10816,"19,81":10817,"19,82":10818,"19,83":10819,"19,84":10820,"19,85":10821,"19,86":10822,"19,87":10823,"19,88":10824,"19,89":10825,"19,90":10826,"19,91":10827,"19,92":10828,"19,93":10829,"19,94":10830,"19,95":10831,"19,96":10832,"19,97":10833,"19,98":10834,"19,99":10835,"19,100":10836,"19,101":10837,"19,102":10838,"19,103":10839,"19,104":10840,"19,105":10841,"19,106":10842,"19,107":10843,"19,108":10844,"19,109":10845,"19,110":10846,"19,111":10847,"19,112":10848,"19,113":10849,"19,114":10850,"19,115":10851,"19,116":10852,"19,117":10853,"19,118":10854,"19,119":10855,"19,120":10856,"19,121":10857,"19,122":10858,"19,123":10859,"19,124":10860,"19,125":10861,"19,126":10862,"19,127":10863,"19,128":10864,"19,129":10865,"19,130":10866,"19,131":10867,"19,133":10868,"19,135":10869,"19,136":10870,"19,137":10871,"19,138":10872,"19,139":10873,"19,140":10874,"19,141":10875,"19,142":10876,"19,143":10877,"19,144":10878,"19,145":10879,"19,146":10880,"19,147":10881,"19,148":10882,"19,149":10883,"19,150":10884,"19,151":10885,"19,152":10886,"19,153":10887,"19,154":10888,"19,155":10889,"20,1":10890,"20,2":10891,"20,3":10892,"20,4":10893,"20,5":10894,"20,6":10895,"20,7":10896,"20,8":10897,"20,9":10898,"20,10":10899,"20,11":10900,"20,12":10901,"20,13":10902,"20,14":10903,"20,15":10904,"20,16":10905,"20,17":10906,"20,18":10907,"20,19":10908,"20,20":10909,"20,21":10910,"20,22":10911,"20,23":10912,"20,24":10913,"20,25":10914,"20,26":10915,"20,27":10916,"20,28":10917,"20,29":10918,"20,30":10919,"20,31":10920,"20,32":10921,"20,33":10922,"20,34":10923,"20,35":10924,"20,36":10925,"20,37":10926,"20,38":10927,"20,39":10928,"20,40":10929,"20,41":10930,"20,42":10931,"20,43":10932,"20,44":10933,"20,45":10934,"20,46":10935,"20,47":10936,"20,48":10937,"20,49":10938,"20,50":10939,"20,51":10940,"20,52":10941,"20,53":10942,"20,54":10943,"20,55":10944,"20,56":10945,"20,57":10946,"20,58":10947,"20,59":10948,"20,60":10949,"20,61":10950,"20,62":10951,"20,63":10952,"20,64":10953,"20,65":10954,"20,66":10955,"20,67":10956,"20,68":10957,"20,69":10958,"20,70":10959,"20,71":10960,"20,72":10961,"20,73":10962,"20,74":10963,"20,75":10964,"20,76":10965,"20,77":10966,"20,78":10967,"20,79":10968,"20,80":10969,"20,81":10970,"20,82":10971,"20,83":10972,"20,84":10973,"20,85":10974,"20,86":10975,"20,87":10976,"20,88":10977,"20,89":10978,"20,90":10979,"20,91":10980,"20,93":10981,"20,94":10982,"20,95":10983,"20,96":10984,"20,97":10985,"20,98":10986,"20,99":10987,"20,100":10988,"20,101":10989,"20,102":10990,"20,103":10991,"20,104":10992,"20,105":10993,"20,106":10994,"20,107":10995,"20,108":10996,"20,109":10997,"20,110":10998,"20,111":10999,"20,112":11000,"20,113":11001,"20,114":11002,"20,115":11003,"20,116":11004,"20,117":11005,"20,118":11006,"20,119":11007,"20,120":11008,"20,121":11009,"20,122":11010,"20,123":11011,"20,124":11012,"20,125":11013,"20,126":11014,"20,127":11015,"20,128":11016,"20,129":11017,"20,131":11018,"20,132":11019,"20,133":11020,"20,134":11021,"20,135":11022,"20,136":11023,"20,137":11024,"20,138":11025,"20,139":11026,"20,140":11027,"20,141":11028,"20,142":11029,"20,143":11030,"20,144":11031,"20,145":11032,"20,146":11033,"20,147":11034,"20,148":11035,"20,149":11036,"20,150":11037,"20,151":11038,"20,152":11039,"20,153":11040,"20,154":11041,"20,155":11042,"20,156":11043,"20,157":11044,"20,159":11045,"20,160":11046,"20,161":11047,"20,162":11048,"20,163":11049,"20,164":11050,"20,165":11051,"20,166":11052,"20,167":11053,"20,168":11054,"20,169":11055,"20,170":11056,"20,171":11057,"20,172":11058,"20,173":11059,"20,174":11060,"20,175":11061,"20,176":11062,"20,177":11063,"20,178":11064,"20,179":11065,"20,180":11066,"20,181":11067,"20,182":11068,"20,183":11069,"20,184":11070,"20,185":11071,"20,186":11072,"20,187":11073,"20,188":11074,"20,189":11075,"20,190":11076,"20,191":11077,"20,192":11078,"20,193":11079,"20,194":11080,"20,195":11081,"20,196":11082,"20,197":11083,"20,198":11084,"20,199":11085,"20,200":11086,"20,201":11087,"20,202":11088,"20,203":11089,"20,204":11090,"20,205":11091,"20,206":11092,"20,207":11093,"20,209":11094,"20,211":11095,"20,212":11096,"20,213":11097,"20,214":11098,"20,215":11099,"20,216":11100,"20,217":11101,"20,218":11102,"20,219":11103,"20,220":11104,"20,221":11105,"20,222":11106,"20,223":11107,"20,224":11108,"20,225":11109,"20,226":11110,"20,227":11111,"20,228":11112,"20,229":11113,"20,230":11114,"20,231":11115,"20,232":11116,"20,233":11117,"20,234":11118,"20,235":11119,"20,236":11120,"20,237":11121,"20,238":11122,"20,239":11123,"20,240":11124,"20,241":11125,"20,242":11126,"20,243":11127,"20,244":11128,"20,245":11129,"20,246":11130,"20,247":11131,"20,248":11132,"20,249":11133,"20,250":11134,"20,251":11135,"20,252":11136,"20,253":11137,"20,254":11138,"20,255":11139,"20,256":11140,"20,257":11141,"20,258":11142,"20,259":11143,"20,260":11144,"20,261":11145,"20,262":11146,"20,263":11147,"20,264":11148,"20,265":11149,"20,266":11150,"20,267":11151,"20,268":11152,"20,269":11153,"20,270":11154,"20,271":11155,"20,272":11156,"20,273":11157,"20,274":11158,"20,275":11159,"20,277":11160,"20,279":11161,"20,280":11162,"20,281":11163,"20,282":11164,"20,283":11165,"20,284":11166,"20,285":11167,"20,286":11168,"20,287":11169,"20,288":11170,"20,289":11171,"20,290":11172,"20,291":11173,"20,292":11174,"20,293":11175,"20,294":11176,"20,295":11177,"20,296":11178,"20,297":11179,"20,298":11180,"20,299":11181,"20,300":11182,"20,301":11183,"20,302":11184,"20,303":11185,"20,304":11186,"20,305":11187,"20,306":11188,"20,307":11189,"20,308":11190,"20,309":11191,"20,310":11192,"20,311":11193,"20,312":11194,"20,313":11195,"20,314":11196,"20,315":11197,"20,316":11198,"20,317":11199,"20,318":11200,"20,319":11201,"20,320":11202,"20,321":11203,"20,322":11204,"20,323":11205,"20,324":11206,"20,325":11207,"20,326":11208,"20,327":11209,"20,328":11210,"20,329":11211,"20,330":11212,"20,331":11213,"20,332":11214,"20,333":11215,"20,334":11216,"20,335":11217,"20,337":11218,"20,339":11219,"20,340":11220,"20,341":11221,"20,342":11222,"20,343":11223,"20,344":11224,"20,345":11225,"20,346":11226,"20,347":11227,"20,348":11228,"20,349":11229,"20,350":11230,"20,351":11231,"20,352":11232,"20,353":11233,"20,354":11234,"20,355":11235,"20,356":11236,"20,357":11237,"20,358":11238,"20,359":11239,"20,360":11240,"20,361":11241,"20,362":11242,"20,363":11243,"20,364":11244,"20,365":11245,"20,366":11246,"20,367":11247,"20,368":11248,"20,369":11249,"20,370":11250,"20,371":11251,"20,373":11252,"20,375":11253,"20,376":11254,"20,377":11255,"20,378":11256,"20,379":11257,"20,380":11258,"20,381":11259,"20,382":11260,"20,383":11261,"20,384":11262,"20,385":11263,"20,386":11264,"20,387":11265,"20,388":11266,"20,389":11267,"20,390":11268,"20,391":11269,"20,392":11270,"20,393":11271,"20,394":11272,"20,395":11273,"20,396":11274,"20,397":11275,"20,398":11276,"20,399":11277,"20,400":11278,"20,401":11279,"20,402":11280,"20,403":11281,"20,404":11282,"20,405":11283,"20,406":11284,"20,407":11285,"20,408":11286,"20,409":11287,"20,410":11288,"20,411":11289,"20,412":11290,"20,413":11291,"20,414":11292,"20,415":11293,"20,416":11294,"20,417":11295,"20,418":11296,"20,419":11297,"20,420":11298,"20,421":11299,"20,422":11300,"20,423":11301,"20,425":11302,"20,426":11303,"20,427":11304,"20,428":11305,"20,429":11306,"20,430":11307,"20,431":11308,"20,432":11309,"20,433":11310,"20,434":11311,"20,435":11312,"20,436":11313,"20,437":11314,"20,438":11315,"20,439":11316,"20,440":11317,"20,441":11318,"20,442":11319,"20,443":11320,"20,444":11321,"20,445":11322,"20,446":11323,"20,447":11324,"20,448":11325,"20,449":11326,"20,450":11327,"20,451":11328,"20,452":11329,"20,453":11330,"20,454":11331,"20,455":11332,"20,456":11333,"20,457":11334,"20,458":11335,"20,459":11336,"20,460":11337,"20,461":11338,"20,462":11339,"20,463":11340,"20,464":11341,"20,465":11342,"20,466":11343,"20,467":11344,"20,468":11345,"20,469":11346,"20,470":11347,"20,471":11348,"20,473":11349,"20,475":11350,"20,476":11351,"20,477":11352,"20,478":11353,"20,479":11354,"20,480":11355,"20,481":11356,"20,482":11357,"20,483":11358,"20,484":11359,"20,485":11360,"20,486":11361,"20,487":11362,"20,488":11363,"20,489":11364,"20,490":11365,"20,491":11366,"20,492":11367,"20,493":11368,"20,494":11369,"20,495":11370,"20,496":11371,"20,497":11372,"20,498":11373,"20,499":11374,"20,500":11375,"20,501":11376,"20,502":11377,"20,503":11378,"20,504":11379,"20,505":11380,"20,506":11381,"20,507":11382,"20,508":11383,"20,509":11384,"20,510":11385,"20,511":11386,"20,512":11387,"20,513":11388,"20,514":11389,"21,1":11390,"21,2":11391,"21,3":11392,"21,4":11393,"21,5":11394,"21,6":11395,"21,7":11396,"21,8":11397,"21,9":11398,"21,10":11399,"21,11":11400,"21,12":11401,"21,13":11402,"21,14":11403,"21,15":11404,"21,16":11405,"21,17":11406,"21,18":11407,"21,19":11408,"21,20":11409,"21,21":11410,"21,22":11411,"21,23":11412,"21,24":11413,"21,25":11414,"21,26":11415,"21,27":11416,"21,28":11417,"21,29":11418,"21,30":11419,"21,31":11420,"21,32":11421,"21,33":11422,"21,34":11423,"21,35":11424,"21,36":11425,"21,37":11426,"21,38":11427,"21,39":11428,"21,40":11429,"21,41":11430,"21,42":11431,"21,43":11432,"21,44":11433,"21,45":11434,"21,46":11435,"21,47":11436,"21,48":11437,"21,49":11438,"21,50":11439,"21,51":11440,"21,52":11441,"21,53":11442,"21,54":11443,"21,55":11444,"21,56":11445,"21,57":11446,"21,58":11447,"21,59":11448,"21,60":11449,"21,61":11450,"21,62":11451,"21,63":11452,"21,64":11453,"21,65":11454,"21,66":11455,"21,67":11456,"21,68":11457,"21,69":11458,"21,70":11459,"21,71":11460,"21,72":11461,"21,73":11462,"21,74":11463,"21,75":11464,"21,76":11465,"21,77":11466,"21,78":11467,"21,79":11468,"21,80":11469,"21,81":11470,"21,82":11471,"21,83":11472,"21,84":11473,"21,85":11474,"21,86":11475,"21,87":11476,"21,89":11477,"21,90":11478,"21,91":11479,"21,92":11480,"21,93":11481,"21,94":11482,"21,95":11483,"21,96":11484,"21,97":11485,"21,98":11486,"21,99":11487,"21,100":11488,"21,101":11489,"21,102":11490,"21,103":11491,"21,104":11492,"21,105":11493,"21,106":11494,"21,107":11495,"21,108":11496,"21,109":11497,"21,110":11498,"21,111":11499,"21,112":11500,"21,113":11501,"21,114":11502,"21,115":11503,"21,116":11504,"21,117":11505,"21,118":11506,"21,119":11507,"21,120":11508,"21,121":11509,"21,122":11510,"21,123":11511,"21,124":11512,"21,125":11513,"21,126":11514,"21,127":11515,"21,128":11516,"21,129":11517,"21,131":11518,"21,133":11519,"21,134":11520,"21,135":11521,"21,136":11522,"21,137":11523,"21,138":11524,"21,139":11525,"21,140":11526,"21,141":11527,"21,142":11528,"21,143":11529,"21,144":11530,"21,145":11531,"21,146":11532,"21,147":11533,"21,148":11534,"21,149":11535,"21,150":11536,"21,151":11537,"21,152":11538,"21,153":11539,"21,154":11540,"21,155":11541,"21,156":11542,"21,157":11543,"21,158":11544,"21,159":11545,"21,160":11546,"21,161":11547,"21,162":11548,"21,163":11549,"21,164":11550,"21,165":11551,"21,166":11552,"21,167":11553,"21,168":11554,"21,169":11555,"21,170":11556,"21,171":11557,"21,172":11558,"21,173":11559,"21,174":11560,"21,175":11561,"21,176":11562,"21,177":11563,"21,178":11564,"21,179":11565,"21,180":11566,"21,181":11567,"21,182":11568,"21,183":11569,"21,184":11570,"21,185":11571,"21,186":11572,"21,187":11573,"21,188":11574,"21,189":11575,"21,190":11576,"21,191":11577,"21,192":11578,"21,193":11579,"21,194":11580,"21,195":11581,"21,196":11582,"21,197":11583,"21,198":11584,"21,199":11585,"21,200":11586,"21,201":11587,"21,202":11588,"21,203":11589,"21,204":11590,"21,205":11591,"21,206":11592,"21,207":11593,"21,209":11594,"21,210":11595,"21,211":11596,"21,212":11597,"21,213":11598,"21,214":11599,"21,215":11600,"21,216":11601,"21,217":11602,"21,218":11603,"21,219":11604,"21,220":11605,"21,221":11606,"21,222":11607,"21,223":11608,"21,224":11609,"21,225":11610,"21,226":11611,"21,227":11612,"21,228":11613,"21,229":11614,"21,230":11615,"21,231":11616,"21,232":11617,"21,233":11618,"21,234":11619,"21,235":11620,"21,236":11621,"21,237":11622,"21,238":11623,"21,239":11624,"21,240":11625,"21,241":11626,"21,242":11627,"21,243":11628,"21,244":11629,"21,245":11630,"21,246":11631,"21,247":11632,"21,248":11633,"21,249":11634,"21,250":11635,"21,251":11636,"21,252":11637,"21,253":11638,"21,254":11639,"21,255":11640,"21,256":11641,"21,257":11642,"21,258":11643,"21,259":11644,"21,260":11645,"21,261":11646,"21,262":11647,"21,263":11648,"21,264":11649,"21,265":11650,"21,266":11651,"21,267":11652,"21,268":11653,"21,269":11654,"21,270":11655,"21,271":11656,"21,273":11657,"21,275":11658,"21,276":11659,"21,277":11660,"21,278":11661,"21,279":11662,"21,280":11663,"21,281":11664,"21,282":11665,"21,283":11666,"21,284":11667,"21,285":11668,"21,286":11669,"21,287":11670,"21,288":11671,"21,289":11672,"21,290":11673,"21,291":11674,"21,292":11675,"21,293":11676,"21,294":11677,"21,295":11678,"21,296":11679,"21,297":11680,"21,298":11681,"21,299":11682,"21,300":11683,"21,301":11684,"21,302":11685,"21,303":11686,"21,304":11687,"21,305":11688,"21,306":11689,"21,307":11690,"21,308":11691,"21,309":11692,"21,310":11693,"21,311":11694,"21,312":11695,"21,313":11696,"21,314":11697,"21,315":11698,"21,316":11699,"21,317":11700,"21,318":11701,"21,319":11702,"21,320":11703,"21,321":11704,"21,323":11705,"21,325":11706,"21,326":11707,"21,327":11708,"21,328":11709,"21,329":11710,"21,330":11711,"21,331":11712,"21,332":11713,"21,333":11714,"21,334":11715,"21,335":11716,"21,336":11717,"21,337":11718,"21,338":11719,"21,339":11720,"21,340":11721,"21,341":11722,"21,342":11723,"21,343":11724,"21,344":11725,"21,345":11726,"21,346":11727,"21,347":11728,"21,348":11729,"21,349":11730,"21,350":11731,"21,351":11732,"21,352":11733,"21,353":11734,"21,354":11735,"21,355":11736,"21,356":11737,"21,357":11738,"21,358":11739,"21,359":11740,"21,361":11741,"21,363":11742,"21,364":11743,"21,365":11744,"21,366":11745,"21,367":11746,"21,368":11747,"21,369":11748,"21,370":11749,"21,371":11750,"21,372":11751,"21,373":11752,"21,374":11753,"21,375":11754,"21,376":11755,"21,377":11756,"21,378":11757,"21,379":11758,"21,380":11759,"21,381":11760,"21,382":11761,"21,383":11762,"21,384":11763,"21,385":11764,"21,386":11765,"21,387":11766,"21,388":11767,"21,389":11768,"21,390":11769,"21,391":11770,"21,392":11771,"21,393":11772,"21,394":11773,"21,395":11774,"21,396":11775,"21,397":11776,"21,398":11777,"21,399":11778,"21,401":11779,"21,403":11780,"21,404":11781,"21,405":11782,"21,406":11783,"21,407":11784,"21,408":11785,"21,409":11786,"21,410":11787,"21,411":11788,"21,412":11789,"21,413":11790,"21,414":11791,"21,415":11792,"21,416":11793,"21,417":11794,"21,418":11795,"21,419":11796,"21,420":11797,"21,421":11798,"21,422":11799,"21,423":11800,"21,424":11801,"21,425":11802,"21,426":11803,"21,427":11804,"21,428":11805,"21,429":11806,"21,431":11807,"21,432":11808,"21,433":11809,"21,434":11810,"21,435":11811,"21,436":11812,"21,437":11813,"21,438":11814,"21,439":11815,"21,440":11816,"21,441":11817,"21,442":11818,"21,443":11819,"21,445":11820,"21,446":11821,"21,447":11822,"21,448":11823,"21,449":11824,"21,450":11825,"21,451":11826,"21,452":11827,"21,453":11828,"21,454":11829,"21,455":11830,"21,456":11831,"21,457":11832,"21,458":11833,"21,459":11834,"21,460":11835,"21,461":11836,"21,462":11837,"21,463":11838,"21,465":11839,"21,467":11840,"21,468":11841,"21,469":11842,"21,470":11843,"21,471":11844,"21,472":11845,"21,473":11846,"21,474":11847,"21,475":11848,"21,476":11849,"21,477":11850,"21,478":11851,"21,479":11852,"21,480":11853,"21,481":11854,"21,483":11855,"21,484":11856,"21,485":11857,"21,486":11858,"21,487":11859,"21,488":11860,"21,489":11861,"21,491":11862,"21,493":11863,"21,494":11864,"21,495":11865,"21,496":11866,"21,497":11867,"21,498":11868,"21,499":11869,"21,500":11870,"21,501":11871,"21,502":11872,"21,503":11873,"21,504":11874,"21,505":11875,"21,506":11876,"21,507":11877,"21,508":11878,"21,509":11879,"21,510":11880,"21,511":11881,"21,512":11882,"21,513":11883,"21,514":11884,"21,515":11885,"21,516":11886,"21,517":11887,"21,518":11888,"21,519":11889,"21,520":11890,"21,521":11891,"21,522":11892,"21,523":11893,"21,524":11894,"22,1":11895,"22,2":11896,"22,3":11897,"22,4":11898,"22,5":11899,"22,6":11900,"22,7":11903,"22,8":11904,"22,9":11905,"22,10":11906,"22,11":11907,"22,12":11908,"22,13":11909,"22,14":11910,"22,15":11911,"22,16":11912,"22,17":11913,"22,18":11914,"22,19":11915,"22,20":11916,"22,21":11917,"22,22":11918,"22,23":11919,"22,24":11920,"22,25":11921,"22,26":11922,"22,27":11923,"22,28":11924,"22,29":11925,"22,30":11926,"22,31":11927,"22,32":11928,"22,33":11929,"22,34":11930,"22,35":11931,"22,37":11932,"22,38":11933,"22,39":11934,"22,40":11935,"22,41":11936,"22,42":11937,"22,43":11938,"22,44":11939,"22,45":11940,"22,46":11941,"22,47":11942,"22,48":11943,"22,49":11944,"22,50":11945,"22,51":11946,"22,52":11947,"22,53":11948,"22,54":11949,"22,55":11950,"22,56":11951,"22,57":11952,"22,58":11953,"22,59":11954,"22,60":11955,"22,61":11956,"22,62":11957,"22,63":11958,"22,64":11959,"22,65":11960,"22,66":11961,"22,67":11962,"22,69":11963,"22,70":11964,"22,71":11965,"22,72":11966,"22,73":11967,"22,74":11968,"22,75":11969,"22,76":11970,"22,77":11971,"22,78":11972,"22,79":11973,"22,80":11974,"22,81":11975,"22,82":11976,"22,83":11977,"22,84":11978,"22,85":11979,"22,86":11980,"22,87":11981,"22,88":11982,"22,89":11983,"22,90":11984,"22,91":11985,"22,92":11986,"22,93":11987,"22,94":11988,"22,95":11989,"22,96":11990,"22,97":11991,"22,98":11992,"22,99":11993,"22,100":11994,"22,101":11995,"22,102":11996,"22,103":11997,"22,104":11998,"22,105":11999,"22,106":12000,"22,107":12001,"22,108":12002,"22,109":12003,"22,110":12004,"22,111":12005,"22,112":12006,"22,113":12007,"22,114":12008,"22,115":12009,"22,116":12010,"22,117":12011,"22,118":12012,"22,119":12013,"22,120":12014,"22,121":12015,"22,122":12016,"22,123":12017,"22,125":12018,"22,127":12019,"22,128":12020,"22,129":12021,"22,130":12022,"22,131":12023,"22,132":12024,"22,133":12025,"22,134":12026,"22,135":12027,"22,136":12028,"22,137":12029,"22,138":12030,"22,139":12031,"22,140":12032,"22,141":12033,"22,142":12034,"22,143":12035,"22,144":12036,"22,145":12037,"22,146":12038,"22,147":12039,"22,148":12040,"22,149":12041,"22,150":12042,"22,151":12043,"22,152":12044,"22,153":12045,"22,154":12046,"22,155":12047,"22,156":12048,"22,157":12049,"22,158":12050,"22,159":12051,"22,160":12052,"22,161":12053,"22,162":12054,"22,163":12055,"22,164":12056,"22,165":12057,"22,166":12058,"22,167":12059,"22,168":12060,"22,169":12061,"22,170":12062,"22,171":12063,"22,172":12064,"22,173":12065,"22,174":12066,"22,175":12067,"22,176":12068,"22,177":12069,"22,178":12070,"22,179":12071,"22,180":12072,"22,181":12073,"22,182":12074,"22,183":12075,"22,184":12076,"22,185":12077,"22,186":12078,"22,187":12079,"22,188":12080,"22,189":12081,"22,190":12082,"22,191":12083,"22,192":12084,"22,193":12085,"22,194":12086,"22,195":12087,"22,196":12088,"22,197":12089,"22,199":12090,"22,200":12091,"22,201":12092,"22,202":12093,"22,203":12094,"22,204":12095,"22,205":12096,"22,206":12097,"22,207":12098,"22,208":12099,"22,209":12100,"22,210":12101,"22,211":12102,"22,212":12103,"22,213":12104,"22,214":12105,"22,215":12106,"22,216":12107,"22,217":12108,"22,218":12109,"22,219":12110,"22,220":12111,"22,221":12112,"22,222":12113,"22,223":12114,"22,224":12115,"22,225":12116,"22,226":12117,"22,227":12118,"22,228":12119,"22,229":12120,"22,230":12121,"22,231":12122,"22,232":12123,"22,233":12124,"22,234":12125,"22,235":12126,"22,236":12127,"22,237":12128,"22,238":12129,"22,239":12130,"22,240":12131,"22,241":12132,"22,243":12133,"22,245":12134,"22,246":12135,"22,247":12136,"22,248":12137,"22,249":12138,"22,250":12139,"22,251":12140,"22,252":12141,"22,253":12142,"22,254":12143,"22,255":12144,"22,256":12145,"22,257":12146,"22,258":12147,"22,259":12148,"22,260":12149,"22,261":12150,"22,262":12151,"22,263":12152,"22,264":12153,"22,265":12154,"22,266":12155,"22,267":12156,"22,268":12157,"22,269":12158,"22,270":12159,"22,271":12160,"22,272":12161,"22,273":12162,"22,274":12163,"22,275":12164,"22,276":12165,"22,277":12166,"22,279":12167,"22,280":12168,"22,281":12169,"22,282":12170,"22,283":12171,"22,284":12172,"22,285":12173,"22,286":12174,"22,287":12175,"22,288":12176,"22,289":12177,"22,290":12178,"22,291":12179,"22,292":12180,"22,293":12181,"22,294":12182,"22,295":12183,"22,296":12184,"22,297":12185,"22,298":12186,"22,299":12187,"22,300":12188,"22,301":12189,"22,302":12190,"22,303":12191,"22,304":12192,"22,305":12193,"22,306":12194,"22,307":12195,"22,308":12196,"22,309":12197,"22,310":12198,"22,311":12199,"22,312":12200,"22,313":12201,"22,314":12202,"22,315":12203,"22,316":12204,"22,317":12205,"22,318":12206,"22,319":12207,"22,320":12208,"22,321":12209,"22,322":12210,"22,323":12211,"22,324":12212,"22,325":12213,"22,326":12214,"22,327":12215,"22,328":12216,"22,329":12217,"22,330":12218,"22,331":12219,"22,332":12220,"22,333":12221,"22,334":12222,"22,335":12223,"22,336":12224,"22,337":12225,"22,339":12226,"22,341":12227,"22,342":12228,"22,343":12229,"22,344":12230,"22,345":12231,"22,346":12232,"22,347":12233,"22,348":12234,"22,349":12235,"22,350":12236,"22,351":12237,"22,352":12238,"22,353":12239,"22,354":12240,"22,355":12241,"22,356":12242,"22,357":12243,"22,358":12244,"22,359":12245,"22,360":12246,"22,361":12247,"22,362":12248,"22,363":12249,"22,364":12250,"22,365":12251,"22,366":12252,"22,367":12253,"22,368":12254,"22,369":12255,"22,370":12256,"22,371":12257,"22,372":12258,"22,373":12259,"22,374":12260,"22,375":12261,"22,376":12262,"22,377":12263,"22,378":12264,"22,379":12265,"22,380":12266,"22,381":12267,"22,382":12268,"22,383":12269,"22,384":12270,"22,385":12271,"22,386":12272,"22,387":12273,"22,388":12274,"22,389":12275,"22,391":12276,"22,393":12277,"22,394":12278,"22,395":12279,"22,396":12280,"22,397":12281,"22,398":12282,"22,399":12283,"22,400":12284,"22,401":12285,"22,402":12286,"22,403":12287,"22,404":12288,"22,405":12289,"22,406":12290,"22,407":12291,"22,408":12292,"22,409":12293,"22,410":12294,"22,411":12295,"22,412":12296,"22,413":12297,"22,414":12298,"22,415":12299,"22,416":12300,"22,417":12301,"22,418":12302,"22,419":12303,"22,420":12304,"22,421":12305,"22,422":12306,"22,423":12307,"22,424":12308,"22,425":12309,"22,426":12310,"22,427":12311,"22,428":12312,"22,429":12313,"22,430":12314,"22,431":12315,"22,432":12316,"22,433":12317,"22,434":12318,"22,435":12319,"22,436":12320,"22,437":12321,"22,438":12322,"22,439":12323,"22,440":12324,"22,441":12325,"22,442":12326,"22,443":12327,"22,444":12328,"22,445":12329,"22,446":12330,"22,447":12331,"22,448":12332,"22,449":12333,"22,450":12334,"22,451":12335,"22,452":12336,"22,453":12337,"22,454":12338,"22,455":12339,"22,456":12340,"22,457":12341,"22,458":12342,"22,459":12343,"22,460":12344,"22,461":12345,"22,462":12346,"22,463":12347,"22,464":12348,"22,465":12349,"22,466":12350,"22,467":12351,"22,469":12352,"22,471":12353,"22,472":12354,"22,473":12355,"22,474":12356,"22,475":12357,"22,476":12358,"22,477":12359,"22,478":12360,"22,479":12361,"22,480":12362,"22,481":12363,"22,482":12364,"22,483":12365,"22,484":12366,"22,485":12367,"22,486":12368,"22,487":12369,"22,488":12370,"22,489":12371,"22,490":12372,"22,491":12373,"22,492":12374,"22,493":12375,"22,494":12376,"22,495":12377,"22,496":12378,"22,497":12379,"22,498":12380,"22,499":12381,"22,500":12382,"22,501":12383,"22,502":12384,"22,503":12385,"22,504":12386,"22,505":12387,"22,506":12388,"22,507":12389,"22,508":12390,"22,509":12391,"22,510":12392,"22,511":12393,"22,512":12394,"22,513":12395,"22,514":12396,"22,515":12397,"22,516":12398,"22,517":12399,"22,518":12400,"22,519":12401,"22,520":12402,"22,521":12403,"22,522":12404,"22,523":12405,"22,524":12406,"22,525":12407,"22,526":12408,"22,527":12409,"22,528":12410,"22,529":12411,"22,530":12412,"23,1":12413,"23,2":12414,"23,3":12415,"23,4":12416,"23,5":12417,"23,6":12418,"23,7":12419,"23,8":12420,"23,9":12421,"23,10":12422,"23,11":12423,"23,12":12424,"23,13":12425,"23,14":12426,"23,15":12427,"23,16":12428,"23,17":12429,"23,18":12430,"23,19":12431,"23,20":12432,"23,21":12433,"23,22":12434,"23,23":12435,"23,24":12436,"23,25":12437,"23,26":12438,"23,27":12439,"23,28":12440,"23,29":12441,"23,30":12442,"23,31":12443,"23,32":12444,"23,33":12445,"23,34":12446,"23,35":12447,"23,36":12448,"23,37":12449,"23,38":12450,"23,39":12451,"23,40":12452,"23,41":12453,"23,42":12454,"23,43":12455,"23,44":12456,"23,45":12457,"23,46":12458,"23,47":12459,"23,48":12460,"23,49":12461,"23,50":12462,"23,51":12463,"23,52":12464,"23,53":12465,"23,54":12466,"23,55":12467,"23,56":12468,"23,57":12469,"23,58":12470,"23,59":12471,"23,60":12472,"23,61":12473,"23,62":12474,"23,63":12475,"23,64":12476,"23,65":12477,"23,66":12478,"23,67":12479,"23,69":12480,"23,71":12481,"23,72":12482,"23,73":12483,"23,74":12484,"23,75":12485,"23,76":12486,"23,77":12487,"23,78":12488,"23,79":12489,"23,80":12490,"23,81":12491,"23,82":12492,"23,83":12493,"23,84":12494,"23,85":12495,"23,86":12496,"23,87":12497,"23,88":12498,"23,89":12499,"23,90":12500,"23,91":12501,"23,92":12502,"23,93":12503,"23,94":12504,"23,95":12505,"23,96":12506,"23,97":12507,"23,98":12508,"23,99":12509,"23,100":12510,"23,101":12511,"23,102":12512,"23,103":12513,"23,104":12514,"23,105":12515,"23,106":12516,"23,107":12517,"23,109":12518,"23,110":12519,"23,111":12520,"23,112":12521,"23,113":12522,"23,114":12523,"23,115":12524,"23,116":12525,"23,117":12526,"23,118":12527,"23,119":12528,"23,120":12529,"23,121":12530,"23,122":12531,"23,123":12532,"23,124":12533,"23,125":12534,"23,126":12535,"23,127":12536,"23,128":12537,"23,129":12538,"23,130":12539,"23,131":12540,"23,132":12541,"23,133":12542,"23,134":12543,"23,135":12544,"23,136":12545,"23,137":12546,"23,138":12547,"23,139":12548,"23,140":12549,"23,141":12550,"23,142":12551,"23,143":12552,"23,144":12553,"23,145":12554,"23,146":12555,"23,147":12556,"23,148":12557,"23,149":12558,"23,150":12559,"23,151":12560,"23,153":12561,"23,155":12562,"23,156":12563,"23,157":12564,"23,158":12565,"23,159":12566,"23,160":12567,"23,161":12568,"23,162":12569,"23,163":12570,"23,164":12571,"23,165":12572,"23,166":12573,"23,167":12574,"23,168":12575,"23,169":12576,"23,170":12577,"23,171":12578,"23,172":12579,"23,173":12580,"23,174":12581,"23,175":12582,"23,176":12583,"23,177":12584,"23,178":12585,"23,179":12586,"23,180":12587,"23,181":12588,"23,182":12589,"23,183":12590,"23,184":12591,"23,185":12592,"23,186":12593,"23,187":12594,"23,188":12595,"23,189":12596,"23,190":12597,"23,191":12598,"23,192":12599,"23,193":12600,"23,194":12601,"23,195":12602,"23,196":12603,"23,197":12604,"23,198":12605,"23,199":12606,"23,200":12607,"23,201":12608,"23,202":12609,"23,203":12610,"23,204":12611,"23,205":12612,"23,206":12613,"23,207":12614,"23,209":12615,"23,210":12616,"23,211":12617,"23,212":12618,"23,213":12619,"23,214":12620,"23,215":12621,"23,216":12622,"23,217":12623,"23,218":12624,"23,219":12625,"23,220":12626,"23,221":12627,"23,222":12628,"23,223":12629,"23,224":12630,"23,225":12631,"23,226":12632,"23,227":12633,"23,228":12634,"23,229":12635,"23,230":12636,"23,231":12637,"23,232":12638,"23,233":12639,"23,234":12640,"23,235":12641,"23,236":12642,"23,237":12643,"23,238":12644,"23,239":12645,"23,240":12646,"23,241":12647,"23,242":12648,"23,243":12649,"23,245":12650,"23,246":12651,"23,247":12652,"23,248":12653,"23,249":12654,"23,250":12655,"23,251":12656,"23,252":12657,"23,253":12658,"23,254":12659,"23,255":12660,"23,256":12661,"23,257":12662,"23,258":12663,"23,259":12664,"23,260":12665,"23,261":12666,"23,262":12667,"23,263":12668,"23,264":12669,"23,265":12670,"23,266":12671,"23,267":12672,"23,268":12673,"23,269":12674,"23,270":12675,"23,271":12676,"23,272":12677,"23,273":12678,"23,274":12679,"23,275":12680,"23,276":12681,"23,277":12682,"23,278":12683,"23,279":12684,"23,280":12685,"23,281":12686,"23,282":12687,"23,283":12688,"23,284":12689,"23,285":12690,"23,287":12691,"23,289":12692,"23,290":12693,"23,291":12694,"23,292":12695,"23,293":12696,"23,294":12697,"23,295":12698,"23,296":12699,"23,297":12700,"23,298":12701,"23,299":12702,"23,300":12703,"23,301":12704,"23,302":12705,"23,303":12706,"23,305":12707,"23,307":12708,"23,308":12709,"23,309":12710,"23,310":12711,"23,311":12712,"23,312":12713,"23,313":12714,"23,314":12715,"23,315":12716,"23,316":12717,"23,317":12718,"23,318":12719,"23,319":12720,"23,320":12721,"23,321":12722,"23,322":12723,"23,323":12724,"23,324":12725,"23,325":12726,"23,326":12727,"23,327":12728,"23,328":12729,"23,329":12730,"23,330":12731,"23,331":12732,"23,332":12733,"23,333":12734,"23,334":12735,"23,335":12736,"23,336":12737,"23,337":12738,"23,338":12739,"23,339":12740,"23,340":12741,"23,341":12742,"23,342":12743,"23,343":12744,"23,344":12745,"23,345":12746,"23,346":12747,"23,347":12748,"23,348":12749,"23,349":12750,"23,350":12751,"23,351":12752,"23,353":12753,"23,354":12754,"23,355":12755,"23,356":12756,"23,357":12757,"23,358":12758,"23,359":12759,"23,360":12760,"23,361":12761,"23,362":12762,"23,363":12763,"23,364":12764,"23,365":12765,"23,366":12766,"23,367":12767,"23,368":12768,"23,369":12769,"23,370":12770,"23,371":12771,"23,372":12772,"23,373":12773,"23,374":12774,"23,375":12775,"23,376":12776,"23,377":12777,"23,379":12778,"23,380":12779,"23,381":12780,"23,382":12781,"23,383":12782,"23,384":12783,"23,385":12784,"23,386":12785,"23,387":12786,"23,388":12787,"23,389":12788,"23,390":12789,"23,391":12790,"23,392":12791,"23,393":12792,"23,394":12793,"23,395":12794,"23,396":12795,"23,397":12796,"23,398":12797,"23,399":12798,"23,400":12799,"23,401":12800,"23,403":12801,"23,404":12802,"23,405":12803,"23,406":12804,"23,407":12805,"23,408":12806,"23,409":12807,"23,410":12808,"23,411":12809,"23,412":12810,"23,413":12811,"23,414":12812,"23,415":12813,"23,416":12814,"23,417":12815,"23,418":12816,"23,419":12817,"23,420":12818,"23,421":12819,"23,422":12820,"23,423":12821,"23,424":12822,"23,425":12823,"23,427":12824,"23,429":12825,"23,430":12826,"23,431":12827,"23,432":12828,"23,433":12829,"23,434":12830,"23,435":12831,"23,436":12832,"23,437":12833,"23,438":12834,"23,439":12835,"23,440":12836,"23,441":12837,"23,442":12838,"23,443":12839,"23,444":12840,"23,445":12841,"23,446":12842,"23,447":12843,"23,448":12844,"23,449":12845,"23,450":12846,"23,451":12847,"23,453":12848,"23,455":12849,"23,456":12850,"23,457":12851,"23,458":12852,"23,459":12853,"23,460":12854,"23,461":12855,"23,462":12856,"23,463":12857,"23,464":12858,"23,465":12859,"23,466":12860,"23,467":12861,"23,468":12862,"23,469":12863,"23,470":12864,"23,471":12865,"23,472":12866,"23,473":12867,"23,474":12868,"23,475":12869,"23,476":12870,"23,477":12871,"23,478":12872,"23,479":12873,"23,481":12874,"23,483":12875,"23,484":12876,"23,485":12877,"23,486":12878,"23,487":12879,"23,488":12880,"23,489":12881,"23,490":12882,"23,491":12883,"23,492":12884,"23,493":12885,"23,494":12886,"23,495":12887,"23,496":12888,"23,497":12889,"23,498":12890,"23,499":12891,"23,500":12892,"23,501":12893,"23,502":12894,"23,503":12895,"23,504":12896,"23,505":12897,"23,506":12898,"23,507":12899,"23,508":12900,"23,509":12901,"23,510":12902,"23,511":12903,"23,512":12904,"23,513":12905,"23,514":12906,"23,515":12907,"23,516":12908,"23,517":12909,"23,518":12910,"23,519":12911,"23,520":12912,"23,521":12913,"23,522":12914,"23,523":12915,"23,524":12916,"23,525":12917,"23,526":12918,"23,527":12919,"23,528":12920,"23,529":12921,"23,530":12922,"24,1":12923,"24,2":12924,"24,3":12925,"24,4":12926,"24,5":12927,"24,6":12928,"24,7":12929,"24,8":12930,"24,9":12931,"24,10":12932,"24,11":12933,"24,12":12934,"24,13":12935,"24,14":12936,"24,15":12937,"24,16":12938,"24,17":12939,"24,18":12940,"24,19":12941,"24,20":12942,"24,21":12943,"24,22":12944,"24,23":12945,"24,24":12946,"24,25":12947,"24,26":12948,"24,27":12949,"24,28":12950,"24,29":12951,"24,30":12952,"24,31":12953,"24,32":12954,"24,33":12955,"24,34":12956,"24,35":12957,"24,36":12958,"24,37":12959,"24,38":12960,"24,39":12961,"24,41":12962,"24,43":12963,"24,44":12964,"24,45":12965,"24,46":12966,"24,47":12967,"24,48":12968,"24,49":12969,"24,50":12970,"24,51":12971,"24,52":12972,"24,53":12973,"24,54":12974,"24,55":12975,"24,56":12976,"24,57":12977,"24,58":12978,"24,59":12979,"24,60":12980,"24,61":12981,"24,62":12982,"24,63":12983,"24,64":12984,"24,65":12985,"24,66":12986,"24,67":12987,"24,68":12988,"24,69":12989,"24,70":12990,"24,71":12991,"24,72":12992,"24,73":12993,"24,75":12994,"24,76":12995,"24,77":12996,"24,78":12997,"24,79":12998,"24,80":12999,"24,81":13000,"24,82":13001,"24,83":13002,"24,84":13003,"24,85":13004,"24,86":13005,"24,87":13006,"24,88":13007,"24,89":13008,"24,90":13009,"24,91":13010,"24,92":13011,"24,93":13012,"24,95":13013,"24,97":13014,"24,98":13015,"24,99":13016,"24,100":13017,"24,101":13018,"24,102":13019,"24,103":13020,"24,104":13021,"24,105":13022,"24,106":13023,"24,107":13024,"24,108":13025,"24,109":13026,"24,110":13027,"24,111":13028,"24,112":13029,"24,113":13030,"24,114":13031,"24,115":13032,"24,116":13033,"24,117":13034,"24,118":13035,"24,119":13036,"24,121":13037,"24,122":13038,"24,123":13039,"24,124":13040,"24,125":13041,"24,126":13042,"24,127":13043,"24,128":13044,"24,129":13045,"24,130":13046,"24,131":13047,"24,132":13048,"24,133":13049,"24,134":13050,"24,135":13051,"24,136":13052,"24,137":13053,"24,138":13054,"24,139":13055,"24,141":13056,"24,143":13057,"24,144":13058,"24,145":13059,"24,146":13060,"24,147":13061,"24,148":13062,"24,149":13063,"24,150":13064,"24,151":13065,"24,152":13066,"24,153":13067,"24,154":13068,"24,155":13069,"24,156":13070,"24,157":13071,"24,158":13072,"24,159":13073,"24,160":13074,"24,161":13075,"24,163":13076,"24,165":13077,"24,166":13078,"24,167":13079,"24,168":13080,"24,169":13081,"24,170":13082,"24,171":13083,"24,172":13084,"24,173":13085,"24,174":13086,"24,175":13087,"24,176":13088,"24,177":13089,"24,178":13090,"24,179":13091,"24,180":13092,"24,181":13093,"24,182":13094,"24,183":13095,"24,185":13096,"24,187":13097,"24,188":13098,"24,189":13099,"24,190":13100,"24,191":13101,"24,192":13102,"24,193":13103,"24,194":13104,"24,195":13105,"24,196":13106,"24,197":13107,"24,198":13108,"24,199":13109,"24,201":13110,"24,203":13111,"24,204":13112,"24,205":13113,"24,206":13114,"24,207":13115,"24,208":13116,"24,209":13117,"24,210":13118,"24,211":13119,"24,212":13120,"24,213":13121,"24,214":13122,"24,215":13123,"24,216":13124,"24,217":13125,"24,218":13126,"24,219":13127,"24,220":13128,"24,221":13129,"24,223":13130,"24,224":13131,"24,225":13132,"24,226":13133,"24,227":13134,"24,228":13135,"24,229":13136,"24,230":13137,"24,231":13138,"24,233":13139,"24,235":13140,"24,236":13141,"24,237":13142,"24,238":13143,"24,239":13144,"24,240":13145,"24,241":13146,"24,242":13147,"24,243":13148,"24,244":13149,"24,245":13150,"24,246":13151,"24,247":13152,"24,248":13153,"24,249":13154,"24,250":13155,"24,251":13156,"24,252":13157,"24,253":13158,"24,254":13159,"24,255":13160,"24,256":13161,"24,257":13162,"24,259":13163,"24,261":13164,"24,262":13165,"24,263":13166,"24,264":13167,"24,265":13168,"24,266":13169,"24,267":13170,"24,268":13171,"24,269":13172,"24,270":13173,"24,271":13174,"24,273":13175,"24,275":13176,"24,276":13177,"24,277":13178,"24,278":13179,"24,279":13180,"24,280":13181,"24,281":13182,"24,282":13183,"24,283":13184,"24,284":13185,"24,285":13186,"24,286":13187,"24,287":13188,"24,288":13189,"24,289":13190,"24,290":13191,"24,291":13192,"24,293":13193,"24,294":13194,"24,295":13195,"24,296":13196,"24,297":13197,"24,298":13198,"24,299":13199,"24,300":13200,"24,301":13201,"24,302":13202,"24,303":13203,"24,305":13204,"24,306":13205,"24,307":13206,"24,308":13207,"24,309":13208,"24,310":13209,"24,311":13210,"24,312":13211,"24,313":13212,"24,314":13213,"24,315":13214,"24,316":13215,"24,317":13216,"24,319":13217,"24,321":13218,"24,322":13219,"24,323":13220,"24,324":13221,"24,325":13222,"24,326":13223,"24,327":13224,"24,328":13225,"24,329":13226,"24,330":13227,"24,331":13228,"24,332":13229,"24,333":13230,"24,335":13231,"24,336":13232,"24,337":13233,"24,338":13234,"24,339":13235,"24,340":13236,"24,341":13237,"24,342":13238,"24,343":13239,"24,344":13240,"24,345":13241,"24,346":13242,"24,347":13243,"24,348":13244,"24,349":13245,"24,350":13246,"24,351":13247,"24,352":13248,"24,353":13249,"24,355":13250,"24,356":13251,"24,357":13252,"24,358":13253,"24,359":13254,"24,360":13255,"24,361":13256,"24,362":13257,"24,363":13258,"24,364":13259,"24,365":13260,"24,366":13261,"24,367":13262,"24,369":13263,"24,371":13264,"24,372":13265,"24,373":13266,"24,374":13267,"24,375":13268,"24,376":13269,"24,377":13270,"24,378":13271,"24,379":13272,"24,380":13273,"24,381":13274,"24,382":13275,"24,383":13276,"24,384":13277,"24,385":13278,"24,387":13279,"24,389":13280,"24,390":13281,"24,391":13282,"24,392":13283,"24,393":13284,"24,394":13285,"24,395":13286,"24,396":13287,"24,397":13288,"24,399":13289,"24,400":13290,"24,401":13291,"24,402":13292,"24,403":13293,"24,405":13294,"24,407":13295,"24,408":13296,"24,409":13297,"24,410":13298,"24,411":13299,"24,412":13300,"24,413":13301,"24,414":13302,"24,415":13303,"24,416":13304,"24,417":13305,"24,418":13306,"24,419":13307,"24,420":13308,"24,421":13309,"24,423":13310,"24,425":13311,"24,426":13312,"24,427":13313,"24,428":13314,"24,429":13315,"24,430":13316,"24,431":13317,"24,432":13318,"24,433":13319,"24,434":13320,"24,435":13321,"24,436":13322,"24,437":13323,"24,438":13324,"24,439":13325,"24,440":13326,"24,441":13327,"24,442":13328,"24,443":13329,"24,444":13330,"24,445":13331,"24,446":13332,"24,447":13333,"24,449":13334,"24,451":13335,"24,452":13336,"24,453":13337,"24,454":13338,"24,455":13339,"24,456":13340,"24,457":13341,"24,458":13342,"24,459":13343,"24,460":13344,"24,461":13345,"24,462":13346,"24,463":13347,"24,464":13348,"24,465":13349,"24,467":13350,"24,469":13351,"24,470":13352,"24,471":13353,"24,472":13354,"24,473":13355,"24,474":13356,"24,475":13357,"24,476":13358,"24,477":13359},"ٜ":{"1":[1,561],"2":[1,641],"3":[1,637],"4":[1,545],"5":[1,615],"6":[1,644],"7":[1,611],"8":[1,566],"9":[1,576],"10":[1,597],"11":[1,595],"12":[1,676],"13":[1,619],"14":[1,565],"15":[1,613],"16":[1,626],"17":[1,563],"18":[1,530],"19":[1,155],"20":[1,514],"21":[1,524],"22":[1,530],"23":[1,530],"24":[1,477]},"ٝ":["1,1","1,2","1,3","1,4","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,21","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271","1,272","1,273","1,274","1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,284","1,285","1,286","1,287","1,288","1,289","1,290","1,291","1,292","1,293","1,294","1,295","1,296","1,297","1,298","1,299","1,300","1,301","1,302","1,303","1,304","1,305","1,306","1,307","1,308","1,309","1,310","1,311","1,312","1,313","1,314","1,315","1,316","1,317","1,318","1,319","1,320","1,321","1,322","1,323","1,324","1,325","1,326","1,327","1,329","1,330","1,331","1,332","1,333","1,334","1,335","1,336","1,337","1,338","1,339","1,340","1,341","1,342","1,343","1,344","1,345","1,346","1,347","1,348","1,349","1,350","1,351","1,352","1,353","1,354","1,355","1,356","1,357","1,358","1,359","1,360","1,361","1,362","1,363","1,364","1,365","1,366","1,367","1,368","1,369","1,370","1,371","1,372","1,373","1,375","1,376","1,377","1,378","1,379","1,380","1,381","1,382","1,383","1,384","1,385","1,386","1,387","1,389","1,391","1,392","1,393","1,394","1,395","1,396","1,397","1,398","1,399","1,400","1,401","1,402","1,403","1,404","1,405","1,406","1,407","1,408","1,409","1,410","1,411","1,412","1,413","1,414","1,415","1,416","1,417","1,418","1,419","1,420","1,421","1,422","1,423","1,424","1,425","1,426","1,427","1,428","1,429","1,431","1,433","1,434","1,435","1,436","1,437","1,438","1,439","1,440","1,441","1,442","1,443","1,444","1,445","1,446","1,447","1,448","1,449","1,450","1,451","1,452","1,453","1,454","1,455","1,456","1,457","1,458","1,459","1,460","1,461","1,462","1,463","1,464","1,465","1,466","1,467","1,468","1,469","1,470","1,471","1,472","1,473","1,474","1,475","1,476","1,477","1,478","1,479","1,480","1,481","1,482","1,483","1,484","1,485","1,486","1,487","1,488","1,489","1,490","1,491","1,492","1,493","1,494","1,495","1,496","1,497","1,498","1,499","1,500","1,501","1,502","1,503","1,504","1,505","1,506","1,507","1,508","1,509","1,510","1,511","1,512","1,513","1,514","1,515","1,516","1,517","1,518","1,519","1,520","1,521","1,522","1,523","1,524","1,525","1,526","1,527","1,528","1,529","1,530","1,531","1,532","1,533","1,534","1,535","1,536","1,537","1,538","1,539","1,540","1,541","1,542","1,543","1,544","1,545","1,546","1,547","1,548","1,549","1,550","1,551","1,552","1,553","1,554","1,555","1,556","1,557","1,558","1,559","1,560","1,561","2,1","2,2","2,3","2,4","2,5","2,6","2,7","2,8","2,9","2,10","2,11","2,12","2,13","2,14","2,15","2,16","2,17","2,18","2,19","2,20","2,21","2,22","2,23","2,24","2,25","2,26","2,27","2,28","2,29","2,30","2,31","2,32","2,33","2,34","2,35","2,36","2,37","2,38","2,39","2,40","2,41","2,42","2,43","2,44","2,45","2,46","2,47","2,48","2,49","2,50","2,51","2,52","2,53","2,54","2,55","2,56","2,57","2,58","2,59","2,60","2,61","2,62","2,63","2,64","2,65","2,66","2,67","2,68","2,69","2,70","2,71","2,72","2,73","2,74","2,75","2,76","2,77","2,78","2,79","2,80","2,81","2,82","2,83","2,84","2,85","2,86","2,87","2,88","2,89","2,90","2,91","2,92","2,93","2,94","2,95","2,96","2,97","2,98","2,99","2,100","2,101","2,102","2,103","2,104","2,105","2,106","2,107","2,108","2,109","2,110","2,111","2,112","2,113","2,114","2,115","2,116","2,117","2,118","2,119","2,120","2,121","2,122","2,123","2,124","2,125","2,126","2,127","2,128","2,129","2,130","2,131","2,132","2,133","2,134","2,135","2,136","2,137","2,138","2,139","2,140","2,141","2,142","2,143","2,144","2,145","2,146","2,147","2,148","2,149","2,150","2,151","2,152","2,153","2,154","2,155","2,156","2,157","2,158","2,159","2,160","2,161","2,162","2,163","2,164","2,165","2,166","2,167","2,168","2,169","2,170","2,171","2,172","2,173","2,174","2,175","2,176","2,177","2,178","2,179","2,180","2,181","2,182","2,183","2,184","2,185","2,186","2,187","2,188","2,189","2,190","2,191","2,192","2,193","2,194","2,195","2,196","2,197","2,198","2,199","2,200","2,201","2,202","2,203","2,204","2,205","2,206","2,207","2,208","2,209","2,210","2,211","2,212","2,213","2,214","2,215","2,216","2,217","2,218","2,219","2,220","2,221","2,222","2,223","2,224","2,225","2,226","2,227","2,228","2,229","2,230","2,231","2,232","2,233","2,234","2,235","2,236","2,237","2,238","2,239","2,240","2,241","2,242","2,243","2,244","2,245","2,246","2,247","2,248","2,249","2,250","2,251","2,252","2,253","2,254","2,255","2,256","2,257","2,258","2,259","2,260","2,261","2,262","2,263","2,264","2,265","2,266","2,267","2,268","2,269","2,270","2,271","2,272","2,273","2,274","2,275","2,276","2,277","2,278","2,279","2,280","2,281","2,282","2,283","2,284","2,285","2,286","2,287","2,288","2,289","2,290","2,291","2,292","2,293","2,294","2,295","2,296","2,297","2,298","2,299","2,300","2,301","2,302","2,303","2,304","2,305","2,306","2,307","2,308","2,309","2,310","2,311","2,312","2,313","2,314","2,315","2,316","2,317","2,318","2,319","2,320","2,321","2,322","2,323","2,324","2,325","2,326","2,327","2,328","2,329","2,330","2,331","2,332","2,333","2,334","2,335","2,336","2,337","2,338","2,339","2,340","2,341","2,342","2,343","2,344","2,345","2,346","2,347","2,348","2,349","2,350","2,351","2,352","2,353","2,354","2,355","2,356","2,357","2,358","2,359","2,360","2,361","2,362","2,363","2,364","2,365","2,366","2,367","2,368","2,369","2,370","2,371","2,372","2,373","2,374","2,375","2,376","2,377","2,378","2,379","2,380","2,381","2,382","2,383","2,384","2,385","2,386","2,387","2,388","2,389","2,390","2,391","2,392","2,393","2,394","2,395","2,396","2,397","2,398","2,399","2,400","2,401","2,402","2,403","2,404","2,405","2,406","2,407","2,408","2,409","2,410","2,411","2,412","2,413","2,414","2,415","2,416","2,417","2,418","2,419","2,420","2,421","2,422","2,423","2,424","2,425","2,426","2,427","2,428","2,429","2,430","2,431","2,432","2,433","2,434","2,435","2,436","2,437","2,438","2,439","2,440","2,441","2,442","2,443","2,444","2,445","2,446","2,447","2,448","2,449","2,450","2,451","2,452","2,453","2,454","2,455","2,456","2,457","2,458","2,459","2,460","2,461","2,462","2,463","2,464","2,465","2,466","2,467","2,468","2,469","2,470","2,471","2,472","2,473","2,474","2,475","2,476","2,477","2,478","2,479","2,480","2,481","2,482","2,483","2,484","2,485","2,486","2,487","2,488","2,489","2,490","2,491","2,492","2,493","2,494","2,495","2,496","2,497","2,498","2,499","2,500","2,501","2,502","2,503","2,504","2,505","2,506","2,507","2,508","2,509","2,510","2,511","2,512","2,513","2,514","2,515","2,516","2,517","2,518","2,519","2,520","2,521","2,522","2,523","2,524","2,525","2,526","2,527","2,528","2,529","2,530","2,531","2,532","2,533","2,534","2,535","2,536","2,537","2,538","2,539","2,540","2,541","2,542","2,543","2,544","2,545","2,546","2,547","2,548","2,549","2,550","2,551","2,552","2,553","2,554","2,555","2,556","2,557","2,558","2,559","2,560","2,561","2,562","2,563","2,564","2,565","2,566","2,567","2,568","2,569","2,570","2,571","2,572","2,573","2,574","2,575","2,576","2,577","2,578","2,579","2,580","2,581","2,582","2,583","2,584","2,585","2,586","2,587","2,588","2,589","2,590","2,591","2,592","2,593","2,594","2,595","2,596","2,597","2,598","2,599","2,600","2,601","2,602","2,603","2,604","2,605","2,606","2,607","2,608","2,609","2,610","2,611","2,612","2,613","2,614","2,615","2,616","2,617","2,618","2,619","2,620","2,621","2,622","2,623","2,624","2,625","2,626","2,627","2,628","2,629","2,630","2,631","2,632","2,633","2,634","2,635","2,636","2,637","2,638","2,639","2,640","2,641","3,1","3,2","3,3","3,4","3,5","3,6","3,7","3,8","3,9","3,10","3,11","3,12","3,13","3,14","3,15","3,16","3,17","3,18","3,19","3,20","3,21","3,22","3,23","3,24","3,25","3,26","3,27","3,28","3,29","3,30","3,31","3,32","3,33","3,34","3,35","3,36","3,37","3,38","3,39","3,40","3,41","3,42","3,43","3,44","3,45","3,46","3,47","3,48","3,49","3,50","3,51","3,52","3,53","3,54","3,55","3,56","3,57","3,58","3,59","3,60","3,61","3,62","3,63","3,64","3,65","3,66","3,67","3,68","3,69","3,70","3,71","3,72","3,73","3,74","3,75","3,76","3,77","3,78","3,79","3,80","3,81","3,82","3,83","3,84","3,85","3,86","3,87","3,88","3,89","3,90","3,91","3,92","3,93","3,94","3,95","3,96","3,97","3,98","3,99","3,100","3,101","3,102","3,103","3,104","3,105","3,106","3,107","3,108","3,109","3,110","3,111","3,112","3,113","3,114","3,115","3,116","3,117","3,118","3,119","3,120","3,121","3,122","3,123","3,124","3,125","3,126","3,127","3,128","3,129","3,130","3,131","3,132","3,133","3,134","3,135","3,136","3,137","3,138","3,139","3,140","3,141","3,142","3,143","3,144","3,145","3,146","3,147","3,148","3,149","3,150","3,151","3,152","3,153","3,154","3,155","3,156","3,157","3,158","3,159","3,160","3,161","3,162","3,163","3,164","3,165","3,166","3,167","3,168","3,169","3,170","3,171","3,172","3,173","3,174","3,175","3,176","3,177","3,178","3,179","3,180","3,181","3,182","3,183","3,184","3,185","3,186","3,187","3,188","3,189","3,190","3,191","3,192","3,193","3,194","3,195","3,196","3,197","3,198","3,199","3,200","3,201","3,202","3,203","3,204","3,205","3,206","3,207","3,208","3,209","3,210","3,211","3,212","3,213","3,214","3,215","3,216","3,217","3,218","3,219","3,220","3,221","3,222","3,223","3,224","3,225","3,226","3,227","3,228","3,229","3,230","3,231","3,232","3,233","3,234","3,235","3,236","3,237","3,238","3,239","3,240","3,241","3,242","3,243","3,244","3,245","3,246","3,247","3,248","3,249","3,250","3,251","3,252","3,253","3,254","3,255","3,256","3,257","3,258","3,259","3,260","3,261","3,262","3,263","3,264","3,265","3,266","3,267","3,268","3,269","3,270","3,271","3,272","3,273","3,274","3,275","3,276","3,277","3,278","3,279","3,280","3,281","3,282","3,283","3,284","3,285","3,286","3,287","3,288","3,289","3,290","3,291","3,292","3,293","3,294","3,295","3,296","3,297","3,298","3,299","3,300","3,301","3,302","3,303","3,304","3,305","3,306","3,307","3,308","3,309","3,310","3,311","3,312","3,313","3,314","3,315","3,316","3,317","3,318","3,319","3,320","3,321","3,322","3,323","3,324","3,325","3,326","3,327","3,328","3,329","3,330","3,331","3,332","3,333","3,334","3,335","3,336","3,337","3,338","3,339","3,340","3,341","3,342","3,343","3,344","3,345","3,346","3,347","3,348","3,349","3,350","3,351","3,352","3,353","3,354","3,355","3,356","3,357","3,358","3,359","3,360","3,361","3,362","3,363","3,364","3,365","3,366","3,367","3,368","3,369","3,370","3,371","3,372","3,373","3,374","3,375","3,376","3,377","3,378","3,379","3,380","3,381","3,382","3,383","3,384","3,385","3,386","3,387","3,388","3,389","3,390","3,391","3,392","3,393","3,394","3,395","3,396","3,397","3,398","3,399","3,400","3,401","3,402","3,403","3,404","3,405","3,406","3,407","3,408","3,409","3,410","3,411","3,412","3,413","3,414","3,415","3,416","3,417","3,418","3,419","3,420","3,421","3,422","3,423","3,424","3,425","3,426","3,427","3,428","3,429","3,430","3,431","3,432","3,433","3,434","3,435","3,436","3,437","3,438","3,439","3,440","3,441","3,442","3,443","3,444","3,445","3,446","3,447","3,448","3,449","3,450","3,451","3,452","3,453","3,454","3,455","3,456","3,457","3,458","3,459","3,460","3,461","3,462","3,463","3,464","3,465","3,466","3,467","3,468","3,469","3,470","3,471","3,472","3,473","3,474","3,475","3,476","3,477","3,478","3,479","3,480","3,481","3,482","3,483","3,484","3,485","3,486","3,487","3,488","3,489","3,490","3,491","3,492","3,493","3,494","3,495","3,496","3,497","3,498","3,499","3,500","3,501","3,502","3,503","3,504","3,505","3,506","3,507","3,508","3,509","3,510","3,511","3,512","3,513","3,514","3,515","3,516","3,517","3,518","3,519","3,520","3,521","3,522","3,523","3,524","3,525","3,526","3,527","3,528","3,529","3,530","3,531","3,532","3,533","3,534","3,535","3,536","3,537","3,538","3,539","3,540","3,541","3,542","3,543","3,544","3,545","3,546","3,547","3,548","3,549","3,550","3,551","3,552","3,553","3,554","3,555","3,556","3,557","3,558","3,559","3,560","3,561","3,562","3,563","3,564","3,565","3,566","3,567","3,568","3,569","3,570","3,571","3,572","3,573","3,574","3,575","3,576","3,577","3,578","3,579","3,580","3,581","3,582","3,583","3,584","3,585","3,586","3,587","3,588","3,589","3,590","3,591","3,592","3,593","3,594","3,595","3,596","3,597","3,598","3,599","3,600","3,601","3,602","3,603","3,604","3,605","3,606","3,607","3,608","3,609","3,610","3,611","3,612","3,613","3,614","3,615","3,616","3,617","3,618","3,619","3,620","3,621","3,622","3,623","3,624","3,625","3,626","3,627","3,628","3,629","3,630","3,631","3,632","3,633","3,634","3,635","3,636","3,637","4,1","4,2","4,3","4,4","4,5","4,5","4,6","4,7","4,8","4,9","4,10","4,11","4,12","4,13","4,14","4,15","4,16","4,17","4,18","4,19","4,20","4,21","4,22","4,23","4,24","4,25","4,26","4,27","4,28","4,29","4,30","4,31","4,32","4,33","4,34","4,35","4,36","4,37","4,38","4,39","4,40","4,41","4,42","4,43","4,44","4,45","4,46","4,47","4,48","4,49","4,50","4,51","4,52","4,53","4,54","4,55","4,56","4,57","4,58","4,59","4,60","4,61","4,62","4,63","4,64","4,65","4,66","4,67","4,68","4,69","4,70","4,71","4,72","4,73","4,74","4,75","4,76","4,77","4,78","4,79","4,80","4,81","4,82","4,83","4,84","4,85","4,86","4,87","4,88","4,89","4,90","4,91","4,92","4,93","4,94","4,95","4,96","4,97","4,98","4,99","4,100","4,101","4,102","4,103","4,104","4,105","4,106","4,107","4,108","4,109","4,110","4,111","4,112","4,113","4,114","4,115","4,116","4,117","4,118","4,119","4,120","4,121","4,122","4,123","4,124","4,125","4,126","4,127","4,128","4,129","4,130","4,131","4,132","4,133","4,134","4,135","4,136","4,137","4,138","4,139","4,140","4,141","4,142","4,143","4,144","4,145","4,146","4,147","4,148","4,149","4,150","4,151","4,152","4,153","4,154","4,155","4,156","4,157","4,158","4,159","4,160","4,161","4,162","4,163","4,164","4,165","4,166","4,167","4,168","4,169","4,170","4,171","4,172","4,173","4,174","4,175","4,176","4,177","4,178","4,179","4,180","4,181","4,182","4,183","4,184","4,185","4,186","4,187","4,188","4,189","4,190","4,191","4,192","4,193","4,194","4,195","4,196","4,197","4,198","4,199","4,200","4,201","4,202","4,203","4,204","4,205","4,206","4,207","4,208","4,209","4,210","4,211","4,212","4,213","4,214","4,215","4,216","4,217","4,218","4,219","4,220","4,221","4,222","4,223","4,224","4,225","4,226","4,227","4,228","4,229","4,230","4,231","4,232","4,233","4,234","4,235","4,236","4,237","4,238","4,239","4,240","4,241","4,242","4,243","4,244","4,245","4,246","4,247","4,248","4,249","4,250","4,251","4,252","4,253","4,254","4,255","4,256","4,257","4,258","4,259","4,260","4,261","4,262","4,263","4,264","4,265","4,266","4,267","4,268","4,269","4,270","4,271","4,272","4,273","4,274","4,275","4,276","4,277","4,278","4,279","4,280","4,281","4,282","4,283","4,284","4,285","4,286","4,287","4,288","4,289","4,290","4,291","4,292","4,293","4,294","4,295","4,296","4,297","4,298","4,299","4,300","4,301","4,302","4,303","4,304","4,305","4,306","4,307","4,308","4,309","4,310","4,311","4,312","4,313","4,314","4,315","4,316","4,317","4,318","4,319","4,320","4,321","4,322","4,323","4,324","4,325","4,326","4,327","4,328","4,329","4,330","4,331","4,332","4,333","4,334","4,335","4,336","4,337","4,338","4,339","4,340","4,341","4,342","4,343","4,344","4,345","4,346","4,347","4,348","4,349","4,350","4,351","4,352","4,353","4,354","4,355","4,356","4,357","4,358","4,359","4,360","4,361","4,362","4,363","4,364","4,365","4,366","4,367","4,368","4,369","4,370","4,371","4,372","4,373","4,374","4,375","4,376","4,377","4,378","4,379","4,380","4,381","4,382","4,383","4,384","4,385","4,386","4,387","4,388","4,389","4,390","4,391","4,392","4,393","4,394","4,395","4,396","4,397","4,398","4,399","4,400","4,401","4,402","4,403","4,404","4,405","4,406","4,407","4,408","4,409","4,410","4,411","4,412","4,413","4,414","4,415","4,416","4,417","4,418","4,419","4,420","4,421","4,422","4,423","4,424","4,425","4,426","4,427","4,428","4,429","4,430","4,431","4,432","4,433","4,434","4,435","4,436","4,437","4,438","4,439","4,440","4,441","4,442","4,443","4,444","4,445","4,446","4,447","4,448","4,449","4,450","4,451","4,452","4,453","4,454","4,455","4,456","4,457","4,458","4,459","4,460","4,461","4,462","4,463","4,464","4,465","4,466","4,467","4,468","4,469","4,470","4,471","4,472","4,473","4,474","4,475","4,476","4,477","4,478","4,479","4,480","4,481","4,482","4,483","4,484","4,485","4,486","4,487","4,488","4,489","4,490","4,491","4,492","4,493","4,494","4,495","4,496","4,497","4,498","4,499","4,500","4,501","4,502","4,503","4,504","4,505","4,506","4,507","4,508","4,509","4,510","4,511","4,512","4,513","4,514","4,515","4,516","4,517","4,518","4,519","4,520","4,521","4,522","4,523","4,524","4,525","4,526","4,527","4,528","4,529","4,530","4,531","4,532","4,533","4,534","4,535","4,536","4,537","4,538","4,539","4,540","4,541","4,542","4,543","4,544","4,545","5,1","5,2","5,3","5,4","5,5","5,6","5,7","5,8","5,9","5,10","5,11","5,12","5,13","5,14","5,15","5,16","5,17","5,18","5,19","5,20","5,21","5,22","5,23","5,24","5,25","5,26","5,27","5,28","5,29","5,30","5,31","5,32","5,33","5,34","5,35","5,36","5,37","5,38","5,39","5,40","5,41","5,42","5,43","5,44","5,45","5,46","5,47","5,48","5,49","5,50","5,51","5,52","5,53","5,54","5,55","5,56","5,57","5,58","5,59","5,60","5,61","5,62","5,63","5,64","5,65","5,66","5,67","5,68","5,69","5,70","5,71","5,72","5,73","5,74","5,75","5,76","5,77","5,78","5,79","5,80","5,81","5,82","5,83","5,84","5,85","5,86","5,87","5,88","5,89","5,90","5,91","5,92","5,93","5,94","5,95","5,96","5,97","5,98","5,99","5,100","5,101","5,102","5,103","5,104","5,105","5,106","5,107","5,108","5,109","5,110","5,111","5,112","5,113","5,114","5,115","5,116","5,117","5,118","5,119","5,120","5,121","5,122","5,123","5,124","5,125","5,126","5,127","5,128","5,129","5,130","5,131","5,132","5,133","5,134","5,135","5,136","5,137","5,138","5,139","5,140","5,141","5,142","5,143","5,144","5,145","5,146","5,147","5,148","5,149","5,150","5,151","5,152","5,153","5,154","5,155","5,156","5,157","5,158","5,159","5,160","5,161","5,162","5,163","5,164","5,165","5,166","5,167","5,168","5,169","5,170","5,171","5,172","5,173","5,174","5,175","5,176","5,177","5,178","5,179","5,180","5,181","5,182","5,183","5,184","5,185","5,186","5,187","5,188","5,189","5,190","5,191","5,192","5,193","5,194","5,195","5,196","5,197","5,198","5,199","5,200","5,201","5,202","5,203","5,204","5,205","5,206","5,207","5,208","5,209","5,210","5,211","5,212","5,213","5,214","5,215","5,216","5,217","5,218","5,219","5,220","5,221","5,222","5,223","5,224","5,225","5,226","5,227","5,228","5,229","5,230","5,231","5,232","5,233","5,234","5,235","5,236","5,237","5,238","5,239","5,240","5,241","5,242","5,243","5,244","5,245","5,246","5,247","5,248","5,249","5,250","5,251","5,252","5,253","5,254","5,255","5,256","5,257","5,258","5,259","5,260","5,261","5,262","5,263","5,264","5,265","5,266","5,267","5,268","5,269","5,270","5,271","5,272","5,273","5,274","5,275","5,276","5,277","5,278","5,279","5,280","5,281","5,282","5,283","5,284","5,285","5,286","5,287","5,288","5,289","5,290","5,291","5,292","5,293","5,294","5,295","5,296","5,297","5,298","5,299","5,300","5,301","5,302","5,303","5,304","5,305","5,306","5,307","5,308","5,309","5,310","5,311","5,312","5,313","5,314","5,315","5,316","5,317","5,318","5,319","5,320","5,321","5,322","5,323","5,324","5,325","5,326","5,327","5,328","5,329","5,330","5,331","5,332","5,333","5,334","5,335","5,336","5,337","5,338","5,339","5,340","5,341","5,342","5,343","5,344","5,345","5,346","5,347","5,348","5,349","5,350","5,351","5,352","5,353","5,354","5,355","5,356","5,357","5,358","5,359","5,360","5,361","5,362","5,363","5,364","5,365","5,366","5,367","5,368","5,369","5,370","5,371","5,372","5,373","5,374","5,375","5,376","5,377","5,378","5,379","5,380","5,381","5,382","5,383","5,384","5,385","5,386","5,387","5,388","5,389","5,390","5,391","5,392","5,393","5,394","5,395","5,396","5,397","5,398","5,399","5,400","5,401","5,402","5,403","5,404","5,405","5,406","5,407","5,408","5,409","5,410","5,411","5,412","5,413","5,414","5,415","5,416","5,417","5,418","5,419","5,420","5,421","5,422","5,423","5,424","5,425","5,426","5,427","5,428","5,429","5,430","5,431","5,432","5,433","5,434","5,435","5,436","5,437","5,438","5,439","5,440","5,441","5,442","5,443","5,444","5,445","5,446","5,447","5,448","5,449","5,450","5,451","5,452","5,453","5,454","5,455","5,456","5,457","5,458","5,459","5,460","5,461","5,462","5,463","5,464","5,465","5,466","5,467","5,468","5,469","5,470","5,471","5,472","5,473","5,474","5,475","5,476","5,477","5,478","5,479","5,480","5,481","5,482","5,483","5,484","5,485","5,486","5,487","5,488","5,489","5,490","5,491","5,492","5,493","5,494","5,495","5,496","5,497","5,498","5,499","5,500","5,501","5,502","5,503","5,504","5,505","5,506","5,507","5,508","5,509","5,510","5,511","5,512","5,513","5,514","5,515","5,516","5,517","5,518","5,519","5,520","5,521","5,522","5,523","5,524","5,525","5,526","5,527","5,528","5,529","5,530","5,531","5,532","5,533","5,534","5,535","5,536","5,537","5,538","5,539","5,540","5,541","5,542","5,543","5,544","5,545","5,546","5,547","5,548","5,549","5,550","5,551","5,552","5,553","5,554","5,555","5,556","5,557","5,558","5,559","5,560","5,561","5,562","5,563","5,564","5,565","5,566","5,567","5,568","5,569","5,570","5,571","5,572","5,573","5,574","5,575","5,576","5,577","5,578","5,579","5,580","5,581","5,582","5,583","5,584","5,585","5,586","5,587","5,588","5,589","5,590","5,591","5,592","5,593","5,594","5,595","5,596","5,597","5,598","5,599","5,600","5,601","5,602","5,603","5,604","5,605","5,606","5,607","5,608","5,609","5,610","5,611","5,612","5,613","5,614","5,615","6,1","6,2","6,3","6,4","6,5","6,6","6,5","6,6","6,7","6,8","6,9","6,10","6,11","6,12","6,13","6,14","6,15","6,16","6,17","6,18","6,19","6,20","6,21","6,22","6,23","6,24","6,25","6,26","6,27","6,28","6,29","6,30","6,31","6,32","6,33","6,34","6,35","6,36","6,37","6,38","6,39","6,40","6,41","6,42","6,43","6,44","6,45","6,46","6,47","6,48","6,49","6,50","6,51","6,52","6,53","6,54","6,55","6,56","6,57","6,58","6,59","6,60","6,61","6,62","6,63","6,64","6,65","6,66","6,67","6,68","6,69","6,70","6,71","6,72","6,73","6,74","6,75","6,76","6,77","6,78","6,79","6,80","6,81","6,82","6,83","6,84","6,85","6,86","6,87","6,88","6,89","6,90","6,91","6,92","6,93","6,94","6,95","6,96","6,97","6,98","6,99","6,100","6,101","6,102","6,103","6,104","6,105","6,106","6,107","6,108","6,109","6,110","6,111","6,112","6,113","6,114","6,115","6,116","6,117","6,118","6,119","6,120","6,121","6,122","6,123","6,124","6,125","6,126","6,127","6,128","6,129","6,130","6,131","6,132","6,133","6,134","6,135","6,136","6,137","6,138","6,139","6,140","6,141","6,142","6,143","6,144","6,145","6,146","6,147","6,148","6,149","6,150","6,151","6,152","6,153","6,154","6,155","6,156","6,157","6,158","6,159","6,160","6,161","6,162","6,163","6,164","6,165","6,166","6,167","6,168","6,169","6,170","6,171","6,172","6,173","6,174","6,175","6,176","6,177","6,178","6,179","6,180","6,181","6,182","6,183","6,184","6,185","6,186","6,187","6,188","6,189","6,190","6,191","6,192","6,193","6,194","6,195","6,196","6,197","6,198","6,199","6,200","6,201","6,202","6,203","6,204","6,205","6,206","6,207","6,208","6,209","6,210","6,211","6,212","6,213","6,214","6,215","6,216","6,217","6,218","6,219","6,220","6,221","6,222","6,223","6,224","6,225","6,226","6,227","6,228","6,229","6,230","6,231","6,232","6,233","6,234","6,235","6,236","6,237","6,238","6,239","6,240","6,241","6,242","6,243","6,244","6,245","6,246","6,247","6,248","6,249","6,250","6,251","6,252","6,253","6,254","6,255","6,256","6,257","6,258","6,259","6,260","6,261","6,262","6,263","6,264","6,265","6,266","6,267","6,268","6,269","6,270","6,271","6,272","6,273","6,274","6,275","6,276","6,277","6,279","6,281","6,282","6,283","6,284","6,285","6,286","6,287","6,288","6,289","6,290","6,291","6,292","6,293","6,294","6,295","6,296","6,297","6,298","6,299","6,300","6,301","6,302","6,303","6,304","6,305","6,306","6,307","6,308","6,309","6,310","6,311","6,312","6,313","6,314","6,315","6,316","6,317","6,318","6,319","6,320","6,321","6,322","6,323","6,324","6,325","6,326","6,327","6,328","6,329","6,330","6,331","6,332","6,333","6,334","6,335","6,336","6,337","6,338","6,339","6,340","6,341","6,342","6,343","6,344","6,345","6,346","6,347","6,348","6,349","6,350","6,351","6,352","6,353","6,354","6,355","6,356","6,357","6,358","6,359","6,360","6,361","6,362","6,363","6,364","6,365","6,366","6,367","6,368","6,369","6,370","6,371","6,372","6,373","6,374","6,375","6,376","6,377","6,378","6,379","6,380","6,381","6,382","6,383","6,384","6,385","6,386","6,387","6,388","6,389","6,390","6,391","6,392","6,393","6,394","6,395","6,396","6,397","6,398","6,399","6,400","6,401","6,402","6,403","6,404","6,405","6,406","6,407","6,408","6,409","6,410","6,411","6,412","6,413","6,414","6,415","6,416","6,417","6,418","6,419","6,420","6,421","6,422","6,423","6,424","6,425","6,426","6,427","6,428","6,429","6,430","6,431","6,432","6,433","6,434","6,435","6,436","6,437","6,438","6,439","6,440","6,441","6,442","6,443","6,444","6,445","6,446","6,447","6,448","6,449","6,450","6,451","6,452","6,453","6,454","6,455","6,456","6,457","6,458","6,459","6,460","6,461","6,462","6,463","6,464","6,465","6,466","6,467","6,468","6,469","6,470","6,471","6,472","6,473","6,474","6,475","6,476","6,477","6,478","6,479","6,480","6,481","6,482","6,483","6,484","6,485","6,486","6,487","6,488","6,489","6,490","6,491","6,492","6,493","6,494","6,495","6,496","6,497","6,498","6,499","6,500","6,501","6,502","6,503","6,504","6,505","6,506","6,507","6,508","6,509","6,510","6,511","6,512","6,513","6,514","6,515","6,516","6,517","6,518","6,519","6,520","6,521","6,522","6,523","6,524","6,525","6,526","6,527","6,528","6,529","6,530","6,531","6,532","6,533","6,534","6,535","6,536","6,537","6,538","6,539","6,540","6,541","6,542","6,543","6,544","6,545","6,546","6,547","6,548","6,549","6,550","6,551","6,552","6,553","6,554","6,555","6,556","6,557","6,558","6,559","6,560","6,561","6,562","6,563","6,564","6,565","6,566","6,567","6,568","6,569","6,570","6,571","6,572","6,573","6,574","6,575","6,576","6,577","6,578","6,579","6,580","6,581","6,582","6,583","6,584","6,585","6,586","6,587","6,588","6,589","6,590","6,591","6,592","6,593","6,594","6,595","6,596","6,597","6,598","6,599","6,600","6,601","6,602","6,603","6,604","6,605","6,606","6,607","6,608","6,609","6,610","6,611","6,612","6,613","6,614","6,615","6,616","6,617","6,618","6,619","6,620","6,621","6,622","6,623","6,624","6,625","6,626","6,627","6,628","6,629","6,630","6,631","6,632","6,633","6,634","6,635","6,636","6,637","6,638","6,639","6,640","6,641","6,642","6,643","6,644","7,1","7,2","7,3","7,4","7,5","7,6","7,5","7,6","7,7","7,8","7,9","7,10","7,11","7,12","7,13","7,14","7,15","7,16","7,17","7,18","7,19","7,20","7,21","7,22","7,23","7,24","7,25","7,26","7,27","7,28","7,29","7,30","7,31","7,32","7,33","7,34","7,35","7,36","7,37","7,38","7,39","7,40","7,41","7,42","7,43","7,44","7,45","7,46","7,47","7,48","7,49","7,50","7,51","7,52","7,53","7,54","7,55","7,56","7,57","7,58","7,59","7,60","7,61","7,62","7,63","7,64","7,65","7,66","7,67","7,68","7,69","7,70","7,71","7,72","7,73","7,74","7,75","7,76","7,77","7,78","7,79","7,80","7,81","7,82","7,83","7,84","7,85","7,86","7,87","7,88","7,89","7,90","7,91","7,92","7,93","7,94","7,95","7,96","7,97","7,98","7,99","7,100","7,101","7,102","7,103","7,104","7,105","7,106","7,107","7,108","7,109","7,110","7,111","7,112","7,113","7,114","7,115","7,116","7,117","7,118","7,119","7,120","7,121","7,122","7,123","7,124","7,125","7,126","7,127","7,128","7,129","7,130","7,131","7,132","7,133","7,134","7,135","7,136","7,137","7,138","7,139","7,140","7,141","7,142","7,143","7,144","7,145","7,146","7,147","7,148","7,149","7,150","7,151","7,152","7,153","7,154","7,155","7,156","7,157","7,158","7,159","7,160","7,161","7,162","7,163","7,164","7,165","7,166","7,167","7,168","7,169","7,170","7,171","7,172","7,173","7,174","7,175","7,176","7,177","7,178","7,179","7,180","7,181","7,182","7,183","7,184","7,185","7,186","7,187","7,188","7,189","7,190","7,191","7,192","7,193","7,194","7,195","7,196","7,197","7,198","7,199","7,200","7,201","7,202","7,203","7,204","7,205","7,206","7,207","7,208","7,209","7,210","7,211","7,212","7,213","7,214","7,215","7,217","7,218","7,219","7,220","7,221","7,222","7,223","7,224","7,225","7,226","7,227","7,228","7,229","7,230","7,231","7,232","7,233","7,234","7,235","7,236","7,237","7,238","7,239","7,240","7,241","7,242","7,243","7,244","7,245","7,246","7,247","7,248","7,249","7,250","7,251","7,252","7,253","7,254","7,255","7,256","7,257","7,258","7,259","7,260","7,261","7,262","7,263","7,264","7,265","7,266","7,267","7,268","7,269","7,270","7,271","7,272","7,273","7,274","7,275","7,276","7,277","7,278","7,279","7,280","7,281","7,282","7,283","7,284","7,285","7,286","7,287","7,288","7,289","7,290","7,291","7,292","7,293","7,294","7,295","7,296","7,297","7,298","7,299","7,300","7,301","7,302","7,303","7,304","7,305","7,306","7,307","7,308","7,309","7,310","7,311","7,312","7,313","7,314","7,315","7,316","7,317","7,318","7,319","7,320","7,321","7,322","7,323","7,324","7,325","7,326","7,327","7,328","7,329","7,330","7,331","7,332","7,333","7,334","7,335","7,336","7,337","7,338","7,339","7,340","7,341","7,342","7,343","7,344","7,345","7,346","7,347","7,348","7,349","7,350","7,351","7,352","7,353","7,354","7,355","7,356","7,357","7,358","7,359","7,360","7,361","7,362","7,363","7,364","7,365","7,366","7,367","7,368","7,369","7,370","7,371","7,372","7,373","7,374","7,375","7,376","7,377","7,378","7,379","7,380","7,381","7,382","7,383","7,384","7,385","7,386","7,387","7,388","7,389","7,390","7,391","7,392","7,393","7,394","7,395","7,396","7,397","7,398","7,399","7,400","7,401","7,402","7,403","7,404","7,405","7,406","7,407","7,408","7,409","7,410","7,411","7,412","7,413","7,414","7,415","7,416","7,417","7,418","7,419","7,420","7,421","7,422","7,423","7,424","7,425","7,426","7,427","7,428","7,429","7,430","7,431","7,432","7,433","7,434","7,435","7,436","7,437","7,438","7,439","7,440","7,441","7,442","7,443","7,444","7,445","7,446","7,447","7,448","7,449","7,450","7,451","7,452","7,453","7,454","7,455","7,456","7,457","7,458","7,459","7,460","7,461","7,462","7,463","7,464","7,465","7,466","7,467","7,468","7,469","7,470","7,471","7,472","7,473","7,474","7,475","7,476","7,477","7,478","7,479","7,480","7,481","7,482","7,483","7,484","7,485","7,486","7,487","7,488","7,489","7,490","7,491","7,492","7,493","7,494","7,495","7,496","7,497","7,498","7,499","7,500","7,501","7,502","7,503","7,504","7,505","7,506","7,507","7,508","7,509","7,510","7,511","7,512","7,513","7,514","7,515","7,516","7,517","7,518","7,519","7,520","7,521","7,522","7,523","7,524","7,525","7,526","7,527","7,528","7,529","7,530","7,531","7,532","7,533","7,534","7,535","7,536","7,537","7,538","7,539","7,540","7,541","7,542","7,543","7,544","7,545","7,546","7,547","7,548","7,549","7,550","7,551","7,552","7,553","7,554","7,555","7,556","7,557","7,558","7,559","7,560","7,561","7,562","7,563","7,564","7,565","7,566","7,567","7,568","7,569","7,570","7,571","7,572","7,573","7,574","7,575","7,576","7,577","7,578","7,579","7,580","7,581","7,582","7,583","7,584","7,585","7,586","7,587","7,588","7,589","7,590","7,591","7,592","7,593","7,594","7,595","7,596","7,597","7,598","7,599","7,600","7,601","7,602","7,603","7,604","7,605","7,606","7,607","7,608","7,609","7,610","7,611","8,1","8,2","8,3","8,4","8,5","8,6","8,7","8,8","8,9","8,10","8,11","8,12","8,13","8,14","8,15","8,16","8,17","8,18","8,19","8,20","8,21","8,22","8,23","8,24","8,25","8,26","8,27","8,28","8,29","8,30","8,31","8,32","8,33","8,34","8,35","8,36","8,37","8,38","8,39","8,40","8,41","8,42","8,43","8,44","8,45","8,46","8,47","8,48","8,49","8,50","8,51","8,52","8,53","8,54","8,55","8,56","8,57","8,58","8,59","8,60","8,61","8,62","8,63","8,64","8,65","8,66","8,67","8,68","8,69","8,70","8,71","8,72","8,73","8,74","8,75","8,76","8,77","8,78","8,79","8,80","8,81","8,82","8,83","8,84","8,85","8,86","8,87","8,88","8,89","8,90","8,91","8,92","8,93","8,94","8,95","8,96","8,97","8,98","8,99","8,100","8,101","8,102","8,103","8,104","8,105","8,106","8,107","8,108","8,109","8,110","8,111","8,112","8,113","8,114","8,115","8,116","8,117","8,118","8,119","8,120","8,121","8,122","8,123","8,124","8,125","8,126","8,127","8,128","8,129","8,130","8,131","8,132","8,133","8,134","8,135","8,136","8,137","8,138","8,139","8,140","8,141","8,142","8,143","8,144","8,145","8,146","8,147","8,148","8,149","8,150","8,151","8,152","8,153","8,154","8,155","8,156","8,157","8,158","8,159","8,160","8,161","8,162","8,163","8,164","8,165","8,166","8,167","8,168","8,169","8,170","8,171","8,172","8,173","8,174","8,175","8,176","8,177","8,178","8,179","8,180","8,181","8,182","8,183","8,184","8,185","8,186","8,187","8,188","8,189","8,190","8,191","8,192","8,193","8,194","8,195","8,196","8,197","8,198","8,199","8,200","8,201","8,202","8,203","8,204","8,205","8,206","8,207","8,208","8,209","8,210","8,211","8,212","8,213","8,214","8,215","8,216","8,217","8,218","8,219","8,220","8,221","8,222","8,223","8,224","8,225","8,226","8,227","8,228","8,229","8,230","8,231","8,232","8,233","8,234","8,235","8,236","8,237","8,238","8,239","8,240","8,241","8,242","8,243","8,244","8,245","8,246","8,247","8,248","8,249","8,250","8,251","8,252","8,253","8,254","8,255","8,256","8,257","8,258","8,259","8,260","8,261","8,262","8,263","8,264","8,265","8,266","8,267","8,268","8,269","8,270","8,271","8,272","8,273","8,274","8,275","8,276","8,277","8,278","8,279","8,280","8,281","8,282","8,283","8,284","8,285","8,286","8,287","8,288","8,289","8,290","8,291","8,292","8,293","8,294","8,295","8,296","8,297","8,298","8,299","8,300","8,301","8,302","8,303","8,304","8,305","8,306","8,307","8,308","8,309","8,310","8,311","8,312","8,313","8,314","8,315","8,316","8,317","8,318","8,319","8,320","8,321","8,322","8,323","8,324","8,325","8,326","8,327","8,328","8,329","8,330","8,331","8,332","8,333","8,334","8,335","8,336","8,337","8,338","8,339","8,340","8,341","8,342","8,343","8,344","8,345","8,346","8,347","8,348","8,349","8,350","8,351","8,352","8,353","8,354","8,355","8,356","8,357","8,358","8,359","8,360","8,361","8,362","8,363","8,364","8,365","8,366","8,367","8,368","8,369","8,370","8,371","8,372","8,373","8,374","8,375","8,376","8,377","8,378","8,379","8,380","8,381","8,382","8,383","8,384","8,385","8,386","8,387","8,388","8,389","8,390","8,391","8,392","8,393","8,394","8,395","8,396","8,397","8,398","8,399","8,400","8,401","8,402","8,403","8,404","8,405","8,406","8,407","8,408","8,409","8,410","8,411","8,412","8,413","8,414","8,415","8,416","8,417","8,418","8,419","8,420","8,421","8,422","8,423","8,424","8,425","8,426","8,427","8,428","8,429","8,430","8,431","8,432","8,433","8,434","8,435","8,436","8,437","8,438","8,439","8,440","8,441","8,442","8,443","8,444","8,445","8,446","8,447","8,448","8,449","8,450","8,451","8,452","8,453","8,454","8,455","8,456","8,457","8,458","8,459","8,460","8,461","8,462","8,463","8,464","8,465","8,466","8,467","8,468","8,469","8,470","8,471","8,472","8,473","8,474","8,475","8,476","8,477","8,478","8,479","8,480","8,481","8,482","8,483","8,484","8,485","8,486","8,487","8,488","8,489","8,490","8,491","8,492","8,493","8,494","8,495","8,496","8,497","8,498","8,499","8,500","8,501","8,502","8,503","8,504","8,505","8,506","8,507","8,508","8,509","8,510","8,511","8,512","8,513","8,514","8,515","8,516","8,517","8,518","8,519","8,520","8,521","8,522","8,523","8,524","8,525","8,526","8,527","8,528","8,529","8,530","8,531","8,532","8,533","8,534","8,535","8,536","8,537","8,538","8,539","8,540","8,541","8,542","8,543","8,544","8,545","8,546","8,547","8,548","8,549","8,550","8,551","8,552","8,553","8,554","8,555","8,556","8,557","8,558","8,559","8,560","8,561","8,562","8,563","8,564","8,565","8,566","9,1","9,2","9,3","9,4","9,5","9,6","9,7","9,8","9,9","9,10","9,11","9,12","9,13","9,14","9,15","9,16","9,17","9,18","9,19","9,20","9,21","9,22","9,23","9,24","9,25","9,26","9,27","9,28","9,29","9,30","9,31","9,32","9,33","9,34","9,35","9,36","9,37","9,38","9,39","9,40","9,41","9,42","9,43","9,44","9,45","9,46","9,47","9,48","9,49","9,50","9,51","9,52","9,53","9,54","9,55","9,56","9,57","9,58","9,59","9,60","9,61","9,62","9,63","9,64","9,65","9,66","9,67","9,68","9,69","9,70","9,71","9,72","9,73","9,74","9,75","9,76","9,77","9,78","9,79","9,80","9,81","9,82","9,83","9,84","9,85","9,86","9,87","9,88","9,89","9,90","9,91","9,92","9,93","9,94","9,95","9,96","9,97","9,98","9,99","9,100","9,101","9,102","9,103","9,104","9,105","9,106","9,107","9,108","9,109","9,110","9,111","9,112","9,113","9,114","9,115","9,116","9,117","9,118","9,119","9,120","9,121","9,122","9,123","9,124","9,125","9,126","9,127","9,128","9,129","9,130","9,131","9,132","9,133","9,134","9,135","9,136","9,137","9,138","9,139","9,140","9,141","9,142","9,143","9,144","9,145","9,146","9,147","9,148","9,149","9,150","9,151","9,152","9,153","9,154","9,155","9,156","9,157","9,158","9,159","9,160","9,161","9,162","9,163","9,164","9,165","9,166","9,167","9,168","9,169","9,170","9,171","9,172","9,173","9,174","9,175","9,176","9,177","9,178","9,179","9,180","9,181","9,182","9,183","9,184","9,185","9,186","9,187","9,188","9,189","9,190","9,191","9,192","9,193","9,194","9,195","9,196","9,197","9,198","9,199","9,200","9,201","9,202","9,203","9,204","9,205","9,206","9,207","9,208","9,209","9,210","9,211","9,212","9,213","9,214","9,215","9,216","9,217","9,218","9,219","9,220","9,221","9,222","9,223","9,224","9,225","9,226","9,227","9,228","9,229","9,230","9,231","9,232","9,233","9,234","9,235","9,236","9,237","9,238","9,239","9,240","9,241","9,242","9,243","9,244","9,245","9,246","9,247","9,248","9,249","9,250","9,251","9,252","9,253","9,254","9,255","9,256","9,257","9,258","9,259","9,260","9,261","9,262","9,263","9,264","9,265","9,266","9,267","9,268","9,269","9,270","9,271","9,272","9,273","9,274","9,275","9,276","9,277","9,278","9,279","9,280","9,281","9,282","9,283","9,284","9,285","9,286","9,287","9,288","9,289","9,290","9,291","9,292","9,293","9,294","9,295","9,296","9,297","9,298","9,299","9,300","9,301","9,302","9,303","9,304","9,305","9,306","9,307","9,308","9,309","9,310","9,311","9,312","9,313","9,314","9,315","9,316","9,317","9,318","9,319","9,320","9,321","9,322","9,323","9,324","9,325","9,326","9,327","9,328","9,329","9,330","9,331","9,332","9,333","9,334","9,335","9,336","9,337","9,338","9,339","9,340","9,341","9,342","9,343","9,344","9,345","9,346","9,347","9,348","9,349","9,350","9,351","9,352","9,353","9,354","9,355","9,356","9,357","9,358","9,359","9,360","9,361","9,362","9,363","9,364","9,365","9,366","9,367","9,368","9,369","9,370","9,371","9,372","9,373","9,374","9,375","9,376","9,377","9,378","9,379","9,380","9,381","9,382","9,383","9,384","9,385","9,386","9,387","9,388","9,389","9,390","9,391","9,392","9,393","9,394","9,395","9,396","9,397","9,398","9,399","9,400","9,401","9,402","9,403","9,404","9,405","9,406","9,407","9,408","9,409","9,410","9,411","9,412","9,413","9,414","9,415","9,416","9,417","9,418","9,419","9,420","9,421","9,422","9,423","9,424","9,425","9,426","9,427","9,428","9,429","9,430","9,431","9,432","9,433","9,434","9,435","9,436","9,437","9,438","9,439","9,440","9,441","9,442","9,443","9,444","9,445","9,446","9,447","9,448","9,449","9,450","9,451","9,452","9,453","9,454","9,455","9,456","9,457","9,458","9,459","9,460","9,461","9,462","9,463","9,464","9,465","9,466","9,467","9,468","9,469","9,470","9,471","9,472","9,473","9,474","9,475","9,476","9,477","9,478","9,479","9,480","9,481","9,482","9,483","9,484","9,485","9,486","9,487","9,488","9,489","9,490","9,491","9,492","9,493","9,494","9,495","9,496","9,497","9,498","9,499","9,500","9,501","9,502","9,503","9,504","9,505","9,506","9,507","9,508","9,509","9,510","9,511","9,512","9,513","9,514","9,515","9,516","9,517","9,518","9,519","9,520","9,521","9,522","9,523","9,524","9,525","9,526","9,527","9,528","9,529","9,530","9,531","9,532","9,533","9,534","9,535","9,536","9,537","9,538","9,539","9,540","9,541","9,542","9,543","9,544","9,545","9,546","9,547","9,548","9,549","9,550","9,551","9,552","9,553","9,554","9,555","9,556","9,557","9,558","9,559","9,560","9,561","9,562","9,563","9,564","9,565","9,566","9,567","9,568","9,569","9,570","9,571","9,572","9,573","9,574","9,575","9,576","10,1","10,2","10,3","10,4","10,5","10,6","10,7","10,8","10,9","10,10","10,11","10,12","10,13","10,14","10,15","10,16","10,17","10,18","10,19","10,20","10,21","10,22","10,23","10,24","10,25","10,26","10,27","10,28","10,29","10,30","10,31","10,32","10,33","10,34","10,35","10,36","10,37","10,38","10,39","10,40","10,41","10,42","10,43","10,44","10,45","10,46","10,47","10,48","10,49","10,50","10,51","10,52","10,53","10,54","10,55","10,56","10,57","10,58","10,59","10,60","10,61","10,62","10,63","10,64","10,65","10,66","10,67","10,68","10,69","10,70","10,71","10,72","10,73","10,74","10,75","10,76","10,77","10,78","10,79","10,80","10,81","10,82","10,83","10,84","10,85","10,86","10,87","10,88","10,89","10,90","10,91","10,92","10,93","10,94","10,95","10,96","10,97","10,98","10,99","10,100","10,101","10,102","10,103","10,104","10,105","10,106","10,107","10,108","10,109","10,110","10,111","10,112","10,113","10,114","10,115","10,116","10,117","10,118","10,119","10,120","10,121","10,122","10,123","10,124","10,125","10,126","10,127","10,128","10,129","10,130","10,131","10,132","10,133","10,134","10,135","10,136","10,137","10,138","10,139","10,140","10,141","10,142","10,143","10,144","10,145","10,146","10,147","10,148","10,149","10,150","10,151","10,152","10,153","10,154","10,155","10,156","10,157","10,158","10,159","10,160","10,161","10,162","10,163","10,164","10,165","10,166","10,167","10,168","10,169","10,170","10,171","10,172","10,173","10,174","10,175","10,176","10,177","10,178","10,179","10,180","10,181","10,182","10,183","10,184","10,185","10,186","10,187","10,188","10,189","10,190","10,191","10,192","10,193","10,194","10,195","10,196","10,197","10,198","10,199","10,200","10,201","10,202","10,203","10,204","10,205","10,206","10,207","10,208","10,209","10,210","10,211","10,212","10,213","10,214","10,215","10,216","10,217","10,218","10,219","10,220","10,221","10,222","10,223","10,224","10,225","10,226","10,227","10,228","10,229","10,230","10,231","10,232","10,233","10,234","10,235","10,236","10,237","10,238","10,239","10,240","10,241","10,242","10,243","10,244","10,245","10,246","10,247","10,248","10,249","10,250","10,251","10,252","10,253","10,254","10,255","10,256","10,257","10,258","10,259","10,260","10,261","10,262","10,263","10,264","10,265","10,266","10,267","10,268","10,269","10,270","10,271","10,272","10,273","10,275","10,277","10,278","10,279","10,280","10,281","10,282","10,283","10,284","10,285","10,286","10,287","10,288","10,289","10,290","10,291","10,292","10,293","10,294","10,295","10,296","10,297","10,298","10,299","10,300","10,301","10,302","10,303","10,304","10,305","10,306","10,307","10,308","10,309","10,310","10,311","10,312","10,313","10,314","10,315","10,316","10,317","10,318","10,319","10,320","10,321","10,322","10,323","10,324","10,325","10,326","10,327","10,328","10,329","10,330","10,331","10,332","10,333","10,334","10,335","10,336","10,337","10,338","10,339","10,340","10,341","10,342","10,343","10,344","10,345","10,346","10,347","10,348","10,349","10,350","10,351","10,352","10,353","10,354","10,355","10,356","10,357","10,358","10,359","10,360","10,361","10,362","10,363","10,364","10,365","10,366","10,367","10,368","10,369","10,370","10,371","10,372","10,373","10,374","10,375","10,376","10,377","10,378","10,379","10,380","10,381","10,382","10,383","10,384","10,385","10,386","10,387","10,388","10,389","10,390","10,391","10,392","10,393","10,394","10,395","10,396","10,397","10,398","10,399","10,400","10,401","10,402","10,403","10,404","10,405","10,406","10,407","10,408","10,409","10,410","10,411","10,412","10,413","10,414","10,415","10,416","10,417","10,418","10,419","10,420","10,421","10,422","10,423","10,424","10,425","10,426","10,427","10,428","10,429","10,430","10,431","10,432","10,433","10,434","10,435","10,436","10,437","10,438","10,439","10,440","10,441","10,442","10,443","10,444","10,445","10,446","10,447","10,448","10,449","10,450","10,451","10,452","10,453","10,454","10,455","10,456","10,457","10,458","10,459","10,460","10,461","10,462","10,463","10,464","10,465","10,466","10,467","10,468","10,469","10,470","10,471","10,472","10,473","10,474","10,475","10,476","10,477","10,478","10,479","10,480","10,481","10,482","10,483","10,484","10,485","10,486","10,487","10,488","10,489","10,490","10,491","10,492","10,493","10,494","10,495","10,496","10,497","10,498","10,499","10,500","10,501","10,502","10,503","10,504","10,505","10,506","10,507","10,508","10,509","10,510","10,511","10,512","10,513","10,514","10,515","10,516","10,517","10,518","10,519","10,520","10,521","10,522","10,523","10,524","10,525","10,526","10,527","10,528","10,529","10,530","10,531","10,532","10,533","10,534","10,535","10,536","10,537","10,538","10,539","10,540","10,541","10,542","10,543","10,544","10,545","10,546","10,547","10,548","10,549","10,550","10,551","10,552","10,553","10,554","10,555","10,556","10,557","10,558","10,559","10,560","10,561","10,562","10,563","10,564","10,565","10,566","10,567","10,568","10,569","10,570","10,571","10,572","10,573","10,574","10,575","10,576","10,577","10,578","10,579","10,580","10,581","10,582","10,583","10,584","10,585","10,586","10,587","10,588","10,589","10,590","10,591","10,592","10,593","10,594","10,595","10,596","10,597","11,1","11,2","11,3","11,4","11,5","11,6","11,7","11,8","11,9","11,10","11,11","11,12","11,13","11,14","11,15","11,16","11,17","11,18","11,19","11,20","11,21","11,22","11,23","11,24","11,25","11,26","11,27","11,28","11,29","11,30","11,31","11,32","11,33","11,34","11,35","11,36","11,37","11,38","11,39","11,40","11,41","11,42","11,43","11,44","11,45","11,46","11,47","11,48","11,49","11,50","11,51","11,52","11,53","11,54","11,55","11,56","11,57","11,58","11,59","11,60","11,61","11,62","11,63","11,64","11,65","11,66","11,67","11,68","11,69","11,70","11,71","11,72","11,73","11,74","11,75","11,76","11,77","11,78","11,79","11,80","11,81","11,82","11,83","11,84","11,85","11,86","11,87","11,88","11,89","11,90","11,91","11,92","11,93","11,94","11,95","11,96","11,97","11,98","11,99","11,100","11,101","11,102","11,103","11,104","11,105","11,106","11,107","11,108","11,109","11,111","11,112","11,113","11,114","11,115","11,116","11,117","11,118","11,119","11,120","11,121","11,122","11,123","11,124","11,125","11,126","11,127","11,128","11,129","11,130","11,131","11,132","11,133","11,134","11,135","11,136","11,137","11,138","11,139","11,140","11,141","11,142","11,143","11,144","11,145","11,146","11,147","11,148","11,149","11,150","11,151","11,152","11,153","11,154","11,155","11,156","11,157","11,158","11,159","11,160","11,161","11,162","11,163","11,164","11,165","11,166","11,167","11,168","11,169","11,170","11,171","11,172","11,173","11,174","11,175","11,176","11,177","11,178","11,179","11,180","11,181","11,182","11,183","11,184","11,185","11,186","11,187","11,188","11,189","11,190","11,191","11,192","11,193","11,194","11,195","11,196","11,197","11,198","11,199","11,200","11,201","11,202","11,203","11,204","11,205","11,206","11,207","11,208","11,209","11,210","11,211","11,212","11,213","11,214","11,215","11,216","11,217","11,218","11,219","11,220","11,221","11,222","11,223","11,224","11,225","11,226","11,227","11,228","11,229","11,230","11,231","11,232","11,233","11,234","11,235","11,236","11,237","11,238","11,239","11,240","11,241","11,242","11,243","11,244","11,245","11,246","11,247","11,248","11,249","11,250","11,251","11,252","11,253","11,254","11,255","11,256","11,257","11,258","11,259","11,260","11,261","11,262","11,263","11,264","11,265","11,266","11,267","11,268","11,269","11,270","11,271","11,272","11,273","11,274","11,275","11,276","11,277","11,278","11,279","11,280","11,281","11,282","11,283","11,284","11,285","11,286","11,287","11,288","11,289","11,290","11,291","11,292","11,293","11,294","11,295","11,296","11,297","11,298","11,299","11,300","11,301","11,302","11,303","11,304","11,305","11,306","11,307","11,308","11,309","11,310","11,311","11,312","11,313","11,314","11,315","11,316","11,317","11,318","11,319","11,320","11,321","11,322","11,323","11,324","11,325","11,326","11,327","11,328","11,329","11,330","11,331","11,332","11,333","11,334","11,335","11,336","11,337","11,339","11,341","11,342","11,343","11,344","11,345","11,346","11,347","11,348","11,349","11,350","11,351","11,352","11,353","11,354","11,355","11,356","11,357","11,358","11,359","11,360","11,361","11,362","11,363","11,364","11,365","11,366","11,367","11,368","11,369","11,370","11,371","11,372","11,373","11,374","11,375","11,376","11,377","11,378","11,379","11,380","11,381","11,382","11,383","11,384","11,385","11,386","11,387","11,388","11,389","11,390","11,391","11,392","11,393","11,394","11,395","11,396","11,397","11,398","11,399","11,400","11,401","11,402","11,403","11,404","11,405","11,406","11,407","11,408","11,409","11,410","11,411","11,412","11,413","11,414","11,415","11,416","11,417","11,418","11,419","11,420","11,421","11,422","11,423","11,424","11,425","11,426","11,427","11,428","11,429","11,430","11,431","11,432","11,433","11,434","11,435","11,436","11,437","11,438","11,439","11,440","11,441","11,442","11,443","11,444","11,445","11,446","11,447","11,448","11,449","11,450","11,451","11,452","11,453","11,454","11,455","11,456","11,457","11,458","11,459","11,460","11,461","11,462","11,463","11,464","11,465","11,466","11,467","11,468","11,469","11,470","11,471","11,472","11,473","11,474","11,475","11,476","11,477","11,478","11,479","11,480","11,481","11,482","11,483","11,484","11,485","11,486","11,487","11,488","11,489","11,490","11,491","11,492","11,493","11,494","11,495","11,496","11,497","11,498","11,499","11,500","11,501","11,502","11,503","11,504","11,505","11,506","11,507","11,508","11,509","11,510","11,511","11,512","11,513","11,514","11,515","11,516","11,517","11,518","11,519","11,520","11,521","11,522","11,523","11,524","11,525","11,526","11,527","11,528","11,529","11,530","11,531","11,532","11,533","11,534","11,535","11,536","11,537","11,538","11,539","11,540","11,541","11,542","11,543","11,544","11,545","11,546","11,547","11,548","11,549","11,550","11,551","11,552","11,553","11,554","11,555","11,556","11,557","11,558","11,559","11,560","11,561","11,562","11,563","11,564","11,565","11,566","11,567","11,568","11,569","11,570","11,571","11,572","11,573","11,574","11,575","11,576","11,577","11,578","11,579","11,580","11,581","11,582","11,583","11,584","11,585","11,586","11,587","11,588","11,589","11,590","11,591","11,592","11,593","11,594","11,595","12,1","12,2","12,3","12,4","12,5","12,6","12,7","12,8","12,9","12,10","12,11","12,12","12,13","12,14","12,15","12,16","12,17","12,18","12,19","12,20","12,21","12,22","12,23","12,24","12,25","12,26","12,27","12,28","12,29","12,30","12,31","12,32","12,33","12,34","12,35","12,36","12,37","12,38","12,39","12,40","12,41","12,42","12,43","12,44","12,45","12,46","12,47","12,48","12,49","12,50","12,51","12,52","12,53","12,54","12,55","12,56","12,57","12,58","12,59","12,60","12,61","12,62","12,63","12,64","12,65","12,66","12,67","12,68","12,69","12,70","12,71","12,72","12,73","12,74","12,75","12,76","12,77","12,78","12,79","12,80","12,81","12,82","12,83","12,84","12,85","12,86","12,87","12,88","12,89","12,90","12,91","12,92","12,93","12,94","12,95","12,96","12,97","12,98","12,99","12,100","12,101","12,102","12,103","12,104","12,105","12,106","12,107","12,108","12,109","12,110","12,111","12,112","12,113","12,114","12,115","12,116","12,117","12,118","12,119","12,120","12,121","12,122","12,123","12,124","12,125","12,126","12,127","12,128","12,129","12,130","12,131","12,132","12,133","12,134","12,135","12,136","12,137","12,138","12,139","12,140","12,141","12,142","12,143","12,144","12,145","12,146","12,147","12,148","12,149","12,150","12,151","12,152","12,153","12,154","12,155","12,156","12,157","12,158","12,159","12,160","12,161","12,162","12,163","12,164","12,165","12,166","12,167","12,168","12,169","12,170","12,171","12,172","12,173","12,174","12,175","12,176","12,177","12,178","12,179","12,180","12,181","12,182","12,183","12,184","12,185","12,186","12,187","12,188","12,189","12,190","12,191","12,192","12,193","12,194","12,195","12,196","12,197","12,198","12,199","12,200","12,201","12,202","12,203","12,204","12,205","12,206","12,207","12,208","12,209","12,210","12,211","12,212","12,213","12,214","12,215","12,216","12,217","12,218","12,219","12,220","12,221","12,222","12,223","12,224","12,225","12,226","12,227","12,228","12,229","12,230","12,231","12,232","12,233","12,234","12,235","12,236","12,237","12,238","12,239","12,240","12,241","12,242","12,243","12,244","12,245","12,246","12,247","12,248","12,249","12,250","12,251","12,252","12,253","12,254","12,255","12,256","12,257","12,258","12,259","12,260","12,261","12,262","12,263","12,264","12,265","12,266","12,267","12,268","12,269","12,270","12,271","12,272","12,273","12,274","12,275","12,276","12,277","12,279","12,280","12,281","12,282","12,283","12,284","12,285","12,286","12,287","12,288","12,289","12,290","12,291","12,292","12,293","12,294","12,295","12,296","12,297","12,298","12,299","12,300","12,301","12,302","12,303","12,304","12,305","12,306","12,307","12,308","12,309","12,310","12,311","12,312","12,313","12,314","12,315","12,316","12,317","12,318","12,319","12,320","12,321","12,322","12,323","12,324","12,325","12,326","12,327","12,328","12,329","12,330","12,331","12,332","12,333","12,334","12,335","12,336","12,337","12,338","12,339","12,340","12,341","12,342","12,343","12,344","12,345","12,346","12,347","12,348","12,349","12,350","12,351","12,352","12,353","12,354","12,355","12,356","12,357","12,358","12,359","12,360","12,361","12,362","12,363","12,364","12,365","12,366","12,367","12,368","12,369","12,370","12,371","12,372","12,373","12,374","12,375","12,376","12,377","12,378","12,379","12,380","12,381","12,382","12,383","12,384","12,385","12,386","12,387","12,388","12,389","12,390","12,391","12,393","12,394","12,395","12,396","12,397","12,398","12,399","12,400","12,401","12,402","12,403","12,404","12,405","12,406","12,407","12,408","12,409","12,410","12,411","12,412","12,413","12,414","12,415","12,416","12,417","12,418","12,419","12,420","12,421","12,422","12,423","12,424","12,425","12,426","12,427","12,428","12,429","12,430","12,431","12,432","12,433","12,434","12,435","12,436","12,437","12,438","12,439","12,440","12,441","12,442","12,443","12,444","12,445","12,446","12,447","12,448","12,449","12,450","12,451","12,452","12,453","12,454","12,455","12,456","12,457","12,458","12,459","12,460","12,461","12,462","12,463","12,464","12,465","12,466","12,467","12,468","12,469","12,470","12,471","12,472","12,473","12,474","12,475","12,476","12,477","12,478","12,479","12,480","12,481","12,482","12,483","12,484","12,485","12,486","12,487","12,488","12,489","12,490","12,491","12,492","12,493","12,494","12,495","12,496","12,497","12,498","12,499","12,500","12,501","12,502","12,503","12,504","12,505","12,506","12,507","12,508","12,509","12,510","12,511","12,512","12,513","12,514","12,515","12,516","12,517","12,518","12,519","12,520","12,521","12,522","12,523","12,524","12,525","12,527","12,529","12,530","12,531","12,532","12,533","12,534","12,535","12,536","12,537","12,538","12,539","12,540","12,541","12,542","12,543","12,544","12,545","12,546","12,547","12,548","12,549","12,550","12,551","12,552","12,553","12,554","12,555","12,556","12,557","12,558","12,559","12,560","12,561","12,562","12,563","12,564","12,565","12,566","12,567","12,568","12,569","12,570","12,571","12,572","12,573","12,574","12,575","12,576","12,577","12,578","12,579","12,580","12,581","12,582","12,583","12,584","12,585","12,586","12,587","12,588","12,589","12,590","12,591","12,592","12,593","12,594","12,595","12,596","12,597","12,598","12,599","12,600","12,601","12,602","12,603","12,604","12,605","12,606","12,607","12,608","12,609","12,610","12,611","12,612","12,613","12,614","12,615","12,616","12,617","12,618","12,619","12,620","12,621","12,622","12,623","12,624","12,625","12,626","12,627","12,628","12,629","12,630","12,631","12,632","12,633","12,634","12,635","12,636","12,637","12,638","12,639","12,640","12,641","12,642","12,643","12,644","12,645","12,646","12,647","12,648","12,649","12,650","12,651","12,652","12,653","12,654","12,655","12,656","12,657","12,658","12,659","12,660","12,661","12,662","12,663","12,664","12,665","12,666","12,667","12,668","12,669","12,670","12,671","12,672","12,673","12,674","12,675","12,676","13,1","13,2","13,3","13,4","13,5","13,6","13,7","13,8","13,9","13,10","13,11","13,12","13,13","13,14","13,15","13,16","13,17","13,18","13,19","13,20","13,21","13,22","13,23","13,24","13,25","13,26","13,27","13,28","13,29","13,30","13,31","13,32","13,33","13,34","13,35","13,36","13,37","13,38","13,39","13,40","13,41","13,42","13,43","13,44","13,45","13,46","13,47","13,48","13,49","13,50","13,51","13,52","13,53","13,54","13,55","13,56","13,57","13,58","13,59","13,60","13,61","13,62","13,63","13,64","13,65","13,66","13,67","13,68","13,69","13,70","13,71","13,72","13,73","13,74","13,75","13,76","13,77","13,78","13,79","13,80","13,81","13,82","13,83","13,84","13,85","13,86","13,87","13,88","13,89","13,90","13,91","13,92","13,93","13,94","13,95","13,96","13,97","13,98","13,99","13,100","13,101","13,102","13,103","13,104","13,105","13,106","13,107","13,108","13,109","13,110","13,111","13,112","13,113","13,114","13,115","13,116","13,117","13,118","13,119","13,120","13,121","13,122","13,123","13,124","13,125","13,126","13,127","13,128","13,129","13,130","13,131","13,132","13,133","13,134","13,135","13,136","13,137","13,138","13,139","13,140","13,141","13,142","13,143","13,144","13,145","13,146","13,147","13,148","13,149","13,150","13,151","13,152","13,153","13,154","13,155","13,156","13,157","13,158","13,159","13,160","13,161","13,162","13,163","13,164","13,165","13,166","13,167","13,168","13,169","13,170","13,171","13,172","13,173","13,174","13,175","13,176","13,177","13,178","13,179","13,180","13,181","13,182","13,183","13,184","13,185","13,186","13,187","13,188","13,189","13,190","13,191","13,192","13,193","13,194","13,195","13,196","13,197","13,198","13,199","13,200","13,201","13,202","13,203","13,204","13,205","13,206","13,207","13,208","13,209","13,210","13,211","13,212","13,213","13,214","13,215","13,216","13,217","13,218","13,219","13,220","13,221","13,222","13,223","13,224","13,225","13,226","13,227","13,228","13,229","13,230","13,231","13,232","13,233","13,234","13,235","13,236","13,237","13,238","13,239","13,241","13,243","13,244","13,245","13,246","13,247","13,248","13,249","13,250","13,251","13,252","13,253","13,254","13,255","13,256","13,257","13,258","13,259","13,260","13,261","13,262","13,263","13,264","13,265","13,266","13,267","13,268","13,269","13,270","13,271","13,272","13,273","13,274","13,275","13,276","13,277","13,278","13,279","13,280","13,281","13,282","13,283","13,284","13,285","13,286","13,287","13,288","13,289","13,290","13,291","13,292","13,293","13,294","13,295","13,296","13,297","13,298","13,299","13,300","13,301","13,302","13,303","13,304","13,305","13,306","13,307","13,308","13,309","13,310","13,311","13,312","13,313","13,314","13,315","13,316","13,317","13,318","13,319","13,320","13,321","13,322","13,323","13,324","13,325","13,326","13,327","13,328","13,329","13,330","13,331","13,332","13,333","13,334","13,335","13,336","13,337","13,338","13,339","13,340","13,341","13,342","13,343","13,344","13,345","13,346","13,347","13,348","13,349","13,350","13,351","13,352","13,353","13,354","13,355","13,356","13,357","13,358","13,359","13,360","13,361","13,362","13,363","13,364","13,365","13,366","13,367","13,368","13,369","13,370","13,371","13,372","13,373","13,374","13,375","13,376","13,377","13,378","13,379","13,380","13,381","13,382","13,383","13,384","13,385","13,386","13,387","13,388","13,389","13,390","13,391","13,392","13,393","13,394","13,395","13,396","13,397","13,398","13,399","13,400","13,401","13,402","13,403","13,404","13,405","13,406","13,407","13,408","13,409","13,410","13,411","13,412","13,413","13,414","13,415","13,416","13,417","13,418","13,419","13,420","13,421","13,422","13,423","13,424","13,425","13,426","13,427","13,428","13,429","13,430","13,431","13,432","13,433","13,434","13,435","13,436","13,437","13,438","13,439","13,440","13,441","13,442","13,443","13,444","13,445","13,446","13,447","13,448","13,449","13,450","13,451","13,452","13,453","13,454","13,455","13,456","13,457","13,458","13,459","13,460","13,461","13,462","13,463","13,464","13,465","13,466","13,467","13,468","13,469","13,470","13,471","13,472","13,473","13,474","13,475","13,476","13,477","13,478","13,479","13,480","13,481","13,482","13,483","13,484","13,485","13,486","13,487","13,488","13,489","13,490","13,491","13,492","13,493","13,494","13,495","13,496","13,497","13,498","13,499","13,500","13,501","13,502","13,503","13,504","13,505","13,506","13,507","13,508","13,509","13,510","13,511","13,512","13,513","13,514","13,515","13,516","13,517","13,519","13,520","13,521","13,522","13,523","13,524","13,525","13,526","13,527","13,528","13,529","13,530","13,531","13,532","13,533","13,534","13,535","13,536","13,537","13,538","13,539","13,540","13,541","13,542","13,543","13,544","13,545","13,546","13,547","13,548","13,549","13,550","13,551","13,552","13,553","13,554","13,555","13,556","13,557","13,558","13,559","13,560","13,561","13,562","13,563","13,564","13,565","13,566","13,567","13,568","13,569","13,570","13,571","13,572","13,573","13,574","13,575","13,576","13,577","13,578","13,579","13,580","13,581","13,582","13,583","13,584","13,585","13,586","13,587","13,588","13,589","13,590","13,591","13,592","13,593","13,594","13,595","13,596","13,597","13,598","13,599","13,600","13,601","13,602","13,603","13,604","13,605","13,606","13,607","13,608","13,609","13,610","13,611","13,612","13,613","13,614","13,615","13,616","13,617","13,618","13,619","14,1","14,2","14,3","14,4","14,5","14,6","14,7","14,8","14,9","14,10","14,11","14,12","14,13","14,14","14,15","14,16","14,17","14,18","14,19","14,20","14,21","14,22","14,23","14,24","14,25","14,26","14,27","14,28","14,29","14,30","14,31","14,32","14,33","14,34","14,35","14,36","14,37","14,38","14,39","14,40","14,41","14,42","14,43","14,44","14,45","14,46","14,47","14,48","14,49","14,50","14,51","14,52","14,53","14,54","14,55","14,56","14,57","14,58","14,59","14,60","14,61","14,62","14,63","14,64","14,65","14,66","14,67","14,68","14,69","14,70","14,71","14,72","14,73","14,74","14,75","14,76","14,77","14,78","14,79","14,80","14,81","14,82","14,83","14,84","14,85","14,86","14,87","14,88","14,89","14,90","14,91","14,92","14,93","14,94","14,95","14,96","14,97","14,98","14,99","14,100","14,101","14,102","14,103","14,104","14,105","14,106","14,107","14,108","14,109","14,110","14,111","14,112","14,113","14,114","14,115","14,116","14,117","14,118","14,119","14,120","14,121","14,122","14,123","14,124","14,125","14,126","14,127","14,128","14,129","14,130","14,131","14,132","14,133","14,134","14,135","14,136","14,137","14,138","14,139","14,140","14,141","14,142","14,143","14,144","14,145","14,146","14,147","14,148","14,149","14,150","14,151","14,152","14,153","14,154","14,155","14,156","14,157","14,158","14,159","14,160","14,161","14,162","14,163","14,164","14,165","14,166","14,167","14,168","14,169","14,170","14,171","14,172","14,173","14,174","14,175","14,176","14,177","14,178","14,179","14,181","14,183","14,184","14,185","14,186","14,187","14,188","14,189","14,190","14,191","14,192","14,193","14,194","14,195","14,196","14,197","14,198","14,199","14,200","14,201","14,202","14,203","14,204","14,205","14,206","14,207","14,208","14,209","14,210","14,211","14,212","14,213","14,214","14,215","14,216","14,217","14,218","14,219","14,220","14,221","14,222","14,223","14,224","14,225","14,226","14,227","14,228","14,229","14,230","14,231","14,232","14,233","14,234","14,235","14,236","14,237","14,238","14,239","14,240","14,241","14,242","14,243","14,244","14,245","14,246","14,247","14,248","14,249","14,250","14,251","14,252","14,253","14,254","14,255","14,256","14,257","14,258","14,259","14,260","14,261","14,262","14,263","14,264","14,265","14,266","14,267","14,268","14,269","14,270","14,271","14,272","14,273","14,274","14,275","14,276","14,277","14,278","14,279","14,280","14,281","14,282","14,283","14,284","14,285","14,286","14,287","14,288","14,289","14,290","14,291","14,292","14,293","14,294","14,295","14,296","14,297","14,298","14,299","14,300","14,301","14,302","14,303","14,304","14,305","14,306","14,307","14,308","14,309","14,310","14,311","14,312","14,313","14,314","14,315","14,316","14,317","14,318","14,319","14,320","14,321","14,322","14,323","14,324","14,325","14,326","14,327","14,328","14,329","14,330","14,331","14,332","14,333","14,334","14,335","14,336","14,337","14,338","14,339","14,340","14,341","14,342","14,343","14,345","14,347","14,348","14,349","14,350","14,351","14,352","14,353","14,354","14,355","14,356","14,357","14,358","14,359","14,360","14,361","14,362","14,363","14,364","14,365","14,366","14,367","14,368","14,369","14,370","14,371","14,372","14,373","14,374","14,375","14,376","14,377","14,378","14,379","14,380","14,381","14,382","14,383","14,384","14,385","14,386","14,387","14,388","14,389","14,390","14,391","14,392","14,393","14,394","14,395","14,396","14,397","14,398","14,399","14,400","14,401","14,402","14,403","14,404","14,405","14,406","14,407","14,408","14,409","14,410","14,411","14,412","14,413","14,414","14,415","14,416","14,417","14,418","14,419","14,420","14,421","14,422","14,423","14,424","14,425","14,426","14,427","14,428","14,429","14,430","14,431","14,432","14,433","14,434","14,435","14,436","14,437","14,438","14,439","14,440","14,441","14,442","14,443","14,444","14,445","14,446","14,447","14,448","14,449","14,450","14,451","14,452","14,453","14,454","14,455","14,456","14,457","14,458","14,459","14,460","14,461","14,462","14,463","14,464","14,465","14,466","14,467","14,468","14,469","14,470","14,471","14,472","14,473","14,474","14,475","14,476","14,477","14,478","14,479","14,480","14,481","14,482","14,483","14,484","14,485","14,486","14,487","14,488","14,489","14,490","14,491","14,492","14,493","14,494","14,495","14,496","14,497","14,498","14,499","14,500","14,501","14,502","14,503","14,504","14,505","14,506","14,507","14,508","14,509","14,510","14,511","14,512","14,513","14,514","14,515","14,516","14,517","14,518","14,519","14,520","14,521","14,522","14,523","14,524","14,525","14,526","14,527","14,528","14,529","14,530","14,531","14,532","14,533","14,534","14,535","14,536","14,537","14,538","14,539","14,540","14,541","14,542","14,543","14,544","14,545","14,546","14,547","14,548","14,549","14,550","14,551","14,552","14,553","14,554","14,555","14,556","14,557","14,558","14,559","14,560","14,561","14,562","14,563","14,564","14,565","15,1","15,2","15,3","15,4","15,5","15,6","15,7","15,8","15,9","15,10","15,11","15,12","15,13","15,14","15,15","15,16","15,17","15,18","15,19","15,20","15,21","15,22","15,23","15,24","15,25","15,26","15,27","15,28","15,29","15,30","15,31","15,32","15,33","15,34","15,35","15,36","15,37","15,38","15,39","15,40","15,41","15,42","15,43","15,44","15,45","15,46","15,47","15,48","15,49","15,50","15,51","15,52","15,53","15,54","15,55","15,56","15,57","15,58","15,59","15,60","15,61","15,62","15,63","15,64","15,65","15,66","15,67","15,68","15,69","15,70","15,71","15,72","15,73","15,74","15,75","15,76","15,77","15,78","15,79","15,80","15,81","15,82","15,83","15,84","15,85","15,86","15,87","15,88","15,89","15,90","15,91","15,92","15,93","15,94","15,95","15,96","15,97","15,98","15,99","15,100","15,101","15,102","15,103","15,104","15,105","15,106","15,107","15,108","15,109","15,110","15,111","15,112","15,113","15,114","15,115","15,116","15,117","15,118","15,119","15,120","15,121","15,122","15,123","15,124","15,125","15,126","15,127","15,128","15,129","15,130","15,131","15,132","15,133","15,134","15,135","15,136","15,137","15,138","15,139","15,140","15,141","15,142","15,143","15,144","15,145","15,146","15,147","15,148","15,149","15,150","15,151","15,152","15,153","15,154","15,155","15,156","15,157","15,158","15,159","15,160","15,161","15,162","15,163","15,164","15,165","15,166","15,167","15,168","15,169","15,170","15,171","15,172","15,173","15,174","15,175","15,176","15,177","15,178","15,179","15,180","15,181","15,182","15,183","15,184","15,185","15,186","15,187","15,188","15,189","15,190","15,191","15,192","15,193","15,194","15,195","15,196","15,197","15,198","15,199","15,200","15,201","15,202","15,203","15,204","15,205","15,206","15,207","15,208","15,209","15,210","15,211","15,212","15,213","15,214","15,215","15,216","15,217","15,218","15,219","15,220","15,221","15,222","15,223","15,224","15,225","15,226","15,227","15,228","15,229","15,230","15,231","15,232","15,233","15,234","15,235","15,236","15,237","15,239","15,240","15,241","15,242","15,243","15,244","15,245","15,246","15,247","15,248","15,249","15,250","15,251","15,252","15,253","15,254","15,255","15,256","15,257","15,258","15,259","15,260","15,261","15,262","15,263","15,264","15,265","15,266","15,267","15,268","15,269","15,270","15,271","15,272","15,273","15,274","15,275","15,276","15,277","15,278","15,279","15,280","15,281","15,282","15,283","15,284","15,285","15,286","15,287","15,288","15,289","15,290","15,291","15,292","15,293","15,294","15,295","15,296","15,297","15,298","15,299","15,300","15,301","15,302","15,303","15,304","15,305","15,306","15,307","15,308","15,309","15,310","15,311","15,312","15,313","15,314","15,315","15,316","15,317","15,318","15,319","15,320","15,321","15,322","15,323","15,324","15,325","15,326","15,327","15,328","15,329","15,330","15,331","15,332","15,333","15,334","15,335","15,336","15,337","15,338","15,339","15,340","15,341","15,342","15,343","15,344","15,345","15,346","15,347","15,348","15,349","15,350","15,351","15,352","15,353","15,354","15,355","15,356","15,357","15,358","15,359","15,360","15,361","15,362","15,363","15,364","15,365","15,366","15,367","15,368","15,369","15,370","15,371","15,372","15,373","15,374","15,375","15,376","15,377","15,378","15,379","15,380","15,381","15,382","15,383","15,384","15,385","15,386","15,387","15,388","15,389","15,390","15,391","15,392","15,393","15,394","15,395","15,396","15,397","15,398","15,399","15,400","15,401","15,402","15,403","15,404","15,405","15,406","15,407","15,408","15,409","15,410","15,411","15,412","15,413","15,414","15,415","15,416","15,417","15,418","15,419","15,420","15,421","15,422","15,423","15,424","15,425","15,426","15,427","15,428","15,429","15,430","15,431","15,432","15,433","15,434","15,435","15,436","15,437","15,438","15,439","15,440","15,441","15,442","15,443","15,444","15,445","15,446","15,447","15,448","15,449","15,450","15,451","15,452","15,453","15,454","15,455","15,456","15,457","15,458","15,459","15,460","15,461","15,462","15,463","15,464","15,465","15,466","15,467","15,468","15,469","15,470","15,471","15,472","15,473","15,474","15,475","15,476","15,477","15,478","15,479","15,480","15,481","15,482","15,483","15,484","15,485","15,486","15,487","15,488","15,489","15,490","15,491","15,492","15,493","15,494","15,495","15,496","15,497","15,498","15,499","15,500","15,501","15,502","15,503","15,504","15,505","15,506","15,507","15,508","15,509","15,510","15,511","15,512","15,513","15,515","15,517","15,518","15,519","15,520","15,521","15,522","15,523","15,524","15,525","15,526","15,527","15,528","15,529","15,530","15,531","15,532","15,533","15,534","15,535","15,536","15,537","15,538","15,539","15,540","15,541","15,542","15,543","15,544","15,545","15,546","15,547","15,548","15,549","15,550","15,551","15,552","15,553","15,554","15,555","15,556","15,557","15,558","15,559","15,560","15,561","15,562","15,563","15,564","15,565","15,566","15,567","15,568","15,569","15,570","15,571","15,572","15,573","15,574","15,575","15,576","15,577","15,578","15,579","15,580","15,581","15,582","15,583","15,584","15,585","15,586","15,587","15,588","15,589","15,590","15,591","15,592","15,593","15,594","15,595","15,596","15,597","15,598","15,599","15,600","15,601","15,602","15,603","15,604","15,605","15,606","15,607","15,608","15,609","15,610","15,611","15,612","15,613","16,1","16,2","16,3","16,4","16,5","16,6","16,7","16,8","16,9","16,10","16,11","16,12","16,13","16,14","16,15","16,16","16,17","16,18","16,19","16,20","16,21","16,22","16,23","16,24","16,25","16,26","16,27","16,28","16,29","16,30","16,31","16,32","16,33","16,34","16,35","16,36","16,37","16,38","16,39","16,40","16,41","16,42","16,43","16,44","16,45","16,46","16,47","16,48","16,49","16,50","16,51","16,52","16,53","16,54","16,55","16,56","16,57","16,58","16,59","16,60","16,61","16,62","16,63","16,64","16,65","16,66","16,67","16,68","16,69","16,70","16,71","16,72","16,73","16,74","16,75","16,76","16,77","16,78","16,79","16,80","16,81","16,82","16,83","16,84","16,85","16,86","16,87","16,88","16,89","16,91","16,92","16,93","16,94","16,95","16,96","16,97","16,98","16,99","16,100","16,101","16,102","16,103","16,104","16,105","16,106","16,107","16,108","16,109","16,110","16,111","16,112","16,113","16,114","16,115","16,116","16,117","16,118","16,119","16,120","16,121","16,122","16,123","16,124","16,125","16,126","16,127","16,128","16,129","16,130","16,131","16,132","16,133","16,134","16,135","16,136","16,137","16,138","16,139","16,140","16,141","16,142","16,143","16,144","16,145","16,146","16,147","16,148","16,149","16,150","16,151","16,152","16,153","16,154","16,155","16,156","16,157","16,158","16,159","16,160","16,161","16,162","16,163","16,164","16,165","16,166","16,167","16,168","16,169","16,170","16,171","16,172","16,173","16,174","16,175","16,176","16,177","16,178","16,179","16,180","16,181","16,182","16,183","16,184","16,185","16,186","16,187","16,188","16,189","16,190","16,191","16,192","16,193","16,194","16,195","16,196","16,197","16,198","16,199","16,200","16,201","16,202","16,203","16,204","16,205","16,206","16,207","16,208","16,209","16,210","16,211","16,212","16,213","16,214","16,215","16,216","16,217","16,218","16,219","16,220","16,221","16,222","16,223","16,224","16,225","16,226","16,227","16,228","16,229","16,230","16,231","16,232","16,233","16,234","16,235","16,236","16,237","16,238","16,239","16,240","16,241","16,242","16,243","16,244","16,245","16,246","16,247","16,248","16,249","16,250","16,251","16,252","16,253","16,254","16,255","16,256","16,257","16,258","16,259","16,260","16,261","16,262","16,263","16,264","16,265","16,266","16,267","16,268","16,269","16,270","16,271","16,272","16,273","16,274","16,275","16,276","16,277","16,278","16,279","16,280","16,281","16,282","16,283","16,284","16,285","16,286","16,287","16,288","16,289","16,290","16,291","16,292","16,293","16,294","16,295","16,296","16,297","16,298","16,299","16,300","16,301","16,302","16,303","16,304","16,305","16,306","16,307","16,308","16,309","16,310","16,311","16,312","16,313","16,314","16,315","16,316","16,317","16,318","16,319","16,320","16,321","16,322","16,323","16,324","16,325","16,326","16,327","16,328","16,329","16,330","16,331","16,332","16,333","16,334","16,335","16,336","16,337","16,338","16,339","16,340","16,341","16,342","16,343","16,344","16,345","16,346","16,347","16,348","16,349","16,350","16,351","16,352","16,353","16,354","16,355","16,356","16,357","16,358","16,359","16,360","16,361","16,362","16,363","16,364","16,365","16,366","16,367","16,368","16,369","16,370","16,371","16,372","16,373","16,374","16,375","16,376","16,377","16,378","16,379","16,380","16,381","16,382","16,383","16,384","16,385","16,386","16,387","16,388","16,389","16,390","16,391","16,392","16,393","16,394","16,395","16,397","16,399","16,400","16,401","16,402","16,403","16,404","16,405","16,406","16,407","16,408","16,409","16,410","16,411","16,412","16,413","16,414","16,415","16,416","16,417","16,418","16,419","16,420","16,421","16,422","16,423","16,424","16,425","16,426","16,427","16,428","16,429","16,430","16,431","16,432","16,433","16,434","16,435","16,436","16,437","16,438","16,439","16,440","16,441","16,442","16,443","16,444","16,445","16,446","16,447","16,448","16,449","16,450","16,451","16,452","16,453","16,454","16,455","16,456","16,457","16,458","16,459","16,460","16,461","16,462","16,463","16,464","16,465","16,466","16,467","16,468","16,469","16,470","16,471","16,472","16,473","16,474","16,475","16,476","16,477","16,478","16,479","16,480","16,481","16,482","16,483","16,484","16,485","16,486","16,487","16,488","16,489","16,490","16,491","16,492","16,493","16,494","16,495","16,496","16,497","16,498","16,499","16,500","16,501","16,502","16,503","16,504","16,505","16,506","16,507","16,508","16,509","16,510","16,511","16,512","16,513","16,514","16,515","16,516","16,517","16,518","16,519","16,520","16,521","16,522","16,523","16,524","16,525","16,526","16,527","16,528","16,529","16,530","16,531","16,532","16,533","16,534","16,535","16,536","16,537","16,538","16,539","16,540","16,541","16,542","16,543","16,544","16,545","16,546","16,547","16,548","16,549","16,550","16,551","16,552","16,553","16,554","16,555","16,556","16,557","16,558","16,559","16,560","16,561","16,562","16,563","16,564","16,565","16,566","16,567","16,568","16,569","16,570","16,571","16,572","16,573","16,574","16,575","16,576","16,577","16,578","16,579","16,580","16,581","16,582","16,583","16,584","16,585","16,586","16,587","16,588","16,589","16,590","16,591","16,592","16,593","16,594","16,595","16,596","16,597","16,598","16,599","16,600","16,601","16,602","16,603","16,604","16,605","16,606","16,607","16,608","16,609","16,610","16,611","16,612","16,613","16,614","16,615","16,616","16,617","16,618","16,619","16,620","16,621","16,622","16,623","16,624","16,625","16,626","17,1","17,2","17,3","17,4","17,5","17,6","17,7","17,8","17,9","17,10","17,11","17,12","17,13","17,14","17,15","17,16","17,17","17,18","17,19","17,20","17,21","17,22","17,23","17,24","17,25","17,26","17,27","17,28","17,29","17,30","17,31","17,32","17,33","17,34","17,35","17,36","17,37","17,38","17,39","17,40","17,41","17,42","17,43","17,44","17,45","17,46","17,47","17,48","17,49","17,50","17,51","17,52","17,53","17,54","17,55","17,56","17,57","17,58","17,59","17,60","17,61","17,62","17,63","17,64","17,65","17,66","17,67","17,68","17,69","17,70","17,71","17,72","17,73","17,74","17,75","17,76","17,77","17,78","17,79","17,80","17,81","17,82","17,83","17,84","17,85","17,86","17,87","17,88","17,89","17,90","17,91","17,92","17,93","17,94","17,95","17,96","17,97","17,98","17,99","17,100","17,101","17,102","17,103","17,104","17,105","17,106","17,107","17,108","17,109","17,110","17,111","17,112","17,113","17,114","17,115","17,116","17,117","17,118","17,119","17,120","17,121","17,122","17,123","17,124","17,125","17,126","17,127","17,128","17,129","17,130","17,131","17,132","17,133","17,134","17,135","17,136","17,137","17,138","17,139","17,140","17,141","17,142","17,143","17,144","17,145","17,146","17,147","17,148","17,149","17,150","17,151","17,152","17,153","17,155","17,157","17,158","17,159","17,160","17,161","17,162","17,163","17,164","17,165","17,166","17,167","17,168","17,169","17,170","17,171","17,172","17,173","17,174","17,175","17,176","17,177","17,178","17,179","17,180","17,181","17,182","17,183","17,184","17,185","17,186","17,187","17,188","17,189","17,190","17,191","17,192","17,193","17,194","17,195","17,196","17,197","17,198","17,199","17,200","17,201","17,202","17,203","17,204","17,205","17,206","17,207","17,208","17,209","17,210","17,211","17,212","17,213","17,214","17,215","17,216","17,217","17,218","17,219","17,220","17,221","17,222","17,223","17,224","17,225","17,226","17,227","17,228","17,229","17,230","17,231","17,232","17,233","17,234","17,235","17,236","17,237","17,238","17,239","17,240","17,241","17,242","17,243","17,244","17,245","17,246","17,247","17,248","17,249","17,250","17,251","17,252","17,253","17,254","17,255","17,256","17,257","17,258","17,259","17,260","17,261","17,262","17,263","17,264","17,265","17,266","17,267","17,268","17,269","17,270","17,271","17,272","17,273","17,274","17,275","17,276","17,277","17,278","17,279","17,280","17,281","17,282","17,283","17,284","17,285","17,286","17,287","17,288","17,289","17,290","17,291","17,292","17,293","17,294","17,295","17,296","17,297","17,298","17,299","17,300","17,301","17,302","17,303","17,304","17,305","17,306","17,307","17,308","17,309","17,310","17,311","17,312","17,313","17,314","17,315","17,316","17,317","17,318","17,319","17,320","17,321","17,322","17,323","17,324","17,325","17,326","17,327","17,329","17,330","17,331","17,332","17,333","17,334","17,335","17,336","17,337","17,338","17,339","17,340","17,341","17,342","17,343","17,344","17,345","17,346","17,347","17,348","17,349","17,350","17,351","17,352","17,353","17,354","17,355","17,356","17,357","17,358","17,359","17,360","17,361","17,362","17,363","17,364","17,365","17,366","17,367","17,368","17,369","17,370","17,371","17,372","17,373","17,374","17,375","17,376","17,377","17,378","17,379","17,380","17,381","17,382","17,383","17,384","17,385","17,386","17,387","17,388","17,389","17,390","17,391","17,392","17,393","17,394","17,395","17,396","17,397","17,398","17,399","17,400","17,401","17,402","17,403","17,404","17,405","17,406","17,407","17,408","17,409","17,410","17,411","17,412","17,413","17,414","17,415","17,416","17,417","17,418","17,419","17,420","17,421","17,422","17,423","17,424","17,425","17,426","17,427","17,428","17,429","17,430","17,431","17,432","17,433","17,434","17,435","17,436","17,437","17,438","17,439","17,440","17,441","17,442","17,443","17,444","17,445","17,446","17,447","17,448","17,449","17,450","17,451","17,452","17,453","17,454","17,455","17,456","17,457","17,458","17,459","17,460","17,461","17,462","17,463","17,464","17,465","17,466","17,467","17,468","17,469","17,470","17,471","17,472","17,473","17,474","17,475","17,476","17,477","17,478","17,479","17,480","17,481","17,483","17,485","17,486","17,487","17,488","17,489","17,490","17,491","17,492","17,493","17,494","17,495","17,496","17,497","17,498","17,499","17,500","17,501","17,502","17,503","17,504","17,505","17,506","17,507","17,508","17,509","17,510","17,511","17,512","17,513","17,514","17,515","17,516","17,517","17,518","17,519","17,520","17,521","17,522","17,523","17,524","17,525","17,526","17,527","17,528","17,529","17,530","17,531","17,532","17,533","17,534","17,535","17,536","17,537","17,538","17,539","17,540","17,541","17,542","17,543","17,544","17,545","17,546","17,547","17,548","17,549","17,550","17,551","17,552","17,553","17,554","17,555","17,556","17,557","17,558","17,559","17,560","17,561","17,562","17,563","18,1","18,2","18,3","18,4","18,5","18,6","18,7","18,8","18,9","18,10","18,11","18,12","18,13","18,14","18,15","18,16","18,17","18,18","18,19","18,20","18,21","18,22","18,23","18,24","18,25","18,26","18,27","18,28","18,29","18,30","18,31","18,32","18,33","18,34","18,35","18,36","18,37","18,38","18,39","18,40","18,41","18,42","18,43","18,44","18,45","18,46","18,47","18,48","18,49","18,50","18,51","18,52","18,53","18,54","18,55","18,56","18,57","18,58","18,59","18,60","18,61","18,62","18,63","18,64","18,65","18,66","18,67","18,68","18,69","18,70","18,71","18,72","18,73","18,74","18,75","18,76","18,77","18,78","18,79","18,80","18,81","18,82","18,83","18,84","18,85","18,86","18,87","18,88","18,89","18,91","18,92","18,93","18,94","18,95","18,96","18,97","18,98","18,99","18,100","18,101","18,102","18,103","18,104","18,105","18,106","18,107","18,108","18,109","18,110","18,111","18,112","18,113","18,114","18,115","18,116","18,117","18,118","18,119","18,120","18,121","18,122","18,123","18,124","18,125","18,126","18,127","18,128","18,129","18,131","18,133","18,134","18,135","18,136","18,137","18,138","18,139","18,140","18,141","18,142","18,143","18,144","18,145","18,146","18,147","18,148","18,149","18,150","18,151","18,152","18,153","18,154","18,155","18,156","18,157","18,158","18,159","18,160","18,161","18,162","18,163","18,164","18,165","18,167","18,168","18,169","18,170","18,171","18,172","18,173","18,174","18,175","18,176","18,177","18,178","18,179","18,180","18,181","18,182","18,183","18,184","18,185","18,186","18,187","18,188","18,189","18,190","18,191","18,192","18,193","18,194","18,195","18,196","18,197","18,198","18,199","18,200","18,201","18,202","18,203","18,204","18,205","18,206","18,207","18,208","18,209","18,210","18,211","18,212","18,213","18,214","18,215","18,216","18,217","18,218","18,219","18,220","18,221","18,222","18,223","18,224","18,225","18,226","18,227","18,228","18,229","18,230","18,231","18,232","18,233","18,234","18,235","18,236","18,237","18,238","18,239","18,240","18,241","18,242","18,243","18,244","18,245","18,246","18,247","18,248","18,249","18,250","18,251","18,252","18,253","18,254","18,255","18,256","18,257","18,258","18,259","18,260","18,261","18,262","18,263","18,264","18,265","18,266","18,267","18,268","18,269","18,270","18,271","18,272","18,273","18,274","18,275","18,276","18,277","18,278","18,279","18,280","18,281","18,282","18,283","18,284","18,285","18,286","18,287","18,288","18,289","18,290","18,291","18,292","18,293","18,294","18,295","18,296","18,297","18,298","18,299","18,300","18,301","18,302","18,303","18,304","18,305","18,306","18,307","18,308","18,309","18,311","18,312","18,313","18,314","18,315","18,316","18,317","18,318","18,319","18,320","18,321","18,322","18,323","18,324","18,325","18,326","18,327","18,328","18,329","18,330","18,331","18,332","18,333","18,334","18,335","18,336","18,337","18,338","18,339","18,340","18,341","18,342","18,343","18,344","18,345","18,346","18,347","18,348","18,349","18,350","18,351","18,352","18,353","18,354","18,355","18,356","18,357","18,358","18,359","18,360","18,361","18,362","18,363","18,364","18,365","18,366","18,367","18,368","18,369","18,370","18,371","18,372","18,373","18,374","18,375","18,376","18,377","18,378","18,379","18,380","18,381","18,382","18,383","18,384","18,385","18,386","18,387","18,388","18,389","18,390","18,391","18,392","18,393","18,394","18,395","18,397","18,399","18,400","18,401","18,402","18,403","18,404","18,405","18,406","18,407","18,408","18,409","18,410","18,411","18,412","18,413","18,414","18,415","18,416","18,417","18,418","18,419","18,420","18,421","18,422","18,423","18,424","18,425","18,426","18,427","18,428","18,429","18,430","18,431","18,432","18,433","18,434","18,435","18,436","18,437","18,438","18,439","18,440","18,441","18,442","18,443","18,444","18,445","18,447","18,449","18,450","18,451","18,452","18,453","18,454","18,455","18,456","18,457","18,458","18,459","18,460","18,461","18,462","18,463","18,464","18,465","18,466","18,467","18,468","18,469","18,470","18,471","18,472","18,473","18,474","18,475","18,476","18,477","18,478","18,479","18,480","18,481","18,482","18,483","18,484","18,485","18,486","18,487","18,488","18,489","18,490","18,491","18,492","18,493","18,494","18,495","18,496","18,497","18,498","18,499","18,500","18,501","18,502","18,503","18,504","18,505","18,506","18,507","18,508","18,509","18,510","18,511","18,512","18,513","18,514","18,515","18,516","18,517","18,518","18,519","18,520","18,521","18,522","18,523","18,524","18,525","18,526","18,527","18,528","18,529","18,530","19,1","19,2","19,3","19,4","19,5","19,6","19,7","19,8","19,9","19,10","19,11","19,12","19,13","19,14","19,15","19,16","19,17","19,18","19,19","19,20","19,21","19,22","19,23","19,24","19,25","19,26","19,27","19,28","19,29","19,30","19,31","19,32","19,33","19,34","19,35","19,36","19,37","19,38","19,39","19,40","19,41","19,42","19,43","19,44","19,45","19,46","19,47","19,48","19,49","19,50","19,51","19,52","19,53","19,54","19,55","19,56","19,57","19,58","19,59","19,60","19,61","19,62","19,63","19,64","19,65","19,66","19,67","19,68","19,69","19,70","19,71","19,72","19,73","19,74","19,75","19,76","19,77","19,78","19,79","19,80","19,81","19,82","19,83","19,84","19,85","19,86","19,87","19,88","19,89","19,90","19,91","19,92","19,93","19,94","19,95","19,96","19,97","19,98","19,99","19,100","19,101","19,102","19,103","19,104","19,105","19,106","19,107","19,108","19,109","19,110","19,111","19,112","19,113","19,114","19,115","19,116","19,117","19,118","19,119","19,120","19,121","19,122","19,123","19,124","19,125","19,126","19,127","19,128","19,129","19,130","19,131","19,133","19,135","19,136","19,137","19,138","19,139","19,140","19,141","19,142","19,143","19,144","19,145","19,146","19,147","19,148","19,149","19,150","19,151","19,152","19,153","19,154","19,155","20,1","20,2","20,3","20,4","20,5","20,6","20,7","20,8","20,9","20,10","20,11","20,12","20,13","20,14","20,15","20,16","20,17","20,18","20,19","20,20","20,21","20,22","20,23","20,24","20,25","20,26","20,27","20,28","20,29","20,30","20,31","20,32","20,33","20,34","20,35","20,36","20,37","20,38","20,39","20,40","20,41","20,42","20,43","20,44","20,45","20,46","20,47","20,48","20,49","20,50","20,51","20,52","20,53","20,54","20,55","20,56","20,57","20,58","20,59","20,60","20,61","20,62","20,63","20,64","20,65","20,66","20,67","20,68","20,69","20,70","20,71","20,72","20,73","20,74","20,75","20,76","20,77","20,78","20,79","20,80","20,81","20,82","20,83","20,84","20,85","20,86","20,87","20,88","20,89","20,90","20,91","20,93","20,94","20,95","20,96","20,97","20,98","20,99","20,100","20,101","20,102","20,103","20,104","20,105","20,106","20,107","20,108","20,109","20,110","20,111","20,112","20,113","20,114","20,115","20,116","20,117","20,118","20,119","20,120","20,121","20,122","20,123","20,124","20,125","20,126","20,127","20,128","20,129","20,131","20,132","20,133","20,134","20,135","20,136","20,137","20,138","20,139","20,140","20,141","20,142","20,143","20,144","20,145","20,146","20,147","20,148","20,149","20,150","20,151","20,152","20,153","20,154","20,155","20,156","20,157","20,159","20,160","20,161","20,162","20,163","20,164","20,165","20,166","20,167","20,168","20,169","20,170","20,171","20,172","20,173","20,174","20,175","20,176","20,177","20,178","20,179","20,180","20,181","20,182","20,183","20,184","20,185","20,186","20,187","20,188","20,189","20,190","20,191","20,192","20,193","20,194","20,195","20,196","20,197","20,198","20,199","20,200","20,201","20,202","20,203","20,204","20,205","20,206","20,207","20,209","20,211","20,212","20,213","20,214","20,215","20,216","20,217","20,218","20,219","20,220","20,221","20,222","20,223","20,224","20,225","20,226","20,227","20,228","20,229","20,230","20,231","20,232","20,233","20,234","20,235","20,236","20,237","20,238","20,239","20,240","20,241","20,242","20,243","20,244","20,245","20,246","20,247","20,248","20,249","20,250","20,251","20,252","20,253","20,254","20,255","20,256","20,257","20,258","20,259","20,260","20,261","20,262","20,263","20,264","20,265","20,266","20,267","20,268","20,269","20,270","20,271","20,272","20,273","20,274","20,275","20,277","20,279","20,280","20,281","20,282","20,283","20,284","20,285","20,286","20,287","20,288","20,289","20,290","20,291","20,292","20,293","20,294","20,295","20,296","20,297","20,298","20,299","20,300","20,301","20,302","20,303","20,304","20,305","20,306","20,307","20,308","20,309","20,310","20,311","20,312","20,313","20,314","20,315","20,316","20,317","20,318","20,319","20,320","20,321","20,322","20,323","20,324","20,325","20,326","20,327","20,328","20,329","20,330","20,331","20,332","20,333","20,334","20,335","20,337","20,339","20,340","20,341","20,342","20,343","20,344","20,345","20,346","20,347","20,348","20,349","20,350","20,351","20,352","20,353","20,354","20,355","20,356","20,357","20,358","20,359","20,360","20,361","20,362","20,363","20,364","20,365","20,366","20,367","20,368","20,369","20,370","20,371","20,373","20,375","20,376","20,377","20,378","20,379","20,380","20,381","20,382","20,383","20,384","20,385","20,386","20,387","20,388","20,389","20,390","20,391","20,392","20,393","20,394","20,395","20,396","20,397","20,398","20,399","20,400","20,401","20,402","20,403","20,404","20,405","20,406","20,407","20,408","20,409","20,410","20,411","20,412","20,413","20,414","20,415","20,416","20,417","20,418","20,419","20,420","20,421","20,422","20,423","20,425","20,426","20,427","20,428","20,429","20,430","20,431","20,432","20,433","20,434","20,435","20,436","20,437","20,438","20,439","20,440","20,441","20,442","20,443","20,444","20,445","20,446","20,447","20,448","20,449","20,450","20,451","20,452","20,453","20,454","20,455","20,456","20,457","20,458","20,459","20,460","20,461","20,462","20,463","20,464","20,465","20,466","20,467","20,468","20,469","20,470","20,471","20,473","20,475","20,476","20,477","20,478","20,479","20,480","20,481","20,482","20,483","20,484","20,485","20,486","20,487","20,488","20,489","20,490","20,491","20,492","20,493","20,494","20,495","20,496","20,497","20,498","20,499","20,500","20,501","20,502","20,503","20,504","20,505","20,506","20,507","20,508","20,509","20,510","20,511","20,512","20,513","20,514","21,1","21,2","21,3","21,4","21,5","21,6","21,7","21,8","21,9","21,10","21,11","21,12","21,13","21,14","21,15","21,16","21,17","21,18","21,19","21,20","21,21","21,22","21,23","21,24","21,25","21,26","21,27","21,28","21,29","21,30","21,31","21,32","21,33","21,34","21,35","21,36","21,37","21,38","21,39","21,40","21,41","21,42","21,43","21,44","21,45","21,46","21,47","21,48","21,49","21,50","21,51","21,52","21,53","21,54","21,55","21,56","21,57","21,58","21,59","21,60","21,61","21,62","21,63","21,64","21,65","21,66","21,67","21,68","21,69","21,70","21,71","21,72","21,73","21,74","21,75","21,76","21,77","21,78","21,79","21,80","21,81","21,82","21,83","21,84","21,85","21,86","21,87","21,89","21,90","21,91","21,92","21,93","21,94","21,95","21,96","21,97","21,98","21,99","21,100","21,101","21,102","21,103","21,104","21,105","21,106","21,107","21,108","21,109","21,110","21,111","21,112","21,113","21,114","21,115","21,116","21,117","21,118","21,119","21,120","21,121","21,122","21,123","21,124","21,125","21,126","21,127","21,128","21,129","21,131","21,133","21,134","21,135","21,136","21,137","21,138","21,139","21,140","21,141","21,142","21,143","21,144","21,145","21,146","21,147","21,148","21,149","21,150","21,151","21,152","21,153","21,154","21,155","21,156","21,157","21,158","21,159","21,160","21,161","21,162","21,163","21,164","21,165","21,166","21,167","21,168","21,169","21,170","21,171","21,172","21,173","21,174","21,175","21,176","21,177","21,178","21,179","21,180","21,181","21,182","21,183","21,184","21,185","21,186","21,187","21,188","21,189","21,190","21,191","21,192","21,193","21,194","21,195","21,196","21,197","21,198","21,199","21,200","21,201","21,202","21,203","21,204","21,205","21,206","21,207","21,209","21,210","21,211","21,212","21,213","21,214","21,215","21,216","21,217","21,218","21,219","21,220","21,221","21,222","21,223","21,224","21,225","21,226","21,227","21,228","21,229","21,230","21,231","21,232","21,233","21,234","21,235","21,236","21,237","21,238","21,239","21,240","21,241","21,242","21,243","21,244","21,245","21,246","21,247","21,248","21,249","21,250","21,251","21,252","21,253","21,254","21,255","21,256","21,257","21,258","21,259","21,260","21,261","21,262","21,263","21,264","21,265","21,266","21,267","21,268","21,269","21,270","21,271","21,273","21,275","21,276","21,277","21,278","21,279","21,280","21,281","21,282","21,283","21,284","21,285","21,286","21,287","21,288","21,289","21,290","21,291","21,292","21,293","21,294","21,295","21,296","21,297","21,298","21,299","21,300","21,301","21,302","21,303","21,304","21,305","21,306","21,307","21,308","21,309","21,310","21,311","21,312","21,313","21,314","21,315","21,316","21,317","21,318","21,319","21,320","21,321","21,323","21,325","21,326","21,327","21,328","21,329","21,330","21,331","21,332","21,333","21,334","21,335","21,336","21,337","21,338","21,339","21,340","21,341","21,342","21,343","21,344","21,345","21,346","21,347","21,348","21,349","21,350","21,351","21,352","21,353","21,354","21,355","21,356","21,357","21,358","21,359","21,361","21,363","21,364","21,365","21,366","21,367","21,368","21,369","21,370","21,371","21,372","21,373","21,374","21,375","21,376","21,377","21,378","21,379","21,380","21,381","21,382","21,383","21,384","21,385","21,386","21,387","21,388","21,389","21,390","21,391","21,392","21,393","21,394","21,395","21,396","21,397","21,398","21,399","21,401","21,403","21,404","21,405","21,406","21,407","21,408","21,409","21,410","21,411","21,412","21,413","21,414","21,415","21,416","21,417","21,418","21,419","21,420","21,421","21,422","21,423","21,424","21,425","21,426","21,427","21,428","21,429","21,431","21,432","21,433","21,434","21,435","21,436","21,437","21,438","21,439","21,440","21,441","21,442","21,443","21,445","21,446","21,447","21,448","21,449","21,450","21,451","21,452","21,453","21,454","21,455","21,456","21,457","21,458","21,459","21,460","21,461","21,462","21,463","21,465","21,467","21,468","21,469","21,470","21,471","21,472","21,473","21,474","21,475","21,476","21,477","21,478","21,479","21,480","21,481","21,483","21,484","21,485","21,486","21,487","21,488","21,489","21,491","21,493","21,494","21,495","21,496","21,497","21,498","21,499","21,500","21,501","21,502","21,503","21,504","21,505","21,506","21,507","21,508","21,509","21,510","21,511","21,512","21,513","21,514","21,515","21,516","21,517","21,518","21,519","21,520","21,521","21,522","21,523","21,524","22,1","22,2","22,3","22,4","22,5","22,6","22,5","22,6","22,7","22,8","22,9","22,10","22,11","22,12","22,13","22,14","22,15","22,16","22,17","22,18","22,19","22,20","22,21","22,22","22,23","22,24","22,25","22,26","22,27","22,28","22,29","22,30","22,31","22,32","22,33","22,34","22,35","22,37","22,38","22,39","22,40","22,41","22,42","22,43","22,44","22,45","22,46","22,47","22,48","22,49","22,50","22,51","22,52","22,53","22,54","22,55","22,56","22,57","22,58","22,59","22,60","22,61","22,62","22,63","22,64","22,65","22,66","22,67","22,69","22,70","22,71","22,72","22,73","22,74","22,75","22,76","22,77","22,78","22,79","22,80","22,81","22,82","22,83","22,84","22,85","22,86","22,87","22,88","22,89","22,90","22,91","22,92","22,93","22,94","22,95","22,96","22,97","22,98","22,99","22,100","22,101","22,102","22,103","22,104","22,105","22,106","22,107","22,108","22,109","22,110","22,111","22,112","22,113","22,114","22,115","22,116","22,117","22,118","22,119","22,120","22,121","22,122","22,123","22,125","22,127","22,128","22,129","22,130","22,131","22,132","22,133","22,134","22,135","22,136","22,137","22,138","22,139","22,140","22,141","22,142","22,143","22,144","22,145","22,146","22,147","22,148","22,149","22,150","22,151","22,152","22,153","22,154","22,155","22,156","22,157","22,158","22,159","22,160","22,161","22,162","22,163","22,164","22,165","22,166","22,167","22,168","22,169","22,170","22,171","22,172","22,173","22,174","22,175","22,176","22,177","22,178","22,179","22,180","22,181","22,182","22,183","22,184","22,185","22,186","22,187","22,188","22,189","22,190","22,191","22,192","22,193","22,194","22,195","22,196","22,197","22,199","22,200","22,201","22,202","22,203","22,204","22,205","22,206","22,207","22,208","22,209","22,210","22,211","22,212","22,213","22,214","22,215","22,216","22,217","22,218","22,219","22,220","22,221","22,222","22,223","22,224","22,225","22,226","22,227","22,228","22,229","22,230","22,231","22,232","22,233","22,234","22,235","22,236","22,237","22,238","22,239","22,240","22,241","22,243","22,245","22,246","22,247","22,248","22,249","22,250","22,251","22,252","22,253","22,254","22,255","22,256","22,257","22,258","22,259","22,260","22,261","22,262","22,263","22,264","22,265","22,266","22,267","22,268","22,269","22,270","22,271","22,272","22,273","22,274","22,275","22,276","22,277","22,279","22,280","22,281","22,282","22,283","22,284","22,285","22,286","22,287","22,288","22,289","22,290","22,291","22,292","22,293","22,294","22,295","22,296","22,297","22,298","22,299","22,300","22,301","22,302","22,303","22,304","22,305","22,306","22,307","22,308","22,309","22,310","22,311","22,312","22,313","22,314","22,315","22,316","22,317","22,318","22,319","22,320","22,321","22,322","22,323","22,324","22,325","22,326","22,327","22,328","22,329","22,330","22,331","22,332","22,333","22,334","22,335","22,336","22,337","22,339","22,341","22,342","22,343","22,344","22,345","22,346","22,347","22,348","22,349","22,350","22,351","22,352","22,353","22,354","22,355","22,356","22,357","22,358","22,359","22,360","22,361","22,362","22,363","22,364","22,365","22,366","22,367","22,368","22,369","22,370","22,371","22,372","22,373","22,374","22,375","22,376","22,377","22,378","22,379","22,380","22,381","22,382","22,383","22,384","22,385","22,386","22,387","22,388","22,389","22,391","22,393","22,394","22,395","22,396","22,397","22,398","22,399","22,400","22,401","22,402","22,403","22,404","22,405","22,406","22,407","22,408","22,409","22,410","22,411","22,412","22,413","22,414","22,415","22,416","22,417","22,418","22,419","22,420","22,421","22,422","22,423","22,424","22,425","22,426","22,427","22,428","22,429","22,430","22,431","22,432","22,433","22,434","22,435","22,436","22,437","22,438","22,439","22,440","22,441","22,442","22,443","22,444","22,445","22,446","22,447","22,448","22,449","22,450","22,451","22,452","22,453","22,454","22,455","22,456","22,457","22,458","22,459","22,460","22,461","22,462","22,463","22,464","22,465","22,466","22,467","22,469","22,471","22,472","22,473","22,474","22,475","22,476","22,477","22,478","22,479","22,480","22,481","22,482","22,483","22,484","22,485","22,486","22,487","22,488","22,489","22,490","22,491","22,492","22,493","22,494","22,495","22,496","22,497","22,498","22,499","22,500","22,501","22,502","22,503","22,504","22,505","22,506","22,507","22,508","22,509","22,510","22,511","22,512","22,513","22,514","22,515","22,516","22,517","22,518","22,519","22,520","22,521","22,522","22,523","22,524","22,525","22,526","22,527","22,528","22,529","22,530","23,1","23,2","23,3","23,4","23,5","23,6","23,7","23,8","23,9","23,10","23,11","23,12","23,13","23,14","23,15","23,16","23,17","23,18","23,19","23,20","23,21","23,22","23,23","23,24","23,25","23,26","23,27","23,28","23,29","23,30","23,31","23,32","23,33","23,34","23,35","23,36","23,37","23,38","23,39","23,40","23,41","23,42","23,43","23,44","23,45","23,46","23,47","23,48","23,49","23,50","23,51","23,52","23,53","23,54","23,55","23,56","23,57","23,58","23,59","23,60","23,61","23,62","23,63","23,64","23,65","23,66","23,67","23,69","23,71","23,72","23,73","23,74","23,75","23,76","23,77","23,78","23,79","23,80","23,81","23,82","23,83","23,84","23,85","23,86","23,87","23,88","23,89","23,90","23,91","23,92","23,93","23,94","23,95","23,96","23,97","23,98","23,99","23,100","23,101","23,102","23,103","23,104","23,105","23,106","23,107","23,109","23,110","23,111","23,112","23,113","23,114","23,115","23,116","23,117","23,118","23,119","23,120","23,121","23,122","23,123","23,124","23,125","23,126","23,127","23,128","23,129","23,130","23,131","23,132","23,133","23,134","23,135","23,136","23,137","23,138","23,139","23,140","23,141","23,142","23,143","23,144","23,145","23,146","23,147","23,148","23,149","23,150","23,151","23,153","23,155","23,156","23,157","23,158","23,159","23,160","23,161","23,162","23,163","23,164","23,165","23,166","23,167","23,168","23,169","23,170","23,171","23,172","23,173","23,174","23,175","23,176","23,177","23,178","23,179","23,180","23,181","23,182","23,183","23,184","23,185","23,186","23,187","23,188","23,189","23,190","23,191","23,192","23,193","23,194","23,195","23,196","23,197","23,198","23,199","23,200","23,201","23,202","23,203","23,204","23,205","23,206","23,207","23,209","23,210","23,211","23,212","23,213","23,214","23,215","23,216","23,217","23,218","23,219","23,220","23,221","23,222","23,223","23,224","23,225","23,226","23,227","23,228","23,229","23,230","23,231","23,232","23,233","23,234","23,235","23,236","23,237","23,238","23,239","23,240","23,241","23,242","23,243","23,245","23,246","23,247","23,248","23,249","23,250","23,251","23,252","23,253","23,254","23,255","23,256","23,257","23,258","23,259","23,260","23,261","23,262","23,263","23,264","23,265","23,266","23,267","23,268","23,269","23,270","23,271","23,272","23,273","23,274","23,275","23,276","23,277","23,278","23,279","23,280","23,281","23,282","23,283","23,284","23,285","23,287","23,289","23,290","23,291","23,292","23,293","23,294","23,295","23,296","23,297","23,298","23,299","23,300","23,301","23,302","23,303","23,305","23,307","23,308","23,309","23,310","23,311","23,312","23,313","23,314","23,315","23,316","23,317","23,318","23,319","23,320","23,321","23,322","23,323","23,324","23,325","23,326","23,327","23,328","23,329","23,330","23,331","23,332","23,333","23,334","23,335","23,336","23,337","23,338","23,339","23,340","23,341","23,342","23,343","23,344","23,345","23,346","23,347","23,348","23,349","23,350","23,351","23,353","23,354","23,355","23,356","23,357","23,358","23,359","23,360","23,361","23,362","23,363","23,364","23,365","23,366","23,367","23,368","23,369","23,370","23,371","23,372","23,373","23,374","23,375","23,376","23,377","23,379","23,380","23,381","23,382","23,383","23,384","23,385","23,386","23,387","23,388","23,389","23,390","23,391","23,392","23,393","23,394","23,395","23,396","23,397","23,398","23,399","23,400","23,401","23,403","23,404","23,405","23,406","23,407","23,408","23,409","23,410","23,411","23,412","23,413","23,414","23,415","23,416","23,417","23,418","23,419","23,420","23,421","23,422","23,423","23,424","23,425","23,427","23,429","23,430","23,431","23,432","23,433","23,434","23,435","23,436","23,437","23,438","23,439","23,440","23,441","23,442","23,443","23,444","23,445","23,446","23,447","23,448","23,449","23,450","23,451","23,453","23,455","23,456","23,457","23,458","23,459","23,460","23,461","23,462","23,463","23,464","23,465","23,466","23,467","23,468","23,469","23,470","23,471","23,472","23,473","23,474","23,475","23,476","23,477","23,478","23,479","23,481","23,483","23,484","23,485","23,486","23,487","23,488","23,489","23,490","23,491","23,492","23,493","23,494","23,495","23,496","23,497","23,498","23,499","23,500","23,501","23,502","23,503","23,504","23,505","23,506","23,507","23,508","23,509","23,510","23,511","23,512","23,513","23,514","23,515","23,516","23,517","23,518","23,519","23,520","23,521","23,522","23,523","23,524","23,525","23,526","23,527","23,528","23,529","23,530","24,1","24,2","24,3","24,4","24,5","24,6","24,7","24,8","24,9","24,10","24,11","24,12","24,13","24,14","24,15","24,16","24,17","24,18","24,19","24,20","24,21","24,22","24,23","24,24","24,25","24,26","24,27","24,28","24,29","24,30","24,31","24,32","24,33","24,34","24,35","24,36","24,37","24,38","24,39","24,41","24,43","24,44","24,45","24,46","24,47","24,48","24,49","24,50","24,51","24,52","24,53","24,54","24,55","24,56","24,57","24,58","24,59","24,60","24,61","24,62","24,63","24,64","24,65","24,66","24,67","24,68","24,69","24,70","24,71","24,72","24,73","24,75","24,76","24,77","24,78","24,79","24,80","24,81","24,82","24,83","24,84","24,85","24,86","24,87","24,88","24,89","24,90","24,91","24,92","24,93","24,95","24,97","24,98","24,99","24,100","24,101","24,102","24,103","24,104","24,105","24,106","24,107","24,108","24,109","24,110","24,111","24,112","24,113","24,114","24,115","24,116","24,117","24,118","24,119","24,121","24,122","24,123","24,124","24,125","24,126","24,127","24,128","24,129","24,130","24,131","24,132","24,133","24,134","24,135","24,136","24,137","24,138","24,139","24,141","24,143","24,144","24,145","24,146","24,147","24,148","24,149","24,150","24,151","24,152","24,153","24,154","24,155","24,156","24,157","24,158","24,159","24,160","24,161","24,163","24,165","24,166","24,167","24,168","24,169","24,170","24,171","24,172","24,173","24,174","24,175","24,176","24,177","24,178","24,179","24,180","24,181","24,182","24,183","24,185","24,187","24,188","24,189","24,190","24,191","24,192","24,193","24,194","24,195","24,196","24,197","24,198","24,199","24,201","24,203","24,204","24,205","24,206","24,207","24,208","24,209","24,210","24,211","24,212","24,213","24,214","24,215","24,216","24,217","24,218","24,219","24,220","24,221","24,223","24,224","24,225","24,226","24,227","24,228","24,229","24,230","24,231","24,233","24,235","24,236","24,237","24,238","24,239","24,240","24,241","24,242","24,243","24,244","24,245","24,246","24,247","24,248","24,249","24,250","24,251","24,252","24,253","24,254","24,255","24,256","24,257","24,259","24,261","24,262","24,263","24,264","24,265","24,266","24,267","24,268","24,269","24,270","24,271","24,273","24,275","24,276","24,277","24,278","24,279","24,280","24,281","24,282","24,283","24,284","24,285","24,286","24,287","24,288","24,289","24,290","24,291","24,293","24,294","24,295","24,296","24,297","24,298","24,299","24,300","24,301","24,302","24,303","24,305","24,306","24,307","24,308","24,309","24,310","24,311","24,312","24,313","24,314","24,315","24,316","24,317","24,319","24,321","24,322","24,323","24,324","24,325","24,326","24,327","24,328","24,329","24,330","24,331","24,332","24,333","24,335","24,336","24,337","24,338","24,339","24,340","24,341","24,342","24,343","24,344","24,345","24,346","24,347","24,348","24,349","24,350","24,351","24,352","24,353","24,355","24,356","24,357","24,358","24,359","24,360","24,361","24,362","24,363","24,364","24,365","24,366","24,367","24,369","24,371","24,372","24,373","24,374","24,375","24,376","24,377","24,378","24,379","24,380","24,381","24,382","24,383","24,384","24,385","24,387","24,389","24,390","24,391","24,392","24,393","24,394","24,395","24,396","24,397","24,399","24,400","24,401","24,402","24,403","24,405","24,407","24,408","24,409","24,410","24,411","24,412","24,413","24,414","24,415","24,416","24,417","24,418","24,419","24,420","24,421","24,423","24,425","24,426","24,427","24,428","24,429","24,430","24,431","24,432","24,433","24,434","24,435","24,436","24,437","24,438","24,439","24,440","24,441","24,442","24,443","24,444","24,445","24,446","24,447","24,449","24,451","24,452","24,453","24,454","24,455","24,456","24,457","24,458","24,459","24,460","24,461","24,462","24,463","24,464","24,465","24,467","24,469","24,470","24,471","24,472","24,473","24,474","24,475","24,476","24,477"],"ٞ":{"3":[1],"6":[2],"9":[3],"14":[4],"16":[5,6],"20":[7],"21":[8,9],"22":[10],"23":[11],"24":[12,13,14],"25":[15],"34":[16],"38":[17,18],"43":[19],"45":[20,21],"47":[22],"54":[23,24],"67":[25],"74":[26],"75":[27,28,29],"76":[30],"78":[31],"80":[32],"81":[33,34],"82":[35,36],"83":[37,38],"84":[39,40,41,42],"85":[43],"86":[44,45],"87":[46,47,48],"88":[49],"89":[50,51,52],"91":[53],"92":[54],"94":[55],"95":[56,57],"97":[58,59,60],"102":[61],"104":[62,63],"105":[64,65],"107":[66],"109":[67],"110":[68],"113":[69],"116":[70],"117":[71],"118":[72],"119":[73],"121":[74],"123":[75],"125":[76],"126":[77],"127":[78],"128":[79],"130":[80],"132":[81],"134":[82],"135":[83],"136":[84],"137":[85,86,87,88],"139":[89],"140":[90],"143":[91],"146":[92],"148":[93],"150":[94],"152":[95,96],"153":[97],"155":[98,99,100],"158":[101],"161":[102,103],"164":[104],"165":[105],"167":[106],"168":[107,108],"169":[109],"170":[110],"172":[111,112],"173":[113],"174":[114],"175":[115],"182":[116],"183":[117],"193":[118],"196":[119,120],"200":[121,122],"202":[123],"203":[124],"205":[125,126],"206":[127],"210":[128,129],"212":[130],"213":[131,132],"215":[133,134],"216":[135],"218":[136,137],"219":[138],"221":[139],"222":[140],"223":[141],"224":[142],"225":[143,144],"227":[145],"230":[146],"232":[147],"237":[148],"239":[149],"240":[150],"241":[151],"243":[152],"244":[153,154],"245":[155],"253":[156,157],"257":[158],"261":[159,160],"265":[161,162],"266":[163],"268":[164,165],"270":[166],"274":[167],"276":[168],"278":[169],"280":[170],"285":[171],"287":[172],"288":[173],"289":[174],"290":[175],"291":[176],"292":[177],"295":[178],"297":[179],"298":[180],"303":[181,182],"308":[183],"310":[184],"312":[185],"316":[186],"319":[187],"324":[188,189],"326":[190],"331":[191],"333":[192],"334":[193],"337":[194],"342":[195],"343":[196,197],"346":[198],"347":[199],"349":[200],"350":[201],"351":[202],"352":[203],"353":[204],"354":[205],"357":[206,207],"358":[208],"359":[209,210],"360":[211],"366":[212,213],"369":[214],"383":[215],"422":[216],"423":[217],"453":[218],"487":[219],"495":[220],"508":[221],"520":[222],"557":[223],"558":[224],"577":[225],"609":[226],"627":[227],"631":[228],"638":[229],"661":[230],"672":[231],"680":[232],"695":[233],"706":[234],"709":[235],"713":[236],"715":[237],"721":[238],"727":[239],"735":[240],"746":[241],"749":[242],"761":[243],"766":[244],"772":[245],"782":[246],"803":[247],"810":[248],"818":[249],"833":[250],"839":[251],"845":[252],"857":[253],"892":[254],"902":[255],"908":[256],"912":[257],"927":[258],"940":[259],"952":[260],"961":[261],"970":[262],"976":[263],"984":[264],"991":[265],"996":[266],"999":[267],"1002":[268],"1006":[269],"1009":[270],"1017":[271],"1018":[272],"1040":[273],"1058":[274],"1061":[275],"1073":[276],"1075":[277],"1079":[278],"1089":[279],"1093":[280],"1095":[281],"1102":[282],"1114":[283],"1117":[284],"1130":[285],"1158":[286],"1177":[287],"1183":[288],"1184":[289],"1190":[290],"1199":[291],"1206":[292],"1223":[293],"1228":[294],"1229":[295],"1248":[296],"1255":[297],"1257":[298],"1267":[299],"1276":[300],"1286":[301],"1287":[302],"1295":[303],"1305":[304],"1308":[305],"1319":[306],"1320":[307],"1325":[308],"1331":[309],"1334":[310],"1345":[311],"1350":[312,313],"1355":[314],"1356":[315],"1358":[316],"1363":[317],"1369":[318],"1372":[319,320],"1374":[321],"1375":[322],"1405":[323],"1407":[324],"1410":[325],"1412":[326],"1426":[327],"1427":[328],"1432":[329],"1435":[330],"1438":[331],"1440":[332],"1442":[333],"1446":[334],"1454":[335],"1458":[336],"1465":[337],"1468":[338],"1475":[339],"1479":[340],"1481":[341,342],"1488":[343],"1500":[344],"1507":[345],"1509":[346],"1515":[347],"1521":[348],"1528":[349],"1530":[350],"1536":[351],"1542":[352,353],"1548":[354],"1549":[355],"1551":[356],"1554":[357],"1557":[358],"1559":[359,360],"1561":[361],"1577":[362],"1584":[363],"1588":[364],"1590":[365,366],"1597":[367],"1598":[368,369],"1608":[370],"1611":[371],"1614":[372],"1615":[373],"1616":[374],"1619":[375],"1623":[376],"1626":[377],"1637":[378],"1639":[379,380],"1640":[381],"1641":[382],"1644":[383],"1658":[384],"1669":[385],"1672":[386],"1674":[387],"1679":[388],"1681":[389],"1682":[390],"1687":[391,392],"1697":[393],"1698":[394],"1704":[395],"1705":[396],"1721":[397],"1733":[398],"1736":[399],"1742":[400],"1743":[401],"1746":[402],"1751":[403],"1761":[404],"1783":[405],"1788":[406],"1804":[407],"1807":[408],"1813":[409],"1816":[410],"1818":[411],"1819":[412],"1822":[413],"1835":[414],"1858":[415],"1873":[416],"1882":[417],"1887":[418],"1891":[419],"1893":[420],"1897":[421],"1904":[422],"1906":[423],"1909":[424],"1912":[425],"1918":[426],"1922":[427],"1923":[428],"1930":[429],"1933":[430],"1940":[431],"1945":[432],"1955":[433],"1960":[434],"1967":[435],"1975":[436],"1976":[437],"1989":[438],"1993":[439],"2001":[440],"2010":[441],"2014":[442],"2023":[443],"2030":[444],"2037":[445],"2038":[446],"2051":[447],"2062":[448],"2065":[449],"2073":[450],"2088":[451],"2098":[452],"2107":[453],"2113":[454],"2120":[455],"2127":[456],"2129":[457],"2134":[458],"2136":[459],"2137":[460],"2140":[461],"2141":[462],"2145":[463],"2151":[464],"2153":[465],"2159":[466],"2168":[467],"2169":[468],"2173":[469,470],"2175":[471],"2176":[472],"2188":[473],"2198":[474],"2201":[475],"2208":[476],"2227":[477],"2237":[478],"2238":[479],"2241":[480],"2242":[481],"2245":[482],"2250":[483],"2252":[484],"2258":[485],"2260":[486],"2262":[487],"2263":[488],"2274":[489],"2277":[490],"2287":[491],"2291":[492],"2297":[493],"2298":[494],"2301":[495],"2302":[496],"2303":[497,498],"2306":[499],"2312":[500],"2313":[501],"2340":[502],"2349":[503],"2356":[504],"2362":[505],"2381":[506],"2382":[507],"2390":[508],"2404":[509],"2405":[510],"2406":[511],"2437":[512],"2438":[513],"2442":[514],"2444":[515],"2448":[516],"2452":[517],"2465":[518],"2477":[519],"2479":[520,521],"2483":[522],"2488":[523],"2500":[524],"2507":[525],"2510":[526],"2511":[527],"2514":[528],"2516":[529],"2518":[530],"2534":[531],"2541":[532],"2550":[533],"2552":[534],"2554":[535],"2557":[536],"2558":[537],"2560":[538],"2564":[539],"2569":[540],"2573":[541],"2586":[542],"2592":[543],"2607":[544],"2614":[545],"2619":[546],"2621":[547],"2625":[548],"2628":[549],"2634":[550],"2639":[551],"2640":[552],"2641":[553],"2651":[554],"2657":[555,556],"2672":[557],"2673":[558],"2676":[559],"2683":[560,561],"2684":[562],"2687":[563],"2692":[564],"2694":[565],"2699":[566],"2701":[567,568],"2706":[569],"2707":[570],"2713":[571],"2714":[572],"2715":[573],"2718":[574],"2721":[575],"2722":[576],"2724":[577],"2734":[578],"2735":[579],"2744":[580],"2746":[581],"2750":[582],"2751":[583],"2761":[584],"2763":[585],"2777":[586],"2778":[587],"2782":[588,589],"2783":[590],"2789":[591,592],"2791":[593],"2792":[594],"2794":[595],"2798":[596],"2801":[597],"2806":[598,599,600],"2817":[601],"2828":[602],"2830":[603],"2835":[604],"2837":[605],"2838":[606],"2844":[607],"2855":[608],"2857":[609],"2860":[610],"2865":[611],"2866":[612],"2868":[613],"2874":[614],"2878":[615],"2883":[616],"2894":[617],"2895":[618],"2897":[619],"2898":[620],"2905":[621],"2919":[622],"2928":[623],"2935":[624],"2939":[625],"2941":[626],"2946":[627],"2947":[628],"2953":[629],"2956":[630],"2958":[631],"2962":[632,633],"2963":[634,635],"2964":[636],"2969":[637],"2975":[638],"2982":[639,640],"2989":[641],"2997":[642],"3000":[643],"3012":[644],"3021":[645],"3026":[646],"3029":[647],"3033":[648],"3038":[649],"3050":[650],"3051":[651,652],"3052":[653,654],"3060":[655],"3069":[656],"3079":[657],"3092":[658],"3094":[659],"3103":[660],"3106":[661],"3107":[662],"3117":[663],"3119":[664],"3133":[665],"3134":[666],"3138":[667],"3143":[668],"3148":[669,670],"3154":[671],"3158":[672],"3163":[673],"3166":[674],"3167":[675],"3169":[676],"3176":[677],"3177":[678],"3181":[679],"3187":[680],"3197":[681],"3207":[682],"3216":[683],"3217":[684],"3218":[685],"3220":[686],"3225":[687],"3226":[688],"3231":[689],"3235":[690],"3244":[691,692],"3247":[693],"3251":[694],"3254":[695],"3256":[696],"3258":[697],"3260":[698,699],"3262":[700],"3265":[701],"3271":[702,703],"3283":[704],"3310":[705],"3318":[706],"3329":[707],"3330":[708],"3335":[709],"3339":[710],"3342":[711],"3364":[712],"3365":[713],"3366":[714],"3373":[715],"3378":[716],"3380":[717],"3384":[718],"3390":[719],"3392":[720],"3396":[721],"3402":[722],"3420":[723],"3439":[724],"3450":[725],"3454":[726],"3456":[727],"3457":[728],"3461":[729],"3466":[730],"3469":[731],"3475":[732],"3484":[733],"3491":[734],"3498":[735],"3501":[736],"3503":[737],"3504":[738],"3510":[739],"3511":[740],"3514":[741],"3515":[742],"3517":[743],"3525":[744],"3529":[745],"3537":[746],"3541":[747],"3542":[748],"3546":[749],"3549":[750],"3550":[751],"3556":[752],"3562":[753,754],"3563":[755],"3568":[756],"3569":[757],"3575":[758],"3580":[759],"3585":[760],"3586":[761],"3595":[762],"3600":[763],"3605":[764],"3608":[765],"3611":[766],"3619":[767],"3622":[768],"3641":[769],"3644":[770],"3651":[771],"3661":[772],"3662":[773],"3666":[774],"3669":[775],"3675":[776],"3682":[777],"3688":[778],"3689":[779],"3698":[780],"3700":[781],"3701":[782],"3705":[783],"3708":[784],"3712":[785],"3713":[786],"3716":[787],"3717":[788],"3718":[789],"3720":[790],"3722":[791],"3726":[792],"3729":[793],"3731":[794],"3735":[795],"3737":[796],"3741":[797],"3742":[798],"3743":[799],"3747":[800],"3748":[801],"3753":[802],"3754":[803],"3762":[804],"3769":[805],"3771":[806],"3772":[807],"3773":[808],"3774":[809],"3776":[810],"3781":[811],"3783":[812],"3787":[813],"3788":[814],"3789":[815],"3792":[816],"3795":[817],"3797":[818],"3800":[819],"3801":[820],"3803":[821],"3804":[822],"3806":[823],"3809":[824],"3810":[825,826],"3811":[827,828],"3812":[829],"3815":[830],"3816":[831],"3817":[832],"3820":[833],"3821":[834],"3824":[835],"3825":[836,837],"3829":[838],"3831":[839],"3833":[840],"3834":[841],"3836":[842],"3837":[843,844],"3838":[845],"3840":[846],"3844":[847],"3845":[848],"3846":[849,850],"3851":[851],"3852":[852],"3857":[853],"3874":[854],"3894":[855],"3904":[856],"3911":[857],"3922":[858],"3925":[859],"3926":[860],"3927":[861,862],"3928":[863],"3935":[864],"3942":[865],"3944":[866],"3946":[867],"3948":[868],"3950":[869],"3954":[870],"3955":[871],"3957":[872],"3959":[873],"3961":[874],"3962":[875],"3965":[876],"3966":[877],"3969":[878],"3972":[879],"3973":[880],"3975":[881],"3978":[882],"3980":[883],"3987":[884],"3995":[885],"3998":[886],"3999":[887],"4000":[888,889],"4009":[890],"4010":[891],"4011":[892],"4017":[893],"4020":[894],"4022":[895],"4031":[896],"4036":[897],"4037":[898],"4038":[899],"4048":[900],"4051":[901],"4053":[902],"4055":[903],"4058":[904],"4061":[905],"4068":[906],"4072":[907],"4073":[908],"4076":[909],"4077":[910],"4079":[911],"4084":[912],"4086":[913,914],"4087":[915],"4099":[916],"4100":[917],"4102":[918],"4106":[919],"4107":[920],"4111":[921,922],"4116":[923],"4118":[924],"4119":[925],"4121":[926],"4122":[927],"4125":[928,929],"4126":[930],"4127":[931],"4128":[932],"4132":[933,934],"4133":[935,936,937],"4135":[938,939],"4143":[940],"4146":[941],"4147":[942],"4148":[943],"4150":[944],"4152":[945],"4165":[946],"4169":[947],"4175":[948,949],"4176":[950],"4184":[951],"4185":[952],"4191":[953],"4192":[954],"4198":[955],"4213":[956],"4218":[957],"4219":[958],"4221":[959],"4224":[960],"4225":[961],"4229":[962],"4230":[963],"4232":[964],"4234":[965],"4237":[966],"4238":[967],"4241":[968],"4246":[969],"4253":[970,971],"4257":[972],"4260":[973],"4262":[974],"4263":[975,976],"4268":[977],"4270":[978],"4271":[979],"4275":[980],"4278":[981],"4279":[982],"4283":[983],"4286":[984],"4288":[985],"4290":[986],"4291":[987],"4292":[988],"4296":[989],"4298":[990],"4299":[991],"4300":[992],"4305":[993],"4315":[994],"4324":[995],"4326":[996],"4327":[997],"4328":[998],"4337":[999],"4341":[1000],"4350":[1001],"4353":[1002],"4355":[1003],"4356":[1004],"4357":[1005],"4370":[1006],"4371":[1007],"4380":[1008],"4381":[1009],"4384":[1010],"4385":[1011],"4389":[1012],"4392":[1013],"4396":[1014],"4397":[1015],"4398":[1016],"4401":[1017],"4404":[1018],"4417":[1019],"4419":[1020],"4426":[1021],"4428":[1022],"4429":[1023],"4433":[1024],"4434":[1025],"4439":[1026],"4441":[1027],"4444":[1028,1029],"4448":[1030],"4451":[1031],"4453":[1032],"4455":[1033],"4457":[1034],"4460":[1035],"4466":[1036],"4472":[1037],"4473":[1038],"4480":[1039],"4481":[1040],"4485":[1041],"4494":[1042],"4495":[1043],"4496":[1044],"4497":[1045],"4499":[1046],"4500":[1047],"4502":[1048],"4503":[1049],"4510":[1050,1051],"4511":[1052],"4514":[1053],"4519":[1054],"4526":[1055],"4531":[1056],"4539":[1057],"4547":[1058],"4550":[1059],"4558":[1060],"4562":[1061],"4571":[1062],"4574":[1063],"4575":[1064],"4576":[1065],"4582":[1066],"4584":[1067],"4590":[1068],"4591":[1069],"4595":[1070],"4604":[1071],"4609":[1072],"4624":[1073],"4629":[1074],"4631":[1075],"4633":[1076],"4635":[1077],"4637":[1078],"4639":[1079],"4644":[1080],"4646":[1081],"4649":[1082],"4656":[1083],"4659":[1084],"4664":[1085],"4677":[1086],"4678":[1087],"4680":[1088],"4687":[1089],"4688":[1090],"4691":[1091,1092],"4693":[1093],"4694":[1094],"4695":[1095],"4696":[1096],"4699":[1097],"4702":[1098],"4708":[1099],"4710":[1100],"4711":[1101],"4716":[1102],"4735":[1103],"4741":[1104],"4742":[1105],"4747":[1106],"4756":[1107],"4757":[1108],"4762":[1109],"4763":[1110],"4768":[1111],"4780":[1112],"4784":[1113],"4789":[1114],"4790":[1115],"4791":[1116],"4792":[1117],"4795":[1118],"4801":[1119],"4805":[1120],"4806":[1121],"4809":[1122],"4810":[1123],"4811":[1124],"4819":[1125,1126],"4820":[1127],"4824":[1128],"4826":[1129],"4831":[1130],"4834":[1131],"4835":[1132],"4839":[1133],"4840":[1134],"4850":[1135],"4853":[1136],"4858":[1137],"4859":[1138],"4860":[1139],"4864":[1140],"4869":[1141],"4872":[1142,1143],"4874":[1144],"4875":[1145],"4876":[1146],"4878":[1147],"4884":[1148],"4885":[1149],"4896":[1150],"4901":[1151],"4907":[1152],"4910":[1153],"4914":[1154],"4918":[1155],"4922":[1156],"4923":[1157],"4925":[1158],"4931":[1159],"4937":[1160],"4943":[1161],"4948":[1162],"4950":[1163],"4955":[1164],"4960":[1165],"4961":[1166],"4968":[1167],"4969":[1168],"4970":[1169],"4972":[1170],"4975":[1171],"4978":[1172],"4990":[1173],"4992":[1174],"4997":[1175],"5004":[1176],"5007":[1177],"5009":[1178],"5011":[1179,1180],"5013":[1181],"5015":[1182],"5016":[1183],"5017":[1184],"5019":[1185,1186],"5020":[1187],"5022":[1188],"5023":[1189,1190],"5024":[1191],"5026":[1192],"5029":[1193],"5030":[1194],"5032":[1195],"5034":[1196],"5036":[1197,1198],"5039":[1199],"5043":[1200],"5044":[1201],"5049":[1202],"5052":[1203],"5054":[1204],"5055":[1205],"5061":[1206],"5062":[1207],"5064":[1208],"5065":[1209],"5068":[1210],"5070":[1211],"5071":[1212],"5072":[1213],"5076":[1214,1215],"5077":[1216,1217],"5079":[1218],"5086":[1219,1220],"5088":[1221],"5089":[1222],"5091":[1223],"5093":[1224],"5095":[1225],"5096":[1226],"5097":[1227,1228],"5098":[1229,1230],"5100":[1231,1232,1233],"5102":[1234],"5105":[1235],"5106":[1236],"5108":[1237],"5111":[1238],"5116":[1239],"5117":[1240],"5126":[1241],"5129":[1242,1243],"5131":[1244],"5135":[1245],"5137":[1246],"5138":[1247],"5140":[1248,1249],"5143":[1250],"5154":[1251],"5155":[1252],"5162":[1253],"5165":[1254],"5166":[1255],"5172":[1256],"5177":[1257],"5188":[1258],"5189":[1259],"5193":[1260],"5196":[1261],"5203":[1262],"5215":[1263],"5216":[1264],"5219":[1265],"5224":[1266],"5228":[1267],"5234":[1268,1269],"5238":[1270],"5240":[1271],"5247":[1272],"5250":[1273],"5253":[1274],"5271":[1275,1276],"5277":[1277],"5284":[1278],"5286":[1279],"5288":[1280],"5290":[1281],"5295":[1282],"5296":[1283],"5299":[1284],"5300":[1285],"5303":[1286],"5304":[1287],"5321":[1288],"5323":[1289],"5333":[1290],"5334":[1291],"5335":[1292],"5340":[1293],"5343":[1294],"5346":[1295],"5349":[1296],"5351":[1297],"5359":[1298],"5367":[1299],"5371":[1300],"5375":[1301],"5382":[1302],"5387":[1303],"5395":[1304,1305],"5404":[1306],"5407":[1307],"5413":[1308],"5421":[1309],"5423":[1310],"5428":[1311],"5429":[1312],"5435":[1313],"5436":[1314],"5439":[1315],"5445":[1316],"5446":[1317],"5448":[1318],"5450":[1319],"5455":[1320],"5462":[1321],"5464":[1322],"5468":[1323],"5470":[1324],"5471":[1325,1326],"5474":[1327],"5482":[1328],"5491":[1329],"5493":[1330],"5499":[1331],"5501":[1332],"5505":[1333],"5507":[1334],"5508":[1335],"5509":[1336],"5516":[1337],"5523":[1338],"5530":[1339],"5532":[1340],"5536":[1341],"5539":[1342],"5542":[1343],"5543":[1344],"5554":[1345],"5562":[1346],"5565":[1347],"5569":[1348],"5570":[1349],"5572":[1350],"5576":[1351],"5581":[1352],"5582":[1353],"5585":[1354],"5589":[1355],"5590":[1356],"5592":[1357],"5593":[1358],"5594":[1359],"5597":[1360],"5599":[1361],"5603":[1362],"5611":[1363],"5616":[1364],"5617":[1365],"5618":[1366],"5623":[1367],"5632":[1368],"5636":[1369],"5645":[1370],"5648":[1371],"5649":[1372],"5650":[1373],"5652":[1374],"5655":[1375],"5658":[1376],"5659":[1377],"5662":[1378],"5666":[1379],"5667":[1380],"5671":[1381],"5677":[1382],"5678":[1383],"5684":[1384],"5687":[1385],"5689":[1386],"5696":[1387,1388],"5697":[1389],"5698":[1390],"5705":[1391],"5708":[1392],"5710":[1393],"5712":[1394],"5714":[1395],"5719":[1396],"5721":[1397],"5725":[1398],"5726":[1399,1400],"5727":[1401],"5729":[1402],"5735":[1403],"5737":[1404,1405],"5743":[1406],"5753":[1407],"5770":[1408],"5774":[1409],"5776":[1410],"5778":[1411],"5788":[1412],"5792":[1413],"5803":[1414],"5816":[1415],"5819":[1416],"5821":[1417],"5831":[1418],"5836":[1419],"5840":[1420],"5842":[1421],"5846":[1422],"5847":[1423],"5861":[1424],"5862":[1425],"5866":[1426,1427],"5868":[1428],"5872":[1429],"5874":[1430],"5876":[1431],"5880":[1432,1433],"5883":[1434],"5887":[1435,1436],"5906":[1437],"5914":[1438],"5915":[1439],"5918":[1440],"5920":[1441],"5923":[1442],"5926":[1443],"5929":[1444],"5930":[1445],"5932":[1446],"5933":[1447],"5935":[1448],"5938":[1449],"5939":[1450],"5944":[1451],"5949":[1452],"5953":[1453],"5956":[1454],"5960":[1455],"5963":[1456],"5965":[1457],"5968":[1458],"5970":[1459],"5971":[1460,1461],"5973":[1462,1463],"5979":[1464],"5980":[1465],"5990":[1466,1467],"5992":[1468],"5993":[1469],"5998":[1470],"6002":[1471],"6006":[1472],"6009":[1473],"6013":[1474],"6016":[1475],"6022":[1476],"6023":[1477],"6024":[1478],"6026":[1479],"6031":[1480],"6035":[1481],"6041":[1482],"6046":[1483],"6049":[1484],"6056":[1485],"6061":[1486],"6063":[1487],"6067":[1488],"6070":[1489],"6071":[1490],"6074":[1491],"6075":[1492],"6079":[1493],"6081":[1494],"6082":[1495,1496],"6085":[1497],"6088":[1498],"6090":[1499],"6092":[1500],"6093":[1501],"6099":[1502],"6103":[1503],"6104":[1504],"6105":[1505],"6109":[1506,1507],"6111":[1508],"6112":[1509],"6115":[1510],"6119":[1511],"6122":[1512],"6123":[1513],"6125":[1514],"6127":[1515],"6130":[1516,1517],"6132":[1518],"6135":[1519],"6136":[1520],"6139":[1521],"6142":[1522],"6145":[1523],"6149":[1524],"6151":[1525],"6156":[1526],"6161":[1527],"6165":[1528,1529],"6168":[1530],"6169":[1531],"6170":[1532],"6174":[1533],"6180":[1534],"6181":[1535],"6183":[1536],"6184":[1537],"6186":[1538,1539],"6187":[1540],"6188":[1541],"6191":[1542,1543],"6198":[1544],"6199":[1545],"6201":[1546],"6202":[1547,1548],"6204":[1549],"6205":[1550],"6206":[1551],"6209":[1552,1553],"6210":[1554],"6216":[1555],"6219":[1556],"6220":[1557],"6229":[1558],"6231":[1559],"6233":[1560],"6234":[1561],"6236":[1562],"6238":[1563,1564],"6240":[1565],"6253":[1566],"6254":[1567,1568],"6256":[1569],"6259":[1570],"6260":[1571],"6261":[1572],"6262":[1573],"6268":[1574,1575],"6269":[1576],"6270":[1577],"6273":[1578],"6279":[1579],"6283":[1580],"6286":[1581],"6288":[1582],"6291":[1583],"6295":[1584],"6299":[1585],"6300":[1586,1587],"6306":[1588,1589],"6309":[1590],"6312":[1591],"6313":[1592],"6314":[1593,1594],"6315":[1595],"6316":[1596],"6317":[1597],"6318":[1598],"6319":[1599],"6321":[1600,1601],"6324":[1602,1603],"6328":[1604],"6334":[1605],"6336":[1606],"6338":[1607],"6339":[1608],"6340":[1609],"6341":[1610],"6343":[1611],"6346":[1612],"6350":[1613],"6358":[1614],"6360":[1615,1616],"6364":[1617],"6367":[1618],"6368":[1619],"6370":[1620],"6371":[1621],"6372":[1622],"6378":[1623],"6383":[1624],"6384":[1625,1626],"6386":[1627],"6387":[1628],"6389":[1629],"6390":[1630],"6392":[1631],"6393":[1632],"6394":[1633],"6400":[1634],"6405":[1635],"6407":[1636],"6410":[1637],"6413":[1638],"6415":[1639],"6420":[1640],"6421":[1641],"6423":[1642],"6424":[1643,1644,1645],"6425":[1646,1647],"6427":[1648,1649],"6430":[1650],"6431":[1651],"6432":[1652],"6433":[1653],"6434":[1654],"6435":[1655],"6437":[1656],"6438":[1657],"6439":[1658],"6440":[1659],"6444":[1660],"6446":[1661],"6451":[1662],"6453":[1663],"6464":[1664],"6467":[1665],"6469":[1666],"6471":[1667,1668],"6474":[1669],"6481":[1670,1671],"6484":[1672],"6489":[1673],"6496":[1674],"6499":[1675],"6501":[1676,1677],"6503":[1678],"6507":[1679],"6510":[1680],"6512":[1681],"6513":[1682],"6516":[1683],"6518":[1684],"6520":[1685],"6521":[1686,1687],"6523":[1688],"6525":[1689],"6526":[1690],"6527":[1691,1692],"6528":[1693],"6529":[1694],"6534":[1695],"6536":[1696],"6542":[1697],"6546":[1698],"6547":[1699],"6548":[1700],"6555":[1701],"6556":[1702],"6558":[1703],"6563":[1704],"6564":[1705],"6566":[1706],"6567":[1707],"6568":[1708],"6571":[1709],"6582":[1710,1711],"6583":[1712],"6584":[1713],"6585":[1714],"6595":[1715],"6597":[1716],"6601":[1717],"6603":[1718],"6604":[1719],"6606":[1720],"6609":[1721],"6610":[1722],"6614":[1723],"6615":[1724],"6616":[1725],"6618":[1726],"6619":[1727],"6621":[1728],"6626":[1729],"6629":[1730],"6634":[1731],"6638":[1732],"6640":[1733],"6646":[1734],"6654":[1735],"6655":[1736],"6659":[1737,1738,1739],"6661":[1740],"6667":[1741],"6680":[1742],"6681":[1743],"6683":[1744,1745],"6686":[1746],"6691":[1747],"6693":[1748],"6694":[1749],"6695":[1750,1751],"6696":[1752],"6701":[1753],"6703":[1754],"6706":[1755],"6709":[1756],"6710":[1757],"6712":[1758],"6713":[1759],"6719":[1760],"6721":[1761],"6723":[1762],"6726":[1763],"6727":[1764],"6728":[1765],"6731":[1766],"6734":[1767],"6735":[1768],"6736":[1769],"6737":[1770,1771],"6738":[1772],"6740":[1773],"6741":[1774],"6743":[1775],"6745":[1776],"6747":[1777],"6748":[1778],"6751":[1779],"6754":[1780],"6757":[1781,1782],"6759":[1783],"6760":[1784,1785],"6762":[1786],"6768":[1787],"6773":[1788],"6774":[1789],"6775":[1790],"6780":[1791],"6783":[1792],"6785":[1793],"6787":[1794],"6790":[1795],"6791":[1796],"6798":[1797],"6800":[1798],"6806":[1799],"6808":[1800],"6811":[1801],"6812":[1802],"6813":[1803],"6817":[1804],"6819":[1805],"6820":[1806],"6821":[1807],"6822":[1808,1809],"6824":[1810],"6829":[1811],"6832":[1812,1813],"6833":[1814],"6834":[1815],"6835":[1816],"6836":[1817],"6837":[1818],"6839":[1819],"6841":[1820],"6848":[1821],"6852":[1822],"6853":[1823],"6855":[1824],"6860":[1825],"6861":[1826],"6867":[1827],"6869":[1828],"6872":[1829],"6874":[1830],"6876":[1831],"6878":[1832],"6881":[1833],"6885":[1834],"6886":[1835],"6895":[1836],"6900":[1837],"6903":[1838],"6905":[1839],"6911":[1840],"6912":[1841],"6914":[1842,1843,1844],"6915":[1845],"6916":[1846],"6918":[1847,1848],"6919":[1849,1850],"6920":[1851],"6923":[1852],"6924":[1853],"6931":[1854],"6932":[1855],"6938":[1856,1857],"6948":[1858,1859],"6949":[1860],"6950":[1861],"6956":[1862],"6957":[1863],"6959":[1864],"6961":[1865],"6966":[1866,1867],"6969":[1868],"6970":[1869],"6971":[1870],"6974":[1871],"6979":[1872],"6980":[1873],"6981":[1874],"6982":[1875],"6987":[1876],"6992":[1877],"6994":[1878],"6996":[1879],"7002":[1880],"7006":[1881],"7012":[1882],"7016":[1883],"7018":[1884],"7019":[1885],"7022":[1886],"7034":[1887],"7035":[1888],"7037":[1889],"7042":[1890],"7045":[1891],"7047":[1892],"7048":[1893,1894],"7049":[1895],"7053":[1896,1897],"7056":[1898],"7057":[1899],"7060":[1900],"7063":[1901],"7064":[1902],"7065":[1903],"7066":[1904],"7067":[1905],"7078":[1906,1907],"7079":[1908],"7085":[1909],"7086":[1910],"7091":[1911],"7094":[1912],"7096":[1913],"7097":[1914],"7099":[1915],"7100":[1916],"7101":[1917],"7110":[1918],"7111":[1919],"7112":[1920],"7113":[1921],"7115":[1922],"7116":[1923],"7117":[1924],"7120":[1925],"7121":[1926,1927],"7125":[1928],"7126":[1929],"7128":[1930],"7134":[1931],"7136":[1932],"7137":[1933],"7139":[1934],"7142":[1935],"7145":[1936],"7147":[1937],"7157":[1938,1939],"7161":[1940],"7169":[1941],"7172":[1942,1943],"7174":[1944],"7175":[1945,1946,1947,1948],"7176":[1949,1950],"7177":[1951,1952],"7179":[1953],"7180":[1954,1955],"7181":[1956],"7182":[1957,1958],"7185":[1959,1960,1961,1962],"7186":[1963,1964],"7190":[1965],"7191":[1966],"7192":[1967,1968,1969,1970],"7195":[1971,1972,1973],"7196":[1974,1975],"7198":[1976],"7199":[1977,1978],"7200":[1979,1980],"7201":[1981,1982],"7207":[1983],"7208":[1984,1985],"7210":[1986],"7211":[1987,1988],"7212":[1989],"7213":[1990],"7214":[1991,1992],"7215":[1993,1994],"7217":[1995,1996],"7226":[1997],"7229":[1998,1999],"7233":[2000],"7239":[2001],"7240":[2002],"7244":[2003],"7245":[2004],"7246":[2005],"7254":[2006,2007],"7256":[2008],"7258":[2009,2010],"7260":[2011],"7263":[2012],"7264":[2013],"7266":[2014],"7269":[2015],"7272":[2016],"7274":[2017],"7275":[2018],"7277":[2019],"7278":[2020],"7281":[2021],"7282":[2022],"7284":[2023],"7285":[2024,2025],"7286":[2026],"7287":[2027,2028],"7288":[2029],"7290":[2030],"7292":[2031],"7294":[2032],"7296":[2033],"7297":[2034],"7298":[2035],"7299":[2036],"7300":[2037,2038],"7301":[2039],"7302":[2040],"7303":[2041],"7305":[2042,2043],"7306":[2044],"7308":[2045],"7310":[2046,2047],"7312":[2048],"7314":[2049],"7316":[2050,2051],"7319":[2052],"7326":[2053],"7329":[2054],"7331":[2055,2056],"7332":[2057],"7334":[2058],"7335":[2059,2060],"7337":[2061],"7339":[2062],"7340":[2063],"7343":[2064],"7345":[2065],"7347":[2066],"7354":[2067,2068,2069,2070],"7363":[2071],"7367":[2072],"7369":[2073],"7374":[2074],"7378":[2075],"7381":[2076],"7388":[2077],"7389":[2078,2079],"7393":[2080],"7397":[2081],"7399":[2082],"7400":[2083,2084],"7406":[2085],"7409":[2086],"7410":[2087],"7412":[2088],"7413":[2089,2090],"7415":[2091,2092],"7416":[2093],"7419":[2094],"7424":[2095],"7425":[2096],"7431":[2097],"7432":[2098],"7434":[2099,2100],"7435":[2101],"7438":[2102],"7441":[2103,2104],"7442":[2105],"7444":[2106,2107],"7452":[2108],"7454":[2109],"7456":[2110],"7457":[2111,2112,2113],"7460":[2114],"7461":[2115],"7466":[2116],"7467":[2117,2118],"7468":[2119],"7470":[2120,2121],"7471":[2122,2123],"7473":[2124],"7476":[2125],"7479":[2126],"7480":[2127],"7483":[2128],"7486":[2129],"7487":[2130],"7488":[2131],"7495":[2132],"7497":[2133],"7498":[2134],"7500":[2135],"7504":[2136],"7505":[2137],"7511":[2138],"7514":[2139,2140],"7515":[2141],"7516":[2142],"7519":[2143],"7526":[2144],"7527":[2145],"7529":[2146],"7536":[2147],"7537":[2148],"7538":[2149,2150],"7539":[2151],"7540":[2152,2153],"7551":[2154],"7555":[2155],"7557":[2156],"7558":[2157],"7559":[2158],"7561":[2159],"7565":[2160,2161],"7568":[2162],"7573":[2163],"7575":[2164],"7577":[2165],"7579":[2166],"7581":[2167],"7583":[2168],"7584":[2169,2170],"7588":[2171],"7589":[2172],"7591":[2173],"7594":[2174],"7596":[2175],"7600":[2176],"7601":[2177],"7602":[2178],"7607":[2179],"7610":[2180],"7611":[2181],"7612":[2182],"7613":[2183],"7614":[2184],"7617":[2185],"7618":[2186],"7621":[2187],"7628":[2188],"7629":[2189],"7634":[2190,2191],"7641":[2192,2193],"7642":[2194],"7643":[2195],"7645":[2196],"7646":[2197],"7654":[2198],"7659":[2199],"7664":[2200],"7665":[2201],"7666":[2202],"7671":[2203],"7673":[2204],"7681":[2205],"7693":[2206],"7696":[2207],"7697":[2208],"7699":[2209],"7703":[2210],"7705":[2211],"7716":[2212],"7717":[2213,2214],"7720":[2215,2216],"7722":[2217,2218],"7726":[2219],"7729":[2220,2221],"7731":[2222,2223],"7733":[2224,2225],"7734":[2226],"7738":[2227],"7741":[2228],"7744":[2229],"7745":[2230],"7746":[2231],"7747":[2232],"7750":[2233],"7754":[2234],"7755":[2235],"7760":[2236],"7763":[2237,2238],"7764":[2239],"7767":[2240,2241],"7768":[2242],"7769":[2243],"7772":[2244],"7774":[2245],"7775":[2246],"7781":[2247],"7782":[2248],"7784":[2249],"7788":[2250],"7790":[2251],"7791":[2252],"7794":[2253],"7800":[2254],"7809":[2255],"7813":[2256],"7814":[2257],"7818":[2258],"7825":[2259],"7826":[2260],"7831":[2261],"7837":[2262],"7841":[2263],"7842":[2264],"7846":[2265],"7855":[2266],"7856":[2267],"7870":[2268],"7871":[2269],"7876":[2270],"7878":[2271,2272],"7879":[2273],"7880":[2274],"7884":[2275],"7886":[2276],"7889":[2277],"7890":[2278],"7892":[2279,2280],"7896":[2281],"7898":[2282],"7900":[2283],"7903":[2284],"7905":[2285],"7907":[2286],"7913":[2287],"7914":[2288],"7918":[2289],"7920":[2290],"7921":[2291],"7923":[2292],"7924":[2293],"7925":[2294],"7926":[2295],"7928":[2296],"7933":[2297],"7937":[2298],"7938":[2299],"7942":[2300],"7944":[2301,2302],"7946":[2303,2304],"7947":[2305],"7948":[2306,2307],"7950":[2308],"7953":[2309],"7956":[2310],"7964":[2311],"7974":[2312],"7975":[2313],"7981":[2314],"7983":[2315],"7986":[2316],"7990":[2317],"7993":[2318],"7994":[2319],"7995":[2320],"7998":[2321],"7999":[2322],"8000":[2323,2324],"8001":[2325],"8002":[2326],"8003":[2327],"8004":[2328],"8009":[2329],"8010":[2330],"8014":[2331],"8021":[2332],"8023":[2333,2334],"8024":[2335],"8025":[2336],"8027":[2337],"8028":[2338,2339],"8031":[2340],"8032":[2341],"8034":[2342],"8035":[2343],"8038":[2344],"8043":[2345],"8044":[2346],"8047":[2347],"8048":[2348],"8050":[2349],"8052":[2350],"8054":[2351],"8058":[2352],"8060":[2353],"8063":[2354],"8065":[2355],"8066":[2356],"8067":[2357],"8068":[2358],"8071":[2359,2360],"8073":[2361],"8074":[2362],"8075":[2363,2364],"8076":[2365],"8077":[2366],"8078":[2367],"8080":[2368],"8085":[2369],"8088":[2370],"8092":[2371],"8097":[2372],"8098":[2373],"8100":[2374],"8102":[2375],"8103":[2376],"8104":[2377,2378],"8105":[2379],"8107":[2380],"8108":[2381],"8109":[2382],"8110":[2383],"8111":[2384],"8113":[2385],"8114":[2386,2387],"8115":[2388,2389],"8116":[2390,2391],"8119":[2392],"8122":[2393,2394,2395],"8123":[2396],"8125":[2397],"8126":[2398],"8127":[2399],"8128":[2400],"8129":[2401],"8130":[2402],"8135":[2403,2404],"8136":[2405],"8139":[2406],"8140":[2407],"8143":[2408],"8145":[2409],"8146":[2410],"8147":[2411],"8149":[2412],"8153":[2413,2414],"8161":[2415],"8162":[2416],"8164":[2417],"8166":[2418],"8167":[2419],"8169":[2420],"8171":[2421],"8173":[2422],"8174":[2423],"8178":[2424],"8179":[2425],"8180":[2426],"8182":[2427],"8187":[2428],"8188":[2429],"8192":[2430],"8193":[2431,2432],"8194":[2433],"8195":[2434],"8199":[2435,2436],"8200":[2437],"8202":[2438],"8205":[2439],"8206":[2440],"8210":[2441],"8211":[2442,2443],"8213":[2444],"8215":[2445],"8216":[2446],"8219":[2447],"8220":[2448],"8221":[2449],"8224":[2450],"8225":[2451],"8230":[2452,2453],"8231":[2454],"8235":[2455],"8236":[2456],"8237":[2457],"8241":[2458,2459,2460],"8243":[2461],"8245":[2462],"8246":[2463,2464],"8247":[2465,2466],"8248":[2467],"8249":[2468,2469],"8250":[2470],"8251":[2471,2472],"8252":[2473,2474,2475],"8259":[2476],"8264":[2477],"8266":[2478],"8267":[2479,2480],"8269":[2481],"8270":[2482],"8271":[2483],"8272":[2484,2485],"8273":[2486],"8275":[2487],"8276":[2488],"8278":[2489],"8281":[2490],"8283":[2491,2492],"8284":[2493,2494],"8290":[2495],"8292":[2496],"8293":[2497],"8295":[2498],"8297":[2499],"8312":[2500],"8315":[2501,2502],"8317":[2503],"8318":[2504,2505],"8321":[2506],"8322":[2507],"8324":[2508],"8325":[2509],"8326":[2510],"8329":[2511],"8331":[2512,2513],"8337":[2514],"8339":[2515,2516],"8341":[2517],"8345":[2518],"8346":[2519,2520],"8348":[2521],"8349":[2522],"8356":[2523],"8360":[2524],"8361":[2525,2526],"8362":[2527,2528],"8363":[2529],"8365":[2530],"8366":[2531],"8368":[2532],"8374":[2533,2534,2535,2536],"8375":[2537],"8378":[2538],"8379":[2539],"8380":[2540],"8381":[2541],"8382":[2542],"8385":[2543],"8388":[2544],"8390":[2545],"8391":[2546],"8394":[2547],"8397":[2548],"8398":[2549],"8401":[2550],"8403":[2551],"8404":[2552],"8405":[2553],"8407":[2554,2555],"8408":[2556,2557],"8409":[2558],"8412":[2559,2560],"8413":[2561,2562],"8414":[2563],"8416":[2564],"8418":[2565],"8421":[2566],"8422":[2567],"8424":[2568,2569],"8430":[2570],"8431":[2571],"8434":[2572],"8435":[2573],"8440":[2574],"8441":[2575],"8443":[2576],"8445":[2577],"8447":[2578],"8448":[2579],"8449":[2580],"8450":[2581],"8452":[2582],"8455":[2583],"8457":[2584],"8458":[2585],"8459":[2586],"8460":[2587],"8463":[2588],"8466":[2589],"8469":[2590,2591],"8470":[2592],"8474":[2593],"8475":[2594],"8478":[2595,2596,2597],"8479":[2598,2599],"8486":[2600],"8488":[2601],"8493":[2602],"8494":[2603,2604],"8495":[2605],"8499":[2606],"8503":[2607],"8504":[2608],"8505":[2609],"8506":[2610,2611],"8508":[2612],"8512":[2613],"8514":[2614],"8516":[2615],"8517":[2616],"8521":[2617],"8524":[2618,2619],"8525":[2620],"8527":[2621],"8528":[2622,2623,2624],"8529":[2625],"8531":[2626],"8533":[2627],"8534":[2628],"8538":[2629],"8539":[2630],"8543":[2631,2632],"8544":[2633],"8545":[2634],"8546":[2635],"8547":[2636],"8548":[2637],"8552":[2638],"8553":[2639],"8554":[2640],"8555":[2641],"8556":[2642,2643],"8560":[2644],"8566":[2645],"8568":[2646],"8570":[2647],"8571":[2648],"8573":[2649],"8575":[2650],"8577":[2651,2652],"8593":[2653],"8602":[2654],"8603":[2655],"8605":[2656],"8609":[2657],"8612":[2658],"8614":[2659],"8615":[2660],"8622":[2661],"8625":[2662],"8630":[2663],"8633":[2664,2665],"8634":[2666],"8638":[2667],"8639":[2668],"8642":[2669],"8650":[2670],"8652":[2671],"8653":[2672],"8655":[2673,2674],"8657":[2675,2676],"8661":[2677],"8662":[2678],"8664":[2679],"8673":[2680],"8675":[2681],"8680":[2682],"8698":[2683],"8700":[2684,2685],"8701":[2686],"8705":[2687],"8706":[2688],"8712":[2689,2690],"8729":[2691],"8730":[2692],"8742":[2693,2694],"8747":[2695],"8752":[2696],"8755":[2697],"8756":[2698],"8759":[2699],"8760":[2700,2701],"8762":[2702],"8763":[2703],"8777":[2704],"8780":[2705],"8784":[2706],"8792":[2707],"8799":[2708],"8808":[2709],"8813":[2710],"8815":[2711],"8820":[2712],"8824":[2713],"8829":[2714],"8842":[2715],"8844":[2716],"8846":[2717],"8849":[2718],"8857":[2719],"8859":[2720],"8861":[2721],"8865":[2722],"8868":[2723],"8872":[2724],"8874":[2725],"8894":[2726],"8895":[2727],"8896":[2728],"8901":[2729,2730],"8903":[2731,2732],"8906":[2733],"8907":[2734],"8908":[2735],"8910":[2736,2737],"8911":[2738],"8912":[2739],"8914":[2740],"8916":[2741],"8917":[2742,2743],"8920":[2744],"8924":[2745],"8925":[2746],"8926":[2747,2748],"8927":[2749],"8937":[2750],"8941":[2751],"8943":[2752],"8944":[2753],"8945":[2754,2755],"8947":[2756],"8949":[2757],"8951":[2758],"8952":[2759],"8954":[2760],"8955":[2761],"8958":[2762],"8959":[2763],"8964":[2764,2765],"8966":[2766],"8968":[2767],"8979":[2768],"8981":[2769,2770],"8982":[2771,2772],"8983":[2773,2774],"8985":[2775,2776],"8993":[2777],"9004":[2778,2779,2780],"9005":[2781,2782],"9007":[2783,2784],"9008":[2785],"9013":[2786],"9014":[2787,2788],"9015":[2789],"9016":[2790],"9023":[2791],"9027":[2792],"9029":[2793],"9031":[2794],"9032":[2795],"9041":[2796],"9042":[2797,2798,2799],"9046":[2800],"9048":[2801],"9049":[2802],"9052":[2803],"9055":[2804,2805],"9056":[2806],"9067":[2807,2808],"9068":[2809,2810],"9070":[2811,2812],"9071":[2813],"9074":[2814,2815],"9075":[2816],"9077":[2817,2818],"9078":[2819,2820,2821],"9080":[2822],"9082":[2823,2824],"9084":[2825],"9086":[2826,2827],"9089":[2828],"9092":[2829],"9094":[2830],"9097":[2831],"9100":[2832],"9104":[2833,2834],"9107":[2835,2836],"9108":[2837],"9110":[2838],"9115":[2839],"9116":[2840],"9117":[2841],"9118":[2842],"9119":[2843],"9120":[2844],"9121":[2845],"9122":[2846],"9124":[2847,2848],"9127":[2849],"9134":[2850],"9150":[2851],"9152":[2852],"9167":[2853],"9171":[2854],"9173":[2855,2856],"9182":[2857],"9184":[2858],"9194":[2859],"9195":[2860],"9196":[2861],"9197":[2862],"9198":[2863],"9200":[2864,2865],"9201":[2866],"9202":[2867],"9203":[2868],"9205":[2869],"9210":[2870],"9214":[2871,2872],"9215":[2873],"9221":[2874],"9227":[2875,2876],"9229":[2877],"9232":[2878],"9258":[2879],"9263":[2880],"9285":[2881],"9286":[2882],"9320":[2883],"9326":[2884],"9333":[2885],"9334":[2886],"9339":[2887],"9349":[2888],"9351":[2889],"9352":[2890],"9361":[2891],"9364":[2892],"9365":[2893,2894],"9368":[2895],"9372":[2896],"9375":[2897],"9383":[2898],"9385":[2899],"9396":[2900],"9401":[2901],"9419":[2902],"9430":[2903],"9431":[2904],"9435":[2905],"9436":[2906],"9437":[2907],"9439":[2908],"9441":[2909,2910],"9443":[2911],"9444":[2912],"9447":[2913],"9450":[2914],"9451":[2915],"9455":[2916],"9457":[2917],"9459":[2918],"9460":[2919],"9462":[2920],"9464":[2921],"9470":[2922],"9473":[2923],"9480":[2924],"9484":[2925],"9490":[2926],"9494":[2927],"9496":[2928],"9500":[2929],"9502":[2930],"9511":[2931],"9513":[2932],"9516":[2933],"9519":[2934],"9525":[2935],"9527":[2936],"9528":[2937],"9529":[2938],"9532":[2939],"9534":[2940],"9539":[2941,2942],"9541":[2943],"9542":[2944,2945],"9545":[2946],"9547":[2947],"9552":[2948],"9555":[2949],"9557":[2950],"9564":[2951],"9567":[2952],"9570":[2953],"9571":[2954],"9572":[2955],"9578":[2956],"9581":[2957],"9585":[2958,2959],"9586":[2960,2961],"9590":[2962],"9593":[2963],"9596":[2964],"9602":[2965],"9608":[2966],"9609":[2967],"9612":[2968],"9619":[2969],"9625":[2970],"9626":[2971],"9629":[2972],"9632":[2973],"9640":[2974],"9647":[2975],"9650":[2976,2977],"9663":[2978],"9665":[2979],"9666":[2980],"9667":[2981],"9668":[2982],"9678":[2983],"9679":[2984],"9680":[2985],"9681":[2986],"9682":[2987,2988],"9683":[2989],"9684":[2990,2991],"9685":[2992],"9686":[2993],"9687":[2994],"9689":[2995,2996],"9690":[2997],"9691":[2998],"9692":[2999],"9693":[3000],"9700":[3001,3002],"9702":[3003,3004,3005],"9703":[3006,3007],"9704":[3008,3009],"9705":[3010,3011,3012],"9706":[3013,3014],"9707":[3015],"9708":[3016,3017],"9709":[3018],"9710":[3019],"9713":[3020,3021],"9714":[3022,3023],"9715":[3024,3025],"9716":[3026],"9717":[3027],"9718":[3028],"9719":[3029],"9720":[3030,3031,3032],"9721":[3033],"9722":[3034,3035,3036],"9725":[3037],"9726":[3038,3039],"9727":[3040,3041],"9729":[3042,3043],"9731":[3044,3045,3046],"9732":[3047,3048],"9733":[3049,3050],"9734":[3051,3052],"9736":[3053,3054,3055,3056],"9737":[3057,3058],"9738":[3059,3060],"9739":[3061,3062],"9740":[3063,3064,3065,3066],"9742":[3067],"9743":[3068,3069,3070,3071],"9744":[3072,3073],"9747":[3074,3075,3076],"9748":[3077,3078],"9751":[3079],"9754":[3080],"9755":[3081,3082],"9756":[3083,3084],"9758":[3085],"9759":[3086],"9762":[3087],"9765":[3088,3089,3090],"9767":[3091,3092],"9768":[3093,3094],"9769":[3095,3096,3097,3098],"9770":[3099,3100,3101],"9771":[3102],"9774":[3103],"9776":[3104,3105,3106],"9777":[3107,3108,3109,3110],"9778":[3111],"9779":[3112,3113],"9780":[3114],"9781":[3115,3116,3117],"9784":[3118],"9788":[3119],"9789":[3120],"9790":[3121],"9791":[3122,3123],"9792":[3124,3125,3126,3127],"9793":[3128],"9794":[3129,3130,3131],"9795":[3132],"9796":[3133],"9797":[3134,3135,3136],"9800":[3137,3138,3139],"9801":[3140],"9803":[3141],"9805":[3142],"9807":[3143],"9808":[3144],"9811":[3145],"9812":[3146],"9813":[3147],"9814":[3148,3149],"9815":[3150],"9816":[3151],"9819":[3152],"9824":[3153],"9825":[3154],"9828":[3155],"9831":[3156],"9833":[3157],"9834":[3158],"9835":[3159,3160],"9839":[3161],"9842":[3162],"9847":[3163],"9849":[3164],"9854":[3165],"9856":[3166],"9861":[3167],"9863":[3168,3169],"9870":[3170],"9871":[3171,3172],"9875":[3173],"9877":[3174],"9878":[3175],"9880":[3176,3177],"9881":[3178],"9883":[3179],"9885":[3180],"9887":[3181],"9888":[3182],"9890":[3183],"9892":[3184],"9900":[3185],"9902":[3186],"9903":[3187],"9905":[3188],"9910":[3189],"9911":[3190],"9912":[3191],"9914":[3192],"9915":[3193],"9918":[3194],"9919":[3195],"9921":[3196],"9922":[3197],"9923":[3198],"9924":[3199,3200,3201],"9925":[3202],"9927":[3203],"9930":[3204],"9932":[3205],"9933":[3206],"9934":[3207,3208],"9935":[3209],"9943":[3210,3211],"9945":[3212,3213],"9949":[3214,3215,3216],"9950":[3217,3218],"9951":[3219,3220,3221],"9954":[3222],"9956":[3223],"9960":[3224],"9961":[3225],"9963":[3226],"9964":[3227],"9965":[3228],"9968":[3229],"9972":[3230],"9976":[3231,3232],"9979":[3233,3234],"9982":[3235],"9983":[3236,3237],"9984":[3238],"9986":[3239],"9987":[3240,3241],"9990":[3242],"9991":[3243],"9993":[3244],"9997":[3245],"10000":[3246],"10003":[3247],"10004":[3248],"10006":[3249],"10011":[3250,3251],"10012":[3252],"10016":[3253],"10020":[3254],"10021":[3255],"10022":[3256],"10026":[3257],"10028":[3258],"10029":[3259],"10030":[3260],"10032":[3261],"10034":[3262],"10036":[3263],"10038":[3264],"10039":[3265],"10046":[3266],"10049":[3267],"10051":[3268,3269],"10052":[3270],"10054":[3271,3272],"10055":[3273,3274],"10057":[3275],"10058":[3276],"10060":[3277],"10061":[3278],"10063":[3279],"10064":[3280],"10067":[3281],"10068":[3282],"10069":[3283],"10070":[3284,3285],"10071":[3286],"10072":[3287],"10074":[3288],"10077":[3289],"10081":[3290],"10083":[3291],"10085":[3292],"10086":[3293],"10087":[3294],"10088":[3295],"10089":[3296],"10090":[3297,3298],"10091":[3299,3300],"10095":[3301,3302,3303],"10096":[3304],"10097":[3305],"10099":[3306,3307],"10100":[3308],"10110":[3309],"10112":[3310],"10116":[3311],"10118":[3312],"10119":[3313],"10120":[3314],"10124":[3315],"10126":[3316],"10127":[3317],"10131":[3318],"10132":[3319,3320],"10136":[3321],"10137":[3322],"10141":[3323],"10144":[3324],"10145":[3325],"10146":[3326],"10147":[3327,3328],"10149":[3329,3330],"10152":[3331,3332],"10154":[3333],"10156":[3334,3335],"10157":[3336,3337],"10159":[3338],"10160":[3339],"10161":[3340],"10163":[3341,3342,3343],"10166":[3344],"10167":[3345],"10169":[3346,3347],"10172":[3348],"10173":[3349,3350],"10175":[3351,3352,3353,3354],"10177":[3355],"10178":[3356],"10180":[3357],"10181":[3358],"10182":[3359],"10183":[3360],"10189":[3361],"10191":[3362,3363],"10193":[3364],"10194":[3365],"10195":[3366,3367],"10196":[3368],"10197":[3369,3370],"10199":[3371],"10200":[3372],"10201":[3373],"10205":[3374,3375],"10206":[3376],"10207":[3377,3378,3379],"10212":[3380,3381],"10213":[3382],"10214":[3383,3384],"10222":[3385,3386,3387],"10225":[3388],"10229":[3389],"10230":[3390,3391],"10232":[3392],"10233":[3393],"10236":[3394],"10239":[3395,3396],"10240":[3397,3398],"10241":[3399],"10243":[3400,3401],"10244":[3402],"10245":[3403],"10248":[3404,3405],"10250":[3406,3407],"10251":[3408],"10253":[3409],"10255":[3410],"10256":[3411],"10262":[3412],"10265":[3413],"10266":[3414],"10273":[3415],"10274":[3416],"10275":[3417],"10276":[3418,3419,3420],"10277":[3421,3422],"10279":[3423],"10284":[3424],"10288":[3425],"10289":[3426,3427],"10290":[3428,3429,3430],"10291":[3431],"10292":[3432],"10293":[3433],"10295":[3434],"10296":[3435,3436],"10299":[3437],"10300":[3438],"10301":[3439],"10302":[3440,3441,3442],"10305":[3443,3444,3445],"10306":[3446,3447,3448],"10312":[3449],"10313":[3450],"10315":[3451],"10317":[3452],"10320":[3453],"10322":[3454],"10325":[3455],"10327":[3456],"10329":[3457],"10332":[3458],"10334":[3459],"10335":[3460,3461,3462],"10337":[3463],"10338":[3464],"10339":[3465],"10341":[3466,3467],"10345":[3468,3469],"10346":[3470],"10347":[3471],"10349":[3472,3473],"10352":[3474],"10353":[3475],"10354":[3476],"10356":[3477,3478],"10357":[3479],"10358":[3480],"10360":[3481,3482],"10363":[3483],"10365":[3484],"10366":[3485,3486],"10367":[3487],"10368":[3488,3489],"10371":[3490,3491],"10372":[3492],"10373":[3493],"10375":[3494,3495],"10378":[3496,3497],"10379":[3498,3499],"10383":[3500],"10393":[3501],"10394":[3502],"10395":[3503],"10396":[3504],"10402":[3505],"10404":[3506],"10405":[3507],"10409":[3508],"10414":[3509,3510],"10415":[3511],"10416":[3512],"10417":[3513],"10421":[3514],"10424":[3515],"10425":[3516],"10427":[3517],"10431":[3518],"10432":[3519],"10433":[3520],"10435":[3521],"10436":[3522],"10438":[3523],"10439":[3524],"10442":[3525],"10443":[3526],"10445":[3527],"10450":[3528],"10452":[3529],"10453":[3530],"10455":[3531],"10460":[3532],"10462":[3533],"10469":[3534],"10470":[3535],"10471":[3536],"10473":[3537,3538],"10474":[3539],"10475":[3540],"10476":[3541,3542],"10477":[3543,3544],"10478":[3545],"10481":[3546],"10487":[3547],"10490":[3548],"10493":[3549],"10497":[3550],"10498":[3551],"10499":[3552],"10501":[3553],"10502":[3554],"10503":[3555],"10505":[3556],"10506":[3557],"10507":[3558],"10508":[3559,3560],"10509":[3561],"10510":[3562],"10511":[3563],"10513":[3564,3565],"10518":[3566],"10521":[3567,3568,3569],"10522":[3570],"10523":[3571,3572],"10524":[3573],"10525":[3574],"10529":[3575,3576],"10531":[3577],"10535":[3578],"10539":[3579],"10542":[3580],"10545":[3581],"10548":[3582],"10552":[3583],"10557":[3584],"10559":[3585],"10561":[3586],"10562":[3587],"10564":[3588],"10565":[3589],"10566":[3590],"10571":[3591],"10574":[3592],"10575":[3593,3594],"10576":[3595],"10577":[3596],"10578":[3597,3598],"10579":[3599],"10580":[3600],"10581":[3601,3602,3603],"10586":[3604],"10587":[3605,3606],"10588":[3607,3608],"10589":[3609],"10590":[3610],"10593":[3611],"10594":[3612],"10596":[3613],"10597":[3614],"10598":[3615],"10599":[3616],"10602":[3617],"10603":[3618],"10604":[3619,3620],"10606":[3621],"10607":[3622],"10608":[3623],"10609":[3624],"10610":[3625,3626],"10611":[3627],"10612":[3628],"10613":[3629],"10617":[3630],"10619":[3631,3632],"10620":[3633],"10621":[3634,3635],"10622":[3636],"10623":[3637,3638,3639],"10624":[3640],"10625":[3641,3642],"10626":[3643,3644],"10629":[3645],"10630":[3646,3647],"10631":[3648],"10632":[3649],"10636":[3650],"10637":[3651],"10638":[3652],"10639":[3653],"10640":[3654],"10641":[3655],"10642":[3656],"10643":[3657],"10644":[3658],"10647":[3659,3660],"10652":[3661],"10654":[3662],"10655":[3663],"10656":[3664,3665],"10657":[3666],"10658":[3667],"10659":[3668],"10660":[3669],"10663":[3670],"10665":[3671,3672],"10666":[3673],"10669":[3674,3675],"10671":[3676,3677,3678,3679,3680],"10672":[3681],"10673":[3682,3683],"10675":[3684,3685],"10678":[3686],"10679":[3687],"10680":[3688],"10681":[3689],"10682":[3690],"10684":[3691,3692,3693],"10686":[3694],"10687":[3695],"10688":[3696],"10690":[3697],"10692":[3698],"10694":[3699],"10695":[3700],"10696":[3701,3702],"10697":[3703],"10698":[3704],"10699":[3705],"10700":[3706],"10701":[3707],"10704":[3708,3709],"10706":[3710],"10708":[3711,3712],"10711":[3713],"10713":[3714],"10714":[3715],"10715":[3716],"10716":[3717,3718],"10717":[3719],"10718":[3720,3721,3722,3723],"10720":[3724],"10721":[3725],"10723":[3726],"10726":[3727],"10727":[3728],"10728":[3729],"10729":[3730,3731,3732],"10731":[3733,3734],"10732":[3735],"10733":[3736,3737],"10734":[3738],"10735":[3739,3740],"10743":[3741,3742],"10744":[3743],"10745":[3744],"10748":[3745,3746],"10749":[3747],"10750":[3748],"10751":[3749],"10754":[3750],"10755":[3751],"10756":[3752],"10758":[3753],"10760":[3754],"10765":[3755],"10766":[3756,3757],"10767":[3758],"10768":[3759,3760,3761],"10770":[3762,3763],"10772":[3764],"10773":[3765,3766],"10776":[3767,3768],"10777":[3769,3770,3771],"10779":[3772,3773,3774],"10780":[3775],"10781":[3776,3777],"10785":[3778],"10786":[3779],"10790":[3780],"10791":[3781],"10792":[3782],"10794":[3783],"10795":[3784],"10797":[3785,3786],"10798":[3787],"10799":[3788,3789],"10800":[3790,3791,3792],"10802":[3793,3794],"10803":[3795],"10804":[3796],"10805":[3797,3798,3799],"10806":[3800],"10808":[3801],"10813":[3802],"10814":[3803,3804],"10816":[3805],"10817":[3806],"10824":[3807],"10826":[3808],"10828":[3809],"10829":[3810],"10830":[3811],"10831":[3812],"10832":[3813],"10833":[3814],"10834":[3815],"10835":[3816],"10836":[3817,3818,3819],"10839":[3820],"10840":[3821],"10843":[3822],"10849":[3823],"10853":[3824,3825],"10854":[3826],"10855":[3827,3828],"10856":[3829,3830],"10857":[3831,3832],"10859":[3833,3834],"10860":[3835],"10862":[3836],"10864":[3837,3838,3839],"10865":[3840],"10866":[3841,3842],"10867":[3843,3844],"10868":[3845],"10869":[3846],"10876":[3847,3848],"10886":[3849],"10888":[3850],"10896":[3851,3852,3853],"10897":[3854],"10898":[3855],"10901":[3856],"10903":[3857,3858],"10904":[3859],"10905":[3860,3861],"10907":[3862],"10908":[3863],"10909":[3864],"10910":[3865],"10912":[3866],"10915":[3867],"10916":[3868],"10917":[3869],"10918":[3870,3871],"10919":[3872,3873,3874,3875],"10921":[3876],"10922":[3877],"10923":[3878],"10925":[3879],"10928":[3880],"10929":[3881],"10931":[3882],"10934":[3883,3884],"10935":[3885],"10937":[3886,3887],"10938":[3888],"10939":[3889],"10940":[3890],"10943":[3891,3892],"10944":[3893,3894],"10945":[3895,3896],"10949":[3897,3898],"10951":[3899,3900],"10953":[3901],"10956":[3902],"10957":[3903],"10958":[3904],"10959":[3905],"10960":[3906],"10961":[3907],"10962":[3908,3909,3910],"10965":[3911],"10966":[3912,3913],"10967":[3914,3915],"10968":[3916,3917],"10972":[3918,3919,3920],"10973":[3921],"10975":[3922,3923],"10980":[3924],"10981":[3925,3926],"10983":[3927],"10984":[3928,3929],"10985":[3930],"10986":[3931,3932],"10988":[3933,3934,3935],"10989":[3936,3937,3938],"10990":[3939],"10991":[3940],"10992":[3941,3942],"10993":[3943,3944,3945],"10994":[3946],"10997":[3947,3948,3949,3950],"10998":[3951],"11000":[3952,3953,3954],"11001":[3955],"11002":[3956,3957,3958],"11004":[3959,3960,3961,3962],"11005":[3963],"11006":[3964],"11007":[3965,3966],"11008":[3967],"11010":[3968],"11011":[3969,3970],"11014":[3971,3972],"11015":[3973],"11016":[3974],"11017":[3975],"11018":[3976,3977,3978],"11020":[3979],"11021":[3980],"11022":[3981,3982,3983],"11023":[3984],"11024":[3985,3986],"11028":[3987,3988,3989],"11029":[3990,3991],"11030":[3992,3993],"11035":[3994,3995],"11036":[3996],"11038":[3997,3998],"11039":[3999],"11041":[4000,4001],"11042":[4002],"11043":[4003,4004],"11044":[4005],"11045":[4006,4007,4008],"11049":[4009,4010,4011],"11051":[4012],"11053":[4013],"11056":[4014],"11059":[4015],"11061":[4016,4017],"11067":[4018],"11070":[4019],"11071":[4020],"11072":[4021],"11073":[4022],"11074":[4023],"11077":[4024],"11078":[4025,4026],"11080":[4027],"11081":[4028],"11083":[4029,4030],"11084":[4031],"11086":[4032,4033],"11087":[4034],"11088":[4035],"11090":[4036],"11094":[4037],"11095":[4038],"11096":[4039],"11098":[4040],"11099":[4041],"11107":[4042,4043],"11110":[4044,4045],"11113":[4046],"11114":[4047,4048],"11115":[4049],"11116":[4050],"11117":[4051,4052],"11122":[4053],"11124":[4054],"11126":[4055],"11129":[4056],"11131":[4057],"11134":[4058],"11137":[4059],"11139":[4060,4061],"11140":[4062],"11142":[4063],"11143":[4064,4065,4066],"11144":[4067],"11151":[4068],"11152":[4069],"11153":[4070],"11154":[4071],"11156":[4072,4073],"11157":[4074],"11160":[4075],"11161":[4076],"11163":[4077],"11166":[4078,4079],"11167":[4080],"11168":[4081],"11170":[4082,4083],"11171":[4084],"11172":[4085],"11175":[4086],"11178":[4087],"11179":[4088,4089,4090],"11182":[4091],"11184":[4092],"11185":[4093],"11188":[4094,4095],"11190":[4096],"11191":[4097],"11192":[4098,4099],"11195":[4100],"11200":[4101],"11203":[4102],"11207":[4103,4104],"11218":[4105],"11219":[4106],"11222":[4107],"11224":[4108],"11227":[4109],"11228":[4110,4111],"11229":[4112],"11231":[4113],"11236":[4114],"11239":[4115],"11242":[4116],"11247":[4117],"11250":[4118],"11251":[4119,4120],"11253":[4121,4122],"11256":[4123],"11257":[4124],"11258":[4125],"11259":[4126],"11261":[4127],"11262":[4128,4129],"11263":[4130],"11265":[4131],"11266":[4132,4133],"11267":[4134],"11269":[4135],"11273":[4136,4137],"11274":[4138],"11275":[4139],"11276":[4140,4141],"11277":[4142],"11280":[4143,4144],"11282":[4145],"11284":[4146],"11286":[4147],"11287":[4148],"11288":[4149],"11289":[4150,4151],"11291":[4152],"11292":[4153],"11293":[4154],"11294":[4155,4156],"11296":[4157],"11297":[4158],"11298":[4159,4160,4161],"11301":[4162],"11302":[4163,4164,4165],"11303":[4166],"11304":[4167],"11305":[4168,4169],"11307":[4170],"11308":[4171,4172],"11310":[4173,4174],"11311":[4175],"11312":[4176,4177],"11313":[4178],"11315":[4179],"11316":[4180],"11318":[4181],"11319":[4182,4183],"11320":[4184],"11325":[4185],"11326":[4186],"11327":[4187],"11328":[4188],"11330":[4189,4190,4191,4192],"11331":[4193,4194],"11332":[4195,4196],"11334":[4197,4198,4199],"11336":[4200],"11337":[4201],"11338":[4202],"11339":[4203],"11340":[4204,4205,4206,4207],"11341":[4208,4209],"11342":[4210],"11345":[4211],"11346":[4212],"11347":[4213],"11348":[4214],"11349":[4215],"11350":[4216,4217],"11351":[4218],"11352":[4219],"11353":[4220],"11354":[4221],"11356":[4222],"11357":[4223,4224],"11358":[4225,4226,4227],"11359":[4228,4229],"11360":[4230,4231],"11361":[4232],"11362":[4233,4234],"11367":[4235,4236],"11369":[4237],"11371":[4238,4239],"11373":[4240],"11374":[4241],"11375":[4242],"11377":[4243,4244],"11379":[4245,4246],"11380":[4247],"11381":[4248],"11383":[4249],"11384":[4250,4251],"11385":[4252,4253],"11386":[4254,4255],"11387":[4256,4257],"11388":[4258],"11395":[4259],"11396":[4260],"11400":[4261,4262],"11401":[4263,4264,4265],"11403":[4266],"11405":[4267],"11407":[4268],"11410":[4269],"11415":[4270],"11418":[4271],"11419":[4272],"11421":[4273,4274],"11423":[4275],"11424":[4276],"11425":[4277],"11432":[4278],"11433":[4279],"11434":[4280],"11437":[4281],"11438":[4282,4283,4284],"11439":[4285,4286],"11440":[4287,4288],"11441":[4289],"11442":[4290],"11452":[4291],"11453":[4292],"11454":[4293,4294,4295],"11455":[4296],"11456":[4297],"11458":[4298,4299,4300],"11460":[4301],"11461":[4302,4303],"11462":[4304],"11464":[4305],"11465":[4306],"11467":[4307,4308],"11468":[4309,4310],"11469":[4311],"11470":[4312,4313],"11471":[4314],"11472":[4315,4316],"11473":[4317],"11475":[4318],"11476":[4319],"11477":[4320],"11478":[4321],"11479":[4322],"11480":[4323],"11481":[4324],"11482":[4325],"11483":[4326],"11485":[4327],"11486":[4328,4329],"11487":[4330],"11488":[4331],"11489":[4332],"11490":[4333,4334],"11491":[4335],"11493":[4336],"11494":[4337,4338],"11496":[4339],"11497":[4340],"11498":[4341,4342],"11499":[4343],"11500":[4344],"11502":[4345],"11504":[4346,4347,4348],"11505":[4349],"11506":[4350,4351,4352],"11507":[4353],"11508":[4354],"11509":[4355,4356],"11510":[4357],"11511":[4358],"11514":[4359,4360],"11515":[4361,4362,4363],"11516":[4364],"11519":[4365,4366],"11520":[4367],"11521":[4368],"11523":[4369],"11524":[4370,4371],"11526":[4372],"11528":[4373],"11534":[4374],"11537":[4375],"11538":[4376],"11539":[4377,4378],"11540":[4379,4380],"11542":[4381],"11544":[4382],"11546":[4383],"11550":[4384],"11554":[4385],"11556":[4386],"11560":[4387],"11563":[4388],"11565":[4389,4390],"11566":[4391],"11567":[4392],"11569":[4393],"11571":[4394,4395],"11574":[4396],"11577":[4397,4398],"11579":[4399,4400],"11581":[4401],"11582":[4402],"11584":[4403],"11585":[4404],"11588":[4405],"11592":[4406],"11593":[4407],"11594":[4408,4409],"11595":[4410],"11597":[4411],"11598":[4412,4413],"11600":[4414],"11601":[4415],"11602":[4416,4417,4418],"11604":[4419],"11605":[4420,4421],"11606":[4422],"11608":[4423,4424,4425,4426],"11611":[4427,4428],"11612":[4429],"11613":[4430],"11614":[4431],"11615":[4432],"11616":[4433],"11617":[4434,4435],"11619":[4436],"11620":[4437,4438],"11622":[4439,4440,4441],"11623":[4442],"11624":[4443,4444],"11625":[4445],"11626":[4446,4447],"11627":[4448],"11630":[4449],"11631":[4450,4451,4452,4453],"11634":[4454,4455],"11636":[4456],"11641":[4457,4458],"11643":[4459],"11644":[4460,4461],"11645":[4462],"11647":[4463,4464],"11648":[4465],"11650":[4466,4467],"11651":[4468],"11652":[4469,4470],"11653":[4471],"11654":[4472],"11655":[4473,4474,4475,4476],"11656":[4477],"11657":[4478],"11658":[4479],"11659":[4480,4481],"11660":[4482],"11662":[4483,4484],"11663":[4485],"11666":[4486],"11667":[4487],"11668":[4488],"11672":[4489],"11674":[4490],"11675":[4491],"11679":[4492],"11680":[4493],"11683":[4494],"11685":[4495],"11687":[4496],"11689":[4497],"11691":[4498],"11692":[4499],"11698":[4500],"11702":[4501],"11703":[4502],"11705":[4503],"11706":[4504],"11708":[4505],"11710":[4506],"11717":[4507],"11720":[4508],"11721":[4509],"11722":[4510],"11723":[4511],"11725":[4512],"11726":[4513,4514],"11732":[4515],"11733":[4516],"11735":[4517,4518],"11736":[4519,4520],"11737":[4521,4522],"11738":[4523],"11741":[4524],"11742":[4525,4526],"11748":[4527,4528],"11751":[4529],"11755":[4530],"11758":[4531],"11759":[4532],"11762":[4533],"11763":[4534],"11764":[4535],"11765":[4536],"11766":[4537,4538],"11768":[4539],"11769":[4540,4541],"11770":[4542,4543],"11771":[4544],"11772":[4545,4546],"11780":[4547,4548],"11783":[4549,4550],"11785":[4551],"11787":[4552],"11788":[4553],"11789":[4554],"11790":[4555],"11792":[4556],"11793":[4557],"11798":[4558],"11800":[4559],"11804":[4560],"11807":[4561,4562],"11808":[4563,4564],"11809":[4565],"11812":[4566],"11814":[4567],"11815":[4568],"11819":[4569],"11820":[4570,4571],"11821":[4572],"11823":[4573],"11824":[4574],"11826":[4575,4576],"11827":[4577],"11833":[4578],"11840":[4579,4580],"11842":[4581],"11845":[4582],"11855":[4583,4584,4585],"11856":[4586,4587,4588],"11858":[4589,4590],"11859":[4591],"11860":[4592],"11862":[4593],"11863":[4594],"11875":[4595],"11879":[4596],"11882":[4597],"11887":[4598],"11889":[4599,4600],"11890":[4601],"11892":[4602],"11901":[4603,4604],"11905":[4605],"11908":[4606],"11912":[4607],"11916":[4608],"11918":[4609],"11920":[4610],"11923":[4611,4612],"11925":[4613],"11926":[4614],"11931":[4615],"11932":[4616],"11941":[4617],"11946":[4618],"11953":[4619],"11956":[4620],"11959":[4621],"11962":[4622],"11963":[4623],"11968":[4624,4625],"11969":[4626],"11973":[4627],"11975":[4628],"11976":[4629],"11977":[4630],"11982":[4631],"11984":[4632],"11989":[4633],"11990":[4634],"11991":[4635],"11994":[4636],"11999":[4637,4638],"12001":[4639],"12003":[4640,4641],"12004":[4642],"12005":[4643],"12012":[4644],"12019":[4645,4646],"12024":[4647],"12035":[4648],"12040":[4649],"12045":[4650],"12053":[4651],"12055":[4652],"12066":[4653,4654],"12067":[4655,4656],"12073":[4657],"12074":[4658],"12077":[4659],"12083":[4660],"12086":[4661],"12087":[4662],"12089":[4663],"12090":[4664],"12102":[4665],"12117":[4666,4667],"12119":[4668],"12123":[4669],"12124":[4670],"12128":[4671],"12133":[4672],"12134":[4673],"12135":[4674],"12140":[4675,4676],"12142":[4677],"12147":[4678],"12150":[4679],"12161":[4680],"12166":[4681],"12167":[4682],"12169":[4683],"12181":[4684],"12200":[4685],"12212":[4686],"12213":[4687,4688],"12214":[4689],"12219":[4690],"12221":[4691],"12226":[4692],"12227":[4693],"12238":[4694],"12241":[4695],"12250":[4696],"12256":[4697],"12263":[4698],"12276":[4699],"12277":[4700],"12279":[4701],"12299":[4702],"12305":[4703],"12306":[4704],"12308":[4705],"12309":[4706],"12334":[4707],"12341":[4708],"12352":[4709],"12353":[4710],"12357":[4711],"12362":[4712],"12368":[4713],"12370":[4714],"12372":[4715],"12373":[4716],"12374":[4717],"12376":[4718],"12378":[4719],"12383":[4720],"12389":[4721],"12393":[4722],"12396":[4723],"12401":[4724,4725],"12404":[4726],"12405":[4727],"12408":[4728],"12417":[4729,4730],"12428":[4731],"12440":[4732],"12447":[4733],"12462":[4734],"12469":[4735],"12480":[4736],"12481":[4737],"12484":[4738],"12487":[4739],"12488":[4740],"12492":[4741],"12498":[4742],"12500":[4743],"12509":[4744],"12512":[4745],"12513":[4746],"12515":[4747],"12517":[4748],"12518":[4749],"12520":[4750],"12521":[4751],"12522":[4752],"12524":[4753,4754,4755,4756],"12525":[4757],"12526":[4758],"12527":[4759,4760],"12528":[4761],"12533":[4762,4763],"12534":[4764],"12535":[4765,4766,4767,4768],"12536":[4769],"12540":[4770],"12542":[4771],"12543":[4772],"12544":[4773],"12545":[4774,4775],"12549":[4776],"12551":[4777],"12553":[4778],"12554":[4779],"12558":[4780],"12561":[4781],"12562":[4782],"12566":[4783],"12570":[4784],"12572":[4785],"12574":[4786],"12580":[4787],"12581":[4788],"12582":[4789,4790],"12585":[4791],"12588":[4792,4793],"12591":[4794],"12593":[4795],"12594":[4796],"12595":[4797,4798,4799,4800],"12596":[4801],"12598":[4802,4803],"12600":[4804],"12601":[4805],"12604":[4806,4807],"12605":[4808],"12606":[4809],"12607":[4810,4811],"12608":[4812],"12609":[4813,4814],"12610":[4815,4816],"12612":[4817],"12614":[4818],"12615":[4819],"12617":[4820],"12618":[4821],"12619":[4822,4823],"12621":[4824,4825,4826,4827],"12622":[4828,4829],"12623":[4830],"12624":[4831,4832],"12626":[4833],"12627":[4834],"12628":[4835,4836],"12629":[4837],"12630":[4838],"12631":[4839],"12632":[4840],"12633":[4841,4842],"12634":[4843],"12635":[4844],"12636":[4845],"12642":[4846],"12643":[4847],"12646":[4848,4849,4850],"12647":[4851],"12648":[4852],"12649":[4853],"12650":[4854],"12654":[4855],"12656":[4856,4857],"12658":[4858],"12659":[4859],"12660":[4860],"12665":[4861],"12666":[4862,4863],"12667":[4864,4865],"12668":[4866,4867],"12676":[4868],"12677":[4869],"12679":[4870,4871,4872],"12681":[4873,4874],"12683":[4875],"12686":[4876,4877],"12688":[4878,4879],"12689":[4880],"12691":[4881],"12692":[4882],"12693":[4883,4884],"12694":[4885],"12695":[4886],"12699":[4887],"12701":[4888,4889],"12702":[4890,4891,4892,4893,4894],"12703":[4895],"12707":[4896],"12708":[4897],"12710":[4898],"12711":[4899],"12713":[4900,4901],"12715":[4902],"12721":[4903,4904],"12723":[4905],"12724":[4906,4907],"12727":[4908],"12731":[4909,4910,4911,4912],"12736":[4913],"12739":[4914],"12742":[4915],"12743":[4916],"12745":[4917],"12746":[4918],"12747":[4919,4920],"12748":[4921,4922],"12749":[4923,4924],"12752":[4925],"12753":[4926,4927],"12754":[4928],"12755":[4929],"12757":[4930],"12758":[4931],"12760":[4932,4933],"12762":[4934,4935],"12767":[4936],"12768":[4937],"12774":[4938,4939,4940],"12775":[4941],"12777":[4942],"12778":[4943,4944],"12779":[4945],"12782":[4946],"12787":[4947,4948],"12788":[4949],"12789":[4950,4951],"12791":[4952,4953,4954],"12792":[4955],"12794":[4956],"12795":[4957],"12796":[4958,4959],"12797":[4960,4961,4962,4963],"12800":[4964],"12801":[4965],"12802":[4966],"12806":[4967,4968],"12808":[4969],"12811":[4970],"12814":[4971],"12815":[4972],"12818":[4973],"12819":[4974,4975,4976],"12824":[4977],"12825":[4978],"12827":[4979],"12838":[4980],"12839":[4981],"12848":[4982],"12849":[4983],"12851":[4984,4985],"12854":[4986],"12855":[4987],"12861":[4988,4989],"12863":[4990,4991],"12869":[4992],"12874":[4993],"12875":[4994],"12879":[4995],"12887":[4996],"12895":[4997],"12896":[4998],"12898":[4999],"12900":[5000],"12904":[5001],"12929":[5002,5003],"12930":[5004],"12932":[5005],"12935":[5006],"12941":[5007,5008],"12942":[5009],"12943":[5010,5011],"12944":[5012],"12946":[5013],"12949":[5014],"12951":[5015],"12954":[5016,5017],"12956":[5018],"12958":[5019,5020],"12959":[5021],"12962":[5022],"12963":[5023],"12970":[5024],"12972":[5025,5026],"12973":[5027,5028],"12974":[5029],"12976":[5030],"12977":[5031],"12984":[5032,5033],"12986":[5034],"12987":[5035],"12988":[5036],"12991":[5037],"12993":[5038],"12994":[5039,5040],"12995":[5041],"12996":[5042,5043],"12997":[5044],"12998":[5045],"12999":[5046],"13000":[5047,5048],"13001":[5049],"13002":[5050],"13004":[5051],"13005":[5052,5053],"13006":[5054],"13007":[5055],"13008":[5056,5057],"13009":[5058],"13013":[5059],"13014":[5060,5061],"13018":[5062],"13023":[5063],"13024":[5064],"13025":[5065],"13026":[5066],"13029":[5067],"13031":[5068],"13032":[5069],"13033":[5070],"13036":[5071],"13037":[5072],"13039":[5073],"13041":[5074],"13044":[5075],"13045":[5076,5077],"13052":[5078],"13053":[5079],"13056":[5080],"13057":[5081],"13062":[5082],"13065":[5083],"13067":[5084],"13070":[5085],"13072":[5086],"13074":[5087],"13076":[5088],"13077":[5089],"13081":[5090,5091],"13082":[5092,5093],"13083":[5094],"13084":[5095],"13085":[5096,5097],"13087":[5098,5099,5100],"13088":[5101,5102],"13090":[5103,5104],"13092":[5105],"13094":[5106],"13096":[5107],"13097":[5108],"13102":[5109,5110],"13104":[5111],"13107":[5112],"13110":[5113],"13111":[5114],"13119":[5115],"13122":[5116],"13123":[5117],"13126":[5118],"13128":[5119],"13129":[5120],"13130":[5121],"13131":[5122],"13132":[5123],"13133":[5124],"13134":[5125],"13139":[5126],"13140":[5127],"13144":[5128],"13148":[5129],"13150":[5130],"13153":[5131],"13154":[5132],"13158":[5133],"13159":[5134],"13161":[5135,5136],"13162":[5137],"13163":[5138],"13164":[5139],"13167":[5140],"13172":[5141],"13175":[5142],"13176":[5143],"13177":[5144],"13180":[5145,5146],"13181":[5147],"13183":[5148],"13184":[5149],"13185":[5150],"13192":[5151],"13193":[5152],"13196":[5153],"13197":[5154],"13203":[5155],"13204":[5156],"13207":[5157],"13211":[5158],"13212":[5159],"13217":[5160],"13218":[5161],"13220":[5162],"13221":[5163],"13225":[5164],"13227":[5165],"13230":[5166],"13231":[5167],"13242":[5168],"13245":[5169,5170],"13249":[5171],"13250":[5172],"13255":[5173],"13263":[5174],"13264":[5175],"13270":[5176],"13279":[5177],"13280":[5178],"13282":[5179,5180,5181],"13288":[5182],"13289":[5183],"13294":[5184],"13295":[5185],"13299":[5186],"13301":[5187],"13304":[5188],"13310":[5189],"13311":[5190],"13321":[5191],"13334":[5192],"13335":[5193],"13342":[5194,5195],"13347":[5196],"13349":[5197],"13350":[5198],"13351":[5199],"13352":[5200],"13353":[5201],"13357":[5202]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"الملكة العربية السعودية\nوزارة التعليم العالي\nجامعة الإمام محمد بن سعود الإِسلامية\nعمادة البحث العلمي\nالتَّفْسِيرُ البَسِيْط\nلأبي الحَسن عَلي بن أحمَد بن محمَّد الواحدي\n(ت ٤٦٨ هـ)\nالدراسة - التحقيق\nمقدمة المصنف - سورة الفاتحة\nتحقيق\nد. محمَّد بن صالح بن عبد الله الفوزان\nأشرف على طباعته وإخراجه\nد. عبد العزيز بن سطام آل سعود ... أ. د. تركي بن سهو العتيبي\nالجزء الأول\n_________\nقال معد الكتاب للشاملة:\nتنبيه:\nوقع في ترقيم حواشي هذه الطبعة تغيير وتبديل كثير جدا، ولعله من الطباعة، وقد قمنا بتعديله قدر الإمكان، وذلك بمراجعة المصادر المعزو إليها.","vol":"1","page":1},{"text":"جامعة الإِمام محمد بن سعود الإِسلامية ١٤٣٠هـ\nفهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية أثناء النشر\nالواحدي، علي بن أحمد\nالتفسير البسيط لأبي الحسن علي بن أحمد بن محمد الواحدي\n(ت ٤٦٨هـ)./ علي بن أحمد الواحدي، محمد بن صالح بن\nعبد الله الفوزان، الرياض ١٤٣٠ هـ.\n٢٥ مج. (سلسلة الرسائل الجامعية)\nردمك: ٤ - ٨٥٧ - ٠٤ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (مجموعة)\n١ - ٨٥٨ - ٠٤ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (ج ١)\n١ - القرآن تفسير ... ٢ - الواحدي، علي بن أحمد\nأ- العنوان ... ب- السلسلة\nديوي ٢٢٧٠٣ ... ٨٦٨/ ١٤٣٠\nرقم الإيداع: ٨٦٨/ ١٤٣٠هـ\nردمك ٤ - ٨٥٧ - ٠٤ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (مجموعة)\n١ - ٨٥٨ - ٠٤ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (ج ١)","vol":"1","page":2},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1>مقدمة معالي مدير الجامعة الأستاذ الدكتور/ سليمان بن عبد الله أبا الخيل</span>\nالحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير الأنبياء والمرسلين أما بعد: فقد دأبت حكومة خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز آل سعود -حفظه الله- على دعم الجامعات السعودية، لتقوم بدورها الرائد في خدمة هذا البلد على أفضل صورة وأرقاها، ولتنافس الجامعات العالمية بجهودها وأعمالها المتميزة، ودعمه -رعاه الله- لجامعة الإِمام محمد بن سعود يذكر بأسطر من نور، ويسجل بمداد من ذهب. والجامعة تسعى بكل طاقاتها وإمكاناتها لتحقق هذه الأهداف السامية ومنها خدمة البحث العلمي، ونشر العلم والمعرفة على أوسع مجال، وأكثره نفعًا، في مختلف مناحي الحياة.\nوقد زخرت الجامعة بأعمال علمية كبيرة في مجالات كثيرة من تخصصاتها العلمية المختلفة، ومن هذه الأعمال تحقيق كتاب (البسيط في التفسير للإمام الواحدي) وقد حقِّق في الجامعة في خمس عشرة رسالة، وهو من الأعمال الكبيرة، فبعد الطباعة وصلت أجزاؤه إلى خمسة وعشرين جزءًا مع الفهارس، وتجاوزت صفحاته أربعة عشر ألفًا، مما دل على ضخامة العمل وصعوبة نشره.\nوقد كوَّنت لجنة لمتابعة ما بدئ به من هذا العمل برئاسة صاحب السمو الملكي الأمير الدكتور عبد العزيز بن سطَّام بن عبد العزيز آل سعود لما أعرفه عن سموَّه من جدٍّ ونشاط وعلميَّةٍ متميَّزةٍ، وحرصٍ على العلمِ، مع اهتمامه البالغ بنشر هذا الكتاب، وقد قام بهذه المسؤولية خير قيام، وبذل من جهده ووقته وفكره وخبرته، بل وماله ما سدَّد العمل، وأنجزه بوقتٍ قياسيٍّ، وجعل هذا الكتاب يخرج بهذه الصورة الرائعة والثوب\n\n- أ -","vol":"1","page":3},{"text":"القشيب، والحلة الجميلة، شكلًا ومضمونًا، فجزاه الله خيرًا على جهوده المتواصلة، وأعماله الخيرة، فمثله في علمه وخلقه أهل لكل خير.\nكما أنَّني كلّفت الأستاذ الدكتور تركي بن سهو العتيبي صاحب الخبرة الطويلة والعمق العلمي والمعرفي والإتقان المعروف -عميد البحث العلمي السابق- بأن يكون نائبًا للرئيس، لمعرفتي أنه هو الذي قد بدأ هذا المشروع قبل ثلاث سنوات من نهاية مدَّته الأخيرة التي انتهت في نهاية شهر ربيع الآخر من عام ١٤٢٧ هـ، ولأنه من أعرف الناس بالكتاب ومراحل طباعته، وبالشروط التي اشترطت لإخراجه ولخبرته في هذا المجال، وقد قبل مشكورًا بالأمر وأسهم إسهامًا كبيرًا في متابعته ليرى النور.\nأما هذا الكتاب فهو التفسير البسيط للإمام أبي الحسن علي بن أحمد بن محمد الواحدي المتوفى سنة ٤٦٤هـ، فهو من علماء القرن الخامس، وكتابه هذا من أشهر كتب التفسير بالمأثور، وهو واحد من كتبه الثلاثة في التفسير؛ البسيط وهو هذا الكتاب الذي أقدِّم له وهو أكبر تفاسيره وأقدمها تأليفًا، واسمه دليل على مراد مصنفه منه، وكتابه الثاني الوسيط، واسمه دل على أنه بين البسيط والمختصر، والثالث كتاب الوجيز.\nهذا العمل العلمي الكبير يعدُّ بحقٍّ مفخرة من مفاخر الجامعة التي سعت إلى تحقيقه أولًا، ثم وفّق الله ﷾ إلى إخراجه، فهو عملٌ علميٌّ ضخم أفنى فيه الباحثون سنين مهمة من أعمارهم لو قيست برأس المال المعرفي لوجدت أن متوسط سنوات إعداد كل رسالة ثلاث سنوات علمًا بأن إعداد بعض هذه الرسائل قد تجاوز ثلاث سنوات من تاريخ التسجيل حتى المناقشة، ومنها ما أنجز في حدود السنتين، وليست هناك رسالة تتم في أقل من هذا، فهذا الكتاب بذل فيه ما يزيد على ثلاثين سنة عملٍ، واستغرقت الطباعة والإخراج ما زاد على خمس سنوات، إن الجهود الكبيرة التىِ بذلت وتبذل لهي عنوان كبير على قيمة هذا العمل، وهذا فضل الله ﷾ يؤتيه من يشاء.\n\n- ب -","vol":"1","page":4},{"text":"وفي الختام أشكر رئيس اللجنة التي قامت على إخراج هذا العمل العلمي الكبير صاحب السمو الملكي الأمير الدكتور/ عبد العزيز بن سطام بن عبد العزيز، وسعادة نائبه الأستاذ الدكتور/ تركي بن سهو العتيبي والعاملين معهم في اللجنة على ما قدموه من خدمة عظيمة لكتاب الله، ولهذا الكتاب الأصيل، ولطلاب العلم والباحثين في كل مكان.\nوأخيرًا أسجَّل شكري وتقديري للأخوة الباحثين أصحاب الرسائل الجامعية الذين قاموا بالتحقيق، ونالوا به درجاتهم العلمية، وأشكر المراجعين والمصححين الذين قاموا على أعمال الطباعة والإخراج، ولكلِّ من قدَّم جهدًا في نشر هذا العمل الموسوعي.\nوفي الختام أحمد الله أن قيَّض لهذا البلد الطاهر خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز آل سعود وصاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن عبد العزيز آل سعود ولي العهد نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع والطيران والمفتش العام، وصاحب السمو الملكي، الأمير نايف بن عبد العزيز النائب الثاني لرئيس مجلس الوزراء وزير الداخلية الذين يحرصون على العلم النافع والعمل الصالح، فلم يدخروا وسعًا في دعم البحث العلمي وتشجيعه ونشره، وخدمة الإِسلام والمسلمين في مشارق الأرض ومغاربها.\nوصلَّى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.\nأ. د. سليمان بن عبد الله أبا الخيل\nمدير جامعة الإِمام محمد بن سعود الإِسلامية\n\n- جـ -","vol":"1","page":5},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2>مقدمة صاحب السمو الملكي الأمير الدكتور عبد العزيز بن سطام بن عبد العزيز آل سعود</span>\nالحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبيَّ بعده، أما بعد:\nفمن نعم الله الكثيرة أن هيَّأ سبل السعي إلى طلب العلم وتحصيله، وذلَّلَ طرقه، وفتح آفاقًا من المعرفة كثيرة، ينهل منها أهل العلم وطلابه في مجال من مجالاته المختلفة.\nومن خير الأعمال التي تبذل فيها الأوقات نشر الكتب ولا سيما كتب العلوم الشرعية في مختلف تخصصاتها، وجميع ما يتصل بنشرها وتوزيعها، ودون شكٍّ أن من أشرف العلوم ما كان متَّصلًا بكتاب الله ﷾، تفسيرًا وقراءات وإعرابًا وتوجيهًا، ومنها هذا المشروع الكبير المتصل بتفسير كتاب الله وإعرابه، فقد سجَّل خمسة عشر طالبًا من قسم القرآن وعلومه رسائلهم لنيل درجة الدكتوراه في كتاب التفسير البسيط للواحدي، وهو يستحقُّ كل هذا العدد الكبير من الرسائل لكونه من كتب التفسير والإعراب الواسعة، وكما نصَّ على هذا مؤلفه فوافقت حقيقته واقع الكتاب، وجاءت هذه الرسائل لتلبي الحاجة الملحة للعمل في هذا السفر الكبير، وقد بذل المحققون جهودًا كبيرة في إخراج رسائلهم التي أمضوا في إعدادها سنوات مهمة من أعمارهم لينالوا الدرجات العلمية التي سجلوا الكتاب من أجل الحصول عليها، وقد حصلوا عليها بفضل الله ﷾، وبقي هذا العمل حبيس الأدراج حتى قيَّضَ له الأخ الزميل الدكتور تركي بن سهو العتيبي عميد البحث العلمي السابق ليبذل جهده لإخراج الكتاب مع إدراكه أن هناك عقبات كثيرة تحول دون نشره، ومن أصعبها تعدد الرسائل في هذا الكتاب، وتباعد الباحثين، وضخامة العمل، ولزوم إخراجه كاملًا في وقت واحدٍ.\n\n- هـ -","vol":"1","page":6},{"text":"وبدأ العمل في الكتاب منذ ست سنوات، وكان عملًا متواصلًا لا ينفك البتة، مما جعل اللجنة المشكلة تبذل جهودًا متواصلة لإخراجه وطباعته، ومحاولة توحيد عمل المحققين، والسعي لتوحيد الإخراج، ليكون الكتاب كله على نسق متقارب.\nوقد أخذت اللجنة العلمية على عاتقها تطبيق ملحوظات الفاحصين على جميع الرسائل، من خلال المراجعين الذين كلفوا بالمراجعة والتصحيح والتدقيق، كما قررت اللجنة أن تدوِّن أسماء الباحثين على الأجزاء التي حقّقوها، وبذلت خطوات علمية وعملية حيث قامت اللجان بمقابلة النص كاملًا على إحدى النسخ الخطية للتأكد من خلوه من الأسقاط، والالتزام برسم المصحف، والضبط بالشكل للمشكل من الكلمات، أو ما يستدعي السياق ضبطه، ورفع الإبهام عن النصِّ، والتخلص من تراجم المشهورين، ومحاولة عدم تكرار التخريج للنصوص، وعدم تكرار توثيق الشواهد ما أمكن، إلا ما دعت الحاجة إلى تكراره، وبعد هذا كلِّه الإشراف على الفهرسة العلمية الكاملة لهذا الكتاب.\nهذا جهد استمر من منتصف عام ١٤٢٥ هـ، حتى الآن، وبعد جهود متواصلة، ومتابعة متلاحقة خرج هذا العمل الذي أسأل الله ﷾ أن يكون عملًا صالحًا مقبولًا، وأن يجزي الباحثين أصحاب الرسائل كل خير.\nوأخيرًا أشكر الله ﷾ على ما أعان ويسر وتمَّم، وأثني بالشكر والعرفان لخادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز، وصاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن عبد العزيز نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع والطيران والمفتش العام، وصاحب السمو الملكي الأمير نايف بن عبد العزيز النائب الثاني لرئيس مجلس الوزراء وزير الداخلية على ما أولوه للعلم والمعرفة من عناية ورعاية واهتمام، وما قدموه وما يقدمونه للجامعات السعودية من جهود مباركة.\n\n- و-","vol":"1","page":7},{"text":"وأشكر معالي مدير الجامعة الأخ الأستاذ الدكتور سليمان بن عبد الله أبا الخيل اهتمامه بهذا الكتاب، ومباركته هذا التوجه وتأييده له، وحرصه الشديد على الإسراع بنشره، وتأكيده الدائم بأن الجامعة ستدعم هذا المشروع بكلِّ ما تستطيع.\nوأسجِّل عرفاني وتقديري لأعضاء اللجنة جميعًا على صبرهم وتحملهم هذا العمل، مع مشاغلهم الكثيرة، وبذلهم جهودًا متواصلة من غير كللٍ ولا مللٍ، كان العمل متواصلًا طيلة هذه السنوات، وقد ظنَّ الكثيرون بأن العمل توقَّف، لكنه لم يتوقف بحمد الله، لكن رغبة في الإنجاز حرص أعضاء اللجنة على العمل الدائم بصمتٍ تامٍّ حتى يتحقَّق إنجازه وقد تمَّ بفضل الله ﷾.\nوأشكر كذلك لجان المتابعة والمراجعين، وجميع من ضرب مع اللجنة بسهم في العمل.\nوالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.\nعبد العزيز بن سطام بن عبد العزيز آل سعود\n\n- ز -","vol":"1","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3>مقدمة التحقيق</span>\nبسم الله الرحمن الرحيم\nإنَّ الحمدَ لله، نَحْمده، ونَستعينه، ونستغفره، ونعوذُ بالله مِنْ شرورِ أنفسنا، وسيئاتِ أعمالِنا، مَنْ يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إلله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، ﵌ تسليمًا.\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُون﴾ [آل عمران: ١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠، ٧١].\nأما بعد:\nفإن أجل ما صرفت فيه الأعمار، وقضيت فيه الأيام، الاشتغال بكتاب الله جل وعلا، قراءة وتعلُّمًا وتعليمًا وتفسيرًا، فهو الحجة البالغة والصراط المستقيم، وه و\"كتابه الدالُّ عليه لمن أراد معرفته، وطريقه الموصلة لسالكها إليه، ونوره المبين الذي أشرقت له الظلمات، ورحمته المهداة التي بها صلاح جميع المخلوقات، والسبب الواصل بينه وبين عباده إذا انقطعت الأسباب، وبابه الأعظم الذي منه الدخول، فلا يغلق إذا أغلقت الأبواب، وهو الصراط المستقيم الذي لا تميل به الآراء، والذكر الحكيم الذي لا تزيغ به الأهواء، والنُزُل الكريم الذي لا يشبع منه العلماء، ولا تفنى عجائبه، ولا تُقْلِع سحائبه، ولا تنقضي آياته، ولا تختلف دلالاته، كلما ازدادت البصائر","vol":"1","page":9},{"text":"فيه تأملًا وتفكيرًا زادتْ هداية وتبصيرًا، وكلما بَجَسَتْ (١) مَعينه فجّر لها ينابيع الحكمة تفجيرًا، فهو نور البصائر من عماها، وشفاء الصدور من أدوائها وجواها (٢)، وحياة القلوب.، ولذة النفوس\" (٣).\nولذلك عكف العلماء على مائدة القرآن منذ نزوله، تلاوةً وحفظًا، وتدبرًا واستنباطًا، وتفسيرًا وبيانًا، وتأليفًا وبحثًا عن أسراره وعجائبه التي لا تنفد ولا تنقضي، لذلك تعددت الدراسات حول القرآن؛ فمنهم من عُني بقراءاته وعللها، ومنهم من عُني بغريبه ومعانيه، ومنهم من عني بإعرابه وبلاغته، ومنهم من عني بأحكامه وتشريعاته، ومنهم من عني بمشكله ومتشابهه، ومنهم من عُني بأسباب نزوله وناسخه ومنسوخه، وقد استأثر التفسير بالنصيب الأوفى من هذِه الدراسات، حيث أُلفت في هذا الباب كتبٌ عديدة ومصنفاتٌ عجيبة، ما بين مطيل متوسع، ومختصر موجز، ومتوسط مقتصد.\nوممن وفقهم الله لذلك العلامة المفسّر اللغوي: أبو الحسن علي بن أحمد الواحدي، حيث ألف في التفسير فأكثر ولوّن، وبسط وأوجز، وجمع وحقق، وزيَّن ونمَّق، واشتهر بين الناس بمصنفاته في التفسير، وسارت بها الركبان، وتداولها شُداة العلم، وأفادوا منها، وأثنوا عليها غاية الثناء، وذلك أنه كما قال عن نفسه: \"وأظنني لم آلُ جهدًا في إحكام أصول هذا العلم، على حسب ما يليق بزماننا هذا، ويسعه سنو عمري، على قلة\n_________\n(١) بجست: فجرت. ينظر: \"اللسان\" ١/ ٢١٢.\n(٢) جواها: الجوى: الحرقة وشدة الوجد من عشق أو حزن، والجوى السل وتطاول المرض. انظر: \"اللسان\" ٢/ ٧٣٠٤.\n(٣) \"مدارج السالكين\" ١/ ٣.","vol":"1","page":10},{"text":"أعدادها، فقد وفق الله تعالى، وله الحمد، حتى اقتبست كل ما احتجت إليه في هذا الباب من مظانه، وأخذته من معادنه\". فجاءت مؤلفاته مليئة بالفوائد، جامعة للعلوم والمعاني، حسنة في الألفاظ والمباني. ومع قناعة أبي الحسن الواحدي بأن الأول لم يترك للآخر شيئًا، إلا أنه اعتذر لنفسه بقوله: \"إن المتأخر بلطيف حيلته، ودقيق فطنته، يلتقط الدرر، ويجمع الغرر، فينظمها كالعقد على صدر الكعاب (١)، يروق (٢) المتأملين، ويؤنق (٣) الناظرين، فيستحق به في الأولى حمد الحامدين، وفي العقبي ثواب رب العالمين\".\nوكان -﵀- تحدثه نفسه أن يعلق في تفسير القرآن فِقَرًا (٤) في الكشف عن غوامض معانيه، ونكتًا في الإشارة إلى علل القراءات فيه، في ورقات يصغر حجمها، ويكثر غُنْمها، والأيام تَمْطله بصروفها، على اختلاف صنوفها، إلى أن شدد عليه خناق التقاضي قوم لهم في العلم سابقة، وفي التحقيق همم صادقة، فسمحت قَرُوْنَتُه بعد الإباء، وذلت صعوبته بعد النفرة والالتواء.\nقال: \"وقد استخرت الله العظيم في جمع كتاب أرجو أن يمدني الله فيه بتوفيقه وحسن تيسيره، حتى أبرزه كالقمر انجاب سحابه، والزلال صفا متنه واطرد حُبابه، يؤدي إلى المتأمل نُضرة الكلم العِذاب، ورونق الذهب\n_________\n(١) الكعاب: الجارية التي نهد ثديها. ينظر \"اللسان\" ٧/ ٣٨٨٨.\n(٢) يروق: يعجب. ينظر: \"اللسان\" ٣/ ١٧٧٩.\n(٣) يؤنق: يعجب. ينظر: \"اللسان\" ١/ ١٥٣.\n(٤) الفِقَر: خرزات الظهر، الواحدة: فِقْرة. والفِقْرة: جملة من كلام، أو جزء من موضوع. ينظر: \"تهذيب اللغة\" ٩/ ١١٧، \"والمعجم الوسيط\" ٢/ ٦٩٧.","vol":"1","page":11},{"text":"المذاب، سألكٌ نهج الإعجاز في الإيجاز، مشتمل على ما نقمت على غيري إهماله، ونعيت عليه إغفاله، خالٍ عما يكسب المستفيد مَلالة، ويتصور عند المتصفح إطالة، لا يدع لمن تأمله حازة في صدره، حتى يخرجه من ظلمة الريب والتخمين إلى نور العلم وثَلَج اليقين\".\nولما كان الكتاب بهذه المثابة، ومؤلفه بهذه المنزلة، فقد ظل الكتاب مغمورًا محبوسًا بين المخطوطات في خزائن كتب التراث في الخافقين، حتى قيض الله له من ينفض عنه الغبار، وهم مجموعة من الأساتذة الافاضل، نالوا بها درجة الدكتوراه وهم:\n١ - الدكتور/ محمد بن صالح بن عبد الله الفوزان.\nمن أول الكتاب إلى آخر الآية رقم ٧٤ من سورة البقرة.\n٢ - الدكتور/ محمد بن عبد العزيز الخضيري.\nمن آية ٧٥ حتى آية من سورة البقرة إلى آخر السورغ\n٣ - الدكتور/ أحمد بن محمد بن صالح الحمادي.\nسورة آل عمران كلها.\n٤ - الدكتور/ محمد بن حمد بن عبد الله المحيميد.\nمن أول سورة النساء إلى آخر سورة المائدة.\n٥ - الدكتور/ محمد بن منصور الفايز.\nمن أول سورة الأنعام إلى آخر سورة الأعراف.\n٦ - الدكتور/ إبراهيم بن علي الحسن.\nمن أول سورة الأنفال إلى آخر سورة يونس.\n٧ - الدكتور/ عبيد الله بن إبراهيم الريس.\nمن أول سورة هود إلى آخر سورة الرعد.","vol":"1","page":12},{"text":"٨ - الدكتور/ عبد الرحمن بن عبد الجبار بن صالح هوساوي.\nمن أول سورة إبراهيم إلى آخر سورة الإسراء.\n٩ - الدكتور/ عبد العزيز بن محمد اليحيى.\nمن أول سورة الكهف إلى آخر سورة طه.\n١٠ - الدكتور/ عبد الله بن عبد العزيز بن محمد المديميغ.\nمن أول سورة الأنبياء إلى آخر سورة النور.\n١١ - الدكتور/ سليمان بن إبراهيم بن محمد الحصين.\nمن أول سورة الفرقان إلى آخر سورة الروم.\n١٢ - الدكتور/ محمد بن عبد الله بن سايح الطيار.\nمن أول سورة لقمان إلى آخر سورة (ص).\n١٣ - الدكتور/ علي بن عمر السحيباني.\nمن أرل سورة الزمر إلى آخر سورة الحجرات.\n١٥ - الدكتور/ فاضل بن صالح بن عبد الله الشهري.\nمن أول سورة (ق) إلى آخر سورة القلم.\n١٥ - الدكتورة/ نورة بنت عبد الله بن عبد العزيز الورثان.\nمن أول سورة الحاقة إلى آخر الكتاب.\nفجزاهم الله خير الجزاء","vol":"1","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4>أهمية هذا الكتاب وسبب اختياره:</span>\nيُبَيِّن أهمية هذا الكتاب ما للمؤلف من مكانة علمية عالية وما لكتابه \"البسيط\" من قيمة علمية كبيرة، فقد برز الواحدي في علوم كثيرة كالتفسير والعربية وتصدر للتدريس في زمانه، يقول الحافظ الذهبي عنه: \"الإِمام، العلامة، الأستاذ ... صاحب التفسير، وإمام علماء التأويل ... كان طويل الباع في العربية .. تصدر للتدريس مدة وعظم شأنه\" (١). وقد أثنا عليه وأشاد بمؤلفاته كثيرٌ من العلماء (٢).\nفالواحدي قد بلغ مرتبة الإمامة في كثير من العلوم الشرعية. أما كتابه \"البسيط\" فإن له قيمة علمية كبيرة في مجال التفسير التحليلي للآيات بذكر معاني المفردات وما يتعلق بها من حيث اللغة والنحو، والعناية بالقراءات وبيان أوجهها وعللها، وسياق الأقوال والأوجه في التفسير مع الموازنة بينها أو الترجيح في كثير من الأحيان، وذكر أسباب النزول واستنباط ما تدل عليه الآيات من أحكام، فهذا الكتاب يعتبر من التفاسير الجامعة.\nمن جهة أخري فإن \"البسيط\" قد امتاز بمراجعه الأصيلة في التفسير والعربية، كما أنه يعتبر مصدرًا مهمًا لنصوص كثيرة من كتب مفقودة كـ\"المصادر\" للفراء و\"نظم القرآن\" للجرجاني وبعض كتب ابن الأنباري،\n_________\n(١) \"سير أعلام النبلاء\" ١٨/ ٣٣٩ - ٣٤١.\n(٢) انظر: \"المنتخب من السياق\" ص ٣٨٧، و\"إنباه الرواة\" ٢/ ٢٢٣، \"ومعجم الأدباء\" ١٢/ ٢٥٨، و\"وفيات الأعيان\" ٣/ ٣٠٣، و\"إشارة التعيين\" ص ٢٠٩، و\"طبقات الشافعية الكبرى\" ٣/ ٢٨٩، هـ ٢٩، و\"البداية والنهاية\" ١٢/ ١٢١، و\"طبقات المفسرين\" للداودي ١/ ٣٩٤.","vol":"1","page":14},{"text":"وغيرها، حيث اعتمد الواحدي كثيرًا على هؤلاء في تفسيره، وكان حسن الانتقاء للنقول، وإجادة الربط بين الكلام ولو كان من مصادر متعددة. ومن أهمية هذا التفسير أن الواحدي تصدى فيه للرد على الفرق الضالة -خاصة القدرية- كلما سنحت له فرصة، فيبين بُعد منهجهم عن الصواب، ومجانبتهم لما دلت عليه الآيات القرآنية والسنة المطهرة.\nكما يعتبر \"البسيط\" مصدرًا أصيلًا قديمًا من تفاسير القرن الخامس الهجري نقل منه كثير ممن جاء بعده من المفسرين، وكذلك غزارة مادة \"البسيط\" العلمية وتنوعها، ففيه مادة لغوية ونحوية، وفيه كثير من الأقوال والآثار التي لم يعثر عليها في كتب التفسير الأخري.\nكما أن الواحدي يتصف بدقة البحث للمسائل وتحريرها وحسن ترجيحها مما جعل كثيرًا من المفسرين يتبنى آراءه ويستشهد بها في مواطن الخلاف.\nكما يعتبر \"البسيط\" من كتب التفسير الكبيرة الجامعة لمختلف العلوم، وكذلك المكانة العلمية البارزة لمؤلف هذا الكتاب وهو الإِمام الواحدي فهو من كبار العلماء بالتفسير والعربية.\nصحيح أن المؤلف -﵀- وقع فيما أُخذ عليه، وانتُقِد بسببه، لكن تلك المآخذ لا تقلل كثيرًا من شأن الكتاب، ولا تطمس محاسنه ومزاياه؛ ولهذا فإن المكتبة القرآنية بحاجة إلى نشر هذا الكتاب محققًا، لتعم به الفائدة، ويكثر به النفع، وأسأل الله أن يوفقنا إلى إبراز هذا وإخراجه بالصورة التي تليق به.","vol":"1","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5>خطة العمل:</span>\nيتكون هذا الكتاب من: مقدمة، وقسمين، وفهارس.\nالمقدمة: أشرنا فيها إلى أهمية الكتاب المحقق، وسبب اختياره.\nالقسم الأول: الدراسة:\nوتنقسم إلى فصلين:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-6>الفصل الأول: التعريف بالمؤلف</span>.\nوفيه مبحثان:\nالمبحث الأول: التعريف بالمؤلف.\nوفيه تسعة مطالب:\nالمطلب الأول: اسمه، ونسبه، وكنيته، وأسرته.\nالمطلب الثاني: ولادته ووفاته.\nالمطلب الثالث: موطنه.\nالمطلب الرابع: طلبه للعلم، ورحلاته في طلب العلم، والعلوم التي برز فيها.\nالمطلب الخامس: عقيدته ومذهبه.\nالمطلب السادس: شيوخه وتلاميذه مع تعريف لكل واحد منهم.\nالمطلب السابع: مؤلفاته.\nالمطلب الثامن: مكانته.\nالمطلب التاسع: أقوال العلماء فيه، وما كتبه العلماء عن الواحدي ثناءً أو نقدًا له، والصواب من ذلك.\nالمبحث الثاني: الأوضاع السياسية في عصر الواحدي، وأثرها على","vol":"1","page":16},{"text":"الناحية العلمية.\nالفصل الثاني: دراسة عن كتاب \"البسيط\".\nوفيه عشرة مباحث:\nالمبحث الأول: اسم الكتاب.\nالمبحث الثاني: ثبوت نسبة الكتاب للوحدي.\nالمبحث الثالث: الباعث على إنشائه.\nالمبحث الرابع: تاريخ البدء فيه والانتهاء منه.\nالمبحث الخامس: مصادر الواحدي في \"البسيط\"، ثم التعريف بهذِه المصادر وطريقته في الأخذ منها، وما هي المادة التي أخذها.\nالمبحث السادس: منهج الواحدي في البسيط.\nوفيه ثلاثة مطالب:\nالمطلب الأول: منهجه إجمالًا كما وصفه في مقدمة كتابه.\nالمطلب الثاني: منهجه تفصيلًا.\nوفيه تسع مسائل:\nالمسألة الأولى: منهجه في تفسير القرآن بالقرآن.\nالمسألة الثانية: منهجه في تفسير القرآن بالسنة.\nالمسألة الثالثة: منهجه في تفسير القرآن بأقوال الصحابة والتابعين.\nالمسألة الرابعة: منهجه في ذكر الإسرائيليات.\nالمسألة الخامسة: منهجه في القراءات.\nالمسألة السادسة: منهجه في علوم القرآن.\n١ - أسباب النزول.\n٢ - الوقف والابتداء.","vol":"1","page":17},{"text":"٣ - الناسخ والمنسوخ.\n٤ - الربط بين الآيات.\nالمسألة السابعة: منهجه في مسائل العقيدة، والرد على الفرق.\nالمسألة الثامنة: منهجه في المسائل الفقهية والأصولية.\nالمسألة التاسعة: منهجه في اللغة وفنونها.\nالمطلب الثالث: مقارنة بين تفاسير الواحدي الثلاثة.\nالمبحث السابع: قيمة البسيط العلمية.\nالمبحث الثامن: أثر الواحدي فيمن بعده من خلال كتابه \"البسيط\" وفيه ذكرت أهم الذين تأثروا بتفسير \"البسيط\" وأفادوا منه، فمن المفسرين:\n١ - الفخر الرازي في تفسيره: \"مفاتيح الغيب\".\n٢ - أبو حيان في تفسيره: \"البحر المحيط\".\n٣ - السمين الحلبي في تفسيره: \"الدر المصون\".\n٤ - الجمل في تفسيره: \"الفتوحات الإلهية\".\n٥ - الألوسي في تفسيره: \"روح المعاني\".\nومن المؤلفين في علوم القرآن:\n١ - الزركشي في \"البرهان\".\n٢ - السيوطي في \"الإتقان\".\nومن الفقهاء:\nالطحطاوي في \"حاشية على المراقي\"، والنووي في \"المجموع شرح المهذب\"، والخطيب في \"مغني المحتاج\"، والشوكاني في \"نيل الأوطار\"، والصنعاني في \"سبل السلام\".\nومن شرح الحديث: النووي في \"شرح مسلم\"، والحافظ في","vol":"1","page":18},{"text":"\"الفتح\"، وبدر العيني في \"عمدة القاري\"، والسيوطي في \"تنوير الحوالك\"، وشرح \"سنن النسائي\"، والمناوي في \"فيض القدير\".\nالمبحث التاسع: منهج تحقيق الكتاب\nالمبحث العاشر: النسخ الخطية لتفسير البسيط.\nالقسم الثاني: تحقيق نص الكتاب.\nالفهارس: تم عمل فهارس متنوعة، تذليلًا للبحث في الكتاب، وتيسيرًا على الباحثين وهي كالتالي:\n١ - فهرس الآيات التي ورد بها أسباب نزول.\n٢ - فهرس الأحاديث.\n٣ - فهرس الآثار.\n٤ - فهرس الأعلام المترجم لهم.\n٥ - فهرس الأبيات الشعرية.\n٦ - فهرس الكلمات اللغوية.\n٧ - فهرس الكلمات النحوية.\n٨ - فهرس البلدان والمواضع.\n٩ - فهرس الطوائف والفرق والقبائل.\n١٠ - فهرس المصادر والمراجع.\n١١ - فهرس المحتويات.","vol":"1","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-7>المبحث الأول\nالتعريف بالواحدي\nحياته وآثاره</span>\nوفيه تسعة مطالب:\nالمطلب الأول: اسمه، ونسبه، وكنيته، وأسرته.\nالمطلب الثاني: ولادته ووفاته.\nالمطلب الثالث: طلبه للعلم، ورحلاته في طلب العلم، والعلوم التي برز فيها.\nالمطلب الرابع: موطنه.\nالمطلب الخامس: عقيدته ومذهبه.\nالمطلب السادس: شيوخه وتلاميذه مع تعريف لكل واحد منهم.\nالمطلب السابع: مؤلفاته.\nالمطلب الثامن: مكانته.\nالمطلب التاسع: أقوال أهل العلم فيه، وما كتبه العلماء عن الواحدي ثناءً أو نقدًا له، والصواب من ذلك.","vol":"1","page":21},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-8>المطلب الأول\nاسمه ونسبه، وكنيته، وأسرته</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-9>أولًا: اسمه ونسبه:</span>\nهو علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي النيسابوري الشافعي. هذا نسبه في أكثر المصادر التي وردت فيها ترجمته (١).\nوزاد بعضهم في نسبه فذكر \"متويه\" أحد أجداده ونسبه له، فقال ابن خلكان (٢): \"المتُّوي\" وقال ابن الأثير (٣): \"المتويي\".\nأما ابن كثير فقال في نسبه: \"علي بن حسن بن أحمد بن بويه الواحدي\" (٤).\nولم يذكر أحد غيره أن اسم أبيه \"حسن\" بل أجمعت المصادر على أنه \"أحمد\" فلعله تصحيف. وقعت كنيته \"أبو الحسن\" مكان اسم أبيه.\nأما قوله: \"ابن بويه\" فلعلها كذلك تصحيف \"متويه\" (٥).\nو\"الواحدي\" بفتح الواو، وبعد الألف حاء مهملة مكسورة، وهذه\n_________\n(١) انظم: \"دمية القصر وعصرة أهل العصر\" للباخرزي ٢/ ١٠١٧، و\"معجم الأدباء\" ١٢/ ٢٥٧، و\"إنباه الروة\" ٢/ ٢٢٣، و\"سير أعلام النبلاء\" ١٨/ ٣٣٩، و\"طبقات الشافعية الكبرى\" للسبكي ٣/ ٢٨٩، والإسنوي ٢/ ٥٣٨، و\"غاية النهاية في طبقات القراء\" ١/ ٥٢٣، و\"النجوم الزاهرة\" ٥/ ١٠٤، و\"بغية الوعاة\" ١٢/ ١٤٥، و\"طبقات المفسرين\" للسيوطي ص ٦٦، و\"طبقات المفسرين\" للداودي ١/ ٣٩٤، و\"إشارة التعيين\" ص ٢٠٩.\n(٢) انظر: \"وفيات الأعيان\" ٣/ ٣٠٣، ٣٠٤\n(٣) انظر: \"اللباب\" ٣/ ١٦٣.\n(٤) \"البداية والنهاية\" ١٢/ ١١٤.\n(٥) انظر: الواحدي ومنهجه في التفسير، د/ جودة محمد، ص ٥٦.","vol":"1","page":23},{"text":"النسبة إلى الواحد بن الدين (١) بن مهرة، ذكره ابن خلكان عن أبي أحمد العسكري.\nوقال أبو الفداء: \"الواحدي\"، نسبة إلى الواحد بن ميسرة (٢).\nو\"بنو مهرة\" قبيلة عربية مشهورة ترجع إلى قضاعة (٣).\nوشهرته بالواحدي هي المعروفة المذكورة في المصادر.\nأما \"المتوي\" فنسبة إلى \"مَتُّويه\" بفتح الميم والتاء المشددة المضمومة، أحد أجداده المنسوب له، قاله ابن خلكان (٤)، وذكر هذا النسب السمعاني (٥) فقال: \"المتويي\"، ولم يذكر الواحدي ضمن من ذكر فيمن نسب لهذا الجد، وتعقبه ابن الأثير (٦) فذكر الواحدي ونسبه إلى هذا الجد، فقال: \"المتوبي\". و\"النيسابوري\" نسبة إلى موطنه \"نيسابور\" كما سبق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-10>ثانيًا: كنيته:</span>\nيكنى \"أبا الحسن\" على هذا أكثر المصادر، سوى القفطي في \"إنباه الرواة\" فإنه قال: \"الحسين\" (٧). ولعله تصحيف عن \"الحسن\" وهذا يحصل كثيرًا في كتب التراجم بين اسم \"الحسن\" و\"الحسين\".\n_________\n(١) كذا في \"وفيات الأعيان \" بتحقيق د/ إحسان عباس حيث قال في الحاشة: كذا في المسودة، وفي التصحيف ص ٥٠٦ \"الدثن\"، \"وفيات الأعيان\" ٣/ ٣٠٤. وفي الأعلام \"الديل\" ٤/ ٢٥٥، واختاره مؤلف \"الواحدي وبمنهجه في التفسير\" ص ٥٨.\n(٢) \"المختصر في أخبار البشر\" ٢/ ٢١٩.\n(٣) انظر: \"جمهرة أنساب العرب\" لابن حزم ص ٤٤٠، ٤٨٥.\n(٤) انظر: \"وفيات الأعيان\" ٣/ ٣٠٤\n(٥) انظر: \"الأنساب\" ١٢/ ٨٢.\n(٦) انظر: \"اللباب\" ٣/ ١٦٣.\n(٧) انظر. \"إنباه الرواة\" ٢/ ٢٢٣.","vol":"1","page":24},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-11>ثالثًا: أسرته:</span>\nلم تذكر المصادر شيئًا كثيرًا عن أسرة الواحدي، وكل ما قيل عنها:\nأن أباه يعد من التجار (١)، فالواحدي نشأ في أسرة ذات يسار، وهذا يهيئ لطالب العلم التفرغ له، فلا ينشغل بطلب قوته غالبًا.\nومما ذكر عن أسرته أن له أخوين:\nأحدهما: عبد الرحمن، ذكره في \"المنتخب من السياق\" فقال: عبد الرحمن بن أحمد بن محمد بن علي بن متُّويه الواحدي، أبو القاسم، مستور صالح، أخو الإِمام علي الواحدي، الأكبر منه، وأصلهم من ساوة من أولاد التجار سمع من الزيادي وابن يوسف ومن بعدهم من أصحاب الأصم، وعقد له مجلس الإملاء في الجامع المنيعي .. وتوفي يوم الأربعاء غرة شهر ربيع الآخر سنة سبع وثمانين وأربعمائة، روى عنه أبو الحسن (٢).\nوالثاني: سعيد، قال في المنتخب: \"سعيد بن أحمد بن محمد السمسار، أبو بكر الواحدي، أخو الإِمام المفسر علي الواحدي، شيخ ثقة مستور عفيف كان يحترف السمسرة سمع من أصحاب الأصم\" (٣).\n_________\n(١) انظر: \"معجم الأدباء\" ١٢/ ٢٥٧، و\"طبقات الشافعية\" للسبكي ٣/ ٢٨٩، و\"طبقات الشافعية\" للأسنوي ٢/ ٥٣٩، و\"النجوم الزاهرة\" ٥/ ١٠٤، وغيرها من الكتب التي ترجمت له.\n(٢) \"المنتخب من السياق\" لتاريخ نيسابور ل ٩١ ب، وترجم له في \"سير أعلام النبلاء\" ١٨/ ٣٤٢، وانظر \"معجم الأدباء\" ١٢/ ٢٥٨، و\"طبقات الشافعية\" للسبكي ٣/ ١٨٩، و\"النجوم الزاهرة\" ٥/ ١٠٤.\n(٣) \"المنتخب من السياق\" ل ٦٨ أ، و\"أسباب النزول\" للواحدي، مقدمة السيد أحمد صقر ص ٥ وذكر اسمه \"سعد\".","vol":"1","page":25},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-12>المطلب الثاني</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-13>ولادته</span>\nلم يذكر أحد ممن ترجم للواحدي تاريخ ميلاده، وهذا واقع في تراجم أغلب العلماء، ذلك أن العالم حين ولادته لم يظهر له نبوغ يذكر، ولا أثر يستحق التسجيل، وربما كان لبعض الأسر دور في تسجيل تاريخ ميلاد أبنائهم.\n\nوالواحدي لم ينص أحد على تاريخ ميلاده، وإنما ذكر تاريخ<span data-type=\"title\" id=toc-14> وفاته</span>.\nوفاته:\nتوفي أبو الحسن الواحدي سنة ٤٦٨ في جمادى الآخرة بنيسابور (١)، بعد مرض ألم به طويل (٢)، خلافًا لما ذكره بعضهم (٣) من أن مرضه لم يدم طويلًا.\nوذكر بعضهم (٤) قولًا: إنه توفي سنة ٤٦٩ ثم رجح الأول وقد ذكروا أنه شاخ (٥) وكان عند وفاته من أبناء السبعين (٦).\n_________\n(١) ينظر مثلًا: \"المنتخب من السياق\" ص ٣٨٧، و\"معجم الأدباء\" ١١/ ٢٥٨ و\"إنباه الرواة\" ٢/ ٢٢٤، و\"وفيات الأعيان\" ٣/ ٣٠٤.\n(٢) ينظر: المراجع السابقة، و\"المختصر في أخبار البشر\" ٢/ ١٩٢، و\"تاريخ ابن الوردي\" ١/ ٣٨٧، و\"طبقات الشافعية\" للإسنوي ٢/ ٥٣٩.\n(٣) وهو القفطي في \"إنباه الرواة\" ٢/ ٢٢٤ وقد تكون كلمة (غير) مقحمة في قوله: ومرض مرضة غير طويلة، واكتفى ابن كثير في \"البداية والنهاية\" ١٢/ ١١٤ بقوله: وقد مرض مدة.\n(٤) هو ابن تغري بردي في \"النجوم الزاهرة\" ٥/ ١٠٤\n(٥) ينظر: \"سير أعلام النبلاء\" ١٨/ ٣٤٢.\n(٦) تقدم ذكر ذلك.","vol":"1","page":26},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-15>المطلب الثالث\nموطنه</span>\nأصل الواحدي من \"ساوة\" كما قال ذلك ياقوت وغيره (١)، ولكن أسرته انتقلت منها واستقرت في \"نيسابور\" حيث ولد الواحدي وتوفي فيها (٢)، و\"نيسابور\" إحدى مدن \"خراسان\" الهامة. فهو خراساني نيسابوري. أما \"ساوة\" فقد قال عنها ياقوت: \"مدينة حسنة بين الري وهمذان في وسط .. وبقربها مدينة يقال لها \"آوة\" فـ\"ساوة\" سنية شافعية، و\"آوة\" أهلها شيعة إمامية وبينهما نحو فرسخين، ولا يزال يقع بينهما عصبية .. \" (٣) ولا نقف عندها كثيرًا حيث تركتها أسرة الواحدي قبل ولادته (٤)، فأثرها على حياته قليل.\nأما \"خراسان\" وهو الإقليم الذي عاش الواحدي في إحدى مدنه، فهو منطقة واسعة قال ياقوت في بيان حدودها: \"خراسان: بلاد واسعة أول حدودها مما يلي العراق \"أزاذوار\" قصبة جوين \"وبيهق\"، وآخر حدودها مما يلي الهند \"طخارستان\" و\"غزنة\" و\"سجستان\" و\"كرمان\"، وليس ذلك منها، إنما هو أطراف حدودها\" (٥). وفي خراسان أمهات البلاد منها: بلخ\n_________\n(١) انظر: \"معجم البلدان\" ١٢/ ٢٥٧، و\"طبقات الشافعية\" للسبكي ٣/ ٢٨٩، و\"شذرات الذهب\" ٣/ ٣٣٠.\n(٢) انظر المراجع السابقة.\n(٣) \"معجم البلدان\" ٣/ ١٧٩.\n(٤) انظر: \"شذرات الذهب\" ٣/ ٣٣٠.\n(٥) \"معجم البلدان\" ٢/ ٣٥٠.","vol":"1","page":27},{"text":"ونيسابور وبوشنج ومرو وهراة وطالقان وغيرها (١)، فتحت خراسان في أيام عثمان -﵁- بإمارة عبد الله بن عامر بن كريز (٢).\nوقد وصف المقدسي إقليم خراسان فقال: \"اعلم أن لهذا الإقليم فضائل تنسب إلى هذا الجانب ويشركه في أكثرها جانب هيطل\" (٣)، إلا أن هذا لما كان أقدم في الاختطاط والفتح في الإِسلام، وأقرب إلى أقاليم العرب خص بالذكر وعرف عند النسبة، يحكى عن ابن قتيبة أنه قال: \"أهل خراسان أهل الدعوة وأنصار الدولة .. \" قال: \"ويقال: إن محمد بن (٤) عبد الله قال لدعاته: أما الكوفة وسوادها فشيعة علي، وأما البصرة فعثمانية تدين بالكف، وأما الجزيرة فحرورية صادقة، وأعراب كأعلاج، ومسلمون في أخلاق النصارى، وأما أهل الشام فلا يعرفون غير معاوية، وطاعة بني أمية وعداوة راسخة وجهل متراكم، وأما مكة والمدينة فقد غلب عليهم أبو بكر\n_________\n(١) انظر: \"أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم\" للمقدسي ص ٣٩٥، و\"معجم البلدان\" ٢/ ٣٥٠.\n(٢) انظر: \"معجم البلدان\" ٢/ ٣٥٠.\n(٣) بلاد ما وراء نهر جيحون، يقال نزلها هيطل بن عالم بن سام بن نوح فسميت به. انظر: \"معجم البلدان\" ٢/ ٣٥٠.\n(٤) كذا ورد اسمه عند المقدسي، ولعله تصحيف من النساخ، وإنما هو محمد بن علي ابن عبد الله بن العباس، داعية العباسيين، انظر: \"معجم البلدان\" ٢/ ٣٥٢، و\"تاريخ الإِسلام السياسي\" ٢/ ١٢، وقد وقع د/ جودة محمد مهدي صاحب كتاب \"الواحدي ومنهجه في التفسير\" في وهم فاحش، حيث نقل مقاطع من كلام المقدسي وأضاف الصلاة على النبي - ﷺ - وقال في الحاشية: \"لم يذكر المقدسي لفظ السيادة، ولم يصل على النبي - ﷺ - مع ذكر اسمه الشريف فأضفت ذلك بين الأقوال وفاء بحق ذكر اسمه الشريف\". انظر: \"الواحدي ومنهجه في التفسير\" ص ٤٩، فجعل كلام محمد بن علي داعية العباسيين لرسول الله - ﷺ -.","vol":"1","page":28},{"text":"وعمر، ولكن عليكم بخراسان فإن هناك العدد الكثير والجلد الظاهر وهناك صدور سليمة وقلوب فارغة لم تتقسمها الأهواء ولم تتوزعها النحل ولم يقدح فيها فساد، وهم جند لهم أبدان وأجسام ومناكب وكواهل وهامات ولحى وشوارب وأصوات هائلة ولغات فخمة تخرج من أجواف منكرة، وبعد فإني أتفاءل إلى المشرق وإلى مطلع سراج الدنيا ومصباح الخلق\".\nوقال المقدسي (١): \" .. واعلم أن هذا الجانب في الحقيقة خراسان وهو أجل الجانبين لأن به المصر الأعظم وأهله أظرف وأحلم وبالخير والشر أعلم إلا أقاليم العرب ورسومهم أقرب .. \" (٢).\nوكانت خراسان موطن العلم والعلماء قال ياقوت (٣): \" .. فأما العلم فهم فرسانه وساداته وأعيانه، ومن أين لغيرهم مثل محمد بن إسماعيل البخاري (٤)،\n_________\n(١) محمد بن أحمد بن أبي بكر البناء، المقدسي، ولقال له: البشاري، رحالة جغرافي، ولد في القدس عام ٣٣٦، تعاطى التجارة وتجشم أسفارًا تعرف من خلالها على أحوال البلاد، وصنف كتابه: \"أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم\". توفي نحو سنة ٣٨٠ هـ ينظر: \"أحسن التقاسيم\" ص ٤٣، \"الأعلام\" ٥/ ٣١٢.\n(٢) \"أحسن التقاسيم\" ص ٢٩٣، ٢٩٤\n(٣) هو شهاب الدين ياقوت بن عبد الله الرومي الجنس والمولد، الحموي المولى، البغدادي الدار، ولد سنة ٥٧٤هـ، له تآليف كثيرة، منها: \"معجم البلدان\"، و\"معجم الأدباء\" وغيرها، توفي سنة ٦٢٦. ينظر: \"وفيات الأعيان\" ٦/ ١٢٧ - ١٣٩، و\"سير أعلام النبلاء\" ٢٢/ ٣١٢.\n(٤) هو محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة البخاري أبو عبد الله، أمير المؤمنين في الحديث، الإِمام الكبير، صاحب \"الصحيح\"، ولد سنة ١٩٤ وله تآليف غير \"الصحيح\"، منها \"التاريخ الكبير\" و\"الأدب المفرد\" و\"الضعفاء\" وغيرها، مات سنة ٢٥٦. ينظر: \"سير أعلام النبلاء\" ١٢/ ٣٩١، و\"تهذيب التهذيب\" ٩/ ٤٧.","vol":"1","page":29},{"text":"ومثل مسلم بن الحجاج (١)، وأبي عيسى الترمذي (٢)، وإسحاق بن راهويه (٣)، وأحمد بن حنبل وأبي حامد الغزالي (٤)، والجويني إمام الحرمين (٥) والحاكم\n_________\n(١) هو مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري النيسابوري أبو الحسين: الإِمام الحافظ صاحب \"الصحيح\"، ولد بنيسابور عام ٢٠٤ ورحل في طلب الحديث، وألف الصحيح، وبه اشتهر، ومن كتبه: \"المسند الكبير\"، و\"الجامع\"، و\"التمييز\"، وغيرها، توفي سنة ٢٦١ ينظر: \"تاريخ بغداد\" ١٣/ ١٠٠ و\"سير أعلام النبلاء\" ١٢/ ٥٥٧.\n(٢) محمد بن عيسى بن سورة بن موسى السلمي الترمذي، أبو عيسى، أحد أئمة الحديث وحفاظه، صاحب \"السنن\" المشهورة، ولد سنة ٢٠٩ وهو تلميذ البخاري، وقد رحل في طلب الحديث من كتبه: \"الشمائل\" و\"التاريخ\" و\"العلل\"، مات سنة ٢٧٩. ينظر: \"سير أعلام النبلاء\" ١٣/ ٢٧٠، و\"تهذيب التهذيب\" ٩/ ٣٨٧.\n(٣) هو إسحاق بن إبراهيم التميمي المروزي أبو يعقوب، عالم خراسان في عصره، قال فيه الخطيب: \"اجتمع له الحديث والفقه والحفظ والصدق والورع والزهد\" روى عنه البخاري ومسلم والترمذي وغيرهم توفي سنة ٢٣٨. ينظر: \"الجرح والتعديل\" ٢/ ٢٠٩، و\"السير\" ١١/ ٣٥٨.\n(٤) محمد بن محمد بن محمد الغزالي الطوسي أبو حامد فيلسوف متصوف فقيه أصولي ولد سنة ٤٥٠ بخراسان، رحل إلى نيسابور وغيرها في طلب العلم، من كتبه: \"إحياء علوم الدين\"، و\"المستصفى\"، و\"تهافت الفلاسفة\"، توفي، سنة ٥٠٥. ينظر: \"وفيات الأعيان\" ١/ ٤٦٣، و\"سير أعلام النبلاء\" ١٩/ ٣٢٢.\n(٥) عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني أبو المعالي، إمام الحرمين، من فقهاء الشافعية ولد في جوين من نواحي نيسابور عام ٤١٩، ورجل وجاور بمكة سنين وذهب إلى المدينة فأفتى ودرس ثم عاد إلى نيسابور قبنى له نظام الملك المدرسة النظامية فيها من كتبه: \"غياث الأمم\" و\"الإرشاد\" و\"الورقات\"، توفي عام ٤٧٨. ينظر: \"وفيات الأعيان\" ١/ ٢٨٧، و\"سير أعلام النبلاء\" ١٨/ ٤٦٨.","vol":"1","page":30},{"text":"أبي عبد الله النيسابوري (١) وغيرهم من أهل الحديث والفقه، ومثل الأزهري (٢) والجوهري (٣) وعبد الله بن المبارك .. \" (٤) هذا عن خراسان.\nأما \"نيسابور\" موطن الواحدي وبلده، فهي كما وصفها ياقوت حين قال: \"نيسابور\" بفتح أوله والعامة يسمونه: \"نشاوور\" وهي مدينة عظيمة ذات فضائل جسيمة معدن الفضلاء، ومنبع العلماء، لم أر فيما طوفت من البلاد مدينة كانت مثلها .. \" (٥).\nواختلف في سبب تسميتها بذلك، فقيل: إنها سميت بذلك لأن سابور\n_________\n(١) محمد بن عبد الله بن حمدويه بن نعيم الضبي الشهير بالحاكم ويعرف بابن البَيِّع أبو عبد الله من أكابر حفاظ الحديث والمصنفين فيه ولد سنة ٣٢١ في نيسابور، رحل في طلب العلم، وبرع، وولي قضاء نيسابور، من كتبه: \"المستدرك على الصحيحين\" و\"المدخل\" و\"معرفة علوم الحديث\". توفي سنة ٤٠٥. ينظر: \"تاريخ بغداد\" ٥/ ٤٧٣، و\"سير أعلام النبلاء\" ١٧/ ١٦٢.\n(٢) هو: أبو منصور محمد بن أحمد بن الأظهر بن طلبة الأزهري الهروي، العلامه اللغوي الشافعي، صاحب: \"تهذيب اللغة\" المشهور، توفي سنة ٣٧٠ هـ ينظر: \"طبقات الشافعية\" للسبكي ٣/ ٦٣، و\"بغية الوعاة\" ١/ ١٩، و\"السير\" ١٦/ ٣١٥.\n(٣) إمام اللغة، أبو نصر إسماعيل بن حمّاد التركي الأُتراري، صاحب \"الصحاح\" واحد من يضرب به المثل في ضبط اللغة، وفي الخط المنسوب، توفي بنيسابور سنة ٣٩٣.\nينظر: \"السير\" ١٧/ ٨٠، و\"إنباه الرواة\" ١/ ٢٢٩.\n(٤) عبد الله بن المبارك بن واضح الحنظلي مولاهم التميمي، المروزي، أبو عبد الرحمن، الإِمام الحافظ شيخ الإِسلام المجاهد التاجر، محدث فقيه زاهد، ولد سنة ١١٨ من مصنفاته: \"الجهاد\" وهو أول من صنف فيه، وله \"الزهد\"، ومات سنة ١٨١. ينظر: \"تذكرة الحفاظ\" ١/ ٢٥٣، و\"حلية الأولياء\" ٨/ ١٦٢.\n(٥) \"معجم البلدان\" ٥/ ٣٣١.","vol":"1","page":31},{"text":"مر بها، وفيها قصب كثير، فقال: يصلح أن يكون ههنا مدينة، فسميت نيسابور وقيل: إن سابور خرج من مملكته لقول المنجمين فخرجوا يطلبونه فبلغوا \"نيسابور\" فقالوا: نيست سابور، أي ليس سابور (١).\nقال ياقوت: \" .. وأكثر شرب أهل نيسابور من قنى تجري تحت الأرض ينزل إليها في سراديب مهيأة لذلك، فيوجد الماء تحت الأرض، ليس صادق الحلاوة، وعهدي بها كثيرة الفواكه والخيرات .. \" (٢).\nوذكر ياقوت أنها فتحت أيام عثمان -﵁ - وقد فتحها الأمير عبد الله بن كريز في سنة ٣٠ هـ صلحا وبنى بها جامعا. وقيل: فتحت أيام عمر -﵁ - على يد الأحنف بن قيس، وانتقضت أيام عثمان فأرسل إليها عبد الله بن كريز ففتحها ثانية (٣).\nومما يجدر ذكره أن نيسابور أصابها ما أصاب الدولة الإِسلامية في العهد الثاني للعباسيين فتقلبت بين السامانيين والغزنويين والسلاجقة فكانت تحت ولاية السامانيين، فحاول محمود الغزنوي أخذها سنة (٣٨٨ هـ) فاحتلها ولكن لما علم بمسير الأمير منصور بن نوح إليه سار عنها وتركها، ثم عاد إليها سنة (٣٨٩هـ) واحتلها (٤)، وبقيت تحت الدولة الغزنوية إلى سنة (٤٣٢هـ) حيث احتلها السلاجقة.\nقال ابن الأثير عن حادثة احتلال السلاجقة لها: \" .. وسار طغرلبك إلى نيسابور وملكها ودخل إليها آخر سنة إحدى وثلاثين وأول سنة اثنتين\n_________\n(١) المصدر السابق.\n(٢) المصدر السابق.\n(٣) المصدر السابق.\n(٤) انظر: \"الكامل في التاريخ\" ٧/ ١٩٠، ١٩٦.","vol":"1","page":32},{"text":"وثلاثين ونهب أصحابه الناس .. وكان العيارون قد عظم ضررهم واشتد أمرهم وزادت البلية بهم على أهل نيسابور فهم ينهبون الأموال ويقتلون النفوس ويرتكبون الفروج الحرام .. فلما دخل طغرلبك البلد خافه العيارون وكفوا عما كانوا يفعلون وسكن الناس واطمأنوا .. \" (١) وحصلت لها بلية أخري على يد الغز سنة (٥٤٨ هـ)، ثم خربت مرة أخري على يد التتر سنة (٦١٨ هـ) (٢).\nأما العلم بها فهو كما قال عنها ياقوت في كلامه السابق: \"معدن الفضلاء ومنبع العلماء .. \" وقد اشتهرت بمدارسها العامرة، وذكر السبكي بعض مدارسها، وذلك لما تحدث عن المدارس في عهد \"نظام الملك\" فذكر منها المدرسة \"البيهقية\" و\"السعدية\" بناها الأمير نصر بن سبكتكين أخو السلطان محمود، ومدرسة بناها أبو إسماعيل بن علي الاستراباذى الواعظ، ومدرسة \"أبي إسحاق الإسفراييني\" ثم بني \"نظام الملك\" المدرسة \"النظامية\" بها (٣)، هذا شيء عن المدارس وبيوت العلم التي قامت بنيسابور، فتخرج فيها فحول العلماء.\nوقد ألف في أسماء علماء نيسابور ومشايخها كتب، وأول من كتب في هذا \"الإِمام أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحاكم\" المتوفى سنة (٤٠٥ هـ)، قال السمعاني: \"والمنتسب إليها جماعة لا يحصون وقد جمع الحاكم أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحافظ البيع، تاريخ علمائها في ثمان\n_________\n(١) \"الكامل في التاريخ\" ٨/ ٢٦.\n(٢) انظر: \"معجم البلدان\" ٥/ ٣٣٢.\n(٣) انظر: \"طبقات الشافعية\" للسبكي ٣/ ١٣٧.","vol":"1","page":33},{"text":"مجلدات .. \" (١) وذيَّله عبد الغافر بن إسماعيل الفارسي، المتوفى سنة (٥٢٩ هـ) في كتاب اسمه \"السباق في ذيل تاريخ نيسابور\" (٢)، وذكر الثعالبي (ت ٤٢٩ هـ) في \"يتيمة الدهر\" بابًا في ذكر النيسابوريين، وبابًا آخر في ذكر الطارئين على نيسابور من بلاد شتى (٣).\nومن مشاهير العلماء المنسوبين لنيسابور، الإِمام مسلم بن الحجاج، مؤلف \"الصحيح\"، ومنهم: \"أبو بكر عبد الله بن محمد النيسابوري الشافعي، مولى أبان بن عثمان\" توفي سنة (٣٢٤ هـ) (٤)، وسيأتي ذكر عدد منهم في شيوخ الواحدي وتلامذته.\nومما ينبغي ذكره عن نيسابور وبلاد خراسان عامة أوضاع الفرق والطوائف والتعصب فيها، وقد وصف المقدسي ذلك فقال عن خراسان عامة: \"وبه يهود كثيرة ونصارى قليلة، وأصناف المجوس، وليس فيه مجذومون، ولا يعرفون الجذام، وأولاد علي -﵁ - فيه على غاية الرفعة، ولا تري به هاشميا إلا غريبا ومذاهبهم مستقيمة غير أن الخوارج \"بسجستان\" ونواحي \"هراة\" و\"كروخ\" و\"استربيان\" كثيرة، وللمعتزلة بنيسابور ظهور بلا غلبة، وللشيعة والكرامية بها جلبة، والغلبة في الإقليم أصحاب أبي حنيفة، إلا في كورة \"الشاش\" و\"إيلاق\" و\"طوس\" و\"نسا\" و\"أبيورد\" و\"طراز\" و\"ضنغاج\" وسواد \"بخارى\" و\"سنج\" و\"الدَّنْدَانَقَان\" و\"أسفراين\" و\"جويان\" فإنهم شفعوية كلهم والعمل في هذه المواضع على مذهبهم .. و\"نيسابور\"-\n_________\n(١) \"الأنساب\" ١٣/ ٢٣٥.\n(٢) انظر: \"كشف الظنون\" ٢/ ١٠١١.\n(٣) انظر: \"يتيمة الدهر\" الباب التاسع والعاشر ٤/ ٤٤١ - ٥٢٠\n(٤) انظر: \"اللباب\" ٣/ ٣٤١.","vol":"1","page":34},{"text":"أيضًا - شفعوية .. وأهل ترمذ جهمية، وأهل \"الرقة\" شيعة، وأهل \"غندر\" قدرية .. \" (١).\nهذا الوصف من المقدسي يصور لنا حالة تلك البلاد التي عاش بها الواحدي فهي معدن العلم والعلماء وهي مع ذلك موطن اضطراب وتقلبات سياسية، ومواطن الفرق والصراع بينها، وما حصلت تلك المحن على تلك البلاد وعلى الأمة جميعها إلا بسبب ظهور المعاصي والتفرق في الدين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.\n_________\n(١) \"أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم\" ص ٣٢٣.","vol":"1","page":35},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-16>المطلب الرابع\nطلبه للعلم، ورحلاته في طلب العلم، والعلوم التي برز فيها</span>\nلقد نشأ الواحدي في تلك المدينة العامرة بالعلم والعلماء نيسابورَ، مع سعة الرزق التي هيأت له أسباب التحصيل والطلب، وكان الكُتَّاب (١) هو المدرسة الابتدائية التي تلقا فيها أبو الحسن الواحديُّ تعليمه، حيث دخل كتاب الشيخ أبي عمرو سعيد بن هبة الله البسطامي (٢).\nثم شرع في السماع من العلماء، والأخذ عنهم، حيث سمع من شيخه أبي طاهر محمد بن محمد بن مَحْمِش الزيادي (٣) محدث نيسابور وفقيهها، وكان ذلك عام (٤٠٩) (٤) فيكون سماعه منه، وهو في الثانية عشرة من عمره تقريبًا، أو فوق ذلك بقليل.\nثم انضم الواحدي إلا دار السُّنة -وهي مدرسة يدرِّس فيها كبار العلماء والمحدثين- ليتلقى العلم عن أجلَّة علمائها، وكان منهم: القاضي أبو بكر أحمد بن الحسن الحيري في سنة (٤١٠) وهذا وما قبله يدلان على شغف الواحدي بالعلم ولزوم حلق العلماء منذ نعومة أظفاره، ومَيْعة (٥) صباه (٦).\nولعل الواحدي ﵀ أحب أن يتقن علوم الآلة التي يتوصل بها إلى فهم القرآن والسنة، قبل أن يخوض في علوم المقاصد، ليكون على\n_________\n(١) الكتاب -كرمان-: موضع تعليم الكتاب، وجمعه كتاتيب، \"الصحاح\" للجوهري ١/ ٢٠٨.\n(٢) ينظر: \"دمية القصر\" للباخرزي ٢/ ١٠١٨ وتأتي ترجمته لاحقًا في مبحث شيوخه.\n(٣) المصدر السابق.\n(٤) ينظر: \"المنتخب من السياق\" ص ٣٨٧ و\"الوجيز\" ١/ ٨٦.\n(٥) ميعة الصبا: أوله.\n(٦) ينظر: \"أسباب النزول\" ص ٢٤٤","vol":"1","page":36},{"text":"فهم تام بها، ومعرفة بحقائقها، يحدث عن ذلك فيقول: \"وأما النحو فإني لما كنت في مَيعة صباي، وشرخ شبيبتي، وقعت إلى الشيخ أبي الحسن علي بن محمد الضرير ﵀ ... ولعله تفرَّس فيّ وتوسم أثر الخير لديّ فتجرد لتخريجي وصرف وَكْده (١) إلى تأديبي، ... وسعدت به أفضل ما سعد تلميذ بأستاذه، وقرأت عليه جوامع النحو والتصريف والمعاني، وعلقت عنه قريبا من مائة جزء في المسائل المشكلة، وسمعت منه أكثر مصنفاته في النحو والعروض والعلل .. \" (٢).\nولم يقض نهمته من علم اللغة والأدب اللذين لا يستغنى عنهما في فهم النصوص، يقول الواحدي: \"ولئن استغنى علم عن الأدب فمن ضرورة التفسير وعلم القرآن: الأدب ومعرفة اللغة العربية\" (٣)، فانقطع لتعلم اللغة على شيخ اللغة في وقته: أبي الفضل أحمد بن محمد بن عبد الله بن يوسف العروضي، حيث لازمه ملازمة الظل لصاحبه، يدخل عليه عند طلوع الشمس، ويخرج من عنده غروبها، يسمع ويعلق ويبحث، ويذاكر أصحابه ما بين طرفي النهار، وقرأ عليه كثيرًا من دواوين الشعر وكتب اللغة، قال: ولم أغب عن زيارته يومًا من الأيام إلى أن حال بيننا الحمام (٤).\nثم لما توفي الشيخ أبو الفضل العروضي عام (٤١٦) تنقل الواحدي في مساجد البلد ومدارسه، بين العلماء والعلوم (٥)، يحدثنا أبو الحسن الواحدي عن تلقيه للقرآن ولعلم القراءات، فيقول: \"وأما القرآن وقراءات\n_________\n(١) الوكد: القصد.\n(٢) مقدمة \"البسيط\" ص ٤٢٠ - ٤٢١.\n(٣) مقدمة \"البسيط\" ص ٤١٠.\n(٤) مقدمة \"البسيط\" ص ٤١٧ - ٤١٩.\n(٥) ينظر: \"الوسيط\" للواحدي ١/ ٣٠١، ٢/ ٣٢، ٢٢٣، ٣/ ٧١.","vol":"1","page":37},{"text":"أهل الأمصار، واختيارات الأئمة، فإني اختلفت أولًا إلى الأستاذ أبي القاسم علي بن أحمد البستي -﵀ (١) - وقرأت عليه القرآن ختمات كثيرة لا تحصى، حتى قرأت عليه أكثر طريقة الأستاذ: أبي بكر أحمد بن الحسين بن مهران -﵀ (٢) - ثم ذهبت إلى الإمامين أبي عثمان سعيد ابن محمد الحيري، وأبي الحسن علي بن محمد الفارسي -رحمهما الله (٣) - فقرأت عليهما وأخذت من كل منهما حظًّا وافرًا بعون الله وحسن توفيقه.\nوقرات على الأستاذ سعيد مصنفات ابن مهران، وروى لنا كتب أبي علي الفسوي (٤) عنه، وقرأت عليه بلفظي كتاب الزجاج (٥) في \"المعاني\" (٦).\n_________\n(١) تأتي ترجمته لاحقًا في مبحث شيوخه.\n(٢) هو أحمد بن الحسين بن مهران أبو بكر الأصبهاني ثم النيسابوري، إمام عصره في القراءات، كان ثقة محققًا عابدًا صنف في القراءات مصنفات منها: \"الغاية\"، و\"الشامل\"، و\"المبسوط\" وغيرها توفي سنة ٣٨١، ينظر: \"معرفة القراء الكبار\" ١/ ٣٤٧، و\"غاية النهاية\" ١/ ٤٩.\n(٣) تأتي ترجمتهما لاحقًا في مبحث شيوخه.\n(٤) هو: الحسن بن أحمد بن عبد الغفار أبو علي الفارسي، ويعرف بالفسوي نسبة إلى فسا، واحد زمانه في علم العربية، أخذ عن الزجاج وابن السراج، وطوف بلاد الشام، كان أعلم من المبرد، كان معتزليًا، وقد ذكر الدكتور حسن فرهود في مقدمة \"الإيضاح\" أكثر من ٣٠ كتابًا للفارسي، توفي سنة ٣٧٧ هـ.\nينظر: \"بغية الوعاة\" ١/ ٤٩٦ - ٤٩٧، و\"إنباه الرواة\" ١/ ٣٠٨ - ٣١٠، و\"معجم الأدباء\" ٧/ ٢٣٢ - ٢٦١.\n(٥) هو: إبراهيم بن محمد بن السري بن سهل، أبو إسحاق الزجاج النحوي، صاحب كتاب \"معاني القرآن\" كان من أهل الفضل والدين حسن الاعتقاد، وله مؤلفات حسان في الأدب، توفي سنة ٣١١هـ، أو نحوها.\nينظر: \"السير\" ١٤/ ٣٦٠، و\"إنباه الرواة\" ١/ ١٩٠٤\n(٦) \"مقدمة البسيط\" ص (٤٣٢).","vol":"1","page":38},{"text":"لقد كانت كل تلك الدراسات تهيئة من الواحدي لنفسه، وتدرجًا للوصول إلى علوم المقاصد، وهذا يظهر من حديثه عن نفسه في آخر تفسيره \"البسيط\"، حين قال: \"وقد كنت تعبت دهرًا طويلًا، من عنفوان صباي إلى تناهي أيام شبيبتي في إحكام مقدمات هذا العلم\" (١).\nكما يظهر لنا من خلال حديث الواحدي مع شيخه أبي الفضل العروضي حين قال: \"وقرأت عليه الكثير من الدواوين وكتب اللغة حتى عاتبني شيخي -﵀- يومًا من الأيام، وقال: إنك لم تبق ديوانًا من الشعر إلا قضيت حقه، أما آن لك أن تتفرغ لتفسير كتاب الله العزيز، تقرأه على هذا الرجل الذي يأتيه البعداء من أقاصي البلاد، وتتركه أنت على قرب ما بيننا من الجوار؟ يعني: الأستاذ الإِمام أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي -﵀ (٢) - فقلت يا أبت إنما أتدرج بهذا إلى ذلك الذي تريد، وإذا لم أحكم الأدب بجد وتعب لم أَرْمِ في غرض التفسير عن كثب .. \" (٣).\nولقد رضي عن جهده في هذا الباب حين قال: \"وأظنني لم آل جهدًا في إحكام أصول هذا العلم على حسب ما يليق بزماننا هذا، ويسعه سِنُو عمري على قلة أعدادها، فقد وفق الله تعالى وله الحمد، حتى اقتبست كل ما احتجت إليه في هذا الباب من مظانه، وأخذته من معادنه\" (٤).\nثم تفرغ من بعد ذلك -تبعًا-، لخطته، ومنهجيته التي ارتضاها لنفسه، وإنفاذًا لوصية شيخه - للقراءة على الإِمام: أبي إسحاق أحمد بن حمد بن\n_________\n(١) \"تفسير البسيط\" ٥/ ٣٣٧ ب من نسخة عاطف أفندي.\n(٢) ستأتي ترجمته لاحقًا في مبحث شيوخه.\n(٣) مقدمة \"البسيط\" ص ٤١٩.\n(٤) مقدمة \"البسيط\" ص ٤١٧.","vol":"1","page":39},{"text":"إبراهيم الثعلبي، وقرأ عليه من مصنفاته أكثر من خمسمائة جزء، وتفسيره الكبير \"الكشف والبيان\" وكتابه \"الكامل في علم القرآن\" وغيرها، ولشدة ملازمته إياه عرف في الأوساط العلمية آنذاك بتلميذ الثعلبي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-17>رحلاته:</span>\nولقد رحل الواحدي. بعد ذلك في طلب العلم، يبحث عن أساطينه فيتلقى عنهم، وقد عبر عن تلك الرحلات بقوله: \" .. ولو أثبت المشايخ الذين أدركتهم واقتبست عنهم هذا العلم من مشايخ نيسابور وسائر البلاد التي وطئتها طال الخطب ومل الناظر .. \" (١).\nولم تذكر المصادر البلاد التي رحل إليها الواحدي، ولكن صرح هو في بعض رواياته بمكان التلقي، فمثلا قال في \"أسباب النزول\": \"قال الشيخ: أشهد بالله لقد أخبرنا أبو الحارث محمد بن عبد الرحيم الحافظ بجرجان قال: أشهد بالله لقد أخبرنا أبو نعيم أحمد بن محمد بن إبراهيم البزاز .. \" (٢).\nفهذا يدل على أنه رحل إلى جرجان (٣) وأخذ عن شيوخها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-18>العلوم التي برز فيها:</span>\nلقد تنوعت مشارب الواحدي العلمية، وتعددت، وأخذ من كل فن بطرف، ذلك لأن من خصائص العلوم الشرعية أنها مترابطة، فبعضها غايات وبعضها وسائل كاللغة والأصول ونحوهما، ولابد لمن أراد تعلم الغايات أن يدرس الوسائل، فالمفسر مثلًا: يلزمه معرفة السنة حتى يميز بها بين ما صح\n_________\n(١) مقدمة \"البسيط\" ص ٤٢٥.\n(٢) \"أسباب النزول\" ص ٤٢٥.\n(٣) جرجان: مدينة عظيمة بين طبرستان وخراسان. انظر \"معجم البلدان\" ٢/ ١١٩.","vol":"1","page":40},{"text":"وما ليس كذلك، كما أن فهم اللفظ القرآني متوقف على معرفة اللغة والنحو وأصول كلام العرب، ولا بد أن يعرف القراءات وعلوم القرآن وهكذا.\nولقد كان ذلك دافعًا قويًا للواحدي ليحكم الأصول كما قال في مقدمة كتابه \"البسيط\": \" ... وأظنني لم آل جهدًا في إحكام أصول هذا العلم على حسب ما يليق بزماننا هذا ويسعه سنو عمري على قلة أعدادها، فقد وفق الله تعالى، وله الحمد، حتى اقتبست كل ما احتجت إليه في هذا الباب من مظانه وأخذته من معادنه، أما اللغة فقد درستها على الشيخ أبي الفضل أحمد بن محمد بن عبد الله بن يوسف العروضي، ﵀ .. \" (١).\nوتحدث بعد ذلك عن أخذه النحو والقراءات والتفسير.\nويؤكد كلامه بقوله: \" .. ولئن استغنى علم عن الأدب فمن ضرورة التفسير وعلم القرآن: الأدب، ومعرفة اللغة العربية .. \" (٢).\nوكان للواحدي مشاركة في سائر العلوم. ففي السنة أخذ عن كبار المحدثين وأدرك الإسناد العالي (٣)، وقال عنه ابن تغري بردي: \"كان إمامًا عالمًا بارعًا محدثًا\" (٤)، وكتابه \"أسباب النزول\" يشهد بمكانته في هذا الفن. على أنه لم يصل فيها إلى المستوى الذي وصل إليه في اللغة والتفسير، ولهذا روى بعض الأحاديث الضعيفة والموضوعة وسيأتي تفصيل هذه المسألة عند الحديث عن منهجه في التفسير في كتابه \"البسيط\".\nأما الفقه فيعتبر أحد أعلام مذهب الإِمام الشافعي وتوجد ترجمته في\n_________\n(١) مقدمة \"البسيط\" ص ٤١٧.\n(٢) مقدمة \"البسيط\" ص ٤١٠.\n(٣) انظر: \"المنتخب من السياق\" ل ١١٤ أ، و\"إنباه الرواة\" ٢/ ١٢٣.\n(٤) انظر: \"النجوم الزاهرة\" ٥/ ١٠٤.","vol":"1","page":41},{"text":"جميع كتب تراجم طبقات علماء الشافعية (١)، وله آراء فقهية ذكرها في \"البسيط\" معتمدة في مذهبهم، نقل منها النووي في \"المجموع شرح المهذب\" (٢).\nومع هذه المشاركات من الواحدي في السنة والفقه فقد برز في علوم \"التفسير\" و\"النحو\"، \"واللغة\" وشهر بها وصار من أعلامها. وصفه بعض المترجمين له بإمامته فيها، قال في \"المنتخب من السياق\": \"الإِمام المصنف المفسر النحوي\" (٣)، وقال ابن خلكان: \"كان أستاذ عصره في النحو والتفسير\" (٤)، وقال القفطي: \"الإِمام المصنف المفسر النحوي .. \" (٥)، وقال أبو الفداء: \"وكان أستاذ عصره في النحو والتفسير\" (٦).\nوقال الأسنوي: \"كان فقيها إماما في النحو واللغة وغيرهما شاعرًا، وأستاذ عصره في التفسير .. \" (٧)، وقال الفيروزابادي: \"الإِمام المفسر النحوي اللغوي .. \" (٨).\nأما عن إمامته في علم التفسير فيشهد بذلك كتبه الثلاثة في التفسير \"البسيط\" و\"الوسيط\" و\"الوجيز\" ويأتي الحديث عنها في مؤلفاته، وأكبرها \"البسيط\"، كذلك كتابه \"أسباب النزول\"، وقد ترجم له السيوطي والداودي\n_________\n(١) ترجم له السبكي ٣/ ٢٨٩، والأسنوي ٢/ ٥٣٨، وابن قاضي شهبة ١/ ٢٥٦.\n(٢) انظر: \"المجموع شرح المهذب\" ٣/ ٣٧١ - ٣٧٣.\n(٣) \"المنتخب من السياق\" ل ١١٤ أ، وانظر \"معجم الأدباء\" ٢٥٨/ ١٢.\n(٤) \"وفيات الأعيان\" ٣/ ٣٠٣.\n(٥) \"إنباه الرواة\" ٢/ ٢٢٣.\n(٦) تاريخ أبي الفداء\" ٢/ ١٩٢.\n(٧) \"طبقات الشافعية\" للأسنوي ٢/ ٥٣٩.\n(٨) \"البلغة في تراجم أئمة النحو واللغة\" ص ١٤٦.","vol":"1","page":42},{"text":"في \"طبقات المفسرين\" (١).\nأما عن إمامته في النحو واللغة فإن الواحدي قد تحدث عن ذلك في مقدمة \"البسيط\" وبين سبب اتجاهه للنحو واللغة حيث إن معرفة ذلك هو طريق لمعرفة كلام الله وتفسيره فيقول: \"فقلت: إن طريق معرفة تفسير كلام الله تعالى تعلم النحو والأدب فإنهما عمدتاه .. \" (٢). ويعتبر النحو واللغة من علم الوسائل الواجبة فيقول: \" .. فعلينا أن نجتهد في تعلم ما يتوصل بتعلمه إلى معرفة ضروب خطاب الكتاب .. \" (٣)، ثم يقول \"فإن من جهل لسان العرب وكثرة ألفاظها وافتنانها في مذاهبها جهل جمل علم الكتاب .. \" (٤).\nلقد أدرك الواحدي منذ صغره أهمية اللغة والنحو والأدب لفهم كتاب الله والتصدي لتفسيره؛ لأن هذا الكتاب منزل بلسان عربي مبين، فلا بد لمن رام فهم معانيه أو تصدى لتفسيره أن يكون متضلعًا من هذه اللغة التي نزل بها.\nفكان ذلك دافعًا قويًا له أن يتجه إلى بحار اللغة ليغرف منها. يقول الباخرزي عنه: \"وقد خبط ما عند أئمة الأدب من أصول كلام العرب خبط عصا الراعي فروع الغَرَب (٥)، وألقى الدلاء في بحارهم حتى نزفها، ومد البنان إلى ثمارهم إلا أن قطفها\" (٦).\nوقد تحدث الواحدي عن مقدار ما بذل في هذا المجال فيذكر تتلمذه\n_________\n(١) انظر: \"طبقات المفسرين\" للسيوطي ص ٦٦، وللداودي ١/ ٣٩٤\n(٢) مقدمة \"البسيط\" ص ٣٩٥.\n(٣) مقدمة \"البسيط\" ص ٣٩٨.\n(٤) مقدمة \"البسيط\" ص ٣٩٨.\n(٥) نوع من الشجر.\n(٦) \"دمية القصر\" ٢/ ١٠١٨.","vol":"1","page":43},{"text":"في اللغة على العروضي (١) فيقول: \"وكنت لازمته سنين أدخل عليه عند طلوع الشمس وأخرج لغروبها أسمع، وأقرأ، وأعلق، وأحفظ، وأبحث، وأذاكر أصحابه ما بين طرفي النهار، وقرأت عليه الكثير من الدواوين وكتب اللغة\" (٢)، ويذكر تتلمذه في النحو على \"أبي الحسن الضرير\" (٣)، فيقول: \"وقرأت عليه جوامع النحو والتصريف والمعاني، وعلقت عنه قريبا من مائة جزء في المسائل المشكلة، وسمعت منه أكثر مصنفاته في النحو والعروض والعلل .. \" (٤)، كذلك تتلمذ على \"أبي الحسن عمران بن موسى المغربي\" (٥) يقول: \"ولقد صحبته مدة مقامه عندنا حتى استنزفت غرر ما عنده .. \" (٦).\nولقد تضلع الواحدي في علم اللغة والنحو ومما يشهد لذلك كتابه الذي بين أيدينا \"البسيط\" فلقد بسط فيه من المسائل النحوية ما عُدّ خروجًا عن منهج التفسير، من كثرة ما حواه الكتاب من المسائل النحوية، قال السيوطي وهو يتكلم عن طبقات المفسرين: \"فالنحوي تراه ليس له هم إلا الإعراب وتكثير الأوجه المحتملة ونقل قواعد النحو ومسائله وفروعه وخلافياته كالزجاج والواحدي في \"البسيط\" وأبي حيان في \"البحر\" و\"النهر\" (٧).\nقال القفطي: \"وصنف التفسير الكبير وسماه \"البسيط\" وأكثر فيه من\n_________\n(١) هو أبو الفضل أحمد بن محمد العروضي أحد شيوخ الواحدي، تأتي ترجمته.\n(٢) مقدمة \"البسيط\" ص ٤١٩.\n(٣) مقدمة \"البسيط\" ص ٤٢٠.\n(٤) مقدمة \"البسيط\" ص ٤٢٠ - ٤٢١.\n(٥) وأبو الحسن علي بن محمد الضرير أحد شيوخ الواحدي، تأتي ترجمته.\n(٦) أحد شيوخ الواحدي، يأتي ذكره في شيوخه.\n(٧) \"الإتقان\" ٢/ ٢٤٣.","vol":"1","page":44},{"text":"الإعراب والشواهد واللغة ومن رآه علم مقدار ما عنده من علم العربية .. \" (١) ويأتي مزيد بسط لهذِه المسألة -إن شاء الله - عند دراسة الكتاب.\nكما تشهد مؤلفاته الأخرى بتضلعه في علم اللغة والنحو فله في هذه الميادين عدة كتب منها \"شرح ديوان المتنبي\" و\"الإغراب في الإعراب\" و\"شرح أسماء الله الحسنى\" و\"تفسير أسماء النبي - ﷺ -\" و\"شرح قصيدة للنابغة الذبياني\" ويأتي الحديث عنها -إن شاء الله- مع مؤلفاته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-19>الواحدي والشعر:</span>\nليس غريبًا على الواحدي الذي تضلع في علم اللغة والأدب والنحو، وقرأ دواوين الشعر وأكثر منها حتى عاتبه شيخه العروضي كما حكى عنه فقال: \"حتى عاتبني شيخي - ﵀ - يومًا من الأيام وقال: إنك لم تبق ديوانًا من الشعر إلا قضيت حقه\" (٢)، ليس غريبًا عليه أن تتفتح قريحته بالقريض، خصوصًا وأن الموهبة والملكة كان يتمتع بهما منذ الصغر، فلقد بدأت محاولة نظم القريض وهو في الكتاب حيث أنشد للباخرزي وهو في الكتاب قوله:\nإنَّ الربيعَ بحسنِه وبهائِه ... يحكيهِما خطُّ الرئيسِ أبي عُمرْ\nفكأنَّه في الدَّرج (٣) يرقُم كاتبًا ... أَولى (٤) لِطاف بنانِه فتْقَ الزهرْ\nخطٌّ غدا ملءَ العيونِ ملاحةٌ ... متنزَّهًا لِلَّحْظِ قيدًا للبصرْ\n_________\n(١) \"إنباه الرواة\" ٢/ ٢٢٣.\n(٢) مقدمة \"البسيط\" ص ٤١٩.\n(٣) ما يكتب فيه. القاموس \"درج\" ص ٢٠٤\n(٤) الولي: المطر بعد المطر. القاموس \"ولى\" ص ١٧٣٢.","vol":"1","page":45},{"text":"أخزَتْ نقوشَ الصِّينِ بدعَةُ صُنعهِ ... فتَعطَّلت ورقومَ مَوشِيِّ الحِبَرْ (١)\nقال الذهبي: \"له شعر رائق\" (٢)، وقال الأسنوي: \"كان فقيهًا إماما في النحو واللغة وغيرهما شاعرًا .. \" (٣).\nوقد أنشد ياقوت شيئًا من شعره ومنه قوله:\nأَيا قَادِمًا مِنْ طُوسَ أَهْلًا وَمَرْحَبًا ... بَقيِتَ عَلَى الأَيَّامِ مَا هَبَّتِ الصِّبا\nلعَمْرِي لَئِنْ أَحْياَ قُدُومُك مُدْنَفًا ... بِحُبِّكَ صَبًّا في هَوَاكَ مُعَذَّبَا\nالأبيات.\nوقوله:\nتَشَوَّهت الدُّنْياَ وَأَبْدَت عَوَارَهَا ... وَضَاقَتْ عَليَّ الأَرْضُ بِالرُحْبِ وَالسَّعَهْ\nوَأَظلَمَ في عَيْنِي ضِيَاءُ نَهَارِهَا ... لِتَوْدِيع مَنْ قَدْ بَانَ عَنِّي بِأَرْبَعَهْ\nفؤَادِي وَعَيْشِي وَالمَسرّة والكرى ... فَإنْ عَادَ عَادَ الكُلُّ والأُنْسُ والدَّعَهْ (٤)\n_________\n(١) انظر: \"دمية القصر\" ٢/ ٢٥٩ (طبعة دار العروبة بالكويت ١٤٠٥ هـ)، و\"إنباه الرواة\" ٢/ ٢٢٤.\n(٢) \"سير أعلام النبلاء\" ١٨/ ٣٤١.\n(٣) \"طبقات الشافعية\" ٢/ ٥٣٩.\n(٤) \"معجم الأدباء\" ١٢/ ٢٦١ - ٢٦٢.","vol":"1","page":46},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-20>المطلب الخامس\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-21>مذهبه </span>وعقيدته:</span>\nمذهبه: لقد كان سائدًا في موطن الواحدي نيسابور مذهب الشافعي في الفقه، ومذهب الأشعرية (١) في العقيدة، وكانت هناك علاقة وثيقة بين المذهبين في نهاية القرن الرابع وأول الخامس، وهو العصر الذي عاش فيه الواحدي، وسبب تلك العلاقة والارتباط أن حاملي عقيدة الأشعرية معظمهم من الشافعية، خصوصًا في المشرق الإِسلامي، خلافًا لما كان\n_________\n(١) الأشعرية نسبة لأبي الحسن، علي بن إسماعيل بن إسحاق الأشعري ولد سنة ٢٦٠، وكان في أول أمره على مذهب المعتزلة، ثم تركه وتحول إلى هذا المذهب الذي ينسب إليه، ووقع الخلاف بين العلماء في رجوعه إلى مذهب السلف بعد ذلك، ومن كتبه: \"اللمع\"، و\"مقالات الإِسلاميين\"، و\"الإبانة عن أصول الديانة\"، توفي عام ٣٢٤.\nوالمنتسبون إليه يُسمون: الأشعرية والأشاعرة، أو أن الأشعرية تطلق على المذهب، والأشاعرة على المنتسبين إليه، ومن أهم أصولهم: أن التوحيد عندهم هو توحيد الربوبية، ولا فرق بينه وبين توحيد الألوهية، والإيمان عندهم هو التصديق، وكلام الله تعالى معنى واحد أزلي، ويفرقون بين اللفظ والمعنى، ويقولون بالكسب في القدر، ويجمعون على إثبات سبع صفات، ويؤولون ما عداها، والسبع هي: الحياة والقدرة والعلم والإرادة والكلام والسمع والبصر، ومنهم من يضيف إلى السبع: اليد فقط، ويزيد بعضهم: البقاء، ومنهم من يتوقف في نفي ما سوى السبع، وغلاتهم يقطعون بنفي ما سواها. ينظر: \"الملل والنحل\" للشهرستاني ١/ ٩٤ - ٩٧ و\"مجموع الفتاوى\" ٦/ ٣٥٨ و\"معتقد الإِمام الأشعري\" للأشقر ص ١٧ و\"الرسالة التدمرية\" ص ٣١، ١٧٩، ١٨٥، و\"الأشاعرة\" لمحمود صبحي. وينظر في ترجمة أبي الحسن الأشعري: \"تاريخ بغداد\" ١١/ ٣٤٦، و\"سير أعلام النبلاء\" ١٥/ ٨٥، و\"طبقات الفقهاء الشافعية\" لابن كثير ١/ ٢١٠، والمراجع السابقة.","vol":"1","page":47},{"text":"عليه الحنفية في تلك البلاد إذ أغلبهم ماتريدية (١)، بينما غلب على الحنابلة في بغداد التمسك بمذهب السلف (٢).\nتلك هي البيئة التي عاشها الواحدي، والغالب أن الإنسان لا يكاد ينفك عما عهد الناس عليه، وما كان سائدًا في بيئته، ومن ثم فإن الواحدي -﵀- كان شافعيًا أشعريًا بغير خلاف بين كافة مترجميه، فكونه شافعيًا أظهر من أن يُشهر، ويدل له أمور:\nمنها: تلقيب بعض مترجميه له بالشافعي، كالذهبي وابن العماد (٣).\nومنها: أن كتب طبقات الشافعية قد عدته ضمن علمائهم (٤).\nومنها: أن كتب الفقه الشافعي كانت تنقل أقواله مبينة أنه من أصحابهم (٥).\n_________\n(١) نسبة للماتريدي محمد بن محمد بن محمود، أبي منصور الماتريدي السمرقندي، والماتريدي نسبة إلى (ماتريد) محلة قرب سمرقند، يلقب بإمام الهدى وإمام المتكلمين، وهو معاصر للأشعري، ومذهبه قريب من مذهبه، وهو في الفقه على مذهب أبي حنيفة، من كتبه: \"تأويلات أهل السنة\"، وكتاب \"التوحيد\"، وكتاب \"المقالات\"، توفي سنة ٣٣٣ على الأرجح. ينظر في ترجمته: \"الجواهر المضية\" للقرشي ٣/ ٣٦٠ ومفتاح السعادة لطاش كبري زاده ٢/ ٩٦، ١٥١ وكتاب \"الماتريدية\" للحربي ص ٩٣ وما بعدها. وينظر في الفرق بين الأشعرية والماتريدية: \"تاريخ المذاهب الإِسلامية\" لأبي زهرة ١/ ١٩٥ - ٢١٠ وكتاب \"نشأة الأشعرية وتطورها\" لجلال موسى: ٣٠٧ وكتاب \"الماتريدية دراسة وتقويمًا\" لأحمد الحربي ص ١٣٣.\n(٢) ينظر: \"التاريخ السياسي والفكري للمذهب السني في المشرق الإِسلامي\" ص ١٢٨.\n(٣) ينظر: \"سير أعلام النبلاء\" ١٨/ ٣٣٩ و\"شذرات الذهب\" ٣/ ٣٣٠.\n(٤) ينظر: \"طبقات الشافعية\" للسبكي ٥/ ٢٤٠، و\"طبقات الشافعية\" للإسنوي ٢/ ٥٣٨ و\"طبقات الشافعية\" لابن قاضي شهبة ١/ ٢٧٧ وغيرهم.\n(٥) ينظر: \"روضة الطالبين\" للنووي ١٠/ ٢٢٧ و\"المجموع\" له ٣/ ٣٧١ وقال في \"الأذكار\" ص ٢٣٩: قال الإِمام أبو الحسن الواحدي من أصحابنا.","vol":"1","page":48},{"text":"ومنها: أنه يقول في كثير من المواضع في تفسيره هذا: وقال أصحابنا، يعني بهم الشافعية (١).\nومنها: أنه يقتصر في الغالب على قول الشافعي، ويُعْنى بذكره، من بين المذاهب (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-22>عقيدته:</span>\nوأما أشعريته: فهي واضحة من خلال كتبه، فالمتتبع لمواضع الاختلاف بين أهل السنة والأشاعرة، أو بين المعتزلة والأشاعرة، يجده يقرر بكل وضوح عقيدة الأشاعرة، ولا غرو فهي العقيدة الغالبة على أهل بلده، وفي أشياخه أعلام كبار من حملة لواء العقيدة الأشعرية، ممن قرروا قواعده وأصّلوا أصوله، كأبي إسحاق الإسفراييني (٣) الذي أخذ عند عامة شيوخ نيسابور الأصول وعلم الكلام (٤)، وعبد القاهر البغدادي (٥) الذي يعَدّ -كذلك- من أئمة الشافعية الأشاعرة والمبرزين فيهم (٦).\nولعلي أضرب أمثلة من خلال تفسيريه \"البسيط\" و\"الوسيط\" تدل على، ذلك وتؤكده:\n١ - فعند قوله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٦٣] قال: \"قال أصحابنا: حقيقة الواحد في وصف الباري سبحانه\n_________\n(١) ينظر: مبحث منهجه في آيات الأحكام.\n(٢) ينظر: مبحث منهجه في آيات الأحكام.\n(٣) ينظر ترجمته في مبحث شيوخه.\n(٤) ينظر: \"طبقات الشافعية\" للسبكي ٤/ ٢٥٧. وينظر ترجمة أبي إسحاق في مبحث شيوخه.\n(٥) ستأتي ترجمته لاحقًا في مبحث شيوخه.\n(٦) انظر ترجمته في مبحث شيوخه.","vol":"1","page":49},{"text":"أنه واحد لا قسيم له في ذاته ولا بعض له في وجوده بخلاف الجملة التي يطلق عليها لفظ الواحد مجازًا كقوله: دار واحدة، وشخص واحد، وعبَّر بعض أصحابنا عن التوحيد فقال: هو نفي الشريك والقسيم والشبيه فالله واحد في أفعاله لا شريك له يشاركه في إثبات المصنوعات وواحد في ذاته لا قسيم له، وواحد في صفاته لا يشبه الخلق فيها .. \" (١).\nويقول أيضًا: وعند متكلمي أصحابنا: أن الإله من له الإلهية، والإلهيه القدرة على اختراع الأعيان .. \" (٢) وهذا الذي قرره الواحدي هنا هو قول متكلمي الأشاعرة (٣)، قال شيخ الإِسلام ابن تيمية وهو يتحدث عن التوحيد عند المتكلمين: \" .. حتى يجعلون معنى الإلهية القدرة على الاختراع\" (٤)، ثم قال بعد ذلك: \"وليس المراد بـ\"الإله\" هو القادر على الاختراع كما ظنه من ظنه من أئمة المتكلمين، حيث ظن أن \"الإلهية\" هي القدرة على الاختراع، وأن من أقر بأن الله هو القادر على الاختراع دون غيره فقد شهد أنه لا إلله إلا هو، فإن المشركين كانوا يقرون بهذا وهم مشركون كما تقدم بيانه، بل الإله الحق هو الذي يستحق أن يعبد فهو إله بمعنى: مألوه، لا إله بمعنا آله .. \" (٥).\nثم قال في موضع آخر (٦): وكثير من أهل الكلام يقول: التوحيد له\n_________\n(١) انظر: \"البسيط\" (٣/ ٤٥٩).\n(٢) انظر: \"البسيط\" عند تفسير البسملة ١/ ٤٦٣.\n(٣) ينظر: \"الاقتصاد في الاعتقاد\" للغزالي ص ٤٥، \"نهاية الإقدام\" للشهرستاني ص ٩٠.\n(٤) \"الرسالة التدمرية\" ص ١٨٠.\n(٥) \"الرسالة التدمرية\" ص ١٨٥، ١٨٦.\n(٦) هو أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن عبد الله النميري الحراني الدمشقي أبو العباس، شيخ الإِسلام ولد بحران سنة ٦٦١ طلب العلم وتبحر وفاق أهل عصره =","vol":"1","page":50},{"text":"ثلاث معان -ثم ذكر ما قرره الواحدي- ثم قال: وهذا المعنى الذي تتناوله هذه العبارة، فيها ما يوافق ما جاء به الرسول - ﷺ - وفيها ما يخالف ما جاء به الرسول، وليس الحق الذي فيها هو الغاية التي جاء بها الرسول - ﷺ -، بل التوحيد الذي أمَرَ به أمْرٌ يتضمن الحق الذي في هذا الكلام وزيادة أخرى، فهذا من الكلام الذي لبس فيه الحق بالباطل، وكتم الحق، وذلك أن الرجل لو أقر بما يستحقه الرب تعالى من الصفات ونزهه عن كل ما ينزه عنه، وأقر بأنه وحده خالق كل شيء لم يكن موحدًا بل ولا مؤمنًا، حتى يشهد أن لا إله إلا الله، فيقر بأن الله وحده هو المستحق للعبادة ويلتزم بعبادة الله وحده لا شريك له، والإله بمعنى: المألوه المعبود الذي يستحق العبادة، ليس هو الإله بمعنى: القادر على الخلق، فإذا فسر المفسر الإله بمعنى: القادر على الاختراع، واعتقد أن هذا هو أخص وصف الإله، وجَعَل إثبات هذا التوحيد هو الغاية في التوحيد، كما يفعل ذلك من يفعله من متكلمة الصفاتية، وهو الذي ينقلونه عن أبي الحسن وأتباعه، لم يعرفوا حقيقة التوحيد الذي بعث الله به رسوله. فإن مشركي العرب كانوا مقرين بأن الله وحده خالق كلِّ شيء، وكانوا مع هذا مشركين\" (١).\nكما أنه سار على مذهب الأشعرية في باب: صفا الله وذلك عند\n_________\n= وألف فأكثر وأبدع، ومن كتبه: \"منهاج السنة\"، و\"تلبيس الجهمية\"، وجمعت فتاواه ورسائله مرارًا. مات في سجن القلعة بدمشق فخرجت دمشق كلها في جنازته سنة ٧٢٨، وألفت في سيرته كتب. ينظر: \"البداية والنهاية\" ١٤/ ١٣٥ و\"الدرر الكامنة\" ١/ ١٤٤.\n(١) \"درء تعارض العقل والنقل\" ١/ ٢٢٥، وينظر: أيضًا ٣/ ٩٨ - ١٠٢ و\"الرسالة التدمرية\" ص ١٨٥ - ١٨٦.","vol":"1","page":51},{"text":"تعرضه لها من خلال الآيات التي وردت فيها، فيؤوِّلها، ومذهب السلف في ذلك أنهم يثبتون لله ما أثبته لنفسه من الصفات وما أثبته له رسوله دون تأويل أو تحريف أو تعطيل، ولا يلزم من إثباتهم للصفات أي لازم باطل: من تشبيه الله بخلقه أو غير ذلك، فكما أنه سبحانه ليس كمثله شيء فكذلك صفاته.\n٢ - فمن الآيات التي تعرض لها قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ الله في ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ [البقرة: ٢١٠]. ذكر الواحدي في تفسيرها وجهين:\nأحدهما: أن هذا من باب حذف المضاف، أن يأتيهم عذاب الله، أو أمر الله، أو آيات الله، فجعل مجيء الآيات والعذاب مجيئًا له، تفخيمًا لشأن العذاب، وتعظيمًا له.\nوالثاني: المعنى: هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله بما وعدهم من العذاب والحساب، فحذف ما يأتي به تهويلًا عليهم .. (١). وهذا منه -﵀- تأويل وصرف للفظ عن ظاهره، مخالف لما كان عليه السلف الصالح من إثبات ما أثبته الله لنفسه من الصفات، من غير تأويل ولا تحريف ولا تشبيه ولا تكييف، وذلك جريًا على مذهب الأشاعرة في تأويك الصفات الخبرية.\n٣ - وفي قوله تعالى: ﴿وَهُوَ العَلىُّ العَظِيُم﴾ [البقرة: ٢٥٥] قال: فمعنى العلو في صفة الله تعالى: اقتداره وقهره واستحقاقه صفات المدح (٢). وهذا مخالف لمذهب السلف الذين يثبتون العلو لله بكل أنواعه.\n_________\n(١) انظر: \"البسيط\" ٤/ ١٠٠، ١٠١.\n(٢) المصدر السابق ٤/ ٣٧١.","vol":"1","page":52},{"text":"علو الذات وعلو القدر، وعلو القهر. وعلو ذاته ثابت بالكتاب والسنة وإجماع السلف وبالفطرة والعقل (١)، وليس هذا موضع بسط الأدلة في ذلك.\n٤ - وقال أيضًا في \"تفسير البسيط\": قال النحويون: وذكر اليد في قوله: ﴿يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ﴾ [البقرة: ٧٩] تحقيق للإضافة، وإن كانت الكتابة لا تقع إلا باليد، وقد أُكدّت الإضافة بذكر اليد فيما لا يُرادُ باليد فيه الجارحة، كقوله تعالى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥] وقوله: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ [يس: ٧١]. ومعناه: مما تولينا عمله، ولما توليت خلقه.\nوالأصل في هذا: أنه قد يضاف الفعل إلى الفاعل وغير الفاعل له، كقوله: ﴿يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ﴾ [القصص: ٤] والمراد بذلك: أنه يأمر بالذبح فَيُمتثل أمره.\nفلما كان الفعلُ قد يُضاف إلى غير الفاعل أُكِّدَت الإضافة بذكر اليد؛ ليتحقق وينتفي الاحتمال، ثم استعمل هذا التأكيد أيضًا في فعل الله تعالى وإن لم يجز في وصفه يد الجارحة؛ لأن المراد بذكر اليد تحقيق الإضافة على ما بيّنا (٢). اهـ.\n٥ - وقال أيضًا عند قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٩]. نقل أقوال بعض العلماء في ذلك ثم قال: \" .. والأصل في الاستواء الاستقامة وإنما قيل للقصد إلى الشيء استواء؛ لأن الاستواء يسمى قصدا .. \"، ثم قال: \"وأما استوى بمعنى\n_________\n(١) ينظر: \"الفتاوى\" ١٦/ ١١٩، ١٢٣، ٣٥٨ و\"مختصر الصواعق المرسلة\" للموصلي ١/ ٧٥ و\"شرح الواسطية\" ص ٣٠٤\n(٢) انظر: \"البسيط\" ٣/ ٩٢، ٩٣.","vol":"1","page":53},{"text":"استولى فقد يكون، وكأنه يقول: استوت له الأمور فاستولى ثم وضع \"استوى\" موضع \"استولى\" ... \". ويظهر رأيه وهو يتحدث عن آخر الآية ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ فيقول: \"وقيل إنه لما ذكر ما يدل على القدرة والاستيلاء وصل ذلك بوصفه بالعلم .. \" (١).\nومذهب السلف في هذا إثبات الاستواء لله على وجه يليق بجلاله فهو مستو على عرشه بائن من خلقه، عال عليهم بذاته علوا يليق بجلاله، ولا يلزم من هذا أي لازم باطل مما يلزم لاستواء البشر ليس كمثله شيء (٢).\nوالحاصل أن هذا منهجه في تفسيره، كلما مر بآية من آيات العقائد تبع عقيدةَ الأشاعرة، ولينظر زيادة على ذلك ما قرره في الآيات التالية:\n١ - ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ٣] حيث أوَّل صفة الرحمة (٣).\n٢ - وقوله تعالى ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧] حيث أوَّل صفة الغضب لله (٤).\n٣ - وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ الله وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: ٢] حيث فسر الإيمان بالتصديق على طريقة الأشاعرة (٥).\n٤ - وقوله تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال:\n_________\n(١) انظر: \"البسيط\" ٢/ ٣٠٠، ٣٠١.\n(٢) انظر: \"مجموع الفتاوى\" لابن تيمية ٥/ ١٤٤، ٢٠٨، و\"شرح الطحاوية\" ص ٢١٨، و\"التدمرية\" ص ٨١.\n(٣) \"تفسير الوسيط\" ١/ ٦٥.\n(٤) \"تفسير الوسط\" ١/ ٧٠.\n(٥) \"تفسير الوسيط\" ١/ ٧٩ و٢/ ٥٣٥","vol":"1","page":54},{"text":"١٧] حيث فسر الآية على طريقة الأشاعرة القائلين بالكسب في باب القدر (١).\n٥ - وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الرعد: ٢] حيث أوّل الاستواء بالاستيلاء والاقتدار ونفوذ السلطان (٢).\n٦ - وقوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧] حيث أوّل اليد بالقدرة (٣).\n٧ - وقوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢)﴾ [الفجر: ٢٢] حيث أوّل المجيء، بمجيء أمره وقضائه (٤).\n_________\n(١) \"تفسير البسيط\" تفسير سورة الأنفال.\n(٢) \"تفسير الوسيط\" ٣/ ٣.\n(٣) \"تفسير الوسيط\" ٣/ ٥٩٣\n(٤) \"تفسير الوسيط\" ٤/ ٤٨٤","vol":"1","page":55},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-23>المطلب السادس\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-24>شيوخه </span>وتلاميِذه</span>\nشيوخه:\nعاش الواحدي في نيسابور معدن الفضلاء ومنبع العلماء، كما قال عنها ياقوت (١). وتنقل في أرجاء العالم الإِسلامي يتبع معين العلم، ويلقي الدلاء في بحار علماء اللغة والنحو والأدب والتفسير وقد أدرك الإسناد (٢)، وقرأ الحديث على المشايخ، لهذا كثر شيوخه وعز حصرهم، قال الواحدي متحدثًا عن ذلك: \"ولو أثبت المشايخ الذين أدركتهم واقتبست عنهم هذا العلم من مشايخ نيسابور وسائر البلاد التي وطئتها طال الخطب ومل الناظر .. \" (٣).\nوأذكر -إن شاء الله- بعض شيوخه، وأقرب مصدر لذلك الواحدي نفسه حيثما ذكر في مقدمة كتابه \"البسيط\" بعض شيوخه الذين أخذ عنهم فأتحدث عنهم أولًا، ثم أعقبهم بذكر بعض الشيوخ الذين وردت تراجمهم في بعض المصادر التي ترجمت له، أو ثبت أخذه عنهم بأي طريق.\nأولًا: شيوخه الذين ذكرهم في مقدمة كتابه \"البسيط\":\n١ - الشيخ أبو الفضل أحمد بن محمد بن عبد الله بن يوسف العروضي المعروف بـ\"الصَّفَّار\" الشافعي (٣٣٤ - ٤١٦ هـ) (٤)، قال الثعالبي: \"إمام في\n_________\n(١) انظر: \"معجم الأدباء\" ١/ ٥.\n(٢) انظر: \"إنباه الرواة\" ٢/ ٢٢٣.\n(٣) مقدمة \" البسيط\" ص ٤٩٥.\n(٤) انظر: \"معجم الأدباء\" ٤/ ٢٦١، و\"إنباه الرواة\" ١/ ١٥٤","vol":"1","page":56},{"text":"الأدب خنق التسعين في خدمة الكتب وأنفق عمره على مطالعة العلوم وتدريس متأدبي نيسابور .. \" (١)، وقد أخذ عنه الواحدي اللغة حيث قال: \"أما اللغة فقد درستها على الشيخ أبي الفضل أحمد بن محمد بن عبد الله بن يوسف العروضي -﵀-، وكان قد خَنَّق (٢) التسعين في خدمة الأدب وأدرك المشايخ الكبار وقرأ عليهم وروي عنهم كأبي منصور الأزهري، روى عنه كتاب \"التهذيب\" .. \" (٣)، ثم قال: \"وكنت قد لازمته سنين أدخل عليه عند طلوع الشمس وأخرج لغروبها أسمع وأقرأ وأعلق وأحفظ وأبحث وأذكر أصحابه ما بين طرفي النهار، وقرأت عليه الكثير من الدواوين وكتب اللغة .. \" (٤).\nوقد ورد ذكر أبي الفضل العروضي في \"البسيط\"، حيث روى عنه في مواضع عن الأزهري من كتاب \"تهذيب اللغة\" و\"التهذيب\" أحد مصادره الهامة، ويأتي ذكر ذلك عند الكلام على مصادره.\n٢ - علي بن محمد بن إبراهيم بن عبد الله القُهُنْدزي (٥) الضرير، أبو الحسن، نحوي أديب، قرأ عليه الأئمة وتخرجوا به (٦)، أخذ عنه الواحدي\n_________\n(١) \"تتمة يتيمة الدهر\" ٥/ ٢٠٥.\n(٢) أي كاد يبلغها، انظر القاموس المحيط \"خنق\" ص ١١٣٨.\n(٣) انظر: مقدمة \"البسيط\" للمؤلف.\n(٤) انظر: مقدمة \"البسيط\" للمؤلف.\n(٥) قال السمعاني: \"القهندزي\" بضم القاف والهاء وسكون النون والدال المهملة وفي آخرها الزاي، وهذه النسبة إلا قُهندز بلاد شتى، وهي المدينة الداخلة المسورة. \"الأنساب\" ١٠/ ٥٢٣. والمقصود هنا قهندز نيسابور.\n(٦) انظر: \"معجم الأدباء\" ١٥/ ٥٧، و\"إنباه الرواة\" ٢/ ٣١٠، و\"نكْت الهِمْيان في نكت العُميان\" للصفدي ص ٢١٥، و\"بغية الوعاة\" ٢/ ١٨٦.","vol":"1","page":57},{"text":"النحو حيث قال: \"وأما النحو فإني لما كنت في ميعة صباي وشرخ شبيبتي وقعت إلى الشيخ أبي الحسن علي بن محمد بن إبراهيم الضرير -﵀- وكان من أبرع أهل زمانه في لطائف النحو وغوامضه وأعلمهم بمضايق طرق العربية ودقائقها، ولعله تفرَّس فيّ وتوسم أثر الخير لديّ فتجرد لتخريجي وصرف وَكْده (١) إلى تأديبي .. \" (٢)، ثم قال: \" ... وقرأت عليه جوامع النحو والتصريف والمعاني، وعلقت عنه قريبًا من مائة جزء في المسائل المشكلة .. \" (٣).\n٣ - أبو الحسن عمران بن موسى المغربي، ذكره الواحدي مع شيوخه فقال: \"ثم ورد علينا الشيخ الإِمام أبو الحسن عمران بن موسى المغربي المالكي وكان واحد عصره وباقعة دهره في علم النحو، لم يلحق أحد ممن سمعنا شأوه في معرفة الإعراب، ولقد صحبته مدة مقامه عندنا حتى استنزفت غرر ما عنده\" (٤)، ذكره السيوطي ناقلًا عن السياق فقال: \"شيخ فاضل نحوي كبير كثير الحفظ قدم نيسابور وأفاد واستفاد، وطاف البلاد، ولقي الكبار وله اتنظم الفائق، وكان من أفاضل العصر، مات قريبًا من الخمسمائة\" (٥)، وذكر السيد أحمد صقر في مقدمة \"أسباب النزول\" أن وفاته سنة ٤٣٠ هـ (٦) ولم أصل إلى ما اعتمد عليه في ذلك.\n_________\n(١) اي: مراده وقصده \"اللسان\" \"وكد\" ٣/ ٤٦٧.\n(٢) مقدمة \"البسيط\" ص ٤٢٠.\n(٣) المصدر السابق ص ٤٢١.\n(٤) المصدر السابق ص ٤٢١.\n(٥) \"بغية الوعاة\" ٢/ ٢٣٣.\n(٦) مقدمة \"أسباب النزول\" ص ١٠، ونقل صاحب \"الواحدي ومنهجه في التفسير\" عن =","vol":"1","page":58},{"text":"٤ - أبو القاسم علي بن أحمد البستي وهو أحد شيوخه في القراءات ما ذكر ذلك فقال: \"وأما القرآن وقراءات أهل الأمصار واختيارات الأئمة فإني أختلفت أولًا إلى الأستاذ أبي القاسم علي بن أحمد البستي -﵀- وقرأت عليه القرآن ختمات كثيرة لا تحصى، حتى قرأت عليه أكثر طريقة الأستاذ أبي بكر أحمد بن الحسين بن مهران (١) ... \" (٢).\nذكره الذهبي فيمن أخذ عن ابن مهران فقال: \" .. وأبو القاسم علي بن أحمد البستي شيخ الواحدي .. \" (٣) ونحوه قال ابن الجزري، وذكره في ترجمة الواحدي ضمن شيوخه في القراءات (٤).\n٥ - أبو عثمان سعيد بن محمد بن محمد بن إبراهيم المقرئ الزعفراني الحيري قال في المنتخب من السياق: \"شيخ كبير ثقة صالح كثير السماع كثير الحديث والشيوخ عالم بالقرآن مقصود في علم القراءات سمع بنيسابور والعراق والحجاز .. قال أبو الحسن: قرأت من خط أبي صالح الحافظ أنه تغير بعض التغير في آخر أمره، وحكى عن بعض الثقات أنه خلط في بعض\n_________\n= \"النجوم الزاهرة\" أنه أثبت وفاته سنة ٤٣٠ هـ وعاد فأثبتها في وفيات سنة ٤٥٨ هـ ظنا منه أنه المترجم له، والذي في \"النجوم الزاهرة\": \"موسى بن عيسى بن أبي حاج الفاسي المقرئ الإِمام أبو عمران الفاسي الدار الغَفَجُوميّ البربري المالكي\" ويظهر أنه شخص غيره لاختلاف الاسم. انظر: \"الواحدي ومنهجه في التفسير\" ص ٦٧، و\"النجوم الزاهرة\" ٥/ ٣٠، ٧٧.\n(١) هو أحمد بن الحسين بن مهران النيسابوري المقرئ، صاحب كتاب \"الغاية في القراءات العشر\" ويأتي ذكره في \"حاشية البسيط\" ص ٢٣١.\n(٢) انظر: مقدمة \"البسيط\" ص ٤٢١ - ٤٢٢.\n(٣) \"معرفة القراء الكبار\" ١/ ٢٨٠.\n(٤) انظر: \"غاية النهاية\" ١/ ٥٠، ٥٢٣.","vol":"1","page":59},{"text":"مسموعاته، والله أعلم به توفي في جماد الأولى سنة سبع وعشرين وأربعمائة .. \" (١).\nوذكره الذهبي في \"المشتبه\" (٢) وقال: \"أبو عثمان سعيد بن محمد الحيري عن أبي عمرو بن مطر، وعنه الواحدي\" وذكره الذهبي فيمن أخذ عن ابن مهران (٣)، وكذا ابن الجزري (٤)، وقد أخذ عنه الواحدي القراءات فقال: \"وأما القرآن وقراءات أهل الأمصار واختيارات الأئمة فإني اختلفت أولًا إلى الأستاذ أبي القاسم علي بن أحمد البستي .. \".\nثم قال بعد ذلك: \" .. ثم ذهبت إلى الإمامين أبي عثمان سعيد بن محمد الحيري وأبي الحسن علي بن محمد الفارسي -رحمهما الله- وكانا قد انتهت إليهما الرئاسة في هذا العلم وأشير إليهما بالأصابع في علو السن ورؤية المشايخ، وكثرة التلامذة، وغزارة العلوم، وارتفاع الأسانيد، والوثوق فيها، فقرأت عليهما وأخذت من كل منهما حظًّا وافرًا بعون الله وحسن توفيقه\". وخص أبا عثمان سعيد بن محمد، فقال: \"وقرأت على الأستاذ سعيد مصنفات ابن مهران، وروى لنا كتب أبي علي الفسوي (٥) عنه، وقرأت عليه بلفظي كتاب الزجاج في \"المعاني\" (٦) روايته عن ابن مقسم\n_________\n(١) \"المنتخب من السياق\" ل ٦٧ ب.\n(٢) \"المتشبه\" ١/ ١٨٦.\n(٣) انظر: \"معرفة القراء الكبار\" ١/ ٢٨٠.\n(٤) انظر: \"غاية النهاية\" ١/ ٥٥.\n(٥) هو أبو علي الفارسي. انظر ترجمته في مصادر الواحدي وأسماء كتبه في حاشية مقدمة \"البسيط\".\n(٦) المراد كتاب الزجاج المشهور \"معاني القرآن\" والتعريف بالزجاج وكتابه يأتي في مصادر الواحدي.","vol":"1","page":60},{"text":"عنه، وسمع بقراءتي الخلق الكثير\" (١). وبهذا يتضح مكانة أبي عثمان سعيد ابن محمد الحيري في شيوخ الواحدي، ومقدار ما أخذ عنه من العلم، ولقد صرح بروايته عنه في مواضع من \"البسيط\"، قال في مقدمة \"البسيط\": \" .. وقرأت على الأستاذ سعيد بن محمد المقرئ فقلت: حدثكم طلحة بن محمد الشاهد ببغداد .. \" (٢).\nوفي تفسير قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ٢٩] قال: \"وأقرأني سعيد بن محمد الحيري ﵀ عن أبي الحسن بن مقسم .. \".\n٦ - أبو الحسن علي بن محمد الفارسي، ذكره الواحدي مع سعيد بن محمد الحيري كما سبق وذكر أخذه عنه، تكلم عنه ابن الجزري فقال: \"إمام مقرئ حاذق أخذ القراءات عرضًا وسماعًا عن أبي بكر أحمد بن الحسين بن مهران روى القراءات عنه عرضًا وسماعًا أحمد بن أبي عمر صاحب كتاب \"الإيضاح\" (٣)، توفي سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة (٤).\n٧ - أبو إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي النيسابوري المفسر صاحب التفسير المشهور بـ\"الكشف والبيان\" توفي في سنة سبع وعشرين وأربعمائة، ذكره ياقوت في \"معجم الأدباء\" فيما نقله عن \"السياق لتاريخ نيسابور\" وقال: سمع منه الواحدي التفسير (٥).\n_________\n(١) مقدمة \"البسيط \" ص ٤٢٢ - ٤٢٤\n(٢) \"مقدمة البسيط\" ص ٤٠٩.\n(٣) \"غاية النهاية\" ١/ ٥٧٢.\n(٤) انظر: \"المنتخب من السياق\" ل ١١٢أ، وستأتي ترجمته في مصادر الواحدي.\n(٥) \"معجم الأدباء\" ٥/ ٣٦ - ٣٨، وانظر \"وفيات الأعيان\" ١/ ٧٩، و\"طبقات المفسرين\" للداودي ١/ ٣٩٤، و\"طبقات المفسرين\" للسيوطي ص ٦٦.","vol":"1","page":61},{"text":"قال ابن الأثير يقال له: \"الثعلبي والثعالبي\" (١). وكانت له منزلة خاصة لدى الواحدي تحدث عنه فقال: \" .. ثم فرغت للأستاذ الإِمام أبي إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي -﵀- وكان حبر العلماء بل بحرهم، ونجم الفضلاء بل بدرهم، وزين الأئمة بل فخرهم، وأوحد الأمة بل صدرهم .. \"، ثم ذكر كتابه في التفسير وبالغ في مدحه، ويأتي التعريف به في مصادر الواحدي في تفسيره، حيث إنه أحد مصادره الهامة.\nقرأ عليه من مصنفاته كثيرًا فقال: \" .. وقرأت عليه من مصنفاته أكثر من خمسمائة جزء وتفسيره الكبير، وكتابه المعنون بـ (الكامل في علم القرآن) (٢). وقد أكثر الواحدي النقل من \"الكشف والبيان\"، ويلاحظ أنه لم يذكر اسمه ولم يعز له إلا عندما يروي عنه بالسند ومن أمثلة ذلك، قال في مقدمة \"البسيط\": \"ولقد أخبرنا الأستاذ أبو إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم -﵀- قال أخبرني أبو القاسم الحسن بن محمد بن الحسن .. \" (٣)، وقال في موضع آخر: \"ولقد سمعت أحمد بن محمد بن إبراهيم يقول: سمعت الحسن بن محمد يقول .. \" (٤).\nهؤلاء هم الشيوخ الذين ذكرهم الواحدي في مقدمة تفسيره \"البسيط\" وللواحدي شيوخ غيرهم كثر. قال: \" .. ولو أثبت المشايخ الذين أدركتهم واقتبست عنهم هذا العلم من مشايخ نيسابور وسائر البلاد التي وطئتها طال\n_________\n(١) \"اللباب\" ١/ ٢٣٨.\n(٢) انظر: مقدمة \"البسيط\" ص ٤٩٥.\n(٣) انظر: \"البسيط\" ص ٣٩٨.\n(٤) انظر: \"البسيط\" ص ٤١٠.","vol":"1","page":62},{"text":"الخطب ومل الناظر\" (١).\nوقد ذكر بعض من ترجم للواحدي عددًا من شيوخه ومنهم:\n٨ - الشيخ الإِمام أبو عمر سعيد بن هبة الله الموفق البسطامي، قال في \"المنتخب من السياق\": \"من سلالة الإمامة والذي انتهى إليه أمر الزعامة لأصحاب الشافعي، رُبّي في حجر الرئاسة، وغذي بلبان الإمامة ... توفي عصر يوم عرفة سنة اثنين وخمسمائة\" (٢). وقد تلقى عنه الواحدي في الكُتَّاب حيث اجتمع هو والباخرزي في كُتَّابه كما ذكر ذلك الباخرزي في \"دمية القصر\" (٣) ويظهر أن الإِمام أبا عمر قد عُمِّر طويلًا.\n٩ - الإِمام محمد بن محمد بن مَحْمِش بن علي بن أيوب أبو طاهر، المعروف بالزيادي، سمي بذلك لأنه كان يسكن ميدان زياد بن عبد الرحمن. إمام أصحاب الحديث بخراسان وفقيههم ومفتيهم توفي سنة عشر وأربعمائة أخذ عن كبار المشايخ كأبي بكر بن القطان وغيره (٤)، وأخذ الواحدي عنه، ذكر ذلك صاحب \"السياق\" (٥)، والسبكي (٦)، والذهبي (٧)،\n_________\n(١) مقدمة \"البسيط\" ص ٤٢٥.\n(٢) \"المنتخب من السياق\" ل ٧٠ أ.\n(٣) انفر: \"دمية القصر\" ٢/ ١٠١٨.\n(٤) انظر: \"المنتخب من السياق\" ل ٢ ب، وانظر \"الأنساب\" ٦/ ٣٦٠، و\"سير أعلام النبلاء\" ١٧/ ٢٧٦.\n(٥) انظر: \"المنتخب من السياق \" ل ١١٤أ.\n(٦) انظر: \"طبقات الشافعية\" ٣/ ٢٨٩.\n(٧) انظر: \"سير أعلام النبلاء\" ١٨/ ٣٤٠، و\"العبر\" ٢/ ٣٢٤.","vol":"1","page":63},{"text":"والسيوطي (١)، والداودي (٢)، وغيرهم.\n١٠ - الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن جعفر الكَنْجَرُوذِي (٣) أبو سعد، مسند خراسان، له معرفة بالطب والفروسية وأدب السلاح، استجمع فنون العلم وأدرك المشايخ الكبار كأبي بكر بن مهران وغيره، توفي سنة ثلاث وخمسين وأربعمائة (٤)، ذكر أخذ الواحدي عنه عبد الغافر في \"السياق\" (٥).\n١١ - الإِمام محمد بن أحمد بن جعفر المُولْقَابَاذِي أبو حسان المُزَكِّي مسند نيسابور وأحد الثقات، كان إليه التزكية بنيسابور، حدث عن جماعة منهم الصِّبْغِي، توفي سنة اثنتين وثلاثين وأربعمائة (٦)، ذكر أخذ الواحدي عنه عبد الغافر في \"السياق\" (٧)، والذهبي (٨).\n١٢ - الإِمام أبو بكر أحمد بن الحسن بن أحمد الحَرَشِيُّ الحيريُّ النيسابوري مسند خراسان، قلد قضاء نيسابور مدة، حدَّث عن أبي العباس\n_________\n(١) انظر: \"طبقات المفسرين\" ص ٦٦.\n(٢) انظر: \"طبقات المفسرين\" ١/ ٣٩٠٤\n(٣) قال السمعاني: \"الكنجروذي\" بفتح الكاف وسكون النون وفتح الجيم وضم الراء بعدها واو وفي آخرها الذال المعجمة، هذه النسبة إلا كَنْجَرُوذ، وهي قرية على باب نيسابور. \"الأنساب\" ١١/ ١٥٥.\n(٤) انظر: \"المنتخب من السياق\" ل ١٠ أ، و\"الأنساب\" ١١/ ١٥٥، و\"إنباه الرواة\" ٣/ ١٦٥، و\"سير أعلام النبلاء\" ١٨/ ١٠١.\n(٥) انظر: \"المنتخب من السياق\" ل ١١٤أ.\n(٦) انظر: \"المنتخب من السياق\" ل ٧ أ، و\"سير أعلام النبلاء\" ١٧/ ٥٩٦، و\"العبر\" ٢/ ٢٦٧.\n(٧) انظر: \"المنتخب من السياق\" ل ١١٤ أ.\n(٨) انظر: \"سير أعلام النبلاء\" ١٨/ ٣٤٠، وفيه محمد بن إبراهيم المُزَكيِّ.","vol":"1","page":64},{"text":"الأصم وغيره (٣٢٥ - ٤٢١ هـ) مات وله ست وتسعون سنة (١)، ذكر أخذ الواحدي عنه، الذهبي (٢)، والسبكي (٣)، والسيوطي (٤)، والداودي (٥)، وابن العماد (٦).\n١٣ - الشيخ الجليل المحدث عبد الرحمن بن حمدان بن محمد بن نصرويه النَّصرُويي (٧) النيسابوري، رحل إلى بلاد كثيرة فسمع في الحجاز والعراق، وأخذ عن كبار المشايخ كأبي بكر القطيعي وغيره، مات سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة (٨). ذكر في المنتخب من السياق أخذ الواحدي عنه (٩)، وكذا الذهبي (١٠)، والسبكي (١١).\n١٤ - الأستاذ إسماعيل بن إبراهيم بن محمد، النَّصْرَابَاذِي (١٢) الواعظ\n_________\n(١) انظر: \"المنتخب من السياق\" ل ٢٢/، و\"سير أعلام النبلاء\" ١٧/ ٣٥٦، و\"الأنساب\" ٤/ ١٢٢، ٣٢٧.\n(٢) انظر: \"سير أعلام النبلاء\" ١٨/ ٣٤٠، و\"العبر\" ٢/ ٣٢٤.\n(٣) انظر: \"طبقات الشافعية\" ٣/ ٢٨٩.\n(٤) انظر: \"طبقات المفسرين\" ص ٦٦.\n(٥) انظر: \"طبقات المفسرين\" ١/ ٣٩٤.\n(٦) انظر: \"شذرات الذهب\" ٣/ ٣٢٩.\n(٧) بفتح النون وسكون الصاد وضم الراء في آخرها ياء تحتها نقطتان، نسبة إلى نَصْرُوَيه، جد المنتسب إليه.\"اللباب\" ٣/ ٣١١.\n(٨) انظر: \"المنتخب من السياق\" ل ٨٩ ب، والأنساب ١٣/ ١٠٩، و\"اللباب\" ٣/ ٣١١، و\"سير أعلام النبلاء\" ١٧/ ٥٥٣، و\"العبر\" ٢/ ٢٦٨.\n(٩) انظر: \"المنتخب من السياق\" ل ١١٤أ.\n(١٠) انظر: \"سير أعلام النبلاء\" ١٨/ ٣٤٠.\n(١١) انظر: \"طبقات الشافعية\" ٣/ ٢٩٠.\n(١٢) \"النصراباذي\" بفتح النون وسكون الصاد وفتح الراء المهملتين وسكون الألفين وبينهما الباء الموحدة وفي آخرها الذال المعجمة، هذه النسبة إلى محلة بنيسابور، من أعالي البلد. انظر: \"الأنساب\" ١٣/ ١٠٧.","vol":"1","page":65},{"text":"أبو إبراهيم، أبوه شيخ خراسان وخلف أبيه في ذلك، سمع الكثير في خراسان ونيسابور والجبل والعراق والحجاز وروى عن أبي بكر القطيعي وغيره، توفي سنة ثمان وعشرين وأربعمائة (١)، ذكر أخذ الواحدي عنه، صاحب \"المنتخب من السياق\" (٢)، والذهبي (٣)، والسبكي (٤).\n١٥ - الشيخ عمر بن أحمد بن محمد بن مسرور النيسابوري، أبو حفص مسند خراسان سمع من جماعة منهم الحافظ أبو أحمد الحاكم وغيره، كان كثير العبادة، عاش تسعين سنة، وتوفي سنة ثمان وأربعين وأربعمائة (٥). ذُكر في \"المنتخب\" ممن أخذ عنه الواحدي (٦).\n١٦ - عبد الغافر بن محمد بن عبد الغافر بن أحمد الفارسي ثم النيسابوري، سمع من الخطابي وغيره، وكان من المعمرين، ولد سنة نيف وخمسين وثلاثمائة، وتوفي سنة ثمان وأربعين وأربعمائة بنيسابور وهو جد عبد الغافر بن إسماعيل، صاحب \"السياق\" (٧)، وذُكر في \"المنتخب من السياق\" أنه من مشايخ الواحدي (٨).\n١٧ - الإِمام المحدث الواعظ إسماعيل بن عبد الرحمن بن أحمد\n_________\n(١) انظر. \"المنتخب من السياق\" ل ٣٨ أ، و\"الأنساب\" ١٣/ ١٠٧.\n(٢) انظر: \"المنتخب من السياق\" ل ١١٤أ.\n(٣) انظر: \"سير أعلام النبلاء\" ١٨/ ٣٨٠.\n(٤) \"طبقات الشافعية\" ٣/ ٢٨٩.\n(٥) انظر: \"سير أعلام النبلاء\" ١٨/ ١٠، و\"العبر\" ٢/ ٢٩٢.\n(٦) انظر: \"المنتخب من السياق\" ل ١١٤أ.\n(٧) انظر: \"المنتخب من السياق\" ١٠٦أ، و\"سير أعلام النبلاء\" ١٨/ ١٩، و\"العبر\" ٢/ ٣٢٤.\n(٨) انظر: \"المنتخب من السياق\" ل ١١٤أ.","vol":"1","page":66},{"text":"الصابوني أبو عثمان كان أبوه من كبار الواعظين بنيسابور فَفُتِك به من أجل التعصب، فتولى مهمة الوعظ بعد أبيه وعمره عشر سنوات، وكان يحضر مجلسه كبار الأئمة مثل أبي إسحاق الإسفراييني وأبو بكر بن فورك، وكان صاحب عبادة وعفة، وكان من أئمة الأثر، له مصنف في السنة واعتقاد السلف (٣٧٣ - ٤٤٩ هـ) (١). ذُكر في \"المنتخب\" من مشايخ الواحدي (٢).\n١٨ - أبو سعد محمد بن علي بن أحمد الحيري الخفاف، أخذ عن أبي عمرو بن مطر وأخذ عنه الواحدي. ذكر ذلك الذهبي (٣).\n١٩ - أبو عثمان سعيد بن العباس بن محمد بن علي القرشي الهروي، الإِمام المسند العدل، كان من سروات الرجال بهراة (٤)، وتخرج به أئمة، ت ٤٣٣ هـ (٥).\n٢٠ - إبراهيم من محمد أبو إسحاق الإسفراييني، أحد أئمة الشافعية، يمانع حد الاجتهاد؛ لتبحره في العلوم، واستجماعه شروط الإمامة في العلوم، عقد له مجلس الإملاء بعد أبي طاهر الزيادي سنة ٤١٠ هـ، وحضر دروسه الحفاظ والمشايخ وأهل العلم، وأملى سنين، ت ٤١٨ (٦).\n_________\n(١) انظر: \"المنتخب من السياق\" ل ٣٨ ب، و\"تتمة يتيمة الدهر\" ٥/ ٣١٦، و\"الأنساب\" ٨/ ٢٤٧، و\"سير أعلام النبلاء\" ١٨/ ٤٠.\n(٢) انظر: \"المنتخب من السياق\" ل ١١٤أ.\n(٣) انظر: \"المشتبه\" ١/ ١٨٦.\n(٤) هراه: مدينة عظيمة من أمهات مدن خُراسان، وكان فيها بساتين كثيرة ومياه غزيرة وخيرات، وكانت مليئة بالعلماء وأهل الفضل. انظر: \"معجم البلدان\" ٥/ ٣٩٦.\n(٥) انظر: \"الأنساب\" ٤/ ٤٧٠، و\"سير أعلام النبلاء\" ١٧/ ٥٥٢، \"شذرات الذهب\" ٣/ ٢٥٠، وقد أخذ عنه الواحدي في تفسير الآية (٣) من سورة النساء.\n(٦) انظر: \"المنتخب من السياق\" ١٢٠ - ١٢١، \"طبقات الشافعية\" لابن الصلاح =","vol":"1","page":67},{"text":"وقد تتلمذ عليه الواحدي وقال في \"الوسيط\" (١): حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن محمد الإسفراييني إملاء في مسجد عقيل سنة سبع عشرة وأربعمائة.\n٢١ - أحمد بن محمد بن أحمد بن عبد الله بن الحارث التميمي أبو بكر الأصبهاني النيسابوري، إمام ثقة مقرئ نحوي محدث زاهد ت ٤٣٠ هـ، وله ٨١ سنة (٢) أخذ عنه الواحدي (٣).\n٢٢ - عبد القاهر بن طاهر بن محمد بن عبد الله التميمي، أبو منصور البغدادي، من كبار أئمة الشافعية، عظيم القدر، متقن في علوم كثيرة، درَّس في سبعة عشر نوعًا من العلوم، ورد نيسابور مع أبيه، وأنفق أمواله على طلبه العلم حتى افتقر، من تصانيفه المشهورة: \"الفرق بين الفرق\" ت ٤٢٩ هـ (٤).\n٢٣ - المفضل بن إسماعيل بن شيخ الإِسلام أبي بكر الإسماعيلي الجرجاني، عالم جرجان ومفتيها، كان مضرب المثل في الذكاء؛ فقد حفظ القرآن وجملة من الفقه وهو ابن سبع سنين، ثم رحل به أبوه فأكثر من سماع\n_________\n= ١/ ٣١٢، \"تهذيب الأسماء واللغات\" للنووي ٢/ ١٦٩، \"طبقات الشافعية\" ٤/ ٢٥٦، \"سير أعلام النبلاء\" ١٧/ ٣٥٣.\n(١) \"الوسيط\" ٢/ ٢٢٣ تحقيق: عادل عبد الموجود وزملائه.\n(٢) انظر: \"المنتخب من السياق\" ص ٨٩، \"إنباه الرواة\" ١/ ١٦٥، و\"اللباب\" ١/ ٣٣٠، و\"سير أعلام النبلاء\" ١٧/ ٥٣٨، و\"شذرات الذهب\" ٣/ ٢٤٥.\n(٣) روى عن الواحدي في \"البسيط\"، \"الوسيط\" ١/ ٧٠، ٣٨٦، ٤١٠، ٤٤٣، \"أسباب النزول\" ص ٧، ٢٤، ٢٧، ٤٥.\n(٤) انظر: \"طبقات الفقهاء الشافعية\" لابن كثير ١/ ٣٩٧، \"طبقات الشافعية الكبرى\" للسبكي ٥/ ١٣٦، والأسنوي ١/ ٩٦.","vol":"1","page":68},{"text":"الحفاظ ت ٤٣١ هـ (١).\nوقد رحل إليه الواحدي، وسمع منه في بلده كما قال في \"الوسيط\": حدثنا الشيخ أبو معمر اليفضل بن إسماعيل إملاء بجرجان سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة (٢).\nوقال في \"أسباب النزول\": حدثنا أبو معمر بن إسماعيل إملاء بجرجان سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة (٣).\nهؤلاء أبرز شيوخ الواحدي الذين ذُكر أنه أخذ عنهم، أو ورد ذكرهم في المصادر التي ترجمت له، ولو أردنا تتبع أسماء الشيوخ الذين أخذ الرواية عنهم في كتبه، كـ\"أسباب النزول\" أو\"الوسيط\" لطال الأمر ومل الناظر، كما قال ذلك الواحدي (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-25>تلاميذه:</span>\nإن هذا العلم ميراث النبوة، يأخذه كل جيل عمن سبقه ويسلمه لمن بعده، والواحدي أحد العلماء المشاهير جلس إلى كبار الشيوخ وأخذ عنهم حتى صار إماما، وقعد للإفادة والتدريس، فقصده الطلاب، وصار له تلامذة كثيرون.\nقال في \"معجم الأدباء\" ناقلا عن \"السياق\": \" .. وقعد للإفادة والتدريس سنين وتخرج به طائفة من الأئمة سمعوا منه وقرؤوا عليه، وبلغوا\n_________\n(١) انظر: \"العبر\" ٢/ ٢٦٦، \"سير أعلام النبلاء\" ١٧/ ٥١٨، \"طبقات السبكي\" ٥/ ٣٣١.\n(٢) \"الوسيط\" ١/ ٢٩٠.\n(٣) \"أسباب النزول\" ص ٤٥٤، \"الوسيط\" ١/ ٢٧٩، ٢/ ٥١.\n(٤) انظر مقدمة \"البسيط\" للمؤلف.","vol":"1","page":69},{"text":"محل الإفادة .. \" (١).\nوقال القفطي: \" .. وسار الناس إلى علمه واستفادوا من فوائده .. \" (٢).\nوقال الذهبي: \"تصدر للتدريس مدة وعظم شأنه .. \" (٣) ولقد مدحه الباخرزي (٤) قائلًا: يشتغل بما يَعْنيه، وإن كان استهدافه للمختلفة إليه يُعنّيه.\nوهذا يدل على عناية الواحدي بقاصديه، والناهلين من علمه، تعليمًا وتربية وإفادة وتخرجًا (٥).\nوأذكر بعض تلاميذه الذين ورد ذكرهم في ترجمة الواحدي أو ذُكر في تراجمهم أنهم أخذوا عنه منهم:\n١ - عبد الجبار بن محمد بن أحمد الخُواري (٦)، أبو محمد، كان إمامًا مفتيًا متواضعًا، سمع جماعة منهم أبو بكر البيهقي وغيره، توفي سنة ثلاث أو أربع وثلاثين وخمسمائة (٧)، وذكر أخذه عن الواحدي السمعاني\n_________\n(١) \"معجم الأدباء\" ١٢/ ٢٥٩، وانظر \"روضات الجنات\" ٥/ ٢٤٤\n(٢) \"إنباه الرواة\" ٢/ ٢٢٣.\n(٣) \"سير أعلام النبلاء\" ١٨/ ٣٤١.\n(٤) علي بن الحسن بن علي بن أبي الطيب الباخرزي أبو الحسن: أديب من الشعراء الكتاب من أهل باخرز من نواحي نيسابور، وتعلم بها وبنيسابور وقام برحلة واسعة في بلاد فارس والعراق اشتهر بكتابه \"دمية القصر\" وعصره أهل العصر، مات مقتول سنة ٤٦٧ هـ ينظر: \"وفيات الأعيان\" ١/ ٣٦٠، \"شذرات الذهب\" ٣/ ٣٢٧.\n(٥) انظر: \"دمية القصر\" ٢/ ١٠١٧.\n(٦) \"الخواري\" بضم الخاء المنقوطة والراء بعد الواو والألف. هذه النسبة إلى خوار الري، وقرية ببيهق، والمذكور من الأخيرة. انظر: \"الأنساب\" ٥/ ٢١٥.\n(٧) انظر: \"المنتخب من السياق\" ل ١٠٨ أ، و\"الأنساب\" ٥/ ٢١٥، و\"طبقات الشافعية\" للسبكي ٤/ ٣٤٣.","vol":"1","page":70},{"text":"في \"الأنساب\" (١)، والسبكي (٢)، والسيوطي (٣)، والداودي (٤). وقال الذهبي: إنه أكبر تلاميذه (٥).\n٢ - أبو نصر محمد بن عبد الله الأَرْغياني (٦) الرَّاوَنِيرِيِ (٧) الفقيه الشافعي، مفتي نيسابور، تفقه على أبي المعالي الجويني، وتوفي سنة تسع وعشرين وخمسمائة (٨)، وقد ورد أخذه عن الواحدي عند السمعاني في \"الأنساب\" وابن خلكان والسبكي (٩).\n٣ - أبو العباس عمر بن عبد الله الأَرْغياَني الراونيري، أخو أبي نصر السابق وكان أكبر منه بعشر سنين ونيف، كان شيخًا صالحًا سمع من جماعة منهم الواحدي وهو من رواة \"أسباب النزول\" للواحدي، قا ل السمعاني: سمعت منه \"أسباب النزول\"، توفي سنة أربع وثلاثين وخمسمائة (١٠).\n_________\n(١) انظر: \"الأنساب\" ٥/ ٢١٥.\n(٢) انظر: \"طبقات الشافعية\" ٣/ ٢٩٠، ٤/ ٢٤٣.\n(٣) انظر: \"طبقات المفسرين\" ص ٦٧.\n(٤) انظر: \"طبقات المفسرين\" ١/ ٣٩٤\n(٥) \"سير أعلام النبلاء\" ١٨/ ٣٤٠.\n(٦) الأرغياني: بفتح الهمزة وسكون الراء وكسر الغين المعجمة وفتح الياء المنقوطة من تحتها، نسبة إلى \"أرغيان\" ناحية من نواحي نيسابور بها عدة قرى. انظر: \"الأنساب\" ١/ ١٦٧.\n(٧) \"الراونيري\" بفتح الراء والنون المكسورة بعد الألف والواو، والياء المنقوطة من تحتها، وفي آخرها الراء الأخرى، نسبة إلى إحدى قرى \"أرغيان\" الأنساب ٦/ ٥٢.\n(٨) انظر: \"الأنساب\" ٦/ ٥٢، و\"وفيات الأعيان\" ٤/ ٢٢١، و\"طبقات الشافعية\" للسبكي ٤/ ٧٠.\n(٩) انظر المراجع السابقة.\n(١٠) انظر: \"الأنساب\" ٦/ ٥٣، و\"طبقات الشافعية\" للسبكي ٤/ ٢٨٧، ومقدمة \"أسباب النزول\"، إعداد السيد أحمد صقر ص ٣٤.","vol":"1","page":71},{"text":"٤ - أبو بكر يحيى بن عبد الرحيم بن محمد المقرئ المقبري اللبيكي من أهل نيسابور (٤٣٨ - ٥٢٢ هـ)، سمع من أبي حفص بن مسرور والصابوني، والبيهقي وغيرهم، قال السمعاني: \"وسمعت منه حضورا سنة تسع وخمسمائة وأجاز لي جميع مسموعاته ومن جملتها التفاسير الثلاثة عن الإِمام علي بن أحمد الواحدي \"الوسيط بين المقبوض والبسيط\"، و\"الوجيز\" و\"تفسير النبي - ﷺ -\"، قال: بروايتي عنه\" (١).\n٥ - أحمد بن محمد بن أحمد الميداني (٢) النيسابوري، أديب فاضل، عالم باللغة والأمثال، صنف كتاب \"مجمع الأمثال\" وغيره، وتوفي سنة ثماني عشرة وخمسمائة بنيسابور، تخصص بصحبة أبي الحسن الواحدي وقرأ عليه (٣).\n٦ - أبو الحسن علي بن سهل بن العباس المفسر النيسابوري، نشأ في طلب العلم، سمع من أبي عثمان الصابوني، وأبي القاسم القشيري، وتوفي سنة إحدى وتسعين وأربعمائة (٤). قال في \"المنتخب\": من تلامذة الواحدي (٥).\nوقال في \"روضات الجنات\" في ترجمة الواحدي: \"ومن جملة أهل\n_________\n(١) \"التحبير في المعجم الكبير\" للسمعاني ٢/ ٣٧٧.\n(٢) سمي الميداني لأنه سكن بأعلى ميدان زياد بن عبد الرحمن بنيسابور. انظر: \"الأنساب\" ١٢/ ٥٢٠.\n(٣) انظر: \"إنباه الرواة\" ١/ ١٥٦، و\"معجم الأدباء\" ٥/ ٤٥، و\"وفيات الأعيان\" ١/ ١٤٨.\n(٤) انظر: \"المنتخب من السياق\" ل١١٦ أ، و\"طبقات الشافعية\" للسبكي ٣/ ٢٩٩.\n(٥) \"المنتخب\" ل ١١٦ أ.","vol":"1","page":72},{"text":"نيسابور سمي هذا الرجل وتلميذه الفاضل أبو الحسن علي بن سهل بن العباس المفسر النيسابوري\" (١).\n٧ - يوسف بن علي بن جبارة الهذلي، أبو القاسم، الإِمام المقرئ من وجوه القراء، وصفه عبد الغافر بقوله: الضرير، قال ابن الجزري يحتمل أنه عمي في آخر عمره. كثير الرحلة في طلب القراءات، قال: \"وجملة من لقيت في هذا العلم ثلاثمائة وخمسة وستون شيخًا من آخر المغرب إلى باب \"فرغانة\" يمينًا وشمالًا وجبلًا وبحرًا ولو علمت أحدًا تقدم علي في هذه الطبقة في جميع بلاد الإِسلام لقصدته .. \". ألف كتاب \"الكامل\" وذكر فيه شيوخه، مات سنة خمس وستين وأربعمائة، عدَّ ابن الجزري جميع شيوخه وذكر منهم الواحدي (٢).\n٨ - محمد بن الفضل بن أحمد الفُراوي، أبو العباس الصاعدي، أحد العلماء الكبار، اجتمع فيه علو الإسناد، وموفور العلم وحسن الخلق، وقد وصفه الذهبي بقوله: الشيخ الإِمام، الفقيه المفتي، مسند خراسان، فقيه الحرم (٣).\nوهو معدود في تلاميذ الواحدي وممن روى كتابه \"الوجيز\" (٤).\n_________\n(١) \"روضات الجنات\" ٥/ ٢٤٥.\n(٢) انظر: \"المنتخب من السياق\" ل ١٤٤ب، و\"غاية النهاية\" ١/ ٥٢٣، ٢/ ٣٩٧ - ٤٠١.\n(٣) انظر: \"سير أعلام النبلاء\" ١٩/ ٦١٥، \"تبيين كذب المفتري\" ص ٣٢٤، \"العبر\" ٢/ ٤٣٨، \"طبقات السبكي\" ٦/ ١٦٦.\n(٤) انظر: \"الوجيز\" ١/ ٢٠، ٨٥.","vol":"1","page":73},{"text":"٩ - عبد الكريم بن علي بن أحمد بن محمد الخشنامي (١)، أبو نصر الأديب، إمام سليم الجانب من المختلفة إلى الإِمام الواحدي كتب تصانيفه وقرأ عليه، ت ٤٩٢ هـ (٢).\n١٠ - الحسين بن محمد بن محمود بن سورة أبو سعيد سبط شيخ الإِسلام أبي عثمان الصابوني، فاضل عالم، سمع الكثير من مشايخ عصره وسمع من الواحدي التفسير وغيره توفي كهلًا ت ٥٠٦ هـ (٣).\n١١ - محمد بن أحمد الماهياني أبو الفضل المروزي، إمام فاضل زاهد ورع حسن السيرة جميل الأخلاق فقيه شافعي، مبرز عارف بالمذهب رحال أدرك الأئمة الكبار وتفقه عليهم وسمع الحديث من الواحدي وغيره توفي سنة ٥٢٥ هـ من نحو ٩٠ سنة.\nقال السمعاني: سمع الحديث من الواحدي وسمعت منه جميع التفسير المعروف بـ\"الوسيط\" للواحدي (٤).\n١٢ - عبد الغافر بن إسماعيل بن عبد الغافر بن محمد الفارسي أبو الحسن، كان إمامًا في الحديث والعربية، سمع من جدّه لأمه أبي القاسم القشيري، وتفقه على أبي المعالي الجويني، ورحل في طلب العلم، ثم رجع إلى نيسابور وولي الخطابة بها، وأملى في مسجد عقيل، وصنف كتبًا\n_________\n(١) الخشنامي، بضم الخاء وسكون الشين وفتح النون نسبة إلى جده خشنام، انظر: \"أنساب\" ٢/ ٣٧٢، \"اللباب\" ١/ ٤٤٧.\n(٢) \"المنتخب من السياق\" ص ٣٣٦.\n(٣) المصدر السابق ص ٢٠٤\n(٤) انظر: \"الأنساب\" ٥/ ١٨٣، \"المنتخب من السياق\" ص ٧٣، \"طبقات الشافعية\" لابن الصلاح/٨٠، و\"اللباب\" لابن الأثير ٣/ ١٥٧، \"طبقات الشافعية\" للأسنوي ٢/ ٤٢٤.","vol":"1","page":74},{"text":"عدة، منها: \"المفهم بشرح غريب صحيح مسلم\"، و\"السياق لتاريخ نيسابور\" و\"مجمع الغرائب في غريب الحديث\". ت (٥٢٩) بنيسابور، وكانت ولادته سنه ٤٥١ هـ في شهر ربيع الآخر (١).\nقال في \"السياق\": قد أجازني بجميع مسموعاته ومصنفاته (٢).\n١٣ - أبو إسماعيل بن أبي صالح، المؤذن الشافعي، كان إمامًا في الأصول والفقه، وهو ممن تتلمذ على يد الإِمام الواحدي، ت ٥٣٢ (٣).\n١٤ - إبراهيم بن أحمد أبو إسحاق المروروذي، قرأ الوسيط على الإِمام الواحدي، ولد في ذي القعدة سنة ٤٥٣، وكان أحد الأئمة المسلمين، ومن كبار العلماء، قتل في فتنة خوارزم شاه سنة ٥٣٣ هـ (٤).\n١٥ - أحمد بن طاهر بن سعيد الميهيي (٥) الخراساني الصوفي، شيخ صالح، رحل كثيرًا في طلب العلم، ت ٥٤٩ هـ.\nقال الذهبي: له إجازة من المفسر أبي الحسن الواحدي روى بها تفاسير (٦).\n_________\n(١) انظر: \"تذكرة الحفاظ\" ٤/ ١٢٧٥، و\"وفيات الأعيان\" ٣/ ٢٢٥، \"التحبير في معجم الكبير\" ١/ ٥٠٧، \"طبقات الشافعية\" لابن قاضي شهبة ١/ ٣١٣.\n(٢) \"المنتخب من السياق\" ص ٣٨٧.\n(٣) انظر: \"طبقات الشافعية الكبرى\" ٧/ ٤٤، \"العبر\" ٢/ ٤٤١، \"تذكرة الحفاظ\" للذهبي ٤/ ١٢٧٧.\n(٤) انظر: \"طبقات الشافعية\" للسبكي ٤/ ١٩٩، \"الوجيز في تفسير الكتاب العزيز\" تحقيق صفوان داودي ١/ ٢٠.\n(٥) نسبة إلى قرية ميهنة وهي من قرى خابران، بين أبيورد وسرخس. انظر: \"معجم البلدان\" ٥/ ٢٤٧.\n(٦) انظر: \"سير أعلام النبلاء\" ٢٠/ ١٩٦، ١٩٧.","vol":"1","page":75},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-26>المطلب السابع\nمؤلفاته:</span>\nالناظر في حياة أبي الحسن الواحدي يجد أنه قد انقطع للعلم منذ نشأته، وقد هيأ الله له أسباب التحصيل، فأدرك حظًّا وافرًا من العلم، واتجهت أنظار الطالبين إليه، وكثر المستفيدون حوله، القابسون من نور علمه، ولذا كان لزامًا أن تلبى حاجة الناس بتصنيف المصنفات والتي يقرؤها الطلاب على شيخهم، ومن ثم ينقلونها إلى طلابهم وبلادهم، ليعم النفع، وليبقى العلم قد اجتمعت له أسباب الدوام من التلقي والتدوين، والسماع والكتاب.\nوقد ألّف الإِمام أبو الحسن كتبًا، طار صيتها، واشتهر ذكرها، وتداولها الناس، وتلقاها أهل العلم بالقبول والاستحسان.\nقال ابن خلكان (١): ورزق السعادة في تصانيفه، وأجمع الناس على حسنها، وذكرها المدرسون في دروسهم (٢).\nوقد قال تلميذه عبد الغافر: أحسن كل الإحسان في البحث والتنقير (٣).\n_________\n(١) أحمد بن محمد بن إبراهيم بن أبي بكر بن خلكان البرمكي، أبو العباس، المؤرخ الأديب صاحب أشهر كتاب في التراجم وهو \"وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان\"، ولد في إربل سنة ٦٠٨، تولى القضاء بمصر ثم بالشام، وولي التدريس في دمشق، توفي سنة ٦٨١. ينظر: \"مقدمة وفيات الأعيان\"، و\"النجوم الزاهرة\" ٧/ ٣٥٣.\n(٢) \"وفيات الأعيان\" ٣/ ٣٠٣.\n(٣) نشله عن عبد الغافر ياقوت في \"معجم الأدباء\" ١٢/ ٢٥٩.","vol":"1","page":76},{"text":"وقال الفيروزابادي (١): ومصنفاته كثيرة مشهورة.\nوبما أن الواحدي برع في علمي التفسير واللغة فإن غالب تصانيفه تحوم حول هذين العلمين.\nوفيما يلي ثبت بأسماء مؤلفاته المنسوبة إليه مع بيان المطبوع منها والمخطوط وقد قسمتها إلى قسمين:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-27>القسم الأول: ما يقطع بنسبته إليه</span>.\nالقسم الثاني: ما لا يقطع بنسبته إليه، وإليك البيان.\nالقسم الأول:\nالمؤلفات التي يقطع بنسبتها للواحدي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-28>أولًا: كتبه المعروفة:</span>\nوهي التي وصلت إلينا منها ما طبع ومنها ما لا يزال مخطوطًا:\nوهي المؤلفات التي ذكرها الواحدي في كتبه، أو ذكرها العلماء الأثبات سواء في تراجمهم له، أو كتبهم نقلًا عنها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-29>١ - \" البسيط</span>\":\nوهو أكبر كتبه في التفسير ويعدّ مع كتابيه الآخرين \"الوسيط\" و\"الوجيز\" -وكلها في التفسير- أشهر كتبه، بل أصبحت علمًا عليه،\n_________\n(١) هو محمد بن يعقوب بن محمد بن إبراهيم، أبو طاهر، مجد الدين، الشيرازي الفيروزابادي، من أئمة اللغة والأدب، ولد سنة ٧٢٩، رحل في طلب العلم حتى استقر به المقام في زبيد وتولى قضاءها، وأكرمه ملكها الأشرف، ومن أشهر كتبه: \"القاموس المحيط\"، وله \"بصائر ذوي التمييز\"، وغيرها. توفي سنة ٨١٧ ينظر: \"البدر الطالع\" ٢/ ٢٨٠، و\"الضوء اللامع\" ١٠/ ٧٩.","vol":"1","page":77},{"text":"فيقال: الواحدي صاحب \"البسيط\" و\"والوسيط\" و\"الوجيز\" في، التفسير، ولا يترجم له أحد إلا ويذكر كتبه الثلاثة فذكرها القفطي (١)، وياقوت (٢)، وابن خلكان (٣) وقال: منها أخذ أبو حامد الغزالي أسماء كتبه الثلاثة، ومثله قال الذهبي (٤)، وذكرها ابن كثير (٥) والسبكي (٦) وغيرهم (٧).\nو\"البسيط\" أول هذه الكتب وأكبرها، بل هو أصلها كما سيأتي، قال عنه القفطي: \"وصنف التفسير الكبير وسماه \"البسيط\" وأكثر فيه من الإعراب والشواهد واللغة، ومن رآه علم مقدار ما عنده من علم العربية .. \" (٨). وذكر ابن قاضي شهبة (٩) وابن العماد (١٠): أنه يقع في ستة عشر مجلدًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-30>٢ - \" الوسيط</span>\":\nوهو في التفسير، والكتاب يعتبر وسطًا بين \"البسيط\" و\"الوجيز\" ولهذا قال في مقدمته: \" ... وقديمًا كنت أطالب بإملاء كتاب في تفسير وسيط ينحط عن درجة \"البسيط\" الذي تجر فيه أذيال الأقوال، ويرتفع عن مرتبة\n_________\n(١) انظر: \"إنباه الرواة\" ٢/ ٢٢٣.\n(٢) انظر: \"معجم الأدباء\" ١٢/ ١٥٩.\n(٣) انظر: \"وفيات الأعيان\" ٣/ ٣٠٣.\n(٤) انظر: \"سير أعلام النبلاء\" ١٨/ ٣٤٠.\n(٥) انظر: \"البداية والنهاية\" ١٢/ ١١٤\n(٦) انظر: \"طبقات الشافعية\" ٣/ ٢٩٠.\n(٧) كابن الأثير في \"الكامل\" ٨/ ١٢٣، والأسنوي في \"طبقات الشافعية\" ٢/ ٥٣٩، وابن قاضي شهبة في \"طبقات الشافعية\" ١/ ٢٥٧، وابن العماد في \"الشذرات\" ٣/ ٣٣٠، وطاش كبرى زاده في \"مفتاح السعادة\" ٢/ ٦٦.\n(٨) \"إنباه الرواة\" ٢/ ٢٢٣.\n(٩) انظر: \"طبقات الشافعية\" ١/ ٢٥٧.\n(١٠) انظر: \"شذرات الذهب\" ٣/ ٣٣٠.","vol":"1","page":78},{"text":"\"الوجيز\" الذي اقتصر فيه على الإقلال\" (١).\nقال القفطي: \"وهو مختار من \"البسيط\" -أيضًا- غاية في بابه\" (٢)، والحقيقة أن ما في الكتاب من مسائل لغوية ونحوية وتفسيرية مختصر من \"البسيط\" ويزيد عن \"البسيط\" في الإكثار من الرواية، وسيأتي مزيد من الإيضاح عن الفرق بين الكتابين عند الحديث عن \"البسيط\". ويظهر أن هذا الكتاب نال الشهرة أكثر من \"البسيط\" ولهذا كثرت مخطوطاته (٣)، وطبع الجزء الأول من الكتاب ويشمل من أول القرآن إلى نهاية سورة \"البقرة\" بتحقيق: \"محمد حسن أبو العزم الزفيتي\"، طبعته \"لجنة إحياء التراث\" التابعة لوزارة الأوقاف المصرية، كما قام قسم القرآن بتحقيقه في رسائل علمية، وتم إنجاز أغلبه، نأمل أن تتبنى الجامعة طباعة هذا الجهد العلمي حتى يخرج متكاملًا.\n٣ - \"الوجيز\"، وهذا الكتاب كاسمه وجيز في التفسير. قال القفطي: \"وهو عجيب\" (٤).\nوقال الواحدي في مقدمته: \"فإني كنت قد ابتدأت بإبداع كتاب في التفسير لم أسبق إلى مثله وطال علي الأمر في ذلك لشرائط تقلدتها\n_________\n(١) مقدمة \"الوسيط\" ١/ ٦ تحقيق محمد حسن أبو العزم الزفيتي.\n(٢) \"إنباه الرواة\" ٢/ ٢٢٣.\n(٣) ذكر الزفيتي أنه اعتمد على ثلاث نسخ في تحقيق الكتاب: نسخة دار الكتب المصرية (٨٨٧ تفسير)، ونسخة أخرى بدار الكتب المصرية رقم (٢٧١)، ونسخة ثالثة بمعهد المخطوطات في القاهرة رقم (٢٩٢ تفسير) مصور عن أحمد الثالث بإستانبول.\n(٤) \"إنباه الرواة\" ٢/ ٢٢٣.","vol":"1","page":79},{"text":"ومواجب لحق النصيحة لكتاب الله تحملتها، ثم استعجلني قبل إتمامه والتفصي عما لزمني من عهدة إحكامه نفر متقاصرو الرغبات منخفضو الدرجات، أولو البضائع المزجاة إلى إيجاز كتاب في التفسير يقرب على من يتناوله ويسهل على من يتأمله من أوجز ما عمل في بابه وأعظم عائدة على متحفظيه .. \" (١)، وقد وفي بذلك فخرج الكتاب موجزًا، وقد طبع في مصر سنة ١٣٠٥ هـ على هامش تفسير \"مراح لبيد لكشف معنى قرآن مجيد\" للشيخ محمد نووي الجاوي، ويقع الكتاب في جزأين ولو طبع مستقلًا لم يتجاور أربعمائة صفحة تقريبًا، والكتاب بحاجة إلى طباعة محققة خصوصًا مع كثرة مخطوطاته، وقد اعتمده السيوطي (٢) في تكملته للتفسير المشهور بـ\"تفسير الجلالين\" (٣)، وقد طبع أكثر من مرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-31>٣ - \" تفسير النبي - ﷺ </span>-\":\nذكره ياقوت (٤)، والذهبي (٥)\n_________\n(١) \"مقدمة الوجيز\" ١/ ٢ \"على هامش تفسير مراح لبيد\".\n(٢) هو الحافظ جلال الدين عبد الرحمن بن الكمال السيوطي أبو بكر، صاحب التصانيف المشهورة، ولد عام ٨٤٩ وتوفي عام ٩١١: ينظر \"حسن المحاضرة\" ١/ ٣٣٥.\n(٣) ينظر \"بغية الوعاة\" ١/ ٤٠١، و\"طبقات المفسرين\" للداودي ١/ ١٠١.\n(٤) سبقت ترجمته ص ٢٩.\n(٥) هو شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز بن عبد الله الذهبي، أبو عبد الله، المؤرخ، المحدث، الناقد، ولد في شهر ربيع الآخر سنة ٦٧٣ هـ، وكان من أسرة تركمانية الأصل، سمع من علماء دمشق وحلب ونابلس، ومكة، توفي بدمشق ليلة الاثنين ثالث من ذي القعدة سنة ٧٤٨ هـ، ودفن بمقبرة الباب الصغير. من أشهر مصنفاته -﵀-: \"تاريخ الإِسلام الكبير\"، و\"سير أعلام النبلاء\"، =","vol":"1","page":80},{"text":"والسبكي (١) والداودي (٢) والسمعاني (٣)، وذكره ابن القاضي شهبة (٤)، وابن العماد (٥)، بعنوان:\n_________\n= \"طبقات الحفاظ\"، \"ميزان الاعتدال\" وغيرها من مصنفاته رحمه الله تعالى. ينظر ترجمته في \"طبقات الشافعية\" للأسنوي ١/ ٩٨، \"طبقات الشافعية\" للسبكي ٥/ ٢١٦ - ٢٢٦.\n(١) هو عبد الوهاب بن علي بن عبد الكافي السبكي، أبو نصر، القاضي المؤرخ الفقيه الشافعي، ولد بالقاهرة سنة ٧٢٧، وانتقل إلى الشام وتولى قضاءها، ثم عزل، وجرت عليه محن لم تجر على قاض مثله.\nمن كتبه: \"طبقات الشافعية الكبرى\"، و\"ومعيد النعم ومبيد النقم\"، و\"جمع الجوامع\". توفي بالطاعون سنة ٧٧١. ينظر: \"الدرر الكامنة\" ٢/ ٤٢٥ و\"مقدمة طبقات الشافعية\".\n(٢) هو محمد بن علي بن أحمد، شمس الدين الداودي المالكي، محدث مصري، من تلاميذ السيوطي.\nمن كتبه: \"طبقات المفسرين\" و\"ذيل طبقات الشافعية\" للسبكي و\"ترجمة الحافظ السيوطي\"، توفي سنة ٩٤٥.\nينظر: \"شذرات الذهب\" ٨/ ٢٦٤، و\"الأعلام\" ٦/ ٢٩١.\n(٣) هو عبد الكريم بن محمد بن منصور التميمي السمعاني المروزي أبو سعد، مؤرخ رحالة، ولد بمرو سنة ٥٠٦، رحل في طلب العلم، من كتبه: \"الأنساب\"، و\"أدب الإملاء الاستملاء\" توفي بمرو سنة ٥٦٢. ينظر: \"طبقات الشافعية\" ٤/ ٢٥٩ و\"وفيات الأعيان\" ١/ ٣٠١.\n(٤) هو أحمد بن محمد بن عمر بن محمد، تقي ابن قاضي شهبة الدمشقي، أبو بكر، عالمًا بالفرائض، جلس للتدريس بالجامع الأموي مدة، وكان كريم النفس كثير \"الإحسان\" ولد في رجب سنة ٧٣٧هـ وتوفي سنة ٧٩٠هـ ومن مؤلفاته: \"الفرائض\" وغيرها من المؤلفات.\nينظر: \"شذرات الذهب\" ٦/ ٣١٢، ٣١٣.\n(٥) هو عبد الحي بن أحمد بن محمد المعروف بابن العماد، العكري الدمشقي، أبو الفلاح، فقيه، أديب، أخباري، حنبلي المذهب، ولد في الصالحية بدمشق في =","vol":"1","page":81},{"text":"تفسير أسماء النبي - ﷺ - (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-32>٤ - \" أسباب النزول</span>\":\nوهو من أشهر ما صنف في هذا الفن (٢) ومن أول الكتب التي وردت إلينا شيه. وفيه يذكر سبب النزول من حديث أو أثر مسندًا، وقد يذكره بدون سند. ولتوسعه وشهرته بني عليه الحافظ ابن حجر (٣) كتابه المشهور في أسباب النزول المسمى: \"العجاب في بيان الأسباب\" واختصره أبو إسحاق الجعبري (٤) (ت\n_________\n= ٨ رجب (١٠٣٢ هـ)، وأقام في القاهرة مدة طويلة، وتوفي بمكة في ١٦ من ذي القعدة (١٠٨٩هـ) من تصانيفه ﵀:- \"شذرات الذهب\"، و\"بغية أولي النهى في شرح المنتهى\" وغيرها من تصانيفه ﵀.\nينظر ترجمته: \"معجم المؤلفين\" ٢/ ٦٧.\n(١) ينظر: \"معجم الأدباء\" ١٢/ ٢٥٩، و\"سير أعلام النبلاء\" ١٨/ ٣٤١، و\"طبقات الشافعية\" ٥/ ٢٤١، و\"طبقات المفسرين\" للداوودي ١/ ٣٩٥، و\"التحبير في المعجم الكبير\" ٢/ ٣٧٧. وذكره ابن قاضي شهبة في \"طبقات الشافعية\" ١/ ٢٧٨، باسم تفسير أسماء النبي - ﷺ -، وتبعه ابن العماد في \"شذرات الذهب\" ٣/ ٣٣٠، ورجح ذلك جودة المهدي في كتابه الواحدي ومنهجه في التفسير ص ٩٦، بحجة أنه لم يرد في ثبت تفاسير الواحدي هذا الاسم، ولم تنوه به التراجم في سياق إنتاجه التفسيري. وهذا غير صحيح كما تبيّن عند مراجعة المصادر التي ترجمته.\n(٢) انظر: \"البرهان\" ١/ ٢٢، و\"الإتقان\" ١/ ٣٨، و\"كشف الظنون\" ١/ ٧٦.\n(٣) هو أحمد بن علي بن محمد الكناني العسقلاني، أبو الفضل شهاب الدين، ابن حجر، من أئمة الحديث والفقه والرجال والتاريخ، وإذا أطلق الحافظ لم يرد به غيره، ولد بالقاهرة سنة ٧٧٣، رحل في طلب العلم، وتولى القضاء في مصر مرات، وكتبه كثيرة اشتهرت في حياته، منها \"فتح الباري\" وهو أجلها و\"تهذيب التهذيب\" و\"تقريب التهذيب\" وغيرها. توفي سنة ٨٥٢.\nينظر: \"الضوء اللامع\" ٢/ ٣٦، و\"البدر الطالع\" ١/ ٨٧.\n(٤) هو إبراهيم بن عمر بن إبراهيم بن خليل الجعبري، أبو إسحاق، عالم بالقراءات، =","vol":"1","page":82},{"text":"٧٣٢هـ) فحذف أسانيده، وقد طبع الكتاب طبعات كثيرة (١).\n\n٥ - \" قتلى القرآن\":\nذكره الحافظ ابن رجب (٢) في لطائف المعارف ناقلًا عنه (٣).\n\n٦ - \" فضائل القرآن\":\nذكره حاجي خليفة (٤) عند ذكره للمصنفات في علم فضائل القرآن\n_________\n= من فقهاء الشافعية، ولد بقلعة جعبر على نهر الفرات سنة ٦٤٠، وتلقى العلم ببغداد، واستقر بالخليل إلى أن مات، من كتبه: شرح الشاطبية \"كنز المعاني شرح حرز الأماني\". توفي سنة ٧٣٢. ينظر: \"الدرر الكامنة\" ١/ ٥٠، و\"غاية النهاية\" ١/ ٢١.\n(١) طبع كتاب \"أسباب النزول\" عدة طبعات أولها سنة ١٣١٦ هـ بالقاهرة، على هامشه \"الناسخ والمنسوخ\" لأبي القاسم بن هبة الله بن سلامة. ثم أعيد طبعه سنة ١٣٧٩ هـ في مطبعة الحلبي، ثم طبع سنة ١٣٩٥ هـ في بيروت دار الكتب العلمية، ثم طبع بتحقيق \"السيد أحمد صقر\" سنة ١٣٨٩ هـ صدر عن دار الجديد، ثم خرجت طبعة أخرى بتحقيق السيد أحمد صقر عن دار القبلة سنة ١٤٠٤هـ، وطبعة بتحقيق عصام الحميدان من إصدار دار الإصلاح.\n(٢) عبد الرحمن بن أحمد بن رجب السلامي البغدادي ثم الدمشقي الحنبلي أبو الفرج زين الدين، محدث فقيه إمام، ولد ببغداد ونشأ وتوفي في دمشق، من كتبه: \"فتح الباري شرح صحيح البخاري\"، و\"جامع العلوم والحكم\"، توفي سنة ٧٩٥. ينظر: \"شذرات الذهب\" ٦/ ٣٣٩، و\"الدرر الكامنة\" ٢/ ٣٢١.\n(٣) \"لطائف المعارف\" ص ٣٥٨، وذكر باسم (مقاتل القرآن) في مقدمة \"أسباب النزول\" للسيد أحمد صقر ص ٢١ وفي كتاب \"الواحدي ومنهجه في التفسير\" ص ٩٤.\n(٤) هو مصطفى بن عبد الله كاتب حلبي، المعروف بالحاج خليفة: مؤرخ بحاثة، تركي الأصل مستعرب، ولد سنة ١٠١٧ في القسطنطينية، تولى أعمالًا كتابية في الجيش العثماني، انقطع للتدريس آخر عمره من كتبه: \"كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون\" وهو أفضل ما كتب في فنه توفي سنة ١٠٦٧ ينظر: مقدمة كشف الظنون و\"الإعلام\" ٧/ ٢٣٦.","vol":"1","page":83},{"text":"قائلًا: ولأبي الحسن علي بن أحمد الواحدي المتوفى سنة ٤٦٨ مختصر فيه، أخذ شمس الدين محمد بن طولون الدمشقي (١) أربعين حديثا منه (٢).\n\n٧ - \" مسند التفسير\":\nأشار إليه الواحدي في \"الوسيط\" حيث قال: وحديث انشقاق القمر رواه جماعة من الصحابة ... روينا عن جميعهم ذلك في مسند التفسير (٣)، وقال في مقدمة \"الوسيط\" أيضًا: وقد سبق لي قبل هذا الكتاب -بتوفيق الله وحسن تيسيره- مجموعات ثلاث في هذا العلم: معاني التفسير، ومسند التفسير، ومختصر التفسير (٤).\nوعلى صراحة هاتين الإحالتين من الواحدي لم يشر أحد ممن ترجم له إلى هذا الكتاب ضمن ثبت كتبه، ويحتمل أن يكون المقصود به كتاب تفسير النبي - ﷺ - المتقدم ذكره.\n\n٨ - \" نفي التحريف عن القرآن الشريف\":\nذكره أكثر من ترجم له (٥).\n_________\n(١) هو شمس الدين محمد بن علي بن أحمد بن علي بن خمارويه بن طولون الدمشقي الحنفي، مؤرخ عالم بالتراجم والفقه ولد سنة ٨٨٠، له مشاركة في فنون متعددة وكتبه كثيرة منها: \"ذخائر القصر في تراجم نبلاء العصر\" و\"الغرف العلية في تراجم متأخري الحنفية\". توفي سنة ٩٥٣. ينظر \"الكواكب السائرة\" ٢/ ٥٢، و\"شذرات الذهب\" ٨/ ٢٩٨.\n(٢) \"كشف الظنون\" ٢/ ١٢٧٧، ولعله الموجود في مكتبة كوبرلي بتركيا مجموعة ر قم (١٦٣١) باسم فضائل السور، ينظر: فهرس مخطوطات مكتبة كوبريلي ٢/ ٣٩٥.\n(٣) \"الوسيط\" ٤/ ٢٠٧.\n(٤) \"الوسيط\" ١/ ٥٥.\n(٥) ينظر: \"معجم الأدباء\" ١٢/ ٢٥٩، و\"سير أعلام النبلاء\" ١٨/ ٣٤١، و\"طبقات =","vol":"1","page":84},{"text":"٩ - \" شرح ديوان المتنبي\" (١):\nذكره أكثر من ترجم له، قد أثنى عليه العلماء قال فيه ابن خلكان: \"وليس في شروحه مع كثرتها مثله\" (٢) وقال القفطي: وهو غاية في بابه (٣)، وقال حاجي خليفة بعد أن ذكر أربعين شرحًا لديوان المتنبي: فأجلها نفعًا وأكثرها فائدة: شرح الإِمام أبي الحسن علي بن أحمد الواحدي (٤). والكتاب مطبوع متداول (٥).\n\n١٠ - \" الإغراب في الإعراب\":\nذكره بهذا الاسم أكثر من ترجم له (٦)، بينما سماه السبكي: الإعراب في علم الإعراب (٧)، وسماه السيوطي: الإغراب في علم\n_________\n= الشافعية\" ٥/ ٢٤١، و\"الفلاكة والمفلوكون\" للدلجي ص ١٥٣، و\"طبقات الشافعية\" لابن قاضي شهبة ١/ ٢٧٨، و\"طبقات المفسرين\" للسيوطي ص ٧٩ وغيرهم.\n(١) هو أحمد بن الحسين بن الحسن بن عبد الصمد الجعفي الكوفي الكندي، أبو الطيب المتنبي الشاعر الحكيم، علم في باب الشعر والأدب، ولد بالكوفة سنة ٣٠٣ ونشأ بالشام، تنقل في البادية يطلب العربية وقال الشعر صبيًا، ثم تنبأ فتبعه خلق فسجن فتاب، أشهر أعماله: \"ديوانه\"، قتل سنة ٣٥٤ وقد كُتب في سيرته كتب كثيرة. ينظر: \"معاهد التنصيص\" ١/ ٢٧ و\"وفيات الأعيان\" ١/ ٣٦.\n(٢) \"وفيات الأعيان\" ٣/ ٣٠٣.\n(٣) \"إنباه الرواة\" ٢/ ٢٣٢.\n(٤) \"كشف الظنون\" ١/ ٨٠٩.\n(٥) طبع عام ١٢٧١ في الهند طبعة حجرية ثم طبع بعناية فريدرخ ديتريصي في برلين عام ١٢٧٦ ثم صورته دار المثنى ببغداد. ينظر: \"معجم المطبوعات\" ٢/ ١٦١٦.\n(٦) ينظر: \"معجم الأدباء\" ١٢/ ٢٥٩، و\"سير أعلام النبلاء\" ١٨/ ٣٤١ و\"طبقات الشافعية\" لابن قاضي شهبة ١/ ٢٧٨ و\"طبقات المفسرين\" للداودي ١/ ٣٩٥ و\"شذرات الذهب\" ٣/ ٣٠٣.\n(٧) \"طبقات الشافعية\" ٥/ ٢٤١.","vol":"1","page":85},{"text":"الإعراب (١)، وسماه في موطن آخر: الإعراب عن الإعراب (٢).\n\n١١ - \" التحبير في شرح أسماء الله تعالى الحسنى\":\nذكره أكثر من ترجم له (٣) مع اختلافات يسيرة في الاسم (٤).\n\n١٢ - \" الدعوات\":\nذكره أكثر من ترجم له (٥).\n\n١٣ - \" المغازي\":\nذكره أكثر من ترجم له (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-42>القسم الثاني: المؤلفات التي لا يقطع بنسبتها للواحدي</span>\nثمة مؤلفات لا يقطع بنسبتها للواحدي:\nإما لأنها وردت على طرة بعض المخطوطات، أو في فهارس خزائن الكتب، لكن لم يذكرها أحد ممن ترجموا للواحدي ضمن ثبت كتبه،\n_________\n(١) \"بغية الوعاة\" ٢/ ١٤٥.\n(٢) \"طبقات المفسرين\" ص ٧٩.\n(٣) \"وفيات الأعيان\" ٣/ ٣٠٣، و\"تاريخ الإِسلام\" للذهبي ٣١/ ٢٥٩، و\"طبقات الشافعية\" ٥/ ٢٤١، و\"البداية والنهاية\" ١٢/ ٢٤١، و\"طبقات المفسرين\" للسيوطي ص ٧٩، و\"طبقات الشافعية\" لابن قاضي شهبة ١/ ٢٧٨.\n(٤) بعضهم قال: \"التجيز في شرح الأسماء الحسنى\" وبعضهم قال: \"التحبير في الأسماء الحسنى\"، وبعضهم سماه: \"شرح الأسماء الحسنى\"، وأما ابن قاضي شهبة فقال: \"التنجيز بدلًا من التحبير\" وهو تصحيف.\n(٥) ينظر: \"معجم الأدباء\" ١٢/ ٢٥٩، و\"سير أعلام النبلاء\" ١٨/ ٣٤١ و\"طبقات الشافعية\" ٥/ ٢٤١، و\"طبقات الشافعية\" لابن قاضي شهبة ١/ ٢٧٨ و\"طبقات المفسرين\" للداودي ١/ ٣٩٥ و\"شذرات الذهب\" ٣/ ٣٠٣.\n(٦) ينظر: المراجع السابقة. وسماه السمعاني في \"الأنساب\" ٣/ ٤٧٩ \"طراز المغازي\".","vol":"1","page":86},{"text":"فضلًا عن الواحدي نفسه، إذ لا يعرف عنه أنه نسبها إلا نفسه، أو عدها ضمن كتبه.\nوإما لتوهم أن تكون له، وليست كذلك،\nوإما أن يذكر واحد من كتبه باسم مغاير للمشهور فيظن أنهما كتابان، والحقيقة أنهما اسمان لكتاب واحد. وهذا بيان لجميع ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-43>١ و٢ - \"معاني التفسير\"، و\"مختصر التفسير</span>\":\nذكر الواحدي في مقدمة تفسيره الوسيط هذين الاسمين، ووقع الخلاف بين الباحثين هل مراده بهما كتابان آخران غير البسيط والوجيز، أو أنهما اسمان لذينك الكتابين على عادة بعض المؤلفين في تعديد أسماء الكتاب الواحد، ولإيضاح الأمر أسوق عبارته في مقدمة الوسيط، حيث يقول: \"وقد سبق لي قبل هذا الكتاب -بتوفيق الله وحسن تيسيره- مجموعات ثلاث في هذا العلم: \"فمعاني التفسير\" و\"مسند التفسير\" و\"مختصر التفسير\"، وقديمًا كنت أطالب بإملاء كتاب في تفسير وسيط، ينحط عن درجة البسيط، الذي تجر فيه أذيال الأقوال، ويرتفع عن مرتبة الوجيز الذي اقتصر فيه على الإقلال\" (١) فأخذ بعض الباحثين من هذا النص الصريح أن هذين اسمان لكتابين غير البسيط والوجيز، وعدهما ضمن كتبه (٢)، والظاهر - أنهما اسمان للكتابين نفسيهما ويدل لذلك:\nأ- أنهما لو كانا كتابين مستقلين لقال: وقد سبق لي مجموعات خمس، خاصة وأنه صرح في آخر كلامه الآنف الذكر باسم: البسيط والوجيز.\n_________\n(١) \"الوسيط\" ١/ ٥٠.\n(٢) ذكر ذلك د/جودة المهدي في كتابه الواحدي ومنهجه في التفسير ص ٩٢.","vol":"1","page":87},{"text":"ب- جاء في نهاية الجزء الثالث من النسخة الأزهرية ما نصه: آخر الجزء الثالث من كتاب معاني التفسير المسمى بالبسيط للإمام أبي الحسن علي الواحدي -﵀- ومثله جاء في نهاية الجزء الثاني من نسخة جستربتي.\nج- لم يذكرهما أحد ممن ترجم للواحدي على أنهما كتابان مستقلان، غير ذينك الكتابين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-44>٣ - \" الحاوي لجميع المعاني</span>\":\nورد هذا الكتاب منسوبًا إلى الواحدي في فهارس بعض خزائن الكتب (١) بيد أن حاجي خليفة بين أن هذا الاسم يراد به كتبه الثلاثة في التفسير، فقال: تفسير الواحدي ثلاثة: البسيط والوسيط والوجيز، وتسمى هذه الثلاثة: الحاوي لجميع المعاني (٢).\nوقال أيضًا: الحاوي لجميع المعاني، وهو اسم البسيط والوسيط والوجيز للواحدي (٣). وما ذكره حاجي أظهر؛ لأنه لو كان كتابًا مستقلًا لذكره المترجمون للواحدي، خصوصًا وأنه كتاب كبير يصعب تجاهله ونسيانه، لكن الجزم بذلك يتوقف على الاطلاع على تلك النسخ في خزائن الكتب، ودراستها، والتحقق منها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-45>٤ - \" جامع البيان في تفسير القرآن</span>\":\n_________\n(١) كالمكتبة الآصفية بحيدر اباد بالهند برقم (١٢٤) ومكتبة أصفهان العامة بإيران برقم (٢٦٩٣) وخزانة قاسم الرجب ببغداد برقم (٣٤٠) وعنوانها الحاوي في تفسير القرآن، والخزانه الحسينية بالقصر الملكي بالرباط، برقم (٥٥٥١). ينظر: \"الفهرس الشامل للتراث العربي الإِسلامي\" ١/ ١١٣، ١١٤.\n(٢) \"كشف الظنون\" ١/ ٦٢٩.\n(٣) \"كشف الظنون\" ١/ ٦٢٩.","vol":"1","page":88},{"text":"ورد هذا الكتاب منسوبًا للواحدي في إحدى خزائن الكتب (١)، ولم يذكره أحد ممن ترجموا للواحدي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-46>٥ و٦ - \"رسالة في البسملة\"، و\"حاشية على شرح البسملة</span>\":\nورد هذان العنوانان في فهرس المكتبة الخالدية بالقدس (٢)، ولم يذكرهما أحد ممن ترجم للواحدي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-47>٧ - \" رسالة في شرف علم التفسير</span>\":\nذكرها الدكتور جودة المهدي (٣)، وأشار إلى وجودها مخطوطة في دار الكتب المصرية (٤) ولم يذكرها أحد ممن ترجم للواحدي.\n\n٨ - \" شرح معلقة النابغة الذبياني\" (٥)، أو\"شرح قصيدة النابغة\":\nورد في فهارس بعض خزائن الكتب (٦)، ولم يذكره أحد ممن ترجموا للواحدي.\n_________\n(١) وهي مكتبة مراد ملا الوطنية تحت رقم (١٩١). ينظر: \"الفهرس الشامل للتراث العربي الإسلامي\" ١/ ١٣١.\n(٢) برقم (٤٨) و(٤٩)، ينظر: الفهرس الشامل ١/ ١١٤.\n(٣) الواحدي ومنهجه في التفسير ص ٩٥.\n(٤) برقم ٢٢٠ مجاميع.\n(٥) هو: الذبياني أبو أمامة زياد بن معاوية بن ضباب، من الطبقة الأولى، من فحول شعراء الجاهلية، كان يحكم بين الشعراء في سوق عكاظ ويفاضل بينهم. ينظر: \"طبقات فحول الشعراء\" ١/ ٥٦، و\"جمهرة أشعار العرب\" ١/ ٣٠٣\n(٦) منه نسخة في مكتبة الأكاديمية العلمية بجامعة ليدن بهولندا برقم (١٠٦/ ٢)، ونسخة أخرى في مكتبة حسين علي محفوظ بالكاظمية، ونسخة في مكتبة المتحف العراقي ببغداد برقم (١٨٩٤/ ٢) ونسخة في مكتبة جامعة الملك سعود ضمن مجموع (٢١٤ - ٢٢٣) برقم (٨٣٨/ ٢) ينظر: تاريخ التراث العربي (مج ٢، جـ٢/ ٩) ومجلة المخطوطات ٦/ ٤٧ و\"مخطوطات الأدب في المتحف العراقي\" ص ٣٨٦.","vol":"1","page":89},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-49>٩ - \" الوسيط في الأمثال</span>\":\nحققه الدكتور عفيف محمد عبد الرحمن (١)، ونسبه إلى الواحدي معتمدًا على نسخة وحيدة، وجدها في الخزانة العامة في الرباط بالمغرب (٢)، وقد بذل المحقق جهدًا في إثبات نسبة الكتاب إلى الواحدي، واستدل على ذلك بورود أسماء من كتبه في ثنايا الكتاب ثم ذكرها (٣)، ولا يعرف منها شيء تصح نسبته إليه، والذي يظهر أن الكتاب لا تصح نسبته إلى الواحدي، لعدم وجود دليل صحيح صريح، يدل على صحة نسبة الكتاب إليه، ولا ذكر أحد ممن ترجموا له هذا الاسم في ثبت كتبه، ولا أحال هو عليه في ثنايا مؤلفاته، ولم يجد المحقق إلا نسخة واحدة اعتمد عليها.\nويزاد على ذلك أنه في الكتاب استشهد ببيت للأخطل (٤) ثم قال: \"هكذا رواه الشيخ أبو زكريا يحيى بن علي التبريزي (٥)، وقرأت ديوانه على الفصيحي (٦) في سنة إحدى وتسعين ... \" والفصيحي هذا توفي سنة ٥١٠ أو\n_________\n(١) نشرته مؤسسة دار الكتب الثقافية بالكويت ١٣٩٥هـ\n(٢) برقم (١٠٢ت) كتبت في القرن السادس الهجري.\n(٣) منها: \"البسيط في الأمثال\"، و\"الوجيز في الأمثال\"، و\"المترجم المنيح في شرح الكتاب الفصيح\"، و\"نزهة الأنفس\" وغيرها.\n(٤) هو غياث بن غوث بن الصلت التغلبي النصراني، أحد شعراء زمانه، كان معاصرًا لجرير والفرزدق، مهاجيًا لهما، مدح خلفاء بني أمية فأكثر. قيل: إنه توفي سنة ٩٠ هـ ينظر: \"طبقات فحول الشعراء\" ١/ ٢٩٨ و\"سير أعلام النبلاء\" ٤/ ٥٨٩.\n(٥) هو أبو زكريا، يحيى بن علي بن محمد الشيباني، المعروف بالخطيب التبريزي، أحد أئمة اللغة والنحو والأدب، توفي عام ٥٠٢ هـ. ينظر: \"معجم الأدباء\" ٢٠/ ٢٥ و\"سير أعلام النبلاء\" ١٩/ ٢٦٩.\n(٦) هو أبو الحسن علي بن محمد بن علي الفصيحي لقب بذلك لكثرة دراسته كتاب الفصيح لثعلب، درس في النظامية ببغداد، وكان يظهر التشيع فعزل عن التدريس. =","vol":"1","page":90},{"text":"(٥١٦)، وكانت القراءة سنة (٤٩١)، والواحدي توفي سنة (٤٦٨) بلا خلاف فكيف يكون هذا؟\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-50>١٠ - \" الناسخ والمنسوخ</span>\":\nنسبه إليه محقق الوجيز (١)، وذكر أن الزركشي نقل منه في كتاب البرهان (٢)، والحقيقة أن النقل كان عن الواحدي من تفسيره البسيط، عند قوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ١٠٦] ولا تشير عبارة الزركشي إلى كتاب بهذا الاسم، ولم ينسبه إليه أحد ممن ترجم له.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-51>١١ - \" بانت سعاد</span>\":\nذكره: الدكتور عفيف محمد عبد الرحمن في مقدمته على الوسيط في الأمثال، وقال: منها نسخة في جستربتي كتب في القرن التاسع الهجري (٣)، ولم يذكر مترجمو الواحدي شيئًا عنه، ولم أجده في فهرس الكتب المختارة من جستربتي المترجم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-52>١٢ - \" منظومة في الوعظ</span>\":\nورد هذا الكتاب منسوبًا للواحدي في إحدى خزائن الكتب (٤)، ولم يذكره له من ترجموه.\n_________\n= ينظر: \"معجم الأدباء\" ١٥/ ٦٦ و\"إنباه الرواة\" ٢/ ٣٠٦.\n(١) \"مقدمة الوجيز\" لصفوان داودي ١/ ٣٦.\n(٢) \"البرهان\" ٢/ ٤١ ونص كلامه: \"وقسمه -أي النسخ- الواحدي أيضًا إلى نسخ ما ليس بثابت التلاوة كعشر رضعات، قال نسخ ما هو ثابت .... \".\n(٣) \"الوسيط في الأمثال\"، مقدمة المحقق ص ١٤.\n(٤) ضمن مخطوطات جامعة الملك سعود برقم (٢٤٢٩/ ٦/م)","vol":"1","page":91},{"text":"١٣ - \"إيضاح الناسخ والمنسوخ في القرآن\".\n١٤ - \"البيان لأسباب نزول القرآن\".\n١٥ - \"البسيط في الأمثال\".\n١٦ - \"الوجيز في الأمثال\".\n١٧ - \"المترجم المنيح في شرح كتاب الفصيح\".\n١٨ - \"نزهة الأنفس\"، أو\"زينة الأنفس\".\n١٩ - \"الحاوي في شرح المقصورة الدريدية\".\nهذا الكتب السبعة عدها الدكتور عفيف محمد عبد الرحمن في تحقيقه الوسيط في الأمثال - من كتب الواحدي، واستدل بورودها في ثنايا الوسيط على صحة نسبة الوسيط إلى الواحدي، وقال: \"إنها حقًّا له\" (١).\nولكن الصحيح أن شيئًا منها لا تثبت نسبته إلى الواحدي، ولا ذكره آحد ممن ترجموا له، فكيف تكون ثابتة له حقًّا. وبما أن الوسيط على الصحيح لا يثبت، ولم يقم دليل على نسبته للواحدي، فما استنبط منه من كتب، وما أحال إليه كاتب الوسيط من مؤلفاته ليست من مصنفات الواحدي.\n_________\n(١) مقدمة \"الوسيط في الأمثال\" ص ٢٠ وينظر: ص ٢٤٠ أيضًا.","vol":"1","page":92},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-53>المطلب الثامن: مكانته</span>\nالواحدي كغيره من العلماء المشهورين، الذين لهم مصنفات، ولهما آراء وأقوال اجتهدوا فيها، أصابوا في بعضها وجانبهم الصواب في البعض الآخر. وهذه طبيعة الإنسان فهو عرضة للخطأ، والكمال لله وحده، لذا فإن المكانة التي وصل إليها المؤلف في العلم والأدب تتجلى من خلال الأمور الآتية:\n١ - كثرة شيوخه الذين أخذ عنهم العلم، وتلقى منهم الحكمة والأدب، وطول باعهم، وعلو إسنادهم، وشهرتهم، وتلقي الأمة لهم بالقبول، وقد تقدم ذكر طرف منهم.\n٢ - كثرة تلاميذه والآخذين عنه، وما ذاك إلا لما كان عليه أبو الحسن الواحدي من علو الكتب في العلم، وتقدم المنزلة، وتنوع المعارف، وقد سبق التعريف ببعضهم.\n٣ - كتبه التي تشهد له بالتمكن والبسطة في العلم، وسعة المعرفة، حيث تداولها العلماء، وسارت بين الناس مسير الشمس، وشرَّقت بها الركبان وغرَّبت، وتنافس الطلاب على نسخها واقتنائها.\n٤ - ثناء أهل العلم المعاصرين واللاحقين، وتتابعهم على تزكيته ومدحه، والإشادة بجهوده، والتعريف بفضله وبيان تميزه، حتى قال فيه أحد معاصريه:\nقد جمع العالم في واحد ... عالمنا المعروف بالواحدي (١)\n_________\n(١) نقل ذلك الحسن بن المظفر النيسابوري المتوفى سنة ٤٤٢ هـ، -وهو معاصر للواحدي- كما في \"معجم الأدباء\" لياقوت الحموي ١١/ ٢٦٠.","vol":"1","page":93},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-54>المطلب التاسع</span>\nأقوال العلماء فيه، وما كتبه العلماء عن الواحدي ثناءً أو نقدًا له، والصواب من ذلك.\nولقد تناول العلماء الواحدي بالمدح والثناء لما له من المكانة العلمية ولما تركه من أثر لمن بعده، من مصنفات قيمة، ولم يسلم الواحدي من بعض الأخطاء التي تناولها العلماء من بعده بالبيان والنقد. وأذكر بعضا من أقوال العلماء في الجانبين:\nأما في جانب المدح والثناء عليه فقد أثنى عليه أكثر الذين ترجموا له بعبارات تدل على إمامته، وعلى مقدار ما وصل إليه من مكانة علمية عالية.\n١ - قال عبد الغافر صاحب السياق وهو من أقدم من كتب عن الواحدي: \"الإِمام المصنف المفسر النحوي، أستاذ عصره وواحد دهره وكان حقيقًا بكل احترام وإعظام\" (١).\n٢ - أما الذهبي إمام علماء التاريخ والرجال والتراجم والسير فقد مدحه بقوله: الإِمام، العلامة الأستاذ، إمام علماء التأويل، المفسر أحد من برع في العلم، وأنه كان رأسًا في العربية واللغات، طويل الباع في علم اللغة، وأنه واحد عصره في التفسير.\nوقال عنه -أيضًا -: \"تصدر للتدريس مدة وعظم شأنه .. \" (٢).\n_________\n(١) \"المنتخب من السياق\" (٣٨٧)، \"معجم الأدباء\" ١٢/ ٢٥٨ - ٢٦٠.\n(٢) ينظر: \"سير أعلام النبلاء\" ١٨/ ٣٣٩ - ٣٤١، و\"تاريخ الإِسلام\" ٣١/ ٢٥٨ - ٢٥٩، و\"العبر\" ٢/ ٣٢٤.","vol":"1","page":95},{"text":"٣ - وأثنى عليه ابن الأثير بأنه: إمام مفسر مشهور (١).\n٤ - وقال فيه الباخرزي صاحبه: مشتغل بما يعنيه، وإن كان استهدافه للمختلفة إليه يُعَنِّيه، وقد خبط ما عند أئمة الأدب من أصول كلام العرب خبْطَ عصا الراعي فروع الغَرَب، وألقَى الدلاء في بحارهم حتى نزفها، ومد البنان إلى ثمارهم إلا أن قطفها، وله في علم القرآن، وشرح غوامض الأشعار تصنيفات، بيديه لأَعِنَّتِها تصريفات (٢).\n٥ - ومدحه كل من: الوزير القفطي وابن خلكان والسبكي والإسنوي (٣) وابن الجزري (٤) بأنه واحد عصره في التفسير، بعد أن وصفوه بأنه الإِمام العلامة الكبير البارع في العلم، المصنف المفسر النحوي اللغوي، الأصولى الفقيه، صاحب الإسناد العالي، الشاعر، لذا تجد هذه العبارات تتردد في كتب الذين ترجموا له (٥).\n_________\n(١) \"الكامل\" ٨/ ١٢٣، و\"اللباب\" ٣/ ١٦٣.\n(٢) \"دمية القصر\" ٢/ ١٠١٧.\n(٣) عبد الرحيم بن الحسين بن علي جمال الدين، الإسنوي، إمام مبرز في الفقه والأصول والعربية، انتهت إليه رياسة الشافعية بمصر، من مؤلفاته: \"التمهيد في تخريج الفروع على الأصول\"، و\"نهاية السول في شرح منهاج الوصول\". توفي سنة ٧٧٢. ينظر: \"الدرر الكامنة\" ٢/ ٤٦٣ و\"البدر الطالع\" ١/ ٣٥٢.\n(٤) هو أبو الخير محمد بن محمد بن محمد بن علي بن يوسف الجزري إمام القراء في عصره، ولد بدمشق سنة ٧٥١ ثم اشتغل بجمع القراءات وإقرائها ودرس وأفتى وتولى القضاء ومن كتبه النشر في القراءات العشر، وغاية النهاية، وغيرها توفي سنة ٨٣٣. ينظر: \"مقدمة النشر\"، و\"الضوء اللامع\" ٩/ ٢٥٥ طبعة دار مكتبة الحياة.\n(٥) ينظر: \"إنباه الرواة\" ٢/ ٢٢٣، و\"وفيات الأعيان\" ٣/ ٣٠٣ و\"طبقات الشافعية\" ٥/ ٢٤٠ و\"طبقات الشافعية\" للإسنوي ٢/ ٥٣٩، و\"غاية النهاية\" ١/ ٥٢٣.","vol":"1","page":96},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-55>المآخذ عليه:</span>\nتلك هي عبارات الأئمة في الثناء على الإِمام الواحدي لكن الكمال في البشر عزيز،\nومن ذا الذي ترضى سجاياه ... كلها كفى المرء نبلًا أن تعد معايبه\nوقد قيل:\nمن ذا الذي ماساء قط ... ومن له الحسنى فقط\nومن هنا فإن الواحدي لم يسلم من انتقاداتٍ وجهت إليه من بعض العلماء في ثلاث قضايا، إليك خلاصتها:\nالأول: عدم السلامة من البدع، ذكرها شيخ الإِسلام ابن تيمية.\nالثانية: ضعف البضاعة في علم الحديث، ذكرها ابن الجوزي وشيخ الإِسلام ابن تيمية والكتاني (١)، وأشار إليها ابن الصلاح (٢).\nالثالثة: غمز الأئمة المتقدمين، ذكرها تلميذه عبد الغافر الفارسي، وأبو سعد السمعاني (٣).\nوسيتبين بعد البحث والمناقشة صحة النقد في الأوليين دون الثالثة:\n_________\n(١) أحمد بن جعفر بن إدريس أبو العباس الكتاني، من علماء القرويين، ولد بفاس سنة ١٢٩٣، كان واسع المعرفة بالحديث له ٧٠ كتابًا ورسالة، توفي بفاس سنة ١٣٤٠. ينظر: \"الأعلام\" للزركلي ١/ ١٠٨.\n(٢) عثمان بن عبد الرحمن صلاح الدين بن عثمان بن موسى الشهرزوري الكردي، أبو عمرو، تقي الدين المعروف بابن الصلاح حدث فقيه شافعي ولد سنة ٥٧٧ ومن كتبه: معرفة أنواع علم الحديث المعروف بمقدمة ابن الصلاح، ولاه الملك الأشرف التدريس بدار الحديث في دمشق وتوفي فيها سنة ٦٤٣. ينظر: \"وفيات الأعيان\" ١/ ٣١٢ و\"طبقات الشافعية\" ٥/ ١٣٧.\n(٣) سبقت ترجمته ص ٨١.","vol":"1","page":97},{"text":"وإليك البيان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-56>القضية الأولى: عدم السلامة من البدع، والبعد عن اتباع منهج السلف في الاعتقاد</span>.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"والثعلبي هو في نفسه كان فيه خير ودين، وكان حاطبَ ليل، ينقل ما وجد في كتب التفسير من صحيح وضعيف وموضوع، والواحدي صاحبه كان أبصر منه بالعربية، لكن هو أبعد عن السلامة واتباع السلف\" (١).\nوفي موضع آخر قال: وأما الواحدي فإنه تلميذ الثعلبي، وهو أخبر منه بالعربية، لكن الثعلبي فيه سلامة من البدع، وإن ذكرها تقليدًا لغيره (٢).\nوقال في منهاج السنة النبوية: والبغوي (٣) اختصر تفسيره من تفسير الثعلبي والواحدي، لكنهما أخبر بأقوال المفسرين منه، والواحدي أعلم بالعربية من هذا وهذا، والبغوي أتبع للسنة منهما (٤).\nوالناظر في كتب الواحدي يجد أنه على مذهب الأشاعرة في الاعتقاد وقد تقدم بيان ذلك وتفصيله في مبحث عقيدته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-57>القضية الثانية: ضعف البضاعة في علم الحديث</span>\nمعرفة الحديث وسماعه وروايته شيء، والدراية به وتمييز صحيحه من\n_________\n(١) \"مجموع الفتاوى\" ١٣/ ٣٥٤.\n(٢) \"مجموع الفتاوى\" ١٣/ ٣٨٦.\n(٣) هو الحسين بن مسعود بن محمَّد الفراء أو ابن الفراء، أبو محمَّد، ويلقب بمحيي السنة، البغوي، فقيه شافعي محدث مفسر، نسبته إلا بغا من قرى خراسان، من كتبه: تفسيره \"معالم التنزيل\" و\"شرح السنة\"، و\"مصباح السنة\"، توفي سنة ٥١٠ وقيل ٥١٦. ينظر: \"وفيات الأعيان\" ١/ ١٤٥، ومقدمة تفسيره.\n(٤) \"منهاج السنة\" ٧/ ٣١٢.","vol":"1","page":98},{"text":"سقيمه شيء آخر، وقد كان أبو الحسن الواحدي راويًا كثير السماع، من أصحاب الأسانيد العالية (١)، بيد أنه كان ضعيف العناية في علم الحديث، ينقل الضعيف والموضوع منها في كتبه دون بيان أو تنبيه؛ ولذا قال ابن الجوزي: وقد فرَّق هذا الحديث -يعني الحديث الموضوع في فضائل سور القرآن سورة سورة- أبو إسحاق الثعلبي في تفسيره فذكر عند كل سورة ما يخصها، وتبعه أبو الحسن الواحدي في ذلك، ولا أعجب منهما، لأنهما ليسا من أهل الحديث (٢).\nويقول شيخ الإسلام ابن تيمية: وهؤلاء -يعني الثعلبي والواحدي وأمثالهما- من عادتهم يروون ما رواه غيرهم، وكثير من ذلك لا يعرفون هل هو صحيح أم ضعيف؟، ويروون من الأحاديث الإسرائيليات ما يعلم غيرهم أنه باطل في نفس الأمر، لأن وظيفتهم النقل لما نقل، أو حكاية أقوال الناس، وإن كان كثير من هذا وهذا باطلًا، وربما تكلموا على صحة بعض المنقولات وضعفها، ولكن لا يطردون هذا ولا يلتزمونه (٣).\nويقول الكتاني: ولم يكن له -أي الواحدي- ولا لشيخه الثعلبي كبير بضاعة في الحديث، بل في تفسيرهما -وخصوصًا الثعلبي- أحاديث موضوعة وقصص باطلة (٤).\nوعندما ناقش كثير من العلماء بطلان حديث فضائل القرآن سورةً\n_________\n(١) ينظر: \"المنتخب من السياق\" ص ٣٨٧ و\"النجوم الزاهرة\" ٥/ ١٠٤، و\"إشارة التعيين\" ص ٢٠٩.\n(٢) \"الموضوعات\" ١/ ٢٣٩.\n(٣) \"منهاج السنة\" ٧/ ١٧٧.\n(٤) \"الرسالة المستطرفة\" ص ٥٩.","vol":"1","page":99},{"text":"سورةً أشاروا إلى من رووه في كتبهم من المفسرين، وبينوا خطأهم في ذكره وعدم بيان أمره (١)، قال ابن الصلاح: \"ولقد أخطأ الواحدي المفسر ومن ذكره من المفسرين في إيداعه تفاسيرهم\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-58>القضية الثالثة: غمزه الأئمة المتقدمين</span>\nليس في كتب الواحدي التي بين أيدينا، ولا في كلامه ما يدل على اتصافه بهذه التهمة، كما أني لم أر من أهل العلم من انتقد الواحدي بذلك عدا اثنين:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-59>أولهما: تلميذه عبد الغافر الفارسي</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-60>والثاني: أبو سعد السمعاني فيما نقله عنه الذهبي</span>.\nأما الأول فأبهم ولم يبين حيث قال: \" .... وكان حقيقًا بكل احترام وإعظام، لولا ما كان فيه من غمزه وإزرائه على الأئمة المتقدمين، وبسطه اللسان فيهم بغير ما يليق بما فيهم، عفا الله عنا وعنه\" (٣).\nوأما الثاني: ففي كلامه ما يدل عل نوع الغمز والمعني به، حيث نقل عنه الذهبي أنه قال: وكان -أي الواحدي- حقيقًا بكل احترام وإعظام، لكن كان فيه بسط اللسان في الأئمة المتقدمين، حتى سمعت أبا بكر أحمد بن محمد بن بشار بنيسابور مذاكرة يقول: \"كان علي بن أحمد الواحدي يقول: صنف أبو عبد الرحمن السلمي (٤) كتاب \"حقائق التفسير\"\n_________\n(١) ينظر: \"مجموع الفتاوى\" ١٣/ ٣٥٤ و\"منهاج السنة النبوية\" ٧/ ١٢، ٣١١، ٤٣٤، و\"تدريب الراوي\" للسيوطي ١/ ٢٨٩.\n(٢) \"مقدمة علوم الحديث \" لابن الصلاح ص ٤٨.\n(٣) نقله عنه ياقوت في \"معجم الأدباء\" ١٢/ ٢٦٠.\n(٤) هو محمد بن الحسين بن محمد بن موسى الأزدي السلمي، شيخ الصوفية في زمنه،=","vol":"1","page":100},{"text":"ولو قال: إن ذلك تفسير للقرآن لكفر به\" (١).\nقال الذهبي بعد هذا: صدق والله (٢). وقال في موضع آخر: الواحدي معذور مأجور (٣).\nإن هذه التهمة الموجهة لأبي الحسن الواحدي إن كانت بسبب كلمته تلك فما أصاب من أتهمه، ولقد عاد نقده عليه، وحارت التهمة إليه، فهذا الذهبي يعد تلك الكلمة منقبة للواحدي فيقول: \"وقد قال الواحدي كلمة تدل على حسن نقيته\".\nوذلك أن جماعة من الأئمة انتقدوا أبا عبد الرحمن السلمي في كتابه هذا، وبينوا غلطه فيما فعل، وحذروا من كتابه ومنهجه.\nفهذا ابن الجوزي يقول: وقد جمع أبو عبد الرحمن السلمي في تفسير القرآن من كلامهم -أي الصوفية- الذي أكثره هذيان لا يحل نحو مجلدين سماها: حقائق التفسير ..، ثم ذكر ابن الجوزي أمثلة مما جاء في الكتاب منها: \" .. قالوا: إنما سميت فاتحة الكتاب لأنها أوائل ما فاتحناك به من خطابنا، فإن تأدبت بذلك وإلا حُرمت لطائف ما بعد ... \"، \"وقال في قوله: ﴿وَإِن يَأتُوكُم أُسَرَى﴾ [البقرة: ٨٥]. \"قال أبو عثمان: غرقى في الذنوب،\n_________\n= له تصانيف كثيرة بلغت المائة أو أكثر، كتب الحديث بنيسابور وغيرها من البلاد، وهو حافظ زاهد لكن ليس بعمدة في الرواية، توفي سنة ٤١٢، ينظر: \"المنتخب من السياق\" ص ١٩ و\"لسان الميزان\" ٥/ ١٤٠.\n(١) \"تاريخ الإسلام\" ٣١/ ٢٦٠. وينظر \"سير أعلام النبلاء\" ١٨/ ٣٤٢، و\"طبقات الشافعية\" ٥/ ٢٤١.\n(٢) \"تاريخ الإسلام\" ٣١/ ٢٦٠.\n(٣) \"سير أعلام النبلاء\" ١٨/ ٣٤٢.","vol":"1","page":101},{"text":"وقال الواسطي: غرقى في رؤية أفعالهم، وقال الجنيد: أسارى في أسباب الدنيا تغدوهم إلى قطع العلائق .. \". ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى﴾ [النساء: ٣٦]: \"النفس .. \". \"وقال في قوله: ﴿فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا﴾ [الرعد: ٤٢]: قال الحسين: لا مكر أبين من مكر الحق بعباده حيث أوهمهم أن لهم سبيلا إليه بحال .... \"، قال ابن الجوزي: \"ومن تأمل معنا هذا علم أنه كفر محض، لأنه يشير إلى أنه كالهزء واللعب، ولكن الحسين هذا هو الحلاج وهذا يليق بذاك ... \"، ثم قال - بعد أن ذكر مثالا آخر: \"وجميع الكتاب من هذا الجنس ولقد هممت أن أثبت منه هاهنا كثيرا فرأيت أن الزمان يضيع في كتابه شيء بين الكفر والخطأ والهذيان .. \" (١).\nهذا كلام ابن الجوزي عن \"حقائق التفسير\" فماذا قال غيره، قال ابن تيمية في \"منهاج السنة\": \"وكذلك جعفر الصادق قد كُذِب عليه من الأكاذيب ما لا يعلمه إلا الله ... وحتى نسب إليه أنواع من تفسير القرآن على طريقة الباطنية، كما ذكر ذلك عنه أبو عبد الرحمن السلمي في كتاب \"حقائق التفسير\" فذكر قطعة من التفاسير التي هي من تفاسيره وهي من باب تحريف الكلم عن مواضعه وتبديل مراد الله تعالى من الآيات بغير مراده، وكل ذي علم بحاله يعلم أنه كان بريئًا من هذه الأقوال والكذب على الله في تفسير كتابه العزيز\" (٢).\nوتكلم عنه كذلك في الفتاوى حين سئل عن كلام الواحدي في \"حقائق التفسير\" فأجاب بالتفصيل والشرح، وتكلم عن كتاب السلمي بنحو\n_________\n(١) \"تلبيس إبليس\" ١/ ٤٠٣ وما بعدها.\n(٢) \"منهاح السنة النحوية في نقض كلام الشيعة والقدرية\" ٤/ ١٤٦.","vol":"1","page":102},{"text":"ما ذكر في \"منهاج السنة\" تركت نقله خشية الإطالة (١).\nوقال الذهبي في ذلك: \"ألف حقائق التفسير فأتى فيه بمصائب وتأويلات الباطنية نسأل الله العافية\" (٢). وقال: \"وفي \"حقائق تفسيره\" أشياء لا تسوغ أصلا، عدها بعض الأئمة من زندقة الباطنية، وعدها بعضهم عرفانا وحقيقة، نعوذ بالله من الضلال ومن الكلام بهوى .. \" (٣)، وقال: \"وحقائقه قرمطة وما أظنه يتعمد الكذب، بلى يروي عن محمد بن عبد الله الرازي الصوفي أباطيل وعن غيره .. \" (٤).\nبل نجد السبكي -وهو ممن نافح عن السلمي وحاول أن يدفع أقوال الذهبي (٥) - يقول: وكتاب \"حقائق التفسير\" المشار إليه قد كثر الكلام فيه من قبل أنه أقتصر فيه على ذكر تأويلات ومحال للصوفية ينبو عنها ظاهر اللفظ\" (٦).\nوبعد: فماذا سيقول الواحدي غير هذا في مثل هذا الكلام، وقد وافقه في ذلك أئمة وأعلام، ولقد أصاب الذهبي فإنه لما ذكر كلام الواحدي في السلمي قال: \"فهو معذور\" (٧)، وقال في موضع آخر: \"قلت: الواحدي معذور مأجور .. \" (٨)، ويتضح بهذا أن المقولة على الواحدي: أن فيه بسط اللسان في الأئمة لا تقوم لها حجة ولا مستند.\n_________\n(١) \"مجموع الفتاوى\" ١٣/ ٢٣١، ٢٤٠، ٢٤٢.\n(٢) \"تذكرة الحفاظ\" للذهبي ٣/ ١٠٤٦.\n(٣) \"سير أعلام النبلاء\" ١٧/ ٢٥٢.\n(٤) \"سير أعلام النبلاء\" ١٧/ ٢٥٥.\n(٥) انظر كلامه في \"طبقات الشافعية\" ٣/ ٦٢.\n(٦) \"طبقات الشافعية\" ٣/ ٦٢.\n(٧) \"سير أعلام النبلاء\" ١٨/ ٣٤١.\n(٨) \"سير أعلام النبلاء\" ١٨/ ٣٤٢.","vol":"1","page":103},{"text":"ولقد حاول مؤلف \"الواحدي ومنهجه في التفسير\" أن يدافع عن أبي عبد الرحمن السلمي، بل يدافع عن منهج الصوفية في التفسير، وأصدر حكمه على الواحدي بقوله: \"والواحدي متجن في حكمه -أيضا- لأن أبا عبد الرحمن لم يدع أن الظاهر غير مراد. ومن ثم كان موقف الواحدي من التفسير الصوفي من المآخذ التي تؤخذ عليه ... \" (١). أقول بل هي من المآثر التي تحتسب له، كيف وقد وافقه جهابذة من العلماء ممن يتحرون في منهجنهم مسلك السلف الصالح من هذه الأمة.\nوإذا تبينت حقيقة كتاب السلمي بذلك فما على الواحدي في كلامه من معتب، وكلامه فيه إنما هو بحق وعدل، وهو عين النصح لكتاب الله ﷿، لا يسع الواحدي ولا غيره أن يكتم ما علمه من ذلك الكتاب، إبراءً للذمة ونصحًا للأمة، وقد قال الله ﷿: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ [آل عمران: ١٨٧].\n_________\n(١) الواحدي ومنهجه في التفسير ص ٤٠٠.","vol":"1","page":104},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-61>المبحث الثاني\nالأوضاع السياسية في عصر المؤلف وأثرها على الناحية العلمية</span>\nإن للأوضاع السياسية التي تحيط بالعالم أكبر الأثر على حياته، وعلى نوع التربية التي تشكل أنماط حياته، وعلى الأفكار والعقائد السائدة في عصره، ومن ثم على حصيلته وإنتاجه العلمي، لهذا لا بد قبل دراسة منهج أي عالم من العلماء من التعرف على الأوضاع السياسية التي كانت سائدة في عصره.\nلقد عاش المؤلف في القرن الخامس الهجري (٣٩٥ هـ تقريبًا - ٤٦٨ هـ) ولهذه الفترة سمة خاصة في تاريخ الخلافة العباسية .. لذلك نجد كثيرًا من الدارسين لها يقسمونها إلا قسمين (١):\nالعصر العباسي الأول، والعصر العباسي الثاني.\nفإذا كانت أبرز سمات العصر العباسي الأول: القوة والاستقرار والتقدم الحضاري بشتى أنواعه كما تظهر ذلك الدراسات عنه، فما هي سمات العصر العباسي الثاني؟ لا أستطيع أن ألم بذلك في هذا المختصر، وإنما أبرز أهم السمات وخصوصا ما يمس البيئة القريبة من المؤلف.\nإن السمة الرئيسية للعصر العباسي الثاني هي: ضعف الدولة العباسية وتفككها الذي ترتب عليه تفرق وحدة الأمة، وقد أدرك المؤلف ثلاثة من خلفاء بنى العباس وهم:\n\n١ - القادر بالله: أبو العباس، أحمد بن إسحاق بن جعفر المقتدي بالله\n_________\n(١) كما فعل الدكتور حسن إبراهيم حسن في \"تاريخ الإسلام السياسي\" الجزء الثاني والثالث.","vol":"1","page":105},{"text":"العباسي (١) وكانت ولايته من عام ٣٨١ إلى عام ٤٢٢ وقد أدرك المؤلف من خلافته قرابة الثلاثين عامًا.\n٢ - القائم بأمر الله: عبد الله بن الخليفة القادر بالله (٢) وكانت ولايته من وفاة أبيه ٤٢٢ إلى سنة ٤٦٧. وقد أدرك المؤلف من خلافته قرابة الأربعين عامًا.\n\n٣ - المقتدي بأمر الله: أبو القاسم عبد الله بن محمد، حفيد القائم بأمر الله (٣)، وكانت ولايته من عام ٤٦٧ إلى عام ٤٨٧ ولم يدرك المؤلف من خلافته إلا عامًا واحدًا.\nوفي عصر هؤلاء ضعف أمر الخليفة، ولم يكن له إلا ذكر اسمه في الخطبة، ونقش اسمه على السكة، وإنما الدولة وتصريف الأمور بيد الدويلات الحاكمة المستحوذة التي تملك القوة والنفوذ، وكانت تلك أهم سمات ذلك العصر، فالتفرق سائد، والتناحر قائم (٤).\n_________\n(١) ولد ﵀ سنة ٣٣٦، كان دينًا عالمًا وقورًا، يحب الخير وأهله، ويأمر به، ويبغض الشر وأهله، وكان حسن الاعتقاد، وصنف كتابًا فيه، وكان من أحسن الخلفاء سيرة، وأطولهم مدة في الخلافة توفي سنة ٤٢٢. ينظر: \"تاريخ بغداد\" ٤/ ٣٧ و\"المنتظم\" ٧/ ١٦٠ و\"الكامل\" ٧/ ٣٥٤ و\"سير أعلام النبلاء\" ١٥/ ١٢٧.\n(٢) ولد -﵀- سنة ٣٩١، وكان دينًا ورعًا متصدقًا، له يد في الكتابة والأدب، وفيه عدل وسماحة، وإحسان إلى الناس، وهو من خير بني العباس دينًا واعتقادًا ودولة. توفي سنة ٤٦٧. ينظر: \"تاريخ بغداد\" ٩/ ٣٩٩، و\"المنتظم\" ٨/ ٢٩٥ و\"الكامل\" ٨/ ١٢٠، و\"سير أعلام النبلاء\" ١٥/ ١٣٨.\n(٣) ولد -﵀- سنة ٤٤٨، وتولى الخلافة بعهد من جده، وكان حسن السيرة، آمرًا بالمعروف، ناهيًا عن المنكر، أمر بنفي الخواطىء والمغنيات من بغداد، وكان فيه ديانة وقوة وعلو همة، وهو من نجباء بني العباس. توفي سنة ٤٨٧. ينظر: \"المنتظم\" ٨/ ٢٩١، و\"الكامل\" ٨/ ١٧٠، و\"سير أعلام النبلاء\" ٨/ ٣١٨.\n(٤) تعدّ هذِه الفترة جزءًا من العصر العباسي الثاني، والذي يمتد من عام ٢٤٧ إلى =","vol":"1","page":106},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-62>أهم مظاهر هذا العصر</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-63>أولًا: تعدد الخلافة:</span>\nلقد ظلت عاصمة الدولة في القرون الثلاثة الأولى واحدة هي: المدينة أو دمشق أو بغداد، وهي المركز الذي تصدر منه التوجيهات والأوامر ولا يستطيع أحد من الولاة مخالفتها، ولا شك أن هذا مصدر قوة الأمة إذ إن قوتها في وحدتها، لكن في هذِه الفترة اختلفت الأمور عما سبقها فأصبح هناك عدد من الخلفاء، فبالإضافة للخليفة العباسي في بغداد وجد خليفة في الأندلس حيث تلقب عبد الرحمن الناصر الأموي (٣٠٠ - ٣٥٠ هـ) بأمير المؤمنين (١) لما رأى ضعف الخليفة العباسي في بغداد.\n_________\n= سقوط الدولة ٦٥٦. ومن أهم ما يميز هذِه المرحلة:\n١ - ضعف الخلفاء، وسيطرة العسكريين على مركز الخلافة.\n٢ - نشوء دويلات كثيرة، نتيجة بروز قادة استقلوا عن مناطقهم، واعترف بهم الخليفة.\n٣ - ظهور نتائج الحضارة الإسلامية السابقة لهذا العصر، على شكل علوم وعمران ورفاهية وترف.\n٤ - قيام حركات ادعاء النسب الهاشمي والحركات الباطنية.\n٥ - الغزو الصليبي لبلاد المسلمين.\n٦ - الغزو المغولي، والقضاء على الخلافة العباسية عام ٦٥٦. ينظر: \"الدولة العباسية\" لمحمود شاكر ٧/ ٤٢ وما بعدها\n(١) هو عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله، أبو المطرف الأموي المرواني وُلد سنة سبع وسبعين ومائتين، قتل أبوه وهو ابن عشرين يومًا، وولي الخلافة بعد جده بحضرة جماعة من أعمامه فلم يعترض عليه معترض واستمر له الأمر وقام ببناء مدينة الزهراء في أول سنة خمس وعشرين وثلاثمائة وافتتح سبعين حصنًا ثم توفي سنة خمسين وثلاثمائة. انظر: \"سير أعلام النبلاء\" ٨/ ٣٦٥ (٦٢)، \"البداية والنهاية\" ١١/ ٢٣٨.","vol":"1","page":107},{"text":"وكَذلك لقب عبيد الله المهدي الفاطمي بأمير المؤمنين (٢٩٦ - ٣٢٢ هـ) وكانت دولة الفاطميين في مصر والمغرب (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-64>ثانيًا: ظهور دول إقليمية:</span>\nعلى الرغم من أن الخليفة العباسي في بغداد كانت رقعة خلافته أوسع الرقع، إلا أنه ليس له من الخلافة إلا الاسم، وإنما تدار أمور الدولة بيد أمراء إقليميين، وقد وصل الأمر ببعض هؤلاء الأمراء إلى إنشاء دولة داخل الخلافة وإخضاع الخليفة العباسي لنفوذهم (٢) كما فعل البويهيون والسلاجقة، وهذِه لمحة موجزة عن ثلاث من تلك الدول؛ لأنها من أكبر الدول الإقليمية التي ظهرت في هذه المرحله من العهد العباسي؛ ولقربها من بيئة المؤلف التي نتحدث عنها:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-65>١ - البويهيون </span>(٣):\nوهم من الروافض الغالين، وقد اختلف في أصلهم ونسبهم كما ذكر\n_________\n(١) انظر: \"البداية والنهاية\" ١١/ ١٧٩، و\"تاريخ الإسلام السياسي\" للدكتور حسن ابراهيم حسن ٣/ ١٦١.\n(٢) انظر: \"البداية والنهاية\" ١١/ ٢١٢، و\"تاريخ الإسلام السياسي\" للدكتور حسن إبراهيم حسن ٣/ ٢٨، و\"التاريخ السياسي والفكري للمذهب السني في المشرق الإسلامي\" للدكتور عبد المجيد أبو الفتوح ص ١٨، ١٩.\n(٣) تنسب هذِه الدولة إلى أبناء بويه بن فناخسرو الديلمي الثلاثة: عماد الدولة أبو الحسن علي، وركن الدولة أبو علي الحسن، ومعز الدولة أبو الحسن أحمد، وقد التحق هؤلاء الإخوة في جيش الديلم، وترقَّوا حتى أصبحوا من قواد الجيش، وعظم شأنهم، حتى تملكوا بلاد فارس وهمدان والري وأصبهان وغيرها، بدأ نفوذهم عام ٣٢٠، وأسسوا دولة منفصلة عن الدولة العباسية، واكتمل سلطانهم عل مساحة شاسعة من أملاك الدولة العباسية، وطلبوا من الخليفة العباسي الاعتراف بهم، فتم لهم ذلك، ثم كاتب قواد بغداد معز الدولة، وطلبوا منه =","vol":"1","page":108},{"text":"ذلك ابن الأثير (١)، وابن كثير (٢). وقد بدأ أمرهم يظهر في سنة (٣٢١ هـ) واشتهر منهم ثلاثة إخوة: عماد الدولة أبو الحسن علي، وركن الدولة أبو علي الحسن ومعز الدولة أبو الحسن أحمد أولاد أبي شجاع بن بويه، وكان بداية قيام دولتهم بدخول معز الدولة أحمد بن الحسن بغداد سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة.\nكان البويهيون من الشيعة المتعصبة فلما دخل معز الدولة بغداد قبض على الخليفة المستكفي وسمل عينيه وعيَّن المطيع لله بدلا منه، قال ابن كثير: وضعف أمر الخلافة جدًا حتى لم يبق للخليفة أمر ولا نهي ولا وزير -أيضًا- إنما يكون له كاتب على إقطاعه، وإنما الدولة ومورد المملكة ومصدرها راجع إلى معز الدولة، لأن بني بويه ومن معهم من الديلم كان فيهم تعسف شديد .. (٣).\n_________\n= المسير إليهم، فدخل بغداد عام ٣٣٤، وقابله الخليفة المستكفي، وخلع عليه، ولقبه، ولقب أخويه، وأصبح لبني بويه بعد ذلك مطلق التصرف في العراق. وفي عهد عضد الدولة بن ركن الدولة بلغوا أقصى درجات السلطان، وبعد وفاته دبت الحروب بين أبنائه الثلاثة، واستمرت بين أخلافهم، حتى دمرتهم جميعًا، وكانت نهايتهم على يد السلاجقة سنة ٤٤٧. وبنو بويه شيعة حاقدون متعصبون، أتوا بأفعال منكرة، وطامات عجيبة. ينظر: \"الكامل\" لابن الأثير ٦/ ٢٣٠، و\"العبر\" ٢/ ١٣، ٤٦، ٢٨٩، و\"البداية والنهاية\" ١١/ ١٧٧، و\"تاريخ الإسلام السياسي\" ٣/ ٣٦ - ٣٧.\n(١) \"الكامل في التاريخ\" ٦/ ٢٣٠.\n(٢) \"البداية والنهاية\" ١١/ ١٧٣، وانظر \"تاريخ الإسلام السياسي\" للدكتور حسن إبراهيم ٣/ ٣٩.\n(٣) \"البداية والنهاية\" ١١/ ٢١٢.","vol":"1","page":109},{"text":"وبقيمت دولتهم إلى أن سقطت على أيدي السلاجقة سنة (٤٤٧ هـ) وهم من أهل السنة فقضوا على دولة بني بويه (١) الرافضية، وخلص الله بهم الأمة من شر البويهيين.\nوكان للرافضة في عهدهم صولة وقوة. ذكر ابن كثير أنه في سنة إحدى وخمسين وثلاثمائة كتبت الروافض على أبواب المساجد لعن بعض الصحابة. قال: وبلغ ذلك معز الدولة ولم ينكره، .. قبحه الله وقبح شيعته .. (٢).\n\nوهذا في المشرق، فأما المغرب فبرز فيه حدثان:\n\nالأول: قيام دولة العبيديين (٣) التي ادعت الخلافة وناوأت الخلافة\n_________\n(١) انظر: \"تاريخ الإسلام السياسي\" للدكتور حسن إبراهيم ٣/ ٦٧، ٦٨.\n(٢) \"البداية والنهاية\" ١١/ ٢٤٠.\n(٣) مؤسس الدولة عبيد الله بن محمد المهدي وإليه تنسب الدولة، وكان أبوه قد نشر الدعوة الفاطمية في بلاد اليمن ومصر والمغرب وغيرهما، وواصل الابن طريق والده، ووسع نفوذه حتى قبض عليه اليسع بن مدرار أمير سلجماسة وسجنه، ثم واصل قائده أبو عبد الله الشيعي طريقه، حتى أزال دولة الأغالبة سنة (٢٩٦)، ثم سار إلى سلجماسة، فهرب حاكمها، فأطلق عبيد الله المهدي، وبايعوه، وتلقب بخليفة المسلمين، وهكذا استطاع القضاء على ملك الأغالبة، وآل رستم، والأدارسة، ودان له الشمال الإفريقي، واتخذ القيروان عاصمة ملكه، وفي سنة (٣٥٨) تمكن القائد الفاطمي جوهر الصقلي من الاستيلاء على مصر سلمًا، وبنى القاهرة والجامع الأزهر، ثم اتخذ المعز لدين الله الفاطمي القاهرة عاصمة لبلاده، سنة ٣٦٢، وامتدت بلادهم في فترة ازدهارهم، من نهر العاصي بالشام إلى حدود مراكش، ومن السودان إلى آسيا الصغرى، وقضى عليهم صلاح الدين الأيوبي، ومات العاضد آخر حكامهم سنة ٥٦٧، وقد ادعى عبيد الله المهدي أنه فاطمي من ذرية جعفر الصادق، والمحققون على أنه دعي، بل كان جده مجوسيًا، وكان هو =","vol":"1","page":110},{"text":"العباسية، وكادت تقضي عليها بعد أن زاحمتها في مواقع نفوذها، وانتسبت ظلمًا وزورًا لآل البيت، ونسل فاطمة الزهراء، وتسمت بالدولة الفاطمية، وانبث دعاتها في أطراف البلاد، واستمالوا أمراء البلدان، حتى خطب لهم بالإضافة إلى مصر والمغرب في بلاد كثيرة، كاليمن والشام والحجاز وفي أجزاء من العراق، بل خطب لهم في دار الخلافة (بغداد)، سنة (٤٥٠) عامًا كاملًا (١).\n\nالثاني: زوال دولة الأمويين في الأندلس عام (٤٢٢) (٢) وظهور ما\n_________\n= باطنيًا خبيثًا حريصًا على إزالة دولة الإسلام، أعدم العلماء ليغوي الخلق، وجاء أولاده على أسلوبه، فأباحوا الخمور والفروج، وأشاعوا الرفض، كما ذكر الباقلاني. وقال القاضي عياض: أجمع العلماء بالقيروان أن حال بني عبيد حال المرتدين والزنادقة، وقال الذهبي: كان العبيديون على ملة الإسلام شرًّا من التتر. ولم يعدَّهم السيوطي في تاريخ الخلفاء لعدم صحة إمامتهم. انظر: \"سير أعلام النبلاء\" ١٥/ ١٤١ (٦٥)، و\"البداية والنهاية\" لابن كثير ١١/ ٢٦٦.\n(١) وكان ذلك في فتنة البساسيري عام ٤٥٠، ينظر في تفاصيل ذلك: \"تاريخ بغداد\" ٩/ ٤٩٩ و\"المنتظم\" ٨/ ١٩٠ و\"الكامل\" ٨/ ٨٢ و\"البداية والنهاية\" ١٢/ ٧٦.\n(٢) هي أول دولة تنفصل عن جسم العالم الإسلامي، أسسها عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك الأموي، فر من العباسيين، ودخل الأندلس فلقب بالداخل، استتب له الأمر عام ١٣٨، بعد معارك حامية مع يوسف الفهري، وأرسل له أبو جعفر المنصور عدة جيوش للقضاء عليه، فلم يتمكن، ولقبه: صقر قريش إعجابًا به، ثم حاول المهدي قتاله فلم يفلح، فتركوه وشأنه، ومات سنة ١٧٢، ومن أبرز حكامها: عبد الرحمن الناصر (الثالث)، حكم من ٣٠٠ - ٣٥٠، وكانت له انتصارات عظيمة على ممالك النصارى، وفي عام ٣٦٦ آل الأمر إلى الحاجب المنصور العامري، لضعف بني أمية، وكان قويًا، غزا خمسين مرة، ولم يهزم قط، وهابه ملوك أوروبا، ثم توفي عام ٣٩٢، فتولى ابنه عبد الملك، وكان كأبيه، ثم أخوه عبد الرحمن، وكان ضعيفًا، فقتل عام ٣٩٩، ثم عادت السلطة لبني أمية، =","vol":"1","page":111},{"text":"يسمى بـ (دول الطوائف) (١)، فمنهم من انحاز إلى العباسيين، ومنهم من بقي على ولاء الأمويين، مع زوال ملكهم وذهاب دولتهم.\nقال الذهبي (٢): \"وفي الأربع مائة وبعدها كانت الأندلس تغلي\n_________\n= وكانوا ضعفاء متناحرين، فسقطوا عام ٤٢٢، وتفككت دولهم إلى إمارات الطوائف. ينظر: \"في الأدب الأندلسي\" لجودت الركابي ص ٢١ و\"موجز التاريخ الإسلامي\" للعسيري ص ١٨٤.\n(١) بعد ضعف الأمويين واستبداد العامريين بالسلطة، بدأ أمراء الطوائف يستقلون بالإمارات التي يحكمونها، فعُرفوا بملوك الطوائف، وانقسموا أكثر من (٢٠ دويلة)، وقد امتلأ عهد ملوك الطوائف بالفوض والفتن، وأهم تلك الدويلات:\nالدولة الزيرية في (غرناطة) (٤٠٣ - ٤٨٣)، والدولة الحمودية في (قرطبة ومالقة) (٤٠٥ - ٤٠٧)، وهم شيعة، والدولة الهودية في (سرقسطة) (٤١٠ - ٥٣٦)، والدولة العبادية في (إشبيلية) (٤١٤ - ٤٨٤)، وهي أشهر تلك الدول وأقواها، وكانت تلك الدول متناحرة، حتى بلغ الأمر ببعضهم أن استنجد بالنصارى على إخوانه، ودامت مائة سنة، وقد استطاع ملوك الأسبان أن يجمعوا كلمتهم، فأخذوا يبتلعون تلك الإمارات واحدة واحدة، حتى بلغوا أعظمها وهي إشبيلية، فطلب حاكمها المعتمد بن عباد النجدة من يوسف بن تاشفين أمير دولة المرابطين في المغرب، الذي قدم فهزم النصارى في موقعة الزلاقة، عام ٤٧٩، ووحد الأندلس تحت حكم المرابطين. ينظر: \"في الأدب الأندلسي\" لجودت الركابي ٢٣ - ٢٥ و\"موجز التاريخ الإسلامي\" ص ٢٢٨.\n(٢) هو شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي، الحافظ الكبير، مؤرخ الإسلام، وشيخ المحدثين، ولد سنة ٦٧٣ من أسرة تركمانية الأصل، وولاؤها لبني تميم، تلميذ الحافظ المزي، وشيخ الإسلام ابن تيمية، له مؤلفات كثيرة في الحديث والتاريخ والرجال، مثل: \"تاريخ الإسلام\"، و\"سير أعلام النبلاء\" و\"تذكرة الحفاظ\"، وغيرها، توفي سنة ٧٤٨. ينظر: \"طبقات الشافعية\" ٩/ ١٠٠ و\"مقدمة سير أعلام النبلاء\".","vol":"1","page":112},{"text":"بالحروب والقتال على الملك\" (١) وتظاهر ملوك تلك الدول بمظاهر الخلفاء، وتلقبوا بألقابهم، وفيهم قال الشاعر (٢):\nمما يزهدني في أرض أندلس ... تلقيب معتضد فيها ومعتمد\nألقاب مملكة في غير موضعها ... كالهر يحكي انتفاخًا صولة الأسد\nوكان تفرقهم وتقاتلهم وبغي بعضهم على بعض مطمعًا للنصارى المجاورين لهم، الذين رأوا الفرصة سانحة في ظل غياب الخلافة، وتفرق الدولة، خصوصًا بعد أن استعان بهم بعض أولئك الملوك على إخوانهم، فانقض النصارى على تلك الدول، وأسقطوها واحدة تلو الأخرى، وجرى للإسلام والمسلمين على أيديهم ما يجل عن الوصف، ويندى له جبين الحر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-68>١ - الدولة الغزنوية:</span>\nكانت خراسان وبلاد ما وراء النهر تحت حكم الدولة السامانية (٣)\n_________\n(١) \"سير أعلام النبلاء\" ١٥/ ١٧٧.\n(٢) هو أبو علي الحسن بن رشيق القيرواني، ينظر: ديوانه ص ٥٩، وقيل: هما لشاعر الأندلس: محمد بن عمار. ينظر: \"نفح الطيب\" ١/ ٢١٣.\n(٣) تنسب لـ\"سامان خداه\" وهو فارسي، أسلم على يد أسد بن عبد الله القسري، والي خراسان في أواخر عهد الأمويين، واشتهر من السامانيين: نصر بن أحمد، الذي ولاه الخليفة المعتمد سائر بلاد ما وراء النهر، ومن ثم تأسست الدولة السامانية، ثم توفي سنة ٢٧٩، خلفه أخوه إسماعيل الذي استطاع أن يضم إلى سلطانه بلاد خراسان وغيرها، وقد بقي الملك في أبناء إسماعيل، حتى زالت دولتهم سنة ٣٨٩، على يد الغزنويين في خراسان، وعلى يد أيلك خان ملك الترك في بلاد ما وراء النهر. ينظر: \"تاريخ بخاري\" للنرشخي ص ١٠٥، و\"المنتظم\" ٧/ ٢٠٢، و\"الكامل\" ٦/ ٣ و\"العبر\" ٢/ ١٧٣، و\"تاريخ الإسلام السياسي\" ٣/ ٧١ - ٨٢.","vol":"1","page":113},{"text":"التي قال فيها ابن الأثير (١): وكانت دولتهم قد انتشرت، وطبقت كثيرًا من الأرض، من حدود حلوان إلى بلاد الترك بما وراء النهر، وكانت من أحسن الدول سيرة وعدلًا، وكانت نهايتها عام (٣٨٩) على يد الدولة الغزنوية، التي بدأ ظهورها عام (٣٥١)، على يد (ألْبتِكِين)، أحد موالي الدولة السامانية الآنفة الذكر، حيث استولى هذا المولى على غزنة وبعض أعمالها، وأقام إمارة مستقلة عن الدولة السامانية، وقد حاربه السامانيون ليردوا ما معه إلى ملكهم، لكنه تغلب على جيشهم، بيد أنه لم يُمَكن، حيث توفي عام (٣٥٢) ولم يوطد ملكه، فخلفه ابنه الذي ثار عليه أهل غزنة، فاستعان بالسامانيين الذين أمدوه بجيش تمكن به من استرداد غزنة، وحكمها باسم السامانيين، ثم لم يلبث أن توفي، فورثه أحد موالي أبيه (٢) الى أن آل الأمر عام (٣٦٦) إلى رجل يقال له: \"سُبُكْتِكين\" مولى تركي لـ\"ألبتكين\" الآنف الذكر، وكان تابعًا للسامانيين بالاسم، قال ابن الأثير: \"وكان عادلًا خيرًا كثير الجهاد، ذا مروءة تامة وحسن عهد (٣).\nوقال الذهبي: وكان فيه عدل وشجاعة، ونبل مع عسف، وكونه كَرَّاميًا (٤).\n_________\n(١) علي بن محمد بن عبد الكريم بن عبد الواحد الشيباني الجزري أبو الحسن، عز الدين بن الأثير، المؤرخ الإمام الأريب، ولد عام (٥٥٥)، من كتبه: \"الكامل في التاريخ\" و\"أسد الغابة في معرفة الصحابة\"، و\"اللباب\" توفي سنة (٦٣٠). ينظر: \"وفيات الأعيان\" ١/ ٣٤٧، و\"طبقات الشافعية\" ٥/ ١٢٧.\n(٢) ينظر: \"الكامل\" ٧/ ٥ و\"تاريخ الإسلام السياسي\" ٣/ ٨٥ و\"تاريخ الإسلام في جنوب آسيا في العصر التركي\" ص ٣٧ - ٣٩.\n(٣) \"الكامل\" ٧/ ١٨٨.\n(٤) \"سير أعلام النبلاء\" ١٥/ ٥٠٠. والكرامية: هم أصحاب أبي عبد الله محمد بن كرَّام =","vol":"1","page":114},{"text":"ثم جرت بين سُبكْتكين وملوك الهند حروب عظيمة، استولى على إثرها على أجزاء من بلادهم، وفرض عليهم الجزية، ولنفوذه وقوة سلطانه استعان به السامانيون عام (٣٨٤) للقضاء على بعض القواد الذين ثاروا عليهم بنيسابور وغيرها، فتمكن من إعادتها إليهم، ولأجل ذلك ولَّوه خراسان، وسموه: ناصر الدولة (١).\nوفي عام (٣٨٧) توفي سُبُكْتكين، وخلفه ابن ضعيف التدبير، يقال له إسماعيل، وفي عام (٣٨٨) خرج عليه أخوه محمود (٢)، وهو أكبر منه، فدار بينهما قتال، حتى آل الأمر إليه. واستقر ملك الغزنويين لـ\"محمود\"، الذي تمكن أيضًا من سحق جيش السامانيين، واستولى على خراسان، واستقر ملكه بها، وأزال عنها اسم السامانية، وخطب للخليفة القادر بالله، ولقبه الخليفةُ \"يمين الدولة وأمين الملة\"، وخلع عليه خِلَع السلطنة (٣).\n_________\n= أصله من سجستان، جاور خمس سنين ثم ورد نيسابور، أحدث مذهبًا تبعه عليه عالم لا يحصون بنيسابور وهراة ونواحيها، ومذهبه هذا مشهور في التشبيهه والتجسيم. ينظر: \"الملل والنحل\" ١/ ١٠٨ و\"الفرق بين الفرق\" ص ١٣١.\n(١) ينظر: \"تاريخ العتبي\" ١/ ٥٨ - ٨٩، و\"الكامل\" ٧/ ٨٥ - ٨٧.\n(٢) هو السلطان المجاهد فاتح الهند، أبو القاسم محمود بن سبكتكين، ولد سنة ٣٦١، وتملك سنة ٣٨٨، وكان دينًا كثير الغزو، وفتوحه مشهورة، وكان مائلًا إلى السنة، إلا أنه كان كراميًّا، كما كان إلبًا على الرافضة والإسماعيلية والجهمية والمعتزلة والمشبهة وعامة المبتدعة، وقتل منهم جماعة، ونفى آخرين، وأمر بلعنهم على المنابر. توفي سنة ٤٢١، بعد مرض. ينظر: \"المنتخب من السياق لتاريخ نيسابور\" ص ٤٤٦، و\"المنتظم\" ٨/ ٥٢، و\"الكامل\" ٧/ ٢٤٦، و\"سير أعلام النبلاء\" ١٧/ ٤٨٣ - ٤٩٥.\n(٣) ينظر: \"تاريخ العتبي\" ١/ ٣١٧ و\"الكامل\" ٧/ ١٩٦ و\"سير أعلام النبلاء\" ١٧/ ٤٨٥.","vol":"1","page":115},{"text":"وقد اتسعت الدولة الغزنوية في عهد محمود، ووفقه الله في فتح بلاد واسعة، وفرض على نفسه غزو الهند كل سنة، وأقام فيها بدلًا عن بيوت الأصنام مساجدَ الإسلام، وعن مشاهد البهتان معاهد التوحيد والإيمان (١). ولم يزل كذلك -﵀- حتى توفي سنة (٤٢١)، وتولى بعده الملكَ ابنه محمد الذي لم يدم ملكه إلا أشهرًا (٢)، إذ قبض عليه أخوه \"مسعود\" (٣)، وتمكَّن من الملك، وتابع غزوَ الهند، ودانت له ممالك كثيرة، وجرت له مع السلاجقة حروب حتى هزموه بعد اضطراب جنده، وأخذوا منه خراسان سنة (٤٣١)، فأقام بغزنة، وقتل في طريقه إلى الهند عام (٤٣٢) (٤).\nوقد بقيت الدولة الغزنوية فني غزنة وأعمالها والهند إلى أن زالت دولتهم عام (٥٤٣) كما ذكر ابن الأثير -﵀- (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-69>٢ - الدولة السلجوقية:</span>\nتنسب هذه الدولة إلى سلجوق بن دقاق، أحد رؤساء الأتراك، وكان قائدا لجيش ملك الترك، فأُغري بقتل سلجوق، فلجأ مع من أطاعه إلى دار\n_________\n(١) ينظر: \"تاريخ العتبي\" ١/ ٣١٧ و\"المنتظم\" ٨/ ٥٣.\n(٢) ينظر: \"الكامل\" ٧/ ٣٤٦.\n(٣) هو السلطان الناصر لدين الله ظهير خليفة الله مسعود، كان كريمًا شجاعًا، كثير البر والإحسان، وكان ملكه عظيمًا فسيحًا، وعمر كثيرًا من المساجد، وصنف في دولته ومناقبه: \"تاريخ أبي الفضل البيهقي\"، وهو مطبوع، وقد مات مقتولًا عام ٤٣٢. ينظر: \"الكامل\" ٨/ ٢٧ و\"سير أعلام النبلاء\" ١٧/ ٤٩٥ و\"البداية والنهاية\"\n(٤) ينظر: \"المنتظم\" ٨/ ١٠٧ و\"الكامل\" ٨/ ٢٦.\n(٥) ينظر. \"الكامل\" ٩/ ٣٥ وقد قيل: إن زوالها عام (٥٨٢).","vol":"1","page":116},{"text":"الإسلام، وازداد حاله علوًا، وأقام بنواحي \"جَنْد\"، وأدام غزو الكفار، ثم خلفه ابنه ميكائيل، الذي استشهد في بعض بلاد الكفار، وخلف ثلاثة من الولد، فأطاعهم عشائرهم، وهم الذين قامت على أيديهم الدولة (١)، أشهرهم: \"طغرلبك محمد\" (٢)، وهو الذي هزم جيش الدولة الغزنوية سنة (٤٣١)، وسار طغرلبك إلى نيسابور فدخلها، واستولى السلاجقة حينئذٍ على بلاد خراسان، وأخذوها من الغزنويين، ثم واصلوا زحفهم حتى أستولوا على أكثر بلاد فارس، وطردوا عنها بني بويه، وعندما استنجد الخليفة القائم بأمر الله بطغرلبك -كما تقدم- سار إليه ودخل بغداد سنة (٤٤٧)، وأزال دولة بني بويه، وحوى نفوذ السلاجقة بغداد والعراق أيضًا (٣).\nوفي سنة (٤٥٥) توفي طغرلبك، وخلفه ابن أخيه: ألب أرسلان (٤)،\n_________\n(١) ينظر: \"الكامل\" لابن الأثير ٨/ ٢١، و\"البداية والنهاية\" ١٢/ ٤٨، و\"تاريخ الإسلام السياسي\" ٤/ ١ - ٢.\n(٢) هو السلطان ركن الدولة أبو طالب محمد بن ميكائيل بن سلجوق بن دقاق التركماني السلجوقي، وطغْرلْبك: اسم علم تركي مركب من: (طغرل) وهو اسم بلغة الترك لطائر معروف عندهم و(بك) معناه الأمير، أول الملوك السلجوقية، وكان كريمًا محافظًا على الصلوات، وفيه عدل مشوب بقسوة توفي سنة ٤٥٥. ينظر: \"المنتظم\" ٨/ ٢٣٣ و\"فيات الأعيان\" ٥/ ٦٣ و\"سير أعلام النبلاء\" ١٨/ ١٠١.\n(٣) ينظر: \"الكامل\" ٨/ ٢١ - ٢٦ و\"البداية والنهاية\" ١٢/ ٤٨ و\"السلوك لمعرفة دول الملوك\" للمقريزي ١/ ٣٠ - ٤١.\n(٤) هو عضد الدولة، الملقب بسلطان العالم، أبو شجاع محمد بن جغريبك داود بن ميكائيل بن سلجوق، ملك بعد عمه، كان في آخر دولته من أعدل الناس، وأحسنهم سيرة، وأرغبهم في الجهاد ونصر الدين، وكان كريمًا رحيمًا توفي مقتولًا سنة ٤٦٥. ينظر: \"المنتظم\" ٨/ ٢٧٦، \"الكامل\" ٨/ ١١٢ و\"العبر\" ٢/ ٣١٨.","vol":"1","page":117},{"text":"الذي عظمت مملكته، ومكن له، واتسعت رقعة بلاده، وأكثر الغزو والحروب، حتى خافت منه الدول، ورهب جانبه الملوك (١)، وكان من أعظم ما حصل في عهده وقعة \"ملاذكرد\" عام (٤٦٣)، حين سار ملك النصارى في نحو مائتي ألف مقاتل، وعدةٍ عظيمة، عازمًا على أن يبيد الإسلام وأهله، فالتقاه ألب أرسلان في جيش، وهم قريب من عشرين الفًا، فصبروا، ونصر الله جنده، وأعز عباده المؤمنين، ومكنهم من رقاب النصارى، وأسر ملكهم (٢).\nقال ابن الجوزي (٣): وهذا الفتح في الإسلام كان عجبًا لا نظير له، فإن القوم اجتمعوا ليزيلوا الإسلام وأهله، وكان ملك الروم قد حدثته نفسه بالمسير إلى السلطان ولو إلى الري، وأقطع البطارقة البلاد الإسلامية، وقال لمن أقطعه بغداد: لا تتعرض لذلك الشيخ الصالح فإنه صديقنا -يعني الخليفة- وكانت البطارقة تقول: لابد أن نشتوَ بالري ونصيف بالعراق، ونأخذ في عودنا بلاد الشام (٤).\nوقد وفِّق بالوزير الصالح: نظام الملك أبي علي الحسن بن علي\n_________\n(١) ينظر: \"وفيات الأعيان\" ٤/ ١٦١، و\"سير أعلام النبلاء\" ١٨/ ٤١٦.\n(٢) ينظر: \"المنتظم\" ٨/ ٢٦٠ و\"الكامل\" ٨/ ١٠٩ و\"العبر\" ٢/ ٣١٣، و\"البداية والنهاية\" ١٢/ ١٠٠.\n(٣) هو عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي القرشي البغدادي، أبو الفرج، إمام محدث فقيه حنبلي واعظ الإسلام، مشهور بكثرة التصنيف، ولد ببغداد سنة ٥٠٨، ومن تصانيفه: \"زاد المسير\"، و\"المنتظم\"، و\"تلبيس إبليس\"، توفي سنة ٥٩٧. ينظر: \"وفيات الأعيان\" ١/ ٢٧٩، و\"مفتاح السعادة\" ١/ ٢٠٧.\n(٤) \"المنتظم\" ٨/ ٢٦٤.","vol":"1","page":118},{"text":"الطوسي (١) الذي وزر لألب أرسلان وابنه من بعده.\nوفي عام (٤٦٥) قُتل ألب أرسلان، وخلفه ابنه مَلكشاه (٢) الذي اتسع ملكه اتساعًا عظيمًا، ودام ملكه عشرين عامًا، وخطب له من حدود الصين إلى آخر الشام، ومن أقاصي بلاد الإسلام في الشمال إلى آخر بلاد اليمن، وحمل إليه الروم الجزية .... وانقضت أيامه على أمن عام وسكون شامل.\nوفي عام (٤٨٥) مات ملكشاه، ووهن بموته أمر السلاجقة، \"وانحلت الدولة، ووقع السيف\" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-70>وقفة تأمل:</span>\nعند التأمل في هذه الصراعات السياسية والتقلبات الواضحة سواء على المحيط العام، أو محيط نيسابور، بشكل خاص، لا نرى أثرًا واضحًا على حياة الناس الخاصة، ولذا نجد أن المؤلف عاش غالب أيام شبابه في عهد محمود الغزنوي، السلطان الذي اشتهر بعدله وفضله وقوته وحبه للعلم\n_________\n(١) ولد بطوس عام ٤٠٨ حفظ القرآن وله إحدى عشرة سنة، واشتغل بالعلوم حتى حصل طرفًا صالحًا، وكان شافعيًا أشعريًا، تنقلت به الأحوال في الكتابة والدواوين، حتى وزر لألب أرسلان، ثم لابنه ٢٩ سنة، وكان سائسًا خبيرًا متدينًا، عامر المجلس بالعلماء، خفف المظالم، ورفق بالرعية، وبنى كثيرًا من المدارس والوقوف، وكانت تسمى المدارس النظامية، قتل سنة ٤٨٥ على يد أحد الباطنية. ينظر: \"المنتظم\" ٩/ ٦٤ - ٦٨ و\"الكامل\" ٨/ ١٦٢ و\"سير أعلام النبلاء\" ١٩/ ٩٤.\n(٢) هو أبو الفتح جلال الدولة بن السلطان ألب أرسلان، كان حسن السيرة محسنًا إلى الرعية، وكان يلقب بالسلطان العادل توفي سنة ٤٨٥، وقيل: إنه مات مسمومًا. ينظر: \"المنتظم\" ٩/ ٦٩ - ٧٤ و\"الكامل\" ٨/ ١٦٣ و\"سير أعلام النبلاء\" ١٩/ ٥٤ و\"البداية والنهاية\" ١٢/ ١٤٢.\n(٣) ينظر: \"الكامل\" ٨/ ١٦٢.","vol":"1","page":119},{"text":"والعلماء ومذهبه الشافعي ومعتمده الكرّامي، كما أنه أدرك في كهولته ونضجه عهد طغرلبك وألب أرسلان وابنه ملكشاه السلجوقيين، خصوصًا أنه لقي من وزيري الأخيرين: نظام الملك -والذي كان شافعي المذهب، أشعري العقيدة- وأخيه (١) كل إعزاز وإكرام (٢)، ولا شك أن هذا له أثره الواضح على شخصيته المؤلف، تعلمًا واستفادة وإفادة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-71>أثر هذه السياسة على الناحية العلمية:</span>\nتبين مما سبق ذكره أن العصر الذي نشأ فيه الواحدي غير مستقر من الناحية السياسية ففيه ظهر ضعف الخلافة العباسية وكان عهد قيام دول وسقوط أخرى، فهل كان لهذا الاضطراب السياسي أثر على الناحية العلمية؟\nعلى العكس من ذلك فقد نشطت الحركة العلمية، حيث اندفعت هذه الدول في تشجيع العلم وأهله، إما بدافع المنافسة، أو بدافع حب الحاكم للعلم والعلماء كما هي حالة محمود بن سبكتكين الغزنوي (٣)، ونظام الملك (٤) وزير ألب أرسلان وابنه ملكشاه.\nكما كان لوجود الفرق ونشاطها من شيعة ومعتزلة وأشعرية وصوفية\n_________\n(١) هو ابو القاسم عبد الله بن علي بن إسحاق الطوسي أخو الوزير نظام الملك، سمع الحديث، وكان عفيفًا نزيهًا، كثير فعل الخير توفي سنة (٤٩٩).\n(٢) ينظر: \"معجم الأدباء\" لياقوت ١٢/ ٢٦٠ نقلًا عن كتاب \"السياق لتاريخ نيسابور\" لعبد الغافر الفارسي تلميذ المؤلف.\n(٣) انظر: \"البداية النهاية\" ١٢/ ٣٠.\n(٤) انظر: \"البداية والنهاية\" ١٢/ ١٤٠.","vol":"1","page":120},{"text":"وغيرهم دور كبير في تنشيط الناحية العلمية. إذ ذهبت كل فرقة تكتب وتؤصل وتدافع عن مبادئها وترد على الفرق الأخرى (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-72>أولًا: ازدهار المساجد:</span>\nلاشك أن المسجد هو المدرسة الأولى التي علم فيها النبي - ﷺ - أصحابه، وتخرج فيها الرعيل الأول، ففيه تعقد حلق العلم، ويلتقي العلماء وطلاب العلم، وإذا اعتني بالمسجد فإنه لا يخلو من مكتبة عامرة، ورباط لطلاب العلم المغتربين، وهذا ما كان موجودًا في عصر المؤلف، ففي غزنة بنى السلطان محمود بن سبكتكين جامعًا مشهورًا، وأضاف إليه مدرسة عامرة وخزانة كتب نفيسة (٢).\nوفي نيسابور اشتهر مسجد عقيل (٣)، \"وكان مجمعًا لأهل العلم وفيه خزائن الكتب الموقوفة\" (٤)، وكان من أعظم منافع نيسابور وكذلك مسجد المطرز، والجامع المنيعي (٥).\nواجتماع مثل هذه المراكز في بلد يضفي على الحركة العلمية قوة ونشاطًا، ويزيد من فرص الاستفادة لطالب العلم، حيث يتعدد الشيوخ والعلماء القائمون على هذه المدارس، وتتنوع الطرائق والأساليب التي تقدم للطلبة، فيكون انتفاعهم كبيرًا، واستفادتهم واضحة.\n_________\n(١) انظر: \"تاريخ الإسلام السياسي\" ٣/ ٣٧٥، ٤/ ٤٢٠.\n(٢) ينظر: \"تاريخ العتبي\" ٢/ ٢٩٩.\n(٣) ينظر: \"المنتخب من السياق\" ٣٩، ١٢٠، ٣٦٠، ٤٩٣.\n(٤) \"الكامل\" ٩/ ٧٤.\n(٥) ينظر: \"المنتخب من السياق\" ص ٥٦ و٧٣.","vol":"1","page":121},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-73>ثانيًا: بناء المدارس والعناية بها:</span>\nتعد المدارس المعاقلَ الكبرى للتعليم، وتخريج العلماء، وحفظ الدين، وكانت عناية الناس بها في القرنين الرابع والخامس عظيمة، بل كانت إحدى الميزات الكبرى لهذين القرنين.\nوتقدم أن السلطان محمودًا لما بنى جامع غزنة ألحق به مدرسة عظيمة، كانت موئلًا للعلماء وطلاب العلم، مع إجراء الأموال على المنقطعين والغرباء من طلاب العلم (١).\nوبنى السلطان: ألب أرسلان ببغداد مدارس أنفق عليها أموالًا عظيمة (٢)، واشتهر في تلك الفترة التي مر بها المؤلف المدارس النظامية، المنسوبة للوزير نظام الملك وقد بنى مدرسة ببغداد، ومدرسة ببلخ، ومدرسة بنيسابور، ومدرسة بهراة، ومدرسة بأصبهان، ومدرسة بالبصرة، ومدرسة بمرو، ومدرسة بآمل طبرستان، ومدرسة بالموصل، ويقال: إن له في كل مدينة بالعراق وخراسان مدرسة (٣).\nوأما نيسابور فقد كان لها قصب السبق في هذا الميدان وحظيت\n_________\n(١) ينظر: \"تاريخ العتبي\" ٢/ ٢٩٩.\n(٢) ينظر: \"شذرات الذهب\" ٣/ ٣١٩.\n(٣) ينظر: \"طبقات الشافعية\" للسبكي ٤/ ٣١٣ وآثار البلاد للقزويني ص ٤١٢. وحكى سبب بناء هذه المدارس: أن السلطان ألب أرسلان دخل نيسابور فمر على باب مسجد فرأى جماعة من الفقهاء على حال رثة، فسأل وزيره نظام الملك عنهم، فأخبره بحالهم وفقرهم، فلان قلب السلطان لهم، فاقترح عليه الوزير أن يبني لهم دارًا، ويجري عليهم أرزاقًا، فأذن له السلطان، فأمر نظام الملك ببناء المدارس في جميع مملكة السلطان، وأن يصرف عشر مال السلطان في بناء المدارس.","vol":"1","page":122},{"text":"بنصيب وافر من المدارس المشهورة، قال المقريزي (١): \"وأول من حُفظ عنه أنه بنى مدرسة في الإسلام أهلُ نيسابور\" (٢). ومن مدارسها المشهورة:\n١ - مدرسة أبي إسحاق الإسفرايني (٣)، وهي مدرسة لم يبن قبلها بنيسابور مثلها (٤).\n٢ - مدرسة الصبغي المعروفة باسم دار السنة (٥).\n٣ - المدرسة السعيدية، بناها الأمير نَصْر بن سبكتكين (٦)، ووقف عليها الأوقاف (٧).\n٤ - المدرسة البَيْهقِية (٨).\n_________\n(١) هو أحمد بن علي بن عبد القادر، أبو العباس الحسيني تقي الدين المقريزي: مؤرخ الديار المصرية ولد سنة ٧٦٦ وولي الحسبة والإمامة والخطابة في القاهرة مرات، من كتبه: \"المواعظ والآثار بذكر الخطط والآثار\"، والمشهور \"بخطط المقريزي\"، وله أكثر من مائتي مجلد كبار، توفي سنة ٨٤٥. ينظر: \"البدر الطالع\" ١/ ٧٩، و\"الإعلام\" ١/ ١٧٧.\n(٢) \"الخطط\" ٢/ ٣٦٣.\n(٣) سبقت ترجمته في مبحث شيوخ الواحدي.\n(٤) \"طبقات الشافعية\" ٤/ ٣١٤ نقلًا عن \"تاريخ نيسابور\" للحاكم وهو تاريخ مفقود.\n(٥) \"المنتخب من السياق\" ص ١٦.\n(٦) هو الأمير العالم نصر بن ناصر الدين سبكتكين، ولي نيسابور عام ٣٩٠، وسمع المشايخ، وصحب الأئمة، واستفاد منهم، وأحسن الولاية وعاد إلى غزنة، وتوفي بها سنة ٤١٢ ينظر: \"المنتخب من السياق\" ص ٤٦٣.\n(٧) ينظر: \"المنتخب من السياق\" ص ٤٦٤ و\"طبقات الشافعية\" للسبكي ٤/ ٣١٤ و\"الخطط\" للمقريزي ٢/ ٣٦٣.\n(٨) ينظر: المراجع السابقة.","vol":"1","page":123},{"text":"٥ - مدرسة أبي بكر البسْتي الفقيه (١).\n٦ - مدرسة أبي سعد الإستراباذي (٢).\n٧ - مدرسة إسماعيل الصابوني (٣).\nوغير ذلك من المدارس التي ذكرها عبد الغافر الفارسي مثل: مدرسة الثعالبي، ومدرسة السيوري، ومدرسة المشطبي، ومدرسة الصعلوكي، ومدرسة الخفاف، ومدرسة ابن صاعد، ومدرسة الشحامي، ومدرسة القشيريين، ومدرسة سرهنك وغيرها (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-74>ثالثًا: انتشار المكتبات وخزائن الكتب:</span>\nالمكتبات وخزائن الكتب هي جنات طلاب العلم، ورياض أفكارهم، ومحل استمتاعهم، ففيها يحققون المسائل ويفتقونها، ويطَّلعون على الدلائل ويحررونها، ويوثقون الفوائد، ويتوسعون في البحث، ولذا حرص الكبار على إنشائها، وتزويد المساجد والمدارس ودور العلم ومعاهد التعليم بها، إذ تصبح تلك المعاهد بلا مكتبات\n_________\n(١) هو أحمد بن محمد بن عبيد الله من كبار أئمة نيسابور، ومن كبار فقهاء أصحاب الشافعية والمناظرين بنيسابور، توفي سنة ٤٢٩. ينظر: \"المنتخب من السياق\" ص ٩٣ و\"طبقات الشافعية\" ٤/ ٨٠.\n(٢) هو إسماعيل بن علي بن المثنى، أبو سعد، الصوفي العنبري، روى عنه الخطيب وغيره، مات سنة ٤٤٨، ينظر: \"المنتخب من السياق\" ص ١٣٠ و\"تاريخ بغداد\" ٦/ ٣١٥.\n(٣) ينظر: \"المنتخب من السياق\" ص ٥٩ و٢٧٥، وترجمة الصابوني سبقت في مبحث شيوخ المؤلف.\n(٤) ينظر: \"المنتخب من السياق\" ص٥١، ٥٨، ٦٣، ٦٦، ١٠٦، ١٠٧، ٣٤٧، سبقت ترجمة عبد الغافر في مبحث تلاميذه.","vol":"1","page":124},{"text":"مشلولة، قليلة الطلاب والرواد.\nففي بغداد أنشأ الوزير: سابور بن أردشير (١) سنة (٣٨٣) دار الكتب، سماها: دار العلم، وشملت أكثر من عشرة آلاف مجلد (٢) وفي البصرة داران للكتب (٣).\nوفي فيروزاباد بنى الوزير أبو منصور بن منافيه (٤) دارًا للكتب، وقفها على طلاب العلم، جمع فيها تسعة عشر ألف مجلد.\nوفي غزنة ألحق السلطان محمود بن سبكتكين بجامعه الذي بناه مدرسة: ملأَ بيوتها بالكتب (٥).\nوأما في نيسابور فقد أُلحق بمسجد عقيل -المتقدم ذكره- خزائنُ كتب وقفها العلماء (٦)، وكذا كانت المدرسة البيهقية (٧).\n_________\n(١) هو أبو نصر، سابور بن أردشير، وزير لبهاء الدولة بن بويه، وكان كاتبًا سديدًا، مهيبًا، عفيفًا عن الأموال مات سنة ٤١٦. ينظر: \"المنتظم\" ٨/ ٢٢ و\"الكامل\" ٧/ ٣٢٤ و\"السير\" ١٧/ ٣٨٧.\n(٢) ينظر: \"المنتظم\" ٧/ ١٧٢.\n(٣) إحداهما: وقفت قبل عضد الدولة بن بويه، فقال: هذه مكرمة سبقنا إليها، وهي أول دار وقفت في الإسلام، قال ابن كثير في \"البداية والنهاية\" ١٢/ ١٣٨، عنها: لم ير في الإسلام مثلها. وقد نهبت الأعراب كلتا الدارين في فتنة البصرة سنة (٤٨٣) ينظر: \"الكامل\" ٨/ ١٥٣.\n(٤) هو أبو منصور بهرام بن منافيه، وهو الملقب بالعادل، وزير الملك أبي كاليجار البويهي، ولد بكازرون سنة ٣٦٦، وكان حسن السيرة، فضلًا، نزيهًا توفي سنة (٤٣٣)، ينظر: \"الكامل\" ٨/ ٣٢، و\"البداية والنهاية\" ١٢/ ٤٩.\n(٥) ينظر: \"تاريخ العتبي\" ٢/ ٣٠٠.\n(٦) ينظر: \"الكامل\" ٩/ ٧٤.\n(٧) ينظر: \"المنتخب من السياق\" ص ١٨.","vol":"1","page":125},{"text":"ومدرسة الصابوني (١) وغيرهما.\nولما أنشأ الوزير نظام الملك المدارس النظامية ألحق بكل واحدة خزانةَ كتب (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-75>رابعًا: تقدير السلاطين ووزرائهم للعلم والعلماء:</span>\nلا يخفى أن أعظم عوامل رواج سوق العلم: هو تشجيع السلاطين وتحفيز الدول، وقيامها بإكرام العلماء وتقديرهم، وقضاء حوائجهم، وتبويئهم المكان اللائق، والمكانة المرموقة، مما يرغب الناس إلى دفع أولادهم إلى معاهد العلم، وتفريغهم لطلبه، والحرص عليه وقد حظي ذلك العصر بخلفاء ووزراء كانوا إما: من العلماء، أو من المحبين للعلم المشاركين فيه،\nفالخليفة القادر بالله يعد من فقهاء الشافعية، وله تصانيف (٣)، والقائم بأمر الله يعد من العلماء الأدباء الكتاب البلغاء (٤).\nوالسلطان محمود بن سبكتكين كان عنده علم ومعرفة، وحب للعلم وأهله، وتقريب لهم، ومجلسه على الدوام عامر بهم على اختلاف فنونهم، وصنفت له التصانيف (٥).\n_________\n(١) ينظر: \"المنتخب من السياق\" ص ١٤٦.\n(٢) ينظر: \"مختصر زبدة النصر ونخبة العصر\" للبنداوي ص ٥٧ و\"الكامل\" ٨/ ١٤٣.\n(٣) ينظر: \"طبقات الشافعية\" لابن الصلاح ١/ ٣٢٤، و\"تاريخ الخلفاء\" للسيوطي ص ٤١٧.\n(٤) ينظر: \"الكامل\" ٨/ ١٢٠ و\"البداية والنهاية\" ١٢/ ١١٠.\n(٥) ينظر: \"المنتخب من السياق\" ص ٤٤٦.","vol":"1","page":126},{"text":"وسار ابنه السلطان مسعود سيرته (١).\nوكانت الدولة السلجوقية مشهورة بتكريم العلماء ومحبتهم، حتى \"أصبح كل واحد من العلماء بفضل تشجيع سلطان من سلاطين السلاجقة محطًَّا لأنظار العالمين\" (٢).\nوأما الوزير نظام الملك، فقد كان عالمًا مغرمًا بالعلم وأهله، وقد بقيت جهوده وآثاره في ذلك شامة في جبين التاريخ الإسلامي، يقول أبو الوفاء بن عقيل (٣) في الثناء عليه: \"بنى المدارس، ووقَّف الوقوف، ونَعَش من العلم وأهله ما كان خاملًا مهملًا في أيام من قبله\" (٤) ويصفه العماد الأصفهاني (٥) قائلًا: \"ولم يزل بابه مجمعَ الفضلاء وملجأ العلماء، وكان نافذًا بصيرًا ينقب عن أحوال كل منهم، ويسأل عن تصرفاته وخبرته ومعرفته، فمن تفرس فيه صلاحية الولاية ولاّه، ومن رآه مستحقًا لرفع قدره رفعه وأعلاه، ومن رأى الانتفاع بعلمه أغناه، ورتب له من جدواه حتى\n_________\n(١) ينظر: \"سير أعلام النبلاء\" للذهبي ١٧/ ٤٩٥، و\"البداية والنهاية\" ١٢/ ٢٨.\n(٢) \"راحة الصدور وآية السرور في تاريخ الدولة السلجوقية\" للراوندي ص ٧٢.\n(٣) علي بن عقيل بن محمد بن عقيل البغدادي أبو الوفاء، شيخ الحنابلة في زمانه ببغداد عالم متقن ولد سنة ٤٣١، وله مصنفات أكبرها كتاب \"الفنون\"، قال الذهبي: لم يصنف في الدنيا أكبر منه، وله كتاب الجدل على طريقة الفقهاء، توفي سنة (٥١٣). ينظر: \"شذرات الذهب\" ٤/ ٣٥ و\"الذيل على طبقات الحنابلة\" ١/ ١٧١.\n(٤) \"المنتخب\" ص ١٤٦.\n(٥) محمد بن محمد صفي الدين ابن نفيس الدين حامد بن ألُهْ، أبو عبد الله عماد الدين الكاتب الأصبهاني، عالم بالأدب من كبار الكتاب ولد في أصبهان سنة ٥١٩، له كتب كثير، وله ديوان رسائل وديوان شعر، توفي سنة ٥٩٧. ينظر: \"وفيات الأعيان\" ٢/ ٧٤، \"مرآة الزمان\" ٨/ ٥٠٤.","vol":"1","page":127},{"text":"ينقطع إلى إفادة العلم ونشره، وتدريس الفضل وذكره، وربما سيَّره إلى إقليم خال من العلم، ليُحْلِيَ به عاطله، ويحيي به حقه، ويميت باطله\" (١).\nومن أشهر أعماله: تلك المدارس التي بناها، وأدرَّ عليها الأرزاق، وأثثها بما تحتاج إليه، كما تقدم.\nولأجل ذلك أطبق المؤرخون وأصحاب التراجم على الإشادة بما قام به هذا الوزير في هذا الباب (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-76>خامسًا: نشاط بعض الفرق:</span>\nكثير من الفرق نشأت في أخريات القرن الأول والقرنين الثاني والثالث، وحظُّها من الشيوع والانتشار بقدر حظها من دعم الدول، واقتناع المتنفذين، ودعم السلاطين، ولذا بمجرد زوال تلك القوة الداعمة يحصل للفرقة الذبول أو الانحصار في بلد معين، أو طائفة أو جماعة محددة.\nوقد كان لوجود دولة العبيديين الباطنية، ودولة البويهيين الرافضية أثر كبير على نشاط كثير من الفرق المناوئة للسنة، إذ ضَعْفُ أهلِ السنة في الجملة فسحةٌ واضحة للفرق الضالة، كي تنفذ إلى عقول الناس، وتسيرهم على النحو الذي تريد.\nوقد بين المقريزي أن التشيع قوي بدولة بني بويه، وكذا فشا الاعتزال بالعراق وخراسان وما وراء النهر، وذهب إليه جماعة من الفقهاء، وقوي مع ذلك أمر الخلفاء الفاطميين بأفريقية وبلاد المغرب، وجهروا بمذهب\n_________\n(١) \"زبدة النصْرة\" للعماد الأصفهاني، \"اختصار البُنْداري\" ص ٥٧.\n(٢) ينظر: \"الكامل\" ٨/ ١٦٢، و\"سير أعلام النبلاء\" ١٩/ ٩٤ و\"طبقات الشافعية\" ٤/ ٣٠٩.","vol":"1","page":128},{"text":"الإسماعيلية، وبثوا دعاتهم بأرض مصر، فاستجاب لهم خلق كثير من أهلها، ثم ملكوها عام (٣٥٨)، وانتشرت مذاهب الرافضة في عامة الأقطار، قال المقريزي: \"واشتهرت مذاهب الفرق من القدرية والجهمية والمعتزلة والكرَّامية والخوارج والروافض والقرامطة والباطنية حتى ملأت الأرض، وما منهم إلا من نظر في الفلسفة، وسلك من طرقها ما وقع عليه اختياره، فلم يبق مصر من الأمصار ولا قطر من الأقطار إلا وفيه طوائف كثيرة مما ذكرنا\" (١).\nهذا الواقع دعا أهل السنة وعلماء الملة -جريًا على سنة التدافع- للوقوف بقوة في وجه هذا المد البدعي الطاغي، ببيان الحق ورد الباطل ودفع الشبه، وفضح الفرق، وكشف عوارها (٢)، وهذا كما لا يخفى له أثره الواضح في إثراء الحياة العلمية تأليفًا وتدريسًا، وكشفًا للحال، وتتبعًا للحقائق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-77>سادسًا: المناظرات العلمية بين أرباب المذاهب:</span>\nمما كان سائدًا في ذلك العصر: المناظراتُ التي كانت تعقد بين العلماء، يبين كل واحد منهم قوله، ويذكر دليله، ويفنِّد حجة خصمه، وقد\n_________\n(١) ينظر: \"الخطط\" للمقريزي ٢/ ٣٥٧.\n(٢) من العلماء الذين صنفوا في ذلك: معمر بن زياد الأصبهاني (ت ٤١٨)، وأبو عمر الطلمنكي (ت ٤٢٩)، وأبو نصر السجزي (ت ٤٤٤) وأبو عمرو الداني (ت ٤٤٤) وأبو الفتح سليم بن أيوب الرازي (ت ٤٤٧) وأبو عثمان الصابوني (ت ٤٤٩) وأبو عمر بن عبد البر (ت ٤٦٣) وأبو القاسم سعد بن علي الزنجاني (ت ٤٧١) وغيرهم. ومن الأشاعرة: أبو بكر الباقلاني (ت ٤٠٣) وأبو إسحاق الإسفراييني (ت ٤١٨) وأبو منصور البغدادي (ت ٤٢٩).","vol":"1","page":129},{"text":"تكون بين أتباع الفرق المختلفة، وكانت هذِه المناظرات تعقد عند السلاطين أحيانًا، أو في المساجد ودور العلم في أكثر الأحيان، وفي نيسابور كانت هناك مجالس للنظر تعقد فيها المناظرات، وخاصة العلماء القادمين عليها (١). ومن العادة الجارية: أن طلاب العلم يحرصون على حضور تلك المجالس، لمعرفة الحق عند اختلاف الأقوال، والعلم بأقدار الرجال، والموازنة بين المختلفين، وقد يكون للانتصار لأحد القولين، حيث يجتهد المتناظران في إظهار صحة قولهم، وقوة دليله، وضعف ما يقابله (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-78>وقفة:</span>\nلاشك أن هذه الأسباب وغيرها كان لها أثر واضح في ثراء الحالة العلمية التي تنطبع تبعًا على شخصيات الأفراد من طلاب العلم والعلماء، حيث تهيئ بمجموعها جوًا علميًا يدفع الطالب للاستزادة، ويعينه على الفهم، وينوع معارفه، ويشبع رغباته وميوله.\nوما من شك، أن أثر ذلك كله قد انطبع على مترجمنا الإمام الواحدي، ومن يطالع مؤلفاته، ويقرأ ترجمته، يدرك ظهور ذلك التنوع المعرفي، والتعدد الثقافي والعلمي الذي اصطبغ به الواحدي.\n_________\n(١) ينظر: \"المنتخب من السياق\" ل ٥١، ٨٦، ٩٠، ٩٦، ٤٤٢، ٤٦١.\n(٢) ذكر السبكي في طبقات الشافعية جملة من هذه المناظرات في تراجم عدد من العلماء. ينظر على سبيل المثال؛/ ٢٤٦، ٢٣٧ و٥/ ٣٦، ٢٠٩.","vol":"1","page":130},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-79>الفصل الثاني\nدراسة عن كتاب البسيط</span>\nوفيه تسعة مباحث:\nالمبحث الأول: اسم الكتاب.\nالمبحث الثاني: ثبوت نسبة الكتاب للمؤلف.\nالمبحث الثالث: الباعث على إنشائه.\nالمبحث الرابع: تاريخ البدء فيه والانتهاء منه.\nالمبحث الخامس: مصادر المؤلف في البسيط، ثم التعريف بهذه المصادر وطريقته في الأخذ منها، وما هي المادة التي أخذها.\nالمبحث السادس: منهج المؤلف في البسيط.\nوفيه ثلاثة مطالب:\nالمطلب الأول: منهجه إجمالًا كما وصفه في مقدمة كتابه.\nالمطلب الثاني: منهجه تفصيلًا.\nوفيه تسع مسائل:\nالمسألة الأول: منهجه في تفسير القرآن بالقرآن.\nالمسألة الثانية: منهجه في تفسير القرآن بالسنة.\nالمسألة الثالثة: منهجه في تفسير القرآن بأقوال الصحابة والتابعين.\nالمسألة الرابعة: منهجه في ذكر الإسرائيليات.\nالمسألة الخامسة: منهجه في القراءات وعللها.","vol":"1","page":131},{"text":"المسألة السادسة: منهجه في علوم القرآن.\nوفيها أربعة مطالب:\n١ - أسباب النزول.\n٢ - الوقف والابتداء.\n٣ - الناسخ والمنسوخ.\n٤ - الربط بين الآيات.\nالمسألة السابعة: منهجه في مسائل العقيدة، والرد على الفرق.\nالمسألة الثامنة: منهجه في المسائل الفقهية والأصولية.\nالمسألة التاسعة: منهجه في اللغة وفنونها.\nوفيها خمسة مطالب:\n١ - الجانب اللغوي.\n٢ - الجانب النحوي.\n٣ - الجانب البلاغي.\n٤ - الشواهد الشعرية.\n٥ - الجانب الفقهي.\nالمطلب الثالث: مقارنة بين تفاسير المؤلف الثلاثة.\nالمبحث السابع: قيمة الكتاب العلمية.\nالمبحث الثامن: أثر الواحدي فيمن بعده من العلماء من خلال كتابه البسيط.\nالمبحث التاسع: النسخ المخطوطة الموجودة للبسيط.\nالمبحث العاشر: منهج العمل في تحقيق البسيط.","vol":"1","page":132},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-80>المبحث الأول\nاسم الكتاب</span>\nاسم الكتاب \"البسيط\" ذكر ذلك المؤلف نفسه في مقدمة كتابه \"الوسيط\" حيث قال: \"وقديمًا كنت أطالب بإملاء كتاب في تفسير وسيط، ينحط عن درجة \"البسيط\" الذي تجر فيه أذيال الأقوال، ويرتفع عن مرتبة \"الوجيز\" الذي اقتصر فيه على الإقلال .... \" (١).\nكما ورد اسم الكتاب \"البسيط\" في جميع المصادر التي ذكرته (٢)، ووصفه القفطي بـ\"الكبير\" قال: صنف التفسير الكبير وسماه \"البسيط\" .. (٣)، وقد وردت كلمة \"الكبير\" على عناوين بعض مخطوطات البسيط ففي الجزء الثالث والخامس من النسخة الأزهرية كتب \"البسيط وهو التفسير الكبير\" (٤)، فلعل هذه الصفة التي ذكرها القفطي ومن جاء بعده، قصد بها بيان أنه أكبر كتبه في التفسير.\nكذلك نجد على الجزء الثاني والثالث من مخطوطة \"جستربتي\" (٥) كتب عليها: هذا كتاب معاني التفسير المسمى بالبسيط للإمام الواحدي\n_________\n(١) \"الوسيط\" ١/ ٦.\n(٢) انظر: \"معجم الأدباء\" ١٢/ ١٥٩، و\"وفيات الأعيان\" ٣/ ٣٠٣، و\"سير أعلام النبلاء\" ١٨/ ٣٤٠، و\"البداية والنهاية\" ١٢/ ١١٤، و\"طبقات الشافعية الكبرى\" للسبكي ٣/ ٢٩٠، وغيرها من المصادر التي ترجمت للواحدي.\n(٣) \"إنباه الرواة\" ٢/ ٢٢٣.\n(٤) هذه النسخة محفوظة في رواق المغاربة في الأزهرية رقم (٣٠٣) ومنها ميكروفيلم في جامعة الإمام رقم (٨٠٤٩)، (٨٠٥١).\n(٥) يوجد ميكروفيلم لها في جامعة الإمام رقم (٣٧٣١) ورقم (٣٧٣٢).","vol":"1","page":133},{"text":"وفي آخر الجزء الثاني كتب: آخر الجزء الثاني من كتاب معاني التفسير المسمى بالبسيط، تصنيف الشيخ الإمام الواحدي، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين، وحسبنا الله ونعم الوكيل، ووافق الفراغ منه يوم الخميس في آخر شوال سنة ثمان وثلاثين وستمائة، كتبه الضعيف الراجي المحتاج إلى رحمة الله تعالى أحمد بن محمد بن الحسن القروني.\nوقد سبق الكلام على هذا عند الحديث عن مؤلفاته بما يغني عن إعادته هنا.","vol":"1","page":134},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-81>المبحث الثاني\nثبوت نسبة الكتاب للواحدي</span>\nأما عن قضية ثبوت نسبة الكتاب للمؤلف، فهي من القضايا التي تصل إلى حد التواتر، لم يحصل فيها شك أو لبس يحتاج إلى بحث واستدلال، فالمؤلف يذكر كتابه \"البسيط\" في مقدمة \"الوسيط\" فيقول: \"وقديما كنت أطالب بإملاء كتاب وسيط ينحط عن درجة \"البسيط\" الذي تجر فيه أذيال الأقوال وارتفع عن مرتبة الوجيز الذي اقتصر فيه على الإقلال لمؤلف\" (١)، والمترجمون له بعده ينسبون الكتاب له بإجماع، ولم يرد قول بخلاف ذلك، وقد ارتبط اسم المؤلف بكتبه الثلاثة في التفسير \"البسيط\" و\"الوسيط\" و\"الوجيز\" فيقال: الواحدي صاحب التفاسير الثلاثة \"البسيط\" و\"الوسيط\" و\"الوجيز\" (٢).\nويضاف إليها أيضًا: أن العلماء الذين أفادوا من البسيط بالنقل والإحالة (٣) تتطابق نقولاتهم مع ما هو موجود في البسيط، كما سيأتي في مبحث قيمة الكتاب العلمية، وقد نقل ياقوت في ترجمته للمؤلف بعض مقدمة البسيط وهي بنصها في هذا الكتاب (٤)، هذا كله، بالإضافة إلى أنه لم يقل أحد من أهل العلم بخلاف ذلك، بل إن من المسلَّمات ارتباط\n_________\n(١) مقدمة \"الوسيط\" ١/ ٦.\n(٢) انظر: \"المنتخب من السياق\" ل ١١٤، و\"وفيات الأعيان\" ٣/ ٣٠٤، و\"إنباه الرواة\" ٢/ ٢٢٤، و\"سير أعلام النبلاء\" ١٨/ ٣٤٠، و\"طبقات الشافعية\" الكبرى ٣/ ٢٩٠.\n(٣) كالنووي والرازي وابن القيم والزركشي -رحم الله الجميع-.\n(٤) \"معجم الأدباء\" ١٢/ ٢٦٢ - ٢٧٠.","vol":"1","page":135},{"text":"المؤلف بتفاسيره الثلاثة وعلى رأسها كتابه هذا. وقد تقدم ذكر ذلك (١)\n_________\n(١) انظر: مبحث مؤلفاته.","vol":"1","page":136},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-82>المبحث الثالث\nالباعث على إنشاء البسيط</span>\nصرح المؤلف بالباعث له على تأليف هذا الكتاب وهو تلبية طلب قوم ألحوا عليه من أهل العلم، وافق رغبة قديمة حاضرة عنده، حيث قال في مقدمة هذا التفسير: فمنذ دهر تحدثني نفسي بأن أُعلق لمعاني إعراب القرآن وتفسيره فِقَرًا (١) في الكشف عن غوامض معانيه، ونُكَتًا في الإشارة إلى علل القراءات فيه، في ورقات يصغُر حجمها ويكثر غُنمها، والأيام تمطلني بصروفها على اختلاف صنوفها، إلا أن شدد عليّ خناق التقاضي قوم لهم في العلم سابقة، وفي التحقيق همم صادقة، فسمحت قرونتي (٢) بعد الإباء، وذلت صعوبتي بعد النفرة والالتواء (٣).\n_________\n(١) الفِقَر: خرزات الظهر، جمع فِقْرة، ويراد بها: جملة من كلام، أو جزء من موضوع، أو شطر من بيت شعر. ينظر: \"المعجم الوسيط\" ٢/ ٦٧٩.\n(٢) قال في \"الصحاح\": يقال: أَسْمَحت قَرِيْنُه، وقَرُونُه، وقَرُونَته وقرينَتُه أي: ذلت نفسه، وتابعته على الأمر. \"الصحاح\"، (قرن)، ٦/ ٢١٨٢.\n(٣) مقدمة \"البسيط\" ص ٣٩٣ - ٣٩٤.","vol":"1","page":137},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-83>المبحث الرابع\nتاريخ البدء في البسيط والانتهاء منه</span>\nيظهر من مقدمته التي ساقها في الوسيط: أن البسيط هو أول كتبه الثلاثة تأليفًا (١)، وهو أكبرها بلا شك، لكنه لم يبين لنا تاريخ الابتداء بكتابته، وأما الانتهاء منه فقد صرح به في ختام كتابه البسيط، حيث قال: وقد يسر الله -وله الحمد لحسن توفيق - تحرير هذا الكتاب الذي لم يسبق إلى مثله في هذا الباب ... بعد تراخي المهلة، وتطاول المدة، من يوم افتتاحه إلى يوم اختتامه ... وذلك عصر يوم الأربعاء لعشر بقين من شهر ربيع الأول سنة ست وأربعين وأربعمائة (٢).\n_________\n(١) \"الوسيط\" ١/ ٥٠ وقد سقت العبارة في مبحث مؤلفاته.\n(٢) \"البسيط\" مجلدة لوحة ٢٠٩ ب من النسخة الأزهرية.","vol":"1","page":138},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-84>المبحث الخامس\nمصادر المؤلف في كتابه \"البسيط</span>\"\nتلقى المؤلف عن فحول أئمة اللغة والنحو والتفسير ومعاني القرآن، والقراءات، لذلك كثرت مصادره في تفسيره، وقد أفاد من تلك المصادر كثيرًا ونقل منها بالمعنى حينًا وبالنص أحيانًا: بالعزو حينا وبدون عزو أحيانا، أخذ عن بعض تلك المصادر فأكثر، وهناك مصادر أخذ منها بإقلال، وسيكون الحديث في هذا المبحث عن تلك المصادر، وعن طريقته في الأخذ منها.\nوقد ذكر المؤلف بعض تلك المصادر في مقدمة كتابه، وهناك مصادر أفاد منها ولم يرد ذكرها في مقدمته.\nولقد تنوعت المادة التي أخذها من كل مصدر، فمثلا نجده قد أخذ من \"الحجة\" لأبي علي الفارسي مسائل لغوية ونحوية بجانب القراءات وتوجيهها، وأفاد من الثعلبي في التفسير واللغة والنحو وهكذا بقية المصادر.\nوفيما يلي بيان لتلك المصادر ومعرفة مدى استفادة الواحدي منها:\nوهي قسمان:\nالقسم الأول: المصادر الرئيسة.\nالقسم الثاني: المصادر الثانوية.","vol":"1","page":139},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-85>القسم الأول\nالمصادر الرئيسة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-86>أولًا: التفسير:</span>\nوهي مرتبة تاريخيًا:\n\nأولًا: تفسير ابن عباس (١) -﵁- (ت ٦٨) هـ\n<span data-type=\"title\" id=toc-88>مكانة ابن عباس في تفسير القرآن:</span>\nتتبين مكانة ابن عباس في التفسير، من قول تلميذه مجاهد إنه إذا فسر الشيء رأيت عليه النور، ومن قول علي -﵁- يثني عليه في تفسيره: كأنما ينظر إلى الغيب من ستر رقيق، ومن قول ابن عمر: ابن عباس أعلم أمة محمد بما نزل على محمد، ومن رجوع بعض الصحابة وكثير من التابعين إليه في فهم ما اشكل عليهم من كتاب الله، فكثيرًا ما توجه إليه معاصروه ليزيل شكوكهم، ويكشف لهم عما عز عليهم فهمه من كتاب الله تعالى. ففي قصة موسى مع شعيب أشكل على بعض أهل العلم، أي الأجلين قضى موسى؟ أقضى ثماني سنين أو أتم عشرًا؟ ولما لم يقف على رأي يمم شطر ابن عباس، الذي هو بحق ترجمان القرآن، ليسأله عما أشكل عليه وفىِ هذا يروي الطبري في تفسيره، عن سعيد بن جبير قال: قال يهودي بالكوفة -وأنا أتجهز للحج: إني\n_________\n(١) هو عبد الله بن العباس بن عبد المطلب ابن عم النبي - ﷺ -، أبو العباس، العالم الرباني، الفقيه، حبر الأمة وترجمان القرآن، وكان يسمى الحبر والبحر لسعة علمه، وقد دعا له النبي - ﷺ - أن يفقهه الله في الدين ويعلمه التأويل والحكمة، ولد قبل الهجرة بثلاث سنين في شعب أبي طالب، وهو أحد العبادلة الأربعة، وهو أحد المكثرين من الصحابة، توفي بالطائف سنة (٦٨) هـ. ينظر: \"الإصابة\" ٤/ ١٤١، و\"تقريب التهذيب\" ص ٢٥١.","vol":"1","page":140},{"text":"أراك رجلًا تتبع العلم، فأخبرني أي الأجلين قضى موسى؟ قلت: لا أعلم، وأنا الآن قادم على حبر العرب -يعني ابن عباس- فسائله عن ذلك، فلما قدمت مكة سألت ابن عباس عن ذلك وأخبرته بقول اليهودي، فقال ابن عباس: قضى أكثرهما وأطيبهما؛ إن النبي إذا وعد لم يخلف، وقال سعيد: فقدمت العراق فلقيت اليهودي فأخبرته فقال: صدق وما أنزل على موسى، هذا والله العالم. اهـ (١).\nوهذا عمر -﵁- يسأل الصحابة عن معنى آية من كتاب الله، فلما لم يجد عندهم جوابًا مرضيًا رجع إلى ابن عباس فسأله عنها، وكان يثق بتفسيره، وفي هذا يروي الطبري أن عمر سأل الناس عن هذِه الآية يعني ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ﴾ [البقرة: ٢٦٦] الآية. فما وجد أحدًا يشفيه، حتى قال ابن عباس وهو خلفه: يا أمير المؤمنين إني أجد في نفسي منها شيئًا، فتلفت إليه فقال: تحول ههنا، لم تحقر نفسك؟! قال: هذا مثل ضربه الله -﷿-، فقال: أيود أحدكم أن يعمل عمره بعمل أهل الخير وأهل السعادة، حتا إذا كان أحوج ما يكون إلى أن يختمه بخير حين فني عمره واقترب أجله، ختم ذلك بعمل من عمل أهل الشقاء فأفسده كله، فحرقه أحوج ما كان إليه (٢).\nوسؤال عمر له مع الصحابة عن تفسير قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاَءَ نَصْرُ اللهِ وَالفَتْحُ﴾ [النصر: ١] وجوابه بالجواب المشهور عنه يدل على أن ابن عباس كان يستخرج خفي المعاني التي يشير إليها القرآن، ولا يدركها الا\n_________\n(١) \"تفسير ابن جرير\" ٢٠/ ٤٣.\n(٢) \"تفسير ابن جرير\" ٣/ ٤٧.","vol":"1","page":141},{"text":"من نفحه الله بنفحة من روحه، وكثيرًا ما ظهر ابن عباس في المسائل المعقدة في التفسير بمظهر الرجل الملهم الذي ينظر إلى الغيب من ستر رقيق، كما وصفه علي -﵁-، الأمر الذي جعل الصحابة يقدرون ابن عباس ويثقون بتفسيره، ولقد وجد هذا التقدير صداه في عصر التابعين، فكانت هناك مدرسة يتلقى تلاميذها التفسير عن ابن عباس. استقرت هذِه المدرسة بمكة، ثم غذت بعلمها الأمصار المختلفة، وما زال تفسير ابن عباس يلقى من المسلمين إعجابًا وتقديرًا، إلا درجة أنه إذا صح النقل عن ابن عباس لا يكادون يعدلون عن قوله إلى قول آخر.\nوقد صرح الزركشي بأن قول ابن عباس مقدم على قول غيره من الصحابة عند تعارض ما جاء عنهم في التفسير (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-89>منهج ابن عباس في التفسير:</span>\nكان ابن عباس كغيره من الصحابة الذين اشتهروا بالتفسير، يرجعون في فهم معاني القرآن إلى ما سمعوه من رسول الله - ﷺ -، وإلى ما يفتح الله به عليهم من طريق النظر والاجتهاد، مع الاستعانة في ذلك بمعرفة أسباب النزول والظروف والملابسات التي نزل فيها القرآن.\nوكان -﵁- يرجع إلى أهل الكتاب ويأخذ عنهم، بحكم اتفاق القرآن مع التوراة والإنجيل في كثير من المواضع التي أُجملت في القرآن وفُصلت في التوراة أو الإنجيل، ولكن كما قلنا فيما سبق إن الرجوع إلى أهل الكتاب كان في دائرة محدودة ضيقة، تتفق مع القرآن وتشهد له، أما ما عدا ذلك مما يتنافى مع القرآن، ولا يتفق مع الشريعة الإسلامية، فكان ابن عباس لا\n_________\n(١) \"الإتقان\" ٢/ ١٨٣.","vol":"1","page":142},{"text":"يقبله ولا يأخذ به.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-90>رجوع ابن عباس إلى الشعر القديم:</span>\nكان ابن عباس -﵁- يرجع في فهم معاني الألفاظ الغريبة التي وردت في القرآن إلى الشعر الجاهلي، وكان غيره من الصحابة يسلك هذا الطريق في فهم غريب القرآن ويحض على الرجوع إلى الشعر العربي القديم؛ ليستعان به على فهم معاني الألفاظ القرآنية الغريبة، فهذا عمر بن الخطاب -﵁- يسأل أصحابه عن معنى قوله تعالى في الآية (٤٧) من سورة النحل ﴿أَوْ يَأخُذَهُم عَلَى تَخَوُّفٍ﴾ فيقوم له شيخ من هذيل فيقول له: هذِه لغتنا، التخوف: التنقص، فيقول له عمر: هل تعرف العرب ذلك في أشعاره؟ فيقول له: نعم، ويروا قول الشاعر:\nتخوف الرحل منها تامكًا قردًا ... كما تخوف عود النبعة السفن\nفيقول عمر -﵁- لأصحابه: عليكم بديوانكم لا تضلوا، قالوا: وما ديواننا؟ قال: شعر الجاهلية، فإن فيه تفسير كتابكم، ومعاني كلامكم (١).\nغير أن ابن عباس، امتاز بهذه الناحية واشتهر بها أكثر من غيره، فكثيرًا ما كان يسأل عن القرآن فينشد فيه الشعر، وقد روي عنه الشيء الكثير من ذلك، وأوعب ما روي عنه مسائل نافع بن الأزرق وأجوبته عنها، وقد بلغت مائتي مسألة، أخرج بعضها ابن الأنباري في كتاب \"الوقف والابتداء\"، وأخرج الطبراني بعضها الآخر في \"معجمه الكبير\"، وقد ذكر\n_________\n(١) القصة في \"الموافقات\" ٢/ ٨٨ وليس فيها ما يعارض ما جاء عن عمر من أنه لما سأل عن الأب رجع إلى نفسه وقال: إن هذا لهو التكلف يا عمر؛ لأن الآية التي معنا يتوقف فهم معناها على معرفة معنى التخوف؛ بخلاف الآية الأخرى، فإن المعنى الذي يراد منها لا يتوقف على معرفة معنى الأب.","vol":"1","page":143},{"text":"السيوطي في \"الإتقان\" بسنده مبدأ هذا الحوار الذي كان بين نافع وابن عباس، وسرد مسائل ابن الأزرق وأجوبة ابن عباس عنها، فقال: بينا عبدالله بن عباس جالس بفناء الكعبة قد اكتنفه الناس يسألونه عن تفسير القرآن، فقال نافع بن الأزرق لنجدة بن عويمر: بنا إلى هذا الذي يجترئ على تفسير القرآن بما لا علم له به، فقاما إليه فقالا: إنا نريد أن نسألك عن أشياء من كتاب الله فتفسرها لنا، وتأتينا بمصادقه من كلام العرب؛ فإن الله تعالى إنما أنزل القرآن بلسان عربي مبين، فقال ابن عباس: سلاني عما بدا لكما، فقال نافع: أخبرني عن قول الله تعالا: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ﴾ [المعارج: ٣٧] قال: العزون: حلق الرفاق، قال: هل تعرف العرب ذلك؟\nقال: نعم، أما سمعت عبيد بن الأبرص وهو يقول:\nفجاؤوا يهرعون إليه حتى ... يكونوا حول منبره عزينا؟\nقال أخبرني عن قوله: ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ [المائدة: ٣٥]. قال: الوسيلة: الحاجة، قال وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت عنترة وهو يقول:\nإن الرجال لهم إليك وسيلة ... إن يأخذوك تكحلي وتخضبي\nإلى آخر المسائل وأجوبتها (١)، وهي تدل على قوة ابن عباس في معرفته بلغة العرب، وإلمامه بغريبها، إلى حد لم يصل إليه غيره، مما جعله - بحق إمام التفسير في عهد الصحابة، ومرجع المفسرين في الأعصر التالية للعصر الذي وجد فيه، وزعيم هذِه الناحية من التفسير على الخصوص، حتى لقد قيل في شأنه: إنه هو الذي أبدع الطريقة اللغوية\n_________\n(١) \"الإتقان\" ١/ ١٢٠.","vol":"1","page":144},{"text":"لتفسير القرآن (١).\nهذا وقد بين لنا ابن عباس -﵁-، مبلغ الحاجة إلى هذه الناحية في التفسير، وحض عليها من أراد أن يتعرف غريب القرآن، فقد روى أبو بكر ابن الأنباري عنه أنه قال: الشعر ديوان العرب، فإذا خفي علينا الحرف من القرآن الذي أنزله الله بلغة العرب، رجعنا إلى ديوانها فالتمسنا ذلك منه (٢).\nوروى ابن الأنباري عنه أيضًا أنه قال: إذا سألتموني عن غريب القرآن فالتمسوه في الشعر، فإن الشعر ديوان العرب (٣).\nفابن عباس -﵁- كان يرى رأي عمر في ضرورة الرجوع إلى الشعر الجاهلي، للاستعانة به على فهم غريب القرآن، بل وكان أكثر الصحابة إلمامًا بهذِه الناحية وتطبيقًا لها.\nوقد استمرت هذه الطريقة إلى عهد التابعين ومن يليهم، إلى أن حدثت خصومة بين متورعي الفقهاء وأهل اللغة، فأنكروا عليهم هذه الطريقة، وقالوا: إن فعلتم ذلك جعلتم الشعر أصلًا للقرآن (٤)، وقالوا: كيف يجوز أن يحتج بالشعر على القرآن وهو مذموم في القرآن والحديث.\nوالحق أن هذه الخصومة التي جدّت في الأجيال المتأخرة لم تقم على أساس، فالأمر ليس كما يزعمه أصحاب هذا الرأي، من جعل الشعر أصلًا للقرآن، بل هو في الواقع، بيان للحرف الغريب من القرآن بالشعر؛\n_________\n(١) \"المذاهب الإسلامية في تفسير القرآن\" ص (٦٩).\n(٢) \"الإتقان\" ١/ ١١٩.\n(٣) المصدر السابق.\n(٤) ومن هؤلاء الإمام النيسابوري صاحب التفسير المشهور، فقد صرح بذلك في مقدمة \"تفسيره\" ١/ ٦.","vol":"1","page":145},{"text":"لأن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّا جَعَلنَهُ قُرءَانًا عَرَبيًّا﴾ [الزخرف: ٣]. وقال ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِىٍّ مبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٥] ولهذا لم يتحرج المفسرون إلى يومنا هذا من الرجوع إلى الشعر الجاهلي للاستشهاد به على المعنى الذي يذهبون إليه في فهم كلام الله تعالى (١).\nلقد صرح المؤلف في مقدمة البسيط باعتماده على تفسير ابن عباس، حيث قال: وأبتدئ في كل آية عند التفسير بقول ابن عباس ما وجدت له نصًّا. وقد التزم المؤلف هذا الشرط في كتابه، فنجده يصدر كل آية حين تفسيرها بقول ابن عباس بغض النظر عن صحة تلك الرواية أو ضعفها، إذ لم يكن من شأن الواحدي العناية بهذا الجانب، كما بينت في المآخذ عليه، وهذا يؤكد ما ذكر عنه في هذا الباب، ففي مواطن قليلة يعتمد رواية علي بن أبي طلحة، الذي يميزه الواحدي بقوله: (الوالبي).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-91>١ - الرواية المنسوبة إلى عطاء بن أبي رباح </span>(٢):\nوقد استوعبت هذه الرواية تفسير القرآن كما يبدو من البسيط وهي رواية مكذوبة يرويها موسى بن عبد الرحمن الصنعاني (٣)، عن عطاء، عن\n_________\n(١) نقلا عن كتاب \"التفسير والمفسرون\" ١/ ٦٩.\n(٢) هو: عطاء بن أبي رباح بن أسلم المكي القرشي مولاهم، أبو محمد، كان ثقة فقيها عالما كثير الحديث، روى عن أبي هريرة وابن عباس وجابر، وغيرهم، انتهت إليه فتوى أهل مكة، وكان أعلم الناس بالمناسك ومن أجل تلاميذ ابن عباس. توفي سنة (١١٤) هـ، وقيل غير ذلك.\nانظر: \"التاريخ الكبير\" للبخاري ٦/ ٤٦٣، و\"سير أعلام النبلاء\" ٥/ ٧٨، و\"تهذيب التهذيب\" ٧/ ١٧٤.\n(٣) هو: موسى بن عبد الرحمن الثقفي الصنعاني قال ابن حبان: دجال، وضع على ابن =","vol":"1","page":146},{"text":"ابن عباس.\nقال ابن حبان (١): وضع على ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس كتابًا في التفسير جمعه من كلام الكلبي ومقاتل بن سليمان وألزقه بابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس، ولم يحدث عن ابن عباس، ولم يحدث به ابن عباس، ولا عطاء سمعه، ولا ابن جريج سمع من عطاء، وإنما سمع ابن جريج من عطاء الخراساني عن ابن عباس في التفسير أحرفًا شبيهًا بجزء، وعطاء لم يسمع من ابن عباس شيئًا ولا رواه ولا تحل الرواية عن هذا الشيخ ولا النظر في كتابه إلا على سبيل الاعتبار (٢).\nقال الحافظ ابن حجر (٣):\nومن التفاسير الواهية لوهاء رواتها، التفسير الذي جمعه موسى بن\n_________\n= جريج عن عطاء عن ابن عباس كتابًا في التفسير. وقال الذهبي: دجال. اهـ. وقال ابن عدي منكر الحديث يروي أباطيل، يعرف بأبي محمد المفسر قال ابن حجر: معروف ليس بثقة.\nانظر: \"ميزان الاعتدال\" ٤/ ٢١١، و\"ديوان الضعفاء والمتروكين\" ص ٣١١، و\"لسان الميزان\" ٦/ ١٢٤، \"الكشف الحثيث\" ١/ ٢٦٣.\n(١) هو: الحافظ العلامة محمد بن حبان بن أحمد بن حبان أبو حاتم البستي التميمي. كان من أوعية العلم في الفقه والحديث واللغة والوعظ عاقلًا ثقة نبيلًا ذا تصانيف عجيبة، توفي سنة ٣٥٤ هـ.\nانظر: \"البداية والنهاية\" ١١/ ٢٩٥، و\"تذكرة الحفاظ\" للذهبي ٣/ ٩٢٠، و\"طبقات الحفاظ\" للسيوطي ص ٣٧٥.\n(٢) \"المجروحين\" لابن حبان ٢/ ٢٤٢.\n(٣) تقدمت ترجمته ص ٨٢.","vol":"1","page":147},{"text":"عبد الرحمن الثقفي الصنعاني، وهو قدر مجلدين يسنده إلى ابن جريج (١) عن عطاء عن ابن عباس، وقد نسب أبو حاتم (٢) موسى هذا إلى وضع الحديث، ورواه عن موسى: عبد الغني بن سعيد الثقفي (٣) وهو ضعيف (٤).\nوقد صرح المؤلف في أول كتابه \"أسباب النزول\" (٥) بإسناده إلى هذه الرواية وهي من طريق الطبراني (٦)، والطبراني روى قطعة من هذا التفسير\n_________\n(١) هو: عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج أبو الوليد، فقيه الحرم المكي، إمام أهل الحجاز في عصره، ثقة جليل القدر كثير الحديث جدًا، ولد بمكة سنة ٨٠ هـ قال الذهبي: ثقة لكنه يدلس. توفي ﵀ سنة ١٥٠هـ. ينظر ترجمته: \"سير أعلام النبلاء\" ٦/ ٣٢٥، و\"طبقات المفسرين\" للداودي ١/ ٣٥٩.\n(٢) هو: محمد بن إدريس بن المنذر بن داود بن مهران الحنظلي، الغطفاني، الرازي، أبو حاتم، محدث حافظ، أحد أئمة الجرح والتعديل، ولد في الري، وتنقل في العراق والشام ومصر وبلاد الروم، وبرع في المتن والإسناد وجمع وصنف وجرح وعدل وصحح وعلل، من أقران البخاري ومسلم، توفي ببغداد في شعبان سنة ٢٧٧، ومن مصنفاته \"طبقات التابعين\" و\"تفسير القرآن\". انظر ترجمته: \"سير أعلام النبلاء\" ٩/ ٥٥ - ٥٩، \"التقريب\" (٤٦٥)، \"الأعلام\" ٦/ ٢٧.\n(٣) عبد الغني بن سعيد الثقفي، ضعفه ابن يونس، وذكره ابن حبان في الثقات وقال: مصري يروي عن موسى بن عبد الرحمن الصنعاني، عن هشام بن عروة، قال ابن حجر: ابن يونس أعلم به. توفي سنة (٢٢٩). ينظر: \"الثقات\" لابن حبان ٨/ ٤٢٤، و\"لسان الميزان\" ٤/ ٤٥.\n(٤) \"العجاب في بيان الأسباب\" ١/ ٢٢٠. وينظر: \"الدر المنثور\" ٨/ ٧٠٠.\n(٥) \"أسباب النزول\" ص ٣٣.\n(٦) أبو القاسم سليمان بن أحمد بن أيوب بن مُطَير اللخمي الشامي الطبراني، صاحب المعاجم الثلاثة الإمام المحدث الحافظ الرحالة ولد سنة ٢٦٠ وله تصانيف كثيرة، ومات سنة ٣٦٠. ينظر: \"تذكرة الحفاظ\" ٣/ ٩١٢ و\"سير أعلام النبلاء\" ١٦/ ١١٩.","vol":"1","page":148},{"text":"في معجمه الكبير، في تفسير الآيات في شأن الإفك (١)، عن شيخه: بكر بن سهل الدمياطي (٢)، عن عبد الغني بن سعيد الثقفي، قال: حدثنا موسى بن عبد الرحمن الصنعاني عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس وعند مقارنته بما نقله المؤلف في البسيط من رواية عطاء، عن ابن عباس نجدها مطابقة لرواية الطبراني، مما يدل على أن طريق رواية الواحدي عن عطاء هو ذاك الطريق الواهي الضعيف.\nوهذه الرواية لا توجد الآن، ولا تكاد تذكر عند أهل الرواية ولا يذكرها إلا الثعلبي أو المؤلف، أو من ينقل عنهما، كالبغوي وابن الجوزي والرازي (٣) وغيرهم.\nوالأمثلة على نقل المؤلف من هذه الرواية أكثر من أن تحصى، بل يندر أن نجد آية لا يذكر فيها شيئًا منها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-92>٢ - رواية الكلبي </span>(٤):\nوهي رواية الكلبي عن ابن عباس، وهي مكذوبة، وقد أخرج عن ابن\n_________\n(١) \"المعجم الكبير\" ٢٣/ ١٣٠ - ١٦١.\n(٢) بكر بن سهل بن إسماعيل بن نافع، أبو محمد الهاشمي مولاهم الدمياطي، المفسر المقرئ ولد سنة ١٩٦، ضعفه النسائي مات بدمياط سنة ٢٨٩. ينظر: \"ميزان الاعتدال\" ١/ ٣٤٥ و\"سير أعلام النبلاء\" ١٣/ ٤٢٥.\n(٣) هو أبو عبد الله. محمد بن عمر بن الحسين بن الحسن التميمي البكري الرازي، فخر الدين والمعروف بابن الخطيب، المولود سنة ٥٤٤، مفسر متكلم واعظ على مذهب الأشعري، وقيل: إنه رجع في آخر عمره عن مذهب الأشعري. ومن أهم مصنفاته: \"التفسير الكبير\" المسمى، \"مفاتيح الغيب\". توفي سنة ٦٠٦. ينظر: \"وفيات الأعيان\" ٢/ ٢٦٥ و\"شذارت الذهب\" ٥/ ٢٠١.\n(٤) هو: أبو النضر محمد بن السائب بن بشر الكلبي، النسابة المفسر، متهم بالكذب ورمي بالرفض، قال: يحيى ابن معين ضعيف. توفي سنة ١٤٦هـ =","vol":"1","page":149},{"text":"عباس تفسيرًا كثيرًا عن أبي صالح (١) عن ابن عباس، والكلبي متهم بالكذب، روى البخاري بسنده عن سفيان الثوري (٢) قال: قال لي الكلبي: كل ما حدثتك عن أبي صالح فهو كذب.\nوقال البخاري (٣): أبو النضر الكلبي تركه يحيى بن سعيد (٤) وابن\n_________\n= ينظر ترجمته في: \"التاريخ الكبير\" ١/ ١٠١، و\"الضعفاء الصغير\" ص ١٠١ تحقيق محمود زايد ط ١ دار الوعي كلاهما للبخاري، \"تهذيب الكمال\" ٢٥/ ٢٥٠، \"التقريب\" ١/ ٤٧٩.\n(١) هو: باذان، ولقال باذام، ولقال: ذكوان، أبو صالح مولى أم هانئ، مفسر ومن رواة الأخبار، روى عن مولاته وأبي هريرة وابن عباس وغيرهم إلا أنه ضعيف. وقال ابن حبان: يحدث عن ابن عباس ولم يسمع، وروى عن الكلبي، قال حبيب بن أبي ثابت: كنا نسمي أبا صالح باذام دروغزن، وكان الشعبي يمر به فيأخذ بأذنه ويقول: ويحك كيف تفسر القرآن وأنت لا تحسن أن تقرأ، وتركه يحيى بن سعيد القطان، وابن مهدي. توفي سنة ١٢٠هـ تقريبا.\nينظر: \"طبقات ابن سعد\" ٥/ ٣٠٢، \"التاريخ الكبير\" ٢/ ١٤٤، \"الجرح والتعديل\" ٣/ ٤٤١، \"سير أعلام النبلاء\" ٥/ ٣٧ - ٣٨، و\"تقريب التهذيب\" ص ١٢٠.\n(٢) هو: سفيان بن سعيد بن مسروق بن حبيب الثوري الكوفي الفقيه، الإمام الحافظ المجتهد سيد أهل زمانه علمًا وعملًا، ولد سنة ٩٧هـ روى له الجماعة توفي سنة ١٦١هـ بالبصرة.\nينظر: \"طبقات ابن سعد\" ٦/ ٣٧١، و\"حلية الأولياء\" ٦/ ٣٥٦.\n(٣) \"التاريخ الكبير\" ١/ ١٠١ و\"الضعفاء الصغير\" ص ١٠١ تحقيق محمود زايد ط ١ دار الوعي كلاهما للبخاري.\n(٤) هو يحي بن سعيد بن فروخ التميمي مولاهم البصري القطان أبو سعيد، الإمام الحافظ المحدث، الثقة المتقن، أمير المؤمنين في الحديث، أخرج حديثه الجماعة، روى عنه أحمد وعلي بن المديني ويحيى بن معين وغيرهم من الأئمة وكان من سادات أهل البصرة وقرائهم، ولد سنة ١٢٠ وتوفي سنة ١٩٨. ينظر في ترجمته: \"طبقات ابن سعد\" ٧/ ٢٩٣ و\"سير أعلام النبلاء\" ٩/ ١٧٥.","vol":"1","page":150},{"text":"مهدي (١).\nوقال أبو حاتم: الناس مجمعون على ترك حديثه، وهو ذاهب الحديث لا يشتغل به.\nقال ابن حجر: ومن روايات الضعفاء عن ابن عباس: التفسير المنسوب لأبي النضر محمد بن السائب الكلبي، فإنه يرويه عن أبي صالح، وهو مولى أم هانئ، عن ابن عباس. والكلبي اتهموه بالكذب، وقد مرض فقال لأصحابه في مرضه: كل شيء حدثتكم عن أبي صالح كذب (٢).\nوقال السيوطي: وأوهى طرقه -يعني تفسير ابن عباس- طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس، فإن انضم إلى ذلك رواية محمد بن مروان السدي الصغير (٣)، فهي سلسلة الكذب، وكثيرًا ما يخرج منها الثعلبي والواحدي (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-93>٣ - تفسير تنوير المقباس:</span>\nوقد نسب هذا التفسير إلى ابن عباس وقد طبع في مصر مرارًا باسم\n_________\n(١) عبد الرحمن بن مهدي بن حسان بن عبد الرحمن أبو سعيد العنبري الإمام المحدث الكبير ولد سنة ١٣٥ وخرج الجماعة حديثه توفي سنة ١٩٨ بالبصرة. ينظر: \"طبقات ابن سعد\" ٧/ ٢٩٧، و\"حلية الأولياء\" ٩/ ٣.\n(٢) \"العجاب في بيان الأسباب\" ١/ ٢٠٩.\n(٣) محمد بن مروان السدي الكوفي، وهو السدي الصغير أحد المتروكين، قال الذهبي: تركوه واتهمه بعضهم بالكذب، وهو صاحب الكلبي. قال البخاري: سكتوا عنه وهو مولى الخطابيين ولا يكتب حديثه البتة، وقال ابن معين: ليس بثقة، وقال أحمد: أدركته وقد كبر فتركته. ينظر: \"ميزان الاعتدال\" ٤/ ٣٢، و\"سير أعلام النبلاء\" ٥/ ٢٦٥.\n(٤) \"الإتقان\" ٢/ ١٨٩.","vol":"1","page":151},{"text":"\"تنوير المقباس في تفسير ابن عباس\".\nجمعه أبو طاهر محمد بن يعقوب الفيروزابادي الشافعي (١)، صاحب \"القاموس المحيط\"، وقال الدكتور محمد حسين الذهبي في كتابه الماتع \"التفسير والمفسرون\": وقد اطلعت على هذا التفسير، فوجدت جامعه يسوق عند الكلام عن البسملة الرواية عن ابن عباس بهذا السند أخبرنا عبد الله الثقة بن المأمون الهروي، قال: أخبرنا أبي، قال: أخبرنا أبو عبد الله محمود بن محمد الرازي، قال: أخبرنا عمار بن عبد المجيد الهروي، قال: أخبرنا علي بن إسحاق السمرقندي، عن محمد بن مروان، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس. وعند تفسير أول البقرة، وجدته يسوق الكلام بإسناده إلى عبد الله بن المبارك، قال: حدثنا علي بن إسحاق السمرقندي عن محمد بن مروان، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس. وفي مبدأ كل سورة يقول: وبإسناده عن ابن عباس.\n.. وهكذا يظهر لنا جليًا، أن جميع ما روي عن ابن عباس في هذا الكتاب يدور على محمد بن مروان السدي الصغير، عن محمد بن السائب\n_________\n(١) هو محمد بن يعقوب بن محمد بن إبراهيم، الفيروزآبادي الشافعي، أبو طاهر، ولد شي كازورن من أعمال شيراز سنة ٧٢٩ هـ، ونشأ بها، وانتقل إلى شيراز وأخذ الأدب واللغة عن والده وغيره من علماء شيراز، ورحل إلى العراق ومصر والشام واليمن وغيرها من البلاد وأخذ عن علمائها، وتولى قضاء اليمن كله، وجاور مكة والمدينة وتوفي سنة ٨١٧ هـ.\nمن تصانيفه: \"القاموس المحيط\"، \"بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز\"، \"فتح الباري بالسيل الفسيح الجاري في شرح صحيح البخاري\" وغيرها من التصانيف.\nينظر: \"الضوء اللامع\" للسخاوي ١٠/ ٧٦ - ٧٩، \"بغية الوعاة\" ص ١١٧ - ١١٨، \"شذرات الذهب\" لابن عماد ١٠/ ١٢٦ - ١٣١.","vol":"1","page":152},{"text":"الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، وقد عرفنا مبلغ رواية السدي الصغير عن الكلبي فيما تقدم.\nوحسبنا في التعقيب على هذا ما روي من طريق ابن عبد الحكم قال: سمعت الشافعي يقول: لم يثبت عن ابن عباس في التفسير إلا شبيه بمائة حديث (١).\nوهذا الخبر إن صح عن الشافعي يدلنا على مقدار ما كان عليه الوضّاعون من الجرأة على اختلاق هذه الكثرة من التفاسير المنسوبة إلى ابن عباس، وليس أدل على ذلك، من أنك تلمس التناقض ظاهرًا بين أقوال في التفسير نسبت إلى ابن عباس ورويت عنه. إن هذا التفسير المنسوب إلى ابن عباس لم يفقد شيئًا من قيمته العلمية في الغالب، وإنما الشيء الذي لا قيمة له فيه، هو نسبته إلى ابن عباس (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-94>٤ - رواية الضحاك:</span>\nأمَّا طريق الضحاك بن مزاحم الهلالي (٣) عن ابن عباس فهي غير\n_________\n(١) \"الإتقان\" ٢/ ١٨٩.\n(٢) \"التفسير والمفسرون\" ١/ ٨٢.\n(٣) الضحاك بن مزاحم الهلالي البلخي، أبو القاسم أو أبو محمد الخُراساني، قال سفيان الثوري: خذوا التفسير عن أربعة سعيد بن جبير، الضحاك بن مزاحم، مجاهد بن جبر، وعكرمة.\nقال ابن حبان: من زعم أنه رأى ابن عباس فقد وهم. وقال ابن عدي: عُرِف بالتفسير، وأما روايته عن ابن عباس وأبي هريرة وجميع من روى عنهم ففي ذلك كله نظر وإنما اشتهر بالتفسير. وثقه أحمد، وابن معين وأبو زرعة، وضعفه يحيى بن سعيد، اختلف في سنة وفاته فقيل ١٠٥ هـ أو ١٠٦ هـ.\nينظر: \"التاريخ الكبير\" ٤/ ٣٣٢، \"الثقات\" لابن حبان ٦/ ٤٨٠، \"الكامل في الضعفاء\" ٤/ ٩٥، \"التقريب\" ١/ ٢٨٠.","vol":"1","page":153},{"text":"مرضية؛ لأنه وإن وثقه نفر فطريقه إلى ابن عباس منقطعة؛ لأنه روى عنه ولم يلقه، فإن انضم إلى ذلك رواية بشر بن عمارة (١)، عن أبي روق (٢)، عن الضحاك، فضعيفة لضعف بشر، وقد أخرج من هذه النسخة كثيرًا ابن جرير وابن أبي حاتم.\nوإن كان من رواية جويبر (٣) عن الضحاك فأشد ضعفًا؛ لأن جويبر شديد الضعف متروك. ولم يخرج ابن جرير ولا ابن أبي حاتم من هذه الطريق شيئًا، إنما خرجها ابن مردويه (٤)، وأبو الشيخ أبو محمد عبد الله\n_________\n(١) هو: بشر بن عمارة الخثعمي الكوفي، روى عن: الأحوص بن حكيم، وإدريس بن سنان ابن بنت وهب بن منبه، وأبي روق عطية بن الحارث الهمداني، وروى عنه: أحمد بن موسى، وجبارة بن مغلس الحماني، والحسن بن عبد الرحمن، وزكريا بن عدي، وغيرهم.\nقال أبو حاتم: ليس بالقوي في الحديث، قال عنه البخاري: تعرف وتنكر، وذكره النسائي في \"الضعفاء\" قال ابن حبان: يخطئ حتى يخرج عن حد الاحتجاج. ينظر: \"التاريخ الكبير\" ٢/ ٨٠ و\"الضعفاء\" للنسائي ص ٦، \"المجروحين\" لابن حبان ١/ ١٨٨.\n(٢) أبو روق عطية بن الحارث الهمذاني، صاحب التفسير، صدوق من الطبقة الخامسة. ينظر: \"الجرح والتعديل\" ٦/ ٣٨٢ رقم (٢١٢٢)، \"التقريب\" ٢/ ٢٤ رقم (٢١٥).\n(٣) جويبر بن سعيد الأزدي، يقال له جابر، وجويبر لقب، أبو القاسم البلخي، صاحب الضحاك، راوي التفسير، ضعيف جدًا، ضعفه علي ويحيى بن سعيد.\nوقال أحمد: لا يشتغل بحديثه. وقال ابن معين: ليس بشيء.\nوقال النسائي وعلي بن الجنيد والدارقنطني: متروك.\nينظر: \"التهذيب\" ١/ ٣١ رقم (٨٣)، و\"الكاشف\" ١/ ٥ رقم (٨٠١).\n(٤) أبو بكر أحمد بن موسى بن مردويه بن فُورك الأصبهاني صاحب التفسير الكبير، محدث أصبهان ولد سنة ٣٢٣ هـ من مصنفاته: \"التاريخ\"، و\"المستخرج على صحيح البخاري\" توفي سنة ٤١٠ هـ\nينظر: \"تاريخ أصبهان\" ١/ ١٦٨، و\"سير أعلام النبلاء\" ١٧/ ٢٠٨.","vol":"1","page":154},{"text":"ابن حيان (١)، كما أفاده السيوطي (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-95>٥ - رواية العوفي </span>(٣): فضعيفة، فقد كان يخطئ كثيرًا، وكان شيعيًا مدلسًا، قال الإمام أحمد: بلغني أن عطية كان يأتي الكلبي فيأخذ عنه التفسير، وكان يكنيه بأبي سعيد، فيقول: قال أبو سعيد، قال الذهبي: يعني يوهم أنه الخدري، وهذه الطريقة أخرج منها ابن جرير، وابن أبي حاتم كثيرًا.\n<span data-type=\"title\" id=toc-96>٦ - رواية السدي الكبير:</span>\nيروي إسماعيل بن عبد الرحمن السدى الكبير (٤)، تارة عن أبي\n_________\n(١) هو أبو محمد عبد الله بن محمد بن جعفر بن حيان المعروف بأبي الشيخ، الإمام الحافظ محدث أصبهان، صاحب التصانيف ولد سنة ٢٧٤ هـ، من مؤلفاته: \"كتاب السنة \"، و\"العظمة\"، وكتاب \"السنن\"، توفي سنة ٣٦٩ هـ.\nينظر: \"تذكرة الحفاظ\" ٣/ ٩٤٥، و\"سير أعلام النبلاء\" ١٦/ ٢٧٦.\n(٢) \"الإتقان\" ٢/ ١٨٩.\n(٣) عطية بن سعد بن جنادة الجدلي العوفي الكوفي، أبو الحسن، كان من غلاة الشيعة.\nقال أحمد: ضعيف. وقال أبو زرعة: لين.\nوقال أبو حاتم: ضعيف وأبو نضرة أحب إلي منه توفي سنة ١١١هـ.\nينظر: \"الميزان\" ٣/ ٧٩ و\"تهذيب التهذيب\" ٢/ ٢٩٤، ٧/ ٢٢٤، و\"تاريخ بغداد\" ٥/ ٣٣٢ و\"الجرح والتعديل\" ٣/ ٤٨ رقم (٢١٥)، و\"لسان الميزان\" ٥/ ١٧٤، \"تقريب التهذيب\" ١/ ٦٧٨.\n(٤) هو: إسماعيل بن عبد الرحمن بن أبي كريمة المعروف بالسدي الكبير، أبو محمد الكوفي، صاحب التفسير والمغازي، كان إماما عارفا بالوقائع وأيام الناس، وتفسيره أثني عليه، قال ابن معين: ضعيف، ولينه أبو زرعة، وقال أبو حاتم: يكتب حديثه. قال عنه ابن حجر: صدوق يهم، رمي بالتشيع، توفي سنة ١٢٧هـ. ينظر: \"الجرح والتعديل\" ٢/ ١٨٤، و\"تقريب التهذيب\" ص ١٠٨، و\"طبقات ابن سعد\" ٦/ ٣٢٣.","vol":"1","page":155},{"text":"مالك (١)، وتارة عن أبي صالح عن ابن عباس. وإسماعيل السدي مختلف فيه، وحديثه عند مسلم وأهل السنن الأربعة، وهو تابعي شيعي.\nوقال السيوطي: روى عن السدي الأئمة مثل الثوري وشعبة، لكن التفسير الذي جمعه رواه أسباط بن نصر (٢)، وأسباط لم يتفقوا عليه، غير أن أمثل التفاسير تفسير السدي (٣).\nوابن جرير يورد في تفسيره كثيرًا من تفسير السدي عن أبي مالك عن أبي صالح عن ابن عباس، ولم يخرج منه ابن أبي حاتم شيئًا؛ لأنه التزم أن يخرج أصح ما ورد (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-97>٧ - رواية الوالبي </span>(٥):\nوهي من أحسن الطرق عن ابن عباس، وهو صدوق، ولكنه لم يلق\n_________\n(١) غزوان الغفاري أبو مالك الكوفي مشهور بكنيته ثقة من الثالثة روى عنه أصحاب السنن ينظر: \"تقريب التهذيب\" ص ٤٤٢.\n(٢) أسباط بن نصر الهمداني، أبو يوسف، ويقال أبو نصر الكوفي، روى عن إسماعيل بن عبد الرحمن السدي، وجابر بن يزيد الجعفي، والحكم بن عبد الملك، وسماك بن حرب وغيرهم. وروى عنه: أحمد بن المفضل الحفري، وإسحاق بن منصور السلولي، والحسن بن بشر البجلي وغيرهم.\nقال أبو حاتم: سمعت أبا نعيم يضعف أسباط بن نصر، وقال: أحاديثه عامته سقط مقلوب الأسانيد. وقال النسائي: ليس بالقوي.\nروي له الجماعة إلا البخاري معلقًا.\nينظر: \"طبقات ابن سعد\" ٦/ ٢٦١، \"التاريخ الكبير\" ٢/ ٥٣ (١٦٥٦)، \"الجرح والتعديل\" ٢/ ٣٣٢ (١٢٦١)، \"الميزان\" ١/ ٣٥.\n(٣) \"الإتقان\" ٢/ ١٨٨.\n(٤) \"التفسير والمفسرون\" ١/ ٧٩، \"تفسير ابن عباس\" للدكتور الحميدي ١/ ٢٧ - ٢٨.\n(٥) هو: علي بن أبي طلحة مولى بني العباس، واسم أبيه سالم بن مخارق الهاشمي، =","vol":"1","page":156},{"text":"ابن عباس، وإنما أخذ تفسيره من مجاهد (١)، وله صحيفة في هذا التفسير أخرج منها البخاري كثيرًا في صحيحه فيما يعلقه عن ابن عباس، وأكثر منها ابن جرير في تفسيره.\nوقال الإمام أحمد: \"بمصر صحيفة في التفسير رواها علي بن أبي طلحة، لو رحل فيها رجل إل مصر قاصدًا ما كان كثيرًا\" (٢).\nوقد طعن بعض العلماء في تفسير علي بن أبي طلحة بأنه منقطع، حيث لم يسمع من ابن عباس، وقال الحافظ ابن حجر -رادًا على ذلك-: \"بعد أن عُرِفت الواسطة وهو ثقة، فلا ضير في ذلك\" (٣).\nوكثيرًا ما اعتمد على هذه الطريقة ابن جرير الطبري، وابن أبي حاتم، وابن المنذر بوسائط بينهم وبين أبي صالح. ومسلم وأصحاب السنن يحتجون بعلي بن أبي طلحة.\n_________\n= أبو الحسن ويقال أبو محمد، وأصله من الجزيرة، وانتقل إلى حمص، وهو صدوق كثير الإرسال. مات سنة ١٤٣هـ.\nينظر: \"التاريخ الكبير\" ٦/ ٢٨١، \"تهذيب الكمال\" ٢٠/ ٤٩٠، \"الكاشف\" ٢/ ٤١، \"تهذيب التهذيب\" ٧/ ٣٣٩.\n(١) هو: أبو الحجاج، مجاهد بن جبر المكي، تابعي جليل، مقرئ مفسر، حافظ ثقة، سمع من عدد من الصحابة، ولازم ابن عباس وقرأ عليه القرآن، وتلقى عنه التفسير، وكان أحد أوعية العلم، توفي سنة ١٠٣هـ.\nينظر: \"طبقات ابن سعد\" ٥/ ٤٦٦، و\"التاريخ الكبير\" ٧/ ٤١١، \"الحلية\" لأبي نعيم ٣/ ٢٧٩، و\"معرفة القراء الكبار\" للذهبي ١/ ٦٦، \"تهذيب التهذيب\" ٧/ ٣٣٩.\n(٢) \"الإتقان\" ٢/ ١٨٨ وينظر: تفسير ابن عباس ومروياته في التفسير من كتب السنة، للدكتور عبد العزيز الحميدي ١/ ٢٥.\n(٣) المصدر السابق.","vol":"1","page":157},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-98>٨ - طريق قيس بن مسلم الكوفي </span>(١)، عن عطاء بن السائب عن سعيد ابن جبير، عن ابن عباس. وهذه الطريق صحيحة على شرط الشيخين، وكثيرًا ما يخرج منها الفريابي والحاكم في \"مستدركه\".\n<span data-type=\"title\" id=toc-99>٩ - طريق بن إسحاق </span>(٢) صاحب السير، عن محمد بن أبي محمد مولى آل زيد ابن ثابت، عن عكرمة أو سعيد بن جبير عن ابن عباس، وهي طريق جيدة وإسنادها حسن، وقد أخرج منها ابن جرير وابن أبي حاتم كثيرًا، وأخرج الطبراني منها في \"معجمه الكبير\".\n<span data-type=\"title\" id=toc-100>١٠ - طريق عبد الملك بن جريج </span>(٣)، عن ابن عباس، وهي تحتاج الى\n_________\n(١) لعله قيس بن مسلم الجدلي الكوفي، أبو عمرو، الإمام المحدث الثقة، وثقه أحمد وقال مرة: متقن للحديث لا تبالي إذا أخذت عنه حديثه. قال أبو داود: كان مرجئًا. وقال ابن عيينة: كانوا يقولون: ما رفع قيس رأسه إلى السماء منذ كذا وكذا تعظيمًا لله توفي سنة ١٢٠ هـ. ينظر: \"طبقات ابن سعد\" ٦/ ٣١٧، \"طبقات خليفة\" ص ١٦٠ \"التاريخ الكبير\" ٥/ ١٥٤، \"تهذيب الكمال\" ٢٤/ ٨١.\n(٢) محمد بن إسحاق بن يسار، العلامة الحافظ الأخباري، وقيل أبو عبد الله القرشي المطلبي مولاهم المدني صاحب السيرة النبوية، ولد سنة ٨٠ هـ، وثقه يحيى ابن معين. وقال أحمد: حسن الحديث.\nوقال الذهبي: وقد أمسك عن الاحتجاج بروايات ابن إسحاق غير واحد من العلماء لأشياء، منها: تشيعه، ونسب إلى القدر، ويدلس في حديثه، فأما الصدق فليس بمدفوع عنه.\nينظر: \"طبقات ابن سعد\" ٧/ ٣٢١، \"الكامل\" لابن عدي ٣/ ٢٥، \"سير أعلام النبلاء\" ٧/ ٣٣.\n(٣) عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، الأمام العلامة، الحافظ شيخ الحرم، أبو الوليد القرشي الأموي، المكي صاحب التصانيف أول من دون العلم بمكة. توفي ﵀ سنة ١٥٠هـ. =","vol":"1","page":158},{"text":"دقة في البحث، ليعرف الصحيح منها والسقيم، فإن ابن جريج لم يقصد الصحة فيما جمع، وإنما روى ما ذكر في كل آية من الصحيح والسقيم، فلم يتميز في روايته الصحيح من غيره، وقد روى عن ابن جريج هذا جماعة كثيرة، منهم بكر بن سهل الدمياطي، عن عبد الغني بن سعيد، عن موسى بن محمد، عن ابن جريج عن ابن عباس، ورواية بكر بن سهل أطول الروايات عن ابن جريج وفيها نظر.\nومنهم محمد بن ثور، عن ابن جريج، عن ابن عباس، روى ثلاثة أجزاء كبار ومنهم الحجاج بن محمد عن ابن جريج، روى جزءًا وهو صحيح متفق عليه.\nولأجل هذا الاختلاف بين الطرق المأثورة عن ابن عباس فقد افترق المفسرون تجاه تفسيره إلى ثلاث فرق (١):\nالأولى: أخذت بكل ما روي عنه، فوقعوا في كثير من المرويات الضعيفة والموضوعة، وعلى رأس القائمة في هذا الاتجاه: الثعلبي والمؤلف، وتبعهم على ذلك من اعتمد على تفاسيرهم وأكثر النقل عنهم.\nوالثانية: اقتصروا على رواية الصحيح دون غيره، لكنهم لم يرووا عنه إلا القليل، ومن أبرز هؤلاء: الشيخان: البخاري ومسلم في صحيحهما.\nوالثالثة: تجنبوا الأحاديث الموضوعة؛ لشهرة رواتها من الكذابين، ولكنهم خلطوا بين الروايات الصحيحة والضعيفة، وهؤلاء هم أكثر المفسرين الذين اهتموا بنقل تفسير الصحابة والتابعين، كالإمام ابن جرير\n_________\n= ينظر: \"طبقات ابن سعد\" ٥/ ٤٩١، \"تاريخ الإسلام\" ٦/ ٩٦، \"سير أعلام النبلاء\" ٦/ ٣٢٥.\n(١) ينظر هذا التفصيل في كتاب تفسير ابن عباس للدكتور الحميدي ١/ ٢٧ - ٢٨.","vol":"1","page":159},{"text":"وابن أبي حاتم (١)، وكذلك الذين رووا بعض تفسير ابن عباس من علماء السنة: كعبد الرزاق الصنعاني (٢)، والإمام أحمد، والترمذي، والحاكم، والبيهقي (٣).\n_________\n(١) عبد الرحمن بن محمد بن إدريس بن المنذر الحنظلي الرازي، أبو محمد، اشتهر بابن أبي حاتم، الأمام المحدث الأصولي الفقيه، المفسر الناقد، ولد سنة ٢٤٠ هـ، تلقى العلم عن أبيه وغيره من علماء الري ثم انتقل إلى مكة المكرمة وسمع من مشايخها ثم رحل السواحل والشام ومصر وأصبهان، ثم رجع إلى الري يدرس ويصنف ويؤلف إلى أن وافته المنية سنة (٣٢٧) عن عمر ٨٧ عامًا.\nمن تصانيفه: \"تفسير القرآن الكريم\"، \"الجرح والتعديل\"، \"الرد على الجهمية\"، \"مناقب الشافعي\"، \"المسند\"، \"كتاب الضعفاء\".\nينظر: \"الأنساب\" للسمعاني ٤/ ٢٨٧، \"سير أعلام النبلاء\" ١٣/ ٢٤٦، \"تذكرة الحفاظ\" ٣/ ٨٣٩.\n(٢) عبد الرزاق بن همام بن نافع، أبو بكر الحميري، مولاهم الحميري، أحد الحفاظ الثقات المشهورين المتفق على تخريج حديثه، ولد سنة ١٢٦هـ روى له الجماعة، قدم الشام تاجرًا، وسمع الأوزاعي وسعيد بن جبير ومحمد بن راشد المكحولي وإسماعيل بن عياش، وغيرهم، توفي سنة ٢١١ هـ عن خمس وثمانين عامًا، وكان فيه تشيع. من أهم تصانيفه: \"المصنف\" \"تفسير عبد الرزاق\".\nينظر ترجمته: \"التاريخ الكبير\" ٦/ ٢٣٠، \"التاريخ الصغير\" ٢/ ٣٢٠، \"الثقات\" لابن حبان ٨/ ٤١٢، \"تهذيب الكمال\" ١٨/ ٥٢، \"طبقات المدلسين\" ١/ ٣٤.\n(٣) الفقيه الأصولي، الحافظ الورع واحد زمانه في الحفظ والإتقان: أبو بكر أحمد بن الحسن بن علي بن يونس، صاحب التصانيف الكثيرة المشهورة، ولد سنة ٣٨٤هـ في شعبان، وتلقى العلم عن علماء خُراسان ونيسابور، وانتقل إلى بغداد والكوفة، والحجاز وغيرها من البلاد، توفي ﵀ في عاشر جمادى الأولى من سنة (٤٥٨ هـ) في نيسابور ونقل في تابوت إلى بيهق ودفن بها.\nومن تصانيفه: \"السنن الكبرى\"، و\"معرفة السنن والآثار\"، و\"شعب الأيمان\".\nينظر: \"الأنساب\" للسمعاني ٢/ ٣٨١، \"الكامل\" لابن الأثير ٨/ ١٠٤، \"طبقات الشافعية\" ٤/ ٩، \"تذكرة الحفاظ\" ٣/ ١١٣٢.","vol":"1","page":160},{"text":"قال الدكتور الحميدي: وقد نقل كثير من المفسرين المتأخرين هذِه الروايات من غير تمييز بينها، وأحيانًا ينقلونها بغير إسناد، إلا أن بعضهم يبين ضعف الروايات أحيانًا، إذا كان الموضوع مهمًا، كآيات العقائد والأحكام، كالحافظ ابن كثير (١) (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-101>١١ - ثانيًا: تفسير مقاتل بن سليمان (ت ١٥٠) ه</span>ـ:\nاعتمد المؤلف طريق مقاتل بن سليمان الأزدي الخراساني (٣)، وهو المفسر الذي ينسب إلى الشافعي أنه قال فيه: \"إن الناس عيال عليه في\n_________\n(١) هو عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي الشافعي، الإمام المحدث المفسر المؤرخ، صاحب التفسير المشهور، أخذ العلم عن ابن تيمية والمزي وهو من أقران الذهبي وابن القيم،. توفي ﵀ سنة ٧٧٤ هـ.\nمن مصنفاته: \"البداية والنهاية\"، \"تفسير القرآن العظيم\"، \"الباعث الحثيث\"، وغيرها من العلوم النافعة أسكنه الله فسيح جناته.\nينظر: \"تذكرة الحفاظ\" ٤/ ١٥٠٨، \"الدرر الكامنة\" ١/ ٣٩٩.\n(٢) \"تفسير ابن عباس في الكتب الستة\" للدكتور الحميدي ١/ ٢٨.\n(٣) أبو الحسن، كبير المفسرين مقاتل بن سليمان بن بشير الأزدي الخُراساني، البلخي، مفسر، متكلم، مشارك في القراءات واللغة.\nقال ابن عيينة: قلت لمقاتل: زعموا أنك لم تسمع من الضحاك. قال كان يغلق عليّ وعليه باب. فقلت في نفسي: أجل باب المدينة.\nوقال وكيع: كان كذابًا. قال البخاري: مقاتل لا شيء البتة.\nوقال الذهبي: أجمعوا على تركه. مات سنة ١٥٠هـ.\nمن مصنفاته: \"التفسير الكبير\"، \"الرد على القدرية\"، \"الوجوه والنظائر في القراءات\"، \"الأقسام واللغات\"، و\"الآيات المتشابهات\".\nينظر: \"طبقات بن سعد\" ٧/ ٣٧٣، \"التاريخ الصغير\" ٢/ ٢٢٧، \"الجرح والتعديل\" ٨/ ٢٥٤ - ٣٥٥، \"تهذيب الكمال\" ٢٨/ ٤٣٤ - ٤٥١، \"سير أعلام النبلاء\" ٧/ ٢٠١ - ٢٠٢، \"معجم المؤلفين\" ٣/ ٩٠٥ - ٩٠٦.","vol":"1","page":161},{"text":"التفسير\" (١) ومع ذلك فقد ضعفوه، وقالوا: إنه يروي عن مجاهد وعن\nالضحاك ولم يسمع منهما.\nوقد كذبه غير واحد، ولم يوثقه أحد، واشتهر عنه التجسيم والتشبيه (٢)، وتكلم عنه السيوطي فقال: \"إن الكلبي يفضل عليه، لما في مقاتل من المذاهب الرديئة\" (٣). وقد سئل وكيع عن تفسير مقاتل؟ فقال: \"لا تنظروا فيه\"، فقال السائل: ما أصنع به؟ قال: ادفنه -يعني التفسير (٤) -، وقال أحمد بن حنبل: لا يعجبني أن أروي عن مقاتل بن سليمان شيئًا (٥). وبالجملة فإن من استحسن تفسير مقاتل كان يضعفه ويقول \"ما أحسن تفسيره لو كان ثقة\" (٦).\nولاعتماد المؤلف هذا الطريق تردد اسم مقاتل كثيرًا في البسيط مما يدل على أنه من مصادره الرئيسة التي أفاد منها، وأغلب نقولاته عنه كانت مع العزو؛ تارة بنصه وتارة بالمعنى والتصرف في العبارة، ويبدو أن الواحدي نقل عن مقاتل بواسطة شيخه الثعلبي؛ تبيَّن ذلك بأمرين:\n١ - اختلاف عبارة الواحدي المنسوبة لمقاتل عن تفسير مقاتل وتطابقها مع عبارة الثعلبي.\n٢ - عدم وجود القول أحيانًا في تفسير مقاتل ووروده بنصه في تفسير\n_________\n(١) \"وفيات الأعيان\" ٢/ ٧٦٧.\n(٢) \"إيثار الحق\" ص ١٥٩.\n(٣) \"الإتقان\" ٣/ ١٨٩.\n(٤) \"تهذيب الأسماء واللغات\" ٢/ ١١١.\n(٥) المصدر السابق.\n(٦) \"التفسير معالم حياته - منهجه اليوم\" ص ٩.","vol":"1","page":162},{"text":"الثعلبي منسوبًا لمقاتل.\nوقد يصعب ضرب الأمثلة؛ لكثرة استشهاده بآراء مقاتل. وهناك مشكلة يجدر الإشارة إليها، وهي الالتباس بين مقاتل بن سليمان ومقاتل بن حيان في التفسير، وذلك عند إطلاق الواحدي اسم مقاتل دون تحديد من هو؟ ومع أنه من خلال الاستقراء ظهر أنه يقصد عند الإطلاق مقاتل بن سليمان، إلا أنه يقصد به أحيانًا ابن حيان، وما أدري لعل بعض النصوص التي ذكرت أنها وردت في تفسير مقاتل بمعناه أن تكون قد وردت في تفسير مقاتل بن حيان بنصه، ولم أستطع التحقق من ذلك؛ لأن تفسيره مفقود -حسب علمي- وكذلك ما يرد في تفسير الثعلبي ولا يكون في تفسير مقاتل بن سليمان فلعله يكون من تفسير مقاتل بن حيان وأبهمه الثعلبي، خاصة وأن تفسيره من مصادر الثعلبي -كما ذكر في مقدمته- ومن أمثلة ذلك:\nعند قوله تعالى: ﴿وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [إبراهيم: ٣٦] أطلق اسم مقاتل وهو ابن حيان، فقال: وقال مقاتل: ومن عصاني فيما دون الشرك فإنك غفور رحيم. فمقاتل هنا هو ابن حيان، حيث وردت هذه العبارة بنصها منسوبة إليه في: \"تفسير الثعلبي\" (٧/ ١٥٦ب)، و\"البغوي\" ٣/ ٣٧، و\"ابن الجوزي\" ٥/ ٣٦٥ أما في تفسير مقاتل بن سليمان (١/ ١٩٤ أ) فعبارته، قال: ومن عصاني فكفر فإنك غفور رحيم.\nومثله عند قوله تعالى ميه ﴿وءاتَينَهُ فِى الدُّنيَا حَسَنَةً﴾ [النحل: ١٢٢] قال: وقال مقاتل: يعني الصلوات عليه مقرونًا بالصلاة على محمد - ﷺ -؛ وهو قول المتشهد: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم، فهلذا الخبر نسب إلى مقاتل بن حيان في تفسير البغوي وابن","vol":"1","page":163},{"text":"الجوزي، ولم أجده في تفسير مقاتل بن سليمان.\nوعند قوله تعالى: ﴿وَرَزَقْنَهُم مِّنَ الطَّيِّباتِ﴾ [الإسراء: ٧٠] قال: وقال مقاتل: السمن والزُّبد والحلاوي، وجعل رزق غيرهم ما لا يخفى عليكم، وهذا القول بنصه في تفسير الثعلبي (٧/ ١٤٤ أ) ولم يرد في تفسير مقاتل بن سليمان، فلعله من تفسير مقاتل بن حبان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-102>ثانيًا: تفسير الطبري </span>(١) أو جامع البيان عن تأويل آي القرآن، لأبى جعفر محمد بن جرير الطبري (٢٢٤) (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-103>التعريف بهذا التفسير وطريقة مؤلفه فيه:</span>\nيعد تفسير ابن جرير من أقوم التفاسير وأشهرها، كما يعتبر المرجع\n_________\n(١) طبع هذا التفسير طبعات عدة، أشهرها طبعة البابي الحلبي بمصر، وأفضلها التي حققها العلامة أحمد شاكر وأخوه محمود لكنها لم تكتمل.\n(٢) هو الإمام العلم الفرد القدوة الحافظ صاحب التصانيف المشهورة، أبو جعفر، محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب من أهل آمل طبرستان أكثر التطواف وسمع كبار المشايخ، ولد سنة ٢٢٤ هـ وكان من أفراد الدهر علمًا وذكاءً، وقل أن ترى العيون مثله. قال الخطيب: كان ابن جرير أحد أئمة العلماء يحكم بقوله ويرجع إلى رأيه لمعرفته وفضله، وكان قد جمع من العلوم ما لم يشاركه فيه أحد من أهل عصره، فكان حافظًا لكتاب الله عارفًا بالقراءات بصيرًا بالمعاني فقيهًا بالأحكام عالمًا بالسنن وطرقها وصحيحها وسقيمها، ناسخها ومنسوخها عارفًا بأقاويل الصحابة والتابعين الحلال والحرام، عارفًا بأيام الناس وأخبارهم وله تصانيف حسان كثيرة وتفرد بمسائل حفظت عنه. توفي ﵀ سنة ٣١٠ هـ. ومن تصانيفه: \"تاريخ الأمم والملوك\"، و\"جامع البيان عن تأويل آي القرآن\"، و\"تهذيب الآثار\"، و\"اختلاف الفقهاء\". ينظر: \"تاريخ بغداد\" ٢/ ١٦٢، \"تاريخ دمشق\" ٥٢/ ١٨٨، \"معجم الأدباء\" ١٨/ ٩٠، \"وفيات الأعيان\" ٤/ ١٩١، \"تذكرة الحفاظ\" ٢/ ٧١٠.","vol":"1","page":164},{"text":"الأول عند المفسرين الذين عنوا بالتفسير النقلي، وإن كان في الوقت نفسه يعتبر مرجعًا غير قليل الأهمية من مراجع التفسير العقلي؛ نظرًا لما فيه من الاستنباط، وتوجيه الأقوال، وترجيح بعضها على بعض ترجيحًا يعتمد على النظر العقلي، والبحث الحر الدقيق.\nويقع تفسير ابن جرير في ثلاثين جزءًا من الحجم الكبير، وقد كان هذا الكتاب من عهد قريب يعد مفقودًا لا وجود له، ثم قدر الله له الظهور والتداول، فكانت مفاجأة سارة للأوساط العلمية في الشرق والغرب أن وجدت في حيازة أمير (حائل) الأمير حمود ابن الأمير عبد الرشيد من أمراء نجد نسخة مخطوطة كاملة من هذا الكتاب، طبع عليها الكتاب من زمن قريب، فأصبحت في يدنا دائرة معارف غنية في التفسير المأثور (١).\nولو أننا تتبعنا ما قاله العلماء في \"تفسير ابن جرير\"، لوجدنا أن الباحثين في الشرق والغرب قد أجمعوا الحكم على عظيم قيمته، واتفقوا على أنه مرجع لا غني عنه لطالب التفسير، فقد قال السيوطي -﵁-: وكتابه - يعني تفسير محمد بن جرير- أجل التفاسير وأعظمها، فإنه يتعرض لتوجيه الأقوال، وترجيح بعضها على بعض، والإعراب، والاستنباط، فهو يفوق بذلك على تفاسير الأقدمين (٢).\nوقال النووي: أجمعت الأمة على أنه لم يصنف مثل تفسير الطبري (٣) وقال أبو حامد الإسفراييني: لو سافر رجل إلى الصين حت يحصل على كتاب تفسير محمد بن جرير لم يكن ذلك كثيرًا (٤).\n_________\n(١) \"المذاهب الإسلامية في تفسير القرآن\" ص ٨٦.\n(٢) \"الإتقان\" ٢/ ١٩٠.\n(٣) المرجع السابق.\n(٤) \"معجم الأدباء\" ١٨/ ٤٢.","vol":"1","page":165},{"text":"وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"وأما التفاسير التي في أيدي الناس، فأصحها تفسير ابن جرير الطبري؛ فإنه يذكر مقالات السلف بالأسانيد الثابتة، وليس فيه بدعة، ولا ينقل عن المتهمين، كمقاتل بن بكير (١) والكلبي\" (٢).\nويذكر صاحب \"لسان الميزان\": أن ابن خزيمة استعار تفسير ابن جرير من ابن خالويه فرده بعد سنين ثم قال: \"نظرت فيه من أوله إلى آخره فما أعلم على أديم الأرض أعلم من ابن جرير\" فابن خزيمة ما شهد هذه الشهادة إلا بعد أن اطلع على ما في هذا التفسير من علم واسع غزير.\nهذا وقد كتب (نولدكه) في سنة ١٨٦٠م بعد اطلاعه على بعض فقرات من هذا الكتاب: \"لو كان بيدنا هذا الكتاب لاستغنينا به عن كل التفاسير المتأخرة، ومع الأسف فقد كان يظهر أنه مفقود تمامًا، وكان مثل \"تاريخه الكبير\" مرجعًا لا يغيض معينه أخذ عنه المتأخرون معارفهم\" (٣).\nويظهر مما بأيدينا من المراجع، أن هذا التفسير كان أوسع مما هو عليه اليوم، ثم اختصره مؤلفه إلى هذا القدر الذي هو عليه الآن، كما أن كتابه في التاريخ ظفر بمثل هذا البسط والاختصار، فابن السبكي يذكر في \"طبقاته الكبرى\" (٤) \"أن أبا جعفر قال لأصحابه: أتنشطون لتفسير القرآن؟ قالوا: كم يكون قدره؟ فقال: ثلاثون ألف ورقة، فقالوا: هذا ربما تفنى\n_________\n(١) هكذا بالأصل؛ ولعله ابن سليمان، وهو مقاتل بن سليمان بن بشير، وهو متهم بالكذب.\n(٢) \"فتاوى ابن تيمية\" ٢/ ١٩٢.\n(٣) \"المذاهب الإسلامية في تفسير القرآن\" ص ٨٥.\n(٤) ٢/ ١٣٧.","vol":"1","page":166},{"text":"الأعمار قبل تمامه، فاختصره في نحو ثلاثة آلاف ورقة، ثم قال: هل تنشطون لتاريخ العالم من آدم إلى وقتنا هذا؟ قالوا: كم قدره؟ فذكر نحوًا مما ذكره في التفسير، فأجابوه بمثل ذلك، فقال إنا لله، ماتت الهمم، فاختصره في نحو ما اختصر التفسير\" اهـ.\nهذا ونستطيع أن نقول إن تفسير ابن جرير هو التفسير الذي له الأولية بين كتب التفسير، أولية زمنية، وأولية من ناحية الفن والصناعة.\nأما أوليته الزمنية، فلأنه أقدم كتاب في التفسير وصل إلينا، وما سبقه من المحاولات التفسيرية ذهبت بمرور الزمن، ولم يصل إلينا شيء منها، اللهم إلا ما وصل إلينا منها في ثنايا ذلك الكتاب الخالد الذي نحن بصدده.\nوأما أوليته من ناحية الفن والصناعة؛ فذلك أمر يرجع إلى ما يمتاز به الكتاب من الطريقة البديعة التي سلكها فيه مؤلفه، حتى أخرجه للناس كتابًا له قيمته ومكانته.\n\nونريد أن نعرض هنا ل<span data-type=\"title\" id=toc-104>طريقة ابن جرير في \"تفسيره</span>\" بعد أن أخذنا فكرة عامة عن الكتاب، حتى يتبين للقارئ أن الكتاب واحد في بابه، سبق به مؤلفه غيره من المفسرين، فكان عمدة المتأخرين، ومرجعًا مهمًّا من مراجع المفسرين، على اختلاف مذاهبهم، وتعدد طرائقهم، فنقول:\nطريقة ابن جرير في \"تفسيره\":\nتتجلى طريقة ابن جرير في \"تفسيره\" بكل وضوح إذا نحن قرأنا فيه وقطعنا في القراءة شوطًا بعيدًا، فأول ما نشاهده، أنه إذا أراد أن يفسر الآية من القرآن يقول: \"القول في تأويل قوله تعالى كذا وكذا\" ثم يفسر الآية ويستشهد على ما قاله بما يرويه بسنده إلى الصحابة أو التابعين من التفسير المأثور عنهم في هذه الآية، وإذا كان في الآية قولان أو أكثر، فإنه يعرض","vol":"1","page":167},{"text":"لكل ما قيل فيها، ويستشهد على كل قول بما يرويه في ذلك عن الصحابة أو التابعين.\nثم هو لا يقتصر على مجرد الرواية، بل نجده يتعرض لتوجيه الأقوال، ويرجح بعضها على بعض، كما نجده يتعرض لناحية الإعراب إن دعت الحال إلى ذلك، كما أنه يستنبط الأحكام التي يمكن أن تؤخذ من الآية، مع توجيه الأدلة وترجيح ما يختار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-105>إنكاره على من يفسر بمجرد الرأي:</span>\nثم هو يخاصم بقوة أصحاب الرأي المستقلين في التفكير، ولا يزال يشدد في ضرورة الرجوع إلى العلم الراجع إلى الصحابة أو التابعين، والمنقول عنهم نقلًا صحيحًا مستفيضًا، ويرى أن ذلك وحده هو علامة التفسير الصحيح، فمثلًا عند ما تكلم عن قوله تعالى في الآية (٤٩) من سورة يوسف: ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ نجده يذكر ما ورد في تفسيرها عن السلف مع توجيهه للأقوال وتعرضه للقراءات بقدر ما يحتاج إليه تفسير الآية، ثم يعرج بعد ذلك على من يفسر القرآن برأيه، وبدون اعتماد منه على شيء إلا على مجرد اللغة، فيفند قوله، ويبطل رأيه، فيقول ما نصه \" ... وكان بعض من لا علم له بأقوال السلف من أهل التأويل، ممن يفسر القرآن برأيه على مذهب كلام العرب، يوجه معنى قوله ﴿وَفِيهِ يَعصِرُونَ﴾ إلى: وفيه ينجون من الجدب والقحط بالغيث، ويزعم أنه من العصر، والعصر التي بمعنى المنجاة، من قول أبي زبيد الطائي:\nصاديًا يستغيث غير مغاث ... ولقد كان عصرة المنجود\nأي: المقهور، ومن قول لبيد:\nفبات وأسرى القوم آخر ليلهم ... وما كان وقافًا بغير معصر","vol":"1","page":168},{"text":"وذلك تأويل يكفي من الشهادة على خطئه خلافه قول جميع أهل العلم من الصحابة والتابعين (١).\nوكثيرًا ما يقف ابن جرير مثل هذا الموقف حيال ما يروي عن مجاهد أو الضحاك أو غيرهما ممن يروون عن ابن عباس.\nفمثلًا عند قوله تعالى في الآية (٦٥) من سورة البقرة: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ يقول ما نصه: حدثني المثنى، قال: حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ قال: \"مسخت قلوبهم ولم يمسخوا قردة، وإنما هو مثل ضربه الله لهم، كمثل الحمار يحمل أسفارًا\" اهـ، ثم يعقب ابن جرير بعد ذلك على قول مجاهد فيقول ما نصه: \"وهذا القول الذي قاله مجاهد، قول لظاهر ما دل عليه كتاب الله مخالف ... \" إلخ (٢).\nومثلًا عند تفسيره لقوله تعالى في الآية (٢٢٩) من سورة البقرة أيضًا: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ تجده يروي عن الضحاك في معنى هذه الآية: أن من طلق لغير العدة فقد اعتدى وظلم نفسه، ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون، ثم يقول: وهذا الذي ذكر عن الضحاك لا معنى له في هذا الموضع؛ لأنه لم يجر للطلاق في العدة ذكر فيقال تلك حدود الله، وإنما جرى ذكر العدد الذي يكون للمطلق فيه الرجعة والذي لا يكون له فيه الرجعة، دون ذكر البيان عن الطلاق للعدة. اهـ (٣).\n_________\n(١) \"تفسير ابن جرير\" ٢٢/ ١٣٨.\n(٢) \"تفسير ابن جرير\" ٢٢/ ١٣٨.\n(٣) \"تفسير ابن جرير\" ٢٢/ ١٣٨.","vol":"1","page":169},{"text":"وهكذا نجد ابن جرير في غير موضع من تفسيره، ينبري للرد على مثل هذِه الآراء التي لا تستند إلا على مجرد الرأي أو محض اللغة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-106>موقفه من الأسانيد:</span>\nثم إن ابن جرير وإن التزم في تفسيره ذكر الروايات بأسانيدها، إلا أنه في الأعم الأغلب لا يتعقب الأسانيد بتصحيح ولا تضعيف؛ لأنه كان يرى كما هو مقرر في أصول الحديث أن من أسند لك فقد حملك البحث عن رجال السند ومعرفة مبلغهم من العدالة أو الجرح، فهو بعمله هذا قد خرج من العهدة ومع ذلك فابن جرير يقف من السند أحيانًا موقف الناقد البصير، فيعدل من يعدل من رجال الإسناد، ويجرح من يجرح منهم، ويرد الرواية التي لا يثق بصحتها، ويصرح برأيه فيها بما يناسبها، فمثلًا نجده عند تفسيره لقوله تعالى في الآية (٩٤) من سورة الكهف: ﴿قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا﴾ [الكهف: ٩٤] يقول ما نصه: \"روى عن عكرمة في ذلك -يعني في ضم سين سدًا وفتحها- ما حدثنا به أحمد بن يوسف، قال: حدثنا القاسم، قال: حدثنا حجاج، عن هارون، عن أيوب، عن عكرمة قال: ما كان من صنعة بني آدم فهو السَّد، وما كان من صنع الله فهو السُّد. ثم يعقب على هذا السند فيقول: \"وأما ما ذكر عن عكرمة في ذلك، فإن الذي نقل ذلك عن أيوب هارون، وفي نقله نظر، ولا نعرف ذلك عن أيوب من رواية ثقات أصحابه\". اهـ (١).\n_________\n(١) \"تفسير ابن جرير\" جـ ١٦ ص ١٣.","vol":"1","page":170},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-107>تقديره للإجماع:</span>\nكذلك نجد ابن جرير في تفسيره يقدر إجماع الأمة، ويعطيه سلطانًا كبيرًا في اختيار ما يذهب إليه من التفسير، فمثلًا عند قوله تعالى في الآية (٢٣٠) من سورة البقرة ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ يقول ما نصه: \"فإن قال قائل: فأي النكاحين عنى الله بقوله: (فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجًا غيره)؟ النكاح الذي هو جماع؟ أم النكاح الذي هو عقد تزويج؟\nقيل كلاهما: \"وذلك أن المرأة إذا نكحت زوجًا نكاح تزويج ثم لم يطأها في ذلك النكاح ناكحها ولم يجامعها حتى يطلقها لم تحل للأول، وكذلك إن وطئها واطئ بغير نكاح لم تحل للأول؛ لإجماع الأمة جميعًا، فإذا كان ذلك كذلك فمعلوم أن تأويل قوله: فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجًا غيره، نكاحًا صحيحًا، ثم يجامعها فيه، ثم يطلقها، فإن قال: فإن ذكر الجماع غير موجود في كتاب الله تعالى ذكره، فما الدلالة على أن معناه ما قلت؟ قيل: الدلالة على ذلك إجماع الأمة جميعًا على أن ذلك معناه\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-108>موقفه من القراءات:</span>\nكذلك نجد ابن جرير يعنى بذكر القراءات وينزلها على المعاني المختلفة، وكثيرًا ما يرد القراءات التي لا تعتمد على الأئمة الذين يعتبرون عنده وعند علماء القراءات حجة، والتي تقوم على أصول مضطربة مما يكون فيه تغيير وتبديل لكتاب الله، ثم يتبع ذلك برأيه في آخر الأمر مع\n_________\n(١) \"تفسير ابن جرير\" جـ ٢، ص ٢٩٠ - ٢٩١.","vol":"1","page":171},{"text":"توجيه رأيه بالأسباب، فمثلًا عند قوله تعالى في الآية (٨١) من سورة الأنبياء ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً﴾ يذكر أن عامة قراء الأمصار قرؤوا (الريح) بالنصب على أنها مفعول لسخرنا المحذوف، وأن عبد الرحمن الأعرج قرأ (الريح) بالرفع على أنها مبتدأ ثم يقول: والقراءة التي لا أستجيز القراءة بغيرها في ذلك ما عليه قراء الأمصار لإجماع الحجة من القراء عليه.\nولقد يرجع السبب في عناية ابن جرير بالقراءات وتوجيهها إلى أنه كان من علماء القراءات المشهورين، حتا إنهم ليقولون عنه: إنه ألف فيها مؤلفًا خاصًا في ثمانية عشر مجلدًا، ذكر فيه جميع القراءات من المشهور والشواذ وعلل ذلك وشرحه، واختار منها قراءة لم يخرج بها عن المشهور (١)، وإن كان هذا الكتاب قد ضاع بمرور الزمن ولم يصل إلى أيدينا، شأن الكثير من مؤلفاته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-109>موقفه من الإسرائيليات:</span>\nثم إننا نجد ابن جرير يأتي في تفسيره بأخبار مأخوذة من القصص الإسرائيلي، يرويها بإسناده إلى كعب الأحبار، ووهب بن منبه، وابن جريج والسدي، وغيرهم، ونراه ينقل عن محمد بن إسحاق كثيرًا مما رواه عن مسلمة النصارى. ومن الأسانيد التي تسترعي النظر هذا الإسناد: حدثني ابن حميد قال: حدثنا سلمة عن ابن إسحاق عن أبي عتاب ... رجل من تغلب كان نصرانيًا عمرًا من دهره ثم أسلم بعد فقرأ القرآن وفقه في الدين، وكان فيما ذكر، أنه كان نصرانيًا أربعين سنة ثم عمِّر في الإسلام أربعين سنة.\nيذكر ابن جرير هذا الإسناد، ويروي لهذا الرجل النصراني الأصل\n_________\n(١) \"معجم الأدباء\" جـ ١٨، ص ٤٥.","vol":"1","page":172},{"text":"خبرًا عن آخر أنبياء بن إسرائيل، عند تفسيره لقوله تعالى في الآية (٧) من سورة الإسراء ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا (٧)﴾ [الإسراء: ٧] (١).\nكما نراه عند تفسيره لقوله تعالى في الآية (٩٤) من سورة الكهف ﴿قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ الآية يسوق هذا الإسناد: حدثنا ابن حميد قال: حدثنا سلمة قال: حدثنا محمد بن إسحاق قال: حدثني بعض من يسوق أحاديث الأعاجم من أهل الكتاب ممن قد أسلم، مما توارثوا من علم ذي القرنين أن ذا القرنين كان رجلًا من أهل مصر، اسمه مرزبا بن مردبة اليوناني من ولد يونن بن يافث بن نوح ... إلخ (٢).\nوهكذا يكثر ابن جرير من رواية الإسرائيليات، ولعل هذا راجع الى ما تأثر به من الروايات التاريخية التي عالجها في بحوثه التاريخية الواسعة.\nوإذا كان ابن جرير يتعقب كثيرًا من هذِه الروايات بالنقد، فتفسيره لا يزال يحتاج إلى النقد الفاحص الشامل، احتياج كثير من كتب التفسير التي اشتملت على الموضوع والقصص الإسرائيلي، على أن ابن جرير -كما قدمنا- قد ذكر لنا السند بتمامه في كل رواية يرويها، وبذلك يكون قد خرج من العهدة، وعلينا نحن أن ننظر في السند ونتفقد الروايات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-110>انصرافه عما لا فائدة فيه:</span>\nومما يلفت النظر في تفسير ابن جرير أن مؤلفه لا يهتم فيه -كما يهتم\n_________\n(١) \"تفسير ابن جرير\" ١٥/ ٣٣ - ٣٤.\n(٢) \"تفسير ابن جرير\" ١٦/ ١٤.","vol":"1","page":173},{"text":"غيره من المفسرين- بالأمور التي لا تعني ولا تقيد، فنراه مثلًا عند تفسيره لقوله تعالى في سورة المائدة: ﴿إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ الآيات [المائدة: ١١٢، ١١٣، ١١٤] إلى قوله: ﴿وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ يعرض لذكر ما ورد من الروايات في نوع الطعام الذي نزلت به مائدة السماء .. ثم يعقب على هذا بقوله \"وأما الصواب من القول فيما كان على المائدة فأن يقال: كان عليها مأكول، وجائز أن يكون سمكًا وخبزًا، وجائز أن يكون ثمرًا من الجنة، وغير نافع العلم به، ولا ضار الجهل به وإذا أقرّ تالي الآية بظاهر ما احتمله التنزيل\" اهـ (١).\nكما نراه عند تفسير قوله تعالى في الآية (٢٠) من سورة يوسف ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ﴾، يعرض لمحاولات قدماء المفسرين في تحديد عدد الدراهم، هل هي عشرون؟ أو اثنان وعشرون؟ أو أربعون؟ ... إلى آخر ما ذكره من الروايات ... ثم يعقب على ذلك كله بقوله: \"والصواب من القول أن يقال: إن الله -تعالى ذكره- أخبر أنهم باعوه بدراهم معدودة غير موزونة، ولم يحدد مبلغ ذلك بوزن ولا عدد، ولا وضع عليه دلالة في كتاب ولا خبر من الرسول - ﷺ -، وقد يحتمل أن يكون كان اثنين وعشرين، وأن يكون كان أربعين، وأقل من ذلك وأكثر وأي ذلك كان فإنها كانت معدودة غير موزونة، وليس في العلم بمبلغ وزن ذلك فائدة تقع في دين، ولا في الجهل به دخول ضُرّ فيه، والإيمان بظاهر التنزيل فرض، وما عداه فموضوع عنا تكلف علمه\" (٢) اهـ.\n_________\n(١) \"تفسير ابن جرير\" ٧/ ٨٨.\n(٢) \"تفسير ابن جرير\" ١٢/ ١٣.","vol":"1","page":174},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-111>احتكامه إلى المعروف من كلام العرب:</span>\nوثمة أمر آخر سلكه ابن جرير في كتابه، ذلك أنه اعتبر الاستعمالات اللغوية بجانب النقول المأثورة وجعلها مرجعًا موثوقًا به عند تفسيره للعبارات المشكوك فيها، وترجيح بعض الأقوال على بعض.\nفمثلًا عند تفسيره لقوله تعال في الآية (٤٠) من سورة هود ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ [هود: ٤٠] الآية نراه يعرض لذكر الروايات عن السلف في معنى لفظ التنور، فيروي لنا قول من قال: إن التنور عبارة عن وجه الأرض، وقول من قال: إنه عبارة عن تنوير الصبح، وقول من قال إنه عبارة عن أعلى الأرض وأشرفها، وقول من قال: إنه عبارة عما يختبز فيه ... ثم يقول بعد أن يفرغ من هذا كله \"وأولى هذه الأقوال عندنا بتأويل قوله ﴿اَلتَنُّوُر﴾ قول من قال: التنور: الذي يختبز فيه، لأن ذلك هو المعروف من كلام العرب، وكلام الله لا يوجه إلا إلى الأغلب الأشهر من معانيه عند العرب، إلى أن تقوم حجة على شيء منه بخلاف ذلك فيسلم لها، وذلك أنه جل ثناؤه إنما خاطبهم بما خاطبهم به لإفهامهم معنى ما خاطبهم به .. \" اهـ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-112>رجوعه إلى الشعر القديم:</span>\nكذلك نجد ابن جرير يرجع إلى شواهد من الشعر القديم بشكل واسع، متبعًا في هذا ما أثاره ابن عباس في ذلك، فمثلًا عند تفسيره لقوله تعالى في الآية (٢٢) من سورة البقرة ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ يقول ما\n_________\n(١) \"تفسير ابن جرير\" ١٢/ ٢٥.","vol":"1","page":175},{"text":"نصه: قال أبو جعفر: والأنداد جمع ند، والند: العدل والمثل، كما قال حسان ابن ثابت:\nأتهجوه ولست له بند ... فشركما لخيركما الفداء\nيعني بقوله: (ولست له بند) لست له بمثل ولا عدل، وكل شيء كان نظيرًا لشيء وشبيهًا فهو له ند\" (١) ثم يسوق الروايات عمن قال ذلك من السلف ...\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-113>اهتمامه بالمذاهب النحوية:</span>\nكذلك نجد ابن جرير يتعرض كثيرًا لمذاهب النحويين من البصريين والكوفيين في النحو والصرف، ويوجه الأقوال، تارة على المذهب البصري وأخرى على المذهب الكوفي، فمثلًا عند قوله تعالى في الآية (١٨) من سورة إبراهيم ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ﴾ يقول ما نصه \"اختلف أهل العربية في رافع (مَّثَلُ) فقال بعض نحوي البصرة: إنما هو كأنه قال: ومما نقص عليكم مثل الذين كفروا، ثم أقبل يفسره كما قال: مثل الجنة .. وهذا كثير.\nوقال بعض نحوي الكوفيين: إنما المثل للأعمال، ولكن العرب تقدم الأسماء لأنها أعرف، ثم تأتي بالخبر الذي تخبر عنه مع صاحبه، ومعنى الكلام: مثل أعمال الذين كفروا بربهم كرماد ... إلخ (٢).\nوهكذا يكثر ابن جرير في مناسبات متعددة من الاحتكام إلى ما هو معروف من لغة العرب، ومن الرجوع إلى الشعر القديم ليستشهد به على ما\n_________\n(١) \"تفسير ابن جرير\" ١/ ١٢٥.\n(٢) المصدر السابق.","vol":"1","page":176},{"text":"يقول، ومن التعرض للمذاهب النحوية عندما تمس الحاجة، مما جعل الكتاب يحتوي على جملة كبيرة من المعالجات اللغوية والنحوية التي أكسبت الكتاب شهرة عظيمة.\nوالحق أن ما قدمه لنا ابن جرير في تفسيره من البحوث اللغوية المتعددة والتي تعتبر كنزًا ثمينًا ومرجعًا مهمًا في بابها، أمر يرجع إلى ما كان عليه صاحبنا من المعرفة الواسعة بعلوم اللغة وأشعار العرب، معرفة لا تقل عن معرفته بالدين والتاريخ. ونرى أن ننبه هنا إلى أن هذه البحوث اللغوية التي عالجها ابن جرير في تفسيره لم تكن أمرًا مقصودًا لذاته، وإنما كانت وسيلة للتفسير، على معنى أنه يتوصل بذلك إلى ترجيح بعض الأقوال على بعض، كما يحاول بذلك -أحيانًا- أن يوفق بين ما صح عن السلف وبين المعارف اللغوية بحيث يزيل ما يتوهم من التناقض بينهما.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-114>معالجته للأحكام الفقهية:</span>\nكذلك نجد في هذا التفسير آثارًا للأحكام الفقهية، يعالج فيها ابن جرير أقوال العلماء ومذاهبهم، ويخلص من ذلك كله برأي يختاره لنفسه، ويرجحه بالأدلة العلمية القيمة، فمثلًا نجده عند تفسيره لقوله تعالى في الآية (٨) من سورة النحل: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ نجده يعرض لأقوال العلماء في حكم أكل لحوم الخيل والبغال والحمير، ويذكر قول كل قائل بسنده .. وأخيرًا يختار قول من قال: إن الآية لا تدل على حرمة شيء من ذلك، ووجه اختياره هذا فقال ما نصه: \"والصواب من القول في ذلك عندنا ما قاله أهل القول الثاني -وهو أن الآية لا تدل على الحرمة- وذلك أنه لو كان في قوله تعالى ذكره: (لِتَرْكَبُوهَا) دلالة على أنها لا تصلح -إذ كانت للركوب- للأكل. لكان في قوله: ﴿فِيهَا","vol":"1","page":177},{"text":"دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ [النحل: ٥] دلالة على أنها لا تصلح -إذ كانت للأكل والدفء- للركوب. وفي إجماع الجميع على أن ركوب ما قال تعالى ذكره ﴿وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ جائز حلال غير حرام، دليل واضح على أن أكل ما قال (لِتَرْكَبُوهَا) جائز حلال غير حرام. إلا بما نص على تحريمه، أو وضع على تحريمه دلالة من كتاب أو وحي إلى رسول الله - ﷺ -، فأما بهذه الآية فلا يحرم أكل شيء، وقد وضع الدلالة على تحريم لحوم الحمر الأهلية بوحيه إلى رسول الله - ﷺ -، وعلى البغال بما قد بينا في كتابنا كتاب \"الأطعمة\" بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع؛ إذ لم يكن هذا الموضع من مواضع البيان عن تحريم ذلك، وإنما ذكرنا ما ذكرنا ليدل على أن لا وجه لقول من استدل بهذه الآية على تحريم لحم الفرس\" اهـ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-115>خوضه في مسائل الكلام:</span>\nولا يفوتنا أن ننبه على ما نلحظه في هذا التفسير الكبير، من تعرض صاحبه لبعض النواحي الكلامية عند كثير من آيات القرآن، مما يشهد له بأنه كان عالمًا ممتازًا في أمور العقيدة، فهو إذا ما طبق أصول العقائد على ما يتفق مع الآية أفاد في تطبيقه. وإذا ناقش بعض الآراء الكلامية أجاد في مناقشته.\nوهو في جدله الكلامي وتطبيقه ومناقشته موافق لأهل السنة في آرائهم، ويظهر ذلك جليًا في رده على القدرية في مسألة الاختيار.\nفمثلا عند تفسيره لقوله تعالى في آخر سورة الفاتحة آية (٧) ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ نراه يقول ما نصه: \"وقد ظن بعض أهل\n_________\n(١) \"تفسير ابن جرير\" ١٤/ ٥٨ - ٦٧.","vol":"1","page":178},{"text":"الغباء من القدرية أن في وصف الله جل ثناؤه النصارى بالضلال بقوله ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ وإضافة الضلال إليهم دون إضافة إضلالهم إلى نفسه، وتركه وصفهم بأنهم المضللون كالذي وصف به اليهود أنهم مغضوب عليهم، دلالة على صحة ما قاله إخوانه من جهلة القدرية، جهلًا منه بسعة كلام العرب وتصاريف وجوهه. ولو كان الأمر على ما ظنه الغبي الذي وصفنا شأنه، لوجب أن يكون كل موصوف بصفة أو مضاف إليه فعل لا يجوز أن يكون فيه سبب لغيره، وأن يكون كل ما كان فيه من ذلك لغيره سبب فالحق فيه أن يكون مضافًا إلى مسبّبه. ولو وجب ذلك بإضافة الجري إلى الفلك، ولوجب أن يكون خطأ قول القائل: تحركت الشجرة إذا حركتها الرياح، واضطربت الأرض إذا حركتها الزلزلة، وما أشبه ذلك من الكلام الذي يطول بإحصائه الكتاب. وفي قوله جل ثناؤه: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ ﴿يونس: ٢٢﴾ ان كان جريها بإجراء غيرِها إياها، ما يدل على خطأ التأويل الذي تأوله من وصفنا قوله في قوله: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾، وادعائه أن في نسبة الله جل ثناؤه الضلالة إلى من نسبها إليه من النصارى تصحيحًا لما ادعى المنكرون أن يكون لله جل ثناؤه في أفعال خلقه سبب من أجلها وجدت أفعالهم، مع إبانة الله عز ذكره نصًّا في آي كثيرة من تنزيله: أنه المضل الهادي، فمن ذلك قوله جل ثناؤه ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الجاثية: ٢٣] فأنبأ جل ذكره أنه المضل الهادي دون غيره، ولكن القرآن نزل بلسان العرب على ما قدمنا البيان عنه في أول الكتاب، ومن شأن العرب إضافة الفعل إلى من وجد منه وإن كان مسبّبه غير الذي وجد منه أحيانًا وأحيانًا إلى مسببه، وإن كان الذي وجد منه الفعل غيره، فكيف بالفعل الذي يكتسبه العبد كسبًا، ويوجده الله جل ثناؤه عينًا منشأة، بل ذلك أحرى أن","vol":"1","page":179},{"text":"يضاف إلى مكتسبه كسبًا له بالقوة منه عليه، والاختيار منه له، وإلى الله جل ثناؤه بإيجاد عينه وإنشائها تدبيرًا\" (١).\nوكثيرًا ما نجد ابن جرير يتصدى للرد على المعتزلة في كثير من آرائهم الاعتقادية، فنراه مثلًا يجادلهم مجادلة حادة في تفسيرهم العقلي التنزيهي للآيات التي تثبت رؤية الله عند أهل السنة، كما نراه يذهب إلى ما ذهب إليه السلف من عدم صرف آيات الصفات عن ظاهرها مع المعارضة لفكرة التجسيم والتشبيه، والرد على أولئك الذين يشبهون الله بالإنسان (٢).\nوهكذا نجد ابن جرير لم يقف موقفًا بعيدًا عن مسائل النزاع التي تدور حول العقيدة في عصره، بل نراه يشارك في هذا المجال من الجدل الكلامي بنصيب لا يستهان به، مع حرصه كل الحرص على أن يحتفظ بسنيته ضد وجوه النظر التي لا تتفق وتعاليم أهل السنة.\nوبعد .. فإن ما جمعه ابن جرير في كتابه من أقوال المفسرين الذي تقدموا عليه وما نقله لنا عن مدرسة ابن عباس، ومدرسة ابن مسعود ومدرسة علي بن أبي طالب ومدرسة أبي بن كعب، وما استفاده مما جمعه ابن جريج والسدي وابن إسحاق وغيرهم من التفاسير جعلت هذا الكتاب أعظم الكتب المؤلفة في التفسير بالمأثور، كما أن ما جاء في الكتاب من إعراب وتوجيهات لغوية واستنباطات في نواح متعددة وترجيح لبعض\n_________\n(١) \"تفسير ابن جرير\" ١/ ٦٤.\n(٢) انظر ما كتبه على قوله تعالى في الآية (٦٤) من سورة المائدة ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ الآية جـ ٦ ص ١٩٣وما بعدها، وما كتبه على قوله تعالى في الآية (٦٧) من سورة الزمر ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ ٢٤/ ١٦ وما بعدها.","vol":"1","page":180},{"text":"الأقوال على بعض، كان نقطة التحول في التفسير، ونواة لما وجد بعد من التفسير بالرأي كما كان مظهرًا من مظاهر الروح العلمية السائدة في هذا العصر الذي يعيش فيه ابن جرير.\nوالحق أن شخصية ابن جرير الأدبية والعلمية جعلت تفسيره مرجعًا مهمًّا من مراجع التفسير بالرواية، فترجيحاته المختلفة تقوم على نظرات أدبية ولغوية وعلمية قيمة فوق ما جمع فيه من الروايات الأثرية المتكاثرة.\nوعلى الإجمال فخير ما وصف به هذا الكتاب ما نقله الداودي عن أبي محمد عبد الله بن أحمد الفرغاني في \"تاريخه\" حيث قال: \"فتم من كتبه -يعني محمد بن جرير- كتاب تفسير القرآن، وجوده، وبين فيه أحكامه، وناسخه ومنسوخه، ومشكله وغريبه، ومعانيه، واختلاف أهل التأويل والعلماء في أحكامه وتأويله، والصحيح لديه من ذلك، وإعراب حروفه، والكلام على الملحدين فيه، والقصص، وأخبار الأمة والقيامة، وغير ذلك مما حواه من الحكم والعجائب كلمة كلمة، وآية آية، من الاستعاذة، وإلى أبي جاد، فلو ادعى عالم أن يصنف منه عشرة كتب كل كتاب منها يحتوي على علم مفرد وعجيب مستفيض لفعل اهـ (١).\nهذا وقد جاء في \"معجم الأدباء\" جـ ١٨ ص ٦٤ - ٦٥ وصف مسهب لتفسير ابن جرير، جاء في آخره ما نصه \" ... وذكر فيه من كتب التفاسير المصنفة عن ابن عباس خمسة طرق، وعن سعيد بن جبير طريقين، وعن مجاهد بن جبر ثلاثة طرق، وعن الحسن البصري ثلاثة طرق، وعن عكرمة ثلاثة طرق وعن الضحاك بن مزاحم طريقين، وعن عبد الله بن مسعود\n_________\n(١) \"طبقات المفسرين\" للداودي ص ٢٣.","vol":"1","page":181},{"text":"طريقًا، وتفسير عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وتفسير ابن جريج، وتفسير مقاتل بن حيان، سوى ما فيه من مشهور الحديث عن المفسرين وغيرهم، وفيه من المسند حسب حاجته إليه، ولم يتعرض لتفسير غير موثوق به، فإنه لم يدخل في كتابه شيئًا عن كتاب محمد بن السائب الكلبي، ولا مقاتل بن سليمان، ولا محمد بن عمر الواقدي؛ لأنهم عنده أظناء والله أعلم.\nوكان إذا رجع إلى التاريخ والسير وأخبار العرب حكى عن محمد بن السائب الكلبي، وعن ابنه هشام، وعن محمد بن عمر الواقدي، وغيرهم فيما يفتقر إليه ولا يؤخذ إلى عنهم وذكر فيه مجموع الكلام والمعاني من كتاب علي بن حمزة الكسائي، ومن كتاب يحيى بن زياد الفراء، ومن كتاب أبي الحسن الأخفش، كتاب أبي علي قطرب؛ وغيرهم مما يقتضيه الكلام عند حاجته إليه، إذ كان هؤلاء هم المتكلمون في المعاني، وعنهم يؤخذ معانيه وإعرابه، وربما لم يسمهم إذا ذكر شيئًا من كلامهم، وهذا كتاب يشتمل على عشرة آلاف ورقة أو دونها حسب سعة الخط أو ضيقه. اهـ.\nكما نجد في \"معجم الأدباء\" أيضا قبل ذلك بقليل، ما يدل على أن الطبري أتم تفسيره هذا في سبع سنوات، إملاء على أصحابه، فقد جاء في الجزء١٨ ص ٤٢ عن أبي بكر بن بالويه أنه قال \"قال لي أبو بكر محمد بن إسحاق -يعني بن خزيمة: بلغني أنك كتبت التفسير عن محمد بن جرير؟ قلت: نعم، كتبنا التفسير عنه إملاءً، قال: كله؟ قلت: نعم، قال: في أي سنه؟ قلت: من سنة ثلاث وثمانين إلى سنة تسعين ... إلخ\".\nوبعد فأحسب أني قد أفضت في الكلام عن هذا التفسير، وتوسعت في الحديث عنه، وأقول: إن السرَّ في ذلك هو أن الكتاب يعتبر المرجع الأول والأهم للتفسير بالمأثور، وتلك ميزة لا نعرفها لغيره من كتب التفسير","vol":"1","page":182},{"text":"بالرواية (١).\nلذلك ذاعت شهرة تفسير ابن جرير في الآفاق وأصبح مضرب المثل في غزارة المادة واستقامة المنهج قال السيوطي في \"الإتقان\" بعد أن ساق أسماء جماعة من المفسرين بالمأثور قبل الطبري:\nوبعدهم ابن جرير الطبري، وكتابه أجل التفاسير وأعظمها .... إلخ.\nثم قال: فإن قلت: فأي التفاسير ترشد إليه، وتأمر الناظر أن يعول عليه؟\nقلت: تفسير الإمام أبي جعفر بن جرير الطبري، الذي أجمع العلماء المعتبرون على أنه لم يؤلف مثله.\nقال النووي في \"تهذيبه\": كتاب ابن جرير في التفسير لم يصنف أحد مثله (٢).\nولا يزال العلماء ينهلون من هذا التفسير العظيم، وقلما تجد كتاب تفسير يخلو من أقوال ابن جرير الطبري.\nولقد استفاد الواحدي في كتابه \"البسيط\" من ابن جرير ويظهر ذلك من كثرة النقول والآثار عن السلف في التفسير، كما نقل عنه في المسائل اللغوية، والقراءات وغير ذلك، ومما يلحظ أن الواحدي كثيرًا ما يورد أقوال الطبري ويناقشها، ولعل من أسباب ذلك اختلاف المنهج الذي يسلكه الطبري في التفسير عن منهج الواحدي، فبينما يعتمد ابن جرير منهج السلف والاعتماد على الآثار في التفسير، ولا يأخذ بأقوال المتكلمين في باب العقائد، نجد الواحدي بخلاف ذلك، حيث يعتمد التفسير بالرأي\n_________\n(١) انظر: \"التفسير والمفسرون\" ١/ ٢٠٥ - ٢٢٤.\n(٢) كتاب \"الإتقان في علوم القرآن\" ٢/ ١٦٠ طبعة الميمنية سنة ١٣١٧ هـ.","vol":"1","page":183},{"text":"أكثر، ويأخذ بأقوال المتكلمين في باب العقائد.\nومن الأمثلة على إفادة الواحدي من الطبري ما ذكره عند تفسير قوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٣] ذكر القراءات في ﴿مَالِكِ﴾ وقال: واحتج محمد بن جرير لهذِه القراءة فقال: إن الله نبه على أنه مالكهم بقوله: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] فَحَمل قوله: (مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ) على وصف زائد أحسن\" (١)، ثم قال في موضع آخر: \" ... ومن نصر هذه القراءة -يريد القراءة بمالك- أجاب ابن جرير بأن قال: ما ذكرت لا يرجح قراءة (ملك) لأن في التنزيل أشياء على هذه الصورة قد تقدمها العام، وذكر بعده الخاص كقوله: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢)﴾ [العلق: ١ - ٢] وقوِله: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة: ٣] ثم قال: ﴿وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ [البقرة: ٤] في أمثال كثيرة لهذا\".\nومثال آخر للواحدي الناقد الفاحص للأقوال المميز لها، نقل عن ابن جرير في تفسير قوله تعالى: ﴿فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾ [البقرة: ١٠].\nقال: وقال ابن جرير: معناه: في اعتقاداتهم مرض، أي: شك وشبه، فاستغنى بذكر القلوب عن ذكر الاعتقادات؛ لأن محلها القلوب كقولهم: \"يا خيل الله اركبي\".\nثم قال الواحدي: \"وليس الأمر على ما قال؛ لأن الشك في القلب على الحقيقة فأي فائدة لتقدير الاعتقاد هاهنا، ولأن الشك ينافي الاعتقاد وهم ليسوا معتقدين إذا كانوا شاكين\" (٢).\nوما نقلناه على سبيل المثال لا على الحصر؛ لأن البسيط مليء\n_________\n(١) انظر: \"البسيط\" تفسير الفاتحة الآية: ٣، الطبري١/ ١٥٠، نقله الواحدي بمعناه.\n(٢) انظر: \"البسيط\" تفسير البقرة، آية: ١٠، الطبري ١/ ٢٧٨ نقل المؤلف كلامه بتصرف.","vol":"1","page":184},{"text":"بأقوال الطبري سواء كان النقل مباشرة أو عن طريق شيخه.\n\nثالثًا: \"الكشف والبيان\" (١) للثعلبي (٢):\nيعتبر \"الكشف والبيان\" أو \"تفسير الثعلبي\" من المصادر الرئيسة عند الواحدي، كيف وأن الثعلبي شيخ الواحدي وأخذ عنه التفسير، وذكر الواحدي في مقدمة البسيط في أثناء حديثه عن شيخه العروضي الذي قال له: \" ... أما آن لك أن تتفرغ لتفسير كتاب الله العزيز تقرؤه على هذا الرجل الذي يأتيه البعداء من أقاصي البلاد وتتركه أنت على قرب ما ببيننا من الجوار يعنى الأستاذ الإمام \"أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي ﵀ .. \" (٣) ثم يقول: \" ... ثم فرغت للأستاذ الإمام أبي إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي -﵀-، وكان حبر العلماء بل بحرهم ونجم الفضلاء بل بدرهم، وزين الأئمة بل فخرهم، وأوحد الأمة بل صدرهم، وله التفسير الملقب بـ\"الكشف والبيان عن تفسير القرآن\" الذي رفعت به\n_________\n(١) كان الكتاب لا يزال مخطوطًا وقت إعداد معظم رسائل هذا الكتاب، وقد طبع بعدها طبعة تجارية رديئة، وحُقق في نحو عشرين رسالة جامعية في جامعة أم القرى، وهو قيد التنسيق والإخراج في دار الفلاح بالفيوم على غرار هذا الكتاب.\n(٢) هو الإمام الحافظ العلامة، شيخ المفسرين أبو إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي ويقال: الثعالبي لقب لا نسب، كان أوحد زمانه في علم التفسير الكبير، قال الذهبي: وكان حافظًا رأسًا في التفسير والعربية متين الديانة من أهل نيسابور له اشتغال بالتاريخ توفى ﵀ سنة ٤٢٧ هـ من مصنفاته: \"الكشف والبيان عن تفسير القرآن\"، و\"العرائس في قصص الأنبياء\" و\"ربيع المذكرين\".\nينظر ترجمته في: \"معجم الأدباء\" ٥/ ٣٦، ٣٧، و\"وفيات الأعيان\" ١/ ٧٩، ٨٠، \"العبر\" ٣/ ١٦، \"تذكرة الحفاظ\" ٣/ ١٠٩، \"طبقات\" للسبكي ٤/ ٥٨، ٥٩، \"طبقات المفسرين\" ص ٥.\n(٣) \"مقدمة البسيط\" ص ٤١٩.","vol":"1","page":185},{"text":"المطايا في السهل والأوعار وسارت به الفلك في البحار وهب هبوب الرياح في الأقطار:\nوسار مسير الشمس في كل بلدة ... وهب هبوب الريح في البر والبحر\nوأصفقت عليه كافة الأمة على اختلاف نحلهم ... \" إلى أن قال: \" ... وقرأت عليه من مصنفاته أكثر من خمسمائة جزء و\"تفسيره الكبير\" وكتابه المعنون بـ\"الكامل في علم القرآن\" وغيرهما (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-117>التعريف بهذا التفسير وطريقة مؤلفه فيه:</span>\nألقى مؤلف هذا التفسير ضوءًا عليه في مقدمته، وأوضح فيها عن منهجه وطريقته التي سلكها فيه، فذكر أولًا اختلافه منذ الصغر إلى العلماء، واجتهاده في الاقتباس من علم التفسير الذي هو أساس الدين ورأس العلوم الشرعية، ومواصلته ظلام الليل بضوء الصباح بعزم أكيد وجهد جهيد، حتى رزقه الله ما عرف به الحق من الباطل، والمفضول من الفاضل، والحديث من القديم، والبدعة من السنة، والحجة من الشبهة، وظهر له أن المصنفين في تفسير القرآن فرق على طرق مختلفة: فرقة أهل البدع والأهواء، وعد منهم الجبائي والرماني.\nوفرقة من ألفوا فأحسنوا، إلى أنهم خلطوا أباطيل المبتدعين بأقاويل السلف الصالحين، وعد منهم أبا بكر القفال.\nوفرقة اقتصر أصحابها على الرواية والنقل دون الدراية والنقد، وعد منهم أبا يعقوب إسحاق بن إبراهيم الحنظلي.\nوفرقة حذفت الإسناد الذي هو الركن والعماد، ونقلت من الصحف\n_________\n(١) \"مقدمة البسيط\" ص ٤٢٥.","vol":"1","page":186},{"text":"والدفاتر، وحررت على هوى الخواطر، وذكرت الغث والسمين؛ والواهي والمتين، قال: وليسوا في عداد العلماء، فصنت الكتاب عن ذكرهم.\nوفرقة حازوا قصب السبق، في جودة التصنيف والحذق، غير أنهم طولوا في كتبهم بالمعادات؛ وكثرة الطرق والروايات، وعد منهم ابن جرير الطبري.\nوفرقة جردت التفسير دون الأحكام، وبيان الحلال والحرام، والحل عن الغوامض والمشكلات، والرد على أهل الزيغ والشبهات، كمشايخ السلف الماضين، مثل مجاهد والسدي والكلبي.\nثم بين أنه لم يعثر في كتب من تقدمه على كتاب جامع مهذب يعتمد ... ثم ذكر ما كان من رغبة الناس إليه في إخراج كتاب في تفسير القرآن وإجابته لمطلوبهم، رعاية منه لحقوقهم، وتقربًا به إلى الله ... ثم قال: فاستخرت الله تعالى في تصنيف كتاب، شامل، مهذب، ملخص، مفهوم، منظوم، مستخرج من زهاء مائة كتاب مجموعات مسموعات. سوى ما التقطته من التعليقات والأجزاء المتفرقات، وتلقفته عن أقوام من المشايخ الأثبات، وهم قريب من ثلاثمائة شيخ، نسقته بأبلغ ما قدرت عليه من الإيجاز والترتيب.\nثم قال: وخرجت فيه الكلام على أربعة عشر نحوًا: البسائط والمقدمات، والعدد والتنزلات، والقصص والنزولات، والوجوه والقراءات، والعلل والاحتجاجات، والعربية واللغات، والإعراب والموازنات، والتفسير والتأويلات، والمعاني والجهات، والغوامض والمشكلات، والأحكام والفقهيات، والحكم والإشارات، والفضائل والكرامات، والأخبار والمتعلقات، أدرجتها في أثناء الكتاب بحذف","vol":"1","page":187},{"text":"الأبواب، وسميته: كتاب \"الكشف والبيان عن تفسير القرآن\" .. ثم ذكر في أول الكتاب أسانيده إلى من يروي عنهم التفسير من علماء السلف، واكتفى بذلك عن ذكرها أثناء الكتاب، كما ذكر أسانيده إلى مصنفات أهل عصره - وهي كثيرة- وكتب الغريب والمشكل والقراءات، ثم ذكر بابًا في فضل القرآن وأهله، وبابًا في معنى التفسير والتأويل، ثم شرع في التفسير.\nعثرت على هذا التفسير بمكتبة الأزهر فوجدته مخطوطًا غير كامل، وجدت منه أربع مجلدات ضخام (الأول والثاني والثالث والرابع). والرابع ينتهي عند أواخر سورة الفرقان، وباقي الكتاب مفقود لم أعثر عليه بحال.\nقرأت في هذا التفسير فوجدته يفسر القرآن بما جاء عن السلف، مع اختصاره للأسانيد، اكتفاء بذكرها في مقدمة الكتاب، ولاحظت عليه أنه يعرض للمسائل النحوية ويخوض فيها بتوسع ظاهر، فمثلًا عند تفسيره لقوله تعالى في الآية (٩٠) من سورة البقرة: ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ الآية نجده يتوسع في الكلام على نعم وبئس ويفيض في ذلك (١).\nكما أنه يعرض لشرح الكلمات اللغوية وأصولها وتصاريفها، ويستشهد على ما يقول بالشعر العربي، فمثلًا عند تفسيره لقوله تعالى في الآية (١٧١) من سورة البقرة: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً﴾ الآية نجده يحلل كلمة ﴿يَنْعِقُ﴾ هو تحليلًا دقيقًا ويصرفها على وجوهها كلها (٢).\n_________\n(١) ١/ ٨٣ - ٨٤\n(٢) ١/ ١٢٣.","vol":"1","page":188},{"text":"ومثلًا عند تفسيره لقوله تعالى في الآية (١٧٣) من السورة نفسها ﴿فَمَنِ اَضطُرَّ غَيرَ باغٍ وَلَا عَادٍ﴾ الآية نجده يحلل لفظ البغي ويتكلم عن أصل المادة بتوسع (١):\nومما لاحظته على هذا التفسير أنه يتوسع في الكلام عن الأحكام الفقهية عندما يتناول آية من آيات الأحكام، فتراه يذكر الأقوال والخلافات والأدلة ويعرض للمسألة من جميع نواحيها، إلى درجة أنه يخرج عما يراد من الآية، انظر إليه عندما يعرض لقوله تعالى في الآية (١١) من سورة النساء ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ الآية تجده يفيض في الكلام عما يفعل بتركة الميت بعد موته، ثم يذكر جملة الورثة والسهام المحددة، ومن فرضه الربع، ومن فرضه الثمن، والثلثان، والثلث، والسدس ... وهكذا، ثم يعرض لنصيب الجد والجدة والجدات، ثم يقول بعد هذا: فصل في بساط الآية، وفيه يتكلم عن نظام الميراث عند الجاهلية وقبل مبعث الرسول (٢).\nوارجع إليه عند تفسيره لقوله تعالى في الآية (٢٤) من سورة النساء ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ تجده قد توسع في نكاح المتعة وتعرض لأقوال العلماء، وذكر أدلتهم بتوسع ظاهر (٣).\nوارجع إليه عند تفسيره لقوله تعالى في الآية (٣١) من سورة النساء ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ الآية تجده يقول: \" (فصل) في أقاويل أهل التأويل في عدد الكبائر، مجموعة من الكتاب والسنة، مقرونة بالدليل والحجة\" .. ثم يسردها جميعًا ويذكر أدلتها\n_________\n(١) ٢/ ١٢٥.\n(٢) ١/ ٩١.\n(٣) ٢/ ١٠٢ - ١٠٤.","vol":"1","page":189},{"text":"على وجه التفصيل (١).\nوارجع إليه عند تفسيره لقوله تعالى في الآية (٤٣) من سورة النساء ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ الآية تجده يعرض لأقوال السلف في معنى اللمس والملامسة ... ثم يقول: واختلف الفقهاء في حكم الآية على خمسة مذاهب، ويتوسع على الخصوص في بيان مذهب الشافعي ويسرد أدلته، ويذكر تفصيل كيفية الملامسة عنده، كما يعرض لأقوال العلماء في التيمم ومذاهبهم وأدلتهم بتوسع ظاهر عندما يتكلم عن قوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ (٢).\nوهكذا يتطرق الكتاب إلى نواح علمية متعددة، في إكثار وتطويل يكاد يخرج به عن دائرة التفسير بالمأثور.\nثم إن هناك ناحية أخرى يمتاز بها هذا التفسير، هي التوسع إلى حد كبير في ذكر الإسرائيليات بدون أن يتعقب شيئًا من ذلك أو ينبه على ما فيه رغم استبعاده وغرابته، وقد قرأت فيه قصصًا إسرائيليًا نهاية في الغرابة.\nويظهر لنا أن الثعلبي كان مولعًا بالأخبار والقصص الى درجة كبيرة؛ بدليل أنه ألف كتابًا يشتمل على قصص الأنبياء، ولو أنك رجعت إليه عند تفسيره لقوله تعالى في الآية [١٠]، من سورة الكهف: ﴿إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ﴾ الآية. لوجدته يروي عن السدي ووهب وغيرهما كلامًا طويلًا في أسماء أصحاب الكهف، وعددهم، وسبب خروجهم إليه، ولوجدته يروي\n_________\n(١) ٢/ ١١٠ - ١١٢.\n(٢) ٢/ ١٢٥ - ١٣٦.","vol":"1","page":190},{"text":"عن كعب الأحبار، ما جرى لهم مع الكلب حين تبعهم إلى الغار، ولعجبت حين تراه يروي أن النبي - ﷺ - طلب من ربه رؤية أصحاب الكهف فأجابه الله بأنه لن يراهم في دار الدنيا، وأمره بأن يبعث لهم أربعة من خيار أصحابه ليبلغوهم رسالته ... إلى آخر القصة التي لا يكاد العقل يصدقها (١).\nثم ارجع إليه عند تفسيره لقوله تعالى في الآية (٩٤) من سورة الكهف أيضًا و﴿قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ الآية تجده قد أطال وذكر كلامًا لا يمكن أن يقبل بحال؛ لأنه أقرب إلى الخيال منه إلى الحقيقة (٢).\nثم ارجع إليه عند تفسيره لقوله تعالى: في الآية (٢٧) من سورة مريم ﴿فَأَتتَ به قَومَهَا تَحمِلُه﴾ الآية تجده يروي عن السدي ووهب وغيرهما قصصًا كثيرًا، وأخبارًا في نهاية الغرابة والبعد (٣).\nثم إن الثعلبي لم يتحر الصحة في كل ما ينقل من تفاسير السلف، بل نجده -كما لاحظنا عليه وكما قال السيوطي في \"الإتقان\" (٤) - يكثر من الرواية عن السدي الصغير عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس.\nكذلك نجده قد وقع فيما وقع فيه كثير من المفسرين من الاغترار بالأحاديث الموضوعة في فضائل القرآن سورة سورة، فروى في نهاية كل سورة حديثًا في فضلها منسوبًا إلى أبي بن كعب، كما اغتر بكثير من الأحاديث الموضوعة على ألسنة الشيعة فسود بها كتابه دون أن يشير الى\n_________\n(١) ٤/ ١٢١ - ١٢٥.\n(٢) ٤/ ١٤٠ - ١٤٣.\n(٣) ٤/ ١٤٧ - ١٤٩.\n(٤) ٢/ ١٨٩.","vol":"1","page":191},{"text":"وضعها واختلاقها.\nوفي هذا ما يدل على أن الثعلبي لم يكن له باع في معرفة صحيح الأخبار من سقيمها.\nهذا .. وإن الثعلبي قد جر على نفسه وعلى تفسيره بسبب هذه الكثرة من الإسرائيليات، وعدم الدقة في اختيار الأحاديث، اللوم المرير والنقد اللاذع من بعض العلماء الذين لاحظوا هذا العيب على تفسيره، فقال ابن تيمية في مقدمته في أصول التفسير: (١) والثعلبي هو في نفسه كان فيه خير ودين، وكان حاطب ليل، ينقل ما وجد في كتب التفسير من صحيح وضعيف وموضوع، وقال أيضًا في مجموع الفتاوى (٢): وقد سئل عن بعض كتب التفسير وأما الواحدي فإنه تلميذ الثعلبي، وهو أخبر منه بالعربية، لكن الثعلبي فيه سلامة من البدع وإن ذكرها تقليدًا لغيره وتفسيره وتفسير الواحدي البسيط والوسيط والوجيز فيها فوائد جليلة، وفيها غث كثير من المنقولات الباطلة وغيرها. اهـ\nومن يقرأ تفسير الثعلبي يعلم أن ابن تيمية لم يتقول عليه، ولم يصفه إلا بما هو فيه.\nوقال الكتاني في الرسالة المستطرفة (٣) عند الكلام عن الواحدي المفسر ولم يكن له ولا لشيخه الثعلبي كبير بضاعة في الحديث، بل في تفسيرهما -وخصوصًا الثعلبي- أحاديث موضوعة وقصص باطلة اهـ.\nوالحق أن الثعلبي رجل قليل البضاعة في الحديث؛ بل ولا أكون\n_________\n(١) ص ١٩.\n(٢) ٢/ ١٩٣.\n(٣) ص ٥٩.","vol":"1","page":192},{"text":"قاسيًا عليه إذا قلت إنه لا يستطيع أن يميز الحديث الموضوع من غير الموضوع وإلا لما روى في تفسيره أحاديث الشيعة الموضوعة على علي، وأهل البيت، وغيرها من الأحاديث التي اشتهر وضعها، وحذر العلماء من روايتها.\nوالعجب أن الثعلبي بعد هذا كله يعيب كل كتب التفسير أو معظمها، حتى كتاب محمد بن جرير الطبري الذي شهد له خلق كثير. وليته إذ ادعى في مقدمة تفسيره أنه لم يعثر في كتب من تقدمه من المفسرين على كتاب جامع مهذب يعتمد، أخرج لنا كتابه خاليًا مما عاب عليه المفسرين ... ليته فعل ذلك ... إذًا لكان قد أراحنا وأراح الناس من هذا الخلط والخبط الذي لا يخلو منه موضع من كتابه (١).\nأخذ الواحدي عن الثعلبي كثيرًا من الآثار المروية عن السلف في التفسير خصوصًا أقوال ابن عباس، وغيره كمجاهد وعبد الرحمن بن زيد، كما أخذ عنه أقوال الكلبي ومقاتل، والحسين بن الفضل وغيرهم، كما أخذ عنه بعض الإسرائيليات.\nكما أنه ينقل قول الثعلبي في تفسير الآية وغالبا ما يذكره بعد قوله قال المفسرون.\nومما يثير العجب أنه مع عظم تقدير الواحدي لشيخه الثعلبي وإعجابه به، كما يظهر في كلامه السابق على الرغم من ذلك وعلى الرغم من كثرة ما نقل عنه فإنه لا يذكره إلى نادرًا.\nمن أمثلة نقله عن الثعلبي من كلام السلف قوله في تفسير قوله تعالى:\n_________\n(١) انظر: \"التفسير والمفسرون\" ٣/ ٢٣٢ - ٢٣٤.","vol":"1","page":193},{"text":"﴿ذَلِكَ الكتَابُ﴾ [البقرة: ٢] وروى عن ابن عباس أنه قال: معناه ذلك الكتاب الذي أخبرتك أني أوحيه إليك.\nوقال يمان بن رباب: ذلك الكتاب الذي ذكرته في التوراة والإنجيل ... (١).\nومثال للإسرائيليات التي انتقلت للبسيط من تفسير الثعلبي ما ذكره في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ الآية [البقرة: ٣٠] قال: قال المفسرون: وذلك أن الله تعالى خلق السماء والأرض وخلق الملائكة والجن، فأسكن الملائكة السماء، وأسكن الجن الأرض، فغبروا دهرًا طويلًا في الأرض، ثم ظهر فيهم الحسد والبغي فاقتتلوا وأفسدوا، فبعث إليهم جندًا من الملائكة يقال لهم الجن رأسهم إبليس، وهم خُزَّان الجنان اشتق لهم اسم من الجنة، فهبطوا إلى الأرض وطردوا الجن عن وجوهها إلى شعوب الجبال وجزائر البحور، وسكنوا الأرض، وكانوا أخف الملائكة عبادة، لأن أهل السماء الدنيا أخف عبادة من الذين فوقهم ... الخ. ونقل مثل هذا طويلا بنصه عن الثعلبي (٢).\nومثال آخر في تفسير قوله تعالى: ﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ١٨] روى عن مقاتل عن الضحاك عن ابن عباس قال: يريد أن عن يمين العرش نهرًا من نور، مثل السموات السبع والأرضين السبع والبحار السبع يدخل جبريل فيه كل سحر فيغتسل فيزداد نورًا إلى نوره وجمالًا إلى جماله، وعظمًا إلى عظمه، ثم ينتفض، فيخلق الله من كل نفضة تقع من ريشه كذا وكذا ألف ملك، يدخل منهم كل يوم سبعون ألفًا البيت المعمور، وفي\n_________\n(١) انظر: \"البسيط\" [البقرة: ٢]، الثعلبي ١/ ٣٩ ب.\n(٢) انظر: \"البسيط\" [البقرة: ٣٠].","vol":"1","page":194},{"text":"الكعبة سبعون ألفًا، لا يعودون إليه إلى أن تقوم الساعة. وقد ورد بنصه في تفسير الثعلبي وكما ينقل الواحدي عن الثعلبي آثار السلف والإسرائيليات والقضايا التفسيرية، فإنه ينقلِ عنه مسائل لغوية أو نحوية، مثال ذلك في تفسير قوله تعال: ﴿وَمِمَّا رزَقنَاهُم يُنفِقُونَ﴾ [البقرة: ٣] قال: \"ومعنى الإنفاق في اللغة إخراج المال من اليد، ومن هذا يقال: نفق المبيع إذا كثر مشتروه فخرج عن يد البائع، ونفقت الدابة إذا خرجت روحها، والنفق سرب له مخلص إلى مكان آخر يخرج منه، والنافقاء من جحرة اليربوع: هو الذي يخرج منه إذا أخذ من جهة أخرى .... فيظهر أن الواحدي اعتمد في هذا التحليل للفظ \"الإنفاق\" على الثعلبي لتطابق عبارته مع الثعلبي (١).\nومثال آخر في جانب النحو واللغة: ما ذكره عند قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] قال الواحدي: ﴿وَعَشْرًا﴾ بلفظ التأنيث، وأراد الأيام، وإنما كان كذلك تغليب الليالي على الأيام إذا اجتمعن في التاريخ وغيره، وذلك أن ابتداء الشهر يكون بالليل، فلما كانت الليالي الأوائل؛ غلبت لأن الأوائل أقوى من الثواني (٢). فهذا منقول من تفسير الثعلبي دون عزو.\nومن أمثلة ذلك في جانب الأحكام الفقهية: قول الواحدي في تفسير آيات الصيام: \"والمرض الذي يبيح الإفطار هو كل مرض كان الأغلبُ من أمر صاحبه بالصوم الزيادةَ في علته زيادةً لا يحتمله، والأصل فيه: أنه إذا أجهده الصوم أفطر\".\n_________\n(١) انظر: الثعلبي ١/ ٤٧ أ، ب.\n(٢) \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٥٩ أ.","vol":"1","page":195},{"text":"وحدُّ السَّفَرِ الذي يبيح الإفطار: ستة عشر فرسخا (١) فصاعدًا. والإفطار رخصة من الله للمسافر، فمَنْ أَفْطَرَ فبرخصة الله أخذ، ومن صام ففرضه أدى، على هذا عامة الفقهاء. فهذا النص منقول من تفسير الثعلبي دون عزو إليه، والأمثلة على ذلك كثيرة ولا تحصى؛ لأن تفسير الثعلبي كالعمود الفقري وعمود الخيمة بالنسبة لتفسير البسيط.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-118>ويمكن أن نسجل هنا مقارنة بين \"الكشف والبيان\" للثعلبي و\"البسيط\" للواحدي في النقاط الآتية:</span>\n١ - يعتبر تفسير الثعلبي من تفاسير الرواية المسندة، حيث يروي كثيرًا من الأحاديث والآثار والأخبار والأشعار بسنده، بينما لا نجد هذا في البسيط إلا قليلًا. وغالب ما فيه من المرويات مأخوذ من تفسير شيخه.\n٢ - بسط الواحدي البحث في مجال اللغة والقراءات تدقيقًا وتحقيقًا ومناقشة وتوجيهًا، بينما نجد هذين الجانبين في تفسير الثعلبي على نحو مختصر، وكأن كتاب الواحدي استدراك على كتاب شيخه في هذين الجانبين.\n٣ - أكثر الثعلبي في كتابه من الإسرائيليات والأحاديث الضعيفة والموضوعة، وقد تقدم أنه ذكر الحديث الموضوع في فضائل السور، وهذا مما أخذ عليه، قال ابن الجوزي عن تفسير \"الكشف والبيان\": \"ليس فيه ما يعاب به، إلى ما ضمنه من الأحاديث الواهية التي هي في الضعف متناهية،\n_________\n(١) الفرسخ: ثلاثة أميال هاشمية، والميل: ستة آلاف ذراع، والذراع: أربعة وعشرون أصبعا معتدلة، أي: أن طول الفرسخ حوالي ٦ ك. ينظر: \"المجموع شرح المهذب\" ٤/ ١٩٠، و\"القاموس\" ص ٣٢٩، و\"المكاييل والأوزان الإسلامية وما يعادلها في النظام المتري\" ص ٩٠٤.","vol":"1","page":196},{"text":"خصوصًا أوائل السور\" (١).\nويقول شيخ الإسلام -﵀-: لقد أجمع أهل العلم بالحديث أنه روى طائفة من الأحاديث الموضوعة، كالحديث الذي يرويه في أول كل سورة، وأمثال ذلك، ولهذا يقال: \"هو كحاطب ليل\" (٢).\nويقول أيضا \"والثعلبي هو في نفسه كان فيه خير ودين، وكان حاطب ليل، ينقل ما وجد في كتب التفسير من صحيح وضعيف وموضوع\" (٣).\nويقول في موضع آخر: الثعلبي والواحدي وأمثالهما، هؤلاء من عادتهم يروون ما رواه غيرهم، وكثير من ذلك لا يعرفون هل هو صحيح أم ضعيف؟ ويروون من الأحاديث الإسرائيليات ما يعلم غيرهم أنه باطل في نفس الأمر، لأن وظيفتهم النقل لما نُقل، أو حكاية أقوال الناس، وإن كان كثير من هذا وهذا باطلًا، وربما تكلموا على صحة بعض المنقولات وضعفها، ولكن لا يطردون هذا ولا يلتزمون (٤).\nبينما نجد أن الواحدي لقلة الرواية في تفسيره هذا نسبة إلى تفسير شيخه قد تجاوز كثيرًا من المرويات السقيمة والإسرائيليات، ولم يعرج عليها، وإن كان لم يسلم منها، ومما يحمد له أنه لم يذكر حديث فضائل السور الموضوع في البسيط، لكنه ذكره في الوسيط.\n_________\n(١) نقله عنه ابن تغري بردي في \"النجوم الزاهرة\" ٤/ ٢٨٣، وينظر: \"مقدمة التحقيق\" لتفسير الثعلبي \"الكشف والبيان\" ١/ ٢٠٠.\n(٢) \"منهاج السنة النبوية\" ٤/ ٤، وينظر أيضًا ٤/ ٨٢.\n(٣) \"مجموع الفتاوى\" ١٣/ ٣٥٤\n(٤) \"منهاج السنة\" ٤/ ٨٤.","vol":"1","page":197},{"text":"٤ - بين الثعلبي ﵀ في مقدمة تفسيره أسانيده إلى أئمة التفسير، الذين شهروا بالتفسير كابن عباس وابن مسعود ومجاهد (١).\nبينما لم يذكر الواحدي هذه الأسانيد في مقدمة كتابه وإنما ذكر بعضًا منها مفرقًا في ثنايا كتابه.\n٥ - ذكر الثعلبي في مقدمته أنه بنى كتابه على أربعة عشر أساسًا وعد منها: الحِكم والإشارات، يعني: التفسير الإشاري (٢)، وقد نقل شيئًا من ذلك في كتابه من كتاب شيخه أبي عبد الرحمن السلمي، الذي قال عنه الثعلبي: قرأته كله على مصنفه أبي عبد الرحمن السلمي، فأمر لي به (٣) كما أفاد من كتب أخرى في هذا الباب: كتفسير القرآن العظيم لسهل التستري (٤)، لكن الثعلبي لم يتابع شيخه السلمي فيما أخطأ فيه، وانتُقد بسببه، وصان تفسيره من التأويلات الرمزية التي تخالف اللغة العربية (٥). بينما لم يلتفت الواحدي إلى شيء من ذلك، وعرفنا موقفه من تفسير السلمي فيما تقدم.\n_________\n(١) ينظر: مقدمة تفسير الثعلبي ١/ ٢٤٥ - ٣٢٧ تحقيق د. خالد العنزي.\n(٢) وهو تأويل آيات القرآن الكريم على خلاف ما يظهر منها بمقتضى إشارات خفية تظهر لأرباب السلوك، ويمكن التطبيق بينها وبين الظواهر المرادة. انظر \"التفسير والمفسرون\" ٢/ ٣٥٢.\n(٣) مقدمة \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٣٣١ تحقيق: د. العنزي.\n(٤) هو سهل بن عبد الله التستري، الصوفي الزاهد، صحب ذا النون المصري، له كلمات نافعة ومواعظ حسنة وقدم راسخ في الطريق كما قال الذهبي. توفي سنة ٢٨٣. ينظر: \"حلية الأولياء\" ١٠/ ١٨٩، و\"سير أعلام النبلاء\" ١٣/ ٣٣٠.\n(٥) ينظر: الثعلبي ودراسة كتابه: \"الكشف والبيان\" ٢/ ٦١٦ ومقدمة التحقيق لتفسير الثعلبي ١/ ١٤٠ للدكتور العنزي.","vol":"1","page":198},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-119>ثانيًا: علم القراءات:</span>\n\" الحجة للقراء السبعة\" (١) لأبي علي الفارسي (٢):\nوما ألف أبو علي كتاب الحجة للقراء السبعة، إلاَّ ليستدل ويحتج للقراءات وتوثيقها وتوجيهها، والتماس الدليل لقراءة كل قارئ من القراء السبعة الذين اختارهم ابن مجاهد، إما بالاستناد إلى قاعدة مشهورة في العربية، أو بالتماس علة خفية بعيدة الإدراك يحاول اقتناصها، أو توليدها أو الاعتماد على القياس وحشد النظائر ومقارنة المثيل بالمثيل وهو ممَّا برع فيه أبو على الفارسي.\nوكان أبو على الفارسي يسوق لكل أسلوب من أساليب احتجاجه الآيات القرآنية، والشعر الصالح للاحتجاج، والحديث النبوي، والأمثال\n_________\n(١) اسم الكتاب \"الحجة للقراء السبعة أئمة الأمصار بالحجاز والعراق والشام الذين ذكرهم أبو بكر بن مجاهد\" طبع الكتاب بتحقيق: بدر الدين قهوجي، وبشير حويجاتي، ومراجعة: عبد العزيز رباح، وأحمد الدقاق، في دار المأمون بدمشق.\n(٢) هو: الحسن بن أحمد بن عبد الغفار بن محمد بن سليمان بن أبان الفارسي الفسوي، أبو علي، نحوي، صرفي، عالم بارع بالعربية والقراءات، ولد ببلدة فسا، وقدم بغداد، سمع الحديث، وبرع في علم النحو وانفرد به، وقصده الناس من الأقطار، وعلت منزلته في العربية، وقدم حلب سنة ٣٤١، فأقام عند سيف الدولة فأكرمه وأحسن نزله ثم رجع إلى فارس وصحب عضد الدولة ابن بويه، وتقدم عنده فعلمه النحو، وروى القراءة عرضًا عن أبي بكر بن مجاهد، وعرضًا عن الملك بن بكران، وانتهت إليه رئاسة النحو.\nقال الذهبي: كان فيه اعتزال، توفى سنة ٣٧٧ في ربيع الأول.\nمن مصنفاته: \"الحجة للقراء السبعة\"، \"التذكرة\"، \"التكملة والإيضاح\".\nينظر: \"تاريخ بغداد\" ٧/ ٢٧٥ - ٢٧٦، \"وفيات الأعيان\" ١/ ١٦٣ - ١٦٤، \"سير أعلام النبلاء\" ١٦/ ٣٧٩.","vol":"1","page":199},{"text":"العربية، ولغات العرب ولهجاتها، وأقوال أئمة العربية وعلى رأسهم سيبويه الذي انتثرت عبارات كتابه في حجته.\nوطريقته في ذلك طريقة المتن والشرح، فهو يعرض أولًا نص ابن مجاهد في عرضه لاختلاف القراء في كل حرف من الحروف، مصرحًا باسمه أو مغفلًا له مكتفيًا بقوله: اختلفوا ... ثم يعقبه بقول شيخه ابن السراج وذلك في القسم الذي شرع في تفسيره من الفاتحة وسورة البقرة. أو بكلامه هو بقوله: قال أبو علي.\nولعل أبرز ما يتميز به أسلوب أبي علي هو ظاهرة الاستطراد والانطلاق بعيدًا عن أصل الموضوع المطروق حتى يكاد ينسي أخره أوله، فهو ينتقل بالقارئ من الكلام على الحرف والخلاف فيه والاحتجاج له إلى تفسير الآية، فيغوص في الأعماق فيستخرج من كنوز المعاني ودرر الحقائق ما ينتزع إعجاب العلماء بسعة عقله ونفاذ فكره، أو يتناول الكلمة وما يتفرع عنها من معان وما تدل عليه من دلالات فيتناولها معنًى معنًى مبينًا له مع شواهده ثم يتجاوزه إلى الحديث عن الوجوه الإعرابية أو العلل الصرفية، ويناقش جميع ذلك ويحشد له الشواهد والأدلة، فيشبعه ولا يترك بعده زيادة لمستزيد، وهو أشبه ما يكون بالنبع الغزير المتدفق في الأرض المستوية، ينبثق فيشق دروبًا لنفسه في كل مكان قبل أن يأخذ مجراه.\nثم ذكر الواحدي صلته بكتب أبي علي الفارسي عمومًا في مقدمته حينما قال: ... وقرأت على الأستاذ سعيد مصنفات ابن مهران، وروى لنا كتب أبي علي الفسوي عنه .. (١).\n_________\n(١) مقدمة \"البسيط\" للمؤلف.","vol":"1","page":200},{"text":"وذكر صلته بكتاب الحجة بصفة خاصة حينما قال: وذكرت وجوه القراءات السبع التي اجتمع عليها أهل الأمصار دون تسمية القراء، واعتمدت في أكثرها على كتاب أبي علي الحسن بن أحمد الفارسي، الذي رواه لنا سعيد بن محمد الحيري عنه .. (١).\nولقد اعتمد الواحدي اعتمادًا كبيرًا على كتاب \"الحجة\" في توجيه القراءات، ونقل عنه وأطال، ولعله اكتفى بتلك الإحالة التي ذكرها في المقدمة حين قال: .. واعتمدت في أكثرها على كتاب أبي على الحسن بن أحمد الفارسي ... ولهذا لم يعز له إلاَّ قليلًا مع أنه في أكثر المواضع ينقل كلام أبي علي بنصه، وقد يتصرف فيه تصرفًا يسيرًا.\nعلى أنه مما ينبغي ذكره أن أبا علي لمَّا أطال في كتابه على هذا النسق جعل الكتاب صعب العبارة، لا يستطيع الإفادة منه إلا القليل. ذكر هذا تلميذه ابن جني حينما قال: \"وقد كان شيخنا أبو علي عمل كتاب \"الحجة في قراءة السبعة\" فأغمضه وأطال حتى منع كثيرًا -ممن يدعي العربية فضلا عن القَرَأة- منه، وأجفاهم عنه\" (٢).\nوبنقل الواحدي عن الحجة وإطالته في ذلك، وقع في كتابه شيء من الغموض وصعوبة العبارة، تلاحظ ذلك وأنت تقرأ في حجج القراءات عند الواحدي أو في بعض المباحث اللغوية والنحوية.\nوأمثلة ما نقله عن \"الحجة\" كثيرة ففي كل موضع تكلم فيه عن\n_________\n(١) المصدر السابق.\n(٢) \"المحتسب\" ١/ ٢٣٦، وانظر مقدمة المحققين على كتاب \"الحجة\" ص ٢٦، طبعة دار المأمون.","vol":"1","page":201},{"text":"القراءات نقل فيه عن أبي علي. من ذلك في قوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤] ذكر القراءات فيها، ثم ذكر الاحتجاج لها، ونقل في ذلك عن الحجة بدون عزو قال: \"قال محمد بن السري: الملك الذي يملك الكثير من الأشياء ويشارك غيره من الناس بالحكم عليه في ملكه ... \" (١) وأخذ بعد ذلك عن أبي علي بتصرف.\nومثال آخر في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اَلَّذِين كَفَرُواْ سَوَآءٌ عَلَيهِمءَأَنذَزتَهُم﴾ الآية [البقرة: ٦] نقل في الاحتجاج للقراءات في \"أأنذرتهم\" قريبًا من \"عشر صفحات\" (٢).\nعلى أن أخذ الواحدي من \"الحجة\" لم يقتصر على الاحتجاج للقراءات، حيث إن أبا علي في \"الحجة\" يستقصي ويتتبع المسائل ويخرج عن مجال الاحتجاج للقراءات إلى بيان أصول بعض الكلمات، أو الوجه التفسيري للآية فنقل عنه الواحدي في ذلك كثيرًا.\nومن أمثلة ذلك في قوله تعالى: ﴿هُدًى للْمُتَّقِين﴾ [البقرة: ٢] قال: \"وقال أناس من النحويين: إنه قد تُجْرى الأسماء التي ليست بمصادر مُجْرى المصادر، فيقولون: جلس جلسة، وركب ركبة، ويقولون: عجبت من دهنك لحيتك وينشدون:\nوبعد عطائك المائةَ الرَّتاعا ... فَيُجرى مُجْرى الإعطاء ..... إلخ (٣).\nفهذا -مع كلام بعده- نقله عن الحجة بتصرف يسير في العبارة. ونص\n_________\n(١) انظر: \"البسيط\" تفسير الفاتحة [الآية: ٤]\n(٢) انظر: \"البسيط\" تفسير سورة البقرة [الآية: ٦].\n(٣) \"البسيط\" عند تفسير الآية: [٢].","vol":"1","page":202},{"text":"كلام أبي علي في \"الحجة\": \" .. ويقويه أن ناسا من النحويين يزعمون أنه قد يجري الأسماء التي ليست بمصادر مجرى المصادر فيقولون: \"عجبت من دهنك لحيتك .. الخ\" (١).\nونقل عنه في موضع آخر مع عزو الكلام إليه فقال في تفسير قوله تعالى: ﴿وَنُقَدِّسُ لَك﴾ [البقرة: ٣٠] قال: \"قال أبو علي الفارسي: معنى نقدس لك: ننزهك عن السوء، فلا ننسبه إليك، و\"اللام\" فيه على حدها في قوله: ﴿رَدِفَ لَكُم﴾ [النمل: ٧٢] لأن المعنى تنزيهه، وليس المعنى أنه ينزه شيء من أجله ... الخ\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-121>ثالثًا: معاني القرآن:</span>\n١ - \" معاني القرآن\" (٣) للفراء أبي زكريا يحي بن زياد (٤):\n_________\n(١) \" الحجة\" ١/ ١٨٢.\n(٢) \"البسيط\" عند تفسير الآية: [٣٠].\n(٣) ذكر ثعلب: كان السبب في إملاء كتاب الفراء في المعاني أن عُمَر بن بُكير كان من أصحابه، وكان منقطعًا إلى الحسن بن سهل، فكتب إلى الفراء: إن الأمير الحسن بن سهل ربما سألني عن الشيء بعد الشيء من القرآن، فلا يحضرني فيه جواب، فإن رأيت أن تجمع لي أصولًا أو تجعل في ذلك كتابًا أرجع إليه فعلت.\nفقال الفراء لأصحابه: أجتمعوا حتى أمل عليكم كتابًا في القرآن. هذا وقد أملى الفراء كتابه من حفظه في سنتين من رمضان ٢٠٢ إلى ٢٠٤.\nوقد طبع بتحقيق الأستاذان محمد علي النجار وأحمد يوسف نجاتي.\n(٤) هو: يحيى بن زياد بن عبد الله بن منظور الأسلمي، المعروف بالفراء الديلمي أبو زكريا، مولاهم الكوفي صاحب التصانيف سكن بغداد وأملى بها كتاب \"معاني القرآن\" وغير ذلك. ولد سنة (١٤٤) هـ.\nقال ابن الأنباري: كان يقال للفراء أمير المؤمنين في النحو.\nوقال ثعلب: لولا الفراء لما كانت عربية لأنه خلصها وضبطها، ولولا الفراء =","vol":"1","page":203},{"text":"لقد ألف الفراء كتابه \"معاني القرآن\" وحشد فيه من المسائل النحوية والصرفية واللغوية، ومذاهب العرب وتوجيه القراءات وتفسير القرآن من وجهة عربية لإبراز مذهبه الكوفي في علوم العربية.\nوقد أفاد الواحدي من كتاب \"معاني القرآن\" ونقل عنه كثيرًا إما بالعزو إليه فيقول: قال الفراء، ومن أمثلة ذلك تفسير قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢] عن معنى \"ذلك\" قال: قال الفراء:\nوإنما يجوز \"ذلك\" بمعنى \"هذا\" لما مضى وقرب وقت تقضيه، أو تقضي ذكره، فأما الموجود الحاضر فلا يقال فيه \"ذلك\" .... إلخ \" (١).\nوربما نقل عنه بالسند كما في تفسير قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ٢٩] قال: \"أخبرني أبو سعيد بن أبي عمرو النيسابوري -﵀- ثنا محمد بن يعقوب المعقلي ابنا محمد بن الجهم (٢) (٣)، عن الفراء قال: الاستواء في كلام العرب على جهتين، إحداهما: أن يستوي\n_________\n= لسقطت العربية لأنه كانت تتنازع ويدعيها كل من أراد ويتكلم الناس فيها على مقادير عقولهم وقرائحهم فتذهب. توفي ﵀ سنة ٢٥٧ بطريق مكة عن عمر ثلاث وستين سنة.\nمن مصنفاته: \"الحدود\"، \"معاني القرآن\"، \"الوقف والابتداء\"، \"المصادر\".\nينظر ترجمته: \"وفيات الأعيان\" ٢/ ٣٠١ - ٣٥٤، \"معجم الأدباء\" ٢٠/ ٩ - ١٤، \"أخبار النحويين البصريين\" ص ٥١، \"تذكرة الحفاظ\" ١/ ٣٣٨.\n(١) انظر: \"البسيط\" عند تفسير الآية [٢]، \"معاني القرآن\" ١/ ١٠.\n(٢) هو: محمد بن الجهم السِّمرِّي، أبو عبد الله راوي كتاب \"معاني القرآن\" للفراء. ينظر ترجمته: \"تاريخ بغداد\" ٢/ ١٦١، \"الإكمال\" ٤/ ٥٢٩، \"غاية النهاية في طبقات\" ١/ ٣٢٧، \"سير أعلام النبلاء\" ١٣/ ١٦٣، \"تذكرة الحفاظ\" ٢/ ٣١٤.\n(٣) \"معاني القرآن\" ١/ ١٤، \"البسيط\" عند الآية [٢٩].","vol":"1","page":204},{"text":"الرجل وينتهي شبابه وقوته، ويستوي من اعوجاج ... الخ\" (١).\nوقد ينقل عنه بدون عزو كما في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا﴾ [البقرة: ٧٢] قال: \"وقوله: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ﴾ ينعطف على قوله: ﴿وَإِذ قُلتمُ يَامُوسَى﴾ [البقرة: ٥٥]، ﴿وَإِذ فَرَقْنَا﴾ [البقرة: ٥٠] والذكر مضمر فيها كأنه قال: \"واذكروا إذ قتلتم\"، ولهذا لم يأت لـ\"إذ\" بجواب. ومثله قوله: ﴿وَإِلى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صاَلِحًا﴾ [هود: ٦١] وليس شيء قبله تراه ناصبا لصالح، فعلم بذكر النبي، وبالرسل إليه أن فيه إضمار \"أرسلنا\". ومثله قوله: ﴿وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ﴾ [الأنبياء: ٧٦]، ﴿وَذَا النُّونِ﴾ [الأنبياء: ٨٧] وهذا يجرى على مثال ما قال في سورة \"ص\" ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا﴾ ﴿ص: ٤٥﴾ ثم ذكر الذين من بعدهم بغير \"واذكر\" لأن معناه متفق، فجاز ذلك ..... \" (٢).\nويتضح من هذه النصوص أنه ينقل عن الفراء في المسائل النحوية واللغوية والقضايا التفسيرية وغيرها.\n\n٢ - \" معاني القرآن\" (٣) للزجاج (٤):\nذكر المؤلف صلته بـ\"معاني القرآن\" للزجاج في مقدمة البسيط في أثناء\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" ١/ ٢٥، \"البسيط\" الموضع السابق.\n(٢) \"البسيط\" ص ١٠٧٧، والكلام في \"معاني القرآن\" للفراء مع اختلاف يسير في العبارة ١/ ٣٥.\n(٣) طبع الكتاب بتحقيق د/ عبد الجليل شلبي، المطابع الأميرية، القاهرة، خرج منه مجلدان، ثم طبع كاملا في \"عالم الكتب\" بلبنان في خمسة أجزاء.\n(٤) هو أبو إسحاق إبراهيم بن السري بن سهل. كان في أول حياته يحترف خراطة الزجاج فسمي الزجاج، عالم بالنحو واللغة ذو دين وفضل وحسن اعتقاد، أخذ العلم عن المبرد وثعلب وغيرهم، ومن أشهر تلامذته: أبو علي الفارسي والجوهري وغيرهم. =","vol":"1","page":205},{"text":"كلامه عن شيخه سعيد بن محمد الحيري قال: \" ... وقرأت عليه بلفظي كتاب الزجاج في \"المعاني\" روايته عن ابن مقسم (١) عنه وسمع بقراءتي الخلق الكثير .... \" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-124>منهج الزجاج في \"معاني القرآن</span>\":\nوطريقته أنه يحلل بعض ألفاظ الآية من الناحية الاشتقاقية ثم يذكر إعراب الآية ويناقش النحويين، ويورد قراءات اللغويين وهي قراءات شاذة غالبا، كما يورد القراءات المشهورة ويبين المعنى على كل، وقد يقف عن الحروف فيشرحها (٣).\nوقد اعتمد الواحدي على كتاب \"معاني القرآن\" اعتمادًا كبيرًا، وأفاد منه كثيرًا، ولا يفسر آية إلا وينقل غالبا عن الزجاج فيها قائلًا: قال أبو إسحاق، أو قال الزجاج.\nومن أمثلة ذلك ما ذكره عند تفسير قوله تعالى: ﴿رَبِّ العَالَمِينَ﴾\n_________\n= ومن مصنفاته: \"معاني القرآن\"، \"الاشتقاق\"، \"العروض\"، \"مختصر النحو\"، \"ما تكلمت به العرب على لفظ فعلت وأفعلت\"، وغيرهما من المصنفات النافعة. ينظر: \"تاريخ بغداد\" ٦/ ٨٩ - ٩٣، \"معجم الأدباء\" ١/ ١٣٠ - ١٥١، و\"الأنساب\" ٦/ ٢٧٣، و\"إنباه الرواة\" ١/ ١٩٤ - ٢٠٠.\n(١) ابن مقسم: محمد بن الحسن بن يعقوب بن الحسن بن مقسم العَطار أبو بكر البغدادي، إمام نحوي مقرئ له مؤلفات جليلة في التفسير ومعاني القرآن وله اختيار في القراءة تكلم فيها بعض العلماء توفي سنة ٣٥٤ وله ٨٩ سنة، انظر: \"إنباه الرواة\" ٣/ ١٠٠، و\"معجم الأدباء\" ١٨/ ١٥٠، و\"غاية النهاية\" ٣/ ١٢٣، و\"لسان الميزان\" ٥/ ١٣٠، و\"طبقات المفسرين\" للداوودي ٢/ ١٣١.\n(٢) انظر: مقدمة \"البسيط\" ص ٤٢٤.\n(٣) انظر مقدمة د/ شلبي على معاني القرآن.","vol":"1","page":206},{"text":"[الفاتحة: ١] قال: \"قال أبو إسحاق: وإنما لم يستعمل الواحد من لفظه، لأن \"العالم\" اسم لأشياء مختلفة، فإن جعل لواحد منها أسم من لفظه صار جمعا لأشياء متفقة\" (١).\nوفي سورة يونس في تفسير قوله تعال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ الآية [يونس: ٢٣] قال: \"قال أبو إسحاق متاع الحياة الدنيا يقرأ بالرفع والنصب فالرفع من جهتين .. الخ\" (٢).\nوربما نقل عنه بالسند كما في تفسير قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء﴾ الآية [البقرة: ٢٩] فقال: \"أقرأني سعيد بن محمد الحيري -﵀- عن أبي الحسن بن مقسم وأبي علي الفارسي عن الزجاج قال: قال قوم في قوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء﴾ عمد وقصد إلى السماء، كما تقول فرغ الأمير من بلد كذا ثم استوى إلى بلد كذا، معناه: قصد بالاستواء إليه، قال: وقول ابن عباس: \"ثم استوى إلى السماء\" أي صعد، معناه: صعد أمره إلى السماء انتهى كلامه (٣).\nوقد ينقل عنه ولا يعزو له، وهذا كثير، مثال ذلك في تفسير قوله تعالى: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢] قال: \" .. فإن قيل: فما أنكرت أن يكون جواب هل رجل في الدار؟\nقيل: معن \"لا رجل في الدار\" عمهم النفي، لا يجوز أن يكون في الدار رجل ولا أكثر منه وكذلك: \"هل من رجل في الدار\"؟ استفهام عن\n_________\n(١) انظر: \"البسيط\" تفسير الفاتحة الآية [٢].\n(٢) \"البسيط\" ٣/ ل ١١ ب \"النسخة الأزهرية\".\n(٣) انظر: \"البسيط\" [البقرة: ٢٩]، وانظر كلام الزجاج في \"معاني القرآن\" ١/ ٧٤، ٧٥، والنص أقرب إلى ما في \"تهذيب اللغة\" ١٣/ ١٢٥.","vol":"1","page":207},{"text":"الواحد وأكثر منه ... الخ\" (١). فهذا التساؤل وجوابه والكلام بعده وقبله أخذه عن \"معاني القرآن\" للزجاج (٢)، وهو يتصرف في كلام الزجاج حين ينقل عنه سواء كان بعزو أو بدون عزو.\nومما يلحظ من النصوص السابقة وغيرها بالتتبع نجده لا ينقل عن الزجاج القضايا النحوية واللغوية فقط بل ينقل عنه في القضايا التفسيرية وغيرها أيضًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-125>رابعًا: اللغة:</span>\n١ - \" تهذيب اللغة\" (٣) لأبي منصور الأزهري (٤):\nيعتبر \"تهذيب اللغة\" من أهم وأضخم المعاجم اللغوية، وقد تميز عما\n_________\n(١) انظر: \"البسيط\" عند تفسير سورة البقرة الآية [٢].\n(٢) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٣١، ٣٢.\n(٣) طبع الكتاب محققًا أول مرة، من قبل جماعة مختارة من المحققين والمراجعين بالتعاون مع العلامة عبد السلام هارون، وصنع له فهرسًا يسر الانتفاع به، وصدر عن: الدار المصرية للتأليف والنشر، القاهرة ١٩٦٤ - ١٩٦٧ في ستة عشر مجلدًا. ثم قام الأستاذ رياض زكي قاسم بترتيبه ألفبائيًّا. وصدر عن دار المعرفة ٢٠٠١ في أربعة مجلدات.\n(٤) هو: أبو منصور محمد بن أحمد بن الأزهر، الهروي، العلامة، الشافعي، وشهرته الأزهري وهي نسبة إلى أزهر أحد أجداده، ولد سنة ٢٨٢ هـ، وكان رأسًا في اللغة والفقه، ثقة ثبتًا دينًا، وقع في الأسر عند عودته من الحج، وذلك في فتنة القرامطة، وأقام في الأسر حوالي عشرين عامًا، ثم تخلص ودخل بغداد، وقد استفاد من القوم الذين وقع في سهمهم، وكانوا في عامتهم أعرابًا بداة، وقد ألف كتابه التهذيب بعد بلوغه السبعين، ثم دخل بغداد وأخذ عن كبار شيوخها ثم عاد إلى هراة ليأخذ عن شيوخها.\nتوفي الأزهري سنة ٣٧٠ وعن عمر تسعين عامًا. =","vol":"1","page":208},{"text":"سبقه بوفرة مادته اللغوية، وكثرة المصادر التي أفاد منها، فهو موثق المادة فصيحها؛ وقد صرح في مقدمته بأنه لم يودع كتابه إلى ما صح له سماعًا من العرب أو رواية عن ثقة أو حكاية عن خط ذي معرفة ثاقبة اقترنت إليها معرفته.\nو\"التهذيبُ\" عُمدة لما ظهر بعده من المعجمات، فصاحب \"لسان العرب\" يقول: \"لم أجد في كتب اللغة أجمل من \"تهذيب اللغة\" لأبي منصور محمد بن أحمد الأزهري ... \"، ويضيف في مكان آخر، في مقدمته: \"وأنا مع ذلك لا أدّعي فيه دعوى فأقول شافهت أو سمعت، أو فعلت وصنعت، أو شددت أو رحلت، أو نقلت عن العرب العرباء أو حملت؛ فكل هذه الدعاوى لم يترك فيها الأزهريّ وابن سِيدَه لقائل مقالًا، ولم يخليا فيه لأحد مجالًا، فإنّهما عيَّنا في كتابيهما عمّن رويا، وبرهنا عمّا حويا، ونشرا في خطيهما ما طويا. ولعمري لقد جمعا فأوعيا، وأتيا بالمقاصد ووفيا\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-127>مصادر التهذيب:</span>\nاستنفد الأزهري في \"معجمه\" علم من كتبوا قبله، ورحل إلى البادية سعيًا وراء المشافهة والسماع من أفواه العرب الخلّص، واستقصى في تتبّع ما حصّل من علوم العربية والاستشهاد بشواهد أشعارها المعروفة\n_________\n= من مصنفاته: \"الزاهر في غريب ألفاظ الشافعي\"، \"علل القراءات\"، \"الرد على الليث\"، \"تفسير إصلاح المنطق\".\nانظر: \"معجم الأباء\" ١٧/ ١٦٤ - ١٦٧، و\"وفيات الأعيان\" ٤/ ٣٣٤، و\"نزهة الألباء في طبقاث الأدباء\" ص (٢٣٧) و\"سير أعلام النبلاء\" ١٦/ ٣١٥.","vol":"1","page":209},{"text":"بفصاحتها، التي احتجّ بها أهل المعرفة. كما استفاد من إقامته سنوات طويلة في الأسر؛ فقد اختلط بأقوام عامتهم من هوازن، واختلط بهم أصرامٌ من تميم وأسد، ممّن نشؤوا في البادية \"يتتبّعون مساقط الغيث أيام النُّجَع، ويرجعون إلى أعداد المياه، ويرعَون النَّعَم، ويعيشون بألبانها، ويتكلّمون بطباعهم البدوية وقرائحهم التي اعتادوها، ولا يكاد يقع في منطقهم لحنٌ أو خطأ فاحش ...، وكنّا نتشتّى الدَّهْناء (١)، ونتربَّع الصّمّان (٢)، ونتقيّظ السِّتارَين (٣). واستفدتُ من مخاطباتهم ومحاورة بعضهم بعضًا ألفاظًا جمّة ونوادر كثيرة .. \".\nوفي مقدمة الأزهري ذكرٌ وافٍ لطبقات أئمة اللغة الذين اعتمد عليهم في تصنيف تهذيبه، وهم خمس طبقات، من أبرزهم: أبو عمرو بن العلاء (٤)،\n_________\n(١) الدَّهْناء: الأرض واسعة في بادية العرب، في ديار بني تميم، وقيل هي سبعة أجبل من الرمل، وقيل هي في بادية البصرة في ديار بني سعد. \"وفيات الأعيان\" ٤/ ٣٣٦.\n(٢) الصّمّان: جبل أحمر ينقاد ثلاث ليال، وليس له ارتفاع، يجاور الدهناء، وقيل إنه قرب رمال عالج، وبينه وبين البصرة تسعة أيام. \"وفيات الأعيان\" ٤/ ٣٣٦.\n(٣) السِّتاران تثنية ستار. وهما واديان في ديار بني سعد، يقال لهما: سورة. \"وفيات الأعيان\" ٤/ ٣٣٦، وقال ياقوت في \"معجم البلدان\" (ستار): \"والستارات في ديار بني ربيعة: واديان يقال لهما السَّوْدَة، يقال لأحدهما الستار الأغبر وللآخر الستار الجابريّ، وفيهما عيون فَوَّارة تسقي نخيلًا كثيرة ...، وهي من الأحساء على ثلاثة أميال .. \".\n(٤) هو أبو عمرو بن العلاء، بن عمار بن عبد الله المازني، النحوي المقرئ. اختُلف في اسمه على أحد وعشرين قولًا. مات سنة أربع -وقيل تسع- وخمسين ومئة. انظر: \"إنباه الرواة\" ٤/ ١٢٥، و\"معجم الأدباء\" ٣/ ٣٤٥، و\"بغية الوعاة\" ٢/ ٢٣١.","vol":"1","page":210},{"text":"وخلف الأحمر (١)، والمفضّل الضَّبِّيّ (٢)، وأبو زيد الأنصاري (٣)، وأبو عمرو الشيباني (٤)، وأبو عبيدة معمر بن المثنى (٥)، والأصمعي (٦)، والكسائي (٧)، والنضر بن شميل (٨)، والفرّاء (٩)، وسيبويه (١٠)، وأبو عبيد القاسم بن سلام (١١)، واللّحياني (١٢)، وعمرو بن أبي عمرو الشيباني (١٣)، وأبو حاتم\n_________\n(١) هو أبو محرز خلَف بن حيّان المعروف بخلف الأحمر. \"مات في حدود الثمانية ومائة\" \"بغية الوعاة\" ١/ ٥٥٤.\n(٢) هو أبو عبد الرحمن، المفضّل بن محمد الضَبَي. توفي نحو ١٧٨ هـ.\n(٣) هو أبو زيد سعيد بن أوس الأنصاري. توفي سنة ٢١٤ هـ.\n(٤) هو أبو عمرو إسحاق بن مرار الشيباني. توفي سنة ٢٠٦ من خلافة المأمون، وقيل سنة ٢١٠ هـ \"نزهة الألباء\" ص ٩٦.\n(٥) في سنة وفاته خلاف؛ فقد قال الصولي: توفي سنة ٢٠٧ هـ وقال مظفّر بن يحيى: توفي سنة ٢٠٩ هـ، وهو ابن ثلاث وتسعين سنة، وقيل: توفي بالبصرة سنة ٢١٣هـ وله ثمان وتسعون سنة في خلافة المأمون \"نزهة الألباء\" ص ١١١.\n(٦) هو أبو بكر عبد الملك بن قُرَيْب. توفي سنة ٢١٣ هـ وقيل سنة ٢١٧ هـ في خلافة المأمون. \"نزهة الألباء\" ص ١٢٣.\n(٧) هو أبو الحسن علي بن حمزة. ستأتي ترجمته.\n(٨) توفي النّضر سنة ثلاث -أو أربع- ومائتين في خلافة المأمون. \"نزهة الألباء\" ص ٨٨.\n(٩) سبق ترجمته.\n(١٠) هو أبو بشر عمرو بن عثمان بن قنبر، ستأتي ترجمته، توفي سنة ١٨٨هـ، وقيل ١٩٤هـ، والأول أشبه؛ لأنه مات قبل الكسائي. \"نزهة الألباء\" ص ٦٦.\n(١١) ستأتي ترجمته.\n(١٢) هو أبو الحسن علي بن المبارك، وقيل: ابن حازم. توفي سنة ٢٢٠ هـ \"نزهة الألباء\" ص ١٧٦، \"بغية الوعاة\" ٢/ ١٨٥، \"نشأة النحو\". محمد الطنطاوي ص ١٠٢.\n(١٣) راية أبيه (أبي عمرو الشيباني). توفي عمرو سنة ٢٣١ هـ.","vol":"1","page":211},{"text":"السجستانيّ (١)، وابن السِّكِّيت (٢)، وثعلب (٣)، والمبرّد (٤)، والزّجَّاج (٥).\nوهو حين ينقل عمّن سبقه قد يصرّح باسم المرجع الذي نقل عنه وقد لا يصرّح لكن المادة الموثقة بأسانيدها، المعزوّة إلى القائل تغلب على مواده.\nوينبغي، هنا، أن نشير إلى أن الأزهري حين ينقل عن كتاب \"العين\" فإنّما ينقل عنه بعبارة \"قال الليث\" لأنه كان يرى أن كتاب \"العين\" من صنيع الليث (٦)، فقد أملاه الخليل بن أحمد على الليث بعد تلقفه إيّاه عن فِيهِ، وهو منهج صدر عن شكّ سيطر على الأزهري، مفاده التجريح بالمعجمات التي سبقته وعاصرته، ولما لم يستطع مهاجمة الخليل نفسه تبنّى فكَرة نسبة \"العين\" إلى الليث ليستطيع تجريحه.\nوهو على الرغم من موقفه الملتبس من الخليل، كثير الانتفاع من \"العين\"، فأثر منهج الخليل بادٍ في \"تهذيب اللغة\"، وكذلك الإفادة الكثيرة من\n_________\n(١) هو أبو حاتم سهل بن محمد. توفي سنة ٢٥٠ هـ، وقيل سنة ٢٥٥ هـ \"نزهة الألباء\" (١٩١).\n(٢) هو أبو يوسف يعقوب بن إسحاق السِّكِّيت. توفي سنة ٢٤٣ هـ، وقيل: ٢٤٤، وقيل: ٢٤٦ هـ. \"نزهة الألباء\" ١٧٩.\n(٣) هو: أحمد بن يحيى بن زيد بن سيار الشيباني، أبو العباس ثعلب، شيخ اللغة العربية، إمام الكوفيين، حفظ كتب الفراء، ولازم ابن الأعرابي توفي سنة ٢٩١ هـ.\n(٤) هو: أبو العباس محمد بن يزيد المبرد، ستأتي ترجمته.\n(٥) سبق ترجمته في نفس هذه المقدمة.\n(٦) هو الليث بن المظفّر، هكذا أسماء الأزهري. وقال في \"بغية الوعاة\" ٢/ ٢٧٠: الليث بن نصر بن يسار الخراسانيّ. وقال غيره: الليث بن رافع بن نصر بن يَسار. ولم تؤرخ وفاته.","vol":"1","page":212},{"text":"مادة \"العين\" المروية أو المدوّنة، مباشرة، أو عن طريق \"الجمهرة\" لابن دريد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-128>منهج الأزهري في \"تهذيب اللغة</span>\":\nرتّب الأزهري مواد تهذيبه على مخارج الحروف، متبعًا منهج كتاب \"العين\" للخليل بن أحمد الفراهيدي، وقد حاكاه في تقاليب الكلمة والأبنية.\nويصرّح في مقدمته بهذا المنهج وتلك المحاكاة بقوله: \"ولم أرَ خلافًا بين اللغويين أن التأسيس المجمل في أول كتاب \"العين\"، لأبي عبد الرحمن الخليل بن أحمد، وأن ابن المظفر أكمل الكتاب عليه بعد تلقّفه إيّاه عن فيه. وعلمت أنه لا يتقدّم أحد الخليل فيما أسسّه ورسمه، فرأيت أن أحكيه بعينة لتتأمّله وتردّد فكرك فيه، وتستفيد منه ما بك الحاجةُ إليه، ثمّ أتبعه بما قاله بعض النحويين، ممّا يزيد في بيانه وإيضاحه\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-129>والمنهج المذكور يتّضح في النظام الآتي:</span>\n١ - ترتيب الأبجدية العربية ترتيبًا صوتيًّا، يبدأ بأقصى مخارج الحروف في الحلق وأدخلها، وهو العين، ثم ما قرب مخرجه منها الأرفع فالأرفع، حتى يأتي على آخر الحروف، وهو الياء، وهذا انتظامها: ع ح هـ خ غ/ ق ك/ ج ش ض/ ص س ز/ ط د ت/ ظ ذ ث/ ر ل ن/ ف ب م/ وا ي.\n٢ - ترتيب الأبنية ترتيبًا تصاعديًّا يبدأ بالثنائي فالثلاثي فالرباعي فالخماسي.\nأ- أمّا الثنائي فتبدأ أبوابه من الحرف الأول وهو العين وما يليها، وهو الحاء، ثمّ العين مع الهاء، فالعين مع الخاء، حتى يأتي على آخر الحروف.\nب- يقلّب الثنائي، إن أمكنه قلبه؛ نحو: عق = قع.","vol":"1","page":213},{"text":"ج- أبواب الثلاثي الصحيح. يبدأ بالعين مع الحاء وما يثلّثهما بترتيب الحروف، ثمّ العين مع الهاء، ثم مع الخاء والغين، حتى يأتي على آخر الحروف.\nد- يقلِّب كلّ مادة ثلاثية بذكر الصور الست الممكنة في مكان واحد؛ نحو: هقم - همق - قهم - قمه - مهق - مقه.\nويشير إلى المستعمل منها والمهمل، فيقول في تقاليب هقم: \"مستعملات\"، ويقول في تقاليب هكد: هكد - كهد - كده - دهك: مستعملة. أهمل الليث هكد.\nويقول في هكس: استُعمل من وجوهه: سَهَك. ويقول في: هكز \"اهمله الليث\".\nهـ- ثم أبواب الثلاثي المعتلّ، وهو ما فيه حرفان صحيحان وحرف علّة واحد. وهي تجري على النظام السابق، مع إلحاق المهموز بالمعتل بالألف.\nو- اللفيف، فمن لفيف حرف الهاء: هاه - أوه - هيه - إيه - هيأ - هوأ - هأي - وهوه - يهيأ - وهي - أيه - هوى - هوي.\nز- الرباعي، فالخماسي. يشار هنا إلى أن الأزهري رتّب الرباعي على ابوابه، ولم يفعل ذلك في الخماسي.\nح- أدرج المعتل في آخر الكتاب (١).\nولقد ذكر الواحدي صلته بكتاب تهذيب اللغة، حيث كان الأزهري من شيوخ العروضي أحد شيوخ الواحدي.\n_________\n(١) ينظر: \"تهذيب اللغة\" طبعة دار المعرفة، بتحقيق د. رياض زكي قاسم.","vol":"1","page":214},{"text":"يقول الواحدي في مقدمة كتابه \"البسيط\" عن شيخه العروضي: \" ... وأدرك المشايخ الكبار وقرأ عليهم وروى عنهم، كأبي منصور الأزهري روى عنه كتاب \"التهذيب\" وغيره من الكتب ... \" (١). ثم يقول: \" ... وقرأت عليه الكثير من الدواوين وكتب اللغة ... \" (٢) ولا بد أن يكون كتاب \"التهذيب\" في طليعة تلك الكتب.\nلقد أفاد الواحدي من كتاب \"تهذيب اللغة\" كثيرًا، ويعتبر مصدرًا هامًا له في مجال اللغة واشتقاق الكلمات، حيث إن شرح الكلمات القرآنية وبيان أصولها واشتقاقها وما فيها من غريب يأخذ حيزًا كبيرًا في تفسير الواحدي يبدأ به كل آية، وقد اعتمد في أكثر ذلك على كتاب \"تهذيب اللغة\" وله ثلاث طرق في إفادته من الكتاب:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-130>الطريقة الأولى: </span>أن ينقل بالسند عن طريق أبي الفضل العروضي مثال ذلك أنه قال -أثناء تفسير لفظ الجلالة \"الله\"-: \"أخبرني أبو الفضل أحمد بن محمد بن عبد الله العروضي﵀- قال: أبنا أبو منصور أحمد بن محمد الأزهري، أبنا أبو الفضل المنذري قال: سألت أبا الهيثم خالد بن يزيد الرازي عن اشتقاق اسم \"الله\" في اللغة، فقال \"الله\" أصله \"إلاه\" قال جل ذكره: ﴿وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ﴾ [المؤمنون: ٩١] ... الخ (٣».\nوكلام أبي الهيثم قد ورد في \"التهذيب\" ضمن كلام طويل مع اختلاف\n_________\n(١) انظر: مقدمة \"البسيط\" ص ٤١٨.\n(٢) انظر مقدمة \"البسيط\" ص ٤١٩.\n(٣) انظر: \"البسيط\" للمؤلف في تفسير الفاتحة.","vol":"1","page":215},{"text":"يسير في العبارة. قال الأزهري: \"وأخبرني المنذري عن أبي الهيثم أنه سأله عن اشتقاق اسم الله في اللغة فقال: \" ... \" (١).\nوقد أخذ الواحدي عن الأزهري من هذا الطريق في مواضع من كتابه فعند تفسير لفظ \"الناس\" وبيان أصلها في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ الآية [البقرة: ٨]، قال: \"فقد أقرأني العروضي قال: أقرأني الأزهري، قال أخبرني المنذري عن أبي الهيثم أنه سأل عن \"الناس\" ما أصله، قال أصله \"أناس\" .. الخ\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-131>الطريقة الثانية: </span>أن ينقل عن الأزهري بدون سند ويعزو إليه، وهذا أكثر من الطريقة الأولى، قال عند تفسير \"المرض\" في قوله: ﴿فِى قُلُوبِهِم مرضٌ﴾ الآية [البقرة: ١٠]، قال: \"وقال الأزهري: أخبرني المنذري عن بعض أصحابه قال: المرض: إظلام الطبيعة واضطرابها بعد صفائها، قال: والمرض الظلمة وأنشد .. الخ\".\nومثال آخر عن تفسير قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ أَدنى أَلَأ تَعُولُوا﴾ [النساء: ٣] قال - ناقلًا كلام الأزهري دفاعا عن الشافعي-: \"قال الأزهري وهذا يدل على أن الشافعي لم يخطئ من جهة اللغة، لأن الكسائي ثقة مأمون، قال: والمعروف من كلام العرب عال الرجل يعول إذا جار ومال، وأعال إذا كثر عياله\" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-132>وبالطريقة الثالثة: </span>أن يفيد منه بدون عزو، وهذه أكثر الطرق، وقل أن تجد في تفسير \"البسيط\" كلامًا في اللغة إلى وقد أفاد الواحدي من\n_________\n(١) \"تهذيب اللغة\" ٦/ ٤٢٣.\n(٢) انظر: \"البسيط\" ٣/ ١٩٤ [البقرة: ٨]، و\"التهذيب\" مادة: (أنس) ١٣/ ٨٨.\n(٣) \"البسيط\" ل ٢٢٨ من المخطوطة الأزهرية، و\"التهذيب\" مادة: (عال) ٣/ ١٩٤.","vol":"1","page":216},{"text":"\"التهذيب\" إما بنصه أو بمعناه، ولو تتبعت هذا الجزء المحقق لأدركت ذلك، وأوضح مثال على ذلك مقدمة الكتاب فقد نقل الواحدي فيها كلامًا بنصه عن مقدمة \"تهذيب اللغة\" بدون عزو قال في المقدمة: \"والله تعالى ذكره أنزل كتابه على قوم عرب أولي بيان فاضل وفهم بارع، أنزله جل ذكره بلسانهم، وصيغة كلامهم الذي نشئوا عليه وجبلوا على النطق به، فتدربوا به يعرفون وجوه خطابه ويفهمون فنون نظامه ... إلخ\" (١)، وهذا الكلام بنصه في مقدمة \"تهذيب اللغة\" (٢). ومثال آخر عند تفسيره \"مالك\" في قوله تعالى: ﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤] قال: \"ويقال: ما تمالك فلان أن فعل كذا، أي: لم يستطع أن يضبط نفسه وقال:\nفلا تَمالُكَ عن أرض لها عَمَدُوا\nوملاك الأمر ما يضبط به الأمر، يقال: \"القلب ملاك الجسد ... \" (٣) فهذا الكلام نقله عن \"التهذيب\" مع التصرف اليسير في العبارة. وربما نقل عن الأزهريِ ذاكرًا شيوخ الأزهري ولم يذكره هو، قال في تفسير قوله تعالى: ﴿هُدًى لّلِمُتقِينَ﴾ [البقرة: ٢] \"الحراني عن ابن السكيت يقال: اتقاه بحقه يتقيه، وتقاه يتقيه وأنشد عن الأصمعي .. \" (٤)، ونص الكلام في التهذيب: \"وأخبرني المنذري عن الحراني عن ابن السكيت قال .. ثم ذكره .. \" (٥).\n_________\n(١) انظر: مقدمة البسيط، وفروق النص بعد المقارنة مع \"التهذيب\".\n(٢) انظر: مقدمة \"تهذيب اللغة\" ١/ ٤.\n(٣) \"البسيط\" ١/ ٥٠٩، وانظر \"التهذيب\" (ملك) ١٠/ ٢٧١.\n(٤) \"البسيط\" عند تفسير الآية ﴿هدى للمتقين﴾.\n(٥) \"تهذيب اللغة\" \"تقى\" ٩/ ٢٥٧.","vol":"1","page":217},{"text":"وبهذه الأمثلة يتضح مدى إفادة الواحدي من كتاب \"تهذيب اللغة\" للأزهري.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-133>القسم الثاني من المصادر: المصادر الثانوية</span>.\nوهي أقل من الأولى في اعتماد المؤلف عليها.\n\n١ - \" الكتاب\" (١) لسيبويه (٢):\nلقد ألف سيبويه كتابه في علم النحو ومسائله ومقاييسه وعلله، وهو لا نظير له في بابه، وقد اعتمد المؤلف عليه ونقل منه مسائل في النحو أو الصرف، وتارة ينقل بواسطته مثل \"تفسير الثعلبي\"، و\"معاني القرآن وإعرابه\"، أو كتاب \"الحجة\" لأبي على الفارسي، أو \"تهذيب اللغة\".\n_________\n(١) علم على اسم كتاب سيبويه في النحو، قال السيرافي: وكان كتاب سيبويه لشهرته وفضله علمًا عند النحويين، فكان يقال بالبصرة: قرأ فلان الكتاب، فيعلم أنه كتاب سيبويه، ولأهميته في بابه كان أحد النحاة يختمه كل خمسة عشر يومًا. وطبع الكتاب عدة طبعات أشهرها طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة الكتاب فى أربعة مجلدات والخامس فهارس، بتحقيق الأستاذ: عبد السلام هارون.\n(٢) أبو بشر، عمرو بن عثمان بن قنبر، الفارسي، ثم البصري إمام النحو وحجة العرب، أخذ النحو والأدب عن الخليل بن أحمد، ويونس بن حبيب، وأبي الخطاب الأخفش وعيسى بن عمر، وورد بغداد وناظر بها الكسائي بحضور سعيد الأخفش والفراء، وتعصبوا عليه، ثم وصله يحيى بعشرة ألف، فسار إلى بلاد فارس، فاتفق موته بشيراز فيما قيل قيل: عاش اثنتين وثلاثين سنة، وقيل أربعين سنة توفي ﵀ سنة ١٨٠هـ على الأصح.\nينظر: \"المعارف\" لابن قتيبة ص ٢٣٧، \"مراتب النحويين\" لأبي الطيب ص ٦٥، \"تاريخ بغداد\" ١٢/ ١٩٥، \"نزهة الألباء\" لابن الأنباري ص ٨١ - ٨٢، \"سير أعلام النبلاء\" ٨/ ٣٥١.","vol":"1","page":218},{"text":"وعند عرضه لأقوال سيبويه تارة يذكر قوله وتارة يحكي مذهبه، ومن أمثلة ذلك عند قوله تعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ [إبراهيم: ١٠] بَيّن مذهب سيبويه في زيادة (من) فقال: قال أبو عبيدة: (من) زائدة، وأنكر سيبويه زيادتها في الواجب.\nوعند قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [إبراهيم: ١٨] ذكر مذهب سيبويه في رفع (مثلُ) فقال: اختلفوا في الرفع للمثل، فقال الزجاج: هو مرفوع على معنى: وفيما يتلى عليكم، وهذا مذهب سيبويه.\nوعند قوله تعالى: ﴿حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ [الحجر: ٢٦] قال: وقال سيبويه: المسنون المصوَّر على صورة ومثال، من سُنّة الوَجْه، وهي صورته. فهذا القول لم أجده في الكتاب، وورد بنصه في تفسير الثعلبي (٢/ ١٤٨ أ).\nوعند قوله تعالى: ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ [الحجر: ٣٠] قال: قال الخليل وسيبويه: أجمعون توكيد بعد توكيد. وقد ورد هذا الكلام بنصه في \"معاني القرآن وإعرابه\".\nوعند قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ [الإسراء: ١] قال: قال سيبويه: معنا سبحان الله: براءة الله من السوء. وقد ورد كلامه هذا بنصه في \"الكتاب\" وفي \"تهذيب اللغة\"، فيحتمل أنه نقله من \"التهذيب\"؛ لأنه من مصادره الرئيسية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-135>ومن أمثلة نقله بواسطة:</span>\n١ - قول الله تعالى: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ (١٩٨) فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ (١٩٩)﴾ [الشعراء: ١٩٨، ١٩٩] قال الواحدي: \"قال أبو علي الفارسي: أعجم صفة، كأحمر؛ لأنه قد وُصف به في النكرة .. والذي قلنا","vol":"1","page":219},{"text":"من أن الأعجمين جمع أعجمي هو قول سيبويه؛ وقد نص عليه ... فال سيبويه في الباب المترجم: هذا بابٌ من الجمع بالواو والنون، وتكسير الاسم. سألت الخليل عن قولهم: الأَشْعَروُن؛ فقال: إنما أَلحقوا الواو والنون وحذفوا ياء الإضافة كما كَسَّروا فقالوا: الأشاعر، والأشاعث، والمَسَامِعة، فلما كَسَّروا مِسْمَعًا والأشعث حين أرادوا معنى بني مِسْمَع وبني الأشعث، أَلحقوا الواو والنون، فكذلك الأعجمون ... انتهت الحكاية عن أبي علي. \"الإغفال فيما أغفله الزجاج\" ٢/ ٢١٣.\n٢ - قول الله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ [الروم: ٢٥] قال الواحدي: \"وقال النحاس: ﴿ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً﴾ ليس بوقف؛ لأنه لم يأت بجواب (إذا) وجواب (إذا) على قول الخليل وسيبويه: ﴿أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ أي: خرجتم.\nوقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ [الروم: ٣٦] تقديره عنده: قنطوا. والقول ما قال النحاس\". قول سيبويه ذكره النحاس، \"القطع والائتناف\" ٢/ ٥٣٢.\n٣ - قول الله تعالى: ﴿وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (٨٢)﴾ [القصص: ٨٢ - ٨٢] قال الواحدي: \"قال سيبويه في هذه الكلمة: سألت عنها الخليل فزعم أنها: وَيْ، مفصولة من كأن، وأن القوم تنبهوا، فقالوا: وَيْ، متندمين على ما سلف منهم، وكل من تندّم أو ندم فإظهار ندامته أن يقول: وَيْ \". \"الكتاب\" ٢/ ١٥٤، بمعناه. وذكره بنصه الزجاج ٤/ ١٥٦.","vol":"1","page":220},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-136>٢ - كتب الكسائي </span>(١):\nنقل الواحدي عن الكسائي جملة من الآراء والاختيارات اللغوية والنحوية، وغالبها نقلت -فيما يبدو- بواسطة بعض ما تقدم من المصادر، كتهذيب اللغة، وتفسير الثعلبي، وبعض النصوص ليست فيها، ولعلها من كثاب \"معاني القرآن\" للكسائي (٢)، وهو من المفقودات، وهو من روايات شيخه الثعلبي كما صرح به في تفسيره (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-137>٣ - \" المصادر\" للفراء </span>(٤):\n\" المصادر\" للفراء من الكتب المفقودة، وقد صرح الواحدي -﵀- عدة مرات بالنقل عنه، ويلاحظ أن معظم النقولات عن هذا الكتاب هي في أبنية الكلمات وأصولها واشتقاقها، وقد وردت إحالات كثيرة إلى الفراء لم أقف عليها في المعاني، وأغلب الظن أنها من هذا الكتاب لِمَا بين هذه النصوص من التشابه، ومن أمثلة ما نقله: قول الواحدي: والقِصَاص مصدر؛ لأنه فعال من المفاعلة.\n_________\n(١) هو: أبو الحسن علي بن أحمد بن حمزة بن بهمن بن فيروز الأسدي الكوفي أحد القراء السبعة وكان إمامًا في النحو واللغة والقراءات. روى عن أبي بكر بن عباس وحمزة الزيات وغيرهم، أخذ عنه القراء أبي عبيد والفراء وغيرهما له مصنفات منها \"معاني القرآن\"، و\"مختصر النحو\"، و\"كتاب القراءات\" توفىِ سنة ١٨٩ بالري. ينظر: \"وفيات الأعيان\" ٣/ ٢٩٥، \"الفهرست\" ص ٩٧، \"تاريخ بغداد\" ١١/ ٤٠٣.\n(٢) ذكر هذا الكتاب: القفطي في \"إنباه الرواة\" ٢/ ٢٥٧ والذهبي في \"سير أعلام النبلاء\" ٩/ ١٣٣.\n(٣) تفسير الثعلبي ١/ ٣٣٨ - ٣٣٩.\n(٤) سبق ترجمته.","vol":"1","page":221},{"text":"قال الفراء في كتاب المصادر: قاصَصته قَصَصًا، وأَقْصَصْتُه: إذا أقدته من أخيه إِقْصَاصًا، ويقال: قَصَصْتُ أثره قُصًّا وقَصًّا، وقَصَصْتُ عليه الحديثَ قُصًّا، عند قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة: ١٧٩].\nوعند قوله تعالى: ﴿لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ﴾ [النحل: ٥] قال: وقال الفراء في المصادر: يقال للرجل دَفَيْت فأنت تدفأ دَفْأ ساكنة الفاء مفتوحة الدال، ودِفاءً بالكسر والمد، وزاد غيرُه دَفاءًة ودَفاءً.\nوعند قوله تعالى: ﴿لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ [النحل: ١٤] قال: وقال الفراء في المصادر: ما كان طريّا ولقد طري يطرأ طراءً ممدود وطراوةً، كما يقال: شقي يشقى شقاءً وشقاوةً.\nوعند قوله تعالى: ﴿إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ [الإسراء: ٧٨] قال: وقال الفراء في المصادر: أغسق الليل إغساقًا وغسق غسوقًا.\n\n٤ - \" مجاز القرآن\" (١) لأبي عبيدة معمر بن المثنى (٢):\n_________\n(١) طبع هذا الكتاب بتحقيق الدكتور فؤاد سزكين في مجلدين، تحت إشراف مؤسسة الرسالة.\n(٢) هو العلامة البحر، أبو عبيدة، معمر بن المثنى التيمي، مولاهم، البصري، النحوي، صاحب التصانيف، ولد سنة ١١٠ هـ، في الليلة التي توفي فيها الحسن البصري.\nروى عن: هشام بن عروة، ورؤبة بن العجاج، وأبي عمرو بن العلاء وغيرهم، وروى عنه: علي بن المديني، وأبو عبيد القاسم بن سلام، وأبو عثمان المازني، وغيرهم. وتذكر كتب التراجم أنه من الخوارج توفي سنة ٢٠٩ هـ. من مصنفاته: \"معاني القرآن\"، \"نقائص جرير والفرزدق\"، \"مقاتل الفرسان\"، \"أخبار قضاة البصرة\".","vol":"1","page":222},{"text":"ألف أبو عبيدة هذا الكتاب في تفسير القرآن، ويعد أول كتاب مطبوع من كتب غريب القرآن (١)، وله أسماء متعددة (٢)، ويعد أكثر كتب الغريب استشهادًا بالشعر (٣)، وقد فسر غريبَ القرآن باللغة مقتصرًا عليها في الغالب (٤) ولم يخضع أبو عبيدة في مجازه لأي من المدرستين البصرية والكوفية ولم يتقيد بتلك القيود التي كانت تضعها تلك المدرستان لفهم النصوص العربية.\nويجدر الإشارة هنا أن معنى المجاز عند أبي عبيدة يختلف كل الاختلاف عن المعنى الذي حدده علماء البلاغة، فالمجاز عند أبي عبيدة عبارة عن الطريق التي يسلكها القرآن في تعبيراته، وهذا المعنى أعم بطبيعة الحال من المعنى الذي حدده علماء البلاغة (٥).\nوقد نقل الواحدي -﵀- عن أبي عبيدة من مجازه دون الإشارة إلى الكتاب، واكتفى بقوله: قال أبو عبيدة، أما المجالات التي نقل عنها\n_________\n(١) يقول الدكتور: مساعد الطيار في \"التفسير اللغوي\" ص ٣٣٤: بل لا يبعد أن يكون أول كتاب للغويين يتعلق بتفسير القرآن نظرًا للحملة الاستنكارية التي قامت عليه، مما يدل على أنه بدع في التأليف في هذا المجال.\n(٢) منها: \"غريب القرآن\"، و\"معاني القرآن\"، و\"إعراب القرآن\"، وقد عدت هذه الأسماء كتبًا مختلفة والظاهر أنها أوصاف لهذا الكتاب، وأشهر أسمائه: \"مجاز القرآن\"، ولم يسمه أبو عبيدة بذلك لكنه اللفظ الذي يكثر دورانه في كتابه. ينظر: \"التفسير اللغوي\" ص ٣٣٥.\n(٣) بلغت شواهده ٩٥٢ ينظر: ترقيم المحقق للشواهد.\n(٤) وهذا أحد أهم أسباب انتقاد العلماء له، ووقوعه في الخطأ. ينظر: \"التفسير اللغوي\" ص ٣٤٧.\n(٥) انظر: مقدمة \"مجاز القرآن\"، لفؤاد سزكين ١/ ٩ وما بعدها.","vol":"1","page":223},{"text":"فمتنوعة؛ إذ لم يقتصر على اللغة، بل شملت -كذلك- التفسير والصرف والشواهد الشعرية وغيرها، ومن أمثلة ذلك:\nعند قوله تعالى: ﴿فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ﴾ [إبراهيم: ٩] نقل عنه تفسير الآية، فقال: وقال أبو عبيدة: مجاز هذا مجاز المَثَل، ومعناه: كفوا عما أمروا بقبوله من الحق ولم يؤمنوا به، قال: ويقال ردّ يده في فمه، أي: أمسك ولم يجب.\nوعند قوله تعالى: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم: ٣٥] نقل عنه شاهدًا شعريًّا على أن جَنَّبْتُه وجَنَبْتُه واحد، فقال: وأنشد أبو عبيدة لأُميَة بن الأَسْكَر:\nوتَنْفُضُ مَهْدَهُ شَفَقًا عليه ... وتَجْنُبُه قلائِصنا الصِّعابا\nوعند قوله تعالى: ﴿مُهْطِعِينَ﴾ [إبراهيم: ٤٣] نقل عنه معنى الغريب، فقال: وأما تفسير الإهطاع فقال أبو عبيدة: هو الإسراع.\nوعند قوله تعالى: ﴿فًتزلَّ قَدَم بغَدَ ثبُوتِهَا﴾ [النحل: ٩٤] نقل عنه معنًى بلاغيًّا، فقال: قال أبو عبيدة: وزليل القدم مثل لكل مبتلى بعد عافية أو ساقط في وَرْطَة بعد سلامة.\nوعند قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾ [النحل: ١٢٧] نقل عنه قضية صرفية، فقال: وقال أبو عبيدة: ضَيْق تخفيف ضَيِّق: مثل مَيِّت، يقال: أمر ضَيْق وضَيّق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-139>وقد ينقل عن أبي عبيدة بواسطة ومثاله</span>.\nقول الله تعالى: ﴿اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ [القصص: ٣٢] قال الواحدي: \"قال أبو علي: قال","vol":"1","page":224},{"text":"أبو عبيدة: جناحا الرجل: يداه\". \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٤١٤، بنصه، وفي \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ٢/ ١٠٤: ﴿جَنَاحَكَ﴾ أي: يدك.\nوقد ينسب الواحدي القول لأبي عبيدة، وهو غير موجود في المجاز، مثاله:\nقول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا﴾ [العنكبوت: ١٧].\nقال الواحدي: \"قال أبو عبيدة: الأوثان: كل ما كان منحوتًا من خشب أو حجر، والصنم ما كان من ذهب أو فضة أو نحاس\".\n\n٥ - \" معاني القرآن\" (١) للأخفش (٢):\nيعتبر كتاب \"معاني القرآن، من أوائل الكتب المؤلفة في بيان معاني\n_________\n(١) طبع الكتاب بتحقيق الدكتور/ فائز فارس في مجلدين، وبتحقيق عبد الأمير الورد في مجلدين. وبتحقيق هدى قراعة في مجلدين.\n(٢) هو: أبو الحسن، سعيد بن مسعدة المجاشعي بالولاء، البلخي، المعروف بالأخفش، نحوي، لغوي، عروضي، روى عن هشام بن عروة، والكلبي، وعمرو بن عبيد، وأخذ عن الخليل، ولزم سيبويه حتى برع وكان من أسنان سيبويه، بل أكبر.\nقال أبو حاتم السجستاني: كان الأخفش قدريًّا رجل سوء، وكتابه في معاني القرآن صويلح، وفيه أشياء في القدر. توفي سنة ٢١٥ هـ.\nمن مصنفاته: كتاب \"الأوسط في النحو\"، \"معاني القرآن\"، \"الاشتقاق\"، \"العروض\"، \"المقاييس في النحو\".\nينظر: \"مراتب النحويين\" ص ١٠٦، \"أخبار النحويين البصريين\" ص ٥٠ - ٥١، \"إنباه الرواة\" ٢/ ٣٦، \"وفيات الأعيان\" ٢/ ٣٨٠، \"سير أعلام النبلاء\" ١٠/ ٢٠٦، \"معجم الأدباء\" ١/ ٨٦٨.","vol":"1","page":225},{"text":"القرآن (١)، لكنه قصره في الغالب على النحو مبرزًا مذهبه البصري، وليس فيه من المعاني إلا النزر اليسير (٢)، ولعل السر في ذلك أنه أفرد المعاني في كاب آخر في \"غريب القرآن\" (٣)، ويعتبر الأخفش من العلماء الذين اهتموا بالنحو دون اللغة (٤)، ولذلك أخذ عنه الواحدي كثيرًا من مسائل النحو، أحيانًا يكون النقل مباشرة وتارة يكون بواسطة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-141>مثال النقل مباشرة:</span>\nتفسير قوله تعالى: ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ [البقرة: ٨١] قال: وقال الأخفش: الخِطْء: الإثم وهو ما أصابه متعمدًا والخطأ غير المتعمد. ويقال من هذا: أخطأ يُخْطِئُ.\nقال الله تعالى: ﴿وَلَيسَ عَلَيكم جُنَاحٌ فِيمَآ أَخطَأتُم بِهِء وَلكن مَّا تَعَمَّدَت قُلوبُكم﴾ [الأحزاب: ٥] واسم الفاعل من هذا: مخطئ، فأمّا خطيئة فاسم الفاعل منه: خاطئٌ، وهو المأخوذ به فاعله، وفي التنزيل ﴿لَا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ﴾ [الحاقة: ٣٧] (٥).\n_________\n(١) يدل لذلك: ما ورد عنه أنه ألف كتابه تلبية لطلب الكسائي ثم جعله الكسائي إمامًا وعمل عليه كتابًا في المعاني، وعمل الفراء كتابه فى المعانى عليهما. ينظر: \"إنباه الرواة\" ٢/ ٣٧ و\"إشارة التعيين\" ص ١٣٢.\n(٢) يؤكد ذلك ذكره لبعض الأبواب النحوية عند بعض الآيات كباب الإضافة ١/ ٣٩ و\"باب اسم الفاعل\" ١/ ٤٤ و\"باب إضافة أسماء الزمان إلى الفعل\" ١/ ٤٥.\n(٣) اعتمد الثعلبي على هذا الكتاب وذكر ذلك فى مقدمة \"تفسيره\".\n(٤) ينظر: \"طبقات النحويين واللغويين\" ص ٧٣.\n(٥) قال أبو حاتم كما في \"تهذيب اللغة\" ٩/ ٢٠: ولم يكن عالمًا بكلام العرب، وكان عالمًا بقياس النحو. وقد ورد ما يدل على علمه باللغة كما في \"طبقات النحويين\" ص ٧٤ لكنه في باب النحو أبصر.","vol":"1","page":226},{"text":"نقل عنه في النحو: عند قوله تعالى ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ﴾ [النحل: ١١٦] فقال: واختلفوا في وجه انتصاب الكذب؛ فقال الأخفش: جعل (ما تصف) اسمًا للفعل؛ كأنه قال: ولا تقولوا لوصف ألسنتكم الكذب. ورد بنصه في معانيه.\nونقل عنه في \"الغريب\": عند قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً﴾ [الإسراء: ٥٩] قال: قال الأخفش: المُبْصرةُ: البَيِّنة؛ كما تقول الموضِحَة والُمبَيِّنَة. ورد بنصه في معانيه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-142>ومن أمثلة النقل بواسطة:</span>\nقول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا (٧٤)﴾ [الفرقان: ٧٤] قال الواحدي: \"وحكى أبو علي الفارسي، عن الأخفش قال: الإمام هاهنا جمع: آمّ فاعل من: أمَّ يُجمع على: فِعَال، نحو: صَاحب، وصِحَاب\".\nقول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [العنكبوت: ٥٨] قال الواحدي: \"قال الأخفش: قرأ الأعمش: ﴿لَنُثوِيَنَّهم مِنَ الجَنَّةِ غُرَفًا﴾ قال: ولا يعجبني ذلك؛ لأنك لا تقول: أثويته الدار\" لم أجده عند الأخفش في \"المعاني\"، لكن ذكر أبو علي أن أبا الحسن قال: قرأ الأعمش. \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٤٤٠.\nقول الله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٩] قال الواحدي: \"وقال أبو إسحاق: المعنى: فاسأل عنه خبيرًا. وهو مذهب الأخفش، وجماعة جعلوا الباء، بمعنى عن، كقوله: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ﴾","vol":"1","page":227},{"text":"[المعارج: ١]. لم أجده في كتابه \"المعاني\" ٢/ ٦٤٢، عند هذه الآية. ونسبه له النحاس، \"القطع والائتناف\" ٢/ ٤٨٦.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-143>٦ - كتب أبي عبيد القاسم بن سلام (ت ٢٢٤) </span>(١):\nلأبي عبيد كتب كثيرة في اللغة والقراءات وفي فنون أخرى من العلم، وقد أفاد الواحدي من كتبه، فمن ذلك: كتاب \"الناسخ والمنسوخ في كتاب الله العزيز\" (٢)، حيث نقل منه الواحدي في مواضع من تفسيره، يعزو أحيانًا، ويغفل أخرى.\nوأما في اللغة فالغالب أنه ينقل أقواله عن طريق تهذيب اللغة للأزهري، وأما توجيه القراءة فقد يكون من كتابه الذي ألفه في القراءات، وهو مفقود (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-144>٧ - \" تأويل مشكل القرآن</span>\" (٤) لعبد الله بن مسلم بن قتيبة (٥):\n_________\n(١) هو الإمام الحافظ المجتهد، ذو الفنون، أبو عبيد، القاسم بن سلام بن عبد الله، ولد سنة ١٥٠هـ، أخذ العلم عن أبي زيد الأنصاري، وأبي عبيدة معمر بن المثنى، والأصمعي وغيرهم، وقرأ القرآن على الكسائي، وإسماعيل بن جعفر، وشجاع بن أبي نصر، صنف التصانيف المؤنقة التي سارت بها الركبان. توفي ﵀ سنة ٢٢٢ هـ بمكة.\nمن مصنفاته: \"غريب المصنف\"، \"الأمثال السائرة\"، \"الناسخ والمنسوخ\"، \"القراءات\"، و\"الأيمان والنذور\".\nينظر ترجمته في: \"سير أعلام النبلاء\" ١٠/ ٤٩٠، \"معجم المؤلفين\" ٢/ ٦٤٢.\n(٢) طبع بتحقيق محمد المديفر في مجلد.\n(٣) ذكر هذا الكتاب الداودي في \"طبقات المفسرين\" ٢/ ٣٦.\n(٤) قامت دار التراث بطبعه، وحققه السيد أحمد صقر.\n(٥) العلامة الكبير، ذو الفنون، أبو محمد، عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري، وقيل: المروزي، الكاتب، صاحب التصانيف، نزل بغداد وجمع وبعد صيته، وولي قضاء =","vol":"1","page":228},{"text":"تكلم ابن قتيبة على السبب الذي دفعه إلى تأليف هذا الكتاب، فقال ص (١٧): وقد اعترض كتاب الله بالطعن ملحدون، ولغوا فيه وهجروا، واتبعوا: ﴿مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ [آل عمران: ٧] بأفهام كليلة، وأبصار عليلة، ونظر مدخول؛ فحرفوا الكلام عن مواضعه، وعدلوه عن سبله؛ ثم قضوا عليه بالتناقض، والاستحالة في اللحن، وفساد النظم، والاختلاف. وأدلوا في ذلك بعلل ربما أمالت الضعيف الغمرة والحدَثَ الغِرَّ، واعترضت بالشبه في القلوب، وقدحت بالشكوك في الصدور ...\nفأحببت أن انضح عن كتاب الله، وأرمي من ورائه بالحجج النيّرة، والبراهين البينة، وأكشف للناس ما يلبسون، فألفتُ هذا الكتاب جامعًا لتأويل مشكل القرآن؛ مستنبطًا ذلك من التفسير بزيادة في الشرح والإيضاح، وحاملًا ما أعلم فيه مقالًا لإمام مطلع على لغات العرب؛ لأري المعاند موضع المجاز، وطريق الإمكان، من غير أن أحكم فيه برأي، أو أقضي عليه بتأويل، ولم يجز لي أن أنص بالإسناد إلى من له أصل التفسير، إذ كنت لم أقتصر على وحي القوم حتى كشفته، وعلى إيمائهم حتى أوضحته، وزدت في الألفاظ ونقصت، وقدمت وأخرت،\n_________\n= دينور، ولد سنة ٢١٣ هـ في أواخر خلافة المأمون.\nقال الخطيب البغدادي: كان ثقة دينًا فاضلًا. توفي ﵀ سنة ٢٧٦ هـ من مصنفاته: \"غريب القرآن\"، \"أدب الكاتب\"، \"عيون الأخبار\"، \"طبقات الشعراء\"، \"المعارف\"، \"جامع الفقه\".\nينظر ترجمته: \"طبقات النحويين\" ص (١١٦)، \"تاريخ بغداد\" ١٠/ ١٧٠، \"إنباه الرواة\" ٢/ ١٤٣، \"وفيات الأعيان\" ٣/ ٤٢، \"سير أعلام النبلاء\" ١٣/ ٢٩٦.","vol":"1","page":229},{"text":"وضربت لذلك الأمثال والأشكال حتى يستوي في فهمه السامعون.\nثم فسر معنى المتشابه والمشكل.\nوأصل التشابه أن يشبه اللفظ اللفظ في الظاهر والمعنيان مختلفان ... ومنه يقال: اشتبه عليّ الأمر؛ إذا أشبه غيره فلم تكد تفرق بينهما. وشبهت علي إذ لبَّست الحق بالباطل.\nثم يقال لكل ما غمض ودق: متشابه، وإن لم تقع الحيرة فيه من جهة الشبه بغيره (١).\nوكتاب \"تأويل مشكل القرآن\" كتاب فريد تحدث فيه عن موقف علماء الكلام من أهل الحديث وما تحدثوا عنهم به من شتى التهم والمثالب؛ وعرض بالنقد لما ذهب إليه النظام من اعتراضه على أبي بكر وعمر وعلي، وطعنه على ابن مسعود وحذيفة وأبي هريرة. ونقد كذلك ثمامة بن الأشرس، ومحمد بن الجهم البرمكي، والجاحظ، وأبا الهذيل العلاف، وغيرهم؛ وعرض لأهل الرأي، وأبان عن منابذتهم للكتاب والسنة، وأدار الجزء الأكبر من كتابه على الأحاديث التي ادعي عليها التناقض والاختلاف ومخالفة القرآن؛ والأحاديث التي زعموا أن النظر يدفعها، وحجة العقل تدمغها؛ فكشف عن معانيها التي صرفهم عن فقهها الهوى الجموح، ولفتهم عن وجه الحق فيها إلحاد الضمائر والقلوب والعقول (٢).\n\n٨ - \" تفسير غريب القرآن\" (٣). وهو أيضًا لابن قتيبة:\nقال ابن قتيبة في مقدمة \"الغريب\": نفتتح كتابنا هذا بذكر أسمائه\n_________\n(١) انظر: مقدمة \"تأويل مشكل القرآن\" ص ٧٧ - ٧٨.\n(٢) انظر: مقدمة \"تأويل مشكل القرآن\" ص ٢٤ - ٢٥.\n(٣) طبع الكتاب بتحقيق السيد أحمد صقر.","vol":"1","page":230},{"text":"الحسنى وصفاته العلى؛ فنخبر بتأويلهما واشتقاقهما، ونتبع ذلك ألفاظًا كثر تردادها في الكتاب لم نر بعض السور أولى بها من بعض، ثم نبتدئ في تفسير غريب القرآن دون تأويل مشكله؛ إذ كنا قد أفردنا للمشكل كتابًا جامعًا كافيًا بحمد الله.\nوغرضنا الذي امتثلناه في كتابنا هذا أن نختصر ونكمل، وأن نوضح ونجمل؛ وألا نستشهد على اللفظ المبتذل، ولا نكثر الدلالة على الحرف المستعمل، وألا نحشو كتابنا بالنحو وبالحديث والأسانيد.\nفإنا لو فعلنا ذلك في نقل الحديث لاحتجنا أن نأتي بتفسير السلف، رحمة الله عليهم، ولو أتينا بتلك الألفاظ لكان كتابنا كسائر الكتب التي ألفها نقلة الحديث .. (١).\nولقد اعتمد الواحدي في كتابه على ابن قتيبة دون أن يصرح بكتبه التي نقل عنها.\nوقد ظهر أن أغلب النقولات كانت من كتابيه: \"تفسير غريب القرآن\"، و\"تأويل مشكل القرآن\"، وكان النقل من الأول أكثر، ويتميز النقل من المشكل بالإطالة مع التصرف والاختصار وأحيانًا بنصه، في حين ينقل عن الغريب كلمات يسيرة معظمها في \"الغريب\" - على اسمه- وقد ينقل عنه بعض الردود والتعليلات. ومن أمثلة ذلك:\nعند قوله تعالى: ﴿مَسْنُونٍ﴾ [الحجر: ٢٦] قال: وقال ابن قتيبة: المسنون المتغير الرائحة. نقله عن الغريب بنصه.\nوعند قوله تعالى: ﴿وَقَضَينَآ إِليهِ﴾ [الحجر: ٦٦] قال: وقال ابن\n_________\n(١) انظر: مقدمة \"غريب القرآن\" ص ٣.","vol":"1","page":231},{"text":"قتيبة: أي أخبرناه. نقله عن الغريب بلفظه.\nوعند قوله تعالى: ﴿لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [الحجر: ٧٩] نقل عنه تعليل تسمية الطريق إمامًا، فقال: وقال ابن قتيبة: لأن المسافر يأتم به حتى يصير إلى الموضع الذي يريد. نقله عن الغريب بنصه.\nوعند قوله تعالى: ﴿إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ [الإسراء: ٤٧] نقل عنه رده على أبي عبيدة في قوله: \"يريد بشرًا ذا رِئَةٍ\" فقال: قال ابن قتيبة: \"ولست أدري ما الذي اضطره إلى هذا التفسير المُسْتَكْرَه، وقد سبق التفسير من السلف بما لا استكراه فيه، قال مجاهد في قوله: ﴿إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ أي: مخدوعًا؛ لأن السحر حيلة وخديعة\". نقله عن الغريب.\nوعند قوله تعالى: ﴿سُجَّدًا للهِ﴾ [النحل: ٤٨] نقل في معنى السجود نقلًا طويلًا عن \"المشكل\" مع التصرف والاختصار، فقال: وشرح ابن قتيبة هذا شرحًا شافيًا فقال: أصل السجود التّطَأْطُؤ والميل، يقال: سجد البعير واسجد إذا طأطأ رأسَه لِيُرْكَب، وسجد النخلة إذا مالت لكثرة الحمل، ثم قد يُستعارُ السجودُ فيوضع موضع الاستسلام والطاعة والذل، ومن الأمثال المبتذلة: اسْجُدْ للقرد في زمانه، يراد اخضع للئيم في دولته، ولا يُراد معنى سجود الصلاة، والشمس والظل خَلقان مُسخَّران لأَنْ يعَاقِبَ كلُّ واحدٍ منهما صاحِبَه بغير فصْلٍ، فالظلُّ في أول النهار قبل طلوع الشمس يَعُمُّ الأرضَ، كما تَعُمُّها ظلمةُ الليل، ثم تطلُع الشمسُ فتَعُمُّ الأرضَ إلى بما سترته الشُّخُوصُ، فإذا سَتَرَ الشخصُ شيئًا عاد الظلُ، فرجوعُ الظلِّ بعد أن كان شمسًا ودورانُه من جانب إلى جانب هو سُجُودُه؛ لأنه مستسلم منقاد مطيع بالتَّسخير، وهو في ذلك يميل، والميل سجود، وكذلك قوله: ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾ [الرحمن: ٦] أي: يستسلِمَان لله بالتسخير.","vol":"1","page":232},{"text":"وعند قوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ [النحل: ١٢٠] قال: وقال ابن قتيبة: \"أي إمامًا يَقْتَدِي به الناس؛ لأنه ومن اتبعه أُمَّة، فَسُمِّي أُمَّة؛ لأنه سبب الاجتماع\"، هذا وجه قول من قال: أُمَّةً: معلمًا للخير، ومن قال: أُمَّة: أي مؤمنًا وحده؛ \"فلأنه اجتمع عنده من خلال الخير ما يكون مِثْلُه في أُمَّة، ومن هذا يقال: فلان أُمَّةٌ وحْدَه، أي: هو يقوم مقام أمة\". فهذان نقلان اقتبسهما عن المشكل بنصه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-146>٩ - كتب المبرد (ت ٢٨٥ ه</span>ـ) (١):\nللمبرد مؤلفات كثيرة تربو على الخمسين (٢)، معظمها في الأدب واللغة والنحو والقرآن، وقد نسب الواحدي إلى المبرد أقوالًا في اللغة خاصة لم أقف عليها في كتبه المطبوعة (٣).\nوتعتبر أقوال المبرد وآراؤه أحد المصادر الهامة لتفسير الواحدي وهي في اغلب المواضع يتم نقلها عن طريق مصادره السابقة كـ\"الحجة\" و\"سر صناعة الإعراب\"، وفي القليل ينقل عن كتب المبرد مباشرة خصوصًا \"المقتضب\" ففي تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوَأ اوَّلَ كاَفِر به﴾ [البقرة: ٤١]\n_________\n(١) هو: أبو العباس محمد بن يزيد المبرد كان على قدر كبير من العلم وغزارة الأدب وكثرة الحفظ، له كتب من أشهرها \"المقتضب\" في النحو، و\"الكامل\" في الأدب، مات سنة ٢٨٦ هـ. انظر ترجمته في \"طبقات النحويين واللغويين\" للزبيدي ص ١٠١، و\"تاريخ بغداد\" ٣/ ٣٨٠، و\"نزهة الألباء\" ص ١٦٤ و\"إنباه الرواة\" ٣/ ٢٤١.\n(٢) انظر: مقدمة كتاب: \"الكامل\" للمبرد ١/ ١٤.\n(٣) منها: \"الكامل\"، و\"المقتضب\"، و\"ما اتفق لفظه واختلف معناه\"، و\"التعازي والمراثي\".","vol":"1","page":233},{"text":"عن \"أول\" قال: \" .. وقال المبرد في كتاب \"المقتضب\" أول: يكون على ضربين: يكون اسما، ويكون نعتا موصولا به \"من كذا\" .. الخ\".\nوكتاب \"معاني القرآن\" (١)، وهو كتاب لم يصل إلينا، وقد وقفنا على نص واحد طويل نقله بواسطة التهذيب، ومن أمثلة ذلك:\nعند قوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨] قال: وقال المبرد: دلوك الشمس من لدن زوالها إلى غروبها عند العرب.\nوعند قوله تعالى: ﴿خَشيَةَ الإنفَاقِ﴾ [الإسراء: ١٠٠] قال: قال المبرد: المعروف في الإنفاق أنه إخراج المال عن اليد، فإن كان قد روي في اللغة معنى الإعدام فهو كما قال أبو عبيدة، والا فمعنى الكلام في الآية: خشية أن يستفرغكم الإنفاق ويجحف بكم، فيكون الكلام من باب حذف المضاف على تقدير: خشية ضرر الإنفاق وما أشبهه.\nوعند قوله تعالى: ﴿جِئنَا بِكُمْ لَفِيفًا﴾ [الإسراء: ١٠٤] قال: وقال المبرد: الأكثر عند العرب أن اللفيف إنما يقال للمختلطين من كل شكل، وكل شيء خلطته بشيء فقد لففته، ومنه قيل لففتَ الجيوشَ إذا ضربت بعضها ببعض، والتفت الزحوف.\nوقد يكون النقل من كتابي \"المقتضب\" و\"الكامل\"، مثاله:\nقوله الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (٢٧) يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٧، ٢٨] قال الواحدي: \"قال المبرد: قولهم: يا فل أقبل، ليس بترخيم فلان؛ ولو كان\n_________\n(١) ذكر المترجمون له هذا الكتاب في \"مؤلفاته\". انظر: \"إنباه الرواة\" ٣/ ٢٥١، \"طبقات المفسرين\" للداودي ٢/ ٢٧١.","vol":"1","page":234},{"text":"كذلك قيل: يا فلا أقبل. ومما يزيده وضوحًا قولهم للأنثى: يا فلة أقبلي. قال: ولكنها كلمة على حدة. قال: وقد تستعمل في غير النداء، كقوله:\nفي لَجَّةٍ أمْسكْ فلانًا عن فُلِ\n\"المقتضب\" ٤/ ٢٣٧، ولم أجد قول المبرد عند الأزهري.\n٢ - قول الله تعالى: ﴿إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾ [الشعراء: ٤] قال الواحدي: \"قال المبرد: وهذا قول أبي زيد في هذه الآية قال: أعناقهم: جماعاتهم\". \"المقتضب\" ٤/ ١٩٩، ونسبه لأبي زيد الأنصاري. ولم أجده في \"تهذيب اللغة\".\n٣ - قول الله تعالى: ﴿وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [القصص: ١١] قال الواحدي: \"قال المبرد: فلان يقص أثر الجيش أي: يتبعه متعرفًا\". \"الكامل\" للمبرد ٢/ ١٠١٨.\n\n١٠ - \" نظم القرآن\" (١) لأبي علي الجرجاني (٢):\nأفاد الواحدي من كتاب \"نظم القرآن\" ونقل عنه كثيرًا، خصوصًا عند\n_________\n(١) كتاب: \"نظم القرآن\" مفقود، وهو يقع في مجلدين -كما ذكر السهمي- والظاهر أنه كان معروفًا لدى العلماء كالعلم، وقد قام مكي بتأليف كتاب للرد عليه -في أربعة أجزاء- سماه: \"انتخاب نظم القرآن للجرجاني وإصلاح غلطه\"، وقد ذكر خبر كتاب مكي هذا القفطي في ترجمة مكي، وذكره الزركشي في \"البرهان\" ونقل عنه بعض النصوص. انظر: \"تاريخ جرجان\" للسهمي ص ١٨٧، \"إنباه الرواة\" ٣/ ٣١٦، \"البرهان\" ٢/ ٩٢.\n(٢) الجرجانيون الذين كُنُّوا بأبي علي، وذكر أنهم ألفوا في \"نظم القرآن\" آثنان: الأول: هو أبو علي، الحسن بن علي بن نصر الطوسىِ الجرجاني، الإمام الحافظ المجوِّد، سمع محمد بن يحيى وأحمد بن الأزهر، وروى عنه إسحاق بن محمد =","vol":"1","page":235},{"text":"الحديث عن نظم الآيات ونقل عنه مسائل في اللغة والنحو، ومن أمثلة ذلك:\nعند تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا\n_________\n= الكيساني، وابن سلمة القطان، له تصانيف حسان، ذكر الداودي أن له كتاب \"نظم القرآن\"، توفي سنة ٣٠٨هـ، وقيل:٣١٢ هـ انظر: \"سير أعلام النبلاء\" ١٤/ ٢٨٧، \"طبقات الحفاظ\" ٣/ ٧٨٧، \"لسان الميزان\" ٢/ ٢٣٢، \"طبقات المفسرين\" للداوودي ١/ ١٤١.\nوالثاني: هو أبو علي، الحسن بن يحيى بن نصر الجرجاني، قال السهمي: \"كان مسكنه بجرجان بباب الخندق ...، له من التصانيف عدة؛ منها في \"نظم القرآن\" مجلدان، وكان ﵀ من أهل السنة، روى عن العباس بن يحيى العقيلي، وروى عنه أبو النصر محمد بن محمد بن يوسف الطوسي\".\nانظر: \"تاريخ جرجان\" للسهمي ص (١٨٧)، \"الأنساب\" ٢/ ٤٠، \"مقدمة تفسير الثعلبي\" ١/ ١٠ ب.\nوالراجح أن الذي كان ينقل عنه الواحدي هو الثاني؛ لأن الثعلبي ذكر في مقدمة تفسيره أن من مصادره: كتاب \"النظم\"، لنفس الرجل، قال: قرأ علينا أبو القاسم الحسن بن محمد بن حبيب بلفظه، قال: قرأت على أبي النصر محمد بن محمد بن يوسف بـ\"طوس\"، قال: قرأت على أبي علي الحسن بن يحيى بن نصر الجرجاني، وأغلب الظن أن الواحدي استفاد من هذا المصدر عن طريق شيخه الثعلبي.\nومما يؤكد أنه هو صاحب النظم الوارد في \"البسيط\"، أن ابن القيم أورد بعض النقولات في كتابه: \"الروح\" ٢/ ٥٤٧ - ٥٦٠ ونسبها للجرجاني، وقد صرح في ص ٥٥٩ أنه الحسن بن يحيى الجرجاني، وأسلوب هذه النقولات يتفق مع ما ينقله الواحدي عن صاحب \"النظم\"، بل إن الكلام الذي نقله ابن القيم عنه في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢] ورد بنصه في \"البسيط\". انظر: \"الروح\" ٢/ ٥٤٧، \"البسيط\"، تح: الفايز ٣/ ٩١٠.","vol":"1","page":236},{"text":"بِسُورَةٍ﴾ [البقرة: ٢٣] قال: \" .. وقال أبو علي الجرجاني: نظم الآية: \"فأتوا بسورة من مثله\" من دون الله \"وادعوا شهداءكم\" أي من مثل القرآن من غير الله ... قال: ومثل هذا قوله: ﴿فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾. ونظمه: فأتوا بعشر سور مثله مفتريات من دون الله وادعوا من استطعتم من الناس\".\nوقال في سورة \"يونس\" في تفسير قوله تعالى: ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس: ١٠] \"قال صاحب النظم: وأن هاهنا زائدة\".\nوفي تفسير سورة الدخان: ﴿حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ [الدخان: ١، ٢] \"وقال صاحب النظم: لولا أن قوله: ﴿إِنَّا أَنزَلنَهُ﴾ هو صفة للقرآن الذي أقسم به وأخبر عنه، لاحتمل أن يكون جوابا للقسم، ولكن ليس من عادتهم أن يقسموا بنفس الشيء إذا أخبروا عنه\".\nالتوفيق بين الآيات المتشابهات وإزالة الإشكال: عند قوله تعالى ﴿إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ﴾ [الحجر: ٤] وفق بين هذه الآية وآية الشعراء: ﴿إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٨]، قال: قال صاحب النظم: والفرق بينهما أن دخول الواو يقلب حال ما بعدها إلى الابتداء، وخروجها منه يدل على أن ما بعدها في موضع حال، اعتبارًا بقولك: ما أهلكنا من قرية إلا ظالمًا أهلها، فيكون نصبًا على الحال، فإذا دخلت الواو قلت: إلا وأهلها ظالمون، فقلبت الواو الحالَ إلى أن جعلتها مبتدأة، فانقلبت رفعًا عن النصب، وهذا فرق من حيث اللفظ، والمعنى واحد أثبتَّ الواو أو حذفتَها.\nإيراد المسائل النحوية: عند قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الحجر: ١٢] قال: واختلفوا في المُكنّى في قوله: ﴿نسْلُكُهُ﴾،","vol":"1","page":237},{"text":"فذكر أقوالًا مأثورة ثم قال: قال صاحب النظم: الهاء كناية عن الاستهزاء ودلَّ عليه الفعل؛ كقولهم: من كذب كان شرًّا له، والفعل يدل على المصدر؛ كقوله: ﴿وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ [الزمر: ٧] أي: الشكر، فأضمره لدلالة الفعل عليه.\nنقل معنى \"الغريب\": عند قوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ﴾ [الحجر: ٦٦] قال: وقال صاحب النظم: أي: فرغنا منه؛ كقوله: ﴿ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ﴾ [يونس: ٧١] وقد مرّ.\nإزالة الإشكال النحوي عن الآية وبيان معناها: عند قوله تعالى: ﴿كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ﴾ [الحجر: ٩٠] قال: قال صاحب \"النظم\" المعنى: إني أنذرتكم ما أنزلناه على المقتسمين، وتكون الكاف زائدة.\nاختيار الوقف وتوجيهه: عند قوله تعالى: ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ [النحل: ٥] بين أن الوقف إما على ﴿خَلَقَهَا﴾، وإما على ﴿خَلَقَهَا لَكُمْ﴾، ثم ذكر اختيار صاحب \"النظم\"، فقال: قال صاحب النظم: أحسن الوجهين أن يكون الوقف عند قوله: ﴿خَلَقَهَا﴾؛ لقوله في النسق على ما قبلها: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ﴾ [النحل: ٦].\nنقل اللطائف البلاغية: عند قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ [النحل: ٣٣] قال: قال صاحب النظم: إنهم لا ينتظرون ذلك على الحقيقة؛ لأنهم كانوا لا يؤمنون بالله، كيف ينتظرون أمره؟! ولن لمّا كان امتناعهم من الدخول في الإيمان موجبًا عليهم إتيان أمر الله والملائكة بما قدّر عليهم من العذاب، وكان عاقبة أمرهم إلى ذلك، أضيف ذلك إليهم على المجاز والسعة، وجعل مجيء ذلك انتظارًا منهم له؛ فكأنه -﷿- قال: هل يكون مدة إقامتهم على كفرهم إلى مقدار إيقاعي بهم وإنزالي العذاب","vol":"1","page":238},{"text":"عليهم؟ وهذا كما قلنا في لام العاقبة في مواضع، لمّا كانت العاقبة تؤدي إلى ذلك جُعل سببًا له وإن لم يكن في الحقيقة كذلك؛ كقوله: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّ﴾ [القصص: ٨] وقد مرّ. ثم عقب الواحدي بقوله: وهذا الذي ذكره صاحب النظم وجه جيد في هذه الآية لم يذكره في نظيرها في سورة البقرة والأنعام.\nتوجيه حروف المعاني: عند قوله تعالى: ﴿فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾ [النحل: ٧١] قال: وقال صاحب النظم: معنى الفاء في قوله: ﴿فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾ حتى؛ لأن التأويل: ﴿فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا﴾ بجاعلي رزقهم لعبيدهم حتى يكون عبيدهم فيه معهم سواء في الملك، فقوله: ﴿فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا﴾ صفة لما تَقَدَّمه من الخبر لا جوابٌ له؛ ولو كان جوابًا له لكان قد أوجب أن يكون المولى والعبيد في ذلك سواء، وهو -﷿- إنما أراد أنهم لا يستوون في الملك. وهذا قول جيد انفرد به صاحب النظم، وانظر الأقوال الأخرى التي ذكرتها في التعليق على الآية في التحقيق.\nذكر المناسبات وتوجيه المعنى: عند قوله تعالى: ﴿أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ﴾ [النحل: ٥٩] قال: وقال صاحب النظم: قوله: ﴿أَيُمْسِكُهُ﴾ متصل في النظم بقوله: ﴿وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [النحل: ٥٨] والكظيم بمعنى الكاظم، ومعنى الكظم: ستر الشيء في القلب وترك إظهاره، ومنه: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ [آل عمران ١٣٤] والتأويل: وهو كاظم ﴿أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ﴾ أي: أن هذا المعنى في قلبه من شدة الغَمّ وهو يكظمه ولا يظهره.","vol":"1","page":239},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-148>١١ - كتب أبي بكر ابن الأنباري:</span>\nتعدّ كتب أبي بكر محمد بن القاسم الأنباري (١) من المصادر الرئيسة، وقد أفاد الواحدي منه كثيرا فكانت أقوال ابن الأنباري في \"معاني القرآن\" واللغة والنحو مصدرًا رئيسا من أهم مصادره في تفسيره، وكلامه ينال إعجاب الواحدي فيشيد به، أخذ عنه في المسائل النحوية واللغوية والقضايا التفسيرية وخصوصا فيما يتعلق بمشكل القرآن أو النكات والفوائد. نقل عنه كثيرا ولم أجد مما نسبه إليه في كتب ابن الأنباري التي وصلت إلينا سوى\nنتف يسيرة في كتاب \"الزاهر\" (٢). ولابن الأنباري كتاب في \"المشكل في معاني القرآن\" وصل فيه إلى ﴿طه﴾ أملاه في سنين كثيرة، و\"رسالة المشكل\" رفى فيها على ابن قتيبة وأبي حاتم السجستاني، ولم يصلا إلينا (٣)، ولعل السبب في عدم وصول مثل هذه الكتب ما ذكره الخطيب البغدادي: من أنه كان يملي، ولم يكن يكتب (٤).\nويترجح عندي أن الواحدي اعتمد على هذين الكتابين فيما أفاده عن ابن الأنباري، لأن أغلب ما نقل عنه يتعلق بمشكل القرآن، ولتصريحه بالرد\n_________\n(١) هو: محمد بن القاسم بن محمد بن بشار بن الحسن الأنباري، أبو بكر البغدادي إمام ثقة لغوي نحوي مفسر أديب حافظ برز في فنون من العلم وهو من أعلم الناس باللغة والأدب، ومن أحفظ نحاة الكوفة، توفى سنة ٣٢٧ هـ.\nانظر: \"إشارة التعيين\" ص ٣٣٥، و\"البلغة\" ص ٢١٢، و\"بغية الوعاة\" ١/ ٢١٢، و\"طبقات المفسرين\" للداودي ٢/ ٢٢٧.\n(٢) كتاب \"الزاهر\" يذكر فيه الأقوال المأثورة والأمثال ويشرحها. طبع الكتاب في مجلدين بتحقيق د/ حاتم صالح الضامن.\n(٣) انظر: \"تاريخ بغداد\" ٣/ ١٨٤، و\"معجم الأدباء\" ١٨/ ٣١٢.\n(٤) انظر: \"تاريخ بغداد\" ٣/ ١٨٤.","vol":"1","page":240},{"text":"على ابن قتيبة أحيانًا نقلًا عن ابن الأنباري.\nوالكلام الذي نستطيع أن نرجعه إلى ابن الأنباري، هو ما صرح الواحدي فيه بنقله عنه. ويغلب على ظني أن هناك مواضع كثيرة نقل فيها عنه بدون عزو، لشبه العبارة بكلام ابن الأنباري، ولأنه اتضح لي أن الواحدي ينقل عن مصادره بعزو، وأحيانا بدون عزو.\nوأذكر بعض الأمثلة لأخذ الواحدي عن ابن الأنباري ففي تفسير \"البسملة\" قال: \"قال أبو بكر محمد بن القاسم بن بشار سألت أبا العباس، لِمَ جمع بين الرحمن الرحيم (١)؟.\nفقال: لأن الرحمن عبراني، فأتى معه الرحيم العربي واحتج بقول جرير .... الخ\". وفي تفسير قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ اَلَّذِى اَستَوقَدَ نَارًا﴾ [البقرة: ١٧] قال: \"وقال ابن الأنباري: \"الذي\" في هذه الآية واحد في معنى الجمع، وليس على ما ذكره ابن قتيبة، لأن \"الذي\" في البيت الذي احتج به جمع واحده \"اللذ\"، و\"الذي\" في الآية واحد في اللفظ لا واحد له، ولكن المراد منه الجمع\".\nومثال آخر يوضح مدى إفادة الواحدي من ابن الأنباري ما ذكر في\nتفسير قوله تعالى: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ الآية [يونس: ٤] قال: \"فإن قيل: لم أفرد المؤمنين بالقسط دون غيرهم وهو يجزي الكافر -أيضا- بالقسط؟\nقال ابن الأنباري: \"لو جمع الله الصنفين بالقسط لم يتبين ما يقع بالكافرين من العذاب الأليم، ففصلهم عن المؤمنين، ليبين ما يجزيهم به\n_________\n(١) هكذا في جميع النسخ، ولعل الأولى \"الرحمن والرحيم\" كما في \"الزاهر\" ١/ ٥٣.","vol":"1","page":241},{"text":"مما هو عدل غير جور؛ فلهذا خص المؤمنين بالقسط وأفرد الكافرين بخبر يرجع إلى تأويله بزيادة الإبانة .. \" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-149>١٢ - أبو القاسم الزجاجي </span>(٢):\nأخذ الواحدي عن أبي القاسم الزجاجي خصوصًا في المسائل اللغوية والنحوية ونقل عنه مقاطع طويلة، ولم أستطع أن أهتدي إلى الكتاب الذي نقل عنه بعد أن اطلعت على جميع كتبه المطبوعة، فلعل الواحدي أخذ عن مصدر مفقود أو عن كتاب غير كتب الزجاجي يعتني بذكر أقواله، أو عن طريق أحد شيوخه مشافهة.\nومن أمثلة ذلك ما ذكره عن معنى الإيمان في تفسير قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة: ٣] قال: \" ... على أن أبا القاسم الزجاجي شرح معنى الإيمان بما هو أظهر مما ذكره الأزهري، وهو انه قال: معنى التصديق في الإيمان لا يعرف من طريق اللغة إلا بالاعتبار والنظر، لأن حقيقته ليست للتصديق، ألا ترى أنك إذا صدقت إنسانًا فيما يخبرك به، لا تقول آمنت به؟ لكنك إذا نظرت في موضوع هذه الكلمة وصرفته حق التصريف ظهر لك من باطنها معنًى يرجع إلى التصديق ... إلخ \".\n_________\n(١) \"البسيط\" ٣/ ٣ أ \"النسخة الأزهرية\".\n(٢) أبو القاسم عبد الرحمن بن إسحاق البغدادي، النهاوندي، لقب الزجاجي، نسبة إلى شيخه إبراهيم بن السري أبي إسحاق لملازمته له، نحوي، لغوي أصله في نهاوند، وولد بها، وسكن بغداد، أخذ عن الزجاج وابن دريد ونفطويه وأبي الحسن الأخفش، سكن طبرية ودمشق وتوفي بها سنة ٣٣٧ هـ.\nومن تصانيفه: \"الجمل الكبرى في النحو\"، \"اللامات في اللغة\"، \"شرح مقدمة أدب الكاتب\"، وكتاب \"اشتقاق أسماء الله\"، وغيرها.\nينظر: \"إنباه الرواة\" ٢/ ١٦٠، و\"وفيات الأعيان\" ٣/ ١٣٦، \"بغية الوعاة\" ٢/ ٧٧.","vol":"1","page":242},{"text":"ومثال آخر في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾ الآية [البقرة: ٤٦] قال: \"وذكر أبو القاسم الزجاجي حقيقة الظن في اللغة، فقال: هو اعتقاد الشيء على طريقة التقدير والحدس فإن أصاب فيما ظن صار يقينا، وإن لم يصب كان مخطئا في تقديره، ولهذا ذكر أهل اللغة هذه اللفظة في باب الأضداد .. الخ\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-150>١٣ - كتب أبي جعفر النحاس </span>(٢):\nأفاد الواحدي في \"البسيط\" من كتب أبي جعفر النحاس في مواضع متعددة خصوصًا من كتاب \"القطع والائتناف\" (٣)، وهو \"الوقف والابتداء\"، ومن أمثلة ذلك.\n١ - قول الله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ [الروم: ٢٥] قال الواحدي: \"وقال النحاس: ﴿إِذَا دَعَاكُم دَعوَةً﴾ ليس بوقف؛ لأنه لم يأت بجواب \"إذا\" وجواب \"إذا\" على قول الخليل وسيبويه: ﴿أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ أي: خرجتم.\n_________\n(١) انظر: \"البسيط\" عند تفسير الآية: [٤٦].\n(٢) هو أبو جعفر أحمد بن محمد بن إسماعيل بن يونس المرادي، النحاس، النحوي، المصري، وعرف با بن النحاس، وعرف بالصفار، نحوي، لغوي، مفسر، أديب، فقيه، رحل إلى بغداد وأخذ عن المبرد والأخفش ونفطويه والزجاج وغيرهم، ثم رجع إلى مصر وأقام بها إلى أن توفى سنة ٣٣٨ هـ.\nمن مصنفاته: \"إعراب القرآن\"، \"معاني القرآن\"، \"الناسخ والمنسوخ\"، و\"الكافي في النحو\". ينظر: \"وفيات الأعيان\" ١/ ٣٥، \"معجم الأدباء\" ٤/ ٢٢٤، \"سير أعلام النبلاء\" ١٠/ ٩٩.\n(٣) انظر: \"البسيط\" تفسير سورة الدخان.","vol":"1","page":243},{"text":"وكذا قال سيبويه: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ [الروم: ٣٦] تقديره عنده: قنطوا. والقول ما قال النحاس. \"القطع والائتناف\" ٢/ ٥٣٢.\n٢ - قول الله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٩] قال الواحدي: \"وكان علي بن سليمان يذهب إلى أن الكناية في ﴿بِهِ﴾ تعود إلى السؤال. وقوله: ﴿فَاسْأَلْ﴾ يدل على السؤال. والمعنى: فاسأل عالمًا بسؤالك. \"القطع والائتناف\" ٢/ ٤٨٦.\n٣ - في سورة الدخان ﴿حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ [الدخان: ١ - ٢] قال: \"قال النحاس: يجوز أن يجعل جواب القسم: \"إنا أنزلناه حم\" فيكون تمام الكلام عند قوله \"المبين\" وان جعلمت جواب القسم \"إنا أنزلناه\" أتصل بالكلام الأول\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-151>١٤ - \" الإغفال فيما أغفله الزجاج من المعاني</span>\" (٢) لأبي علي الفارسي، وفي هذا الكتاب تعقب أبو علي الفارسي (٣) كتاب أبي إسحاق الزجاج \"معاني القرآن وإعرابه\" في مسائل ذكرها الزجاج. وقد أطال أبو علي في كثير منها وتوسع طويلًا وسلك منهجًا قريبًا من منهجه في \"الحجة\" في إيراد المسائل اللغوية والنحوية والصرفية، وقد أفاد الواحدي من \"الإغفال\" في مسائل كثيرة، بعضها بالعزو، وبعضها بدون عزو.\n_________\n(١) \"البسيط\" ٥/ ١٣ أ \"النسخة الأزهرية\". انظر: \"القطع والائتناف\" للنحاس ص ٦٥٤.\n(٢) حقق محمد حسن محمد إسماعيل الكتاب في رسالة علمية لنيل الماجستير في كلية الآداب جامعة عين شمس بالقاهرة، ولم تطبع بعد.\n(٣) سبق ترجمته.","vol":"1","page":244},{"text":"ومن أمثلة ذلك في لفظ الجلالة \"الله\" نقل عن الإغفال طويلا بدون عزو حيث قال: \"وقوله \"الله\" أما أصل هذه الكلمة فقد حكى أصحاب سيبويه عنه فيه قولين: أحدهما قال: كان أصل هذا الاسم \"إلاها\" ففاؤها \"همزة\"، وعينها \" لام\" و\"الألف\" ألف فِعَال الزائدة، واللام \"هاء\" ... إلخ (١)، وأخذ عنه في ذلك صفحات عديدة، أكثره بنصه وقد يتصرف بالعبارة أحيانا ويقدم بعض الكلام على بعض.\nونص كلام أبي علي في \"الإغفال\": \"فأما قولنا: \"الله\" فقد حمله سيبويه على ضربين:\nأحدهما: أن يكون أصل الاسم \"إلاه\" ففاء الكلمة على هذا \"همزة\" وعينها \"لام\" والألف \"ألف\" فِعَال الزائدة و\"اللام\" هاء .. الخ (٢). وفي آخر الموضوع نقل عنه كلامًا طويلًا حول الإمالة في لفظ الجلالة \"الله\" ولم أجده عند أحد غير أبي علي (٣) سوا ما نقله عنه ابن سيده في المخصص والواحدي في \"البسيط\".\nومثال آخر في قوله تعال: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٤٨] نقل عنه كلامًا طويلًا مع عزوه له. فقال: \"أبو علي: والظرف نوع من أنواع المفعولات المنتصبة عن تمام الكلام، وهو زمان أو مكان .. \" (٤).\n_________\n(١) \"البسيط\" تفسير البسملة.\n(٢) \"الإغفال\" ص ١١. ونقل ابن سيده كلام أبىِ علي بنصه مع عزوه له في \"المخصص\" ١٧/ ١٣٦ - ١٥١.\n(٣) انظر: الإغفال ص ٤٧.\n(٤) انظر: \"البسيط\" عند تفسير سورة البقرة الآية [٤٨]، و\"الإغفال\" ص ١٧٤ \"رسالة ماجستير\".","vol":"1","page":245},{"text":"واستمر ينقل عنه في الظروف كلامًا لا علاقة له بالتفسير، وبمثل هذا النهج نقل عنه كلامًا طويلا حول \"الآن\" (١).\nومثال آخر في قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ ...﴾ الآية [النساء: ٣] ذكر كلام أبي إسحاق الزجاج ثم قال: \"هذا كلام أبي إسحاق وقد أخطأ في موضعين من هذا الفصل أصلحهما (٢) أبو علي وذكر معنى العدل فقال: اعلم أن العدل ضرب من الاشتقاق فكل معدول مشتق، وليس كل مشتق معدولًا .... الخ\" (٣).\n\n١٥ - المسائل الحلبيات (٤) لأبي علي الفارسي:\nوقد أفاد منه الواحدي ونقل عنه قليلا وذكرته هنا لمناسبة ذكر كتب أبي علي الفارسي، أخذ عنه في تفسير \"الناس\" في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٨] قال: \"وذكر أبو علي في المسائل الحلبيات أن الكسائي قال: إن \"الأناس\" لغة و\"الناس\" لغة أخرى، وكأنه يذهب إلى أن \"الفاء\" محذوف من الناس كما يذهب إليه سيبويه والدلالة على أنهما من لفظ واحد، وليسا من كلمتين مختلفتين أنهم قالوا: \"الأناس\" في المعنى الذي قالوا فيه \"الناس\" .. إلخ (٥). وبالرجوع\n_________\n(١) انظر: \"البسيط\" تفسير سورة البقرة [٧١]، و\"الإغفال\" ص ١.\n(٢) كتاب أبي علي \"الإغفال\" يسمى \"المسائل المصلحة\" حيث ورد هذا الاسم في أول الكتاب. انظر \"الإغفال\" ص ١.\n(٣) \"البسيط\" تفسير سورة النساء [٣].\n(٤) طبع كتاب \"المسائل الحلبيات\" بتحقيق د/ حسن هنداوي في مجلد.\n(٥) \"البسط\" تفسير سورة البقرة [٨].","vol":"1","page":246},{"text":"للمسائل الحلبيات، نجد الواحدي نقل كلام أبي علي بالمعنى (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-153>١٦ - الإيضاح العضدي:</span>\nذكر أبو علي في هذا الكتاب مباحث في النحو والصرف، والعضدي: نسبة للسلطان عضد الدولة، أبي شجاع، فَنَّاخُسْرُو، صاحب العراق وفارس، قال الذهبي في ترجمة عضد الدولة: وله صنف أبو علي كتابي: \"الإيضاح\"، \"والتكملة\" (٢).\n﴿أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء: ١٩٧] قال الواحدي: \"قال أبو علي: إذا اجتمع في باب: كان، معرفة ونكرة فالذي يُجعل اسم كان منهما: المعرفة، كما كان المبتدأ: المعرفة، والنكرة: الخبر ... ذكر هذا في كتاب \"الإيضاح\" ونحو هذا ذكر في كتاب \"الحجة\".\n\n١٧ - كتاب \"سر صناعة الإعراب\" (٣) لأبي الفتح عثمان بن جني (٤):\nتكلم ابن جني في هذا الكتاب عن أحكام \"حروف المعجم\" وأحوالها ومواقعها في كلام العرب.\n_________\n(١) انظر: \"المسائل الحلبيات\" ص ١٦٦ - ١٧٠.\n(٢) \"سير أعلام النبلاء\" ١٦/ ٢٤٩.\n(٣) طبع الكتاب في مجلدين بتحقيق د/ حسن هنداوي.\n(٤) هو: أبو الفتح عثمان بن جني الموصلي النحوي اللغوي، صاحب التصانيف البديعة في الأدب والنحو، صحب أبا علي الفارسي طويلًا واستوطن بغداد، وتوفي سنة ٣٧٢ هـ من مصنفاته: \"الخصائص\"، \"سر صناعة الإعراب\"، \"المصنف في شرح تصريف المازني\"، و\"الفسر في شرح ديوان المتنبي\".\nينظر: \"تاريخ بغداد\" ١١/ ٣١١، و\"إنباه الرواة\" ٢/ ٣٣٥، و\"معجم الأدباء\" ١٢/ ٨١، و\"وفيات الأعيان\" ٣/ ٢٤٦.","vol":"1","page":247},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-155>منهج ابن جني في كتابه:</span>\n\" كان بين أيدي الناس ترتيبان للحروف: أحدهما ترتيبها بحسب المخارج، وهو الترتيب الذي بنى عليه أصحاب المعجمات مصنفاتهم في اللغة، كالخليل في كتاب العين، والأزهري في \"تهذيب اللغة\"، والثاني ترتيبها على النحو التالي: (أ. ب. ت. ث. ج. ح. خ. د. ذ. ر. ز. س. ش. ص. ض. ط. ظ. ع. غ. ف. ق. ك. ل. م. ن. هـ. و. لا. ي) وهو الذي كان مشهورًا بأيدي الناس في حياة ابن جني، وهو الترتيب الذي آثره، فبوّب كتابه بحسبه.\nوقد عقد أبو الفتح لكل حرف من هذه الحروف بابًا تناول فيه الحرف على النحو التالي: فهو يبدأ أولًا بذكر صفة الحرف من حيث الجهر أو الهمس، ويبين استعماله في الكلام من حيث الأصالة، والبدل، والزيادة، ويتلوه بالتمثيل لأصالته من حيث وقوعه فاء الكلمة، وعينها، ولامها، فيذكر لكل وقع مثالين أحدهما اسم والآخر فعل. ما عدا باب الهمزة فقد زاد فيه عن المثالين، ويعقبه بذكر الحروف التي أبدل هذا الحرف منها، ويفصل القول في كل منها، وبعد ذلك يعرض مواضع زيادته. وفي مطلع باب الهمزة شرح معنى الأصالة والبدل والزيادة، فقال: \"اعلم أن الهمزة حرف مجهور، وهو في الكلام على ثلاثة أضرب: أصل، وبدل، وزائد. ومعنى قولنا أصل: أن يكون الحرف فاء الفعل أو عينه أو لامه. والبدل: أن يقام حرف مقام حرف، إما ضرورة، وإما استحسانًا وصنعة. فإذا كانت أصلًا وقعت فاء وعينًا ولامًا. فالفاء نحو أَنْف وأُذُن وإبرة وأَخَذ وأَمرَ. والعين نحو فأس ورأس وجُؤْنة وذئب وسأل وجأَرَ. واللام نحو قُرْء وخَطَأ","vol":"1","page":248},{"text":"ونَبَأ وهدأَ واستبرأَ واستدفأَ\" (١).\nوقال في باب التاء: \"التاء حرف مهموس، يستعمل في الكلام على ثلاثة أضرب: أصلًا وبدلًا وزائدًا. فإذا كانت أصلًا وقعت فاء وعينًا ولامًا، فالفاء نحو تَمْر وتَنَأَ، والعين نحو فِتْر وقتلَ، واللام نحو فَخْت ونَحَتَ.\nوأما إبدالها فقد أبدلت من ستة أحرف هن: الواو، والياء، والسين والصاد والطاء، والدال.\nإبدالها من الواو: قد أبدلت التاء من الواو فاء إبدالًا صالحًا ... \" (٢).\nوأما زيادة الحرف فتارة يكتفي بذكر الأماكن التي يكون فيها زائدًا مع التمثيل، كقوله في زيادة التاء: \"وأما الزيادة فقد زيدت التاء أولًا في نحو تَأْلَب وتِجْفاف .. وزيدت ثانية في نحو افتقار وافتقر ... وزيدت أيضًا رابعة في سَنْبَتة .. وزيدت أيضًا خامسة في نحو ملكوت وجبروت ... وسادسة في نحو عنكبوت وتَرْنَموت ... وقد زيدت في أوائل الأفعال الماضية للمطاوعة، كقولك كسّرته فتكسّر .. وتزاد في أوائل المضارعة لخطاب المذكر نحو أنت تقوم وتقعد .. \" (٣).\nوتارة يبدأ بوضع المقاييس التي يستدل بها على زيادة الحرف، كقوله في زيادة الهمزة: \"اعلم أن موضع زيادة الهمزة أن تقع في أول بنات الثلاثة، فمتى رأيت ثلاثة أحرف أصولًا وفي أولها همزة، فاقض بزيادة الهمزة عرفت الاشتقاق في تلك اللفظة أو جهلته، حتى تقوم الدلالة على\n_________\n(١) \"سر صناعة الإعراب\" ص ٦٩.\n(٢) \"سر صناعة الإعراب\" ص ١٤٥.\n(٣) \"سر صناعة الإعراب\" ص ١٥٧ - ١٥٩.","vol":"1","page":249},{"text":"كون الهمزة أصلًا، وذلك نحو أحمر وأصفر ... \" (١).\nفإذا جُهل الاشتقاق لجأَ أبو الفتح إلى القياس للحكم على أصالة الحرف أو زيادته، من ذلك قوله في التاء والنون: \"واعلم أن للتاء ميزانًا وقانونًا يعرف به من طريق القياس كونها أصلًا أو زائدة، فإذا عدمت الاشتقاق في كلمة فيها تاء أو نون، فإن حالهما فيما أذكره لك سواء: فانظر إلى التاء أو النون، فإن كان المثال الذي هما فيه أو إحداهما على زنة الأصول بهما فاقض بأنهما أصلان، وإن لم يكن المثال الذي هما فيه بهما أو بإحداهما على زنة الأصول فاقض بأنهما زائدتان .. \" (٢).\nوبعد أن يفرغ من الحديث عن زيادة الحرف يشير إلى حذفه إن كان الحذف قد وقع فيه، كقوله في الهمزة: \"وقد حذفت الهمزة فاء نحو ويلِمِّه، وناس، والله في أحد قولي سيبويه. ولامًا في جا يجي، وسا يسو. وحذفت عينًا في أريت وتصرفه\" (٣).\nهذا إذا كان الحرف يستعمل في الكلام أصلًا وبدلًا وزائدًا، فإذا كان لا يقع إلا أصلًا كالخاء، اكتفى بذكر ذلك فيه، وعرض ما اختلف فيه مما قد يظن أنه يدخل في باب الإبدال (٤). وكذا إذا كان الحرف لا يستعمل إلا أصلًا وبدلًا كالجيم (٥)، ومثله الحرف الذي يستعمل أصلًا وزائدًا ليس غير كالسين (٦).\n_________\n(١) \"سر صناعة الإعراب\" ص ١٠٧.\n(٢) \"سر صناعة الإعراب\" ص ١٦٧.\n(٣) \"سر صناعة الإعراب\" ص ١١٨.\n(٤) \"سر صناعة الإعراب\" ص ١٨٣ - ١٨٤.\n(٥) \"سر صناعة الإعراب\" ص ١٧٥ - ١٧٨.\n(٦) \"سر صناعة الإعراب\" ص ١٩٧.","vol":"1","page":250},{"text":"هذه هي القضايا الأساسية التي كررها المؤلف في كل حرف، فهي العمود الفقري لكل باب من أبواب الكتاب، وأمّا ما عداها من المسائل فإنما استطرد إليها استطرادًا، أو ذكرها إيضاحًا لمشكل، أو لأن لها علاقة وإن كانت بعيدة ببعض المباحث الأساسية.\nنخلص من هذا إلى القول: إن مادة الكتاب الأصلية هي الإعلال والإبدال والزيادة والحذف، وهذه أهم مباحث علم التصريف (١).\nولقد استفاد الواحدي من كتاب \"سر صناعة الإعراب\" كتيرًا في المسائل النحوية خصوصًا عن الحروف ومعانيها، والغالب أنه ينقل عنه بدون عزو، وقد يعزو له أحيانًا قائلًا: قال أبو الفتح الموصلي، بدون ذكر اسم كتابه الذي أخذ عنه.\nومن أمثلة نقله عنه بدون عزو ما افتتح به كتابه عند الكلام عن \"الباء\" في تفسير: \"بسم الله الرحمن الرحيم\" قال: \"اختلفت عبارة النحويين في تسمية هذه \"الباء\" الجارة، فسموها مرة: حرف إلصاق، ومرة حرف استعانة، ومرة حرف إضافة، وكل هذا صحيح من قولهم.\nأما الإلصاق: فنحو قولك تمسكت بزيد، وذلك أنك ألصقت محل قدوتك به، وبما اتصل به، فقد صح إذن معنى الإلصاق ... \" (٢) نقل عنه مع التصرف في كلام ابن جني بالتقديم والتأخير والحذف، وأذكر بعض كلام ابن جني لمقارنته مع نقل الواحدي قال ابن جني:\n_________\n(١) وانظر: مقدمة \"سر صناعة الإعراب\" ص ٣٣ - ٤١.\n(٢) انظر: تفسير الفاتحة من \"البسيط\".","vol":"1","page":251},{"text":"\"واعلم أنهم قد سموا هذه \"الباء\" في نحو قولهم: \"مررت بزيد\" و\"ظفرت ببكر\" مما تتصل فيه الأسماء بالأفعال، مرة حرف إلصاق، ومرة حرف استعانة، ومرة حرف إضافة، وكل ذلك صحيح من قولهم .. الخ (١).\nوقال الواحدي: وأما قول النحويين \"الباء والكاف واللام\" الزوائد، فإنما قالوا فيهن إنهن زوائد، لأنهن لما كن على حرف واحد، وقللن غاية القلة واختلطن بما بعدهن، خشي عليهن لقلتهن وامتزاجهن بما يدخلن عليه أن يظن بهن أنهن بعضه وأحد أجزائه، فوسموهن بالزيادة، ليعلموا من حالهن أنهن لسن من أنفس ما وصلن به .. (٢).\nوقال ابن جني: \"فأما قول النحويين: الباء والكاف واللام الزوائل يعنون نحو بزيد ولزيد، فإنما قالوا فيهن إنهن زوائد لما أذكره لك، وذلك أنهن لما كن على حرف واحد، وقللن غاية القلة، واختلطن بما بعدهن خشي عليهن لقلتهن وامتزاجهن بما يدخلن عليه أن يظن بهن أنهن بعضه أو أحد أجزائه فوسموهن بالزيادة لذلك، ليعلموا من حالهن أنهن لسن من أنفس ما وصلن به .. \" (٣).\nوبمثل ذلك تعامل الواحدي مع كتاب أبي الفتح بن جني في مواضع كثيرة من كتابه ينقل عنه بتصرف ولا يعزو له. انظر الكلام على \"ال\" في تفسير ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ١] نقل عنه صفحات كثيرة\n_________\n(١) \"سر صناعة الإعراب\" ١/ ١٢٢.\n(٢) \"البسيط\" تفسير الفاتحة.\n(٣) \"سر صناعة الإعراب\" ١/ ١٢٠.","vol":"1","page":252},{"text":"بتصرف. (١)\nوفي تفسير ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥] عند الكلام على \"إيا\" قال: \"اختلفت مذاهب النحويين في هذا الحرف، وأنا ذاكر لك منها ما يحتمله هذا الكتاب، ذهب الخليل إلى أن \"إيا\" اسم مضمر مضاف إلى \"الكاف\"، وهذا مذهب أبي عثمان. وحكى أبو بكر عن أبي العباس عن أبي الحسن: أنه أسم مفرد مضمر يتغير آخره كما تتغير أواخر المضمرات لاختلاف أعداد المضمرين، وأن \"الكاف\" في \"إياك\" كالكاف في \"ذلك\" في أنه دلالة على الخطاب فقط مجردة من كونها علامة للضمير، ولا يجيز أبو الحسن فيما يحكى عنه: \"إياك وإيا زيد\" و\"إياي وإيا الباطل\". وقال سيبويه: حدثني من لا أتهم .. إلخ (٢).\nونص كلام أبي الفتح: \"فهذِه مسألة لطيفة عنت لنا في أثناء هذا الفصل، نحن نشرحها ونذكر خلاف العلماء فيها، ونخبر بالصواب عندنا من أمرها إن شاء الله وهي قوله عز اسمه ﴿إِيَّاكَ نَعبُد﴾ وما كان مثله. أخبرني أبو علي عن أبي بكر محمد بن السري عن أبي العباس محمد بن يزيد: أن الخليل يذهب إلى أن \"إيا\" اسم مضمر مضاف إلى الكاف، وحكى عن المازني مثل هذا القول المحكي عن الخليل في أنه مضمر مضاف.\nقال: وحكى أبو بكر عن أبي العباس عن أبي الحسن الأخفش، وأبو إسحاق عن أبي العباس غير منسوب إلى الأخفش: أنه اسم مفرد مضمر\n_________\n(١) \"البسيط\" تفسير الفاتحة الآية: [٢].\n(٢) \"البسيط\" تفسير الفاتحة الآية: [٥].","vol":"1","page":253},{"text":"بتغير آخره كما لتغير أواخر المضمرات لاختلاف أعداد المضمرين ... إلى أن قال: ولا يجيز أبو الحسن فيما حكي عنه: \"إياك وإيا زيد، وإياي وإيا الباطل\" انتهت الحكاية عن أبي علي.\nوقال سيبويه: \"حدثني من لا أتهم عن الخليل .. الخ (١).\nوبعد أن نقل الواحدي عن أبي الفتح ابن جني كلامًا طويلًا في هذا قال: \" .. وهذا الذي ذكرنا كلام أبي علي وأبي الفتح\" (٢).\nومن أمثلة أخذه عنه بدون عزو -وهي كثيرة- ما ذكره في حروف التهجي عند تفسير قوله تعالى: ﴿الم﴾ [البقرة: ١] (٣) وكذلك عن \"الفاء\" في تفسير قوله تعالى: ﴿فَاَتَّقُواْ ألنَّارَ﴾ [البقرة: ٢٤] (٤).\nهذه أهم مصادر الواحدي التي تم التعرف عليها. وفي تفسيره \"البسيط\" حشد كبير من أقوال الصحابة ومن بعدهم من التابعين في مجال التفسير وكذا أقوال أئمة اللغة والنحو، ونجد الواحدي في الغالب ينقل هذه الأقوال عن طريق هذه المصادر.\nففي مجال التفسير ذكر أقوال ابن عباس كثيرًا، بل إن منهجه يقوم على ذكر قول ابن عباس في الآية ما وجد له قولًا فيها، كما ذكر ذلك في مقدمة كتابه (٥)، كما ذكر أقوال ابن مسعود، وأبيّ بن كعب. ومن التابعين ومن بعدهم ذكر أقوال مجاهد، وسعيد بن جبير، وعطاء بن أبي رباح،\n_________\n(١) \"سر صناعة الإعراب\" ١/ ٣١٢.\n(٢) تفسير الفاتحة الآية [٥].\n(٣) \"البسيط\" [البقرة: ١].\n(٤) \"البسيط\" [البقرة: ٢٤].\n(٥) انظر: \"البسيط\" ذكر ذلك في المقدمة.","vol":"1","page":254},{"text":"وعكرمة، وأبي الحسن البصري، وقتادة، والسدي، وغيرهم. وفي الغالب أنه يأخذ أقوال هؤلاء عن طريق تفسير الثعلبي أو الطبري.\nوممن ذكر قوله في مجال التفسير \"الحسين بن الفضل\" (١)، ينقل أقواله في الغالب من طريق الثعلبي. من أمثلة ذلك عن تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٥] قال: \" .. وقال الحسين بن الفضل: رد الكناية إلى الاستعانة؛ لأن \"استعينوا\" يدل على المصدر .. \" (٢).\nوقول الحسين ذكره الثعلبي في تفسيره.\nكذا الحال بالنسبة لأئمة النحو، نجد اسم \"سيبويه\" يتردد كثيرًا في \"البسيط\" وفي جميع المواضع التي اطلعت عليها لم أجده نقل عن الكتاب مباشرة، وإنما عن طريق أحد المصادر السابقة، من أمثلة ذلك: أنه ذكر قوله سيبويه في \"الباء\" من طريق \"سر صناعة الإعراب\"، وذكر قوله في \"أراب\" عن طريق \"الحجة\" لأبي علي الفارسي، وهكذا.\nومثل هذا يقال عن بقية أئمة النحو الذين نقل عنهم كثيرًا كالخليل، وابن كيسان وأبي الحسن الأخفش، وأبي العباس ثعلب وغيرهم.\nوكما ذكر أقوال أئمة اللغة عن طريق \"تهذيب اللغة\" للأزهري مثل أبي عبيد القاسم بن سلام، وابن السكيت، والأصمعي، وأبي حاتم، واللحياني\n_________\n(١) هو: الحسين بن الفضل بن عمير البجلي الكوفي ثم النيسابوري، المفسر، الأديب، إمام عصره في \"معاني القران\"، صاحب فنون وتعبد، توفي وهو ابن مائة وأربع سنين في سنة ٢٨٢ هـ. انظر: \"العبر في خبر من غبر\" ١/ ٩٩، \"الوافي بالوفيات\" ٤/ ٢٨١، \"طبقات المفسرين\" ١/ ٧، \"سير أعلام النبلاء\" ١٣/ ٤١٤\n(٢) انظر: \"البسيط\" [البقرة: ٤٥].","vol":"1","page":255},{"text":"ابن الأعرابي وغيرهم.\nمثال واحد يوضح ذلك، نقل قول أبي عبيد في معنى \"الصلاة\" لغة، وكذا معنى \"الفلاح\" وكلام أبي عبيد موجود في كتابه \"غريب الحديث\" لكن النص أقرب إلى ما ذكره الأزهري في \"تهذيب اللغة\"، كما نقل كلامًا قبله وبعده من \"التهذيب\" يؤكد أن النقل منه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-156>منهج الواحدي في النقول من مصادره:</span>\nلقد استفاد الواحدي من تلك المصادر كثيرًا، وكانت النقول سمة بارزة في تفسيره. لكن ما طريقة الواحدي في النقل هل هو مجرد ناقل، أو له جهد فيما ينقله؟\nالحقيقة أن هذه النقول تبرز ما يتمتع به الواحدي من مهارة فائقة في حسن انتقاء وجودة الربط بين الكلام، كما أن نقاشه للأقوال والترجيح بينهما، يظهر قوة عقلية وملكة علمية تدل على أصالته في ذلك، وقد عبر الواحدي عن هذا النهج في مقدمة كتابه حين قال: \" ... ولم يترك الأول للآخر شيئا غير أن المتأخر بلطيف حيلته ودقيق فطنته، يلتقط الدرر ويجمع الغرر، فينظمها كالعقد على صدور الكعاب، يروق المتأملين ويؤنق الناظرين .... \" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-157>وأذكر بعض الأمثلة توضح ذلك:</span>\nفي تفسير قوله تعالى: ﴿وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ ...﴾ [البقرة: ٦] نقل كلامًا بنصه لأبي علي الفارسي من الحجة عن الهمزة في \"أأنذرتهم\". فقال: \"لفظه لفظ الاستفهام ومعناه الخبر ... \" إلى أن قال: \"فكل استفهام تسوية\n_________\n(١) انظر مقدمة المؤلف.","vol":"1","page":256},{"text":"وإن لم يكن كل تسوية استفهامًا\" (١). وانتقل من كلام أبي علي مباشرة إلى كلام لأبي إسحاق الزجاج رابطًا الكلام ببعضه فقال: \"وحرر أبو إسحاق هذا الفصل فقال: إنما دخلت ألف الاستفهام، وأم التي هي للاستفهام، والكلام خبر لمعنى التسوية .. الخ\" (٢).\nوفي تفسير قوله تعالى: ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا﴾ [البقرة: ٢٨] نقل كلامًا للفراء عن \"كان\" ومنه: \" .. قال: وكان الخليل يقول: كَيْنُونَة \"فَيْعُولَة\" وهي في الأصل \"كَيْوَنُونَة\" التقت \"ياء\" و\"واو\" والأولى منها ساكنة فصيرتا \"ياء\" مشدّدة مثل ما قالوا: \"الْهَيِّن\" ثم خففوها فقالوا: \"كَيْنُونة\" كما قالوا: هَين لَيْن، قال الفراء: فقد ذهب مذهبًا، إلا أن القول عندي هو الأول. قال: ويضمر هاهنا \"قد\"، والتقدير: \"وقد كنتم أمواتًا\" (٣) ... فربط بين كلام الفراء عن \"كان\" وهو منقول عن \"تهذيب اللغة\" ولم يرد هذا الكلام في تفسير الآية، تم ربط به مباشرة في قوله \" .. قال: يضمر هاهنا \"قد\" .. \" وهذا الكلام ذكره الفراء في \"معاني القرآن\" (٤) فجمع بين النصين من \"التهذيب\" و\"معاني القرآن\"، وأحسن الربط بينهما، وكأنه من موضع واحد.\nومع حسن سبك الكلام يناقش الأقوال ويوجهها، ويرجع ما يراه صوابًا ويرد ما كان بخلاف ذلك. ففي تفسير \"البسملة\" في قوله: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ نقل كلام أبي العباس ثعلب من طريق ابن الأنباري حيث يرى ثعلب أن \"الرحمن\" اسم عبراني، ويستدل على ذلك بقوله تعالى: ﴿قَالُوا وَمَا\n_________\n(١) \"البسيط\" سورة البقرة: ٦.\n(٢) انظر: \"البسيط\" [البقرة: ٦].\n(٣) \"البسيط\" انظر هذا الكلام عند تفسير قوله تعالى ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا﴾ [البقرة: ٢٨].\n(٤) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٢٤.","vol":"1","page":257},{"text":"الرَّحْمَنُ﴾ [الفرقان: ٦٠] (١) فيرد عليه الواحدي مبينًا أن الآية لا تقوم دليلًا على مطلوبه فيقول: \"وأما ما احتج به أبو العباس من قوله تعالى: ﴿وَمَا الرَّحْمَنُ﴾ فهو سؤال عن الصفة، ولذلك قالوا: \"وما الرحمن\" ولم يقولوا: ومن، والقوم جهلوا صفته، والاسم كان معلوما لهم في الجملة\" (٢).\nمثال آخر يدل على ما يتمتع به من ملكة علمية تُمَكِّنه من نقاش كلام فطاحل العلماء، ما مر بنا قريبا من مناقشته لكلام الطبري (٣) قائلًا: \"وليس الأمر على ما قال، لأن الشك في القلب على الحقيقة، فأي فائدة لتقدير الاعتقاد هاهنا، ولأن الشك ينافي الاعتقاد، وهم ليسوا معتقدين إذا كانوا شاكين\" (٤).\nومثال ثالث في تفسير قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ ...﴾ [البقرة: ٢٧] ذكر وجهين للزجاج في المراد بالعهد (٥)، ثم قال: \"والوجه الأول أصحهما، من قبل أن الله لا يحتج عليهم بما لا يعرفون؛ لأنه بمنزلة ما لم يكن إذا كانوا لا يشعرون به ولا لهم دلالة عليه، والثاني مع هذا صحيح، لأنهم عرفوا ذلك العهد بخبر الصادق فكان كما لو كانوا يشعرون به، وهذا الوجه هو قول ابن عباس .. \" (٦).\n_________\n(١) انظر: \"البسيط\" عند تفسير قوله تعالى ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة الآية ٣].\n(٢) انظر: المصدر السابق.\n(٣) انظر: كلام الطبري من هذِه الدراسة.\n(٤) انظر: \"البسيط\" عند قوله تعالى: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ﴾ [البقرة: ٩].\n(٥) الوجهان: الأول: ما أخذه على النبيين ألا يكفروا بالنبي - ﷺ -. والثاني: الذي أخذه من بني آدم من ظهورهم يوم الميثاق. انظر: \"البسيط\" عند قوله تعالى ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٧].\n(٦) انظر: المصدر السابق.","vol":"1","page":258},{"text":"وقد ينقل كلام غيره في النقاش والترجيح، مثال ذلك أنه في أثناء الكلام عن \"الواو والياء والألف\" التي تلحق التثنية والجمع، نقل كلامًا طويلًا عن أبي الفتح ابن جني ومما نقله قول أبي علي الفارسي ثم قال بعده: \"وهذا استدلال من أبي علي في نهاية الحسن وصحة المذهب وسداد الطريقة\" (١). وهذا التوجيه من كلام أبي الفتح بنصه (٢).\nومثال آخر حينما تحدث عن \"إياك\" في تفسير قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] ذكر أقوال العلماء في ذلك ومنه كلام الخليل والزجاج ناقلًا عن أبي الفتح ابن جني، ومما نقله مناقشة أبي الفتح لكلام الخليل، وكلام الزجاج وفيه يقول: \" ... أما قول الخليل: أن \"إيا\" اسم مضمر مضاف فظاهر الفساد، وذلك أنه إذا ثبت أنه مضمر فلا سبيل إلى إضافته .. \" (٣). ثم يقول: \" .. وأما قول من قال: \"إياك\" بكماله الاسم فليس بقوي .. الخ\" (٤). ثم يقول: \" .. وأما قول أبي إسحاق: إن \"إيا\" اسم مظهر خص بالإضافة إلى المضمر ففاسد -أيضا- وليست \"إيا\" بمظهر كما زعم الخ\" (٥). وكل هذه المناقشات من كلام أبي الفتح بن جني من \"سر صناعة الإعراب\" (٦).\n_________\n(١) \"البسيط\" ص (٦٥٩).\n(٢) \"البسيط\" ص (٣٠٣).\n(٣) انظر: \"البسيط\" عند قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥].\n(٤) المصدر السابق.\n(٥) المصدر السابق.\n(٦) انظر: حاشية \"البسيط\" في المواضع السابقة.","vol":"1","page":259},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-158>بعض الملحوظات على نقل الواحدي:</span>\nمع كثرة النقول في تفسير \"البسيط\" وقع الواحدي في بعض الملحوظات، ويحصل ذلك عندما يختصر النص أو ينقل بعضه ويترك بعضًا، فيكون لما ذكر ارتباط بما ترك، أو يستبدل كلمة أو جملة بأخرى تغير المعنى. وهذه بعض الأمثلة توضح ذلك:\nفي تفسير قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] نقل نصًّا عن \"تهذيب اللغة\" ولم يعزه له فقال: \"وقال الأخفش: الحمد لله الشكر لله، قال: والحمد -أيضا- الثناء، وكأن الشكر لا يكون إلا ثناء ليد أوليته ... الخ\" (١).\nوفي \"التهذيب\" كلام الأخفش ينتهي عند \"الحمد -أيضا- الثناء\" وبدل قوله: \"وكأن الشكر لا يكون ... الخ\"، \"قلت: الشكر ... \" فهو من كلام الأزهري كما صرح بذلك صاحب \"اللسان\" فقال: قال الأزهري: \"والشكر لا يكون ... الخ\" ولما أبدل الواحدي \"قلت\" بـ\"كان\" صار الكلام جزءًا من كلام الأخفش، أو من كلام الواحدي (٢).\nمثال آخر في قوله تعال: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢] قال: \"وزعم الأخفش أن من العرب من يؤنث الهدى\" (٣) وكلام الأخفش في \"الحجة\": \"وقال أبو الحسن: زعموا أن من العرب من يؤنث الهدى\" (٤) فالأخفش\n_________\n(١) \"البسيط\" عند قوله تعالى ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢].\n(٢) انظر التعليق على النص في حاشية \"البسيط\" عند قوله تعالى ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾.\n(٣) \"البسيط\" [البقرة: ٢].\n(٤) \"الحجة\" لأبي علي الفارسي ١/ ١٧٩، وانظر حاشية \"البسيط\" [البقرة: ٢].","vol":"1","page":260},{"text":"ناقل للزعم وجعله هو الزاعم.\nومثال آخر: نقل كلام أبي الفتح في \"أل\" ومنه قوله: \"ومذهب الخليل في هذا أن \"أل\" حرف التعريف بمنزلة \"قد\" في الأفعال ... واحتج لهذا المذهب بفصلين، أحدهما: أن العرب قطعت \"أل\" في أنصاف الأبيات نحو قول عبيد:\nيا خليلي اربعا واستخبرا الـ ... منزل الدراس من أهل الحلال\nمثل سحق البرد عفى بعدك الـ ... قطر مغناه وتأويب الشمال\nقال: فلو كانت اللام وحدها حرف التعريف لما جاز فصلها من الكلمة التي عرفتها ... \" (١) فتصرف الواحدي في كلام أبي الفتح وصيَّر الكلام كأنه بنصه للخليل خصوصًا عند قوله: \"واحتج لهذا المذهب بفصلين\" وقوله: \"قال: فلو كانت اللام ... \" وأذكر نص كلام أبي الفتح ليظهر الفرق بين النصين. \"وذهب الخليل إلى أن \"أل\" حرف تعريف بمنزلة \"قد\" في الأفعال وأن الهمزة واللام جميعًا للتعريف ... ويقوي هذا المذهب قطع \"أل\" في أنصاف الأبيات نحو قول عبيد:\nياخليلي ........ ... ....................\nوهذه قطعة لعبيد مشهورة عددها بضعة عشر بيتًا يطرد جميعها على هذا القطع الذي تراه إلى بيتًا واحدًا من جملتها، ولو كانت اللام وحدها حرف التعريف لما جاز فصلها من الكلمة التي عرفتها ... \" (٢).\nومثال آخر في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ﴾ [البقرة:\n_________\n(١) \"البسيط\" [البقرة: ٢].\n(٢) \"سر صناعة الإعراب\" ١/ ٣٣٣.","vol":"1","page":261},{"text":"٤٨] قال: \"قال أصحاب المعاني: ليس معنى: \"لا يقبل الشفاعة\" أن هناك شفاعة لا تقبل، وإنما المعنى لا يكون شفاعة فيكون لها قبول .. الخ\" (١).\nفالواحدي نقل هذا عن أبي علي الفارسي من الحجة (٢)، ونسبه لأهل المعاني ولم يذكره أحد من أهل المعاني الذين اشتهر أخذه عنهم كالفراء والأخفش والزجاج. ثم إن في هذا الكلام محذورًا حيث ظاهره نفي الشفاعة، وهذا قول المعتزلة، ولم ينقده في هذا الموضع كدأبه في نقد آراء المعتزلة، وان كان قد ذكر القول الصحيح في معنى الآية في موضع آخر فقال في آخر تفسيرها: \" ... والآية وإن عمت في نفي الشفاعة فمعناها الخصوص فيمن مات على الكفر بدلالة الأخبار الصحيحة في الشفاعة، وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨] .. \" (٣).\n_________\n(١) \"البسيط\" [البقرة: ٤٨].\n(٢) \"الحجة\" ٢/ ٤٦، ٤٧.\n(٣) \"البسيط\" [البقرة: ٤٨].","vol":"1","page":262},{"text":"المبحث السادس: منهج الواحدي في تفسيره\nوفيه ثلاثة مطالب:\nالمطلب الأول: منهجه إجمالًا كما وصفه في مقدمة كتابه\nالمطلب الثاني: منهجه تفصيلًا وفيه تسع مسائل.\nالمطلب الثالث: مقارنة بين تفاسير الواحدي الثلاثة.","vol":"1","page":263},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-159>المبحث السادس\nمنهج الواحدي في كتابه \"البسيط</span>\"\n<span data-type=\"title\" id=toc-160>المطلب الأول: مقدمة الكتاب ومنهجه إجمالًا:</span>\nافتتح الواحدي كتابه بمقدمة طويلة أشتملت على مسائل هامة، حيث بين فيها سبب تأليفه الكتاب، ثم تحدث بإفاضة عن أهمية علم اللغة والنحو والأدب لتفسير القرآن الكريم، وذكر أنه لابد للمفسر أن يتمكن فيها، قبل تعرضه لتفسير كتاب الله، ثم تحدث عن شيوخه الذين تلقى عنهم العلوم في شتى المجالات، ثم تحدث بعد ذلك عن منهجه في كتابه إجمالًا.\nولما حوته تلك المقدمة من قضايا هامة تنم عن شيء من شخصية الواحدي العلمية كانت مرجعًا لكل من أراد التعرف على الواحدي أو التعريف به، فنقل منها بعض العلماء عند تعريفهم بالواحدي، كما فعل \"ياقوت\" في معجم الأدباء (١)، ومن المعاصرين \"أحمد صقر\" في مقدمته على \"أسباب النزول\" (٢).\nوقد سبق ذكر مقاطع منها عند الحديث عن العلوم التي برز فيها، وعند الحديث عن شيوخ الواحدي، وكذا عند الحديث عن مصادره في كتابه، والآن أستعرض جوانب أخرى في المقدمة لم يسبق الحديث عنها.\nذكر في أولها الموضوعات الأساسية للكتاب فقال: \"وبعد، فمنذ دهر تحدثني نفسي بأن أعلق لمعاني إعراب القرآن وتفسيره فِقَرًا في الكشف عن غوامض معانيه، ونُكَتًا في الإشارة إلى علل القراءات فيه في ورقات يصغر\n_________\n(١) انظر: \"معجم الأدباء\" ١٢/ ٢٦٢ - ٢٧٠.\n(٢) انظر: \"أسباب النزول\" ص ١١ وما بعدها.","vol":"1","page":265},{"text":"حجمها ويكثر غُنْمها .. \".\nوقد كان الواحدي موفقًا في تحديد الموضوعات الرئيسة التي ركز عليها في تفسيره، لكن عبارته توحي بالاختصار والإيجاز، والواقع بخلاف ذلك، فقد تعدى في بعض المواضع حدود الإطالة إلى الإملال بذكر مسائل لا علاقة لها بالتفسير.\nوإذا كان السبب الرئيس للتأليف -كما أفصح عنه- رغبته في الكشف عن غوامض معاني القرآن الكريم، فهناك سبب آخر دعاه للتأليف ذكره قائلا: \" .. والأيام تمطلني بصروفها على اختلاف صنوفها إلى أن شدد علي خناق التقاضي قومٌ لهم في العلم سابقة، وفي التحقيق همم صادقة، فسمحت قرونتي بعد الإباء .. \"، ثم يقول: \" .. هؤلاء شكوا إليّ غلظ حجم المصنفات في التفسير، وأن الواحدة منها تستغرق العمر كتابتها ويستنزف الروح سماعها وقراءتها، ثم صاحبها بعد أن أنفق العمر على تحصيلها، ليس يحظى منها بطائل تعظم عائدته، وتعود عليه فائدته\".\nأبرز الواحدي أن من أسباب تأليفه الكتاب ما شكوا إليه من غلظ حجم المصنفات في التفسير أقول: لقد جاء كتابه \"البسيط\" غليظ الحجم فوقع فيما نقده على غيره.\nثم تحدث الواحدي بعد ذلك عن أصول هامة لابد لمن رام تفسير كتاب الله أن يلم بها، فذكر النحو والأدب والبلاغة وأهميتها للمفسر فقال: \"فقلت: إن طريق معرفة تفسير كلام الله تعالى تعلم النحو والأدب، فإنهما عمدتاه وإحكام أصولهما، وتتبع مناهج لغات العرب فيما تحويه من الاستعارات الباهرة، والأمثال النادرة، والتشبيهات البديعة، والملاحن الغريبة .. \" ويستطرد طويلًا في بيان أهمية ذلك لتفسير القرآن، خصوصًا في","vol":"1","page":266},{"text":"عصره، وذلك لأن الصحابة الذين نزل القرآن فيهم، كانوا عربًا أولي بيان فاضل، وقد بين لهم النبي - ﷺ - ما يحتاجون من مجمل الكتاب فيقول: \"فاستغنوا بذلك عما نحن إليه محتاجون من معرفة لغات العرب .. \"، ثم يبين أن المفسر يحتاج مع تعلم اللغة، إلى السنن المبينة لمجمل الكتاب فيقول -ناقلًا عن مقدمة \"تهذيب اللغة\"-: \"فعلينا أن نجتهد في تعلم ما يتوصل بتعلمه إلى معرفة ضروب خطاب الكتاب، ثم السنن المبينة لمجمل التنزيل الموضحة للتأويل، لتنتفي عنا الشبه التي دخلت على كثير من رؤساء أهل الزيغ والإلحاد، ثم على رؤوس ذوي الأهواء والبدع، الذين تأولوا بآرائهم المدخولة فأخطأوا، وتكلموا في كتاب الله -﷿- بلكنتهم العجمية دون معرفة ثاقبة فضلوا وأضلوا .. \" (١) فبين بهذا أهمية اللغة والسنة لبيان القرآن، وخطر التصدي لتفسيره دون المعرفة الثاقبة بهما. ثم ذكر حث السلف على تعلم اللغة وترغيبهم في ذلك فقال: \"وقد كان الأكابر من السلف يحثون على تعلم لغة العرب، ويرغبون فيها لما يعلمون من فضائلها وفرط الحاجة إليها .. \"، ثم أورد بعض الأحاديث والآثار في بيان قيمة الأدب والحث على تعلمه وتعلم اللغة، وختم حديثه عن أهمية اللغة والأدب للتفسير فقال: \"وكيف يتأتى لمن جهل لسان العرب أن يعرف تفسير كتاب جعل معجزة -في فصاحة ألفاظه وبعد أغراضه- لخاتم النبيين وسيد المرسلين -صلى الله عليه وعلى آله الطيبين- في زمان أهلُه يتحلون بالفصاحة ويتحدون بحسن الخطاب وشرف العبارة، وإن مثل من طلب ذلك مثل من شهد الهيجاء بلا سلاح، ورام أن يصعد الهواء بلا جناح\".\n_________\n(١) وقد نقله الواحدي عن مقدمة \"تهذيب اللغة\" بدون عزو.","vol":"1","page":267},{"text":"ثم يقرر قضية هامة وهي أن من جهل لسان العرب وأصول كلامهم ليس مرشحًا للتعرض لتفسير كتاب الله، حتى وإن قرأ كتب التفسير، لأنه مقلد لهم في ذلك غير مدرك لمعاني كتاب الله فيقول: \" ... ثم وإن طال تأمله مصنفات المفسرين وتتبعه أقوال أهل التفسير من المتقدمين والمتأخرين فوقف على معاني ما أودعوه كتبهم وعرف ألفاظهم التي عبروا بها عن معاني القرآن لم يكن إلا مقلدًا لهم فيما حكوه وعارفًا معاني قول مجاهد، ومقاتل، وقتادة، والسدي وغيرهم، دون معنى قول الله ﷿. ألا ترى أن واحدًا ممن لم يتدرب بلغة العرب لو سمع قول امرئ القيس:\nدِيمَةٌ هَطْلاَءُ فيها وَطَفٌ ... طَبَقُ الأَرْضِ تَحَرَّى وَتَدُرّ\nفسأل عن معناه: فقيل له: إنه يصف مطرًا سحابه هاطل، كان عارفًا معنى هذا البيت من طريق التقليد، ولا يكون عارفا معنى قول امرئ القيس ما لم يعرف تفسير كل حرف على حدته ... \".\nويستمر يعرض الأمثلة والشواهد حول هذه القضية لينتهي إلى القول: \"وإنما ذكرت هذه الأمثلة لتعرف أن من تأمل مصنفات المفسرين ووقف على معاني أقوالهم لم يقف على معاني كلام الله دون الوقوف على أصول اللغة والنحو\".\nثم يذكر طبقات المصنفين في تفسيره، ولكنه آثر الاختصار فيها، لأنه كما قال: \"الاشتغال بما يعنينا أولى من بيان درجتهم والكشف عن نقصهم ومزيتهم\". وينتهي إلى القول: \"ولم يترك الأول للآخر شيئًا، غير أن المتأخر بلطيف حيلته ودقيق فطنته يلتقط الدرر ويجمع الغرر، فينظمها كالعقد على صدر الكعاب .. \".\nولقد كان الواحدي صادقًا في مقالته، وكان كتابه تعبيرًا عن ذلك","vol":"1","page":268},{"text":"فعمل فيه على لقط الدرر وجمع الغرر ونظمها كالعقد، وقد سبق إيضاح هذه المسألة عند ذكر مصادره في كتابه.\nبعد ذلك يذكر الواحدي شيوخه ومصادره التي استقى منها فيقول: \"وأظنني لم آل جهدًا في إحكام أصول هذا العلم على حسب ما يليق بزماننا هذا، ويسعه سِنُو عمري على قلة أعدادها، فقد وفق الله تعالى وله الحمد، حتى أقتبست كل ما أحتجت إليه في هذا الباب من مظانه وأخذته من معادنه .. \"، ثم أخذ في سرد شيوخه وتحدث عن الكتب التي قرأها وأطال وقد سبق نقل مقاطع طويلة منه عند الحديث عن شيوخه وكذا عند ذكر مصادره فلا أطيل بذكرها هنا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-161>وصف الكتاب ومنهجه فيه كما عرضه في المقدمة:</span>\nوفي نهاية المقدمة يصف الواحدي كتابه الذي عزم على جمعه، ومنهجه فيه فيقول: \"وقد استخرت الله العظيم في جمع كتاب أرجو أن يمدني الله فيه بتوفيقه وحسن تيسيره ... سالك نهج الإعجاز في الإيجاز، مشتمل على ما نقمت على غيري إهماله، ونعيت عليه إغفاله، خال عما يكسب المستفيد ملالة ويتصور عند المتصفح إطالة، ولا يدع لمن تأمله حازَّة في صدره حتى يخرجه من ظلمة الريب والتخمين إلى نور العلم وثَلَج اليقين ... \".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-162>فهل كتاب الواحدي كما وصفه هنا</span>؟\nلقد درج الكثير من المؤلفين على وصف كتابهم في مقدماتهم التي يكتبونها أولًا وربما بالغ بعضهم في ذلك، وقد يكون المؤلف صادقًا مع نفسه فيما قال؛ لأنه لو علم خللا في كتابه لأصلحه، ونعود إلى كتاب الواحدي فأقول: إن كتابه بحق كما وصفه، سوى ما ادعاه من سلوكه نهج","vol":"1","page":269},{"text":"الإيجاز، فواقع الكتاب لا يطابق ما شرطه على نفسه في المقدمة، فإنه استطرد في كتابه إلى مباحث لغوية ونحوية خارجة عن إطار التفسير، ويأتي مزيد من الإيضاح لذلك، عندما نعرض لتفصيل منهجه في الجوانب اللغوية والنحوية.\nثم يقول الواحدي عن كتابه: \" ... هذا بعد أن يكون المتأمل مرتاضا في صنعة الأدب والنحو مهتديًا بطرق الحِجَاج، قَارِحًا في سلوك المنهاج فأما الجَذَع المُزْجَى من المُقْتَبِسِين والرَّيِّض الكَزُّ من المبتدئين فإنه مع هذا الكتاب كمزاولٍ غَلَقًا ضاع عنه المفتاح ومتخبط في ظلماء ليل خانه المصباح ... \".\nلقد كان الواحدي صادقا في وصف كتابه، حيث يوجد فيه مسائل لغوية ونحوية يعسر على القارئ فهمها إلى بعد تأمل طويل، وأكثر تلك المواضع استطرادات لا علاقة لها بالتفسير.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-163>منهج الواحدي في كتابه إجمالا:</span>\nذكر الواحدي منهجه في كتابه إجمالًا قائلًا: \"وأبتدئ في كل آية عند التفسير بقول ابن عباس ما وجدت له نصًّا، ثم بقول من هو قدوة في هذا العلم من الصحابة وأتباعهم مع التوفيق بين قولهم ولفظ الآية. فأما الأقوال الفاسدة والتفسير المرذول الذي لا يحتمله اللفظ ولا تساعده العبارة فمما لم أضيع الوقت بذكره. وذكرت وجوه القراءات السبع التي اجتمع عليها أهل الأمصار دون تسمية القراء، واعتمدت في أكثرها على كتاب أبي علي الحسن بن أحمد الفارسي الذي رواه لنا سعيد بن محمد الحيري عنه\". فذكر أن منهجه انه يبتدئ كل آية بقول ابن عباس ما وجد له نصا. وهنا لابد من إيضاح أمرين:","vol":"1","page":270},{"text":"الأمر الأول: أنه يبدأ الآية غالبًا بتحليل ألفاظها وبيان أصولها اللغوية واشتقاقها، وما فيها من قضايا نحوية ويطيل في ذلك، فقد أخذت هذه المباحث حيزًا كبيرًا في الكتاب، ثم يذكر ما قيل في تفسير الآية ويبدأ ذلك بقوله: \"أما التفسير\" هذا في الغالب، وقد يذكر قول ابن عباس أولًا ثم يذكر تحليل ألفاظ الآية.\nالأمر الثاني: أنه في الغالب يبدأ بقول ابن عباس، وقد يذكر قول غيره ثم يذكر قوله بعد ذلك. مثال ذلك في تفسير قوله تعال: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤] قال: \"قال الضحاك وقتادة: الدين: الجزاء يعني يوم يدين الله العباد بأعمالهم .. وقال ابن عباس والسدي ومقاتل في معنى ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾: قاضي يوم الحساب .. \" (١).\nومثال آخر في تفسير قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ [البقرة: ٤] ذكر قول مجاهد ثم ذكر بعده قول ابن عباس (٢).\nوذكر أن من منهجه التوفيق بين قول السلف ولفظ الآية، وهذه سمة بارزة في تفسير \"البسيط\"، حيث نجده دائمًا يحرص على بيان مدلول لفظ الآية على كل قول يذكره لأحد من الصحابة، أو من بعدهم، وُيظْهَر بذلك أحتمال ألفاظ الآية لهذِه الأقوال وقد يحاول أن يجمع بينها ويبين أنها تلتقي في النهاية حول معنىً واحد.\nثم ذكر أن من منهجه أنه لا يذكر الأقوال الفاسدة والتفسير المرذول، ولقد كان عند شرطه في الجملة، سوى بعض الإسرائيليات التي دخلت عليه من طريق شيخه \"الثعلبي\" ويأتي الحديث عن ذلك قريبًا إن شاء الله.\n_________\n(١) \"البسيط\" [الفاتحة: ٤].\n(٢) انظر \"البسيط\" [الفاتحة: ٤].","vol":"1","page":271},{"text":"وذكر أن من منهجه أنه يذكر القراءات السبع دون تسمية القراء، وفي هذا الجانب يركز على توجيه القراءات ويتوسع في ذلك، ويذكر ذلك في الغالب بعد تحليل ألفاظ الآية. وذكر ما فيها من مسائل نحوية، وقبل دخوله في ذكر أقوال السلف والمفسرين في الآية.\nوفي أثناء تفسير الآية قد يتعرض لما فيها من أحكام، وقد يذكر مسائل في الوقف والابتداء، والربط بين الآيات، كما يذكر فيها سبب النزول، ولا يكثر في كل ذلك، ويأتي إيضاح هذه الأمور بالأمثلة عند ذكر منهجه مفصلًا إن شاء الله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-164>المطلب الثاني: منهجه في كتابه مفصلًا:</span>\nأولًا: تفسير القرآن بالقرآن:\nيعتبر القرآن الكريم هو المصدر الأول للتفسير، فما أجمل في موضع قد يرد مفصلًا في موضع آخر، وما أبهم في مكان قد يرد مبينًا في مكان آخر وهكذا.\nوقد يعتمد الواحدي على هذا المصدر في تفسيره فكثيرًا ما يورد آية لتفسير آية وقد يورد الآيات الكثيرة للاستشهاد، خصوصًا في المسائل النحوية واللغوية.\nومن أمثلة إيراد الآية لتفسير آية أخرى ما ذكره في تفسير قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] أورد الأقوال في \"العالمين\" فذكر قول الحسن وقتادة في تفسير العالم: إنه جميع المخلوقات قال: \"يدل على هذا القول من التنزيل قوله: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٣) قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ [الشعراء: ٢٣، ٢٤]. فسر العالمين بجميع","vol":"1","page":272},{"text":"المخلوقات\" (١). ثم قال: \"وقال ابن عباس في رواية سعيد بن جبير: هم الجن والأنس، اختاره أبو الهيثم والأزهري، واحتجوا بقوله: ﴿لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١] .. وقال الحسين بن فضل وأبو معاذ النحوي: هم بنو آدم لقوله ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٦٥] .. \" (٢).\nومثال آخر في تفسير قوله تعالى: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٧] ذكر الأقوال فيها ومنها: \"وقيل: هم الذين ذكرهم الله في قوله سبحانه: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [النساء: ٦٩] الآية .. (٣).\nومثال آخر في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [البقرة: ٢٣] قال: \"والكناية في مثله تعود إلى \"ما\" في قوله: ﴿مِّمَّا نَزَّلنَا﴾ ودليل هذا التأويل قوله: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ﴾ [الطور: ٣٤] وقوله تعالى: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ﴾ [يونس: ٣٨] وقوله: ﴿لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ [الإسراء: ٨٨] كذلك يريد به مثل القرآن ... \" (٤) والأمثلة على هذا كثيرة.\nويكثر من الاستشهاد بالآيات في المسائل النحوية واللغوية التي يتعرض لها أو ينقلها غيره.\nمثال ذلك في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ﴾ [البقرة: ٥١] قال (٥):\n_________\n(١) \"البسيط\" [الفاتحة: ٢].\n(٢) \"البسيط\" [الفاتحة: ٢].\n(٣) \"البسيط\" [الفاتحة: ٧].\n(٤) \"البسيط\" [البقرة: ٢٣].\n(٥) ناقلًا عن الحجة بدون عزو. انظر حاشية \"البسيط\" عند قوله ﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ﴾.","vol":"1","page":273},{"text":"وأما \"اتخذ\" فإنه على ضربين، أحدهما: أن يتعدى إلى مفعول واحد.\nوالثاني: أن يتعدى إلى مفعولين. فأما تعديه إلى واحد فكقوله: ﴿يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٧] و﴿أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ﴾ [الزخرف: ١٦] وقوله: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً﴾ [الفرقان: ٣]، ﴿لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا﴾ [الأنبياء: ١٧]، وأما تعديه إلى مفعولين، فإن الثاني منهما هو الأول في المعنى كقوله: ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً﴾ [المجادلة: ١٦، المنافقون: ٢]، وقال: ﴿لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [الممتحنة: ١]، ﴿فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا﴾ [المؤمنون: ١١٠] .... \" (١).\n\nب- تفسير القرآن بالسنة والأثر:\nيعتبر كتاب \"البسيط\" للواحدي أقرب إلى كتب التفسير بالدراية منه إلى التفسير بالرواية، حيث أكثر فيه من المباحث اللغوية والنحوية وتوجيه القراءات والنكات التفسيرية والفوائد حول الآيات، وأقلّ من الرواية خصوصًا الحديث، أما الآثار عن الصحابة والتابعين ومن بعدهم فهي أكثر من الحديث، بخلاف كتاب \"البسيط\" الذي أكثر فيه من الرواية.\nوقد أدرك الواحدي الإسناد، كما قال صاحب \"المنتخب من السياق\" في أثناء ترجمة الواحدي: \"أدرك الإسناد العالي\" (٢).\nوكانت له بعض المشاركة في خدمة السنة تظهر من خلال كتابيه \"أسباب النزول\" و\"الوسيط\" في التفسير.\nولكن مع ذلك فبضاعة الواحدي في السنة ليست مرضية عند بعض\n_________\n(١) \"البسيط\" [البقرة: ٥١].\n(٢) \"المنتخب من السياق\" ل ١١٤/ أ.","vol":"1","page":274},{"text":"العلماء، فوجهت إليه الانتقادات في هذا الجانب، ذكرت طرفًا منها فيما سبق عند الحديث عن \"أقوال العلماء فيه\". ومن تلك الأقوال ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية قال: \" .. وفي التفسير من هذه الموضوعات قطعة كبيرة مثل الحديث الذي يرويه الثعلبي والواحدي والزمخشري في فضائل سور القرآن سورة سورة، فإنه موضوع باتفاق أهل العلم ... \" (١)، وقال في موضع آخر: \"وأما \"الواحدي\" فإنه تلميذ الثعلبي وهو أخبر منه بالعربية لكن الثعلبي فيه سلامة من البدع وإن ذكرها تقليدًا لغيره، وتفسيره وتفسير الواحدي \"البسيط\" و\"الوسيط\" و\"الوجيز\" فيها فوائد جليلة وفيها غث كثير من المنقولات الباطلة وغيرها\" (٢).\nوأخذ بهذا القول الكتاني فقال: \" ... ولم يكن له ولا لشيخه الثعلبي كبير بضاعة في الحديث بل في تفسيريهما وخصوصًا الثعلبي أحاديث موضوعة وقصص باطلة ... \" (٣).\nكما نقل الزركشي في \"البرهان\" عن ابن الصلاح اعتراضه على الواحدي في إيراده حديث فضائل السور فيقول: \"قال ابن الصلاح: ولقد أخطأ الواحدي المفسر ومن ذكره (٤) من المفسرين في إيداعه تفاسيرهم\" ثم يعتذر الزركشي عن الواحدي قائلًا: \"قلت: وكذلك الثعلبي، لكنهم ذكروه بإسناد فاللوم عليهم يقل بخلاف من ذكره بلا إسناد وجزم به كالزمخشري\n_________\n(١) \"مجموع فتاوى ابن تيمية\" ١٣/ ٣٥٤\n(٢) \"مجموع فتاوى ابن تيمية\" ١٣/ ٣٨٦.\n(٣) \"الرسالة المستطرفة\" ص (٥٩).\n(٤) أي حديث فضائل السور.","vol":"1","page":275},{"text":"فإن خطأه أشد\" (١).\nوالأحاديث في \"الوسيط\" قليلة في الجملة وذكر الواحدي بعضها بسنده مثال ذلك ما أخرجه في مقدمة البسيط قال: \"ولقد أخبرنا الأستاذ أبو إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم ﵀ قال: أخبرني أبو القاسم الحسن بن محمد بن الحسن، ثنا أبو الحسن أحمد بن الخضر بن أبان، ثنا أبو عمرو أحمد بن نصر الخفاف، ثنا نصر بن على الجهضمي، ثنا عامر بن أبي عامر، ثنا أيوب بن موسى القرشي عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله -ﷺ-: \"ما نحل والد ولده نحلة أفضل من أدب حسن\" (٢).\nوقد حكم الأئمة على هذا الحديث بالضعف والإرسال.\nومثال آخر ما ذكره في تفسير الفاتحة في معنى \"الحمد\" قال: \"وقد أخبرنا الحسين بن أبي عبد الله الفسوي -﵁- أبنا أحمد بن محمد الفقيه، أبنا محمد بن هاشم، عن الدَّبَري، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، عن عبد الله بن عمر أن النبي -ﷺ- قال: \"الحمد رأس الشكر، وما شكر الله عبد لا يحمده\" (٣).\nوالحديث ضعيف كما قال ذلك بعض العلماء (٤).\nوالبعض الآخر من الأحاديث ذكرها بدون سند ولم يحكم عليها بشيء وأكثرها وردت للاستدلال بها في المسائل اللغوية، أوردها اللغويون في كتبهم ونقلها الواحدي عنهم.\n_________\n(١) \"البرهان\" ١/ ٤٣٢.\n(٢) \"مقدمة البسيط\" للمؤلف.\n(٣) \"البسيط\" عند تفسيره قوله تعالى ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [الفاتحة: ٢].\n(٤) انظر: \"حاشية البسيط\" عند التعليق على قوله تعالى ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [الفاتحة: ٢].","vol":"1","page":276},{"text":"من أمثلة ذلك في تفسير قوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤] ذكر معاني الدين: الحساب فقال: \"وقيل: في قوله: \"الكيس من دان نفسه\"، أي: حاسبها\" (١) فاستشهد بالحديث على أن الدين يأتي بمعنى الحساب، والكلام مع الاستشهاد بالحديث نقله عن \"تهذيب اللغة\" للأزهري (٢).\nومثال آخر في تفسير قوله تعالى: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ﴾ [البقرة: ٩] تكلم عن أصل معنى الخدع والخداع، ثم قال: \"ومنه الحديث \"يكون قبل خروج الدجال سنون خداعة\" .. \" (٣) والحديث مع ما قبله وما بعده مما ذكره الأزهري في \"تهذيب اللغة\" (٤).\nومثال آخر في تفسير قوله تعالى: ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [البقرة: ٦١] تكلم عن لفظ \"النبي\" وعن أصله، وقال: ... وأما ما روي في الحديث من أن بعضهم قال: يا نبيء الله فقال: لست بنبيء الله ولكن نبي الله\" فإن أهل النقل ضعفوا إسناد الحديث ...، والحديث مع التعليق عليه منقول عن \"الحجة\" لأبي علي الفارسي (٥).\nوقد استشهد صاحب كتاب \"الواحدي ومنهجه في التفسير\" بالكلام السابق عن السند على أن الواحدي قد يتعرض لنقد الحديث (٦)، ولم ينتبه إلى أن كلام الواحدي مع قبله وما بعده منقول عن أبي علي الفارسي.\n_________\n(١) \"البسيط\" [الفاتحة: ٤].\n(٢) انظر: \"تهذيب اللغة\" \"دان\" ١٤/ ١٨٢.\n(٣) \"البسيط\" [البقرة: ٩].\n(٤) انظر: \"تهذيب اللغة\" \"خدْع\" ١/ ١٥٩.\n(٥) انظر: \"الحجة\" لابن علي ٢/ ٩٢.\n(٦) انظر: \"الواحدي ومنهجه في التفسير\" ص ٣٢٥ - ٣٢٦.","vol":"1","page":277},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-167>المسألة الثالثة: تفسير القرآن بأقوال الصحابة والتابعين:</span>\nأعلم الناس بالتفسير بعد رسول الله -ﷺ- هم أصحابه رضوان الله عليهم، ثم التابعون، وذلك لأنهم شاهدوا أحوال التنزيل أو عاصروا من شاهدها؛ ولأنهم أعلم باللغة التي نزل بها القرآن؛، ولأنهم أعرف بأحوال من نزل فيهم القرآن؛ ولأنهم أبعد عن البدع وأسلم القرون من الضلالات.\nوقد ظهر في \"تفسير البسيط\" جليًا الاعتماد على أقوال الصحابة والتابعين في التفسير والاعتناء بها، وتقديمها على غيرها، بل صرح بذلك في مقدمة \"تفسيره\" قائلًا: \"وأبتدئ في كل آية عند التفسير بقول ابن عباس ما وجدت له نصًّا، ثم بقول من هو قدوة في هذا العلم من الصحابة وأتباعهم، مع التوفيق بين قولهم ولفظ الآية\".\n\nويمكن إجمال منهجه في هذا الباب في النقاط التالية:\nأولًا: يفصل في ذكر أسماء المفسرين من الصحابة والتابعين، وأحيانًا يجملهم تحت قوله: قال المفسرون، أو أهل التفسير.\nومن أمثلة التفصيل: ما ذكره عند قوله تعالى: ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ [البقرة: ٨١] قال الواحدي: واختلف المفسرون في معنى الخطيئة ها هنا، فقال ابن عباس والضحاك وأبو وائل وأبو العالية والربيع وابن زيد: هي الشرك يموت عليه الإنسان.\nومن أمثلة الإجمال: ما ذكره عند قوله تعالى: ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا﴾ [البقرة: ٩٠] قال: قال المفسرون: البَغْيُ هاهُنا بمعنى: الحَسَد.\n\nثانيًا: لا يذكر السند في غالب الأحيان إليهم، وقد أسند قليلًا من الآثار، وذكر طرفًا من الإسناد في مواضع، ويقتصر في الغالب على الراوي","vol":"1","page":278},{"text":"عن الصحابي أو التابعي، خصوصًا إذا رُوي عنه أكثر من قول في الآية.\nومن أمثلة ذلك: ما ذكره عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٦٣] فقال: وأما التفسير: فقال ابن عباس في رواية الكلبي: قالت كفار قريش: يا محمد صف وانسب لنا ربك. فأنزل الله تعالى سورة الإخلاص، وهذه الآية.\nوقال جويبر (١)، عن الضحاك، عن ابن عباس: كان للمشركين ثلاثمائة وستون صنمًا، يعبدونها من دون الله، فبين الله سبحانه لهم أنه واحد، فأنزل هذه.\n\nثالثًا: تنوّع طريقته في عرض الأقوال وذكر القائلين بها، فتارة يذكر كل قول على حدة، ومن أمثلة ذلك: ما ذكره عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٥٨] فقال: وأما التفسير: فقال مجاهد: (ومن تطوع خيرًا) بالطواف بهما، وهذا على قول من لا يرى الطواف بهما فرضًا.\nوقال مقاتل والكلبي: ومن تطوع خيرًا فزاد في الطواف بعد الواجب.\nومنهم: من حمل هذا النوع على العمرة، وهو قول ابن زيد، وكان يرى العمرة غير واجبة.\nوقال الحسن: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ يعني به: الدين كله، أي: فعل غير المفترض عليه، من طواف وصلاة وزكاة وكل نوع من أنواع الطاعات. وهذا أحسن هذِه الأقاويل؛ لأن قوله (ومن تطوع خيرًا) صيغته تدل على العموم.\n_________\n(١) سبق ترجمته.","vol":"1","page":279},{"text":"وتارة يذكر القول، ثم يذكر القائلين به، دون أن يذكر ألفاظهم، أو يذكر ألفاظهم بعد ذلك. ومن أمثلة ذلك: ما ذكره عند تفسير قوله تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ [البقرة: ١٧٧] فقال: قال قتادةُ والربيع ومقاتل: عنى الله بهذه الآية: اليهود والنصارى، .. وقال ابن عباس ومجاهد والضحاك وعطاء: المراد به المؤمنون.\n\nرابعًا: يرجح بين الأقوال في بعض الأحيان كما في المثال قبل السابق عند قوله تعالى: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٥٨]. وقد يجمع بينها، ومن أمثلة ذلك: ما ذكره عند قوله تعالى: ﴿وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧] قال: أكثر المفسرين على أن المراد بهذا: الولد، أي: اطلبوا بالمباشرة ما قضى الله لكم من الولد. وقال قتادة: يعنى الرخصةَ التي كتبتُ لكم، وقال معاذ بن جبل وابن عباس في رواية أبي الجوزاء: يعني: ليلةَ القدر، وكل هذا مما تحتمله الآية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-168>المسألة الرابعة: منهجه في ذكر الإسرائيليات:</span>\nالإسرائيليات: هي الأخبار المروية عن أهل الكتاب من يهود أو نصارى، وسميت (إسرائيليات) تغليبًا، لأن أكثرها من أخبار بني إسرائيل أو من كتبهم (١).\nوقد بين الحافظ ابن كثير في مقدمة \"تفسيره\" الموقف الصحيح منها، بعد ذكره لحديث: \"بلغوا عني ولو آية، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج،\n_________\n(١) ينظر في الإسرائيليات: \"التفسير والمفسرون\" للذهبي ١/ ١٦٥ و\"الإسرائيليات والموضوعات في كتب التفسير\" للدكتور محمد أبو شهبة ص ٢١، و\"الإسرائيليات\" للدكتور: رمزي نعناعة ص ٧١.","vol":"1","page":280},{"text":"ومن كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار\" (١) فقال -﵀-: ولكن هذه الأحاديث الإسرائيلية تذكر للاستشهاد، لا للاعتضاد، فإنها على ثلاثة أقسام:\nأحدها: ما علمنا صحته مما بأيدينا مما يشهد له بالصدق فذاك صحيح.\nوالثاني: ما علمنا كذبه بما عندنا مما يخالفه.\nوالثالث: ما هو مسكوت عنه، لا من هذا القبيل ولا من هذا القبيل، فلا نؤمن به ولا نكذبه، وتجوز حكايته لما تقدم، وغالب ذلك مما لا فائدة فيه تعود إلى أمر ديني، ولهذا يختلف علماء أهل الكتاب في مثل هذا كثيرًا، ويأتي عن المفسرين خلاف بسبب ذلك (٢).\nوقال في موطن آخر -بعد ذكره لبعض أخبارهم-: وعندي أن هذا وأمثاله وأشباهه من اختلاق بعض زنادقتهم، يلبسون به على الناس أمر دينهم، كما افتُري في هذه الأمة -مع جلالة قدر علمائها وحفاظها وأئمتها- أحاديثُ عن النبي -ﷺ- وما بالعهد من قدم، فكيف بأمة بني إسرائيل، مع طول المدى، وقلة الحفاظ النقاد فيهم، وشربهم الخمور، وتحريف علمائهم الكلم عن مواضعه، وتبديل كتب الله وآياته، وإنما أباح الشارع الرواية عنهم في قوله: \"وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج\" فيما قد يجوزه العقل، فأما ما تحيله العقول، ويحكم فيه بالبطلان، ويغلب على الظنون كذبه فليس من هذا القبيل (٣).\n_________\n(١) رواه البخاري في أحاديث الأنبياء، باب: ما ذكر عن بني إسرائيل برقم (٣٤٦١).\n(٢) \"تفسير ابن كثير\" ص ١٢.\n(٣) \"تفسير ابن كثير\" ص ١٦٠٩.","vol":"1","page":281},{"text":"ويقول الشيخ أحمد محمد شاكر (١) معلقًا على كلام ابن كثير: إن إباحة التحدث عنهم فيما ليس عندنا دليل على صدقه ولا كذبه شيء، وذكر ذلك في تفسير القرآن، وجعله قولًا أو رواية في معنى الآيات، أو في تعيين ما لم يعين فيها، أو في تفصيل ما أجمل فيها شيء آخر، لأن في إثبات مثل ذلك بجوار كلام الله ما يوهم أن هذا الذي لا نعرف صدقه ولا كذبه مبين لمعنى قول الله سبحانه، ومفصل لما أجمل، وحاشا لله ولكتابه من ذلك (٢).\nلقد وعد الواحدي ﵀ في مقدمة كتابه باجتناب مثل ذلك فقال: فأما الأقوال الفاسدة، والتفسير المرذول الذي لا يحتمله اللفظ، ولا تساعده العبارة فمما لم أعبأ به، ولم أضيع الوقت بذكره (٣).\nولكنه ﵀ وقع فيما وعد بتركه، وضيّع الوقت -﵀- بذكره، وتابع بعض من سبقه وفي مقدمتهم شيخه الثعلبي، الذي ملأ كتابه من تلك المرويات والقصص التي لا زمام لها ولا خطام، ولا ينتفع بها في فهم القرآن، ولا فائدة فيها تعود إلى أمر ديني، كما أسلف ابن كثير، دون تنبيه من الواحدي أو تعليق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-169>ومن أمثلة ذلك:</span>\n١ - ما ذكره من الإسرائيليات في كيفية وسوسة إبليس لآدم وهو في\n_________\n(١) أحمد بن محمد شاكر بن أحمد بن عبد القادر، أزهري محدث مفسر قاض، ولد سنة ١٣٠٩ هـ بالقاهرة، من أكبر محققي التراث، حقق \"مسند الإمام أحمد\" و\"سنن الترمذي\" و\"تفسير الطبري\" ولم يتم شيئًا منها، وحقق \"الرسالة\" للشافعي واختصر \"تفسير ابن كثير\" ولم يتمه، قال الزركلي: ولم يخلف مثله في علم الحديث بمصر. ينظر: \"الأعلام\" ١/ ٢٥٣ و\"معجم المؤلفين\" ١٣/ ٣٦٨.\n(٢) \"عمدة التفسير\" ١/ ١٥.\n(٣) انظر: مقدمة المؤلف.","vol":"1","page":282},{"text":"الجنة.\n٢ - القصة الطويلة التي ذكرها عند قوله تعالى: ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ﴾ [البقرة: ٢٤٨]\nقال ﵀: (وقال لهم نبيهم إنَّ آيةَ ملكه أن يأتيكم التابوت) الآية: قال أصحاب الأخبار: إن الله تعالى أنزل على آدم تابوتًا فيه صور الأنبياء من أولاده، فتوارثه أولاد آدم إلى أن وصل إلى يعقوب، فكان في بني إسرائيل، وكانوا إذا اختلفوا في شيء تكَلَّم وحكم بينهم، وإذا حضروا القتال قدموه بين أيديهم يستفتحون به على عدوهم، وكانت الملائكة تحمله فوق العسكر وهم يقاتلون العدو، فإذا سمعوا من التابوت صيحة استيقنوا النصرة، فلما عصوا وفسدوا سلط الله عليهم العَمَالقة، فغلبوهم على التابوت، وسلبوه فلما سألوا نبيهم البينة على ملك طالوت دعا النبي ربه، فنزل بالقوم الذين غلبوا بني إسرائيل على التابوت داء بسببه، وذلك أنهم كانوا قد أخذوا التابوت فجعلوه في موضع غائطهم وبولهم، وكل من بال عنده أو تغوط ابتلاه الله بالبواسير، حتى تنبهوا أن ذلك لاستخفافهم بالتابوت، فأخرجوه ووضعوه على ثورين، فأقبل الثوران يسيران، ووكل الله بهما أربعة من الملائكة يسوقونهما، حتى أتوا به منزل طالوت، فلما رأوا التابوتَ عند طالوت، علموا أن ذلك أمارة ملكه عليهم، فذلك قوله: ﴿إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ﴾ الآية (١) .. إلى آخر ما ذكره.\n_________\n(١) تنظر القصة بطولها في: \"تفسير الطبري\" ٥/ ٣١٨، و\"تاريخ الأمم والملوك\" ١/ ٤٦٩، و\"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٣٥٨ - ١٣٦٢، و\"تفسير البغوي\" ١/ ٢٩٨ - ٢٩٩، و\"البحر المحيط\" ٢/ ٢٦١.","vol":"1","page":283},{"text":"وقد وجدت بالتتبع أنه ينقل ذلك كله من تفسير شيخه مع الاختصار والتصرف. بيد أنه -﵀- لا يعلق على ذلك بما يدل على الإنكار أو المخالفة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-170>المسألة الخامسة منهجه في عرض القراءات:</span>\nذِكْرُ القراءات والاحتجاج لها البواعث الرئيسة للواحدي لتأليف هذا التفسير حيث يقول في مقدمته: \"فمنذ دهر تحدثني نفسي بأن أعلق لمعاني إعراب القرآن وتفسيره فِقَرًا في الكشف عن غوامض معانيه، ونكتًا في الإشارة إلى علل القراءات فيه في ورقات يصغر حجمها ويكثر غنمها ... \".\nفجعل الإشارة إلى علل القراءات هدفًا هامًا يقابل الكشف عن غوامض التنزيل. فلا غرو أن نرى الواحدي يتوسع في بحث القراءات في تفسيره حتى تأخذ حيزًا كبيرًا وخصوصًا في مجال الاحتجاج لها.\nوقد ذكر الواحدي منهجه في عرض القراءات وتوجيهها في المقدمة فقال: \"وذكرت وجوه القراءات السبع التي اجتمع عليها أهل الأمصار، دون تسمية القراء واعتمدت في أكثرها على كتاب أبي علي الحسن بن أحمد الفارسي، الذي رواه لنا سعيد بن محمد الحيري عنه\". فهذا المنهج الذي ذكره يقوم على:\n١ - أنه اعتمد ذكر علل القراءات، وليس الهدف ذكر القراءات نفسها.\n٢ - أنه يذكر القراءات السبع دون غيرها.\n٣ - أنه لا يسمي القراء.\n٤ - اعتمد في أكثر ما ذكر على كتاب \"الحجة\" لأبي علي الفارسي،\nهذا منهجه في القراءات حسب ما ذكره في مقدمة كتابه. فلندرس هذا المنهج لنرى مدى التزامه به.","vol":"1","page":284},{"text":"فأقول: بالنسبة للأمر الأول، وهو أنه اعتمد ذكر علل القراءات، فإنه التزم ذلك غالبًا، والقارئ لكتاب \"البسيط\" يلحظ في كلامه على القراءات أنه يعتمد كثيرًا ذكر علل القراءات وتوجيهها أكثر مما يعتمد ذكر القراءات نفسها، بل قد أطال في هذا الجانب إلى حد يعتبر خروجًا عن القدر اللازم في كتاب \"التفسير\".\nلقد ألف أبو علي الفارسي كتابًا مستقلًا للاحتجاج للقراءات وذكر فيه من وجوه اللغة والنحو والتصريف ما عده المتخصصون خروجًا عن القدر اللازم، ومما أضفى على الكتاب شيئًا من صعوبة العبارة والغموض، قال أبو الفتح بن جني -تلميذ أبي علي الفارسي-: وقد كان شيخنا أبو علي عمل كتاب \"الحجة في قراءة السبعة\" فأغمضه وأطال حتى منع كثيرًا -ممن يدعي العربية فضلًا عن القَرَاءة- منه وأجفاهم عنه (١).\nهذا مع أن كتاب أبي علي مؤلَّف أصلًا للاحتجاج للقراءات. فما الظن بكتاب تفسير ينقل فيه تلك المباحث الطويلة. ليت الواحدي -مع قدرته البارعة على انتقاء النصوص وحسن سبكها- اختصر تلك المباحث بعبارة أكثر إيجازًا حتى يفيد القارئ، ويخرج به عن الملالة كما شرط ذلك على نفسه في مقدمة كتابه.\nإذًا فجانب توجيه القراءات في كتاب \"البسيط\" قد توسع فيه الواحدي وأطال كثيرًا واعتمد في أغلبها، إن لم يكن في كلها على كتاب \"الحجة\" لأبي علي الفارسي، فما يقال عن كتاب \"الحجة\" لأبي علي الفارسي يسري على كتاب \"البسيط\" في مجال توجيه القراءات.\n_________\n(١) \"المحتسب\" ١/ ٢٣٦.","vol":"1","page":285},{"text":"وقد تعرض د/ جودة محمد محمد المهدي في كتابه \"الواحدي ومنهجه في التفسير\" لتوجيه القراءات عند الواحدي، ووصفه بأنه من فرسان حلبة توجيه القراءات، ونعى على العلماء الذين كتبوا في هذا أنهم لم يعدوا الواحدي مع الجهابذة كالفارسي ومكي (١).\nوقد اختار نصًّا طويلًا من \"البسيط\" حول توجيهه القراءات، واستنتج منه منهج الواحدي في توجيه القراءات وبنى عليه مقالته السابقة. ولم يرجع ذلك النص لمصدره وهو الحجة ليعرف أن الواحدي نقله بنصه، والواحدي صرح في مقدمة كتابه انه أعتمد في مجال القراءات على \"الحجة\"، ولو أجرى د/ جودة دراسة توثيقية للنصوص التي بنا عليها دراسته لمنهج الواحدي في القراءات أو في غيرها لكان له رأي آخر.\nإن المشكلة أن بعض الدارسين لمناهج العلماء يقوم بنقل نص العالم الذي يقوم بدراسة منهجه، ويجري الدراسة على ذلك النص قبل أن يسبق ذلك بدراسة توثيقية، ليعرف أن تلك الأفكار لذلك العالم بالأصالة أم هو ناقل بالمعنى أو ناقل بالنص كما هو الحال مع الواحدي؟\nإن غالب كلام الواحدي في مجال الاحتجاج للقراءات منقول بنصه من \"الحجة\" لأبي علي. فهل تصح بعد ذلك تلك الصفة التي أطلقها د/ جودة علي الواحدي؟.\nأعود فأذكر أمثلة توضح أن الواحدي اعتمد ذكر توجيه القراءات أكثر مما اعتمد ذكر القراءات نفسها كما توضح الأمثلة مدى إطالته في هذا (٢).\n_________\n(١) انظر كتاب \"الواحدي، ومنهجه في التفسير\" ص ٢٩٦.\n(٢) أكتفي هنا بالإشارة إلى الآية لطول الكلام، ويمكن للقارئ أن يرجع إلى النص ويرى المقارنة بين كلام أبي علي والواحدي، كما هو مثبت في الحواشي.","vol":"1","page":286},{"text":"منها ما ذكره عند تفسير قوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤] ذكر القراءات في \"مالك\" ثم دخل في ذكر الاحتجاجِ لكل قراءة بما يطول ذكره.\nومثال آخر عند تفسير قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: ٣] ذكر إن في \"يؤمنون\" قراءتين، ثم دخل في احتجاج طويل لكل قراءة.\nكذلك عند تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ﴾ [البقرة: ٦] ذكر أن في \"أأنذرتهم\" وجهين في القراءة ثم دخل في ذكر الاحتجاج لكل وجه بما يطول ذكره هنا.\nالأمر الثاني: الذي ذكره الواحدي في منهجه في القراءات هو أنه يعتمد ذكر القراءات السبع دون غيرها.\nاعتمد هذا الأمر في الغالب، حيث إنه عول كثيرًا على كتاب \"الحجة\" لأبي علي الفارسي، وأبو علي الفارسي اعتمد في كتابه ذكر القراءات السبع التي ذكرها ابن مجاهد في كتابه \"السبعة\" لذلك كان ما أخذه الواحدي عن \"الحجة\" مقتصرًا على القراءات السبع، وهو أغلب ما ذكره في مجال القراءات في \"البسيط\"، على أنه ذكر قراءات غير سبعية أيضًا، وهي في أغلبها قراءات شاذة مما يذكره اللغويون في كتبهم، وربما كان فيها قراءة عشرية، ومصدره فيها -غالبًا- \"معاني القرآن\" للفراء، و\"معاني القرآن\" للزجاج، وربما أخذ من غيرهما.\nفمن المواضع التي اعتمد عليها غير \"الحجة\" في ذكر القراءات، ما ذكره عند تفسير قوله تعالى: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠] قال: والأجود في نعمتي فتح الياء، وكل \"ياء\" كانت من","vol":"1","page":287},{"text":"المتكلم ففيها لغتان الإرسال والفتح. فإذا لقيها ألف ولام اختارت العرب اللغة التي حركت فيها الياء وكرهوا الأخرى ..\nوقال: وقال الزجاج: اختير فتح الياء مع اللام لالتقاء الساكنين ويجوز أن تحذف الياء في اللفظ لالتقاء الساكنين والاختيار الفتح ....\nففي النص الأول ينقل عن الفراء بدون عزو، ثم ينقل عن الزجاج والكلام عن القراءات في \"ياءات الإضافة\" وهذه الطريقة في عرض القراءات ليست طريقة أئمة القراء في كتبهم، وإنما هي طريقة اللغويين ومن سار على نهجهم فهم يذكرون القراءات المتواترة وغيرها ويتكلمون عنها من الناحية اللغوية والنحوية، ولا ينظرون للسند. فانظر إلى قوله: الأجود في نعمتي فتح الياء .. بينما أجمع القراء العشرة على فتح \"الياء\" في قوله: ﴿نِعْمَتِيَ الَّتِي﴾ في مواضعها الثلاثة في البقرة، وقرأ بتسكينها الحسن (١) وابن محيصن فهي قراءة شاذة عند علماء أهل الفن.\nومثال آخر لقراءة شاذة نقلها الفراء في قوله تعالى: ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا﴾ [البقرة: ٦٩] قال: اللون: مرفوع لأنك لم ترد أن تجعل \"ما\" صلة فتقول: يبين لنا لونها، وقد قرئ بها شاذًا وهو صواب ..\nفالقراءة الثابتة بالرفع، والقراءة بالنصب شاذة من ناحية سندها، ونجد الفراء ذهب إلى تصويبها من ناحية قواعد اللغة، وتبعه الواحدي على ذلك، ولعل مرادهم لو ثبتت القراءة بها.\n_________\n(١) انظر: \"النشر\" ٢/ ١٦٢، و\"القراءات الشاذة\" للقاضي ص ٢٣، وانظر: \"حاشية البسيط\" في الموضع المذكور.","vol":"1","page":288},{"text":"الأمر الثالث: الذي ذكره الواحدي في منهجه في القراءات هو عدم تسمية القراء فهل التزم الواحدي هذا المنهج؟ الواقع أن الواحدي لم يلتزم نلك، فانه يسمي القراء أحيانًا وأحيانًا لا يسميهم. ولإيضاح هذا الأمر نعود إلى كتاب \"الحجة\" لأبي علي الفارسي، الذي اعتمد عليه الواحدي كثيرًا في ذكر القراءات والاحتجاج لها، حيث ذكر أبو علي منهجه في مقدمة كتابه، وقال: إنه يذكر أولًا ما ذكره ابن مجاهد في كتابه \"السبعة\" ثم يتبعه بالاحتجاج (١) لها، وابن مجاهد قد سمى صاحب القراء عند ذكر قراءتهم، وأبو علي تبعه على ذلك، وعند الاحتجاج قد يسمي صاحب القراءة، وقد لا يسميه اكتفاء بما ذكره أولًا، والواحدي نقل عن أبي علي في مجال الاحتجاج دون ذكر القراءات التي أخذها أبو علي من كلام ابن مجاهد، ولهذا تبعه الواحدي في تسمية القراء وعدم تسميتهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-171>وأذكر بعض الأمثلة التي توضح ذلك:</span>\nعند تفسير قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة: ٣] ذكر القراءات في \"يؤمنون\" فقال: وفي قوله ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ قراءتان تحقيق الهمزة وتليينها فمن حقق فحجته .. فلم يسم القراء، كذلك أبو علي في الحجة قال: فأما حجة من قرأ ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ بتحقيق الهمزة .. الخ (٢) فلم يسم اكتفاء بما ذكره أولًا (٣).\nومن الأمثلة على تسميته للقراء: عند تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ\n_________\n(١) انظر: مقدمة \"الحجة\" ١/ ٦.\n(٢) \"الحجة\" ١/ ٢٣٨.\n(٣) انظر: \"الحجة\" ١/ ٢١٤.","vol":"1","page":289},{"text":"كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٦] ذكر القراءات في ﴿أَأَنْذَرْتَهُمْ﴾ ومنه قوله: وأما أبو عمرو فكان يلين الثانية ويجعل بينهما مدة ..، وتبع في ذلك أبا علي حيث قال: وحجة من فصل بين الهمزتين بألف وخفف الهمزة الثانية مع الفصل بينهما بألف، وهو الثبت عن أبي عمرو عندنا .. (١).\nومثال آخر عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٩] ذكر القراءات في قوله تعالى: ﴿هُوَ﴾ ومما قاله: كان أبو عمرو والكسائي يخففان ﴿وَهُوَ﴾ \"فهو\" ويسكنان الهاء مع الواو والفاء واللام .. \" (٢).\nومثال آخر عند تفسيره قوله تعال: ﴿قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠] ذكر القراءات في إني ومنه قوله: \"وفتح أبو عمرو وابن كثير \"الياء\" في قوله ﴿إِنِّي أَعْلَمُ﴾ [البقرة: ٣٠] ﴿وَإِنِّي أَرَى﴾ [الأنفال: ٤٨، يوسف: ٤٣، الصافات: ١٠٢] عند الهمزة المفتوحة، وزاد أبو عمرو عند الهمزة المكسورة مثل: ﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ﴾ [يونس: ٧٢، هود: ٢٩، سبأ: ٤٧] وزاد نافع عند المضمومة مثل: ﴿عَذَابِي أُصِيبُ﴾ [الأعراف: ١٥٦] ﴿فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ﴾ [المائدة: ١١٥]، ﴿إِنِّي أُرِيدُ﴾ [المائدة: ٢٩، القصص: ٢٧] .. \" (٣).\nالأمر الرابع: في منهج الواحدي في القراءات قوله: \"واعتمدت في أكثرها على كتاب أبي علي الحسن بن أحمد الفارسي الذي رواه لنا سعيد بن محمد الحيري عنه\" هذا أمر واضح في كتابه، حيث اعتمد على كتاب\n_________\n(١) \"الحجة\" ١/ ٢٨٤، ٢٨٥.\n(٢) \"البسيط\" ص ٦٧٧.\n(٣) \"البسيط\" ص ٧٠٩.","vol":"1","page":290},{"text":"أبي علي في أغلب ما ذكر في مجال القراءات سوى نزر يسير أخذه عن طريق الفراء أو الزجاج أو غيرهما.\nوالواحدي يأخذ من كتاب أبي علي بالنص، وربما تصرف في عبارته وقد يعزو له، والغالب أنه ينقل عنه بدون عزو، ولعله اكتفى بهذه الإحالة في المقدمة. وسبق ذكر ذلك عند الحديث عن مصادره.\nوخلاصة القول في منهج الواحدي في القراءات: أنه اعتمد ذكر القراءات السبع في الغالب، وربما ذكر غيرها على طريقة اللغويين والنحويين، وبذل جهده في الاحتجاج للقراءات أكثر من تقرير القراءات، وأنه قد يسمي القراء وقد لا يسميهم فلم يلتزم ما ذكره في مقدمته، وكان كتاب \"الحجة\" لأبي علي الفارسي المصدر الرئيس في هذا المجال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-172>المسألة السادسة: منهجه في علوم القرآن:</span>\nكان الواحدي أستاذ عصره في التفسير، كذا قال عنه العلماء الذين ترجموا له (١)، ولم يصل إل تلك المكانة إلى لأنه كان متأهلًا لذلك، بمعرفة العلوم التي تعينه على كشف غوامض التنزيل، ومن أهمها علوم القرآن الكريم، وأنواع علوم القرآن كثيرة واسعة، وكان للواحدي مشاركة فوية في هذا المجال، حيث صنف في ذلك كتبًا كثيرة منها ما وصل إلينا \"أسباب النزول\" ومنها كتب لم تصل إلينا مثل: \"مختصر فضائل القرآن\" و\"نفي التحريف عن القرآن الشريف\". وبجانب هذه الكتب كانت له آراء في علوم القرآن ضمنها كتابه \"البسيط\" وهي كثيرة منها:\n_________\n(١) انظر: \"معجم الأدباء\" ١٢/ ٢٥٨، و\"وفيات الأعيان\" ٣/ ٣٠٣، و\"إنباه الرواة\" ٢/ ٢٢٣.","vol":"1","page":291},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-173>١ - في أسباب النزول:</span>\nهذا أكثر ميادين علوم القرآن التي شارك فيها الإمام الواحدي، حيث أخرج فيه مؤلفا مستقلا يعتبر من أول ما كتب في ذلك، وقد نال الشهرة حتى عد أبرز ما كتب في هذا الفن، وكان لهذا أثره الواضح على مؤلفاته في التفسير، ومنها \"تفسير البسيط\" حيث أعطى هذا الجانب عناية جيدة، فنراه يذكر سبب نزول الآية -عند تعرضه لتفسيرها- إن وجد لها سببا للنزول.\nمثال ذلك عند تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٦] قال: قال ابن عباس نزلت هذه الآية في اليهود الذين كانوا بنواحي المدينة على عهد رسول الله -ﷺ- ... وقال الضحاك: نزلت في أبي جهل وخمسة من أهل بيته، وقال الربيع: نزلت في قادة الأحزاب يوم بدر ....\nومثال آخر عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٢١٩] قال: \"نزلت في سؤال عمرو بن الجموح .. \" (١).\nوعند تفسير قوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] قال: قال أهل التفسير: أتت امرأة عائشة فشكت أن زوجها يطلقها ويسترجعها يضارها بذلك، وكان الرجل في الجاهلية إذا طلق امرأته ثم راجعها قبل أن تنقضي عدتها كان له ذلك، وإن طلقها ألف مرة فذكرت ذلك عائشة لرسول الله - ﷺ - فنزلت .. (٢).\n_________\n(١) \"البسيط\" ١/ ل ١٣٣، من النسخة الأزهرية.\n(٢) \"البسيط\" ١/ ل ١٣٩، من النسخة الأزهرية.","vol":"1","page":292},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-174>٢ - الوقف والابتداء:</span>\nأحد علوم القرآن الهامة وبه يعرف كيف أداء القرآن، وبه تتضح معاني الآيات (١). قال الزركشي: \"وهذا الفن معرفته تحتاج إلى علوم كثيرة، قال أبو بكر ابن مجاهد: لا يقوم بالتمام في الوقف إلا نحوي عالم بالقراءات، عالم بالتفسير والقصص، وتلخيص بعضها من بعض، عالم باللغة التي نزل بها القرآن .. (٢). كان للواحدي عناية بهذا العلم يظهر ذلك من خلال تفسيره \"البسيط\" حيث يذكر الوقف في مواضع من كتابه، من ذلك عند تفسير قوله تعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾ [البقرة: ٧] فبعد أن فسر قوله (وعلى سمعهم) قال: وتم الكلام هاهنا، ثم قال: \"وعلى أبصارهم غشاوة\" .. (٣).\nوعند تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ﴾ الآية [البقرة: ٧١] قال ناقلًا عن ابن الأنباري: قال ابن الأنباري: غلط أبو حاتم في هذا؛ لأنه قال: الوقف جيد على قوله ﴿ذَلُولٌ﴾ ثم يبتدأ بـ ﴿تُثِيرُ الأرَضَ﴾ وقال: إن الله وصف هذه البقرة بما لا يعرفه الناس وصفا لغيرها من البقر، فجعلها تثير الأرض ولا تسقي الحرث على خلاف ما نشاهده من بقرنا. وقد أبطل الفراء وغيره من كبار النحويين هذا الوقف ..\nوفي سورة \"يونس\" عند تفسير قوله تعال: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ﴾ [يونس: ٢] قال: .. تم الكلام عند قوله ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ ثم ابتدأ فقال: ﴿قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ\n_________\n(١) انظر: \"البرهان\" ١/ ٣٤٢.\n(٢) \"البرهان\" ١/ ٣٤٣.\n(٣) \"البسيط\" ص ٤٨٥.","vol":"1","page":293},{"text":"هَذَا﴾ ... (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-175>٣ - الناسخ والمنسوخ:</span>\nوهو من العلوم الهامة للمفسر، \"قال الأئمة لا يجوز لأحد أن يفسر كتاب الله إلى بعد أن يعرف منه الناسخ والمنسوخ\" (٢). وقد أعطى الواحدي هذا الفن عناية خاصة في تفسيره \"البسيط\" تكلم عنه بإفاضة فذكر تعريفه وأنواعه والخلاف في بعضها، وكأنه يتكلم في كتاب خاص بعلوم القرآن، وذلك عند تفسير قوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦] عرض أولًا لتعريف النسخ في اللغة والاصطلاح ناقلًا عن الأئمة فقال: \"قال الزجاج: النسخ في اللغة: إبطال شيء وإقامة آخر مقامه، والعرب تقول نسخت الشمس الظل. والمعنى: أذهبت الظل وحلت محله، وقال غيره: تناسخ الأزمنة والقرن بعد القرن هو مضي الأول ومجيء الثاني بعده يخلفه في محله ... ثم قال ويجوز النسخ إلى بدل وإلى غير بدل ... \" وفصَّل في ذلك، ثم ذكر أنواع النسخ في القرآن فقال: .. ثم النسخ في القرآن على ضروب: منها ما يكون حكمه مرفوعًا وخطه مثبت .. (٣)، وذكر الأنواع وضرب الأمثال لها، ثم ذكر حكم الفرق بين النسخ والترك، ثم ذكر الخلاف في نسخ القرآن بالسنة (٤).\nولا يكتفي بهذا البسط لمباحث النسخ، بل يأخذ في التطبيق العملي، فلا يمر بتفسير آية ناسخة أو منسوخة ألا يقف عندها ويذكر ما قيل فيها، مثال\n_________\n(١) \"البسيط\" ٣/ ل ٢، من النسخة الأزهرية.\n(٢) \"البرهان\" ٢/ ٢٩.\n(٣) \"البسيط\" ١/ ل ٧٨.\n(٤) انظر: \"البسيط\" ١/ ل ٧٨.","vol":"1","page":294},{"text":"ذلك ما ذكره عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ الآية [البقرة: ٢٤٠] تكلم عن سبب نزول الآية، ثم ذكر عدة المتوفى عنها في أول الإسلام، وهو ما ذكر في هذه الآية، وقال: .. ثم ورد النسخ على هذه الآية من وجهين: أحدهما: أن العدة صارت مقدرة بأربعة أشهر وعشر، وقد تقدمت الآية (١) الناسخة، والوجه الثاني: أن الميراث ثبت لها وسقطت نفقة العدة .. (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-176>٤ - الربط بين الآيات:</span>\nوهو أحد أنواع علوم القران، قال الزركشي: \"وهذا النوع يهمله بعض المفسرين أو كثير منهم وفوائده غزيرة\" (٣)، ثم نقل عن عز الدين بن عبد السلام قوله: .. ولكن يشترط في حسن ارتباط الكلام أن يقع في أمر متحد مرتبط أوله بآخره، فإن وقع على أسباب مختلفة لم يشترط فيه ارتباط أحدهما بالآخر. قال: ومن ربط ذلك فهو متكلف بما لا يقدر عليه إلا برباط ركيك .. (٤).\nوقد أورد الواحدي هذا النوع في تفسيره حيث يذكر الارتباط بين الآيات ولا يتكلف ذلك بل يذكره بين الآيات التي يوجد بينها تناسب من وجهه.\nمثال ذلك عند تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ\n_________\n(١) وهي قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤].\n(٢) \"البسيط\" ١/ ل ١٤٧، النسخة الأزهرية.\n(٣) \"البرهان\" ١/ ٣٦.\n(٤) \"البرهان\" ١/ ٣٧.","vol":"1","page":295},{"text":"أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٦)﴾ [البقرة: ٦] ربط الآية بما بعدها فقال: .. ثم ذكر الله تعالى سبب تركهم الإيمان فقال: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ ...﴾ الآية ..\nومثال آخر: ذكر فيه الارتباط بين قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ الآية [البقرة: ٢٣] وبين ما قبلها من الآيات وهي قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ٢١] وكذا الآية بعدها. فقال: \"قال المفسرون: ومعنى الآية أن الله تعالى لما احتج عليهم في إثبات توحيده احتج عليهم - أيضًا- في إثبات نبوة محمد -ﷺ- بما قطع عذرهم فقال: وإن كنتم في شك من صدق هذا الكتاب الذي أنزلناه على محمد ﵊ وقلتم لا ندري هل هو من عند الله أم لا فأتوا بسورة من مثله ....\nمن هذه الأمثلة نلحظ كيف يورد الربط في ثنايا التفسير بدون تكلف ولا يعنون له بقوله: ارتباط الآية أو نحو ذلك، فيأتي سلسًا لا تمحل فيه.\nهذه بعض علوم القرآن التي وردت في تفسير \"البسيط\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-177>المسألة السابعة: منهجه في تقرير مسائل العقيدة، والرد على الفرق:</span>\nدرس الواحدي العقيدة على أصول الأشعرية، حيث نشأ في بيئة نيسابور التي يسود فيها معتقد الأشعري (١)، لذا فهو أشعري المعتقد، وعلى هذا النهج سار في تقرير مسائل العقيدة في تفسيره \"البسيط\" بل كان من المنافحين عن أصول الأشعرية. ومن المعلوم أن منهجهم كسائر المتكلمين يقوم على تقرير العقيدة على أسس عقلية. وهذا النهج غير مرضي عند علماء\n_________\n(١) انظر: مبحث عقيدته من هذِه الدراسة.","vol":"1","page":296},{"text":"السلف، الذين رأوا أن الطريقة الصحيحة في تقرير العقيدة الأخذ بما كان عليه رسول الله -ﷺ- وصحابته من بعده، والتابعون لهم بإحسان، وذلك باتباع النص وعدم الدخول في طرق كلامية، وإن اضطر بعض المتأخرين منهم لاستعمال الجدل العقلي للرد على المخالفين، لا في تقرير أصول العقيدة (١).\nوقد سبق أن ذكرت بعض الأمثلة من تفسير الواحدي \"البسيط\" للتدليل على مذهبه العقائدي (٢)، وأذكر هنا أمثلة أخرى تؤكد هذِه الحقيقة وتوضح بجلاء كيف استعمل الطرق الكلامية في تقرير العقيدة في تفسيره.\nمن ذلك أنه عندما تعرض في تفسير البسملة للاسم هل هو المسمى أو غيره، فذكر الأقوال في ذلك ثم قال: ... والثاني -وهو الصحيح-: أن الاسم هو المسمى، كقوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [النساء: ٥٩] فلو كان الاسم غير المسمى وجب أن يكون المأمور بطاعته غير الله وغير الرسول ..\nوما قرره ورجحه في هذه المسألة هو قول الأشاعرة فيها، والصواب ما قرره علماء السلف من أنه لا يقال: الاسم هو المسمى ولا غيره على الإطلاق، وإنما يكون الاسم هو المسمى تارة، وقد يراد به اللفظ الدال عليه تارة أخرى.\nومثال آخر في مسألة \"الإيمان\" قرر أن معنى الإيمان: هو التصديق فقال: .. والقول في معنى الإيمان ما قاله الأزهري ... (٣)، إذا عدنا إلى ما\n_________\n(١) انظر: ما كتبه ابن أبي العز في \"شرح العقيدة الطحاوية\" ص ٢٢٢ - ٢٢٣.\n(٢) انظر: مبحث عقيدته من هذِه الدراسة.\n(٣) \"البسيط\" ص ٤٢٩.","vol":"1","page":297},{"text":"نقله الواحدي عن الأزهري وجدناه يقول: قال الأزهري: اتفق العلماء أن \"الإيمان\" معناه: التصديق كقوله: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ [يوسف: ١٧] أي بمصدق ... (١) والقول: إن الإيمان مجرد التصديق هو المشهور عند الأشاعرة، ولهم قول آخر كقول السلف وهو: أن الإيمان قول وعمل (٢). فأخذ الواحدي في هذه المسألة بمشهور قول الأشاعرة فيها.\nومثال آخر في حقيقة التوحيد ومعنى الوحدانية لله، قرر هذه المسألة على طريقة المتكلمين من الأشاعرة فيقول: \"وقال أصحابنا حقيقة الواحد في وصف الباري سبحانه أنه واحد لا قسيم له في ذاته، ولا بعض له في وجوده بخلاف الجملة الحاملة التي يطلق عليها لفظ الواحد مجازًا كقولهم: دار واحدة وشخص واحد، ولهذا قال أصحابنا: التوحيد هو نفي الشرك والقسيم والشريك والشبيه فالله -﷾- واحد في أفعاله لا شريك له يشاركه في إثبات المصنوعات وواحد في ذاته لا قسيم له، وواحد في صفاته لا يشبه الخلق فيها ... (٣).\nفهذِه الأنواع التي أثبتوها في معنى التوحيد فيها ألفاظ مبهمة محتملة، ولو كان كل ذلك حقًا، فالإقرار به لم يخرج المشركين من دائرة الشرك التي وصفهم الله بها، ولابد من الإقرار بتوحيد الإلهية (٤).\nفي باب صفات الله سلك فيها كذلك مسلك الأشعرية؛ حيث يؤول\n_________\n(١) \"البسيط\" ص ٤٢٧.\n(٢) ذكره ابن تيمية في \"الإيمان الأوسط\" ص ٥١.\n(٣) \"البسيط\" ١/ ١٠٠، من \"النسخة الأزهرية\".\n(٤) انظر: \"رد ابن تيمية في الرسالة التدمرية\" ص ١٧٩ - ١٨٥. وانظر: ص ٥٤ - ٥٥ من هذه الدراسة حيث سبق ذكر للواحدي ونقل بعض كلام ابن تيمية في الرد عليه.","vol":"1","page":298},{"text":"جميع الصفات التي وردت في القرآن الكريم، عدا الصفات السبع التي يثبتها الأشاعرة؛ لأن العقل دل عليها كما يقولون (١). وسبق ذكر أمثلة لهذا عند ذكر عقيدته، فلا داعي للإطالة بذكر أمثلة أخرى، وهي مسألة واضحة. هذا في جانب تقرير العقيدة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-178>الرد على الفرق:</span>\nأما بالنسبة للرد على الفرق، فكان للواحدي في ذلك اليد الطولي، خصوصًا المعتزلة والقدرية الذين كانت لهم صولة وجولة في تلك الحقب التي عاشها الواحدي.\nوقف الواحدي في وجوههم يقابل الحجة بالحجة، ويقوم بالرد عليهم في كل موضع يكون محل شبهة لهم؛ حيث يستدلون بالنص القرآني على تقرير عقائدهم ومبادئهم.\nمن أمثلة عند تفسير قوله تعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [البقرة: ٧] ذكر المعنى المراد بختم الله على قلوب الكفار، ثم قال: ... فأما قول من قال معنى ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ حكم الله بكفرهم فغير صحيح؛ لأن أحدنا يحكم بكفر الكافر، ولا يقال ختم على قلبه، والقول الذي رده هنا هو قول المعتزلة.\nثم يسمي القدرية ويذكر قولهم ويرد عليهم فيقول: وذهب بعض المتأولين من القدرية إلى أن معنى ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ وسمها سمة تدل على أن فيها الكفر لتعرفهم الملائكة بتلك السمة وتفرق بينهم وبين المؤمنين الذين في قلوبهم الشرع. قال: والختم والطبع واحد، وهما سمة وعلامة في\n_________\n(١) انظر: \"الرسالة التدمرية\" ص ٣٣.","vol":"1","page":299},{"text":"قلب المطبوع على قلبه.\nثم ينقض عليهم ناقضًا حجتهم معتمدًا على اللغة التي نزل بها القرآن؛ ليبين بطلان مأخذهم من اللغة فيقول: وهذا باطل؛ لأن الختم في اللغة ليس هو الإعلام، ولا يقال ختمت على الشيء بمعنى أعلمت عليه، ومن حمل الختم على الإعلام فقد تشهى على أهل اللغة، وجر كلامهم إلى موافقة عقيدته.\nوفي موضع آخر يرد على المعتزلة والقدرية دون تسميتهم، وذلك في تفسير قوله تعالى: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾ [البقرة: ٢٦] يقول: ولا يجوز أن يكون معنى الإضلال الحكم والتسمية؛ لأن أحدنا إذا حكم بضلالة إنسان لا يقال: أضله، وهذا لا يعرفه أهل اللغة (١).\nومثال آخر يرد فيه المعتزلة دون تسميتهم عند تفسير قوله تعالى: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٣٥] يقول: \"والمراد بقوله: ﴿الْجَنَّةَ﴾ جنة الخلد من قبل أن التعريف فيها بالألف واللام يجعلها كالعلم على جنة الخلد، فلا يجوز العدول عنها بغير دلالة، ألا ترى أنك لو قلت: نسأل الله الجنة، لم يكن ذلك إلى جنة الخلد.\nفيقرر أنها جنة الخلد، ويرد على من قال غير ذلك بدون تصريح بالقائل ولا بمقالته. ومشهور مذهب المعتزلة أنها جنة في الدنيا (٢)، فهو يرد عليهم تلك المقالة.\n_________\n(١) وإلى نحو هذا ذهب الزمخشري ورد عليه صاحب \"الإنصاف فيما تضمنه الكشاف من الاعتزال\". انظر: \"الكشاف\" ومعه \"الإنصاف\" ١/ ٢٦٧.\n(٢) ذكره الثعلبي ١/ ٦٠ أ، وابن عطية ١/ ١٢٨، والقرطبي ١/ ٣٠٢.","vol":"1","page":300},{"text":"ومن خلال استقراء تلك الردود، يتضح الأسلوب الجدلي العقلي الذي يستعمله فيقابل الحجة بالحجة، كما يعتمد على اللغة في بيان ضعف مستمسك الخصم من الاستدلال بالآية على مذهبه. وكان علماء المعتزلة من كبار أئمة اللغة فحاولوا تطويع النصوص القرآنية من الناحية اللغوية لتقرير أصولهم، فأتاهم الواحدي من الباب الذي ولجوا منه، وبيَّن في كل مسألة تعرض لها أن اللغة لا تدل على ما أرادوا.\nومن خلال تلك النصوص نجد ردود الواحدي متجهة إلى المعتزلة والقدرية، ولم نر له ردًّا على أحد سواهم؛ ذلك لأن المعركة الكلامية كانت قائمة على أشدها في تلك الفترة بين الأشاعرة من جانب، وبين المعتزلة والقدرية (١) من جانب آخر.\nعلى أن الشيعة كانت لهم صولات في تلك الفترة خصوصًا في عهد البويهيين، وقد عاصر الواحدي تلك الحقبة، ومع ذلك لم نجد له أي كلام عن الشيعة ولا مجرد ذكر لهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-179>المسألة الثامنة: منهجه في المسائل الفقهية والأصولية:</span>\nقد قدمت في ترجمة أبي الحسن الواحدي ﵀ أنه كان من علماء الشافعية، وأدلة ذلك أظهر من أن تذكر، والناظر في تفسيره يدرك ذلك بأدنى تأمل، حيث إنه -﵀- يقدم أقوال الشافعية، ويستدل لها، ويرجحها، ويقتصر على مذهب الشافعي في كثير من المواطن، فلا يكاد يذكر معه غيره إلا لمامًا.\n_________\n(١) انظر ما كتبه د/ عبد المجيد أبو الفتوح بدوي في كتابه: \"التاريخ السياسي والفكري للمذهب السني في المشرق الإسلامي\" ص ٢٩ - ٣٢.","vol":"1","page":301},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-180>ويمكن أن أسجل الملاحظات التالية في منهجه هنا:</span>\n١ - يعرض الواحدي للأحكام بصورة مختصرة، دون توغل في ذكر الفروع والمسائل التي لا صلة للآية بها إلى نادرًا، في الوقت الذي يطيل فيه إطالة بالغة عند توجيه القراءات، وذكر مسائل اللغة والنحو، ونحو ذلك، كما أسلفت.\n٢ - يقتصر الواحدي في عرض الأحكام على مذهب الشافعي، ويحتج لمذهبهم، وقلما يذكر معه غيره، وقد يورد خلاف الحنفية، ولعل سبب ذلك: كون مذهبهم مشهورًا في المشرق الإسلامي، أما مذهب مالك فنادرًا ما يتعرض له، وأندر منه مذهب الإمام أحمد، ولعله لعدم اشتهارهما في المشرق حينذاك.\nومن أمثلة ذلك: عند تفسير قوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧] قال: .. قال ابن عباس في هذه الآية: جعلهن الله للحج، وسائر الشهور للعمرة، فلا يصح أن يحرم بالحج إلا في أشهر الحج. وهذا مذهب الشافعي ﵀ .. وعند أبي حنيفة: إذا أحرم بالحج في غير أشهر الحج كره ذلك، وُيجزيه.\n٣ - قد يورد الحكم المستنبط من الآية مجردًا دون قائل، أو مخالف، وعند التحقيق يكون على مذهب الشافعية.\nومن أمثلة ذلك ما ذكره عند قوله تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ [البقرة: ١٧٨] قال الواحدي: في قوله: (شيء) دليل على أن بعض الأولياء إذا عفا سَقَطَ القود؛ لأن شيئًا من الدمِ قد بطل بعفو البعض، والله تعالى قال: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾.\n٤ - قد يفرد المسألة أو الحكم بفصل مستقل، وذلك قليل. ومن","vol":"1","page":302},{"text":"أمثلته: إفراد أحكام التأمين بفصل بعد تفسير الفاتحة.\n٥ - قد يذكر مذاهب الصحابة والتابعين ويسميهم تفصيلًا، وهو قليل في جملة الكتاب.\nومثال ذلك: ذكره لأقوال الصحابة في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] قال: وقوله تعالى: ﴿فَلْيَصُمْهُ﴾: قال ابن عباس وأكثر أهل التأويل: معناه: فليصم ما شهد منه؛ لأنه إن سافر في حال الشهر كان له الإفطار، وذهب طائفة على أنه إذا شهد أول الشهر مقيمًا ثم سافر لم يحل له الإفطار، وهو قول النخعي والسدي وابن سيرين ومذهب جماعة.\nقد يتوسع في ذكر الأحكام، ويفصل في ذلك تفصيلًا بينًا، وهو قليل أيضًا في جملة الكتاب.\nومن أمثلة ذلك: قوله: ولأهل التأويل في قوله: ﴿غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾ [البقرة: ١٧٣] طريقان:\nأحدهما: وهو قول ابن عباس في رواية عطاء: غير باغ على المسلمين، ولا عاد عليهم، وهذا قول مجاهد وسعيد بن جُبَير والضحاك والكلبي، قالوا: غير قاطع للطريق، ولا مفارق للأئمة، مشاق للأمة.\nوعلى هذا التأويل كل من عصى بسفره لم يحل له أكل الميتة عند الضرورة، لأنه باغ عاد، وهو مذهب الشافعي ﵀، قال: إن الإباحة إعانة له على فساده وظلمه، ولكن يتوب ويستبيح.\nوالثاني: إن هذا البغي والعدوان يرجعان إلى الأكل، ومعناه: غير آكلها تلذُّذًا من غير اضطرار، (ولا عاد) ولا مجاوز ما يدفع به عن نفسه الجوع، وهذا قول السدي.","vol":"1","page":303},{"text":"وقال الحسن وقتادة والربيع وابن زيد: غير باغ بأكله من غير اضطرار، ولا عاد يتعدى الحلال إلى الحرام، فيأكلها وهو غني عنها.\nوعلى طريقة هؤلاء يُباح للعاصي بسفره تناول الميتة عند الضرورة، وهو مذهب أهل العراق.\nوالتأويل الأول أولى من حيث اللفظ والمعنى.\nأما اللفظ: فرجوع البغي والعدوان إلى حال المضطر أولى من رجوعهما إلى أكله، وهو المفهوم من اللفظ؛ لأنه لم يسبق للأكل ذكر حتى يكون البغي والعدوان صفة له، راجعًا إليه، ومثله من الكلام أن يقال: قد حرم الأمير ركوب الخيل، ولبس السلاح، فمن أحوج غير فارٍّ ولا ذاهبٍ فلا حرج عليه، فالذي يسبق إلى الوهم من هذا، ويليق باللفظ، أن معناه: غير فار بنفسه ولا ذاهب، وأن الفرار والذهاب يعود إلى نفس المضطر، لا إلى شيء سواه.\nوَوِزان التأويل الثاني من هذا الكلام: أن يكون المعنى: غير فار بسلاحه، ولا ذاهب به.\nوأما من حيث المعنى: فإن نفس المؤمن يعاف الميتة والدم، ويستقذرهما استقذارًا يمنعه من أكلهما؛ ولهذا لا يقام الحد على آكلهما؛ لأنه لم يحتج في الزجر عنهما إلى الحد، لا كالخمر فإن لها دواعي من النفس، وإذا كان كذلك فليس يتجاوز أحدٌ في أكل الميتة قدر التشبع عند الضرورة، ولا يتعدى الحلال الذي معه، فيأكلها تلذذًا من غير أن يَرِدَ بهذا نهي، وإن جاز ورود النهي تأكيدًا، فلهذين الوجهين قلنا إن التأويل الأول أولى.\n٧ - وجدت بالتتبع أنه ينقل غالب الأحكام من تفسير شيخه الثعلبي،","vol":"1","page":304},{"text":"ويتابعه في الإطالة والاختصار والتفصيل والإجمال وذكر الخلاف والمخالفين ولكن على عادته -﵀- بالتصرف والاختصار والتقديم والتأخير.\n٨ - أما المسائل الأصولية فقليلة جدًّا في هذا التفسير، ومن أمثلة ذلك: ما ذكره من معنى النسخ وأقسامه عند تفسير قوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ١٠٦].\nقال ﵀: النسخ له معنيان:\nأحدهما: تحويلُ الكتاب من حيث هو إلى نسخة أخرى، يقال: نسخت الكتاب، أي: كتبت منه نسخة أخرى، ثم يقال: نَسَخْتُ منه نسخة، وإن لم تحوله من مكتوب إلى غيره، كأنك كتبته عن حفظك، ومن هذا قوله ﷿: ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية: ٢٩] يجوز أن يكون معناه: ننسخ، كقوله: ﴿وَإِذَا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ﴾ [الصافات: ١٤] أي: يسخرون، ويجوز أن يكون معناه: نستدعي ذلك، وهو أمر الملائكة بكتابته. وعلى الوجهين جميعًا هو كتابة لا من نسخة، فعلا هذا المعنى: القرآن كله منسوخ؛ لأنه نُسِخَ للنبي -ﷺ- من أمِّ الكتاب فأنزل عليه.\nوالثاني: هو رفعُ الحكم وإبطالهُ، ثم يجوز النسخ إلى بدل وإلى غير بدل.\nفالذي إلى بدل قولهم: نَسَختِ الشمسُ الظلَّ، فالظلُّ يزول ويبطل، والشمس تكون بدلًا عنه.\nوالذي إلى غير بدل قولهم: نَسَختِ الريحُ الأثرَ، أي: أبطلتها وأزالتها.","vol":"1","page":305},{"text":"وهذا المعنى هو المراد بالآية.\nثم النسخ في القرآن على ضروب: .. إلى آخر ما ذكر.\nوقد عني ﵀ بذكر الإجماع لكنه متساهل في حكايته ونقله.\nومن أمثلة ذلك ما ذكره عند قوله تعالى: ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٨١] قال: وإجماع أهل التفسير أن السيئةَ ها هُنا الشرك (١)، وأنّ الآية وردت في اليهود (٢)، وقد قيل: إنها عامة في جميع الكفار. اهـ والصحيح: أن هذا قول أكثر السلف، والقول الآخر: أن السيئة هي كبائر الذنوب التي توعد الله عليها بالنار، والخطيئة هي الكفر، وممن قال به الحسن والسدي.\nومن أمثلته أيضًا: ما ذكره عند تفسير قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ١٨٠] قال: \"وقد اجتمعت العلماء على نسخ هذه الآية\" (٣).\n_________\n(١) هذا الإجماع ذكره الواحدي -أيضا- في \"الوسيط\" ١/ ١٦٤، وينظر: كتاب \"الإجماع في التفسير\" ص ١٧٧.\n(٢) ذكر الإجماع على أنها في اليهود الزجاج في \"معاني القرآن\" ١/ ١٦٢ قال: \"والإجماع أن هذا لليهود خاصة؛ لأنه -﷿- في ذكرهم\"، والطبري لم يذكر سوى ذلك، وكأن المؤلف نقض الإجماع بقوله وقد قيل.\n(٣) تابع المؤلف -﵀- الزجاج في \"معاني القرآن\" ١/ ٢٤٩ في هذا الإجماع، وسيأتي في كلامه ما يدل على نقض هذا الإجماع، وممن ذكر الخلاف في الآية فأطنب: الإمام الطبري في \"تفسيره\" ٣/ ٣٨٧، ولو قال -﵀-: أجمع العلماء على نسخ حكم هذه الآية في القريب الوارث لكان مقاربا، وهذا ما ذكره بعد عدة أسطر.","vol":"1","page":306},{"text":"ومن أمثلته أيضًا: ما ذكره عند تفسير قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣] قال: وإجماعُ المفسرين على أن المراد بهذا الصيام صيام شهر رمضان (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-181>المسألة التاسعة: منهجه في اللغة وفنونها:</span>\nيعد هذا الجانب أبرز الجوانب في تفسير الواحدي، وأوضحها للقارئ، حتى إنه ليعد أحد المراجع في هذا الفن، وسوف نتحدث في هذا الموضوع من خلال أربعة جوانب وهي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-182>١ - الجانب اللغوي:</span>\nللجانب اللغوي أهمية خاصة بالنسبة لتفسير \"البسيط\" ذلك لما حواه هذا الكتاب من مادة لغوية كثيرة، أثار ذلك انتباه بعض العلماء منهم الزركشي الذي اعتبر كتاب \"البسيط\" من كتب التفسير التي غلب عليها الطابع اللغوي، حيث كثر فيها الغريب، فيقول وهو يتحدث عن التفسير: وقد أكثر الناس فيه من الموضوعات، ما بين مختصر ومبسوط وكلهم يقتصر\n_________\n(١) حكى الواحدي هذا الإجماع في \"تفسيره الوسيط\" ١/ ٢٧٢، ولا يسلم له؛ لورود الخلاف؛ حيث يرى جماعة أن المراد صيام ثلاثة أيام من كل شهر، أو صيامها وصيام عاشوراء، على خلاف بين القائلين بذلك، وبه قال قتادة وعطاء، وروي عن ابن عباس. وقد بين الحافظ في \"فتح الباري\" ٨/ ١٧٨ أن الناس اختلفوا في التشبيه الذي دلت عليه الكاف، هل هو على الحقيقة، فيكون صيام رمضان قد كتب على الذين من قبلنا؟ أو المراد: مطلق الصيام دون وقته وقدره؟ قولان، والثاني قول الجمهور. وينظر في ذكر الخلاف: \"تفسير الطبري\" ٣/ ٤١٤، و\"المحرر الوجيز\" ١/ ٢٥٠، و\"النكت والعيون\" ١/ ٢٧٣، و\"الإجماع في التفسير\" ص ١٩٩ - ٢٠٠.","vol":"1","page":307},{"text":"على الفن الذي يغلب عليه، فالزجاج والواحدي في \"البسيط\" يغلب عليهما الغريب .. \" (١).\nوذلك البعد اللغوي في الكتاب \"البسيط\" ليس غريبًا على شخصية الواحدي العلمية والتي استجليناها فيما سبق (٢)، حيث أدرك منذ نشأته الأولى أهمية اللغة لتفسير كتاب الله، فصرف همته لذلك، حتى إذا نضجت فيه تلك الملكة، أبرزها في كتابه \"البسيط\".\nيقول في مقدمة كتابه \"البسيط\" مبينًا أهمية اللغة لفهم القرآن وتفسيره: \"والله تعالى ذكره، أنزل كتابه على قوم عرب، أولي بيان فاضل، وفهم بارع، أنزله -جل ذكره- بلسانهم، وصيغة كلامهم الذي نشأوا عليه .. يعرفون وجوه خطابه، ويفهمون فنون نظامه، ولا يحتاجون إلى تعلم مشكله وغريب ألفاظه حاجة المولدين الناشئين مع من لا يعلم لسان العرب حتى يعلمه .. وبين النبي -ﷺ- للمخاطبين من أصحابه -﵃- ما عسى بهم الحاجة من معرفة بيان مجمل الكتاب، وغامضه ومتشابهه، وجميع وجوهه التي لا غنى بهم وبالأمة عنه.\nفاستغنوا بذلك عما نحن إليه اليوم محتاجون من معرفة لغات العرب واختلافها والتبحر فيها، الاجتهاد في تعلم وجوه العربية الصحيحة التي بها نزل الكتاب وورد البيان\" (٣).\nويقول: \"وقد كان الأكابر من السلف يحثون على تعلم لغة العرب، ويرغبون فيها لما يعلمون من فضلها وفرط الحاجة إليها، في معرفة ما في\n_________\n(١) \"البرهان\" ١/ ١٣.\n(٢) انظر ما سبق من الحديث عن العلوم التي برز فيها.\n(٣) مقدمة \"البسيط\" للمؤلف، والنص نقله الواحدي عن مقدمة \"تهذيب اللغة\" ١/ ٤.","vol":"1","page":308},{"text":"الكتاب، ثم في السنن والآثار وأقاويل أهل التفسير من الصحابة والتابعين من الألفاظ الغريبة والمخاطبات العربية، فإن من جهل لسان العرب وكثرة ألفاظها وافتنانها في مذاهبها جهل جمل علم الكتاب\" (١).\nويقول: \"وكيف يتأتى لمن جهل لسان العرب أن يعرف تفسير كتاب جعل معجزة في فصاحة ألفاظه وبعد أغراضه -لخاتم النبيين وسيد المرسلين -ﷺ- وعلى آله الطيبين- في زمان أهله يتحلون بالفصاحة، ويتحدون بحسن الخطاب وشرف العبارة، وإن مثل من طلب ذلك مثل من شهد الهيجاء بلا سلاح، ورام أن يصعد الهواء بلا جناح\" (٢).\nومن هذه النصوص وغيرها مما قال في مقدمة كتابه التي تركتها - خشية الإطالة- ندرك مدى اهتمام الواحدي باللغة، ومن ثم انصرفت همته لها تعلمًا وتأليفًا فجاء كتابه \"البسيط\" أحد كتب التفسير التي غلب عليها الطابع اللغوي كما قال الزركشي.\nلقد أصاب الزركشي فيما قال، فإن الواحدي إن كان قد أجاد في شرح اللفظة القرآنية بيان أصلها في اللغة، وربط ذلك بتفسير الآية، فإنه قد توسع في بعض المباحث اللغوية حتى عد ذلك خروجًا عن نهج التفسير، بل وعن النهج الذي شرطه على نفسه في مقدمة كتابه.\nوالمنهج اللغوي الذي سلكه الواحدي في تفسيره \"البسيط\" يقوم على بيان أصول الألفاظ القرآنية واشتقاقها وتصاريفها وما فيها من فروق لغوية مع الاعتناء بالألفاظ الغريبة وبيان مدلولاتها، ومن ثم ربط ذلك بتفسير\n_________\n(١) مقدمة \"البسيط\" للمؤلف، وهو منقول عن مقدمة \"تهذيب اللغة\" ١/ ٥، انظر التعليق على \"حاشية البسيط\".\n(٢) مقدمة \"البسيط\".","vol":"1","page":309},{"text":"الآية فيطوع المباحث اللغوية لخدمة التفسير، ويوجه الأقوال ويرجع بعضها على بعض بما يملك من ملكه لغوية مصقولة.\nويبدأ تفسيره -في الغالب- بتحليل ألفاظ الآية وبيان أصولها واشتقاقها وشرح غريبها.\nولقد اعتمد الواحدي كثيرًا على كتاب \"تهذيب اللغة\" للأزهري في جانب اللغة كما أفاد كذلك من كتاب \"الحجة\" و\"الإغفال\" لأبي علي الفارسي و\"معاني القرآن\" للفراء وللزجاج، وأقوال ابن الانباري، وهذه أهم مصادره في اللغة.\nومن الأمثلة على مدى عنايته في الجانب اللغوي، ما ذكره عند تفسير قوله تعالى: ﴿يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤]. تكلم عن أصل \"مالك\" في اللغة وعن تصريفها فقال: المالك في اللغة الفاعل من الملك، يقال: مَلَك فلان الشيء يَمْلِكه مُلْكًا ومِلْكًا ومَلْكًا ومَلَكة ومَمْلَكة ومَمْلُكة، ويقال: إنه لحسن المَلْكة والمِلْك، وأصل: المُلْك والمِلْك راجع إلى معنىً واحد، وهو الربط والشد فمالك الشيء من ربطه لنفسه، ومُلْكُه ما يختص به وَشُدَّ بعقد يخرج به عن أن يكون مباحًا لغيره ..، ويستمر في شرح طويل لهذِه اللفظة.\nثم يأتي إلي لفظ \"الدين\" في الآية رابطًا بين شرح اللفظة وبين الاستدلال بالقرآن والنقل عن السلف في معناها فيقول: \"الدين\" قال الضحاك وقتادة: الدين: الجزاء، يعني يوم يدين الله العباد بأعمالهم، تقول العرب دنته بما فعل أي جازيته، ومنه قوله: ﴿أَإِنَّا لَمَدِينُونَ﴾ [الصافات: ٥٣]، أي مجزيون، وقال:\nواعلم وأيقن أن ملكك زائل ... واعلم بأن كما تدين تدان","vol":"1","page":310},{"text":"أي: تجزى بما تفعل. ويقوي هذا التفسير قوله: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ﴾ [غافر: ١٧] وقوله: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية: ٢٨]. قال ابن عباس والسدي ومقاتل: معنى قوله: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤] قاضي يوم الحساب، واختار أبو عبيد هذا القول .. ثم قال: وللدين معان كثيرة في اللغة، وكل موضع انتهينا إليه من القرآن ذكرنا ما فيه.\nوعند تفسير قوله تعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٠] قال عن \"العذاب\": أصل العذاب في كلام العرب من العذب وهو المنع يقال: عَذَبْتُه عَذْبًا أي: منعته منعًا، فعَذَبَ عُذُوبًا أي: أمتنع، ومنه يقال: للفرس إذا قام في المعلف ولم يتناول العلف وامتنع عنه: عَذُوب وعَاذِب، ومنه الماء العَذْب؛ لأنه يمنع العطش، فسمَّي العذاب عذابًا؛ لأنه يعذبُ المعاقب عن معاودة ما عوقب عليه، ويَعْذُب غيره من ارتكاب مثله.\nوعند تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ الآية [البقرة: ٤٩] يتكلم عن لفظ \"آل\" عن أصله وعن اشتقاقه في اللغة فيقول: اختلف أهل العربية في الآل، واشتقاقه من اللغة، وأصله. فقال جماعة: أصله من الأول، بمعنى الرجوع، فآل الرجل كأنه شيعته الذين يؤولون إليه ويؤول إليهم .. ثم يذكر أشياء تشبه بآل الرجل فيقول: .. هذا معنى الآل في اللغة، ثم شُبِّه بآل الرجل أشياء تسمى بهذا الاسم وإن لم يوجد فيه معنى الأول، كعضد الخيمة تسمى: \"آلًا\" تشبيهًا بآل الإنسان، وآل البعير ألواحه .. \".\nثم ينقل كلامًا طويلًا عن أبي الفتح الموصلي عن أصل \"آل\" وما حصل عليها من إبدال وتغيير في بنية الكلمة.","vol":"1","page":311},{"text":"واهتمام الواحدي بالاشتقاق اللغوي بارز في جميع المباحث اللغوية التي طرقها، ومن الأمثلة التي توضح ذلك عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ﴾ الآية [البقرة: ٥٨] ذكر اللغات في القرية ثم قال: وقال أصحاب الاشتقاق: اشتقاق القرية من قريت أي: جمعت، والمقراة: الحوض يجمع فيه الماء، والْقَرِيُّ: مسيل يجتمع الماء إليه، ويقال لبيت النمل: قرية؛ لأنه يجمع النمل ..\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-183>٢ - الجانب النحوي:</span>\nأدرك الواحدي منذ اتجاهه إلى التحصيل أهمية النحو والأدب في تفسير القرآن وأنهما عمدتاه فيقول: \"فقلت: إن طريق معرفة تفسير كلام الله تعالى تعلم النحو والأدب فإنهما عمدتاه ... \"\nويقول: \"وقل من تقدم في علم من العلوم إلا بمعرفة الأدب ومقاييس العربية والنحو\" لذلك اتجه إلى النحو فجلس إلى الشيوخ يقرأ جوامع النحو والتصريف. يقول: \"وأما النحو فإني لما كنت في ميعة صباي وشرخ شبيبتي وقعت إلى الشيخ أبي الحسن علي بن محمد بن إبراهيم الضرير -﵀-، وكان من أبرع أهل زمانه في لطائف النحو وغوامضه، وأعلمهم بمضايق طرق العربية ودقائقها، وقرأت عليه جوامع النحو والتصريف والمعاني، وعلقت عنه قريبًا من مائة جزء في المسائل المشكلة، ثم ورد علينا الشيخ الإمام أبو الحسن عمران بن موسى المغربي المالكي، وكان واحد عصره وباقعة دهره في علم النحو، لم يلحق أحد ممن سمعنا شأوه في معرفة الإعراب، ولقد صحبته مدة مقامه عندنا حتى استنزفت غرر ما عنده\".\nلقد استوعب من مسائل النحو ما جعله يعد في مصاف أئمة هذا","vol":"1","page":312},{"text":"الشأن، والمستحق لقب \"النحوي\" الذي أطلقه عليه أكثر الذين ترجموا (١) له، وفي مقدمتهم صاحب السياق الذي قال: الإمام المصنف المفسر النحوي. (٢)، ويقول ابن خلكان: كان أستاذ عصره في النحو والتفسير (٣).\nوقد أفرغ في كتابه \"البسيط\" كثيرًا مما جمعه ووعاه من مسائل النحو ودقائقه وفروعه حتى أصبح الكتاب أقرب إلى موسوعة نحوية منه إلى كتاب تفسير. يقول السيوطي وهو يتحدث عن أنواع الذين صنفوا في التفسير: فالنحوي تراه ليس له هم إلا الإعراب وتكثير الأوجه المحتملة فيه، ونقل فواعد النحو ومسائله وفروعه وخلافياته كالزجاج والواحدي في \"البسيط\" وأبي حيان في \"البحر\" و\"النهر\" ... (٤).\nوأقول: إن السيوطي مصيب فيما قال، حيث أثقل الواحدي كتابه \"البسيط\" بمسائل نحوية لا علاقة لها بالتفسير إطلاقًا، وإنما يقوده إليها الاستطراد وشغفه بذلك العلم. وأذكر بعض الأمثلة التي توضح ذلك:\nالمثال الأول هو: ما افتتح الواحدي به كتابه فعند تفسير \"البسملة\" أول عبارة بدأ بها قوله: اختلفت عبارة النحويين في تسمية هذه الباء الجارة .. الخ، ثم استطرد في صفحات يذكر أقوال النحويين وخلافاتهم عن \"الباء\" وعن بعض حروف الجر كـ \"اللام\" و\"الكاف\" وقد نقل هذا الموضوع من كتاب \"سر صناعة الإعراب\" لأبي الفتح بن جني ولم يعزه له.\n_________\n(١) انظر: \"معجم الأدباء\"، و\"إنباه الرواة\" ٢/ ٢٢٣، و\"البلغة في تراجم أئمة النحو واللغة\" ص ١٤٦.\n(٢) انظر: \"المنتخب من السياق\" ل ١١٤\n(٣) \"وفيات الأعيان\" ٣/ ٣٠٣.\n(٤) \"الإتقان\" ٢/ ٢٤٣.","vol":"1","page":313},{"text":"وعند تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [البقرة: ٢٣] ذكر الأقوال في: \"من\" في قوله: ﴿مِنْ مِثْلِهِ﴾ وهذا متعلق بتفسير الآية. ثم ذكر أوجه \"من\" عمومًا، فقال: قال النحويون: \"من\" يكون على أربعة أوجه ..\nوأخذ يذكرها ويمثل لها.\nثم قال بعده مباشرة: وهاهنا فصل يحتاج إليه في كثير من المواقع ذكرته هاهنا وهو: أن الحروف عند النحويين لا يليق بها الزيادة ولا الحذف .. الخ، ثم أخذ في شرح طويل في شرح هذِه المسألة، فما مناسبة هذا الفصل لتفسير الآية؟ إن مكانه كتب النحو لا كتب التفسير، وهذا الفصل بكامله وبنصه قد نقله عن كتاب \"سر صناعة الإعراب\" لأبي الفتح بن جني (١) بدون عزو.\nوعند تفسير قوله تعالى: ﴿عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٦٨] تحدث عن \"بين\" وأخذ عن أبي علي الفارسي من كتاب \"الإغفال\" كلاما طويلًا عن \"بين\" ومنه: \"قال أبو علي: اعلم أن \"بين\" اسم يستعمل على ضربين: مصدر وظرف .. الخ، واستمر في سرد طويل في صفحات. ومثله ما كتبه عن \"الآن\" ناقلا عن الفراء وأبي علي الفارسي.\nإن حشو كتب التفسير بمثل هذه المباحث الطويلة يبعد القارئ عن تفسير القرآن ويطيل الكتاب، ويجلب الملل للقارئ. رحم الله الواحدي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-184>مذهبه النحوي:</span>\nهناك مدرستان نحويتان شهرتا وهما \"مدرسة البصرة\" و\"مدرسة\n_________\n(١) انظر: \"البسيط\" [البقرة: ٢٣]، والتعليق على النص.","vol":"1","page":314},{"text":"الكوفة\" ولكل من المدرستين قواعد وأصول تخالف المدرسة الأخرى، كما أن لكل واحدة منهما علماء عرفوا بذلك فمن أشهر رجال مدرسة البصرة الخليل بن أحمد، وسيبويه، والمازني، وقطرب، والمبرد، والزجاج، والزجاجي، وأبو علي الفارسي، وغيرهم (١).\nومن أشهر رجال مدرسة الكوفة: الفراء، الكسائي، وثعلب، وأبو بكر بن الأنباري (٢).\nونشأت بعد ذلك مدرسة ثالثة من جراء الخلط بين أصول المدرستين وهي ما عرفت بالمدرسة \"البغدادية\" ومن رجالها ابن كيسان وابن السراج (٣) وعد بعضهم منها \"أبا الفتح بن جني\" وعده بعضهم بصريًّا (٤).\nفمن أي المدارس الثلاث يمكن أن يعتبر الواحدي؟\nللإجابة عن هذا السؤال نعود إلى المادة النحوية التي ذكرها الواحدي في كتابه \"البسيط\" فنراه قد نقل عن أئمة المدارس الثلاث فأخذ عن الزجاج والفارسي والمبرد والزجاجي وغيرهم من مدرسة البصرة.\nوأخذ عن الفراء وابن الأنباري وثعلب من مدرسة الكوفة. كما نقل آراء ابن كيسان وابن السراج وأخذ عن أبي الفتح بن جني، ومن ثم نراه قد نقل من قواعد المدارس الثلاث في كتابه.\n_________\n(١) انظر طبقاتهم كما ذكرها الزبيدي في كتابه \"طبقات النحويين واللغويين\" ص ٢١ - ١٢١، انظر: \"تاريخ النحو\" ص ٣٤.\n(٢) انظر طبقاتهم كما ذكرها الزبيدي في كتابه \"طبقات النحويين واللغويين\" ص ١٢٥ - ١٥٤، وانظر: \"تاريخ النحو\" ص ٤١.\n(٣) انظر: \"تاريخ النحو\" ص ٩٣، ٩٤.\n(٤) وبه أخذ محمد النجار في مقدمته على \"الخصائص\" لابن جني ١/ ٤٥.","vol":"1","page":315},{"text":"كما نلاحظ أنه يذكر قول الكوفيين والبصريين في المسألة الواحدة وربما رجح قول أهل البصرة أو قول أهل الكوفة.\nمثال على ذلك: لما تعرض لتفسير \"الاسم\" في تفسير \"البسملة\" ذكر أقوال الطرفيين ثم قال: قالوا: ولا يصح مذهب الكوفيين في هذا الحرف، لأنه لا يعرف شيء حذفت منه فاء الفعل فدخلت عليه ألف الوصل كالعدة والزنة ....\nبينما نراه في موضع آخر يأخذ بقول الكوفيين، ولا يذكر قول البصريين أصلًا فعند تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [البقرة: ١٢] قال: أصل \"لكن\" لا، ك، إن، \"لا\" للنفي و\"الكاف\" للخطاب و\"إن\" للإثبات، فحذفت الهمزة استخفافًا. فما قرره في \"لكن\" هو رأى الكوفيين أما أهل البصرة فيرون أنها بسيطة غير مركبة (١). ولعل هذا مما أفاده من ابن الأنباري وهو كوفي كما سبق.\nنصل من هذا إلى أن الواحدي أفاد في كتابه عن أئمة النحو من بصريين وكوفيين، يختار من أقوالهم ما يراه إلى الصواب أقرب ولا يلتزم مدرسة بعينها، لكن نقوله عن البصريين أكثر، لأن أغلب الأئمة الذين أخذ عنهم من مشايخ البصرة كالفارسي والزجاج والزجاجي، وابن جني عند بعضهم، والله أعلم بالصواب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-185>المسائل النحوية التي يُعْنَى بها في \"البسيط</span>\":\nلقد طرق الواحدي في كتابه أغلب مسائل النحو، ولا تأتي مناسبة في تفسيره لمسألة نحوية إلا وتعرض لها سواء كانت تتعلق بالتصريف أو\n_________\n(١) انظر: \"الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين: البصريين والكوفيين\" ١/ ٢٠٩.","vol":"1","page":316},{"text":"بإعراب الكلمة أو غير ذلك، وسبق ذكر نماذج لعنايته بتصريف الكلمة وأصولها في منهجه اللغوي، ونلحظ من مجموع المسائل النحوية التي تعرض لها عنايته بأمرين هامين وهما: إعراب القرآن، والأدوات والحروف. أما بالنسبة للأمر الأول وهو إعراب القرآن، فإن له أهمية كبرى فبالإعراب يتبين المعنى ويتضح، وبه يوقف على أغراض المتكلم، وقد ألفت في إعراب القرآن كتب كثيرة منها كتاب \"مشكل إعراب القرآن\" لمكي بن أبي طالب و\"إملاء ما من به الرحمن\" لأبي البقاء العكبري وغيرها (١).\nوقد أولى الواحدي هذا الجانب عناية كبيرة لما له من أثر في وضوح معاني الآيات، ومن الأمثلة على ذلك في تفسير قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢] قال: وموضع \"لا ريب\" رفع بالابتداء عند سيبويه لأنه بمنزلة \"خمسة عشر\" إذا ابتدأت به، ولهذا جاز العطف عليه بالرفع في قوله:\nلا أُمَّ لِي إِنْ كَانَ ذَاكَ وَلا أَبُ\nومن نصب المعطوف فهو عطف على اللفظ ..\nوقوله \"فيه\" يجوز أن تجعله خبرًا للابتداء الذي هو \"لا ريب\" ويجوز\nأن تجعله صفة لقوله: \"لا ريب\"، وإذا جعلته صفة أضمرت الخبر، كأنه\nقيل: لا ريب فيه واقع أو كائن ... الخ.\nوعند تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ [البقرة: ٦] قال: و\"سواء\" في الآية رفع بالابتداء ويقوم \"أأنذرتهم\n_________\n(١) انظر: \"البرهان\" ١/ ٣٠١.","vol":"1","page":317},{"text":"أم لم تنذرهم\" مقام الخبر في المعنى، كأنه بمنزلة قولك: \"سواء عليهم الإنذار وتركه\" لا في الإعراب، لأنك إذا قدرت هذا التقدير في الإعراب صار \"سواء عليهم\" خبرًا مقدمًا، والجملة في موضع رفع بأنها خبر \"إن\" ويجوز أن يكون خبر \"إن\" قوله: \"لا يؤمنون\" كأنه قيل: إن الذين كفروا لا يؤمنون سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم ... إلخ\".\nونلحظ ربط الإعراب بمحاولة إيضاح المعنى على جميع الوجوه. والاستفادة من إعراب القرآن للكشف عن معاني الآية ظاهرة في تفسير الواحدي، يتضح ذلك من الأمثلة السابقة، وأذكر مثالا آخر يوضح هذا الأمر أكثر، عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا﴾ [البقرة: ٢٦] قال: \"وفي نصب قوله: \"مثلًا\" وجوه، أحدها: الحال، لأنه جاء بعد تمام الكلام، كأنه قيل: ماذا أراد الله بهذا مبينا.\nوالثاني: التمييز والتفسير للمبهم وهو \"هذا\" كأنه قيل: ماذا أراد الله بهذا من الأمثال.\nوالثالث: القطع كأنه قيل: ماذا أراد الله بهذا المثل، إلى أنه لما جاء نكرة نصب على القطع عن إتباع المعرفة، وهذا مذهب الفراء وأحمد بن يحيى.\nالأمر الثاني: عناية بالأدوات والحروف. ودراسة الحروف من مسائل النحو الهامة حيث ألفت فيها كتب مستقلة (١)، لأن معانيها تختلف بحسب\n_________\n(١) منها كتاب \"الأزهية في علم الحروف\" لعلي بن محمد الهروي، و\"حروف المعاني\" للزجاجي، و\"رصف المباني في شرح حروف المعاني\" للمالقي، و\"مغني اللبيب\" لابن هشام.","vol":"1","page":318},{"text":"موقعها من الكلام، ولذلك لابد للمفسر من معرفة ذلك (١)، وعناية الواحدي بها بارزة في تفسير \"البسيط\" فلا يمر شيء من الحروف والأدوات إلا ويبسط القول فيها عن تركيبها، وعن استعمالها، واختلاف مدلولاتها بحسب الاستعمال. ومن الأمثلة على ذلك ما سبق قريبا عن \"الباء\" و\"من\" و\"بين\" و\"الآن\"، ومن الأمثلة الأخرى ما ذكره عن \"لم\" و\"لن\" عند تفسير قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾ [البقرة: ٢٤] قال: \"لم\" حرف يجزم الفعل المضارع، ويقع بعدها بمعنى الماضي كما يقع الماضي بعد حرف الجزاء بمعنى الاستقبال، ولهذه المشابهة بينها وبين حروف الجزاء اختير الجزم بـ\"لم\" .. ثم قال: وأما \"لن\" فهي حرف قائم بنفسه، وضع لنفي الفعل المستقبل، ونصبه للفعل كنصب \"أن\" وليس ما بعد \"لن\" بصلة لها، لأن \"لن يفعل\" نفي سيفعل، وتعمل ما بعدها فيما قبلها كقولك زيدًا لن أضرب ... واستمر في بيان أقوال النحويين في أصل \"لن\".\nوقد اعتمد الواحدي في المسائل النحوية كثيرًا على كتاب \"سر صناعة الإعراب\" لأبي الفتح بن جني، و\"معاني القرآن\" للفراء وللزجاج، وكتاب \"الإغفال\" و\"الحجة\" لأبي علي الفارسي، وعلى أقوال ابن الأنباري.\nوكان اعتماده على كتاب \"سر صناعة الإعراب\" كبيرًا نقل منه مسائل طويلة بنصها، وعندما قام صاحب كتاب \"الواحدي ومنهجه في التفسير\" بدراسة الجانب النحوي في التفسير عند الواحدي اختار نصين من \"البسيط\" أحدهما عن \"الباء\"، والثاني عن \"أل\" وبنى عليهما دراسته لمنهجه النحوي، وكأن الكلام للواحدي، مع أن هذين النصين منقولان بطولهما من\n_________\n(١) انظر: \"البرهان\" ١/ ١٧٥.","vol":"1","page":319},{"text":"كتاب \"سر صناعة الإعراب\" لأبي الفتح بن جني، ودور الواحدي هو حسن الانتقاء والعرض، (١) وسبق الإشارة لمثل هذا قريبًا عند الحديث عن منهج الواحدي في عرض القراءات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-186>٣ - الجوانب البلاغية:</span>\nعلم البلاغة من أجل علوم العربية قدرًا، إذ به تعرف دقائق اللغة وسر الفصاحة فيها، وبه يعرف بعض وجوه إعجاز القرآن الكريم، فلا غنى للمفسر عنه، يقول الزركشي: \"وهذا العلم أعظم أركان المفسر فإنه لابد من مراعاة ما يقتضيه الإعجاز من الحقيقة والمجاز وتأليف النظم وأن يؤاخي بين الموارد ويعتمد ما سيق له الكلام حتى لا يتنافر وغير ذلك .. وقال الزمخشري: من حق مفسر كتاب الله الباهر وكلامه المعجز أن يتعاهد في مذاهبه بقاء النظم على حسنه والبلاغة على كمالها، وما وقع به التحدي سليمًا من القادح، وإذا لم يتعاهد أوضاع اللغة فهو من تعاهد النظم والبلاغة على مراحل .. \" (٢).\nولقد كان الواحدي سباقًا في ذلك حيث جعل \"البلاغة\" أحد القواعد الهامة لتفسير كتاب الله، فيقول: فقلت: إن طريق معرفة تفسير كلام الله تعالى تعلم النحو والأدب -فإنهما عمدتاه- وإحكام أصولهما، وتتبع مناهج لغات العرب فيما تحويه من الاستعارات الباهرة والأمثال النادرة والتشبيهات البديعية، والملاحن الغريبة، والدلالة باللفظ اليسير على المعنى الكثير مما لا يوجد مثله في سائر اللغات.\n_________\n(١) انظر: \"الواحدي ومنهجه في التفسير\" ص ٢٣٧ - ٢٤١.\n(٢) \"البرهان\" ١/ ٣١١.","vol":"1","page":320},{"text":"فجعل البلاغة مع النحو والأدب طريقًا إلى معرفة تفسير كلام الله، وذكر بعض أنواع البلاغة كالاستعارة والتشبيه والإيجاز وغير ذلك مما يدخل تحت قوله \"والملاحن الغريبة\".\nوقد دأب في كتابه \"البسيط\" على محاولة إظهار إعجاز القرآن بما حوى من فصاحة في الأسلوب وبلاغة في التركيب، وكان هذا النهج واضحًا في تناوله لمفردات الآيات وتركيبها، وما اعتماده كتاب \"نظم القرآن\" لأبي علي الجرجاني مصدرًا مهّمًا في تفسيره إلا دلالة قوية على ذلك. كما أفاد من كتب ابن الأنباري حول تفسير مشكل القرآن شيئًا من الصور البلاغية.\nونأخذ أمثلة من كتابه لننظر مدى إثرائه في هذا الجانب. من ذلك ما ذكره عند تفسير قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] قال: -ناقلًا عن ابن الأنباري-: \"قال أبو بكر: وقوله ﴿إِيَّاكَ﴾ بعد قوله: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤] رجوع من الغيبة إلى الخطاب، والعرب تفعل ذلك كثيرًا، وهو نوع من البلاغة والتصرف في الكلام، ومثل قوله: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ [الإنسان: ٢١] ثم قال: ﴿إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً﴾ [الإنسان: ٢٢] .. فذكر أحد أنواع علم المعاني التي يسميها البلاغيون \"الالتفات\".\nوعند تفسير قوله تعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ﴾ الآية [البقرة: ٧] ذكر نوعًا آخر من أنواع البلاغة -ناقلًا كذلك عن ابن الأنباري- قال: وقال ابن الأنباري: أراد وعلى مواضع سمعهم، فحذف المضاف، كما تقول العرب: تكلم المجلس، وهم يريدون أهله، وحذف المضاف كثير في التنزيل والكلام .. وهذا النوع يسميه علماء البلاغة: \"مجازًا عقليًّا\"","vol":"1","page":321},{"text":"ويذكر هذا النوع كذلك عند تفسير قوله تعالى: ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ [البقرة: ١٦] قال: ومعنى قوله: ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾، أي: ما ربحوا في تجارتهم، وأضاف الربح إلى التجارة؛ لأن الربح يكون فيها، وهذا كلام العرب يقولون: ربح بيعك، وخسر بيعك، ونام ليلك، وخاب سعيك ... إلخ).\nويتحدث عن التشبيه وهو أحد أنواع علم البيان، فيعرفه ويذكر أهميته لما فيه من حسن البيان وقرب الاستدلال، لذلك كثر في القرآن، فيقول عند تفسير قوله تعالى: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ [البقرة: ١٧] قال المبرد: ... والمثل من الكلام: قول سائر يشبه به حال الثاني بالأول، والأصل فيه التشبيه، فمعنى قولهم: مثل بين يديه إذا انتصب، معناه: أشبه الصورة المنتصبة بين يديه ... والأمثال أصل كبير في بيان الأشياء؛ لأن الشيء يعرف بشبهه ونظيره، والأمثال تخرج ما يخفى تصوره إلى ما يظهر تصوره، والمثل بيان ظاهر على أن الثاني مثل الأول، والأمثال متداولة سائرة في البلاد، وفيها حكم عجيبة وفوائد كثيرة، وقد ذكر الله تعالى الأمثال في غير موضع من كتابه لما فيها من حسن البيان وقرب الاستدلال، والمقصود بالمثل البيان عن الحال الممثل، وحقيقته ما جعل من القول كالعلم للتشبيه بحال الأول ...\nثم يدخل في بيان تطبيقي على الآية، موضحًا التشبيه فيها بذكر المشبه والمشبه به ووجه الشبه مع قرن ذلك بتفسير الآية، فيقول: فأما التفسير فقال ابن عباس وقتادة والضحاك ومقاتل والسدي: يقول: مثل هؤلاء المنافقين كمثل رجل أوقد نارًا في ليلة مظلمة في مفازة فاستضاء بها واستدفأ ورأى ما حوله فاتقى ما يحذر ويخاف وأمن، فبينا هو كذلك إذ طفئت ناره، فبقي","vol":"1","page":322},{"text":"مظلمًا خائفًا متحيرًا، كذلك المنافقون لما أظهروا كلمة الإيمان واستناروا بنورها، واعتزوا بعزها وأمنوا، فناكحوا المسلمين ووارثوهم وقاسموهم الغنائم، وأمنوا على أموالهم وأولادهم، فلما ماتوا عادوا إلى الظلمة والخوف وبقوا في العذاب والنقمة، وهذا القول اختيار الزجاج ... وعلى ما قاله أبو إسحاق: التمثيل وقع بين تجملهم بالإسلام وبين النار التي يستضاء بها ... واستمر في ذكر الأقوال في الآية مبرزًا أركان التشبيه فيها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-187>٤ - الشواهد الشعرية:</span>\nلقد تضلع الواحدي من علوم اللغة والأدب، ذلك لأنه أدرك أنها طريق تفسير كتاب الله تعالى، الذي نزل بلغة عربية فصيحة، وكان الواحدي حريصًا في تفسيره على توثيق جميع الأقوال والآراء والمعاني التي يذكرها بالأدلة، اتباعًا للمنهج العلمي الأصيل، فلا يترك قولا في التفسير أو اللغة أو النحو أو البلاغة إلا ويحاول الاستدلال له إما بآية من القرآن أو حديث من السنة، أو أثر عن السلف أو بيت من أشعار العرب، وسبق الحديث عن منهجه في الاستدلال بالقرآن والسنة ولأثر، وكان مما عرف عن المنهج الواحدي هناك أنه لا يستدل بالقرآن والسنة والأثر على مسائل التفسير فقط، بل وعلى مسائل اللغة والنحو.\nوأما استشهاده بالشعر، فهو مجال الحديث الآن، ومما ينبغي استحضاره الآن تلك الهمة التي بذلها الواحدي لدراسة الأدب، والشعر بالدرجة الأولى. وقد ذكرت هذا في أكثر من موضع، ويكفي هنا أن نستعيد ما قاله الواحدي عن معاتبة شيخه العروضي له: .. حتى عاتبني شيخي -﵀- يومًا من الأيام وقال: إنك لم تبق ديوانًا من الشعر إلى قضيت حقه أما آن لك أن تتفرغ لتفسير كتاب الله العزيز ... فقلت يا أبت إنما أتدرج","vol":"1","page":323},{"text":"بهذا إلى ذلك الذي تريد، وإذا لم أحكم الأدب بجد وتعب لم أرم في غرض التفسير عن كثب .. (١). فيدل هذا النص من كلام الواحدي على مقدار ما بذل في سبيل تحصيل الأدب وكم من دواوين الشعر قرأها واستوعب ما فيها، وأنه يرى أن ذلك طريق لتفسير كتاب الله. وقبل كلامه هذا ساق الآثار عن السلف في بيان مكانة الشعر العربي في تفسير القرآن فيروي عن سعيد بن المسيب قصة عمر -﵁- وهو على المنبر وفيها يقول عمر: يا أيها الناس: عليكم بديوانكم لا يضل، قالوا: وما ديواننا؟ قال: شعر الجاهلية، فإن فيه تفسير كتابكم ومعاني كلامكم.\nويروي بسنده عن ابن عباس قال: إذا قرأ أحدكم شيئًا من القرآن فلم يدر ما تفسيره فليلتمسه في الشعر فإنه ديوان العرب.\nوبسنده عن ابن عباس: أنه كان يسأل عن الشيء من عربية القرآن فينشد الشعر.\nألا يدل سياق الواحدي لتلك الآثار في مقدمة كتابه \"البسيط\" على ما كان يراه من مكانة هامة للشعر العربي في تفسير القرآن؟\nثم إن الواحدي قد حاول قول الشعر من صغره حتى تكونت لديه ملكة شعرية وقد عده بعضهم شاعرًا (٢)، تلك الملكة مكنته من اختيار أجزل الشعر وأرصنه للاستشهاد به على مسائل اللغة والنحو وغيرهما.\nوقد حوى كتاب \"البسيط\" المئات من الشواهد الشعرية مما يقل مثله في كتب التفسير الأخرى.\nوأكثر الشواهد الشعرية جاءت في المسائل اللغوية، أو النحوية، أو\n_________\n(١) مقدمة \"البسيط\".\n(٢) قال ذلك الأسنوي، انظر ما سبق.","vol":"1","page":324},{"text":"البلاغية وقد يؤيد بها رأيًا في التفسير.\nفمن أمثلة الشواهد الشعرية في المسائل اللغوية: عند تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة: ٣٢] ذكر معنى \"الحكيم\" وتصريفها وما تأتي عليه من المعاني فقال: ومعنى الحكيم هو المحكم للأشياء صرف من مفعل إلى فعيل كسميع في قوله:\nأَمِنْ رَيْحَانَةَ الدَاعِي السَّمِيع (١)\nقال ابن المظفر: ... والحكم القضاء بالعدل -أيضًا- قال النابغة:\nواحْكُم كَحُكْم فَتَاةِ الحَيِّ إذْ نَظَرَتْ ... إلى حَمَامٍ سِرَاعٍ وَارِدِ الثَّمَدِ\n... قال الأصمعي: أصل الحكومة رد الرجل عن الظلم، ومنه سميت حَكَمَةُ اللجام، لأنها ترد الدابة قال: ومنه قول لبيد:\nأحْكَمَ الجِنْثِىُّ مِنْ عَوْراتِها ... كُلَّ حِرْباءٍ إذا أُكْرِهَ صَلّ\nقال الأزهري: والعرب تقول حَكَمْتُ وأَحْكَمْتُ وحَكَّمْتُ بمعنى: رَدَدْت ومنعت .. ومنه قول لبيد:\nأَبَنِي حَنِيفَةَ أَحْكِمُو سُفَهَاءَكُم\nوعند تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ٣٥] تكلم عن معنى الظلم، وعن أصله ومنه قوله: ... قال أبو عبيد: ويقال لذلك: اللبن المظلوم والظليم وأنشد شمر:\nوَقَائِلةٍ ظَلَمْتُ لَكُمْ سِقَائِي ... وَهَلْ يَخْفَى عَلى العَكِدِ الظَّلِيمُ\nوقال الفراء: ظَلَم الوادي إذا بلغ الماء منه موضعًا لم يكن ناله فيما\n_________\n(١) تخريج الأبيات ونسبتها لقائليها وشرح غريبها موجود في حواشي \"البسيط\".","vol":"1","page":325},{"text":"خلا وأنشد:\nيَكَادُ يَطْلُعُ ظُلْمًا ثُمَّ يَمْنَعُهُ ... عَنِ الشَّواهِقِ فَالْوَادِي بهِ شَرِقُ\nوقال ابن السكيت في قول النابغة:\nوالنُّؤيُ كَالحَوْضِ بالْمِظْلُومَةِ الجَلَدِ\nيعني: بالمظلومة أرضا في برية حوَّضوا فيها حوضًا سقوا فيه إبلهم، وليست بموضع تحويض، قال: وأصل: الظُّلْم وضع الشيء غير (١) موضعه، قال: ومنه قول ابن المقبل:\nهُرْتُ الشَّقَاشِقِ ظَلَّامُونَ للجُزُرِ\nوظلم الجزور أنهم نحروها من غير مرض فوضعوا النحر في غير موضعه.\nوقول زهير:\nوَيُظْلمُ أَحْيَانًا فَيَنْظَلِمُ\nفهذا الحشد الكبير من الأبيات الشعرية عند شرح مفردة واحدة من مفردات القرآن وهي \"الظلم\" يدل على مقدار ما حوى البسيط من الشواهد الشعرية.\nومن الأمثلة على الشواهد الشعرية علىِ المسائل النحوية ما ذكره عند تفسير قوله تعالى: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧] وتكلم عن (لا) فقال: .. والذين يجوزون زيادة لا يقولون: إنما تجوز إذا تقدمه نفي كقوله:\nمَا كَان يَرْضَى رَسُولُ الله دينَهَمُ ... والطَّيِّبانِ أبوُ بَكْرِ وَلَا عُمَرُ\nوليس كذلك فقد جاء زيادتها في الإيجاب كما جاء في النفي، قال\n_________\n(١) في \"تهذيب اللغة\": \"في غير موضعه\" \"تهذيب اللغة\" \"ظلم\" ١٤/ ٣٨٤.","vol":"1","page":326},{"text":"ساعدة الهذلي:\nأَفَعَنْكِ لاَ بَرْق كَأَنَّ وَميِضَه ... غَابٌ تَشَيِّمَه ضِرَامٌ مُثْقَبُ\nوأنشد أبو عبيدة:\nوَيَلْحَيْنَنِي في اللَّهْو أَلَّا أُحِبَّهُ ... وَللَّهْو دَاعٍ دَائِبٌ غير غافل\nومن الشواهد الشعرية في مسائل بلاغية ما ذكره عند تفسير قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] فذكر من البلاغة فيها: الالتفات وذلك بالرجوع من الغيبة إلى الخطاب حيث جاءت الآية بعد قوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤] وقال: إن هذا نوع من البلاغة، وهو كثير في كلام العرب وذكر أبياتًا شواهد على ذلك فقال:\nوقال الأعشى:\nعِنْدَهُ البِرُّ والتُّقَى وَأَسَا الصَّدْ ... عِ وَحَمْلٌ لمُضْلِع الأثَقْالِ\nوَوَفَاءٌ إذَا أَجرتَ فَمَا غَرَّ ... تْ حِبَالٌ وَصَلْتَها بِحِبَالِ\nوأنشد أبو عبيدة:\nيَا لهْفَ نَفْسِي كَانَ جِدَّةُ خَالِد ... وَبَيَاضُ وَجْهِكَ للِتُّرَابِ الأَعْفَرِ\nوقال كثير:\nأَسيِئِي بِنَا أَوْ أَحْسِنِي لاَ مَلُومَةٌ ... لَدَيْنَا وَلَا مَقْلِيَّةٌ إِنْ تَقَلَّتِ\"\nوعند تفسير قوله تعالى: ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾ [البقرة: ١٦] ذكر المجاز فيها وقال: إن هذا كثير في كلام العرب ثم قال: \" .. وقال جرير:\nوَأَعْوَرَ مِنْ نَبْهَانَ أَمَّا نَهَارُهُ ... فَأَعْمَى وَأَمَّا لَيْلُهُ فَبَصِيرُ\nفأضاف العمى والإبصار إلى الليل والنهار ومراده بهما الموصوف من نبهان\".","vol":"1","page":327},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-188>المطلب الثالث\nمقارنة بين تفاسير الواحدي الثلاثة</span>\nإن المتأمل لعناوين هذه التفاسير (البسيط، الوسيط، الوجيز) ليدرك الفرق الجوهري بينها، ويعلم أنها درجات متفاوتة في الطول والقصر، والبسط والإيجاز.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-189>ويمكن أن أستعرض أهم الفروق بين هذِه التفاسير في النقاط التالية:</span>\n١ - أن البسيط أوسعها بحثًا، وأكثرها مسائل، وفيه من التدقيق والتحقيق والإطناب ما ليس في الآخرين، ثم يأتي من بعده الوسيط، ثم من بعدهما الوجيز.\nيوضح ذلك قول المؤلف في مقدمة \"الوسيط\": وقديمًا كنت أطالب بإملاء كتاب في تفسير وسيط، ينحط عن درجة \"البسيط\" الذي تنجر فيه أذيال الأقوال، ويرتفع عن مرتبة \"الوجيز\" الذي اقتصر فيه على الإقلال، بتصنيف ما رُسِم من تفسير، أعفيه من التطويل والإكثار، وأسلمه من خلل الوجازة والاختصار، وآتي به على النمط الأوسط، والقصد الأقوم، حسنة بين السيئتين، ومنزلة بين المنزلتين، لا إقلال، ولا إملال (١).\nويقول في مقدمة \"الوجيز\": ... فإني كنت قد ابتدأت بإبداع كتاب لم أسبق إلى مثله، وطال عليَّ الأمر في ذلك ... ثم استعجلني قبل إتمامه والتقصي عما لزمني من عهدة إحكامه نفر متقاصرو الرغبات، منخفضو الدرجات، أولو البضاعة المزجاة، على إيجاز كتاب في التفسير، يقرب على من تناوله، ويسهل على من تأمله، من أوجز ما عمل في بابه، وأعظمه فائدة على متحفظيه\n_________\n(١) \"الوسيط\" ١/ ٥٠.","vol":"1","page":329},{"text":"وأصحابه، وهذا كتاب أنا نازل فيه إلى درجة أهل زماننا، تعجيلًا لمنفعتهم، وتحصيلًا للمثوبة في إفادتهم، بما تمنوه طويلًا، فلم يغن عنهم أحد فتيلًا، وتارك ما سوى قول واحد معتمد لابن عباس -﵀- أو من هو في مثل درجته، كما يترجم عن اللفظ العويص بأسهل منه (١).\n٢ - أن الأقوال في البسيط مذكورة بتمامها، واختلاف وجوهها مع الاستدلال والترجيح أحيانًا، بينما اختصر ذلك في الوسيط، واقتصر في الوجيز على قول واحد معتمد لابن عباس -﵁- أو من هو في مثل درجته.\n٣ - يظهر من النصوص السابقة أن المادة العلمية في الوسيط إجمالًا منتقاة من البسيط، ولذا قال القفطي: وهو مختار من البسيط (٢).\n٤ - استطرد الواحدي بوضوح في البحوث اللغوية والنحوية، في الوقت الذي جاءت على نحو مختصر كاف في الوسيط، أما في الوجيز فلم يعرِّج عليها.\n٥ - يلاحظ أن الوسيط تميز عن الآخرين في جانب الرواية، فهو يذكر فيه أحاديث وآثارًا، ويسوق أسانيد كثير منها، لا يذكرها ألبتة في الوجيز، ويُقل منها في البسيط.\n٦ - كما أنه في الوسيط أيضًا يفتتح كل سورة بما ورد في فضلها ولا يشير إلى ذلك في تفسيريه الآخرين، وحديث فضائل السور المشهور إنما ذكره في الوسيط فقط، وهو حديث موضوع كما لا يخفى، وقد تقدم ذكر ذلك.\n_________\n(١) \"الوجيز\" ١/ ٨٧.\n(٢) \"إنباه الرواة\" ٢/ ٢٢٣.","vol":"1","page":330},{"text":"٧ - اعتنى الواحدي في البسيط بتوجيه القراءات وتعليلها، واستطرد في ذلك إلى الغاية القصوى، وضمن كتابه خلاصة الحجة لأبي علي الفارسي، بينما نجده مقلا في الوسيط بشكل واضح، وأما الوجيز فلا يكاد يذكر شيئًا من ذلك إلا نادرًا.\n٨ - أما من حيث ترتيب تأليف هذه التفاسير، فإنه قد يفهم من النصين السابقين أنه بدأ بالبسيط، وقبل إتمامه ألف الوجيز ليحقق رغبة من قصرت همتهم، ثم ألف الوسيط الذي صرح بأنه ألفه بعد البسيط.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-190>ومن الأمثلة التي تبين الفرق بين هذِه التفاسير الثلاثة:</span>\nما ذكره في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٥٨]\nفقد فسره في البسيط بقوله:\nقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ الآية، الصفا: جمع صفاة، وهي الحجارة، قال أبو العباس: الصفا: كل حجر لا يخلطه غيره، من طين أو تراب يتصل به، واشتقاقه من صفا يصفو إذا خلص.\nوالمروة: واحدة المرو، وهي حجارة بيض براقة، يكون فيها النار. قال الأعشى:\nوتُوَلي الأرضَ خُفَّا ذابلًا ... فإذا ما صادف المَروَ رَضَحْ\nوهما اسمان لجبلين معروفين بمكة.\nوشعائر الله: واحدتها شعيرة، قال المفسرون وأهل اللغة جميعًا: شعائر الله: متعبداته التي أشعرها الله، أي: جعلها أعلامًا لنا، وهي كل ما كان من مشعر أو موقف أو مسعى أو منحر، وهي من قولهم: شعرت،","vol":"1","page":331},{"text":"أيَ: علمت، وهي كلها معلومات، وهذا قول الزجاج، واختياره.\nويحتمل أن تكون \"الشعائر\" مشتقة من الإشعار، الذي هو الإعلام على الشيء، ومنه: الشعائر: بمعنى العلامة؛ ولهذا تسمى الهدايا شعائر؛ لأنها تشعر بحديدة في سنامها من جانبها الأيمن حت يخرج الدم، قال الكميت:\nشَعَائرَ قُربانٍ بهم يُتَقَرَّبُ\nويحتمل أن يكون من الإعلام بالشيء، وبه قال مجاهد في قوله (من شعائر الله)، قال: يعني: من الخبر الذي أخبركم عنه، كأنه إعلام من الله عباده أمر الصفا والمروة.\nوقوله تعالى ﴿فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ﴾ قال الليث: أصل الحج في اللغة: زيارة شيء تعظمه. وقال يعقوب والزجاج: أصل الحج: القصد، وكل من قصد شيئًا فقد حجه.\nوقال كثير من أهل اللغة: أصل الحج: إطالة الاختلاف إلى الشيء. واختار ابن جرير هذا القول، قال: لأن الحاج يأتي البيت قبل التعريف، ثم يعود إليه للطواف يوم النحر، ثم ينصرف عنه إلى منى، ثم يعود إليه لطواف الصَّدَر، فلتكرارِهِ العودَ إليه مرةً بعد أخرى قيل له: حاج، وكلهم احتجوا بقول المخبل القريعي:\nيحجُّون سِبَّ الزِّبرِقان المُزَعْفَرا\nوقال سيبويه: ويقال: حَجَّ حِجًا، كقولهم: ذكر ذِكرًا. وقال الفراء: الحَج والحِج لغتان، يقال: حَجَجْتُ حِجّة للمرة الواحدة، لم يأت عن العرب غيره. ولو قيل: \"حَجَّة\" بالفتح كما قالوا: مَرَرتُ به مَرة، كان صوابًا، مثل: مددته مدةً، وقددته قدةً، هذا كلامه. فأما قولهم: حُجٌّ، وهم","vol":"1","page":332},{"text":"يريدون: جمع الحاج، فقد يمكن أن يكونوا سموا بالمصدر، وتقديره: ذوو حج، قاله أبو علي، قال: وأنشد أبو زيد:\nوكأن عافية النسور عليهم ... حُجُّ بأسفلِ ذي المَجَاز نُزُولُ\nوقوله تعالى: ﴿أَوِ اَعْتَمَرَ﴾ قال الزجاج: قصد، وقال غيره: زار، قال أعشى باهلة:\nوراكبٌ جاء من تثليث معتمرُ\nقال الأزهري: وقد يقال: الاعتمار: القصد، وأنشد للعجاج:\nلقد سما ابن مَعْمَرٍ حينَ اعْتَمَر ... مَغْزى بعيدًا من بعيدٍ وضَبَر\nيعنى: حين قصد مغزى بعيدًا.\nوقوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَليْهِ﴾ الجناح: الإثم، وأصله: من الجنوح، الذي هو الميل، يقال: جَنَحَ: مال، ومنه قوله: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾ [الأنفال: ٦١] وقيل للأضلاع: جوانح؛ لاعوجاجها، قال ابن دريد: معنى (لا جناح عليكم) أي: لا ميل إلى مأثم. وجناح الطائر من هذا؛ لأنه يميل في أحد شقيه، ليس على مستوى خلقته، فمعنى الجناح: الميل عن الحق.\nوقال أبو علي الجرجاني: معنى ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ﴾ أينما ذكر في القرآن: لا ميل لأحد عليه بمطالبة شيء من الأشياء، هذا هو الأصل، ثم صار معناه: لا حرج عليه، ولا ذنب عليه.\nقال ابن عباس: كان على الصفا صنم، وعلى المروة صنم، وكان أهل الجاهلية يطوفون بينهما، ويمسحونهما، فلما جاء الإسلام وكسرت الأصنام كره المسلمون الطواف بينهما؛ لأجل الصنمين؛ فأنزل الله ﷿ هذه الآية، منبها لهم على أن الطواف بالصفا والمروة لا تبعة فيه عليهم، وأنه","vol":"1","page":333},{"text":"طاعة لله تعالى، وغير تعظيم للصنمين.\nفالآية تدل بظاهرها على إباحة ما كرهوه، ولكن السنة أوجبت الطواف بينهما والسعي، وهو قوله -ﷺ-: \"يا أيها الناس كتب عليكم السعي فاسعوا\" وهو مذهب الشافعي ﵁.\nوالواجب أن يبدأ بالصفا، ويختم بالمروة، ويسعى بينهما سعيًا، فيكون مصيره من الصفا إلى المروة شوطًا من السبع، وعوده من المروة إلى الصفا شوطًا ثانيًا، فإن بدأ بالمروة إلى الصفا لم يحسب هذا الشوط؛ لأن النبي -ﷺ- لما دنا من الصفا في حجته قال: \"إن الصفا والمروة من شعائر الله ابدأوا بما بدأ الله به\"، فبدأ بالصفا فرقي عليه، حتى رأى البيت، ثم مشى حتى إذا تصوبت قدماه في الوادي سعى.\nوقوله تعالى: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ فيه وجهان من القراءة:\nأحدهما: (تَطَوَّع) على \"تَفَعَّل\" ماضيًا، وهذه القراءة تحتمل أمرين:\nأحدهما: أن يكون موضع (تطوع) جزما، وتجعل \"من\" للجزاء، وتكون الفاء مع ما بعدها من قوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ في موضع جزم لوقوعها موقع الفعل المجزوم، والفعل الذي هو (تطوع) على لفظ المثال الماضي، والمراد به المستقبل، كقولك: إن أتيتني أتيتك.\nالثاني: أن لا تجعل \"من\" للجزاء، ولكن تكون بمنزلة \"الذي\" وتكون مبتدأ به، ولا موضع حينئذ للفعل الذي هو \"تطوع\"، والفاء مع ما بعدها في موضع رفع، من حيث كان خبر المبتدأ الموصول، والمعنى فيه معنى الجزاء؛ لأن هذه الفاء إذا دخلت في خبر الموصول أو النكرة الموصوفة آذنت أن الثاني إنما وجب لوجوب الأول، كقوله: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٥٣] \"وما\": مبتدأ موصول، والفاء مع ما بعدها","vol":"1","page":334},{"text":"جواب له، وفيه معنى للجزاء؛ لأن تقديره: ما ثبت بكم من نعمة، أو مادام بكم من نعمة فمن ابتداء الله إياكم بها، فسبب ثبات النعمة ابتداؤه [ذلك] كما أن استحقاق الأجر إنما هو من أجل الإنفاق في قوله: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ﴾ [البقرة: ٢٧٤] وعلى هذا كل ما في القرآن من هذا الضرب، كقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا﴾ إلى قوله: ﴿فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ﴾ [البروج: ١٠] وقوله: ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٩٥] ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ﴾ [البقرة: ١٢٦] و﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠] و﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩] ونذكر هذه المسألة مشروحة عند قوله: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً﴾ [البقرة: ٢٧٤].\nالوجه الثاني من القراءة: (يَطَّوَّعْ) بالياء وجزم العين، وتقديره: يتطوع إلى أن التاء أدغم في الطاء لتقاربهما، وهذا حسن؛ لأن المعنى على الاستقبال، والشرط والجزاء الأحسن فيهما الاستقبال، وإن كان يجوز أن تقول: من أتاك أعطيته، فتوقع الماضي موقع المستقبل في الجزاء، إلى أن اللفظ إذا كان وافق المعنى كان أحسن.\nوأما التفسير: فقال مجاهد: (ومن تطوع خيرًا) بالطواف بهما، وهذا على قول من لا يرى الطواف بهما فرضًا.\nوقال مقاتل والكلبي: ومن تطوع خيرًا فزاد في الطواف بعد الواجب.\nومنهم: من حمل هذا النوع على العمرة، وهو قول ابن زيد، وكان يرى العمرة غير واجبة.\nوقال الحسن: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ يعني به: الدين كله، أي: فعل غير المفرَض عليه، من طواف وصلاة وزكاة ونوع من أنواع الطاعات. وهذا","vol":"1","page":335},{"text":"أحسن هذه الأقاويل؛ لأن قوله (ومن تطوع خيرًا) صيغته تدل على العموم.\nوقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ أي: مجازٍ بعمله، ﴿عَلِيمٌ﴾ بنيته. قال أهل المعاني: وحقيقة الشاكر في اللغة: هو المظهر للإنعام عليه، والله تعالى لا تلحقه المنافع والمضار، فالشاكر في وصفه مجاز، ومعناه: المجازي على الطاعة بالثواب، إلى أن اللفظ خرج مخرج التلطف للعباد، مظاهرة في الإحسان إليهم، كما قال: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ﴾ [البقرة: ٢٤٥] وهو تعالى لا يستقرض من عوز؛ ولكنه تلطفٌ في الاستدعاء. كأنه قيل: من الذي يعمل عمل المقرض، بأن يقدم فيأخذ أضعاف ما قدم في وقت فقره وحاجته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-191>وقال في \"تفسير الوسيط</span>\":\nقوله: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾: هما جبلان معروفان بمكة. و﴿شَعَائِرِ اللَّهِ﴾: متعبداته، التي أشعرها الله، أي جعلها أعلامًا لنا، وهي كل ما كان من موقف أو مسعى أو منحر.\n﴿فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ﴾ أصل الحج في اللغة: زيارة شيء تعظمه. قال الزجاج: أهل الحج: القصد، وكل من قصد شيئًا فقد حجه.\nوقوله: ﴿أَوِ اعْتَمَرَ﴾ قال الزجاج: أي: قصد، وقال غيره: زاره.\n﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ﴾ أي: لا إثم عليه ولا حرج ولا ذنب ﴿أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾.\nأخبرنا منصور بن عبد الوهاب البزار، أخبرنا محمد بن أحمد بن سنان، أخبرنا حامد بن محمد بن شعيب، حدثنا محمد بن بكار، حدثنا إسماعيل بن زكريا، عن عاصم عن أنس بن مالك. قال: كانوا يمسكون عن الطواف بين الصفا والمروة، وكانا من شعائر الجاهلية، وكنا نتقي الطواف","vol":"1","page":336},{"text":"بهما، فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا ...﴾ الآية.\nرواه البخاري عن أحمد بن محمد، عن عبد الله، عن عاصم.\nأخبرني سعيد بن العباس القرشي، أخبرنا العباس بن المفضل النضروي، أخبرنا أحمد بن نجدة، حدثني سعيد بن منصور، حدثنا هشيم، عن داود، عن الشعبي، قال: كان لأهل الجاهلية صنمان يقال لأحدهما يساف والآخر نائلة، وكان يساف على الصفا، وكان نائلة على المروة، وكانوا إذا طافوا بين الصفا والمروة مسحوهما فلما جاء الإسلام، قالوا: غنما كان أهل الجاهلية يطوفون بينهما لمكان هذين الصنمين وليسا من شعائر الحج، فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ فجعلهما الله من شعائر الحج.\nوالآية بظاهرها تدل على إباحة ما كرهوه، ولكن السنة أوجبت الطواف بينهما والسعي، وهو قوله -ﷺ-: \"يا أيها الناس كتب عليكم السعي فاسعوا\"، وهو مذهب الشافعي ﵀.\nوقوله: (وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا) قال الحسن: يعني به الدين كله، والمعنى فعل غير المفترض عليه من طواف وصلاة وزكاة ونوع من الطاعة.\nوقرأ حمزة (ومن يطَّوَّعْ) بالياء وجزم العين، وتقديره: يتطوع إلا أن التاء أدغمت في الطاء لمقاربتهما، وهذا حسن لأن المعنى على الاستقبال، والشرط والجزاء الأحسن فيهما الاستقبال، وإن كان يجوز أن تقول: من أتاك أعطيته، فتوقع الماضي موقع المستقبل في الجزاء، إلا أن اللفظ إذا كان وفق المعنى كان أحسن.\nوقوله: (فَإِنَّ اللهَ شَاكِرٌ) أي: مجاز له بعمله، ومعنى الشاكر في","vol":"1","page":337},{"text":"وصف الله: المجازي على الطاعة بالثواب (١)، (عَلِيمٌ) بنية المتطوع (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-192>وقال في الوجيز:</span>\n(إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ) وهم جبلان معروفان بمكة (مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ) أي: متعبداته (فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ) زاره معظمًا له (أَوِ اعْتَمَرَ) قصد البيت للزيارة (فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ) فلا إثم عليه (أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا) بالجبلين، وذلك أن أهل الجاهلية كانوا يطوفون بينهما وعليهما صنمان يمسحونهما، فكره المسلمون الطواف بينهما، فانزل الله تعالى هذه الآية.\n(وَمَن تطَوَّعَ خَيرًا) فعل غير المفترض عليه من طواف وصلاة وزكاة وطاعة (فَإِن اللهَ شَاكِرٌ) مجاز له بعمله (عَلِيمٌ) بنيته (٣).\n_________\n(١) بينَّا في التعليق على البسيط التفسير الصحيح لمعنى اسم الله (الشاكر).\n(٢) \"التفسير الوسيط\" ١/ ٢٤١ - ٢٤٣.\n(٣) \"الوجيز في تفسير الكتاب العزيز\" ص ١٤٠ - ١٤١.","vol":"1","page":338},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-193>المبحث السابع\nقيمة الكتاب العلمية</span>\nبعد هذه الدراسة حول كتاب \"البسيط\" ومعرفة منهج الواحدي فيه أقف وقفة سريعة لاستجماع أطراف الحديث، ومحاولة تحديد المكانة العلمية لكتاب \"البسيط\" في المكتبة التفسيرية، وأين موقعه فيها، من خلال ما أضافه من معاني جديدة كما أذكر بعض الملاحظات التي توصلت إليها أئناء دراستي لهذا الكتاب فأقول:\nيحتل تفسير \"البسيط\" مكانة علمية عالية في المكتبة القرآنية، ويعتبر مرجعًا هامًّا للمتخصصين في التفسير. ومع ما له من أهمية بقي هذا الكتاب إلى هذا الوقت حبيسًا لم يخرج إلى المكتبة، مما منع الدارسين أو الباحثين من الإفادة منه.\nعلى أنني أرى أن الكتاب لا يستطيع الإفادة منه إلى العلماء وطلبة العلم الذين تكونت لديهم الملكة التي تعينهم على فهم بحوثه اللغوية والنحوية العميقة، أما عامة القراء فهم مع هذا الكتاب كما وصفهم الواحدي \"كمحاول غلقًا ضاع منه المفتاح\".\nتلك المكانة التي أرى أن الكتاب حَرِيٌّ بها تعود إلى الأمور الآتية:\nأولًا: ما حواه الكتاب من ثراء علمي خصوصًا في مجال اللغة والنحو، حيث انطلق الواحدي في كتابه واضعًا نصب عينيه أن اللغة والنحو والأدب ركائز أساسية لتفسير كتاب الله، فبعد أن تضلع من تلك الركائز راح يسخرها لخدمة التفسير، وذلك بإيضاح اللفظة القرآنية وبيان أصلها، وذكر الشواهد على ذلك كما ربط الوجه التفسيري بالإعراب وذكر الأوجه","vol":"1","page":339},{"text":"البلاغية في النظم القرآني، فخرج الكتاب موسوعة جمعت التفسير مع فروع اللغة وسخرت الثاني لخدمة الأول، صحيح أن الواحدي انساق وراء بعض تلك المسائل إلى حد يعتبر خروجًا عن مجال التفسير، ومع ذلك يبقى الكتاب ذا عطاء سيال في مجال التفسير بالدراية الذي يعتمد اللغة والنحو من الأسس لفهم النص القرآني.\nثانيًا: عنايته بالفوائد والنكات التفسيرية، وهذا من الجوانب الهامة، خصوصًا إذا ارتبط ذلك بحسن العرض وجمال الأسلوب، كما هو الحال في تفسير الواحدي، فكثيرًا ما يتصيد تلك الفوائد فيوردها، وربما ذكرها على صيغة سؤال أو إشكال، فيجيب عنه بما يشفي ويقنع.\nومن الأمثلة على ذلك ما ذكره عند تفسير قوله تعالى: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ [البقرة: ٩] قال: وقوله في وصف الكافرين \"لا يشعرون\" أبلغ في الذم من وصفهم بأنهم لا يعلمون، لأن البهيمة قد تشعر من حيث تحس (١) فكأنهم وصفوا بنهاية الذهاب عن الفهم ...\nوعند تفسير قوله تعالى: ﴿أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ﴾ [البقرة: ١٣] قال: فإن قيل: كيف يصح النفاق مع المجاهرة بقولهم: ﴿أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ﴾؟ قيل: إنهم كانوا يظهرون هذا القول فيما بينهم لا عند المؤمنين، الأن الله تعالى قد قال: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا﴾ [البقرة: ١٤]. أو أنهم لم يفصحوا بهذا القول وإنما أتوا بما يفهم عنهم بالمعنى، ولا يقوم به حجة توجب الحكم من جهة المشاهدة ...\n_________\n(١) في نسخة (ب): \"لا تحس\".","vol":"1","page":340},{"text":"وعند تفسير قوله تعالى: ﴿وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ [البقرة: ٣٣] قال: وقد يبقى في هذه الآية سؤال لم نجد أحدًا ممن تكلم في تفسير القرآن ولا في معانيه تعرض له، وهو من مهم ما يسأل عنه. وذلك أن يقال: في أين علمت الملائكة لما خبرها آدم -﵇- بتلك الأسماء صحة قوله ومطابقة الأسماء للمسميات؟ وهي لم تكن عالمة بذلك من قبل، إذ لو كانت عالمة لأخبرت بالأسماء، ولم تعترف بفقد العلم. والكلام يقتضي أنهم لما أنبأهم آدم بالأسماء علموا صحتها ومطابقتها للمسميات، ولولا ذلك لم يكن لقوله: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [البقرة: ٣٣] معنى. ثم أجاب عن هذا السؤال بما يطول ذكره هنا.\nوفي سورة \"يونس\" عند تفسير قوله تعالى: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ﴾ [يونس: ٤] قال: \"فإن قيل لم أفرد المؤمنين بالقسط دون غيرهم وهو يجزي الكافر أيضًا بالقسط؟\nقال ابن الأنباري: لو جمع الله الصنفين بالقسط لم يتبين ما يقع بالكافرين من العذاب الأليم، ففصلهم عن المؤمنين ليبين ما يجزيهم به مما هو عدل غير جور، فلهذا خص المؤمنين بالقسط، وأفرد الكافرين بخبر يرجع إلي تأويله بزيادة الإبانة\" (١).\nثالثًا: يعتبر تفسير \"البسيط\" مرجعًا هامًّا لنصوص كثيرة من كتب مفقودة حيث اعتمد الواحدي على مصادر عدة، ونقل عنها كثيرًا، ومنها كتاب \"نظم القرآن\" لأبي علي الجرجاني، وإلى اليوم يعد هذا الكتاب مفقودًا، وقد نقل عنه الواحدي كثيرًا، فأصبح مرجعًا لكثير من أقواله،\n_________\n(١) \"البسيط\" ٣/ ل ٣، النسخة الأزهرية.","vol":"1","page":341},{"text":"وكذا الحال لأقوال ابن الأنباري، حيث نقل عنه كثيرًا، وترجح لي أن أغلب تلك النقول من كتابين هما \"المشكل في معاني القرآن\" و\"رسالة المشكل\" التي رد فيها على ابن قتيبة، وهذان الكتابان مفقودان كذلك، فيكون تفسير \"البسيط\" مرجعًا لهذِه النصوص المنقولة منهما.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-194>المآخذ على تفسير البسيط:</span>\nومع هذه المكانة التي رأيناها لتفسير الواحدي \"البسيط\" فإنه لا يخلو من بعض الملحوظات، سنة الله في خلقه، فالكمال المطلق لله سبحانه أما البشر فهم عرضة للخطأ والنسيان وكما قيل:\nومن ذا الذي ترضى سجاياه كلها ... كفى المرء نبلا أن تعد معايبه\nوقد تعرفت على بعض الملحوظات أثناء مصاحبتي لهذا الكتاب قراءة وتحقيقًا.\nفإن أصبت فذلك بتوفيق الله، وإن أخطأت فمن نفسي، وحسبي أني مجتهد في طلب الحق.\nوقد نبهت إلي بعض تلك الملحوظات في أماكنها، وسأجملها هاهنا مع ذكر ملحوظات لم ترد فيما سبق وهي:\nأولًا: آراؤه في قضايا العقيدة التي سلك فيها نهج المتكلمين من الأشاعرة وخالف فيها طريقة السلف وقد سار على هذا النهج في جميع مباحث العقيدة التي تكلم عنها في مسائل التوحيد والإيمان والصفات (١) وغيرها.\nوهذا المأخذ قد سجله عليه شيخ الإسلام ابن تيمية حين قال: ...\n_________\n(١) انظر: \"مبحث عقيدته\"، و\"منهجه في تقرير مسائل العقيدة\" من هذه الدراسة.","vol":"1","page":342},{"text":"والواحدي صاحبه (١) كان أبصر منه بالعربية، ولكن أبعد عن السلامة واتباع السلف (٢).\nثانيًا: وجود بعض الإسرائيليات، التي هي داء أكثر كتب التفسير، وقع فيها الواحدي متأثرًا بشيخه الثعلبي، على الرغم من قوله في مقدمة كتابه: \"فأما الأقوال الفاسدة والتفسير المرذول الذي لا يحتمله اللفظ ولا تساعده العبارة فمما لم أعبأ به، ولم أضيع الوقت بذكره\" وروايته لها كانت سببًا في توجيه النقد له من بعض العلماء كما سبق (٣).\nثالثًا: الإطالة والاستطراد في بعض المباحث اللغوية والنحوية التي لا علاقة لها بالتفسير، وهذا يحمل الكتاب مسائل تبعده عن موضوعه الأصلي وهو تفسير كتاب الله، وتجلب الملل للقارئ، وقد وجه بعض العلماء هذه الملحوظة إلى كتاب \"البسيط\"، فالزركشي يعده مما غلب عليه الغريب حيث يقول: \" .. وقد أكثر الناس فيه -أي التفسير- من الموضوعات، ما بين مختصر ومبسوط، وكلهم يقتصر على الفن الذي يغلب عليه، فالزجاج والواحدي في \"البسيط\" يغلب عليهما الغريب .. \" (٤).\nوالسيوطي يعده ممن غلب عليه النحو فيقول: \" .. فالنحوي ليس له هم إلا الإعراب وتكثير الأوجه المحتملة فيه ونقل قواعد النحو ومسائله وفروعه وخلافياته كالزجاج والواحدي في \"البسيط\" .. \" (٥).\n_________\n(١) أي الثعلبي لأن الكلام عنه.\n(٢) مقدمة في التفسير ضمن \"مجموع الفتاوي\" ١٣/ ٣٥٤.\n(٣) في نسخة (ب): (لا تحس). انظر مبحث \"أقوال العلماء فيه\"، \"مبحث تفسير القرآن بالسنة\" من هذه الدراسة.\n(٤) \"البرهان\" ١/ ١٣.\n(٥) \"الإتقان\" ٢/ ٢٤٣.","vol":"1","page":343},{"text":"وذكر هذا المأخذ مر في أكثر من موضوع مع ذكر أمثلة له، كما في منهجه في عرض القراءات، والجانب اللغوي، والنحوي في تفسيره.\nرابعًا: كثرة النقول من الجوانب الواضحة في كتاب \"البسيط\" ومنها نقول كثيرة لم يعزها، سبق ذكر أمثلة لها عند الحديث عن مصادره. وقد يجاب عن ذلك بأن هذا نهج متبع عند العلماء الأوائل ولا ينكر بعضهم على بعض فيه. وفي نظري أن هذِه المسألة بحاجة إلى دراسة أكثر قبل إصدار حكم فيها، وبالنسبة لهذا الموضوع عند الواحدي نلحظ أمرين:\nالأول: أن جميع مصادره الرئيسة التي نقل عنها موثقة بالعزو، فمثلًا الأزهري في مقدمة كتابه \"تهذيب اللغة\" ذكر مصادره وسنده إليها وطريقته بالعزو واصطلاحاته في ذلك. وهذا أبو علي الفارسي في كتابه \"الحجة\" و\"الإغفال\" من خلال تتبعي لهما أجده يعزو كل الأقوال التي نقلها، والواحدي نقل عنهما بدون عزو.\nالأمر الثاني: نرى الواحدي ينقل عن الأزهري، أو عن أبي علي، أو عن غيرهما، فيعزو أحيانًا ولا يعزو أحيانًا، بل نجده في الموضع الواحد ينقل كلامًا عن الأزهري، أو عن أبي علي، أو عن غيرهما، بدون عزو في أول النقل، وفي أثنائه يعزو الكلام قائلًا: قال الأزهري أو قال أبو علي، ثم يذكر بقية كلام من نقل عنه، وهذا يوهم القارئ أن أول الكلام ليس من قول من ذكر بعد، وفي كتابه أمثلة كثيرة على هذا، منها ما ذكر عند تفسير قوله تعالى: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧] نقل عن \"الحجة\" كلام ابن السراج ولم يعز له أول الكلام وعزا آخره فأوهم القارئ","vol":"1","page":344},{"text":"بأن ما سبق ليس لابن السراج (١).\nخامسًا: وردت في كتاب \"البسيط\" ألفاظ لا تتناسب مع مكانة القرآن الكريم، الذي شهد الله له بأنه أعلى درجات الفصاحة، وتحدى المشركين بذلك، ومن تلك الألفاظ التي قالها الواحدي أو نقلها عن غيره، ما ذكره عند تفسير قوله تعالى: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ الآية [البقرة: ١٧] قال: وكان يجب في حق النظم أن يكون اللفظ: فلما أضاءت ما حوله أطفأ الله ناره؛ ليشاكل جواب \"لما\" معنى هذه القصة. ولكن لما كان إطفاء النار مثلًا لإذهاب نورهم أقيم ذهاب النور مقام الإطفاء وجعل جواب \"لما\" اختصارًا وإيجازًا، وهذا طريق حسن في الآية.\nفأي نظم نضعه أصلًا ونقيس كلام الله عليه ونقرر أنه يجب أن يكون على كذا، ثم قال: وهذا طريق حسن في الآية. وقد يلمح منه أن هناك ما هو أحسن منه. ربما يكون الواحدي ناقلًا عن صاحب \"نظم القرآن\" وعلى كلا الأمرين فهذا الكلام لا يليق أن يقال وصفًا لكلام رب العالمين.\nوعند تفسير قوله تعالى: ﴿قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [البقرة: ٦٧] قال: .. وكان حقه أن يقول: فقال: أعوذ بالله، لأنه عطف على ما قبله. قال الفراء: وهذا في القرآن كثير بغير \"الفاء\" وذلك أنه جواب يستغنى أوله عن آخره بالوقفة عليه، فكان حسن السكوت يجوز به طرح الفاء.\nسادسًا: يذكر الواحدي أسماء شيوخه أو من ينقل عنهم بغير الأسماء\n_________\n(١) انظر: المقابلة بين النصين في \"البسيط\" و\"الحجة\" عند قوله تعالى ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ..﴾.","vol":"1","page":345},{"text":"المشهورة لهم، وربما ذكر الشيخ بأكثر من اسم، وهذا ما يسميه علماء الحديث بتدليس الشيوخ، وهو أقل أنواع التدليس (١) خطورة، مثال ذلك: سعيد بن محمد الحيري، ذكره مرة بهذا الاسم فقال: سمعت أبا عثمان سعيد بن محمد الحيري .. الخ، ومرة قال: وقرأت على الأستاذ سعيد بن محمد المقرئ ..، وأبو علي الفارسي ذكره مرة فقال: وروى لنا كتب أبي علي الفسوي ..، ثم يقول في موضع آخر: \" .. واعتمدت في أكثرها على كتاب أبي علي الحسن بن أحمد الفارسي الذي رواه لنا سعيد بن محمد الحيري عنه ..\nويقول: \"وقد أخبرنا أبو الحسين بن أبي عبد الله الفسوي -﵁- أبنا أحمد بن محمد الفقيه .. \" (٢)، وأبو الحسين بن أبي عبد الله الفسوي هو شيخه عبد الغافر بن محمد بن عبد الغافر الفارسي، فذكره بكنيته، وذر أباه بكنيته ونسبه إلى قريته \"فسا\" فأغمض اسمه وأما أحمد بن محمد الفقيه فهو أحمد بن محمد الخطابي البستي ولم أجد من لقبه بـ\"الفقيه\" غيره.\nهذا مع أن كتاب \"البسيط\" لا يكثر فيه الرواية، وربما يكون هذا الأمر أوضح في كتبه التي أكثر فيها من ذكر الأسانيد مثل \"أسباب النزول\" و\"الوسيط\" ولا شك أن هذا كان سببًا في عدم معرفة بعض شيوخه حيث يذكرهم بأسماء لا يعرفون بها.\n_________\n(١) انظر: \"تدريب الراوي\" ١/ ٢٢٨.\n(٢) \"البسيط\" ص ٢٧٦.","vol":"1","page":346},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-195>المبحث الثامن\nأثر الواحدي فيمن بعده من العلماء من خلال كتابه \"البسيط</span>\"\nإن مقدار الأثر الذي يكون للعالم أو لكتبه فيمن يأتي بعده من المؤلفين يدل على مدى الأصالة والقوة العلمية له، وأنه أصبح إمامًا في الفن الذي ترك فيه ذلك الأثر.\nإن للواحدي أثرًا لا ينكر في مدرسة التفسير، ونجد اسمه يتردد في بعض كتب التفسير بعده.\nوأكثر كتب الواحدي شهرة هو \"أسباب النزول\" هذا الكتاب طار ذكره في الآفاق، وأفاد منه أكثر المفسرين بعد الواحدي، ونجد أغلب المفسرين الذين ورد ذكر الواحدي في كتبهم إنما نقلوا عنه أسباب النزول، وكان هذا الكتاب أسرع كتبه طباعة وأوسعها انتشارًا، يليه في المنزلة كتبه الثلاثة في التفسير \"البسيط\" و\"الوسيط\" و\"الوجيز\".\nإن كتب الواحدي في التفسير لا تقل أهمية عن كتب التفسير المشهورة كـ\"الكشاف\" للزمخشري، و\"تفسير الرازي\" و\"القرطبي\" و\"البحر المحيط\" ومع ذلك تأخرت طباعتها سوى \"الوجيز\" الذي طبع قبل مدّة.\nوقد ترددت أسماء كتب الواحدي في التفسير في مؤلفات العلماء بعده، خصوصًا كتاب \"البسيط\" فنرصد ذلك الأثر الذي تركه هذا الكتاب، إليك بيانًا بأسماء عدد الأئمة الذين استفادوا من البسيط سواء في التفسير وعلوم القرآن أم في غيرهما من علوم الشريعة.","vol":"1","page":347},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-196>أ- في مجال التفسير:</span>\n١ - الفخر الرازي (١) وتفسيره مفاتيح الغيب:\nإن أكثر المفسرين تأثرًا واستفادة من كتاب \"البسيط\" للواحدي هو \"الفخر الرازي\" في تفسيره \"مفاتيح الغيب\" حيث نقل عن الواحدي كثيرًا من أقواله مؤيدًا ومعجبًا بها، وربما نقل عنه وناقشه ورد عليه قوله، وكثيرًا ما ينص على اسم \"البسيط\"، وقد ينقل عنه ولا يسمي كتابه، بل ربما نقل عنه بدون عزو.\nوأذكر بعض الأمثلة التي توضح ذلك عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ﴾ [البقرة: ٢٠٦] قال الرازي: قال الواحدي: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ﴾ معناه أن رسول الله دعاه إلى ترك هذِه الأفعال فدعاه الكبر والأنفة إلى الظلم (٢)، ثم يرد الرازي قول الواحدي ويبين ضعفه كما يرى فيقول: واعلم أن هذا التفسير ضعيف، لأن قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ﴾ ليس فيه دلالة إلا على أنه متى قيل له هذا القول أخذته العزة، فأما أن هذا القول قيل أو ما قيل، فليس في الآية دلالة عليه، فان ثبت ذلك برواية وجب المصير إليه ... (٣).\n_________\n(١) هو أبو عبد الرحمن محمد بن عمر بن حسين الرازي، المفسر الأصولي، شافعي المذهب، له تصانيف كثيرة، مات سنة ٦٠٦ هـ. انظر ترجمته في \"النجوم الزاهرة\" ٦/ ١٩٧، و\"طبقات المفسرين\" للداودي ٢/ ٢١٥.\n(٢) \"تفسير الرازي\" ٥/ ٢٠٢، انظر كلام الواحدي في \"البسيط\" ١/ ل ١٢٥، من النسخة الأزهرية.\n(٣) الرازي ٥/ ٢٠٢.","vol":"1","page":348},{"text":"وعند تفسير قوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ ...﴾ [الإسراء: ٧٨] قال الرازي: \"اختلف أهل اللغة والمفسرون في معنى: دلوك الشمس على قولين: أحدهما: أن دلوكها غروبها، وهذا القول مروي عن جماعة من الصحابة، فنقل الواحدي في \"البسيط\" عن علي أنه قال: دلوك الشمس: غروبها ... والقول الثاني: أن دلوك الشمس هو زوالها عن كبد السماء وهو اختيار الأكثرين من الصحابة والتابعين واحتج القائلون بهذا القول على صحته بوجوه. الحجة الأولى: روى الواحدي في \"البسيط\" عن جابر أنه قال: طعم عندي رسول الله - ﷺ - وأصحابه ثم خرجوا حين زالت الشمس، فقال النبي - ﷺ -: \"هذا حين دلكت الشمس .. \" (١).\nوقال الرازي في موضع آخر من تفسير الآية: \"المسألة الثالثة: قال الواحدي اللام في قوله ﴿لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ لام الأجل والسبب .. \" (٢). فانظر إلى تردد اسم الواحدي في تفسير \"الرازي\" في تفسير آية واحدة ثلاث مرات.\nقال د/ علي محمد العماري في كتابه \"الإمام فخر الدين الرازي، حياته وآثاره\": والرازي كثير النقل عن الواحدي بصورة واضحة وربما نص على بعض كتبه عند النقل عنه .. والرازي قد يناقش ما ينقله هذا العالم الكبير عن رواة اللغة .. (٣).\nبل إن تأثر الرازي بالواحدي أبعد من ذلك، فلا ينحصر في المواضع\n_________\n(١) \"تفسير الرازي\" ٢١/ ٢٥. انظر كلام الواحدي في \"البسيط\" ٣/ ل ١٦٨ من نسخة \"جستربتي\".\n(٢) الرازي ٢١/ ٢٦.\n(٣) الإمام فخر الدين الرازي للدكتور علي محمد حسن العماري ص ١٤١.","vol":"1","page":349},{"text":"التي ذكر فيها اسم الواحدي، بل نجد روح التفسير \"البسيط\" سارية في مواضع كثيرة من \"تفسير الرازي\": فينقل عنه بتصرف ولا يذكر اسمه، ولقد لمست هذا من خلال مصاحبتي لجزء من \"البسيط\" ومقارنته مع تفسير \"الرازي\" وأذكر مثالًا يدل على هذا.\nقال الواحدي عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ [البقرة: ٣٣] \"وقد يبقى في هذِه الآية سؤال لم نجد أحدًا ممن تكلم في تفسير القرآن ولا في معانيه تعرض له، وهو من مهم ما يسأل عنه، وذلك أن يقال: من أين علمت الملائكة لما أخبرها آدم ﵇ بتلك الأسماء صحة قوله، ومطابقة الأسماء للمسميات، وهي لم تكن عالمة بذلك من قبل، إذ لو كانت عالمة لأخبرت بالأسماء، ولم تعترف بفقد العلم. والكلام يقتضي أنهم لما أنبأهم آدم بالأسماء علموا صحتها ومطابقتها للمسميات، ولولا ذلك لم يكن لقوله: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [البقرة: ٣٣] معنى؟ \".\nثم يجيب الواحدي عن هذا السؤال، بما يطول ذكره هنا.\nويأتي الرازي بعد ذلك ويذكر هذا السؤال مع تصرف في العبارة فيقول: .. وأيضًا فأما أن يقال: الملائكة علموا كون تلك الأسماء موضوعة لتلك المسميات فحينئذ تحصل المعارضة ولا تظهر المزية والفضيلة، وإن لم يعلموا ذلك، فكيف عرفوا أن آدم ﵇ أصاب فيما ذكر من كون كل واحد من تلك الألفاظ اسمًا لكل واحد من تلك المسميات، واعلم أنه يمكن دفع هذا السؤال من وجهين .. (١)، ويجيب عنه بنحو إجابة الواحدي،\n_________\n(١) \"تفسير الرازي\" ٢/ ١٧٧.","vol":"1","page":350},{"text":"ولم أر من المفسرين فيما اطلعت عليه من تعرض له سوى \"الواحدي\" و\"الرازي\" مما يرجح أن الرازي أخذ ذلك السؤال من الواحدي، والأمثلة على هذا كثيرة توضح مدى تأثر الرازي بكتاب \"البسيط\" للواحدي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-198>٢ - أبو حيان من خلال تفسيره \"البحر المحيط</span>\":\nوقد استفاد أبو حيان (١) في تفسيره \"البحر المحيط\" من \"البسيط\" للواحدي، ولم يذكر \"البسيط\" باسمه ولكن الكلام الذي ذكره موجود فيه، وإفادته منه تأتي بدرجة أقل بكثير من الرازي، ويبدو أن \"الرازي\" كان واسطة بين أبي حيان وبين \"الوسيط\"؛ حيث نجد أغلب النصوص التي نسبها للواحدي موجودة في تفسير الرازي وإلى عبارته أقرب، بل ربما صرح باسم الرازي كطريق له إلى \"الواحدي\".\nومن أمثلة ذلك ما ذكره عند تفسير قوله تعالى: ﴿بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الأنعام: ٢٨] قال أبو حيان في \"البحر\": .. وقال الواحدي: هذه الآية من الأدلة الظاهرة على المعتزلة على فساد قولهم، وذلك أنه تعالى أخبر عن قوم جرى عليهم قضاؤه في الأزل بالشرك ثم بين أنهم لو شاهدوا النار والعذاب ثم سألوا الرجعة وردوا إلى الدنيا لعادوا إلى الشرك، وذلك للقضاء السابق فيهم، وإلا فالعاقل لا يرتاب فيما شاهد .. (٢) نجد الرازي ذكر القول بنصه فقال: قال الواحدي: هذه الآية من الأدلة الظاهرة على فساد قول المعتزلة ...\n_________\n(١) هو الإمام أبو حيان النحوي محمد بن يوسف الغرناطي الأندلسي، أثير الدين، من كبار العلماء بالعربية والتفسير، توفي سنة ٧٤٥ هـ.\nانظر: \"نكت الهميان\" ص ٢٨، و\"غاية النهاية\" ٢/ ٢٨٥.\n(٢) \"البحر المحيط\" ٤/ ١٠٤.","vol":"1","page":351},{"text":"إلخ (١)، أما الواحدي فيقول في \"البسيط\": وهذه الآية من الأدلة الظاهرة على تكذيب القدرية وذلك أن الله تعالى أخبر عن قول جرى عليهم قضاؤه في الأزل بالشرك ... (٢)، فيظهر من هذا أن أبا حيان نقل كلام الواحدي عن الرازي، حيث تابع في ذكر \"المعتزلة\" بدل \"القدرية\" والمعنى واحد.\nومثال آخر عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ﴾ [يونس: ٢٨] قال أبو حيان: ... وقال الواحدي: التزييل والتزيل والمزايلة: التمييز والتفريق ... (٣)، وكلام الواحدي ذكره الرازي (٤) قبل أبي حيان. ويظهر أنه أخذه عنه لتشابه عبارتيهما. ولأبي حيان كتاب في النحو هو \"ارتشاف الضرب في لسان العرب\" اعتمد فيه كثيرًا على البسيط للواحدي (٥).\n\n٣ - السمين الحلبي (٦) في تفسيره \"الدر المصون في علوم الكتاب المكنون\":\nواستفاد السمين في تفسيره من الواحدي، وتكرر ذكر اسمه ولم\n_________\n(١) \"الرازي\" ١٢/ ١٩٤.\n(٢) \"البسيط\" ٢/ ل ٩٥، من نسخة \"جستربتي\".\n(٣) \"البحر المحيط\" ٥/ ١٥٢.\n(٤) \"الرازي\" ١٧/ ٨٣. انظر: \"البسيط\" ٣/ ل ٦، من نسخة \"جستربتي\".\n(٥) انظر: \"كشف الظنون\" ١/ ٦١، و\"أبو حيان النحوي\" للدكتورة خديجة الحديثي ص (١٣٥).\n(٦) شهاب الدين أبو العباس أحمد بن يوسف، المعروف بالسمين الحلبي، نشأ في حلب ورحل إلى مصر وبها توفى ست وخمسين وسبعمائة، انظر: \"طبقات المفسرين\" للداودي ١/ ١٠١، \"حسن المحاضرة\" ١/ ٥٣٦، و\"بغية الوعاة\" ١/ ٤٠٢.","vol":"1","page":352},{"text":"يصرح بكتابه الذي أخذ عنه، لكن نجد جميع الأقوال التي نقلها عنه موجودة في \"البسيط\" مما يدل على أنه أخذها عنه.\nمن أمثلة ذلك في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٠٣] ذكر السمين الأقوال في وزن \"لمثوبة\" ومنه قوله: ... وقد جاءت مصادر على مفعول كالمعقول فهي مصدر، نقل ذلك الواحدي (١).\nوفي سورة المائدة في تفسير قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٥٩] تكلم السمين عن موقع جملة ﴿وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ﴾ وذكر أوجه الإعراب المحتملة فيها ... ومما قاله: ونقل الواحدي عن بعضهم أن ذلك من باب المقابلة والازدواج، يعني أنه لما نقم اليهود عليهم الإيمان بجميع الرسل وهو مما لا ينقم، ذكر في مقابلته فسقهم وهو مما ينقم ...، وذكر أقوالا كثيرة ثم قال: \"وهذا هو مجموع ما أجاب به الزمخشري والواحدي\" (٢)، وفي موضع آخر قال: ... ويدل على ذلك ما نقله الواحدي عن صاحب \"النظم\" ... (٣).\nوفي تفسير قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ الآية [المائدة: ٦٧] قال السمين: .. وقال الواحدي: أي: إن يترك إبلاغ البعض كان كمن لم يبلغ، لأن تركه البعض\n_________\n(١) \"الدر المصون\" ٢/ ٥٠ وانظر كلام الواحدي في \"البسيط\" ١/ ل ٧٧ \"الأزهرية\".\n(٢) \"الدر المصون\" ٤/ ٣٢٠، انظر \"البسيط\" ٢/ ل ٦٣ \"نسخة جستربتي\".\n(٣) \"الدر المصون\" ٤/ ٣٢١، انظر \"البسيط\" ٢/ ل ٦٣ \"نسخة جستربتي\".","vol":"1","page":353},{"text":"محبط لإبلاغ ما بلغ، وجرمه في كتمان البعض كجرمه في كتمان الكل في أنه يستحق العقوبة من ربه، وحاشا الرسول - ﷺ - أن يكتم شيئًا مما أوحي إليه ... (١).\nوفي سورة الأعراف في تفسير قوله تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ﴾ [الأعراف: ٤] ذكر السمين الأقوال في ﴿بَيَاتًا﴾ ومنه قوله: وقال الواحدي قوله: بياتا: أي ليلًا. وظاهر هذه العبارة أن يكون ظرفًا لولا أن يقال: أراد تفسير المعنى (٢).\n\n٤ - المفسر سليمان بن عمر العجيلي الشهير بالجمل (٣) في تفسيره \"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين للدقائق الخفية\":\nلقد كان كتاب \"الدر المصون\" للسمين الحلبي مصدرًا رئيسًا للجمل في تفسيره، نقل عنه كثيرًا، وصدر عنه، وقد وردت عنده المصادر التي أخذ منها السمين، ومنها تفسير الواحدي، فنراه يتكرر في \"الفتوحات الإلهية\" في المواضع التي ورد فيها في \"الدر المصون\" للسمين. وأذكر بعض الأمثلة التي توضح ذلك، في آية البقرة وهي قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٠٣] قال الجمل وهو يتكلم عن \"المثوبة\"، ... وقد جاءت مصادر على مفعول كالمعقول فهي مصدر، نقل ذلك الواحدي (٤)،\n_________\n(١) \"الدر المصون\" ٤/ ٣٥٢. انظر \"البسيط\" ٢/ ل ٦٦ \"نسخة جستربتي\".\n(٢) \"الدر المصون\" ٥/ ٢٥٠. انظر \"البسيط\" ٢/ ل ١٣٩ \"نسخة جستربتي\".\n(٣) هو سليمان بن عمر العجيلي المصري، الأزهري، الشافعي، فقيه مفسر ولد وتوفى قي مصر سنة ١٢٠٤ هـ انظر: \"هدية العارفين\" ١/ ٤٠٦، و\"معجم المؤلفين\" ٤/ ٢٧١، و\"الأعلام\" ٣/ ١٣١.\n(٤) \"الفتوحات الإلهية\" ١/ ٨٩، ٩٠.","vol":"1","page":354},{"text":"راجع كلام السمين السابق تجده بنصه.\nوعند تفسير قوله تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا﴾ الآية [الأعراف: ٤] قال الجمل: وقال الواحدي: قوله (بياتًا) أي: ليلًا، وظاهر هذه العبارة أن يكون ظرفًا لولا أن يقال أراد تفسير المعنى. اهـ سمين .. (١)، فنجد الجمل يصرح بنقله قول الواحدي من طريق السمين الحلبي.\n\n٥ - الألوسي (٢) في تفسير \"روح المعاني\":\nوأفاد الألوسي في تفسيره \"روح المعاني\" من كتاب \"البسيط\" للواحدي وقد اكتفى بذكر \"الواحدي\" دون ذكر الكتاب الذي أخذ منه، وبمقارنة النصوص وجدت أكثرها في \"البسيط\".\nمن أمثلة ذلك عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤)﴾ [البقرة: ٤] قال الألوسي في تفسير \"اليقين\": ... وذهب الواحدي وجماعة إلى أنه ما يكون عن نظر واستدلال، فلا يوصف به البديهي، ولا علم الله تعالى (٣).\nيقول الواحدي في \"البسيط\": واليقين هو العلم الذي يحصل بعد الاستدلال ونظر لغموض المنظور فيه أو إشكاله على الناظر ... ولذلك لم يجز أن يوصف القديم سبحانه به، ولأن علمه لم يحصل عن نظر واستدلال (٤).\n_________\n(١) \"الفتوحات الإلهية\" ٢/ ١٢١.\n(٢) هو شهاب الدين محمود بن عبد الله الألوسي، مفسر محدث، أديب، ولد وتوفي في بغداد. توفي سنة (١٢٧٠ هـ) انظر: \"الأعلام\" ٧/ ١٧٦.\n(٣) \"روح المعاني\" ١/ ١٢٢.\n(٤) انظر: \"البسيط\" عند قوله تعالى: ﴿وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ [البقرة: ٤].","vol":"1","page":355},{"text":"عند تفسير قوله تعالى ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٤٨] قال الألوسي: ... وذكر الواحدي أن \"عدل\" الشيء بالفتح والكسر مثله، وأنشد قول كعب بن مالك:\nصبَرْنَا لا نَرى للهِ عَدْلًا ... عَلى مَا نَابَنَا مُتَوَكِّلِينَا\" (١)\nقال الواحدي في \"البسيط\": عدل الشيء وعدله: مثله، قال الله تعالى: ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ [المائدة: ٩٥] أي ما يمثله من الصيام، وقال كعب بن مالك:\nصبَرْنَا لا نَرى للهِ عَدْلًا ... عَلى مَا نَابَنَا مُتَوَكِّلِينَا\" (٢)\nوعند تفسير قوله تعالى: ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ﴾ الآية [المائدة: ١٠٧] قال الألوسي: \"وقال الواحدي: روي عن عمر -﵁- ربه أنه قال: هذه الآية ما في السورة من الأحكام\" (٣)، والرواية عن عمر عند الواحدي في \"البسيط\" (٤).\nوبهذه الأمثلة نرى الألوسي قد أخذ في تفسيره عن الواحدي في مجال اللغة والعقيدة والأثر.\nهؤلاء من أشهر المفسرين الذين أفادوا من الواحدي وتأثروا بكتابه \"البسيط\"، وبهذا نرى المدى الذي تركه كتاب البسيط في المفسرين بعده.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-202>ب- في علوم القرآن:</span>\nلم يقتصر أثر الواحدي على المفسرين بعده فقط، بل نجد كتاب\n_________\n(١) \"روح المعاني\" ١/ ٢٥١.\n(٢) انظر: \"البسيط\" عند تفسير قوله تعالى: ﴿واتقوا يومًا ...﴾ [البقرة: ٤٣].\n(٣) \"روح المعاني\" ٧/ ٥٣.\n(٤) انظر: \"البسيط\" ٢/ل ٨٤، \"نسخة جستربتي\".","vol":"1","page":356},{"text":"\"البسيط\" مصدرًا هامًا للمؤلفين في علوم القرآن الكريم ومنهم:\n\n١ - بدر الدين الزركشي (١) في كتابه \"البرهان في علوم القرآن\":\nأفاد الزركشي في كتابه من الواحدي كثيرًا، ونص على كتاب \"البسيط\" في مواضع، وربما نقل عنه ولم يذكر \"البسيط\"، وهذه النقول بالتتبع نجدها في \"البسيط\". من أمثلة ذلك في النوع السابع: في \"أسرار الفواتح والسور\" قال الزركشي: ... وقال الواحدي في \"البسيط\" في أول سورة يوسف: لا يعد شيء منها آية إلا في \"طه\"، وسره أن جميعها لا يشاكل ما بعده من رؤوس الآي، فلهذا لم يعد آية بخلاف طه فإنها تشاكل ما بعدها (٢). ذكر قول الواحدي بمعناه (٣).\nوفي موضوع بيان معنى الآية يقول الزركشي: \"قال الواحدي: وبعض أصحابنا يجوز على هذا القول تسمية أقل من الآية آية، لولا أن التوقيف ورد بما هي عليه الآن\" (٤)، وقول الواحدي في معنى الآية بنصه في \"البسيط\" (٥).\nوفي النوع السابع والأربعين \"الكلام على المفردات من الأدوات\" قال الزركشي: -أثناء كلامه عن \"لكن\"-: وقال صاحب \"البسيط\" إذا وقع\n_________\n(١) هو الإمام بدر الدين محمد بن عبد الله بن بهادر الزركشي، من أعلام الفقه والحديث والتفسير وأصول الدين، وتوفي بمصر سنة أربع وتسعين وسبعمائة. انظر \"حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة\" للسيوطي ١/ ٤٣٧.\n(٢) \"البرهان في علوم القرآن\" ١/ ١٧١.\n(٣) انظر: \"البسيط\" ٣/ ل ٥٦، نسخة \"جستربتي\".\n(٤) \"البرهان في علوم القرآن\" ١/ ٢٦٧.\n(٥) \"البسيط\" ص ٧٩٦.","vol":"1","page":357},{"text":"بعدها جملة فهي للعطف، أو حرف ابتداء، قولان، كقوله تعالى: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ﴾ [النساء: ١٦٦] قال: وتظهر فائدة الخلاف في جواز الوقف على ما قبلها، فعلى العطف لا يجوز وعلى كونها حرف ابتداء يجوز.\nقال: وإذا دخل عليها الواو انتقل العطف إليها، وتجردت للاستدراك\" (١).\nوهكذا نجد اسم الواحدي يتردد كثيرًا في \"البرهان\" (٢) مما يدل على مدى إفادته من كتاب \"البسيط\".\n\n٢ - جلال الدين السيوطي (٣) في كتابه \"الإتقان في علوم القرآن\":\nأفاد السيوطي في كتابه \"الإتقان\" من \"البسيط\" للواحدي، ونقل عنه في مواضع متعددة. قد يذكر الواحدي باسمه فيقول: قال الواحدي، أو يقول: قال صاحب \"البسيط\". وربما يكون في أكثر المواضع ناقلًا عن الزركشي.\nومن أمثلة ذلك عند الكلام معنى الآية قال: قال الواحدي وبعض أصحابنا قال: يجوز على هذا القول تسمية أقل من الآية آية لولا أن التوقيف ورد بما هي الآن\" (٤).\n_________\n(١) \"البرهان في علوم القرآن\" ٤/ ٣٩٠.\n(٢) انظر: \"البرهان\" ١/ ٢٩١، ٢/ ٣٩، ١٤، ١٤٧، ٢٧٨، ٢٨٨، ٤٠٩، ٤٣٥، ٣/ ١٦١، ١٨٧، ٢٧٩، ٣٧٠، ٤٧٤، ٤/ ٣٣٨.\n(٣) هو الحافظ جلال الدين عبد الرحمن بن كمال السيوطي، أبو بكر، صاحب التصانيف المشهورة، ولادته ووفاته في مصر سنة (٨٤٩ - ٩١١ هـ) انظر: \"حسن المحاضرة\" ١/ ٣٣٥.\n(٤) \"الإتقان\" ١/ ٨٨.","vol":"1","page":358},{"text":"مثال آخر في \"النوع الأربعين\" في معرفة \"الأدوات\" قال السيوطي: لكن مشددة النون، حرف ينصب الاسم ويرفع الخبر ومعناه الاستدراك، وفسر بأن تنسب لما بعدها حكمًا مخالفًا لحكم ما قبله، ولذلك لابد أن يتقدمها كلام مخالف لما بعدها أو مناقض له نحو: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾ [البقرة: ١٠٢]، وقد ترد للتوكيد مجردًا عن الاستدراك، قاله صاحب \"البسيط\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-205>جـ- في كتب الفقه:</span>\nلم يقتصر أثر الواحدي فيمن بعده من خلال كتابه \"البسيط\" على المفسرين والمؤلفين في علوم القرآن، بل نجد بعض فقهاء الشافعية ينقلون من \"البسيط\" ويعتبرونه مصدرًا لهم، فهذا الإمام النووي (٢) ﵀، في كتابه \"المجموع شرح المهذب\" -وهو من أكبر كتب الفقه الشافعي- ينقل كلام الواحدي وينص على \"البسيط\".\nيقول في مقدمة الكتاب وهو يشرح لفظ الذكر: قال الإمام أبو الحسن علي بن أحمد الواحدي المفسر الأديب الشافعي: أصل الذكر في اللغة: التنبه على الشيء، وإذا ذكرته فقد تنبهت عليه، ومن ذكرك شيئًا فقد نبهك عليه، وليس من لازمه أن يكون بعد نسيان. قال: ومعنى الذكر حضور المعنى في النفس، ويكون تارة بالقلب، وتارة باللسان، وتارة بهما، وهو أفضل الذكر، ويليه ذكر القلب، والله أعلم (٣).\n_________\n(١) \"الإتقان\" ١/ ٢٢٤، \"البسيط\" ١/ ل ٧٥، من النسخة الأزهرية\n(٢) هو الإمام يحيى بن شرف النووي الشافعي، أبو زكريا، محيي الدين، علامة بالفقه والحديث. ولادته ووفاته (٦٣١ - ٦٧٦ هـ) انظر: \"طبقات الشافعية\" للسبكي ٥/ ١٦٥، و\"النجوم الزاهرة\" ٧/ ٢٧٨.\n(٣) \"المجموع شرح المهذب\" ١/ ٧٤.","vol":"1","page":359},{"text":"ذكر الواحدي هذا في \"البسيط\" عند تفسير قوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: ١٥٢] قال: أصل الذكر في اللغة التنبه على الشيء ومن ذكرك شيئا فقد نبهك عليه ... الخ (١).\nوفي موضع آخر ذكر النووي حكم التأمين بعد الفاتحة وقال: \"قال أصحابنا: ويسن التأمين لكل من فرغ من الفاتحة، سواء كان في الصلاة أو خارجها، قال الواحدي: لكنه في الصلاة أشد استحبابًا (٢).\nوفي موضع آخر قال: ذكر أصحابنا أو جماعة منهم: أن لا يصل لفظة آمين بقوله: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧] بل بسكتة لطيفة جدًا ...\nوممن نص على استحباب هذه السكتة القاضي حسين في تعليقه، وأبو الحسن الواحدي في \"البسيط\" (٣). وقد قرر هذه الأحكام الواحدي في \"البسيط\" في آخر تفسير الفاتحة.\nبهذا ندرك تلك المكانة العالية التي تبوأها الواحدي ومؤلفاته خصوصًا كتاب \"البسيط\" حتى أصبح مرجعًا لبعض علماء التفسير وعلوم القرآن، ينقلون أقواله في مجال التفسير، أو اللغة، أو علوم القرآن، أو الأحكام.\n_________\n(١) \"البسيط\" ١/ ل ٩٧، من النسخة الأزهرية.\n(٢) \"المجموع شرح المهذب\" ٣/ ٣٧١.\n(٣) \"المجموع شرح المهذب\" ٣/ ٣٧٣.","vol":"1","page":360},{"text":"- الطحطاوي (١) في \"حاشية المراقي\" ٢/ ٢٥٦:\nبعد ما حكى الأقوال في آمين، قال: وحكى الواحدي عن حمزة والكسائي الإمالة فيها، ولو مد مع التشديد كان مخطئا في المذاهب الأربعة، وهو من لحن العوام. ولا تفسد به الصلاة عند الثاني لوجوده في القرآن وعليه الفتوى ... إلخ.\nوذكر صاحب \"مغنى المحتاج\" ١/ ١٥٥: قول الواحدي في آمين مع المد لغة ثالثة وهي الإمالة، وحكى التشديد مع القصر، أي قاصدين إليك وأنت أكرم أن لا تجيب من قصدك ..\n- نقل الشوكاني (٢) في \"نيل الأوطار\" ١/ ٣٩٣.\nاختلاف العلماء في تحديد الصلاة الوسطى، قال: القول الثاني: أنها الظهر، نقله الواحدي عن زيد بن ثابت وأبي سعيد الخدري وأسامة بن زيد وعائشة.\n_________\n(١) هو أحمد بن محمد بن إسماعيل الطحطاوي، الفقيه الحنفي، توفي ١٢٣١ هـ، من تصانيفه: \"الحواشي على الدر\"، \"شرح مراقي الفلاح\".\nينظر: ترجمته في \"أعيان القرن الثالث عشر\" ص ٧٣، ٧٤، \"معجم الأدباء\" ١/ ٢٠، \"الأعلام\" ١/ ٢٤٥.\n(٢) محمد بن علي بن محمد الشوكاني ثم الصنعاني، الإمام المحدث، الفقيه، الأصولي، المفسر، المؤرخ ولد سنة ١١٧٣ هـ، وولي القضاء، توفي سنة ١٢٥٠ هـ من مصنفاته: \"إرشاد الفحول\"، \"فتح القدير\" \"السيل الجرار\"، \"البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع\".","vol":"1","page":361},{"text":"قال الصنعاني (١) في \"سبل السلام\" ١/ ١٩٣:\nقال الواحدي: إن كان الانتصار لأجل الدين فهو محمود وإن كان لأجل النفس فهو مباح لا يحمد عليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-206>د- ومن شراح الحديث:</span>\n١ - ابن حجر (٢) في \"فتح الباري\":\nنقل العلامة ابن حجر عن الواحدي في مواضع من \"فتح الباري\" أحيانًا بالنص على أنه من تفسيره، وأحيانًا من غير نص.\nأ- قال الحافظ ابن حجر في \"الفتح\": قوله \"لو كنت متخذًا خليلًا\" زاد في حديث أبي سعيد: غير ربي، وفي حديث ابن مسعود عند مسلم: وقد اتخذ الله صاحبكم خليلًا، وقد تواردت هذه الأحاديث على نفي الخلة من النبي - ﷺ - لأحد من الناس، وأما ما روي عن أبي بن كعب قال: إن أحدث عهدي بنبيكم قبل موته بخمس، دخلت عليه وهو يقول: \"إنه لم يكن نبي إلا وقد أتخذ من أمته خليلًا، وإن خليلي أبو بكر، ألا وإن الله\n_________\n(١) هو: محمد بن إسماعيل بن صلاح الكحلاني ثم الصنعاني، يعرف بالأمير، محدث، فقيه، أصولي، مجتهد من أئمة اليمن، ولد سنة ١٠٥٩ بكحلان ثم انتقل إلى صنعاء، وأخذ عن علمائها ثم رحل إلى مكة وأخذ عن علمائها ثم المدينة وبرع في العلوم حتى بلغ مرتبة الاجتهاد، توفي سنة ١١٨٢ هـ. من مصنفاته: \"سبل السلام\"، \"تطهير الاعتقاد\"، \"إرشاد النقاد إلى تيسير الاجتهاد\".\nينظر: \"البدر الطالع\" ٢/ ١٣٣ - ١٣٩، \"فهرس الفهارس\" ١/ ٢٨٧.\n(٢) هو أحمد بن علي العسقلاني، الإمام الحافظ المحدث، له مصنفات عظيمة من أشهرها \"فتح الباري\" توفي سنة ٨٥٢. ينظر: \"شذرات الذهب\" ٧/ ٢٧، \"النجوم الزاهرة\" ١٥/ ٩٠٢.","vol":"1","page":362},{"text":"أتخذني خليلًا\" أخرجه أبو الحسن الحربي في فوائده (١)، وهذا يعارضه ما في رواية جندب عند مسلم كما قدمته أنه سمع النبي - ﷺ - قبل أن يموت بخمس: \"إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل\" فإن ثبت حديث أبي أمكن أن يجمع بينهما، بأنه لما برئ من ذلك تواضعًا لربه وإعظامًا له، أذن الله تعالى له فيه من ذلك اليوم لما رأى من تشوفه إليه، وإكرامًا لأبي بكر بذلك، فلا يتنافى الخبران، أشار إلى ذلك المحب الطبري، وقد روي من حديث أبي أمامة نحو حديث أبي بن كعب دون التقييد بالخمس، أخرجه الواحدي في \"تفسيره\"، والخبران واهيان والله أعلم (٢).\n\n٢ - العيني (٣) في \"عمدة القاري\" ١/ ٦٦ - ٦٧.\nنقل في تفسير قوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١] عن الواحدي أنه قال: (أخبرنا محمد بن الحسن الحافظ، قال حدثنا محمد بن يحيى، قال: حدثنا محمد بن صالح، قال: حدثنا أبو صالح، قال: حدثني الليث، قال: حدثني عقيل عن ابن شهاب، قال: أخبرني محمد بن عباد بن\n_________\n(١) انظر: \"صحيح مسلم\" ٤/ ١٨٥٥ كتاب \"فضائل الصحابة\".\n(٢) \"الفتح\" ٧/ ٢٣، وانظر أيضًا \"الفتح\" ٣/ ٤٠٩، ٥/ ٣٥، ٨/ ١٩٧.\n(٣) هو العلامة بدر الدين أبو محمد محمود بن أحمد بن موسى العيني، قاضي القضاة ولد في رمضان سنة (٧٦٢) هـ. وتفقه بها ثم قدم حلب، وأخذ بها عن الجمال يوسف الملطي، ثم قدم القاهرة فأخذ عن مشايخها وبرع في الفنون، وولي حسبة القاهرة، ونظر الأحباس، وقضاء الحنفية، وله عدة مصنفات منها: \"شرح البخاري\"، \"معاني الأخبار في أسامي رجال شرح معاني الآثار للطحاوي\"، \"شرح الشواهد الكبرى\" ومختصره. وتوفي في ذي الحجة ٨٥٥ هـ. ينظر: \"نظم العقيان في أعيان الأعيان\" للسيوطي ١/ ٦٠، \"إكمال الكمال\" ٦/ ٣٧١.","vol":"1","page":363},{"text":"جعفر المخزومي أنه سمع بعض العلماء يقول: كان أول ما أنزل الله ﷿ على رسوله - ﷺ - ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ إلى قوله: ﴿مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ١: ٥] قال هذا صدر ما أنزل على رسول الله يوم حراء ثم أنزل آخرها ..).\n\n٣ - السيوطي (١) في \"تنوير الحوالك\" ١/ ٥٩:\nقال: وأورد الواحدي في \"أسباب النزول\" هذا الحديث عند ذكر آية النساء ...\n\n٤ - المناوي (٢) في \"فيض القدير\" ٢/ ٩٠:\nعندما تكلم على استقبال القبلة ونقل رأي النووي قال: قال الواحدي القبلة الوجهة وهي الفعلة من المقابلة وأصل القبلة لغة: الحالة التي يقابل الشخص غيره عليها لكنها الآن صارت كالعلم للجهة التي تستقبل في الصلاة، وقال الهروي: سميت قبلة لأن المصلي يقابلها وتقابله.\n_________\n(١) سبقت ترجمته.\n(٢) هو: محمد بن عبد الرؤوف بن تاج العارفين بن علي المناوي، القاهري، من كبار العلماء بالدين والفنون. انزوى للبحث والتصنيف، وكان قليل الطعام كثير السهر، فمرض وضعفت أطرافه، فجعل ولده تاج الدين محمد يستملي من تأليفه، ولد سنة ٩٥٢ هـ وتوفي ١٠٣١ هـ من تصانيفه: \"فيض القدير\".\nينظر: \"الأعلام\" ٦/ ٢٠٤، \"معجم المؤلفين\" ٣/ ٤١٠.","vol":"1","page":364},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-211>المبحث التاسع\nالنسخ المخطوطة الموجودة للبسيط التي تم التعرف عليها</span>\nيوجد للبسيط عدد من النسخ المخطوطة في مكتبات العالم على أن انتشار نسخ البسيط لم تصل إلى كثرة انتشار \"الوسيط\" و\"الوجيز\" ولعل ذلك يرجع إلى طول الكتاب، وصعوبة مادته، ومن ثم صعوبة نسخه وتداوله، وهذه الإشارة إلى النسخ التي تم التعرف عليها وهي:\n١ - نسخة محفوظة بالمكتبة الأزهرية بالقاهرة \"رواق المغاربة\" رقم (٣٠٣) \"تفسير\". الموجود منها: الجزء الأول والثالث والرابع والخامس، والثاني مفقود. كتبت هذه النسخة سنة ٦٣٦ هـ، خطها: جيد، مسطراتها: ٢٩ سطرًا تقريبًا، وقفت هذه النسخة على طلبة العلم المجاورين برواق المغاربة، ونص الوصية بذلك مثبت على وجه كل جزء، ونصه: \"وقف وحبس، وتصدق لوجه الله تعالى بجميع هذا الجزء من تفسير الإمام الواحدي، المكرم الأمير عبد الرحمن كتخدا على طلبة العلم المجاورين برواق المغاربة، تقبل الله صنيعه وشكر مسعاه ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾، تحريرًا في الرابع والعشرين من رجب الفرد في شهور سنة ١١٧٦ هـ الفقير إلى الله أبو الحسن ابن عمر خادم العلم بالأزهر\" وعلى هوامشها تعليقات من الكاتب، يصدر كل تعليق بـ قوله: \"ش ك\" أي شرح من الكتاب، وبالتتبع وجدت هذه التعليقات منقولة بنصها من \"الكشاف\" وقد أثبت أمثلة منها في هوامش الجزء المحقق.\nالجزء الأول: أول الكتاب إلى منتصف سورة \"النساء\" ويقع في","vol":"1","page":365},{"text":"(٢٤٨) لوحة في بعض أوراقه تآكل. لهذا الجزء صورة \"ميكروفيلم\" في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية رقم (٤٠٤٨) أولها غير واضح والمقروء يبدأ من لوحة (١٩).\nالجزء الثاني: مفقود.\nالجزء الثالث: يبدأ من أول سورة \"يونس\" إلى آخر سورة \"الأنبياء\" يقع في (٢٥٤) لوحة، به خرم من أثناء سورة \"يونس\"، بأوراقه تآكل من السوس، وبعض ترقيع أضاع قليلًا من الكلمات، له نسخة \"ميكروفيلم\" في جامعة الإمام تحت رقم (٨٠٤٩).\nالجزء الرابع: يبدأ من أول سورة \"الحج\" إلى آخر \"الشورى\" عدد أوراقه (٢٥٢) لوحة بينما كتب على ظاهره (٢٤٥) ورقة، سليم من التلف والسوس، سوى ما أصاب كعب التجليد، له صورة \"ميكروفيلم\" في جامعة الإمام رقم (٨٠٥٠).\nالجزء الخامس: من أول سورة \"الزخرف\" إلى آخر القرآن الكريم يقع (٢٠٩) لوحة في آخره: \"والله أعلم بالصواب هذا آخر الكتاب. ثم قال الشيخ المفسر -﵀- في نسخته الأصل: وقد يسر الله تعالى وله الحمد لحسن توفيقه تحرير هذا الكتاب الذي لم يسبق إلى مثله في هذا الباب ... والحمد لله فوق حمد العارفين، وفوق شكر الواصفين وصلواته وتحياته على المبعوث بالبيان الساطع والبرهان اللامع والقرآن الكريم والكتاب الحكيم، محمد النبي وعلى أصحابه أجمعين آمين، يا رب العالمين، وذلك لعشر بقين من ربيع الأول سنة ست وأربعين وأربعمائة والحمد لله\". ونظرًا لكون هذِه النسخة من أتم النسخ وأوثقها وأوضحها وأقدمها تاريخًا اعتمدت عليها وجعلتها أصلًا ورمزت لها بالرمز (أ).","vol":"1","page":366},{"text":"٢ - نسخة محفوظة بدار الكتب المصرية برقم (١) (٥٣) تفسير، موجود منها ستة أجزاء تحتوي على أكثر القرآن، جميعها بخط عادي كتبها \"محمد الشيمي\" كتبت سنة (١٢٧٠ هـ).\nالجزء الأول: من أول الكتاب إلى آخره سورة البقرة يقع في (٣٠٤) لوحات.\nالجزء الثاني: من أول سورة \"آل عمران\" إلى قوله تعالى: ﴿وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ﴾ [النحل: ٨٩] يقع في (١٣٣) لوحة.\nالجزء الثالث: مفقود.\nالجزء الرابع: من سورة \"يونس\" إلى آخر سورة \"النحل\" يقع في (٢٨٠) لوحة.\nالجزء الخامس: من سورة \"الإسراء\" وينتهي إلى آخر \"الأنبياء\" يقع في (٢٤٣) لوحة.\nالجزء السادس: من أول سورة \"الحج\" إلى آخر سورة \"السجدة\" ويقع في (٢٣٩) لوحة.\nالجزء السابع: من أول \"الأحزاب\" إلى آخر سورة \"الشورى\" ويقع في (١٥٩) لوحة. وبهذا الجزء ينتهي الموجود من هذه النسخة، ويوجد لها نسخة مصورة في معهد إحياء المخطوطات العربية في القاهرة تحت رقم (٥٦ - ٦١) (٢). وقد اعتمدنا على هذه النسخة ورمزنا لها بالرمز (جـ).\n٣ - الجزء الأول من نسخة محفوظة في الأوقاف بالأستانة رقم\n_________\n(١) انظر: \"فهرس الكبخانة الخديوية\" ١/ ١٣٣، ١٣٤، و\"فهرس الكتب العربية الموجودة في دار الكتب\" إلى سنة (١٩٢١ هـ) ١/ ٣٥.\n(٢) انظر: \"فهرس المخطوطات المصورة بالمعهد\" ١/ ٢٤، ٢٥.","vol":"1","page":367},{"text":"(١٥٧١) له صورة في معهد إحياء المخطوطات العربية بالقاهرة رقم (٦٢) (١). يقع هذا الجزء في (٢٤٨) لوحة مسطرته (١٩) سطرًا تقريبًا، خطه جيد واضح، يقدر أنها كتبت في القرن الثامن. يبدأ من أول الكتاب، إلى قوله تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا﴾ الآية [البقرة: ١١٧] اعتمدنا على هذه النسخة ورمزنا لها بالحرف (ب) (٢).\n٤ - جزء من نسخة مخروم الأول، وأول ما فيه من سورة \"مريم\" قوله تعالى: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا (٣)﴾ [مريم: ٣] وينتهي إلى آخر سورة \"الحج\" مكتوب بقلم عادى يقع في (٢٦٢) ورقة محفوظ بدار الكتب المصرية تحت رقم (١٢١) (٣).\n٥ - الجزء الأول والثاني من نسخة محفوظة بالجامع الكبير بصنعاء. الجزء الأول: يقع في (٤١٣) ورقة مسطرته (٢٤ - ١٦) تقريبًا، خطه قديم، مبتور أوله، سقط منه مقدمة الكتاب وسورة \"الفاتحة\" وأول البقرة.\n_________\n(١) انظر: \"فهرس المخطوطات المصورة بالمعهد\" ١/ ٢٥.\n(٢) في الخزانة التيمورية بدار الكتب المصرية يوجد نسخة كتب عليها: \"الجزء الأول من \"البسيط\" كتب سنة ٥٦٥ رقم (١٢٨٢) وتحت هذا العنوان مصورة في معهد المخطوطات برقم (٦٣) انظر فهرس التيمورية ١/ ١٣، فهرس معهد المخطوطات بالقاهرة ١/ ٢٥، تصفحت هذِه النسخة فتبين لي أنها ليست من \"البسيط\" وإنما هي \"الجزء الأول من تفسير الثعلبي\" اطلع على هذه النسخة صاحب كتاب \"الواحدي ومنهجه في التفسير\" وقال: \"اطلعت عليها فوجدت فيها اضطرابا في النسخ ... إلخ\" ص ٨٧.\n(٣) انظر: \"فهرس الكتبخانة الخديوية\" ١/ ١٣٤، و\"فهرس دار الكتب المصرية فهرس الكتب\" إلى سنة ١٩٢١ م ١/ ٣٥.","vol":"1","page":368},{"text":"الموجود من وسط \"البقرة\" إلى أثناء سورة \"النساء\". محفوظ تحت رقم (٥١).\nالجزء الثاني: يقع في (٤٤٨) ورقة، يبدأ من أول سورة \"براءة\" إلى سورة \"الرعد\" خطه قديم محفوظ تحت رقم (٥٤) (١).\n٦ - الجزء الثاني والثالث من نسخة محفوظة في مكتبة \"جستربتي\" كتب عليهما: هذا كتاب \"معاني التفسير\" المسمى \"البسيط\"، خطهما جيد مشكول بعض كلماته.\nالجزء الثاني: يقع في (٢٤٣) ورقة، يبدأ من أثناء سورة \"النساء\" وينتهي بأول سورة \"يونس\" كتب في آخره: \"آخر الجزء الثاني من كتاب معاني التفسير المسمى بالبسيط تصنيف الإمام الواحدي والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه الطيبين الطاهرين وحسبنا الله ونعم الوكيل، ووافق الفراغ منه في يوم الخميس في آخر شوال سنة ثمان وثلاثين وستمائة، كتبه الضعيف الراجي المحتاج إلى رحمة الله تعالى أحمد بن محمد بن الحسن القروني\" مصور ميكروفيلم في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية تحت رقم (٣٧٣١) وفي الفليم عدم وضوح في بعض الصفحات.\nالجزء الثالث: يقع في (٢٣٧) ورقة، يبدأ من سورة \"يونس\" قوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا﴾ الآية [يونس: ٤] أول تفسير الآية في الجزء الثاني وآخرها في الجزء الثالث، له \"ميكروفيلم\" في جامعة الإمام محمد\n_________\n(١) انظر: \"فهرس كتب الخزانة المتوكلية العامرة بالجامع الكبير في صنعاء\" ص ١٣.","vol":"1","page":369},{"text":"بن سعود الإسلامية تحت رقم (٣٧٣٦) وكتب عليه \"الجزء الثاني\".\n٧ - الجزء الثالث: من نسخة مصورة في جامعة الإمام تحت رقم (٥١٠٥) تقع في (٢٩٣) ورقة [٣١ س] كتب على الوجه الأول \"الجزء الثالث من البسيط\" تأليف أبي الحسن علي بن أحمد الواحدي. سورة المائدة والأنعام والأعراف. سبعة أحزاب، وعليه عدة تملكات أكثرها غير واضح، وفي آخره: \"تمت المجلدة الثالثة بحمد الله وجميل صنعه يتلوها في الرابعة إن شاء الله سورة \"الأنفال\" ذي الحجة لشهور سنة ست وستمائة هجرية، والحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على خير خلقه محمد وآله وصحبه أجمعين .. بقلم الفقير إلى الله عثمان بصليق الشافعي\".\n٨ - الجزء السابع من نسخة قديمة، ويبدأ من أول سورة \"الحج\" إلى آخر سورة \"القصص\" فيه خرم وتلف كثير أضر بالكتاب ضررًا بالغًا، خطه نسخ معتاد، كتبه محمد بن عبد المحسن الأنصاري سنة (٦٢٧ هـ) عدد أوراقه (٢٣٧) ورقة، ١٩ س، محفوظ في دار الكتب الظاهرية تحت رقم (٧٠٢٣) (١).\n٩ - في فهرس نوادر المخطوطات العربية في تركيا ذكر الجزء الثاني من كتاب معاني التفسير، قال: لعله البسيط، في مكتبة اسكيليب رقم (١٠٣٠) يبدأ من قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ﴾ الآية [البقرة: ١٢٧] إلى آخر البقرة. نسخ سنة (٦١٦ هـ) يقع في (٢٢٦) ورقة، عليه قيد سماع سنة (٦١٧ هـ) (٢).\n_________\n(١) انظر: \"فهرس مخطوطات دار الكتب الظاهرية\" \"علوم القرآن\" ص ١٦٦.\n(٢) \"فهرس نوادر المخطوطات العربية في تركيا\" ٣/ ٥٧.","vol":"1","page":370},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-212>المبحث العاشر\nمنهج العمل في تحقيق \"البسيط</span>\"\n<span data-type=\"title\" id=toc-213>سار الباحثون في التحقيق حسب المنهج التالي:</span>\n١ - طريقة النص المختار من بين النسخ، لكون النسخ الموجودة لا ترقى واحدة منهن أن تكون أصلًا يعتمد عليه.\n٢ - ذكر الباحثون الفروق بين النسخ الخطية، عدا الألفاظ التي لا أثر للخلاف فيها، مثل: \"تعالى\" و\"﷿\".\n٣ - قابل الباحثون بين الكتاب ومصادره المهمة كتفسير الثعلبي و\"معاني القرآن\" للزجاج، و\"الحجة للقراء السبعة\" للفارسي.\n٤ - عزا الباحثون الآيات المستشهد بها إلى مواضعها من القرآن الكريم عقب ذكرها مباشرة، وجعلنا ذلك في الأصل بين معقوفتين للتسهيل والتقليل من حواشي الكتاب.\n٥ - وثق الباحثون القراءات من المصدر الأساسي للمؤلف وهو كتاب \"السبعة\" لابن مجاهد، وذكروا من قرأ بها إذا لم يكن المؤلف ذكر ذلك.\n٦ - لما كانت النسخ الخطية التي بين يدي الباحثين قد ذكر فيها التفسير سردًا دون أن تذكر الآية أو الآيات قبل تفسيرها على العادة الجارية في كتب التفسير، فإننا قد قمنا بكتابة الآيات قبل تفسيرها؛ وذلك لكونه أوضح في قراءة التفسير، وأجمع للآيات المفرقة لمن أراد مراجعتها.\n٧ - لقد أكثر الواحدي من النقل، بعزو وبغير عزو في الغالب، الأمر الذي حمل الباحثين على تتبع هذه النقول في مصادرها التي تعرفوا عليها، وأشاروا إلى الفروق الهامة في الهوامش، لما لذلك من الأهمية في توثيق","vol":"1","page":371},{"text":"النص من مصدره، وبيان ما استغلق من الجمل والكلمات، والتعرف على طريقة الواحدي ومنهجه في التصرف في النص المنقول، وقد ترتب على ذلك تكرار أسماء بعض الكتب في الصفحة الواحدة، ولعل ما قصد الباحثون إليه من فائدة يساعد على تجاوز ما يلاحظ من تكرار.\n٨ - خرج الباحثون الأحاديث من مصادرها الأصلية، فإن كان في الصحيحين اكتفوا غالبًا بالإحالة عليهما، وإن كان في غيرهما ذكروا من خرجه، وأتبعوا بحكم الأئمة عليه صحة وضعفًا.\n٩ - خرج الباحثون آثار الصحابة والتابعين من أهم مصادر التفسير المسند، وإذا لم يجدوها في التفاسير المسندة عزوها إلى كتب التفسير الآخرى.\n١٠ - شرحوا ألفاظ الواحدي الغريبة من أمهات كتب اللغة، وضبطوا من ألفاظه ما يحتاج إلى ضبط، حتى يسهل قراءتها.\n١١ - عرّفوا بالأعلام من العلماء والشعراء وغيرهم، ولم يستثنوا إلا الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، والخلفاء الراشدين -﵃- والأئمة الأربعة.\n١٢ - علقوا على المسائل العقائدية، والتفسيرية، والنحوية، واللغوية بما يلزم لإيضاح قول، أو بيان قوته، أو ضعفه، وحاولوا الإقلال من ذلك في مجال النحو واللغة -إلا ما لابد منه- حتى لا يثقل الكتاب بمسائل نحوية ولغوية زيادة على ما فيه.\n١٣ - حرص الباحثون كثيرًا على ذكر المصادر في الهوامش حسب ترتيبها التاريخي سوى المصدر الذي يغلب على الظن أن الواحدي نقل عنه فيقدمونه، ولو كان ما بعده أسبق منه.","vol":"1","page":372},{"text":"وبعد، فإننا نشكر المولى ﷾ أن وفقنا لإتمام هذا العمل ونحن لا ندير لهذا العمل الكمال، وإن كنا نسعى إليه، فهذا متعذر في واقع البشر كما قال المزني: لو عُورض كتابٌ سبعين مرة لوجد فيه خطأ، أبى الله أن يكون كتابًا صحيحًا غير كتابه - على هذا الوجه، فله الحمد كله، وله الشكر كله، لا نحصي ثناء عليه إنه كما أثنى على نفسه، والحمد لله رب العالمين.\n* * *","vol":"1","page":373},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-214>نماذج من النسخ الخطية للكتاب</span>\nالصفحة الأولى من المجلد الخامس من النسخة الأزهرية","vol":"1","page":375},{"text":"أول سورة يوسف من النسخة الأزهرية","vol":"1","page":376},{"text":"الصفحة الأخيرة من الكتاب من النسخة الأزهرية","vol":"1","page":377},{"text":"نهاية نسخة دار الكتب المصرية","vol":"1","page":378},{"text":"عنوان النسخة اليمنية","vol":"1","page":379},{"text":"بداية سورة التوبة من النسخة اليمنية","vol":"1","page":380},{"text":"نهاية نسخة جستوبتي","vol":"1","page":381},{"text":"بداية تفسير سورة المائدة من نسخة جامعة الإمام","vol":"1","page":382},{"text":"صفحة من نسخة عاطف أفندي بتركيا","vol":"1","page":383},{"text":"صفحة من نسخة شهيد علي","vol":"1","page":384},{"text":"صفحة أخرى من نسخة شهيد علي","vol":"1","page":385},{"text":"صفحة من نسخة جامعة استانبول","vol":"1","page":386},{"text":"التَّفْسِيرُ البَسِيْط\nلأبي الحسن علي بن أحمد بن محمد الواحدي\nالمتوفى سنة ٤٦٨ هـ\nالنص المحقق","vol":"1","page":387},{"text":"مقدمة المُصنِّف","vol":"1","page":389},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-215>مقدمة المؤلف</span>\nبسم الله الرحمن الرحيم (١)\nالحمد لله القادر، العليم الفاطر، الحكيم المتصف (٢) بالعلم الشامل والطول الكامل، الذي أحصى كل شيء عددا، وأحاط بكل شيء علما، فلا يخفى عليه الشاهد والغيب، ولا يشوب (٣) علمه الشك والريب، يعلم العلن والإسرار والجهر والإضمار، والمشكل والجلي، والبادي والخفي، ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩]\nويعلم قول الحكل (٤)، (لو أن ذرة ... تساود (٥) أخرى لم يفته سوادها).\nفسبحانه من عالم لا بفكرة واجتهاد، وضمير فؤاد (٦)، و(٧) بصير لا بحدقة وسواد، وعزيز لا بعدة وعتاد، وقائل لا بلسان ولهاة، وصانع لا بآلة\n_________\n(١) في (ب): كلمة غير مقروءة بعد البسملة لعلها (هو حسبي).\n(٢) (المتصف): مكانها بياض في (ج).\n(٣) في (ب): (ولا يسري عليه).\n(٤) في (ب): (الخطر). (الحكل): العجم من الطيور والبهائم، وقيل: ما لا نطق له كالنمل وغيره، انظر: \"الصحاح\" ٤/ ١٦٧٢، و\"مجمل اللغة\" ١/ ٢٤٦ مادة (حكل).\n(٥) في (ب): (مساود). والسواد: السرار، تقول: ساودته مساودة وسوادًا، أي: ساررته وأصله إدناء سوادك من سواده وهو الشخص. انظر: \"الصحاح\" (سود): ٢/ ٤٩٢، \"مجمل اللغة\" ٢/ ٤٧٧، \"اللسان\" (حكل): ٤/ ٢١٤٢.\n(٦) في (ج): (وارد).\n(٧) (الواو): ساقطة من (ب).","vol":"1","page":391},{"text":"وأداة، ومريد (١) لا بتوطين نفس، ومتكلم لا بنغمة وجرس، ومدبر لا بمشاورة، ومقدر لا بمداورة، تعالى عن الأنداد والأشكال والأشباه والأمثال، واستحق (٢) أوصاف الكمال، واستأثر (٣) بنعوت الجلال (٤).\nبعث في الأميين رسولًا من أوسطهم نسبًا، وأشرفهم حسبًا، وأحسنهم أدبًا، وأشهرهم أمًّا وأبًا، يتلو عليهم آياته، ويعارض أباطيلهم ببيناته، حتى انكشطت غشاوة الشك عن وجه اليقين، وتفرَّت دياجي الكفر عن عمود الدين، أنزل عليه نورًا مبينًا، ووحيًا مستبينًا، أنقذ به من الضلالة، وهدى به من حيرة الجهالة، والناس على شرف بوار (٥)، والخلق على شفا نار (٦)، وجعله قرآنًا عربيًا فرفع به من شأن لغتهم، وأزرى (٧) نظمه (٨) بنظومهم وبلاغتهم، ولما تحداهم عجزوا عن معارضته (٩)، وهم لُدّ (١٠) بلغاء، وقصروا\n_________\n(١) في (ب): (موتد).\n(٢) (استحق): بياض في (ج).\n(٣) (استأثر): غير واضح في (ب).\n(٤) ما ذكره عن نفي مشابهة الله لخلقه صحيح، لكن ليس من منهج السلف تكلف مثل هذِه العبارات في النفي. قال ابن تيمية: (الله ﷾ بعث رسله بإثبات مفصل ونفي مجمل .. إلخ). \"التدمرية\" ص ٨.\n(٥) البوار: الهلاك. انظر: \"تهذيب اللغة\": (بار): ١/ ٢٥٤، \"الصحاح\" ٢/ ٥٨٩.\n(٦) (نار): غير واضحة في (ب).\n(٧) أزرى بالشيء: حقّره وهوّنه واستخفَّ به. انظر: اللسان (زرى): ١٤/ ٣٥٦ (ط دار صادر).\n(٨) قوله (أزرى نظمه): غير واضح في (ب).\n(٩) قوله (معارضته): عليها طمس في (ب).\n(١٠) في \"تهذيب اللغة\": الألد: الشديد الخصومة، واشتقاقه من لديدي العنق وهما صفحتاه، يقال: رجل ألدّ، وامرأة لدّاء، وقوم لُدّ. \"التهذيب\" (لَدَّ) ٤/ ٣٢٥٤، وانظر: \"اللسان\" ٧/ ٤٠٢٠.","vol":"1","page":392},{"text":"عن الإتيان بمثله وهم لسن (١) فصحاء، فبهرت معجزته، وظهرت دلالته صلى الله عليه وعلى آله صلاة تنمو أبدًا، وتتصل مددًا ما تناوب (٢) الصباح والمساء، وانطبق على الأرض السماء.\nوبعد: فمنذ دهر تحدثني نفسي بأن أعلق لمعاني (٣) إعراب القرآن وتفسيره: فِقَرًا (٤) في الكشف عن غوامض معانيه، ونُكتًا (٥) في الإشارة إلى علل القراءات فيه، في ورقات يصغر حجمها ويكثر غنمها، والأيام تمطلني بصروفها على اختلاف صنوفها، إلى أن شدد علي خناق التقاضي قوم لهم في العلم سابقة، وفي التحقيق همم صادقة، فسمحت قرونتي (٦) بعد الإباء، وذلت\n_________\n(١) في (ب): (ليس).\n(٢) في (أ)، (ج): (وتتناوب)، وأثبت ما في (ب): لأنه أصح في السياق.\n(٣) في (ب): (معاني)، وفي (أ): مطموسة.\n(٤) في (ب): (وفِقْرًا): بزيادة واو مع سكون القاف. في \"تهذيب اللغة\" (الفقر: خرزات الظهر، الواحدة فقرة ٣/ ٣ فقر)، وفي \"الصحاح\" (أجود بيت في القصيدة يسمى فقرة تشبيها بفقرة الظهر)، ٢/ ٧٨٢، وفي \"اللسان\": الفقرة: العلم من جبل أو هدف ونحوه، ٦/ ٣٤٤٧، وفي \"المعجم الوسيط\": الفقرة: جملة من كلام، أو جزء من موضوع، أو شطر من بيت شعر، ٢/ ٦٩٧.\n(٥) النكتة: كالنقطة، وهي شبه وقرة في العين وشبه وسخ في المرآة، ونكتة سوداء في شيء صاف، انظر: \"تهذيب اللغة\" (نكت): ٤/ ٣٦٥٨، \"الصحاح\" ١/ ٢٦٩، \"اللسان\" ٢/ ١٠٠، قال في \"المعجم الوسيط\": النكتة: المسألة العلمية الدقيقة يتوصل إليها بدقة وإنعام فكر، ٢/ ٩٥٩.\n(٦) في (ب): (عروسى) بدون نقط.\n(القرونة) النفس، في \"الصحاح\" يقال: أسمحت قرينه وقرونه وقرونته وقرينته، أي: ذلت نفسه وتابعته على الأمر. \"الصحاح\" (قرن) ٦/ ٢١٨٢، وانظر: \"اللسان\" ٦/ ٣٦١٢.","vol":"1","page":393},{"text":"صعوبتي بعد النفرة (١) والالتواء (٢)، وذلك لتوفر دواعي أهل زماننا على الجهل، وظهور رغباتهم عن العلم، الذي فيه شرف الدين والدنيا، وعز الآخرة والأولى، فقل من ترى (٣) من المتحلين بعقوده وقلائده، ومنتحلي غرره وفوائده (إلا متشبعًا (٤)، كلابس ثوبي زور) (٥)، يبرق، وبروقه غير صادقة، ويرعد وسماؤه غير وادقة، اللهم إلا نفرًا يقل عددهم عند الإحصاء، وتكثر فضائلهم على الحصر والاستقصاء، غير أنهم الأكثرون وإن قلوا، ومواضع الأنس (٦) حيث حلوا؛ لأن العلم وإن أصبح في الناس مجفوًّا (٧)، وأظهروا عنه نفرة ونُبوًّا (٨)،\n_________\n(١) (النفرة): فيها طمس في (أ).\n(٢) في (ج): (والأرتاء).\n(٣) في (ب): (نرى): بالنون.\n(٤) المتشبع: المتزين بأكثر مما عنده بالباطل، كالذي يظهر أنه شبعان وليس كذلك. انظر: \"غريب الحديث\" لأبي عبيد ١/ ٣٤٦، \"الصحاح\" (شبع) ٣/ ١٢٣٤، \"اللسان\" ٤/ ٢١٨٧.\n(٥) ورد نحوه في حديث، أخرج البخاري بسنده عن أسماء بنت أبي بكر أن امرأة قالت: يا رسول الله: إن لي ضرة فهل علي جناح إن تشبعت من زوجي غير الذي يعطيني؟ فقال رسول الله - ﷺ -: \"المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور\" (٥٢١٩) كتاب النكاح، باب المتشبع بما لم ينل. وأخرجه مسلم (٢١٢٩) كتاب اللباس عن عائشة، و(٢١٣٠) في أسماء بنحوه. وأخرجه أحمد في \"المسند\" عن عائشة وعن أسماء ٦/ ١٦٧، ٣٤٥، ٣٥٣. وأبو داود عن أسماء (٤٩٩٧) كتاب الأدب، باب ما جاء في المتشبع بما لم يعط. والترمذي عن جابر بلفظ آخر. (٢٠٣٤) كتاب البر والصلة، باب ما جاء في المتشبع بما لم يعطه.\n(٦) في (ب): (الالبنن).\n(٧) (مجفوا): فيها طمس في (أ)، ومكانها بياض في (ج).\n(٨) في (ج): (بتوا)، وفي (ب): غير منقوطة. يقال: نبا بصره نبوا: كلَّ، ونبا السهم عن الهدف: قصر. \"القاموس\" (نبا) ص ١٣٣٦.","vol":"1","page":394},{"text":"فحرمته لا تضاع (١)، وسوامه (٢) لا تراع، ولن يخلو (٣) الشيء الفاضل (٤) في جنسه عن (٥) عزته في نفسه، وإن قل من يعتامه (٦) وعز من يطلبه ويستامه.\nهؤلاء شكوا إليَّ: غلظ حجم المصنفات في التفسير، وإن الواحدة منها تستغرق (٧) العمر كتابتها، ويستنزف الروح سماعها وقراءتها، ثم صاحبها بعد أن أنفق العمر على تحصيلها، ليس يحظى منها بطائل تعظم عائدته، وتعود عليه فائدته. فقلت: إن طريق معرفة تفسير كلام الله تعالى تعلم النحو والأدب فإنهما عمدتاه، وإحكام أصولهما، وتتبع مناهج لغات العرب (٨) فيما تحويه (٩) من الاستعارات الباهرة، والأمثال النادرة، والتشبيهات (١٠) البديعة، والملاحن (١١) الغريبة، والدلالة باللفظ اليسير على المعنى الكثير، مما لا يوجد مثله في سائر اللغات.\n_________\n(١) لا تضاع. الضياع: الإهمال، ضاع الشيء يضيع ضيعة وضياعا: هلك. انظر: \"الصحاح\" (ضيع): ٣/ ١٢٥٢، \"اللسان\" ٥/ ٢٦٢٥.\n(٢) السوام: كل ما رعى من المال في الفلوات إذا خلي يرعى حيث شاء. \"اللسان\" (سوم): ١٢/ ٣١١، \"القاموس\" ص ١١٢٤.\n(٣) في (ج): (يحسو).\n(٤) (الفاضل): ساقط من (ج).\n(٥) في (ج): (من).\n(٦) في (ب): (يقبانه). (اعتام يعتام) إذا اختار وأخذ. انظر: \"اللسان\" (عيم): ٥/ ٣١٩٥، \"القاموس\" ص ١١٤٢.\n(٧) في (ب): (يستغرق).\n(٨) في (ب): (العزب).\n(٩) في (أ): (يحويه)، في (ب)، (ج): غير منقوطة.\n(١٠) في (ب): (التشبهات).\n(١١) يدخل تحت قوله (الملاحن) بعض أنواع البلاغة كالكناية والتعريض، واللحن: صرف الكلام عن التصريح إلى التعريض لغرض صحيح، يقول الراغب الأصفهاني:=","vol":"1","page":395},{"text":"وقد أعفى أهل زماننا أنفسهم عن كد التعب في طلب الأدب، فقد هوت (١) دولته إلى الحضيض، وصار يرنو (٢) بالطرف الغضيض، وها هو قد خوى (٣) نجمه وصَوَّح (٤) نبته، وذوى (٥) عوده، وخرَّ عموده (٦).\nوإذا ضاع الأدب ضاع ما يحتاج في تفسيره إليه، ويعول في معرفته عليه، وهو علم (٧) القرآن العربي، المنزل بلسان العرب ولغتهم، المنظوم بألفاظهم في مخاطبتهم.\nوالله تعالى ذكره أنزل كتابه (٨) (على قوم عرب أولي (٩) بيان فاضل، وفهم بارع.\n_________\n= (اللحن: صرف الكلام عن سننه الجاري عليه، إما بإزالة الإعراب، أو التصحيف وهو المذموم، وذلك أكثر استعمالا. وإما بإزالته عن التصريح، وصرفه بمعناه إلى التعريض، ونحوه، وهو محمود عند أكثر الأدباء من حيث البلاغة ... وإياها قصد بقوله تعالى: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ [محمد: ٣٠]). \"مفردات الراغب\" ص ٤٤٩، انظر: \"اللسان\" (لحن) ٧/ ٤٠١٣.\n(١) في (ج): (موت).\n(٢) في (ج): (يرانق). رنا يرنو رنوا: إذا أدام النظر. انظر: \"الصحاح\" (رنا) ٦/ ٢٣٦٣، وانظر: \"مجمل اللغة\" ٢/ ٤٠٠، \"اللسان\" ٣/ ١٧٤٧.\n(٣) في (ب): (جوى).\n(٤) رسمت في (أ): (تصوح) ثم صوبت في الهامش بـ (صوح)، وفي (ب): (صوح)، وفي (ج): (تصوح). قال في \"اللسان\" تصوح البقل وصوح: تم ينبسه. \"اللسان\" (صوح) ٤/ ٢٥٢١، وانظر: \"القاموس\" ص ٢٣٠.\n(٥) في (ب): (دوى).\n(٦) (وخر عموده): ساقط من (ج).\n(٧) في (ب): (وهو في علم القرآن).\n(٨) الكلام من هنا منقول من مقدمة \"تهذيب اللغة\" للأزهري ١/ ٢٧ - ٢٨.\n(٩) في (ب)، (ج): (أولى)، وفي (أ): فيها طمس وكأنها (أولو).","vol":"1","page":396},{"text":"أنزله جل ذكره بلسانهم، وصيغة (١) كلامهم الذي نشؤوا (٢) عليه، وجبلوا على النطق به فتدربوا (٣) به، يعرفون وجوه خطابه ويفهمون فنون نظامه، ولا يحتاجون إلى تعلم مشكله وغريب ألفاظه حاجة المولدين الناشئين مع من لا يعلم لسان العرب حتى يعلمه، ولا يفهم ضروبه وأمثاله وأساسه (٤) وطرقه حتى يفهمها.\nوبين النبي - ﷺ - للمخاطبين من أصحابه ﵃ (٥) - ما عسى (٦) بهم الحاجة [إليه] (٧) من معرفة (٨) بيان مجمل الكتاب وغامضه ومتشابهه وجميع وجوهه، التي لا غنى بهم وبالأمة عنه. فاستغنوا بذلك عما نحن إليه اليوم (٩) محتاجون من معرفة لغات العرب واختلافها والتبحر فيها، والاجتهاد في تعلم وجوه العربية الصحيحة التي بها نزل الكتاب وورد البيان.\nفعلينا أن نجتهد في تعلم ما يتوصل بتعلمه إلى معرفة ضروب خطاب الكتاب، ثم السنن المبينة لمجمل التنزيل، الموضحة للتأويل؛ لتنتفي عنا الشبه\n_________\n(١) في (ب): (وضعة).\n(٢) في \"تهذيب اللغة\" (نشئوا) ١/ ٢٧.\n(٣) في (ب): (فتدر توابه).\n(٤) في \"التهذيب\" (وأساليبه) ١/ ٢٨.\n(٥) (عنهم): ساقط من (ج).\n(٦) في (أ): (أما عسر بهم الحاجة)، وفي (ب): (ما عسر)، وفي (ج): (أما عسى بهم) وفي \"تهذيب اللغة\" (وبين النبي - ﷺ - للمخاطبين من أصحابه ﵃ ما عسى الحاجة إليه من معرفة بيان لمجمل الكتاب وغامضه .. وفي \"حاشية التهذيب\" في (م) (ما عسى الحاجة به إليه) ١/ ٤.\n(٧) (إليه): إضافة من \"تهذيب اللغة\" لضرورتها لصحة السياق.\n(٨) (معرفة): غير واضح في (ب).\n(٩) (اليوم): غير موجود في مقدمة \"التهذيب\" ١/ ٢٨.","vol":"1","page":397},{"text":"التي دخلت على كثير من رؤساء أهل الزيغ والإلحاد، ثم على رؤوس ذوي الأهواء والبدع، الذين تأولوا بآرائهم المدخولة فأخطؤوا (١)، وتكلموا في كتاب الله ﷿ بلكنتهم العجمية دون معرفة ثاقبة، فضلوا وأضلوا، نعوذ بالله (٢) من الخذلان، وإياه نسأل التوفيق والصواب (٣) (٤).\nوقد كان الأكابر من السلف يحثون على تعلم لغة العرب، ويرغبون فيها لما يعلمون من (٥) فضلها وفرط الحاجة إليها (في معرفة ما في الكتاب، ثم في (٦) السنن والآثار، وأقاويل أهل التفسير من الصحابة والتابعين، من الألفاظ الغريبة والمخاطبات العربية (٧)، فإن من جهل لسان (٨) العرب وكثرة ألفاظها وافتنانها في مذاهبها، وجهل جمل (٩) علم الكتاب) (١٠).\nولقد أخبرنا الأستاذ أبو إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم (١١) ﵀ قال: أخبرني أبو القاسم الحسن بن محمد بن الحسن (١٢)،\n_________\n(١) (فأخطأوا): ساقط من (ب).\n(٢) (نعوذ بالله). ساقط من (ج).\n(٣) في (ج): (التوفيق للصواب).\n(٤) انتهى من مقدمة \"تهذيب اللغة\" ١/ ٢٧ - ٢٨.\n(٥) (من): ساقط من (ج).\n(٦) (في): ساقط من (ب).\n(٧) في (ب): (العربية).\n(٨) في \"تهذيب اللغة\" (جهل سعة لسان العرب) ١/ ٢٩.\n(٩) في (ب): (حمل).\n(١٠) بنصه من مقدمة \"تهذيب اللغة\" ١/ ٢٩.\n(١١) هو الثعلبي، سبقت ترجمته مع شيوخه.\n(١٢) هو أبو القاسم الحسن بن محمد بن الحسن بن حبيب بن أيوب النيسابوري، المفسر إمام في معاني القرآن، وكان أديبًا، عارفا بالمغاري، سمع عن جماعة منهم =","vol":"1","page":398},{"text":"ثنا (١) أبو الحسن أحمد بن الخضر بن أبان (٢)، ثنا أبو عمرو أحمد بن نصر الخفاف (٣) ثنا نصر بن علي الجهضمي (٤)، ثنا عامر بن أبي عامر (٥)، ثنا أيوب\n_________\n= الأصم، صنف القراءات والتفسير والآداب، قال الذهبي: تكلم فيه الحاكم، مات سنة ست وأربعمائة.\nانظر: \"سير أعلام النبلاء\" ١٧/ ٢٣٧، \"العبر\" ٢/ ٢١٢، \"طبقات المفسرين\" للداوادي ١/ ١٤٤، و\"تفسير السيوطي\" ص ٣٥.\n(١) (ثنا): ساقط من (ج): في جميع السند.\n(٢) هو الحافظ أبو الحسن أحمد بن الخضر بن أحمد النيسابوري الشافعي، مات سنة أربع وأربعين وثلاثمائة.\nانظر: \"طبقات الشافعية\" ٣/ ١٤، \"سير أعلام النبلاء\" ١٥/ ٥٠١.\n(٣) الإمام الحافظ أبو عمرو أحمد بن نصر بن إبراهيم النيسابوري المعروف بالخفاف، سمع عن جماعة منهم إسحاق بن راهويه وعمرو بن زرارة، وحدث عن جماعة، اشتهر بالحفظ، كانت وفاته في شعبان سنة تسع وتسعين ومائتين من أبناء الثمانين.\nانظر: \"سير أعلام النبلاء\" ١٣/ ٥٦٠ - ٥٦٣، \"تذكرة الحفاظ\" ٢/ ٦٥٤ - ٦٥٦، \"البداية والنهاية\" ١١/ ١١٧.\n(٤) نصر بن علي بن نصر بن علي بن صبهان الأزدي الجهضمي. أبو عمرو البصري، قال عبد الله بن أحمد: سألت أبي عنه فقال: ما به بأس، ورضيه، وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن نصر، فقال: ثقة. مات سنة خمسين ومائتين في ربيع الآخر، وعليه الأكثر، وقيل سنة إحدى وخمسين.\nانظر: \"الجرح والتعديل\" ٨/ ٤٦٦، \"تاريخ بغداد\" ١٣/ ٢٨٧، \"سير أعلام النبلاء\" ١٢/ ١٣٣، \"تذكرة الحفاظ\" ٢/ ٥١٩، \"تهذيب التهذيب\" ٤/ ٢١٩.\n(٥) عامر بن أبي عامر: هو عامر بن صالح بن رستم المزني، مولاهم ابن أبي عامر الخزاز، قال أبو حاتم: ليس بالقوي، وقال ابن عدي: في حديثه بعض النكرة، وقال ابن معين: ليس بشيء، وقال أبو داود: ضعيف، وقال مرة: ليس به بأس. قال العقيلي: لا يتابع على حديثه عن أيوب بن موسى.\nانظر: \"الميزان\" ٣/ ٧٤ (٤٠٨٢)، \"تهذيب التهذيب\" ٢/ ٢٦٦.","vol":"1","page":399},{"text":"ابن موسى القرشي (١)، عن أبيه (٢)، عن جده (٣) قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"ما نحل والد ولده نحلة (٤) أفضل من أدب حسن\" (٥).\n_________\n(١) أيوب بن موسى: هو أيوب بن موسى بن عمرو بن سعيد بن العاص القرشي الأموي، روى عن جماعة، منهم جده سعيد بن العاص ولم يدركه، وعن أبيه موسى بن عمرو ابن سعيد، ثقة.\nانظر: \"تهذيب الكمال\" ٣/ ٤٩٤، \"معرفة الثقات\" للحجلي ١/ ٢٤١، \"تاريخ أسماء الثقات\" لابن شاهين ص ٣١، \"ذكر أسماء التابعين\" للذهبي ١/ ٦٨.\n(٢) أبوه: موسى بن عمرو بن سعيد بن العاص بن أمية القرشي المكي، روى عن أبيه، وروى عنه ابنه أيوب.\nانظر. \"الجرح والتعديل\" ٨/ ١٥٥، \"تهذيب التهذيب\" ٤/ ١٨٥.\n(٣) عن جده: قال ابن حجر: يحتمل أن يعود ضمير الجد على أيوب، وهذا هو الظاهر، ويحتمل أن يعود على موسى، فيكون من مسند سعيد بن العاص، والحديث مع ذلك مرسل. انظر: \"تهذيب التهذيب\" ٢/ ٢٧.\n- عمرو بن سعيد بن العاص بن سعيد بن العاص بن أميه المدني المعروف بـ (الأشدق): وهو الأصغر و(عمرو بن سعيد بن العاص) الأكبر صحابي وزعم بعضهم أن له رؤية، والصحيح أنه ليس له رؤية، قتله عبد الملك بن مروان، بعد أن طلب الخلافة سنة تسع وستين، وقيل: سبعين.\nانظر. \"الطبقات الكبرى\" لابن سعد ٥/ ٢٣٧، \"تهذيب التهذيب\" ٣/ ٢٧٢.\n- وسعيد بن العاص بن سعيد بن العاص بن أمية، قتل أبوه يوم بدر كافرا قال ابن سعد: قبض النبي - ﷺ -، وسعيد ابن تسع سنين، روى عن النبي - ﷺ - مرسلًا، وعن عمر وعثمان وعائشة وعنه ابناه عمرو ويحيى وغيرهم، مات بالمدينة، ودفن بالبقيع سنة (٥٨ هـ) وقيل: (٥٧ هـ)، وقيل: (٥٩ هـ).\nانظر: \"الطبقات الكبرى\" لابن سعد ٥/ ٣٠ - ٣٥، \"تهذيب التهذيب\" ٢/ ٢٧.\n(٤) نحل: أعطى والنحلة: العطية والهبة ابتداء من غير عوض ولا استحقاق. انظر: \"اللسان\" (نحل) ٧/ ٤٣٦٩.\n(٥) أخرجه الترمذي بنحوه (١٩٥٢) كتاب البر، باب ما جاء في أدب الولد من طريق نصر بن علي، عن عامر بن أبي عامر الخزاز، وقال. هذا حديث غريب لا نعرفه إلا =","vol":"1","page":400},{"text":"وروي عن سعيد بن المسيب (١) أنه قال: بينا عمر بن الخطاب ﵁ على المنبر، فقال: يا أيها الناس: ما تقولون في قول الله ﷿: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ﴾ [النحل: ٤٧]؟ فسكت الناس، فقام شيخ فقال: يا أمير المؤمنين: هذِه لغتنا بني هذيل، التخوف: التنقص، قال عمر: هل تعرف العرب ذلك في أشعارها؟ قال: نعم، قال شاعرنا أبو كبير الهذلي (٢) يصف ناقة:\nتَخَوَّفَ الرَّحْلُ منها تَامِكًا صُلْبًا ... كما تَخَوَّفَ عُودَ النَّبْعَةِ السَّفَنُ (٣)\n_________\n= من حديث عامر بن أبي عامر الخزاز، وأيوب بن موسى: هو ابن عمرو بن سعيد بن العاص، وهذا عندي حديث مرسل. وأخرجه الحاكم في \"المستدرك\" في كتاب الأدب وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وتعقبه الذهبي وقال: بل مرسل ضعيف، ففي إسناده عامر بن صالح الخزاز: واهٍ. \"المستدرك\" ٤/ ٢٦٣، وسبق كلام ابن حجر حيث قال: إنه مرسل. انظر: \"تهذيب التهذيب\" ٢/ ٢٧.\n(١) سعيد بن المسيب بن حزن بن أبي وهب بن عمرو بن عائذ، القرشي المخزومي، تابعي مشهور، اشتهر بالعلم والزهد والورع، روى عن جمع من الصحابة، وروى عنه جمع منهم الزهري وقتادة، وثقه الأئمة كأحمد وابن أبي حاتم، وتكلموا في سماعه من عمر، توفي سنة أربع وتسعين، وقيل: غير ذلك.\nانظر: \"طبقات ابن سعد\" ٩/ ١١٥ - ١٤٣، \"تهذيب التهذيب\" ٢/ ٤٣ - ٤٥.\n(٢) هو عامر بن الحليس، من بني سهل بن هذيل، شاعر جاهلي، وقيل: أدرك الإسلام امتاز شعره بالحكم وقوة السبك.\nانظر: \"الشعر والشعراء\" ٤٤٦ - ٤٤٨، \"الإصابة\" ٤/ ١٦٥، \"الخزانة\" ٨/ ٢٠٩.\n(٣) (التخوف) التنقص شيئًا فشيئًا، و(التامك) السنام المرتفع، و(النبعة) واحدة النجع وهو شجر تتخذ منه القسي، و(السفن) مبرد الحديد الذي ينحت به الخشب. يقول: تنقص رحلها سنامها المرتفع، كما تنقص المبرد عود النبع. واختلف في نسبة البيت، فنسبه بعضهم لأبي كبير كما عند الواحدي هنا، ونسبه الأزهري لابن مقبل، ونسبه الجوهري لذي الرمة، ونسبه بعضهم لزهير، وقيل: لعبد الله بن عجلان، وقيل: لابن مزاحم الثمالي. =","vol":"1","page":401},{"text":"فقال عمر ﵁: يا أيها الناس، عليكم بديوانكم لا يضل، قالوا: وما ديواننا؟ قال: شعر الجاهلية، فإن فيه تفسير كتابكم ومعاني كلامكم (١).\nوفيما كتب إلى محمد بن عبد العزيز المروزي (٢) بخط يده، أن محمد بن الحسين الحدادي (٣) أخبرهم عن محمد بن (٤) يحيى (٥)، قال:\n_________\n= ورد البيت في \"تفسير الطبري\"، ١٤/ ١١٣، \"تهذيب اللغة\" (خاف) ١/ ٩٦٦، (سفن) ٢/ ١٧٠٨، \"الصحاح\" (خوف) ٤/ ١٣٥٩، \"أمالي القالي\" ٢/ ١١٢، \"الكشاف\" ٢/ ٤١١، \"تفسير القرطبي\" ١٠/ ١١٠، \"تفسير الرازي\" ٢٠/ ٣٩، \"اللسان\" (خوف) ٣/ ١٢٩٢، (سفن) ٤/ ٢٠٣٢، \"مشاهد الإنصاف شرح شواهد الكشاف\" ص ١٣٠.\n(١) في حاشية نسخة (أ) قال الكاتب: أخذ الواحدي الحكاية من تفسير شيخه الثعلبي من سورة النحل. وقد ذكر هذه الحكاية عدد من المفسرين.\nانظر: \"الكشاف\" ٢/ ٤١١، \"تفسير الرازي\" ٢٠/ ٣٩، \"تفسير القرطبي\" ١٠/ ١١٠.\n(٢) لم أصل إلى شيخ الواحدي محمد بن عبد العزيز المروزي.\n(٣) في جميع النسخ محمد بن الحسن، والصحيح: محمد بن الحسين كما جاء في \"أسباب النزول\" للواحدي ص ٢٣ وهو محمد بن الحسين بن محمد بن مهران المروري الحدادي، أبو الفضل و(الحدادي) نسبة إلى عمل الحديد، قال عنه الحاكم: كان شيخ أهل مرو في الحديث والفقه والتصوف والفتيا، مات سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة.\nانظر. \"الأنساب\" ٤/ ٨٠، \"سير أعلام النبلاء\" ١٦/ ٤٧٠، \"المشتبه\" ١/ ١٤٤، \"اللباب\" ١/ ٣٤٦.\n(٤) (بن): ساقط من (جـ).\n(٥) لم أعرف من المراد، فنهاك محمد بن يحيى بن عبد الله النيسابوري الذهلي شيخ البخاري، فإنه روى عن إسحاق بن راهويه، توفي سنة سبع وخمسين ومائتين.\nانظر: \"تاريخ بغداد\" ٣/ ٤١٥، \"تهذيب الكمال\" ٢٦/ ٦١٧ (٥٦٨٦)، \"تهذيب التهذيب\" ٣/ ٧٢٨.\nومحمد بن يحيى بن خالد، أبو يحيى، المروزي، المعروف بالشعراني، قدم نيسابور وحدث ببغداد عن إسحاق بن راهويه، ذكره في \"تهذيب الكمال\" للتمييز، وليس من =","vol":"1","page":402},{"text":"أبنا (١) إسحاق ابن إبراهيم الحنظلي (٢)، أبنا (٣) وكيع (٤)، عن أسامة ابن\n_________\n= رجال الستة، ولم يذكر أحد تاريخ وفاته.\nانظر: \"تاريخ بغداد\" ٣/ ٤٢٤، \"تهذيب الكمال\" ٢٦/ ٦٣٣، \"تهذيب التهذيب\" ٣/ ٧٣٠.\nوقد ورد هذا السند في \"أسباب النزول\" ص ١٤٣ قال: أخبرنا محمد بن عبد العزيز، أن محمد بن الحسين أخبرهم، عن محمد بن يحيى بن يزيد، أخبرنا إسحاق بن إبراهيم. ولم أجد محمد بن يحيى بن يزيد، ولم يذكر ممن روى عن إسحاق بن إبراهيم بن راهويه.\n(١) (أبنا) ساقط من (جـ)، وفي (ب): (أنا) وهذا الصواب في رمز (أخبرنا): وبعضهم استعمل (أبنا): ولم يستحسنه المحدثون. انظر: \"تدريب الراوي\" ٢/ ٨٧.\n(٢) إسحاق بن إبراهيم بن مخلد بن إبراهيم الحنظلي، المعروف بابن راهويه المروزي، أحد الأئمة، روى عن ابن المبارك وابن عيينة وابن علية، وجرير وعبد الرزاق وغيرهم، روى عنه بقية بن الوليد، ويحيى بن آدم، وعنه الجماعة سوى ابن ماجه، وثقه الأئمة، قال أبو حاتم: مثل إسحاق يسأل عنه! إسحاق عندنا من أئمة المسلمين، ولد سنة ١٦١، وقيل ١٦٦ هـ، ومات سنة ٢٣٨ هـ وقيل: ٢٣٧ هـ.\nانظر: \"تاريخ بغداد\" ٦/ ٣٤٥، \"الجرح والتعديل\" ٢/ ٢٠٩، \"ميزان الاعتدال\" ١/ ١٨٢ - ١٨٣، \"تهذيب التهذيب\" ١/ ١١٢، \"حلية الأولياء\" ٩/ ٢٣٤.\n(٣) في (ج): (ثنا)، وفي (ب): (أنا).\n(٤) وكيع بن الجراح بن مليح الرؤاسي، الكوفي الحافظ، أحد الأئمة الأعلام روى عن أبيه، هشام بن عروة، والأعمش، وابن جريج، والأوزاعي، ومالك، وأسامة بن زيد الليثي، وسفيان الثوري، وحماد بن سلمة، وخلق كثير، روى عنه أبناؤه، وشيخه سفيان، وأحمد، وعلي، ويحيى، وإسحاق، وغيرهم، قال أحمد: ما رأيت أحدًا أوعى للعلم منه، ولا أشبه بأهل النسك منه، قال ابن المديني: كان وكيع يلحن، وقال: كان فيه تشيع قليل، مات سنة ست وتسعين ومائة.\nانظر: \"الجرح والتعديل\" ٩/ ٣٧ - ٣٩، \"تهذيب التهذيب\" ٤/ ٣١١، \"ميزان الاعتدال\" ٦/ ٩ - ١٠.","vol":"1","page":403},{"text":"زيد (١)، عن عكرمة (٢)، عن ابن عباس قاد: إذا قرأ (٣) أحدكم شيئًا من القرآن فلم يدر ما تفسيره، فليلتمسه في الشعر، فإنه ديوان العرب (٤). وبهذا الإسناد (٥)، وعن إسحاق (٦)، أبنا (٧) وهب بن جرير (٨)،\n_________\n(١) أسامة بن زيد الليثي مولاهم، المدني، روى عن أبان بن صالح، وأبيه، وسعيد المقبري، وسعيد بن المسيب، وابن كيسان، وجماعه كثير، وروى عنه الثوري، وعبد الله بن المبارك، ووكيع، وغيرهم، عن أحمد: ليس بشيء، وعن يحيى بن معين: ثقة صالح، وضعفه يحيى بن سعيد، قال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به، وقال النسائي. ليس بالقوي.\nانظر: \"تهذيب الكمال\" ٢/ ٣٤٧ - ٣٥٠، \"تهذيب التهذيب\" ١/ ١٠٨، \"الجرح والتعديل\" ٢/ ٢٨٤ - ٢٨٥.\n(٢) أبو عبد الله، عِكْرِمة بن عبد الله البربري، ثم المدني، الهاشمي بالولاء، مولى ابن عباس. أحد أوعية العلم، تكلم فيه لرأيه لا لحفظه، فاتهم برأي الخوارج، وقد وثقه جماعة، واعتمده البخاري، وأما مسلم فتجنبه، وروى له مقرونًا بغيره، روى عن مولاه وعائشة وأبي هريرة، وغيرهم، وأفتى في حياة ابن عباس، قال عنه ابن حجر: (ثقة ثبت عالم بالتفسير): توفي بالمدينة سنة خمس ومائة، وقيل: ست، وقيل: سبع.\nانظر: \"ميزان الاعتدال\" ٤/ ١٣ - ١٧، \"تهذيب التهذيب\" ٣/ ١٣٤ - ١٣٨. انظر: \"صفة الصفوة\" ٢/ ٧٣، \"تذكرة الحفاظ\" ١/ ٩٥.\n(٣) في (ب): (قرئ).\n(٤) ذكره ابن الأنباري في \"إيضاح الوقف والابتداء\" ١/ ٦٢، والزركشي في البرهان\" ١/ ٢٩٣، والسيوطي في \"الإتقان\" ٢/ ٦٧، \"المزهر\" ٢/ ٣٠٢.\n(٥) أي: الإسناد السابق محمد بن عبد العرير المروزي أن محمد بن الحسين الحدادي أخبرهم عن محمد بن يحيى، عن إسحاق.\n(٦) ابن إبراهيم الحنظلي ابن راهويه.\n(٧) في (ب). (أنا)، وفي (ج): (ابن).\n(٨) في (ب): (حرند). وهب بن جرير بن حازم بن زيد، أو ابن يزيد بن عبد الله بن شجاع الأزدي بصري، حافظ، روى عن أبيه، وعكرمة، وشعبة، وغيرهم وعنه أحمد بن =","vol":"1","page":404},{"text":"ثنا (١) أبي (٢) قال: سمعت الزبير بن خريت (٣)، عن عكرمة، عن ابن عباس، أنه كان يسأل عن الشيء من عربية القرآن فينشد الشعر (٤).\nسمعت أبا عثمان سعيد بن محمد الحيري (٥)، سمعت القاضي أبا\n_________\n= حنبل، وابن المديني، وابن معين، وغيرهم، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال العجلي: بصري ثقة، كان عفان يتكلم فيه، وقال النسائي: ليس به بأس. مات سنة ست ومائتين. انظر: \"ميزان الاعتدال\" ٤/ ٣٥٠، \"الجرح والتعديل\" ٩/ ٢٨، \"تهذيب التهذيب\" ٤/ ٣٢٩.\n(١) في (ج): (ابن).\n(٢) أبوه جرير بن حازم بن زيد بن عبد الله بن شجاع الأزدي البصري، عده بعضهم من صغار التابعين، روى عن الحسن، وابن سيرين، وأبي الطفيل ورجاء العطاردي، وقتادة، وغيرهم. وعنه ابنه وهب، وابن المبارك، وغيرهم، عن ابن معين: ثقة، وعنه: ليس به بأس، وقال العجلي: ثقة، النسائي: ليس به بأس، أبو حاتم: صدوق صالح، ابن عدي: مستقيم الحديث صالح إلا روايته عن قتادة، أحمد: كثير الغلط، البخاري: ربما يهم في الشيء. مات سنة (١٧٥ هـ).\nانظر: \"الجرح والتعديل\" ٢/ ٥٠٤ - ٥٠٥، \"تهذيب التهذيب\" ١/ ٢٩٤ - ٢٩٦، \"ميزان الاعتدال\" ١/ ٣٩٢ - ٣٩٣.\n(٣) في (ب): (خزثت). الزبير بن الخريت البصري، روى عن نعيم بن أبي هند، وعكرمة، وغيرهم، وعنه جرير بن حازم، وغيره، وثقه العجلي، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال عنه أحمد وابن معين وأبو حاتم والنسائي: ثقة، وله في مسلم حديث واحد. انظر: \"تهذيب التهذيب\" ١/ ٦٢٤، \"الجرح والتعديل\" ٣/ ٥٨١.\n(٤) أخرج ابن أبي شيبة في \"مصنفه\": كان ابن عباس إذا سئل عن شيء من القرآن أنشد شعرًا من أشعارهم. كتاب الأدب، الرخصة في الشعر ٥/ ٢٧٨ (٢٦٠٤٠)، وكتاب فضائل القرآن، وما فسر بالشعر من القرآن ٦/ ١٢٣ (٢٩٩٧٤)، وذكره الرازي في \"الزينة\" ١/ ١٢٧ عن أبي عبيدة، عن ابن عباس، والسيوطي في \"الإتقان\" ٢/ ٦٧ من طريق أبي عبيد. وأخرج نحوه ابن الأنباري في \"إيضاح الوقف والابتداء\" ١/ ٦٢.\n(٥) في جميع النسخ (الجيري): بالمعجمة والصحيح الحيري بالحاء المهملة، سبقت ترجمته مع شيوخ الواحدي.","vol":"1","page":405},{"text":"الحسن علي بن القاسم (١)، وأبا إسحاق إبراهيم بن الحسن بن بشر (٢)، وأبا القاسم جعفر بن عبد الله الفناكي (٣)، الرازيين بالري، قالوا: سمعنا عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي (٤) قال: أخبرني أبي (٥)، ثنا (٦) حرملة بن\n_________\n(١) هو القاضي علي بن القاسم بن العباس بن الفضل بن شاذان، أبو الحسن، القاضي، الرازي، سمع عبد الرحمن بن أبي حاتم، وغيره، توفي بالري في سنة ثلاث وثمانين وثلاثمائة. نقل الخطيب عن العتيقي: توثيقه. \"تاريخ بغداد\" ١٢/ ٥٣.\n(٢) لم أصل إليه.\n(٣) في (ب): (العتاكي). هو أبو القاسم جعفر بن عبد الله بن يعقوب بن الفناكي الرازي، سمع من عبد الرحمن بن أبي حاتم، موصوف بالعدالة وحسن الديانة، روى عنه هبة الله اللالكائي، وغيره، توفي سنة ثلاث وثمانين وثلاثمائة.\nانظر: \"سير أعلام النبلاء\" ١٦/ ٤٣٠، ٤٣١، \"العبر\" ٢/ ١٦٣.\n(٤) هو الإمام الحافظ ابن الإمام الحافظ عبد الرحمن بن محمد بن إدريس، يكنى أبا محمد، ولد سنة أربعين ومائتين، أو إحدى وأربعين، سمع من أبيه، وأبي سعيد الأشج، وأبي زرعة، وجماعة كثيرين، روى عنه ابن عدي، وأبو الشيخ ابن حيان، وأبو أحمد الحاكم، له كتاب \"الجرح والتعديل\" أثنى عليه العلماء، توفي في المحرم سنة سبع وعشرين وثلاثمائة بالري.\nانظر: \"سير أعلام النبلاء\" ١٣/ ٢٦٣ - ٢٦٩، \"تذكرة الحفاظ\" ٣/ ٨٢٩ - ٨٣٢، \"الميزان\" ٣/ ٣٠١ - ٣٠٢، \"طبقات المفسرين\" للداودي ١/ ٢٨٥ - ٢٨٧.\n(٥) الإمام الحافظ الناقد شيخ المحدثين، أبو حاتم الرازي، محمد بن إدريس بن المنذر بن داود بن مهران الحنظلي الغطفاني، كان من بحور العلم، برع في المتن والإسناد، \"ولد سنة خمس وتسعين ومائة، وهو من طبقة البخاري، سمع عبيد الله بن موسى، والأصمعي، وأبا نعيم، وخلقًا كثيرًا، روى عنه ابنه عبد الرحمن، وإبراهيم الحربي، وأبو داود، والنسائي، وغيرهم، مات في شعبان سنة سبع وسبعين ومائتين.\nانظر: \"تاريخ بغداد\" ٢/ ٧٣ - ٧٧، \"الجرح والتعديل\" ١/ ٣٤٩ - ٣٦٨، \"سير أعلام النبلاء\" ١٣/ ٢٤٧ - ٢٦٢.\n(٦) (ثنا): ساقط من (ج).","vol":"1","page":406},{"text":"يحيى (١)، قال: سمعت الشافعي ﵁ يقول: أصحاب العربية جن الإنس.\nوسمعته (٢) يقول: سمعت محمد بن أحمد بن يعقوب (٣)، يقول: سمعت أبا العباس أحمد بن يحيى النحوي (٤) قال: قال عبد الملك بن مروان (٥): تعلموا العربية فإنها المروءة الظاهرة (٦).\n_________\n(١) هو حرملة بن يحيى بن عبد الله بن حرملة بن عمران بن قراد التجيبي، أبو حفص المصري، صاحب الإمام الشافعي، روى عن الشافعي وابن وهب وغيرهم، وروى عنه مسلم، وابن ماجه، وأبو حاتم، وغيرهم. قال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به، وقال محمد بن عبد الله الفرهاداني: هو ضعيف، قال ابن عدي: وقد تبحرت حديث حرملة وفتشته الكثير، فلم أجد فيه ما يوجب التضعيف من أجله، وثقه ابن معين وأحمد، وذكره ابن حبان في \"الثقات\". توفي سنة ثلاث وأربعين ومائتين.\nانظر: \"الجرح والتعديل\" ٢/ ٢٧٣، \"تهذيب الكمال\" ٥/ ٥٤٨ - ٥٥٢، \"تهذيب التهذيب\" ١/ ٣٧٢، \"الميزان\" ١/ ٤٧٢.\n(٢) أي: سمعت أبا عثمان الحيري.\n(٣) محمد بن أحمد بن يعقوب، أبو عبد الله الوزيري، حدث عن ثعلب وغيره، مات سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة. انظر: \"تاريخ بغداد\" ١/ ٣٧٥. ومما يظهر أن الحيري قد عمَّر حيث توفي سنة سبع وعشرين وأربعمائة، ومحمد بن أحمد توفي سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة، أو كان بينهما واسطة.\n(٤) هو أبو العباس أحمد بن يحيى المعروف بـ (ثعلب): تقدمت ترجمته.\n(٥) عبد الملك بن مروان أحد خلفاء بني أمية، توفي سنة ست وثمانين. انظر ترجمته في: \"طبقات ابن سعد\" ٥/ ٢٢٣ - ٢٣٥، \"سير أعلام النبلاء\" ٤/ ٢٤٦ - ٢٤٩.\n(٦) لم أجده عن عبد الملك بن مروان، وذكره ابن الأنباري في \"إيضاح الوقف والابتداء\" بسنده عن الكسائي عن ابن أبي الدنيا. \"إيضاح الوقف والابتداء\" ١/ ٤٥، وبمعناه عن سلمة بن عبد الملك ١/ ٤٧، والزجاجي في \"الإيضاح في علل النحو\" ص ٩٥ عن الزجاج، عن المبرد، عن بعض السلف: عليكم بالعربية فإنها المروءة الظاهرة، وهي كلام الله ﷿ وأنبيائه وملائكته.","vol":"1","page":407},{"text":"وقل من تقدم في علم من العلوم إلا بمعرفة الأدب، ومقاييس العربية، والنحو، وما حدثت البدع والأهواء المضلة إلا من الجهل بلغة العرب. سمعت الشيخ أحمد بن أبي منصور المقرئ (١) ﵀ يقول: سمعت الحسن بن محمد المكتب (٢) يقول: سمعت أبا علي الحسن بن أحمد الخياط (٣) يقول: سمعت أبا نعيم عبد الملك بن محمد بن عدي (٤) يقول: سمعت الربيع بن سليمان (٥) يقول (٦): سمعت الشافعي يقول: عامة من تزندق (٧) بالعراق لجهلهم بالعربية\n_________\n(١) لم أعرفه.\n(٢) لم أعرفه.\n(٣) لم أعرفه.\n(٤) الحافظ الحجة، أبو نعيم الجرجاني، الاستراباذي، سمع من جماعة منهم الربيع بن سليمان. قال الحاكم: كان من أئمة المسلمين، وقال الخطيب: كان أحد الأئمة ومن الحفاظ لشرائع الدين مع صدق وتيقظ وورع. توفي في آخر سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة. انظر: \"تاريخ بغداد\" ١٠/ ٤٢٨، \"طبقات الشافعية الكبرى\" ٣/ ٣٣٥، \"تذكرة الحفاظ\" ٣/ ٨١٦.\n(٥) الربيع بن سليمان المرادي، مولاهم، المصري المؤذن، صاحب الشافعي، وراوية كتبه عنه، روى عن جماعة منهم ابن وهب، وعنه جماعة منهم أبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وأبو نعيم عبد الملك الجرجاني، قال النسائي: لا بأس به، وقال ابن يونس: كان ثقة، وقال ابن أبي حاتم: صدوق ثقة، وسئل عنه أبو حاتم فقال: صدوق، مات سنة سبع ومائتين.\nانظر: \"طبقات الشافعية الكبرى\" ٢/ ١٣٢، \"تهذيب التهذيب\" ١/ ٥٩٣.\n(٦) (يقول): ساقط من (أ)، (ج).\n(٧) الزنديق: يطلقه أكثر العلماء على من بدل دينه أو أحدث فيه، وقد سمى الإمام أحمد القائلين بتناقض القرآن (زنادقة): وألف رسالة أسماها: \"الرد على الزنادقة والجهمية\". وقالوا: إنها ليست من كلام العرب، وإنما هي فارسي معرب.\nانظر: \"تهذيب اللغة\" (زندق) ٢/ ١٥٦٣، \"اللسان\" (زندق) ٣/ ١٨٧١.","vol":"1","page":408},{"text":"ولغات العرب (١).\nوقرأت على الأستاذ سعيد بن محمد المقرئ (٢) فقلت: حدثكم طلحة بن محمد الشاهد (٣) ببغداد (٤)، قال: سمعت أبا بكر بن دريد (٥)، قال: قال ابن أخي الأصمعي (٦): عن الأصمعي (٧): تعلموا النحو، فإن بني إسرائيل كفرت\n_________\n(١) ذكر الرازي في \"الزينة\" ١/ ١٧ عن أبي عبيد، سمعت الأصمعي، سمعت الخليل، سمعت أيوب السختياني، يقول: عامة من تزندق بالعراق لقلة علمهم بالعربية.\n(٢) هو أبو عثمان سعيد بن محمد الحيري المقرئ، أحد شيوخ الواحدي.\n(٣) طلحة بن محمد بن جعفر الشاهد، أبو القاسم، حدث عن جماعة، منهم محمد بن العباس اليزيدي، وأبو القاسم البغوي، وأبو بكر بن مجاهد، وغيرهم، حدث عنه الأزهري، وأبو محمد الخلال وغيرهما، كان سيئ الحال في الحديث، وكان يذهب إلى الاعتزال ويدعو إليه، قال الأزهري: ضعيف في روايته ومذهبه، مات سنة ثمانين وثلاثمائة.\nانظر: \"تاريخ بغداد\" ٩/ ٣٥١، \"معرفة القراء الكبار\" ١/ ٣٤٤\n(٤) في (ض): (بغداد).\n(٥) هو أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد الأزدي، صاحب كتاب \"الجمهرة\"، كان من أكابر علماء العربية، وكان شاعرًا، من ذلك مقصورته المشهورة، أخذ عن أبي حاتم، والرياشي، وعبد الرحمن بن أخي الأصمعي، قال الدارقطني: تكلموا فيه. توفي سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة.\nانظر: \"تاريخ بغداد\" ٢/ ١٩٥، \"نزهة الألباء\" ص ١٩١ - ١٩٤، \"وفيات الأعيان\" ٤/ ٣٢٣ - ٣٢٩.\n(٦) هو عبد الرحمن بن عبد الله ابن أخي الأصمعي، يكنى: أبا محمد، وقيل: يكنى أبا الحسن، روى عن عمه، وكان إذا أكثر أنكر عليه، وربما كذبه. انظر: \"طبقات النحويين\" للزبيدي ص ١٨٠، \"إنباه الرواة\" ٢/ ١٦١.\n(٧) هو عبد الملك بن قريب بن علي بن أصمع الباهلي، صاحب النحو واللغة والغريب والأخبار، وكان عالما بالشعر، صدوقا في الحديث، أخذ عن عبد الله بن عوف، وشعبة، وحماد بن سلمة، والخليل. أخذ عنه ابن أخيه عبد الرحمن، وأبو عبيد بن =","vol":"1","page":409},{"text":"بكلمة، قال الله لعيسى: (أنت نبيِّي وأنا ولَّدتك) فخففوها (١).\nولئن استغنى علم عن الأدب، [فمن ضرورة التفسير وعلم القرآن الأدب] (٢) ومعرفة اللغة العربية، ولا تكاد تجد ذلك متأتيا لمن لم يمرن عليها، ولم يتدرب (٣) بها.\nولقد سمعت أحمد بن محمد بن إبراهيم (٤)، يقول: سمعت الحسن بن محمد (٥)، يقول: سمعت أبا عبد الله (٦) الميداني (٧) الخطيب بزوزن (٨) يقول: سمعت محمد بن جمعة الحافظ (٩) يقول: سمعت يحيى بن سليمان بن نضلة\n_________\n= القاسم، وأبو حاتم، وغيرهم، وثقه ابن معين والشافعي، توفي سنة ست عشرة ومائتين، وعمره إحدى وتسعين. انظر: \"طبقات النحويين\" للزبيدي ص ١٦٧ - ١٧٤، \"نزهة الألباء\" ص ٩٠ - ١٠٠، \"وفيات الأعيان\" ٣/ ١٧٠ - ١٧٦.\n(١) ذكره الحافظ ابن حبان البستي، ولفظه قال: سمعت إسحاق بن إبراهيم القاضي يقول: سمعت ابن أخي الأصمعي يقول: سمعت عمي يقول: تعلموا النحو فإن بني إسرائيل كفروا بكلمة واحدة كانت مشددة فخففوها قال: (يا عيسى إني ولَّدْتك): فقرأوا (يا عيسى إني وَلَدْتُك): مخففًا فكفروا. \"روضة العقلاء ونزهة الفضلاء\" ص ٢٦٨.\n(٢) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).\n(٣) (يتدرب): غير واضحة في (ب).\n(٤) هو شيخه (الثعلبي) انظر ترجمته في شيوخ المصنف.\n(٥) هو الحسن بن محمد بن الحسن بن حبيب، سبقت ترجمته.\n(٦) في (ج): (عبد الرحمن).\n(٧) لم أعرفه.\n(٨) (زوزن): بضم أوله وقد يفتح، كورة واسعة بين نيسابور وهراة، ويحسبونها في أعمال نيسابور، كانت تعرف بالبصرة الصغرى، لكثرة من أخرجت من الفضلاء وأهل العلم. \"معجم البلدان\" ٣/ ١٥٨. و(كورة): كل صقع يشمل عدة قرى، ولابد لتلك القرى من قصبة أو مدينة أو نهر يجمع اسمها. \"معجم البلدان\" لياقوت ١/ ٣٦.\n(٩) لم أعرفه.","vol":"1","page":410},{"text":"المديني (١) يقول: سمعت مالك بن أنس يقول: لا أوتى برجل غير عالم (٢) بلغات العرب يفسر كتاب الله إلا جعلته نكالا (٣).\nوكيف يتأتى لمن جهل لسان العرب أن يعرف تفسير كتاب جعل معجزة في فصاحة ألفاظه، وبعد أغراضه لخاتم النبيين وسيد المرسلين - ﷺ - وعلى آله الطيبين في زمان أهله يتحلون بالفصاحة، ويتحدون بحسن الخطاب وشرف العبارة، وإن مثل من طلب ذلك مثل من شهد الهيجاء بلا سلاح، ورام أن يصعد الهواء (٤) بلا جناح. ثم وإن طال تأمله مصنفات المفسرين، وتتبعه أقوال أهل التفسير من المتقدمين والمتأخرين، فوقف على معاني ما أودعوه كتبهم، وعرف ألفاظهم التي عبروا بها عن معاني القرآن، لم يكن إلا مقلدا (٥) لهم فيما حكوه، وعارفًا معاني قول مجاهد، ومقاتل، وقتادة (٦)، والسدي (٧)، وغيرهم\n_________\n(١) يحيى بن سليمان بن نضلة الخزاعي المدني، روى عن مالك، وسليمان بن بلال وغيرهما، قال ابن خراش: لا يسوى شيئًا، وقال ابن أبي حاتم: كتب عنه أبي وسألته عنه، فقال: شيخ حدث أياما ثم توفي. انظر: \"الجرح والتعديل\" ٩/ ١٥٤، \"الميزان\" ٦/ ٥٧.\n(٢) (عالم): مكرر في (ب).\n(٣) ذكره الزركشي في \"البرهان\" عن يحيى بن سليمان بن نضلة عن مالك، ١/ ٢٩٢.\n(٤) في (ب): (السماء).\n(٥) في (أ)، (ج): (مخلدا)، وأثبت ما في (ب): لأنه الصحيح.\n(٦) قتادة بن دعامة السدوسي البصري، كان ضريرا، اشتهر بالحفظ، أثنى عليه الأئمة كأحمد بن حنبل، ومعمر، والزهري وغيرهم، مات بواسط بالطاعون سنة ثماني عشرة ومائة، وقيل: سنة سبع عشرة.\nانظر ترجمته في: \"الجرح والتعديل\" ٧/ ١٣٣، \"تذكرة الحفاظ\" ١/ ١٢٢، \"الميزان\" ٤/ ٣٠٥، \"طبقات المفسرين\" للداودي ٢/ ٤٧ - ٤٨.\n(٧) إسماعيل بن أبي كريمة السدي، وهو المعروف بالسدي الكبير، قرشي بالولاء، (السدي): بضم السين، نسبة إلى السدة، وهي الباب، لأنه كان يجلس إلى سدة =","vol":"1","page":411},{"text":"دون معنى قول الله ﷿.\nألا ترى أن واحدا ممن لم يتدرب بلغة العرب لو سمع قول امرئ القيس (١):\nدِيمةٌ هَطْلاَءُ فِيهَا وَطَفٌ ... طَبَقُ الأَرْضِ تَحَرَّى وَتَدُرّ (٢)\nفسأل عن معناه، فقيل له: إنه يصف مطرا سحابه (٣) هاطل، كان عارفا معنى هذا البيت من طريق التقليد، ولا يكون عارفًا معنى قول امرئ القيس ما\n_________\n= الجامع بالكوفة، وهو تابعي سمع أنسا، وثقه أحمد وضعفه بعضهم كابن معين، ومال أحمد شاكر في \"حاشية الطبري\": إلى توثيقه، مات سنة سبع وعشرين ومائة، وقيل: سنة تسع وعشرين.\nانظر: \"تهذيب الكمال\" ٣/ ١٣٢ - ١٣٨، \"الجرح والتعديل\" ٢/ ١٨٤، \"طبقات المفسرين\" ١/ ١١٠، \"حاشية الطبري\" ١/ ١٥٧ (ط. شاكر). هذا هو السدي الكبير، أما السدي الصغير فهو محمد بن مروان، متروك الحديث، ضعفه كثير من الأئمة، انظر ترجمته في: \"الميزان\" ٥/ ١٥٧، \"طبقات المفسرين\" ٢/ ٢٥٥، ٢٦٥.\n(١) هو امرؤ القيس بن حجر بن الحارث، الشاعر الجاهلي المشهور، يقال له: (ذو القُرُوح)، و(المَلِك الضِّلِّيل)، يُعَدُّ شيخ الشعراء وأميرهم في الجاهلية، ومن الطبقة الأولى من شعرائهم الفحول.\nانظر: \"طبقات فحول الشعراء\" ١/ ٥١، \"الشعر والشعراء\" ص ٤٩، \"الخزانة\" ١/ ٣٢٩، \"شرح شواهد المغني\" ١/ ٢١.\n(٢) (الديمة) المطر الدائم، (هطلاء) كثيرة المطر، (الوطف) الدنو من الأرض. (طبق الأرض): أي تطبق الأرض وتعمها، (تحرى): تتعمد المكان وتثبت فيه، (تدر) يكثر مطرها. ورد البيت في \"تهذيب اللغة\" في مواضع (هطل) ٤/ ٣٧٦٩، و(طبق) ٣/ ٢١٦٤، \"وطف\" ٤/ ٣٩١١، و(دام) ٢/ ١١٣٥، \"الصحاح\" (طبق) ٤/ ١٥١٢، و(هطل) ٥/ ١٨٥٠، \"اللسان\" (وطف) ٨/ ٤٨٦٨، و(طبق) ٥/ ٢٦٣٧، و(هطل) ٨/ ٤٦٧٥، (دوم) ٣/ ١٤٥٧، و\"ديوان امرئ القيس\" ص ٧٨.\n(٣) في (ب): (سحابة).","vol":"1","page":412},{"text":"لم يعرف تفسير كل حرف على حدته، وما وضع له ذلك اللفظ.\nوكذلك قوله:\nوَمَا ذَرَفَتْ عَيْنَاكِ إلَّا لِتَضرِبِي ... بِسَهْمَيْكِ فِي أَعْشَارِ قَلْبٍ مُقَتَّلِ (١)\nمعنى هذا البيت أنه يقول لامرأة: ما بكيت إلى لتأخذي بمجامع قلبي، فمن (٢) عرف هذا فقد عرف معنى البيت، لكنه إنما عرفه من قول من عبر عن مراد الشاعر بهذا لا من قول الشاعر. ودون أن تعرف وضع ألفاظه، والمراد بكل حرف منه: خرط القتاد (٣).\nوعلى هذا النحو جميع كلام العرب، مثل قولهم: (أبى الحقين العذرة) (٤) يضرب لمن يعتذر، وظاهر حاله يكذبه، ومعرفة هذا المعنى لا\n_________\n(١) (ذرفت) دمعت، (الأعشار): القطع والكسور، يقول: ما بكيت إلا لتجرحي قلبا مكسرا، ولم تبكي لأنك مظلومة، واختار الأزهري في معنى البيت ما ذكره أحمد بن يحيى، وهو: أن المراد (بسهميك) سهمي قداح الميسر، ويكون المعنى: أنها ضربت بسهامها على قلبه فخرج لها السهمان المعلى والرقيب، إذا فاز الرجل بهما غلب على الجزور كلها، فهي غلبته على قلبه كله.\nورد البيت في \"التهذيب\" (عشر) ٣/ ٢٤٤٧، و(قتل) ٣/ ٢٨٨٤، \"معجم مقاييس اللغة\" (عشر) ٤/ ٣٢٦، و(قتل) ٥/ ٥٧، \"المخصص\" ٥/ ٥٣، \"مجمل اللغة\" (عشر) ٣/ ٦٧٠، و(قتل) ٣/ ٧٤٣، \"شرح القصائد المشهورات\" للنحاس ص ١٦، \"اللسان\" (قتل) ٦/ ٣٥٣٠، \"ديوان امرئ القيس\" ص ١١٤.\n(٢) في (ب): (لمن).\n(٣) في المثل (دونه خرط القتاد): والقتاد شجر له شوك، والخرط: أن تمر يدك على القتادة من أعلاها إلى أسفلها حتى ينثر شوكها، والمثل يضرب للأمر الشاق.\nانظر: \"المستقصى في أمثال العرب\" ٢/ ٨٢، و٣/ ٣٤٢ (قتد).\n(٤) الحقين: اللبن المحقون، العذرة: العذر. المثل في قوم اعتذروا إلى ضيف ولهم لبن، فقال: لا يسوغ اللبن معذرتكم. وقيل: المثل في رجل حقن إهالة (الودك المذاب) وزعم لضيف أنها سمن، فلما صبها جعل يعتذر فقال الضيف: أبي الحقين العذرة. =","vol":"1","page":413},{"text":"تفيدك معرفة هذِه (١) الألفاظ. وكقولهم (٢): (فلان لا يقعقع (٣) له بالشنان (٤) ولا تقرع (٥) له العصا (٦) و(أنا جذيلها المحكك) (٧) في أمثال لهذا كثيرة.\nوكذلك آيات القرآن التي (٨) فسرها الصحابة والتابعون، إنما فسروها بذكر معناها المقصود، كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ\n_________\n= والمثل يضرب لمن يعتذر وليس له عذر.\nانظر: \"جمهرة الأمثال\" لأبي هلال رقم المثل (١٢)، ١/ ٢٨، \"المستقصى في أمثال العرب\" للزمخشري ١/ ٣١ رقم (٩٢)، \"مجمع الأمثال\" للميداني ١/ ٦٩ رقم (١٦٠).\n(١) في (ب): (بهذِه).\n(٢) في (ب): (لقولهم).\n(٣) في (ج): (قعقع).\n(٤) في (ب): (باللسان).\n(٥) في جميع النسخ (تقزع): وهو تصحيف.\n(٦) قوله: (لا يقعقع له بالشنان): يضرب للرجل الشهم الصعب، أي لا يهدد ولا يفزع، وقد تمثل به الحجاج على منبر الكوفة، و(الشنان): جمع شن وهي القربة اليابسة، و(القعقعة): صوت الشيء الصلب على مثله.\nانظر: \"جمهرة الأمثال\" ٢/ ٤١٢، \"المستقصى\" ٢/ ٢٧٤، \"الصحاح\" (شنن) ٥/ ٢١٤٦، \"اللسان\" (شنن) ٤/ ٢٣٤٤.\nوقوله: (ولا تقرع له العصا): قال في \"مجمع الأمثال\" ٢/ ٢٤١: (لا تقرع له العصا، ولا تقلقل له الحصا): يضرب للمحنك المجرب، وانظر: \"تهذيب اللغة\" (قرع) ٣/ ٢٩٣٨، \"اللسان\" (قرع) ٦/ ٣٥٩٥.\n(٧) ورد نص المثل في كتب الأمثال: (أنا جذيلها المحكك، وعذيقها المرجب). الجذيل: تصغير (الجذل)، وهو خشبة تحتك بها الإبل الجربى، والعذيق: تصغير (العذق): بفتح العين وهو النخلة، والمرجب: الذي جعل له ما يعتمد عليه، وهذا تصغير لتفخيم وتلطيف المحل. والمثل يضرب للمستشفى برأيه. وقد قاله الحباب بن المنذر بن الجموح الأنصاري يوم السقيفة عند بيعة أبي بكر ﵁.\nانظر: \"مجمع الأمثال\" ١/ ٥٢ رقم (١٢٥)، \"المستقصى\" ١/ ٣٧٧ رقم (١٦١٨).\n(٨) في (ج): (الذي).","vol":"1","page":414},{"text":"بِالْإِثْمِ﴾ [البقرة: ٢٠٦] قال قتادة: إذا قيل له: مهلًا مهلًا (١)، ازداد إقدامًا على المعصية (٢).\nفمن أين لك أن تعرف هذا (٣) المعنى من لفظ الآية؟ إلى بعد الجهد وطول التفكر.\nوكذلك قوله: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾ [آل عمران: ١٧٥]. قال السدي: يعظم أولياءه في صدوركم (٤). فانظر، هل يمكنك أن تفرغ هذا المعنى في قالب (٥) هذِه الألفاظ إلى بعد التعب في معرفة ما ذكره أرباب النحو؟ وكذلك قوله: ﴿وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا (٧١)﴾ [الفرقان: ٧١] تدبر هل تعرف صحة هذِه الألفاظ واستواء نظمها مما ذكره المفسرون؟ وهل يحسن أن يقال: من قام فإنه يقوم، ومن ركب فإنه يركب (٦)؟ وعلى هذا\n_________\n(١) (مهلا): ساقطة من (ب).\n(٢) ذكره المؤلف في \"الوسيط\" ١/ ٣٠٣، و\"تفسير القرطبي\" ٣/ ١٩، ولم أجده في غيرهما عن قتادة فيما اطلعت عليه، والله أعلم.\n(٣) في (ب): (بهذا).\n(٤) ذكره الطبري في \"تفسيره\" ٤/ ١٨٤، والبغوي ٢/ ١٣٩، ونحوه في \"تفسير القرطبي\" عن ابن عباس وذكر عن السدي قولا آخر ٤/ ٢٨٢.\n(٥) في (ج): (قال).\n(٦) لا يحسن أن يقال: من قام فإنه يقوم، لأنه تكرار لا معنى له. انظر: \"تفسير القرطبي\" ١٣/ ٧٩. أما الآية فقد ذكر المفسرون في معنى التوبة في الآية الثانية أقوالا منها: قال ابن عباس: من آمن من أهل مكة ولم يكن قتل وزنى .. فهي توبة عن غير الذنوب المذكورة في الآية، من القتل والزنى، وقيل. الأولى فيمن تاب من المشركين، والثانية فيمن تاب من المسلمين، وقيل: المراد تأكيد أن التوبة لا تنفع إلا بالعمل الصالح، فيتوب متابا، أي: حق التوبة، وقيل: من صدقت توبته يوفقه الله للاستمرار عليها، وفي الآية أقوال أخرى.\nانظر: \"تفسير البغوي\" ١٩/ ٩٧ - ٩٨، \"زاد المسير\" ٨/ ١٠٦، \"تفسير القرطبي\" ١٣/ ٧٩.","vol":"1","page":415},{"text":"أكثر آيات القرآن وكلام العرب. وإنما ذكرت هذِه الأمثلة لتعرف أن من تأمل مصنفات المفسرين، ووقف على معاني أقوالهم، لم يقف على معاني كلام الله دون الوقوف على أصول اللغة والنحو.\nوالمعنيون (١) بالتصنيف في هذا العلم طبقات: فالصحابة الذين نزل فيهم القرآن شاهدوا التنزيل، وعرفوا التأويل؛ لأنهم أهل اللغة الذين نشأوا عليها كما وصفناهم قبل.\nوأما التابعون والسلف الصالحون فإنهم لم يتصنعوا في جمع ما جمعوا، ولم يتكلفوا في تتبع الخفايا من الزوايا.\nوأرباب المعاني (٢) اقتصروا على الإعراب، وبيان نهج الخطاب.\nوللمتأخرين مراتب ودرجات، وأغراض في التصنيف متفاوتات، والاشتغال بما يعنينا أولى من بيان درجتهم، والكشف عن نقصهم ومزيتهم (٣)، وقل من تراه يعنى بسوق اللفظ على التفسير، وإفراغه في قوالب المعاني، حتى يأتي به متسقا من غير ترجح، ومطردا من غير تخاذل (٤).\nوعلى هذا فلم يبقوا في القوس منزعًا (٥)، ولم يترك الأول للآخر شيئًا،\n_________\n(١) في (ب): (المعتنون).\n(٢) يريد المتكلمين على المعاني من جهة اللغة والنحو، كالفراء والزجاج والأخفش في كتبهم في معاني القرآن وغيرهم، قال في \"البرهان\": (قال ابن الصلاح: وحيث رأيت في كتب التفسير: قال أهل المعاني فالمراد به مصنفو الكتب في معاني القرآن كالزجاج ومن قبله .. وفي بعض كلام الواحدي: أكثر أهل المعاني: الفراء والزجاج وابن الأنباري قالوا كذا). \"البرهان\" ٢/ ١٤٦ - ١٤٧، \"الإتقان\" ٤/ ٢٤٣، وانظر: \"الوسيط\" و\"حاشيته\" ١/ ٦٥.\n(٣) في (ب): (ومرتبتهم).\n(٤) في (ب): (تجادل).\n(٥) لعله يقصد بهذا السابقين دون المتأخرين، وبه يزول ما قد يوحي به ظاهر سياق العبارة من تناقض.","vol":"1","page":416},{"text":"غير أن المتأخر بلطيف حيلته (١)، ودقيق (٢) فطنته، يلتقط الدرر ويجمع الغرر، فينظمها كالعقد على صدر الكعاب (٣)، يروق المتأملين (٤)، ويؤنق الناظرين (٥)، فيستحق به في الأولى حمد الحامدين، وفي العقبى ثواب رب العالمين.\nوأظنني لم آل جهدًا في إحكام أصول هذا العلم، على حسب ما يليق بزماننا هذا، ويسعه سنو عمري على قلة أعدادها، فقد وفق الله تعالى وله الحمد، حتى اقتبست كل ما احتجت إليه في هذا الباب من مظانه، وأخذته من (٦) معادنه.\nأما (اللغة): فقد درستها على الشيخ أبي الفضل أحمد بن محمد بن عبدالله بن يوسف العروضي (٧) (٨) ﵀، وكان قد خنق التسعين (٩) في خدمة الأدب، وأدرك المشايخ الكبار، وقرأ عليهم وروى عنهم كأبي منصور الأزهري (١٠)، روى عنه كتاب \"التهذيب\" (١١) وغيره من الكتب، وأدرك أبا\n_________\n(١) في (ب): (جبلته).\n(٢) في (ج): (رقيق).\n(٣) الكاعب: الجارية إذا نهد ثديها، وجمعها كواعب، كما قال الله تعالى: ﴿وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا﴾ [النبأ: ٣٣] وعن ثعلب: كعاب. انظر: \"اللسان\" (كعب) ٧/ ٣٨٨٨.\n(٤) الروق: الإعجاب، أي: يعجب المتأملين. انظر: \"تهذيب اللغة\" (راق) ٢/ ١٣٢٩، \"اللسان\" (روق): ٣/ ١٧٨٠.\n(٥) الأنق: الإعجاب بالشيء، قد آنقني الشيء ويؤنقني إيناقًا، وإنه لأنيق مؤنق، لكل شيء أعجبك حسنه. \"تهذيب اللغة\" (أنق) ١/ ٢١٩، \"اللسان\" (أنق) ١/ ١٥٣.\n(٦) في (ب): (في).\n(٧) في (ج): (المعروضي).\n(٨) سبقت ترجمته مع شيوخ الواحدي.\n(٩) (خنق التسعين): كاد يبلغها، انظر: \"القاموس المحيط\" (خنق): ص ٨٨١.\n(١٠) سبقت ترجمته عند الحديث عن مصادر الواحدي في \"البسيط\".\n(١١) هو كتاب \"تهذيب اللغة\" للأزهري، سبق ذكره في مصادر الواحدي في \"البسيط\".","vol":"1","page":417},{"text":"العباس العامري، وأبا القاسم الأسدي (١)، وأبا نصر طاهر بن محمد الوزيري، وأبا الحسين (٢) الرخجي (٣)، وهؤلاء كانوا فرسان البلاغة وأئمة اللغة.\nوسمع أبا العباس الأصم (٤)، وروى عنه، واستخلفه الأستاذ أبو بكر\n_________\n(١) هو عبد الرحمن بن الحسن بن أحمد بن عبيد، أبو القاسم الأسدي، من أهل همذان، تكلموا فيه، قال الخطيب البغدادي: قال صالح: سمعت القاسم بن أبي صالح. نص عليه بالكذب مع دخوله في أعمال الظلمة، توفي سنة اثنتين وخمسين وثلاثمائة. انظر: \"تاريخ بغداد\" ١٠/ ٢٩٢، \"سير أعلام النبلاء\" ١٦/ ١٥، \"ميزان الاعتدال\" ٣/ ٢٧٠.\n(٢) في (أ): (الحسن)، وفي (ب)، (ج): محتملة والتصحيح حسب ما في \"يتيمة الدهر\" ٤/ ٤٧٩، \"الأنساب\" ٦/ ٩٨.\n(٣) في (ب): (الراحمي).\nوهو أبو الحسين عيسى بن حامد بن بشر بن عيسى الرخجي، القاضي، يعرف بابن بنت القنبيطي، سمع من جماعة، منهم: محمد بن جرير الطبري، توفي في ذي الحجة سنة ثمان وستين وثلاثمائة، و(الرخجي): بضم الراء وفتح الخاء المعجمة المشددة وفي آخرها الجيم نسبة إلى (الرخجية): قرية قريبة من بغداد، وقيل: إن المذكور ينسب لقبيلة يقال لها: (الرخج): والأول أقرب.\nانظر: \"يتيمة الدهر\" ٤/ ٤٧٩، \"تاريخ بغداد\" ١١/ ١٧٨، \"الأنساب\" ٦/ ٩٨.\n(٤) هو الإمام المحدث محمد بن يعقوب بن يوسف بن معقل بن سنان، الأموي مولاهم، أبو العباس، النيسابوري، الأصم، أصابه الصمم بعد رحلته ثم استحكم حتى كان لا يسمع نهيق الحمار، رحل مع أبيه إلى الآفاق، سمع العدد الكبير من العلماء، طال عمره، وبعد صيته، وتزاحم عليه الطلبة، لم يختلف في صدقه وصحة سماعاته، توفي في الثالث والعشرين من ربيع الآخر سنة ست وأربعين وثلاثمائة.\nانظر: \"الأنساب\" ١/ ٢٩٤، \"سير أعلام النبلاء\" ١٥/ ٤٥٢ - ٤٦٠، \"تذكرة الحفاظ\" ٣/ ٨٦٠ - ٨٦٤، \"العبر\" ٢/ ٧٤ - ٧٥.","vol":"1","page":418},{"text":"الخوارزمي (١) على درسه عند (٢) غيبته.\nوله المصنفات الكبار، والاستدراكات على الفحول من علماء اللغة والنحو. وكنت قد لازمته سنين، أدخل عليه عند طلوع الشمس، وأخرج لغروبها، أسمع، وأقرأ، وأعلق، وأحفظ، وأبحث، وأذاكر أصحابه ما بين طرفي النهار، وقرأت عليه الكثير من الدواوين، وكتب اللغة، حتى عاتبني شيخي ﵀ يوما من الأيام وقال: إنك لم تبق ديوانا من الشعر إلا قضيت حقه، أما آن لك أن تتفرغ لتفسير كتاب الله العزيز؟! يقرؤه علي هذا الرجل الذي يأتيه البعداء من أقاصي البلاد، وتتركه أنت على قرب ما بيننا من الجوار، يعني: الأستاذ الإمام (أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي) ﵀.\nفقلت: يا أبت إنما أتدرج بهذا إلى ذلك الذي تريد، وإذا لم أحكم الأدب بجد وتعب، لم أرم في غرض التفسير عن كثب، ثم لم أغبَّ (٣) زيارته يومًا من الأيام إلى أن حال بيننا قدر الحمام.\nوأما (النحو) فإني لما كنت في مَيْعَةِ (٤) صباي، وشَرْخِ شبيبتي (٥)، وقعت\n_________\n(١) هو أبو بكر محمد بن العباس الخوارزمي، شاعر أديب، كان أوحد عصره في حفظ اللغة والشعر، رحل إلى عدة بلاد واستوطن نيسابور، توفي سنة ثلاث وثمانين وثلاثمائة.\nانظر: \"يتيمة الدهر\" ٤/ ٢٢٣ - ٢٧٦، \"الأنساب\" ٥/ ١٩٤، \"بغية الوعاة\" ١/ ١٢٥.\n(٢) (عند): ساقط من (ب).\n(٣) الغب: من ورد الماء، أن تشرب يوما، وتدع يوما، ومن الحمى أن تأخذ يوما وتدع يوما، والمراد: لم أترك زيارته يوما من الأيام. انظر: \"اللسان\" (غبب) ٦/ ٣٢٠٤.\n(٤) ميعة الشباب أوله وأنشطه. انظر: \"تهذيب اللغة\" (ماع) ٤/ ٣٣٢٧، \"اللسان\" (ميع) ٧/ ٤٣٠٩.\n(٥) شرخ الشباب قوته ونضارته. انظر: \"الصحاح\" (شرخ) ١/ ٤٢٤، \"اللسان\" (شرخ) ٤/ ٢٢٢٩.","vol":"1","page":419},{"text":"إلى الشيخ: (أبي الحسن علي بن محمد بن إبراهيم الضرير (١» ﵀، وكان من أبرع أهل زمانه في لطائف النحو وغوامضه، وأعلمهم بمضايق (٢) طوق العربية ودقائقها، ولعله تفرس فيَّ، وتوسم (٣) أثر الخير لدي، فتجرد (٤) لتخريجي، وصرف وكده (٥) إلى تأديبي، ولم يذخر (٦) عني شيئا من مكنون ما عنده، حتى استأثرني بأفلاذه (٧)، وسعدت به أفضل ما سعد تلميذ بأستاذه.\nوقرأت عليه جوامع النحو والتصريف والمعاني، وعلقت عنه قريبًا من مائة جزء في المسائل المشكلة، وسمعت منه (٨) أكثر مصنفاته، في النحو والعروض والعلل، وخصني بكتابه الكبير في علل القراءات المرتبة في كتاب \"الغاية\" لابن (٩) مهران.\n_________\n(١) سبقت ترجمته مع شيوخ الواحدي.\n(٢) في (ب): (بمضاق).\n(٣) (وتوسم): ساقط من (ب).\n(٤) في (ب): (متجرد).\n(٥) في (ب): (فكره). (وكده)، أي قصده. قال في \"تهذيب اللغة\" وكد فلان أمره يكده وكدا إذا مارسه وقصده. \"التهذيب\" (وكد) ٤/ ٣٩٤٣. وانظر: \"الصحاح\" (وكد) ٢/ ٥٥٣، \"اللسان\" (وكد): ٣/ ٤٦٧.\n(٦) ذخر الشيء يذخره ذخرا: اختاره لنفسه وأبقاه لوقت الحاجة، انظر: \"اللسان\" (ذخر) ٣/ ١٤٩٠، \"المعجم الوسيط\" (ذخر): ١/ ٣٠٩.\n(٧) في (ب): (بأولاده). الأفلاذ جمع، مفرده: فلذة، والمراد: لب الشيء وخالصه، كما في الحديث في أشراط الساعة: \"تلقي الأرض بأفلاذها\" المراد: كنوزها، وفي قصة بدر: هذِه قريش قد رمتكم بأفلاذ كبدها أي صميم قريش ولبها وأشرافها.\nانظر: \"تهذيب اللغة\" (فلذ) ٣/ ٢٨٢٧، \"اللسان\" (فلذ) ٦/ ٣٤٦٠.\n(٨) في (ب): (عنه).\n(٩) كتاب \"الغاية في القراءات العشر\" لأبي بكر الحسين بن مهران النيسابوري ت ٣٨١ هـ جمع فيه القراءات العشر، مع ذكر قراءة اختيارية انفرد بها عن سهل بن محمد أبي حاتم السجستاني، وذكر في مقدمة كتابه أسانيده لكل قراءة، طبع الكتاب بتحقيق =","vol":"1","page":420},{"text":"ثم ورد علينا الشيخ الإمام أبو الحسن عمران بن موسى المغربي المالكي (١)، وكان واحد عصره، وباقعة (٢) دهره (٣) في علم النحو، لم يلحق أحد ممن سمعنا شأوه في معرفة الإعراب، ولقد صحبته مدة مقامه عندنا، حتى استنزفت غرر (٤) ما عنده.\nوأما (القرآن وقراءات أهل الأمصار واختيارات الأئمة)، فإني اختلفت (٥) أولا إلى الأستاذ (أبي القاسم علي بن أحمد البستي (٦» ﵀، وقرأت عليه القرآن ختمات كثيرة لا تحصى، حتى قرأت عليه أكثر طريقة الأستاذ (أبي بكر أحمد بن الحسين بن مهران (٧» ﵀.\nثم ذهبت إلى الإمامين (أبي عثمان سعيد بن محمد الحيري) و(أبي\n_________\n= (محمد غياث الجنباز). وله شروح منها: شرح لأبي الحسين علي بن محمد بن إبراهيم القهندزي، له نسخة مخطوطة بالتيمورية (١/ ٢٨٢) الموجود نصف الكتاب، ولعل هذا الشرح هو المراد بقوله: كتابه الكبير في علل القراءات، ولم يذكر أحد ممن ترجم للقهندزي أن له كتابا باسم \"علل القراءات\".\n(١) سبقت ترجمته مع شيوخ الواحدي.\n(٢) الباقعة: الرجل الداهية. انظر: \"تهذيب اللغة\" (بقع) ١/ ٢٨٥.\n(٣) في (ب): (واحد دهره وباقعة عصره).\n(٤) من (ب): وفي غيرها: (غزر).\n(٥) يقال: اختلف إلى المكان إذا تردد. \"المعجم الوسيط\" (خلف) ١/ ٢٥١.\n(٦) سبقت ترجمته مع شيوخ الواحدي.\n(٧) هو أحمد بن الحسين بن مهران النيسابوري المقرئ، له عدة كتب في القراءات، وفي بعض علوم القرآن، من أشهرها كتاب \"الغاية\" الذي سبق ذكره، توفي سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة. انظر ترجمته في \"معجم الأدباء\" ١/ ٣٤٤ - ٣٤٦، \"معرفة القراء الكبار\" ١/ ٣٤٧، \"غاية النهاية\" ١/ ٤٩، \"العبر\" ٢/ ١٥٧.","vol":"1","page":421},{"text":"الحسن علي بن محمد الفارسي) (١) -رحمهما الله-، وكانا قد انتهت إليهما الرئاسة في هذا العلم، وأشير إليهما بالأصابع في علو السن، ورؤية المشايخ، وكثرة التلامذة، وغزارة العلوم وارتفاع الأسانيد، والوثوق فيها، فقرأت عليهما، وأخذت من كل واحد منهما حظا وافرا بعون الله وحسن توفيقه.\nوقرأت على الأستاذ (سعيد) مصنفات ابن مهران (٢)، وروى لنا كتب أبي\n_________\n(١) سبقت ترجمته مع شيوخ الواحدي.\n(٢) لابن مهران مصنفات كثيرة أغلبها في القراءات وعلوم القرآن منها:\n١ - \"الغاية في القراءات العشر\".\n٢ - \"المبسوط في القراءات العشر\".\n٣ - \"القراءات السبع\".\n٤ - \"قراءة أبي عمرو\".\n٥ - \"غرائب القرآن\".\n٦ - \"وقوف القرآن\".\n٧ - \"الانفراد\".\n٨ - \"شرح المعجم\".\n٩ - \"شرح التحقيق\".\n١٠ - \"اختلاف عدد السور\".\n١١ - \"رءوس الآيات\".\n١٢ - \"الوقف والابتداء\".\n١٣ - \"قراءة عبد الله بن عمر\".\n١٤ - \"علل كتاب المبسوط\".\n١٥ - \"آيات القرآن\".\n١٦ - \"الاتفاق والانفراد\".\n١٧ - \"المقطع والمبادئ\".","vol":"1","page":422},{"text":"علي (١) الفسوي (٢) عنه.\n_________\n١٨ - \"الشامل في القراءات\".\n١٩ - \"سجود القرآن\".\n٢٠ - \"طبقات القراء\".\nانظر: \"معجم الأدباء\" ١/ ٣٤٥، \"تاريخ التراث\" لسزكين ١/ ٤٦، \"معرفة القراء الكبار\" ١/ ٣٤٧ - ٣٤٨، \"كشف الظنون\" ٢/ ١٠٢٥، \"الأعلام\" للزركلي ١/ ١١٥، \"معجم المؤلفين\" ١/ ١٣٠.\n(١) (علي): ساقط من (ب).\n(٢) هو أبو علي الفارسي سبقت ترجمته، أما كتبه فذكر له ياقوت في \"معجم الأدباء\" ستة وعشرين كتابا منها:\n١ - \"كتاب الإيضاح\".\n٢ - \"التكملة\".\n٣ - \"الحجة\".\n٤ - \"المسائل الحلبيات\".\n٥ - \"المسائل البغدادية\".\n٦ - \"المسائل الشيرازنة\".\n٧ - \"المسائل القصرية\".\n٨ - \"المسائل المنثورة\".\n٩ - \"المسائل الدمشقية\".\n١٠ - \"المسائل البصريات\".\n١١ - \"المسائل المشكلة\".\n١٢ - \"المسائل الكرمانية\".\n١٣ - \"الإيضاح الشعري\".\n١٤ - \"الإيضاح النحوي\". وغيرها.\nوقد ذكر الدكتور (حسن شاذلي فرهود): أن لأبي علي ثلاثة وثلاثين مصنفا، انظر مقدمة تحقيق كتاب \"التكملة\" ص ٣.","vol":"1","page":423},{"text":"وقرأت عليه بلفظي كتاب الزجاج في المعاني (١) روايته عن ابن مقسم (٢) عنه، وسمع بقراءتي الخلق الكثير.\nثم فرغت للأستاذ الإمام \"أبي إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي\" ﵀، وكان حبر العلماء بل بحرهم، ونجم الفضلاء (٣) بل (٤) بدرهم، وزين الأئمة بل فخرهم، وأوحد الأمة بل صدرهم، وله التفسير الملقب بـ\"الكشف والبيان عن تفسير القرآن\" (٥)، الذي رفعت به المطايا في السهل والأوعار، وسارت به الفلك في البحار، وهبت هبوب الريح في الأقطار:\nوسار مسير الشمس في كل بلدة ... وهب هبوب الريح في البر والبحر (٦)\nوأصفقت (٧) عليه كافة الأمة على اختلاف نحلهم، وأقروا له بالفضيلة في تصنيفه ما لم يسبق إلى مثله، فمن أدركه وصحبه علم أنه كان منقطع\n_________\n(١) هو أبو إسحاق إبراهيم بن السري الزجاج، سبق ذكره عند الحديث عن مصادر الواحدي في \"البسيط\"، وكتابه في (المعاني): وهو \"معاني القرآن وإعرابه\" وهو أشهر كتب الزجاج، اعتمد عليه الواحدي في كتابه \"البسيط\"، انظر مصادر الواحدي.\n(٢) هو محمد بن الحسن بن يعقوب بن مقسم البغدادي العطار، تقدمت ترجمته.\n(٣) في (ب): (الفضائل).\n(٤) (بل): سقط من (ب).\n(٥) وهو \"تفسير الثعلبي\" المشهور، أحد مصادر الواحدي الهامة كما سبق، ولم يكن قد طُبع بعد عند إعداد عدد من الرسائل المشاركة في تحقيق هذا التفسير.\n(٦) لم أجده.\n(٧) اجتمعت على الاعتراف بفضله، يقال: أصفق القوم على كذا: أطبقوا عليه واجتمعوا. انظر: \"تهذيب اللغة\" (صفق) ٢/ ٢٠٢٩، \"اللسان\" (صفق) ٤/ ٢٤٦٣.","vol":"1","page":424},{"text":"القرين، ومن لم يدركه فلينظر في مصنفاته؛ ليستدل بها على أنه كان بحرًا (١) لا ينزف، وغمرًا (٢) لا يسبر (٣).\nوقرأت عليه من مصنفاته أكثر من خمسمائة جزء، وتفسيره الكبير، وكتابه المعنون بـ\"الكامل في علم القرآن\" (٤) وغيرهما.\nولو أثبت (٥) المشايخ الذين أدركتهم، واقتبست عنهم هذا العلم، من مشايخ (نيسابور) وسائر البلاد التي (٦) وطئتها، طال الخطب ومل الناظر.\nوقد استخرت الله العظيم في جمع كتاب أرجو أن يمدني الله فيه بتوفيقه وحسن تيسيره، حتى أبرزه كالقمر انجاب سحابه، والزلال صفا (٧) متنه (٨) واطرد (٩) حبابه (١٠)، يؤدي إلى المتأمل (١١) نضرة الكلم (١٢) العذاب، ورونق\n_________\n(١) في (ب): (بحر).\n(٢) في (ب): (غمر). في \"تهذيب اللغة\" (الغمر) الماء الكثير، ويقال: رجل غمر الخلق، أي: واسع الخلق، وهو غمر الرداء: إذا كان كثير المعروف واسعه. \"تهذيب اللغة\" (غمر) ٣/ ٢٦٩٣، \"اللسان\" (غمر) ٦/ ٣٢٩٣.\n(٣) في (ب): (يسير). كان الواحدي شديد الإعجاب بشيخه فبالغ في وصفه. انظر ما سبق عند الحديث عن شيوخه، وكذا في مصادره في \"البسيط\".\n(٤) لم أجد أحدصا ممن ترجم للثعلبي ذكر هذا الكتاب، ولعله فيما ضاع من التراث.\n(٥) في (ب): (أتيت).\n(٦) في (ج): (الذي).\n(٧) في (ب): (والزلال صفائه واطراد ..).\n(٨) متن كل شيء ما ظهر منه. انظر: \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٣٣٨، \"اللسان\" (من) ٧/ ٤١٣٠.\n(٩) اطرد: تتابع. انظر: \"التهذيب\" (طرد) ٣/ ٢١٧٥، \"اللسان\" (طرد) ٥/ ٢٦٥١.\n(١٠) حبابه: نفاخاته وفقاقيعه التي تطفو كأنها القوارير، أو الطرائق التي في الماء، كأنها الوشي، وهو الموج يتبع بعضه بعضا. انظر: \"تهذيب اللغة\" (حب) ١/ ٧١٦، \"اللسان\" (حبب) ٢/ ٧٤٢.\n(١١) في (ب): (التأمل).\n(١٢) (الكلم): جمع كلمة. انظر: \"اللسان\" (كلم) ٧/ ٣٩٢١.","vol":"1","page":425},{"text":"الذهب المذاب، سالك نهج الإعجاز في الإيجاز، مشتمل على ما نقمت (١) على غيري إهماله، ونعيت عليه إغفاله، خال عما يكسب المستفيد ملالة، ويتصور (٢) عند المتصفح إطالة، لا يدع لمن تأمله حازة (٣) في صدره حتى يخرجه من ظلمة الريب والتخمين (٤)، إلى نور العلم وثلج (٥) اليقين، هذا بعد أن يكون المتأمل مرتاضًا في صنعة الأدب والنحو، مهتديا بطرق الحجاج، قارحا (٦) في سلوك المنهاج.\nفأما الجذع (٧) المزجى (٨) من المقتبسين، والريض (٩)\n_________\n(١) قال الجوهري: نقصت على الرجل أنقم بالكسر: إذا عتبت عليه، وقال الكسائي: ونقمت: بالكسر، لغة. ونقمت الأمر ونقمته: إذا كرهته. انظر: \"الصحاح\" (نقم) ٥/ ٢٠٤٥، \"اللسان\" (نقم) ٨/ ٤٥٣١.\n(٢) في (ب): (ويتصفح).\n(٣) في (ب): (حارة)، وكذا ورد في \"معجم الأدباء\" ١٢/ ٢٦٨ فيما نقله من مقدمة \"البسيط\" للواحدي، و(الحزازة) وجع في القلب من غيظ ونحوه، ويقال: (حزاز) بالتشديد والمراد كل ما حز في القلب وحك. انظر: \"التهذيب\" (حز) ١/ ٨٠٢، \"اللسان\" (حزز) ٢/ ٨٥٦، وحارة الصدر ما يحصل فيه من الحرارة من العطش والحزن والهم. انظر: \"اللسان\" (حرر) ٢/ ٨٢٧، فاللفظان متقاربان في المعنى.\n(٤) في (ب): (التحمير).\n(٥) ثلج النفس: اطمئنانها. انظر: \"التهذيب\" (ثلج) ١/ ٥٠٠.\n(٦) القرح: هو الذي نبت نابه، والمراد قوي واشتد. انظر: \"تهذيب اللغة\" (قرح) ٣/ ٢٩١٨، \"اللسان\" (قرح) ٦/ ٣٥٧١.\n(٧) الجذع من الدواب والأنعام: قبل أن يثني بسنة، ويختلف في أسنان الإبل والخيل والبقر والشاء. والمراد: حدث السن الذي في أول إدراكه. \"تهذيب اللغة\" (جذع) ١/ ٥٦٦.\n(٨) (المزجى) القليل غير التام، انظر: \"اللسان\" (زجى) ٢/ ١٥١١، والمراد الناشئ المبتدئ قليل البضاعة في العلم. وقد جاءت الكلمة في \"معجم الأدباء\" (المرخى) ١٢/ ٢٦٩، والمراد ليس به قوة.\n(٩) (الريض): من الدواب الذي لم يقبل الرياضة ولم يمهر السير، ولم يذل لراكبه فهي لم تذلل بعد، وكذا غلام ريض، والمراد المبتدئ، الذي لم يتمرن بعد. انظر: \"التهذيب\" (راض): ٢/ ١٣١٩، \"اللسان\" (روض) ٣٢/ ١٧٧٥.","vol":"1","page":426},{"text":"الكز (١) من المبتدئين فإنه مع هذا الكتاب كمزاول (٢) غلقا ضاع عنه المفتاح، ومتخبط في ظلماء ليل خانه المصباح:\nيحاول فتق غيم وهو يأبى (٣) ... كعنين يريد نكاح بكر (٤)\nوأبتدئ في كل آية عند التفسير بقول ابن عباس ما وجدت له نصًّا (٥)، ثم بقول من هو قدوة في هذا العلم من الصحابة وأتباعهم، مع التوفيق بين قولهم ولفظ الآية. فأما الأقوال الفاسدة والتفسير المرذول الذي لا يحتمله اللفظ ولا تساعده العبارة فمما لم أعبأ به، ولم أضيع الوقت بذكره.\nوذكرت وجوه القراءات السبع التي اجتمع عليها أهل (٦) الأمصار، دون تسمية القراء (٧)، واعتمدت في أكثرها على كتاب أبي علي الحسن بن أحمد الفارسي (٨) الذي رواه لنا سعيد بن محمد الحيري (٩) عنه.\n_________\n(١) من الكزازة وهي اليبس والصلابة، والمراد أنه لم يتدرب ولم يلن بعد. انظر: \"التهذيب\" (كز) ٤/ ٣١٣٨، \"اللسان\" (كزز) ٧/ ٣٨٦٩.\n(٢) في (ج): (كمزوال).\n(٣) في (ب): (يأتي).\n(٤) لم أجده.\n(٥) سبق بيان منهجه في \"البسيط\" ص ١١٦. وفيه أنه يبدأ أولا بشرح الكلمات وبيان أصولها واشتقاقها في اللغة، ويذكر الأوجه النحوية، ثم يدخل في تفسير الآية قائلا: أما التفسير، فيبدأ بذكر قول ابن عباس في الغالب، وقد يذكر قول غيره قبله.\n(٦) (أهل): ساقط من (ب).\n(٧) وقد يسمي القراء. انظر منهجه في \"ذكر القراءات\".\n(٨) هو كتاب \"الحجة\" لأبي علي الفارسي، وقد اعتمد عليه كثيرا، فهو أحد مصادره الهامة. انظر ما سبق في مصادر الواحدي.\n(٩) في (ج) (الجيري): بالجيم. والصحيح بالحاء أحد شيوخه كما سبق.","vol":"1","page":427},{"text":"وكل ينفق مما رزقه الله، ويعمل على مقدار ما وفقه الله، ومتى يبلغ ضعف (١) سعينا وقاصر جهدنا نهاية ما لا (٢) يتناهى؟ وهذا سهل بن عبد الله (٣) يقول: لو أعطي العبد بكل حرف من القرآن ألف فهم لم يبلغ نهاية ما أودع الله في آية من كتابه؛ لأنه كلام الله، وكلامه صفته، وكما أن ليس لله نهاية، فكذلك لا نهاية لفهم كلامه، وإنما يفهم كل بمقدار ما يفتح الله على قلبه.\nوكلام الله غير مخلوق، ولا يبلغ إلى نهاية فهمه فهوم محدثة مخلوقة. ثم إن هذا الكتاب عجالة الوقت وقبسة العجلان، وتذكرة يستصحبها المرء حيثما حل وارتحل، وإن أُنسئ الأجل وأُرخي الطِّوَل (٤)، وأنظرني الليل والنهار، حتى يتلفع بالمشيب العذار (٥)، أردفته بكتاب (أنضجه) (٦) بنار الروية، وأردده\n_________\n(١) في (ج): (ومتى يبلغ سعى ضعف سعينا ..).\n(٢) في (ب): (ما لم).\n(٣) هو أبو محمد سهل بن عبد الله بن يونس التستري، أحد أئمة الصوفية، لقي ذا النون المصري، توفي سنة ثلاث وثمانين ومائتين، وقيل: سنة ثلاث وسبعين ومائتين. انظر: \"طبقات الصوفية\" للسلمي ص ٢٠٦، \"حلية الأولياء\" ١٠/ ١٨٩، \"وفيات الأعيان\" ٢/ ٤٢٩، \"البداية والنهاية\" ١١/ ٧٤.\n(٤) الطول: هو الحبل الطويل جدا، ويطلق على الحبل الذي يطول للدابة فترعى فيه. قال طرفة:\nلعمرك إن الموت ما أخطأ الفتى ... لكالطول المرخي وثنياه باليد\nوالمراد: أخر العمر ومد فيه.\nانظر: \"تهذيب اللغة\" (طال) ٣/ ٢١٥٦، \"اللسان\" (طول) ٥/ ٢٧٢٥.\n(٥) قال الأزهري: يقال: تلفع الرجل بالمشيب إذا شمله الشيب. \"تهذيب اللغة\" (لفع): ٤/ ٣٢٨٠، وانظر: \"المخصص\" لابن سيده ١٥/ ٧٧.\nو(العذار) عذار الرجل: شعره النابت في موضع العذار، والعذاران: جانبا اللحية؛ لأن ذلك موضع العذار من الدابة. انظر: \"اللسان\" (عذر) ٥/ ٢٨٥٤.\n(٦) في (ب): (أفصحه).","vol":"1","page":428},{"text":"على راووق (١) الفكرة، وأضمنه عجائب ما كتبته ولطائف ما جمعته (٢).\nوعلى الله (٣) المعول في تيسير ما رمت، وله الحمد كلما قعدت أو قمت. [والله الموفق للصواب] (٤).\n* * *\n_________\n(١) في \"التهذيب\" عن أبي عبيد: الراووق: المصفاة، وعن الليث: ناجود الشراب الذي يروق به فيصفى \"التهذيب\" ٢/ ١٣٢٨، انظر: \"اللسان\" (روق) ٣/ ١٧٧٩، وفي \"معجم الأدباء\": (رواق الفكرة).\n(٢) هل ألف هذا الكتاب؟ وما هو؟. لقد انتهى الواحدي من تأليف \"البسيط\" سنة ست وأربعين وأربعمائة، ثم ألف بعده \"الوسيط\" فهل هو المراد؟ أو كتاب غيره ألفه ولم يصل إلينا، وأنه كان يرغب ذلك ولم يتحقق له. الله أعلم.\n(٣) (الله): لفظ الجلالة غير موجود في (ب).\n(٤) ما بين المعقوفين زيادة من (ب).","vol":"1","page":429},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-216>سورة الفاتحة</span>","vol":"1","page":431},{"text":"فاتحة الكتاب\n\nقوله ﷿ <span data-type=\"title\" id=toc-217>(١): </span>﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ اختلفت عبارة النحويين في تسمية هذِه الباء الجارة، فسموها مرة: حرف إلصاق، ومرة: حرف استعانة، ومرة: حرف إضافة، وكل هذا صحيح من قولهم (٢).\nأما الإلصاق: فنحو قولك: تمسكت بزيد، وذلك أنك ألصقت محل قدرتك به، وبما اتصل به، فقد صح إذن معنى الإلصاق (٣).\nوأما الاستعانة: فقولك: ضربت بالسيف، وكتبت بالقلم، وبريت بالمدية، أي: استعنت بهذِه الأدوات على هذِه الأفعال.\nوأما الإضافة: فقولك: مررت بزيد، أضفت مرورك إلى زيد بالباء (٤).\nوأما قول النحويين (٥): (الباء والكاف واللام الزوائد) فإنما قالوا فيهن:\n_________\n(١) قوله (﷿) ساقط من (ج).\n(٢) نقل الواحدي الكلام عن (الباء) من كتاب \"سر صناعة الإعراب\" لأبي الفتح ابن جني ١/ ١٢٢ بالنص في الغالب، وقد يتصرف بالعبارة أحيانا. وللباء معان كثيرة أوصلها المزني إلى واحد وعشرين معنى. انظر: \"الحروف\" للمزني ص ٥٤، \"حروف المعاني\" للزجاجي ص ٤٧، ٨٦، ٨٧، \"مغني اللبيب\" ١/ ١٠١، \"البحر المحيط\" ١/ ١٤.\n(٣) \"سر صناعة الإعراب\" ١/ ١٢٣، وفيه (ألصقت محل قدرتك أو ما اتصل بمحل قدرتك به أو بما اتصل به ..). وسمى سيبويه هذا المعنى: إلزاقا واختلاطا \"الكتاب\" ٤/ ٢١٧، قال ابن هشام: وهو معنى لا يفارقها، ولهذا لم يذكر سيبويه غيره. \"مغني اللبيب\" ١/ ١٠١، ولكن نجد سيبويه ذكر معنى الإضافة في \"الكتاب\" ١/ ٤٢١.\n(٤) \"سر صناعة الإعراب\" ١/ ١٢٣، انظر: \"الكتاب\" ١/ ١٢١، \"المقتضب\" ١/ ١٧٧، \"مغني اللبيب\" ١/ ١٠١، \"البحر المحيط\" ١/ ١٤.\n(٥) \"سر صناعة الإعراب\" ١/ ١٢٠.","vol":"1","page":433},{"text":"إنهن زوائد، لأنهن لما كن على حرف واحد، وقللن غاية القلة، واختلطن بما بعدهن خشي عليهن لقلتهن وامتزاجهن بما يدخلن عليه أن يظن بهن أنهن بعضه وأحد أجزائه، فوسموهن بالزيادة، ليعلموا (١) من حالهن أنهن لسن من أنفس ما وصلن به.\nألا ترى أن (اليوم تنساه) لا باء فيه، ولا كاف (٢).\nوحذاق النحويين لا يسمونها زوائد، بل يقولون في الباء واللام: إنهما حرفا إضافة (٣)، وفي الكاف يقولون: حرف جر (٤).\nوهذِه حروف أدوات عاملة (٥)، تجر ما تدخل عليه من الأسماء نحو: من وعن وفي (٦).\n_________\n(١) في (ب): (لتعلموا).\n(٢) (اليوم تنساه) جملة يستعملها النحويون تجمع الحروف الزوائد وهي عشرة حروف، والمراد أن (الباء) و(الكاف) ليستا من الحروف الزوائد. انظر: \"سر صناعة الإعراب\" ١/ ١٢٠، \"التبصرة والتذكرة\" للصيمري ٢/ ٧٨٨.\n(٣) عند أبي الفتح: (فأما حذاق أصحابنا فلا يسمونها بذلك، يقولون في الباء واللام أنهما حرفا إضافة). \"سر صناعة الإعراب\" ١/ ١٢١، وهذا قول سيبويه. انظر: \"الكتاب\" ١/ ٤٢١، وانظر: \"المقتضب\" ١/ ١٨٣، ٤/ ١٣٦ - ١٤٣، ووسمها ابن هشام في \"مغني اللبيب\" بالزيادة ١/ ١٠٦.\n(٤) انظر: \"الكتاب\" ٤/ ٢١٧، \"المقتضب\" ٤/ ١٤٠، \"مغني اللبيب\" ١/ ١٧٦ - ١٧٩.\n(٥) في (ب): (عاملات).\n(٦) قوله: (وهذِه حروف أدوات ..) ليس من كلام أبي الفتح والنص في \"سر صناعة الإعراب\": (وهذا موضع لابد فيه من ذكر العلة التي لها صارت حروف الإضافة هذِه جارة .. إلى أن قال: إنما جرت الأسماء ..) ١/ ١٢٣. وعن عمل حروف الجر، وهل هي حروف أو أسماء؟. انظر: \"الكتاب\" ١/ ٤١٩ - ٤٢٠، \"المقتضب\" ٤/ ١٣٦، \"الأصول في النحو\" لابن السراج ١/ ٤٠٨. قال الصيمري في \"التبصرة والتذكرة\": الحروف تنقسم قسمين: أحدهما يستعمل حرفا وغير حرف، والآخر يكون حرفا لا غير. فأما=","vol":"1","page":434},{"text":"وإنما جرت (١) الأسماء من قبل أن الأفعال التي قبلها ضعفت عن وصولها وإفضائها إلى الأسماء التي بعدها نحو قولك: (عجبت، ومررت، وذهبت) لو قلت: عجبت زيدًا، ومررت جعفرًا، وذهبت محمدًا، لم يجز كما بجوز ضربت زيدًا؛ لضعف هذِه الأفعال في العرف (٢) والعادة (٣) والاستعمال، فلما قصرت هذِه الأفعال عن الوصول إلى الأسماء رفدت بحرف الإضافة، فجعلت موصلة (٤) لها إليها، فقالوا: عجبت من زيد، ونظرت إلى محمد (٥)، فلما احتاجت هذِه الأفعال إلى هذِه الحروف لتوصلها إلى بعض الأسماء جعلت تلك الحروف جارة، وأعملت هي في الأسماء (٦). ولم يفض إلى الأسماء النصب الذي يأتي من الأفعال؛ لأنهم أرادوا أن يجعلوا بين الفعل الواصل بنفسه وبين الفعل الواصل بغيره فرقًا، ولما هجروا لفظ النصب لما ذكرنا، لم يبق إلى الرفع والجر. فأما الرفع فقد استولى عليه\n_________\n= ما يستعمل حرفا وغير حرف فنحو (على) و(عن) و(كاف التشبيه) و(منذ) و(مذ) فهذِه تكون حروفا في حال، وأسماء في أخرى .. وأما ما لا يستعمل إلا حرفا في هذا الباب: فالباء الزائدة .. واللام الزائدة .. و(من) و(إلى) و(في) و(رب) و(حتى) إذا كانت غاية. \"التبصرة والتذكرة\" ١/ ٢٨٢ - ٢٨٥.\n(١) في (ج): (وإنما تدخل جرت).\n(٢) في (ج): (القرن).\n(٣) في (أ)، (ج): (في الاستعمال) وفي \"سر صناعة الإعراب\" (لضعف هذِه الأفعال في العرف والعاة والاستعمال عن إفضائها إلى هذِه الأسماء ..) ١/ ١٢٤.\n(٤) في (ج): (موصولة).\n(٥) في \"سر صناعة الإعراب\": (نظرت إلى عمرو) ١/ ١٢٤.\n(٦) هذا مذهب البصريين في سبب تسميتها حروف جر، أما الكوفيون فيسمونها حروف خفض، قالوا: لانخفاض الحنك الأسفل عند النطق به، انظر: \"الإيضاح في علل النحو\" ص ٩٣.","vol":"1","page":435},{"text":"الفاعل، فلم يبق إذا غير الجر، فعدلوا إليه ضرورة (١) [و] (٢) الجار والمجرور جميعا في موضع نصب (٣)، ألا ترى أنهم عطفوا عليه بالنصب (٤) فقالوا: مررت بزيد ومحمدا، ونظرت إلى عمرو وخالدا، وعلى هذا (٥) ما أنشده سيبويه:\nمُعَاويَ إِنَّناَ بَشَرٌ فَأَسْجِحْ ... فَلَسْنَا بِالجِبَالِ ولَا الحَدِيدَا (٦)\n_________\n(١) من \"سر صناعة الإعراب\" ١/ ١٢٤، ١٢٥، مع اختصار بعض الجمل.\n(٢) الواو ساقطة من (ب).\n(٣) \"سر صناعة الإعراب\" ١/ ١٣٠، وانظر: \"المقتضب\" ٤/ ٣٣، قال النحاس عند قوله ﴿بسم الله﴾: (موضع الباء وما بعدها عند الفراء نصب، وعند البصريين رفع، وقال الكسائي: الباء لا موضع لها من الإعراب). \"إعراب القرآن\" ١/ ١١٦، وانظر: \"مشكل إعراب القرآن\" ١/ ٦، \"إملاء ما من به الرحمن\" ١/ ٤.\n(٤) هذا أحد وجهين ذكرهما أبو الفتح للدلالة على صحة دعوى أن الفعل إذا أوصله حرف جر إلى الاسم، فإن الجار والمجرور في موضع نصب بالفعل الذي قبلهما. \"سر صناعة الإعراب\" ١/ ١٣٠.\n(٥) (على هذا) مكرر في (ب).\n(٦) البيت لـ (عقيبة الأسدي) ونسبه بعضهم لعبد الله بن الزبير، ومعنى (أسجح) سهل علينا حتى نصبر، فلسنا بجبال ولا حديد. والبيت من شواهد سيبويه، استشهد به في مواضع من كتابه ١/ ٦٧، ٢/ ٢٩١، ٢/ ٣٤٤، ٣/ ٩١، وورد في \"المقتضب\" ٢/ ٣٣٧، ٤/ ١١٢، ٤/ ٣٧١، \"جمل الزجاجي\" ص ٥٤، \"شرح أبيات سيبويه\" للسيرافي ١/ ٢٢، ٣٠٠، \"مغني اللبيب\" ٢/ ٤٧٧، \"إعراب القرآن\" للنحاس ٣/ ٤٤٠، \"الإنصاف\" ص ٢٨٤، \"شرح المفصل\" ٢/ ١٠٩، ٤/ ٩. والشاهد فيه: نصب الحديد، وعطفه على موضع الباء، وقد أنكر بعضهم على سيبويه استشهاده بالبيت، ورووه مجرورًا، ورد ذلك السيرافي وقال: إن البيت جاء بروايتين.\nانظر: \"شرح أبيات سيبويه\" للسيرافي ١/ ٢٢، ٣٠٠، \"الخزانة\" ٢/ ٢٦٠ - ٢٦٤.","vol":"1","page":436},{"text":"عطف الحديد على موضع بالجبال (١)، ولهذا قال سيبويه: (إنك إذا قلت: مررت بزيد [فكأنك قلت: مررت زيدا) (٢)، تريد (٣) بذلك أنه لولا الباء الجارة لانتصب زيد، وعلى ذلك أجازوا مررت بزيد] (٤) الظريفَ، تنصبه على موضع (بزيد) (٥).\n(وجميع (٦) الحروف المفردة التي تقع في أوائل الكلم حكمها الفتح أبدًا. نحو (واو) العطف و(فائه) و(همزة) الاستفهام و(لام) الابتداء.\nفأما (الباء) في (بزيد) فإنما كسرت لمضارعتها (اللام) الجارة (٧) في قولك: (المال لزيد) وسنذكر العلة في كسر اللام في قوله ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [الفاتحة: ٢] إن شاء الله (٨) ووجه المضارعة بينهما اجتماعهما في الجر ولزوم كل واحد منهما الحرفية (٩)، وليست كذلك (كاف التشبيه)؛ لأنها قد تكون\n_________\n(١) في (ب): (الجبال).\n(٢) انظر: \"الكتاب\" ١/ ٩٢، والنص من \"سر صناعة الإعراب\" ١/ ١٣١.\n(٣) في \"سر صناعة الإعراب\" (يريد) وهذا أقرب، فأبو الفتح يقول: يريد سيبويه.\n(٤) ما بين المعقوفين ساقط من (ج).\n(٥) بنصه من \"سر صناعة الإعراب\" ١/ ١٤٤.\n(٦) بنصه عن أبي الفتح من \"سر صناعة الإعراب\" ١/ ١٤٤.\n(٧) قال الثعلبي العلة في كسرها أن (الباء) حرف ناقص ممال، والإمالة من دلائل الكسرة. \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٥.\n(٨) في \"سر صناعة الإعراب\" وسنذكر العلة في كسر (اللام) في موضعها ...، ١/ ١٤٤، وقد تكلم الواحدي عن العلة في كسر (اللام) عند الكلام عن اللام الجارة في لفظ الجلالة في قوله ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ ونقل في ذلك عن أبي الفتح ابن جني.\n(٩) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٣، \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ١١٦، \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٥/ ب، \"المشكل\" لمكي ١/ ٥، \"الكشاف\" ١/ ٢٣.","vol":"1","page":437},{"text":"اسما في بعض المواضع).\nفأما المتعلق به (الباء) في قوله ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾ فإنه محذوف، ويستغنى عن إظهارها لدلالة الحال عليه، وهو معنى الابتداء، كأنه قيل (بدأت بسم الله) (١) (وأبدأ بسم الله) والحال تبين أنك مبتدئ فاستغنيت عن ذكره (٢).\nوحذفت الألف من بسم الله؛ لأنها وقعت (٣) في موضع معروف، لا يجهل القارئ معناها، فاستخف طرحها؛ لأن من شأن العرب الإيجاز إذا عرف المعنى، وأثبتت في قوله ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٧٤، ٩٦، الحاقة: ٥٢] لأن هذا لا يكثر كثرة (بسم الله) ألا ترى أنك تقول: (بسم الله) عند ابتداء كل شيء (٤).\nولا تحذف الألف إذا أضيف (الاسم) إلى غير (٥) الله، ولا مع غير الباء من الحروف، فتقول: لاسم الله حلاوة في القلوب، وليس اسم كاسم الله، فتثبت الألف مع اللام والكاف (٦). هذا في سقوطها في الكتابة، وأما سقوطها\n_________\n(١) في (ب): (إعراب باسم بالله).\n(٢) قال الطبري: أغنت دلالة ما ظهر من قول القائل: (بسم الله)، على ما بطن من مراده الذي هو محذوف. ومفهوم أنه مريد بذلك: (أقرأ بسم الله الرحمن الرحيم). \"تفسير الطبري\" ١/ ٥٠، وانظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ١، \"الوسيط\" للواحدي ١/ ١٤، \"الكشاف\" ١/ ٢٦، \"لباب التفسير\" للكرماني ١/ ٢٦ (رسالة دكتوراه).\n(٣) في (ب): (وقفت).\n(٤) أخذه عن \"معاني القرآن\" للفراء، مع اختلاف يسير في اللفظ ص ٣٦، وانظر: \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ١١٧، \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٣.\n(٥) في (ص): (لغير).\n(٦) \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٢، وانظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٣، \"المشكل\" لمكي ١/ ٥، \"تفسير ابن عطية\" ١/ ٨٤، \"الكشاف\" ١/ ٣٥.","vol":"1","page":438},{"text":"في اللفظ، فلأنها (١) للوصل، وقد استغنى عنها بالباء (٢).\nفأما معنى: (الاسم) واشتقاقه ومأخذه من اللغة، فقد كثر فيها الاختلاف، فقال (٣) نحويو (٤) الكوفة: (الاسم) مشتق من السمة، وهي العلامة، كالعدة والزنة من (الوزن) و(الوعد)، كذلك (السمة) من (الوسم) (٥)، ومن هذا قال أبو العباس (ثعلب): الاسم وسم وسمة توضع على الشيء يعرف به (٦).\nوقال مشيخة البصرة: (الاسم) مشتق من السمو، لأنه يعلو المسمى، فالاسم: ما علا وظهر (٧)، فصار علما للدلالة على ما تحته من المعنى (٨). وقال بعضهم: العلة في اشتقاقه من السمو أن الكلام ثلاثة: اسم\n_________\n(١) في (ب): (ولا منها).\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ١، وانظر: \"معاني القرآن\" للأخفش ١/ ١٤٧، \"إعراب القرآن\" للنحاس ١١٧.\n(٣) في (ب): (فقالوا).\n(٤) (نحويو) مكانها بياض في (ب).\n(٥) حذفت فاؤه اعتلالا على غير قياس، والأصل في اسم (وسم) فحذفت الفاء التي هي (الواو) من (وسم). انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢، \"تفسير ابن عطية\" ١/ ٨٤، \"الإنصاف في مسائل الخلاف\" ص ٤، \"البيان في غريب إعراب القرآن\" ١/ ٣٢، \"مشكل إعراب القرآن\" ١/ ٦.\n(٦) انظر: \"تهذيب اللغة\"، وفيه (الاسم رسم وسمة ..)، (سما) ٢/ ١٧٤٨، \"اللسان\" (سما) ٤/ ٢١٠٩، \"الإنصاف\" ص ٤.\n(٧) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢، \"تهذيب اللغة\" للأزهري (سما) ٢/ ١٧٤٨، \"اشتقاق أسماء الله\" للزجاجي ص ٢٥٥، \"الإنصاف\" ص ٥، \"تفسير ابن عطية\" ١/ ٨٤، \"الكشاف\" ١/ ٣٤، ٣٥، \"مشكل إعراب القرآن\" ١/ ٦.\n(٨) هذا قول الزجاج، وفيه إشارة إلى أن الاسم هو المسمى، انظر: \"معاني القرآن\" ١/ ٢، \"الإنصاف\" ص ٥.","vol":"1","page":439},{"text":"وفعل وحرف، فالاسم يصح أن يكون خبرا ويخبر عنه، والفعل يكون خبرا ولا يخبر عنه، والحرف لا يكون خبرا ولا يخبر عنه، فلما كان للاسم مزية على النوعين الآخرين وجب أن يشتق مما (١) ينبئ عن هذِه المزية، فاشتق من السمو ليدل على علوه وارتفاعه (٢).\nوعند المتكلمين أنه اشتق من السمو؛ لأنه سما عن حد العدم إلى الوجود (٣). وقالوا: أصله سِمْو (٤)، وجمعه (أسماء) مثل قنو وأقناء (٥) وحنو وأحناء فحذفت الواو استثقالًا (٦) (٧)، ولم تحذف من نظائره؛ لأنها لم تكثر (٨) كثرته، ثم سكنوا السين استخفافًا لكثرة ما تجري على لسانهم، واجتلبت ألف الوصل ليمكن الابتداء به، وكان هذا أخف عليهم من ترك الحرف متحركا، لأن الألف تسقط في الإدراج، وكان إثبات الحرف الذي يسقط كثيرا أخف من حركة السين التي (٩) تلزم أبدا (١٠).\n_________\n(١) في (ب): (عما).\n(٢) انظر: \"الإيضاح في علل النحو\" ص ٤٩، \"الإنصاف\" ص ٦.\n(٣) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ١٦/ ب.\n(٤) أو (سمو) بالضم. انظر: \"المقتضب\" ١/ ٢٢٩، \"مشكل إعراب القرآن\" ١/ ٦.\n(٥) في (ب): (فتو أفتاء).\n(٦) في (ب): (استقلالا).\n(٧) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢، \"اشتقاق أسماء الله\" ص ٢٥٥، \"المنصف\" ١/ ٦٠.\n(٨) في (ب): (تكن).\n(٩) في (ب): (الذي).\n(١٠) انظر: \"اشتقاق أسماء الله\" ص ٢٥٦، ٢٥٧، \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ١١٧، \"الكشاف\" ١/ ٣٤، قال الزمخشري: (ومنهم من لم يزدها، أي: الألف، واستغنى عنها بتحريك الساكن فقال: (سم) و(سم).","vol":"1","page":440},{"text":"قالوا: و(١) لا يصح مذهب الكوفيين في هذا الحرف، لأنه لا يعرف شيء حذفت منه فاء الفعل، فدخلت عليه ألف الوصل كالعدة والزنة.\nوأيضا فلو كان من الوسم لكان تصغيره (وسيما)، كما يقول: (وعيدة) و(وصيلة) في تصغير: صلة وعدة (٢).\nوأما معنى (الاسم) ففيه مذهبان (٣):\n_________\n(١) (الواو) ساقطة من (ج).\n(٢) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢، \"اشتقاق أسماء الله\" ص ٢٥٥ - ٢٥٧، \"المخصص\" ١٧/ ١٣٤، \"تفسير ابن عطية\" ١/ ٨٤، \"الإنصاف\" لابن الأنباري وقد ذكر خمسة وجوه في (بيان فساد مذهب الكوفيين) ص ٤، \"تهذيب اللغة\" (سما) ٢/ ١٧٤٧.\n(٣) ذكر الرازي وابن كثير فيه ثلاثة مذاهب وهي:\n١ - الاسم نفس المسمى وغير التسمية.\n٢ - الاسم غير المسمى ونفس التسمية.\n٣ - الاسم غير المسمى وغير التسمية. \"التفسير الكبير\" للرازي ١/ ١٠٨، \"تفسير ابن كثير\" ١/ ٢٠، وقد كثر الخوض في هذِه المسألة، وجعل بعضهم كثرة الحديث فيها من باب العبث الذي لا طائل تحته. انظر: \"تفسير الرازي\" ١/ ١٠٩.\nقال الطبري: (وليس هذا هو الموضع من مواضع الإكثار في الإبانة عن الاسم: أهو المسمى أم غيره، أم هو صفة له؟ فنطيل الكتابة، وإنما هذا موضع من مواضع الإنابة عن الاسم المضاف إلى الله، أهو اسم أم مصدر بمعنى التسمية؟ ..) ثم أخذ ابن جرير يرد على أبي عبيدة قوله: إن الاسم هو المسمى بتقريع مرير. وقد علق الأستاذ (محمود شاكر) على كلام الطبري بكلام جيد. انظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ١٨٨ - ١٢٢. (تحقيق محمود شاكر) كما تكلم عن هذا ابن عطية في تفسير \"المحرر الوجيز\" ١/ ٨٥. وقد أوضح العلامة ابن أبي العز في شرح \"العقيدة الطحاوية\" المنهج الصحيح في هذا حيث قال: قولهم: الاسم عين المسمى أو غيره؟ وطالما غلط كثير من الناس في ذلك، وجهلوا الصواب فيه، فالاسم يراد به المسمى تارة، ويراد به اللفظ الدال عليه أخرى، فإذا قلت: قال الله كذا، أو سمع الله لمن حمده، ونحو ذلك. فهذا المراد به المسمى=","vol":"1","page":441},{"text":"أحدهما: أنه بمعنى التسمية (١)، وعلى هذا قول القائل: بسم الله: أي: بتسمية الله أفتتح تيمنا وتبركا.\nوالثاني وهو الصحيح: أن الاسم هو المسمى (٢) كقوله (٣) تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [النساء: ٥٩] فلو كان الاسم غير المسمى وجب أن يكون المأمور بطاعته غير الله وغير الرسول، وإذا قال القائل: رأيت زيدا، وجب أن يكون لم ير شخص زيد.\nوسئل أحمد بن يحيى (٤) عن الاسم أهو المسمى أو غيره؟ فقال: قال أبو عبيدة: الاسم هو المسمى (٥)، وقال سيبويه: الاسم غير المسمى. قيل\n_________\n= نفسه، وإذا قلت: الله اسم عربي، والرحمن اسم عربي، والرحيم من أسماء الله تعالى ونحو ذلك، فالاسم ها هنا هو المراد لا المسمى، ولا يقال غيره، لما في لفظ الغير من الإجمال ..)، \"شرح الطحاوية\" ص ٨٢. وقد ذكر ابن عطية في \"تفسيره\" أن مالكا ﵀ سئل عن الاسم أهو المسمى؟ فقال: ليس به ولا غيره، قال ابن عطية: يريد دائما في كل موضع ١/ ٨٩.\n(١) قال الرازي: قالت المعتزلة: الاسم غير المسمى ونفس التسمية، ١/ ١٠٨، وانظر: \"تفسير ابن كثير\" ١/ ٢٠.\n(٢) وبه أخذ شيخه الثعلبي في تفسيره \"الكشف والبيان\" ١/ ١٦/ أ، وقرره أبو عبيدة في \"مجاز القرآن\" ١/ ١٦، والزجاج في \"معاني القرآن\" ١/ ٢. وقد رد الطبري هذا القول كما سبق، كما رد عليه ابن جني في كتابه \"الخصائص\" حيث أبان في (باب في إضافة الاسم إلى المسمى، والمسمى إلى الاسم) قال: (فيه دليل نحوي غير مدفوع يدل على فساد قول من ذهب إلى أن الاسم هو المسمى). \"الخصائص\" ٣/ ٢٤، والصحيح هنا أنه لا يقال: الاسم هو المسمى ولا غيره، بل قد يكون هو المسمى في موضع وغيره في موضع آخر، كما سبق في بيان كلام ابن أبي العز في \"شرح الطحاولة\".\n(٣) في (ب): (لقوله).\n(٤) المعروف بـ (ثعلب).\n(٥) انظر: \"مجاز القرآن\" ١/ ١٦.","vol":"1","page":442},{"text":"له: فما قولك؟ فقال: ليس لي فيه قول (١).\nوإذا كان الاسم هو المسمى فمعنى قول القائل: (بسم الله) أي بالله، ومعناه بالله أفعل، أي بتوفيقه، أو بالله تكونت الموجودات، أو ما أشبه هذا من الإضمار (٢).\nوأدخل الاسم ليكون فرقا بين اليمين والتيمن (٣).\nوأكثر ما يستعمل الاسم يستعمل بمعنى التسمية (٤)، وإذا استعمل بمعنى التسمية فهو كلمة تدل على المعنى دلالة الإشارة دون دلالة الإفادة (٥)، وذلك أنك إذا قلت: زيد (٦)، فكأنك قلت: هذا، وإذا قلت: الرجل، فكأنك قلت: ذاك.\nودلالة الإفادة هو ما أفاد السامع معنى، كقولك: قام وذهب (٧)، ووزن (الاسم) يصلح أن يكون (فِعْل)، ويصلح فيه (فُعْل) (٨) لأنهم أنشدوا:\n_________\n(١) ذكره الأزهري في \"تهذيب اللغة\" (سما) ٢/ ١٧٤٧، \"اللسان\" ٤/ ٢١٠٧.\n(٢) ذكره الثعلبي في \"الكشف والبيان\" ١/ ١٦/ أ.\n(٣) ذلك أن قولك (بالله) يمين، وقولك: (باسم الله) تيمن. انظر: \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٦/ أ.\n(٤) سبق قريبًا اختيار الواحدي أن الاسم هو المسمى وليس بمعنى التسمية.\n(٥) قال ابن سيده في \"المخصص\": (والاسم كلمة تدل على المسمى دلالة الإشارة دون الإفادة .. الخ بنصه) ١٧/ ١٣٤. والإشارة عند الأصوليين: دلالة اللفظ على المعنى من غير سياق الكلام له مثل قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣] ففي قوله ﴿له﴾ إشارة إلى أن النسب للأب. انظر: \"التعريفات\" للجرجاني ص ٢٧، \"كشاف اصطلاحات الفنون\" للتهانوي ١/ ٧٥٠.\n(٦) في (ب): (زيدًا).\n(٧) في \"المخصص\" بعد هذا الكلام: (.. فأما الأول -يريد دلالة الإشارة- فإنما الغرض فيه أن تشير إليه ليتنبه عليه ..) ١٧/ ١٣٤.\n(٨) انظر: \"المقتضب\" ١/ ٢٢٩، \"المخصص\" ١٧/ ١٣٥.","vol":"1","page":443},{"text":"باسم الذي في كل سورة سمه (١)\nبالكسر والضم\nوقوله (٢): أما أصل هذِه الكلمة (٣)، فقد حكى أصحاب سيبويه عنه فيه (٤) قولين:\nأحدهما: قال: كان أصل هذا الاسم إلاها (٥)، ففاؤها (همزة)، وعينها (لام)، و(الألف) ألف فعال الزائدة، واللام (هاء)، ثم حذف (الفاء) حذفا\n_________\n(١) أنشده أبو زيد. قال: قال رجل زعموا أنه من كلب:\nأَرْسَلَ فِيَهِا بَازِلا يُقرِّمه ... وَهْو بِهَا يَنْحو طَرِيقًا يَعْلَمْه\nباسم الذي في كل سورة سِمُهْ\n\"نوادر أبي زيد\" ص ٤٦١، ٤٦٢.\nومعنى الرجز: يقول أرسل الراعي في الإبل للضراب بعيرا في التاسعة من عمره محجوزًا عن العمل ليقوى على الضِرَاب، أرسله باسم الله الذي يُذكر اسمه في كل سورة. ورد البيت في \"المقتضب\" ١/ ٢٢٩، \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ١، \"تهذيب اللغة\" (سما) ٢/ ١٧٤٧، \"المنصف\" ١/ ١٦، \"المخصص\" ١٧/ ١٣٥، \"الإنصاف\" ١/ ١٢، \"اللسان\" (سما) ٤/ ٢١٠٧.\n(٢) أي: قول الله ﷿.\n(٣) تكلم أبو علىِ الفارسي عن أصل لفظ الجلالة (الله) وأطال في كتابه \"الإغفال\" متعقبا الزجاج فيما ذكره في \"معاني القرآن\" ونقل عنه الواحدي ذلك مع تصرف يسير في العبارة، ولم يعزه له، ونقل كلام أبي علي ابن سيده في \"المخصص\" وعزاه له. \"الإغفال\" ص ٤ - ٤٩ (محقق رسالة ماجستير)، وانظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٥، \"المخصص\" ١٧/ ١٣٦ - ١٥١.\n(٤) في \"الإغفال\" ص ١١: فقد حمله سيبويه على ضربين، \"المخصص\" ١٧/ ١٣٨، وذكر الزجاج فيه أربعة أقوال، أحدها: أنه غير مشتق، وعن الخليل: أن أصله (ولاه) من الوله والتحير، وقولان مثل قولي سيبويه. \"اشتقاق أسماء الله\" ص ٢٣.\n(٥) \"الكتاب\" ٢/ ١٩٥.","vol":"1","page":444},{"text":"لا على التخفيف القياسي في مثل قولك: (الخب) (١) في (الخبء)، و(ضو) في (ضَوْء)، لأنه لو كان كذلك (٢) لما لزم أن يكون منها عوض؛ لأنها إذا حذفت على حد التخفيف كانت ملقاةً في اللفظ مبقاةً في النية، ومعاملةً معاملة المثبتة غير المحذوفة، يدلك على ذلك تركهم (الياء) مصححة في قولهم (جَيْأَل) (٣) إذا خففوا قالوا: جَيَل، ولو كانت محذوفة في التقدير كما أنها محذوفة في اللفظ للزم قلب (الياء) (ألفا) ولما كانت (الياء) في نية السكون (٤) لم تقلب.\nويدل عليه (٥) أيضًا تثبيتهم (٦) (للواو) في (نُوْي) إذا خفف (نُؤي) (٧)، ولولا نية الهمزة لقلبت (ياء) وأدغمت (٨) كما فعل في (مَرْمِيٍّ) وبابه (٩).\nوفي تعويضهم من همزة (إلاه) ما يدل على أن حذفها ليس على حد\n_________\n(١) في (ب)، (ج): (بالحاء) المهملة في الموضعين. و(الخبء) ما خبِّئ، سمي بالمصدر، انظر: \"اللسان\" (خبأ) ٢/ ١٠٨٥.\n(٢) أي: على التخفيف القياسي، اختصر الواحدي كلام الفارسي، حيث افترض أن سائلا يسأل لماذا كان على هذا التقدير؟ ولم يكن على التخفيف، فأجاب عنه بما محصله ما ذكر. انظر: \"الإغفال\" ص ١١.\n(٣) (الجَيْأَل) الضبع. انظر: \"معجم مقاييس اللغة\" (جيل) ١/ ٤٩٩.\n(٤) أي على نية بقائها ساكنة كما كانت قبل التخفيف (جَيْأَل).\n(٥) ترك بعض حجج الفارسي. انظر: \"الإغفال\" ص ١٢.\n(٦) في \"المخصص\" (تبينهم) ١٧/ ١٣٨.\n(٧) في (ج): (بدون همز).\n(٨) في (ب): (أودعت).\n(٩) في (ب): (ربابه) وباب مَرْمِي هو كل كلمة التقت فيها الواو والياء والأولى منهما ساكنة، تقلب فيها (الواو) (ياء) وتدغم في (الياء). انظر: \"أوضح المسالك\" ص ٣١٠.","vol":"1","page":445},{"text":"القياس (١)، وذلك العوض هو (الألف واللام)، والدلالة على أنها عوض استجازتهم قطع الهمزة الموصولة الداخلة على (لام التعريف) في (القسم (٢) و(النداء) مثل: أَفَأَللهِ لَتَفْعَلَنَّ، ويا أَللهُ اغفر لي (٣).\nفلو كانت غير عوض لم تثبت كما لم تثبت في غير هذا الاسم، ولما اختص هذا الاسم بقطع الهمزة فيه عَلِمنا أن ذلك لمعنى ليس في غيره، وهو كونها عوضا من المحذوف الذي هو (الفاء).\nألا ترى أنك إذا أثبت الهمزة في (الإله) لم تكن (الألف واللام) فيه على حدهما في قولنا: (الله) لأن قطع همزة الوصل لا يجوز في (الإله)، كما جاز في قولنا: (الله) لأنهما ليسا بعوض من شيء (٤).\nالقول الثاني: في أصل هذِه الكلمة: أن أصله (لَاهٌ) ووزنه على هذا (فَعْلٌ) (٥) (اللام) فاء الفعل، و(الألف) منقلبة عن الحرف الذي هو العين، و(الهاء) لام، والذي دلّه (٦) على ذلك قول بعضهم: (لَهْيَ أبوك) بمعنى: لله أبوك، قال سيبويه: فقلب العين وجعل اللام ساكنة، وهو (الهاء) (٧) إذا صارت\n_________\n(١) أورد كلام أبي علي مختصرا. انظر: \"الإغفال\" ص ١٢، ١٣.\n(٢) في (ج): (القيم).\n(٣) انظر: \"الكتاب\" ٢/ ١٩٥.\n(٤) قوله: (ألا ترى .. إلى شيء) ورد في \"الإغفال\" في موضع آخر بعيدا عما قبله. وانظر: \"الإغفال\" ص ٣٥، \"المخصص\" ١٧/ ١٤٦.\n(٥) \"الإغفال\" ص ٢٦، \"المخصص\" ١٧/ ١٤٣، \"اشتقاق أسماء الله\" ص ٢٧.\n(٦) أي سيبويه فهذا قوله الثاني، قال في \"الإغفال\": (فأما القول الآخر الذي قاله سيبويه في اسم الله تعالى فهو أن الاسم أصله (لاه) .. والذي دله على ذلك أن بعضهم يقول: (لَهْيَ أبوك)، ... \"الإغفال\" ص ٢٦، وانظر: \"الكتاب\" ٣/ ٤٩٨.\n(٧) في (ج): (الاها).","vol":"1","page":446},{"text":"مكان العين، كما كانت العين ساكنة في (لاه) (١)، وترك آخر الاسم مفتوحًا كما تركوا آخر (أين) مفتوحًا (٢)، وإنما فعلوا ذلك به حيث غيروه لكثرته في كلامهم، فغيروا إعرابه كما غيروه (٣).\nفالألف -على هذا القول- في الاسم منقلبة عن (الياء) لظهورها في موضع (اللام) المقلوبة إلى موضع (العين) وهي في (٤) القول الأول زائدة لفعال غير منقلبة عن شيء. واللفظتان على هذا مختلفتان، وان كان في كل واحدة منهما بعض حروف الأخرى (٥).\nوحكى أبو بكر محمد بن السري (٦) أن أبا العباس محمد بن يزيد، اختار القول الثاني (٧) من القولين اللذين ذكرهما سيبويه.\nوأما اشتقاق هذا الاسم من اللغة فذهبت طائفة منهم الخليل (٨)، وابن\n_________\n(١) قوله (لاه) زيادة ليست في \"الإغفال\" ولا في \"الكتاب\".\n(٢) مبنية على الفتح، انظر: \"المسائل الحلبيات\" ص ١٠٣.\n(٣) انتهى كلام سيبويه، \"الكتاب\" ٣/ ٤٩٨، \"الإغفال\" ص ٢٦، \"المخصص\" ١٧/ ١٤٣، \"المسائل الحلبيات\" للفارسي ص١٠١، \"المسائل البصريات\" للفارسي ٢/ ٩٠٩.\n(٤) في (ب): (من).\n(٥) انظر بقية كلام أبي علي الفارسي في \"الإغفال\" ص ٢٦ وما بعدها.\n(٦) في \"الإغفال\" (أبو بكر بن السراج) ص ٣٤، وفي \"المخصص\" (أبو بكر) ١٧/ ١٤٥. وابن السراج: هو أبو بكر محمد بن السري بن السراج النحوي.\n(٧) في (ب): (الأول) ولم يرد لفظ (الأول) أو (الثاني) في \"الإغفال\" وإنما فيه (اختار في هذا الاسم أن يكون أصله لاها ....) وهذا هو القول الثاني لسببويه. \"الإغفال\" ص ٣٤، \"المخصص\" ١٧/ ١٤٥، وقد أورد المبرد في \"المقتضب\" القول الأول لسيبويه ٤/ ٢٤٠، وانظر: \"اشتقاق أسماء الله\" للزجاجي ص ٢٥، \"الخزانة\" ٢/ ٢٦٦، ٢٦٧.\n(٨) هو أبو عبد الرحمن الخليل بن أحمد الفراهيدي، البصري، صاحب العربية والعروض (١٠٠ - ١٧٥ هـ). انظر ترجمته في: \"معجم الأدباء\" ٣/ ٣٠٠، \"طبقات النحويين =","vol":"1","page":447},{"text":"كيسان (١) وأبو بكر القفال (٢)، والحسين (٣) بن الفضل (٤) إلى أنه ليس بمشتق، وأنه اسم تفرد به الباري ﷾، يجري في وصفه مجرى الأسماء الأعلام، لا يشركه فيه أحد، قال الله ﷿: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٥] (٥) وأما الذين قالوا: إنه مشتق فاختلفوا، فذهب عُظْمُ أهل اللغة إلى أن معناه المستحق للعبادة، وذو العبادة الذي إليه تُوَجَّه، وبها يُقْصَد (٦).\nورُويَ عن ابن عباس أنه كان يقرأ (ويذرك وإِلاهَتَك) [الأعراف: ١٢٧]\n_________\n= واللغويين\" للزبيدي ص ٤٧، \"إنباه الرواة\" ١/ ٣٧٦، \"وفيات الأعيان\" ٢/ ٢٤٤، ومقدمة \"تهذيب اللغة\" ١/ ٣٢، \"إشارة التعيين\" ص ١١٤.\n(١) هو أبو الحسين محمد بن أحمد بن كيسان، النحوي، كان يجمع بين المذهبين البصري والكوفي، وإلى مذهب البصريين أميل، توفي سنة تسع وتسعين ومائتين.\nانظر ترجمته في \"طبقات النحويين\" للزبيدي ص ١٣٩، \"تاريخ بغداد\" ١/ ٣٣٥، \"إنباه الرواة\" ٣/ ٥٧.\n(٢) هو محمد بن علي بن إسماعيل، أبو بكر الشاشي القفال، أحد أعلام المذهب الشافعي، يتكرر ذكره في التفسير والحديث والأصول والكلام، توفي سنة خمس وستين وثلاثمائة على الصحيح.\nانظر ترجمته في \"الأنساب\" ٧/ ٢٤٤، \"وفيات الأعيان\" ٤/ ٢٠٠، \"طبقات الشافعية\" لابن قاضي شهبة ١/ ١٤٨.\n(٣) في (ب): (الحسن).\n(٤) الحسين بن الفضل، هو أبو علي الحسين بن الفضل بن عمير البجَلِي الكوفي ثم النيسابوري، المفسر، توفي سنة اثنتين وثمانين ومائتين.\nانظر ترجمته في: \"العبر\" ١/ ٤٠٦، \"طبقات المفسرين\" للداودي ١/ ١٥٩.\n(٥) انظر: \"تفسير أسماء الله\" للزجاجي، وانظر: \"اشتقاق اسماء الله\" للزجاجي: ص ٢٨ \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٨ أ \"الزينة\" ٢/ ١٢.\n(٦) انظر: \"الإغفال\" ص ٥، \"المخصص\" ١٧/ ١٣٦، \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٨/ أ، \"تفسير أسماء الله\" ص ٢٦، \"اشتقاق أسماء الله\" ص ٣٠٢٣، \"تهذيب اللغة\" (الله) ١/ ١٨٩.","vol":"1","page":448},{"text":"قال معناه: عبادتك (١). وقال أبو زيد (٢): تَأله الرجل إذا نسك (٣)، وأنشد:\nسَبَّحْنَ واسْتَرْجَعْنَ (٤) مِنْ تَأَلُّهِي (٥)\nوقد سَمَّت (٦) العرب الشمس لما عبدت (إِلاهَةَ)، و(الإلاهة) قال عتيبة بن الحارث اليربوعي (٧):\n_________\n(١) أخرجه الطبري عن ابن عباس ومجاهد، من طرق، ١/ ٨٤، ٩/ ٢٥ - ٢٦، وذكره ابن خالويه في \"الشواذ\" ص ٥٠، وابن جني في \"المحتسب\" وعزاه كذلك إلى علي وابن مسعود وأنس بن مالك وعلقمة الجحدري والتيمي وأبي طالوت وأبي رجاء، ١/ ٢٥٦، والفارسي في \"الإغفال\" ص ٥، وانظر: \"المخصص\" ١٧/ ١٣٦، \"تفسير الماوردي\" ٢/ ٢٤٨، \"تهذيب اللغة\" (الله) ١/ ١٩٠، \"البحر\" ٤/ ٣٦٧.\n(٢) هو سعيد بن أوس بن ثابت، أبو زيد الأنصاري، صاحب النحو واللغة، مات سنة خمس عشرة ومائتين.\nانظر ترجمته في مقدمة \"تهذيب اللغة\" ١/ ٣٤ - ٣٥، \"تاريخ بغداد\" ٩/ ٧٧، \"طبقات النحويين واللغويين\" ص ١٦٥، \"إنباه الرواة\" ٢/ ٣٠.\n(٣) \"الإغفال\" ص ٦، \"المخصص\" ١٧/ ١٣٦.\n(٤) في (ج): (استرحبن).\n(٥) البيت لرؤبة وقبله: لله دَرُّ الغَانِيَاتِ المُدَّهِ.\n(المُدَّه) جمع مَادِه، بمعنى المادح، يقول: إن هؤلاء سبحن: وقلن إنا لله وإنا إليه راجعون، يقلنها حسرة كيف تنسك وهجر الدنيا.\nورد البيت في \"الطبري\" ١/ ٥٤، \"الإغفال\" ص ٦، \"المخصص\" ١٧/ ١٣٦، \"المحتسب\" ١/ ٢٥٦، \"تفسير أسماء الله\" للزجاج ص ٢٦، \"اشتقاق أسماء الله\" ص ٢٤، \"التهذيب\" (الله) ١/ ١٨٩، \"شرح المفصل\" ١/ ٣، \"زاد المسير\" ١/ ٩، وابن عطية ١/ ٥٧، \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٨/ أ، \"ديوان رؤبة\" ص ١٦٥.\n(٦) في (ج): (سمعت).\n(٧) نسبه الطبري لبنت عتيبة ٩/ ٢٦، ونسبه بعضهم لـ (مية) وهو اسمها وكذا (أم البنين) وقيل: لنائحة عتيبة، والأقرب أنه لبنت عتيبة ترثي أباها حين قتله (بنو أسد) يوم (خَوّ) مع أبيات أخرى ذكرها في \"معجم البلدان\" ٥/ ١٨.","vol":"1","page":449},{"text":"تَرَوَّحْنَا مِنَ اللعْبَاءِ أَرْضًا ... وأَعْجَلْنَا الإلاَهَةَ أَنْ تَؤُوبَا (١)\nوإنما سموها الإلاَهَة على نحو تعظيمهم لها وعبادتهم إياها كفرا.\nوعلى ذلك نهاهم الله وأمرهم بالتوجه في العبادة إليه في قوله جل وعلا: ﴿لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ﴾ [فصلت: ٣٧] [فصلت: ٣٧] الآية (٢)، وكذلك أيضًا كانوا يدعون معبوداتهم من الأصنام والأوثان (آلهة)، وهي جمع (إلاه) (٣) كإزار وآزرة، وإناء وآنية.\nقال الله تعالى: ﴿وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾ [الأعراف: ١٢٧] وهي أصنام كان يعبدها (٤) قوم فرعون معه (٥)، وعلى هذا قال قائلهم:\nكَحَلْفَةٍ مِنْ أَبِي رِيَاحٍ ... يَسْمَعُهَا لاَهُهُ (٦) الكُبارُ (٧)\n_________\n(١) (اللعباء) مكان بين الربذة وأرض بني سليم، وقيل: غير ذلك، وقوله: (أرضا) يروى (عصرا) ويروى (قصرا) أي: عشيا. ورد البيت في الطبري ٩/ ٢٦، \"الإغفال\" ص ٨، ٩، \"المخصص\" ١٧/ ١٣٧، \"تهذيب اللغة\" (الله) ١/ ١٩٠، \"معجم ما استعجم\" ٤/ ١١٥٦، \"معجم البلدان\" ٥/ ١٨، \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٨ ب، \"المحتسب\" ٢/ ١٢٣، \"اللسان\" (لعب) ٧/ ٤٠٤١.\n(٢) انظر: \"الإغفال\" ص ٩.\n(٣) في (ب): (الإله).\n(٤) في (ب): (كانوا يعبدوها).\n(٥) انظر: \"الإغفال\" ص ١٠، ١١، \"تهذيب اللغة\" ١/ ١٩٠.\n(٦) في (ب): (لأهه)\n(٧) من قصيدة للأعشى، قالها فيما كان بينه وبين بني جحدر، و(أبو رياح) رجل من بني ضبيعة، قتل جارا لبني سعد بن ثعلبة، فسألوه الدية، فحلف لا يفعل، ثم قُتِل بعد حلفته، و(لاهه): الهه، (الكبار): العظيم، ويروى (بحلفة) ويروى (كدعوة).\nانظر: \"ديوان الأعشى\" ص ٧٢، \"الجمهرة\" ١/ ٣٢٧، \"اشتقاق أسماء الله\" ص ٢٧، \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٧ ب، \"الزينة\" ٢/ ١٨، \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٢٠٧، والقرطبي ٤/ ٥٣، \"اللسان\" (أله) ١/ ١١٦، و(لوه) ٧/ ٤١٠٧، \"شرح المفصل\" ١/ ٣، \"الخزانة\" ٧/ ١٧٦.","vol":"1","page":450},{"text":"يريد: الصنم، وهذا البيت حجة للقول الثاني (١) من قول سيبويه.\nقالوا: وهو (٢) اسم حدث، ثم جرى صفة للقديم سبحانه، ونظير هذا قولنا: (السلام)، والسلام من سَلَّم كالكلامِ من كَلَّم، والمعنى ذو السلام، أي: يُسَلم من عذابه من يشاء من عباده، كما أن المعنى في الأول أن العبادة تجب له (٣)، فهذا وجه، وهو طريقة أهل اللغة (٤).\nوأخبرني أبو الفضل أحمد بن محمد بن عبد الله العروضي -﵀- قال: أبنا (٥) أبو منصور أحمد بن محمد الأزهري (٦)، أبنا (٧) أبو الفضل المنذري (٨)، قال: سألت أبا الهيثم خالد بن يزيد الرازي، عن اشتقاق اسم (الله) في اللغة، فقال (الله) أصله (إلاه)، قال الله جل ذكره: ﴿وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ﴾ [المؤمنون: ٩١] ولا يكون إلهًا حتى يكون معبودًا، وحتى يكون لعابده (٩) خالقًا، ورازقًا، ومدبرًا، وعليه مقتدرًا، فمن لم يكن كذلك فليس بإله، وإن عَبِدَ ظلما، بل هو مخلوق (١٠) ومتعبد،\n_________\n(١) وهو أن أصل (الله): (لاه).\n(٢) في (ب): (وهم).\n(٣) بنصه في \"الإغفال\" ص ٦، \"المخصص\" عن \"الإغفال\" ١٧/ ١٣٦.\n(٤) انظر: \"تهذيب اللغة\" ١/ ١٨٩، \"معجم مقاييس اللغة\" (أله) ١/ ١٢٧، \"الصحاح\" (أله) ٦/ ٢٢٢٣، \"اللسان\" (أله) ١/ ١١٤.\n(٥) (أبنا) ساقط من (ج).\n(٦) صاحب \"تهذيب اللغة\" سبقت ترجمته.\n(٧) في (ج): (أن).\n(٨) هو محمد بن أبي جعفر المنذري اللغوي (أبو الفضل) يروي عن أبي العباس ثعلب، وأبي الهيثم الرازي، روى عنه الأزهري كثيرًا. انظر مقدمة \"تهذيب اللغة\" ١/ ٣٠، ٤١، \"اللباب\" ٣/ ٢٦٢.\n(٩) في (ب): (لعباده).\n(١٠) في (ب): (وهو مخلوق).","vol":"1","page":451},{"text":"قال: وأصل (إلاه) (ولاه) فقلبت الواو همزة، كما قالوا: للوشاح: إشاح، ولِلْوِجَاح: إِجَاح (١)، ومعنى وِلاه: أن الخلق يَوْلَهون إليه في حوائجهم، ويضرعون إليه فيما ينوبهم، ويفزعون إليه في كل ما يصيبهم كما يَوْلَه كل طفل إلى أمه (٢).\nوحكي عن أبي عمرو بن العلاء أنه مشتق من أَلِهْت في الشيء آلَهُ إلها إذا تحيرت فيه (٣).\nوتسمى المفازة ميلها.\nوقال الأعشى (٤):\nوَبَهْمَاءَ تِيهٍ تَأْلهَ العَيْنُ وَسْطَهَا ... وَتَلْقَى بِهَا بَيْضَ النَّعَام تَرَائِكَا (٥)\n_________\n(١) يقال ليس دونه وِجاح، ووَجاح، ووُجاح، وأجاح، إجاح: أي: ستر \"اللسان\" (وجح) ٨/ ٤٧٦٩.\n(٢) كلام أبي الهيثم ورد في \"التهذيب\" ضمن كلام طويل له قال الأزهري: (وأخبرني المنذري عن أبي الهيثم أنه سأله عن اشتقاق اسم الله في اللغة فقال ..) ثم ذكره، \"التهذيب\" (الله والإله) ١/ ١٨٩، وانظر: \"اللسان\" (أله) ١/ ١١٤.\n(٣) ذكره الثعلبي ١/ ١٨ أ.\n(٤) هو أبو بَصير، ميمون بن قيس، من فحول شعراء الجاهلية، ويدعى (الأعشى الكبير) تمييزًا له عن غيره ممن سمي (الأعشى)، أدرك الإسلام آخر عمره، وعزم على الدخول فيه، فصدته قريش في قصة مشهورة. انظر ترجمته في \"الشعر والشعراء\" ص ١٥٤، \"معاهد التنصيص\" ١/ ١٩٦، \"خزانة الأدب\" ١/ ١٧٥.\n(٥) في (ج): (برائكا). البيت في وصف صحراء مطموسة المعالم، (ترائكا) متروكة، ورواية الشطر الأول في الديوان: وَيَهْمَاءَ قَفْرٍ تَخْرُجْ العَيْنَ وَسْطَهَا. وعليه فلا شاهد في البيت هنا. (الديوان) ص ١٣٠، والثعلبي بعد أن ذكر قول أبي عمرو ابن العلاء استشهد بقول زهير: =","vol":"1","page":452},{"text":"ومعناه: أن العقول تتحير في كنه صفته وعظمته (١).\nوعند متكلمي أصحابنا (٢): أن الإله من الإلَهية، والإلَهِية القدرة على اختراع الأعيان (٣).\nوقد أشار أبو الهيثم إلى هذا فيما ذكر، قالوا: وانما سَمَّت العرب معبوداتهم آلهة (٤)؛ لأنهم اعتقدوا فيها صفة التعظيم، واستحقاق هذا الاسم فأصابوا في الجملة، وأخطؤوا في التعيين.\nوالإمالة في اسم الله تعالى جائزة في قياس العرب (٥)، والدليل على\n_________\n= وَبَيْدَاء تِيهٍ تَألْهُ العَيْنُ وَسْطَهَا ... مُخَفَّقةٍ غَبْرَاءَ صَرْمَاءَ سَمْلَقِ\nالثعلبي ١/ ١٨ أ، وكذا في \"الزينة\" ٢/ ١٩.\n(١) الثعلبي ١/ ١٨ ب، وانظر: \"الزينة\" ٢/ ١٩.\n(٢) هم المتكلمون من الأشاعرة، الذين تكلموا في العقائد بالطرق العقلية. انظر: \"درء تعارض العقل والنقل\" ١/ ٢٨، ٣٨، \"الرسالة التدمرية\" لابن تيمية ص ١٤٧.\n(٣) هذا التفسير لمعنى الإلَهية هو منهج المتكلمين، وعند أهل السنة هو المستحق للعبادة. قال ابن تيمية: (وليس المراد بـ) بالإله (هو القادر على الاختراع كما ظنه من ظنه من أئمة المتكلمين .. بل الإله الحق هو الذي يستحق أن يعبده فهو إله بمعنى مألوه لا إله بمعنى آله ..)، \"الرسالة التدمرية\" ص ١٨٦.\n(٤) مرَّ كلام أبي الهيثم قريبا، وليس فيه دليل على أن الإلهية: القدرة على الاختراع، بل يدل على المعنى الثاني وهو أن الإلهية؛ استحقاق العبادة، وقوله: (لأنهم اعتقدوا فيها صفة التعظيم ..). ليس من كلام أبي الهيثم، انظر: \"تهذيب اللغة\" أله ١/ ١٨٩.\n(٥) الكلام عن إمالة (الألف) من لفظ الجلالة نقله عن أبي علي الفارسي من \"الإغفال\" ص ٤٦، قال الفارسي: (فأما الإمالة في الألف من اسم الله تعالى فجائزة في قياس العربية، والدليل على جوازها ..). ونقل ابن سيده كلام الفارسي. \"المخصص\" ١٧/ ١٥٠. ومعنى الإمالة: هو تقريب الألف نحو الياء والفتحة التي قبلها نحو الكسرة وهناك ثلاث علل للإمالة: هي الكسرة، وما أميل ليدل بالإمالة على أصله، والإمالة لإمالة بعده.\nانظر: \"الكشف عن وجوه القراءات السبع\" لمكي ١/ ١٦٨، ١٧٠.","vol":"1","page":453},{"text":"جوازها أن هذِه (الألف) لا تخلو من أن تكون زائدة لفِعَال كالتي (١) في (إزار) و(عِمَاد)، أو تكون عين الفعل.\nفإن كانت زائدة جازت فيها الإمالة من وجهين:\nأحدهما: أن الهمزة المحذوفة كانت مكسورة، وكسرها يوجب الإمالة في الألف، كما أن الكسرة في (عماد) توجب إمالة ألفه.\nفإن قلت: كيف تمال الألف من أجل الكسرة في الهمزة وهي محذوفة؟ فالقول فيها إنها وإن كانت محذوفة، موجبة للإمالة (٢)، كما كانت توجبها قبل الحذف؛ لأنها -وإن كانت محذوفة- فهي من الكلمة، ونظير ذلك ما حكاه سيبويه من أن بعضهم يميل الألف في: مَادٍّ (٣) وَشَاذٍّ، للكسرة المنوية (٤) في عين الفعل عند ترك الإدغام، وإن لم يكن في لفظ الكلمة كسرة (٥)، كذلك الألف في اسم الله، تجوز إمالتها وإن لم تكن الكسرة ملفوظا بها.\nوالوجه الثاني: (لام) (٦) الفعل منجرة، فتجوز الإمالة لانجرارها. وإن كانت الألف عينا ليست (٧) بزائدة جازت إمالتها، وحسنت فيها إذ كان\n_________\n(١) في (جـ): (كالذي).\n(٢) في (أ)، (ج): (الإمالة) وما في (ب) موافق لـ\"الإغفال\" ص ٤٧.\n(٣) في (أ)، (ب)، (ج): (صاد) بالصاد، وصححت الكلمة على ما ورد في \"الإغفال\" ص ٤٨، \"المخصص\" ١٧/ ١٥٠، ووردت كذلك عند سيبويه (جاد وماد) ٧/ ١٣٢، ولا تصح بالصاد؛ لأن الإمالة تمنع بعد (الصاد) لأنه حرف مستعمل. انظر: \"الكتاب\" ٤/ ١٢٨.\n(٤) في (ب): (المنونة).\n(٥) حكى كلام الفارسي بالمعنى، انظر: \"الإغفال\" ص ٤٨، \"الكتاب\" ٤/ ١٢٢، ١٣٢، \"المخصص\" ١٧/ ١٥٠.\n(٦) في \"الإغفال\" (وتجوز إمالتها من جهة أخرى، وهي أن لام الفعل منجرة ..) ص ٤٨.\n(٧) في (ب): (ليس).","vol":"1","page":454},{"text":"انقلابها عن الياء (١) بدلالة قولهم: (لَهْيَ أبوك (٢» وظهور الياء لما قلبت إلى موضع السلام (٣).\nوقوله: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. معنى الرحمة في صفة الله تعالى: إرادته الخير والنعمة بأهله، وهي صفة ذات، وفي صفة أحدنا تكون رقة قلب وشفقة (٤).\nقال أبو بكر محمد بن القاسم بن (٥) بشار: سألت أبا العباس (٦) لم جمع بين الرحمن والرحيم؟ فقال: لأن الرحمن عبراني فأتى معه الرحيم العربي، واحتج بقول جرير (٧):\n_________\n(١) في (ب): (الباء) وكذا قوله: (وظهور الباء).\n(٢) مرت هذِه الصيغة قريبا وهي بمعنى (لله أبوك) انظر ص ٢٥٢.\n(٣) انتهى عن \"الإغفال\" لأبي علي الفارسي، وقال بعده: (فإن ثبتت بها قراءة فهذِه جهة جوازها) ص ٤٩، وانظر: \"المخصص\" ١٧/ ١٥١.\n(٤) الرحمة صفة من صفات الله تعالى، نثبتها له تعالى، كما أثبتها لنفسه، ولا يلزم من إثباتها مشابهة صفة المخلوقين، ولا نؤولها بإرادة الخير كما فعل الواحدي هنا.\nانظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ٥٨ - ٥٩، (الرسالة التدمرية) لابن تيمية ص ٢٣، ٣٠.\n(٥) هو أبو بكر بن الأنباري، سبقت ترجمته عند الحديث عن مصادر الواحدي.\n(٦) هو أبو العباس ثعلب كما صرح بذلك الزجاجي في \"اشتقاق أسماء الله\" ص ٤٢، وانظر: \"الزاهر\" ١/ ١٥٣، \"تهذيب اللغة\" (رحم) ٢/ ١٣٨٣، \"الزينة\" ٢/ ٢٥، \"الاشتقاق\" لابن دريد ص ٥٨، ووهم القرطبي فقال: زعم المبرد فيما ذكر ابن الأنباري في كتاب \"الزاهر\" ١/ ١٠٤، وإنما هو ثعلب كما سبق وليس أبا العباس المبرد.\n(٧) هو أبو حَرْزَة، جرير بن عطية بن حذيفة من بني كليب بن يربوع، أحد فحول الشعراء في صدر الإسلام، توفي سنة عشر ومائة. انظر ترجمته في \"الشعر والشعراء\" ص ٣٠٤، \"طبقات فحول الشعراء\" ٢/ ٢٩٧، \"الخزانة\" ١/ ٧٥.","vol":"1","page":455},{"text":"أو تَتْرُكُونَ إِلَى القَسَّيْنِ (١) هِجْرَتَكُم ... وَمَسْحَهُمْ صُلْبَهُمْ رَحَمَانَ قُرْبَانَا (٢)\nفأنكر عليه بعض الناس (٣)، وقال: لم تزل العرب تعرف الرحمن وتذكره في أشعارها، واحتج بقول الشاعر:\nأَلاَ ضَرَبَت تِلْكَ الفَتَاة (٤) هَجِيَنَهَا ... أَلاَ قَضَبَ الرَّحْمَنُ رَبِّي يَميِنَهَا (٥)\nفقال (٦): إن جمهور العرب كانوا لا يعرفون \"الرحمن\" في الجاهلية،\n_________\n(١) في (ج): (القيز).\n(٢) البيت من قصيدة له يهجو فيها الأخطل وهو نصراني، فحكى في البيت قول النصارى، ولهذا نصب (رحمن): (قربانا) أي قائلين ذلك، ويروى البيت (هل تتركن)، (مسحكم) وفي \"الزينة\" (رخمن) بالمعجمة وهو بمعنى: الحاء. انظر: \"الزينة\" ٢/ ٢٥، \"الزاهر\" ١/ ١٥٣، \"اشتقاق أسماء الله\" ص ٤٣، \"تهذيب اللغة\" (رحم) ٢/ ١٣٨٣، \"تفسير الماوردي\" ١/ ٥٢ \"تفسير القرطبي\" ١/ ٩١، \"اللسان\" (رحم) ٣/ ١٦١٢.\n(٣) ممن أنكر ذلك الطبري في \"تفسيره\" حيث قال: (وقد زعم بعض أهل الغباء أن العرب كانت لا تعرف (الرحمن) ولم يكن ذلك في لغتها ...) ١/ ٥٧، والزجاجي في \"اشتقاق أسماء الله\" ص ٤٢، وابن سيده في \"المخصص\" ١٧/ ١٥١ وغيرهم.\n(٤) في (ب): (الفتاو).\n(٥) لم يعرف له قائل وقد ذكره الطبري في \"تفسيره\" ١/ ٥٨، وابن سيده في \"المخصص\" ١٧/ ١٥٢، وقال محمد محمود التركزي الشنقيطي في تعليقه على \"المخصص\": إن البيت من صنع بعض الرجال الذين يحبون إيجاد الشواهد المعدومة لدعاويهم. ورد عليه ذلك محمود شاكر في حاشيته على الطبري ١/ ١٣١، وذكره ابن دريد في \"الاشتقاق\"، وقال: (وقد روي بيت في الجاهلية، ولم ينقله الثقات وهو للشنفرى:\nلَقَدْ لَطَمَتْ تَلِكَ الفَتَاةُ هَجِينَهَا ... أَلاَ بَتَرَ الرَّحْمَنُ رَبَّي يَمِينَهَا\n\"الاشتقاق\" ص ٥٨، ورواية هذا البيت تختلف قليلا عن البيت المستشهد به، وانظر (اشتقاق أسماء الله) ص ٨٢، (تفسير الماوردي) ١/ ٥٢.\n(٦) أي ثعلب، ولم أجده، ولعله في كتب ابن الأنباري المفقودة، وأورد نحوه الطبري في =","vol":"1","page":456},{"text":"الدليل على هذا أنهم لما سمعوا النبي - ﷺ - يذكره قالوا: ما نعرف الرحمن إلا رجلًا باليمامة (١)، وذلك قوله تعالى: ﴿قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ﴾ [الفرقان: ٦٠] وإنما يذكر بعض الشعراء الرحمن في الجاهلية، إذ (٢) لقنه (٣) من أهل الكتاب، أو أخذه عن بعض من قرأ الكتب كأمية بن أبي الصلت (٤) وزيد بن (٥) عمرو، وورقة بن نوفل (٦)، ولا تجعل هذا حجة على ما عليه أكثرهم.\nومراد أبي العباس أن الرحمن يتكلم به بالعبرانية (٧)، وتتكلم به العرب، فلما لم يخلص في كلامهم، ولم ينفردوا به دون غيرهم، أتى (٨) بعده بالرحيم\n_________\n= \"تفسيره\" ١/ ٥٨، وانظر: \"الاشتقاق\" ص ٥٨، والماوردي في \"تفسيره\" ١/ ٥٢، والقرطبي في \"تفسيره\" ١/ ١٠٤.\n(١) انظر الطبري فىِ \"تفسيره\" ١٩/ ٢٩، والقرطبي في \"تفسيره\" ١٣/ ٦٤.\n(٢) في (ج): (إذا).\n(٣) في (ب): (لقيته)\n(٤) واسمه عبد الله بن ربيعة بن عوف الثقفي، سمع النبي - ﷺ - شعره فقال: \"آمن شعره وكفر قلبه\" وكان يخبر أن نبيا يخرج قد أظل زمانه، فلما خرج النبي - ﷺ - كفر به حسدا، ومات كافرا سنة ثمان أو تسع.\nانظر: \"الشعر والشعراء\" ص ٣٠٠، \"طبقات فحول الشعراء\" ص ١٠١، \"الاشتقاق\" ص ١٤٣، \"الخزانة\" ١/ ٢٤٧.\n(٥) زيد بن عمرو بن نفيل، والد سعيد بن زيد أحد العشرة، مات قبل المبعث. انظر: \"الإصابة\" ١/ ٥٦٩، \"تجريد أسماء الصحابة\" ١/ ٢٠٠.\n(٦) هو ورقة بن نوفل بن أسد، ابن عم خديجة ﵂، قال ابن منده: اختلف في إسلامه، والأظهر أنه مات قبل الرسالة، وبعد النبوة وكذا قال الذهبي في \"تجريد أسماء الصحابة\" ٢/ ١٢٨، وانظر: \"الإصابة\" ٣/ ٦٣٣، \"الخزانة\" ٣/ ٣٩١.\n(٧) في (ج): (بالعبراني).\n(٨) في (ب): (أوتى).","vol":"1","page":457},{"text":"الذي لا يكون إلى عربيا، ولا يلتبس بلغة غيرهم (١).\nوالصحيح أنه مشتق من الرحمة، وأنه اسم عربي لوجود هذا البناء في كلامهم، كاللهفان والندمان والغضبان (٢). قال الليث: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ اسمان، اشتقاقهما (٣) من الرحمة (٤).\nوقال أبو عبيدة: هما صفتان لله تعالى، معناهما ذو الرحمة (٥). وأما ما احتج به أبو العباس من قوله: ﴿وَمَا الرَّحْمَنُ﴾ [الفرقان: ٦٠] فهو سؤال عن الصفة، ولذلك قالوا: ﴿وَمَا الرَّحْمَنُ﴾، ولم يقولوا: ومن، والقوم جهلوا\n_________\n(١) لعل هذا من قول ابن الأنباري، لأن كلام الواحدي بعد هذا يدل على ذلك، لأنه رجح أن أصله عربي، وأنه مشتق، وأورد بعض الردود على أبي العباس كما سيأتي. قال الزجاجي رادا على من قال: إن أصله غير عربي ... الرحمن معروف (الاشتقاق) والتصريف في كلام العرب، والأعجمي لا معنى له في كلام العرب ولا تصريف \"اشتقاق أسماء الله\" ص ٤٢.\nوقول أبي العباس: إنه أورد (الرحيم) لأنها تعرفه العرب، مع (الرحمن) الذي يلتبس بكلام غيرهم. فكأنه جعلهما بمعنى واحد. وجمهور العلماء على أن لكل واحد منهما معنى غير معنى الآخر، وأن (الرحمن) عربي، وانما الكلام لم قدم (الرحمن) على (الرحيم)؟ وأجاب عنه الطبري في \"تفسيره\" ١/ ٥٨ - ٥٩، ويرد قريبا في كلام الواحدي.\n(٢) انظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ٥٥، \"اشتقاق أسماء الله\" ص ٣٨، \"المخصص\" ١/ ١٥١.\n(٣) في (ب): (اشتقاقهم).\n(٤) \"تهذيب اللغة\" (رحم) ٢/ ١٣٨٣.\n(٥) \"مجاز القرآن\" ١/ ٢١، \"تهذيب اللغة\" (رحم) ٢/ ١٣٨٣، والنص من \"التهذيب\"، وقد رد الطبري على أبي عبيدة قوله وأغلظ له حيث قال: (وقد زعم بعض من ضعفت معرفته بتأويل أهل التأويل، وقلت روايته لأقوال السلف من أهل التفسير أن (الرحمن) مجازه: ذو الرحمة ..) الطبري في \"تفسيره\" ١/ ٥٨.","vol":"1","page":458},{"text":"صفته، والاسم كان معلوما لهم في الجملة (١). وقيل: هذا على جهة ترك التعظيم منهم. واختلفوا في أن أي الاسمين من هذين أشد مبالغة، فقال قوم: الرحمن أشد مبالغة من الرحيم، كالعلام من العليم، ولهذا قيل: رحمن الدنيا ورحيم الآخرة، لأن رحمته في الدنيا عمت المؤمن والكافر والبر والفاجر، ورحمته في الآخرة اختصت بالمؤمنين (٢).\nفإن قيل: على هذا كان الرحمن أشد مبالغة، فلم بدئ بذكره (٣)؟ وإنما يبدأ في نحو هذا بالأقل ثم يتبع (٤) الأكثر كقولهم: (فلان جواد يعطي العشرات والمئين (٥) والألوف).\nوالجواب: أنه بدئ (٦) بذكر الرحمن، لأنه صار كالعلم، إذ كان لا يوصف به (٧) إلا الله ﷿، وحكم الأعلام وما كان من الأسماء أعرف أن يبدأ به، ثم يتبع (٨) الأنكر، وما كان في التعريف أنقص. هذا مذهب سيبويه وغيره من النحويين، فجاء هذا على منهاج كلام العرب (٩).\n_________\n(١) وجعله الطبري من إنكار العناد والمكابرة، وإن كانوا عالمين بصحته، وليس ذلك منهم إنكارا لهذا الاسم، الطبري في \"تفسيره\" ١/ ٥٧ - ٥٨، وقال ابن عطية: وإنما وقفت العرب على تعيين الإله الذي أمروا بالسجود له، لا على نفس اللفظة ١/ ٩٣، وانظر ابن كثير في \"تفسيره\" ١/ ٢٣، والقرطبي في \"تفسيره\" ١٣/ ٦٧.\n(٢) انظر الطبري في \"تفسيره\" ١/ ٥٥، \"تهذيب اللغة\" (رحم) ٢/ ١٣٨٣، \"المخصص\" ١٧/ ١٥١، \"معاني القرآن\" للزجاج ٥٨، \"اشتقاق أسماء الله\" ص ٤٠.\n(٣) هذا التساؤل والإجابة عنه بنصه في \"المخصص\" ١٧/ ١٥١.\n(٤) في (ج): (تتبع).\n(٥) في (أ)، (ج): (الماتين) وفي (ب): (المايتين) وما أثبت من \"المخصص\".\n(٦) في (ب): (بدأ).\n(٧) (به) ساقط من (ج).\n(٨) في (ج): (تتبع).\n(٩) إلى هنا بنصه في \"المخصص\" ١٧/ ١٥١، وإلى نحوه ذهب الطبري في \"تفسيره\" =","vol":"1","page":459},{"text":"وقال وكيع: الرحيم أشد مبالغة؛ لأنه ينبئ عن رحمته في الدنيا والآخرة ورحمة الرحمانية في الدنيا دون الآخرة (١).\nوقال آخرون: إنهما بمعنى واحد كندمان ونديم، ولهفان ولهيف، وجيء بهما للتأكيد والإشباع، كقولهم: جادٌّ ومُجِدُّ (٢)، وقول طَرْفَه (٣):\nمَتَى أَدْنُ مِنْه يَنْأَ مِنِّي (٤) وَيَبْعُدِ (٥)\n_________\n= ١/ ٥٨، وانظر: \"اشتقاق أسماء الله\" ص ٤٠، وابن عطية في \"تفسيره\" ١/ ٩٢.\n(١) لم أجده، عن وكيع فيما اطلعت عليه، والله أعلم.\nقال ابن كثير: وقد زعم بعضهم أن (الرحيم) أشد مبالغة من (الرحمن)، ثم رد هذا القول ابن كثير في \"تفسيره\" ١/ ٢٣، وعند جمهور العلماء أن (الرحمن) أشد مبالغة من (الرحيم) وأن (الرحمن) أعم فهو في الدنيا والآخرة ولجميع الخلق، و(الرحيم) خاص بالمؤمنين. انظر الطبري في \"تفسيره\" ١/ ٥٥، \"تفسير أسماء الله\" للزجاج ص ٢٩، \"المخصص\" ١٧/ ١٥١، والثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ١٩ أ، والماوردي في \"تفسيره\" ١/ ٥٢ - ٥٣، وابن عطية في \"تفسيره\" ١/ ٩١، والقرطبي في \"تفسيره\" ١/ ١٠٥، ١٠٦، \"الدر\" ١/ ٢٩، وابن كثير في \"تفسيره\" ١/ ٢٢ - ٢٣.\n(٢) هذا قول أبي عبيدة، ونسبه ابن الأنباري كذلك لقطرب، وبهذا النص مع الشواهد ذكره الثعلبي، أما أبو عبيدة فذكر شواهد غيرها، انظر: \"مجاز القرآن\" ١/ ٢١، والثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ١٩ أ، \"الزاهر\" ١/ ١٥٣، \"تفسير أسماء الله\" ص ٢٩، \"اشتقاق أسماء الله\" ص ٣٨، ٣٩، وقد رد الطبري على أبي عبيدة، وأغلظ له الرد، وسبق ذكر بعض كلامه. انظر: \"تفسيره\" ١/ ٥٨.\n(٣) هو الشاعر الجاهلي المشهور، عُدَّ بعد امرئ القيس في الشعر، واسمه (عمرو) ولقب بـ (طَرْفَه) وأحد الطرفاء لبيت قاله، قتل وهو ابن ست وعشرين سنة، وقيل: ابن عشرين. ترجمته في \"الشعر والشعراء\" ص ١٠٣، \"الخزانة\" ٢/ ٤١٩.\n(٤) في (ب): (عنى).\n(٥) صدره: مَالِي أَرَانِي وابْنَ عَمِّي مَالِكًا\nوالبيت من معلقة طرفة المشهورة، يتحدث عما كان بينه وبين ابن عمه (مالك) من =","vol":"1","page":460},{"text":"وقول عدي (١):\nوأَلْفى قَولَهَا كَذِبًا وَمَيْنَا (٢)\nفي أمثال لهذا، وروي عن ابن عباس أنه قال. الرحمن الرحيم، اسمان رقيقان أحدهما أرق من الآخر (٣).\n_________\n= جفوة وخصام، (ينأ عني) و(يبعد) معناهما واحد، وإنما جاء بهما لأن اللفظين مختلفان، والمعنى يبعد ثم يبعد بعد ذلك، وقيل: ينأ: بالفعل، ويبعد: بالنفس لشدة بغضه لي. أورد البيت الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ١٩ أ، وانظر: \"ديوان طرفة\" ص ٣٤ تحقيق وتحليل د. علي الجندي.\n(١) عدي بن زيد بن حماد، من بني امرئ القيس بن زيد بن مناة بن تميم شاعر فصيح، من شعراء الجاهلية، وكان نصرانيا، قتله النعمان بن المنذر ملك الحيرة. ترجمته في \"الشعر والشعراء\" ص ١٣٠، \"معاهد التنصيص\" ١/ ٣٢٥، \"الخزانة\" ١/ ٣٨١.\n(٢) من قصيدة قالها عدي بن زيد، في قصة طويلة مشهورة بين الزَّباء وجذيمة وردت في كتب التاريخ والأدب وصدر البيت:\nوَقدَّدَت الأَدِيَم لِرَاهِشيْه ... .. .. .. ..\nويروي (قدمت) و(الراهش) عرق في باطن الذراع و(المين) بمعنى: الكذب، ورد البيت في \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٣٧، \"الشعر والشعراء\" ص ١٣٢، \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ١٧٥، \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٩ أ، ٧٣ أ، \"أمالي المرتضى\" ٢/ ٢٥٨، \"المستقصى\" ١/ ٢٤٣، \"مغني اللبيب\" ٢/ ٣٥٧، \"الهمع\" ٥/ ٢٢٦، \"معاهد التنصيص\" ١/ ٣١٠، \"اللسان\" (مين) ٧/ ٤٣١١، والقرطبي في \"تفسيره\" ١/ ٣٩٩، \"الدر المصون\" ١/ ٣٥٨.\nوالشاهد (كذبا ومَيْنا) فأكد الكذب بالمين وهو بمعناه.\n(٣) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ١٩ ب، وابن الأنباري في \"الزاهر\" ١/ ١٥٢، والأزهري في \"تهذيب اللغة\" (رحم) ٢/ ١٣٨٣، والقرطبي في \"تفسيره\" ١/ ٩٢، وابن كثير عن القرطبي في \"تفسيره\" ١/ ٢٢، وقد أخرج الطبري وابن أبي حاتم بسنديهما عن ابن عباس، قال: (الرحمن الفعلان من الرحمة، وهو من كلام العرب قال: الرحمن الرحيم: الرقيق الرفيق بمن أحب أن يرحمه، والبعيد الشديد على من أحب أن يعنف =","vol":"1","page":461},{"text":"قال الحسين (١) بن الفضل: غلط الراوي؛ لأن الرقة في صفة الباري لا تصح. وإنما هما أسمان رفيقان أحدهما أرفق من الآخر (٢). يدل على هذا ما روي في الخبر: \"إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي (٣) على الرفق مالا يعطي على العنف\" (٤)، وسمعت من يقول (٥): معنى قول ابن عباس (اسمان رقيقان) أي يدلان فينا على الرقة.\nوقال بعضهم: الرحمن خاص اللفظ عام المعنى، والرحيم عام اللفظ خاص المعنى (٦).\n_________\n= عليه) في سنده ضعف. انظر الطبري ١/ ٥٧، \"تفسير ابن أبي حاتم\" (رسالة دكتوراه) ١/ ١٤٨، وابن كثير في \"تفسيره\" ١/ ٢٣، \"المفسر عبد الله بن عباس والمروي عنه\" (رسالة ماجستير) ١/ ١٣٠.\n(١) في (ب): (الحسن).\n(٢) ذكره القرطبي، وذكر نحوه عن الخطابي ١/ ٩٢، وذكره ابن كثير في \"تفسيره\" في القرطبي ١/ ٢٢.\n(٣) (الواو) ساقطة من (ب).\n(٤) أخرجه مسلم (٢٥٩٣) كتاب البر، باب: فضل الرفق، وأبو داود (٤٨٠٧) كتاب الأدب، باب: في الرفق، وأحمد في \"مسنده\" عن علي ١/ ١١٢، وعن عبد الله بن مغفل ٤/ ٨٧، وأخرج البخاري عن عائشة وفيه: (إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله (٦٩٢٧) كتاب استتابة المرتدين، باب: إذا عرض الذمي وغيره بسب النبي - ﷺ -.\n(٥) في (ج): (تقول).\n(٦) الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ١٩/ أ. ومعنى أن (الرحمن) خاص اللفظ لأنه لا يطلق إلا على الله، عام المعنى؛ لأنه لجميع الخلق في الدنيا والآخرة، و(الرحيم) عام اللفظ لأنه يطلق على الله بما يليق به، ويطلق على غيره بما يليق به، وخاص المعنى: لأنه خاص بالمؤمنين، أو بالآخرة. انظر الطبري في \"تفسيره\" ١/ ٥٦ - ٥٨، وابن كثير في \"تفسيره\" ١/ ٢٢ - ٢٣.","vol":"1","page":462},{"text":"تفسير الفاتحة\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-218>٢ </span>- قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾. قال ابن عباس: يعني الشكر لله، وهو أن صنع إلى خلقه فحمدوه (١).\nوقال الأخفش: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾: الشكر لله (٢)، قال: والحمد (٣) -أيضًا- الثناء، [وكأن (٤) الشكر لا يكون إلى ثناء ليد أوليتها (٥)، والحمد قد يكون شكرا للصنيعة، ويكون ابتداء الثناء (٦) على الرجل، فحمد الله الثناء] (٧)\n_________\n(١) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ٢٤ ب، وأخرج الطبري عن ابن عباس بمعناه، دون قوله (وهو أن صنع إلى خلقه فحمدوه) قال شاكر: إسناده ضعيف. الطبري في \"تفسيره\" ١/ ١٣٥ وبمثل رواية الطبري أخرجه ابن أبي حاتم، قال المحقق: سنده ضعيف ١/ ١٥٠، وانظر: \"الدر\" ١/ ٣٤ - ٣٥، وابن كثير في \"تفسيره\" ١/ ٢٤ - ٢٥.\n(٢) في (ج): (والحمد لله) ومثله في \"اللسان\".\n(٣) نص كلام الأخفش في \"تهذيب اللغة\" (حمد) ١/ ٩١٣، وفيه (قال الأخفش ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ الشكر لله، قال والحمد أيضًا: الثناء)، وانظر: \"اللسان\" (حمد) ٢/ ٩٨٧، وفي \"معاني القرآن\" للأخفش ذكر اللغات فيها ولم يذكر المعنى ١/ ١٥٥، والنص في \"اللسان\".\n(٤) في (ب): (فكأن)، وفي \"التهذيب\" مكانها (قلت ...) فهو من كلام الأزهري، ونص عليه في \"اللسان\" قال: قال الأزهري: الشكر لا يكون ... \"اللسان\" (حمد) ٢/ ٩٨٧، فكيف تصحف عند الواحدي، فصار كأنه من كلامه، أو من كلام الأخفش.\n(٥) في (ب): (أولاها).\n(٦) في \"التهذيب\" \"اللسان\" (للثناء).\n(٧) مابين المعقوفتين ساقط من (ج).","vol":"1","page":463},{"text":"عليه والشكر لنعمه (١).\nوقال أبو بكر (٢): قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ يحتمل أن يكون هذا إخبارًا أخبر الله تعالى به، والفائدة فيه أنه يبين (٣) أن حقيقة الحمد له، وتحصيل كل الحمد له (٤) لا لغيره، وذلك أنا (٥) نرى بني الدنيا ينعم (٦) بعضهم على بعض، فيحمده على إنعامه، فيكون حقيقة الحمد في ذلك لله، إذ هو الذي أنعم على الذي أنعم بما أنعم به، ورزقه إياه، وهو الذي وفق المعطي للعطية، وأجراها على يديه، فكان حقيقة الإنعام من الله تعالى، ومكافأة المنعَم عليه بالشكر (٧) والحمد راجعة إليه جل اسمه (٨).\nوعلى هذا فقد حُكِي أن ابن التوءم (٩) كان يقول: إنما يجب أن يشكر\n_________\n(١) انتهى من \"التهذيب\" (حمد) ١/ ٩١٣، مع اختلاف يسير في العبارة، وانظر: \"اللسان\" (حمد) ٢/ ٩٨٧.\n(٢) هو ابن الأنباري، وقد نقل عنه الواحدي في هذا الموضع كثيرا، ولم أجده في كتبه الموجودة، ولعله ضمن كتبه المفقودة كـ \"المشكل في معاني القرآن\"، انظر الدراسة.\n(٣) في (ب): (أن بين) وفي (ج): (أنه بين).\n(٤) في (ب): (لله).\n(٥) في (ب): (أنه).\n(٦) في (ب): (يُنَعَّم) بالتشديد.\n(٧) في (ب): (الشكر).\n(٨) انظر: \"الوسيط\" للواحدي ١/ ١٧، \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٢٤/ ب، ٢٥/ أ، \"الزاهر\" ٢/ ٨٤، \"تفسير الطبري\" ١/ ٥٩، \"تفسير ابن عطية\" ١/ ٩٩ - ١٠٠، \"تفسير الماوردي\" ١/ ٥٣، \"تفسير البغوي\" ١/ ٥٢، \"القرطبي\" ١/ ١١٤ - ١١٥، \"الكشاف\" ١/ ٤٦، ٤٧.\n(٩) ابن التوءم لم أجد له ترجمة، وكلامه أورده ابن قتيبة في عيون الأخبار أوسع مما ذكره الواحدي هنا. \"عيون الأخبار\" ٣/ ١٩١، قال ابن قتيبة: (قال ابن التوءم: كل من كان جوده يرجع إليه ولولا رجوعه إليه لما جاد عليك .. وإنما يوصف بالجود في الحقيقة، ويشكر على النفع في حجة العقل، الذي إن جاد عليك فلك جاد ..).","vol":"1","page":464},{"text":"من إن جاد عليك فلك جاد، وإن (١) نفعك فنفعك أراد، من غير أن يرجع إليه من جوده بشيء (٢) من المنافع على جهة من الجهات، وهو الله (٣) وحده لا شريك له. ألا (٤) ترى أن عطية الرجل لصاحبه لا تخلو من أن تكون لله أو لغيره فإن كانت (٥) لله فثوابها على الله، فلا (٦) معنى للشكر، وإن كانت (٧) لغير الله فلا تخلو من أن تكون لطلب المجازاة، أو حب المكافأة، وهذِه تجارة معروفة، والتاجر لا يشكر على تجارته، وجر المنفعة إلى نفسه، وإما أن تكون لخوف يده أو لسانه، أو رجاء نصرته أو (٨) معونته، ولا معنى لشكر من هذِه إحدى أحواله، وإما أن تكون (٩) للرقة والرحمة، ولما يجد في قلبه من الألم، ومن جاد على هذا (١٠) السبيل، فإنما داوى نفسه من دائها، وخفف عنها ثقل برحائها (١١).\nفأما من مدحه بشار (١٢) بن برد بقوله:\n_________\n(١) (إن نفعك) ليس في \"عيون الأخبار\" ٣/ ١٩١.\n(٢) في (ب): (شيء) بسقوط الباء وما في (أ)، (ج) موافق لما في \"عيون الأخبار\".\n(٣) في (ب): (اله).\n(٤) بعد قوله: (وحده لا شريك له) كلام لابن التوءم تركه هنا، انظر: \"عيون الأخبار\" ٣/ ١٩١.\n(٥) في (ب): (كان).\n(٦) في (ب): (ولا معنى).\n(٧) في (ب): (كان).\n(٨) في (ب): (ومعونته).\n(٩) في (ب): (يكون).\n(١٠) في (ب): (ومن حاد عن هذا).\n(١١) إلى هنا ما ذكره ابن قتيبة عن ابن التوءم مع اختلاف في بعض العبارات، انظر: \"عيون الأخبار\" ٣/ ١٩١.\n(١٢) هو بشار بن برد بن يرجوخ العقيلي بالولاء، وأصله من (طخارستان)، أشعر الشعراء المولدين، نشأ بالبصرة، ومات سنة سبع أو ثمان وستين ومائة. انظر ترجمته في: =","vol":"1","page":465},{"text":"لَيْسَ (١) يُعْطِيكَ لِلرَّجَاء ولِلْخَوْ ... فِ ولكن يَلَذُّ طَعْمَ العَطَاءِ (٢)\nفأي معنى لشكر (٣) من يعطي لاجتلاب لذته، ويجيب (٤) داعي رأفته.\nقال أبو بكر: ويحتمل أن يكون هذا ثناء أثنى به على نفسه، علم عباده في أول كتابه ثناء (٥) عليه، وشكرا (٦) له، يكتسبون بقوله وتلاوته أكمل الثواب وأعظم الأجر، لطفا بهم، وحسن نظر لهم، فقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ أي قولوا: يا معشر الناس ما إذا قلتموه علت منزلتكم [وارتفعت درجتكم بقوله] (٧) عند ربكم، فيضمر القول هاهنا كما أضمر في قوله: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣] معناه يقولون: ما نعبدهم (٨).\nثم إذا قال القائل: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ فقد (٩) أثنى على الله تعالى، فيكون\n_________\n= \"الشعر والشعراء\" ص ٥١١، \"طبقات الشعراء\" لابن المعتز ص ٢١، \"البيان والتبيين\" ١/ ٦٥، \"خزانة الأدب\" ٣/ ٢٣٠.\n(١) في (ج): (لئن).\n(٢) من قصيدة قالها بشار يمدح عقبة بن سلم، ويروى (ولا الخوف) بدل (وللخوف) انظر: \"ديوانه\" ص ١٤، \"طبقات الشعراء\" لابن المعتز ص ٣٠، \"عيون الأخبار\" لابن قتيبة ١/ ١٦٤، \"شرح ديوان المتنبي\" للعكبري ٤/ ٢٧٩.\n(٣) في (ب): (فإن معنى الشكر).\n(٤) في (ب): (ويحبب).\n(٥) في (ب): (الثناء).\n(٦) في (ب): (والشكرا).\n(٧) مابين المعقوفين ساقط من (ب).\n(٨) انظر: \"الوسيط\" ١/ ١٧، ونحوه في \"تفسير الطبري\" ١/ ٦٠، وانظر: \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٢٣ ب، \"تفسير أبي الليث\" ١/ ٧٩، \"ابن عطية\" ١/ ١٠٠، \"القرطبي\" ١/ ١١٨.\n(٩) في (ب): (قد).","vol":"1","page":466},{"text":"بذلك متعرضًا لثواب الله، ومن أثنى على واحد فقد تعرض لإحسانه وثوابه.\nيدل على صحة هذا أن بعض العلماء، سئل عن تفسير الحديث المروي: \"أفضل الدعاء سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلى الله، والله أكبر\" (١) فقيل له: ما في هذا من (٢) الدعاء؟ وإنما الدعاء: (اللهم اغفر لنا، وافعل بنا). فقال للسائل: أما سمعت قول أمية بن أبي الصلت لعبد الله بن (٣) جدعان:\nكَرِيمٌ لاَ يُغَيِّرُهُ صبَاحٌ ... عَنِ الخُلُقِ الجَمِيلِ وَلاَ مَسَاءُ\nإِذاَ أَثْنى عَلَيْهِ المَرْءُ يَوْمًا ... كَفَاهُ مِنْ تَعَرُّضِهِ الثَّنَاءُ (٤)\n_________\n(١) لم أجده بهذا اللفظ، وقد أخرج ابن ماجه عن سمرة بلفظ: \"أربع أفضل الكلام لا يضرك بأيهن بدأت سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلى الله، والله أكبر\" \"سنن ابن ماجه\" (٣٨١١) كتاب الأدب، باب: فضل التسبيح، ونحوه عند أحمد في \"المسند\" ٥/ ٢٠، وذكره البخاري معلقا (الفتح) ١١/ ٥٦٦، وأخرج ابن ماجه عن جابر: \"أفضل الذكر لا إله إلا الله، وأفضل الدعاء الحمد لله\" \"سنن ابن ماجه\" كتاب الأدب، باب: فضل الحامدين، قال العجلوني في \"كشف الخفاء\": رواه الترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وابن حبان، والحاكم، وصححاه ١/ ١٥٢، وانظر: \"فيض القدير\" ١/ ٦٠١.\n(٢) (من) ساقطة من (ب).\n(٣) عبد الله بن جدعان التيمي القرشي، أحد الأجواد المشهورين في الجاهلية، لهذا مدحه أمية بن أبي الصلت، أدرك النبي - ﷺ - قبل النبوة. انظر ترجمته وبعض أخباره في \"المحبر\" ص ١٣٨، \"السيرة\" لابن هشام ١/ ١٤٤، \"الخزانة\" ٨/ ٣٦٦، \"الأعلام\" ٤/ ٧٦.\n(٤) تروى الأبيات بروايات أخرى منها: (خليل) بدل (كريم)، و(السنى) بدل (الجميل) و(عليك) بدل (عليه). انظر: \"ديوان أمية بن أبي الصلت\" ص ٢٥٤، \"المحبر\" ص ١٣٨، \"طبقات فحول الشعراء\" للجمحي ١/ ٢٦٥، \"ديوان الحماسة\" ٢/ ٣٧٢، \"العمدة\" لابن رشيق ٢/ ١٥٨.","vol":"1","page":467},{"text":"فهذا مخلوق اجتزأ من مسألة مخلوق مثله بالثناء عليه، فكيف يحتاج العبد مع ثنائه على ربه أن يسمي له حوائجه؟.\nقال (١): وإنما اختير (الحمد) على الشكر للمبالغة والعموم، وذلك أن الشكر لا يكون إلى مكافأة لنعمة سبقت إليك وأيضًا، فإنه لا يشكر أحد على ما فيه من الأوصاف الجميلة، وليس كذلك الحمد، فإنه يقع ابتداء قبل الصنيعة، ويقع على الأوصاف المحمودة فهو أبلغ وأعم وأجمع (٢).\nقال الشاعر:\nيَا أَيُّهَا المَائِحُ دَلْوى دُونكا ... إِنِّي رَأَيْتُ النَّاسَ يَحْمَدُونكا (٣)\n_________\n(١) أبو بكر ابن الأنباري.\n(٢) انظر: \"الزاهر\" ٢/ ٨٤، ٨٥، وفيه تكلم ابن الأنباري عن الفرق بين الحمد والشكر بنحو هذا، وإلى هذا ذهب أكثر المفسرين، انظر: \"تفسير غريب القرآن\" لابن قتيبة ١/ ٣، \"تفسير أبي الليث\" ١/ ٧٩، \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٢٤/ ب، \"تفسير الماوردي\" ١٥٣، وانظر: \"تهذيب اللغة\" (حمد) ١/ ٩١٣، \"اشتقاق أسماء الله\" ص ٩٠، وذهب الطبري إلى أن الحمد والشكر بمعنى واحد، واستدل على هذا بصحة قول القائل: (الحمد لله شكرا). \"تفسير الطبري\" ١/ ٦٠، وهذا قول المبرد، كما قال القرطبي في \"تفسيره\" ١/ ١١٦، ونسبة في \"اللسان\" للحياني. \"اللسان\" (حمد) ٢/ ٩٨٧، وقد تكلم العلماء في نقض ما قاله الطبري ورده، منهم ابن عطية في \"تفسيره\" ١/ ٩٩، والقرطبي في \"تفسيره\" ١/ ١١٦، وابن كثير في \"تفسيره\" ١/ ٢٠١. قال محمود شاكر في حاشية \"تفسير الطبري\": والذي قاله الطبري أقوى حجة وأعرق عربية من الذين ناقضوه.\n(٣) نسبه الأكثر لراجز جاهلي من بني أسد بن عمرو بن تميم، ونسبه بعضهم لجارية في مازن، وقيل: روته وليس لها، ونسبه بعضهم لرؤبة. و(المائح) الرجل في جوف البئر يملأ الدلاء. ورد الرجز في \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٢٦٠، \"الزاهر\" ٢/ ٨٥، \"أمالي الزجاجي\" ص ٢٣٧، \"أمالي القالي\" ٢/ ٢٤٤، \"الإنصاف\" ص ١٨٧، \"مغني اللبيب\" ٢/ ٦٠٩، ٦١٨، \"شرح شذور الذهب\" ص ٤٨٥، \"شرح المفصل\" ١/ ١١٧، \"الخزانة\" ٦/ ٢٠٠.","vol":"1","page":468},{"text":"فترجم بالثناء (١) والتمجيد (٢) عن الحمد، فدل هذا على عموم الحمد.\nوقد أخبرنا أبو الحسين بن أبي عبد الله الفسوي (٣) -﵁-، أنبا (٤) أحمد بن محمد الفقيه (٥)، أبنا محمد بن هاشم (٦)، عن الدَّبَرِي (٧)، عن عبد الرزاق (٨)،\n_________\n(١) ورد الثناء والتمجيد في بيت آخر لم يورده الواحدي هنا وهو قوله:\nيُثْنُون خَيْرًا ويَمُجِّدُوَنَكاَ\nأورد ابن الأنباري في \"الزاهر\" ٢/ ٨٥، وأنظر المصادر السابقة.\n(٢) في (أ)، (ج): التحميد، وما في (ب) أصح؛ لأنه أراد: الثناء والتمجيد الذين وردا في البيت الثالث الذي لم يذكره.\n(٣) أحد شيوخ الواحدي: عبد الغافر بن محمد بن عبد الغافر الفارسي أبو الحسين، حدث عن أبي سليمان الخطابي بغريب الحديث سبق ذكره في، وانظر المنتخب من السياق ١٠٦، \"سير أعلام النبلاء\" ١٨/ ١٩.\n(٤) في (ب): (أنا) وفي (ج): (أن) في الموضعين.\n(٥) هو أبو سليمان أحمد بن محمد بن إبراهيم الخطابي البستي الشافعي، وقيل: اسمه: حمد، له مصنفات منها \"غريب الحديث\" \"ت ٣٨٨ هـ\"، انظر ترجمته في \"الأنساب\" ٥/ ١٥٨، ١٥٩، \"إنباه الرواة\" ١/ ١٢٥، \"تذكرة الحفاظ\" ٣/ ١٠١٨.\n(٦) محمد بن هاشم أحد شيوخ الخطابي، روى عنه في \"غريب الحديث\" كثيرا، ولم أجد له ترجمة، حتى إن محقق \"غريب الحديث\" ترجم لجميع شيوخ الخطابي، ولم يذكر محمد بن هاشم مع كثرة روايته عنه، ولعله لم يجد له ذكرا. والله أعلم.\n(٧) أبو يعقوب إسحاق بن إبراهيم بن عباد الدَّبَرِي و(الدَّبَرِي) بفتح الدال والباء نسبة إلى (الدَّبَر) قرية من قرى صنعاء، راوية عبد الرزاق، (ت ٢٨٥ هـ). انظر ترجمته في \"اللباب\" ١/ ٤٨٩، \"ميزان الاعتدال\" ١/ ١٨١، \"سير أعلام النبلاء\" ١٣/ ٤١٦.\n(٨) هو عبد الرزاق بن همام بن نافع الحافظ، عالم اليمن، أبو بكر الحصيري بالولاء. حدث عن جماعة منهم الأوزاعي، وسفيان الثوري، ومالك بن أنس، وحدث عنه أحمد بن حنبل، وابن راهويه، وابن معين، وابن المديني وجماعة (ت ٢١١ هـ) وانظر ترجمته في \"طبقات ابن سعد\" ٥/ ٥٤٨، \"سير أعلام النبلاء\" ٩/ ٥٦٨، \"ميزان الاعتدال\" ٣/ ٣٢٣.","vol":"1","page":469},{"text":"عن مَعْمر (١)، عن قتادة، عن عبد الله بن عمر أن النبي - ﷺ - قال: (الحمد رأس الشكر، ما شكر الله عبدًا لا يحمده) (٢).\nقال أحمد (٣) على إثر هذا الحديث: الحمد نوع والشكر جنس (٤)، وكل حمد شكر (٥)، وليس كل شكر حمدا.\nوهو على ثلاث منازل: شكر القلب، وهو الاعتقاد بأن الله ولي النعم، قال الله: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٥٣]، وشكر اللسان وهو إظهار النعمة بالذكر لها، والثناء على مسديها، قال الله: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: ١١] وهو رأس الشكر المذكور في الحديث. وشكر العمل، وهو (٦) إدآب النفس بالطاعة.\n_________\n(١) هو الإمام الحافظ مَعْمَر بن راشد، أبو عروة، الأزدي بالولاء البصري، نزيل اليمن، حدث عن قتادة، والزهري وعمرو بن دينار، وهمام بن منبه وجماعة، وعنه السفيانان، وابن المبارك، وعبد الرزاق بن همام (ت ١٥٣ هـ)، انظر: \"طبقات ابن سعد\" ٥/ ٥٤٦، \"الجرح والتعديل\" ٨/ ٢٥٥، \"سير أعلام النبلاء\" ٧/ ٥.\n(٢) أخرجه عبد الرزاق في \"المصنف\" ١٠/ ٤٢٤ (١٩٥٧٤) كتاب الجامع، باب: شكر الطعام، وذكره الخطابي في \"غريب الحديث\" ١/ ٣٤٥، ٣٤٦، وذكره السيوطي في \"الجامع الصغير\" ورمز له بالحسن، انظر: \"فيض القدير شرح الجامع الصغير\" ٣/ ٤١٨، وقال الألباني: في \"ضعيف الجامع\" ٣/ ٤١١ (٢٧٩٠): ضعيف.\n(٣) هو أحمد بن محمد الخطابي البستي، سبقت ترجمته. قال في \"غريب الحديث\" بعد أن ذكر الحديث. وقال أبو سليمان: الحمد نوع .. ١/ ٣٤٦.\n(٤) الجنس: كلي دال على كثيرين مختلفين بالحقيقة في جواب (ماهو). والنوع: كلي دال على كثيرين متفقين في الحقيقة واقع في جواب (ما هو). انظر: \"التعريفات\" للجرجاني ص ٧٨، ٢٤٧، \"المبين في شرح معاني ألفاظ الحكماء والمتكلمين\" للآمدي ص ٧٣.\n(٥) في (ج): (شكرا).\n(٦) في (ب): (وهو شكر اداب).","vol":"1","page":470},{"text":"قال الله سبحانه (١): ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾ (٢) [سبأ: ١٣].\nوقام رسول الله - ﷺ - حتى تفطرت قدماه، فقيل: يا رسول الله أليس قد غفر الله (٣) لك ماتقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: \"أفلا أكون عبدا شكورا\" (٤).\nوقد جمع الشاعر أنواعه الثلاثة فقال:\nأَفَادَتْكُمُ النَّعْمَاءُ مِنِّى ثَلاَثَةً ... يَدِي وَلِسَانِي والضمِيرَ المُحَجَّبَا (٥) (٦)\nوبين الحمد والشكر فرق واضح (٧)، يظهر بالنقيض؛ لأن نقيض الشكر الكفر، ونقيض الحمد الذم (٨)، فهذا ما في معنى الحمد والشكر.\n_________\n(١) في (ج): (تعالى).\n(٢) في (ب): (الى) تصحيف.\n(٣) لفظ الجلالة غير موجود في (ب).\n(٤) متفق عليه من حديث المغيرة وعائشة، حديث المغيرة رواه البخاري (١١٣٠) كتاب: التهجد، باب: قيام النبي - ﷺ - الليل، ومسلم (٢٨١٩) كتاب: صفة الجنة والنار، باب: إكثار الأعمال والإجتهاد في العبادة، وحديث عائشة رواه البخاري (٤٨٣٧) كتاب التفسير، باب: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ﴾، ومسلم (٢٨٢٠) كتاب صفة الجنة والنار، باب: إكثار الأعمال والاجتهاد في العبادة.\n(٥) يقول: إن نعمتكم علي أفادتكم مني يدي ولساني وجناني فهي وأعمالها لكم. ورد البيت بدون عزو في \"غريب الحديث\" للخطابي ١/ ٣٤٦، \" الكشاف\" ١/ ٤٧، \"الفائق\" ١/ ٣١٤، \"الدر المصون\" ١/ ٣٦، وانظر: \"مشاهد الإنصاف على شواهد الكشاف\" ص ٧.\n(٦) انتهى من \"غريب الحديث\" للخطابي ١/ ٣٤٦، وانظر: \"الكشاف\" ١/ ٤٧.\n(٧) سبق بيان خلاف العلماء في ذلك، وأن قول الأكثر على أن بينهما فرقا وقال الطبري ومعه طائفة: إنهما بمعنى واحد، انظر ص ٢٧٥.\n(٨) انظر: \"الزينة\" ٢/ ١١٢، \"تهذيب اللغة\" (حمد) ١/ ٩١٣، \"اللسان\" (حمد) ٢/ ٩٨٧.","vol":"1","page":471},{"text":"ولا بد من ذكر طرف من مذهب النحويين في (الألف واللام) اللتين للتعريف وحكمهما. ومذهب (١) الخليل في هذا أن (ال) حرف التعريف، بمنزلة (قد (٢» في الأفعال، فإن الهمزة واللام جميعا (٣) للتعريف، وحكي عنه أنه كان يسميها (أل) كقولنا: (قد)، وأنه لم يكن يقول: (الألف (٤) واللام) كما لا يقول في (قد) القاف والدال.\nواحتج لهذا المذهب بفصلين (٥) (٦):\nأحدهما: أن العرب قد قطعت (أل) في أنصاف الأبيات، نحو قول عبيد (٧):\nيا خَلِيلَيَّ ارْبَعَا واستَخبِرَا الـ ... مَنْزِلَ الدّارِس مِنَ أَهْلِ الحِلاَل\nمِثْلَ سَحْقِ البُرْدِ عَفَّى بَعْدَكَ الـ ... قَطْرُ مَغْنَاهُ وتَأْوِيبُ الشَّمَالِ (٨)\n_________\n(١) الكلام عن (أل) نقله الواحدي عن أبي الفتح بن جني من كتاب \"سر صناعة الإعراب\" وأذكر الفروق الهامة بين عبارة الواحدي وعبارة ابن جني في موضعه إن شاء الله.\nقال ابن جني: (وذهب الخليل إلى أن (أل) حرف التعريف بمنزلة (قد) ..) ١/ ٣٣٣.\n(٢) انظر مذهب الخليل في \"الكتاب\" ٣/ ٣٢٤.\n(٣) عند أبي الفتح: (إن الهمزة واللام جميعهما ..) ١/ ٣٣٣.\n(٤) انظر: \"الكتاب\" ٣/ ٣٢٥.\n(٥) في (ج): (بفضلين).\n(٦) عند أبي الفتح: (ويقول هذا المذهب قطع (أل) في أنصاف الأبيات، نحو قول عبيد ..) ١/ ٣٣٣.\n(٧) هو عبيد بن الأبرص بن جُشْم، من بني أسد، يعد من فحول شعراء الجاهلية، قيل: إنه عمر طويلا. ترجمته في \"الشعر والشعراء\" ص ١٦١، \"طبقات فحول الشعرء\" ص ٥٨، \"خزانة الأدب\" ٢/ ٢١٥.\n(٨) قوله: (اربعا) أقيما، (الحلاَل): جمع حال أي نازل، أو جمع حِلَّة وهو جماعة البيوت، (سحق البرد) الثوب البالي، (عفى) غطى، (القطر): المطر، (مغناه) المغنى: المنزل الذي غنى به أهله ثم ظعنوا، (التأويب) الرجوع وتردد هبوبها. وردت الأبيات وفي \"ديوان عبيد\" ص ١١٥، \"المنصف\" ١/ ٣٣٣، \"شرح المفصل\" ٩/ ١٧، \"الخزانة\" =","vol":"1","page":472},{"text":"قال (١): فلو كانت اللام وحدها حرف التعريف؛ لما جاز فصلها من الكلمة التي عرفتها، لاسيما واللام ساكنة، والساكن لا ينوي به الانفصال (٢). فصار قطعهم وهم يريدون الاسم بعدها كقطع النابغة (٣) (قد) في قوله:\nأَفِدَ (٤) التَّرحُّلُ (٥) غَيْرَ أَنَّ رِكَابَنَا ... لمَّا تَزُلْ بِرِحَالِهَا (٦) وَكَأَنْ قَدِ (٧)\n_________\n= ٧/ ١٩٨. والشاهد فيه فصل (أل) في البيتين، استدل به الخليل على أن (أل) جميعها حرف التعريف، ولو كانت اللام وحدها للتعريف لما جاز فصلها.\n(١) من القائل؟ ظاهر كلام الواحدي أن القائل الخليل، لأنه هو المذكور قبله، والواقع أن الكلام لأبي الفتح ابن جني، حيث قال بعد الأبيات: (وهذِه قطعة لعبيد مشهورة عددها بضعة عشر بيتا يطرد جميعها على هذا القطع الذي تراه إلى بيتا واحدا من جملتها، ولو كانت اللام وحدها حرف التعريف لما جاز فصلها من الكلمة التي عرفتها .. \"سر صناعة الإعراب\" ١/ ٣٣٣.\n(٢) بعده كلام لأبي الفتح تركه الواحدي. انظر: \"سر صناعة الإعراب\" ١/ ٣٣٣.\n(٣) في (ب): (لقطع التابعه). والنابغة: هو زياد بن معاوية الذبياني، أحد شعراء الجاهلية المشهورين، توفي في زمن النبي - ﷺ - قبل أن يبعث. انظر ترجمته في \"الشعر والشعراء\" ص ٨٣، \"طبقات فحول الشعراء\" ١/ ٥١. \"جمهرة أنساب العرب\" ص ٢٥٣، \"الخزانة\" ٢/ ١٣٥.\n(٤) في (ب): (أرف) وفي (جـ): (أفر) وفي نسخة من \"سر صناعة الإعراب\" (أزف) ١/ ٣٣٤.\n(٥) في (ب): (الترجيل).\n(٦) في (ب): (برجالها) وعند أبي الفتح (برحالنا) وفي الحاشية: في (ش): (برحالها)، والأكثر في رواية البيت (برحالنا).\n(٧) من قصيدة قالها النابغة في (المتجردة) امرأة النعمان بن المنذر (أفد الترحل): أي دنا الرحيل وقرب. و(الركاب): الإبل. و(كأن قد): (أي: زالت لقرب وقت زوالها ودنوه. انظر: \"ديوان النابغة الذيباني\" ص ٨٩، \"الخصائص\" ٢/ ٣٦١، ٣/ ١٣١، \"مغنى اللبيب\" ١/ ١٧١، ٢/ ٣٤٢، \"شرح المفصل\" ٨/ ٥، ١١٠، ١٤٨، ٩/ ١٨، ٥٢، \"الأزهية\" ص ٢١١، \"شرح ابن عقيل\" ١/ ١٩، \"الهمع\" ٢/ ١٨٨، ٤/ ٣١٥، \"الخزانة\" ١/ ٧٠، ٧/ ١٩٧.","vol":"1","page":473},{"text":"ألا ترى أن التقدير: (كأن قد زالت)، فقطع (قد) من الفعل كقطع (ال) من الاسم.\nوإذا (١) كان (ال) عند الخليل حرفا واحدا، فقد ينبغي أن تكون همزته مقطوعة ثابتة، كقاف (قد) وباء (بل)، إلى أنه لما كثر استعمالهم لهذا الحرف عرف موضعه، فحذفت همزته، كما حذفوا: (لم يَكُ) و(ولا أَدْرِ) (٢).\nوالفصل (٣) الثاني (٤): أنهم قد أثبتوا هذِه الهمزة بحيث تحذف همزات الوصل، نحو قوله ﴿قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ﴾ (٥) [يونس: ٥٩] و﴿قُلْ آلذَّكَرَيْنِ﴾ [الأنعام: ١٤٣]، ولم (٦) تر همزة وصل تثبت في نحو هذا، فهذا يؤكد أن همزة (أل) ليست بهمزة وصل وأنها مع اللام كقد.\nومذهب الجمهور (٧) في هذا أن اللام وحدها هي حرف التعريف، وأن\n_________\n(١) ترك بعض كلام أبي الفتح. انظر: \"سر صناعة الإعراب\" ١/ ٣٣٤.\n(٢) والقياس فيهما: لم يكن (و) لا أدري (لكن لما كثر في الاستعمال حذفت النون في الأول والياء من الثاني، قال أبو الفتح: وحذفها شاذ انظر: \"المنصف\" ٢/ ٢٢٧.\n(٣) في (ج): (الفضل).\n(٤) نص كلام أبي الفتح: (ويؤكد هذا القول عندك أيضا: أنهم قد أثبتوا ... الخ)، \"سر صناعة الإعراب\" ١/ ٣٣٤.\n(٥) في (ب) تصحيف في الآية، حيث حذف (أذن) وكرر (لكم).\n(٦) عند أبي الفتح: (... ونحو قولهم في القسم (أفألله) و(لا ها ألله ذا) ولم نر همزة الوصل تثبت في نحو هذا .... الخ)، \"سر صناعة الإعراب\" ١/ ٣٣٥.\n(٧) عند أبي الفتح: (وأما ما يدل على أن اللام وحدها هي حرف التعريف، وأن الهمزة إنما دخلت عليها لسكونها، فهو إيصالهم جر الجار إلى ما بعد حرف التعريف ....) \"سر صناعة الإعراب\" ١/ ٣٣٥.\nقال في \"شرح المفصل\": (واللام هي حرف التعريف وحدها، والهمزة وصلة إلى النطق بها ساكنة، هذا مذهب سيبويه، وعليه أكثر البصريين والكوفيين ما عدا الخليل ....)، ٩/ ١٧، وانظر: \"الخزانة\" ٧/ ١٩٨ - ١٩٩.","vol":"1","page":474},{"text":"الهمزة إنما دخلت عليها لسكونها، والدليل على هذا (١) إيصالهم حرف الجار إلى ما بعد حرف التعريف نحو قولهم: (عجبت من الرجل) و(مررت بالغلام) فنفوذ الجر إلى ما بعد حرف التعريف يدل على أن حرف التعريف غير فاصل عندهم بين الجار والمجرور، وإنما كان كذلك لأنه في نهاية اللطافة والاتصال بما عرفه؛ لأنه على حرف واحد، ولاسيما ساكن، ولو كان حرف التعريف في نية الانفصال كـ (٢) (قد) لما جاز نفوذ الجر إلى ما بعد حرف التعريف.\nوأيضا فإن (٣) حرف التعريف نقيض التنوين، لأن التنوين دليل التنكير، كما أن هذا (٤) دليل التعريف، فكما (٥) أن التنوين في [آخر الاسم حرف واحد، كذلك حرف التعريف في] (٦) أوله ينبغي أن يكون حرفا واحدا.\nفأما ما احتج به الخليل من قطع (أل) عن الحرف الذي بعده في الشعر فقد يقطعون (٧) في المصراع الأول بعض الكلمة وما هو منها أصل، ويأتون بالبقية في أول المصراع الثاني، كما قال:\n_________\n(١) أي على مذهب الجمهور وهو أن حرف التعريف (اللام) وحدها.\n(٢) عند أبي الفتح: (... ولو كان حرف التعريف عندهم حرفين كـ (قد) و(هل) لما جاز الفصل به بين الجار والمجرور به ....) ثم أخذ يشرح ولفصل في هذا في كلام طويل تركه الواحدي، ثم قال: (... وكذلك لو كان حرف التعريف في نية الانفصال لما جاز نفوذ الجر إلى ما بعد حرف التعريف، وهذا يدل على شدة امتزاج حرف التعريف بما عرفه ...) ١/ ٣٣٦، ٣٣٧.\n(٣) قال أبو الفتح: (.. ويزيدك تأنيسا بهذا أن حرف التعريف نقيض التنوين ..) ١/ ٣٣٧.\n(٤) أي حرف التعريف.\n(٥) في (ج): (وكما).\n(٦) ما بين المعقوفتين ساقط من (ج).\n(٧) في (ب): (يقطعونه).","vol":"1","page":475},{"text":"يَا نَفْسِ أَكْلًا واضْطِجَا ... عًا نَفْسِ لَسْتِ بِخَالِدَه (١)\nوهو كثير، وإذا جاز ذلك في أَنْفُسِ الكَلِم، ولم يدل على انفصال بعض الكلمة من بعض، فغير منكر أيضًا أن تفصل (لام المعرفة) في الأول (٢).\nوأما ما احتج به من قطع الهمزة في نحو: ﴿آللَّهُ﴾ (٣) فإنما جاز ذلك لمخافة التباس الاستفهام بالخبر (٤).\nوإنما جعل حرف التعريف حرفا واحدا؛ لأنهم أرادوا خلطه (٥) بما بعده، فجعلوه على حرف واحد؛ ليضعف عن (٦) انفصاله مما بعده، فيعلم بذلك أنهم قد (٧) اعتزموا (٨) على خلطه به، ولهذا سكنوه، لأنه أبلغ فيما قصدوا، لأن الساكن أضعف من المتحرك، وأشد حاجة وافتقارا إلى ما يتصل به (٩).\n_________\n(١) نسب البيت لكثير عزة، وليس في \"ديوانه\". انظر: \"سر صناعة الإعراب\" ١/ ٣٤٠، \"شرح المفصل\" ٩/ ١٩، \"الخزانة\" ٧/ ٢٠٢، وانظر: \"معجم الشواهد العربية\" لعبد السلام هارون ١/ ٩٩. والشاهد فيه: أنه فصل الكلمة بين مصراعي البيت، وأورده ردا على ما ذهب إليه الخليل من أن قطع (أل) في المصراع الأول دليل على أن (الألف واللام) أداة تعريف، وليس اللام وحدها.\n(٢) أي: المصراع الأول من البيت، انظر: \"سر صناعة الإعراب\" ١/ ٣٤٠.\n(٣) أي قوله تعالى: ﴿آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ﴾ [يونس: ٥٩].\n(٤) يلحظ أن الكلام من قوله: (فأما ما احتج به الخليل ....) إلى قوله: (بالخبر) ليس بهذا السياق والترتيب عند أبي الفتح، وانما تصرف فيه الواحدي. انظر: \"سر صناعة الإعراب\" ١/ ٣٣٧، ٣٤٠، انظر: \"الخزانة\" ٧/ ٢٠١، ٢٠٢.\n(٥) في (ب): (خالطه).\n(٦) في (أ)، (جـ): (على)، وما في (ب) موافق لـ\"سر صناعة الإعراب\" ١/ ٣٤٦.\n(٧) (قد) ساقط من (ج).\n(٨) في (أ)، (ج): (اعترفوا)، وما في (ب) موافق لـ\"سر صناعة الإعراب\" ١/ ٣٤٦.\n(٩) من قوله (وإنما جعل حرف التعريف) ملخص من \"سر صناعة الإعراب\" ١/ ٣٤٦.","vol":"1","page":476},{"text":"وإنما اختاروا (١) (اللام) دون سائر حروف المعجم؛ لأنهم أرادوا إدغام حرف التعريف فيما بعده؛ لأن الحرف المدغم أضعف من الحرف الساكن غير المدغم؛ ليكون إدغامه دليلا على شدة اتصاله، فلما آثروا إدغامه فيما بعده اعتبروا حروف المعجم، فلم يجدوا فيها حرفا أشد مشاركة لأكثر الحروف من (اللام) فعدلوا إليها؛ لأنها تجاور أكثر حروف الفم (٢) التي هي معظم الحروف، وليصلوا بذلك إلى الإدغام المترجم عما عزموه (٣) من شدة وصل التعريف بما عرفه (٤) (٥)، ولو جاؤوا بغير (اللام) للتعريف لما أمكنهم أن يكثر (٦) إدغامها، كما أمكنهم ذلك مع (اللام)، فإدغامهم إياها مع ثلاثة (٧) عشر حرفا، وهي: (التاء، والثاء، والدال، والذال، والراء، والزاي، والسين، والشين، والصاد، والضاد، والطاء، والظاء، والنون) وذلك قولهم التمر، والثَّرِيد، والدِّبْس، والذَّوْق (٨)، والرُّطَب، والزُّبْد، والسَّفَرْجَل، والشَّعِير، والصَّيْر، والصَّنَاب (٩)،\n_________\n(١) عند أبي الفتح (وأما لم اختاروا له اللام دون سائر حروف المعجم؟ فالجواب عنه أنهم إنما أرادوا ....) ١/ ٣٤٦، قوله (له) أي: للتعريف.\n(٢) في (ب): (المعجم) والمراد بحروف الفم التي مخارجها في الفم.\n(٣) في (ج): (عرضوه) وعند أبي الفتح (اعتزموه) ١/ ٣٤٧.\n(٤) في (ب): (عرقوه).\n(٥) انظر: \"سر صناعة الإعراب\" ١/ ٣٤٧، وفي كلام أبي الفتح زيادة عما هنا.\n(٦) في (ب): (يكثروا).\n(٧) في (ب): (ثلاث). والرابع عشر اللام نفسها. ومثلها الليل\n(٨) عند أبي الفتح: (الذرق)، وفي حاشيته: (ب): (الذوق). الذرق: نبات كالفسفسة، تُسميه الحاضرة: الحندقوقى. انظر: \"تهذيب اللغة\" (ذرق) ٢/ ١٢٨٠.\n(٩) في (ج): (الضباب) وفي (ب): (الضناب) وعند أبي الفتح: (والصَّناب والضَّرْو) ١/ ٣٤٧، وهو الصواب؛ لأنه تمثيل للصاد ثم للضاد. الصِّير: هو الشق، كما في الحديث: \"من اطلع من صير باب\"، والصير: الماء يحضره الناس، والصِّير: السمكات =","vol":"1","page":477},{"text":"والطَّبِيخ، والظُّلْم (١)، والنَّبِق، يدلك على (٢) ما ذكرنا أنك (٣) تجد (اللام) ساكنة وهي لغير التعريف مظهرة غير مدغمة مع أكثر هذِه الحروف، وذلك نحو: (التقت) (٤)، و(هل ثم أحد) (٥)، و(الْزَمْ (٦) بِه) و(أَلْسِنَة) هذا هو الكلام في (اللام) (٧).\nفأما الكلام في (الهمزة) الداخلة على هذِه (اللام): فاعلم أن (الهمزة) (٨) (إنما جيء بها توصلا إلى النطق بالساكن الذي بعدها، إذ لم\n_________\n= المملوحة التي تعمل منها الصحناة. انظر: \"تهذيب اللغة\" (صير) ٢/ ٢٠٧٥، \"اللسان\" (صير) ٤/ ٢٥٣٥، الصَّنَاب: صباغ يتخذ من الخردل والزبيب. انظر: \"تهذيب الغة\" (صنب) ٢/ ٢٠٦٢، \"اللسان\" (صنب) ٤/ ٢٥٠٤.\nالضِّرو والضَّرو: (شجر طيب الريح يستاك به، ويجعل ورقه في العطر. \"اللسان\" ضرا ١٤/ ٤٨٣.\n(١) عند أبي الفتح (الظبي)، وفي الحاشية: (ل): (الظئر) ١/ ٣٤٧.\n(٢) اختصر الواحدي كلام أبي الفتح ونص كلامه: (.. ويدلك على إيثارهم الإدغام للام التعريف لما قصدوا من الإبانة عن غرضهم، أنك لا تجد لام التعريف مع واحد من هذِه الأحرف الثلاثة عشر إلا مدغمًا في جميع اللغات، ولا يجوز إظهارها ولا إخفاؤها معهن ما دامت للتعريف البتة، وأنك قد تجد اللام إذا كانت ساكنة وهي لغير التعريف مظهرة .. الخ)، ١/ ٣٤٧.\n(٣) في (ب): (أنا).\n(٤) في (ب): (السقب) وعند أبي الفتح (التفت).\n(٥) في (ب): (أخذ).\n(٦) في (ج): (ولزم به): (وعند أبي الفتح (أُلْزِمَ به) وفي الحاشية ل (إِلْزَمْ به)، ١/ ٣٤٨.\n(٧) إلى هنا ما أخذ الواحدي من كتاب أبي الفتح \"سر صناعة الإعراب\" حرف اللام ١/ ٣٣٣ - ٣٤٨.\n(٨) انتقل الواحدي إلى موضع آخر من نفس كتاب \"سر صناعة الإعراب\" ١/ ١١٢ قال =","vol":"1","page":478},{"text":"يمكن (١) الابتداء به، وكان حكم هذِه (الهمزة) أن تكون ساكنة، لأنها حرف جاء لمعنى، ولا حظ له في الإعراب. وهي في أول الحرف كالهاء التي لبيان الحركة (٢) في آخر الحرف. نحو (وازيداه) و(واعمراه) فكما أن تلك ساكنة فكذلك كان ينبغي في الألف (٣) أن تكون ساكنة (٤)، إلا أنها (٥) حركت لأجل الساكن الذي بعدها، ولم يجز أن يحرك ما بعدها لأجلها من قبل أنك لو فعلت ذلك لبقيت هي عليك (٦) أيضًا في أول الكلمة ساكنة، وكان يحتاج لسكونها إلى حرف قبلها محرك يقع به (٧) الابتداء.\nوإنما اختاروا الهمزة لوقوع الابتداء (٨) بها (٩)؛ لأنهم أرادوا حرفا يتبلغ به في الابتداء، ويحذف في الوصل للاستغناء عنه بما قبله، فجعلوه الهمزة؛ لأن العادة فيها في أكثر الأحوال حذفها للتخفيف، وهي مع ذلك أصل،\n_________\n= أبو الفتح: (واعلم أن هذِه الهمزة إنما جيء بها توصلا إلى النطق بالساكن ....)، وسأذكر الفروق الهامة بين كلام أبي الفتح وكلام الواحدي في مواضعها.\n(١) في (ب): (يكن) وعند أبي الفتح (لما لم يمكن) ١/ ١١٢.\n(٢) عند أبي الفتح (.. الحركة بعد الألف في آخر الحرف ..) ١/ ١١٢.\n(٣) أي: الهمزة التي جيء بها للتوصل إلى النطق بالساكن.\n(٤) انظر: \"سر صناعهَ الإعراب\" ١/ ١١٣، اختصر الواحدي بعض الكلام، وتصرف في بعض العبارات.\n(٥) في (ب): (إنها) بكسر الهمزة.\n(٦) (عليك): ليست في كلام أبي الفتح.\n(٧) في (أ)، (ج): (يقع به الابتداء به) وعند أبي الفتح (يقع الابتداء به)، \"سر صناعة الإعراب\" ١/ ١١٣.\n(٨) هذا جواب تساؤل افترضه أبو الفتح، انظر: \"سر صناعة الإعراب\" ١/ ١١٣.\n(٩) في (أ)، (ب)، (ج): (به) وصححتها على حسب ما عند أبي الفتح في \"سر صناعة الإعراب\" ١/ ١١٣.","vol":"1","page":479},{"text":"فكيف بها إذا كانت زائدة، ألا تراهم حذفوها في نحو: (خذ) و(مر) (١) و(وَيْلُمِّه) (٢) وفي قول الشاعر:\nوَكَانَ حَاملُكُمْ مِنَّا وَرَافِدُكُمْ ... وَحَامِلُ المِينَ بَعْد المِينَ والْأَلَفِ (٣)\nأراد المئين، فحذف الهمزة، وأراد (الألف) فحرك اللام ضرورة (٤).\nوقالوا: (ذن (٥) لا أفعل) فحذفوا همزة (إذن) (٦) ولو أنهم جعلوا مكان الهمزة غيرها لم يمكن حذفه؛ لأنه لم يحذف غيرها من الحروف كما حذفت هي، وكانت (الهمزة) بالزيادة في الابتداء أولى من سائر الحروف؛ لأنهم شرطوا على أنفسهم حرفا يحذف عند الغنى (٧) عنه، وذلك في أكثر أحواله؛ لأن الوصل أكثر من الابتداء والقطع، ولم يجدوا حرفا يطرد فيه الحذف\n_________\n(١) أصلها: (أُؤخُذُ) و(أؤْمُر) فلما اجتمعت همزتان وكثر استعمال الكلمة حذفت الهمزة الأصلية فزال الساكن، فاستغني عن الهمزة الزائدة. انظر: \"سر صناعة الإعراب\" ١/ ١١٢.\n(٢) الأصل فيها: (وَيْلٌ لِأُمِّه) فحذف التنوين فالتقت لام ويل ولام الخفض فأسكنت الأولى وأدغمت الثانية ثم حذفت الهمزة، ثم خفف بحذف أحد اللامين، فمنهم من جعل المحذوفة (لام) الخفض وأبقى (لام) ويل وأبقى لام الخفض مكسورة، ومنهم في جعل المحذوفة (لام) ويل على أصلها مضمومة، ففيها الوجهان. انظر: \"المسائل الحلبيات\" للفارسي ص ٤٣، \"الكتاب\" ٣/ ٥، \"سر صناعة الإعراب\" ١/ ١١٣، ٢٣٥، \"الخزانة\" ٣/ ٢٧٥، ٢٧٦.\n(٣) ورد البيت غير منسوب في \"سر صناعة الإعراب\" ١/ ١١٤، \"الخصائص\" ٢/ ٣٣٤، \"اللسان\" (ألف) ١/ ١٠٧، و(مأى) ٧/ ٤١٢٤.\n(٤) وقيل: أراد: (الآلاف) فحذف للضرورة، قاله في \"اللسان\" ٩/ ٩.\n(٥) في (ب): (اذن).\n(٦) \"سر صناعة الإعراب\" بتصرف ١/ ١١٣، ١١٤.\n(٧) في حاشية \"سر صناعة الإعراب\": (ب) و(ش): (الغناء).","vol":"1","page":480},{"text":"اطراده في الهمزة، فأتوا بها دون غيرها من سائر حروف المعجم.\nوالأصل في جميع (ألفات الوصل) أن تبدأ بالكسر؛ لأنها إنما دخلت وصلة إلى النطق بالساكن (١)، وقد ذكرنا أن حقها كان في الأصل السكون، فلما كان حقها السكون ودخلت على الساكن حركت بالكسرة تشبيها بحركة الساكن إذا لقيه ساكن، لأن تحريك أحد الساكنين في سائر المواضع إنما هو أيضًا ليتصل به إلى النطق بالساكن الآخر (٢). وإنما فتحت مع (لام التعريف) لأن (اللام) حرف، فجعلوا حركة الهمزة معها فتحة؛ لتخالف حركتها في الأسماء والأفعال (٣) (٤).\nو(لام التعريف) تقع (٥) في الكلام في أربعة مواضع (٦) وهي:\n١ - تعريف الواحد بعهد، نحو قولك لمن كنت معه في ذكر رجل: (قد وافى الرجل) أي: الرجل الذي كنا في حديثه وذكره.\n٢ - وتعريف الواحد بغير عهد نحو قولك لمن لم تره قط ولا ذكرته: (يا أيها الرجل أقبل) فهذا تعريف لم يتقدمه ذكر ولا عهد.\n_________\n(١) في (ج) كلام مقدم في غير موضعه ونص العبارة (بالساكن الآخر وإنما فتحت مع لام التعريف لأن اللام حرف فجعلوا حركة الهمزة معها فتحة لتخالف، وقد ذكرنا ...). وشطب الناسخ كلمة (والآخر) و(لتخالف) وهما أول ونهاية الكلام المكرر فلعله تنبه له بعد كتابته.\n(٢) أخذه بمعناه من \"سر صناعة الإعراب\" ١/ ١١٢، ١١٣.\n(٣) حيث تكون مكسورة أو مضمومة مع الأسماء والأفعال.\n(٤) بنصه من \"سر صناعة الإعراب\" ١/ ١١٧.\n(٥) في (ب): (تقطع).\n(٦) مواضع لام التعريف، أخذه كذلك عن أبي الفتح بن جني من \"سر صناعة الإعراب\" (حرف اللام) ١/ ٣٥٠، مع إعادة ترتيب الكلام والتصرف اليسير في العبارة.","vol":"1","page":481},{"text":"٣ - الثالث: تعريف الجنس، نحو قولك: (العسل حلو والخل حامض) فهذا التعريف لا يجوز أن يكون عن إحاطة بجميع الجنس ولا مشاهدة له؛ لأن ذلك متعذر، وإنما معناه: أن كل واحد من هذا الجنس المعروف بالعقول دون حاسة المشاهدة (١).\n٤ - الرابع: أن تكون زائدة، نحو قوله: (الآن، ولام الذي والتي وتثنيتهما وجمعهما، ولام اللات والعزى) وسنذكر كل واحد من هذِه الحروف إذا انتهينا إليه إن شاء (٢) الله.\nفأما قوله: (الحمد) فـ (اللام) فيه تحتمل (٣): أن تكون للجنس، أي جميع المحامد له؛ لأنه الموصوف بصفات الكمال في نعوته وأفعاله الحميدة (٤)، وتحتمل: أن تكون للعهد، أي: الحمد الذي حمد به نفسه\n_________\n(١) في الكلام عدم وضوح، حيث إن قوله: (وإنما معناه أن كل واحد من هذا الجنس ... الخ) يعود على مثال لم يذكره الواحدي، ونص عبارة أبي الفتح: (الثالث: نحو قولك الملك أفضل من الإنسان، والعسل حلو، والخل حامض، وأهلك الناس الدينار والدرهم، فهذا التعريف لا يجوز أن يكون عن إحاطة بجميع الجنس ... الخ). ثم يقول: (... وإنما معناه أن كل واحد من هذا الجنس المعروف بالعقول دون حاسة المشاهدة أفضل من كل واحد من هذا الجنس الآخر، وأن كل جزء من العسل الشائع في الدنيا حلو، وكل جزء من الخل الذي لا تمكن مشاهدة جميعه حامض). \"سر صناعة الإعراب\" ١/ ٣٥٠.\n(٢) قوله: (وسنذكر كل واحد من هذِه الحروف إذا انتهينا إليه ...) من كلام الواحدي، أما أبو الفتح فتكلم عنها في نفس الموضع، انظر: \"سر صناعة الإعراب\" ١/ ٣٥٠ وما بعدها، ليت الواحدي لم يثقل الكتاب بهذِه النقول التي مكانها كتب النحو المطولة.\n(٣) في (ج): (يحتمل).\n(٤) وعليه أكثر المفسرين، انظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ٦٠، \"تفسير ابن عطية\" ١/ ٩٩، \"الكشاف\" ١/ ٤٩، \"تفسير القرطبي\" ١/ ١١٦، \"تفسير ابن كثير\" ١/ ٢٥، \"البحر\" ١/ ١٨.","vol":"1","page":482},{"text":"وحمده به أولياؤه (١).\nورفعه على معنى قولوا: (الحمد لله) على ما حكينا عن ابن الأنباري (٢)، ويجوز أن يكون ابتداء، وخبره فيما بعده (٣).\nوقوله تعالى: ﴿لِلَّهِ﴾: هذِه (اللام) تسمى لام الإضافة (٤)، ولها في الإضافة معنيان (٥):\nأحدهما: الملك نحو: (المال لزيد).\nوالآخر: الاستحقاق (٦) نحو: (الجُلُّ (٧) للدابة) أي: استحقته ولابسته، وكذلك (الباب للدار). وهذِه الجارة مكسورة مع المظهر، ومفتوحة مع المضمر، وإنما كسرت مع المظهر وكان من حقها الفتح؛ لأنا ذكرنا أن هذِه الحروف التي تستعمل على واحدة حقها الفتح (٨)، وكسرت مع المظهر للفرق\n_________\n(١) ذكره الرازي في \"تفسيره\" ١/ ٢٢٠، وأبو حيان في \"البحر\" ١/ ١٨.\n(٢) سبق كلام ابن الأنباري ص ٢٧١، وانظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ٦١.\n(٣) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ١١٩، \"البيان في غريب القرآن\" ١/ ٣٤، \"مشكل إعراب القرآن\" لمكي ١/ ٨، \"الكشاف\" ١/ ٤٧، \"إملاء ما من به الرحمن\" ١/ ٥.\n(٤) الكلام عن (اللام) نقله عن كتاب \"سر صناعة الإعراب\" ١/ ٣٢٥، قال أبو الفتح: (فأما العاملة فلام الجر، وذلك قولك: المال لزيد، والغلام لعمرو. وموضعها في الكلام الإضافة، ولها في الإضافة معنيان: أحدهما الملك ..).\n(٥) ذكر الرازي لها ثلاثة معان في \"تفسيره\" ١/ ٢٢، وانظر: \"البحر\" ١/ ١٨.\n(٦) عند أبي الفتح (الاستحقاق والملابسة) ١/ ٣٢٥.\n(٧) (الجُلُّ): واحد جِلاَل الدواب، الذي تلبسه لتصان به. انظر: \"الصحاح\" (جلل) ٤/ ١٦٥٨، \"اللسان\" (جلل) ٢/ ٦٦٤.\n(٨) ذكره الواحدي عند الحديث عن (الباء) في تفسير (بسم الله) ناقلا عن أبي الفتح من هذا الموضع. انظر: \"سر صناعة الإعراب\" ١/ ٣٢٥.","vol":"1","page":483},{"text":"بينها (١) وبين (لام الابتداء) وذلك قولك في الملك: (إن زيدا لهذا) أي: في ملكه، و(إن زيدا لهذا) أي: هو (٢) هو، فلو فتحت في الموضعين لالتبس (٣) معنى (٤) الملك بمعنى الابتداء.\nوإنما كسرت الجارة وتركت (لام الابتداء) بحالها مفتوحة (٥)؛ لأن أول أحوال (٦) الاسم هو الابتداء، وإنما يدخل الناصب والجار والرافع على المبتدأ (٧) فلما كان المبتدأ متقدما في المرتبة، وكان فتح هذِه اللام هو الأول المتقدم من حالتها (٨)، جعل الفتح الذي هو أول مع الابتداء الذي هو أول، ولما كان الكسر فيها إنما هو ثان غير أول، جعل مع الذي هو تبع للابتداء، هذا هو القياس (٩).\n_________\n(١) في (ب): (بينهما).\n(٢) عند أبي الفتح (أي هو هذا) ١/ ٣٢٦.\n(٣) في (ج): (للا لا لتبس).\n(٤) في (ج): (بمعنى).\n(٥) هذا مضمون سؤال أثاره أبو الفتح حيث قال: (وهنا زيادة ما علمتها لأحد من أصحابنا، وهي أن يقال: إذا كان الفرق بين (اللام) الجارة و(لام) الابتداء واجبا لما ذكرته من المعنيين، فلم كسرت الجارة وتركت لام الابتداء بحالها مفتوحة؟. فالجواب عن هذا أن يقال: إن أول أحوال الاسم هو الابتداء ....) الخ ١/ ٣٢٨.\n(٦) في (ب): (الأحوال).\n(٧) في (ب): (الابتداء).\nنص كلام أبي الفتح: (وإنما يدخل الرافع أو الناصب سوى الابتداء والجار على المبتدأ وفي حاشيته: في ب (الناصب والرافع)، \"سر صناعة الإعراب\" ١/ ٣٢٨ تأمل الفرق بينهما.\n(٨) عند أبي الفتح (حاليها) ١/ ٣٢٨.\n(٩) انتهى من \"سر صناعة الإعراب\" ١/ ٣٢٨.","vol":"1","page":484},{"text":"وقوله تعالى ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: (الرب) في اللغة له معنيان (١): أحدهما: أن يكون معناه من الرب بمعنى التربية.\nقال الأصمعي: (رب فلان الصنيعة يَرُبُّها رَبًّا إذا أتمها وأصلحها) قال: ويقال: فلان رَبَّ نِحْيَهُ يَرُبُّه رَبًّا (٢) إذا جعل فيه الرُّبَّ ومتَّنَهُ به، وهي (٣) نِحْيٌ مَرْبُوب (٤) وهذا -أيضًا- عائد إلى معنى التربية والإصلاح. قال الشاعر:\nفَإِنْ كُنْتِ مِنِّي أَوْ تُرِيدِين صُحْبَتِي (٥) ... فَكُونِي لَهُ كَالسَّمْنِ (٦) رُبَّتْ لَهُ الأَدَم (٧)\n_________\n(١) ذكر ابن الأنباري أن الرب ثلاثة أقسام: السيد المطاع، والمالك، والمصلح. \"الزاهر\" ١/ ٥٧٥. ونحوه عند ابن جرير ثم قال: \"وقد يتصرف معنى (الرب) في وجوه غير ذلك، غير أنها تعود إلى بعض هذِه الوجوه الثلاثة ...) \"تفسير الطبري\" ١/ ٦٢، وانظر: \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٢٥/ ب، \"المخصص\" ١٧/ ١٥٤، \"معجم مقاييس اللغة\" (رب) ٢/ ٣٨١، \"الزينة\" ٢/ ٢٧، \"اللسان\" (ربب) ١/ ٤٠٤.\n(٢) (ربا) ساقط من (ب).\n(٣) في \"تهذيب اللغة\" (وهو نحى مربوب).\n(٤) انظر قولي الأصمعي في \"تهذيب اللغة\" (رب) ٢/ ١٣٣٦.\n(٥) في (ب): (تريدن نصيحتي).\n(٦) في (ب)، (ج): (كالشمس).\n(٧) البيت لعمرو بن شأس، كان له ابن يقال له (عرار) من أمة سوداء، وكانت امرأته تؤذيه وتستخف به، فقال قصيدة يخاطبها، ومنها هذا البيت، يقول: إن كنت تريدين مودتي، فأحسني إليه كما تستصلحين وعاء السمن حتى لا يفسد عليك، و(الأَدَم) جمع أَدِيم: الجلد المدبوغ، و(الرُّبُّ): خلاصة التمر بعد طبخه وعصره. ورد البيت في \"شعر عمرو\" ص ٧١، \"الشعر والشعراء\" ص ٢٧٤، \"طبقات الشعراء\" للجمحي ص ٨٠، \"أمالي القالي\" ٢/ ١٨٩، \"اشتقاق أسماء الله\" ص ٣٣، \"الصحاح\" (ربب) ١/ ١٣١، \"اللسان\" (ربب) ٣/ ١٥٥٠.","vol":"1","page":485},{"text":"وتقول: رَبَّ الشيء يَرُبُّه ربوبًا فهو رَبٌّ، مثل: (بَرّ وَطَبّ (١» (٢)، إذا تممه وأصلحه، قال الشاعر:\nيَرُبُّ الذِّي يَأْتِي مِنَ الخَيْرِ أَنَّهُ ... إذَا فَعَلَ المَعْرُوفَ زَادَ وَتَمَّمَا (٣)\nفالمعنى (٤) على هذا أنه يربي الخلق ويغذوهم (٥) بما ينعم عليهم (٦).\nالثاني: أن يكون الرب بمعنى المالك، يقال: رب الشيء إذا ملكه، ورببت (٧) فلانا، أي: كنت فوقه (٨).\nومنه قول صفوان بن أمية (٩): لأن يَرُبَّنِي رجل من قريش أحب إِلي من أن يَرُبَّنِي رجل من هوازن (١٠) يعني: أن يكون ربًا فوقي، وسيدًا يملكني. وكل\n_________\n(١) يقال: (رجل طب) أي: عالم. انظر: \"الصحاح\" (طبب) ١/ ١٧١.\n(٢) ذكر الثعلبي نحوه قال: (تقول العرب: رَبَّ يَرُبُّ رَبَابَةً ورُبُوبًا فهو رَبٌّ مثل بَرٌّ وَطبٌّ) \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٢٥/ ب، وانظر: \"الزاهر\" ١/ ٥٧٦، \"الصحاح\" (ربب) ١/ ١٣٠، \"الوسيط\" للواحدي ١/ ١٧.\n(٣) ورد البيت بدون عزو في \"الزاهر\" ١/ ٥٧٦، \"تهذيب اللغة\" (رب) ٢/ ١٣٣٦، \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٢٥/ ب، \"الوسيط\" للواحدي ١/ ١٧، \"اللسان\" (ربب) ٣/ ١٥٤٧، ورواية البيت في غير الثعلبي (من العرف) بدل (من الخير)، (سئل) بدل (فعل).\n(٤) في (ب): (والمعنى).\n(٥) في (ب): (ويعددهم).\n(٦) انظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ١١٩.\n(٧) في (ب): (بيت).\n(٨) انظر: \"الزينة\" ٢/ ٢٧، \"تهذيب اللغة\" (رب) ٢/ ١٣٣٦، \"اللسان\" (ربب) ٣/ ١٥٤٦.\n(٩) صفوان بن أمية بن خلف الجمحي القرشي، أسلم بعد الفتح، وروى أحاديث وشهد اليرموك، توفي سنة إحدى وأربعين. انظر ترجمته في \"الإصابة\" ٢/ ١٨٧، \"تجريد أسماء الصحابة\" ١/ ٢٦٦، \"سير أعلام النبلاء\" ٢/ ٥٦٢، \"طبقات ابن سعد\" ٥/ ٤٤٩.\n(١٠) ذكره الأزهري في \"التهذيب\"، وفيه: أن صفوان كان يرد بذلك على أبي سفيان. =","vol":"1","page":486},{"text":"من ملك شيئا فهو ربّه (١)، يقال: هو ربّ الدار وربّ الضيعة (٢)، وقال النبي - ﷺ - لرجل (٣): \"أَرَبُّ إِبلٍ أنت أم رَبُّ غنم؟ \" (٤)، وقال النابغة:\nفَإِنْ تَكُ رَبَّ أَذْوَادٍ بِحُزْوى ... أَصَابُوا مِنْ لِقَاحِكَ مَا أَصَابُوا (٥)\nثم (السيد) يسمى ربًّا وإن لم يكن مالكا على الحقيقة (٦)، قال الله تعالى: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [يوسف: ٤٢]. وقال الأعشى (٧):\nوَأَهْلَكْنَ يَوْمًا رَبَّ كِنْدَةَ وابْنَه (٨).\n_________\n= \"التهذيب\" (رب) ٢/ ١٣٣٦، وذكره ابن هشام في \"السيرة\"، وذكر عن ابن إسحاق أنه كان يرد به على (جبلة بن الحنبل) وقال ابن هشام (كلدة بن الحنبل) \"السيرة\" لابن هشام ٤/ ٧٢ - ٧٣.\n(١) في (ب): (رب).\n(٢) انظر: \"تهذيب اللغة\" (رب) ٢/ ١٣٣٦، \" الزينة\" ٢/ ٢٧، \"اشتقاق أسماء الله\" ص ٣٢.\n(٣) (لرجل) ساقط من (أ).\n(٤) أخرجه أحمد في (مسنده) عن أبي الأحوص عن أبيه قال: أتيت النبي - ﷺ - فصعد في النظر وصوَّب وقال: \"أَرَبُّ إبل .... \" الحديث ٤/ ١٣٦، وذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ٢٥/ ب، والرازي في \"الزينة\" ٢/ ٢٩.\n(٥) رواية البيت في \"الديوان\":\nفَإِنْ تَكُنِ الفَوَارِسُ يَوْمَ حِسْي ... أَصَابُوا مِنْ لِقَائِكَ مَا أَصَابُوا\n\"الديوان\" ص ٨٤، ونحو رواية الديوان في \"مجاز القرآن\" ١/ ٣١١، \"الزاهر\" ١/ ٥٧٥، \"الزينة\" ٢/ ٢٧، وبمثل رواية الواحدي ورد في \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٢٥/ ب، ولعله أخذه عنه، و(حُزْوى) بضم الحاء موضع بنجد، انظر: \"معجم البلدان\" ٢/ ٢٥٥.\n(٦) انظر: \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٢٥/ ب، \"مجاز القرآن\" ١/ ٣١١، \"الزينة\" ٢/ ٢٧.\n(٧) تبع الواحدي شيخه الثعلبي فنسب البيت للأعشى، والبيت للبيد كما نسبه الطبري وغيره في \"ديوانه\" كما سيأتي.\n(٨) شطره الثاني: وَرَبَّ مَعَدًّ بَيْنَ خَبْتٍ وَعَرْعَرِ.\n(رب كندة): ملكهم حجر أبو امرئ القيس، و(رب معد): ملكهم حذيفة بن بدر، (خبت): الأصل فيه المطمئن من الأرض ويطلق على عدة أماكن، و(عرعر) اسم =","vol":"1","page":487},{"text":"أي: سيدها.\nوالله تعالى ربُّ كل شيء أي: مالكه، وهو السيد على الحقيقة.\nوقال بعض أهل اللغة: المعنى الثاني راجع إلى الأول الذي هو بمعنى التربية (١) وقيل للمالك: (رب) لأنه يرب مملوكه، ويملك تربيته وتنشئته، والسيد رب لأنه مالك.\nفأما ما يذهب إليه المتكلمون أنه لم يزل ربًّا (٢)، وأن هذا من صفة الذات، وقولهم: إن معناه الثابت الدائم، من قولهم: (ربُّ بالمكان) إذا أقام به (٣). فهذا لا يعرفه أهل اللغة، وليس يصح ربَّ (٤) بمعنى: أقام (٥)، وأربَّ بمعنى: أقام صحيح (٦)، فان أمكن بناء (٧) هذا الاسم من الإرباب صح قولهم.\n_________\n= مكان. انظر البيت في \"شرح ديوان لبيد\" ص ٥٥، \"تفسير الطبري\" ١/ ٦٢، \"الزينة\" ٢/ ٢٧، \"الزاهر\" ١/ ٥٧٦، \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٢٥/ ب.\n(١) انظر: \"معجم مقاييس اللغة\" (رب) ٢/ ٣٨١، ٣٨٢.\n(٢) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ٢٦/ أ.\n(٣) ذكره الثعلبي عن الحسين بن الفضل في \"تفسيره\" ١/ ٢٥/ ب.\n(٤) في (ب): (في رب).\n(٥) بل ورد عند بعض أهل اللغة (رب) بمعنى: أقام، قال ابن دريد في \"الجمهرة\" (... رب بالمكان وأرب به إذا أقام به) ١/ ٢٨، وانظر: \"الاشتقاق\" له ص ٥٣٦، وفي \"اللسان\": رب بالمكان وأرب: لزمه. \"اللسان\" (ربب) ٣/ ١٥٤٨، وذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ٢٥/ ب.\n(٦) انظر: \"تهذيب اللغة\" (رب) ٢/ ١٣٣٩، \"الصحاح\" (ربب) ١/ ١٣٢، \"اللسان\" (ربب) ٣/ ١٥٤٨.\n(٧) في (ب): (بنى).","vol":"1","page":488},{"text":"وقوله تعالى: ﴿الْعَالَمِينَ﴾: هو جمع (عالم) على وزن (فَاعَل) (١)، كما قالوا: خَاتَم (٢)، وطَابَع، ودَانَق (٣)، وقَالَب (٤)، واختلفوا في اشتقاقه على وجهين: فمنهم من قال: اشتقاقه من (العَلَم) و(العلامة)، وذلك أن كل مخلوق دلالة وعلامة على وجود صانعه (٥)، فالعالم اسم عام لجميع المخلوقات، يدل على هذا قول الناس: (العالم محدث) يريدون به جميع المخلوقات، وهذا قول الحسن (٦) ومجاهد وقتادة (٧) في تفسير العالم: إنه جميع المخلوقات. ولدل على هذا القول من التنزيل قوله: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٣) قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ [الشعراء: ٢٣، ٢٤] فسر (٨) العالمين بجميع المخلوقات. ومنهم من قال: إنه مشتق من العِلْم (٩).\n_________\n(١) انظر: \"تهذيب اللغة\" (علم) ٣/ ٢٥٥٤.\n(٢) الخاتم: ما يوضع على الطينة التي على الكتاب، وتكون علامة على أنه لم يفتح، والطابع بمعناه، انظر. \"تهذيب اللغة\" (ختم) ١/ ٩٨٣، و(طبع) ٣/ ٢١٦١.\n(٣) (الدانق) بفتح النون وكسرها: سدس الدرهم، انظر: \"اللسان\" (دنق) ٣/ ١٤٣٣.\n(٤) (القالب) بفتح اللام وكسرها، الشيء الذي يفرغ فيه الجواهر، ليكون مثالا لما يصاغ منها، \"اللسان\" (قلب) ٦/ ٣٧١٥.\n(٥) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ٢٦/ ب، وانظر: \"معجم مقاييس اللغة\" (علم) ٤/ ١١٠.\n(٦) هو أبو سعيد الحسن بن أبي الحسن يسار البصري، مولى الأنصار، ولد لسنتين بقيتا من خلافة عمر، وتوفي سنة عشر ومائة من الهجرة، كان غزير العلم بكتاب الله تعالى. ورعًا زاهدًا فصيحا. انظر ترجمته في \"حلية الأولياء\" ٢/ ١٣١، \"طبقات القراء\" لابن الجزري ١/ ٢٣٥، \"تذكرة الحفاظ\" ١/ ٧١، \"طبقات المفسرين\" للداودي ١/ ١٥٠.\n(٧) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ٢٦/ ب وذكره الطبري عن ابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد وقتادة. \"تفسير الطبري\" ١/ ٦٣، وكذا ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ١/ ٢٧.\n(٨) في (ب): (فيفسر).\n(٩) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ٢٦/ ب.","vol":"1","page":489},{"text":"فالعالمون على هذا هم من يعقل، قال ابن عباس في رواية سعيد بن جبير: هم الجن والإنس (١).\nواختاره أبو الهيثم (٢) والأزهري (٣)، واحتجوا بقوله: ﴿لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١] وإنما بعث محمد نذيرا للجن والإنس (٤). وقال الحسين بن الفضل وأبو معاذ (٥) النحوي: هم بنو آدم (٦)، لقوله: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (١٦٥)﴾ [الشعراء: ١٦٥].\nوقال الفراء (٧) وأبو عبيدة: هو عبارة عما يعقل، وهو أربع أمم:\n_________\n(١) أخرجه الطبري بسنده. قال شاكر: إسناه حسن. \"تفسير الطبري\" ١/ ١٤٤ (ط. شاكر)، وابن أبي حاتم. وقال المحقق: (إسناده ضعيف)، \"تفسير ابن أبي حاتم\" رسالة دكتوراه ١/ ١٥٤، والحاكم في \"المستدرك\"، وقال بعده: ليعلم طالب هذا العلم أن تفسير الصحابي الذي شهد الوحي والتنزيل عند الشيخين حديث مسند. ووافقه الذهبي، \"المستدرك\"، كتاب التفسير تفسير سورة الفاتحة ٢/ ٢٥٨، وانظر: \"الدر المنثور\" ١/ ٣٦.\n(٢) انظر: الثعلبي ١/ ٢٦/ أ.\n(٣) انظر: \"تهذيب اللغة\" (علم) ٣/ ٢٥٥٤.\n(٤) \"التهذيب\" (علم) ٣/ ٢٥٥٤.\n(٥) أبو معاذ النحوي المقرئ اللغوي، له عناية باللغة والقراءات. انظر مقدمة \"تهذيب اللغة\" ١/ ٤٤، \"إنباه الرواة\" ١٧٩.\n(٦) قال الثعلبي في \"تفسيره\" (قال أبو معاذ النحوي: هم بنو آدم .. وقال الحسين بن الفضل: (العالمون): الناس واحتج بقوله تعالى: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٢٦/ أ.\n(٧) أبو زكرياء يحي بن زياد الديلمي الفراء، كان أبرع أهل الكوفة في النحو، له كتب من أشهرها معاني القرآن، توفي سنة سبع ومائتين. انظر ترجمته في \"طبقات النحويين واللغويين\" للزبيدي ص ١٣١، \"تاريخ بغداد\" ١٤/ ١٤٩، \"اللباب\" ٢/ ٤١٤، \"إنباه الرواة\" ٤/ ١.","vol":"1","page":490},{"text":"الملائكة والإنس والجن والشياطين، ولا يقال للبهائم: عالم (١).\nوقد ذكر الله تعالى ﴿الْعَالَمِينَ﴾ وأراد به أهل عصر واحد، وهو قوله لبني إسرائيل: ﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: ٤٧] يعني عالمي زمانهم (٢).\nوهذِه الأقوال صحيحة على أصل من يجعله مشتقًّا من العِلْم، والذين صححوا هذِه الطريقة قالوا في جواب موسى لفرعون: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ (٣): إنه لم يشتغل بتفسير العالمين، وإنما أراد تعريفه على وجه أظهر من الأول (٤)، ليصير الخصم مبهوتًا.\nوأبو إسحاق (٥) اختار الطريقة الأولى، وقال: معنى العالمين: كل ما خلق الله. قال: وقوله: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ كقوله ﴿وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٦٤] (٦).\nوالعالم على كلا (٧) الأصلين: اسم للجمع (٨)، ولا واحد له من لفظه،\n_________\n(١) بنصه في \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٢٦/ ب.\n(٢) انظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ٢٦٤، \"التصاريف\" المنسوب ليحيى بن سلام ص ٢٦٦، \"إصلاح الوجوه والنظائر\" للدامغاني ص ٣٣١.\n(٣) يشير بهذا إلى ما سبق في قوله تعالى: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٣) قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ [الشعراء: ٢٣، ٢٤] حيث استدل بالآيتين من قال: إن العالمين: جميع المخلوقات.\n(٤) هو ما ورد في الآيات قبلها حين توجه موسى إلى فرعون بقوله تعالى: ﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٦].\n(٥) الزجاج.\n(٦) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٨.\n(٧) في (ج): (كل).\n(٨) في (ج): (جمع).","vol":"1","page":491},{"text":"كالأنام والرهط والجيش (١).\nقال أبو إسحاق: وإنما لم يستعمل الواحد من لفظه؛ لأن (العالم) اسم لأشياء مختلفة، فإن جعل لواحد منها اسم من لفظه صار جمعا لأشياء متفقة (٢).\nوهذا النوع من الجمع (٣) يسمى (السالم) لسلامة لفظ الواحد فيه، ويجمع على الواو والياء (٤).\nواختلف النحويون في (الواو والياء والألف) اللواتي تلحق التثنية والجمع (٥)، فمذهب سيبويه فيها أنها حروف إعراب بمنزلة (الدال) من زيد (٦).\nوالدليل على ذلك (٧): أن الذي أوجب للواحد المتمكن نحو: (زيد ورجل) حرف الإعراب، هو (٨) موجود في التثنية والجمع (٩)، وهو التمكن،\n_________\n(١) انظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ٦٢، \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٢٦/ أ.\n(٢) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٨، ذكر كلامه بتصرف.\n(٣) أي: (العالمين) جمع (عالم)، انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٨.\n(٤) انظر: \"معاني القرآن\" للأخفش ١/ ١٦٢، \"شرح ابن عقيل\" ١/ ٦٣.\n(٥) نقل الواحدي في هذا الموضوع عن أبي الفتح ابن جني من \"سر صناعة الإعراب\" بعضه بنصه، وبعضه بمعناه. ٢/ ٦٩٥، ومثل هذا المبحث مكانه كتب النحو لا كتب التفسير.\n(٦) انظر: \"الكتاب\" ١/ ١٧، ١٨.\n(٧) أي ما ذهب إليه سيبويه، انظر: \"سر صناعة الإعراب\" ٢/ ٦٩٦.\n(٨) في (أ)، (ج): (فهو) وما في (ب) موافق لما في \"سر صناعة الإعراب\" ٢/ ٦٩٦.\n(٩) لم يرد في كلام أبي الفتح ذكر للجمع، وإنما الحديث عن المثنى، وأضاف الواحدي كلمة (الجمع) لكلامه في جميع المواضع؛ لأن حكمهما واحد. انظر: \"سر صناعة الإعراب\" ٢/ ٦٩٦.","vol":"1","page":492},{"text":"فكما أن الواحد المعرب المتمكن يحتاج إلى حرف إعراب، فكذلك الاسم المثنى والمجموع إذا كان معربا متمكنا احتاج إلى حرف إعراب، وإذا كان كذلك فقولنا: (الزيدان والزيدون) (١) لا يخلو حرف الإعراب، إما أن يكون ما قبل الألف والواو، أو هما، أو ما بعدهما.\nويفسد أن تكون (الدال) من زيد هي حرف الإعراب في التثنية؛ لأنها قد كانت في الواحد حرف الإعراب، وقد انقلبت عن الواحد الذي هو الأصل إلى التثنية التي هي فرع، كما تقول في (قائمة) لما انقلبت عن المذكر (٢) الذي هو الأصل إلى المؤنث الذي هو الفرع، بطل أن تكون (الميم) التي كانت (٣) في المذكر حرف إعراب أن تكون (٤) في المؤنث حرف إعراب، وصار حرف الإعراب علم التأنيث وهو (الهاء) (٥) فكذلك ينبغي أن يكون علم التثنية والجمع (٦) هو حرف الإعراب (٧). ولا يجوز أن يكون ما بعد الألف والواو حرف إعراب، وهو (النون) لأنها حرف صحيح يتحمل (٨) الحركة، فلو كانت\n_________\n(١) عند أبي الفتح: (الزيدان والعمران، والرجلان والغلامان) ٢/ ٦٩٧، فهي أمثلة على المثنى وليس للجمع ذكر.\n(٢) وهو (قائم)، انظر: \"سر صناعة الإعراب\" ٢/ ٦٩٧.\n(٣) في (ب): (الذي كان).\n(٤) في (ب): (يكون).\n(٥) في كلمة (قائمة)، \"سر صناعة الإعراب\" ٢/ ٦٩٧.\n(٦) (الجمع) زيادة من الواحدي على كلام أبي الفتح، ٢/ ٦٩٧.\n(٧) تكلم أبو الفتح بعد هذا عن المقارنة بين المثنى وجمع التكسير، ولماذا لا تكون (الدال) من (الزيدان) حرف إعراب كما في المفرد؟ مثل (فرس) فالسين حرف إعراب و(أفراس) السين حرف إعراب وهو جمع تكسير. انظر: \"سر صناعة الإعراب\" ٢/ ٦٩٧ - ٦٩٨.\n(٨) في (ب): (محمل).","vol":"1","page":493},{"text":"حرف إعراب لوجب أن تعربه (١) في الرفع والنصب والخفض (٢)، كما تعرب (الدال) من زيد، وكما تقول: هؤلاء غلمان، ورأيت غلمانا، ومررت بغلمان (٣).\nوهذا الذي ذكرنا من مذهب سيبويه، مذهب أبي إسحاق وابن كيسان، وأبي بكر، وأبي علي (٤).\nوإذا ثبت أن هذِه الحروف حروف إعراب (٥) فلا إعراب في لفظها استثقالا للحركات فيها، ولا تقدير إعراب فيها -أيضًا- كما يقدر في الأسماء المقصورة المعربة نية الإعراب، ألا ترى أنك إذا قلت: هذا فتى، ففي الألف تقدير ضمة، وإذا قلت: رأيت فتى، ففي الألف تقدير فتحة، وإذا قلت: مررت بفتى، ففي الألف تقدير كسرة، وهو لا يرى (٦) أنك إذا قلت: هذان الزيدان، أن في الألف تقدير ضمة، ولا إذا قلت: مررت بالزيدين، وضربت\n_________\n(١) في (ب): (تعرفه).\n(٢) قال أبو الفتح: تقول: (قام الزيدان، ورأيت الزيدان، ومررت بالزيدان)، \"سر صناعة الإعراب\" ٢/ ٦٩٩.\n(٣) انظر: \"سر صناعة الإعراب\" ٢/ ٦٩٩ وما بعدها من الصفحات فقد أطال أبو الفتح بن جني الشرح حول هذِه المسألة.\n(٤) انظر: \"سر صناعة الإعراب\" ٢/ ٦٩٥، قال أبو الفتح: (.. وهو قول أبي إسحاق، وابن كيسان، وأبي بكر، وأبي علي ..).\n(٥) قال أبو الفتح: (واعلم أن سيبويه يرى أن (الألف) في التثنية كما أنه ليس في لفظها إعراب، فكذلك لا تقدير إعراب فيها كما يقدر في الأسماء المقصورة المعربة نية الإعراب، ألا ترى أنك .. الخ) \"سر صناعة الإعراب\" ٢/ ٧٠٦.\n(٦) في (ب): (لا ترى). والمراد (سيبويه) كما هو في النص السابق الذي نقلناه عن أبي الفتح ٢/ ٧٠٦.","vol":"1","page":494},{"text":"الزيدين، ففي الياء تقدير كسرة ولا فتحة (١).\nقال أبو علي: (٢) يدلك على أنه ليس في حرف الإعراب من التثنية والجمع تقدير حركة في المعنى، صحة (الياء) في الجر والنصب في قولك: (مررت برجلين) و(ضربت رجلين)، ولو كان في (الياء) منهما (٣) تقدير حركة، لوجب أن تقلب ألفا كرحى وفتى، ألا ترى أن (الياء) إذا انفتح ما قبلها وكانت في تقدير حركة وجب أن تقلب ألفا (٤).\nوهذا استدلال من أبي علي في نهاية الحسن، وصحة المذهب وسداد الطريقة (٥). ودخلت النون فيهما عوضا من الحركة والتنوين، وذلك أن من شرط التثنية، والجمع -الذي على حد التثنية- أن يكون (٦) له علامة مزيدة على لفظ الواحد، والواحد فيه حركة وتنوين، فكان حق العلامة أن تدخل على لفظ الواحد، ثم تلحقها الحركة والتنوين، فلما وجب أن يدخل التنوين\n_________\n(١) في \"سر صناعة الإعراب\" (أن في الياء ..) وفي حاشيته: في (ش): (ففي) ويظهر أن الواحدي أخذ عن هذِه النسخة، والصحيح ما أثبت في أصل \"سر صناعة الإعراب\" ٢/ ٧٠٦.\n(٢) عند أبي الفتح: (قال أبو علي: ويدل على صحة ما قال سيبويه من أنه ليس في حرف الإعراب من التثنية تقدير حركة في المعنى -كما أن ذلك ليس موجودا في اللفظ- صحة (الياء) في الجر والنصب ...) فلم يرد في كلامه لفظ الجمع، انظر: \"سر صناعة الإعراب\" ٢/ ٧٠٦.\n(٣) في (ب): (منها).\n(٤) لم أجده فيما اطلعت عليه من كتب أبي علي الفارسي، ولعل أبا الفتح أخذه من أبي علي مشافهة حيث قال: (وهذا أيضًا من لطيف ما حصلته عنه فافهمه). \"سر صناعة الإعراب\" ٢/ ٧٠٧.\n(٥) بنصه من \"سر صناعة الإعراب\" ٢/ ٧٠٦.\n(٦) في (ب): (تكون).","vol":"1","page":495},{"text":"والحركة في التثنية والجمع، ثم عرض ما يمنع من دخولهما، وجب أن يعوض (١) منهما، وقد بينا أن الحركة إنما أسقطت استثقالا، والتنوين وجب إسقاطه لأنه ساكن، وهذِه الحروف سواكن ولم يمكن إسقاط هذِه الحروف لأنها علامات، ولا تحريكها للثقل، ولا تحريك التنوين؛ لأنه يخرج عن حكم العلامة ويصير نونا لازمة، فلم يبق إلا إسقاطه، فلما دخلت النون دخلت ساكنة؛ لأنه لا حظ لها من الإعراب فاجتمع ساكنان، فحركت نون التثنية بالكسرة ونون الجمع بالفتحة فرقا بينهما (٢). وكانت نون التثنية أولى بالكسرة لأن قبلها (ألفا) وهي خفيفة والكسرة ثقيلة (٣)، فاعتدلا، وقبل نون الجمع (واو (٤» وهي ثقيلة ففتحوا النون ليعتدل الأمر.\nفإن قلت: إنك تكسر النون مع (الياء) في النصب والجر، فهلا هربت إلى الفتحة لمكان (الياء) كما هربت إلى الفتحة لمكانها في (أين وكيف)؟. والجواب: أن (الياء) في التثنية ليست بلازمة كلزومها في (أين) لأن الأصل هو الرفع، والنصب والجر فرعان عليه، فأجروا الباب على حكم الرفع الذي هو الأصل (٥)، وصارت النون أولى بالزيادة من بين سائر الحروف، لشبهها بحروف المد. وسترى وجه الشبه بينهما فيما يمر بك من الكتاب إن شاء الله.\n_________\n(١) في (ج): (يعرض).\n(٢) أخذه بمعناه من \"سر صناعة الإعراب\" ٢/ ٤٤٨ - ٤٤٩.\n(٣) في (ب): (ثقيلا).\n(٤) عند أبي الفتح: (وقبل نون الجمع (واو) أو (ياء» ٢/ ٤٨٨.\n(٥) انتهى ما نقله عن أبي الفتح ابن جني من كتاب \"سر صناعة الإعراب\" ملخصا قال أبو الفتح (فهذِه حال نون التثنية والجمع الذي على حد التثنية ولم يتقص أحد من أصحابنا القول عليها هذا التقصي، ولا علمته أشبعه هذا الإشباع) ٢/ ٤٨٧ - ٤٨٩.","vol":"1","page":496},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-219>٤ </span>- قوله تعالى: ﴿مَالِكِ (١) يَوْمِ الدِّينِ﴾. المالك في اللغة: (الفاعل) من الملك، يقال: ملك فلان الشيء يملِكُه مُلكا ومِلكا ومَلْكا ومَلَكة (٢) ومَمْلَكة ومَمْلَكة (٣)، ويقال: إنه لحسن الملْكَة (٤) والمِلْك. وأصل المُلك والمِلك راجع إلى معنى واحد، وهو الربط والشد، فمالك الشيء من ربطه لنفسه وملكه ما يختص به، وشد بعقد يخرج به عن أن يكون مباحا لغيره، وملك القوم من غلبهم وربط أمرهم (٥).\nومن هذا يقال: ملكت العجين أي شددت عجنه، وقول أوس بن حجر (٦):\nفملك بالليط الذي تحت قشرها ... كغِرْقيء بَيضٍ كنه القَيضُ من عَلِ (٧)\n_________\n(١) في (ج): (ملك).\n(٢) في (ب): (وملكا).\n(٣) ذكره الأزهري عن اللحياني: \"التهذيب\" (ملك) ٤/ ٣٤٤٩، وانظر: \"المحكم\" (ملك) ٧/ ٤٥.\n(٤) (المَلكة) بفتح الميم كذا ضبط في \"التهذيب\"، وفي حاشيته: وضبط في (ل) بكسر وتسكين اللام. \"التهذيب\" (ملك) ٤/ ٣٤٤٩، وفي \"المحكم\" بالكسر ٧/ ٤٥.\n(٥) انظر: \"الحجة\" لأبي علي الفارسي ١/ ١٣، ١٧، \"المخصص\" لابن سيده ١٧/ ١٥٧، \"تفسير أسماء الله\" للزجاج ص ٣٠، \"اشتقاق أسماء لله\" للزجاجي ص ٤٣، ٤٤.\n(٦) أوس بن حجر من شعراء الجاهلية وفحولها، وأحد شعراء تميم، انظر ترجمته في \"الشعر والشعراء\" ص ١١٤، \"الخزانة\" ٤/ ٣٧٩، \"معاهد التنصيص\" ١/ ١٣٢.\n(٧) قوله (ملك): شدد، و(الليط): القشر، و(القيض): القشر الغليظ فوق البيضة، و(الغرقىء): القشر الرقيق للبيضة، وهو يصف قوسا يقول: إنه قواه وذلك حين قشره فترك القشر الرقيق ليقويه به. ورد البيت في \"ديوان أوس\" ص ٩٧، \"الحجة\" للفارسي ١/ ١٧، \"تهذيب اللغة\" (ملك) ٤/ ٣٤٥٠، \" الخصائص\" ٢/ ٣٦٣، ٣/ ١٧٢، \"اشتقاق أسماء الله\" ص ٤٦، \"الصحاح\" (ملك) ٤/ ١٦١٠، \"المحكم\" (ملك) ٧/ ٤٦، \"اللسان\" (ملك) ٧/ ٤٢٦٨، \"الخزانة\" ٢/ ٣٩٦.","vol":"1","page":497},{"text":"ملك: شدد. وقول قيس بن الخطيم (١):\nملكت بها كفي فأنهرت فتقها (٢)\nأي: شددت بالطعنة كفي (٣).\nويقال: ما تمالك فلان أن فعل كذا، أي لم يستطع أن يضبط نفسه (٤). وقال (٥):\nفلا تمالك (٦) عن أرض لها عمدوا (٧)\nوملاك (٨) الأمر: ما يضبط به الأمر، يقال: القلب (٩) ملاك الجسد (١٠).\n_________\n(١) هو قيس بن الخطيم بن عدي بن الخزرج، شاعر فارس، لقي النبي - ﷺ - ومات كافرا، ترجمته في \"طبقات فحول الشعراء\" ٩١/ ٩٢، \"الإصابة\" ٣/ ٢٨١، \"الخزانة\" ٧/ ٣٤.\n(٢) من قصيدة لقيس قالها حين أصاب بثأره من قاتلي أبيه وجده، والشطر الثاني:\nيرى قائم من خلفها ما وراءها\nيقول: شددت بهذِه الطعنة كفى ووسعت خرقها، حتى يرى القائم من دونها الشيء وراءها. انظر: \"ديوان قيس\" ص ٨، \"تهذيب اللغة\" (ملك) ٤/ ٣٤٥٠، \"الصحاح\" ٤/ ١٦٠٩، \"المحكم\" ٧/ ٤٦، \"تاج العروس\" ١٣/ ٦٥٣، \"اللسان\" ٧/ ٤٢٦٨، (المعاني الكبير) ٢/ ٩٧٨، ٩٨٣، \"الحجة\" للفارسي ١/ ١٣، ١٧، \"الخزانة\" ٧/ ٣٥.\n(٣) في (ب): (لفى).\n(٤) \"تهذيب اللغة\" (ملك) ٤/ ٣٤٥٠، \"اللسان\" (ملك) ٧/ ٤٢٦٨.\n(٥) في (ج): (ويقال).\n(٦) (تمالُك) بضم اللام في \"تهذيب اللغة\" وفي الحاشية: (جـ)، (ل) بفتح اللام، \"تهذيب اللغة\" ١٠/ ٢٧١، وبالفتح في \"اللسان\" ١٠/ ٤٩٤.\n(٧) ورد في \"التهذيب\" (ملك) ١٠/ ٢٧١، غير منسوب، وكذا في \"اللسان\" (ملك) ١٠/ ٤٩٤.\n(٨) في (ب): (ملال).\n(٩) في (ج): (الا القلب).\n(١٠) في (ج): (الجساد). ذكر الأزهري عن الليث نحوه. \"التهذيب\" (ملك) ٤/ ٢٤٥٠، وانظر: \"المحكم\" ٧/ ٤٦، \"اللسان\" (ملك) ٧/ ٤٢٦٨.","vol":"1","page":498},{"text":"وأبو مالك: كنية الكبر والسن، كني به لأنه يغلب الإنسان ويشده عما يريد، فلا ينبسط انبساط الشاب (١). قال:\nأبا مالك إن الغواني هجرنني ... أبا مالك إني أظنك دائبا (٢)\nويقال للرجل إذا تزوج: ملك فلان، يملك ملكا؛ لأنه شد عقد النكاح. وأملك إملاكا إذا زوج (٣).\nوفي هذا الحرف قراءتان (مالك) و(ملك) (٤). فمن قرأ (ملك) قال: الملك أشمل وأتم؛ لأنه قد (٥) يكون مالك (٦) ولا ملك له، ولا يكون مَلِك إلى وله مُلك، ولأنه لا يقال: مالك على الإطلاق، حتى يضاف إلى شيء، ويقال: ملك على الإطلاق (٧).\nواحتج محمد بن جرير (٨) لهذِه القراءة فقال: إن الله نبه على أنه مالكهم بقوله: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ فحمل قوله ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ على وصف زائد\n_________\n(١) نحوه في \"التهذيب\" عن ابن الأعرابي ٤/ ٣٤٥١، وانظر: \"اللسان\" (ملك) ٧/ ٤٢٦٩.\n(٢) أورده الأزهري بدون نسبه في \"التهذيب\" (ملك) ٤/ ٣٤٥١ و(أبا) ١/ ١٠٤، \"اللسان\" (ملك) ٧/ ٤٢٦٩، وكذا الزمخشري في \"أساس البلاغة\" (ملك) ٢/ ٤٠١.\n(٣) \"التهذيب\" (ملك) ٤/ ٣٤٤٩، وانظر: \"اللسان\" (ملك) ٧/ ٤٢٦٨.\n(٤) قراءة عاصم والكسائي (مالك) وبقية السبعة (ملك)، انظر: \"السبعة\" لابن مجاهد ص ١٠٤، \"الحجة\" للفارسي ١/ ٧، \"حجة القراءات\" لابن زنجلة ص ٧٧، \"الكشف\" لمكي ١/ ٢٥.\n(٥) (قد) غير واضحة في (أ)، وفي (ب): (لا يكون).\n(٦) في (ج): (مالكا) وعليه تعتبر (يكون) ناقصة.\n(٧) انظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ٦٥، \"الحجة\" لأبي علي الفارسي ١/ ٩، \"حجة القراءات\" لابن زنجلة ص ٧٧ - ٧٩، \"الكشف\" ١/ ٢٦.\n(٨) هو الإمام المفسر محمد بن جرير الطبري، سبقت ترجمته في الدراسة.","vol":"1","page":499},{"text":"أحسن (١).\nوقال محمد بن السري: الملك (٢) الذي يملك الكثير من الأشياء، ويشارك غيره من الناس بالحكم عليه في ملكه (٣)، وأنه لا يتصرف فيه إلا بما يطلقه له الملك ومع ذلك أن الملك يملك على الناس أمورهم، فلا يستحق اسم الملك حتى يجتمع له ملك هذا كله، فكل ملك مالك، وليس كل مالك ملكا.\nويقوي هذِه القراءة من التنزيل قوله ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ﴾ (٤)، وقوله ﴿الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ﴾ [الحشر: ٢٣]، و﴿مَلِكِ النَّاسِ﴾ [الناس: ٢]، و﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ [غافر: ١٦]، ولم يقل: (لمن المِلْك) (٥).\nوأكثر أهل اللغة اختاروا (مالك) أبو عبيدة، وأبو حاتم (٦)،\n_________\n(١) انظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ١٥٠، نقل كلامه بمعناه، وابن جرير يرجح قراءة (ملك).\n(٢) كلام ابن السري ورد في \"الحجة\" لأبي علي الفارسي ضمن كلام طويل له في ترجيح قراءة (ملك) حيث قال الفارسي: (قال أبو بكر محمد بن السري الاختيار عندي (ملك يوم الدين) والحجة في ذلك .. فالملك الذي يملك الكثير من الأشياء .. الخ)، \"الحجة\" ١/ ١٣، ١٤.\n(٣) في \"الحجة\" (.. ويشارك غيره من الناس، بأنه يشاركه في ملكه بالحكم عليه فيه ...).\n(٤) طه: ١١٤، والمؤمنون: ١١٦.\n(٥) قال أبو حاتم أحمد بن حمدان الرازي: كان أبو عبيد يختار (ملك يوم الدين) على (مالك) وذلك أن الله ﷿ قال: ﴿لمن الملك﴾ ولم يقل: (لمن المِلك). وذلك أن الملك مصدر الملك، والملك مصدر المالك. وخطأه أبو حاتم السجستاني في ذلك، فقال: أظنه احتج على نفسه ولم يشعر، لأن معنى (لمن الملك) يعني من يملك الملك ...) كتاب \"الزينة\" ٢/ ١٠٠، وانظر: \"الكشف\" لمكي ١/ ٢٦، \"حجة القراءات\" لابن زنجلة ص ٧٨.\n(٦) أبو حاتم هو: سهل بن محمد الجشمي السجستاني. نزيل البصرة وعالمها، من أئمة =","vol":"1","page":500},{"text":"والأصمعي، والأخفش، وأبو العباس (١)، وقالوا: إنه أجمع وأوسع، لأنه يقال: مالك الطير والدواب والوحوش وكل شيء، ولا يقال: ملك كل شيء، إنما يقال: ملك الناس (٢)، قالوا: ولا يكون مالك الشيء إلا وهو يملكه، وقد يكون ملك الشيء وهو لا يملكه كقولهم: (ملك العرب والعجم)، ولأنه يجمع الفعل والاسم (٣)، ولأن معنى الآية أنه يملك الحكم يوم الدين بين خلقه دون غيره، فالوصف يكون مالكا (٤).\nواحتج أبو العباس لهذِه القراءة فقال: (مالك يوم الدين) معناه يملك إقامة يوم الدين، على معنى يملك أن يأتي به، وإذا كان المعنى على هذا فالوجه (مالك) لا (ملك) (٥).\nومما يقوي هذِه القراءة من التنزيل قوله ﴿وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الانفطار: ١٩] فقولك: الأمر له، وهو مالك الأمر بمعنى، ألا ترى أن لام الجر\n_________\n= اللغة والشعر، والنحو إلى أنه لم يكن فيه حاذقًا، تلقى على أبي زيد، وأبي عبيدة والأصمعي، توفي سنة (٢٥٥ هـ).\nانظر: \"تهذيب اللغة\" ١/ ٤٣، \"أخبار النحويين\" للسيرافي ١٠٢، \"إنباه الرواة\" ٢/ ٥٨.\n(١) انظر: \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٢٨/ أ، \"الزينة\" ١/ ١٠٠، ١٠١، \"معاني القرآن\" للأخفش ١/ ١٦٠، \"التهذيب\" (ملك) ٤/ ٣٤٤٩.\n(٢) فـ (مالك) أعم وأشمل. انظر: \"حجة القراءات\" لابن زنجلة ص ٧٩، \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٢٨/ أ.\n(٣) ذلك أن (مالكا) يجمع لفظ الاسم ومعنى الفعل فلذلك يعمل (فاعل) فينصب كما ينصب الفعل. انظر: \"الكشف\" لمكي ١/ ٢٦.\n(٤) انظر: \"الحجة\" لأبي علي الفارسي ١/ ١٢، ١٥، ١٦، \"الكشف\" ١/ ٢٥، ٢٦.\n(٥) ذكر الأزهري نحوه عن المنذري عن أبي العباس. \"التهذيب\" (ملك) ٤/ ٣٤٤٩، وانظر: \"الحجة\" ١/ ١٥.","vol":"1","page":501},{"text":"معناها (١) الملك (٢).\nومن نصر هذِه القراءة أجاب (٣) ابن جرير بأن قال: ما ذكرت لا يرجح قراءة ملك؛ لأن في التنزيل أشياء على هذِه الصورة قد تقدمها العام وذكر بعده الخاص، كقوله ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢)﴾ [العلق: ١ - ٢].\nوقوله: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة: ٣]، ثم قال: ﴿وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ [البقرة: ٤]. في أمثال كثيرة لهذا (٤).\nفمن قرأ ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ فقد أضاف اسم الفاعل إلى الظرف وحذف المفعول من الكلام للدلالة (٥) عليه، تقديره: مالك يوم الدين الأحكام، لأن القديم سبحانه ينفرد في ذلك اليوم بالحكم. فأما الدنيا فإنه يحكم فيها -أيضًا- الولاة والقضاة (٦).\n_________\n(١) في (ب): (معناه).\n(٢) بنصه في \"الحجة\" ١/ ١٩.\n(٣) أي من نصر قراءة (مالك) أجاب على دعوى ابن جرير السابقة -وهي قوله: (إن الله نبه على أنه مالكهم بقوله: ﴿رب العالمين﴾ فحمل قوله: ﴿ملك يوم الدين﴾ على وصف زائد أحسن). والكلام في \"الحجة\" ليس فيه ذكر لابن جرير حيث قال: (قال أبو علي: وأما ما حكاه أبو بكر ابن السري عن بعض من اختار القراءة بملك .. فإنه لا يرجع قراءة ملك على مالك، لأن في التنزيل أشياء على هذِه الصورة ..) ١/ ١٨.\n(٤) انظر: \"الحجة\" لأبي علي ١/ ١٨، ١٩.\n(٥) في (ب). (الدلالة).\n(٦) في \"الحجة\" لأبي علي: (فإنه قد حذف المفعول به من الكلام للدلالة عليه، وإن هذا المحذوف قد جاء مثبتا في قوله ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا﴾ [الانفطار:١٩] فتقديره: (مالك يوم الدين الأحكام). وحسن هذا الاختصاص لتفرد القديم سبحانه في ذلك اليوم بالحكم ..)، \"الحجة\" ١/ ٣٤.","vol":"1","page":502},{"text":"وعلى ما ذكره أبو العباس، الآية تكون من باب حذف المضاف (١)، وإقامة المضاف إليه مقامه، وهو كثير في الكلام، وسترى منه مالا يحصى كثرة.\nوأما إعراب ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ فالجر في القراءتين (٢). وهو صفة الاسم، مجرور (٣)، والصفات تجري على موصوفاتها إذا لم تقطع عنها (٤) بمدح أو ذم. وأما العامل فيها، فزعم الأخفش أبو الحسن أن الوصف يجري على ما قبله، وليس معه لفظ يعمل فيه (٥)، إنما يعمل فيه كونه نعتا (٦)، وذلك الذي يرفعه وينصبه ويجره، كما أن المبتدأ (٧) إنما يرفعه الابتداء (٨)، وإنما الابتداء معنى عمل (٩) فيه، وليس لفظا، فكذلك هذا (١٠).\nوقوله تعالى: ﴿الدِّينِ﴾ قال الضحاك (١١) وقتادة: (الدين) الجزاء، يعني\n_________\n(١) يعني بقوله فيما سبق (يملك إقامة يوم الدين ...) فحذف المضاف وهو (إقامة) وأقام المضاف إليه وهو (يوم الدين) مقامة. انظر: \"تهذيب اللغة\" (ملك) ٤/ ٣٤٤٩، ورد ابن جرير هذا القول، انظر: \"تفسيره\" ١/ ٦٧.\n(٢) \"الحجة\" لأبي علي ١/ ٤٠.\n(٣) وهو لفظ الجلالة في قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.\n(٤) في \"الحجة\": (والصفات تجري على موصوفيها إذا لم تقطع عنهم لذم أو مدح ...)، \"الحجة\" ١٠/ ٤٠.\n(٥) انظر: \"معاني القرآن\" للأخفش ١/ ١٦٠.\n(٦) في \"الحجة\": (وليس معه لفظ عمل فيه، إنما فيه أنه نعت ..)، ١/ ٤٠.\n(٧) في (ب): (المبتدى).\n(٨) في \"الحجة\" لأبي علي: (كما أن المبتدأ إنما رفعه الابتداء ..) ١/ ٤٠.\n(٩) (عمل) ساقط من (ب).\n(١٠) انتهى من \"الحجة\"، ١/ ٤٠.\n(١١) هو الضحاك بن مزاحم الهلالي، أبو محمد، من أوعية العلم، وكان مفسرا حدث عن =","vol":"1","page":503},{"text":"يوم يدين الله العباد بأعمالهم (١). تقول العرب: دنته بما فعل أي جازيته (٢). ومنه قوله: ﴿أَإِنَّا لَمَدِينُونَ﴾ (٣) [الصافات: ٥٣] أي مجزيون. وقال:\nواعلم وأيقن أن ملكك زائل ... واعلم بأن كما تدين تدان (٤)\nأي تجزى بما تفعل. ويقوي هذا التفسير قوله ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ﴾ [غافر: ١٧].\nوقوله: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية: ٢٨]. وقال ابن عباس، والسدي، ومقاتل (٥)، في معنى قوله ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾: قاضي يوم الحساب (٦)،\n_________\n= عدد من الصحابة، قال بعضهم: لم يلق ابن عباس، في وفاته أقوال قيل: (١٠٢ هـ) وقيل (١٠٥ هـ)، وقيل: (١٠٦ هـ). انظر ترجمته في \"طبقات ابن سعد\" ٦/ ٣٠٠، \"طبقات خليفة\" ص ٥٦٨، ٣٢٢، \"سير أعلام النبلاء\" ٤/ ٥٩٨.\n(١) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ٢٨/ ب، وأخرجه الطبري في \"تفسيره\" عن قتادة، وأخرج نحوه عن ابن عباس وابن جريج ١/ ٦٨، وقول قتادة ذكره السيوطي في \"الدر\" وعزاه لعبد الرزاق وعبد بن حميد. \"الدر\" ١/ ٣٩.\n(٢) انظر: \"تفسير غريب القرآن\" لابن قتيبة ص ٣٨.\n(٣) وقد وردت الآية في جميع النسخ ﴿إنا لمدينون﴾ وكذا عند الثعلبي في \"تفسير\" ١/ ٢٨/ ب.\n(٤) نسبه بعضهم إلى يزيد بن الصعق الكلابي، وبعضهم: إلى خويلد بن نوفل الكلابي، وقال في (الخزانة): قال بعض الكلابين، والبيت مع بيتين قبله، قالهما يخاطب الحارث بن أبي شمر الغساني حين اغتصب ابنته. ورد البيت في \"تفسير الطبري\" ١/ ٦٨، \"الكامل\" ١/ ٣٢٨، \"المخصص\" ١٧/ ١٥٥، \"اللسان\" (دين) ٣/ ١٤٦٨، \"التاج\" ١٨/ ٢١٥، \"الخزانة\" ١٠/ ٩١.\n(٥) (مقاتل) ساقط من ب.\n(٦) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ٢٨/ ب، وقد أخرج الطبري عن ابن عباس: يوم الدين: يوم حساب الخلائق. \"تفسير الطبري\" ١/ ٦٨، وكذا أخرجه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" =","vol":"1","page":504},{"text":"واختار أبو عبيد هذا القول (١). ومن الدين بمعنى الحساب قوله: ﴿ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ [التوبة: ٣٦] أي: ذلك الحساب (٢) الصحيح، والعدد المستوي (٣).\n\nوقيل في قوله: \"الكيس من دان نفسه (٤) \": أي حاسبها. وخص هذا اليوم بأنه مالكه، تعظيما لشأنه وتهويلا لأمره، كقوله: ﴿إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ (١١)﴾ [العاديات: ١١] وهو خبير سائر الأيام. وللدين معان كثيرة في اللغة <span data-type=\"title\" id=toc-220>(٥)</span>، وكل موضع انتهينا إليه من القرآن ذكرنا ما فيه.\n٥ - قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ (٦). اختلفت (٧) مذاهب النحويين في هذا الحرف، وأنا ذاكر لك هنا منها ما يحتمله هذا الكتاب (٨). ذهب الخليل\n_________\n= ١/ ١٥٧ (رسالة دكتوراه)، وانظر: \"تأويل مشكل القرآن\" لابن قتيبة ص ٤٥٣، \"نزهة الأعين النواظر\" لابن الجوزي ص ٢٩٥.\n(١) انظر: \"غريب الحديث\" لأبي عبيد ١/ ٤٣٩.\n(٢) انظر: \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٢٨/ ب، وفسر الطبري (الدين) في آية التوبة ويوسف بأنه الدين القويم المستقيم الذي لا اعوجاج فيه، وفي آية الروم فسره: بالمستقيم، ثم قال: وقد وجه بعضهم معنى الدين في هذا الموضع إلى الحساب، (تفسير الطبري) ١٠/ ١٢٦، ١٢/ ٢٢٠، ٢٠/ ٤٢، انظر: \"تأويل مشكل القرآن\" ص ٤٥٤.\n(٣) \"تهذيب اللغة\" (دان) ٢/ ١١٣٦.\n(٤) الحديث أخرجه الترمذي عن شداد بن أوس، وقال: حديث حسن. الترمذي (٢٤٥٩)، أبواب صفة القيامة، وابن ماجه (٤٢٦٠) كتاب: الزهد، باب: ذكر الموت، والإمام أحمد في \"مسنده\" ٤/ ١٢٢، وهو بنصه في \"تهذيب اللغة\" (دان) ٢/ ١١٣٦.\n(٥) انظر: \"تهذيب اللغة\" (دان) ٢/ ١١٣٦، \"معجم مقاييس اللغة\" (دين) ٢/ ٣١٩، \"إصلاح الوجوه والنواظر\" للدامغاني ص ١٧٨، \"نزهة الأعين النوظر في علم الوجوه والنظائر\" ص ٢٩٥.\n(٦) في (ج): (نحبد) تصحيف.\n(٧) في (ب): (اختلف).\n(٨) ما ذكره الواحدي عن (إياك) نقله عن أبي الفتح ابن جني من كتاب \"سر صناعة الإعراب\" =","vol":"1","page":505},{"text":"إلى أن (إيا) اسم مضمر، مضاف إلى (الكاف) وهذا -أيضًا- مذهب أبي عثمان (١). وحكى أبو بكر (٢) عن أبي العباس (٣) عن أبي الحسن (٤) أنه اسم مفرد مضمر يتغير آخره كما تتغير (٥) أواخر المضمرات، لاختلاف أعداد المضمرين، وأن الكاف في (إياك) كالكاف التي في (ذلك) في أنه دلالة على الخطاب فقط، مجردة من كونها علامة للضمير، ولا يجيز أبو الحسن فيما يحكى عنه: (إياك وإيا زيد) و(إياي وإيا الباطل) (٦).\nوقال سيبويه: حدثني من لا أتهم عن الخليل أنه سمع أعرابيا يقول: إذا\n_________\n= مع تصرف يسير في العبارة، وأبو الفتح اعتمد على أبي علي الفارسي، وصرح بنقله عنه، وكلام الفارسي موجود في \"الإغفال\" قال أبو الفتح: (وهذِه مسألة لطيفة عنت لنا في أثناء هذا الفصل، نحن نشرحها ونذكر خلاف العلماء فيها، ونخبر بالصواب عندنا من أمرها إن شاء الله وهي قوله عز اسمه ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ وما كان مثله. أخبرني أبو علي، عن أبي بكر محمد بن السري، عن أبي العباس محمد بن يزيد: أن الخليل يذهب إلى أن (إيا) اسم مضمر مضاف إلى الكاف ...)، \"سر صناعة الإعراب\" ١/ ٣١٢، وانظر: \"الإغفال\" ص ٥٢ (رسالة ماجستير).\n(١) هو أبو عثمان بكر بن محمد المازني الشيباني، النحوي المشهور، أستاذ أبى العباس المبرد، اختلف في سنة وفاته فقيل: (٢٣٦ هـ)، وقيل: (٢٤٨ هـ)، وقيل: غير ذلك. انظر ترجمته في \"طبقات النحويين واللغويين\" ص ٨٧، \"تاريخ بغداد\" ٧/ ٩٣، \"إنباه الرواة\" ١/ ٢٤٦، \"معجم الأدباء\" ٢/ ٣٤٥، \"نزهة الألباء\" ص ١٤٠.\n(٢) هو محمد بن السري كما في \"سر صناعة الإعراب\" ١/ ٣١٢.\n(٣) المبرد، \"سر صناعة الإعراب\" ١/ ٣١٢.\n(٤) في (ب): (الخير).\n(٥) في (ب): (يتغير).\n(٦) في (ج): (الباصل).","vol":"1","page":506},{"text":"بلغ الرجل ستين فإياه وإيا الشواب (١).\nوحكى ابن كيسان عن بعض النحويين أنه قال: (إياك) بكمالها: اسم. قال: وقال بعضهم: (الياء والكاف والهاء) هي الأسماء، و(إيا) عماد لها؛ لأنها لا تقوم بأنفسها (٢).\nوقال أبو إسحاق: (الكاف) في (إياك) في موضع جر بإضافة (٣) (إيا) إليها، إلى أنه ظاهر يضاف إلى سائر المضمرات. (٤) وليس يصح من هذِه الأقوال إلا قول أبي الحسن (٥).\nأما قول الخليل: إن (إيا) اسم مضمر مضاف فظاهر الفساد؛ وذلك أنه إذا ثبت أنه مضمر فلا سبيل إلى إضافة؛ لأن الغرض في الإضافة التعريف والتخصيص، والمضمر على نهاية الاختصاص فلا حاجة به إلى الإضافة، فهذا يفسد قول الخليل والمازني جميعا (٦).\n_________\n(١) \"سر صناعة الإعراب\" ١/ ٣١٣.\nوانظر قول سيبويه في \"الكتاب\" ١/ ٢٧٩ (تحقيق عبد السلام هارون)، وانظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ١١، \"اللسان\" (إيا) ١/ ١٨٧.\n(٢) انظر بقية كلام ابن كيسان في \"سر صناعة الإعراب\" ١/ ٣١٣.\n(٣) في (ب): (اضافة).\n(٤) \"سر صناعة الإعراب\" ١/ ٣١٣، وانظر نص قول الزجاج في \"معاني القرآن\" ١/ ١٠، ١١. قال الزجاج: (.. و(أيا) اسم للمضمر المنصوب إلى أنه يضاف إلى سائر المضمرات ..).\n(٥) قال أبو الفتح: (وتأملنا هذِه الأقوال على اختلافها والاعتدال لكل قول منها، فلم نجد فيها ما يصح مع الفحص والتنقيب غير قول أبي الحسن الأخفش ..)، \"سر صناعة الإعراب\" ١/ ٣١٤.\n(٦) \"سر صناعة الإعراب\" ١/ ٣١٥.","vol":"1","page":507},{"text":"وحكاية سيبويه في إضافة (١) (إيا (٢» ليس سبيل مثله -مع قلته- أن يعترض به على السماع والقياس جميعا، ألا ترى أنه لم يسمع منهم: (إياك وإيا الباطل).\nوأما قول من قال: (إياك) بكماله اسم، فليس (٣) بقوي، وذلك أن (إياك) في أن فتحة الكاف تفيد خطاب المذكر، وكسرتها تفيد خطاب المؤنث، بمنزلة (أنت) في أن الاسم هو الهمزة والنون، والتاء (٤) المفتوحة تفيد خطاب المذكر، والمكسورة خطاب (٥) المؤنث، فكما أن ما قبل التاء في (أنت) هو الاسم، والتاء حرف خطاب، كذلك (إيا) هو الاسم، والكاف حرف خطاب (٦).\nوأما من قال: إن (الكاف والهاء والياء) (٧) هي الأسماء و(إيا) عماد لها لقلتها، فغير مرضي أيضا وذلك أن (إيا) في أنه (٨) ضمير منفصل بمنزلة (أنت وأنا ونحن، وهو وهي) في أن هذِه مضمرات منفصلة، كما أن (أنا وأنت) ونحوهما مخالف للفظ المرفوع المتصل نحو (التاء) في قمت، و(النون) في\n_________\n(١) عند أبي الفتح: (فأما ما حكاه سيبويه عنه (أي عن الخليل) من قولهم: فإياه وإيا الشواب، فليس سبيل مثله -مع قلته- أن يعترض به على السماع ... الخ)، \"سر صناعة الإعراب\" ١/ ٣١٥.\n(٢) في (ب): (إيا إليها) زيادة (إليها).\n(٣) في (ب): (فليست).\n(٤) في (ب): (الياء) تصحيف.\n(٥) عند أبي الفتح: (تفيد خطاب ..)، \"سر صناعة الإعراب\" ١/ ٣١٥.\n(٦) فلا يكون (إياك) بكماله اسم.\n(٧) عند أبي الفتح: (وأما من قال: إن (الكاف والهاء والياء) في إياك وإياه وإياي هي الأسماء وأن (إيا) إنما عمدت بها هذِه الأسماء لقلتها فغير مرضي أيضا) \"سر صناعة الإعراب\" ١/ ٣١٥.\n(٨) في (ب): (ايه).","vol":"1","page":508},{"text":"قمنا، و(الألف) في قاما، و(الواو) في قاموا، بل هي ألفاظ أخر (١) غير ألفاظ الضمير المتصل، وليس شيء منها معمودًا به شيء من الضمير المتصل بل هو قائم بنفسه، فكذلك (إيا) مضمر (٢) منفصل، ليس معمودًا به غيره، كما أن (التاء) في (أنت) وإن كانت بلفظة (التاء) في (قمت)، فليست اسما مثلها (٣)، بل الاسم قبلها وهو (أن)، وهي بعده للخطاب، وليست (٤) (أن) عمادا للتاء (٥)، فكذلك (إيا) هي الاسم، وما بعدها يفيد الخطاب تارة، والغيبة تارة، والتكلم (٦) أخرى، وهذا محض القياس.\nوأما قول أبي إسحاق: وإن (إيا) اسم مظهر، خص بالإضافة إلى المضمر (٧) ففاسد أيضًا وليست (إيا) بمظهر كما زعم، والدليل على أن (إيا) ليست باسم مظهر اقتصارهم به على ضرب واحد من الإعراب، وهو النصب، كما اقتصروا بـ (أنا وأنت) على ضرب واحد من الإعراب، وهو الرفع (٨)،\n_________\n(١) في (أ): (أخرى) وما في (ب)، (ج) موافق لما عند أبي الفتح، ١/ ٣١٦.\n(٢) عند أبي الفتح: (اسم مضمر منفصل) وفي الحاشية: (اسم) سقط من (ش)، \"سر صناعة الإعراب\" ١/ ٣١٦.\n(٣) فالتاء في (قمت) ضمير، وفي (أنت) التاء للخطاب و(الاسم) أن.\n(٤) في (ب): (ليس).\n(٥) في (ب): (التاء).\n(٦) في ب، (ج): (والمتكلم) وعند أبي الفتح (التكلم) وفي الحاشية (ل)، (ب): (المتكلم) \"سر صناعة الإعراب\" ١/ ٣١٦.\n(٧) \"سر صناعة الإعراب\" ١/ ٣١٦، وانظر رأي أبي إسحاق في \"معاني القرآن\" ١/ ١٠، ١١.\n(٨) عند أبي الفتح: (... وهو الرفع، فكما أن (أنا وأنت وهو ونحن) وما أشبه ذلك أسماء مضمرة، فكذلك (إيا) اسم مضمر لاقتصارهم به على ضرب واحد من الإعراب، وهو النصب، ولم نعلم اسما مظهرا ... الخ) ١/ ٣١٦.","vol":"1","page":509},{"text":"ولم نعلم اسمًا مظهرًا اقتصر به على النصب ألبتة، إلا ما كان ظرفا (١)، وليس (إيا) بظرف، فقد صح بما أوردناه سقوط هذِه الأقوال، ولم يبق قول يجب اعتقاده، ويلزم الدخول تحته غير قول أبي الحسن: إن (إيا) مضمر، وإن (الكاف) بعده ليست اسمًا، وإنما هي للخطاب، بمنزلة (كاف) ذلك، وأرأيتك (٢) وأبصرك زيدا، وليسك عمرا (٣)، والنجاءك (٤). فإن قيل: إذا كانت (الكاف) في إياك ليست اسمًا فكيف تقولون في (الهاء) و(الياء) في (إياه وإياي)؟ (٥). قلنا: هما مثل الكاف، وإنما اختلف ما بعد (إيا) لاختلاف أعداد المضمرين وأحوالهم من الحضور والمغيب، ولسنا (٦) نجد حالا سوغت هذا المعنى للكاف، وانكفت غير (٧) (الهاء والياء) (٨). وقد وجدنا غير (الكاف)\n_________\n(١) قال أبو الفتح: (ولم نعلم اسما مظهرا اقتصر به على النصب البتة إلى ما اقتصر به من الأسماء على الظرفية وذلك نحو: ذات مرة، وبعيدات بين، وذا صباح وما جرى مجراهن، شيئا من المصادر نحو: سبحان الله ... الخ)، \"سر صناعة الإعراب\" ١/ ٣١٦.\n(٢) في (ج): (ولرايتك).\n(٣) في (ب): (عمروا). وقوله (ليسك عمرا) أي: (ليس عمرا) والكاف لتوكيد الخطاب، وكذا أبصرك زيدا، أى أبصر زيدا. انظر \"سر صناعة الإعراب\" ١/ ٣٠٩.\n(٤) (النجاءك): إذا أردت: انج، انظر: \"تهذيب اللغة\" (نجا) ٤/ ٣٥٠٩، \"سر صناعة الإعراب\" ١/ ٣٠٨.\n(٥) في \"سر صناعة الإعراب\" (... فكيف يصنع أبو الحسن بقولهم: إياه وإياي ...) ١/ ٣١٧.\n(٦) في (ج): (ولنا).\n(٧) (غير) كنا في جميع النسخ، وعند أبي الفتح (عن) وهو الصحيح. \"سر صناعة الإعراب\" ١/ ٣١٧.\n(٨) فكما كانت (الكاف) حرف خطاب في (إياك) تكون (الهاء) في (إياه) و(الياء) في (إياي) حرفين، ولا مسوغ لاختلافهما عن (الكاف).","vol":"1","page":510},{"text":"لحقه من سلب الاسمية وإخلاصه للحرفية (١) ما لحق (الكاف)، وهي (التاء) في أنت و(الألف) في قول من قال: قاما أخواك (٢)، و(الواو) في: قاموا إخوتك، و(النون) في: قمن الهندات، ألا ترى أن من قال: (أخواك قاما) كانت الألف عنده علامة الضمير والتثنية، وإذا قال: (قاما أخواكا) كانت الألف مخلصة للدلالة على التثنية مجردة من مذهب الاسمية، لامتناع تقدم المضمر (٣)، وخلو (٤) الفعل من علم الضمير بارتفاع الاسم الظاهر بعده، وكذلك الجمع والتأنيث على هذا القياس (٥)، فلا ينكر أيضا أن تكون (الهاء) و(الياء) في ضربه وضربني على معنى الاسمية، فإذا قلت: (إياه) و(إياي) تجردتا من معنى الاسمية، وخلصتا (٦) لدلالة الحرفية، فاعرف هذا، فإنه من لطيف ما تضمنه هذا الفصل (٧)، وهذا الذي ذكرنا كلام أبي علي وأبي الفتح (٨).\nواعلم: أن الضمير ينقسم إلى ثلاثة أقسام (٩): ظاهر منفصل، وظاهر\n_________\n(١) في (ب): (ولا خلاصة للحرفة).\n(٢) في (ج): (أخوك).\n(٣) في (ب): (الضمير).\n(٤) في (ج): (خلق).\n(٥) فصل أبو الفتح هذا بالأمثلة، انظر: \"سر صناعة الإعراب\" ١/ ٣١٨.\n(٦) في (ب): (واخلصا).\n(٧) قال أبو الفتح: (... فاعرف هذا، فإنه من لطيف ما تضمنه هذا الفصل وبه كان أبو علي ﵀ ينتصر لمذهب أبي الحسن ويذب عنه، ولا غاية في جودة الحجاج بعده)، \"سر صناعة الإعراب\" ١/ ٣١٨.\n(٨) انتهى ما نقله عن أبي الفتح من \"سر صناعة الإعراب\" ١/ ٣١٢ - ٣١٨، وانظر: \"الإغفال\" ص ٥٠ - ٥٧.\n(٩) هذا البحث لا علاقهَ له بتفسير الآية، ومكانه كتب النحو واللغة، وجرى الواحدي في =","vol":"1","page":511},{"text":"متصل، ومستكن، وهو على ثلاثة (١) أوجه: ضمير المرفوع، وضمير المنصوب، وضمير المجرور، وكل واحد منها على وجهين: متصل ومنفصل، إلا ضمير المجرور، فإنه متصل، ولا منفصل له.\nأما ضمير المرفوع المتصل فنحو (تاء) فعلت وفعلت، وتثنيتهما، وجمعهما وتأنيثهما.\nوأما ضمير المرفوع المنفصل فنحو (أنا وأنت وهو) وتثنيتها وجمعها، وتأنيثها (٢).\nوأما ضمير المنصوب المتصل فنحو (ياء) ضربني، و(كاف) ضربك و(هاء) ضربه (٣)، وتثنيتها وجمعها وتأنيثها (٤). وأما ضمير المجرور المتصل فنحو (ياء) بي، و(كاف) بك و(هاء) به، ولا منفصل له.\nوأما المستكن فهو ما كان مستكنا في الفعل كقولك: قعد، وقام، فالضمير (٥) مستفاد من الفعل وإن لم يصرح به، لأن الفعل لا يقوم إلا بفاعل.\nواعلم: أن (إيا) مبنية على السكون؛ لأن فيها شبه الحرف، فهي مثل (أنت، وأنا، وهو) وهذِه كلها مبنية لشبه الحرف، والألف في آخرها غير\n_________\n= هذا على منهج شيخه الثعلبي حيث ذكر أقسام الضمير في هذا الموضع ١/ ١٢٩/ أ، وانظر أقسام الضمير في باب: الكنايات في (أصول النحو) لابن السرج ٢/ ١١٤، (التبصرة والتذكرة) للصيمري ١/ ٤٩٣ - ٥١١.\n(١) في (ب): (ثلاثة أنواع أوجه) وكلمة (أنواع) جاءت في الجانب فلعلها شر من الكاتب\n(٢) في (ج): (وتثنيتهما وجمعهما وتأنيثهما).\n(٣) في (ب): (ضربته).\n(٤) (تأنيثها) سقط من (ب).\n(٥) في (ب): (والضمير).","vol":"1","page":512},{"text":"منقلبة مثل ألف (لا) و(ما) و(حتى) و(كلا) (١).\nقال أبو الفتح: وحكى لي حاك عن أبي إسحاق قال (٢): سمعته يقول وقد سئل عن معنى قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ ما تأويله؟ فقال: حقيقتك نعبد، قال: واشتقاقه من الآية، وهي العلامة، قال (٣): وهذا القول عندي من أبي إسحاق غير مرضي، وذلك أن جميع (٤) الأسماء المضمرة مبني غير مشتق نحو: (أنا وأنت وهو وهي) وقد قامت الدلالة على كون (إيا) اسما مضمرًا (٥)، فيجب أن لا يكون مشتقا (٦). فإن قلت: فما مثال (إيا) من الفعل؟ فإن المضمر لا ينبغي أن يمثل؛ لأنه غير مشتق ولا متصرف (٧).\nوقال صاحب \"النظم\" (٨): معنى (إيا) الاختصاص، وقول القائل: (إياك ضربت) يعني: أن الضرب اختص بك وأردتك به، ولهذا وضعت العرب\n_________\n(١) انظر: \"سر صناعة الإعراب\" ٢/ ٦٥٥، ٦٥٦.\n(٢) في \"سر صناعة الإعراب\": (أراه قال لي: سمعته ....) ٢/ ٦٥٦.\n(٣) قال: المراد أبو الفتح. انظر: \"سر صناعة الإعراب\" ٢/ ٦٥٦.\n(٤) في (ب): (جمع).\n(٥) وهو ما تقدم مما قرره الواحدي نقلا عن أبي الفتح ابن جني.\n(٦) انظر بقية كلام أبي الفتح في \"سر صناعة الإعراب\" ٢/ ٦٥٦، وانظر (المحتسب) ١/ ٤٠.\n(٧) ترك الواحدي بقية كلام أبي الفتح، فلم يرد جواب السؤال واضحا، قال أبو الفتح بعد هذا: (ولكنك إن تكلفت ذلك على تبيين حاله لو كان مما يصح تمثيله، لاحتمل أن يكون من ألفاظ مختلفة، وعلى أمثلة مختلفة فالألفاظ ثلاثة: أحدها: أن يكون من لفظ (أويت)، والآخر: من لفظ الآية، والآخر: من تركيب (أوو ...)، ثم أخذ في تفصيل ذلك في كلام طويل. انظر: \"سر صناعة الإعراب\" ٢/ ٦٥٦ - ٦٦٤.\n(٨) هو أبو علي الحسن بن يحيى الجرجاني، وكتابه هو \"نظم القرآن\" سبق الحديث عنه وعن كتابه في مصادر الواحدي في \"البسيط\"، وذكرت هناك: أن كتاب \"نظم القرآن\" مفقود، وقد نقل عنه الواحدي كثيرا.","vol":"1","page":513},{"text":"(إياك) في موضع التحذير لما فيه من تأويل الاختصاص، فقالوا: إياك والأسد، أي: احفظ نفسك واحذر الأسد، ومنه قول الشاعر:\nفإياك والأمر الذي إن توسعت ... موارده ضاقت عليك المصادر (١)\nوربما قالوا: إياك الأسد، بلا (واو)، قال (٢) الشاعر:\nعليك القصد فاقصده برفق ... وإياك المحاين أن تحينا (٣)\nفمن حذف (الواو)، فمعناه احذر على نفسك الأسد، وصن (٤) نفسك منه. وهذا الضمير (٥) يستعمل مقدما ولا يستعمل مؤخرا، إلى أن يفصل بينه وبين الفعل، فيقال: ما عنيت إلا إياك.\nقال أبو بكر (٦): وقوله: ﴿إِيَّاكَ﴾ بعد (٧) قوله: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ (٨)\n_________\n(١) ينسب البيت للطفيل الغنوي، وهو في (ديوانه) ص ١٠٢، قال المحقق: وهو قريب من شعر الطفيل، وينسب لمضرس بن ربعي الفقعسي، وكل المصادر روت البيت (فهياك) بدل (فإياك) وهو الشاهد عندهم حيث أبدل الهمزة هاء. ورد البيت في \"المحتسب\" ١/ ٤٠، (\"الإنصاف\") ١/ ٢١٥، \"ديوان الطفيل الغنوي\" ص ١٠٢، \"اللسان\" (هيا) ٨/ ٤٧٤٣، \"الكشاف\" ١/ ٦٢، والقرطبي ١/ ١٢٧.\n(٢) في (ب): (وقال).\n(٣) أنشد الفراء شطره الثاني ولم ينسبه \"معاني القرآن\" ١/ ١٦٦، وكذا المزني في \"معاني الحروف\" ص ١٠٢، وابن قتيبة في (أدب الكاتب) ص ٣٢٢ وشطره الأول عنده:\nألا أبلغ أبا عمرو رسولا\nوقوله: المحاين: المهالك، تحين: تهلك أو يأتي حينها ووقتها.\n(٤) في (ج): (أوصن).\n(٥) أي ضمير (إيا).\n(٦) ابن الأنباري، انظر: \"زاد المسير\" ١/ ١٤.\n(٧) في (ب): (إياك نعبد قوله) وفي (ج) سقطت (بعد).\n(٨) في (ب): (مالك).","vol":"1","page":514},{"text":"[الفاتحة: ٤] رجوع من الغيبة إلى الخطاب، والعرب تفعل ذلك كثيرًا، وهو نوع من البلاغة والتصرف في الكلام (١)، ومثله قوله: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ [الإنسان: ٢١] ثم قال: ﴿إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً﴾ [الإنسان: ٢٢] وقال الأعشى:\nعنده البر والتقى وأسا الصد ... ع وحمل لمضلع الأثقال\nووفاء (٢) إذا أجرت فما غر ... ت حبال وصلتها بحبال (٣)\nوأنشد أبو عبيدة (٤):\nيا لهف نفسي كان جدة خالد ... وبياض وجهك للتراب الأعفر (٥)\nوقال كثير (٦):\n_________\n(١) انظر: \"زاد المسير\" ١/ ١٤، \"مجاز القرآن\" ١/ ٢٣، والطبري ١/ ٦٧، وابن عطية ١/ ١٠٤، \"الكشاف\" ١/ ٦٢، والرازي ١/ ٢٥٢.\n(٢) في (ج): (ووحاء).\n(٣) البيتان من قصيدة للأعشى يمدح الأسود بن المنذر، وليس البيتان متواليين في القصيدة، وإنما بينهما أبيات، وفي \"الديوان\" ورد (الحزم) بدل (البر) و(الصرع) بدل (الصدع). قوله: (التقي) أي: الحذر، (أسا): دواء. انظر: \"الديوان\" ص ١٦٦ - ١٦٧، ولم أجدهما في غيره.\n(٤) انظر: \"مجاز القرآن\" ١/ ٢٤.\n(٥) البيت لأبي كبير الهذلي، يرثي صديقا له اسمه خالد (جدة) يعني: شبابه، (الأعفر) يقول: دفن في أرض ترابها أعفر: أي: أبيض. ورد البيت في \"مجاز القرآن\" ١/ ٢٤، \"شرح أشعار الهذليين\" للسكري ٣/ ١٠٨١، والطبري ١/ ٦٧، \"أمالي ابن الشجري\" ١/ ١١٧، وابن عطية ١/ ١٠٤.\n(٦) هو كثير بن عبد الرحمن بن أبي جمعة من خزاعة، كان أحد العشاق المشهورين، وصاحبته (عزة) وهي من ضمرة، وإليها ينسب، كان كثير رافضيا توفي في اليوم الذي توفي فيه عكرمة مولى ابن عباس. انظر ترجمته في: \"الشعر والشعراء\" ص ٣٣٤، \"طبقات فحول الشعراء\" ٢/ ٥٣٤، \"الخزانة\" ٥/ ٢٢١.","vol":"1","page":515},{"text":"أسيئي بنا أو أحسني لا ملومة ... لدينا ولا مقلية إن تقلت (١)\nوقوله تعالى: ﴿نَعْبُدُ﴾ معنى العبادة: الطاعة مع الخضوع والتذلل، وهو جنس من الخضوع، لا يستحقه إلى الله ﷿، وهو خضوع ليس فوقه خضوع، وسمي العبد عبدا لذلته وانقياده لمولاه، ويقال: طريق معبد، إذا كان مذللا موطوءا (٢) بالأقدام (٣)، وهو في شعر طرفة (٤).\nوقوله تعالى: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ قال أبو بكر: وإنما كرر (إياك) للتوكيد، كما تقول: بين زيد وبين عمرو خصومة، فتعيد (بين) (٥). قال: ولأن كل واحد من الفعلين يطلب مفعولا على حدته، ولو أخر المكنيان (٦) إلى\n_________\n(١) من قصيدة لكثير في ذكر (عزة) قوله (مقلية) من القلي وهو البغض، (تقلت) تبغضت، ورد البيت في \"الشعر والشعراء\" ص ٣٤٣، \"ديوان كثير\" ص ١٠١، نشر دار الثقافة بيروت، \"أمالي ابن الشجري\" ١/ ٤٩، ١١٨، \"المحكم\" ٣/ ١٤٤، \"الخزانة\" ٥/ ٢١٩.\n(٢) في (ب): (بوطوا).\n(٣) ذكر هذِه المعاني الثعلبي في \"تفسيره الكشاف\" ١/ ٢٩/ ب، وانظر الطبري ١/ ٦٩.\n(٤) أراد أبيات طرفة التي ذكرها الثعلبي بعد الكلام السابق وهي:\nقال طرفة:\nتباري عتاقا ناجيات وأتبعت ... وظيفا وظيفا فوق مور معبد\nوقوله:\nإلى أن تحامتني العشيرة كلها ... وأفردت إفراد البعير المعبد\nانظر الثعلبي ١/ ٢٩/ ب، والطبري ١/ ٦٩، \"الأضداد\" لابن الأنباري ص ٣٥.\n(٥) ذكر نحوه الثعلبي ١/ ٢٩/ ب وذكره ابن جرير ثم رده قال: (وقد ظن من لم ينعم النظر أن إعادة (إياك) مع (نستعين) بعد تقدمها في قوله: ﴿إياك نعبد﴾ بمعنى قول عدي بن زيد:\nوجاعل الشمس مصرًا لا خفاء به ... بين النهار وبين الليل قد فصلا\nوذكر بيتا آخر .. ثم قال: وذلك من قائله جهل، من أجل أن حظ إياك أن تكون مكررة مع كل فعل .. الخ). الطبري ١/ ٧١.\n(٦) يعني: الضميرين.","vol":"1","page":516},{"text":"موضعهما بعد الفعل لقيل: (نعبدك ونستعينك) فلما كان كل واحد من الفعلين يقع على (الكاف) (١) في تأخرها وقع على (إياك) في تقدمه (٢). والقول هو الأول (٣)؛ لأن العرب إذا جمعت فعلين واقعين اكتفت بوقوع أحدهما من وقوع الآخر، فيقولون: قد أكرمتك وألطفت (٤). قال الله تعالى: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [الضحى: ٣] أراد (وما قلاك) فاكتفى بوقوع الأول من وقوع الثاني (٥).\nويقال: لم قدم ذكر العبادة على المعونة، وإنما المعونة بها تكون العبادة؟\nوالجواب: أن الواو عند النحويين لا توجب ترتيبا (٦)، وإنما هي للجمع (٧)، يدل على ذلك أنه لو اتفقت الأسماء لم\n_________\n(١) في (ج): (الكائن).\n(٢) ذكر نحوه ابن جرير ١/ ٧١. قال أبو حيان: كرر (إياك) ليكون كل من العبادة والاستعانة سيقا في جملتين، وكل منهما مقصودة، وللتنصيص على طلب العون منه ...)، \"البحر المحيط\" ١/ ٢٥. وقال أبو السعود: (تكرير الضمير المنصوب للتنصيص على تخصيصه تعالى بكل واحدة من العبادة والاستعانة)، أبو السعود ١/ ١٧، وانظر ابن كثير ١/ ٢٨.\n(٣) أي كرر للتوكيد، واختار ابن جرير الثاني ١/ ٧١.\n(٤) قال ابن جرير: إن الأفصح إعادة الضمير مع كل فعل اتصل به، فيقال: (اللهم إنا نعبدك ونستعينك ونحمدك ونشكرك) .. وإن كان ترك الإعادة جائزا. انظر الطبري ١/ ٧١.\n(٥) قال أبو حيان: حذف المفعول اختصارا في (قلى) إذ يعلم أنه ضمير المخاطب وهو الرسول - ﷺ -. \"البحر المحيط\" ٨/ ٤٨٥، وقال الرازي في حذف الكاف وجوه:\n١ - اكتفاء بالكاف في (ودعك)، ولأن رؤوس الآيات بالياء، فأوجب اتفاق الفواصل حذف الكاف.\n٢ - الإطلاق، أنه ما قلاك، ولا أحدا من أصحابك، ولا أحدا ممن أحبك. الرازي ٣١/ ٢٠٩، وانظر القرطبي ٢٠/ ٩٤.\n(٦) انظر: \"الكتاب\" ٣/ ٤٢، \"سر صناعة الإعراب\" ٢/ ٦٣٢.\n(٧) وعليه فتقديم الخبر عن العبادة وتأخير مسألة طلب المعونة، ليس من باب الترتيب، واختار الطبري هذا قال: (.. كان سواء تقديم ما قدم منهما على صاحبه ... ثم قال: =","vol":"1","page":517},{"text":"نحتج (١) إليها، لا تقول: قام زيد وزيد، ولكن قام الزيدان. فكما لا يوجب (قام الزيدان) ترتيبا، كذلك لا يوجب قام زيد وعمرو ترتيبا، وسنقضي حق الواو، والكلام فيها في موضع آخر إن شاء الله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-221>٦ </span>- قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾\nقال الأصمعي: هداه في الدين يهديه هدى (٢)، وهداه يهديه هداية، إذا دله على الطريق (٣).\nوأصل الهداية في اللغة: الدلالة. وهوادي الخيل والوحش التي تتقدم للدلالة (٤).\nقال عبيد (٥) يذكر الخيل (٦):\nوغداة صبحن الجفار عوابسا (٧) ... تهدى أوائلهن شُعثٌ شزَّبُ (٨)\n_________\n= وقد ظن بعض أهل الغفلة أن ذلك من المقدم الذي معناه التأخير ....). الطبري ١/ ٧٠. وقال ابن كثير ١/ ٢٨: (قدم ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ على ﴿إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ لأن العبادة له هي المقصودة والاستعانة وسيلة إليها والاهتمام والحزم تقديم ما هو الأهم فالأهم). وللرازي في هذا التقديم تعليلات يطول ذكرها. انظر (تفسيره) ١/ ٢٥٤.\n(١) في (ج): (يحتج).\n(٢) في (ج): (هدي).\n(٣) \"تهذيب اللغة\" (هدى) ٤/ ٣٧٣٧، وانظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ٧٣، \"اللسان\" (هدى) ٨/ ٤٦٣٩.\n(٤) ذكر نحوه الأزهري عن الأصمعي. \"التهذيب\" (هدى) ٤/ ٣٧٣٨، وانظر: \"الصحاح\" (هدى) ٦/ ٢٥٣٤، \"معجم مقاييس اللغة\" (هدى) ٦/ ٤٢.\n(٥) كذا في \"تهذيب اللغة\"، وفي الهامش، في المنسوخة: أبو عبيد ٦/ ٣٨٣، والصحيح (عبيد) فالبيت لعبيد بن الأبرص.\n(٦) في (ج): (الخليل).\n(٧) في (ج): (عواسا).\n(٨) يذكر الخيل: صبحن الجفار: أتينه صبحا و(الجفار): موضع، (شعث): المغبرة =","vol":"1","page":518},{"text":"هذا هو الأصل، ثم سمي كل متقدم هاديا وإن لم يتقدم للدلالة (١). ومنه:\nكأن دماء الهاديات بنحره (٢)\nيريد أوائل الوحش ومتقدماتها. وتسمى العنق هادية لتقدمها على البدن، ويقال: أقبلت هوادي الخيل إذا بدت أعناقها؛ لأنها أول شيء من أجسادها (٣). وقول طرفة:\nللفتى عقل يعيش به ... حيث تهدي ساقه (٤) قدمه (٥)\nأي: حيث تقودها قود الدليل. وسمى الأعشى العصا هاديا (٦) في قوله:\nإذا كان هادي الفتى في البلاد ... صدر القناة أطاع الأميرا (٧)\n_________\n= المتلبدة الشعر، (شزب): ضمر، انظر: \"ديوان عبيد\" ص ٧، \"تهذيب اللغة\" (هدى) ٤/ ٣٧٣٩، \"اللسان\" (هدى) ٨/ ٤٦٤١، \"التاج\" (هدى) ٢٠/ ٣٣٣.\n(١) انظر: \"التهذيب\" (هدى) ٤/ ٣٧٣٩، \"اللسان\" (هدى) ٨/ ٤٦٤١.\n(٢) في (ب): (منجره) وفي (ج): (ينحر).\nوالبيت لامرئ القيس وعجزه:\n... ... ... ... ... عصارة حناء بشيب مرجل\nشبه دم الوحش بنحر هذا الفرس بعصارة الحناء على الشيب، ورد البيت في \"ديوانه\" ص ١٢١، \"الصحاح\" (هدى) ٦/ ٢٥٣٤، \"اللسان\" (هدى) ٨/ ٤٦٤١، \"شرح القصائد المشهورات\" للنحاس ص ٣٩.\n(٣) انظر: \"تهذيب اللغة\" (هدى) ٤/ ٣٧٣٨، \"اللسان\" (هدى) ٨/ ٤٦٤٠.\n(٤) في (ب): (فما ساقه).\n(٥) في (ج): (قدميه). ورد البيت في الطبري ١/ ٧٣، \"الصحاح\" (هدى) ٦/ ٢٥٣٤، \"اللسان\" ٨/ ٤٦٤١، \"التاج\" ٢٠/ ٣٣٣، \"العقد الفريد\" ٥/ ٤٧٩، \"أمالي ابن الشجري\" ٢/ ٢٦٢، \"الهمع\" ٣/ ٢٠٧، \"الدرر اللوامع\" ١/ ١٨١، \"الخزانة\" ٧/ ١٩.\n(٦) انظر: \"تهذيب اللغة\" (هدى) ٤/ ٣٧٣٩.\n(٧) في (ج): (الأمير). قوله (صدر القناة): أعلى العصا التي يقبض عليها، لأنه أعمى، =","vol":"1","page":519},{"text":"إما لأنها تتقدمه، وإما لأنها تدله على الطريق، والتقدم في هذا راجع إلى (١) الهداية، لأن من دلك (٢) على الطريق تقدمك، ثم سمي المتقدم هاديا وإن لم يدل (٣). والفعل من (الهدى) (٤) يتعدى إلى مفعولين، ويتعدى إلى الثاني بأحد حرفي جر (إلى) و(اللام (٥» كقوله: ﴿فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾ (٦) [الصافات: ٢٣]، وقوله: ﴿وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ﴾ [ص: ٢٢]، وقوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا﴾ [الأعراف: ٤٣]، وقوله: ﴿قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ﴾ [يونس: ٣٥]. ومثل هذا في التعدي (٧) (الإيحاء) (٨) قال الله تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ [النحل: ٦٨]، وقال: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا (٥)﴾ [الزلزلة: ٥]. وقد يحذف حرف الجر من المفعول الثاني في (الهدى) فيصل الفعل إليه بغير حرف جر (٩). كقوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦]. ومعناه: دلنا عليه، واسلك بنا فيه (١٠).\n_________\n= (الأمير) الذي يأمره ويقوده، ورد البيت في \"ديوان الأعشى\" ص ٨٧، \"تهذيب اللغة\" (هدى) ٤/ ٣٧٣٩، \"اللسان\" ٨/ ٤٦٤١، \"التاج\" ٢٠/ ٣٣١، \"المحتسب\" ١/ ١٢٦، ٢٩٠.\n(١) في (ب): (إلى المعونة الهداية).\n(٢) في (ج): (ذلل).\n(٣) انظر: \"تهذيب اللغة\" (هدى) ٤/ ٣٧٣٩، \"اللسان\" ٨/ ٤٦٤١.\n(٤) في (ب): (الهادي).\n(٥) انظر: \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ١٢٣، \"الكشاف\" ١/ ٦٦ - ٦٧، \"البحر المحيط\" ١/ ٢٥، (تفسير أبي السعود) ١/ ١٧.\n(٦) في (ج): (فاهدهم) تصحيف.\n(٧) أي: التعدي بأحد حرفي الجر (إلى) و(اللام).\n(٨) في (ب): (بالإيحا).\n(٩) انظر: ابن كثير، ١/ ٢٩، \"البحر المحيط\" ١/ ٢٥.\n(١٠) قال ابن جرير: معنى قوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ في هذا الموضع، وفقنا =","vol":"1","page":520},{"text":"ويقال: ما معنى سؤال المسلمين الهداية في قولهم: (اهدنا) وهم مهتدون؟ والجواب عنه من وجوه: أحدها: أنه قد تعرض للعارف شبه ينتقل بها إلى الجهل، فيحسن أن يسأل اللطيفة التي يتمسك معها بالمعرفة (١)، ولا ينتقل إلى الجهالة.\nوالثاني: أنهم لما كانوا لا يعلمون ما يكون منهم في المستأنف، حسن أن يسألوا الهداية على (٢) وجه التثبيت لما هم عليه من الحق، وقد تستعمل الهداية لا من الضلالة كما قال الحطيئة لعمر ﵁:\nفلا تُعْجِلَنِّي هداك المليكُ ... فإنَّ لكلِّ مَقَامٍ مَقَالا (٣)\nلم يرد من ضلالتك؛ لأنه لو أراد ذلك قد هجاه، ولكنه على معنى التوفيق و(٤) التثبيت (٥).\nوقال بعض أصحابنا: يجوز أن يحمل على سؤال الهداية ابتداء فيما\n_________\n= للثبات عليه. وضعف أن يكون المعنى: زدنا هدى، أو: أسلكنا طريق الجنة والمعاد. الطبري ١/ ٧١ - ٧٢، وانظر: ابن كثير ١/ ٢٩.\n(١) انظر: \"الكشاف\" ١/ ٦٧.\n(٢) في (ب): (جهة).\n(٣) ورد البيت في الطبري ١/ ٧٢، \"الكامل\" ٢/ ١٩٩، \"المقتضب\" ٣/ ٢٢٤، (الهمع) ٣/ ١١٠، \"اللسان\" (حنن) ٢/ ١٠٣٠، ورواية الطبري (ولا تعجلني) وبقية المصادر (تحنن علي).\n(٤) في (ب)، (ج): (أو).\n(٥) وهذا هو المعنى الذي ارتضاه الطبري ١/ ٧٢، وذكره الزجاج في \"المعاني\" ص ١٢، والماوردي ١/ ٥٨، والبغوي ١/ ٥٤، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ١/ ١٥، والرازي ١/ ٣٥٧، وقد ذكر الماوردي وابن الجوزي والرازي معاني أخرى.","vol":"1","page":521},{"text":"يستقبل؛ لأن الهداية عرض لا يبقى، فهو يسأل أن (١) يخلق له أمثالها (٢).\nوقال بعضهم: هذا سؤال، واستنجاز لما وعدوا به في قوله: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ﴾ [المائدة: ١٦].\nوقوله تعالى: ﴿الصِّرَاطَ﴾ [الفاتحة: ٦] (٣)، فيه لغات قد قرئ بها: السين، والصاد، والزاي، وإشمام (٤) الصاد الزاي (٥).\nفمن قرأ بالسين فإنه يقول: هو أصل الكلمة؛ لأنه من الاستراط بمعنى: الابتلاع (٦)، فالسراط يسترط السابلة (٧). ولو لزم لغة من يجمعها صادا مع (الطاء (٨» لم يعلم (٩) ما أصل الكلمة (١٠). ويقول من يقرأ بالصاد: إنها أخف\n_________\n(١) في (ب): (فهم يسألون أن يخلق لهم).\n(٢) في (ج): (مثلها). ما ذكره مبني على مذهب أصحابه الأشاعرة: أن العرض لا يبقى زمانين، والهداية عرض فهي عندهم لا تبقى في الزمان الثاني، فهو يسأل أن تجدد له الهداية، وهذا مذهب رده جماهير العلماء. انظر: \"مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية\" ٥/ ٢١٦، ٦/ ٤١، ١٦/ ٢٧٥.\n(٣) في (ج): (صراط).\n(٤) الإشمام: هو إطباق الشفتين عقب تسكين الحرف المرفوع، والمراد هنا بإشمام الصاد الزاي هو خلط لفظ الصاد بالزاي. انظر: \"الكشف\" ١/ ١٢٢، (البدور الزاهرة) ص ١٥.\n(٥) روي عن ابن كثير: بالسين والصاد، وروي عن أبي عمرو: السين والصاد، والزاي والمضارعة بين الزاي والصاد.\nوحمزة: يشم بين الصاد والزاي. وبقية السبعة بالصاد. انظر (السبعة) لابن مجاهد ص ١٠٥، ١٠٦، \"الحجة\" لأبي علي ١/ ٤٩، (الكشف) لمكي ١/ ٣٤.\n(٦) يقال: استراط الطعام: إذا ابتلعه. انظر: \"تهذيب اللغة\" (سرط) ٤/ ١٩٩٣.\n(٧) السراط: الطريق، و(السابلة) المارة يسترطهم لكثرة مرورهم به. انظر: \"اللسان\" (سرط) ٤/ ١٩٩٣.\n(٨) في (ج): (الظاء).\n(٩) في (ب): (ما يعلم).\n(١٠) ذكره أبو علي في \"الحجة\" عن أبي بكر محمد بن السري ١/ ٤٩، وانظر: \"حجة =","vol":"1","page":522},{"text":"على اللسان، لأن (الصاد) حرف مطبق كـ (الطاء) فيتقاربان ويحسنان في السمع، والسين حرف مهموس فهو أبعد من الطاء (١).\nويقول من قرأ بالزاي: أبدلت منها حرفًا مجهورًا (٢) حتى يشبه (الطاء) في الجهر، ورمت الخفة، ويحتج بقول العرب: (زقر) في (صقر) (٣).\nويقول من قرأ بالمضارعة (٤): رمت الخفة، ولم أجعلها (زايا) خالصة، ولا (صادا) خالصة، فيلتبس أصل الكلمة بأحدهما (٥).\nقال ابن السراج (٦): الاختيار (الصاد) للخفة والحسن في السمع، وهو غير ملتبس، لأن (السين) كأنها مهملة في الاستعمال مع (٧) (الطاء) عند من (الصاد) لغته، ومع ذلك فهي قراءة الأكثر. وأما (الزاي) الخالصة فليست (٨) بمعروفة (٩)، ولست أحب أن تحمل القراءة على هذِه اللغة.\nوأما المضارعة (١٠) فهو تكلف حرف بين حرفين، وذلك أصعب على\n_________\n= القراءات\" لابن زنجلة ص ٨٠، \"الحجة\" لابن خالويه ص ٦٢، \"الكشف\" ١/ ٣٤.\n(١) بنصه في \"الحجة\" ١/ ٤٩، ٥٠، وانظر المراجع السابقة.\n(٢) أي: أبدلت من (الصاد) حرفا مجهورا وهو (الزاي).\n(٣) في (ب): (زفر في صفر) وفي \"الحجة\": (صقر) و(سقر) و(زقر)، ١/ ٥٠.\n(٤) بين الزاي والصاد.\n(٥) بنصه من \"الحجة\" ١/ ٥٠، وانظر: \"الكشف\" ١/ ٣٤، ٣٥.\n(٦) هو أبو بكر محمد السري، المعروف بابن السراج، وكلامه في \"الحجة\" ١/ ٥٠.\n(٧) (مع) غير واضحة في (ب).\n(٨) في (ج): (فليت).\n(٩) كلام ابن السراج في \"الحجة\": (وأما الزاي فأحسب الأصمعي لم يضبط عن أبي عمرو؛ لأن الأصمعي كان غير نحوي، ولست أحب أن تحمل القراءة على هذِه اللغة، وأحسب أنه سمع أبا عمرو يقرأ بالمضارعة للزاي فتوهمها زايا)، \"الحجة\" ١/ ٥١.\n(١٠) كلام ابن السراج في \"الحجة\": (وأما القراءة بالمضارعة التي بين (الزاي) و(الصاد) =","vol":"1","page":523},{"text":"اللسان؛ لأنه إنما استعمل في هذِه الحال فقط، وليس هو حرفا تبنى عليه الكلمة، ولا هو من حروف المعجم. وقال صاحب \"الحجة\" (١): الحجة لمن قرأ بالصاد: أن (٢) السين مضارعة لما أجمعوا على رفضه من كلامهم، ألا ترى أنهم تركوا إمالة (واقد) ونحوه كراهة أن يصعدوا بالمستعلي بعد التسفل (٣) بالإمالة. فكذلك يكره (٤) أن يتسفل (٥) بالسين (٦) ثم يتصعد (٧) بالطاء في (سراط)، وإذا كانوا قد أبدلوا من (السين) (الصاد) مع القاف في: (صقت وصويق) (٨) ليجعلوها في استعلاء (القاف) (٩)، فلأن يبدلوا منها (الصاد) مع (الطاء)\n_________\n= فعدلت عن القراءة بها؛ لأنه تكلف حرف بين حرفين). \"الحجة\" ١/ ٥١.\n(١) هو أبو علي الفارسي. وكتابه \"الحجة للقراء السبعة أئمة الأمصار بالحجاز والعراق والشام الذين ذكرهم أبو بكر بن مجاهد\" وهو مصدر رئيس للواحدي خصوصا في القراءات. انظر: مصادر الواحدي ص ٧٨، انظر كلام الفارسي في \"الحجة\" ١/ ٥١.\n(٢) في \"الحجة\": (أن القراءة بالسين مضارعة ...)، ١/ ٥١.\n(٣) في (ب): (السفل).\n(٤) في \"الحجة\": (يكره على هذا أن يستفل ..)، \"الحجة\" ١/ ٥١.\n(٥) في (ب): (يستقل).\n(٦) (بالسين) غير موجود في \"الحجة\" ١/ ٥١.\n(٧) لأن (السين) حرف منخفض، و(الطاء) من حروف الاستعلاء والتصعد. انظر: \"سر صناعة الإعراب\" ١/ ٦٢.\n(٨) في (ب): (صفه وصديق). أصل صقت: (سقت) و(صويق): (سويق). انظر: \"سر صناعة الإعراب\" ١/ ٢١٢. (السويق) ما يتخذ من الحنطة والشعير. ويقال: السويق: المقل الحتى، والسويق: السبق الفتي، والسويق: الخمر. \"اللسان\" (سوق) ٤/ ٢١٥٦.\n(٩) في \"الحجة\" (.. في استعلاء (القاف) مع بعد (القاف) من (السين) وقرب (الطاء) منها، فإن يبدلوا منها الصاد ...)، \"الحجة\" ١/ ٥٢.","vol":"1","page":524},{"text":"أجدر (١) من حيث كانت (الصاد) إلى (الطاء) أقرب منه إلى (القاف) (٢).\nألا ترى أنهما جميعا من حروف طرف اللسان وأصول الثنايا (٣). وأن (٤) من يقول: (صويق) و(صقت)، إذا قال: (قست وقست) (٥) لم يبدل (الصاد) من (٦) (السين)، لأنه الآن ينحدر بعد الإصعاد، وهذا يستخف ولا يستثقل كما استثقل عكسه.\nواحتجاجهم بأن (السين) هو الأصل، قلنا: قد يترك ما هو الأصل في كلامهم إلى ما ليس بأصل؛ طلبا لاتفاق الصوتين (٧). ألا تراهم قالوا: (شنباء)، و(من بكر) (٨) فلم يبينوا (٩) (النون) التي هي الأصل في\n_________\n(١) في (ب): (فصدر).\n(٢) (منه إلى القاف) ليست في \"الحجة\" ١/ ٥٢.\n(٣) انظر بقية كلام أبي علي في \"الحجة\" ١/ ٥٢.\n(٤) قال أبو علي: (ويدلك على أن حسن إبدال (الصاد) من (السين) في (سراط) لما ذكرت لك: من كراهة التصعد بعد التسفل، أن من يقول: صويق وصقت ... الخ). \"الحجة\" ١/ ٥٢.\n(٥) كذا في جميع النسخ، وفي \"الحجة\": (قست وقسوت) ١/ ٥٢. وهذا هو الصواب.\n(٦) في \"الحجة\" (منها) بدل (من السين).\n(٧) من قوله: (واحتجاجهم إلى قوله (الصوتين) ملخص كلام أبي علي، انظر: \"الحجة\" ١/ ٥٢، ٥٣.\n(٨) في (ب): (شبنا) و(من نكر) وفي \"الحجة\": (شمباء) و(مم بك) وفي الحاشية: في ط (شنباء ومن بك).\nقال سيبويه: (... فجعلوا ما هو من موضع ما وافقها في الصوت بمنزلة ما قرب من أقرب الحروف منها في الموضع، ولم يجعلوا (النون): (باء) لبعدها في المخرج، وأنها ليست فيها غنة. ولكنهم أبدلوا من مكانها أشبه الحروف بالنون وهي الميم وذلك قولهم: (ممبك)، يريدون: (من بك). و(شمباء) و(عمبر) يريدون: (شنباء) و(عنبرا). انظر: \"الكتاب\" ٤/ ٤٥٣ تحقيق: عبد السلام هارون. \"سر صناعة الإعراب\" ١/ ٤٢١.\n(٩) في (ب): (يثبتوا).","vol":"1","page":525},{"text":"(الشنب) (١)، و(من عامر) (٢)؟ لما أرادوا أن يوفقوا بين الصوتين (٣). فكما تركوا الأصل ههنا طلبًا للمشاكلة، كذلك يترك الأصل في (صراط) (٤) فتترك السين (٥) ويختار إبدال الصاد من السين.\nوأما القراءة (بالزاي) فليس بالوجه، وذلك أن من قال في: (أصدرت): (أزدرت) وفي (القصد): (القزد) (٦) فأبدل (٧) من (الصاد الزاي)، فإنه إذا تحركت (الصاد) في نحو (٨) (صدرت) و(قصدت (٩» لم يبدل، فإذا لم يبدلوا (الصاد) (زايا) إذا تحركت مع (الدال)، وكانت (الطاء) في (الصراط) مثل الدال في (القصد) (١٠) في الجهر (١١)، فكذلك ينبغي ألا يبدل من (السين) (الزاي) في (سراط)، من أجل (الطاء)، لأنها قد تحركت\n_________\n(١) الشنب (البرد والعذوبة في الفم). \"اللسان\" (شنب) ٤/ ٢٣٣٦.\n(٢) في (ب): (غامر). يريد أن النون أصل في (الشنب) و(ومن عامر) ومع ذلك أبدلوها ميما في (شنباء) و(من بكر). أما (من عامر) فإن النون فيه يجب إظهارها.\n(٣) ترك المؤلف بعض كلام أبي علي. انظر: \"الحجة\" ١/ ٥٣.\n(٤) في \"الحجة\" (سراط) بالسين، ١/ ٥٣، وهو الأقرب.\n(٥) (فتترك السين) ليس في \"الحجة\"، ١/ ٥٣.\n(٦) في (أ)، (ج): (الفصد، الفرد) وفي (ب): (القصد، الفرد) وما أثبت من \"الحجة\" ١/ ٥٣. وعند سيبويه: (الفصد: الفزد)، \"الكتاب\" ٤/ ٤٧٨.\n(٧) في (ب): (وأبدل).\n(٨) في (ب): (نحمد).\n(٩) في (أ): (فصدت) وفي \"الحجة\" (صدقت) ١/ ٥٣، وفي \"الكتاب\" (صدقت) ٤/ ٤٧٨.\n(١٠) في (أ)، (ج): (الفصد) وما في (ب) موافق لما في \"الحجة\"، ١/ ٥٣.\n(١١) في \"الحجة\" (في حكم الجهر)، ١/ ٥٣.","vol":"1","page":526},{"text":"كما تحركت في (قصدت) (١) مع أن بينهما في (سراط) حاجزين (٢).\nومما يحتج (٣) من أخلص (الصاد (٤» على من ضارع بها (الزاي (٥» أن يقول: إن الحرف قد أعل مرة بالقلب، فلا تستقيم المضارعة؛ لأنها إعلال آخر، وقد رأيتهم كرهوا الإعلال في الحرفين إذا تواليا، فإذا لم يوالوا بين إعلالين في حرفين مفترقين (٦)، فألا (٧) يوالوا بين إعلالين في حرف واحد أجدر (٨). مثاله (٩) أنهم حذفوا النون من نحو (بلعنبر) و(بلحرث (١٠»، ولم\n_________\n(١) في (أ)، (ج): (فصدت) وما في (ب) هو الموافق لما في \"الحجة\"، ١/ ٥٤. وانظر: \"الكتاب\" ٤/ ٤٧٨.\n(٢) وهما (الراء والألف)، انظر: \"الكتاب\" ٤٧٨/ ٤. وانظر بقية كلام أبي علي في \"الحجة\"، ١/ ٥٤، ٥٥.\n(٣) كذا في جميع النسخ وفي \"الحجة\" (ومما يحتج به من أخلص الصاد ...)، ١/ ٥٦.\n(٤) في (ج): (الضاد).\n(٥) تكلم أبو علي قبل هذا على الحجة من (ضارع الصاد بالزاي) ولم ينقل الواحدي كلامه في ذلك. انظر: \"الحجة\" ١/ ٥٥.\n(٦) في (ب): (متفرقين).\n(٧) في (ب): (بأن).\n(٨) الإعلالان هنا: إبدال السين صادا، ثم مضارعة الصاد بالزاي.\n(٩) في \"الحجة\": (ويقوي ذلك أنهم ....)، ١/ ٥٦.\n(١٠) قال سيبويه: (ومن الشاذ قولهم: في (بني العنبر) و(بني الحارث): بلعنبر وبلحارث، بحذف النون)، \"الكتاب\" ٤/ ٤٨٤. بنو العنبر: قبيلة تنسب إلى العنبر بن عمرو بن تميم. وانظر: \"اللباب\" لابن الأثير ٢/ ٣٦٠، \"اللسان\" (عنبر)، ٥/ ٣١٢٠. و(بلحرث) لبني الحرث بن كعب. قال في \"اللسان\": وهذا من شواذ الإدغام؛ لأن النون واللام قريبا المخرج .. وكذلك يفعلون بكل قبيلة تظهر فيها لام المعرفة. \"اللسان\" (حرث)، ٢/ ٨٢١.","vol":"1","page":527},{"text":"يحذفوا من (بني النجار) (١) مع توالي النونات حيث كانت (اللام) قد أعلت بالقلب (لئلا يتوالى إعلالان: [الحذف والقلب] (٢)، وإن كانا من كلمتين مفترقتين (٣)، فإذا كره في هذا النحو، كان توالي إعلالين في حرف واحد أبعد (٤).\nقوله تعالى: ﴿الْمُسْتَقِيمَ﴾: (الاستقامة) في اللغة: الاستواء، يقال: قام إذا استوى منتصبا، وأقامه: إذا سواه، وقاومه إذا ساواه في القوة. وقيمة الشيء ما يساويه من ثمنه، ومعنى الاستقامة استمرار الشيء في جهة واحدة (٥).\nوأما تفسير ﴿الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ فروى علي وابن مسعود ﵄ عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"الصراط المستقيم: كتاب الله ﷿\" (٦).\n_________\n(١) بنو النجار قبيلة من (الخزرج) تنسب إلى النجار واسمه (تيم اللات بن ثعلبة بن عمرو بن الخزرج. انظر (اللباب) ٣/ ٢٩٨.\n(٢) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).\n(٣) في ب، (ج): (متفرقتين).\n(٤) في (ج): (بعد).\n(٥) \"تهذيب اللغة\" (قام) ٣/ ٢٨٦٥، وانظر: \"اللسان\" (قوم)، ٦/ ٣٧٨٢.\n(٦) حديث علي ﵁ بهذا اللفظ: أخرجه الثعلبي بسنده ١/ ٣٠/ ب، وبنحوه أخرجه الطبري، وقال شاكر: إسناده ضعيف جدا ١/ ١٧١ (ط. شاكر)، وكذا ابن أبي حاتم في \"تفسيره\"، قال المحقق: ضعيف جدا ١/ ١٥٩، وهو جزء من حديث فضائل القرآن الطويل الذي أخرجه الترمذي في: أبواب فضائل القرآن، باب: ما جاء في فضل القرآن، قال الترمذي بعده: هذا حديث لا نعرفه إلى من هذا الوجه وإسناده مجهول وفي الحارث مقال. الترمذي (٢٩٠٦)، وأخرجه الدارمي في (سننه) كتاب فضائل القرآن، باب: فضل من قرأ القرآن ٤/ ٢٠٩٨ (٣٣٧٤)، وذكره ابن كثير في كتابه \"فضائل القرآن\" ص ٤٤ - ٤٦، ونقل كلام الترمذي عليه، ثم قال: (وقصارى هذا =","vol":"1","page":528},{"text":"وقال جابر ومقاتل: (هو الإسلام) (١).\nوعن أبي العالية الرياحي (٢)، قال: هو طريق رسول الله - ﷺ - وصاحبيه من بعده أبي بكر وعمر) (٣).\n_________\n= الحديث أن يكون من كلام أمير المؤمنين علي ﵁، وقد وهم بعضهم في رفعه، وهو كلام حسن صحيح، على أنه قد روي له شاهد عن عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبي - ﷺ -) وذكره السيوطي في \"الدر\" ١/ ٤٠ - ٤١.\nأما حديث عبد الله بن مسعود: فأخرجه الطبري موقوفًا على ابن مسعود وكذا الثعلبي ١/ ٣٠/ ب، والحاكم في \"المستدرك\" ١/ ٢٥٨، وقال: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وذكره السيوطي في \"الدر\" وعزاه إلى وكيع، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، والأنباري، والحاكم، والبيهقي في \"شعب الإيمان\". \"الدر\" ١/ ٤٠، وذكره الشوكاني في \"فتح القدير\" ١/ ٣٧. ولم يذكروا رفعه، وكلام ابن كثير السابق حول حديث علي يدل على أنه مرفوع، انظر: \"فضائل القرآن\" ص ٤٤/ ٤٦.\n(١) قول جابر ذكره الثعلبي بسنده ١/ ٣٠/ أ، والطبري: قال شاكر: موقوف على جابر وإسناده صحيح، ١/ ١٧٣، وأخرجه الحاكم في \"المستدرك\"، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي. \"المستدرك\" ٢/ ٢٥٩، وذكره السيوطي في \"الدر\" ونسبه لوكيع، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، والمحاملي في \"أماليه\"، والحاكم. \"الدر\" ١/ ١٤، ١٥. وقول مقاتل ذكره الثعلبي بدون سند ١/ ٣٠/ أ، والبغوي ١/ ٤١.\n(٢) رفيع بن مهران، أبو العالية الرياحي، بصري مقرئ فقيه، سمع من عداد من الصحابة، مات سنة تسعين أو ثلاث وتسعين. انظر ترجمته في \"تهذيب التهذيب\" ٣/ ٢٨٤، \"غاية النهاية\" ١/ ٢٨٤، \"طبقات المفسرين\" للداودي ١/ ١٧٨، \"معرفة القراء\" ١/ ٤٩.\n(٣) ذكره الثعلبي ١/ ٣١/ أ، والأثر أخرجه الطبري بسنده، قال شاكر: شيخ الطبري لا أعرف من هو، ولعل فيه تحريفا، ووثق بقية رجاله الطبري ١/ ١٧٥، وأخرجه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\"، قال المحقق: إسناده حسن. (رسالة دكتوراه) ١/ ١٦٠. وذكره السيوطي في، \"الدر\" ونسبه لعبد بن حميد، وابن جريج، وابن أبي حاتم، وابن عدي، =","vol":"1","page":529},{"text":"وقال بكر بن عبد الله المزني (١): رأيت رسول الله - ﷺ - في المنام فسألته عن الصراط المستقيم، فقال: \"سنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي\" (٢).\nقال أهل المعاني: إنما وصف الدين الحق (٣) بأنه الصراط المستقيم؛ لأنه يؤدي إلى الغرض المطلوب من رضاء الله تعالى والخلود في النعيم المقيم، كما أن الصراط المستقيم يؤديك إلى مقصودك (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-222>٧ </span>- قوله تعالى: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ﴾: (صراط) بدل من (الصراط)\n_________\n= وابن عساكر. \"الدر\" ١/ ١٥. وذكره ابن كثير في \"التفسير\" ١/ ٥٦. وأخرجه الحاكم في \"المستدرك\" بسنده عن أبي العالية عن ابن عباس. وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، \"المستدرك\" ١/ ٢٥٩.\n(١) هو بكر بن عبد الله المزني، بصري تابعي ثقة، كثير الحديث، حجة، توفي سنة ست ومائة، وقيل: سنة ثمان ومائة. انظر: \"طبقات ابن سعد\" ٧/ ٢٠٩، \"ذكر أسماء التابعين\" ١/ ٨١، \"تاريخ الثقات\" ١/ ٢٥١، \"تهذيب التهذيب\" ١/ ٢٤٤.\n(٢) (بعدي) ساقط من (ج). والأثر ذكره الثعلبي في (تفسيره) ١/ ٣١/ أ، والبغوي ١/ ٥٤. وهذِه الأقوال يصدق بعضها بعضا وتجتمع، قال الطبري: والذي هو أولى بتأويل هذِه الآية: وفقنا للثبات على ما ارتضيته ووفقت له من أنعمت عليه من عبادك من قول وعمل، وذلك هو الصراط المستقيم؛ لأن من وفق لما وفق له من أنعم الله عليه من النبيين والصديقين والشهداء فقد وفق للإسلام واتباع منهج النبي - ﷺ - ومنهاج أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وكل عبد صالح، وكل ذلك من الصراط المستقيم) ١/ ٧٤، وانظر: \"تفسير ابن عطية\" ١/ ١٢٢، \"فتح القدير\" ١/ ٣٨.\n(٣) في (أ)، (ج): (والحق) زيادة (واو) وأثبت ما في (ب)، لأنه أصح.\n(٤) في (ب): (مقصدك). انظر: \"تفسير ابن عطية\" ١/ ١٢١، قال الطبري: (وإنما وصفه الله بالاستقامة؛ لأنه صواب لا خطأ فيه، وقد زعم بعض أهل الغباء، أنه سماه مستقيما لاستقامته بأهله إلى الجنة. وذلك تأويل لتأويل جميع أهل التفسير خلاف، وكفى بإجماع جميعهم على خلافه دليلا على خطئه)، ١/ ٧٥.","vol":"1","page":530},{"text":"الأول (١)، وهو بدل الشيء من نفسه في المعنى (٢)؛ لأن ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ هو ﴿الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ بعينه، وهو كقولك: جاءني أبوك زيد، فزيد هو الأب بعينه، وهو من بدل (المعرفة من المعرفة)، وللبدل باب معروف يذكر فيه وجوهه (٣).\nوقوله: ﴿الَّذِينَ﴾ النحويون يسمون (الذي والتي) وتثنيتهما، وجمعهما: الأسماء الموصولة، والأسماء النواقص، والأسماء المبهمة، وذلك لأنها (٤) أسماء لا تتم إلا بصلاتها، إما من مبتدأ وخبر (٥)، أو فعل وفاعل، أو ظرف، أو شرط وجزاء (٦) كقولك: جاءني الذي أبوه منطلق، والذي قام أبوه، والذي عندك، والذي إن تأته يأتك. ولا بد أن يكون في صلة (الذي) ضمير يرجع (٧) إليه، وإلا فسد الكلام (٨). و(الذين) لا يظهر فيه\n_________\n(١) انظر: \"معاني القرآن\" للأخفش ١/ ١٦٤، \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ١٢٤، \"تفسير ابن عطية\" ١/ ١٢١، \"البيان في غريب القرآن\" ١/ ٣٩، \"الكشاف\" ١/ ٦٨، وقال الزجاج: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ صفة لقوله ﴿الصراط المستقيم﴾، \"معاني القرآن\" ١/ ١٢.\n(٢) \"البيان\" ١/ ٣٩، \"الكشاف\" ١/ ٦٨.\n(٣) مكانه كتب (النحو).\n(٤) في (ب): (أنها).\n(٥) في (ب): (مبتداء لخير).\n(٦) انظر: \"الأصول في النحو\" لابن السراج ٢/ ٢٦٦، \"شرح جمل الزجاجي\" لابن عصفور ١/ ١٧٩، \"التبصرة والتذكرة\" للصيمري ١/ ٥١٧.\n(٧) في (ب): (ترجع).\n(٨) ويسمى (العائد) انظر: \"الأصول في النحو\" ٢/ ٢٦٦، \"شرح جمل الزجاجي\" ١/ ١٨١، ١٨٢، \"أوضح المسالك\" ص ٣١، \"شرح ابن عقيل\" ١/ ١٥٣، ومحل مثل هذِه المباحث كتب النحو.","vol":"1","page":531},{"text":"الإعراب (١)، تقول (٢) في الرفع والنصب والجر: (الذين) وكذلك (الذي) وإنما منع الإعراب؛ لأن الإعراب إنما يكون في أواخر الأسماء، و(الذين) من المبهمات لا تتم إلا بصلاتها، فلذلك منعت الإعراب (٣).\nفإن قيل فلم أعربته في التثنية؟. قيل: إن جميع ما لا يعرب في الواحد مشبه بالحرف الذي جاء لمعنى، فإذا ثنيته بطل شبه الحرف؛ لأن حروف المعاني لا تثنى (٤).\nفإن قيل: فلم منعته الإعراب في الجمع؟ قيل: الجمع الذي ليس على حد (٥) التثنية كالواحد، ألا ترى أنك تقول في جمع (٦) هذا: هؤلاء، فتجعله اسما واحدا للجمع (٧). فكذلك قوله (٨): ﴿الَّذِينَ﴾ إنما هو اسم لجمع، فبنيته كما بنيت (٩) الواحد، ونظير (الذي) (هذا)، فإنك لا تعربه ثم تعرب (هذين) ثم تترك الإعراب في (هؤلاء) (١٠).\n_________\n(١) في (ج): (إعراب).\n(٢) من قوله (تقول ...) اختلف الخط في نسخة (ب) وفي هامشها تنبيه على ذلك.\n(٣) من قوله (والذين لا يظهر فيه الإعراب ....) وكذا الكلام الآتي بعده أخذه عن الزجاج بتصرف يسير في العبارة. \"معاني القرآن\" ١/ ٣٤.\n(٤) أخذ الزجاج بقول الكوفيين أن تثنية (اللذين) تثنية حقيقية وأنه معرب، وعند البصريين أن تثنيته ليست على حد تثنية (زيد) و(عمرو) فهي صيغة مرتجلة على حد التثنية فهي تثنية لفظية لا معنوية. انظر: (\"الإنصاف\") ص ٥٣٩، \"البيان في غريب القرآن\" ١/ ٣٩.\n(٥) في (ب): (جمع).\n(٦) في (ب): (الجمع).\n(٧) في (ب): (للجميع).\n(٨) في (ب): (قول).\n(٩) في (ب): (فثنيته كما ثنيت).\n(١٠) عن \"معاني القرآن\" للزجاج، ١/ ٣٤.","vol":"1","page":532},{"text":"قال أبو إسحاق: وأصل (الذي)، (لذ) على وزن (عم)، كذلك قال سيبويه والخليل والأخفش (١).\nوأما الألف واللام فيه (٢)، فقال أبو الفتح الموصلي (٣): (الألف واللام) في (الذي) و(التي) وبابهما (٤) زيادة، ويدل على زيادتهما وجود أسماء موصولة مثلها معراة من (الألف واللام)، وهي مع ذلك معرفة، وتلك: (من) و(ما) و(أي) (٥). ويدل على ما قلنا: أن (الذي) إنما تعرفه (٦) بصلته دون (اللام) التي فيه، فبان أن (٧) (اللام) زائدة، إلى أنها (٨) زيادة لازمة لا يجوز (٩) حذفها (١٠).\nفإن قيل: وما كانت الحاجة إلى زيادة (اللام) (١١) حتى إنها لما زيدت\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج، ١/ ٣٤، وهذا قول جمهور البصريين، انظر: \"تفسير ابن عطية\" ١/ ١٢١، (\"الإنصاف\") ص ٥٣٥.\n(٢) أي: في (الذي).\n(٣) هو أبو الفتح عثمان بن جني سبقت ترجمته في الدراسة. نقل الواحدي عنه من كتاب \"سر صناعة الإعراب\" ١/ ٣٥٣.\n(٤) في (ج): (وبائهما).\n(٥) مثل أبو الفتح لـ (من وما وأي) ثم قال: (فتعرف هذِه الأسماء التي هي أخوات الذي والتي بغير اللام، وحصول ذلك لها بما تبعها من صلاتها دون اللام يدل على أن (الذي) إنما تعرفه ...)، \"سر صناعة الإعراب\" ١/ ٣٥٣.\n(٦) في (ب): (يعرفه).\n(٧) عند أبي الفتح (وأن اللام ..)، \"سر صناعة الإعراب\" ١/ ٣٥٣.\n(٨) في (ب): (أن زيادتها).\n(٩) في (أ)، (ج): (تجوز) وأثبت ما في (ب)، لمناسبته للسياق.\n(١٠) (لا يجوز حذفها) ليست عند أبي الفتح، ١/ ٣٥٣.\n(١١) عند أبي الفتح (في الذي والتي ونحوها)، ١/ ٣٥٣.","vol":"1","page":533},{"text":"لزمت؟ قيل: إن (الذي) (١) إنما وقع في الكلام توصلا إلى وصف المعارف بالجمل، وذلك أن الجمل نكرات. ألا ترى أنها تجري أوصافا على النكرات، نحو (٢): مررت برجل أبوه زيد، ونظرت إلى غلام قامت أخته. فلما أريد مثل هذا في المعرفة لم يمكن أن يقول (٣): مررت بزيد أبوه كريم، على أن تكون الجملة وصفا لزيد (٤)، ولم يمكن (٥) إذا أرادوا وصف المعرفة بالجمل أن يدخلوا اللام على الجملة، لأن اللام من خواص الأسماء، فجاؤوا بـ (الذي) متوصلين به إلى وصف المعارف بالجمل، وجعلوا (٦) الجملة التي كانت صفة للنكرة صلة لـ (الذي) فقالوا: مررت بزيد الذي أبوه منطلق، فألزموا (اللام) هذا الموضع لما أرادوا التعريف للوصف، ليعلموا أن الجملة قد صارت وصفا لمعرفة (٧». (٨)\n_________\n(١) في (أ)، (ج): (الذين) واخترت ما في (ب) لأنه موافق لما عند أبي الفتح، وعبارته: (والجواب: أن (الذي) إنما وقع ... الخ)، انظر: \"سر صناعة الإعراب\" ١/ ٣٥٣.\n(٢) عند أبي الفتح: (في نحو قولك ...)، ١/ ٣٥٣.\n(٣) (يقول) في جميع النسخ، وعند أبي الفتح (تقول) ١/ ٣٥٣. وهذا أصوب.\n(٤) حذف الواحدي بعض كلام أبي الفتح ونصه: (... وصفا لزيد، لأنه قد ثبت أن الجملة نكرة، ومحال أن توصف المعرفة بالنكرة، فجرى هذا في الامتناع مجرى امتناعهم أن يقولوا: مررت بزيد كريم، على الوصف، فإذا كان الوصف جملة نحو: مررت برجل أبوه كريم، لم يمكن إذا أرادوا وصف المعرفة بنحو ذلك أن يدخلوا اللام على الجملة ....)، \"سر صناعة الإعراب\" ١/ ٣٥٣ - ٣٥٤.\n(٥) في (ب): (يكن).\n(٦) في (ب): (فجعلوا).\n(٧) في (ب): (للمعرفه).\n(٨) إلى هنا ما نقله عن أبي الفتح. \"سر صناعة الإعراب\" ١/ ٣٥٤.","vol":"1","page":534},{"text":"وبيان ما ذكرنا (١) من الآية أن معنى قوله: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ صراط القوم الذين أنعمت عليهم، ولو أريد وصف القوم (بأنعمت عليهم) لم يسهل، لأنه يصلح وصفا للنكرة (٢)، فيصح في الكلام أن يقول: (٣) (صراط قوم أنعمت عليهم) فلا يصلح أن يكون وصفا للمعرفة، فلما أريد ذلك (٤) توصلوا إلى ذلك بـ (الذي).\nجاءوا (٥) بالحرف الذي وضع للتعريف (٦)، فأولوه (الذي) (٧) ليحصل لهم بذلك لفظ التعريف الذي قصدوه، ويطابق اللفظ المعنى الذي حاولوه (٨).\nوقوله تعالى: ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾، إنعام الله تعالى: مَنُّه (٩) وعطاؤه، و(النعمة) بالكسر اسم من أنعم الله عليه إنعاما ونعمة، أقيم الاسم مقام الإنعام، كما يقال: أنفق إنفاقا ونفقة (١٠).\n_________\n(١) هذا من كلام أبي الحسن الواحدي يبين فيه ما سبق ذكره عن (الألف واللام) في الاسم الموصول على لفظ الآية وهي قوله ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ فيربط إيراد هذِه المسألة النحوية بتفسير الآية.\n(٢) و(القوم) معرفة.\n(٣) في (ج): (تقول).\n(٤) أي: وصف المعرفة.\n(٥) الكلام من هنا لأبي الفتح، انظر: \"سر صناعة الإعراب\" ١/ ٣٥٤.\n(٦) وهو (اللام) كما في \"سر صناعة الإعراب\" ١/ ٣٥٤.\n(٧) (فأولوه الذي) ساقط من (ب).\n(٨) انظر بقية كلام أبي الفتح في \"سر صناعة الإعراب\" ١/ ٣٥٤، وانظر: \"أصول النحو\" لابن السراج ١/ ٢٦١، ٢٦٢.\n(٩) في (ب): (منته).\n(١٠) ذكره الأزهري في \"تهذيب اللغة\" مادة (نعم) ٤/ ٣٦١٥.","vol":"1","page":535},{"text":"وقوله تعالى: ﴿عَلَيْهِمْ﴾ يجوز كسر (الهاء) فيه وضمه (١). فمن كسر فلأن الياء أخت الكسرة وبعضها، على معنى أنها تتولد من الكسرة، ألا ترى أن (الياء) كسرة مشبعة، كما أن (الواو) ضمة مشبعة، والألف فتحة مشبعة، وإذا كان كذلك فلو انكسر ما قبل (الهاء) وجب كسرها نحو: (بهم) و(من دونهم) وكذلك (عليهم وفيهم) وذلك أن إتباع (الياء) التي هي أخت الكسرة بالكسرة أولى من إتباعه بالضمة، لثقل الانتقال من الكسرة إلى الضمة. ألا ترى أنه ليس في كلامهم (فِعُل)، ولأن هذِه (الهاء) في (عليهم) هي التي في (عليه) وفي (عليه) كسر، لأن الأصل كان (عليهو (٢» كقولك (٣) ضربته (٤).\nزعم (٥) سيبويه أن (٦) (الواو) زيدت على (الهاء) في المذكر، كما زيدت (الألف) في (٧) المؤنث ليستويا في باب الزيادة.\n_________\n(١) قرأ حمزة ويعقوب من العشرة (عليهم) بضم الهاء وقرأ الباقون (عليهم) بكسر الهاء مع اختلافهم في الميم، والأكثر بسكونها. انظر: \"السبعة\" لابن مجاهد ص ١٠٨، ١٠٩، \"الغاية\" لابن مهران ص ٧٧، \"الحجة\" للفارسي ١/ ٥٧، \"التيسير\" ص ٤٠، ٤١، \"الإقناع\" ٢/ ٥٩٥، \"النشر\" ١/ ٢٧٢، \"إتحاف فضلاء البشر\" ص ١٢٣.\n(٢) في (ب): (علهو) وفي (ج): (عليه وكقولك).\n(٣) في (ب): (كقوله).\n(٤) انظر: \"الحجة\" لأبي علي الفارسي ١/ ٥٩، ٦٠، ٦١، \"حجة القراءات\" لابن زنجله ص ٨٢.\n(٥) ذكره الزجاج في \"معاني القرآن\" ١/ ١٣، وانظر: \"الكتاب\" ٤/ ١٨٩.\n(٦) في (ب): (إلى أن) بزيادة (إلى).\n(٧) في (ب): (على). وفي \"معاني القرآن\" ١/ ١٣ للزجاج: (... كما زيدت الألف في المؤنث في قولك: ضربتها ومررت بها ...).","vol":"1","page":536},{"text":"قال الزجاج: و(١) القول في هذِه (الواو (٢» أنها زيدت لخفاء (الهاء)، وذلك أن (الهاء) تخرج من أقصى الحلق (٣)، و(الواو) حرف مد ولين، تخرج (٤) من طرف الشفتين (٥)، فإذا زيدت (الواو) بعد (الهاء) أخرجتها من الخفاء، وتسقط في (٦) الوقف، كما تسقط الضمة والكسرة، ولأنها (واو (٧) وصل) فلو ثبتت لالتبس (٨) بالأصل. فإذا قلت: مررت به، قلبت (٩) الواو (ياء) لانكسار ما قبلها (١٠) أعني (الباء) (١١)، و(الهاء) لا يعتد به حاجزا حصينا\n_________\n(١) (الواو) ساقطة من (ب).\n(٢) في \"معاني القرآن\" ١/ ١٣ للزجاج: (والقول في هذِه (الواو) عند أصحاب سيبويه والخليل أنها إنما زيدت لخفاء (الهاء) ...) ١/ ١٣.\n(٣) انظر: \"الكتاب\" ٤/ ٤٣٣، \"سر صناعة الإعراب\" ١/ ٤٦.\n(٤) في (ب): (يخرج).\n(٥) في \"معاني القرآن\": (.. و(الواو) بعد (الهاء) أخرجتها من الخفاء إلى الإبانة، فلهذا زيدت، وتسقط في الوقف ...) ١/ ١٣. وانظر: \"الكتاب\" ٤/ ٤٣٣، \"سر صناعة الإعراب\" ١/ ٤٨.\n(٦) في (ب): (من).\n(٧) في \"معاني القرآن\": (كما تسقط الضمة والكسرة في قولك: أتاني زيد، ومررت بزيد، إلا أنها (واو وصل)، فلا تثبت؛ لئلا يلتبس الوصل بالأصل ...)، وفي الهامش: عبارة ك: (.... ولأنها واو (وصل) ...) كما عند المؤلف ولعله أصوب.\n(٨) في (ب): (لالتبست). وهذا أحسن للسياق.\n(٩) في \"المعاني\": (فإذا قلت: مررت بهو يا فتى، فإن شئت قلت: مررت بهي، فقلبت الواو ياء ...)، ١/ ١٣.\n(١٠) في (ج): (بما قبلها).\n(١١) (الباء) كذا في جميع النسخ. وفي \"معاني القرآن\": (أعني (الياء) المنكسرة. فإن قال قائل: بين الكسرة والواو (الهاء)، قيل: (الهاء) ليست بحاجز حصين، فكأن ... الخ ١/ ١٣ ولعل ما في \"المعاني\" خطأ مطبعي.","vol":"1","page":537},{"text":"لخفائه، فكأن (١) الكسرة تلي (الواو)، ولو كانت (الهاء) حاجزا حصينا ما زيدت (الواو) عليها.\nوبهذه (٢) العلة كسرت الهاء في (عليه) وكان الأصل (عليهو) (٣) فقلبت (٤) الواو (ياء) (٥) للياء التي قبلها ثم حذفت (٦) لسكونها، وسكون الياء قبل الهاء، والهاء ليس بحاجز، فإذا كسر في (عليه) أقر على الكسر في (عليهم) إذ (٧) كانت العلة واحدة (٨). ومن ضم (الهاء) فقال: كان الأصل (عليهو) فحذفت الواو لسكونها وسكون (الياء) وبقيت الضمة لتدل على الواو (٩).\nوأما حمزة (١٠) فإنه يقرأ: (عليهم) و(إليهم) و(لديهم) بالضم في هذِه الثلاثة (١١) وحجته (١٢): أن هذِه الحروف إن وليهن ظاهر صارت (ياءاتهن)\n_________\n(١) في (ج): (وكان).\n(٢) في (ب): (وهذِه).\n(٣) في (ب): (علهو).\n(٤) في (ج): (فقلبت الواو بالياء).\n(٥) فتكون (عليهى) انظر: \"معاني القرآن\" ١/ ١٤.\n(٦) في (ب): (حذف).\n(٧) في (ج): (اذا).\n(٨) انتهى ما نقله من الزجاج، وآخر كلامه نقله بمعناه. انظر: \"معاني القرآن\" ١/ ١٣، ١٤.\n(٩) ذكره الزجاج، انظر: \"معاني القرآن\" ١/ ١٤، \"الحجة\" لأبي علي ١/ ٦٠، \"حجة القراءات\" ص ٨١، \"الحجة\" لابن خالويه ص ٦٣، \"الكشف\" لمكي ١/ ٣٥.\n(١٠) هو حمزة بن حبيب بن عمارة، الكوفي، التيمي بالولاء، وقيل: من صميمهم، الزيات أحد القراء السبعة (٨٠ - ١٥٦ هـ)، انظر ترجمته في \"معرفة القراء الكبار\" ١/ ١١١، \"غاية النهاية\" ١/ ٢٦١.\n(١١) انظر: \"السبعة\" لابن مجاهد ص ١٠٨، \"الحجة\" لأبي علي الفارسي ١/ ٥٧.\n(١٢) ما سبق إنما هو حجة لحمزة في قراءته بالضم نقله الواحدي عن الزجاج، ثم نقل مزيدا =","vol":"1","page":538},{"text":"ألفات، نحو: على زيد، وإلى عمرو، ولدى بكر (١)، ولا يجوز كسر (الهاء) إذا كان قبلها ألف (٢)، فلما كان الأصل في هذِه (الياءات) الألف اعتبره حمزة فيها الأصل (٣) دون الرسم والخط (٤).\nفإن قيل: ينقض هذا بالواحد والتثنية (٥)؟ قلنا: لا ينقض، لأنه أراد أن يخالف بين بناء الواحد والتثنية، وبين بناء الجمع، وذلك أن الجمع يخالفهما في البناء في أكثر الأمر، ألا ترى أنك تقول: رجل ورجلان، وحمار وحماران، ثم تقول في الجمع: رجال وحمر، فاتفق بناء الواحد والتثنية، وخالف بناء الجمع بناءها، فلهذا ضم الهاء في (عليهم ولديهم وإليهم (٦» ولم يضم في (عليه وعليهما).\nوأما من (٧) ضم من القراء كل هاء قبلها (ياء) ساكنة نحو: فيهم\n_________\n= من الاحتجاج لقراءته بالضم من \"الحجة\" لأبي علي، حيث قال: (وحجة من قرأ (عليهم) -وهو قول حمزة- أنهم قالوا: ضم الهاء هو الأصل، وذلك أنها إذا انفردت من حروف تتصل بها قيل: (هم فعلوا). والواو هي القراءة القديمة، ولغة قريش، وأهل الحجاز، ومن حولهم من فصحاء اليمن. قالوا: وأما خص حمزة هذِه الحروف الثلاثة بالضم -، وهي: (عليهم) و(إليهم) و(لديهم) - لأنهن إن أولاهن ظاهرا صارت ... الخ ما ذكره المؤلف عنه. \"الحجة\" ١/ ٦٠، وانظر: \"الكشف\" لمكي ١/ ٣٥.\n(١) في (ب): (آل زيد وآل عمر وكذا بكر) تصحيف.\n(٢) انظر: \"الحجة\"، ١/ ٦٠.\n(٣) فضم الهاء، ولم يكسرها.\n(٤) انظر: \"الحجة\"، ١/ ٨٣.\n(٥) فلم يحصل الضم في الواحد والتثنية فيقال: عليه وعليهما بالكسر، كما سيأتي.\n(٦) في (ب): (عليهم وإليهم ولديهم).\n(٧) في (ب): (في).","vol":"1","page":539},{"text":"ويأتيهم (١)، فحجته إجماعهم على ضمها إذا كان قبلها حرف ساكن سوى الياء، نحو (عنهم ومنهم) فكذلك الياء. هذا هو الكلام في (الهاء).\nفأما (الميم) فأهل (٢) الحجاز يضمون (ميم) كل جمع حتى يلحقوا بها (واوا) (٣) في اللفظ (٤)، وحجتهم: أن أصلها أن تكون مقرونة (بواو) في اللفظ والخط، لأن أكثر جموع المذكورين بالواو في الفعل (٥) والاسم، نحو: فعلوا (٦) (٧) ويفعلون ومسلمون وصالحون، فعاملوا المكني معاملة الأسماء الظاهرة المجموعة و(٨) الأفعال من إلحاق الواو بها (٩).\nوالدليل على أن الأصل فيه ما ذكرنا، إجماعهم على إثبات الواو في اللفظ بعد الميم عند اتصاله بالمكني (١٠)، كقوله: ﴿أَنُلْزِمُكُمُوهَا﴾ [هود: ٢٨] و﴿وَاتَّخَذْتُمُوهُ﴾ [هود: ٩٢].\n_________\n(١) وهي قراءة يعقوب من العشرة، انظر: \"الغاية\" ص ٧٧، \"النشر\" ١/ ٢٧٢، \"إتحاف فضلاء البشر\" ص ١٢٣، وهذا مخالف لنهج المؤلف في القراءات حيث ذكر قراءة عشرية، وعادته أن يذكر السبع فقط.\n(٢) في (ج): (فإن أهل).\n(٣) في (ب): (واو) بدون تنوين.\n(٤) قراءة ابن كثير: يصل الميم بواو انضمت الهاء قبلها أو انكسرت. انظر: \"السبعة\" لابن مجاهد ص ١٠٨، \"الحجة\" ١/ ٥٧، \"الكشف\" ١/ ٣٩.\n(٥) في (ج): (في الاسم والفعل).\n(٦) في (ب): (يفعلوا).\n(٧) (الواو) ساقطة من (ج).\n(٨) (الواو) ساقطة من (ب).\n(٩) انظر: \"الحجة\" ١/ ١٠٤، ١٣٣، \"الكشف\" ١/ ٣٩، \"حجة القراءات\" ص ٨١، \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ١٣، ١٤، \"المحتسب\" ١/ ٤٤، \"البيان\" ١/ ٣٩.\n(١٠) انظر: \"الحجة\" ١/ ١٠٦، \"حجة القراءات\" ص ٨١.","vol":"1","page":540},{"text":"وأما من أسكن الميم (١)، فحجته: خط المصاحف، وذلك أن هذِه الواوات حذفت من الخط اقتصارًا على الميم، واكتفاءً بها من علامة الجمع كما حذفت ياء الإضافة من الأسماء والأفعال اقتصارا على الكسرة والنون التي قبلها (٢).\nوقال ابن السراج (٣): إنما أسكنوا لأنه قد أمن اللبس، إذ كانت (الألف) في التثنية قد دلت على الاثنين، ولا (ميم) في الواحد، فلما لزمت (الميم) الجمع حذفوا (الواو) وأسكنوا (الميم) طلبا للتخفيف، إذ كان لا يشكل (٤).\nوروى ورش (٥) عن نافع (٦) ضم الميم ووصلها بواو إذا (٧) استقبلها\n_________\n(١) وعليه أكثر القراء كما سبق، وانظر: \"الكشف\" ١/ ٤٠.\n(٢) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ١٤، \"الحجة\" ١/ ٨٠، ٨٢، \"الحجة\" لابن خالويه ص ٦٣، \"الكشف\" ١/ ٤٠.\n(٣) هو أبو بكر محمد بن السري سبقت ترجمته في الدراسة، وقد نقل عنه أبو علي في \"الحجة\" كثيرا، لأنه أول من بدأ في بيان حجج القراءات السبع التي جاءت في كتاب ابن مجاهد. ولم يتم الكتاب، وألف أبو علي كتاب \"الحجة\" وأتم ما شرع به ابن السراج وضمن أبو علي كتابه كلام ابن السراج. انظر مقدمة \"الحجة\" ص ٧.\n(٤) \"الحجة\" ١/ ٥٩، ٦٠.\n(٥) هو عثمان بن سعيد القبطي، مولى آل الزبير بن العوام، كنيته: أبو سعيد، وقيل غير ذلك. أحد القراء المشهورين، وأشهر رواة نافع، أحد السبعة ولادته ووفاته (١١٠ - ١٩٧ هـ). انظر ترجمته في \"معرفة القراء الكبار\" ١/ ١٥٢، \"غاية النهاية\" ١/ ٥٠٢.\n(٦) نافع بن عبد الرحمن بن أبي نعيم الليثي بالولاء، كنيته أبو رويم، وقيل غير ذلك. أحد القراء السبعة الذين اعتمدهم ابن مجاهد في كتابه، مات سنة تسع وستين ومائة، وقيل غير ذلك، وانظر ترجمته في \"معرفة القراء\" ١/ ١٠٧، \"غاية النهاية\" ٢/ ٣٣٠.\n(٧) في (ب): (وإذا).","vol":"1","page":541},{"text":"همزة (١)، ومذهبه حذف الهمزة ونقل حركتها [إلى الساكن قبلها، فلما احتاج إلى تحريك الميم حركها (٢)] (٣) بالحركة التي كانت لها في الأصل وهي (الضمة)، فلما أشبع ضمتها تولدت منها (واو)، فاحتاج إلى مدها لاستقبال الهمزة إياها (٤).\nوأيضا فإنه لو نقل فتحة الهمزة إلى ميم الجمع عند استقبال الهمزة المفتوحة نحو: ﴿عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ﴾ (٥) [البقرة: ٦] وما أشبهه، لأشبه التثنية، فلما مدها عند الهمزة المفتوحة ولم ينقل حركتها إليها مخافة الالتباس فعل ذلك به عند الهمزة المضمومة والمكسورة؛ لئلا يختلف الطريق عليه (٦).\nوكان حمزة والكسائي يضمان (٧) (الهاء) و(الميم) عند ألف الوصل (٨) نحو: ﴿عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ﴾ [البقرة: ٦١] و﴿إِإِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ﴾ [يس: ١٤] و﴿مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ﴾ [القصص: ٢٣] وحجتهما أنه لما احتيج إلى تحريك (الميم) لالتقاء الساكنين كان تحريكها بحركة الأصل، وهي الضم أولى (٩)، ثم أتبعت الهاء\n_________\n(١) قراءة نافع كسر الهاء، وأما الميم فالمشهور عنه الإسكان، وروى عنه الضم وروى ورش عن نافع أن الميم إذا لقيها همزة ألحق بها واوا. انظر: \"السبعة\" ص ١٠٨، ١٠٩، \"الحجة\" للفارسي ١/ ٥٨، \"الكشف\" ١/ ٣٩.\n(٢) في (ج): (حركتها).\n(٣) مابين المعقوفين ساقط من (ب).\n(٤) انظر: \"الحجة\" للفارسي ١/ ١٠٧، \"الكشف\" ١/ ٣٩.\n(٥) ووردت الآية في (ب) ﴿عليهم أنذرتهم أم لم﴾ وهو تصحيف.\n(٦) في (ب): (إليه).\n(٧) في (ج): (يضمون).\n(٨) في (ج): (لوصل).\n(٩) في (ب): (أولا).","vol":"1","page":542},{"text":"ضمة الميم استثقالًا للخروج من الكسر إلى الضم (١).\nوكان أبو عمرو (٢) يكسرها عند ألف الوصل؛ لأنه يكسر الميم على أصل تحريك الساكن بالكسر إذا لقيه ساكن آخر، ويكسر الهاء بتبع الكسر لثقل الضم بعد الكسر (٣).\nوأما من كسر (الهاء) وضم (الميم) عند ألف الوصل (٤)، فإنه يقول: لما احتجت إلى حركة الميم رددته إلى أصله، فضممت وتركت الهاء على كسرها، لأنه لم تأت ضرورة تحوج (٥) إلى ردها إلى الأصل (٦).\nفأما التفسير: فقال ابن عباس: ﴿الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٧]: هم قوم موسى وعيسى قبل أن يغيروا نعم الله ﷿ (٧).\nوقال عكرمة: أنعمت عليهم بالثبات على الإيمان والاستقامة (٨).\n_________\n(١) انظر: \"حجة القراءات\" لابن زنجلة ص ٨٢، \"الكشف\" ١/ ٣٧، قال أبو علي الفارسي في \"الحجة\" (تحريك حمزة الميم في (عليهم ولديهم وإليهم) خاصة بالضم مستقيم حسن، وذلك أنه يضم (الهاء) في هذِه الأحرف ولا يكسرها فإذا ضمها لم يكن في تحريك الميم إلى الضم ولم يجز الكسر ..)، ثم أخذ يحتج لموافقة الكسائي له في ذلك، \"الحجة\" ١/ ١١٧، ١١٨.\n(٢) زبان بن العلاء، أحد السبعة سبقت ترجمته.\n(٣) انظر: \"الحجة\" لأبي علي ١/ ١١٠، \"حجة القراءات\" لابن زنجلة ص ٨٢.\n(٤) وهي قراءة ابن كثير ونافع وعاصم وابن عامر. انظر: \"السبعة\" ص ١٠٨، ١٠٩، \"الحجة\" لأبي علي ١/ ٥٨.\n(٥) في (ج): (تخرج).\n(٦) انظر: \"الحجة\" لأبي علي ١/ ١٠٨، \"حجة القراءات\" ص ٨٢.\n(٧) ذكره الثعلبي في \"الكشف\" ١/ ٣١/ ب، وذكره ابن عطية في \"تفسيره\" وقال: حكاه مكي وغيره عن فرقة من المفسرين، وقال ابن عباس: أصحاب موسى قبل أن يبدلوا. \"تفسير ابن عطية\" ١/ ١٢٢، وانظر: \"لباب التفاسير\" للكرماني ١/ ٩٨ (رسالة دكتوراه).\n(٨) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ٣١/ ب.","vol":"1","page":543},{"text":"وقيل: هم الذين ذكرهم الله في قوله (١) سبحانه: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [النساء: ٦٩].\nوقال ابن جرير: في الآية اختصار، معناه: صراط الذين أنعمت عليهم بالهداية إلى الصراط. والعرب تحذف من الكلام إذا كان في الباقي دليل عليه (٢). وستمر بك أشباه لهذا كثيرة.\nوقوله تعالى: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ (غير) (٣) ينخفض على ضربين (٤): على البدل من (الذين)، ويستقيم أن يكون صفة (الذين). و(غير) نكرة، وجاز (٥) أن يقع هاهنا صفة لـ (الذين)، لأن الذين هاهنا ليس بمقصود قصدهم (٦)، فهو بمنزلة قولك: إني لأمرُّ بالرجل مثلك فأكرمه.\n_________\n(١) ذكره الثعلبي في \"الكشف\" ولم يعزه لأحد ١/ ٣١/ ب، وذكر الطبري بسنده عن ابن عباس: يقول: (طريق من أنعمت عليهم بطاعتك وعبادتك من الملائكة والنبيين والصديقين والشهداء والصالحين، الذين أطاعوك وعبدوك). \"تفسير الطبري\" ١/ ٧٦، (قال شاكر: الخبر ضعيف الإسناد) \"تفسير الطبري\" ١/ ١٧٨، أخرجه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ١/ ٣١، وذكره السيوطي في \"الدر\" ١/ ٤٢، قال ابن عطية في \"تفسيره\": هو قول ابن عباس وجمهور المفسرين ١/ ١٢١، وانظر: \"تفسير القرطبي\" ١/ ١٢٩.\n(٢) انظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ٧٦. وذكر الواحدي كلام ابن جرير بالمعنى.\n(٣) قرأ نافع وعاصم وأبو عمرو وابن عامر وحمزة والكسائي (غير) بخفض (الراء). وروي عن ابن كثير النصب والرفع. انظر: \"السبعة\" لابن مجاهد ص ١١١، \"الحجة\" للفارسي ١/ ١٤٢، \"البحر المحيط\" ١/ ٢٩.\n(٤) ذكره أبو علي في \"الحجة\" عن أبي بكر بن السراج، حيث قال: (قال أبو بكر في \"الحجة\" في الجر: إنهم قالوا: ينخفض على ضربين ..)، والكلام كله بنصه في \"الحجة\" ١/ ١٤٢، وانظر: \"السبعة\" لابن مجاهد ص ١١٢.\n(٥) في (ج): (ويجوز).\n(٦) أي: لم يقصد به قصد قوم بأعيانهم، لأن (الذين) مع كونه معرفة فهو قريب من النكرة =","vol":"1","page":544},{"text":"ويجوز (النصب) على ضربين: على الحال، والاستثناء (١)، أما الاستثناء: فكأنك قلت: إلا المغضوب عليهم، وهو (٢) استثناء الشيء من غير جنسه، وحق (غير) في الاستثناء النصب إذا كان ما بعد (إلا) منصوبا (٣).\nوأما الحال: فكأنك قلت: (صراط الذين أنعمت عليهم لا مغضوبا عليهم).\nقال ابن السراج (٤): ويجوز عندي النصب على (٥) (أعنى). وقد حكي عن الخليل نحو هذا، أنه أجازه على وجه (٦) القطع من الأول، كما يجيء المدح. ولمن نصب أن يقول (٧): (غير) نكرة وكرهت أن أصف بها المعرفة.\n_________\n= لأنه عام. انظر؛ \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٧، \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ١٦، \"البحر\" ١/ ٢٩.\n(١) نسب ابن مجاهد (القول بالنصب على الاستثناء) إلى الأخفش، وقال: هذا غلط. ابن مجاهد ص ١١٢، وانظر: \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ١٢٥، \"البحر\" ١/ ٢٩.\n(٢) قوله: (وهو استثناء الشيء ... إلى قوله إذا كان ما بعد (إلا) منصوبا) ليس من كلام ابن السراج وما قبله وما بعده كله لابن السراج، انظر: \"الحجة\" ١/ ١٤٢.\n(٣) انظر: \"الأصول\" لابن السراج ١/ ٢٨٤، \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ١٢٥، \"البحر\" ١/ ٢٩.\n(٤) هذا وما قبله بنصه مما نسبه أبو علي الفارسي في \"الحجة\"، لأبي بكر محمد بن سهل بن السراج، فالكلام كله لابن السراج، نقل الواحدي أوله بدون عزو ثم عزا آخره له، وهذا يلاحظ على منهج الواحدي في العزو. انظر: \"الحجة\" ١/ ١٤٢، ١٤٣.\n(٥) في \"الحجة\": (قال: ويجوز عندي النصب أيضا على (أعني) ....) فذكر: (أيضا) لأنه عطفه على كلام قبله، ذكر فيه وجوها أخرى للنصب. انظر ١/ ١٤٣.\n(٦) في \"الحجة\": (.. على وجه الصفة والقطع من الأول ...) ١/ ١٤٣.\n(٧) في \"الحجة\": (.. ومما يحتج به لمن يفتح أن يقال: (غير) تكره، فكره أن يوصف به المعرفة) ١/ ١٤٣.","vol":"1","page":545},{"text":"والاختيار الكسر (١). ولا يلزم وصف المعرفة بالنكرة؛ لأن حكم كل مضاف إلى معرفة (٢) أن يكون معرفة، وإنما تنكرت (غير) و(مثل) مع إضافتهما إلى المعارف من أجل معناهما، وذلك أنك إذا قلت: رأيت غيرك، فكل شيء يرى سوى المخاطب هو غيره (٣)، وكذلك إذا قال: رأيت مثلك، فما هو مثله لا يحصى، يجوز أن يكون مثله في خلقه، وخلقه، وفي جاهه، وفي نسبه، وفي علمه، فإنما صارا (٤) نكرتين من أجل المعنى. فأما إذا كان شيء معرفة له ضد واحد، وأردت إثباته ونفي ضده، وعلم السامع (٥) ذلك الضد فوصفته بـ (غير) وأضفت (غير (٦» إلى ضده، فهو معرفة، وذلك نحو قولك: عليك بالحركة غير السكون، فغير السكون معرفة، وهو (٧) الحركة، فكأنك كررت الحركة تأكيدا.\nوكذلك قوله: ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ فغير المغضوب عليهم، هم الذين أنعم عليهم، لأن من أنعم عليه بالإيمان، فهو غير مغضوب عليه، فهو مساو له في معرفته، ومتى كانت (غير) بهذِه الصفة، وقصد هذا\n_________\n(١) هذا من كلام أبي بكر بن السراج واختياره حيث قال: (والاختيار الذي لا خفاء به الكسر، ألا ترى أن ابن كثير قد اختلف عنه ...) وقد اختصر الواحدي كلام ابن السراج. انظر: \"الحجة\" ١/ ١٤٣.\n(٢) في (ب): (معرفته).\n(٣) في \"الحجة\": (فكل شيء ترى سوى المخاطب فهو غيره) وفي الهامش: ط: (تراه)، انظر: \"الحجة\" ١/ ١٤٣.\n(٤) أي: (غير) و(مثل).\n(٥) في \"الحجة\": (... وعلم ذلك السامع فوصفته بغير ....)، ١/ ١٤٤.\n(٦) في (أ): (غيرا).\n(٧) في \"الحجة\" (وهي) ١/ ١٤٤.","vol":"1","page":546},{"text":"القصد فهي معرفة (١). وكذلك لو عرف إنسان بأنه مثلك في ضرب من الضروب لقيل فيه (٢): قد جاء مثلك، لكان معرفة، إذا أردت المعروف بشبهك (٣)، والمعرفة والنكرة بمعانيهما (٤). ومن جعل (غير) بدلا استغنى عن هذا الاحتجاج (٥)، لأن النكرة قد تبدل من المعرفة)، انتهى كلام ابن السراج (٦).\nقال صاحب (٧) \"الحجة\": أما الخفض في (٨) (غير) فعلى البدل أو الصفة، والفصل بين البدل والصفة في قول سيبويه (٩) إن البدل في تقدير تكرير العامل، بدلالة (١٠) حرف الجر في قوله سبحانه: ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا\n_________\n(١) في \"الحجة\": (.. فالذين أنعم عليهم لا عقيب لهم إلا المغضوب عليهم، فكل من أنعم عليه بالإيمان فهو غير مغضوب عليه، وكل من لم يغضب عليه فقد أنعم عليه. فغير المغضوب عليهم هم الذين أنعم عليهم، فهو مساو له في معرفته. هذا الذي يسبق إلى أفئدة الناس وعليه كرمهم. فمتى كانت (غير) بهذِه الصفة وقصد بها هذا القصد، فهي معرفة ...) فالواحدي نقل كلام ابن السراج بتصرف واختصار. انظر: \"الحجة\" ١/ ١٤٤.\n(٢) في (أ)، (ج): (منه) وما في (ب) موافق لما في \"الحجة\" ١/ ١٤٤.\n(٣) في (ج): (يشبهك).\n(٤) جاء في \"الحجة\" بعده: (فكل شيء خلص لك بعينه من سائر أمته فهو معرفة ...)، ١/ ١٤٤.\n(٥) في ب: (الاحتياج).\n(٦) في (ب): (ابن الشهاب السراج) تصحيف. وفي \"الحجة\": (انتهت الحكاية عن أبي بكر) ١/ ١٤٤.\n(٧) أبو علي الفارسي، \"الحجة\" ١/ ١٤٥.\n(٨) في (ب): (من غير).\n(٩) نص كلام أبي علي (.. والفصل بين البدل في تقدير تكرير العامل، وليس كالصفة ولكن كأنه في التقدير من جملتين بدلالة تكرير حرف الجر ... الخ)، فلم يرد ذكر قوله: (في قول سيبويه) وقد ورد ذكر سيبويه في كلام أبي علي بعد هذا الموضع. انظر: \"الحجة\" ١/ ١٤٥، \"الكتاب\" ٢/ ١٤، ٣٨٦.\n(١٠) في (ج): (بدلال).","vol":"1","page":547},{"text":"مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ﴾ (١) فهو يفارق الصفة من هذا الوجه (٢).\nوأيضًا (٣) فإن النكرة تبدل من المعرفة، والمظهر من المضمر (٤)، وهذا مما لا يجوز في الصفة، لا يجوز وصف المعرفة بالنكره، ولا وصف المضمر بالظاهر (٥).\nوكما أعيدت اللام الجارة في البدل (٦)، فكذلك يكون العامل الناصب (٧) والرافع في تقدير التكرير. ويشترك البدل مع الصفة في أن كل واحد منهما تبيين (٨) للأول (٩).\n_________\n(١) الشاهد من الآية: قوله (لمن آمن) فهو بدل من (الذين استضعفوا) بإعادة حرف الجر وهي (اللام) بدل البعض من الكل، لأن في المستضعفين من ليس بمؤمن، هذا على عود الضمير في (منهم) إلى (الذين استضعفوا) فإن عاد الضمير إلى (قومه) كان بدل كل من المستضعفين، انظر: \"فتح القدير\" ٢/ ٣٢١.\n(٢) قوله: (فهو يفارق الصفة من هذا الوجه) ليس في \"الحجة\" ١/ ١٤٥، والوجه المراد هو ما ذكره: من أن البدل في تقدير تكرير العامل.\n(٣) نص كلام أبي علي في \"الحجة\" قال بعد أن ذكر الآية (.... وبدلالة بدل النكرة من المعرفة)، ١/ ١٤٥.\n(٤) في (ب): (المظهر).\n(٥) قوله: (لا يجوز وصف المعرفة بالنكرة، ولا وصف المضمر بالمظهر) ليس في \"الحجة\" ١/ ١٤٥.\n(٦) في \"الحجة\" (في الاسم) ١/ ١٤٥.\n(٧) في \"الحجة\" (الرافع أو الناصب) ١/ ١٤٥.\n(٨) في (ب): (يبين).\n(٩) ذكر كلام أبي علي بمعناه انظر: \"الحجة\" ١/ ١٤٥.","vol":"1","page":548},{"text":"فمن جعل (١) (غير) في الآية (٢) بدلا، كان تأويله بيِّنًا، وذلك أنه لا يخلو من أن يجعل (غير (٣» معرفة (٤) أو نكرة. فإن جعله معرفة فبدل المعرفة من المعرفة سائغ (٥)، وإن جعله نكرة فبدل النكرة من المعرفة مشهور (٦).\nوأما من قدر (غير) صفة و(الذين (٧) فإنما جاز أن يصف (الذين) بـ (غير) (٨) من حيث لم يكن (الذين) مقصودا قصدهم (٩). فصار مشابها للنكرة، من حيث اجتمع معه في أنه لم يرد به شيء معين.\nونظير ذلك مما دخله (الألف واللام)، فلم يختص بدخولهما عليه (١٠)،\n_________\n(١) انتقل إلى موضع آخر في \"الحجة\" ١/ ١٤٩.\n(٢) أي: قوله تعالى: ﴿غير المغضوب عليهم﴾.\n(٣) في \"الحجة\" (غيرا).\n(٤) في (ب): (معرفة في الآية بدل أو نكره).\n(٥) في (ب): (شائع)، وفي \"الحجة\" (سائغ مستقيم كقوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة:٧،٦]، ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧] ١/ ١٤٩.\n(٦) انظر بقية كلام أبي علي في \"الحجة\" ١/ ١٤٩.\n(٧) أي: في قوله ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٧].\n(٨) كلام أبي علي: (وأما من قدر (غير) صفة لـ (الذين)، وقدره معرفة لما ذكره أبو بكر - يريد ابن السراج كما نقل كلامه فيما سبق- فإن وصفه لـ (الذين) بـ (غير) كوصفه له بالصفات المخصوصة، وقد حمله سيبويه على أنه وصف. ومن لم يذهب بـ (غير) هذا المذهب، ولم يجعله مخصوصا استجاز أن يصف (الذين) بـ (غير) من حيث لم يكن الذين مقصودا قصدهم ..)، ١/ ١٥٣، فاختصر الواحدي كلام أبي علي فقارن بينهما.\n(٩) أي: لم يقصد به قصد قوم بأعيانهم.\n(١٠) أي: لم يختص بواحد بعينه وإنما عرفته (ال) تعريف جنس. انظر: \"سر صناعة الإعراب\" ١/ ٣٥٠.","vol":"1","page":549},{"text":"لما لم يكن مقصودا قصده (١)، قولهم: قد أمر (٢) بالرجل مثلك فيكرمني (٣)، فوصف الرجل بمثلك لما لم يكن معينا (٤).\nومما (٥) جاء (غير) فيه صفة (٦) قوله: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ [النساء: ٩٥] فمن رفع (غير) (٧) كان وصفا للقاعدين، والقاعدون غير مقصود قصدهم (٨)، كما كان قوله: ﴿الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ كذلك. والتقدير: لا يستوي القاعدون من المؤمنين الأصحاء، والمجاهدون (٩).\nوأما من نصب (غير) على الاستثناء، فإن الفراء ينكر جواز (١٠) ذلك،\n_________\n(١) أي: ما دخله (الألف واللام) لم يقصد به قصد قوم بأعيانهم، فلم يختص بدخول (الألف واللام) عليه.\n(٢) في (ج): (أصر).\n(٣) في \"الحجة\" (.. فيكرمني، عند سيبويه، فوصف الرجل ..)، \"الحجة\" ١/ ١٥٤. وانظر: \"الكتاب\" ٢/ ١٣، وتعليق عبد السلام هارون عليه.\n(٤) انظر بقية كلام أبي علي في \"الحجة\" ١/ ١٥٤ وما بعدها.\n(٥) في (ب): (وما غير).\nأورد أبو علي الآية، بعد أن تكلم عن نصب (غير) بالاستثناء. وخرج الآية على الوجهين الرفع والنصب. انظر: \"الحجة\" ١/ ١٦٠.\n(٦) في (ج): (لا يستوي المؤمنون القاعدون من المؤمنين) تصحيف في الآية.\n(٧) كذا وردت بالنصب في جميع النسخ \"الحجة\" ١/ ١٦٠.\n(٨) أي: لم يقصد به قصد قوم بأعيانهم، وإنما المراد من اتصف بهذِه الصفة وهي القعود عن الجهاد وهو غير ذي ضرر.\n(٩) في (ب): (المجاهدين).\n(١٠) أنكر الفراء ذلك رادا على أبي عبيدة فيما ادعاه: أن (غير) في قوله: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ بمعنى (سوى) وأن (لا) في قوله: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ صلة. انظر كلام الفراء في \"معاني القرآن\" ١/ ٨، وكذلك رد عليه الطبري ناقلا عن الفراء، انظر: \"تفسير الطبري\" =","vol":"1","page":550},{"text":"وقال: لو كان (غير) هاهنا منصوبا على الاستثناء كان بمعنى (سوى) فلم يجز أن يعطف عليه بقوله: (ولا (١» لأن (لا) نفي وجحد، ولا يعطف بجحد إلا على جحد، ولا يجوز في الكلام استثناء يعطف عليه بجحد، كما تقول: [رأيت القوم إلا زيدا ولا عمرا، وإنما يعطف الجحد على الجحد، كما تقول:] (٢) ما قام أبوك ولا أخوك (٣).\nومن أجاز (٤) الاستثناء فإنه يقول: لا يمتنع دخول (لا) (٥) بعد الحرف العاطف (٦) لأن الاستثناء يشبه النفي، ألا ترى أن قولك: جاءني القوم إلا زيدا، بمنزلة قولك: جاءني القوم لا زيد. فيجوز أن تعطف (٧) بـ (لا) حملا على المعنى، ويجوز أن تجعلها زيادة في هذا الوجه (٨)، كما تجعلها زيادة في قوله: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ﴾ (٩) [فاطر: ٢٢].\n_________\n= ١/ ٨١، وانظر: \"مجاز القرآن\" ١/ ٢٥.\nوأما أبو علي فيأخذ بقول أبي عبيدة كما سيأتي كلامه، ومنه قوله: (ومن جعل (غير) استثناء لم يمتنع على قوله دخول لا بعد الحرف العاطف ...) \"الحجة\" ١/ ١٦٣.\n(١) يريد قوله ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾. انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٨، والطبري ١/ ٧٩، ١٩٠.\n(٢) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).\n(٣) انظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ٧٩.\n(٤) هذا من كلام أبي علي في \"الحجة\" ١/ ١٦٣.\n(٥) في (ب): (إلا) تصحيف.\n(٦) كما في قوله: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾.\n(٧) في (ب): (يعطف) وفي \"الحجة\": (أن تدخل \"لا\") ١/ ١٦٣.\n(٨) هذا رأي أبي عبيدة، انظر: \"مجاز القرآن\" ١/ ٢٥، دافع عنه أبو علي في وجه المنكرين له كالفراء. انظر: \"الحجة\" ١/ ١٦٣.\n(٩) استدل أبو علي بالآية على أن (لا) زائدة، وهذا ليس بالاتفاق فهناك من يقول ليست زائدة. انظر: \"تفسير الطبري\" ٢٢/ ١٢٩.","vol":"1","page":551},{"text":"وإذا جاز دخول (لا) (١) مع الاستثناء لهذين الوجهين (٢) فلا وجه لقول من أنكره (٣).\nوكذلك (٤) يجوز زيادة (لا) في قول من جعل (غير) حالا أو صفة أو بدلا. وقد دخلت (لا) زائدة في مواضع كثيرة في التنزيل وغيره، من ذلك قوله (٥): ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ﴾ الآية [الحديد: ٢٩]. والذين يجوزون زيادة (لا) يقولون: إنما تجوز إذا تقدمه نفي (٦) كقوله:\nما كان يرضى رسول الله دينهم ... والطيبان أبو بكر ولا عمر (٧)\nوليس الأمر كذلك (٨) فقد جاء زيادتهما في الإيجاب كما في النفي، قال\n_________\n(١) في (ب): (الا) تصحيف.\n(٢) والوجهان هما:\n١ - أن الاستثناء يشبه النفي، فتدخل (لا) حملا على المعنى.\n٢ - جعلها زيادة، انظر: \"الحجة\" ١/ ١٦٣.\n(٣) ممن أنكره الفراء.\n(٤) في (ب): (ولذلك).\n(٥) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ١٣٧، \"الكتاب\" ١/ ٣٩٠.\n(٦) هذا قول الفراء. انظر: \"معاني القرآن\" ١/ ٨، وكذا الطبري انظر: \"تفسيره\" ١/ ٨١. وقوله: (الذين يجوزون زيادة (لا) ... مع البيت بعده) لم يرد في كلام أبي علي الفارسي. انظر: \"الحجة\" ١/ ١٦٣، ١٦٤.\n(٧) البيت لجرير يهجو الأخطل، وقد استشهد الفراء بالبيت على جواز زيادة (لا) إذا تقدمها نفي. انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٨، وورد البيت في \"تفسير الطبري\" ١/ ٨٢، \"الأضداد\" لابن الأنباري ص ٢١٥، \"نقائض جرير والأخطل\" ص ١٧٤، \"ديوان جرير\" ص ٢٠١.\n(٨) هذا رأي الواحدي كما هو رأي أبي عبيدة وأبي علي الفارسي حيث اتفقوا على جواز زيادة (لا) في الإيجاب. انظر: \"مجاز القرآن\" ١/ ٢٥ - ٢٧، \"الحجة\" ١/ ١٦٤، والكلام منقول منها.","vol":"1","page":552},{"text":"ساعدة الهذلي (١):\nأفعنك لا برق كأن وميضه ... غابٌ تشيَّمَه (٢) ضِرامٌ مثقَبُ (٣)\nوأنشد أبو عبيدة:\nويلحينني في اللهو ألا أحبه ... وللهو داع دائب غير غافل (٤)\nوقال الله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ﴾ (٥) [الأعراف: ١٢]، وفي الأخرى ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ﴾ [ص: ٧٥] وهذا الحرف (٦) -أعني: (لا) - يدخل (٧) في النكرة على وجهين:\nأحدهما: أن يكون (٨) زائدًا كما ذكرنا في بيت الهذلي (٩).\n_________\n(١) هو ساعدة بن جؤية الهذلي، شاعر مخضرم أدرك الجاهلية والإسلام، وأسلم، وليست له صحبة. انظر ترجمته في \"شرح أشعار الهذليين\" للسكري ٣/ ١٠٩٧، \"الإصابة\" ٢/ ٤، \"الخزانة\" ٣/ ٨٦.\n(٢) في (ب): (تسنمه) بالسين والنون، وفي (أ): (تشنيمه) على الروايتين، وقد وردت في \"الحجة\" (تسنمه) كما في (ب)، وأكثر المصادر (تشيمه).\n(٣) قوله (أفعنك): عن ناحيتك، و(لا) زائدة، (تشيمه) أي: دخل في، و(الضرام): النار في الحطب الدقيق. ورد البيت في \"شرح أشعار الهذليين\" للسكري ٣/ ١١٠٣، \"الأضداد\" لابن الأنباري ص ٢١٣، \"الحجة\" لأبي علي ١/ ١٦٤، \"المخصص\" ١٤/ ٦٥، \"اللسان\" (شيم) ٤/ ٢٣٨٠، \"البحر المحيط\" ٤/ ٢٧٣.\n(٤) البيت للأحوص، ومعنى قوله: (ويلحينني): يعذلنني، ورد البيت في \"شعر الأحوص\" ص ١٧٩، \"جاز القرآن\" ١/ ٢٦، و\"تفسير الطبري\" ١/ ٨١، \"الكامل\" ١/ ٨٠، \"الأضداد\" لابن الأنباري ص ٢١٤، \"الحجة\" لأبي علي ١/ ١٦٤.\n(٥) في (ب): (أن تسجد).\n(٦) من \"الحجة\" ١/ ١٦٦.\n(٧) في (أ)، (ج): (تدخل) وفي \"الحجة\" (يدخل) ١/ ١٦٦.\n(٨) في (ب): (تكون) بالتاء، وفي \"الحجة\" (يكون) ١/ ١٦٦.\n(٩) بيت الهذلي قوله: ويلحينني في اللهو ألا أحبه. البيت. وفي \"الحجة\": (كما مر في بيت =","vol":"1","page":553},{"text":"والآخر: أن يكون (١) غير زائد، فإذا لم يكن زائدا كان على ضربين:\nأحدهما: أن يكون (لا) مع الاسم بمنزلة اسم واحد نحو: خمسة عشر (٢)، وذلك نحو قولهم: (غضب من لا شيء، وجئت بلا مال) فـ (لا) مع الاسم المنكور في موضع جر بمنزلة خمسة عشر (٣).\nوالآخر: ألا تعمل (٤) (لا) في اللفظ، ويراد بها معنى النفي، فيكون صورتها صورة الزيادة، ومعنى النفي فيه مع ذلك صحيح، وذلك كقول النابغة:\nأمسى ببلدة لا عمٍّ ولا خالِ (٥)\nوقال الشماخ (٦):\n_________\n= جرير) وبيت جرير الذي يعنيه هو قوله:\nما بال جهلك بعد الحلم والدين ... وقد علاك مشيب حين لا حين\nانظر: \"الحجة\" ١/ ١٦٤، ١٦٦.\n(١) في (ب): (بالتاء) في كل المواضع، وكذا في \"الحجة\": (أن تكون غير زائده، فإذا لم تكن زائدة ..) ١/ ١٦٦.\n(٢) انظر: \"الكتاب\" ٢/ ٢٧٦.\n(٣) (عشر) ساقط من (ب)، (ج).\n(٤) في (ب): (يعمل).\n(٥) البيت للنابغة الذبياني يرثي أخاه وصدره:\nبعد ابن عاتكة الثاوي لدى أبوى ... ... ... ... ...\nو(عاتكة): أمه، و(أبوى): اسم موضع، انظر: \"ديوان النابغة\" ص ١٥١، \"الحجة\" لأبي علي ١/ ١٦٧، \"الخزانة\" ٤/ ٥٠، \"معجم البلدان\" ١/ ٨٠.\n(٦) اسمه معقل بن ضرار الغطفاني، وهو مخضرم أدرك الجاهلية والإسلام وله صحبة، شهد وقعة القادسية، وتوفي في زمن عثمان ﵄. انظر ترجمته في: \"الشعر والشعراء\" ص ١٩٥، \"طبقات فحول الشعراء\" ١/ ١٣٢، \"الخزانة\" ٣/ ١٩٦.","vol":"1","page":554},{"text":"إذا ما أدلجت وصفت يداها ... لها إدلاج ليلة لا هجوع (١)\nوقال صاحب \"النظم\" (٢): دخلت (لا) في قوله: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ لمعنى من المعاني، وهو أنها منعت من ميل الوهم إلى غير ما نظم عليه الكلام، وذلك أن قوله: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ معطوف على قوله: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ وفي (غير) تأويل جحد، فدخلت (لا) على الضالين، ليعلم أنها معطوفة على (غير)، ولو لم تدخل (لا) لاحتمل أن يكون قوله: (والضالين) منسوقا (٣) على قوله: (صراط الذين أنعمت عليهم والضالين﴾، فلما احتمل ذلك أدخل فيه (لا) ليحسم هذا الوهم (٤)، وهو كما قال:\nما كان يرضى رسول الله فعلهم والطيبان أبو بكر ولا عمر (٥)\nأدخل (لا) (٦) في قوله: (ولا عمر)؛ لأنه لو لم يدخل لاحتمل أن يكون انقطاع القصة عند تمام قوله: (ما كان يرضى رسول الله فعلهم)، ثم ابتدأ كلاما آخر على معنى المبتدأ وخبره، فيكون معناه حينئذ: (و(٧) الطيبان أبو\n_________\n(١) (الإدلاج): السير من الليل، (وصفت يداها): أي أجادت السير. وصف الناقة في سيرها وجدها في السير، (ليلة لا هجوع): لا نوم فيها. ورد البيت في \"ديوان الشماخ\" ص ٢٢٦، \"الحجة\" لأبي علي ١/ ١٦٨، وفي مادة (وصف) في \"الصحاح\" ٤/ ١٤٣٩، \"أساس البلاغة\" ٢/ ٥١١، \"اللسان\" ٨/ ٤٨٥٠، \" التاج\" ١٢/ ٥٢٣، وفي \"الخزانة\" ٤/ ٥٠. وبهذا البيت انتهى ما نقله عن \"الحجة\" ١/ ١٦٨.\n(٢) هو أبو علي الحسن بن يحيى الجرجاني، سبق الحديث عنه في مصادر الواحدي.\n(٣) في (ب): (مسبوقا).\n(٤) انظر: \"البحر المحيط\" ١/ ٢٩.\n(٥) البيت لجرير يهجو الأخطل، وسبق تخريجه قريبا، والرواية هناك (دينهم) بدل (فعلهم).\n(٦) (لا) ساقط من (ب).\n(٧) (الواو) مكررة في (جـ).","vol":"1","page":555},{"text":"بكر وعمر) أي: أنهما هما الطيبان دون غيرهما. فلما دخلت (لا) علم أن عمر داخل في المعنى الذي أضيف إلى (١) رسول الله من أنه لا يرضى فعلهم على تأويل، ولا يرضى -أيضا- فعلهم الطيبان أبو بكر وعمر (٢).\nوأما معنى (الغضب) من الله تعالى فهو إرادة العقوبة، وتسمى العقوبة غضبا على التوسع (٣). وإنما لم يقل (المغضوبين) كما قال: (ولا الضالين) لأن كل فعل تعدى إلى المفعول بحرف الجر فإن جمعه وتثنيته وتأنيثه في المكنى المتصل بحرف الجر (٤)، كقولك (٥): المأخوذ منه، والمأخوذ منهما، والمأخوذ منهم، والمأخوذ منهن. وكذلك تقول في: الممرور (٦) به، والمقعود (٧) عليه، والمتوجه (٨) إليه وما أشبهها (٩).\n_________\n(١) في (ب): (ان).\n(٢) قوله: (وعمر) ساقط من (ب).\n(٣) بل نثبت الغضب لله كما أثبته لنفسه، ولا نؤوله بإرادة العقوبة، ومنهج السلف إثبات الصفات لله التي وصف بها نفسه، أو وصفه بها رسوله - ﷺ - من غير تأويل ولا تكييف ولا تشبيه، ولا يلزم من ثبوتها مشابهة الخلق. انظر: \"الرسالة التدمرية\" ص ٣١ - ٣٣، \"تفسير الطبري\" ١/ ١٨٩.\n(٤) فلم يجمع فيقال (المغضوبين) لأنه لا يتعدى إلا بحرف الجر، فتعدى إلى الضمير بحرف الجر، وظهر جمعه في الضمير في قوله (عليهم). انظر: \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ١٢٥، \"مشكل إعراب القرآن\" لمكي ١/ ١٣، \"البيان في غريب القرآن\" ١/ ٤١.\n(٥) في (ب): (كقوله).\n(٦) في (ب): (المروية) وفي (ج): (الممسدوريه).\n(٧) في ب (المفعور).\n(٨) في (ص): (التوجه).\n(٩) في (ب): (وما أشبههما). ما أشبهها مما فعله لازم يتعدى لمفعوله بحرف الجر، فإن جمعه وتثنيته في الضمير بعده المتصل بحرف الجر.","vol":"1","page":556},{"text":"والعلة فيه أن تمام الاسم عند ذكر المكنى، علامة التثنية والجمع والتأنيث تلحق (١) آخر الأسماء عند تمامها. وقال النحويون: هذا وأمثاله بمنزلة الفعل المقدم، نحو قولك: (ضرب أخواك، وضرب إخوتك) (٢). و(عليهم) في الموضع رفع، لأنه بمنزلة اسم ما لم يسم فاعله (٣).\nوقوله: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ أصل الضلال في اللغة الغيبوبة، يقال: ضل الماء في اللبن إذا غاب، وضل الكافر: غاب عن المحجة (٤). ومن هذا قوله تعالى: ﴿أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ﴾ [السجدة: ١٠] أي: غبنا فيها بالموت وصرنا ترابا وعظاما فضللنا في الأرض، ولم يتبين (٥) شيء من خلقنا، ويقال: أضللت الشيء إذا غيبته، [وأضللت الميت إذا غيبته] (٦) في التراب ودفنته (٧). وقال المخبل (٨):\n_________\n(١) في (ب): (بجلق).\n(٢) فتلحق علامة التثنية والجمع آخر الفاعل عند تقدم الفعل عليه.\n(٣) انظر: \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ١٢٥، \"المشكل\" لمكي ١/ ١٣، \"البيان\" ١/ ٤١.\n(٤) ذكره الأزهري عن أبي عمرو. \"تهذيب اللغة\" (ضل) ٣/ ٢١٣٠، وانظر: \"اللسان\" (ضلل) ٥/ ٤٦٠٤، وفي \"اللسان\" ضل الكافر إذا غاب عن الحجة، وكذا في \"التهذيب\".\n(٥) في (ب): (نبين).\n(٦) ما بين المعكوفين ساقط من (ب).\n(٧) انظر: \"تهذيب اللغة\" (ضل) ٣/ ٢١٣٠، \"تأويل مشكل القرآن\" ص ٤٥٧، \"معجم مقاييس اللغة\" (ضل) ٣/ ٣٥٦، \"اللسان\" (ضلل) ٥/ ٤٦٠٢.\n(٨) المخبل: المجنون، وبه لقب الشاعر، واسمه ربيع بن ربيعة بن عوف، شاعر مخضرم، أدرك الإسلام، توفي في خلافة عمر أو عثمان ﵄ انظر ترجمته في \"الشعر والشعراء\" ص ٢٦٩، \"طبقات فحول الشعراء\" ص ٦١، \"الإصابة\" ١/ ٤٩١، \"الخزانة\" ٦/ ٩٣.","vol":"1","page":557},{"text":"أضلت بنو قيس بن سعد عميدها ... وفارسها في الدهر قيس بن عاصم (١)\nفالضال هو الغائب عن الحق الزائغ عن الرشد، ويقال: ضَل يضِل، وضَل يضل لغتان، وضلِلنا وضلَلنا (٢).\nفأما التفسير فروى عدي بن حاتم (٣) عن النبي - ﷺ - في تفسير ﴿الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ قال: اليهود، ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ قال: النصارى (٤).\nوروي أن رسول الله - ﷺ - كان بوادي القرى (٥) على فرسه (٦)، [فسأله\n_________\n(١) ورد البيت في \"تهذيب اللغة\" (ضل) ١١/ ٤٦٥، \"اللسان\" (ضلل) ٤٦٠٤، وقيس بن عاصم: هو قيس بن عاصم بن سنان بن خال بن منقر، سيد قومه ورد على النبي - ﷺ - فقال: \"هذا سيد أهل الوبر\". انظر: \"الخزانة\" ٨/ ١٠٢.\n(٢) انظر: \"معجم مقاييس اللغة\" (ضل) ٣/ ٣٥٦، \"اللسان\" (ضلل) ٥/ ٢٦٠١، \"القاموس\" ص ١٠٢٤.\n(٣) عدي بن حاتم بن عبد الله الطائي، الأمير الشريف، وأبوه حاتم الطائي المشهور بالجود، وفد على النبي - ﷺ - في وسط سنة تسع فأكرمه، له أحاديث، في وفاته أقوال، أشهرها سنة سبع وستين. انظر ترجمته في: \"تاريخ بغداد\" ١/ ١٨٩، \"جمهرة أنساب العرب\" ص ٤٠٢، \"طبقات ابن سعد\" ٦/ ٢٢، \"الإصابة\" ٢/ ٤٦٨، \"سير أعلام النبلاء\" ٣/ ١٦٢.\n(٤) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ١/ ٨٢ بسنده من طرق، قال أحمد شاكر في تعليقه على \"تفسير الطبري\": إسناده صحيح، الطبري ١/ ١٨٥، ١٨٦، وأخرجه ابن أبي حاتم بسنده في \"تفسيره\" ١/ ٣١، وقال: لا أعلم بين المفسرين في هذا الحرف اختلافا. \"تفسير ابن أبي حاتم\" ١/ ١٦٣، وأخرجه الثعلبي بسنده في \"تفسيره\" ١/ ٣٢/ ب، وهو جزء من حديث طويل أخرجه الترمذي في \"سننه\" (٢٩٥٣) أبواب تفسير القرآن، تفسير سورة الفاتحة، قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. وأخرجه أحمد في \"مسنده\" ٤/ ٣٧٨.\n(٥) واد بين المدينة والشام من أعمال المدينة كئير القرى، فتحها النبي - ﷺ - سنة سبع عنوة، ثم صولحوا على الجزية. انظر: \"معجم البلدان\" ٥/ ٣٤٥.\n(٦) في (ب): (قرينه).","vol":"1","page":558},{"text":"رجل (١)] من بلقين (٢) فقال: يا رسول (٣) الله، من هؤلاء الذين يقاتلونك؟ قال: \"المغضوب عليهم\" وأشار إلى اليهود، فقال: من هؤلاء الطائفة الأخرى؟ قال: \"الضالون\" وأشار إلى النصارى (٤).\nقال المفسرون: وتصديق هذا حكم الله ﷿ بالغضب على اليهود (٥) في قوله: ﴿مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٦٠] وحكمه على النصارى بالضلال في قوله: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ﴾ [المائدة: ٧٧] الآية، وهذا قول ابن عباس وابن مسعود ومجاهد وغيرهم (٦).\nوهذا التفسير يوافق في ظاهر اللفظ قراءة من قرأ (غير) بالنصب على\n_________\n(١) ما بين المعكوفين ساقط من (ب).\n(٢) كذا جاءت في \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٣٣/ أ، و\"تفسير الطبري\" (من بني القين) قال في \"الصحاح\": يقال لبني القين من بني أسد: (بلقين). \"الصحاح\" (قين) ٦/ ٢١٨٥.\n(٣) في (ب): (لرسول الله - ﷺ -).\n(٤) ذكره الثعلبي بسنده في \"تفسيره\" ١/ ٣٣/ أ، وأخرجه الطبري في \"تفسيره\" ١/ ٨٠ بروايات مختلفة بعضها مرسلة وبعضها متصلة بإسناد صحيح. وانظر: \"تفسير الطبري\" مع تحقيق محمود شاكر ١/ ١٨٦، ١٨٧.\nوأخرجه أحمد في \"مسنده\" ٥/ ٧٧، وذكره ابن كثير موصولا في \"تفسيره\" ١/ ٣٢، وانظر: \"الدر\" ١/ ٤٢.\n(٥) انظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ٧٩، ٨١، و\"تفسير الثعلبي\" ١/ ٣٣/ أ، و\"تفسير ابن عطية\" ١/ ١٢٦، و\"تفسير البغوي\" ١/ ٥٥، و\"الكشاف\" ١/ ٧١، و\"تفسير القرطبي\" ١/ ١٣٠، و\"تفسير وابن كثير\" ١/ ٣٢.\n(٦) انظر أقوالهم في \"تفسير الطبري\" ١/ ٨٠، ٨٣، و\"تفسير ابن عطية\" ١/ ١٢٦، و\"تفسير ابن كثير\" ١/ ٣٢، \"الدر\" ١/ ٤٢ - ٤٣. قال ابن أبي حاتم بعد أن ذكر قول ابن عباس: لا أعلم بين المفسرين في هذا الحرف اختلافا. \"تفسير ابن أبي حاتم\" ١/ ٣١، وللرازي أقوال في تفسير المغضوب عليهم والضالين، تخالف ما ورد بالنص، وما عليه جمهور المفسرين، انظر: \"تفسيره\" ١/ ٢٦١.","vol":"1","page":559},{"text":"معنى الاستثناء (١)، [كأنه استثنى] (٢) اليهود والنصارى من الذين أنعم عليهم، وكأن المسلمين (٣) سألوا أن يهديهم طريق المنعم عليهم لا طريق اليهود والنصارى. وهذِه قراءة شاذة (٤).\nوتصحيح هذا التفسير على القراءة المعروفة هو أن (٥) المعنى: اهدنا صراط المنعم عليهم، الذين لم تغضب (٦) عليهم ولم يضلوا (٧). فلما وصفوا\n_________\n(١) قراءة (غير) بالنصب مروية عن ابن كثير، انظر: \"السبعة\" لابن مجاهد ص ١١٢، \"الحجة\" لأبي علي ١/ ١٤٢، قال في \"البحر\": وهي قراءة عمر وابن مسعود وعلي وعبد الله بن الزبير. \"البحر\" ١/ ٢٩، واختلف في تخريجها، فيرى الزجاج والأخفش وبعض البصريين: أنه منصوب على الاستثناء، ونصره أبو علي الفارسي في \"الحجة\"، ومنعه الفراء، والأرجح: أنها حال من الضمير في (عليهم).\nانظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ٧٨، \"الحجة\" ١/ ١٤٢، \"معاني القرآن\" للأخفش ١/ ١٦٦، والفراء ١/ ٨، والزجاج ١/ ١٦، \"البحر\" ١/ ٢٩.\n(٢) ما بين المعكوفين ساقط من (ب).\n(٣) في (أ)، (ج): (المسلمون).\n(٤) ممن قال بشذوذها الطبري حيث قال: (وقد يجوز نصب (غير) في ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ وإن كنت للقراءة بها كارها لشذوذها عن قراءة القراء ..) \"تفسير الطبري\" ١/ ٧٨، وكذلك عدها عبد الفتاح القاضي من الشواذ، حيث ذكرها في كتابه \"القراءات الشاذة\" ص ١٩. وقراءة النصب مروية عن ابن كثير. انظر: \"السبعة\" لابن مجاهد ص ١١٢، \"الحجة\" لأبي علي ١٤٢، وقال في \"الكشاف\": (وهي قراءة رسول الله - ﷺ - وعمر بن الخطاب، ورويت عن ابن كثير، \"الكشاف\" ١/ ٧١، وانظر: \"البحر\" ١/ ٢٩. وأنكر بعضهم أن تكون منصوبة على الاستثناء، ورجحوا نصبها على الحال وعلى هذا حملها الطبري، انظر: \"تفسيره\" ١/ ٧٨، وانظر: \"الكشاف\" ١/ ٧١، و\"تفسير ابن كثير\" ١/ ٣١.\n(٥) (أن) ساقط من (ب).\n(٦) في (ب): (يغضب).\n(٧) انظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ٧٨، و\"تفسير ابن كثير\" ١/ ٣١.","vol":"1","page":560},{"text":"بنفي الغضب عليهم والضلال كان في ضمن ذلك (١) إثباتهما لغيرهم، كما تقول في الكلام: أنا غير كاذب، يجوز أن تريد بنفي الكذب عنك إثباته لغيرك ممن تخاطبه، وفي هذا حجة للقائلين بالمفهوم وفحوى الخطاب (٢). ثم من المغضوب عليهم؟ ومن الضالون؟ (٣) قد بينه النبي - ﷺ - وذكره المفسرون (٤).\n* * *\n_________\n(١) (ذلك) ساقط من (ب).\n(٢) في (ج): (فحو).\nوالخطاب عند الأصوليين منطوق ومفهوم، والمفهوم قسمان: مفهوم موافقة، وهو ما كان المسكوت عنه موافقا للمنطوق في الحكم ويسمى: فحوى الخطاب ولحن الخطاب، وهو حجة عند الأكثر.\nومفهوم مخالفة: وهو أن يكون المسكوت عنه مخالفا للمنطوق في الحكم ويسمى دليل الخطاب، وهو أقسام، وفيه خلاف.\nانظر: \"المختصر في أصول الفقه\" لابن اللحام ص ١٣٢.\n(٣) في (ب): (فقد).\n(٤) سبق بيان ذلك.","vol":"1","page":561},{"text":"المملكة العربية السعودية\nوزارة التعليم العالي\nجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية\nعمادة البحث العلمي\nالتَّفْسِير البَسِيْط\nلأبي الحسن على بن أحمد بن محمد الواحدي\n(ت ٤٦٨هـ)\nمن أول سورة البقرة إلى آية (٦٦)\nتحقيق\nد. محمد بن صالح بن عبد الله الفوزان\nأشرف على طباعته وإخراجه\nد. عبد العزيز بن سطام آل سعود ... أ. د. تركى بن سهو العتيبي\nالجزء الثاني","vol":"2","page":1},{"text":"المملكة العربية السعودية\nوزارة التعليم العالي\nجامعة الإِمام محمد بن سعود الإسلامية\nعمادة البحث العلمي\nالتَّفْسِيرُ البَسِيط\nلأبي الحسن علي بن أحمد بن محمد الواحدي\n(ت ٤٦٨هـ)\nمن أول سورة البقرة إلى آية (٦٦)\nتحقيق\nد. محمد بن صالح بن عبد الله الفوزان\nأشرف على طباعته وإخراجه\nد. عبد العزيز بن سطام آل سعود ... أ. د. تركى بن سهو العتيبي\nالجزء الثاني","vol":"2","page":2},{"text":"جامعة الإِمام محمد بن سعود إلاسلامية ١٤٣٠هـ\nفهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية أثناء النشر\nالواحدي، علي بن أحمد\nالتفسير البسيط لأبي الحسن علي بن أحمد بن محمد الواحدي\n(ت٤٦٨هـ)./ علي بن أحمد الواحدي، محمد بن صالح بن\nعبد الله الفوزان، الرياض١٤٣٠هـ.\n٢٥مج. (سلسلة الرسائل الجامعية)\nردمك:٤ - ٨٥٧ - ٠٤ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (مجموعة)\n١ - ٨٥٨ - ٠٤ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (ج١)\n١ - القرآن تفسير ... ٢ - الواحدي، علي بن أحمد\nأ- العنوان ... ب- السلسة\nديوي ٢٢٧٠٣ ... ٨٦٨/ ١٤٣٠\nرقم الإيداع: ٨٦٨/ ١٤٣٠هـ\nردمك ٤ - ٨٥٧ - ٠٤ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (مجموعة)\n١ - ٨٥٨ - ٠٤ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (ج١)","vol":"2","page":3},{"text":"التَّفْسِيرُ البَسِيْط\nلأبي الحسن علي بن أحمد بن محمد الواحدي\n(ت٤٦٨هـ)\n[٢]","vol":"2","page":4},{"text":"بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ","vol":"2","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-223>سورة البقرة</span>","vol":"2","page":6},{"text":"تفسير <span data-type=\"title\" id=toc-224>(١) </span>سورة البقرة\nبسم الله الرحمن الرحيم\n\n١ - قوله ﷿ ﴿الم﴾: إجماع النحويين أن (٢) هذه الحروف ما دامت حروف هجاء غير معطوفة، ولا موقعة موقع الأسماء، أنها سواكن الأواخر في الإدراج والوقف، وذلك قولك (٣): (ألف (٤)، با تا ثا) إلى آخرها، وذلك أنها أسماء الحروف الملفوظة بها في صيغ الكلم، بمنزلة أسماء الأعداد، نحو: ثلاثة، أربعة، خمسة. ولا تجد لها رافعًا، ولا ناصبًا، ولا جارًا، وإذا (٥) جرت مجرى الحروف لم يجز تصريفها، ولا اشتقاقها (٦)،\n_________\n(١) (تفسير) ساقط من (ب).\n(٢) من هذا الموضع نقل المؤلف هذا الكلام من كتاب \"سر صناعة الإعراب\" لأبي الفتح عثمان بن جني، فصل: في تصريف حروف المعجم واشتقاقها وجمعها. قال: اعلم أن هذِه الحروف مادامت حروف هجاء غير معطوفة ولا ... الخ ٢/ ٧٨١ - ٧٨٤.\n(٣) في (ب): (قوله).\n(٤) في (أ)، (ج): (أ) وما في (ب) موافق لـ \"سر صناعة الإعراب\" ٢/ ٧٨١\n(٥) في (ب): فإذا.\n(٦) في (ج): (اشقاقها).","vol":"2","page":7},{"text":"ولا تثنيتها، ولا جمعها، كما أن الحروف كذلك. ويدلك (١) على كونها بمنزلة (هل، وبل، وقد، وحتى، وسوف) أنك (٢) تجد فيها ما هو على حرفين الثاني منهما ألف نحو: (با، تا، طا) ولا تجد (٣) في الأسماء المعربة ما هو على حرفين الثاني منهما حرف لين، إنما ذلك في الحروف نحو: (ما، ولا، ويا (٤)، وأو، ولو، وكي، وأي) فلا تزال (٥) هذِه الحروف هكذا مبنية غير معربة؛ لأنها أصوات بمنزلة: (صه) (٦)، و(مه) (٧)، و(غاق) (٨)، و(إيه) (٩). حتى توقعها مواقع الأسماء فتعربها حينئذٍ كما تفعل بالأسماء، وذلك قولك (١٠): أول الجيم (جيم) وآخر الصاد (دال) وأوسط الكاف (ألف) وكتبتُ جيمًا حسنةً (١١).\n_________\n(١) في (ب): (وبذلك).\n(٢) في (ب): (أنها).\n(٣) في (ب): (ولا يجوز).\n(٤) (ويا) ساقط من (ب).\n(٥) في (ب): (فلا يزال)، وفي (ج): (فلا تنال).\n(٦) اسم فعل بمعنى: اسكت. انظر \"المقتضب\" ٣/ ٢٠٢، \"سر صناعة الإعراب\" ٢/ ٤٩٤، ٦٠٠.\n(٧) اسم فعل بمعنى. اكفف. انظر المصدرين السابقين.\n(٨) في (ب): (عاقه). و(غاق) حكايته لصوت الغراب. انظر \"الكتاب\" ٣/ ٣٠٢، \"المقتضب\" ٣/ ١٨٠، \"سر صناعة الإعراب\" ٢/ ٤٩٤.\n(٩) اسم فعل. تقول: إيه يا فتى: إذا أردت أن يزيدك من الحديث. انظر \"المقتضب\" ٣/ ٢٥، \"سر صناعة الإعراب\" ٢/ ٤٩٤.\n(١٠) في (ب): (قول).\n(١١) انظر: \"سر صناعة الإعراب\" ٢/ ٧٨٢، وانظر: \"المقتضب\" ١/ ٣٧١.","vol":"2","page":8},{"text":"وكذلك العطف (١)، لأنه نظير التثنية، فتقول: ما هجاء بكر؟ فيقول المجيب: (باء، وكاف، وراء) فيعرب، لأنه قد عطف، فإن لم يعطف بني، فقال: (باء، كاف، را). ونظير هذِه الحروف في أنها موقوفة غير موصولة، أسماء العدد نحو ثلاثة وأربعة (٢).\nوإذا أخبرت عن حروف الهجاء، أو أسماء الأعداد فقد أخرجتها بذلك عن حيز الأصوات، وأدخلتها في جملة الأسماء المتمكنة (٣)، فاستحقت أن تعرب للإخبار عنها، فإنه لا معنى [للحرفية فيها إذا] (٤) زال إدارة الحكاية بها، فدخل بذلك في حد [المتمكنات، وخرج] (٥) من باب الأصوات.\nوكذلك العدد إذا أردت به معدودًا، ولم ترد به العدد وحده دون المعدود أعربت كقولك (٦): ثمانية ضعف أربعة، وسبعة أكثر من أربعة بثلاثة، فأعربت هذه الأسماء ولم تصرفها لاجتماع التأنيث والتعريف فيها، ألا ترى أن (٧) (ثلاثة) عدد معروف القدر، وأنه أكثر من اثنين بواحد، وكذلك سائر الأعداد (٨).\n_________\n(١) عند أبي الفتح (العاطف) ٢/ ٧٨٢.\n(٢) \"سر صناعة الإعراب\" ٢/ ٧٨٢، وانظر \"معاني القرآن\" للأخفش١/ ١٦٨، \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢١، (الأصول في النحو) لابن السراج ٢/ ١٣٩.\n(٣) غير واضح في (ب). (المتمكن) هو الاسم الذي يتغير آخره بتغير العوامل، ولم يشبه الحرف، انظر \"معجم المصطلحات النحوية\" ص ٢١٣.\n(٤) ما بين المعقوفين غير واضح في (ب).\n(٥) ما بين المعقوفين غير واضح في (ب).\n(٦) في (ب): (كقوله).\n(٧) في (ج): (أنك).\n(٨) \"سر صناعة الإعراب\" ٢/ ٧٨٣، وانظر: \"الكتاب\" ٣/ ٢٦٤ - ٢٦٦، \"الأصول في النحو\" ٢/ ١٣٩.","vol":"2","page":9},{"text":"وأنشدوا قول أبي النجم (١):\nأقبلت من عند زياد كالخرف ... تخطّ رجلاي بخط مختلف\nتكتبان في الطريق لامَ الف (٢)\nكأنه قال (٣): (لام ألف) إلا أنه ألقى حركة (الهمزة) على (الميم) للوزن ولم يعرب (٤).\nقال أبو إسحاق (٥): وهذه الحروف ليست كالحروف (٦) المتمكنة، والأفعال المضارعة التي يجب لها الإعراب، وإنما هي تقطيع الاسم\n_________\n(١) هو الفضل بن قدامة بن عجل، كان ينزل الكوفة، أحد رجاز الإسلام المتقدمين من الطبقة التاسعة. انظر \"الشعر والشعراء\" ص٤٠٠، \"طبقات فحول الشعراء\" ٢/ ٧٣٧، \"الخزانة\" ١/ ١٠٣.\n(٢) معنى الأبيات: كان لأبي النجم صديق يسقيه الخمر، فينصرف من عنده ثملًا. لا يملك نفسه، مثل الخرف وهو الذي فسد عقله من الكبر، وكان يتمايل فتخط رجلاه في الطريق ما يشبه: لام ألف، أو أنه تارة يمشي معوجًا فتخط رجلاه ما يشبه: اللام، وتارة يمشي مستقيمًا فتخط رجلاه خطأ مستقيما يشبه: الألف. والأبيات في \"ديوان أبي النجم\" ص ١٤١، وهي عند أبي عبيدة في \"المجاز\" ١/ ٢٨ والمبرد في \"المقتضب\" ١/ ٢٣٧، ٣/ ٣٥٧، والزجاج في \"معاني القرآن\" ١/ ٢٢، و\"المخصص\" ١٤/ ٩٥،١٧/ ٥٣، و\"سر صناعة الإعراب\" ٢/ ٦٥١، و\"الخزانة\" ١/ ٩٩ - ١٠٢، والبيت الثالث عند سيبويه ٣/ ٢٦٦.\n(٣) (قال) ساقط من (ج).\n(٤) في (ب) (يعرف). أي أنها ساكنة، لم يجر عليها الإعراب، وعلى هذا استشهد بها سيبويه، ومكان إيراد هذِه الأبيات بعد ذكر وجه البناء، كما هو عند سيبويه والزجاج وغيرهما. ولابن جني توجيه آخر للأبيات غير ما ذكر، رده البغدادي في (الخزانة). انظر \"سر صناعة الإعراب\" ٢/ ٦٥٢، (الخزانة) ١/ ٩٩.\n(٥) هو الزجاج. انظر \"معاني القرآن\" ١/ ٢٢، نقل عنه بتصرف.\n(٦) في \"معاني القرآن\": (.. ليست تجري مجرى الأسماء المتمكنة، والأفعال المضارعة ..) ١/ ٢٢، فقوله هنا (ليست كالحروف المتمكنة) لعله تصحيف.","vol":"2","page":10},{"text":"المؤلف الذي لا يجب الإعراب إلا مع كماله (١)، فقولك: (جعفر) لا يعرب منه حرف دون تكميل الاسم.\nفأما قول الشاعر:\nكافًا وميمَين وسينًا طاسما (٢)\nفإنما أعرب لأنه أجرى الحروف مجرى الأسماء. وقال يزيد بن الحكم (٣):\nإذا اجتمعوا على ألف وياء (٤) ... وواو هاج بينهم جدال (٥)\n_________\n(١) في (ب): (كمالها) وفي (ج): (طاسما).\n(٢) (ب): (كاسما). الرجز استشهد به سيبويه ٣/ ٢٦٠، وابن الأنباري في \"المذكر والمؤنث\" ص ٤٥٠، والزجاج في \"معاني القرآن\" ١/ ٢٣، والأزهري في \"التهذيب\" ١/ ٩١، وابن سيده في \"المخصص\" ١٧/ ٤٩، \"اللسان\" ١/ ١٦. والشاهد عندهم أنه ذكر (طاسما) وهي صفة (للسين) فذكره، ولو أنثه لجاز ذلك. واستشهد به ابن جني في \"سر صناعة الإعراب\" على أنه أعرب الحروف وأجراها مجرى الأسماء، كما عند المؤلف هنا ٢/ ٧٨٢. ولم ينسب البيت أحد. ومعنى البيت. أنه يشبه آثار الديار بحروف الكتاب. والطاسم: الدارس. وقد روى (طامسا) انظر: \"الكتاب\" ٣/ ٢٦٠ (مع هامش عبد السلام هارون).\n(٣) هو يزيد بن الحكم بن أبي العاص الثقفي البصري، من فصحاء الشعراء، وقد على سليمان بن عبد الملك فوصله وأكرمه. وكان قد عُيِّن لإمرة فارس. انظر ترجمته في \"الجرح والتعديل\" ٤/ ٢/ ٢٥٧، \"سير أعلام النبلاء\" ٤/ ٥١٩، \"الخزانة\" ١/ ١١٣.\n(٤) في (ب): (وباء).\n(٥) أورده المبرد في \"المقتضب\" ١/ ٢٣٦، قال: قال رجل من الأعراب يذم النحويين إذ سمع خصومتهم فيه:\nإذا اجتمعوا على ألف وباء ... وتاء هاج بينهم قتال\nوأورده في ٤/ ٤٣، وقافيته (جدال) وأورده الزجاج في \"المعاني\" ١/ ٢٣، ونصه:\nإذا اجتمعوا على ألف وواو ... وياء لاح بينهمُ جدال\nونسبه لزيد بن الحكم، وأورده ابن سيده في \"المخصص\" ١٤/ ٩٥، وابن جني في =","vol":"2","page":11},{"text":"فأعرب لأنه أدخل حرف العطف، وجعلها في حكم الأسماء.\nويجوز (١) تأنيث هذه الحروف وتذكيرها، فمن أنث فلمعنى [الكلمة. ومن ذكر فلمعنى] (٢) الحرف (٣). ولا محل لها من الإعراب لأنها حكايات وضعت على هذه الحروف، ولم تجر مجرى الأسماء المتمكنة، ولا الأفعال المضارعة، وإنما هي كقولهم: (غاق يا فتى) إذا حكوا صوت الغراب، فهذه الحروف وإن كانت إشارات إلى معان فلا موضع لها من الإعراب (٤).\nومن قال: إنها أسماء للسور (٥) والقرآن، قال: محلها رفع (٦)، كأنه\n_________\n= \"سر صناعة الإعراب\" ٢/ ٧٨٢، والبغدادي في \"الخزانة\" ١/ ١١٠، ١١٣.والبيت آخر ما نقله عن الزجاج بتصرف. انظر: \"معاني القرآن\" ١/ ٢٢، ٢٣.\n(١) في (ب): (وبجو).\n(٢) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).\n(٣) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٢، \"المذكر والمؤنث\" لابن الأنباري ص ٤٤٩، ٤٥٠، \"المخصص\" ١٧/ ٤٩.\n(٤) انظر: \"الكتاب\" ٣/ ٢٦٦، \"المقتضب\" ١/ ٢٣٦ - ٢٣٨، \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٢، \"سر صناعة الإعراب\" ٢/ ٧٨١، ٧٨٢. قال السمين الحلبي: في إعراب الحروف المتقطعة في أوائل السور ثلاثة أقوال: إحداها: أنها أسماء حروف التهجي لا محل لها من الإعراب، وهو أصحها، والثاني: أنها معربة بمعنى أنها صالحة للإعراب، وإنما فات شرط وهو التركيب، وإليه مال الزمخشري، والثالث: أنها موقوفة لا معربة ولا مبنية. \"الدر المصون\" ١/ ٧٩.\n(٥) في (ب): (اسما للسورة)، و(جـ): (لسور).\n(٦) انظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ٩٠، و\"ابن عطية\" ١/ ٩٦، \"البحر المحيط\" ١/ ١٤١، \"البيان في غريب القرآن\" ١/ ٤٣، و\"القرطبي\" ١/ ١٥٧، \"الدر المصون\" ١/ ٨١ قال الزمخشري: ومن لم يجعلها أسماء للسور لم يتصور أن تكون لها محل في مذهبه، كما لا محل للجمل المبتدأة وللمفردات المعددة. \"الكشاف\" ١/ ١٠٧، ١٠٨، ونحوه قال الرازي ٢/ ١٢.","vol":"2","page":12},{"text":"قيل: هذه ألم، كما تقول: هذا زيد، أو يكون رفعًا على الابتداء، وخبره ﴿ذَلِكَ اَلكِتَابُ﴾ كما تقول (١): زيد ذلك الرجل، ويحتمل أن يكون رفعًا على أنه خبر مقدم، كأنه قال: ذلك الكتاب الذي وعدتك (٢) أن أنزله إليك (٣) ﴿الم﴾ (٤).\nفأما التفسير: فقد كثر اختلاف الناس في هذه الحروف المقطعة وأشباهها في القرآن. فذهب قوم إلى أن الله لم يجعل لأحد سبيلا إلى إدراك معانيها، وأنها مما استأثر الله بعلمها، فنحن نؤمن بظاهرها ونكل (٥) علمها إلى الله تعالى (٦).\nوعن الشعبي (٧) أنه قال: لله في كل كتاب سر، وسره في القرآن\n_________\n(١) في (أ): (يقول) وأثبت ما في (ب، جـ) لأنه أنسب للسياق.\n(٢) في (ب): (وعد بك).\n(٣) في (ج): (عليك).\n(٤) ذكر الواحدي بعض الأوجه في إعراب الحروف المقطعة في أوائل السور وهناك أوجه أخرى، فقيل: إنها في محل نصب بتقدير: أقرأ (ألم)، وقيل: في موضع خفض بالقسم، لقول ابن عباس: إنها قسم أقسم الله بها. انظر ابن عطية ١/ ١٤١، \"البحر المحيط\" ١/ ٣٥، \"البيان في غريب القرآن\" ١/ ٤٣، والقرطبي ١/ ١٣٦، \"الدر المصون\" ١/ ٨١.\n(٥) في (ب): (وبكل).\n(٦) ذكره الثعلبي في \"الكشف\" ١/ ٣٧/ أ. انظر الطبري ١/ ٨٨، \"تفسير أبي الليث\" ١/ ٨٧، وذكره ابن عطية ونسبه للشعبي وسفيان الثوري وجماعة من المحدثين ١/ ١٣٨، وذكره في \"البحر المحيط\"، ومال إليه. ١/ ٣٥، والقرطبي ١/ ١٥٤، وقال: روي عن أبي بكر وعلي، وابن كثير١/ ٣٨.\n(٧) هو عامر بن شراحيل بن عبد، تابعي شهر بالرواية والحفظ، ولد ونشأ بالكوفة. والشعبي نسبة إلى (شعب) بطن من همدان، مات سنة خمس ومائة، وقيل: غير ذلك، انظر: \"تاريخ بغداد\" ١٢/ ٢٢٧، \"حلية الأولياء\" ٤/ ٣١٠.","vol":"2","page":13},{"text":"حروف التهجي (١).\nومثل هذا روي عن أبي بكر الصديق وعلي (٢) ﵄.\nوالأكثرون من أهل التفسير تكلموا في معاني هذه الحروف واستنبطوا لها وجوها من التأويل (٣)، وقالوا: لا يجوز أن يلغى شيء من كتاب الله تعالى، لأنه قال: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٥].\nفيروى عن ابن عباس في ﴿الم﴾ ثلاثة أوجه (٤):\nأحدها: أن الله تعالى أقسم بهذه الحروف، أن هذا الكتاب الذي أنزل على محمد الكتاب الذي عند الله، لا شك فيه (٥).\n_________\n(١) قال الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٢٥، قال داود بن أبي هند: كنت أسأل الشعبي عن فواتح السور، فقال: يا داود: إن لكل كتاب سرا وإن سر القرآن فواتح السور، فدعها وسل عما سوى ذلك. وبهذا اللفظ ذكره السيوطي في (الدر) وعزاه لابن المنذر، وأبي الشيخ، ابن حبان في \"التفسير\". \"الدر\" ١/ ٥٦، وذكره الطبري ولم يعزه لأحد ١/ ٨٨، وذكره أبو الليث عن الشعبي١/ ٨٧، والزجاج في \"المعاني\" ١/ ١٩، وانظر: القرطبي ١/ ١٣٣، ١٣٤. وقد روي عن الشعبي أنه فسرها: بأنها من أسماء الله. كما في الطبري ١/ ٨٧، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ١/ ٣٣، وذكره الأزهري في \"التهذيب\" ١/ ٩٠.\n(٢) انظر أقوالهم في \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٤٠/ أ، و\"القرطبي\" ١/ ١٣٤، و\"ابن كثير\" ١/ ٣٨. روي عن علي: أنها اسم الله الأعظم. انظر: \"تفسير أبي الليث\" ١/ ٨٧، و\"ابن عطية\" ١/ ١٣٨، و\"ابن كثير\" ١/ ٣٩.\n(٣) انظر: الطبري ١/ ٨٦ - ٩٣، و\"ابن عطية\" ١/ ١٤٠، و\"البحر المحيط\" ١/ ٣٥، و\"القرطبي\" ١/ ١٥٥.\n(٤) انظر. \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ١٩، ٢٠، \"تهذيب اللغة\" ١/ ٨٨.\n(٥) بهذا اللفظ ذكره الزجاج في \"معاني القرآن\" ١/ ١٩، والأزهري في \"تهذيب اللغة\" ١/ ٨٨، وأبو الليث ونسبه للكلبي١/ ٨٧. وأخرج ابن جرير بسنده عن ابن عباس قال: هو قسم أقسم الله به، وهو من أسماء الله، وذكره السيوطي في \"الدر\" =","vol":"2","page":14},{"text":"وهذا الوجه من تفسير ابن عباس اختيار (١) الأخفش، لأنه قال: أقسم الله تعالى بهذه الحروف لشرفها (٢) وفضلها (٣)، لأنها (٤) مباني كتبه المنزلة بالألسنة (٥) المختلفة، ومباني أسمائه الحسنى وصفاته العلى، وأصول كلام الأمم، بها يتعارفون ويذكرون الله ﷿ ويوحدونه، فكأنه (٦) أقسم بهذه الحروف أن القرآن كتابه وكلامه لا ريب فيه (٧).\nالوجه الثاني: أن هذه الحروف وإن كانت متفرقة في النزول، فإذا ألّفت ضربًا من التأليف كانت (٨) اسمًا لله، وإن كنا لا نقف على تأويلها، فـ (ألف، لام، را)، و(حم)، و(ن) (٩) اسمه: الرحمن (١٠). إلا أنا لا نقف\n_________\n= وعزاه لابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في \"الأسماء والصفات\". \"الدر\" ١/ ٥٤، وانظر \"تفسير ابن عطية\" ١/ ١٣٨، وابن كثير ١/ ٣٩، وروي عن عكرمة أنها قسم. انظر: الطبري ١/ ٢٠٧وابن أبي حاتم ١/ ١٧٠.\n(١) في (ب): (اختاره).\n(٢) في (ب): (وشرفها).\n(٣) في (ب): (وفضّلها).\n(٤) في (ب): (أنها).\n(٥) في (ب): (بالألسن).\n(٦) في (ب): (وكأنه).\n(٧) كلام الأخفش ذكره الثعلبي ١/ ٤٠ ب، ولم أجده في \"معاني القرآن\" للأخفش.\n(٨) في (ب). (كان).\n(٩) في (ب): (كألف لام حاميم نون).\n(١٠) في \"معاني القرآن\" للزجاج (الر)، و(حم)، و(نون) اسم للرحمن، مقطع في اللفظ موصول في المعنى ١/ ٢٠، ونحوه في \"تهذيب اللغة\" ١/ ٨٨، وقد أخرج ابن جرير بسنده عن ابن عباس في قوله: (ألم) و(حم) و(ن) قال اسم مقطع. وفي سنده (الباهلي) قال شاكر: لم أقف له على ترجمة. انظر الطبري مع تحقيق شاكر ١/ ٢٠٧، وأخرجه ابن أبي حاتم، وفي سنده الباهلي قال محققه: لم أقف له على =","vol":"2","page":15},{"text":"على كيفية نظمها.\nقال سعيد بن جبير (١): لو أحسن الناس تأليفها لعلموا (٢) اسم الله الأعظم (٣).\nالوجه الثالث عنه (٤): ﴿الم﴾: أنا الله أعلم، و﴿الر﴾ (٥): أنا الله أرى، و﴿المص﴾ [الأعراف: ١]: أنا الله أعلم وأفصل (٦)، و﴿المر﴾ [الرعد: ١]: أنا الله أعلم وأرى (٧). وهذا الوجه اختيار الزجاج.\n_________\n= ترجمة. \"تفسير ابن أبي حاتم\" مع الهامش ١/ ١٦٨ رسالة دكتوراه. وذكره السيوطي في \"الدر\" وعزاه إلى ابن جرير، وابن أبي حاتم وابن مردويه. \"الدر\" ١/ ٥٤ انظر ابن عطية ١/ ١٣٨.\n(١) هو سعيد بن جبير بن هشام الأسدي بالولاء، كان من سادات التابعين علمًا وفضلًا وورعًا وفقهًا، قتله الحجاج سنة خمس وتسعين. انظر ترجمته في: \"تذكرة الحفاظ\" ١/ ٧٦، \"طبقات المفسرين\" للداودي ١/ ١٨٨.\n(٢) في (ب): (تعلموا).\n(٣) ذكره الثعلبي بدون سند. ١/ ٤٠ أ، وأبو حيان في \"البحر المحيط\" ١/ ٣٤.\n(٤) أي عن ابن عباس.\n(٥) في (ب): (الرا).\n(٦) في (ب): (وأفضل).\n(٧) ذكره الزجاج بنصه حيث قال: والثالث عنه: ثم ذكره ١/ ٢٠، وفي تهذيب القول الثالث: (الم) معناه: أنا الله أعلم وأرى ١٥/ ٦٧٧، وأخرج ابن جرير بسنده عن ابن عباس: (الم) قال: أنا الله أعلم. الطبري ١/ ٨٨، وأخرجه ابن أبي حاتم بنحو رواية ابن جرير. قال المحقق: في سنده عطاء وشريك، اختلطا وساء حفظهما. (تفسير ابن أبي حاتم) ١/ ٣٢، وأخرجه أبو جعفر النحاس في \"القطع والائتناف\" قال: (الم) أنا الله أعلم. و(المر) قال أنا الله أرى، و(المص) قال أنا الله أفصل. ص ١١١، وذكره السيوطي في \"الدر\" بمثل رواية ابن جرير وعزاه إلى وكيع وعبد ابن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والنحاس ١/ ٥٤.","vol":"2","page":16},{"text":"قال: المختار: ما روي عن ابن عباس وهو أن معنى: (الم) أنا الله أعلم، وأن كل حرف منها له تفسير (١). قال: والدليل على ذلك أن العرب تنطق بالحرف الواحد تدل به على الكلمة التي هو (٢) فيها، وأنشد:\nقلت لها قفي فقالت قاف (٣) ... ................\nفنطق (٤) - بقاف- فقط، يريد قالت: أقف (٥). وقال الفراء: معنى هذه الحروف [المقطعة في أوائل السور: أن هذه الحروف] (٦) ذلك الكتاب الذي وعدتك أن أنزله عليك، لأن قوله: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى﴾ [الأعلى: ٦] وعد من الله تعالى أن ينزل عليه كتابا، فلما أنزل عليه القرآن قال: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ الذي وعدتك أن أقرئكه فلا تنسى، فاكتفى من حروف (أ، ب، ت، ث) بـ ﴿الم﴾، و﴿المص﴾، وأشباه ذلك؛ لأن هذه الحروف لما\n_________\n(١) في (المعاني): (تفسيره) ١/ ٢٤.\n(٢) (هو) ساقط من (ب).\n(٣) البيت بتمامه في (المعاني):\nقلنا لها قفي قالت: قاف ... لا تحسبي أنا نسينا الإيجاف\n\"معاني القرآن\" ١/ ٢٤ ومثله عند الطبري ١/ ٩٠، وكذا في \"الخصائص\" ١/ ٣٠، ٨٠، ٤٢٦، ٢/ ٣٦١، وهو في (تأويل مشكل القرآن) وفيه (... قالت لي: قاف ...) ص ٣٠٨، وورد في \"معاني القرآن\" للفراء٣/ ٧٥، \"اللسان\" (وقف) ٨/ ٤٨٩٨، \"البحر المحيط\" ١/ ٣٥. والرجز للوليد بن عقبة خرج يريد عثمان بن عفان - ﵁ - لما طلبه حين شهد عليه عنده أنه يشرب الخمر، فخرج الوليد مع بعض رفقته ونزل يسوق الإبل بهم ويرتجز بأبيات منها المذكورة هنا.\n(٤) في (ج). (تنطق).\n(٥) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٤.\n(٦) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).","vol":"2","page":17},{"text":"كانت موضوعة للكتاب معروفة، كان الحرفان (١) والثلاثة منها يدل على الجمع، والعرب تعبر ببعض الشيء عن كله. كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اُرْكَعُواْ لَا يَرْكَعُونَ﴾ [المرسلات: ٤٨] أي: صلوا لا يصلون، وقال: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَت يَدَاكَ﴾ [الحج: ١٠] وقال الشاعر:\nلما رأيت أنها في حُطِّي ... أخذتُ منها بقرونٍ شُمْطِ (٢)\nفعبر بفظة (حطى) عن جميع حروف (أبجد) (٣).\nوهذا القول اختيار الحسن (٤) بن محمد بن نصر الجرجاني (٥)، فإنه\n_________\n(١) في (ج): (الجرفان) بالجيم.\n(٢) الأبيات لبعض بني أسد، وسماه بعضهم بأبي القماقم الأسدي، يتحدث عن امرأة لا يرضى خلقها، حاول إصلاحها فلم تنقد له، كأنها تستمر في أول تعلمها كالصبي الذي لا يعدو في تعلمه حروف الهجاء. و(القرون الشمط). خصل الشعر المختلط فيه السواد والبياض. والأبيات عند الفراء:\nلما رأيت أمرها في حُطِّي ... وفَنَكَتْ في كذب ولَطِّ\nأخذتُ منها بقرون شمط ... ولم يزل ضربي لها ومَعْطِي\nحتى علا الرأس دم يغُطِّي\n\"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٣٦٩، وذكر منها في \"تأويل مشكل القرآن\" البيتين اللذين ذكرهما الواحدي ص ٣٠، وكذا الثعلبي ١/ ٤١، وذكر الطبري الأبيات مثل ما عند الفراء مع اختلاف يسير ١/ ٨٩، ووردت في \"كنز الحفاظ في كتاب تهذيب الألفاظ\" ص ٤٤٧، \"أمالي القالي\" ٢/ ٢٠٠، \"تفسير السجاوندي\" ص ٢٤.\n(٣) الكلام الذي نسبه للفراء لم أجده بهذا النص في \"معاني القرآن\"، وللفراء كلام بمعناه ١/ ٣٦٨، ٢/ ٣، وذكر الثعلبي قريبا مما ذكر الواحدي هنا، قال بعده: هذا قول المبرد وجماعة من أهل (المعاني). الثعلبي ١/ ٤٠/ ب، ٤١/ أوذكر الواحدي في \"البسيط\" نحو الكلام الذي نسبه للفراء، وعزاه لابن الأنباري. انظر \"الوسيط\" ١/ ٢٦.\n(٤) في (ب): (الحسين).\n(٥) هو الحسن بن محمد أو ابن يحيى بن نصر الجرجاني، أبو علي، صاحب \"نظم القرآن\" نقل عنه الواحدي كثيرا، انظر ما تقدم في مصادر الواحدي في تفسيره.","vol":"2","page":18},{"text":"قال: ﴿الم﴾ مبتدأ مرصد لخبر (١)، أو لأن يبنى عليه خبر، أي: أن هذه الحروف التي منها (الم) الكتاب الذي (٢) وعدتك إنزاله عليك، فتكون هذه الحروف الثلاثة اسما لجميع الحروف المعجمة، كما يستدل ببعض الشيء على كله، يقول الرجل: قرأت (نون) و(صاد) و(حم) (٣) وهو لا يريد (٤) هذه الحروف بعينها، وإنما يريد كلّ ما اتصل به مما (٥) بعده.\nومنه قول النبي - ﷺ - \"أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله\" (٦) وقد كان - ﷺ - يقاتل اليهود والنصارى، وهم يقولون: لا إله إلا الله، [وهو أراد (لا إله إلا الله)] (٧) وما اتصل بها من أسبابها، فجعل (لا إله إلا\n_________\n(١) في (ب): (بخير).\n(٢) في (ب): (التي).\n(٣) في (ب): (ص) و(حم) و(نون).\n(٤) في (ب): (لا يريد به).\n(٥) (مما) ساقط من (ب).\n(٦) الحديث بلفظ: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ... الحديث). عن أبي هريرة: قال السيوطي: متواتر: \"فيض القدير\" ٢/ ٢٣٨، وكذا قال الألباني. انظر \"الأحاديث الصحيحة\" ١/ ٦٩١ (٤٠٧). والحديث أخرجه البخاري (١٣٩٩) كتاب الزكاة، باب: وجوب الزكاة، \"الفتح\" ٣/ ٢٦٢، و\"كتاب استتابة المرتدين\" باب (قتل من أبى قبول الفرائض) ١٢/ ٢٧٥، وكتاب \"الاعتصام بالكتاب والسنة\" باب \"الإقتداء بسنن رسول الله - ﷺ -\" ١٣/ ٢٥٠، ومسلم ٢٠، ٢١ كتاب الإيمان، باب: الأمر بقتال الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، وأبو داود (١٥٥٦) كتاب الزكاة، والترمذي (٢٦٠٧) كتاب الإيمان، باب: أمرت أن أقاتل الناس ..، والنسائي ٥/ ١٤ كتاب الزكاة، باب: مانع الزكاة. وأحمد في \"المسند\" ١/ ١٩، ٣٥، ٤٨، ٢/ ٤٢٣، ٥٢٨. والأحاديث بنحو لفظه كثيرة عن ابن عمر وأنس وغيرهم.\n(٧) مابين المعقوفين ساقط من (ب).","vol":"2","page":19},{"text":"الله) اسمًا لجميع الإيمان.\nوعلى هذا قوله: ﴿وذلك﴾ مبتدأ ثان و﴿الكتاب﴾ (١) خبره، وهما جميعا خبر للمبتدأ الأول (٢)، لأنهما صارا قصة وشأنا، مثل قولك: (زيد أبوه قائم) و(عمرو وجهه حسن).\nوزعم قطرب (٣): أن هذه الحروف المقطعة ذكرت في القرآن لتدل على أن هذا القرآن المؤلف من هذه الحروف المقطعة التي هي مقدورة للمشركين في تخاطبهم، فلولا أنه من عند الله نزل وأنه معجز في نفسه، وإلا وهلا جئتم بمثله لأنكم (٤) متمكنون من المخاطبة بهذه الحروف. (٥)\nوحكي عنه- أيضا- قول آخر، وهو أنه قال (٦): يجوز أن يكون لما لغا القوم في القرآن فلم يتفهموه (٧) حين قالوا: ﴿لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ (٨) وَالْغَوْا فِيهِ﴾ [فصلت: ٢٦] أنزل الله سبحانه هذه الحروف المقطعة، ولم\n_________\n(١) في (ج): (بالكتاب).\n(٢) انظر \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٤٢/ ب، \"مشكل إعراب القرآن\" ١/ ١٦، وابن عطية ١/ ١٤٣، \"البحر\" ١/ ٣٦.\n(٣) هو محمد بن المستنير المعروف بـ (قطرب) أحد العلماء المشهورين بالنحو واللغة، أخذ عن سيبويه، مات سنة ست ومائتين. انظر ترجمته في: \"طبقات النحويين واللغويين\" ص ٩٩، \"تاريخ بغداد\" ٣/ ٢٩٨، \"معجم الأدباء\" ١٩/ ٥٢، \"إنباه الرواة\" ٣/ ٢١٩، \"المزهر\" ٢/ ٤٠٥.\n(٤) في (ب): (وأنتم).\n(٥) ذكر المؤلف قول قطرب بمعناه، وتصرفه في اللفظ أخل به، انظر نص قوله في \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ١٩، \"تهذيب اللغة\" ١/ ٨٩، \"اللسان\" ١/ ١٥.\n(٦) (قال) ساقط من (ب).\n(٧) في (ب): (يتفهموا).\n(٨) في (ب): (القول) تصحيف في الآية.","vol":"2","page":20},{"text":"تجر لهم عادة بسماع مثلها حتى إذا سكتوا واستمعوا إلى ذلك، هجم القرآن أسماعهم وقرع (١) المعاني آذانهم، فيكون في إنزال هذه الحروف (٢) المقطعة نوع من المبالغة في الدعوة وتأكيد (٣) للحجة عليهم (٤).\nويروى عن الحسن أنه قال: ﴿الم﴾ وسائر حروف التهجي في القرآن أسماء للسور (٥).\nفعلى هذا إذا قال القائل (٦): قرأت (المص) عرف السامع أنه قرأ السورة المخصوصة التي افتتحت بـ (المص) كما أنه إذا قال: لقيت عمرا، علم السامع أنه يريد شخصًا معلومًا عنده.\nويجوز أن يكون ﴿الم﴾ اسما للسورة المفتتحة بها، ثم لا تعرف تلك السورة بعينها ما لم يقرن بـ ﴿الم﴾ لفظ آخر، فيقال: سورة ﴿الم ذَلِكَ﴾،\n_________\n(١) في (ب): (وقرعت).\n(٢) هذا آخر وجه (أ) من لوحة (٣٩) في نسخة (ب) وفي أسفل الصفحة في الهامش كتب بخط مختلف: (هذا آخر الاختلاف وليس في هذِه النسخة غيره).\n(٣) في (ب) (وتأكيدًا).\n(٤) انظر نص كلام قطرب في: \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٤، \"تهذيب اللغة\" ١/ ٨٩، \"اللسان\" ١/ ١١، \"تفسير أبي الليث\" ١/ ٨٧، وذكره الطبري ولم يعزه ١/ ٨٩، وذكره الرازي ونسبه لابن روق وقطرب ٢/ ٦، ومال إليه ٢/ ١١.\n(٥) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٢٦، وأبو حيان في \"البحر\" ١/ ٣٤، وأورد الطبري هذا القول ونسبه لزيد بن أسلم ١/ ٢٠٦، وكذا الثعلبي ١/ ٤٠/ أ، وابن عطية ١/ ١٣٨، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ١/ ٢١، وأبو حيان في (البحر) ١/ ٣٤، والسيوطي في \"الدر\" ١/ ٥٥.\n(٦) نقل عن الطبري بتصرف. انظر الطبري ١/ ٩٠.","vol":"2","page":21},{"text":"وسورة (الم الله) (١)، لأنه وقع الاشتراك، ولا يمنع احتياجهم (٢) إلى ذكر القرينة أن يكون ذلك اسما له في الأصل. ألا ترى أنه إذا قال: رأيت زيدا، والسامع عرف (٣) رجلين اسمهما زيد، فيقول: أيما (٤) زيد؟ فيقول: الأزدي أو (٥) التميمي (٦). فلا يمنع هذا أن يكون (زيد) اسما (٧) في الأصل لذلك الشخص، وإن (٨) لم يحصل به التمييز حتى ذكر معه النسبة (٩) عند وقوع الاشتراك، ويجوز تسمية الشيء ببعضه، أو بما هو من جملة معناه، كالقصائد التي تسمى بما افتتحت به كقولهم: (لخولة أطلال)، و(قفا نبك)، و(أما صحا) (١٠).\nوقول الحسن (١١) هذا مختار عند النحويين، من قبل أن الأسماء\n_________\n(١) عند الطبري (.. قرأت (الم البقرة). وفي آل عمران: قرأت (الم آل عمران) و(الم ذلك الكتاب) و(الم الله لا إله إلا هو الحي القيوم) الطبري ١/ ٩٠.\n(٢) في (ب). (احتاجهم).\n(٣) (عرف) ساقط من (ب).\n(٤) في (ب): (أبا).\n(٥) في (ب): (و).\n(٦) انظر الطبري ١/ ٩٠، وانظر \"تأويل المشكل\" لابن قتيبة ص ٣٠٠.\n(٧) في (ب): (زيدا في الأصل).\n(٨) في (ب): (فإن).\n(٩) في (ب). (التشبه).\n(١٠) قوله: (لخولة أطلال) مطلع معلقة طرفة بن العبد. انظر \"شرح القصائد المشهورات\" للنحاس ص ٥٣. و(قفا نبك) مطلع معلقة امرئ القيس. انظر \"شرح القصائد\" ص ٣. وقوله \"أما صحا\" لم أعثر عليها فيما قرأت.\n(١١) وهو أن الحروف المقطعة أسماء للسور، وهذا القول نسبه أكثر المفسرين لعبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه. انظر ما سبق ص ٣٨٩.","vol":"2","page":22},{"text":"الأعلام منقولة عن معانيها للتفرقة بين المسميات (١)، ونقلت هاهنا حروف المعجم إلى التسمية. وقد جاء نظير ذلك (٢) في أسماء العرب، قالوا: (أوس بن حارثة بن لأم الطائي) (٣).\nولا خلاف بينهم أن لك أن تسمي بحروف المعجم كما أن لك أن تسمي بالجمل (٤) كقولهم (٥): (تأبط شرًّا (٦»، و(ذرّى حبًّا (٧»، قال الشاعر:\nإن لها لَرَكَبًا (٨) إرزَبَّا (٩) ... كأنه جبهةُ ذرّى حَبَّا (١٠)\n_________\n(١) انظر \"شرح المفصل\" ١/ ٢٩.\n(٢) في (ب): (ذاك).\n(٣) ذكره ابن دريد قال: أوس بن حارثة بن لأم، رأس طييء، عاش مائتي سنة. وفسر (لأم) فقال: (اللأم) السهم المريش إذا استوت قذذه. (الاشتقاق) ص ٣٨٢، ٣٨٣. وانظر مادة (لأم) في \"اللسان\" ٧/ ٣٩٧٦، \"القاموس\" ص١١٥٦. وقد أورد الواحدى الاسم على أن المراد (لام) الحرف، نقل فأصبح علمًا على اسم معين، وعلى ما ذكر ابن دريد لا شاهد فيه للواحدي.\n(٤) تحكى الجملة على حالها فتصبح علمًا للمسمى انظر \"الكتاب\" ٣/ ٣٢٦ \"المقتضب\" ٤/ ٩، \"شرح المفصل\" ١/ ٢٨.\n(٥) في (ب): (كقولك).\n(٦) في (ب): (سابط).\nقيل: سمي بذلك لأنه تأبط حية. انظر (شرح المفصل) ١/ ٢٨.\n(٧) دي (ب): (وروا حبا). وذرى حبا: اسم رجل. انظر: \"الكتاب\" ٣/ ٣٢٦، \"المقتضب\" ٤/ ٩، \"شرح المفصل\" ١/ ٢٨، و\"اللسان\" (حبب) ١/ ٢٩٦.\n(٨) في (ب). (الركبا).\n(٩) في (ج). (اردبا).\n(١٠) نسبه سيبويه لرجل من بني طهية. يروى (مركبا) و(مركنا) وهو منبت المعانة =","vol":"2","page":23},{"text":"فكل (١) كلمة لم تكن على معنى الأصل فهي منقولة إلى التسمية للفرق، فمن ذلك (زيد (٢» لما لم يرد به معنى الزيادة، لم يكن إلا منقولا (٣). وكذلك جميع الأسماء الأعلام ولو سميت رجلا: (ب ت ث)، [لقلت (هذا ب ت ث)] (٤)، ورأيت: (ب ت ث) فحكيت هذا القول كان جائزا.\nوقال أبو العالية: ليس منها حرف إلا وهو مفتاح اسم من أسماء الله ﷿، وليس منها حرف إلا وهو في آلائه وبلائه، وليس منها حرف إلا وهو في مدة قوم وآجال آخرين (٥).\n_________\n= و(الإرزب) الضخم شبهه بجبهة ذلك الرجل المسمى (ذرى حبا). ورد البيت في \"الكتاب\" ٣/ ٣٢٦، \"المقتضب\" ٤/ ٩، \"معجم مقاييس اللغة\" ٢/ ٣٩١، \"اللسان\" (حبب) ٢/ ٧٤٦، و(رزب) ٣/ ١٦٣٤، و\"شرح المفصل\" ١/ ٢٨.\n(١) في (ب): (كل).\n(٢) (زيد) ساقط من (ب).\n(٣) انظر: \"شرح المفصل\" ١/ ٣٠.\n(٤) مابين المعقوفتين ساقط من (ب).\n(٥) بهذا النصر ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" بدون نسبه ١/ ٤٠ أ، وأخرجه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" بسنده عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية: في قوله (الم) قال: (هذِه الأحرف الثلاثة من التسعة والعشرين حرفا، دارت فيها الألسن كلها. ليس منها حرف ...) الخ الأثر كما عند المؤلف هنا. قال المحقق: رجال هذا الإسناد يحتج بروايتهم، لكن أبا العالية يرسل كثيرًا، ورواية أبي جعفر الرازي عن أنس مضطربة والمتن في بعض ألفاظه نكارة. \"تفسير ابن أبي حاتم\" ١/ ١٦٨ (رسالة دكتوراه). وأخرجه ابن جرير بسنده عن الربيع بن أنس، بنفس اللفظ١/ ٨٨، وذكره ابن كثير في \" تفسيره\" عن أبي العالية، وتكلم فيه من جهة معناه. ابن كثير ١/ ٤١، وذكره =","vol":"2","page":24},{"text":"فالاختلاف في هذه الحروف كما ترى، وقد ذكرت عيون أقاويل أهل (١) التأويل. وليس يبعد أن يقال: إن جميع ما ذكر من هذه التأويلات كلها مرادة بهذه الحروف مودعة فيها، ولا تنافي في هذه الأقوال، لأنه ليس كون هذه الحروف مفاتح أسماء الله تعالى بمانع أن تكون (٢) مما (٣) أقسم الله بها، ولا أن يشير بها إلى مدة قوم وآجال أناس عرف الله نبيه ﵇ ذلك على الخصوص (٤).\n_________\n= السيوطي في \"الدر\" وعزاه لابن جرير وابن أبي حاتم. \"الدر\" ١/ ٥٦، وذكره أبو حيان في \"البحر المحيط\" ١/ ٣٤.\n(١) في (ب): (هذا).\n(٢) في (ب): (يكون).\n(٣) في (ب). (ما).\n(٤) وإلى نحو هذا مال ابن جرير حيث قال: (والصواب من القول عندي في تأويل مفاتيح السور، التي هي حروف المعجم: أن الله جل ثناؤه جعلها حروفا مقطعة، ولم يصل بعضها ببعض -فيجعلها كسائر الكلام المتصل الحروف- لأنه عز ذكره أراد بلفظه الدلالة بكل حرف منه على معان كثيرة، لا على معنى واحد، كما قال الربيع بن أنس. وإن كان الربيع قد اقتصر به على معان ثلاثة، دون ما زاد عليها. والصواب في تأويل ذلك عندي: أن كل حرف منه يحوي ما قاله الربيع، وما قاله سائر المفسرين غيره فيه .... الخ. واستثنى بعض الأقوال لضعفها. انظر الطبري ١/ ٩٣، وانظر \"تأويل المشكل\" لابن قتيبة ص ٢٩٩، ٣٠٠، وقد ذكر ابن كثير كلام الطبري، ولم يرضه، ثم ذكر أقوالًا أخرى وبين ضعفها ثم قال: وقال آخرون: بل إنما ذكرت هذِه الحروف في أوائل السور التي ذكرت فيها بيانا لإعجاز القرآن وأن الخلق عاجزون عن معارضته بمثله، هذا مع أنه مركب من هذِه الحروف المقطعة التي يتخاطبون بها، وقد حكى هذا المذهب الرازي في \"تفسيره\" عن المبرد وجمع من المحققين، وحكى القرطبي عن الفراء وقطرب نحو هذا، وقرره الزمخشري في \"كشافه\" ونصره أتم نصر، واليه ذهب الشيخ الإمام العلامة أبو العباس ابن تيمية، =","vol":"2","page":25},{"text":"فإن قيل: كيف كتبوا في المصحف هذه الحروف موصولة، والهجاء منقطع لا يتصل بعضه ببعض؟\nقلنا: لأنه لم يقصد به الهجاء، إنما هي حروف اجتمعت يراد بكل حرف منها معنى، فهي وإن كانت في صورة الهجاء فإن تحتها معاني، فكانت من هذا الوجه في معنى الكلمات الموصولة (١).\nفإن قيل: فلم قطعت ﴿حم عسق﴾ ولم تقطع ﴿كهيعص﴾.\n\nقلنا: لأن (حم) قد ذكرت في أوائل سور أخرى، فقطعت مما <span data-type=\"title\" id=toc-225>(٢) </span>بعدها، لأن هذه السور كغيرها (٣) مما افتتح بـ (حم) (٤).\nهذا هو الكلام في الحروف المقطعة في هذه السورة. (٥) فأما في سائر السور فسنأتي على بيانها إن شاء الله.\n\n٢ - وقوله تعالى: ﴿ذَالِكَ اَلكِتَبُ﴾. قال أبو الهيثم (٦): (ذا) اسم كل\n_________\n= شيخنا الحافظ المجتهد أبو الحجاج المزي، وحكاه لي عن ابن تيمية. ابن كثير ١/ ٤٠.\n(١) هذا السؤال والإجابة عليه ذكره ابن الأنباري في \"إيضاح الوقف والابتداء\" ص ٤٧٩، وانظر: \"القطع والائتناف\" للنحاس ص ١٠٩، \"البرهان في علوم القرآن\" ١/ ٤٣١.\n(٢) في (ب): (ما).\n(٣) في (ب): (لغيرها).\n(٤) ذكره ابن الأنباري في \"إيضاح الوقف والابتداء\" ص ٤٧٩، والنحاس في \"القطع والائتناف\" ص ١٠٩، والزركشي في \"البرهان\" ١/ ٤٣١.\n(٥) أي في سورة (البقرة) (الم).\n(٦) قول أبي الهيثم ذكره الأزهري في (التهذيب) في مواضع متعددة أخذ الواحدي منه بالاختصار وجمعه مع بعضه. قال الأزهري: أخبرني المنذرى عن أبي الهيثم أنه قال: ذا اسم كل مشار إليه ..) \"التهذيب\" (ذا) ٢/ ١٢٥٨.","vol":"2","page":26},{"text":"مشار إليه يراه المتكلم والمخاطب كقولك: ذا الرجل، وذا الفرس، فإذا (١) بعد المشار إليه زادوا (كافا) فقالوا: ذاك (٢) الرجل، وهذه (الكاف) ليست في موضع نصب ولا خفض (٣) ولا رفع، إنما أشبهت كاف (أخاك) و(عصاك) فتوهم السامع أنها في موضع خفض (٤)، فلما دخل فيها هذا اللبس زادوا (لاما) فقالوا: ذلك أخوك (٥)، فإن اللام إذا دخلت ذهبت بمعنى الإضافة. و(ذا) مبني (٦)، نصبه وخفضه ورفعه سواء، لأن فيه معنى الإشارة إلى معرفة فكأنه قد تضمن معنى من الحروف (٧). وهذا الذي ذكره\n_________\n(١) قال الأزهري: قال أبو الهيثم فيما أخبرني عنه المنذري: (إذا بعد المشار إليه من المخاطب، وكان المخاطب بعيدا ممن يشار إليه، (زادوا) (كافا) فقالوا. ذاك أخوك ..) \"التهذيب\" تفسير (ذاك وذلك) ٢/ ١٢٥٨.\n(٢) في (ج): (ذلك).\n(٣) في \"التهذيب\": (ليست في موضع خفض ولا نصب، إنما أشبهت ..) ٢/ ١٢٥٨.\n(٤) في \"التهذيب\": (فتوهم السامعون أن قول القائل: ذاك أخوك كأنها في موضع خفض لاشباهها (كاف)، (أخاك). وليس ذلك كذلك، إنما تلك (كاف) ضمت إلى (ذا) لبعد (ذا) من المخاطب، فلما دخل ...) \"التهذيب\" ٢/ ١٢٥٨.\n(٥) في \"التهذيب\": (وفي الجماعة: أولئك اخوتك). مراتب المشار اليه عند بعضهم اثنتان:\nالأولى: القربى ويشار لها بذا.\nالثانية: البعدى سواء كان البعد قليلًا أو كثيرًا ويشار لها بذاك. وعلى هذا الرأي زيدت اللام لرفع اللبس، كما ذكر الواحدي، أو لتأكيد بعد المشار إليه. أما عند الجمهور فمراتب المشار إليه ثلاث: قريب يشار له بذا، ومتوسط يشار له بذاك، وبعيد ويشار له بذلك، وعلى هذا: اللام لبعد المشار اليه، وليست لرفع اللبس. انظر \"حاشية الصبان\" ١/ ١٣٩، ١٤٢.\n(٦) في (ب): (مبين).\n(٧) هذا الكلام عن أبي الهيثم بمعناه، \"التهذيب\" ٢/ ١٢٥٨.","vol":"2","page":27},{"text":"أبو الهيثم في ذلك، إجماع من النحويين (١).\nوقال الزجاج (٢): كسرت (اللام) في (ذلك) لالتقاء الساكنين (٣)، قال: ولم يذكر الكوفيون كسرة هذه (اللام).\nقال أبو الفتح الموصلي (٤):\n(اللام) قد تزاد في الكلمة مبنية (٥) معها، غير مفارقة لها، كقولهم: (ذلك) و(ألالك) (٦)، و(هنالك) و(عبدل) (٧)، و(زيدل) (٨)، و(فيشله) (٩). والذي يدل على زيادة (اللام) في هذه الحروف قولهم: (ذاك) (١٠) بمعنى:\n_________\n(١) انظر \"التهذيب\" حيث نقل الأزهري عن بعض الأئمة٢/ ١٢٥٨ - ١٢٥٩، وانظر \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٣٠.\n(٢) قول الزجاج في \"معاني القرآن\" ١/ ٣١، إلا قوله: (قال: ولم يذكر الكوفيون ...\nإلخ)، ونقله الأزهري في \"التهذيب\"، ١٥/ ٣٤، ٣٥.\n(٣) المراد بالساكنين: (الألف) من (ذا) واللام التي بعدها. انظر \"المعاني\" للزجاج ١/ ٣١.\n(٤) كلام أبي الفتح في \"سر صناعة الإعراب\" ١/ ٣٢١، وقد تصرف المؤلف فيه، ونقله بالمعنى مع الاختصار. قال أبو الفتح: (وإذا كانت اللام زائدة فهي على ضربين: أحدهما: أن تزاد في الكلمة مبنية معها غير مفارقة لها، والآخر أن تزاد فيها لمعنى، ولا تكون من صيغة الكلمة ....).\n(٥) في (ب): (مبينة).\n(٦) كذا في (أ)، وفي (ب)، (ج): (إلا لك) وفي \"سر صناعة الإعراب\" (أولا لك) ١/ ٣٢١. وهذا هو الصواب، ولعل ما أثبت في النسخ اختلاف في الرسم.\n(٧) في (ب): (عندك).\n(٨) في (ب): (زيدك).\n(٩) في (ج): (فشيله). في \"اللسان\": (الفيشلة) كالفيشه، واللام فيها عند بعضهم زائدة، وقيل اللام أصل. والفيشة: أعلى الهامة، أو الكمرة، أو الذكر المنتفخ. \"اللسان\" (فيش) ٦/ ٣٤٩٩.\n(١٠) في (ب): (ذلك).","vol":"2","page":28},{"text":"(ذلك)، و(أولئك) بمعنى: (ألالك) (١)، و(هناك) بمعنى: (هنالك)، ومعنى (عبدل) كمعنى (عبد) (٢)، ومعنى: (زيدل) كمعنى: (زيد) (٣)، ومعنى: (فيشلة) كمعنى (٤): (فيشة) (٥).\nوأما (٦) (الكاف) فهي في (ذاك)، و(ذلك)، و(تلك)، و(تانك) (٧)، و(ذانك)، و(أولئك) حرف يفيد الخطاب، وليست باسم (٨).\nوالدليل (٩) على ذلك ثبوت النون [في (ذانك، وتانك) ولو كانت اسما لوجب حذف النون] (١٠) قبلها، وجرها بالإضافة، كما تقول: غلاماك وصاحباك.\nوالعرب قد تزيد (الكاف) للخطاب كقولهم: (النجاءك) أي: انج، ولو كانت (١١) (الكاف) اسما لما جازت إضافة ما فيه (الألف واللام)\n_________\n(١) كذا في (أ) وفي (ب)، (ج) (بدون تشكيل)، وفي \"سر صناعة الإعراب\" (أولالك) وهو الصواب، وانظر التعليق في الصفحة قبلها.\n(٢) في (ب): (ومعنى عندك كمعنى عند).\n(٣) في (ب): (ومعنى زيد كمعنى زيدك).\n(٤) في (ب): (بمعنى).\n(٥) انظر. \"سر صناعة الإعراب\" ١/ ٣٢٢، (معنى الفيشة) مر قريبا.\n(٦) الكلام عن (الكاف) أخذه المؤلف عن أبي الفتح من موضع آخر ١/ ٣٠٩، بتصرف واختصار.\n(٧) في (ب): (تاتك).\n(٨) انظر: \"الأصول في النحو\" ٢/ ١٢٧.\n(٩) \"سر صناعة الإعراب\" ١/ ٣١٥.\n(١٠) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).\n(١١) \"سر صناعة الإعراب\" ١/ ٣٠٩ - ٣١٠.","vol":"2","page":29},{"text":"إليهما (١)، وكذلك قولهم: أبصرك زيدا. ولا يجوز أن تكون (الكاف) اسما لأن هذا الفعل لا يتعدى إلى ضمير المأمور (٢)، ألا ترى أنك لا تقول: أضربك، ولا أقتلك، إذا أمرته بضرب نفسه وقتله إياها (٣).\nوزاد غيره بيانا فقال: (الكاف) في (ذلك) حرف، وفي (غلامك) وأشباهه اسم، الدليل على هذا أنك تؤكد (الكاف) في غلامك، كما تؤكد الاسم، فتقول: جاءني غلامك نفسك، ولا تؤكد (الكاف) في ذلك، فلا يجوز أن تقول: ذلك نفسك، على معنى تأكيد (الكاف) بالنفس (٤).\nقوله تعالى: ﴿الْكِتَابُ﴾ يقال: كتب يكتب كتابًا وكَتْبًا وكتابةً. و(الكتاب) أيضا اسم لما كتب، وهو من باب تسمية المفعول بالمصدر، وهو كثير (٥). وأصل (الكتب) في اللغة جمعك بين الشيئين، يقال: اكتب بغلتك، وهو أن يضم بين شفريها بحلقة (٦)، ومن ذلك سميت (الكتيبة) لأنها تكتبت واجتمعت (٧).\nويقال: كتبت السقاء أكتبه كَتْبًا إذا خرزته (٨). وهي الكُتْبة وجمعها\n_________\n(١) انظر \"الكتاب\" ١/ ٢٤٥.\n(٢) عند أبي الفتح: (لا يجوز أن تكون (الكاف) اسما لأن هذا الفعل لا يتعدى إلى ضمير المأمور به ..) ١/ ٣١١.\n(٣) انظر كلام أبي الفتح ١/ ٣١٠، ٣١١.\n(٤) ذكره سيبويه. انظر: \"الكتاب\" ١/ ٢٤٥، وانظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٣٠، \"تهذيب اللغة\" (ذاك) ٢/ ١٢٥٩.\n(٥) انظر: \"تهذيب اللغة\" للأزهري (كتب) ٤/ ٣٥٩٧، \"معجم مقاييس اللغة\" (كتب) ٥/ ١٥٨، \"الكشف\" للثعلبي ١/ ٤٢/ب.\n(٦) في (ب): (لحلقة).\n(٧) في (ب): (فاجتمعت). ذكره الأزهري عن شمر، \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٠٩٧.\n(٨) في (ب): (جررته). ذكره الأزهري عن أبي عبيد عن أبي زيد. \"التهذيب\" (كتب) ٢/ ٢٠٧٩.","vol":"2","page":30},{"text":"كُتَب للخروز (١). ومنه قيل: كتبت الكتاب، لأنه يجمع حرفا إلى حرف (٢).\nفأما التفسير فقوله (٣): ﴿ذلك﴾ يجوز أن يكون بمعنى: (هذا) عند كثير من المفسرين وأهل المعاني (٤).\nقال الفراء: وإنما يجوز (ذلك) بمعنى: (هذا) لما مضى، وقرب وقت تقضيه، أو تقضي ذكره، فأما الموجود الحاضر (٥) فلا يقال فيه (ذلك) (٦) مثاله أنك تقول (٧): قد قدم فلان، فيقول السامع: قد بلغنا ذلك، وبلغنا هذا الخبر، فصلحت فيه (هذا)، لأنه قرب من جوابه (٨)، فصار كالحاضر الذي تشير (٩) إليه، وصلحت (ذلك) لانقضائه، والمنقضي\n_________\n(١) في (ب): (للحزور). الأزهري عن الليث، \"التهذيب\" ٢/ ٢٠٧٩.\n(٢) الأزهري عن شمر ٢/ ٢٠٧٩.\n(٣) في (ب). (وقوله).\n(٤) انظر: الطبري ١/ ٩٦، \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ١٠، \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٩، ونسب القول فيه للأخفش وأبي عبيدة، و\"مجاز القرآن\" ١/ ٢٨، وابن عطية ١/ ١٤١.\n(٥) الموجود الحاضر لا يقال فيه (ذلك) لأنك تراه بعينه، بل تشير له بهذا، الدالة على الحاضر في الذهن. انظر \"معاني القرآن\" للفراء١/ ١١.\n(٦) في (ج): (ذاك).\n(٧) في \"معاني القرآن\" للفراء: (يصلح (ذلك) من جهتين، وتصلح فيه (هذا) من جهة، فأما أحد الوجهين من (ذاك) فعلى معنى: هذِه الحروف يا أحمد، ذلك الكتاب الذي وعدتك أن أوحيه إليك. والآخر أن يكون (ذلك) على معنى يصلح فيه (هذا) لأن قوله: (هذا) و(ذلك) يصلحان في كل كلام، إذا ذكر ثم أتبعته بأحدهما بالإخبار عنه. ألا ترى أنك تقول: قد قدم فلان ... الخ.) ١/ ١٠.\n(٨) في (ب): (حركه).\n(٩) في (ب): (يشير).","vol":"2","page":31},{"text":"كالغائب (١).\nوتقول: أنفقت ثلاثة وثلاثة، فذلك ستة، وإن شئت قلت: فهذا ستة، وقد قال الله ﷿: ﴿فَحَشَرَ فَنَادَى﴾ [النازعات: ٢٣] تْم قال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾ [النازعات: ٢٦]، وقال: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ﴾ (٢) [الأنبياء: ١٠٥]، ثم قال: ﴿إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا﴾ [الأنبياء: ١٠٦] (٣).\nوقال محمد بن جرير: أشار بقوله: ﴿ذلك﴾ إلى ما تقدم ومضى من قوله: ﴿الم﴾ لأن كل ما تقضى (٤) وقرب تقضيه من الأخبار فهو في حكم الحاضر، كالرجل يحدث الرجل الحديث، فيقول السامع: (إن ذلك لكما (٥) قلت)، و(هذا والله كما قلت)، فيخبر مرة عنه بمعنى الغائب (٦)، إذا كان قد تقضى، ومرة بالحاضر لقرب جوابه من كلامه، كأنه غير متقض (٧)، فكذلك لما ذكر الله سبحانه ﴿الم﴾ التي ذكرنا تصرفها في وجوهها من المعاني، قال: يا محمد هذا الذي ذكرته وبينته لك: الكتاب، [فحسن وضع (ذلك) في موضع (هذا) (٨) وروى عن ابن عباس أنه قال:\n_________\n(١) وقال الفراء (.. ولو كان شيئًا قائمًا يُرى لم يجز مكان (ذلك)، (هذا) ولا مكان (هذا)، (ذلك) ..) \"معاني القرآن\" ١/ ١٠، وقد نقل الواحدي كلامه بتصرف.\n(٢) في (ج) تصحيف في الآية (من بعد ما الذكر).\n(٣) الكلام بنصه في \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٣٠. وانظر \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ١١.\n(٤) في (ب). (ما يقضى). في الطبري: (لأن كل ما تقضى بقرب تقضيه ..) وفي الحاشية في المطبوعة (وقرب تقضيه) يريد: أن ذكر ما نقضى، وانقضاؤه قريب من إخبارك عنه. (تفسير الطبري) ١/ ٩٦.\n(٥) في (ب): (كما).\n(٦) أي إذا أشار إليه بـ (ذلك) وبمعنى الحاضر إذا أشار إليه بـ (هذا).\n(٧) في (ب). (مقتض) وفي الطبري: (منقض).\n(٨) \"تفسير الطبري\" ١/ ٩٦، وذكر المؤلف كلام الطبري بتصرف واختصار، واختار=","vol":"2","page":32},{"text":"معنا ذلك الكتاب] (١) الذي أخبرتك أنى أوحيه (٢) إليك (٣).\nوقال يمان بن رباب (٤): ذلك (٥) الكتاب الذي ذكرته في التوراة (٦) والإنجيل (٧).\nوهذان القولان (٨) متقاربان، والأول (٩) اختيار ابن الانباري،\n_________\n= الطبري هذا القول وهو: أن (ذلك) بمعنى (هذا) ١/ ٩٦، ورجحه ابن كثير، وقال: ذكره ابن جريج عن ابن عباس، وهو قول مجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير، والسدي، ومقاتل بن حيان، وزيد بن أسلم، وابن جريج ١/ ٤٢.\n(١) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).\n(٢) في (ب): (أوجه).\n(٣) ذكره الثعلبي عن أبي الضحى عن ابن عباس١/ ٤٣/أ، وذكره أبو الليث في \"تفسيره\" ولم يسنده لأحد ١/ ٨٩، وانظر \"البحر المحيط\" ١/ ٣٦، والقرطبي ١/ ١٣٧، \"زاد المسير\" ١/ ٢٣.\nوأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: هذا الكتاب. الطبري ١/ ٩٦.\n(٤) (يمان بن رباب) مكانه بياض في (ب)، وفي (أ): (رياب) بالياء و(رباب) بالباء في (ج) وهو عند الثعلبي ١/ ٤٣ أ، ولم أجد (يمان بن رباب) ولا (رياب) سوى ما ذكره البغدادي في \"هدية العارفين\" قال: (اليمان بن رباب البصري من رءوساء الخوارج، له: \"إثبات إمامة أبي بكر الصديق\". و\"أحكام المؤمنين\".) ولم يذكر سنة وفاته. \"هدية العارفين\" ١/ ٧٣٥، فلا أدرى هل هو المذكور، أو شخص غيره؟ والله أعلم.\n(٥) في (ب): (كل).\n(٦) في (ج): (التوريه).\n(٧) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" بعد قول ابن عباس السابق، \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٤٣أ، وذكر الزجاج بمعناه ولم ينسبه ١/ ٣٩، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ١/ ٢٣، القرطبي ١/ ١٣٧، وأبو حيان في \"البحر\" ونسبه لابن رئاب ١/ ٣٦.\n(٨) أي: قول ابن عباس وقول يمان بن رباب.\n(٩) أي قول ابن عباس: ذلك الكتاب الذي أخبرتك أني أوحيه إليك.","vol":"2","page":33},{"text":"والثاني (١) اختيار الزجاج (٢).\nأما ابن الانباري فقال: إنما قال عز (٣) ذكره: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾، فأشار إلى غائب، لأنه (٤) أراد هذه الكلمات يا محمد: ذلك الكتاب الذي وعدتك أن أوحيه إليك، لأن الله تعالى لما أنزل على نبيه - ﷺ - ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ [المزمل: ٥]، كان ﵇ واثقا بوعد الله إياه، فلما أنزل عليه ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة:١، ٢]. دله على (٥) الوعد المتقدم (٦).\nوقال الزجاج: القرآن، ذلك الكتاب الذي وعدوا به على لسان موسى وعيسى (٧).\nفجعل ﴿الم﴾ بمعنى القرآن، لأنه من القرآن فهو قرآن.\nوالمراد بالكتاب هاهنا: القرآن في (٨) قول ابن عباس، والحسن، وقتادة، ومجاهد والضحاك، ومقاتل (٩).\n_________\n(١) وهو قول يمان: ذلك الكتاب الذي ذكرته في التوراة والإنجيل.\n(٢) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٩.\n(٣) في (ب): (عن).\n(٤) في (ب): (كأنه).\n(٥) في (ب): (ذله الوعد).\n(٦) ذكر نحوه ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ١/ ٢٣، والقرطبي في \"الجامع لأحكام القرآن\" ١/ ١٣٧ - ١٣٨.\n(٧) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٩.\n(٨) في (ب): (فهو في).\n(٩) ذكره الثعلبي فىِ \"تفسيره\" ١/ ٤٣ ب، وذكر ابن أبي حاتم قول الحسن، وابن عباس ١/ ٣٤، وانظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ٩٦، و\"ابن كثير\" ١/ ٤٢.","vol":"2","page":34},{"text":"والمراد به المفعول (١)، كقولهم: الخلق، يريدون: المخلوق (٢)، لا الحدث الذي هو اختراع وإبداع.\nوهذا (٣) أرجح عندي من قول من قال: إنه سمي به لما فرض فيه (٤)، وأوجب العمل به (٥)، ألا ترى أن جميع التنزيل مكتوب، وليس كله فروضًا، وإذا كان كذلك كان العام (٦) الشامل [بجميع المسمى أولى مما كان بخلاف ذلك. فإن جعلت ﴿الم﴾ متعلقا بما بعده، فهو ابتداء، وخبره] (٧) ﴿ذلك﴾، والكتاب تفسير وبيان (٨) للمشار إليه (٩). ويصح أن\n_________\n(١) أي: المكتوب. انظر الثعلبي ١/ ٤٢/ ب.\n(٢) في ج (الخلوق)، وهذا المعنى ذكره الثعلبي ١/ ٤٢ ب.\n(٣) في (أ)، (ج): (قال: وهذا أرجح .. إلخ) واخترت ما في (ب) لأني لم أجد لوجود (قال) معنى. فكلام الزجاج قد انتهى، وما بعده أخذه عن الثعلبي بمعناه ولم يصرح باسمه، وليس الكلام بعد (قال) في \"تفسيره\"، ولم يكن من نهج الواحدي أن يفتتح قوله هو بـ (قال) لذلك اعتبرتها زيادة في (أ)، (ج).\n(٤) في (ب): (به).\n(٥) أي أن المراد بالكتاب: المكتوب، بمعنى المفعول، أرجح ممن قال: إنه سمي كتابا لما فرض فيه، وأوجب العمل به، فإن الكتاب يطلق على معان كثيرة منها: الفرض، والأمر، والجعل. انظر \"مشكل القرآن\" لابن قتيبة ص ١١، \"معرفة اشتقاق أسماء نطق بها القرآن\" لأبي بكر محمد بن عزيز السجستاني ١/ ٤٦١ رسالة ماجستير، \"تهذيب اللغة\" (كتب) ٤/ ٣٠٩٧، \"تفسير الرازي\" ٢/ ١٤، والقرطبي ١/ ١٣٨.\n(٦) أي أن الكتاب بمعنى المكتوب.\n(٧) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).\n(٨) أي: عطف بيان، أو بدل. انظر \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٣٥، \"إعراب القرآن\" للنحاس١/ ١٢٨، \"تفسير ابن عطية\" ١/ ١٤٣.\n(٩) (إليه) ساقط من (ج).","vol":"2","page":35},{"text":"يقال: ﴿الم﴾ ابتداء، ﴿وذلك﴾ ابتداء آخر، و﴿الكتاب﴾ خبره، وجملة الكلام خبر الابتداء الأول. وإن (١) جعلت ﴿الم﴾ منقطعًا مما بعده، فـ ﴿ذلك﴾ ابتداء، وخبره ﴿هُدًى﴾ (٢).\nوقوله تعالى: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾. الريب: الشك يقال: رابني فلن يريبني أي: علمت من الريبة، وأرابني (٣) أوهمنيها ولم يحققها (٤)، وقال:\nأَخُوكَ الذي إنْ رِبْتَهُ قَالَ إنَّمَا ... أرَابَ وإنْ عَاتَبْتَهُ (٥) لاَنَ جَانِبُه (٦)\nأراد أنه (٧) مع اليقين بالريبة يتوهمها (٨) منك، جريا على حكم\n_________\n(١) في (ب): (فإن).\n(٢) \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٤٢ ب، وانظر \"إيضاح الوقف والابتداء\" لابن الأنباري ١/ ٤٨٤، \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٣٠ - ٣٣، \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ١٢٨، \"مشكل إعراب القرآن\" ١/ ١٧،١٥، وقد ذكر الواحدي بعض الوجوه في إعراب (الم. ذلك الكتاب).\n(٣) في (ب): (فأرابني).\n(٤) ذكره الزجاج في \"معاني القرآن\" ١/ ٣١، والأزهري، وقال: وأنشد أبو زيد ثم ذكر البيت. \"تهذيب اللغة\" (راب) ٢/ ١٣٠٦ - ١٣٠٧.\n(٥) في (ب): (عاينته).\n(٦) نسب البيت للفرزدق، ولم أجده في \"ديوانه\"، ونسب للمتلمس، ولبشار، وهو الصحيح، حيث ورد في \"ديوانه\" من قصيدة يمدح بها عمر بن هبيرة قوله: (أراب) كذا ورد في جميع النسخ، وفي \"الديوان\" وغيره من المصادر (اربت) ومعناه: أخوك الذي إن ربته بريبة قال: أنا الذي أربت، أي: أنا صاحب الريبة، وروي (أربت) بفتح التاء، أي: أوجبت له الريبة. وقوله: (عاتبته) كذا وردت عند الزجاج، وفي المصادر الأخرى (لاينته) بمعنى: عاتبته، انظر \"ديوان بشار\" ص ٤٤، \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٣١، \"تهذيب اللغة\" (راب) ٢/ ١٣٠٦ - ١٣٠٧، \"اللسان\" (ريب) ٣/ ١٧٨٨ - ١٧٨٩.\n(٧) في (ب): (به).\n(٨) في (ب): (سموهمها).","vol":"2","page":36},{"text":"المودة، هذا قول جمهور أهل اللغة (١).\nوقال سيبويه: (أراب) الرجل أي: صار صاحب ريبة. كما قالوا: ألام أي: استحق أن يلام (٢). وأما (رابني) فمعناه: جعل في ريبة (٣)، كما تقول: قطعت النخل، أي: أوصلت إليه القطع، واستعملته فيه (٤).\nوقال أبو زيد (٥): قد رابني من فلان أمر رأيته منه رَيْبًا، إذا كنت مستيقنا منه بالريبة، فإذا أسأت به الظن ولم تستيقن بالريبة منه قلت: قد أرابني من فلان أمر هو فيه، إذا ظننته من غير أن تستيقنه (٦). وقوم على أن: (راب) و(أراب) بمعنى واحد (٧)، وينشدون قول الهذلي (٨):\n_________\n(١) انظر: \"التهذيب\" (راب) ٢/ ١٣٠٦ - ١٣٠٧، \"معجم مقاييس اللغة\" (ريب) ٢/ ٤٦٣، \"الصحاح\" (ريب) ١/ ١٤١، \"اللسان\" (ريب) ٣/ ١٧٨٨ - ١٧٨٩.\n(٢) في (ب) (تلام).\n(٣) في \"الكتاب\" (وأما رابني فإنه يقول: جعل لي ريبة ..) ٤/ ٦٠.\n(٤) \"الكتاب\" ٤/ ٦٠، والنص في \"الحجة\" لأبي علي١/ ١٧٩.\n(٥) في (ب) (يزيد). وأبو زيد هو سعيد بن أوس بن ثابت الأنصاري، صاحب النحو واللغة، توفي سنة خمس عشرة ومائتين. انظر \"طبقات النحويين واللغويين\" ص١٥٦، \"تاريخ بغداد\" ٩/ ٧٧، \"إبناه الرواة\" ٢/ ٣٠.\n(٦) ذكره أبو علي في \"الحجة\" ١/ ١٧٩، ونحوه عند الأزهري قال: هذا قول أبي زيد (راب) ١٥/ ٢٥٢، ولم أجده في \"نوادر أبي زيد\".\n(٧) انظر: \"تهذيب اللغة\" (راب) ٢/ ١٣٠٦ - ١٣٠٧، \"الصحاح\" (ريب) ١/ ١٤١، \"اللسان\" (ريب) ٣/ ١٧٨٨ - ١٧٨٩.\n(٨) في ج (الهزلي). و(الهذلي) هو خالد بن زهير الهذلي أحد شعراء الهذليين المشهورين عشق امرأة كان يأتيها أبو ذؤيب الهذلي خاله، وجرت بينهما أشعار في ذلك منها، \"بيت الشاهد\" وقتل خالد بسبب تلك المرأة في قصة طويلة. انظر \"شرح أشعار الهذليين\" للسكري ١/ ٢٠٧، \"الخزانة\" للبغدادي ٥/ ٧٦ - ٨٦.","vol":"2","page":37},{"text":"كأنَّما أَرَبْتُهُ بِرَيْبِ (١)\nوالحذاق (٢) على الفرق بينهما، كما أخبرتك، قال الأزهري: والقول في (راب وأراب) قول أبي زيد (٣).\nوموضح (ريب) نصب (٤)، قال سيبويه: (لا) تعمل فيما بعدها فتنصبه، ونصبها لما بعدها كنصب (إن) إلا أنها تنصب بغير تنوين (٥). وإنما شبه (لا) بـ (إن)، لأن (إن) للتحقيق في الإثبات، و(لا) في النفي، فلما كان (لا) تقتضي (٦) تحقيق النفي، كما تقتضي (إن) تحقيق الإثبات أجري مجراه. وزعم سيبويه أنها مع ما بعدها بمنزلة شيء واحد (٧)؛ لأنها جواب لما يكون بمنزلة شيء واحد، ولذلك لم ينون وبني على الفتحة، كأنها جواب قول\n_________\n(١) البيت من رجز لخالد بن زهير، يخاطب أبا ذؤيب، ويروى (كأنني) والأبيات في أشعار الهذليين:\nياقوم ما بال أبي ذؤيب ... يمس رأسي ويشم ثوبي\nكأنني أتوته بريب\nانظر \"شرح أشعار الهذليين\" ١/ ٢٠٧، \"الحجة\" لأبي على ١/ ١٨٠، \"تهذيب اللغة\" (أتى) ١/ ١١٦ - ١١٧، \"المخصص\" ١٢/ ٣٠٣، ١٤/ ٢٤، ٢٨، \"الصحاح\" ١/ ١٤١، \"اللسان\" (ريب) ٣/ ١٧٨٨ - ١٧٨٩، \"الخزانة\" ٥/ ٨٤.\n(٢) في (ب): (فالحلاف).\n(٣) في \"التهذيب\" (قول أبي زيد أحسن) ٢/ ١٣٠٦.\n(٤) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٣١، وانظر \"مشكل إعراب القرآن\" ١/ ١٦.\n(٥) أي مبنى على الفتح لأن (لا) نافية للجنس، \"الكتاب\" ٢/ ٢٧٤، \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٣١، والعبارة للزجاج، وانظر \"مشكل إعراب القرآن\" ١/ ١٦.\n(٦) في (ب): (يقتضي).\n(٧) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٣١، \"الكتاب\" ٢/ ٢٧٤، \"مشكل إعراب القرآن\" ١/ ١٦، \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ١٢٨.","vol":"2","page":38},{"text":"القائل: هل من رجل في الدار؟، فـ (من) مع رجل كشيء واحد. فإن قيل: فما (١) أنكرت أن يكون جواب هل رجل في الدار؟ قيل: معنى (لا رجل في الدار)، عمهم (٢) النفي، لا يجوز أن يكون في الدار رجل، ولا أكثر منه، وكذلك (هل من رجل في الدار) استفهام عن الواحد وأكثر منه.\nفإن قلت: (هل رجل في الدار) أو (لا رجلٌ في الدار)، جاز أن يكون في الدار رجلان، لأنك إنما أخبرت أنه ليس فيها واحد، فيجوز أن يكون فيها أكثر منه، فإذا قلت: (لا رجلَ في الدار)، فهو نفي عام، وكذلك ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ (٣) وموضع ﴿لا رَيْبَ﴾ رفع بالابتداء عند سيبويه، لأنه بمنزلة خمسة (٤) عشر (٥)، إذا ابتدأت به، ولهذا جاز العطف عليه بالرفع في قوله:\nلا أُمَّ لي إنْ (٦) كان ذَاكَ ولا أَبُ (٧)\n_________\n(١) في (ب): (مما).\n(٢) في \"المعاني\" للزجاج (عموم) ١/ ٣٢، ولعله أصوب.\n(٣) الكلام للزجاج، انظر \"المعاني\" ١/ ٣٢، وانظر \"الكتاب\" ٢/ ٢٧٤ - ٢٧٦، \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ١٢٩.\n(٤) في (ب): (خمس).\n(٥) قال سيبويه: (لا وما عملت فيه في موضع ابتداء) \"الكتاب\" ٢/ ٢٧٥، ٢٨٤، وانظر \"مشكل إعراب القرآن\" ١/ ١٦.\n(٦) في (ب): (وان).\n(٧) اختلف في نسبة البيت، فقيل: لضمرة بن ضمرة، وقيل: لهمام بن مرة، وقيل: لبعض مذحج، وقيل: لزرافة الباهلي، وقيل: لهني بن أحمر، وفيه أقوال أخرى. قيل: إن هذا الشاعر كان بارًّا بأمه، وكان له أخ تؤثره عليه، فقال هذِه الأبيات، والشطر الأول:\nهذا وجدكم الصغار بعينه\nوالشاهد فيه: رفع الاسم الثاني مع فتح الأول، إما بإلغاء الثانية ورفع ما بعدها بالعطف=","vol":"2","page":39},{"text":"ومن نصب المعطوف (١) فهو عاطف على اللفظ (٢). وسنستقصي الكلام في هذا عند قوله: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ (١٩٧)﴾ [البقرة: ١٩٧]، إن شاء الله.\nوقوله تعالى: ﴿فِيهِ﴾. يجوز (٣): أن تجعله خبرا للابتداء الذي هو ﴿لَا رَيْبَ﴾ ويجوز: أن تجعله صفة لقوله ﴿لَا رَيْبَ﴾، وإذا جعلته صفة أضمرت الخبر، كأنه قيل: لا ريب فيه واقع أو كائن، فإن جعلته خبرا كان موضعه رفعا من وجهين:\nأحدهما: بكونه خبرًا (٤) للمبتدأ (٥). والثاني: من حيث كان خبر إن رفعا (٦)، وقد ذكرنا أن (لا) بمنزلة (إن).\n_________\n= على محل الأولى مع اسمها، فخبرهما واحد، وعلى هذا استشهد به الواحدي. وهناك تقدير آخر: وهو أن تكون الثانية عاملة عمل ليس، فيكون لكل واحدة خبر يخصها. انظر \"الخزانة\" ٢/ ٣٨ - ٤١، وقد ورد البيت عند سيبويه ٢/ ٢٩٢، وفي \"المقتضب\" ٤/ ٣٧١، \"شرح المفضل\" ٢/ ١١٥، \"شرح أبيات سيبويه\" للنحاس ص٥٤، \"الحجة\" لأبي علي ١/ ١٩٠، \"الهمع\" ٥/ ٢٨٨، \"اللسان\" (حيس) ٢/ ١٠٦٩.\n(١) في (ب): (العطوف).\n(٢) انظر \"الكتاب\" ٢/ ٢٩١، ٢٩٢، \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٣١، ٢٦٥، \"المشكل\" لمكي١/ ١٦، \"الدر المصون\" للسمين١/ ٨٠، \"شرح المفصل\" لابن يعيش ٢/ ١٠٩.\n(٣) أخذه عن أبي علي الفارسي، \"الحجة\" ١/ ١٨٩.\n(٤) في (ب): (خبر).\n(٥) في \"الحجة\" (وإن جعلته خبرا كان موضعه رفعا في قياس قول سيبويه من حيث يرتفع خبر المبتدأ ....) ١/ ١٨٩، فيكون خبر لـ (لا) مع اسمها، حيث أنهما في محل رفع مبتدأ.\n(٦) في \"الحجة\": (.. وعلى قول أبي الحسن موضعه رفع من حيث كان خبر (إن) =","vol":"2","page":40},{"text":"وإن جعلت (فيه) صفة، ولم تجعله خبرا، كان موضعه نصبا في قول من وصف على اللفظ (١)، [كما عطف (٢) على اللفظ] (٣) في قوله:\nفلا أبَ وابْنًا مِثْلُ مَرْوانَ (٤)\nومن وصفه على الموضع (٥)، كما عطف على الموضع في قوله:\nلا أمَّ لي إنْ كان ذَاكَ ولا أَبُ (٦)\nكان موضعه على هذا رفعا (٧). وفي قوله: ﴿فِيهِ﴾: قراءتان، إشباع (الهاء) حتى تلحق به (ياء) وكذلك في (الهاء) المضمومة (٨) مثل (منهو) و(عنهو)، وهو مذهب ابن كثير (٩).\n_________\n= رفعا ..) ١/ ١٨٩، فجعل (لا) بمنزلة (إن) وجعل خبرها مرفوعا مثل خبر (إن).\n(١) يقول: إن جعلت (فيه) صفة جاز فيها النصب على الوصف للفظ اسم (لا) وهو (ريب) كما عطف عليه بالنصب في قول الشاعر: (فلا أب وابنا ...) وجاز رفع الصفة على موضع (لا ريب) كما عطف عليه بالرفع كما سبق.\n(٢) في (ج) (ثم أعطف).\n(٣) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).\n(٤) في (أ)، ج (مثل مر) والجملة ساقطة من ب. والبيت من شواهد سيبويه، وهو:\nلا أب وابنا مثل مروان وابنه ... إذا هو بالمجد ارتدى وتأزرا\nيقول لا أب وابنا مثل مروان ابن الحكم وابنه عبد الملك، لشهرتهما صارا كاللابسين لرداء المجد، والشاهد عطف (ابن) مع تنوينه على لفظ اسم (لا). انظر \"الكتاب\" ٢/ ٢٨٥، \"الحجة\" ١/ ١٨٩، \"شرح المفصل\" ٢/ ١١٠، \"المقتضب\" ٤/ ٣٧٢، \"الهمع\" ٥/ ٢٨٧.\n(٥) في (ج) (ومن وصف على اللفظ الموضع).\n(٦) مر تخريج البيت قريبًا. انظر ص ٣٩.\n(٧) في ج (رفع).\n(٨) في (أ)، (ج) (المضموم).\n(٩) انظر: \"السبعة\" لابن مجاهد ص ١٣٢، \"الحجة\" ١/ ١٧٧. وابن كثير هو عبد الله =","vol":"2","page":41},{"text":"والباقون يقتصرون على الضمة والكسرة (١).\nوأصل (الهاء) في ﴿فيه﴾ الضم، لأن الأصل (فيهو) كما ذكرنا في (عليهو) ثم كسرت (الهاء) للعلة التي ذكرنا في (عليهم) (٢) فمن اقتصر على الضمة والكسرة قال: إن (الهاء) حرف خفي (٣)، فإذا اكتنفها (٤) ساكنان من حروف اللين صار كأن الساكنين قد التقيا (٥)؛ لخفاء (الهاء)، وأنهم لم يعتدّوا بها حاجزًا (٦) للخفاء في مواضع.\nألا ترى أن من قال: (رُدُّ)، فأتبع الضمة الضمة، فإذا وصل الفعل بضمير (٧) المؤنث قال: (ردَّها)، فلم يتبع الضم الضم، كما كان يتبع قبل، لأنه جعله بمنزلة (رُدَّا) وفي (رُدَّا) لا يمكن إتباع الضم الضم، وفي (رُدَّها) (٨)\n_________\n= أبو معبد العطار الداري الفارسي الأصل، إمام أهل مكة في القراءة، من التابعين، أحد السبعة الذين أثبت ابن مجاهد قراءتهم في كتابه. (٤٥ - ١٢٠)، انظر ترجمته في \"معرفة القراء الكبار\" ١/ ٨٦، \"غاية النهاية\" ١/ ٤٤٣.\n(١) انظر: \"السبعة\" ص١٣١،١٣٠، \"الحجة\" ١/ ١٧٥ - ١٧٧، \"الكشف\" لمكي ١/ ٤٢.\n(٢) إشارة إلى ما سبق في الفاتحة في القراءات في قوله (عليهم) وانظر العلة التي ذكرها أبو علي في \"الحجة\" ١/ ٢٠٧.\n(٣) نقل المؤلف من \"الحجة\"، قال أبو علي: (ومما يحسن الحذف هاهنا -مع ما ذكرنا من اجتماع المتشابهة- أن (الهاء) حرف خفي ..... إلخ) \"الحجة\" ١/ ٢٠٩.\n(٤) في (ج): (فإذا كثفها).\n(٥) في (ب). (التقتا).\n(٦) كلمة (حاجزا) ليست عند أبي علي١/ ٢٠٩.\n(٧) في (ب): (لضمير).\n(٨) عبارة أبي علي: (.. بمنزلة (ردَّا)، فكما لم يعتد بها هاهنا، وجعلت الدال في حكم الملازقة للألف، كذلك إذا لم يعتد بها في نحو: فيهي ..) \"الحجة\" ١/ ٢٠٩.","vol":"2","page":42},{"text":"جعلت الدال (١) في حكم الملازمة للألف، إذ (٢) لم يعتد بها حاجزا، كذلك إذا لم يعتد بها في نحو (فيهي)، و(عصاهو)، و(خذوهو) صار كأن الساكنين قد التقيا. ولهذه العلة -أيضًا- حذف حرف اللين بعد (الهاء) من حذف، وإن كان الساكن الذي قبلها ليس من حروف اللين نحو: (منه) و(عنه) (٣).\nومثل (الهاء) (٤) في أنه (٥) لما كان حرفا خفيًّا لم يعتدوا به حاجزًا (النون)، وذلك في قولهم: (هو (٦) ابن عمي دِنْيا) (٧) و(قِنْيَة) (٨)، لما كانت (النون) خفية صارت (الواو) كأنها وليت الكسرة، فقلبتها كما قلبتها في\n_________\n(١) في (ب): (الدار).\n(٢) في (ب): (إذا).\n(٣) انظر بقية كلام أبي علي في \"الحجة\" ١/ ٢٠٩.\n(٤) \"الحجة\" ١/ ٢١٠، والمعنى: مثل الهاء النون في كونه حرفا خفيا لا يعتد به حاجزا.\n(٥) في (ب): (إيه).\n(٦) في (ب): (هط).\n(٧) يقال: هو ابن عمه دُنْيَا مقصور، ودِنْيَةً ودِنْيًا منون وغير منون، إذا كان ابن عمه لَحَّا أي أقرب من غيره ويقال ذلك في ابن العمة وابن الخال والخالة. انقلبت فيها (الواو)، (ياء) لمجاورة الكسرة، ولأن (النون) حاجز ضعيف. انظر \"تهذيب اللغة\" (دنا) ٢/ ١٢٣٣، و\"اللسان\" (دنا) ٣/ ١٤٣٦.\n(٨) في \"الحجة\": (وفي قولهم: \"هو ابن عمي دنيا\" وفي \"غنية\") ١/ ٢١٠، والقنية والقنوة بكسر القاف وضمها بالياء وبالواو: الكسبة، وهي كل ما اكتسبه الإنسان لنفسه ولم يعده للتجارة، وإذا كانت واوية الأصل فقد جرى فيها القلب، وعلى هذا سار أبو علي وتبعه الواحدي، ومنهم من قال أصلها يائية فلا تغيير فيها. انظر: \"الحجة\" ١/ ٢١٠، \"تهذيب اللغة\" (قنا) ٣/ ٣٠٥٠، \"مقاييس اللغة\" ٥/ ٢٩، \"سر صناعة الإعراب\" ٢/ ٧٣٦، \"اللسان\" (قنا) ٦/ ٢٧٥٩.","vol":"2","page":43},{"text":"(غازية)، و(محنية) (١)، ولو كان مكان (النون) (٢) حرف غيره لم يكن فيما بعده القلب، نحو: (جرو) و(عدوة) (٣). فهذا (٤) مثل (الهاء) في أنه للخفاء لم يعتد به حاجزا (٥).\nوأما ابن كثير: فإنه يتبع هذه (الهاء) في الوصل (الواو) و(الياء) (٦) ويسوى بين حروف اللين وبين (٧) غيرها من الحروف، إذا (٨) وقعت قبل (الهاء) وحجته: أن (الهاء) وإن كانت خفية (٩) فليس يخرجها (١٠) ذلك من أن تكون كغيرها من حروف المعجم التي لاخفاء فيها، نحو: (الدال) و(الصاد) و(الهاء).\nو(النون) عند الجميع في وزن الشعر بمنزلة الدال والصاد (١١)، وإذا\n_________\n(١) الحنو: الاعوجاج، و(المحنية). منحنى الوادي. انظر \"اللسان\" (حنا) ٢/ ١٠٣٤ - ١٠٣٥. وأصل (غازية): (غازوة) و(محنية): (محنوة) قلبت الواو فيهما ياء للكسرة قبلها. انظر \"سر صناعة الإعراب\" ٢/ ٥٨٧، ٥٨٨.\n(٢) (النون) ساقط من (ب).\n(٣) (العدوة): صلابة من شاطئ الوادي. انظر \"معجم مقاييس اللغة\" (عدو) ٤/ ٢٥٢.\n(٤) أي (النون) في مثل (دنيا) و(قنية).\n(٥) \"الحجة\" ١/ ٢١٠.\n(٦) قال أبو علي في \"الحجة\": (الحجة لابن كثير في إتباعه هذِه (الهاء) في الوصل (الواو) أو (الياء) وتسويته بين حروف اللين وبين غيرها من الحروف إذا وقعت قبل (الهاء) من حجته أن (الهاء) وإن كانت خفية ... إلخ) ١/ ٢١١.\n(٧) (بين) ساقط من (ب).\n(٨) في (ب): (وإذا).\n(٩) في (ب): (خفيفة).\n(١٠) في (ب): (مخرجها).\n(١١) عبارة أبي علي في \"الحجة\": (.. من حروف المعجم التي لا خفاء فيها - نحو: =","vol":"2","page":44},{"text":"كان كذلك كان حجزها [بين الساكنين كحجز] (١) غيرها (٢).\nوقوله تعالى ﴿هُدًى﴾:\nقال سيبويه: قلّما (٣) يكون ما ضم أوله من المصدر إلا منقوصًا، لأن (فُعَل) لا تكاد (٤) تراه مصدرًا من غير بنات (٥) (الياء) و(الواو) (٦) كالهُدى والسُّرى، والنُّهى (٧)، والتُّقَى، والقِرى، والقِلَى (٨)، وقالوا: كِسْوَة، ورِشْوَة، وجِذْوَة، وصُوَّة (٩)، وإذا (١٠) جمعوا جمعوها على (فِعَل)\n_________\n= الراء والضاد -وإن كان في الراء تكرير وفي الضاد استطالة- وإذا كان كذلك كان حجزها بين الساكنين كحجز غيرها من الحروف التي لا خفاء فيها .. إلخ). \"الحجة\" ١/ ٢١١.\n(١) ما بين المعقوفين ساقط من (ج).\n(٢) \"الحجة\"١/ ٢١١، وانظر: \"الكشف\" لمكي ١/ ٤٢، ٤٣.\n(٣) (قل) ساقط من (ب).\n(٤) في (ب): (لا يكاد).\n(٥) في (ب): (من غير أن تران).\n(٦) (غير بنات الواو والياء، أي: الصحيح اللام، فـ (فُعَل) لا يكون مصدرا في الصحيح اللام إلا قليلا، والمعتل يجري مجرى الصحيح.\nانظر \"الحجة\" ١/ ١٨٠، وانظر كلام سيبويه في \"الكتاب\" ٤/ ٤٦.\n(٧) (النهى) ساقط من (ب).\n(٨) في \"الحجة\": (قالوا: هَدَيْته هُدى ولم يكن هذا في غير (هدى)، وذلك لأن (الفِعَل) لا يكون مصدرًا في هديته، فصار (هُدى) عوضا منه، قالوا: قريته قِرى وقليته قِلَى فأشركوا بينهما في هذا ..) ١/ ١٨١ فأشركوا بين (فُعَل) و(فِعَل) انظر \"الكتاب\" ٤/ ٤٦.\n(٩) (الصوة) جماعة السباع، والحجر يكون علامة في الطريق، ومختلف الريح وصوت الصدى، وما غلظ وارتفع من الأرض. انظر \"اللسان\" (صوى) ١٤/ ٤٧١، \"القاموس\" ص ١٣٠٤.\n(١٠) في (ب): (فإذا).","vol":"2","page":45},{"text":"و(فُعَل)، ومنهم من يضم في الواحد ويكسر في الجمع (١)، ويجوز (٢) الكسر في واحده، والضم في الجمع (٣)، وهذا مما يدلك على اشتراكهما.\nوقال أناس من النحويين (٤): إنه قد تجرى الأسماء التي ليست بمصادر مجرى المصادر فيقولون: جلس جلسة، وركب ركبة، ويقولون: عجبت من دهنك لحيتك (٥)، وينشدون:\nوبعد عطائك المائة الرتاعا (٦)\nفيجري (٧) مجرى الإعطاء، وقال لبيد (٨):\n_________\n(١) فيقولون: رشوة ورشا. انظر: \"الكتاب\" ٤/ ٤٦.\n(٢) في (ب): (ونحوه).\n(٣) في أ (الجميع). مثال المكسور في الواحد والمضموم في الجمع: (رشوة ورشا) \"الكتاب\" ٤/ ٤٦.\n(٤) في \"الحجة\". (ويقويه -أيضًا- أن ناسًا من النحويين يزعمون أنه قد يجري الأسماء التي ليست لمصادر ... إلخ) ١/ ١٨٢.\n(٥) قوله. (جلسة) و(ركبة) و(دهن) ليست مصادر وأجريت مجرى المصادر.\n(٦) البيت من قصيدة للقطامي يمدح بها زفر بن الحارث الكلابي، وصدر البيت:\nأَكُفْرًا بَعْدَ رَدِّ المَوْتِ عَنِّي\nيقول: لا أكفر معروفك بعد أن أطلقتني من الأسر، وأعطيتني مائة من الإبل الرتاع أي الراعية، ورد البيت في \"الشعر والشعراء\" ص ٤٨٣، \"الحجة\" ١/ ١٨٢، \"الخصائص\" ٢/ ٢٢١، \"شرح المفصل\" ١/ ٢٠، \"شرح شذور الذهب\" ص ٤٩١، \"الهمع\" ٣/ ١٠٣، \"الخزانة\" ٨/ ١٣٦، والشاهد: إعمال العطاء على أنه بمعنى الإعطاء.\n(٧) في (ب): (فتجرى) وفي \"الحجة\": (فيجرونه مجرى الإعطاء) ١/ ١٨٢.\n(٨) هو لبيد بن ربيعة بن مالك بن كلاب العامري، كان من شعراء الجاهلية وأدرك الإسلام وأسلم، وقدم على رسول الله - ﷺ - في وفد بني كلاب، مات بالكوفة في خلافة معاوية، وهو ابن مائة وسبع وخمسين سنة. انظر: \"الشعر والشعراء\" ص١٦٧، \"طبقات ابن سعد\" ٦/ ٣٣، \"الإصابة\" ٣/ ٣٢٦، \"الخزانة\" ٢/ ٢٤٦.","vol":"2","page":46},{"text":"بَادَرْتُ حَاجَتَها (١) الدَّجَاج (٢)\nوفسروه على حاجتي (٣) إليها (٤)، فأضيف إلى المفعول كما يضاف المصدر إليه، فعند هؤلاء (الهُدى والسُّرى والتُّقَى) أسماء أجريت مجرى المصادر (٥)، وليست مصادر (٦) حقيقة.\nوزعم الأخفش: أن من العرب (٧) من يؤنث الهدى (٨).\nومعنى الهدى: البيان، لأنه قد قوبل به الضلال في قوله ﷿ ﴿وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ﴾ [البقرة: ١٩٨]، [أي من قبل هداه] (٩).\n_________\n(١) في (ب): (باكرت حنامها).\n(٢) البيت من معلقة لبيد وتمامه:\nبادرتُ حاجَتها الدجاجَ بسحرة ... لِأُعَلَّ منها حين هبّ نيامُها\nويروى (باكرت) يذكر الخمر يقول: سابقت صياح الدجاج لحاجتي إليها، لِأُعَلَّ منها: أي أسقي منها مرة بعد مرة، حين هب نيامها، انظر \"شرح ديوان لبيد\" ص ٣١٥، \"الحجة\" ١/ ١٨٢، \"المعاني الكبير\" ١/ ٤٥٣، \"شرح القصائد المشهورات\" للنحاس١/ ١٦٣، \"اللسان\" (بكر) ١/ ٣٣٢، \"الخزانة\" ٣/ ١٠٤.\n(٣) (حاجتي) ساقط من (ب).\n(٤) في \"الحجة\". (وفسروه على باكرت حاجتي إليها ..) وروايته للبيت (باكرت) ١/ ١٨٣.\n(٥) فتضاف للمفعول كما يضاف المصدر إليه. انظر \"الحجة\" ١/ ١٨٣.\n(٦) في (ج): (مصاد).\n(٧) هم بنو أسد. انظر (المذكر والمؤنث) للفراء ص ٨٧.\n(٨) في \"الحجة\": وقال أبو الحسن: زعموا أن من العرب من يؤنث الهدى. \"الحجة\" ١/ ١٨٣، وانظر: \"معاني القرآن\" للاخفش ١/ ١٧٩.\n(٩) ما بين المعقوفين ساقط من (ب) والكلام أخذه عن أبي علي في \"الحجة\" ١/ ١٨٦، وانظر: \"الطبري\" ١/ ٩٨، \"معاني الزجاج\" ١/ ٣٣، \"تفسير أبي الليث\" ١/ ٩٠.","vol":"2","page":47},{"text":"وقوله تعالى: ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾. الاتقاء في اللغة: الحجز بين الشيئين، يقال: اتقاه بترسه، أي: جعل الترس حاجزا بينه وبينه، واتقاه بحقه، إذا وفاه (١)، فجعل الإعطاء وقاية بينه وبين خصمه عن نيله إياه بيده أو لسانه، ومنه (التقية في الدين) بجعل ما يظهره حاجزا بينه وبين ما يخشاه من المكروه (٢)، ومنه الحديث: كنا إذا احمرّ البأس اتقينا برسول الله - ﷺ -، وكان أقربنا إلى العدو (٣). فالمتقي هو الذي يتحرز بطاعته عن العقوبة، ويجعل اجتنابه عما نهى، وفعله ما (٤) أمر، حاجزًا بينه وبين العقوبة التي توعد (٥) بها العصاة.\nوكان (اتقى) (٦) في الأصل (اوْتقى) (٧) لأنه (افتعل) (٨) من الوقاية، وأصل هذا الباب بالواو (٩)، كالاتزان (١٠) من الوزن، والاتضاح من\n_________\n(١) في (ب): (وقاه).\n(٢) انظر: \"تهذيب اللغة\" (تقي)، (وقى) ١/ ٤٤، \"الصحاح\" (وقى) ٦/ ٢٥٢٧، \"اللسان\" (وقى) ٨/ ٤٩٠٢، (لباب التفاسير) للكرماني ١/ ١١١، (رسالة دكتوراه).\n(٣) أخرجه مسلم في \"صحيحه\" في قصة غزوة حنين وفيه: (... قال البراء: كنا والله إذا أحمر البأس نتقى به وإن الشجاع منا للذي يحاذى به، يعني رسول الله - ﷺ -) مسلم ١٧٧٦/ ٧٩، كتاب الجهاد، غزوة حنين، وذكره البيهقي في \"دلائل النبوة\" ٥/ ١٣٥.\n(٤) في (ب): (عما أمر) تصحيف.\n(٥) في (ب): (يدعو).\n(٦) في (ب): (من في).\n(٧) بكسر الهمزة وسكون الواو.\n(٨) في (ج): (لا افتعل).\n(٩) في (ج): (من الواو).\n(١٠) في (ب): (كالا يزان).","vol":"2","page":48},{"text":"الوضوح، إلا أن الواو صارت (ياء) لانكسار ما قبلها وهي ساكنة، ثم اندغمت (الياء) في (تاء) (١) الافتعال بعدما صارت (تاء)، فتولدت التشديدة لذلك (٢).\nوقال أبو الفتح الموصلي (٣): إن (افْتَعَل) إذا كانت فاؤه (واوا)، فإن (واوه) تقلب (٤) (تاء)، وتدغم في (تاء) (افْتَعَل) مثل (اتَّعد) (٥) و(اتَّلج) (اتَّصف).\nوالعلة في قلب هذه الواو (تاء)، أنهم لو لم يقلبوها (تاء) لوجب أن يقلبوها إذا انكسر ما قبلها (ياء)، فيقولوا: (٦) (ايتقى) (٧) وإذا (٨) انضم ما قبلها ردت إلى (الواو) فقالوا: (مُوتَق) (٩)، وإذا انفتح ما قبلها قلبت (ألفا)، فقالوا: (ياتقي) (١٠)، فلما (١١) كانوا لو لم يقلبوها (تاء) صائرين من قلبها (١٢) مرة (ياء) ومرة (ألفا)، ومرة (واوا)، أرادوا أن يقلبوها حرفا جلدا\n_________\n(١) في (ب): (مما).\n(٢) انظر. \"تهذيب اللغة\" (تقى) ١/ ٤٤٤، \"الصحاح\" (وقى) ٦/ ٢٥٢٦، \"سر صناعة الإعراب\" ١/ ١٤٧.\n(٣) \"سر صناعة الإعراب\" ١/ ١٤٧.\n(٤) في (ج): (تقلب الفاتا).\n(٥) في (ب): (ما اتعد).\n(٦) في جميع النسخ (فيقولون). وفي \"سر صناعة الإعراب\" (فيقولوا) وفي الحاشية قال: في ل (فيقولون) ١/ ١٤٧.\n(٧) عند أبي الفتح فيقولوا: (أيتزن، ايتعد، ايتلج) ١/ ١٤٧، فلم يرد لفظ (أيتقى).\n(٨) في (ج): (إذا) مكررة.\n(٩) عند أبي الفتح (مُوتَعِد) و(مُوتَزِن) و(مُوتَلج) ١/ ١٤٧.\n(١٠) عند أبي الفتح: يَا تَعِدُ، ويَا تَزِنُ، ويَا تَلِجُ ١/ ١٤٨.\n(١١) في (ج): (فكانوا).\n(١٢) في جميع النسخ (قبلها): والتصحيح من \"سر صناعة الإعراب\" ١/ ١٤٨.","vol":"2","page":49},{"text":"تغير أحوال ما قبله، وهو باق بحاله، وكانت (التاء) (١) قريبة المخرج من (الواو)، لأنها من أصول الثنايا، والواو من الشفة، فأبدلوها (تاء) وأدغموها في لفظ ما بعدها وهو (التاء) وقالوا: اتقى (٢)، وقد فعلوا هذا أيضًا في (الياء) وأجروها مجرى (الواو) فقالوا في (افتعل) من اليسر: أتسر (٣)، ومن اليبس: اتبس (٤)، لهذه العلة (٥).\nوإدغام (الياء) في (التاء) على هذه الجهة، إنما يجوز إذا كانت (٦) في كلمة واحدة، فإذا التقتا من كلمتين لم يجز الإدغام، نحو قولك: (في تبيانه)، و(في تمثاله)، وذلك أنه (٧) لو أجرى (٨) الكلام هاهنا على الإدغام، أشبه الألف واللام. هذا هو الأصل، ثم صارت التاء لازمة حتى صارت كالأصلية (٩)، لأنه لا يجوز إظهار (١٠) هذا الإدغام في حال (١١).\n_________\n(١) في (ب): (الباء).\n(٢) في (ب): (أتقا) وعند أبي الفتح (أتعد، واتزن) ١/ ١٤٨.\n(٣) في (ب): (السر).\n(٤) في (ج): (التبس).\n(٥) عند أبي الفتح: (.. وذلك لأنهم كرهوا انقلابها (واوا) متى انضم ما قبلها في نحو: (موتبس) وألفا في (يا تبس)، فأجروها مجرى الواو فقالوا: اتَّبَس وأتَّسَر. ومن العرب من لا يبدلهما (تاء) ويجري عليهما من القلب ماتنكبه الآخرون فيقول: إيتَعد أيتَزن ايتبس ... واللغة الأولى أكثر وأقيس ...)، \"سر صناعة الإعراب\" ١/ ١٤٨، وانظر \"المنصف\" ١/ ٢٢٢، ٢٢٨.\n(٦) كذا ورد في جميع النسخ ولعل الأولى (إذا كانتا).\n(٧) (أنه) ساقط من (ج).\n(٨) في (ب): (أجرا).\n(٩) في (ب): (كالا مطيه).\n(١٠) في (ب): (إظهارها).\n(١١) انظر \"تهذيب اللغة\" (تقى) ١/ ٤٤٤.","vol":"2","page":50},{"text":"وقد بني على هذا الإدغام أسماء كثيرة، وهي: التُّخَمَة والتُّجَاه (١)، والتُّرَاث، والتّقوى، والتُّكْلَان، والتُّكَلَة، والتُّؤَدَة، والتُّهمَة (٢).\nالحراني (٣) عن ابن السكيت (٤) يقال: اتَّقَاه بِحَقِّه يَتَّقِيه، وتَقَاهُ يَتَّقِيه، وأنشد عن الأصمعي (٥) قال:\nأنشدني عيسى بن عمر (٦):\nجَلَاهَا الصَّيْقَلُونَ فَأخْلَصوهَا ... خِفَافًا كُلُّهَا يَتَّقِي بِأَثْرِ (٧)\n_________\n(١) في (ب): (التحافه).\n(٢) انظر: \"الكتاب\" ٤/ ٣٣٢.\n(٣) أبو شعيب عبد الله بن الحسن الحراني اللغوي، لغوي صدوق، أخذ عن ابن السكيت، ونقل عنه الأزهري في \"التهذيب\" من طريق المنذري، توفي سنة خمس وتسعين ومائتين. انظر ترجمته في: \"تاريخ بغداد\" ١٣/ ٥٣٦، \"إنباه الرواه\" ٢/ ١١٥، \"سير أعلام النبلاء\"١٣/ ٥٣٦.\n(٤) أبو يوسف يعقوب بن إسحاق السكيت، النحوي اللغوي، كان موثقا بروايته، مات سنة أربع وأربعين ومائتين. انظر ترجمته في: \"تاريخ بغداد\" ١٤/ ٢٧٣، \"وفيات الأعيان\" ٦/ ٣٩٥، \"إنباه الرواة\" ٤/ ٥٠، \"معجم الأدباء\" ٢٠/ ٥٠.\n(٥) في \"التهذيب\": (وأخبرني المنذري، عن الحراني، عن ابن السكيت، قال: يقال: اتقاه ... الخ. وأنشد ثم ذكر بيتين غير ما ذكر المؤلف، ثم قال: وقال الأصمعي: أنشدني عيسى بن عمر) (التهذيب) (تقى) ١/ ٤٤٤، وانظر كلام ابن السكيت في \"إصلاح المنطق\" ص ٢٤.\n(٦) ورد اسمه في \"التهذيب\": (عيسى بن عمرو) وهو تصحيف، والصحيح (ابن عمر) وهو عيسى بن عمر البصري الثقفي المقرئ النحوي، كان في طبقة أبي عمرو بن العلاء، وعنه أخذ الخليل، توفي سنة تسع وأربعين ومائة. انظر ترجمته في: \"طبقات النحويين واللغويين\" ص ٤٠، \"نزهة الألباء\" ص ٢٨، \"إنباه الرواة\" ٢/ ٣٧٤، \"معجم الأدباء\" ٤/ ٥١٩، \"وفيات الأعيان\" ٣/ ٤٨٦.\n(٧) البيت لخفاف بن ندبة، يذكر السيف. والصيقلون: جمع صيقل وهو شحاذ السيوف =","vol":"2","page":51},{"text":"أي: كلها يستقبلك بفرنده (١).\nوقال أوس بن حجر:\nتَقَاكَ بِكَعْب وَاحِدٍ وَتَلَذُّهُ ... يَدَاكَ إذَا مَا هُزَّ بالكَفِّ يَعْسِلُ (٢)\nأي اتقاك، ومعناه: جعل بينك وبينه كعبا واحدا (٣)، يصف رمحا، يقول (٤):كأنه كعب واحد، إذا هززته اهتز (٥) كله. وقال أبو سعيد السكري (٦): تقاك: وليك منه كعب.\nقال: ويقال: إبلك (٧) اتقت كبارها بصغارها، أي جعلت الصغار مما\n_________\n= وجلاؤها، يقول: جلوا تلك السيوف حتى إذا انظر الناظر إليها اتصل شعاعها بعينه فلم يتمكن من النظر إليها، فكلها يستقبلك بفرنده، و(يتقى) مخفف (يتقى) وهذا مكان الشاهد من البيت. ورد البيت في (إصلاح المنطق) ص ٢٣، \"تهذيب اللغة\" (تقى) ١/ ٤٤٤، \"الصحاح\" (وقى) ٦/ ٢٥٢٧، \"معجم مقاييس اللغة\" (أثر) ١/ ٥٦، \"الخصائص\" ٢/ ٢٨٦، \"اللسان\" (أثر) ١/ ٢٦، (وقى) ٨/ ٤٩٠٢.\n(١) في (ج): (بفيرنده). (إصلاح المنطق) ص ٤، \"التهذيب\" (تقى) ١/ ٤٤٤.\n(٢) يصف رمحًا يقول: اتقاك برمح تلذه يداك: أي لا يثقلهما، إذا هز بالكف يعسل أي. يضطرب ويهتز. ورد البيت في \"إصلاح المنطق\" ص ٢٤، \"الخصائص\" ٢/ ٢٨٦، \"الصحاح\" (عسل) ٥/ ١٧٦٥، (وقى) ٥/ ٢٥٢٧، \"المحكم\" ١/ ١٧٠، \"اللسان\" (عسل) ٥/ ٢٩٤٦، (وقى) ١٥/ ٤٠٣، (أساس البلاغة) (كعب) ٢/ ٣١٢، \"الحجة\" لأبي علي٣/ ٢٨.\n(٣) (واحدا) ساقط من (ب).\n(٤) في (ب). (يقال).\n(٥) في (ب): (يهتر) في (ج): (كأنه يقول كأنه كعب).\n(٦) هو الحسن بن الحسين بن عبد الله بن عبد الرحمن بن العلاء بن أبي صفرة بن المهلب بن أبي صفرة السكري النحوي، كان ثقة دينا صادقا، انتشر عنه من كتب الأدب شيء كثير (٢١٢ - ٢٧٥ هـ). انظر ترجمته في: \"تاريخ بغداد\" ٧/ ٢٩٦، \"معجم الأدباء\" ٢/ ٤٧٨، \"إنباه الرواة\" ١/ ٢٩١، \"نزهة الألباء\" ص ١٦٠.\n(٧) في (ب): (ابنك).","vol":"2","page":52},{"text":"يليك (١) ووقت أنفسها بها.\nوقوله: (تقاك) تقديره (٢) (تَعَلَكَ) (٣) والأصل: (اتَقَاك)، فحذف (فاء) الفعل المدغمة، فسقطت همزة الوصل المجتلبة لسكونها (٤). وقولهم في المضارع (يتقى) تقديره (يَتَعِل) (٥).\nقال الأزهري: اتَّقَى كان في الأصل (اوْتَقَى) فأدغمت الواو في التاء وشددت فقيل (اتَّقَى) ثم حذفوا ألف الوصل، والواو التي انقلبت تاء، فقيل: تَقَى يَتَقِى، بمعنى (٦): استقبل الشيء بالشيء وتوقاه.\nقال السكري: وتَقَى يَتَقِى بفتح (التاء) شاذ جدا، لأنه لا يقال: تَضح بمعنى اتَّضح (٧)، ولا تَزَن بمعنى اتَّزَن (٨).\nقال (٩) الأزهري: وإذا قالوا: تَقِيَ يَتْقَى (١٠) فالمعنى: أنه صار تقيا (١١).\n_________\n(١) في (ب): (للصفار ما يليك).\n(٢) في (ج): (تقريره).\n(٣) في (ب): (تعلل).\n(٤) في \"الحجة\" لأبي علي: (... وأعللتها بالحذف كما أعللتها بالقلب، وليس ذلك بالمطرد وقولهم في المضارع ... إلخ) ٣/ ٢٩.\n(٥) انظر قول السكري في \"الحجة\" لأبي علي٣/ ٢٩.\n(٦) في \"التهذيب\" (بمعنى: توقي). \"التهذيب\" (تقى) ١/ ٤٤٤.\n(٧) في (ب): (بفتح معنى الفتح).\n(٨) انظر \"اللسان\" (وقى) ٨/ ٤٩٠٢.\n(٩) (قال) ساقط من (أ) و(ج).\n(١٠) في (ب): (تقى يقي).\n(١١) \"تهذيب اللغة\" (تقى) ١/ ٤٤٤.","vol":"2","page":53},{"text":"والمراد بالمتقين في هذه الآية: المؤمنون، كذلك قال أهل التفسير في قوله: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ أي: للمؤمنين (١)، كأنه قال: القرآن بيان وهدى لمن اتقى الشرك، فخص المؤمنين بأن الكتاب بيان لهم دون الكفار الذين لم يهتدوا بهذا الكتاب، فأما من آمن ولم يجتنب الكبائر، فهو داخل في جملة المتقين (٢) أيضًا لأنه آمن بموجب الكتاب، واتقى الشرك.\nوقيل: إن الكتاب بيان بنفسه ودلالة على الحق، ولكنه أضافه إلى المؤمنين خصوصا، لانتفاعهم به، والكافر لو تأمل القرآن لوجده بيانا، فهو في كونه بيانا في نفسه لا يتخصص بقوم دون قوم، ولكنه أضيف إلى المؤمنين على الخصوص لانتفاعهم به دون الكفار (٣) كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا﴾ [النازعات: ٤٥]، وكان - ﷺ - منذرا لمن يخشى ولمن لم يخش.\nوقال ابن الأنباري: معناه: هدى للمتقين والكافرين، فاكتفى بأحد (٤) الفريقين من (٥) الآخر، كقوله: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل:\n_________\n(١) ذكر ابن جرير بسنده عن ابن مسعود وعن ناس من أصحاب النبي - ﷺ - (للمتقين): هم المؤمنون، ١/ ١٠٠، وذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ٤٢/ أ.\n(٢) رجح ابن جرير: أن المراد عموم التقوى، ولا تخص معنى دون معنى، ثم قال: فقد تبين إذا فساد قول من زعم أن تأويل ذلك إنما هو. الذين اتقوا الشرك وبرئوا من النفاق، لأنه قد يكون كذلك، وهو فاسق غير مستحق أن يكون من المتقين ... الخ. \"تفسير الطبري\" ١/ ١٠١، وانظر \"تفسير أبي الليث\" ١/ ٩٠، وابن عطية ١/ ١٤٤\n(٣) ذكره أبو الليث في \"تفسيره\" ١/ ٩٠، ونحوه في القرطبي ١/ ١٤٠ - ١٤١، \"زاد المسير\" ١/ ٢٤.\n(٤) في (ب): (بإحدى).\n(٥) في (ب): (عن).","vol":"2","page":54},{"text":"٨١] وقوله: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾ [آل عمران: ١١٣] أراد وأخرى غير قائمة (١).\nوقال أبو ذؤيب (٢):\nفَمَا أَدْرى أَرُشْدٌ طِلابُهَا (٣)\n(وأراد: أم غيّ).\nوالدليل على هذا: أنه قال في موضع آخر: ﴿هُدًى لِّلنَّاسَ﴾ (٤) فجعله هدى للناس عاما، على أنه ليس في الإخبار أنه ﴿هُدًى للِمُتَّقِينَ﴾ ما يدل على أنه ليس هدى لغيرهم.\nفأما إعراب ﴿هُدًى﴾ فقال أبو إسحاق (٥): موضعه نصب من وجهين:\n_________\n(١) ذكره ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ولم ينسبه لابن الأنباري ١/ ٢٤.\n(٢) هو خويلد بن خالد الهذلي، شاعر مجيد مخضرم، أدرك الإسلام وقدم المدينة عند وفاة النبي - ﷺ - وأسلم، توفي في غزوة افريقية مع ابن الزبير، انظر ترجمته في \"الشعر والشعراء\" ص ٤٣٥، \"الاستيعاب\" ٤/ ٦٥، \"معجم الأدباء\" ٣/ ٣٠٦، \"الخزانة\" ١/ ٤٢٢.\n(٣) جزء من بيت لأبي ذؤيب الهذلي، من الطويل. وتمامه:\nعصاني إليها القلب إني لأمره ... سميع فما أدرى أرشد طلابها\nيقول: إن قلبه عصاه فلا يقبل منه، فيذهب إليها قلبه سفها، فأنا اتبع ما يأمرني به، فما أدرى أرشد أم غي. ويروى البيت (عصيت إليها القلب ...). ورد البيت عند الفراء في \"معاني القرآن\" ١/ ٢٣٠، وابن قتيبة في \"المشكل\" ص ٢١٥، والسكري في \"شرح أشعار الهذليين\" ١/ ٤٣، وابن هشام في \"مغني اللبيب\" ١/ ١٤، ٤٣، ٢/ ٦٢٨، والبغدادي في \"خزانة الأدب\" ١١/ ٢٥١\n(٤) سورة آل عمران: ٤، كما ورد هذا في ذكر الكتاب الذي أنزل على موسى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ﴾ [الأنعام: ٩١].\n(٥) \"معاني القرآن\" ١/ ٣٣.","vol":"2","page":55},{"text":"أحدهما: أن يكون منصوبا على الحال من قولك: القرآن ذلك الكتاب هدى، فيكون حالا من الكتاب، كأنك قلت: هاديا؛ لأن (هدى) جاء بعد تمام الكلام، والعامل فيه يكون معنى الإشارة في ذلك (١).\nوالثاني: أن يكون منصوبا على الحال من (الهاء) في قوله: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ كأنك قلت: لا شك فيه هاديا، والعامل فيه معنى ريب (٢).\nوالفراء يسمي الحال هاهنا: قطعا (٣)، لأنه قال (٤): تجعل ﴿الكتاب﴾ خبرا لـ ﴿ذلك﴾ وتنصب ﴿هدى﴾ (٥) على القطع، لأن ﴿هدى﴾ نكرة اتصلت بمعرفة، والنكرة لا تكون دليلا على معرفة.\nقال: وإن شئت قطعته (٦) من الهاء التي (٧) في ﴿فيه﴾، كأنك قلت: لا شك فيه هاديا.\nقال أبو إسحاق (٨): ويجوز أن يكون موضعه رفعا من جهات:\nإحداها: أن يكون (٩) خبرا بعد خبر، كأنه قال: (ذلك الكتاب هدى)، أي قد جمع أنه الكتاب الموعود، وأنه هدى، كما تقول: هذا حلو\n_________\n(١) من قوله: فيكون حالا من الكتاب ... إلى (في ذلك) ليس في \"المعاني\" ١/ ٣٣.\n(٢) ذكر قول الزجاج بمعناه ١/ ٣٣، وانظر: \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ١٨٠، \"إملاء ما من به الرحمن\" للعكبري١/ ١٦، \"مشكل إعراب القرآن\" المكي ١/ ١٧.\n(٣) وبهذا أخذ الكوفيون. انظر: \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ١٣٠.\n(٤) \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٤٥، وانظر \"تفسير الطبري\" ١/ ٩٩، وقد رد الطبري على الفراء قوله.\n(٥) (هدى) ساقط من (أ) و(ج) وثابت في (ب)، \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ١٢.\n(٦) عبارة الفراء: (وإن شئت نصبت (هدى) على القطع من الهاء التي في (فيه) ...) ١/ ١٢.\n(٧) في (ب): (إلى).\n(٨) \"معاني القرآن\" ١/ ٣٣.\n(٩) في (ب): (تكون).","vol":"2","page":56},{"text":"حامض، أي قد جمع الطعمين (١).\nويجوز: أن يكون رفعا على إضمار (هو) كأنه لما تم الكلام قيل: هو هدى (٢).\nويجوز: أن يكون الوقف على قولك (٣): ﴿لَا رَيْبَ﴾، [أي: ذلك الكتاب لا ريب] (٤) ولا شك (٥)، كأنك قلت: ذلك الكتاب حقا، لأن (لا شك) بمعنى: حق، ثم قيل (٦) بعد (فيه هدى) (٧).\nفإن قيل: كيف قال: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ (٨)، وقد ارتاب فيه المرتابون؟ قيل: معناه أنه حق في نفسه وصدق، وإن ارتاب المبطلون (٩)، كما (١٠) قال الشاعر:\n_________\n(١) تعقب أبو علي الفارسي الزجاج في هذا وقال: فالقول في هذا على هذا الوجه مشكل ... ثم شرح وجه إشكاله. انظر: \"الحجة\" ١/ ١٩٨.\n(٢) عبارة الزجاج: (.. كأنه لما تم الكلام فقيل: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ قيل: هو هدى) ١/ ٣٣.\n(٣) في (ج): (قوله).\n(٤) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).\n(٥) عبارة الزجاج كما في المطبوع: (ويجوز أن يكون رفعه على قولك: (ذلك الكتاب لا ريب فيه) كأنك قلت: ذلك الكتاب حقا ... إلخ) فلعل وجود (فيه) في المطبوع تصحيف. والله أعلم. انظر \"المعاني\" ١/ ٣٣.\n(٦) (قيل) ساقط من (ب).\n(٧) انتهى كلام الزجاج. أنظر \"المعاني\" ١/ ٣٣، وانظر \"معاني القرآن\" للفراء ص ٤٤، \"تفسير الطبري\" ١/ ٩٩، \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ١٢٩ - ١٣٠، \"المشكل\" لمكي١/ ١٧، و\"إملاء ما من به الرحمن\" ١/ ١١.\n(٨) (فيه) ساقط من (ب).\n(٩) ذكره بمعناه أبو الليث ١/ ٩٠، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" واستشهد بالبيت ١/ ٢٤.\n(١٠) (كما) ساقط من (ب).","vol":"2","page":57},{"text":"ليس في الحق يا أُمَيمةَ (١) رَيْبٌ ... إنَّما الرَّيْبُ ما يَقُول الكَذُوبُ (٢)\n\nفنفى الريب عن الحق، وإن كان المتقاصر في العلم يرتاب <span data-type=\"title\" id=toc-226>(٣)</span>. ويجوز: أن يكون خبرا في معنى النهي (٤)، ومعناه: لا ترتابوا (٥)، كقوله: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ (٦) وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ (٧) [البقرة: ١٩٧].\n٣ - قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ﴾.\nقال الزجاج (٨): موضع ﴿الَّذِين﴾ جر، تبعا ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾، ويجوز أن يكون موضعه (٩) رفعا على المدح، كأنه لما قيل: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾، قيل: من هم؟ فقيك: هم ﴿الَّذِينَ﴾، ويجوز أن يكون موضعه نصبا على المدح، كأنه قيل: أذكر (١٠) الذين (١١).\n_________\n(١) في (ب): (أمية).\n(٢) البيت لعبد الله بن الزبعرى ورد في الماوردي ١/ ٦٧، رسالة دكتوراة \"زاد المسير\" ١/ ٢٤، والقرطبي١/ ١٣٨، \"البحر المحيط\" ١/ ٣٣، \"الدر المصون\" ١/ ٨٦.\n(٣) أي فالاعتبار لمن كان معه من الأدلة ما لو تأمله المنصف المحق لم يرتب فيه، ولا\nاعتبار لمن وجد منه الريب، لأنه لم ينظر حق النظر. \"الفتوحات الإلهية\" ١/ ١١.\n(٤) في (ب): (الأمر).\n(٥) في (ب): (لا يرتابوا).\n(٦) في (ب) لفظ (ولا فسوق) مكرر.\n(٧) ذكر هذا الكلام ابن الجوزي في \"زاد المسير\"، ونسبه للخليل، وابن الأنباري ١٠/ ٢٣، وقد أجاب الواحدي عن السؤال بجوابين، وهناك جواب ثالث: وهو أنه مخصوص والمعنى (لا ريب فيه عند المؤمنين)، والجواب الأول أحسنها. ذكر ذلك الجمل في \"الفتوحات الإلهية\" ١/ ١١.\n(٨) \"معاني القرآن\" ١/ ٣٣.\n(٩) في \"معاني القرآن\" (موضعهم) قال المحقق: وهو ناظر فيه إلى معنى الكلمة ١/ ٣٣.\n(١٠) في (ب): (اذكروا) مكررة.\n(١١) انتهى من \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٣٣، ٣٤، وانظر: \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ١٣١، \"الإملاء\" للعكبري ١/ ١١.","vol":"2","page":58},{"text":"وقوله تعالى: ﴿يُؤمِنوُنَ﴾ قال الأزهري: اتفق العلماء أن (الإيمان) معناه: التصديق، كقوله (١): ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ [يوسف: ١٧]. أي: بمصدق.\nومعنى التصديق: هو اعتقاد السامع صدق (٢) المخبر فيما يخبر، وأصله في اللغة: الطمأنينة إلى الشيء، من قولهم: أمن يأمن أمنا، إذا اطمأن وزال (٣) الخوف عنه.\nوآمنت فلانا، إذا جعلته يطمئن وتسكن نفسه. وآمن بالله ورسوله إذا صدقهما واثقا (٤) بذلك مطمئنا إليه.\n_________\n(١) في \"تهذيب اللغة\": (اتفق العلياء من اللغويين وغيرهم أن الإيمان معناه: التصديق، وقال تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا﴾ \"تهذيب اللغة\" (أمن) ١/ ٢١٠. وقد اعترض بعض العلماء على دعوى الإجماع على أن الإيمان معناه في اللغة التصديق. قال ابن أبي العز في \"شرح العقيدة الطحاوية\": (وقد اعترض على استدلالهم بأن الإيمان في اللغة عبارة عن التصديق، بمنع الترادف بين التصديق والإيمان، وهب أنه يصح في موضع فلم قلتم إنه يوجب الترادف مطلقا؟) \"شرح الطحاوية\" ص ٣٢١. وقال ابن تيمية في معرض رده على من ادعى إجماع أهل اللغة على أن الإيمان معناه التصديق، قال: (... قوله إجماع أهل اللغة قاطبة على أن الإيمان قبل نزول القرآن هو التصديق، فيقال له: من نقل هذا الإجماع ومن أين يعلم هذا الإجماع؟ وفي أي كتاب ذكر هذا الإجماع؟ ...) ثم ذكر وجوها كثيرة في رد هذِه الدعوى. انظر كتاب الإيمان ضمن \"مجموع الفتاوى\" ٧/ ١٢٣ - ١٣٠. وعلى فرض أن معنى الإيمان في اللغة (التصديق) فإن الشارع استعمله في معنى اصطلاحي خاص، كما استعمل الصلاة والزكاة في معان شرعية خاصة زائدة على المعنى اللغوي. انظر. \"مجموع الفتاوى\" ٧/ ٢٩٨.\n(٢) في (ب): (مع صدق).\n(٣) في (ب): (وزوال).\n(٤) في (ب): (واقي).","vol":"2","page":59},{"text":"قال الأزهري: وإنما قلت: إن المؤمن معناه: المصدق، لأن الإيمان مآخوذ من الأمانة، والله يتولى علم السرائر ونية العقد (١)، وجعل تصديقه أمانة ائتمن كل من أسلم على (٢) تلك الأمانة، فمن (٣) صدق بقلبه فقد أدى الأمانة، ومن كان قلبه على خلاف ما يظهره بلسانه فقد خان، والله حسيبه.\nوإنما قيل للمصدق: مؤمن، وقد آمن؛ لأنه دخل في أداء الأمانة التي ائتمنه الله عليها (٤).\nوأنشد ابن الأنباري على أن (آمن) معناه: صدّق (٥) قول الشاعر:\nوَمِنْ قَبْلُ آمنَّا وَقَدْ كَانَ قَوْمُنَا ... يُصلُون للأوْثَانِ قَبْلُ مُحَمَّدَا (٦)\nمعناه: من قبل آمنا محمدا، [أي صدقنا محمدا] (٧) فمحمدا منصوب بمعنى التصديق (٨).\nقال أبو علي الفارسي (٩): ويجوز من حيث قياس اللغة، أن يكون (آمن) [صار ذا أمن] (١٠)، مثل: أجدب، وأعاه (١١)، أي: صار ذا عاهة في\n_________\n(١) في (ب): (العبد).\n(٢) في (ب): (عن).\n(٣) في (ب): (فقد).\n(٤) نقل كلام الأزهري بمعناه، انظر \"التهذيب\" (أمن) ١/ ٢١١.\n(٥) \"تهذيب اللغة\" (أمن) ١/ ٢١١، وانظر \"الزاهر\" ١/ ٢٠٣.\n(٦) البيت أنشده ابن الأنباري في \"الزاهر\" بدون عزو ١/ ٢٠٣، وكذلك الأزهري في \"التهذيب\"، (أمن) ١/ ٢١٢، \"اللسان\" (أمن) ١/ ١٤٢.\n(٧) ما بين المعقوفين ساقط من (ب) و(ج).\n(٨) انظر كلام ابن الأنباري في \"الزاهر\" ١/ ٢٠٢، ٢٠٣.\n(٩) \"الحجة\" ١/ ٢٢٠.\n(١٠) ما بين المعقوفين ساقط من (ب) وفي (ج) (ذا أمر).\n(١١) في \"الحجة\": (أجرب، وأقطف، وأعاه) ١/ ٢٢٠.","vol":"2","page":60},{"text":"ماله، فكذلك (آمن) صار ذا (أمن) في نفسه وماله بإظهار الشهادتين، كقولهم: أسلم، أي: صار ذا سلم، وخرج عن أن يكون حربا مستحل المال والدم (١).\nوالقول في معنى الإيمان: ما قاله الأزهري (٢).\nعلى أن أبا القاسم الزجاجي شرح معنى الإيمان بما هو أظهر مما ذكره الأزهري، وهو أنه قال (٣): معنى التصديق في الإيمان لا يعرف من طريق اللغة إلا بالاعتبار والنظر، لأن حقيقته ليست للتصديق، ألا ترى أنك إذا صدقت إنسانا فيما يخبرك به، لا تقول: آمنت به، لكنك إذا نظرت في موضوع (٤) هذه الكلمة وصرّفته حق التصريف، ظهر لك من باطنها معنى يرجع إلى التصديق (٥).\n_________\n(١) انتهى ما نقله عن \"الحجة\" لأبي علي ١/ ٢٢٠، وانظر بقية كلام أبي علي ص ٢٢٦ حيث أفاد أن الإيمان بمعنى التصديق ليس على إطلاقه في كل موضع.\n(٢) أي بمعنى التصديق، فإن أراد المعنى اللغوي، فقد سبق ذكر اعتراض بعض العلماء عليه، وإن أراد المعنى اللغوي والشرعي فهذا مردود، فإن معنى الإيمان عند السلف: تصديق القلب ونطق (اللسان)، وعمل الجوارح. ولو قلنا: إن الإيمان في اللغة التصديق، فإن الشارع استعمله في معنى أوسع من ذلك، كما استعمل الصلاة والزكاة وغيرها من المصطلحات الشرعية التي نقلت من معناها اللغوي إلى معنى شرعي خاص، أو أن الشارع لم ينقلها ولم يغيرها، ولكن استعملها مقيدة لا مطلقة.\nانظر: \"شرح العقيدة الطحاوية\" ص٣١٤ - ٣٣٢، \"مجموع الفتاوى\" ٧/ ١٧٠، ٢٨٧، ٢٩٨.\n(٣) لم أجده فيما اطلعت عليه من كتب الزجاجي والله أعلم.\n(٤) في (ب): (موضع).\n(٥) إذا حقيقة الإيمان في أصلها ليست للتصديق فقط، وإن كان التصديق أحد معانيها، =","vol":"2","page":61},{"text":"وذلك أن (آمن) أَفْعَل، من (أَمِنَ)، والواحد إذا قال: آمنت بالله. [فإن (آمنت) فعل متعد، ومعناه: آمنت نفسي، أي: جعلتها في أمان الله بتصديقي (١) إياه، لأن الأمن من عذاب الله لا يحصل إلا بتصديقه، فإذا صدقه فقد آمن نفسه (٢)، فصار التصديق إيمانا للعبد، وجاز أن يعبر عن الإيمان بالتصديق، لأن أحدهما سبب للآخر (٣).\nو(الباء) في قولك: (آمنت بالله)] (٤) ليست (باء) التعدية، إنما هي (باء) الإلصاق التي يسميها (٥) النحويون (باء) الاستعانة (٦)، كما تقول: قطعت القلم بالسكين.\n_________\n= كما ذكر: أنك إذا صدقت إنسانا فيما يخبرك به لا تقول: آمنت، وبهذا استدل من قال. إن الإيمان والتصديق ليسا مترادفين على الإطلاق.\nقال شارح الطحاوية: (ومما يدل على عدم الترادف، أنه يقال للمُخْبَر إذا صدَّق: صدقه، ولا يقال: آمنه، ولا آمن به، بل يقال: آمن له، كما قال تعالى: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ [العنكبوت:٢٦]. ﴿فَمَآءَامَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِيَّهُ مِّن قَومِهِ عَلىَ خَوْفٍ﴾ [يونس:٨٣]. وقال تعالى: ﴿يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ٦١] ففرق بين المعدى بالباء والمعدى باللام، فالأول يقال للمُخْبَر به، والثاني للمُخْبِر ..) \"شرح الطحاوية\" ص٣٢١، وانظر: \"مجموع الفتاوى\" ٧/ ٢٩٠.\n(١) في (ب): (تصديقي).\n(٢) في (ب). (آمن من نفسه).\n(٣) في (ب): (الآخر).\n(٤) ما بين المعقوفين مكرر في (ب).\n(٥) في (ب): (يسموها).\n(٦) سماها شارح الطحاوية باء التعدية، لكن هناك فرق بين المعدى بالباء والمعدى باللام، فالمعدى بالباء للمخبر به، وباللام للمخبر. انظر: \"شرح الطحاوية\" ص ٣٢١، \"مجموع الفتاوى\" ٧/ ٢٨٨.","vol":"2","page":62},{"text":"كذلك وقع إيمان النفس من العذاب بتصديق الله، وحذف المفعول من قولهم: (آمنت بالله) لدلالة المعنى عليه، كقولهم: حمل فلان على العدو، أي: سلاحه أو نفسه، هذا هو الأصل في الإيمان، ثم جعل الإيمان بمعنى التصديق في قوله: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ [يوسف: ١٧] أي: بمصدق (١)، ولم يقل: (بنا) لأنه أريد ها هنا التصديق الخالص، لا إيمان بالنفس من العذاب، كما أريد ذلك في قولهم: (آمنت بالله)\nوأما الفرق بين الإيمان والإسلام فسنذكره عند قوله: ﴿قُل لم تُؤمِنُواْ وَلَكن قُولُوا أسلمَنَا﴾ (٢) [الحجرات: ١٤] إن شاء الله.\nوسمي أحدهما (٣) باسم الآخر (٤) مجازا وتوسعا، كقوله تعالى:\n_________\n(١) قال الفارسي: (وأما قوله: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ فليس المعنى على: ما أنت بمصدق لنا ولو كنا صادقين عندك؛ لأن الأنبياء لا تكذب الصادقين، ولكن المعنى: ما أنت واثقا، ولا غير خائف الكذب في قولنا ... فمؤمن هنا من آمن، أي صار ذا أمن أو صار ذا ثقة ...). \"الحجة\" ١/ ٢٢٦، ٢٢٧، ونحو هذا قال ابن تيمية في الآية، إنها بمعنى: أي بمقر لنا ومصدق لنا، لأنهم أخبروه عن غائب ...). \"الإيمان الأوسط\" ص ٧١.\n(٢) في (ب): ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾.\n(٣) أي: الإيمان والإسلام.\n(٤) ذكره أبو علىِ الفارسي، انظر: \"الحجة\" ١/ ٢٢٠. قال ابن كثير -رادا على من قال ذلك- عند تفسير قوله تعالى: ﴿فأَخرَجنا مَن كاَنَ فِيهَا مِنَ المُؤمنِينَ (٣٥) فما وَجدنَا﴾ الآية قال: (احتج بهذِه من ذهب إلى رأي المعتزلة ممن لا يفرق بين مسمى الإيمان والإسلام، لأنه أطلق عليهم المؤمنين والمسلمين، وهذا الاستدلال ضعيف، لأن هؤلاء كانوا قوما مؤمنين، وعندنا أن كل مؤمن مسلم، ولا ينعكس، فاتفق الإسمان هاهنا لخصوصية الحال، ولا يلزم ذلك في كل حال)، \"ابن كثير\" ٤/ ٢٤٩٨. ط. دار الفكر.","vol":"2","page":63},{"text":"﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَاَ﴾ الآية [الذاريات: ٣٥، ٣٦].\nوفي بعض القراءات ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً﴾ [المنافقون: ٢] بكسر الألف (١)، بمعنى الشهادة باللسان (٢).\nوفي قوله ﴿يُؤمِنُونَ﴾ قراءتان، تحقيق الهمزة وتليينها (٣).\nفمن حقق، فحجته (٤): أن الألف في (آمن) لا تخلو إما أن تكون زائدة، أو منقلبة، فلا (٥) يجوز أن تكون زائدة، لأنها لو كانت كذلك لكان (فَاعَل) [ولو كان (فَاعَل)،] (٦) كان مضارعه (يُفَاعِل) فلما كان مضارعه (يؤمن) دل على أنها غير زائدة، فإذا لم تكن زائدة كانت منقلبة، ولا يخلو أنقلابها من أن يكون عن: (الواو) أو عن (الياء) أو عن (الهمزة)، ولا يجوز أن تكون منقلبة عن (الواو)، لأنها في موضع سكون، [وإذا كانت في موضع سكون] (٧) وجب تصحيحها، وبمثل هذه الدلالة لا يجوز انقلابها\n_________\n(١) قراءة الجمهور بالفتح، وبالكسر قراءة الحسن. انظر: \"المحتسب\" ٢/ ٣١٥، ٣٢٢، \"البحر\" ٨/ ٢٧١، \"القراءات الشاذة\" للقاضي ص ٧٢.\n(٢) في (ب): (اللسان). انظر: \"الحجة\" ١/ ٢٢٢.\n(٣) قرأ ورش عن نافع، وأبو عمرو (يومنون) بغير همز، وبقية السبعة يهمزون. انظر \"الحجة\" لأبي علي١/ ٢١٤، \"حجة القراءات\" لابن زنجلة ص ٨٤.\n(٤) نقله عن \"الحجة\" لأبي علي، قال في \"الحجة\": (الإعراب: لا تخلو الألف في (آمن) من أن تكون زائدة، أو منقلبة، وليس في القسمة أن تكون أصلا. فلا يجوز أن تكون زائدة لأنها ...) ١/ ٢٣٥.\n(٥) في (ب): (ولا يجوز).\n(٦) ما بين المعقوفين ساقط من (ج).\n(٧) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).","vol":"2","page":64},{"text":"عن (الياء)، فإذا (١) لم يجز انقلابها عن (الواو) ولا عن (الياء) ثبت أنها منقلبة عن (الهمزة)، وإنما انقلبت عنها ألفا لوقوعها ساكنة بعد حرف مفتوح، كما أنها إذا خففت في: (بأس) و(رأس) (٢) و(فأس) انقلبت عنها ألفا لسكونها وانفتاح ما قبلها (٣)، كذلك قلبت في نحو: (آمن) و(آتى) (٤)، وفي الأسماء: نحو (آدر) (٥) و(آدم)، و(آخر) إلا أن الانقلاب هاهنا لزمها لاجتماع الهمزتين، والهمزتان إذا اجتمعتا في كلمة لزم الثانية منهما القلب بحسب الحركة التي قبلها إذا كانت ساكنة، نحو: (آمن) و(اوتمن) و(ايذن) (٦)، و(ايتنا) (٧).\nفمن حقق (٨) (الهمز) في ﴿يؤمنون﴾ فلأنه إنما ترك (الهمز) من (أومن) لاجتماع الهمزتين، كما أن تركها في (آمن) كذلك (٩)، فلما زال اجتماعها مع سائر الحروف المضارعة سوى (١٠) الهمزة، رد (١١) الكلمة إلى\n_________\n(١) في (ب): (وإذا).\n(٢) في (ج): (ووأس).\n(٣) بنصه في \"الحجة\" ١/ ٢٣٥، وانظر \"الكتاب\" ٣/ ٥٤٣.\n(٤) في جميع النسخ (ااتى) ورسمتها حسب ما في \"الحجة\" ١/ ٢٣٥.\n(٥) الآدر: وهو المنتفخ الخصية. انظر: \"اللسان\" (أدر) ١/ ٤٤.\n(٦) (ائذن) مكانها بياض في (ب).\n(٧) انظر بقية كلام أبي علي في \"الحجة\" ١/ ٢٣٦، وما بعده نقله من موضع آخر ١/ ٢٣٨ حيث قال أبو علي: (أما حجة من قرأ (يؤمنون) بتحقيق الهمز، فلأنه إنما ترك الهمز في (أومن) لاجتماع الهمزتين ...)، ١/ ٢٣٨، ٢٣٩.\n(٨) في (ج): (خفف).\n(٩) في (أ)، (ج): (لذلك) واخترت ما في ب، لأنه أصح وموافق ما في \"الحجة\" ١/ ٢٣٨.\n(١٠) في (ب): (سرى).\n(١١) في (ب): (ورد).","vol":"2","page":65},{"text":"الأصل فهمز؛ لأن الهمز من (الأمن) و(الأمنة) فاء الفعل.\nومما (١) يقوي الهمزة (٢) أن من تركها إنما يقلبها (واوا) (٣) ساكنة وما قبلها متحرك بالضم، و(الواو) الساكنة إذا انضم ما قبلها فقد استجازوا قلبها (٤) همزة.\nيدل (٥) على هذا، ما ذكره المازني عن الأخفش، قال (٦): كان أبو حية النميري يهمز كل واو ساكنة قبلها ضمة نحو: (مؤسى) (٧) وأشباهه.\nوتقدير ذلك: أن الحركة لما كانت تلي الواو من (مؤسى) (٨) صارت كأنها عليها، والواو إذا تحركت بالضمة أبدل منها الهمزة.\nوإذا جاز إبدال (الهمزة) من (الواو الساكنة) التي قبلها ضمة، واجتلابها وإن لم تكن من الكلمة، فالهمزة التي هي أصل في الكلمة أولى بالتحقيق، وأن لا يبدل منها الواو.\nوحجة من لم يهمز (٩): أن هذه الهمزة قد لزمها البدل في مثالين من\n_________\n(١) في (ب): (وما).\n(٢) في (ج): (أن الهمزة أن من تركها).\n(٣) في (ب): (واو).\n(٤) في (ب): (قبلها).\n(٥) في (ب): (نيل).\n(٦) في \"الحجة\": (قال محمد بن يزيد: أخبرني أبو عثمان، قال: أخبرني الأخفش قال: كان أبو حية النميري يهمز كل واو ساكنة قبلها ضمة وينشد:\nلَحُبَّ المُؤقِدَانِ إلى مُؤْسَى\nوتقدير ذلك أن الحركة ... إلخ) ١/ ٢٣٩.\n(٧) (موسى) غير مهموزة في جميع النسخ، وهمزتها كما في \"الحجة\" ١/ ١٣٩.\n(٨) انظر التعليق السابق.\n(٩) \"الحجة\" ١/ ٢٤٠.","vol":"2","page":66},{"text":"الفعل المضارع والماضي، نحو (١): (آمن) و(أُومِنَ)، والمضارع نحو: (أُومِنُ) ولم يجز تحقيقها في هذه المواضع، وهذا القلب الذي يلزمنا (٢) في المثالين إعلال لها، والإعلال إذا لزم مثالا أتبع سائر الأمثلة العارية من موجب الإعلال كإعلالهم: (يقوم)، و(لقام)، و(يُكْرِم) (٣) من أجل (أُكْرِمُ) (٤) و(أَعِدُ) (لِيَعِد) (٥)، فوجب على هذا أن يختار (٦) ترك الهمزة في ﴿يؤمنون﴾، ليتبع قولهم ﴿يؤمنون﴾ في الإعلال المثالين الآخرين (٧)، لا على التخفيف القياسي (٨) نحو: (جونة) في (جؤنة) (٩)، و(بوس) في (بؤس) (١٠).\n_________\n(١) في \"الحجة\" (فالماضي نحو: ..) ١/ ٢٤٠.\n(٢) في \"الحجة\" (يلزمها) ١/ ٢٤٠.\n(٣) في (ب): (يلزم).\n(٤) أصل (أُكْرِم) (أُؤكْرِمُ) مضارع (أَكْرَمَ)، ثم حذفت الهمزة في (أُؤَكْرِم) لاجتماع الهمزتين، ثم حملت الياء في (يُكرم) على الهمزة في (أكرم) فحذفت الهمزة معه مثل حذفها مع (أُكْرِم) ليتفق الباب. انظر \"سر صناعة الإعراب\" ١/ ٣٨٥.\n(٥) لأن الواو في (يَعِد) حذفت لوقوعها بين ياء وكسرة، وحملت الهمزة في (أعد) على ذلك، وحذفت الواو معها حتى لا يختلف الباب. انظر: \"سر صناعة الإعراب\" ١/ ٣٨٥.\n(٦) في (ج): (تختاريتك).\n(٧) أي الإعلال في الماضي نحو (آمن)، والمضارع (أُومِنُ).\n(٨) أي أن حذف الهمزة في (يؤمنون) إعلال لا تخفيف قياسي. والتخفيف القياسي ما ذكره سيبويه بقوله: (وإن كان ما قبلها مضمومًا -أي الهمزة- فأردت أن تخفف، أبدلت مكانها واوا، وذلك قولك في (الجؤنة) و(البؤس) و(المؤمن): الجونة والبوس والمومن) \"الكتاب\" ٣/ ٥٤٣.\n(٩) في (ب): (جونة). و(الجؤنة): سليلة مستديرة مغشاة بجلد، يستعملها العطار ظرفا للطيب. انظر: \"تهذيب اللغة\" (جون) ١/ ٦٨٩٣.\n(١٠) إلى هنا انتهى ما نقله الواحدي عن \"الحجة\" ١/ ٢٤٠.","vol":"2","page":67},{"text":"وأيضًا فإن (١) حرف المضارعة المضموم صادف حرفا منقلبا ألف قبل أن يلحقه حرف المضارعة، فلما ولي المضموم من حرف المضارعة، انقلب ذلك الألف واوا، وأي (٢) مرضع للهمزة (٣) هاهنا.\nوقوله تعالى: ﴿بِالْغَيْبِ﴾ (٤) الغيب: مصدر غاب يغيب غيبا، وكل (٥) ما غاب عنك فلم تشهده فهو غيب (٦)، قال الله تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ (٧) والعرب تسمى (٨) المطمئن من الأرض: الغيب (٩)، لأنه غاب عن الأبصار.\nومه قول لبيد:\nوَتَسمَّعَت رِزَّ الأَنِيس فرَاعَها ... عَن ظَهْرِ (١٠) غَيْبٍ والأنيسُ سَقَامُها (١١)\n_________\n(١) في (ب) سقط وتصحيف فالنص فيها: (وأيضًا، قال في حرف المضارعة انقلب ذلك الألف صادق حرفًا).\n(٢) (الواو) ساقطة من (ب).\n(٣) في (ب): (للهمز).\n(٤) في (ب): (الغيب) تصحيف.\n(٥) في (ب): (وكلما)\n(٦) انظر: \" تفسير الطبري\" ١/ ١٠٢، و\"ابن عطية\" ١/ ١٤٦، و\"تفسير القرطبي\" ١/ ١٤٢.\n(٧) هذا جزء من آية وردت في مواضع وهي: ٧٣ من الأنعام، و٩٤ و١٠٥ من التوبة و٩ من الرعد، و٩٢ من المؤمنون، و٦ من السجدة و٤٦ من الزمر، و٢٢ من الحشر، و٨ من الجمعة، و١٨ من التغابن.\n(٨) (تسمى) ساقط من (ج).\n(٩) \"تهذيب اللغة\" (غاب) ٣/ ٢٦١٦.\n(١٠) في (ج): (صهر).\n(١١) البيت في \"ديوان لبيد\"، وروايتة: (وتوجست رز ..) ويروى: (.. ركز الأنيس) =","vol":"2","page":68},{"text":"قال شمر (١): وكل مكان لا يدرى ما فيه فهو غيب، وكذلك الموضع الذي لا يدرى ما وراءه وجمعه غيوب (٢)، ومنه قوله:\nوللفؤاد وجيب تحت أبهره ... لدم (٣) الغلام وراء الغيب بالحجر (٤)\nوقال أبو زيد: يقال: بدا غَيَّبَان العود، إذا بدت عروقه التي تغيبت في الأرض لحفر السيل (٥).\nوالمراد بالغيب المذكور هاهنا: ما غاب علمه (٦) وعن الحس\n_________\n= وهو يصف بقر الوحش، والرز والركز: الصوت الخفي، عن ظهر غيب: من وراء حجاب، وقوله: والأنيس سقامها: لأنهم يصيدونها فهم داؤها. انظر \"شرح ديوان لبيد\" ص ٣١١، وهو في \"المخصص\" لابن سيده ٢/ ١٣٧. بمثل رواية الديوان، وبدل (راعها) (رابها). وفي \"البحر المحيط\" ٦/ ١٩٨.\n(١) هو شمر بن حمدويه الهروي، اللغوي الأديب، لقي أبا عبيدة، وابن الأعرابي، والأصمعي والفراء وغيرهم، ألف كتابا كبيرا في اللغة على حروف المعجم، وفقد بعده، توفي سنة خمس وخمسين ومائتين.\nانظر: \"إنباه الرواة\" ٢/ ٧٧، \"معجم الأدباء\" ٣/ ٤١٠، \"إشارة التعيين\" ص١٤١.\n(٢) ذكره الأزهري في \"تهذيب اللغة\" (غاب) ٣/ ٢٦٢١.\n(٣) في (ب): (دم).\n(٤) البيت لابن مقبل. (الوجيب): تحرك القلب تحت الأبهر، و(اللدم): الضرب، و(الغيب): ما كان بينك وبينه حجاب، يقول: إن للقلب صوتا يسمعه ولا يراه، كما يسمع صوت الحجر الذي يرمى به الصبي ولا يراه. ورد البيت في \"تهذيب اللغة\" (بهر) ١/ ٤٠١، \"الصحاح\" (بهر) ٢/ ٥٩٨، \"معجم مقاييس اللغة\" (لدم) ٥/ ٢٤٣، \"الزاهر\" ١/ ٣٩٨، ٥٥٢، \"أساس البلاغة\" (لدم) ٢/ ٣٣٨، و\"اللسان\" (بهر) ١/ ٣٧٠، (لدم) ٤/ ٣٢٥٥.\n(٥) لم أجده في \"نوادر أبي زيد\"، وذكره الأزهري نحوه ولم ينسجه لأبي زيد. \"تهذيب اللغة\" (غاب) ٣/ ٢٦١٦.\n(٦) في (ب): (محله).","vol":"2","page":69},{"text":"والضرورة (١) مما يدرك بالدليل (٢)،\nولذلك (٣) استوجبوا حسن الثناء بالإيمان بالغيب، لأنه تصديق بما أخبروا به مما لا يعلم حسا وضرورة، ويكون العلم به مكتسبا، فيدخل (٤) في جملة هذا ما أخبر عنه الرسول ﵇ من أمر الجنة والنار والوعد وغير ذلك (٥).\nقال أبو العالية في قوله: ﴿يُؤمِنوُنَ بِالغيَب﴾ قال: يؤمنون بالله (٦)، وملائكته وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وجنته، وناره، ولقائه (٧)، وبالبعث بعد (٨) الموت (٩).\nوكأن هذا إجمال ما فصل في قوله: ﴿كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥]\n_________\n(١) قال البيضاوي: والمراد به: الخفي الذي لا يدركه الحس، ولا يقتضيه بديهة العقل ١/ ٧.\n(٢) الغيب قسمان. قسم لا دليل عليه وهو المعني بقوله: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأنعام: ٥٩]، وقسم نص عليه دليل كوجود الخالق سبحانه، واليوم الآخر، وغير ذلك من أمور الغيب، وهو المراد هنا، أي: يستدلون عليه فيؤمنوا به. انظر البيضاوي ١/ ٧، والرازي ٢/ ٢٣.\n(٣) في (ب): (وكذلك).\n(٤) في (ج): (يدخل).\n(٥) انظر \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٣٥.\n(٦) في (ب): (به).\n(٧) (الواو) ساقطة من (ب).\n(٨) في (ب): (هذا).\n(٩) ذكره الثعلبي بسنده عن الربيع عن أبي العالية ١/ ٤٦ أ، وأخرجه ابن جرير عن الربيع بن أنس. قال شاكر: لعل ذكر: عن أبي العالية سقط من الإسناد من نسخ الطبري، لثبوته عند الناقلين عنه. الطبري ١/ ٢٣٧ (ط. شاكر)، وأخرجه ابن أبي حاتم في (تفسيره) ١/ ٣٦، وذكره ابن كثير ١/ ٤٤، \"الدر\" ١/ ٦٠.","vol":"2","page":70},{"text":"وقال عطاء (١): من آمن بالله آمن بالغيب (٢).\nوكذلك روى أبو العباس عن ابن الأعرابي (٣) في قوله: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ قال (٤): يؤمنون بالله. قال (٥): والغيب- أيضًا- ما غاب عن العيون وإن كان محصلا في القلوب (٦).\nقال أبو إسحاق: وكل ما غاب عنهم مما أخبرهم به النبي - ﷺ - فهو غيب. (٧). هذا طريق المفسرين في معنى (الغيب).\nولأهل المعاني فيه طريق آخر (٨)، وهو أن معنى قوله: ﴿يُؤِمنوُنَ\n_________\n(١) هو عطاء بن أبي رباح، المكي، القرشي مولاهم، روى عن عدد من الصحابة، كان ثقة فقيهًا عالمًا، توفي سنة أربع عشرة ومائة من الهجرة. انظر ترجمته في \"طبقات ابن سعد\" ٥/ ٤٦٧، \"سير أعلام النبلاء\" ٥/ ٧٨، \"تهذيب التهذيب\" ٣/ ١٠١.\n(٢) أخرجه ابن أبي حاتم عن عطاء بن أبي رباح، قال المحقق: رجال إسناده ثقات ابنِ أبي حاتم ١/ ١٧٨ (رسالة دكتوراه). وأخرجه الثعلبي بسنده عن عطاء قال: ﴿الًذِين يُؤمنوُنَ بِالغيبِ﴾ قال: هو الله ﷿ من آمن بالله فقد آمن بالغيب. الثعلبي في ١/ ٤٦ ب، وذكره ابن كثير ١/ ١٨١.\n(٣) هو محمد بن زياد الأعرابي، مولى العباس بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس، كان راوية للأشعار نحويا، كثير الحفظ، توفي سنة إحدى وثلاثين ومائتين. انظر ترجمته في: \"طبقات النحويين واللغويين\" ص ١٩٥، \"إنباه الرواة\" ٣/ ١٢٨، \"نزهة الألباء\" ص ١١٩.\n(٤) في (ب): (ملا).\n(٥) (قال) ساقط من (ب).\n(٦) \"تهذيب اللغة\" (غاب) ٣/ ٢٦١٦.\n(٧) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٣٥.\n(٨) ما ذكره قال به عدد من المفسرين، ولم أجد أحدا من أهل المعاني فيما اطلعت عليه قال به، بل كلام الزجاج السابق بخلافه وهو أحد أهل المعاني، فلا وجه لتخصيص أهل المعاني بالذكر.","vol":"2","page":71},{"text":"بِالغَيْبِ﴾ أي: يؤمنون إذا غابوا عنكم، ولم يكونوا كالمنافقين (١) الذين يقولون إذا خلوا إلى شياطينهم: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة: ١٤]، ويقوي هذا الوجه قوله: ﴿الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ﴾ [الملك: ١٢]، وقوله: ﴿من خشي الرحمن بالغيب﴾ [ق:٣٣]، والجار والمجرور هاهنا في موضع (الحال)، أي: يؤمنون غائبين عن مراءاة الناس، لا يريدون بإيمانهم تصنعا لأحد.\nوقوله تعالى: ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾:\nأي: يديمونها (٢)، ويحافظون عليها، ويقال: قام الشيء إذا دام وثبت، وأقامه إذا أدامه (٣)، والذي يدل على أن قيام الشيء إنما يعنى به دوامه وثباته (٤) ما أنشده أبو زيد:\nإنِّي إذَا لم يُنْدِ حَلْقًا رِيقُه ... وَرَكَدَ السَّبُّ فَقَامَتْ سُوقُهْ (٥)\nوالراكد: الدائم الثابت (٦)، ومن ثم قيل: ماء راكد، وماء دائم.\n_________\n(١) ذكره ابن عطية ١/ ١٤٥، والزمخشري في \"الكشاف\" ١/ ١٢٨، والرازي ٢/ ٢٧، وابن كثير ١/ ٤٤، والبيضاوي ١/ ٧.\n(٢) أنظر: \"تفسير أبي الليث\" قال: يقيمون الصلاة يحافظون على الصلوات، وقد قيل: معنى يقيمون أي: يديمون الصلاة، ١/ ٩٨٠. وذكره ابن الجوزي وعزاه لابن كيسان، \"زاد المسير\" ١/ ٢٥.\n(٣) في (ب): (دام).\n(٤) انظر. \"التهذيب\" (قام) ٣/ ٢٨٦٤، \"اللسان\" (قوم) ٦/ ٣٧٨٢.\n(٥) أبيات من الرجز أنشدها أبو زيد في \"النوادر\" مع أبيات أخرى ولم يعزها، \"النوادر\" ص ١٦٩، وذكر ابن الأنباري في \"المذكر والمؤنث\" البيت الثاني (وركد السب .. إلخ) مع بيت آخر ص٣٥٥، وكذا ورد البيت الثاني في \"المخصص\" ١٧/ ٢١.\n(٦) في \"غريب الحديث\" لأبي عبيد: الدائم الراكد الساكن، ١/ ١٣٧، وانظر: \"تهذيب اللغة\" (دام) ٢/ ١١٣٤، (الزاهر) ٢/ ٣٧٢.","vol":"2","page":72},{"text":"ومن هذا يقال: أقام القوم سوقهم إذا أداموها وواظبوا (١) عليها (٢).\nقال أبو علي الفارسي: وهذا التفسير أشبه من أن يفسر بـ (يتمونها) (٣). وأما (الصلاة) فمعناها في اللغة: الدعاء (٤)، ومنه الحديث: \"إذا دعي أحدكم إلى طعام فليجب، فإن كان مفطرا فليطعم وإن كان صائما فليصل\" (٥) قال أبو عبيد: قوله: \"فليصل\" أي: فليدع له بالبركة والخير، وكل داع فهو مصل (٦).\nقال الأعشى:\n_________\n(١) في (ب): (ووضبوا).\n(٢) انظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ١٠٤.\n(٣) وبهذا أخذ الزجاج حيث قال: معناه يتمون الصلاة، كما قال: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]. \"المعاني\" ١/ ٣٥. وقال ابن جرير: إقامتها. أداؤها بحدودها وفروضها والواجب فيها، على ما فرضت عليهم ١/ ١٠٤، وانظر ابن كثير ١/ ٤٥.\n(٤) أنظر: الطبري ١/ ١٠٤، \"تهذيب اللغة\" (صلى) ٢/ ٢٠٤٩.\n(٥) الحديث أخرجه مسلم عن أبي هريرة (١٤٣١٢) في كتاب النكاح، باب: الأمر بإجابة الدعوة دون قوله (إلى طعام)، وأبو داود بمثل رواية مسلم (٢٤٦٠) في كتاب الصوم، باب. في الصائم يدعى إلى وليمة، وأخرج (٣٧٣٦) في كتاب الأطعمة، باب: ما جاء في إجابة الدعوة، نحوه عن ابن عمر.\nوأخرجه الترمذي (٧٩٨٠) في كتاب الصيام، باب: ما جاء في إجابة الدعوة دون قوله: (فإن كان مفطرا فليطعم) في لفظه (إلى طعام)، وأحمد في \"مسنده\" ٢/ ٥٠٧، ٢/ ٤٨٩ دون قوله (فإن كان مفطرا فليطعم).\n(٦) في \"غريب الحديث\": (قال: قوله: فليصل ... قال أبو عبيد: كل داع فهو مصل) في الهامش: قالا: أي ابن علية ويزيد. أنظر \"غريب الحديث\" لأبي عبيد ١/ ١١٠. فالكلام الأول نقله أبو عبيد، والمؤلف هنا نقل من الأزهري وتابعه في نسبة النص لأبي عبيد، \"التهذيب\" (صلى) ٢/ ٢٠٤٩.","vol":"2","page":73},{"text":"عَلَيْكِ مثل الذي صَلَّيْتِ فَاغْتَمِضي ... نَومًا (١) فإنَّ لِجَنْبِ المرءِ مُضْطَجعا (٢)\nوقال أبو العباس في قوله:\nوصَلَّى عَلى دَنِّهَا وارْتَسَمْ (٣)\nقال: دعا لها أن لا تحمض ولا تفسد (٤).\nهذا معنى الصلاة في اللغة، ثم ضمت إليها هيئات وأركان سميت بمجموعها صلاة، هذا مذهب الأكثرين.\nوقال الزجاج (٥): الأصل في الصلاة اللزوم، يقال: قد صلى\n_________\n(١) في (ب): (يوما) وهي رواية للبيت.\n(٢) البيت في \"ديوان الأعشى\" ص ١٠٦، وهو من قصيدة يمدح بها (هوذة بن علي الحنفي) ويروى: (يوما) بدل (نوما) ذكره أبو عبيدة في \"المجاز\"، وقال: فمن رفع (مثل) جعله. عليك مثل الذي قلت لي ودعوت لي به، ومن نصبه جعله. أمرا، يقول: عليك بالترحم والدعاء لي، وذكره الزجاج في \"معاني القرآن\" ١/ ٢١٤، وابن الأنباري في \"الزاهر\" ١/ ١٣٩، وأبو بكر بن عزيز في \"معرفة اشتقاق أسماء نطق بها القرآن\" ٢/ ٥٣٩ رسالة ماجستير، وأبو عبيد في \"غريب الحديث\" ١/ ١١١، والأزهري في \"التهذيب\" (صلى) ٢/ ٢٠٤٩، وورد في \"الدر المصون\" ١/ ٩٢ و\"القرطبي\" ١/ ١٤٦، و\"ابن كثير\" ١/ ٤٦، \"البحر المحيط\" ١/ ٣٨.\n(٣) البيت للأعشى من قصيدة يمدح به قيس بن معد يكرب، وصدره:\nقابلها الريح في دنها\nيصف الخمر، صلى: دعا، ارتسم: كبَّر ودعا وتعوَّذ مخافة أن يجدها فسدت، فتبور تجارته. انظر: \"ديوان الأعشى\" ص ١٩٦، \"غريب الحديث\" لأبي عبيد ١/ ١١١ والطبري ١/ ١٠٤، \"تهذيب اللغة\" (صلى) ٢/ ٢٠٤٩، وابن كثير ١/ ٤٦.\n(٤) \"تهذيب اللغة\" (صلى) ٢/ ٢٠٤٩.\n(٥) \"معاني القرآن\" ١/ ٢١٥.","vol":"2","page":74},{"text":"واصطلى (١): إذا لزم، ومن هذا من يصلى في النار أي: يلزم، قال: والقول عندي هذا؛ لأن الصلاة من أعظم الفرض الذي أمر بلزومه، وألزم ما أمر به من العبادات (٢).\nومن اختار هذه الطريقة (٣) قال: معنى قولهم للداعي إذا دعا: (صلى) معناه: أنه لزم الدعاء لشدة حاجته إلى الإجابة.\nو(الصَّلَوَان) من الفرس، العظمان اللذان في العجز (٤)، والواحد: (صلا)، سميا للزوم كل واحد منهما الآخر (٥)، والمُصَلِّي: الذي يأتي في أثر السابق من هذا، لأنه يأتي ورأسه مع ذلك المكان من السابق (٦)، ومنه حديث علي - ﵁ -: (سبق رسول الله - ﷺ - وصلى أبو بكر) (٧).\nوقوله تعالى: ﴿وَمِمَّا رزَقنَهُم﴾. يقال: رَزَق الله الخلق رَزْقا ورِزْقا،\n_________\n(١) في (أ) و(ج): (واصطلا) وفي (المعاني) (يقال: صلى وأصلى واصطلى ...) ١/ ٢١٥، ونص المؤلف في \"التهذيب\" فلعله نقل منه، ٢/ ٢٠٤٩.\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج، دون قوله: (وألزم ما أمرت به من العبادات) ١/ ٢١٥، وذكره في \"تهذيب اللغة\" ٢/ ٢٠٤٩.\n(٣) أي: أن الصلاة بمعنى اللزوم.\n(٤) انظر. \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢١٥، \"تهذيب اللغة\" (صلى) ٢/ ٢٠٤٩، \"مجمل اللغة\" (صلى) ٢/ ٥٣٨.\n(٥) في (ب): (للآخر).\n(٦) المراجع السابقة.\n(٧) أخرجه أحمد في \"المسند\": (عن علي -﵁- قال: سبق رسول الله - ﷺ - وصلى أبو بكر وثلث عمر، ثم خبطتنا فتنة بعدهم يصنع الله فيها ما يشاء) \"المسند\" ١/ ١١٢، ١٢٤، ١٣٢، ١٤٧. وأخرجه ابن سعد في \"الطبقات الكبرى\" ٦/ ١٣٠، وذكره أبو عبيد في \"غريب الحديث\" ٢/ ١٤٢، والأزهري في \"تهذيب اللغة\" (صلى) ٢/ ٢٠٥٠.","vol":"2","page":75},{"text":"فالرَّزْقُ بالفتح: هو المصدر الحقيقي، والرِّزْق: الاسم، ويجوز أن يوضع موضع المصدر (١)، وكل ما انتفع به العبد هو رزقه، من مال وولد وغيره.\n\nوقوله تعالى: ﴿يُنفِقُونَ﴾ معنى الإنفاق في اللغة: إخراج المال من اليد. ومن هذا يقال: نفق المبيع إذا كثر مشتروه، فخرج عن يد البائع، ونفقت الدابة إذا خرجت روحها (٢)، والنفق (٣) سرب له مخلص إلى مكان آخر يخرج منه <span data-type=\"title\" id=toc-227>(٤)</span>، والنافقاء من جحرة اليربوع: وهو الذي يخرج منه إذا أخذ من جهة أخرى، ومنه المنافق، لخروجه عن الإيمان بما ينطوي عليه من الكفر (٥).\nوالمراد بالإنفاق هاهنا: إنفاق فيما يكون طاعة فرضا أو نفلا؛ لأن الله تعالى مدحهم بهذا الإنفاق (٦).\n\n٤ - قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾. قال مجاهد: الآيات الأربع من أول هذه السورة نزلت في جميع المؤمنين (٧) سواء كانوا من العرب، أو من أهل الكتاب.\n_________\n(١) \"تهذيب اللغة\" (رزق) ٢/ ١٤٠١.\n(٢) ذكره الثعلبي ١/ ٤٧ أ، ب. وانظر. \"تهذيب اللغة\" (نفق) ٤/ ٣٦٣٤.\n(٣) في (ب): (النعفق).\n(٤) في (ب): (منه إذا)، وعند الثعلبي (يخرج إليه) ١/ ٤٧ ب، وهو في \"التهذيب\" دون قوله: (يخرج منه نفق) ٤/ ٣٦٣٥.\n(٥) انظر: \"التهذيب\" (نفق) ٤/ ٣٦٣٥.\n(٦) ذكر الطبري نحوه، ١/ ١٠٥.\n(٧) الأثر عن مجاهد أخرجه الطبري ١/ ١٠٣، وذكره الثعلبي ١/ ٤٧ب، وابن كثير، وقال: قاله مجاهد، وأبو العالية، والربيع بن أنس، وقتادة ١/ ٤٦.","vol":"2","page":76},{"text":"فعلى هذا القول (الواو) في قوله ﴿وَالَّذِينَ﴾ لتعديد صفاتهم، فهو عطف صفة على صفة، والموصوف واحد (١)، كما قال:\nإلى الملكِ القَرْم وابنِ (٢) الهُمام ... وليثِ الكتيبةِ في المُزْدحَمْ (٣)\nولم يرد إلا شخصا واحدا.\nوقال ابن عباس في رواية أبي صالح، وابن مسعود في رواية مرة (٤): (إن آيتين من أول السورة نزلتا في مؤمني العرب، والآيتان بعدهما نزلتا في مؤمني أهل الكتاب)، لأنه لم يكن للعرب كتاب كانوا مؤمنين به قبل محمد\n_________\n(١) انظر: \"الطبري\" ١/ ١٠٧، و\"ابن كثير\" ١/ ٤٦، \"الكشاف\" ١/ ١٣٣، ١٣٥.\n(٢) في (ج): (بن).\n(٣) البيت غير منسوب في \"معاني القرآن\" للفراء١/ ١٠٥، و\"الثعلبي\" ١/ ٧٣ أ، \"الكشاف\" ١/ ١٣٣، و\"القرطبي\" ١/ ٣٢٨، وابن كثير ١/ ٤٦، \"خزانة الأدب\" ١/ ٤٥١، ٥/ ١٠٧،٦/ ٩١، \"البحر\" ١/ ٢٠٢، \"الدر المصون\" ١/ ٩٧.\nالقرم: الفحل المكرم الذي لا يحمل عليه، ويسمى السيد من الناس قرما، والهُمام: من أسماء الملوك، لعظم همتهم، أو لأنه إذا هم بأمر فعله، والكتيبة. الجيش، المزدحم. المعركة، لأنها موضع المزاحمة والمدافعة.\n(٤) ذكره ابن جرير بسنده من طريق السدي عن أبي مالك، وعن أبي صالح عن ابن عباس، وعن مرة عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي - ﷺ - ١/ ١٠٥ - ١٠٦، وانظر ابن كثير ١/ ٤٦. وأبو صالح هو مولى أم هانئ بنت أبي طالب، اسمه (باذان) تابعي وثقه أكثرهم. انظر ترجمته في \"الجرح والتعديل\" ٢/ ٤٣١، \"تهذيب التهذيب\" ١/ ٢١١. ومُرَّة هو مُرَّة بن شراحيل الهمداني الكوفي، من كبار التابعين ثقة. انظر ترجمته في \"الجرح والتعديل\" ٨/ ٣٦٦، \"تهذيب التهذيب\" ٤/ ٤٨. وقد تكلم أحمد شاكر كلامًا جيدًا وأطال حول هذا الإسناد في حاشية الطبري ١/ ١٥٦ - ١٥٩ (ط. شاكر). أفاد فيه أن للسدي كتابا في التفسير جمع فيه مفرق =","vol":"2","page":77},{"text":"- ﷺ - (١).\nفعلى هذا (الواو) (٢) لعطف مؤمني أهل الكتاب على مؤمني العرب (٣).\nوقوله تعالى: ﴿إِليْكَ﴾ الأصل في (إليك) و(عليك): (إلاك) و(علاك)، كما تقول: إلى زيد، وعلى زيد، إلا أن (الألف) غيرت مع الضمير (٤)، وأبدلت (ياء) ليفصل بين (الألف) التي في آخر المتمكنة مثل: القفا والعصا، وبين الألف في أواخر غير المتمكنة [التي] (٥) الإضافة لازمة لها، ألا ترى أن (إلى) و(على) و(لدى) (٦) لا تنفرد من الإضافة (٧).\nوقوله تعالى: ﴿هُمْ يُوقِنُونَ﴾. دخلت (هم) توكيدًا، يسميه الكوفيون: عمادا، والبصريون: فصلًا (٨).\n_________\n= هذِه التفاسير عن الصحابة الذين ذكرهم، ذكر في أوله هذِه الأسانيد، \"تفسيره\" من أوائل الكتب التي ألفت في هذا وهو من طبقةِ عالية من طبقة شيوخ مالك.\n(١) ذكره ابن جرير واستدل على هذا بقوله: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾. وذكر قولا ثالثا. أن الآيات الأربع في مؤمني أهل الكتاب خاصة. وقد رجح أن الآيتين من أول السورة في مؤمني العرب، والآيتين بعدهما في مؤمني أهل الكتاب. انظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ١٠٢، ١٠٦، ١٠٧.\nورجَّح ابن كثير في \"تفسيره\" قول مجاهد ١/ ٤٧.\n(٢) (الواو) ساقطة من (ب).\n(٣) انظر: \"الكشاف\" ١/ ١٣٥.\n(٤) في (ب): (المضمر) ومثله عند الزجاج في \"المعاني\" ١/ ٣٧.\n(٥) في جميع النسخ (إلى) وفي \"معاني القرآن\" للزجاج (التي) والكلام بنصه منقول منه ١/ ٣٧.\n(٦) في (ب): (لدن).\n(٧) \"معاني القرآن\" للزجاج١/ ٣٧.\n(٨) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ٤٧ ب، ويجوز: في (هم) أن تكون ابتداءً ثانيًا =","vol":"2","page":78},{"text":"و﴿يُوقِنُونَ﴾ أصله (يُيْقِنون)، لأنه (يُفْعِلون) من اليَقين، فلما سكنت (الياء) وانضم ما قبلها صارت (واوا) (١)، كما صارت (الواو) (ياء) لكسرة ما قبلها (٢) في قولك: إيثاق وإيشال (٣) وميثاق وميعاد.\nواليقين: هو العلم الذي يحصل بعد (٤) استدلال ونظر، لغموض المنظور (٥) فيه أو لإشكاله على الناظر (٦)، يقوي ذلك قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ [الأنعام: ٧٥] ولذلك (٧) لم يجز أن يوصف القديم سبحانه به، لأن علمه لم يحصل عن نظر واستدلال (٨).\n_________\n= للتوكيد و(المفلحون) خبره، والجملة خبر (أولئك) ويجوز: أن يكون (هم) عمادًا، أو فصلًا. انظر \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٣٧، \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ١٣٣.\n(١) انظر: \"الكتاب\" ٤/ ٣٣٨، \"سر صناعة الإعراب\" ٢/ ٥٨٤، وقال العكبري: (أصله (يؤيقنون) لأن ماضيه (أيقن) والأصل أن يؤتى في المضارع بحروف الماضي، إلا أن الهمزة حذفت لما ذكرنا في (يؤمنون) وأبدلت الياء واوا لسكونها وانضمام ما قبلها) (الإملاء) ١/ ١٣.\n(٢) مع سكون (الياء) انظر \"الكتاب\" ٤/ ٣٣٥، \"سر صناعة الإعراب\" ٢/ ٧٣٢.\n(٣) في (ب): (اسياق) ولم أجدها فيما اطلعت عليه من كتب اللغة.\n(٤) في (ب): (به).\n(٥) في (ب): (المقصود).\n(٦) قال ابن عطية: (اليقين أعلى درجات العلم وهو الذي لا يمكن أن يدخله شك بوجه) ١/ ١٤٩، وعرفه الراغب فقال: (هو سكون الفهم مع ثبات الحكم) مفردات الراغب ص ٥٥٢. وانظر كتاب \"معرفة أسماء نطق بها القرآن\" ٢/ ٦١٨ (رسالة ماجستير)، \"تفسير الرازي\" ٢/ ٣٢، ٣٥.\n(٧) في (ب): (وكذلك).\n(٨) انظر: \"تفسير الرازي\" ٢/ ٣٢. ومذهب السلف: أن الله لا يوصف بذلك لعدم ورود النص به.","vol":"2","page":79},{"text":"ويقال: أَيْقَن بالأمر واسْتَيْقَن وتَيَقَّن كله واحد. ويقال في الثلاثي: يَقِنَ يَيْقَن يَقَنًا فهو يَقِنٌ، واليَقِنُ: اليَقِين (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾. تخصيص بعد التعميم على قول مجاهد (٢)، لأن الإيقان بالآخرة داخل في قوله: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ على التفسير الأول في (٣) (الغيب) (٤) ومثل هذا قوله: ﴿الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢)﴾ [العلق: ١، ٢] عمَّ بقوله: ﴿خَلَقَ﴾ جميع المخلوقات، ثم خص بعد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-228>٥ </span>- قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى﴾ الآية. (أولاء) كلمة معناها الكناية عن جماعة، وهي لا تعرب لأنها اسم الإشارة، وكسرت الهمزة فيها لالتقاء الساكنين (٥)، قال الله تعالى: ﴿هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي﴾ [طه: ٨٤] ودخلت الكاف للمخاطبة كما ذكرنا في قوله (ذلك)، وفيه ثلاث لغات: (أولئك) و(أولاك) و(أولالك) (٦).\nقال الشاعر:\n_________\n(١) انظر: \"العين\" ٥/ ٢٢٠، \"تهذيب اللغة\" (يقن) ٤/ ٤٩٩٨٣، \"اللسان\" (يقن) ٩٨/ ٤٩٦٤.\n(٢) هو ما سبق من قوله: إن الآيات الأربع في جميع المؤمنين. انظر ص ٤٤٥.\n(٣) التفسير الأول للغيب هو ما ذكره عن أبي العالية. يؤمنون بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وجنته وناره ولقائه وبالبعث بعد الموت.\n(٤) في (أ)، (ب): (للغيب).\n(٥) انظر. \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٣٧.\n(٦) انظر: \"الأصول في النحو\" ٢/ ١٢٨، \"سر صناعة الإعراب\" ١/ ٣٢٢، \"تهذيب اللغة\" ١/ ٧٤، \"المنصف\" ١/ ١٦٥، ١٦٦، ٣/ ٢٦، \"تفسير القرطبي\" ١/ ١٥٧ \"الدر المصون\" ١/ ١٠٢.","vol":"2","page":80},{"text":"أولئك قومي لم يكونوا أُشابةً ... وهل يَعِظُ الضِّلِّيلَ إلا أولالكا (١)\nوقال آخر:\nأولاكَ بنو (٢) خير وشرٍّ كليهما (٣) ... جميعًا ومعروفٍ ألمَّ ومُنكرِ (٤)\nفمن قال: (أولاك) قال: (هؤلا) مقصورًا (٥)، قال أوس بن حجر:\nلعمرك إنّا والأحاليف هؤلا ... لَفي فتنةٍ أظفارُها لم تُقَلَّمِ (٦)\n_________\n(١) نسب أبو زيد البيت في \"النوادر\" لأخي الكلحبة وروايته له.\nألم تك قد جربت ما الفقر والغنى ... ولا يعظ الضليل إلا ألالكا\n\"نوادر أبي زيد\" ص ٤٣٨، ومثل ذلك في \"الخزانة\" ١/ ٣٩٤، بينما نسبه في \"شرح المفصل\" للأعشى وروايته له مثل ما ورد عند الواحدي \"شرح المفصل\"، ١٠/ ٦ ويروى البيت عند أكثر النحاة (أولالك قومي ...) بدل (أولئك)، و(الأشابة) بضم الهمزة: الجمع المختلط من هنا وهناك، والضليل: الضال، يصف قومه بالصفاء والنصح، ورد البيت كذلك في \"المنصف\" ١/ ١٦٦، ٣/ ٢٦، \"الهمع\" ١/ ٢١٦، و\"تفسير القرطبي\" ١/ ١٥٨ \"الدر المصون\" ١/ ١٠٢.\n(٢) في جميع النسخ (بني) والتصحيح حسب المصادر التي ورد فيها البيت.\n(٣) في (ب): (كلاهما) وفي (ج): (كله هما).\n(٤) في (ج): (وينكر).\nالبيت لمسافع بن حذيفة العبسي، شاعر جاهلي، قوله (أولاك) مبتدأ و(بنو) خبر المبتدأ، أراد أنهم ملازمون لفعل الخير والشر مع الأصدقاء والأعداء، و(معروف) و(منكر) معطوف على خير، وهما أخص من الخير والشر، و(ألم). نزل. انظر. \"الخزانة\" ١/ ١٧١ وانظر: \"حاشية يس على التصريح\" ٢/ ١٢٤، (مطبوع في هامش التصريح)، \"الحماسة بشرح المرزوقي\" ٢/ ٩٩٠.\n(٥) انظر: \"الأصول في النحو\" ٢/ ١٢٧.\n(٦) رواية البيت (حقبة) بدل (فتنة) يقول: نحن في حرب، والأظفار: كناية عن السلاح. انظر: \"ديوان أوس\" ص١٢٠، \"المعاني الكبير\" ٢/ ٨٩٨، \"الخزانة\" ٣/ ١٧، ٧/ ١٨.","vol":"2","page":81},{"text":"وكتبت (١) الواو في ﴿أُولَئِكَ﴾ لئلا يشتبه في الكتابة بـ (إليك) وأشار بقوله: (أولئك) إلى الموصوفين بالصفات المتقدمة (٢). ومحله رفع بالاستئناف (٣).\nوقوله تعالى: ﴿عَلَى هُدًى﴾ معنى: (على) كمعنى: (فوق) (٤). وهي (٥) تكون: اسما وحرفا (٦)، يقول: عليه مال (٧)، فهذا حرف، وكأنه شيء اعتلاه. وقول الشاعر:\nغَدَتْ مِنْ عليه تنفُضُ الطَّلَّ بعدما ... رأتْ حاجبَ الشمسِ استوى فترفَّعا (٨)\n_________\n(١) في (ب): (يشبه في الكناية إليك). انظر: \"البحر المحيط\" ١/ ٤٣.\n(٢) انظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ١٠٦، وابن \"تفسير كثير\" ١/ ٤٧.\n(٣) في محل ﴿أُولَئِكَ﴾ من الإعراب أقوال وهي: أنها مبتدأ وخبره الجار والمجرور بعده، والجملة إما مستأنفة، أو خبر عن قوله: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ﴾ الأولى أو الثانية، ويجوز. أن تكون ﴿أُولَئِكَ﴾ وحدها خبرًا عن ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ﴾ الأولى أو الثانية، ويجوز: أن يكون ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ﴾ مبتدأ، و﴿أُولَئِكَ﴾ بدل أو بيان. انظر \"الدر المصون\" ١/ ١٠٢.\n(٤) تكون بمعنى (فوق) إذا كانت اسما. انظر: \"الكتاب\" ١/ ٢٦٨، \"مغني اللبيب\" ١/ ١٤٥.\n(٥) في (ب): (وهو).\n(٦) وإذا كانت حرفا فلها عدة معان. انظر: \"مغني اللبيب\" ١/ ١٤٣.\n(٧) انظر: \"تهذيب اللغة\": (على) ٣/ ٢٥٥٩.\n(٨) نسبه أبو زيد في \"النوادر\" لبعض القشيريين، ونسب في \"اللسان\" ليزيد ابن الطثرية، يقول: غدت الظبية من فوقه. والشاهد فيه (من عليه) استعمل (على) اسما بمعنى: فوق لما دخل عليها حرف الجر (من). ورد البيت في \"نوادر أبي زيد\" ص ٤٥٣، \"المقتضب\" ٢/ ٣٢٠، ٣/ ٥٣، \"الأزهية\" ص ١٩٤، \"اللسان\" (علا) ٥/ ٣٠٩٢، \"شرح المفصل\" ٨/ ٣٨.","vol":"2","page":82},{"text":"فهذا اسم لدخول (من) عليها (١)، كأنه قال: غدت تنفض الطل من فوقه.\nوقوله تعالى: ﴿هُمُ اَلمُفلِحُونَ﴾. (هم) دخلت فصلا (٢)، وإن شئت كان تكريرا للاسم، كما تقول: زيد هو العالم، ترفع (٣) (زيدا (٤» بالابتداء، و(هو) ابتداء ثان، و(العالم) خبر له (٥)، وهما جميعا خبر لزيد، وكذلك قوله: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. وإن شئت جعلت (هو) فصلا، وترفع (زيدا)، و(العالم) على الابتداء والخبر، والفصل هو الذي يسميه (٦) الكوفيون عمادًا.\nقال سيبويه (٧): دخل الفصل في قوله: ﴿تَجِدُوهُ عنِدَ اللهِ هُوَ خَيرًا﴾ [المزمل:٢٠].\nوفي قوله: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ (٨) [آل عمران: ١٨٠].\nوفي قوله: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ\n_________\n(١) انظر: \"الكتاب\" ١/ ٢٦٨، \"مغني اللبيب\" ١/ ١٤٥، \"شرح المفصل\" ٨/ ٣٨.\n(٢) نقله الواحدي عن الزجاج بتصرف يسير. انظر: \"معاني القرآن\" ١/ ٣٧.\n(٣) مكانها بياض في (ب).\n(٤) في (ب): (زيد).\n(٥) أي خبر هو. انظر: \"معاني القرآن\" ١/ ٣٧.\n(٦) في (أ): (تسمية) وما في (ب، ج) أصح في السياق.\n(٧) في \"معاني القرآن\": (وسيبويه يقول: إن الفصل لا يصلح إلا مع الأفعال التي لا تتم، نحو: كان زيد هو العالم، وظننت زيدا هو العالم. وقال سيبويه. دخل الفصل في قوله ﷿ .. إلخ)، وقوله: (وسيبويه يقول ... إلى: وظننت زيدا هو العالم (ليس موجودا في بعض مخطوطات المعاني.\nانظر: حاشية \"معاني القرآن\" ١/ ٣٨، وانظر كلام سيبويه في \"الكتاب\" ٢/ ٣٨٩ - ٣٩٥.\n(٨) سقط (لهم) من (أ)، (ب)، والآية (١٨٠) من آل عمران.","vol":"2","page":83},{"text":"الْحَقَّ﴾ [سبأ: ٦]، وفي قوله: ﴿إِن كاَنَ هَذَا هُوَ اَلحَقَّ مِن عِندِكَ﴾ [الأنفال:٣٢]. وذكر أن [هذا] (١) بمنزلة (ما) (٢) اللغو (٣) في قوله: ﴿فبَمَا رحمَةٍ﴾ [آل عمران: ١٥٩].\nوقوله ﴿الْمُفْلِحُونَ﴾ قال أبو عبيد (٤): أصل الفلاح: البقاء (٥)، وأنشد للأضبط (٦) بن قريع (٧) السعدي:\nلِكلِّ هَمِّ من الهموم سَعَةْ ... والمُسْيُ والصبحُ لا فلاحَ مَعَهْ (٨)\nيقول: ليس مع كر الليل والنهار بقاء. ومنه قول عَبِيد (٩):\n_________\n(١) قوله: ذكر، أي. سيبويه، وقوله: (هذا) كذا وردت في جميع النسخ، وفي \"معاني القرآن\" للزجاج (هو) وهو الصواب.\n(٢) في (ج): (وذان هذا بمنزلة ها).\n(٣) \"معاني القرآن\" ١/ ٣٨، كلام سيبويه في \"الكتاب\" ٢/ ٣٩١، ولم يذكر سيبويه الآية.\n(٤) في (ب) (أبو عبيدة) وهو خطأ. وكلام أبي عبيد في \"غريب الحديث\" ٤/ ٣٨، وانظر \"تهذيب اللغة\" (فلح) ٣/ ٢٨٢٦.\n(٥) في (ب) (التقى).\n(٦) في (ب)، (ج). (وأنضد الأضبط) وما في (أ) موافق لـ\"تهذيب اللغة\" (فلح) ٣/ ٢٨٢٦، وعبارة \"غريب الحديث\": قال الأضبط ...، ٢/ ١٨٣.\n(٧) في (ب): (فيع). وهو الأضبط بن قريع بن عوف بن كعب بن سعد، السعدي شاعر جاهلي قديم. انظر ترجمته في \"الشعر والشعراء\" ص ٢٤٢، \"الخزانة\" ١١/ ٤٥٥.\n(٨) البيت في \"غريب الحديث\" لأبي عبيد ٢/ ١٨٣، \"الزاهر\" ١/ ٣١، \"تهذيب اللغة\" (فلح) ٣/ ٢٨٢٦، و\"تفسير الثعلبي\" ١/ ٦٩/أ، \"اللسان\" ٦/ ٣٤٥٨، \"تفسير ابن عطية\" ١/ ١٥٠، و\"تفسير القرطبي\" ١/ ١٥٨، \"الدر المصون\" ١/ ١٠٤ \"الخزانة\" ١١/ ٤٥٢، وقد ذكره في \"الشعر والشعراء\" ونصه:\nياقوم من عاذرى من الخدعة ... والمسى .......... إلخ ١/ ٣٩٠\n(٩) هو عبيد بن الأبرص كما في \"غريب الحديث\" ٤/ ١٨٣.","vol":"2","page":84},{"text":"أفلِحْ بما شئتَ فقد يُبلَغ بالـ ... ـضَّعف (١) وقد يُخْدَعُ الأريبُ (٢)\nيقول: عش بما (٣) شئت من عقل أو حمق، فقد يرزق الأحمق ويحرم العاقل.\nقال: وإنما قيل لأهل الجنة: مفلحون، لفوزهم ببقاء الأبد، ومن هذا يقال للسحور (٤): الفلح والفلاح، أي: أن (٥) به بقاء الصوم (٦). الحراني عن ابن السكيت (٧) الفلح والفلاح: البقاء، وأنشد لعدي بن زيد:\nثم بعد الفلاح والرشد والإ ... مَّة وارَتْهمُ هناك القبورُ (٨)\nوقال الأعشى:\n_________\n(١) في (ب): (بالضغت).\n(٢) البيت يروى (يدرك) بدل (يبلغ) و(يخدع) بالتشديد، وهو في \"غريب الحديث\" ٢/ ١٨٣، ٢٠٠، \"ديوان عبيد\" ص١٤، و\"تفسير الطبري\" ١/ ١٠٨، (مجاز القرآن) ١/ ٣٠، \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٣٩، \"الزاهر\" ١/ ١٣٢، وفيه (يفلح) بدل يبلغ، \"تهذيب اللغة\" (فلح) ٣/ ٢٨٢٦، \"اللسان\" (فلح) ٦/ ٣٤٥٨، وفيه (بالنوك) بدل (بالضعف)، و\"تفسير القرطبي\" ١/ ١٥٨، \"الدر المصون\" ١/ ١٠٤.\n(٣) في (ب): (ما).\n(٤) في (ب): (السحور).\n(٥) في (ب): (اذ به).\n(٦) انتهى كلام أبي عبيد، \"غريب الحديث\" ٢/ ١٨٣، وانظر: \"تهذيب اللغة\" (فلح) ٣/ ٢٨٢٦.\n(٧) \"تهذيب اللغة\" (فلح) ٣/ ٢٨٢٦، وفيه بيت الأعشى مقدم على بيت عدي.\n(٨) من قصيدة لعدي بن زيد، ذكرها ابن قتيبة في \"الشعر والشعراء\"، وتعتبر من غرر شعره، ويروى (الملك) بدل (الرشد) و(الإمه) بكسر الهمزة: غضارة العيش والنعمة. انظر \"الشعر والشعراء\" ص١٣٠، \"تهذيب اللغة\" (فلح) ٣/ ٢٨٢٦، \"اللسان\" (فلح) ٦/ ٣٤٥٨.","vol":"2","page":85},{"text":"ولَئن كُنَّا كقومٍ (١) هلكوا ... ما لِحَيٍّ يا لَقومٍ مِنْ فَلَحْ (٢)\nوقال لبيد:\nنَحُلّ بلادًا كلُّها (٣) حُلَّ قبلنا ... ونرجو الفلاحَ بعد عادٍ وحِمْيَرِ (٤)\nهذا معنى الفلاح في اللغة.\nثم يقال لكل من ظفر ببغيته وأصاب خيرا: أفلح (٥)، وقال (٦) لبيد:\nاعْقِلي إن كنت لمّا تَعْقِلي ... ولقد أفلحَ مَنْ كان عَقَلْ (٧)\nيعني: ظفر بحاجته ووصل إلى بغيته (٨)، وهو راجع إلى معنى البقاء، لأن البقاء هو سبب إدراك البغية ونيل المطلوب.\nفمعنى قوله: ﴿الْمُفْلِحُونَ﴾ أي: هم الذين أدركوا البغية، ووجدوا\n_________\n(١) في (ب): (القوم).\n(٢) البيت في (غريب الحديث) للخطابي١/ ٥٢٣، \"تهذيب اللغة\" (فلح) ٣/ ٢٨٢٦، \"اللسان\" (فلح) ٦/ ٣٤٥٨، (الصحاح) (فلح) ١/ ٣٩٢، \"ديوان الأعشى\" ص ٣٨، وفيه (أو لئن)، (يا لقومي) وهو من قصيدة يمدح بها إياس بن قبيصة الطائي، ومعنى (فلح): بقاء.\n(٣) في (ب): (حلها).\n(٤) البيت في ديوان لبيد (مع شرحه) ص ٥٧، \"مجاز القرآن\" ١/ ٣٠، \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٣٩، والطبري ١/ ١٠٨، والثعلبي ١/ ٤٧/ب، والقرطبي ١/ ١٥٨، وابن عطية ١/ ١٥٠، (زاد المسير) ١/ ٢٧، \"الدر المصون\" ١/ ١٠٤.\n(٥) انظر \"تفسير الطبري\" ١/ ١٠٨، \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٣٩.\n(٦) في (ب): (وقال).\n(٧) \"ديوان لبيد مع شرحه\" ص ١٧٧، \"مجاز القرآن\" ١/ ٣١، و\"تفسير الطبري\" ١/ ١٨٠، و\"تفسير أبن عطية\" ١/ ١٠٤، \"الزاهر\" ١/ ١٣١، وقوله: (أعقلي) يخاطب عاذلته، أو نفسه.\n(٨) في (ب): (ببغيته).\nانظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ١٠٨، \"مجاز القرآن\" ١/ ٣١.","vol":"2","page":86},{"text":"البقاء في الدار الآخرة في النعيم المقيم (١). وحكم لهم بالفلاح ولم يصلوا بعد إلى الجنة، لأن المعنى أنهم يصلون إلى البغية والبقاء بكونهم على الهدى، أو كأنهم قد وصلوا للثقة بالموعود لهم. وقيل: هم على هدى في الحال، وهم المفلحون في المآل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-229>٦ </span>- قوله تعالى: ﴿إِنَّ الذين كَفَرُوا﴾ الآية. ﴿إِنَّ﴾ الثقيلة تكون منصوبة الألف وتكون مكسورة الألف. فإذا (٢) كانت مبتدأة ليس قبلها شيء تعتمد (٣) عليه، أو جاءت بعدها (لام) مؤكدة يعتمد عليه (٤) أو جاءت بعد القول وما تصرف (٥) منه، وكانت حكاية: كسرت الألف، وفيما سوى ذلك تنصب (٦). ومعناها في الكلام: التوكيد، وهي التي تنصب الأسماء وترفع الأخبار، وإنما نصبت ورفعت، لأنها تشبه بالفعل، وشبهها أنها لا تلي الأفعال ولا تعمل فيها، وأنها يذكر بعدها الاسم والخبر، كما يذكر بعد الفعل الفاعل والمفعول، إلا أنه قدم المفعول فيها ليفصل بين ما يشبه بالفعل وليس لفظه لفظ الفعل (٧)، وبين ما يشبه بالفعل ولفظه لفظ الفعل،\n_________\n(١) انظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ١٠٨، \"تفسير أبي الليث\" ١/ ٩١، و\"تفسير القرطبي\" ١/ ١٥٩، و\"تفسير ابن عطية\" ١/ ١٥٠.\n(٢) في (ب): (وإذا).\n(٣) في (ب)، (ج): (يعتمد) وهو موافق لـ\"تهذيب اللغة\" ١/ ٢٢٢، والكلام منقول منه.\n(٤) (عليه) في جميع النسخ. وفي \"تهذيب اللغة\" (عليها) ١/ ٢٢٢.\n(٥) في (ب): (يصرف).\n(٦) في (ب). (ينصب) وفي \"تهذيب اللغة\" (تنصب الألف).\nوالكلام بنصه ذكره الأزهري عن الليث عن الخليل، سوى قوله: أو جاءت بعد القول فذكره عن الفراء. \"تهذيب اللغة\" (أن) ١/ ٢٢٢، وانظر مواضع فتح وكسر همزة (إن) في \"الكتاب\" ٣/ ١٣٤ وما بعدها، \"الأصول في النحو\" ١/ ٢٦٢ وما بعدها.\n(٧) من هنا بدأ سقط لوحة كاملة من (ب).","vol":"2","page":87},{"text":"نحو (كان) وبابه (١).\nوقوله تعالى: ﴿كَفَرُوا﴾ معنى الكفر في اللغة: التغطية.\nأقرأني أحمد بن محمد بن عبد الله بن يوسف العروضي (٢) -﵀- قال: أخبرني الأزهري، عن المنذري، عن الحراني، عن ابن السكيت قال: إذا لبس الرجل فوق درعه ثوبًا فهو كافر، وقد كفر فوق درعه، وكل ما غطى شيئًا فقد كفره. ومنه قيل لليل: كافر، لأنه ستر بظلمته وغطى، وأنشد لثعلبة بن صُعَير المازني (٣):\nفتذكّرا ثَقَلًا رثيدًا بعدما ... ألقت ذكاءُ يمينَها في كافرِ (٤)\nأي: الليل.\nومنه يسمى الكافر كافرًا، لأنه ستر نعم الله.\n_________\n(١) ذكره الزجاج في \"معاني القرآن\" ١/ ٤٠، وانظر: \"الأصول في النحو\" ١/ ٢٣، \"الإيضاح في علل النحو\" ص ١٣٥، \"الإنصاف\" ص ١٥٣ - ١٥٥.\n(٢) شيخ الواحدي، تقدمت ترجيته مع شيوخه.\n(٣) هو ثعلبة بن صعير بن خزاعي المازني، شاعر جاهلي قديم، قال الأصمعي: لو قال ثعلبة بن صعير مثل قصيدته خمسًا كان فحلًا، انظر \"فحولة الشعراء\" الأصمعي ص ١٢، \"الأعلام\" للزركلي ٢/ ٩٩.\n(٤) البيت من قصيدة له، ذكرها المفضل الضبي في \"المفضليات\" ص ١٢٨ - ١٣١، والبيت في \"إصلاح المنطق\" ص ٤٩، ٣٣٩، وفي \"تهذيب اللغة\" (كفر) ٤/ ٣١٦٢، \"المشوف المعلم في ترتيب الإصلاح\" ١/ ٣٣٢، ٢/ ٦٧٩، \"أمالي القالي\" ٢/ ١٤٥، \"الصحاح\" (كفر) ٢/ ٨٠٨، \"مقاييس اللغة\" (كفر) ٥/ ١٩١، \"المخصص\" ٦/ ٧٨، ٩/ ١٩،٧/ ١٧، \"اللسان\" (رثد) ٣/ ١٥٩٨١، و(كفر) ٧/ ٣٨٩٩، و(ذكا) ٣/ ١٥١٠، و\"تفسير ابن عطية\" ١/ ١٥١، و\"تفسير القرطبي\" ١/ ١٥٩، و\"تفسير الطبري\" ١/ ١١٠، \"الدر المصون\" ١/ ١٠٧.\nوفي هذا البيت يذكر الظليم والنعامة، والثقل: بيضهما، والرثد: المتاع المرثود، وذكاء. الشمس، أي بدأت في المغيب، والكافر: الليل.","vol":"2","page":88},{"text":"ويقال: رماد مكفور، أي: سَفَت عليه الريح التراب حتى وارته، قال الراجز:\nقد درسَتْ (١) غير رمادٍ مكفورْ ... مكتئبِ اللون مَريحٍ ممطورْ (٢)\nوقال آخر (٣):\nفوردَتْ قبلَ انبلاجِ (٤) الفَجْرِ ... وابنُ ذُكاءٍ كامنٌ فى كَفْرِ (٥)\nأي: فيما يواريه من سواد الليل، وقد كفر الرجل متاعه [أي:] (٦) أوعاه في وعاء (٧).\n_________\n(١) في (ج): (رزشت).\n(٢) الرجز لمنظور بن مرثد الأسدي، وقيل: لأبي مهدي. وقبله:\nهل تعرف الدار بأعلى ذى القور؟\nيقول: درست معالم الدار إلا رمادًا مكفورًا، أي: سفت عليه الريح، والأبيات في \"إصلاح المنطق\" ص ٣٤٠، وفي \"التهذيب\" (كفر) ٤/ ٣١٦٢، \"الصحاح\" (كفر) ٢/ ٨٠٧، \"المخصص\" ٦/ ٧٨، \"المشوف المعلم في ترتيب الإصلاح\" ٢/ ٦٧٩، \"مقاييس اللغة\" (كفر) ١٠/ ١٩٨، \"اللسان\" (كفر) ٧/ ٣٩٠٠. وكلهم رووه (مروح ممطور) سوى (المخصص) فنصه مثل رواية المؤلف هنا.\n(٣) هو حميد الأرقط.\n(٤) في (ج): (ابلاج).\n(٥) قال ابن السكيت. ويروى: (في كفر) وهما لغتان. وابن ذكاء: يعني الصبح، \"إصلاح المنطق\" ص ٣٤٠، وانظر: \"تهذيب اللغة\" (كفر) ٤/ ٣١٦٢، ورد البيت كذلك في \"الصحاح\" (كفر) ٧/ ٣٩٠٠، \"المخصص\" ٦/ ٧٨، \"المشوف المعلم\" ٢/ ٦٧٩، \"اللسان\" (كفر) ٧/ ٣٩٠٠، و\"تفسير القرطبي\" ١/ ١٦٠، \"الدر المصون\" ١/ ١٠٦.\n(٦) في (أ)، (ج): (إلى)، وفي \"إصلاح المنطق\"، \"التهذيب\": (أي) وهو الصحيح. \"الإصلاح\" ص ٣٤٠، \"التهذيب\" (كفر) ٤/ ٣١٦٢.\n(٧) انتهى كلام ابن السكيت وهو في \"الإصلاح\" ص ٣٣٩،٣٤٠، \"تهذيب اللغة\" (كفر) ٤/ ٣١٦٢، ونص الواحدي من \"التهذيب\".","vol":"2","page":89},{"text":"وقال ابن المظفر (١): سمي الكافر: كافرًا، لأن الكفر غطى قلبه كله.\nقال الأزهري: وهذا يحتاج إلى إيضاح. وهو: أن (الكفر) في اللغة:\nالتغطية، فالكافر معناه: ذو الكفر، ذو تغطية لقلبه بكفره، كما يقال للابس السلاح: كافر، وهو الذي غطاه السلاح. ومثله: رجل كاس أي: ذو كسوة، وناعل: ذو نعل (٢).\nوقول ابن (٣) السكيت في معنى الكافر أبين وأصح (٤). والنعمة التي أنعم الله على العبد فكفرها (٥) الكافر، أي: سترها، هي الهدى والآيات التي أبانت لذوي التمييز أن الله واحد لا شريك له، فمن لم يصدق بها وردها فقد كفر النعمة، أي: سترها وغطاها.\nويجوز أن يقال: إن الكافر لما دعاه الله إلى توحيده فقد دعاه إلى نعمة أوجبها له إذا أجابه إلى ما دعاه إليه، فإذا لم (٦) يجب كان كافرا لتلك النعمة، أي: مغطيا لها، مكذبًا بها، حاجبا لها عنه (٧).\nقال شمر: قال بعض أهل العربية (٨): الكفر على أربعة أنحاء: كفر إنكار، وكفر جحود، وكفر معاندة، وكفر نفاق، من لقي ربه بشيء من ذلك\n_________\n(١) هو الليث. انظر: \"التهذيب\" (كفر) ٤/ ٣١٦١، ومقدمة \"التهذيب\" ١/ ٤٧.\n(٢) في (التهذيب) بدل (فاعل: ذو نعل)، وماء دافق: ذو دفق ٤/ ٣١٦١.\n(٣) في (ج): (بن).\n(٤) قال الأزهري: قلت: وما قاله ابن السكيت بيِّن صحيح، ٤/ ٣١٦١.\n(٥) في \"التهذيب\": (والنعم التي سترها الكافر هي الآيات التي أبانت لذي التمييز .. إلخ) ٤/ ٣١٦٢.\n(٦) في \"التهذيب\": (.. فقد دعاه إلى نعمة ينعم بها عليه إذا قبلها، فلما رد ما دعاه إليه من توحيده كان كافرا نعمة الله ..)، ٤/ ٣١٦١.\n(٧) \"التهذيب\" (كفر) ٤/ ٣١٦٠، وقد تصرف الواحدي في نقل كلام الأزهري.\n(٨) في \"التهذيب\" (قال شمر: قال بعض أهل العلم)، ٤/ ٣١٦٠.","vol":"2","page":90},{"text":"لم يغفر له.\nفأما كفر الإنكار: فهو أن يكفر بقلبه ولسانه ولا يعرف ما يذكر له من التوحيد.\nوكذلك روي في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ﴾ [البقرة: ٦]، أي: الذين كفروا بتوحيد الله.\nوأما كفر الجحود: فأن يعرف بقلبه ولا يقر بلسانه، فهذا كافر جاحد ككفر إبليس، وكفر أمية بن أبي الصلت (١)، ومنه قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة: ٨٩]، يعني: كفر الجحود. وأما كفر المعاندة: فهو أن يعرف بقلبه ويقر بلسانه، ويأبى أن يقبل، ككفر أبي طالب حيث يقول:\nولقد علمتُ بأنّ (٢) دين محمد ... من خير أديان البرية دينا (٣)\nلولا الملامةُ أو حِذارُ مسَبّةٍ ... لوجدتَني سمحًا (٤) بذاك متينا (٥)\n_________\n(١) شاعر جاهلي أدرك النبي - ﷺ - وكفر به حسدًا، كان له شعر جيد، وكان يخبر أن نبيًّا قد أظل زمانه، وكان يؤمل أن يكون ذلك النبي، فلما بلغه خروج النبي - ﷺ - كفر به حسدًا، ولما أنشد النبي - ﷺ - شعره قال: \"آمن لسانه وكفر قلبه\". وسبقت ترجمته، وانظر: \"الخزانة\" ١/ ٢٤٩.\n(٢) في (ج): (أن).\n(٣) إلى هنا ينتهي السقط من (ب).\n(٤) في (ب): (سحا).\n(٥) كذا جاءت الأبيات في \"التهذيب\" ٤/ ٣١٦٠، \"اللسان\" (كفر) ٧/ ٣٨٩٨، و\"تفسير البغوي\" ١/ ٦٤، وفي \"تفسير النسفي\" ١/ ٥٠، (ضمن مجموعة من التفاسير) وفيها (سمحا بذلك مبينا) وفي \"تفسير القرطبي\" (بقينا) ٦/ ٤٠٦. وذكرها المؤلف في \"أسباب النزول\" بمثل روايته لها هنا. ص ٢١٠.","vol":"2","page":91},{"text":"وأما كفر النفاق: فأن يقر بلسانه ويكفر بقلبه.\nقال (١): والكفر -أيضا- يكون بمعنى: البراءة، كقول الله ﷿ خبرًا عن الشيطان ﴿إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ﴾ [إبراهيم: ٢٢]، أي تبرأت (٢). ويقال: كفر كفرًا وكفورًا، كما يقال: شكر شكرًا وشكورًا (٣) قال الله تعالى: ﴿فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾ [الإسراء:٨٩].\nوقوله تعالى: ﴿سَوَآءُ عَلَيهِم﴾. السواء (٤)، والعدل، والوسط، والقصد، والنصف: ألفاظ متقاربة في المعنى. يقال للعدل: السواء، قال زهير (٥).\nأرُوني (٦) خُطَّةً لا خَسْفَ فيها ... يُسَوِّي (٧) بيننا فيها السَّوَاءُ (٨)\n_________\n(١) أي: شمر. \"التهذيب\" ٤/ ٣١٦٠.\n(٢) كلام شمر جميعه في \"تهذيب اللغة\" (كفر) ٤/ ٣١٦٠، \"اللسان\" (كفر) ٧/ ٣٨٩٨، وانظر أنواع الكفر في \"التصاريف\" المنسوب ليحيى بن سلام ص ١٠٤، ١٠٥، و\"النسفي\" ١/ ٥٠ (ضمن مجموعة من التفاسير).\n(٣) \"الحجة\" لأبي علي١/ ٢٤٥، وانظر \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣١٦٠.\n(٤) الكلام في \"الحجة\" بنصه ١/ ٢٤٥. وانظر \"التصاريف\" ص ١١١، ١١٢، \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٧٩٥، \"الصحاح\" (سوا) ٦/ ٢٣٨٤.\n(٥) هو زهير بن أبي سلمى، أحد فحول شعراء الجاهلية، توفي قبل المبعث بسنة. انظر ترجمته في \"الشعر والشعراء\" ص ٦٩، \"الخزانة\" ٢/ ٣٣٢.\n(٦) في \"الحجة\" (أرونا) وفي الهامش في ط (أرني) ١/ ٢٤٦.\n(٧) في (ب): (يسوا).\n(٨) رواية البيت في الديوان: أرونا سنة لا عيب فيها.\nيقول: أرونا سنة لا عيب فيها ولا ظلم، تسوى بيننا بالحق، \"ديوان زهير\" ص ٨٤، \"الحجة\" ١/ ٢٤٦، \"تهذيب اللغة\" \"لفيف السين\" ٢/ ١٧٩٥، \"البحر\" ١/ ٣٤٧، \"الدر المصون\" ١/ ١٠٨.","vol":"2","page":92},{"text":"وأنشد أبو زيد لعنترة (١):\nأبَينا فلا نُعطي السَّواءَ عدوَّنا ... قيامًا بأعضاد السَّراءِ المُعَطَّفِ (٢)\nو(السواء): وسط الشيء، ومنه قوله: ﴿فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾ (٣) [الصافات: ٥٥].\nو(سواء) مأخوذ من الاستواء والتساوي، وهو الاعتدال (٤)، قال الشاعر:\nوليلٍ يقولُ المرءُ من ظلماته ... سواءٌ صحيحاتُ العيونِ وعُورُها (٥)\nأي: معتدلة في البصر والإدراك.\nوقالوا: سِيٌّ بمعنى: سواء، كما قالوا: قِيّ وقَواء (٦)، ولا يثنى (سواء) كما ثني (سيان) وإن كانوا قد جمعوه جمع التكسير في قولهم:\n_________\n(١) هو عنترة بن عمرو بن شداد العبسي، كان شاعرًا، وكان أشجع أهل زمانه وأجودهم. انظر ترجمته في: \"الشعر والشعراء\" ص ١٤٩، \"طبقات فحول الشعراء\" ١/ ١٥٢، \"الخزانة\" ١/ ١٢٨.\n(٢) البيت من قصيدة قالها عنترة يوم (عرار) يخاطب فيها بني حنيفة، قوله: السواء: الصلح، أعضاد: جمع عضد، وهو القوس، والسراء: شجر يتخذ منه القسي، المعطف: المعوج، انظر. \"ديوان عنترة\" ص ٥٢، \"نوادر أبي زيد\" ص ٣٧٧، \"الحجة\" ١/ ٢٤٦.\n(٣) كلمة (في) في الآية ساقط من (أ).\n(٤) \"الأضداد\" لابن الأنباري ص ٤٣.\n(٥) البيت للأعشى كما في \"ديوانه\" ص ٦٨، وفيه: \"يقول القوم\" سواء بصيرات .. \" وهو في \"الأضداد\" لابن الأنباري ص ٤٣، وفيه \"يقول القوم\"، \"الطبري\" ١/ ١١١، \"البحر المحيط\" ١/ ٤٧، \"القرطبي\" ١/ ١٦٠، \"الدر المصون\" ١/ ١٠٧.\n(٦) (القي) بالكسر والتشديد (فعل) من القوا (وهي الأرض القفر) \"اللسان\" (قوا) ٦/ ٣٧٨٩، انظر: \"الصحاح\" ٦/ ٢٤٧٠، \"مقاييس اللغة\" (قوي) ٥/ ٣٧.","vol":"2","page":93},{"text":"(سواسية) (١).\nقال أبو الهيثم (٢): يقال فلان وفلان سواء (٣)، أي: متساويان، وقوم سواء، لأنه مصدر، لا يثنى ولا يجمع. قال الله ﷿: ﴿لَيسُواْ سَوَآء﴾ [آل عمران: ١١٣] أي: ليسوا مستوين (٤)، وإذا قلت: سواء عليّ، احتجت أن تترجم عنه بشيئين، كقولك: سواء حرمتني أو أعطيتني.\nوحكى السكري عن أبي حاتم إجازة تثنية (سواء) (٥).\nقال أبو علي الفارسي: لم يصب ابن (٦) السجستاني في ذلك، لأن الأخفش وأبا عمر الجرمي (٧) زعما (٨) أن ذلك لا يثنى، كأنهم استغنوا بتثنية (سي) (٩) عن تثنية (سواء)، كما استغنوا عن (ودع)، بـ (ترك) (١٠). وأنشد أبو زيد:\n_________\n(١) في (ج): (سواء سييه). الكلام في \"الحجة\" لأبي علي ١/ ٢٤٦، ٢٤٧.\n(٢) \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٧٩٣.\n(٣) في \"التهذيب\": (فلان وفلان سواعد، أي: متساويان) وهو تصحيف ٢/ ١٧٩٥.\n(٤) في (ب): (مستويين).\n(٥) ذكره أبو علي في \"الحجة\" ١/ ٢٦٨.\n(٦) في (ب): (لم يصف ممن).\n(٧) هو صالح بن إسحاق، أبو عمر الجرمي، النحوي، بصري، قدم بغداد، لقي الفراء، وأخذ عن الأخفش وأبي عبيدة والأصمعي، وكان ذا دين وورع، توفى سنة خمس وعشرين ومائتين. انظر ترجمته في: \"تاريخ بغداد\" ٩/ ٣١٣، \"طبقات النحويين واللغويين\" ص ١٧٤، (إنباه الرواة) ٢/ ٨٠، \"وفيات الأعيان\" ٢/ ٤٨٥.\n(٨) في (ب): (زعموا).\n(٩) في (ب): (بتثنيته شي).\n(١٠) في (ب) (بكرا). \"الحجة\" ١/ ٢٦٨، وما بعده في \"الحجة\" في موضع آخر.","vol":"2","page":94},{"text":"هلاّ، (١) كوصل ابن عمّارٍ تُواصلني ... ليس الرجالُ وإن سُوُّوا بأسواءِ (٢)\nفـ (أسواء): ليس يخلو من (٣) أن يكون جمع (سي) [أو (سواء) فإن كان جمع (سي)] (٤) فهو كـ (مثل) و(أمثال) و(نقض) و(أنقاض)، وإن كان جمع (سواء) فهو كقولهم في النعت (٥): جواد وأجواد، وفي الاسم: حياء الناقة وأحياء، ولا يمتنع جمعه، وإن كانوا لم يثنوه كما لم يمتنعوا من جمعه على سواسية (٦).\nوقوله تعالى: ﴿ءَأَنذَرتَهُم﴾ (٧). الإنذار: إعلام مع تخويف، فكل منذر معلم، وليس كل معلم منذرًا (٨). وأنذرت يتعدى إلى مفعولين كقوله تعالى: ﴿فَقُل أَنذَرتُكُم صعِقَةً﴾ [فصلت: ١٣] وقوله: ﴿إِنَّا أَنذَرناكم عَذَابًا قَرِيبًا﴾ [النبأ: ٤٠] ويقال: أنذرتُه فنَذِرَ، أي: علم بموضع الخوف (٩).\n_________\n(١) في (ب): (مهلا).\n(٢) أنشده أبو زيد في (النوادر) قال: (وقال رافع بن هريم، وأدرك الإسلام، ثم ذكر البيت وبيتين قبله، \"النوادر\" ص ٢٨٢، وانظر: \"الحجة\" ١/ ٢٤٧، \"اللسان\" (سوا) ٤/ ٢١٦٠.\n(٣) (من) ساقطة من (ب).\n(٤) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).\n(٥) في \"الحجة\": (وإن كان جمع سواء فهو مثل ما حكاه أبو زيد من قولهم: جواد وأجواد ..)، ١/ ٢٤٧.\n(٦) انتهى من \"الحجة\" ١/ ٢٤٧، ٢٤٨.\n(٧) في (أ) رسمت: (آنذرتهم).\n(٨) ذكره أبو علي في \"الحجة\" ١/ ٢٥٣، وانظر (تفسير أبي الليث) ١/ ٩٢، \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٤٨/أ.\n(٩) \"الحجة\" ١/ ٢٥٣، \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٤٨ أ.","vol":"2","page":95},{"text":"و(النذر) ما يجعله الإنسان على نفسه إن سلم مما يخافه (١).\nوقد جاء: النذير والنذر مصدرين كالإنذار (٢)، فجاء المصدر على: (فعيل) و(فعل). وفي القرآن ﴿فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ (٣) وفيه ﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾ [القمر: ١٦]. وقيل في قوله: ﴿نَذِيَرًا لِلْبَشَرِ﴾ [المدثر: ٣٦]: إنه مصدر في موضع الحال من قوله: ﴿إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ﴾ [المدثر: ٣٥]، كما تقول (٤): جاء (٥) ركضًا. فتجعل المصدر حالًا (٦).\nوجعل (نذير) أيضًا مصدرًا في قوله: ﴿وَجَآءكُمُ اَلنذِير﴾ [فاطر: ٣٧] إذا فسر بأنه الشيب (٧).\n_________\n(١) تعريف النذر اصطلاحًا: التزام قربة غير لازمة في أصل الشرع، بلفظ يشعر بذلك، انظر: \"الروض المربع مع حاشية ابن قاسم\" ٧/ ٤٩٦، \"التعريفات\" للجرجاني ص٢٤٠، و\"فقه السنة\" ٢/ ٢٢.\n(٢) في \"الحجة\": (وقالوا: النذير والنذر، كما قالوا: النكير والنكر، فجاء المصدر على فعيل وعلى فعل ..) ١/ ٢٥٤.\n(٣) جزء من آية في الحج: ٤٤، وسبأ: ٤٥، وفاطر:٢٦، والملك: ١٨.\n(٤) (تقول) ساقط من (ب).\n(٥) في (ج): (أجاء).\n(٦) في \"الحجة\": (فأما قوله تعالى: ﴿نَذِيَرًا لِلْبَشَرِ﴾ فقد قيل فيه قولان: أحدهما: أن يكون حالا من (قم) المذكورة في أول السورة والآخر: أن يكون حالا من قوله: ﴿إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ﴾ فإذا جعل (نذيرا) حالا مما في (قم) فإن (النذير) اسم فاعل بمعنى المنذر .. وإن جعلته حالا من قوله: ﴿لَإِحْدَى الْكُبَرِ﴾ فليس يخلو الحال أن يكون من المضاف أومن المضاف إليه .. وفي كلا الوجهين ينبغي أن يكون (نذيرا) مصدرا، والمصدر يكون حالا من الجميع كما يكون حالا من المفرد. تقول: جاؤوا ركضًا، كما تقول: جاء ركضًا ..) ١/ ٢٥٥.\n(٧) في \"الحجة\". (.. فمن قال: إن النذير النبي - ﷺ - كان اسم فاعل كالمنذر، ومن قال: إنه الشيب كان الأولى أن يكون مصدرًا كالإنذار)، \"الحجة\" ١/ ٢٥٥.","vol":"2","page":96},{"text":"وفي قوله: ﴿ءَأَنذَرتَهُم﴾ وجهان من القراءة (١) تحقيق الهمزتين، وتليين الثانية (٢).\nفمن حققهما (٣) فحجته (٤): أن الهمزة حرف من حروف الحلق، فجاز أن يجتمع مع مثله كسائر الحروف الحلقية، نحو: فَهَّ (٥) وفَهِهْتُ، وكَعَّ (٦) وكَعَعْتُ، كذلك حكم الهمزة.\nومما يقوّي ذلك قولهم: (رَأّس) (٧) وسأّل، (تذأَّبت الريح) (٨)، و(رأيت (٩) الرجل). وكما جمع الجميع بينهما إذا كانتا عينين، كذلك يجوز الجمع بينهما في غير هذا الموضع (١٠).\n_________\n(١) (من القراءة) ساقط من (ب).\n(٢) بالتحقيق قرأ عاصم، وحمزة، والكسائي، وابن عامر. \"السبعة\" لابن مجاهد ص ١٣٧، \"الكشف عن وجوه القراءات\" ١/ ٧٣. وبتليين الثانية قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو. \"السبعة\" لابن مجاهد ص ١٣٧، \"الكشف\" ١/ ٧٣ قال في (السبعة). من قول أبي عمرو أنه يدخل بين الهمزتين ألفا.\n(٣) في (ب): (حققها) وفي (ج): (حقق).\n(٤) \"الحجة\" ١/ ٢٧٤.\n(٥) الفهّ: الكليل اللسان العيي، وفه عن الشيء: نسيه، وقد فهه كفرح. عيي. انظر: \"اللسان\" (فهه) ٦/ ٣٤٨١، \"القاموس\" (فهه) ص ١٢٥١.\n(٦) الكع. الضعيف العاجز، وكع الوجه: رقيقه، وكع يكع: جبن وضعف. انظر. \"اللسان\" (كعع) ٨/ ٣١٢، \"القاموس\" (كع) ص ٧٥٩.\n(٧) وهو الذي يبيع الرؤوس. إصلاح المنطق ص ١٤٨.\n(٨) (تذأبت الريح) إذا جاءت مرة من هاهنا، ومرة من هاهنا. \"إصلاح المنطق\" ص ١٤٤، \" اللسان\" (ذأب) ٣/ ١٤٧٩.\n(٩) رأيته: إذا أريته على خلاف ما أنا عليه. انظر: \"القاموس\" ص ١٢٨٥.\n(١٠) \"الحجة\" ١/ ٢٧٥، وانظر: \"الكشف\" لمكي ١/ ٧٣.","vol":"2","page":97},{"text":"وحجة من خفف (١) الثانية: أن القرب قد رفضت جمعهما (٢) في مواضع من كلامهم، من ذلك أنهما (٣) لما اجتمعتا في (آدم) و(آدر) و(آخر) ألزموا جميعا الثانية البدل (٤) ولم يحققوها.\nولما كسروا وحقروا جعلوا هذه المبدلة بمنزلة مالا أصل له في الهمزة فقالوا: أواخر وأويخر (٥)، فأبدلوا منها (الواو)، كما أبدلوها مما هو ألفط لا يناسب (٦) الهمزة، نحو: ضوارب وضويرب، وفي هذا دلالة بينة على رفضهم اجتماعهما.\nألا تراهم لم يرجعوها (٧) في التحقير والتكسير، كما رجعوا (الواو) في: ميقات وميعاد (٨)، و(الياء) في: موسر (٩)، في قولهم: مواقيت ومياسير، وفي ذلك دلالة بينة على رفضهم لجمعها (١٠).\nومن ذلك أيضا أنا لم نجد كلمة عينها همزة ولامها كذلك، كما\n_________\n(١) في (ب): (حقق).\n(٢) في (ب): (جمعها).\n(٣) في \"الحجة\" (أنهم لما اجتمعتا ...)، ١/ ٢٧٥.\n(٤) أبدلوا مكانها الألف، انظر \"الكتاب\" ٣/ ٥٥٢.\n(٥) وقالوا في آدم: أوادم في الجمع، وفي التصغير: أويدم. انظر \"الكتاب\" ٣/ ٥٥٢.\n(٦) في (أ): (تناسب) وما في (ب)، (ج) موافق لما في \"الحجة\" ١/ ٢٧٦.\n(٧) في (ب): (يرجعوا لها).\n(٨) (وميعاد) ساقط من (ب).\n(٩) في (ب): (مولس)\n(١٠) (لجمعها) كذا في جميع النسخ، وفي \"الحجة\" (لجمعهما) ١/ ٢٧٦، وهذا هو الصحيح أي: جمع الهمزتين.","vol":"2","page":98},{"text":"وجدنا في سائر أخوات الهمزة من الحلقية كقولهم: مهاه (١)، فهّ (٢)، و﴿يَدُعُّ الْيَتِيمَ﴾ [الماعون: ٢]، و(مح) (٣) و(ألح) و(مخ) (٤). فإذا لم يجمعوا بين الهمزتين في المواضع (٥) التي جمع فيها بين أخواتها (٦)، دل ذلك على رفضهم (٧) لجمعها (٨).\nومن ذلك (٩) أنهم ألزموا باب (رزيئة) و(خطيئة) (١٠) القلب (١١) في الجمع، لما يؤدي اجتماع الهمزتين، فقالوا: (خطايا) و(رزايا) (١٢)، فلو\n_________\n(١) المهه والمهاه. النضارة والحسن، وقيل: الشيء الحقير اليسير، والهاء فيها لا تصير تاء، إلا إذا أردت بالمهاة. البقرة. انظر: \"اللسان\" (مهه) ٧/ ٤٢٩٠.\n(٢) في (أ): (فة) وفي \"الحجة\" (فه) بدون نقط وهو الصحيح ١/ ٢٧٦، فه عن الشيء: إذا نسيه، والفه: اللسان العيى. \"اللسان\" (فهه) ٦/ ٣٤٨١.\n(٣) (مح): المح: الثوب الخلق، مح: أخلق. \"اللسان\" (محح) ٧/ ٤١٤٣.\n(٤) في (أ): (مح) وفي (ب)، (ج) بدون نقط أو تشكيل. وفي \"الحجة\" (مخ) ١/ ٢٧٦.\n(٥) في \"الحجة\": (الموضع) ١/ ٢٧٦.\n(٦) في \"الحجة\": (وكررت) ١/ ٢٧٦، أي جمع بين حروف الحلق وكررت\n(٧) في (ب). (بعصهم).\n(٨) في \"الحجة\": (لجمعهما) ١/ ٢٧٦ أي الهمزتين.\n(٩) انظر بقية كلام أبي علي في \"الحجة\" ١/ ٢٧٧.\n(١٠) في (ج): (ذربه) و(خطئه).\n(١١) في \"الحجة\": (.. عما يؤدي إلى اجتماع همزتين فيه، فقالوا ...) ١/ ٢٧٧.\n(١٢) قال المازني: (اعلم أنك إذا جمعت (خطيئة) و(رزيئة) على (فعائل) قلت: (خطايا) و(رزايا) وما أشبه هذا مما لامه همزة في الأصل، لأنك همزت ياء (خطيئة) و(رزيئة) في الجمع كما همزت ياء (قبيلة) و(سفينة) حين قلت: (قبائل) و(سفائن) وموضع اللام من (خطيئة) مهموز فاجتمع همزتان، فقلبت الثانية ياء، لاجتماع الهمزتين فصارت (خطائى) ثم أبدلت مكان الياء ألفاء ... فصارت (خطاءا) وتقديرها: (خطاءا) والهمزة قريبة المخرج من الألف فكأنك جمعت =","vol":"2","page":99},{"text":"كان لاجتماعهما عندهم مساغ ما رفضوا ذلك الأصل، كما أنه لو كان لتحرك العينات في نحو: (قال) و(باع) مجاز، ما ألزموها القلب (١). فإن قيل: فقد حكى عن بعضهم: (خطائئ) بتحقيق الهمزتين (٢)؟\nقيل: هذا يجري مجرى الأصول المرفوضة (٣) نحو:\n............. ضننوا (٤)\n........... والأظلل (٥)\nولا يعتد بذلك (٦).\n_________\n= بين ثلاث ألفات فلما كان كذلك أبدلوا من الهمزة (ياء) فصار (خطايا)، \"المنصف\" ٢/ ٥٤، ٥٥.\n(١) (القلب) ساقط من (ب).\n(٢) انظر \"المقتضب\" ١/ ١٥٩، \"المنصف\" ٢/ ٥٧، \"سر صناعة الإعراب\" ١/ ٧١، قال ابن جني: حكاه أبو زيد.\n(٣) قال أبو الفتح ابن جني: شاذ لا يقاس عليه. \"سر صناعة الإعراب\" ١/ ٧٢.\n(٤) جزء من بيت كما في \"الحجة\" ١/ ٢٧٧ وتمامه:\nمهلا أعاذل قد جربت من خلقي ... أني أجود لأقوام وإن ضننوا\nأراد. ضنوا، فأظهر التضعيف لضرورة الشعر. انظر \"الكتاب\" ١/ ٢٩، ٣/ ٥٣٥، \"النوادر\" لأبي زيد ص ٢٣٠، \"المقتضب\" ١/ ١٤٢، ٢٥٣، \"المنصف\" ١/ ٣٣٩ \"اللسان\" (ضنن) ٥/ ٢٦١٤، \"ظلل\" ٥/ ٢٧٥٦.\n(٥) المراد بالأظلل ما ورد في قول الراجز: تشكو الوجى من أظلل وأظلل ففك الإدغام في (أظلل) ضرورة، والبيت للعجاج، وبعضهم نسبه لأبي النجم. وهو في \"ديوان العجاج\" ص ١٥٥، \"الكتاب\" ٣/ ٥٣٥، \"النوادر\" ص ٢٣٠، \"المقتضب\" ١/ ٢٥٢،٣/ ٣٥٤، \"الخصائص\" ١/ ١٦١، ٣/ ٨٧، \"المنصف\" ١/ ٣٣٩ \"اللسان\" (ظلل) ٤/ ٢٧٥٦، و(ملل) ٧/ ٤٢٧١، وقوله (تشكو): أي: الإبل و(الوجى): الحفى، الأظلل: باطن الخف.\n(٦) \"الحجة\" ١/ ٢٧٧، ٢٧٨.","vol":"2","page":100},{"text":"ومن ذلك أيضا أنهم إذا بنوا اسم فاعل من (١) (ناء) و(شاء) [و(جاء) (٢) قالوا: (شاءٍ) (٣)] و(ناءٍ) (٤)، فرفضوا الجمع بينهما ورفضوه في هذا الطرف كما رفضوه أولا في: (آدم) و(آخر) (٥).\nومن ذلك أيضًا أن من قال: هذا فرجّ، وهو يجعلّ، فضاعف (٦) في الوقف حرصًا على البيان، في يضاعف نحو: (البناء) (٧)، و(الرشاء)، لكنه رفض (٨) هذا الضرب (٩) من الوقف، وما كان يحرص عليه من البيان لما كان يلزمه الأخذ بما تركوه، والاستعمال لما رفضوه من اجتماع الهمزتين (١٠).\nوإذا كان الأمر على هذا (١١)، فالجمع في: ﴿أَأَنْذَرْتَهُمْ﴾ (١٢) أقبح من الجمع في كلمتين منفصلتين، نحو: قرأ أبوك، ورشاء أخيك، لأن الهمزة\n_________\n(١) في (ب): (على من) زيادة (على).\n(٢) في \"الحجة\" (ناء وساء وشاء).\n(٣) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).\n(٤) في (ب): (تا). وترك التمثيل لاسم الفاعل من (جاء) وهو: (جاء) والأصل فيها (شائئ) و(جائئ) و(نائئ) فلما التقت همزتان أبدلت الثانية (ياء) ثم عوملت مثل (قاض). انظر: \"المنصف\" ٢/ ٥٢.\n(٥) انظر بقية كلام أبي علي في: \"الحجة\" ١/ ٢٧٨.\n(٦) في (ب): (تضاعف).\n(٧) في \"الحجة\" (النبأ).\n(٨) في (ب): (نفض).\n(٩) في (ب): (الصوت).\n(١٠) \"الحجة\" ١/ ٢٧٩.\n(١١) أي: رفض اجتماع الهمزتين. قال أبو علي بعد سياق تلك الحجج، (فهذِه الأشياء تدل على رفض اجتماع الهمزتين في كلامهم. فأما جمعهما وتحقيقهما في (أأنذرتهم) فهو أقبح ....) ١/ ٢٨٠.\n(١٢) في (أ)، (ب): (أنذرتهم) بهمزة واحدة، وما في (ج) موافق لما في \"الحجة\".","vol":"2","page":101},{"text":"الأولى من ﴿أَأَنْذَرْتَهُمْ﴾ تنزل منزلة ما هو من الكلمة نفسها، لكونها على حرف مفرد (١)، ألا ترى أنهم قالوا (٢): لهو ولهي، فخففوا كما خففوا: عضدا (٣)، فكذلك الهمزة الأولى، لما لم تنفصل من الكلمة صارت بمنزلة التي في آخر (٤).\nفأما إذا كانتا (٥) من كلمتين، فاجتماعهما في القياس أحسن من هذا (٦)، ألا ترى أن المثلين إذا كانا في كلمة نحو: يرد ويعض، لا يكون فيها (٧) إلا الإدغام.\nولو كانا منفصلين نحو: (يد داود)، لكنت (٨) في الإدغام والبيان بالخيار. فعلى هذا تحقيق الهمزتين في: ﴿أَأَنْذَرْتَهُمْ﴾ (٩) -وما أشبهه- أبعد منه في الكلمتين المنفصلتين.\nومما يقوي ترك الجمع بين الهمزتين: أنهم قالوا في جمع (ذؤابة): ذوائب، فأبدلوا (١٠) من الهمزة التي هي عين (١١) (واوا) في التكسير كراهة\n_________\n(١) في (ب): (منفرد).\n(٢) في (ب): (إذا قالوا).\n(٣) أصلها: (عضد).\n(٤) في (ب): (آخرها).\n(٥) أي: (الهمزتان)\n(٦) قال سيبويه: (وأعلم أن الهمزتين إذا التقتا وكانت كل واحدة منهما من كلمة فإن أهل التحقيق يخففون إحداهما ويستثقلون تحقيقهما ...)، \"الكتاب\" ٣/ ٥٤٨.\n(٧) في \"الحجة\" (فيهما) ١/ ٢٨٠.\n(٨) في (ب): (الكنت).\n(٩) في جميع النسخ (أنذرتهم) بهمزة واحدة والتصحيح من \"الحجة\" ١/ ٢٨١.\n(١٠) في (ب): (وأبدلوا).\n(١١) في (ب): (غير).","vol":"2","page":102},{"text":"للهمزتين مع فصل حرف بينهما. فإذا كرهوهما مع فصل حرف بينهما حتى أبدلوا الأولى منهما، فأن (١) يكرهوهما غير مفصول بينهما بشيء أجدر (٢).\nوأيضًا فإنهم كرهوا (٣) الهمزة المفردة حتى قلبوها أو حذفوها، وذلك إجماعهم (٤) في (٥) (يرى) (٦) على حذف الهمزة (٧)، فلما كرهوا ذلك في الإفراد وجب أن لا يجوز في المتكرر (٨) إلا التغيير.\nوإذا كان الجمع بينهما في [البعد على هذا، فالجمع بينهما في] (٩): (أئمة) (١٠) أبعد، لأن الهمزتين لا تفارقان الكلمة (١١)، وهمزة الاستفهام قد تسقط في الإخبار وغيره، فلما كانت أشد لزومًا للكلمة كان التحقيق\n_________\n(١) في (ب): (وإن).\n(٢) في (ب): (واحد). \"الحجة\" لأبي علي ١/ ٢٨١.\n(٣) الضمير يعود على من يقول بتخفيف الهمزة، قال في \"الحجة\": (من ذلك أن الهمزة إذا كانت مفردة غير متكررة، كرهها أهل التخفيف، حتى قلبوها أو حذفوها، لئلا، يلزمهم تحقيقها، وقد وافقهم في بعض ذلك أهل التحقيق، كموافقتهم لهم في: (يرى) ..)، ١/ ٢٧٩.\n(٤) أي. أهل التخفيف والتحقيق. انظر كلام أبي علي السابق.\n(٥) (في) ساقطة من (ج).\n(٦) في (ب): (ترى).\n(٧) (يرى) مضارع (رأى) اتفق أهل تحقيق الهمزة، وتخفيفها، على حذفها على التخفيف. انظر \"الكتاب\" ٣/ ٥٤٦، \"المسائل الحلبيات\" لأبي علي ص ٨٣، \"سر صناعة الإعراب\" ١/ ٧٦.\n(٨) أي: الهمزة المكررة. \"الحجة\" ١/ ٢٧٩.\n(٩) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).\n(١٠) في (أ): (أأيمة) وفي (ب)، (ج): (أئمة) ومثله في \"الحجة\" ١/ ٢٨١.\n(١١) في (ب): (الضمة).","vol":"2","page":103},{"text":"فيها أبعد (١).\nوأما أبو عمرو فكان يلين الثانية ويجعل بينهما مدة (٢). وحجته: أنه وإن خفف الثانية بأن جعلها بين الألف والهمز، فذلك لا يخرجها عن أن تكون همزة متحركة، وإن كان الصوت بها أضعف؛ ألا ترى أنها إذا كانت مخففة في الوزن مثلها إذا كانت محققة (٣)، فلولا ذلك لم يتزن (٤) قوله (٥):\n.... آأنتَ (٦) زيد الأراقم (٧)\n_________\n(١) يشير إلى أن التحقيق في (أئمة) أبعد، لأن الهمزتين لا تفارقان الكلمة، بينما الهمزة الأولى في (أأنذرتهم) همزة استفهام قد تسقط، فهي كالمنفصلة، ومع ذلك كرهوا تحقيقها. وبعد هذا الاحتجاج الطويل لمن يرى تخفيف الهمزة الثانية الذي نقله الواحدي عن أبي علي من كتاب \"الحجة\"، والذي هو مذهب أكثر النحويين وعليه أكثر العرب، كما قال سيبويه: (فليس من كلام العرب أن تلتقى همزتان فتحققا ...) انظر \"الكتاب\" ٣/ ٥٤٨، ٥٤٩، وانظر \"المقتضب\" ١/ ١٥٨، \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٤١ - ٤٥، مع ذلك فقراءة التحقيق قراءة سبعية متواترة من حيث السند، ولها حجتها من اللغة. انظر \"الكشف\" لمكي١/ ٧٣، ولا يقال فيها ما قال أبو الفتح عثمان بن جني: قراءة أهل الكوفة أئمة شاذة عندنا. \"سر صناعة الإعراب\" ١/ ٧٢ وإن كان يريد من الناحية اللغوية.\n(٢) انظر \"السبعة\" ص ١٣٦، \"الحجة\" لأبي علي ١/ ٣٨٥، \"الكتاب\" ٣/ ٥٥١، قال في \"الكشف\": وهو مذهب أبي عمرو، وقالون عن نافع، وهشام عن عامر ١/ ٧٤.\n(٣) في (ب)، (ج): (مخففة).\n(٤) في (ب): (تبرز).\n(٥) أي: لو لم تكن الهمزة المخففة بزنة المحققة لا نكسر وزن الشعر. انظر \"الكتاب\" ٣/ ٥٥٠، \"الحجة\" ١/ ٣٨٥.\n(٦) في (ب) (أنت).\n(٧) الكلام بنصه في \"الحجة\"، قال: (.. ولولا ذلك لم يتزن قوله: أأن رأت رجلًا =","vol":"2","page":104},{"text":"لأنه يجتمع (١) ثلاث سواكن، وإذا كان كذلك فتجعل (٢) بينهما (مدة)، لئلا تكون جامعًا بين الهمزتين.\nوقوله تعالى: ﴿ءَأَنذَرتَهُم﴾: لفظه لفظ الاستفهام (٣)، ومعناه الخبر، ومثل ذلك قولك: ما أبالي (٤) أشهدت أم غبت، وما أدري أأقبلت (٥) أم أدبرت.\nوإنما جرى عليه لفظ الاستفهام وإن كان خبرا، لأن فيه التسوية التي في الاستفهام، ألا ترى أنك إذا استفهمت فقلت: أخرج زيد أم أقام؟ فقد استوى الأمران عندك في الاستفهام، وعدم علم أحدهما بعينه، كما أنك (٦) إذا أخبرت (٧) فقلت. سواء عليّ أقعدت أم قمت، فقد سويت الأمرين\n_________\n= أعشى \"الحجة\" ١/ ٢٨٥، ٢٨٦. فاستشهد أبو علي ببيت الأعشى، وهو شاهد سيبويه على هذِه المسألة انظر \"الكتاب\" ٣/ ٥٥٠. أما الواحدي فاستشهد ببيت ذي الرمة، الذي استشهد به الثعلبي في (تفسيره) ونصه:\nتطاللت فاستشرفته فعرفته ... فقلت له: آأنت زيد الأراقم\nوروايته في \"ديوان ذي الرمة\"، وفي \"الحجة\" وغيرهما (زيد الأرانب). نظر \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٤٨/ أ، \"الحجة\" ١/ ٢٧٩، \"تهذيب اللغة\" (اجتماع الهمزتين) ١/ ٧٣، \"اللسان\" (حرف الهمزة) ١/ ١٨، \"ديوان ذى الرمة\" ٣/ ١٨٤٩.\n(١) في (ب): (لأنه كان تجتمع) مثله في \"الحجة\": (لأنه كان يجتمع فيه ساكنان) ١/ ٢٨٦، وقصد الواحدي بثلاثة سواكن هي: السكون الذي في مدة الهمزة الأولى وسكون الثانية على الاحتمال الممنوع، وسكون النون.\n(٢) في (ب): (يجعل)، (ويكون) بالياء في الموضعين.\n(٣) من قوله: وقوله تعالى ﴿ءَأَنذَرْتَهُم﴾ .. نقله من \"الحجة\" بنصه، ١/ ٢٦٤.\n(٤) في (ب): (لا أبالي).\n(٥) في (ب): (أقبلت).\n(٦) في (ب): (أنت).\n(٧) في (ب): (اختبرت).","vol":"2","page":105},{"text":"عليك، فلما عمتهما التسوية، جرى على هذا الخبر لفظ الاستفهام، لمشاركته له في الإبهام، فكل استفهام تسوية، وإن لم يكن كل تسوية استفهاما (١).\nوحرر أبو إسحاق هذا الفصل فقال (٢): إنما (٣) دخلت ألف الاستفهام وأم التي هي للاستفهام (٤)، والكلام خبر، لمعنى التسوية، والتسوية آلتها (٥) الاستفهام وأم. تقول من ذلك (٦): أزيد في الدار أم عمرو؟ فإنما دخلت الألف وأم، لأن علمك (٧) قد استوى في زيد وعمرو، وقد علمت أن أحدهما في الدار لا محالة، ولكنك استدعيت (٨) أن يبين (٩) لك الذي علمت ويلخص (١٠) لك علمه من غيره، ولهذا تقول (١١). قد علمت أزيد في الدار أم عمرو، وإنما تريد أن تسوي عند من تخبره العام الذي قد خلص\n_________\n(١) انتهى ما نقله عن أبي علي من \"الحجة\" ١/ ٢٦٤، ٢٦٥، ونحوه قال أبو عبيدة في \"المجاز\" ١/ ٣١ وانظر. الطبري ١/ ١١١، وابن عطية ١/ ١٥٤ - ١٥٥.\n(٢) في \"معاني القرآن\" ١/ ٤١.\n(٣) في (ب): (إذا).\n(٤) في (ب): (الاستفهام).\n(٥) في \"معاني القرآن\": (والكلام خبر فإنما وقع ذلك لمعنى التسوية، والتسوية آلتها (ألف) الاستفهام و(أم)، تقول: أزيد في الدار أم عمر.). ١/ ٤١.\n(٦) في (ب): (في ذلك) وفي (ج) (يقول).\n(٧) في (ب): (عليك).\n(٨) في \"المعاني\": (أردت) ١/ ٤١.\n(٩) في (ب): (تبين).\n(١٠) كذا رسمت في (أ)، (ج)، وفي (ب) (ويلحظ) وفي \"المعاني\" (ويخلص) وهو الأصوب.\n(١١) في (ج): (يقول).","vol":"2","page":106},{"text":"عندك (١).\nولا يجوز هاهنا (أو) مكان (أم) لأن (أم) للتسوية بين الشيئين، و(أو) إنما هي لأحد شيئين (٢)، يدلك (٣) على هذا أن (أم) (٤) تكون مع الألف بتأويل (أي) فإذا قلت: أزيد عندك أم عمرو؟ فكأنك قلت: أيهما (٥) عندك، [وإذا قلت: أزيد عندك أو عمرو؟ لم يكن على معنى: أيهما عندك (٦)]، هذا اختلاف الجواب، لأنك إذا قلت: أزيد عندك أم عمرو؟ فجوابه: زيد أو عمرو (٧)، وكذلك في (أي) جوابه أن يذكر أحد الاسمين بعينه، فأما إذا قلت: أزيد عندك أو عمرو؟ فجوابه: نعم أو لا، فهذا فرق بينهما واضح (٨).\nومثل هذه الآية قوله (٩): ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [المنافقون: ٦]، وقوله: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا﴾ [إبراهيم: ٢١]\nو﴿سَوَاءٌ﴾ في الآية رفع بالابتداء، ويقوم ﴿أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ مقام الخبر في المعنى، كأنه بمنزلة قولك: (سواء عليهم الإنذار وتركه) لا\n_________\n(١) انتهى كلام الزجاج ١/ ٤١، وانظر الطبري ١/ ١١١.\n(٢) انظر: \"الحجة\" ١/ ٢٦٥، ٢٦٦، \"مغني اللبيب\" ١/ ٤٣.\n(٣) في (ب): (فذلك).\n(٤) في (ب): (لم).\n(٥) في (ب): (أنهما).\n(٦) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).\n(٧) في (ب): (ونحوا به زيدا وعمرا).\n(٨) انظر: \"الكتاب\" ٣/ ١٦٩، ١٧٠، ١٧١، \"مغني اللبيب\" ١/ ٤٢.\n(٩) انظر: \"الحجة\" ١/ ٢٧١.","vol":"2","page":107},{"text":"في الإعراب، لأنك إذا قدرت هذا التقدير في الإعراب صار ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ﴾ خبرًا مقدَّمًا (١).\nوالجملة في موضع رفع، بأنها (٢) خبر ﴿إن﴾ (٣).\nويجوز أن يكون خبر ﴿إن﴾ قوله: ﴿لَا يؤْمِنُونَ﴾ كأنه قيل: (إن الذين كفروا لا يؤمنون سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم). فيكون قوله: ﴿سَوَآءٌ عَلَيهمءَأَنذَرتَهُم﴾ جملة معترضة بين الاسم والخبر، وجاز ذلك، لأنه تأكيد لامتناعهم عن الإيمان (٤)، ولو كان كلامًا أجنبيًا لم يجز اعتراضه بينهما، وسترى لهذا (٥) نظائر.\nومعنى: ﴿سَوَآءٌ عَلَيْهِم﴾ أي: معتدل متساو، و﴿سَوَآءٌ﴾ اسم مشتق من التساوي. يقول: هما عندي سواء، ومنه قوله ﴿فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ [الأنفال: ٥٨]، يعني: أعلمهم (٦) حتى يستوي علمك وعلمهم (٧). و﴿سَوَآءٌ اَلْجَحِيمِ﴾ [الصافات:٥٥] وسطه، لاستواء مقادير نواحيه إليه.\n_________\n(١) قال أبو علي. (.. فإن رفعته بأنه خبر لم يجز، لأنه ليس في الكلام مخبر عنه، فإذا لم يكن مخبر عنه بطل أن يكون خبرا .. وأيضا فإنه لا يجوز أن يكون خبرا لأنه قبل الاستفهام، وما قبل الاستفهام لا يكون داخلا في حيز الاستفهام، فلا يجوز إذن أن يكون الخبر عما في الاستفهام متقدما على الاستفهام ..)، \"الحجة\" ١/ ٢٦٩،\n(٢) في (ب): (بأن).\n(٣) \"الحجة\"، ١/ ٢٦٨، \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٤١.\n(٤) \"الحجة\" ١/ ٢٦٨، ٢٦٩، وانظر \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٤١، \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ١٣٤، \"المشكل\" لمكي ١/ ٢٠، \"الدر المصون\" للسمين الحلبي ١/ ١٠٥.\n(٥) في (ب): (لها).\n(٦) في (أ)، (ج): (علمهم). وأثبت ما في (ب)، لأنه المناسب للسياق.\n(٧) ذكره الطبري ١٠/ ٢٧، وانظر: \"الثعلبي\" ١/ ٤٨ أ.","vol":"2","page":108},{"text":"وقول القائل: (سواك وسواءك) (١) أي (٢): من هو في مكانك بدلا منك لاستوائه (٣) في مكانك.\nقال ابن عباس: نزلت هذه الآية في اليهود الذين كانوا بنواحي المدينة (٤) على عهد رسول الله - ﷺ -. وهذا القول اختيار ابن جرير، قال: لأن الله تعالى إنما ذكر هؤلاء عقيب مؤمني أهل الكتاب، فذكر بعد مؤمنيهم كافريهم، والكلام بعضه لبعض تبع (٥).\nوقال الضحاك: نزلت في أبي جهل وخمسة (٦) من أهل بيته (٧).\nوقال الربيع: نزلت في قادة الأحزاب يوم بدر (٨)، وكذلك الآية التي بعدها.\n_________\n(١) في (أ): (سواؤك) و(ب): (سواك) و(ج): (سوائك)، والتصحيح من \"الحجة\" ١/ ٢٥٠، ٢٥١، وانظر \"الأضداد\" لابن الأنباري ص ٤٠، وقد سبق كلام الواحدي عن (سواء) في أول تفسير الآية.\n(٢) (أي) ساقطة من (ب).\n(٣) في (ب): (لاستوائك).\n(٤) ذكره الطبري ١/ ١٠٨، وابن أبي حاتم ١/ ١٨٦ - ١٨٧ وذكره الثعلبي عن الكلبي ١/ ٤٧ ب، ومثله أبو الليث ١/ ٩٢، والبغوي ١/ ٦٤، وانظر ابن كثير ١/ ٤٨.\n(٥) \"تفسير الطبري\" ١/ ١٠٩.\n(٦) في (ب): (وحمته).\n(٧) ذكره الثعلبي١/ ٤٧ ب.\n(٨) أخرجه الطبري بسنده عن الربيع ١/ ١٠٩، وأخرجه ابن أبي حاتم بسنده عن الربيع ابن أنس عن أبي العالية ١/ ٤٠، وفي حاشيته: قال المحقق: في سنده اضطراب وذكره ابن كثير، قال: قال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية ثم ذكره، ١/ ٤٨. وذكره السيوطي في \"الدر\" عن أبي العالية ونسبه إلى ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، ١/ ٦٥، وهو عند ابن جرير عن الربيع بن أنس ولم يوصله لأبي العالية كما سبق.","vol":"2","page":109},{"text":"قال أبو العالية: لم يسلم منهم إلا رجلان، وكانا مغموصًا عليهما في دينهما (١)، أحدهما: أبو سفيان (٢)، والأخر: الحكم بن أبي العاص (٣). ثم ذكر الله تعالى سبب تركهم الإيمان فقال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-230>٧ </span>- ﴿خَتَمَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِم﴾ الآية. (الختم) في اللغة بمعنى: الطبع، والخاتم: الفاعل. وأصله من آخر الشيء (٤)، ومنه قوله تعالى: ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾ [المطففين: ٢٦]، قال ابن مسعود: عاقبته (٥) طعم المسك (٦) وروي\n_________\n(١) هذِه الزيادة عن أبي العالية، ذكرها النحاس في \"القطع والائتناف\" ص ١١٦، والسيوطي في \"الدر\" ولفظه: (ولم يدخل من القادة أحد في الإسلام إلا رجلان أبو سفيان، والحكم بن أبي العاص)، ولم ترد عند ابن جرير ولا ابن أبي حاتم، كما أن قوله (وكان مغموصًا عليهما في دينهما) لم يذكرها السيوطي. \"الدر\" ١/ ٦٥.\n(٢) أبو سفيان هو صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، رأس قريش وقائدهم في يوم الأحزاب، أسلم يوم الفتح، كان من دهاة العرب، توفي بالمدينة سنة إحدى وثلاثين. انظر ترجمته في \"الإصابة\" ٢/ ١٧٨ - ١٧٩، \"سير أعلام النبلاء\" ٢/ ١٠٥ - ١٠٧.\n(٣) الحكم بن أبي العاص بن أمية، ابن عم أبي سفيان، من مسلمة الفتح، وله نصيب من الصحبة، نفاه النبي - ﷺ - إلى الطائف، وأقدمه للمدينة عثمان - ﵁ - مات سنة إحدى وثلاثين. انظر ترجمته في: \"الإصابة\" ١/ ٣٤٥، \"سير أعلام النبلاء\" ٢/ ١٠٧، \"الجرح والتعديل\" ٣/ ١٢٠.\n(٤) انظر: \"تهذيب اللغة\" (ختم) ١/ ٩٨٣ - ٩٨٤، وفيه: خاتم كل شيء: آخره.\n(٥) في (ج): (عاقبه).\n(٦) ذكره الأزهري في \"التهذيب\" (ختم) ١/ ٩٨٤، وأخرج الطبري عن ابن مسعود في تفسير الآية: قال: (خلطه مسك) وعنه: (طعمه وريحه) وأخرج عن إبراهيم، والحسن: عاقبته مسك. الطبري ٣٠/ ١٠٦، ١٠٧، وفي \"الدر\": أخرج سعيد بن منصور، وهناد؛ وابن أبي حاتم، وابن أبي شيبة، وابن المنذر، والبيهقي في \"البعث\"، عن ابن مسعود، وفيه: (يجدون عاقبتها طعم المسك)، ٦/ ٥٤٤.","vol":"2","page":110},{"text":"عن الحسن: مقطعه مسك (١). و﴿رَّحِيقٍ مَخْتُومٍ﴾ [المطففين: ٢٥]: له ختام، أي عاقبه، قاله أبو عبيد (٢)، ومنه: خاتم النبيين، أي آخرهم (٣).\nقال الليث: وخاتمة السورة: آخرها، وخاتم كل شيء: آخره (٤). ومنه ختم القرآن، لأنه حال الفراغ من قراءته، وختم الكتاب عند طيه والفراغ منه (٥). وقيل في قول ابن مقبل (٦) يصف الخمر:\nبالفُلْفُلِ الجَوْنِ والرُّمَّانِ مَخْتومُ (٧)\n_________\n(١) ذكره أبو علي الفارسي في \"الحجة\" ١/ ٢٩٢.\n(٢) لعل المراد أبو عبيدة كما في \"الحجة\" حيث قال: (وأظن أبا عبيدة اعتبر ما روي عن الحسن في تفسير الآية، لأنه قال في قوله: ﴿يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ﴾: له ختام، أي: عاقبة ختامه مسك، أي: عاقبته، وأنشد لابن مقبل ... فتأول الختام على العاقبة، ليس على الختم الذي هو الطبع، وهذا قول الحسن، مقطعه مسك)، \"الحجة\" ١/ ٢٩٢، وانظر: \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٩٠.\n(٣) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٣٤٤، \"التهذيب\" (ختم) ١/ ٩٨٤.\n(٤) ذكره الأزهري عن الليث، \"تهذيب اللغة\" (ختم) ١/ ٩٨٤.\n(٥) انظر: \"العين\" ٤/ ٢٤٢، \"الصحاح\" (ختم) ٥/ ١٩٠٨، \"معجم مقاييس اللغة\" (ختم) ٢/ ٢٤٥.\n(٦) هو: الشاعر تميم بن أبي بن مقبل العجلاني، شاعر مخضرم، أدرك الجاهلية والإسلام، وبلغ مائة وعشرين سنة. انظر ترجمته في \"الشعر والشعراء\" ص ٢٩٧، \"الإصابة\" ١/ ١٨٧، \"الخزانة\" ١/ ٢٣١.\n(٧) صدره في \"الحجة\":\nمما يفتق في الحانوت ناطفها\nوورد صدره في \"ديوانه\":\nصرف ترقرق في الناجود ناطلها\nيفتق: يشق، الحانوت: دكان الخمار، ناطفها: النطف سيلان الماء، الجون: يطلق على الأبيض والأسود، وقوله (ترقرق): تترقرق أي: تتلألأ، الناجون: =","vol":"2","page":111},{"text":"أي لآخرها طعم الفلفل والرمان. قال الأزهري: أصل الختم: التغطية، وختم البذر (١) في الأرض إذا غطاه (٢).\nوقال أبو إسحاق: معنى: ختم وطبع (٣) في اللغة واحد، وهو التغطية على الشيء، والاستيثاق منه بأن لا يدخله شيء، كما قال: ﴿أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: ٢٤]، وكذلك قوله: ﴿طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ (٤) هذا كلام أبي إسحاق.\nواعلم أن الختم على الوعاء يمنع (٥) الدخول فيه والخروج منه، كذلك الختم على قلوب الكفار يمنع دخول الإيمان فيها وخروج الكفر منها، وإنما يكون ذلك بأن يخلق الله الكفر فيها (٦)، ويصدهم عن الهدى،\n_________\n= راووق الخمر الذي يصفي به، الناطل: مكيال الخمر. انظر: \"الحجة\" ١/ ٢٩٢، ٢٩٤، \"ديوان ابن مقبل\" ص ٢٦٨، \"المخصص\" ٢/ ١٤٩.\n(١) في (ب): (النذر).\n(٢) \"التهذيب\" (ختم) ١/ ٩٨٥، وفيه: (ختم البذر: تغطية).\n(٣) في (ب): (تطبع).\n(٤) جاءت في عدة آيات في التوبة ﴿وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [التوبة: ٩٣]، وفي النحل: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [النحل: ١٠٨]، وفي محمد: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [محمد: ١٦]. والآية وردت في \"تهذيب اللغة\" ضمن كلام أبي إسحاق، \"التهذيب\" (ختم) ١/ ٩٨٤، ويظهر أن الواحدي نقل كلام الزجاج عنه، وفي \"معاني القرآن\" للزجاج ورد مكانها: (طبع عليها بكفرهم) ووضع المحقق لها رقم (النساء:١٥٥)، وسياق آية النساء: ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾. انظر \"معاني القرآن\" للزجاج١/ ٤٦.\n(٥) في (ب): (ممنع).\n(٦) قال ابن كثير: (.. ختم على قلوبهم، وحال بينهم وبين الهدى، جزاء وفاقا على تماديهم في الباطل، وتركهم الحق، وهذا عدل منه تعالى حسن، وليس بقبيح ...)، =","vol":"2","page":112},{"text":"ولا (١) يدخل الإيمان في قلوبهم كما قال: ﴿وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ﴾ [الجاثية: ٢٣].\nفأما قول من قال: معنى ﴿خَتَمَ اَللَّهُ عَلىَ قُلُوبِهِم﴾: حكم الله بكفرهم (٢)، فغير صحيح، لأن أحدنا يحكم بكفر الكافر، ولا يقال (٣): ختم على قلبه.\nوذهب بعض المتأولين من القدرية إلى أن معنى ﴿ختم الله على قلوبهم﴾: وسمها سمة (٤) تدل (٥) على أن فيها الكفر، لتعرفهم الملائكة بتلك السمة، وتفرق (٦) بينهم وبين المؤمنين الذين في قلوبهم الشرع (٧).\nقال: والختم والطبع واحد، وهما سمة وعلامة في قلب المطبوع\n_________\n= ١/ ٤٩، وأما ما عبر به الواحدي من قوله: (بأن يخلق الله الكفر فيها ..) المعنى صحيح، فإن الله خالق كل شيء من الطاعات والكفر والمعاصي، لكن السلف لم يستعملوا هذا اللفظ تأدبا مع الله تعالى كما قال: ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ [الجن: ١٠]، فلم ينسب الشر إليه، مع أنه خالقه ونسب إليه الخير.\n(١) في (ب): (فلا يدخل). ولعله أولى.\n(٢) ذكره الفارسي في \"الحجة\" ١/ ٣٠٩، والثعلبي ١/ ٤٨ ب، وهذا قول المعتزلة ذكره القاضي عبد الجبار بن أحمد الهمذاني، أحد علمائهم في كتابه \"متشابه القرآن\" ١/ ٥١، ٥٢ تحقيق عدنان زرزور. وانظر \"الكشاف\" للزمخشري ١/ ١٥٧ - ١٦٢، وانظر رد الأسكندري عليه في \"الحاشية\"، \"البحر المحيط\" ١/ ٤٨.\n(٣) في (ب): (ولان يقال).\n(٤) في (ج): (وسمة).\n(٥) في (ب): (يدل).\n(٦) في (ب): (يفرق)\n(٧) في (ب): (السرح) وفي (ج): (الشرح).","vol":"2","page":113},{"text":"على قلبه (١). وهذا باطل، لأن الختم في اللغة ليس هو الإعلام، ولا يقال: ختمت على الشيء بمعنى: أعلمت عليه ومن حمل الختم على الإعلام فقد تشهى على أهل اللغة، وجر كلامهم إلى موافقة عقيدته.\nوقوله تعالى ﴿عَلىَ قُلُوبِهِم﴾. قال الليث: القلب مضغة من الفؤاد، معلقة بالنياط (٢). وكأنه أخص من الفؤاد، ولذلك (٣) قالوا: أصبت حبة قلبه، وسويداء قلبه.\nوقيل: القلوب والأفئدة: قريبان من السواء (٤). وقال بعضهم: سمي القلب قلبا لتقلبه (٥)، وأنشد:\nما سمي القلب (٦) إلا من تقلبه ... والرأي (٧) يصرف بالإنسان أطوارا (٨)\nوقوله تعالى: ﴿وَعَلَى سَمْعِهِمْ﴾. وحد السمع، لأنه مصدر، والمصادر\n_________\n= وهذا قول ثانٍ للمعتزلة. انظرة \"متشابه القرآن\" للهمذاني ١/ ٥١، ٥٢، \"البحر المحيط\" ١/ ٤٨.\n(١) ذكره أبو علي الفارسي في \"الحجة\" عن قوم من المتأولين، ١/ ٣٠١.\n(٢) \"تهذيب اللغة\" (قلب) ٣/ ٣٠٢٦.\n(٣) في (ب): (وكذلك).\n(٤) في (ب): (العوا).\n(٥) \"تهذيب اللغة\" (قلب) ٣/ ٣٠٢٦.\n(٦) في (ج): (ما سمي القلب قلبا إلا من ..).\n(٧) في (ب): (الذي).\n(٨) البيت في \"التهذيب\" (قلب) ٣/ ٣٠٢٦، وكذا \"اللسان\" (قلب) ٦/ ٣٧١٤، بهذا النص، وورد في القرطبي ١/ ١٦٣، و\"الدر المصون\" ١/ ١١٤، \"روح المعاني\" ١/ ١٣٥، شطره الثاني: =","vol":"2","page":114},{"text":"لا تثنى ولا تجمع، [لأن المصدر ينبئ عن الفعل، فهو بمنزلة الفعل، والفعل لا يثنى ولا يجمع (١)] (٢).\nوقال ابن الأنباري: أراد (٣): وعلى مواضع سمعهم، فحذف المضاف، كما تقول العرب: تكلم المجلس، وهم يريدون أهله، وحذف المضاف كثير في التنزيل والكلام (٤).\nوقيل: اكتفى من الجمع بالواحد (٥)، كما قال الراعي (٦):\nبها جيف الحسرى فأما عظامها ... فبيض وأما جلدها فصليب (٧)\n_________\n= فاحذر على القلب من قلب وتحويل\nغير منسوب في جميع المصادر.\n(١) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٤٧، \"تهذيب اللغة\" (سمع) ٢/ ١٧٥٦، والثعلبي ١/ ٤٨/ب، \"تفسير أبي الليث\" ١/ ٩٣، \"زاد المسير\" ١/ ٢٨، والقرطبي ١/ ١٦٥. وقيل: وحد السمع، لأن المسموع واحد وهو الصوت، وقرئ شاذا ﴿وعلى أسماعهم﴾. انظر. \"الفتوحات الإلهية\" ١/ ١٥.\n(٢) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).\n(٣) في جميع النسخ (أرادوا على) زيادة ألف بعد الواو والصحيح حذفها.\n(٤) لم أجده منسوبا لابن الأنباري. وورد بمعناه في \"تفسير أبي الليث\" ١/ ٩٣، والقرطبي ١/ ١٦٦، \"تهذيب اللغة\" (سمع) ٢/ ١٧٥٧.\n(٥) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٤٧، والثعلبي ١/ ٤٨ ب، و\"تفسير أبي الليث\" ١/ ٩٣، و\"تهذيب اللغة\" (سمع) ص ١٧٥٧.\n(٦) كذا نسبه الثعلبي ١/ ٤٨ ب، والبيت لعلقمة بن عبدة الفحل كما في \"الكتاب\" وغيره.\n(٧) البيت لعلقمة بن عبدة الفحل، قاله يصف طريقًا شاقًّا، قطعه لممدوحه. الحسرى: جمع حسير، والحسير: البعير المعيب يتركه أصحابه فيموت، وابيضت عظامه لما أكلت السباع والطير ما عليه من لحم، صليب: يابس لم يدبغ. الشاهد (جلدها) مفرد أريد به الجمع، أي: جلودها. =","vol":"2","page":115},{"text":"وقال الله تعالى: ﴿يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ [الشورى: ٤٥]، وهو كثير جدًّا.\nوقال سيبويه (١): توحيد السمع يدل على الجمع، لأنه توسط جمعين، كقوله: ﴿يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة: ٢٥٧]، وقوله: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ﴾ [النحل: ٤٨].\nوتم الكلام (٢) ههنا (٣).\nثم قال: ﴿وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾ الأبصار جمع البصر، والبصر العين، إلا أنه مذكر، ويقال: تبصرت الشيء بمعنى رمقته (٤)، ومنه قول زهير:\nتبصر خليلي هل ترى من ظعائن ... ............. البيت (٥)\n_________\n= انظر: \"الكتاب\" ١/ ٢٠٩، و\"معاني القرآن\" للزجاج١/ ٤٧، \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٤٨ ب، والقرطبي ١/ ١٦٥، \"الخزانة\" ٧/ ٥٥٩، وفيها: (به جيف الحسرى ..)، \"الدر المصون\" ١/ ١١٤، والرازي ٢/ ٥٣، وفيه: (الحيدى) بدل (الحسرى).\n(١) انظر. \"الكتاب\" ١/ ٢٠٩، والنص من الثعلبي ١/ ٤٨/ب.\n(٢) في (ج): (السلام).\n(٣) انظر. \"معاني القرآن\" للفراء١/ ١٣، \"مجاز القرآن\" ١/ ١٣ \"تفسير الطبري\" ١١٣ - ١١٤، \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٤٨/ ب، وذكر النحاس عن الأخفش سعيد، ويعقوب: أن وقف على (قلوبهم) كان أيضا تاما، وتعقبه النحاس فقال: (إذا وقف على (قلوبهم) وقدره بمعنى: وختم على سمعهم لم يكن الوقت على قلوبهم تمامًا، لآن الثاني معطوف على الأول، وإن قدر الختم على القلوب خاصة فهو (تام) ..)، \"القطع والائتناف\" ص ١١٦.\n(٤) \"تهذيب اللغة\" (بصر) ١/ ٣٤٠.\n(٥) وتمامه كما في الديوان:\nتحملن بالعليا من فوق جرثم\n\"ديوان زهير\" ص ٩. =","vol":"2","page":116},{"text":"والغشاوة الغطاء (١)، ويقال للجلدة التي على الولد: غشاوة، ومنه غشى على المريض إذا دير به، لأنه لبسةٌ من حال المرض، ومنه غاشية السرج (٢).\nوفيه ثلاث لغات: ضم الغين وفتحها وكسرها (٣). والأفصح الكسر، لأن كل ما كان مشتملًا على شيء فهو مبني على (فعالة) كالعمامة والقلادة والعصابة. وكذلك أسماء الصناعات، لأن معنى الصناعة الاشتمال على (٤) كل ما فيها، نحو: الخياطة والقصارة، وكذلك كل من استولى، فاسم ما استولى عليه الفعالة نحو: الخلافة والإمارة (٥).\nقال أبو علي الفارسي: ولم أسمع منه فعلًا متصرفا بالواو، ولامه (ياء) لأنك تقول: غشي يغشى، والغشيان وغشيته أي: ألبسته وسترته، والغشاوة من الغشيان كالجباوة من جبيت، في أن (الواو) كأنها بدل من (الياء) إذ (٦) لم يصرف منه فعل بالواو كما لم يصرف من الجباوة (٧).\n_________\n= الظعائن: جمع ظعينة، وهي المرأة في الهودج تحمل على الإبل، بالعلياء: الأرض المرتفعة، جرثم: ماء معين.\n(١) في (ب): (والعطاء).\n(٢) انظر: \"تهذيب اللغة\" (غشى) ٣/ ٢٦٦٨، \"اللسان\" (غشى) ٦/ ٣٢٦١.\n(٣) ذكره في \"الحجة\"، قال: روى لنا عن الكسائي وعن غيره ١/ ٣١، وانظر: \"اللسان\" ٦/ ٣٢٦١.\n(٤) (على) ساقطة من (ب).\n(٥) في (ج): (الامارمه). والكلام بنصه في \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٤٨، وانظر \"تهذيب اللغة\" (غشى) ٣/ ٢٦٦٨، و\"اللسان\" (غشى) ٦/ ٣٢٦١ ..\n(٦) في (أ)، (ج): (إذا) وفي (ب) و\"الحجة\": (إذ). وهو الأولى لصحة السياق.\n(٧) في (ب): (الجباره). انظر كلام أبي علي في \"الحجة\" ١/ ٣٠٠، نقله الواحدي بتصرف، قال ابن فارس (غشى): الغين والشين والحرف المعتل، أصل صحيح =","vol":"2","page":117},{"text":"والأشهر في القراءة رفع الغشاوة (١)، لأنها لم تحمل على (ختم)، ألا ترى أنه قد جاء في الأخرى ﴿وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً﴾ [الجاثية: ٢٣]، فلما (٢) لم تحمل في هذه على (ختم) كذلك لا تحمل هاهنا (٣)، وبقطعها عن ختم فتكون مرفوعة (٤) بعلى (٥).\nوقرأ المفضل (٦) ﴿غِشَاوَةٌ﴾ بالنصب (٧). وله وجهان:\n_________\n= يدل على تغطية شيء بشيء. \"معجم مقاييس اللغة\" ١/ ٤٢٥.\nقال السمين الحلبي بعد أن ذكر كلام أبي علي: وظاهر عبارته أن الواو بدل من الياء، فالياء أصل؛ بدليل تصرف الفعل منها دون مادة الواو، والذي يظهر أن لهذا المعنى مادتين: غ ش و، غ ش ى، ثم تصرفوا في إحدى المادتين واستغنوا بذلك عن التصرف في المادة الأخرى، وهذا أقرب من ادعاء قلب الواو ياء من غير سبب ..)، \"الدر المصون\" ١/ ١١٦.\n(١) قرأ السبعة كلهم برفع الغشاوة، إلا ما روى المفضل الضبي، عن عاصم أنه قرأ بالنصب. انظر \"الحجة\" لأبي علي ١/ ٢٩١، ٣١٢، وقال الطبري: إن قراءة الرفع هي الصحيحة، والنصب شاذة، ١/ ٢٦٢، ونحوه قال أبو الليث في \"تفسيره\" ١/ ٩٣.\n(٢) في \"الحجة\": (فكما) ١/ ٣٠٩.\n(٣) في \"الحجة\" (كذلك لا تحمل في هذِه التي في مسألتنا) ١/ ٣٠٩.\n(٤) فى (ب): (فتكون من موسه بعلى).\n(٥) في \"الحجة\": (ملها على (ختم) قطعها عنه وإذا قطعها عن (ختم) كانت مرفوعة إما بالظرف، وإما بالابتداء، \"الحجة\" ١/ ٣٠٩. قال مكي: (غشاوة: رفع بالابتداء، والخبر. وعلى أبصارهم)، (المشكل) ١/ ٢٠، وقال العكبري: (وعلى قول الأخفش (غشاوة) مرفوع بالجار كارتفاع الفاعل بالفعل)، \"الإملاء\" ١/ ١٥.\n(٦) هو المفضل بن محمد الضبي الكوفي، إمام مقرئ، نحوي، إخباري، أخذ القراءة عن عاصم، ومات سنة ثمان وستين ومائة.\nانظر ترجمته في: \"تاريخ بغداد\" ١٣/ ١٢١، \"الأنساب\" ٨/ ٣٨٥، \"إنباه الرواة\" ٣/ ٢٩٨، \"غاية النهاية\" ٢/ ٣٠٧.\n(٧) قال ابن مجاهد: \"قرأوا كلهم (غشاوة) في (البقرة) رفعا وبالألف، إلا أن المفضل =","vol":"2","page":118},{"text":"أحدهما (١): أن تحمل على الفعل، كأنه قال: وختم على قلبه غشاوة، أي: بغشاوة فلما حذف الحرف وصل الفعل، ومعنى ختم عليه بغشاوة: مثل جعل على بصره غشاوة. ألا ترى أنه إذا ختمها بالغشاوة فقد جعلها فيها، والدليل على جواز حمل غشاوة على ختم هذا الظاهر قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾ [النحل: ١٠٨]، وطبع في المعنى كختم، وقد حملت الأبصار على (طبع)، فكذلك (٢) تحمل (٣) على (ختم) (٤).\nوالوجه الثاني: ما قاله الفراء (٥)، وهو أنه نصبها بإضمار (وجعل)، كقوله في الجاثية: ﴿وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً﴾ [الجاثية: ٢٣].\nوالكلام إذا اجتمع ودل أوله على آخره حسن الإضمار، كقولك: أصاب فلان المال، فبنى الدور والعبيد والإماء واللباس، فـ (بنى) لا يقع على العبيد (٦) وإلاماء، واللباس فبنى لا يقع على العبيد والإماء ولكنه (٧)، صفات اليسار، فحسن الإضمار لما عرف، ومثله كثير. والذي لا يحسن من الإضمار (٨) ما يشتبه ولا يعرف المعنى، كقولك: ضربت فلانًا وفلانًا،\n_________\n= ابن محمد الضبي روى عن عاصم (وعلى أبصارهم غشاوة) نصبا\"، \"السبعة\" ص ١٤١، \"معاني القرآن\" للفراء١/ ١٣، \"الحجة\" ١/ ٢٩١ \"زاد المسير\" ١/ ٢٨.\n(١) في (ج): (أحدها).\n(٢) (فكذلك) ساقطة من (ب).\n(٣) في (ب): (حمل).\n(٤) بنصه في \"الحجة\"،١/ ٣٠٩، ٣١٠.\n(٥) \"معاني القرآن\" ١/ ١٣، ١٤، ونقله بتصرف يسير.\n(٦) في (ب) (العبد).\n(٧) في (ب): (لكن).\n(٨) في (ب): (لا يشتبه).","vol":"2","page":119},{"text":"وأنت تريد بالثاني: قتلت، لأنه ليس هاهنا دليل، وكذلك قولك: قد أعتقت يسارًا أمس وآخر اليوم، وأنت تريد: واشتريت آخر اليوم، فهذا لا يجوز، لأنه مختلف (١).\nقال الزجاج في هذه الآية: إنهم كانوا يسمعون ويبصرون ويعقلون، ولكن لم يستعملوا (٢) هذه الحواس استعمالًا يجدي عليهم، فصاروا كمن لا يعقل ولا يسمع ولا يبصر (٣).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾. (العذاب): كل ما يُعَنَي الإنسان ويشق عليه، وذكرت اشتقاقه عند قوله: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [البقرة: ١٠].\nو(العظيم) فعيل من العظم، ومعنى العظم: هو كثرة المقدار في الجثة (٤)، ثم استعير ذلك في الصفات، فقيل: كلام عظيم، [وأمر عظيم، أي: عظيم (٥)] القدر، يريدون به المبالغة في وصفه، ومن هذا الباب العظام، لأنها من (٦) أكبر ما ركب منه البدن، فالعظم في الأصل الزيادة على المقدار (٧)، ثم ينقسم إلى عظم الأجسام، وعظم الشأن (٨)، وهو\n_________\n(١) انتهى ما نقله عن الفراء، انظر \"المعاني\" ١/ ١٤.\n(٢) في (ب): (لا يسمعوا).\n(٣) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٤٧.\n(٤) في (ب): (الجنة).\n(٥) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).\n(٦) (من) ساقطة من (ب).\n(٧) انظر: \"تهذيب اللغة\" (عظم) ٣/ ٢٤٨٨، \"معجم المقاييس\" (عظم) ٤/ ٣٥٥، \"اللسان\" (عظم) ٥/ ٣٠٠٤.\n(٨) في (ب): \"اللسان\".","vol":"2","page":120},{"text":"منقول إلى عظم الشأن (١) من عظم الجثة، وكثر استعماله حتى صار حقيقة في الموضعين (٢).\nومعنى وصف العذاب بالعظم، هو المواصلة بين أجزاء الآلام بحيث لا تتخللها (٣) فرجة، أو إحداث ألم في كل جزء، أو (٤) يخلق ألما أشد من ألم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-231>٨ </span>- قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ الآية. روى ثعلب عن سلمه (٥) عن الفراء (٦) قال: يكون (٧) (من) ابتداء غاية، ويكون بعضًا، ويكون صلة، قال الله: ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ﴾ [يونس: ٦١]. المعنى: مثقال ذرة (٨).\nقال أبو عبيد (٩): والعرب تضع (من) مواضع (مذ) يقال: ما رأيته من [سنة، أي:] (١٠) مذ سنة. قال زهير:\n_________\n(١) في (ب): \"اللسان\".\n(٢) انظر: \"تفسير الرازي\" ٢/ ٥٤.\n(٣) في (ب): (لا محللها).\n(٤) في (ب): (جزوو أو يحلو).\n(٥) هو سلمة بن عاصم النحوي، روى عن الفراء، كان أديبا فاضلا، سمع منه ثعلب كتاب \"لمعاني\" للفراء، توفي بعد السبعين ومائتين. انظر ترجمته في: \"طبقات النحويين واللغويين\" ص ١٣٧، \"معجم الأدباء\" ٣/ ٣٩١، \"إنباه الرواة\" ٢/ ٥٦، \"غاية النهاية\" ١/ ٣١١.\n(٦) في \"تهذيب اللغة\" (سلمه عن الفراء ثم ذكره بنصه). \"التهذيب\" (من) ٤/ ٣٤٥٣.\n(٧) في \"التهذيب\": (تكون) في المواضع الثلاثة.\n(٨) في \"التهذيب\": (أي: ما يعزب عن علمه من مثقال ذرة) ٤/ ٣٤٥٣.\n(٩) \"تهذيب اللغة\" (من) ٤/ ٣٤٥٤.\n(١٠) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).","vol":"2","page":121},{"text":"أقوين من حجج ومن شهر (١)\nأي: مذ حجج (٢). ويكون (٣) (من) بمعنى البدل، كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً﴾ [الزخرف: ٦٠]. معناه: بدلكم (٤)، وسنذكره في موضعه. (٥) وأما الأصل [في (الناس) (٦)] فقد أقرأني العروضي قال: أقرأني الأزهري قال (٧): (أخبرني المنذري عن أبي الهيثم (٨) أنه سأله (٩) عن (الناس) (١٠) ما أصله؟\n_________\n(١) مطلع قصيدة لزهير يمدح هرم بن سنان وصدره:\nلمن الديار بقنة الحجر\nالقنة: أعلى الجبل، الحجر: بكسر الحاء منازل ثمود، ويروى بالفتح موضع باليمامة، أقوين: أقفرت، الحجج: بكسر الحاء جمع حجة وهي السنة، ومن شهر: واحد الشهور، ويروى ومن دهر. ورد البيت في \"تهذيب اللغة\" (من) ٤/ ٣٤٥٤، \"الجمل المنسوب\" للخليل ص ١٦١، \"الجمل\" للزجاجي ص ١٣٩، \"مغني اللبيب\" ١/ ٣٣٥، \"الهمع\" ٣/ ٢٢٦، \"شرح المفصل\" ٤/ ٢٩٣،٨/ ١١، \"الإنصاف\" ص ٣١٥، \"الخزانة\" ٩/ ٤٣٩، \"شرح ديوان زهير\" ص ٨٦.\n(٢) أي: مذ حجج ومذ شهر.\n(٣) في \"التهذيب\": (من) ٤/ ٣٤٥٤.\n(٤) في (ب): (بدله).\n(٥) عند أبي عبيد وتكون (من) بمعنى: اللام الزائدة. انظر بقية كلامه في \"التهذيب\" (من) ٤/ ٣٤٥٤، وذكر ابن هشام في \"مغني اللبيب\": أن (من) تأتي على خمسة عشر وجها، ١/ ٣١٨.\n(٦) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).\n(٧) (التهذيب) (أنس) ١/ ٢١٦.\n(٨) في (ب) (أبي القاسم).\n(٩) في (ج) (سأل).\n(١٠) (عن الناس) ساقط من (ب).","vol":"2","page":122},{"text":"قال: أصله أناس (١)، والألف فيه أصلية، ثم زيدت عليه اللام التي نزاد مع الألف للتعريف (٢)، وأصل تلك اللام سكون أبدا (٣)، فصار (الأناس) ثم كثر في الكلام، وكانت الهمزة واسطة فاستثقلوها (٤) فتركوها (٥)، ثم أدغموا اللام في النون فقالوا: الناس، فلما طرحوا الألف واللام قالوا: (ناس) (٦). وقد استعمله الشاعر على الأصل فقال:\nإن المنايا يَطّلعـ ... ـنَ على الأناس الآمنينا (٧)\nقال الأزهري: وهذا قول حذاق (٨) النحويين (٩). و(الناس) لفظ وضع\n_________\n(١) في (التهذيب): (فقال أصله (الأناس)، لأن أصله (أناس) فالألف فيه أصلية .....) ١/ ٢١٧.\n(٢) في (ب): (التعريف).\n(٣) في \"التهذيب\" (وأصل تلك اللام سكون أبدا إلا في أحرف قليلة، مثل: الاسم والابن، وما أشبهها من الألفات الوصلية، فلما زادوهما على أناس صار الاسم: الأناس. ...) ١/ ٢١٧.\n(٤) في (ب): (فاستقلوها).\n(٥) في \"التهذيب\": (..... فتركوها وصار باقي الاسم (ألناس) بتحريك اللام في الضمة، فلما تحركت اللام والنون أدغموا اللام في النون ...) ١/ ٢١٧.\n(٦) في \"التهذيب\": (فلما طرحوا الألف واللام ابتداء والاسم فقالوا: قال ناس من الناس. انتهى كلام أبي الهيثم في \"التهذيب\"، وقول الواحدي: وقد استعمله الشاعر ... الخ مع البيت ليس في \"التهذيب\" ١/ ٢١٧.\n(٧) البيت لذي جدن الحميري، ورد في \"مجالس العلماء\" للزجاجي ص ٧٠، \"الخزانة\" ٢/ ٢٨٠، \"الخصائص\" ٣/ ١٥١، \"تفسير البيضاوي\" ١/ ٩٩، \"الدر المصون\" ١/ ١١٩، \"اللسان\" (نوس) ٨/ ٤٥٧٥.\n(٨) في (ب): (خلاف).\n(٩) في \"التهذيب\": (قلت: وهذا الذي قاله أبو الهيثم تعليل النحويين) وفي الهامش في (ج) (قول حذاق النحويين)، \"التهذيب\" ١/ ٢١٧.","vol":"2","page":123},{"text":"للجمع، ولا واحد له من لفظه (١)، كالقوم والرهط والجيش، واختلفوا في تصغيره، فقيل: (أنيس) و(نويس).\nفمن قال: (أنيس) وهو قول أكثر النحويين (٢)، دل على (٣) أن أصله (أناس) لثبوت الهمزة في التصغير. ومن قال: نويس، جعل اشتقاق الناس من (النوس) وهو الاضطراب والحركة (٤) يقال ناس ينوس إذا تذبذب وتحرك، وأناس إذا حرك (٥). ومنه قول المرأة في حديث أم زرع: (أناس من حلي أذني) (٦).\n_________\n(١) قال الطبري: (في الناس وجهان: أحدهما: أن يكون جمعا لا واحد له من لفظه، وإنما واحدهم (إنسان) وواحدتهم (إنسانة). والوجه الأخر: أن يكون أصله (أناس) أسقطت الهمزة منها لكثرة الكلام بها، ثم دخلتها الألف واللام المعرفتان ...) ١/ ١١٦، وانظر \"تفسير ابن عطية\" ١/ ١٥٨ - ١٥٩، (البحر) ١/ ٥٢ (الدر المصون) ١/ ١١٨.\n(٢) قال سيبويه: (ليس من العرب أحد إلا ويقول: نويس)، انظر \"الكتاب\" ٣/ ٤٥٧، وانظر \"المسائل الحلبيات\" لأبي علي الفارسي ص ١٧١، ١٧٢.\n(٣) (دل على) مطموس في (ب).\n(٤) (الحركة) ساقطة من (ب).\n(٥) في (ب): (إذ بريدت).\n(٦) في (ب): (أرلى). قطعة من حديث طويل، فقد أخرج البخاري بسنده عن عائشة، قالت (جلس إحدى عشرة امرأة، فتعاهدن وتعاقدن أن لا يكتمن من أخبار أزواجهن شيئًا ...)، وفيه: (قالت الحادية عشرة: زوجي أبو زرع فما أبو زرع أناس من حلي أذني .....). أخرجه البخاري (٥١٨٩) كتاب النكاح، باب: حسن المعاشرة مع الأهل، ومسلم (٢٤٤٨) كتاب فضائل الصحابة، باب: فضائل عائشة، قال ابن حجر اختلف في رفعه ووقفه، ثم ذكر الخلاف في ذلك، وقال: (قلت: المرفوع منه في الصحيحين: (كنت لك كأبي زرع لأم زرع) وباقيه من قول عائشة، وجاء خارج الصحيحين مرفوعا كله ...). (الفتح) ٩/ ٢٥٥ - ٢٥٧. وقد =","vol":"2","page":124},{"text":"قال (١): وسمي الناس ناسًا، لأن من (٢) شأنهم الحركة على الاختيار العقلي، والواو في التصغير يدل على هذا الاشتقاق، وواحد الناس: إنسان، لا من لفظه. وكان في الأصل (إنسيان)، وهو فعليان، والألف فيه (فاء) الفعل، ومثله في الكلام (حرصيان) وهو الجلد الذي يلي الجلد الأعلى من (٣) الحيوان، ورجل حذريان، إذا كان حذرا، وإنما قلنا: إن أصله إنسيان، لأن العرب لم تختلف في تصغيره على أنيسيان (٤).\nقال الأزهري (٥): وأصل الإنس، والإنسان، والناس، من آنس يؤنس (٦) إذا أبصر، لأنهم يؤنسون، أي: يبصرون، كما قيل للجن: جن، لأنهم مجتنّون، لا يؤنسون أي: لا يبصرون (٧). وقد روي عن ابن عباس أنه\n_________\n= ذكر علماء اللغة وغريب الحديث أجزاء من الحديث، لما فيه من الألفاظ، فذكره أبو عبيد في \"غريب الحديث\"، ١/ ٣٦٤ - ٣٧٦، وورد في \"الفائق\" ٣/ ٤٨، ٤٩، وذكر قطعة منه الأزهري في \"التهذيب\" ٣/ ٢٤٥١، وذكره السيوطي من طرق كثيرة في \"المزهر\" ٢/ ٤٤٩.\n(١) المراد الأزهري فبعد كلامه السابق الذي ذكره الواحدي وهو قوله: (قلت: وهذا الذي قاله أبو الهيثم تعليل النحويين ... قال: وإنسان في الأصل: إنسيان وهو فعليان من الإنس ... إلخ) وما بينهما ليس في \"التهذيب\". انظر \"التهذيب\" ١/ ٢١٦.\n(٢) في (ب): (معنى).\n(٣) في (ج): (بين).\n(٤) انظر \"تهذيب اللغة\" (أنس) ١/ ٢١٦، وانظر \"الكتاب\" ٣/ ٤٨٦.\n(٥) \"تهذيب اللغة\" (أنس).\n(٦) في \"التهذيب\" (قلت: واصل الإنس والأنس والإنسان من الإيناس وهو الإبصار)، وفي الهامش في (ج) (وأصل الإنسان والناس من أنس يؤنس إذا أبصر)، ٢١٦ - ٢١٧.\n(٧) انتهى كلام الأزهري. انظر: \"التهذيب\" ١/ ٢١٦ - ٢١٧.","vol":"2","page":125},{"text":"قال: عهد الله سبحانه إلى آدم فنسي فسمي إنسانًا (١) وإن صح هذا فالهمزة تكون زائدة (٢).\nوذكر أبو علي في \"المسائل الحلبية\" (٣): أن الكسائي قال: إن الأناس (٤) لغة، والناس لغة أخرى (٥)، كأنه يذهب إلى أن (الفاء) محذوف من الناس، كما يذهب إليه سيبويه (٦)، والدلالة على أنهما من لفظ واحد، وليسا من كلمتين مختلفتين أنهم قالوا: (الأناس) في المعنى الذي قالوا فيه (الناس) وقالوا: الإنس والأنس والإنسي والأناسي (٧)، وإذا كان كذلك ثبت أن الهمزة (فاء) الفعل، وأن الألف من (أناس) زائدة (٨)، وأن (فاء) الفعل من الناس هي الهمزة المحذوفة، وهذا من مبادئ التصريف وأوائله (٩).\n_________\n(١) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ٤٩ أ، والقرطبي ١/ ١٦٨.\n(٢) انظر: \"المسائل الحلبيات\" ص ١٧١، والقرطبي ١/ ١٦٨، \"الدر المصون\" ١/ ١١٩،١٢٠.\n(٣) في (ب): (الجلسه).\n\"المسائل الحلبيات\" أحد كتب أبي علي المشهورة، طبع بتحقيق د/ حسن هنداوي، وقد نقل الواحدي كلام أبي علي بمعناه. انظر: \"المسائل الحلبيات\" ص ١٦٨ - ١٧٣.\n(٤) في (ب): (الإنسان).\n(٥) لم أجد هذا القول للكسائي في \"المسائل الحلبيات\". انظر: \"المسائل الحلبيات\" ص١٦٨ - ١٧٣، وانظر \"تهذيب اللغة\" (أنس) ١/ ٢١٦ - ٢١٧.\n(٦) انظر \"الكتاب\" ٢/ ١٩٦.\n(٧) قوله: (وقالوا: الإنس والأنس والأنسي والأناسي) ليس فىِ \"الحلبيات\"، انظر ص ١٦٨ - ١٧٣.\n(٨) في (ب): (فائده).\n(٩) في (ج): (وأوئله). أنظر: \"المسائل الحلبيات\" ص ١٦٨.","vol":"2","page":126},{"text":"ولو جاز لقائل أن (١) يقول: إن (ناسا) لسقوط الهمزة منه ليس من لفظ أناس، للزمه أن يقول: [قولهم (ويل أمه (٢» إذا حذفت الهمزة منه: ليست التي في (أمه) وأن يقول (٣)]: (عدة) ليس من الوعد، لسقوط الواو منه التي هي (فاء) (٤).\nوقوله تعالى: ﴿مَن يَقُولُ﴾. روى سلمة، عن الفراء، عن الكسائي (٥) قال: ﴿مِنَ﴾ يكون اسمًا، ويكون شرطًا ويكون معرفة، ويكون نكرة، ويكون للواحد والاثنين (٦) وللجميع، ويكون (٧) للإنس (٨) والملائكة والجن (٩)، وهذه الوجوه كلها موجودة في التنزيل (١٠)، ستمر بك مشروحة\n_________\n(١) (أن) ساقطة من (ب).\n(٢) إذا حذفت الهمزة منه يصير (ويلمه) الأصل فيها (ويل لأمه) أدغمت (لام) ويل في الجارة في (لأمه) ثم حذفت (لام) ويل لكثرة الاستعمال ثم حذفت الهمزة. انظر \"المسائل الحلبيات\" ص ٤٣.\n(٣) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).\n(٤) في (ج): (فاء العمل).\n(٥) في \"التهذيب\" سلمة عن الفراء عن الكسائي قال: (من) تكون اسما، وتكون جحدا، وتكون استفهاما، وتكون شرطا، وتكون معرفة، وتكون نكرة، وتكون للواحد، وتكون للأثنين، وتكون خصوصا، وتكون للأناس، والملائكة والجن وتكون للبهائم إذا خلطت بغيرها. \"التهذيب\" (من) ٤/ ٣٤٥٣، وذكر في \"مغني اللبيب\" أن (من) تأتي على خمسة أوجه ١/ ٣٢٧.\n(٦) في (ب): وللأثنين.\n(٧) في (ب): (تكون).\n(٨) في (أ)، (ج): (الأنس).\n(٩) في (ب): (للملائكة وللجن).\n(١٠) في \"التهذيب\" (قلت: هذِه الوجوه التي ذكرها الكسائي موجودة فىِ الكتاب ...)، ثم ذكر الأزهري أمثلة لها من القرآن. \"التهذيب\" ٤/ ٣٤٥٣.","vol":"2","page":127},{"text":"إن شاء الله. وإعرابها: الوقف (١)، لأنها لا تتم إلا بصلة، فلا يكون الإعراب في (٢) بعض الاسم (٣).\nوقوله تعالى: ﴿وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ (اليوم) مقداره من لدن طلوع الشمس إلى غروبها، وجمعه: أيام، وكان الأصل (أيوام) واجتمعت الياء والواو، وسبقت إحداهما الأخرى بالسكون، فأدغمت (٤). والآخر: نقيض المتقدم (٥)، يعني باليوم الآخر: يوم القيامة، ويسمى (٦) آخرًا، لأنه (٧) بعد أيام الدنيا، وقيل: لأنه (٨) آخر يوم ليس بعده ليلة، والأيام إنما تتميز بالليالي (٩)، فإذا لم يكن بعده ليل لم يكن بعده يوم على الحقيقة (١٠).\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾. دخلت (الباء) مؤكدة لمعنى النفي، لأنك إذا قلت: (ما زيد أخوك) فلم يسمع السامع (ما) ظن أنك موجب،\n_________\n(١) أي: السكون.\n(٢) في (ب): (من).\n(٣) قال الزجاج في (المعاني): (لأنها لا تكون اسما تاما في الخبر إلا بصلة، فلا يكون الإعراب في بعض الاسم)، ١/ ٤٩.\n(٤) ذكره الأزهري في \"تهذيب اللغة\" وفيه: (وجعلوا الياء هي الغالبة) أي: غلبوا (الياء) فقلبوا (الواو) (ياء) وأدغموها في (الياء). انظر \"تهذيب اللغة\" (يوم)، ٤/ ٣٩٩٠.\n(٥) ذكره الأزهري عن الليث. \"التهذيب\" (أخر) ١/ ١٣١.\n(٦) في (ب): (وسمى).\n(٧) في (ب): (إلا أنه).\n(٨) في (ب): (أنه).\n(٩) قال الطبري: فإن قال قائل: وكيف لا يكون بعده يوم، ولا انقطاع للآخرة، ولا فناء ولا زوال؟ قيل: إن اليوم عند العرب، إنما سمي يوما بليلته التي قبله، فإذا لم يتقدم النهار ليل لم يسم، فيوم القيامة يوم لا ليل بعده .... ١/ ١١٧.\n(١٠) انظر: \"تفسير ابن عطية\" ١/ ١٥٩.","vol":"2","page":128},{"text":"فإذا قلت: (ما زيد بأخيك) (١)، علم السامع أنك تنفي، وإن لم يسمع (ما) (٢). وجمع في قوله: ﴿وَمَا هُمْ﴾ بعد التوحيد في ﴿مَنْ يَقُولُ﴾ لأن لفظ (٣) (من) يصلح للواحد وللجميع (٤).\nقال المفسرون: نزلت هذه الآيات في المنافقين (٥) حين أظهروا كلمة الإيمان وأسرّوا الكفر (٦). فأخبر الله سبحانه أنهم يقولون: إنا مؤمنون، ويظهرون كلمة الإيمان، ثم نفى عنهم الإيمان فقال ﴿وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ فدل أن حقيقة الإيمان ليس الإقرار فقط (٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-232>٩ </span>- قوله تعالى: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآية. ﴿يُخَادِعُونَ﴾: يفاعلون من الخدع والخداع.\nواختلف أهل اللغة في أصل الخداع، فقال قوم: (٨) أصله من إخفاء\n_________\n(١) في (ب): (أخيك).\n(٢) ذكره الزجاج بنصه، دون قوله. وإن لم يسمع (ما)، \"معاني القرآن\" ١/ ٥٠.\n(٣) (لفظ) ساقط من (ب).\n(٤) (من) لها لفظ ومعنى، فلفظها مفرد مذكر، ومعناها يصلح للجمع وغيره، فيجوز مراعاة اللفظ فيعود الضمير مفردا، ويجوز مراعاة المعنى فيعود الضمير جمعا. انظر\"الدر المصون\" ١/ ١٢١.\n(٥) في (ب): (للمنافقين).\n(٦) قال الطبري: أجمع جميع أهل التأويل على أن الآية نزلت في قوم من أهل النفاق. الطبري ١/ ٢٦٨، وانظر \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٤٩، \"تفسير أبي الليث\" ١/ ٩٤، وابن عطية١/ ١٥٩، وابن كثير ١/ ٥٠.\n(٧) قال الطبري: (وفي هذِه الآية دلالة واضحة على بطول ما زعمته الجهمية من أن الإيمان هو التصديق بالقول دون سائر المعاني غيره ...)، ١/ ١١٧، وانظر \"تفسير أبي الليث\" ١/ ٩٤، وابن عطية ١/ ١٥٩.\n(٨) فيه طمس في (ب).","vol":"2","page":129},{"text":"الشيء (١)، قال الليث (٢): أخدعت الشيء، أي أخفيته، قال: (٣) ومن أمثال العرب (أخدَعُ من ضبِّ حرشتَه) (٤)، وهو من قولك: خدع مني (٥) فلان، إذا توارى ولم يظهر (٦). والضبّ (٧) إذا أروَحَ ريحَ الإنسان خَدَع (٨) في جحره (٩) فلم يخرج. وقال أبو العميثل (١٠): خدع (١١) الضب إذا (١٢) دخل في\n_________\n(١) انظر \"العين\" ١/ ١٣٣، \"معجم مقاييس اللغة\" ٢/ ١٦١، \"تهذيب اللغة\" (خدع) ١/ ٩٩٣.\n(٢) \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٤٩ ب، \"تهذيب اللغة\" (خدع) ١/ ٩٩٣.\n(٣) (قال ومن) فيه طمس في (ب).\n(٤) في (أ)، (ج) (جرشته). الخدع: التواري، وخَدْعُ الضب إنما يكون من شدة حذره، وصفة خدعه أنه يعمد بذنبه باب جحره ليضرب به من يعتدى عليه، فيجئ المحترش: أي المعتدى فيخرج الضب ذنبه إلى نصف الجحر، فإن دخل عليه شيء ضربه، وإلا بقى في جحره. وقد ورد المثل (أخدع من ضب)، انظر \"المستقصى في أمثال العرب\" ١/ ٩٢، ٩٥، \"مجمع الأمثال\" ١/ ٢٦٠، \"تهذيب اللغة\" (خدع) ١/ ٩٩٤.\n(٥) (منى) غير واضح في (ب).\n(٦) انتهى كلام الليث. \"تهذيب اللغة\" (خدع) ١/ ٩٩٤.\n(٧) في (ب) (والضب).\n(٨) (خدع) غير واضح في (ب).\n(٩) في (ب) (حجر) وفي (ج) (حجره).\n(١٠) في (ج) (العميثك). وأبو العميثل أعرابي، اسمه: عبد الله بن خالد، مولى جعفر ابن سليمان، كان يؤدب ولد عبد الله بن طاهر بخراسان، وكان يفخم كلامه ويعربه. توفي سنة أربعين ومائتين. انظر ترجمته في \"إنباه الرواة\" ٤/ ١٤٣، \"وفيات الأعيان\" ٣/ ٨٩.\n(١١) في (ب) (أجدع).\n(١٢) (أذا دخل) غير واضح في (ب).","vol":"2","page":130},{"text":"وجاره (١). ومنه قول الأعرابي لعمر -﵁- يصف قحوط المطر: خدعت الضباب وجاعت الأعراب (٢).\nويقال: خدع خير (٣) الرجل، أي: قل وخفي. وخدعت الضبع في وجارها، وخدع الثعلب إذا أخذ في الروغان (٤). قال (٥) الليث: والأخدعان: عرقان في صفحتي العنق قد خفيا وبطنا (٦).\nوطريق خدوع وخادع، إذا كان يبين (٧) مرة ويخفى أخرى (٨)، ومنه قول الطرماح (٩):\n_________\n(١) \"تهذيب اللغة\" (خدع) ١/ ٩٩٤، وفيه: (إذا دخل في وجاره ملتويا)، والوجار بكسر الواو وفتحها: جحر الضب وغيره.\n(٢) ذكره الأزهري. \"تهذيب اللغة\" (خدع) ١/ ٩٩٤، وهو في \"الفائق\" ١/ ٢٥٦، وفي \"النهاية في غريب الحديث\" ٢/ ١٤.\n(٣) في (أ)، (ج): (خبر) وفي (ب) بدون نقط، وفي \"التهذيب\" (خدع خير الرجل أي: قل) ١/ ١٥٨.\n(٤) \"تهذيب اللغة\" (خدع) ١/ ٩٩٤.\n(٥) (قال) ساقط من (أ)، (ج).\n(٦) \"تهذيب اللغة\" (خدع) ١/ ٩٩٤، وانظر (العين) ١/ ١٣٣.\n(٧) في (أ)، (ج): (يتبين) وما في (ب) موافق لما في \"تهذيب اللغة\".\n(٨) ذكره الأزهري في \"التهذيب\"، وأنشد بعده بيتا غير بيت الطرماح الذي ذكره المؤلف هنا.\nانظر: \" التهذيب\" (خدع) ١/ ٩٩٤، (العين) (خدع) ١/ ١٣٢.\n(٩) الطرماح بن حكيم الطائي، والطرماح بكسر الطاء والراء المهملتين، شاعر إسلامي في الدولة المروانية، ولد ونشأ بالشام، ثم انتقل إلى الكوفة، واعتنق مذهب الشراة من الخوارج.\nانظر ترجمته في \"الشعر والشعراء\" ص ٣٨٨، \"الخزانة\" ٨/ ٧٤.","vol":"2","page":131},{"text":"خَادِعَةُ المسلَكِ أرْصَادُهَا ... تُمسي (١) وُكُوَنًا فَوْقَ آرَامِهَا (٢)\nقال أبو عبيد: قال أبو زيد: خدعته خِدْعا بكسر الخاء وخديعة، وأنشد قول رؤبة (٣):\nفَقَدْ أُدَاهى (٤) خِدْعَ من تَخَدَّعَا (٥)\nوأجاز غيره (خَدْعا) بالفتح (٦).\nوعلى هذا الأصل (٧) معنى قوله: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ﴾ أي: يظهرون غير ما في نفوسهم، ليدرؤوا عنهم أحكام الكفار في ظاهر الشريعة من القتل والجزية وغيرهما.\nولما كان القوم عملوا (٨) عمل المخادع [قال الله تعالى: ﴿يُخَادِعُونَ\n_________\n(١) في (ب): (بمسى).\n(٢) البيت من قصيدة للطرماح، يمدح المهلب بن أبي صفرة الأزدي، وقوله: (خادعة المسلك): تخدع سالكها فلا يهتدي، و(الأرصاد): القوم يرصدون الطرق من المرتفعات، وكون: جالسون، من الوكن وهو موقع الطائر، (الآرام): (الأعلام)، ورد البيت في \"العين\" (خدع) ١/ ١٣٢، \"اللسان\" (خدع) ٢/ ١١٣، \"ديوان الطرماح\" ص ٤٥٣.\n(٣) هو الراجز المشهور ابن الراجز، رؤبة بن العجاج من بني مالك بن سعد بن مناة بن تميم، كان أكثر شعرا من أبيه وأفصح، كان مقيما بالبصرة، ولحق الدولة العباسية كبيرا، ومات بالبادية سنة خمس وأربعين ومائة. انظر \"الشعر والشعراء\" ص ٣٩٢، \"تهذيب التهذيب\" ١/ ٩٩٣، \"الخزانة\" ١/ ٨٩.\n(٤) في (ب): (أوداهى).\n(٥) ورد الرجز في (ديوان رؤبة) ص ٨٨، \"تهذيب اللغة\" (خدع) ١/ ٩٩٣، \"اللسان\" (خدع) ٢/ ١١١٢.\n(٦) \"التهذيب\" (خدع) ١/ ٩٩٣، \"اللسان\" (خدع) ٢/ ١١٢.\n(٧) وهو أن الخداع من إخفاء الشيء.\n(٨) (عملوا) ساقطة من (ب).","vol":"2","page":132},{"text":"اللَّهَ﴾ أي: يعملون عمل المخادع، ليس أن خداعهم يخفى على الله (١).\nوقال آخرون: أصل الخداع والخدع من الفساد (٢) روى ثعلب عن ابن الأعرابي (٣) قال: الخادع (٤):] الفاسد من الطعام وغيره، وأنشد قوله:\n................. .... إذا الرِّيقُ خَدَعْ (٥)\nقال ابن الأعرابي: خدع الريق أي: فسد (٦)\nومنه الحديث: \"يكون قبل خروج الدجال سنون خداعة\" (٧).\n_________\n(١) انظر (تفسير الطبري) ١/ ١١٩، وابن كثير ١/ ٥١.\n(٢) \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٤٩ أ، وانظر. \"تهذيب اللغة\" (خدع) ١/ ٩٩٤، \"الحجة\" ١/ ٣١٣، والقرطبي في \"تفسير\" ١/ ١٧٠.\n(٣) \"الحجة\" ١/ ٣١٣، وفي \"التهذيب\" روى ابن الأنباري عن ثعلب عن ابن الأعرابي ثم ذكره، ١/ ٩٩٤.\n(٤) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).\n(٥) البيت لسويد بن أبي كاهل اليشكرى، يصف ثغر امرأة وتمامه:\nأبْيَضُ اللَّوْنِ لَذِيذٌ طَعْمُهُ ... طَيِّبُ الرِّيقِ إذا الرِّيقُ خَدَعْ\nالبيت ورد في \"الحجة\" ١/ ٣١٣، \"التهذيب\" (خدع) ١/ ٩٩٤، والثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ٤٩ أ، (معجم مقاييس اللغة) (خدع) ٢/ ١٦١، \"الصحاح\" (خدع) ٣/ ١٢٠٢، \"اللسان\" (خدع) ٢/ ١١١٣، \"زاد المسير\" ١/ ٣٠، والقرطبي في \"تفسيره\" ١/ ١٧٠، \"الدر المصون\" ١/ ١٢٥.\n(٦) قال في (الصحاح): خدع الريق، أي: يبس، ثم ذكر البيت وقال: لأنه يغلظ وقت السحر فييبس وينتن. \"الصحاح\" (خدع) ٣/ ١٢٠٢.\n(٧) بهذا اللفظ ذكره الخطابي في \"غريب الحديث\" ١/ ٥٣٠، والازهري في \"تهذيب اللغة\" (خدع) ١/ ٩٩٤، وابن الجوزي في \"غريب الحديث\" ١/ ٢٦٧، وابن الأثير في \"النهاية\" ٢/ ١٤. وأخرج ابن ماجه عن أبي هريرة: \"سيأتي على الناس سنوات خداعات ... \"، ابن ماجه (٤٠٣٦) كتاب الفتن، باب: شدة الزمان، وأخرجه أحمد في \"المسند\" ولفظه: \"ستأتي على الناس سنون خداعة ... \" الحديث، ٢/ ٢٩١، =","vol":"2","page":133},{"text":"قال شمر: هي الفواسد، قال: ويقال: السوق خادعة، إذا لم يقدر على الشيء إلا بغلاء فهي فاسدة (١). وعلى هذا الأصل (٢)، قال [ابن] (٣) الأنباري: معنى قوله ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ﴾ وتأويله (٤): يفسدون (٥) ما يظهرون من الإيمان بما يضمرون من الكفر. فإن قيل: المفاعلة تكون بين اثنين، والله تعالى يجل عن أن يشاركهم في الخدع، فما وجه قوله: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ﴾؟ والجواب عن هذا من وجوه: قال محمد بن القاسم (٦): إن الخداع منهم يقع بالاختيال (٧) والمكر، ومن الله تعالى بأن يظهر ويعجل لهم من الأموال والأولاد ما يدخر (٨)، ويؤخر (٩) خلافه، فأشبه هذا فعلهم (١٠)،\n_________\n= ٣٣٨، وأخرجه عن أنس بلفظ \"إن أمام الدجال سنين خداعة .. \" الحديث، ٣/ ٢٢٠، وذكره الهيثمي في (مجمع الزوائد) عن عوف بن مالك: (يكون أمام الدجال سنون خوادع ...)، قال: رواه الطبراني بأسانيد، وفي أحسنها ابن اسحاق وهو مدلس، وبقية رجاله ثقات. \"مجمع الزوائد\" ٧/ ٣٣٠، وانظر: \"المطالب العالية\" ١٨/ ٤٢٦.\n(١) \"تهذيب اللغة\" (خدع) ١/ ٩٩٤.\n(٢) أي: أن أصل الخداع من الفساد.\n(٣) في (أ)، (ب): قال لي الأنباري، وفي (ج): (قال لي ابن الأنباري) وصححت العبارة على ما في \"التهذيب\" حيث قال: (قال أبو بكر) ١/ ٩٩٤.\n(٤) في (أ): (معنى تأويله)، وفي (ج) (معنى قوله) وأثبت ما في (ب) لأنه الأنسب.\n(٥) في (أ)، (ج): (تفسدون)، وما في (ب) موافق لما في \"تهذيب اللغة\" وفيه: (قال أبو بكر: فتأويل قوله: (يخادعون الله) يفسدون .. الخ. (خدع) ١/ ٩٩٤.\n(٦) هو أبو بكر بن الأنباري.\n(٧) في (ب): (بالاحتيال) ولعلها أولى.\n(٨) في (أ)، (ج): (ما يذخر).\n(٩) (ويؤخر) ساقط من (ب).\n(١٠) في (ب): (فعله).","vol":"2","page":134},{"text":"إذ (١) كانوا يظهرون الإيمان بالله (٢) ورسوله، ويضمرون خلاف (٣) ما يظهرون، والله ﷿ يظهر لهم من الإحسان في الدنيا خلاف ما يغيب عنهم ويستر من عذاب الآخرة، فجمع الفعلان لتشابههما من هذه الجهة (٤).\nوهذا الذي قاله محمد بن القاسم مطرد (٥) على الأصلين (٦)، أما الإخفاء فقد ذكره (٧)، وأما الفساد، فكما أنهم يفسدون ما يظهرون من الإيماد بما يضمرون، كذلك الله تعالى أفسد عليهم نعيمهم في الدنيا بما\n_________\n(١) في (ب): (إذا).\n(٢) (بالله) مكرر في (ج).\n(٣) في (ج): (خلافه).\n(٤) وإلى هذا المعنى مال الطبري حيث قال رادًّا على أبي عبيدة في دعواه. أن (يخادع) بمعنى يخدع (قال: (قد قال بعض المنسوبين إلى العلم بلغات العرب: إن ذلك الحرف جاء بهذِه الصورة أعني (يخادع) بصورة (يفاعل)، وهو بمعنى (يفعل) في حروف أمثالها شاذة من منطق العرب نظير قولهم: قاتلك الله، بمعنى قتلك الله)، ثم ذكر رأيه: وليس القول في ذلك عندي كالذي قال، بل ذلك من (التفاعل) الذي لا يكون إلا من اثنين، كسائر ما يعرف من معنى (يفاعل ومفاعل) في كل كلام العرب. وذلك أن المنافق يخادع الله جل ثناؤه بكذبه بلسانه -على ما تقدم وصفه- والله تبارك اسمه خادعه بخذلانه عن حسن البصيرة بما فيه نجاة نفسه في آجل معاده، كالذي أخبر في قوله: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا﴾ [آل عمران: ١٧٨]، \"تفسيرالطبري\" ١/ ١١٩، وانظر: \"تفسير البغوي\" ١/ ٦٥.\n(٥) في (ب): (مطردا).\n(٦) المرأد بالأصلين في الخداع، هل هو من الفساد أو من الإخفاء؟\n(٧) حيث قال: ويضمرون خلاف ما يظهرون والله ﷿ يظهر لهم من الإحسان في الدنيا خلاف ما يغيب عنهم ويستر من عذاب الآخرة.","vol":"2","page":135},{"text":"أصارهم إليه من عذاب الآخرة (١). وقيل: يخادعون الله، أي: (يخدعون)، قال اللحياني (٢) وأبو عبيدة: خادعت الرجل بمعنى خدعته، والمفاعلة كثيرًا ما تقع من الواحد، كالمعافاة والمعاقبة وطارقت النعل، ومعناه على هذا: يقدرون في أنفسهم أنهم يخدعون الله (٣).\nوقال الحسن: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ﴾ أي: نبيه، لأن الله بعث نبيه (٤) بدينه، فمن أطاعه فقد أطاع الله، كما قال: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠]. وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾ [الفتح: ١٠] فعلى هذا من خادعه فقد خادع الله، كقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ﴾ [الأحزاب: ٥٧] أي أولياءه، وعلى (٥) هذا التأويل (المخادعة) أيضًا من الواحد (٦).\n_________\n(١) هذا من قول أبي بكر محمد بن القاسم بن الأنباري كذلك، وقد سبق أن نقل المؤلف جزءًا منه، وانظر بقيته في \"التهذيب\" (خدع) ٢/ ١١١٢.\n(٢) هو علي بن حازم اللحياني، لغوي معروف، عاصر الفراء وتصدر في أيامه. انظر ترجمته في \"طبقات النحويين واللغويين\" ص ١٩٥، \"إنباه الرواة\" ٢/ ٢٥٥، \"معجم الأدباء\" ١٤/ ١٠٦.\n(٣) انظر كلام اللحياني في: \"التهذيب\" (خدع) ١/ ٩٩٤، وكلام أبي عبيدة في \"مجاز القرآن\" ص ٣١ ونحو هذا المعنى ذكر الزجاج في \"المعاني\" ١/ ٥٠، وسبق ذكر رد الطبري على أبي عبيدة، انظر \"تفسير الطبري\" ١/ ١١٩، \"تفسير البغوي\" ١/ ٦٥.\n(٤) (نبيه) ساقط من (ب).\n(٥) (الواو) ساقطة من (ب).\n(٦) ذكره أبو علي في \"الحجة\"، حيث قال: قال بعض المتأولين أظنه الحسن، ثم ذكره، ووجه هذا القول، كما نقل المؤلف هنا، ١/ ٣١٤، ٣١٥، ونسب القول للحسن ابن عطية ١/ ١٦٣، والبغوي ١/ ٦٥، والقرطبي ١/ ١٧٠، وذكره ابن الجوزي ونسبه للزجاج. \"زاد المسير\" ١/ ٢٩.","vol":"2","page":136},{"text":"وقيل: إن ذكر الله ههنا تحسين وتزيين لافتتاح الكلام، والقصد (١) بالمخادعة الذين آمنوا (٢)، فصار كقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ٤١].\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾. قرئ بوجهين (٣). فمن قرأ بالألف قال: هو من المفاعلة التي تقع (٤) من الواحد كقوله: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ﴾ فلما وقع الاتفاق على الألف في قوله: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ﴾ أجري الثاني\n_________\n(١) في (ب): (الفصل).\n(٢) ذكره الثعلبي ١/ ٤٩ ب، وفي الأقوال الثلاثة الأخيرة، محاولة تأويل الآية، لنفي الخداع عن الله، وقد انتصر لبعضها أبو علي الفارسي في \"الحجة\" ١/ ٣١٤ - ٣١٦. كما انتصر لها الزمخشري في \"الكشاف\" وذكر في تفسير الآية وجوها أخرى قريبة منها في المعنى، وقد رد عليه صاحب \"الإنصاف فيما تضمنه الكشاف من الاعتزال\". ومما قاله في رده: (.. ومع ذلك يمنع أن ينسب الخداع إلى الله تعالى لما يوهم ظاهره من أنه يكون عن عجز عن المكافحة وإظهار المكتوم هذا هو الموهم منه في الاطلاق، ولكن حيث أطلقه تعالى مقابلا لما ذكره من خداع المنافقين كمقابلة المكر بمكرهم، علمنا أن المراد منه أنه فعل معهم فعلا سماه خداعا مقابلة ومشاكلة ... هذا معتقد أهل السنة في هذِه الآية وأمثالها، لا كالزمخشري وشيعته الذين يزعمون أنهم يوحدون فيجحدون وينزهون فيشركون والله الموفق للحق. \"الكشاف\" ١/ ١٧١. و\"الإنصاف\" بهامشه.\nوقد ذكرت فيما سبق قريبا رد الطبري على أبي عبيدة، وذكرت القول الذى ارتضاه في معنى الآية.\n(٣) قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو (يخادعون)، (وما يخادعون) بالألف والياء المضمومة. وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي (يخادعون) (وما يخدعون) بفتح الياء من غير ألف. أنظر \"السبعة\" ص ١٤١، \"الحجة\" لأبي علي ١/ ٣١٣،٣١٢، \"الكشف\" ١/ ٢٢٤.\n(٤) في (ب): (تضع).","vol":"2","page":137},{"text":"على (١) الأول طلبا للتشاكل، وقد أجري على التشاكل ما لا يصح (٢) في المعنى كقوله:\nفَنَجْهَلَ فوْقَ جَهْلِ الجَاهِلِينَا (٣)\nوقوله تعالى: ﴿فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ (٤) [البقرة: ١٩٤] فلأن يجرى للتشاكل ما يصح في المعنى أولى (٥). وأيضا فإنهم كانوا يخادعون أنفسهم بالتسويف والتشكيك إذ (٦) نازعتهم دواعي الإيمان، ودعتهم خواطر الحق، كانوا يقابلون (٧) ذلك بالجحد والتكذيب وترك النظر، والخاطران في قلب واحد إذا كانا يتعارضان جعلا بمنزلة نفسين (٨)\n_________\n(١) في (ب): (أجزى الثاني عن الأول).\n(٢) عبارة أبي علي في \"الحجة\": (وإذا كانوا قد استجازوا لتشاكل الألفاظ وتشابهها أن يجروا على الثاني طلبا للتشاكل ما لا يصح في المعنى على الحقيقة، فأن يلزم ذلك ويحافظ عليه فيما يصح في المعنى أجدر وأولى، وذلك نحو: ألا لا يجهلن ...) ١/ ٣١٥، ٣١٦.\n(٣) عجز بيت من معلقة عمرو بن كلثوم وصدره:\nألا لا يجهلن أحد علينا\nوالشاهد فيه: أنه جعل انتصاره جهلا طلبا للمشاكلة، وتسمية للفعل الثاني بالفعل الأول المسبب له. انظر: \"الحجة\" ١/ ٣١٦، \"شرح القصائد المشهورات\" للنحاس ٢/ ١٢٥، \"البحر المحيط\" ١/ ٥٧.\n(٤) والشاهد فيها: أنه سمى القصاص عدوانا، من باب التشاكل اللفظي.\n(٥) في (ب) (أولا) ذكره أبو علي في \"الحجة\" ١/ ٣١٥، ٣١٦، وانظر \"الكشف عن وجوه القراءات\" ١/ ٢٢٥، \"البحر المحيط\" ١/ ٥٧.\n(٦) في (ب): (إذا) ولعله أصوب.\n(٧) في (أ)، (ج): (يقاتلون).\n(٨) في (ب): (تفسير). انظر: \"الحجة\" ١/ ٣١٧، \"البحر المحيط\" ١/ ٥٧.","vol":"2","page":138},{"text":"ألا ترى الكميت (١) قال (٢) في ذكر حمار أراد الورود (٣):\nتذكر من أنّى ومن أين شربه ... يؤامر نفسَيه كذي الهَجْمة الأَبِلْ (٤)\nفجعل ما يكون من ورود الماء (٥) أو ترك الورود والتمييل (٦) بينهما بمنزلة نفسين، وعلى هذا يتوجه قراءة من قرأ: ﴿قَالَ اعْلَمْ أَنَ اَللَّهَ عَلىَ كلِّ شئٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٥٩] بالجزم (٧)، فنزل نفسه عند الخاطر الذي يخطر له عند نظره منزلة مناظر له (٨).\n_________\n(١) في \"الحجة\": (ألا ترى الكميت أو غيره ..)، ١/ ٣١٧، وفي \"اللسان\" نسبه للكميت (أبل) ١/ ١٠. والكميت. هو الكميت بن زيد بن الأخنس من بني أسد، كوفي شاعر، مقدم، عالم بلغات العرب، كان متشيعا (٦٠ - ١٢٦هـ). انظر ترجمته في: \"الشعر والشعراء\" ص ٣٨٥، \"طبقات فحول الشعراء\" ٢/ ٣١٨، \"الخزانة\" ١/ ١٤٤.\n(٢) في (ب) (ألا ترى الكميت في ذلك ذكر حمار).\n(٣) في (أ)، (ج) (في ذكر حمار أباد الورود).\n(٤) يؤامر: يشاور الهجمة: القطعة من الإبل، والأبل: على وزن (فَعِل) بفتح الفاء وكسر العين من صيغ المبالغة، وهو من حذق مصلحة الإبل، ورد البيت في \"الحجة\" ١/ ٣١٧ \"تفسير ابن عطية\" ١/ ١٦١، \"اللسان\" (أبل) ١/ ١٠، \"البحر المحيط\" ١/ ٥٧، فيه (البهجة) والبيت نسبه بعضهم للكميت كما فعل الواحدي، أما أبو علي في \"الحجة\" فقال: للكميت أو غيره، وهو في \"شعر الكميت\" جمع داود سلوم ص ٣٩٦.\n(٥) في (ب): (للماء).\n(٦) في (ب): (التمثيل) ومثله فى \"الحجة\" ١/ ٣١٨.\n(٧) وهي قراءة حمزة والكسائي: (اعلم) ألف وصل وسكون الميم (فعل أمر)، وقراءة ابن كثير ونافع وعاصم وأبي عمرو وابن عامر: (أعلم) بقطع الألف وضم الميم، (فعل مضارع). انظر \"السبعة\" لابن مجاهد ص ١٨٩، \"الكشف\" ١/ ٣١٢.\n(٨) الكلام في \"الحجة\"١/ ٣١٨، وانظر: \"الكشف\" لمكي ١/ ٣١٢.","vol":"2","page":139},{"text":"ومن قرأ ﴿يَخْدَعُونَ﴾ قال: إن فَعَلَ [أولى بفعل] (١) الواحد من (فاعَلَ) من حيث كان أخص به، وكان أليق من (فاعَل) الذي هو لأكثر الأمر (٢) أن يكون لفاعلين (٣).\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾ (٤). معناه أنهم راموا الخداع فلم يخدعوا الله ولا المؤمنين، وما خدعوا إلا أنفسهم؛ لأن وبال خداعهم عاد عليهم، وهذا كقولك: قاتل فلان فلانا فما قتل إلا نفسه، أي: رام قتل صاحبه فلم يتمكن وعاد وبال فعله إليه، كذلك المنافقون في الحقيقة إنما يخدعون أنفسهم (٥)، لأن الله سبحانه يطلع نبيه -﵊- على أسرارهم ونفاقهم (٦)، فيفتضحون في الدنيا، ويستوجبون العقاب (٧) في العقبى (٨).\n_________\n(١) في جميع النسخ جاءت الجملة: (أن فعل أو لن يفعل الواحد ..) فصححتها على عبارة \"الحجة\"، لأن المؤلف نقل الكلام منه. انظر: \"الحجة\" ١/ ٣١٧.\n(٢) في (أ)، (ج): الأكثر إلا من أن يكون ..)، وعبارة \"الحجة\" (الذي في أكثر الأمر أن يكون لفاعلين) وهي أوضح ١/ ٣١٧. وانظر: \"الكشف\" لمكي ١/ ٢٢٤.\n(٣) رجح ابن جرير قراءة ﴿وما يخدعون﴾ بدون ألف، وقال: هي أولى بالصحة من قراءة من قرأ ﴿وما يخادعون﴾، ١/ ١٢٠، وكذا مكي حيث قال: وقراءة من قرأ بغير ألف أقوى في نفسي. ثم ذكر حججه على ذلك، وقال: والقراءة الأخري حسنة ..) وقال: وحمل القراءتين على معنى واحد أحسن وهو أن (خادع) و(خدع) بمعنى واحد في اللغة. \"الكشف\" ١/ ٢٢٥، ٢٢٧.\n(٤) على قراءة نافع وأبن كثير وأبي عمرو.\n(٥) \"تفسير الطبري\" ١/ ١١٩، وانظر \"تفسير القرطبي\" ١/ ١٧١، \"زاد المسير\" ١/ ٣٠، \"تفسير ابن كثير\" ١/ ٥١.\n(٦) انظر: \"تفسير أبي الليث\" ١/ ٩٥.\n(٧) في (ب): (العذاب).\n(٨) انظر: \"زاد المسير\" ١/ ٣٠، \"تفسير البغوي\" ١/ ٦٦.","vol":"2","page":140},{"text":"وقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾. النفس: تستعمل (١) في اللغة على معان: النفس: عين الشيء وذاته (٢). والنفس: بمعنى الروح، يقولون: خرجت نفسه، إذا فارقه الروح (٣). والنفس: بمعنى الدم، يقال: هذا ليس له نفس سائلة، وذلك أنه لما كان قوام البدن بالدم سمي الدم باسم الروح الذي هو النفس (٤)، ومنه يقال: نفست المرأة (٥): إذا حاضت (٦).\nوقال ابن الأنباري: سميت النفس نفسا لتولد النفس منها، كما سموا الروح روحا؛ لأن الروح موجود به (٧). وسنذكر (٨) معاني النفس بأبلغ من هذا عند قوله: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ (٩) [الزمر: ٤٢]. إن شاء الله.\nوفي قوله: ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾ (١٠) تحقيق أن المخادعة وقعت بهم لا بغيرهم، كما تقول: رأيت نفس الشيء، أخبرت أن الرؤية وقعت عليه لا على مثاله (١١).\n_________\n(١) في (ج): (مستعمل).\n(٢) انظر: \"تهذيب اللغة\" (نفس) ٤/ ٣٦٣٠، \"الصحاح\" (نفس) ٣/ ٩٨٤.\n(٣) انطر المراجع السابقة.\n(٤) في (ب) (اليقين).\n(٥) في أ (للمرأة) وما في (ب، ج) موافق لما في \"تهذيب اللغة\".\n(٦) انظر: \"تهذيب اللغة\" (نفس) ٤/ ٣٦٣١، \"الصحاح\" (نفس) ٣/ ٩٨٤، وللنفس معان أخرى منها: الجسد، والعين وغير ذلك. انظر: \"الصحاح\" (نفس) ٣/ ٩٨٤، \"مقاييس اللغة\" (نفس) ٥/ ٤٦٠.\n(٧) \"الزاهر\" لابن الأنباري ٢/ ٣٨٦، وانظر \"تهذيب اللغة\" (نفس) ٤/ ٣٦٢٩.\n(٨) في (ب): (وسنذكره).\n(٩) لفظ الجلالة، ليس في (ج).\n(١٠) على قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو.\n(١١) انظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ١١٩ - ١٢٠، \"البحر المحيط\" ١/ ٥٨، \"الدر المصون\" ١/ ١٢٧، ١٢٨.","vol":"2","page":141},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ أي ما يعلمون أنهم يخدعون أنفسهم، وأن وبال خداعهم يعود إليهم، وفي هذا دليل على أنهم كانوا جهالًا بالله سبحانه وبدينه. و(الشِّعْر): العلم، وهو في الأصل (شِعْرَة) (١) كالفطنة والدِّرية (٢)، وقالوا: ليت شعري، فحذفوا (التاء) مع الإضافة للكثرة، وقد قالوا: ذهب بعذرتها، [وهو أبو عذرها (٣)] (٤) وكأن شعرت من الشعار، وهو ما يلي الجسد، وكأن شعرت به، علمت علم حسّ (٥).\nقال الفرزدق (٦):\n_________\n(١) وقوله: (وهو في الأصل شعرة ... إلخ) من كلام أبي علي الفارسي أورده ابن سيده في \"المخصص\" قال (قال أبو علي: .. فأما شعرت فمصدره: شعرة، بكسر الأول كالفطنة والدرية. وقالوا: ليت شعري ... إلخ) \"المخصص\" ٣/ ٣٢، وانظر: \"الصحاح\" (شعر) ٢/ ٦٩٩، \"مقاييس اللغة\" ٣/ ١٩٤، \"اللسان\" ٤/ ٢٢٧٣، \"القاموس\" ص ٤١٦.\n(٢) في (ب): (الدربة) بالباء الموحدة ن وكذا ورد عند ابن فارس في \"المقاييس\" ٣/ ١٩٤. وعند سيبويه ٤/ ٤٤، وابن سيده في \"المخصص\" ٣/ ٣٢، (الدرية) كما هنا.\n(٣) قال سيبويه: (هذا باب ما تجيء فيه الفعلة تريد بها ضربا من الفعل)، ثم قال: (.. وقد تجيء الفعلة لا يراد بها هذا المعنى وذلك نحو: الشدة، والشعرة، والدرية .. وقالوا: ليت شعري في هذا الموضع، استخفافا، لأنه كثر في كلامهم، كما قالوا: ذهب بعذرتها، وقالوا: هو أبو عذرها لأن هذا أكثر ...)، \"الكتاب\" ٤/ ٤٤، وانظر \"الصحاح\" (شعره) ٢/ ٦٩٩، \"اللسان\" ٤/ ٤٠٩.\n(٤) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).\n(٥) في (ب): (حسن).\n(٦) هو الشاعر المشهور همام بن غالب بن صعصعة بن تميم البصري، مات سنة عشر ومائة. انظر ترجمته في \"الشعر والشعراء\" ص ٣١٠، \"طبقات فحول الشعراء\" ٢/ ٢٩٨، \"الخزانة\" ١/ ٢١٧.","vol":"2","page":142},{"text":"لَبِسْنَ (١) الفِرِنْدَ الخُسْرُوَانِي فَوْقَهُ ... مَشَاعِرَ مِنْ خَزِّ العِرَاقِ المُفَوَّفُ (٢)\nأراد: لبسن الفرند الخسرواني مشاعر فوقه المفوف من خز العراق، أي جعلنها الشعار. فالشعر ضرب من العلم مخصوص، وكل مشعور به معلوم، وليس كل معلوم مشعورا (٣) به، ولهذا لم يجز في وصف الله تعالى (٤).\nوقوله في وصف الكافرين ﴿لَا يَشْعُرُونَ﴾ أبلغ في الذم من وصفهم بأنهم لا يعلمون؛ لأن البهيمة قد تشعر من حيث تحس (٥)، فكأنهم وصفوا بنهاية الذهاب عن الفهم، وعلى هذا قال: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ [البقرة: ١٥٤] ولم يقل: (ولكن لا تعلمون) لأن المؤمنين إذا أخبرهم الله تعالى بأنهم أحياء علموا أنهم أحياء،\n_________\n(١) في (ب): (ليبس).\n(٢) البيت في \"ديوان الفرزدق\" وفيه (دونه) بدل (فوقه) ٢/ ٢٤، \"المخصص\" ٣/ ٣٢، \"شرح الأبيات المشكلة الإعراب\" للفارسي ص ٢٩٩، \"جمهرة أشعار العرب\" ص ٣١٤، وفيه (الفريد) بدل (الفراند)، و(خزي) بدل (من خز)، و(الفراند): يطلق على وشى السيف، وعلى السيف نفسه، وعلى الورد الأحمر، وقال في \"اللسان\" (فرند): دخيل معرب اسم ثوب، \"اللسان\" (فرند) ٦/ ٣٤٠٥، و(الفريد): قلائد اللؤلؤ، و(الخسرواني): الذي يشتري بالمال الكثير، ولا تحسب فيه خسارة، و(المشاعر). الثياب التي يلي البدن، و(المفوف): المُوَشَّى.\n(٣) فبينهما عموم وخصوص مطلق.\n(٤) في \"المخصص\": (... ولهذا لم يجز في وصف الله تعالى كما لم يجز في وصفه (دوى)، وكان قوله تعالى في وصف الكافرين ...).، ٣/ ٣٢.\n(٥) في (ب): (لا تحس). وفي \"المخصص\": (.. من حيث كانت تحس ..)،٣/ ٣٢.","vol":"2","page":143},{"text":"فلا يجوز أن ينفي الله العلم عنهم بحياتهم، إذ (١) كانوا [قد علموا ذلك بإخباره إياهم. ولكن يجوز أن يقال: [(ولكن لا)] (٢) تشعرون (٣)، لأنه ليس كل ما علموه يشعرونه، كما أنه ليس كل ما علموه يحسونه بحواسهم، فلما كانوا لا يعلمون بحواسهم حياته (٤)، وإن كانوا قد علموه بإخبار الله إياهم وجب أن يقال: ﴿لَا يَشْعُرُونَ﴾ (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-233>١٠ </span>- قوله تعالى ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾:\nقال أبو بكر بن الأنباري (٦): أصل المرض في اللغة: الفساد، ومرض فلان، فسد جسمه، وتغيرت حالته، وكذلك مرضت الأرض معناه (٧) تغيرت وفسدت (٨).\n_________\n(١) في (ب): (إذا).\n(٢) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).\n(٣) في (أ)، (ب) يشعرون (بالياء) وما في (ج) موافق لـ\"المخصص\" ٣/ ٣٢. وهو الوارد في الآية، وهو ما أثبته.\n(٤) في \"المخصص\" (حياتهم) ٣/ ٣٢، والمراد الشهداء.\n(٥) في (المخصص) (لا تشعرون). انتهى ما نقله الواحدي من كلام أبي علي. انظر \"المخصص\" ٣/ ٣٢.\n(٦) انظر: \"الزاهر\" ١/ ٥٨٥، وانظر: \"تفسير القرطبي\" ١/ ١٧١، \"تفسير النسفي\" ١/ ١٨، \"البحر اليحيط\" ١/ ٥٣. قال ابن فارس: (الميم والراء والضاد) أصل صحيح يدل على ما يخرج به الإنسان عن حد الصحة في أي شيء كان، ..)، \"مقاييس اللغة\" (مرض) ٥/ ٣١١، \"تهذيب اللغة\" (مرض) ٤/ ٣٣٧٨.\n(٧) (معناه) مكرر في (ب).\n(٨) في \"التهذيب\" (أرض مريضة، إذا ضاقت بأهلها، وأرض مريضة: إذا كثر بها الهرج والفتن والقتل \"تهذيب اللغة\" مرض) ١٢/ ٣٥.","vol":"2","page":144},{"text":"قالت ليلى الأخيلية (١):\nإذا هبط الحَجَّاج أرضًا مريضةً ... تتبَّع أقصى (٢) دائها فشفاها (٣)\nأرادت: أرضا فاسدة. وقال آخر:\nألم تر أن الأرض أضحت مريضة ... لفقد الحسين والبلاد اقشعرت (٤)\nوقال غيره: أصل المرض الضعف، يقال (٥): مرَّض الرجل في الأمر إذا ضعف فيه، ولم يبالغ، و[عين] (٦) مريضة النظر أي (٧): فاترة ضعيفة، وريح مريضة إذا ضعف هبوبها، وعلى هذا تفسير (٨) قول المحدث:\nرَاحَتْ لأربعك الرياح مريضة (٩)\n_________\n(١) هي ليلى بنت الأخيل من عقيل بن كعب، أشعر النساء، لا يقدم عليها غير الخنساء، رثت عثمان -﵁- ودخلت على عبد الملك بن مروان وقد أسنت. انظر ترجمتها في: \"الشعر والشعراء\" ص ٢٩١، \"الأعلام\" ٥/ ٢٤٩.\n(٢) في (ب): (دهاء).\n(٣) ورد البيت في \"الزاهر\" ١/ ٥٦٠، ٥٨٦، \"أساس البلاغة\" (مرض) ٢/ ٣٧٩، \"جواهر البلاغة\" للهاشمي ص ٣١٥.\n(٤) البيت من قصيدة لسليمان بن قَنَّة يرثي الحسين بن علي -﵁- وردت في \"الاستيعاب\" ١/ ٤٤٤، \"سير أعلام النبلاء\" ٣/ ٣١٩، \"والبداية والنهاية\" ٨/ ٢١١، والقصيدة في حماسة أبي تمام بشرح المرزوقي، دون البيت المستشهد به هنا ٢/ ٩٦١.\n(٥) في (ب): (فقال يقال).\n(٦) في (أ)، (ج): (غير) وفي (ب) (عن) والصواب (عين) قال الثعلبي: (المرض في العين: فتورالنظر) \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٥٠ أ، وانظر \"الصحاح\" (مرض) ٣/ ١١٠٦ \"البحر المحيط\" ١/ ٥٣.\n(٧) (أي) ساقطة من (ب).\n(٨) في (ب): (يفسر).\n(٩) لم أعثر عليه ولم أعرف قائله فيما اطلعت عليه والله أعلم.","vol":"2","page":145},{"text":"أي: لينة ضعيفة حتى لا تعفوها.\nثعلب عن ابن الأعرابي (١): أصل المرض: النقصان. بدن مريض: ناقص القوة. و(٢) قلب مريض: ناقص الدين، ومَرَّض (٣) في حاجتي إذا نقصت حركته فيها.\nوقال الأزهري: أخبرني المنذري، عن بعض أصحابه قال: المرض إظلام الطبيعة واضطرابها بعد صفائها، قال: والمرض: الظلمة، وأنشد (٤):\nولَيْلَةٍ مَرِضَتْ مِنْ كُلِّ ناحيةٍ ... فما يُضيءُ لها شَمْسٌ ولا قَمَرُ (٥)\nهذا (٦) هو الكلام في أصل المرض ومعناه في اللغة، ثم الشك والجهل (٧) والحيرة في القلب كلها تعود إلى هذه الأصول.\n_________\n(١) في \"التهذيب\" ثعلب عن ابن الأعرابي .. ثم ذكره، \"تهذيب اللغة\" (مرض) ٤/ ٣٣٧٨.\n(٢) (الواو) ساقطة من (ب).\n(٣) في \"التهذيب\": (مرض فلان في حاجتى) ٤/ ٣٣٧٨.\n(٤) في \"التهذيب\": (وأنشد أبو العباس)، ٤/ ٣٣٧٨، وذكره ابن الأنباري في \"الزاهر\" قال: أنشدنا أبو العباس ١/ ٥٨٥.\n(٥) البيت لأبي حية النميري ولفظه في \"التهذيب\" (فلا يضيء) ٤/ ٣٧٧٨، وذكره ابن الأنباري في \"الزاهر\" ١/ ٥٨٥ والكرماني في \"لباب التفسير\" ١/ ١٢٦ (رسالة دكتوراه)، وورد في \"اللسان\" (مرض) ٧/ ٤١٨٠، \"البحر المحيط\" ١/ ٣٥، \"الدر المصون\" ١/ ١٢٩.\n(٦) (هذا) ساقط من (ب).\n(٧) في (ب): (والجهل هذا والحيرة) وفي ج (والحيرة والجهل).","vol":"2","page":146},{"text":"قال ابن عباس في قلوبهم مرض: أي شك ونفاق (١)، وهو قول ابن مسعود والحسن وقتادة (٢) وجميع أهل التأويل.\nوقال ابن جرير (٣): معناه في اعتقاداتهم مرض، أي: شك وشبه، فاستغنى بذكر القلوب عن ذكر الاعتقادات؛ لأن محلها القلوب كقولهم: (يا خيل الله اركبي) (٤).\nوليس الأمر على ما قال؛ لأن الشك في القلب على الحقيقة، فأي فائدة لتقدير الاعتقاد ههنا؛ ولأن الشك ينافي الاعتقاد، وهم ليسوا\n_________\n(١) أخرج ابن جرير بسنده عن عكرمة أو عن سعيد بن جبير عن ابن عباس (في قلوبهم مرض) أي شك وأخرج بسنده عن الضحاك عن ابن عباس قال: المرض: النفاق، \"تفسير الطبري\" ١/ ٢٨٠، وأخرجهما ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ١/ ٤٣، وانظر \"تفسير ابن كثير\" ١/ ٥٢، \"الدر\" ١/ ٦٧ - ٦٨.\n(٢) انظر أقوالهم والآثار عنهم في: \"تفسير الطبري\" ١/ ١٢٢، \"تفسير ابن أبي حاتم\" ١/ ٤٣ - ٤٤، \"تفسير ابن كثير\" ١/ ٥٢، \"الدر\" ١/ ٦٧ - ٦٨.\n(٣) \"تفسير الطبري\" ١/ ١٢٢، نقل الواحدي كلامه بتصرف.\n(٤) قوله: (كقولهم: يا خيل الله اركبي) ذكره ابن الأنباري في \"الزاهر\"، قال ومعناه. فرسان خيل الله اركبوا وابشروا بالجنة. \"الزاهر\" ٢/ ١٠٠، ومنه الحديث (يا خيل الله اركبي) ذكره ابن الأثير في \"النهاية\" ٢/ ٩٤، وذكره السيوطي في \"الدرر المنتثرة\"، وعزاه للعسكري في \"الأمثال\"، \"الدرر المنتثرة\" ص ١٤٤ (٤٦٣)، وذكره العجلوني في \"كشف الخفاء\" وعزاه لأبي الشيخ في \"الناسخ والمنسوخ\"، وللعسكري ولابن عائذ في \"المغازي\" وغيرهم. انظر \"كشف الخفاء\" ٢/ ٣٧٩، ٣٨٠، وقد رجعت إلى \"جمهرة الأمثال\" للعسكري ولم أجده، وترجم أبو داود في \"سننه\" (باب في النداء عند النفير: يا خيل الله اركبي) كتاب (الجهاد) وساق حديث سمرة بن جندب: أما بعد: فإن النبي -ﷺ- سمى خيلنا خيل الله (٢٥٦٠)، \"سنن أبي داوود\" ٣/ ٥٥ معه \"معالم السنن\".","vol":"2","page":147},{"text":"معتقدين (١) إذا كانوا شاكّين (٢).\nوقوله تعالى: ﴿فَزَادَهُمُ اَللَّهُ مَرَضًا﴾. يقال: زاد يزيد زيادة وزيدا (٣)، أنشد أبو زيد:\nكذلك زَيْدُ المَرْءِ بعدَ انتِقَاصِه (٤)\nوقال ذو الإصبع (٥):\nوأنتمُ معشرٌ زَيْدٌ على مائة ... فأجمِعُوا أمركم طُرًّا فكيدوني (٦)\nكأنه (٧) قال: معشر زيادة على مائة (٨). وهو (٩) فعل يتعدى إلى\n_________\n(١) في (ب): (بمعتقدين).\n(٢) وفيما قاله الواحدي وجاهة وقوة.\n(٣) \"الحجة\" لأبي علي ١/ ٣٢٢.\n(٤) أنشده أبو زيد مع ثلاثة أبيات قبله ونسبها لحسان السعدي ورواية أبي زيد له مع عجزه:\nكذلك زيد المرء ثم انتقاصه ... وتكراره في إثره بعد ما مضى\n\"النوادر\" ص ٣٥٨ وأنشد الأبيات المرتضى في \"أماليه\" ونسبها لبعض شعراء طيى والشطر الأخير عنده: (يعود إلى مثل الذي كان قد بدا) ١/ ٤١٦. وهو في \"الحجة\" وفيه (ثم) بدل (بعد) وفي الحاشية في ط (بعد) مكان (ثم) ١/ ٣٢٢، ويظهر أن نسخة (ط) هي التي اعتمد المؤلف عليها.\n(٥) هو حرثان بن محرث ذو الإصبع العدواني شاعر جاهلي معمر عاش ثلاثمائة سنة انظر ترجمته في \"الشعر والشعراء\" ص ٤٧٣، \"الخزانة\" ٥/ ٢٨٤.\n(٦) البيت ضمن قصيدة لذى الإصبع العدواني في \"المفضليات\" ص ١٦١، وفيه بدل (طرا)، (كلا) ووردت في ص ١٦٣، وفيه (شتى)، وهي في \"الأمالي\" لأبي علي القالي١/ ٢٥٦، وفي \"شرح المفصل\" لابن يعيش ١/ ٣٠.\n(٧) في (ب): (كان).\n(٨) في (ب): (على مائة فأجمعوا).\n(٩) أي: (زاد).","vol":"2","page":148},{"text":"مفعولين كما قال: ﴿وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ (١) [الكهف: ١٣] وقال: ﴿زِدْنَاهُمْ عَذَابًا﴾ (٢) [النحل: ٨٨].\nوكان حمزة يميل (زاد) في جميع القرآن (٣) كأنه أراد أن يدل بالإمالة على أن العين (٤) (ياء) [ليحافظ] (٥) على الحرف الذي هو أصل، كما أنهم قالوا في جمع أبيض وأعين: بيض وعين، فأبدلوا (٦) من الضمة كسرة، لأن جمع (أَفْعَل) (٧) (فُعْل) لتصح (٨) (الياء) ولا تنقلب إلى (الواو) (٩) فكما حوفظ على تصحيح (١٠) (الياء) في هذه الحروف كذلك حوفظ على (الياء)\n_________\n(١) في (ب): (تعدى) تصحيف والآية من سورة الكهف: ١٣.\n(٢) الكلام نقله عن \"الحجة\" لأبي علي١/ ٣٢٢.\n(٣) قال ابن مجاهد: (قرأ حمزة [وحده] ﴿فَزَادَهُمُ اللَّهُ﴾ بكسر الزاي [المراد الإمالة] وكذلك (شاء) و(جاء) و(خاب) و(طاب) و(ضاق) و(خاف) و(حاق) ... ثم قال. وكان ابن عامر يكسر من ذلك كله ثلاثة أحرف: (فزادهم) و(شاء) و(جاء)، \"السبعة\" لابن مجاهد ص ١٤١، ١٤٢، وذكر نحوه مكي، وقال: ووافقه ابن ذكوان في (جاء) و(شاء) حيث وقعا وعلى إمالة (زاد) في أول سورة البقرة خاصة. \"الكشف\" ١/ ١٧٤، وانظر: \"الحجة\" لأبي علي ١/ ٣٢٠.\n(٤) في (ب): (المعين).\n(٥) في جميع النسخ (لتحافظ) بالتاء، وكتبتها بالياء حسب ما ورد في \"الحجة\" والكلام منقول منه وهو الصحيح، انظر \"الحجة\"١/ ٣٢٦، ٣٢٧.\n(٦) في (أ)، جـ، (فأبدوا) وأثبت ما في (ب).\n(٧) في (ب): (أفضل).\n(٨) في (ب): (النصح).\n(٩) جمع (أبيض) على القياس (بوض) فأبدلوا ضمة (الباء) كسرة حتى لا تقلب الياء واوا.\n(١٠) في (ب): (الصحيح).","vol":"2","page":149},{"text":"في (زاد) بإمالة الألف نحوها (١) يدلك على ذلك: أن الذين أمالوا نحو: (زاد) (٢) و(زاغ) و(خاب) و(طاب) (٣) لم يميلوا نحو (عاذ، وعاد) ولا (بابا) ولا (مالا) ولا ما أشبه ذلك مما العين منه (واو) حيث لم تكن في الكلمة (٤) (ياء) ولا (كسرة) فتنحى الألف بالإمالة نحوهما.\nومما يقوي الإمالة في (زاد) ونحوه: أنه اجتمع فيه أمران كل واحد يوجب الإمالة:\nأحدهما: ما ذكرنا (٥) والثاني: لحَاقُ الكسرة أول فَعَلْتَ (٦)، وكل واحدة من هاتين الحالتين توجب الإمالة بانفرادها (٧).\nومعنى قوله. ﴿فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ أى: شكًّا على شكٍّ وفسادَا على فساد (٨). وهذا يدل على أن كفرهم كان مخلوقًا لله تعالى (٩)؛ لأنه لو لم\n_________\n(١) نحو (الياء).\n(٢) أي ما كان أصل العين فيه ياء.\n(٣) في \"الحجة\": (زاد وباع وناب وعاب) ١/ ٣٢٧.\n(٤) (في الكلمة) ساقط من (ب).\n(٥) وهو أن تمال الألف ليعلم أنها من الياء،. \"الحجة\" ١/ ٣٢٨.\n(٦) كذا ورد في \"الحجة\" ١/ ٣٢٨ والمراد أن الحرف الأول من فعل زاد يكون مكسورا إذ أسند هذا الفعل إلى تاء المتكلم أو المخاطب أو المخاطبة فتقول: زدتُ، زِدتَ، زِدتِ انظر \"الكشف\" ١/ ١٧٤.\n(٧) الكلام بتصرف يسير من \"الحجة\" ١/ ٣٢٧، ٣٢٨.\n(٨) انظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ١٢٢ - ١٢٣، و\"تفسير البغوي\" ١/ ٦٦، \"تفسير ابن كثير\" ١/ ٥٢.\n(٩) المعنى صحيح فإن الله خالق كل شيء من الطاعات والكفر لكن السلف لم يستعملوا هذا اللفظ تأدبا مع الله تعالى انظر التعليق السابق عند تفسير قوله تعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلىَ قُلوُبِهِم﴾ [البقرة: ٧].","vol":"2","page":150},{"text":"يخلق مرض (١) قلوبهم ما زادهم المرض ثانيًا، وهو كقوله: ﴿وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ﴾ [هود: ٥٢].\nقال أبو إسحاق (٢): المرض (٣) في القلب يصلح لكل ما خرج به الإنسان عن الصحة في الدين (٤).\nوقوله تعالى ﴿فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ (٥) أي بما أنزل من القرآن، فشكّوا فيه كما شكّوا في الذي قبله كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ﴾ الآية [التوبة: ١٢٤].\nوقوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ﴾. أصل العذاب في كلام العرب: من العذب، وهو المنع؛ يقال: عَذَبتَه عَذْبًا أي منعتَه مَنْعَا، فعَذَبَ عُذوبًا أي امتنع (٦)، ومنه يقال للفرس إذا قام في المِعْلف ولم يتناول العلف وامتنع عنه: عَذُوبٌ وعَاذِبٌ، ومنه الماء العَذْب؛ لأنه يمنع العطش (٧). فسمي العذاب عذابًا؛ لأنه يَعْذُبُ المعاقب عن معاودة ما عوقب عليه، ويعذب\n_________\n(١) في (ب): (سمرص).\n(٢) هو الزجاج.\n(٣) (المرض) ساقط من (ب).\n(٤) في (ب): (على).\n(٥) كلام الزجاج: (وقوله: ﴿فَزَادهمُ الله مَرَضًا﴾ فيه جوابان قال بعضهم زادهم الله بكفرهم كما قال ﷿: ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾ [النساء: ١٥٥] وقال بعض أهل اللغة: فزادهم الله بما أنزل عليهم من القرآن ...)، \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٥١.\n(٦) انظر. \"تهذيب اللغة\" (عذب) ٣/ ٢٣٦٥، \"تفسير الدر المصون\" ١/ ١٧٨ \"تفسير البيضاوي\" ١/ ١٠.\n(٧) انظر: \"تهذيب اللغة\" (عذب) ٣/ ٢٣٦٤، \"الصحاح\" (عذب) ١/ ١٧٨، \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٤٨ ب، \"الكشاف\" ١/ ١٦٤.","vol":"2","page":151},{"text":"غيره (١) من أرتكاب مثله (٢).\nوقوله تعالى: ﴿أَلِيمٌ﴾ الأليم بمعنى المؤلم (٣) كالسميع: بمعنى المسمع (٤)، وقال ذو الرمة (٥):\nوترفع (٦) من صدور شَمَرْدَلاتٍ ... يصُكُّ وجوهَها وَهَجٌ (٧) أليمُ (٨)\nوقال عمرو (٩):\n_________\n(١) في (ب): (في).\n(٢) انظر: \"مقاييس اللغة\" (عذب) ٤/ ٢٦٠، \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٤٨ ب، \"الكشاف\" ١/ ١٦٥، \"تفسير البيضاوي\" ١/ ١٠، \"تفسير القرطبي\" ١/ ١٧٢.\n(٣) انظر. \"تفسير الطبري\" ١/ ١٢٣، \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٥١، \"تفسير أبي الليث\" ١/ ٩٥.\n(٤) في (أ)، (ج) (السمع) وأثبت ما في (ب).\n(٥) هو غيلان بن عقبة من بني صعب بن مالك بن عدي بن عبد مناة، و(الرُّمَّة) بضم الراء وتشديد الميم: قطعة من الحبل الخلق، قيل إن مية لقبته بذلك، شاعر إسلامي عاصر جرير والفرزدق. انظر ترجمته في: \"الشعر والشعراء\" ص ٣٥٠، \"وفيات الأعيان\" ٤/ ١١، \"الخزانة\" ١/ ١٠٦.\n(٦) كذا في (أ)، (ج) وفي (ب) محتملة ونحوه في \"تفسير الطبري\" وما عداه من المصادر فيها: (نرفع).\n(٧) في (ب) (هجم).\n(٨) قوله: الشمردلات الإبل الحسان الجميلة الخلق، يصك: يضرب، وهج أليم: شدة الحرارة، البيت في \"ديوانه\" ٢/ ٦٧٧، \"مجاز القرآن\" ١/ ٣٢ و\"تفسير الطبري\" ١/ ١٢٣، وفيه (يصد) بدل (يصك)، \"تفسير القرطبي\" ١/ ١٩٨، و\"الدر المصون\" ١/ ١٣٠.\n(٩) هو عمرو بن معد يكرب، وفد على النبي - ﷺ - سنة تسع أو عشر، فأسلم، فارس مشهور، له وقائع في الجاهلية والإسلام، انظر ترجمته في: \"الشعر والشعراء\" ص ٢٣٥، \"الإصابة\" ٣/ ١٨، \"الخزانة\" ٢/ ٤٤٤.","vol":"2","page":152},{"text":"أَمِنْ ريحانة الدَّاعي السَّميع (١)\nأي: المسمع. ومعنى العذاب الأليم (٢): الذي يخلص وجعه إلى قلوبهم.\n\"قوله تعالى: ﴿بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾. (ما) في تأويل المصدر (٣) كأنه قيل: بكونهم مكذبين وبتكذيبهم. وسنذكر القول في ذلك عند قوله: ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا﴾ [البقرة:٢٨]، إن شاء الله.\nوحقيقة الكذب: الإخبار عن الشيء بخلاف ما هو به، وقد يستعار لفظ الكذب فيما ليس بكذب في الحقيقة (٤)، كقول الأخطل (٥):\n_________\n(١) تمامه:\nيؤرقني وأصحابي هجوع\nوريحانة: أخت عمرو، وكان الصمة أبو دريد قد غزا بني زبيد وسباها، وغزاهم عمرو مرارًا ولم يقدر عليها، وقيل: ريحانة امرأة أراد أن يتزوجها فهو يشبب بها. البيت في \"الشعر والشعراء\" ص ٢٣٥، و\"تفسير الطبري\" ١/ ١٢٣، \"معاني القرآن\" للزجاج١/ ٥١، و\"تفسير الثعلبي\" ١/ ٥٠ أ، و\"تفسير ابن عطية\" ١/ ١٦٥، \"الأصمعيات\" ص ١٧٢، \"البحر المحيط\" ١/ ٥٩.\n(٢) في (ب): (هو العذاب الذي ...).\n(٣) هذا على قول من يجعل لـ (كان) مصدرًا ومن لا يجيز ذلك يجعل ما بمعنى الذي وسيأتي للمسألة مزيد إيضاح عند قوله ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا﴾ [البقرة:٢٨]، وقد ذكر المذهبين الطبري في \"تفسيره\" ١/ ١٢٣، وأبو حيان في \"البحر\" ١/ ٦٠ والسمين الحلبي في \"الدر المصون\" ١/ ١٣٠.\n(٤) قال أبو حيان: والكذب له محامل في لسان العرب، أحدها: الإخبار بالشيء على خلاف ما هو عليه. والثاني: الإخبار بالذي يشبه الكذب ولا يقصد به إلا الحق. والثالث: الخطأ. الرابع: البطول. الخامس: الإغراء بلزوم المخاطب الشيء المذكور. \"البحر المحيط\" ١/ ٦٠، وانظر: \"الكشاف\" ١/ ١٧٨، \"الدر المصون\" ١/ ١٣٢.\n(٥) هو غياث بن غوث بن الصلت بن طارقة التغلبي، الشاعر المشهور كان نصرانيًّا =","vol":"2","page":153},{"text":"كَذَبتكَ عينُك أَمْ رَأَيتَ بواسطٍ (١)\nكأنها لما أوهمته خلاف الحقيقة كانت بمنزلة ما كذبته (٢).\nوقرأ أهل الكوفة (٣) ﴿يَكْذِبُونَ﴾ بالتخفيف من الكذب، وهو أشبه بما قبله وبما بعده؛ لأن قبله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ٨] وهذا كذب منهم، وبعده قوله: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤] وهذا يدل على كذبهم في دعوى الإيمان.\nوأيضا فإن قوله تعالى ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ لا يخلو إما أن يراد به المنافقون، أو المشركون، أو الفريقان جميعًا. فإن أراد المنافقين فقد (٤) قال فيهم: ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (١)﴾ [المنافقون: ١].\nوإن كانوا المشركين فقد قال: ﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (٩٠) مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ﴾ [المؤمنون: ٩٠ - ٩١]. وإن كانوا الفريقين فقد أخبر عنهم جميعا بالكذب الذي يلزم (٥) أن يكون فعله (يكذبون) بالتخفيف.\n_________\n= ومات على ذلك، مدح بني أمية وكان مقدما عندهم. انظر ترجمته في: \"الشعر والشعراء\" ص ٣١٩، \"الخزانة\" ١/ ٤٥٩.\n(١) البيت مطلع قصيدة للأخطل يهجو بها جريرا وقوله (كذبتك عينك): أي خيل إليك، وواسط: مكان بين البصرة والكوفة. البيت من شواهد سيبويه ٣/ ١٧٤. وورد في \"المقتضب\" ٣/ ٢٩٥، \"تهذيب اللغة\" (الكذب) ٤/ ٣١١٤، \"مغنى اللبيب\" ١/ ٤٥.\n(٢) انظر: \"تهذيب اللغة\" (كذب) ٤/ ٣١١٤.\n(٣) عاصم وحمزة والكسائي انظر \"السبعة\" لابن مجاهد ص ١٤٣، \"الحجة\" لأبي علي ١/ ٣٢٩، \"الكشف\" لمكي١/ ٢٢٧، و\"تفسير الطبري\" ١/ ١٢١ - ١٢٣.\n(٤) في (أ)، (ج): (وقد) وأثبت ما في (ب) ومثله في \"الحجة\" ١/ ٣٣٨.\n(٥) في (ب): (يلتزم).","vol":"2","page":154},{"text":"ومن شدد (١) فلكثرة ما في القرآن مما يدل على التثقيل (٢) كقوله: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ﴾ [الأنعام: ٣٤] وقوله: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ﴾ [يونس: ٣٩]، ﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي﴾ [يونس: ٤١] ونحوها من الآيات (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-234>١١ </span>- قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ الآية. موضع (إذا) من الإعراب نصب لأنه اسم للوقت كأنك قلت: (وحين قيل لهم) أو (ويوم قيل لهم) إلا أنها تشبه حرف الجزاء (٤) وسيأتي الكلام في (إذ) و(إذا) بعد هذا إن شاء الله.\nوكان الكسائي يُشِمّ ﴿قِيلَ﴾ (٥) وأخواتها (٦) (الضم)، ليدل بذلك على أنه كان في الأصل (فُعِل) (٧)، كما أنهم قالوا: أنت تغزُين، فألزموا الزاي إشمام الضمة، و(زين) من (تغزين) بمنزلة: (قيل). ومن قال (قُيل) بإشمام\n_________\n(١) وهي قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو وابن عامر \"السبعة\" لابن مجاهد ص ٤٣.\n(٢) في (أ)، (ج): (الثقيل) وأثبت ما في (ب) ومثله في \"الحجة\" ١/ ٣٣٨.\n(٣) أخذه عن \"الحجة\" لأبي علي، بتصرف ١/ ٣٣٧. وانظر \"الكشف\" لمكي ١/ ٢٢٨، وقد رجح مكي قراءة (التشديد) ورجح الطبري قراءة (التخفيف) ١/ ١٢٣.\n(٤) انظر: \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ١٣٧، \"البيان\" ١/ ٥٥، ٥٦، \"الدر المصون\" ١/ ١٣٢.\n(٥) وروي عن هشام مثل الكسائي، وعن نافع وابن عامر الإشمام في بعض أخوات (قيل) دونها. انظر: \"السبعة\" لابن مجاهد ص ١٤٣، \"الحجة\" ١/ ٣٤٠، \"الكشف\" لمكي ١/ ٢٢٩.\n(٦) في (أ)، (ج): وأخواته. وأثبت ما في (ب).\nوالمراد بأخواتها: سيء وسيق وحيل وجيء وغيض والسادس قيل فهي ستة أفعال معتلة العين. انظر: \"الكشف\" لمكي ١/ ٢٢٩ والإشمام سبق تعريفه.\n(٧) فعل: مبني للمجهول.","vol":"2","page":155},{"text":"الضم قال: (بُيع) أو (اختُير) و(انقُيد) (١) بالإشمام؛ لأنها بمنزلة واحدة.\nوأما من (٢) حرك الفاء بالكسر ولم يشم الضمة، قال (٣): هذا كان في الأصل (قُوِلَ) فنقلت كسرة الواو إلى القاف، فسكنت الواو وانكسر ما قبلها، فصارت (ياء) فلزم كسر القاف وصار الأصل هذا (٤).\nقال المفسرون: ومعنى الآية: وإذا قيل لهؤلاء المنافقين: لا تفسدوا في الأرض بالكفر وتعويق الناس عن الإيمان بمحمد - ﷺ - (٥). ويقال: أفسد الشيء يفسده إفسادًا، ومفعول الإفساد محذوف (٦) على معنى: (لا تفسدوا أنفسكم بالكفر، أو (٧) الناس بالتعويق عن الإيمان)، على ما ذكره المفسرون.\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾. (٨) (نحن) تدل على جماعة.\n_________\n(١) في (أ)، (ج) رسمت أن قيد وفي (ب) إن قيل والصحيح ما أثبت كما في \"الحجة\" قال: (... ألا ترى من قال: قيل وبيع، قال: اختير وانقيد فأشم ما بعد الخاء والنون لما كان بمنزلة: قيل وبيع ...) ١/ ٣٤٦، وانظر: \"الكشف\" ١/ ٢٣٠.\n(٢) وهم ابن كثير وعاصم وأبو عمرو وحمزة هؤلاء كسروا أوائل (قيل) وأخواتها ونافع وابن عامر وافقاهم في بعضها ومنها (قيل)، انظر: \"السبعة\" لابن مجاهد ص ١٤٣، ١٤٤، \"الحجة\" ١/ ٣٤٠ - ٣٤١، \"الكشف\" ١/ ٢٢٩.\n(٣) في (ب): (كان).\n(٤) انظر: \"الحجة\" ١/ ٣٤٩ - ٣٥٠ \"الكشف\" ١/ ٢٣٠.\n(٥) انظر. \"تفسير الطبري\" ١/ ١٢٥، \"تفسير أبي الليث\" ١/ ٩٦، \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٥٠ ب، \"تفسير ابن كثير\" ١/ ٥٣، و\"تفسير البغوي\" ١/ ٦٦، \"تفسير الخازن\" ١/ ٥٨.\n(٦) في (ب): (محذوف).\n(٧) في (ب): (بالواو).\n(٨) في (ج): (قالوا إنما نحن مصلحون).","vol":"2","page":156},{"text":"وجماعة المضمرين تدل عليهم (الميم أو (١) الواو)، نحو (٢): فعلوا وأنتم، [فـ (الواو)] (٣) من جنس الضمة. وحركت نحن (بالضم)؛ لأن الضم من الواو (٤). وهو جمع (أنا) (٥) من غير لفظها (٦).\nوقال بعضهم. ضم آخرها تشبيهًا بالغاية، نحو: قبلُ وبعدُ (٧)، ووجه الشبه بينهما (٨) ذكرنا في قوله: ﴿هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ﴾ [البقرة: ٢٥]. وقال قوم: كان أصلها (نَحُنْ) (٩) ثم فعل بها ما فعل بـ (قط) لتشبه أخواتها (١٠)، وأصل (قط): (قطط)، والقياس عند الإدغام يوجب نقل ضمة العين إلى اللام، دلالة على حركة العين في الأصل.\n_________\n(١) في \"معاني القرآن\" للزجاج (الميم والواو) ١/ ٥٤.\n(٢) في (ب): (ونحن).\n(٣) في (أ)، (ب)، (ج): (قالوا ومن) والتصحيح من \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٥٥.\n(٤) ذكره الزجاج في \"معاني القرآن\" ١/ ٥٤. وانظر: \"مشكل إعراب القرآن\" لمكي ١/ ٢٤١.\n(٥) في (ب): (أناس).\n(٦) \"الأضداد\" لابن الأنباري ص ١٨٤، \"تهذيب اللغة\" (أنا) ١/ ٢١٣.\n(٧) ذكره النحاس ونسبه لمحمد بن يزيد، \"إعراب القرآن\" للنحاس١/ ١٣٨ - ١٣٩، \"مشكل إعراب القرآن\" ١/ ٢٤.\n(٨) (بينهما) ساقط من (ب) وفي ج (بينهم).\n(٩) في (أ): (نَحْنُ) وفي ب، ج غير مشكولة والصحيح (نَحُنْ) كما في \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ١٣٨ - ١٣٩، \"مشكل إعراب القرآن\" ١/ ٢٥، وفي (نحن) نقلت الضمة إلى (النون) وسكنت (الحاء).\n(١٠) أخوات (قط): (قبل) و(بعد) و(حسب) لأنها غاية مثلهن: انظر \"تهذيب اللغة\" (قط) ٣/ ٢٩٩١، \"الكتاب\" ٣/ ٢٧٦.","vol":"2","page":157},{"text":"ومعنى الآية: يظهرون أنهم مصلحون، كما أنهم يقولون: آمنا، وهم كاذبون. ويحتمل أنهم قالوا: إنما نحن مصلحون، أي: الذي نحن عليه هو صلاح عند أنفسنا (١).\nوالتأويل: إنما نحن مصلحون أنفسنا أو الناس، على ما ذكرنا في\nقوله: ﴿لَا تُفْسِدُوا﴾ لأن الإصلاح واقع، ولا بد له من مفعول، وقولهم: فلان مصلح، يراد أنه مصلح لأعماله وأموره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-235>١٢ </span>- وقوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ﴾. رد الله عليهم قولهم: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ و(ألا) كلمة يستفتح (٢) بها الخطاب (٣).\nقال الكسائي: وهي تنبيه، ويكون بعدها أمر أو نهي أو إخبار، نحو قولك: ألا قم، ألا لا تقم، ألا إن زيدا قد قام (٤). وقال النحاة: أصلها (لا) دخلت عليها ألف (٥) الاستفهام (٦) والألف إذا دخلت على الجحد (٧)\n_________\n(١) ذكر القولين الزجاج في \"معاني القرآن\" ١/ ٥٢، وانظر \"تفسير الطبري\" ١/ ١٢٦ - ١٢٧، \"زاد المسير\" ١/ ٣٢، \"تفسير البغوي\" ١/ ٦٧.\n(٢) في (أ) (تستفتح).\n(٣) انظر \"معاني الحروف\" للرماني ص ١١٣، \"البيان في غريب إعراب القرآن\" ١/ ٥٧، \"البحر المحيط\" ١/ ٦٢، \"الدر المصون\" ١/ ١٣٩.\n(٤) ذكره الأزهري عن سلمة عن الفراء عن الكسائي \"تهذيب اللغة\" (ألا) ١٥/ ٤٢٢.\n(٥) في ج (همزة).\n(٦) انظر: \"الكتاب\" ٢/ ٣٠٧، \"الجمل في النحو\" للزجاجي ص ٢٤٠، \"الكشاف\" ١/ ١٨٠، واختار أبو حيان. أنه حرف بسيط غير مركب ورد على الزمخشري في ذلك، \"البحر\" ١/ ٦١، وأخذ يقول أبي حيان السمين الحلبي في \"الدر المصون\" ١/ ١٣٩.\n(٧) أي النفي.","vol":"2","page":158},{"text":"أخرجته إلى معنى التقرير (١) والتحقيق (٢) نحو: ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ﴾ [القيامة: ٤٠]، ثم كثر (ألا) في الكلام فصار تنبيها ليتحقق السامع ما بعده، فمعنى الأصل فيه موجود وهو التحقيق كما بينا. وقد يكون للعرض والتحضيض (٣)، كقولهم: ألا تنزل عندنا.\nوقال الزجاج: (ألا) كلمة يبتدأ بها، ينبه بها المخاطب توكيدا، يدل على صحة ما بعدها.\nذكر هذا في آخر سورة: (حم السجدة) (٤).\nوقوله تعالى: ﴿هُمُ﴾ إن شئت جعلته تأكيدا (٥)، وإن شئت جعلته ابتداء، و(المفسدون) خبره، وجعلتهما خبر (إن) (٦). ودخلت الألف واللام في (المفسدين) للجنس، كأنه جعلهم جنس المفسدين تعظيمًا لفسادهم، كأنه لا يعتد بفساد غيرهم مع فسادهم، وكل فساد يصغر في جنب فسادهم،\n_________\n(١) في (ج): (التقدير).\n(٢) انظر: \"الكشاف\" ١/ ١٨٠.\n(٣) العرض: هو الطلب بلين ورفق، والتحضيض: هو الطلب بحث وإزعاج، والمثال المذكور للعرض. و(ألا) تأتي على أوجه أخرى، انظر \"حروف المعاني\" للرماني ص١١٣، \"الأزهية\" ص١٦٣، \"تهذيب اللغة\" (ألا) ١/ ١٧٨، \"مغني اللبيب\" ١/ ٦٨.\n(٤) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٣٩٢ (ط: عالم الكتب).\n(٥) في (ج) (توكيد). وهو توكيد للضمير في أنهم فيكون في محل نصب. انظر \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ١٣٩، \"تفسير ابن عطية\" ١/ ١٦٨، \"الدر المصون\" ١/ ١٣٩.\n(٦) ويجوز وجه ثالث. وهو أن يكون (هم) فصلا ويسميه الكوفيون (عمادا) فلا موضع له من الإعراب انظر \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٥٣، \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ١٧٨، \"تفسير ابن عطية\" ١/ ١٦٧ - ١٦٨، \"الدر المصون\" ١/ ١٣٩.","vol":"2","page":159},{"text":"حتى كان المفسد في الحقيقة هم دون غيرهم، وإن كان غيرهم قد يفسد (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ﴾. أصل ﴿لكن﴾، (لا، ك، إن)، (لا) للنفي و(الكاف) للخطاب و(إن) للإثبات. فحذفت الهمزة استخفافا (٢). ومعناها: استدراك (٣) بإيجاب بعد نفي (٤)، أو نفي بعد إيجاب (٥)، فإذا قيل: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ (٦) الْمُفْسِدُونَ﴾ سبق إلى الوهم أنهم يفعلون (٧) ذلك من حيث يشعرون. فقال: ﴿وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ (٨).\nوكذلك (٩) إذا قال: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤٠] أوهم ذلك استبهام صفاته، فقال: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ﴾، [والمعنى:\n_________\n(١) ولهذا جاء في هذِه الجملة عدة مؤكدات منها: الاستفتاح، والتنبيه والتأكيد بإنّ وبضمير الفصل، وتعريف الخبر. انظر \"تفسير ابن عطية\" ١/ ١٦٨، \"الكشاف\" ١/ ١٨١ \"الدر المصون\" ١/ ١٣٩.\n(٢) في (ب): (استحقاقا). والقول الذي حكاه الواحدي هو رأي الكوفيين أما البصريون فيرون أنها بسيطة غير مركبة. انظر \"الإنصاف\" ص ١٧١ - ١٧٨، \"مغني اللبيب\" ١/ ٢٩١.\n(٣) في (ب): (استدرك).\n(٤) في (ب): (بعد بعد).\n(٥) قال النحويون: (لكن) لا يتدارك بها بعد إياب إلا إذا وقع بعدها جملة، كما سيأتي في كلام المبرد الذي نقله المؤلف. انظر \"الكتاب\" ١/ ٤٣٥، ٤/ ٢٣٢، \"المقتضب\" ١/ ١٢، \"معاني الحروف\" للرماني ص ١٣٣، \"حروف المعاني\" للزجاج ص ١٥، ٣٣.\n(٦) (هم) ساقطة من (ب).\n(٧) في (ب): (يضلون).\n(٨) انظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ١٢٧، \"تفسير ابن عطية\" ١/ ١٦٨، \"الدر المصون\" ١/ ١٤٠.\n(٩) في (ب): (لذلك).","vol":"2","page":160},{"text":"ولكن كان (١) رسول الله] (٢)، فهذا استدراك (٣) لا يجاب بعد نفي.\nوقال المبرد: (لكن) من حروف العطف، وهي للاستدراك (٤) بعد النفي، ولا يجوز أن يدخل بعد واجب (٥)، إلا لترك قصة إلى قصة تامة [نحو قولك: جاءني زيد لكن عبد الله لم يأت، وما جاءني زيد لكن عمرو (٦).\nوفي الآية أتت بعد الإيجاب لترك قصة إلى قصة (٧) تامة] (٨)، وهو قوله: ﴿إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ﴾. فأما التشديد والتخفيف في ﴿لكن﴾ استعماله (٩) بالواو وبغير الواو، فقد ذكرناها عند قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾ [البقرة: ١٠٢].\nومعنى قوله: ﴿وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ أي: لا يعلمون أنهم مفسدون، بل يحسبون أنهم مصلحون.\nوقيل: ولكن لا يعلمون ما عقوبة فعلهم وما يحل بهم، وذلك أن مفعول العلم محذوف فيحتمل القولين (١٠).\n_________\n(١) قال في \"تهذيب اللغة\": (.. فإنك أضمرت كان بعد: (ولكن) فنصب بها ..) \"تهذيب اللغة\" (لكن) ٤/ ٣٢٩٤.\n(٢) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).\n(٣) في (ب): (اشتراك).\n(٤) في (ب): (استدراك).\n(٥) أي موجب والمراد غير منفي.\n(٦) \"المقتضب\" ١/ ١٢.\n(٧) أي جملة تامة إلى جملة تامة.\n(٨) ما بين المعقوقين ساقط من (ب).\n(٩) في (ب): (استعمال).\n(١٠) وهناك قول ثالث: أنهم يعلمون الفساد سرا ويظهرون الصلاح، وهم لا يشعرون أن أمرهم يظهر عند النبي - ﷺ -. انظر: \"تفسير ابن عطية\" ١/ ١٦٨، \"تفسير البغوي\" ١/ ٦٦، \"زاد المسير\" ١/ ٣٣، \"تفسير القرطبي\" ١/ ١٧٧ - ١٧٨.","vol":"2","page":161},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-236>١٣ </span>- قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ﴾. المراد بالناس في هذه الآية أصحاب محمد - ﷺ - والذين آمنوا به، في قول الجميع (١).\nو(الألف واللام) فيه للمعرفة (٢)؛ لأن أولئك كانوا معروفين عند المخاطبين بهذا (٣).\nوقوله تعالى: ﴿أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ﴾. (الألف) في أنؤمن استفهام [معناه: الجحد والإنكار (٤)، لا نفعل كما فعلوا، وسيأتي وقوع الاستفهام، (٥) موقع الجحد مشروحًا بعد هذا. والسفهاء: الجهال (٦) الذين قلت عقولهم، جمع (السفيه) ومصدره: (السَّفَه والسَّفَاه والسَّفَاهَةُ) (٧).\n_________\n(١) ذكر أبو الليث من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس. أن المراد بالآية اليهود، والناس: عبد الله بن سلام وأصحابه. \"تفسير أبي الليث\" ١/ ٩٦. والمشهور: أن الآية خطاب للمنافقين، والمراد بالناس، أصحاب محمد كما ذكر المؤلف. انظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ١٢٧ - ١٢٨، \"تفسير ابن أبي حاتم\" ١/ ٤٦، \"تفسير ابن عطية\" ١/ ١٦٨ - ١٦٩، \"تفسير ابن كثير\" ١/ ٥٤.\n(٢) أي العهد الخارجي العلمي، أو (الألف واللام) للجنس، والمراد الكاملون في الإنسانية، انظر \"الفتوحات الإلهية\" ١/ ١٨، ١٩.\n(٣) انظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ١٢٧ - ١٢٨.\n(٤) انظر: \"الوسيط\" للمؤلف ١/ ٤٢، \"الكشاف\" ١/ ١٨٢، \"تفسير البيضاوي\" ١/ ٩، \"الدر المصون\" ١/ ١٣٤.\n(٥) ما بين المعقوفين ساقط من (أ)، (ج).\n(٦) في (أ)، (ج): (الححال الحهال) معناها غير واضح فلعل أحد النساخ كتب الجهال وطمسها فنقلت وما في (ب) يوافق عبارة المؤلف في \"الوسيط\": (السفهاء: الجهال الذين قلت عقولهم)، ١/ ٤٢.\n(٧) انظر. \"اللسان\" (سفه) ٤/ ٢٠٣٢.","vol":"2","page":162},{"text":"قال أهل اللغة (١): معنى السفه: الخفة، والسفيه: الخفيف العقل، ومن هذا قيل: تسفهت (٢) الرياح الشيء، إذا حركته واستخفته. وقال:\nمَشَيْنَ كَمَا اهْتَزَّتْ رِمَاحٌ تَسَفَّهَتْ ... أَعَالِيهَا (٣) مَرُّ الرِّيَاحِ النَّوَاسِمِ (٤)\nويقال: ناقة سفيهة الزمام، إذا كانت خفيفة السير، ومنه قول ذي الرمة:\n........ سفيهٍ جديلُها (٥)\nولهذا المعنى سمى الله تعالى الصبيان والنساء: السفهاء في قوله ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ [النساء: ٥] لجهلهم وخفة عقلهم (٦).\n_________\n(١) ذكره الأزهري في \"تهذيب اللغة\" (سفه) ٢/ ١٧٠٩.\n(٢) في (ب): (سفهت).\n(٣) في (ب): (من).\n(٤) البيت لذي الرمة يصف نسوة، جعل النساء في اهتزازهن في المشي بمنزلة الرماح، تستخفها الرياح فتزعزعها، والنواسم: الرياح الضعيفة في أول هبوبها. البيت في \"الديوان\" ٢/ ٧٥٤، وفيه (رويدا) بدل (مشين)، \"الكتاب\" ١/ ٥٢، ٦٥، \"المقتضب\" ٤/ ١٩٧، \"تهذيب اللغة\" (سفه) ٢/ ١٧١٠، \"معجم مقاييس اللغة\" (سفه) ٣/ ٧٩، \"اللسان\" (سفه) ٤/ ٢٠٣٤، (الخصائص) لابن جني ٢/ ٤١٧، \"تفسير ابن عطية\" ١/ ١٦٩، \"تفسير القرطبي\" ١/ ١٧٨.\n(٥) جزء من بيت وتمامه:\nوأبيض موشيَّ القميص نصبته ... على خصر مِقْلاتِ سَفِيهٍ جَدِيلُهَا\nأبيض: يعني السيف، نصبته على خصر مقلات: ناقة لا يعيش لها ولد، فهو أصلب لها، والجديل: الزمام، والمراد أن الناقة نشيطة، انظر: \"ديوان ذي الرمة\" ٢/ ٩٢٢، \"تهذيب اللغة\" (سفه) ٢/ ١٧١٠، وفيها (سفيهة) بدل (سفيه)، \"معجم مقاييس اللغة\" (سفه) ٣/ ٧٩، \"اللسان\" ٤/ ٢٠٣٤.\nوبهذا انتهى ما نقله من \"تهذيب اللغة\" (سفه) ٢/ ١١٧١.\n(٦) انظر: \"تهذيب اللغة\" (سفه) ٢/ ١١٧١.","vol":"2","page":163},{"text":"وعنوا بالسفهاء أصحاب محمد (١) - ﷺ - و(الألف واللام) فيها (٢) مثلهما في (الناس) (٣). فإن قيل: كيف يصح النفاق مع المجاهرة (٤) بقولهم: أنؤمن كما آمن السفهاء؟ قيل: إنهم كانوا يظهرون هذا القول فيما بينهم، لا عند المؤمنين؛ لأن الله تعالى قد قال: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا﴾ [البقرة:<span data-type=\"title\" id=toc-237> ١٤]</span>. أو (٥) أنهم لم يفصحوا بهذا القول، وإنما أتوا بما يفهم عنهم به هذا المعنى، ولا يقوم به حجة توجب الحكم من جهة المشاهدة، كقوله تعالى: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ [محمد: ٣٠]، وهو خلاف الإفصاح (٦).\n١٤ - قوله تعالى: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾. قال المفسرون: يعني: أبا بكر -﵁- وأصحابه (٧). و(لقوا) في الأصل (لقيوا) فاستثقلت الضمة على\n_________\n(١) ذكرها ابن جرير عن ابن عباس، وابن مسعود، وعن ناس من أصحاب رسول الله - ﷺ -، وعن الربيع بن أنس، وزيد بن أسلم. انظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ١٢٨، \"تفسير ابن كثير\" ١/ ٥٤.\n(٢) (فيها) غير واضحة في (ب).\n(٣) يريد ما سبق في قوله: ﴿كَمَا آمَنَ النَّاسُ﴾ حيث قال: الألف واللام للمعرفة لأن أولئك كانوا معروفين عند المخاطبين بهذا.\n(٤) في (أ)، (ج): (المجاهدة) وما في (ب) موافق لما في \"الوسيط\" ١/ ٤٣ وهو ما أثبته.\n(٥) في (ب): (وأنهم).\n(٦) انظر. \"تفسير ابن عطية\" ١/ ١٦٩، و\"تفسير القرطبي\" ١/ ١٧٨.\n(٧) لعل المؤلف هنا يثير إلى الأثر الطويل الذي أخرجه في (أسباب النزول) بسنده عن محمد بن مروان عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس، والذي ورد فيه قصة لقاء عبد الله بن أبي ومعه طائفة من أصحابه بأبي بكر ومعه نفر من الصحابة .. الأثر. \"أسباب النزول\" للواحدي ص ٢٥. وأخرجه الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ٥١ أ، وأورده =","vol":"2","page":164},{"text":"(الياء)، فحذفت ونقلت ضمتها إلى القاف (١). الحراني عن ابن السكيت:\nلَقِيتُه لقَاءً ولِقْيَانًا ولُقِيًّا (٢) ولُقًى (٣).\nالليث: وكل شيء استقبل شيئا أو صادفه فقد لقيه من الأشياء كلها (٤).\nوقوله تعالى: ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾. يقال: خَلاَ المكان يَخْلُو (٥) خَلَاءً وهو خَلاَء (٦) وخَالٍ (٧)، وخَلَوْتُ بفلان، أَخْلُو به خَلْوَةً وَخَلاَءً (٨)،\n_________\n= السيوطي في \"الدر المنثور\" ١/ ٦٩، وذكره في \"لباب النقول\" وقال: هذا الإسناد واهٍ جدًا فإن السدي الصغير كذاب وكذا الكلبي وأبو صالح ضعيف ص ١٧. وفي \"تفسير الطبري\"، عن ابن عباس المراد: أصحاب محمد، ١/ ١٢٩ - ١٣٠، وانظر \"تفسير ابن كثير\" ١/ ٥٤.\n(١) في \"الكشف\" للثعلبي (فاشتقلت الضمة على (الياء) فنقلت إلى القاف، وسكنت، و(الواو) ساكنة فحذفت لاجتماعها) ١/ ٥١ أ، وانظر: \"تفسير ابن عطية\" ١/ ١٦٩، \"تفسير القرطبي\" ١/ ١٧٩.\n(٢) (ولقيا) ساقط من (ب).\n(٣) \"تهذيب اللغة\" (لقى) ٤/ ٣٢٩٠، وانظر كلام ابن السكيت في \"إصلاح المنطق\" ص ٣١١. قال أبو حيان: (سمع لـ (لقى) أربعة عشر مصدرًا)، \"البحر\" ١/ ٦٢، \"الدر المصون\" ١/ ١٤٤.\n(٤) \"تهذيب اللغة\" (لقى) ٤/ ٣٢٩٠.\n(٥) في (أ)، (ج): (مخلو) وأثبت ما في (ب).\n(٦) في (ب): (يخلو خلاوة وخلاء).\n(٧) في \"التهذيب\" قال الليث: خلا المكان والشيء يَخْلُو خُلْوَّا وخَلاَءً وأَخْلَى إذا لم يكن فيه أحد ولا شيء فيه، وهو خال. \"التهذيب\" (خلا) ١/ ١٠٧٣، وانظر \"اللسان\" (خلا) ٢/ ١٢٥٤، \"القاموس\" (خلا) ص ١٢٨٠.\n(٨) ذكره الأزهري عن اللحياني. \"التهذيب\" (خلا) ١/ ١٠٧٣.","vol":"2","page":165},{"text":"ويقال: خَلَا به وخَلَا معه وخَلَا إليه بمعنى واحد (١). وقال النضر (٢): (إلى) هاهنا بمعنى: (مع) (٣) كقوله: ﴿الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧] و﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ (٤) [آل عمران: ٥٢، الصف: ١٤]، ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء:٢] (٥).\nوقال النحويون: معنى الآية: إذا انصرفوا من لقاء المؤمنين إلى شياطينهم، فدخلت (إلى) لدلالة (٦) الكلام على معنى الابتداء (٧) والانتهاء؛ لأن أول لقائهم للمؤمنين ثم للشياطين، فكأنه (٨) قال: وإذا خلوا من المؤمنين وانصرفوا (٩) إلى شياطينهم. وهذا أحسن من إخراج\n_________\n(١) انظر: \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٥١ أ، \"تهذيب اللغة\" (خلا) ١/ ١٠٧٣، \"اللسان\" (خلا) ٢/ ١٢٥٤، \"القاموس\" ص ١٢٨٠.\n(٢) هو النضر بن شميل بن خَرَشة بن يزيد التميمي، من أهل مرو، كان صاحب غريب وشعر، ورواية للحديث، من أصحاب الخليل بن أحمد، توفي سنة ثلاث ومائتين. انظر ترجمته في: \"إنباه الرواة\" ٣/ ٣٤٨، \"نزهة الألباء\" ص ٧٣، \"وفيات الأعيان\" ٥/ ٣٩٧، \"إشارة إلى التعيين\" ص ٣٦٤.\n(٣) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ٥١ أ، وذكره الجوهري ولم ينسبه للنضر. \"الصحاح\" (خلا) ٦/ ٢٣٣٠، \"اللسان\" (خلا) ٢/ ١٢٥٤، وانظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ١٣١.\n(٤) وردت في سورة آل عمران: ٥٢ قال تعالى: ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ الآية. وفي سورة الصف: ١٤ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ الآية.\n(٥) انظر: \"تأويل مشكل القرآن\" ص ٥٧١.\n(٦) في (أ)، (ج) (الدلالة) وأثبت ما في (ب).\n(٧) في (ب): (الابتدار الانتهاء).\n(٨) في (ب): (فكانوا).\n(٩) في (ب): (فانصرفوا).","vol":"2","page":166},{"text":"(إلى) عن حدها (١).\nوالشيطان كل متمرد عات من الجن والإنس (٢)، قال الله تعالى. ﴿شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾ [الأنعام: ١١٢]. واختلفوا في اشتقاقه: فقال الليث: الشيطان فَيْعَال من شَطَن أي: بعد، يقال: نَوى شَطُون (٣) وشَطَنَت (٤) الدار، أي: بعدت، ويقال: شَيْطَن (٥) الرجل وتَشَيْطَن (٦) إذا صار (٧) كالشيطان وفعل فعله.\nوقال رؤبة:\n_________\n(١) (خلا) تتعدى بـ (إلى) وبـ (الباء) فإذا عديت بـ (إلى) كان معناها الانفراد في حاجة خاصة، وإذا عديت بـ (الباء) كان لها معنيان: أحدهما: ما سبق، والآخر: بمعنى السخرية به، فتعديتها بـ (إلى) أفصح، لأنه يخلو من الالتباس. وبعضهم يجعل (إلى) في الآية بمعنى (مع)، وبعضهم يجعلها بمعنى (الباء)، وهذان ضعيفان عند بعض العلماء؛ لأن الحروف لا يجوز تحويلها عن معانيها إلا بحجة، وبعضهم قال: ضُمِّن (خلا) معنى (ذهبوا) و(انصرفوا) وهذا قول الكوفيين، وقد رجحه الواحدي والطبري وكثير من المفسرين؛ لأنه يُبقي (إلى) على معناها. انظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ١٣١، و\"تفسير أبن عطية\" ١/ ١٧٤، \"الدر المصون\" ١/ ١٤٥، \"مغني اللبيب\" ١/ ٧٥.\n(٢) انظر: \"مجاز القرآن\" ١/ ٣٢، \"تفسير الطبري\" ١/ ٤٩، \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٥ ب.\n(٣) النوى: الدار، ويطلق على التحول من مكان إلى آخر. \"اللسان\" (نوى) ١٥/ ٣٤٧. والكلام لأبي عبيد أدخله المؤلف في كلام الليث، قال في \"التهذيب\" (أبو عبيد: نوى شطون: أي بعيدة شَاطَّة، وقال الليث: غزوة شطون: أي بعيدة، وشَطَنَت الدار شُطُونا، إذا بعدت ...). \"التهذيب\" (شطن) ٢/ ١٨٧٧.\n(٤) في (ب): (وشطين الداري) ولفظ الداري بخط مخالف كبير.\n(٥) في (ب): (شيطان).\n(٦) في (ب): (شيطن).\n(٧) في (ب): (صاب).","vol":"2","page":167},{"text":"شَافٍ لِبَغْي الكَلْبِ المُشَيْطِنِ (١)\nفمعنى الشيطان: البعيد من الجنة. وقال قوم: الشيطان فعلان من شاط يشيط إذا هلك واحترق، بوزن: هَيْمَان وعَيْمَان (٢)، من هام وعام (٣) وقال الأعشى:\nوقد يشيط على أرماحنا البطل (٤)\nقال أبو علي: هو (فَيْعَال) من شَطَن (٥) مثل: البَيْطَار والغَيْدَاق (٦). وليس بفَعْلَان من قوله: وقد يَشِيُط البيت.\n_________\n(١) ورد الرجز في \"ديوان رؤبة\" ص١٦٥، \"تهذيب اللغة\" (شطن) ٢/ ١٨٧٧، \"اللسان\" (شطن) ٤/ ٢٢٦٤، \"البحر المحيط\" ١/ ٦٢. وبهذا انتهى كلام الليث. \"تهذيب اللغة\" (شطن) ٢/ ١٨٧٧، وانظر \"تفسير الطبري\" ١/ ٤٩، \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٨٣، \"الحجة\" لأبي علي٢/ ٢٢، \"تفسير ابن عطية\" ١/ ٧٦، \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٥١ ب، وقال أبو حيان: وهو قول البصريين. \"البحر المحيط\" ١/ ٦٢، \"الدر المصون\" ١/ ١٠.\n(٢) في (ب) (عثمان) وفي \"التهذيب\" (غيمان) ٢/ ١٨٧٧.\n(٣) الكلام بنصه في \"التهذيب\" (شطن) ٢/ ١٨٧٨، ونسب أبو حيان القول للكوفيين. \"البحر\" ١/ ٦٢، وانظر \"تفسير الطبري\" ١/ ٤٩، \"الحجة\" ٢/ ٢٢، \"تفسير ابن عطية\" ١/ ٧٦.\n(٤) صدره:\nقد نخضب العير من مكنون فائله\nالعير: حمار الوحش، الفائل: عرق يجرى من الجوف إلى الفخذ، ومكنون الفائل: الدم، يشيط: يهلك. انظر (ديوان الأعشى) ص ١٤٩، \"الحجة\" لأبي علي ٢/ ٢٢، \"شرح المفصل\" ٥/ ٦٤، \"البحر المحيط\" ١/ ٦٢، \"تفسير القرطبي\" ١/ ٧٩.\n(٥) في (ب): (شيطن).\n(٦) (الغيداق) الكريم، وولد الضب، والطويل من الخيل. \"القاموس\" ص ٩١٤. و(البيطار): الخياط. \"القاموس\" ص ٣٥٢.","vol":"2","page":168},{"text":"لأن سيبويه قد حكى: (شيطن) (١) وهو (فَيْعَل) لا (فَعْلَن)، لأنا لا\nنعلم أن (٢) هذا الوزن جاء في كلامهم (٣). ومثل (فَيْعَل) بَيْطَر وَهَيْنَم (٤)،\nوالحجة القاطعة قول أمية:\nأيُّمَا شاطنٍ عصاهُ عكاهُ ... ثُمَّ يُلْقَى في السِّجْنِ والأكْبَالِ (٥)\nفكما أن (شاطنًا) فاعل، والنون لام، كذلك (شَيْطان) فَيْعَال، ولا بكون (فَعْلَان) من يَشِيط (٦).\n_________\n(١) في (ب) (شيطان).\n(٢) في (ب) (لأن).\n(٣) نص كلام أبي علي في \"الحجة\": (ألا ترى أن سيبويه حكى: شَيْطَنتُه فَتَشَيْطَن، فلو كان من يَشِيطُ لكان شَيْطَنَتُه (فَعْلَنْتُه)، وفي أنا لا نعلم هذا الوزن جاء في كلامهم ما يدلك أنه. (فَيْعَلْتُه)، مثل: بَيْطَرتُه ومثل: هَيْنَم. وفي قول أمية أيضا دلالة عليه، وهو قوله: ...) ٢/ ٢٢. وانظر كلام سيبويه في \"الكتاب\" ٣/ ٢١٧، ٢١٨.\n(٤) الهينمة: (الصوت الخفي) \"القاموس\" ص١١٧٢.\n(٥) البيت لأمية بن أبي الصلت يذكر سليمان -﵇- يقول: أيما شيطان عصى سليمان، عكاه: شده بالأكبال، وهي القيود ثم يلقى في السجن. انظر \"تفسير الطبري\" ١/ ٤٩، \"الحجة\" ٢/ ٢٢، \"التهذيب\" (شطن) ٢/ ١٨٧٨، (إعراب ثلاثين سورة) لابن خالويه ص ٧، \"تفسير ابن عطية\" ١/ ٧٦، \"زاد المسير\" ١/ ٣٤، و\"تفسير القرطبي\" ١/ ٧٩، \"البحر المحيط\" ١/ ٦٢، \"اللسان\" (شطن) ٤/ ٢٢٦٥، \"الدر المصون\" ١/ ١٠.\n(٦) انتهى ما نقله عن أبي علي من \"الحجة\" ١/ ٢٢، وقد نصر جمهور العلماء هذا الرأي وأن شيطان (فَيْعَال) من شَطن، منهم ابن جرير في \"تفسيره\" ١/ ٤٩، والأزهري في \"تهذيب اللغة\" (شطن) ٢/ ١٨٧٨، وابن عطية في \"تفسيره\" ١/ ٧٦٠.\nقال السمين الحلبي: قال جمهورهم: هو مشتق من شَطَن يَشْطُن، أي بعد. \"الدر المصون\" ١/ ١٠.","vol":"2","page":169},{"text":"قال أبو إسحاق: ومعنى الشيطان: الغالي في الكفر المتبعد فيه من الجن والإنس (١).\nقال ابن عباس: أراد بشياطينهم كبراءهم وقادتهم (٢).\nوقوله تعالى ﴿إِنَّا مَعَكُمْ﴾. (مع) كلمة تضم الشيء إلى الشيء، ونصبها كنصب الظروف؛ لأن تأويل قولك: (أنا معك): أنا مستقر معك، كما تقول: أنا خلفك (٣).\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾. (الهُزْءُ): السخرية، يقول: هَزِئَ به يَهْزَأُ (٤) وتَهَزَّأ به واسْتَهْزَأَ به (٥)، وهو أن يظهر غير ما يضمر استصغارا وعبثا (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-238>١٥ </span>- قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾. قال ابن عباس: (هو (٧) أنهم\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" ١/ ٨٣.\n(٢) أخرج ابن جرير بسنده عن السدي خبرا ذكره عن أبي مالك، وعن أبي صالح عن ابن عباس. وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب رسول الله - ﷺ -: أما شياطينهم: فهم رؤوسهم في الكفر. وأخرج نحوه عن قتادة ومجاهد وغيرهم.\nانظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ١٣٠، وأخرج هذِه الآثار ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ١/ ٤٧ - ٤٨، وانظر \"الدر\" ١/ ٦٩ - ٧٠.\n(٣) في (ب): (جعلك). انظر \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٥٤، \"تهذيب اللغة\" (مع) ٤/ ٣٤١٧، \"مغني اللبيب\"١/ ٣٣٣.\n(٤) في (ب): (هزاته يهزئ).\n(٥) ذكره الأزهري عن الليث. \"التهذيب\" (هزأ) ٤/ ٣٧٥٥، \"الصحاح\" (هزأ) ١/ ٨٤.\n(٦) انظر: \"الكشاف\" ١/ ١٨٦، و\"تفسير الرازي\" ٢/ ٦٩، \"لباب التفاسير\" للكرماني ١/ ١٣٤ (رسالة دكتوراه).\n(٧) (هو أنهم) ساقط من (ب).","vol":"2","page":170},{"text":"كلما أحدثوا خطيئة جدد الله لهم نعمة) (١). فشبه هذا من الله بالاستهزاء والمكر؛ لأنه غيب عنهم غير ما أظهر لهم، كالمستهزئ منا يظهر أمرا يضمر غيره. (٢).\nوقال ابن الأنباري: الاستهزاء من الله جل وعز مخالف الاستهزاء من المخلوقين؛ لأن استهزاءه أن يستدرجهم من حيث لا يعلمون (٣).\nوقال جماعة أهل المعاني: معنى الله يستهزئ بهم: يجازيهم (٤) جزاء استهزائهم، فسمى الجزاء باسم المجازى عليه، كقوله: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى:٤٠] وقوله: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٩٤] ومنه قول عمرو:\nفنجهل فوق جهل الجاهلينا (٥)\nوهذا هو الاختيار (٦)؛\n_________\n(١) لم أجده بهذا النص منسوبا إلى ابن عباس، وذكره القرطبي في \"تفسيره\" ولم ينسبه ١/ ١٨١.\n(٢) انظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ١٣٤، \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٥٥، و\"تفسير الثعلبي\" ١/ ٥٢ أ، و\"تفسير ابن عطية\" ١/ ١٧٧، \"زاد المسير\" ١/ ٣٦، و\"تفسير الرازي\" ٢/ ٧٠، وقد ضعف الرازي هذا وقال: لأن الله أظهر الأدلة الواضحة بما يعاملون به في الدار الآخرة.\n(٣) ذكره ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ١/ ٣٦.\n(٤) (يجازيهم) ساقط من (أ)، (ج).\n(٥) البيت لعمرو بن كلثوم وصدره:\nألا لا يجهلن أحد علينا\nوقد سبق تخريجه عند تفسير قوله تعالى: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ﴾.\n(٦) هذا القول ذكره الطبري ورده كما سيأتي، وذكره الزجاج في \"معاني القرآن\" ١/ ٥٦، وأبو الليث في \"تفسيره\" ١/ ٩٧، و\"تفسير ابن عطية\" ١/ ١٧٧، و\"تفسير =","vol":"2","page":171},{"text":"لأنه (١) حمل الكلام على المزاوجة، ولأنه أظهر وأشكل بما جاء من نظائره في القرآن، وكل ذلك على المجاز الذي يحسن في الاستعمال للمبالغة في البيان والتصرف في الكلام.\nوقوله تعالى: ﴿وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾. أصل (المد) في اللغة: الزيادة، والمد: الجذب (٢): لأنه سبب الزيادة في الطول.\n_________\n= ابن الجوزي\" ١/ ٣٦، و\"تفسير الثعلبي\" ١/ ٤٧ ب، و\"تفسير القرطبي\" ١/ ١٨٥، وغيرهم من المفسرين. وصرح الواحدي باختياره له، وفي هذا القول تفسير للسخرية بالمجاز، وتأويل لها، ورده ابن جرير، ورجح أن المراد: أن الله يستهزئ بهم حقيقة، ولا يلزم لها اللوازم الباطلة، حيث قال: (وإذا كان معنى الاستهزاء والسخرية والمكر والخديعة ما وصفنا قبل، دون أن يكون ذلك معناه في حال فيها المستهزئ بصاحبه له ظالم، أو عليه فيها غير عادل، ... ثم قال: وأما الذين زعموا أن قول الله تعالى ذكره: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ إنما هو على وجه الجواب، وأنه لم يكن من الله استهزاء ولا مكر ولا خديعة، فنافون عن الله ﷿ ما قد أثبته الله ﷿ لنفسه، وأوجبه لها ...) \"تفسير الطبري\" ١/ ١٣٣. وإلى هذا المعنى أشار ابن تيمية -﵀- حيت قال: (وكذلك ما ادعوه أنه مجاز في القرآن، كلفظ (المكر) و(الاستهزاء) و(السخرية) المضاف إلى الله، وزعموا أنه مسمى باسم ما يقابله على طريق المجاز، وليس كذلك، بل مسميات هذِه الأسماء إذا فعلت بمن لا يستحق العقوبة كانت ظلما له، وأما إذا فعلت بالمجني عليه عقوبة له بمثل فعله كانت عدلًا ... إلى أن قال: ولهذا كان الاستهزاء بهم فعلا يستحق هذا الاسم، كما روي عن ابن عباس: أنه يُفْتح لهم باب إلى الجنة وهم في النار فيسرعون إليه فيغلق ... ثم ذكر قولًا عن الحسن البصري بمعناه ... وقيل: إنه يظهر لهم في الدنيا خلاف ما أبطن في الآخرة، وقيل: هو تجهيلهم وتخطيئهم فيما فعلوه، وهذا كله حق، وهو استهزاء بهم حقيقة)، \"مجموع الفتاوى\" ٧/ ١١١، ١١٢. وما يقال في هذا يقال عند قوله ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ﴾ وما قيل هناك يقال هنا.\n(١) في (ب): (لأن).\n(٢) انظر. \"اللسان\" (مدد) ٧/ ٤١٥٦، \"القاموس\" ص ٣١٨.","vol":"2","page":172},{"text":"قال الفراء: والشيء إذا مَدَّ الشَّيءَ كان زيادة فيه. تقول: دجلة تَمُدُّ بئارنا (١) وأنهارنا، أي: يزيد فيها (٢).\n(والمادة) كل شيء يكون مددا (٣) لغيره (٤). و(المُدَّةُ) (٥) الأوقات المتزايدة إلى غاية، ومنه مد الله في عمرك (٦).\nالأصمعي: امتد النهر ومد إذا امتلأ بالزيادة، ومده نهر آخر (٧).\nابن المظفر (٨): وادي كذا يمد في نهر كذا. أي: يزيد فيه (٩) وأنشد (١٠):\nسَيْلٌ أَتِيٌّ مَدَّهُ أَتيُّ (١١)\n_________\n(١) في (أ)، (ج) (بيارنا) وما في (ب) موافق لـ \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٣٢٩.\n(٢) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٣٢٩، وانظر \"التهذيب\" (مد) ٤/ ٣٣٦١. وقد نقل المؤلف كلام الفراء بتصرف.\n(٣) في \"التهذيب\": (مدادا).\n(٤) ذكره الأزهري عن الليث. \"التهذيب\" (مد) ٤/ ٣٣٦١.\n(٥) في (أ)، (ج): (المد)، وأثبت ما في (ب).\n(٦) انظر \"تهذيب اللغة\" (مد) ٤/ ٣٣٦١، \"الصحاح\" (مدد) ٢/ ٥٣٧.\n(٧) \"تهذيب اللغة\" (مد) ٤/ ٣٣٦١.\n(٨) هو الليث بن المظفر، ويقال له. الليث بن نصر، صاحب الخليل، ينقل الواحدي كلامه كثيرًا من طريق \"تهذيب اللغة\". انظر مقدمة \"تهذيب اللغة\" ١/ ٤٧، \"إنباه الرواة\" ٣/ ٤٢.\n(٩) في (أ)، (ج): (يزيده)، وما في (ب) موافق لما في \"تهذيب اللغة\" وهو ما أثبته.\n(١٠) الكلام في \"التهذيب\" ويظهر أنه من كلام الأصمعي حيث عطفه عليه، ولم يرد ذكر الليث في هذا الموضع. \"التهذيب\" (مد) ٤/ ٣٣٦١، وأنظر: \"اللسان\" (مدد) ٣/ ٣٩٧.\n(١١) البيت منسوب للعجاج، وهو في \"التهذيب\" (مد) ٤/ ٣٣٦١، \"الصحاح\" (مدد) ٢/ ٥٣٧، \"اللسان\" (مدد) ٧/ ٤١٥٧، وقد نسبه للعجاج وأنشد بعده: =","vol":"2","page":173},{"text":"والمدّ: أن (١) يمُدّ الرجلُ الرجلَ (٢) في غيّه (٣).\nقال أهل التفسير في قوله ﴿يَمُدُّهُمْ﴾: أي يمهلهم (٤) ويطول في أعمارهم ومدتهم (٥).\nو(الطغيان): مصدر كالرجحان والكفران والعدوان (٦). قال الليث: [والطُّغْوَان لغة فيه] (٧) والفعل: طَغَوْت وطَغَيْتُ، ومعناه مجاوزة القدر، وكل شيء جاوز القدر فقد طغى، كما طغى الماء على قوم نوح. قال الله تعالى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ﴾ [الحاقة: ١٢] وطغت الصيحة على ثمود (٨)،\n_________\n= غِبَّ سَمَاءٍ فَهْوَ رَقَرَاقِيُّ\nوفي \"ديوان العجاج\":\nمَاءٌ قَريٍّ مَدَهُ قَرِيُّ ... غِبَّ سَمَاءٍ فَهْوَ رَقَرَاقِيُّ\nالقَري: المسيل، الرقراقِي: المُتَرَقْرِق الذي يتكفأ. (الديوان) ص ٣١٨.\n(١) في (ب): (والمداد يمد).\n(٢) في (ب): (للرجل).\n(٣) ذكره في \"التهذيب\" عن ابن أبي حاتم عن الأصمعي (مد) ٤/ ٣٣٦١.\n(٤) في (ب): (يهملهم) تصحيف.\n(٥) اختلف العلماء في ﴿يَمُدُّهُمْ﴾ هل هي من المد بمعنى الإمهال والتطويل فىِ العمر. أو من المدد بمعنى: الزيادة. وقد رجح هذا الطبري حيث قال: وأولى الأقوال بالصواب أن يكون بمعنى: يزيدهم على وجه الإملاء والترك لهم في عتوهم وتمردهم. \"تفسير الطبري\" ١/ ١٣٥، وانظر: \"تفسير أبن عطية\" ١/ ١٧٧ - ١٧٨، \"الكشاف\" ١/ ١٨٨، و\"تفسير القرطبي\" ١/ ١٨٢.\n(٦) \"الحجة\" لأبي علي ١/ ٣٦٦.\n(٧) ما بين المعقوفين ساقط من (أ)، (ج).\n(٨) انتهى كلام الليث وقد نقله المؤلف بتصرف، \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢١٩٦، \"العين\" ٤/ ٤٣٥.","vol":"2","page":174},{"text":"فقيل فيهم: ﴿فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ﴾ (١). وقيل لفرعون: ﴿إِنَّهُ طَغَى﴾ [النازعات: ١٧] (٢) أي أسرف حيث ادعى الربوبية (٣).\nفأما الطغوى والطاغية والطاغوت فهي مذكورة في مواضعها مشروحة. وكان الكسائي يميل ﴿طُغْيَانِهِمْ﴾ في رواية أبي عمر (٤) ونصير (٥) (٦). وذلك لأن (٧) الألف قد اكتنفها شيئان كل واحد منهما يجلب الإمالة [وهما، الياء التي قبلها، والكسرة التي بعدها.\nفإن قلت: إن أول الكلمة حرف [مستعل] (٨) مضموم، وكل واحد من هذين يمنع الإمالة] (٩). قيل: إن المستعلي تراخى عن الألف بحرفين فلم يمنع الإمالة.\n_________\n(١) كتبت في جميع النسخ (أهلكوا) وسياق الآية: ﴿فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ﴾.\n(٢) (طغى) ساقط من (ب).\n(٣) انظر: \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٥٢ ب.\n(٤) هو حفص بن عمر عبد العزيز المقرئ النحوي البغدادي الضرير، قرأ عن الكسائي ويحيى اليزيدي، توفي سنة ست وأربعين ومائتين. انظر ترجمته في \"معرفة القراء الكبار\" ١/ ١٩١، \"غاية النهاية\" ١/ ٢٥٥.\n(٥) ونصير ساقط من (ب). ونصير هو: نصير بن أبي نصر الرازي ثم البغدادي النحوي، أبو المنذر، صاحب الكسائي، مات في حدود الأربعين ومائتين. انظر ترجمته في: \"معرفة القراء الكبار\" ١/ ٢١٣، \"غاية النهاية\" ١/ ٢٥٥.\n(٦) انظر: \"السبعة\" لابن مجاهد ص ١٤٤، \"الحجة\" لأبي علي١/ ٣٦٥، \"الكشف\" لمكي ١/ ١٧١.\n(٧) في (ب): (أن).\n(٨) في (ب): (مستعمل) وصححت الكلمة من \"الحجة\" ١/ ٣٦٨.\n(٩) ما بين المعقوفين ساقط من (أ)، (ج). الكلام في \"الحجة\" مع الاختصار ١/ ٣٦٧، ٣٦٨، وانظر: \"الكشف\" ١/ ١٧١.","vol":"2","page":175},{"text":"وقوله تعالى: ﴿يَعْمَهُونَ﴾. قال أهل اللغة: (الْعَمِه والعَامِه) الذي يتردد متحيرًا لا يهتدي لطريقه ومذهبه، ومعنى (١) ﴿يَعْمَهُونَ﴾: يتحيرون، وقد عَمِه يَعْمَه عَمَهًا فهو عَمِه إذا حار عن الحق (٢).\nقال أهل المعاني: قوله: ﴿وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ كالتفسير لقوله: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ لأن معناه يطول أعمارهم ومدتهم ليتحيروا في طغيانهم وكفرهم، مكرًا (٣) بهم، وهم يحسبون أن ذلك مسارعة لهم في الخيرات، ولا يشعرون أنه عقوبة لهم في الحقيقة (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-239>١٦ </span>- قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى﴾ الآية. حقيقة الاشتراء: الاستبدال، وكل اشتراء استبدال، وليس كل استبدال اشتراء، ووضع الاشتراء موضع الاستبدال هاهنا، لأنه أدل على الرغبة (٥)، وذلك أن المشتري للشيء (٦) محتاج إليه راغب فيه، فهو أبلغ من لفظ الأصل مع ما فيه من حسن التصرف في الكلام، والرب تجعل من آثر شيئًا على شيء مشتريًا له وبائعًا للآخر، وإن لم يكن ثم شراء ولا بيع ظاهر (٧).\n_________\n(١) في (ب): (معي).\n(٢) \"تهذيب اللغة\" (عمه) ٣/ ٢٥٧٥، وانظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٥٦، \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٤٨ ب.\n(٣) في (ب): (ومكرا).\n(٤) هذا على أن (يمدهم) من المد بمعنى الإمهال والتطويل، وقد سبق بيان ذلك عند قوله ﴿وَيَمُدُّهُمْ﴾، وأنظر \"تفسير الطبري\" ١/ ١٣٥، \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٥٦، \"الكشاف\" ١/ ١٨٨.\n(٥) في (أ): (الرعية).\n(٦) في (ب): (التي).\n(٧) انظر. \"تفسير الطبري\" ١/ ١٣٨، \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٥٧، \"الأضداد\" لابن الأنباري ص ٧٢، \"تفسير ابن عطية\" ١/ ١٨٠، و\"تفسير القرطبي\" ١/ ١٨٣، =","vol":"2","page":176},{"text":"قال ابن عباس في هذه الآية: أخذوا الضلالة وتركوا الهدى (١).\nقال أهل المعاني: هؤلاء المنافقون لم يكونوا على الهدى قط، لكنهم (٢) لما تركوا الواجب عليهم من الهدى، واستبدلوا به الضلالة قيل في صفتهم: اشتروا الضلالة بالهدى (٣).\nوأصل ﴿اشْتَرَوُا﴾ اشتريوا، فلما تحركت (الياء) وانفتح ما قبلها صارت (ألفا)، فاجتمع ساكنان، فحذفت (الألف) (٤) فصار (اشتروا) ساكنة\n_________\n= و\"تفسير البيضاوي\" ١/ ١١، \"تفسير الخازن\" ١/ ٦٣، (ضمن مجموعة من التفاسير)، \"الدر المصون\" ١/ ١٣٥.\n(١) أخرج ابن جرير بسنده عن السدي عن أبي مالك، وعن أبي صالح عن ابن عباس، وعن مرة عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي - ﷺ -: أخذوا الضلالة وتركوا الهدى. \"تفسير الطبري\" ١/ ١٣٧، وأخرجه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" عن السدي ١/ ٥٠، وانظر. \"تفسير ابن كثير\" ١/ ٥٦.\n(٢) في (ب): (ولكنهم).\n(٣) للعلماء في معنى الآية أقوال ذكرها ابن جرير في \"تفسيره\" وهي: منهم من قال إن معنى اشتروا استحبوا كما قال: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت: ١٧]، فالمعنى اختاروا الضلالة على الهدى. ومنهم من قال: إنهم كانوا مؤمنين وكفروا، ولو كان الأمر على ذلك لكان هؤلاء تركوا الإيمان واستبدلوا به الكفر، وهو المفهوم من معاني الشراء والبيع، ولكن دلائل الآيات في نعوتهم دالة على أنهم لم يكونوا مؤمنين قط، إنما أظهروا الإيمان كذبًا. ومنهم من قال: المراد أخذوا الضلالة وتركوا الهدى، فكل كافر مستبدل بالإيمان كفرا، وهذا ما اختاره ابن جرير وهو أختيار أكثر المفسرين. انظر \"تفسير الطبري\" ١/ ١٣٧ - ١٣٩، \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٥٧، \"تفسير ابن عطية\" ١/ ١٨٠، و\"تفسير القرطبي\" ١/ ١٨٢ - ١٨٣، و\"تفسير ابن كثير\" ١/ ٥٦.\n(٤) لأن حذفها أولى لأن الواو دخلت لمعنى والألف لم تدخل لمعنى \"البيان\" لابن الأنباري ١/ ٥٨.","vol":"2","page":177},{"text":"(الواو) (١). وسقطت همزة الوصل من الضلالة للدرج، فالتقت الواو الساكنة مع الساكن المبدل من لام المعرفة، فحركت الأولى بالضم (٢). واختلفوا في العلة الموجبة لضم الواو (٣) في ﴿اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ﴾ فقال أكثر النحويين: إن واوات الجمع كلها (٤) تحرك بالضم نحو: ﴿لَتُبلَوُنَّ﴾ [آل عمران: ١٨٦] و﴿لَتَرَوُنَّ﴾ [التكاثر: ٦].\nوقالوا: مُصْطَفَوُ الله؛ لأن الضم أدل على الجمع وأشكل به، وهذه الواو للجمع فحرك بما هو أدل على الجمع (٥). ألا ترى أن (٦) الواو في (أو) أو (لو) لما لم تكن للجمع لم تحرك بالضم، بل حركت بالكسر، فقرئ (٧) ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا﴾ [الجن: ١٦] (٨).\n_________\n(١) قيل في إعلالها: استثقلت الضمة على الياء فحذفت تخفيفا، فاجتمع ساكنان: الياء والواو. فحذفت الياء لالتقاء الساكنين. وما ذكره المؤلف أولى.\nانظر: \"البيان\" لابن الأنباري ١/ ٥٨، \"تفسير ابن عطية\" ١/ ١٧٩، \"الدر المصون\" ١/ ١٥٢.\n(٢) ذكره أبو علي في \"الحجة\" ١/ ٣٦٩.\n(٣) اتفقوا على أن (الواو) في (اشتروا) تحرك لالتقاء الساكنين، ثم اختلفوا لماذا اختبر الضم على الكسر؟ انظر: \"الحجة\" ١/ ٣٦٩.\n(٤) في (ب): (كأنها).\n(٥) \"الحجة\" لأبي علي ١/ ٣٦٩، وانظر: \"الكتاب\" ٤/ ١٥٥، \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٥٥، \"معاني القرآن\" للأخفش ١/ ٢٠٤، \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٤٩ أ، \"البيان\" لابن الأنباري ١/ ٥٨، \"تفسير ابن عطية\" ١/ ١٧٩.\n(٦) (أن) ساقطة من (ب).\n(٧) في (ب): (فقرا)\n(٨) قراءة الجمهور بالكسر، وقرئ في الشاذ بضم الواو، روى عن الأعمش وابن وثاب. انظر: \"البحر المحيط\" ٨/ ٣٥٢.","vol":"2","page":178},{"text":"وقد أجازوا الكسر (١) في ﴿اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ﴾ تشبيهًا بمثل: ﴿لَوِ اسْتَطَعْنَا﴾ [التوبة: ٤٢] و﴿أَلَّوِ اسْتَقَامُوا﴾. وأجازوا (٢) الضم (٣) في ﴿لَوِ اسْتَطَعْنَا﴾ تشبيها بواو الجمع (٤).\nوقال ناس: إن (٥) (الواو) ضمت ههنا لأنه فاعل في المعنى (٦) فجعلت حركة التقاء الساكنين فيه كحركة الإعراب. وهذا لا يستقيم، لأنهم كسرو (الياء) في قولهم: (أخْشَيِ الله يا امرأة) والياء فاعلة في المعنى (٧).\nوقوم كسروا الواو في مسألتنا (٨) وفي قوله: ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧] (٩) فلو كان كما ذكروا (١٠)، لم يجز الاختلاف (١١)\n_________\n(١) قراءة الجمهور بالضم، وبالكسر قراءة شاذة، قرأ بها يحيى بن يعمر، وابن أبي إسحاق.\nانظر: \"الحجة\" ١/ ٣٧٠، \"معاني القرآن\" للأخفش ١/ ٢٠٤، \"تفسير ابن عطية\" ١/ ١٧٩، و\"تفسير القرطبي\" ١/ ١٨٢، \"الدر المصون\" ١/ ١٥١.\n(٢) في (أ)، (ج): (وجازوا) وأثبت ما في (ب).\n(٣) وهي قراءة شاذة حيث قرأ بالضم الأعمش وزيد بن علي، انظر \"البحر\" ٥/ ٤٦.\n(٤) انتهى من \"الحجة\" لأبي علي ١/ ٣٦٩.\n(٥) (إن) ساقطة من (ب).\n(٦) في (ب): (بالمعنى).\n(٧) (المعنى) ساقط من (ب). أي: وسع كونها فاعلا في المعنى لم تحرك بالضم، انظر \"الحجة\" لأبي علي ١/ ٣٧١، \"الكتاب\" ٤/ ١٥٥، \"الدر المصون\" ١/ ١٥١.\n(٨) المراد قوله: (اشتروا) وقد سبق بيان أن قراءة الكسر شاذة.\n(٩) قال أبو حيان: قرأ يحيى بن يعمر: (ولا تَنْسَوِ الفضل) بكسر الواو على أصل التقاء الساكنين تشبيها للواو التي هي (ضمير) بواو (لو) في قوله تعالى: ﴿لَوِ اسْتَطَعْنَا﴾، كما شبهوا واو (لو) بـ (واو) الضمير فضموها. \"البحر\" ٢/ ٢٣٨.\n(١٠) ما ذكروه: هو أن (الواو) ضمت لأنها فاعل في المعنى.\n(١١) أي لم يجز الاختلاف في حركة الواو هل هي بالضم أو بالكسر.","vol":"2","page":179},{"text":"فيه كما لم يجز (١) في حركة الإعراب (٢).\nوقال الفراء: إنهم إنما حركوا (الواو) هاهنا بالحركة التي كانت تجب للام الفعل من الضمة (٣).\nقال أبو علي (٤): الذي ذهب إليه الفراء هو أن الحركة في (الواو) ليست لالتقاء الساكنين كما يذهب إليه سيبويه وأصحابه (٥). ولا يستقيم ما ذهب إليه؛ لأنا رأينا الحركات إنما تلقى على الحروف التي تكون قبل الحرف الذي ينقل منه، ولا ينقل إلى ما بعد الحروف المنقولة منها الحركة، كما تقول في: (بِعت)، و(قُلت)، و(خِفت)، و(مِست) (٦)، و(ظِلْت)، و(أَحَسْت) (٧)، و(أَصَمّ) (٨)، و(أَعَدّ)، و(أَخِلَة). وكذلك نقل\n_________\n(١) (يجز) ساقط من (ج).\n(٢) ذكره أبو علي في \"الحجة\" ١/ ٣٧٢.\n(٣) ذكره أبو علي قال: حكاه أحمد بن يحيى عن الفراء. \"الحجة\" ١/ ٣٧٢.\n(٤) \"الحجة\" ١/ ٣٧٢، وما قبله كله من كلام أبي علي وقد اعتمد الواحدي في هذا المبحث على \"الحجة\".\n(٥) انظر: \"الكتاب\" ٤/ ١٥٥.\n(٦) الميس: التبختر، ماس يَميِس مَيْسا ومَيَسَانا: تبختر واختال. انظر. \"اللسان\" (مَيَس) ٦/ ٢٢٤، \"القاموس\" (مَيَس) ص ٥٧٦.\n(٧) أصلها: أحسست، حذفت السين الثانية، وهي بمعنى: علمت. انظر. \"تهذيب اللغة\" (حس) ١/ ٨١٧، \"اللسان\" (حسس) ٢/ ٨٧١. في هذِه الكلمات نقلت حركة العين إلى الفاء، ولم تنقل إلى ما بعدها. انظر: \"الحجة\" ١/ ٣٧٢، ٣٧٣. ولكن نلحظ فيما سبق عند الكلام على (نحن) أنه ورد في أحد الأقوال: إن حركة الضمة نقلت من الحاء إلى النون.\n(٨) في (أ): (أضم) وكذا في (ج) بدون شكل، وما في (ب) موافق لما في \"الحجة\".","vol":"2","page":180},{"text":"حركات الهمز في التخفيف نحو: (جَيَل) (١) و(المرَة) (٢). وكذلك قولهم: (قَاضُون)، و(غَازُون)، و(مُشْتَرُون)، ونحو ذلك، فإذا كان الأمر على ما وصفنا، ولم نجد في هذه الأصول شيئا على ما (٣) ادعاه، ثبت (٤) فساد ما ذهب إليه لدفع (٥) الأصول ذلك، وقوله (٦) يوجب أن ضمة الياء في (اشتريوا) نقل إلى الواو (٧) بعد الياء، وإنما ينقل حيث ينقل إلى ما قبل المنقول منه لا إلى ما بعده كما بينا (٨). وأيضا فإنه لو كان كما ذكر، لوجب أن يتحرك الحرف الذي نقلت إليه (٩)، التقى مع الساكن أو لم يلتق (١٠)، ألا ترى أن سائر ما نقلت إليه الحركة مما ذكرنا، يتحرك (١١) بالحركة\n_________\n(١) في (ج): (جل). و(جيل) أصلها جَيْأَل، ولكن خففت بحذف الهمزة في اللفظ، مبقاة في النية، ونقلوا حركة الهمزة إلى الياء. والجيأل: الضبع، والضخم من كل شيء. انظر. \"اللسان\" (جأل) ١/ ٢٥٩، \"القاموس\" (جأل) ص ٩٧٤.\n(٢) (المَرَة) أصلها (المرأة) خففت الكلمة بحذف الهمزة، ونقلت حركتها إلى الراء، بعضهم قال: تخفيف قياسي مطرد، وبعضهم قال: غير مطرد. \"اللسان\" (مرأ) ٧/ ٤١٦٦.\n(٣) (ما) ساقطة من (ب).\n(٤) في (أ)، (ج) (وثبت) زيادة واو.\n(٥) في (ب) (لرفع).\n(٦) في (أ)، (ج) (وقوله تعالى)، وفي (أ) كتبت بخط كبير.\n(٧) في (ب) (الياء).\n(٨) قوله (ذلك وقوله يوجب .... إلى قوله: لا إلى ما بعده كما بينا) ليس في \"الحجة\". انظر: \"الحجة\" ١/ ٣٧٣.\n(٩) عبارة أبي علي: (فلو كانت حركة نقل كما قال، لوجب أن يتحرك الحرف الذي نقلت إليه بها، التقى مع ساكن، أو لم يلتق ...) \"الحجة\" ١/ ٣٧٤.\n(١٠) في (ب): (يليق).\n(١١) في (ب): (لتحرك).","vol":"2","page":181},{"text":"المنقولة إليه، فلما لم تتحرك الواو في ﴿اشْتَرَوُا﴾ إلا عند التقاء ساكن، ثبت أن حركتها حركة الحروف الساكنة الملتقية (١) مع سواكن أخر (٢).\nقال أبو أسحاق: من أبدل واو (٣) ﴿اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ﴾ همزة، غالط؛ لأن الواو المضمومة إنما تبدل همزة إذا لزمت ضمتها، نحو: ﴿وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾ (٤) [المرسلات: ١١] وكذلك: (أَدْؤُرٌ) (٥) فيمن همزها، والضمة هاهنا إنما هي لالتقاء الساكنين فلا يلزم (٦).\nوقوله تعالى: ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾. (الربح) الزيادة على أصل المال (٧). و(التجارة) تقليب الأموال وتصريفها لطلب النماء (٨). يقال: تَجَرَ الرجل يَتْجُر تِجَارَة فهو تَاجِر (٩).\n_________\n(١) في (ب): (المتلقية).\n(٢) في (أ): (آخر) وفي (ب)، (ج)، بدون همز، وما أثبت موافق لما في \"الحجة\". بهذا انتهى رد أبي علي على الفراء، وقد اختصر الواحدي بعض كلامه. انظر \"الحجة\" ١/ ٣٧٢ - ٣٧٤.\n(٣) نص كلام الزجاج: (فأما من يبدل من الضمة همزة فيقول: (اشترؤ الضلالة) فغالط ...)، \"معاني القرآن\" ١/ ٥٧.\n(٤) قال الزجاج: الأصل وقتت ١/ ٥٧.\n(٥) قال الزجاج: وكذلك (أَدْؤر) إنما أصلها (أَدْوُر) ١/ ٥٧.\n(٦) انتهى كلام الزجاج. انظر \"معاني القرآن\" ١/ ٥٧، وقوله: (فلا يلزم) ليس من كلام الزجاج، والمعنى: أن ضمة (اشتروا) إنما هي لالتقاء الساكنين فليست ضمة لازمة، فلا تقلب الواو المضمومة همزة، لعدم لزوم الضمة فيها.\n(٧) انظر: \"لباب التفسير\" ١/ ١٤٢، \"البحر\" ١/ ٦٣، \"الدر المصون\" ١/ ١٥٤، \"تفسير أبي السعود\" ١/ ٤٩.\n(٨) انظر: \"مفردات الراغب\" ص ٧٣، وانظر المصادر السابقة.\n(٩) انظر: \"مجمل اللغة\" (تجر) ١/ ٤٩، \"مقاييس اللغة\" ١/ ٣٤١، \"مفردات الراغب\" ص ٧٣، وقالوا: ليس في كلام العرب تاء بعدها جيم إلا هذا اللفظ.","vol":"2","page":182},{"text":"قال الشاعر:\nقَدْ تَجَرَتْ في سُوقِنَا عَقْرَبٌ ... لا مَرْحَبًا بالعَقْرَبِ التَّاجِرَه (١)\nومعنى قوله ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾ أي ما ربحوا في تجارتهم، وأضاف الربح إلى التجارة، لأن الربح يكون فيها، وهذا كلام العرب يقولون: ربح بيعك وخسر بيعك (٢)، ونام ليلك، وخاب سعيك، قال الله تعالى ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [سبأ: ٣٣] أي مكرهم فيهما. وقال: ﴿فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ﴾ [محمد: ٢١] وإنما العزيمة للرجال في الأمر (٣).\nوقال جرير:\nوأعْوَر مِنْ نَبْهَان أمَّا نَهاره ... فَأعْمَى وأمَّا لَيْلُهُ فَبَصِيرُ (٤)\nفأضاف العمى والإبصار إلى الليل والنهار، ومراده بهما الموصوف\n_________\n(١) البيت للفضل بن عباس بن أبي لهب، وكان (عقرب بن أبي عقرب) رجل من تجار المدينة، مشهور بالمطل حتى قيل: (هو أمطل من عقرب) فعامله الفضل، فمطله فقال قصيدة يهجوه بها مطلعها هذا البيت المذكور، وردت القصيدة في \"الدرة الفاخرة في الأمثال السائرة\" ١/ ٩٨، \"جمهرة الأمثال\" للعسكري ١/ ٢٨١، \"المستقصى في أمثال العرب\" ١/ ٣٣، \"مجمع الأمثال\" ١/ ٢٦٠، \"اللسان\" (عقرب) ٥/ ٣٠٣٩.\n(٢) (خسر بيعك) ساقط من (ب).\n(٣) انظر \"تفسير الطبري\" ١/ ١٣٩، \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ١٤، \"معاني القرآن\" للأخفش ١/ ٢٠٧، \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٥٨، \"تأويل مشكل القرآن\" ص ١٣٨، \"تفسير غريب القرآن\" لابن قتيبة ص ٤٢، \"زاد المسير\" ١/ ٣٨.\n(٤) من قصيدة له هجا فيها النبهاني، وكان قد هجا جريرا، ورد البيت في \"الطبرى\" ١/ ١٤٠، \"ديوان جرير\" ص ٢٠٣.","vol":"2","page":183},{"text":"من نبهان (١).\nقال الفراء: وهذا إنما يجوز إذا عرف الكلام ولم يشكل، فإذا أشكل لم يجز، كما لو قال: خسر عبدك، وأراد أن يجعل العبد تجارة يربح فيه، أو يوضع (٢)، لأنه قد يكون العبد تاجرا فيربح، فلا يعرف معناه إذا ربح (٣) من معناه إذا كان مَتْجُورًا (٤) فيه (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-240>١٧ </span>- قوله تعالى: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ الآية. قال أبو عبيد عن الفراء: يقال (٦): مَثَل ومِثْل وشَبَه وشِبْه بمعنى واحد (٧).\nوقال الليث: المثل: الشيء الذي يضرب (٨) مثلا لشيء، فيجعل مثله (٩). وقال المبرد (١٠): (المثل): مأخوذ من المثال، والمثل من الكلام: قول سائر نشبه (١١) به حال الثاني بالأول، والأصل فيه التشبيه، فمعنى قولهم: (مثل بين يديه) إذا انتصب، معناه: أشبه الصورة المنتصبة بين يديه،\n_________\n(١) ذكره \" الطبري\" في \"تفسيره\" ١/ ١٤٠.\n(٢) أي: يخسر فيه.\n(٣) في \"معاني القرآن\" للفراء: (إذا ربح هو) ١/ ١٥.\n(٤) في (ب): (متجوزا).\n(٥) نقل كلام الفراء بمعناه انظر \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ١٥.\n(٦) في (ب): (ويقال).\n(٧) \"تهذيب اللغة\" (مثل) ٤/ ٣٣٤١.\n(٨) في (ب): (لا يضرب) و(ج) (ضرب).\n(٩) \"تهذيب اللغة\" (مثل) ٤/ ٣٣٤١.\n(١٠) أورد الميداني كلام المبرد في \"مجمع الأمثال\" ١/ ٧.\n(١١) في \"مجمع الأمثال\" (يشبه به).","vol":"2","page":184},{"text":"والأماثل: الأفاضل. و(هذا أمثل من ذاك) (١)، أي: أشبه بما له (٢) الفضل.\nوالِمثَال: القصاص لتسوية (٣) الحالتين، وتشبيه حال المقتص منه بحال الأول، والامتثال: الاقتصاص من هذا.\nو(الأمثال) (٤): أصل كبير في بيان الأشياء، لأن الشيء يعرف بشبهه ونظيره. [و(الأمثال): يخرج ما يخفى تصوره إلى ما يظهر تصوره، و(المثل): بيان ظاهر على أن الثاني مثل الأول] (٥).\nو(الأمثال): متداولة سائرة في البلاد، وفيها حكم عجيبة وفوائد كثيرة، وقد ذكر الله تعالى الأمثال في غير موضع من كتابه، لما (٦) فيها من حسن البيان وقرب الاستدلال.\nوالمقصود بالمثل: البيان عن حال الممثل (٧). وحقيقته: ما جعل من القول كالعلم للتشبيه بحال الأول، مثال ذلك قول كعب بن زهير (٨):\n_________\n(١) في (ب): (ذلك). وفي \"مجمع الأمثال\": (فلان أمثل من فلان) ١/ ٧.\n(٢) في \"مجمع الأمثال\" (أشبه بما له [من] الفضل) ١/ ٧، ويظهر أن (من) مضافة من المحقق لاستقامة المعنى.\n(٣) في (أ) (لتشويه). وقوله: (المثال القصاص لتسوية الحالتين) ليس في \"مجمع الأمثال\" ١/ ٧.\n(٤) في (ب): (الامتثال).\n(٥) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).\n(٦) في (ب): (التي فيها).\n(٧) في (ب): (الممتثل).\n(٨) هو كعب بن زهير بن أبي سلمى المزني، شاعر مشهور، وصحابي معروف، قدم على رسول الله صلى الله عيه وسلم وأسلم وأنشده قصيدته المشهورة (بانت سعاد). انظر ترجمته في \"الشعر والشعراء\" ص ٨٩٠، \"الإصابة\" ٣/ ٢٩٥.","vol":"2","page":185},{"text":"كَانَتْ مَوَاعِيدُ عُرْقُوبٍ لَنا (١) مَثَلًا ... وَمَا مَوَاعِيدُهُ إلاَّ الأَبَاطِيلُ (٢)\nفمواعيد عرقوب علم (٣) في كل ما لا يصح من المواعيد (٤). وورد المثل في معان كثيرة في التنزيل، فَذِكْرُ كل واحد في موضعه، إن شاء الله.\nوذُكِر لفظ (المثل) لأن المراد تشبيه الحالة بالحالة، وذكرنا أن لفظ المثل (٥) قد صار كالعلم للتشبيه بحال الأول، ولو قيل ﴿كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ لم يُعرف ما الغرض من التشبيه، فإذا ذكر لفظ المثل عُلم أن المراد تشبيه الحال بالحال (٦).\nو﴿اسْتَوْقَدَ﴾ بمعنى: أوقد (٧) في قول أكثر أهل اللغة (٨).\nوقال بعضهم: استوقد، معناه: استدعى بالنار الضياء (٩)، والأول\n_________\n(١) في (ب): (لها) وهي رواية للبيت.\n(٢) بيت من قصيدة كعب (بانت سعاد) المشهورة التي قالها أمام الرسول ﷺ فأعطاه بردته، و(عرقوب): اسم رجل مشهور بخلف الوعد فيضرب به المثل، فيقال: (مواعيد عرقوب)، أورد القصيدة ابن هشام في \"السيرة\" ٤/ ١٥٢، وأورد بعضها ابن قتيبة في \"الشعر والشعراء\" ص ٨٠، وورد البيت المستشهد به في \"الدرة الفاخرة في الأمثال السائرة\" ١/ ١٧٧، \"مجمع الأمثال\" للميداني ١/ ٧.\n(٣) في (ج): (مثالا).\n(٤) انتهى كلام المبرد، وقد ذكره الميداني في مقدمة \"مجمع الأمثال\" واختصر بعضه، ١/ ٧.\n(٥) في (ب): (الملك).\n(٦) انظر: \"الطبري\" ١/ ١٤٠، \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ١٥، \"الكشاف\" ١/ ١٩٧.\n(٧) (أوقد) ساقط من (ب).\n(٨) فعلى هذا (السين) و(التاء) زائدتان: انظر \"معاني القرآن\" للأخفش ١/ ٢٠٨، \"تأويل مشكل القرآن\" ص ٣٦٢، \"تفسير الطبري\" ١/ ١٤٣، \"تفسير ابن عطية\" ١/ ١٨٣، \"زاد المسير\" ١/ ٣٩، \"القرطبي\" ١/ ١٨٣، \"البحر\" ١/ ٧٥.\n(٩) وقيل: المراد طلب من غيره أن يوقد له. انظر \"تفسير ابن عطية\" ١/ ١٨٤، \"زاد =","vol":"2","page":186},{"text":"الصحيح (١). و(النار) من النور (٢)، وجمعها نيران (٣)، والنار تستعار لكل شدة، فيقال: أوقد نار الفتنة، وألقى بينهم نارا: إذا ألقى عداوة. و(أضاء) يكون واقعا ومطاوعا (٤)، يقال: أَضَاءَ الشيء بنفسه، وأضاءه غيره (٥).\nوقال أبو عبيد: أَضَاءَت النار، وأَضَاءَها غيرها (٦). والنار تضيء في نفسها، وتضيء غيرها من الأشياء، قال الشاعر:\nأَضاءتْ لهم أَحَسابُهُم وَوُجُوههم ... دُجَى الليْلِ حتَّى نَظَّم الجَزْعَ ثَاقِبُهْ (٧)\n_________\n= المسير\" ١/ ٣٩. وقيل: طلب الوقود وسعى في تحصيله، وهو سطوع النار وأرتفاع لهبها. انظر: \"تفسير البيضاوي\" ١/ ١١، \"تفسير أبي السعود\" ١/ ٥٠، وانظر. \"البحر\" ١/ ٧٨.\n(١) وهو اختيار الأخفش وابن جرير وغيرهم كما سبق.\n(٢) وبعضهم جعلها مشتقة من نار ينور إذا نفر، لأن فيها حركة واضطرابا، والنور مشتق منها. ذكره الزمخشري في \"الكشاف\" ١/ ١٩٧، انظر: \"معجم مقاييس اللغة\" (نور) ٥/ ٣٦٨.\n(٣) انظر \"تهذيب اللغة\" (نار) ٤/ ٣٤٧٩، وفي \"القرطبي\" جمعها (نور وأنوار ونيران)، \"القرطبي\" في \"تفسيره\" ١/ ١٨٤.\n(٤) الفعل الواقع هو المتعدي إلى مفعول به أو أكثر.\nوالمطاوعة: هي قبول فاعل فعل أثر فاعل فعل آخر يلتقيان في الاشتقاق، مثل: أدبته فتأدب، فالتأدب أثر التأديب. انظر (معجم المصطلحات النحوية والصرفية) ص ١٤١، ٢٤٥.\n(٥) انظر: \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٣٥ أ، ب، \"الصحاح\" (ضوأ) ١/ ٦٠، وابن عطية في \"تفسيره\" ١/ ١٨٤، \"القرطبي\" في \"تفسيره\" ١/ ١٨٥، \"زاد المسير\" ١/ ٣٩، \"الكشاف\" ١/ ١٩٨.\n(٦) \"تهذيب اللغة\" (ضاء) ٣/ ٢٠٧٧.\n(٧) في (أ)، (ج) (ناقبه) بالنون وما في (ب) موافق لجميع المصادر. والبيت نسبه بعضهم لأبي الطمحان القيني، وبعضهم للقيط بن زرارة، يقول: إن أحسابهم =","vol":"2","page":187},{"text":"ويقال: ضَاءَت النار، وأضاءت، لغتان (١)، وأضاء السبيل إذا وضح، وكل ما وضح فقد أضاء، وأضاءت الشمس وأضاء القمر (٢). والذي في الآية واقع (٣).\nوقوله تعالى: ﴿مَا حَوْلَهُ﴾. محل (ما) منصوب بوقوع الإضاءة عليه، و(حوله) نصب على الظرف (٤). والعرب تقول: رأيت الناس حَوْلَه، وحَوْلَيْه، وحَوَالَهُ، وحَوَالَيْهِ. فَحَوَالَهُ وُحْدَان حَوَالَيْه، وَحَوْلَيْه تَثْنِيةُ حَوْلَه وينشد: مَاءٌ رَوَاهٌ ونَصيٌّ حَوْلَيَه (٥) ومما ينشد على لسان البهائم أن الضب\n_________\n= طاهرة زكية، فدجى الليل تنكشف من نور أحسابهم، حتى إن ثاقب الضوء يسهل نظم الجزع لناظمه، ورد البيت في \"الكامل\" ٣/ ١٢٩، \"الحماسة بشرح المرزوقي\" ٤/ ١٥٩٨، \"أمالي المرتضى\" ١/ ٢٥٧، \"الشعر والشعراء\" ص ٤٧٥، \"الصناعتين\" ص ٣٦٠، \"خزانة الأدب\" ٨/ ٩٥، \"اللسان\" (خضض) ٢/ ١١٨٦، \"القرطبي\" في \"تفسيره\" ١/ ١٨٥.\n(١) انظر \"الصحاح\" (ضوأ) ١/ ٦٠، \"تهذيب اللغة\" (ضاء) ٣/ ٢٠٧٧، \"اللسان\" (ضوأ) ٥/ ٢٦١٨.\n(٢) انظر: \"القرطبي\" في: \"تفسيره\" ١/ ١٨٥، \"زاد المسير\" ١/ ٣٩.\n(٣) أي متعد، وقيل: لازم، انظر \"تفسير ابن عطية\" ١/ ١٨٤، \"الكشاف\" ١/ ١٩٨، \"زاد المسير\" ١/ ٣٩، \"البحر المحيط\" ١/ ٧٨، \"الدر المصون\" ١/ ١٦٠.\n(٤) هذا على أن (أضاء) متعد، فإن كان لازما، فالفاعل ضمير النار، و(ما) زائدة، وأجاز الزمخشري: أن تكون موصولة فاعله، وحوله منصوب على الظرفية. انظر (إعراب القرآن) للنحاس ١/ ١٤٣، \"إملاء ما من به الرحمن\" ١/ ٢١، \"تفسير ابن عطية\" ١/ ١٨٤، \"الكشاف\" ١/ ١٩٨، \"البحر المحيط\" ١/ ١٧٨، \"الدر المصون\" ١/ ١٦٠.\n(٥) الرِجز للزَّفَيَان السعدي، يروى البيت (حَوْلَيَه) و(حَولِيه) و(حَوْلَيْهْ) ورد البيت عند أبي زيد ص٣٣١، وفي \"التهذيب\" (حال) ١/ ٧١٠، \"الخصائص\" ١/ ٣٣٢، وليس في \"كلام العرب\" لابن خالويه ص ٤١، \"اللسان\" (روى) ٢/ ١٠٥٥. قال محقق \"نوادر أبي زيد\": المثبت هنا رواية أبي زيد والبصريين على أنه من الرجز وهي =","vol":"2","page":188},{"text":"قال لِلْحِسْل (١):\nأهَدَمُوا بَيْتَكَ لا أبَالَكا ... وأنا أمْشِي (٢) الدَّأَلَى حَوَالَكَا (٣)\nو(النور) ضد الظلمة، ويقال: نار الشيء وأنار واستنار بمعنى واحد، وأنار الشيء (٤) أي أوضحه (٥) ومنه الحديث: (فرض عمر بن الخطاب (٦) -﵁- فريضة فأنارها زيد بن ثابت) (٧).\nفأما التفسير: فقال ابن عباس وقتادة والضحاك ومقاتل والسدي: يقول: مثل هؤلاء المنافقين كمثل رجل أوقد نارًا في ليلة (٨) مظلمة في مفازة فاستضاء بها واستدفأ، ورأى ما حوله فاتقى ما يحذر ويخاف وأمن، فبينما\n_________\n= (حَوْلَيَهْ) وأما رواية الكوفيين للأبيات فعلى أنها من السريع (حَوْلَيْهْ ...)، ص ٣٣١.\n(١) في (ب): (للحسك) والحِسْل: ولد الضب. \"تهذيب اللغة\" (حسل) ٤/ ٣٠٣.\n(٢) في (ب): (استي).\n(٣) الرجز من \"شواهد سيبويه\" ١/ ٣٥١، وهو في \"الكامل\" ٢/ ١٩٨، \"المخصص\" ١٣/ ٢٢٦، \"أمالي الزجاجي\" ص١٣٠، \"همع الهوامع\" ١/ ١٣٥، \"اللسان\" (حول) ٢/ ١٠٥٥ الدألي. مشية فيها تثاقل، وهو من تكاذيب الأعراب يزعمون أنه من قول الضب لولده أيام كانت الأشياء تتكلم.\n(٤) في (ب): (للشيء).\n(٥) انظر: \"تهذيب اللغة\" (نار) ٤/ ٣٤٨٢.\n(٦) (بن الخطاب) سقط من (ب).\n(٧) ذكره الأزهري في \"تهذيب اللغة\" ولفظه: (فرض عمر بن الخطاب للجد ثم أنارها زيد بن ثابت)، أي: نورها وأوضحها \"تهذيب اللغة\" (نار) ٤/ ٣٤٧٩، ونحوه عند ابن الجوزي في \"غريب الحديث\" ٢/ ٤٤٠، وعند ابن الأثير في \"النهاية\" ٥/ ١٢٥. وأخرج عبد الرزاق في \"المصنف\" بسنده عن الزهري نحوه ولفظه: (إنما هذِه فرائض عمر، ولكن زيدا أثارها بعده وفشت عنه)، \"المصنف\" ١٠/ ٢٦٦، ٢٦٧ رقم (١٩٠٦٠) و(١٩٠٦١)، ونحوه في \"كنز العمال\" عن عبد الرزاق ١١/ ٦٢.\n(٨) في (ب): (ليل).","vol":"2","page":189},{"text":"هو كذلك إذ طفئت ناره فبقي مظلما خائفا متحيرا، كذلك المنافقون لما أظهروا كلمة الإيمان استناروا بنورها، واعتزوا بعزها، وأمنوا، فناكحوا المسلمين ووارثوهم (١) وقاسموهم الغنائم وأمنوا على أموالهم وأولادهم، فلما ماتوا عادوا إلى الظلمة والخوف، وبقوا في العذاب والنقمة (٢).\nوهذا القول اختيار الزجاج، لأنه قال: هذا المثل ضربه الله للمنافقين في تجملهم بظاهر الإسلام، فمثل ما تجملوا به من الإسلام كمثل النار التي يستضيء (٣) بها المستوقد (٤).\nوعلى ما قاله أبو إسحاق: التمثيل وقع بين تجملهم (٥) بالإسلام، وبين النار التي (٦) يستضاء بها.\nوقال غيره: معنى الآية: مثل استضاءتهم (٧) بكلمة الإيمان كمثل استضاءة الموقد بالنار. فالتمثيل وقع بين الاستضاءتين، وحذف الاستضاءة، لأنه مضاف فأقيم المضاف إليه مقامه (٨).\nوهذا قول الفراء، لأنه قال: شبههم وهم جماعة بالذي استوقد نارًا\n_________\n(١) في (ب): (واورثوهم).\n(٢) ذكره \"الطبري\" ١/ ١٤٣ - ١٤٤، من طريق علي بن طلحة عن ابن عباس، وعن قتادة والضحاك ورجحه. وذكره ابن أبي حاتم ١/ ٥٠ عن ابن عباس. وذكره ابن كثير عن قتادة. انظر: \"تفسير ابن كثير\" ١/ ٥٨، \"الدر المصون\" ١/ ٣٢.\n(٣) في (أ)، (ج): (تستضيء)، وأثبت ما في (ب) لمناسبته للسياق.\n(٤) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٥٨.\n(٥) في (ب): (تحكمهم).\n(٦) في (ب): (الذي).\n(٧) في (ب) (استضابهم).\n(٨) ذكره \"الطبري\" ١/ ١٤١.","vol":"2","page":190},{"text":"وهو واحد؛ لأنه تشبيه (١) للفعل بالفعل، لا للذوات (٢) بالذوات، ومحل هذا قوله: ﴿تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ [الأحزاب: ١٩] يعني كدوران عين الذي يغشى عليه، وكقوله: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [لقمان: ٢٨]، يعني إلا كخلق وكبعث نفس واحدة.\nقال: ولو أراد تشبيه الذوات لقال: (كالذين)، كما قال: ﴿كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾ [المنافقون ٤٠] وقال: ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ [الحاقة:٧] وعلى هذا ﴿الَّذِي﴾ في قوله: ﴿الَّذِي اسْتَوْقَدَ﴾ واحد (٣).\nوقوله تعالى بعد هذا: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾. قال الزجاج: معناه والله أعلم إطلاع الله المؤمنين على كفرهم، فقد ذهب منهم نور الإسلام بما أظهر الله ﷿ من كفرهم، ويجوز أن يكون ذهب الله بنورهم في الآخرة، لأن الله ﷿ قد جعل للمؤمنين في الآخرة نورا، وسلب الكافرين ذلك النور، وهو قوله: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا﴾ (٤) [الحديد: ١٣].\nومثل هذا قال الفراء، فقال: إنما قال: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ لأن المعنى ذهب إلى المنافقين (٥).\n_________\n(١) في (ب) (وهو لا تشبيه).\n(٢) في (ب) (للذات).\n(٣) انظر كلام الفراء في: \"معاني القرآن\" ١/ ١٥، نقله الواحدي بمعناه، وانظر \"الطبري\" في تفسيره ١/ ١٤١.\n(٤) كلام الزجاج في \"معاني القرآن\" ١/ ٥٩.\n(٥) قال الفراء بعد هذا: (... فجمع لذلك، ولو وحد لكان صوابًا ...) \"معاني القرآن\" ١/ ١٥. ومعنى كلام الفراء: أن المعنى انصرف إلى المنافقين، وليس للذي استوقد نارًا، ولو كان المعنى له لقال: بنوره. وقول الفراء (لو وحد لكان صوابًا) =","vol":"2","page":191},{"text":"فعلى قول هذين (١) النور كان للمنافقين فأذهبه الله، والكناية راجعة إليهم (٢).\nوكان يجب في حق النظم أن يكون اللفظ (٣): (فلما أضاءت ما حوله أطفأ الله ناره) ليشاكل جواب (لما) معنى هذه القصة (٤). ولكن لما كان إطفاء النار مثلا لإذهاب نورهم، أقيم ذهاب النور مقام الإطفاء، وجعل جواب (لما) (٥) اختصارا وإيجازا، وهذا طريق حسن في الآية.\nوفيها طريق آخر: وهو أن ﴿الَّذِي﴾ في قوله: ﴿الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾\n_________\n= أسلوب لا يتناسب مع كلام الله، لأن ما قال الله هو الصواب لا غيره.\n(١) أي: قول الزجاج والفراء.\n(٢) وإلى هذا ذهب \"الطبري\" وغيره. والمعنى عند \"الطبري\": فلما أضاءت ما حوله: ذلك أن المنافق لم يزل مستضيئا بضوء القول الذي قاله منافقا في حياته، ثم في يوم القيامة أنطفأ ذلك النور، وقال: الهاء والميم في (بنورهم) عائد على (الهاء والميم) في قوله: (مثلهم). \"الطبري\" في \"تفسيره\" ١/ ١٤٥، وبعضهم قال: (الهاء والميم) تعود على (الذي). انظر \"القرطبي\" في \"تفسيره\" ١/ ١٨٣.\n(٣) (أن يكون اللفظ) ساقط من (ب).\n(٤) هذا التعبير لا يناسب مقام كتاب الله، وإن كان للعبارة وجه من الاحتمال، لكن الأولى استعمال الألفاظ والأساليب التي تليق بكلام الله الذي هو في قمة الفصاحة والبلاغة، والله سبحانه قال ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ وهذا أبلغ مما ذكر الواحدي في قوله: (أطفأ الله ناره) فالنار إذا انطفأت يمكن إيقادها، ولكن إذا ذهب نورها وسلب فلا فائدة فيها. وكذا قوله: (وهذا طريق حسن في الآية) وهل هناك أحسن مما تكلم الله به؟!.\n(٥) للعلماء في جواب (لما) قولان: أحدهما: أنه محذوف تقديره (خمدت وانطفأت) وهذا رأي \"الطبري\" في \"تفسيره\" ١/ ١٤٥، والزمخشري في \"الكشاف\" ١/ ١٩٨، وقد انتصرا لهذا الوجه ورجحاه. ورد أبو حيان قول الزمخشري، وقال: لا ينبغي آن يفسر كلام الله بغير ما يحتمله ولا أن يزاد فيه، بل يكون الشرح طبق المشروح =","vol":"2","page":192},{"text":"المراد به الجماعة. وهو مذهب ابن قتيبة (١) وابن الأنباري. أما ابن قتيبة فقال: ﴿الَّذِي﴾ قد يأتي مؤديا عن الجمع (٢)، واحتج بقول الشاعر:\nوإنَّ الذي حَانَتْ بِفَلْجٍ دِمَاؤُهُم ... هُمُ القَوْمُ كُل القَوْمِ يا أُمَّ خَالِد (٣)\nويقال في الواحد: (اللذ) وفي التثنية: (اللذا) وهو لغة لبعض العرب قد وردت في الأشعار (٤).\n_________\n= من غير زيادة عليه ولا نقص منه ...)، انظر \"البحر المحيط\" ١/ ٧٩، وانظر \"القرطبي\" في \"تفسييره\" ١/ ١٢٩، و\"الدر المصون\" ١/ ١٦٢.\n(١) هو أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري، وقيل: المروزي، النحوي اللغوي، سكن بغداد، له المصنفات المشهورة (٢٢٣ - ٢٧٦ هـ) انظر \"طبقات النحويين واللغويين\" ص١٨٣، \"إنباه الرواة\" ٢/ ١٤٣، \"تاريخ بغداد\" ١٠/ ١٧٠، \"وفيات الأعيان\" ٣/ ٤٢.\n(٢) انظر \"تأويل مشكل القرآن\" ص ٣٦١، وانظر \"الكشاف\" ١/ ١٩٦، \"إملاء ما من به الرحمن\" ١/ ٢٠.\n(٣) البيت للأشهب بن رميلة، وهو من \"شواهد سيبويه\"، استشهد به على حذف النون من (الذين) عند طول الصلة. \"الكتاب\" ١/ ١٨٧، وكذا في \"المقتضب\" ٤/ ١٤٦، وفي \"تأويل مشكل القرآن\" ص ٣٦١، \"تفسير الطبري\" ١/ ١٤١، \"المنصف\" ١/ ٦٧، \"زاد المسير\" ١/ ٤٠، \"القرطبي\" في \"تفسيره\" ١/ ١٢٩، (الخزانة) ٦/ ٢٥، (شرح المفصل) ٣/ ١٥٤ - ١٥٥، (همع الهوامع) ١/ ٦٨،٤/ ٣٨٠، \"الدر المصون\" ١/ ١٥٧، \"مغني اللبيب\" ١/ ١٩٤، \"البحر المحيط\" ١/ ٧٦، \"معجم البلدان\" ٤/ ٢٧٢، قال ياقوت: فَلْج: واد بين البصرة وحمى ضرية، وقيل: طريق تأخذ من طريق البصرة إلى اليمامة. وقعت فيه الوقعة التي يصفها الشاعر، هم القوم كل القوم: أي الكاملون في قوميتهم. فاعلمي ذلك وابكي عليهم يا أم خالد.\n(٤) في (الذي) لغات منها: إثبات الياء، وحذفها مع بقاء الكسرة، وحذف الياء مع إسكان الذال، وتشديد الياء مكسورة، ومضمومة. انظر \"البحر المحيط\" ١/ ٧٤، =","vol":"2","page":193},{"text":"وقال ابن الأنباري: (الذي) في هذه الآية، واحد في معنى الجمع (١)، وليس على ما ذكره ابن قتيبة، لأن (الذي) في البيت الذي احتج به جمع واحد (اللذ)، والذي في الآية واحد في اللفظ لا (٢) واحد له، ولكن المراد منه الجمع (٣). وجاز أن يوضع (الذي) موضع (الذين) لأنه مبهم يحتمل الوجوه في مثل (٤) قول الناس: (أوصي بمالي للذي (٥) غزا وحج) معناه: للغازين والحاجين. [ومثله: (من) و(ما) (٦). ووحد الفعل في (استوقد) لأن (الذي) وإن أريد به الجمع فهو موضوع للواحد (٧). فهذا\n_________\n= \"الدر المصون\" ١/ ١٥٩، وقال: (قال بعضهم: وقولهم: هذِه لغات ليس جيدًا؛ لأن هذِه لم ترد إلا ضرورة، فلا ينبغي أن تسمى لغات) ١/ ١٥٩، وانظر (شرح المفصل) ٣/ ١٥٤.\n(١) ذكر نحوه الأخفش في \"معاني القرآن\" ١/ ٢٠٩، وانظر \"زاد المسير\" ١/ ٣٩، \"الدر المصون\" ١/ ١٥٦.\n(٢) في (ج) (في اللفظ واحد له) وفي (أ)، صححت في الهامش بإضافة (لا).\n(٣) وقد رد على ابن قتيبة \"الطبري\" حيث قال: (وقد زعم بعض أهل العربية من أهل البصرة: أن (الذي) في قوله: ﴿كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ بمعنى (الذين) كما قال جل ثناؤه: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾ [الزمر: ٣٣]. وكما قال الشاعر: فإن الذي ... البيت (ثم قال: (وقد أغفل قائل ذلك فرق ما بين (الذي) في الآيتين والبيت .... وغير جائز لأحد نقل الكلمة التي هي الأغلب في استعمال العرب على معنى، إلى غيره إلا بحجة يجب التسليم لها). \"تفسير الطبري\" ١/ ١٤١، وانظر \"البحر\" ١/ ٧٧، \"الدر المصون\" ١/ ١٥٧.\n(٤) (مثل) ساقط من (ب).\n(٥) في (ب) الذي.\n(٦) انظر \"البحر\" ١/ ٧٤.\n(٧) فأعاد الضمير في استوقد إلى لفظ الذي انظر \"الدر المصون\" ١/ ١٥٧.","vol":"2","page":194},{"text":"الاختلاف بينهما (١) في لفظ (الذي) واتفقا أن المراد به الجمع] (٢).\nوعلى هذا القول، الكناية في قوله: ﴿بِنُورِهِم﴾ راجعة إلى المستوقدين (٣)، وهو جواب (فلما) في الظاهر والمعنى جميعا (٤).\nوإنما قال: بنورهم والمذكور في أول الآية النار، لأن النار شيئان، النور والحرارة، والنور هاهنا كان أجدى (٥) المنفعتين (٦).\nوذكر صاحب النظم في الآية طريقة ثالثة، وهو أنه قال: العلة في توحيد ﴿الَّذِي﴾ (٧) وجمع الكناية في قوله: ﴿بِنُورِهِم﴾ أن المستوقد كان واحدًا من جماعة تولى الاستيقاد لهم، وكانت الكناية في الاستيقاد عنه خصوصا دون أصحابه لتوليه ذلك دونهم، فلما ذهب الضوء، رجع ذهابه عليهم جميعا، فرجع الخبر إلى جماعتهم لما عموا به.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-241>١٨ </span>- قوله تعالى: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾. (الصم): جمع الأصم، وهو الذي به صمم، وهو انسداد الأذن، ويقال: رمح أصم: إذا لم يكن\n_________\n(١) بين أبي قتيبة وابن الأنباري.\n(٢) ما بين المعقوفين فيه سقط وتقديم وتأخير في (ب).\n(٣) وقيل يعود على معنى الذي انظر \"تفسير ابن عطية\" ١/ ١٨٢، \"الدر المصون\" ١/ ١٦٣.\n(٤) وهذا بخلاف قول الفراء والزجاج فإنه جواب فلما حسب الظاهر فقط لأن المعنى على قوليهما راجع إلى المنافقين لا إلى المستوقدين ولهذا ادعى البعض أن جواب لما محذوف وهو طفئت أو خمدت كما مر قريبا وهو قول \"الطبري\" والزمخشري انظر \"الطبري\" في \"تفسيره\" ١/ ١٤٣، \"الكشاف\" ١/ ١٩٨.\n(٥) في (ج) أحدى.\n(٦) \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٥٣ ب، وانظر \"تفسير البيضاوي\" ١/ ١١، وأبي السعود في \"تفسيره\" ١/ ٥٠، والقاسمي في \"تفسيره\" ٢/ ٦٢.\n(٧) الذي ساقطة من (ب).","vol":"2","page":195},{"text":"أجوف، وصخرة صماء: إذا كانت صلبة، والصمام ما يسد (١) به رأس القارورة، هذا أصله في اللغة (٢). ولما كان الانسداد يؤدي إلى الشدة والصلابة قيل للصخرة الشديدة: صماء. وارتفع (صم) على الاستئناف، كأنه لما تم الكلام الأول استأنف فقال: صم، أي: هم صم (٣).\nوقال أبو إسحاق (٤): كأنه قال: هؤلاء الذين قصتهم ما مضى (صم) (٥). ويجوز الاستئناف قبل تمام القصة، كقوله تعالى: ﴿جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَابً﴾ [النبأ: ٣٦]، ثم قال: ﴿رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (٦) وقال أيضا ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ﴾ (٧) [التوبة: ١١٢] ثم قال:\n_________\n(١) في (أ)، (ج) (يشد) بالشين، وما في (ب) موافق لما في كتب اللغة وهو ما أثبته،\n(٢) انظر \"تهذيب اللغة\" (صم) ٢/ ٢٠٥٨، \"الصحاح\" (صمم) ٥/ ١٩٦٧، \"مقاييس اللغة\" (صمم) ٣/ ٢٧٨، \"مفردات الراغب\" ص ٢٨٦، (تفسير \"القرطبي\") ١/ ١٨٥.\n(٣) قال ابن جرير: (... يأتيه الرفع من وجهين، والنصب من وجهين. فأما أحد وجهي الرفع: فعلى الاستئناف لما فيه من الذم ... والوجه الآخر: على نية التكرار من (أولئك) ... فأما على تأويل ما روينا عن ابن عباس من غير وجه رواية علي بن أبي طلحة عنه، فإنه لا يجوز فيه الرفع إلا من وجه واحد، وهو الاستئناف ... والقراءه التي هي القراءة، الرفع دون النصب ...) \"تفسير الطبري\" ١/ ١٤٦.\n(٤) الزجاج.\n(٥) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٥٩، نقل كلام الزجاج بمعناه.\n(٦) قال الفراء: (ولو تم الكلام ولم تكن آية، لجاز أيضا الاستئناف، قال تعالى: ﴿جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا (٣٦) رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَنِ﴾ (الرحمن) يرفع ويخفض في الإعراب وليس الذي قبله بآخر آية). \"معاني القرآن\" ١/ ١٦. وما ذكره الواحدي يتم على قراءة الرفع في (رب) وبها قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو. انظر \"السبعة\" ص ٦٦٩، \"القطع والاستئناف\" للنحاس ص ٧٥٩، \"الغاية\" ص ٢٨٦.\n(٧) (وأموالهم) ساقط من (أ)، (ج).","vol":"2","page":196},{"text":"﴿التَّائِبُونَ﴾ [التوبة:١١٣] (١). وقال النابغة:\nتَوَهَّمْتُ آياتٍ لها فَعَرَفْتُها ... لستَّةِ أعوامٍ وَذَا العَامُ سَابِع (٢)\nثم قال: (رماد) (٣) فاستأنف، ولم يبدل (٤).\nقال أهل المعاني: وإنما وصفهم الله تعالى بالصم (٥) لتركهم قبول ما يسمعون، والعرب تقول لمن يسمع ولا يعمل على ما يسمعه: أصم. قال الشاعر:\nأَصَمُّ عَمَّا سَاءَهُ سَمِيعُ (٦)\nو(بكم) عن الخير، فلا (٧) يقولونه، و(عمي)، لأنهم في تركهم ما\n_________\n(١) ذكره الفراء حيث قال: فأما ما جاء في رؤوس الآيات مستأنفا فكثير، من ذلك - ثم ذكره \"معاني القرآن\" ١/ ١٦.\n(٢) البيت للنابغة الذبياني يمدح النعمان، ومعنى توهمت: أي لم يعرفها إلا توهما لخفاء معالمها، آيات: علامات للدار وما بقى من آثارها، لستة أعوام: أي بعد ستة أعوام ثم قال بعده:\nرَمَادٌ كَكُحل العَيْنِ لأيًا أُبِينُهُ ... ونؤى كجذْمِ الحَوْضِ أَثْلَمُ خَاشِعُ\nومعنى لأيا أبينه: أي أتبينه بصعوبة لخفائه. البيت من \"شواهد سيبويه\" ٢/ ٨٦، \"المقتضب\" ٤/ ٣٢٢، وهو في \"ديوان النابغة\" ص ٥٣، \"مجاز القرآن\" ص ٣٣.\n(٣) أي: في البيت الذي بعد سبق ذكره.\n(٤) ذكره أبو عبيدة. انظر: \"مجاز القرآن\" ص ٣٣.\n(٥) في (ب): (بالصم).\n(٦) ورد هذا الرجز في \"تهذيب اللغة\" (صمم) ٢/ ٢٠٥٨، \"اللسان\" (صمم) ٤/ ٢٥٠٠، \"شرح الحماسة\" للمرزوقي ٣/ ١٤٥٠، \"الكشاف\" ١/ ٢٠٤، \"القرطبي\" في \"تفسيره\" ١/ ١٨٦. جميعها بدون نسبة، ومعناه: هو أصم عما لا يليق به، معرض عما ساءه مع أنه يملك السمع.\n(٧) في (أ)، (ج) (ولا) وما في (ب) أولى لصحة المعنى.","vol":"2","page":197},{"text":"يبصرون من الهداية بمنزلة العمى (١).\n\nوقوله تعالى: ﴿لَا يَرْجِعُونَ﴾ أي إلى الإسلام، أو عن الجهل والعمى (٢). قال محمد بن جرير: هذه الآية معناها التقديم والتأخير، والتقدير (وما كانوا مهتدين صم بكم ...) الآية، ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي﴾ [البقرة: ١٧]، ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾ [البقرة:<span data-type=\"title\" id=toc-242> ١٩]</span>، مثل آخر عطف على الأول.\nقال: لأن قوله ﴿وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ﴾ [البقرة: ١٧] في الآخرة، إذا قلنا: إنه وصف المنافقين (٣)، والخبر بأنهم صم بكم في الدنيا، فلهذا قلنا: إن هذا على التقَديم والتأخير (٤). وقال غيره: يجوز أن يعترض ذكر حالهم في الدنيا بعد وصف حالهم في الآخرة.\n\n١٩ - قوله تعالى: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ﴾. ﴿أَوْ﴾ دخلت هاهنا للإباحة (٥)، لا للشك (٦)، ومعناه أن التمثيل مباح لكم، إن مثلتموهم بالذي استوقد نارا، فهو مثلهم، [أو بأصحاب الصيب فهو مثلهم] (٧)، أو بهما جميعا فهما مثلاهم (٨)، كما تقول: جالس الحسن أو ابن سيرين، إن (٩) جالست\n_________\n(١) انظر \"تفسير الطبري\" ١/ ١٤٦، (تفسير أبي الليث) ١/ ٩٩، والبغوي في \"تفسيره\" ١/ ٦٩، (تفسير أبي الليث) ١/ ٥٤ أ، \"البحر\" ١/ ٨١، ٨٢.\n(٢) انظر \"الطبري\" في \"تفسيره\" ١/ ١٤٦، والثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ٥٤ أ.\n(٣) في (ج) (للمنافقين).\n(٤) ذكر كلام ابن جرير بمعناه انظر (تفسيره) ١/ ١٤٦.\n(٥) وقيل: للتخيير، انظر \"تفسير أبي الليث\" ١/ ٩٩، وابن عطية في \"تفسيره\" ١/ ١٨٩، \"القرطبي\" في \"تفسيره\" ١/ ١٨٦، \"الدر المصون\" ١/ ١٦٧، \"الكشاف\" ١/ ٢١٣.\n(٦) ذكر السمين الحلبي أحد الأقوال فيها: أنها للشك. \"الدر المصون\" ١/ ١٦٧.\n(٧) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).\n(٨) في (ج) (مثالهم).\n(٩) في (ب) (إذا).","vol":"2","page":198},{"text":"أحدهما فأنت مطيع، [وإن جمعتهما فأنت مطيع] (١).\nومثله قوله: ﴿فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ [البقرة: ٧٤]، هذا قول جميع أصحاب المعاني (٢).\nوقال ابن الأنباري: ﴿أو﴾ دخلت للتمييز والتفصيل (٣)، المعنى بعضهم يشبهون الذي استوقد نارا، وبعضهم يشبهون أصحاب الصيب. ومثله قوله: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ [البقرة: ١٣٥] [معناه: قال بعضهم: كونوا هودا، وهم اليهود، وقال بعضهم: كونوا نصارى] (٤)، وهم النصارى، فدخلت (أو) لمعنى التفصيل، ومثله قوله: ﴿فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ﴾ [الأعراف: ٤] معناه (٥): فجاء (٦) بعض أهلها بأسنا بياتًا، وجاء بعض أهلها في وقت القيلولة (٧).\nوقيل: إن (أو) هاهنا بمعنى الواو (٨)، كقول جرير:\n_________\n(١) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).\n(٢) بل قول بعضهم، وما ذكره الواحدي هو كلام الزجاج. انظر \"معاني القران\" ١/ ٦٢، ١٢٩، وانظر \"البيان في غريب إعراب القرآن\" ١/ ٦٠، ونسب الثعلبي لأهل (المعاني) أنها بمعنى (الواو) ١/ ٥٤ أ.\n(٣) في (ب) (فالتفضيل).\n(٤) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).\n(٥) قوله: (﴿أَوْ هُمْ قَائِلُونَ﴾: معناه ...) ساقط من (ب).\n(٦) في (ب): (وجاء).\n(٧) ذكره المرتضى في \"أماليه\" ٢/ ٥٤، ٥٥، ولم ينسب لأبن الأنباري، وذكره ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ١/ ٤٢، وذكره السمين الحلبي، وقال: وهو الأظهر، \"الدر المصون\" ١/ ١٦٧.\n(٨) في (ب) (بمعنى الواحد). وهو قول \"الطبري\" في \"تفسيره\" ١/ ١٤٩، وذكره أبو الليث في \"تفسيره\" ١/ ٩٩، والفراء في \"تفسيره\" ١/ ١٧، والثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ٥٤ أ، =","vol":"2","page":199},{"text":"نَال الخِلاَفَة أوْ كَانَتْ لَهُ قَدَرًا ... كَمَا أتى رَبَه مُوسَى عَلَى قَدَرِ (١)\nوقال توبة (٢):\nوقَد زَعَمَتْ سَلْمَى بِأَنِّي فَاجِرٌ ... لِنَفْسِي تُقَاهَا أوْ عَلَيْهَا فُجُورُهَا (٣)\nقال النحويون: المعنى أو كأصحاب صيب (٤)، فحذف المضاف\n_________\n= \"القرطبي\" في \"تفسيره\" ١/ ١٨٦، والسمين في \"الدر المصون\" ١/ ١٦٧. وقد رد ابن عطية على \"الطبري\" قوله (إنها بمعنى: الواو) وقال: (وهذِه عجمة). انظر \"تفسير ابن عطية\" ١/ ١٨٩. قلت: كيف تكون عجمة وقد قال به جمهور من المفسرين، وهو أحد (المعاني) التي تأتي (أو) عليها. انظر \"تأويل مشكل القرآن\" ص ٥٤٣، \"الأضداد\" لابن الأنباري ص ٢٧٩، \"زاد المسير\" ١/ ٤٢، \"مغنى اللبيب\" ١/ ٦١. والقول إن (أو) تأتي بمعنى (الواو) هو مذهب الكوفيين، أما البصريون فيمنعون ذلك. انظر \"الإنصاف\" ص ٣٨٣. وخلاصة الأقوال في (أو) في الآية هي:\n١ - أنها للشك بمعنى أن الناظر يشك في تشبيههم.\n٢ - أو للتخيير.\n٣ - أنها للتفصيل.\n٤ - بمعنى الواو.\n٥ - بمعنى بل.\n(١) البيت لجرير من قصيدة يمدح بها عمر بن عبد العزيز، انظر (الديوان) ص ٢١١، وفيه: (إذا كانت له قدرا) فلا شاهد فيه هنا، وورد البيت في \"الطبري\" في \"تفسيره\" ١/ ١٤٩، (الأضداد) لابن الأنباري ص ٢٧٩، \"أمالي المرتضى\" ٢/ ٥٧، \"تفسير السجاوندي\" ١/ ٣٢ (مخطوط)، \"همع الهوامع\" ١/ ١٦٧، \"مغني اللبيب\" ١/ ٦٢، \"الدر المصون\" ١/ ١٦٧.\n(٢) هو توبة بن الحُمَيِّر من بني عقيل بن كعب، وكان شاعرا لصا، أحد العشاق، صاحب ليلى. انظر: \"الشعر والشعراء\" ص ٢٨٩.\n(٣) رواية البيت المشهورة (وقد زعمت ليلى ...) فهو يذكر محبوبته ليلى الأخيلية. انظر \"أمالي المرتضى\" ٢/ ٥٧، و\"الطبري\" في \"تفسيره\" ١/ ١٤٩، \"الأضداد\" لابن الأنباري ص ٢٧٩، والثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ٥٤ أ، \"أمالي القالي\" ١/ ٨٨، ١٣١، \"همع الهوامع\" ٥/ ٢٤٨، \"مغني اللبيب\" ١/ ٦١.\n(٤) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٦٠، \"البيان في غريب إعراب القرآن\" ١/ ٦٠، =","vol":"2","page":200},{"text":"لدلالة باقي الكلام عليه (١) وهو قوله تعالى: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ﴾.\nو(الصيب) من المطر: الشديد، من قولهم: صاب يصوب، إذا نزل من علو إلى أسفل (٢).\nقال:\nتَنَزَّلَ مِنْ جَوِّ السَّمَاء يَصُوبُ (٣)\nوأصله (صَيْوِب) (٤) فسبقت الياء الواو [بالسكون، فصيرتا (ياء مشددة) كما قالوا: سيِّد وميِّت وهيِّن، وهو أصل مطرد في الياء والواو] (٥) إذا (٦)\n_________\n= وقال الفراء: (أو كمثل صيب) \"معاني القرآن\" ١/ ١٧، ونحوه ذكر \"الطبري\" في \"تفسيره\" ١/ ١٤٩.\n(١) لأن الواو في (يجعلون) تدل على المضاف المقدر وهو (أصحاب) فهو وإن حذف فمعناه باق فيجوز أن يعود عليه الضمير.\n(٢) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٦٠، و\"الطبري\" في \"تفسيره\" ١/ ١٤٨، (غريب القرآن) لابن قتيبة ١/ ٢٥، \"غريب القرآن\" لليزيدي ص ٦٥.\n(٣) عجز بيت وشطره الأول:\nفَلَسْتَ لإنْسِيٍّ ولكِنْ لمَلأكٍ\nنسبه بعضهم لعلقمة بن الفحل، يمدح الحارث بن جبلة، وقيل: لرجل من عبد القيس جاهلي، يمدح بعض الملوك، قاله أبو عبيدة، وقيل: لأبي وجزة السعدي يمدح عبد الله بن الزبير. ورد البيت في \"الكتاب\" ٤/ ٣٨٠، و\"الطبري\" في \"تفسيره\" ١/ ١٤٨، \"المفضليات\" ص ٣٩٤، \"مجاز القرآن\" ص ٣٣، \"المنصف\" ٢/ ١٠٢، \"الجمل\" للزجاجي ص ٤٧، \"إملاء ما من به الرحمن\" ١/ ٢٨، \"تفسير ابن عطية\" ١/ ١٨٩، \"الاشتقاق\" لابن دريد ص ٢٦، \"اللسان\" (صوب) ١/ ٢٥١٩، و(ألك) ١/ ١١١، \"الدر المصون\" ١/ ١٦٨.\n(٤) في (ب): (صيبوب).\n(٥) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).\n(٦) في (ب): (وإذا).","vol":"2","page":201},{"text":"اجتمعتا وإحداهما (١) ساكنة، تقدمت الواو وتأخرت (٢)، فالمتأخرة كما ذكرنا، والمتقدمة كقولهم: (لويت يده (٣) ليّا). هذا مذهب البصريين (٤). وعند الكوفيين: أن أصله (صييب) (٥) على وزن (فَعِيل)، فاستثقلت (٦) الكسرة على الياء فسكنت، وأدغمت إحداهما في الأخرى، وحركت إلى الكسرة.\nوقوله تعالى: ﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾. قال [الزجاج] (٧): السماء في اللغة: يقال لكل ما ارتفع وعلا قد سما يسمو، وكل سقف فهو سماء، ومن هذا قيل للسحاب: سماء، لأنها عالية (٨).\n_________\n(١) في (ب): (وأحديهما).\n(٢) هكذا في جميع النسخ ولعل الصواب (أو تأخرت) والله أعلم.\n(٣) في (أ)، (ب): (مده ليا). أصل (ليّا) (لويا) فقلبت الواو ياء وإدغمت في الياء، انظر \"سر صناعة الإعراب\" ٢/ ٥٨٥.\n(٤) انظر: \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٥٤ ب، و\"الطبري\" في \"تفسيره\" ١/ ١٤٨، \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ١٤٣ - ١٤٤، \"الإملاء\" ١/ ٢٢، وابن عطية في \"تفسيره\" ١/ ١٨٩، \"الإنصاف\" ص ٦٣٩.\n(٥) في (أ)، (ب): (صيب) وما في (ج) موافق لما عند الثعلبي، وهو ما أثبته. وقيل: أصله عندهم (صوِيب) وردَّ بأنه لو كان كذلك لصحت (الواو) كما تصح في (طويل). انظر \"إعراب القرآن\" للنحاس١/ ١٤٣ - ١٤٤، \"الإملاء\" ١/ ٢٢، \"الإنصاف\" ص ٦٣٩، وابن عطية في \"تفسيره\" ١/ ١٨٩، \"القرطبي\" في \"تفسيره\" ١/ ١٨٦.\n(٦) في (ب): (فاستقلت).\n(٧) في جميع النسخ (الرجال) والصحيح (الزجاج) كما في \"تهذيب اللغة\" (سما) ٢/ ١٧٤٧.\n(٨) انظر كلام الزجاج في \"معاني القرآن\" ١/ ٧٥، \"التهذيب\" (سما) ٢/ ١٧٤٨، والنص من \"التهذيب\".","vol":"2","page":202},{"text":"الأزهري: و(السماء) عند العرب مؤنثة، لأنها جمع (سماءة) (١)، و(السماءة) أصلها سَمَاوَة فاعلم. وإذا ذكرت العرب السماء عنوا بها السقف (٢).\nوأما (الرعد)، فقال ابن عباس: الرعد ملك يسوق السحاب، كما يسوق الحادي الإبل بحدائه (٣).\nوكذلك قال مجاهد وطاووس (٤) وعكرمة وأصحاب ابن عباس: إن الرعد ملك يسوق السحاب، والرعد الذي هو الصوت سمي باسمه (٥).\n_________\n(١) في \"التهذيب\" (وسبق الجمع الوحدان فيها) ٢/ ١٧٤٧.\n(٢) \"تهذيب اللغة\" (سما) ٢/ ١٧٤٨.\n(٣) في (ج): (بحاديه). ذكره \"الطبري\" بسنده عن الضحاك، وعن السدي عن أبي مالك، وعن مجاهد، وعن شهر بن حوشب، وكلهم عن ابن عباس. انظر \"الطبري\" في \"تفسيره\" ١/ ١٥٠ - ١٥١، وقد أخرج أبن أبي حاتم عن ابن عباس مرفوعا في سؤال اليهود للرسول ﷺ وفيه: (ملك من ملائكة الله موكل بالسحاب) قال المحقق. إسناده حسن. انظر: \"تفسير ابن أبي حاتم\" ١/ ٢٢١ (رسالة دكتوراه)، وأخرجه أحمد في \"مسنده\"، قال أحمد شاكر: (إسناده صحيح). انظر: \"مسند أحمد بتحقيق أحمد شاكر\" ٤/ ١٦١ ح (٣٤٨٣)، وذكر الحديث الشوكاني في \"فتح القدير\" وقال: في إسناده مقال. \"فتح القدير\" ١/ ٧٧.\n(٤) هو أبو عبد الرحمن طاووس بن كيسان الخولاني الهمداني اليماني، من أبناء الفرس، أحد أعلام التابعين، ومن كبار أصحاب ابن عباس، توفي سنة خمس ومائة، وقيل: ست. انظر ترجمته في: (وفيات الأعيان) ٢/ ٥٠٩، \"سير أعلام النبلاء\" ٥/ ٣٨، \"تهذيب التهذيب\" ٢/ ٢٣٥، \"غاية النهاية\" ١/ ٣٤١.\n(٥) انظر الروايات عنهم في \"الطبري\" في \"تفسيره\" ١/ ١٥٠ - ١٥١، والثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ٥٥ أ، \"زاد المسير\" ١/ ٤٣، وابن عطية في \"تفسيره\" ١/ ١٨٩، والبغوي في \"تفسيره\" ١/ ٦٩، \"القرطبي\" في \"تفسيره\" ١/ ٢١٧، (فتح القدير) ١/ ٧٧.","vol":"2","page":203},{"text":"وكتب ابن عباس إلى أبي (١) الجَلْد يسأله عن الرعد، فقال: هو ريح يختنق تحت السماء وفوق السحاب (٢).\nوسئل علي -﵁- عن الرعد، فقال: ملك، وعن البرق، فقال: مخاريق بأيدى الملائكة من حديد (٣).\nوسئل وهب بن منبه (٤) عن الرعد، فقال: الله أعلم (٥).\nويقال: برقت السماء ورعدت، ومنه يقال: برق الرجل ورعد، إذا تهدد وأوعد (٦). وأبرق وأرعد - أيضا في قول أبي عبيدة، وأنكره الأصمعي.\n_________\n(١) في (ب): (أبي الخلد) هو أبو الجَلْد بفتح الجيم وسكون اللام، جيلان بن أبي فروة الأسدي البصري، وجِيلان بكسر الجيم، وثقه أحمد. انظر \"الجرح والتعديل\" ٢/ ٥٤٧، \"طبقات ابن سعد\" ٧/ ٢٢٢.\n(٢) أخرجه \"الطبري\" من طرق في \"تفسيره\" ١/ ١٥٢، وأبن أبي حاتم، وقال المحقق إسناده حسن \"تفسير ابن أبي حاتم\" ١/ ٢٢٢.\n(٣) أخرجه \"الطبري\" بروايتين، إحداهما عن الرعد، والأخرى عن البرق، \"الطبري\" ١/ ١٥١ - ١٥٢، وأخرج ابن أبي حاتم عنه في (البرق) في \"تفسيره\" ١/ ٥٥، ونحوه في الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ٥٥ أ، وانظر \"القرطبي\" في \"تفسيره\" ١/ ١٨٧ - ١٨٨.\n(٤) أبو عبد الله، وهب بن منبه اليماني، صاحب القصص والأخبار، كانت له معرفة بأخبار الأوائل والأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه وثقه أكثرهم، وضعفه عمرو بن علي الفلاس. توفي سنة عشر ومائة. وقيل: ست عشرة، وبينهما أقوال. انظر \"طبقات ابن سعد\" ٥/ ٥٤٣، \"حلية الأولياء\" ٤/ ٢٣، \"وفيات الأعيان\" ٦/ ٣٥، \"تهذيب التهذيب\" ٤/ ٣٣٢.\n(٥) مما أحسن هذا الجواب!، والله لم يكلف الأمة بعلمه، لاسيما أن مثل هذا لا يثبت إلا بنص صحيح صريح، أو بدلالة حسية جازمة، والعلم به لا يتعلق به حكم من الأحكام، والله أخبر أن الرعد يسبح بحمده، وهو دلالة على عظمة الخالق سبحانه.\n(٦) ذكره الأزهري عن الأصمعي. \"التهذيب\" (برق) ١/ ٣١٥، وانظر \"مقاييس اللغة\" (برق) ١/ ٢٢٣.","vol":"2","page":204},{"text":"وكلهم يقول: أبرقنا وأرعدنا بمكان كذا، أي رأينا البرق والرعد (١). والبارق السحاب ذو البرق، وكذلك البارقة (٢).\nوأما (الصواعق)، فهي جمع صاعقة، والصاعقة والصعقة: الصيحة يغشى منها على من يسمعها أو يموت (٣). قال الله ﷿: ﴿وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ﴾ [الرعد: ١٣] يعني أصوات الرعد، ويقال لها: الصواقع (٤) أيضا ومنه قول الأخطل:\nكَأنَّمَا كانُوا غُرَابًا وَاقِعا ... فَطارَ لمَّا أبْصَرَ الصَّوَاقِعا (٥)\nويقال: أصعقته الصيحة، أي: قتلته. وأنشد الفراء:\nأُحادَ وَمثنى أصْعَقَتْهَا صَوَاهِلُه (٦)\n_________\n(١) \"التهذيب\" (برق) ١/ ٣١٥، \"معجم مقاييس اللغة\" ١/ ٢٢٣.\n(٢) \"تهذيب اللغة\" (برق) ٩/ ١٣٢، \"معجم مقاييس اللغة\" ١/ ٢٢٢.\n(٣) وقيل: الصاعقة قطعة من نار تسقط بأثر الرعد، لا تأتي على شيء إلا أحرقته. انظر \"اللسان\" (صعق) ٤/ ٢٤٥٠.\n(٤) بتقديم القاف على العين.\n(٥) أنشده الأزهري في \"تهذيب اللغة\" (صعق) ٢/ ١٠١٨، وورد في \"اللسان\" (صقع) ٤/ ٢٤٧١، وفي شعر الأخطل ورد شطره الأول ص ٣١٠. نقله من \"تهذيب اللغة\" (صعق) ٢/ ١٠١٨.\n(٦) البيت لابن مقبل، يصف فرسًا بشدة الصهيل، وأن صهيله يقتل الذباب، وهي\nالنعرات: ذباب يسقط على الدواب، واللبان: الصدر. وشطر البيت الأول:\nتَرى النُّعَرَاتِ الزُّرْقَ تَحْتَ لَبَانِه\nانظر: \"أمالي المرتضى\" ٢/ ١٩١، \"المشوف المعلم في ترتيب الإصلاح\" ٢/ ٧٧٨، \"تهذيب اللغة\" (صعق) ٢/ ٢٠١٨، \"الصحاح\" (صعق) ٤/ ١٥٠٧، \"اللسان\" (صعق) ٤/ ٢٤٥٠، \"همع الهوامع\" ١/ ٨٣، \"القرطبي\" ١/ ١٩٠، \"ديوان ابن مقبل\" ص ٢٥٢.","vol":"2","page":205},{"text":"أي قتلها صوته.\nويقال للرعد والبرق إذا [قتلا] (١) إنسانا: أصابته صاعقة، وقال لبيد يرثي أخاه أَرْبَد (٢):\nفَجَّعَنِي الرَّعْدُ والصَوَاعِقُ بالْـ ... ـفَارِس يَوْمَ الكَرِيَهةِ النَّجُدِ (٣)\nأراد بالصواعق صوت الرعد، يدل على هذا قوله (٤) ﷿: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ﴾ ولا يسدّون الآذان إلا من شدة صوت الرعد (٥).\nوقال آخرون: الصاعقة: كل عذاب مهلك (٦).\nوقيل: الصاعقة: الصوت الشديد من الرعد، يسقط معها قطعة نار (٧).\nفأما معنى الآية، فقال المفسرون: إن الله تعالى ضرب للمنافقين مثلًا آخر، وشبههم بأصحاب مطر. وأراد بالمطر: القرآن (٨)،\n_________\n(١) في جميع النسخ (قتل) وأثبت ما في \"تهذيب اللغة\" ٢/ ٢٠١٨.\n(٢) (أرْبَد) أخوه لأمه، وهو ابن عمه، وكانت قد أصابته صاعقة، لما دعا عليه الرسول صلى الله عيه وسلم انظر \"الشعر والشعراء\" ص ١٦٩، \"سيرة ابن هشام\" ٢/ ٢٣٦، \"الخزانة\" ٢/ ٢٥٠، ٣/ ٨١.\n(٣) البيت للبيد يرثي أخاه وقد أصابته صاعقة، انظر \"التهذيب\" (صعق) ٢/ ٢٠١٨، \"اللسان\" (صعق) ٤/ ٢٤٥٠، \"شرح ديوان لبيد\" ص ١٥٨.\n(٤) في (ب): (قول الله).\n(٥) \"تهذيب اللغة\" (صعق) ٢/ ٢٠١٨.\n(٦) \"اللسان\" (صعق) ٤/ ٢٤٥٠.\n(٧) \"الصحاح\" (صعق) ٤/ ١٥٠٦، \"اللسان\" ٤/ ٢٤٥٠، \"تفسير ابن عطية\" ١/ ١٩١ - ١٩٢.\n(٨) انظر: \"تفسير أبي الليث\" ١/ ١٠٠، وابن عطية في \"تفسيره\" ١/ ١٩٢، وبعضهم قال: الإسلام، انظر \"الكشاف\" ١/ ٢٠٩، وأما ابن جرير فقال: (فالصيب مثل لظاهر ما أظهر المنافقون بألسنتهم من الإقرار والتصديق، والظلمات التي هي فيه =","vol":"2","page":206},{"text":"وشبهه (١) بالمطر لما فيه من حياة القلوب، وعنى بالظلمات: ما في القرآن من ذكر الكفر والشرك وبيان الفتن والأهوال، فشبهها بما في المطر من الظلمات، وشبه ما خوفوا به من الوعيد وذكر النار بما في المطر من الرعد، وشبه حجج القرآن وما فيه من البيان والنور والشفاء والهدى بما في المطر من البرق. وشبه جعل المنافقين أصابعهم في آذانهم لكيلا يسمعوا (٢) القرآن مخافة ميل القلب إلى القرآن فيؤدي ذلك إلى الإيمان بمحمد ﷺ وذلك عندهم كفر، والكفر موت (٣)، أو لكيلا يسمعوا ما ينزل من القرآن بما فيه افتضاحهم بجعل (٤) الذي في هذا المطر أصابعه في أذنه. وتلخيص معناه: أن أصحاب الصيب إذا اشتد (٥) عليهم وقع الصاعقة وصوت الرعد خافوا على أنفسهم الهلاك، فسدّوا آذانهم بأصابعهم، كذلك هؤلاء المنافقين يسدّون آذانهم للمعنيين اللذين ذكرنا.\n_________\n= لظلمات ما هم مستبطنون من الشك والتكذيب ومرض القلب. وأما الرعد والصواعق، فلما هم عليه من الوجل من وعيد الله إياهم على لسان رسوله ﷺ في آي كتابه ...) \"الطبري\" في \"تفسيره\" ١/ ١٥٦.\n(١) في (ب): (وشبه).\n(٢) في (أ)، (ج): (يسمعون).\n(٣) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ٥٦ أ.\n(٤) قوله: (بجعل الذي في هذا المطر ... إلخ) متعلق بقوله: (وشبه جعل المنافقين ... إلخ) وقد ضعف هذا المعنى ابن جرير ورجح أن المراد بجعل أصابعهم في آذانهم مثلا لاتقائهم رسول الله ﷺ والمؤمنين، بالإقرار بما جاء به محمد ﷺ مخافة على أنفسهم من الهلاك ونزول النقمات فيتقون بما يبدون بألسنتهم من ظاهر الإقرار، كما يتقي الخائف أصوات الرعد بتصيير أصابعه في أذنيه. \"الطبري\" ١/ ١٥٧.\n(٥) في (ب): (استدعاهم).","vol":"2","page":207},{"text":"وأمال الكسائي: ﴿فِي آذَانِهِمْ﴾ (١). قال أبو علي: (وهي حسنة لمكان كسرة (٢) الإعراب (٣) في النون (٤)، كما جازت في مررت ببابه (٥). ونصب ﴿حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ لأنه مفعول له (٦).\nقال الزجاج: وليس نصبه لسقوط اللام، وإنما نصبه أنه في تأويل المصدر، كأنه (٧) قال: يحذرون حذرا (٨)، لأن جعل الأصابع في الآذان يدل على الحذر، كما قال:\nوَأَغْفِر عَوْرَاءَ الكَرِيِم ادِّخَارَهُ (٩)\n_________\n(١) رواية أبي عمر الدوري ونصير بن يوسف النحوي عن الكسائي، وقال أبو الحارث الليث بن خالد وغيره: كان الكسائي لا يميل هذا وأشباهه، وبقية (السبعة) على الفتح. انظر \"السبعة\" لابن مجاهد ص ١٤٤، \"الحجة\" ١/ ٣٦٥، \"الكشف\" ١/ ١٧١.\n(٢) في (الحجة) (كثرة) ولعله خطأ مطبعي.\n(٣) في (ب): (الأعراف).\n(٤) فهو يميل الألف نحو الياء لمكان الكسرة بعدها التي على النون. انظر \"الكشف\" ١/ ١٧١.\n(٥) في (ب): (سانه)، \"الحجة\" ١/ ٣٦٨.\n(٦) (له) ساقطة من (ج).\nانظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٦٣، \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ١٤٤، \"البيان في غريب إعراب القرآن\" ١/ ٦١.\n(٧) في (أ)، (ج) (لأنه) وما في (ب) أصح في السياق، وموافق لما في \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٦٣.\n(٨) الزجاج يرى أنه منصوب على أنه مفعول لأجله، حيث قال: (وإنما نصبت (حذر الموت) لأنه مفعول له، والمعنى يفعلون ذلك لحذر الموت ...)، ثم قال: (... كأنه قال يحذرون حذرا ...). وهذا التقدير لا يتناسب مع الكلام الأول، لأنه في الأخير مفعول مطلق. انظر \"معاني القرآن\" ١/ ٦٣.\n(٩) صدر بيت لحاتم الطائي وعجزه: =","vol":"2","page":208},{"text":"المعنى لادخاره. قوله: أغفر عوراء الكريم، معناه: أدخر الكريم (١).\nوقال الفراء: نصبه على التفسير كقوله: ﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾ [الأنبياء:٩٠] وكقوله: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف:٥٥].\nوقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ﴾. يقال: أُحِيط بفلان، إذا دنا هلاكه، وهو (٢) محاط به، قال الله تعالى: ﴿وَأُحِيطَ بثَمَرِهِ﴾ [الكهف: ٤٢]، أي: أصابه ما أهلكه وأفسده (٣).\nوالإحاطة تستعمل بمعنى العلم (٤) كقوله: ﴿أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: ١٢] أي: لم يشذ عن علمه شيء. ويستعمل بمعنى القدرة، كأن قدرته أحاطت بهم (٥)، فلا محيص (٦) لهم عنه.\nوجاء في التفسير أن معناه: والله مهلكهم وجامعهم في النار (٧). دليله\n_________\n= وأُعْرِضُ عَنْ شَتْمِ اللَّئِيم تَكَرُّمَا\nومعنى قوله عوراء: الكلمة القبيحة أو الفعلة، ادخاره: إبقاء عليه. ورد البيت في \"نوادر أبي زيد\" ص ٣٥٥، وسيبويه ١/ ٣٦٨، \"المقتضب\" ٢/ ٣٤٧ \"الكامل\" ١/ ٢٩١، \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٦٣، \"الجمل\" للزجاجي ص ٣١٩، \"شرح المفصل\" ٢/ ٥٤، \"الخزانة\" ٣/ ١٢٢، \"ديوانه\" ص ٨١، وفيه (اصطناعه) بدل (ادخاره) وهي رواية عند أبي زيد، \"الكشاف\" ١/ ٢١٨.\n(١) انتهى من \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٦٣.\n(٢) في \"التهذيب\" (فهو محاط به).\n(٣) \"تهذيب اللغة\" (حاط) ١/ ٧٠٧.\n(٤) انظر \"الصحاح\" (حوط) ٣/ ١١٢١، والبغوي في \"تفسيره\" ١/ ٧٠.\n(٥) انظر \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٥٥ أ، و\"الطبري\" في تفسيره ١/ ١٥٨.\n(٦) في (ب) (له).\n(٧) ذكره \"الطبري\" عن مجاهد انظر \"الطبري\" في \"تفسيره\" ١/ ١٥٨، والثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ٥٥ أ، وابن عطية في \"تفسيره\" ١/ ١٩٣، في تفسيره والبغوي ١/ ٧٠، (أضواء البيان) ١/ ١١٤.","vol":"2","page":209},{"text":"قوله: ﴿إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾ [يوسف: ٦٦] أي تهلكوا (١) جميعًا.\nوأمال أبو عمرو والكسائي (الكافرين) (٢) في جميع القرآن: لأن الكسرة لزمت الراء بعد الفاء المكسورة، والراء بما فيها من التكرير يجرى مجرى الحرفين المكسورين، وكلما كثرت الكسرات حسنت الإمالة، ولا يميلان نحو (٣): ﴿أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ﴾ [البقرة: ٤١] وذلك لأن كسرة الراء غير لازمة (٤) لزومها في (الكافرين) (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-243>٢٠ </span>- قوله تعالى: ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ﴾ [البقرة: ٢٠]. (كاد) موضوع عند العرب لمقاربة (٦) الفعل (٧)، فإذا نفيت (٨) في اللفظ كان في المعنى إثباتا، وإذا أثبت كان نفيًا (٩)، بيانه أنك تقول: كاد يضربني، فهذا إثبات في اللفظ نفي للضرب (١٠)، لأن معناه قرب من الضرب ولم يضرب، وإذا قلت: ما\n_________\n(١) في (أ)، (ج) (يهلكوا)، وفي (ب) (تهلكوا) وكذا في الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ٥٥ أ.\n(٢) وذلك إذا كان جمعا في موضع نصب أو خفض، أما إذا كان مفردا أو جمعا في موضع رفع لم يمل، وبهذا قرأ أبو عمرو، والكسائي في رواية أبي عمر الدوري ونصير بن يوسف. انظر \"السبعة\" ص١٤٧، \"الحجة\" ١/ ٣٧٩، \"الكشف\" ١/ ١٧٣. وبهذا قرأ قتيبة ورويس، وورش بين بين، والبقية على الفتح للكاف. انظر \"الغاية\" ص ٩١، \"وتحبير التيسير\" للجزري ص ٧٠، ٧١.\n(٣) وهو المفرد المجرور. انظر \"الحجة\" ١/ ٣٨٩، \"الكشف\" ١/ ١٩٧.\n(٤) لأنها كسرة إعراب فتتغير.\n(٥) \"الحجة\" لأبي علي ١/ ٣٨٩، وانظر \"الحجة\" لابن خالويه ص ٧٣، \"الكشف\" ١/ ١٩٧.\n(٦) في (ب): (لمفارقه).\n(٧) انظر \"تهذيب اللغة\" (كاد) ٤/ ٣٠٧٦، \"مشكل إعراب القرآن\" ١/ ٢٩، \"البيان في غريب إعراب القرآن\" ١/ ٦١، \"حروف المعاني\" للزجاجي ص ٦٧.\n(٨) في (ب): (بقيت).\n(٩) في (ب): (بقى).\n(١٠) في (ب): (في الضرب).","vol":"2","page":210},{"text":"كاد يفعل كذا، فهذا نفي في اللفظ، إثبات في المعنى، لأنه قرب من ترك الفعل، وقد فعله بعد بطء (١).\nقال ابن الأنباري: (قال اللغويون: كدت أفعل، معناه عند العرب: قاربت الفعل ولم أفعل، وما كدت أفعل، معناه: فعلت بعد إبطاء (٢) هذا معنى (كاد)، وقد تستعمل (٣) بغير هذا المعنى (٤)، وسنذكر ذلك عند قوله: ﴿إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ [النور: ٤٠].\nوذكر أبو بكر بإسناده أن ذا الرمة الشاعر قدم الكوفة فأنشد [بالكُناسة] (٥) وهو على راحلته قصيدته (الحائية)، فلما انتهى إلى قوله:\nإِذَا غَيَّرَ النَّأيُ المُحِبِّينَ لَمْ يَكَدْ ... رَسيِسُ الهَوى مِنْ حُبِّ مَيَّةَ يَبْرَح (٦)\n_________\n(١) انظر: \"مشكل إعراب القرآن\" ١/ ٢٩، \"البيان في غريب إعراب القرآن\" ١/ ٦١، \"إملاء ما من به الرحمن\" ١/ ٢٢، وذكر السمين الحلبي: أنها إذا كانت منفية انتفى خبرها بطريق الأولى. انظر \"الدر المصون\" ١/ ١٧٦.\n(٢) انظر: \"تهذيب اللغة\" (كاد) ١٠/ ٣٢٩.\n(٣) في (أ)، (ب) (يستعمل) وأثبت ما في (ج).\n(٤) (المعنى) ساقط من (ب). قال ابن الأنباري: (وقد يكون ما كدت أفعل بمعنى: ما فعلت ولا قاربت إذا أكد الكلام بـ (أكاد)، انظر \"التهذيب\" ٤/ ٣٠٧٧، وهو بقية كلامه الذي نقل الواحدي بعضه. وفي \"الخزانة\": (قال صاحب اللباب: وإذا دخل النفي على (كاد) فهو كسائر الأفعال على الصحيح، وقيل. يكون للإثبات، وقيل: يكون في الماضي دون المستقبل ...)، \"الخزانة\" ٩/ ٣٠٩.\n(٥) في (أ)، (ج): (ما الكناسة) وهي ساقطة من (ب) والصحيح (بالكناسة) كما في \"أمالي المرتضى\" \"الخزانة\" كما سيأتي. و(الكناسة) بضم أوله محلة معروفة بالكوفة، كان بنو أسد وبنو تميم يطرحون فيها كناستهم. انظر \"معجم ما استعجم\" ٤/ ١١٣٦، \"معجم البلدان\" ٤/ ٤٨١.\n(٦) قوله (النأي): البعد، (رسيس الهوى): مسه، ورد البيت في (ديوان ذي الرمة) =","vol":"2","page":211},{"text":"قال له عبد الله بن شبرمة (١): فقد برح يا ذا الرمة! ففكر ساعة ثم قال:\n........ لَمْ أَجِدْ رسيِسَ ... الهَوى مِنْ حُبِّ مَيَّهَ يَبْرَحُ (٢)\nومعنى الآية: يكاد ما في القرآن من الحجج تخطف (٣) قلوبهم من شدة إزعاجها (٤) إلى النظر في أمر دينهم (٥).\nوقال ابن عباس في رواية مقاتل والضحاك: معناه: يكاد الإيمان يدخل في قلوبهم (٦).\n_________\n= وفيه (لم أجد) وفي (أمالي المرتضى) ١/ ٣٣٢، \"زاد المسير\" ١/ ٤٥، \"الدر المصون\" ١/ ١٧٦، \"الخزانة\" ٩/ ٣٠٩، \"شرح المفصل\" لابن يعيش ٧/ ١٢٤.\n(١) هو عبد الله بن شبرمة بن حسان الضبي الكوفي، أبو شبرمة، كان شاعرًا فقيهًا ثقة (٧٢ - ١٤٤هـ). انظر (طبقات ابن خياط) ص ٢٨٣، (الجرح والتعديل) ٥/ ٨٢، (تهذيب التهذيب) ٢/ ٣٥١.\n(٢) وردت القصة مسندة في \"أمالي المرتضى\" ١/ ٣٣٢، \"الخزانة\" ١/ ٣١١، ويستشهد العلماء بهذا البيت على أن النفي إذ دخل على (كاد) تكون في الماضي للإثبات، وفي المستقبل كالأفعال، وبعضهم قال: كالأفعال في الماضي والمستقبل، وقيل: تكون للإثبات في الماضي والمستقبل. انظر: \"الخزانة\" ٩/ ٣٩، \"شرح المفصل\" ٧/ ١٢٥.\n(٣) في (ج): (بخطف).\n(٤) في (ب) (ازعاجها لهم).\n(٥) ذكر هذا المعنى في \"الوسيط\" وقال: من تمام التمثيل ١/ ٥٢، وفي \"الوجيز\" ١/ ٦. قال ابن عطية: تكاد حجج القرآن وبراهينه وآياته الساطعة تبهرهم، ومن جعل (البرق) في المثل: الزجر والوعيد، قال: يكاد ذلك يصيبهم. \"تفسير ابن عطية\" ١/ ١٩٤، ونحوه في \"تفسير القرطبي\" ١/ ١٩٢.\n(٦) لم أجد هذِه الرواية عن ابن عباس، وفي \"الطبري\" عن الضحاك عن ابن عباس. قال: يلتمع أبصارهم ولما يفعل ١/ ١٥٨، \"وتفسير ابن أبي حاتم\" ١/ ٥٧، =","vol":"2","page":212},{"text":"وقوله تعالى: ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ﴾. ﴿أَضَاءَ﴾ هاهنا إن كان متعديا فالمفعول محذوف، وكأنه قيل: كلما أضاء لهم الطريق، ويجوز أن يكون لازما بمعنى (ضاء) (١).\nقال ابن عباس: يقول: إذا قرئ عليهم شيء من القرآن مما يحبون صدقوا، وإذا سمعوا شيئًا من شرائع النبي ﷺ مما يكرهون وقفوا عنه، وذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾ (٢).\nوقال قتادة: هو المنافق إذا كثر ماله وأصاب رخاء وعافية قال للمسلمين: أنا معكم وعلى دينكم، وإذا أصابته النوائب قام متحيرا؛ لأنه لا يحتسب أجرها (٣). كأصحاب الصيب إذا أضاء لهم البرق فأبصروا الطريق مشوا، فإذا عادت الظلمة وقفوا متحيرين. ومثله قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾ [الحج:١١]. وقيل: شبه الغنيمة بالبرق، يقول (٤): الطمع في الغنيمة يزعج قلوبهم، ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ﴾: أي كثرت الغنائم\n_________\n= \"الدر\" ١/ ٧٣، وأخرج ابن أبي حاتم عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: يكاد محكم القرآن يدل على عورات المنافقين \"تفسير ابن أبي حاتم\" ١/ ٥٧.\n(١) انظر \"معاني القرآن\" للفراء١/ ١٨، \"تفسير ابن عطية\" ١/ ١٩٤، \"وتفسير القرطبي\" ١/ ١٩٣.\n(٢) ذكره ابن الجوزي عن ابن عباس والسدي، \"زاد المسير\" ١/ ٤٦، وأبو حيان في \"البحر\" ١/ ٩١، وذكر ابن عطية عن ابن عباس نحوه ١/ ١٩٥، وكذا \"القرطبي\" ١/ ١٩٣.\n(٣) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ٥٦ أ، وأخرجه \"الطبري\" في \"تفسيره\" ١/ ١٥٥، وذكره السيوطي في \"الدر\" وعزاه إلى عبد بن حميد وابن جرير ١/ ٧٢، وقد ورد نحوه عن ابن عباس. انظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ١٥٤، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" ١/ ٥٩، \"الدر\" ١/ ٧٢.\n(٤) في (ب): (لقول).","vol":"2","page":213},{"text":"وأصابوا الخير، ﴿مَشَوْا فِيهِ﴾: أي رضوا به، ﴿وَإِذَا (١) أَظْلَمَ عَلَيْهِم﴾: قلت (٢) الغنيمة وكانت بدلها الهزيمة، (قاموا): اعتلوا وقعدوا عن نصرة الرسول (٣).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾. خص هاتين الجارحتين لما تقدم ذكرهما في قوله: ﴿آذَانِهِمْ﴾ و﴿يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾ فيقول: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾ عقوبة لهم على نفاقهم، فليحذروا عاجل عقوبة الله وآجله، فإن الله على كل شيء قدير من ذلك (٤).\nوقيل: ولو شاء الله لذهب بأسماعهم الظاهرة، وأبصارهم الظاهرة كما ذهب بأسماعهم وأبصارهم الباطنة، حتى صاروا صُمًّا عُمْيًا (٥).\nوكان حمزة يسكت على الياء في ﴿شَيْءٍ﴾ (٦) قبل الهمزة سكتة خفيفة، ثم يهمز (٧). وذلك (٨) أنه أراد بتلك الوقيفة [في صورة لا يجوز فيها\n_________\n(١) في (ب): (فإذا).\n(٢) في (ب): (فله).\n(٣) ذكر نحوه \"الطبري\"، إلا أنه قال: (جعل البرق لإيمانهم مثلا، وإنما أراد بذلك أنهم كلما أضاء لهم الإيمان، وإضاءته لهم: أن يروا ما يعجبهم في عاجل الدنيا ....)، \"تفسير الطبري\" ١/ ١٥٨، وانظر: \"تفسير الخازن\" ١/ ٧١، ٧٢، \"البحر\" ١/ ٩١.\n(٤) ذكره \"الطبري\" في \"تفسيره\" ١/ ١٥٩، وانظر: \"تفسير ابن عطية\" ١/ ١٩٥.\n(٥) \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٥٦ ب، وانظر: \"تفسير أبي الليث\" ١/ ١٠١، و\"تفسير البغوي\" ١/ ٧١.\n(٦) من قوله: ﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، وكذلك يفعل بكل حرف سكن قبل الهمزة.\n(٧) انظر: \"السبعة\" ص ١٤٨، \"الحجة\" لأبي علي ١/ ٣٩١، \"الحجة\" لابن خالويه ص٧٢، \"الكشف\" ١/ ٢٣٤، \"التيسير\" ص ٦٢.\n(٨) في (ب): (من ذلك).","vol":"2","page":214},{"text":"معها إلا التحقيق لأن] (١) الهمزة قد صارت بالوقيفة مضارعة للمبتدأ بها والمبتدأ بها لا يجوز تخفيفها (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-244>٢١ </span>- قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا اَلنَّاسُ أعبُدُواْ رَبَّكُمُ﴾ الآية. (يا) حرف ينادي به (٣)، ولا تكاد تجد في كلام العرب حرفًا تألف مع اسم فكانا جملة كاملة سوى حرف النداء.\nو(أي) (٤) اسم مبهم مبني على الضم، لأنه منادى مفرد، و﴿النَّاسُ﴾ صفة لأي لازمة، تقول: يا أيها الرجل أقبل، ولا يجوز (٥): يا الرجل، لأن (يا) تنبيه بمنزلة التعريف في الرجل، فلا يجمع بين (يا) وبين الألف واللام (٦). و(ها) لازمة لأي (٧)، وهي عوض من الإضافة في (أي) لأن\n_________\n(١) ما بين المعقوفين ساقط من (أ، ج)، وفي (أ) أراد بتلك الوقيفة تحقيق الهمزة، قد صارت ...، والعبارة غير واضحة، ونص كلام أبي علي في (الحجة) (أنه أراد بهذِه الوقيفة التي وقفها تحقيق الهمزة وتبيينها، فجعل الهمزة بهذِه الوقيفة التي وقفها قبلها على صورة لا يجوز فيها معها إلا التحقيق، لأن الهمزة قد صارت بالوقيفة مضارعة للمبتدأ بها ....)، \"الحجة\" ١/ ٣٩١.\n(٢) في (ب): (تحقيقها). الكلام لأبي علي كما في \"الحجة\" ١/ ٣٩١، ويريد حمزة بهذا أن يحقق الهمزة وينطق بها صحيحة، وبقية السبعة على عدم الوقف، لأنه لا يوقف على بعض الاسم دون الإتيان على آخره، ولذلك فالإعراب في آخر الاسم. انظر \"الحجة\" لابن خالويه ص ٧٢.\n(٣) قال أبو حيان: زعم بعضهم: أنها اسم فعل معناها (أنادي). \"البحر\" ١/ ٩٢، وانظر \"الدر المصون\" ١/ ١٨٤.\n(٤) نقله من \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٦٤.\n(٥) في (أ)، (ج): (لا يجوز) بسقوط الواو.\n(٦) انظر: \"إملاء ما من به الرحمن\" ١/ ٢٣.\n(٧) في \"المعاني\" (للتنبيه) ١/ ٦٤.","vol":"2","page":215},{"text":"الأصل في (أي) أن تكون (١) مضافة في الاستفهام والخبر. والمازني يجيز (٢) في (يا أيها الرجل) النصب في (الرجل) ولا يوافقه على هذا غيره (٣).\nقال أبو إسحاق: وقوله قياس؛ لأن موضوع المنادى المفرد نصب، فحمل (٤) صفته على موضعه، وهذا في غير (٥) (يا أيها الرجل) جائز عند جميع النحويين، نحو قولك: (يا زيد الظريفُ والظريفَ) (٦) والنحويون غيره (٧) لا يقولون في هذا إلا الرفع، والعرب لغتها في هذا الرفع، لأن المنادي في الحقيقة (الرجل) و(أي) وصلة له (٨). وذلك أنهم لما أرادوا نداء\n_________\n(١) في (أ)، (ج): (يكون) وما في (ب) أصح للسياق.\n(٢) في (أ)، (ج): (تخير) واخترت ما في (ب) لأنه أصح وموافق لما في \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٦٤.\n(٣) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٦٤، وحذف الواحدي بعض كلام الزجاج ونص عبارة الزجاج: (وزعم سيبويه عن الخليل أن المنادي المفرد مبني، وصفته مرفوعة رفعًا صحيحًا لأن النداء يطرد في كل اسم مفرد، فلما كانت البنية مطردة في المفرد خاصة، شبه المرفوع فرفعت صفته، والمازني يجيز في (يا أيها الرجل) النصب في (الرجل) ولم يقل بهذا القول أحد من البصريين غيره). وانظر \"البيان في غريب إعراب القرآن\" ١/ ٦٢ \"الإملاء\" ١/ ٢٣، قال العبكري -بعد أن ذكر قول المازني-: وهو ضعيف. وقد رد الزجاج نفسه هذا القول في موضوع آخر فقال: (فهذا مطروح مرذول). انظر \"معاني القرآن\" ١/ ٢١١.\n(٤) في \"المعاني\" (فحملت) وفي الهامش: (في الأصل) (فحمل) أي: (المازني) \"معاني القرآن\" ١/ ٦٤.\n(٥) في (ب): (غيره).\n(٦) (الظريف) ساقط من (ب).\n(٧) في (ب): (في غيره). والمعنى: النحويون غير المازني.\n(٨) انتهى كلام الزجاج. \"معاني القرآن\" ١/ ٦٤، ٦٥، نقله بتصرف.","vol":"2","page":216},{"text":"ما فيه لام التعريف، ولم يمكنهم أن يباشروه بـ (يا) لما فيها من التعريف والإشارة توصلوا إلى ذلك بإدخال (أي) بينهما فقالوا: يا أيها الرجل، والمقصود بالنداء هو الرجل، و(أي) وصلة له (١). ولأن (أيا) وإن كان اسما منادى مفردا فهو ناقص، والنصب بالحمل على الموضوع إنما يجوز بعد تمام الاسم (٢). و﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ عموم في كل مكلف من مؤمن وكافر (٣). ويروى عن الحسن وعلقمة (٤). أن ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ خطاب أهل مكة، و﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ خطاب أهل المدينة (٥).\n_________\n(١) (له) ساقطة من (ب).\n(٢) وعليه فلا يجوز النصب (للناس) حملا على الموضع كما سبق، انظر \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ١٤٧، \"البيان في غريب إعراب القرآن\" ١/ ٦٢، \"إملاء ما من به الرحمن\" ١/ ٢٣، \"البحر المحيط\" ١/ ٩٤، \"الدر المصون\" ١/ ١٨٥.\n(٣) انظر \"تفسير الطبري\" ١/ ١٦٠، \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٦٥ ب، \"تفسير أبي الليث\" ١/ ١٠١.\n(٤) الإمام الحافظ، أبو شبل، علقمة بن قيس بن عبد الله النخعي الكوفي، لازم ابن مسعود حتى رأس في العلم، وحدث عن عدد من الصحابة، اختلف في سنة وفاته. فقيل سنة إحدى وستين وقيل: خمس وستين، وقيل: غير ذلك. انظر \"تاريخ بغداد\" ١٣/ ٢٩٦، \"حلية الأولياء\" ٢/ ٦٨، \"سير أعلام النبلاء\" ٤/ ٥٣.\n(٥) أخرجه الواحدي بسنده في كتابه \"أسباب نزول القرآن\" عن علقمة، ص ٢٦، وذكره في (الوسيط) ١/ ٥٣، وذكره السيوطي في \"الدر\" وغزاه لأبي عبيد، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن الضريس وابن المنذر، وأبي الشيخ أبن حيان في \"التفسير\". وورد في \"الدر\" نحوه عن ابن مسعود، والضحاك، وميمون بن مهران، وعروة وعكرمة. \"الدر\" ١/ ٧٣، وذكره الثعلبي في \"تفسيره\" عن ابن عباس ١/ ٥٦، وابن عطية عن مجاهد، وقال: وقد يجيء في المدني ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ وأما ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فصحيح. \"تفسير ابن عطية\" ١/ ١٧٩، ونحوه قال \"القرطبي\" في \"تفسيره\" ١/ ١٩٤، وانظر \"البرهان\" ١/ ١٨٩ - ١٩٠.","vol":"2","page":217},{"text":"وقوله تعالى: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ أي اخضعوا له بالطاعة، ولا يجوز ذلك إلا لمالك الأعيان (١).\nوقوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾. (الخلق): ابتداع شيء لم يسبق إليه (٢). وكل شيء خلقه الله فهو مبتدئه على غير مثال سبق إليه (٣). والعرب تقول: خلقت الأديم إذا قدرته (٤). لتقطع منه مزادة أو قِرْبةً أو خُفًّا (٥). قال زهير:\nوَلَأنْتَ تَفْرِي (٦) ما خَلَقْتَ وَبَعْـ ... ـضُ القَوْمِ يَخْلُقُ ثُمَّ لا يَفْري (٧)\nوقيل للمقدر: خالق على الاستعارة لا على استحقاق اسم الخلق، وذلك أن المقدر إنما يقدر ليفعل، فسمى الفعل باسم التقدير، كما يسمى الشيء باسم الشيء إذا كان معه أو من سببه، فالخلق الحقيقي هو خلق الله الذي أبتدع ما خلق وأنشأ ما أراد على غير مثال، وخلق غيره [قياس وتشبيه وافتراء ومحاكاة وتقدير على قدر قدرة غيره، فخلق الله ذاتي وخلق\n_________\n(١) انظر: \"الطبري\" ١/ ١٦٠، \"تفسير ابن عطية\" ١/ ١٩٧، \"تفسير القرطبي\" ١/ ١٩٤.\n(٢) انظر: \"تهذيب اللغة\" (خلق) ١/ ١٠٩٣.\n(٣) انظر: كتاب \"الزينة\" ٢/ ٥٢، \"معرفة اشتقاق أسماء نطق بها القرآن\" ١/ ١٠١، ١٠٢، (رسالة ماجستير).\n(٤) في (ب): (قدته).\n(٥) \"تهذيب اللغة\" (خلق)، ١/ ١٠٩٣.\n(٦) في (ب): (تقوى).\n(٧) في (ب): (لا يقوى). ورد البيت في \"الكتاب\" ٤/ ١٨٥، \"الزاهر\" ١/ ١٨٤، \"الجمهرة\" ٢/ ٢٤٠، \"تفسير أسماء الله\" للزجاج ص ٣٦، \"اشتقاق أسماء الله\" ص ١٦٦، \"إعراب ثلاثين سورة\" ص ٤٥، \"غريب الحديث\" لأبي عبيد ٢/ ٢٩٢، \"تأويل مشكل القرآن\" ص ٥٠٧، \"تهذيب اللغة\" (خلق) ١/ ١٠٩٣، \"معجم مقاييس اللغة\" (خلق) ٢/ ٢١٤، (فرى) ٤/ ٤٩٧، \"البحر\" ١/ ٩٣، \"القرطبي\" ١/ ١٩٥، \"ديوان زهير\" ص ٩٤. ومعناه: أنت مضاء العزيمة، وغيرك ليس بماضي العزم.","vol":"2","page":218},{"text":"غيره] (١) على سبيل الاستعارة والتقدير (٢).\nومعنى الآية: أن الله تعالى احتج على العرب بأنه خالقهم وخالق من قبلهم، لأنهم كانوا مُقِرّين بأنه خالقهم، والدليل على ذلك قوله: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧]، فقيل لهم: إذ (٣) كنتم معترفين بأنه خالقكم فاعبدوه ولا تعبدوا الأصنام، فإن عبادة الخالق أولى من عبادة المخلوقين من الأصنام (٤).\nوقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. قال ابن الأنباري: (لعل) يكون (٥): ترجيًا، ويكون بمعنى: (كي)، ويكون: ظنًا كقولك: لعلي أحج العام، معناه: أظنني سأحج (٦).\nوقال يونس (٧): (لعل) يأتي في كلام العرب بمعنى: (كي)، من\n_________\n(١) ما بين المعقوفين ساقط من (أ)، (ج).\n(٢) انظر: كتاب \"الزينة\" ٢/ ٥٣،٥٢، \"معرفة اشتقاق أسماء نطق بها القرآن\" ١/ ١٠١، ١٠٢، \"تفسير أسماء الله\" للزجاج ص ٣٥، \"اشتقاق أسماء الله\" للزجاجي ص ١٦٦، \"معجم مقاييس اللغة\" (خلق) ٢/ ٢١٤، \"الجمهرة\" (خ ق ل) ١/ ٦١٩، \"تهذيب اللغة\"، خلق١/ ١٠٩٣، \"مفردات الراغب\" ص ١٥٧.\n(٣) كذا وردت في جميع النسخ، ولعلها (إذا).\n(٤) انظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ١٦٠، \"القرطبي\" ١/ ١٩٥.\n(٥) في (ب): (تكون) في المواضع الثلاثة.\n(٦) ذكره الأزهري حيث قال: (وأثبت عن ابن الأنباري ...) ثم ذكر لها خمسة وجوه، ذكر الواحدي منها ثلاثة، والرابع: بمعنى: (عسى)، والخاص: بمعنى: (الاستفهام)، \"تهذيب اللغة\" (عل) ٣/ ٢٥٥٣.\n(٧) ذكره الأزهري بسنده قال: (أخبرني المنذري عن الحسين بن فهم أن محمد بن سلام أخبره عن يونس ..)، \"تهذيب اللغة\" (عل) ٣/ ٢٥٥٣. ويونس: هو يونس بن حبيب أو عبد الرحمن الضبي بالولاء، كان النحو يغلب عليه، أخذ عن أبي عمرو بن =","vol":"2","page":219},{"text":"ذلك (١) قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (٢) و﴿لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ (٣) ويقول (٤): (أعرني دابتك لعلي أركبها) بمعنى (كي).\nقال (٥): وتقول (٦): انطلق بنا لعلنا نتحدث، أي: كي نتحدث (٧). ومثل هذا قال قطرب في (لعل) (٨).\nوقال سيبويه: (لعل) كلمة ترجية وتطميع للمخاطبين (٩). أي كونوا على رجاء وطمع أن تتقوا بعبادتكم عقوبة الله أن تحل بكم (١٠)، كما قال\n_________\n= العلاء وحماد بن سلمة، توفي سنة اثنتين وثمانين ومائة، انظر ترجمته في: \"طبقات النحويين واللغويين\" للزبيدي ص ٥١، \"إنباه الرواة\" ٤/ ٦٨، \"وفيات الأعيان\" ٧/ ٢٤٤، \"معجم الأدباء\" ٢/ ٦٤.\n(١) في (ب): (من قولك).\n(٢) الآية:٢١، ١٧٩،٦٣، ١٨٣ من سورة البقرة، و١٧١ من سورة الأعراف. وفي \"تهذيب اللغة\" (لعلهم يتقون).\n(٣) (لعلهم يذكرون) جزء من آية في الأعراف: ٢٦، ١٣٠، وفي الأنفال: ٥٧. وفي (ب): (لعلكم تذكرون) وكذا في \"تهذيب اللغة\"، وهي جزء من آية في الأنعام: ١٥٢، والأعراف: ٥٧ والنحل: ٩٠، والنور:١، ٢٧، والذاريات ٤٩.\n(٤) كذا وردت في (أ)، (ج)، وفي (ب) بدون نقط، وفي \"تهذيب اللغة\" (كقولك) والأولى (تقول).\n(٥) (قال) ساقط من (ب).\n(٦) في (أ)، (ج): (ويقول) وأثبت ما في (ب).\n(٧) آخر ما نقله الواحدي من كلام يونس، وانظر بقية كلامه في \"تهذيب اللغة\" (عل) ٣/ ٢٥٥٣، وانظر معاني (لعل) في \"الأزهية في علم الحروف\" للهوري ص ٢١٧، \"مغني اللبيب\" ١/ ٢٨٧.\n(٨) قال أبو حيان لا تكون بمعنى (كي) خلافا لقطرب وابن كيسان. \"البحر\" ١/ ٩٣،\n(٩) في \"الكتاب\": فإذا قلت: (لعل) فأنت ترجوه أو تخافه في حال ذهابه ٢/ ١٤٨، وقال: (لعل وعسى طمع واشفاق) ٤/ ٢٣٣. وانظر \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٥٦ ب.\n(١٠) فتكون لعل على بابها للترجي، كما هو رأي سيبويه، وبعض المفسرين يقول: إذا =","vol":"2","page":220},{"text":"في قصة فرعون ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: ٤٤]، كأنه قال: اذهبا أنتما على رجائكما وطمعكما (١)، والله ﷿ من وراء ذلك وعالم بما يؤول إليه أمره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-245>٢٢ </span>- قوله تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا﴾: (الأرض): التي عليها الناس، وجمعها: (أَرَضُون) (٢) و(أَرَضَات) (٣)، وحكي: (أُرُوض) (٤). فإن قيل: الجمع بالواو والنون [إنما هو لأسماء الأعلام، فما بالهم جمعوا الأرض بالواو والنون؟] (٥). قيل: إن الأرض اسم مؤنث،\n_________\n= جاءت من الله فهي واجبة. انظر: \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٥٦ب، \"وتفسير ابن عطية\" ١/ ١٧٩، قال السيين الحلبي: إذا وردت في كلام الله فللناس فيها ثلاثة أقوال. أحدها: أنها على بابها من الترجي والطمع، قاله سيبويه، الثاني: للتعليل، قاله قطرب و\"الطبري\" وغيرهما، والثالث. أنها للتعرض للشيء، وإليه مال المهدوي وأبو البقاء. \"الدر المصون\" ١/ ١٨٩، وانظر \"تفسير الطبري\" ١/ ١٦١، (الإملاء) ١/ ٢٣.\n(١) ذكره \"القرطبي\" في \"تفسيره\" ١/ ١٩٥، وذكر ابن هشام في \"مغني اللبيب\": أن بعضهم جعل من معاني \"لعل\" التعليل كالأخفش والكسائي، وحملوا عليه قوله: ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ ومن لم يثبت لها معنى \"التعليل\" يحمله على الرجاء ويصرفه للمخاطبين، أي: اذهبا على رجائكما، ١/ ٢٨٨.\n(٢) كذا ورد عند سيبويه، انظر \"الكتاب\" ٣/ ٥٩٩، \"المذكر والمؤنث\" لابن الأنبارى ص ١٨٨، \"تهذيب اللغة\" (أرض) ١/ ١٤٨، وقال ابن سيده في \"المخصص\": عن أبي حنيفة: (أرض) و(أَرْضُون) بالتخفيف و(أَرَضُون) بالتثقيل، (المخصص) ١٠/ ٦٧.\n(٣) ذكره سيبويه وغيره، انظر \"الكتاب\" ٣/ ٥٩٩، قال ابن الأنباري (يجوز في القياس: أرضات ولم يسمع) \"المذكر والمؤنث\" ص ١٨٨.\n(٤) جمع تكسير، انظر \"المخصص\" ١٠/ ٦٧، \"تهذيب اللغة\" (أرض) ١/ ١٤٨.\n(٥) ما بين المعقوفين ساقط من (ب). وقد نقل الواحدي هذا السؤال والإجابة عنه من كتاب \"سر صناعة الإعراب\" لأبي الفتح ابن جني ٢/ ٦١٣.","vol":"2","page":221},{"text":"وقد كان القياس في كل اسم مؤنث أن يقع فيه الفرق بينه وبين المذكر نحو: قائم وقائمة، وطريف وطريفة، وغير ذلك. فأما ما تركت (١) فيه العلامة من المؤنث، فإنما ذلك اختصار لحقه، لاعتمادهم في الدلالة على تأنيثه على ما يليه من الكلام قبله وبعده، نحو: (هذه مِلْحٌ (٢) طيبة)، و(كانت لهم عرس مباركة)، فلما كان الأمر في المذكر والمؤنث على ما ذكرنا، وكانت (الأرض) مؤنثة، وكأنّ فيها (هاء) مرادة، وكأنّ تقديرها: (أَرْضَة) فلما حذفت (الهاء) التي كان القياس يوجبها، عوضوا منها الجمع بالواو والنون. فقالوا: (أَرَضُون) (٣). وإذا أدخل شيء مما (٤) ليس مذكرًا عاقلًا في هذا النوع من الجمع، فهو حظ ناله، وفضيلة خص بها (٥)، ولهذا نظائر كالسنين وعضين، ونذكرها في مواضعها إن شاء الله.\nوفتحوا (الراء) (٦) في (أَرَضِين) ليدخل الكلمة ضرب من التكسير، استيحاشا من أن يوفوه لفظ التصحيح من جميع الوجوه، ومعنى التصحيح هو أنهم إنما جمعوا بالواو والنون الأسماء التي هم بها معنيون، ولتصحيح ألفاظها لفرط اهتمامهم بها مؤثرون، كيلا يقع في واحده إشكال، ألا ترى\n_________\n(١) في (ب): (تركب).\n(٢) في (أ)، (ج): (صلح) وفي \"سر صناعة الإعراب\" (ريح) وفي الحاشية قال: في (ل) و(ش): (ملح)، ٢/ ٦١٤. وهذا يوافق ما في (ب).\n(٣) \"سر صناعة الإعراب\" ١/ ٦١٤، وانظر: \"الكتاب\" ٣/ ٥٩٩ \"المخصص\" ١٠/ ٦٧، ٦٨ و١٧/ ٤ \"اللسان\" (أرض) ١/ ٦١.\n(٤) في (ب): (ما).\n(٥) انظر: \"سر صناعة الإعراب\" ٢/ ٦٣.\n(٦) \"سر صناعة الإعراب\" ٢/ ٦١٤، وقال بعضهم: ربما سكنت فقيل: (أرضون)، انظر \"الصحاح\" (أرض) ٣/ ١٠٦٣، \"المخصص\" ١٠/ ٦٧.","vol":"2","page":222},{"text":"أن (١) مثال جمع التصحيح لا يعترض الشك في واحده (٢). فإن قيل: إنما. يعوض من المحذوف إذا كان أصلا، فكيف جاز التعويض من الزائد، و(هاء التأنيث) زائدة؟ قيل: إن العرب قد [أجرت] (٣) (هاء التأنيث) مجرى (٤) لام الفعل في أماكن (٥)، منها أنهم قالوا: (عَرْقُوة) (٦)، و(تَرْقُوَة) (٧)، فصححوا الواو، فلولا أن (الهاء) في هذه الحال في تقدير الاتصال والحرف الأصلي لوجب أن تقلب (٨) (الواو)، لأنها كانت تقدر\n_________\n(١) في (ب): (أن من مثال).\n(٢) انظر. \"الكتاب\" ٣/ ٥٩٨ - ٦٠٠، \"المخصص\" ١٠/ ٦٨، ١٧/ ٤، \"الصحاح\" (أرض) ٣/ ١٠٦٣، \"اللسان\" (أرض) ١/ ٦١.\n(٣) في (أ)، (ج): (أحرها) وفي (ب): (أخرت) والصحيح ما أثبت كما في \"سر صناعة الإعراب\"، ٢/ ٦١٤.\n(٤) في (ب): (لا مجرى).\n(٥) اختصر الواحدي كلام أبي الفتح وترك بعض الوجوه، قال أبو الفتح: (فالجواب: أن العرب قد أجرت (هاء التأنيث) مجرى لام الفعل في أماكن: منها: أنهم حقروا ما كان من المؤنث على أربعة أحرف، نحو: (عقرب) و(عناق) ... وذلك قولهم: (عقيرب) .... ومنها: أنهم قد عاقبوا بين هاء التأنيث وبين اللام، وذلك نحو قولهم: (بُرَّة وبرًا) و(لُفَة ولُفَى) ...). ومنها: أن الهاء وإن كانت أبدا في تقدير الانفصال فإن العرب قد أحلتها -أيضا- محل (اللام) وما هو الأصل أو جار مجرى الأصل وذلك نحو قولهم: (ترقوة)، و(عرقوة) ...، \"سر صناعة الإعراب\" ٢/ ٦١٤ - ٦١٦، وذكر الواحدي في جوابة على السؤال الوجه الأخير فقط.\n(٦) (الْعَرْقُوة) خشبة معروضة على الدلو. انظر \"اللسان\" (عرق) ٥/ ٢٩٠٨.\n(٧) (ترقوة) ساقط من (ب). والترقوة واحدة الترقوقان، وهما العظمان المشرفان بين تغرة النحر والعاتق، تكون للناس وغيرهم، ولا يقال (ترقوة) بالضم. انظر \"اللسان\" (ترق) ١٠/ ٣٢.\n(٨) في (أ)، (ج): (يقلب) وما في (ب) موافق لـ \"سر صناعة الإعراب\" ٢/ ٦١٦.","vol":"2","page":223},{"text":"طرفا (١)، وتقلب (٢) (ياء) كما تقلب في نحو: (أَحْقٍ) جمع (حَقْو) (٣) و(أَدْلٍ) (٤) و[(أَجْرٍ) (٥)]. فـ (الهاء) هاهنا كالراء (٦) في (منصور)، والطاء في (عَضْرَفوطْ) (٧) لتصحيح (٨) الواو قبلها.\nوقوله تعالى: ﴿فِرَاشًا﴾ الأرض فراش الأنام على معنى أنها فرشت لهم، أي (٩): بسطت، وهذا كقوله: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا (١٩)﴾ [نوح: ١٩] والمعنى أنه لم يجعلها حزنة غليظة لا يمكن (١٠) الاستقرار\n_________\n(١) في (ج): (حرفا).\n(٢) (وتقلب) ساقط من (ج).\n(٣) (الحَقْوُ) بفتح الحاء وكسرها: الكشح، ومعقد الأزار، والخصر والجمع (أحْقٍ) و(أَحقَاء) و(حِقِى) و(حقا). انظر: \"اللسان\" (حقا) ص ٩٤٨.\n(٤) جمع (دلو)، انظر: \"سر صناعة الإعراب\" ٢/ ٦١٦.\n(٥) في جميع النسخ (أحر) بالحاء، والتصحيح من \"سر صناعة الإعراب\" ٢/ ٦١٦، و(أَجْرٍ): جمع جرو وهو الصغير من كل شيء. انظر \"اللسان\" (جرًا) ١/ ٦٠٩.\n(٦) أى كما صحت (الواو) قبل (الهاء) في (تَرْقُوة) و(عَرْقُوة) لأنها في تقدير الاتصال، وأجروها مجرى (الراء) و(الطاء) في (منصور) و(عضرفوط) فصحت الواو قبل الراء والطاء، فكما جاز أن تشبه (هاء التأنيث) في هذا باللام الأصلية، جاز أن تجرى الهاء المقدرة في أرض مجرى اللام الأصلية، فيعوض من حذفها في (أرض) أن يجمع بالواو والنون في (أرضون). \"سر صناعة الإعراب\" ٢/ ٦١٦.\n(٧) (الْعَضْرَفُوط) دويبة بيضاء ناعمة، أو ذكر العظاء. انظر \"اللسان\" (عضرط) ٥/ ٢٩٨٦.\n(٨) في (أ)، (ج): (التصحيح) وعبارة أبي الفتح: (... وقد أجروا (الهاء) في (ترقوة) ... مجرى (الراء) في (منصور) و(الطاء) في (عضرفوط) فصحت (الواو) قبلها كما صحت قبل الراء والطاء ...)، \"سر صناعة الإعراب\" ٢/ ٦١٦.\n(٩) في (ب): (لهم أنبسطت).\n(١٠) في (أ): (لم يكن) وفي (ب): (ولا يمكن).","vol":"2","page":224},{"text":"عليها (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾. الأزهري: أصل الماء (مَاهَ) بوزن (قَاه) (٢)، [فثقلت] (٣) (الهاء) مع الساكن قبلها، فقلبوا الهاء مدة فقالوا: ماء (٤).\nقال الليث: والمدة في (الماء) خَلَفٌ (٥) من (هاء) محذوفة، ويدل على أن الأصل في الماء (الهاء): التصغير، والتصريف، والجمع، فالتصغير (مُوَيْه) (٦) ويقال: هذه مُوَيْهَة عذبة (٧).\nوقال (٨) الأصمعي: مَاهَت البئر، وهي تَمَاه [وتَمُوه مَوْهًا إذا كثر ماؤها (٩).\n_________\n(١) انظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ١٦١ - ١٦٢، \"تفسير ابن عطية\" ١/ ١٩٨، \"تفسير القرطبي\" ١/ ١٩٧.\n(٢) في (أ)، (ج) (فاة)، وفي \"تهذيب اللغة\" (تاه) ١/ ٤٢٣، وفي \"اللسان\" (قاه) \"اللسان\" (موه) ٧/ ٤٣٠٢. وهو موافق لما في (ب) وهو ما أثبته.\n(٣) في (أ)، (ب)، (ج) (فنقلت) وصححت العبارة على ما في \"تهذيب اللغة\" (الماء) ١٥/ ٦٤٨.\n(٤) \"تهذيب اللغة\" (الماء) ٤/ ٣٣٢٠، وانظر \"الصحاح\" (موه) ٤/ ٢٢٥٠، \"اللسان\" (موه) ٧/ ٤٣٠٢ (المنصف) ٤/ ٣٣٢٠.\n(٥) في (ب) (خلف خلف هاء).\n(٦) انتهى كلام الليث نقله الواحدي بمعناه. انظر \"تهذيب اللغة\" ١٥/ ٦٤٨، وانظر \"الصحاح\" ٦/ ٢٢٥٠، \"اللسان\" ١٣/ ٥٤٣.\n(٧) من كلام الأزهري، انظر \"تهذيب اللغة\" ١٥/ ٦٤٨.\n(٨) في (ب): (قال) سقطت الواو.\n(٩) في \"تهذيب اللغة\": (قال الأصمعي: ماهت البئر تَمُوه وتَمَاه موها إذا كثر ماؤها)، \"تهذيب اللغة\" (ماه) ٤/ ٣٣٣١، وانظر \"الصحاح\" (موه) ٦/ ٢٢٥٠، \"اللسان\" (موه) ٧/ ٤٣٠٢.","vol":"2","page":225},{"text":"ابن بزرج (١): مَوَهَت السماء، أي: سالت (٢) ماءً كثيرًا. ومَاهَت البئر] (٣)، وأماهت في كثرة مائها، وهي تَمَاه وتَمُوه. ويقولون في حفر البئر: أَمْهَى وأَمَاه (٤).\nقال الليث: وأَماهت الأرض إذا ظهر فيها النَّزُّ (٥). والنسبة إلى الماء (ماهِيٌّ) (٦)، وغيره (٧) يقول: مَائِيٌّ (٨). وجمع الماء: (مياه) و(أمواه) (٩)، قال الشاعر:\nسَقَى اللهُ أَمْوَاهًا عَرَفْتُ مَكَانها ... جُرَابًا ومَلْكُومًا وبَذَّرَ والْغَمْرَا (١٠)\n_________\n(١) هو عبد الرحمن بن بزرج اللغوي، كان حافظا للغريب والنوادر، نقل عنه الأزهري في \"تهذيب اللغة\". انظر مقدمة \"تهذيب اللغة\"، \"إنباه الرواة\" ٢/ ١٦١.\n(٢) في \"التهذيب\" و\"اللسان\": (أسالت).\n(٣) ما بين المعقوفين ساقط من (أ، ج).\n(٤) \"تهذيب اللغة\" (ماه) ٤/ ٣٣٣١، \"اللسان\" (موه) ٧/ ٤٣٠٢.\n(٥) \"تهذيب اللغة\" (ماه)،٤/ ٣٣٣١وانظر \"الصحاح\" (موه) ٦/ ٢٢٥٠، \"اللسان\" (موه) ٧/ ٤٣٠٢.\n(٦) نسب الواحدي الكلام لليث، وهو في \"التهذيب\" إما من كلام ابن الأعرابي أو من كلام الأزهري. انظر: \"تهذيب اللغة\" (ماه) ص ٣٣٣، \"اللسان\" (موه) ٧/ ٤٣٠٢.\n(٧) أي: عند غير الليث.\n(٨) في (ب) (ما هي). قال الجوهري: والنسبة للماء: (مَائِيٌّ) وإن شئت (مَاوِيٌّ) عند قول من يقول (عَطَاوِيٌّ)، \"الصحاح\" ٦/ ٢٢٥١، \"اللسان\" ٧/ ٤٣٠٢.\n(٩) انظر. \"تهذيب اللغة\" (ماه) ٤/ ٣٣٣١، قال الجوهري: بجمع على (أمواه) في القلة، و(مياه) في الكثرة. \"الصحاح\" ٦/ ٢٢٥٠، وذكره في \"اللسان\" وقال: وحكى ابن جني في جمعه (أمواء) ٧/ ٤٣٠٢.\n(١٠) البيت لكثير عزة ورد في (ديوانه) مع أبيات مفردة ص ٥٠٣، وأورده عبد السلام هارون في حاشية \"الكتاب\"، لأنه ورد في بعض نسخ \"الكتاب\"، ولم يرد في الأصل. انظر \"الكتاب\" ٣/ ٢٠٧، ٢٠٨، \"المنصف\" ٣/ ١٥٠، ٣/ ١٢١، \"شرح =","vol":"2","page":226},{"text":"فإن قيل: كيف قال: ﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ﴾، والماء ينزل من السحاب؟ قيل: هذا من باب حذف المضاف، والتقدير: من نحو السماء (١)، كقول الشاعر:\nأَمِنْكِ بَرْقٌ أَبِيتُ (٢) اللَّيْلَ أَرْقُبُهُ ... كَأنَّه في عِرَاضِ الشَّأْمِ مِصْباحُ (٣)\nأي: من نَاحِيَتِك، ومثله كثير. وإن جعلت السماء بمعنى (السحاب) (٤) لم يكن من باب حذف المضاف.\nوقوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾. الثمرات: جمع (الثمرة) وهي حمل الشجرة (٥) في الأصل، ثم صارت اسمًا لكل (٦) ما ينتفع به، مما هو زيادة على أصل المال (٧).\n_________\n= المفصل\" ١/ ٦١، \"الخزانة\" ٢/ ٣٥٥، \"السيرة\" لابن هشام ١/ ١٥٩. جرابًا وما بعده: أسماء أماكن، ذكر ياقوت جرابا وقال: اسم ماء وقيل: بئر قديمة بمكة، وأورد بيت كثير. (معجم البلدان) ٢/ ١١٦، وذكر (مَلْكُوما) وقال: اسم ماء بمكة، وأورد البيت ٥/ ١٩٤، وذكر (بَذَّرَ) وقال: اسم بئر بمكة لبني عبد الدار، وأورد البيت ١/ ٣٦١، و(الغمر) بئر قديمة بمكة. \"معجم البلدان\" ٤/ ٢١١.\n(١) ذكره في \"الوسيط\"، ١/ ٥٥، وانظر: \"تفسير أبي السعود\" ١/ ٦١.\n(٢) في (ب): (أربك).\n(٣) البيت لأبي ذؤيب الهذلي، قوله: (أمنك برق) أي: من نحو منزلك، من الشق الذي أنت به، (عراض الشأم) نواحيها. انظر \"شرح أشعار الهذليين\" للسكري ١/ ١٦٧، \"شرح الأبيات المشكلة الإعراب\" الفارسي ص ٣٦٤.\n(٤) انظر: \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٥٦ ب، \"تفسير ابن عطية\" ١٩٩، \"تفسير البيضاوي\" ١/ ١٤، والخازن ١/ ٧٦، \"تفسير أبي السعود\" ١/ ٦١، \"الفتوحات الإلهية\" ١/ ٢٦.\n(٥) ذكره الأزهري عن الليث وغيره، \"تهذيب اللغة\" (ثمر) ١/ ٤٩٧.\n(٦) في (ج): (اسما لما ينتفع به).\n(٧) ذكره الواحدي في \"الوسيط\"، وانظر \"تفسير ابن عطية\" ١/ ١٩٩.","vol":"2","page":227},{"text":"يقال: لبن مُثْمِر (١) إذا ظهر زبده (٢)، وقال النضر (٣): هو [الثَّمِير] (٤)، وذلك إذا [مُخِض] (٥) اللبن فرئي عليه أمثال الحَصَف في الجلد ثم يجتمع فيصير زبدًا. وقد ثَمَّر السقاء وأَثْمَر. وإن لبنك لحسن الثَّمَر (٦). ويقال: ثمر الله مالك، وعقل مثمر، إذا كان يهدي صاحبه إلى الرشد (٧). فالثمرة تستعمل فيما ينتفع به ويستمتع مما هو فرع لأصل (٨).\nقال المفسرون في معنى الثمرات في هذه الآية: أراد جميع ما ينتفع به مما يخرج من الأرض (٩).\nوقوله تعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾. روى شمر عن الأخفش قال: (الند) الضد والشبه. أي: لا تجعلوا (١٠) لله أضدادا وأشباها، وفلان نِدُّ فلان ونَدِيدُه ونَدِيدَتُه أي: مثله وشبهه (١١).\n_________\n(١) في (ب): (مثمرًا).\n(٢) ذكر الأزهري نحوه عن الأصمعي \"تهذيب اللغة\" (ثمر) ١/ ٤٩٧، وانظر: \"اللسان\" (ثمر) ١/ ٥٠٣.\n(٣) في (أ)، (ج). (النصر) والمراد النضر بن شميل.\n(٤) في (أ)، (ج): (التميز)، وفي (ب): (التميير) والصحيح (الثمير) كما في \"تهذيب اللغة\" (ثمر) ١/ ٤٩٧.\n(٥) في (أ)، (ج): (محص) وفي (ب): (محض)، و(مخض) في \" التهذيب\".\n(٦) انظر كلام النضر في \"تهذيب اللغة\" (ثمر) ١/ ٤٩٧. وانظر: \"الصحاح\" (ثمر) ٢/ ٦٠٦، \"اللسان\" (ثمر) ٤/ ١٠٨.\n(٧) \"تهذيب اللغة\" (ثمر) ١/ ٤٩٧.\n(٨) قال ابن فارس: (الثاء والميم والراء أصل واحد)، وهو شيء يتولد عن شيء متجمعا، ثم يحمل عليه غيره استعارة، \"مقاييس اللغة\" (ثمر) ١/ ٣٨٨.\n(٩) انظر \"الطبري\" ١/ ١٦٢، \"تفسير ابن عطية\" ١/ ١٩٩، \"تفسير القرطبي\" ١/ ١٩٨.\n(١٠) في (ب): (جعلوا).\n(١١) في (ب): (شبههه).","vol":"2","page":228},{"text":"وأنشد للبيد (١):\nلِكَيْمَا (٢) يكُون السَّنْدَرِيُّ نَدِيدَتِي ... فَأَشتمَ (٣) أقَوْامًا عُمُومًا (٤) عَمَاعِمَا (٥)\nوقال أبو الهيثم: يقال للرجل إذا خالفك فأردت وجها تذهب فيه ونازعك في ضده، فأراد بخلاف الوجه الذي تريد، وهو مستقل من ذلك مثل ما [تستقل] (٦) به: فلان نِدِّي ونَدِيدِي. قال حسان:\nأتَهْجُوهُ وَلَسْتَ لَهُ بِنِدٍّ ... فَشَرُّكُمَا لِخَيْركُمَا الفِدَاءُ (٧)\n_________\n(١) في (ب): (وقال لبيد).\n(٢) في (ب): (لكي لا يكون) وهي رواية في البيت.\n(٣) في (ب): (فاستمر)، وفي \"تهذيب اللغة\" (واجعل) وفي حاشيته: في (د)، (ج) (أشتم) ٤/ ٣٥٤٠.\n(٤) في (ب): (عمواما).\n(٥) البيت من قصيدة قالها لما دعاه عامر بن الطفيل لينافر علقمة بن علاثة، و(السندري): شاعر معروف وهو ابن عيساء، ينسب لأمه، (العموم): جمع العم، و(العماعم): الجماعات. انظر \"شرح ديوان لبيد\" ص ٢٨٦ \"تهذيب اللغة\" (ند) ٤/ ٣٥٤٠، \"الصحاح\" (ندد) ٢/ ٥٤٣، \"الأضداد\" لابن الأنباري ص ٢٤، \"الأضداد\" أبي حاتم ص ٧٤ \"اللسان\" (ندد) ٣/ ٤٢٠ \"مقاييس اللغة\" (ند) ٥/ ٣٥٥، \"تفسير القرطبي\" ١/ ١٩٩. وكلام الأخفش في \"تهذيب اللغة\" (ند) ٤/ ٣٥٤٠ نقله الواحدي بتصرف، وانظر \"اللسان\" (ندد) ٧/ ٣٤٨٢.\n(٦) في جميع النسخ (يستقل) وفي \"تهذيب اللغة\" (تستقل) وهو الصواب، \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٥٤٠.\n(٧) البيت من قصيدة يهجو بها سفيان بن الحارث قبل فتح مكة، انظر \"ديوانه\" ص ٧٦، \"تهذيب اللغة\" (ند) ٤/ ٣٥٤٠ \"الأضداد\" لابن الأنباري ص ٢٤، \"الأضداد\" لأبي حاتم ص ٧٤، \"مجاز القرآن\" ص ٣٤، \"تفسير الطبري\" ١/ ١٠٦٣ \"تفسير القرطبي\" ١/ ١٩٨، \"اللسان\" (ندد) ٧/ ٣٤٨٢.","vol":"2","page":229},{"text":"أي لست له بمثل في شيء من معانيه (١). فحقيقة (النِّد) المثل المناوئ، وأصله من قولهم: (ندّ) إذا نفر، ولهذا يقال للضد: ند، ثم استعمل في المثل وإن لم يكن هناك مخالفة (٢). قال جرير:\nأتَيْمًا يَجْعَلُونَ إليَّ نِدًّا ... وَمَا تَيْمٌ لِذِي حَسَبٍ نَدِيدُ (٣)\nأي مثل. قال ابن عباس، والسدي فيما ذكره عن ابن مسعود: معناه لا تجعلوا لله أكفاء من الرجال [تطيعونهم] (٤) في معصية الله (٥).\nوقال ابن زيد: الأنداد الآلهة (٦) التي جعلوها معه (٧).\nوقال أبو إسحاق: هذا احتجاج عليهم لإقرارهم بأن الله خالقهم، فقيل\n_________\n(١) انتهى ما نقله عن أبي الهيثم. انظر: \"تهذيب اللغة\" (ندد) ٤/ ٣٥٤٠، \"اللسان\" ٧/ ٣٤٨٢.\n(٢) انظر: \"الأضداد\" لابن الأنباري ص ٢٤، \"مجاز القرآن\" ص ٣٤، \"الأضداد\" للصاغاني ص ٢٤٦، قال أبو حاتم: (زعم قوم أن بعض العرب يجعل (الضد) مثل (الند) ويقول: هو يضادني، ولا أعرف أنا ذلك ..) (الأضداد) لأبي حاتم السجستاني ص ٧٥.\n(٣) قاله يهجو تيما.\nانظر: \"ديوان جرير\" ص ١٢٩، \"الأضداد\" لابن الأنباري ص ٢٤، \"الأضداد\" لأبي حاتم ص ٧٣، \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٦٦، \"ومجالس العلماء\" للزجاجي ص ١١٤، \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٥٦ ب\n(٤) في (أ)، (ج): (يطيعونهم)، وفي (ب): (تضيعونهم).\n(٥) أخرجه \"الطبري\" بسنده عن ابن عباس وعن ابن مسعود وعن ناس من أصحاب النبي - ﷺ - \"تفسير الطبري\" ١/ ١٦٣، وذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ٦٥ ب، وانظر: \"الدر المنثور\" ١/ ٧٦.\n(٦) في (ب): (الآله).\n(٧) أخرجه \"الطبري\" في \"تفسيره\" ١/ ١٦٣، \"زاد المسير\" ١/ ٤٩، والمراد عموم الأنداد والشركاء مع الله من الرجال أو الحجارة أو غير ذلك.","vol":"2","page":230},{"text":"لهم: لا تجعلوا لله (١) أمثالًا وأنتم تعلمون [أنهم لا يخلقون والله الخالق (٢).\nقال ابن (٣) الأنباري: قوله: ﴿وَأَنتُم تَعلَمُونَ﴾، (٤) لا تتنافى مع قوله: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ﴾ [الزمر: ٦٤] لأن هذا العلم الذي وصفهم به في هذه الآية لا يزيل عنهم الجهل؛ لأنه أراد: وأنتم تعلمون أن الأنداد التي تعبدونها لم ترفع لكم السماء ولم تمهد تحتكم (٥) الأرض، ولم ترزقكم رزقا. فعبدة الأصنام وغيرهم يتساوى علمهم في هذا المعنى، وإنما وصفهم الله جل ذكره بهذا العلم لتتأكد الحجة عليهم إذا اشتغلوا (٦) بشىء (٧) يعلمون (٨) أن الحق فى سواه (٩).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-246>٢٣ </span>- وقوله (١٠) تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ﴾ الآية. قال النحويون: (إن) دخلت هاهنا لغير شك، لأن الله تعالى علم أَنهم مرتابون، ولكن هذا عادة العرب في خطابهم، كقولك: (إن كنت إنسانًا فافعل كذا)، وأنت تعلم أنه إنسان، و(إن كنت ابني فاعطف علي) فالله تعالى خاطبهم على عادة\n_________\n(١) (لله) لفظ الجلالة غير موجود في (ب).\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٦٥.\n(٣) (ابن) ساقط من (ج).\n(٤) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).\n(٥) في (ج): (لكم).\n(٦) في (ب): (اشغلوا).\n(٧) في (ج): (في شيء).\n(٨) في (ب): (يعلموا).\n(٩) نحو هذا المعنى ذكر \"الطبري\" عن ابن عباس وقتادة، ورجحه. انظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ١٦٣.\nوانظر: \"تفسير ابن عطية\" ١/ ١٩٩، \"زاد المسير\" ١/ ٤٩.\n(١٠) في (ج): (قوله) بسقوط الواو.","vol":"2","page":231},{"text":"خطابهم فيما بينهم (١).\nوقيل: هو بمعنى (إذ) (٢) قال أبو زيد: وتجيء (٣) (إن) بمعنى (إذ) نحو قوله: ﴿وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة:٢٧٨]، وقوله ﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٩] ونحوهما (٤).\nقال الأعشى:\nوسمعتَ حَلْفتَها التي حلفتْ ... إن كان سمعُك غيرَ ذي وَقْرِ (٥)\nوقوله تعالى: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ﴾. زعم أبو عبيدة أن (السورة) (٦) مشتقة\n_________\n(١) ذكر ابن الجوزي نحوه، فربما نقله عن الواحدي، وربما نقله عن ابن الأنباري وهو الأقرب، حيث إنه كثيرًا ما ينقل عنه، فيكون من كلام ابن الأنباري، انظر: \"زاد المسير\" ١/ ٤٩.\n(٢) ذكره الثعلبي مع الأدلة من الآيات وبيت الأعشى. \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٥٧ أ، وانظر: \"تهذيب اللغة\" (إن) ١/ ٢٢٤.\n(٣) في (أ)، (ج) (يجيء)، وأثبت ما في (ب) لأنه أنسب للسياق وموافق لما في \"تهذيب اللغة\".\n(٤) قول أبي زيد في \"تهذيب اللغة\"، (إن) ١/ ٢٢٤، وانظر: \"زاد المسير\" ١/ ٤٩، \"الدر المصون\" ١/ ١٩٧.\nوالقول: إنَّ (إنْ) تأتي بمعنى (إذ) قول الكوفيين، أما البصريون فمنعوا مجيئها بمعنى (إذ).انظر: \"الإنصاف\" ص٥٠.\n(٥) البيت عند الثعلبي ١/ ٥٧ أ، \"الوسيط\" للواحدي ١/ ٥٧ منسوب للأعشى، ولم أجده في (ديوانه)، وهو في \"الإنصاف\" ص ٥٠٢. غير منسوب، وذكره عبد السلام هارون في \"معجم الشواهد العربية\" ص ١٨٧، ولم ينسبه.\n(الحلفة): واحدة الحلف وهو القسم.\n(الوقر): ثقل السمع.\nوالشاهد فيه عند الواحدي، وعند الكوفيين ورود (إنْ) بمعنى (إذ).\n(٦) في (ج): (للسورة).","vol":"2","page":232},{"text":"من سورة البناء، وأن السورة عرق من عروق (١) الحائط، ويجمع سُوَرًا وكذلك (الصورة) (٢) تجمع (صورًا). واحتج بقوله:\nسِرْتُ إِلَيْهِ في أَعَالي السُّور (٣)\nوأقرأني العروضي، قال: أقرأني الأزهري، قال (٤): أخبرني المنذري، عن أبي الهيثم أنه رد على أبي عبيدة قوله، وقال: إنما يجمع (٥) (فُعْلَة) على (فُعْل)، بسكون العين، إذا سبق الجمعَ الواحدُ، مثل: صوفة وصوف، وسورة البناء وسورٌ (٦)، والسور جمع سبق وحدانه (٧)، قال الله تعالى: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ﴾ [الحديد:١٣].\nوالسُّور عند العرب حائط المدينة، وهو أشرف الحيطان، وشبه الله\n_________\n(١) في \"تهذيب اللغة\" (أعراق) ٢/ ١٥٩٣. وكذا \"اللسان\" ٤/ ٢١٤٧.\n(٢) في (ج): (وكذلك قوله الصورة).\n(٣) الرجز للعجاج، ورد في \"المجاز\" لأبي عبيدة ١/ ٥، وقبله:\nفرب ذي سرادق محور\n\"ديوان العجاج\": ص ٢٢٤. رقم القصيدة (١٩)، وفي \"الكتاب\" ٤/ ٥١، \"غريب القرآن\" لابن قتيبة ١/ ٢٦، \"تفسير الطبري\" ١/ ٤٦، \"تهذيب اللغة\" (سار) ٢/ ١٥٩٢، \"اللسان\" (سور) ٤/ ٢١٤٧، \"الزاهر\" ١/ ٥٢٦. والسرادق: ما أحاط بالشيء من بناء أو خباء أو غيره، وسرت: من سار الحائط يسوره وتسوره، أي: تسلق. وكلام أبي عبيدة بنصه في \"التهذيب\" \"سار\" ٢/ ١٥٩٣. وانظر \"مجاز القرآن\" ١/ ٣، ٤، ٤٣، \"اللسان\" (سور) ٤/ ٢١٤٧. (الزاهر) ١/ ١٧٠. \"تفسير ابن عطية\" ١/ ٧٠.\n(٤) في \"تهذيب اللغة\": وأخبرني المنذري عن أبي الهيثم: أنه رد على أبي عبيدة قوله ... الخ كلام أبي الهيثم.\n\"التهذيب\" (سار) ٢/ ١٥٩٣. وفي \"اللسان\" (سور) ٤/ ٢١٤٧.\n(٥) في \"التهذيب\": (تجمع) وكذا في \"اللسان\".\n(٦) في \"اللسان\" (وسُوْرُهُ).\n(٧) في (التهذيب) (فالسورة جمع سبق وُحْدَانَه في هذا الموضع جمعه) ٢/ ١٥٩٣.","vol":"2","page":233},{"text":"تعالى الحائط الذي حجز بين أهل النار وأهل الجنة بأشرف حائط عرفناه في الدنيا، وهو اسم واحد لشيء (١) واحد، إلا أنا إذا أردنا أن نعرف (٢) العِرْقَ (٣) منه قلنا: سورة، كما تقول: التمر، وهو اسم جامع للجنس، فإذا أردنا أن نعرف الواحدة من التمر قلنا: تمرة، وكل منزلة رفيعة فهي سورة، مأخوذة من سورة البناء ومنه قول النابغة:\nألم تر أنَّ الله أعطاك سورةً ... ترى كل مَلْكٍ دونها يتذبذبُ (٤)\nوجمعها (سُوْرٌ) (٥) أي: رِفَعٌ.\nأما سورة القرآن، فإن الله تعالى جمعها على: (سُوَر) مثل: غُرْفَة وغُرَفُ، ورُتْبَة ورُتَب، وزُلفَة وزُلَف، فدل على أنه لم يجمعها كما قال (٦)، ولم يجعلها من سُورِ (٧) البناء، لأنها لو كانت منه لقال: (بعشرِ سُوْر) ولم\n_________\n(١) في (ب): (كشيء).\n(٢) في (أ)، (ج): (يعرف) واخترت ما في (ب)، لأنه أصح، وموافق لما في \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٥٩٣.\n(٣) كذا في جميع النسخ، \"اللسان\" ٤/ ٢١٤٨. وفي \"تهذيب اللغة\" (الفرق) ٢/ ١٥٩٣.\n(٤) البيت للنابغة الذبياني من قصيدة يمدح النعمان، ويعتذر إليه.\nوقوله (السورة): المنزلة الرفيعة، (والملك بتذبذب): يتعلق ويضطرب، يريد أن منازل الملوك دون منزلته. انظر: \"مجاز القرآن\" ١/ ٤. \"غريب القرآن\" لابن قتيبة ١/ ٢٦. \"تفسير الطبري\" ١/ ٤٦. \"المصون في الأدب\" للعسكري: ص ١٥٠، ١٥١. \"التهذيب\" (سار) ٢/ ١٥٩٣. \"اللسان\" (سور) ٤/ ٢١٤٨. \"تفسير ابن عطية\" ١/ ٢٠١. \"ديوان النابغة\": ص ٢٨. \"الزاهر\" ١/ ١٧١.\n(٥) في (أ): (سِوَر) وفي (ب): (سواري رفع).\n(٦) قوله: (فدل على أنه لم يجمعها كما قال) ليس في \"تهذيب اللغة\" ولا \"اللسان\"، والمعنى لم يجمعها (سُوْرٌ) بالسكون كما قال أبو عبيدة.\n(٧) في (ب): (سورة).","vol":"2","page":234},{"text":"يقل: ﴿سُوَرٍ﴾ [هود: ١٣] (١) والقراء مجمعون على ﴿سُوَرٍ﴾. وكذلك أجمعوا على قراءة (سُورٍ) (٢) في قوله ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ﴾ [الحديد: ١٣]. فدل هذا على تمييز (سُورَةٍ) من سُوَرِ (٣) القرآن عن (سُوْرَة) من سُوْرِ البناء.\nوكأن أبا عبيدة أراد أن [يؤيد] (٤) قوله في (الصور) أنه جمع (صورة) (٥)، وكان ينكر أن (الصور) قرن خلقه الله للنفخ فيه، ونذكر (٦) قوله ذلك والرد عليه إذا أتينا على ذكر (الصور) إن شاء الله.\nقال أبو الهيثم: والسورة (٧) من سور [القرآن] (٨) عندنا: قطعة من القرآن، سبق وُحْدانُها جَمْعَها، كما أن الغرفة (٩) سابقة للغرف. وأنزل الله القرآن على نبيه ﷺ شيئًا بعد شيء، وجعله مفصلًا، وبيّن كل سورة بخاتمتها وبادئتها، وميزها من التي تليها (١٠).\n_________\n(١) في (أ)، (ج): (بسُوَر) وأثبت ما في (ب)، وفي \"تهذيب اللغة\" (بعشر سُوَرٍ) \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٥٩٣.\n(٢) في (ب): (بسوره).\n(٣) في (ب): (سوره).\n(٤) في جميع النسخ (يريد) والتصحيح من \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٥٩٣. \"اللسان\" ٤/ ٢١٤٨.\n(٥) في \"تهذيب اللغة\" (فأخطأ في الصور والسور، وحرَّف (كلام العرب) عن صيغته ... إلخ). انظر \"تهذيب اللغة\" (سار) ٢/ ١٥٩٣. \"اللسان\" (سور) ٤/ ٢١٨٤.\n(٦) في (ب) (ويذكر).\n(٧) في (ب) (السور).\n(٨) (القرآن) غير موجود في جميع النسخ، والتصحيح من \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٥٩٣، \"اللسان\" ٤/ ٢١٤٨.\n(٩) في (ب) (المعرفة).\n(١٠) انتهى كلام أبي الهيثم، \"تهذيب اللغة\" (سار) ٢/ ١٥٩٤، \"اللسان\" (سور) ٤/ ٢١٤٨.","vol":"2","page":235},{"text":"قال الأزهري: وكأن أبا الهيثم جعل السورة من سور القرآن من سؤرة الشراب، وهي بقيته، إلا أنها لما كثرت في الكلام ترك فيها الهمز (١).\nقال (٢): وأخبرني المنذري، عن أبي العباس، عن ابن الأعرابي قال: (السورة) الرفعة وبها سميت السورة من القرآن، أي رفعة وخير (٣)، فأرى ابن الأعرابي وافق قوله قول أبي عبيدة (٤).\nقال: (٥) والبصريون يجمعون (الصورة) و(السورة) وما أشبههما (٦) على (صُوَر وصُوْر)، و(سُوَر وسُوْر) ولا يميزون بين ما سبق جمعه وحدانه وبين ما سبق وحدانه جمعه، والذي حكاه أبو الهيثم هو قول (٧) الفراء.\n_________\n(١) في \"التهذيب\": (.. جعل السورة من سور القرآن من أسأرت سؤرا، أي: أفضلت فضلا، إلا أنها لما كثرت في الكلام وفي كتاب الله ترك فيها الهمز أي السورة كما ترك في (الملك) وأصله (ملْأَك) وفي (النبي) وأصله الهمز، وكان أبو الهيثم طَوَّل الكلام فيهما ردًا على أبي عبيدة، فاختصرت منه مجامع مقاصده، وربما غيرت بعض ألفاظه، والمعنى معناه). \"تهذيب اللغة\" (سار) ٢/ ١٥٩٤. \"اللسان\" ٤/ ٢١٤٨. وانظر: \"الزاهر\" ١/ ١٧١.\n(٢) أي: الأزهري.\n(٣) ونحوه عند \"الطبري\" فإنه قال: (والسورة بغير همز: المنزلة من منازل الارتفاع). انظر: \"تفسيره\" ١/ ٤٦. وقد ذكر هذين المعنيين للسورة ابن قتيبة في \"غريب القرآن\": ١/ ٢٦. وانظر: \"الزاهر\" ١/ ١٧١. \"البرهان في علوم القرآن\" ١/ ٢٦٣، ٢٦٤. \"الإتقان\" ١/ ١٨٦. \"تفسير ابن كثير\" ١/ ٦٤.\n(٤) \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٥٩٤. \"اللسان\" ٤/ ٢١٤٨.\n(٥) أي الأزهري. انظر: \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٥٩٤، وربما أوهم صنيع الواحدي أن الكلام لابن الأعرابي.\n(٦) في (أ) و(ج): (وما أشبهها).\n(٧) في \"التهذيب\": (والذي حكاه أبو الهيثم هو قول الكوفيين، وهو يقول به إن شاء الله) \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٥٩٤. \"اللسان\"٤/ ٢١٤٨.","vol":"2","page":236},{"text":"وخص هذا القدر من القرآن بتسمية (سورة)، لأنه أقل قطعة وقع به التحدي [على قول أبي الهيثم، وعلى قول أبي عبيدة، لأنه أقل ما وقع به التحدي] (١)، فهي شرف للنبي ﷺ من حيث إنها معجزة له. وقيل: سميت سورة، لأن من حفظها وعلمها حصل له شرف (٢). وقيل: لأن كل سورة بمنزلة درجة رفيعة ومنزل عال، يرتفع القارئ منها إلى منزلة أخرى إلى أن يستكمل القرآن (٣).\nفإن قيل: فما (٤) الفائدة في تفصيل القرآن على السور؟ قيل: فيه فوائد كثيرة، منها: أن القارئ إذا خرج من سورة إلى سورة كان أنشط لقراءته وأحلى في نفسه.\nومنها: أن تخصيص كل سورة بقدر مخصوص كاختصاص القصائد.\nومنها: أن الإنسان قد يضعف أو يكسل عن حفظ الجميع فيحفظ سورة تامة فربما كان ذلك سببًا يدعوه إلى حفظ غيرها (٥).\nقال المفسرون: ومعنى الآية: أن الله تعالى لما احتج عليهم [في إثبات توحيده احتج عليهم] (٦) -أيضا- في إثبات نبوة محمد صلى الله عليه\n_________\n(١) مابين المعقوفين ساقط من (ب).\n(٢) انظر: \"الزاهر\" ١/ ١٧١. \"الدر المصون\" ١/ ٢٠١.\n(٣) وهذا القول كأنه يرجع إلى قول أبي عبيدة وابن الأعرابي، وفي معنى السورة أقوال أخرى. انظر: \"الزاهر\" ١/ ١٧١، \"جمهرة اللغة\" ٢/ ٧٢٢، \"تفسير الطبري\" ١/ ٤٦، وابن عطية ١/ ٧٠، \"تفسير ابن كثير\" ١/ ٦٤، \"البرهان\" ١/ ٢٦٣، ٢٦٤، \"الكشاف\" ١/ ٢٣٩.\n(٤) في (ب): (ما).\n(٥) وذكر بعض العلماء حكمًا أخرى لتفصيل القرآن إلى سور، وكلها حكم وفوائد مستنبطة، والله أعلم بحكمة ذلك. انظر: \"الكشاف\" ١/ ٢٤٠ - ٢٤١، \"البرهان\" ١/ ٢٦٤ - ٢٦٥.\n(٦) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).","vol":"2","page":237},{"text":"وسلم بما قطع عذرهم، فقال: وإن كنتم في شك من صدق هذا الكتاب الذي أنزلناه على محمد عليه الصلاة (١) والسلام، وقلتم: لا ندري هل هو من عند الله أم لا، ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾، أي من مثل القرآن (٢). والكناية (٣) في (مثله) تعود إلى (ما) قوله: ﴿مِمَّا نَزَّلْنَا﴾ (٤).\nودليل هذا التأويل قوله: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ﴾ [الطور: ٣٤]. وقوله تعالى: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ﴾ (٥)، وقوله: ﴿لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ [الإسراء: ٨٨] كل ذلك يريد به مثل القرآن، ومعناه: فأتوا بسورة مثل ما أتى به محمد في الإعجاز وحسن النظم والإخبار عما كان وما يكون، على جهة الابتداء دون الاحتذاء، وتعلم الكتب ودراسة الأخبار.\nو(من) يكون للتبعيض (٦) على هذا القول، لأن التحدي في هذه الآية وقع ببعض القرآن، وهو السورة. ويحتمل أن تكون للتجنيس (٧)، أي: من\n_________\n(١) (الصلاة) ساقطة من (ب).\n(٢) ذكر نحوه \"الطبري\" عن قتادة ومجاهد، وذكر قولًا آخر، وهو: (من مثله) من مثل محمد من البشر، لأن محمدًا بشرًا مثلكم، ورجح القول الأول \"الطبري\" ١/ ١٦٥. وانظر \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٦٦، والثعلبي ١/ ٥٧ أ، وذكر أبو الليث أن الخطاب في قوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ﴾ لليهود، و(من مثله): من التوراة. (تفسير أبي الليث) ١/ ١٠٢، انظر: \"القرطبي\" ١/ ٢٠٠.\n(٣) في (ب): (فالكناية).\n(٤) وعلى القول الثاني: تعود على (عبدنا) ذكره ابن الأنباري في (البيان في غريب إعراب القرآن) ١/ ٦٤. وقال \"القرطبي\": (وقيل: يعود على التوراة والإنجيل). انظر \"القرطبي\" ١/ ٢٠٠.\n(٥) في (أ) و(ج): ﴿مِنْ مِثْلِهِ﴾ تصحيف في الآية. والآية: ٣٨، من سورة يونس.\n(٦) انظر: \"تفسير ابن عطية\" ١/ ٢٠٢.\n(٧) انظر: \"تفسير ابن عطية\" ١/ ٢٠٢، \"زاد المسير\" ١/ ٥٠، \"الدر المصون\" ١/ ٢٠٠.","vol":"2","page":238},{"text":"جنس هذا الكتاب كقوله: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾. [الحج:٣٠] وقيل: (من) هنا صلة (١)، معناه (٢): فأتوا بسورة مثل القرآن، كقوله: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور: ٣٠] أي: أبصارهم، وقال النابغة:\nوَمَا أُحَاشِي مِنَ الأقْوَامِ مِنْ أَحَدٍ (٣)\nأي: أحدًا.\nقال النحويون: (مِنْ)، يكون على أربعة أوجه: أحدها: ابتداء الغاية، وهو أصلها (٤)، كقولك: سرت (٥) من الكوفة إلى البصرة.\nوالثاني: التبعيض، كقولك: خذ من الثياب ثوبًا.\n_________\n(١) في (ج): (من ههنا زائدة صلة). القول إنها صلة ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ٥٧ أ، وبعضهم يسميها (زائدة) قاله ابن الأنباري ونسبه للأخفش، انظر \"البيان\" ١/ ٦٤، \"تفسير ابن عطية\" ١/ ٢٠٢، \"إملاء ما من به الرحمن\" ١/ ٢٤. وفيه وجه آخر: أن تكون لابتداء الغاية، إذا كان الضمير يعود على النبي ﷺ، انظر \"إملاء ما من به الرحمن\" ١/ ٢٤، \"الدر المصون\" ١/ ٢٠٠.\n(٢) في (ب): (معناها).\n(٣) البيت للنابغة من المعلقة التي يمدح بها النعمان، ويعتذر إليه، وصدره:\nولا أَرى فَاعِلًا في النَّاس يُشْبِهُهُ\nيقول: لا أرى فاعلًا يفعل الخير يشبهه، والضمير للنعمان، وما أحاشي من أحد أي: لا أستثني أحدًا. و(من) زائدة، وهذا وجه الاستشهاد عند الواحدي. وقد ورد في بعض المصادر (ولا أحاشي) ورد البيت في \"الديوان\": ص ١٢، و\"جمل الزجاجي\": ص ٢٣٣، \"الإنصاف\" ١/ ٢٤١، \"مغني اللبيب\" ١/ ١٢١، \"شرح المفصل\" ٢/ ٨٥، ٨/ ٤٨ - ٤٩، \"الخزانة\" ٣/ ٤٠٣، \"همع الهوامع\" ٣/ ٢٨٨، شاهد رقم (٩١٨).\n(٤) قال ابن هشام: (هو أصلها، حتى ادعى جماعة أن سائر معانيها راجعة إليه)، \"مغني اللبيب\" ١/ ٣١٨.\n(٥) في (ب): (سرق).","vol":"2","page":239},{"text":"والثالث: التجنيس، كقوله: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ [الحج: ٣٠].\nوالرابع: الزيادة، كقولك: ما أتاني من أحد (١)\nوهاهنا فصل يحاج إليه في كثير من المواضع، وذكرته هاهنا (٢)، وهو (أن الحروف عند النحويين لا يليق بها الزيادة ولا الحذف، وأن أعدل أحوالها (٣) أن تستعمل غير مزيدة ولا محذوفة، فأما (٤) امتناع حذفها، فمن قبل أن الغرض في هذه الحروف إنما هو الاختصار، ألا ترى أنك إذا قلت: (ما قام زيد) فقد نابت (ما) عن (أنفي)، وإذا قلت: (هل قام زيد)؟ نابت (هل) عن (أستفهم) (٥)، فوقوع الحرف مقام الفعل وفاعله غاية الاختصار، فلو ذهب (٦) بحذف الحرف تخفيفا، لأفرطت في الإيجاز، لأن اختصار المختصر إجحاف (٧) به. وأما وجه ضعف زيادتها، فلأن الغرض (٨)\n_________\n(١) سبق أن ذكر الواحدي لـ (من) خمسة معان نقلها عن \"تهذيب اللغة\"، وانظر \"التهذيب\" (من) ٤/ ٣٤٥٣، وقد ذكر الهروي المعاني الأربعة التي ذكرها الواحدي. انظر \"الأزهية في علم الحروف\": ص ٢٢٤ - ٢٢٥، وذكر بعض هذِه المعاني ابن الأنباري في (الأضداد): ص ١٥٢، أما ابن هشام في \"مغني اللبيب\" فذكر لـ (من) خمسة عشر وجها ١/ ٣١٨.\n(٢) هذا الفصل منقول بنصه من \"سر صناعة الإعراب\" لابن جني. قال: (اعلم أن الحروف لا يليق بها الزيادة ولا الحذف .. إلخ) ١/ ٢٦٩.\n(٣) في (ب): (أحولها).\n(٤) عند أبي الفتح بن جني (فأما وجه القياس في امتناع حذفها ...) ١/ ٢٦٩.\n(٥) في (ج): (استفهام).\n(٦) عند أبي الفتح بن جني (فلو ذهبت تحذف ..) ١/ ٢٦٩. وهو الأنسب للسياق.\n(٧) في (ج): (حجازيه).\n(٨) عند أبي الفتح (فمن قبل أن الغرض في الحروف الاختصار ...) \"سر صناعة الإعراب\" ١/ ٢٦٩.","vol":"2","page":240},{"text":"في الحروف الاختصار كما ذكرنا (١)، فلو ذهبت تزيدها لنقضت الغرض الذي قصدته، لأنك كنت تصير من الزيادة إلى ضد ما قصدته من الاختصار (٢)، ولولا (٣) أن في الحرف إذا زيد ضربًا من التوكيد لما جازت زيادته البتة، كما أنه لولا قوة العلم بمكانه لما جاز حذفه البتة (٤)، وإذا كان الأمر كذلك فقد علمنا من هذا أنا (٥) متى رأيناهم قد (٦) زادوا فقد أرادوا غاية التوكيد (٧)، كما أنا إذا رأيناهم قد حذفوا حرفًا فقد أرادوا غاية الاختصار، ولولا ذلك الذي أجمعوا عليه واعتزموه (٨)، لما استجازوا زيادة ما الغرض فيه الإيجاز، وحذف (٩) ما وضعه على نهاية الاختصار) (١٠).\n_________\n(١) قال أبو الفتح (كما قد منا) \"سر صناعة الإعراب\" ١/ ٢٦٩.\n(٢) قال أبو الفتح بعده: (فاعرف هذا، فأن أبا علي حكاه عن الشيخ أبي بكر -يريد ابن سراج - رحمهما الله-، وهو نهاية في معناه، ولولا أن الحرف إذا زيد ... إلخ) \"سر صناعة الإعراب\" ١/ ٢٧٠.\n(٣) في (ب): (ولو).\n(٤) عند أبي الفتح: (لما جاز حذفه البتة، فإنما جاز فيه الحذف والزيادة من حيث أريتك، على ما به من ضعف القياس، وإذا كان الأمر كذلك ..) \"سر صناعة الإعراب\" ١/ ٢٧٠.\n(٥) عند أبي الفتح (أننا)، ١/ ٢٧٠.\n(٦) في (ب): (فقد).\n(٧) في (ب): (للتوكيد).\n(٨) في (ب): (واعترفوه).\n(٩) عند أبي الفتح (ولا حذف) وفي الحاشية (لا) سقطت من (ب، ل، ش) \"سر صناعة الإعراب\" ١/ ٢٧٠. لعل الواحدي اعتمد على إحدى هذِه النسخ.\n(١٠) انتهى ما نقله من \"سر صناعة الإعراب\" ١/ ٢٦٩ - ٢٧٠.","vol":"2","page":241},{"text":"فإن قيل على هذا، فهل للقرآن مثل حتى يقال: ائت بمثله؟. قيل: أما في مقدور الله فنعم، وأما في مقدور البشر فلا، ولذلك (١) صح أنه معجز والذي وقع به التحدي هو هذا النظم المخصوص والقراءة المعهودة، وهي مخلوقة (٢)، وما كان منظومًا مؤلفًا، فمن الواجب أن يكون له في قدرة الله\n_________\n(١) في (ب): (وكذلك).\n(٢) هذا الكلام فيه إيهام وإشكال، حيث إن قوله: (والقراءة المعهودة، وهي مخلوقة) في احتمالان:\nأحدهما: أن يكون قوله: (والقراءة المعهودة مخلوقة) مستأنف -وهي كالجملة المعترضة- وعلى هذا الاحتمال: إن قصد بالقراءة. المقروء فهو باطل، لأن معناه القول بخلق القرآن، وإن قصد بالقراءة صوت القارئ فقوله: (وهي مخلوقة) صحيح، لكن إطلاق هذِه العبارة بدعة لم يستعملها السلف. وكان يمكن حمل كلام الواحدي على هذا، لولا قوله فيما بعد: (وما كان منظوما مؤلفا فمن الواجب أن يكون له في قدرة الله أمثال (فكأنه أراد الخلق، بينما الكلام صفة لله تعالى، والله يتكلم إذا شاء متى شاء.\nثانيهما: أن يكون قوله: (والقراءة المعهودة) معطوف على قوله: (النظم المخصوص) فيكون قوله: (وهي مخلوقة) راجع إلى النظم والقراءة، وهذا على رأي الأشاعرة الذين يقولون بقدم الكلام النفسي، أما القرآن المتلو فهو عندهم حادث مخلوق، ولذلك صرح الإيجي في (المواقف) بأنهم يوافقون المعتزلة في أنه مخلوق قال: (قالت المعتزلة: أصوات وحروف يخلقها الله في غيره كاللوح المحفوظ، أو جبريل أو النبي، وهو حادث ..) ثم قال: (ونحن لا ننكره) وقال: (فاعلم أن ما يقوله المعتزلة وهو خلق الأصوات والحروف وكونها حادثة قائمة فنحن نقول به، ولا نزل بيننا وبينهم في ذلك ...) \"المواقف\": ص ٢٩٣ - ٢٩٤. وجمهور المفسرين وفي مقدمتهم ابن جرير على أن المراد: من مثله في (البيان)، لأنه نزل بلسان عربي مبين، فكلام العرب له مثل في معنى العربية، وأما المعنى الذي باين به القرآن سائر كلام المخلوقين فلا مثل له من ذلك الوجه، ولا =","vol":"2","page":242},{"text":"أمثال، ولو لم يكن له مثل مقدور، لم يصح التحدي به، ألا ترى أن [التحدي لأن يأتوا بمثل القديم محال. لأنه لا مثل له.\nويجوز أن] (١) يكون (٢) الكناية في مثله يعود إلى قوله: ﴿عَلَى عَبْدِنَا﴾ وهو النبي ﷺ ومعناه: فأتوا بسورة من رجل أميّ، لا يحسن الخط والكتابة ولم يدرس الكتب (٣).\nوقوله تعالى: ﴿وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ﴾. (الشهداء): جمع شهيد والشهيد يجوز أن يكون بمعنى: مشاهد كالجليس والشريب (٤) والأكيل والشريك، ويجوز أن يكون بمعنى: شاهد كالعليم (٥) والعالم، والقدير القادر، ويجوز أن يكون بمعنى: مشهود فعيل بمعنى مفعول، والشهود: الحضور، ومنه قوله تعالى ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] أي حضر، والمشاهد للشيء: الحاضر عنده، وسمي الشاهد شاهدًا: لأنه يخبر عما شاهد (٦)\n_________\n= نظير ولا شبيه. انظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ١٦٥، \"تفسير ابن عطية\" ١/ ٢٠١ - ٢٠٢، والنسفي في \"تفسيره\" ١/ ٢٨، والبيضاوي في \"تفسيره\" ١/ ١٥، والخازن \"تفسيره\"١/ ٨٩ ضمن مجموعة من التفاسير.\n(١) مابين المعقوفين ساقط من (ب).\n(٢) في (ب): (تكون).\n(٣) سبق ذكر هذا القول انظر الهامش: ٢/ ٢٤١. والقول الأول هو قول جمهور المفسرين. انظر \"الطبري\" ١/ ١٦٥. وابن كثير في \"تفسيره\" ١/ ٦٣.\n(٤) في (أ) و(ج): (السريب)، وفي \"الوسيط\" للواحدي (الشريب) ١/ ٥٩.\n(٥) في (ب): (كالعلم).\n(٦) انظر. \"تفسير الطبري\" ١/ ١٦٧. \"تهذيب اللغة\" (شهد) ٢/ ١٩٤٢. \"معجم مقاييس اللغة\" (شهد) ٣/ ٢٢١. \"اشتقاق أسماء الله\" للزجاجي: ص ١٣٢. \"مفردات الراغب\" ص ٢٦٨. \"اللسان\" (شهد) ٤/ ٢٣٤٨.","vol":"2","page":243},{"text":"وسيأتي بيان معنى: الشهيد الذي قتل في سبيل الله، والشهادة على الشيء فيما بعد (١).\nفأما التفسير، فقال ابن عباس: (شهداءكم) يعني: أعوانكم وأنصاركم الذين يظاهرونكم على تكذيبكم (٢). فعل هذا القول (الشهيد) بمعنى: المشاهد (٣)، وسمى أعوانهم شهداء، لأنهم يشاهدونهم عند المعاونة (٤)، وهذا القول اختيار أبي إسحاق (٥)، لأنه قال في تفسيره: ادعوا من رجوتم معونته (٦). و(الدعاء) على هذا القول بمعنى: الاستعانة، والعرب كثيرًا ما تستعمل (الدعاء) في معنى الاستعانة، وذلك أن الإنسان إذا إستعان بغيره دعاه (٧)، فلما كان في الاستعانة يحتاج إلى الدعاء، سمى الاستعانة دعاء (٨).\nمن ذلك قول الشاعر:\n_________\n(١) ذكر معنى الشهيد عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٠]، \"البسيط\" ١/ ل ٢٠٩ من \"النسخة الأزهرية\".\n(٢) أخرجه ابن جرير بسنده عن ابن عباس في \"تفسيره\" ١/ ١٦٦. وابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٦٤. وذكره السيوطي في \"الدر\" ١/ ٧٧. وانظر \"زاد المسير\" ١/ ٥١. \"تفسير ابن عطية\" ١/ ٢٠٢ - ٢٠٣.\n(٣) في (ب): (الشاهد).\n(٤) انظر \"الطبري\" في \"تفسيره\" ١/ ١٦٦، \"تفسير ابن عطية\" ١/ ٢٠٣، (غريب القرآن) لابن قتيبة: ١/ ٢٦، \"زاد المسير\" ١/ ٥١.\n(٥) أي: الزجاج.\n(٦) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٦٦.\n(٧) في (ب): (وعاه).\n(٨) انظر: \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٥٧ أ، وأبي الليث في \"تفسيره\" ١/ ١٠٢. \"القرطبي\" في \"تفسيره\" ١/ ٢٠٠. \"زاد المسير\" ١/ ٥٠.","vol":"2","page":244},{"text":"دَعَوْتُ بني قَيْس إليَّ فَشَمَّرَتْ ... خَنَاذِيذُ مِنْ سَعْدٍ طِوَالُ السَّواعِدِ (١)\nأي استعنت بهم. ألا تراه يقول: فَشَمَّرَتْ.\nوقالت امرأة من طيء:\nدَعَا دَعْوَةً يَوْمَ الشَّرى يَالَ مَالِكٍ ... ومَنْ لا يُجِبْ عِنْدَ الحَفِيظَة يُكْلَمِ (٢)\nأي استعان بهم فلم ينصروه.\nوقال الفراء: يريد (آلهتهم)، يقول: استغيثوا بهم، وهو كقولك للرجل: إذا لقيت العدو خاليا فادع المسلمين، معناه استغث (٣) بالمسلمين (٤).\n_________\n(١) ورد البيت في \"ديوان الحماسة\" بشرح المرزوقي، وعزاه لبعض بنى فقعس ٢/ ٤٩٨، وورد في \"البيان والتبيين\"، وقال: قال القيسي، ٢/ ١١، وفي \"الحيوان\" وقال: قول بعض القيسيين من قيس بن ثعلبة ١/ ١٣٤، ومعنى البيت: يقول استغثت بهؤلاء القوم، فهب رجال لنصرتي كأنهم فحول، و(الخناذيذ): الكرام من الخيل، استعارها للكرام من الرجال.\n(٢) ورد البيت في \"ديوان الحماسة\" بشرح المرزوقي ١/ ٢١١، \"معجم ما استعجم من البلدان\" ٣/ ٧٨٥، \"معجم البلدان\" ٣/ ٣٣٠، وكلهم نسبوه لامرأة من طيئ. قيل: هي بنت بهدل بن قرفة الطائي، أحد لصوص العرب في زمن عبد الملك بن مروان. و(الشرى): مكان وقعت فيه الوقعة المذكورة، و(الحفيظة) الخصلة التي يحفظ الإنسان عندها أي يغضب. و(يكلم): يقتل أو يغلب.\n(٣) في (أ) و(ج): (استغيث) وأثبت ما في (ب) لأنه أصوب، ومثله ورد في \"معاني القرآن\" للفراء.\n(٤) في (ب): (بالمسلمين فمعناه). وبهذا انتهى كلام الفراء. انظر: \"معاني القرآن\" ١/ ١٩.","vol":"2","page":245},{"text":"فالدعاء هاهنا بمعنى الاستغاثة (١) والاستعانة قريب من السواء، وعلى هذا (شهيد) بمعنى مشهود، وآلهتهم كانت مشهودة لهم، لأنهم كانوا يشهدونها ويحضرونها.\nوروى عن مجاهد والقرظي (٢) في قوله: ﴿وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ﴾ أي: ناسا يشهدون لكم على صدق (٣) ما قلتم وما تأتون به من معارضة للقرآن (٤). فإن قيل: كان يمكنهم أن يعارضوه بما هو دونه في الفصاحة ثم يأتوا بقوم يشهدون لهم بالباطل أنه مثل القرآن.\nقيل: إن الله سبحانه أعجز الخلق عن الإتيان بمثل القرآن، وصرفهم أيضًا عن (٥) الشهادة على ما هو باطل وفاسد بأنه مثل القرآن، ألا ترى أنه لم يوجد منهم هذا (٦)،\n_________\n(١) وممن قال الدعاء هاهنا بمعنى الاستغاثة: ابن قتيبة في \"غريب القرآن\": ص ٢٦، وانظر: \"الطبري\" في \"تفسيره\" ١/ ١٦٧، \"زاد المسير\" ١/ ٤٩.\n(٢) هو محمد بن كعب القرظي، تابعي، ولد في حياة النبي ﷺ كان عالما بالتفسير، سقط عليه سقف المسجد فمات سنة مائة وثمان، وقيل: سنة سبع عشرة، وقيل: سنة عشرين ومائة. انظر \"تهذيب التهذيب\" ٣/ ٦٨٤، \"غاية النهاية في طبقات القراء\" ٢/ ٢٣٣.\n(٣) (صدق) ساقط من (ج).\n(٤) ذكره الثعلبي في (تفسيره) ١/ ٥٧ أ، والرواية عن مجاهد أخرجها \"الطبري\" من عدة طرق ١/ ١٦٧، وابن أبي حاتم ١/ ٦٤، وذكرها ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ١/ ٥١، وابن كثير ١/ ٦٣.\n(٥) في (ب): (على).\n(٦) عبارة الواحدي فيها إيهام حيث قال: (أعجز الخلق عن الإتيان بمثل القرآن ...) ثم عطف عليه وقال: (وصرفهم -أيضًا- عن الشهادة على ما هو باطل)، فقوله (أعجز) إن كان بمعنى: (تحدي) فصحيح، وإن كان بمعنى (منع) فباطل، إذ حقيقة =","vol":"2","page":246},{"text":"ولو أمكنهم ذلك (١) لفعلوا، ولا ترى للقرآن معارضة بوجه سواء كان فصيحًا أو ركيكًا، إلا شهد المخالف والموافق (٢) بركاكته. وعلى هذا القول (٣) (شهيد) بمعنى: شاهد.\nوقوله تعالى: ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. (دون) يرد في الكلام على معان كثيرة (٤)، يكون بمعنى: (قبل) كقولك: دون النهر قتال. ودون قتل الأسد أهوال، وقمت دون فلان، إذا نضحت عنه (٥)، ومنه قول\n_________\n= ذلك القول بالصرفة، وهو قول النظام من المعتزلة حيث قال: إن الله صرف العرب عن معارضته وسلب عقولهم، وكان مقدورا لهم، ولكن عاقهم أمر خارجي، وهذا القول مردود عند جماهير العلماء، انظر: \"البرهان\" ٢/ ٩٣ - ٩٤، \"البرهان الكاشف عن إعجاز القرآن\": ص ٥٣.\n(١) (ذلك) ساقط من (ج).\n(٢) (الموافق) ساقط من (ب).\n(٣) أي قول المجاهد: ادعوا ناسا يشهدون لكم. وقد ضعف ابن جرير هذا القول، وقال. لا وجه له، وقال: إن القوم كانوا على عهد رسول الله ﷺ ثلاثة أصناف، أهل إيمان صحيح، وأهل كفر صحيح، وأهل نفاق، فأهل الإيمان من المحال أن يدعي الكفار أنهم لهم شهداء، فمن أي الفريقين يكون شهداؤهم؟ انظر. \"تفسير الطبري\" ١/ ١٦٧.\n(٤) ذكر هذِه (المعاني) مفصلة الأزهري حيث قال: لـ (دون) تسعة معان، ثم أخذ في شرحها كما نقل المؤلف هنا، انظر: \"التهذيب\" ٢/ ١٢٤٩، وانظر: \"البرهان\" ٤/ ٢٧٥، \"الإتقان\" ٢/ ٢٣٥، \"اللسان\" (دون) ٣/ ١٤٦٠. قال السمين الحلبيّ: (دون) من ظروف الأمكنة، ولا تتصرف على المشهور إلا بالجر بـ (من)، وزعم الأخفش أنها متصرفة .. وهو من الأسماء اللازمة للإضافة ... وأما (دون) التي بمعنى رديء فتلك صفة كسائر الصفات .. وليست مما نحن فيه. \"الدر المصون\" ١/ ٢٠٢.\n(٥) \"تهذيب اللغة\" (دون) ٢/ ١٢٤٩.","vol":"2","page":247},{"text":"الحارثي (١):\n......... وأنَّى تَخَلَّصَتْ ... إليَّ وبابُ السَّجْنِ دُونِيَ مُغْلَقُ (٢)\nومنه قوله ﵊: \"المقتول دون ماله شهيد\" (٣).\nويكون (دون) بمعنى: (وراء)، كقولك: (هو أمير على ما دون جَيْحُون) (٤)، أي على ما وراءه (٥). ويكون بمعنى: (تحت)، يقال: هو\n_________\n(١) في (ج): (الحاوي). والحارثي هو جعفر بن علبة، بضم العين، ينتهي نسبه إلى كعب ابن الحارث، شاعر غزل مقل، عاش في الدولة الأموية وأدرك العباسية. انظر: \"الخزانة\" ١٠/ ٣١٠.\n(٢) البيت من قصيدة لجعفر بن علبة وصدره:\nعَجِبْتُ لمسْرَاها وأنَّى تَخَلَّصَتْ\nيقول: عجبت من سير هذا الخيال إلي مع أن باب السجن موثق بيني وبينها. أورد القصيدة أبو تمام في \"ديوان الحماسة\" ١/ ٥١ - ٥٢، بشرح المرزوقي، والبغدادي في \"الخزانة\" ١٠/ ٣٠٧.\n(٣) أخرجه البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمرو \"من قتل دون ماله فهو شهيد\" البخاري في كتاب المظالم، باب من قتل دون ماله، حديث رقم (٢٤٨٠). ومسلم (١٤١) كتاب الإيمان، باب: هدر دم من قصد أخذ مال غيره بغير حق. وأخرجه أحمد في \"مسنده\" ٢/ ٢٢١ - ٢٢٣. مع بعض الاختلاف في لفظه، وأبو داود عن سعيد بن زيد بنحو لفظ البخاري ومسلم، (٤٧٧٢) كتاب السنة، باب قتال اللصوص، والترمذي عن سعيد بن زيد وعبد الله بن عمرو (١٤١٩) (أبواب الديات)، باب ما جاء فيمن قتل دون ماله فهو شهيد، والنسائي عن عبد الله بن عمرو في كتاب تحريم الدم، باب من قتل دون ماله ٧/ ١١٤، وابن ماجه عن سعيد بن زيد وعن عبد الله بن عمرو، وأبي هريرة بلفظ آخر، في (٢٥٨٠) كتاب الحدود، باب من قتل دون ماله فهو شهيد).\n(٤) (جيحون) نهر عظيم في خراسان. انظر: \"معجم البلدان\" ٢/ ١٩٦.\n(٥) \"التهذيب\" ٢/ ١٢٤٩، \"اللسان\" ٣/ ١٤٦٠.","vol":"2","page":248},{"text":"دونه، أي تحته (١). ويكون بمعنى: (غير)، يقال: هذا دون ما ذكرت، أي غيره، قال الله تعالى ﴿وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ﴾ [الأنبياء: ٨٢] يريد غير الغوص من البناء وغيره، والذي في هذه الآية بمعنى: غير (٢).\nويكون (دون) بمعنى: (خذ) وهو بمعنى الإغراء، يقال: دونك زيدا، أي خذه (٣)، قال الشاعر:\nيَا أيَّها المَائِحُ دَلْوِي دُوَنكَا (٤)\nويكون بمعنى: (الوعيد)، كقولك: دونك فتمرس بي (٥).\nقال الشاعر:\nفَدُوَنُكما فَمَا قَيْسٌ بِشَحْمٍ ... لمُخْتَلِس وَلاَ فقعٍ بِقَاع (٦)\nويكون (دون) بمعنى: (القريب)، يقال: اُدن دونك، أي اقترب (٧)، قال زهير بن جناب (٨):\n_________\n(١) \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٢٤٩. \"اللسان\" ٣/ ١٤٦٠.\n(٢) في \"تهذيب اللغة\": عن الفراء: (.... ودون ذلك الغوص يريد سوى الغوص، من البناء ..)، (التهذيب) ٢/ ١٢٤٩، انظر \"اللسان\" ٣/ ١٤٦٠.\n(٣) \"تهذيب اللغة\" تكون بمعنى الأمر دونك الدرهم أن خذه وفي الإغراء دونك زيدًا أي الزم زيدًا في حفظه.\n(٤) سبق البيت وتخريجه: الفاتحة: ٢، والشاهد فيه هنا: أنه استعمل (دون) بمعنى خذ، أي خذ دلوي، انظر: \"مغني اللبيب\" ٢/ ٦١٨،٦٠٩، \"الخزانة\" ٦/ ٢٠٠.\n(٥) في \"التهذيب\": (الوعيد كقولك: دونك صراعي، ودونك فتمرس بي)، ٢/ ١٢٤٩، \"اللسان\" دون ٣/ ١٤٦٠.\n(٦) لم أعثر عليه، ولم أعرف قائله.\n(٧) ذكره الأزهري عن شمر عن أبن الأعرابي، \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٢٤٩، وانظر \"اللسان\" ٣/ ١٤٦٠.\n(٨) في (ب): (حباب)، وفي \"تهذيب اللغة\" (خباب) ٢/ ١٢٤٩، ومثله في \"اللسان\" =","vol":"2","page":249},{"text":"وَإِنْ عِفْتَ هذا فَادْنُ دُوَنكَ إنَّني ... قَلِيلُ الغِرَارِ والشَّرِيجُ شِعَارِي (١)\n(الشريج) القوس، وقول الأعشى:\nيَزِيدُ يَغُضُّ الطَّرْفَ دُونِي ... (٢)\nقال أبو الهيثم: أي: فيما بيني وبينه من المكان، يقال: اُدن دونك، أي: اقترب مني فيما بيني وبينك (٣).\nويكون (دون) بمعنى: (الخسيس) من قولهم: رجل دون، أي خسيس، ولم يصرّف فعله (٤).\nويكون بمعنى: (أقل من ذا) (٥)، كقولك: يكفيني (٦) دون هذا.\nفأما قوله في هذه الآية: ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي غير الله (٧)، كما يقال: ما دون الله مخلوق، يريد: وادعوا من اتخذتموه معاونين من غير الله على\n_________\n= ٣/ ١٤٦٠. وهو زهير بن جناب الكلبي شاعر جاهلي قديم، من المعمرين، انظر ترجمته في: \"الشعراء والشعراء\" ١٧/ ٢٤٠. \"طبقات الشعراء\" للجمحي: ص ٣٧.\n(١) ورد البيت في \"تهذيب اللغة\" (دون) ٢/ ١٢٤٩، \"اللسان\" (دون) ٣/ ١٤٦٠، وقوله: (الغرار): النوم، و(الشريج): القوس.\n(٢) البيت من قصيدة للأعشى يهجو يزيد بن مسهر الشيباني، والبيت:\nيزيد يغض الطرف دوني كأنما ... زوى بين عينيه عليّ المحاجم\nانظر. \"ديوانه\": ص ١٧٨، \"تهذيب اللغة\" (دون) ٢/ ١٢٤٩، \"اللسان\" (دون) ٣/ ١٤٦٠.\n(٣) \"تهذيب اللغة\" (دون) ٢/ ١٢٤٩، \"اللسان\" ٣/ ١٤٦٠.\n(٤) ذكر الأزهري نحوه عن الفراء وعن الأصمعي، \"تهذيب اللغة\" (دون) ٢/ ١٢٤٩، وانظر: \"اللسان\" ٣/ ١٤٦٠.\n(٥) ذكره الأزهري عن سلمة عن الفراء، \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٢٤٩، \"اللسان\" ٣/ ١٤٦٠.\n(٦) في (ب): (يلقني).\n(٧) انظر: \"الطبري\" ١/ ١٦٧، \"القرطبي\" ١/ ٢٠٠، \"الدر المصون\" ١/ ٢٠١.","vol":"2","page":250},{"text":"تفسير ابن عباس (١).\nوعلى قول الفراء (٢) يقول: ادعوا من اتخذتم إلها من دونه.\nوعلى (٣) قول القرظي ومجاهد، يقول: ادعوا من يشهد لكم دون الله، فإن الله تعالى لا يشهد (٤) لكم بالصدق، كما يشهد لمحمد، فاطلبوا غيره شهداء إن كنتم صادقين في أن هذا الكتاب يقوله محمد من نفسه، وأنه ليس من عند الله، وفي قولكم: لو أردنا لأتينا بمثله (٥).\nوقال أبو علي الجرجاني (٦): نظم الآية: فأتوا بسورة من مثله من دون الله وادعوا شهداءكم، أي من مثل القرآن من غير الله، يريد أن محمدا يأتي بالقرآن من عند الله، فأتوا أنتم إن استطعتم بمثل القرآن من غير الله. قال. ومثل هذا قوله: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (٧) [هود: ١٣]، ونظمه: فأتوا بعشر سور مثله مفتريات من دون الله، وادعوا من استطعتم من الناس، معنى (ادعوا): استعينوا.\n_________\n(١) وهو أن المراد بـ (شهدائكم) أنصاركم وأعوانكم الذين يظاهرونكم على تكذيبكم كما سبق: ٢/ ٢٤٧.\n(٢) قول الفراء: (شهدائكم) آلهتكم سبق في ٢/ ٢٤٨، وانظر: \"معاني القرآن\" ١/ ١٩، \"الدر المصون\" ١/ ٢٠١.\n(٣) الواو ساقطة من (أ) و(ج)، وانظر قول القرظي ومجاهد: ٢/ ٢٤٩.\n(٤) في (ج): (لا شهد).\n(٥) انظر: \"تفسير الثعلبي\"١/ ٥٧ أ، و\"تفسير الطبري\" ١/ ١٦٧، \"الدر المصون\" ١/ ٢٠١.\n(٦) هو أبو علي الجرجاني صاحب \"نظم القرآن\"، وكتابه مفقود.\n(٧) قوله: ﴿وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ﴾ ساقط من (ب).","vol":"2","page":251},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-247>٢٤ </span>- قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾ الآية.\n(لم) حرف يجزم الفعل المضارع، ويقع بعدها بمعنى الماضي، كما يقع الماضي بعد حرف (١) الجزاء بمعنى الاستقبال، ولهذه المشابهة بينها وبين حروف الجزاء اختير الجزم بـ (لم) (٢) وإنما جزمت حروف الشرط والجزاء، لأنها تقتضي جملتين كقولك: (إن تضرب أضرب) فلطول ما يقتضيه الشرط والجزاء (٣) اختير الجزم، لأنه حذف وتخفيف.\nوأما (لن) (٤) فهي حرف قائم بنفسه، وضع لنفس الفعل المستقبل، ونصبه للفعل كنصب (أن). وليس ما بعد (لن) بصلة لها (٥)، لأن (لن يفعل) (٦) نفى سيفعل، وتُعْمِل ما بعدها فيما (٧) قبلها، كقولك: (زيدا لن أضرب) (٨).\n_________\n(١) في (ج): (حروف).\n(٢) ذهب الزجاج إلى أنها جزمت الفعل بعدها، لأنها نقلته من المستقبل إلى الماضي، ولأن ما بعدها خرج من تأويل الاسم. انظر \"معاني القرآن\" ١/ ٦٦ - ٦٧، ونحوه قال الليث فيما نقل عنه الأزهري في \"تهذيب اللغة\" (لم) ٤/ ٣٢٩٤، وكذا الرماني في \"معاني الحروف\": ص ١٠٠. وقد رد أبو علي الفارسي قول الزجاج وأطال في بيان عدم صحته. انظر. \"الإغفال\". ص ٩٥ - ١٠١.\n(٣) (الجزاء) ساقط (ب).\n(٤) في (ب): (لم).\n(٥) فلا تؤول معه بمصدر كما تؤول (أن) وما بعدها بمصدر.\n(٦) (لن) ساقطة من (ب).\n(٧) في (ب): (فما).\n(٨) ذكره الزجاج في \"معاني القرآن\" ١/ ١٣٤ - ١٣٥، وانظر: \"تهذيب اللغة\" (لن) ٤/ ٣٣٠٣، \"معاني الحروف\" للرماني: ص ١٠٠، \"البحر المحيط\" ١/ ١٠٢، \"الدر المصون\" ١/ ٢٠٣.","vol":"2","page":252},{"text":"وروى سيبويه عن بعض أصحاب الخليل عنه أنه (١) قال: الأصل في (لن) (٢)، (لا أن) ولكنها حذفت تخفيفا (٣).\nوزعم سيبويه أن هذا ليس بجيد، ولو كان كذلك لم يجز (زيدا لن أضرب) لأن ما بعد (أن) لا يعمل فيما قبلها، لأن ذلك يؤدي إلى تقديم الصلة على الموصول (٤).\nوللخليل أن ينفصل من هذا بأن يقول: الحروف إذا ركبت خرجت عما كانت عليه، ألا ترى أن (هل) أصلها الاستفهام، ولا يجوز أن يعمل ما بعدها فيما قبلها، لو قلت (٥): (زيدا هل ضربت) لم يجز، فإذا زِيدَ (٦) على (هل) (لا)، ودخلها (٧) معنى التحضيض، جاز أن يتقدم ما بعدها عليها، كقولك: (زيدا هلا ضربت) (٨) إلا أن قول الخليل ضعيف في الجملة من\n_________\n(١) كذا قال الزجاج في \"معاني القرآن\" ١/ ١٣٤، وفي \"الكتاب\" (أما الخليل فزعم أنها (لا أن (..)، ٣/ ٥، وانظر: \"المسائل الحلبيات\": ص ٤٥، \"معاني الحروف\" للرماني: ص ١٠٠، \"تهذيب اللغة\" (لن) ٤/ ٣٣٠٣.\n(٢) في (ب): (أن).\n(٣) حذفت الهمزة استخفافا، ثم حذفت الألف من (لا) لالتقاء الساكنين فصارت الكلمة على حرفين، \"المسائل الحلبيات\": ص ٤٥.\n(٤) انظر رد سيبويه على الخليل في \"الكتاب\" ٣/ ٥، وانظر \"معاني القرآن\" الزجاج ١/ ١٣٤ - ١٣٥، \"المسائل الحلبيات\": ص ٤٥، \"معاني الحروف\" للرماني: ص١٠٠، والرأي المشهور فيها كما عند سيبويه وغيره أنها حرف بسيط ثنائي غير مركب، انظر: \"البحر\" ١/ ١٠٢، \"الدر المصون\" ١/ ٢٠٤.\n(٥) (قلت) ساقطة من (ب).\n(٦) (فإذا زيد) ساقط من (ب).\n(٧) في (ب): (ولا دخلها).\n(٨) ذكر هذا الدفاع عن قول الخليل الرماني في \"معاني الحروف\": ص ١٠٠، ونحوه قال أبو علي في \"المسائل الحلبيات\": ص ٤٦.","vol":"2","page":253},{"text":"وجه آخر، وهو أن اللفظ متى جاء على صيغة (١) ما، وأمكن استعمال معناه لم يجز أن يعدل عن ظاهره (٢) إلى غيره من غير ضرورة تدعو إلى ذلك، فلما وجدنا (لن) (٣) معناها مفهوم بنفس لفظها، لم يجز أن يدعى أن (٤) أصلها شيء آخر من غير حجة قاطعة، ولا ضرورة (٥). ومعنى الآية: فإن لم تفعلوا فيما مضى، ولن تفعلوا فيما يستقبل أبدا (٦).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾ كلام (٧) معترض بين الشرط والجواب (٨). وقد يقع الاعتراض بين الشرط والجواب كهذا، وبين المبتدأ والخبر كقولك: (زيد فافهم ما أقول رجل صدق) وبين اسم (إن) وخبرها، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ﴾ الآية [الكهف: ٣٠]. فقوله: (إنا لا نضيع) اعتراض، والخبر: (أولئك).\nوقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا النَّارَ﴾. أي: فاحذروا أن تصلوا النار بتكذيبكم، وإنما قيل لهم هذا بعد أن ثبتت الحجة عليهم في التوحيد\n_________\n(١) في (ب): (صفة).\n(٢) في (ب): (ظاهر).\n(٣) في (ب): (إن).\n(٤) (أن) ساقطة من (ج).\n(٥) فتكون (لن) حرف نفي بسيط ثنائي غير مركب، ولا يعدل بها عن هذا الأصل إلا بدليل، انظر: \"البحر\" ١/ ١٠٢.\n(٦) ذكره الثعلبي ١/ ٥٧ب، وانظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ١٦٧، \"تفسير أبي الليث\" ١/ ١٠٣، \"تفسير ابن عطية\" ١/ ٢٠٣، \"زاد المسير\" ١/ ٥١، \"تفسير القرطبي\" ١/ ٢٠١.\n(٧) في (ب): (الكلام).\n(٨) انظر: \"الكشاف\" ١/ ٢٤٧، \"البحر\" ١/ ١٠٧، \"الدر المصون\" ١/ ٢٠٣.","vol":"2","page":254},{"text":"وصدق محمد ﷺ (١).\nو(الفاء) في قوله: ﴿فَإِنْ لَمْ﴾ للعطف، وفي قوله: ﴿فَاَتَّقُواْ﴾ للإتباع دون العطف (٢).\nوإنما (٣) اختاروا (الفاء) من قبل أن الجزاء سبيله أن يقع ثاني الشرط، وليس في جميع حروف العطف حرف يوجد هذا المعنى فيه سوى (الفاء). فدخلت (الفاء) في جواب الشرط توصلا إلى المجازاة بالجملة المركبة من المبتدأ والخبر، والكلام (٤) الذي يجوز أن يبتدأ به نحو: الأمر والنهي (٥)، فالجملة (٦) نحو قولك: (إن تحسن إليّ فالله يكافئك) لولا\n_________\n(١) انظر: \"الطبري\" ١/ ١٦٨.\n(٢) ذكر أبو الفتح بن جني أن الفاء إذا وقعت في أوائل الكلم، وهي ليست من أصل الكلمة، فإنها على ثلاثة أضرب: ضرب تكون للعطف والإتباع جميعًا، وضرب تكون فيه للإتباع مجردا من العطف، وضرب تكون فيه زائدة، انظر \"سر صناعة الإعراب\" ٢/ ٢٥١. وتكون للإتباع دون العطف إذا وقعت في جواب الشرط، كما في قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا﴾، انظر: \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ١٤٩، \"الدر المصون\" ١/ ٢٠٣.\n(٣) الكلام عن الفاء إذا وقعت في جواب الشرط، نقله الواحدي عن كتاب \"سر صناعة الإعراب\" لأبي الفتح بن جني، قال أبو الفتح: (... وإنما اختاروا الفاء هنا من قبل أن الجزاء سبيله أن يقع ثاني الشرط ... فإن قيل: وما كانت الحاجة إلى الفاء في جواب الشرط؟ فالجواب: أنه إنما دخلت الفاء في جواب الشرط توصلا إلى (المجازاة ..)، \"سر صناعة الإعراب\" ١/ ٢٥٢.\n(٤) في \"سر صناعة الإعراب\": (.. أو الكلام ..) وفي هامشه في (ل) و(ش): (والكلام) ١/ ٢٥٣.\n(٥) قوله: (نحو: الأمر والنهي)، ليست عند أبي الفتح ١/ ٢٥٣.\n(٦) في (ب): الجملة.","vol":"2","page":255},{"text":"(الفاء) لم يرتبط أول الكلام بآخره (١).\nومن ذلك قولك (٢): (إن يقم فاضربه) فالجملة التي هي: (اضربه) جملة أمرية، وكذلك: (إن (٣) يقعد فلا تضربه) جملة (٤) نهيية، وكل واحدة (٥) من الجملتين يجوز أن يبتدأ بهما (٦)، فلما كان الابتداء بها يصح وقوعه في الكلام، احتاجوا إلى (الفاء) ليدلوا على أن مثالي الأمر والنهي ليسا على ما يعتد (٧) في الكلام (٨) من وجودهما مبتدأين غير معقودين بما قبلهما (٩).\nوقوله تعالى: ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ﴾. قال ابن السكيت: (الوقود) بالضم، المصدر يقال: وَقَدت النار، تَقِدُ (١٠) وُقُودًا (١١). ويقال: ما أجود هذا الوَقُود للحطب (١٢).\n_________\n(١) اختصار كلام أبي الفتح، انظر \"سر صناعة الإعراب\" ١/ ٢٥٣.\n(٢) (قولك) ساقط من (ب).\n(٣) في (ب): (إن تفعل).\n(٤) عند أبي الفتح (فقولك لا تضربه جملة نهيية) ١/ ٢٥٣.\n(٥) في (ب): (واحد).\n(٦) في (ب): (بها) ومثله عند أبي الفتح ١/ ٢٥٣.\n(٧) عند أبي الفتح: (يعهد).\n(٨) في (ب): (ليسا على ما بعد بما قبلهما في الكلام).\n(٩) انتهى نقل الواحدي من أبي الفتح من كتاب \"سر صناعة الإعراب\" ١/ ٢٥٢ - ٢٥٣.\n(١٠) في (ج): (يقد) وفي (أ) غير منقوط. وأثبت ما في (ب).\n(١١) في (ب): (وقود).\n(١٢) في (ب): (الحطب). \"إصلاح المنطق\": ص ٣٣٢، والنص من \"تهذيب اللغة\" (وقد) ٤/ ٣٩٢٩.","vol":"2","page":256},{"text":"وقال غيره (١): وَقَدَت النار، تَقد وَقُودًا (٢) وَوُقُودًا، وكأن الوقود اسم وضع موضع المصدر. [فالضم: المصدر] (٣)، والفتح (٤): الاسم، ويجوز أن يكون مصدرًا (٥).\nو(الحجارة) جمع حجر، وليس بقياس، ولكنهم قالوه كما قالوا: جمل وجِمَالة، وذكر وذِكَارة، والقياس أحجار (٦). وجاء في التفسير أن (٧) الحجارة هاهنا: حجارة الكبريت، عن ابن عباس وغيره (٨).\n_________\n(١) في (التهذيب) (ويقال: وقدت ..)، \"التهذيب\" ٤/ ٣٩٢٩.\n(٢) من قوله: (ويقال: ما أجود هذا الوقود ... إلى قوله: تقد وقودا) مكرر في (أ) و(ج).\n(٣) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).\n(٤) في (ب) (وانفتح).\n(٥) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج: ص ٦٧، \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٩٢٩، و\"الطبري\" ١/ ١٦٩، والثعلبي ١/ ٥٧ ب.\n(٦) ذكر الأزهري نحوه عن الليث. \"تهذيب اللغة\" (حجر) ١/ ٧٤٦، \"اللسان\" (حجر) ٢/ ٧٨١.\n(٧) (أن) ساقط من (ب).\n(٨) أخرجه \"الطبري\" بسنده عن ابن مسعود وابن عباس وابن جريج ١/ ١٦٨ - ١٦٩، وذكره ابن أبي حاتم عن مجاهد والسدي وعمرو بن دينار، ١/ ٦٤/ ٦٥، وانظر \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٢٠، \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٦٧، \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٥٧ ب. ذكر الثعلبي في الحجارة قولا آخر، وهو أن المراد بها: الأصنام، ودليله قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٨]، وذكره بعض المفسرين، انظر \"الكشاف\" ١/ ٢٥٢، \"القرطبي\" ١/ ٢٥٢، \"الدر\" ١/ ٧٨. قال الزمخشري رادًا على من قال: إنها حجارة الكبريت: (وهو تخصيص بغير دليل، وذهاب عما هو المعنى =","vol":"2","page":257},{"text":"فهي (١) أشد لاتقاد النار.\nوقيل: ذكر الحجارة دليل على عظم تلك النار، لأنها لا تأكل الحجارة إلا كانت فظيعة (٢).\nوقوله: ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ﴾ لا يدل (٣) على أنها غير مخلوقة بأن الناس لم (٤) يدخلوها بعد، لأنها متقدة (٥) بغير الناس، فإذا دخلها الناس صاروا وقودها، وفي قوله: ﴿أُعِدَّتْ﴾ أوضح دلالة على وجودها، لأن المعدوم لا يسمى مُعَدَّا (٦).\nوإنما قال: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ وإن (٧) كان العصاة من المسلمين\n_________\n= الصحيح الواقع المشهود له بمعاني التنزيل ...) \"الكشاف\" ١/ ٢٥٢، وإليه مال الشنقيطي في \"أضواء البيان\"١/ ١١٧. أما ابن كثير فمال للقول الأول، وقال في معرض رده على الرازي: (وهذا الذي قاله ليس بقوي، وذلك أن النار إذا أضرمت بحجارة الكبريت كان ذلك أشد لحرها وأقوى لسعيرها، ولاسيما على ما ذكره السلف من أنها حجارة من كبريت معدة لذلك ..) \"تفسير ابن كثير\" ١/ ٦٤.\n(١) في (ب) و(ج): (وهي).\n(٢) انظر: \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٥٧ ب، \"الكشاف\" ١/ ٢٥٢، والرازي ١/ ١٢٢.\n(٣) في (ج): (لا تدل).\n(٤) في (ج): (لا).\n(٥) في (أ) و(ج) (متقد)، وأثبت ما في (ب)، لأنه أنسب للسياق.\n(٦) ذكره الثعلبي ١/ ٥٧ ب، وهذا منهج أهل السنة وهو: أن الجنة والنار مخلوقتان موجودتان الآن، وذهب بعض المبتدعة من المعتزلة والجهمية إلى أنهما لم تخلقا بعد، وأنهما ستخلقان، انظر. \"تفسير ابن عطية\" ١/ ٢٠٤ - ٢٠٥. \"لقرطبي\" ١/ ٢٠٣. وابن كثير ١/ ٦٦. والبيضاوي ١/ ١٦. \"البحر\" ١/ ١٠٨.\n(٧) في (ب): (فإن).","vol":"2","page":258},{"text":"يدخلونها، لأن الكافرين يخلدون فيها دون المؤمنين، وكأن النار ليست للمؤمنين لقلة كونهم فيها إذا قيس بالخلود (١). وإنما لم يقل: (أعدت لكم) وإن كان المخاطبون كفارا، لأنه علم أن فيهم من يؤمن.\nولما ذكر جزاء الكافرين لتكذيبهم (٢) ذكر جزاء المؤمنين لتصديقهم فقال عز من قائل:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-248>٢٥ </span>- ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ الآية. و(التبشير) إيراد الخبر السارّ الذي يظهر (٣) السرور في بشرة المخبر، ثم كثر استعماله حتى صار بمنزلة الإخبار، واستعمل في نقيضه كقوله: ﴿فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (٤) إلا أنه (٥) فيما يسرّ أكثر (٦)، ونظيره قول الشاعر:\nبَكَرَتْ تَلُومُكَ بَعْدَ وَهْنِ في النَّدى ... بَسْلٌ عَلَيْكِ مَلاَمَتِي وِعِتَابِي (٧)\n_________\n(١) انظر. \"تفسير ابن عطية\" ١/ ٢٠٤ - ٢٠٥. \"القرطبي\" ١/ ٢٠٣. \"البحر\" ١/ ١٠٩.\n(٢) قوله: (ذكر جزاء الكافرين لتكذيبهم) مكرر في (أ).\n(٣) في (ب) (يظهر أثر السرور).\n(٤) طرف من آية في آل عمران: ٢١، والتوبة: ٣٤، والانشقاق: ٢٤.\n(٥) (إلا أنه) ساقط من (ب).\n(٦) انظر \"تفسير الطبري\" ١/ ١٦٩، \"الزاهر\" ٢/ ١٣٥، \"تهذيب اللغة\" (بشر) ١/ ٣٣٨، \"تفسير ابن عطية\" ١/ ٢٠٦، \"زاد المسير\" ١/ ٥٢، \"القرطبي\" ١/ ٢٠٤، \"مفردات الراغب\": ص ٤٧ - ٤٨.\n(٧) البيت لضَمْرة بن ضَمْرة مع أبيات أخرى قالها يخاطب امرأته لما لامته على البذل، بكرت: عجلت، بعد وهن: بعد النوم، الندى: السخاء، بسل عليك: حرام عليك. ورد البيت في \"النوادر\" لأبي زيد: ص ١٤٣، \"أمالي القالي\" ٢/ ٢٧٩، \"الزاهر\" =","vol":"2","page":259},{"text":"بكر: أصله من البكور بالصباح، ثم كثر حتى قيل لكل من عجل (بكر) فكذلك صح أن يقول: بعد وهن. وقال قوم: أصله فيما يسر ويغم سواء، إذا (١) كان قد (٢) يظهر في بشرة الوجه أثر الغم كما يظهر أثر السرور (٣).\nوقوله تعالى: ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ أي: الفعلات أو الأعمال، فالموصوف بها محذوف. قال ابن عباس: عملوا الطاعات فيما بينهم وبين ربهم (٤).\nوقوله تعالى: ﴿أنَّ لَهُمْ﴾ موضع (أن) نصب، معناه: بشرهم بأن لهم فلما سقطت (الباء) وصل الفعل إلى (أن) فنصب (٥).\n_________\n= ١/ ٤٥٢، \"أضداد ابن الأنباري\": ص ٦٣، \"أضداد السجستاني\": ص١٠٤، والشاهد فيه هنا: (بكر) أصله من البكور بالصباح ثم استعمل في كل من عجل، كذلك (البشارة)، توسع فيه واستعمل في نقيض الخبر السار.\n(١) (إذا) كذا ورد في جميع النسخ، ولعل الأولى (إذ).\n(٢) (قد) ساقطة من (ب).\n(٣) انظر \"الزاهر\" ٢/ ١٣٥. وقال ابن فارس: وربما حمل عليه غيره من الشر، وأظن ذلك جنسا من التبكيت، فأما إذا أطلق الكلام إطلاقا فالبشارة بالخير والنذارة بغيره، \"مقاييس اللغة\" (بشر) ١/ ٢٥١. وانظر \"تفسير ابن عطية\" ١/ ٢٠٦. وانظر \"الكشاف\" ١/ ٢٥٤، وقال أبو حيان: (وظاهر كلام الزمخشري أنه لا يكون إلا في الخير ... وهو محجوج بالنقل)، \"البحر\" ١/ ١٠٩.\n(٤) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" وذكر أقوالا أخرى عن عثمان وعلي ومعاذ بن جبل وسهل ابن عبد الله ١/ ٥٧ ب، ٥٨ أ، وانظر \"تفسير أبي الليث\" ١/ ١٠٣.\n(٥) ذكر الزجاج في \"معاني القرآن\"١/ ٦٨. وفيه (فنصبت) وذكر قولا آخر وهو أنه يجوز أن، تكون (أن) في موضع خفض، إن سقطت الباء. انظر \"تفسير ابن عطية\" ١/ ٢٠٧، \"القرطبي\" ١/ ٢٠٥، \"البحر\" ١/ ١١٢.","vol":"2","page":260},{"text":"وقوله تعالى: ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾. (جنات) (١) جمع جنة، وهي الحديقة ذات الشجر، سميت جنة لكثرة شجرها ونباتها (٢). يقال: جنت الرياض جنونًا، إذا اعتمّ نبتها حتى غطى الأرض (٣)، قال (٤):\nوَجْنَّ الخَازِبازِ بِه جُنُونَا (٥)\nجعل بعضهم (الخَازِبَازِ) نبتًا، وجنونه التفافه (٦). ويقال لكل ما ستر: قد جنّ وأجنّ، ومنه جنون الليل، والجَنَانُ والجَنِينُ والْجَنَنُ (٧).\nوقوله تعالى: ﴿مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ أي: من تحت أشجارها ومساكنها (٨)،\n_________\n(١) (جنات) ساقطة من (ب).\n(٢) انظر: \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٥٨ أ، \"تفسير ابن عطية\" ١/ ٢٠٧، \"القرطبي\" ١/ ٢٠٥.\n(٣) \"تهذيب اللغة\" (جن) ١/ ٦٧٣، وانظر \"الصحاح\" (جنن) ٥/ ٢٠٩٣، \"اللسان\" (جنن) ٢/ ٧٠١.\n(٤) (وقال) مكانها بياض في (أ) وساقط من (ج).\n(٥) البيت لابن أحمر وصدره:\nتَفَقَّأ فَوْقَه القَلَعُ السَّوَارِي\nويروى (تَفَقَّع) و(تكسر فوقها) وهو يصف روضة، و(القلع): السحاب، ورد البيت في \"تهذيب اللغة\" (خزب) ١/ ١٠٢٠، و(فقأ) ٣/ ٢٨١١، و(جن) ١/ ٦٧٣، (الآن) ١/ ٩٨، وفي \"الصحاح\" (جن) ٥/ ٢٠٩٣، وفي \"مجمع الأمثال\" للميداني ١/ ٤٣٨، وفي \"اللسان\" (جنن) ٢/ ٧٠٥، و(قلع) ٦/ ٣٧٢٤.\n(٦) وقال بعضهم: هو (ذباب) وجنونه كثرة ترنمه في طيرانه. انظر: \"تهذيب اللغة\" (جن) ١/ ٦٧٣، \"الصحاح\" (جنن) ٥/ ٢٠٩٣.\n(٧) (الجَنَان): روعُ القلب، و(الجنين): الولد في الرحم، و(الجنَنُ): القبر، انظر \"تهذيب اللغة\" (جن) ١/ ٦٧٣.\n(٨) انظر: \"الطبري\" ١/ ١٧٠، والثعلبي١/ ٥٨ أ، وابن عطية ١/ ٢٠٧، \"زاد المسير\" ١/ ٥٢.","vol":"2","page":261},{"text":"والنهر لا يجري (١)، وإنما يجري الماء فيه، ويستعمل الجري فيه توسعًا، لأنه موضع الجري (٢).\nوجاء في الحديث: \"أنهار الجنة تجري في غير أخدود\" (٣) وعلى هذا فالجري في النهر على ظاهره.\nوقوله تعالى: ﴿كُلَّمَا﴾. (كل) (٤): حرف جملة، ضم إلى (ما) الجزاء، فصار أداة للتكرار، وهي منصوبة على الظرف (٥). ﴿رُزِقوُاْ﴾ أي: أطعموا (٦). ﴿مِن ثَمَرَةٍ﴾ (من) صلة (٧) أي: ثمرة (٨).\n_________\n(١) في (أ)، (ب): (تجري).\n(٢) انظر: \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٥٨ أ، وابن عطية ١/ ٢٠٧ - ٢٠٨، \"القرطبي\" ١/ ٢٠٥.\n(٣) بهذا اللفظ ذكره الثعلبي قال: جاء في الحديث: \"أنهار الجنة تجري في غير أخدود\" \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٥٨ أ. وأخرجه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" موقوفًا على مسروق ولفظه. \"أنهار الجنة في غير أخدود .. \"، مصنف ابن أبي شيبة، كتاب \"الجنة\" ٧/ ٥٣ - ٥٤، وكذا أخرجه \"الطبري\" موقوفًا على مسروق ولفظه: (... وماؤها يجري في غير أخدود) ١/ ١٧٠، وذكره. \"القرطبي\" قال: (روي أن أنهار الجنة ليست في أخاديد) \"تفسير القرطبي\" ١/ ٢٠٦. وقال ابن كثير ١/ ٦٧: جاء في الحديث أن أنهارها تجري في غير أخدود. وذكره السيوطي في \"الدر\" عن مسروق، وعزاه لابن المبارك، وابن أبي شيبة، وهناد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ، والبيهقي في \"البعث\"، \"الدر\" ١/ ٨٢.\n(٤) (كل) ساقط من (ب).\n(٥) أنظر: \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ١٥١، \"إملاء ما من به الرحمن\": ص ٢٣، \"البيان في غريب إعراب القرآن\": ص ٦٢، \"الدر المصون\" ١/ ١٧٩.\n(٦) انظر: \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٥٨ أ.\n(٧) في (ب): (طلة).\n(٨) انظر: \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٥٨ أ.","vol":"2","page":262},{"text":"ويجوز أن يكون للتبعيض، لأنهم إنما يرزقون بعض ثمار الجنة (١).\nوقوله تعالى: ﴿قَالُواْ هَذَا اَلَّذِى رُزِقنَا مِن قَبل﴾. (٢) لتشابه ما يؤتون به، ولم يريدوا بقولهم: (هذا الذي رزقنا من قبل) نفس ما أكلوه، ولكن أرادوا: هذا من نوع ما رزقنا من قبل (٣)، كما يقول الرجل: فلان قد أعد لك الطبيخ والشواء، فيقول: هذا طعامي في منزلي كل يوم، يريد هذا الجنس (٤).\nو(قبل) يبنى على الضم في مثل هذا الموضع، لأنها تضمنت معنيين، أحدهما: معناها في ذاتها، وهو السبق (٥).\nوالآخر: معنى ما بعدها، لأن التأويل: هذا الذي رزقنا من قبله، فهو وإن لم يضف ففيه معنى الإضافة (٦)، فلما أدت عن معنيين قويت فحملت\n_________\n(١) المشهور أن (من) في هذا، وفي قوله: (من قبل) لابتداء الغاية، وقيل: للبيان. انظر: \"الكشاف\" ١/ ٢٦٠، \"البحر\" ١/ ١١٤، \"الدر المصون\" ١/ ٢١٥.\n(٢) (قالوا) ساقط (ب).\n(٣) ذكر ابن جرير في قوله: (هذا الذي رزقنا من قبل) قولين: أحدهما: هذا الذي رزقنا من قبل في الدنيا. ورجح هذا القول، لأن أول رزق في الجنة لم يسبقه شيء. الثاني: هذا الذي رزقنا من ثمار الجنة من قبل هذا. انظر \"تفسير الطبري\" ١/ ١٧١ - ١٧٢، وانظر \"القرطبي\" ١/ ٢٠٦، \"البحر\" ١/ ١١٤.\n(٤) ذكره \"الطبري\" في جواب سؤال أورده وهو قوله: فإن سألنا سائل، فقال: وكيف قال القوم: هذا الذي رزقنا من قبل، والذي رزقوه من قبل قد عدم بأكلهم إياه؟ وكيت يجوز أن يقول أهل الجنة قولا لا حقيقة له؟ ثم أجاب عنه بنحو ما ذكر الواحدي هنا، \"الطبري\" ١/ ١٧٢.\n(٥) بنيت على الضم لأنها غاية، انظر \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٣٢٠، والزجاج ٤/ ١٧٦، \"تهذيب اللغة\" (قبل) ٣/ ٢٨٧٥، \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٥٨ أ، \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ١٥١، \"البحر\" ١/ ١١٤.\n(٦) انظر المراجع السابقة.","vol":"2","page":263},{"text":"أثقل الحركات (١)، وكذلك قوله: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ [الروم: ٤]، تأويله: من قبل كل شيء وبعده (٢).\nوهذا مذهب الفراء (٣) والمبرد (٤)، واختيار ابن الأنباري، لأنه قال: العرب إذا وجدت الحرف مؤديًا عن معنيين ألزموه الضم، كقولهم (٥): (نحن)، ألزموه الضم (٦)، لأنه يؤدي معنى التثنية والجمع، وكذلك (قط) يؤدي عن زمانين كقوله: ما رأيته قط، معناه من أول أوقاتي (٧) إلى الساعة، وسمعت أبا الحسن (٨) الضرير النحوي -﵀- يقول: إنما بني على الضم دون غيره من الحركات، لأنه لما أعرب (٩) عند الإضافة نحو: (قبلك ومن قبلك) بالنصب والخفض لم يبق عند الإفراد والبناء إلا الضم فبني عليه (١٠)، وهذا معنى قول الزجاج، لأنه يقول: ضم (قبل) لأنها غاية كان\n_________\n(١) وهي الضمة، وقال الزجاج: وإنما بنيتا على الضم -أي قبل وبعد- لأن إعرابهما\nفي الإضافة النصب والخفض ... فلما عدلا عن بابهما حركا بغير الحركتين اللتين\nكانتا تدخلان عليهما بحق الإعراب، \"معاني القرآن\" ٤/ ١٧٦.\n(٢) انظر. \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٣١٩، والزجاج ٤/ ١٧٦، \"القرطبي\" ١/ ٢٠٦.\n(٣) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٣١٩، ٣٢٠.\n(٤) انظر: \"المقتضب\" ٣/ ١٧٤، ١٧٥.\n(٥) في (ب): (كقوله).\n(٦) انظر ما سبق عن (نحن) في قوله: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ [البقرة: ١١]: ٢/ ١٥٨ - ١٥٩.\n(٧) في (أ) و(ج): (أوتاتي).\n(٨) أحد شيوخ الواحدي في النحو، وقد تقدمت ترجمته في الكلام عن شيوخه.\n(٩) في (ب): (أعرف).\n(١٠) وهو قول الزجاج في \"معاني القرآن\" ٤/ ١٧٦، والنحاس في \"إعراب القرآن\" ١/ ١٥١.","vol":"2","page":264},{"text":"يدخلها بحق الإعراب الفتح والكسر، فلما عدلت عن بابها بنيت على ما لم يكن (١) يدخلها بحق الإعراب، وانما عدلت لأن أصلها الإضافة فجعلت مفردة تنبئ (٢) عن الإضافة (٣).\nوقوله تعالى: ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾. أي بعضها يشبه بعضًا في اللون والصورة مختلفًا في الطعم، وذلك أبلغ في باب الإعجاب وأدل على الحكمة، وهذا قول ابن عباس وابن مسعود وجماعة من الصحابة (٤).\nوقال الحسن وقتادة وابن جريج: متشابها في الفضل، خيار كله لا رذال (٥) فيه (٦).\nكما يؤتى الرجل بأثواب ليختار منها، فإذا قلبها (٧) قال: لا أدري أيها\n_________\n(١) (يكن) سقط من (ب).\n(٢) في (ب) و(ج): (تبنى).\n(٣) انظر كلام الزجاج في \"معاني القرآن\" ٤/ ١٧٦، نقله الواحدي بمعناه.\n(٤) أخرجه \"الطبري\" بسنده عن طريق السدي عن أبي مالك، وعن أبي صالح عن ابن عباس، وعن مرة عن أبن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي - ﷺ - وعن الثوري، عن ابن أبي نجيح عن مجاهد ١/ ١٧٣، وذكر ابن أبي حاتم نحوه عن أبي العالية ومجاهد والضحاك والربيع بن أنس والسدي ١/ ٦٧، وذكره الثعلبي عن ابن عباس ومجاهد والسدي ١/ ٥٨ ب، وانظر: \"الدر\" ١/ ٨٣، ابن كثير ١/ ٦٧، \"زاد المسير\" ١/ ٥٣، وأخرج ابن جرير عن مجاهد: (متشابهًا) في اللون والطعم ١/ ١٧٣.\n(٥) عند \"الطبري\" (لا رذل) ١/ ١٧٢.\n(٦) أخرجه \"الطبري\" بسنده عن الحسن وقتادة وابن جريج، ١/ ١٧٢ - ١٧٣. وابن أبي حاتم عن قتادة ١/ ٦٧، والثعلبي عن الحسن وقتادة ١/ ٥٨ ب، وانظر (الدر) ١/ ٨٣، \"زاد المسير\" ١/ ٥٣، والبغوي ١/ ٧٤.\n(٧) في (ب): (قبلها).","vol":"2","page":265},{"text":"آخذ لأن كلها حسن مختار (١)، كما قال الشاعر:\nمَنْ تَلْقَ مِنْهُمْ تقل (٢) لاقيت سيدهم ... مثل النجوم التي يسري بها الساري (٣)\nأي هم متشابهون في الفضل (٤). قال ابن الأنباري: وقول ابن عباس أدل على حكمة الله ﷿ ونفاذ قدرته، لأنا إذا وجدنا رُمَّانًا يؤدي عن (٥) طعم الكمثرى والتفاح والسفرجل كان أبدع وأغرب من أن لا يؤدي إلا عن طعمه المعروف له (٦). وقال بعض أهل المعاني: في الآية تقديم وتأخير في المعنى أي: وأتوا به متشابها قالوا: هذا الذي رزقنا من قبل (٧).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾. (الأزواج) جمع زوج وزوجة، وشكل كل شيء: زوجه (٨). وقوله تعالى: ﴿مُطَهَّرُةٌ﴾ أي: من\n_________\n(١) ذكره ابن الأنباري مع البيت في \"الأضداد\": ص ٣٨٧.\n(٢) في (ب) (تقول).\n(٣) ذكره المبرد في \"الكامل\" مع أبيات أخرى، ونسبه لعبيد بن العرندس يصف قوما نزل بهم ضيفًا، \"الكامل\" ١/ ٧٨، ٧٩. وأنشده ابن الأنباري في \"الأضداد\": ص ٣٨٧، وهو في شواهد \"الكشاف\"، ونسبه لعبيد بن الأبرص قال: وقيل: العرندس: ص ٥٧، والصحيح: العرندس كما قال المبرد، وليس في ديوان عبيد بن الأبرص.\n(٤) \"الأضداد\" لابن الأنباري: ص ٣٨٧.\n(٥) في (ب): (من).\n(٦) (الأضداد) لابن الأنباري. ص ٣٨٦، وانظر \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٦٨، \"زاد المسير\" ١/ ٥٣.\n(٧) لم أجد من قال به فيما اطلعت عليه.\n(٨) انظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ١٧٥، \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٦٩، (الأضداد) لابن الأنباري: ص ٣٧٤، \"تهذيب اللغة\" (زاج) ٢/ ١٥٧٤.","vol":"2","page":266},{"text":"كل أذى وقذر ممّا (١) في نساء الدنيا (٢).\nوقيل: عن مساوئ الأخلاق (٣)، لما فيهمنّ من حسن التبعل، ودل على هذا قوله: ﴿فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا (٣٦) عُرُبًا أَتْرَابًا (٣٧)﴾ [الواقعة:٣٦ - ٣٧]. وقيل: من آفات الشيب والهرم (٤).\nويقال: إنه أراد زوجاتهم من الآدميات، ويقال: أراد من الحور العين (٥).\n﴿وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ لأن تمام النعمة بالخلود والبقاء فيها، كما أن التنغيص (٦) بالزوال والفناء (٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-249>٢٦ </span>- قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي﴾ الآية. قال ابن عباس في رواية أبي صالح: لما ضرب الله سبحانه هذين المثلين للمنافقين قالوا: الله أجل وأعلى من (٨) أن يضرب الأمثال فأنزل الله هذه الآية (٩).\n_________\n(١) من (ب)، وفي غيرها: (مما).\n(٢) ذكر ابن جرير عن عدد من الصحابة ومن بعدهم ١/ ١٧٥ - ١٧٦. وانظر \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٦٩، (تفسير أبي الليث) ١/ ١٠٤، \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٥٨ ب، وابن عطية ١/ ٢١٠.\n(٣) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٦٩، \"تفسير أبي الليث\" ١/ ١٠٤، والثعلبي ١/ ٥٨ ب، \"الكشاف\" ١/ ٢٦٢.\n(٤) والأولى أن يراد بها ما يعم كل طهارة، كما قال الزجاج: إن (مطهرة) أبلغ من (طاهرة) لأن (مطهرة) للتكثير ١/ ٦٩. وانظر: \"تفسير ابن عطية\" ١/ ٢١٠.\n(٥) انظر: \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٥٨ ب.\n(٦) في (ب): (التبعيض).\n(٧) انظر: \"تفسير ابن كثير\" ١/ ٦٨.\n(٨) (من) ساقط من (ب).\n(٩) ذكره الواحدي في \"أسباب النزول\": ص ٢٦، وأخرجه \"الطبري\" بسنده عن ابن عباس =","vol":"2","page":267},{"text":"وقال (١) الحسن وقتادة: لما ذكر الله الذباب والعنكبوت في كتابه، وضرب للمشركين به المثل ضحكت اليهود وقالوا: ما يشبه هذا كلام الله، فأنزل الله هذه الآية (٢)\nقال أهل المعاني: قوله ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي﴾ خرج على لفظهم (٣)، حيث قالوا: إن الله يستحي (٤) أن يضرب المثل بالذباب والعنكبوت (٥)، كقوله: ﴿فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ﴾ [هود: ١٣] لما قالوا: إنه سحر مفترى (٦).\n_________\n= ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي ﷺ ١/ ١٧٧، وأخرجه أبن أبي حاتم عن السدي ١/ ٦٨، وذكره ابن كثير ١/ ٦٨، وذكره السيوطي في \"الدر\" عن ابن مسعود وناس من الصحابة ١/ ٨٨.\n(١) (الواو) ساقطة من (ب).\n(٢) ذكره الواحدي في \"أسباب النزول\": ص ٢٦ - ٢٧، وذكره ابن قتيبة في \"تفسير غريب القرآن\": ص ٤٤ ولم ينسبه، وكذا الثعلبي بنحوه ١/ ٥٩ أ. وأخرج ابن جرير عن قتادة وفيه: قال المشركون: ما بال العنكبوت والذباب يذكران ... إلخ، ١/ ١٧٧ - ١٧٨، ونحوه عند ابن أبي حاتم، وقال: روي نحوه عن الحسن ١/ ٦٩. قال السيوطي في \"لباب النقول\" بعد أن ذكر قول قتادة: (وذكر المشركين لا يلائم كون الآية مدنية، وما أوردناه عن قتادة والحسن حكاه عنهما الواحدي بلا إسناد بلفظ: (قالت اليهود) وهو أنسب، \"لباب النقول\": ص ١٣، وانظر: ابن كثير ١/ ٦٨، \"زاد المسير\" ١/ ٥٤، \"الكشاف\" ١/ ٢٣٦، \"البحر\" ١/ ١٢٠.\n(٣) أي: لفظ اليهود أو المشركين الذين قالوا ذلك.\n(٤) في (ب): (لا يستحيي).\n(٥) ذكره الزمخشري في \"الكشاف\"، وجعله من باب (القابلة) \"الكشاف\" ١/ ٢٣٦، \" البحر\" ١/ ١٢١، ١٢٢.\n(٦) ورد هذا فيما حكاه الله من رد قوم موسى في قوله: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرًى﴾ [القصص:٣٦].","vol":"2","page":268},{"text":"وقال بعضهم: معنى (١) قوله: ﴿لَا يَسْتَحْيِي﴾ هو أن الذي يستحيا منه ما يكون قبيحا في نفسه، ويكون لفعله عيب في فعله فأخبر الله سبحانه أن ضرب المثل منه ببعوضة فما فوقها ليس بقبيح ولا نقص ولا عيب، حتى يستحيا منه، فوضع: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَستَحِى أَن يَضرِبَ مَثَلًا﴾ موضع ذلك، كأنه قيل: إن ما يضربه الله من المثل بالبعوض (٢) لا يستحيا منه (٣)، لأن حقيقة الاستحياء في وصفه لا يجوز، لأنه يخاف عيبا، ويستحيل في وصفه أن يحذر نقصًا (٤).\nوقيل: معنى: ﴿لَا يَسْتَحْيِي﴾: لا يترك، لأن أحدنا إذا استحيا من شيء تركه (٥)، ومعناه أن الله لا يترك ضرب المثل ببعوضة فما فوقها إذا علم أن فيه عبرة لمن اعتبر، وحجة على من جحد (٦). وقيل: معناه (لا\n_________\n(١) (معنى) ساقط من (ب).\n(٢) في (أ) و(ج): (بالتعرض) وما في (ب) هو الصحيح.\n(٣) انظر: \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٥٩ أ.\n(٤) ومن أجل هذا أول معنى الآية، وجميع الوجوه التي أوردها في تفسير الآية تأويل، وهذا وافق نهج المتكلمين في باب الصفات، الذين يستعملون تلك المقدمات العقلية لنفي بعض الصفات. أما السلف فإنهم يعتصمون بالنص في الإثبات والنفي، فما أثبته الله لنفسه أو أثبته له رسوله أثبتوه وما نفاه الله عن نفسه أو نفاه عنه رسوله نفوه. انظر: \"شرح العقيدة الطحاوية\": ص ١٧٨، \"الرسالة التدمرية\". ص ٧٠، والأولى في معنى الآية ما ذكره \"الطبري\" قال: (.. معنى الكلام: إن الله لا يستحيي أن يصف شبها لما شبه به الذي هو ما بين البعوضة إلى ما فوق البعوضة). \"الطبري\" ١/ ١٧٨ - ١٧٩، وقد نقل الواحدي عن \"الطبري\" قولًا آخر وادعى أن اختاره والأمر بخلاف ذلك كما سيأتي.\n(٥) ذكره ابن عطية ١/ ٢١٢، \"القرطبي\" ١/ ٢٤٢، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ١/ ٥٤، والزمخشري (الكشاف) ١/ ٢٦٣.\n(٦) في (ب) (حجه).","vol":"2","page":269},{"text":"يخشى) والخشية والاستحياء يقوم أحدهما مقام الآخر كقوله: ﴿وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ [الأحزاب: ٣٧]، أي تستحي (١) الناس] (٢) والله أحق أن تستحيي (٣) منه، وهذا اختيار محمد بن جرير (٤).\nقال أهل اللغة: أصل الاستحياء من الحياة (٥)، واستحيا الرجل لقوة الحياة فيه (٦)، لشدة علمه بمواقع العيب (٧)، فالحياء من قوة الحس ولطفه (٨)\n_________\n(١) (تستحي) يتعدى بنفسه وبالجار وعداه الواحدي بنفسه، وهي عبارة \"الطبري\": (وتستحي الناس، والله أحق أن تستحيه ..) ١/ ١٧٩، انظر \"البحر\" ١/ ١٢١.\n(٢) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).\n(٣) في (ب): (يستحيا منه).\n(٤) لقد وهم الواحدي في زعمه أن هذا اختيار \"الطبري\"، وتبعه على هذا الوهم أبو حيان في \"البحر\" ١/ ١٢١. قال \"الطبري\": (وأما تأويل قوله: (إن الله لا يستحي) فإن بعض المنسوبين إلى المعرفة بلغة العرب كان يتأول معنى (إن الله لا يستحي): أن الله لا يخشى أن يضرب مثلًا ... فيقول: الاستحياء بمعنى الخشية، والخشية بمعنى الاستحياء ...). قال محمود شاكر: (... إن لفظ \"الطبري\" دال على أنه لم يحقق معناه ولم يرضه، ولم ينصره ...) ١/ ٤٠٢، ٤٠٣ (ط. شاكر). ثم قال محمود شاكر في موضع آخر: (هذا بقية تفسير الكلمة على مذهب من قال: إن الاستحياء بمعنى الخشية، لا ما أخذ به \"الطبري\"، \"تفسير الطبري\" صريح، بيّن في آخر الآية) ١/ ٤٠٤. ونجد \"الطبري\" يقول في آخر الآية: (فقد تبين إذا بما وصفنا، أن معنى الكلام: إن الله لا يستحي أن يصف شبها لما شبه به الذي هو ما بين بعوضة إلى ما فوق البعوضة) ١/ ١٧٩. فلم نر \"الطبري\" يؤول (الاستحياء) بـ (الخشية) والله أعلم.\n(٥) في (أ)، (ب): (الحيوة).\n(٦) في (ب): (واستحيا الرجل لقلة الحياة، واستحيا الرجل لقوة الحياة فيه ...).\n(٧) في (ب): (الغيب).\n(٨) في (ب): (ولفظه).","vol":"2","page":270},{"text":"وقوة الحياة (١) (٢).\nوقوله تعالى: ﴿أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا﴾ الضرب في المثل مستعار، ومعناه (٣) التسيير للمثل، والجعل لها (٤) يسير في البلاد (٥)، وذكرنا معنى المثل مستقصى فيما (٦) تقدم (٧).\nوقوله تعالى: ﴿مَا بَعُوضَةً﴾. النصب في بعوضة من جهتين (٨)، أحدهما: أن تكون (ما) زائدة، كأنه قال: إن الله لا يستحيي أن يضرب بعوضة مثلا، ومثلا بعوضة، و(ما) زائدة مؤكدة كقوله ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] فـ (ما) في التوكيد بمنزلة (حق) إلا أنه لا إعراب لها.\n_________\n(١) في (أ): (الحيوة).\n(٢) قال ابن فارس: (الحاء والياء والحرف المعتل أصلان: أحدهما خلاف الموت، والآخر الاستحياء الذي هو ضد الوقاحة) \"مقاييس اللغة\" (حي) ٢/ ١٢٢، وانظر \"تهذيب اللغة\" (حي) ١/ ٩٥٤، \"الصحاح\" (حيا) ٦/ ٢٣٢٤، \"اللسان\" ٢/ ١٠٨٠، \"مفردات الراغب\": ص١٤٠، \"التاج\" (حي) ١٩/ ٣٥٩، \"الكشاف\" ١/ ٢٦٣.\n(٣) في (ب): (ومعناه السير للمثل).\n(٤) كذا ورد في جميع النسخ ولعل الصواب (له).\n(٥) قال \"الطبري\": (يبين ويصف)، ١/ ١٧٩، وذكر ابن الجوزي عن ابن عباس: أن يذكر شبها. \"زاد المسير\" ١/ ٥٤، وقيل ومعنى يضرب: يذكر، أو يصير. انظر. \"تفسير ابن عطية\" ١/ ٢١٢ - ٢١٣، \"القرطبي\" ١/ ٢٠٨، \"البحر\" ١/ ١٢٢.\n(٦) في (ب): (مما).\n(٧) عند قوله تعالى: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ الآية [البقرة:١٧]، انظر: ص ١٨٦ - ١٨٨.\n(٨) ذكره الزجاج قال: (فأما إعراب (بعوضة) فالنصب من جهتين في قولنا وذكر بعض النحويين جهة ثالثة، فأما أجود هذِه الجهات فأن تكون (ما) زائدة مؤكدة ..) \"معاني القرآن\" ١/ ٧٠.","vol":"2","page":271},{"text":"والخافض والناصب يتعداها إلى ما بعدها، ومعناها التوكيد فقط (١).\nفإذا جعلت (ما) زائدة نصبت بعوضة على أنها المفعول الثاني (ليضرب) (٢)، لأن (يضرب) [هاهنا معناه: يجعل. هذا هو الاختيار عند البصريين (٣).\nالوجه الثاني: أن تكون (ما)] (٤) نكرة (٥) بمنزلة شيء، فيكون المعنى: إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلًا شيئًا من الأشياء، ثم أبدل بعوضة من شيء (٦)، فقال: ﴿بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ وهذا (٧) قول الفراء (٨).\nوقال الكسائي: معناه: أن يضرب مثلًا ما بين بعوضة إلى ما فوقها،\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٧٠، وقد ذكره الفراء و\"الطبري\" واختارا غيره كما سيأتي، انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٢١، و\"الطبري\" ١/ ١٧٩ - ١٨٠، وانظر الثعلبي ١/ ٥٩ أ، \"البيان في غريب إعراب القرآن\" ١/ ٦٥، \"الإملاء\" ١/ ١٦، \"الكشاف\" ١/ ٢٦٤.\n(٢) في (ب): (كيضرب).\n(٣) انظر: \"الطبري\" ١/ ١٨٠، \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٢١.\nوفيه وجه آخر: وهو أن (بعوضة) بدل من (المثل)، انظر الثعلبي ١/ ٥٩ أ، \"الإملاء\" ١/ ٢٦، \"البيان\" ١/ ٦٥، \"الكشاف\" ١/ ٢٦٤، \"تفسير ابن عطية\" ١/ ١٥٢، قاله الزجاج ١/ ٧١.\n(٤) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).\n(٥) في (ب): (ذكره).\n(٦) في (أ)، (ج): (شيئًا).\n(٧) في (ب): (فهذا).\n(٨) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٢٢، والقول الذي اختاره الفراء القول الآتي الذي نسبه الواحدي للكسائي، وانظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٧٠، و\"الطبري\" ١/ ١٨٠، والثعلبي ١/ ٥٩ أ.","vol":"2","page":272},{"text":"ثم حذف (بين) و(إلى) ونصب بعوضة بإسقاط الخافض. وفي (١) كلام العرب: (مطرنا ما زُبَالَة فالثعلبية) بمعنى ما بين زُبَالَة إلى الثعلبية (٢)، ويقولون: (له عشرون ما ناقة فجملا) أي ما بين ناقة وجمل، وهو (٣) أحسن الناس ما قَرْنًا فقَدَمًا (٤).\nوأنكر المبرد هذين القولين فقال: أما قول الفراء: إنه يجعل (ما) اسما تاما، وينصب بعوضة بدلا منه (٥)، فإن القول في ذاك ما قال الخليل وسيبويه، قالا جميعًا: إن (من) و(ما) يكونان (٦) نكرتين، فيلزمهما الصفة كلزوم الصلة (٧) إذا كانا معرفتين، تقول (٨): مررت بمن صالحٍ، أي: بإنسان\n_________\n(١) (والواو) ساقطة من (ب).\n(٢) (زبالة) و(الثعلبية) موضوعان معروفان من المنازل في الطريق بين الكوفة ومكة. انظر: \"معجم ما استعجم\" ١/ ٣٤١،٢/ ٦٩٣، \"معجم البلدان\" ٢/ ٧٨، ٣/ ١٢٩.\n(٣) في \"معاني القرآن\" للفراء (وهي) ١/ ٢٢، وكذا في \"الطبري\" ١/ ١٨٠.\n(٤) المعنى: ما بين القرن والقدم. ورد الكلام في \"معاني القرآن\" للفراء ولم ينسبه للكسائي ١/ ٢٢، وذكره \"الطبري\" ولم يعزه، وعزاه محمود شاكر في حاشية \"الطبري\" للفراء ١/ ٤٠٥، وفي الآية وجه آخر ذكره بعض المفسرين: وهو أن تكون (ما) بمعنى (الذي) و(بعوضة) مرفوع، لأنه خبر مبتدأ مقدر، أي: الذي هو بعوضة، وأنكر الزجاج هذا الوجه، لأنه لم يثبت قراءة، وإن كان صحيحًا في الإعراب. انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٧١.\nأما \"الطبري\" فاختار هذا الوجه، ولكن على نصب (بعوضة) وذكر لنصبها وجهين ... انظر \"تفسير الطبري\" ١/ ١٧٩، وانظر: \"البيان\" ١/ ٦٦، وابن عطية ١/ ٢١٣.\n(٥) الفراء لم يرجح هذا القول، وإنما رجح القول الذي نسبه الواحدي للكسائي حيث قال: (الوجه الثالث: -وهو أحبها إليَّ- فأن تجعل المعنى على: إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بين البعوضة إلى ما فوقها ..)، \"معاني القرآن\" ١/ ٢٢.\n(٦) (يكونان) ساقطة من (ج).\n(٧) في (ب): (الصفة).\n(٨) في (أ)، (ج): (يقول).","vol":"2","page":273},{"text":"صالح. ومررت بما حسنٍ، أي بشيء حسن. فلا يكونان نكرتين إلا بوصفهما. كما لا يكونان (١) معرفتين إلا بصلتهما (٢). والفراء جعل (ما) وحدها اسما (٣)، لأن البعوضة ليست بصفة. وقال سيبويه (٤) في قوله تعالى: ﴿هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾ [ق: ٢٣] يجوز أن يكون (ما) نكرة، أي هذا شيء لدي عتيد، ويجوز أن يكون في معنى (الذي) (٥).\nوأما قول الكسائي: (ما بين كذا إلى كذا) (٦) فإنما يحكى هذا الكلام عن أعرابي وحده، وإن صح فوجهه غير ما ذكر، وهو أن يكون (ما) صلة، فيكون الكلام: (مطرنا (٧) زبالة فالثعلبية) كما تقول: أتيت الكوفة فالبصرة. ولو كان معناه (ما بين)، لم يكن المطر بزبالة ولا الثعلبية، لأن ما بينهما غيرهما، وإضمار (بين) فبعيد جدًا.\nو(البعوض) صغار البق، الواحدة بعوضة، وذلك لأنها كبعض البق في الصغر (٨).\n_________\n(١) في (أ)، (ج): (يكونان) بسقوط (لا).\n(٢) انظر: \"الكتاب\" ٢/ ١٠٥ - ١٠٧.\n(٣) الفراء اختار غير هذا القول كما سبق، وانظر: \"معاني القرآن\" ١/ ٢٢.\n(٤) (سيبويه) ساقط من (ب).\n(٥) انظر: \"الكتاب\" ٢/ ١٠٦.\n(٦) هذا الكلام في \"معاني القرآن\" ولم يعزه للكسائي، عزا إليه كلاما بمعناه قال: (قال الكسائي سمعت أعرابيًّا ورأى الهلال فقال: الحمد لله ما إهلالك إلى سَرارِك، يريد ما بين إهلالك إلى سرارك ... وحكا الكسائي عن بعض العرب: الشَّنَقُ ما خمسا إلى خمس وعشرين، يريد ما بين خمس إلى خمس وعشرين. والشَّنَقُ: ما لم تجب فيه الفريضة من الإبل ..)، \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٢٢، ٢٣.\n(٧) في (ب) (فيكون) (الكلام مثل ما زبالة).\n(٨) انظر: \"الصحاح\" (بعض) ٣/ ١٠٦٦، \"زاد المسير\" ١/ ٥٥، \"القرطبي\" ١/ ٢٠٩، ورجح الدميري: أن البعوض غير البق، انظر: \"حياة الحيوان\" ١/ ١٧٩.","vol":"2","page":274},{"text":"وقوله تعالى: ﴿فَمَا فَوْقَهَا﴾ يعني ما هو أكبر منها، لأن البعوض نهاية في الصغر (١).\nقال ابن عباس: يعني الذباب والعنكبوت (٢)، وهما فوق البعوض. [وقيل: أراد بما فوق البعوض] (٣) الفيل، وذلك أن الله تعالى خلق للبعوضة من الأعضاء مثل ما خلق للفيل (٤) على عظمه، وزاد للبعوض جناحين، ففي ضربه المثل به أعظم عبرة وأتم دلالة على كمال قدرته وتمام حكمته.\nوقال بعضهم: فما فوقها، يعني في الصغر، يريد فما هو أصغر منها (٥)، لأنه يقال: فلان فوق فلان في الحقارة والدناءة. واختار قوم هذا (٦)، لأن الغرض المطلوب هاهنا الصغر.\nفإن قيل: إذا كانت البعوضة هي النهاية في الصغر، فلا معنى في (٧) (فما فوقها) في الصغر، قيل: ليس الأمر على ما قلتم، لأن ما دون\n_________\n(١) ذكره الفراء ورجحه، انظر \"معاني القرآن\" ١/ ٢٠. \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٧١، \"معاني القرآن\" للأخفش ١/ ٢١٥، \"تفسير الطبري\" ١/ ١٨٠، أبي الليث ١/ ١٠٤، والثعلبي ١/ ٥٩ أ، \"الكاشف\" ١/ ٢٦٥.\n(٢) ذكر الثعلبي ١/ ٥٩ أ، وأبو الليث ١/ ١٠٤، وابن قتيبة في \"غريب القرآن\" ولم يعزه لابن عباس: ص ٢٧.\n(٣) ما بين المعقوفين مكرر في (ب).\n(٤) في (ب): (الفيل).\n(٥) ذكره الفراء في \"معاني القرآن\" ١/ ٢٠، والزجاج في \"المعاني\" ١/ ٧١، والأخفش في \"المعاني\" ١/ ٢١٥، و\"الطبري\" ١/ ١٨٠، وضعفه، وذكره أبو الليث ١/ ١٠٤، وأبو عبيده في \"المجاز\" ١/ ٣٥، وابن قتيبة في \"المشكل\": ص ٢٧، وابن الأنباري في \"الأضداد\": ص ٢٥٠، والزمخشري في \"الكشاف\" ١/ ٢٦٥.\n(٦) كأبي عبيدة في \"المجاز\" ١/ ٣٥، وابن قتيبة في \"المشكل\": ص ٢٧.\n(٧) في (ب): (فلا معنى فيما).","vol":"2","page":275},{"text":"البعوضة في الصغر متوهم معقول، وإن لم ير، كما قال: ﴿طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ (٦٥)﴾ [الصافات: ٦٥] [الصافات: ٦٥] فالمشبه به معقول وإن لم ير، وكما قال الشاعر:\nوَمَسْنُونةٌ زُرْقٌ كَأنْيَابِ أغْوَالِ (١)\nولم ير ناب الغول. ويؤكد هذا التأويل قول أبي عبيدة في هذه الآية وهو أنه (٢) قال: (فما فوقها) يعني: فما دونها (٣). و(فوق) من الأضداد، لأنه لا فوق (٤) إلا ويصلح أن يكون دون، لأن من فوقك (٥) يصلح أن يكون دون غيرك فذلك فوق (٦) من وجه ودون من وجه (٧). وإذا كان (فوق) بمعنى\n_________\n(١) عجز بيت لامرئ القيس وصدره:\nأيقْتُلُنِي والمشْرَفِيُّ مُضَاجِعِي\nالمشرفي: السيف، (مسنونة زرق): سهام محددة الأزجه صافية، شبهها بأنياب الأغوال، تشنيعا ومبالغة في الوصف، والأغوال: الشياطين، وقيل: الحيات. انظر \"ديوان امرئ القيس\": ص ١٢٥، \"تهذيب اللغة\" (غال) ٨/ ١٩٣، \"المخصص\" ٨/ ١١، \"اللسان\" (غول) ٦/ ٣٣١٨، \"البحر المحيط\" ٢/ ٣٠٤.\n(٢) في (ب): (أن).\n(٣) \"مجاز القرآن\" ١/ ٣٥.\n(٤) في (ب): (لا فرق).\n(٥) في (ب): (فوق الصلح).\n(٦) (فوق) ساقط من (ب).\n(٧) انظر: \"الأضداد\" لأبي حاتم: ص١٠١، ولابن الأنباري: ص ٢٥٠، وقد ذكر عن قطرب: (أن فوق تكن بمعنى: (دون) مع الوصف، كقول العرب: إنه لقليل وفوق القليل، ولا تكون بمعنى: (دون) مع الأسماء، كقول العرب: هذِه نملة وفوق النملة ...) ورد أقوال المفسرين الذين قالوا: إن (فوقا) في الآية بمعنى (دون)، وغلّطه ابن الأنباري في هذا ورد عليه. والأقرب أن (فوق) في الآية تكون بمعنى: أعظم، وبمعنى: دون، وهذا هو اختيار ابن الأنباري، وانظر: \"المشكل\" لابن قتيبة: ص ٢٧، \"البحر\" ١/ ١٢٣، وابن كثير ١/ ٦٩.","vol":"2","page":276},{"text":"(دون) كان المعنى (فما دونها) أي: ما هو أصغر منها.\nوقد استشهد على استحسان ضرب المثل بالحقير [في] (١) كلام العرب بقول الفرزدق:\nضَرَبَتْ عَلَيْكَ العَنْكَبوُتُ بِنَسْجِهَا ... وَقَضَى (٢) عَلَيْكَ بِهِ الكِتَابُ المُنْزَلُ (٣)\nوبقوله أيضًا:\nوَهَل شَيءٌ يَكُوُن أذَل بَيتًَا (٤) ... مِنَ اليَرْبُوعِ يَحْتَفِرُ التُّرَابَا (٥)\nوقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ﴾. مدحهم الله بعلمهم أن المثل وقع في (٦) حقه (٧) وذم الكافرين بإعراضهم عن طريق الاستدلال وإنكارهم ما هو صواب وحكمة.\nوقوله تعالى: ﴿مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا﴾. قال أبو إسحاق: (ماذا) يجوز أن يكون (ما) و(ذا) اسمًا واحدًا، ويكون موضعها نصبًا، المعنى:\n_________\n(١) (في) إضافة من \"الوسيط\" للواحدي ١/ ٦٦، لاستقامة السياق.\n(٢) في (ب): (ومعن).\n(٣) استشهد الواحدي بالبيت في \"الوسيط\" ١/ ٦٦، وهو في \"ديوان الفرزدق\" ٢/ ١٥٥، من قصيدة طويلة ضمن نقائضه مع جرير.\n(٤) (بيتا) ساقط من (ب).\n(٥) استشهد الواحدي بالبيت في \"الوسيط\" ١/ ٦٦، وهو في \"ديوان الفرزدق\" ١/ ١٠٣.\n(٦) (في) ساقط من (ب).\n(٧) قال \"الطبري\": يعرفون أن المثل الذي ضربه الله، لما ضربه له مثل، ثم ذكر عن الربيع وقتادة أن هذا المثل الحق من ربهم، وأنه كلام الله ١/ ١٨١، وانظر \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٧١/ \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٥٩ أ.","vol":"2","page":277},{"text":"أي شيء أراد الله بهذا مثلًا؟ ويجوز أن يكون (ذا) مع (ما) بمنزلة (الذي) فيكون المعنى: ما الذي أراده (١) الله بهذا مثلا؟ فيكون (ما) رفعًا بالابتداء و(ذا) في معنى الذي وهو خبر الابتداء، انتهى كلامه (٢).\nوفائدة الوجهين يتبين في الجواب، فإنك إن جعلته اسمًا واحدًا كان جوابه منصوبًا، وإن جعلت (ما) ابتداء و(ذا) خبره كان الجواب مرفوعا، مثاله أنَّ قائلا لو (٣) قال لك: ماذا أراد الله بهذا مثلا؟ قلت: البيانَ لحال (٤) الذي ضرب له المثل، لأنك أبدلته من (ماذا) وهو نصب. وفي الوجه الثاني قلت: البيانُ بالرفع؛ لأن (ذا) محله رفع بخبر الابتداء (٥). وجاء في القرآن بالتقديرين (٦) جميعًا في قوله: ﴿مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا﴾ [النحل: ٣٠]، و﴿مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [النحل:٢٤] فعلى النصب كأنه قيل: أي شيء أنزل ربكم (٧)؟، وعلى الرفع (٨): أي شيء الذي (٩) أنزله (١٠)\n_________\n(١) في (ب): (أرا د).\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٤٢، وانظر: \"مشكل إعراب القرآن\" لمكي ١/ ٣٢، \"البيان\" ١/ ٦٦، \"الإملاء\" ١/ ٢٦، وقد ذكر النحويون أن (ماذا) تأتي في ستة أوجه، لكن يجوز في الآية وجهان ذكرهما المؤلف، انظر مغنى اللبيب ١/ ٣٠٠ \"البحر\" ١/ ١٢٤، و\"الدر المصون\" ١/ ٢٢٣.\n(٣) (لو) ساقطة من (ب).\n(٤) في (أ)، (ج): (الحال) أتنبت ما في (ب) لمناسبته للسياق.\n(٥) انظر: \"الكتاب\" ٢/ ٤١٧، ٤١٨، \"الكشاف\" ١/ ٢٦٦، \"البحر\" ١/ ١٢٤،.\n(٦) في (ب): (التقدير).\n(٧) وعليه جاءت الآية الأولى: (قالوا خيرا).\n(٨) وعليه جاءت الآية الثانية: (قالوا أساطير الأولين) انظر \"الكتاب\" ٢/ ٤١٧.\n(٩) (الذي) ساقط من (ب).\n(١٠) في (ج): (أنزل).","vol":"2","page":278},{"text":"ربكم؟ واستشهد سيبويه (١) في الرفع بقول الشاعر:\nألا تسألانِ المرءَ ماذا يُحاوِلُ ... أَنَحْبٌ فَيُقْضَى أمْ ضَلالٌ وَبَاطِلُ (٢)\nوبقولهم: (عَمَّاذَا تَسْأَل) على أنهما بمنزلة اسم واحد ولو لم يكن كذلك لقالوا: (عم ذا تسأل) (٣) وذكرنا هذه المسألة بأبلغ من هذا في الشرح، عند قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ [البقرة:٢١٩].\nوفي نصب قوله: ﴿مَثَلًا﴾ وجوه، أحدها: الحال (٤)، لأنه جاء بعد تمام الكلام كأنه قيل: ماذا أراد الله بهذا مبينا. والثاني: التمييز والتفسير للمبهم (٥)، وهو (هذا) كأنه قيل ماذا أراد الله بهذا من\n_________\n(١) \"الكتاب\" ١/ ٤١٧.\n(٢) البيت مطلع قصيدة للبيد بن ربيعة، يرثي بها النعمان بن المنذر.\nالنحب: النذر، يقول: ألا تسألان رجلًا مجتهدًا في أمر الدنيا والسعي خلفها، كأنه أوجب على نفسه نذرا في ذلك، فهو يجري لقضاء ذلك النذر، أم هو ضلال وباطل من أمره. ورد البيت عند سيبوبه ٢/ ٤١٧، \"معاني القرآن\" للفراء١/ ١٣٩، (المعاني الكبير) ٣/ ١٢٠١، \"جمل الزجاجي\" ص ٣٤٩، \"المخصص\" ١٤/ ١٠٣، \"مغني اللبيب\" ١/ ٣٠٠، \"شرح المفصل\" ٣/ ١٤٩، ٤/ ٢٣، \"الخزانة\" ٢/ ٢٥٢، ٦/ ١٤٥، \"الدر المصون\" ١/ ٢٢٩ (ديوان لبيد) ص ٢٥٤، والشاهد (أنحب) حيث جاء مرفوعًا فدل على أن (ذا) في معني (الذي).\n(٣) (عم ذا تسأل) بحذف ألف (ما) لأن (ما) إذا كانت استفهاما ودخل عليها حرف الجر حذفت ألفها، فلما ثبتت الألف دل على أنها مركبة مع (ذا)، انظر: \"الكتاب\" ٢/ ٤١٨، \"شرح المفصل\" ٣/ ١٥٠.\n(٤) اختلف في صاحب الحال، فقيل: اسم الإشارة، وقيل لفظ الجلالة (الله)، انظر \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٤١٨، \"المشكل\" لمكي ١/ ٢٣١، وبن عطية ١/ ٢١٣، \"البيان\" ١/ ٦٧، \"البحر\" ١/ ١٢٥، \"الدر المصون\" ١/ ٢٣١.\n(٥) في (ب) (للمتهم).","vol":"2","page":279},{"text":"الأمثال (١). والثالث: القطع، كأنه قيل: ماذا أراد الله بهذا المثل (٢)؟ إلا أنه لما جاء نكرة (٣) نصب على القطع عن إتباع المعرفة، وهذا مذهب الفراء وأحمد بن يحيى (٤)، ومعناه: إن الذين كفروا يقولون: أي فائدة في ضرب المثل بهذا؟ فأضلهم الله سبحانه فقال: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾ (٥) أي: أراد الله بهذا المثل أن يضل به كثيرًا من الكافرين، وذلك (٦) أنهم ينكرونه ويكذبونه. ويهدي به كثيرًا من المؤمنين، لأنهم يعرفونه ويصدقون به (٧).\nقال (٨) الأزهري: (والإضلال) في كلام العرب ضد الهداية والإرشاد، يقال (٩): أضللت فلانا، إذا وجهته للضلال عن الطريق فلم (١٠) ترشده، وإياه أراد لبيد بقوله:\n_________\n(١) انظر: \"المشكل\" لمكي١/ ٣٣، وابن عطية ١/ ٢١٣، \"البيان\" ١/ ٦٧، \"الإملاء\" ١/ ٢٦، \"البحر\" ١/ ١٢٥، \"الدر المصون\" ١/ ٢٣١.\n(٢) انظر: \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ١٥٤، والثعلبي ١/ ٩٥ أ، \"البحر\" ١/ ١٢٥،\nوقال أبو حيان: إن هذا مذهب الكوفيين، والمراد بالقطع: أنه يجوز أن يعرب\nبإعراب الاسم الذي قبله، فإذا لم تتبعه في الإعراب وقطعته عنه نصب على\nالقطع، وقال: وهذا كله عند البصريين منصوب على الحال، ولم يثبت البصريون\nالنصب على القطع، انظر: \"الدر المصون\" ١/ ٢٣١.\n(٣) في (ب): (ذكره).\n(٤) انظر: \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ١٥٤، \"البحر\" ١/ ١٢٥.\n(٥) قوله: (يهدي به كثيرا) ساقط من (أ)، (ج).\n(٦) في (ب): (وكذلك).\n(٧) انظر: \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٥٩ ب.\n(٨) في (ب): (كذلك قال الأزهري).\n(٩) في (ب): (يقول).\n(١٠) قوله: (فلم ترشده) ليس في \"تهذيب اللغة\".","vol":"2","page":280},{"text":"مَنْ هَدَاهُ سُبُلَ الخَيْرِ اهْتَدى ... نَاعِمَ البَالِ ومَنْ شَاءَ أَضَل (١)\nقال لبيد هذا في الجاهلية، فوافق قوله التنزيل: ﴿يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ (٢) (٣) (٤). ولا يجوز أن يكون معنى الإضلال: الحكم والتسمية، لأن أحدنا إذا حكم بضلالة (٥) إنسان لا يقال: أضله، وهذا لا يعرفه أهل اللغة (٦).\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾. قال الليث: (الفسق) الترك لأمر الله، ومثله (الفسوق) (٧). قال أبو عبيدة: وأصله في اللغة الجور\n_________\n(١) البيت ورد في \"تهذيب اللغة\" (ضل) ٣/ ٢١٣٠، \"اللسان\" (ضلل) ٥/ ٢٦٠١، \"ديوان لبيد مع شرحه\" ص ١٧٤، \"الوسيط\" للواحدي ١/ ٦٧.\n(٢) في (ب): (تضل وتهدي).\n(٣) جزء من آية في النحل: ٩٣، وسورة فاطر آية: ٨\n(٤) \"تهذيب اللغة\" (ضل) ٣/ ٢١٣٠، وانظر: \"اللسان\" (ضلل) ٥/ ٢٦٠١.\n(٥) في (ب): (بضلال).\n(٦) يرد بهذا على المعتزلة الذين قالوا: إن الله لا يخلق الضلال، ومعناه الإضلال عندهم هنا: الحكم أو التسمية، أو أنه من إسناد الفعل إلى السبب كما قال الزمخشري في \"الكشاف\" ١/ ٢٦٧.\nوعند أهل السنة: أن الله خالق العباد وخالق أفعالهم، انظر \"تفسير أبي الليث\" ١/ ١٠٥، وابن عطية ١/ ٢١٦ - ٢١٧، \"الإنصاف\" فيما تضمنه \"الكشاف\" من الاعتزال حاشية على \"الكشاف\" ١/ ٢٦٧، \"القرطبي\" ١/ ٢٠٩ - ٢١٠. قال ابن كثير: قال السدي في \"تفسيره\": عن أبي مالك، وعن أبي صالح عن ابن عباس، وعن مرة عن ابن مسعود، وعن ناس من الصحابة: (يضل به كثيرا) يعني به المنافقين (ويهدي به كثيرا) يعني به المؤمنين فيزيد هؤلاء ضلالة إلى ضلالتهم لتكذيبهم .. ويهدي به بمعنى: المثل كثيرا من أهل الإيمان والتصديق فيزيدهم هدى إلى هداهم وإيمانا إلى إيمانهم لتصديقهم ..) ابن كثير ١/ ٦٩ - ٧٠.\n(٧) \"تهذيب اللغة\" (فسق) ٣/ ٢٧٨٨.","vol":"2","page":281},{"text":"والميل عن الطاعة، يقال: (فسق) إذا جار. وأنشد (١):\nفواسِقًا عَنْ قَصْدِهِ (٢) جَوَائِرا (٣)\nوقال الفراء (الفسق) (٤) الخروج عن الطاعة، قال: والعرب تقول: فسقت الرطبة من قشرها، لخروجها منه، وكأن الفأرة إنما سميت (فويسقة) لخروجها من جحرها على الناس (٥). وقال أبو العباس: (الفسوق) الخروج (٦). وقال أبو الهيثم: وقد يكون الفسوق شركًا، ويكون إثمًا (٧). والذي أريد به هاهنا الكفر (٨) لقوله (٩) تعالى:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-250>٢٧ </span>- ﴿الَّذِينَ ينَقُضُونَ﴾. (والذين) من صفة الفاسقين. و(النقض) في\n_________\n(١) \"مجاز القرآن\" ١/ ٤٠٦، \"تهذيب اللغة\" (فسق) ٣/ ٢٧٨٨، والخص من \"التهذيب\".\n(٢) في (ب): (أمره) وهي رواية وردت في \"اللسان\" (فسق) ٦/ ٣٤١٤.\n(٣) البيت لرؤبة كما في \"مجاز القرآن\" وقبله:\nيهوِين في نَجد وغورًا غائرا\nيصف إبلا منعدلة عن قصد نجد ورد البيت في \"مجاز القرآن\" ١/ ٤٠٦، وفيه (قصدها) بدل (قصده) ومثله عند \"الطبري\" ١٥/ ٢٦١، وبمثل رواية الواحدي ورد في \"الزاهر\" ١/ ٢١٨، \"تهذيب اللغة\" (فسق) ٣/ ٢٧٨٨، \"اللسان\" ٦/ ٣٤١٤، \"القرطبي\" ١/ ٢١٠.\n(٤) (الفسق) ساقط من (ب)\n(٥) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٤٧، وفيه قوله: (ففسق عن أمر ربه) أي: خرج عن طاعة ربه، والعرب تقول: .. ونحوه في \"التهذيب\" (فسق).\n(٦) \"تهذيب اللغة\" (فسق) ٣/ ٢٧٧٨.\n(٧) في \"التهذيب\" وقال أبو الهيثم: الفسوق يكون الشرك ويكون الإثم (فسق) ٣/ ٢٧٨٩، وانظر: \"اللسان\" (فسق) ٦/ ٣٤١٤.\n(٨) انظر: \"الطبري\" ١/ ١٨٢، و\"ابن كثير\" ١/ ٧٠، \"زاد المسير\" ١/ ٥٦، و\"القرطبي\" ١/ ٢١٠.\n(٩) في (ب): (كقوله).","vol":"2","page":282},{"text":"اللغة: الهدم، وإفساد ما أبرمته من حبل أو بناء (١)، و(نقيض الشيء) (٢): ما ينقضه (٣) اي: يهدمه ويرفع حكمه (٤).\nوالمناقضة في الشعر أن (٥) يقول الشاعر قصيدة، فينقض عليه شاعر آخر حتى يجيء بغير ما قال، والاسم النقيضة (٦) ويجمع على النقائض، ولهذا المعنى قالوا: نقائض (٧) جرير والفرزدق (٨).\nوقوله تعالى: ﴿عَهْدَ اللَّهِ﴾. (العهد) في اللغة يكون لأشياء مختلفة (٩)، والذي أريد به هاهنا الوصية (١٠) والأمر من قولهم: عهد الخليفة إلى فلان كذا وكذا، أي (١١): أمره. ومنه قوله تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ﴾ [يس:\n_________\n(١) ذكر نحوه الأزهري عن الليث، \"تهذيب اللغة\" (نقض) ٤/ ٣٦٤٨، وانظر \"اللسان\" (نقض) ٨/ ٤٥٢٤.\n(٢) في (أ): (نقيض).\n(٣) في (أ) و(ج): (ما تنقضه) وما في (ب) أصح، وموافق لما في \"الوسيط\" ١/ ٦٨.\n(٤) النقض: لغة: هو الكسر، وفي الاصطلاح: بيان تخلف الحكم المدعي عليه ثبوته أو نفيه عن دليل المعلل الدال عليه في بعض الصور. انظر \"التعريفات\" للجرجاني ص ٢٤٥. والتناقض: (اختلاف قضيتين بالإيجاب والسلب بحيث يقتضي لذاته أن يكون إحداهما صادقة والأخرى كاذبة) انظر: \"تيسير القواعد المنطقية شرح الرسالة الشمسية\" ١/ ١٦٩.\n(٥) في (ب): (الشعر أو يقول ...).\n(٦) في (ب): (النقضة).\n(٧) في (ب): (أنقاض).\n(٨) ذكره الأزهري في \"التهذيب\" عن الليث (نقض) ٨/ ٣٦٤، انظر \"اللسان\" (نقض) ٨/ ٤٥٢٤.\n(٩) ذكر الأزهري عن أبي عبيد أن العهد يكون في أشياء مختلفة ثم ذكرها، انظر: \"التهذيب\" (عهد) ٣/ ٣٢٦٠٧.\n(١٠) انظر: \"تفسير ابن عطية\" ١/ ٢١٧.\n(١١) في (ب): (أدا).","vol":"2","page":283},{"text":"٦٠] أي ألم آمركم (١). والعهد أيضًا (٢) العقد الذي يتوثق به لما بعد (٣).\nوذكر أبو إسحاق للعهد (٤) المذكور في هذه الآية وجهين (٥) أحدهما: ما أخذه على النبيين ومن اتبعهم ألا يكفروا بالنبي ﷺ، وذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ﴾ [آل عمران: ٨١].\nوقال (٦): يجوز أن يكون عهد الله الذي أخذه من بين آدم من ظهورهم يوم الميثاق حين قال: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢] ثم جحدوا ونقضوا ذلك العهد في حال كمال عقولهم.\nوالوجه الأول أصحهما، من قبل أن الله لا يحتج عليهم بما لا يعرفون، لأنه بمنزلة ما لم يكن إذا كانوا لا يشعرون به، ولا لهم دلالة عليه. والثاني مع هذه صحيح، لأنهم (٧) عرفوا ذلك العهد بخبر الصادق، فكان كما لو كانوا يشعرون به (٨).\n_________\n(١) أنظر: \"تهذيب اللغة\" (عهد) ٣/ ٢٦٠٧.\n(٢) في (ج): (أيضم).\n(٣) انظر: \"التهذيب\" (عهد) ٣/ ٢٦٠٧، \"مفردات الراغب\" ص ٣٥٠.\n(٤) في (ب): (العهد).\n(٥) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٧٣، ٧٢، وقد ذكر ثلاثة أوجه، وجهان ذكرهما المؤلف هنا، والثالث حين قال: وقال قوم: إن عهد الله: هو الاستدلال على توحيده، وأن كل مميز يعلم أن الله خالق، فعليه الإيمان به، ثم قال: والقولان الأولان في القرآن ما يصدق تفسيرهما. وذكر \"الطبري\" هذِه الوجوه وغيرها.\n(٦) هذا هو الوجه الثاني.\n(٧) في (أ)، (ج): (لأنه) وأثبت ما في (ب) لأنه أصح في السياق.\n(٨) وبهذا يستدرك الواحدي على كلامه السابق عن العهد الذي أخذه الله على بني آدم حين استخرج ذرية آدم من ظهره، فهذا العهد ثابت بالخبر الصحيح، أخرجه \"الطبري\" في (تفسيره)، وجمع محمود شاكر طرقه وانتهى إلى الأخذ بما قرره =","vol":"2","page":284},{"text":"وهذا (١) الوجه هو قول ابن عباس ذكره في قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾ [الرعد: ٢٥] في سورة الرعد، قال: يريد الذي (٢) عهد إليهم في صلب آدم ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ (٣).\nوقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾. (من) صلة لأجل التأكيد (٤). والميثاق: ما وقع التوثيق (٥) به، كما أن الميقات ما وقع التوقيت به، ومواقيت الحج من ذلك، لأنه وقع توقيت الإحرام ببلوغها. والكتاب أو\n_________\n= أحمد شاكر من تصحيح الحديث انظر: \"الطبري\" ١٣/ ٢٢٣،٢٢٢. قال ابن الجوزي: (ونحن وإن لم نذكر ذلك العهد، فقد ثبت بخبر الصادق فيجب الإيمان به) \"زاد المسير\" ١/ ٥٦. ويبقى السؤال هل الميثاق المأخوذ عليهم هو العهد المراد بهذِه الآية أم لا؟ رجح ابن جرير: أن المراد بالعهد في هذِه الآية العهد الذي أخذه الله على بني إسرائيل في التوراة من الإقرار بمحمد - ﷺ - بما جاء به وتبيين نبوته. انظر: \"الطبري\" ١/ ١٨٢ - ١٨٣. ورجح القرطبي وغيره. أنها عامة والعهد هو وصية الله تعالى إلى خلقه وأمره إياهم بطاعته وطاعة رسله، ونقضهم للعهد ترك ذلك. انظر: \"القرطبي\" ١/ ٢١٠، ابن كثير ١/ ٧٠.\n(١) في (أ)، (ج): (هذِه) وأثبت ما في (ب) لأنه أصح في السياق.\n(٢) في (ب): (الذين).\n(٣) سورة الأعراف: ١٧٢. الأثر عن ابن عباس ذكره الواحدي في \"الوسيط\" قال (وهذا قول ابن عباس في رواية عطاء) \"الوسيط\" ١/ ٦٨. ولم أجد الأثر عن ابن عباس في هذا المعنى في آية (البقرة) ولا في آية (الرعد) وقد وردت آثار عن ابن عباس من طريق عطاء في الميثاق الذي أخذه الله على بني آدم أوردها \"الطبري\" في تفسير قوله تعالى: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢] وليس في الآثار ذكر أنه هو العهد المراد بآية البقرة أو الرعد. انظر: \"تفسير الطبري\" ٩/ ١١٠ - ١١٨.\n(٤) وقيل: لابتداء الغاية، انظر: \"إملاء ما من به الرحمن\" ١/ ٢٧، \"زاد المسير\" ١/ ٥٦، \"البحر\" ١/ ١٢٧، قال أبو حيان: إن القول إنها زائدة بعيد.\n(٥) في (ب): (للتوثيق).","vol":"2","page":285},{"text":"الكلام الذي يستوثق به: ميثاق، الوقت الذي يعقد به الوعد: ميعاد (١)، وكذلك المصداق (٢) ما انعقد الصدق به (٣).\nو(الياء) في الميثاق منقلبة عن الواو (٤).\nوقال الفراء: يقال في جمع الميثاق: مياثق ومواثق، قال (٥):\nحِمىً لاَ يُحَلُّ الدَّهْرَ إلَّا بِإذْنِنَا ... وَلَا نَسْأَلُ الأَقْواَمَ عَقْدَ المَيَاثِقِ (٦)\nوالكناية في الميثاق يجوز أن تكون (٧) عائدة على الله، [أي: من بعد ميثاق الله ذلك العهد، بما أكد من إيجابه عليهم. ويجوز أن تعود على العهد] (٨)، أي: من بعد ميثاق العهد وتوكده (٩).\n_________\n(١) في (ج): (من معاد).\n(٢) في (ب): (الصداق).\n(٣) انظر. \"الوسيط\" ١/ ٦٩، و\"الطبري\" ١/ ١٨٤، \"تهذيب اللغة\" (وثق) ٤/ ٣٨٣٤، \"الكشاف\" ٢/ ٢٦٨، \"البحر\" ١/ ١٢٧، \"القرطبي\" ١/ ٢١١.\n(٤) انظر: \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٥٩ ب، \"القرطبي\" ١/ ٢١١.\n(٥) قول الفراء أورده الأزهري في \"تهذيب اللغة\"، قال: وأنشد في لغة (الياء)، أي (مياثق) \"التهذيب\" (وثق) ٤/ ٣٨٣٤، وانظر \"اللسان\" (وثق) ٨/ ٤٧٦٤.\n(٦) البيت لعياض بن درة الطائي، وقيل: عياض بن أم درة، يصف قومه بالمنعة والقوة يقول: لنا حمى لا يحله احد إلا بإذننا، ولا نسأل أحدا عقد ميثاق حماية. ورد البيت في \"تهذيب اللغة\" (وثق) ٤/ ٣٨٣٤، \"إصلاح المنطق\" ص ١٣٨، \"الخصائص\" ٣/ ١٧٥، \"اللسان\" (وثق) ٨/ ٤٧٦٤، \"شرح المفصل\" ٥/ ٢٢١، وأورد أبو زيد البيت على رواية (المواثق) وقال عن راوية المياثق: إنها شاذة: انظر \"النوادر\" ص ٢٧١.\n(٧) في (أ)، (ج): (يكون) واخترت ما في (ب) لأنه أصح في السياق.\n(٨) ما بين المعقوفين ساقط من (أ، ج) والزيادة في (ب) يقتضيها السياق وقد وردت في \"الوسيط\" ١/ ٦٩.\n(٩) انظر \"الطبري\" ١/ ١٨٤، وابن عطية ١/ ٢١٨، \"زاد المسير\" ١/ ٥٦، \"الإملاء\" ١/ ٢٧، \"الكشاف\" ١/ ٢٦٨.","vol":"2","page":286},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾ [الرعد: ٢٥] يعني الأرحام (١)، وذلك أنّ قريشًا قطعوا رحم النبي - ﷺ - بالمعاداة معه (٢).\nوقيل: هو الإيمان بجميع الرسل والكتب، وهو نوع من الصلة، لأنهم قالوا: ﴿نُؤمِنُ بِبَعضٍ وَنَكفُرُ بِبَعضٍ﴾ [النساء: ١٥٠] فقطعوا. وهذا الوجه هو قول ابن عباس ذكره في الآية التي في (الرعد) (٣)، وقال: المؤمن لا يفرق [بين أحد من رسله فوصلوا (٤).\nقال الزجاج: وموضع ﴿أَنْ يُوصَلَ﴾ خفض على، (٥) البدل من (الهاء) المعنى: ما أمر الله أن يوصل (٦).\n﴿وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ بالمعاصي، وتعويق الناس عن الإيمان بمحمد ﷺ (٧).\nوقوله تعالى: ﴿أُوْلئِكَ هُمُ الخاَسِرُونَ﴾. أصل الخسران في التجارة\n_________\n(١) رجح \"الطبري\" هذا القول ١/ ١٨٥، وانظر الثعلبي ١/ ٥٥٥ ب، \"تفسير أبي الليث\" ١/ ١٠٥، \"زاد المسير\" ١/ ٥٧، وابن كثير ١/ ٧٠.\n(٢) وهي عامة لكل قاطع لما أمر الله بوصله، انظر: \"الطبري\" ١/ ١٨٥.\n(٣) وهي قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾.\n(٤) وصلوا بينهم الإيمان بجميع الرسل. انظر: \"الوسيط\" ١/ ٦٩. والرواية عن ابن عباس ذكرها أبو الليث من طريق الضحاك وعطاء، في آية (البقرة) ولم أجد أحدًا - فيما اطلعت عليه- ذكرها في الرعد، الظر: \"الطبري\" ١٣/ ١٣٩ - ١٤٠، وقد ذكر الثعلبي١/ ٥٩ ب، والبغوي ١/ ٧٧، كلام ابن عباس بمعناه ولم ينسباه.\n(٥) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).\n(٦) انتهي كلام الزجاج، \"معاني القرآن\" ١/ ٧٣، وفيه (بأن يوصل).\n(٧) انظر: \"الطبري\" ١/ ١٨٥، والثعلبي ١/ ٥٩ ب.","vol":"2","page":287},{"text":"أن يبتاع الرجل شيئًا فيوضع من رأس ماله (١)، وهي الوضيعة فيه، والمصدر: الخسارة والخسر، وصفقة (٢) خاسرة غير مربحة، هذا هو الأصل (٣)، ثم قيل لكل صائر إلى مكروه: خاسر، لنقصان حظه من الخير، والقوم نقصوا (٤) بكفرهم راحة أنفسهم التي كانت لهم لو آمنوا، فاستحقوا العقوبة وفاتتهم المثوبة (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-251>٢٨ </span>- قوله تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ﴾ الآية. قال النحويون: (كيف) في الأصل سؤال عن الحال، لأن جوابه يكون بالحال، وهي منتظمة جميع الأحوال (٦). ونظيرها في الاستفهام (كم) لأنها تنتظم جميع الأعداد و(ما) (٧) وهي تنتظم جميع الأجناس، و(أين) وهي تنتظم جميع الأماكن، و(متى) [وهي تنظم جميع الأزمان، و(من)] (٨) وهي تنتظم جميع ما يعقل (٩).\nقال الزجاج: تأويل (كيف) هاهنا استفهام في معنى التعجب، وهذا\n_________\n(١) في (ب): (المال).\n(٢) في (ب): (وصفقته).\n(٣) انظر: \"الطبري\" ١/ ١٨٥، \"التهذيب\" (خسر) ١/ ١٠٢٨، \"مفردات الراغب\" ١٤٧.\n(٤) في (ب): (نقضوا).\n(٥) انظر: \"الطبري\" ١/ ١٨٥، والثعلبي ١/ ٥٩ ب، \"القرطبي\" ١/ ٢١٢.\n(٦) انظر: \"الكتاب\" ٤/ ٢٣٣، \"المقتضب\" ٣/ ٢٨٩، ٦٣، \"حروف المعاني\" للزجاجي ص ٣٥، ٥٩، وقد ذكر الزجاجي أنها تقع في ثلاثة مواضع: تقع بمنزلة (كما)، واستفهاما عن حال، وبمعنى التعجب واستشهد على هذا المعنى بالآية ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ﴾، وانظر: \"البرهان\" ٤/ ٣٣٠، \"مغني اللبيب\" ١/ ٢٠٤.\n(٧) (و) ساقطة من (ب).\n(٨) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).\n(٩) انظر: \"الكتاب\" ٤/ ٢٣٣، \"المقتضب\" ٣/ ٦٣، ٢٨٩.","vol":"2","page":288},{"text":"التعجب إنما هو للخلق والمؤمنين، أي اعجبوا من هؤلاء كيف [يكفرون] (١) وثبتت حجة الله عليهم (٢).\nوقال الفراء: هذا على وجه التعجب والتوبيخ لا على الاستفهام المحض، أي: ويحكم كيف تكفرون؟ وهو كقوله: ﴿فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ﴾ (٣) [التكوير: ٢٦].\nوقوله تعالى: ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا﴾. قال النحويون: (كان) تقع (٤) في الكلام على وجوه: تامة وناقصة وزائدة (٥). فالتامة: هي المكتفية باسمها دون خبرهما كقولك: كان القتال، أي وقع وحدث.\nوالناقصة: هي التي لا تتم دون خبرها كقولك: كان زيد أميرا.\nوالزائدة: هي التي تكون (٦) دخولها في الكلام كخروجها (٧). كقوله: ﴿مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾ [مريم:٢٩] (٨).\n_________\n(١) في (أ)، (ج): (تكفرون) وفي (ب) غير منقوطة، والتصحيح من \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٤٧.\n(٢) في (ب): (عليكم). انتهى من \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٤٧، انظر: \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٥٩ب، وابن عطية ١/ ٢٢٠، وبمعناه كلام الفراء الآتي بعده.\n(٣) \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٢٣، وانظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ١٩٠.\n(٤) في (أ): (يقع) وما في (ب، ج) أنسب للسياق.\n(٥) انظر: \"تهذيب اللغة\" (كان) ٤/ ٣٠٨٣ - ٣٠٨٤. وذكر الهروي وجهًا رابعًا وهو: أن تكون (كان) مضمرا فيها اسمها (ضمير الشأن) وبعد كان جملة من مبتدأ وخبر مرفوعين. انظر: \"الأزهية في علم الحروف\" ص ١٧٩.\n(٦) كذا في جميع النسخ الأولى (يكون).\n(٧) انظر: \"تهذيب اللغة\" (كان) ١٠/ ٣٧٧، و\"الأزهية في علم الحروف\" ص١٨٣، و\"مغني اللبيب\" ٢/ ٥٥٩.\n(٨) وقد ذكر الأزهري عن ثعلب: أن للعلماء في الآية قولين: منهم من قال: (كان) =","vol":"2","page":289},{"text":"و(كان) التي لها خبر تتصرف (١) تصرف الفعل، وليست بفعل على الحقيقة، إنما تدل (٢) على الزمان وتدخل على الابتداء والخبر كقولك: زيد مسرور، [فإذا قلت كان زيد مسرورا، فكأنك قلت: زيد مسرور] (٣) فيما مضى من الزمان (٤). ويقال في مصدره الكَوْن والكَيْنُونَة (٥).\nقال الفراء: [تقول] (٦) في ذوات (الياء): الطَّيْرُوَرة والحَيْدوَدة (٧) والزَّيْغُوغَة فيما لا يحصى من هذا الضرب. فأما ذوات (الواو) مثل: قلت ورضت، فإنهم لا يقولون ذلك فيه، وقد أتى عنهم في أربعة أحرف منها: الكَيُنونَة من (كُنْتُ) والدَّيْمُومَة من (دُمْتُ) والْهَيْعُوعَة من (الْهُوَاع) (٨)،\n_________\n= صلة أي، زائدة، وهذا ما أخذ به المؤلف هنا، ومنهم من قال (كان) هنا غير زائدة، وهو قول الفراء. انظر: \"تهذيب اللغة\" (كان) ٤/ ٣٠٨٤.\nوجعلها المبرد زائدة مؤكدة. انظر: \"المقتضب\" ٤/ ٤١٧.\nوقد قال ابن هشام: إن وجه الزيادة في (كان) هو أضعف الوجوه. انظر: \"مغني اللبيب\" ٢/ ٥٥٩.\n(١) في (أ)، (ج): (ينصرف) واخترت ما في (ب)، لمناسبته للسياق.\n(٢) في (أ)، (ج): (يدل) واخترت ما في (ب)، لمناسبته للسياق.\n(٣) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).\n(٤) انظر: \"الإيضاح العضدي\" للفارسي ١/ ٩٥، \"الأضداد\" لابن الأنباري ص ٦٥، \"الأزهية في علم الحروف\" ص١٨٣، \"مغني اللبيب\" ٢/ ٥٥٩. (٨٣٣).\n(٥) ذكره الازهري وقال: و(الْكَيْنَونَة) أحسن. \"التهذيب\" ٤/ ٣٠٨٤.\n(٦) في (أ)، (ج) (يقول) وفي (ب) بدون نقط والعبارة كما في \"التهذيب\": قال الفراء: (العرب تقول ذوات الياء ... إلخ)، \"التهذيب\": ٤/ ٣٠٨٣.\n(٧) في (ب) (الحيرورة)، وفي \"التهذيب\" (الحيدودة) وهذا الأقرب؛ لأنه قال: الطيرورة من طرت والحيدودة من حدت. \"التهذيب\" ٤/ ٣٠٨٣.\n(٨) الهوع بالفتح والضم: سوء الحرص وشدته، والعداوة، وهاع: قاء من غير تكلف، =","vol":"2","page":290},{"text":"والسَّيْدُودَة من (سُدْتُ) وكان ينبغي أن يكون (كونونة) ولكنها لما قلت في مصادر (الواو) وكثرت في مصادر (الياء) [ألحقوها بالذي هو أكثر مجيئًا منها، إذ كانت الواو والياء] (١) متقاربي المخرج.\nقال: وكان الخليل يقول: كَيْنُونَة (فَيْعَلُولَة)، وهي الأصل (كَيْوَنُونَة) (٢) التقت (ياء) و(واو)، والأولى منهما ساكنة فصيرتا [ياء] (٣) مشددة (٤)، مثل ما قالوا: الهَيِّن، ثم خففوها، فقالوا: (كَيْنُونَة)، كما قالوا: هَيْن لَيْن. قال الفراء: وقد ذهب مذهبا، إلا أن القول عندي هو الأول (٥).\nقال: ويضمر (٦) هاهنا (قد) والتقدير (٧): (وقد كنتم أمواتا) ولولا إضمار (قد) لم يجز مثله في الكلام. وكذلك قوله: ﴿وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ\n_________\n= والاسم (الهَوْع) و(الهُواع) و(الهَيْعُوعة)، انظر \"القاموس\" (الهوع) ص ٧٧٧.\n(١) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).\n(٢) في (ب): (في الاكونونه).\n(٣) (ياء) ساقطة من جميع النسخ، والتصحيح من \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٠٨٤.\n(٤) فصارت (كَينُونَة) انظر \"اللسان\" (كون) ٧/ ٣٩٥٩.\n(٥) انتهى كلام الفراء كما في \"التهذيب\" بنصه، ٤/ ٣٠٨٤ (كان).\nوانظر \"اللسان\" (كون) ٧/ ٣٩٥٩، وفيه عن ابن بري نحو كلام الخليل، وما بعد هذا من كلام الفراء لا ارتباط له بما سبق حيث الكلام السابق ورد بتهذيب اللغة ولعله أخذه عن كتاب المصادر للفراء وما بعده من كتاب \"معاني القرآن\" كما سيأتي.\n(٦) في (ب): (ويضم).\n(٧) في \"معاني القرآن\" (وقوله: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا﴾ المعنى والله أعلم وقد كنتم، ولولا إضمار (قد) ... إلخ) ١/ ٢٤.","vol":"2","page":291},{"text":"دُبُرٍ فَكَذَبَتْ﴾ (١) [يوسف: ٢٧] المعنى: (فقد كذبت). وقولك للرجل: أصبحت كثر مالك، لا يجوز إلا وأنت تريد: قد كثر مالك، لأنهما جميعا قد كانا، فالثاني حال للأول، والحال لا يكون في الفعل إلا بإضمار (قد) أو بإظهارها (٢).\nوحكى الكسائي: أصبحت [(٣) نظرت إلى (ذات التنانير) يريد: قد نظرت، وذات التنانير) موضع (٤). وتقدير الآية: كيف تكفرون وحالكم أنكم كنتم أمواتا.\nومثل هذا قال الزجاج: فإنه قال: ومعنى (كنتم): وقد كنتم وهذه الواو، (واو الحال) (٥).\nقال أبو الفتح: إنما احتيج إلى إضمار (قد) لأن (قد) تقرب الماضي من الحال حتى تلحقه بحكمه، ألا تراهم يقولون: (قد قامت الصلاة) قبل حال قيامها، وعلى هذا قول الشاعر:\n_________\n(١) الواو في قوله ﴿وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ﴾ ساقطة من (ب) وكذا وردت الآية في \"معاني القرآن\" ١/ ٢٤.\n(٢) انتهى ما نقله عن الفراء، انظر: \"معاني القرآن\" ١/ ٢٤، وما ذكره الفراء يقرر القاعدة التي عند الجمهور وهي أن الجملة الفعلية، إذا كان فعلها ماض ووقعت حالا لابد من (قد) ظاهرة أو مقدرة، وبهذا قال \"الطبري\" في \"تفسيره\" ١/ ١٩٠، والزجاج في \"المعاني\" ١/ ٧٤، الثعلبي ١/ ٥٩ ب، أبو حيان في \"البحر\" ١/ ١٣٠ وغيرهم.\n(٣) من هنا يبدأ سقط لوحة كاملة في نسخة (ب).\n(٤) (التنانير) جمع (تنور) وهو واد ذو شجر يقع بين الكوفة وبلاد غطفان، انظر \"معجم ما استعجم\" ١/ ٣٢٠، \"معجم البلدان\" ٢/ ٤٧.\n(٥) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٧٤.","vol":"2","page":292},{"text":"أُمَّ صَبِيٍّ قَدْ حَبَا (١) أَوْ دَارجِ (٢)\nفكأنه قال: حابٍ (٣) أو دارج (٤). ومثل هذه الآية قوله: ﴿أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ [النساء: ٩٠] على معنى: قد حصرت (٥).\nفأما أحكام واو الحال فإنها مذكورة عند قوله: ﴿وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٤].\nوقوله تعالى: ﴿أَمْوَاتًا﴾ قال ابن عباس في رواية الضحاك: أراد (٦): وكنتم ترابًا ردّهم إلى أبيهم آدم (٧).\n_________\n(١) في (ج): (جا).\n(٢) الرجز لجندب بن عمرو يعرض بامرأة الشماخ في قصة أوردها البغدادي في \"الخزانة\" ٤/ ٢٣٨، وهي في \"ديوان الشماخ\" ص ٣٥٣، و(أم صبي): هي امرأة الشماخ، ورد البيت في \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٢١٤، \"سر صناعة الإعراب\" ٢/ ٦٤١، \"الخزانة\" ٤/ ٢٣٨، \"ديوان الشماخ\" ص ٣٦٣، \"اللسان\" (درج) ٣/ ١٣٥٣، \"أوضح المسالك\" ص١٩٣.\n(٣) في (أ) و(ج): (حباب) وما في (ب) موافق لما في \"سر صناعة الإعراب\" لأبي الفتح.\n(٤) قال في \"اللسان\": وجاز له ذلك؛ لأن (قد) تقرب الماضي من الحال حتى تلحقه بحكمه أو تكاد. \"اللسان\" (درج) ٣/ ١٣٥١.\n(٥) انتهى ما نقله المؤلف -بتصرف- من كتاب \"سر صناعة الإعراب\" لأبي الفتح ابن جني ٢/ ٦٤١.\n(٦) في (أ): (أرادوا)، وما في (ب، ج) هو الصحيح.\n(٧) الأثر عن ابن عباس أخرجه \"الطبري\" من طريق الضحاك عن ابن عباس، ١/ ١٨٧، وكذا ابن أبي حاتم ١/ ٧٣، وذكره السيوطي في \"الدر\" وعزاه إلى ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه، (الدر) ١/ ٨٩، وذكره ابن كثير عن الضحاك عن ابن عباس ثم قال: وهكذا روى السدي بسنده عن أبي مالك عن أبي صالح عن ابن عباس، وعن مُرة عن ابن مسعود، وعن ناس من الصحابة، وعن أبي العالية، والحسن، =","vol":"2","page":293},{"text":"وقال في رواية عطاء والكلبي: وكنتم نطفا، وكل ما فارق الجسد من نطفة أو شعر فهو ميت (١) ﴿فَأَحْيَاكُمْ﴾ في الأرحام بأن خلقكم بشرا، وجعل فيكم الحياة ﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾ في الدنيا ﴿ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ للبعث ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ تردون فيفعل بكم ما يشاء مما سبق علمه وحكمه (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-252>٢٩ </span>- قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ الآية قال المفسرون لما استعظم المشركون أمر الإعادة عرفهم خلق السموات والأرض، ليدل بذلك على أن إعادة الحياة فيهم وقد خلقهم أولًا ليس بأكثر من خلقه السموات والأرض وما فيهما (٣).\n_________\n= ومجاهد، وقتادة، وأبي صالح والضحاك وعطاء. ابن كثير ١/ ٧١ - ٧٢، انظر \"الوسيط\" ١/ ٧٠.\n(١) وبهذا النص ذكره الفراء في \"معاني القرآن\" ولم ينسبه لأحد، ١/ ٢٥، والذي ورد عن ابن عباس من طريق عطاء: كنتم أمواتا فأحياكم في أصلاب آبائكم لم تكونوا شيئًا حتى خلقكم، ثم يميتكم موتة الحق، ثم يحييكم حين يبعثكم، أخرجه ابن أبي حاتم ١/ ٧٣، وأخرج نحوه ابن جرير ١/ ١٨٩، وذكره السيوطي في \"الدر\" ونسبه إلى ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم. \"الدر\" ١/ ٨٩، وذكره ابن كثير ١/ ٧١، وانظر: \"تحقيق المروي عن ابن عباس\" في سورة الفاتحة والبقرة وآل عمران ١/ ١٨٩ (رسالة ماجستير إعداد محمد العبد القادر). قال \"الطبري\" -بعد أن ذكر نحو هذا التفسير-: (وهذا قول ووجه من التأويل، لو كان به قائل من أهل القدوة الذين يرتضى للقرآن تأويلهم، ثم قال: وأولى ما ذكرنا من الأقوال: القول الذي ذكرنا عن ابن عباس وابن مسعود: من أن معنى قوله: ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا﴾ أموات الذكر خمولًا في أصلاب أبائكم نطفا، لا تعرفون ولا تذكرون: فأحياكم بإنشائكم بشرا سويا حتى ذكرتم وعرفتم وحييتم ...) ١/ ١٨٩.\n(٢) انظر: \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٥٩ ب.\n(٣) ذكره أبو الليث عن الكلبي ١/ ٣٠٩، والآية فيها دلائل نعمه عليهم مما يوجب عليهم شكره، ودلائل توحيده، انظر: \"الطبري\" ١/ ١٩٠، وابن كثير ١/ ٧٢.","vol":"2","page":294},{"text":"وقوله تعالى: ﴿لَكُمْ﴾ أي: لأجلكم، فما في الأرض مخلوق لهم بعضها للانتفاع، وبعضها للاعتبار (١)، فإن السباع والعقارب والحيات، وكل ما يؤذي ويضر فيها منفعة للمكلفين وجهة ما فيها من العبرة والإرهاب؛ لأنه إذا رئي (٢) طرف من المتوعد به كان أبلغ في الزجر عن المعصية وأدعى إلى التمسك بالطاعة، كما أنه إذا قدم طرف من الموعود به كانت النفس إليه (٣) أشوق، وعليه (٤) أحرص، والأصل في ذلك أن الخبر لا يقوم مقام المشاهدة فيما يصل إلى القلب ويبلغ إلى النفس (٥).\nوقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾. أخبرني أبو سعيد بن أبي عمرو النيسابوري (٦) ﵀ ثنا محمد بن يعقوب المعقلي (٧) أبنا (٨) محمد ابن (٩) الجهم عن الفراء قال: (الاستواء) في كلام العرب على جهتين،\n_________\n(١) في (أ): (الاعتبار)، وما في (ب)، (ج) أصح.\n(٢) في (أ)، (ج): (أرى)، وأثبت ما في (ب) لأنه أنسب للسياق.\n(٣) في (ج): (عليه).\n(٤) في (ج): (إليه).\n(٥) وفي خلق هذِه الأشياء التي ذكر حكم كثيرة، منها ما علم للبشر، ومنها ما لم يعلم، وما ذكره بعض هذِه الحكم. انظر: \"تفسير ابن عطية\" ١/ ٢٢٣، \"الكشاف\" ١/ ١٧٠، \"زاد المسير\" ١/ ٥٨، \"القرطبي\" ١/ ٢١٦.\n(٦) هو أبو سعيد، محمد بن موسى بن الفضل بن شاذان الصيرفي، بن أبي عمرو النيسابوري، سمع من الأصم وأكثر عنه، كان ثقةً مأمونًا، مات في سنة إحدى وعشرين وأربعمائة. انظر: \"سير أعلام النبلاء\" ١٧/ ٣٥٠، \"شذرات الذهب\" ٣/ ٢٢٠.\n(٧) هو الإمام المحدث محمد بن يعقوب المعقلي المعروف بالأصم، تقدمت ترجمته في المقدمة.\n(٨) في (ج): (ثنا).\n(٩) هو محمد بن الجهم السمري، أبو عبد الله، الكاتب، تلميذ الفراء وراوية كتبه، =","vol":"2","page":295},{"text":"إحداهما: أن يستوي الرجل وينتهي شبابه وقوته، (١) ويستوي من اعوجاج، وهذان وجهان، ووجه ثالث أن يقول: كان فلان مقبلا على فلان ثم استوى عليّ وإليّ [يشاتمني] (٢) على معنى أقبل عليّ وإليّ، فهذا معنى قوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ (٣).\nوأقرأني العروضي، عن الأزهري، قال: أخبرني المنذري، قال: سئل أحمد بن يحيى عن (الاستواء) في صفة الله، فقال: الاستواء الإقبال على الشيء (٤).\nوأقرأني سعيد بن محمد الحيري (٥) ﵀ عن أبي الحسن بن مقسم وأبي علي الفارسي عن الزجاج قال: قال قوم في قوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾: عمد وقصد إلى السماء، كما تقول: فرغ الأمير من بلد كذا، ثم استوى إلى بلد كذا، معناه: قصد بالاستواء إليه. قال: وقول ابن عباس: ﴿اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ أي صعد، معناه صعد أمره إلى السماء (٦)، انتهى\n_________\n= كان من أئمة العربية العارفين بها، قال الدارقطني: ثقة، مات سنة سبع وسبعين ومائتين. انظر تاريخ بغداد ٢/ ١٦١، \"معجم الأدباء\" ١٨/ ١٠٩، \"سير أعلام النبلاء\" ٣١/ ١٦٣.\n(١) في \"معاني القرآن\" للفراء (أو) وهو أصح ١/ ٢٥، وانظر \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٧٩٤.\n(٢) في (أ)، (ج): (يكلمين) غير واضحة المعنى، والتصحيح من \"معاني القرآن\"، ومن \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٧٩٤.\n(٣) انتهى ما نقله عن الفراء، وفي \"معاني القرآن\" قال: (وقال ابن عباس ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ صعد .. وكل كلام في كلام العرب جائزٌ، انظر: \"معاني القرآن\" ١/ ٢٥، \"تهذيب اللغة\" (لفيف السين) ٢/ ١٧٩٤.\n(٤) \"تهذيب اللغة\" (لفيف السين) ٢/ ١٧٩٤.\n(٥) أحد شيوخ الواحدي مضت ترجمته.\n(٦) هذا تأويل وصرف لكلام ابن عباس.","vol":"2","page":296},{"text":"كلامه (١)] (٢).\nوحكى أهل اللغة أن العرب تقول: كان الأمير يدبر أهل الشام ثم استوى إلى أهل الحجاز، أي: تحول فعله وتدبيره إليهم (٣).\nوالأصل في (الاستواء) الاستقامة (٤)، وإنما قيل للقصد إلى الشيء\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٧٥، ٧٥، \"تهذيب اللغة\" (لفيف السين) ٢/ ١٧٩٤، ونص عبارة الواحدي أقرب إلى عبارة \"التهذيب\".\n(٢) نهاية السقط من نسخة (ب).\n(٣) انظر: \"معاني القرآن\" للأخفش ١/ ٢١٨، \"تفسير الطبري\" ١/ ١٩١، \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٧٤.\nوكل هذِه \"المعاني\" التي ذكرها من باب التأويل، والمنهج السوي أن نثبت لله ما أثبته لنفسه، فهو سبحانه مستو على عرشه عال على خلقه، ولا يلزم لهذا أي لازم باطل مما يلزم لاستواء المخلوقين.\nقال الأشعري في \"الإبانة عن أصول الديانة\": (وإن قال قائل ما تقولون في الاستواء؟ قيل له: نقول إن الله ﷿ مستو على عرشه كما قال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ [طه: ٥]، وقد قال الله ﷿: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠]، وقال: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء: ١٥٨] ..) ثم قال: (.. وقد قال قائلون من المعتزلة والجهمية والحروية: إن قول الله ﷿: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾\n[طه:٥]، إنه استولى وملك وقهر، وإن الله ﷿ في كل مكان وجحدوا أن يكون الله ﷿ على عرشه كما قال أهل الحق، وذهبوا في الاستواء إلى القدرة، ولو كان هذا كما ذكروه كان لا فرق بين العرش والأرض، فالله سبحانه قادر عليها وعلى الحشوش، وعلى كل ما في العالم ..) \"الإبانة عن أصول الديانة\" ص ٨١، انظر \"شرح العقيدة الطحاوية\" ص ٣٤٣، \"الرسالة التدمرية\" ص ٨١، \"مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية\" ٥/ ٩٥، ١٤٤،١٣٦.\n(٤) الاستواء في (كلام العرب) يأتي على وجوه كما مر قريبا في كلام الفراء ومن تلك الوجوه ما ذكره عن ابن عباس: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾: صعد، ثم قال: (وكل في (كلام العرب) جائز) انظر \"معاني القرآن\" للفراء١/ ٢٥، \"تفسير الطبري\" ١/ ١٩١، \"تهذيب اللغة\" (لفيف السين) ٢/ ١٧٩٤.","vol":"2","page":297},{"text":"استواء لأن الاستواء يسمى قصدًا، يقال: أمر قاصد وعلى قصد، إذا كان على استواء واستقامة، فلما سمي الاستواء قصدًا، سمي القصد استواء، وإن لم يكن المراد بالقصد الاستقامة، ظنًّا منهم أن كليهما سواء لما اجتمعا في التسمية في موضع، هذا تعليل ذكره بعض أصحاب المعاني (١) لتسميتهم القصد: استواءً وإن كانت اللغة لا تعلل.\nوأما استوى بمعنى: استولى، فقد يكون، وكأنه يقول: (استوت له الأمور فاستولى) (٢)، ثم وضع (استوى) موضع (استولى) (٣).\nوقال الأخفش: استوى (٤) أي: علا، تقول (٥): استويت فوق الدابة وعلى ظهر البيت أي علوته (٦).\n_________\n(١) في (ب): (أهل المعاني).\n(٢) في (ب): (واستولى).\n(٣) قال أبو الحسن الأشعري في (الإبانة): (... فلو كان الله مستويا على العرش بمعنى الاستيلاء، وهو ﷿ مستول على الأشياء كلها، لكان مستويا على العرش وعلى الأرض وعلى السماء .... لأنه قادر على الأشياء مستول عليها .. لم يجز أن يكون الاستواء على العرش: الاستيلاء الذي هو عام في الأشياء كلها، ووجب أن يكون معناه استواء يختص العرش دون الأشياء كلها ...) \"الإبانة عن أصول الديانة\" ص ٤٩. وذكر ابن تيمية اثني عشر وجها في الرد على من فسر ﴿اسْتَوَى﴾ معنى (استولى) ومن تلك الوجوه: أنه لم يرد عن أحد من الصحابة ولا التابعين لهم، بل تفسير حدث من المبتدعة بعدهم. ثم هو ضعيف لغة. انظر: \"مجموع الفتاوى\" ٥/ ١٤٤ - ١٤٩.\n(٤) في (ب): (يقول: أي علا).\n(٥) في (ب): (يقول) وفي \"تهذيب اللغة\" (وتقول) ٢/ ١٧٩٤.\n(٦) انظر كلام الأخفش في \"تهذيب اللغة\" (لفيف السين) ٢/ ١٧٩٤.","vol":"2","page":298},{"text":"وهذا القول اختيار محمد بن جرير قال: ومعناه (١) ارتفع ارتفاع ملك وسطان، لا ارتفاع انتقال وزوال (٢)، وإنما هو ارتفاع تدبيره وحكمه وسلطانه، وهذا قريب من قول ابن عباس وتوجيه الزجاج لقوله (٣).\nوقوله تعالى ﴿فَسَوَّاهُنَّ﴾. حقيقة (التسوية) الجعل على الاستواء، يقال سويت الشيئين فاستويا، والفرق بينه وبين التقويم أن التسوية قد تكون بالحكم أن الشيئين يستويان، والتقويم لا يكون بالحكم، وإنما يكون\n_________\n(١) (الواو) ساقطة من (ب).\n(٢) رجح ابن جرير: أن الاستواء بمعنى العلو، فقال -بعد أن ذكر الأقوال في الاستواء-: (وأولى المعاني) بقول الله جل ثناؤه: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ﴾ علا عليهن وارتفع، فدبرهن بقدرته وخلقهن سبع سموات. والعجب ممن أنكر المعنى المفهوم من كلام العرب في تأويل قول الله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾، الذي هو بمعنى العلو والارتفاع، هربا عند نفسه من أن يلزمه بزعمه -إذا تأوله بمعناه المفهوم كذلك- أن يكون إنما علا وارتفع بعد أن كان تحتها، إلى أن تأوله بالمجهول من تأويله المستنكر، ثم لم ينج مما هرب منه!، فيقال له: زعمت أن تأويل قوله: (استوى) أقبل، أفكان مدبرا عن السماء فأقبل إليها؟ فإن زعم أن ذلك ليس بإقبال فعل، ولكنه إقبال تدبير، قيل له فكذلك، فقل: علا عليها علو ملك وسلطان، لا علو انتقال وزوال، ثم لن يقول في شيء من ذلك قولا إلا ألزم في الآخر مثله، ولولا أنا كرهنا إطالة الكتاب بما ليس من جنسه، لأنبأنا عن فساد قول كل قائل قال في ذلك قولا، لقول أهل الحق فيه مخالفا ....) \"الطبري\" ١/ ١٩٢. ونرى في سياق كلام الطبري أنه رجح في معنى (الاستواء) ما قال به السلف ثم أخذ يحاور المؤوّلين، ومن باب إلزام الحجة لهم قال: (قل: علا عليها علو ملك وسلطان ...) ولا شك أن هذِه العبارة ليس من نهج السلف في الإثبات والله أعلم.\n(٣) قول ابن عباس: إنه بمعنى صعد، كما ذكر الفراء ١/ ٢٥، وإنما أوله الزجاج بمعنى: يصعد أمره. انظر. \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٧٥.","vol":"2","page":299},{"text":"بالفعل (١).\nوجمع الكناية (٢) في ﴿فَسَوَّاهُنَّ﴾ لأنه أراد بلفظ (السماء) جميع السموات كقولهم: كثر الدرهم والدينار في أيدي الناس، يراد الجمع (٣)، وكثيرًا ما يذكر الواحد والمراد به الجمع، كقوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي﴾ [الشعراء:٧٧] وقوله: ﴿إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء:١٦]. وكما أنشده (٤) قطرب:\nأَلاَ إِنَّ جِيرَانِي العَشِيَّة رَائِحٌ ... دَعَتْهُمْ دَوَاعٍ مِنْ هَوى وَمنَادِحُ (٥)\nويجوز أن يراد بالسماء جمع سماة أو سماوة، على ما ذكرنا قبل (٦). وجائز أن تعود الكناية على أجزاء السماء ونواحيها (٧). وقوله تعالى: ﴿سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾. (السبع) عدد المؤنث، والسبعة\n_________\n(١) قال ابن جرير: ﴿فَسَوَّاهُنَّ﴾ يعني هيأهن وخلقهن ودبرهن وقومهن، والتسوية في (كلام العرب): التقويم والإصلاح والتوطئة ففسر (التسوية) بالاستقامة، انظر \"الطبري\" ١/ ١٩٢، وانظر: \"الكشاف\" ١/ ٢٧١.\n(٢) الكناية: الضمير.\n(٣) ذكره الزجاج عن الأخفش، \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٧٥، وانظر: \"معاني القرآن\" للأخفش ١/ ٢١٧، \"معانىِ القرآن\" للفراء ١/ ٢٥، وذكر هذا الرأي \"الطبري\"، وأختار غيره كما يأتي ١/ ١٩٣.\n(٤) في (ب): (أنشد).\n(٥) البيت لحيان بن جُلْبَة المحاربي، جاهلي ذكره أبو زيد في \"نوادره\" مع بيت بعده ص ٤٤٤، وكذا البكري في \"معجم ما استعجم\" ١/ ١٣٧، والسيوطي في \"همع الهوامع\" ٦/ ١١٩.\n(٦) ذكره عند قوله تعالى: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾ البقرة: ١٩، ص ٥٤٧، وقد ذكر هذا الرأي \"الطبري\" واختاره ١/ ١٩٢، والزجاج ١/ ٧٥.\n(٧) فجمع باعتبار تعدد أجزائها ونواحيها، انظر \"الطبري\" ١/ ١٩٣.","vol":"2","page":300},{"text":"للمذكر، وجاء التذكير والتأنيث في هذا على خلاف الأصل، لأنهم لما (١) وضعوا العدد في أول أمره قبل أن يعلق على معنى تحته وأكثر من العدد، قالوا: أربعة خمسة، ثم أرادوا بعد ذلك (٢) تعليقه على المعدود، وكان المذكر هو الأول جعلوا الأول للأول، والثاني للثاني (٣).\nولهذا علل كثيرة يذكر (٤) في غير هذا الكتاب (٥).\nوقوله تعالى: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾. أي من كفرهم ونفاقهم وكتمهم وصفك يا محمد.\nوقيل: إنه لما ذكر ما يدل على القدرة والاستيلاء (٦) وصل (٧) ذلك بوصفه بالعلم، إذ به يصح الفعل المحكم المتقن. وقيل: هو (٨) بكل شي عليم من الخلق والتسوية (٩).\nوالآية لا تدل على أنه خلق السماء بعد الأرض، إنما تدل على أنه\n_________\n(١) (لما) ساقط من (ب).\n(٢) في (ب): (تعليقه بعد ذلك).\n(٣) الأول في العدد (ثلاثة) وفي المعدود المذكر، والثاني في العدد (ثلاثة) وفي المعدود المؤنث.\n(٤) (يذكر) ساقط من (ب)، والأولى للسياق تذكر.\n(٥) اختلف النحويون في علة ذلك على أقوال كثيرة، انظر بعض هذِه العلل في \"جمل الزجاجي\" ص ١٢٥، \"وشرح جمل الزجاجي\" لابن عصفور ٢/ ٣٠.\n(٦) هذا من التأويل، بل (الاستواء العلو).\n(٧) في (ب): (وصف).\n(٨) في (ب): (وهو).\n(٩) والأولى عموم ذلك، فالذي خلقكم وخلق لكم ما في الأرض، وسوى السموات السبع فأحكمهن واستوى على عرشه، لا يخفى عليه منكم شيء، انظر. \"الطبري\" ١/ ١٩٥، \"تفسير أبي الليث\" ١/ ١٠٧، \"الكشاف\" ١/ ٢٧١، \"القرطبي\" ١/ ٢٢٣.","vol":"2","page":301},{"text":"جعلها سبعًا بعد ما خلق الأرض، وقد كانت السماء قبل ذلك مخلوقة، كما قال أهل التفسير: إنها كانت قبل دخانًا (١).\nوكان أبو عمرو والكسائي يخففان (وهو)، (فهو) ويسكنان (الهاء) مع الواو والفاء واللام (٢).\nوذلك أنهما يجعلان هذه الحروف كأنها من نفس الكلمة، لما (٣) لم يكن لها إذا (٤) أفردت معنى، فأشبهت في حال دخولها الكلمة ما كان من نفسها (٥).\nوإذ كان كذلك خففت (الهاء) كما خففت (العينات) (٦) في (سَبُع)\n_________\n(١) في هذِه المسألة نزاع بين المفسرين، وقول الجمهور على أن الله خلق الأرض أولا، ثم خلق السماء، لكن دحو الأرض كان بعد خلق السماء. وجمع \"القرطبي\" بين الأقوال بأن الدخان الذي خلقت منه السماء خلق أولا، ثم الأرض ثم سويت السماء من ذلك الدخان ثم دحيت الأرض بعد ذلك، وعلى هذا يدل كلام الواحدي، انظر. \"تفسير الطبري\" ١/ ١٩٣ - ١٩٥، \"تفسير أبي الليث\" ١/ ١٠٧، \"زاد المسير\" ١/ ٥٨، \"الكشاف\" ١/ ٢٧١، \"القرطبي\" ١/ ٢١٩ - ٢٢١، و\"ابن كثير\" ١/ ٧٢ - ٧٣.\n(٢) الهاء إذا سبقت بالواو أو الفاء أو اللام أو ثم (وهو، فهو، ولهو، وثم، هو) فابن كثير وعاصم وابن عامر وحمزة يقرؤون بتحريك الهاء في ذلك كله، والكسائي بتخفيف ذلك وإسكان الهاء، وأبو عمرو يسكنها في القرآن ماعدا قوله تعالى: ﴿ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [القصص: ٦١]، فيضم الهاء، وعن نافع روايتان التثقيل والتخفيف، انظر \"السبعة\" لابن مجاهد ص ١٥١، \"الحجة\" لأبي علي ١/ ٤٠٦، \"الكشف\" ١/ ٢٣٤، \"التيسير\" ص ٧٢، \"النشر\" ٢/ ٢٠٩.\n(٣) في (ب): (مما لم).\n(٤) في (ب): (إذ).\n(٥) في (ب): (تقسيمها).\n(٦) في (ب): (العينان).","vol":"2","page":302},{"text":"و(عَضُد) (١) ونحوهما، ولا يخففان (٢) ﴿ثُمَّ هُوَ﴾ [القصص: ٦١] لأنه لا يستقيم أن يجعل (ثم) بمنزلة (الفاء) وما كان على حرف. والحرف الواحد قل يجعل كأنه من نفس الكلمة (٣)، وذلك قولهم: (لعمري وَرَعَمْلِي) فقلبوه مع اللام، واللام زائدة (٤).\nومثل تخفيفهم (٥) (لَهْو) قولهم: (أَرَاك مُنْتَفْخًا) (٦) لما كان (تَفِخًا) (٧)، مثل [كَتِف] (٨) خفف، وكذلك قراءة من قرأ (٩) ﴿وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ﴾ [النور: ٥٢]، لما كان (تَقِه) (١٠)، مثل (كتف) خفف.\nومثل ذلك ما أنشده الخليل:\nأَلاَ رُبَّ مَوْلُودٍ وَلَيْسَ لَهُ أَبٌ ... وَذِي وَلَدٍ لَمْ يَلْدهُ أَبَوَانِ (١١)\n_________\n(١) فيقال: (سَبْع) و(عَضْد) بتسكين العين. انظر: \"الحجة\" ١/ ٤٠٧، \"الكشف\" لمكي ١/ ٢٣٤.\n(٢) قوله: (ولا يخففان) يعود على الكسائي وأبي عمرو، والصحيح (ولا يخفف أبو عمرو، أما الكسائي فإنه يخفف (ثم هو) انظر: \"الحجة\" ١/ ٤٠٧ - ٤٠٩، فلعل العبارة تصحيف، أو وهم من المؤلف.\n(٣) إذا اتصل بالكلمة بخلاف (ثم)، انظر: \"الحجة\" ١/ ٤٠٨.\n(٤) فجعلوا اللام كأنها من بنية الكلمة، وأبدلوها مكان (الراء).\n(٥) في (ب): (تحقيقهم).\n(٦) في (ب): (مستحقا).\n(٧) الأصل في (تفخا) كسر الفاء، وخففت في (مُنْتَفْخًا) بالإسكان.\n(٨) في جميع النسخ (كيف) والتصحيح من \"الحجة\" ١/ ٤٠٨، و(كتف) يخفف في لغة بإسكان الوسط فيقال. (كَتْف).\n(٩) وهي قراءة حفص عن عاصم (ويَتَّقْه)، انظر \"السبعة\" ص ٤٠٨، \"الكشف\" ٢/ ١٤٠.\n(١٠) أي أنه شبه (تقه) (كتف) حيث خفف الثاني بالإسكان.\n(١١) البيت لعمرو الجنبي، ونسبه سيبويه لرجل من أزد السراة، والمولود الذي ليس له =","vol":"2","page":303},{"text":"لما كان (يلد)، مثل (كتف) (١) خفف، ثم حرك الدال لالتقاء الساكنين، لأنه (٢) كان يجب أن يسكن علامة للجزم، فهذه الأشياء متصلة، وقوله: (فهو وهو ولهو) في حكمها، وليس كذلك (ثم هو) (٣) ألا ترى أن (ثم) منفصل من (هو) (٤) لإمكان الوقف عليها وإفرادها مما بعدها، وليست الكلم التي على حرف واحد كذلك. ولمن (٥) خفف (ثم هو) أن يقول (٦): إن (ثم) مثل الفاء والواو واللام في أنهن لسن (٧) من الكلمة، كما أن (ثم) ليس منها، وقد جعلوا المنفصل بمنزلة المتصل في أشياء، ألا ترى أنهم أدغموا (٨) نحو (يدْ دّاود) و(وجَعَلْ (٩) لَّك) كما أدغموا (رَدَّ) (١٠) و(عَدَّ)،\n_________\n= أب هو عيسى ﵇، والذي لم يلده أبوان هو آدم. والشاهد في البيت (يَلْدَه) أراد لم يلده بسكون الدال، فلما التقى ساكنان اللام والدال حرك الدال بحركة أقرب متحرك منها وهو الياء ففتحها. ورد البيت في \"الكتاب\" ٢/ ٢٦٦، \"الكامل\" ٣/ ١٧٧، \"الحجة\" ١/ ٦٦،٤٠٩، \"التكملة\" ص ٧، \"المخصص\" ١٤/ ٢٢١، ١٧/ ٦٣، \"الخصائص\" ٢/ ٣٣٣، \"شرح المفصل\" ٤/ ٤٨، ٩/ ١٢٣، ١٢٦، \"مغنى اللبيب\" ١/ ١٣٥، \"الهمع\" ١/ ١٨٦، \"الخزانة\" ٢/ ٣٨١.\n(١) في (أ)، (ج). (كيف) وأثبت ما في (ب) لأنه الصواب وموافق لما في \"الحجة\".\n(٢) في (ب): (لا كان).\n(٣) في (ب): (هوى).\n(٤) في (أ)، (ج): (من ها ولا مكان) وأثبت ما في (ب) لأنه هو الصحيح وموافق لما في \"الحجة\" ١/ ٤٠٩.\n(٥) في (ج): (ولم). ومن خفف هو الكسائي: انظر: \"الحجة\" ١/ ٤٠٩.\n(٦) في (ج): (تقول).\n(٧) في (ب): (ليس).\n(٨) في (ب): (أقدموا).\n(٩) فأدغموا الدال من (يد) في دال (داود) وهما في كلمتين منفصلتين وكذا (جعل لك).\n(١٠) وهما في كلمة واحدة.","vol":"2","page":304},{"text":"ومثل هذا قول امرئ القيس:\nفَالْيَومَ أَشْرَبْ غَيْرَ (١) مُسْتَحْقِبِ (٢)\nفـ (رَبْ غَيْ) (٣) مثل: (سبع)، وقد أسكن. وأنشد أبو زيد على هذ:\nقَالَتْ سُلَيْمَى اشْتَرْ لَنَا دَقِيقًا (٤)\n_________\n(١) (غير) ساقطة من (ج)\n(٢) البيت لامرئ القيس وتمامه:\nإِثْمًا مِنَ الله وَلَاَ واغِل\nقاله بعد أن أدرك ثأره في أبيه، وكان قد نذر لا يشرب الخمر، فلما أدرك ثأره رأى أنه تحلل من نذره، والمستحقب: المتكسب، وأصل الاستحقاب حمل الشيء في الحقيبة، والواغل: الداخل على القوم يشربون ولم يدع. والبيت من \"شواهد سيبويه\" ٤/ ٢٠٤، \"الحجة\" ١/ ١١٧/، ٤١٠، ٢/ ٨٠، \"نوادر أبي زيد\" ص١٨٧، \"الخصائص\" ١/ ٧٤، ٢/ ٣١٧، ٣٤٠، ٣/ ٩٦، \"شرح المفصل\" ١/ ٤٨، \"الهمع\" ١/ ١٨٧، \"الخزانة\" ١/ ١٥٢، ٣/ ٤٦٣، ٤/ ١٠٦، ٤٨٤، ٨/ ٣٣٩، وفي \"ديوان امرئ القيس\" ص ١٢٢، برواية (أسقى) بدل أشرب، وعليه فلا شاهد فيه، وبهذا أخذ المبرد، ولكنه في \"الديوان\" ص ١٣٤، برواية (أَشربْ) والشاهد فيه عند النحويين، تسكين الحرف في أشرب، وحذف الضمة.\n(٣) في (ب): (على)، وفي \"الحجة\" فـ (رب غ) أي أنه جعل آخر كلمة (أشرب) مع أول كلية (غير) مثل كلمة واحد كـ (سبع) فأسكن.\n(٤) الرجز لرجل من كندة يقال له: (العُذَاِفِر الكندي) وبعده:\nوهَات بُرَّ البَخْسِ أَوْ دَقِيقَا\nوفي جميع المصادر (سويقا) بدل (دقيقًا)، أورده أبو زيد في \"النوادر\" ص ١٧٠، وفي \"الحجة\" لأبي على١/ ٦٧، ٤١٠، \"التكملة\" ص ٨، \"الخصائص\" ٢/ ٣٤٠، ٣/ ٩٦، \"المنصف\" ٢/ ٢٣٧، \"اللسان\" (بخس) ٦/ ٢٥. وبهذا البيت ينتهي ما نقله الواحدي في هذا الموضع من (الحجة) أبي علي الفارس بتصرف ١/ ٤٠٧، ٤١٠، وانظر: \"الحجة في القراءات\" لابن خالويه ص ٧٣، \"الكشف\" لمكي ١/ ٢٣٤، ٢٣٥.","vol":"2","page":305},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-253>٣٠ </span>- قوله تعالى ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ﴾. قال النحاة: (إذ) و(إذا) [حرفا توقيت، (إذ) للماضي و(إذا)] (١) لما يستقبل (٢).\nقال المبرد: إذا جاء (إذ) مع المستقبل كان معناه المضي نحو قوله: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ﴾ [الأنفال:٣٠]، ﴿وَإِذْ تَقُولُ﴾ [الأحزاب:٣٧] يريد: وإذ مكر، وإذ قلت. وإذا جاء (إذا) (٣) مع الماضي كان معناه الاستقبال (٤) كقوله: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ﴾ [النازعات:٣٤] و﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ﴾ [النصر:١] أي يجيء (٥).\nفإن قيل: إذا كانت (إذ) لما مضى (٦)، فكيف جاز (٧) ﴿وَإِذ قَالَ اللهُ\n_________\n(١) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).\n(٢) قال الثعلبي (إذ وإذا حرفا توقيت، إلا أن (إذ) للماضي و(إذا) للمستقبل وقد يوضع أحدهما موضع الآخر) \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٦٠ أ، وذكر نحوه ابن الأنباري في (الأضداد) ص ١١٨، وكذا الأزهري في \"تهذيب اللغة\" ١/ ١٣٧، وقال سيبويه: (إذا لما يستقبل من الدهر ... وهي ظرف ... وتكون إذ مثلها، \"الكتاب\" ٤/ ٢٣٢، وانظر: \"مغني اللبيب\" ١/ ٨٠، ٨٧.\n(٣) في (ب): (إذ).\n(٤) في (ب) كان معناه الاستقبال في (المعنى وفي اللفظ)، وهذِه الزيادة غير موجودة في (أ)، (ج). ولا في \"تفسير الثعلبي\" الذي نقل الواحدي عنه.\n(٥) في (أ)، (ج). (تجئ) وفي (ب) بدون إعجام، والتصحيح من \"تفسير الثعلبي\"، انظر كلام المبرد في \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٦٠ أ، \"القرطبي\" في \"تفسيره\" ١/ ٢٢٣، ولم أجده بهذا النص فيما اطلعت عليه من كتب المبرد، انظر: \"المقتضب\" ٢/ ٥٢ - ٥٧، ٧٦، ٧٧، ١٧٦، ١٧٨، \"تهذيب اللغة\" ١/ ١٣٧، \"الأضداد\" لابن الأنباري ص ١١٨.\n(٦) سبق قريبًا أن (إذ)، قد تأتي للمستقبل إذا شهر المعنى، ذكر هذا ابن الأنباري واستشهد بقوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ١١٠] انظر \"الأضداد\" ص ١١٨.\n(٧) في (ب): (جاد).","vol":"2","page":306},{"text":"يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ١١٦]، ﴿وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ﴾ [غافر: ٤٧]؟.\nوالجواب أن هذا خرج على تقدير الاستقبال في المعنى، وفي اللفظ على صورة المضي (١)، لأن ما تحقق كونه فهو بمنزلة ما قد كان، كقوله: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف:٤٤]، ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ﴾ [الأعراف: ٥٠] وأشباهه (٢).\nوقال أبو عبيدة: (إذ) هاهنا (٣) زائدة، معناه: وقال ربك للملائكة (٤). وأنكر الزجاج وغيره هذا القول (٥)، وقالوا (٦): إن الحرف إذا أفاد\n_________\n(١) من قوله: (على صورة المضي ..). وما بعده إلى نهاية تفسير لفظ (الملائكة) ورد مكررا في جميع النسخ الثلاث التي اعتمدت عليها، وقد علق الناسخ في نسخة (أ) على أول الكلام المكرر كلمة (مكرر) بينما الناسخ في (ج) أدخل كلمة (مكرر) وسط الكلام، وكأنه ظن أنها جزء من السياق. وبعد التمحيص للكلام المكرر وجدت في أوله بعض الفروقات اليسيرة أما في تفسير لفظ: (الملائكة) ففيه اختلاف كبير، وهو ملخص مما قبله بإتقان، ويظهر لي أن المؤلف أضرب عن كلامه السابق وأعاده مرة أخرى، ونقله النساخ على وضعه، وقد أثبت الكلام على حسب ما ورد في المخطوطات بدون تصرف في الأصل وعلقت على الفروق في مواضعها.\n(٢) انظر: \"الأضداد\" لابن الأنباري ص ١١٩، \"تهذيب اللغة\" ١/ ١٣٧.\n(٣) في المكرر (في هذا الموضع).\n(٤) انظر: \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ١/ ٣٦، \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٥٩ ب، و\"الطبري\" في \"تفسيره\" ١/ ١٩٥، وبنحو قول أبي عبيدة قال ابن قتيبة، انظر: \"غريب القرآن\" ص ٤٥.\n(٥) قال الزجاج في رده على أبي عبيدة (هذا إقدام من أبي عبيدة، لأن القرآن لا ينبغي أن يتكلم فيه إلا بغاية تجري إلى الحق و(إذ) معناها الوقت، وهي اسم، فكيف يكون لغوا ...)، \"معاني القرآن\" ١/ ٧٥، وممن أنكر على أبي عبيدة النحاس في \"إعراب القرآن\"، ١/ ١٥٦، و\"الطبري\" في \"تفسيره\" ١/ ١٩٥.\n(٦) في المكرر (وهو أن الحرف إذا كان مفيدًا معنى ...)، وفي (ب) (مقيد).","vol":"2","page":307},{"text":"معنى صحيحا لم يجز إلغاؤه، قالوا: وفي الآية محذوف معناه: واذكر يا محمد إذ قال ربك (١).\nوقال أبو إسحاق (٢): إن الله جل ذكره ذكر خلق الناس في هذه الآية فكأنه قال: ابتدأ خلقكم إذ قال ربك للملائكة (٣).\nوأكثر المفسرين (٤) على أن كل ما ورد في القرآن من هذا النحو فالذكر فيه مضمر (٥).\nوأما (٦) (الملائكة) فقال سيبويه (٧): واحدها ملك، وأصله مَلْأَك، مهموز، حذف همزه لكثرة الاستعمال، وأنشد:\nفَلَسْتَ لإنْسِيٍّ ولكن لمَلْأَكٍ ... تَنَزَّلَ مِنْ جَوِّ السِّماء يَصُوبُ (٨)\nوتابعه على هذا القول أكثر أهل العلم (٩).\n_________\n(١) \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٥٩ ب، وانظر \"تفسير الطبري\" ١/ ١٩٦.\n(٢) في المكرر (الزجاج).\n(٣) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٧٦.\n(٤) في (ب): (المفسرون) وفي المكرر (وعند غيره من المفسرين ...).\n(٥) انظر: \"تفسير أبي الليث\" ١/ ١٠٧، وابن عطية في \"تفسيره\" ١/ ٢٤٠، \"القرطبي\" في \"تفسيره\" ١/ ٢٢٤.\n(٦) (الواو) ساقطة من (ب).\n(٧) انظر كلام سيبويه في (الكتاب) ٤/ ٣٧٩.\n(٨) البيت لعلقمة الفحل، وقيل: لرجل من عبد القيس جاهلي، وقيل لأبي وجزة السعدي، وقد سبق تخريجه عند تفسير قوله تعالى: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ١٩] ص ٥٧٢.\n(٩) أصلها (ملْأك)، يحذفون الهمزة منه، وينقلون حركتها إلى اللام وكانت مسكنة في حال همز الاسم. فإذا جمع الاسم ردوا الهمزة على الأصل فقالوا: (ملائكة)، انظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ١٩٧، والثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ٦٠ أ، \"مجاز القرآن\" ١/ ٣٥، \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٨٠، \"تهذيب اللغة\" (ملك) ٤/ ٣٤٤٩، =","vol":"2","page":308},{"text":"إلا أن المحدثين من البصريين ذكروا أن هذا من باب القلب (١) فقالوا: نقل همزة (الأَلُوك)، وهو (فاء) إلى عينه، وقدموا العين، فقالوا: (لؤُوك) (٢) وبنوا (الْمَلْأَك) منه، وإنما قالوا ذلك لأنهم لم يجدوا لـ (مَلْأَك) (٣) أصلًا يردّونه إليه. وكان ادعاء القلب في الكلمة أولى عندهم من إهمال أصل (الْمَلْأَك) إذ علموا أن (المَفْعَل) (٤) وما يجري مجراه مما زيد في أوله ميم لابد له (٥) من أصل ثلاثي يرد إليه، ولم يمكن رد (الْمَلأَك) إلى (لَأَكَ) لأنه مهمل لم ينطق به (٦) فردوه إلى (أَلَك) لما (٧) وجدوا في الكلام: (الْمألَك) (٨)، و(الْمَأْلُك) و(الْمَاْلُكة) في معنى\n_________\n= و(ألك) ١/ ١٨٤، \"الكشاف\" ١/ ٣٧١. وذكر أبو البركات ابن الأنباري الأقوال في أصل (ملك) وهي:\n١ - الملائكة جمع (ملك) على أصله في الهمز بعد القلب وهو (مَلْأَك) وأصل (مَلْأَك): (مَأْلكَ) لأنه من أَلكَ إذا أرسل، ووزنه على الأصل (مَفْعَل) فنقلت العين إلى موضع الفاء فصار (مَلْأكًا).\n٢ - أنه مشتق من (لَأَك) إذأ أرسل، فاللام (فاء) والهمز (عين) ولا قلب فيه.\n٣ - أنه مشتق من (مَلَكْت)، الميم أصلية ووزنه (فَعَلٌ) انظر \"البيان في غريب إعراب القرآن\" ١/ ٧٠.\n(١) أي قلب المكان.\n(٢) في (ب): (لؤك).\n(٣) في (ب): (الملاك).\n(٤) في (ج): (الفعل).\n(٥) (له) ساقط من (ب).\n(٦) قال مكي: قال أبو عبيد: هو مشتق -أي: ملك- من (لأك) إذا أرسل، فالهمزة عين ولا قلب فيه، انظر (مشكل إعراب القرآن) ١/ ٣٦، وقد أورد صاحب \"اللسان\" مادة (لأك) وتكلم عنها، ولم يذكر أنها مهملة، انظر \"اللسان\" (لأك) ٧/ ٣٩٧٥.\n(٧) (لما) ساقطة من (أ)، (ج)، والسياق يقتضيها.\n(٨) في (ب): (المألكه).","vol":"2","page":309},{"text":"الرسالة (١).\nومعنى (أَلكَ) في اللغة: علك، يقال الخيل تَأْلُك اللجم، بمعنى: تعلُك، والرسالة سميت (أَلُوكا) لأن الإنسان يَأْلُكُها، ويدير الكلام في فيه، كما يَأْلُك الفرس اللجام (٢).\nفعلى هذا (ملك) وزنه (مَفَل) (٣)، وكان في الأصل (٤) (مَعْفَل)، لأنه مَلْأَك، هو مقلوب من (٥) (مأْلَك)، وأوردوا أن يكون مفعلًا من (الألوك)، إلا أنهم قلبوا كما ذكرنا (٦). هذا قول عامة أهل اللغة والنحو في هذا الحرف (٧).\nوذهب بعض (٨) المتأخرين من أصحاب أبي علي الفارسي وهو أبو القاسم الزجاجي إلى خلاف ما ذهب إليه هؤلاء فقال: قول من يقول: إن تركيب ملك من (م، ل، ك) أولى من قول من يقول: إنه (مَفْعَل) (٩) من\n_________\n(١) انظر \"غريب القرآن\"، لابن قتيبة ١/ ٣٧، \"الزينة\" لأبي حاتم الرازي ٢/ ١٦٠، ١٦١، \"الزاهر\" ٢/ ٢٦٧، \"مشكل إعراب القرآن\" ١/ ٣٦، \"مفردات الراغب\" ص ٢١، \"البيان في غريب إعراب القرآن\" ١/ ٧٠، \"اللسان\" (ألك) ١/ ١١٠.\n(٢) ذكره الأزهري عن الليث، انظر: \"تهذيب اللغة\" (ألك) ١/ ١٨٤، وانظر \"اللسان\" (ألك) ١/ ١١٠.\n(٣) بل الصواب وزنه (مَعَل) لأن المحذوف فاء الكلمة وهي الهمزة، انظر \"البيان\" ١/ ٧٠.\n(٤) (في الأصل) ساقط من (ب).\n(٥) في (ج): (عن).\n(٦) انظر: \"المحكم\" (ل أك) ٧/ ٦٩، \"مشكل إعراب القرآن\" ١/ ٣٦، \"البيان في غريب إعراب القرآن\"، ١/ ٧٠.\n(٧) في (ب): (الحروف).\n(٨) في (ب): (ذهب المتأخرون).\n(٩) انظر: \"مشكل إعراب القرآن\" ١/ ٣٦، \"البيان\" ١/ ٧٠، وقد رد ابن سيده القول =","vol":"2","page":310},{"text":"(الْأَلُوك) مقلوبًا، لأن (المَفْعَل) لا يكون حامل الرسالة، وهم يقولون: إنما قيل: (ملك) لحمله الرسالة، والذي يصلح من الأبنية له (فَاعِل) أو (فَعُول) (١) أو (فَعِيل) أو (مُفْعَل) فأما (مَفْعَل) فإنه يصلح أن يكون موضعًا أو مصدرًا.\nوما يتركب من (م، ل، ك) هو في كلامهم الاستيلاء على الشيء وإجادته وإنعامه كملك الشيء وملك العجين، وإملاكه هو إنعام عجنه، ولا يصل إلى ذلك إلا بالاستيلاء عليه، وإملاك الرجل أن يجعله مالكًا لعقد النكاح، وكل شيء مكنت غيرك منه وجعلته له فقد أملكته (٢) إياه وملكته، وجميع ما يتركب من هذه الحروف راجع إلى ما ذكرنا، وهذا قد مر ذكره في قوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤].\nفـ (الْمَلكَ) (٣) اسم الجنس يقع على الواحد والجمع (٤)، ويدل على\n_________\n= بأن الميم أصلية في (ملك)، انظر \"المحكم\" ٧/ ٤٧، ٦٩، وانظر \"اللسان\" (لَأَك) ٧/ ٣٩٧٥. والرد على هذا القول يرد في الكلام المكرر فيقول: (وقال بعض المتأخرين أصله (مَلك) كما هو الآن، وهو بمعنى المملوك ... فخالف بهذا القول جميع أهل اللغة، واحتج على ما ذهب إليه بما يطول ذكره) فلعل الواحدي أضرب عن كلامه الأول واعتمد الأخير. وهذا ولأبي القاسم الزجاجي قول يخالف هذا، قال في كتاب \"اشتقاق أسماء الله\": (وأما (الملك) واحد الملائكة، فليس من هذا، لأن ذاك أصله الهمز؛ لأن أصله (مَلْأَك) مَفْعَل من الأَلُوك وهي الرسالة ... فكان سبيله أن يقال: مَأْلَك، ثم قلب فقيل: (مَلْأَك) ثم استعمل بطرح الهمزة ....)، \"اشتقاق أسماء الله\" ص ٤٥ وقول الزجاجي هذا يوافق الجمهور ويخالف ما نقل الواحدي عنه.\n(١) في (ب): (مَفْعُول).\n(٢) في (ب): (أمكنته).\n(٣) في (ب): (والملك).\n(٤) من جعل (مَلَك) هو الأصل فهو مفرد جمعه (فعائلة) وهو جمع شاذ كما قال العكبري في (الإملاء) ١/ ٢٨، وقال أبو البركات ابن الأنباري: (مجيء هذا =","vol":"2","page":311},{"text":"ذلك قوله تعالى: ﴿وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا﴾ [الحاقة: ١٧] وهو (فَعَل) في معنى مَفْعول، كالنشر والنقض والخبط.\nوالله تعالى ذكره وإن كان قد ملك كل الخلق، فإنه أجرى هذه اللفظة على الجنس، لأنه (١) وصفهم فقال: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ١٦] وبهذه الصفة يجب أن يكون (٢) كُلٌّ مملوكًا (٣)، فلما وجد فيهم (٤) المعنى الذي يجب أن يكون عليه المملوك من الطاعة سماهم (الملك)، ومثل هذا الاختصاص كثير نحو: (ناقة الله) و(بيت الله).\nقال (٥): وذكر ابن دريد في الجمهرة فقال: (ويجمع (الْملَكُ) أمْلاَكًا وَملاَئِك) (٦)، وهذا قد أزال (٧) الخلاف لأن (أَفْعَالًا)، لا يجوز أن يكون جمع ما في أوله ميم زائدة.\nوحكى أبو القاسم الآمدي (٨) عن علي بن سليمان الأخفش (٩) أنه\n_________\n= الوزن في الجمع يدل على فساد قول من جعل (ملكًا) على وزن (فَعَل) لأن فَعَلًا لا يجوز أن يجمع فعائلة ...)، \"البيان\" ١/ ٧١.\n(١) في (ب): (لأنهم).\n(٢) (يكون) ساقطة من (ج).\n(٣) في الأصل (مملوك) والتصحيح من المحقق.\n(٤) في (ب): (منهم).\n(٥) أي الزجاجي.\n(٦) \"جمهرة اللغة\" ٢/ ٩٨١.\n(٧) في (ب): (ارال).\n(٨) هو الحسن بن بشر الآمدي البصري المنشأ، إمام في الأدب، قدم بغداد وأخذ عن الحسن بن علي بن سليمان الأخفش، والزجاج، وابن دريد، وفاتهم سنة سبعين وثلاثمائة، انظر ترجمته في: \"إنباه الرواة\" ١/ ٢٨٥، \"معجم الأدباء\" ٢/ ٤٦٩، \"بغية الوعاة\" ١/ ٥٠٠.\n(٩) هو علي بن سليمان بن الفضل، أبو الحسن، المعروف (د) (الأخفش الصغير) =","vol":"2","page":312},{"text":"قال: جمع الملك: أَمْلَاك (١).\nوحكي عن العرب (مالك الموت) في (ملك الموت) فلولا أنهم عرفوا أن الأصل فيه (م ل ك) ما عبروا عن (ملَك) بمالك.\nقال رويشد بن حنظلة (٢):\nغَدَا مالِكٌ يَبْغِي نِسَائِي كَأَنَّمَا ... نِسَائِي لسَهْمَيْ مَالِكٍ غَرَضَانِ\nفَيَارَبِّ فَاتْرُكْ لِي جُهَيْمةَ (٣) أَعْصُرًا ... فَمَالِكُ مَوْتٍ بِالْفِرَاقِ دَهَانِي (٤)\n_________\n= سمع من ثعلب والمبرد، كان ثقة، توفي سنة خمس عشرة وثلاثمائة، انظر ترجمته في: \"تاريخ بغداد\" ١١/ ٤٣٣، \"إنباه الرواة\" ٢/ ٢٧٦، \"معجم الأدباء\" ٤/ ١٢٦.\n(١) انظر كلام الأخفش في \"الزينة\" ٢/ ١٦٢.\n(٢) خطأ الأكثرون هذا الشاعر، قال ابن سيده: (ورأيت في بعض الأشعار: مالك الموت في ملك الموت ...) ثم ذكر البيت، ثم قال: (وهذا عندي خطأ، وقد يجوز أن يكون من جفاء الأعراب وجهلهم، لأن ملك الموت مخفف عن (مَلْأك) ...) \"المحكم\" ٧/ ٤٧. وقال في موضع آخر: (فإنه ظن ملك الموت من (م ل ك) فصاغ (مالكا) من ذلك، وهو غلط منه، وقد غلط بذلك في غير موضع من شعره ... وذلك أنه رآهم يقولون: (ملك) بغير همز، وهم يريدون: (مَلْأَك) فتوهم أن الميم أصل، وأن مثال ملك (فَعَل): كَفَلَك، وسَمَك، وإنما مثال (ملك): (مَفَل) والعين محذوفة ألزمت التخفيف إلا الشاذ .. ومثل غلط رويشد كثير في شعر الأعراب الجفاة) \"المحكم\" ٧/ ٦٩. وعقد ابن جني في \"الخصائص\" بابا في أغلاط العرب، وذكر أبيات رويشد، ثم قال: (وحقيقة لفظه غلط وفساد ..)، \"الخصائص\" ٣/ ٢٧٣، ٢٧٤، انظر: \"اللسان\" (لأك) ٧/ ٣٩٧٥. وروشيد بن حنظلة لم أجد له ترجمة.\n(٣) في (ب): (جهينة) وهي رواية في البيت.\n(٤) ورد البيتان في \"المحكم\" ٧/ ٤٧،٧/ ٦٩، \"الخصائص\" ٢/ ٧٢، ٣/ ٢٧٣، \"اللسان\" (لأك) ٧/ ٣٩٧٥.","vol":"2","page":313},{"text":"وهذا الشاعر ماتت نساؤه (١) وأطال التزوج فلم تلبث (٢) عنده واحدة، فهذا كما ترى سمى المَلَك: (مَالِكًا)، وأما البيت الذي أُنشد في (الْمَلْأَك) (٣) فليس فيه حجة قاطعة فإنه شاعر (٤) واحد، ولم يسمع (الْمَلْأَك) إلا في ذلك البيت الواحد، ولعله همز ما ليس أصله الهمز كما قالوا: (رمح يَزْأَنِيَّ) (٥) فزادوا الهمز، وقالوا: (حَلَّأْتُ (٦) السَّويق) وليس أصله الهمز، ومثله كثير.\nوأما الجمع فالملائك (فعائل) كالجمائل في جمع الجمل (٧).\nويجوز أن يكون الملائك (مفاعلا)، وإن كان الواحد (فَعَلًا)، لأن باب الجمع ليس بمطرد ولا مقيس، ألا ترى أنهم قالوا في جمع القبح (٨):\n_________\n(١) في (أ)، (ج): (نساه) وأثبت ما في (ب) لأنه الأولى.\n(٢) في (ج): (يلبث).\n(٣) في (ب): (الملك) والبيت هو ما احتج به سيبويه وغيره من أهل اللغة والنحو وهو قول علقمة الفحل أو غيره: فَلَسْتَ لِإنْسِيٍّ وَلَكِنْ لِمَلْأَكٍ. وقد سبق آنفًا.\n(٤) في (أ)، (ج): (لا شاعر) واخترت ما في (ب) لأنه أصح في السياق.\n(٥) (يَزْأَنِيّ) نسبة إلى ذي يزن من ملوك حمير نسبت الرماح له لأنه أول من عملت له، والأصل (يَزَنِيُّ) و(أزَنِي) وبعضهم زاد الهمزة فقال: (يَزْأَنِي) انظر \"اللسان\" (يزن) ٨/ ٤٩٥٦.\n(٦) الأصل (حَلَّيْت السويق) أي جعلته حلوا وهمزه شاذ، انظر \"سر صناعة الإعراب\" ١/ ٩٠، ٤٢٠، \"اللسان\" (حلا) ٢/ ٩٨٣.\n(٧) قوله (في جمع الجمل) ساقط من (ب). وقوله: (فعائل) هذا عند من يرى أن (الميم) في (ملك) أصلية، أما على قول الجمهور فجمعه (معافله) أو (مفاعلة)، انظر \"مشكل إعراب القرآن\" ١/ ٣٦، ٣٧.\n(٨) في (ب): (الفتح: مفاتح).","vol":"2","page":314},{"text":"مقابح، وفي جمع الحسن: محاسن، وفي جمع الشبه: مشابه، وفي جمع العزف وهو اللهو معازف، وقالوا: أطعمني مطايب الجزور، لجمع (١) طيب، وهذا باب واسع (٢).\nوالأمر فيه عند المحققين أن كل لفظة من هذه الألفاظ التي وردت في الجمع مخالفة للقياس هي موضوعة للجمع من غير أن كُسِّر (٣) عليها الواحد، فالمحاسن لفظة نابت (٤) عن جمع الحسن، وكذلك (٥) أشباهها، هذا كلامه وهو طويل وقد (٦) اختصرته (٧).\nوحكي عن النضر بن شميل، أنه قال في الملك: إن العرب لا تشتق فعله ولا تصرفه وهو مما فات (٨) علمه، فهذا الذي ذكرنا طرف من الكلام في أصل هذا الحرف (٩) على مقدار ما يليق بهذا الكتاب (على (١٠) صورة\n_________\n(١) في (أ)، (ج): (لجميع) واخترت ما في (ب) لأنه أصح في السياق.\n(٢) في (ب): (وهذا جمع واجب يتبع).\n(٣) أي: جمع تكسير.\n(٤) في (ب): (ثابت).\n(٥) في (ب): (وذلك).\n(٦) في (ب): (وهو).\n(٧) يريد كلام أبي القاسم الزجاجي وسيأتي في المكرر إشارة له بقوله: (وقال بعض المتأخرين أصله (ملك) كما هو الآن ... فخالف بهذا القول جميع أهل اللغة، واحتج على ما ذهب إليه بما يطول ذكره) ولعل الواحدي ترك ذكر كلام الزجاجي مفصلا واكتفى عن ذلك بالإشارة إليه.\n(٨) في (أ)، (ج): (مات) وما في (ب) موافق لما عند الثعلبي فقد نقل عنه الواحدي كلام النضر والتعليق عليه. \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٦٠ أ.\n(٩) في (ب): (هذِه الحروف).\n(١٠) قوله: (على صورة الماضي) .. من هنا إلى قوله: (واحتج على ما ذهب إليه بما =","vol":"2","page":315},{"text":"المضي، لأن ما تحقق كونه، فهو بمنزلة ما قد كان، كقوله تعالى: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ﴾ (١) وأشباهه.\nوقال أبو عبيدة (إذ) في هذا الموضع (٢) زائدة. معناه: وقال ربك للملائكة. وأنكر الزجاج وغيره هذا القول، وهو (٣) أن الحرف إذا كان مفيدًا (٤) معنى صحيحًا لم يجز إلغاؤه، قالوا: وفي الآية محذوف معناه: واذكر يا محمد إذ قال لربك.\nوقال الزجاج (٥): إن الله جل ذكره ذكر خلق الناس (٦) في هذه الآية فكأنه قال: ابتدأ خلقكم إذ قال ربك للملائكة. وعند غيره من المفسرين (٧): أن كل ما ورد في القرآن من هذا النحو فالذكر فيه مضمر.\nو(الملائكة) (٨): الرسل واحدها مَلَك وأصله (مَأْلَك) وجمعها\n_________\n= يطول ذكره) مكرر مع ما سبق، ولعل الواحدي لم يرض عن كلامه الأول فأعرض عنه ثم أعاد الكتاب فيه، غير أن النساخ أثبتوا كل ما كتبه، انظر التنبيه السابق ص ٣١٢.\n(١) سورة الأعراف: ٤٤. وفي كلامه المكرر السابق أورد آيتين قال: (كقوله: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾، ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ﴾ ...)\n(٢) هناك في المكرر قال: (هاهنا).\n(٣) كذا ورد في جميع النسخ وفي الموضع السابق: (وقالوا: إن الحرف ...).\n(٤) في (ب): (مقيدًا).\n(٥) في كلامه المكرر السابق (أبو إسحاق).\n(٦) في (ب): (السموات).\n(٧) في الكلام المكرر: (وأكثر المفسرين). وتخريج الأقوال والتعليق عليها ذكر في الكلام السابق فلا أطيل بإعادته.\n(٨) تفسير لفظ (الملائكة) هنا مختلف عما سبق وأكثر اختصار منه.","vol":"2","page":316},{"text":"(مآلِك) (١) ووزنه من الفعل (مَفْعَل) والهمزة فاء الفعل، واللام عينه ثم أخرت الهمزة بالقلب (٢)، تأخيرهم للعين من (القوس) في جمعها حيث قالوا: (قُسِيّ) (٣) وقالوا: (شَمْأَل وشَأْمَل) (٤) كذلك هاهنا قلبت الهمزة.\nثم خفف (٥) بالحذف فقيل: ملك وأصله من المأْلُكة والمَأْلَكَة (٦) والألوك وهي: الرسالة، ويقال: ألِكْني (٧) إليه، أي: كن رسولي، وبلغ إليه رسالتي. قال لبيد:\nوغُلَامٍ أَرْسَلَتْهُ أُمُّهُ ... بِأَلُوكٍ فَبَذَلْنَا مَا سَأَلْ (٨)\n_________\n(١) (مآلك) جمع (مألك) على أصله قبل التغيير. قال الطبري: ولست أحفظ جمعهم كذلك سماعا، ولكنهم يجمعون: (ملائك وملائكة) \"تفسير الطبري\" ١/ ١٩٨، \"مشكل إعراب القرآن\" ١/ ٣٦.\n(٢) ويسمى قلبًا مكانيًا، انظر \"مشكل إعراب القرآن\" ١/ ٣٦.\n(٣) قال في \"اللسان\": (قُسي) و(قِسي) كلاهما على القلب عن (قُووس) وإن كان (قُووس) لم يستعمل استغنوا بقسيِّ عنه، فلم يأت إلا مقلوبا ...) \"اللسان\" (قوس) ٦/ ٣٧٧٣.\n(٤) في (أ) (شئمال وشأمل)، والصحيح ما أثبت كما في (ب) و(ج)، ومثله عند \"الطبري\"، وهو على القلب المكاني. انظر \"تفسير الطبري\" ١/ ١٩٨.\n(٥) في (ج): (خففت).\n(٦) (والمألكة) ساقطة من (ب).\n(٧) في (ب): (اللي).\n(٨) ورد البيت في (ديوان لبيد) مع شرحه: ص ١٧٨، \"تفسير الطبري\" ١/ ١٩٨، \"المعاني الكبير\" ١/ ٤١٠، ٣/ ١٢٣٨، \"الزاهر\" ٢/ ٢٦٧، \"المحكم\" (أَلك) ٧/ ٦٨، \"الخصائص\" ٣/ ٢٧٥، \"المنصف\" ٢/ ١٠٤، \"تفسير القرطبي\" ١/ ٢٢٤، \"الدر المصون\" ١/ ٢٥٠، \"إملاء ما مَنَّ به الرحمن\" ١/ ٢٧، \"اللسان\" (ألك) ١/ ١١٠. يقول (أرسلت هذا الغلام أمُّه برسالة فأعطيناه ما طلب).","vol":"2","page":317},{"text":"وسميت الرسالة أَلوُكا، لأنه يؤلك في الفم، مشتقًّا (١) من قول العرب: الفرس يألك (٢) اللجام ويعضه بمعنى يمضغ الحديدة (٣). ذكره الليث، قال:\nوالمعروف: يَلُوك (٤). وقال عبد بني الحسحاس (٥):\nأَلِكني إليْهَا عَمْرَكَ اللهُ يَا فَتَى ... بآيةِ (٦) مَا جَاءَتْ إليْنَا تَهَادِيَا (٧)\nوقال آخر، فردّ الملك إلى الأصل (٨):\nفَلَسْتَ لإنسيٍّ ولكن لمَلأَكٍ (٩) ... تَنَزَّلَ مِنْ جَوِّ السَّمَاءِ يَصُوبُ (١٠)\n_________\n(١) كذا في جميع النسخ، ولعل الأولى (مشتق).\n(٢) في (ب): (تألك، وتعضه، وتمضع) بالتأنيث في المواضع الثلاثة.\n(٣) في (ب)، (ج): (الحديد).\n(٤) \"تهذيب اللغة\" (ألك) ١/ ١٨٤.\n(٥) هو سحيم عبد بني الحسحاس، أدرك الجاهلية والإسلام، ولا يعرف له صحبة، كان أسود شديد السواد وبنو الحسحاس: من بني أسد بن خزيمة. انظر ترجمته في: \"الشعر والشعراء\" ص ٢٥٨، \"الخزانة\" ٢/ ١٠٢.\n(٦) في (أ)، (ج): (كآية) وما في (ب) تفسير موافق لجميع المصادر التي ورد فيها البيت.\n(٧) ورد البيت في (ديوان سحيم): ص ١٩، و\"الطبري\" ١/ ١٩٨، \"الخصائص\" ٣/ ٢٧٤، \"معجم مقاييس اللغة\" ١/ ١٣٣، \"مجمل اللغة\" (ألك) ١/ ١٠٢، أساس البلاغة (ألك): ص ٨، \"الخزانة\" ٢/ ١٠٤. قوله: ألكني إليها: بلغها عني رسالة، والآية: العلامة، والتهادي: التمايل في المشي.\n(٨) قوله: (فرد الملك إلى الأصل) ورد في (ب) بعد البيت وهذا أولى، والمعنى رد الملك إلى أصله وهو (ملأك).\n(٩) في (أ) و(ج): (لها لا ك) وهو تصحيف يخالف رواية البيت المشهورة.\n(١٠) سبق تخريج البيت.","vol":"2","page":318},{"text":"وأصله مألك (١) فقلب الهمزة كما قالوا: شاك في شائك، ولاث في لائث (٢).\nويقال في الجمع الملائكة والملائك، قال كثير:\nكَمَا قَدْ عَمَمْتَ المؤْمِنِينَ بِنَائِلٍ ... أَبَا (٣) خَالِدٍ صَلَّتْ عَلَيْكَ المَلاَئِكُ (٤)\nهذا قول الجمهور من أهل اللغة (٥).\nوقال النضر بن شميل في الملك: إن العرب لا تشتق فعله ولا تصرفه، وهو مما فات (٦) علمه.\nوقال بعض المتأخرين (٧): أصله ملك كما (٨) هو الآن وهو بمعنى\n_________\n(١) (مألك) قلبت الهمزة قلبًا مكانيًا، فوضعت مكان العين، ونقلت العين إلى الفاء وهي (اللام) فصار (ملأك) ثم خفف بحذف الهمزة، انظر (البيان في غريب إعراب القرآن) ١/ ٧٠.\n(٢) انظر: \"الكتاب\" ٣/ ٤٦٦، ٤/ ٣٧٨، \"سر صناعة الإعراب\" ١/ ٣٠٧.\n(٣) في (ب): (اخالد).\n(٤) ورد البيت في \"المنصف\" ٢/ ١٠٣، \"البحر\" ١/ ١٢٧، \"الدر المصون\" ١/ ٢٥١، غير منسوب فيها كلها.\n(٥) انظر: \"تهذيب اللغة\" (ملك) ٤/ ٣٤٤٩، (ألك) ١/ ١٨٤، \"تفسير الطبري\" ١/ ١٩٧، \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٨٠، \"مجاز القرآن\" ١/ ٣٥، \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٦٠ أ، \"الكشاف\" ١/ ٣٧١.\n(٦) في (ج): (من مات عليه) وكلام النضر ورد في \"تفسير الثعلبي\" قال: وهو مما فات عليه ١/ ٦٠ أ. وقد سبق كلام النضر. وانظر التعليق عليه.\n(٧) هو أبو القاسم الزجاجي ذكره فيما سبق قال: (وذهب بعض المتأخرين من أصحاب أبىِ علي الفارسي، وهو أبو القاسم الزجاجي ...). والتعليق عليه هناك، حيث إن للزجاجي قولًا آخر يوافق الجمهور.\n(٨) (كما) ساقطة من (أ) و(ج) والسياق يقتضيها.","vol":"2","page":319},{"text":"المملوك يذهب (١) فيه إلى أنه لله بمنزلة العبد لغيره، فهو (فَعَل) بمعنى مفعول كالنقض (٢) والخبط، فخالف بهذا القول جميع أهل اللغة واحتج على ما ذهب إليه بما يطول ذكره (٣).\nو(الخليفة) الذي يخلف الذاهب أي يجيء بعده، ويقال للسلطان: خليفة لأنه يخلف من قبله، يقال: خلف فلان مكان فلان، يخلف [إذا كان في مكانه (٤).\nاللحياني: خلف فلان فلانا في أهله وفي مكانه يخلفه، (٥) خلافة حسنة، وكذلك (٦) قيل: أوصى له بالخلافة، ويقال: خلفني ربي في أهلي وولد في أحسن الخلافة (٧).\nوأصل الخليفة خليف بغير هاء، لأنه (فَعِيل) بمعنى: (فاعل)، كالعليم والسميع، فدخلت (الهاء) للمبالغة بهذا الوصف، كما قالوا: راوية (٨) وعلاَّمة (٩). وقال ابن السكيت: أما الخليفة فإنه وقع للرجال خاصة، وإن كان (١٠) فيه (الهاء)، ألا ترى أنهم قد جمعوه (خلفاء) كما\n_________\n(١) (يذهب) ساقطة من (ب).\n(٢) في (ب): (بالنقض).\n(٣) وقد سبق ذكر احتجاجه مفصلًا في الكلام السابق.\n(٤) أنظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ١٩٩، \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٦٠ أ.\n(٥) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).\n(٦) في \"تهذيب اللغة\" (ولذلك) ١/ ١٠٨٩.\n(٧) \"تهذيب اللغة\" (خلف) ١/ ١٠٨٩.\n(٨) وفي (ج): (رواية).\n(٩) انظر: \"الزاهر\" لابن الأنباري ٢/ ٢٤١، \"الصحاح\" (خلف) ٤/ ١٣٥٦، \"اللسان\" (خلف) ٢/ ١٢٣٥.\n(١٠) (كان) ساقط من (ب).","vol":"2","page":320},{"text":"يجمع فعيل. هذا فيمن ذَكَّر واستعمل المعنى، ومن أنث لتأنيث اللفظ قال في الجمع: (خلائف) (١). وقد ورد التنزيل بها، قال الله تعالى: ﴿خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ [الأعراف: ٦٩]، وقال: ﴿خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ﴾ (٢) ويجوز تأنيث الخليفة على اللفظ كما قال:\nأَبُوك خَلِيفَةٌ وَلَدَتْه أُخْرى ... وَأَنْتَ خَلِيفَةٌ ذَاكَ الكَمَالُ (٣)\nقال ابن عباس وابن مسعود وابن زيد (٤): أراد بالخليفة آدم ﵇ جعله خليفة لنفسه، يحكم بالحق في أرضه (٥). وروي عن ابن عباس أنه قال:\n_________\n(١) انظر كلام ابن السكيت في \"تهذيب اللغة\" (خلف) ١/ ١٠٩٠، وانظر: \"المذكر والمؤنث\" لابن الأنباري: ص ٥٦٥، \"الزاهر\" ٢/ ٢٤٢\n(٢) سورة يونس: ١٤، وفي فاطر: ٣٩.\n(٣) البيت استشهد به الفراء في \"معاني القرآن\" ١/ ٢٠٨، ولم ينسبه، وورد في \"الزاهر\" ٢/ ٢٤٢، \"والمذكر والمؤنث\" لابن الأنباري: ص ٥٦٥، ونسبه لـ (نُصيب) قال المحقق: ليس في شعره، وورد في \"تهذيب اللغة\" (خلف) ١/ ١٠٩٠، \"الصحاح\" ٤/ ١٣٥٦، \"اللسان\" ٢/ ١٢٣٥، كلهم قالوا: أنشد الفراء.\nوالشاهد فيه: قوله: (أخرى) فأنث لتأنيث اسم الخليفة، والوجه أن تقول: ولده آخر. قاله الفراء.\n(٤) هو عبد الرحمن بن زيد بن أسلم العدوي، بالولاء، مدني روى عن أبيه زيد بن أسلم، ضعيف. مات سنة اثنتين وثمانين ومائة. انظر ترجمته في: \"الجرح والتعديل\" ٥/ ٢٣٣، \"تهذيب التهذيب\" ٢/ ٥٠٧، \"طبقات المفسرين\" للداودي ١/ ٢٧١.\n(٥) ورد ضمن آثار رويت عن ابن عباس وابن مسعود وابن زيد ذكرها الطبري في \"تفسيره\" بسنده، وقد علق الأستاذ محمود شاكر على هذِه الآثار بكلام طويل، محصلته أن الطبري استدل بهذِه الآثار لبيان معنى لفظ (خليفة) وتحقيق معناه، ولم يبال بما في الإسناد من وهن لا يرتضيه، وقد رجح الطبري: أن المراد بالخلافة خلافة قرن منهم قرنًا غيرهم، وأن الذي يفسد ويسفك الدماء غير آدم.\nوانظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ٤٥١ - ٤٥٣، وذكر نحوه ابن كثير في \"تفسيره\" ١/ ٧٥ وساق الآثار على هذا.","vol":"2","page":321},{"text":"جعله خليفة عن الملائكة الذين كانوا سكان الأرض بعد الجن (١).\nقال المفسرون: وذلك أن الله تعالى خلق السماء والأرض، وخلق الملائكة والجن، فأسكن الملائكة السماء وأسكن الجن (٢) الأرض، فغبروا دهرًا طويلًا في الأرض، ثم ظهر فيهم الحسد والبغي، فاقتتلوا وأفسدوا، فبعث إليهم جندا من الملائكة يقال لهم: الجن ورأسهم إبليس، وهم خزان الجنان، اشتق لهم اسم من الجنة، فهبطوا إلى الأرض، وطردوا الجن عن وجوهها إلى شعوب الجبال، وجزائر البحور، وسكنوا الأرض، وكانوا أخف الملائكة عبادة، لأن أهل السماء الدنيا أخف عبادة من الذين فوقهم، وكذلك أهل كل سماء، وهؤلاء الملائكة لما صاروا سكان الأرض خفف الله عليهم العبادة، وخلقت الملائكة كلها من نور غير هذا الحي (٣) الذين يقال لهم: الجن (٤)، فأحبوا (٥) البقاء في الأرض.\n_________\n(١) أخرج \"الطبري\" نحوه من طريق الضحاك عن ابن عباس، وقال شاكر: في إسناده ضعف. \"تفسير الطبري\" ١/ ٤٥٠، وذكره ابن كثير من طريق ابن جرير \"تفسير ابن كثير\" ١/ ٧٥، وأخرج الحاكم في مستدركه نحوه عن مجاهد عن ابن عباس، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. \"المستدرك\" ٢/ ٢٦١.\n(٢) (الجن) ساقط من (ب).\n(٣) في (ب): (الجن).\n(٤) في \"تفسير الطبري\": (الحن) بالمهملة. قال شاكر في هامش \"الطبري\": في المطبوعة في موضعين (الجن) بالجيم وهو خطأ، يدل عليه سياق الأثر، فقد ميز ما بين إبليس، وبين الجن الذين ذكروا في القرآن .. والجن (بالجيم) أول من سكن الأرض، وإبليس جاء لقتالهم في جند من الملائكة ..) \"تفسير الطبري\" ١/ ٤٥٥ (ط. شاكر).\n(٥) في (ب): (واحبوا).","vol":"2","page":322},{"text":"كان الله تعالى قد أعطى إبليس ملك الأرض وملك السماء الدنيا وخزانة الجنان، وكان يعبد الله ﷿ تارة في الأرض وتارة في السماء وتارة في الجنة، فأعجب بنفسه، وتداخله الكبر، فاطلع الله على ما انطوى عليه في الكبر، فقال له ولجنده: إني جاعل في الأرض خليفة (١).\nوإخبار (٢) الله تعالى الملائكة بهذا يكون على جهة البشارة لهم بمكان آدم كما جرت به سنته بالبشارة بالأنبياء قبل خلقهم وقبل إرسالهم (٣). ولا يكون ذلك (٤) على جهة المشاورة معهم (٥)، لامتناع\n_________\n(١) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" قال: (وقال المفسرون ... ثم ذكره)، \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٦٠ أ، ب، ولعل الواحدي نقل عنه. وإن مما أخذ على الثعلبي في \"تفسيره\" أنه حاطبُ ليل جمع فيه الضعاف والإسرائيليات، ولقد تأثر الواحدي به ونقل عنه في، بعض المواضع. وحول ما أورده الواحدي هنا ورد أثر عن ابن عباس، أخرجه الطبري، قال شاكر في تعليقه عليه. (.. لم يروه لاعتماد صحته، بل رواه لبيان أن قول الله سبحانه: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ إنما هو خطاب فيه لفظ العموم للملائكة ..) \"تفسير الطبري\" ١/ ٢٠١. وأورد الأثر ابن كثير وقال: (هذا سياق غريب، وفيه أشياء فيها نظر، يطول مناقشتها، وهذا الإسناد إلى ابن عباس يُرْوى به تفسير مشهور)، \"تفسير ابن كثير\" ١/ ٧٦. ومثل هذِه القضايا يجب الاعتماد فيها على النص من الكتاب، أو من السنة الصحيحة، وهي من المواطن التي كثر النقل فيها عن الإسرائيليات، وليت كتب التفسير صينت عن مثل هذِه القصص والروايات.\n(٢) في (ب): (واختار).\n(٣) أنظر: \"تفسير ابن كثير\" ١/ ٧٤.\n(٤) في (أ)، (ج): (على ذلك جهة) وأثبت ما في (ب)، لأنه أصح لاستقامة السياق.\n(٥) أورد ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" أثرًا منكرا عن السدي، وفيه: (فاستشار الملائكة في خلق آدم) قال المحقق: هذا خبر منكر، انظر \"تفسير ابن أبي حاتم\" ١/ ٧٦. وأورده ابن كثير في تفسير، وقال: وهذِه العبارة إن لم ترجع إلى معنى الإخبار =","vol":"2","page":323},{"text":"المشاورة في وصفه، لوجوب كونه عالمًا لا يخفى عليه شيء.\nوقوله تعالى: ﴿قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾. قال الفراء (١): أراد: فقالوا فحذف فاء النسق كقول الشاعر:\nلمَّا رَأَيْتُ نَبَطًا أَنْصَارَا\nشَمَّرْتُ عَنْ رُكْبَتِي الإزَارَا\nكُنْتُ لَهْمْ مِنْ النَّصَارى جَارَا (٢)\nأي: فكنت لهم. واختلفوا (٣) في قول الملائكة: (أتجعل فيها) على أي وجه حصل منهم هذا: فروي أن الذين قالوا هذا عشرة آلاف من الملائكة، فأرسل الله (٤) عليهم نارا فأحرقتهم (٥).\nوقال بعض أهل المعاني: فيه إضمار واختصار، معناه: أتجعل فيها من يفسد فيها [ويسفك الدماء؟ أم تجعل فيها من لا يفسد فيها] (٦) ولا يسفك الدماء؟ كقوله تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ﴾ [الزمر:٩]، يعني\n_________\n= ففيها تساهل، وعبارة الحسن وقتادة في رواية ابن جرير أحسن. \"تفسير ابن كثير\" ١/ ٧٥. عبارة الحسن وقتادة: إني فاعل، انظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ٢٠٥.\n(١) أنظر: \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٤٤، وانظر: \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٦٠ ب.\n(٢) أنشد الفراء الرجز ونسبه لبعض الأعراب \"معاني القرآن\" ١/ ٤٤، وأورده \"الطبري\" في \"تفسيره\" ١/ ٣١٨، والثعلبي ١/ ٦٠ ب، وهو في \"الزاهر\" ١/ ٢٢٥، \"تفسير الماوردي\" ١/ ١٣٢، \"تفسير القرطبي\" ١/ ٣٦٩، \"الدر المصون\" ١/ ٤٠٧.\n(٣) في (ب): (فاختلوا).\n(٤) لفظ الجلالة غير موجود في (ب).\n(٥) هذا الكلام ورد في رواية منكرة غريبة أخرجها ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" عن يحيى بن أبي كثير عن أبيه. قال المحقق: (منكر غريب)، \"تفسير ابن أبي حاتم\" ١/ ٧٨. وذكرها ابن كثير عن ابن أبي حاتم، وقال: (إسرائيلي منكر)، \"تفسير ابن كثير\" ١/ ٧٦.\n(٦) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).","vol":"2","page":324},{"text":"كمن هو غير قانت (١)، وكقول أبي ذؤيب:\nعَصَيْتُ إليْها القَلْبَ إِنِّي لِأَمْرِهَا ... مُطِيعٌ فَمَا أَدْرِي أَرُشْدٌ طِلاَبُهَا (٢)\nأراد: أرشد (٣) أم غي، وعلى هذا فالملائكة أرادوا بالاستفهام أن يخبروا بما لا يعلمون، ولم يذهبوا إلى الإنكار والاعتراض (٤)، فقال الله: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (٥)، لم يطلعهم على صفة أولاد آدم. ولم يبين لهم أنه يريد أن يخلق من يفسد أو لا يفسد (٦).\nوقيل: لما قال الله: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ أشكل على الملائكة أن الخليفة ممن يكون، قالوا: يا ربنا أتجعل في الأرض خليفة كما كان بنو الجان مفسدين؟ أم تجعل خليفة من الملائكة؟ فإنا نسبح بحمدك، فلم يطلعهم الله على ذلك، فقال: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ أي (٧): أن فيهم المطيع والعاصي جميعًا (٨).\n_________\n(١) هذا المعنى ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ٦٠ ب.\n(٢) سبق ذكر البيت وتخريجه وشرحه في: ٢/ ٥٥.\n(٣) في (ب): (رشد).\n(٤) في (أ): (ولاعتراض).\n(٥) ذكر نحوه الطبري ورجحه. انظر: \"تفسير الطبرى\" ١/ ٢٠٩ وهو قريب من قول الزجاج الآتي ذكره، انظر: \"معاني القرآن\" ١/ ٧٦، وانظر. \"زاد المسير\" ١/ ٦٠، \"تفسير القرطبي\" ١/ ١٣٥.\n(٦) رجح الطبري أن الله أطلع الملائكة على ما يكون من ولد آدم، لأن ذلك يفهم من السياق، انظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ٢١٠.\n(٧) في (ب): (إذ فيهم).\n(٨) انظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ٢٠٩، \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٦٠ ب، \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٧٦، \"تفسير القرطبي\" ١/ ٢٣٥.","vol":"2","page":325},{"text":"وقال الزجاج حكاية عن غيره: المعنى في هذا هو (١): أن الله أعلم الملائكة أنه جاعل في الأرض خليفة، أن الخليفة (٢) فرقة من بني آدم [تسفك] (٣) الدماء، وأن الله أذن للملائكة أن يسألوه عن ذلك، وكان (٤) إعلامه إياهم هذا زيادة في التثبيت (٥) في نفوسهم أنه يعلم الغيب، وكأنهم قالوا: أتخلق (٦) فيها قومًا يسفكون الدماء ويعصونك، وإنما ينبغي إذا عرفوا أنك خلقتهم أن يسبحوا بحمدك كما نسبح، ويقدسوا كما نقدس، ولم يقولوا هذا إلا وقد أذن لهم، لأن الله تعالى وصفهم بأنهم يفعلون ما يؤمرون (٧).\nفإن قيل: فأين إخبار الله بذلك للملائكة فإنا لا نراه في القرآن؟ قيل: هو محذوف مكتفى بدلالة الكلام عليه، كأنه قال: (إني جاعل في الأرض خليفة) يكون من ولده إفساد (٨) في الأرض، وسفك للدماء (٩)، فحذف هذا اكتفاء (١٠) بما دل عليه من جواب الملائكة، كما\n_________\n(١) (هو) ساقط من (ب). ولفظ الزجاج: (وقال قوم: المعنى فيه غير هذا وهو أن الله .. إلخ) والزجاج ذكر قبل هذا القول الذي يرتضيه، وسيورده الواحدي فيما بعد، كما سيأتي، انظر: \"معاني القرآن\" ١/ ٧٦.\n(٢) كذا في جميع النسخ وفي \"معاني القرآن\" (بالقاف) في الموضعين.\n(٣) في (أ) و(ج): (يسفك)، و(ب) غير معجم، وفي \"معاني القرآن\" (تسفك) ١/ ٧٦.\n(٤) (الواو) ساقطة من (ج).\n(٥) في (أ) و(ج): (التثبت)، وما في (ب) موافق لما في \"معاني القرآن\" ١/ ٧٦.\n(٦) في النسخ: (الخلق)، تحريف، والصواب ما أثبتنا من \"معاني القرآن\".\n(٧) انتهى كلام الزجاج، انظر: \"المعاني\": ص ٧٧.\n(٨) (إفساد) مكرر في (أ) و(ج).\n(٩) في (ب): (الدماء).\n(١٠) في (أ) و(ج): (اكتفى) وأثبت ما في (ب)، لأنه هو الأصوب.","vol":"2","page":326},{"text":"قال الشنفرى (١):\nفَلَا تَدْفِنُونِي إنَّ دَفْنِي مُحَرَّمٌ ... عَلَيْكُمْ ولكن خَامِري أُمَّ عَامِرِ (٢)\nأراد: ولكن دعوني للتي يقال لها إذا أريد صيدها: خامري أم عامر، فحذف (٣).\nقال الزجاج: ويجوز أن يكون هذا القول من الملائكة على وجه استعلام وجه الحكمة، لا على الإنكار. معناه: كيف تجعل في الأرض من يفسد ويسفك الدماء ونحن نسبحك الآن إذ أجليناهم (٤) وصرنا سكانها، فأخبِرْنا (٥) وجه الحكمة فيه (٦).\n_________\n(١) الشنفرى: شاعر جاهلي من الأزد، والشنفرى اسمه، وقيل: لقبه ومعناه: العظيم الشفة، انظر: \"الخزانة\" ٣/ ٣٤٣، \"الأعلام\" ٥/ ٨٥.\n(٢) البيت قاله الشنفرى الأزدي في قصة طويلة انظر تفاصيلها في \"الخزانة\" ٣/ ٣٤٤ - ٣٤٨، ويروى البيت (لا تقتلوني)، (إن قبري)، (ولكن أبشري) وفي \"ذيل الأمالي\" (لا تقتلوني)، (إن قتلي). وأم عامر: كنية الضبع و(خامري) أي استتري، يريد دنو الضبع مستخفية ملازمة لمكانها حتى تخالط القتيل فتصيب منه. والمعنى:\nيقول لا تدفنوني بعد قتلي واتركوني للتي يقال لها (أم عامر).\nورد البيت في \"تفسير الطبري\" ١/ ٢١٠، \"الحماسة بشرح المرزوقي\" ٢/ ٤٨٧، \"الشعر والشعراء\" ص ٣١، \"ذيل الأمالي\" للقالي ٣/ ٣٦، \"الخزانة\" ٣/ ٣٢٧.\n(٣) السؤال الذي ذكره الواحدي والإجابة عنه، ورد عند الطبري في \"تفسيره\" ١/ ٢١٠.\n(٤) في (ب): (اخليناهم).\n(٥) في (ب): (فأضرها).\n(٦) نقل الواحدي كلام الزجاج بمعناه، ومنه قوله: (روي أن خلقًا يقال لهم: (الجان) كانوا في الأرض فأفسدوا وسفكوا الدماء. فبعث الله ملائكته فأجلتهم من الأرض، وقيل: إن هؤلاء الملائكة صاروا سكان الأرض بعد الجان .. إلخ) وهذا يوضح قول الواحدي: (ونحن نسبحك الآن إذ أجليناهم وصرنا سكانها). \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٧٦.","vol":"2","page":327},{"text":"وقال ابن عباس وأكثر المفسرين: إن الله تعالى لما اطلع على كبر إبليس قال للملائكة الذين كانوا معه: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ فقالت (١) الملائكة: أتجعل فيها من يفسد فيهما كما فعل (٢) بنو الجان، قاسوا بالشاهد على الغائب (٣)، فقال الله تعالى: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ من كبر إبليس واغتراره بفعله، ثم لما ظهر من أمر إبليس ما ظهر وعجزت هؤلاء الملائكة عن (٤) الإخبار عن أسماء الأشياء اعترفوا بالعجز، وقالوا: ﴿سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ (٥) ومع وضوح هذه الأقوال فإن ظاهر الخطاب يدل على أنه شق على الملائكة خلق الخليفة لأنهم لما سكنوا (٦) الأرض خفت عنهم العبادة كما ذكرنا، فخافوا أن يردوا إلى السماء فتثقل عليهم العبادة فلهذا شق عليهم خلق الخليقة (٧).\n_________\n(١) في (ب): (فقال).\n(٢) في (ب): (فعلوا).\n(٣) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ٦٠ ب.\n(٤) في (ب): (من).\n(٥) ورد نحوه في رواية طويلة عن ابن عباس ساقها \"الطبري\" في \"تفسيره\"، وعلق عليها بأن الرواية أفادت أن القائل ذلك خاص من الملائكة وليس كلهم. وقد أخذ محمود شاكر من تعليق الطبري: أن الطبري لم يروه لاعتماد سنده وإنما لبيان أن الخطاب لبعض الملائكة، وأن قولهم: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾ لم يكن عن علم بالغيب عرفوه، بل كان ظنا ظنوه).\nانظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ٤٥٥ - ٤٥٨، \"تفسير أبي الليث\" ١/ ١٠٨، \"الدر المصون\" ١/ ٤٥.\n(٦) في (ب): (اسكنوا).\n(٧) اعتمد الواحدي في هذا على ما ذكره شيخه الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ٦٠ ب. وورد نحوه عند أبي الليث في \"تفسيره\" ١/ ١٠٨. وهذا لا يتناسب مع منزلة الملائكة =","vol":"2","page":328},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾. معنى التسبيح: تنزيه الله من كل سوء، وقد يكون بمعنى الصلاة، ويقال: سبح لله (١) أي صلى لله (٢).\nقال الحسن: معناه: يقول سبحان الله وبحمده (٣).\nقال الأزهري (٤): أجمع المفسرون وأهل المعاني: أن معنى (٥) تسبيح الله، تنزيه الله وتبرئته عن السوء.\nقال: وأصل التسبيح (٦) في اللغة، التبعيد من قولك: سبحت في الأرض، إذا تباعدت فيها، ومن هذا قوله تعالى: ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: ٤٠]، فكل من أثنى على الله وبعّده من السوء، فقد سبح له (٧) ونزهه.\nوقال بعض أهل المعاني: معنى قوله: ﴿نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾ نتكلم بالحمد لك، والنطق بالحمد لله تسبيح له، كما قال: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ [الشورى:٥] وقال: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ [النصر:٣] أي:\n_________\n= وما ذكره الله عنهم بقوله: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:٦]. والأرجح في معنى الآية: أن الملائكة قالت ذلك على وجه الاسترشاد عما لم يعلموا، انظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ٢٢١.\n(١) في (ب): (الله).\n(٢) انظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ٢٢١، \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٧٧، \"القرطبي\" في \"تفسيره\" ١/ ٢٣٦، \"زاد المسير\" ١/ ٦١.\n(٣) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ٦٠ ب.\n(٤) \"تهذيب اللغة\" (سبح) ٢/ ١٦٠٩. نقل كلامه بتصرف.\n(٥) في (ب): (على أن المعنى). وقوله: (أجمع المفسرون وأهل المعاني) ليس في \"تهذيب اللغة\".\n(٦) (التسبيح) ساقط من (ج).\n(٧) في (ب): (فقد سبح الله).","vol":"2","page":329},{"text":"احمده، ويكون حمد الحامد لله تسبيحا له، لأن معنى الحمد لله: الثناء عليه والشكر له، وهذا تنزيه له واعتراف بأنه أهل لأن ينزه (١)، ويعظم، ويثنى عليه (٢). ومعنى قول القائل (سبحان الله): براءة الله من السوء (٣) وتنزيهه، وكثر لفظ (سبحان الله) في كلامهم، سيما عند التعجب، حتى صار كلمة للتعجب، قال الأعشى:\nأَقُولُ لمّا (٤) جَاءَنِي فَخْرُهُ ... سُبْحَانَ مِنْ (٥) عَلْقَمَةَ الفَاخِرِ (٦)\n_________\n(١) في (ج): (ينزهه).\n(٢) نحوه في \"تفسير الطبري\" ١/ ٢١١، \"زاد المسير\" ١/ ٦١، \"تفسير القرطبي\" ١/ ٢٣٧.\n(٣) انظر: \"الكتاب\" ١/ ٣٢٤، \"تهذيب اللغة\" (سبح) ٢/ ١٦٠٩.\n(٤) في (ج): (لمن).\n(٥) (من) ساقطة من (ب).\n(٦) البيت للأعشى ضمن قصيدة يهجو بها علقمة بن علاثة العامري، ويمدح عامر بن الطفيل، لما تنازعا في الجاهلية على الرياسة في بني كلاب. وقد مات عامر مشركًا، وأسلم علقمة، ولهذا ورد أن النبي ﷺ نهى عن رواية القصيدة. يقول: أقول لما جاءني فخر علقمة على عامر: (سبحان من علقمة الفاخر)، أي أتعجب، سبحان الله منه، كذا خرجه بعضهم، وبهذا المعنى استشهد الواحدي به، وخرجه ابن فارس: بمعنى: ما أبعده، وبعضهم قال معنى (سبحان) في البيت: البراءة والتنزيه، وللراغب في \"مفرداته\" أقوال أخرى: ص ٢٢١. ورد البيت في \"الكتاب\" ١/ ٣٢٤، \"مجاز القرآن\" ١/ ٣٦، \"المقتضب\" في \"تفسيره\" ٣/ ٢١٨، \"مقاييس اللغة\" (سبح) ٣/ ١٢٥، \"الزاهر\" ١/ ١٤٤، و\"الطبري\" ١/ ٢١١، \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٧٨، \"مفردات الراغب\": ص ٢٢١، \"الخصائص\" ٢/ ١٩٧، ٤٣٥، \"شرح المفصل\" لابن يعيش ١/ ٣٧، ١٢٠، \"الديوان\": ص ٩٣.","vol":"2","page":330},{"text":"أي تعجب منه. ونحو هذا قال الزجاج في معنى: ﴿نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾ قال: نبرئك من السوء (١).\nويأتي بقية القول في معنى (سبحان) (٢) عند قوله: ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا﴾ [البقرة: ٣٢].\nوقوله تعالى: ﴿وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ (٣). أي: نطهرك وننزهك عما لا يليق بك من النقص. و(اللام)، فيه صلة (٤).\nو(التقديس): التطهير، والقدس: الطهارة، والبيت المقدس: المطهر (٥). قال الزجاج: ومن هذا قيل للسطل: قدس، لأنه يتقدس منه، أي يتطهر (٦).\nقال غيره (٧): والقُداس هو (٨) الجمان (٩) من فضة، لأنه أبيض نقي. قال الشاعر في وصف الدموع:\n_________\n(١) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج: ص ٧٧.\n(٢) في (ج) (سبحانا).\n(٣) (الواو) ساقطة من (ب).\n(٤) ذكره الثعلبي ١/ ٦١ أ، وأجاز العكبري في (اللام) أن تكون بمعنى: لأجلك، أو زائدة أو تكون معدية للفعل مثل الباء، \"الإملاء\" ١/ ٢٨.\n(٥) انظر \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٧٨، \"تهذيب اللغة\" (قدس) ٣/ ٢٩٠٠، \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٦١ أ.\n(٦) \"شرح أسماء الله الحسنى\" للزجاج: ص ٣٠، وانظر \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٩٠٠، \"اللسان\" (قدس) ٦/ ٣٥٤٩.\n(٧) هو الليث كما في \"تهذيب اللغة\" (قدس) ٣/ ٢٩٠٠.\n(٨) (هو) ساقط من (ب).\n(٩) في (ب): (الجمال). والجمان: حب يتخذ من الفضة أمثال اللؤلؤ، وقيل: خرز يُبَيَّض بماء الفضة. \"اللسان\" (جمن) ٢/ ٦٨٩.","vol":"2","page":331},{"text":"كَنَظْمِ قُدَاسٍ سَلْكُهُ مُتَقَطِّعُ (١)\nقال أبو علي الفارسي: معنى نقدس لك: ننزهك عن السوء، فلا (٢) ننسبه إليك، و(اللام) فيه على حدها في قوله: ﴿رَدِفَ لَكُمْ﴾ [النمل: ٧٢] لأن المعنى تنزيهه، وليس المعنى أن ينزه شيء من أجله. فأما قولهم: (بيت المقدس) وقول الراجز:\nالحَمْدُ للهِ العَلِيِّ القَادِسِ (٣)\nيدل على أن الفعل قد استعمل من التقديس، بحذف الزيادة، فإذا كان كذلك، لم يخل (المَقْدِس) من أن يكون مصدرا أو مكانا، فإن كان مصدرا كان كقوله: ﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ﴾ (٤) ونحوه من المصادر، والتي (٥) جاءت على هذا المثال.\nوإن كان مكانًا، فالمعنى: بيت المكان الذي جعل فيه الطهارة أو بيت مكان الطهارة، وتطهيره على إخلائه من الأصنام وإبعاده منها، كما جاء\n_________\n(١) صدره كما في \"اللسان\":\nتَحَدَّرَ دَمْعُ العَيْنِ مِنْهَا فَخِلْتُه\nيصف تحدر دمعة العين بنظم القُدَاس إذا انقطع سلكه، والبيت غير منسوب، ذكره الأزهري في \"التهذيب\" (قدس) ٣/ ٢٩٠٠، والجوهري في \"الصحاح\" (قدس) ٣/ ٩٦١، وابن فارس في \"مجمل اللغة\" (قدس) ١/ ٧٤٥، \"مقاييس اللغة\" (قدس) ٥/ ٦٤، وورد في \"اللسان\" (قدس) ٦/ ٣٥٥٠.\n(٢) في (ب): (ولا).\n(٣) ورد في \"الحجة\" لأبي علي بدون نسبة \"الحجة\" ٢/ ١٥٢. ولم أجده في غيرها.\n(٤) سورة الأنعام: ٦٠، ويونس: ٤. وفي (الحجة): (كقوله: ﴿إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ﴾)، (الحجة) ٢/ ١٥٢. وهي جزء من آية في سورة آل عمران: ٥٥، والعنكبوت: ٨، ولقمان: ١٥.\n(٥) (والتي) كذا وردت في جميع النسخ والأولى حذف الواو كما في \"الحجة\" ٢/ ١٥٢.","vol":"2","page":332},{"text":"﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ﴾ (١) [البقرة: ١٢٥]. انتهى كلامه (٢).\nفعلى قول أبي علي (اللام) في (لك) صلة (٣).\nوقال أبو إسحاق: معنى: (نقدس لك) أي نطهر أنفسنا لك.\nقال: ومن هذا: البيت المقدس، أي: البيت المطهر، وبيت المقدس أي بيت المكان الذي يتطهر فيه من الذنوب (٤).\nفعلى هذا (اللام) لام أجل (٥)، أي نطهر لأجلك قلوبنا من الشرك، وأبداننا من المعصية.\nوقوله تعالى: ﴿قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾.\nقال ابن عباس: يعني من إضمار إبليس العزم على المعصية، وما اطلع عليه من كبره (٦).\nوقال ابن مسعود: ﴿مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ مما يؤول إليه أمر إبليس (٧).\n_________\n(١) في الآيه تصحيف في (ب): (طهر) بدون (ألف)، وفي (ج): (طهري)\n(٢) أي كلام أبي علي، نقله بتصرف، انظر: \"الحجة\" ٢/ ١٥١، ١٥٢.\n(٣) وهو قول الثعلبي كما مر قريبًا وذكر العكبري فيها أقوالًا أخرى، انظر: \"الإملاء\" ص ٧٠٦، تعليق رقم ٥.\n(٤) انظر كلام الزجاج في \"معاني القرآن\" ١/ ٧٨، ليس فيه قوله: (البيت المقدس) أي (البيت المطهر).\n(٥) وبه أخذ العكبري، انظر: ص ٧٠٦، تعليق ٥، وانظر \"الإملاء\" \"تفسير الطبري\" ١/ ٢١١، وابن عطية في \"تفسيره\" ١/ ٢٣١.\n(٦) أخرجه \"الطبري\" بسنده من طريق الضحاك، \"تفسير الطبري\" ١/ ٢١٢، وانظر \"تفسير ابن عطية\" ١/ ٢٣٢، \"الدر\" ١/ ٩٥، \"زاد المسير\" ١/ ٦١.\n(٧) أخرجه \"الطبري\" من طريق السدي عن مرة عن ابن مسعود، وعن أبي صالح عن ابن عباس ١/ ٢١٢، وأخرج ابن أبي حاتم نحوه ١/ ٧٩، وانظر: \"تفسير ابن عطية\" ١/ ٢٣٢.","vol":"2","page":333},{"text":"وقال قتادة (١): ﴿أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ أنه يكون في أولاد آدم من هو من أهل الطاعة.\nوقال الزجاج: معناه أبتلي من تظنون أنه مطيع فيؤديه الابتلاء إلى المعصية، ومن تظنون أنه عاص فيؤديه إلى الطاعة (٢).\nوقيل: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ من تفضيل آدم عليكم، وما أتعبدكم به من السجود له، وأفضله به عليكم من تعليمي الأسماء، وذلك أنهم قالوا فيما بينهم: ليخلق ربنا ما يشاء، فلن يخلق خلقًا أفضل ولا أكرم عليه منا (٣).\nوفتح أبو عمرو وابن كثير (الياء) في قوله: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ﴾ [البقرة: ٣٠]، ﴿إِنِّي أَرَى﴾ (٤) عند الهمزة المفتوحة. وزاد أبو عمرو عند الهمزة المكسورة، مثل: ﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ﴾ (٥).\nوزاد نافع عند المضمومة، مثل: ﴿عَذَابِي أُصِيبُ﴾ [الأعراف: ١٥٦]، ﴿فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ﴾ [المائدة: ١١٥]، ﴿إِنِّي أُرِيدُ﴾ (٦).\n_________\n(١) أخرجه الطبري بسنده عن سعيد عن قتادة. \"تفسير الطبري\" ١/ ٢١٣، وأخرجه ابن أبي حاتم ١/ ٧٩ - ٨٠، قال المحقق: ضعيف، ولكن أخرجه \"الطبري\" من طريق آخر ١/ ٢٨٤، وذكره ابن كثير في \"تفسيره\" ١/ ٧٤، وانظر ابن عطية ١/ ٢٣٣، \"الدر\" ١/ ٩٦، \"زاد المسير\" ١/ ٦٢.\n(٢) ذكر كلام الزجاج بمعناه. انظر: \"معاني القرآن\" ١/ ٧٧، وذكره ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ١/ ٦٢.\n(٣) لم أجد هذا القول فيما اطلعت عليه من كتب التفسير، والله أعلم.\n(٤) سورة الأنفال: ٤٨، وسورة يوسف: ٤٣، وسورة الصافات:١٠٢.\n(٥) سورة يونس: ٧٢، سورة هود: ٢٩، وسورة سبأ: ٤٧.\n(٦) (إني) ساقط من (ب). سورة المائدة: ٢٩، والقصص: ٢٧. =","vol":"2","page":334},{"text":"وحجتهم في ذلك (١) أن هذه (الياء) أصلها الحركة، لأنها بإزاء الكاف للمخاطب، فكما فتحت الكاف، كذلك تفتح (الياء).\nفإن قيل: إن الحركة في حروف اللين مكروهة؟\nقيل: الفتحة من بينها (٢) لا تكره، وإن كرهت الضمة والكسرة، ألا ترى أن (القاضي) ونحوه يحرك بالفتح (٣)، كما يحرك (٤) سائر الحروف التي لا لين لها (٥)، ألا ترى أن (غواشي) (٦) تجري في النصب مجرى\n_________\n= اختلف القراء في حكم (ياء المتكلم)، فقرأ بعضهم بفتحها، وبعضهم بتسكينها، ولهم أصول في ذلك، ولكنها لا تطرد في كل موضع، لهذا نجد من ذكر أصولهم في (ياء المتكلم) يقول: ونذكر ما شذ عن هذا في موضعه. فعند أبي عمرو: كل ياء مكسور ما قبلها، إذا كان بعدها همزة مفتوحة أو مكسورة يفتحها. أما ابن كثير فيوافقه في بعضها، ويخالفه في بعضها فيسكنها. أما نافع فإنه يفتح هذِه الياء إذا كان بعدها همزة مفتوحة أو مكسورة أو مضمومة، وقد اختلف في بعض هذِه الحروف عنه. أما بقية (السبعة): وهم حمزة، والكسائي، وعاصم، وابن عامر، فأصلهم فيها الإسكان، وروي عنهم مواضع بالفتح. والياء في قوله تعالى: ﴿قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ﴾ قرأ بفتحها في الوصل أبو عمرو وابن كثير ونافع من (السبعة).\nانظر: \"السبعة\" لابن مجاهد: ص ١٥٢، \"الحجة\" لأبي علي ١/ ٤١١، \"الكشف\" لمكي ١/ ٣٢٤، \"تحبير التيسير\": ص ٧٩، \"البدور الزاهرة\": ص ٢٨.\n(١) أي حجة من قرأ بالفتح، والكلام منقول من \"الحجة\" بتصرف ١/ ٤١٤.\n(٢) (بينها) ساقطة من (ج).\n(٣) أي أن الاسم الذي آخره (ياء) مكسور ما قبلها لا يدخله جر ولا رفع لثقل ذلك، يدخله الفتح، ولذلك بني على الفتح، انظر \"المقتضب\" ٤/ ٢٤٨.\n(٤) في (ج): (تحرك).\n(٥) في (ج): (فيها) وهذا موافق لما في \"الحجة\" ١/ ٤١٤.\n(٦) كذا في جميع النسخ وفي \"الحجة\": (.. أن الياء في (غواش) ..) ١/ ٤١٤، قال تعالى: ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾ [الأعراف: ٤١].","vol":"2","page":335},{"text":"مساجد ونحوه (١) من الصحيح.\nوقد اتفقوا أيضًا على تحركها بالفتح، إذا سكن ما قبلها، نحو بشراي (٢) وغلامي وقاضيّ، ورأيت غلاميّ (٣)،\nفاجتماعهم على تحريكها بالفتح (٤) في هذا النحو يدل على أن ذلك أصلها إذا تحرك ما قبلها (٥).\nوأما (٦) من أسكن هذه (الياءات) فحجته أن الفتحة مع (الياء) قد كرهت في (٧) الكلام، كما كرهت الحركتان (٨) الأخريان فيها، ألا ترى أنهم قد أسكنوها في الكلام في حال السعة إذا لزم تحريكها بالفتحة، كما أسكنوها إذا لزم تحريكها بالحركتين الأخريين (٩)، وذلك قولهم: (قالي قلا) (١٠)،\n_________\n(١) في (ج): (ونحوها). والمراد أن (الياء) تثبت في (غواش) في حالة النصب، انظر: \"الحجة\" ١/ ٤١٤.\n(٢) (ب): (براى).\n(٣) الياء في (قاضي) ورأيت غلامي (مشددة) والأولى منهما ساكنة فتفتح (الياء) الثانية انظر: \"الكتاب\" ٣/ ٤١٤، ٤/ ١٨٧.\n(٤) في (ب): (نحو في هذا النحو).\n(٥) انتهى من بيان حجة من قرأ بفتح الياء في قوله: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ﴾ والكلام من \"الحجة\" بتصرف ١/ ٤١٤. وانظر: \"الحجة\" لابن خالويه: ص ٧٤، \"الكشف\" لمكي ١/ ٣٢٤، \"البيان\" لابن الأنباري ١/ ٧٢٠.\n(٦) في (ب): (وإنما من).\n(٧) في (ب): (بالكلام).\n(٨) في (ب): (الحركات). والحركات: هما الضمة والكسرة.\n(٩) في (أ) و(ج): (الأخرين) وأثبت ما في (ب) لأنه أصح وموافق لما في \"الحجة\" ١/ ٤١٥.\n(١٠) (قالي قلا) اسم مدينة بأرمينة، سميت باسم امرأة ملكتهم وبنت تلك المدينة وإليها ينسب بعض العلماء كالقالي، انظر: \"معجم البلدان\" ٤/ ٢٩٩.","vol":"2","page":336},{"text":"و(بادي بدا) (١)، و(معد يكرب) (٢) و(حيري (٣) دهر) (٤).\nو(الياء) في هذه المواضع في موضع الفتحة التي في آخر أول الاسمين، نحو: (حضر موت) و(بعلبك) وقد أسكنت كما أسكنت في الجر (٥) والرفع (٦).\nومما يؤكد الإسكان فيها أنها مشابهة (٧) للألف، والألف تسكن (٨) في الأحوال الثلاث (٩)، كذلك (الياء) تسكن. والدليل على شبه (الياء) الألف قربها منها في المخرج، وإبدالهم إياها منها في نحو (طائيٍّ) و(حاريٍّ) في\n_________\n(١) قال الجوهري: أفعل ذاك بادئ بدء، وبادي بديٍّ، أي أولا، وأصله الهمزة، وإنما ترك لكثرة الاستعمال ...، وهما اسمان جعلا اسما واحدا مثل: معد يكرب، وقالي قلا. \"الصحاح\" (بدا) ٦/ ٢٢٧٩، وانظر: \"اللسان\" (بدا) ١/ ٢٣٤.\n(٢) في (أ)، (ج): (معدي).\n(٣) في (ب): (حرى).\n(٤) ومنه قول العرب (لا أفعل ذلك حيري دهر). أي: أبدًا. انظر \"الكتاب\" ٣/ ٣٠٧.\n(٥) في (ب): (الخبر).\n(٦) يقول: إن الأسماء المركبة مثل (قالي قلا) مما آخر الاسم الأول (ياء) فالياء تسكن، لأنها في وسط الاسم، ولأنها لو كانت معربة بالجر أو الرفع سكنت، كما تقول: (مررت بالقاضي). وكان ينبغي في هذِه الياء أن تفتح، كما فتح آخر الاسم الأول من المركب نحو (حضرموت) والذي جعل الاسمان فيه كاسم واحد، لأن الحركة تستثقل عليه، والفتح أخف الحركات، ولما ثقلت الفتحة على الياء لم يبق بعد الفتح إلا السكون. انظر: \"الكتاب\" ٣/ ٣٠٤، ٣٠٥، \"المقتضب\" ٤/ ٢١، \"البيان\" ١/ ٧٢.\n(٧) في (ب): (متشابهه).\n(٨) في (أ): (سكن) وفي (ب): (يسكن) وما في (ج) أصح في السياق وموافق لما في \"الحجة\" ١/ ٤١٦.\n(٩) في (ب): (السبت).","vol":"2","page":337},{"text":"النسب (١) إلى (طيئ) (٢) و(الحيرة) وقوله:\nلَنَضْرِبَنْ بِسَيْفِنَا قَفَيْكَا (٣)\nكثر إسكان (الياء) في (٤) موضع النصب في الشعر لهذه المشابهة (٥)، حتى ذهب بعضهم إلى استجازته في الكلام (٦).\nفأما حجة أبي عمرو حيث لم يفتح عند المضمومة، وفتح عند المفتوحة والمكسورة (٧)، هي: أن الهمزة قد فتحت لها (٨) ما لم يكن يفتح\n_________\n(١) في (ب): (النسبة).\n(٢) قال سيبويه: ولا أراهم قالوا: طائي إلا فرارا من (طيئي) وكان القياس (طيئي) ولكنهم جعلوا الألف مكان الياء. \"الكتاب\" ٣/ ٣٧١.\n(٣) البيت لأعرابي، ونسبه أبو زيد لراجز من حمير، يخاطب به عبد الله بن الزبير -﵁- وقبله:\nيَابنَ الزُّبَيْرِطَالَمَا عَصَيْكَا ... وَطَالَمَا عَنَّيْتَنَا إِلَيْكَا\nلَنَضْرِبَنْ بِسَيْفِنَا قَفَيْكَا\nوالشاهد (قفيكا) حيث أبدل الألف ياء مع الإضافة للضمير، والأصل قفاكا، وبعضهم يجعله من ضرورة الشعر. وردت الأبيات في \"النوادر\": ص ٣٤٧، \"الحجة\" ١/ ٤١٦، \"المسائل العسكرية\" لأبي علي ص ١٥٨، \"أمالي الزجاجي\": ص ٢٣٦، \"المحكم\" ٦/ ٣٥٤، \"سر صناعة الإعراب\" ١/ ٢٨٥، \"الخزانة\" ٤/ ٤٢٨.\n(٤) (في) ساقطة من (ب).\n(٥) أي مشابهة الياء للألف.\n(٦) انتهى ما نقله المؤلف عن \"الحجة\" لأبي علي ١/ ٤١٥ - ٤١٧. في حجة من أسكن الياء في قوله: ﴿قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ﴾ وانظر \"الحجة\" لابن خالويه: ص ٧٤.\n(٧) مر بنا أن أبا عمرو يفتح (الياء) إذا وقع بعدها همزة مفتوحة أو مكسورة، ويسكنها إذا وقع بعدها همزة مضمومة.\n(٨) في (ب): (قد فتحت لما لم تكن تفتح)، وفي \"الحجة\" (فتح لها ما لم يكن يفتح ..) ١/ ٤١٧. وهو الصواب.","vol":"2","page":338},{"text":"لو لم تجاور الهمزة، ألا ترى أنهم فتحوا نحو: (يقرأ ويبرأ) ولولا الهمزة لم يفتح شيء من ذلك. فإذا فتحت لها ما لم (١) يفتح إذا لم تجاور (٢) الهمزة، فأن يفتح لها ما قد يفتح مع غيرها أحرى.\nوالمفتوحة والمكسورة (٣) سيّان (٤) في إتباع (الياء) لها في التحريك بالفتح، ألا ترى أنهم قد غيروا للهمزة (٥) المكسورة الحرف (٦) الذي قبلها، فقالوا: (الضِّئين) (٧) في جمع [الضَّائِن] (٨)، و(صأى صِئِيَّا (٩) ولم يفعلوا ذلك في (رؤوف) وكذلك لم تفتح (الياء) قبل الهمزة المضمومة (١٠) كما\n_________\n(١) في (ب): (ما لا يفتتح) ومثله في \"الحجة\" ١/ ٤١٧.\n(٢) في (ب): (يجاوز)، وفي \"الحجة\": (يجاور) ١/ ٤١٧.\n(٣) في (ب): (من المكسورة).\n(٤) في (أ): (شيان) وفي (ب): (سان) وأثبت ما في (ج)، لأنه أصوب وموافق للحجة ١/ ٤١٧.\n(٥) في (ب): (الهمزة).\n(٦) في (ب): (للحرف).\n(٧) في (أ)، (ب) (الصيئن) وأثبت ما في (ج)، لأنه هو الصواب وموافق لما في (الحجة) ١/ ٤١٧.\n(٨) في جميع النسخ (الضان) وفي (الحجة) (الضائن)، قال في \"الصحاح\": (الضائن) خلاف الماعز والجمع (الضأن) وقد يجمع على (ضئين) \"الصحاح\" (ضائن) ٦/ ٢١٥٣.\n(٩) في (أ). (صآ. صئيا) وفي (ب): (صاصا) وفي (ج): (صاصيا) وفي (الحجة): (صأي، صئيا)، \"الحجة\" ١/ ٤١٧. و(الصِّئي) مثلثة: صوت الفرخ، والفيل والخنزير والفأر كلها تَصْأَى صِئِيًّا، انظر: \"تهذيب اللغة\" (صآ) ٢/ ١٩٥٥، \"القاموس\" (صأي): ص ١٣٠١.\n(١٠) كما في قوله تعالى: ﴿عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ﴾ [الأعراف: ١٥٦].","vol":"2","page":339},{"text":"فتحت قبل المفتوحة والمكسورة (١).\nفإن قيل: إن ما ذكرته من التغيير للهمزة المفتوحة والمكسورة إنما جاز في المتصل نحو (يقرأ) و(يبرأ) و(الضَّئين) و(الضَّئِي) (٢)، وما فعله أبو عمرو من فتح (الياء) مع المفتوحة والمكسورة منفصل.\nقيل: شبه (٣) المنفصل بالمتصل. وقد ذكرنا أشياء من هذا في الحجة لمن خفف: (وهو ولهو) (٤).\nومن قال: إنه فتح (الياء) مع الهمزة، لتتبين (٥) (الياء) معها، لأنها خفية، كما بينوا (النون) مع حرف الحلق، وأخفوها مع غيرها، فإن هذه العلة لا تستقيم (٦)، لأنه (٧) يلزمه تحريك (الياء) مع الهمزة المضمومة لأن [النون تُبَيَّن مع الهمزة المضمومة كما تُبَيَّن مع المفتوحة والمكسورة، وأيضا\n_________\n(١) (الواو) ساقطة من (ب).\n(٢) (الضئي) كذا وردت في (أ، ج) وكذا في \"الحجة\" ١/ ٤١٨، وفي (ب): (الضبي) ولم أعرف المراد به، والمعروف (ضأي): دق جسمه. انظر \"تهذيب اللغة\" (ضأي) ٣/ ٢٠٨٣، \"اللسان\" (ضأي) ٤/ ٢٥٤٢، \"القاموس\": ص١٣٠٤. ولعل المراد (الصئي) كما سبق أن مثل بها مع (الضئين).\n(٣) في (أ)، (ج): (نشبه) وفي \"الحجة\": (يشبه) ١/ ٤١٨، وأثبت ما في (ب)، لأنه أولى بالسياق.\n(٤) في (أ)، (ج): (وهو وهو) وأثبت ما فىِ (ب). وعبارة أبي علي في (الحجة): (قد ذكرنا منها أشياء في هذا \"الكتاب\" ١/ ٤١٨، وقد سبق هذا في: ٢/ ٣٠٦ - ٣٠٩.\n(٥) في (أ)، (ج): (ليتبين) وما في (ب) أولى، وموافق لما في \"الحجة\" ١/ ٤١٨.\n(٦) في (أ) (يستقيم). وعبارة أبي علي في (الحجة): (فإنا لا نرى أن أبا عمرو اعتبر هذا الذى سلكه هذا القائل، ولو كان كذلك لحرك (الياء) ... إلخ) ١/ ٤١٨.\n(٧) في (ب): (لا يلزمه).","vol":"2","page":340},{"text":"فإن] (١) النون تُبيَّن (٢) مع سائر حروف الحلق [، ولسنا نعلم أبا عمرو يفتح (الياء) مع سائر حروف الحلق.] (٣)\nفإن قلت: فإن الهمزة قد تفتح (٤) لها ما قبلها وإن كانت مضمومة، نحو: (يقرأ) في موضع الرفع، فهلا فتح (الياء) في ﴿عَذَابِي أُصِيبُ﴾ [الأعراف: ١٥٦].\nقلنا: الضمة إذا كانت للإعراب (٥) لم يكن في حكم الضمة عندهم، ألا ترى أنهم قد (٦) قالوا: نَمِرٌ وكَتِفٌ، ونحو ذلك في الرفع، ورفضوا الضمة مع الكسرة في كلامهم (٧) فلم يجئ فيه (فُعِل) (٨).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-254>٣١ </span>- وقوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ الآية. قال ابن عباس والحسن وقتادة: لما قال الله ﷿ للملائكة: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ قالوا فيما بينهم: ليخلق ربنا ما شاء، فلن يخلق خلقًا أفضل ولا أكرم عليه منا، وإن كان خيرًا منا فنحن أعلم منه، لأنا خلقنا قبله ورأينا ما لم يره،\n_________\n(١) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).\n(٢) في (أ)، (ج): (يتبين) وما في (ب) موافق للحجة.\n(٣) ما بين المعقوفين ساقط من (ب). وبهذا ينتهي الجزء الأول من \"الحجة\"، وقوله: (فإن قلت ..) أول الجزء الثاني.\n(٤) في (ب): (يفتح).\n(٥) في (أ)، (ج): (الإعراب) وما في (ب) هو الصحيح وموافق للحجة ٢/ ٥.\n(٦) (ق) ساقطة من (ب).\n(٧) إذا لم تكن الضمة للإعراب، أما الضمة في (نمر وكتف) فهي للإعراب، فلم يمنعوا مجيء الكسرة قبلها.\n(٨) هذا آخر ما نقله الواحدي عن كتاب \"الحجة\" لابن علي الفارسي في حجة أبي عمرو في فتح (ياء المتكلم) إذا لقيت همزة مفتوحة أو مكسورة، وتسكينها إذا لقيت همزة مضمومة. انظر: \"الحجة\" ١/ ٤١٧، ٢/ ٥.","vol":"2","page":341},{"text":"فلما أعجبوا بعلمهم، فضل الله ﷿ آدم عليهم بالعلم فعلمه الأسماء كلها (١).\nووجه تعليمه آدم: أن خلق في قلبه علمًا بالأسماء على سبيل الابتداء، وألهمه (٢) العلم بها (٣).\nوأما (آدم) فقال ابن عباس: إنما سمي آدم، لأنه خلق من أديم الأرض (٤).\nومثل هذا قال أهل اللغة فيما حكا الزجاج عنهم، قال: يقول أهل اللغة في آدم: إن اشتقاقه من أديم الأرض، لأنه خلق من تراب، وأديم\n_________\n(١) ذكره الثعلبي، وقال: وهذا معنى قول ابن عباس والحسن وقتادة، \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٦١ ب. وأخرج الطبري في \"تفسيره\" نحوه عن قتادة والحسن ١/ ٢٥٦. وأخرج ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" عن قتادة والحسن نحوه ١/ ٧٧. وانظر ابن كثير في \"تفسيره\" ١/ ٧٦، \"الدر\" ١/ ١٠١.\n(٢) في (ب): (بالقاء).\n(٣) (التعبير بـ (خلق) يوحي بما يذهب إليه الأشاعرة من القول بأزلية الصفات، ونفي ما يتعلق منها بمشيئة الله، ونفي أن الله متصف بالصفات الفعلية فيتكلم إذا شاء متى شاء، ويعلم عباده متى شاء. والله سبحانه أخبر أنه علم آدم الأسماء، فما المخول لتأويل ذلك بالخلق أو بالإلهام، قال ابن عطية. تعليم آدم عند قوم إلهام علمه ضرورة. وقال قوم: تعليم بقول، إما بواسطة ملك، أو بتكليم قبل هبوطه ...) \"تفسير ابن عطية\" ١/ ٢٣٣. قال أبو حيان -بعد أن ذكر الأقوال في هذا-: (أظهرها أن الباري تعالى هو المعلم لا بواسطة ولا إلهام) \"البحر\" ١/ ١٤٥. وهذا هو الموافق لنص الآية.\n(٤) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" قال شاكر: إسناده صحيح ١/ ٤٨٠ (ط. شاكر)، وأخرجه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" بسند صحيح، كذا قال المحقق ١/ ٢٩٧، وذكره السيوطي في \"الدر\"، وعزاه إلى الفريابي، وابن سعد، وابن جرير وابن حاتم، والحاكم، والبيهقي في \"الأسماء والصفات\". انظر: \"الدر\" ١/ ١٠٠.","vol":"2","page":342},{"text":"الأرض: وجهها (١) [قال الليث: أديم كل شيء ظاهر جلده، وأدمة الأرض وجهها] (٢) والأُدمة لون مشبه بلون التراب (٣).\nأبو عبيد عن الفراء قال: الأُدمة في الناس شُرْبة من سواد، وفي الإبل والظباء بياض، يقال: ظبية (٤) أدماء، ولم أسمع (٥) أحدا يقول للذكر من الظباء: آدم، ولو قيل، كان قياسا (٦). وقال ذو الرمة:\nمِنَ المؤْلِفَاتِ الرَّمْلَ أَدْمَاءُ حُرَّةٌ ... شُعَاعُ الضُّحَى في مَتْنِهَا يَتَوَضَّحُ (٧)\nوقال الأعشى في الناقة:\nفَقُلْتُ لَهُ هذه هَاتِهَا ... بِأَدْمَاءَ في حَبْلِ مُقْتَادِهَا (٨)\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٨٠، وانظر \"تهذيب اللغة\" (أدم) ١/ ١٣٤.\n(٢) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).\n(٣) ونحوه قال الزجاج، انظر \"تهذيب اللغة\" (أدم) ١/ ١٣٤، وانظر \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٨٠.\n(٤) في (ب): (صبية).\n(٥) في (ب): (يسمع).\n(٦) الكلام في \"تهذيب اللغة\" منسوب لليث، وكلام أبي عبيد عن الفراء قال: الأدمة: الوسيلة إلى الشيء، يقال: فلان أدمتي إليك أي: وسيلتي. \"التهذيب\" (أدم) ١/ ١٣٤.\n(٧) المُؤْلِفَات: التي اتخذت الرمال إلفا، يتوضح: يبرق، والبيت في وصف الظباء. ورد في \"الكامل\" ٢/ ٣٠٣. \"تهذيب اللغة\" (أدم) ١/ ١٣٤، \"مقاييس اللغة\" (ألف) ١/ ١٣١، \"اللسان\" (أدم) ١/ ٤٦، \"ديوان ذي الرمة\" ٢/ ١١٩٧.\n(٨) قاله يخاطب خمارًا، يقول: هات الخمر بناقة برمتها، والأدماء: الناقة صادقة البياض سوداء الأشفار. ورد البيت في \"التهذيب\" (رم) ٢/ ١٤٧٤، \"مقاييس اللغة\" (رم) ٢/ ٣٧٩، \"اللسان\" (رمم) ٣/ ١٧٣٦، \"ديوان الأعشى\": ص ٥٨، وفيه (فقلنا) بدل (فقلت).","vol":"2","page":343},{"text":"وقال النضر بن شميل: سمي آدم، لأنه كان أبيض اللون (١).\nواختلف في هذه الأسماء التي علمها الله آدم، فقال ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك: علمه اسم كل شيء حتى القصعة والمغرفة (٢).\nوظاهر اللفظ يدل على هذا، وعلى أنه علمه جميع اللغات، لأنه قال: الأسماء كلها، فيما وقع عليه الاسم بأي لغة كان داخل تحت هذا الإطلاق (٣)، على أنه قد قال جماعة من أهل التأويل: إن الله تعالى علم آدم\n_________\n(١) انظر: \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٦٣ أ، \"تفسير القرطبي\" ١/ ٢٤٠، \"زاد المسير\" ١/ ٦٢، والراجح: أن آدم مشتق من (أديم الأرض) كما هو قول ابن عباس، وقول أئمة اللغة كما سبق. انظر: \"الطبري\" ١/ ٢١٤، \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٨٠، \"تهذيب اللغة\" ١/ ١٣٤، \"القرطبي\" في \"تفسيره\" ١/ ٢٤٠.\n(٢) انظر أقوالهم في \"تفسير الطبري\" ١/ ٢١٥ - ٢١٧، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ١/ ٨٠، والثعلبي ١/ ٦٢ أ، وابن عطية في \"تفسيره\" ١/ ٢٣٤، \"تفسير ابن كثير\" ١/ ٧٨.\n(٣) وهذا ما رجحه ابن كثير حيث قال: (والصحيح أنه علمه أسماء الأشياء كلها ذواتها وصفاتها وأفعالها كما قال ابن عباس: حتى الفسوة والفسية، يعني أسماء الذوات والأفعال المكبر والمصغر ..) واستدل ابن كثير على هذا بالحديث الذي أخرجه البخاري وفيه: \"فيأتون آدم فيقولون له: أنت أبو الناس، خلقك الله بيده، وأسجد لك ملائكته، وعلمك أسماء كل شيء .. \" \"تفسير ابن كثير\" ١/ ٧٨. أما ابن جرير \"الطبري\" فرجح أن المراد: أسماء ذريته وأسماء الملائكة دون أساء سائر أجناس الخلق، واستدل على هذا بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ﴾ وبأن العرب لا تكاد تكني بالهاء والميم إلا عن أسماء بني آدم والملائكة، أما إذا كنت عن أسماء البهائم وسائر الخلق سوى من ذكر فإنها تكنى عنها بالهاء والألف، أو بالهاء والنون فتقول: (عرضهن) أو (عرضها)، انظر \"تفسير الطبري\" ١/ ٢١٦. وقد رد ابن كثير هذا الاحتجاج وقال: ليس بلازم، فإنه لا ينفي أن يدخل معهم غيرهم ويعبر عن الجميع بصيغة من يعقل للتغليب. ابن كثير في \"تفسيره\" ١/ ٧٨، وانظر \"تفسير أبي الليث\" ١/ ١٠٨ - ١٠٩، \"البيان\" ١/ ٧٢، \"القرطبي\" في \"تفسيره\" ١/ ٢٤١ - ٢٤٢.","vol":"2","page":344},{"text":"جميع اللغات، ثم إن أولاده تكلم كل واحد منهم بلغة [أخرى، فلما تفرقوا في البلاد اختص كل فرقة منهم بلغة] (١)، فاللغات كلها إنما سمعت من آدم وأخذت عنه (٢).\nوقال الزجاجي في قوله: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾: الأسماء (٣) على كثرتها عشرة أقسام (٤)، فمنها: أسماء الأشخاص التي نسميها الأعيان نحو: الشجر والجبل والأرض والمدر.\nومنها: أسماء المعاني، وهي (٥) أسماء الحوادث، ويسميها (٦)\n_________\n(١) ما بين المعقوفين ساقط من (ب). حول هذا المعنى انظر \"تفسير ابن عطية\" ١/ ٢٣٤ - ٢٣٥، والبغوي في \"تفسيره\" ١/ ٨٠، \"القرطبي\" في \"تفسيره\" ١/ ٢٤٢ - ٢٤٣، \"البحر\" ١/ ١٤٥.\n(٢) هذا على قول من يرى أن أصل اللغة وحي لا اصطلاح، وقد أطال ابن جني في كتاب \"الخصائص\" بحث هذِه المسألة، ورجح أنها (وحي)، \"الخصائص\" ١/ ٤٠ - ٤٧.\n(٣) (الأسماء) ساقط من (ب).\n(٤) لم أجد هذا الكلام بهذا النص فيما اطلعت عليه من كتب الزجاجي، وهذا التقسيم اجتهادي، وللزجاجي تقسيم للأسماء غير هذا، قال في كتاب (اشتقاق أسماء الله)، (.... فالأسماء تنقسم أولا قسمين معرفة ونكرة ... هذا أول انقسام الأسماء، ثم تتنوع بعد ذلك فتصير ستين نوعا ...) ثم دخل في تفصيل هذِه التقسيمات، وقال في موضع آخر (... وقد ذكرنا أنواع الأسماء الستين في شرح كتاب الجمل مفسرة ...) قال المحقق: لم يرد كتاب شرح الجمل ضمن كتب الزجاجي المعروفة، ولعل المراد به (الجمل الكبرى)، انظر: \"شرح أسماء الله\": ص ٢٦٧ - ٢٧٤. وذكر الثعلبي في \"تفسيره\" أن أقسام الاسم ثمانية ثم ذكرها، \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٦٣ أ.\n(٥) في (ب): (وهو).\n(٦) في (أ) و(ج): (وتسميتها).","vol":"2","page":345},{"text":"النحويون المصادر، لأن الأفعال تصدر عنها، وذلك نحو: الضرب والقتل.\nومنها: أسماء الألقاب، نحو: زيد وعمرو فيمن يعقل، وفيما لا يعقل نحو: يحموم وسكاب وداحس (١)، أسماء أفراس الأعراب، أجريت عليها لقبا لا لمعنى، وهذا القسم (٢) غير الأول الذي هو من أسماء الأشخاص لأن أسماء الأشخاص لا يخلو من أن تكون جارية على مسمياتها لمعنى، لولا ذلك ما أجريت عليها، وزيد لم يسم زيدا لمعنى فيه (٣)، لأنه كان يجوز أن يسمى (٤) بكرا وخالدا.\nومنها: أسماء الأزمنة، كاليوم والليلة، والساعة وغد، وأمس.\nومنها: أسماء الأمكنة، وهي الجهات الست، نحو: قدام وخلف وفوق وتحت ويمنة ويسرة.\nومنها: أسماء الفاعلين نحو: الضارب والقاتل والآكل والشارب.\nومنها: أسماء المفعولين نحو: المضروب والمقتول.\nومنها: أسماء الحلي والشيات نحو: الأحمر والأصفر والأعرج والأحدب وما يجري مجراها.\nومنها: أسماء المكاني (٥) والمضمرات نحو: أنا ونحن (٦)، وأنت،\n_________\n(١) في (ب): (وداحسن).\n(٢) في (ب): (الأسمر).\n(٣) (فيه) ساقط من (ب).\n(٤) (أن يسمى) ساقط من (ب).\n(٥) في (ب): (العاني).\n(٦) (نحن) ساقطة من (ب).","vol":"2","page":346},{"text":"وهو وهي وهم (١) وهن، وهذا وذاك وأولئك وهؤلاء.\nوالقسم العاشر خاص للعرب وهو أسماء الأفعال نحو قولهم: (صه) هو اسم موضوع لقولك (٢): (اسكت)، و(هيهات) لقولك: (٣) (ما أبعد)، و(مهلا) موضوع لقولك: (أمهل) وهذا الجنس قليل.\nوكل هذه الأسماء، [قصد واضع اللغة فيها إلى أن يجريها على مسمياتها لمعان يتضمنها، إلا (٤) أسماء] (٥) الألقاب نحو: زيد وعمرو، فإن قولنا: (زيد) وإن كان مأخوذا من الزيادة فليس بحاو على مسماه لهذا المعنى، وليس فيه إلا تعريف شخص من شخص.\nولما صدقت العناية ببعض الأسماء دون بعض، أدرك معاني بعضها وموضوعه وحقيقته ومجازه وأصله وفرعه، وما لم يصدق (٦) العناية به أو قل التصرف فيه صار كالجامد الذي لا يعرف له أصل، ولا يخلو من أن يكون له معنى صحيح، لذلك المعنى ما سمي (٧) به، وإن لم يدركه الناس.\nوقوله تعالى: ﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ﴾. يقال (٨): عرضت المتاع\n_________\n(١) (هم) ساقطة من (ب).\n(٢) في (ب): (كقولك سلت).\n(٣) في (ب): (موضوع كقولك).\n(٤) في (أ): (الأسماء).\n(٥) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).\n(٦) في (ب): (تصدق).\n(٧) العبارة فيها غموض، ولعل فيها سقط أو زيادة، ولو حذفنا (ما) لاستقام المعنى.\n(٨) في (ب): (فقال).","vol":"2","page":347},{"text":"على البيع عرضا، وكذلك عرض الجند والكتاب. ومعنى العرض في اللغة: الإظهار، ومنه عرض الجارية وعرض الجند (١).\nالليث: ويقال: أعرض الشيء أي: بدا وظهر، وأنشد:\nإِذَا أَعْرَضَت (٢) دَاوِيَّةٌ (٣) مُدْلَهِمَّةٌ (٤)\nأي بدت (٥).\nوقال الفراء في قوله تعالى: ﴿وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا (١٠٠)﴾ [الكهف: ١٠٠]، أي أبرزناها حتى رأوها. قالوا (٦): ولو جعلت الفعل لها زدت ألفا، فقلت: أعرضت، أي (٧): استبانت وظهرت (٨). فجاء من هذا\n_________\n(١) انظر: \"تهذيب اللغة\" (عرض) ١/ ٢٣٩٦، ٢٣٩٨، ٢٤٠٢، \"الصحاح\" (عرض) ٣/ ١٠٨٢.\n(٢) في (ب)، (ج) (عرضت).\n(٣) في (ب): (دويه).\n(٤) تمامه.\nوغَرَّدَ حَادِيَها فَرَيْنَ بِهَا فِلْقَا\nنسبه في \"الصحاح\" إلى (سويد بن كرُاع العكلي)، قال: و(كرع) اسم أمه، واسم أبيه عمير و(الداوية): الفلاة الواسعة، والفلق: بالكسر الداهية والأمر العجب، ورد في \"تهذيب اللغة\" (عرض) ١/ ٢٣٩٨، \"الصحاح\" (فلق) ٤/ ١٥٤٤، \"اللسان\" (غرد) ٦/ ٣٢٣٢، و(عرض) ٥/ ٢٨٨٦.\n(٥) الكلام في \"تهذيب اللغة\" منسوب لشمر وليس لليث. \"التهذيب\" (عرض) ١/ ٢٣٩٨، وفي \"اللسان\" (عرض) ٥/ ٢٨٨٦، غير منسوب.\n(٦) كذا في جميع النسخ (قالوا) والصحيح (قال) كما في \"تهذيب اللغة\" ١/ ٢٣٩٨.\n(٧) في (ب): (على أي).\n(٨) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٦٠، و\"تهذيب للغة\" (عرض) ١/ ٢٣٩٨، والعبارة نقلها الواحدي عن (التهذيب)، انظر \"الصحاح\" (عرض) ٣/ ١٠٨٤.","vol":"2","page":348},{"text":"أنه يقال: عرضت الشيء فأعرض، أي أظهرته فظهر، وأعرض بوجهه أي أزاله عن جهة الظهور، وعرض بالشيء، حرفه من جهة الظهور (١).\nفإن قيل: فلم قال: ﴿عَرَضَهُمْ﴾ فجمع الكناية وهي عائدة على (٢) الأسماء؟\nفالجواب ما قال مقاتل: وهو أن الله تعالى خلق كل شيء، الحيوان والجماد ثم علم آدم أسماءها، ثم عرض تلك الشخوص الموجودات على الملائكة (٣). وكنى عن الشخوص والمسميات [بقوله: ﴿هُمْ﴾ لأن فيها ما يعقل من الجن والإنس والملائكة، فالعرض يعود إلى المسميات] (٤) لا إلى الأسماء (٥).\nوقال ابن زيد: علمه أسماء ذريته (٦)، وعلى هذا العرض يعود إلى الذرية.\n_________\n(١) انظر: \"الصحاح\" (عرض) ٣/ ١٠٨٢ - ١٠٨٤، \"معجم مقاييس اللغة\" (عرض) ٤/ ٢٧٢.\n(٢) في (ب): (إلى)\n(٣) ذكر قول مقاتل الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ٦٢ أ.\n(٤) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).\n(٥) ذكر نحوه الزجاج في \"المعاني\" ١/ ٧٨، وانظر \"تفسير الطبري\" ١/ ٢١٦ - ٢١٧، وابن كثير في \"تفسيره\" ١/ ٧٨. وقد قيل: إن الضمير (هم) يعود على الأسماء لا على المسميات. انظر: \"تفسير ابن عطية\" ١/ ٢٣٥ - ٢٣٦، \"القرطبي\" ١/ ٢٤١.\n(٦) ذكره الطبري في \"تفسيره\" ١/ ٢١٦، والثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ٦٢ أ، وابن كثير في \"تفسيره\" ١/ ٧٨، والسيوطي في \"الدر\" ١/ ١٠١، والشوكاني في \"فتح القدير\" ١/ ١٠٣.","vol":"2","page":349},{"text":"وقوله تعالى: ﴿فَقَالَ أَنْبِئُونِي﴾. أمر تعجيز (١)، كقوله: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [البقرة: ٢٣] أراد الله تعالى أن يبين عجزهم (٢)، وذلك أن الملائكة أخبروا عن شيء لم يخلق لهم العلم به، وقالوا شيئًا بظن (٣) منهم وحسبان، فخلق سبحانه لآدم (٤) العلم بالأسماء (٥) دونهم تفضيلًا له، ثم استخبرهم عن ذلك، أراد كيف تدعون علم ما لم يكن بعد، وأنتم لا تعلمون ما ترون وتعاينون (٦).\nوقوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. أي: إن صدقتم أن الخليفة الذي أجعله في الأرض يفسد فيها ويسفك الدماء قاله ابن عباس، [وناس من الصحابة] (٧).\n_________\n(١) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ٦٢ أ، والخازن ١/ ١٠٢، وأكثر المفسرين على أنه للتقرير والتوقيف، كما قال الطبري: إنه مثل عتاب الله لنبيه نوح. انظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ٢١٩، \"ابن عطية\" ١/ ٢٣٦، \"القرطبي\" ١/ ٢٤٣.\n(٢) قال الطبري: (وقد زعم بعض نحويي أهل البصرة أن قوله: ﴿أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ لم يكن ذلك لأن الملائكة ادعوا شيئا، إنما أخبر الله عن جهلهم بعلم الغيب ... كما يقول الرجل للرجل: (أنبئني بهذا إذ كنت تعلم) وهو يعلم أنه لا يعلم ...) ثم أخذ يرد عليه. \"تفسير الطبري\" ١/ ٢١٩.\n(٣) في (أ): (يظن)، وفي (ب): (نظن) وأثبت ما في (ج)، لأنه أصح.\n(٤) في (ج): (العد لادم).\n(٥) انظر التعليق السابق على ما ذكر الواحدي في معنى تعليم الله آدم، وأنه بمعنى خلق به العلم بذلك: ص ٣٤٨.\n(٦) انظرت \"تفسير الطبري\" ١/ ٢١٨، و\"تفسير ابن كثير\" ١/ ٧٩.\n(٧) ما بين المعقوفين ساقط من (ب). والرواية عن ابن عباس، وعن ابن مسعود وعن ناس من الصحابة أخرجها الطبري بسنده، انظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ٢١٨، وانظر: \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٦٢ أ، و\"تفسير ابن كثير\" ١/ ٧٩، \"الدر\" ١/ ١٠١.","vol":"2","page":350},{"text":"وقال الحسن: إن كنتم صادقين أني لا أخلق خلقًا إلا كنتم أعلم وأفضل منه، وكذلك قال قتادة (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-255>٣٢ </span>- فقالت الملائكة إقرارًا بالعجز واعتذارًا: ﴿سُبْحَانَكَ﴾ (٢). قال ابن عباس: تنزيهًا لك وتعظيمًا عن أن يعلم الغيب أحد (٣) سواك (٤). وقيل: تنزيهًا لك عن الاعتراض عليك في حكمك وتدبيرك (٥). وهو منصوب على المصدر عند الخليل والفراء، إذا قلت: (سبحان الله) (٦) فكأنك قلت: سبّحتُ الله تسبيحًا، فجعل السبحان موضع التسبيح، كما تقول: كفرت عن يميني تكفيرًا، ثم يجعل الكفران في موضع التكفير فتقول: كفَّرت عن يميني كُفرانًا (٧). وقد ينوب الاسم عن المصدر وتقول (٨): كلمته كلامًا، وسلم سلامًا، قال الله تعالى: ﴿وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب: ٤٩].\nوقال سيبويه: يقال: سبحت الله تسبيحًا وسبحانًا بمعنى واحد،\n_________\n(١) ذكر قوليهما الطبري في \"تفسيره\" ١/ ٢١٨، و\"تفسير الثعلبي\" ١/ ٦٢ أ، و\"تفسير ابن كثير\" ١/ ٧٩، \"الدر\" ١/ ١٠١.\n(٢) في (ج): (قالوا سبحانك).\n(٣) في (ب): (أحدا).\n(٤) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" من طريق الضحاك عن ابن عباس ١/ ٢٢١، وذكره السيوطي في \"الدر\" وعزاه لابن جرير ١/ ١٠١.\n(٥) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ٦٢ أ.\n(٦) عبارة الفراء: (سبحانك) منصوب على المصدر، كأنك قلت: سبحت لله تسبيحا ..) \"الزاهر\" ١/ ١٤٥.\n(٧) كلام الفراء في \"الزاهر\" ١/ ١٤٥، وقول الخليل في \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٦٢ أ، وانظر: \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ١٦٠، \"البيان\" ١/ ٧٢، \"الإملاء\" ١/ ٢٩.\n(٨) في (ج): (ويقوله).","vol":"2","page":351},{"text":"فالمصدر: تسبيح، وسبحان اسم يقوم مقام المصدر. قال: وقال أبو الخطاب الكبير (١): سبحان الله، كقولك: براءةَ الله من السوء، ومنه قول الأعشى:\nسُبْحَانَ مِنْ عَلْقَمَةَ الفَاخِرِ (٢)\nأي براءةً منه (٣).\nوقال النضر: رأيت في المنام كأن إنسانًا فسر لي سبحان الله، قال: أما ترى الفرس يسبح، يريد السرعة، سبحان الله: السرعة إليه (٤). وقد ذكرنا معنى التسبيح عند قوله: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾ (٥).\nوقوله تعالى: ﴿لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾. قال المفسرون وأهل المعاني: هذا اعتراف (عن) (٦) الملائكة بالعجز عن علم ما لم يعلموه فكأنهم قالوا: لا علم لنا إلا ما علمتنا (٧)، وليس هذا مما علمتنا [في\n_________\n(١) هو عبد الحميد بن عبد المجيد، أبو الخطاب، الأخفش الكبير النحوي، شيخ سيبويه في النحو، انظر ترجمته في: \"طبقات النحويين واللغويين\" للزبيدي: ص ٤٠، \"إنباه الرواة\" ٢/ ١٥٧، \"بغية الوعاة\" ٢/ ٧٤.\n(٢) البيت سبق تخريجه في تفسير قوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾ [البقرة: ٣٠]: ٢/ ٣٣٦.\n(٣) انظر كلام سيبويه في \"الكتاب\" ١/ ٣٢٢ - ١/ ٣٢٤، \"تهذيب اللغة\" (سبح) ٢/ ١٦٠٩، والنص من \"التهذيب\".\n(٤) ذكره الأزهري في \"تهذيب اللغة\" (سبح) ٢/ ٢٦١٠.\n(٥) سورة البقرة: ٣٠، انظر: ٢/ ٣٣٥ - ٣٣٧.\n(٦) (عن) في جميع النسخ ولو كانت (من) كان أولى.\n(٧) انظر \"تفسير الطبري\" ١/ ٢٢٠، \"البحر المحيط\" ١/ ١٤٧، \"ابن كثير\" ١/ ٧٩، \" البيضاوي\" ١/ ٢١.","vol":"2","page":352},{"text":"الكلام مختصرًا] (١).\nولو قالوا: (لا علم لنا بهذا) كان جوابًا، ولكن لا يكون متضمنًا تعظيم الله والاعتراف بأن جميع علمهم من عنده.\nوقيل: إنه تلطّف في طلب علم ما لم يعلموه، وتوبة عن قولهم: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا﴾ من غير علم لهم بذلك، نبههم الله تعالى بعجزهم عن أسماء الموجودات على أن من جهلها فهو أجهل بأحكام الغائبات، وفي هذا التنبيه إشارة إلى نهيهم عن الحكم لأنفسهم بالطاعة، فإنه لا علم لهم بالعواقب، فإن أمر العواقب (٢) مستور، ففيه تنبيه عن (٣) خطئهم في الأمرين جميعا.\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ﴾. أي العالم غير المعلم (٤). (الحكيم) (٥) في خلقك الخليقة، ومعنى: (الحكيم) هو المحكم للأشياء (٦) صرف من (مُفْعل) إلى (فَعِيل) كالسميع في قوله:\nأَمِنْ رَيْحانَةَ الدَّاعي (٧) السَّمِيعُ (٨)\n_________\n(١) قوله: (في الكلام مختصرًا) كذا وردت في النسخ الثلاث، وفيها تصحيف، والعبارة في \"الوسيط\" (فجاء الكلام مختصرًا) وفي الحاشية: في (ب): (فجاء في الكلام)، \"الوسيط\" ١/ ٧٩.\n(٢) قوله (فإن أمر العواقب) ساقط من (ب).\n(٣) في (ب): (على) وهو أولى.\n(٤) انظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ٢٢١.\n(٥) (الحكيم) مكرر في (ب).\n(٦) في (ب): (الأشياء).\n(٧) في (أ)، (ب) (الراعي) وهذا خلاف المشهور في البيت.\n(٨) البيت لعمرو بن معد يكرب، وقد سبق تخريجه عند تفسير قوله تعالى: ﴿فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٠]: ٢/ ١٥٤.","vol":"2","page":353},{"text":"و(الأليم) بمعنى: المؤلم (١).\nقال ابن المظفر (٢): والحُكم: العِلم (٣)، قال الله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ [مريم: ١٢]. أي: العلم، والحكم: القضاء بالعدل أيضا.\nقال النابغة:\nوَاحْكُمْ كَحُكْمِ فَتَاةِ الحَيِّ إذْ نَظَرَتْ ... إِلَى حَمَامٍ سِرَاعٍ وَارِدِ الثَّمَدِ (٤)\nفالوصف لله تعالى بأنه (حكيم) يجوز أن يكون بمعنى: محكم كما ذكرنا، ويجوز أن يكون بمعنى: حاكم، كالقدير والقادر، والعليم والعالم، ويكون معناه العالم أو الذي يحكم بالعدل ويقضي به (٥).\n_________\n(١) يريد أن (حكيم) بمعنى: محكم مثل (أليم) بمعنى مؤلم كذا قال الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ٦٢ أ. وانظر: \"شرح أسماء الله\" للزجاج: ص ٥٢، \"اشتقاق أسماء الله\" للزجاجي: ص ٦٠.\n(٢) هو الليث. انظر كلامه في \"تهذيب اللغة\" (حكم) ١/ ٨٨٥\n(٣) في \"تهذيب اللغة\": (العلم والفقه).\n(٤) البيت للنابغة الذبياني من قصيدة يمدح فيها النعمان، ويعتذر إليه مما بلغه عنه فيما وشي إليه به. وقد ألحقت بالمعلقات السبع لما فيها من الجودة. يقال: احكم، أي: كن حكيمًا في أمرك مصيبًا في الرأي وهذا هو المعنى المشهور في البيت ذكره الأزهري في \"التهذيب\" عن ابن السكيت، واستشهد الليث به على أن معنى (احكم) من القضاء بالعدل. كحكم فتاة الحي إذ أصابت ووضعت الأمر موضعه حينما نظرت إلى الحمام فاحصتها ولم تخطئ في عددها. ويروى (سراع) و(شراع) بالشين، وهي الواردة للماء. والثمد: الماء القليل، ورد البيت في \"التهذيب\" (حكم) ١/ ٨٨٥، \"الصحاح\" (حكم) ٥/ ١٩٠٢، \"اللسان\" (حكم) ٢/ ٩٥١، \"ديوان النابغة\" ص ١٤.\n(٥) (به) ساقط من (ب). بهذا المعنى أخذ الطبري في \"تفسيره\" ١/ ٢٢١، وانظر =","vol":"2","page":354},{"text":"قال الأصمعي: أصل الحكومة: رَدُّ الرجل عن الظلم، ومنه سُمِّيت حَكَمَةُ اللجام، لأنها تَرَدُّ الدابة، قال (١) ومنه قول لبيد:\nأَحْكَمَ الجِنْثِيَّ مِنْ عَوْرَاتِهَا (٢) ... كُلُّ حِرْبَاءٍ إِذَا أُكْرِهَ (٣) صَلّ (٤)\nوالجِنْثِيُّ: السيف، أي: رد السيف عن عورات (٥) الدرع، وهي: فُرَجها، كل حِرْبَاء: وهو المسمار الذي يُسَمَّر به حلقها. هذه رواية الأصمعي (٦).\nقال الأزهري: والعرب تقول: حَكَمْتُ وأَحْكَمْتُ وحَكَّمْتُ بمعنى: رَدَدْتُ ومَنَعْتُ، ومن هذا قيل للحاكم: حاكم، لأنه يمنع الظالم من الظلم (٧).\n_________\n= \"تهذيب اللغة\" (حكم) ١/ ٨٨٥، \"اشتقاق أسماء الله\" ص٦٠.\n(١) (قال) ساقط من (ب).\n(٢) في (ب): (عوارتها).\n(٣) في (ب): (احكم ضل).\n(٤) للبيت روايتان: نصب (الجنثي) ورفع (كل) -وهي رواية الأصمعي التي ذكرها الأزهري- فيكون المراد بالجنثي السيف، وأَحْكَمَ بمعنى: منع ورد، فلم يصل السيف، ومنعه الحرباء، والعورات: الفتوق واحدها عورة، والحِرْبَاء: المسمار في حلق (الدرع)، إذا أكره ليدخل في الحلق سمعت له صليلا. والرواية الثانية: رفع (الجنثي) ونصب (كل) فيكون المراد بالجنثي: الحداد أو الزراد، ويكون أحكم من الإحكام للصنعة، كذا خرَّجه ابن قتيبة في \"المعاني الكبير\" ٢/ ١٠٣٠، وانظر \"التهذيب\" (حكم) ١/ ٨٨٥، \"اللسان\" (صلل) ٤/ ٢٤٨٦، و(حكم) ٢/ ٩٥١، \"شرح ديوان لبيد\": ص ١٩٢.\n(٥) في (ب): (عوارت).\n(٦) انظر كلام الأصمعي في \"التهذيب\" (حكم) ١/ ٨٨٥.\n(٧) \"تهذيب اللغة\" (حكم) ١/ ٨٨٥.","vol":"2","page":355},{"text":"وقال جرير:\nأَبَنِي حَنِيفَةَ أَحْكِمُوا سُفَهَاءَكُمْ (١)\nيقول: امنعوهم من التعرض (٢). وروي عن النخعي أنه قال: حَكِّم اليَتِيم كما تُحَكَم ولدك (٣). قال أبو عبيد: يقول: امنعه من الفساد، قال: وكل من منعته من شيء فقد حَكّمْتَه وأَحْكَمْتَه (٤)، وأنشد بيت جرير (٥). والحِكْمَة: هي العلم الذي يمنع [صاحبه] (٦) من الجهل، والحاكم الذي يمنع من الجور، وكل عمل مُحَكَم (٧) فقد منع من الفساد (٨).\n_________\n(١) تمامه:\nإني أخاف عليكم أن أغضبا\nورد البيت في \"تهذيب اللغة\" (حكم) ١/ ٨٨٥. وفيه (بني حنيفة) \"الكامل\" ٣/ ٢٦، وفيه (نهنهوا) بدل (أحكموا)، أي أزجروا، \"غريب الحديث\" لأبي عبيد ٢/ ٤٢١، \"الزاهر\" ١/ ٥٠٣، \"مجمل اللغة\" (حكم) ١/ ٢٤٦، \"اشتقاق أسماء الله\": ص ٦١، \"الصحاح\" (حكم) ٥/ ١٩٠٢، و\"تفسير الثعلبي\" ١/ ٦٢ ب، و\"تفسير القرطبي\" ١/ ٢٤٦، \"الدر المصون\" ١/ ٢٦٨، \"الخزانة\" ٩/ ٢٣٦.\n(٢) \"التهذيب\" (حكم) ١/ ٨٨٥.\n(٣) ذكره أبو عبيد قال: حدثنيه ابن مهدي عن سفيان عن منصور عن إبراهيم. \"غريب الحديث\" ٢/ ٤٢١، \"تهذيب اللغة\" ١/ ٨٨٥.\n(٤) المراجع السابقة.\n(٥) أي: أبني حنيفة .. البيت.\n(٦) (صاحبه) ساقط من (ب).\n(٧) في (ب): (متحكم).\n(٨) انظر: \"تهذيب اللغة\" (حكم) ١/ ٨٨٥. \"الصحاح\" (حكم) ٥/ ١٩٠١. \"المجمل\" (حكم) ١/ ٢٤٦. \"اللسان\" (حكم) ٢/ ٩٥١.","vol":"2","page":356},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-256>٣٣ </span>- قوله تعالى: ﴿قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ﴾. قال المفسرون: لما ظهر عجز الملائكة، قال الله ﷿: ﴿يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ﴾ فسمى كل شيء باسمه، وألحق كل شيء بجنسه ﴿فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ﴾ أي: أخبرهم بتسمياتهم قال: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ﴾ (١).\nوفي الآية اختصار، معناه: فلما أنبأهم بأسمائهم، تحقق عندهم أن الله يعلم من العواقب ما لا يعلمون، فلما علموا ذلك (٢)، قال الله: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ﴾ و(لم) حرف نفي وصل بألف الاستفهام، فصار بمعنى الإيجاب والتقرير (٣)، كقول جرير:\nأَلَسْتُمْ خَيْرَ مَنْ رَكِبَ المَطَايَا (٤)\nوفيه أيضًا معنى التوبيخ (٥) لهم على ما سلف من خطاهم (٦).\n_________\n(١) انظر الطبري في \"تفسيره\" ١/ ٢٢١، والبغوي في \"تفسيره\" ١/ ٨٠، والخازن \"في تفسيره\" ١/ ١٠٣، وأبي السعود \"في تفسيره\" ١/ ٨٦.\n(٢) وما ذكره مفهوم من السياق.\n(٣) انظر: \"الوسيط\" للمؤلف ١/ ٨٠، \"معاني القرآن\" للأخفش١/ ٢١٩، \"البحر\" ١/ ١٥٠، \"الدر المصون\" ١/ ٢٧٠، \"شرح المفصل\" ٨/ ١٢٣، \"مغني اللبيب\" ١/ ١٧.\n(٤) البيت من قصيدة لجرير يمدح عبد الملك بن مروان وعجزه:\nوَأَنْدى العَالمِينَ بُطُونَ رَاح\nأندى: أكثرهم جودًا، الراح: جمع راحة وهي الكف، ورد البيت في \"معاني القرآن\" للأخفش ١/ ٢١٩، وفي (الخصائص) ٢/ ٦٤٣، ٣/ ٢٦٩، \"المصون في الأدب\": ص ٢١، \"شرح المفصل\" ٨/ ١٢٣، \"مغني اللبيب\" ١/ ١٧، و\"شرح ديوان جرير\" ص ٧٤.\n(٥) (التوبيخ) ساقط من (ب).\n(٦) كذا في جميع النسخ ولعل الصواب (من خطئهم) أو (من أخطائهم). انظر معنى الآية في \"تفسير الطبري\" ١/ ٢٢١.","vol":"2","page":357},{"text":"وقوله تعالى: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. (الغيب) مصدر مضاف إلى المفعول (١) على الاتساع، وحذف حرف الجر، لأنك تقول: غبت في الأرض، وغبت ببلد كذا، فتعديه بحرف الجر، فحذف الحرف وأضيف المصدر إلى المفعول به في المعنى، نحو: ﴿مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ﴾ [فصلت: ٤٩] و﴿بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ﴾ [ص: ٢٤] وكقولك: (أعجبني منك دخول الدار).\nوفيه أيضا مضاف مقدر، والمعنى: إني أعلم ذوي غيب السموات والأرض ما غاب فيها [عنكم، ومثله على هذا التقدير قوله: ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (٢) أي: له ما غاب فيها] (٣) ملكًا وخلقًا.\nويجوز أن يكون له علم ما غاب (٤) فيها، فيكون المضاف محذوفًا.\nوقوله تعالى: ﴿وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾. أي: أعلم سرّكم وعلانيتكم، لا يخفى علي شيء من أموركم (٥).\nوقال ابن عباس: ما تبدون من قولكم: (أتجعل فيها من يفسد فيها)، (وما كنتم تكتمون) من إضمار إبليس الكفر (٦).\nوعلى هذا التأويل قال: (تكتمون) بلفظ الجمع، وإن كان المراد به\n_________\n(١) في (ب): (المفعول به).\n(٢) سورة هود: ١٣٢، وسورة النحل: ٧٧.\n(٣) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).\n(٤) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٢١٤.\n(٥) انظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ٢٢٢، و\"تفسير ابن كثير\" ١/ ٨٠\n(٦) أخرجه ابن جرير بسنده من طريق السدي، عن ابن عباس وابن مسعود وناس من الصحابة في \"تفسيره\" ١/ ٢٢٢، وابن كثير في \"تفسيره\" ١/ ٨٠، \"الدر\" ١/ ١٠١.","vol":"2","page":358},{"text":"إبليس، لأن الخطاب للجماعة، وهو من جملتهم (١).\nوقال الحسن وقتادة في قوله: ﴿مَا تُبْدُونَ﴾ كقول ابن عباس، (وما تكتمون) يعني قولهم: لن يخلق (٢) خلقًا أفضل ولا أعلم منا (٣).\nوقد يبقى في هذه الآية سؤال لم يجد (٤) أحدًا ممن تكلم في تفسير القرآن ولا في معانيه تعرض [له] (٥)، وهو من مهم ما يسأل عنه (٦). وذلك أن يقال: من أين علمت الملائكة لما خبرها (٧) آدم ﵇ بتلك الأسماء صحة قوله، ومطابقة الأسماء المسميات؟ وهي لم تكن (٨) عالمة بذلك من قبل، إذ لو كانت عالمة لأخبرت بالأسماء، ولم تعترف بفقد العلم. والكلام يقضي أنهم لما أنبأهم آدم بالأسماء، علموا صحتها ومطابقتها للمسميات (٩)، ولولا ذلك لم يكن لقوله (١٠): ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ\n_________\n(١) انظر الطبري في \"تفسيره\" ١/ ٢٢٢، وابن عطية في \"تفسيره\" ١/ ٢٤١.\n(٢) في (ب): (لن يخلق الله ..).\n(٣) ذكره الثعلبي ١/ ٦٢ ب، وأخرجه الطبري عنهما ١/ ٢٢٢، وابن أبي حاتم ١/ ٨٢، وذكره السيوطي في \"الدر\" ١/ ١٠٢، و\"ابن كثير\" ١/ ٨٠.\n(٤) كذا في جميع النسخ، والمعنى: لم يتعرض أحد لهذا السؤال.\n(٥) (له) ساقطة من (ب).\n(٦) بل إن في هذا السؤال شيئًا من التكلف، ولا فائدة كبيرة من معرفة جوابه، ولا ينبني عليه حكم، وقد ذكر الرازي هذا السؤال والإجابة عنه بنحو ما ذكر الواحدي هنا فلعله نقل عنه ٢/ ١٧٧.\n(٧) في (ب): (حرها).\n(٨) في (أ): (يكن) وما في (ب) و(ج) أصح في السياق.\n(٩) يمكن أن يعلموا صحتها بمجرد إخبار آدم ﵇ بالأسماء، وإقرار الله له على ذلك، وعلى هذا فلا داعي لتحمل الإجابة عن هذا السؤال.\n(١٠) في (ب): (كقوله).","vol":"2","page":359},{"text":"غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ معنى.\nوالجواب: أنه (١) غير ممتنع أن تكون الملائكة في الأول غير عارفين بتلك الأسماء فلما أنبأهم آدم ﵇ بها، خلق الله تعالى (٢) لهم في الحال العلم الضروري بصحتها ومطابقتها للمسميات، إما من طريق، أو ابتداء بلا طريق، فعلموا بذلك تمييزه (٣) واختصاصه (٤).\nووجه آخر: وهو أنه لا يمتنع أن تكون للملائكة لغات مختلفة، فكل قبيل منهم يعرف أسماء الأجناس في لغته دون لغة غيرها، فلما أراد الله تعالى التنبيه على فضيلة آدم، علمه (٥) تلك الأسماء، فلما أخبرهم بها علم كل فريق (٦) مطابقة ما أخبر به من الأسماء للغته وعلم مطابقة ذلك لباقي اللغات بخبر كل فريق وإذا أخبر كل قبيل صاحبه علم بذلك من لغة غيره ما علمه من لغته (٧)، وهذا الجواب يقتضي أن يكون معنى قوله: ﴿أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ﴾ أي: ليخبرني كل قبيل منكم بجميع الأسماء.\n_________\n(١) في (ب): (له).\n(٢) انظر التعليق السابق على ما ذكر الواحدي عن معنى تعليم الله آدم، وأنه بمعنى: خلق له العلم بذلك: ٢/ ٣٤٨.\n(٣) في (ب): (تميزه) وهو الأصوب.\n(٤) قال الرازي: (.. ولا يمتنع أن يقال: إنه تعالى عرفهم قبل أن يسمعوا من آدم ﵇ تلك الأسماء، ما استدلوا به على صدق آدم).\n(٥) في (ب): (علمهم).\n(٦) في (أ): (فريق منهم).\n(٧) هذا من التكلف الذي لا دليل عليه.","vol":"2","page":360},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-257>٣٤ </span>- قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ الآية. (إذ) في موضع نصب نسقًا على (إذ) (١) التي قبلها (٢).\nوقوله: ﴿قُلْنَا﴾ [هو من خطاب الأكابر والعظماء، يقول الواحد منهم: فعلنا وقلنا، لعلمه بأن أتباعه يفعلون] (٣) كفعله، ويجرون على مثل أمره، فأخبر الله تعالى عن نفسه على الجمع، لأنه ملك الملوك، وكل من في السموات والأرض له خلقًا (٤) وملكًا (٥). وعلى هذا خوطب في الجواب في قوله: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ [المؤمنون: ٩٩] معناه: يا رب ارجعني، فلما أخبر جل اسمه (٦) عن نفسه [بالجمع خوطب بمثل ذلك (٧).\nوقوله: ﴿لِلْمَلَائِكَةِ﴾ اختلفوا في] (٨) الملائكة الذين أمروا بالسجود لآدم من هم؟ فقال بعضهم: هم الذين كانوا مع إبليس في الأرض (٩).\n_________\n(١) في (ج): (إذا) وهو خطأ.\n(٢) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ١٨٠، و\"تفسير الطبري\" ١/ ٢٢٤، و\"تفسير ابن عطية\" ١/ ٢٤٣، وقال مكي: منصوب بفعل مقدر (اذكر) مثل (إذ) قلبها. انظر: \"مشكل إعراب القرآن\" ١/ ٣٥.\nوقيل: زائدة، قاله أبو عبيدة في \"المجاز\" ١/ ٣٧، وضعفه أبو حيان. انظر: \"البحر\" ١/ ١٥٢، \"الدر المصون\" ١/ ٢٧١.\n(٣) ما بين المعقوفين مكرر في (أ).\n(٤) في (أ): (خلفاء) وما في (ب)، (ج) أصح.\n(٥) انظر: \"مجاز القرآن\" ١/ ٣٨، والقرطبي ١/ ٢٤٨، (البحر) ١/ ١٥٢.\n(٦) (جل اسمه) ساقط من (ب).\n(٧) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٢١.\n(٨) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).\n(٩) ورد هذا ضمن الخبر الطويل عن ابن عباس، الذي أخرجه الطبري، وهو ضعيف =","vol":"2","page":361},{"text":"وقال بعضهم: هم جميع الملائكة حتى جبريل وميكائيل، لأنه قال: ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ [الحجر: ٣٠]، وفي هذا (١) تأكيد للعموم، وتحقيق له (٢).\nوقوله: ﴿اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ أصل السجود في اللغة الخضوع والتذلل، وكل من ذل وخضع لما أمر به فقد سجد، ومنه قوله تعالى: ﴿يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ﴾ [النحل: ٤٨] أي: خُضَّعًا مسخرة (٣) لما سخرت له، وسجود كل موات في القرآن، طاعته لما سخر له (٤).\nوقال أبو عبيدة: عين ساجدة إذا كانت فاترة، والسُّجَّد من النساء الفاترات الأعين، ونخلة ساجدة إذا مالت لكثرة حملها (٥). ومنه قول الشاعر:\n_________\n= الإسناد، كما ذكر ذلك شاكر في تعليقه، انظر: \"الطبري\" ١/ ٢٢٤. وذكره ابن أبي حاتم بسنده عن أبي العالية، قال محقق \"الكتاب\": إسناده ضعيف، والخبر لم أقف عليه، \"تفسير ابن أبي حاتم\" ١/ ٨٣، وانظر القرطبي في \"تفسيره\" ١/ ٢٤٨، والرازي في \"تفسيره\" ٢/ ١٣٨، وابن كثير في \"تفسيره\" ١/ ٨٠.\n(١) (هذا) ساقط من (ب).\n(٢) وهذا هو الأرجح، انظر: في \"تفسير الطبري\" ١/ ٢٢٤، وفي \"تفسيرالرازي\" ٢/ ٢٣٨، وقد ذكر وجوها كثيرة في ترجيح هذا القول وانظر: \"تفسيرالقرطبي\" ١/ ٢٤٨، ورجحه ابن كثير في \"تفسيره\" ١/ ٨٠.\n(٣) في \"تهذيب اللغة\": (مسخرة) ٢/ ١٦٥٠.\n(٤) ذكره الأزهري في \"تهذيب اللغة\" (سجد) ٢/ ١٦٣٠، وانظر \"اللسان\" (سجد) ٤/ ١٩٤٠\n(٥) قال الأزهري: (روى ابن هاني لأبي عبيدة .. ثم ذكره دون قوله: (والسجد من النساء الفاترات الأعين) \"تهذيب اللغة\" (سجد) ٢/ ١٦٣٠.","vol":"2","page":362},{"text":"تَرى الأُكْمَ (١) فِيِه سُجَّدًا لِلْحَوَافِرِ (٢)\nأي ذليلة خاضعة.\nقال الأعشى:\nمَنْ يَرَ هَوْذَةَ يَسْجُدْ غَيرَ مُتَّئِبٍ (٣) ... إِذَا تَعَمَّمَ (٤) فَوْقَ الرَّأْسِ أَوْ وَضَعَا (٥)\nأي يخضع له ويتذلل. وأنشد ابن الأنباري لابن مقبل:\nثُمَّ نَوَّمَنْ وَنِمْنَا سَاعَةً ... خُشَّعَ الطَّرْفِ سُجُودًا لِلْخُطَم (٦)\n_________\n(١) في (ب): (الالم).\n(٢) البيت لزيد الخيل وصدره:\nبِجَمْعٍ تَضِلُّ البُلْقُ في حَجَرَاتِه\nويروى: بجيش، البلق: جمع أبلق، وهو الفرس المحجل، الحجرات: الناحية، الأكم: جمع أكمة، وهي تل أشد ارتفاعا مما حوله ودون الجبل. يصف كثرة هذا الجيش وأن الأكم قد خشعت من وقع الحوافر. ورد البيت في الطبري في \"تفسيره\" ١/ ٣٦٥، \"المعاني الكبير\" ٢/ ٨٩٠، و\"الأضداد\" لابن الأنباري: ص ٢٩٥، و\"الزاهر\" ١/ ١٤١، \"معرفة اشتقاق أسماء نطق بها القرآن\" ٢/ ٥٤٢، و\"تأويل مشكل القرآن\": ص ٤١٧، و\"الصحاح\" (سجد) ٢/ ٤٨٣، و\"اللسان\" ٤/ ١٩٤٠، والقرطبي في \"تفسيره\" ١/ ٢٤٨، والبيضاوي في \"تفسيره\" ١/ ٢١، \"البحر المحيط\" ١/ ٥١، \"الدر المصون\" ١/ ٢٧٤.\n(٣) في (ب): (منيب).\n(٤) في (أ)، (ج): (تعم) وما في (ب) هو الصحيح، ومثله ورد في \"المخصص\" ١٣/ ١٠٧.\n(٥) البيت من قصيدة طويلة للأعشى يمدح (هوذة بن علي الحنفي) ويروى البيت (من يلق) بدل (من ير) و(تعصب فوق التاج) بدل (تعمم فوق الرأس). وقوله: (غير متئب): أي لا يستحي أن يسجد لطلعته المهيبة وفد تعمم فوق الرأس، أو وضع الإكليل. ورد البيت في ديوان الأعشى: ص ١٠٨، \"المخصص\" ١٣/ ١٠٧.\n(٦) قوله: (نوَّمن) أي الإبل نومت. الخطم: جمع خطام، وهو الحبل الذي يقاد به =","vol":"2","page":363},{"text":"يعني الإبل، فسجودها خضوعها. ويقال -أيضا-: (أسجد) بهذا (١) المعنى: أي طأطأ رأسه وانحنى (٢).\nهذا أصل السجود في اللغة، ثم قيل لكل من وضع جبهته على الأرض: سجد، لأنه غاية الخضوع (٣).\nوإذا ابتدأت بقوله: ﴿اسْجُدُوا﴾ ضممت الألف (٤)، والألف (٥) لا حظ لها من الإعراب، وإنما أدخلت ليتوصل بها إلى النطق بالساكن، فكان حظها الكسر، لأن (٦) بعدها ساكنا، ولكنها ضمت لاستثقال الضمة بعد الكسرة، وليس في كلامهم مثل (فِعُل)، ولا مثل (إفْعُل) (٧).\nواختلفوا في كيفية سجود الملائكة لآدم فقال جماعة: كان سجود الملائكة لآدم على جهة التكريم، فكان ذلك تكريمًا لآدم وطاعةً لله\n_________\n= البعير. ورد البيت في (ذيل ديوان ابن مقبل) مع القصائد المنسوبة له، وليست في \"الديوان\": ص٤٠٣. وورد في \"أساس البلاغة\" (نوّم): ٢/ ٤٨٣.\n(١) في (ب): (بها).\n(٢) في \"تهذيب اللغة\": أبو عبيد عن أبي عمرو: أسجد الرجل إذا طأطأ رأسه وانحنى. \"تهذيب اللغة\" (سجد) ٢/ ١٦٣٠، وانظر: \"مقاييس اللغة\" (سجد) ٣/ ١٣٣.\n(٣) \"تهذيب اللغة\" (سجد) ٢/ ١٦٣٠، \"الصحاح\" (سجد) ٢/ ٤٨٣، \"اللسان\" (سجد) ٤/ ١٩٤٠.\n(٤) إذا ابتدأت بهمزة الوصل أخذت حركة الحرف الثالث، انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٨١.\n(٥) (والألف) ساقط من (ج).\n(٦) في (ج): (لان ما بعدها).\n(٧) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٨١، \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٦٠ أ، وانظر: \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ١٦٣.","vol":"2","page":364},{"text":"سبحانه، ولم يكن عبادة لآدم (١).\nوحكى (٢) ابن الأنباري عن الفراء وجماعة من الأئمة أن سجود الملائكة لآدم كان تحية ولم يكن عبادة، وكان ذلك سجود تعظيم وتسليم وتحية، لا سجود صلاة وعبادة، وكان ذلك تحية الناس وتعظيم بعضهم بعضا (٣)، ولم يكن وضع الوجه على الأرض، إنما كان الانحناء والتكفير (٤)، فلما جاء الإسلام أبطل ذلك بالسلام (٥).\nوقيل: كان سجود على الحقيقة (٦)، جعل آدم قبلة لهم، والسجود لله\n_________\n(١) هذا قول جمهور المفسرين، قالوا: إنه سجود حقيقي ولكنه ليس سجود عبادة، فالتكريم لآدم، والعبادة والطاعة لله. ذكره الطبري في \"تفسيره\"، وروى في ذلك أثرا عن قتادة، ولم يذكر غير هذا القول. انظر \"تفسير الطبري\" ١/ ٢٢٩، وذكره ابن كثير في \"تفسيره\" ورجحه، ضعف ما عداه ١/ ٨١، وكذا الرازي في \"تفسيره\" ١/ ٢١٢، وانظر \"زاد المسير\" ١/ ٦٤، والقرطبي في \"تفسيره\" ١/ ٢٤٨.\n(٢) (الواو) ساقطة من (ج).\n(٣) قوله (وكان ذلك تحية الناس ...) هل كان قبل آدم ناس؟ أم هو تجاوز في العبارة؟\n(٤) التكفير: هو أن يضع الرجل يده أو يديه على صدره وطأطأ برأسه، وهو كالتحية عند أهل \"الكتاب\"، انظر: \"اللسان\" (كفر) ٧/ ٣٨٩٧.\n(٥) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\"، ولم يعزه ١/ ٦٣ أ. وذكره الرازي في \"تفسيره\" وضعفه، وقال: (السجود لاشك أنه في عرف الشرع عبارة عن وضع الجبهة على الأرض، فوجب أن يكون في أصل اللغة كذلك، لأن الأصل عدم التغيير، فإن قيل: السجود عبادة، والعبادة لغير الله لا تجوز، قلنا: لا نسلم أنه عبادة وبيانه أن الفعل قد يصير بالمواضعة مفيدا كالقول ...). \"تفسير الرازي\" ٢/ ٢١٣، وضعفه ابن كثير في \"تفسيره\" ١/ ٨٣، وانظر القرطبي في \"تفسيره\" ١/ ٢٥٠، و\"زاد المسير\" ١/ ٦٤.\n(٦) في (ب): (بالحقيقة).","vol":"2","page":365},{"text":"﷿ (١)، إلا أن هذا ضعيف، لأنه لو كان، لقيل: اسجدوا إلى آدم.\nوقال أبي بن كعب: معناه: أقروا لآدم أنه خير وأكرم عليّ منكم، واخضعوا له وكونوا تحت أمره (٢)، وهذا المعنى موافق لأصل اللغة.\nوقوله: ﴿لِآدَمَ﴾ حقه الكسر، إلا أنه لا يجري (٣) ما كان من هذا الباب نحو: الأحمر (٤) والأصفر في معرفة ولا نكرة، لاجتماع علتين فيه في حال نكرته، وهو وزن الفعل، وكونه صفة، فإن سميت به لم تصرفه في حال المعرفة أيضا للتعريف، ووزن الفعل، فإن نكرته لم تنصرف (٥) -أيضا - عند سيبويه (٦)، [وانصرف عند الأخفش (٧).\nوحجة سيبويه] (٨) أنه قبل أن يسمى به اسم وإن كان صفة، فقد كان في حال (٩) التنكير قبل التسمية به [غير منصرف، فإذا سميت به فحكم الصفة لم يرتفع عنه، ويصير التسمية به] (١٠) كالعارية، فإذا نكِّر عاد إلى\n_________\n(١) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ٦٣ أ. والرازي وضعفه في \"تفسيره\" ٢/ ٢١٢، ٢١٣. وابن كثير وضعفه كذلك ١/ ٨٣. و\"تفسير القرطبي\" ١/ ٢٥٠.\n(٢) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ٥٩ أ.\n(٣) أي: يمنع من الصرف.\n(٤) أى وزن (أفعل).\n(٥) (تنصرف) كذا في (أ، ج)، وفي (ب): (بدون إعجام)، والأولى (ينصرف).\n(٦) انظر \"الكتاب\" ٣/ ١٩٣،١٩٨، \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٨١، وانظر: \"مشكل إعراب القرآن\" ١/ ٣٨.\n(٧) انظر \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٨١، و\"الكتاب\" ٣/ ١٩٨ (الهامش)، \"المقتضب\" ٣/ ٣١٢، ٣٧٧، وقد نصر المبرد رأي الأخفش ورجحه.\n(٨) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).\n(٩) في (ب): (كل).\n(١٠) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).","vol":"2","page":366},{"text":"موضع قد (١) كان فيه لا ينصرف (٢).\nوالدليل على صحة ذلك، إجماع النحويين على قولهم: مررت بنسوة أربع، فيصرفون (أربعا)، لأنه اسم استعمل وصفا، ولو راعوا فيه حكم الصفة لم ينصرف في هذه الحال، لأنه على وزن الفعل وهو صفة، فلما نفوا حكم الاسم فيه وإن استعملوه صفة، كذلك أحمر وبابه وإن استعمل اسما (٣)، فحكم الصفة باق فيه، لأنه صفة لا اسم.\nوأما الأخفش فإنه يقول: إذا سمي به زال حكم الصفة فلا ينصرف في المعرفة للتعريف ووزن الفعل، فإذا نكرته بقيت علة واحدة، وهو وزن الفعل فينصرف (٤). وهذا فاسد، لأن حكم الصفة مراعى، وإن سمي به كما أن حكم الاسم مراعى في (أربع) وإن وصف به (٥).\nوقوله تعالى: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ﴾. قال أكثر أهل اللغة والتفسير: سمي إبليس بهذا الاسم، لأنه أبلس من رحمة الله تعالى أي أيس، والمبلس المكتئب الحزين الآيس (٦)، وفي القرآن ﴿فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ [الأنعام: ٤٤].\nقال يونس وأبو عبيدة: يقال للذي يسكت عند انقطاع حجته، ولا يكون عنده جواب: قد أبلس (٧).\n_________\n(١) (قد) ساقطة من (ب).\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٨١\n(٣) انظر: \"المقتضب\" ٣/ ٣١٢، \"الكتاب\" ٣/ ١٩٤.\n(٤) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٨١، \"المقتضب\" ٣/ ٣١٢.\n(٥) انظر رد المبرد على ذلك في المسائل التي رد بها المبرد على سيبويه كما نقله عضيمة في هامش \"المقتضب\" ٣/ ٣١٢.\n(٦) \"تهذيب اللغة\" (بلس) ١/ ٣٨٤، و\"تفسير الطبري\" ١/ ٢٢٤.\n(٧) \"تهذيب اللغة\" (بلس) ١/ ٣٨٤.","vol":"2","page":367},{"text":"قال العجاج (١):\nيَا صَاحِ هَلْ تَعْرِفُ رسْمًا مُكْرَسَا\nقَالَ نَعَمْ أَعْرِفُهُ وأبلسا (٢)\nأي: لم يحر إليَّ جوابًا لكآبته.\nفقيل: إن إبليس سمي بهذا الاسم، لأنه لما أويس من رحمة الله أبلس يأسا (٣). ومثل هذا الوزن من العربية (الإجْفِيل) اسم للظليم (٤)، يقال: أجفل الظليم فهو مجفل وإجفيل (٥)، وكذلك الإغريض (٦) والإضريج (٧)، في أشباه لهذا (٨).\n_________\n(١) هو الراجز المشهور عبد الله بن رؤبة، لقي أبا هريرة وسمع منه أحاديث. انظر \"الشعر والشعراء\" ص ٣٩٢، \"طبقات فحول الشعراء\" للجمحي ٢/ ٧٥٣.\n(٢) المكرس: الذي صار فيه الكرس. وهو أبوال الإبل وأبعارها يتلبد بعضها على بعض في الدار، أبلسا: أي سكت لكآبته. ورد الرجز في \"ديوان العجاج\". ص ١٣٢، \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٣٣٥، و\"مجاز القرآن\" ١/ ١٩٢، و\"الزينة\" ٢/ ١٩٢، والطبري في \"تفسيره\" ١/ ٢٢٤، و\"الكامل\" ٢/ ١٩١، و\"تهذيب اللغة\" (بلس) ١/ ٣٨٤، و\"الصحاح\" ٣/ ٩٠٩، و\"مقاييس اللغة\" ٥/ ١٦٩، و\"اللسان\" ١/ ٣٤٣، و\"تفسير ابن عطية\" ١/ ٢٤٤.\n(٣) ذكره الأزهري في \"تهذيب اللغة\" ١/ ٣٨٤، وانظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ٢٢٤، \"غريب القرآن\" لابن قتيبة: ١/ ٣٧، و\"زاد المسير\" ١/ ٦٥.\n(٤) الظليم: الذكر من النعام، \"القاموس\" (ظلم): ص ١٤٦٤.\n(٥) \"تهديب اللغة\" (جفل) ١/ ٦٢٢.\n(٦) الإغريض: الطلع، ويقال لكل أبيض طري، انظر: \"الصحاح\" (غرض) ٣/ ١٠٩٤.\n(٧) (الإضريج) بالجيم: صبغ أحمر، ونوع من الأكسية، ومن الخيل الجواد. انظر: \"تهذيب اللغة\" (ضرج) ٣/ ٢١٠٦، \"الصحاح\" ١/ ٣٢٦، \"اللسان\" ٥/ ٢٥٧٠.\n(٨) انظر: \"إملاء ما من به الرحمن\" ١/ ٣٠، \"الدر المصون\" ١/ ٢٧٦.","vol":"2","page":368},{"text":"وروى أبو روق (١) عن الضحاك عن ابن عباس قال: إنما سمي إبليس، لأن الله أبلسه من الخير، أي: أيأسه (٢).\nوهذا متعد كما ترى، ورواه الليث -أيضا- متعديا فقال: لأنه أُبلِس من رحمة الله أي: أُويس (٣)، فحصل من هذا أنه عربي مشتق، وأن الإبلاس واقع ومطاوع (٤).\nقال أبو بكر بن الأنباري: لا يجوز أن يكون مشتقا من (أبلس)، لأنه لو كان كذلك لجرى، [ألا ترى أن (إسحاق) إذا كان عربيا مأخوذا من أسحقه الله إسحاقا يجري، فيقال: قام إسحاق، ورأيت إسحاقًا (٥). فلو كان إبليس من (أَبلس) أو (أُبلس) لجرى] (٦) كما يجرى إكليل وبابه، وترك تنوينه\n_________\n(١) هو عطية بن الحارث الهمداني أبو روق، ورى عن الشعبي والضحاك، قال أبو حاتم: ليس به بأس، وقال ابن معين: صالح، انظر \"الجرح والتعديل\" ٦/ ٣٨٢، \"تهذيب التهذيب\" ٣/ ١١٤، \"طبقات المفسرين\" للداودي ١/ ٣٨٦.\n(٢) أخرجه الطبري بسنده، وفيه ضعف، انظر \"تفسير الطبري\" ١/ ٥٠٩. (مع تحقيق محمود شاكر)، وأخرجه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\"، قال المحقق: ضعيف الإسناد ١/ ٢٩٤، وذكره السيوطي في \"الدر\" ١/ ١٠٢. وعزاه لابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن الأنباري.\n(٣) ذكره الأزهري في \"تهذيب اللغة\" (بلس) ١/ ٣٨٤، والثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ٦٣ ب، وانظر \"العين\" ٧/ ٢٦٢، ولم أجده منسوبًا لليث.\n(٤) (الواو) ساقطة من (ب).\nاختلف الذين قالوا: إنه مشتق هل هو مشتق من (أبلس) إذا انقطع ولم تكن له حجة، أو من الإبلاس وهو اليأس، ذكر هذا الرازي في كتاب \"الزينة\" ١/ ١٩٢، ١٩٣.\n(٥) انظر: \"المقتضب\" ٣/ ٣٢٦.\n(٦) مابين المعقوفين ساقط من (ب).","vol":"2","page":369},{"text":"في القرآن يدل على أنه أعجمي معرفة، والأعجمي لا يعرف له اشتقاق (١).\nوقال محمد بن جرير: إنما منع صرفه وإن (٢) كان عربيًّا استثقالًا، لأنه لما قل نظيره في كلام العرب شبهوه بالأسماء الأعجمية كإسحاق لم يصرف، وهو من أسحقه الله، و(أيوب) من: (آب يؤوب) (٣)، نظيره قيوم، من قام يقوم.\nوهذا الذي قال (٤) ابن جرير: يبطل بباب (إفْعِيل) فإنه مصروف كله إلا إبليس (٥).\nوأما (٦) أيوب وإسحاق، فمن لم يصرفهما لم (٧) يجعلهما مشتقين (٨).\n_________\n(١) هذا الكلام بمعناه في \"الأضداد\" لابن الأنباري: ص ٣٣٦، وبنحوه قال أبو عبيدة في \"المجاز\" ١/ ٣٨، والزجاج في \"المعاني\" ١/ ٨٢، والثعلبي ١/ ٦٣ ب، وذكر هذا القول مكي في \"المشكل\" ١/ ٣٧، وابن عطية ١/ ٢٤٦، وابن الأنباري أبو البركات في \"البيان\" ورجحه ١/ ٧٤، على أن مكيا وغيره ذكروا عن أبي عبيدة أنه قال: إنه مشتق، وهذا خلاف قوله في \"المجاز\".\nوقد أجاب الذين قالوا: إنه مشتق بأنه منع من الصرف لأنه أشبه الأسماء الأعجمية لعدم نظيره في الأسماء العربية كما سيأتي في كلام ابن جرير، انظر: \"البحر\" ١/ ١٥١، و\"الدر المصون\" ١/ ٢٧٦.\n(٢) في (ب): (فان).\n(٣) انتهى كلام ابن جرير بمعناه ١/ ٢٢٨، وانظر \"تفسير ابن عطية\" ١/ ٢٤٦.\n(٤) في (ب): (قاله) وهو أصوب.\n(٥) في (ج): (ابلس). انظر: \"مشكل إعراب القرآن\" ١/ ٣٧، \"البيان\" ١/ ٧٤، \"البحر المحيط\" ١/ ١٥١، \"الدر المصون\" ١/ ٢٧٦.\n(٦) في (ب): (فأما).\n(٧) في (ب): (يصرفها لم يجعلها).\n(٨) انظر: \"المقتضب\" ٣/ ٣٢٦، \"أصول النحو\" لابن السراج ٢/ ٩٤.","vol":"2","page":370},{"text":"والاختيار في هذا الحرف أنه غير مشتق، لإجماع النحويين على أنه منع الصرف للعجمة والمعرفة، فلو جعلناه مشتقًّا بطلت العجمة ووجب صرفه (١)\nواختلفوا في أن إبليس هل هو مستثنى من الملائكة أو (٢) لا؟ فروى مجاهد وطاوس عن ابن عباس قال: كان إبليس قبل أن يركب المعصية ملكًا من الملائكة، اسمه (عزازيل)، وكان من سكان الأرض وعمارها، وكان سكان الأرض من الملائكة يسمون: (الجن)، ولم يكن من الملائكة أشد اجتهادا ولا أكثر علمًا منه. فلما تكبر على الله ﷿ وأبى السجود لآدم وعصاه، لعنه وجعله شيطانًا مريدًا، وسماه: إبليس (٣). وعلى هذا القول أيضا ابن مسعود، وابن المسيب، وابن جريج، وقتادة، وابن جرير (٤)، وقالوا: إنه استثني من جنس المستثنى منه، وكان إبليس من جملة الملائكة\n_________\n(١) بهذا أخذ أبو عبيدة في \"المجاز\" ١/ ٣٨، والزجاج في \"معاني القرآن\" ١/ ٨٢، والثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ٦٣ ب، وابن الأنباري في \"البيان\" ١/ ٧٤، والعكبري في \"الإملاء\" ١/ ٣٠، والسمين في \"الدر المصون\" ١/ ٢٧٦. وعلى قول ابن جرير ومن معه لا يلزم صرفه، ولو كان مشتقًّا، لأنه لا سمي له فاستثقل. انظر \"تفسير غريب القرآن\" لابن قتيبة: ص ٢٣، و\"تفسير الطبري\" ١/ ٢٢٨، و\"تفسير ابن عطية\" ١/ ٢٤٦، و\"تفسير القرطبي\" ١/ ٢٥١.\n(٢) في (ب): (أم لا).\n(٣) أخرجه الطبري بسنده عن عطاء، عن طاوس، عن ابن عباس، وعن عطاء عن طاوس أو مجاهد أبي الحجاج، عن ابن عباس. \"تفسير الطبري\" ١/ ٢٢٤، وكذلك أخرجه ابن الأنباري بسنده عن طاوس أو عن مجاهد أبي الحجاج، عن ابن عباس. \"الأضداد\": ص ٣٣٤. وانظر: \"تفسير ابن أبي حاتم\" ١/ ٨٤، و\"تفسير ابن كثير\" ١/ ٨.\n(٤) انظر أقوالهم في \"تفسير الطبري\" ١/ ٢٢٤.","vol":"2","page":371},{"text":"الذين أمروا بالسجود. وهؤلاء أولوا قوله: ﴿كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ [الكهف: ٥٠] أي: كان من قبيل من الملائكة، يقال لهم: الجن (١)، سموا جنًا لاستتارهم عن الناس. قال الأعشى يذكر سليمان ابن داود ﵇:\nوَسَخَّرَ مِنْ جِنِّ الملائِكِ تِسْعَةً ... قِيَامًا لَدَيْهِ يَعْمَلُونَ بِلَا أَجْرِ (٢)\nفجعل الملائكة جنًّا (٣).\n_________\n(١) ذكره الطبري في \"تفسيره\" عن قتادة ١/ ٢٢٥. قال ابن كثير في \"تفسيره\" بعد أن نقل الآثار في هذا عند قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ الآية [الكهف: ٥٠].\nقال: وقد روي في هذا آثار كثيرة عن السلف، وغالبها من الإسرائيليات التي تنقل، لينظر فيها، والله أعلم بحال كثير منها، ومنها ما قد يقطع بكذبه لمخالفته للحق الذي بأيدينا، وفي القرآن غنية عن كل ما عداه من الأخبار المتقدمة ... إلخ) انظر \"ابن كثير\" ٣/ ١٠٠.\n(٢) ورد البيت في \"تفسير الطبري\" ١/ ٢٢٥، \"الزاهر\" ٢/ ٣٣٤، و\"الأضداد\" لابن الأنباري: ص ٣٣٥، و\"الغريب\" لابن قتيبة: ص٢١، و\"الزينة\" ٢/ ١٧٦، و\"معرفة اشتقاق أسماء نطق بها القرآن\" ١/ ١٩٥، و\"اللسان\" (جنن) ١/ ٧٥١، وفي \"تفسير القرطبي\" ١/ ٢٥١، و\"خزانة الأدب\" ٦/ ١٧٦.\n(٣) وهذا ما رجحه ابن جرير الطبري في \"تفسيره\"، وابن عطية في \"تفسيره\" والبغوي في \"تفسيره\"، وغيرهم، وهو أن إبليس كان من الملائكة أو من طائفة منهم يقال لهم: الجن.\nقال الطبري في \"تفسيره\" بعد أن ذكر الأقوال في هذِه المسألة: (وهذِه علل تنبئ عن ضعف معرفة أهلها، ذلك أنه غير مستنكر أن يكون الله جل ثناؤه خلق أصناف ملائكته من أصناف من خلقه شتى. فخلق بعضا من نور، وبعضا من نار وبعضا مما شاء من غير ذلك. وليس في ترك الله جل ثناؤه الخبر عما خلق منه ملائكته، وإخباره عما خلق منه إبليس ما يوجب أن يكون إبليس خارجا عن معناهم ... وقال: وأما خبر الله عنه أنه (من الجن) لغير مدفوع أن يسمى ما اجتن من الأشياء عن الأبصار كلها جنًّا كما قد ذكرنا في شعر الأعشى -فيكون إبليس والملائكة =","vol":"2","page":372},{"text":"وقد روى عكرمة عن ابن عباس قال: إنما قيل لإبليس: الجني، لأنه كان من خزنة الجنة (١).\nوقال الزجاج وابن الأنباري: معنى قوله: ﴿كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ أي كان (٢) ضالًّا كما أن الجن الذين كانوا سكان الأرض قبل الملائكة كانوا ضُلَّالًا، فلما فعل إبليس مثل فعلهم أدخل في جملتهم كما (٣) قال الله سبحانه: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ (٤) [التوبة: ٦٧]. فعلى قول هؤلاء هو مستثنى من الملائكة، وهو استثناء الجنس من الجنس.\nوقال عبد الرحمن بن زيد، وشهر بن حوشب (٥): ما كان إبليس من الملائكة قط (٦).\n_________\n= منهم، لاجتنانهم عن أبصار بني آدم، في \"تفسيرالطبري\" ١/ ٢٢٧، وانظر: \"الأضداد\" لابن الأنباري: ص ٣٣٤، وفي \"تفسيرابن عطية\" ١/ ٢٤٦، وفي \"تفسيرالبغوي\" ١/ ٨٢، و\"البحر\" ١/ ١٥٣، وفي \"تفسير القرطبي\" ١/ ٢٥١، فعلى هذا القول: الاستثناء متصل.\n(١) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" عن ابن جريج عن ابن عباس، وعن أبي صالح عنه، وعن الضحاك عنه. الطبري في \"تفسيره\" ١/ ٥٢٥.\n(٢) في (ب): (أي صار).\n(٣) (كما) ساقطة من (ب).\n(٤) قول ابن الأنباري في \"الأضداد\" ص٣٣٧، وقد ذكر هذا توجيهًا لمعنى الآية على قول من قال: إن إبليس من الملائكة وكذا الزجاج في \"المعاني\" ١/ ٨٢ ويلحظ هنا أن الزجاج يرجح القول الآخر حيث قال لما ذكر القول الثاني: وهذا القول هو الذي نختاره، لأن إبليس كان من الجن كما قال الله ﷿.\n(٥) هو شهر بن حوشب الأشعري الشامي، مولى أسماء بنت يزيد بن السكن روى عن أبي هريرة وعائشة وأم سلمة وأم حبيبة وغيرهم، اختلف في سنة وفاته، فقيل: مائة، وقيل غير ذلك، انظر: \"تهذيب التهذيب\" ٢/ ١٨٢، \"غاية النهاية\" ١/ ٣٢٩.\n(٦) أقوالهم في الطبري في \"تفسيره\" ١/ ٢٢٧، وانظر: \"تفسير ابن عطية\" ١/ ٢٤٦، =","vol":"2","page":373},{"text":"وروى عوف عن الحسن قال: ما كان إبليس من (١) الملائكة قط، طرفة عين (٢). وهؤلاء قالوا: إنه استثني من الملائكة، وليس منهم، لأنه أمر بالسجود كما أمروا، فخالف وأطاعوا، فاستثني من فعلهم (٣)، ويجوز أن يكون استثناء منقطعا (٤) كقول (٥) العرب: ارتحل العسكر إلا الأثقال، وسار الناس إلَّا الخيام (٦).\nوقال سعيد بن المسيب. إن إبليس سبي من الجن حين اقتتلوا (٧) الملائكة، وكان صغيرا فنشأ بين الملائكة (٨). وهذا اختيار الحسين بن\n_________\n= والقرطبي في \"تفسيره\" ١/ ٢٥١، وابن كثير في \"تفسيره\" ١/ ٨١، \"البحر\" ١/ ١٥٣.\n(١) (من الملائكة) ساقط من (ج).\n(٢) ذكره الطبري في \"تفسيره\" ١/ ٢٢٧، وابن الأنباري في \"الأضداد\": ص ٣٣٧، وابن عطية في \"تفسيره\" ١/ ٢٤٦، والقرطبي في \"تفسيره\" ١/ ٢٥١، وابن كثير في \"تفسيره\" ١/ ٨١، \"البحر\" ١/ ١٥٣.\n(٣) \"الأضداد\" لابن الأنباري: ص ٣٣٧، وانظر \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٨٢، وقد مال إلى نحو هذا ابن كثير في \"تفسيره\" ١/ ٨١.\n(٤) انظر \"المشكل\" لمكي ١/ ٣٧، \"البيان\" ١/ ٧٤، \"البحر\" ١/ ١٥٣.\n(٥) في (أ)، (ج): (لقول)، وقوله (منقطعا) ساقط من (ب).\n(٦) قال أبن الأنباري: (... ونصب على الاستثناء وهو من غير جنسهم. كما تقول العرب: سار الناس إلا الأثقال، وارتحل أهل العسكر إلا الأبنية والخيام)، \"الأضداد\" لابن الأنباري: ص ٣٣٧.\n(٧) هكذا في جميع النسخ وهذا على لغة (أكلوني البراغيث).\n(٨) أخرج نحوه ابن جرير عن شهر بن حوشب وسعد بن مسعود ١/ ٢٢٧، وذكره ابن عطية والقرطبي، وقالا: حكاه الطبري عن ابن مسعود، وظاهر كلامهما أنه عبد الله ابن مسعود، ولم يرووه عنه، وإنما عن سعد بن مسعود ولعل القرطبي نقل ذلك عن ابن عطية. انظر. \"تفسير ابن عطية\" ١/ ٢٤٦، و\"تفسير القرطبي\" ١/ ٢٥١، وذكره ابن كثير عن سعد بن مسعود، \"تفسير ابن كثير\" ١/ ٨١، ولم أجده عن، سعيد فيما اطلعت عليه.","vol":"2","page":374},{"text":"الفضل. وإليه ذهبت المعتزلة (١).\nوقوله (٢) تعالى: ﴿أَبَى وَاسْتَكْبَرَ﴾. هما بمعنى واحد، وكرر للتأكيد (٣)، وحقيقة الاستكبار: الأنفة مما لا ينبغي أن يؤنف منه (٤).\nوقوله تعالى: ﴿وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾. أي وصار (٥)،. كقوله: ﴿وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾ [هود: ٤٣].\nوقال الأكثرون معناه: وكان في سابق علم الله من الكافرين (٦).\n_________\n(١) أي: إلى أن إبليس ليس من الملائكة. انظر: \"تفسير الرازي\" ١/ ٢١٣. قال الزمخشري: إنه كان جنيا واحد بين أظهر الألوف من الملائكة مغمورا بهم، فغلبوا عليه في قوله: \"فسجدوا\". \"الكشاف\" ١/ ٢٧٣.\n(٢) في (ب): (وكان).\n(٣) (أبى) امتنع عن السجود، و(استكبر) تكبر وتعاظم في نفسه فهو من أفعال القلوب، والإباء: الامتناع من السجود، والامتناع نابع من الكبر. انظر \"تفسير ابن عطية\" ١/ ٢٤٨، \"البحر\" ١/ ١٥٣، وأبي السعود في \"تفسيره\" ١/ ٨٥.\n(٤) ذكر الأزهري عن ابن الأنباري: الاستكبار: الامتناع عن قبول الحق معاندة وتكبرا. \"التهذيب\" (كبر) ٤/ ٣٠٩٠، \"مفردات الراغب\": ص ٤٢١.\n(٥) في (ب): (وصار من الكافرين). هذا هو القول الأول أن (كان) بمعنى: صار، انظر. \"تفسير أبي الليث\" ١/ ١١٠، و\"تفسيرالثعلبي\" ١/ ٦٤ أ، و\"تفسير ابن عطية\" ١/ ٢٤٨، و\"زاد المسير\" ١/ ٦٥، و\"تفسير القرطبي\" ١/ ٢٥٢، و\"البحر\" ١/ ١٥٤، وفي \"تفسير ابن كثير\" ١/ ٨١، قال ابن عطية بعد أن ذكر هذا القول: قال ابن فورك: وهذا خطأ ترده الأصول، ونقل هذا القرطبي وابن كثير.\n(٦) قول جمهور المفسرين على أن (كان) على بابها، انظر: \"تفسير أبي الليث\" ١/ ١١٠، و\"الثعلبي\" ١/ ٦٤ أ، و\"ابن عطية\" ١/ ٢٤٨، و\"القرطبي\" ١/ ٢٥٢، و\"زاد المسير\" ١/ ٦٥، و\"ابن كثير\" ١/ ٨١، \"البحر\" ١/ ٣٢١. قال ابن جرير: (ومعنى قوله: ﴿وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾: أنه كان حين أبى السجود من الكافرين حينئذ). \"تفسير الطبري\" ١/ ٢٢٨.","vol":"2","page":375},{"text":"وقيل: كان من الجن الذين كانوا قبله (١) على مذهب من جعله منهم (٢).\nفإن قيل: كيف جمع، ولم يكن في ذلك الوقت كافر غير إبليس (٣)؟ فيقال: إن الله سبحانه علم أنه يكون (٤) بعد إبليس كافرون، كقول إبراهيم (٥) ﴿وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٥٦] معناه: أنه علم (٦) أنه سيكون بعده من يشهد على قومه بمثل شهادته (٧). وقيل: كان من القوم الذين إذا فعل واحد منهم مثل فعله كان مثله (٨). وعلى ما قاله سعيد بن المسيب (٩)، لا يتوجه هذا السؤال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-258>٣٥ </span>- قوله تعالى: ﴿وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ﴾ الآية. (اسكن\n_________\n(١) (قبله) ساقطة من (ب).\n(٢) انظر \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٦٤ أ، وابن عطية في \"تفسيره\" ١/ ٢٤٨، والقرطبي في \"تفسيره\" ١/ ٢٥٢، \"البحر\" ١/ ١٥٤.\n(٣) يرد هذا السؤال على قول من قال: إن إبليس أول كافر. ولم يسبقه كفر، أما عند من قال: إنه سبقه كفار وهم الجن سكان الأرض. فلا يرد أصلا، انظر \"تفسير ابن عطية\" ١/ ٢٤٨، و\"تفسير القرطبي\" ١/ ٢٥٥، و\"تفسير الرازي\" ٢/ ٢٣٧، و\"البحر\" ١/ ١٥٤.\n(٤) في (ب): (سيكون).\n(٥) في (ب): (إبراهيم ﵇).\n(٦) في (ب): (عالم).\n(٧) انظر: \"تفسير الرازي\" ٢/ ٢٣٨.\n(٨) ذكره الرازي في \"تفسيره\" ٢/ ٢٣٨.\n(٩) قول سعيد الذي سبق: هو: أن إبليس سبي من الجن فنشأ بين الملائكة. فعلى هذا القول يتوجه أنه ليس أول كافر كما سبق.","vol":"2","page":376},{"text":"الجنة) (١) أي: اتخذها مأوى ومنزلا (٢)، وليس معناه: استقر في مكانك ولا تتحرك، وهذا اللفظ مشترك، يقال: أسكنه، أي: أزال حركته، وأسكنه مكان كذا (٣)، أي جعله مأوى ومنزلا له، والأول الأصل، قالوا (٤): ومنه السكين (٥)، لأنه الآلة التي تسكن حركة الحيوان (٦).\nوقوله: (أنت) تأكيد للضمير الذي في الفعل (٧)، وإنما أكد به ليحسن العطف عليه، فإن العرب لا تكاد تعطف إلا على ظاهر، يقولون: اخرج أنت وزيد، ولا يكادون يقولون: اخرج وزيد، إلا في الضرورة (٨)، ومثله قوله: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ﴾ [المائدة: ٢٤].\nوقوله: ﴿وَزَوْجُكَ﴾ لفظه مذكر، ومعناه مؤنث، وذلك أن الإضافة تلزم هذا الاسم في أكثر الكلام، وكانت مبينة (٩) له فكان (١٠) طرح الهاء أخف مع الاستغناء بدلالة الإضافة.\n_________\n(١) في (ب): (معنى اسكن الجنة).\n(٢) انظر: \"تفسير ابن عطية\" ١/ ٢٤٩، و\"القرطبى\" ١/ ٢٥٥، \"البحر\" ١/ ١٥٥.\n(٣) في (أ): (وكذا) وفي (ج)، كتبت ثم شطبت والصحيح حذفها.\n(٤) (قالوا) ساقط من (ج).\n(٥) في (ب): (التسكين).\n(٦) انظر: \"التهذيب\" (سكن) ٢/ ١٧٢٣، \"مقاييس اللغة\" (سكن) ٣/ ٨٨، والقرطبي في \"تفسيره\" ١/ ٢٥٥، \"البحر\" ١/ ١٥٥.\n(٧) انظر: \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ١٦٣، و\"تفسير ابن عطية\" ١/ ٢٤٩، و\"تفسير القرطبي\" ١/ ٢٥٦، \"البحر\" ١/ ١٥٦.\n(٨) مذهب البصريين أنه لا يجوز العطف إلا في الضرورة، وأجاز الكوفيون ذلك. انظر \"الإنصاف\" ص ٣٨٠، \"البحر\" ١/ ١٥٦.\n(٩) في (ج): (مبنية).\n(١٠) في (ب): (وكان).","vol":"2","page":377},{"text":"وكان الأصمعي يؤثر ترك (١) الهاء في الزوجة، ويرى أن أكثر كلام العرب عليه. والكسائي على خلاف ذلك (٢)، والاختيار ما قاله الأصمعي، لأن القرآن كله عليه (٣).\nوالمراد بقوله: ﴿الْجَنَّةَ﴾ جنة الخلد من قبل أن التعريف فيها بالألف واللام يجعلها كالعلم على جنة الخلد، فلا يجوز العدول عنها بغير دلالة، ألا ترى أنك لو قلت: نسأل الله الجنة، لم يكن ذلك إلا جنة الخلد (٤).\nوقوله تعالى: ﴿وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا﴾ (٥). (الرّغَد) و(الرَّغْد): سعة المعيشة،\n_________\n(١) (ترك) ساقطة من (ب).\n(٢) في (أ)، (ج): (ذكر) وما في (ب) هو الصحيح. وانظر اختلافهم في \"اللسان\" (زوج) ٣/ ١٨٨٥، والقرطبي في \"تفسيره\" ١/ ٢٥٧.\n(٣) قال الفراء (الزوج) يقع على المرأة والرجل. هذا قول أهل الحجاز. قال ﷿ ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ [الأحزاب: ٣٧]. وأهل نجد يقولون: (زوجة) وهو أكثر من (زوج) والأول أفصح عند العلماء). (المذكر والمؤنث): ص ٩٥، وانظر (المذكر والمؤنث) لابن الأنباري: ص ٥٠٣، \"تفسير الطبري\" ١/ ٢٢٩. ومما جاء على (زوجة) قول عمار في شأن عائشة (إني لأعلم أنها زوجته في الدنيا والآخرة). وانظر: \"تفسير ابن عطية\" ١/ ٢٤٩، وقال القرطبي: (وقد جاء في صحيح مسلم لفظ (زوجة) في حديث أنس وفيه يا فلان هذِه زوجتي فلانة). \"تفسير القرطبي\" ١/ ٢٥٦.\n(٤) وإلى هذا ذهب جمهور المفسرين، وفيه الرد على من قال: إنها جنة في الدنيا وهو قول المعتزلة والقدرية.\nانظر: \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٦٤ ب، و\"تفسير ابن عطية\" ١/ ٢٤٩، و\"تفسير القرطبي\" ١/ ٢٥٨، و\"تفسير ابن كثير\" ١/ ٨٤. قال ابن الجوزي وقيل: جنة عدن، \"زاد المسير\" ١/ ٦٦.\n(٥) في (ج): (فكلا) تصحيف.","vol":"2","page":378},{"text":"يقال: عيش رَغَدٌ ورَغْدٌ. ورَغِدَ عيشهم أي: اتسع (١)، قال (٢) امرؤ القيس:\nبَيْنَما المَرْءُ تَرَاهُ نَاعِمًا ... يَأْمَنُ الأحْدَاثَ فِي عَيْشٍ رَغَدْ (٣)\nوقال ابن دريد: عيش رَاغِد ورَغَد ورَغِيد، والرَّغِيدَة: الزبدة، ويقال: أَرْغَد القوم إذا وقعوا في عيش رغد (٤).\nالليث: (الرغد): أن يأكل ما شاء إذا شاء حيث شاء (٥).\nوقوله تعالى: ﴿حَيْثُ شِئْتُمَا﴾. (حيث) بني على الضم تشبيها بالغاية، نحو: (قبل) و(بعد) وذلك أنه منع الإضافة إلى الاسم المفرد كما منعت الغاية الإضافية، فبني لأجل الشبه على الضم بالغاية (٦)، ونذكر الكلام في هذا بأبلغ من هذا الشرح عند قوله: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾.\n_________\n(١) انظر: \"الصحاح\" (رغد) ٢/ ٤٧٥، \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٤٣٣، \"مقاييس اللغة\" ٢/ ٤١٧، \"تفسير الطبري\" ١/ ٢٣٠،، \"اللسان\" ٣/ ١٦٨٠.\n(٢) في (ب): (وقال).\n(٣) ورد البيت منسوبًا لامرئ القيس في الطبري ١/ ٢٣٠، وفي \"الوسيط\" للمؤلف ١/ ٨٣، و\"تفسير ابن عطية\" ١/ ٢٥١، و\"البحر\" ١/ ١٥٥، و\"الدر المصون\" ١/ ٢٨١، قال محمود شاكر في حاشية الطبري: لم أجده فيما جمع من شعر امرئ القيس، وقد بحثت في (الديوان) فلم أجده.\n(٤) \"الجمهرة\" ٢/ ٦٣٣.\n(٥) لم أجده عن الليث، انظر: \"العين\" (رغد) ٤/ ٣٩٢، و\"تهذيب اللغة\" (رغد) ٢/ ١٤٣٣، و\"الصحاح\" (رغد) ٢/ ٤٧٥، و\"اللسان\" (رغد) ٣/ ١٦٨٠.\n(٦) وقد ذكر سيبويه فيها وجها آخر وهو الفتح وقال الكسائي: الضم لغة قيس وكنانة، والفتح لغة بني تميم، وقال: وبنو أسد يخفضونها في موضع الخفض وينصبونها في موضع النصب، ويقال: حوث. انظر: \"الكتاب\" ٣/ ٢٨٦، و\"إعراب القرآن\" للنحاس١/ ١٦٣، و\"تهذيب اللغة\" (حيث) ١/ ٩٤٩، \"تفسير ابن عطية\" ١/ ٢٥١، وقد ذكر الواحدي هذِه الوجوه عند تفسير قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة: ١٩٩]. كما وعد هنا.","vol":"2","page":379},{"text":"وقوله: ﴿وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾. قيل معناه: لا تقرباها بالأكل، لأن آدم عصى بالأكل منها، لا بأن قربها (١).\nوقيل: إن النهي عن الأكل داخل في قوله: ﴿وَلَا تَقْرَبَا﴾ فهو نهي بأبلغ لفظ يكون (٢).\nوقيل: قربَ فلانٌ أهلَه قربانًا، أي [غشيها] (٣) وما قرِبْتُ هذا الأمر ولا قَرَبتُه قُرْبَانًا وقُرْبًا (٤).\nو(الشجرة) في اللغة: ما لها ساق يبقى في الشتاء، و(النجم) ما ليس على ساق، ومنه قوله: ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾ (٥) [الرحمن: ٦]. وسميت شجرة لتشابك أغصانها (٦)، وتداخل بعضها في بعض، والشجرة تعم النخلة والتينة والكرمة وغيرها (٧)، واليقطين قد سمي شجرًا في قوله: ﴿وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ﴾ [الصافات: ١٤٦].\n_________\n(١) وبهذا قال الزجاج في \"المعاني\" ١/ ٨٣، وابن عطية في \"تفسيره\" ١/ ٢٥٢، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ١/ ٦٦، والقرطبي في \"تفسيره\" ١/ ٢٦٥.\n(٢) ذكره ابن عطية في \"تفسيره\" ١/ ٢٥٢، والقرطبي في \"تفسيره\" ١/ ٢٦٥، وبه أخذ أبو حيان في \"البحر\" ١/ ١٥٨.\n(٣) في (أ)، (ج): (عيشها)، وفي (ب): (ان عشيها)، والتصحيح من \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٩١٤.\n(٤) ذكره الأزهري في الليث. \"التهذيب\" (قرب) ٣/ ٢٩١٤. \"اللسان\" (قرب) ٦/ ٣٥٦٦.\n(٥) قيل إن المراد بالنجم في الآية نجم السماء، والأرجح أنه مالا ساق له من الشجر، انظر: \"تفسير الطبري\" ٢٧/ ١١٦، و\"القرطبي\" ١٧/ ١٥٤.\n(٦) في (أ)، (ج): (أعضائها)، وما في (ب) هو الصحيح.\n(٧) انظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ٢٣١، \"التهذيب\" (شجر) ٢/ ١٨٣٠، \"تفسير ابن عطية\" ١/ ٢٥٢، \"مفردات الراغب\" ص ٢٥٦، و\"تفسير القرطبي\" ١/ ٢٦٦، و\"تفسير الرازي\" ١/ ٦.","vol":"2","page":380},{"text":"قال الحسين بن الفضل: إن آدم نهي عن أكل الشجرة فعصى بذوقها، وهو دون الأكل، فدل على أن الذي نهي عن شرب المسكر يعصي بشرب اليسير منه قدر ما يقع عليه اسم الذوق.\nواختلفوا في الشجرة التي نهي آدم عنها، فقال ابن عباس، وعطية، ووهب، وقتادة: إنها السنبلة، قال وهب: وكانت الحبة منها ككلية البقر، ألين من الزبد، وأحلى من العسل (١).\nوقال ابن مسعود والسدي: هي الكرم (٢). وقال ابن جريج (٣): إنها التين (٤).\nوقال محمد بن (٥) جرير والحسين بن الفضل: إن الله سبحانه أخبر أنه نهى آدم عن أكل شجرة ما، ولم ينصب لنا دلالة عليها بعينها، فنحن نعلم\n_________\n(١) أقوالهم في الطبري في \"تفسيره\" ١/ ٢٣١ - ٢٣٢، و\"ابن أبي حاتم\" ١/ ٨٦، و\"الثعلبي\" ١/ ٦٤ ب.\n(٢) وروى هذا عن ابن عباس وسعيد بن جرير والشعبي وغيرهم.\nانظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ٢٣٢، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" ١/ ٨٦، و\"تفسير الثعلبي\" ١/ ٦٤ ب.\n(٣) هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، أحد العلماء المشهورين، ثقة فقيه فاضل، وكان يدلس ويرسل. توفي سنة تسع وأربعين ومائة، انظر: \"تاريخ بغداد\" ١٠/ ٤٠٠، \"وفيات الأعيان\" ٣/ ١٦٣.\n(٤) \"تفسير الطبري\" ١/ ٢٣٢، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" ١/ ٨٦.\nوفي اسم الشجرة أقوال كثيرة غير هذه. انظر: \"تفسير ابن أبي حاتم\" ١/ ٨٦ - ٨٧، والثعلبي ١/ ٦٠ ب، \"تفسير ابن عطية\" ١/ ٢٥٢، \"زاد المسير\" ١/ ٦٦، \"التعريف والإعلام\" للسهيلي: ص ١٩، \"غرر التبيان في مبهمات القرآن\": ص ٣٩، رسالة ماجستير، \"مفحمات الأقران في مبهمات القرآن\" للسيوطي ص ١٢.\n(٥) (محمد) ساقط من (ب).","vol":"2","page":381},{"text":"أنه كان منهيًا عن أكل شجرة ما، وليس علينا من الجهل بتفصيله شيء (١). واختلفوا في كيفية أكل آدم من الشجرة. فقال بعضهم: [انهى] (٢) نهي عن جنس من الشجرة، ونص له على واحد بعينه، فتأول أن التحريم في واحدة بعينها فأكل من جنسها (٣). وقال بعضهم: إنه نسي الوجوب وحمل النهي فيه على التنزيه، وإن كان فيه ما يدل على أنه للتحريم، وهو اقترانه بذكر الوعيد في قوله: ﴿فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (٤). وكان سعيد بن المسيب يحلف بالله ما يستثني ما أكل آدم من الشجرة وهو يعقل، ولكن حواء سقته الخمر حتى إذا سكر قادته إليها، فأكل (٥). ورُدّ هذا على سعيد بأن قيل: لو كان الأمر على ما وصف لم يكن عاصيًا، والله تعالى، أخبر عنه بالعصيان (٦)،\n_________\n(١) ومما قاله الطبري (.. وذلك علم إذا علم لم ينفع العالم به علمه، وإن جهله جاهل لم يضره جهله به)، \"تفسير الطبري\" ١/ ٢٣٢. وبهذا قال أكثر المفسرين، إن الإطالة في هذا من التكلف الذي لا فائدة فيه، ولكفينا ما ذكر الله في كتابه: أنه نهى آدم عن أكل الشجرة، وأن آدم عصى ربه وأكل منها، ثم تاب عليه. انظر: \"تفسير ابن عطية\" ١/ ٢٥٢، و\"تفسير الرازي\" ٣/ ٥. و\"تفسير ابن كثير\" ١/ ٨٤.\n(٢) كذا في جميع النسخ ولعلها (إنه).\n(٣) انظر \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٦٤ ب، \"أحكام القرآن\" لابن العربي ١/ ١٨، والقرطبي في \"تفسيره\" ١/ ٢٦٠، \"زاد المسير\" ١/ ٦٨.\n(٤) انظر \"أحكام القرآن\" لابن العربي ١/ ١٨، و\"زاد المسير\" ١/ ٦٨، ورجع الرازي أن النهي للتنزيه، وقال: إن كل مذهب كان أفضى إلى عصمة الأنبياء -﵈- كان أولى، وأجاب عن أدلة الذين قالوا: إنه للتحريم. انظر \"تفسير الرازي\" ٣/ ٥.\n(٥) ذكره الطبري في \"تفسيره\" ١/ ٢٣٧، والثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ٦٥ أ، وابن العربي في \"أحكام القرآن\" ١/ ١٨، والقرطبي ١/ ٢٦٠.\n(٦) وقد رده ابن العربي ردَّا قويًّا حيث قال: (أما القول بأن آدم أكلها سكران ففاسد نقلا وعقلا: أما النقل: فلأن هذا لم يصح بحال، وقد نقل عن ابن عباس أن =","vol":"2","page":382},{"text":"وفي الجملة كان ذلك الأكل معصية من آدم، ولكنه كان قبل النبوة.\nوقوله تعالى: ﴿فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾. قال الفراء: إن شئت جعلت (فتكونا) جوابًا نصبًا، لأنه جواب النهي بالفاء. وإن شئت عطفته على أول الكلام، فكان جزمًا مثل قول امرئ القيس (١):\nفَقُلْتُ لَهُ صَوِّب ولا تُجْهِدَنَّه ... فَيُذْرِكَ (٢) مِنْ أُخْرى القَطَاةِ فَتزْلَقِ (٣)\n_________\n= الشجرة التي نهي عنها الكرم، فكيف ينهى عنها ويوقعه الشيطان فيها، وقد وصف الله خمر الجنة بأنها لا غول فيها، فكيف توصف بغير صفتها التي أخبر الله تعالى عنها. وأما العقل: فلأن الأنبياء بعد النبوة منزهون عما يؤدي إلى الإخلال بالفرائض واقتحام الجرائم \"أحكام القرآن\" ١/ ١٩. وأقول: لا داعي لكل هذه التوجيهات لفعل آدم -﵇- بل الأولى أن نجيب بما قال الله عنه: ﴿فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (١٢١) ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى (١٢٢)﴾ [طه: ١٢١ - ١٢٢].\n(١) كذا منسوبًا إلى امرئ القيس في أكثر المصادر، ونسبه سيبويه إلى (عمرو ابن عمار الطائي) قال عبد السلام هارون معلقا على نسبته إلى امرئ القيس: ليس في \"ديوانه\". قلت: هو في \"ديوانه\" ص ١٠٦.\n(٢) في (أ)، (ج): (فيدرك) بالدال، وفي (ب): (فتدرك)، وكلاهما تصحيف.\n(٣) يروى (فيدنك) كذا عند سيبويه. يقول مخاطبًا للغلام الذي سبق ذكره في الأبيات قبله: صوب الفرس ولا تجهده، لا تحمله على العدو فيصرعك، يقال: أذراه عن فرسه: إذا صرعه وألقاه، والقطاة من الفرس: موضع الردف. انظر: \"ديوان امرئ القيس\" ص ١٧٤، \"الكتاب\" ٣/ ١٠١، \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٢٦، و\"تفسير الطبري\" ١/ ٢٣٤، \"اللسان\" (ذرا) ٣/ ١٤٩١، \"الخزانة\" ٨/ ٥٢٦، \"الدر المصون\" ١/ ٢٨٦، \"البحر\" ١/ ١٥٩. والشاهد عند سيبويه: جزم (فيدنك) حملا على النهي، ولو أمكنه النصب بالفاء على جواب النهي لجاز.","vol":"2","page":383},{"text":"فجزم (١)، ومعناه: كأنه تكرير النهي.\nومعنى الفاء والنصب جزاء (٢)، أي لا تفعل هذا فيفعل بك، فلما عطف حرف على غير ما يشاكله، وكان في أوله حادث لا يصلح في الثاني نصب (٣).\nوقال الزجاج: إنما نصب بإضمار (أن) (٤). ومثله (٥) مما نصب بالفاء قوله: ﴿وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ﴾ [طه: ٨١] ﴿لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ﴾ [طه: ٦١]، (٦). وما كان من نهي (٧) ففيه الوجهان، ولا يجوز الرفع إلا أن تريد الاستئناف ولا تجعله جوابًا، كقولك: لا تركبْ إلى فلان\n_________\n(١) (جزم) ساقط من (ج).\n(٢) في \"المعاني\" للفراء: (ومعنى الجواب والنصب لا تفعل هذا فيفعل بك مجازاة، فلما عطف حرف .. إلخ) ١/ ٢٧.\n(٣) انتهى ما نقله عن الفراء، ويعود للنقل منه بعد كلام الزجاج. \"معاني القرآن\" ١/ ٢٦، ٢٧، وما ذكره هو مذهب الكوفيين في الفعل المضارع الواقع بعد الفاء في جواب: الأمر والنهي والنفي والاستفهام والتمني والعرض. ينصب بالخلاف، أي أن الجواب مخالف لما قبله. انظر: \"الإنصاف\" ٢/ ٥٥٧، \"الدر المصون\" ١/ ٢٨٦، ونصر هذا القول الطبري في \"تفسيره\" ١/ ٢٣٤.\n(٤) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٨٣. وقال: نصبه عند سيبويه والخليل بإضمار (أن). وما ذكر هو مذهب البصريين كما في \"الإنصاف\" ٢/ ٥٥٧، ٥٥٨، وبهذا قال الأخفش في \"المعاني\" ١/ ٢٢٢، وانظر: \"الدر المصون\" ١/ ٢٨٦، وقد رد هذا القول الطبري في \"تفسيره\" ١/ ٢٣٤.\n(٥) هذا عود على كلام الفراء.\n(٦) والآيتان وردتا ضمن كلام الفراء.\n(٧) في \"معاني القرآن\" للفراء: (وما كان من نفي ففيه ما في هذا (يريد ما في النهي) ولا يجوز الرفع في أحد الوجهين (النفي والنهي) إلا أن تريد الاستئناف .. إلخ) \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٢٧.","vol":"2","page":384},{"text":"فيركبُ إليك، يريد (١) لا تركب إليه فإنه سيركب إليك.\nقال الأعشى (٢):\nألمْ تَسْأَلِ الرَّبْعَ القَدِيَم فَيَنْطِقُ ... وهَلْ تُخْبِرَنْكَ اليَومَ بَيْدَاءُ سَمْلَقُ (٣)\nأراد ألم تسأل الربع، فإنه يخبرك عن أهله (٤).\nوقوله تعالى: ﴿مِنَ الظَّالِمِينَ﴾. يقال: ظَلَمَه يَظْلِمُه ظُلمًا، فالظلم مصدر حقيقي، والظلم الاسم يقوم مقام المصدر. ومن أمثال (٥) العرب: (من أشبه أباه فما ظلم). قال الأصمعي: أي ما وضع الشبه غير موضعه (٦).\n_________\n(١) في جميع النسخ (يريد) وبالتاء جاء في \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٢٧.\n(٢) البيت لجميل بن معمر العذري، كما في \"الخزانة\" ٨/ ٥٢٦. وفي \"ديوانه\": ص ١٤٥. وكذا نسبه أكثرهم، ولم أجد من نسبه للأعشى، ولعله اشتبه عند الواحدي بقول الأعشى:\nوإن أمرا أسرى أليك ودونه ... من الأرض موماة وبيداء سملق\n(٣) يروى البيت (القواء) مكان (القديم)، معنى الربع: الدار بعينها حيثما كانت. والقواء: القفر، وكذا البيداء، والسملق: الأرض المستوية، أو الجرداء لا شجر فيها، يقول: وقد تخيل القواء ناطقا، ألا تسأله، ثم نفى ذلك عنه وحقق أنه لا يجيب سائله لعدم القاطنين به. ورد البيت في \"الكتاب\" ٣/ ٣٧، \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٢٧، \"الجمل\" للزجاجي: ص ١٩٤، \"شرح المفصل\" ٧/ ٣٦، \"همع الهوامع\" ٤/ ١٢٢، ٥/ ٢٣٥، وشرح \"شذرات الذهب\": ص ٣٦٧، \"الخزانة\" ٨/ ٥٢٤، \"مغني اللبيب\" ١/ ١٦٨، \"ديوان جميل \": ص ٧٠.\n(٤) \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٢٧.\n(٥) ذكره الأزهري عن الليث. \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٢٤٨، وانظر: \"لسان العرب\" (ظلم) ٥/ ٢٧٥٧.\n(٦) ويجوز أن يكون المعنى: فما ظلم الأب: أي لم يظلم حين وضع زرعه حيث أدى إليه الشبه، انظر: \"جمهرة الأمثال\" للعسكري ٢/ ٢٤٤، \"الوسيط\" في الأمثال =","vol":"2","page":385},{"text":"وقال أحمد بن يحيى وأبو الهيثم: يقال: ظلمت السّقاء، وظلمت اللبن إذا شربته أو سقيته قبل إدراكه وإخراج زبدته (١). وقال ابن السكيت: ظلمت وطبي (٢) للقوم بهذا المعنى (٣). قال أبو عبيد: ويقال لذلك اللبن المظلوم والظليم (٤)، وأنشد شمر:\nوقَائِلةٍ ظَلَمْتُ لَكُمْ سِقَائِي ... وهَلْ يَخْفَى عَلَى العَكِدِ الظَّليِمُ (٥)\nوقال الفراء: ظلم الوادي إذا بلغ الماء منه موضعًا لم يكن ناله فيما خلا، وأنشد:\nيَكَاد يَطْلُعُ ظُلْمًا ثُمَّ يَمْنَعُه ... عَنِ الشَّوَاهِقِ فَالوَادِي بِهِ شَرِقُ (٦)\nقال: ويقال: هو أظلم من حية، لأنها تأتي الجحر لم تحفره\n_________\n= للمؤلف ص ١٥٥، \"المستقصي\" ٢/ ٣٥٢، \"مجمع الأمثال\" ٢/ ٣٠٠، \"تهذيب اللغة\" (ظلم) ٣/ ٢٢٤٨، \"اللسان\" (ظلم) ٥/ ٢٧٥٧.\n(١) في \"تهذيب اللغة\": أخبرني المنذري عن أحمد بن يحيى وعن أبي الهيثم أنهما قالا: ثم ذكره ٣/ ٢٢٤٩، \"اللسان\" (ظلم) ٥/ ٢٧٥٨.\n(٢) الوطب: سقاء اللبن. انظر (القاموس) (وطب): ص ١٤٢.\n(٣) انظر \"إصلاح المنطق\": ص ٣٥٢، \"تهذيب اللغة\" (ظلم) ٣/ ٢٢٤٩، \"اللسان\" (ظلم) ٥/ ٢٧٥٨.\n(٤) في \"التهذيب\": المظلوم والظليمة، ٣/ ٢٢٤٩، وكذا \"اللسان\" (ظلم) ٥/ ٢٧٥٧.\n(٥) البيت غير منسوب في \"تهذيب اللغة\" (ظلم) ٣/ ٢٢٤٩، وكذا في \"الصحاح\" ٥/ ١٩٧٨، \"مقاييس اللغة\" ٣/ ٤٦٩، \"اللسان\" ٥/ ٢٧٥٧، والقرطبي في \"تفسيره\" ١/ ٢٦٤، والعكد: أصل (اللسان).\n(٦) البيت في \"معاني القرآن\" للفراء١/ ٣٩٧، \"تهذيب اللغة\" (ظلم) ٣/ ٢٢٤٩، \"اللسان\" ٥/ ٢٧٥٨، غير منسوب.","vol":"2","page":386},{"text":"فتسكنه (١). وقال ابن السكيت في قول النابغة:\nوالنُّؤْيُ كَالحَوْضِ بِالمظْلُومَةِ الجَلَدِ (٢)\nيعني بالمظلومة أرضًا في برية حوّضوا فيها حوضًا سقوا فيه إبلهم، وليست بموضوع تحويض. قال: وأصل الظلم، وضع الشيء غير (٣) موضعه، قال: ومنه قول ابن مقبل:\nهُرْتُ الشَّقَاشِقِ ظَلَّامُونَ للجُزُرِ (٤)\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٣٩٧، \"تهذيب اللغة\" (ظلم) ٣/ ٢٢٤٩، وانظر \"الصحاح\" (ظلم) ٥/ ١٩٧٨، \"اللسان\" (ظلم) ٥/ ٢٧٥٨.\n(٢) عجز بيت للنابغة الذبياني من قصيدة يمدح بها النعمان بن المنذر وصدره:\nإلاَّ أَوَاريُ لَأْيًا ما أُبَيِّنُهَا\nالأواري: محابس الخيل، وتروى (الأواري) بالرفع على البدل، وبالنصب على الاستثناء، لأيًا: بطئا، والمعنى أبينها بعد لأي لتغير معالمها، والنُّؤْي: حاجز حول الخباء يمنع عنه الماء، والمظلومة: أرض حفر فيها الحوض لغير إقامة، فظلمت لذلك، والجلد: الصلبة. ورد البيت في \"الكتاب\" ٢/ ٣٢١، \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٢٨٨، ٤٨٠، \"تفسير الطبري\" ١/ ٢٣٤، \"المقتضب\" ٤/ ٤١٤، \"التهذيب\" \"ظلم\" ٣/ ٢٢٤٩، \"الجمل\" للزجاجي ص ٢٣٦، \"الإنصاف\" ص ٢٣٤، \"الأزهية في علم الحروف\" ٨٠، \"الهمع\" ٣/ ٢٥٠، ٢٥٥، \"شرح المفصل\" ٢/ ٨٠، \"الخزانة\" ٤/ ١٢١، \"الدر المصون\" ١/ ٢٨٦، \"ديوان النابغة\": ص ٩.\n(٣) في \"تهذيب اللغة\" (في غير) ٣/ ٢٢٤٩.\n(٤) وصدره:\nعَادَ الأذِلَّةُ في دَارٍ وَكَان بِهَا\nقوله: هرت الشقاشق: أي: ماهرون في الخطابة والكلام، تقول العرب للخطيب الجهير الصوت الماهر بالكلام: هو أهرت الشِّقْشِقَة. والشِّقْشِقَة: لحمة كالرئة يخرجها البعير الفحل من فيه عند هياجه. =","vol":"2","page":387},{"text":"وظلم الجزور أنهم نحروها من غير مرض، فوضعوا النحر في غير موضعه (١). وقول زهير:\n... وَيُظْلَمُ أَحْيَانًا فَيَنْظَلِمُ (٢)\nأي يطلب منه في غير موضع الطلب (٣).\nومعنى قوله: ﴿فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ أي من العاصين الذين وضعوا الأمر غير موضعه (٤).\nوالعاصي ظالم لوضعه أمر الله في غير موضعه، ووضعه المعصية حيث يجب أن يطيع.\nوقال بعضهم: معنى (٥) قوله: ﴿فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ أي (٦): الباخسين\n_________\n= ورد البيت في \"ديوان ابن مقبل\": ص ٨١، \"التهذيب\" (ظلم) ٣/ ٢٢٤٩، \"اللسان\" (هرت) ٨/ ٤٦٤٧، \"شقق\" ٤/ ٢٣٠٠، (ظلم) ١/ ٢٧٥٨. \"الصحاح\" (ظلم) ٣/ ١٩٧٨، \"جمهرة اللغة\" ١/ ١٣٨، \"مقاييس اللغة\" (ظلم) ٣/ ٤٦٩، و\"تفسير القرطبي\" ١/ ٢٦٤، \"أمالي القالي\" ٢/ ١٠١.\n(١) انتهى كلام ابن السكيت ملخصًا من \"تهذيب اللغة\" (ظلم) ٣/ ٢٢٤٩. ولم أجده في \"إصلاح المنطق\".\n(٢) جزء من بيت، وصدره:\nهُوَ الجَوَادُ الذِي يُعْطِيكَ نَائلَهُ ... عَفْواَ وَيُظلَمُ ..............\nويروى (هذا الجواد)، (فيطلم) و(فيظلم) والبيت قاله زهير في مدح هرم بن سنان ورد في \"الكتاب\" ٤/ ٤٦٨، \"تهذيب اللغة\" (ظلم) ١/ ٢٢٥٠، \"الصحاح\" (ظلم) ٥/ ١٩٧٧، \"مقاييس اللغة\" (ظلم) ٣/ ٤٦٩، \"اللسان\" (ظلم) ٥/ ٢٧٥٩، \"شرح المفصل\" ١٠/ ٤٧، \"شرح ديوان زهير\" ص ١٥٢.\n(٣) في \"تهذيب اللغة\" ١/ ٢٢٥٠ (ظلم): (وقال الأصمعي في قول زهير ..).\n(٤) انظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ٢٣٤.\n(٥) (معنى قوله) ساقط من (ب).\n(٦) في (ب): (أي من).","vol":"2","page":388},{"text":"حقوقكما (١)، والظلم قد يكون بمعنى بخس الحق (٢)، قال الله تعالى: ﴿آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [الكهف: ٣٣] أي: لم تنقص. ومنه يقال: ظلمه حقه، أي: نقصه (٣).\nوقال الفراء في قوله تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ (٤) أي: ما نقصونا شيئًا بما فعلوا ولكن نقصوا حظ أنفسهم (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-259>٣٦ </span>- وقوله تعالى: ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا﴾ الآية. قال أبو علي الفارسي (٦): ﴿فَأَزَلَّهُمَا﴾ يحتمل تأويلين:\nأحدهما: كسبهما الزلة (٧) وحملهما عليها.\nوالآخر: أن يكون (أزل) من (زلّ) الذي يراد به عثر (٨).\nفالدلالة (٩) على الوجه الأول ما جاء في التنزيل من تزيينه لهما (١٠) تناوُلَ ما حظر عليهما جنسه، بقوله: ﴿مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ﴾\n_________\n(١) انظر: \"تفسير أبي الليث\" ١/ ١١١، و\"الثعلبي\" ١/ ٦٤ ب، و\"البيضاوي\" ١/ ٢٢، و\"النسفي\" ١/ ٣٨.\n(٢) (الحق) ساقط من (ب).\n(٣) انظر: \"التهذيب\" (ظلم) ٣/ ٢٢٤٨، \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٣٩٧، \"اللسان\" (ظلم) ٥/ ٢٧٥٧.\n(٤) سورة البقرة: ٥٧، سورة الأعراف: ١٦٠.\n(٥) \"معاني القرآن\" ١/ ٣٩٧، \"تهذيب اللغة\" (ظلم) ٣/ ٢٢٤٨.\n(٦) \"الحجة\" ٢/ ١٧.\n(٧) أي كان سببًا لهما لكسب الخطيئة التي عاقبهما الله عليها، انظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ٢٣٤.\n(٨) انظر: \"تهذيب اللغة\" (زل) ٢/ ١٥٥٠، و\"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٨٣،\n(٩) في (ب): (بالدلالة).\n(١٠) في (ب): (إنما).","vol":"2","page":389},{"text":"[الأعراف: ٢٠] الآية. وقد نسب كسب الإنسان الزلة إلى الشيطان (١)، كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ﴾ [آل عمران: ١٥٥]، و(استزلّ) و(أزلَّ) واحد، كقولهم: استجاب وأجاب، واستخلف لأهله وأخلف، فكما (٢) أن استزلهم من الزلة، والمعنى فيه كسبهم الزلة، وكذلك قوله: ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ﴾ (٣).\nوقوله تعالى: ﴿عَنْهَا﴾ على هذا التأويل يكون بمعنى (عليها) والكناية تعود إلى (الزلة) (٤) وإن لم يجر لها ذكر، لأن المصدر والاسم يدل عليهما الفعل، فقوله: (أزلهما) يدل على: (الزلة) فكان معناه حملهما (٥) على الزلة، ويجوز أن يقع (٦) (عن) موقع (على) و(على) موقع (عن) (٧).\n_________\n(١) انظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ٢٣٤، \"غريب القرآن\" لابن قتيبة ص ٣٧، \"العمدة في الغريب\" لمكي ص ٧٣، فإبليس سبب ارتكابهما الخطيئة التي عاقبهما الله عليها بإخراجهما من الجنة، والله هو خالق الإنسان وخالق فعله.\n(٢) في (ب): (وكما).\n(٣) انتهى ما نقله المؤلف من \"الحجة\" عن الوجه الأول، ويعود مرة أخرى ينقل منه الوجه الثاني، \"الحجة\" ٢/ ١٨.\n(٤) ذكر جمهور المفسرين أن الكناية تعود على واحد من أمور: (١) الشجرة، (٢) الجنة، (٣) الطاعة، (٤) الحالة التي هما عليها، (٥) السماء، وهو بعيد، وأقربها: إما للشجرة فتكون (عن) للسبب، أو للجنة وهذا متعين على قراءة حمزة (أزالهما)، انظر: \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٤٦ ب، و\"ابن عطية\" ١/ ٢٥٤، \"الكشاف\" ١/ ٢٧٣، \"زاد المسير\" ١/ ٦٧، \"البحر\" ١/ ١٦٢، و\"تفسير ابن كثير\" ١/ ٨٥، \"الدر المصون\" ١/ ٢٨٨.\n(٥) في (ب): (حملها).\n(٦) في (ب): (تقع).\n(٧) انظر: \"الأزهية في علم الحروف\" ص ٢٧٦، ٢٧٩، \"حروف المعاني\" ص ٧٩.","vol":"2","page":390},{"text":"قال ذو الإصبع:\nلَاهِ ابن عَمِّكَ (١) مَا أَفْضَلْتَ فِي حَسَبٍ ... عَنِّي وَلَا أَنْتَ دَيَّانِي فَتَخْزُونِي (٢)\n(عني) معنى (عليّ). [وقال آخر، فجعل (علي) بمعنى: (عني)] (٣):\nإِذَا رَضِيَتْ عَليّ بَنُو قُشَيْرٍ ... لَعَمْرُ اللهِ أَعْجَبَنِي رِضَاهَا (٤)\nوالوجه الآخر (٥): أن يكون (أزلهما) من زل عن المكان إذا عثر ولم يثبت عليه، يقال: زلت قدمه زَلَلًا وزَليِلًا، إذا لم تثبت (٦) قال لبيد:\n_________\n(١) في (أ)، (ج): (عمتك).\n(٢) لاه: أراد الله فحذف لام الجر ولام التعريف، يقول: لم بفضل علي في الحسب، ولا انت دياني: مالك أمري، فتخزوني: تقهرني. ورد البيت في \"المفضليات\" ص١٦٠،١٦٢، \"الخصائص\" ٢/ ٢٨٨. \"الأزهية\" ص ٢٧٩ \"حروف المعاني\" ص ٧٩ \"مجالس العلماء\" للزجاجي ص ٧١، و\"شرح جمل الزجاجي\" لابن عصفور ١/ ٤٨٣، \"أمالي المرتضى\" ١/ ٢٥٢، \"الإنصاف\" ص ٣٣٥، \"مغني اللبيب\" ١/ ١٤٧، \"الخزانة\" ٧/ ١٧٣، \"اللسان\" (دين) ٣/ ١٤٦٩، (عنن) ٥/ ٣١٤٣، (لوه) ٧/ ٤١٠٧.\n(٣) ما بين المعقوقين ساقط من (ب). والمثبت في (أ)، (ج)، وغير مستقيم والأولى أن يؤخر قوله: (فجعل (عليّ) بمعنى (عني) بعد البيت.\n(٤) البيت لقُحَيف العُقَيْلِي، ورد في \"النوادر\" ص ٤٨١، \"الكامل\" ٢/ ١٩٠، ٣/ ٩٨، \"الخصائص\" ٢/ ٣١١، ٣٨٩، \"المخصص\" ١٤/ ٦٥، ١٧/ ١٦٤، \"الأزهية\" ص ٢٧٧، \"الهمع\" ٤/ ١٧٦، \"اللسان\" (رضى) ٣/ ١٦٦٣، \"الخزانة\"١٠/ ١٣٢.\n(٥) (الحجة) ٢/ ١٨.\n(٦) قوله: ويقال: زلت قدمه ..) وبيت لبيد ليس في \"الحجة\"، انظر: \"تهذيب اللغة\" (زل) ٢/ ١٥٥٠.","vol":"2","page":391},{"text":"لَوْ يَقُومُ الفِيلُ أَوْ فَيَّالُهُ ... زَلَّ عَنْ مِثْلِ مَقَاسِي وَزَحَل (١)\nويدل على هذا التأويل قوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجَهُمَا﴾ فَكما أن خروجه عن الموضع الذي كان فيه انتقال منه إلى غيره، كذلك عثاره فيه وزليله (٢).\nوقرأ حمزة: (فأزالهما) (٣). وحجته أن قوله: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٣٥] أمر لهما بالثبات، وتأويله: (اثبتا) فثبتا، فأزالهما الشيطان، فقابل الثبات بالزوال الذي هو خلافه. وفي الآية على هذا التقدير إضمار، كقوله: ﴿أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ﴾ [الشعراء:٦٣] أي: فضرب فانفلق، ومثله: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٦]، أي: فحلق ففدية. ونُسب الفعل إلى الشيطان، لأن زوالهما عنها إنما كان بتزيينه وتسويله فلما كان ذلك منه بسبب، أسند الفعل إليه، كقوله: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال: ١٧] لما كان الرمي بتقوية الله وإرادته وخلقه نسبه إلى نفسه. ومما يقوي هذه القراءة قوله: ﴿فَأَخْرَجَهُمَا﴾ وأخرجهما في المعنى قريب من (فأزالهما) (٤).\n_________\n(١) وقوله: (أو فياله): هو صاحب الفيل الذي يسوسه، زحل: زل، يقول: لو يقوم الفيل أو صاحبه زل عن مكاني، قيل: هذا البيت مما عيب على لبيد، لظنه القوة الهائلة في صاحب الفيل، انظر: \"ديوان لبيد\" مع شرحه ص ١٩٤.\n(٢) \"الحجة\" لأبي علي٢/ ١٨.\n(٣) \"السبعة\" لابن مجاهد ص ١٥٤، \"الحجة\" لأبي علي ٢/ ١٤، \"النشر\" ٢/ ٢١١، \"البدور الزاهرة\" ص ٣٠.\n(٤) في (ب): (فأزلهما). \"الحجة\" لأبي علي ٢/ ١٥، وانظر: \"حجة القراءات\" لابن زنجلة ص ٩٤، \"الكشف عن وجوه القراءات\" لمكي١/ ٢٣٦، \"الحجة\" لابن خالويه ص ٧٤.","vol":"2","page":392},{"text":"فإن قيل: على هذه القراءة يكون قوله: ﴿فَأَخْرَجَهُمَا﴾ تكريرا (١)؟ قيل: إنه (٢) لا يكون تكريرًا لا فائدة فيه، ألا ترى أنه يجوز أن يزيلهما عن مواضعهما ولا يخرجهما مما كانا فيه من الرغد والرفاهية، وإذا كان كذلك لم يكن تكريرا غير مفيد، على أن التكرير في مثل هذا الموضع لتفخيم القصة ليس بمكروه بل هو مستحب، كقول القائل: أزلت نعمته وأخرجته من ملكه، غلظت عقوبته (٣).\nوقوله تعالى: ﴿مِمَّا كَانَا فِيهِ﴾. أي: من الطاعة إلى المعصية. وقيل: من الرتبة والمنزلة (٤). وقيل: من الرفاهية ولين العيش (٥).\nواختلفوا في كيفية وسوسة إبليس ووصوله (٦) إلى آدم: فقال الأكثرون ومنهم ابن عباس ووهب: إن الحية أدخلت إبليس الجنة (٧) حتى قال لآدم ﴿هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى﴾ [طه: ١٢٠]، فأبى أن يقبل منه، فقاسمهما بالله إنه لهما لمن الناصحين، فاغترّا (٨) وما كانا يظنان أنّ أحدًا\n_________\n(١) أورد هذا السؤال والإجابة عنه أبو علي في \"الحجة\"، ونقله الواحدي هنا بنصه، وممن قال إن فيها تكريرا الطبري في \"تفسيره\"، حيث احتج بذلك على ترجيح قراءة عامة القراء، \"تفسير الطبري\" ١/ ٢٣٥.\n(٢) في (ب): (لأنه).\n(٣) \"الحجة\" لأبي علي ٢/ ١٦.\n(٤) انظر: \"تفسير ابن عطية\" ١/ ٢٥٦، والقرطبي ١/ ٢٦٦.\n(٥) انظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ٢٣٩، و\"أبي الليث\" ١/ ١١١، و\"ابن عطية\" ١/ ٢٥٦، \"البغوي\" ١/ ٨٣، \"ابن كثير\" ١/ ٨٥، ويمكن حمل الآية على القولين الأخيرين.\n(٦) الواو ساقطة من (ب)\n(٧) في (ب): (إلى الجنة).\n(٨) في (ب)، (ج): (فاغتروا).","vol":"2","page":393},{"text":"يحلف بالله كاذبًا، فبادرت حواء إلى أكل الشجرة ثم ناولت آدم حتى أكلها (١).\nوقال الحسن: إنما رآهما على باب الجنة لأنهما كانا يخرجان من الجنة (٢).\n_________\n(١) هذا لفظ رواية ابن عباس، وبمعناه رواية وهب وقد أخرجهما الطبري ١/ ٢٤٠، ذكر رواية ابن عباس: الليث في \"تفسيره\" ١/ ١١١، وانظر: \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٦٥ أ، و\"البغوي\" ١/ ٨٣، و\"ابن عطية\" ١/ ٢٥٦، و\"القرطبي\" ١/ ٢٦٦.\n(٢) ذكره البغوي في \"تفسيره\" ١/ ٦٣، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ١/ ٦٧. وهناك قول ثالث: أنه دخل الجنة في صورة حية، وهذا يرجع لأصول القول الأول، وقول رابع ذكره ابن جرير الطبري عن ابن إسحاق وهو: أنه وصل إليهما بطرق الوسوسة، وأنه يخلص إلى ابن آدم في حال نومه ويقظته، ولدعوه إلى المعصية، ويوقع في نفسه الشهوة، وأيد قوله بما ورد عن النبي ﷺ: أنه قال، \"إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم\". كذا ذكر الطبري عن ابن إسحاق، ثم رد قوله ورجح أن الشيطان كلم آدم مشافهة لا وسوسة كما قال: ﴿وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾ [الأعراف: ٢١]، ثم قال: (فالقول في ذلك أنه وصل إلى خطابهما على ما أخبر الله جل ثناؤه، وممكن أن يكون وصل على ذلك بنحو الذي قاله المتأولون بل ذلك إن شاء الله كذلك، لتتابع أقوال أهل التأويل على تصحيح ذلك)، \"تفسير الطبري\" ١/ ٢٤٠، قال ابن عطية ١/ ٢٥٦: القول: أنه أغواهما مشافهة قول جمهور العلماء، ومثله قال القرطبي ١/ ٢٦٦.\nوإذا نظرنا إلى حال الروايات في كيفية دخول إبليس الجنة وقصة الحية مع إبليس وجدناها أخبارًا إسرائيلية كما قال ذلك ابن كثير في \"تفسيره\" ١/ ٨٥، وقال \"الرازي\" بعد ذكره للقول الأول: واعلم أن هذا وأمثاله مما يجب أن لا يلتفت إليه. الرازي ٣/ ١٥، قلت: الله ﷾ أخبرنا أن إبليس أزل آدم وكان سببًا في إخراجه من الجنة كما قال ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ﴾. وكيف حصل ذلك، هل بالمشافهة وما طريق المشافهة، أو بالوسوسة؟ كل هذا من علم الغيب الذي لا يثبت إلا بالخبر عن الله سبحانه، أو رسوله، ولا خبر في ذلك يعتمد عليه، ولا ينبني على العلم به كبير فائدة فلا داعي للانشغال بمثله.","vol":"2","page":394},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾. (الهبوط) النزول من علو إلى سفل، وهو ضد الصعود (١)، وهو خطاب لآدم، وحواء، والحية، وإبليس (٢) على قول من يقول: إن إبليس أدخلته الحية الجنة (٣).\nوقال أبو إسحاق: كان إبليس أهبط أولًا، لأنه قال: ﴿فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ﴾ [الحجر: ٣٤]، وأهبط آدم وحواء بعد ذلك، فجمع الخبر للنبي -عليه [الصلاة] (٤) والسلام لأنهم اجتمعوا في الهبوط وإن اختلف بهم الوقت (٥).\nوقال ابن الأنباري: مذهب الفراء أن ﴿اهْبِطُوا﴾ خطاب لآدم وحواء وذريتهما لأن الأب يدل على الذرية إذ كانوا منه (٦).\nوقيل: إنه خطاب لآم وحواء. والعرب تخاطب الاثنين بالجمع، لأن التثنية أول الجمع، ومثله من التنزيل قوله: ﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾ [الأنبياء:٧٨]، يريد حكم داود وسليمان، وقوله: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾\n_________\n(١) انظر: \"تهذيب اللغة\" (هبط) ٤/ ٢٧٠٦، \"تفسير ابن عطية\" ١/ ٢٥٧، و\"القرطبي\" ١/ ٢٧٢، \"زاد المسير\" ١/ ٦٨.\n(٢) أخرجه ابن جرير عن ابن عباس وأبي صالح، والسدي، ومجاهد، انظر \"تفسير الطبري\" ١/ ٢٤٠، \"تفسير وابن أبي حاتم\" من طريق السدي عن ابن عباس ١/ ٨٨ - ٨٩، وذكره أبو الليث في \"تفسيره\" ١/ ١١٢، و\"الثعلبي\" ١/ ٦١ أ، و\"ابن عطية\" عن السدي ١/ ٢٥٧، وانظر: \"التعريف والإعلام\" للسهيلي ص ١٩، \"غرر التبيان\" ص ٢٠١، و\"زاد المسير\" ١/ ٦٨.\n(٣) وهي روايات إسرائيلية كما قال ابن كثير في \"تفسيره\" ١/ ٨٥، انظر ما سبق.\n(٤) (الصلاة): ساقط من جميع النسخ.\n(٥) \"معاني القرآن\" للزجاج ص ٤٨.\n(٦) \"معاني القرآن\" للفراء: (قوله: ﴿وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ فإنه خاطب آدم وامرأته، ويقال أيضًا: آدم وإبليس، وقال (اهبطوا) يعنيه ويعني ذريته فكأنه خاطبهم) ١/ ٣١.","vol":"2","page":395},{"text":"[النساء:١١]، أراد أخوين (١).\nوقوله تعالى: ﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾. بعض الشيء طائفة منه (٢).\nوأنكر الأصمعي وأبو حاتم إدخال (الألف واللام) في بعض وكل وقالا: إنهما معرفتان بغير الألف واللام، [والعرب لا تدخل فيهما الألف واللام] (٣)، قال الله تعالى: ﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾ [النمل: ٨٧] (٤).\nوالنحويون مجمعون على جواز إدخال الألف واللام عليهما (٥).\nوسنذكر ما قيل في (بعض) عند قوله ﴿يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾ [غافر: ٢٨] إن شاء الله.\nو(العدو) اسم جامع للواحد والجميع وللذكر والأنثى، إذا جعلته في مذهب الاسم والمصدر فإن جعلته نعتًا محضًا ثنيت وجمعت وأنثت (٦).\n_________\n(١) ذكر قول ابن الأنباري ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ١/ ٦٨.\n(٢) انظر \"تهذيب اللغة\" (بعض) ١/ ٣٥٩، \"اللسان\" (بعض) ١/ ٣١٢.\n(٣) مابين المعقوفين ساقط من (ب).\n(٤) انظر كلام الأصمعي وأبي حاتم في \"تهذيب اللغة\" وقال أبو حاتم: ولا تقول العرب (الكل ولا البعض) وقد استعمله الناس حتى سيبوبه والأخفش في كتبهما لقلة علمهما بهذا النحو فاجتنب ذلك فإنه ليس من كلام العرب \"التهذيب\" (بعض) ١/ ٤٩١، و\"اللسان\" (بعض) ٧/ ١١٩.\n(٥) ورد في \"اللسان\" بعد كلام أبي حاتم منسوبًا للأزهري، ولم أجده في \"تهذيب اللغة\"، ولعله سقط من المطبوع، وفي \"اللسان\" عن ابن سيده: (استعمل الزجاجي بعضا بالألف واللام)، \"اللسان\" (بعض) ١/ ٣١٢.\n(٦) في \"التهذيب\": (وقال أبو عمر: .. و(العداوة) اسم عام من (العدو) يقال: عدو بيِّن العداوة وهو عدو، وهما عدو، وهن عدو، وهذا إذا جعلته في مذهب الاسم والمصدر. فإذا جعلته نعتا محضا قلت: هو عدوك، وهي عدوتك، وهم أعداؤك، وهن عدواتك، \"تهذيب اللغة\" (عدا) ٣/ ٢٣٤٧.","vol":"2","page":396},{"text":"ومنه قول عمر لنساء النبي ﷺ: (أي عدوات أنفسهن) (١).\nقال المفسرون: وأراد بهذه العداوة التي بين آدم وحواء والحية، وبين ذرية آدم من المؤمنين وبين إبليس، فإبليس عدو المؤمنين من ولد آدم، وعداوته لهم كفر، والمؤمنون (٢) أعداء إبليس، وعداوتهم له إيمان (٣).\nوروى سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ أنه (٤) سئل عن قتل الحيات، فقال: \"خلقتهن (٥) والإنسان كل واحد منهما عدو لصاحبه، إن رآها أفزعته، وإن لدغته أوجعته فاقتلها حيث وجدتها\" (٦).\n_________\n(١) قطعة من حديث طويل في قصة دخول عمر على رسول الله ﷺ وعنده نساء من قريش، وفيه: (أي عدوات أنفسهن، أتهبنني ولا تهبن رسول الله - ﷺ -؟ أخرجه البخاري عن سعد بن أبي وقاص (٣٢٩٤) كتاب (بدء الخلق) باب (صفة إبليس وجنوده)، وفي (٣٦٨٣) كتاب (فضائل الصحابة) باب (مناقب عمر)، وفي (٦٠٨٥) كتاب (الأدب) باب (التبسم والضحك)، ومسلم (٢٣٨٩) كتاب (الفضائل) باب: (فضائل عمر) \"شرح النووي\"، وأحمد في \"المسند\" ١/ ١٨٢.\n(٢) في (أ)، (ج): (المؤمنين) وأثبت ما في (ب) لأنه هو الصواب.\n(٣) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٨٤، وانظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ٢٣٥.\n(٤) (أنه) ساقط من (ب).\n(٥) في (ب): (خلقت هي والإنسان)، وهذا يوافق ما في الطبري، ومجمع الزوائد كما سيأتي. وهو الصواب.\n(٦) أخرجه الطبري بسنده في \"تفسيره\" ١/ ٥٣٨، وهو في \"مجمع الزوائد\" ولفظه: (خلقت هي والإنسان سواء فإن رأته أفزعته ..) الحديث بمثل رواية الطبري قال الهيثمي: رواه الطبراني في \"الأوسط\"، وفيه (جابر) غير مسمى، والظاهر أنه الجعفي، وثقة الثوري وشعبة، وضعفه الأئمة أحمد وغيره، ٤/ ٤٥ و(جابر) من رجال الطبري كذلك، وذكر الحديث السيوطي في \"الدر\" وعزاه إلى الطبري في \"تفسيره\" ١/ ١٠٨.","vol":"2","page":397},{"text":"وروى ابن عجلان عن أبيه، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ أنه قال: \"ما سالمناهن (١) منذ حاربناهن، فمن ترك شيئا منهن خيفةً فليس منا\" (٢) وأراد النبي ﷺ بالمحاربة قصة آدم وإدخالها إبليس الجنة (٣).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ﴾. موضع قرار أحياءً وأمواتًا (٤).\n_________\n(١) (هن) ساقطة من (ب).\n(٢) أخرجه الطبري بسنده، قال شاكر: (إسناده جيد والحديث مروي بأسانيد أخر صحاح)، \"تفسير الطبري\" ١/ ٥٣٧، وأخرجه أبو داود (٥٢٤٨) كتاب (الأدب) باب (في قتل الحيات) عن أبي هريرة، وأخرج نحوه عن ابن مسعود (٥٢٤٩) وابن عباس \"سنن أبي داود\" معه \"معالم السنن\" (٥٢٥٠)، وأخرجه أحمد في \"مسنده\" ٢/ ٢٤٧، ٤٣٢، ٥٢٠، وأخرجه نحوه عن ابن عباس ١/ ٣٢٠، وقد حكم شاكر على أسانيد أبي داود وأحمد بأنها صحيحة كما في تحقيقه على الطبري.\n(٣) قال الطبري: (وأحسب أن الحرب التي بيننا، كان أصله ما ذكره علماؤنا الذين قدمنا الرواية عنهم، في إدخالها إبليس الجنة) ١/ ٢٤٠ - ٢٤١، قال العظيم آبادي شارح سنن أبي داود: (منذ حاربناهن) أي منذ وقع بيننا وبينهن الحرب، فإن المحاربة والمعاداة بين الحية والإنسان جبلية، لأن كلا منهما مجبول على طلب قتل الآخر، وقيل: أراد العداوة التي بينها وبين آدم ﵇ ما يقال: إن إبليس قصد دخول الجنة فمنعت الخزنة فأدخلته الحية في فيها ...) عون المعبود ١٤/ ١٠٩. وفي هامش سنن أبي داود قال يحيى بن أيوب: سئل أحمد بن صالح عن تفسير قوله: (ما سالمنا هن منذ حاربناهن) متى كانت العداوة؟ قال: حين أخرج آدم من الجنة، قال الله: ﴿اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [طه: ١٢٣]، قال هم قالوا: آدم وحواء، وإبليس والحية، قال: والذي صح: أنهم الثلاثة فقط، بإسقاط الحية، سنن أبي داود \"معه معالم السنن\" ٥/ ٤١٠.\n(٤) انظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ٢٤١، و\"ابن عطية\" ١/ ٢٥٨.","vol":"2","page":398},{"text":"(ومتاع) المتاع: ما تمتعت به، أي شيء كان، فكل ما حصل التمتع به فهو متاع من زينة أو لذة أو عمر أو مال (١).\nومعنى التمتع: التلذذ (٢)، والمتعة أيضا من (٣) المتاع، وجمعها مُتعَ (٤).\nقال الأعشى:\nحَتَّى إِذَا ذَرَّ قَرْنُ الشَّمْسِ صَبَّحهَا ... زَوَالُ نَبْهَانَ يَبْغِي أَهْلَهُ مُتَعَا (٥)\nأي يبغيهم صيدًا يتمتعون به، ويأتي الكلام في متعة المطلقة (٦) ومتعة الحج (٧) مستقصى إن شاء الله.\n_________\n(١) انظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ٢٤٢، و\"ابن عطية\" ١/ ٢٥٨.\n(٢) قال ابن فارس (الميم والتاء والعين) أصل صحيح يدل على منفعة وامتداد مدة في خير .... وذهب من أهل التحقيق بعضهم إلى أن الأصل في الباب (التلذذ) ... وذهب منهم آخر إلى أن الأصل الامتداد والارتفاع ... (معجم مقاييس اللغة) (متع) ٢/ ٢٩٣، ٢٩٤.\n(٣) في (ب): (مثل).\n(٤) قال الليث: ومنهم من يقول: متعة، وجمعها (متع)، \"تهذيب اللغة\" (متع) ٤/ ٣٣٣٧.\n(٥) البيت للأعشى يصف صائدا، ويروى (ذؤال) و(من آل) و(ذوآل) بدل (زوال) وفي جميع النسخ (زوال) ولعلها تصحيف، ويروى (صحبه) بدل (أهله) وهوله: ذر قرن الشمس: أول ما يشرق منها، وذؤال: ذأل: أسرع ومشى في خفة، والذؤال: الصائد، متعا: جمع متعة: يعني يطلب لهم زادا وطعاما، ورد البيت في \"تهذيب اللغة\" (متع) ٤/ ٣٣٣٧، \"اللسان\" (متع) ٧/ ٤١٢٩، (ديوان الأعشى) ص١٠٨.\n(٦) عند قوله تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ﴾ الآية [البقرة: ٢٣٦].\n(٧) عند قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ الآية [البقرة: ١٩٦].","vol":"2","page":399},{"text":"قال المفسرون: قلنا (١) في الأرض متاع من حيث الاستقرار عليها، والاغتذاء بما تنبتها (٢) من الثمار والأقوات (٣).\nوقوله تعالى: ﴿إِلَى حِينٍ﴾. (الحين) وقت من الزمان، يصلح للأوقات كلها طالت أو قصرت (٤)، ويجمع على (الأحيان) ثم يجمع (الأحيان) أحايين (٥).\nقال الليث: وَحيَّنْتَ الشيء، جعلته له حِينًا (٦). والمراد بالحين هاهنا فيما ذكره أهل التفسير: (حين الموت) (٧). وقيل: إلى قيام الساعة (٨).\nوإنما قال (٩): (إلى حين) إشارة إلى أن الدنيا دار زوال (١٠).\n_________\n(١) كذا في جميع النسخ، وفي \"الوسيط\" (فلنا) بالفاء ١/ ٨٦، وهذا أولى.\n(٢) في (ج): (ينبتها).\n(٣) انظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ٢٤٢.\n(٤) ذكره الأزهري عن الزجاج، \"تهذيب اللغة\" (حين) ١/ ٧١٤، \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٨٤، \"اللسان\" (حين) ٢/ ١٠٧٣.\n(٥) ذكره الازهري عن الليث، \"تهذيب اللغة\" ١/ ٧١٤، انظر: \"اللسان\" (حين) ٢/ ١٠٧٤.\n(٦) المراجع السابقة.\n(٧) ذكره ابن جرير في \"تفسيره\" عن ابن عباس والسدي ١/ ٢٤٢، وذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ٦٥ أ، وأبو الليث في \"تفسيره\" ١/ ١١٢، والزجاج في \"المعاني\" ١/ ٨٤، وابن عطية في \"تفسيره\" ١/ ٢٥٩.\n(٨) ذكره ابن جرير في \"تفسيره\" عن مجاهد ١/ ٢٤٢، والزجاج في \"معاني القرآن\" ١/ ٨٤، وابن عطية في \"تفسيره\" ١/ ٢٥٩.\n(٩) في (ب): (قيل).\n(١٠) انظر: \"تفسير ابن عطية\" ١/ ٢٥٩، و\"تفسير القرطبي\" ١/ ٢٧٥.","vol":"2","page":400},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-260>٣٧ </span>- قوله تعالى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾ الآية. (التلقي) في اللغة معناه: الاستقبال، [منه الحديث: (أنه نهى عن تلقي الركبان (١) قالوا: معناه: الاستقبال (٢)].\nوالليث يقول: خرجنا نتلقى الحاج، أي نستقبلهم (٣). وفي حديث آخر \"لا تتلقوا الركبان والأجلاب\" (٤). وهذا معنى التلقي في اللغة (٥)، وأصله\n_________\n(١) حديث النهي عن تلقي الركبان، أخرجه البخاري عن أبي هريرة رقم (٢١٥٠) كتاب (البيوع) باب (النهي للبائع أن لا يحفل الإبل والبقر والغنم ..). وأخرج البخاري عن ابن عباس رقم (٢١٥٨) باب (هل يبيع حاضر لباد)، وعن أبي هريرة رقم (٢١٦٢) باب (النهي عن تلقي الركبان، وعن ابن عباس (٢٢٧٤) كتاب (الإجارة) باب (أجر السمسرة)، وأخرجه مسلم عن ابن عباس (١٥٢١) كتاب (البيوع) باب: (تحريم بيع الحاضر للباد). وأخرجه أحمد في \"مسنده\" ١/ ٣٦٨، ٢/ ٤٢. وأخرجه النسائي في كتاب (البيوع) ٧/ ٢٥٦، ٢٥٧.\n(٢) ما بين المعقوفين ساقط من (أ)، (ج) وأثبته من (ب).\n(٣) في (أ): (يستقبلهم)، وما في (ب)، (ج) أصح. والكلام لم أجده منسوبًا لليث، انظر: \"تهذيب اللغة\" (لقى) ٤/ ٣٢٩١، و(العين) (لقو) ٥/ ٢١٢ و(لقى) ٥/ ٢١٥، \"اللسان\" (لقا) ٧/ ٤٠٦٧.\n(٤) ذكره الأزهري في \"تهذيب اللغة\" بسنده، \"تهذيب اللغة\" (لقى) ٤/ ٣٢٩١، وسبق تخريج حديث النهي عن تلقي الركبان. وأخرج مسلم عن أبي هريرة: (أنه نهى أن يتلقى الجلب) رقم (١٥١٩) كتاب (البيوع) باب: (تحريم تلقي الجلب). وأخرجه النسائي في كتاب (البيوع) ٧/ ٢٥٧، واخرجه أبو داود رقم (٣٤٣٧) (البيوع) باب (التلقي). وأخرجه الدارمي (البيوع) ٣/ ١٦٧١ (٢٦٠٨). وأخرجه أحمد في \"المسند\" بلفظ (الأجلاب) ٢/ ٢٨٤، ٤١٠. وأخرجه ابن ماجه في (البيوع) رقم (٢١٧٨) باب: النهي عن تلقي الجلب.\n(٥) انظر: \"تهذيب اللغة\" (لقى) ٤/ ٣٢٩١، \"الصحاح\" (لقي) ٦/ ٢٤٨٤، \"اللسان\" (لقا) ٧/ ٤٠٦٦.","vol":"2","page":401},{"text":"أنه (تَفَعُّل) (١) من اللقاء، فالتلقي معناه: التعرض للقاء الشيء، ولما كان الاستقبال للشيء تعرض للقائه قيل له: (تلقٍّ) (٢).\nويقال لَقَّيْتُه الشيء فَتَلَقَّى، أي عرضته لأن يراه فتعرض له، فَلَقَّيْتُه من (لقى) مثل: رَأيْتُه من (يري)، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ [فصلت: ٣٥] ثم صار التلقي بمعنى الأخذ، لأن الإنسان إنما يستقبل ما يحرص عليه، فكل كلام استقبلته فأنت مريد أخذه، وإلا أعرضت عنه (٣). وجميع أهل اللغة والمعاني فسروا (التلقي) هاهنا بالأخذ والقبول (٤)، ومنه الحديث: (أن رسول الله ﷺ كان يتلقى الوحي من جبريل) (٥) أي يتقبله ويأخذه (٦).\n_________\n(١) في (أ)، (ج): (يفعل).\n(٢) انظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ٢٤٢ - ٢٤٣.\n(٣) (عنه) ساقطة من (ب).\n(٤) انظر: \"تهذيب اللغة\" (لقي) ٤/ ٣٢٩١، والطبري فىِ \"تفسيره\" ١/ ٢٤٢ - ٢٤٣، (تفسير أبي الليث) ١/ ١١٢، \"غريب القرآن\" لابن قتيبة ١/ ٣٨، وابن عطية في \"تفسيره\" ١/ ٢٦٠. ومنهم من فسر تلقي آدم للكلمات: بأنه تعلمها ودعا بها، انظر \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٨٥، \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٢٩١.\n(٥) بهذا النص ذكره ابن قتيبة في \"غريب القرآن\" ١/ ٣٨. وبهذا المعنى أخرج أحمد في \"مسنده\" بسنده عن ابن عباس: أن أبيا قال لعمر يا أمير المؤمنين إني تلقيت القرآن ممن تلقاه، وقال عفان: ممن يتلقاه من جبريل ﵇ وهو رطب، \"المسند\" ٥/ ١١٧، وعفان أحد رواة الحديث والأحاديث بمعناه في البخاري رقم (٥٠٤٤) كتاب (فضائل القرآن) باب (الترتيل في القراءة)، ونحوه في مسلم رقم (٤٤٨) كتاب الصلاة، باب: الاستماع للقراءة.\n(٦) \"غريب القرآن\" لابن قتيبة ١/ ٣٨.","vol":"2","page":402},{"text":"الأصمعي: تلقت الرحم ماء الفحل، إذا قبلته وارْتَجَّت عليه (١).\nفمعنى قوله تعالى ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾ أي: أخذها عنه وتلقنها (٢). والرجل يُلَقَّى الكلام فيتلقاه، أي يُلَقَّنه فَيَتَلقَّنه (٣).\nوبعض الناس يقولون: تلقى هاهنا: تلقن فجعل النون (ياء) كما قالوا تَظَنَّى من الظن (٤)، وذلك غلط لأن النون إنما يجوز إبدالها بالياء إذا اجتمع نونان، وكذلك هذا الباب إذا اجتمع حرفان من جنس واحد جاز إبدال الثاني بالياء. كقول العجاج:\nتَقَضِّي البَازِي إِذَا (٥) البَازِي كَسَره (٦)\nبمعنى تقضض، فأما إذا لم يجتمع (٧) حرفان، فلا يجوز الإبدال، لا يجوز أن تقول: تقبى بمعنى تقبل، وهذا ظاهر (٨). وتفسير التلقي (٩) بالتلقن\n_________\n(١) \"تهذيب اللغة\" (لقي) ٤/ ٣٢٩١، \"اللسان\" (لقا) ٧/ ٤٠٦٦.\n(٢) انظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ٢٤٢ - ٢٤٣، \"غريب القرآن\" لابن قتيبة ١/ ٣٨، \"تفسير ابن عطية\" ١/ ٢٦٠، \"تهذيب اللغة\" (لقى) ٤/ ٣٢٩١.\n(٣) انظر: \"تهذيب اللغة\" (لقي) ٤/ ٣٢٩١، \"اللسان\" (لقا) ٧/ ٤٠٦٦.\n(٤) في \"تفسير القرطبي\": (تظني من تطنن) ١/ ٢٧٦، وكذا في \"البحر\" ١/ ١٦٥.\n(٥) (إذا البازى) ساقط من (ب).\n(٦) من أرجوزة يمدح فيها عمر بن عبيد الله بن معمر، يقول: انقض انقاض البَازِي ضم جناحيه، فهو في سرعته سرعة انقاض البَازي إذا كسر، أي ضم جناحيه، وهذا أسرع ما يكون في انقضاضه، ورد البيت في \"الخصائص\" ٢/ ٩٠، \"همع الهوامع\" ٥/ ٣٤٠، \"اللسان\" (قضض) ٦/ ٣٦٦١، \"المشوف المعلم\" ٢/ ٦٤٦، \"ديوان العجاج\" ص ٢٨.\n(٧) في (أ)، (ج): (تجتمع) والصحيح بالياء.\n(٨) انظر: \"تفسير القرطبي\" ١/ ٢٧٦، \"البحر\" ١/ ١٦٥، \"الدر المصون\" ١/ ٢٩٥.\n(٩) في (ب): (الثاني).","vol":"2","page":403},{"text":"جائز صحيح (١) كما بينا، فأما أن يكون التلقي من لفظ التلقن فلا.\nو(الكلمات): جمع الكلمة، والكلمة تقع على الكثير والقليل، وتقع على الحرف الواحد من الهجاء.\nقال ابن الأعرابي: يقال: لفلان كلمة شاعرة، أي: قصيدة، وقالوا (٢): قال امرؤ القيس في كلمته أي: قصيدته، وقال قس (٣) في قصدته، يعنون خطبته (٤).\nوتجمع (الكلمة)، (كَلِمًا) (٥)، قال رؤبة (٦):\nلَا يَسْمَعُ (٧) الرَّكْبُ بها رَجْعَ الكِلَم (٨)\nوتميم تقول: (كِلْمَة)، وفي الجمع (كِلَم).\nوأما استعمال الكلمة في القليل فإن سيبويه [قد أوقعها على الاسم المفرد، والفعل المفرد، والحرف المفرد، فأما الكلام فإن سيبويه] (٩)\n_________\n(١) (صحيح) ساقط من (ب).\n(٢) (قالوا) ساقط من (ب).\n(٣) هو قس بن ساعدة بن جدامة بن زفر الإيادي، الخطيب البليغ، سمع النبى - ﷺ - حكمته، ومات قبل البعثة، انظر ترجمته في \"الإصابة\" ٣/ ٢٧٩، \"الخزانة\" ٢/ ٨٩\n(٤) عن \"الحجة\" لأبي علي بتصرف ٢/ ٣١، وانظر: \"تهذيب اللغة\" (كلم) ٤/ ٣١٨٠\n(٥) في (ب): (كما). قال الجوهري (الكلم لا يكون أقل من ثلاث من كلمات، لأنه جمع كلمة، \"الصحاح\" (كلم) ٥/ ٢٠٤٣.\n(٦) مكان البيت بعد قوله: (تميم تقول: (كِلْمَة) وفي الجمع (كِلَمُ) لأنه شاهد على هذه اللغة. انظر: \"تهذيب اللغة\" (كلم) ٤/ ٣١٨٠، \"اللسان\" (كلم) ٧/ ٣٩٢٢\n(٧) في (أ)، (ج): (تسمع)، وفي (ب) غير منقوط وضبطته مثل \"التهذيب\" وغيره.\n(٨) ورد البيت في ملحق ديوان رؤبة مع الأبيات المنسوبة له وليست في \"ديوانه\" ص ١٨٢، وفي \"تهذيب اللغة\" (هنم) ٤/ ٣٨٠٧، و(كلم) ٤/ ٣١٨٠، وفي \"اللسان\" (كلم) ٧/ ٣٩٢٢.\n(٩) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).","vol":"2","page":404},{"text":"استعمله فيما كان مؤلفًا من هذه الكَلِم (١)، فالحرف الواحد لا يكون كلامًا، ولهذا لا يقطع (٢) الحرف الواحد الصلاة.\nواختلف القراء في هذه الآية، فقرأ ابن كثير (آدم) بالنصب، (كلمات) بالرفع (٣)، وحجته في ذلك: أن الأفعال المتعدية إلى المفعول به على ثلاثة أضرب، منها: ما يجوز أن يكون الفاعل له مفعولا به، ويجوز أن يكون المفعول به فاعلا له (٤) نحو اكْرَمَ بِشْرٌ بكرا، وشتم زيد عمرًا، وضرب عبد الله زيدًا.\nومنها: ما لا يكون [فيه] (٥) المفعول فاعلًا له، نحو: دققت الثوب، وأكلت الخبز.\nومنها: ما يكون إسناده إلى الفاعل في المعنى كإسناده إلى المفعول به، [وذلك] (٦) نحو: أَصَبْت (٧) وَنِلْت وتَلَقَّيْتُ، تقول: نالني خير (٨) ونلت خيرًا، وأصابني خير وأصبت خيرًا. قال الله تعالى: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي\n_________\n(١) \"الحجة\" لأبي علي ٢/ ٣٢، وانظر \"الصحاح\" (كلم) ٥/ ٢٠٢٣.\n(٢) (لا) ساقطة من (ب).\n(٣) قرأ ابن كثير وحده بنصب (آدم) ورفع (كلمات) وبقية العشرة برفع (آدم) ونصب (كلمات)، انظر: \"السبعة\" لابن مجاهد ص ١٥٤، \"التبصرة\" ص ٢٥٠، \"النشر\" ٢/ ٢١١، \"الإقناع\" لابن الباذش ٢/ ٥٩٧، \"البدور الزاهرة\" ص٣٠.\n(٤) في \"الحجة\": (منها ما يجوز فيه أن يكون الفاعل له مفعولًا به، ومنها ما يجوز أن يكون المفعول به فاعلًا له)، ٢/ ٤٠، وما عند الواحدي هو صحيح.\n(٥) (فيه) ساقطة من (ب)، (ج)، وثابت في (أ)، \"الحجة\" ١/ ٤٠.\n(٦) (وذلك) ساقط من (ب)\n(٧) في (ب): (أصب).\n(٨) في (ب): (خيرًا) في كل المواضع الأربعة بالنصب.","vol":"2","page":405},{"text":"الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٢٤] وفي قراءة عبد الله (١) ﴿الظَّالِمُونَ﴾ (٢).\nوتقول: لقيت زيدا، وتلقاني وتلقيته، قال:\nإِذَا أَنْتَ لَمْ تُعْرِضْ عَنِ الفُحْشِ واْلخَنَا ... أَصَبْتَ حَلِيمًا أَوْ أَصَابَكَ جَاهِلُ (٣)\nقال الله تعالى: ﴿وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ﴾ (٤) [آل عمران: ٤٠] وقال: ﴿وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا﴾، [مريم:٨] وإذا كانت معاني هذه الأفعال على ما ذكرنا (٥)، فنصب ابن كثير (آدم) ورفعه (الكلمات) في المعنى (٦) كقول من رفع (آدم) ونصب الكلمات (٧)، وحجة من رفع (آدم) ونصب\n_________\n(١) ذكر قراءة ابن مسعود الطبري في \"تفسيره\" ١/ ٥٣٢. والفراء في \"المعاني\" ١/ ٢٨. وانظر. \"الكشاف\" ١/ ٣٠٩. \"البحر\" ١/ ٣٧٧.\n(٢) الاستشهاد بهذه القراءة ورد في \"الحجة\" في غير هذا الموضوع فنقله الواحدي بين هذه الأمثلة. انظر: \"الحجة\" ٢/ ٤١، ٤٢.\n(٣) البيت ينسب لزهير، وينسب لابنه كعب كذا قال ابن قتيبة في \"الشعر والشعراء\" ص ٧٧. وورد البيت في \"الحجة\" ٢/ ٤١. \"المخصص\" ١٥/ ١٦١. وفي \"ديوان زهير بن أبي سلمى\" وراوية: (إذا أنت لم تقصر عن الجهل.) من قصيدة في سنان ابن أبي حارثة المُري، \"ديوان زهير\" مع شرحه ص ٣٠٠، وورد في \"ديوان كعب بن زهير مع قصائد لكعب لم تذكر في ديوانه\" ص ٢٥٧.\n(٤) في (أ): (قد) سقطت الواو من الآية، وكذا من الآية التي تليها.\n(٥) من أن بعض الأفعال المتعدية إسنادها إلى الفاعل في المعنى كإسنادها إلى المفعول به.\n(٦) أي أن قراءة ابن كثير في المعنى كقراءة الجمهور.\n(٧) بنصه من \"الحجة\" لأبي علي ٢/ ٤٠، ٤١، وانظر: \"حجة القراءات\" لابن زنجلة ص ٩٤، \"الحجة\" لابن خالويه ص ٧٥. أما مكي فقال في توجيه قراءة ابن كثير: (علَّه من نصب (آدم) ورفع (الكلمات) أنه جعل (الكلمات) استنقذت (آدم) بتوفيق الله له لقوله إياها الدعاء بها فتاب الله عليه .. فهي الفاعلة وهو المُسْتَنْقَذ بها ..)، \"الكشف\" ١/ ٢٣٧.","vol":"2","page":406},{"text":"(الكلمات) (١) قوله (٢): ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ﴾ [النور: ١٥]، فأسند الفعل إلى المخاطبين، والمفعول به كلام يُتَلَقَّى (٣)، كما أن الذي تَلَقَّى آدم كلام يتلقى، فكما أسند الفعل إلى المخاطبين، فجعل التلقي لهم، كذلك يلزم أن يسند الفعل إلى آدم، فيجعل التلقي له (٤) دون الكلمات (٥).\nومعنى التلقي للكلمات هو أن الله تعالى ألهم (٦) آدم حتى اعترف\nبذنبه، وقال: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا﴾ الآية [الأعراف: ٢٣]، فهذه الآية هي المعنية بالكلمات في قول الحسن، وسعيد بن جبير، ومجاهد (٧)، وأخذ آدم\n_________\n(١) وهي قراءة العشرة عدا ابن كثير كما سبق.\n(٢) في \"الحجة\": (ومن حجة من رفع أن عليه الأكثر، ومما يشهد للرفع قوله ..) ٢/ ٤١.\n(٣) في (ج): (تلقى).\n(٤) (له) ساقط من (ج).\n(٥) (الحجة) لأبي علي ٢/ ٤١، ٤٢، وقال مكي: وعلة من قرأ برفع (آدم) ونصب (الكلمات) أنه جعل (آدم) هو الذي تلقى الكلمات، لأنه هو قبلها ودعا بها، وعمل بها، فتاب الله عليه، فهو الفاعل لقبول الكلمات ...) \"الكشف\" ١/ ٢٣٧، وانظر \"حجة القراءات\" لابن زنجلة ص ٩٥، \"الحجة\" لابن خالويه ص ٧٥.\n(٦) وكذا قال أبو الليث في \"تفسيره\" ١/ ١١٢، وقال ابن قتيبة: كأن الله أوحى إليه أن يستغفره ويستقبله بكلام من عنده، \"غريب القرآن\" ص ٣٨، وقال ابن جرير: (... كأنه استقبله، فتلقاه بالقبول حين أوحى إليه وأخبره ..)، \"تفسير الطبري\" ١/ ٢٤٢ - ٢٤٣، فهو وحي، انظر: \"تفسير ابن عطية\" ١/ ٢٦٠ - ٢٦١، و\"زاد المسير\" ١/ ٦٩.\n(٧) أخرجه ابن جرير في \"تفسيره\" عن مجاهد وقتادة وابن زيد والحسن وأبي العالية ١/ ٢٤٣ - ٢٤٤، وأخرجه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" عن مجاهد وسعيد بن جبير والحسن وقتادة ومحمد بن كعب وخالد بن معدان وعطاء الخرساني، والربيع ١/ ٩٠ - ٩١، وأخرجه الثعلبي في \"تفسيره\" بسنده عن ابن عباس قال: وكذلك قال مجاهد والحسن ١/ ٦٦ أ، وانظر: \"زاد المسير\" ١/ ٦٩، و\"تفسير ابن كثير\" ١/ ٨٦ - ٨٧. ورجح ابن جرير هذا القول، قال: (والذي يدل عليه كتاب الله أن =","vol":"2","page":407},{"text":"من الله إلهامه إياه، حتى أخذ بإلهامه.\nوقال ابن عباس: الكلمات هي: أن آدم قال: يا رب ألم تخلقني بيدك؟ قال: بلى، قال: ألم تنفخ فيّ من روحك؟ قال: بلى، قال: ألم تسبق رحمتك لي غضبك؟ قال: بلى، قال ألم تسكني جنتك؟ قال: بلى، قال: فلم أخرجتني منها؟ قال: بشؤم معصيتك، قال يا رب أرأيت إن تبت وأصلحت أراجعي أنت إلى الجنة؟ قال: نعم قال: فهو الكلمات (١).\nقال أبو إسحاق: وفي الآية تعريف للمذنب، كف السبيل إلى التنصل من الذنوب، وأنه لا ينفع إلا الاعتراف (٢).\n_________\n= الكلمات التي تلقاهن آدم من ربه هن الكلمات التي أخبر الله عنه أنه قالها متنصلا بقيلها إلى ربه، معترفا بذنبه، وهو قوله ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣]، وليس ما قاله من خالف قولنا هذا -من الأقوال التي حكيناها- بمدفوع قوله، ولكنه قول لا شاهد عليه من حجة يجب التسليم لها، فيجوز لنا إضافته إلى آدم ..) \"تفسير الطبري\" ١/ ٢٤٤.\n(١) أخرجه ابن جرير عن ابن عباس بنحوه من عدة طرق، وأخرج نحوه عن أبي العالية والسدي في \"تفسيره\" ١/ ٢٤٣، وأخرج ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" عن ابن عباس نحوه، قال المحقق: في سنده ضعف وانقطاع ١/ ٣١١، وأخرج الحاكم في \"مستدركه\" عن ابن عباس نحوه، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، \"المستدرك\" ٢/ ٥٤٥، وذكر الثعلبي ١/ ٦٥ ب، وذكره ابن كثير في \"تفسيره\"، وفي الهامش قال المحقق: (سنده حسن من أجل الحسن بن عطية .. وهذا الأثر كغيره من الآثار المتلقاة عن أهل الكتاب التي لا يجوز الاعتماد عليها في تفسير كتاب الله) ١/ ١٤٩. ذكر الواحدي أشهر الأقوال في المراد بالكلمات، وفيها أقوال أخرى، انظر: \"تفسير ابن جرير\" ١/ ٢٤٣ - ٢٤٤، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" ١/ ٩٠ - ٩١، و\"الثعلبي\" ١/ ٦٥ ب، و\"ابن عطية\" ١/ ٢٦١، \"زاد المسير\" ١/ ٦٩، و\"تفسير ابن كثير\" ١/ ٨٧، و\"الرازي\" ٣/ ١٩.\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٨٥","vol":"2","page":408},{"text":"وسئل بعض السلف عما يقوله المذنب، فقال: يقول ما قال أبوه: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا﴾ [الأعراف: ٢٣] وما قاله (١) موسى: ﴿ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي﴾ [القصص: ١٦] وما قاله (٢) يونس: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (٣) [الأنبياء: ٨٧]، وما قالته الملكة: ﴿إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ﴾ [النمل: ٤٤] (٤).\nوقوله تعالى: ﴿فَتَابَ عَلَيْهِ﴾. معنى التوبة في اللغة: الرجوع. وفي الشريعة: رجوع العبد من المعصية إلى الطاعة (٥)، فالعبد يتوب إلى الله والله يتوب عليه، أي يرجع عليه (٦) بالمغفرة، [والعبد تواب إلى الله أي راجع إليه بالندم، والله تواب يعود عليه بالكرم] (٧) والعبد تواب إلى الله بالسؤال، والله تواب عليه بالنوال (٨).\nفمعنى قوله: ﴿فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ أي عاد عليه بالمغفرة (٩)، ولا يحتاج إلى\n_________\n(١) في (ب): (وما قال).\n(٢) في (ج): (وما قال).\n(٣) قوله (لا إله إلا أنت) ساقط من (ب).\n(٤) الأثر أورده أبو حيان في البحر ١/ ١٦٥.\n(٥) التوبة في الشرع: ترك الذنب، والندم على ما فات، والعزيمة على عدم العودة إليه، وتدارك ما أمكنه من عمل الصالحات، فهذه أركان التوبة وشرائطها، (مفردات الراغب) ص ٧٦، وانظر: \"شرح أسماء الله\" للزجاج ص ٦١، \"تهذيب اللغة\" (تاب) ١/ ٤١٦ - ٤١٧، \"تفسير الطبري\" ١/ ٢٤٦، و\"ابن عطية\" ١/ ٢٦١ - ٢٦٢، و\"القرطبي\" ١/ ٢٧٧ - ٢٧٨، \"زاد المسير\" ١/ ٧٠، \"البحر\" ١/ ١٦٦.\n(٦) في (ب): (إليه).\n(٧) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).\n(٨) ذكر الأزهري نحوه عن الليث، \"تهذيب اللغة\" (تاب) ١/ ٤١٦ - ٤١٧.\n(٩) (تاب عليه) أي وفقه للتوبة وقبلها منه، وعاد عليه بالمغفرة، انظر: \"تفسير الطبري\" =","vol":"2","page":409},{"text":"ذكر المغفرة، لأن هذا اللفظ وضع لرجوع العبد إلى الله بالطاعة والندم ورجوع الله عليه بالعفو والمغفرة، وكما لا يحتاج (١) إذا قلت: تاب الله عليه، أن تقول بالندم أو بالطاعة، فكذلك لا تحتاج في قولك: (تاب الله عليه) إلى شيء آخر (٢).\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ (٣). أي يتوب على عبده بفضله إذا تاب إليه من ذنبه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-261>٣٨ </span>- وقوله تعالى: ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا﴾ الآية. إعادة الأمر بالهبوط يحتمل وجهين، أحدهما: أنه أراد بالأول هبوطًا من الجنة إلى السماء. وبالثاني هبوطًا من السماء إلى الأرض (٤)، والثاني: أنه كرر للتأكيد (٥).\n_________\n= ١/ ٢٤٦، و\"تفسير ابن عطية\" ١/ ٢٦٢، \"زاد المسير\" ١/ ٧٠، و\"تفسير ابن كثير\" ١/ ٨٧.\n(١) في (ب): (يحتاج) في الموضعين.\n(٢) انظر: \"تفسير البيضاوي\" ١/ ٢٢، و\"النسفي\" و\"الرازي\" ٣/ ٢٢.\n(٣) (إنه) ساقط من (ب).\n(٤) ذكره ابن عطية عن النقاش في \"تفسيره\" ١/ ٢٦٢ - ٢٦٣، و\"القرطبي\" ١/ ٢٧٩، \"البحر\" ١/ ١٦٧، وضعف أبو حيان هذا الوجه: لأن الله قال في الهبوط الأول: ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ﴾ ولم يحصل الاستقرار على هذا القول إلا بالهبوط الثاني فكان يمبغي أن يذكر الاستقرار فيه، وقال في الهبوط الثاني: ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا﴾، وظاهر الضمير أنه يعود إلى الجنة.\n(٥) المراجع السابقة، وذكر الماوردي وجهًا ثالثًا: وهو أنه كرر الهبوط، لأنه علق بكل واحد منهما حكما غير الحكم الآخر، فعلق بالأول العداوة، وعلق بالثاني إتيانه الهدى، \"تفسير الماوردي\" ١/ ٢٦٢.","vol":"2","page":410},{"text":"وقوله تعالى: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ﴾.\nقال أبو إسحاق (١): (إما) في [هذا] (٢) الموضع بمعنى حرف الشرط والجزاء، إلا أن الجزاء إذا جاء معها (٣) (النون الثقيلة) لزمتها (ما) (٤) وإنما يلزمها لأجل التأكيد، وكذلك دخل (النون) في الشرط لأجل التأكيد. وجواب الجزاء في (الفاء) مع الشرط الثاني وجوابه، وهما جملة جواب للشرط في (إما) (٥). فعلى هذا أصل (إما) (إن) التي للشرط، ألحق بها\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" ١/ ٨٦.\n(٢) (هذا) ساقط من (ب). ولفظ الزجاج في \"المعاني\": (إعراب (إما) في هذا الموضع إعراب حروف الشرط والجزاء ...) ١/ ٨٦.\n(٣) في \"معاني القرآن\" (معه) ١/ ٨٦، وهو الأولى.\n(٤) (ما) ساقطة من (ب). والزجاج بهذا يرى أن فعل الشرط الواقع بعد (إن) الشرطية المؤكدة بـ (ما) يجب تأكيده بالنون، وهذا ما يوضح معنى قوله: (إلا أن الجزاء إذا جاء معها النون الثقيلة لزمتها (ما)، أي أن (إن) الشرطية إذا اتصل فعل الشرط معها بـ (نون التوكيد) وجب زيادة (ما) معها، وبهذا قال المبرد، قال السمين: ليس في كلامهما ما يدل على لزوم (النون) غاية ما فيه أنهما شرطا في صحة تأكيده بالنون زيادة (ما) \"الدر المصون\" ١/ ٣٠٠، ٣٠١، وقال سيبويه والفارسي وطائفة: لا يلزم تأكيده، وسيأتي رد الفارسي على الزجاج، انظر: \"المقتضب\" ٣/ ١٣، \"تفسير ابن عطية\" ١/ ٢٦٢ - ٢٦٣، \"البحر\" ١/ ١٦٧.\n(٥) في \"معاني القرآن\": (وجواب الشرط في (الفاء) مع الشرط الثاني وجوابه وهو ﴿فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ﴾ وجواب ﴿فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ﴾ قوله: ﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٨٦ وما أخذ به الزجاج في جواب الشرط: هو قول سيبويه كما ذكر ابن عطية وقال: وحكي عن الكسائي أن قوله: ﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ جواب الشرطين جميعا ..) قال ابن عطية: (حكي هذا وفيه نظر ..) \"تفسير ابن عطية\" ١/ ٢٦٤، وقيل جواب الشرط الأول محذوف تقديره: فإما يأتينكم مني هدى فاتبعوه وقوله: ﴿فَمَنْ تَبِعَ﴾ جملة مستقلة، قال السمين: وهو بعيد، انظر: \"الدر المصون\" ١/ ٣٠١.","vol":"2","page":411},{"text":"(ما) (١) التأكيد (٢).\nقال أبو بكر بن السراج: الشرط وجوابه نظير المبتدأ والخبر، إذ كان الشرط لا يتم إلا بجوابه، ولك أن تجعل خبر المبتدأ جملة، هي أيضا مبتدأ وخبر، نحو قولك: (زيد أبوه منطلق) كذلك في الشرط (٣) لك أن تجيبه بجملة (٤) هي جزاء وجواب، نحو قولك: (إن تأتني فمن يكرمني أكرمه) كذلك قوله: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى﴾ لآية (٥).\nوهذا الذي ذكره ابن السراج بيان ما أجمله أبو إسحاق.\nقال أبو علي (٦): قول أبي إسحاق: (الجزاء إذا جاء في الفعل معه النون الثقيلة أو (٧) الخفيفة لزمه (ما) (٨) يوهم (٩) أن (ما) لزم لدخول (النون)، وأن سبب لحاق (ما) لحاق (النون).\nوالأمر بعكس ذلك وخلافه، لأن السبب الذي دخلت (النون) الشرط\n_________\n(١) (ما) ساقطة من (أ)، (ج)، وأثبتها كما في (ب) لاقتضاء السياق لها.\n(٢) قوله: (التأكيد) كذا في جميع النسخ ولعل الصواب (للتأكيد)، انظر: \"مشكل إعراب القرآن\" ١/ ٣٩،\"البيان في غريب إعراب القرآن\" ١/ ٧٦.\n(٣) (لك) ساقطة من (ب).\n(٤) (بجملة) ساقط من (ب).\n(٥) كلمة (الآية) ساقطة من (ب) لم أقف على كلام ابن السراج بهذا النص، ولكن انظر معناه في كتابه \"الأصول في النحو\" ٢/ ١٥٨.\n(٦) ورد كلام أبي علي في كتاب \"الإغفال فيما أغفله الزجاج من المعاني\" متعقبا فيه الزجاج وقد نقل عنه الواحدي طويلا، انظر: \"الإغفال\" ص ١٠٣ - ١١٣.\n(٧) في (ب): (والخفيفة) بالواو ومثله في \"الإغفال\" ص ١٠٤.\n(٨) في (ب): (أن).\n(٩) في \"الإغفال\": (نوهم) ص ١٠٤.","vol":"2","page":412},{"text":"في قوله: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ﴾ و﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا﴾ [مريم: ٢٦]، ﴿وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ﴾ [الإسراء: ٢٨] ونحو ذلك عند النحويين إنما هو لحاق (ما) أول الفعل بعد (إن) فلذلك صار موضعا للنونين (١)، بعد أن لم يكن لهما موضعا.\nوإنما كان كذلك عند سيبويه (٢) وأصحابه لمشابهة فعل الشرط، بلحاق (ما) به بعد (إن)، الفعل المقسم عليه.\nوجهة المشابهة: أن (ما) (٣) حرف تأكيد كما أن (اللام) (٤) تكون\nتأكيدًا، والفعل وقع بعد (ما) كما (٥) وقع في القسم بعد (اللام). فلما\nشابهت (اللام) في ذلك، لزم الفعل مع (ما) (٦) في الشرط (النون)، كما\nلزمته (٧) في (ليفعلن)، فسبب (٨) لحاق (النون) دخول (ما) على ما يذهب\nإليه النحويون (٩). قال أبو إسحاق: وفتح ما قبل النون ﴿يَأْتِيَنَّكُمْ﴾\n_________\n(١) أي: نون التوكيد الثقيلة، ونون التوكيد الخفيفة.\n(٢) انظر: \"الكتاب\" ٣/ ٥١٤، ٥١٥.\n(٣) (ما) ساقطة من (ب).\n(٤) أي لام القسم في مثل (لتفعلن). قال سيبوبه: (... ومن مواضعها أي نون التوكيد حروف الجزاء إذا وقعت بينها وبين الفعل (ما) للتوكيد، وذلك لأنهم شبهوا (ما) بـ (اللام) التي في (لتفعلن) لما وقع التوكيد قبل الفعل ألزموا (النون) آخره كما ألزموا هذه (اللام) ..) \"الكتاب\" ٣/ ٥١٤، ٥١٥.\n(٥) في (ب): (كان).\n(٦) في (ب): (لزم الفعل معها في الشرط).\n(٧) في (ب): (لزمه).\n(٨) في (ج): (بسبب).\n(٩) \"الإغفال\" ص ١٠٤، وانظر: \"الكتاب\" ٣/ ٥١٥.","vol":"2","page":413},{"text":"لسكونه (١)، وسكون النون الأولى.\nقال أبو علي: لا يخلو (٢) حركة (الياء) بالفتح من أن يكون لالتقاء الساكنين، كما ذكر أبو إسحاق، أو يكون حركة بنى الفعل عليها، لانضمام الحرف إليه.\nفلو كانت الحركة بالفتح لالتقاء الساكنين في ﴿يَأْتِيَنَّكُمْ﴾ ونحوه لما حرك به في (هل تضربن) (٣) و(هل تذهبن) (٤) ونحوه من الصحيح.\nألا ترى أن الساكنين لا يلتقيان في هذا كما يلتقيان في المعتل، والتحرك بالفتح مع (٥) ذلك لازم له، ولو كانت الحركة لالتقاء الساكنين ما لزمت هنا.\nوفي تحرك هذا الضرب بالفتح أعني: (الصحيح) (٦) ما يدل على أن المتحرك بالفتح في: ﴿يَأْتِيَنَّكُمْ﴾ ونحوه للبناء، دون التقاء الساكنين، فثبت\n_________\n(١) في \"معاني القرآن\": السكون الياء وسكون النون الأولى) \"معاني القرآن\" ١/ ٨٦ يذكر الزجاج هنا أن الفعل المؤكد بنون التوكيد في قوله: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ﴾ يفتح ما قبل النون لتفادي التقاء ساكنين (الياء) التي هي آخر الفعل، والنون الأولى من نون التوكيد المشددة. وهذا التعليل غير كاف عند بعض النحويين، بل يرون أن الفعل المضارع الذي لم يتصل بضمير رفع ساكن إذا أكد بالنون اعتبر معها مركبا وبني على الفتح، وبهذا اعترض أبو علي على الزجاج كما في كلامه الآتي الذي نقله الواحدي عن \"الإغفال\" ص ١١٤.\n(٢) في (ب): (لا تخلوا) (أن تكون) (أو تكون) بالتاء في المواضع الثلاثة ومثله في \"الإغفال\" ص ١١٤، وهذا أولى.\n(٣) في (ج): (هل تضربين).\n(٤) في (ج): (هل تكرهين).\n(٥) في (ب): (من ذلك).\n(٦) في \"الإغفال\": (أعني: الذي لا ساكنين فيه ... إلخ) ص ١١٥.","vol":"2","page":414},{"text":"بهذا فساد قوله.\nويدل أيضًا على فساد قولِه قولُهم: (قُولَنَّ) و(بيعنَّ) ولا تخلو (١) اللام في: (قولن) من أن تكون (٢) محركة لالتقاء الساكنين [أو لبناء الفعل مع الحرف بالفتح، فالذي يفسد القول بأنها محركة لالتقاء (٣) الساكنين] (٤) ردك العين في: (قولن) و(بيعنَّ)، ألا ترى أن (اللام لو كانت حركتها (٥) للساكنين لم يلزم رد العين، كما أن حركتها لما كانت في: (قل الحق) و(بع الثوب) لالتقاء الساكنين لم يلزم رد العين فيه، فردنا للعين (٦) في: (قولن) ونحوه وحذفنا لها في: (قل الحق) دليل بَيِّن أن الحركة في (قولن) لبناء الفعل مع الحرف على الفتح، إذ لو كانت لالتقاء الساكنين ما رُدَّت العين كما لم ترد في (قل الحق) (٧)، وإنما لم ترد في (قل الحق) (٨) لأن النية بحركتها السكون، وما تحرك لها من الساكن الثاني غير لازم (٩).\n_________\n(١) في (ج): (يخلو).\n(٢) من (ب): وفي غيرها: (يكون).\n(٣) في \"الإغفال\": (محركة للساكنين) ص ١١٦.\n(٤) ما بين المعقوفين ساقط من (أ)، (ج) وأثبته من (ب) وهو ثابت في \"الإغفال\" ص ١١٥ وصحة السياق تقتضيه.\n(٥) في (ج): (لو كانت لالتقاء الساكنين).\n(٦) في (ب): (العين).\n(٧) في \"الإغفال\": .. (كما لم ترد في (قل الحق) لما كانت الحركة فيه لالتقاء الساكنين، وإنما لم ترد (العين) المحذوفة للساكنين من (قل) ونحوه، وإن تحركت اللام، لأن النية بحركتها ... إلخ) \"الإغفال\" ص ١١٦.\n(٨) قوله: (قل الحق) ساقط من (ب).\n(٩) انتهى ما نقله عن \"الإغفال\"، بتصرف يسير في بعض الكلمات، وانظر بقية كلام أبي علي في \"الإغفال\" ص ١١٦ - ١١٩.","vol":"2","page":415},{"text":"ومعنى قوله: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى﴾ أي: فإن يأتكم مني شريعة ورسول وبيان ودعوة (١).\n﴿فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ﴾ أي: قبل أمري واتبع ما آمر به، فلا خوف عليه في الآخرة ولا حزن (٢).\nوالخطاب لآدم وحواء وذريتهما (٣)، أعلمهم أنه يبتليهم بالطاعة ويجازيهم بالجنة عليها، وبالنار على تركها، وأن هذا الابتلاء وقع عند الهبوط إلى الأرض (٤).\nوقوله تعالى: ﴿هُدَايَ﴾ فتحت (الياء) فيه (٥)، لأنها أتت بعد ساكن، وأصلها الحركة التي هي الفتح، والأصل أن تقول: (غلامي) فتفتح (٦) (الياء)، لأنها حرف في موضع اسم مضمر (٧) منع الإعراب فألزم الحركة،\n_________\n(١) انظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ٢٤٦، \"تفسير أبي الليث\" ١/ ١١٣، \"تفسير ابن عطية\" ١/ ٢٦٣ - ٢٦٤، \"تفسير ابن كثير\" ١/ ٨٧ - ٨٨.\n(٢) قوله: (ولا هم يحزنون) قال الطبري: (ولا هم يحزنون يومئذ على ما خلفوا بعد وفاتهم في الدنيا) الطبري في \"تفسيره\" ١/ ٢٤٧، وبهذا قال أكثر المفسرين، انظر: \"تفسير أبي الليث\" ١/ ١١٣، و\"تفسير ابن كثير\" في ١/ ٨٨، وذكر ابن عطية في معنى الآية وجها آخر: أي لا خوف عليهم يوم القيامة، ولا هم يحزنون فيه ١/ ٢٦٥٨، والأولى عموم الآية. والله أعلم.\n(٣) ذكره ابن جرير، وذكر وجها آخر: وهو أن الخطاب لمن أهبط من السماء وهم آدم وحواء وإبليس ورجح هذا الوجه، انظر: \"الطبري\" ١/ ٢٤٦، ورجحه ابن عطية في \"تفسيره\" ١/ ٢٦٢، وبه قال ابن كثير في \"تفسيره\" ١/ ٨٧.\n(٤) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٨٥\n(٥) من \"معاني القرآن\" للزجاج بتصرف ١/ ٨٦، ٨٧.\n(٦) في (ج): (بفتح) ومثله في \"معاني القرآن\" ١/ ٨٧.\n(٧) أي أن (الياء) ضمير جاء على حرف واحد فيأخذ حكم الحرف في أنه يفتح إذا جاء بعد ساكن، \"معاني القرآن\" ١/ ٨٧.","vol":"2","page":416},{"text":"كما ذكرنا في قوله: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠] فيمن (١) فتح (الياء).\nوحذف الحركة (٢) جائز لأن (الياء) من حروف المد واللين، وفي ﴿هُدَايَ﴾ سكن ما قبلها، ولم (٣) يكن بد من تحريكها، فجعل حظها ما كان لها في الأصل من الحركة وهو الفتح (٤).\nوروى ابن الأنباري أن النبي ﷺ قرأ ﴿فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ﴾ قال (٥): وهي لغة طيئ (٦)، يقولون: هذه عصيَّ ورحَيَّ (٧).\nوقرأ ابن أبي إسحاق (٨): ﴿هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا﴾ (٩) [طه: ١٨] وقال أبو ذؤيب:\n_________\n(١) في (ج): (فمن).\n(٢) في (ب): (الياء).\n(٣) في (ب): (فلم).\n(٤) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٨٧.\n(٥) في (ب): (وقال).\n(٦) لغة هذيل، انظر: \"المحتسب\" ١/ ٧٦، و\"تفسير ابن عطية\" ١/ ٢٦٤، و\"تفسير القرطبي\" ١/ ٢٨٠.\n(٧) ذكر هذه القراءة ابن جني في \"المحتسب\" قال: (قراءة النبي ﷺ وأبي الطفيل، وعبد الله بن أبي إسحاق، وعاصم الجحدري، وعيسى ابن عمر الثقفي (هُدَيَّ) ..) \"المحتسب\" ١/ ٧٦ ونحوه في \"البحر المحيط\" ١/ ١٦٩، وانظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٨٧، \"البيان\" ١/ ٧٦، و\"تفسير ابن عطية\" ١/ ٢٦٤، و\"تفسير القرطبي\" ١/ ٢٨٠.\n(٨) هو عبد الله بن أبي إسحاق الحضرمي النحوي البصري، أخذ القراءة عن يحيى بن يعمر ويعمر ونصر بن عاصم، وتوفي سنة تسع وعشرين ومائة، انظر: \"غاية النهاية\" ١/ ٤١٠.\n(٩) (هي) ساقطة من (ب).","vol":"2","page":417},{"text":"تَرَكُوا هَوَيَّ وَأَعْنَقُوا لِهَواهُمُ ... فَتُخُرِّمُوا وَلِكُلِّ جَنْبٍ مَصْرَعُ (١)\nوقال آخر (٢):\nيُطَوَّفُ بِي عِكَبٌّ (٣) فِي مَعَدٍّ ... وَيَطْعَنُ بِالصُّمُلَّةِ فِي قَفَيَّا\nفَإِنْ لَمْ تَثْأَرُوا لِي مِنْ عِكَبٍّ ... فَلَا أَرْوَيْتُم أبَدًا صَدَيَّا (٤)\nوقال أبو دواد (٥):\n_________\n(١) البيت من قصيدة قالها أبو ذؤيب يرثي بنيه، حيث ذهبوا للجهاد، وكان هواه أن يقيموا معه، وأن يموت قبلهم، قوله: فَتُخُرِّمُوا: أخذوا واحدًا واحدًا، تخرمتهم المنية، ولكل جنب مصرع: أي كل إنسان يموت، انظر: \"شرح أشعار الهذليين\" ١/ ٧، \"المحتسب\" ١/ ٧٦، \"المفضليات\" ص ٤٢١، \"شرح المفصل\" ٣/ ٣٣، \"تفسير ابن عطية\" ١/ ٢٦٤، و\"تفسير القرطبي\" ١/ ٢٨٠، \"البحر\" ١/ ١٦٩. والراوية للبيت في المصادر كلها (سبقوا) بدل (تركوا).\n(٢) البيتان للمُنَخَّل اليَشْكري، وقال في \"الصحاح\": (المتَنخِّل اليَشْكُري)، وفي الهامش: اسم اليَشُكري (المنخل) وأما (المنتخل) فهو الهذلي، \"الصحاح\" ١/ ١٨٨، وكان من قصة المُنخل (أنه كان بينه وبين المتجردة امرأة النعمان بن المنذر علاقة ولما علم النعمان دفعه إلى سجانه واسمه (عِكب) فقيده وعذبه.\n(٣) في (ب): (كعب) في الموضعين.\n(٤) يروي البيت: (تثأران) و(فلا رَوَّيْتُما) وقوله: (صَدَيَّا): الصدى في زعم الجاهلية طائر يصيح إذا لم يتأر بالمقتول، وقيل هو اسم ماد والصملة هي العصا. وشاهد (صديا) و(قفيا) حيث استعملهما على لغة هذيل، الأبيات في \"المحتسب\" ١/ ٧٦، \"الخصائص\" ١/ ١٧٧، \"شرح المفصل\" ٣/ ١٨٨، \"ترتيب الإصلاح\" ١/ ١٨٥، والبيت الأول في \"الصحاح\" (عكب) ١/ ١٨٨، \"اللسان\" (عكب) ٥/ ٣٠٥٤.\n(٥) هو أبو دواد الإيادي، وكان قد جاور هلال بن كعب من تميم، فلعب غلام له مع غلمان الحي في غدير فغطسوه في الماء ومات، فعزم أبو دواد على مفارقتهم وذم جوارهم، وحاولوا إرضاءه فقال البيت وبيتًا قبله.","vol":"2","page":418},{"text":"فَأَبْلُونِي بَلِيَّتكُم (١) لَعَلِّي ... أُصالِحُكُم وأَسْتَدْرِجْ نَوَيَّا (٢)\nقال الفراء: وإنما فعلت طيئ هذا لأن العرب اعتادت كسر ما قبل (ياء) (٣) الإضافة نحو قولهم: (غلامِيَ) و(دارِيَ) فلما قالوا: (رحاي) (٤) و(عصاي) طلبوا من الألف ذلك الكسر فقلبوها (ياء) وأدغموها في (ياء) الإضافة، فجعلوا بدل كسرة ما قبل (ياء) الإضافة قلب الألف (ياء)، إذ (٥) كانت الألف لا يكسر (٦) ما قبلها، ولا تكسر هي (٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-262>٣٩ </span>- وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ الآية. الآيات جمع آية، ومعنى الآية في اللغة: العلامة (٨)، ومنه قوله: ﴿تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا\n_________\n(١) في (ج): (بليكم).\n(٢) قوله: فأبلوني: يقال: أبلاه إذا صنع به جميلا، والبلية: الاسم، وقيل: البلية: الناقة تربط على قبر صاحبها بدون طعام ولا شراب حتى تموت، ونَوَيَّا: يريد (نَوَاي) وهي النية، والمراد الوجه الذي يقصد، انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٨٨، \"تأويل مشكل القرآن\" ص ٥٦، \"الخصائص\" ١/ ١٧٦، ٢/ ٣٤١، ٤٢٤، \"مغني اللبيب\" ٢/ ٤٢٣، ٤٧٧، \"اللسان\" (علل) ٥٠/ ٣٠٨٢.\n(٣) (ياء) ساقطة من (ج).\n(٤) في (ج): (راحاي).\n(٥) في (ب): (إذا).\n(٦) في (أ)، (ج): (لا تكسر).\n(٧) لم أجده للفراء، وذكر ابن جني عن أبي علي نحوه في تخريج لغة هذيل، انظر \"المحتسب\" ١/ ٧٦، وذكر النحاس هذه العلة عن الخليل وسيبويه، \"إعراب القرآن\" ١/ ١٦٦، وانظر: \"معاني القرآن\" للأخفش ١/ ٢٣٦، والزجاج في \"تفسيره\" ١/ ٧٨.\n(٨) انظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ٤٧، \"معجم مقاييس اللغة\" (أبي) ١/ ١٦٨، \"الزاهر\" ١/ ١٧٢، \"مفردات الراغب\" ص ٣٣، \"اللسان\" (أيا) ١/ ١٨٥، و\"فوائد في مشكل القرآن\" ص ٦٨، \"البرهان في علوم القرآن\" ١/ ٢٦٦.","vol":"2","page":419},{"text":"وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ﴾ [المائدة: ١١٤] أي علامة منك لإجابتك دعاءنا، فكل آية من الكتاب علامة ودلالة على المضمون فيها. وقال أبو عبيدة: معنى الآية: أنها علامة لانقطاع الكلام الذي قبلها، وانقطاعه من الذي بعدها (١). ثعلب عن ابن الأعرابي: الآية العلامة (٢).\nالليث: الآية العلامة، والآية من آيات القرآن، والجميع: الآي (٣)، ولم يزد على هذا. فالآية بمعنى العلامة في اللغة صحيحة (٤).\nقال الأحوص (٥):\nأَمِنْ رَسْمِ آيَاتٍ عَفَوْنَ وَمَنْزِلٍ ... قَدِيمٍ تُعَفِّيهِ (٦) الأَعاَصِيرُ مُحْوِلِ (٧)\n_________\n(١) في \"المجاز\" لأبي عبيدة. (إنما سميت آية لأنها كلام متصل إلى انقطاعه، انقطاع معناه قصة ثم قصة (١/ ٥) وانظر: \"الزاهر\" ١/ ١٧٢.\n(٢) لم أجده عن ابن الأعرابي، ويظهر أن الواحدي نقل الكلام وما بعده من \"تهذيب اللغة\"، ولم أجد بحث (آية) في المطبوع من \"تهذيب اللغة\"، انظر: \"الغربيين\" للهروي ١/ ١١٦، ١١٧، \"اللسان\" (أيا) ١/ ١٨٥.\n(٣) في \"الصحاح\" جمع الآية: آي وآياي، آيات، \"الصحاح\" (أيا) ٦/ ٢٢٧٥، انظر: \"اللسان\" (أيا) ١/ ١٨٥، وقيل: آياي جمع الجمع.\n(٤) انظر: \"الصحاح\" (أيا) ٦/ ٢٢٧٥، \"مقاييس اللغة\" (أي) ١/ ١٦٨، \"مفردات الراغب\" ص ٣٣، \"اللسان\" (أيا) ١/ ١٨٥.\n(٥) هو الأحوص بن محمد بن عبد الله بن عاصم بن ثابت، لشعره رونق وحلاوة أكثر في الغزل، وكان يشبب بنساء أشراف المدينة، فنفاه سليمان بن عبد الملك إلى (دهلك)، انظر: \"الشعر والشعراء\" ص ٣٤٥، \"الخزانة\" ٢/ ١٦.\n(٦) في (ج): (يعفيه).\n(٧) ورد البيت في \"الزاهر\" ١/ ١٧٢، ولم أجده في شعر الأحوص جمع (عادل سليمان جمال)، والمُحْوِل: المنزل الذي رحل عنه أهله وتغير حاله، انظر: \"اللسان\" (حول) ٢/ ١٠٦٠.","vol":"2","page":420},{"text":"قال ابن السكيت (١) وحكاه لنا أبو عمرو (٢) يقال (٣): خرج القوم بآيتهم، أي بجماعتهم، لم يدعوا وراءهم شيئا (٤)، وقال بُرْج بن مُسْهِر (٥):\nخَرَجْنَا مِنَ النَّقْبَيْنِ لَا حَيَّ مْثِلُنَا ... بآِيَتِناَ نُزْجِي اللِّقَاحَ المطَافِلاَ (٦)\nمعناه: خرجنا بجماعتنا. فعلى هذا القول معنى الآية من كتاب الله جماعة حروف دالة على معنى مخصوص (٧).\nوبعض أصحابنا (٨) يجوّز على هذا القول أن يسمَّى أقل من الآية آية،\n_________\n(١) \"إصلاح المنطق\" ص ٣٠٤، وانظر: \"الزاهر\" ١/ ١٧٣، \"غريب القرآن\" لابن قتيبة ص ٣٤، \"زاد المسير\" ١/ ٧١.\n(٢) هو أبو عمرو إسحاق بن مرار الشيباني، جاور بني شيبان في الكوفة ونسب اليهم، شهر بالغريب، أخذ عنه ابن السكيت، انظر ترجمته في: مقدمة \"تهذيب اللغة\" ١/ ٣٣، \"طبقات النحويين واللغويين\" ص ١٩٤.\n(٣) في (ب): (فقال).\n(٤) ذكر البغدادي في \"الخزانة\": أن علي بن حمزة البصري رد قول ابن السكيت واستشهاده بكلام أبي عمرو الشيباني، ورجح أن الآية: العلامة، انظر: \"الخزانة\" ٦/ ٥١٥.\n(٥) في (ج): (مرج بن شهر). وهو البرج بن مُسْهِر بن جلاس الطائي شاعر معمر. قال ابن دريد. وفد إلى النبي ﷺ، انظر: \"الاشتقاق\" لابن دريد ص ٣٨٢، \"الأعلام\" ٢/ ٤٧.\n(٦) قوله: نزجي: نسوق، واللقاح: النوق ذوات اللبن، والمطافل: النوق معها أولادها. ورد البيت في \"إصلاح المنطق\" ص ٣٠٤، \"الزاهر\" ١/ ١٧٢، \"مقاييس اللغة\" (أي) ١/ ١٦٩، \"تفسير القرطبي\" ١/ ٥٧، \"زاد المسير\" ١/ ٧١، (الخزانة) ٦/ ٥١٥، \"اللسان\" (أيا) ١/ ١٨٥، \"الدر المصون\" ١/ ٣٠٨.\n(٧) سبق ذكر رد علي بن حمزة البصري على هذا القول، وانظر: \"غريب القرآن\" لابن قتيبة ص ٣٤، \"الزاهر\" ١/ ١٧٢، \"اللسان\" (أيا) ١/ ١٨٥.\n(٨) أي من علماء الشافعية.","vol":"2","page":421},{"text":"لولا أن التوقيف ورد بما هي الآن معدودة آيات (١).\nقال ابن الأنباري: وفي الآية قول ثالث: وهو أن تكون (٢) سميت آية، لأنها عجب، وذلك أن قارئها إذا قرأها يستدل على مباينتها (٣) كلام المخلوقين، ويعلم أن العالم يعجزون عن التكلم بمثلها، فتكون الآية العجب من قولهم: (فلان آية من الآيات) أي عجب من العجائب (٤) فهذا هو القول في معنى الآية.\nفأما وزنها من (٥) الفعل، فقال الفراء (٦): إنما تركت العرب همز (ياء) آية، كما يهمزون كل (ياء) بعد الألف ساكنة نحو: قائل وغائب (٧) وبابه،\n_________\n(١) أنظر: \"البرهان في علوم القرآن\" ١/ ٢٦٧، \"الإتقان\" ١/ ٢٣٠. قال الزمخشري: (هذا علم توقيفي لا مجال للقياس فيه كمعرفة السور) \"الكشاف\" ١/ ١٠٥.\n(٢) في (أ)، (ج): (يكون) واخترت ما في (ب) لأنه هو الصواب موافق لكلام ابن الأنباري في \"الزاهر\" ١/ ١٧٣.\n(٣) في (أ): (مبانيتها) وما في (ب)، (ج) هو الصواب وموافق لما في \"الزاهر\".\n(٤) \"الزاهر\" ١/ ١٧٣، وانظر: \"زاد المسير\" ١/ ٧٢. وخلاصة القول في معنى الآية: أنها تطلق في اللغة على:\n١ - المعجزة،\n٢ - العلامة،\n٣ - العبرة،\n٤ - الأمر العجيب،\n٥ - الجماعة،\n٦ - البرهان والدليل.\n(٥) (من) ساقطة من (ج).\n(٦) كلام الفراء ورده على الكسائي ذكره ابن منظور في \"لسان العرب\" عن كتاب (المصادر) للفراء، ولعله نقله عن \"تهذيب اللغة\"، ولم أجد مبحث (آية) في المطبوع من \"تهذيب اللغة\"، انظر: \"اللسان\" (ايا) ١/ ١٨٥. (والآية) وزنها من الفعل - عند الفراء: (فَعْلَة) وعند الخليل (فَعَلَة) أصلها (أَيَيَة)، وعند الكسائي (فَاعِلَة)، أنظر: \"الزاهر\" ١/ ٣٤٢، \"تفسير ابن عطية\" ١/ ٧١ - ٧٢، \"المفردات في غريب القرآن\" ص ٣٣، \"فوائد في تأويل المشكل\" ص ٦٨، \"البرهان\" ١/ ٢٦٦، \"الدر المصون\" ١/ ٣٠٨، \"الخزانة\" ٦/ ٥١٧، وقد ذكر في أصلها ستة وجوه.\n(٧) (قائل وغائب) مكانها بياض في (ج).","vol":"2","page":422},{"text":"لأنها كانت فيما يرى (١) (أَيَّة) على وزن (فَعْلَة) فثقل عليهم التشديد فأبدلوه ألفا، لانفتاح ما قبل التشديد كما قالوا: أَيْمَا [في (أَمَّا)، وكما فعلوا بدينار وقيراط لما استثقلوا التشديد أبدلوا من الحرف الأول (ياء) لانكسار ما قبله. (٢)\nوقال] (٣) الكسائي: آية [وزنها (فَاعِلَة)، أصلها آيِيَة، فنقصت (٤)].\nالكسائي يقول: استثقلت الكسرة على الياء الأولى فسكنت، ثم حذفت لاجتماع الساكنين (٥)، هذا معنى قوله: (فنقصت).\nقال الفراء: ولو كانت (آية) فَاعِلَة ما صغروها (٦) أيَيَّة، لأن (فاعلة) تصغّر (فُوَيْعِلَة).\nفقال الكسائي: قد صغروا: عاتكة وفاطمة عُتَيكة وفُطَيْمة، فالآية مثلها.\nفقال الفراء: العرب لا تصغر (فاعلة) (فُعَيلة) إلا أن يكون اسمًا في مذهب (فلانة) فيقولون هذه فُطَيْمة قد جاءت، إذا كان (٧) اسمها (٨)، فلو\n_________\n(١) في (ج): (ترى).\n(٢) (دينار) و(قيراط) أصلهما (دَنَّار) و(قَرَّاط) فاستثقلوا التشديد فأبدلوا من الحرف الأول (ياء) لانكسار ما قبله فصار: دينار وقيراط. انظر \"الزاهر\" ١/ ١٧٣، \"الصحاح\" (أيا) ٦/ ٢٢٧٥.\n(٣) ما بين المعقوفين ساقط من (ج).\n(٤) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).\n(٥) انظر (الزاهر) ١/ ٣٤٢.\n(٦) في (أ): (ما صنعوها) وما في (ب)، (ج) هو الصحيح، وفي \"اللسان\" (ما صغرها).\n(٧) في (ب): (كانت).\n(٨) في \"اللسان\" (اسما) ١/ ١٨٥.","vol":"2","page":423},{"text":"قلت: (هذه فَاطِمة ابنها) ثم صغرتها لم يجز الا فويطمة (١)، ومثل: (هذا صُلَيْح قد جاء)، لرجل اسمه صالح، ولو قال قائل: كيف بُنَيُّك (٢)؟ قلت: صويلح ولم يجز صليح لأنه ليس باسم له.\nوكذلك رجل اسمه أسود يقول: هذا سويد [قد جاء، لأنه فلان، فإن كان نعتًا قلت: (أُسَيْد) و(أُسَيْوِيد) ولا يجوز هذا رجل سُوَيد] (٣). والفرق بين الحالين أن في الاسم العلم روعي التخفيف [فصغر تصغير الترخيم] (٤). وفي النعت صُغِّر على الأصل، فعلى قول الفراء آيات (٥) وزنها (فَعْلات)، وعلى قول الكسائى وزنها (فَاعِلات) (٦).\nومعنى آيات الله في هذه الآية: دلائله، ويدخل فيها كتبه التي أنزلها على أنبيائه (٧).\nفإن قيل: لم دخلت الفاء في سورة الحج: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ (٨) [الحج: ٥٧]، وسقطت هاهنا؟\nقيل: إنما دخل فيه \"الفاء\" من خبر الذي وأخواته مشبه (٩) بالجزاء،\n_________\n(١) في \"اللسان\" (فإذا قلت هذه فُطَيْمة ابنها، يعني فاطمته من الرضاع لم يجز)، \"اللسان\" (أيا) ١/ ١٨٥.\n(٢) في \"اللسان\" (بنتك).\n(٣) ما بين المعقوفين ساقط من (أ، ج)، وأثبته من (ب)، لأن صحة السياق تقتضيه.\n(٤) في (ج): (الرخيم). وما بين المعقوفين ساقط من (ب).\n(٥) (آيات) ساقطة من (ب).\n(٦) في (ب): (علامات).\n(٧) انظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ٢٥٣ - ٢٥٤، \"تفسير أبي الليث\" ١/ ١١٤، \"البحر المحيط\" ١/ ١٧٠.\n(٨) في (ب): (أولئك)، تصحيف.\n(٩) في (ج): (شبه).","vol":"2","page":424},{"text":"وما لم يكن (١) فيه (الفاء) فعلى أصل الخبر مثال ذلك من الكلام أن تقول: (مالي فهو لك) [على أن يكون (ما) بمعنى (الذي) ولو أردت واحد الأموال لم يجز دخول الفاء، كما لا تقول: غلامي فهو لك، (٢)، وهذه المسألة (٣) يأتي بيانها في مواضع من هذا الكتاب إن شاء الله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-263>٤٠ </span>- قوله تعالى: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾. الكلام في (الابن) وأصله يذكر عند قوله: ﴿يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ﴾ (٤). و(إسرائيل) هو يعقوب (٥) ﵇ ولا يتصرف لاجتماع العجمة والمعرفة (٦)، وكل اسم اجتمعتا فيه وزاد على ثلاثة أحرف لم ينصرف عند أحد من النحويين (٧).\nوذكر في التفسير وجوه في اشتقاق هذا الاسم (٨)، والأصح عند أهل\n_________\n(١) في (ب): (تكن)\n(٢) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).\n(٣) انظر شرح هذه المسألة في \"سر صناعة الأعراب\" ١/ ٢٥٨.\n(٤) سورة البقرة: ٤٩، وقد تكلم عن (ابن) هناك وتوسع في البحث.\n(٥) انظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ٢٥٤، و\"تفسير ابن عطية\" ١/ ٢٦٧، \"زاد المسير\" ١/ ٧٢.\n(٦) أي: العلمية.\n(٧) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٨٨، \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ١٦٧، \"المشكل\" لمكي ١/ ٤١، \"الإملاء\" ١/ ٣٣، \"الدر المصون\" ١/ ٣١٠.\n(٨) من هذه الوجوه: أنه مركب من (إسرا) وهو العبد، و(إيل) اسم من أسماء الله تعالى، فكأنه عبد الله، وقيل معنا: \"إسرا\" صفوة، و\"إيل\" الله تعالى، ومعناه صفوة الله، وفيه وجوه أخرى ذكرها أبو حيان في \"البحر\" ١/ ١٧١، وقال بعدها: (وهذه أقاويل ضعاف)، وانظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ٢٤٨ - ٢٤٩، و\"تفسير الثعلبي\" ١/ ٦٦ ب، \"التعريف والأعلام\" للسهيلي ص٢٠ و\"تفسير القرطبي\" ١/ ٢٨١ - ٢٨٢.","vol":"2","page":425},{"text":"اللغة: أنه أعجمي لا اشتقاق له.\nوقوله تعالى: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾. أراد نعمي (١)، فأوقع الواحد موقع الجماعة (٢)، كقوله: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ﴾ (٣). وذلك أن الله تعالى فلق لهم البحر، وأنجاهم من فرعون، وظلل عليهم الغمام إلى سائر ما أنعم الله به عليهم (٤)، وهو في قوله ﷿: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ﴾ الآية [المائدة: ٢٠].\nوأراد بقوله: ﴿عَلَيْكُمْ﴾ أي على آبائكم وأسلافكم، وجعلها عليهم لأن النعمة على آبائهم نعمة عليهم، ومثله في الكلام كثير، يفاخر الرجل الرجل فيقول هزمناكم يوم ذي قار، بمعنى (٥): هزم آباؤنا آباءكم (٦).\nقال الفرزدق:\nوَبَيْتَانِ: بَيْتُ اللهِ نَحْنُ وُلاَتُهُ ... وَبَيْتٌ بأعْلَى إِيلِيَاءَ مُشَرَّفُ (٧)\n_________\n(١) في (ج): (أراد بالنعمة: نعمي)\n(٢) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ٦٧ أ، وانظر: \"تفسير ابن عطية\" ١/ ٢٦٧، و\"تفسير البغوي\" ١/ ٦٦، و\"تفسير القرطبي\" ١/ ٢٨٢، \"زاد المسير\" ١/ ٧٢.\n(٣) سورة إبراهيم: ٣٤، والنحل: ١٨.\n(٤) انظر \"تفسير الطبري\" ١/ ٢٤٩، و\"تفسير الثعلبي\" ١/ ٦٧ أ، قال ابن عطية - بعد أن ذكر الأقوال في المراد بالنعمة: (وهذه الأقوال على جهة المثال، والعموم في اللفظة هو الحسن) ١/ ٢٦٧.\n(٥) في (أ)، (ج): (معناه)\n(٦) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٩٠، و\"تفسير القرطبي\" ١/ ٢٨٢، و\"تفسير الثعلبي\" ١/ ٦٧ أ، و\"تفسير ابن عطية\" ١/ ١٦٧، \"زاد المسير\" ١/ ٧٣.\n(٧) البيت في \"ديوان الفرزدق\" ٢/ ٣٢، \"معجم البلدان\" ١/ ٢٩٣، وإيلياء: بيت المقدس.","vol":"2","page":426},{"text":"يريد أن آباءه في القديم كانوا يلونهما، لا أنه كان يليه.\nوقال آخر:\nإِذا افْتَخَرَتْ يَوْمًا تَمِيمٌ بِقَوْسِهَا (١) ... فَخَارًا عَلَى مَا أَطَّدَتْ مِنْ مَنَاقِبِ\nفَأَنْتُم بِذِي قَارٍ أَمَالَتْ سُيُوفُكُم ... عُرُوشَ الذِينَ اسْتَرْهَنُوا قَوْسَ حَاجِبِ (٢)\nأراد آباؤكم فعلوا ذلك، لأن المخاطبين بهذا البيت كانوا بعد ذي قار بدهر طويل.\nفإن قيل: هذه النعم التي أنعم الله بها على اليهود هم (٣) أبدًا يذكرونها ويفخرون بها، فلم ذُكِّروا ما لم ينسوه؟ قيل: المراد بقوله: (اذكروا) اشكروا، وذكر النعمة شكرها، واذا لم يشكروها (٤) حق شكرها، فكأنهم نسوها وإن أكثروا ذكرها (٥).\nوقال ابن الأنباري: أراد اذكروا ما أنعمت عليكم (٦) فيما استودعتكم\n_________\n(١) في (ج): (نفوسها)\n(٢) البيتان لأبي تمام، وقوله: \"ذي قار\" يوم من أيام العرب، كان لهم على الفرس، وحاجب: هو ابن زرارة بن عدس، كان أرهن سيفه لكسرى، انظر: \"ديوان أبي تمام مع شرحه\" ١/ ١٠٩، \"معجم البلدن\" ٤/ ٢٩٤.\n(٣) (هم) ساقطة من (ب).\n(٤) في (ب): (يشكرها).\n(٥) انظر: \"الكشاف\" ١/ ٢٧٥، \"زاد المسير\" ١/ ٧٣، \"تفسير البيضاوي\" ١/ ٢٣، \"تفسير الخازن\" ١/ ١١٢، \"تفسير النسفي\" ١/ ٤٠، \"تفسير القرطبي\" ١/ ٢٨٢.\n(٦) في (ب): (أنعمت به عليكم).","vol":"2","page":427},{"text":"من علم التوراة وبينت لكم من صفة محمد، وألزمتكم من تصديقه واتباعه (١)، فلما بعث - ﷺ - ولم يتبعوه كانوا كالناسين لهذه النعمة (٢).\nوالأجود في ﴿نِعْمَتِيَ الَّتِي﴾ فتح الياء (٣)، وكل (ياء) كانت من المتكلم ففيها (٤) لغتان: الإرسال (٥) والفتح، فإذا لقيها ألف (٦) ولام اختارت العرب اللغة التي حركت فيها الياء، وكرهوا الأخرى، لأن اللام ساكنة (٧) فلو لم يفتحوا لأشبه (٨) أن تكون النعمة مجرورة على غير الإضافة (٩)، فأخذوا بأوثق الوجهين وأبينهما (١٠)، لأنه أدل على الأصل وأشكل بما يلزم في\n_________\n(١) ذكره ابن الجوزي وعزاه لابن عباس، \"زاد المسير\" ١/ ٧٣، وانظر \"تفسير القرطبي\" ١/ ٢٨٢.\n(٢) في (ب): (النعم).\n(٣) أجمع القراء العشرة على فتح (الياء) في قوله تعالى: ﴿نِعْمَتِيَ الَّتِي﴾ في مواضعها الثلاثة في البقرة، وقرأ بتسكينها الحسن وابن محيصن، انظر: \"الإقناع\" ١/ ٥٤٢، \"النشر\" ٢/ ١٦٢، \"البدور الزاهرة\" ص ٣٠، \"القراءات الشاذة\" للقاضي ص ٢٣، وقد سبق ذكر أصول القراء في ياءات الإضافة عند قوله تعالى: ﴿قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ﴾ [البقرة: ٣٠] ص ٣٤١.\n(٤) في (ب): (فيه).\n(٥) قوله: (الإرسال) أي: تسكينها ثم حذفها لالتقاء الساكنين، وفي \"معاني القرآن\" للفراء: (وأما نصب الياء من (نعمتي) فإن كل ياء كانت من المتكلم ففيها لغتان: الإرسال والسكون والفتح، ١/ ٢٩.\n(٦) (ألف) ساقط من (ب).\n(٧) في \"معاني القرآن\" للفراء: (لأن اللام ساكنة فتسقط الياء عندها لسكونها فاستقبحوا أن يقولوا: (نعمتي التي) فتكون كأنها مخفوضة على غير إضافة) ١/ ٢٩.\n(٨) في (ب): (الا شبه).\n(٩) المراد: أن الياء من (نعمتي) لو سكنت لحذفت لالتقاء الساكنين فتبقى النعمة مجرورة من دون إضافة للياء فيقال (نعمت).\n(١٠) في (ب): (وأبينها).","vol":"2","page":428},{"text":"الاستئناف من فتح ألف الوصل (١).\nوقد يجوز إسكانها مع الألف واللام أيضا كقوله: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ [الزمر: ٥٣] قرئ بإرسال (الياء) وبنصبها (٢)، وإنما اختير الإرسال هاهنا لأن الاختيار ألا تثبت (٣) (ياء) الإضافة في النداء نحو قولك: (يا غلام أقبل) وإذا لم تثبت لم يكن سبيل إلى التحريك.\nفأما قوله: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ﴾ [الزمر: ١٧، ١٨] الاختيار هاهنا الإرسال (٤)، لأن (الياء) لا تثبت في الفواصل، وقوله: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ﴾ آخر الآية (٥).\nقال الزجاج: اختير فتح الياء مع اللام لالتقاء الساكنين، ويجوز أن تحذف (٦) الياء في اللفظ لالتقاء الساكنين، والاختيار الفتح، فأما قوله: ﴿أَخِي (٣٠) اشْدُدْ﴾ [طه: ٣٠، ٣١] فلم يكثر القراء فتح هذه الياء (٧)، وأكثرهم\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٢٩، وانظر: \"معاني القرآن\" للأخفش ١/ ٢٣٨، \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٨٩، \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ١٦٧، \"تفسير ابن عطية\" ١/ ١٦٧.\n(٢) في (ب): (ونصها). قرأ بسكون الياء حمزة والكسائي وأبو عمرو، ويعقوب وخلف، والبقية بالفتح، انظر: \"التيسير\" ص ٦٦، \"الإقناع\" ١/ ٥٤١، \"النشر\" ٢/ ١٧٠.\n(٣) (أ)، (ج): (يثبت) في المواضع الثلاثة واثبت ما في (ب)، لأنه أنسب للسياق.\n(٤) قال الداني: (تفرد أبو شعيب بفتح الياء وإثباتها في الوقف ساكنة وحذفها الباقون في الحالين) يريد بقية السبعة ورواتهم، \"التيسير\" ص ٦٧، وانظر \"النشر\" ٢/ ١٨٩.\n(٥) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٢٩.\n(٦) في (أ)، (ج): (يحذف) وأثبتها بالتاء كما في (ب) و\"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٨١.\n(٧) قوله تعالى: (أخي اشدد) قرأ بفتح الياء أبو عمرو وابن كثير والبقية على إسكانها، انظر: \"التيسير\" ص ٦٧، \"النشر\" ٢/ ١٧١، ٣٢٣.","vol":"2","page":429},{"text":"يفتحها مع الألف واللام، ولعمري إن لام المعرفة أكثر استعمالا، ولكني أقول: فتح الياء هاهنا كفتحه (١) مع اللام، لأن اجتماع الساكنين مع اللام وغيرها واحد.\nوقوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾. أبو عبيد عن الكسائي وأبي عبيدة: وفيت بالعهد وأوفيت به سواء (٢).\nوقال شمر: يقال: وَفَى وأَوفْى، فمن قال: (وَفَى) فإنه يقول تَمَّ، كقولك: وَفَى لنا فلان، أي: تَمَّ لنا قوله ولم يغدر، وَوَفَى هذا الطعامُ قفيزا (٣) أى: تم.\nقال: ومن قال: (أَوْفَى) فمعناه: أوفاني حقه، أي: أتمه ولم ينقص منه شيئا، وكذلك أَوْفَى الكيل أي أتمه ولم ينقص منه شيئا (٤). وقال أبو الهيثم فيما رد على شمر: الذي قال شمر (٥) في (وَفَى) و(أَوْفَى): باطل، إنما يقال: أَوْفَيْت بالعهد ووفيت بالعهد، وكل شيء في كتاب الله من هذا\n_________\n(١) في (ج): (الفتحة مع اللام) وفي (ب): (لفتحة اللام)، وقد نقل الواحدي كلام الزجاج بتصرف، يقول الزجاج: (ولعمري إن اللام المعرفة أكثر في الاستعمال، ولكني أقول: الاختيار (أخِيَ اشدد) بفتح الياء لالتقاء الساكنين، كما فتحوا مع اللام، لأن اجتماع ساكنين مع اللام وغيرها معنى واحد ..) \"معاني القرآن\" ١/ ٨٩.\n(٢) \"تهذيب اللغة\" (وفا) ٤/ ٣٩٢٣ - ٣٩٢٤، وانظر: \"اللسان\" (وفي) ٨/ ٥٨٨٥.\n(٣) في (أ)، (ج): (قفيز)، (ب): (فقيرا)\n(٤) \"تهذيب اللغة\" (وفا) ٤/ ٣٩٢٤، وانظر: \"اللسان\" (وفى) ٨/ ٥٨٨٥. وقوله: (وكذلك أوفى الكيل ..) غير موجود في \"التهذيب\" ضمن كلام شمر ومثبت في \"اللسان\" مع كلامه.\n(٥) قوله: (الذي قال شمر) ساقط من (ب).","vol":"2","page":430},{"text":"فهو بالألف قال الله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ (١) [البقرة: ٤٠] (٢) وقال: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] (٣).\nوقال الشاعر (٤) في الجمع بين اللغتين:\nأَمَّا ابنُ طَوْقٍ فَقَدْ أَوْفَى بِذِمَّتِه ... كَمَا وَفَى بِقِلاَصِ النَّجْمِ حَادِيهَا (٥)\nقال ابن عباس: هذا العهد هو أن الله ﷿ (٦) عهد إليهم في التوراة أنه باعث نبيا يقال له: محمد، فمن تبعه كان له أجران اثنان، أجر باتباعه موسى وإيمانه بالتوراة، وأجر باتباعه محمدًا وإيمانه بالقرآن، ومن كفر به تكاملت أوزاره، وكانت النار جزاءه (٧)، فقال الله جل وعز (٨): أوفوا بعهدي في محمد، أوف بعهدكم وأدخلكم الجنة (٩).\n_________\n(١) (الواو) ساقطة من (أ، ج).\n(٢) في \"التهذيب\" مكان الآية قوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ﴾ [الإسراء: ٣٤] وفي \"اللسان\" آية البقرة.\n(٣) كلام أبي الهيثم في \"تهذيب اللغة\" (وفا) ١٥/ ٨٨٦، وانظر \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٩١، و\"اللسان\" (وفى) ٨/ ٤٨٨٤.\n(٤) هو طفيل الغنوي.\n(٥) في \"الكامل\" (بيض) بدل (طوق) وعند الزجاج (عوف) وهو رجل شهر بالوفاء، وقلاص النجوم: هي كما تزعم العرب، أن الدبران جاء خاطبا للثريا وساق مهرها كواكبا صغارا تسمى القلاص، انظر (الكامل) ٢/ ١٨٧، \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٩١، \"الخصائص\" ١/ ٣٧٠، ٣/ ٣١٦، \"شرح المفصل\" ١/ ٤٢، \"اللسان\" (وفى) ٨/ ٤٨٨٤، \"زاد المسير\" ١/ ٧٣، \"تفسير القرطبي\" ٦/ ٣٢، \"الدر المصون\" ١/ ٣١٢.\n(٦) في (ب): (جل وعلى).\n(٧) في (ب): (جزاؤه).\n(٨) في (ب)، (ج): (﷿).\n(٩) ذكره الرازي في \"تفسيره\" عن ابن عباس ٣/ ٣٥، وابن كثير في \"تفسيره\" ولم يعزه =","vol":"2","page":431},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾. موضع (إياي) نصب بإضمار فعل (١) تفسيره (٢) المذكور بعده (٣) كأنه قيل: (إياي فارهبوا (٤) فارهبون) ولكنه يستغني عنه بما يفسره فلا يظهر، وإن صح أنه مقدر، ولا يجوز أن يعمل فيه المذكور، لأنه مشغول بضمير (٥).\nوحذفت (الياء) من ﴿فَارْهَبُونِ﴾ لأنها فاصلة أي رأس آية، ليكون النظم على لفظ متسق، وسمى أهل اللغة أواخر الآي الفواصل، وأواخِر الأبيات (٦) القوافي (٧). ومعناه: فخافوني في نقض العهد (٨).\n_________\n= ١/ ٨٨، وذكر نحوه الثعلبي في \"تفسيره\" عن الكلبي ١/ ٦٧ ب، وأخرجه ابن جرير بسنده عن ابن عباس ونحوه، وليس فيه قوله: فمن تبعه كان له أجران ..، الطبري في \"تفسيره\" ١/ ٢٥٠، وكذا ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" بنحو رواية الطبري ١/ ٩٦، انظر: \" الدر\" ١/ ١٢٤.\n(١) قال مكي: هذا هو الاختيار لأنه أمر، ويجوز: أنا فارهبون على الابتداء والخبر، \"المشكل\" ١/ ٤٢، وانظر \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ١٦٧.\n(٢) في (ب): (يفسره) وهو أولى.\n(٣) في (ج): (بعهده).\n(٤) في (ب): (فارهبون).\n(٥) في (ب): (بضميره) وهو أصح. الضمير هو (الياء) التي حذفت لأنها رأس آية، انظر. \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٣٣، \"معاني القرآن\" للأخفش ١/ ٢٤٦، \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ١٦٧، \"المشكل\" لمكي ١/ ٤٢، \"الإملاء\" ١/ ٩٠.\n(٦) في (ب): (الايات).\n(٧) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٩٠، وانظر \"اللسان\" (فصل) ٦/ ٣٤٢٤، وبعضهم فرق بين رأس الآية والفاصلة، فكل رأس آية فاصلة ولا عكس. انظر \"المكتفي في الوقف والابتداء\" ص١٤٠، \"البرهان\" ١/ ٥٣، \"الإتقان\" ٢/ ٢٨٤، \"الفاصلة في القرآن\" لمحمد الحسناوي ص ٢٦.\n(٨) \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٦٧ ب، وانظر: \"الطبري\" ١/ ٢٥١، \"زاد المسير\" ١/ ٧٣.","vol":"2","page":432},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-264>٤١ </span>- قوله تعالى: ﴿وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ﴾. أي موافقًا للتوراة في التوحيد والنبوة (١)، وهو حال من الهاء المحذوفة من (أنزلت) كأنه قيل أنزلته مصدقا (٢).\nو(٣) قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ﴾. قال الليث: الأول والأولى: بمنزلة (أَفْعَل) و(فُعْلَى)، وجمع الأول: أولون، وجمع أولى: أوليات. (٤).\nقال الأزهري: وقد جمع (أَوَّل) على أُول، مثل أَكْبَر وكُبر، وكذلك الأُولَى، ومنهم من شدد الواو مجموعا من (أَوَّل) (٥).\nواختلفوا في وزنه وتأليفه (٦).\nفذكر الليث فيه وجهين: أحدهما: أن تأليفه من: (همزة) و(واو) و(لام)، وعلى هذا ينبغي أن يكون (أَفْعَل) منه (أَأْوَل) بهمزتين (٧)، لأنك لو\n_________\n(١) انظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ٢٥١، \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٦٨ أ.\n(٢) ذكره الطبري وعبر عن الحال بقوله: قطع من الهاء المتروكة في (أنزلته) من ذكر (ما) ١/ ٢٥٢، وذكره مكي وقال: وإن شئت جعلته حالا من (ما) في (بما) \"المشكل\" ١/ ٤٢، وانظر: \"تفسير ابن عطية\" ١/ ٢٦٩، \"الإملاء\" ١/ ٣٣، \"البحر المحيط\" ١/ ١٧٧.\n(٣) (الواو) ساقطة من (ب).\n(٤) \"تهذيب اللغة\" (أول) ١/ ٢٣٠، \"اللسان\" (وأل) ٨/ ٤٧٤٧، وقوله: (وجمع أول: أولون) سقط من \"التهذيب\"، وهو في \"اللسان\" ضمن كلام الليث.\n(٥) \"تهذيب اللغة\" (أول) ١/ ٢٣٠، \"اللسان\" (وأل) ٨/ ٤٧٤٧، وفيه: (ومنهم من شدد الواو من (أوَّل) مجموعًا.\n(٦) (تأليفه) ساقط من (ب).\n(٧) في ج: (همزتين).","vol":"2","page":433},{"text":"بنيت (١) (أَفْعَل) من (آب يؤوب) قلت: (أَأْوَب)، ثم قلبت إحدى (٢) الهمزتين واوا، ثم أدغمت في الواو الأخرى (٣)، وهذا الوجه اختيار الأزهري، قال: إنه (أَفْعَل) من: (آل يَؤول) و(أُولَى) فُعْلى منه، قال وأراه قول سيبويه (٤)، وكأنه من قولهم: (آل يؤول) إذا نجا وسبق، ومثله: (وَأَل يئل) (٥) بمعناه، فمعنى (الأول) السابق الذي هو الابتداء.\nالوجه الثاني (٦): أن أصل تأسيسه: واوان ولام، وأدغم إحدى الواوين في الأخرى وشدد، والهمزة فيه ألف (أفعل) (٧).\nوقال ابن دريد: (أَوَّل) فَوْعَل، قال: وكان في الأصل: (وَوْوَل) (٨)\n_________\n(١) في (ب): (ثنيت).\n(٢) في (ج): (أحد).\n(٣) قال مكي: (أَوَّل) اسم لم ينطق منه بفعل عند سيبويه ووزنه (أَفْعَل) فاؤه واو، وعينه واو، ولذلك لم يستعمل منه فعل لاجتماع الواوات. وقال الكوفيون: هو أفعل من (وَأَل) إذا لجأ فأصله (أَوْأل)، ثم خففت الهمزة بأن أبدل منها واو وأدغمت الأولى فيها ... وقيل: إن (أول) أَفْعَل من (آل يَؤُل) فأصله: أأْول، ثم قلب فردت الفاء في موضع (العين)، فصار (أَوْأَل) فصنع به من التخفيف والبدل والإدغام ما صنع بالقول الأول، فوزنه بعد القلب (أعفل)، \"مشكل إعراب القرآن\" ١/ ٤٢، ٤٣، وانظر: \"البيان\" ١/ ٧٨.\n(٤) قال سيبويه: (وأما (أَوَّل) فهو أَفْعَل، يدل على ذلك قولهم: هو أول منه ومررت بأوَّلَ منك، والأولى) \"الكتاب\" ٣/ ١٩٥.\n(٥) في (ب): (آل) بسقوط الواو.\n(٦) عند الليث.\n(٧) كلام الليث والأزهري في \"تهذيب اللغة\" (أول) ١/ ٢٣١، \"اللسان\" (وأل) ٨/ ٤٧٤٧، وعبارة المؤلف أقرب إلى \"اللسان\"، وهذا راجع إلى تقارب نسخة ابن منظور التي اعتمد عليها مع نسخة الواحدي، والله أعلم.\n(٨) في (ب): (وَوَّل) وكذا في الجمهرة، وما في (أ، ج) ورد على الأصل بفك الإدغام.","vol":"2","page":434},{"text":"فقلبت الواو الأولى همز وأدغمت إحدى الواوين في الأخرى، فقيل: أول (١).\nوقال المبرد في كتاب \"المقتضب\": أول يكون على ضربين: يكون اسمًا، ويكون نعتًا [موصولًا به (من كذا). فأما كونه نعتًا] (٢)، فكقولك: هذا رجل أوَّلُ منك مجيئًا، كما تقول أحسن منك وجهًا، وجاءني زيد أَوَّلَ من مجيئك، كما تقول: أسبق من مجيئك، وجئتك أَوَّلَ من أمس.\nوأما كونه اسمًا فقولك: ما تركت أَوَّلًا ولا آخرًا كما تقول: ما تركت له قديمًا ولا حديثًا، وعلى أي الوجهين سميت به رجلًا انصرف في النكره، لأنه في باب الأسماء بمنزلة (أَفْكَل)، وفي باب النعوت بمنزلة (أَحْمَر) (٣).\nقال الفراء: ووحد الكافر، وقبله جمع، وذلك من كلام العرب فصيح جائز، إذا جاء في الاسم المشتق من الفعل كالفاعل والمفعول به، يريدون (٤) به: ولا تكونوا أول من يكفر به، فيحذف (٥) (من) ويقوم الاسم المشتق من الفعل مقامها (٦)، فيؤدي عن مثل ما أدت (من) عنه من التأنيث والجمع، وهو\n_________\n(١) \"الجمهرة\" ٢/ ١١٧٧، والنص من \"تهذيب اللغة\" (أول) ١/ ٢٣٢.\n(٢) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).\n(٣) \"المقتضب\" ٣/ ٣٤٠، \"التهذيب\" (أول) ١/ ٢٣٢، \"اللسان\" (وأل) ٨/ ٤٧٤٨. قال محمد عضيمة في حاشية \"المقتضب\": (والخلاصة أن أول لها استعمالات ثلاثة:\n- تكون أفعل تفضيل ذكرت معها (من) أو حذفت، على أن تقدرها في الكلام فتمنع من الصرف.\n- وتكون اسمًا منصرفًا وذلك عند حذف (من) وعدم تقديرها.\n- وتكون ظرفًا منصوبًا أو مبنيا على الضم كالغايات. \"المقتضب\" ٣/ ٣٤.\n(٤) في \"المعاني\": (يراد به) ١/ ٣٢.\n(٥) في \"المعاني\": (فتحذف).\n(٦) في \"المعاني\": (ويقوم الفعل مقامها).","vol":"2","page":435},{"text":"في لفظ توحيد، ولا يجوز في مثله من الكلام: (أنتم أَفْضَلُ رجل)، ولا (أنتما خير رجل)؛ لأن الرجل يثني ويجمع ويفرد، فيعرف واحده من جمعه، واسم الفاعل قد يكون لـ (من) فيؤدي عنه (١)، وهو موحد، ألا ترى أنك تقول: الجيش [مقبل، والجند منهزم، فتوحد الفعل لتوحيده، فإذا صرت إلى الأسماء قلت: الجيش] (٢) رجال، والجند رجال.\nوقد قال الشاعر:\nوإِذَا هُمُ (٣) طَعِمُوا فَأَلْأمُ طَاعِمٍ ... وَإِذَا هُمُ (٤) جَاعُوا فَشَرُّ جِيَاعِ (٥)\nفجمعه وتوحيده جائز حسن (٦).\nوقال البصريون في هذا: معناه: ولا تكونوا أول فريق كافر، أو أول حزب، أو أول قبيل كافر، ثم حذف المنعوت، وأقيم نعته مقامه، (٧) وهذا قول المبرد.\n_________\n(١) عبارة الفراء في \"المعاني\": (و(القائم) قد يكون لشيء، ولـ (من) فيؤدي عنهما وهو موحد) ١/ ٣٣.\n(٢) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).\n(٣) في (ب): (وهو اطعموا).\n(٤) في (ب): (هموا).\n(٥) \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٣٣، وورد البيت مع بيتين قبله في (نوادر أبي زيد)، وقال: قال رجل جاهلي، ص ٤٣٤، وذكره الطبري ١/ ٢٥٢، وابن عطية ١/ ٢٧٠، \"الدر المصون\" ١/ ٣١٨.\n(٦) \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٣٣، وانظر \"تفسير الطبري\" ١/ ٢٥٢، \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ١٦٨، \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٩٢، \"تفسير ابن عطية\" ١/ ٦٧٠.\n(٧) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٩، \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ١٦٨، \"المشكل\" لمكي ١/ ٤٣، \"تفسير ابن عطية\" ١/ ١٩٩، \"البحر المحيط\" ١/ ١٧٧، =","vol":"2","page":436},{"text":"وقوله (به) (١) الأظهر أن الكناية عائدة (٢) إلى (ما) في قوله: (بما أنزلت) وهو القرآن (٣).\nويجوز أن يعود إلى (ما) في قوله: ﴿لِمَا مَعَكُمْ﴾ والمراد به التوراة، وذلك أنهم إذا (٤) كتموا أمر النبي ﷺ من كتابهم، فقد كفروا بكتابهم، كما أن من كتم آية من القرآن فقد كفر به (٥).\nوإذا قلنا: الكناية تعود إلى القرآن، كان المعنى: ولا تكونوا أول كافر بالقرآن من أهل الكتاب لأن قريشًا كفرت قبلهم بمكة (٦)\nوحكي عن أبي العالية أنه قال: الكناية تعود إلى محمد - صلى الله\n_________\n= وقال ابن عطية: (وسيبويه يرى أنها نكرة مختصرة من معرفة كأنه قال: (ولا تكونوا أول كافرين به) ١/ ١٩٩، ونحوه قال أبو حيان في \"البحر\" ١/ ١٧٧.\n(١) في (ب): (والأظهر).\n(٢) في (ج): (عائد).\n(٣) ذكره الطبري في \"تفسيره\" ورجحه ١/ ٢٥١، والزجاج في \"معاني القرآن\" ١/ ٩٢، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ١/ ٧٤، \"تفسير القرطبي\" ١/ ٢٨٣، وأبو حيان في \"البحر\" ١/ ١٧٨، ورجحه وضعف الأقوال الأخرى.\n(٤) (إذا) ساقط من (ب).\n(٥) ذكره الزجاج في \"معاني القرآن\" ١/ ٩٢، وانظر: \"تفسير ابن عطية\" ١/ ٢٦٩، \"زاد المسير\" ١/ ٧٤، و\"القرطبي\" ١/ ٢٨٣، و\"البحر\" ١/ ١٧٨، وضعفه ابن جرير، وقال: لا معنى لقول من زعم أن العائد من الذكر في (به) على (ما) التي في قوله: (لما معكم) لأن ذلك، وإن كان محتملًا ظاهر الكلام، فإنه بعيد، مما يدل عليه ظاهر التلاوة والتنزيل ... إلخ. \"تفسير الطبري\" ١/ ٢٥١.\n(٦) انظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ٢٥٢، و\"تفسير أبي الليث\" ١/ ١١١٤، و\"تفسير ابن عطية\" ١/ ٢٦٩، و\"تفسير البغوي\" ١/ ٨٧، و\"تفسير القرطبي\" ١/ ٢٨٣، \"البحر المحيط\" ١/ ١٧٧، \"تفسير ابن كثير\" ١/ ٨٩.","vol":"2","page":437},{"text":"عليه وسلم (١).\nوإنما قيل لهم: ﴿وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ﴾ لأن الخطاب لعلماء اليهود، فإذا كفروا كفر معهم الأتباع (٢).\nفإن قيل: ما في (٣) (أن تكونوا أول كافر به) من العظم، على ثان كافر؟ قيل: إنهم إذا كانوا أئمة في الضلالة كانت ضلالتهم أعظم (٤).\nقال الزجاج: اللغة القُدمى فتح الكاف من (كافر) والإمالة في الكاف -أيضا- جيد (٥)، لأن (فاعلًا) إذا سلم من حروف الإطباق، والحروف المستعلية كانت الإمالة فيه سائغة إلا في لغة أهل الحجاز، والإمالة لغة تميم (٦)، وحروف الإطباق (الطاء والظاء والصاد الضاد) فلا تجوز الإمالة (٧) في ظالم وطالب وضابط وصابر، وحروف الاستعلاء (الخاء،\n_________\n(١) ذكره الطبري في \"تفسيره\" ١/ ٢٥٢، \"تفسير أبي الليث\" ١/ ١١٤، وتفسير ابن عطية في \"تفسيره\" ١/ ٢٧١، و\"تفسير القرطبي\" ١/ ٢٨٣، وكذا أبو حيان في \"البحر المحيط\" ١/ ١٧٨.\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٩٢، وانظر: \"تفسير أبي الليث\" ١/ ١١٤، و\"تفسير الثعلبي\" ١/ ٦٨ أ، و\"تفسير البغوي\" ١/ ٨٧.\n(٣) في (ج): (ما في قوله: وأن تكونوا) ولعله أولى.\n(٤) انظر: \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٦٨ أ، و\"تفسير البغوي\" ١/ ٨٧، \"زاد المسير\" ١/ ٤٧، و\"تفسير الرازي\" ١/ ٤٢، \"البحر المحيط\" ١/ ١٧٨.\n(٥) قال ابن الجزري في \"النشر\": (انفرد صاحب المبهج عن أبي عثمان الضرير عن الدوري بإمالة (أول كافر به) فخالف سائر الرواة ..) \"النشر\" ٢/ ٦٦. وقال عبد الفتاح القاضي: (لا إمالة لأحد في ﴿أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ﴾ \"البدور الزاهرة في القراءات العشر المتواترة\" ص ٣١.\n(٦) انظر: \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ١٦٨.\n(٧) في (ب): (الا في).","vol":"2","page":438},{"text":"والغين، والقاف) (١) لأنها من أعلى الحنك واللهاة، فلا تجوز الإمالة في: غافل وخادم وقاهر (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ﴾. أي: ببيان صفة محمد - ﷺ - ونعته عرضًا يسيرًا من الدنيا، وذلك أن رؤساء (٣) اليهود كانت لهم مآكل يصيبونها من سفلتهم وعوامهم، فخافوا إن هم بينوا صفة محمد - ﷺ -، وتابعوه أن تفوتهم تلك المآكل والرئاسة، فاختاروا الدنيا على الآخرة (٤).\nقال أبو علي: المعنى (٥) (ذا ثمن) فهو من باب حذف المضاف، لأنه إنما يشتري ما هو ذو ثمن لا الثمن (٦). ويجوز أن يكون معنى الاشتراء\n_________\n(١) ذكر سيبويه حروف الاستعلاء سبعة حروف هي المذكورة هنا، وأربعة منها فيها مع استعلائها إطباق، و(الخاء)، و(الغين)، و(القاف) لا إطباق فيها مع أستعلائها، \"الكتاب\" ٤/ ١٢٨، \"سر صناعة الأعراب\" ١/ ٦١، ٦٢.\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٩٣، نقل الواحدي كلامه بتصرف.\n(٣) في (ج): (راسا).\n(٤) \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٦٨ أ، ونحوه ذكر الطبري ١/ ٢٥٣، وأبو الليث ١/ ١١٤. قال ابن كثير ١/ ٨٩: (يقول: لا تعتاضوا عن الإيمان بآياتي وتصديق رسولي بالدنيا وشهواتها فإنها قليلة فانية ..)، وقد ذكر ابن عطية أقوالا في الثمن الذي نهوا أن يشتروه بالآيات، ١/ ١٧١ - ١٧٢، وكذا أبو حيان في \"البحر\" ١/ ١٧٨.\n(٥) (المعنى) ساقط من (ب).\n(٦) قال الفراء: (وكل ما كان في القرآن من هذا قد نصب فيه الثمن وأدخلت الباء في المبيوع أو المشترى، فإن ذلك أكثر ما يأتي في الشيئين ولا يكونان ثمنا معلوما مثل الدنانير والدراهم .. فإن جئت إلى (الدراهم والدنانير وضعت الباء في الثمن ..) \"معاني القرآن\" ١/ ٣٠، ومعنى كلامه: أنه إذا لم يكن دنانير ولا دراهم في البيع صح أن يكون كل واحد من المبذول ثمنا ومثمنا، انظر: \"البحر\" ١/ ١٧٨، \"الدر المصون\" ١/ ٣١٩.","vol":"2","page":439},{"text":"الاستبدال، فيكون المعنى: ولا تستبدلوا بآياتي ثمنا قليلا فيستغنى عن تقدير المضاف (١).\nو(القليل) نقيض (٢) الكثير، قَلَّ الشيء يَقِلُّ قِلَّة (٣).\n﴿وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ﴾ فاخشون في أمر محمد، لا ما يفوتكم من الرئاسة (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-265>٤٢ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾ الآية. يقال: لَبَسْتُ الأمر أَلْبِسُه لَبْسًا، إذا خلطته وشبهته (٥).\nوقال ابن دريد: لَبَسْتُ الأمر ولَبَّستُه، إذا عميتُه، ومنه ﴿وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾ [الأنعام: ٩]، ويقال: في أمره لُبْسَة أي ليس بواضح (٦).\nقال ابن السكيت يقال (في أمره لَبْسٌ، أي: اختلاط) (٧).\nو(اللباس) ما واريت به جسدك. هذا هو الأصل في اللباس (٨)، ثم\n_________\n(١) انظر: \"البحر\" ١/ ١٧٨، \"الدر المصون\" ١/ ٣١٩.\n(٢) في \"اللسان\": (القلة خلاف الكثرة) \"اللسان\" (قل) ٦/ ٣٧٢٦.\n(٣) انظر: \"تهذيب اللغة\" (قلل) ٣/ ٣٠٣٦، \"اللسان\" (قل) ٦/ ٣٧٢٦.\n(٤) الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ٦٨ أ، ونحوه عند أبي الليث في \"تفسيره\" ١/ ١١٤، وقال ابن جرير: (فاتقون) في بيعكم آياتي بالخسيس من الثمن وشرائكم بها القليل من العرض، وكفركم بما أنزلت على رسولي وجحودكم نبوة نبيّ أن أحل بكم ما أحللت بأسلافكم ..) ١/ ٢٥٤، وانظر: \"تفسيرابن كثير\" ١/ ٨٩.\n(٥) انظر: \"تهذيب اللغة\" (لبس) ٤/ ٣٢٢٨، \"اللسان\" (لبس) ٧/ ٣٩٨٦.\n(٦) (الجمهرة) ١/ ٢٨٩.\n(٧) \"إصلاح المنطق\" ص ١١، وانظر: \"تهذيب اللغة\" (لبس) ٤/ ٣٢٢٨، والنص من \"التهذيب\".\n(٨) انظر: \"تهذيب اللغة\" (لبس) ٤/ ٣٢٢٨، \"مجمل اللغة\" (لبس) ٣/ ٨٠١، \"اللسان\" (لبس) ٧/ ٣٩٨٦.","vol":"2","page":440},{"text":"يقال: لَبِسْتُ فلانًا، أي استمتعت به (١). قال:\nوَحُقَّة مِسْكٍ مِنْ نَسَاءٍ لَبِسْتُها ... شَبَابِي وَكَأسٍ بَاكَرَتْنِي شَمُولُهَا (٢)\nوفي فلان مَلْبَس، إذا كان فيه مستمتع (٣).\nقال امرؤ القيس:\nأَلَا إن بَعْدَ الفَقِرْ لِلْمَرْءِ قِنْوَةً ... وَبَعْدَ المشِيبِ طُولَ عُمْرٍ وَمَلْبَسَا (٤)\nو(الباطل) الذاهب الزائل، يقال: بطل الشيء يبطل بُطُولًا وبُطْلَانًا، و(البُطْل) - أيضًا مثل الباطل، وأبطل الشيء جعله باطلا، وأبطل فلان جاء بالكذب وادعى باطلا (٥).\nومعنى الآية: لا تخلطوا الحق الذي أنزلت عليكم من صفة محمد - ﷺ - بالباطل الذي تكتبونه بأيديكم، من تغيير صفته وتبديل نعته (٦).\n_________\n(١) في \"التهذيب\": لَبِسْت امرأة: أي: تمتعت بها زمانا، ولَبِسْت قوما، أي: تمليت بهم دهرا. (لبس) ٤/ ٣٢٢٨.\n(٢) البيت لعبد الله بن عجلان النهدي في \"الحماسة بشرح المرزوقي\" ٣/ ١٢٥٩، \"الكامل\" ٢/ ٢٩٢.\n(٣) في (ب): (مستمع). انظر: \"المجمل\" \"لبس\" ٣/ ٨٠٨، \"مقاييس اللغة\" (لبس) ٥/ ٢٣٠، \"اللسان\" (لبس) ٧/ ٣٩٨٦.\n(٤) يقول بعد الشدة رخاء، وبعد الشيب عمر ومستمتع، وهذا مثل ضربه لنفسه، و(الْقِنْيِة: ما اقتنيت من شىِء فاتخذته أصل مال. والْمَلْبَس: المستمتع والمنتفع، وفي \"الديوان\" وأكثر المصادر (بعد العدم) بدل (الفقر)، انظر: \"ديوان امرئ القيس\" ص ٨٧، \"تهذيب اللغة\" (لبس) ٤/ ٣٢٢٩، \"مجمل اللغة\" ٣/ ٨٠١، \"مقاييس اللغة\" ٥/ ٢٣٠، \"اللسان\" ٧/ ٣٩٨٧، و\"القرطبي\" ١/ ٢٩٠.\n(٥) انظر: \"تهذيب اللغة\" (بطل) ١/ ٣٥٠، \"اللسان\" ١/ ٣٠٢، و\"القرطبي\" ١/ ٣٤١.\n(٦) \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٦٨ ب، انظر: \"تفسير ابن أبي حاتم\" ١/ ٩٨، \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٤٩، و\"ابن عطية\" ١/ ٢٧٢، و\"القرطبي\" ١/ ٢٩١.","vol":"2","page":441},{"text":"قال مقاتل: إن اليهود أقروا ببعض صفة محمد ﷺ وكتموا بعضا لِيُصَدَّقوا في ذلك، فقال الله ﷿: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ﴾ الذي تُقرّون به وتبينونه ﴿بِالْبَاطِلِ﴾، يعني بما (١) تكتمونه، فالحق بيانهم والباطل كتمانهم (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ﴾.\nقال الفراء (٣): إن شئت جعلت ﴿وَتَكْتُمُوا﴾ في موضع جزم بالعطف (٤)، وإن شئت جعلتها في موضع نصب (٥) على (الصرف)، ومثله (٦): ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا﴾ [البقرة: ١٨٨]، وقوله تعالى: ﴿لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا﴾ [الأنفال: ٢٧]، ومعنى (الصرف) أن تأتي (٧) بالواو معطوفًا (٨) على كلام في أوله حادث لا تستقيم (٩) إعادتها في\n_________\n(١) (بما) ساقط من (أ)، (ج)، وأثبها من (ب) لأن السياق يقتضيها، وهي ثابتة في (تفسير الثعلبي) ١/ ٦٨ أ.\n(٢) \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٦٨ أ، وذكره أبو الليث ولم يعزه لمقاتل ١/ ٣٣٨. وفي الآية أقوال أخرى منها: قيل: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾ اليهودية والنصرانية بالإسلام، انظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ٢٥٥، و\"ابن أبي حاتم\" ١/ ٩٨، و\"ابن عطية\" ١/ ٢٧٣.\n(٣) \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٣٣.\n(٤) قوله: (بالعطف)، أي على (تلبسوا).\n(٥) قوله: في موضع نصب على (الصرف) وباضمار أن على رأى البصريين كما سيأتي.\n(٦) في (ج): (ومثله قوله)\n(٧) في (أ)، (ج): (يأتي). وما في (ب) أصح في السياق وموافق لما في \"معاني القرآن\" ١/ ٣٤.\n(٨) في \"المعاني\": (معطوفة).\n(٩) في (ب)، (ج): (لا يستقيم).","vol":"2","page":442},{"text":"المعطوف (١)، كقوله:\nلَاتَنْهَ عَنْ خُلُقٍ وَتَأتِيَ مِثْلَه (٢)\nألا ترى أنه لا يجوز إعادة (لا) في و(تأتي)، ولذلك سمي صرفا إذ (٣) كان معطوفا (٤) ولم يستقم أن يعاد فيه الحادث الذي فيما (٥) قبله. ومثله من الأسماء التي نصبتها العرب وهي معطوفة على مرفوع، قولهم: لو تُرِكْتَ والأسدَ لأكلك (٦)، ولو خُلِّيتَ ورَأْيَك لضللت، لما لم يحسن في\n_________\n(١) ذكره الطبري في \"تفسيره\" ١/ ٢٥٥، وقد عرف أبو البركات ابن الأنباري الصرف عند الكوفيين: بأنه ما كان الثاني مخالفا لأول، ولا يحسن معه تكرار العامل الذي ورد مع الأول، \"الإنصاف\" ١/ ٥٥٦.\n(٢) صدر بيت وعجزه:\nعَارٌ عَلَيْكَ إِذا فَعَلْتَ عَظِيمُ\nوقد اختلف في نسبته، فنسبه سيبويه للأخطل، ونسبه بعضهم لأبي الأسود الدؤلي، ونسبه بعضهم إلى المتوكل الكناني، وبعضهم إلى حسان، وبعضهم إلى الطرماح بن حكيم، وإلى سابق البربري، والبيت ورد في أغلب كتب النحو. ورد في \"الكتاب\" ١/ ٤٢، و\"المقتضب\" ٢/ ٢٥، و\"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٣٤، والطبري ١/ ٢٥٥، و\"الإيضاح العضدي\" ١/ ٣١٤، و\"الجمل\" للزجاجي ص ١٨٧، و\"الأزهية\" ص ٢٣٤، و\"الرصف\" ص ٤٨٦، و\"شرح المفصل\" ٧/ ٢٤، و\"الخزانة\" ٨/ ٥٦٤، و\"شرح شذور الذهب\" ص ٣٦٠، و\"مغني اللبيب\" ٢/ ٣١٦، و\"أدب الدنيا والدين\" ص ٣٩، و\"شرح ابن عقيل\" ص ٢٣٣، و\"أوضح المسالك\" ٤/ ١٨١، وغيرها كثير.\n(٣) في (ب): (إذا).\n(٤) في (ج): (مطوفا).\n(٥) كذا في جميع النسخ وفي \"معاني القرآن\" للفراء (الحادث الذي قبله) ١/ ٣٤.\n(٦) في (ج): (لا كان).","vol":"2","page":443},{"text":"الثاني أن تقول (١): لو تركت وترك (٢) رأيك، تهيبوا أن يعطفوا حرفا لا يستقيم فيه ما حدث في الذي قبله، على الذي قبله، فنصبوا (٣).\nومذهب البصريين أن جميع ما انتصب في هذا الباب فبإضمار (أن) كأنه قيل: لا يكن منكم لبس للحق وأن تكتموه (٤).\nوقوله: ﴿وَأَنتُم تَعْلَمُونَ﴾. أكثر المفسرين على أن المعنى: وأنتم تعلمون أنه الحق، أنه نبي مرسل قد أنزل عليكم ذكره في كتابكم، فليس بمشتبه عليكم شيء من أمره ونسبه، وعلى هذا إنما كفروا لأنهم جحدوا نبوته فلم ينفعهم علمهم (٥).\nوالأمة اجتمعت (٦) على أن جاحد النبوة كافر، فإذا علموا بقلوبهم، ولم يكن لنا سبيل إلى أن نعلم أنهم علموا (٧)، وظهر منهم جحود، أجمعنا على أنهم كفار.\n_________\n(١) في (أ)، (ج): (يقول وما في (ب) أولى وموافق لما في \"المعاني\" ١/ ٣٤.\n(٢) في (ج): (ويترك).\n(٣) انتهى من \"معاني القرآن\" للفراء١/ ٣٣، ٣٤، بتصرف، وانظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ٢٥٥.\n(٤) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٩٤، وانظر تفاصيل الخلاف في هذه المسألة في \"الإنصاف\" ص ٤٤٢، وقد ذكر قولًا ثالثًا لأبي عمر الجرمي، وهو أن (الواو) هي الناصبة بنفسها؛ لأنها خرجت عن باب العطف، وانظر: \"البحر المحيط\" ١/ ١٧٩.\n(٥) انظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ٢٥٦، و\"تفسير ابن كثير\" ١/ ٩٠، و\"القرطبي\" ١/ ٢٩١، \"البحر\" ١/ ١٨٠.\n(٦) في (ب): (اجتمعت).\n(٧) حتى ولو علمنا أنهم علموا فكفرهم كفر عناد، انظر: \"تفسير القرطبي\" ١/ ٢٩١.","vol":"2","page":444},{"text":"وقال الزجاج في قوله: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي: تأتون لبسكم الحق وكتمانه على علم منكم وبصيرة أنكم تلبسون الحق (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-266>٤٣ </span>- قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾. الزكاة (٢): تطهير للمال وإصلاح له، وتثمير ونماء، كل ذلك قد قيل (٣).\nوالأظهر أن أصلها من الزيادة، يقال: زكا الزرع يزكو زكاء، ممدود وكل شيء يزداد فهو يزكو زكاء (٤).\nقال النابغة (٥):\nوَمَا أَخَّرْتَ مِنْ دُنْيَاكَ نَقْصٌ ... وَإِن قَدَّمْتَ عَادَ (٦) لَكَ الزَّكاءُ (٧)\nأراد بالزكاء الزيادة، وهو حرف ممدود، فإذا قصر فقيل: (زكا) فمعناه الزوج (٨).\nوالعرب تقول للفرد: خسا، وللزوجين (٩) اثنين: زكا، قيل لهما:\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٩٤، وانظر: \"تفسير أبي الليث\" ١/ ١٥٥، \"الكشاف\" ١/ ٢٧٧، وابن كثير في \"تفسيره\" ١/ ٩٠، وقال: ويجوز أن يكون المعنى: (وأنتم تعلمون ما في ذلك من الضرر العظيم على الناس، من إضلالهم عن الهدى المفضي بهم إلى النار).\n(٢) (الزكاة) ساقط من (ب)، (ج).\n(٣) انظر: \"تهذيب اللغة\" (زكا) ٢/ ١٥٤٢، و\"تفسير الطبري\" ١/ ٢٥٧، \"اللسان\" (زكا) ٣/ ١٨٤٩.\n(٤) \"تهذيب اللغة\" (زكا) ٢/ ١٥٤٢، وانظر: \"الزاهر\" ٢/ ١٨٧.\n(٥) هو نابغة بني شيبان، انظر: \"الزاهر\" ٢/ ١٨٧.\n(٦) في (ج): (كان اعاد).\n(٧) ورد البيت في \"الزاهر\" ٢/ ١٨٧، \"شمس العلوم\" ٢/ ٢٢٣.\n(٨) \"الزاهر\" ٢/ ١٨٧، وانظر: \"تهذيب اللغة\" (زكا) ٢/ ١٥٤٣.\n(٩) في (ب): (للزوج).","vol":"2","page":445},{"text":"زكا، لأن الاثنين أكثر (١) من الواحد (٢)، قال الشاعر:\nإِذا نَحْنُ في تِعْدَادِ خَصْلِكَ لَمْ نَقُلْ ... خَسَا وَزَكا أَعْيَيْن مِنَّا المُعَدِّدَا (٣)\nو(الزكاة): الصلاح (٤)، وأصله أيضا من زيادة الخير، يقال: رجل زَكِيٌّ أي زائد الخير (٥) من قوم أزكياء، وَزكَّى القاضي الشهود إذا بين زيادتهم في الخير، وسمي ما يخرجه من المال للمساكين بإيجاب الشرع زكاة، لأنها تزيد في المال الذي تخرج منه وتوفره وتقيه الآفات (٦).\nوقوله تعالى: ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾. أصل الركوع في اللغة الانحناء، وكل شيء ينكب لوجهه وتمس ركبته الأرض أو لا تمسها بعد أن يخفض (٧) رأسه فهو راكع، ويقال للشيخ إذا انحنى (٨) من الكبر: قد ركع (٩).\nقال لبيد:\n_________\n(١) في \"تهذيب اللغة\" (زكا) ٢/ ١٥٤٢.\n(٢) \"تهذيب اللغة\" (زكا) ٢/ ١٥٤٢، وانظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ٢٥٧، \"اللسان\" (زكا) ٣/ ١٨٤٩.\n(٣) في (ب): (المعواد). ورد البيت في \"الزاهر\" ٢/ ١٨٧، وفي شعر الكميت جمع دواد سلوم ١/ ١٦٢، وفيه: (إذا نحن في تكرار وصفك ...).\n(٤) \"تهذيب اللغة\" (زكا) ٢/ ١٥٤٢.\n(٥) في (أ): (الخبر) وما في (ب)، (ج) هو الصواب.\n(٦) (الآفات) ساقط من (ب). انظر (الزاهر) ٢/ ١٨٧، وانظر الطبري ١/ ٢٥٧.\n(٧) في (ج): (ينخفض).\n(٨) في (ب): (حنا).\n(٩) انظر: \"تهذيب اللغة\" (ركع) ١/ ١٤٦٢، \"الزاهر\" ١/ ١٤٠، \"مقاييس اللغة\" (ركع) ٢/ ٤٣٤، \"اللسان\" (ركع) ٣/ ١٧١٩.","vol":"2","page":446},{"text":"أَدِبُّ كَأَني كُلَّماَ قُمْتُ رَاكِعُ (١)\nفالراكع: المنحني في قول لبيد.\nوقال (٢) آخر:\nوَلَكِنِّي أَنُصُّ العِيَس تَدمَى ... أَظلتها (٣) وَترْكَعُ بِالْحُزُون (٤)\nأي تنكب لوجوهها.\nقال المفسرون: معناه (٥)، وصلوا مع المصلين محمد وأصحابه، فعبر بالركوع عن جميع الصلاة،، إذ كان ركنًا من أركانها، كما عبر باليد عن الجسد (٦) في قوله ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ﴾ [الحج: ١٠].\n_________\n(١) عجز بيت صدره:\nأُخَبِّرُ أَخْبَارَ القُرُونِ التِي مَضَتْ\nورد في \"الزاهر\" ١/ ١٤٠، \"تهذيب اللغة\" (ركع) ١/ ١٤٦٢، و\"تفسير الثعلبي\" ١/ ٦٨ ب، \"المجمل\" (ركع) ٢/ ٣٩٧، \"مقاييس اللغة\" ٢/ ٤٣٥، و\"تفسير ابن عطية\" ١/ ٢٧٥، و\"القرطبي\" ١/ ٢٩٣، \"ديوان لبيد\" مع شرحه ص ١٧١.\n(٢) في (ج): (وقا).\n(٣) في (ج): (اضلعها).\n(٤) البيت للطرماح، ويروى:\nوَلَكِنيِّ أَسِيرُ العَنْسَ يَدْمَى ... أَظَلاَّها ................\nالعيس: الإبل، الأَظَل: باطن مَنْسم الناقة والبعير، ويدمى أظلاها من شدة السير، الحزون: جمع حزن، ما غلظ من الأرض في ارتفاع وخشونة، فهي تعثر وتقع في الحزون: فقال: تركع على التشبيه، انظر: \"العين\" ١/ ٢٢٧، \"الأضداد\" لابن الأنباري ص ٢٩٦، \"ديوان الطرماح\" ص ٥٣٢.\n(٥) (معناه) سقط من (ب).\n(٦) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ٦٨، انظر: \"تفسير أبي الليث\" ١/ ١١٥، و\"ابن عطية\" ١/ ٢٧٤، و\"البغوي\" ١/ ٨٨، \"زاد المسير\" ١/ ٧٥، و\"القرطبي\" ١/ ٢٩٣.","vol":"2","page":447},{"text":"وقيل: إنما عبر بالركوع عن الصلاة، لأنه أول ما يشاهد مما يدل على أن الإنسان في صلاة، وإنما قال: (واركعوا) بعد قوله: (وأقيموا الصلاة) وكان الركوع داخلا في الصلاة، لأنه أراد الحث على إقامة الصلاة جماعة (١).\nوقيل: لأنه لم يكن في دين اليهود ولا في صلاتهم ركوع، فذكر ما اختص بشريعة الإسلام، والآية خطاب لليهود (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-267>٤٤ </span>- قوله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ﴾ الآية. نزلت في علماء اليهود، لأنهم كانوا يقولون لأقربائهم من المسلمين: اثبتوا على ما أنتم عليه، ولا يؤمنون (٣). و(الألف) للاستفهام (٤)، ومعناه: التوبيخ والتهديد (٥)، كأنه قيل لهم: أنتم على هذه الطريقة (٦).\n_________\n(١) انظر: \"تفسير ابن عطية\" ١/ ٢٧٥، و\"الكشاف\" ١/ ٢٧٧، و\"تفسير البغوي\" ١/ ٨٨\n(٢) انظر: \"تفسير ابن عطية\" ١/ ٢٧٤ - ٢٧٥، \"الكشاف\" ١/ ٢٧٧، و\"تفسير البغوي\" ١/ ٨٨، \"زاد المسير\" ١/ ٧٥، و\"تفسير القرطبي\" ١/ ٢٩٣. وفسر الطبري الركوع: بالخضوع لله بالطاعة فهو أمر لبني إسرائيل بالخضوع لله بالطاعة ١/ ٢٥٧، وذكر نحوه الزمخشري ١/ ٢٧٧.\n(٣) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ٦٨ ب، وذكره الواحدي في \"أسباب النزول\" من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس ص ٢٧، وذكره السيوطي في \"لباب النقول\" ص ١٩، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ١/ ٧٤. وأخرج الطبري بمعناه عن ابن عباس \"تفسير الطبري\" ١/ ٢٥٨، وفي الآية النهي عن أمرهم الناس بطا عة الله وهم يعصونه، انظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ٢٥٧ - ٢٥٨، \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٩٥.\n(٤) في (ج): (الاستفهام).\n(٥) في (ب): (التقرير).\n(٦) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٩٤، وانظر: \"تفسير ابن عطية\" ١/ ٢٧٥، \"الكشاف\" ١/ ٢٧٧، و\"القرطبي\" ١/ ٣١١.","vol":"2","page":448},{"text":"والمراد بالبر: الإيمان بمحمد ﷺ (١).\nو(النسيان) هاهنا بمعنى الترك (٢) من قوله: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧] ويأتي بسط الكلام في النسيان ووجوهه عند قوله: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا﴾ [البقرة: ٦٧] (٣) إن شاء الله.\nوقال أبو إسحاق: معنى الآية أنهم كانوا يأمرون أتباعهم بالتمسك بكتابهم، ويتركون هم التمسك به، لأن جحدهم النبي - ﷺ- هو تركهم التمسك (٤). فالبر على هذا القول: التمسك بالتوراة.\nوقال بعضهم: إن اليهود كانوا يأمرون الناس بالإيمان بمحمد ﷺ قبل ظهوره، فلما ظهر كفروا به (٥)، فذلك قوله: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ﴾ الآية.\nوقوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾. أي: تقرؤون التوراة، وفيها صفة محمد -ﷺ- ونعته (٦).\n﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ أنه حق فتتبعونه (٧).\n_________\n(١) ذكره ابن جرير عن ابن عباس \"تفسير الطبري\" ١/ ٢٥٨، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ١/ ٧٥، وقيل: البر: أمرهم أتباعهم بالتمسك بالتوراة، وقيل: أمرهم ببذل الصدقة وهم لا يفعلون. انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٩٥، \"تفسير ابن عطية\" ١/ ٢٧٥، \"زاد المسير\" ١/ ٧٥، \"تفسير ابن كثير\" ١/ ٩١.\n(٢) انظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ٢٥٩، و\"تفسير ابن عطية\" ١/ ٢٧٥، \"زاد المسير\" ١/ ٧٥.\n(٣) انظر: \"البسيط\" ١/ ل ٢٣٧ (من نسخة إستانبول).\n(٤) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٩٥، وفيه (التمسك به ..).\n(٥) ذكره الرازي، وقال هو اختيار أبي مسلم \"تفسير الرازي\" ٣/ ٤٦.\n(٦) \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٦٨ ب، وانظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ٢٥٩، و\"تفسير البغوي\" ١/ ٨٨.\n(٧) في (ج): (فتبيعونه).","vol":"2","page":449},{"text":"وأصل التلاوة من قولهم: تلاه يتلوه، إذا تبعه، والتلاوة اتباع الحروف (١).\nويقال: عقَل الرجل يعقِل عقلًا، إذا كان عاقلًا (٢)، وعقل الإنسان هو تمييزه الذي به فارق جميع الحيوان، سمي عقلًا لأنه يعقله أي يمنعه عن التورط (٣) في الهلكة، كما يعقل العقال البعير عن ركوب رأسه. ومن هذا سميت الدية عقلًا لأنها إذا وصلت إلى ولي المقتول عقلته عن قتل (٤) الجاني، أي منعته (٥).\nوقال الأصمعي: عقَل الظبي يعقِل عُقُولًا، إذا امتنع، ومنه سمى الوَعِل عاقلًا، والحصن مَعْقِلًا. وعَقَلَ الدواءُ بطنَه إذا أمسكه بعد استطلاقه (٦).\nفأصل هذا الحرف من المنع، ثم لما كان الإنسان يعرف الشيء بعقله، سمي العلم عقلًا في (٧) بعض المواضع، فيقال عقلت كذا، أي علمته (٨).\n_________\n(١) انظر: \"تهذيب اللغة\" (تلا) ١/ ٤٤٥ - ٤٤٦، \"مفردات الراغب\" ص ٧٥، \"تفسير القرطبي\" ١/ ٣١٥.\n(٢) ذكره الأزهري عن أبي عبيد عن الأصمعي، \"تهذيب اللغة\" (عقل) ٣/ ٢٥٢٥.\n(٣) في (ب): (التوريط).\n(٤) في (ب): (عقل).\n(٥) \"تهذيب اللغة\" (عقل) ١/ ٢٥٢٤، وانظر: \"اللسان\" (عقل) ٥/ ٣٠٤٧.\n(٦) \"تهذيب اللغة\" (عقل) ١/ ٢٥٢٥، وانظر: \"مقاييس اللغة\" (عقل) ٤/ ٧٢، \"اللسان\" (عقل) ٥/ ٣٠٤٦.\n(٧) في (ب): (وفي).\n(٨) انظر: \"مقاييس اللغة\" ٤/ ٦٩.","vol":"2","page":450},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-268>٤٤ </span>- قوله تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ الآية. قال أبو عبيد (١): أصل الصبر الحبس، وكل من حبس شيئا فقد صبره، ومنه الحديث في رجل أمسك رجلا وقتله آخر، فقال: (اقتلوا القاتل، واصبروا الصابر) (٢) أي: احبسوا الذي حبسه حتى يموت، ومنه قيل للرجل يُقدَّم فتضرب (٣) عنقه: قُتل صبرًا، يعني أنه أُمسِكَ على الموت، وكذلك لو حبسَ رجل (٤) نفسه على شيء يريده قال: صبرتُ نفسي. قال عنترة:\nفَصَبَرْتُ عَارِفَةً لِذَلِكَ حُرَّةً ... تَرْسُو إذَا نَفْسُ الجَبَانِ تَطَلَّعُ (٥)\nومن هذا (يمين الصبر) وهو أن يحبس على اليمين حتى حلف بها (٦).\n_________\n(١) في (ب): (أبو عبيدة). والصحيح: أبو عبيد، انظر: \"غريب الحديث\" ١/ ١٥٥.\n(٢) الحديث ذكره أبو عبيد في \"غريب الحديث\" بدون سند، وفي الهامش قال المحقق: زاد في (ر). قال سمعت عبد الله بن المبارك يحدثه عن إسماعيل بن أميه يرفعه. \"غريب الحديث\" ١/ ١٥٥، وذكره الثعلبي ١/ ٦٩ أ، والأزهري في \"تهذيب اللغة\" عن أبي عبيد ٢/ ١٩٧٢، وهو في \"الفائق\" ٢/ ٢٧٦، \"النهاية في غريب الحديث\" ٣/ ٨، \"غريب الحديث\" لابن الجوزي ١/ ٥٧٨، وذكره في \"كنز العمال\" عن أبي عبيدة عن إسماعيل بن أمية مرسلا، ١٥/ ١٠.\n(٣) في (ج): (فيضرب) وكذا في \"الغريب\" لأبي عبيد.\n(٤) في (ب): (رجلا).\n(٥) يقول: صبرت عارفة: أي حبست نفسًا عارفة لذلك، أي نفسه، والعارفة الصابرة، ترسو: أي تثبت وتستقر، تطلع: تطلع نفس الجبان إلى حلقه من الفزع والخوف، البيت في \"غريب الحديث\" لأبي عبيد ١/ ١٥٥، \"تهذيب اللغة\" (صبر) ٢/ ١٩٧٢، \"مقاييس اللغة\" (صبر) ٣/ ٣٢٩، و\"تفسير الثعلبي\" ١/ ٦٩ أ، \"اللسان\" (صبر) ٤/ ٢٣٩١، و(عرف) ٥/ ٢٨٩٩، و\"تفسير القرطبي\" ١/ ٣١٧، \"فتح القدير\" ١/ ١٢٤، \"ديوان عنترة\" ص ٢٦٤.\n(٦) انتهى كلام أبي عبيد، \"غريب الحديث\" ١/ ١٥٥، \"تهذيب اللغة\" (صبر) ٢/ ١٩٧٢.","vol":"2","page":451},{"text":"ومعنى الآية: استعينوا بالصبر على أداء الفرائض واجتناب المحارم واحتمال الأذى وجهاد العدو وعلى المصائب والصلاة (١)، لأنها تنهى عن الفحشاء والمنكر.\nوقال مجاهد: الصبر في هذه الآية الصوم، ويقال لشهر رمضان شهر الصبر، وللصائم صابر (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ﴾. قال الحسن والضحاك: ثقيلة (٣).\nوالأصل في ذلك أن ما يكبر (٤) يثقل على الإنسان حمله. فقيل لكل ما يصعب على النفس -وإن لم يكن من جهة الحمل-: يكبر عليها، كقوله: ﴿كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ﴾ [الشورى: ١٣].\nوقوله: (وإنها) ولم يقل: (وإنهما) بعد ذكر الصبر والصلاة، لأنه كنى\nعن الأغلب والأفضل والأهم (٥)، وهو الصلاة، كقوله: ﴿وَالَّذِينَ\n_________\n(١) قال الثعلبي: واستعينوا على ما يستقبلكم من أنواع البلايا، وقيل: على طلب الآخرة بالصبر على أداء الفرائض، وبالصلاة على تحميص الذنوب \"تفسير الثعلبى\" ١/ ٦٨ ب، وعند الطبري الاستعانة تكون بالصبر والصلاة، ١/ ٢٥٩، وانظر: \"معانى القرآن\" للزجاج ١/ ٩٥، \"تفسير ابن عطية\" ١/ ٢٧٦، و\"البغوي\" ١/ ٨٩، \"زاد المسير\" ١/ ٧٥، و\"ابن كثير\" ١/ ٩٢ - ٩٣.\n(٢) انظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ٢٥٩، \"غريب القرآن\" لابن قتيبة ص ٣٨، \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٦٩ أ، و\" تفسير ابن عطية\" ١/ ٢٧٧، و\"تفسير البغوي\" ١/ ٨٩، و\"تفسير ابن كثير\" ١/ ٩٢.\n(٣) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ١/ ٢٦١، عن الضحاك في \"تفسيره\" ١/ ٢٦١، وذكره ابن الجوزى عن الحسن والضحاك، \"زاد المسير\" ١/ ٧٦، وانظر: \"تفسير ابن عطية\" ١/ ٢٧٨، \"تفسير القرطبي\" ١/ ٣١٨.\n(٤) في (أ)، (ج): (ماما يكبر) وأثبت ما في (ب)، لأنه هو الصواب.\n(٥) في (ج): (الأعم).","vol":"2","page":452},{"text":"يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا﴾ [التوبة: ٣٤] (١)، وقال: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا﴾ [الجمعة: ١١]، هذا قول المُؤَرِّج (٢).\nوقال الأخفش (٣): الكناية راجعة إلى كل واحد منهما، أراد وإن كل خصلة منها لكبيرة، كقوله: ﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً﴾ [المؤمنون: ٥٠]، أراد كل واحد منهما قال الشاعر (٤):\nوالْمُسْيُ والصُّبْحُ (٥) لاَ فَلَاحَ مَعَهْ (٦)\nوقيل: رد الهاء إلى الصلاة، لأن الصبر داخل في الصلاة، كقوله: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: ٦٢]، لأن رضى الرسول داخل في رضى الله تعالى (٧). وقال حسان:\nإِنَ شَرْخَ الشَّبَابِ والشَّعْرِ الأَسْـ ... ـوَدِ ما لم يُعَاصَ كَانَ جُنُونَا (٨)\n_________\n(١) في الآية رد الكناية إلى الفضة، لأنها أعم وأغلب. \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٦٩ أ.\n(٢) كلام المؤرج أورده الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ٦٩/ أ. المؤرج هو أبو فَيْد مؤرِّج بن عمرو بن الحارث بن ثور السدوسي النحوي البصري، أخذ عن الخليل، توفي سنة خمس وتسعين ومائة، انظر ترجمته في: \"طبقات النحويين واللغويين\" للزبيدي ص ٧٥، \"تاريخ بغداد\" ١٣/ ٢٥٨، \"وفيات الأعيان\" ٥/ ٣٠٤، \"إنباه الرواة\" ٣/ ٣٢٧.\n(٣) \"معاني القرآن\" للأخفش ١/ ٢٥٢، \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٦٩ أ.\n(٤) هو الأضبط بن قريع السعدي.\n(٥) في (ج): (الصباح).\n(٦) سبق البيت وتخريجه في تفسير قوله تعالى: ﴿هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ [البقرة:٥] ص ٨٤، والشاهد قوله: (معه) والمراد: \"معهما\".\n(٧) فلم يقل (يرضوهما) الثعلبي ١/ ٦٩ أ.\n(٨) قوله: شرخ الشباب: أوله، ما لم يعاص: أي ما لم يُعْصْ.\nورد البيت في \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٦٩ ب، \"تهذيب اللغة\" (شرح) ٢/ ١٨٥١، \"تأويل المشكل\" ص ٢٨٨، \"مجاز القرآن\" ١/ ٢٥٨، \"اللسان\" (شرخ) ٤/ ٢٢٢٩،=","vol":"2","page":453},{"text":"ولم يقل: يعاصيا، لأن الشَّعر الأسود داخل في الشباب (١).\nوقال الحسين بن الفضل: رد الكناية إلى الاستعانة، لأن (استعينوا) يدل على المصدر (٢).\nوالأصل في هذا وأمثاله أن العرب تذكر شيئين، ثم تخبر عن أيهما شاءت، فتكتفي بالخبر عن أحدهما عن الثاني، لأن فيه دلالة على الثاني (٣) كقوله تعالى: ﴿فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ [البقرة: ٢٥٩]، وقوله: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا﴾ [النساء: ١١٢] وقول الشاعر:\nنَحْنُ بِمَا عِنْدَنَا وَأَنْتَ بِمَا ... عِنْدَكَ رَاضٍ والرَّأيُ مُخْتَلِفُ (٤)\n_________\n= \"مقاييس اللغة\" ٣/ ٢٦٩، \"تفسير القرطبي\" ١/ ٣١٩، \"فتح القدير\" ١/ ١٢٤، \"البحر\" ١/ ١٨٥، \"الدر المصون\" ١/ ٣٣١، \"ديوان حسان\" ص٢٥٢.\n(١) انظر: \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٦٩ أ، ب، \"تأويل مشكل القرآن\" ص ٢٨٨، \"البيان في غريب إعراب القرآن\" ١/ ٧٩، و\"القرطبي\" ١/ ٣١٩، \"البحر\" ١/ ١٨٥، \"الدر المصون\" ١/ ٣٣٠.\n(٢) \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٦٩ ب، \"تفسير البغوي\" ١/ ٨٩، وانظر: \"البيان في غريب إعراب القرآن\" ١/ ٧٩، و\"تفسير القرطبي\" ١/ ٣١٩.\n(٣) انظر: \"مجاز القرآن\" ١/ ٣٩، \"تأويل مشكل القرآن\" ص ٢٨٨، \"البيان في غريب إعراب القرآن\" ١/ ٧٩.\n(٤) اختلف في نسبة هذا البيت، فنسب لقيس بن الخَطِيم، وهو في ملحقات \"ديوانه\" ص١٧٣، ونسبه في \"الخزانة\" ٤/ ٢٧٥، لعمرو بن امرئ القيس، وكذا في \"جمهرة أشعار العرب\" ص ٢٣٧، ونسبه في \"الإنصاف\" ص ٨٥ إلى درهم بن زيد الأنصاري، وورد البيت في \"الكتاب\" ١/ ٧٥، \"مجاز القرآن\" ١/ ٣٩، \"شرح أبيات سيبويه\" لابن السيرافي ١/ ٢٧٩، \"المقتضب\" ٣/ ١١٢، \"تهذيب اللغة\" =","vol":"2","page":454},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-269>٤٥ </span>- وقوله تعالى: ﴿إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾. أصل الخشوع في اللغة: السكون (١)، قال الله تعالى ﴿وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ﴾ [طه: ١٠٨]، أي سكنت، ويقال: جدار خاشع، إذا تداعى واستوى مع الأرض (٢).\nقال النابغة:\nوَنُؤْيٌ كَجِذْمِ الحَوْضِ أَثْلَمُ خَاشِعُ (٣)\nومنه الحديث (كانت الكعبة خُشعة على الماء) (٤) أي: ساكنة، وهذا\n_________\n= ٣/ ٣٠٠٣، \"اللسان\" (فجر) ٦/ ٣٣٥١، و(قعد) ٦/ ٣٦٨٦، \"مغنى اللبيب\" ٢/ ٦٢٢، \"الهمع\" ٥/ ١٤٠، (معاهد التنصيص) ١/ ١٨٩، \"تفسير القرطبي\" ٨/ ١٢٧، \"شرح ابن عقيل\" ١/ ٢٤٤.\n(١) انظر \"تهذيب اللغة\" (خشع) ١/ ١٠٣٤، قال ابن فارس \"الخاء والشين والعين\" أصل واحد يدل على التطامن ... وهو قريب من الخضوع) ٢/ ١٢٨. ونحوه قال الطبري: (أصل الخشوع: التواضع والتذلل والاستكانة) \"تفسير الطبري\" ١/ ٢٦١.\n(٢) \"تهذيب اللغة\" (خشع) ١/ ١٠٣٤.\n(٣) من قصيدة للنابغة الذيباني يمدح النعمان وصدره:\nرَماَدٌ كَكُحِل العين لَأْيًا أُبِينُه\nيقول من الآيات التي عرف بها الدار (رماد ككحل العين، لَاْيًا أبينه (أي بصعوبة بطء أتبينه، و(النُّؤْيُّ): حاجز حول البيت لئلا يدخله الماء، و(الْجِذْم): أصل الشيء (أثلم): تثلم: تهدم، و(الخاشع): المطمئن اللاصق بالأرض، ورد البيت في \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٦٩ ب، \"التهذيب\" (خشع) ١/ ١٠٣٤، \"اللسان\" (خشع) ٢/ ١١٦٦، والقرطبي ١/ ٣٢٠، \"ديوان النابغة\" ص ٥٣.\n(٤) أخرجه الأزرقي في \"أخبار مكة\" بسنده عن عطاء عن ابن عباس، في رواية طويلة عن خلق الأرض وفيها (.. فبعث الله ريحًا هفافة فصفقت الماء فأبرز خشفة في موضع هذا البيت ..) قال المحقق: (حشفة) في جميع الأصول \"الأعلام\"، ورواها ابن ظهيرة عن عمر بن شبة (خشعة) \"أخبار مكة\" ١/ ٣٢.\nأخرجه الخطابي من طريق الأزرقي بنحوه، \"غريب الحديث\" ٢/ ٤٩٦، وذكره الأزهري في \"تهذيب اللغة\" ١/ ١٠٣٤، وابن الأثير في \"النهاية في غريب الحديث\" ٢/ ٣٥.","vol":"2","page":455},{"text":"أصله في اللغة. ثم استعمل في أشياء تعود (١) إلى هذا الأصل، فقيل: خشعت الأرض، إذا لم تمطر، فلم تهتز (٢) بالنبات، قال الله تعالى: ﴿تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ﴾ (٣) [فصلت: ٣٩]. وخشع السنام، إذا ذهب شحمه وتطأطأ شرفه. وخشعت الأبصار، إذا سكنت ونظرت في الأرض من غير التفات. وقيل: للمطيع (٤) المخبت: خاشع، لسكونه إلى الطاعة (٥).\nقال المفسرون وأصحاب المعاني: إن (٦) جميع العبادات داخلة تحت قوله: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ﴾ لأنه أراد الصبر عليها (٧)، ولكن خصت الصلاة بالذكر تخصيصا وتفضيلا (٨)، كقوله: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ [الرحمن: ٦٨]، وقوله ﴿وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ [البقرة: ٩٨].\n_________\n(١) في (ج): (يعود).\n(٢) في (ب): (فتهتز).\n(٣) وقد ورد سياق الآية في (أ)، (ج) (وترى) وهو تصحيف في الآية، وفي \"تهذيب اللغة\" وردت آية الحج: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ [الحج: ٥] انظر: \"تهذيب اللغة\" ١/ ١٠٣٤، والواحدي نقل كلام عنه.\n(٤) في (ج): (للماصع).\n(٥) \"تهذيب اللغة\" (خشع) ١/ ١٠٣٤، وانظر: \"مقاييس اللغة\" (خشع) ٢/ ١٨٢، \"اللسان\" (خشع) ٢/ ١١٦٦.\n(٦) (إن) ساقطة من (ب).\n(٧) أكثر المفسرين على أن المراد الاستعانة بالصلاة مع الصبر، لا الاستعانة بالصبر عليها، وقد تقدم الكلام على ذلك، وانظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ٢٦٠، \"تفسير ابن عطية\" ١/ ٢٧٨، \"الكشاف\" ١/ ٢٧٧، و\"القرطبي\" ١/ ٣١٧.\n(٨) خصت الصلاة بالاستعانة بها من بين سائر العبادات لفضلها ولما يتلى فيها، انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٩٥، و\"القرطبي\" ١/ ٣١٧.","vol":"2","page":456},{"text":"وعلى قول من يقول: الصبر هو الصوم (١)، فإنما خص الصوم والصلاة، لأن القوم إنما كان يمنعهم عن الإسلام الشره وخوف ذهاب مأكلتهم (٢) وحب الرئاسة وخوف زوالها، فأمروا بالصوم الذي يذهب الشره (٣)، وبالصلاة التي تورث الخشوع وتنفي الكبر والشرف (٤). وأريد بالصلاة الصلاة التي معها الإيمان بحمد ﷺ لأنها كانت تكبر (٥) على (٦) الكفار (٧). وعند أكثر أهل العلم أن الآية خطاب لأهل الكتاب (٨)، وهو مع ذلك أدب لجميع العباد (٩). وقال بعضهم: يرجع هذا القول إلى خطاب المسلمين فأمروا أن يستعينوا على ما يطلبونه من رضا الله وثوابه ونيل (١٠) جنته بالصبر على أداء فرائضه، والقول الأول أظهر (١١).\n_________\n(١) هو قول مجاهد كما سبق.\n(٢) في (ب): (مآكلهم) ولعله أولى.\n(٣) في (ج): (الشر).\n(٤) (الشرف) كذا جاءت في جميع النسخ ولعل المراد حب الرئاسة والشرف المذموم. انظر \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٦٥، \"تفسير ابن عطية\" ١/ ٢٧٨، \"زاد المسير\" ١/ ٧٥، و\"تفسير الرازي\" ٣/ ٤٩.\n(٥) في (أ): (تكفر) وما في (ب، ج) هو المثبت وهو الصواب.\n(٦) في (ب): (عن).\n(٧) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٩٥.\n(٨) انظر: \"الطبري\" ١/ ٢٦١، \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٩٥، \"زاد المسير\" ١/ ٧٥، \"تفسير الرازي\" ٣/ ٤٨، \"تفسير الخازن\" ١/ ١١٨، و\"ابن كثير\" ١/ ٩٣.\n(٩) قال ابن كثير: (الظاهر أن الآية وإن كانت خطابا في سياق إنذار بني إسرائيل فإنهم لم يقصدوا بها على سبيل التخصيص، وإنما هي عامة لهم ولغيرهم) ١/ ٩٣.\n(١٠) في (ج): (قبل).\n(١١) انظر: \"تفسير الرازي\" ٣/ ٤٨، و\"تفسير الخازن\" ١/ ١١٨، \"البحر\" ١/ ١٨٥.","vol":"2","page":457},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-270>٤٦ </span>- وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾ الآية. أبو عبيد (١) عن أبي عبيدة قال: (الظن) يقين وشك (٢)، وأنشد:\nظَنِّي بِهِمْ كَعَسَى وَهُمْ بِتَنوُفَةٍ ... يَتَنَازَعُونَ جَوَانِبَ الأَمْيَالِ (٣)\nالبيت لابن مقبل، وفسر الظن فيه بالوجهين، فقال: أبو عبيدة يقول: اليقين فيهم كعسى، وعسى شك (٤). وقال شمر عن أبي عمرو الشيباني: معناه ما يظن بهم من الخير فهو واجب، وعسى من الله واجب (٥).\nوالعرب تقول لليقين: ظن، وللشك: ظن (٦)، لأن في الظن طرفا (٧)\n_________\n(١) في (ب): (أبو عبيدة).\n(٢) \"مجاز القرآن\" ١/ ٣٩، \"التهذيب\" (ظن) ٣/ ٢٢٥٣، \"الأضداد\" لابن الأنباري ص١٤، والأصمعي ص ٣٤، والسجستاني ص ٧٧، وابن السكيت ص ١٨٨، والصغاني ص ٢٣٨ (ضمن ثلاثة كتب في الأضداد).\n(٣) يروى البيت (ظن) و(ظنوا) بدل (ظني) وفي \"الجمهرة\": (عهدي بهم) في موضع: (ظني بهم) وفي عدد من المصادر \"جوائز الأمثال\" وفي \"الجمهرة\" (جوائب) ويروى (سوائر). ولم أجد رواية (جوانب الأميال) والتنوفة: الفلاة، يتنازعون، يتجاذبون، جوائز الأمثال: (الأمثال السائرة) في البلاد، وبمعناه: (جوائب الأمثال) من جاب يجوب. ورد البيت في \"الأضداد\" لابن الأنباري ص ٢٣، \"الأضداد\" للأصمعي ص ٣٥، والسجستاني ص ٩٥، وابن السكيت ص ١٨٨، \"تهذيب اللغة\" (ظن) ٣/ ٢٢٥٣، \"اللسان\" ٢/ ٧٢٤ (جوز)، و٥/ ٢٧٦٢ (ظن)، و٥/ ٢٩٥٠ (عسا)، \"الجمهرة\" ١/ ١٥٤، ٢/ ٩٣٥، \"الخزانة\" ٩/ ٣٣٣.\n(٤) \"تهذيب اللغة\" (ظن) ٣/ ٢٢٥٣.\n(٥) \"تهذيب اللغة\" (ظن) ٣/ ٢٢٥٣، وانظر: \"الأضداد\" لابن السكيت ص ١٨٨، \"الخزانة\" ٩/ ٣١٣.\n(٦) قوله: (وللشك ظن) ساقط من (ب).\n(٧) في (ج): (طرف).","vol":"2","page":458},{"text":"من اليقين (١). قال الله تعالى: ﴿إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ (٢٠)﴾ [الحاقة: ٢٠]، وقال: ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا﴾ [الكهف: ٥٣]، وقال (٢): ﴿إِن ظَنَّا أَن يُقِيمَا﴾ [البقرة: ٢٣٠] كل هذا بمعنى اليقين (٣).\nوقال دريد بن (٤) الصمة:\nفَقُلْتُ لَهُمْ ظُنُّوا بَأَلْفَيْ مُدَجَّجٍ ... سَرَاتُهُمُ فِي الفَارِسِيِّ المُسَرَّدِ (٥)\nأي: أيقنوا.\nوحكى الزجاج عن بعض أهل اللغة: أن الظن يقع في معنى العلم [الذي لم تشاهده، وإن كان قد قام في نفسك حقيقة (٦).\n_________\n(١) انظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ٢٦٢.\n(٢) في (أ)، (ج): (وان ظنا) بسقوط (قال).\n(٣) انظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ٢٦٢، \"تهذيب اللغة\" (ظن) ٣/ ٢٢٥٣، \"الأضداد\" لابن الأنباري ص ١٤.\n(٤) (بن) ساقط من (ج). ودريد: مصغر: أدرد واسمه معاوية بن الحارث من هوازن، كان شجاعا شاعرًا فحلًا، قتل في حنين مشركًا. انظر ترجمته في \"الشعر والشعراء\" ص ٥٠٤، \"الخزانة\" ١١/ ١١٨.\n(٥) ظنوا: أيقنوا، و(المدجج): التام السلاح، سَرَاتُهم: خيارهم وأشرافهم، الفارسي المسرد: الدروع. ورد البيت في \"تفسير الطبري\" ١/ ٢٦٢. \"المجاز\" ١/ ٤٠، \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٩٦، و\"تفسير الثعلبي\" ١/ ٦٩ ب، \"الأصمعيات\" ص ١٩٩، \"الأضداد\" لابن الأنباري ص ١٤، \"الجمل\" للزجاجي ص ١٩٩، \"جمهرة أشعار العرب\" ص٢١١، \"اللسان\" (ظن) ٥/ ٢٧٦٢، \"شرح المفصل\" ٧/ ٨١، \"الخزانة\" ١١/ ٢٧٩، و\"تفسير القرطبي\" ١/ ٣٢١، \"فتح القدير\" ١/ ١٢٥، \"ديوان دريد\" ص ٤٧.\n(٦) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٩٦. وقال: وهذا مذهب، إِلا أن أهل اللغة لم يذكروا هذا. قال أبو إسحاق: وهذا سمعته من إسماعيل بن إسحاق القاضي -﵀- رواه عن زيد بن أسلم.","vol":"2","page":459},{"text":"وقال أبو عباس: إذا كانت براهين العلم] (١) أكثر من اعتراضات الشك، كان الظن يقينًا وعلمًا. وإذا كانت اعتراضات الشك أكثر من اعتراضات اليقين كان الظن كذبًا. وإذا كانت اعتراضات اليقين واعتراضات الشك سواء كان ذلك ظنا، أي: كان الظن شكا (٢).\nوقال الليث: الظن يكون (٣) اسما ومصدرا، تقول: ظننت ظنا، هذا مصدر، وتقول (٤): ظني به حسن، وما هذه الظنون، لما صيرته اسمًا جمعته، كقول النابغة (٥):\nأَتَيتُك عَارِيًا خَلَقًا ثِيَابِي ... عَلَى خَوْفٍ تُظَنُّ بِيَ الظُّنُونُ (٦)\nوحدُّ الظن: الشك الذي يرجح (٧) فيه أحد النقيضين على الآخر، الظن: اليقين، لأنه يقوي أحد النقيضين بعد الشك حتى يصير إلى اليقين (٨)، وقد أفصح عن ذلك أوس بن حجر في قوله:\n_________\n(١) ما بين المعقوفين ساقط من (أ)، (ج)، والعبارة في (أ): (أن الظن يقع في معنى العلم أكثر من ..) وفي (ج): (يقع في معنى العلم اعتراضات العلم .... (وعدم استقامة السياق يدل على المحذوف، وما في \"معاني القرآن\" للزجاج يدل على ما ذكر، ١/ ٩٦.\n(٢) ذكره ابن الأنباري في (الأضداد) مع اختلاف العبارة ص ١٦.\n(٣) في (ج): (يكو).\n(٤) في (أ)، (ج): (يقول) مع سقوط الواو.\n(٥) هو الذبياني.\n(٦) ورد البيت في \"الشعر والشعراء\" ص ٨٤، وفي \"تهذيب اللغة\" (عرا) ٣/ ٢٣٧٣، وفيه (على عجل) بدل (خوف)، وورد الشطر الأول في \"اللسان\" (عرا) ٥/ ٢٩٨، وهو في \"ديوان النابغة\" ص ٧٣، وفيه (فجئتك).\n(٧) في (ب): (ترحح).\n(٨) انظر: \"الوجوه والنظائر\" لابن الجوزي ص ٤٢٤.","vol":"2","page":460},{"text":"الأَلمَعِيُّ الذِي يَظُنُ لَكَ الظَّـ ... ـنَّ كَمَنْ قَدْ رَأى وَقَدْ سَمِعَا (١)\nوذكر أبو القاسم الزجاجي حقيقة (٢) الظن في اللغة، فقال: هو اعتقاد الشيء على طريقة التقدير والحدس، فإن أصاب فيما ظن صار يقينا، وإن لم يصب كان مخطئا في تقديره، ولهذا ذكر أهل اللغة هذه اللفظة في باب الأضداد، فقالوا: الظن: يقين وشك (٣)، لأنه وضع لمعنى بالاعتبار يؤول (٤) إلى أحدهما، كما يقال: الظن يخطئ ويصيب، فإن أصاب الظان فيما اعتقد وقدر، عبر عن ذلك باليقين؛ وإن (٥) لم يصب كان ظنه شكًّا (٦).\nوسئل أبو عمرو بن العلاء عن الظن، فقال: النظر في المطلوب بضرب من الأمارة، بمعنى أن الأمارة لما كانت مترددة بين يقين وشك، فتقرب (٧)\n_________\n(١) البيت من قصيدة لأوس بن حجر يرثي بها فضالة بن كلدة، ويروي البيت (كأن) بدل (كمن)، وقوله: (الألمعي): المتوقد ذكاء. ورد البيت في (الخصائص) ٢/ ١١٢، \"المصون في الأدب\" ص ١٢٣، (عيون الأخبار) ١/ ٩١، \"معاهد التنصيص\" ١/ ١٢٨، \"ديوان أوس\" ص ٥٣.\n(٢) في (ج): (وحقيقة)\n(٣) انظر: \"الأضداد\" لابن الأنباري ص ١٤، \"الأضداد\" لقطرب ص ٧١، \"الأضداد\" للأصمعي ص ٣٤، وللسجستاني ص ٧٦، ولابن السكيت ص ١٨٨، (والثلاثة الأخيرة ضمن ثلاثة كتب في الأضداد) \"تهذيب اللغة\" (ظن) ٣/ ٢٢٥٣، \"اللسان\" (ظن) ٥/ ٢٧٦٢.\n(٤) في (ج): (يوو).\n(٥) في (أ)، (ج): (فإن)، وأثبت ما في (ب) لأنه أولى في السياق\n(٦) انظر: \"غريب الحديث\" للخطابي ٣/ ٢٦، \"اللسان\" (ظن) ٥/ ٢٧٦٢.\n(٧) في (أ): (فنفرت)، وفي (ج): (فيقرب) وأثبت ما في (ب).","vol":"2","page":461},{"text":"تارة (١) من طرف الشك وتارة من طرف اليقين صار (٢) أهل اللغة يفسرونه بهما (٣).\nوقال الأخفش في قوله: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾: إنما استعمل الظن بمعنى العلم في هذا الموضع لأمرين: أحدهما: أنه تنبيه أن علم أكثر الناس بالله في الدنيا، بالإضافة إلى علمه به في الآخرة كالظن في جنب العلم.\nوالثاني. أن العلم الحقيقي في الدنيا بأمور الآخرة لا يكاد يحصل إلا للنبيين والصديقين.\n(والملاقاة) و(اللقاء) يحتمل معاني العيان والاجتماع والمحاذاة، والمصير (٤).\nكقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا﴾ [يونس: ٧]، أي المصير إلينا، وقال: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ﴾ [الجمعة: ٨]، أي مجتمع معكم وصائر إليكم.\nقال ابن عباس: يريد الذين يستيقنون أنهم مبعوثون، وأنهم محاسبون، وأنهم راجعون إلى الله سبحانه (٥).\nو(اللقاء) و(الملاقاة) حيث ذكر في القرآن يحمله المفسرون على\n_________\n(١) (تارة) ساقط من (ب).\n(٢) قوله: (اليقين صار) ساقط من (ب).\n(٣) انظر: \"مفردات الراغب\" ص ٣١٧.\n(٤) انظر: \"مقاييس اللغة\" (لقى) ٥/ ٢٦١، \"الفائق\" ٣/ ٣٢٥، \"مفردات الراغب\" ص ٤٥٣، \"اللسان\" (لقا) ٧/ ٤٠٦٤.\n(٥) أورده الواحدي في \"الوسيط\" عن ابن عباس، ولم أجده عند غيره فيما اطلعت عليه والله أعلم، وبمعناه عن السدي وابن جريج، وانظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ٢٦٣، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" ١/ ١٠٣.","vol":"2","page":462},{"text":"البعث والمصير إلى الله كقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا﴾ [يونس: ٧]، وقوله: ﴿بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ﴾ [السجدة: ١٠]، ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا﴾ [الفرقان: ٢١].\nولا يمكن حمل الملاقاة في هذه الآية على المعاينة والرؤية (١)، لأن أحدًا لا يستيقن (٢) أنه يرى ربه ويعاينه، بل كل واحد منا يرجو ذلك من فضل الله أن يرزقه. وقد فسر الظن هاهنا بمعنى اليقين (٣) فيحمل اللقاء على ما فسره ابن عباس (٤)، ورحمة الله (٥).\nوقال أبو علي: معنى قوله: ﴿مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾ ملاقو ثواب ربهم (٦)،\n_________\n(١) قال بعض المفسرين: إن المراد بالملاقاة في الآية: الرؤية. انظر: \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٦٩ ب، و\"تفسير ابن عطية\" ١/ ٢٧٩، و\"تفسير البغوي\" ١/ ٩٥، \"لباب التفسير\" للكرماني ١/ ٢٢٧، \"البحر\" ١/ ١٨٦.\n(٢) في (ج): (الاستيقان).\n(٣) وعلى هذا أكثر المفسرين، انظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ٢٦٣، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" ١/ ١٠٣، \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٩٦، و\"تفسير الثعلبي\" ١/ ٦٩/ ب، و\"تفسير ابن عطية\" ١/ ٢٧٩، و\"تفسير ابن كثير\" ١/ ٩٣.\n(٤) أي: أن المراد به البعث والرجعة إلى الله والجزاء على ما عملوا. انظر: \"تفسير أبي الليث\" ١/ ١١٦، و\"ابن عطية\" ١/ ٢٧٩، و\"البغوي\" ١/ ٦٩، و\"ابن كثير\" ١/ ٩٣، \"البحر\" ١/ ١٨٦.\n(٥) لفظ الجلالة غير موجود في (ب).\n(٦) ذكر هذا التقدير بعض المفسرين كابن عطية في \"تفسيره\" ١/ ٢٧٩، و\"تفسير القرطبي\" ١/ ٣٢١، وأبو حيان في \"البحر\" ١/ ١٨٦، وإن كانت الآية محتملة له، فالأولى عدم صرفها عن ظاهرها كما قال أبو حيان، وقد قالت المعتزلة بنفي رؤية الله تعالى في الآخرة. وقالوا: لفظ اللقاء لا يفيد الرؤية وأولوا الآية على أن المراد: ملاقو ثواب ربهم، كما قال الزمخشري في \"الكشاف\" ١/ ٢٧٨، فإن قصد بتأويل الآية على هذا نفي الرؤية فهو مردود، انظر: \"تفسير ابن عطية\" ١/ ٢٧٩، \"تفسير الرازي\" ٣/ ٥١، \"البحر\" ١/ ١٨٦.","vol":"2","page":463},{"text":"خلاف من وصف (١) بقوله: ﴿لَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا﴾ [البقرة: ٢٦٤]، وقوله: ﴿إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ [النور: ٣٩]، ومثله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ﴾ [البقرة: ٢٢٣]، أي: ملاَقو جزائه إن ثوابا، وإن عقابا.\nوأراد (ملاقون ربهم) لأنه فيما يستقبل فتثبت (٢) النون (٣)، لأنك تقول: هو ضارب زيدا، إذا كان فيما يستقبل؛ وإذا كان قد مضى حذفت التنوين (٤) لا غير، ويجوز حذفه أيضا وإن كان لما يستقبل، كقوله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ (٥) و﴿إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ﴾ [الدخان: ١٥] و﴿إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ﴾ [العنكبوت: ٣٣] نصبت (٦) (وأهلك) على تقدير النون (٧).\n_________\n(١) في (ب): (من وصفه). والمعنى: يقول: إن المذكورين في قوله: ﴿مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾ لهم ثواب يلقونه، أما الذين ذكرهم الله بقوله: ﴿لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا﴾ فليس لهم ثواب يلقونه.\n(٢) في (ب): (فيثبت).\n(٣) اسم الفاعل إذا كان بمعنى الماضي يضاف لما بعده وتحذف النون، وإذا كان بمعنى الاستقبال أو الحال فعند البصريين لا يضاف، ولهذا قالوا هنا: إن النون حذفت تخفيفا، ثم تتمكن به الإضافة، وهي إضافة غير محضة. أما عند الكوفيين فيجوز إضافته ولو كان بمعنى الاستقبال، انظر: \"معاني القرآن\" للأخفش ١/ ٢٥٤، و\"تفسير الطبري\" ٣/ ٢٦٣، \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٩٧، \"تفسير ابن عطية\" ١/ ٢٨٠.\n(٤) في (ب): (النون).\n(٥) آل عمران: ١٨٥، والأنبياء: ٣٥، والعنكبوت: ٥٧.\n(٦) في (ب): (نصب).\n(٧) أي على تقدير أن النون لم تحذف للإضافة، وأهلك منصوب بالعطف على الكاف في (منجوك)، وقيل: أهلك منصوب بفعل مقدر، أي وننجي أهلك، وهذا عند من جعل الكاف في موضع جرّ، انظر: \"معاني القرآن\" للأخفش ١/ ٢٥٥، \"البحر\" ١/ ١٥١.","vol":"2","page":464},{"text":"وإنما كان كذلك (١) لأن الفعل الماضي لم يشابه (٢) الاسم، ولذلك (٣) بني، فالاسم الذي (٤) بمعناه وجب أيضًا أن لا يزال عن أصله، وأصل الأسماء أن تعمل إلا جرًّا، فبقى اسم الفاعل إذا أريد به الماضي على أصله، وإذا أريد به الحال والاستقبال حمل على المضارع لما (٥) بينهما من الشبه، وجاز الجر به إذا أريد به الاستقبال وإن استقرت مشابهته للفعل، لأنه لم يخرج عن حكم الاسمية، لأجل (٦) كونه اسما جاز أن يجر ما بعده، ولأجل ما بينه وبين المضارع من الشبه جاز أن ينصب (٧).\nوقوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾. أي يصدقون بالبعث ولا يكذبون.\nومعنى (إليه): إلى أمره وإحيائه ومسألته (٨)، لأنهم لم يخرجوا عن قبضته قط، وملكته ومثله قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ [الفرقان: ٤٥] أراد إلى أمر ربك (٩)، والمعنى في الجملة إنهم يقرون بالنشأة الثانية،\n_________\n(١) قوله: وإنما كان كذلك .. الخ هذا تعليل لإضافة اسم الفاعل إذا كان بمعنى الماضي، وعدم، إضافته إذا كان بمعنى الحال والاستقبال.\n(٢) في (ب): (يشابهه).\n(٣) في (ب): (كذلك).\n(٤) أي اسم الفاعل الذي بمعنى الماضي.\n(٥) في (أ)، (ج): (إلى) وأثبت ما في (ب)، لأنه الصواب.\n(٦) في (ب): ولاجله.\n(٧) هذا التعليل على مذهب الكوفيين، أما البصريون فيقولون: تحذف النون أو التنوين منه استثقالًا، وهو مراد، انظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ٢٦٣، و\"ابن عطية\" ١/ ٢٨٠.\n(٨) وقيل: الضمير يرجع إلى الله تعالى. انظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ٢٦٤، و\"تفسير ابن عطية\" ١/ ٢٨٠، \"البيان\" ١/ ٨٠، و\"القرطبي\" ١/ ٣٢١، \"البحر\" ١/ ١٨٧.\n(٩) قال ابن جرير: (ألم تر يا محمد كيف مد ربك الظل) ١٩/ ١٨، وقال البغوي: (ألم تر إلى مد ربك الظل) ٦/ ٨٦.","vol":"2","page":465},{"text":"فجعل رجوعهم بعد الموت إلى المحشر رجوعا إليه (١).\nوقال بعض أهل العلم: معنى الرجوع هاهنا العود (٢) إلى الحال الأولى، فمعنى: ﴿وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ أنهم يرجعون إلى أن لا يكون لهم مالك سواه، يملك نفعهم وضرهم كما كانوا في بدء (٣) الخلق، لأنهم في أيام حياتهم قد يملك غيرهم الحكم عليهم (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-271>٤٧ </span>- قوله تعالى: ﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾. (التفضيل) نقيض التسوية، يقال: فضله إذا أعطاه الزيادة، وفضله إذا حكم له بالزيادة في الفضل. و(التفضل) لبس المفضل من الثوب، وهو ما يتخفف به الإنسان في بيته، ورجل فُضُل متفضل (٥)، ومنه:\n...... إِلَّا لِبْسَةَ المُتَفَضِّلِ (٦)\n_________\n(١) أخرج ابن جرير عن أبي العالية: قال: (يستيقنون أنهم يرجعون إليه يوم القيامة) قال ابن جرير: (وقال آخرون: أنهم إليه يرجعون بموتهم) ١/ ٢٦٤، وانظر: \"تفسير ابن عطية\" ١/ ٢٨٠، و\"القرطبي\" ١/ ٣٢١.\n(٢) في (ب): (إلى العود).\n(٣) في (ب): (بدو) وقد وردت هكذا في \"لباب التفسير\" للكرماني ١/ ٢٢٨.\n(٤) انظر: \"تفسير الرازي\" ٣/ ٥١، \"لباب التفسير\" للكرماني ١/ ٢٢٨، \"البحر\" ١/ ١٨٧.\n(٥) انظر: \"تهذيب اللغة\" (فضل) ٣/ ٢٨٠١، \"الصحاح\" (فضل) / ١٧٩١، \"اللسان\" (فضل) ٦/ ٣٤٢٩ - ٣٤٣٠، \"مفردات الراغب\" ٣١٨.\n(٦) جزء من بيت لامرئ القيس يقول:\nفَجِئْتُ وَقَدْ نَضَتْ لَنَوْمٍ ثِيَابَهَا ... لَدى السِّتْرِ إلاَّ لِبْسَةَ المُتَفَضِّلِ\n(نضت): نزعت، (المتفضل): اللابس ثوبًا واحدًا.\nالبيت في \"تهذيب اللغة\" (نضا) ٤/ ٣٥٨٩، \"اللسان\" (نضا) ٧/ ٤٤٥٧، \"أوضح المسالك\" ص ١٠٥،\"شرح شذور الذهب\" ص ٢٨٦، \"الهمع\" ٣/ ١٢٣، ٤/ ٩٤، \"الخزانة\" ١٠/ ١٣٠، \"ديوان امرئ القيس\" ص ١١٤.","vol":"2","page":466},{"text":"وذلك أن ذلك الثوب فضل على سائر الثياب التي تصان وتدخر. وهذا التفضيل (١) هو ما ذكر في قوله ﴿إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ﴾ الآية [المائدة:٢٠]. وأراد بـ (العالمين) عالمي زمانهم (٢)، والخطاب للموجودين منهم في ذلك الوقت والمراد به سلفهم، ولكن في تفضيل الآباء شرفا للأبناء، ولذلك قال لهم: ﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-272>٤٨ </span>- قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي﴾ الآية. لا تجزي معناه: لا تقضي ولا يغني (٤)، ومنه قوله ﷺ لأبي بردة بن نِيَار (٥): (ولا تجزي عن أحد بعدك) (٦)، معناه:\n_________\n(١) انظر: \"تفسير الرازي\" ٣/ ٥٢، و\"ابن كثير\" ١/ ٩٤.\n(٢) ذكره ابن جرير عن قتادة وأبي العالية ومجاهد وابن زيد، وقال ابن جرير: أخرج مخرج العموم ويراد به الخصوص ١/ ٢٦٤ - ٢٦٥، وكذا قال ابن قتيبة في \"غريب القرآن\" ص ٣٨، وانظر. \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٦٩ ب، وابن عطية ١/ ٢٨١، و\"تفسير القرطبي\" ١/ ٣٢١، \"زاد المسير\" ١/ ٧٦، و\"تفسير ابن كثير\" ١/ ٩٤.\n(٣) انظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ٢٦٤، \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٩٧، \"تفسير ابن عطية\" ١/ ٢٨١.\n(٤) كذا في (أ)، (ج) وفي (ب) بدون إعجمام، وفي \"الوسيط\": (لا يقضي ولا يغني) وفي الحاشية قال: في (أ)، (ب): (لا تقضي ولا تعني) ١/ ٩٩، وفي \"تفسير الطبري\": (لا تقضي ولا تغني)،١/ ٢٦٦، وانظر: \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٦٩ ب، \"تهذيب اللغة\" (جزى) ١/ ٦٠١.\n(٥) هو أبو بُردة بن نِيَار بن عمرو الأنصاري، من حلفاء الأوس، صحابي جليل شهد العقبة وبدرا والمشاهد النبوية الأخرى، توفي سنة اثنتين وأربعين، انظر \"طبقات ابن سعد\" ٣/ ٤٥١، \"الإصابة\" ٤/ ١٨، ٣/ ٥٩٦، \"سير أعلام النبلاء\" ٢/ ٣٥.\n(٦) قطعة من حديث في قصة أبي بردة بن نِيَار، حينما ذبح قبل صلاة العيد، فأذن له النبي ﷺ أن يضحي بالجذعة المعزى. أخرجه البخاري في عدة =","vol":"2","page":467},{"text":"ولا تقضي (١)، ومنه أيضا ما روي (أن رجلا كان يداين للناس، وكان له كاتب ومتجاز، وكان يقول له: إذا رأيت الرجل معسرا فأنظره، فغفر الله له (٢)، فالمتجازي: المتقاضي (٣).\nومنه الجزية، لأن معناها في كلام العرب: الخراج المجعول على الذمي، سمي جزية لأنها قضاء منه (٤).\nقال أهل (٥) العربية: وأصل هذا الحرف من الجزاء الذي هو\n_________\n= مواضع، فأورده (٩٥٥) كتاب (العيدين) باب (الأكل يوم النحر). و(٩٦٥) باب (الخطبة بعد العيد)، و(٩٦٨) باب: (التبكير إلى العيد)، و(٩٨٣) باب (كلام الإمام والناس في خطبة العيد). و(٥٥٤٥) كتاب (الأضاحي) باب (سنة الأضحية)، و(٥٥٥٦) باب (قول النبي ﷺ لأبي بردة ضح بالجذع من المعز)، و(٥٥٦٠) باب (الذبح بعد الصلاة). و(٥٥٦٣) باب (من ذبح قبل صلاة وأعاد). أخرجه مسلم من عدة طرق (١٩٦١) كتاب الأضاحي، وأخرجه أبو داود (٢٨٠٠) كتاب: (الأضاحي) باب (ما يجوز من السن في الضحايا)، وأحمد في \"مسنده\" ٤/ ٢٨٢، ٢٩٨، ٣٠٣ كلهم عن البراء.\n(١) ذكره أبو عبيد عن الأصمعي. \"غريب الحديث\" ١/ ٤٣، وانظر: \"تهذيب اللغة\" (جزى) ١/ ٦٠١.\n(٢) الحديث بهذا النص ذكره أبو عبيد في الغريب قال: (ومنه حديث يروى عن عبيد ابن عمير: (أن رجلا كان يداين الناس ..) الحديث. \"غريب الحديث\" ١/ ٤٣. ولم أجده بهذا اللفظ، وقد أخرج البخاري عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: \"كان تاجر يداين الناس فإذا رأى معسرًا قال لفتيانه: تجاوزوا عنه لعل الله أن يتجاوز عنا، فتجاوز الله عنه\" (٢٠٧٨) كتاب البيوع باب (من أنظر معسرًا)، وأخرج مسلم (١٥٦٢) كتاب (البيع)، باب (فضل إنظار المعسر). ذكره الألباني في \"صحيح الجامع الصغير\" \"وزيادته\" (٤٤٥٤).\n(٣) \"غريب الحديث\" لأبي عبيد ١/ ٤٣، \"الصحاح\" (جزى) ٦/ ٢٣٠٢.\n(٤) \"تهذيب اللغة\" (جزى) ١/ ٦٠٢.\n(٥) في (ب): (وقال) و(أهل) ساقط.","vol":"2","page":468},{"text":"المكافأة، ومقابلة الشيء بالشيء، فيجزي بمعنى: يكفى، لأنه يقابل فيه الشىء بمقداره (١).\nومعنى (لا تجزي نفس عن نفس) أي لا يقابل مكروهها بشيء يدرؤه عنها (٢).\nوموضع (لا تجزي) نصب، لأنه صفة ليوم (٣). والعائد على اليوم محذوف من الآية، واختلف النحويون فيه، فقال الفراء (٤): التأويل: (لا تجزي فيه نفس عن نفس) ثم حذفت الصفة (٥)، ومثله قوله: ﴿وَأَنذِرْهُم يَوْمَ\n_________\n(١) قال الأزهري: (وبعض الفقهاء يقول: أجزى عنك بمعنى جزى، أي: قضى. وأهل اللغة يقولون: أجزأ بالهمز، وهو عندهم بمعنى: كفى \"تهذيب اللغة\" (جزى) ١/ ٦٠١، وانظر: \"الصحاح\" (جزى) ٦/ ٢٣٠٢، \"اللسان\" (جزى) ٢/ ٦٢١، قال الطبري في \"تفسيره\": (وأصل (الجزاء) في (كلام العرب): القضاء والتعويض ..، وقال قوم من أهل العلم بلغة العرب: (يقال: أجزيت عنه كذا): إذا أعنته عليه، وجزيت عنك فلانا: إذا كافأته. وقال آخرون منهم: بل (جزيت عنك): قضيت عنك، و(أجزيت): كفيت، وقال آخرون منهم: (بل هما بمعنى واحد ..) وزعم آخرون أن (جزى) بلا همز: قضى. و(أجزأ) بالهمز: كافأ. \"تفسير الطبري\" ١/ ٢٢٦، وانظر. \"غريب القرآن\" لابن قتيبة ص ٣٨ - ٣٩.\n(٢) قال ابن جرير في \"تفسيره\": (واتقوا يومًا لا تقضي نفس عن نفس شيئًا ولا تغني عنها عنى) الطبري في \"تفسيره\" ١/ ٢٦٦، و\"تفسير أبي الليث\" ١/ ١١٦، و\"تفسير الثعلبي\" ١/ ٦٩ب، و\"تفسير ابن عطية\" ١/ ٢٨٢، و\"تفسير البغوي\" ١/ ٩٠، و\"تفسير الرازي\" ٣/ ٥٤، و\"تفسير ابن كثير\" ١/ ٩٥.\n(٣) انظر: \"مشكل إعراب القرآن\" ١/ ٤٤، \"البيان\" ١/ ٨٠، \"الإملاء\" ١/ ٣٥، وقال النحاس: قوله: (لا تجزى) في موضع نصب عند البصريين على نعت لليوم، وعند الكوفيين صلة. \"إعراب القرآن\" ١/ ١٧١.\n(٤) انظر \"معاني القرآن\" الفراء ١/ ٣١.\n(٥) مراده بالصفة حرف الجر، كما هو في اصطلاح الكوفيين، وهو هنا (في) المتصل =","vol":"2","page":469},{"text":"الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ﴾ [غافر: ١٨] والمعنى: ما للظالمين فيه من حميم (١)، وكذلك قوله: ﴿يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا﴾ [الدخان: ٤١] أي: فيه، وهذا أيضا مذهب سيبويه (٢).\nوكان الكسائي لا يجيز إضمار الصفة، ويقول: إن المحذوف هاهنا (٣) (الهاء) وتقديره كأنك قلت: (واتقوا يوما لا تجزيه نفس عن نفس) فجعل اليوم مفعولا على السعة، ثم ألقيت الهاء، كما تقول: رأيت رجلًا أحبّ، تريد (أحبه) (٤) وينشد على هذا (٥):\nقَدْ صبَّحَتْ صَبحَهَا السَّلاَمُ ... بِكَبِدٍ خَاَلطَهَا السَّنَامُ\nفي ساعة يُحَبُّهَا الطَعَامُ (٦)\n_________\n= بالضمير العائد على اليوم. انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٣١، \"الحجة\" لأبي علي ٢/ ٤٤، ٤٥.\n(١) انظر: \"الحجة\" ٢/ ٤٥.\n(٢) وهو مذهب البصريين وجماعة من الكوفيين، انظر \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٨٩، \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ١٧١، \"معاني القرآن\" للأخفش ١/ ٢٥٨، \"المشكل\" لمكي ١/ ٤٤، \"تفسير ابن عطية\" ١/ ٢٨٢، \"البحر\" ١/ ١٨٩، ١٩٠، قال أبو حيان. والوجهان يعني تقديره: لا تجزى فيه ولا تجزيه، جائزان عند سيبويه والأخفش والزجاج، انظر: \"تفسير القرطبي\" ١/ ٣٢١ - ٣٢٢.\n(٣) في (ج): (هنا).\n(٤) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٣٢، والزجاج ١/ ٩٨، \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ١٧١، \"تفسير الطبري\" ١/ ٢٦٥، و\"البيان\" ١/ ٨٠، و\"تفسير القرطبي\" ١/ ٣٢١، \"البحر\" ١/ ١٩٠.\n(٥) في (ب): (على هذا قال).\n(٦) الرجز لم ينسب، والرواية في جميع المصادر (سنام)، ومعنى: (صبحت): أتت بالصبوح، واستعمله في الطعام الذي أتته به مجازا، ويدعوا لها بالخير: (صبحها السلام)، لأنها أتته به على حاجة شديدة للطعام. ورد الزجر في \"معاني القرآن\" =","vol":"2","page":470},{"text":"يعني يُحَبُّ فيها، فجعل الظرف مفعولا على السعة، وهذا أيضا مذهب الأخفش (١).\nقال الكسائي: ولو أجزت إضمار الصفة هاهنا لأجزت: أنت الذي كلمت، وأنا أريد: كلمت فيه، وهذا رجل قصدت، وأنا أريد: إليه، وهذا رجل أرغب، وأنا أريد: فيه، ولم يجز إضمار حرف الصفة في هذه المواضع كذلك في الآية (٢).\nقال الفراء والزجاج وجماعة النحويين: لا يلزم ما ذكره الكسائي، لأن الصفة مع الظروف جائزة الحذف، ألا ترى أنك تقول: أتيتك يوم الخميس [وفي يوم الخميس] (٣) فيكون المعنى واحد، وإذا قلت: كلمتك، كان غير معنى كلمت فيك، فلما اختلف المعنى مع الأسماء التي لا تكون ظروفا لم يجز إضمار الصفة معها. و(اليوم) من أسماء الزمان، وأسماء الزمان يكون فيها ما لا يكون في غيرها (٤).\nقال أبو علي (٥): الظروف نوع من أنواع المفعولات المنتصبة عن\n_________\n= للفراء ١/ ٣٢، و\"تفسير الطبري\" ١/ ٢٦٥، \"الكامل\" ١/ ٣٤، \"الحجة\" لأبي علي ٢/ ٤٥، \"المخصص\" ١٢/ ٢٤٣، ١٤/ ٧٥.\n(١) مذهب الأخفش جواز الوجهين كما سبق، انظر: \"معاني القرآن\" للأخفش ١/ ٢٥٨ - ٢٦٠.\n(٢) انظر: \"معاني القرآن\" للأخفش ١/ ٢٦٠، و\"معاني الفراء\" ١/ ٣٢، و\"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ١٧١، و\"تفسير القرطبي\" ١/ ٣٢١، و\"البحر\" ١/ ١٩٠.\n(٣) (وفي يوم الخميس) ساقط من (أ)، (ج) والواو من قوله: (وفي) ساقطة من (ب)\nوثوبتها يقتضيه السياق، الجملة بهذا النص في \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٣٢.\n(٤) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٣٢، و\"معاني الأخفش\" ١/ ٢٦٠، و\"معاني الزجاج\" ١/ ٩٩.\n(٥) نقل الواحدي عن \"الإغفال\" ص ١٧٤ (رسالة ماجستير).","vol":"2","page":471},{"text":"تمام الكلام، وهو زمان أو مكان (١).\nفأما أسماء الزمان: فالفعل يتعدى إلى مختصه ومبهمه ومعرفته ونكرته وكل نوع منه، كما يتعدى إلى المصدر، وكل ضرب منه. وإنما كان كذلك لاجتماعهما (٢) في دلالة الفعل عليهما.\nألا ترى أن في لفظ (٣) الفعل دلالة على الزمان كما أن في لفظه دلالة على الحدث.\nوأما أسماء المكان فإن الفعل يتعدى إلى المبهم منها بغير حرف الجر دون (٤) المختص (٥).\nومعنى المبهم منها ما كان شائعًا ولم يكن له حدود معلومة نحو: خلف وقدام وسائر الجهات الست، وعند. ألا ترى أنه لا حدود لهذه المسميات تقف عندها، كما للمسجد والسوق (٦) والبيت وبغداد والبصرة، تقول: (قمت خلفك) فتعدي إليه الفعل، و(قمت في المسجد)، ولا تقول: (قمت المسجد)، وإنما كان كذلك لأن الفعل لا يدل على ظروف المكان\n_________\n(١) في \"الإغفال\": (أو مشبه بهما) ص ١٧٤.\n(٢) في (أ)، (ج): (لاجتماعها) وأثبت ما في (ب) لأنه أصوب وموافق لما في \"الإغفال\" ص ١٧٤.\n(٣) في (ب) تكرار ونصها: (ألا ترى أن لفظ الفعل دلالة الفعل عليهما ألا ترى أن في لفظ الفعل دلالة على الزمان ..).\n(٤) (دون) ساقط من (ب).\n(٥) ذكر كلام أبي علي بمعناه. \"الإغفال\" ص ١٧٥، وانظر: \"الكتاب\" ١/ ٤١٢ - ٤١٧.\n(٦) نص كلام أبي علي: (.. ألا ترى أنه لا حدود لهذه المسميات تقف عندها فتحصرها بها، كما تحصر بها المختصة منها نحو: المسجد والسوق ..) \"الإغفال\" ص ١٧٤، وكلامه أوضح من عبارة الواحدي.","vol":"2","page":472},{"text":"بلفظه وإنما يدل عليها بالمعنى كما يدل على المفعول، والمفعول إذا تعدى الفعل إليه بحرف جر لا يجوز حذف حرف الجر منه إلا أن يسمع ذلك من العرب (١).\nألا ترى أنك تقول: مررت بزيد، ولا يجوز أن تقول: مررت زيدًا (٢)، فكذلك كان القياس في جميع ظروف المكان أن يتعدى الفعل إليها (٣) بحرف الجر، إلا أن المبهمة جاز حذف الجر منها، لأنها قد أشبهت ظروف الزمان، وذلك أنه ليس لها خلق (٤) كما أن الزمان لا خلقة له، فباين ظروف المكان بعضها بعضا (٥).\nفالخلف والقدام وهذه المبهمة يجوز أن تنقلب كلها فيصير الخلف قداما، والقدام خلفا، كما يجوز أن ينقلب ظرف (٦) الزمان فيصير اليوم أمس.\nفلما شبهت المبهمة من ظروف المكان بظروف الزمان عَدَّوْا إليها الفعل من غير توسط حرف الجر. وأما المختصة كالدار والبيت والمسجد\n_________\n(١) \"الإغفال\" ص ١٧٤ - ١٧٥، نقل كلامه بالمعنى.\n(٢) في (ب): (مزيدا).\n(٣) (اليها) ساقط من (ب).\n(٤) أي ليس لها مدلول محسوس وحيز وهيئة، إنما مدلولها معنوي، كالقدام والخلف، وهذه العبارة لم ترد في \"الإغفال\".\n(٥) في (أ)، (ج): (بعضها بعضها) وأثبت ما في (ب)، لأنه أصوب، المراد أن ظروف المكان تختلف، فظروف المكان غير المختصة لها حكم ظروف الزمان، بخلاف ظروف المكان المختصة غير المبهمة فلا يتعدى الفعل إليها إلا بحرف الجر.\n(٦) في (ب): (تنقلب ظروف).","vol":"2","page":473},{"text":"فلها خلق (١) كزيد وعمرو، ألا ترى أنه لا يسمى كل بقعة مسجدا ولا دارا، فلما جرت هذه الظروف مجرى زيد وعمرو، وجب أن لا يعدى الفعل إليها إلا (٢) بحرف جر، فأما قولهم: (ذهبت الشام) يريدون إلى الشام، فهو شاذ عند سيبويه، وقولهم: (دخلت البيت) فهو - أيضا شاذ عنده (٣). وهو عند أصحابه مفعول به، لأنه ظرف صير مفعولا، فهو عندهم بمنزلة: هدمت البيت (٤). قال أبو علي (٥): والجائز عندي من هذه الأقاويل التي قيلت في الآية قول من قال: إن (اليوم) جعل (٦) مفعول (تجزي) على السعة، كقول الشاعر:\nوَيَوْمٍ شَهِدْنَاهُ (٧) سُلَيْمًا وَعَامِرًا (٨)\n_________\n(١) في (ج): (حلف).\n(٢) في (ب): (اليها لا).\n(٣) انظر: \"الكتاب\" ١/ ٤١٤.\n(٤) انظر: \"الإغفال\" ص ١٧٥ - ١٧٦، نقل الكلام بمعناه.\n(٥) \"الإغفال\" ص ١٧٦.\n(٦) (جعل) ساقط من (ب).\n(٧) في (ج): (شهدنا).\n(٨) البيت لم يرد ضمن كلام أبي علي في هذا الموضع، وإنما ورد في كلام أبي إسحاق الزجاج، الذي نقله أبو علي، واستدرك عليه، انظر: \"الإغفال\" ص ١٧٢، \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٩٨، والبيت من (شواهد سيبويه) ١/ ١٧٨، وورد في \"المقتضب\" ٣/ ١٠٥، \"الكامل\" ١/ ٣٣، \"مغني اللبيب\" ٢/ ٥٠٣، \"شرح المفصل\" ٢/ ٤٦، \"همع الهوامع\" ٣/ ١٦٦، والقرطبي في \"تفسيره\" ١/ ٣٢١، وقد نسبه سيبويه لرجل من بني عامر، وعجزه:\nقَلِيلٍ سِوى الطَّعْنِ النِّهَال نَوَافِلُه","vol":"2","page":474},{"text":"ثم حذفت (الهاء) من الصفة كما تحذف من الصلة، وحذف (الهاء) من الصفة كحذفها (١) من الصلة، وذلك أن الصفة تخصص الموصوف كما أن الصلة تخصص الموصول، ومرتبتها أن تكون بعد الموصوف، كما أن مرتبة الصلة (٢) كذلك، وتتضمن الصفة ذكرا من موصوفها كما تتضمنه الصلة من موصولها، فشدة مشابهتهما على (٣) ما تراه.\nوقد كثر مجيء الصلة محذوفًا منها العائد، كقولك: (الذي رأيت زيد) والصفة كالصلة على ما ذكرنا من المشابهة، وإذا [قال] (٤) كذلك حسن الحذف منها حسنه من الصلة.\nفإن قال قائل: إذا جاز حذف الضمير المتصل من الصفة في نحو قولك: (هذا رجل ضربت)، و(الناس رجلان: رجل أكرمت ورجل أهنت) فلم لا يجوز حذف الجار والمجرور من حيث جاز حذف الهاء؟ قيل: إنما\n_________\n= ويروي البيت (يوما) و(يوم) مجرور برب المحذوفة، وسُلَيْم وعامر: قبيلتان من قيس عيلان، وقليل: مجرورة صفة ليوم، والنِّهال: المرتوية بالدم، والنوافل: الغنائم. والشاهد فيه نصب ضمير العائد على (يوم) بالفعل على التشبيه بالمفعول به اتساعًا ومجازًا.\n(١) في (أ)، (ب): (لحذفها) وأثبت ما في (ب)، لأنه هو الصواب، وأقرب إلى عبارة أبي علي في \"الإغفال\" ونص كلامه: (والجائز عندي من هذه الأقاويل التي قيلت في الآية قول من قال: إن اليوم جعل مفعولًا على السعة ثم حذفت الهاء من الصفة، كما تحذف من الصلة، لأن حذفها منها في الكثرة والقياس كحذفها منها. أما القياس فلأن الصفة تخصص الموصوف ..) ص ١٧٦.\n(٢) في (ج): (كما أن الصلة تكون كذلك).\n(٣) في (ج): (مشابهتها كما تراه).\n(٤) كذا وردت في جميع النسخ، وهو تصحيف والنص في \"الإغفال\" (فإذا كان كذلك) ص ١٧٧، وهذا هو الصواب.","vol":"2","page":475},{"text":"جاز حذف الضمير المتصل من الصفة (١) لمشابهتها الصلة، وقد كثر حذف ذلك في الصلة وحسن، فلما كثر ذلك في الصلة وشابهتها الصفة شبهت بها أيضًا في حذف الضمير منها. ولا اختلاف بين الجميع (٢) في أن الضمير إذا خرج عن الفعل إلى الحرف فلم يتصل به لم يحذف من الصلة، فمن قال: (الذي ضربت زيد) لم يقل: (الذي رغبت زيد)، ولا (الذي مررت زيد) (٣)، إذا أراد (فيه) و(به) وإذا لم يجز ذلك في الأصل الذي هو الصلة المشبه به الصفة، كان في الصفة أبعد من الجواز (٤).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ﴾. قبول الشيء: تلقيه، والأخذ به، وخلاف الإعراض عنه (٥).\nاللحياني: يقال (٦): قبلت الشيء أَقْبلَه قَبُولًا وقُبُولًا، وعلى فلان قَبُول، أي تقبله العين (٧)، ومثل ذلك قال ابن الأعرابي (٨).\nوقوله: ﴿شَفَاعَةٌ﴾ قال المبرد وثعلب: الشفاعة: كلام الشفيع الملك (٩) في حاجة يسألها لغيره (١٠). وهو من الشفع الذي هو خلاف\n_________\n(١) في (ب): (الصلة).\n(٢) في (ب): (الجمع). وفي \"الإغفال\": (.. بين الجميع من البصريين ..) ص ١٧٨.\n(٣) في (ج): (زيدا).\n(٤) أنتهى ما نقله عن أبي علي الفارسي من كتاب \"الإغفال\" ص ١٧٤ - ١٧٨. (رسالة ماجستير) وقد نقل الواحدي كلام أبي علي بتصرف.\n(٥) بنصه في \"الحجة\" لأبي علي ٢/ ٤٦.\n(٦) في (ب): (يقول).\n(٧) في (ج): (ليس).\n(٨) \"تهذيب اللغة\" (قبل) ٣/ ٢٨٧٥.\n(٩) كذا في جميع النسخ، وفي \"تهذيب اللغة\"، و\"اللسان\": (للملك).\n(١٠) \"تهذيب اللغة\" (شفع) ٢/ ١٨٩٧، وانظر: \"اللسان\" (شفع) ٤/ ٢٢٨٩.","vol":"2","page":476},{"text":"الوتر، وكأنه سؤال من الشفيع يشفع سؤال المشفوع له (١).\nقال أحمد بن يحيى: الشفعة (٢) من هذا، ومعناها في اللغة كالزيادة، وهو أن يُشَفِّعَك فيما تطلب (٣) حتى تضمه إلى ما عندك فتزيده (٤) وتشفعه بها، أي أنه كان وترا فضم إليه ما زاده وشفعه به (٥). ومن هذا يقال: شاة (٦) شافع، إذا كان معها ولدها (٧).\nقال أصحاب المعاني: ليس معنى: ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ﴾ أن هناك (٨) شفاعة لا تقبل، وإنما المعنى لا يكون (٩) شفاعة فيكون لها قبول، كما أن قوله: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة: ٢٧٣]، معناه: لا يكون منهم سؤال فيكون إلحاف (١٠)، ويقول امرؤ القيس:\n_________\n(١) انظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ٢٦٧، \"تهذيب اللغة\" (شفع) ٢/ ١٨٩٨، \"اللسان\" (شفع) ٤/ ٢٢٨٩.\n(٢) في (ج): (الشفاعة).\n(٣) في (ج): (يطلب).\n(٤) في (ج): (فتزيده بها).\n(٥) \"تهذيب اللغة\" (شفع) ٢/ ١٨٩٨، وفيه: (قال المنذري وسمعت أبا العباس وسئل عن اشتقاق الشفعة في اللغة فقال: الشفعة: الزيادة ..)، وانظر: \"اللسان\" (شفع) ٤/ ٢٢٩٠.\n(٦) قوله: (يقال شاة) ساقط من (ب).\n(٧) ذكره أبو عبيدة في \"غريب الحديث\" ١/ ٢٥٧، وذكره عنه الأزهري، \"تهذيب اللغة\" (شفع) ٢/ ١٨٩٨.\n(٨) في (ب): (وأن هناك).\n(٩) في (ب): (تكون) ومثله في \"الحجة\" لأبي علي ٢/ ٤٧.\n(١٠) نقله عن أبي علي من \"الحجة\" ٢/ ٤٦، ٤٧، - ولم أجده عن أحد من أهل (المعاني) فيما اطلعت عليه وظاهر كلام أبي علي نفي أصل الشفاعة، حيث قال =","vol":"2","page":477},{"text":"عَلَى لاَحِبٍ لاَ يُهْتَدى لِمَنَارِه ... إِذَا سَافَهُ العَوْدُ الدِّيَافِيُّ جَرْجَرَا (١)\nأي ليس هناك (منار) فيكون اهتداء، وكقوله أيضًا-:\nوَلاَ تَرى الضَّبَّ بهَا يَنْجَحِرْ (٢)\nأي ليس هناك (ضب) فيكون منه (٣) انجحار.\n_________\n= بعده فأما قوله: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا﴾ [النجم: ٢٦]، فالمعنى لا تغني شفاعتهم أن لو شفعوا، ليس أن هناك شفاعة مثبتة ..) \"الحجة\" ٢/ ٤٨. ونفى أصل الشفاعة هو مذهب المعتزلة، كما قرره الزمخشري في \"الكشاف\" في تفسير هذه الآية، ورد عليه أحمد بن محمد بن المنير في كتاب \"الإنصاف\" في \"حاشية الكشاف\" ١/ ٢٧٨.\nومعنى الآية عند الجمهور: أنه وإن كان ظاهرها العموم فهي مخصوصة بمن مات على كفره غير تائب. انظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ٢٦٨، و\"تفسير البغوي\" ١/ ٩٠٠، و\"تفسير ابن كثير\" ١/ ٩٥. ولم ينبه الواحدي على كلام أبي علي الموهم لنفي الشفاعة، مع أن الواحدي ذكر المعنى الصحيح في الآية في موضع آخر كما سيأتي.\n(١) يروي البيت في جميع المصادر (بمناره) وفي \"ديوان امرئ القيس\" (النباطي) بدل (الديافي) قوله (على لاَحِبٍ): اللاحب الطريق البين الذي لحبتته الحوافر، ثم يستعمل لكل طريق بين وخفي، و(لا يهتدي لمناره): ليس فيه علم ولا منار يهتدى به، (سافه العَوْد) أي شمه المسن النجائب، (جرجرا): صوت ورغاء الإبل. ورد البيت في \"تهذيب اللغة\" (لحف) ٢/ ١٥٩٨، (ساف) ٢/ ١١٣٢، (داف) \"الحجة\" ٢/ ٤٧، \"شرح أشعار الهذليين\" ١/ ٣٦، \"الخصائص\" ٣/ ١٦٥، ٣٢١، \"مقاييس اللغة\" ٢/ ٣١٨، \"اللسان\" (ديف) ٣/ ١٤٦٦، (سوف) ٤/ ٢١٥٣، \"الخزانة\" ١٠/ ٢٥٨، \"ديوان امرئ القيس\" ص ٦٤.\n(٢) عجز بيت نسبه بعضهم لعمرو بن أحمر وصدره:\nلاَ يُفْزِعُ الأَرْنَبَ أَهْوَالُهَا\nيقول ليس ثم هول تفزع منه الأرنب، وليس هناك ضب فيكون منه انجحار. ورد البيت في \"شرح أشعار الهذليين\" ١/ ٣٦، \"الخصائص\" ٣/ ١٤٦، ٣٢١، \"الحجة\" لأبي علي ٢/ ٤٧.\n(٣) في (ب): (هناك).","vol":"2","page":478},{"text":"وقرئ قوله: ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ﴾ بالياء والتاء (١)، فمن قرأ بالتاء قال: الاسم الذي أسند إليه هذا الفعل مؤنث، فيلزم أن يلحق المسند (٢) أيضا علامة التأنيث، ليؤذن لحاق العلامة (٣) بتأنيث الاسم. ومما يقوي هذا أن كثيرا من العرب إذا أسند الفعل إلى المثنى أو المجموع ألحقوه علامة التثنية والجمع (٤)، كقوله:\nأُلْفِيَتَا عَيْنَاكَ عِنْدَ القَفَا (٥)\nوقول آخر:\n... يَعْصِرْنَ السَّلِيَط أَقَارِبُهْ (٦)\n_________\n(١) قرأ ابن كثير وأبو عمرو بالتاء، وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي ونافع بالياء، وروى الوجهان عن عاصم. انظر \"السبعة\" ص ١٥٥، \"الحجة\" ٢/ ٤٣، \"التيسير\" ص ٧٣.\n(٢) في (ج): (بالمسند).\n(٣) في (ب): (علامة لحاق).\n(٤) هذا على اللغة المعروفة بلغة (أكلوني البراغيث) وهي لغة قليلة مشهورة. انظر: \"الأشموني مع حاشية الصبان\" ٢/ ٤٧ - ٤٨.\n(٥) شطر البيت من قصيدة لعمرو بن ملقط، أوردها أبو زيد، وعجزه:\nأوْلَى فَأوْلَى لَكَ ذَا وَاقِيَةْ\nوأورد صاحب \"الخزانة\" وشرحها. قوله: (اولى لك): كلمة وعيد وتهديد، و(الواقية): مصدرها بمعنى الوقاية، يصفه بالهروب، ويقول أنت ذو وقاية من عينك عند فرارك تحترس بهما، ولكثرة تلفتك حينئذٍ، صارت عيناك كأنهما في قفاك. انظر: \"النوادر\" ص ٢٦٨، \"الحجة\" ٢/ ٥١، \"مجمل اللغة\" ١/ ٤٨٣، \"الخزانة\" ٩/ ٣١. والشاهد لحاق ألف التثنية في قوله: (الفيتا).\n(٦) قطعة من بيت من قصيدة للفرزدق يهجو عمرو بن عفراء الضبي، وتمامه:\nولكن دِيَافِيٌّ أَبُوهُ وَأُمُّهُ ... بِخَوْرَانَ يَعْصِرْنَ السَّلِيَط أقَارِبُهْ\nيقول: هو قروي من (دياف) قرية بالشام يعتمل لإقامة عيشه، وليس كما عليه =","vol":"2","page":479},{"text":"فكما ألحقوا هاتين العلامتين لتؤذنا بالتثنية والجمع، كذلك ألحقت علامة التأنيث الفعل لتؤذن بما في الاسم منه، وكان لحاق هذه العلامة أولى من لحاق علامتي التثنية والجمع، للزوم علامة التأنيث (١) الاسم، وانتقاء لزوم هاتين العلامتين الاسم، لأنه إذا وحد (٢) زالت علامة التثنية والجمع. ولا يتوهم سقوط الهاء من الشفاعة (٣)، وبحسب لزوم المعنى تلزم (٤) علامته (٥).\nومن قرأ بالياء، فلأن التأنيث في الاسم ليس بحقيقي، وإذا كان كذلك حمل على المعنى فذكّر، ألا ترى أن الشفاعة (٦) والتشفع بمنزلة (٧)، كما أن الموعظة والوعظ، والصيحة والصوت كذلك، وقد قال: ﴿فَمَن\n_________\n= العرب من الانتجاع والحرب، و\"السليط\": الزيت. ورد البيت في \"الكتاب\" ٢/ ٤٠، \"وشرح أبياته للسيرافي\" ١/ ٤٩١، \"الخصائص\" ٢/ ١٩٤، \"الحجة\" ١/ ١٣٢، ٢/ ٥٢، \"الخزانة\" ٥/ ١٦٣، ٢٣٤، ٢٣٥، ٢٣٧، ٢٣٩، ٧/ ٣٤٦، ٤٤٦، ١١/ ٣٧٣، \"شرح المفصل\" ٣/ ٨٩، ٧/ ٧، \"الهمع\" ٢/ ٢٥٧، \"اللسان\" (سلط) ٤/ ٢٠٦٥، (ديف) ٣/ ١٤٦٦، \"ديوان الفرزدق\" ١/ ٤٦. والشاهد: لحاق نون الجمع في قوله (يعصرن).\n(١) في (ج): (الفعل الاسم).\n(٢) في (ب): (وجدو).\n(٣) فإذا لزمت علامة التأنيث في الاسم يحسن إلحاقه الفعل. \"الحجة\" ٢/ ٥٢.\n(٤) (أ)، (ج): (يلزم)، وما في (ب) موافق للحجة.\n(٥) من \"الحجة\" لأبي علي بنصه ٢/ ٥١، ٥٢، وانظر: \"الحجة\" لابن خالويه ص ٧٦، \"الحجة\" لابن زنجلة ص ٩٥، \"الكشف\" لمكي ١/ ٢٣٨.\n(٦) في (ب): (الشفيع).\n(٧) أي: أن تأنيث الشفاعة ليس حقيقيًّا، فلفظ (الشفاعة) وهو مؤنث مثل لفظ (التشفع) وهو مذكر. انظر: \"الحجة\" لابن زنجلة ص ٩٥.","vol":"2","page":480},{"text":"جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ [البقرة: ٢٧٥]، ﴿وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾ [هود: ٦٧] فكما لم يُلحق (١) العلامة هاهنا كذلك يحسن أن لا تُلحق (٢) في هذه الآية.\nومما يقوي التذكير أنه فصل بين الفعل والاسم، والتذكير يحسن مع الفصل كما حكي من قولهم: (حضر القاضي اليوم (٣) امرأة)، فإذا جاء التذكير في (٤) الحقيقي مع الفصل فغيره أجدر بذلك (٥).\nقال أبو علي (٦): فأما ما قاله أحمد بن يحيى من أن التذكير أجود، لقول ابن مسعود (ذَكِّروُا القرآن) (٧) لا يجوز حمله على تذكير التأنيث، لأنه\n_________\n(١) في \"الحجة\": (لم تلحق) ٢/ ٥٢. وهو الأولى.\n(٢) في (أ)، (ب): (يلحق) وأثبت ما في (ج)، لأنه أصوب وموافق لما في \"الحجة\".\n(٣) (اليوم) ساقط من (ب).\n(٤) في (ب): (يحسن في الحقيقي).\n(٥) كذا بنصه من \"الحجة\" ٢/ ٥٢، ٥٣، وذكر هذه الحجج ابن خالويه ص ٧٦ وابن زنجلة ص ٩٥، ومكي في \"الكشف\" ١/ ٢٣٨، وذكر مكي أربع علل وهي داخلة فيما ذكر أبو علي، والرابعة ما روي عن ابن مسعود: ذكروا القرآن. وهذه العلة ذكرها أبو علي، ثم ردها كما سيأتي.\n(٦) (الحجة) لأبي علي ٢/ ٥٣.\n(٧) ذكره مكي في \"الكشف\" قال: ذكر أبو عبيد عن ابن مسعود أنه قال (ذَكِّروا القرآن، وإذا اختلفتم ... إلخ فاجعلوها ياء)، وذكر أن هذه اللفظة: وإذا اختلفتم .. إلخ رواية عن ابن عباس. \"الكشف\" ١/ ٢٣٨، وذكر ابن خالويه: وإذا اختلفتم .. إلخ عن ابن مسعود. \"الحجة\" ص ٧٦.\nوذكره في (الفائق) بلفظ في الحديث (القرآن ذكر فذكروه) ولم يعزه. \"الفائق\" ٢/ ١٣، وفي \"النهاية في غريب الحديث\" قال: وفيه: (القرآن ذكر فذكروه) أي أنه جليل خطير فأجلوه. \"النهاية في غريب الحديث\" ٢/ ١٦٣.","vol":"2","page":481},{"text":"لا يخلو إما أن أراد تذكير (١) التأنيث الحقيقي أو غير الحقيقي (٢).\nولا يجوز أن يريد تذكير الذي هو غير الحقيقي، لأن ذلك قد جاء في القرآن ما لا يحصى كثرة، كقوله: ﴿وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ﴾ (٣) [الأنعام: ٣٢] و﴿النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ﴾ [الحج: ٧٢]، ﴿وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ (٢٩)﴾ [القيامة: ٢٩]، و﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ﴾ [إبراهيم: ١٠]، و﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٧]، و﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ﴾ [ق: ١٠] فإذا (٤) كان هذا النحو على الكثرة التي تراها، فلا يجوز أن يريد هذا. وإذا لم يجز أن يريد هذا كان إرادة تذكير التأنيث الحقيقي أبعد، كقوله: ﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ﴾ [آل عمران: ٣٥]، وقوله: ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾ [التحريم: ١٢]، ﴿وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ﴾ [القصص: ١١].\nفإن قلت: إنما يريد: [إذا] (٥) احتمل الشيء التذكير والتأنيث، فاستعملوا التذكير وغلبوه.\nقيل هذا أيضا لا يستقيم، ألا ترى أن فيما تلونا ﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ﴾ و﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ فأنث مع جواز التذكير فيه، يدل على ذلك في الأخرى: ﴿أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ [القمر: ٢٠]، وقوله: ﴿مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ﴾\n_________\n(١) في (ب): (أراد بتذكير).\n(٢) نص كلام أبي علي في \"الحجة\": (لا يخلو من أن يريد به التذكير الذي هو خلاف التأنيث، أو يريد معنى غير ذلك. فإن أراد به خلاف التأنيث فليس يخلو من أن يريد: ذكروا فيه التأنيث الذي هو غير حقيقي أو التأنيث الذي هو حقيقي .. ٢/ ٥٣.\n(٣) في (ج): (والدار) وهي آية الأعراف: ١٦٩.\n(٤) في (ب): (وإذا).\n(٥) (إذا) ساقطة من كل النسخ وأثبتها كما في \"الحجة\" لاقتضاء السياق لها والنص في \"الحجة\": (فإن قلت: إنما يريد: إذا احتمل) ٢/ ٥٤.","vol":"2","page":482},{"text":"[يس: ٨٠] ولم يقل الخضر (١) أو الخضراء، فهذه المواضع يعلم منها أن ما ذكر ليس بمراد ولا مذهب، فإذا لم يصح أن يريد به تذكير التأنيث كان معنى غيره. فمما (٢) يجوز أن يصرف إليه، أنه يريد به الموعظة والدعاء إليه كما قال: ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ﴾ [ق: ٤٥] إلا أنه (٣) حذف الجار (٤).\nأو (٥) أراد: ذكروا الناس القرآن، أي: ابعثوهم على حفظه كيلا ينسوه (٦). ويمكن أن يكون المعنى قوله: (ذكروا القرآن) لا تجحدوه ولا تنكروه (٧)، كما أنكره من قال: ﴿إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ (٨) لإطلاقهم عليه لفظ التأنيث فهؤلاء لم يُذَكِّروه لكنهم أنثوه بإطلاقهم التأنيث، وما كان مؤنث (٩) اللفظ عليه، وهذا كقوله: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا﴾ [النساء: ١١٧]، فإناث جمع أنثى، وإنما يعني به ما اتخذوه آلهة، كقوله: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ\n_________\n(١) في (أ)، (ج): (والخضراء) وأثبت ما في (ب) لأنه أولى، وفي \"الحجة\": (الخضر ولا الخضراء) ٢/ ٤٥.\n(٢) في (ب): (فما لا يجوز).\n(٣) في (ب): (أن).\n(٤) وهذا قريب من المعنى الذي ذكره ابن الأثير في \"النهاية في غريب الحديث\" قال: وفيه القرآن ذَكَر فذكروه (أي: أنه جليل خطير فأجلّوه) ٢/ ١٦٣.\n(٥) في (ب): (وأراد).\n(٦) وهذا المعنى (ذكروا الناس القرآن، أي: ابعثوهم على حفظه) غير موجود في \"الحجة\"، ولعله سقط من المطبوع لأن الكلام يدل عليه، ٢/ ٥٥.\n(٧) في (ب): (لا يجحدوه ولا ينكروه).\n(٨) الأنعام: ٢٥، والأنفال: ٣١، والنحل: ٢٤، والمؤمنون: ٨٣، والفرقان: ٥، والنمل: ٦٨، الأحقاف: ١٧، والقلم: ١٥، والمطففين: ١٣.\n(٩) في (أ)، (ج): (يؤنث) وأثبت ما في (ب)، لأنه أولى، والنص فى \"الحجة\": (.. لكنهم أنثوه بإطلاقهم التأنيث على ما كان مؤنث اللفظ كقوله ..) ٢/ ٥٥.","vol":"2","page":483},{"text":"اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ [النجم:١٩، ٢٠]\nوقال (١) العجاج:\nوكُلُّ أُنثَى حمَلَتْ أَحجَارَا (٢)\nفسماها أنثى لتأنيثهم لفظها. وكذلك قول الفرزدق:\nوَكُنَّا إذَا الجَبَّار صَعَّر خَدَّه ... ضَرَبْنَاهُ دونَ الأنْثَيَيْنِ علَى الكَرْدِ (٣)\nأراد بالأنثيين الأذنين (٤). قلت: أطال أبو علي الكلام في تأويل قول\n_________\n(١) في (ب) (قال) بسقوط الواو.\n(٢) الرجز في (الحجة) وقبله: أَوْرَدَ حُذًّا تَسْبِقُ الأَبْصَاراَ.\nوليسا متتاليين في (الديوان)، بل بينهما أبيات وفيها يصف المنجنيق والْحُذْ: السهام البُترْ، وكل انثى: يعنى المنجنيق، يقول: يُرْمي بالمنجنيق فيخرج الحجر من بطن الجلد، كما يبقر بطن الحامل عن الولد. ورد في \"الحجة\" ٢/ ٥٥، \"المخصص\" ١٣/ ١٨٩، \"اللسان\" (حجر) ٢/ ٧٨٥، \"ديوان العجاج\" ص ٤١٦.\n(٣) رواية البيت في \"ديوان الفرزدق\" وبعض المصادر:\nوكُنَّا إذا القيسي نب عتوده ... ضربناه فوق ...............\n\"ديوان الفرزدق\" ١/ ١٧٨، وله بيت آخر:\nوَكُنَّا إِذَا القيسى صَعَّر خَدَهُ ... ضَرَبْنَاهُ حَتَّى تَسْتَقِيمَ الأَخادِعُ\n\"الديوان\" ١/ ٤٢٠، ويظهر انه حصل خلط بين البيتين فكثرت الرواية فيهما. قال ابن قتيبه في \"المعاني الكبير\": ويروي لذي الرمة. وقوله: نب عَتُودُه: تكبر، والعَتُودُ: الجدي الذى بلغ السفاد، صعر خده: أماله كبرا. الأنثيان: شحمتا الأذن، والكَرْد: أصل العنق. انظر: \"المعانى الكبير\" ٢/ ٩٩٤، \"الحجة\" ٢/ ٥٦، \"جمهرة اللغة\" ٣/ ١٣٢٢، \"إعراب ثلاثين سورة\" ص ٢٧٧،\"المخصص\" ١/ ٨٢، ٥/ ١٩٠، ١٦/ ٢٠٣، \"المجمل\" (أنث) ١/ ١٠٤، \"اللسان\" ٧/ ٤٣١٧، (نبب) ١/ ١٤٦ (أنث)، ٧/ ٣٨٤٩ (كرد)، ٧/ ٣٩٦١ (كون).\n(٤) انتهى ما نقله عن أبي علي من \"الحجة\" ٢/ ٥٣ - ٥٦.","vol":"2","page":484},{"text":"ابن مسعود، وهو ما ذهب إليه أحمد بن يحيى (١)، وأراد ابن مسعود أنه إذا احتمل اللفظ التأنيث والتذكير، ولا يحتاج في التذكير إلى تغيير الخط ومخالفة المصحف فَذَكِّر، كقوله: ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ﴾ لست تحتاج إلى مخالفة الخط في التذكير، ويدل على أنه أراد هذا، وأن أصحاب عبد الله من قراء (٢) الكوفة كحمزة والكسائي ذهبوا إلى هذا، فقرؤوا ما كان من هذا القبيل بالتذكير، كقوله: (يوم يشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم) (٣) (٤) [النور: ٢٤]، و﴿يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ﴾ (٥) (٦) [آل عمران: ١٥٤] وأشباههما بالتذكير هذا الذي ذكرنا كله في التأنيث غير الحقيقي.\nوأما الحقيقي: فهو ما يكون منه النسل، ويقبح في مؤنثه لفظ التذكير (٧)، لو قلت: قام جاريتك ونحر ناقتك، كان قبيحا، وهو جائز على\n_________\n(١) أي: أن المراد بكلام ابن مسعود، التذكير الذي هو خلاف التأنيث، وبهذا أخذ ابن خالويه في \"الحجة\" ص ٧٦، ومكي في \"الكشف\" ١/ ٢٣٨، ومما يرجع هذا ما ورد في الرواية عن ابن مسعود: (فإذا اختلفتم في التاء والياء فاجعلوه بالياء).\n(٢) في (ب): (قر).\n(٣) قرأ حمزة والكسائي (بالياء)، وبقية السبعة (بالتاء). انظر: \"السبعة\" ٤٥٤، و\"الكشف\" على ٢/ ١٣٥، \"والتسير\" ص ١٦١.\n(٤) في (ج): (تشهد)، وفي (أ)، (ب): (يشهد) على قراءة حمزة والكسائي.\n(٥) قرأ حمزة والكسائي (بالتاء) وبقية السبعة (بالياء). انظر: \"السبعة\" ص ٢١٧، و\"الكشف\" ١/ ٦٣٠ و\"التسير\" ص ٩١.\n(٦) في (ج): (تغشى) بالتاء على قراءة حمزة والكسائي.\n(٧) نقل الواحدي عن الزجاج من \"معاني القرآن\"، والنص في \"المعاني\": (وأما ما يعقل ويكون منه النسل والولادة نحو امرأة ورجل، وناقة وجمل فيصح في مؤنثه لفظ التذكير، ولو قلت قام جارتك، ونحر ناقتك كان قبيحًا ..) إلخ. والبقية بنصه. \"المعاني\" ١/ ٩٩. وقد تصرف الواحدي في عبارة الزجاج. وقوله: (ويقبح في مؤنثه لفظ التذكير) أي: فإنه يقبح في مؤنثه ...","vol":"2","page":485},{"text":"قبحه، لأن الناقة والجارية تدلان على معنى التأنيث، فاجتزئ بلفظهما عن تأنيث الفعل (١). فأما الأسماء التي تقع للمذكرين (٢) لو سميت بها مؤنثا فلا، بد فيها من علم التأنيث، لأن الكلام للفائدة والقصد (٣) به الإبانة (٤)، فلو سميت امرأة بقاسم لم يجز أن تقول: جاءني قاسم، فلا يعلم أمذكرا عنيت أم مؤنثا، وليس إلى حذف هذه التاء -إذا كانت فارقة (٥) بين معنيين- سبيل، كما أنه إذا جرى ذكر رجلين لم يجز أن تقول: قد قام، إلا أن تقول: قاما (٦)، فعلامة التأنيث فيما فيه اللبس كعلامة التثنية (٧) هاهنا (٨).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾. عَدْلُ (٩) الشيء وعِدْله: مثله (١٠)، قال الله تعالى: ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ [المائدة: ٩٥]، أي: ما\n_________\n(١) المشهور عند النحويين أن المؤنث الحقيقي الذي لم يفصل عن فعله بفاصل يجب تأنيث الفعل له. انظر: (شرح ابن عقيل) ٢/ ٨٨.\n(٢) في \"المعاني\" للزجاج: (للمذكرين وأصحاب المؤنث فلا بد فيها من علم التأنيث ..) ١/ ١٠٠، وعبارة الواحدي أوضح.\n(٣) في (ب): (القصيدة).\n(٤) في (ج): (الاباله).\n(٥) في (ج): (ذار قعين).\n(٦) في (ب): (قد قاما).\n(٧) في (ج): (التثنية والجمع ههنا).\n(٨) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ١٠٠.\n(٩) (عدل) ساقط من (ب).\n(١٠) (العَدْل)، و(العِدْل) بمعنى المثل ومعناهما سواء، وقال الفراء: (العِدْل): المثل، (والعَدْل): ما عادل الشيء من غير جنسه.\nانظر: \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٣٢٠، و\"تفسير الطبري\" ١/ ٢٦٩، \"تهذيب اللغة\" (عدل) ٣/ ٢٣٥٨، \"ومعاني الزجاج\" ٢/ ٢٢٩.","vol":"2","page":486},{"text":"يماثله (١) من الصيام (٢)، قال كعب بن مالك (٣):\nصَبَرْنَا (٤) لاَنَرى لله عَدْلًا ... عَلَى مَانَابنَا مُتَوَكِّلِينَا (٥)\nأي: لا نرى له مثلا.\nوذكر (٦) في التفسير أن العدل هاهنا: (الفداء) (٧)، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا﴾ [الأنعام: ٧٠]، قال يونس: العدل الفداء (٨) [وسمي الفداء] (٩) عدلا، أنه يعادل المفدي ويماثله، وأصل هذا الباب المساواة والمماثلة.\n_________\n(١) في (ج): (ماماثله).\n(٢) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٢/ ٢٢٩.\n(٣) هو كعب بن مالك بن أبي كعب، الأنصاري الخزرجي، شاعر الرسول ﷺ وصاحبه، وأحد الثلاثة الذين خلفوا، فتاب الله عليه، ومات سنة خمسين، وقيل: سنة أربعين، وقيل: غير ذلك، انظر: \"الاستيعاب\" ٣/ ٢٨٦، حاشية على \"الإصابة\"، \"سير أعلام النبلاء\" ٢/ ٥٢٣، \"الجرح والتعديل\" ٧/ ١٦٠، \"تهذيب التهذيب\" ٣/ ٤٧١.\n(٤) في (ج): (الا ترى).\n(٥) أورد الواحدي البيت فى \"الوسيط\" ١/ ١٠٠، وهو من قصيدة لكعب يرد بها على ضرار بن الخطاب بن مرداس، يوم الخندق؛ أورد ابن هشام القصيدتين في \"السيرة\" ٣/ ٢٧٧.\n(٦) (وذكر) ساقط من (ب).\n(٧) ذكره الطبري ١/ ٢٦٨ - ٢٦٩، وابن أبي حاتم ١/ ١٠٥، وابن قتيبة في \"الغريب\" ص ٣٩، والثعلبي ١/ ٧٠ أ، والبغوي ١/ ٩٠، وابن كثير ١/ ٩٥. وذكر ابن أبي حاتم عن علي وعمير بن هانئ: المراد: التطوع والفريضة، \"تفسير ابن أبي حاتم\" ١/ ١٠٥، و\"ابن كثير\" ١/ ٩٥.\n(٨) ذكره الأزهري، قال: أخبرني ابن فهم عن محمد بن سلام عن يونس. \"تهذيب اللغة\" (عدل) ٣/ ٢٣٥٨.\n(٩) ما بين المعقوفين ساقط من (أ)، (ج).","vol":"2","page":487},{"text":"يقال: فلان يعدل فلانا، أي يساويه، ويقال: ما يعدلك عندنا شيء، [أي ما يقع عندنا شيء] (١) موقعك، ولا يساويك.\nوالعِدْل: اسم حِمْل معدول [يحصل] (٢) أي: مسوى به (٣). ونذكر ما قيل في العَدْل، والْعِدْل عند قوله: ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ [المائدة: ٩٥] إن شاء الله.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾. قال المفسرون: أي ولا هم يمنعون من عذاب الله (٤).\nومعنى (النصر) في اللغة: المعونة (٥)، وبينهما فرق، وهو أن المعونة قد تكون على صناعة النصرة لا تكون إلا مع منازعة. وانتصر بمعنى: انتقم، معناه بلغ حال النصرة (٦).\nقال المفسرون: نزلت (٧) الآية في اليهود، وذلك أنهم كانوا يقولون:\n_________\n(١) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).\n(٢) كذا في جميع النسخ (يحصل) والصواب (يحمل) كما في \"التهذيب\" (عدل) ٣/ ٢٣٥٨.\n(٣) \"تهذيب اللغة\" (عدل) ٣/ ٢٣٥٨، وانظر: \"الطبري\" ١/ ٢٦٩، \"اللسان\" (عدل) ٥/ ٢٨٣٩.\n(٤) ذكره الثعلبي ١/ ٧٠ أ، والبغوي ١/ ٩٠، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ١/ ٧٧، وقال الطبري: لا ينصرهم ناصر ولا يشفع لهم شافع، ولا يقبل منهم عدل ولا فدية، ١/ ٢٦٩، ونحوه ذكر ابن كثير ١/ ٩٥.\n(٥) انظر: \"تهذيب اللغة\" (نصر) ٤/ ٣٥٨٤، \"الجمهرة\" ٢/ ٧٤٤، \"اللسان\" (نصر) ٧/ ٤٤٣٩.\n(٦) انظر: \"اللسان\" (نصر) ٧/ ٤٤٣٩.\n(٧) في (ب): (هذه الآية).","vol":"2","page":488},{"text":"يشفع لنا آباؤنا الأنبياء، فآيسهم الله عن ذلك (١). والآية وإن عمت في نفي (٢) الشفاعة فمعناها الخصوص فيمن (٣) مات على الكفر، بدلالة الأخبار الصحيحة في الشفاعة (٤)، وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء:٢٨] وقوله: ﴿لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ﴾ [النجم: ٢٦] (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-273>٤٩ </span>- قوله تعالى: ﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ الآية. (نجيناكم): أصله على النجوة، وهي ما ارتفع واتسع من الأرض، ثم يسمى (٦) كل فائز ناجيا، كأنه خرج من الضيق والشدة إلى الرخاء والراحة، ومنه قوله: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ﴾ [يونس: ٩٢]، أي نلقيك على نجوة (٧).\nوقوله تعالى: ﴿مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ (٨). اختلف أهل العربية في (الآل)،\n_________\n(١) ذكره الطبري في \"تفسيره\" ١/ ٢٦٩، والثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ٧٠ أ، والزجاج في \"معاني القرآن\" ١/ ٩٨.\n(٢) (نفى) ساقط من (ب).\n(٣) في (أ)، (ج): (فمن) وأثبت ما في (ب)، لأنه الصواب.\n(٤) انظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ٢٦٨، و\"تفسير أبي الليث\" ١/ ١١٦، و\"تفسير أبن عطية\" ١/ ٢٨٣، و\"تفسير البغوي\" ١/ ٩٠، \"زاد المسير\" ١/ ٧٦، وهذا قول أهل السنة والجماعة في الشفاعة، بخلاف قول المعتزلة الذين ينفون الشفاعة، وقد نقل الواحدي قولهم فيما سبق وعزاه لأهل \"المعاني\".\n(٥) وفي (ج): ﴿لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا﴾ وهذه آية: ٢٣ من يس.\n(٦) في (ب): (سمى).\n(٧) \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٧٠ أ، انظر: \"تهذيب اللغة\" (نجا) ٤/ ٣٥١٠، و\"تفسير القرطبي\" ١/ ٣٢٥.\n(٨) في (ب): (وقوله: لال (اختلف ..).","vol":"2","page":489},{"text":"واشتقاقه من اللغة، وأصله. فقال جماعة: أصله (١) من (٢) الأَوْل بمعنى الرجوع، فال الرجل كأنه شيعته الذين يؤولون إليه ويؤول إليهم، ومن هذا سمى السراب (آلا)، لأنه يتردد كأنه يرجع بعضه إلى بعض كالماء، وآل الرجل: شخصه، لأنه يتردد معه لا يفارقه، والآلة: الحالة (٣) في قول الخنساء (٤):\nسأَحْمِلُ نَفْسِي عَلَى آلَةٍ ... فَإِمَّا عَلَيْهَا وَإِمَّا لَهَا (٥)\nلأنها تنقلب فتعود تارة إلى إنسان وتذهب تارة، هذا معنى الآل في اللغة. ثم شبه بآل الرجل أشياء تسمى بهذا الاسم وإن لم فيه معنى الأول، كعمد الخيمة (٦) تسمى آلا، تشبيها بآل الإنسان. وآل البعير: ألواحه (٧)،\n_________\n(١) في (أ)، (ج): (وأصله) بزيادة واو، وأثبت ما في (ب)، لأنه أصح في السياق.\n(٢) (من) مكررة في (ج).\n(٣) انظر: \"التهذيب\" (آل) ١/ ١٨٥، \"مقاييس اللغة\" (أَوَل) ١/ ١٥٩ - ١٦١، \"نزهة الأعين النواظر في علم الوجوه والنظائر\" ص ١٢٢، \"اللسان\" ١/ ١٧٥.\n(٤) في (ج): (الخنسى الخنسا). والخنساء هي: تُماضر: بضم التاء وكسر الضاد، بنت عمرو بن الشريد بن سليم، قدمت على الرسول ﷺ مع قومها من بني سليم، وأسلمت معهم. شاعرة مشهور، استحسن النبي - ﷺ - شعرها، وانظر ترجمتها في \"الشعر والشعراء\" ص٢١٣، \"الإصابة\" ٤/ ٢٨٧.\n(٥) من قصيدة من غرر مراثيها في أخيها معاوية، وقيل: في رثاء صخر، وقولها: على آلة: على حالة وعلى خطة، فإما ظفرت وإما هلكت، انظر: \"شرح ديوان الخنساء\" ص ٨٤، \"مقاييس اللغة\" (أول) ١/ ١٦٢.\n(٦) انظر: \"مقاييس اللغة\" (أول) ١/ ١٦١، \"اللسان\" (أول) ١/ ١٧٤ - ١٧٥.\n(٧) في (أ)، (ج): (الوجه) وأثبت ما في (ب) لأنه موافق لما في كتب اللغة. قال ابن فارس: آل البعير ألواحه وما أشرف من أقطار جسمه \"مقاييس اللغة\" (أول) ١/ ١٦١، وانظر: \"اللسان\" (أول) ١/ ١٧٣.","vol":"2","page":490},{"text":"وقال (١) الشاعر:\nتَعَلَّمْتُ با جاد (٢) وآلَ مُرَامِرٍ ... وَسَوَّدْتُ أَثْوابِي وَلَسْتُ بِكَاتِبِ (٣)\nومرامر رجل وضع الهجاء، فسمى حروف الهجاء آل مرامر. ويقال للحواميم آل حم، ومنه قول الكميت:\nوَجَدْنَا لَكُمْ فِي آلِ (٤) حم آيةً ... فَأَوَّلَهَا (٥) مِنَّا تَقِيٌّ وَمُعْرِبُ (٦)\nفعلى قول هؤلاء (٧) تصغير الآل (أُويَلْ)، حكاه الفراء عن الكسائي (٨)، وكان أصله همزتان، فعوضت من أحدهما مدة.\n_________\n(١) (الواو) ساقطة من (ب).\n(٢) كذا في جميع النسخ، ومثله في \"معاني القرآن\" للفراء١/ ٣٦٩، وفي \"اللسان\" (باجادا) ٧/ ٤١٧٨.\n(٣) مرامر بن مرة رجل من طيئ، قيل: إنه أول من وضع الهجاء، وآل: حروف الهجاء، لأنه شهر بها أو لأنه سمى أولاد الثمانية بأسماء جملها. ذكر البيت الفراء في \"معاني القرآن\"، وقال: أنشدني الحارثي ١/ ٣٦٩، وهو في \"اللسان\" (مرر) ٧/ ٤١٧٨.\n(٤) كذا في جميع النسخ، وفي بعض المصادر، (حميم).\n(٥) في (ب): (بأولها) والرواية المشهورة للبيت (تأولها).\n(٦) البيت في ذكر بني هاشم، وكان الكميت متشيعا، يقول: وجدنا في سور (آل حميم) وهي التي أولها (حم) والآية: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى: ٢٣]، يقول: من تأول هذه الآية لم يسعه إلا التشيع لآل البيت، على تقية، أو على غير تقية، والمعرب: المعلن لما في نفسه، انظر: \"الكتاب\" ٣/ ٢٥٧، \"المقتضب\" ١/ ٢٣٨، ٣/ ٣٥٦، \"الحجة\" لابن خالوية ص٣١٢، \"تهذيب اللغة\" (عرب) ٣/ ٢٣٧٩، (طسن) ٣/ ٢١٩٢، \"المخصص\" ١٧/ ٣٧، \"اللسان\": (عرب) ٥/ ٢٨٦٥، (حمم) ٢/ ١٠٠٦، ولم أجده في شعر الكميت.\n(٧) أي: على قول الذين قالوا: أصله (من آل يؤول أولًا) من الرجوع.\n(٨) \"تهذيب اللغة\" (آل) ١٥/ ٤٣٨، \"المشكل\" لمكي ١/ ٤٦، و\"الدر المصون\" ١/ ٣٤١.","vol":"2","page":491},{"text":"وقال أبو الفتح الموصلي (آل) (١) أصله: أهل، ثم أبدلت الهاء همزة، كما قيل: هَنَرْتُ الثوب (٢) وأنَرْتُه، وإياك وهِيَّاك. فصار: (أَأْل) فلما توالت الهمزتان، أبدلت الثانية ألفا، كما قالوا: آدم وآخر، وفي الفعل: آمن ونحوه.\nفالألف في (آل) (٣) بدل من بدل (٤) من الأصل (٥)، فجرت في ذلك مجرى التاء في القسم، فلذلك لا يستعمل (آل) في كل موضع يستعمل فيه (أهل) فلا يقال: انصرف إلى آلك، كما يقال: انصرف إلى أهلك، وكذلك لا يقال: آلك والليل، كما يقال أهلك والليل، وغير ذلك مما يطول ذكره. بل خصوا بالآل الأشرف والأخص دون الشائع الأعم، حتى لا يقال إلا في نحو قولهم القراء آل الله، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد (٦)، ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ [غافر: ٢٨]، وكذلك ما أنشده أبو العباس للفرزدق:\n_________\n(١) في (ب): (ان). أخذ كلام أبي الفتح من \"سر صناعة الأعراب\" ١/ ١٠١.\n(٢) في (ب): (هيرت الثوب وايرته). قوله. (هنرت الثوب وأنزته وإياك وهياك) وردت في \"سر صناعة الأعراب\" ٢/ ٥٥١ عند كلامه عن إبدال الهاء من الهمزة ومعنى (هنرت الثوب): جعلت له علما، ثم قلبوا الهاء همزة فقالوا: أنرت الثوب. انظر: \"تهذيب اللغة\" (آل) ١٥/ ٤٣٨، \"البيان\" ١/ ٣٧.\n(٣) في (ج): (الال).\n(٤) (بدل من) ساقط من (ب).\n(٥) الألف في (آل) بدل من الهمزة، والهمزة بدل من الهاء والهاء أصل. انظر \"سر صناعة الأعراب\" ١/ ١٠١. وذهب أبو جعفر النحاس إلى أن (الألف) في (آل) بدل من الهاء مباشرة، انظر: \"إعراب القرآن\" ١/ ١٧٢ - ١٧٣٢.\n(٦) انظر: \"معاني القرآن\" للأخفش ١/ ٢٦٥، و\"تفسير الطبري\" ١/ ٣٧.","vol":"2","page":492},{"text":"نَجَوْتَ وَلَمْ يَمْنُنْ عَلَيْكَ (١) طَلاَقَةً ... سِوى رَبِذِ (٢) التَّقْرِيبِ مِنْ آلِ أَعْوَجَا (٣)\nلأن أعوج فيهم فرس (٤) مشهوَر، فلذلك قال: آل أعوج، ولا يقال: آل الخياط كما يقال: أهل الخياط، ولا آل الإسكاف (٥) كما يقال: أهل الإسكاف. كما أن التاء في القسم لما كانت بدلا من بدل (٦) وكانت فرع الفرع اختصت بأشرف الأسماء وأشهرها، وهو الله (٧) عز اسمه. ولا يجوز أن يكون، ألف (آل) بدلا من الهاء، لأن الهاء لم تقلب ألفا في غير هذا الموضع، فيقاس (٨) هذا عليه، وإنما تقلب الهاء همزة (٩) كما ذكرنا (١٠).\n_________\n(١) في (ب): (ومن يمن على).\n(٢) في (ب) (زبد).\n(٣) في \"الديوان\": (خرجت) بدل (نجوت) ومعنى (الرَّبِذ): المشي الخفيف، (التقريب): ضرب من السير يقارب فيه الخطو، (أعوج): فرس مشهور. ورد البيت في \"سر صناعة الأعراب\" ١/ ١٠٢، \"ديوان الفرزدق\" ١/ ١١٧.\n(٤) في (ب): (فرش).\n(٥) (الإسكاف) نوع من الصناع، واسم لموضعين بنواحي النهروان من عمل بغداد. انظر: \"القاموس\" (سكف) ص ٨٢٠، \"معجم البلدان\" ١/ ١٨١.\n(٦) قال أبو الفتح (.. فجرت في ذلك مجرى التاء في القسم، لأنها بدل من الواو فيه، والواو بدل من الباء ..) \"سر صناعة الأعراب\" ١/ ١٠٢.\n(٧) لفظ الجلالة غير موجود في (ب).\n(٨) في (ب): (فقياس).\n(٩) ذكر أبو الفتح قلب الهاء همزة في \"سر صناعة الأعراب\" ٢/ ٥٥١، ونقل الواحدي عنه بعض الجمل في هذا الموضع.\n(١٠) هذا آخر ما نقله المؤلف عن أبي الفتح بتصرف، \"سر صناعة الأعراب\" ١/ ١٠٠ - ١٠٢ والخلاصة أن في (آل) ثلاثة أقوال:\n١ - أصله (أهل) أبدلت الهاء همزة، ثم أبدلت الهمزة ألفًا. =","vol":"2","page":493},{"text":"وهذا الذي ذكره أبو الفتح مذهب البصريين، ويقولون في التصغير: (أُهَيْل) (١) بالهاء.\nفمعنى (آل فرعون) أتباعه وأهل دينه (٢).\n(وفرعون) اسم لملوك العمالقة، كما يقال لملك الروم: (قيصر)، ولملك الفرس: (كسرى) ولملك الترك (خاقان) (٣).\nوقال بعض أهل اللغة: فرعون بلغة القبط، وهو التمساح (٤)، ويقال: تفرعن الرجل إذا تشبه بفرعون في سوء أفعاله (٥).\nوقوله تعالى: ﴿يَسُومُونَكُمْ﴾. (السوم) أن تُجشّم (٦) إنسانًا مشقةً وسوءًا أو ظلمًا (٧).\nوقال شمر: ساموهم سوء العذاب، أي: أرادوهم به.\n_________\n= ٢ - أصله: (أهل) ثم قلبت الهاء ألفا من دون قلبها همزة وهو قول النحاس كما سبق.\n٣ - وقيل: أصله: (أأول) من (آل يؤل). انظر \"البيان\" ١/ ٨١، \"الإملاء\" ١/ ٣٥، \"الدر المصون\" ١/ ٣٤١.\n(١) وقيل: يصغر على (أُوَيْل) انظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ٢٧٠، \"سر صناعة الأعراب\" ١/ ١٠٥، \"تهذيب اللغة\" ١٥/ ٤٣٨، \"البيان\" ١/ ٨١.\n(٢) انظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ٢٧٠، \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ١٠٠.\n(٣) انظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ٢٧٠، \"الكشاف\" ١/ ٢٧٩، \"القرطبي\" ١/ ٣٢٧.\n(٤) انظر: \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٧٧٧، (الرباعي من حرف العين)، قال السهيلي عن المسعودي ولا يعرف له تفسير بالعربية. \"التعريف والأعلام\" ص ٢١، وانظر: \"تفسير القرطبي\" ١/ ٣٢٧.\n(٥) انظر: \"الصحاح\" (فرعن) ٦/ ٢١٧٧، \"الكشاف\" ١/ ٢٧٩.\n(٦) في (ج): (شجبتم).\n(٧) ذكره الأزهري عن الليث، وفيه (.. أو سوءا ..) \"تهذيب اللغة\" (سام) ٢/ ١٦٠٠، \"اللسان\" (سوم) ٤/ ٢١٥٨.","vol":"2","page":494},{"text":"وقيل: عرضوا عليهم من السوم الذي هو عرض السلعة على البيع (١).\nوقال أبو عبيدة: يسومونكم: يولونكم، يقال: سُمْته الذل، أي: أوليته إياه (٢).\nو﴿سُوءَ العَذَابِ﴾: ما ساءهم، والسوء اسم جامع للآفات والدواء (٣).\nوالزجاج وغيره: سوء العذاب: شديد العذاب (٤)، وقد فسره بقوله: ﴿يُذَبِّحُونَ أَبْنَائَكُمْ﴾. وأصل الذبح في اللغة: الشق (٥)، ومنه:\nفَأْرَةَ مِسْكٍ ذُبِحتْ فِي سُكِّ (٦)\nوقال الهذلي (٧):\n_________\n(١) \"تهذيب اللغة\" (سام) ٢/ ١٦٠٠، \"اللسان\" (سوم) ٤/ ٢١٥٧.\n(٢) \"مجاز القرآن\" ١/ ٤٠، \"تفسير الغريب\" لابن قتيبة ص ٤٨.\n(٣) ذكره الأزهري عن الليث. \"التهذيب\" (ساء) ٢/ ١٥٨٣، وانظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ٢٧١.\n(٤) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ١٠٠، وانظر: \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٧٠ أ، و\"تفسير أبي الليث\" ١/ ١١٧، و\"العمدة في غريب القرآن\" لمكي ص ٧٥. قال الطبري: وقد قال بعضهم: أشد العذاب، ولو كان ذلك معناه لقيل أسوأ العذاب. \"الطبري\" ١/ ٢٧١.\n(٥) \"تهذيب اللغة\" (ذبح) ٢/ ١٢٦٧، \"اللسان\" (ذبح) ٣/ ١٤٨٨.\n(٦) بيت من الرجز لمنظور بن مرثد الأسدي، وقبله:\nكَأَنَّ بَيْنَ فَكِّهَا وَالْفَكِّ\nيصف طيب رائحة فم امرأة.\nو(الفك): عظم الحنك. (فأرة المسك): الأناء الذي يكون به المسك شبه بالفأرة، (ذبحت): شقت. (في سك): نوع من الطيب. ورد في \"التهذيب\" (ذبح) ٢/ ١٢٦٨، \"المخصص\" ١١/ ٢٠٠، ١٣/ ٣٩، \"اللسان\" (ذبح) ٣/ ١٤٨٦، \"شرح المفصل\" ٤/ ١٣٨، ٨/ ٩١، \"الخزانة\" ٧/ ٤٦٨.\n(٧) هو أبو ذؤيب.","vol":"2","page":495},{"text":"نَامَ الخَلِيُّ وَبِتُّ اللَيْلَ مُشُتَجِرًا (١) ... كَأَنَّ عَيْنَيَّ فِيهَا الصَّابُ مَذْبُوحُ (٢)\nأي: مشقوق.\nوالذُبَاح والذُّبَّاح بالتخفيف والتشديد تشقق (٣) في الرجل (٤).\nومن هذا سمى الكوكب: (سعدٌ الذَّابح)، لأنه يطلع في وقت يحدث فيه الشقاق في الرجل لأجل البرد (٥)، ولهذا تقول العرب: إذا طلع الذابح انجحر النابح. وسمي فري الأوداج ذبحًا، لأنه نوع شقّ، والتفعيل على التكثير (٦).\nو(الأبناء) جمع ابن. قال الزجاج: وأصله: بَنَا (٧) أو بِنْوٌ، فهو يصلح\n_________\n(١) في جميع النسخ: (مستجرًا) بالسين، و(فيه) والتصحيح من مصادر التخريج.\n(٢) (الخلي): الذي ليس به هم. و(المشتجر): الذي قد شجر نفسه ووضع يده تحت خده ورأسه لا ينام من الهم، و(الشجر): ملتقى اللحيين، و(الصاب): شجر يخرج منه سائل مثل اللبن، إذا أصاب (العين) أحرقها، (مذبوح): مشقوق. انظر: \"شرح أشعار الهذليين\" ١/ ١٢٠، \"تهذيب اللغة\" (ذبح) ٢/ ١٢٦٨، \"اللسان\" (ذبح) ٣/ ١٤٨٨، \"شرح المفصل\" ١٠/ ١٢٤، \"الخزانة\" ٣/ ١٤٣.\n(٣) في (أ): (تشق) و(ج): (شق)، وأثبت ما في (ب)، لأنه أصوب، وموافق لما في \"تهذيب اللغة\".\n(٤) انظر: \"التهذيب\" (ذبح) ٢/ ١٢٦٨، \"اللسان\" (ذبح) ٣/ ١٤٨٧.\n(٥) في \"التهذيب\": (سمي ذابحًا لأن بحذائه كوكبًا صغيرًا كأنه قد ذبحه) ٢/ ١٢٦٩، \"الصحاح\" (ذبح) ٢/ ٤٤.\n(٦) انظر \"اللسان\" (ذبح) ٣/ ١٤٨٥.\n(٧) في \"معاني القرآن\" للزجاج: (والأصل كأنه إنما جمع بني وبنو ..) ١/ ١٠١. وفي \"القاموس\": أصله: (بَنَى أو بَنَوٌ) \"القاموس\" (بنى) ص ١٢٦٤.","vol":"2","page":496},{"text":"أن يكون (فِعْل)، وبَنَا أصله يكون بَنَوَ (١)، وإنما صارت ألفا، لأنها سكنت لتحرك ما قبلها ثم جرتها الفتحة التي قبلها فصيرتها ألفا، ومثله: قفا ورحا.\nقال: فالذين قالوا: (بنون) كأنهم جمعوا (بَنا) والذين قالوا: (أبناء) كأنه جمع (بِنْوُ)، مثل: حِنْو وأحناء وقِنْو وأقناء (٢).\nقال أبو علي (٣) لا يجوز في (ابن) أن يكون وزنه (فِعْلا) لأنه لا دلالة\n_________\n(١) كذا ورد في (أ)، (ج)، وفي (ب): (وقال الزجاج: وأصله. بنا أو بنو فهو يصلح أن يكون فعل)، ويصلح أن يكون أصله بنو ...). ونص كلام الزجاج في (المعاني): (و(أبناءكم) جمع ابن، والأصل كأنه إنما جمع بني وبنو، ويقال: ابن بين البنوة، فهي تصلح أن تكون (فَعَل) و(فِعْل) كأن أصله بِناية، والذين قالوا: (بنون) كأنهم جمعوا (بنا) وبنون، فأبناء جمع (فَعَل) و(فِعْل) ..) ١/ ١٠١. وقال الأزهري في \"تهذيب اللغة\": (وقال الزجاج (ابن) كان في الأصل: (بِنوٌ) أو (بَنَوٌ) .. ويحتمل أن يكون أصله: (بَنَيَا) ..) \"تهذيب اللغة\" (بنى) ١/ ٣٩٦، وانظر: \"الإغفال\" ص ١٨٧، \"المخصص\" ١٣/ ١٩٢.\nوفي \"الأشموني مع الصبان\": أما ابن فأصله: بَنَوٌ، كقلم حذفت لامه تخفيفًا وسكن أوله وأتي بالهمز توصلًا وتعويضًا، ودليل فتح فائه قولهم في جمعه: بَنُون، وفي النسب: بَنَوِي بفتحها فيهما .. ودليل كون لامه (واوا) لا (ياء) ثلاثة أمور:\nأحدها: أن الغالب على ما حذف لامه الواو لا الياء.\nثانيها: أنهم قالوا في مؤنثه: بنت فأبدلوها (التاء) من اللام، وإبدال التاء من الواو أكثر من إبدالها من الياء.\nثالثها: قولهم: البنوة. ونقل ابن الشجري في \"أماليه\" أن بعضهم ذهب إلى أن المحذوف (ياء) واشتقه من بنى بامرأته يبني، لأن الابن مسبب عن بناء الأب بالأم. وهذا يدل على أن (الابن) لامه (ياء) .. وأجاز الزجاج الوجهين. انظر: \"الأشموني مع حاشية الصبان\" ٤/ ٢٧٥.\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ١٠١، نقل كلامه بتصرف، انظر التعليق السابق.\n(٣) \"الإغفال\" ص ١٨٩، نقل الواحدي عنه طويلا، وكلام أبي علي نقله ابن سيده في \"المخصص\" ١٣/ ١٩٢.","vol":"2","page":497},{"text":"على أن الفاء منه مكسورة، بل الدليل قد قام على أن الفاء مفتوحة، وذلك قولهم: (بَنُون) فلو كان أصله: (بِنْوٌ) لأن (أَفْعال) لا تختص بجمع (فِعْل) (١) بل تكون (٢) -أيضا- جمعا لـ (فُعْل) و(فَعَل) و(فِعَل) و(فَعُل) (٣)، و(فَعِل) نحو: بُرْد (٤) وأَبْراد، وقَتَبٍ (٥)، وأَقْتَاب، وعِنَب وأَعْنَاب وعَضُد وأَعْضَاد، ونَمِر وأَنْمَار، فيلزمه أن يجيز في أصله هذه الأبنية، لأنها تجمع على (أَفْعَال) كما يجمع (فِعْل)، فليس (أَفْعَال) بدليل على أن (ابن) أصله فِعْل).\nفأما العين فالدليل على أنها مفتوحة أيضا قولهم في جمعه (أبناء) (٦)، و(أَفْعَال) بابه أن يكون لـ (فَعَل) (٧) نحو: جَبَل.\nوليس يجب أن يعدل بالشيء عن أصله وبابه حتى يقوم دليل يسوغ ذلك، ولم نعلم شيئا دل على أن العين ساكنة من (ابن) وعلمنا أنه ينبغي أن تكون متحركة لقولهم: (أَفْعَال) (٨).\n_________\n(١) في (ب)، (ج): (تفتح)، وفي (الحاشية) في (ج): (يفتح) ص ١٨٩.\n(٢) (فعل) ساقط من (ج).\n(٣) (فعل) ساقط من (أ)، (ج) وأثبتهما كما في (ب)، والأمثلة بعدها تدل على ثبوتها، ولم ترد هذه الأوزان في كلام أبي علي وإنما ذكر بعضها قال: (.. لزمه أن يجيز في بنائه: (فعلا) و(فعلا) وغير ذلك ..) \"الإغفال\" ص ١٨٩.\n(٤) البرد، بالضم: ثوب مخطط، جمعه أَبْراد، وأَبْردُ. \"القاموس المحيط\" (برد) ص ٢٦٧.\n(٥) القَتَبَ، والقِتْبُ: إكاف البعير. \"اللسان\" (قتب) ٣/ ٢٨٨١.\n(٦) على وزن (أَفْعَال).\n(٧) في (ب): (الفعل).\n(٨) اختصر بعض كلام أبي علي، انظر: \"الإغفال\" ص ١٩١.","vol":"2","page":498},{"text":"ولا دلالة في قولهم: (بنت) على أن (ابنا) وزنه (فِعْل) لأن (بنتا) من (ابن) ليست كصعبة من صعب، فيحكم بأن (الفاء) من ابن مكسورة كما كان (١) في بنت مكسورة، لأن هذا البناء أعني: بناء (بنت) صيغ للتأنيث على غير بناء التذكير، فهو كحمراء من أحمر، غُيِّر بناء التأنيث عما كان يجب أن يكون عليه في أصل التذكير، وأبدل من الواو تاء، وألحق الاسم بِنِكْس (٢) وجذْع وما أشبه ذلك.\nفأما بنات في جمع بنت فهو مما يدل على ما قلنا من أصل الفاء من (ابن) الفتح، وَرُدَّ في الجمع إلى أصل بناء المذكر، كما رد (أخت) إلى أصل بناء المذكر، فقيل: أخوات، لأن أصل المذكر من كل واحد منهما (فَعَل)، فكما ردوا الحرف الأصلي في جمع (الأخت) وهو الواو فقالوا: (أخوات)، كذلك ردت الحركة التي كانت في أصل بناء المذكر في (ابن)، وقالوا: بنات (٣).\nقال أبو علي: والمحذوف من (ابن) (الواو) دون (الياء) (٤)، الدليل على ذلك: أن المحذوف إذا أريد أن يعلم ما هو؟ نظر في التثنية أو\n_________\n(١) في (ب): (أن).\n(٢) النِّكْس: السهم الضعيف، الذي يَنْكَّس، أو ينكسر فُوقُه فيجعل أعلاه أسفله، والنِّكسْ الرجل الضعيف، وأصله المنِّكسْ من السهام. \"اللسان\" (نكس) ٨/ ٤٥٤١.\n(٣) \"الإغفال\" ص١٩٣ - ١٩٥. (بتصرف واختصار)، وانظر: \"المخصص\" ١٣/ ١٩٣.\n(٤) في \"الإغفال\": (فأما قوله -أي الزجاج- في اللام المحذوفة من (ابن) إنه يحتمل عنده أن يكون واوًا أو ياءً، وأنهما عنده متساويان في الحذف، فليس الأمر -عندي- كما قال، والمحذوف (الواو) دون (الياء) ..) \"الإغفال\" ص ١٩٥، وانظر \"المخصص\" ١٣/ ١٩٥.","vol":"2","page":499},{"text":"الجمع (١)، أو فعل مأخوذ من ذلك اللفظ، أو جمعه المكسر، فإن وُجد في أحد ذلك واو أو ياء، حكم أن المحذوف هو ما يظهر في أحد هذه الأشياء. كما حكمت بـ (إخوة) أن المحذوف من (أخ) واو (٢)، وبـ (غدوت) أن المحذوف من (غد) واو، وبـ (دَمَيَان) أن المحذوف من (دم) ياء، وبـ (يدين) أن المحذوف من (يد) ياء.\nوليس في (الابن) (٣) شيء يستدل به على أن المحذوف (ياء) أو (واو)، فوجب أن يحمل على نظيره، ونظيره (أخت)، لأنه صفة ألحقت في التأنيث بـ (قُفْل) (٤)، كما ألحقت (بنت) بـ (عِدْل).\nوالمحذوف من (أخت) الواو لقولهم: (إخوة) (٥) كذلك ينبغي أن يكون المحذوف من (بنت) الواو.\nوأيضًا فإن التاء في (بنت) ليست علامة للتأنيث (٦)، وإنما هي بدل من اللام، لأنها لو كانت علامة للتأنيث لانفتح ما قبلها، كما ينفتح ما قبلها في غير هذا الموضع، نحو: طلحة وحمزة وتمرة، فلما لم تنفتح (٧) علمنا أنه بدل، وإبدال التاء من الواو كثير، كالتاء في أخت، وكذلك في كلتا (٨)،\n_________\n(١) في (ب): (والجمع).\n(٢) (واو) ساقطة من (ب).\n(٣) في (ب): (بن).\n(٤) في \"الإغفال\" (فُعْل) ص ١٩٦، وفي \"المخصص\" (قُفل) ١٣/ ١٩٥.\n(٥) استدل بجمع التكسير على أن المحذوف من (أخت) واو.\n(٦) في \"الإغفال\": (وهذه التاء لا تخلو من أن تكون بدلا من لام الفعل، أو علامة للتأنيث، فلو كانت علامة للتأنيث لا نفتح ما قبلها ..) ص ١٩٧.\n(٧) في (ب): (يفتح).\n(٨) الأصل فيهما (كِلْوَا) انظر: \"صناعة الإعراب\" ١/ ١٤٩.","vol":"2","page":500},{"text":"وكذلك مثّله سيبويه (١) بِشَرْوى.\nونذكر الكلام في (كلتا) إذا انتهينا إليه إن شاء الله.\nفإن قيل: لو كان الأمر على ما قلتم، لقيل في جمع الأخت والبنت: أختات وبنتات، فلما حذفوا التاء في الجمع دل أنها للتأنيث، وكذلك حذفهم إياها عند النسبة إليها يدل على أنها للتأنيث، كما قالوا: طلحات وطلحي.\nقلنا: هذا البناء الذي وقع [إلحاق] (٢) التاء (٣) فيه، وإنما وقع في بناء المؤنث دون بناء المذكر، فصار البناء في الموضعين لذلك، لا لأنه للتأنيث، وغُيِّر البناء في هذين الموضعين وَرُدَّ إلى التذكير من حيث حذفت علامة (٤) التأنيث في هذين الموضعين، لأن الصيغة قامت مقام العلامة، فكما غُيِّرت (٥) ما فيه علامة بحذفها، كذلك غُيِّرت هذه الصيغة بردها إلى المذكر، وإذ (٦) كانت الصيغة قد قامت مقام العلامة، فمن حيث وجب أن يقال: طَلْحَات وطَلْحِيّ، وجب أن يقال: أَخوَات وأَخَوَيّ.\n_________\n(١) انظر: \"الكتاب\" ٣/ ٣٦٤، وانظر: \"الإغفال\" ص ١٩٨، \"المخصص\" ١٣/ ١٩٥، ١٩٦.\n(٢) في (أ): (الحاق) بدون إعجام، وفي ب، ج (الحاو) وفي \"الإغفال\" (والجواب أن هذه التاء للإلحاق كما قلنا، والدليل ما قدمنا، وإنما حذف في الإضافة وهذا الضرب من الجمع لأن هذا البناء الذي وقع الإلحاق فيه، وإنما وقع في بناء المؤنث دون المذكر ..) ص ١٩٩، \"المخصص\" ١٣/ ١٩٦.\n(٣) في (ج): (التاء).\n(٤) في \"الإغفال\": (علامات) ص ١٩٩، \"المخصص\" ١٣/ ١٩٦.\n(٥) في \"الإغفال\": (غير) ص ١٩٩، ومثله في \"المخصص\" ١٣/ ١٩٦\n(٦) في (ب): (إذا).","vol":"2","page":501},{"text":"وتعقب أبو الفتح هذه المسألة (١) وزاد بيانًا فقال: قد أبدلت التاء من الواو (لامًا) في: أخت وبنت، وأصلهما أخوة وبِنْوَة، فنقلوا، ووزنهما (٢): (فَعَل) إلى (فُعْل) و(فِعل) وألحقوهما بالتاء (٣) المبدلة من لامهما (٤) بوزن (قُفْل) و(حِلْس)، فقالوا: أخت وبنت، وليست التاء فيهما بعلامة التأنيث كما يظن من لا خبرة له بهذا الشأن، لسكون ما قبلها، هكذا مذهب سيبويه، وهو الصحيح، وقد نص عليه في باب مالا ينصرف، فقال: لو سميت بهما رجلا لصرفتهما معرفة، ولو كانت للتأنيث لما أنصرف الاسم (٥).\nوعلامة التأنيث في الأخت والبنت صيغتهما (٦) وهو بناؤهما على\n_________\n(١) تكلم أبو الفتح ابن جني عن هذه المسألة في كتاب \"سر صناعة الأعراب\" أثناء كلامه عن إبدال التاء من الواو، وقد تصرف الواحدي في كلامه واستل منه ما يناسب هذا المبحث. انظر: \"سر صناعة الأعراب\" ١/ ١٤٩.\n(٢) في (ب): (ووزنها). هكذا ورد في جميع النسخ، وفيه غموض، والنص في \"سر صناعة الأعراب\" (.. فنقلوا أخوة وبنوة، ووزنهما (فَعَلٌ) إلى (فُعْل) و(فِعْل) ..) \"سر صناعة الأعراب\" ١/ ١٤٩.\n(٣) في (ب): (المبدلة).\n(٤) في (ب): (لامها) وهو الثابت في صلب \"سر صناعة الأعراب\"، وفي الحاشية (ب) (لامهما) \"سر صناعة الأعراب\" ١/ ١٤٩.\n(٥) انظر: \"الكتاب\" ٣/ ٢٢١، ٣٦١ - ٣٦٤، \"سر صناعة الأعراب\" ١/ ١٤٩.\n(٦) هذا جواب سؤال أثاره أبو الفتح قال: (فإن قيل: فما علامة التأنيث في أخت وبنت؟) فأجاب عنه بما نقله الواحدي هنا. انظر: \"سر صناعة الأعراب\" ١/ ١٥٠.","vol":"2","page":502},{"text":"(فُعْل) و(فِعْل) وأصلهما (فَعَل) وإبدال الواو فيهما لاما، وهذا عمل اختص به المؤنث، لأنه لم يوجد إلا في هذين وفي كلتا (١)، ويدل أيضا على إقامتهم (البنت) (٢) مقام ما فيه (٣) العلامة الصريحة، وتعاقبهما على الكلمة الواحدة، وذلك نحو: ابنة وبنت، فالصيغة في (بنت) قامت مقام (الهاء) في ابنة، فكما أن (الهاء) علم تأنيث لا محالة، وكذلك صيغة (بنت) علم تأنيث لا محالة، وليس (ابن) من (بنت)، كصعب من صعبة (٤)، إنما نظير صعبة من صعب ابنة من ابن. ويدل على أن (ابن) (٥) و(أخ) (فَعَل) مفتوحة، جمعهم إياهما على أَفْعَال نحو أبناء وآخاء، حكى سيبويه (٦) (آخاء) عن يونس.\nقال أبو إسحاق: والأخفش يختار أن يكون المحذوف من ابن (الواو). قال (٧): والبُنُوَّة (٨) ليس بشاهد قاطع للواو، لأنهم يقولون: الفُتُوَّة،\n_________\n(١) قوله: (لأنه لم يوجد في هذين وفي كلتا) ليس من كلام أبي الفتح في \"سر صناعة الأعراب\" ١/ ١٥٠.\n(٢) في \"سر صناعة الإعراب\" (إقامتهم إياه مقام ..) ١/ ١٥٠.\n(٣) في (ب): (ما في).\n(٤) في \"سر صناعة الإعراب\": (وليس بنت من ابن كصعبة من صعب ..) \"سر صناعة الإعراب\" ١/ ١٥٠.\n(٥) كذا في جميع النسخ، وفي \"سر صناعة الإعراب\" (أن أخا وابنا) وفي الحاشية:\n(في ش: أن أخ وابن) ١/ ١٥٠.\n(٦) \"الكتاب\" ٣/ ٣٦٣، \"سر صناعة الإعراب\" ١/ ١٥٠.\n(٧) أي أبو إسحاق.\n(٨) في (أ)، (ج): (البنُو) وأثبت ما في (ب) لأنه موافق لما في \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ١٠٢.","vol":"2","page":503},{"text":"والتثنية (١): فتيان، فابن يجوز أن يكون المحذوف منه (الواو) (٢) و(الياء)، وهما عندنا متساويان.\nوأبو علي ينكر أن يكون المحذوف الياء دون الواو (٣)، وقد دل فيما ذكرنا من كلامه أن المحذوف هو الواو. فأما إدخال ألف الوصل في (ابن)، فإنما أدخلت كما أدخلت في الاسم، وقد فرغنا منه في أول الكتاب (٤).\nقوله تعالى: ﴿وَيَسْتَحْيُونَ نِسَائَكُمْ﴾. (يستحيون) يستفعلون من الحياة، ومعناه: يَسْتَبْقُونهن (٥)، ولا يقتلونهن (٦)، ومنه قوله - ﷺ -: \"اقتلوا شيوخ المشركين واستحيوا شرخهم\" (٧).\nواسم النساء يقع على الكبار والصغار، وذلك أنهم كانوا يستبقون البنات (٨) لا يقتلونهن.\n_________\n(١) (والواو) ساقطة من (ب).\n(٢) في \"معاني للزجاج\": (الواو) أو (الياء) ١/ ١٠٢.\n(٣) قال أبو علي: (ما أعلم الأخفش نص على هذه المسألة، أن الاختيار عنده أن يكون (الواو)، وأنه يجيز أن المحذوف الياء ..) \"الإغفال\" ص ٢٠٢ - ٢٠٣.\n(٤) انظر ما سبق في أول تفسير الفاتحة.\n(٥) في (ب): (يستبقوهن).\n(٦) انظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ٣٧٢، و\"الثعلبي\" ١/ ٧٠ ب، \"زاد المسير\" ١/ ٧٨، وذكر الطبري عن أبي العالية وضعفه: (يستحيون) يسترقون. \"الطبري\" ١/ ٣٧٢.\n(٧) أخرجه أبو داود عن سمرة بن جندب، وفيه (استبقوا) بدل (استحيوا) انظر: \"سنن أبي داود\" ٢٦٧٠ كتاب (الجهاد)، باب (في قتل النساء)، والترمذي (١٥٨٣) أبواب (السير) باب (ما جاء في النزول عن الحكم) وفيه: الشرخ: الغلمان الذين لم ينبتوا. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب. عارضه الأحوزي\nوأخرجه أحمد في \"مسنده\" ٥/ ١٢، ٢٠. ورمز السيوطي له بالصحة في \"الجامع الصغير\". انظر: \"فيض القدير شرح الجامع\" ٢/ ٧٦.\n(٨) في (ب): (جميع البنات).","vol":"2","page":504},{"text":"وقيل: سمى البنات نساء على تقدير أنهن يكن نساء، وقيل: جمع الكبار والصغار بلفظ النساء، لأنهم كانوا يستبقون جميع (١) الإناث، فجرى اللفظ على التغليب كما يطلق الرجال على الذكور وإن كان فيهم صغار (٢). فإن قيل: فما في استحياء النساء من سوء العذاب؟\nقيل: إن استحياء النساء على ما كانوا يعملون بهن أشد في المحنة من قتلهن، لأنهن يستعبدن وينكحن على الاسترقاق، والاستبقاء للإذلال استبقاء محنة (٣).\nقوله تعالى: ﴿وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾. البلاء: اسم ممدود من البلو، وهو الاختبار والتجربة (٤). يقال: بَلاَه يَبْلُوه بَلْوًا إذا جَرَّبَه، وَبَلاَه يَبْلُوهُ بَلْوًا إذا ابتلاه الله ببلاء (٥).\nقال أبو الهيثم: البلاء يكون حسنا ويكون سيئا، وأصله: المحنة، والله ﷿ يبلو عباده بالصنيع الحسن، ليمتحن شكرهم عليه، ويبلوهم بالبلوى الذي يكرهون، ليمتحن صبرهم، فقيل للحسن: بلاء، وللسيئ: بلاء (٦) لأن أصلهما: المحنة، ومنه قوله: ﴿وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ﴾\n_________\n(١) (جميع) ساقط من (ب).\n(٢) واختار هذا الوجه ابن جرير في \"تفسيره\" ١/ ٢٧٤، انظر: \"تفسير ابن عطية\" ١/ ٢٨٦، \" القرطبي\" ١/ ٣٣٠، \"البحر\" ١/ ١٦٤.\n(٣) انظر: \"تفسير ابن عطية\" ١/ ٢٨٦، \"زاد المسير\" ١/ ٧٨، \"الرازي\" ١/ ٦٨، \"البحر\" ١/ ١٩.\n(٤) انظر: \"التهذيب\" (بلا) ١/ ٣٧٩، \"اللسان\" (بلا) ١/ ٣٥٥.\n(٥) ذكره الأزهري عن الأصمعي. \"التهذيب\" (بلا) ١/ ٣٧٩.\n(٦) ذكره الهروي عن أبي الهيثم، ولفظه: (يبلو عبده) بلفظ المفرد \"الغريبين\" ١/ ٢٠٩، ٢١٠، وذكره القرطبي في \"تفسيره\" عن الهروي ١/ ٣٣٠.","vol":"2","page":505},{"text":"[الأعراف: ١٦٨]، وقال: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ (١) [الأنبياء: ٣٥]، وقال في الخير: بلاه الله، وأبلاه (٢).\nقال زهير: (٣)\nجَزى اللهُ بِالْإِحْسَانِ مَا فَعَلاَ بِكُم ... وَأَبلاَهُمَا خَيْرَ البَلاَءِ الذي يَبْلُو (٤)\nأي: صنع بهما خير الصنيع الذي يبلو به عباده (٥).\nقال الليث: ويقال من الشر أيضا يُبْلِيه إِبْلاَء (٦).\nوالذي في هذه الآية يحتمل الوجيهن، فإن حملته على الشدة، كان معناه: في أستحياء البنات للخدمة وذبح البنين بلاء ومحنة (٧). وهو قول ابن\n_________\n(١) (الواو) ساقطة من (ب)\n(٢) انظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ٢٧٥، \"الصحاح\" (بلا) ٦/ ٢٢٨٥.\n(٣) في (ج): (زهير بن جناب).\n(٤) من قصيدة لزهير يمدح سناد بن أبي حارثة ويروى بالديوان (رأى الله) ورد البيت في: \"معانى القرآن\" للزجاج ١/ ١٠٢، \"التهذيب\" (بلا) ١/ ٣٧٩، \"الصحاح\" (بلا) ٦/ ٢٢٨٥، \"اللسان\" (بلا) ١/ ٣٥٥، \"الخصائص\" ١/ ١٣٧، و\"القرطبي\" ١/ ٣٣٠، و\"الرازي\" ٣/ ٧٠، و\"ابن كثير\" ١/ ٩٦، \"الدر المصون\" ١/ ٣٤٨، \"فتح القدير\" ١/ ١٣١، \"شرح ديوان زهير\" ص ١٠٩.\n(٥) \"تهذيب اللغة\" (بلا) ١/ ٣٧٩.\n(٦) في \"تهذيب اللغة\" عن الليث: (الله يبلى العبد بلاءً حسنًا، ويبليه بلاءً سيئًا، (بلا) ١/ ٣٧٩، قال الطبري: الأكثر في الشر أن يقال: (بلوته أبلوه بلاء) وفي الخير: (أَبْلَيْته أُبْلِيه إِبْلاَءً وبَلاَءً).\n(٧) ذكره أبو الليث في \"تفسيره\" ١/ ١١٧، وابن الأنباري في \"الزاهر\" ١/ ٣٤٨، و\"الثعلبي\" ١/ ٧٠ ب، و\"الكشاف\" ١/ ٢٧٩، و\"البغوي\" ١/ ٩١، \"زاد المسير\" ١/ ٧٨، و\"الرازي\" ٣/ ٧٠، و\"القرطبي\" ١/ ٣٣٠، ونسبة للجمهور، و\"ابن كثير\" ١/ ٩٧، و\"البيضاوي\" ١/ ٢٥، و\"النسفي\" ١/ ٤٣، و\"الخازن\" ١/ ١٢١.","vol":"2","page":506},{"text":"عباس من رواية عطاء والكلبي (١).\nوإن حملته على النعمة، كان المعنى: وفي (٢) تنجيتكم من هذه المحن نعمة عظيمة، وهو قول مجاهد والسدي (٣)، ومثل هذا في احتمال الوجهين، قوله في قصة إبراهيم: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ﴾ [الصافات: ١٠٦].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-274>٥٠ </span>- قوله تعالى: ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ﴾ وذلك (٤) أن الله تعالى فرق\n_________\n(١) أخرج الطبري في \"تفسيره\" بسنده عن عكرمة عن ابن عباس نحوه ١/ ٢٧٢، ولم أجده من طريق عطاء والكلبي.\n(٢) (الواو) ساقطة من (ب).\n(٣) ذكره ابن جرير بسنده عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، وعن السدي، وعن مجاهد، وعن ابن جريح. \"تفسير الطبري\" ٢/ ٢٧٤، و\"ابن أبي حاتم\" ١/ ١٠٦، والزجاج في \"معاني القرآن\" ١/ ١٠٢، وابن قتيبة في \"الغريب\" ص ٤٠، ورجح هذا القول الرازي في \"تفسيره\" ٣/ ٧٠. انظر: \"تفسير القرطبي\" ١/ ٣٣٠، و\"ابن كثير\" ١/ ٩٦.\n(٤) في هوامش نسخة (أ) زيادة من الكاتب صدرها بقوله (ش من ك) أي شرح من الكاتب، وهي في جميع المواضيع منقولة بنصها من \"الكشاف\" للزمخشري، وأثبت ما ذكره في هذا الموضع للاطلاع والفائدة:\n(ش من ك. فرقنا: فصلنا بين بعضه وبعض، حتى صار فيه مسالك لكم، وقرئ (فرَّقنا) بمعنى: فصلنا. يقال: فرق بين الشيئين، وفرق بين الأشياء، لأن المسالك كانت اثني عشر، على عدد الأسباط.\nوأما (بكم) ففيه أوجه: أن يراد كانوا يسلكونه ويتفرق الماء عند سلوكهم فكأنما فرق بهم كما يفرق بين الشيئين بما يوسط بينهما. وأن يراد فرقناه بسببكم، وبسبب إنجائكم. وأن يكون في موضع الحال، بمعنى: فرقناه ملتبسا بكم كقوله:\nتدوس بِنَا الجَمَاجِمَ والتَّرِيبَا\nأي: تدرسها ونحن راكبوها.\nانتهى تعليق الكاتب، والكلام بنصه في \"الكشاف\" ١/ ٢٨٠.","vol":"2","page":507},{"text":"البحر اثني عشر طريقا، حتى خاض بنو إسرائيل، وكان (١) ذلك فرقا بهم، لأنهم كانوا حشو البحر، والماء منفصل بعضه عن بعض، وهم يمرون فيما بينه (٢).\nوأما (البحر) فقال الليث: سمي بحرًا لاستبحاره، وهو سعته وانبساطه، ويقال: استبحر فلان في العلم، إذا اتسع فيه، وتبحر الراعي في رعي كثير، وتبحر فلان في المال (٣).\nوقال غيره: سمي البحر بحرًا، لأنه شق في الأرض، والبحر: الشق (٤)، ومنه البحِيرَة (٥).\n_________\n= قوله: وقرئ (فرَّقنا): بها قرأ الزهري، انظر: \"تفسير ابن عطية\" ١/ ٢٨٨، والقرطبي في \"تفسيره\" ١/ ٣٣٠، \"البحر\" ١/ ١٩٧.\n- وقوله: (تدوس بِنَا الجَمَاجِمَ والتَّرِيبَا): البيت للمتنبي، وصدره:\nفَمَرَّتْ غَيْرَ نَافِرَةٍ عَلَيْهِم\nو(التريبا): لغة في التراب. انظر: \"ديوان المتنبي شرح العكبري\" ١/ ١٣٨، \"الكشاف\" ١/ ٥٠٦، \"البحر\" ١/ ١٢٧، \"الدر المصون\" ١/ ٣٤٩.\n(١) (كان) ساقط من (ج).\n(٢) انظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ٢٧٥، و\"أبي الليث\" ١/ ١١٧، و\"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ١٠٣، و\"تفسير ابن عطية\" ١/ ٢٢٨.\n(٣) \"تهذيب اللغة\" (بحر) ١/ ٢٨٢.\n(٤) ذكره الأزهري، \"تهذيب اللغة\" (بحر) ١/ ٢٨٢.\n(٥) قال الأزهري: قال أبو إسحاق النحوي: وأثبت ما روينا عن أهل اللغة في البَحِيرَة: أنها الناقة، كانت إذا نتجت خمسة أبطن فكان آخرها ذكرا، بحروا أذنها، أي: شقوها، وأعفوا ظهرها من الركوب والحمل، والذبح، ولا تُحَلَّأ عن ماء ترده، ولا تمنع من مرعى، وإذا لقيها المُعْيي المنقطع به لم يركبها. \"تهذيب اللغة\" (بحر) ١/ ٢٨٢، وانظر: \"اللسان\" (بحر) ١/ ٢١٥.","vol":"2","page":508},{"text":"أبو عبيد، عن الأموي (١): أن البحر: هو الملح (٢)، ويقال: أبحر الماء، أي صار ملحا (٣).\nقال نُصَيْب (٤):\nوَقَدْ عَادَ مَاءُ الأَرْضِ بَحْرًا فَرَدَّنِي ... إِلَى مَرَضِى أَنْ أَبْحَرَ المَشْربُ العَذْبُ (٥)\nوقوله تعالى: ﴿وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ﴾. ولم يذكر غرق فرعون نفسه، لأنه قد ذكره في مواضع كقوله: ﴿فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعًا﴾ [الإسراء: ١٠٣]. ويجوز أن يريد بآل فرعون نفسه (٦)، وبيان هذا (٧) يذكر عند قوله: ﴿مِمَّا\n_________\n(١) هو عبد الله بن سعيد بن أبان بن سعيد بن العاص، القرشي، الأموي، كان متمكنا في علم النحو واللغة، وكان ثقة، حكى عنه أبو عبيد كثيرا، مات بعد سنة ثلاث ومائتين. انظر: \"تاريخ بغداد\" ٩/ ٤٧٠، \"الأنساب\" ١/ ٣٥٠، \"إنباه الرواة\" ٢/ ١٢٠.\n(٢) في (ب): (إن الماء البحر) وفي \"تهذيب اللغة\": (والماء البحر هو الملح) ١/ ٢٨٢.\n(٣) \"تهذيب اللغة\" (بحر) ١/ ٢٨٢، وانظر: \"الغريبين\" ١/ ١٣٤.\n(٤) هو نُصَيب بن رباح مولى عبد العزيز بن مروان، شاعر من فحول الشعراء الإسلاميين، انظر ترجمته في \"الشعر والشعراء\" ص٢٦٠، \"معجم الأدباء\" ١٩/ ٢٢٨.\n(٥) ورد البيت في \"تهذيب اللغة\" (بحر) ١/ ٢٨٢، \"الصحاح\" (بحر) ٢/ ٥٨٥، \"مقاييس اللغة\" (بحر) ١/ ٢١٥، \"الغريبين\" ١/ ١٣٤، \"مفردات الراغب\" ص ٣٧، \"اللسان\" (بحر) ١/ ٢١٥، \"فتح القدير\" ١/ ١٣٢، وفي أكثر المصادر: (فزادني) بدل: (فردني).\n(٦) في (ب): (عن نفسه). أو يدخل معهم، ووجوده معهم مستقر ومعلوم. انظر: \"تفسير أبي الليث\" ١/ ١١٧، \"زاد المسير\" ١/ ٧٨، \"البحر\" ١/ ١٩٨.\n(٧) أي أنه يطلق (آل فرعون) ويراد به نفسه كما في (آل موسى).","vol":"2","page":509},{"text":"تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ﴾ [البقرة: ٢٤٨]، إن شاء الله.\nوقوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾. وذلك أنهم لما خرجوا من (١) البحر رأوا انطباق البحر على فرعون وقومه.\nوقال محمد بن جرير: (وأنتم تنظرون) إلى فرق الله البحر وإنجائكم من عدوكم (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-275>٥١ </span>- قوله تعالى: ﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ الآية. يقال: وَعَدْتُه وَعْدَا وعِدَةً (٣) وَموْعِدًا وَموْعِدةً (٤)، قال الله: ﴿إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ﴾ [التوبة: ١١٤]، وقال: ﴿وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا﴾ [الكهف: ٥٩]. ويقال: وعدني الخير والشر (٥)، قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا﴾ [طه: ٨٦] ﴿النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الحج: ٧٢].\nفأما الإيعاد فهو في التهديد. قال الشاعر:\nأَوْعَدَنِي بِالسِّجْنِ والْأَداَهِمِ (٦)\n_________\n(١) في (ب): (عن).\n(٢) وهذا على تفسير (النظر) هنا بالمشاهدة، وقد قال بعضهم: إنه بمعنى العلم، كالفراء ورد عليه ابن جرير هذا. انظر: \"الطبري\" ١/ ٢٧٨، \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٣٦، \"تفسير أبي الليث\" ١/ ١١٨، \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ١٠٣.\n(٣) في (أ): (وعدء) وأثبت ما في (ب)، (ج) لأنه الصواب.\n(٤) الكلام عن لفظ (وعد) واشتقاقه واستعمالاته نقله عن \"الحجة\" لأبي علي ٢/ ٥٦، وانظر: \"تهذيب اللغة\" (وعد) ٤/ ٣٩١٥، \"اللسان\" ٨/ ٤٨٧١.\n(٥) انظر: \"تهذيب اللغة\" (وعد) ٤/ ٣٩١٥.\n(٦) في (ب): (الاداهمى). البيت لعُدَيْل بن الفَرْخ، وبعده:\nرِجْلِي وَرِجْلِي شثنة المْنَاَسِمِ\nالأداهم: جمع أدهم، وهو القيد، شثنة: غليظة، المناسم: طرف خف البعير استعارة للإنسان. ورد البيت في \"الحجة\" لأبي علي ٢/ ٥٧، وفي كتب اللغة مادة =","vol":"2","page":510},{"text":"والوعيد كالإيعاد، قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ﴾ [إبراهيم: ١٤] وأكثر ما يستعمل الإيعاد بالباء (١)، فيقال: أوعدته بالشر، ويجوز أن تقول (٢) أوعدته، من غير ذكر الشر، ولا يكون إلا في الشر (٣).\nوالميعاد من: الوعد (٤) [لأنه لم يرد في الخير (٥)، ولذلك قلنا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ [آل عمران: ٩]، (٦) ويجوز أن يخلف الوعيد فيكون ذلك منه كرما (٧).\nو(الوعد) (٨) يتعدى إلى مفعولين، ويجوز أن يقتصر على أحدهما كأعطيت، وليس كظننت، قال الله تعالى: ﴿وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ﴾ [طه: ٨٠]، فـ (جانب) مفعول ثان، ولا يكون ظرفا لاختصاصه (٩)، والتقدير:\n_________\n= (وعد) في \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٩١٥، \"الصحاح\" ٢/ ٥٥١، \"المحكم\" ٢/ ١٣٧، \"مقاييس اللغة\" ٣/ ١٣٤، \"اللسان\"، ٨/ ٤٨٧١، وفي \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ١٩٧، \"الحروف\" لابن السكيت ص ٩٧، \"الهمع\" ٥/ ٢١٧، \"شرح المفصل\" ٣/ ٧٠، \"شرح ابن عقيل\" ٣/ ٢٥١، \"الخزانة\" ٥/ ١٨٨، \"شرح شذور الذهب\" ص ٥٢٤.\n(١) في (ب)، (ج): (بالياء).\n(٢) في (أ)، (ج) (يقول) ما في (ب) أنسب للسياق.\n(٣) ذكره أبو علي عن أحمد بن يحيى، \"الحجة\" ٢/ ٥٧، وانظر \"تهذيب اللغة\" (وعد) ٤/ ٣٩١٥.\n(٤) في (ب): (الوعيد).\n(٥) في (أ): (الخبر) وما في (ب)، (ج) هو الصواب.\n(٦) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).\n(٧) اختصر كلام أبي علي، انظر: \"الحجة\" ٢/ ٥٧، ٥٨، وسياق أبي علي أوضح.\n(٨) في (ب): (الوعيد) وفي \"الحجة\": (وعدت) فعل يتعدى إلى مفعولين ...) ٢/ ٥٩.\n(٩) ولا يسمى ظرفًا في اصطلاح النحويين، وانما يسمى اسم مكان فقط، لأن =","vol":"2","page":511},{"text":"وعدناكم إتيانه أو مكثًا (١) فيه.\n[وقوله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ [المائدة: ٩] (٢) وقوله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ [النور: ٥٥] (٣) فإن الفعل لم يعد منه (٤) إلى مفعول ثان، وقوله: ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ و﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ﴾ تفسير للوعد وتبيين له كقوله: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١] فقوله: ﴿لِلذَّكَرِ﴾ تبيين للوصية، وليس بمفعول ثان، وقوله (٥): ﴿أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا﴾ [طه: ٨٦] وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ﴾ [إبراهيم: ٢٢] فإن هذا ونحوه يحتمل أمرين: يجوز أن يكون انتصاب الوعد بالمصدر. ويجوز أن يكون انتصابه بأنه المفعول الثاني. وسمي الموعود به وعدا (٦)، كما سمي المخلوق خلقًا.\n_________\n= الظرف الاصطلاحي: هو الذي يتضمن معنى: لفظا أو تقريرا، فالوعد وقع على الجانب ولم يقع فيه، بمعنى الموعد به هو الجانب نفسه لا شيء آخر يكون فيه، وهذا يسمى مفعولا به ولا يسمى ظرفا على الراجح. انظر: \"الأشموني مع حاشية الصبان\" ٢/ ١٢٦. والظرف المختص من المكان ماله صورة وحدود محصورة نحو الدار والمسجد، والظرف غير المختص من المكان وهو المبهم، ما ليس كذلك نحو الجهات الست. انظر: \"حاشية الصبان على الأشموني\" ٢/ ١٢٩، \"وحاشية الخضري على شرح ابن عقيل\" ١/ ١٩٨.\n(١) في (ج): (سكنا).\n(٢) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).\n(٣) (منكم) سقط من (أ)، (ج).\n(٤) كذا في جميع النسخ، وفي \"الحجة\" (فيه) ٢/ ٦٠.\n(٥) في \"الحجة\": وأما قوله: ﴿أَلَمْ يَعِدْكُمْ﴾ ..) ٢/ ٦٠.\n(٦) في \"الحجة\": (الوعد) ٢/ ٦٠.","vol":"2","page":512},{"text":"وقوله (١): ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ﴾ [الأنفال: ٧] فـ ﴿إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ﴾ في موضح نصب بأنه المفعول الثاني و﴿أَنَّهَا لَكُمْ﴾ بدل منه، والتقدير: وإذ يعدكم الله ثبات إحدى الطائفتين أو ملكها (٢).\nفأما قوله: ﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ (٣) فتعلق (الأربعين) بالوعد على أنه المفعول الثاني لا بالظرف، لأن الوعد لم يكن في جميع الأربعين كلها، ولا في بعضها، وإنما الوعد تقضي الأربعين، والتقدير: وعدنا موسى انقضاء أربعين ليلة أو تتمة أربعين ليلة، فحذفت المضاف، كما تقول: اليوم خمسة عشر من (٤) الشهر، أي تمامه (٥).\nويكون في الكلام محذوف به يتم (٦) المعنى، كأنه قال: وعدناه انقضاء أربعين ليلة للتكلم (٧) معه، أو لإيتائه التوراة أو ما أشبه هذا.\n_________\n(١) في \"الحجة\": (وأما قوله: ..) ٢/ ٦١.\n(٢) \"الحجة\" ٢/ ٦١.\n(٣) في (ب): (وعدنا).\n(٤) في (ج): (ض).\n(٥) \"الحجة\" ٢/ ٦٤، ٦٥، وانظر: \"معاني القرآن\" للأخفش ١/ ٢٦٤، \"المشكل\" لمكي ١/ ٤٧، \"الإملاء\" ١/ ٣٦، \"البحر\" ١/ ١٩٩، وقد ذكر الطبري هذا القول، ثم رده، ورجح: أن الأربعين كلها داخلة في الميعاد، قال: (وقد زعم بعض نحويي البصرة: أن معناه: وإذ واعدنا موسى انقضاء أربعين ليلة، أي رأس الأربعين ....). ثم قال: (وذلك خلاف ما جاءت الرواية عن أهل التأويل، وخلاف ظاهر التلاوة ..) الطبري ١/ ٢٨٠. ونحوه قال ابن عطية: (وكل المفسرين على أن الأربعين كلها ميعاد) \"تفسير ابن عطية\" ١/ ٢٩٢، وانظر: \"القرطبي\" ١/ ٣٣٧.\n(٦) في (ب): (تم).\n(٧) في (ب): (للمتكلم).","vol":"2","page":513},{"text":"واختلف القراء في قوله تعالى: ﴿وَاعَدْنَا﴾ فقرأ أكثرهم (١) بالألف من المواعدة، لأن ما كان من موسى من قبول الوعد والتحري لإنجازه والوفاء به يقوم مقام الوعد، وإذا كان كذلك حسن القراءة بـ (واعدنا) لثبات التواعد من الفاعلين، كما قال: ﴿وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾ (٢) [البقرة: ٢٣٥] و-أيضا- فإن المفاعلة قد تقع من الواحد كسافر، وعافاه الله (٣)، وقد مر (٤).\nوقرأ أبو عمرو (٥) (وعدنا) لكثرة ما جاء في القرآن من هذا القبيل بغير ألف، كقوله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا﴾ (٦)، ﴿أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ﴾ [طه: ٨٦]، ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ﴾ [الأنفال: ٧]، ﴿إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ﴾ [إبراهيم: ٢٢]، ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ﴾ [الفتح: ٢٠]، فرد المختلف في إلى المتفق عليه (٧).\n_________\n(١) قرأ أبو عمرو بغير ألف ووافقه من العشرة أبو جعفر ويعقوب، والباقون بالألف انظر: \"السبعة\" ص ١٥٥، \"الحجة\" لأبي علي ٢/ ٥٦، \"التيسير\" ص٧٣، \"التبصرة\" ص٢٥، \"الغاية\" ص ١٠١، \"النشر\" ٢/ ٢١٢، \"تحبير التيسير\" ص٨٧.\n(٢) (لكن) ساقط من (أ) و(ج) تصحيف في الآية.\n(٣) قال أبو علي: (.. فإذا كان الوعد من الله سبحانه، ولم يكن من موسى، كان من هذا الباب) \"الحجة\" ٢/ ٦٧.\n(٤) مر في تفسير قوله تعالى: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ [البقرة: ٩]، وانظر: \"الحجة\" لأبي علي ٢/ ٦٦، \"حجة القراءات\" لابن زنجلة: ص٩٦، \"الحجة\" لابن خالويه: ص٧٧، \"الكشف\" لمكي ١/ ٢٤٠.\n(٥) في (ب): (أبو عمر).\n(٦) المائدة:٩، والنور: ٥٥، والفتح:٢٩.\n(٧) \"الحجة\" لأبي علي ٢/ ٦٧. وقال ابن زنجلة: وحجة أن المواعدة إنما تكون بين الآدميين. \"حجة القراءات\": ص٩٦، انظر: \"الحجة\" لابن خالويه: ص٧٧، =","vol":"2","page":514},{"text":"وأما (أربعين) فقال أبو الفتح الموصلي (١): إن العقود من (عشرين) إلى (تسعين) كأن (عشرين) جمع (عِشْر)، و(ثلاثين) جمع (ثلاث)، و(أربعين) جمع (أربع). وليس الأمر كذلك؛ لأن (العِشْر) غير معروف إلا في أظماء الإبل (٢)، ولو كان (ثلاثون) جمع (ثلاثة) (٣) لوجب أن يستعمل في (تسعة) وفي (اثني عشر) وفي كل عدد الواحد من تثليثها (ثلاث) (٤).\nوكذلك القول في (أربعين) و(خمسين) إلى (التسعين) فقد ثبت بهذا أن (أربعين) ليس جمع (أربع) وكذلك سائر العقود، ولكنه جار مجرى (فلسطين) و(قِنَّسْرين) (٥) في أنه اسم واحد لهذا العدد المخصوص (٦)،\n_________\n= \"الكشف\" لمكي ١/ ٢٣٩، قال الطبري: (.. والصواب عندنا في ذلك من القول: أنهما قراءتان قد جاءت بهما الأمة وقرأت بهما القَرَأة، وليس في القراءة بأحدهما إبطال معنى الأخرى ..) ثم رد على من قال: إنما تكون المواعدة بين البشر. \"تفسير الطبري\" ١/ ٢٧٩.\n(١) \"سر صناعة الأعراب\" ٢/ ٦٢٦.\n(٢) (العِشْر) بكسر العين خاص بورود الإبل اليوم العاشر أو التاسع. انظر: \"القاموس\" (عشر): ص ٤٤٠.\n(٣) في \"سر صناعة الأعراب\": (ثلاث) ٢/ ٦٢٦\n(٤) في \"سر صناعة الأعراب\": (.. لوجب أن يستعمل في (تسعة) وفي (اثني عشر) وفي (خمسة عشر) وكذلك إلى (سبعة) ولجاز أن يتجاوز به إلى ما فوق الثلاثين من الأعداد التي الواحد من تثليثها فوق العشرة ..) ٢/ ٦٢٦.\n(٥) (قِنَّسْرين) بكسر أوله وفتح ثانيه وتشديده، مدينة بالشام. انظر: \"معجم البلدان\" ٤/ ٤٠٣.\n(٦) نص عبارة أبي الفتح: (فقد ثبت بهذا أن (ثلاثين) ليس جمع (ثلاث) وأن (أربعين) ليس جمع (أربع)، ولكنه جرى مجرى (فلسطين) في أن اعتقد له واحد مقدر وإن لم يجر به استعمال فكأن (ثلاثين) جمع (ثلاث) و(ثلاث) جماعة فكأنه قد كان ينبغي أن تكون فيه (الهاء) ..) \"سر صناعة الأعراب\" ٢/ ٦٢٦.","vol":"2","page":515},{"text":"ولكنه أشبه في الظاهر أنه جمع (أربع) ولو اعتقد له واحد مفرد وإن لم يجز به استعمال كان (أربعا)، (أربع) جماعة فكأنه قد كان ينبغي أن يكون فيه (الهاء) فعوض من ذلك (١) الجمع بالواو والنون، وعاد الأمر فيه إلى قصة (أرض) و(٢) (أرضون) (٣)، وقد ذكرنا الكلام فيه (٤).\nوقال غيره: إنما جمعوا (٥) بالواو والنون، لأنه يقع على ما يعقل وعلى ما لا يعقل، وإذا اجتمعا فالذي يعقل أولى بالغلبة، فجمعوه جمع ما يعقل.\nوقوله تعالى: ﴿لَيْلَةً﴾ (٦) ولم يقل: (يوما) لأن عدد الشهور (٧) يحسب من لياليها، وشهور العرب وضعت على سير القمر، والهلال يهل بالليل (٨).\n_________\n(١) في (ب): (هذا).\n(٢) (الواو) ساقطة من (ب).\n(٣) انتهى ما نقله عن أبي الفتح ابن جني الموصلي بتصرف. انظر: \"سر صناعة الأعراب\" ٢/ ٦٢٦، ٦٢٧. ورأي أبي الفتح أن (أربعين) يجري مجرى جمع المذكر السالم فيعرب بالحروف، وهذا قول بعض النحويين، ومنهم في قال: يعرب بالحركات. انظر: \"المقتضب\" ٣/ ٣٣٢، \"الخزانة\" ٨/ ٦٧، \"الدر المصون\" ١/ ٣٥٣.\n(٤) (فيه) ساقط من (ج). والكلام في: (أرض) و(أرضون) ذكره في تفسير قوله تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا﴾ [البقرة: ٢٢].\n(٥) في (ب): (واجمعوا).\n(٦) (ليلة) ساقط من (ج).\n(٧) في (ج): (الشهر).\n(٨) \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٧٠ ب. وانظر: \"تفسير ابن عطية\" ١/ ٢٩١، \"تفسير البغوي\" ١/ ٩٤، \"زاد المسير\" ١/ ٨٠، \"تفسير القرطبي\" ١/ ٣٣٧.","vol":"2","page":516},{"text":"وقوله (١) تعالى: ﴿ثُمَّ أتَّخَذتُمُ العِجلَ﴾. يقال: اتّخذ يتّخذ، وتَخِذَ يتخذ (٢)، قال الله تعالى: ﴿لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ [الكهف: ٧٧] (٣). قال الشاعر (٤):\nوقد تخِذَتْ رجلي إلى جنب غَرزها ... نسيفًا كأُفحوص (٥) القطاة المطرِّقِ (٦)\nو(تخذ) (٧) من (اتخذ) مثل تقي من اتقى وقد مرّ (٨).\n_________\n(١) في (ج): (له تعالى).\n(٢) (يتخذ) بسكون التاء، وفتح الخاء، كذا في \"تهذيب اللغة\" (أخذ) ٧/ ٥٣٠، \"مجالس العلماء\" للزجاجي: ص ٣٣٣، \"اللسان\" (أخذ) ٣/ ٣٧٤، وانظر \"الحجة\" لأبي علي ٢/ ٦٨.\n(٣) الكهف: ٧٧، والاستشهاد بالآية ورد في \"الحجة\" على قراءة أبي عمرو وابن كثير (لتخذت) كما هنا. انظر \"الحجة\" ٢/ ٦٨، \"السبعة\" لابن مجاهد ص ٣٩٦، \"تهذيب اللغة\" (أخذ) ١/ ١٢٩.\n(٤) هو الممزق العبدي، واسمه شأس بن نهار.\n(٥) في (ج): (كما نحوص).\n(٦) قوله: غرزها: الغرز للناقة مثل الحزام للفرس، و(النسيف): أثر ركض الرجل بجبني البعير، و(الأفحوص): المبيض، و(المطرِّق): وصف للقطاة، إذا حان خروج بيضها. ورد البيت في \"الحجة\" ٢/ ٦٨، \"الأصمعيات\" ص١٦٥، \"تهذيب اللغة\" (نسف) ٤/ ٣٥٦٢، \"الخصائص\" ٢/ ٢٨٧، \"مجالس العلماء\" للزجاجي ص ٣٣٣، \"المخصص\" ١/ ٢١، ٨/ ١٢٥، ١٢/ ٢٧٢، ١٦/ ٩٧، ١٣٤، ١٧/ ٢٢، \"التكملة\": ص١١٧، \"اللسان\" (حدب) ٢/ ٧٩٦، و(فحص) ٦/ ٣٣٥٦، و(طرق) ٥/ ٢٦٦٦، و(نسف) ٧/ ٤٤١١.\n(٧) قال أبو علي: (اتخذ): افتعل، فعلت منه: تخذت ..) ولم أعلم (تخذت) تعدى إلا إلى مفعول واحد. \"الحجة\" ٢/ ٦٨. قال ابن عطية: (اتخذ وزنه: افتعل من الأخذ، وقال أبو علي: هو من تخذ لا من أخذ ١/ ٢١٦، وانظر: \"تفسير القرطبي\" ١/ ٣٣٨ - ٣٣٩، \"الدر المصون\" ١/ ٣٥٤.\n(٨) مر في تفسير قوله تعالى: ﴿هُدًى للِمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢].","vol":"2","page":517},{"text":"وأما (اتخذ) فإنه على ضربين (١): أحدهما: أن يتعدى إلى مفعول واحد.\nوالثاني: أن يتعدى إلى مفعولين.\nفأما تعديه إلى واحد فكقوله: ﴿يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٧] و﴿أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ﴾ [الزخرف: ١٦] وقوله: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً﴾ [الفرقان: ٣] (٢)، ﴿لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا﴾ [الأنبياء: ١٧].\nوأما تعديه إلى مفعولين، فإن الثاني منهما هو الأول في المعنى، كقوله: ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً﴾ (٣) وقال: ﴿لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [الممتحنة: ١]، ﴿فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا﴾ [المؤمنون: ١١٠]. ونظير (اتخذت) في تعديه إلى مفعول واحد مرة، وإلى مفعولين: (الجعل) (٤) قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ [الأنعام: ١] أي: خلقهما (٥)، فإذا تعدى إلى مفعولين كان الثاني الأول في المعنى، قال: ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾\n_________\n(١) نقله من \"الحجة\" لأبي علي ٢/ ٦٨. وانظر: \"البحر\" ١/ ٢٠٠، \"الدر المصون\" ١/ ٣٥٤.\n(٢) وفي \"الحجة\" ذكر قوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً﴾ [مريم:٨١] [يس: ٧٤].\n(٣) المجادلة: ١٦، المنافقون: ٢.\n(٤) في (ب): (أنجعل) وفي \"الحجة\": (جعلت) ٢/ ٦٩.\n(٥) في (ب): (خلقها). والمؤلف يشير بقوله (خلقها) إلى أن (جعل) التي تتعدى إلى مفعول واحد هي التي بمعنى: خلق، أو أوجب، أو وجب، وهي تتعدى إلى مفعول واحد بنفسها. وإلى الثاني بحرف الجر. وأما التي تتعدى إلى مفعولين فهي التي بمعنى: (اعتقد) و(صير). انظر: \"الأشموني مع حاشية الصبان\" ٢/ ٢٣.","vol":"2","page":518},{"text":"[يونس: ٨٧]، ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً﴾ [القصص: ٤١].\nفأما قوله: ﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ﴾ [البقرة: ٥١] وقوله: ﴿بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ﴾ [البقرة: ٥٤]، ﴿اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٨]، ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ﴾ [الأعراف: ١٥٢]، فالتقدير في هذا كله: (اتخذوه إلها) فحذف المفعول الثاني (١). الدليل على ذلك أنه لو كان على ظاهره، لكان من صاغ عجلا، أو نجره، أو عمله بضرب من الأعمال، استحق الغضب من الله (٢)، لقوله: ﴿سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ﴾ [الأعراف: ١٥٢].\nو(الاتخاذ) أصله: (اأتخاذ) (٣)، فلما التقى الهمزة التي هي الفاء مع همزة الوصل لينت فصارت (ياء) لانكسار ما قبلها، فأدغمت في (تاء) (٤) الافتعال كقولهم: اتسروا الجزور (٥)، وإنما هو من الميسر واليسر (٦).\n_________\n(١) في (ب): (لي الثاني).\n(٢) تابع الواحدي أبا علي في قوله: (.. أنه لو كان على ظاهره، لكان من صاغ عجلًا، أو نجره، أو عمله بضرب من الأعمال، استحق الغضب من الله)، وكأن فاعل ذلك لا يستحق العقوبة على تصوير المجسمات من ذوات الأرواح، الذي هو محرم عند جمهور العلماء، وإنما وقع الخلاف بينهم في الصور غير المجسمة. أما أبو علي فلا يرى تحريم ذلك كله، ويحمل الأحاديث الواردة في وعيد المصورين على المشبهة -حسب زعمه- قال في \"الحجة\" ٢/ ٧١: (.. قيل: يعذب المصورون، يكون على من صور الله تصوير الأجسام، وأما الزيادة فمن أخبار الآحاد التي لا توجب العلم). وقد تعقبه ابن حجر ورد عليه قوله، انظر: \"فتح الباري\" ١٠/ ٣٨٤.\n(٣) (اأتخاد) ساقط من (ب)، وفي (ج): (اتخاذ).\n(٤) في (ب): (ياء).\n(٥) اتسروا الجزور: إذا نحروها واقتسموها. (القاموس) (يسر): ص ٥٠٠.\n(٦) أورد أبو علي هذا القول ورده، لأن أصله عنده (تخذ) لا (اخذ). انظر: \"الحجة\" ٢/ ٧١، \"تفسير ابن عطية\" ١/ ٢٩٢، \"تفسير القرطبي\" ١/ ٣٣٩، \"الدر المصون\" ١/ ٣٥٤.","vol":"2","page":519},{"text":"وباب (الاتخاذ) يجوز أنه يكون أصله الواو كالاتزان والاتقاء و(١) الاتضاح؛ لأن الأخذ، قد جاء فيه لغتان (٢)، كما قالوا: أكدت ووكدت، وأوصدت وآصدت (٣)، وقد مر هذا مشروحًا في قوله: ﴿هُدًى لِلمُتَّقِينَ﴾ [البقرة:٢] (٤).\nواختلف القراء في هذا الحرف، فقرأ بعضهم بالإظهار (٥)؛ لأن (الذال) ليس من مخرج (التاء) (٦) إنما هي من مخرج (الظاء)، و(الثاء) فتفاوت ما بينهما إذ كان لكل واحد من الذال والتاء مخرج غير مخرج الآخر (٧). وأما من (٨) أدغم فحجته: أن هذين الحرفين لما تقاربا فاجتمعا في أنهما (٩) من طرف اللسان وأصول الثنايا، حسن الإدغام، لقرب حيز كل واحد منهما من الحيز (١٠) الآخر.\n_________\n(١) (الواو) ساقطة من (ج)\n(٢) ذكره أبو علي في \"الحجة\" حيث قال: (أخذ) قد جاء فيه لغتان في (الفاء): الواو والهمز، كما جاء: آكدت ووكدت ..) \"الحجة\" ٢/ ٧٣، ٧٤.\n(٣) في (ب): (ووصدت).\n(٤) البقرة: ٢.\n(٥) قرأ بالإظهار ابن كثير وعاصم في رواية حفص، انظر \"السبعة\":ص١٥٥، \"الحجة\" لأبي علي ٢/ ٦٧، \"التيسير\": ص ٤٤.\n(٦) في \"الحجة\" (ليس من مخرج التاء والطاء) ٢/ ٧٥.\n(٧) \"الحجة\" لأبي علي ٢/ ٧٥. وانظر:\"الحجة\" لابن خالويه: ص٧٧.\"الكشف\" لمكي ١/ ١٦٠.\n(٨) قرأ بالإدغام بقية السبعة عدا ابن كثير وعاصم في رواية حفص، انظر\"السبعة\" ص ١٥٥، \"الحجة\" لأبي علي ٢/ ٦٧، \"التيسير\": ص ٤٤، \"الكشف\" ١/ ١٦٠.\n(٩) في (ب): (فاجتمع أنها).\n(١٠) في (ب): (حيز). \"الحجة\" لأبي علي ٢/ ٧٥. وانظر: \"الحجة\" لابن خالوية: ص ٧٧، \"الكشف\" ١/ ١٦٠، وقال مكي: إنهما (اعتدلا في القوة والضعف).","vol":"2","page":520},{"text":"فأما معنى الآية: فإن الله تعالى نبههم بهذه الآية على أن كفرهم بمحمد - ﷺ - ليس بأعجب من كفرهم وعبادتهم العجل (١)، وأراد به كفر سلفهم، وخاطبهم بهذا على ما بينا قبل (٢). قال المفسرون: إن الله تعالى لما أنجى موسى وبني إسرائيل وأغرق فرعون، وآمن بنو إسرائيل من عدوهم ودخلوا مصر، لم يكن لهم كتاب ولا شريعة ممهدة، فواعد الله موسى أن يؤتيه الكتاب، فيه بيان ما يأتون (٣) وما يذرون، وأمره أن يصوم ثلاثين يومًا، فصامه وصالًا، ولم يطعم شيئًا، فتغيرت رائحة فمه، فعمد إلى لحاء شجرة فمضغها، فأوحى الله إليه: أما علمت أن خلوف فم الصائم أطيب عندي من ريح المسك، وأمره أن يصل بها عشرًا، فتم ميقات ربه أربعين ليلة، وخرج موسى من بين (٤) بني إسرائيل تلك الأيام، فاتخذ السامري عجلًا، وقال لبني إسرائيل: هذا إلهكم وإله موسى، فافتتن بالعجل ثمانية آلاف رجل منهم، وعكفوا عليه يعبدونه (٥)، وسنذكر طرفًا من هذه القصة في موضعها (٦)، إن شاء الله.\n_________\n(١) انظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ٢٨١، \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ١٠٤.\n(٢) يريد ما سبق في تفسير قوله تعالى: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠]، فجعل النعمة على آبائهم نعمة عليهم، وهذا يجري في (كلام العرب) كثيرًا. وانظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٩٧، ١٠٤.\n(٣) في (ج): (ما يؤتون).\n(٤) (بين) ساقط من (ج).\n(٥) بنحو هذا السياق ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" دون قوله: (وأمره أن يصوم ثلاثين يومًا ..) ١/ ٧١ أ، وأخرج الطبري في \"تفسيره\" مقاطع منه في عدة آثار ١/ ٢٨٣، وانظر: \"تفسير ابن عطية\" ١/ ٢٩٤، \"تفسير البغوي\" ١/ ٩٥، \"ابن كثير\" ١/ ٩٨.\n(٦) في (ب): (موضها).","vol":"2","page":521},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَأَنتُم ظَالِمُونَ﴾ أي: ضارون لأنفسكم، وواضعون العبادة في غير موضعها (١). وقيل: وأنتم ظالمون اليوم بمخالفة محمد ﷺ (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-276>٥٢ </span>- قوله تعالى: ﴿ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ قال الليث: كل من استحق عقوبة فتركته (٣) فقد عفوت عنه (٤). فكأن معنى العفو عنده: الترك، ومنه قوله: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ [البقرة: ١٧٨]، أي ترك (٥).\nوقال ابن الأنباري: أصل: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ﴾ [التوبة: ٤٣] محا الله عنك، مأخوذ من قولهم: عفت الرياح الآثار، إذا درستها ومحتها، فعفت تعفو عفوا، لفظ (٦) اللازم والمتعدى سواء (٧) إلا في المصدر (٨). فعفو الله\n_________\n(١) \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٧١ ب، وانظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ٢٨٤. و\"تفسير البغوي\" ١/ ٩٥، و\"لباب التفسير\" ١/ ٢٣٩، و\"تفسير الرازي\" ٣/ ٧٦، \"البحر المحيط\" ١/ ٢٠١، و\"تفسير البيضاوي\" ١/ ٢٥، و\"تفسير النسفي\" ١/ ٤٣، و\"تفسير الخازن\" ١/ ١٢٥.\n(٢) لم أجد من ذكر هذا القول -فيما اطلعت عليه- ومعناه يرجع للقول الأول، والله أعلم.\n(٣) في (ب): (فتركة عنه) وفي \"تهذيب اللغة\" (عفا) ٣/ ٢٤٨٩.\n(٤) \"تهذيب اللغة\" (عفا) ٣/ ٢٤٨٩. وانظر: \"تفسير أسماء الله\" للزجاج ص ٦٢، \"اشتقاق أسماء الله\" للزجاجي ص ١٣٤.\n(٥) وقيل: إن معنى (فمن عفي): فمن فضل له فضل، انظر \"تفسير الطبري\" ١/ ١٠٧ - ١٠٩، وانظر كلام الأزهري على الآية في \"تهذيب اللغة\" (عفا) ٣/ ٢٢٦.\n(٦) في (ب): (اللفظ).\n(٧) \"تهذيب اللغة\" (عفا) ٣/ ٢٤٨٩، \"اللسان\" (عفا) ٥/ ٣٠١٨، وانظر \"الأضداد\" لابن الأنباري: ص ٨٦، \"الزاهر\" ١/ ٥٣٥.\n(٨) قوله: (إلا في المصدر) لم يرد ضمن كلام ابن الأنباري في \"تهذيب اللغة\"، قال الأزهري وقرأت بخط شمر لأبي زيد: عفا الله عن العبد عفوا، وعفت الرياح الأثر عفاء، فعفا الأثر عفوا \"تهذيب اللغة\" (عفا) ٣/ ٢٤٨٩.","vol":"2","page":522},{"text":"تعالى: محوه الذنوب عن العبيد (١).\nوقال بعض أصحاب المعاني: العفو في اللغة: ما فضل عن الكفاية، وسهلت النفس ببذله (٢) ومنه قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ العَفوَ﴾ (٣) [البقرة: ٢١٩] أي: ما فضل عن (٤) القوت، ثم كثر ذلك وطال ترداده حتى صار على التدريج والتراخي: الصفح (٥) عن الشيء والإعراض عن المؤاخذة به.\nقال المفسرون: والمراد بالعفو في هذه الآية: قبوله التوبة من عبدة العجل، وأمره برفع السيف عنهم (٦).\nوقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ أي من بعد عبادة العجل (٧). وإنما وحد والخطاب (٨) للجميع، لاتصال الخطاب بذا وهو مبهم، فمرة يجمع على الأصل في مخاطبة الجميع، ومرة يوحد على مشاكلة اللفظ، إذا (٩) كان لفظ المبهم على الواحد، وإن كان معناه على الجمع (١٠).\n_________\n(١) انظر: \"اشتقاق أسماء الله\" للزجاجي ص ١٣٤، \"تهذيب اللغة\" (عفا) ٣/ ٢٤٨٩.\n(٢) انظر: \"تهذيب اللغة\" (عفا) ٣/ ٢٤٩١.\n(٣) الواو ساقطة من (أ)، (ج).\n(٤) في (ب): (من).\n(٥) في (ب): (والصفح).\n(٦) انظر: \"تفسير أبي الليث\" ١/ ٣٥٣. و\"تفسير الثعلبي\" ١/ ٧٢ أ، وقال ابن جرير: المراد بالعفو: ترك معاجلتهم بالعقوبة، \"تفسير الطبري\" ١/ ٢٨٤.\n(٧) انظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ٢٨٤، \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٧٢ أ، \"تفسير القرطبي\" ١/ ٣٣٨.\n(٨) في (ب): (وجد الخطاب).\n(٩) في (أ)، (ج): (إذ)، وأثبت ما في (ب) لأنه أنسب للسياق.\n(١٠) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٨٦.","vol":"2","page":523},{"text":"وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُم تَشكُرُونَ﴾ إنما ذكرت هاهنا وفي سائر المواضع من القرآن نحو ﴿ولَعَلَّكُم تَهتَدُونَ﴾ [البقرة:<span data-type=\"title\" id=toc-277>٥٣] </span>والله ﷿ يعلم أيشكرون أم لا، على ما يفعل (١) العباد ويتخاطبون به، أي: أن هذا يرجى به الشكر (٢)، وقد ذكرنا هذا فيما تقدم (٣).\nومعنى الشكر في اللغة: عرفان الإحسان ونشره، وهو الشكور (٤) أيضًا (٥). وقال بعض أهل اللغة: معنى الشكر إظهار النعمة بالاعتراف بها، ومن هذا يقال: دابة شكور (٦)، إذا أظهرت السمن فوق (٧) ما يعلف (٨). وقد ذكرنا أقسام الشكر في ابتداء الفاتحة. وأما معنى الشكور في وصف الله تعالى فمذكور وفي موضعه.\n\n٥٣ - قوله تعالى: ﴿وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ﴾ الآية. الفرقان: مصدر فرَقت بين الشيئين أفرُق فَرْقًا وفُرْقانًا، كالرجحان والنقصان، هذا هو\n_________\n(١) في (أ)، (ب): (يعقل)، وما في (ج) أولى، وموافق لما في \"معاني القرآن\" للزجاج، والكلام منقول منه.\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ١٠٥، وأكثر المفسرين على أن (لعل) تفيد الإيجاب، وقيل: هي بمعنى (كي). انظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ١٦١، ١/ ٢٨٤، \"تفسير ابن عطية\" ١/ ٢٩٦، \"تفسير القرطبي\" ١/ ٣٣٦.\n(٣) ذكر الوجوه التي تأتي عليها (لعل) في تفسير قوله ﴿لَعَلَّكُم تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ٢١].\n(٤) في (ب): (الشكر).\n(٥) ذكره الأزهري عن الليث. \"تهذيب اللغة\" (شكر) ٢/ ١٩١١، وانظر: \"اللسان\" (شكر) ٤/ ٢٣٠٥.\n(٦) في (ب): (شكورا).\n(٧) في (ب): (من الثمن فوق ما علفت).\n(٨) انظر: \"التهذيب\" (شكر) ٢/ ١٩١١، \"اللسان\" ٤/ ٢٣٠٦، \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٧٢.","vol":"2","page":524},{"text":"الأصل (١). ثم يسمى كل فارق: فرقانًا، كتسميتهم الفاعل بالمصدر، كما سمى كتاب الله الفرقان لفصله بحججه وأدلته بين المحقّ والمبطل، وسمى الله تعالى يوم بدر: يوم الفرقان في قوله ﴿يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾ [الأنفال: ٤١]، لأنه فرق في ذلك اليوم بين الحق والباطل، فكان ذلك اليوم يوم الفرقان (٢).\nوقوله تعالى: ﴿إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ [الأنفال: ٢٩]، أي: يفرق بينكم وبين ذنوبكم، أو بينكم وبين ما تخافون (٣).\nفأما (٤) معنى الفرقان في هذه الآية: فقال مجاهد: هو بمعنى الكتاب، وهما شيء واحد (٥). وهو اختيار الفراء (٦). قال: العرب تكرر الشيء إذا اختلفت (٧) ألفاظه، قال عدي بن زيد:\n_________\n(١) انظر: \"الصحاح\" (فرق) ٤/ ١٥٤٠، \"اللسان\" (فرق) ٦/ ٣٣٩٩.\n(٢) انظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ٤٣، ٤٤، ١/ ٢٨٥ \"معاني القرآن\" للزجاج ٢/ ٤٦١، \"تهذيب اللغة\" (فرق) ٣/ ٢٧٧٩، \"الصحاح\" (فرق) ٤/ ١٥٤١، \"اللسان\" (فرق) ٦/ ٣٣٩٩.\n(٣) ذكر الطبري في المراد بالفرقان ثلاثة أقوال: مخرجها، أو نجاة، أو فصلا، ١٣/ ٤٨٨.\n(٤) في (ب): (وأما).\n(٥) ذكره الطبري في \"تفسيره\" عن مجاهد وعن ابن عباس وأبي العالية ورجحه ٢/ ٧٠، ٧١، وكذا \"تفسير ابن أبي حاتم\" ١/ ٣٥٠، والنحاس في \"إعراب القرآن\" ١/ ٢٢٥، \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٧٣ أ، انظر \"تفسير ابن عطية\" ١/ ٢١٦، والبغوي في \"تفسيره\" ١/ ٧٣، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ١/ ٨١، \"تفسير ابن كثير\" ١/ ٩٧.\n(٦) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ٧٣ أ، وذكر الفراء في المراد بالفرقان عدة أقوال، والقول المذكور هنا أحد الأقوال. انظر \"معاني القرآن\" ١/ ٣٧.\n(٧) في (ب): (اختلف).","vol":"2","page":525},{"text":"وأَلْفَى قَوْلَهَا كَذِبًا وَمَينَا (١)\nوقال عنترة:\nأَقْوَى وَأَقْفَرَ بَعْدَ أُمِّ الهَيْثَمِ (٢)\nوارتضى الزجاج هذا القول، قال (٣): لأن الله تعالى ذكر لموسى الفرقان في غير هذا الموضع وهو قوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ﴾ [الأنبياء: ٤٨]. فعلى هذا الفرقان هو الكتاب، والكتاب هو الفرقان، ولكن ذكر بلفظين مختلفين نحو ما ذكرنا.\nقال الزجاج: ويجوز أن يريد بالفرقان انفراق البحر (٤)، وهو من عظيم الآيات، كأنه قيل: آتيناه فرق البحر وهذا قول يمان بن رباب (٥). وقال ابن عباس: أراد بالفرقان النصر على الأعداء (٦)، لأن الله ﷿\n_________\n(١) سبق البيت وتخريجه، والشاهد هنا قوله: (كذبًا ومينًا) فعطف المين على الكذب، وهو بمعناه.\n(٢) البيت من معلقة عنترة المشهورة وصدره:\nحُيِّيتَ مِنْ طَلَلٍ تَقَادَمَ عَهْدُهُ\n(الطلل): ما شخص من الدار من وتد وغيره، (تقادم): طال عهده بأهله فتغير، (أقوى): خلا من أهله، ورد البيت في \"تهذيب اللغة\" (شرع) ٢/ ١٨٥٧، \"اللسان\" (شرع) ٤/ ٢٢٣٨، \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٧٣ أ، \"تفسير القرطبي\" ١/ ٣٤١، \"الدر المصون\" ١/ ٣٥٨، \"فتح القدير\" ١/ ١٣٥، و\"ديوان عنترة\" ص ١٨٩.\n(٣) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ١٠٥.\n(٤) لم أجد هذا القول في \"معاني القرآن\" للزجاج، وممن نسبه للزجاج ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ١/ ٨١، وهذا القول ذكره الفراء في \"المعاني\" ١/ ٣٧، وأبو الليث في \"تفسيره\" ١/ ٣٥٤، انظر: \"تفسير ابن عطية\" ونسبه لابن زيد ١/ ٢٩٥، \"تفسير القرطبي\" ١/ ٣٤١.\n(٥) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ٧٣ أ، والبغوي في \"تفسيره\" ١/ ٧٣.\n(٦) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ٧٣ أ، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" عن ابن =","vol":"2","page":526},{"text":"نصر (١) موسى وقومه. وقال حسان يذكر ذلك، يخاطب (٢) النبي -ﷺ -:\nفَثَبَّتَ اللهُ مَا آتاكَ (٣) مِنْ حَسَنٍ ... تَثْبِيتَ مُوسَى وَنَصْرًا كَالَّذِي نُصِرُوا (٤)\nفعلى هذا سمى نصره على فرعون وقومه فرقانًا؛ لأن في ذلك فرقًا بين الحق والباطل.\nوقال الكسائي: الفرقان نعت للكتاب، يريد: وإذا آتينا موسى الكتاب الفرقان، أي (٥): الفارق بين الحلال والحرام، ثم زيدت الواو كما تزاد في النعوت فيقال: فلان حسن وطويل وسخي (٦)، وأنشد:\nإِلَى المَلِكِ الْقَرْمِ وَابْنِ الهُمَامِ ... وَلَيْثِ الْكَتِيبَةِ في المُزْدَحَم (٧)\nوقال قطرب: أراد بالفرقان: القرآن، وفي الآية إضمار معناه: وإذ آتينا موسى الكتاب ومحمدا الفرقان، لعلكم تهتدون بهذين الكتابين، فترك\n_________\n= عباس وابن زيد ١/ ٨١، وذكر الطبري نحوه عن ابن زيد ١/ ٢٨٥، وذكره أبو الليث في \"تفسيره\" ولم يعزه ١/ ٣٥٤، وكذا ابن عطية في \"تفسيره\" ١/ ٢٩٥.\n(١) (نصر) ساقط من (ب).\n(٢) في (ج): (مخاطب).\n(٣) في (ب): (ما أتاك الله ما أتاك).\n(٤) البيت ليس لحسان وإنما هو لعبد الله بن رواحة كما في ديوانه ص ١٥٩، وكذلك ورد في \"طبقات ابن سعد\" ٣/ ٥٢٨، \"سيرة ابن هشام\" ٣/ ٤٢٨، \"سير أعلام النبلاء\" ١/ ٢٣٤، و\"الاستيعاب\" ٣/ ٣٥، \"الدر المصون\" ١/ ٥٩١، \"البحر المحيط\" ٢/ ٣١١، ٢٢٧، ٦/ ٨٤.\n(٥) في (أ): (أن) وفي (ج): (إذ).\n(٦) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ٧٣ أ، وانظر \"تفسير البغوي\" ١/ ٧٣، \"الكشاف\" ١/ ٢٨١، وذكره أبو حيان في البحر، وقال: هو ضعيف ١/ ٢٠٢، وذكر الفراء نحوه ولم يعزه للكسائي، \"معاني القرآن\" ١/ ٣٧.\n(٧) سبق البيت وتخريجه في تفسير قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾.","vol":"2","page":527},{"text":"أحد الاسمين (١)، كقوله:\nتَرَاهُ كَأَنَّ اللهَ يَجْدَعُ أَنْفَهُ ... وَعَيْنَيْهِ إِنْ مَوْلاَهُ ثَابَ لَهُ وَفْرُ (٢)\nأراد ويفقأ عينيه، فاكتفى بـ (يجدع) من يفقأ (٣).\nقال ابن الأنباري: هذا البيت لا يشاكل ما احتج به؛ لأن الشاعر اكتفى بفعل من فعل، وعلى ما ذكر في الآية اكتفى من اسم باسم (٤)، ولكنه يصح قول قطرب عندي من وجه آخر، وهو (٥) أنه لما ذكر الفرقان وهو اسم للقرآن، دل على محمد - ﷺ - فحذف اتكالًا على علم المخاطبين (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-278>٥٤ </span>- وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ﴾ يعني (٧) الذين عبدوا العجل. (يا قوم) نداء مضاف حذفت منه الياء، لأن النداء باب حذف، ألا\n_________\n(١) الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ٧٣ أ، وذكره الزجاج في \"المعاني\" ١/ ١٠٤، ١٠٥، وهو قول للفراء كما في المعاني ١/ ٣٧، وانظر: \"أمالي المرتضى\" ٢/ ٢٥٩، \"تفسير ابن عطية\" ١/ ٢٩٦، \"زاد المسير\" ١/ ٨١، \"البحر المحيط\" ١/ ٢٠٢.\n(٢) البيت ينسب إلى خالد بن الطيفان، ونسبه بعضهم إلى الزبرقان بن بدر، ورد البيت في \"الزاهر\" ١/ ١١٩، و\"أمالي المرتضى\" ٢/ ٢٥٩، ٣٧٥، \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٧٣ أ، \"الخصائص\" ٢/ ٤٣١، \"الإنصاف\" ١/ ٤٠٦، \"اللسان\" (جدع) ١/ ٥٦٧. والوفر: المال الكثير الوافر.\n(٣) في (ج): (فاكتفى يجدع من تفقأ).\n(٤) في (ب)، (ج): (باسم من اسم). وقول ابن الأنباري ذكره المرتضى في \"أماليه\" ٢/ ٢٦٠.\n(٥) (وهو) ساقط من (ب).\n(٦) ذكر المرتضى في أماليه نحوه ردا على قول ابن الأنباري السابق. \"أمالي المرتضى\" ٢/ ٢٦٠.\n(٧) بعد سياق الآية كاملة في (ب) كما هو النهج في هذه النسخة ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ﴾ يعني ...","vol":"2","page":528},{"text":"ترى أنه يحذف فيه (١) التنوين، ويحذف بعض الاسم للترخيم (٢) والمنادى إذا أضفته إلى نفسك (٣) جاز فيه ثلاث لغات (٤) حذف الياء، وإثباتها (٥) وفتحها (٦)، فحذف الياء كقوله: ﴿يَا قَوْمِ﴾ والإثبات كقوله: ﴿يَا عِبَادِ (٧) فَاتَّقُونِ﴾ (٨) [الزمر: ١٦] والفتح كقوله: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ [الزمر: ٥٣] على قراءة من فتح (٩) الياء. والأجود الحذف والاجتزاء بالكسرة (١٠)، والعرب تفعل ذلك كثيرًا في الموضع (١١) الذي يكون (١٢) الياء\n_________\n(١) في (ج): (منه).\n(٢) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ١٠٥، \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ٢٢٦.\n(٣) أي: إلى ياء المتكلم.\n(٤) انظر: \"الكتاب\" ٢/ ٢٠٩، وذكر الزجاج في المنادى المضاف إلى ياء المتكلم أربع لغات، انظر: \"معاني القرآن\" ١/ ١٠٥، وذكر النحاس لست لغات، \"إعراب القرآن\" ١/ ٢٢٦، وكذا أبو حيان في البحر ١/ ١٠٦، \"السمين في الدر\" ١/ ٣٥٩، وهذا في غير القرآن.\n(٥) يعني إثباتها ساكنة.\n(٦) في (ب): (وحذفها).\n(٧) قراءة جمهور القراء حذف الياء منها، وقرأ بالإثبات رويس وروح. انظر: \"النشر\" ٢/ ٣٦٤، \"وتحبير التيسير\" ص ١٧٤.\n(٨) في (ج): (عباد) وهي قراءة السبعة.\n(٩) في (ب): (حذف). قرأ بالفتح نافع وابن كثير وابن عامر وعاصم، وأبو جعفر من العشرة والبقية على الإسكان في الوقف، وحذفها في الوصل. انظر: \"التيسير\" ص ١٩٠، \"تحبير التيسير\" ص ١٧٤.\n(١٠) قال الزجاج: فأما في القرآن فالكسر وحذف الياء لأنه أجود الأوجه، وهو إجماع القراء ١/ ١٠٥، وانظر: \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ١٧٥، \"البحر المحيط\" ١/ ٢٠٦.\n(١١) في (ب): (المواضع).\n(١٢) في (ب): (تكون).","vol":"2","page":529},{"text":"فيه أصلًا، وكما أنشده (١) سيبويه:\nوَطِرْتُ بِمُنْصُلِي (٢) فِي يَعْمَلاَتٍ ... دَوَامِي الأَيْدِ يَخْبِطْنَ السَّريِحَا (٣)\nيريد: الأيدي (٤). وأنشد أيضًا:\nوَأخُو الغَوَانِ مَتى يَشَأْ يَصْرِمْنَهُ ... وَيَكُنَّ أَعْدَاءً بُعَيْدَ وِدَادِ (٥)\nيريد: الغواني فاجتزأ بالكسرة من الياء، والنداء بهذا أولى لأنه باب حذف.\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ أي نقصتم حظ أنفسكم باتخادكم العجل إلها (٦)، فحذف أحد المفعولين، وقد مضى بيانه (٧).\n_________\n(١) في (ب): (أنشد).\n(٢) في (أ)، (ج) (لمنصلي) وما في (ب) موافق لرواية البيت في أكثر المصادر.\n(٣) البيت غير منسوب في \"الكتاب\"، ونسبه في اللسان لمضرس بن ربعي. (المنصل): السيف، و(اليعملات): جمع يعملة، وهي الناقة القوية على العمل و(السريح): جلود أو خرق تشد على أخفاف الناقة إذا حفيت من شدة السير، ورد البيت في \"الكتاب\" ١/ ٢٧، ٤/ ١٩٠، \"المنصف\" ٢/ ٧٣، \"الخصائص\" ٢/ ٢٦٩. ٣/ ١٣٣، \"الإنصاف\" ٢/ ٤٢٩، \"الخزانة\" ١/ ٢٤٢، \"اللسان\" (جزز) ١/ ٦١٥، و(خبط) ١٠٣٩، و(ثمن) ١/ ٥٩ و(يدى) ٨/ ٤٩٥١.\n(٤) فحذف (الياء) لضرورة الشعر وبقيت الكسرة تدل عليها. انظر:\"الكتاب\" ١/ ٢٧.\n(٥) في (ب): (واداد). البيت للأعشى (قيس من ميمون) وفيه يصف النساء بالغدر وقلة الوفاء والصبر، يقول: من كان مشغوفًا بهن مواصلًا لهن، إذا تعرض لما يسبب صرمهن سارعن إليه لتغير أخلاقهن. البيت من شواهد سيبويه ١/ ٢٨، وورد في \"المنصف\" ٢/ ٧٣، \"الإنصاف\" ص ٣٢٩، ص ٤١٩، و\"الهمع\" ٥/ ٣٤٤، \"الخزانة\" ١/ ٢٤٢، \"اللسان\" (غنا) ٦/ ٣٣١٠، وديوان لأعشى ص ٥١.\n(٦) انظر: الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ٧٣ ب، والبغوي في \"تفسيره\" ١/ ٧٣.\n(٧) مضى في تفسير قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [البقرة: ٥١].","vol":"2","page":530},{"text":"﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ﴾ خالقكم، يقال: برأ الله الخلق، أي: خلقهم (١)، وكان أبو عمرو يختلس حركة الهمزة في بارئكم كأنه مخفف الحركة ويقربها من الجزم (٢)، وحجته في ذلك: أن الحركات على ضربين (٣): حركة بناء، وحركة إعراب، فحركة البناء يجوز تخفيفه، وذلك نحو: سَبُع وإِبِل وضُرِبَ وعَلِمَ. يقول (٤) في التخفيف: سَبْع وفَخْذٌ وعَلْم وضُرْب، وقد خفف من كلمتين على هذا المثال تشبيها للمنفصل (٥) بالمتصل، وذلك نحوما أنشده أبو زيد:\nقَالَتْ سُلَيْمَى اشْتَرْ لَنَا دَقِيقَا (٦)\n[فَنُزِّل] (٧) مثل كتف، ولا خلاف في تجويز إسكان حركة البناء عند\n_________\n(١) انظر: \"غريب القرآن\" للزبيدي ١/ ٧٠، والطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٧٨، \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ١٠٦، \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٧٣ ب.\n(٢) هذا على رواية العراقيين عنه بالاختلاس، وروي عنه إسكان الهمزة، وبقية السبعة على كسر الهمزة من غير اختلاس ولا تخفيف، انظر \"السبعة\" ص ١٥٥، و\"الحجة\" لأبي على ٢/ ٧٦، \"التيسير\" ص ٧٣، \"الكشف\" ١/ ٢٤٠.\n(٣) أخذه عن \"الحجة\" ٢/ ٧٨. قال أبو علي: (حروف المعجم على ضربين: ساكن ومتحرك، والساكن على ضربين: أحدهما: ما أصله في الاستعمال السكون ..، والآخر: ما أصله الحركة في الاستعمال فيسكن عنها، وما كان أصله الحركة يسكن على ضربين: أحدهما أن تكون حركته حركة بناء، والآخر: أن تكون حركته حركة إعراب ..) وانظر: \"حجة القراءات\" لابن زنجلة ص ٩٧، \"الحجة\" لابن خالويه ص ٧٨، \"الكشف\" ١/ ٢٤١.\n(٤) في \"الحجة\" (يقول من يخفف) ٢/ ٧٩.\n(٥) أي: شبهوا المنفصل في كلمتين بالمتصل في كلمة.\n(٦) الرجز لرجل من كندة يقال له: (العذافر الكندي) وسبق تخريجه في تفسير قوله تعالى: ﴿وَهُوَ بكل شَىءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٩].\n(٧) في جميع النسخ (فترك) وفي \"الحجة\" (فنزل) وهذا أقرب، والمعنى: أن (اشتر) =","vol":"2","page":531},{"text":"النحويين.\nوأما حركة الإعراب فمختلف في تجويز إسكانها، فمن النحويين من يقول: إن إسكانها لا يجوز، لأنها علم الإعراب، وسيبويه يجوز ذلك (١)، ولا يفصل بين القبيلين (٢) في الشعر.\nوقد روي ذلك عن العرب، وإذا جاءت الرواية لم ترد بالقياس (٣)، فمما أنشده في ذلك قوله (٤):\nوَقَدْ بَدَا (٥) هَنْكِ مِنَ المِئْزَرِ (٦)\nوقوله: فَالْيَوْمُ أَشْرَبْ غَيْرَ مُسْتَحْقِبٍ (٧) .. البيت.\n_________\n= سكن آخره ونزل منزلة المتصل مثل (كتف) انظر \"الحجة\" ٢/ ٧٩، و\"النوادر\" لأبي زيد ص١٧٠، \"الخصائص\" ١/ ٧٣ - ٧٥.\n(١) انظر: \"الكتاب\" ٤/ ٢٠٣، وانظر: \"الخصائص\" ١/ ٧٣ - ٧٥.\n(٢) في (ب): (القبيلتين).\n(٣) وكأنه يشير إلى رد أبي العباس المبرد لهذه المسألة، انظر: \"الخصائص\" ١/ ٧٥، \"تفسير ابن عطية\" ١/ ٢٩٧، \"الخزانة\" ٤/ ٤٨٤.\n(٤) (قوله) ساقط من (ب).\n(٥) في (ب). (زيد).\n(٦) البيت للأقيشر الأسدي وصدره:\nرُحْتِ وَفِي رِجْلَيْكِ مَا فِيهِمَا\nقاله يخاطب زوجته حين لامته لما شرب الخمر وبدت عورته، وقوله: (ما فيهما): من الاضطراب، و(الهن) كناية عن كل ما يقبح ذكره، وهو هنا كناية عن (الفرج). البيت من شواهد سيبويه ٤/ ٢٠٣، وفي \"الحجة\" لأبي علي ٢/ ٨٠، \"الخصائص\" ١/ ٧٤، ٣/ ٩٥، و\"الهمع\" ١/ ١٨٧، \"شرح المفصل\" ١/ ٤٨، \"الخزانة\" ٤/ ٤٨٤، ٤٨٥، ٨/ ٣٥١، \"تفسير ابن عطية\"١/ ٢٩٨.\n(٧) سبق تخريجه.","vol":"2","page":532},{"text":"وقول جرير:\nسِيرُوا بَنِي الْعَمِّ فَالْأَهْوَازُ (١) مَنْزِلُكُمْ ... وَنَهْرُ تِيرَى وَلَا تَعْرِفْكُمُ (٢) الْعَرَبُ (٣)\nوجاز إسكان حركة الإعراب كما جاز إسكان (٤) حركة البناء في نحو ما ذكرنا. والذي ذهب إليه أبو عمرو هو إسكان حركة الإعراب (٥).\nفأما من زعم أن حذف هذه الحركة لا يجوز من حيث كانت عَلَمًا للإعراب، فليس قوله بمستقيم، وذلك أن حركات (٦) الإعراب قد تحذف لأشياء (٧)، ألا ترى أنها تحذف للوقف، وتحذف من الأسماء والأفعال\n_________\n(١) في (ج): (فالهواني).\n(٢) في (أ)، (ج): (لايعرفكم) وما في (ب) موافق للحجة، والمصادر الأخرى التي ورد فيها البيت.\n(٣) (الأهواز): مكان معروف في بلاد الفرس، وهو اسم للكورة بأسرها، ثم غلب على سوقها الذي أصبح مدينة يعينها، وفي الأهواز (نهر تيرى) المذكور في البيت. انظر \"معجم البلدان\" ١/ ٢٨٤، ٥/ ٣١٩، ورد البيت في \"الحجة\" ٢/ ٨٠، \"الخصائص\" ١/ ٧٤، ٢/ ٣١٧، \"المخصص\" ١٥/ ١٨٨، \"تفسير ابن عطية\" ١/ ٢٩٨، \"معجم البلدان\" ٥/ ٣١٩، \"الخزانة\" ٤/ ٤٨٤، \"ديوان جرير\" ص ٤٥. والشاهد (ولا تعرفكم) بالضم فأسكن الشاعر مضطرًّا. انظر \"الخصائص\" ١/ ٧٤، ٢/ ٣١٧.\n(٤) (إسكان) ساقط من (ب). وعبارة أبي علي: (وجاز إسكان حركة الإعراب، كما جاز تحريك إسكان البناء ...) \"الحجة\" ٢/ ٨١.\n(٥) أو اختلاسها كما سبق، قال أبو علي: (ذهب سيبويه إلى أن أبا عمرو اختلس الحركة ولم يشبعها فهو بزنة حرف متحرك، فمن روى عن أبي عمرو الإسكان في هذا النحو، فلعله سمعه يختلس فحسبه لضعف الصوت به والخفاء إسكانًا ٢/ ٨٤، وانظر \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ١٠٧، \"الحجة\" لابن خالويه ص ٧٨.\n(٦) في (ب) (حركة).\n(٧) في (ب) (الأشياء).","vol":"2","page":533},{"text":"المعتلة. فإذا جاز حذفها في هذه المواضع، جاز حذفها فيما ذهب إليه سيبويه، وهو التشبيه بحركة البناء، والجامع بينهما أنهما جميعا زائدتان، وأن حركة الإعراب قد تسقط في الوقف والاعتلال، كما تسقط التي للبناء للتخفيف.\nواعلم أن الحركات التي تكون للبناء والإعراب يستعملون في الضمة والكسرة منهما على ضربين: أحدهما: الإشباع والتمطيط، والآخر: اللاختلاس والتخفيف.\nوهذا الاختلاس والتخفيف، إنما يكون في الضمة والكسرة، وأما الفتحة (١) فليس فيها إلا الإشباع ولم تخفف الفتحة بالاختلاس، كما لم تخفف بالحذف (٢) من نحو: جَمَل وجَبَل، كما حذف (٣) من نحو: سَبُع وكَتِف، وكما (٤) لم يحذفوا الألف في الفواصل من حيث حذفت الياء والواومنها، نحو: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ﴾ [الفجر: ٤]. وكما لم يبدل الأكثر من التنوين الياء والواوفي الجر والرفع كما أبدلوا (٥) منه في النصب، فهذا الاختلاس وإن كان الصوت فيه أضعف من التمطيط وأخفى، فإن الحرف المختلس حركته بزنة المتحرك، وعلى هذا حمل سيبويه قول أبي عمرو ﴿إِلَى بَارِئِكُمْ﴾ فذهب إلى أنه اختلس الحركة ولم يشبعها، فهو بزنة حرف متحرك (٦).\n_________\n(١) في (ب) (فأما الضمة).\n(٢) في (أ)، (ج) (بالمحذوف) وما في (ب) أولى، وموافق لما في \"الحجة\" ٢/ ٨٣.\n(٣) في \"الحجة\" (خفف) وهو أولى.\n(٤) (الواو) ساقطة من (ب).\n(٥) في \"الحجة\": (كما أبدلوا الألف في النصب) ٢/ ٨٣.\n(٦) انتهى من \"الحجة\" لأبي علي الفارسي ٢/ ٧٨ - ٨٣. مع التصرف اليسير باختصار بعض المواضع.","vol":"2","page":534},{"text":"وفي الآية إضمار واختصار، كأنه لما قال لهم: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ﴾ قالوا: كيف؟ فقال (١): ﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ (٢). قال أبو العباس: أصل القتل: إماتة الحركة (٣). ومنه يقال: قتلت الخمر إذا (٤) مزجتها بالماء، لأنك كسرت شدتها، كأنك قتلت حركتها، قال حسان:\nإِنَّ الَّتِي نَاوَلْتَنِي فَرَدَدْتُهَا قُتِلَتْ ... قُتِلَتْ فَهَاتِهَا (٥) لَمْ تُقْتَلِ (٦)\nوتقول (٧): قتلته علما: إذا أتقنته وتحققته، وذلك أنك أزلت اضطرابه في نفسك.\nوقلب مُقَتَّل: إذا ذلل بالعشق (٨)، ومنه قوله:\n...... أَعْشَارِ (٩) قَلْبٍ مُقَتَّلِ (١٠)\n_________\n(١) في (ب) (قال).\n(٢) انظر الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ٧٣ب، والبغوي في \"تفسيره\" ١/ ٧٣.\n(٣) نحوه في \"التهذيب\" عن الليث (قتل) ٣/ ٢٨٨٤، انظر \"الصحاح\" (قتل) ٥/ ١٧٩٧، \"اللسان\" (قتل) ٦/ ٣٥٢٨.\n(٤) في (ج) (اوا).\n(٥) في (أ)، (ج) (نهاتها) وما في (ب) موافق لنا في ديوان حسان، والمصادر الأخرى التي ذكر فيها البيت.\n(٦) ورد البيت في الصحاح (قتل) ٥/ ١٧٩٧، \"اللسان\" ٦/ ٣٥٣٠، \"ديوان حسان\" ص ١٨١، \"الخزانة\" ٤/ ٣٨٥، ٣٩٠.\n(٧) في (ج): (ويقول).\n(٨) انظر \" التهذيب\" (قتل) ٣/ ٢٨٨٤، \"الصحاح\" (قتل) ٥/ ١٧٩٧، ١٧٩٨، \"المحكم\" (قتل) ٦/ ٢٠٤، ٢٠٥.\n(٩) في (ب): (في أعشار).\n(١٠) البيت لامرئ القيس، وسبق تخريجه وشرحه في مقدمة المؤلف.","vol":"2","page":535},{"text":"وكذلك المُقَتَّل من الدواب: المذلل بكثرة العمل (١).\nقال زهير.\nكَأَنَّ عيْنَيَّ فِي غَرْبَيْ مُقَتَّلَةٍ ... مَن النَّوَاضِحِ تَسْقِي جَنَّةً (٢) سُحُقَا (٣)\n[قوله: جنة سُحُقا قال أبو علي (٤): أراد نخيل جنة، لأن السحق يكون من صفة النخيل لا من صفة الجنة، وهي التي بسقت فطالت] (٥).\nومعنى قوله: ﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ أي: ليقتل البريء المجرم (٦)، وجاز هذا؛ لأن من قتل أخاه أباه (٧) وجاره وحليفه (٨) فكأنه قتل نفسه، ومنه\n_________\n(١) انظر: \"تهذيب اللغة\" (قتل) ١/ ٢٨٨٤. \"المحكم\" (قتل) ٦/ ٢٠٥.\n(٢) في (ب): (جنها).\n(٣) قوله: (غربي) الغرب: الدلو الكبير من جلد ثور وجمعه غروب، و(المقتلة): التي ذللت بكثرة العمل، لأنها ماهرة تخرج الدلو ملأى فتسيل من نواحيها، (الجنة) البستان، وأراد النخل. (السحق): الواحد (سحوق) النخلة التي ذهبت جريدتها، وطالت، ورد البيت في المجمل (جنن) ١/ ١٧٥، \"مقاييس اللغة\" ١/ ٤٢١، \"المخصص\" ١١/ ١١١،\"اللسان\" (سحق) ٤/ ١٩٥٦، و(قتل) ٦/ ٣٥٣٠. و(جنن) ٢/ ٧٠٥.\n(٤) انظر: \"المخصص\" ١١/ ١١١.\n(٥) مابين المعقوفين ساقط من (ب).\n(٦) الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ٧٣ب، وانظر \"تفسير أبي الليث\" ١/ ٣٥٥. والبغوي في \"تفسيره\" ١/ ٧٣، الخازن في \"تفسيره\" ١/ ١٢٦، وقيل: ليقتل بعضكم بعضا، انظر: \"غريب القرآن\" لابن قتيبه ص ٤٩. والطبري ٢/ ٧٣، \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ١٠٨، \"الكشاف\" ١/ ٢٨١، \"زاد المسير\" ١/ ٨٢، \"البحر\" ١/ ٢٠٧. ابن كثير في \"تفسيره\" ١/ ٩٨.\n(٧) (وأباه) ساقط من (ب).\n(٨) في (ج): (خليفه).","vol":"2","page":536},{"text":"قوله: ﴿فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾ (١) [البقرة: ١٩١] أي: قتلوا منكم بعضكم الذين هم كأنفسكم (٢).\nوقال بعض أهل المعاني: معنى (فاقتلوا أنفسكم) أي: استسلموا للقتل، فجعل استسلامهم للقتل قتلًا منهم لأنفسهم على التوسع (٣)، فعلى هذا لا تحتاج إلى تأويل الأنفس.\nوقوله تعالي: ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ﴾ أي: توبتكم خير لكم عند بارئكم من إقامتكم على عبادة العجل (٤)، والإشارة في ذلك تعود إلى القتل (٥)، وهو توبتهم، وقيل (٦): معناه: توبتكم خير لكم، أي فعل خير، لأنه يثيبكم عليه، وليس \"خير\" على طريق المبالغة والتفضيل (٧)، وذلك أن\n_________\n(١) كذا في (أ) (قتلوكم) بغير ألف، وهي قراءة حمزة والكسائي، وفي (ب)، (ج) (قاتلوكم) بالألف على قراءة بقية السبعة. انظر \"السبعة\" لابن مجاهد ص ١٧٩.\n(٢) انظر: \"تأويل مشكل القرآن\" ص ١٥٢، \"تفسير أبي الليث\" ١/ ٣٥٥، \"تفسير الرازي\" ٣/ ٨١.\n(٣) ذكره الماوردي عن أبي إسحاق ١/ ٣٢٧، وكذا الرازي في \"تفسيره\" ٣/ ٨٢، وأبو حيان في البحر ١/ ٢٠٧.\n(٤) أو المعنى (توبتكم) خير لكم من إقامتكم على المعصية، ولو سلمتم من القتل. انظر \"تفسير الطبري\" ١/ ٢٠٩، \"تفسير أبي الليث\" ١/ ٣٥٥، والنسفي في \"تفسيره\" ١/ ١٢٦، \"البحر المحيط\" ١/ ٢٠٩، \"الدر المصون\" ١/ ٣٦٦.\n(٥) وقيل: تعود إلى التوبة، وقيل: إلى القتل والتوبة، فأوقع المفرد موقع التثنية. انظر \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٧٣ ب، والبغوي في \"تفسيره\" ١/ ٧٣، \"البيان في غريب إعراب القرآن\" ١/ ٨٣، \"زاد المسير\" ١/ ٨٢، \"البحر المحيط\" ١/ ٢٠٩، \"الدر المصون\" ١/ ٣٦٦.\n(٦) (وقيل) ساقط من (ب).\n(٧) انظر: \"البحر المحيط\" ١/ ٢٠٩.","vol":"2","page":537},{"text":"خيرًا يستعمل بمعنيين: أحدهما: التفضيل، وقال: فلان خير من فلان، أي أفضل، وهذا يحتاج معه إلى من.\nوالثاني: بمعنى الفاضل، يقال أردت خيرا، أو فعلت خيرا (١).\nقال ابن عباس: أبي الله ﷿ أن يقبل توبة عبدة العجل إلا بالحال التي كره من لم يعبد العجل، وذلك أنهم كرهوا أن يقاتلوا عبدة العجل على عبادة العجل فجعل الله توبتهم أن يقتلهم هؤلاء الذين كرهوا قتالهم (٢)، والقصة فى ذلك معروفه مشهورة.\nوقوله تعالى: ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ في الآية اختصار، تقديره: ففعلتم ما أمرتم به (٣)، فتاب عليكم (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-279>٥٥ </span>- قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ قال ابن عباس: حتى نراه علانية (٥)، وقال قتادة: عيانا (٦). وقد تكون الرؤية غير جهرة كالرؤية في النوم (٧)، وكرؤية القلب، فإذا قيل (٨): رآه\n_________\n(١) انظر: \"البحر المحيط\" ١/ ٢٠٩، \"الدر المصون\" ١/ ٣٦٦.\n(٢) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ٧٣ ب، وذكره الطبري في \"تفسيره\" عن السدي ١/ ٢٨٦، \"تفسير الماوردي\" عن جريج ١/ ٣٢٧.\n(٣) في (ب): (فعلتم ذلك).\n(٤) الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ٧٤ أ، وانظر \"تفسير الطبري\" ١/ ٢٨٨، انظر \"تفسير ابن عطية\" ١/ ٢٩٩، والبغوي في \"تفسيره\" ١/ ٧٤، \"البحر المحيط\" ١/ ٢٠٩.\n(٥) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٨١، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ١/ ٣٥٥، وذكره القرطبي في \"تفسيره\" ١/ ١٣٦، \"تفسير ابن كثير\" ١/ ١٧٠، والسيوطي في الدر ١/ ٧٠.\n(٦) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ١/ ٢٨٩، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ١/ ٣٥٦.\n(٧) بياض في (ب).\n(٨) في (ب) (قال).","vol":"2","page":538},{"text":"جهرة، لم يكن إلا على رؤية العين على التحقيق دون التخييل (١).\nقال أهل اللغة: معنى قوله: جهرةً أي غير مستتر عنَّا بشيء، وأصل الجهر في اللغة: الكشف والإظهار، يقال: جهرت البئر، إذا كشفت الطين عن الماء ليظهر الماء (٢)، قال:\nإِذَا وَرَدْنَا آجِنًا جَهَرْنَاه ... أَو خَالِيًا مِنْ أَهْلِهِ عَمَرْنَاهْ (٣)\nأبو زيد يقال: جهرت بالقول أجهر به، إذا أعلنته، وجاهرني فلان جِهَارًا أي (٤) عَالَنَنِي، والجهر: العلانية (٥).\nوالجَهَارَةُ: ظهور الجَمَال (٦) وأنكشافه ببياض اللون (٧)، قال الأعشى:\nوَسَبَتْكَ حِيَنَ تَبَسَّمتْ ... بَيْنَ الأَرِيكَةِ والسِّتَارَهْ\nبِقَوَامِهَا الحَسَنِ الَّذِي .. جَمَعَ المَدَادَةَ (٨) والجَهَارَةْ (٩)\n_________\n(١) انظر \"الغريب\" لابن قتيبة ص ٤٩، \"تفسير البغوي\" ١/ ٧٤، \"البحر المحيط\" ١/ ٢١٠، \"تفسير القرطبي\" ١/ ٣٤٤ - ٣٤٥.\n(٢) انظر \"معاني القرآن\" للأخفش ١/ ٢٦٧، \"تهذيب اللغة\" (جهر) ١/ ٦٧٦، \"مقاييس اللغة\" (جهر) ١/ ٤٨٧، \"الصحاح\" (جهر) ٢/ ٦١٨.\n(٣) الرجز ذكره أبو زيد في \"النوادر\"، قال: أنشدتني شماء، وهي أعرابية فصيحة من بني كلاب. تقول: إنهم من كثرتهم نزفوا مياه الآبار الآجنة من كثرة المكث، وعمروا المكان الخالي. \"نوادر أبي زيد\" ص ٥٧٤)، والبيتان في \"تهذيب اللغة\" (جهر) ١/ ٦٧٦، \"الصحاح\" (جهر) ٢/ ٦١٨، \"اللسان\" (جهر) ٢/ ٧١١.\n(٤) (أي) ساقط من (ب).\n(٥) \"تهذيب اللغة\" (جهر) ١/ ٦٧٧.\n(٦) في (ج): (الحال).\n(٧) في (ب): (المال). انظر: \"الصحاح\" (جهر) ٢/ ٦١٩، \"اللسان\" ٢/ ٧١١.\n(٨) في (ب)، (ج): (المدارة).\n(٩) قوله: (الأريكة): سرير منجد مزين، و(المداد): طول القامة، والبيتان من قصيدة =","vol":"2","page":539},{"text":"فالجهرة في هذه الآية: فعلة من الجهر، وهو مصدر يراد به المفعول (١).\nوقوله تعالى: ﴿فَأَخَذَتكُمُ الصَّاعِقَةُ﴾ يعني ما تصعقون منه، أي: تموتون، لأنه قال: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ﴾ [البقرة: ٥٦].\nوقال مقاتل: الصاعقة: الموت (٢)، ومضى الكلام في الصاعقة (٣).\nقال المفسرون: إن الله تعالى أمر موسى أن يأتيه في ناس من بني إسرائيل يعتذرون إليه (٤) من عبادة العجل، فاختار موسى سبعين رجلًا من خيارهم، وخرج بهم إلى طور سيناء، وسمعوا كلام الله، وكان موسى إذا\n_________\n= للأعشى يهجو بها شيبان بن شهاب، انظر ديوانه ص ١٥٣، والبيت الأول في \"الزاهر\" ١/ ٥٦٢، \"الخزانة\" ٣/ ٣١١، وروايته في \"الزاهر\": (وسبتك يوم تزينت).\n(١) قوله: (يراد به المفعول) لم أجده فيما اطلعت عليه-، قال القرطبي: (جهرة: مصدر في موضع الحال) \"تفسير القرطبي\" ١/ ٣٤٥، وانظر \"فتح القدير\" ١/ ١٣٧، وفي \"الفتوحات الإلهية\" قال: (إنه مفعول مطلق، لأن الجهرة نوع من مطلق الرؤية فيلاقي عامله في المعنى) ١/ ٥٥. والجهرة: قد تكون من صفات الرؤية، فهو مصدر من جهر أي: عيانا، ويحتمل: أن تكون من صفة الرائين، أي ذوي جهرة، أو مجاهرين بالرؤية، ويحتمل: أن تكون راجعة إلى معنى القول أو القائلين، أي قولا جهرة أو جاهرين بذلك. انظر: \"البحر المحيط\" ١/ ٢١٠، ٢١١.\n(٢) أخرج ابن جرير عن قتادة والربيع نحوه ٢/ ٨٢، وكذا \"تفسير ابن أبي حاتم\" ١/ ٣٥٦، وانظر \"الدر\" ١/ ٧٠. بعضهم فسر الصاعقة: بالموت، وبعضهم قال: هي سبب الموت، ثم اختلفوا فيها: هل هي نار أو صيحة أو جنود من السماء. انظر \"تفسير الرازي\" ٣/ ٨٦.\n(٣) عند تفسير آية ١٩ من سورة البقرة.\n(٤) (إليه) ساقط من (ج).","vol":"2","page":540},{"text":"كلمه ربه وقع على وجهه نور ساطع، لا يستطيع أحد من بني آدم (١) أن ينظر إليه، ويغشاه عمود من غمام.\nفلما فرغ موسى وانكشف الغمام (٢)، قالوا له: لن نؤمن لك، أي: لن نصدقك، حتى نرى الله جهرة، فأخذتهم الصاعقة، وهي نار جاءت (٣) من السماء فأحرقتهم (٤) جميعًا. ﴿وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ يريد نظر بعضهم إلى بعض عند نزول الصاعقة (٥)، قاله (٦) ابن زيد.\nوإنما أخذتهم الصاعقة؛ لأنهم امتنعوا من الإيمان بموسى بعد ظهور معجزته حتى يريهم ربهم جهرة، والإيمان بالأنبياء واجب بعد ظهور معجزتهم، ولا يجوز لهم اقتراح المعجزات عليهم، فلهذا (٧) عاقبهم\n_________\n(١) في (ب): (بني اسرائيل).\n(٢) (الغمام) ساقط من (ب).\n(٣) (جاءت) ساقط من (ب).\n(٤) في (أ)، (ج): (فأحرقهم) وما في (ب) أولى للسياق، وموافق لما عند الثعلبي في \"تفسيره\"، والكلام أخذه ملخصا عن الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ٧٤ أ، وأخرج الطبري نحوه عن محمد ابن إسحاق وعن السدي ١/ ٢٩١ - ٢٩٢. ثم قال الطبري في \"تفسيره\" بعد أن ذكر بعض الآثار: (فهذا ما روي في السبب الذي من أجله قالوا لموسى: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ ولا خبر عندنا بصحة شيء مما قاله من ذكرنا قوله في سبب قيلهم لموسى تقوم به حجة فيسلم له، وجائز أن يكون ذلك بعض ما قالوه ..) ١/ ٨٩، وانظر: \"تفسير أبي الليث\" ١/ ٢٩٣، \"تفسير ابن عطية\" ١/ ٣٠١، \"تفسير ابن كثير\" ١/ ٩٩.\n(٥) ذكره الطبري ولم يعزه ١/ ٢٩٠، وانظر \"تفسير البغوي\" ١/ ٧٤، \"زاد المسير\" ١/ ٨٣، \"تفسير القرطبي\" ١/ ٣٤٥، \"تفسير ابن كثير\" ١/ ٩٩.\n(٦) في (ب) (قال).\n(٧) في (ج) (فهكذا).","vol":"2","page":541},{"text":"الله (١)، ولما كان سؤال موسى إيمانًا منه وتصديقًا واشتياقًا لم يعاقب عليه، وهؤلاء سألوه (٢) شاكّين منكرين متعنتين فعوقبوا عليه.\nوقال بعضهم: إن أصحاب موسى اعتقدوا إحالة الرؤية (٣) على الله فعلقوا إيمانهم على الرؤية (٤): ومرادهم: لن نؤمن لك قط، كقوله: ﴿حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف: ٤٠]، فلهذا عاقبهم الله عليه. وهذه الآية تتضمن التوبيخ لهم على مخالفة الرسول ﵇ مع قيام معجزته، كما خالف أسلافهم [موسى مع ما أتى به من الآيات الباهرة، والتحذير لهم أن ينزل بهم كما نزل بأسلافهم] (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-280>٥٦ </span>- قوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ الآية. البعث في كلام العرب على وجهين: أحدهما: الإرسال كقوله: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى﴾ (٦) [الأعراف: ١٠٣، يونس:٧٥].\n_________\n(١) انظر \"تفسير الرازي\" ٣/ ٨٦، \"تفسير القرطبي\" ١/ ٣٤٤، و\"تفسير النسفي\" ١/ ١٢٨، \"البحر المحيط\" ١/ ٢١١، ٢١٢.\n(٢) في (ب): (يسألوه).\n(٣) في (ج): (الرؤيا).\n(٤) المعتزلة هي التي تقول بإحالة الرؤية وقد تمسكوا بمثل هذه الآية. قال الزمخشري: (وفي هذا الكلام دليل على أن موسى ﵊ رادهم القول وعرفهم أن رؤية ما لا يجوز عليه أن يكون في جهة محال ...) \"الكشاف\" ١/ ٢٨٢، ورد عليه صاحب \"الإنصاف\" في حاشية على \"الكشاف\" بما أبطل زعمه، كما رد عليه الرازي في \"تفسيره\" ٣/ ٨٥، وانظر \"تفسير القرطبي\" ١/ ٣٤٤ - ٣٤٥، \"البحر المحيط\" ١/ ٢١١.\n(٥) ما بين المعقوفين ساقط من (ب). انظر \"تفسير الطبري\" ١/ ٢٩٠، \"تفسير الرازي\" ٣/ ٨٣.\n(٦) في (ب) (من بعد) تصحيف في الآية.","vol":"2","page":542},{"text":"والثاني: إثارة بارك أو قاعد، يقال: بعثت البعير عن مبركه، وبعثت النائم، ونشر الميت: بعث، لأنه كبعث النائم، وذلك إثارته عن مكانه (١). قال قتادة: بعثهم الله ليستوفوا بقية آجالهم وأرزاقهم (٢)، ولو ماتوا بآجالهم لم يبعثوا، ولكنه كان ذلك الموت عقوبة لهم على ما قالوا.\nوقال ابن الأنباري: كل موت حصل البعث بعده في الدنيا كهذا، وكقوله: ﴿فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ (٣) مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ﴾ [البقرة: ٢٤٣] يكون حكمه حكم النوم، ويجري مجرى موت النائم؛ لأن الله تعالى أثبت للخلق الإماتة في دار الدنيا مرة واحدة (٤)، وهوقوله: ﴿قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ (٥) [الجاثية: ٢٦].\nقال الزجاج: والآية احتجاج على مشركي العرب الذين كفروا بالبعث، واحتج النبي - ﷺ - بإحياء من بعث بعد موته في الدنيا فيما يوافقه اليهود والنصارى (٦).\n_________\n(١) \"تهذيب اللغة\" (بعث) ١/ ٣٥٤، وانظر \"اللسان\" (بعث) ١/ ٣٠٧.\n(٢) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ١/ ٢٩٢، وابن أبي حاتم ١/ ٣٥٨، وانظر \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٧٤ ب، انظر \"تفسير ابن عطية\" ١/ ٣٥٢، والبغوي ١/ ٧٥، \"تفسير ابن كثير\" ١/ ١٠٠، \"الدر المنثور\" ١/ ١٣٦.\n(٣) لفظ الجلالة غير موجود في (ب) تصحيف.\n(٤) قول جمهور المفسرين أنه موت حقيقي، لكنها غير الموتة التي كتبت عليهم في الدنيا، انظر \"تفسير الطبري\" ١/ ٢٩١، \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٧٤ ب، قال ابن العربي: ميتة العقوبة بعدها حياة، وميتة الأجل لا حياة بعدها، انظر \"أحكام القرآن\" لابن العربي ٢/ ٢٢٨، \"زاد المسير\" ١/ ٨٥، \"تفسير القرطبي\" ١/ ٣٤٥ - ٣٤٦، ٣/ ٢٣١، \"تفسير الرازي\" ٣/ ٨٦.\n(٥) في (أ) (يبعثكم) تصحيف.\n(٦) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ١٠٩، نقله بمعناه.","vol":"2","page":543},{"text":"وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ أي نعمة البعث (١)، وقيل: تأويله: لعلكم تؤمنون؛ لأن الشكر من فعل المؤمنين وصفاتهم، وأظهر الآيات الموجبة للإيمان بعثهم بعد موتهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-281>٥٧ </span>- قوله تعالى: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ﴾ الآية. معناه: سترناكم عن الشمس بالغمام (٢). والظل (٣) في اللغة، معناه الستر، يقال: لا أزال الله عنا ظل (٤) فلان، أي: ستره، وظل الشجرة: سترها، ويقال لظلمة (٥) الليل: ظل (٦)، لأنها تستر الأشياء (٧). ومنه قوله (٨): ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ [الفرقان: ٤٥]. قال ذوالرمة:\nقَدْ أَعْسِفُ النَّازِحَ الْمَجْهُولَ (٩) مَعْسِفُهُ ... فِي ظِلِّ أَخْضَرَ يَدْعُو هَامَهُ الْبُومُ (١٠)\n_________\n(١) أي: البعث بعد موتهم بالصاعقة. انظر \"تفسير الطبري\" ١/ ٢٩١، \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ١٠٩، \"تفسير أبي الليث\" ١/ ٣٥٧، \"الكشاف\" ١/ ٢٨٣، \"تفسير القرطبي\" ١/ ٣٤٥، و\"تفسير البيضاوي\" ١/ ٢٦، و\"تفسير النسفي\" ١/ ١٢٨، \"البحر المحيط\" ١/ ٢١٣.\n(٢) انظر \"تفسير أبي الليث\" ١/ ٣٥٧، \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٧٤ ب، و\"تفسير البغوي\" ١/ ٧٥، \"تفسير القرطبي\" ١/ ٣٤٦.\n(٣) في (ب): (الظلل).\n(٤) في (ب): (ظلل).\n(٥) في (ب): (الظلمة).\n(٦) في (ج): (سترطل).\n(٧) انظر \"تهذيب اللغة\" (ظل) ٣/ ٢٢٤٦، \"الصحاح\" (ظل) ٥/ ١٧٥٥، \"مقاييس اللغة\" (ظل) ١٣/ ٤٦١.\n(٨) (قوله) ساقط من (ب).\n(٩) في (ب): (المعسوف).\n(١٠) ورد في \"مفردات الراغب\": (المجهود) بدل (المجهول)، وفي \"الديوان\" وبعض =","vol":"2","page":544},{"text":"يريد بالأخضر (١): الليل. قال الفراء: والظلة: ما سترك من فوق، ويقال: أظل يومنا، إذا كان ذا سحاب، لأنه يستر الشمس (٢). الغمام جمع غمامة، وهي السحاب سمي غمامًا لأنه يغمّ السماء أي: يسترها، وكل ما ستر شيئًا فقد غمّه (٣)، قال الحطيئة:\nإذَا غِبْتَ عَنَّا (٤) غَابَ عنَّا ربيِعُنَا ... ونُسْقَى (٥) الْغَمَامَ الْغُرَّ حِينَ تَؤُوبُ (٦)\nقال شمر: يجوز أن يسمى غمامًا لتغمغمه (٧)، وهو صوته (٨). وقيل:\n_________\n= المصادر (في ظل أغضف)، وقوله: (أَعْسِف): آخذ في غير هدى، و(النازح): الْخَرْقُ البعيدة، وهي الأرض القفر الواسعة، (في ظل أخضر) في ستر ليل أسود، (يدعو هامه البوم): يتجاوب هامه وبومه، والهام ذكر البوم. ورد البيت في \"التهذيب\" (خضر) ١/ ١٠٤٦، \"الصحاح\" (ظلل) ٥/ ١٧٥٥، و(هيم) ٥/ ٢٠٦٣، \"مقاييس اللغة\" (بوم) ١/ ٢٢٣، (ظلل) ٣/ ٤٦١، و(عسف) ٤/ ٣١١، و(غضف) ٤٢٦، \"الأضداد\" لابن الأنباري ص ٣٤٨، \"مفردات الراغب\" ص ١٥٠، و\"شرح العكبري لديوان المتنبي\" ٢/ ١٥٣، \"الخزانة\" ٧/ ١٠٠، \"اللسان\" (خضر) ٢/ ١١٨٥، و(عسف) ٥/ ٢٩٤٣، و(ظلل) ٥/ ٢٧٥٤، و(هوم) ٨/ ٢٧٢٤، و\"ديوان ذي الرمة\" ١/ ٤٠١.\n(١) في (ب)، (ج): (الأخضر) بسقوط الباء.\n(٢) انظر: \"تهذيب اللغة\" (ظل) ٣/ ٢٢٤٦، \"اللسان\" (ظلل) ٥/ ٢٧٥٤.\n(٣) انظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ٣٩٢، \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٧٤ ب، \"مفردات الراغب\" ص ٣٦٥، \"تفسير القرطبي\" ١/ ٣٤٦، \"اللسان\" (غمم) ٦/ ٣٣٠٣.\n(٤) (عنا) ساقطة من (ب).\n(٥) في (ب): (تسقى).\n(٦) قاله الحطيئة يمدح سعيد بن العاص بن أمية، ورد في \"اللسان\" (غمم) ٦/ ٣٣٠٣، وفي \"ديوان الحطيئة\" ص ٢٤٨.\n(٧) في (ب): (لتغممه).\n(٨) في (ج): (صونه).","vol":"2","page":545},{"text":"سمي غمامًا، لأنه يغمّ الماء في جوفه، أي: يستره.\nقال المفسرون: هذا كان حين أبوا على موسى دخول بلقاء (١) مدينة الجبارين فتاهوا في الأرض ثم ندموا على ذلك (٢).\nوكانت العزيمة (٣) من الله أن يحبسهم في التيه، فلما ندموا لطف الله لهم (٤) بالغمام والمن والسلوى كرامة لهم ومعجزة لنبيهم. والمن: الصحيح أنه التَّرَنْجَبِين (٥)، وكان كالعسل الجامس (٦) حلاوة، كان يقع على\n_________\n(١) (البلقاء) كورة من أعمال دمشق بين الشام ووادي القرى، وفيها قرى كثيرة ومزارع، قال ياقوت: ومن البلقاء قرية الجبارين. \"معجم البلدان\" ١/ ٤٨٩، وذكر ابن جرير في هذه الآية عن السدي أنها (أريحا). وفي القرية التي أمروا بدخولها خلاف يأتي في الآية بعدها.\n(٢) انظر \"تفسير الطبري\" ١/ ٢٦٩، \"تفسير أبي الليث\" ١/ ٣٥٧، \"الثعلبي\" ١/ ٧٤ ب، والبغوي في \"تفسيره\" ١/ ٧٥، \"تفسير القرطبي\" ١/ ٤٠٦.\n(٣) هكذا في جميع النسخ، وهذا اللفظ فيه تجوز، إذ لا يوصف الله إلا بما وصف به نفسه من الصفات الذاتية الفعلية، ثم نحن لا نعرف ما هي إرادة الله ببني إسرائيل. والله أعلم.\n(٤) في (ب): (بهم).\n(٥) ذكره الطبري ١/ ٢٩٣، والزجاج في المعاني ٢/ ١٠٩، والأزهري في \"التهذيب\" (منن) ٤/ ٣٤٥٩، وقال ابن قتيبة (الطرنْجبين)، \"غريب القرآن\" ص ٤٩، وقال الجوهري. شيء حلو كالطَّرَنْجَبِيَن، الصحاح (منن) ٦/ ٢٢٠٧، وقد قيل في المن: أقوال كثيرة ذكر الطبري في \"تفسيره\" بعضها، منها: قيل: إنه شراب مثل العسل، وقيل: هو العسل وقيل: الخبز الرقائق، وقيل: الزنجبيل، وقيل: هو ما يسقط\nعلى الشجر، انظر الآثار في الطبري ١/ ٢٩٣ - ٢٩٥ وانظر الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ٧٤ ب، \"زاد المسير\" ١/ ٨٤، وقال ابن كثير بعد أن ذكر الأقوال: (والغرض أن عبارات المفسرين متقاربة في شرح المن، فمنهم من فسره بالطعام، ومنهم من فسره بالشراب، والظاهر والله أعلم: أنه كل ما امتن الله به عليهم من طعام وشراب وغير ذلك، مما ليس لهم فيه عمل ولا كد ..) ابن كثير ١/ ١٠١/ ١٠٢.\n(٦) الجامس: الجامد. \"اللسان\" (جمس) ٢/ ٦٧٧، وفي \"تهذيب اللغة\" (الحامس) =","vol":"2","page":546},{"text":"أشجارهم (١) بالأسحار عفوًا بلا علاج منهم، ولا مقاساة مشقة (٢)، ومنه قوله - ﷺ -: \"الكمأة من المن\" (٣).\nقال أبو عبيدة (٤): إنما شبهها بالمن الذي كان يسقط على بني إسرائيل؛ لأنه كان ينزل عليهم عفوا بلا علاج، إنما يصبحون وهو بأفنيتهم فيتناولونه، وكذلك الكمأة لا مؤنة فيه ببذر ولا سقى.\nقال أبو إسحاق: جملة المن ما يمن الله به مما لا تعب فيه ولا نصب (٥)،\n_________\n= بالحاء، (من) ٤/ ٣٤٥٩، وكذا في \"اللسان\" (منن) ٧/ ٤٢٧٩. وفي \"الوسيط\" (الجامس) ١/ ١١٢.\n(١) في (أ)، (ج): (أسحارهم) وما في (ب) هو الصواب.\n(٢) ذكره الأزهري في \"تهذيب اللغة\" عن الليث من ٤/ ٣٤٥٩، وانظر \"اللسان\" (منن) ٧/ ٤٢٧٩.\n(٣) الحديث أخرجه البخاري (٤٤٧٨) كتاب (التفسير) تفسير سورة البقرة باب ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ﴾ عن سعيد بن زيد قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"الكمأة من المن وماؤها شفاء للعين\" الفتح (٤٦٣٩)، وفي تفسير سورة الأعراف، باب ﴿الْمَنَّ وَالسَّلْوَى﴾ (٥٧٠٨) كتاب (الطب) باب (المن شفاء للعين)، وأخرجه مسلم (٢٠٤٩) كتاب (الأشربة) (فضل الكمأة) عن سعيد بن زيد من عدة طرق، والترمذي (٢٠٦٦)، (٢٠٦٧)، (٢٠٦٨) أبواب (الطب) باب (الكمأة والعجوة) عن أبي سعيد وجابر وسعيد بن زيد وأبي هريرة. عارضة الأحوذي بشرح الترمذي، وابن ماجة في كتاب الطب باب الكمأه والعجوة عن أبي سعيد وجابر وسعيد بن زيد وأبي هريرة وأحمد في مسندة عن سعيد بن زيد ١/ ١٨٧، ١٨٨، وعن أبي هريرة ٢/ ٣٠١، ٣٠٥، ٣٢٥، ٣٥٦، ٣٥٧، ٤٢١، ٤٨٨، ٤٩٠، ٥١١، وقد جمع طرقه ابن كثير في \"تفسيره\".\n(٤) في (أ)، (ج): (أبو عبيد) والكلام لأبي عبيدة كما في \"تهذيب اللغة\" (من) ٤/ ٣٤٥٩.\n(٥) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ١١٠، وانظر \"تهذيب اللغة\" (من) ٤/ ٣٤٥٩.","vol":"2","page":547},{"text":"وأما السلوى فقال المفسرون: إنه طائر كالسمانى (١). قال الليث: الواحدة سلواة (٢) وأنشد:\nكَمَا انْتَفَضَ السَّلْواَةُ مِنْ بَلَلِ (٣) الْقَطْرِ (٤)\nوهذا قول أكثرهم. وقال بعضهم: السلوى: العسل بلغة كنانة (٥)، ومثله قال أبو عبيدة (٦) وأنشد لخالد بن زهير الهذلي:\nوَقَاسَمَها (٧) بالله جَهْدًا لَأَنْتُمُ ... أَلَذُّ مِنَ السَّلْوَى إِذَا مَا نَشُورُهَا (٨)\n_________\n(١) في (أ) (السمان). ذكره ابن جرير عن ابن عباس، والسدي، وقتادة، ومجاهد، ووهب، وابن زيد، والربيع بن أنس، وعامر، والضحاك. الطبري في \"تفسيره\" ١/ ٢٩٣ - ٢٩٥، نحوه في \"تفسير ابن أبي حاتم\" ١/ ٣٦٥، وانظر \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ١١٠، \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٧٥ أ، انظر \"تفسير ابن عطية\" ١/ ٣٠٥.\n(٢) \"تهذيب اللغة\" (سلا) ٢/ ١٧٢٦، وانظر \"اللسان\" (سلا) ٤/ ٢٠٨٥، وقال الأخفش: لم يسمع له بواحد، وهو شبيه أن يكون واحده (سلوى) مثل جماعته. \"معاني القرآن\" للأخفش ١/ ٢٦٨، وكذا قال الفراء انظر \"معاني القرآن\"١/ ٣٨.\n(٣) في (ج): (تلك).\n(٤) صدره:\nوَإنِّي لَتَعْرُونِي لِذِكْرَاكِ هِزَّةٌ.\nوورد في \"تهذيب اللغة\" (سلا) ٢/ ١٧٢٦، \"اللسان\" (سلا) ٤/ ٢٠٨٥، والوسيط للمؤلف ١/ ١١٢، \"تفسير القرطبي\" ١/ ٤٠٨، \"البحر المحيط\" ١/ ٢٠٥، \"الدر المصون\" ١/ ٣٠٧، وهو غير منسوب في هذه المصادر.\n(٥) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" عن المؤرج السدوسي ١/ ٧٥ أ، وعن ابن الأعرابي: السلوى: طائر، وهو في غير القرآن: العسل، ونحوه عن ابن الأنباري \"التهذيب\" (سلا) ٢/ ١٧٢٦.\n(٦) في (ب) (أبو عبيدة). وكلام أبي عبيد في \"تهذيب اللغة\" (سلا) ٢/ ١٧٢٦، وانظر \"اللسان\" (سلا) ٤/ ٢٠٨٥.\n(٧) في (ب): (وقاسمهما).\n(٨) البيت من قصيدة لخالد بن زهير يخاطب أبا ذؤيب الهذلي، في قصة حصلت بينهما =","vol":"2","page":548},{"text":"قال أبو علي الفارسي: قرئ على أبي إسحاق في مصنف القاسم (١): السلوى: العسل، مع بيت خالد بن زهير. فقال لنا أبو إسحاق: السلوى طائر، وغلط خالد بن زهير، وظن أنه العسل (٢)، قال أبو علي: والذي عندي في ذلك: أن السلوى كأنه ما يسلي عن غيره لفضيلة [فيه، من فرط طيبه، أو قلة علاج ومعاناة، العسل (٣) لا يمتنع أن يسمى سلوى لجمعه الأمرين كما يسمى الطائر] (٤) الذي كان يسقط مع المن به. قلت: والسلوى بمعنى العسل صحيح في اللغة (٥)، وإن أنكره أبو إسحاق، ولكن الذي في\n_________\n= حول امرأة كانا يترددان عليها، ذكرها السكري في \"شرح أشعار الهذليين\". و(السلوى) هاهنا: العسل، و(الشور): أخذ العسل من مكانه. ورد البيت في \"شرح أشعار الهذليين\" ١/ ٢١٥، \"تهذيب اللغة\" (سلا) ٢/ ١٧٢٦، \"تفسير الطبري\" ٨/ ١٤١، \"الصحاح\" (سلا) ٦/ ٢٣٨١، \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٧٥ أ، \"المخصص\" ٥/ ١٥، ١٤/ ٢٤١، \"اللسان\" (سلا) ٤/ ٢٠٨٦، \"تفسير القرطبي\" ١/ ٣٤٧، \"البحر المحيط\" ١/ ٢٠٥، ٤/ ٢٧٩، \"الدر المصون\" ١/ ٣٧٠، \"فتح القدير\" ١/ ١٣٨، \"الخزانة\" ٥/ ٨٢، \"زاد المسير\" ١/ ٨٤.\n(١) في (ب): (بالقسيم). والقاسم: هو أبو عبيد القاسم بن سلام، وكتابه هو (الغريب المصنف) من أجل كتب اللغة. انظر: \"طبقات النحويين واللغويين\" ص ٢٠١، \"إنباه الرواة\" ٣/ ١٤.\n(٢) وقد غلط كذلك ابن عطية في \"تفسيره\" ١/ ٣٠٦، وانظر \"تفسير القرطبي\" ١/ ٣٤٨.\n(٣) كذا ورد في (ب)، ولعل الصواب (والعسل ..).\n(٤) ما بين المعقوفين ساقط من (أ)، (ج).\n(٥) ونحوه قال القرطبي في \"تفسيره\" في معرض رده على ابن عطية في تخطئته للهذلي: (وما ادعاه من الإجماع لا يصح، وقد قال المؤرج أحد علماء اللغة والتفسير: إنه العسل ... وقال الجوهري: السلوى: العسل، وذكر بيت الهذلي ...) القرطبي ١/ ٣٤٧ - ٣٤٨، وقد مر قريبًا كلام المؤرج وأبي عبيد أنه بمعنى: العسل، انظر \"الصحاح\" (سلا) ٦/ ٢٣٨١.","vol":"2","page":549},{"text":"الآية المراد به الطائر، لإجماع أهل التفسير عليه.\nقال أبو العالية ومقاتل: بعث الله ﷿ سحابة فمطرت (١) السمانى في عرض ميل، وقدر طول رمح في السماء، بعضه على بعض (٢).\nوقوله تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ﴾ أي: وقلنا لهم (٣): كلوا من طيبات، أي: حلالات (٤)، فالطيب: الحلال، لأنه طاب، والحرام يكون خبيثًا، وأصل الطيب: الطاهر، فسمى الحلال طيبًا، لأنه طاهر لم يتدنس بكونه حرامًا (٥).\n﴿وَمَا ظَلَمُوَنا﴾: بإبائهم على موسى دخول هذه القرية، ولكنهم ظلموا أنفسهم حين تركوا أمرنا فحبسناهم في التيه، فكانوا إذا أصبحوا وجدوا أنفسهم حيث ارتحلوا منذ أربعين سنة (٦).\n_________\n(١) قوله: (سحابة فمطرت) ساقط من (ب).\n(٢) \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٧٥ ب، وانظر: \"تفسير البغوي\" ١/ ٧٥، \"البحر المحيط\" ١/ ٢١٤.\n(٣) انظر \"تفسير الطبري\"، انظر \"تفسير ابن عطية\" ١/ ٣٠٦، \"تفسير القرطبي\" ١/ ٣٤٨.\n(٤) في (ب). (حلالا).\n(٥) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ١١٠، \"تفسير أبي الليث\" ١/ ٣٩٥، انظر \"تفسير ابن عطية\" ١/ ٣٠٦، والبغوي في \"تفسيره\" ١/ ٧٥، ورجح ابن جرير أن المعنى: كلوا من شهيات الذي رزقناكموه، قال: (لأنه وصف ما كان فيه القوم من هنئ العيش الذي أعطاهم، فوصف ذلك بـ (الطيب) الذي هو بمعنى اللذة أحرى من وصفه بأنه حلال مباح).\n(٦) نحوه في \"البحر المحيط\" ١/ ٢١٥، وجمهور المفسرين على عموم المعنى، قالوا: وما ظلمونا بفعلهم المعصية وعدم شكرهم تلك النعم، ولكن كانوا أنفسهم يظلمون. انظر \"تفسير الطبري\"، انظر \"تفسير ابن عطية\" ١/ ٣٠٦، \"الكشاف\" ١/ ٢٨٣، \"زاد المسير\" ١/ ٤٨، \"تفسير القرطبي\" ١/ ٣٤٨، والبيضاوي ١/ ٢٦، والنسفي في \"تفسيره\" ١/ ١٢٩، \"تفسير ابن كثير\" ١/ ١٠٤.","vol":"2","page":550},{"text":"وقال جماعة من المفسرين: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ أي: كلوا من الوجه الذي أمرتم وأحل لكم، وذلك أنهم نهوا أن يدخروا لغد، لأن الله تعالى كان يجدد لهم كل يوم من المن والسلوى إلا يوم السبت، فكانوا يأخذون يوم الجمعة ما يكفيهم، فتعدّوا وادخروا وقدّدوا وملّحوا، فعصوا فقال الله تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمُوَنا﴾ أي: ما نقصونا بالمعصية، ولكن نقصوا حظ أنفسهم باستيجابهم عذابي (١). وقيل: معناه: وما ضرّونا ولم يَعُد ضرر ظلمهم (٢) إلينا وإنما عاد إليهم. وابن عباس في رواية عطاء جعل قوله تعالى: [﴿وَمَا ظَلَمُوَنا﴾ إخبارا عن الموجودين في زمن النبي - ﷺ -، لأنه قال:] (٣) ﴿وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ يريد حيث كذبوا نبيي وكفروا نعمتي، وخالفوا ما أنزلت في التوراة والإنجيل، ونقضوا عهدي (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-282>٥٨ </span>- وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ﴾ الآية. قال الليث: هي القَرْيَةُ، والقِرْيَة لغتان (٥)، المكسورة يمانية، ومن ثم اجتمعوا في جمعها على القُرَى، فحملوها على لغة من يقول: كسْوه وكُسَى (٦).\nوقال غيره (٧): القَرْية بالفتح لا غير، وكسرها خطأ، وجمعها قُرَى\n_________\n(١) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ٧٥ أ، وانظر \"تفسير أبي الليث\" ١/ ٣٦٠، و\"البغوي \" ١/ ٧٥، \"البحر المحيط\" ١/ ٢١٥، و\"الخازن\" ١/ ١٢٩.\n(٢) في (ج): (طالمهم).\n(٣) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).\n(٤) لم أجده عن ابن عباس فيما اطلعت عليه، والله أعلم.\n(٥) (لغتان) ساقط من (ب).\n(٦) \"تهذيب اللغة\" (قرا) ٣/ ٣٩١١، وانظر \"جمهرة أمثال العرب\" ٢/ ٤١١، \"اللسان\" ٦/ ٣٦١٧.\n(٧) في (ب): (عكرمة).","vol":"2","page":551},{"text":"جاءت نادرة (١).\nابن السكيت: ما كان من جمع فَعْلَة من الياء والواو على فِعَال كان ممدودًا مثل رَكوةَ ورِكَاء وشَكْوَة وشِكَاء، ولم يسمع في شيء من هذا القصر إلا كَوَّة وكُوًى وقَرْيَة وقُرى جاءتا على غير قياس (٢).\nوقال أصحاب الاشتقاق: اشتقاق القرية من قريت، أي جمعت، والمقراة: الحوض يجمع فيه الماء، والقَرِيّ: مسيل يجتمع الماء إليه (٣)، ويقال لبيت النمل: قرية، لأنه يجمع النمل (٤). قال:\nكَأَنَّ قُرَى نَمْلٍ عَلَى سَرَوَاتِهَا ... يُلَبِّدُهَا (٥) فِي لَيْلِ سَارِيَةٍ قَطْرُ (٦)\nفالقرية تجمع أهلها، ومنه يقال للظهر: القرى، لأنه مجتمع (٧) القوى.\nقال المفسرون: إن بني إسرائيل لما خرجوا من التيه، قال الله (٨) لهم ادخلوا هذه القرية (٩).\n_________\n(١) انظر \"تهذيب اللغة\" (قرا) ٣/ ٣٩١١، \"اللسان\" ٦/ ٣٦١٧.\n(٢) قال الأزهري: أخبرني المنذري عن الحراني عن ابن السكيت ثم ذكره، \"تهذيب اللغة\" (قرا) ٣/ ٣٩١١، وانظر \"اللسان\" (قرأ) ٦/ ٣٦١٧.\n(٣) انظر \"الزاهر\" ٢/ ١٠٧، \"جمهرة أمثال العرب\" ٢/ ٤١١، \"تهذيب اللغة\" (قرأ) ٣/ ٣٩١١، \"مقاييس اللغة\" (قرى) ٥/ ٧٨، \"المحكم\" ٦/ ٣٠٧.\n(٤) قال ابن سيده: قرية النمل: ما تجمعه من التراب، \"المحكم\" ٦/ ٣٠٧، وانظر \"اللسان\" (قرأ) ٦/ ٣٦١٧. والبيت الذي ذكره يؤيد قول ابن سيده.\n(٥) في (ج): (يلرها).\n(٦) لم أعثر عليه، ولم أعرف قائله.\n(٧) في (ب): (مجتمع)، وفي (ج) (يجمع).\n(٨) في (ج): (قالهم الله).\n(٩) انظر \"تفسير أبي الليث\" ١/ ٣٦١، \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٧٥ب، \"تفسير ابن عطية\" ١/ ٣٠٦، \"زاد المسير\" ١/ ٨٤، \"تفسير ابن كثير\" ١/ ١٠٤.","vol":"2","page":552},{"text":"قال ابن عباس: هي أريحا (١). وقال ابن كيسان: هي الشام (٢). وقال قتادة والسدي والربيع: هي بيت المقدس (٣).\nوقوله تعالى: ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ هي فِعْلَةٌ من الحَطّ، وضع الشيء من أعلى إلى أسفل، يقال: حط الحمل عن الدابة، والسيل يحط الحجر عن الجبل (٤)، قال (٥):\nكَجُلْمُودِ صَخْرٍ حَطَّهُ (٦) السَّيْلُ مِنْ عَلِ (٧)\n_________\n(١) ذكره الطبري عن ابن زيد ١/ ٢٩٩، وأبو الليث عن الكلبي ١/ ٣٦٠، قال ابن كثير بعد أن ذكره عن ابن عباس وابن زيد: (وهذا بعيد، لأنها ليست على طريقهم وهم قاصدون بيت المقدس)، ١/ ١٧٧.\n(٢) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ٧٥ أ، والبغوي في \"تفسيره\" ١/ ٧٦.\n(٣) ذكره الطبري في \"تفسيره\" عنهم ١/ ٢٩٩ وابن أبي حاتم في \"تفسيره\"١/ ٣٦٨، وذكره الثعلبي في \"تفسيره\" عن مجاهد ١/ ٧٥ ب. قال ابن عطية: هي بيت المقدس، في قول الجمهور ١/ ٣٠٦، وانظر \"زاد المسير\" ١/ ٨٤، \"تفسير القرطبي\" ١/ ٣٤٩، \"البحر المحيط\" ١/ ٢٢٠، \"تفسير ابن كثير\" ١/ ١٠٤.\n(٤) انظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ٣٠٠، \"تهذيب اللغة\" (حط) ١/ ٨٥٣، \"مقاييس اللغة\" ٢/ ١٣، \"مفردات الراغب\" ص ١٢٢، \"اللسان\" (حطط) ٢/ ٩١٤.\n(٥) هو امرؤ القيس.\n(٦) (حطه) ساقط من (ب).\n(٧) صدره:\nمكرٍّ مفرٍّ مقبل مدبر معًا.\nيصف الفرس يقول: إذا أردت الكر والفر على العدو فهو كذلك، والمقبل: هو المكر، والمدبر: هو المفر، ثم وصف سرعته وصلابته بالجلمود الساقط من علو، والبيت من الشواهد العربية والنحوية ورد في \"الكتاب\" ٤/ ٢٢٧، وشرح أبياته للسيرافي ٢/ ٣٣٩، \"تهذيب اللغة\" (حط) ١/ ٨٥٣، \"المخصص\" ١٣/ ٢٠٢، =","vol":"2","page":553},{"text":"ويقال في الدعاء: حط الله عنك وزرك، أي وضعه عنك، فالحِطّة من الحَطّ مثل الرِّدّة من الرَّدّ، يجوز أن يكون اسمًا، ويجوز أن يكون مصدرًا (١).\nقال ابن عباس في رواية سعيد بن جبير في قوله: ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ أي مغفرة، فقالوا: حنطة (٢).\nوقال مقاتل: إنهم أصابوا خطيئة بإبائهم على موسى دخول الأرض التي فيها الجبارون، فأراد الله أن يغفرها لهم، فقيل لهم. قولوا حطة.\nقال أبو إسحاقا معناه: قولوا: مسألتنا حطة، أي: حط ذنوبنا عنا،\n_________\n= \"اللسان\" (حطط) ٧/ ٩١٤. (علا) ١٥/ ٨٤، \"شرح المفصل\" ٤/ ٨٩، \"شرح شذور الذهب\" ص ١٠٧، \"مغني اللبيب\" ١/ ١٥٥، و\"الهمع\" ٣/ ١٩٦، \"الخزانة\" ٢/ ٣٩٧، ٣/ ١٥٨،٢٤٢، ٦/ ٥٠٦، \"ديوان امرئ القيس\" ص ١١.\n(١) انظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ٣٠٠، \"تهذيب اللغة\" (حط) ١/ ٨٥٣، \"اللسان\" (حطط) ٢/ ٩١٤. قال أبو عبيدة: هي مصدر من حط عنا ذنوبنا. \"المجاز\" ١/ ٤١، وعلى حاشية (أ) إضافة من الكتاب، صدرها بـ (ش ك)، أي شرح من الكاتب وأذكرها للفائدة (حطة: فِعْلة من الحط، كالجلسة والركبة، وهي خبر مبتدأ محذوف، أي: مسألتنا حطة، أو أمرك حطة، والأصل: النصب بمعنى حط عنا ذنوبنا حطة، وإنما رفعت لتعطى معنى الثبات كقوله: صبر جميل فكلانا مبتلى. والأصل: صبرًا علي، أصبر صبرًا، وقرأ ابن أبي عبلة بالنصب على الأصل، وقيل معناه: أمرنا حطة، أي: أن نحط في هذه القرية ونستقيم فيها، وهل يجوز أن ينصب (حطة في قراءة من نصبها بقولوا، على معنى: قولوا هذه الكلمة؟ فالجواب. لا يبعده والأجود أن ينصب بإضمار فعلها، وينتصب محل ذلك المضمر بقولوا وقُرئ (يُغفر لكم خطاياكم) على البناء للمفعول بالياء والتاء) وهو منقول بنصه من \"الكشاف\" ١/ ٢٨٣.\n(٢) أخرجه الطبري ١/ ٣٠٠، ٣٠٣، ٣٠٤، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ١/ ٣٧٢، والحاكم في المستدرك وقال: على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي ٢/ ٢٦٢، وانظر \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ١٧٨، \"تفسير القرطبي\" ١/ ٣٥٠، \"تفسير ابن كثير\" ١/ ١٠٥، والرواية بنصها في \"تهذيب اللغة\" (حط) ١/ ٨٥٣.","vol":"2","page":554},{"text":"والقراءة بالرفع على هذا التأويل. قال: ولو قرئت حطة (١) كان وجهًا في العربية، كأنه قيل لهم: قولوا (٢): احطط عنا ذنوبنا حطة (٣).\nوقال الليث: بلغنا أن بني إسرائيل حيث قيل لهم: وقولوا حطة، إنما قيل لهم ذلك حتى يستحِطّوا بها أوزارهم فَتُحَطَّ عنهم (٤).\nوقال عكرمة: وقولوا حطة، أي: كلمة يحط (٥) بها عنكم خطاياكم، وهي: لا إله إلا الله، لأنها تحط الذنوب (٦).\nقال الفراء: فإن يك كذلك فينبغي أن يكون حطة منصوبة (٧) في القراءة، لأنك (٨) تقول: قلت: لا إله إلا الله، فيقول السامع: قلت كلمة صالحة، وإنما يكون الرفع والحكاية إذا صلح قبلها إضمار، فإذا لم يصلح\n_________\n(١) قراءة النصب شاذة، وهي قراءة ابن أبي عبلة. انظر \"تفسير ابن عطية\" ١/ ٣٠٧، \"الكشاف\" ١/ ٢٨٣، \"البحر المحيط\" ١/ ٢٢٢.\n(٢) (قولوا) ساقط من (ب).\n(٣) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ١١٠، وانظر \"تهذيب اللغة\" (حط) ١/ ٨٥٣.\n(٤) \"تهذيب اللغة\" (حط) ١/ ٨٥٣.\n(٥) في (ب): (تحط).\n(٦) أخرج الطبري في \"تفسيره\" لسنده عن عكرمة: قال قولوا: (لا إله إلا الله) ١/ ٣٠١، ٣٠٠، ونحوه في \"تفسير ابن أبي حاتم\" ١/ ٣٨٢، وذكره السيوطي في \"الدر\" وعزاه إلى عبد بن حميد والطبري في \"تفسيره\" وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ١/ ٢٨٥.\n(٧) نص كلام الفراء: قال: (وبلغني أن ابن عباس قال: أمروا أن يقولوا: نستغفر الله، فإن يك كذلك فينبغي أن تكون (حطة) منصوبة ...) \"المعاني\" ١/ ٣٨. قال الطبري في \"تفسيره\": (وأما على تأويل قول عكرمة فإن الواجب أن تكون القراءة بالنصب في (حطة) ...) ثم قال: (وفي إجماع القراءة على رفع (الحطة) بيان واضح على خلاف الذي قاله عكرمة من التأويل في قوله: (وقولوا حطة) ...) ٢/ ١٠٨.\n(٨) (لأنك) ساقط من (ب).","vol":"2","page":555},{"text":"كان منصوبًا، كما تقول (١): قلت كلاما حسنا (٢). وقوله تعالى: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ﴾ [الكهف:٢٢] هو رفع، لأن قبله ضمير أسمائهم، المعنى: هم ثلاثة، وقوله: ﴿وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ﴾ [النساء: ١٧١] أي: ولا تقولوا الآلهة ثلاثة (٣).\nوقال ابن الأنباري: إذا جاء بعد القول حرف مفرد يجوز أن يكون نعتا للقول نصبت كقولك: قلت حقا؛ لأنه يحسن أن يقال: قلت قولا حقا، وكذلك: قلت صوابًا وقلت خطأ، وإذا جاء حرف مفرد لا يجوز أن يكون نعتًا للقول رفعت، كقوله: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ﴾ معناه: سيقولون هم ثلاثة، ولا وجه للنصب (٤).\nوقوله: ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ (٥) فحوى الكلام، وإجماع القراء على رفعها، دليل على أنهم أمروا بهذه اللفظة بعينها (٦). فإن كانوا لم يؤمروا بهذه اللفظة\n_________\n(١) في (أ)، (ج) (يقول) وما في (ب). موافق لما في معاني القرآن ١/ ٣٨، وهو الأنسب للسياق.\n(٢) في المعاني: (وإنما تكون الحكاية إذا صلح قبلها إضمار ما يرفع أو يخفض أو ينصب، فإذا ضممت ذلك كله فجعلته كلمة، كان منصوبًا بالقول كقولك: مررت بزيد، ثم تجعل هذا كلمة، فتقول: قلت كلامًا حسنًا ...) ١/ ٣٨.\n(٣) \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٣٩.\n(٤) انظر \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٣٨، \"تفسير الطبري\" ١/ ٣٠١.\n(٥) في (ب) (وقولوا).\n(٦) ذكر الطبري في الوجه الذي رفعت من أجله (حطة) عدة أقوال: فقيل: رفعت على معنى: (قولوا) ليكن منك حطة لذنوبنا. وقيل: هي كلمة مرفوعة أمروا بقولها كذلك، وهذان القولان لنحويي البصرة. وقيل: رفعت بتقدير: هذه حطة. وقيل: رفعت بضمير معناه الخبر، كأنه قال: قولوا ما هو حطة فتكون حطة خبر (ما) ونسب هذين القولين لنحويي الكوفة. الطبري في \"تفسيره\" ١/ ٣٠٠، وانظر \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ١/ ٤١، \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ١٧٨، و\"تفسير الغريب\" لابن قتيبة ص ٥٠، \"مشكل إعراب القرآن\" ١/ ٤٨.","vol":"2","page":556},{"text":"بعينها فنصبها جائز على معنى: قولوا قولًا حاطًّا لذنوبكم. ويجوز نصبها أيضًا وإن كانوا قد أمروا بها على معنى: وقولوا: احطط عنا يا ربنا ذنوبنا حطة (١)، كقراءة من قرأ ﴿قَالُوا مَعْذِرَةً﴾ (٢) [الأعراف: ١٦٤] بالنصب. وإذا جاء بعد القول جملة من الكلام، لم يكن للقول فيها عمل، كقولك: قلت: عبد الله عالم، فهو عامل (٣) في موضع الجملة؛ لأنها مجعولة في موضع الكلام، ولو قلت: قلت (٤) كلاما، نصبت. وسنذكر بيانا لهذا زائدا عند قوله: ﴿قُلِ الْعَفْوَ﴾ [البقرة: ٢١٩] إن شاء الله. والأصح والذي عليه الجمهور: أنهم أمروا بهذه اللفظة بعينها، وقد روي لنا عن الأزهري (٥)، عن المنذري عن ابن فهم (٦)، عن محمد بن سلام (٧)، عن يونس قال:\n_________\n(١) انظر \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٣٨، والأخفش ١/ ٢٦٩، والزجاج ١/ ١١٠.\n(٢) قراءة حفص عن عاصم بالنصب وبقية السبعة بالرفع، انظر \"السبعة\" لابن مجاهد ص ٢٩٦، و\"التيسير\" ص ١٤٤.\n(٣) في (ب): (عالم).\n(٤) (قلت) ساقط من (ب).\n(٥) في (ب): (الزهري).\n(٦) هو الحافظ العلامة، أبو علي الحسين بن محمد بن فهم بن محرز البغدادي، روى عن محمد بن سلام وغيره، قال الدارقطني: ليس بالقوي، وفاته سنة تسع وثمانين ومائتين. انظر \"تاريخ بغداد\" ٨/ ٩٢، \"سير أعلام النبلاء\" ١٣/ ٤٢٧، و\"تذكرة الحفاظ\" ٢/ ٦٨٠.\n(٧) هو محمد بن سلام بن عبيد الله بن سالم، أبو عبد الله الجمحي، البصري، مولى قدامة بن مظعون، كان من أهل اللغة والأدب، روى عنه الجم الغفير، مات سنة اثنتين وثلاثين ومائتين. انظر \"طبقات اللغويين والنحويين\" ص ١٨٠، \"تاريخ بغداد\" ٥/ ٣٢٧، \"إنباه الرواة\" ٣/ ١٤٣.","vol":"2","page":557},{"text":"قوله: ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ (١) هذه حكاية، هكذا أمروا (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ﴾ (٣) يعني بابًا من أبوابها (٤). ﴿سُجَّدًا﴾: قال ابن عباس: ركعا (٥)، وهو شدة الانحناء، والمعنى: منحنين متواضعين (٦).\nقال مجاهد: هو باب حطة من بيت المقدس، طوطئ لهم الباب؛ ليخفضوا رؤوسهم، فلم يخفضوا ولم يركعوا، ودخلوا متزحفين على استاههم (٧).\nقال الحسين بن الفضل: لو لم يسجدوا لذكر الله ذلك منهم وذمهم به\n_________\n(١) (الواو) ساقطة من (ب).\n(٢) \"تهذيب اللغة\" (حط) ١/ ٨٥٣، وذكره الأخفش عن يونس في \"معاني القرآن\" ١/ ٢٧٠، ونحوه عند أبي عبيدة في \"مجاز القرآن\" ١/ ٤١، وذكر هذا القول الطبري في \"تفسيره\" ١/ ٣٠١، وانظر: \"تفسير أبي الليث\" ١/ ٣٦٢.\n(٣) في (ب): (سجدا).\n(٤) أي: أبواب القرية. انظر الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ٧٥ ب.\n(٥) أخرجه الطبري ١/ ٣٠٠، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ١/ ٣٧٠، وأخرجه الحاكم في \"المستدرك\"، وقال: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه ووافقه الذهبي. \"المستدرك\" ٢/ ٢٦٢، وذكره السيوطي في \"الدر\" وعزاه إلى ابن جرير، والحاكم وابن أبي حاتم ووكيع والفريابي، وعبد بن حميد وابن المنذر. \"الدر\" ١/ ١٣٨.\n(٦) انظر الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ٧٥ ب، انظر \"تفسير ابن عطية\" ١/ ٣٠٧.\n(٧) في (ب): (أستاتهم). أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ١/ ٣٠٠، ٣٢٥، وانظر \"تفسير ابن أبي حاتم\" ١/ ٣٧٥، \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٧٥ ب، \"الدر المنثور\" ١/ ١٣٨. وقد ورد عن ابن عباس نحوه في روايات كثيرة، انظر \"تفسير الطبري\" ١/ ٣٠٤. كما ورد بهذا المعنى حديث مرفوع عن أبي هريرة، أخرجه البخاري، انظر: \"الفتح\" ٨/ ١٦٤، و\"تفسير الطبري\" ١/ ١٣٨.","vol":"2","page":558},{"text":"كما ذمهم بتبديل الكلمة لما قالوا خلاف ما أمروا به (١). والله أعلم.\nوقوله تعالى: ﴿نَغْفِرْ (٢) لَكُمْ خَطَايَاكُمْ﴾ أصل الغفر: الستر والتغطية، وغفر الله ذنوبه، أي: سترها، كل شيء سترته قد غفرته. والمغفر يكون تحت بيضة الحديد يغفر الرأس (٣). قال ابن شميل: هي حلق تجعل أسفل البيضة تسبغ على العنق فتقيه، وربما جعل من ديباج وخز أسفل البيضة.\nالأصمعي: غفر الرجل متاعه يغفر غفرًا: إذا أوعاه. ويقال: اصبغ ثوبك فإنه أغفر للوسخ أي: أغطى له (٤). والغفارة: خرقة تستر رأس المرأة تقي بها الخمار من الدهن (٥)، وكل ثوب يغطى به شيء فهو غفارة، ومنه غفارة البزيون (٦) يغشى بها الرحال (٧).\n_________\n(١) قول الحسين لم أجده فيما اطلعت عليه، والله أعلم. والحديث الصحيح، والآثار ترد قوله، ففي البخاري عن أبي هريرة -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: \"قيل: لبني إسرائيل: (ادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة) فدخلوا يزحفون على استاههم، فبدلوا\"، وقالوا: حطة حبة في شعرة. \"الفتح\" ٨/ ١٦٤، وكذا الآثار عن ابن عباس ومجاهد في هذا المعنى كلها ترد قول الحسين بن الفضل. انظر \"تفسير الطبري\" ١/ ٣٠١.\n(٢) بالياء على قراءة نافع، انظر: \"السبعة\" ص ١٥٧.\n(٣) \"تهذيب اللغة\" (غفر) ٣/ ٢٦٧٩، وانظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ٣٠٢، \"الزاهر\" ١/ ١٩٢، \"الصحاح\" (غفر) ٢/ ٧٧٠، \"مقاييس اللغة\" (غفر) ٤/ ٣٨٥، \"اللسان\" (غفر) ٦/ ٣٢٧٢.\n(٤) كلام ابن شميل والأصمعي ذكره الأزهري في \"تهذيب اللغة\" (غفر) ٣/ ٢٦٧٩، وانظر: \"الزاهر\" ١/ ١٠٩.\n(٥) ذكره الأزهري عن أبي عبيد عن أبي الوليد الكلابي \"تهذيب اللغة\" (غفر) ٣/ ٢٦٧٩.\n(٦) (البزيون) كذا ورد في \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٦٧٩، وفي \"اللسان\" (الزنون) ١/ ٢٧٧ - ٢٧٨، وقال في \"الصحاح\" (البزيون) بالضم السندس (بزن) ٥/ ٢٠٧٨، وأورد صاحب اللسان ١/ ٢٧٨ كلام الجوهري ثم قال: وقال ابن بري: هو رقيق الديباج.\n(٧) في (ب): (الرجال). والكلام ذكره الأزهري عن أبي عبيد عن الأموي. \"تهذيب اللغة\" (غفر) ٣/ ٢٦٧٩، وانظر: \"اللسان\" (غفر) ٦/ ٣٢٧٤.","vol":"2","page":559},{"text":"وأجمع القراء على إظهار الراء عند اللام، إلا ما روى عن أبي عمرو من إدغامه الراء عند اللام (١). قال الزجاج: وهوخطأ فاحش، وأحسب الذين رووا (٢) عن أبي عمرو غالطين (٣)، ولا يدغم الراء في اللام إذا قلت: مر لي بشيء؛ لأن الراء حرف مكرر، ولا يدغم الزائد في الناقص (٤) للإخلال به، فأما اللام فيجوز إدغامه في الراء، ولو أدغمت الراء في اللام لذهب التكرير من الراء وهذا إجماع النحويين (٥).\nوقال أبو الفتح الموصلي: الراء لما فيها من التكرير لا يجوز إدغامها فيما يليها من الحروف؛ لأن إدغامها في غيرها يسلبها ما فيها من التكرير.\n_________\n(١) نقل بعضهم عن أبي عمرو إدغام الراء بدون اختلاف، بعضهم نقل عنه باختلاف. انظر \"السبعة\" ص ١٢١، \"التيسير\" ص ٤٤، \"الكشف\" ١/ ١٥٧، \"النشر\" ٢/ ١٢.\n(٢) في (ب): (رووا ذلك) والزيادة ليست في المعاني للزجاج ١/ ٤٠٠.\n(٣) وعلى نهجه سار الزمخشري في تفسير قوله تعالى: ﴿فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ قال: (فإن قلت: كيف يقرأ الجازم؟ قلت: يظهر الراء؛ ويدغم الباء، ومدغم الراء في اللام لاحن مخطئ خطأً فاحشًا، وراويه عن أبي عمرو مخطئ مرتين؛ لأنه يلحن وينسب إلى أعلم الناس بالعربية ما يؤذن بجهل عظيم، والسبب في نحو هذه الروايات قلة ضبط الرواة، والسبب في قلة الضبط قلة الدراية، ولا يضبط نحو هذا إلا أهل النحو) \"الكشاف\" ١/ ٤٠٧، وانطر: \"البيان\" ١/ ٨٣، ومذهب سيبويه وأصحابه: أنه لا يجوز إدغام الراء في اللام كما في \"الكتاب\" ٤/ ٤٤٨، \"الكشف\" ١/ ١٥٧. لكن هذا لا يلزم منه رد قراءة سبعية، وهي مسألة خلافية، فقد ذكر أبو حيان في \"البحر\" أن الكسائي والفراء أجازا ذلك وحكياه سماعًا، وقد تصدى أبو حيان للرد على الزمخشري وأجاد في ذلك، انظر: \"البحر المحيط\" ٢/ ٣٦١، ٣٦٢، وانظر تعليق عضيمة على \"المقتضب\"١/ ٣٤٧.\n(٤) قوله: (ولا يدغم الزائد في الناقص للإخلال به) ليس في \"المعاني\" ١/ ٤٠٠.\n(٥) انظر كلام الزجاج في \"المعاني\" ١/ ٤٠٠. عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾.","vol":"2","page":560},{"text":"وأما قراءة أبي عمرو ﴿نَغْفِرْ لَكُمْ﴾ (١) بإدغام الراء في اللام فمدفوع عندنا [وغير معروف عند أصحابنا، وإنما هو شيء رواه القراء، ولا قوة له في القياس (٢).\nوالخطايا: جمع خطيئة (٣)] (٤) وهي (٥) الذنب على عمد قال أبو الهيثم: يقال: خطئ: ما صنعه عمدا، وهو الذنب، وأخطأ: ما صنعه خطأ غير عمد (٦). ويأتي بيان هذا مشروحًا عند قوله: ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ (٧). قال الزجاج: الأصل في خطايا كان خطايؤ (٨) مثل خطائع، لأنها جمع خطيئة، فأبدل من هذه الياء همزة؛ فصارت\n_________\n(١) البقرة: ٥٨، الأعراف: ١٦١، وفي \"سر صناعة الإعراب\": ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ﴾ بدون واو، جزء من آية في الأحقاف: ٣١، الصف: ١٢، ونوح: ٤.\n(٢) \"سر صناعة الإعراب\" لأبي الفتح ابن جني ١/ ١٩٣، والرواية إذا ثبتت فهي أقوى من القياس، وانظر التعليق السابق على كلام الزجاج.\n(٣) ذهب بعض الكوفيين إلى أنه: جمع (خطية) دون همز، واختاره الطبري ١/ ٣٠٢، وانظر \"تفسير ابن عطية\" ١/ ٣٠٨، \"تفسير القرطبي\" ١/ ٣٥٣، ٣٥٤.\n(٤) ما بين المعقوفين ساقط من (أ)، (ج).\n(٥) في (ب): (وهو).\n(٦) نص الكلام في \"التهذيب\" (خطئت) لما صنعه عمدا وهو الذنب، (أخطأت) لما صنعه خطأ غير عمد. \"تهذيب اللغة\" (خطئ) ١/ ١٠٦١، وانظر \"اللسان\" (خطأ) ١/ ١٠٦١.\n(٧) البقرة: ٨١، وهناك بيَّن الواحدي الفرق بين (أخطأ) و(خطئ).\n(٨) كذا وردت في (أ)، (ج) وفي (ب): (كل خطاييا) وهو خطأ، وفي \"معاني القرآن\" للزجاج رسمت (خطائِى) وكلامه يدل على أن المراد خطائئ، فلم يذكر أصل الكلمة خَطَايئ كما في \"تهذيب اللغة\"، انظر \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ١١١، \"تهذيب اللغة\" (خطئ) ١/ ١٠٦٠ - ١٠٦١.","vol":"2","page":561},{"text":"[خطائئ] (١) مثل خطاعع.\nقلت: وإنما أبدلت هذه (٢) الياء همزة، لأن هذه الياء إذا وقعت في الجمع صارت همزة، مثل: ترائب وسحائب، وعلة ذلك نذكرها في قراءة من قرأ: معائش (٣) بالهمزة (٤). رجعنا إلى كلام الزجاج: فاجتمعت همزتان، فقلبت الثانية ياء فصار خَطَائِي مثل خَطَاعِي ثم قلبت الياء والكسرة إلى الفتحة والألف، فصار خَطاءَا، مثل خَطاعا (٥) فأبدلت الهمزة ياء، لوقوعها بين ألفين، وإنما أبدلت الهمزة حين وقعت بين ألفين؛ لأن الهمزة مجانسة للألفات، فاجتمعت ثلاثة أحرف من جنس واحد، فأبدلت الهمزة ياء فصارت خَطايَا (٦).\n_________\n(١) في (أ)، (ج): (خطايو) وفي (ب): (خطاي) وما أثبت هو المثبت في \"تهذيب اللغة\" ١/ ١٠٦٠ - ١٠٦١، وقريب مما في (ب)، وفي \"اللسان\" (خطائي). \"اللسان\" (خطأ) ٢/ ١١٩٣.\n(٢) في (ج): (همزة).\n(٣) الأعراف: ١٠، والحجر: ٢٠.\n(٤) الجمهور على القراءة بالياء، وقرأ الأعرج وزيد بن علي والأعمش وخارجة عن نافع، وابن عامر في رواية بالهمز، والقياس القراءة بدون همز، لأن الياء التي في المفرد إذا كانت أصلا فلا تهمز مثل معايش وإذا كانت زائدة همزت مثل: صحيفة وصحائف، قال أبو حيان: لكن رواه ثقات فوجب قبوله. انظر \"البحر المحيط\" ٤/ ٢٧١، وانظر هذه المسألة في \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٣٧٣، والزجاج ٢/ ٣٥٣، \"تفسير ابن عطية\" ١/ ٣٠٩.\n(٥) في \"تهذيب اللغة\" (خطاءى) مثل (خطئ) ١/ ١٠٦١، والمثبت هنا مثل ما في \"معاني القرآن\" ١/ ١١١، وكذا في \"اللسان\" ١/ ١١٩٣.\n(٦) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ١١١، والنص من \"لتهذيب\" (خطئ) ١/ ١٠٦١، \"اللسان\" (خطأ) ٢/ ١١٩٣، وانظر \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ١٧٩، انظر \"تفسير ابن عطية\" ١/ ٣٠٩، و\"البيان\" ١/ ٨٤ والقرطبي في \"تفسيره\" ١/ ٣٥٣.","vol":"2","page":562},{"text":"وقوله تعالى: ﴿سَنَزِيدُ اَلمُحسِنِينَ﴾ أي: الذين لم يكونوا من أهل تلك الخطيئة إحسانا وثوابا (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-283>٥٩ </span>- قوله تعالى: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ الآية. (التبديل) معناه: التغيير إلى بدل، وذكرناه مستقصى عند قوله: ﴿بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ [النساء: ٥٦]، والمعنى: أنهم غيروا تلك الكلمة التي أمروا بها، وقالوا بدل حطة: حنطة، وهذا (٢) قول ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير والمفسرين (٣).\nوقال أبو إسحاق: حرفوا وقالوا كلمة غير هذه التي أمروا بها، وجملة ما قالوا إنه أمر عظيم سماهم الله به فاسقين (٤).\nوقوله تعالى: ﴿فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾. أظهر الكناية هاهنا تأكيدا (٥)، وكنىَّ في سورة الأعراف فقال: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ﴾ [الأعراف: ١٦٢]. والعرب تظهر الكنايات توكيدًا، قال:\n_________\n(١) وقيل: المراد العموم من أهل الخطيئة وغيرهم فمن كان محسنا زيد في إحسانه ومن كان مخطئا غفر له خطيئته. انظر \"تفسير الطبري\" ١/ ٣٠٢، انظر \"تفسير ابن عطية\" ١/ ٣٠٩، \"البحر المحيط\" ١/ ٢٢٤.\n(٢) في (ب): (وهو).\n(٣) انظر الآثار عنهم في الطبري في \"تفسيره\" ١/ ٣٠٢ - ٣٠٥، وكذا في \"تفسير ابن أبي حاتم\" ١/ ٣٧٥، ولم يرد عندهما عن سعيد، انظر \"زاد المسير\" ١/ ٨٦، \"تفسير ابن كثير\" ١/ ١٠٦.\n(٤) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ١١٠.\n(٥) قال الزمخشري: (وفي تكرير (الذين ظلموا) زيادة في تقبيح أمرهم وإيذان بأن إنزال الرجز عليهم لظلمهم، وقد جاء في سورة الأعراف بالإضمار)، \"الكشاف\" ١/ ٢٨٣، وانظر \"تفسير القرطبي\" ١/ ٣٥٤، \"الدر المصون\" ١/ ٣٨١.","vol":"2","page":563},{"text":"لَا (١) أَرَى الْمَوْتَ يَسْبِقُ الموتَ شَيْءٌ ... نَغَّص الْمَوْتُ ذَا الْغِنَى وَالْفَقِيَرا (٢)\nأراد لا أرى الموت يسبقه شيء، فأظهر الكناية. وأنشد ابن الأنباري:\nفَيَارَبَّ لَيْلَى أَنْتَ فِي كُلِّ مَوْطِنٍ ... وَأَنْتَ الَّذِي فِي رَحْمَةِ اللهِ أَطْمَعُ (٣)\nأراد في رحمته أطمع، فأظهر الهاء.\nوالرجز: العذاب (٤)، [قال رؤبة] (٥):\nكَمْ رَامَنَا مِنْ ذِي عَدِيدٍ مُبْرِ (٦)\nحَتَّى وَقَمْنَا كَيْدَهُ بِالرِّجْزِ (٧)\n_________\n(١) في (ج): (ألا ترى).\n(٢) البيت نسب لعدي بن زيد، ونسبه بعضهم لسواد بن عدي، وبعضهم لأمية بن أبي الصلت. وهو من \"شواهد سيبويه\" ١/ ٦٢، وانظر \"شرح شواهد سيبويه\" للسيرافي ١/ ١٢٥، \"الخصائص\" ٣/ ٥٣، \"الإملاء\" ١/ ٤٥، \"تفسير القرطبي\" ١/ ٣٥٥، \"مغني اللبيب\" ٢/ ٥٠٠، \"الخزانة\" ١/ ٣٧٨، ٣٧٩، ٦/ ٩٠، ١١/ ٣٦٦، \"اللسان\" (نغص) ٨/ ٤٤٨٨، \"الدر المصون\" ١/ ٣٨١، \"فتح القدير\" ١/ ١٤١.\n(٣) ورد البيت في \"همع الهوامع\" ١/ ٣٠١، و\"الدر اللوامع على همع الهوامع\" و\"شرح شواهد المغني\" للسيوطي: قال: قيل: إنه لمجنون ليلى، وبحثت عنه في شعر مجنون ليلى، الذي جمعه عبد الستار أحمد فرج، ولم أجده، والله أعلم.\n(٤) انظر: \"غريب القرآن\" لليزيدي ص ٧٠، \"غريب القرآن\" لابن قتيبة ص ٤٣، \"العمدة في غريب القرآن\" لمكي ص ٧٦.\n(٥) ما بين المعقوفين ساقط من (أ)، (ج).\n(٦) في (ج): (رجز).\n(٧) الرجز ورد في \"الزاهر\" ٢/ ٢١٤، \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ١١١، وورد الثاني في \"تهذيب اللغة\"، وبعده بيت آخر (جرز) ١/ ٥٨٠، وكذا في \"اللسان\" (جزر) =","vol":"2","page":564},{"text":"وقال الله تعالى: ﴿لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ﴾ [الأعراف: ١٣٤]، أي العذاب، ثم يسمى كيد الشيطان رجزًا لأنه سبب العذاب، قال الله تعالى: ﴿وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ﴾ (١) [الأنفال: ١١].\nوقوله: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ [المدثر: ٥]، قيل: إنه عبادة الأوثان؛ لأنه سبب العذاب (٢).\nقال أهل اللغة: وأصل الرجز في اللغة: تتابع الحركات، ومن ذلك قولهم: ناقة رجزاء إذا كانت قوائمها ترتعد عند قيامها، ومن هذا رجز الشعر؛ لأنه أقصر أبيات الشعر، فالانتقال من بيت إلى بيت سريع (٣). أو؛ لأن الرجز في الشعر متحرك وساكن ثم متحرك وسكن في كل أجزائه، فهو كالرعدة في رجل الناقة تتحرك ثم تسكن وتستمر (٤) على ذلك (٥).\nفحقيقة معنى الرجز: أنه العذاب المقلقل لشدته (٦) قلقلة شديدة متتابعة (٧).\n_________\n= ١/ ٥٩٧، وفي \"زاد المسير\" ١/ ٨٦، \"البحر المحيط\" ١/ ٢١٨، وفي ديوان رؤبة ص ٦٤. ومعنى (مبزي) أي: متفاخر، (وقمنا): رددنا كيده.\n(١) في (أ)، (ج): (وليذهب) تصحيف.\n(٢) انظر \"الوسيط\" ١/ ١١٥، \"مفردات الراغب\" ص ١٨٨.\n(٣) ذكره الأزهري عن الليث. \"تهذيب\" (رجز) ٢/ ١٣٥٦، وانظر: \"مفردات الراغب\" ص ١٨٧.\n(٤) في (ج): (ويستمر).\n(٥) انظر: \"اللسان\" (رجز) ٣/ ١٥٨٨.\n(٦) في (ب): (لشدة).\n(٧) قال الأزهري: (قال أبو إسحاق: ومعنى الرجز في العذاب. وهو العذاب المقلقل ...) \"التهذيب\" (رجز) ٢/ ١٣٦٥ \"اللسان\" (رجز) ٣/ ١٥٨٨.","vol":"2","page":565},{"text":"قال الضحاك: أرسل الله عليهم ظلمةً وطاعونًا فهلك منهم في ساعة واحدة سبعون ألفًا، عقوبة لهم بتبديلهم ما أمروا (١) به.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-284>٦٠ </span>- قوله تعالى: ﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى﴾ الآية قال المفسرون: عطش بنو إسرائيل في التيه، فقالوا: يا موسى، من أين لنا الشراب؟ فاستسقى لهم موسى فأوحى الله ﷿ إليه أن اضرب بعصاك الحجر (٢).\nقال ابن عباس: كان حجرًا خفيفًا مربعًا مثل رأس الرجل، أمر أن يحمله، فكان يضعه في مِخْلاَته (٣)، فإذا احتاجوا إلى الماء وضعه وضربه بعصاه (٤)، فعلى هذا الألف واللام فيه للتعريف (٥).\n_________\n(١) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ولم يعزه ١/ ٧٥ ب، وكذا البغوي في \"تفسيره\" ١/ ٧٦، ولم أجده منسوبا للضحاك فيما اطلعت عليه، والله أعلم. قال ابن جرير بعد أن ذكر الآثار في معنى الآية: (وقد دللنا على أن تأويل (الرجز) العذاب، وعذاب الله جل ثناؤه أصناف مختلفة. وقد أخبر الله جل ثناؤه أنه أنزل على الذين وصفنا أمرهم الرجز من السماء، وجائز أن يكون طاعونًا، وجائز أن يكون غيره، ولا دلالة في ظاهر القرآن ولا في أثر عن الرسول ثابت، أي الأصناف ذلك كان) الطبري في \"تفسيره\" ١/ ٣٠٦، وانظر \"البحر المحيط\" ١/ ٢٢٥.\n(٢) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ٧٦ أ، وانظر \"تفسير أبي الليث\" ١/ ٣٦٤، وورد بهذا المعنى آثار عن السلف ساقها ابن جرير في \"تفسيره\" ١/ ٣٠٦ - ٣٠٧.\n(٣) الْمِخْلاة: ما يوضع فيه الشيء، سميت بذلك لأنه يوضع بها الحشيش الذي يختلى من الربيع، أي: يحش. \"اللسان\" (خلا) ٢/ ١٢٥٨.\n(٤) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ٧٦ أ، والبغوي ١/ ٧٧، ونحوه عند الطبري في \"تفسيره\" عن ابن عباس ١/ ٣٠٧، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ١/ ٣٧٧، \"تفسير أبي الليث\" ولم يعزه، وانظر: \"زاد المسير\" ١/ ٨٧، \"تفسير ابن كثير\" ١/ ١٠٧.\n(٥) أي: أن (ال) للعهد، فهو حجر معهود لدى موسى. انظر: \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٧٦ أ، \"الكشاف\" ١/ ٢٨٤، \"البحر المحيط\" ١/ ٢٧٧.","vol":"2","page":566},{"text":"وقال وهب: كان موسى ﵇ يقرع لهم أقرب (١) حجر من عرض الحجارة بعصاه، فينفجر عيونا لكل سبط عين (٢)، والألف واللام على هذا للجنس (٣).\nوقوله تعالى: ﴿فَانْفَجَرَتْ﴾ معناه: فضرب فانفجرت، وعرف بقوله: ﴿فَانْفَجَرَتْ﴾ أنه قد ضرب، ومثله: ﴿أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ﴾ [الشعراء: ٦٣] قال الفراء: ومثله في الكلام: أمرتك بالتجارة فاكتسبت الأموال، والمعنى: فاتجرت فاكتسبت (٤).\nومعنى انفجرت: انشقت (٥)، والانفجار: الانشقاق، وأصل الفجر في اللغة: الشق، وفَجْرُ السِّكْر: بَثْقُه (٦). وسمي فجر النهار لانصداعه، أو (٧) لشقه ظلمة الليل، ويقال انفجر الصبح، إذا سال ضوؤه في سواد\n_________\n(١) (أقرب) ساقط من (ج).\n(٢) الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ٧٦ ب، والبغوي ١/ ٧٧، وذكره الزمخشري عن الحسن، في \"الكشاف\" ١/ ٢٨٤، وفي \"البحر\" عن وهب والحسن ١/ ٢٢٧، وانظر \"زاد المسير\" ١/ ٧٨.\n(٣) في (ب): (الجنس). ذكره الزمخشري، وقال. وهذا أظهر في \"الحجة\" وأبين في القدرة، \"الكشاف\" ١/ ٢٨٤، وانظر \"البحر المحيط\" ١/ ٢٢٧، \"تفسير ابن كثير\" ١/ ١٠٧.\n(٤) \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٤٠، وقوله: (معناه) إلخ من كلام الفراء. وانظر \"تفسير الطبري\" ١/ ٣٠٦، \"زاد المسير\" ١/ ٧٨، والبيان ١/ ٨٥.\n(٥) وقيل: سالت، وقيل: هي بمعنى انبجست فهما بمعنى واحد، وقيل: الانشقاق أوسع من الانبجاس. انظر: \"تفسير ابن عطية\" ١/ ٣١٢، \"القرطبي\" ١/ ٣٥٨، و\"تفسير النسفي\" ١/ ١٣١، و\"الخازن\" ١/ ١٣١، \"البحر المحيط\" ١/ ٢٢٨.\n(٦) في (ب، ج): (شقه). (السِّكْر): ما يُسد به النهر ونحوه، انظر: \"اللسان\" (سكر) ٤/ ٢٠٤٧ - ٢٥٤٩.\n(٧) في (ب): (ولشقه) بالواو.","vol":"2","page":567},{"text":"الليل، كانفجار الماء في النهر، ويقال: فَجَرَ وأَفْجَرَ ينبوعا من ماء، أي: شقه وأخرجه.\nقال الليث: والْمَفْجَر الموضع الذي يُفْجَر منه (١).\nابن الأعرابي: تَفَجَّر الرجل بعطائه، ورجل ذو فَجَر، وأتيناه فأفجرناه، أي: وجدناه فاجرًا، أي: معطيا (٢). قال ابن مقبل:\nإذَا الرِّفاقُ أَنَاخُوا حَوْلَ مَنْزِلِهِ ... حَلُّوا بِذِي فَجَرَاتٍ زَنْدُهُ وَارِي (٣)\nأي برجل كثير العطايا، كأنه يتشقق بما عنده فيجود ولا يمسك كتفجر الماء.\nوالفجور الذي هو المعصية من هذا، لأن الفاجر شقّ أمر الله أو شقّ العصا بخروجه إلى الفسق (٤).\nوقوله تعالى: ﴿مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾ قال الليث: اثنان (٥) اسمان قرينان، لا يُفْرَدان لا يقال لأحدهما: اثن، كما أن الثلاثة (٦) أسماء مقترنة لا تفرق (٧).\n_________\n(١) انظر: \"تهذيب اللغة\" (فجر) ٣/ ٢٧٤٣ - ٢٧٤٤، \"الصحاح\" (فجر) ٢/ ٧٧٨، \"المحكم\" (فجر) ٧/ ٢٧٥، \"اللسان\" (فجر) ٦/ ٣٣٥١ - ٣٣٥٣.\n(٢) \"تهذيب اللغة\" (فجر) ٣/ ٢٧٤٣ - ٢٧٤٤، وانظر المراجع السابقة.\n(٣) ورد البيت في \"ديوان ابن مقبل\" ص ١١٦، و\"العمدة في صناعة الشعر\" لابن رشيق ٢/ ١٨٠. قوله: (الرفاق): يريد الرفقة المسافرين معه، (ذو فجرات): أي ذو عطايا، يتفجر بالسخاء، (زنده واري): كناية عن الكرم والنجدة.\n(٤) انظر: \"تهذيب اللغة\" (فجر) ٣/ ٢٧٤٣ - ٢٧٤٤، \"المحكم\" (فجر) ٧/ ٢٧٦.\n(٥) (اثنان) ساقط من (ب).\n(٦) في (ج): (ثلاثه).\n(٧) في (أ)، (ج): (يفرق) بالياء، وأثبت ما في (ب) لأنه أنسب للسياق، ومثله ورد في \"تهذيب اللغة\" (اثنى) ١/ ٥٠٨.","vol":"2","page":568},{"text":"يقال في التأنيث: اثنتان ولا يفردان (١). والألف في اثنى واثنتى (٢) ألف وصل، لا تظهر في اللفظ. والأصل فيها (٣): ثَنَيٌ (٤)، وربما قالوا للاثنتين: الثنتان (٥)، كما قالوا: هي ابنة فلان، وهي بنته، والألف في الابنة ألف وصل أيضا فإن جاءت هذه الألف مقطوعة في الشعر (٦) فهو شاذ كما قال:\nإِذَا جَاوَزَ الإثْنَيْنِ سِرٌّ فإنَّهُ ... بِنَثٍّ وَتَكْثِير الْوُشَاةِ قَمِينُ (٧)\n_________\n(١) في \"تهذيب اللغة\" (ولا تفردان).\n(٢) في (ب): (اثنتا)، وفي \"تهذيب اللغة\" (اثنين) و(اثنتين) ١/ ٥٠٨.\n(٣) (فيها) كذا في جميع النسخ، وفي \"تهذيب اللغة\" (فيهما).\n(٤) (ثنى) كذا ورد في \"تهذيب اللغة\" ١/ ٥٠٨، وكذا في \"اللسان\" (ثنى) ١/ ٥١٥، وفي القاموس: (وأصله: (ثِنْيٌ) لجمعهم إياه على أثناء). القاموس (ثني) ص ١٢٦٧.\n(٥) في (ب): (الثنيان). (ثنتان) بحذف ألف الوصل، لأنها إنما اجتلبت لسكون الثاء، فلما تحركت، سقطت، وتاؤه مبدلة من ياء، لأنه من ثنيت. انظر القاموس (ثنى) ص ١٢٦٧.\n(٦) في (أ)، (ج): (شعر) وما في (ب) موافق لما في \"تهذيب اللغة\"، وهو ما أثبته.\n(٧) البيت لقيس بن الخطيم، ونسبه في \"الكامل\" إلى جميل بن معمر، والصحيح أنه لقيس. ويروى البيت:\nإِذَا ضَيَّع الإثنَانِ سِرًّا فَإنَّهُ ... بِنَشْر وَتَضْيِيع الْوُشَاةِ قَمِينُ\nوقوله: (بِنَثّ): (النَّثُ) بالنون والثاء: مصدر نَثَّ الحديث، أي: أفشاه و(قمين): حقيق، ورد البيت في \"نوادر أبي زيد\" ص ٥٢٥، \"الكامل\" ٢/ ٣١٣، \"معاني القرآن\" للأخفش ١/ ١٩٥، و\"حماسة البحتري\" ص ١٤٧، \"تهذيب اللغة\" (قمن) ٣/ ٣٤٩، و(ثني) ١/ ٥٠٨، \"الصحاح\" (ثنى) ٦/ ٢٢٩٥، \"اللسان\" (نثث) ٧/ ٤٣٣٩، و(قمن) ٦/ ٣٧٤٥، و(ثنى) ١/ ٥١٢، \"شرح المفصل\" ٩/ ١٩، ١٣٧، والهمع ٦/ ٢٢٤، وديوان قيس بن الخطيم ص ١٠٥. والشاهد قطع همزة (الإثنين) وهذا لا يجوز إلا في ضرورة الشعر وبعضهم يرويه (إذا جاوز الخلين) ليتخلصوا من هذه الضرورة.","vol":"2","page":569},{"text":"انتهى كلامه (١). والعلة في إدخال ألف الوصل في اثنين واثنتين كالعلة في إدخالها في (الاسم)، وقد ذكرنا (٢).\nوأصل هذا الحرف في اللغة من الثني وهو ضم واحد إلى واحد، والثني الاسم. ويقال: ثِنْيُ الثوب لما كف من أطرافه، وأصل الثَّني في جميع (٣) أبنيته: الكف (٤) والرج والعطف والطي والحنو، وكلها متقارب. وكل شيء عطفته فقد ثنيته، ومنه قوله تعالى: ﴿يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ﴾ [هود:٥] أي يحنونها ويطوون (٥) ما فيها، ليسروا عداوة محمد - ﷺ - (٦). وَثِنْيَا الحبل: طرفاه، واحده ثِنْى (٧)، وقال طرفة:\n........... وَثِنْيَاه بِالْيَدِ (٨)\n_________\n(١) أي كلام الليث، والكلام الآتي بعده كذلك لليث كما سيأتي. انظر \"تهذيب اللغة\" (ثنى) ١٥/ ١٤٢، \"اللسان\" (ثنى) ١/ ٥١٢، ونحوه في \"الصحاح\" ٦/ ٢٢٩٥.\n(٢) ذكره عند شرح (الاسم) في البسملة حيث قال: (واجتلبت ألف الوصل ليمكن الابتداء به) إلخ.\n(٣) في (ب): (جمع).\n(٤) بهذا انتهى كلام الليث كما في \"تهذيب اللغة\" (ثنى) ١/ ٥٠٨.\n(٥) في (ب): (يطيون).\n(٦) انظر \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٣، \"تهذيب اللغة\" (ثنى) ١/ ٥٠٤.\n(٧) \"تهذيب اللغة\" (ثنى) ١/ ٥٠٥، وانظر \"اللسان\" (ثنى) ١/ ٥١٥.\n(٨) جزء من بيت معلقة طرفة وتمامه:\nلَعَمْرُكَ إِنَّ الْمَوْتَ مَا أَخْطَأ الْفَتَى ... لَكَالطِّوَلِ الْمُرْخَى وَثِنْيَاهُ بِالْيَدِ\nوقوله (الطِّوَل): الحبل، ورد البيت في \"شرح القصائد المشهورات\" للنحاس ص ٨٤، \"المعاني الكبير\" ٣/ ١٢٠٧، \"تهذيب اللغة\" (ثنى) ١/ ٥٠٥، و\"المجمل\" (طول) ٢/ ٥٩٠، (مهى) ٣/ ٨١٧، \"المخصص\" ١٥/ ٨٢، \"مقاييس اللغة\" (طول) ٣/ ٤٣٤، و(مهى) ٥/ ٢٧٩، \"اللسان\" (طول) ٥/ ٢٧٢٧، و(ثنى) ١/ ٥١٦، و(مها) ٧/ ٤٢٩٢.","vol":"2","page":570},{"text":"أراد الطرف المثني في الرسغ، فلما انثنى جعله ثنيين، أي لأنه عقد بعقدين، ويقال: حلف (١) فلان يمينا ليس فيها ثُنْيَا ولا (٢) ثَنوْىَ ولا ثَنِيَّة ولا مَثْنَوِيَّة ولا استثناء، كله واحد، لأن الحالف إذا قال: والله لأفعلن كذا إلا أن يشاء الله غيره، فقد رد ما قاله بمشيئة الله غيره، وصرفه (٣)، والحبل إذا عطفته وصرفته فقد جعلته ثنيين (٤). وأثناء الحية: مطاويها، جمع ثِنْي، وما كان من نَضْد هذه الحروف فهو من هذا المعنى، ولا يمكن ذكر الجميع (٥).\nوقوله تعالى: ﴿عَشْرَةَ﴾ العَشْر عدد المؤنث، والعَشَرَةُ عدد المذكر، تقول: عَشْرُ نسوة وعَشَرَةُ رجال، فإذا جاوزت ذلك قلت في المؤنث: إحدى عَشَرَة، ومن العرب من يكسر الشين فيقول: عَشِرة، ومنهم من يُسَكن الشين فيقول: إحدى عَشْرة.\nوكذلك اثنتي (٦) عَشَرة واثنتي عَشِرَة واثنتي عشْرة، ثلاث لغات (٧)،\n_________\n(١) في (ب): (خلف).\n(٢) في (ب): (ليس فيها ثنوا ولا ثنيا).\n(٣) \"تهذيب اللغة\" (ثنى) ١/ ٥٠٥، غير قوله: (وصرفه)، وكذا ورد في \"اللسان\" ١/ ٥١٦.\n(٤) في (ب): (ثنتين).\n(٥) انظر: \"تهذيب اللغة\" (ثنى) ١/ ٥٠٥ \"الصحاح\" (ثنى) ٦/ ٢٢٩٣، \"مقاييس اللغة\" ١/ ٣٩١، \"اللسان\" (ثنى) ١/ ٥١٦.\n(٦) في (أ)، (ج): (اثنتا) في المواضع الثلاثة، وما في (ب) موافق لما في \"تهذيب اللغة\"، وهو الصواب.\n(٧) انتهى ملخصًا من كلام الليث كما في \"تهذيب اللغة\" (عشر) ٣/ ٢٤٤٥، وانظر \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ١١٢، \"اللسان\" (عشر) ٥/ ٢٩٥٢، والكسر لغة تميم، والإسكان لغة أهل الحجاز، انظر \"معاني القرآن\" للأخفش ١/ ٢٧١، \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ١٨٠.","vol":"2","page":571},{"text":"والقراءة (١) بسكون الشين (٢). فمن فتح الشين فهو أصل البناء، ومن سكن تحرى التخفيف، ثم دخلت الكسرة على مذهب من يكسر ذهابًا إلى أن الساكن يحرك بالكسر (٣).\nقال ابن الأنباري: تقول في المؤنث: إحدى عَشْرَة جارية، واثنتا عَشْرَة، قال: وبنو تميم يكسرون الشين (٤)، فهما لغتان وقرأ بهما القراء.\nقال: وأهل اللغة والنحو لا يعرفون عَشَرة بفتح مع النيف، قال: وروي عن الأعمش (٥) أنه قرأ: اثنتا (٦) عَشَرة بفتح الشين (٧)، وأهل اللغة لا يعرفونه (٨).\n_________\n(١) من قوله: (ومن العرب) إلى قوله: (والقراءة) فيه تقديم وتأخير وتكرار في (ج).\n(٢) القراءة بالسكون قراءة جمهور القراء، وقرأ مجاهد، وطلحة، وعيسى، ويحيى بن وثاب، وابن أبي ليلى، ويزيد بكسر الشين، ورواية عن أبي عمرو والمشهور عنه الإسكان، وقرأ ابن الفضل الأنصاري والأعمش بفتح الشين. انظر: \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ١٨٠، \"تفسير ابن عطية\" ١/ ٣١٢ - ٣١٣، \"تفسير القرطبي\" ١/ ٣٥٨، \"البحر المحيط\" ١/ ٢٢٩.\n(٣) انظر: \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٧٦ ب، \"المخصص\" ١٧/ ١٠٢.\n(٤) قوله: (وبنو تميم يكسرون الشين، أي مع المؤنث، أما مع المذكر فالشين مفتوحة، وقد تسكن عين (عشرة) لتوالي الحركات). انظر \"الأشموني مع الصبان\" ٤/ ٧٦.\n(٥) هو الإمام سليمان بن مهران، أبو محمد الأسدي الكاهلي بالولاء، أصله من أعمال الري، أقرأ الناس، ونشر العلم دهرا طويلا، وتوفي سنة ثمان وأربعين ومائة. انظر: \"طبقات ابن سعد\" ٦/ ٣٤٢، \"تاريخ بغداد\" ٩/ ٢٣، \"معرفة القراء الكبار\" ١/ ٧٨، \"غاية النهاية\" ١/ ٣١٥.\n(٦) في (ب): (ثنتى) تصحيف.\n(٧) ذكر ابن الأنباري القراءة بسنده عن الأعمش وعن العباس بن الفضل الأنصاري. المذكر والمؤنث ص ١/ ٣١٥.\n(٨) انتهى كلام ابن الأنباري ملخصًا من \"المذكر والمؤنث\" ص ٦٣٢، ٦٣٣، انظر: =","vol":"2","page":572},{"text":"والعشرة اسم موضوع (١) لهذا العدد المخصوص، وانتصابها في هذه الآية يجعلها مع اثنتي اسما واحدا، فلما جعلا اسما واحدا، منعا الإعراب والتنوين (٢).\nقال أبو إسحاق: وذلك أن معنى قولك: اثنتا عشرة: اثنتان وعشرة، فلما حذفت الواو، وهي مرادة، تضمن الاسمان معنى الواو، وكل اسم تضمن معنى حرف بني كما تبنى (٣) الحروف، ولم يك أحدهما بالبناء أولى من الآخر، إذ كانت الواو تدخل ما بعدها في حكم ما قبلها، فصار تعلق الاسمين بالواو تعلقا واحدا، فاستحقا البناء، ووجب أن يبنيا على حركة،\n_________\n= \"المخصص\" ١٧/ ١٠٢، \"اللسان\" ٥/ ٢٩٥٢. قال ابن عطية عن لغة الفتح: وهي لغة ضعيفة ١/ ٣١٣، وانظر: \"الكشاف\" ١/ ٢٨٤. و\"الإملاء\" ١/ ٣٩، وقد مر كلام الليث قريبًا.\n(١) في (ج): (موضوع).\n(٢) ظاهر كلام الواحدي أن (اثنتى) مبني. قال أبو حيان: وفي محفوظي أن ابن درستويه ذهب إلى أن (اثنا) و(اثنتا) مع عشر مبنى، ولم يجعل الانقلاب دليل الإعراب. \"البحر\" ١/ ٢٢٩. وما ذهب إليه الواحدي وابن درستويه مخالف لقول جمهور العلماء حيث قالوا: إن (اثنتي عشر) معرب من بين سائر الأعداد من أحد عشر إلى تسعة عشر، وأما (عشر) فهي مبنية، واختلفوا في علة بنائها. انظر \"المسائل الحلبيات\" لأبي علي ص ٣٠٨ - ٣٢٣، \"المذكر والمؤنث\" لابن الأنباري ص٦٣١، \"المخصص\" ١٤/ ٩١، \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ١٨٠، انظر \"تفسير ابن عطية\" ١/ ٣١٢. قال الصبان في \"حاشية الأشموني\": وما ذكروه من إعراب صدر اثني عشر واثنتي عشرة هو الصحيح. والقول ببنائه مردود باختلافه باختلاف العوامل، وذلك علامة إعرابه. انظر: \"حاشية الصبان على الأشموني\" ٤/ ٦٨، ٦٩.\n(٣) في (ج): (يبني).","vol":"2","page":573},{"text":"لأن لهما (١) قبل حال البناء حال إعراب، والاسم إذا كان معربا ثم دخلت عليه علة أوجبت له البناء، وجب أن يبنى على حركة، وجعلُ الاسمين اسمًا واحدًا مستثقل (٢)، فاختير له أخف الحركات (٣).\nوأدخلت الهاء في (عشرة) مع النيف لما جعلا اسما واحدا في عدد المؤنث، وإن لم يدخل دون النيف، لأنهما لما صارا اسما واحدا ثبتت الهاء في (عشرة) علامة للتأنيث فإنك تقول: ثلاث عشرة، وأربع عشرة (٤) إلى عشرين، فتدخل علامة التأنيث في عشرة (٥).\nفإن قيل: قد قلتم: إن اثنتي عشرة، وإحدى عشرة اسمان جعلا اسما واحدا، والاسم الواحد لا يكون فيه علامتان للتأنيث.\nقلنا: اثنتا (٦) عشرة اسمان من وجه، واسم واحد من وجه، فكونهما اسمًا واحدًا هو (٧) أن الواقع تحتهما عدد مخصص متميز عن (٨) غيره،\n_________\n(١) في (ج): (لها).\n(٢) في (ب): (مستقل).\n(٣) وأخف الحركات الفتحة. هذا الكلام لم أجده عن أبي إسحاق، وقد ذكر نحوه أبو علي الفارسي، وابن الأنباري، وابن سيده. وكلامهم جميعا عن العدد من (أحد عشر إلى تسعة عشر غير اثني عشر، لأن صدرها معرب كما سبق، بينما نجد الواحدي جعل الكلام عليها. انظر: \"المسائل الحلبيات\" ص ٢٠٨ - ٣٢٣، وانظر \"المذكر والمؤنث\" ص ٦٣٢، \"المخصص\" ١٤/ ٩١، ١٧/ ١٠٠، ١٠١.\n(٤) في (ج): (عشر).\n(٥) انظر \"المذكر والمؤنث\" لابن الأنباري ص ٦٤٥، \"المخصص\" ١٧/ ١٠١.\n(٦) في (ب): (اثنتى).\n(٧) في (ب): (وهو).\n(٨) في (ب): (من).","vol":"2","page":574},{"text":"فيهما كأحد عشر، ووجه كونهما اسمين، هو أنهما لو (١) كانا اسما واحدا لحذفت الألف من (اثنتا) إذ إعراب الاسم يكون في آخره لا في حشوه، فلما (٢) ثبتت الألف، وكانت علامة للإعراب (٣)، دل أنه اسم دون عشرة فوجب الحكم عليهما بأنهما اسمان من هذا الوجه، وإذا كان كذلك، جاز إدخال علامة التأنيث على كل واحد منهما، وأما إحدى عشرة فلم يجتمع فيهما علامتا تأنيث من جنس واحد، وإذا اختلف الجنسان جاز اجتماعهما كالياء في حبليات مع التاء (٤).\nفإن قيل: لم حذفت نون التثنية من اثنتا (٥) عشرة، ولا إضافة هاهنا لأنكم جعلتموهما (٦) اسمًا واحدًا؟ قيل: نون التثنية في الأصل (٧) عوض من التنوين، والتنوين للتمكن، وما عرض فيه من معنى البناء أزال التمكن فزال علمه، ولم تحذف الألف وإن كانت دلالة إعراب (٨) لأنها علم التثنية،\n_________\n(١) في (ب): (لما كانا).\n(٢) في (ب): (فإذا).\n(٣) وهذا يخالف ما ذكره فيما سبق أنه مبني.\n(٤) انظر \"تفسير ابن عطية\" ١/ ٣١٢، \"حاشية الصبان على الأشموني\" ٤/ ٦٨.\n(٥) في (ب): (اثنتى) وهو أولى، لأنه مثنى مجرور.\n(٦) في (ج): (جعلتموها).\n(٧) في (ب): (أصل).\n(٨) اختلف النحويون في ألف التثنية، فذهب سيبويه إلى أن الألف حرف إعراب، وأن الياء في الجر والنصب حرف إعراب كذلك، ولا تقدير إعراب فيها وإلى هذا ذهب جماعة، منهم أبو إسحاق وابن كيسان وأبو علي. وقال أبو الحسن: إن الألف ليست حرف إعراب، ولا هي إعراب وانما هي دليل إعراب. انظر: \"سر صناعة الإعراب\" ٢/ ٦٩٥.","vol":"2","page":575},{"text":"فلو حذفت لبطلت، فللضرورة أبقيت، ولا ضرورة في النون (١)، فهذا طرف من الكلام في علل الحساب احتجنا إليه، وهو باب طويل.\nوقوله تعالى: ﴿عَيْنًا﴾ انتصب على التمييز، قال أبو إسحاق: جميع ما ينتصب على التمييز في العدد على معنى دخول التنوين (٢)، وذلك أن حذف التنوين من اثنتا عشرة إنما كان للبناء فصار حكمه مراعى حتى انتصب ما بعده على تقدير تنوينه، ولم يحذف التنوين للإضافة حتى يبطل حكمه. وإذا (٣) كان كذلك انتصب ما بعده انتصاب قولك: هوضارب زيدا وقاتل عمرا، وحكي عن أحمد بن يحيى أنه قال: إنما انتصب المعدود لوقوعه موقع المصدر، فأجري عليه إعرابه، بيان ذلك: أن قولك: أحد عشر رجلا في موضع معدود عددًا، فأحد (٤) عشر في موضع معدود، إذ هو العدد الذي يعدّ، ورجلًا في موضع قولك: عددًا.\nقال أبو إسحاق: وإنما وجب أن يكون التمييز بواحد، لأنك إذا ذكرت العدد فقد أثبت (٥) بمقداره المعدود (٦)، وإنما يجب عليك تبيين\n_________\n(١) قال أبو علي الفارسي: (ومن الدليل على أن (عشرا) من (اثنى عشر) ليس كسائر هذه الأعداد، أنها عاقبت النون فلم تجتمع معه، فلما عاقبتها علم أنها بدل منها، إذ ليس هنا إضافة توجب حذف النون لها، فهذه النون إنما تحذف للإضافة) \"المسائل الحلبيات\" ص ٣٠٨، وانظر: \"المخصص\" ١٤/ ٩١.\n(٢) نص كلام الزجاج: (و(عينا) نصب على التمييز، وجميع ما نصب على التمييز في العدد على معنى دخول التنوين، وإن لم يذكر في (عشرة)، لأن التنوين حذف هاهنا مع الإعراب)، \"معاني القرآن\" ١/ ١١٢.\n(٣) في (ب): (فإذا).\n(٤) في (ب). (فإحدى).\n(٥) في (ب): (اتبت).\n(٦) في (ب): (المعدوده).","vol":"2","page":576},{"text":"النوع، والواحد المنكور يدل على النوع. وهو أخف من لفظ المعرفة ولفظ الجمع، فلهذا وجب استعماله (١).\nقال (٢): وجملة قول الناس: عشرون درهما: عشرون (٣) من الدراهم، فحذف هذا التطويل، وأقيم الواحد المنكور مقامه.\nوإنما وجب أن يكون الأصل: عشرون من الدراهم، لأن العشرين (٤) بعض الدراهم، فيجب أن يكون المذكور بعدها لفظ الجمع حتى يصح معنى التبعيض، ولو قدرت أن الأصل: الواحد لاستحال، ألا ترى أنك إذا قدرت الكلام بقولك: عشرون من درهم جاز أن يتوهم أن العشرين بعض الدرهم، فلذلك قلنا: إن الأصل: عشرون من الدراهم، ثم حذف لما ذكرنا من طلب الخفة (٥).\nوقوله تعالى: ﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ﴾ أراد كل أناس منهم، فحذف للعلم (٦). والمشرب يجوز أن يكون مصدرا، ويجوز أن يكون موضعا (٧).\n_________\n(١) لم أجده عند أبي إسحاق، وبمعناه عند ابن سيده في \"المخصص\" ١٧/ ١٠١.\n(٢) في معاني القرآن: (ومعنى قول الناس: عندي عشرون درهمًا، معناه: عندي عشرون من الدراهم .. إلخ) ١/ ١١٣، ذكر الواحدي كلامه بمعناه.\n(٣) (عشرون) ساقط من (ب).\n(٤) في (ج): (عشرين).\n(٥) في (أ): (الحقه).\n(٦) انظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ٣٠٦.\n(٧) إما أن يكون نفس المشروب فيكون مصدرًا واقعًا موقع المفعول به، أو موضع الشرب. انظر: \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٧٦ ب، \"تفسير ابن عطية\" ١/ ٣١٣، \"البحر المحيط\" ١/ ٢٢٩، \"الدر المصون\" ١/ ٣٨٧.","vol":"2","page":577},{"text":"قال الفراء وأبو روق: كان في ذلك الحجر اثنتا عشرة حفرة، [فكانوا إذا نزلوا وضعوا الحجر وجاء كل سبط إلى حفرته] (١) فحفروا الجداول إلى أهلها، فذلك قوله: ﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ﴾ (٢).\nوقوله تعالى: ﴿كُلُوا﴾ أي وقلنا لهم: ﴿كُلُوا﴾ من المن والسلوى. ﴿وَاشْرَبُوا﴾ من الماء فهذا كله من رزق الله الذي يأتيكم بلا مشقة ولا مؤونة (٣). ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ﴾ (٤) القراء كلهم قرؤوه بفتح الثاء من عَثِيَ يَعْثَى عُثُوًّا، وهو أشد الفساد. وفيه لغتان أخريان: عَثَا يَعْثُو مثل سما يسمو، قال ذلك الأخفش وغيره (٥). وَعَاث يَعِيثُ، ولو قرئ بهذا (٦) لقيل (٧): ولا تَعِيثُوا، قال ذلك ابن الأنباري.\nوقال الفراء في كتاب \"المصادر\": قوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْثَوْا﴾ مصدره\n_________\n(١) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).\n(٢) انظر كلام الفراء في \"معاني القرآن\" ١/ ٤١، وكلام أبي روق فىِ \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٧٦ أ، وانظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ٣٠٧.\n(٣) الثعلبي١/ ٧٧ أ، وانظر \"تفسير الطبري\" ١/ ٣٠٨، و\"تفسير أبي الليث\" ١/ ٣٦٧، انظر \"تفسير ابن عطية\" ١/ ٣١٣.\n(٤) في (ب): ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾.\n(٥) الكلام بنصه في \"تهذيب اللغة\" (عثا) ٣/ ٢٣٢٥، وانظر \"معاني القرآن\" للأخفش ١/ ٢٧٢، والطبري ١/ ٣٠٨، \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ١١٣، \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٧٧ أ.\n(٦) أي على لغة (عاث يعيث). وفي \"تهذيب اللغة\" (.. وفيه لغتان أخريان لم يقرأ بواحدة منهما، عثا يعثو، مثل: سما يسمو، قال ذلك الأخفش وغيره، ولو جازت القراءة بهذه اللغة لقرئ (ولا تَعْثُوا) ولكن القراءة سنة، ولا يقرأ إلا بما قرأ به القراء. واللغة الثالثة عَاثَ يَعِيث) \"تهذيب اللغة\" (عثا) ٣/ ٢٣٢٥، وانظر \"تفسير الطبري\" ١/ ٣٠٨.\n(٧) في (ج): (القيل).","vol":"2","page":578},{"text":"عثًا مقصور، ومن قال عَثَوْتُ، قال: عُثُوًّا (١)، ومن قال: عَاث يَعِيث، قال في المصدر: عَيْثًا وعُيُوثًا ومَعاثًا وعَيثانًا (٢).\nقال ابن الرقاع (٣) في اللغة الثانية:\nلَوْلاَ الْحَيَاءُ وَأَنَّ رَأْسيَ قَدْ عَثَا ... فِيهِ الْمَشِيبُ لَزُرْتُ أَمَّ الْهَيْثَمِ (٤)\nوقال كثير في اللغة الثالثة:\nوَذِفْرَى كَكَاهِلِ ذِيخِ الْخَلِيفِ ... أَصاَبَ فَرِيقَةَ لَيْلٍ فَعَاثَا (٥)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-285>٦١ </span>- قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ﴾ قال\n_________\n(١) عند الطبري: (عَثَوْت أَعْثُو) ١/ ٣٠٨.\n(٢) في (ب): (عيثاثا). ذكر الطبري في \"تفسيره\" هذه المصادر ١/ ٣٠٨، وانظر: \"تهذيب اللغة\" (عثا)، و(عاث) ٣/ ٢٢٦٣، \"المحكم\" ٢/ ١٦٥، ٢٤٢، \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٧٧ أ، \"اللسان\" (عيث) ٥/ ٣١٨٤، و(عثا) ٥/ ٢٨١١.\n(٣) هو عدي بن الرقاع، من (عاملة) حي من قضاعة، كان شاعرًا مجيدًا مدح خلفاء بني أمية، انظر ترجمته في: \"طبقات فحول الشعراء\" للجمحي ٢/ ٦٩٩، \"الشعر والشعراء\" ٤١٠.\n(٤) يروى (أم القاسم) بدل (أم الهيثم) ورد البيت في \"الشعر والشعراء\" ٢/ ٤١١، \"غريب القرآن\" لابن قتيبة ص ٤١، \"الكامل\"، وفيه (عسا) بدل (عثا) فلا شاهد فيه، \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٧٧ أ، \"تهذيب اللغة\" (عثا) ٣/ ٢٣٢٦، و\"أمالي المرتضى\" ١/ ٥١١، \"اللسان\" (عثا) ٥/ ٢٨١١، \"زاد المسير\" ١/ ٨٧، \"البحر المحيط\" ١/ ٢١٩.\n(٥) (الذِّفْرَى): العظم الشاخص خلف الأذن، (الذِّيخ): ذكر الضباع، (الْخَليف). الطريق بين الجبلين، ويروى مكانه: (الرفيض): وهو قطعة من الجبل، (فريقة ليل): هي الغنم الضالة. ورد البيت في \"المعاني الكبير\" ١/ ٢١٤، \"تهذيب اللغة\" (عاث) ٣/ ٢٢٦٣، و(فرق) ٣/ ٢٧٧٨، و\"مجمل اللغة\" (فرق) ٣/ ٧١٨، \"مقاييس اللغة\" ٤/ ٤٩٤، \"اللسان\" (عيث) ٥/ ٣٧٨٤، و(خلف) ٢/ ١٢٤٢، و(فرق) ٦/ ٣٤٠٠، و\"شعر كثير\" ص ٢٥٠.","vol":"2","page":579},{"text":"سعيد بن المسيب: ملّوا عيشهم (١).\nوقال قتادة: ذكر القوم عيشًا كان لهم بمصر، فقالوا لموسى: ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ﴾ الآية (٢)، و(الطعام): اسم جامع لما يؤكل، وإنما قالوا: طعام واحد، وكان طعامهم المن والسلوى، لأنهم كانوا يأكلون المن (٣) بالسلوى فكان طعامًا واحدًا كالخبيص، لون واحد وإن اتخذ من أطعمة شتى (٤).\nقال ابن زيد: كان (٥) طعامهم المن، وشرابهم السلوى، فكانوا يجمعون بينهما فيأكلونه طعاما واحدا (٦).\nوقال أصحاب المعاني: لما كان غذاؤهم في كل يوم لا يتغير، قيل: طعام واحد، كما يقال لمن يدوم على الصوم والصلاة: هو على أمر واحد، لملازمته لذلك لا يتغير عنه (٧).\n_________\n(١) لم أجده عن سعيد فيما اطلعت عليه، وأخرج الطبري نحوه عن قتادة \"تفسير الطبري\" ١/ ٣٠٩، \"تفسير ابن أبي حاتم\" ١/ ٣٨١.\n(٢) أخرجه الطبري ١/ ٣٠٩، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ١/ ٣٨١، وذكره السيوطي في \"الدر\" وعزاه إلى عبد بن حميد وابن جرير ١/ ٢٨٩.\n(٣) في (ب): (والسلوى).\n(٤) انظر: \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٧٧ أ، \"تفسير ابن عطية\" ١/ ٣١٤، و\"البغوي\" ١/ ٧٨، \"زاد المسير\" ١/ ٨٨، \"القرطبي\" ١/ ٣٦٠، \"البحر المحيط\" ١/ ٢٣٢.\n(٥) (كان) ساقط من (ب).\n(٦) أخرجه ابن جرير ١/ ٣١٠، وذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ٧٧ أ، والبغوي في \"تفسيره\" ١/ ٧٨، وأبو حيان في \"البحر\" ١/ ٢٣٢. والقول بأن السلوى شراب يخالف ما عليه جمهور المفسرين.\n(٧) انظر: \"تفسير ابن عطية\" ١/ ٣١٤، \"الكشاف\" ١/ ٢٨٤، \"تفسير الرازي\" ٣/ ٩٩، \"القرطبي\" ١/ ٣٦٠، \"ابن كثير\" ١/ ١٠٧، \"البحر المحيط\" ١/ ٢٣٢.","vol":"2","page":580},{"text":"وقوله تعالى: ﴿فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ﴾ معنى الدعاء: الطلب (١) ممن يملك النفع والضر. وقال ابن السراج: أصله النداء وإنما قال للمسألة: دعاء؛ لأن السائل يقول: يا رب، فينادي ربه ﷿ (٢).\nوجاء الدعاء بلفظ الماضي تفاؤلا (٣) بأن (٤) ذلك قد كان، كقولك: أحسن الله جزاءه (٥).\nوقوله تعالى: ﴿يُخْرِجْ لَنَا﴾ المعنى سَلْه وقل له: أَخرِجْ (٦) يُخْرِجْ، وكذلك قوله: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الإسراء: ٥٣]، المعنى لهم: قولوا (٧) التي هي أحسن يقولوا. ومثله: ﴿قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا (٨) يُقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [إبراهيم: ٣١]، أي قل لهم: أقيموا يقيموا، فجعل هذه كلها بمنزلة جواب الأمر، لأن قبله: ادع وقل (٩).\nوقوله تعالى: ﴿مِنْ بَقْلِهَا﴾ البقل: كل نبات لا يبقى له ساق إذا رعته\n_________\n(١) (الطلب) ساقط من (ب).\n(٢) انظر: \"تهذيب اللغة\" (دعاء) ١/ ١١٨٨، \"اللسان\" (دعا) ٣/ ١٣٨٥.\n(٣) في (ب): (مقالا) وفي (ج): (نقالا).\n(٤) في (ج): (باذن).\n(٥) في (ج): (جزاء).\n(٦) في (أ)، (ج): (ويخرج) زيادة (واو) والأصوب حذفها كما في (ب)، ومثله في \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ١١٣.\n(٧) في (ج): (يقولوا).\n(٨) (الذين آمنوا) سقط من (أ)، (ج).\n(٩) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ١١٤، وقوله (يخرج) مجزوم. قال بعضهم: بما تضمنه الأمر من معنى الجزاء، وقيل: بنفس الأمر، وقيل مجزوم بلام الطلب المضمره أي: ليخرج. انظر: \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ١٨٠، \"تفسير ابن عطية\" ١/ ٣١٤، \"تفسير القرطبي\" ١/ ٣٦١، \"البحر المحيط\" ١/ ٢٣٢.","vol":"2","page":581},{"text":"الماشية (١).\nوأما (الفوم): فقد اختلف أهل اللغة فيه، فقال الفراء: الفوم فيما يذكرون لغة قديمة، وهي الحنطة والخبز جميعا قد ذكرا، قال: وقال بعضهم: سمحت العرب من أهل اللغة يقولون: فَوَّموا لنا بالتشديد يريدون: اختبزوا.\nوقال أُحَيْحَة بن الجُلاح (٢):\nقَدْ كُنْتُ أَحْسِبُنِي كَأَغْنَى وَاحِدٍ ... قَدِمَ (٣) الْمَدِينَةَ فِي زِرَاعَةِ فُومِ (٤)\nقال الفراء: وهي في قراءة عبد الله: (وثومها) بالثاء، وكأنه أشبه المعنيين بالصواب؛ لأنه مع ما (٥) يشاكله من العدس والبصل، والعرب تبدل الفاء ثاء فيقول: جدث وجدف، ووقع في عَاثُورشَرًّ وعَافُورشَرًّ والْمَغَافِير (٦) والْمَغَاثِير (٧).\n_________\n(١) ذكر الأزهري عن الليث (بقل) ٩/ ١٧١، وقال ابن عطية: البقل كل ما تنبته الأرض من النجم ١/ ٣١٥، وانظر: \"تفسير القرطبي\" ١/ ٣٦١.\n(٢) في (ب): (الحلاج). هو أُحَيْحَة بن الجلاح بن الحُرَيْش بن الأوس، كان سيد الأوس في الجاهلية وكان شاعرا. انظر: \"الاشتقاق\" لابن دريد ص ٤٤١، \"الخزانة\" ٣/ ٣٥٧.\n(٣) في (ج): (قد قدم).\n(٤) نسب البيت بعضهم إلى أبي محجن الثقفي، والبيت برواية الثعلبي والطبري:\nقَدْ كُنْتُ أَغْنَى النَّاسِ شَخْصًا واحدًا ... وَرَدَ الْمَدِينَةَ عَنْ زِرَاعَةِ فُومِ\nانظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ٣١١، \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٧٧ أ، \"تفسير ابن عطية\" ١/ ٣١٥، و\"الهمع\" ٢/ ٢٤٠، \"اللسان\" (فوم) ٦/ ٣٤٩١، \"تفسير القرطبي\" ١/ ٣٦٢، \"تفسير ابن كثير\" ١/ ١٠٨، \"البحر المحيط\" ١/ ٢١٩، \"فتح القدير\" ١/ ١٤٤.\n(٥) (ما) ساقط من (ب).\n(٦) المغافير شيء حلو يشبه العسل. انظر: \"اللسان\" (غفر) ٦/ ٣٢٧٦.\n(٧) انتهى كلام الفراء، ولم يرد عنده بيت ابن الْجُلَّاح، معاني القرآن ١/ ٤١، وانظر =","vol":"2","page":582},{"text":"فذكر الفراء قولين في الفوم، واختار الثاني، وهو أنه بمعنى الثوم (١) الذي يذكر مع البصل، وهذا القول أيضا اختيار الكسائي (٢).\nوقال الزجاج: الفوم: الحنطة، ويقال: الحبوب، لا اختلاف بين أهل اللغة أن الفوم: الحنطة. قال: وسائر الحبوب التي تختبز يلحقها اسم الفوم. قال: ومن قال: الفوم هاهنا: الثوم (٣) فإن هذا لا يعرف، ومحال أن يطلب القوم طعاما لا بر فيه، وهو أصل الغذاء (٤).\nوقال اللحياني: هو الفوم والثوم (٥)، للحنطة (٦).\n[الأزهري: وقراءة ابن مسعود إن صح بالثاء، فمعنى الفوم وهو الحنطة.] (٧).\nوقال ابن دريد: أزد السراة يسمون السنبل فُومًا (٨). وهذا القول اختيار\n_________\n= \"تفسير الطبري\" ١٠/ ٣١٢، وقد نقل كلام الفراء، ولم يعزه له، انظر \"تفسير ابن عطية\" ١/ ٣١٥، \"تفسير ابن كثير\" ١/ ١٠٧.\n(١) قال ابن قتيبة: وهذا أعجب الأقاويل إليّ. \"تفسير غريب القرآن\" ص ١/ ٤٤.\n(٢) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ٧٧ أ، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ١/ ٨٩.\n(٣) وهذا اختيار الفراء والكسائي كما سبق.\n(٤) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ١١٥، والنص من \"تهذيب اللغة\" (فام) ٣/ ٢٧٢٧، وذكره الطبري في \"تفسيره\" عن بعض السلف ٣١٠٨، وانظر: \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٧٧ أ، \"تفسير ابن عطية\" ١/ ٣١٥، \"زاد المسير\" ١/ ٨٨.\n(٥) في (ب): (الفوم).\n(٦) في (ب): (الحنطة). كلام اللحياني في \"تهذيب اللغة\" (فام) ٣/ ٢٧٢.\n(٧) ما بين المعقوفين ساقط من (ب). ونص كلام الأزهري في \"تهذيب اللغة\": وإن كان يقرأ ابن مسعود بالثاء فمعناه: الفوم، وهو الحنطة \"التهذيب\" (فام) ١/ ٢٧٢٧.\n(٨) \"جمهرة أمثال العرب\" ٣/ ١٦٠، وانظر: \"مجاز القرآن\" ١/ ٤١، وفى \"اللسان\" (أزد الشراة) (فوم) ٦٠/ ٣٤٩١.","vol":"2","page":583},{"text":"المبرد. ومفعول (يخرج) محذوف من الكلام، تقديره: يخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها شيئا (١).\nومثله مما حذف (٢) منه المفعول قوله: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ﴾ [إبراهيم: ٣٧]، أي: ناسًا أو فريقًا.\nوقوله تعالى: ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى﴾ [البقرة: ٦١] يحتمل أن يكون ﴿أَدْنَى﴾ أفعل من الدنو، ومعناه: أتستبدلون الذي هو أقرب وأسهل متناولا، يشارككم في وجدانه (٣) كل أحد بالرفيع الجليل الذي خصكم الله وبين الأثرة لكم به على جميع الناس (٤). ويجوز أن يكون معنى الدنو في قرب القيمة (٥)، يقول: أتستبدلون الذي هو أقرب في القيمة (٦)، أي أقل قيمة، أو أدنى في الطعم واللذة، أي أقل لذة وأبشع طعما بالذي هو خير في الطعم واللذة والقيمة (٧). ويجوز أن يكون أفعل من الدناءة، وترك همزه؛ لأن\n_________\n(١) أي أن مفعول يخرج محذوف، تقديره: (شيئا) وهذا قول الطبري في \"تفسيره\" ١/ ٣١٠، والنحاس في \"إعراب القرآن\" ١/ ١٨٠، وغيرهما. وذهب الأخفش ومكي إلى أن (من) زائدة، والمفعول (ما) انظر \"معاني القرآن\" للأخفش ١/ ٢٨٢، و\"المشكل\" ١/ ٤٩، وقولهما مردود عند كثير من المفسرين؛ لأنه يخالف مذهب سيبويه. أن (من) لا تزاد في الموجب، أي المثبت. انظر: \"الكتاب\"١/ ٣٨، \"تفسير ابن عطية\" ١/ ٣١٦، و\"البيان\" ١/ ٨٥، ٨٦، \"البحر المحيط\" ١/ ٢٣٢.\n(٢) في (ب): (ومنه مما يحذف).\n(٣) في (ب): (وجدنه).\n(٤) انظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ٣١٢، \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ١١٥، \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ١٨١.\n(٥) و(٦) في (ب): (القيامة).\n(٧) وهذا القول راجع لمعنى القول السابق فجمع بين المعنيين الزجاج حيث قال: فمعناه أقرب وأقل قيمة ١/ ١١٥. والخلاصة في معنى (أدنى) قولان: أحدهما: =","vol":"2","page":584},{"text":"العرب تقول: إنه لَدَنيٌّ يُدَنّي في الأمور، غير مهموز، أي: يتتبع خسيسها وأصاغرها، على أنه قد حكى الفراء (١) عن زهير الفرقبي (٢) أنه يقرأ (أدنأ) بالهمز (٣)، وهذا قول الفراء: إن معنى أدنى من الدناءة (٤).\nوالأول (٥) اختيار الزجاج (٦).\nوقال بعض النحويين: (أدنى) هاهنا بمعنى أدون، أي: أوضع وأخس، فقدمت النون وحولت الواو ألفا (٧)، وهذا خطأ، فقد أجمعوا على\n_________\n= أنه من الدنو بغير همز، وهذا الدنو يدخل فيه عدة معان، فهو دنو في القيمة، واللذة، والكلفة، والحل، وامتثال الأمر، وغير ذلك مما ذكره المفسرون. انظر \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ١٨١، \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٧٧ ب، \"تفسير ابن عطية\" ١/ ٣١٦ \"الكشاف\" ١/ ٢٨٥، \"البحر المحيط\" ١/ ٢٣٤، والقول الثاني: أنه من الدناءة بالهمزة، وهو ما سيأتي ذكره.\n(١) \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٤٢، والكلام قبله كله عن الفراء وذكره الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٣١٢، ولم يعزه له، وانظر: \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٧٧ ب، \"الكشاف\" ١/ ٢٨٥، \"البحر\" ١/ ٢٣٣.\n(٢) في (ب): (الفريقي). زهير الفرقبي أحد القراء، نحوي، ويعرف بالكسائي، له اختيار في القراءة يروى عنه، عاش في زمن عاصم. انظر: \"غاية النهاية\" ١/ ٢٩٥.\n(٣) في (ب): (بالهمزة). وهذه القراءة من الشواذ.\n(٤) \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٤٢، وهو قول الطبري في \"تفسيره\" ١/ ٣١٢، وذكره الزجاج في \"المعاني\" ١/ ١١٥، وذكره النحاس واختار غيره ١/ ١٨١، انظر \"تفسير ابن عطية\" ١/ ٣١٦، \"تفسير القرطبي\" ١/ ٣٦٤، \"البحر المحيط\" ١/ ٢٣٤.\n(٥) (الواو) ساقطة من (ب).\n(٦) اختيار الزجاج: أن (أدنى) غير مهموز بمعنى الذي هو أقرب وأقل قيمة. \"المعاني\" ١/ ١١٥.\n(٧) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ٧٧ ب، وانظر: \"المشكل\" لمكي ١/ ٥٠، \"تفسير ابن عطية\" ١/ ٢٣٧، و\"البيان\" ١/ ٨٦، و\"الإملاء\" ص ٣٩، \"تفسير القرطبي\" =","vol":"2","page":585},{"text":"أنه لا يشتق فعل (١) من دون إذا كان بمعنى أخس كقولهم: فلان دونك في الشرف.\nقوله تعالى: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا﴾ جائز أن يكون هذا من كلام موسى لهم (٢)، وجائز أن يكون من قول الله تعالى لهم، ويكون في الآية إضمار كأنه قال: فدعا موسى فاستجبنا له، وقلنا لهم: اهبطوا مصرا أمن الأمصار، فإن الذي سألتم لا يكون إلا في القرى والأمصار، ولهذا نون مصر، (٣) لأنه لم يرد بلدة بعينها (٤)، وجائز أن يكون أراد مصر بعينها، وصرفها لخفتها وقلة حروفها (٥).\nقال الزجاج: صرف؛ لأنه مذكر سمي به مذكر (٦)، فهو مثل جُمْل\n_________\n= ١/ ٣٦٤، \"البحر المحيط\" ١/ ٢٣٤، \"الدر المصون\" ١/ ٣٩٥، و\"الفتوحات الإلهية\" ١/ ٦٠. وقوله: (وحولت الواو ألفًا) أي لما تحركت الواو وانفتح ما قبلها قلبت ألفا.\n(١) (فعل) هكذا في جميع النسخ، ولعلها (أفعل) قال أبو البركات ابن الأنباري: (ولا يجوز أن يكون (أدنى) أفعل من الدناءة؛ لأن ذلك يوجب أن يكون مهموزًا) \"البيان\" ١/ ٨٧.\n(٢) انظر: \"تفسير البيضاوي\" ١/ ٢٧، و\"الخازن\" ١/ ١٣٣.\n(٣) ما بين المعقوفين ساقط من (ب) والنص فيها: (.. اهبطوا مصرًا أي انزلوا مصرا لأنه لم يرد ..).\n(٤) انظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ٣١٤ - ٣١٥، \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٤٣، وللأخفش ١/ ٢٧٣، وللزجاج ١/ ١١٥، \"تفسير أبي الليث\" ١/ ٣٦٩، \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٧٧ ب، \"تفسير ابن عطية\" ١/ ٢٣٨، \"البحر المحيط\" ١/ ٢٣٤.\n(٥) انظر المراجع السابقة.\n(٦) قوله: (سمى به مذكر) ساقط من (ب). وبهذا انتهى ما نقله عن الزجاج. \"معاني القرآن\" ١/ ١١٦.","vol":"2","page":586},{"text":"ودَعْد وهند في جواز إجرائها (١).\nوالفراء يختار ترك الإجراء، ويفرق بين هذا وبين أسماء النساء، قال: إنها (٢) إذا خفت وكانت على (٣) ثلاثة أحرف، أوسطها ساكن، انصرفت، لأنها تكثر بها التسمية فتخف لكثرتها، واسم البلد لا يكاد يكثر. فاجعل (٤) الألف التي في مصرا ألفا يوقف عليها، فإذا وصلت لم تنون كما كتبوا: سلاسلا (٥) وقواريرا (٦) بالألف، وأكثر القراء على ترك الإجراء فيها (٧).\nويختار قراءة من قرأ مصر بغير تنوين (٨)، وهي قرآءة مهجورة (٩)،\n_________\n(١) الإجراء: هو الصرف في اصطلاح الكوفيين، فالجاري: المنصرف، وغير الجاري: الممنوع من الصرف. وقوله: (جُمّل ودعد وهند) صرفت لأنها على ثلاثة أحرف أوسطها ساكن. فصرفت لخفتها وإلا فهي مؤنثة. انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٤٢، و\"البيان\" ١/ ٨٧.\n(٢) أي: أسماء النساء، كما هي عبارة الفراء في \"المعاني\" ١/ ٤٢.\n(٣) (على) ساقط من (ج).\n(٤) في المعاني للفراء: (.. فإن شئت جعلت الألف التي في (مصرا) ألفًا يوقف عليها ...) وإن شئت جعلت (مصر) غير المصر التي تعرف ..) ١/ ٤٣.\n(٥) من (ب)، وفي غيرها: (سلاسل)، آية: ٤ من سورة الإنسان.\n(٦) في (أ): (قرارير)، آية: ١٥، ١٦ من سورة الإنسان.\n(٧) في المعاني: (فيهما) أي: (سلاسلا) و(قواريرا). أما (سلاسلا) فقرأ نافع والكسائي وأبو بكر وهشام ورويس في رواية بالتنوين، ووقفوا بالألف عوضا منها، والباقون بغير تنوين. وأما (قواريرا) فقرأ نافع والكسائي وأبو بكر، بالتنوين ووقفوا عليها بالألف في الموضعين، ووافقهم ابن كثير في الأول، والباقون بغير تنوين مع إختلاف في الوقف. انظر \"التيسير\" ص ٢١٧، انظر \"النشر\" ٤/ ٣٩٥.\n(٨) حيث قال: (والوجه الأول أحب إليّ) لأنها في قراءة عبد الله اهبطوا مصر (بغير ألف ..) \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٢٣٤.\n(٩) قال الطبري: ولم يقرأ بترك التنوين فيه وإسقاط الألف منه، إلا من لا يجوز =","vol":"2","page":587},{"text":"والوجه ما ذكرنا قبل، أنه صرف لخفته (١).\nوقال الكسائي: العرب الفصحاء (٢) لا يبالون أن يجروا مالا يجري، ولا يرون به بأسا، ولولا أن ذلك مستقيم لهم ما جاز لهم أن يجروه في الشعر، فلا تهابن أن تجري شيئا مما لا يجري أبدا، إلا قولهم: أَفْعَلَ منك فإنه مما لم أسمع العرب تجريه في شعر ولا في (٣) غيره.\nوالمصر في اللغة: الحاجز بين الشيئين (٤).\nقال عدي بن زيد (٥):\nوَجَعَلَ الشَمْسَ مِصْرًا لاَخَفَاءَ بِهِ ... بَيْنَ النَّهَارِ وَبَيْنَ اللَّيْل قَدْ فَصَلاَ (٦)\n_________\n= الاعتراض به على \"الحجة\" ٢/ ١٣٦، والقراءة بغير تنوين قراءة الحسن، وطلحة، والأعمش، وأبان بن تغلب، وهي كذلك في مصحف أبي، وعبد الله، وبعض مصاحف عثمان، انظر \"تفسير ابن عطية\" ١/ ٣١٨ - ٣١٩، \"تفسير القرطبي\" ١/ ٣٦٥، \"البحر المحيط\" ١/ ٢٣٤.\n(١) قال النحاس: وهذا خطأ على قول الخليل وسيبويه والفراء، \"إعراب القرآن\" ١/ ١٨٢، وكذا رده أبو حيان. انظر: \"البحر المحيط\" ١/ ٢٣٥، وقد ذكر ابن جرير الطبري الحجج لمن رأى أن المراد مصر من الأمصار، ولمن قال: إنها مصر المعروفة، وتوقف في ترجيح قول على الآخر، ١/ ٣١٤. أما ابن كثير فرجح أن المراد مصر من الأمصار، ١/ ١٠٩، وانظر: \"البحر المحيط\" ١/ ٢٣٥.\n(٢) بياض في (ب).\n(٣) (في) ساقط من (ب). وكلام الكسائي أورده النحاس في \"إعراب القرآن\" ١/ ١٨٢.\n(٤) ذكر الأزهري عن الليث. \"تهذيب اللغة\" (مصر) ٤/ ٣٤٠٦، وانظر: \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٧٨ أ، \"تفسير القرطبي\" ١/ ٣٦٦.\n(٥) نسبه بعضهم لأمية بن أبي الصلت، وبعضهم لعدى.\n(٦) يروي البيت (جاعل) ورد في \"تهذيب اللغة\" (مصر) ٤/ ٣٤٠٦، \"الصحاح\" (مصر) ٢/ ٨١٧، \"المخصص\" ١٣/ ١٦٤، \"اللسان\" (مصر) ٧/ ٥/ ٤٢، \"تفسير الثعلبي\" =","vol":"2","page":588},{"text":"أي: حدًّا، ومُصُور الدار: حدودها، فالمصر: القطعة التي بانت بعمارتها عما سواها وانتهت إليه البرية (١).\nوقوله تعالى: ﴿وضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ﴾ أي: ألزموها إلزامًا لا تبرح عنهم، يقال: ضرب عليه (٢) كذا، إذا ألزمه، وأصله من ضرب الشيء على الشيء، كما يضرب المسمار على الشيء فيلزمه، فيقال (٣) لكل من ألزم شيئا: ضرب عليه، يقال: ضرب فلان على عبده ضريبة، وضرب السلطان على التجار (٤) ضريبة أي ألزمهم (٥).\nويقال للشيء الدائم: ضربة لازم ولازب (٦).\nومنه قول النابغة:\nو(٧) لاَ يَحْسِبُون الشَّرَّ ضَرْبَةَ لاَزَبِ (٨)\nوالذلة: الذل.\n_________\n= ١/ ٧٨ أ، \"مفردات الراغب\" ص ٤٦٩، \"زاد المسير\" ١/ ٨٩، \"تفسير القرطبي\"، \"البحر المحيط\" ١/ ٢٢٠، \"الدر المصون\" ١/ ٣٩٦.\n(١) (البرية) ساقط من (أ)، (ج). انظر: \"تهذيب اللغة\" (مصر) ٤/ ٣٤٠٥ - ٣٤٠٦، \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٧٨ أ، \"القرطبي\" ١/ ٣٦٦، \"اللسان\" (مصر) ٧/ ٤٢١٥.\n(٢) في (ب): (عليهم).\n(٣) في (ب): (أن يقال).\n(٤) في (ب): (التجارة).\n(٥) انظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ٣١٥، \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٧٨ أ، \"تفسير ابن عطية\" ١/ ٣١٩، \"تفسير القرطبى\" ١/ ٣٦٦.\n(٦) قال ابن الأنباري: ما هذا بضربة لازب، أي ما هو بضربة سيف لازب، واللازب: اللازم. انظر: \"الزاهر\" ١/ ٦٠٩، \"تهذيب اللغة\" (لزب) ٤/ ٣٢٥٨، \"اللسان\" (لزب) ٧/ ٤٠٢٥ - ٤٠٢٦.\n(٧) (الواو) ساقطة من (ب).\n(٨) شطره الأول: =","vol":"2","page":589},{"text":"أبو عبيد عن الكسائي: فرس ذلول بيّن (١) الذِّلّ، وهو ضد الصعوبة، ورجل ذليل بيّن الذِّلّة والذُّلّ (٢).\nوالمسكنة مفعلة من السكون، قال الليث: المسكنة مصدر فِعْل المِسْكين، وإذا اشتقوا منه فعلا قالوا: تَمَسْكَن إذا صار مِسْكِينًا (٣).\nقال ابن الأنباري: المسكنة الأمور التي تسكن صاحبها وتمنعه من الحركة ومن هذا أخذ المسكين، توهمًا أن الميم من أصل الكلمة، كما قالوا: تمكن من المكان، وهو مفعل من الكون، ويقال: تسكن الرجل وتمسكن إذا ظهرت (٤) عليه أمور المساكين وتشبه بهم. كما يقال: تدرع وتمدرع، إذا لبس المدرعة (٥).\nفأما معنى الآية، فإن جماعة من المفسرين قالوا: في هذا ما دل على أن قوله: ﴿وضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ﴾ (٦) إخبار عمن كانوا (٧) في عصر موسى. وبعضهم قال: ما يدل على أن ضرب الذلة حصل على من كان في عهد النبي - ﷺ -.\n_________\n= وَلاَ يَحْسِبُونَ الْخَيْرَ لاَ شَرَّ بَعْدَهُ\nورد البيت في \"الزاهر\" ١/ ٦٠٩، \"تهذيب اللغة\" (لزب) ٧/ ٤٠٢٦، \"المخصص\" ١٢/ ٦٨، \"مقاييس اللغة\" (لزب) ٥/ ٢٤٥، \"اللسان\" (لزب) ٧/ ٤٠٢٦، و\"ديوان النابغة الذيباني\" ص ٣٣.\n(١) في \"تهذيب اللغة\" (من) وليس فيه قوله: (وهو ضد الصعوبة).\n(٢) \"تهذيب اللغة\" (ذل) ٢/ ١٢٩٠، وانظر: \"اللسان\" (ذلل) ٣/ ١٥١٣ - ١٥١٤.\n(٣) \"تهذيب اللغة\" (سكن) ٢/ ١٧٢٤ - ١٧٢٥، وانظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ٣١٥، \"اللسان\" (سكن) ٢٠٥٤ - ٢٠٥٧.\n(٤) في (ب): (ظهر).\n(٥) انظر: \"الزاهر\" ١/ ٢٢٤، و\"تهذيب اللغة\" (سكن) ٢/ ١٧٢٣ - ١٧٢٥، و\"الصحاح\" (سكن) ٥/ ٢١٣٧، و\"اللسان\" (سكن) ٤/ ٢٠٥٤ - ٢٠٥٧.\n(٦) في (ج): (والمسكنة).\n(٧) في (ب): (كان).","vol":"2","page":590},{"text":"قال كثير من المفسرين: ضربت عليهم يومئذ الذلة والمسكنة، وهو أثر البؤس وزي الفقر، وذلك لعلم الله فيهم أنهم سيقتلون النبيين ويفعلون ويفعلون، ثم أعقابهم يتوارثون ذلك الذل والمسكنة، وهذا قول الكلبي (١). وإلى هذا القول مال ابن الأنباري، لأنه قال: قوله: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ﴾ (٢) منسوق على محذوف، دل الكلام عليه، وتلخيصه: اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم، فهبطوا فعثوا وأفسدوا، وضربت عليهم الذلة، فلما عرف معنى المراد حذف، وجرى مجرى الظاهر في حسن العطف عليه وقال الحسن وقتادة: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ﴾ يعطون الجزية عن يد وهم صاغرون (٣).\nوقال عطاء بن السائب (٤): هو [الْكُسْتِيج] (٥) وزي اليهودية، والمسكنة\n_________\n(١) ذكر أبو الليث عن الكلبي: يعني الرجل من اليهود وإن كان غنيا، يكون عليه زي الفقراء. \"تفسير أبي الليث\" ١/ ٣٧٠، وانظر: \"تفسير الرازي\" ٣/ ١٠٢، \"البحر المحيط\" ١/ ٢٣٦.\nوالكلبي هو محمد بن السائب، ضعفوه، واتهمه بعضهم بالكذب، توفي سنة ست وأربعين ومائة، انظر: \"تهذيب التهذيب\" ٣/ ٥٦٩، \"طبقات المفسرين\" للداودي ٢/ ١٤٩.\n(٢) في (ج): (والمسكنة).\n(٣) ذكره الطبري بسنده عنهما ١/ ٣١٥، وكذا \"تفسير ابن أبي حاتم\" ١/ ٣٨٥، وانظر: \"تفسير أبي الليث\" ١/ ٣٦٩، \"تفسير ابن عطية\" ١/ ٣١٩، \"تفسير القرطبي\" ١/ ٣٦٦، \"تفسير ابن كثير\" ١/ ١٠٩.\n(٤) هو الإمام الحافظ، أبو السائب، كان من كبار العلماء، ولكنه ساء حفظه قليلًا آخر عمره، مات سنة ثلاثين مائة \"طبقات ابن سعد\" ٦/ ٣٣٨، و\"طبقات خليفة\" ص ١٦٤، \"سير أعلام النبلاء\" ٦/ ١١٠.\n(٥) في (أ)، (ج): (الكستينح) وفي (ب): (الكستينج)، وما أثبته هو الصواب وهو الوارد عند الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ١١٨، والبغوي ١/ ٧٨، وفي غيرهما. =","vol":"2","page":591},{"text":"زي الفقر، فترى المثري منهم يتبأس مخافة أن يضاعف عليه الجزية (١). وهذا يدل على أن هذا الضرب وهذا الأثر حصل على المتأخرين منهم، لأنهم قبل الإسلام لم يعطوا الجزية ولم يوسموا (٢) بالغيار (٣).\nفإن قيل: نحن نرى اليهودي يملك المال الواسع، والفاخر من الثياب، والرفيع من العقار، ومن ملك بعض هذا لم يكن مسكينا. قيل: الذلة الجزية، والمسكنة فقر القلب والنفس، وغير ظاهر آثارهما، ولا يوجد يهودي غني النفس (٤). ويجوز أن يكون هذا من العموم الذي أريد به الخصوص.\nوقوله تعالى: ﴿وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ أي: رجعوا (٥) في قول الفراء (٦).\n_________\n= قال في \"القاموس\": الْكُسْتِيج بالضم: خيط غليظ يشده الذميّ فوق ثيابه دون الزنار، مُعَرَّبُ: كُسْتِي. القاموس ص ١٣٢٨.\n(١) ذكره الثعلبي١/ ٧٨ أ، والبغوي ١/ ٧٨، وانظر: \"البحر المحيط\" ١/ ٢٣٦.\n(٢) في (ب): (يرسموا).\n(٣) ذكره الرازي ٢/ ١٠٢، وقال أبو حيان: المضروب عليهم الذلة والمسكنة اليهود المعاصرون لرسول الله - ﷺ - قاله الجمهور، \"البحر\" ١/ ٢٣٦. وقيل: لا يلزم هذا فإنهم أذلوا قبل المسلمين، فقد ذكر ابن كثير عن الحسن قال: أذلهم الله فلا منعة لهم وجعلهم تحت أقدام المسلمين، ولقد أدركتهم هذه الأمة وإن المجوس لتجبيهم الجزية. انظر: \"تفسير ابن كثير\" ١/ ١٠٩.\n(٤) انظر: \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٧٨ أ، \"تفسير البغوي\" ١/ ٧٨/، \"تفسير ابن عطية\" ١/ ٣١٩، \"تفسير القرطبي\" ١/ ٣٦٦، \"البحر المحيط\" ١/ ٢٣٦.\n(٥) في (ب): (ارجعوا).\n(٦) لم أجده للفراء، وبه قال الأخفش في \"معاني القرآن\" ١/ ٩٧٣، وابن قتيبة في \"الغريب\" ص ٥١ وهو قول الكسائي كما سيأتي.","vol":"2","page":592},{"text":"وقال الكسائي: انصرفوا به (١)، ولا يكون أبدا باؤوا إلا بشيء إما بخير وإما بشر، يقال: بَاءَ يَبُوءُ بَوْءًا [وَبَوَاءً] (٢) ولا يكون باء بمعنى مطلق الانصراف (٣).\nقال ابن الأنباري: وجاء في الحديث: \"باء طلحة بالجنة\" (٤) أي: انصرف بها. وقال أبو عبيدة: باؤوا بغضب: احتملوه (٥)، ونحو ذلك قال الزجاج في قوله: ﴿فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ﴾ [البقرة: ٩٠]. قال: باؤوا في اللغة: احتملوا، يقال: قد بؤت بهذا الذنب أي: احتملته (٦). ومنه قوله. ﴿أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ﴾ [المائدة: ٢٩].\n_________\n(١) في تفسير الثعلبي: (رجعوا في قول الكسائي وغيره) ١/ ٧٨ أ، ونحوه في الماوردي ١/ ٣٤٦، وكذا في البحر ١/ ٢٢٠. قال النحاس في \"شرح القصائد المشهورات\": (والكسائي يذهب إلى أن (بؤت) من باء يبوء إذا رجع) ص١٧٠.\n(٢) في (أ)، (ج): (بووا وبَوْا) وفي (ب): (بَاء يبؤا بوءا وبؤا) وفي \"معاني القرآن\" للفراء (بَاء بإثم يَبُوءُ بَوْءًا) ١/ ٦٠، وفي الطبري: (بَاءَ فلان بذنبه يَبُوءُ به بَوْأً وَبَواءً) ١/ ٣١٦، ونحو ذلك في \"معاني القرآن\" للأخفش ١/ ٢٧٣، \"تهذيب اللغة\" (باء) ١/ ٢٤٦ - ٢٤٨.\n(٣) انظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ٣٠٦.\n(٤) لم أجده بهذا اللفظ، وفي \"مسند أحمد\" وغيره: (عن الزبير قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول يومئذٍ \"أوجب طلحة\"، حين صنع برسول الله - ﷺ - ما صنع .. الحديث)، قال أحمد شاكر: إسناده صحيح، وقال: الحديث في \"سيرة ابن هشام\" عن ابن إسحاق، ورواه ابن سعد مختصرًا، والترمذي مطولًا. \"مسند أحمد بتحقيق أحمد شاكر\" ٣/ ١٤١٧. وانظر: \"الترمذي مع عارضة الأحوذي\" ١٣/ ١٧٨، وانظر: \"سيرة ابن هشام\" ٣/ ٣٥، \"طبقات ابن سعد\" ٣/ ٢١٨.\n(٥) \"مجاز القرآن\" ١/ ٤٢.\n(٦) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ١٤٨.","vol":"2","page":593},{"text":"واختلف أصحاب الاشتقاق في أصل هذا الحرف:\nفمذهب أبي العباس أنه من الباءة والمباءة، وهو منزل القوم حيث (١) يتبوؤون (٢).\nفمعنى باء بالذنب: أي نزل منزلة المذنبين، وباؤوا بغضب أي نزلوا منزلة من يلحقهم الغضب، ومن هذا يقال: أبأت فلانًا بفلان، إذا قبلته به، كأنك جعلته (٣) في منزلته وفي محله، وفلان بواء بفلان من هذا، والكلام يتصرف فيقع بعضه محمولا على بعض، هذا هو الأصل، ثم يفسر: باء بالشيء إذا احتمله ورجع به وانصرف به، وأقرّ به. وهذه كلها معان ترجع إلى أصل واحد، وهو الحلول في ذلك المحل (٤).\nقال الفرزدق لمعاوية:\nفَلَو كَانَ هَذَا الْأَمْرُ فِي جَاهِليَّةٍ ... لَبُؤْتَ بِهِ أَوغَصَّ بِالْمَاءِ شَارِبُه (٥)\n_________\n(١) في (ج): (حين).\n(٢) ذكر الأزهري عن الليث نحوه، وكذا عن الأصمعي وأبي زيد وغيرهم، \"تهذيب اللغة\" (باء) ١/ ٢٤٦ - ٢٤٨.\nوذكر الماوردي عن أبي العباس المبرد: أن أصل ذلك المنزلة. ومعناه: أنهم نزلوا منزلة غضب من الله. \"تفسير الماوردي\" ١/ ٣٤٤ انظر: \"الصحاح\" (بوأ) ١/ ٣٧، \"اللسان\" (بوأ) ١/ ٣٨٠ - ٣٨٢.\n(٣) في (ج): (وجعلته).\n(٤) ذكر ابن فارس في \"مقاييس اللغة\": أن (بَوَأ) الباء والواو والهمزة أصلان: أحدهما: الرجوع إلى الشيء، والثاني: تساوي الشيئين ١/ ٣١٢. وانظر. \"تفسير الطبري\" ١/ ٣١٦، \"الماوردي\" ١/ ٣٤٤، \"تهذيب اللغة\" (باء) ١٥/ ٥٩٤ - ٥٩٦.\n(٥) يروي هذا البيت بروايات مختلفة منها (شَنِئْتَ) بدل (لبؤت) وعليها فلا شاهد فيه هنا، ورواية الديوان: =","vol":"2","page":594},{"text":"أي لأقررت (١) به، كأنه قال: حللت محل المقر به (٢)، وقال لبيد:\nأَنْكَرْتُ بَاطِلَهَا وبُؤْتُ بِحَقِّهَا ... عِنْدِي وَلم تَفْخَرْ عَلىَّ كِرَامُهَا (٣)\nوقوله تعالى: ﴿تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ﴾ [المائدة: ٢٩]. تأويله: تحل محل من اجتمعت عليه العقوبتان بأن لم يتقبل قربانك وقتلتني (٤).\nوعند الزجاج أن أصل هذا الحرف من التسوية (٥). تقول العرب: هم في هذا الأمر بواء، أي: سواء. وبوأت الرمح نحو الفارس: سويته، وبوأت\n_________\n= وَلَوْ كَانَ هَذَا الْأمْرُ فِي غَيْرِ مُلْكِكُمُ ... لَأَدَّيْتَهُ أَوْ غَصَّ بَالْمَاءِ شَارِبُه\nانظر: \"الكامل\" ٢/ ٢٣٢، \"التهذيب\" (شنأ) ٢/ ١٩٤١، و\"مجمل اللغة\" (شنو) ٢/ ٥١٣، \"اللسان\" (شنأ) ٤/ ٢٣٣٦، \"ديوان الفرزدق\" ١/ ٥٣.\n(١) (به) ساقط من (ب).\n(٢) انظر: \"الكامل\" ٢/ ٢٣٢.\n(٣) البيت متعلق ببيت قبله، وقوله: (أنكرت باطلها) أي: رددته و(بؤت بحقها): رجعت، أو اعترفت وأقررت. انظر: \"شرح ديوان لبيد\" ص ٣١٨، و\"شرح القصائد المشهورات\" ص ١٧٠، \"الصحاح\" (بوأ) ١/ ٣٨، \"اللسان\" (بوأ) ١/ ٣٧، \"الخزانة\" ٥/ ٥١٨، ٩/ ١٦، \"الدر المصون\" ١/ ٣٩٨.\n(٤) قال الزجاج: ترجع إلى الله بإثمي وإثمك .. \"معاني القرآن\" ٢/ ١٨٢، وانظر. \"تفسير الطبري\" ٦/ ١٩٢ - ١٩٣.\n(٥) لم أجده عن الزجاج فيما اطلعت عليه، والله أعلم، والذي قاله الزجاج في \"المعاني\" عند تفسير قوله تعالى: ﴿فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ﴾ [البقرة: ٩٠]. قال: (معنى باءوا في اللغة: احتملوا، يقال: قد بؤت بهذا الذنب: أي تحملته، \"معاني القرآن\" ١/ ١٤٨، وعند تفسير قوله تعالى ﴿تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ﴾ [المائدة: ٢٩]، قال. أي ترجع إلى الله بإثمي وإثمك. \"معاني القرآن\" ١/ ١٨٢ و(بواء) بمعنى: سواء ذكره الماوردي ١/ ٣٤٥، وذكره الأزهري عن أبي العباس وأبي عبيدة والأخفش. انظر: \"تهذيب اللغة\" (باء) ١/ ٢٤٦ - ٢٤٨، وانظر: \"البحر المحيط\" ١/ ٢٢٠.","vol":"2","page":595},{"text":"فلانًا منزلًا (١): أي سويته (٢) له، وقد باءت دماء القوم: إذا استوت، وباء فلان بالذنب: إذا احتمله واستوى عليه.\nوفي حديث عبادة بن الصامت قال: (جعل الله الأنفال إلى نبيه - ﷺ - فقسمها بينهم عن بواء) (٣) أي (٤) عن سواء بينهم في القسم.\nفمعنى ﴿وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ كأنهم استوى عليهم الغضب من الله (٥). ومعنى غضب الله: ذمه إياهم وإنزال العقوبة بهم، لا كعارض يحل بالمخلوقين (٦).\nوقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ﴾ (ذلك) إشارة إلى ضرب الذلة (٧) والمسكنة والغضب (٨)، ومعنى ﴿يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ قال ابن عباس: يريد الحكمة التي أنزلت على محمد - ﷺ - (٩).\n_________\n(١) في (ب): (منزل).\n(٢) في الصحاح: (بَوَّأْت للرجل منزلا، وبَوَّاتُه منزلا بمعنى، أي: هيأته ومكنت له فيه \"الصحاح\" (بوأ) ١/ ٣٧، وانظر: \"تهذيب اللغة\" (باء) ١/ ٢٤٧.\n(٣) الحديث أخرجه أحمد ٥/ ٣٢٢، وابن ماجه (٢٨٥٢)، وذكره الماوردي في \"تفسيره\" ١/ ٣٤٥.\n(٤) (أي) ساقط من (ب).\n(٥) انظر: \"تفسير الماوردي\" ١/ ٣٤٥، \"البحر المحيط\" ١/ ٢٢٠، ٢٣٦.\n(٦) هذا تأويل لصفة الغضب التي أثبتها الله لنفسه، فيجب أن نثبتها له كما أثبتها لنفسه، ولا يلزم لها أي لازم باطل كأن تكون كالعارض الذي يحل بالمخلوقين.\n(٧) في (ج): (الذل).\n(٨) انظر \"تفسير الطبري\" ١/ ٣١٦، انظر \"تفسير ابن عطية\" ١/ ٣٢٠.\n(٩) ذكر المؤلف في \"الوسيط\" ١/ ١١٩، ولم أجده عند غيره فيما اطلعت عليه، والله أعلم.","vol":"2","page":596},{"text":"وقال غيره: أي بصفة محمد - ﷺ - وآية الرجم (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ قال الفراء: إنما ألزمهم الله القتل ولم يقتلوا، لأن الذين كانوا في زمن النبي - ﷺ - من اليهود تولوا أولئك الذين قتلوا، فسماهم الله قتلة (٢)، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [المائدة: ٨١] فألزمهم الكفر بتوليهم الكفار. ويعني بالنبيين من قتلهم اليهود مثل: زكريا ويحيى وشعيا، وسائر من قتلوا من الأنبياء (٣).\nوقوله تعالى: ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ هو صفة للقتل، كأنه قيل: قتلًا بغير حق، يعني بالظلم (٤).\nقال ابن الأنباري: معناه: ويقتلون النبيين من غير جرم وذنوب أتوها توجب دماءهم، وتلزمهم أن يمحوا من ديوان النبوة لأجلها، ولا يجوز أن يقتل نبي بحقٍّ أبدًا (٥).\n_________\n(١) ذكره الثعلبي ١/ ٧٨ أ، والبغوي ١/ ٧٨، وأبو حيان في البحر ١/ ٢٣٦. والأولى عموم الآية لأن كفر اليهود إنما جاء من كفرهم بالتوراة وتحريفها، ومن ثم كفرهم بمحمد وما جاء به فهو عام. انظر \"تفسير الطبري\" ١/ ٣١٦ - ٣١٧، \"تفسير أبي الليث\" ١/ ٣٧٠، \"البحر المحيط\"١/ ٢٣٦، \"تفسير ابن كثير\" ١/ ١٠٩.\n(٢) انتهى ما نقله من كلام الفراء انظر: \"المعاني\" ١/ ١٦.\n(٣) انظر: الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ٧٨ ب.\n(٤) انظر: \"تفسير الماوردي\" ١/ ٣٤٧، و\"تفسير البغوي\" ١/ ٧٨، \"زاد المسير\" ١/ ٩٠، \"البحر المحيط\" ١/ ٢٣٧.\n(٥) انظر: \"تفسير ابن عطية\" ١/ ٣٢٢، و\"تفسير البغوي\"١/ ٧٨، و\"زاد المسير\" ١/ ٩٠، و\"الكشاف\" ١/ ٢٨٥، و\"تفسير القرطبي\" ١/ ٣٦٨، و\"البحر المحيط\" ١/ ٢٣٧، و\"روح المعاني\" ١/ ٢٧٦.","vol":"2","page":597},{"text":"وقيل: قوله: ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ تأكيد، لأن قتل النبي لا يكون إلا بغير حق، فهو كقوله: ﴿الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦]، ﴿وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْه﴾ وأمثاله (١).\nوقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا﴾ قال الأخفش: ما والفعل بمنزلة المصدر، أي: ذلك الكفر والقتل بعصيانهم (٢). يعني أن الكفر والقتل حصلا منهم بعصيانهم ما أمروا به وتركهم الطاعة (٣)، لأن نفس الكفر والقتل هو العصيان، فالعصيان هو الكفر، والكفر هو العصيان، وكل واحد منهما موجب للآخر في هذا الموضع، وإن لم يكن العصيان كفرا في مواضع. ويجوز أن يكون المعنى: ذلك حصل بشؤم عصيانهم، فحذف المضاف (٤).\nوعلى هذا التأويل يتوجه قول من خص العصيان والاعتداء بعصيانهم الله في السبت، واعتدائهم فيه، فإن كثيرا من المفسرين ذهبوا إلى هذا (٥)، ومنهم من لم يخص وقال: ذلك (٦) بركوبهم المعاصي، وتجاوزهم أمري،\n_________\n(١) انظر: \"زاد المسير\" ١/ ٩٠، \"البحر المحيط\" ١/ ٢٣٧.\n(٢) انظر: \"معاني القرآن\" للأخفش ١/ ٢٧٦، نقل قوله بمعناه. وانظر \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ١٨٢، \"تفسير القرطبي\" ١/ ٣٦٨.\n(٣) انظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ٣١٧.\n(٤) أو يكون العصيان والتمادي فيه جرهم إلى القتل والكفر، فإن صغار الذنوب سبب يؤدي للكبائر، ذكره البيضاوي في \"تفسيره\" ١/ ٢٧. والنسفي في \"تفسيره\" ١/ ١٣٤، وأبو حيان في \"البحر\" ١/ ٢٣٧.\n(٥) بل هو قول بعضهم. انظر: الكشاف ١/ ٢٨٥، والنسفي في \"تفسيره\" ١/ ١٣٤، \"البحر المحيط\" ١/ ٢٣٧.\n(٦) (ذلك) ساقط من (ب).","vol":"2","page":598},{"text":"وارتكابهم محارمي (١).\nقلت: وهذه (٢) الأخبار التي أخبر الله (٣) عن اليهود ووصفهم بها ليست تشملهم كلهم مذ كانوا إلى عصر النبي - ﷺ - بل بعضهم انقرضوا قبل هذه الأحداث، وبعضهم اتصف ببعض هذه الأوصاف دون بعض، وبعضهم رضي بما أتى به الآخرون من هذه الجرائم فكانوا (٤) شركاءهم (٥) في الإثم، ولكن الله تعالى أضاف هذه الأوصاف إلى اليهود، وهو يريد الجانين والذين تولوهم كقوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠]، وكلهم لم يقل ذلك.\nفأما (النبي) فأكثر العرب على ترك همزه (٦). قال (٧) أبو عبيدة:\n_________\n(١) وعليه أكثر المفسرين، انظر: \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٧٨ ب، و\"تفسير الطبري\" ١/ ٣١٧، و\"تفسير أبي الليث\" ١/ ٣٧٢، و\"الكشاف\" ١/ ٢٨٥، و\"تفسير البغوي\" ١/ ٧٨، و\"تفسير ابن كثير\" ١/ ١٠٩.\n(٢) في (أ)، (ج): (وهذا) وأثبت ما في (ب) لأنه أنسب للسياق.\n(٣) في (ب): (أخبر الله به).\n(٤) في (ب): (وكانوا).\n(٥) في (ب): (شركاؤهم).\n(٦) أكثر علماء اللغة على أن أصل (النبي) مهموز من أنبأ عن الله، فتركت العرب همزه على طريق البدل لا على طريق التخفيف. ومنهم من يرى أنه غير مهموز الأصل، وإنما هو من النباوة، وهي الرفعة، الأول قول سيبويه. انظر: \"الكتاب\" ٣/ ٥٥٥، و\"إصلاح المنطق\" ص ١٥٨، \"معاني القرآن\" للأخفش ١/ ٢٧٤، \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ١١٧، و\"الحجة\" لأبي علي١/ ٨٨، و\"الإغفال\" ص٢٠٤، و\"اشتقاق أسماء الله\" ص ٢٩٣، \"تهذيب اللغة\" (نبا) ٤/ ٣٤٩٠، \"تفسير الطبري\" ١/ ٣١٦ - ٣١٧، \"الزاهر\" ٢/ ١١٩، وفيه اختار ابن الأنباري أن أصله غير مهموز.\n(٧) في (ب): (وقال).","vol":"2","page":599},{"text":"اجتمعت العرب على حذف الهمزة من أربعة أحرف من النبي والذرية والخابية والبرية وأصلها (١) الهمزة (٢).\nوأما اشتقاقه فقال الزجاج وعدة معه: اشتقاقه (٣) من نَبَّأَ وأَنْبَأَ، أي: أخبر، فترك همزه لكثرة الاستعمال.\nويجوز أن يكون من نَبَا يَنْبُو، إذا ارتفع، فيكون فعيلا من الرفعة (٤).\nوقال ابن السكيت: النبي هو من أنبأ عن الله، فترك همزه، قال: وإن أخذته من النَّبْوَةَ والنَّبَاوَةِ، وهي الارتفاع من الأرض، أي أنه شرف (٥) سائر الخلق، فأصله غير الهمز (٦)، وأنشد قول أوس بن حجر:\n_________\n(١) في (ب): (أصلها) بحذف الواو.\n(٢) في (ج): (الهمز). وكلام أبي عبيدة أورده ابن السكيت في \"إصلاح المنطق\" عنه عن يونس \"إصلاح المنطق\" ص ١٥٩، وانظر: \"اشتقاق أسماء الله\" ص ٢٩٥.\n(٣) في (ب): (مشتق).\n(٤) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ١١٧، وانظر: \"تهذيب اللغة\" (نبا) ٤/ ٣٤٩٠، قال أبو القاسم الزجاجي: (اعلم أن للعلماء في اشتقاق (النبي) قولين: أما سيبويه في حكايته عن الخليل فيذهب إلى أنه مهموز الأصل من أنبأ عن الله، أي: أخبر، وهو مذهب أكثر أهل اللغة، فتركت العرب همزه لا على طريق التخفيف، لكن على طريق الإبدال ...) ثم ذكر الفرق بين التخفيف والإبدال وبَيَّن أن ما ترك عن طريق الإبدال لا يجوز همزه إلا عند من لا يرى البدل. قال: (والقول الآخر مذهب جماعة من أهل اللغة، وهو رأى أبي عمرو بن العلاء قالوا: ليس بمهموز الأصل وإنما هو من النباوة وهي الرفعة. \"اشتقاق أسماء الله\" للزجاجي ص ٢٩٣، ٢٩٤.\n(٥) في \"إصلاح المنطق\": (أي شرف على سائر الخلق) ص ١٥٨، وانظر: تهذيب اللغة ٤/ ٣٤٩٠.\n(٦) الكلام بهذا النص في \"تهذيب اللغة\" (نبا) ٣٤٩٠، وورد في \"إصلاح المنطق\" عن الفراء، وقال ابن السكيت بعده: وأنشد هو أي الفراء وأبو عمرو ثم ذكر بيتًا غير بيت أوس. \"إصلاح المنطق\" ص ١٥٨.","vol":"2","page":600},{"text":"لَأَصْبَحَ رَتْمًا (١) دُقَاقَ الْحَصَى ... مَكَانَ النَّبَيِّ مِنَ الْكَاثِبِ (٢)\nقال: النبي: المكان المرتفع.\nقال أبو علي فيما استدرك على أبي إسحاق (٣): النبي اشتقاقه من النبأ الذي هو الخبر، كأنه المخبر عن الله سبحانه، وهذا مذهب سيبويه (٤).\nولا يجوز أن يكون مشتقا من النبأ الذي هو الخبر والنجاوة التي هي الرفعة بأن يحتمل الأمرين (٥)؛ وذلك لأن العرب كلهم\n_________\n(١) في (أ)، (ج): (رقما)، وما في (ب) موافق للمصادر التي ورد بها البيت.\n(٢) في جميع النسخ (الكاتب) بالتاء وهذا مخالف لجميع المصادر. و(الرتم): الدق والكسر، (دُقَاقَ الحصى): دقيق الحصى، و(النبي) المكان المرتفع و(الكاثب): الرمل المجتمع.\nورد البيت في \"إصلاح المنطق\" ص ٥٨، \"جمهرة أمثال العرب\" ٢/ ١٣، \"الزاهر\" ٢/ ١١٩/ \"تهذيب اللغة\" (كثب) ٤/ ٣١٠٣، و(رتم) ٢/ ١٣٥٨، و(ثرم) ٢/ ١٣٦٠، و(نبا) ٤/ ٣٤٩٠، \"الصحاح\" (نبا) ٦/ ٢٥٠١، و\"مجمل اللغة\" (رتم) ٢/ ٤٩٨، (كثب) ٧/ ٣٨٢٦، \"مقاييس اللغة\" (كثب) ٥/ ١٦٣، و(نبو) ٥/ ٣٨٥، \"اللسان\" (كثب) ٧/ ٣٨٢٦، و(رتم) ٣/ ١٥٧٨، و(نبا) ١٥/ ٣٠٢، \"تفسير القرطبي\" ١/ ٣٦٧، \"الدر المصون\" ١/ ٤٠٢.\n(٣) وذلك في كتاب (الإغفال فيما أغفله الزجاج من المعاني) ص ٢٠٥، نقل عنه الواحدي بتصرف، وداخل بين كلام أبي علي في \"الإغفال\" وكلامه في \"الحجة\". وكلام أبي علي بنصه في \"المخصص\" ١٢/ ٣٢١.\n(٤) نص كلام أبي علي في \"الإغفال\": (لا يخلو قولهم: (النبي) من أن يكون مأخوذا من (النبأ) أو من النبوة التي هي ارتفاع أو يكون مأخوذا منهما. فحمل (اللام) مرة على أنه ياء منقلبة عن الواو، ومرة على أنها همزة كسنة وعضا، فلا يجوز أن يكون مأخوذًا من النبوة، لأن س يبويه حكى أن جميع العرب يقولون. تنبأ مسيلمة ..) \"الإغفال\" ص ٢٠٥. وانظر كلام سيبويه في \"الكتاب\" ٣/ ٤٦٠، ٥٥٥.\n(٥) قال أبو علي: (.. ولا يجوز أيضا أن تكون لامه على وجهين: مرة ياء منقلبة عن =","vol":"2","page":601},{"text":"يقولون (١): تَنَبَّأَ مُسَيلمة بالهمز ويقولون في تحقير النبوة: كان مسيلمة نُبُوَّتُه نُبَيِّئةَ سِوء (٢)، فلو كان يحتمل الأمرين جميعا ما اجمعوا على الهمز في فعله وتحقيره.\nفإن قيل (٣): فإن المازني أنشد على أن (النبي) من النباوة قول بعضهم:\nمَحْضَ الضَّرِيبَة فَي الْبَيْتِ الَّذِي وُضِعَتْ ... فِيهِ النَّبَاوَةُ حُلْوًا غَيْرَ مَمْذُوقِ (٤)\nقيل: أراد: في البيت الذي وضعت فيه الرفعة، وليس كل رفعة [نبوءة] (٥)، وقد يكون في البيت رفعة ليست (٦) [بنبوءة] (٧)، والمخبر عن الله المبلغ عنه إذا أخذ اسمه من النبأ (٨) كان أخص به وأشد مطابقة للمعنى\n_________\n= الواو، ومرة همزة ..) \"الإغفال\" ص ٢٠٦.\n(١) (يقولون) ساقط من (ب).\n(٢) السياق أقرب إلى كلام أبي علي في \"الحجة\" ٢/ ٨٩، وانظر: \"الإغفال\" ص٢٠٦،٢٠٩، \"الخصائص\" ١٢/ ٣٢٢، و\"الكتاب\" ٣/ ٤٦٠.\n(٣) قوله: (فإن قيل فإن المازني ... إلخ) لم يرد في \"الإغفال\"، وإنما ورد في \"الحجة\" ٢/ ٨٨.\n(٤) ورد البيت في \"الحجة\" لأبي علي بدون نسبة ٢/ ٨٨، وأورده ابن سيده في \"المخصص\" ونسبه لابن همام ١٢/ ٣٢٣. وقوله: (محض الضريبة) المحض من كل شيء: الخالص. و(الضريبة): الطبيعة والسجية. انظر: \"الصحاح\" (ضرب) ١/ ١٦٩، \"اللسان\" (محض) ٦/ ٤١٤.\n(٥) في (أ)، (ب): (نبوة) وفي ج: (نبوه)، والتصحيح من \"الحجة\" ٢/ ٩٠.\n(٦) في (ب): (ليس).\n(٧) في (أ)، (ب): (بنبوة) وفي ج: (بنبوة)، والتصحيح من \"الحجة\" ٢/ ٩٠.\n(٨) في جميع النسخ (النبا) بدون همز، والتصحيح من \"الحجة\" ٢/ ٩٠.","vol":"2","page":602},{"text":"المقصود، ولأن النبوة ليس من الارتفاع المحمود، ألا ترى أنه لا يمدح به (١) كما يمدح بالرفعة (٢).\nفإن (٣) قلت: فلم لا يستدل بقولهم: أنبياء (٤) على جواز الأمرين (٥). لأنهم جمعوا ما كان أصله غير (٦) الهمز على أفعلاء نحو: غنى وأغنياء وتقى وأتقياء، فيحتمل (٧) على هذا أن النبي أصله غير الهمز، [ويحتمل أن أصله الهمز] (٨) فترك همزه، وجمع (٩) على أفعلاء، تشبيها بما أصله غير الهمز.\nقيل: ما ذكرته لا يدل على تجويز الأمرين، لأن (أنبياء) إنما جاء لأن البدل من الهمز لزم في (نبي) فصار في لزوم البدل له كقولهم: عيد وأعياد فكما أن أعيادا لا يدل على أن عيدا من الياء، لكونه من عود الشيء، كذلك لا يدل (أنبياء) على أنه من النباوة، ولكن لما لزم البدل جعل بمنزلة: تقي وأتقياء وصفي وأصفياء ونحو ذلك، وصار (١٠) كالبرية والخابية، ونحو ذلك\n_________\n(١) (به) ساقط من (ب).\n(٢) من قوله: (ولأن النبوة ...) إلى قوله: (كما يمدح بالرفعة) ليس في \"الحجة\" ولا في \"الإغفال\".\n(٣) في (ب): (قال قلت).\n(٤) أي: بالجمع. انظر: \"الإغفال\" ص ٢٠٧، و\"الحجة\" ٢/ ٩٠.\n(٥) الأمران هما: كون اللام همزة، أو حرف لين. انظر \"الإغفال\" ص ٢٠٧.\n(٦) أي أن أفعلاء جمع في أكثر الأمر لمعتل اللام. انظر \"الإغفال\" ص ٢٠٧.\n(٧) في (ب): (فيحمل).\n(٨) ما بين المعقوفين ساقط من (ج).\n(٩) قوله (ويحتمل ...) إلى (فترك همزه وجمع)، مكرر في (ب) بعد قوله: (بما أصله غير الهمز).\n(١٠) في (ب): (فصار).","vol":"2","page":603},{"text":"مما لزم الهمزة فيه حرف اللين بدلا من الهمزة، وما دل على أنه من الهمز قائم لم يعترض عليه (١) شيء.\nوقد جمعوه أيضا نُبَآء (٢) على فُعَلاَء (٣)، مثل ظريف وظرفاء.\nقال العباس بن مرداس (٤):\nيَا خَاتَمَ النُّبَآءِ (٥) إِنَّكَ مُرسَلٌ ... بِالحَقِّ خَيْرُ هُدَى الْإِلَهِ هُدَاكَا (٦)\nوكأنه جمعه على أصل اللغة، ولما لزم البدل في نبي صار قول من حقق الهمز كرد الشيء إلى الأصل المرفوض استعماله نحو: وَذَرَ ووَدَعَ فمن ثم كان الأكثر فيه التخفيف. واستردأ سيبويه تحقيق: النبيء والبرية (٧)،\n_________\n(١) في \"الحجة\": (لم يعترض فيه شيء) وبعده: (فصار قول من حقق الهمزة في النبي كرد الشيء إلى الأصل المرفوض استعماله ..) ٢/ ٩٠.\n(٢) في (أ)، (ج): (نبآا) وفي (ب): (نبا)، وما أثبته يوافق ما في \"الحجة\" ٢/ ٩٠.\n(٣) في (ج): (أفعلاء).\n(٤) هو العباس بن مرداس بن أبي عامر بن سليم، وأمه الخنساء، الصحابية الشاعرة المشهورة، أسلم العباس قبل فتح مكة بيسير، وكان من المؤلفة قلوبهم. انظر ترجمته في \"الشعر والشعراء\" ص أ ٥٠، \"الخزانة\" ١/ ١٥٢.\n(٥) في (أ)، (ج) (النبآا) وفي (ب) (البنا).\n(٦) رواية شطره الثاني في أكثر المصادر:\nبِالخَيْر كُلُّ هُدَى السَّبِيلِ هُدَاكَا\nورد البيت في \"الكتاب\" ٣/ ٤٦٠، \"سيرة ابن هشام\" ٤/ ٩٥، \"المقتضب\" ١/ ١٦٢، ٢/ ٢١٠، و\"جمهرة اللغة\" ٣/ ٢١٢، \"الصحاح\" (نبأ) ١/ ٧٥، و\"الحجة\" لابن زنجله ص ٩٩، و\"الحجة\" لأبي علي ٢/ ٩٠، \"تفسير الطبري\" ١/ ٣١٧، \"اللسان\" (نبأ) ٤/ ٤٣١٥، \"تفسير القرطبي\" ١/ ٣٦٧.\n(٧) انظر: \"الكتاب\" ٣/ ٥٥٥، وقوله (البريه) هكذا في جميع النسخ، ولو قال (البريئة) كان أولى. انظر \"الحجة\" ٢/ ٩١.","vol":"2","page":604},{"text":"لأن الغالب في استعمالهما التخفيف على وجه البدل. ومن زعم أن البرية من البرا (١) كان غالطا، لأنه لوكان كذلك لم يجز همزه بحال، وهي مهموزة في لغة أهل الحجاز، فتحقيقهم لها يدل على أنها من برأ الله الخلق.\nفأما حجة من همز (النبي) أن يقول: هو أصل الكلمة، وليس مثل (عيد) الذي قد ألزم البدل، ألا ترى أن ناسًا من أهل الحجاز قد حققوا الهمز في الكلام، ولم يبدلوه، فإذا كان الهمز أصل الكلمة وأتى به قوم في كلامهم على أصله لم يكن مثل: وَذَرَ ووَدع ونحوهما مما رفض في استعمالهم (٢) واطرح.\nوأما ما روي في الحديث من أن بعضهم قال: يا نبيء الله، فقال: لست بنبيء الله، ولكن نبيّ الله، فإن أهل النقل ضعفوا إسناد الحديث (٣).\nومما يقوي (٤) تضعيفه أن (٥) من مدح النبي - ﷺ - بقوله (٦):\n_________\n(١) (البرا): التراب، انظر \"الحجة\" ٢/ ٩١.\n(٢) في \"الحجة\": (لم يكن كماضي \"يدع\" ونحوه مما رفض استعماله واطرح) ٢/ ٩١.\n(٣) في \"الحجة\": (فأظن أن من أهل النقل من ضعف إسناد الحديث ..)، ٢/ ٩٢. والحديث أخرجه الحاكم في \"المستدرك\" عن أبي ذر، وقال هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، وتعقبه الذهبي فقال: بل منكر لم يصح. قال النسائي: حمران ليس بثقة، وقال أبو داود: رافضي، روى عن موسى بن عبيدة، وهو واه، ولم يثبت أيضا عنه عن نافع، عن ابن عمر قال: ما همز رسول الله - ﷺ - ولا أبو بكر ولا عمر ولا الخلفاء، وإنما الهمز بدعة ابتدعوها من بعدهم. \"المستدرك\"، كتاب (التفسير) ٢/ ٢٣١، وذكره ابن الأنباري في \"الزاهر\" ٢/ ١٢٠، وأبو القاسم الزجاجي في \"اشتقاق أسماء الله\" ص ٢٩٤، وأعله بالإرسال، وانظر: \"البيان\" ١/ ٨٨، و\"النهاية\" ٥/ ٣.\n(٤) في (ج): (ومما يقوى هذا الحديث تضعيفه).\n(٥) في (ب): (من أن).\n(٦) (بقوله) ساقط من (ب).","vol":"2","page":605},{"text":"يَا خَاتَمَ النُّبَآءَ (١) .........\nلم يؤثَر فيه إنكار عليه، ولو كان في واحده نكير لكان الجمع كالواحد، وأيضا فلم نعلم (٢) أنه ﵇ أنكر على الناس أن يتكلموا بلغاتهم.\nوأما من أبدل ولم يحقق فإنه يقول: مجيء الجمع في التنزيل على أنبياء يدل على أن الواحد قد ألزم فيه البدل (٣)، وإذا لزم البدل ضعف التحقيق (٤).\nوقال الكسائي: النبي بغير همز، معناه في اللغة: الطريق، والأنبياء طرق الهدى (٥). وعلى هذا سمّي الرسول نبيًّا لاهتداء الخلق به. واختار ابن الأنباري هذا القول، وقال (٦): سمي النبيّ نبيًّا لبيان أمره ووضح خبره، أخذ من النبي وهو عندهم الطريق (٧).\n_________\n(١) البيت للعباس بن مرداس وقد مرَّ قريبًا.\n(٢) في (ب): (يعلم).\n(٣) (البدل) ساقط من (ب).\n(٤) انتهى ما نقله عن \"الحجة\" لأبي علي الفارسي ٢/ ٨٨ - ٩٢، وانظر: \"الإغفال\" ص ٢٠٤، ٢١٠، و\"اشتقاق أسماء الله\" للزجاجي ص ٢٩٤، ٢٩٥، \"المخصص\" ١٢/ ٣٢١ - ٣٢٣.\n(٥) \"تهذيب اللغة\" (نبا) ٤/ ١٤٨٩، وانظر: \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٧٨ ب، و\"تفسير الطبري\" ١/ ٣١٧، \"البحر المحيط\" ١/ ٢٢٠.\n(٦) \"الزاهر\" ٢/ ١١٩، وظاهر كلامه أنه يرجع غيره حيث قال: النبي معناه في كلام العرب الرفيع الشأن .. ثم قال: ويجوز أن يكون النبي سمي نبيا لبيان أمره .... إلخ).\n(٧) رد أبو القاسم الزجاجي على ابن الأنباري قوله: إن النبي من أسماء الطريق، كما نقل ذلك ياقوت في (معجم البلدان)، قال ياقوت: (وقال أبو بكر بن الأنباري في \"الزاهر\" في قول القطامي:\nلَمَّا وَرَدن نَبِيَّا ... البيت =","vol":"2","page":606},{"text":"وأنشد للقُطامي (١):\nلَمَّا وَرَدْنَ نَبِيًّا وَاسْتَتَبَّ بِنَا ... مُسْحَنْفِرٌ كَخُطُوطِ السَّيْح مُنْسحِلُ (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-286>٦٢ </span>- قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا﴾ الآية (٣) قال\n_________\n= إن النبي في هذا البيت هو الطريق، وقد رد عليه ذلك أبو القاسم الزجاجي فقال: (كيف يكون ذلك من أسماء الطريق وهو يقول: لما وردن نبيًا، وقد كانت قبل وروده على طريق، فكأنه قال: لما وردن طريقا، وهذا لا معنى له إلا أن يكون أراد طريقًا بعينه في مكان مخصوص، فيرجع إلى أنه اسم مكان بعينه ..) \"معجم البلدان\" ٥/ ٢٥٩.\n(١) القطامي: هو عمير بن شييم التغلبي، كان نصرانيًّا فأسلم، فأسلم، وعده الجمحي في الطبقة الثانية من شعراء الإسلام، انظر: \"طبقات الشعراء\" للجمحي ص ١٧٩، \"الشعر والشعراء\" ٤٨٣، \"الخزانة\" ٢/ ٣٧٠.\n(٢) قوله: (استتب): استقام وتبين واطرد، و(نبي): مكان معين في ديار تغلب، (مُسْحَنْفِر): صفة لطريق واسع ممتد (السيح): ضرب من البرود أو العباء مخطط. (مُنْسَحل): مكشوط، وصف الطريق بذلك وأنه لكثرة المرور به صار واضحا. ورد البيت في \"الزاهر\" ٢/ ١١٩، \"تفسير الطبري\" ٢/ ١٤١، \"تفسير ابن عطية\" ١/ ٢٤١، و\"معجم البلدان\" ٥/ ٢٥٩، \"اللسان\" (نبا) ٧/ ٤٣٣٣، \"البحر المحيط\" ١/ ٢٢٠، \"الدر المصون\" ١/ ٤٠٢.\n(٣) في هامش نسخة (أ) تعليق صدره الكاتب برمز (ش ك) أي شرح من الكاتب، والكلام بنصه منقول عن \"الكشاف\" ١/ ٢٨٥، وأثبته هنا للفائدة: (ش ك ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾: بألسنتهم من غير مواطأة القلوب، وهم المنافقون، ﴿وَالَّذِينَ هَادُوا﴾: والذين تهودوا، يقال: هاد يهود، وتهود إذا دخل في اليهودية وهو هائد، والجمع هود، ﴿وَالنَّصَارَى﴾: وهم جمع نصران، يقال: رجل نصران وامرأة نصرانة، قال: كَمَا سَجَدَتْ نَصْرَانَةٌ لَمْ تَحَنَّفِ. و(الياء) في نصراني للمبالغة كالتي في أحمري، سموا بذلك لأنهم نصروا المسيح - ﵇ -. ﴿وَالصَّابِئِينَ﴾: وهو من صبأ، إذا خرج من الدين، وهم قوم عدلوا عن دين اليهودية والنصرانية وعبدوا الملائكة ﴿مَنْ آمَنَ﴾: من هؤلاء الكفرة إيمانا خالصا ودخل في ملة الإسلام دخولا أصيلا ﴿فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ﴾: الذي يستوجبونه بإيمانهم وعملهم.","vol":"2","page":607},{"text":"الليث: الهَوْد: التوبة، وقوله ﷿: ﴿إِنَّا هُدْنَا﴾ [الأعراف:١٥٦] أي: تُبْنا (١). وقال غيره: هاد في اللغة معناه: مال. يقال: هَادَ يَهُود هِيَادَةً وَهَوْدًا (٢).\nقال امرؤ القيس.\nقدْ عَلِمتْ سلْمَى وَجَارَاتُهَا ... أَنِّي مِنَ النَّاسِ لَهَا هَائِدُ (٣)\nأي: إليها مائل.\nوقال المبرد في قوله: ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ أي ملنا إليك، ويقال لمن تاب: هاد، لأن من تاب عن شيء مال عنه. فأما اليهود، فقال الليث: سُمّوا يهودًا شتقاقًا من هادوا، أي تابو امن (٤) عبادة العجل (٥). فعلى هذا القول لزمهم الاسم في ذلك الوقت. وقال غيره: سموا بذلك لأنهم مالوا عن دين الإسلام وعن دين موسى (٦). وعلى هذا إنما سموا يهودا بعد أنبيائهم.\n_________\n(١) \"تهذيب اللغة\" (هاد) ٤/ ٣٦٨٩.\n(٢) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ٧٨ ب، وليس فيه (هيادة) ونحوه عند الماوردي وفيه (هيادا) \"تفسير الماوردى\" ١/ ٣٧٣، ١/ ٣٤٩، وانظر. \"تفسير أبي الليث\" ١/ ٣٧٣، و\"تفسير البغوي\" ١/ ٧٩.\n(٣) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ٧٨ ب، ولم أجده في ديوانه.\n(٤) في (ب): (عن).\n(٥) انظر: \"تهذيب اللغة\" (هاد) ٤/ ٣٦٨٩، وذكر هذا المعنى أبو عبيدة في \"المجاز\" ١/ ٤٢، والطبري في \"تفسيره\" ١/ ٣١٧، و\"معاني الزجاج\" ١/ ١١٨، \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٧٨ ب.\n(٦) ذكر هذا المعنى الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ٧٨ ب، والبغوي في \"تفسيره\" ١/ ٨٩، ونحوه عند أبي الليث ١/ ٣٧٣.","vol":"2","page":608},{"text":"وقال ابن الأعرابي: يقال: هاد إذا رجع من خير إلى شر أو (١) من شر إلى خير (٢). سمي اليهود بذلك لتخليطهم، وكثرة انتقالهم من مذاهبهم.\nوحكي عن أبي (٣) عمرو بن العلاء أنه قال: سميت اليهود لأنهم يتهودون أي: يتحركون عند قراءة التوراة (٤) ويقولون: إن السماوات والأرض تحركت حين أتى الله موسى التوارة.\nوعلى هذا، التهود (٥) تفعل من الهيد بمعنى الحركة، يقال: هِدْتُه هيدًا، كأنك تحركه ثم تصلحه (٦)، ومنه الحديث: أنه قيل للنبي - ﷺ - في المسجد: يا رسول الله: هِدْه، فقال: \" عرش كعرش موسى\" (٧)، أي: حركه بالهدم (٨).\n_________\n(١) في (ب): (ومن) بالواو.\n(٢) ذكره الأزهري عن ثعلب عن ابن الأعرابي، \"تهذيب اللغة\" (هاد) ٤/ ٣٦٩٠، وانظر: \"اللسان\" (هود) ٨/ ٤٧١٨.\n(٣) في (ج): (ابن).\n(٤) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ٧٩ أ، والبغوي في \"تفسيره\" ١/ ٧٩.\n(٥) في (ب): (اليهود).\n(٦) ذكره الأزهري عن الليث، \"تهذيب اللغة\" (هاد) ٤/ ٣٦٨٩، انظر \"الصحاح\" (هيد) ٢/ ٥٥٨، \"مقاييس اللغة\" (هيد) ٦/ ٢٣، \"اللسان\" (هيد) ٨/ ٤٧٣٤.\n(٧) بهذا النص ذكره أبو عبيد في \"غريب الحديث\" ٣/ ١٧١، ٤/ ٤٥٢، وكذا الأزهري في \"تهذيب اللغة\" (هاد) ٤/ ٣٦٩١.\nوقد أخرج البيهقي بسنده عن سالم بن عطية، قال: قال رسول الله - ﷺ - \"عرش الناس كعرش موسى\". يعني أنه يكره الطاق حوالي المسجد. \"السنن الكبرى\" كتاب (الصلاة) باب (كيفية بناء المسجد) ٢/ ٤٣٩، وقد أورده صاحب \"كنز العمال\" عن البيهقي. وقال: مرسل. \"كنز العمال\" ٣/ ٣٩٣، وأورده السيوطي في \"الجامع الصغير\" بلفظ: \"ليس بي رغبة عن أخي موسى، عريش كعريش موسى\" ورمز له بالتضعيف. \"فيض القدير شرح الجامع الصغير\" ٥/ ٣٦٥. وهو في \"الفائق\" ٤/ ١٢٢، \"اللسان\" (هيد) ٨/ ٤٨٣٤.\n(٨) قال أبو عبيد: (كان سفيان بن عيينة فيما بلغني عنه يقول: معنى هده: أصلحه، =","vol":"2","page":609},{"text":"وقيل: اليهود (١) معرب من يهوذا بن يعقوب، عُرِّب يهوذا إلى يهود (٢) ثم نسب الواحد إليه فقيل: يهودي، ثم حذف الياء في الجمع فقيل يهود، وكل جمع منسوب إلى جنس فهو بإسقاط ياء النسبة، كقولهم: زنجي وزنج ورومي وروم (٣). هذا هو الكلام في أصل هذا الحرف. ثم يقال: هاد إذا دخل في اليهودية كقوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا﴾ (٤) [الأنعام: ١٤٦]، أي: دخلوا في دين اليهودية (٥)، والذي في هذه الآية بهذا المعنى، ويقال أيضا (تهوّد) إذا تشبه بهم ودخل في دينهم، كما يقال: تقيّس وتمضّر وتنزّر، وَ(هَوَّد) إذا (٦) دعا إلى اليهودية (٧)، ومنه الحديث: حتى يكون أبواه يهودانه (٨).\n_________\n= وهذا معنى الحديث الآخر كما قال سفيان، ولكنه إصلاح بعد هدم الأول ..)\n\"غريب الحديث\" ٤/ ٤٥٢.\n(١) في (ج): (يهود).\n(٢) انظر: \"العين\" ٤/ ٧٦، \"تفسير الماوردي\" ١/ ٣٤٩، و\"معرفة أسماء نطق بها القرآن\" لابن السجستاني وقال: ليس بشيء ١/ ٣٨٥، \"المحكم\" ٤/ ٢٩٧، وقال: ليس هذا بقوي.\n(٣) انظر: \"الصحاح\" (هود) ٢/ ٥٥٧.\n(٤) (حرمنا) ساقط من (ب).\n(٥) انظر: \"تهذيب اللغة\" (هاد) ٤/ ٣٦٨٩.\n(٦) في (ب): (ادعا).\n(٧) في \"المحكم\": (هَوَّد الرجل) حوله إلى ملة اليهودية ٤/ ٢٩٧. وفي \"تهذيب اللغة\": ذكر الحديث. \"فأبواه يهودانه .. \" وقال: معناه: أنهما يعلمانه دين اليهودية ويدخلانه فيه، (هاد) ٤/ ٣٦٨٩.\n(٨) الحديث في الصحيحين وغيرهما عن أبي هريرة ولفظه: (.. فأبواه يهودانه .. الحديث)، أخرجه البخاري (١٣٥٨)، (١٣٥٩) كتاب (الجنائز) باب (إذا أسلم =","vol":"2","page":610},{"text":"قوله تعالى: ﴿النَّصَارَى﴾ اختلفوا في تسميتهم بهذا الاسم، فقال الزهري (١): سموا نصارى، لأن الحواريين (٢) قالوا: ﴿نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٥٢، والصف: ١٤] (٣) حين قال لهم عيسى: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾، واختار ابن الأنباري هذا القول، وقال: إنهم كانوا نُصَّار عيسى (٤). فعلى هذا، هذا الاسم مشتق من النصر والنصرة، وواحدهم: نَصَرْان كقولهم: ندمان وندامى، ونصران وناصر بمعنى، كما يقال: صديان وصادٍ للعطشان (٥)، قال الشاعر يصف الحرباء:\n_________\n= الصبي فمات هل يصلي عليه، وهل يعرض على الصبي الإسلام؟) الفتح (١٣٨٥)، وباب (ما قيل في أولاد المشركين)، (٤٧٧٥) كتاب (التفسير) تفسير سورة (الروم)، باب ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ لدين الله (٦٥٩٩) وفي كتاب (القدر) باب (الله أعلم بما كانوا عاملين)، ومسلم (٢٦٥٨) كتاب (القدر) كل مولود يولد على الفطرة، \"مسلم بشرح النووي\" وأبو داود (٢٤١٤١) في كتاب: السنة، باب (في ذراري المشركين) ح (٢١٣٨) والترمذي كتاب (أبواب القدر) باب (ما جاء كل مولود يولد على الفطرة) وأحمد في مواضع من \"المسند\" منها ٢/ ٢٣٣.\n(١) هو أبو بكر محمد بن مسلم الزهري، أحد أعلام التابعين، فقيه محدث، رأى عشرة من الصحابة، وروى عنه جمع من الأئمة، توفي سنة أربع وعشرين ومائة. انظر ترجمته في \"حلية الأولياء\" ٣/ ٣٦٠، \"وفيات الأعيان\" ٤/ ١٧٧، \"تهذيب التهذيب\" ٣/ ٦٩٦.\n(٢) في (ب): (الحواريون).\n(٣) قول الزهري ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ٧٩ أ، وانظر. \"تفسير الطبري\" ١/ ٣١٨، و\"تفسير أبي الليث\"١/ ٣٧٣، \"تفسير الماوردي\" ١/ ٣٥١، انظر. \"تفسير ابن عطية\" ١/ ٣٢٧، \"الكشاف\" ١/ ٢٨٥.\n(٤) \"الزاهر\" ٢/ ٢٢٥.\n(٥) انظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ٣١٧، \"الزاهر\" ٢/ ٢٢٥، \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٧٩ أ، \"تفسير الماوردي\" ١/ ٣٥٠، انظر: \"تفسير ابن عطية\" ١/ ٣٢٧، \"الكشاف\" ١/ ٢٨٥.","vol":"2","page":611},{"text":"تَرَاهُ إِذَا دَارَ الْعَشِيُّ مُحَنِّفًا ... وُيُضْحِي لَدَيْهِ وَهْو نَصْرَانُ شَامِسُ (١)\nوقال آخر (٢):\nكَمَا سَجَدَتْ نَصْرَانَةٌ لَمْ تَحَنَّفِ (٣)\nثم زيدت ياء النسبة فقيل: نصراني. وقد جاء في كلام العرب النصارى، وأرادوا به الأنصار، لا هؤلاء الذين يعرفون بهذا الاسم (٤)، أنشد الفراء:\n_________\n(١) لم أعثر على قائله، ويروى: (زار) بدل (دار) وفي \"الزاهر\" (تراه ويضحي وهو ...). قوله: (مُحنَّفا). تحنف: صار إلى الحنيفية، والمراد أنه مستقبل القبلة، (شامس) مستقبل الشمس كما يستقبلها نصراني، فحذف الياء. ورد البيت في الطبري في \"تفسيره\" ١/ ٣١٨، \"الزاهر\" ٢/ ٢٢٥، \"الأضداد\" لابن الأنباري ص ١٨١، \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٧٩ أ، \"تفسير الماوردي\" ١/ ٣٥٠، انظر \"تفسير ابن عطية\" ١/ ٣٢٧، \"تفسير القرطبي\" ١/ ٣٦٩، \"البحر المحيط\" ١/ ٢٣٨، \"الدر المصون\" ١/ ٤٠٦، \"فتح القدير\" ١/ ١٤٨.\n(٢) هو أبو الأخزر الحماني.\n(٣) عجز بيت وصدره:\nفَكِلْتَاهُمَا خَرَّتْ وَأَسْجَدَ رَأَسُهَا\nيصف ناقتين أصابهما الإعياء، وانحنتا فطأطأتا رأسيهما، فشبه إسجادهما بسجود النصرانية فحذف الياء. البيت من شواهد سيبويه ٣/ ٢٥٦، ٤١١، وانظر: شرح شواهده للنحاس ص ١٧٨، و\"تفسير الطبري\" ١/ ٣١٨، \"الزاهر\" ١/ ١٤١، ٢/ ٢٢٥، \"الإنصاف\" ص ٣٥٧، \"المخصص\" ١٧/ ٤٤، \"تهذيب اللغة\" (نصر) ٤/ ٣٥٨٤، \"اللسان\" (نصر) ٥/ ٢١١، \"تفسير ابن عطية\" ١/ ٢٤٥، \"تفسير القرطبي\" ١/ ٤٣٣، \"البحر المحيط\" ١/ ٢٣٨، \"الدر المصون\" ١/ ٤٠٦، \"فتح القدير\" ١/ ١٤٨.\n(٤) انظر: \"الزاهر\" ٢/ ٢٢٥، و\"تفسير الطبري\" ١/ ٣١٨.","vol":"2","page":612},{"text":"لَمَّا رَأَيْتُ نَبَطًا أَنْصارَا ... شَمَّرْتُ عَنْ رُكْبَتِيَ الإِزَارَا\nكُنْتُ لَهَا (١) مِنَ النَّصارَى جَارَا (٢)\nفجمع بين الأنصار والنصارى على التوفيق بين معنييهم.\nوقال الزجاج: ويجوز أن يكون واحد النصارى نَصْرِيٌّ، مثل بَعِيرٌ مَهْرِي وإبل مَهَارى (٣). وهذا قول مقاتل (٤)، وزعم أنهم سموا نصارى لاعتزائهم إلى قرية يقال لها نصرة (٥).\nوقوله تعالى: ﴿وَالصَّابِئِينَ﴾ قال أبو زيد: صبأ الرجل فى دينه يَصْبَأ صُبُوءًا. [إذا كان صابئا (٦).\nوهو الخارج من دين إلى دين، ومنه صبا النجم وأصبأ] (٧) إذا ظهر كأنه خرج من بين التي لم تطلع (٨)، قال الشاعر، أنشده ابن السكيت:\n_________\n(١) يروى (لهم).\n(٢) سبق تخريج الأبيات ص ٣٢٤.\n(٣) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ١١٩، وانظر: \"الزاهر\" ٢/ ٢٢٥، و\"تفسير الماوردي\" ١/ ٣٥٠، \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٧٩ أ، انظر: \"تفسير ابن عطية\" ١/ ٢٤٥.\n(٤) الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ٧٩ أ.\n(٥) في الطبري وغيره (ناصرة)، وأخرجه عن ابن عباس وقتادة، ١/ ٣١٨، وانظر \"الزاهر\" ٢/ ٢٢٥، \"تفسير أبي الليث\" ١/ ٣٧٣، \"تفسير الماوردي\" ١/ ٣٥١. قال ياقوت: (النَّاصِرة) فاعلة من النصر قرية بينها وبين طبرية ثلاثة عشر ميلًا، فيها كان مولد المسيح ﵇ ومنها اشتق اسم النصارى معجم البلدان ٥/ ٢٥١.\n(٦) ذكر الأزهري في \"تهذيب اللغة\" (صبا) ٢/ ١٩٦٦، وأبو علي في \"الحجة\" ٢/ ٩٤.\n(٧) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).\n(٨) \"إصلاح المنطق\" ص ١٥٧، \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ١١٩، \"تهذيب اللغة\" (صبا) ٢/ ١٩٦٦، و\"الحجة\" ٢/ ٩٤.","vol":"2","page":613},{"text":"وَأَصْبَأَ النَّجْمُ فِي غَبْراَء كَاسِفَةٍ ... كَأَنَّهُ بَائِسٌ (١) مُجْتَابُ أَخْلاَقِ (٢)\nوَصبَأَ نابه إذا خرج، يَصْبَأُ صُبُوءًا (٣).\nوقال (٤) أبو زيد (٥): صَبَأَتْ عليهم تَصْبَأُ صَبْأً وصُبُوءًا، إذا طلعت عليهم (٦). [وكأن] (٧) معنى الصابئ التارك دينه الذي شرع له إلى دين غيره، كما أن الصابئ على القوم تارك لأرضه منتقل إلى سواها، والدين الذي فارقوه هو (٨) تركهم التوحيد إلى عبادة النجوم وتعظيمها (٩).\nوقال أبو إسحاق في قوله: ﴿وَالصَّابِئِينَ﴾ معناه: الخارجين من دين إلى (١٠) دين، يقال: صَبَأَ فلان يَصْبَأُ، إذا خرج من دينه (١١).\nقال الليث: وكان يقال للرجل إذا أسلم في زمن النبي - ﷺ - قد صبأ، عنوا: أنه خرج من دين إلى دين (١٢).\n_________\n(١) في (ب)، (ج): (ياسر) وكذا في (أ) وصحح في الهامش.\n(٢) ورد البيت في \"إصلاح المنطق\" ص ١٥٧، \"المخصص\" ٩/ ٣٤، \"اللسان\" (صبأ) ٤/ ٢٣٨٥.\nوقوله (غبراء) الغبراء: الأرض و(مجتاب أخلاق) لابس ثياب خلقة بالية.\n(٣) \"معاني القرآن\" للزجاج١/ ١١٩، \"تهذيب اللغة\" (صبا) ٢/ ١٩٦٦.\n(٤) (الواو) ساقط من (ج).\n(٥) في (ب): (ابن).\n(٦) \"الحجة\" ٢/ ٩٤.\n(٧) في جميع النسخ (وكان) والتصحيح من \"الحجة\" ٢/ ٩٤.\n(٨) في (ب): (وهو).\n(٩) \"الحجة\" ٢/ ٩٤.\n(١٠) (إلى دين) ساقط من (ب).\n(١١) \"معاني القرآن\" للزجاج١/ ١١٩، \"تهذيب اللغة\" (صبا) ٢/ ١٩٦٦، والنص منه.\n(١٢) \"تهذيب اللغة\" (صبا) ٢/ ٢٩٦٦.","vol":"2","page":614},{"text":"وفي قوله: ﴿وَالصَّابِئِينَ﴾ قراءتان (١): التحقيق والتخفيف (٢)، فمن حقق فهو الأصل (٣). ومن خفف ولم يهمز لم يخل من أحد أمرين: إما أن يجعله من صبا يصبو إذا مال، ومنه قول الشاعر:\nصَبَوْتَ أَبَا ذِئْبٍ (٤) وَأَنْتَ كَبِيرُ (٥)\nوقال آخر:\nإِلىَ هِنْدٍ صبَا قَلْبِي ... وَهِنْدٌ مِثْلُهَا يُصْبِي (٦)\nأو (٧) يجعله على ترك الهمزة من صبأ (٨).\nقال أبو علي: فلا يسهل أن يأخذه (٩) من صبا إلى كذا، لأنه يصبو الإنسان إلى الدين، ولا يكون منه تدين مع صبوه إليه، فإذا بعد هذا، وكان\n_________\n(١) (قراءتان) ساقط من (ج).\n(٢) قرأ نافع بغير همز، وبقية السبعة بالهمز. انظر \"السبعة\" ص ١٥٨، و\"الحجة\" لأبي علي٢/ ٩٤، و\"التيسير\" ص ٧٤.\n(٣) انظر: \"الحجة\" لأبي علي ٢/ ٩٥، وعلى هذا تكون لام الكلمة همزة من (صبأ) إذا خرج عن دينه. انظر: \"الحجة\" لابن زنجلة ص ١٠٠، ولابن خالويه ص ٨١، \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٧٩ أ.\n(٤) في (ب): (تأديب).\n(٥) عجز بيت لأبي ذؤيب الهذلي، وصدره:\nدِيَارُ التِي قَالَتْ غَدَاةَ لَقِيتُهَا\nورد في \"شرح أشعار الهذليين\" للسكري ١/ ٦٥، و\"الحجة\" لأبي علي ٢/ ٦٩.\n(٦) ورد في \"العقد الفريد\" ٥/ ٤٨٤، \"اللسان\" (صبا) ٤/ ٢٣٨٥، ونسبه لزيد بن ضبة.\n(٧) في (ب): (إذا).\n(٨) أي: أن أصله الهمز فترك الهمز، \"الحجة\" لأبي علي ٢/ ٩٥، ٩٦، و\"الحجة\" لابن زنجلة ص ١٠٠، \"الحجة\" لابن خالويه ص ٨١.\n(٩) قال أبو علي: (.. أو تجعله على قلب الهمزة، فلا يسهل أن تأخذه من صبا إلى كذا ..) ٢/ ٩٦.","vol":"2","page":615},{"text":"الصابئون منتقلين من دينهم الذي أخذ عليهم إلى سواه ومتدينين به، لم يستقم أن يكون إلا من صبأ الذي معناه: انتقال من دينهم الذي شرع لهم [إلى آخر لم يشرع لهم] (١) فيكون الصابون (٢) إذًا على ترك الهمز، وترك الهمز على هذا الحد (٣) لا يجيزه سيبويه إلا في الشعر، ويجيزه غيره، فهو على قول من أجاز ذلك، وأبو زيد ممن أجازه، فقال: من (٤) قرأ الصابون قلب الهمزة التي هي لامٌ ياءً، ونقل الضمة التي كانت تلزم أن تكون على اللام إلى العين فسكنت الياء فحذفها لالتقاء الساكنين، هي والواو التي للجمع، وحذف كسرة عين فاعل فحركها بالضمة المنقولة (٥) إليها كقولهم: [خِفْتُ] (٦) و:\nحُبَّ بِهَا (٧) ...........\n_________\n(١) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).\n(٢) في (ب): (الصابيون)، وفي (ج): (الصابون).\n(٣) في \"الحجة\": (.. فيكون (الصابون) إذا على قلب الهمزة، وقلب الهمز على هذا الحد لا يجيزه سيبويه ..) ٢/ ٩٦.\n(٤) نسب الواحدي الكلام لأبي زيد وظاهر كلام أبي علي في \"الحجة\" غير ذلك، حيث قال في \"الحجة\": (.. وممن أجازه أبو زيد ....) ثم ذكر كلامًا لأبي زيد، ولسيبويه والخليل ولأبي الحسن، ثم قال: (.. ومن قلب الهمزة التي هي (لاَمٌ، يَاءً)، فقال: (الصابون) نقل الضمة التي كانت تلزم ..) فالكلام لأبي علي، والله أعلم. انظر: \"الحجة\" ٢/ ٩٦، ٩٧.\n(٥) في (ب): (المنقول).\n(٦) في (أ): (خفت) ثم طمست وكتب فوقها (حسب) وفي (ب): (حفت) وفي (ج): (حسب حفت وحسب ..) وما أثبت هنا موافق للحجة ٢/ ٩٧ والكلام عنه بنصه.\n(٧) جزء من بيت للأخطل في وصف الخمرة وتمامه:\nفّقُلْتُ اقْتُلُوهَا عَنْكُم بِمِزَاجِهَا ... وَحُبَّ بِهَا مَقْتُولةَ حين تُقْتَلُ\nقتل الخمر: مزجها بالماء حتى تذهب حدتها. ورد البيت في \"إصلاح المنطق\" =","vol":"2","page":616},{"text":"و........... حُسْن ذَا أَدَبَا (١)\nفنقلوا الحركة من العين إلى الفاء، وحذفوا الحركة التي كانت للفاء في الأصل وحركوها بالحركة المنقولة، هذا في الصابون (٢).\nفأما (الصابين) (٣) فقياس نقل الحركة أن تحذف (٤) كسرة عين فاعل وتنقل إليها الكسرة التي كانت تكون للام، ألا ترى أن الضمة منقولة إليها بلا إشكال، وإن شئت قلت: لا أنقل حركة اللام التي هي الكسرة كما نقلت حركتها التي هي الضمة؛ لأني لو لم أنقل الحركة التي هي الضمة، وقررت (٥) الكسرة لم تصح واو الجميع، فليس الكسرة مع الياء كالكسرة مع\n_________\n= ص ٣٥، و\"الحجة\" لأبي علي٢/ ٩٧، ٩٨، و\"المشوف المعلم\" ٢/ ٧٤٣، \"شرح المفصل\" ٧/ ١٢٩، ١٤١، \"الخزانة\" ٩/ ٤٢٩، ٤٣٠، \"اللسان\" (قتل) ٦/ ٣٥٣٠. والشاهد (حب بها) يروي بالفتح والضم، فإذا نقلت حركة العين إلى الفاء بعد حرف حركتها صار (حب) بالضم، وإن حذفت حركة العين صار بالفتح.\n(١) جزء من بيت لسهم بن حنظلة الغنوي وتمامه:\nلَمْ يَمْنَع النَّاسُ مِنِّي مَا أَردْتُ وَمَا ... أُعْطِيهِمُ مَا أَرَادُوا حُسْنَ ذَا أَدَبَا\nيقول. إنه يمنع الناس مما يريدون منه ويقهرهم، ويأخذ هو ما أراد منهم وجعله أدبًا حسنًا، وقيل: ينكر على نفسه أن يعطيه الناس وهو يمنعهم. ورد البيت في \"إصلاح المنطق\" ص ٣٥، و\"الحجة\" ٢/ ٩٧، ٩٨، \"الخصائص\" ٣/ ٤٠، و\"الأصمعيات\" ص ٥٦، و\"التكملة\" ص ٢٥١، و\"المشوف المعلم\" ٢/ ٧٤٢، \"اللسان\" (حسن) ٢/ ٨٧٧، \"الخزانة\" ٩/ ٤٣١، والشاهد (حُسْن) فإنه منقول من (حَسُن).\n(٢) في (ب) (الصابيون). وهي جزء من آية: ٩٦ المائدة، على قراءة نافع.\n(٣) كلام أبي علي في \"الحجة\": (.... وحركها بالحركة المنقولة، كما حرك العين من فاعل بالحركة المنقولة، وقياس نقل الحركة التي هي ضمة إلى العين أن تحذف كسرة عين فاعل ..) ٢/ ٩٧.\n(٤) في (ج): (يحذف).\n(٥) في (ج): (قدرت) وفي (أ) محتملة، وما في (ب) موافق لما في \"الحجة\" ٢/ ٩٧.","vol":"2","page":617},{"text":"الواو، فإذا كان كذلك ألقيت (١) الحركة (٢) التي كانت تستحقها اللام (٣)، ولم أنقلها (٤)، كما ألقيت (٥) حركة المدغم ولم أنقلها في قول من قال: ﴿يَهِدِّي﴾ [يونس: ٣٥] فحرك الهاء بالكسرة لالتقاء الساكنين، ولم ينقلها كما نقلها من قال: ﴿يَهِدِّي﴾. ومثل ذلك في أنك تنقل الحركة مرة ولا تنقلها أخرى قولك: وَحَبَّ بِهَا مَقْتُولَةً\nوَحُبَّ بِهَا مَقْتُولَةً (٦)\nو: حَسْنَ ذَا أَدَبًا\nو: حُسْنَ ذَا أَدَبًا (٧)\nفأما مذهب الصابئين (٨) فقد ذكرنا أنهم يعبدون النجوم، وقال قتادة: هم قوم يعبدون الملائكة (٩). وقال مجاهد: قبيلة نحو الشام بين (١٠) اليهود والمجوس، لا دين لهم (١١).\n_________\n(١) كذا في جميع النسخ، وفي \"الحجة\" في الموضعين (أبقيت) ٢/ ٩٧ وهو الصواب.\n(٢) (الحركة) ساقط من (ب).\n(٣) في (ج): (للام).\n(٤) في (ب): (أدغمها).\n(٥) في \"الحجة\" (أبقيت) وانظر التعليق السابق على (ألقيت).\n(٦) جزء من بيت للأخطل، يروي بفتح الحاء وضمها، مرَّ تخريجه قريبًا.\n(٧) جزء من بيت لسهم بن حنظلة، مر تخريجه قريبًا. وبهذا انتهى ما نقله عن \"الحجة\" لأبي علي ٢/ ٩٥، ٩٨.\n(٨) في (ب) (الصابين).\n(٩) أخرجه الطبري ونصه: (الصابئون قوم يعبدون الملائكة ويصلون إلى القبلة ويقرؤون الزبور) ١/ ٣١٩، وذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ٩٧ ب، \"تفسير الماوردي\" ١/ ٣٥٢.\n(١٠) في (ب) (من).\n(١١) أخرجه الطبري عن مجاهد من طرق ١/ ٣١٩، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ١/ ٣٩١. وذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ٩٧ أ، \"تفسير الماوردي\" ١/ ٣٥٢.","vol":"2","page":618},{"text":"وقال الليث: هم قوم يشبه دينهم دين النصارى إلا أن (١) قبلتهم نحو مهب الجنوب، يزعمون أنهم على دين نوح، وهم كاذبون (٢).\nقال عبد العزيز بن يحيى: هم قوم درجوا وانقرضوا (٣).\nواختلف المفسرون في معنى هذه الآية على طريقين (٤):\nأحدهما: أن الذين آمنوا، أي (٥): بالأنبياء الماضين (٦) ولم يؤمنوا بك، وقيل: أراد المنافقين الذين آمنوا بألسنتهم ولم يؤمنوا بقلوبهم. من آمن\n_________\n(١) في (ب): (أنهم).\n(٢) \"تهذيب اللغة\" (صبا) ٢/ ١٩٦٦.\n(٣) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ٩٧ ب، \"البحر المحيط\" ١/ ٢٣٩.\n(٤) سلك الواحدي طريقة الثعلبي في إيضاح الآية، وخلاصة ما ذكره الثعلبي أن في الآية طريقين:\nالأول: أن الإيمان في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ على طريق المجاز، ثم اختلفوا فيهم فقيل: من آمن بالأنبياء الماضين ولم يؤمن بك، وقيل: المنافقون.\nالثاني: أن الإيمان على الحقيقة، فقيل: المراد المؤمنون من هذه الأمة، وقيل: الذين آمنوا بالنبي قبل المبعث، وقيل: المؤمنون من الأمم الماضية.\nوسبب هذا الخلاف هو كيف يتم الجمع بين قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ثم قال: ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ انظر: \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٩٧ ب، و\"تفسير البغوي\" ١/ ٩٧، وأما ابن جرير فقال: (فإن قال: وكيف يؤمن المؤمن؟ قيل: ليس المعنى في المؤمن المعنى الذي ظننته، من انتقال من دين إلى دين كانتقال اليهودي والنصراني إلى الإيمان -وإن كان قد قيل إن الذين عنوا بذلك، من كان من أهل الكتاب على إيمانه بعيسى وبما جاء به، حتى أدرك محمدًا - ﷺ - فآمن به وصدق فقيل لأولئك ... آمنوا بمحمد وبما جاء به- ولكن معنى إيمان المؤمن في هذا الموضع، ثباته على إيمانه وتركه تبديله. وأما إيمان اليهود والنصارى والصابئين فالتصديق بمحمد - ﷺ - وبما جاء به ..) \"الطبري\" ١/ ٣٢٠، وانظر: \"تفسير ابن كثير\" ١/ ١١١.\n(٥) (أي) ساقط من (ب).\n(٦) في (أ): (الماضيين) وما في (ب)، (ج) موافق لما في الثعلبي.","vol":"2","page":619},{"text":"بالله من جملة الأصناف المذكورة في هذه الآية إيمانا حقيقيا (١) ولا يتم إيمانهم بالله إلا بإيمانهم بمحمد - ﷺ -. فإذا آمنوا بالله ورسوله محمد، فلهم أجرهم عند ربهم، والدليل على أنه أراد مع (٢) الإيمان بالله الإيمان بمحمد أنه قال: ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ وقد قام الدليل على أن من لا يؤمن بالنبي - ﷺ - لا يكون عمله صالحًا.\nوقال ابن جرير: في قوله: ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ إضمار واختصار، تقديره (٣) من آمن منهم بالله (٤)، لأن قوله: ﴿مَنْ آمَنَ﴾ في موضع خبر إن (٥) ولا بد من عائد إلى اسم إن، والعائد هاهنا محذوف، كأنه قيل: من آمن منهم بالله (٦)، وهذا مصرح به في سورة المائدة (٧). وهذا معنى قول ابن\n_________\n(١) في (ب): (وحقيقًا). وقوله: (حقيقيًّا) يفيد أن الإيمان المذكور في أول الآية مجازي كما مر في كلام الثعلبي.\n(٢) (مع) ساقط من (ب).\n(٣) في (ب): (وتقديره).\n(٤) \"تفسير الطبري\" ١/ ٣٢٠، ذكر كلامه بمعناه، وانظر: \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٨٠ أ.\n(٥) (أن) ساقط من (ب). وفي نسخة (أ) تعليق من الكاتب صدره بقوله: ش. ك، ونصه: (محل (من آمن) الرفع إن جعلته مبتدأ، خبره (فلهم أجرهم). والنصب إن جعلته بدلا من اسم (إن) والمعطوف عليه، فخبر (إن) في الوجه الأول الجملة كما هي، وفي الثاني: (فلهم) و(الفاء) لتضمن (من) معنى الشرط) وهو منقول من \"الكشاف\" بنصه ١/ ٢٨٦.\n(٦) هذا على إعراب (من) في محل رفع مبتدأ، وقيل: في محل نصب بدل من اللذين، ويكون الخبر: (فلهم) والأول أحسن. انظر: \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ١٨٢، و\"المشكل\" لمكي ١/ ٥١، و\"البيان\" ١/ ٨٨، \"تفسير القرطبي\" ١/ ٣٧٠، وذكر أبو حيان: أن هذين الوجهين لا يصحان إلا على تغاير الإيمانين، الإيمان الذي هو صلة (الذين)، والإيمان الذي هو صلة (من). \"البحر\" ١/ ٢٤١.\n(٧) في سورة المائدة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ =","vol":"2","page":620},{"text":"عباس في رواية الكلبي (١).\nالطريقة الثانية: أن المراد بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أصحاب النبي - ﷺ - ومؤمنو هذه الأمة، ﴿وَالَّذِينَ هَادُوا﴾، أي: الذين آمنوا بموسى والتوراة ولم (٢) يبدلوا ولم يغيروا، ﴿وَالنَّصَارَى﴾ يعني نصار (٣) عيسى على غير تبديل ولا تحريف لما في الإنجيل، ﴿وَالصَّابِئِينَ﴾ يعني الخارجين من الكفر إلى الإسلام، ﴿مَنْ آمَنَ﴾ أي من مات منهم على دين الإسلام، لأن حقيقة الإيمان تكون (٤) بالعاقبة (٥)، ﴿وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾. وهذا معنى قول ابن عباس في رواية عطاء (٦).\n_________\n= وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [المائدة: ٦٩]. ولم يرد فيها ذكر العائد، ولعل الذي أوقعه في هذا الوهم قول الثعلبي (.. وفيه اختصار واضمار تقديره: من آمن منهم بالله واليوم الآخر نظيره في سورة المائدة ..). \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٨٠ أ.\n(١) ورد هذا في التفسير المنسوب لابن عباس من رواية الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس، والمسمى \"تنوير المقباس\" ١/ ٢٨، \"على هامش الدر\".\n(٢) (ولم يبدلوا) ساقط من (ب).\n(٣) في (ب): (نصارى).\n(٤) في (أ)، (ج) (يكون) وأثبت ما في (ب) لمناسبته للسياق.\n(٥) \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٧٩ ب. وفيه (لأن حقيقة الإيمان بالموافاة) وانظر: \"تفسير\nالبغوي\" ١/ ٧٩.\n(٦) لم أجده عن ابن عباس من طريق عطاء، وهذا المعنى ذكره الطبري عن مجاهد والسدي، وأخرج عن ابن أبي طلحة عن ابن عباس قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾. فأنزل الله تعالى بعد هذا: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ٨٥]. قال الطبري: وهذا الخبر يدل على أن ابن عباس كان يرى أن الله جل ثناؤه كان قد وعد من عمل صالحا من اليهود والنصارى والصابئين على عمله، في =","vol":"2","page":621},{"text":"قالوا: ويجوز أن يقدر فيه \"واو\" أي: ومن آمن بعدك يا محمد إلى يوم القيامة (١). ووحد الفعل في قوله: آمن (٢) ثم جمع الكناية في قوله: ﴿فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ﴾ لأن من تصلح للواحد والجميع (٣) والمذكر والمؤنث، فالفعل يعود إلى لفظ (مَنْ) وهو واحد مذكر، والكناية تعود إلى معنى (من) ومثله في القرآن كثير (٤). قال الله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ﴾ [الأنعام: ٢٥،ومحمد:١٦]، وفي موضع آخر: ﴿يَستَمِعُونَ﴾ [يونس: ٤٢]، وقال: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ﴾ [النساء: ١٣]، ثم قال: ﴿خَالِدِينَ﴾ فجمع، وقال: ﴿وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ﴾ [الأنبياء: ٨٢]، وأنشد الكسائي:\nأَلِمَّا بِسَلْمَى أَنْتُمَا إنْ عَرضْتُما ... وَقُولَا لَها عُوجِي عَلَى مَنْ تَخَلَّفُوا (٥)\nفجعل (مَنْ) بمنزلة (الذين). وقال الفرزدق:\n_________\n= الآخرة الجنة، ثم نسخ ذلك ..) الطبري ١/ ٣٢٣، وانظر: \"تفسير ابن أبي حاتم\" ١/ ٣٧٩.\n(١) الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ٧٩ ب، وانظر: \"تفسير البغوي\" ١/ ٧٩.\n(٢) (أمن) مكرر في (ب).\n(٣) في (ب): (والجمع).\n(٤) انظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ٣٢١، \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ١١٨، \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٨٠ أ، \"تفسير الماوردي\" ١/ ٣٥٢، \"تفسير ابن عطية\" ١/ ٣٢٩.\n(٥) البيت لامرئ القيس، وقيل: لرجل من كندة، وقوله: (ألما): أي زوراها (إن عرضتما): بلغتما إليها (عوجي): أعطفي وقفي، والرواية للبيت (عنكما) بدل (أنتما) ورد في \"تفسير الطبري\" ١/ ٣٢١، \"تفسير الماوردي\" ١/ ٣٥٣، \"تفسير القرطبي\" ١/ ٣٧١، \"الدر المصون\" ١/ ٤٠٨، \"ديوان امرئ القيس\" ص ٣٢٤)، وفي \"أضداد\" ابن الأنباري ورواية شطره: ألما بسلمى لمَّة إذ وقفتما ص ٣٣٠.","vol":"2","page":622},{"text":"تَعَالَ فِإنْ عَاهَدْتَنِي لا تَخُونُنِي ... نكُنْ مِثْلَ مَنْ يَا ذِئْبُ يَصْطَحِبانِ (١)\nوإنما جاز ذلك في (من)؛ لأنه مبهم جامد لا يتصرف ولا يتبين فيه الإعراب ولا العدد، وكذلك (ما) إلا أن (من) لبني آدم والموصوفين بالعقل، و(ما) لغيرهم. وعلى هذا (٢) يحكى أن جريرًا أنشد قوله:\nيَا حَبَّذَا جَبَلُ الرَّيانِ مِنْ جِبَلٍ ... وَحَبَّذَا ساكِنُ الرَّيانِ مَنْ كَانَا (٣)\nفقيل له: وإن كان ساكنه (٤) قرودًا؟ فقال: إنما يلزمني هذا لو قلت: ما كانا، وربما عاقب (ما) مَنْ على السعة كقوله: ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا﴾ [الشمس: ٥]، على تأويل: ومن بناها (٥) وإنما ترخصوا في ذلك لأنهم قد يبدلون النون الخفيفة ألفا، كما قالوا: رأيت رجلًا، في الوقف، فالألف فيه بدل من التنوين، ومثله قوله: ﴿لَنَسْفَعًا﴾ [العلق: ١٥]، قول الشاعر:\n_________\n(١) البيت من الشواهد النحوية المشهورة، ورد في \"الكتاب\" ٢/ ٤١٦، \"المقتضب\" ٢/ ٤٩٤، ٣/ ٢٥٣، و\"الأصول\" في النحو ٢/ ٢٩٧، و\"شرح أبيات سيبويه\" للسيرافي ٢/ ٨٤، \"مغني اللبيب\" ٢/ ٤٠٤، \"الكامل\" ١/ ٣٦٨، و\"طبقات فحول الشعار\" ١/ ٣٦٦، \"الأضداد\" لابن الأنباري ص ٣٣٠)، \"المخصص\" ١٧/ ٥٥، والطبري ١/ ٣٧١، \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٨٠ أ، \"تفسير ابن عطية\" ١/ ٣٢٩، \"تفسير القرطبي\" ١/ ٣٧١، والهمع ١/ ٣٠٠، و\"ديوان الفرزدق\" ٢/ ٣٢٩، وفي بعض المصادر (تعش) بدل (تعال). والشاهد: أنه ثنى (يصطحبان) لمعنى (من).\n(٢) (على هذا) ساقط من (ب).\n(٣) قوله: (الريان): اسم جبل أسود عظيم في بلاد طيئ، انظر: \"معجم ما استعجم\" ٢/ ٦٩٠، \"معجم البلدان\" ٢/ ١١١، وقد ورد البيت أيضًا في \"جمل الزجاجي\" ص ١١٠، و\"شرح الجمل\" لابن عصفور ١/ ٦١١، و\"اللسان\" (حبب) ١/ ٧٤٤، و\"شرح المفصل\" ٧/ ١٤٠، و\"الهمع\" ٥/ ٤٥، و\"ديوان جرير\" ص ٤٩٠.\n(٤) (ساكنه) ساقط من (ب).\n(٥) انظر: \"تفسير الطبري\" ٣٠/ ٢٠٩. (ط/ الحلبي).","vol":"2","page":623},{"text":".. والله فاعبدا (١)\nوقد جاء في (من) بعض التصريف في بعض اللغات، كقوله:\nأَتَوْا نَارِي فَقُلْتُ مَنُونَ أَنْتُم ... فَقَالُوا (٢) الجِنُّ قُلْتُ عِمُوا ظلاما (٣)\nوقد يلزمها الإعراب في مثل قولهم: رأيت فلانًا، فتقول على\n_________\n(١) في (ب): (فاعبدوا). جزء من بيت للأعشى من قصيدة قالها لما قدم مكة يريد الإسلام، ثم صدته قريش عن ذلك، وقد روى سيبويه البيت:\nفَإيَّاكَ والمَيْتَاتِ لا تَقْرَبَنَّهَا ... وَلا تَعْبُدِ الشيطانَ واللهَ فاعْبُدَا\nوتبعه على ذلك جمهور النحاة، وقال بعض المحققين: إنه بهذه الرواية ملفق من بيتين كما في \"ديوان الأعشى\":\nفَإيَّاكَ والمَيْتَاتِ لا تأكُلَنَّهَا ... ولا تَأخُذَنْ سَهْمًا حَدِيدًا لِتَفْصدَا\nوذَا النُّصبَ المَنْصُوبَ لا تَنْسُكَنَّهُ ... ولا تَعْبُدِ الأوْثَانَ واللهَ فاعْبُدَا\nانظر: \"ديوان الأعشى\" ص ١٣٧، و\"الكتاب\" ٣/ ٥١٠، و\"شرح أبيات سيبويه\" للسيرافي ٢/ ٢٤٤، \"المخصص\" ١٣/ ١٠٤، \"تهذيب اللغة\" (نصب) ٤/ ٣٥٨١، \"اللسان\" (سبح) ٤/ ١٩١٦، و(نون) ٨/ ٤٥٨٧، و\"الأزهرية\" ص ٢٧٥، و\"شرح الكافية\" لابن مالك ٣/ ١٤٠٠، و\"مغني اللبيب\" ٢/ ٣٧٢، و\"الهمع\" ٤/ ٣٩٧، \"المقتضب\" ٥٢٨، \"الإنصاف\" ٢/ ١٥٧، \"شرح المفصل\" ٩/ ٣٩، ٨٨، ١٠/ ٢٠.\n(٢) في (أ)، (ج): (قالوا).\n(٣) البيت لشمير بن الحارث، وروي البيت في قصيدة حائية (عما صباحًا) منسوبًا لجذع بن سنان. يخاطب الجن، وقوله: (عموا ظلامًا) خاطب به الجن، كما كانوا يقولون لبني آدم: عموا صباحًا. ورد في \"الكتاب\" ٢/ ٤١١، و\"شرح أبياته لابن السيرافي\" ٢/ ١٨٣، \"المقتضب\" ٢/ ٣٦٠، \"نوادر أبي زيد\" ص ٣٨٠، \"الخصائص\" ١/ ١٢٩، \"الصحاح\" (منن) ٦/ ٢٢٠٨، و\"الهمع\" ٥/ ٣٤٦، ٦/ ٢٢١، و\"شرح ابن عقيل\" ٣/ ٨٨، و\"الجمل\" للزجاجي ص ٣٣٦)، و\"الخزانة\"٦/ ١٦٧، ٧/ ١٠٥، \"شرح المفصل\" ٤/ ١٦، \"اللسان\" (حسد) ٢/ ٨٦٨، وفي عدة مواضع. والشاهد فيه (منون أنتم) حيث جمع (من) مع الوصل وهذا من الضرورة. قال سيبويه: وهذا بعيد، وإنما يجوز هذا على قول شاعر قاله مرة في شعر ثم لم يسمع بعد ٢/ ٤١٠.","vol":"2","page":624},{"text":"الحكاية: منا بالنصب (١)، ومثله: منو ومني إذا قال: جاءني فلان ومررت بفلان، وقد يؤنثون فيقولون: منة فلما جاز هذا التصرف في (من) جاز إبدال نونها بالألف.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ يقال: كيف قال هذا مع (٢) ما يمر بهم من أهوال القيامة؟ قيل: لأنه لا يعتد بذلك، من أجل أنه عارض ثم يصيرون (٣) إلى النعيم الدائم، لقوله: ﴿لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ﴾ [الأنبياء: ١٠٣]، وهو كما تقول (٤) للمريض: لا بأس عليك. وقيل: إن أهوال القيامة إنما تنال (٥) الضالين دون المؤمنين، والأول هو الوجه لعموم قوله: ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ﴾ الآية [الحج: ٢].\n_________\n(١) هذه الحروف التي تلحق (من) ليست للإعراب إنما هي من باب الحكاية إذا كانت مستفهمًا بـ (من) عن نكرة، فذا قال. رأيت رجلا، فالجواب أن تقول: منا؟، وإذا قال جاءني رجل، تقول: منو؟، أو مني إذا قال مررت برجل، وليست الواو والياء والألف التي لحقت (من) إعرابًا، إنما يلحقن في الوقف فقط، فهن دليل ولسن بإعراب، ومثله في التثنية والجمع فإذا قال: جاءتني امرأتان. تقول: منتان؟ وإذا قال جاءني رجال. قلت. منون؟. فإذا وصلت: قلت: من يا فتى في كل ما سبق لأن هذا هو الأصل. وجعل سيبويه والمبرد وغيرهما من النحاة البيت الذى استشهد به الواحدي من ضرورة الشعر، ولا يقاس عليه، خلافا ليونس. انظر: \"الكتاب\" ٢/ ٤٠٩، \"المقتضب\" ٢/ ٣٠٦، \"الصحاح\" (منن) ٦/ ٢٢٠٨، و\"أوضح المسالك\" ص ٢٥٥.\n(٢) في (ج): (معما يجبر بهم).\n(٣) في (ب): (يسير).\n(٤) في (ب): (يقول).\n(٥) في (ب): (ينال).","vol":"2","page":625},{"text":"وكذلك ما ورد من الأخبار في هذا (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-287>٦٣ </span>- قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ﴾ الآية الأخذ يستعمل في معان كثيرة، ويتصرف على ضروب (٢)، منها: أن يدل على العقاب كقوله: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى﴾ [هود: ١٠٢]، وقوله: ﴿فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ﴾ [الأنعام: ٤٢]، ﴿وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾ [هود: ٦٧]، ﴿وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ﴾ (٣) [الأعراف: ١٦٥]، ﴿فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر: ٤٢].\nومنها: أن يستعمل للمقاربة، تقول العرب: أخذ يقول كذا، كما قالوا: جعل يقول، وطفق يقول.\nومنها: أن يتلقى بما يتلقى به القسم، كقوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [آل عمران: ١٨٧]، ألا ترى أنه قال: ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ﴾ فأخذ (٤)\n_________\n(١) قال ابن جرير: (لا خوف عليهم فيما قدموا عليه من أهوال القيامة).٢/ ١٥٠. وقال القرطبي عند تفسير قوله تعالى: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٣٨]. قال: (قيل: ليس فيه دليل على نفي أهوال يوم القيامة وخوفها على المطيعين، لما وصفه الله تعالى ورسوله من شدائد القيامة، إلا أنه يخفف عن المطيعين، وإذا صاروا إلى رحمته فكأنهم لم يخافوا) ١/ ٣٢٩.\nوذكر أبو حيان في تفسير هذه الآية أقوالا كثيرة ثم قال: (وظاهر الآية عموم نفي الخوف والحزن عنهم، لكن يخص بما بعد الدنيا ..) \"البحر\" ١/ ١٧٠.\n(٢) الكلام عن (الأخذ) نقله الواحدي عن أبي علي الفارسي من كتاب \"الحجة\" ٢/ ٧٢ انظر مادة (أخذ) في \"تهذيب اللغة\" ١/ ١٢٩، \"الصحاح\" ٢/ ٥٥٩، \"مقاييس اللغة\" ١/ ٦٨، و(الغريبين) ١/ ٢٣، و\"مفردات الراغب\" ص ١٢، و\"إصلاح الوجوه والنظائر\" ص ٢٠، و\"نزهة الأعين النواظر\" ص ١٣٣.\n(٣) (ج): (فأخذنا) تصحيف.\n(٤) في (ب)، (ج): (واخد).","vol":"2","page":626},{"text":"الميثاق هاهنا بمعنى الاستحلاف وتوكيد العهد، وكذلك في هذه الآية.\nومثل أخذ في معنى العقاب: آخذ (١)، قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا﴾ [فاطر: ٤٥]، وقال: ﴿لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وقال: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ﴾ [البقرة: ٢٢٥].\nويستعمل من الأخذ التفعيل والاستفعال، قالوا: رجل مُؤَخَّذٌ عن امرأته (٢)، وقال الفقهاء في الرجل المؤخذ عن امرأته: يؤجل كما يؤجل العنين (٣).\nوأما اسْتَفْعل فقال الأصمعي (٤): الاستئخاذ: أشد الرمد، قال الهذلى (٥):\nيَرْمِي الغُيُوبَ (٦) بِعَيْنيه ومَطْرِفُه ... مُغْضٍ كما كَسَفَ المُسْتَأْخِذَ الرَّمَدُ (٧)\n_________\n(١) \"الحجة\" لأبي علي ١/ ٧٣، انظر: \"الصحاح\" (أخذ) ٢/ ٥٥٩، \"مفردات الراغب\" ص ١٣،١٢).\n(٢) قال أبو علي: (وأما (فعَّل) فقالوا: رجل مُؤَخذٌ عن امرأته) \"الحجة\" ٢/ ٧٤، انظر: \"تهذيب اللغة\" (أخذ) ٧/ ٥٢٦، \"الغريبين\" ١/ ٢٤.\n(٣) ذكره أبو علي عن أبي حنيفة ﵀. \"الحجة\" ٢/ ٧٤، انظر: \"بدائع الصنائع\" ٢/ ٣٢٢ - ٣٢٣، و\"المغني\" ٧/ ٦٠٢.\n(٤) في \"الحجة\" (فقال الأصمعي فيما روى عنه الزيادي ..) \"الحجة\" ٢/ ٧٤، وانظر \"تهذيب اللغة\" (أخذ) ١/ ١٢٩.\n(٥) هو أبو ذؤيب الهذلي.\n(٦) في (ج): (العيوب).\n(٧) في هذا البيت يصف حمارًا وحشيًا، وقوله: (يرمى الغيوب) أي: ينظر ما غاب عنه خشية الصائد يرميه بطرفه حذرا، و(المغضي): الذي كف من بصره وهو مع ذلك ينظر، و(كسف): نكس رأسه لما أخذ الرمد فيه. انظر \"شرح أشعار الهذليين\" ١/ ٥٨، و\"جمهرة اللغة\" ٣/ ٢٣٧، و\"الحجة\" ٢/ ٧٥، و\"المخصص\" ١/ ١١٠، \"تهذيب =","vol":"2","page":627},{"text":"أي: عين المُسْتأخِذ فحذف المضاف، والرمد الفاعل (١). وهذه الآية خطاب لليهود وإن كان آباؤهم أخذ الميثاق عليهم. روى أبو صالح، عن ابن عباس أنه قال. هما ميثاقان (٢): الأول (٣): حين أخرجهم من صلب آدم وأشهدهم على أنفسهم. والثاني: أن كل نبي بعث إلى قومه أخذ عليهم الميثاق بالطاعة لله والإيمان بمحمد - ﷺ - (٤).\nوقوله تعالى: ﴿وَرَفَعنَا فَوقَكُمُ الطُّورَ﴾. الواو ﴿وَرَفَعنَا﴾ واو الحال، المعنى إذ أخذنا ميثاقكم في حال رفع الطور (٥)، ويضمر معه قد لتصلح الحال كما ذكرنا في قوله: ﴿وَكُنتُم أَموَاتًا﴾ (٦) [البقرة:٢٨]. ونذكر كيف أخذ الميثاق في حال رفع الطور، وأما الطور فقيل: إنه الجبل (٧)\n_________\n= اللغة\" (أخذ) ١/ ١٢٩، و(غاب) ٢٦١٦، و(كسف) ٤/ ٣١٤٤، \"مقاييس اللغة\" ١/ ٦٩، \"اللسان\" (غيب) ٦/ ٣٣٢٢، و(أخذ) ٣٨١١، و(كسف) ٧/ ٣٨٧٧.\n(١) هذا آخر ما نقله عن \"الحجة\" ٢/ ٧٥.\n(٢) في (ج): (ميتاق).\n(٣) في (ب): (أول).\n(٤) ذكره أبو الليث عن ابن عباس ١/ ٣٧٦. وذكر ابن جرير أن المراد به الميثاق الذي أخذه منهم في قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [البقرة: ٨٣ - ٨٥]، وأخرجه بسنده عن ابن زيد. الطبري ٢/ ١٥٦، وذكر الزجاج قولين فيه: الأول: حين أخرج الناس كالذر ورجحه، والثاني: ما أخذه على الرسل ومن تبعهم. \"معاني القرآن\" ١/ ١١٩.\n(٥) ذكر أبو حيان: أن هذه الواو تحتمل أن تكون للعطف إذا كان أخذ الميثاق متقدمًا، وإن كان أخذ الميثاق في حال رفع الطور فهي للحال. \"البحر\" ١/ ٢٤٣.\n(٦) وقد ذكر هناك القاعدة عند الجمهور: وهي أن الجملة الفعلية الماضوية، إذا وقعت حالا فلا بد من تقدير (قد) وقيل: لا يلزم ذلك. انظر ص ٦٦٧.\n(٧) في (ب): (جبل).","vol":"2","page":628},{"text":"بالسريانية (١)، فإن صح ذلك فهو وفاق وقع (٢) بين لغتهم ولغة العرب، لأنه لا يجوز أن يوجد في القرآن إلا ما تكلمت به العرب (٣)، وهذا مما تكلم به العرب، قال العجاج:\nدَانَى جَنَاحَيْهِ من الطُّورِ فَمَرْ (٤).\nوقيل: إنه اسم جبل بعينه، وهو جبل بالشام (٥)، قال ذو الرمة:\nأَعاريبُ طُورِيُّونَ عن كُلِّ بلدة ... يَحيدونَ (٦) عنها مِنْ حِذَارِ المَقادِرِ (٧)\n_________\n(١) انظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ٣٢٥، \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٨٠ أ.\n(٢) (وقع) ساقط من (ب).\n(٣) قال القرطبي: (لا خلاف بين الأئمة أنه ليس في القرآن كلام مركب على أساليب غير العرب، وأن فيه أسماء أعلامًا .. كإسرائيل ونوح ولوط، واخلفوا هل وقع فيه ألفاظ غير أعلام مفردة من غير كلام العرب) ١/ ٦٨. فذهب الطبري في \"تفسيره\" إلى أن ذلك غير موجود، وكذا الثعلبي ١/ ٨٠ أ، وذهب ابن عطية إلى أنه موجود لكن العرب استعملتها قبل وغيرت فيها، فدخلت في لغتها.\n(٤) الرجز من قصيدة يذكر فيها مآثر عمر بن عبد الله بن معمر التميمي وبعده:\nتَقَضِّيَ البازي إذا البَازِي كَسَرْ\nضم جناحيه للانقضاض، و(تقضي): أصلها (تقضض) ثلاث ضادات فقلبت الثالثة ياء طلبا للخفة، و(البازي): الشديد من الصقور ورد البيت في \"ديوان العجاج\" ص ٢٨، \"تفسير الطبري\" ١/ ٣٢٤، \"تهذيب اللغة\" (طرأ) ٣/ ٢١٧٣، انظر \"تفسير ابن عطية\" ١/ ٣٣٠، \"الكشاف\" ٤/ ٤٢٦، \"اللسان\" (طرأ) ٥/ ٢٦٤٩، \"البحر المحيط\" ١/ ٢٣٩، \"الدر المصون\" ١/ ٤٠٩.\n(٥) انظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ٣٢٥، \"تفسير الماوردي\" ١/ ٣٥٣، \"تفسير ابن عطية\" ١/ ٣٣٠، ١٥/ ٥٠٢.\n(٦) في (ب): (يحيدرون).\n(٧) ورد البيت في \"التهذيب\" (طور) ٣/ ٢٢٢٩، \"اللسان\" (طرأ) ٥/ ٢٦٤٩، و(طور) ٥/ ٢٧١٨، \"الخزانة\" ٧/ ٣٥٥، و\"ديوان ذي الرمة\" ٣/ ١٦٩٨، وفي بعضها (قرية) بدل (بلدة).","vol":"2","page":629},{"text":"طوريون أي: وحشيون، يحيدون عن القرى حذار الوباء والتلف، كأنهم نسبوا إلى الطور وهو جبل بالشام.\nوقال الفراء في قوله تعالى: ﴿وَالطُّورِ﴾ [الطور: ١] قال: هو الجبل الذي بمدين، كلم الله عليه موسى (١).\nقال المفسرون: إن موسى لما أتاهم بالتوراة فرأوها وما فيها من التغليظ كبر ذلك عليهم وأبوا أن يقبلوا ذلك، فأمر الله جبلًا من جبال فلسطين فانقلع من أصله حتى قام على رؤوسهم مثل الظلة، وكان العسكر فرسخا في فرسخ والجبل كذلك، وأوحى الله إلى موسى إن قبلوا التوراة وإلا رضختهم بهذا الجبل، فلما رأوا ذلك وأن لا مهرب لهم، قبلوا ما فيها وسجدوا من الفزع، وجعلوا يلاحظون الجبل وهم سجود، فمن أجل ذلك يسجد اليهود على أنصاف وجوههم، فهذا معنى أخذ الميثاق في حال رفع الجبل فوقهم (٢)، لأن في هذه الحالة قيل لهم: ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾ [وكان فيما آتاهم الله تعالى الإيمان بمحمد (٣) - ﷺ -.\nوقوله: ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾ [(٤) أي: وقلنا لكم خذوا (٥)،\n_________\n(١) في (ب): (موسى عليه). كلام الفراء في \"معاني القرآن\" ٣/ ٩١.\n(٢) \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٨٠ ب، \"تفسير أبي الليث\" ١/ ٣٧٧، وانظر. \"الطبري\" ١/ ٣٢٤، \"ابن عطية\" ١/ ٢٤٨، \"القرطبي\" ١/ ٣٧٢، \"البحر المحيط\" ١/ ٢٤٣.\n(٣) في (ب): (لمحمد).\n(٤) ما بين المعقوفين ساقط من (ج).\n(٥) نسب الطبري هذا القول لبعض نحوي أهل البصرة، قال: وقال بعض نحوي أهل الكوفة: أخذ الميثاق قول، فلا حاجة إلى إضمار قول، ورجَّح هذا في \"تفسيره\" ١/ ٣٢٦، وانظر: \"البحر المحيط\" ١/ ٢٤٣.","vol":"2","page":630},{"text":"وتأويل (١)] ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾ اعملوا بما أمرتم فيه وانتهوا عما نهيتم عنه.\nوقوله: ﴿بِقُوَّةٍ﴾ قال ابن عباس والحسن وقتادة: بجد ومواظبة على طاعة الله واجتهاد (٢)، وتأويله: خذوا ما آتيناكم بعزيمة على طاعة الله واتباع رسله.\nوقال الزجاج: أي بقوة قلب ويقين ينتفي عنده الريب (٣) والشك، لما كان (٤) لكم من عظيم الآيات، وأصل القوة: الشدة، ومنه قوة الحبل، لأنها تقوي الحبل وتشد فتله (٥).\nوقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ﴾ الكناية تعود إلى ما في قوله: ﴿مَا آتَيْنَاكُمْ﴾ (٦). والمعنى: احفظوا ما في التوراة من الحلال والحرام، واعملوا بما فيه (٧)، وقيل: اذكروا ما فيه من الثواب والعقاب لعلكم تتقون (٨)، ويجوز أن ترجع الكناية إلى الميثاق، ويكون المعنى على حذف\n_________\n(١) من قوله (وقوله: خذو ..) إلى هنا ساقط من (ب).\n(٢) ذكر الطبري في \"تفسيره\" نحوه عن مجاهد، وأبي العالية، وقتادة، وابن زيد ١/ ٣٢٦، وكذا عند \"ابن أبي حاتم\" ١/ ٣٩٨، وذكره الماوردي عن ابن عباس، وقتادة والسدي \"تفسير الماوردي\" ١/ ٣٥٤، وكذا القرطبي في \"تفسيره\" ١/ ٣٧٢، وانظر: \"تفسير أبي الليث\" ١/ ٣٧٧، \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٨٠ ب.\n(٣) في (ب): (الرتب).\n(٤) في \"معاني القرآن\" (بان) ١/ ١٢٠.\n(٥) في \"تهذيب اللغة\": (القوة) الخُصْلة الواحدة من قوى الحبل، وقيل: هي الطاقة الواحدة من طاقات الحبل. (قوى) ٣/ ٣٠٧٠.\n(٦) انظر: \"تفسير ابن عطية\" ١/ ٣٣٢، \"البحر المحيط\" ١/ ٢٤٤، \"الدر المصون\" ١/ ٤٠٩.\n(٧) انظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ٣٢٦، \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ١٢٠، \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٨٠ ب.\n(٨) انظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ٣٢٦، و\"تفسير أبي الليث\"١/ ٣٧٧.","vol":"2","page":631},{"text":"المضاف، كأنه قيل: واذكروا ما في نقض الميثاق من العقوبة لعلكم تتقون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-288>٦٤ </span>- قوله تعالى: ﴿وثُمَ تَوَلَّيتُم﴾ التولي في اللغة يستعمل على ثلاث معان (١): يكون بمعنى الإعراض كالذي في هذه الآية، ومعناه: أعرضتم وعصيتم (٢)، ومثله: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨] أي تعرضوا عن الإسلام.\nويكون (٣) بمعنى الاتباع، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٥١]، معناه: من يتبعهم وينصرهم.\nويقال: توليت الأمر توليا، إذا وليته بنفسك (٤)، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ﴾ [النور: ١١]، أي: ولي وزر الإفك وإشاعته (٥).\nومعنى توليتم هاهنا، أي: أعرضتم عن أمر الله وطاعته.\nوقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ قيل من بعد (٦) أخذ الميثاق. ﴿فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ بتأخير العذاب عنكم (٧). وقيل: بمحمد - ﷺ - والقرآن (٨)\n_________\n(١) أخذه عن \"تهذيب اللغة\" (ولى) ١/ ٣٩٥٧، وانظر: \"إصلاح الوجوه والنظائر\" ص ٤٩٩، و\"نزهة الأعين\" النواظر ص ٢١٥، و\"مفردات الراغب\" ص ٥٣٤.\n(٢) في (ب): (نسيتم).\n(٣) في (ب): (وتكون).\n(٤) لعل هذا المعنى هو الثالث عند المؤلف حسب تقسيمه، وانظر \"نزهة الأعين النواظر\" ص ٢١٦.\n(٥) انتهى ما نقله عنه \"تهذيب اللغة\" (ولى) ١/ ٣٩٥٧.\n(٦) (بعد) ساقط من (ب).\n(٧) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ٨٠ ب، انظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ٣٢٨، وقال الزجاج من بعد ذلك: أي بعد الآيات العظام. \"معاني القرآن\" ١/ ١٢٠، وقال الماوردي: من بعد خروج موسى من بين أظهركم \"تفسير الماوردي\" ١/ ٣٥٥.\n(٨) (والقرآن) ساقط من (ج). وقد ذكر الطبري عن أبي العالية: فضل الله: الإسلام، =","vol":"2","page":632},{"text":"﴿لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ فمن آمن بحمد بعد ما كان في الضلالة لم يكن من الخاسرين، وذكرنا معنى الخسران فيما تقدم (١)، ومعناه ذهاب رأس المال، وهو هاهنا هلاك النفس لأنها بمنزلة رأس المال (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-289>٦٥ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ﴾ العلم (٣) هاهنا بمعنى المعرفة كقوله: ﴿لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠]، ولولاه لاقتضى مفعولًا ثانيا، ألا ترى أنك إذا قلت: علمت زيدًا قائمًَّا [كان قائما] (٤) مفعولًا ثانيا، وإذا قلت: عرفت زيدا قائما، [كان قائما] (٥) حالا ولم يكن مفعولًا ثانيا، وإذا كان العلم بمعنى المعرفة جاز الاقتصار على أحد المفعولين (٦).\nوقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ﴾ أي: جاوزوا (٧) ما حد لهم، كانوا أُمروا أن لا يصيدوا في السبت، فحبسوها في السبت وأخذوها في الأحد، فعدوا في السبت، لأن صيدها منعها من التصرف (٨).\n_________\n= و(رحمته): القرآن، \"تفسير الطبري\" ١/ ٣٢٨، ونحوه عند \"تفسير المارودي\" ١/ ٣٥٥، وذكره ابن عطية في \"تفسيره\" عن قتادة ١/ ٣٣٢ - ٣٣٣، وانظر: \"البحر المحيط\" ١/ ٢٤٤.\n(١) عند تفسير قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾.\n(٢) (رأس المال) ساقط من (ب).\n(٣) في (ب): (علمتم).\n(٤) ما بين المعقوفين ساقط من (أ)، (ج).\n(٥) ما بين المعقوفين ساقط من (أ)، (ج).\n(٦) انظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ٣٢٩، \"معاني القرآن\" للأخفش ١/ ٢٧٧، \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ١٢٠، و\"تفسير الماوردي\" ١/ ٣٥٥، \"تفسير ابن عطية\" ١/ ٣٣٣ - ٣٣٤، \"البحر المحيط\" ١/ ٢٤٥.\n(٧) في (ب): (جاوزا).\n(٨) ذكره الزجاج في \"المعاني\" ١/ ١٢٠، وفيه (لأن صيدهم منعها ..) أي أن حبس =","vol":"2","page":633},{"text":"والسبت في كلام العرب معناه: القطع، يقال للحلق: السبت، لأنه قطع للشعر (١)، والسبت: السير السريع (٢)، وتأويله قطع للطريق (٣).\nومنه قول حميد (٤):\n............ أمّا نَهارُها ... فَسَبْتٌ (٥) ...............\nوالسبت: السُّبَاتُ. قال الزجاج: تأويله أنه يقطع الحركة (٦). والسبت. قطعة من الدهر، كأنه بمعنى المسبوت (٧)، أي: المقطوع، وهو\n_________\n= الحيتان ومنعها من التصرف صيد. وانظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ٣٢٩، \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٨١ أ.\n(١) في (ب): (الشعر).\n(٢) \"تهذيب اللغة\" (سبت) ٢/ ١٦٠٧.\n(٣) في (ب): (الطريق).\n(٤) هو حميد بن ثور بن عبد الله الهلالي، أحد المخضرمين من الشعراء أدرك الجاهلية والإسلام، وقيل إنه رأى النبي - ﷺ - مات في خلافة عثمان ﵄. انظر ترجمته في \"الشعر والشعراء\" ٢٤٧، \"معجم الأدباء\" ١١/ ٨.\n(٥) وتمام البيت:\nوَمطْويَّةُ الأَقْراب أَما نهارُها ... فسبت وأَمَّا لَيْلُها فذمِيلُ\nقوله: (الأقراب): جمع قرب، وهو الخاصرة، و(السبت): السير السريع، و(الذمِيل): السير البطيء. ويروى شطره الأول: بمقورة الألياط أما نهارها والاقورار هنا: الضمور، و(الألياط) جمع ليط وهو الجلد، ورد البيت في \"تهذيب اللغة\" (سبت) ٢/ ١٦٠٧، \"جمهرة أمثال العرب\" (سبت) ١/ ١٩٥، \"مقاييس اللغة\" ٣/ ١٢٤، وكذا في الصحاح ١/ ٢٥١، و\"اللسان\" ٤/ ١٩١٢، و\"المخصص\" ٧/ ١٠٧، و\"البحر المحيط\" ١/ ٢٤٠، و\"ديون حميد بن ثور\" ص ١١٦.\n(٦) في \"تهذيب اللغة\" (وقال الزجاج): السبات: أن ينقطع عن الحركة والروح في بدنه ..)، (سبت) ٢/ ١٦٠٧.\n(٧) في (ب): (السبوت).","vol":"2","page":634},{"text":"في شعر لبيد:\nوغَنِيتُ سَبْتًا (١) ......... البيت\nقال أبو بكر بن الأنباري: السبت القطع، وسمي السبت من الأيام سبتًا، لأن الله ابتدأ الخلق فيه، وقطع بعض الخلق، وخلق (٢) الأرض. [ويقال: أُمر فيه بنو إسرائيل بقطع الأعمال وتركها.\nقال: وأخطأ من قال: سمي السبت لأن الله أمر فيه بني إسرائيل بالاستراحة، وخلق هو ﷿ السموات والأرض في ستة أيام آخرها يوم الجمعة، ثم استراح في يوم السبت.\nقال: وهذا خطأ، لأنه لا يعلم في كلام العرب (سَبَتَ) بمعنى استراح، وإنما معنى سَبَتَ: قطع، ولا يوصف الله تعالى بالاستراحة لأنه لا يتعب (٣). قال: واتفق أهل العلم على أن الله ابتدأ الخلق يوم السبت ولم يخلق يوم الجمعة سماءً ولا أرضًا (٤).\n_________\n(١) تمام البيت:\nوغَنَيِتُ سَبْتاَ قبل مُجْرَى داحس ... لو كان للنفس اللجُوجِ خُلُودُ\nويروى (بعد مجرى) وعَمَرْتُ كَرْسًا. غنيت: عشت (سبتا): دهرا، (داحس) اسم فرس. ورد البيت في \"تهذيب اللغة\" (سبت) ٢/ ١٦٠٧، \"اللسان\" (سبت) ٤/ ١٩١٢، و(عمر) ٥/ ٣١٠، و\"حماسة البحتري\" ص ١٠٠، \"المخصص\" ٢/ ٦٤، \"الخزانة\" ٢/ ٢٥١، \"البحر المحيط\" ١/ ٢٤٠، وديوان لبيد مع شرحه ص ٣٥.\n(٢) كذا العبارة في جميع النسخ، وفي \"الزاهر\" (وقطع فيه بعض خلق الأرض ..) ٢/ ١٤٥، ومثله في \"تهذيب اللغة\" (سبت) ٢/ ١٦٠٧، والنص منه.\n(٣) منهج السلف في باب الصفات التزام النص، فيثبتون لله ما أثبته لنفسه، أو أثبته له رسوله - ﷺ - وينفون عنه ما أنفاه عن نفسه أو نفاه عنه رسوله، وما لم يرد فيه نص فيلتزمون فيه الخفي المجمل من دون تفصيل في النفي. ولم ترد الاستراحة في نص.\n(٤) \"الزاهر\" لابن الأنباري ٢/ ١٤٥، \"تهذيب اللغة\" (سبت) ٢/ ١٦٠٧.","vol":"2","page":635},{"text":"وقوله تعالى: ﴿كُونُوا قِرَدَةً﴾ أي: كونوا بتكويننا إياكم وتغييرنا خلقكم قردة (١).\nقال ابن الأنباري: كن (٢) ينقسم في كلام العرب على معان: منها: أن يقول الرجل للرجل: كن جبلًا فإني أهدك، وكن حديدًا فإني أغلبك، يريد لوكنت بهذا الوصف لم تَفُتْنِي (٣)، قال الله تعالى: ﴿قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا﴾ [الإسراء: ٥٠] يريد لوكنتم حجارة أو حديدا لنزل بكم الموت ووصل إليكم ألمه، ويقول الرجل للرجل إذا لم يتعلم (٤) العلم: فكن من البهائم، أي عُدَّ نفسَك مُشبهًا لها. قال الأحوص:\nإِذَا كُنْتَ عِزْهَاةً عَنِ اللَّهْو والصِّبَا ... فَكُنْ حَجَرًا مِنْ يَابِسِ الصَّخْرِ جَلْمَدَا (٥)\nأي فعُدَّ نفسك من الحجارة.\n_________\n(١) انظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ٣٢٩، و\"تفسير البغوي\" ١/ ٨١، و\"البيان\" ١/ ٩٠، \"تفسير ابن عطية\" ١/ ٣٣٦.\n(٢) في (ج): (كمن في).\n(٣) في (ب): (تنتنى).\n(٤) كذا في (أ)، (ج)، وفي (ب) غير واضحة، ولعل الصواب (تتعلم).\n(٥) ويروى شطره الأول كما في شعر الأحوص:\nإِذَا أنْتَ لَمْ تَعْشَقْ وَلَمْ تَدرِ مَا الْهَوَى\nوفي كتاب الزينة:\nإِذَا أنْتَ لَمْ تَطْرَبْ وَلَم تَشْهَدِ الْخَنَا\nو(العِزْهَاةُ): الذى لا يحب اللهو ولا يَطْرب، ورد البيت في \"الزينة\" ١/ ١٢٤، \"المخصص\" ١٦/ ١٧٥، \"الخصائص\" ١/ ٢٢٩، \"الشعر والشعراء\" ص ٣٤٦، و\"أمالي الزجاجي\" ص ٧٥، و\"أساس البلاغة\" (عزه) ص ٢/ ١١٥، \"اللسان\" (عزه) ٥/ ٢٩٣٣، و\"شعر الأحوص\" ص ٩٨.","vol":"2","page":636},{"text":"فقال الله تعالى: ﴿كُونُوا قِرَدَةً﴾] (١)\nأي بتغييرنا (٢) خلقكم وتبديلنا صوركم، وهذا أمر (٣) حتم ليس للمأمور فيه اكتساب، ولا يقدر على دفعه عن نفسه (٤).\nوقال (٥) بعض النحاة: الأمر يجيء على معان: على الفرض، والنفل، والإذن، والتهديد والتحدي، وعلى معنى الخبر. فالفرض مثل: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ (٦) وأشباهه، والنفل كقوله: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ﴾ [النساء: ٣٤]، والإذن: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢]، والتهديد: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠] (٧)، وكقوله: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ﴾ [الإسراء: ٦٤]، الآية، والتحدي: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا﴾ [البقرة: ٢٣]، وفيه معنى الإلزام، إلا أن من الإلزام ما لا يكون في المقدور أصلًا كقوله: ﴿قُل هَاتُوا بُرهَانَكُم﴾ (٨) وليس يصح برهان على صدقهم. وأمَّا بمعنى الخبر فقوله: ﴿كُونُوا قِرَدَةً﴾ (٩) أي: جعلناهم قردة (١٠)، إلا أنه جاء بلفظ الأمر على طريق البلاغة. وقد\n_________\n(١) ما بين المعقوفين غير مقروء في (ب).\n(٢) في (ب): (بتغيير)، وفي (ج): (بتغيرنا).\n(٣) في (ج): (امرتكم).\n(٤) انظر: \"تفسير ابن عطية\" ١/ ٣٦٦ - ٣٧٧، و\"البيان\" ١/ ٩٠، و\"البحر\" ١/ ٢٤٦.\n(٥) (الواو) ساقطة من (ب).\n(٦) [البقرة: ٤٣، ٨٣، ١١٠، والنساء: ٧٧، والنور: ٥٦، والمزمل: ٢٠]\n(٧) في (أ)، (ج): (اعملوا) تصحيف.\n(٨) [البقرة: ١١١، والأنبياء: ٢٤، والنمل: ٦٤].\n(٩) [البقرة: ٦٥، والأعراف: ١٦٦].\n(١٠) ذكر الغزالي في المستصفى الوجوه التي يأتي عليها الأمر، ومنها الوجوه التي =","vol":"2","page":637},{"text":"يجئ الأمر والمراد منه التسوية، كقوله: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠]، أي قد استوى الحالان في أنه لا يغفر.\nوالقردة جمع قرد، يقال: قرد، وثلاثة أَقْرِدة (١) وقُرُود وقِرَدَة كثيرة، والأنثى قِرْدَة. وأصل الحرف من اللصوق، ومنه الْقَرِد، وهو ما تلاصق من الوبر ويعقد، والقُرَادُ سمي قُرادًا للصوقه بالموضع الذي يعلق، والقرود تتلاصق إذا اجتمعت وتتداخل خوفًا من عدوها، فإنها أجبن شيء (٢).\nو(٣) قوله تعالى: ﴿خَاسِئِينَ﴾ الخَسْءُ: الطرد والإبعاد، يقال: خَسأتُه خَسْأً فَخَسَأ [وانْخَسَأ (٤)، فهو واقع ومطاوع (٥).\nقال الفراء والكسائي: يقال: خَساتُه خَسْأً فَخَسَأ] (٦) خُسُوءًا (٧) مثل رَجَعْتُه رَجْعًا فَرَجَعَ رُجُوعًا (٨)، ويقال للكلب عند الزجر والإبعاد: اخسأ، وأنشد الفراء:\nوَإذا زَجَرْتُ الْكَلْبَ قُلْتُ اخْسَأ لَهُ ... وَالْكَلْبُ مِثْلُكَ ياخُرَيْمُ سَوَاءُ (٩)\n_________\n= وردت عند المؤلف هنا ومما ذكر: التسخير كقوله: ﴿كُونُوا قِرَدَةَ﴾ \"المستصفى\" ص ٢٩٣.\n(١) في (ب): (أقراد) وكلها وردت في \"تهذيب اللغة\" عن الليث (قرد) ٣/ ٢٩٢١.\n(٢) انظر: \"مقاييس اللغة\" (قرد) ٥/ ٨٣، ٨٤، \"الصحاح\" (قرد) ٢/ ٥٢٣، \"اللسان\" (قرد) ٦/ ٣٥٧٦.\n(٣) (الواو) ساقطة من (ج).\n(٤) في (ج): (الخسأ).\n(٥) انظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ٣٢٩، \"تهذيب اللغة\" (خسأ) ١/ ١٠٢٨، \"جمهرة أمثال العرب\" ٣/ ٢٣٧، \"الصحاح\" (خسأ) ١/ ٤٧.\n(٦) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).\n(٧) في (ج): قال الفراء والكسائي: (خَسَأتُه مخسأ خسأ فخسا خسوءا).\n(٨) انظر: \"الزاهر\" ٢/ ٤٨، و\"الوسيط\" ١/ ١٢٥، \"تفسير القرطبي\" ١/ ٤٤٣.\n(٩) لم أعثر على هذا البيت فيما اطلعت عليه، والله أعلم.","vol":"2","page":638},{"text":"وأنشد ابن الأنباري لعمران بن (١) حطان:\nلاَ تَجْعَلَنْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْزِلِي ... يَا رَبِّ (٢) مَنْزِلَ خَاسِئً مَدْحُورِ (٣)\nوتقدير الآية: كونوا خاسئين قردة، لأنه لولا التقديم والتأخير لكان: قردة خاسئة (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-290>٦٦ </span>- قوله تعالى: ﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا﴾ الآية، اختلفوا في الكناية، فقيل: إنها راجعة إلى القردة (٥).\nوقال الفراء: الكناية تعود إلى المسخة (٦)، لأن معنى: ﴿كُونُوا قِرَدَةً﴾ مسخناهم قردة، فوقعت الكناية عن الكلام المتقدم (٧).\n_________\n(١) في (ج): (عمر بن الخطاب). وابن حطان: هو عمران بن حطان من بني عمرو بن سيبان بن ذهل، كان رأس القَعدة من الصُّفْرية إحدى فرق الخوارج، وكان خطيبًا شاعرا، توفي سنة أربع وثمانين ذكر الجاحظ أخباره في \"البيان والتبيين\" ١/ ٤٧، والمبرد في \"الكامل\" ٣/ ١٦٧، وانظر: \"تهذيب التهذيب\" ٣/ ٣١٧.\n(٢) في (ج): (يارب منزلى).\n(٣) لم أجد هذا البيت فيما اطلعت عليه من شعر عمران بن حطان ضمن \"ديوان الخوارج\" جمع نايف محمود معروف، ولا في \"شعر الخوارج\" لـ (إحسان عباس).\n(٤) أي لو كان (خاسئين) صفة لقردة لقال: (خاسئة)، انظر \"الوسيط\" ١/ ١٢٥، وللعلماء في إعرابه وجوه: الأول: أنه خبر ثانٍ لـ (كان)، أو حال من (الواو) في كونوا، أو نعت لقردة، وهذا الوجه رده المؤلف. انظر: \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ١٨٤، و\"المشكل\" لمكي ١/ ٥٢، \"تفسير ابن عطية\" ١/ ٣٣٦، و\"البيان\" ١/ ٩٠، و\"الإملاء\" ١/ ٤١، \"الدر المصون\" ١/ ٤١٤.\n(٥) انظر: \"تفسير الطبري\" ٢/ ١٧٦، \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٨١ أ، \"تفسير الماوردي\" ١/ ٣٧٥.\n(٦) \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٤٣.\n(٧) انظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ٣٣٣، \"زاد المسير\" ١/ ٩٥.","vol":"2","page":639},{"text":"وقال ابن عباس: فجعلنا تلك (١) العقوبة لهؤلاء القوم الذين مسخوا قردة وخنازير، وعلى هذا الكناية تعود إلى العقوبة (٢)، وهي مدلول عليها بقوله: ﴿كُونُوا قِرَدَةً﴾ لأن ذلك يدل على المسخ، والمسخ عقوبة، ويقال: الهاء عائدة على الأمة (٣) الذين اعتدوا، لأن قوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ﴾ (٤) يدل على أنهم كانوا أمة وفرقة من الناس، فرجع العائد على المعنى (٥).\nوقال الزجاج: وجعلنا هذه الفعلة عبرة (٦).\nوالنَّكَال (٧) اسم لما جعلته نكالًا لغيره إذا رآه خاف أن يعمل عمله (٨).\nوأصل هذا من قولهم: نكل عن الأمر ينكُل نُكولًا، إذا جبن عنه، يقال: نَكَّلْت بفلان، إذا عاقبته في شيء أتاه عقوبةً تُنَكِّل غيره عن ارتكاب مثله، أي: تمنع وتردد. والنِّكْل: القيد، لأنه يمنع الجري، والنِّكْلُ: حديد اللجام (٩).\n_________\n(١) (تلك) ساقط من (ج).\n(٢) أخرجه الطبري عن الضحاك عن ابن عباس. الطبري ١/ ٣٣٣، وانظر: \"الماوردي\" ١/ ٣٥٧، \"زاد المسير\" ١/ ٩٥.\n(٣) (الأمة) ساقط من (ب).\n(٤) في (ب): (الذين اعتدوا).\n(٥) ذكره الزجاج في \"معاني القرآن\" ١/ ١٢١، و\"تفسير الطبري\" ١/ ٣٣٣، وأورد أقوالا أخرى منها: أنها تعود على قرية القوم الذين مسخوا، أو تعود على الحيتان، وهي وإن لم يجر لها ذكر ففي الخبر دلالة عليها، \"تفسير الطبري\" ٢/ ١٧٦، وانظر: \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٨١ ب، \"تفسير الماوردي\" ١/ ٣٥٧، \"غريب القرآن\" لابن قتيبة ص ٤٤.\n(٦) \"معاني القرآن\" ١/ ١٢١، والنص من \"تهذيب اللغة\" (نكل) ١٠/ ٢٤٧.\n(٧) في (ب): (النكل).\n(٨) ذكره الأزهري عن الليث. \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٦٦٥، وانظر: \"اللسان\" (نكل) ٨/ ٤٥٤٤.\n(٩) ذكره الأزهري عن شمر. \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٦٦٥، وانظر: \"اللسان\" ٨/ ٤٥٤٤.","vol":"2","page":640},{"text":"وقوله تعالى: ﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا﴾ قال أبو إسحاق: ﴿لِّمَا بَينَ يَدَيهَا﴾ الأمم التي تراها، ﴿وَمَا خَلْفَهَا﴾ ما يكون بعدها (١). فما في هذا القول عبارة عن الأمم.\nوقال الفراء: جعلت نكالا لما مضى من الذنوب، ولما (٢) يعمل بعدها، ليخافوا (٣) أن يعملوا بما عمل الذين مسخوا فيمسخوا (٤). فعلى هذا القول (ما) عبارة عن الذنوب، والهاء في (يديها) يعود (٥) على الفرقة الممسوخة وكذلك الهاء في ﴿خَلْفَهَا﴾ (٦).\nوقيل: هذا على (٧) التقديم والتأخير، تقديره: فجعلناها وما خلفها مما أعد لهم من العذاب في الآخرة عقوبةً ونكالًا لما بين يديها، أي: لما (٨) تقدم من ذنوبهم في اعتدائهم يوم السبت (٩).\n_________\n(١) ما ذكره أحد قولين أوردهما الزجاج في \"المعاني\" ١/ ١٢١، وانظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ٣٣٣.\n(٢) في (ج): (يعملوا).\n(٣) في (ب): (ليخافون).\n(٤) \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٤٣، وهو قول للزجاج. انظر: \"المعاني\" ١/ ١٢١، وانظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ٣٣٣ - ٣٣٤.\n(٥) في (ج): (تعود).\n(٦) رجح الطبري في \"تفسيره\" أنها تعود على (العقوبة) ١/ ٣٣٥، وذكر مكي: ثلاثة أقوال وهي، أنها تعود على القردة، أو المسخة، أو العقوبة. \"المشكل\" ١/ ٥٢، وانظر: \"البيان\" ١/ ٩١.\n(٧) (على) ساقط من (ب).\n(٨) في (ب): (أي التقديم).\n(٩) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ٨١ ب، وانظر: \"تفسير البغوي\" ١/ ٨١.","vol":"2","page":641},{"text":"المملكة العربية السعودية\nوزارة التعليم العالي\nجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية\nعماد البحث العلمي\nالتَّفْسِيرُ البَسِيْط\nلأبي الحسن علي بن أحمد بن محمد الواحدي\n(ت٤٦٨هـ)\nسورة البقرة من آية (٦٧) -آية (١٩٥)\nتحقيق\nد. محمد بن عبد العزيز الخضيري\nأشرف على طباعته وإخراجه\nد. عبد العزيز بن سطام آل سعود ... أ. د. تركى بن سهو العتيبي\nالجزء الثالث","vol":"3","page":1},{"text":"المملكة العربية السعودية\nوزارة التعليم العالي\nجامعة الإِمام محمد بن سعود الإسلامية\nعماد البحث العلمي\nالتَّفْسِيرُ البَسِيْط\nلأبي الحسن علي بن أحمد بن محمد الواحدي\n(ت٤٦٨هـ)\nسورة البقرة من آية (٦٧) -آية (١٩٥)\nتحقيق\nد. محمد بن عبد العزيز الخضيري\nأشرف على طباعته وإخراجه\nد. عبد العزيز بن سطام آل سعود ... أ. د. تركى بن سهو العتيبي\nالجزء الثالث","vol":"3","page":2},{"text":"جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ١٤٣٠هـ\nفهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية أثناء النشر\nالواحدي، علي بن أحمد\nالتفسير البسيط لأبي الحسن علي بن أحمد بن محمد الواحدي\n(ت٤٦٨هـ)./ علي بن أحمد الواحدي، محمد بن صالح بن\nعبد الله الفوزان، الرياض١٤٣٠هـ.\n٢٥مج. (سلسلة الرسائل الجامعية)\nردمك:٤ - ٨٥٧ - ٠٤ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (مجموعة)\n١ - ٨٥٨ - ٠٤ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (ج١)\n١ - القرآن تفسير ... ٢ - الواحدي، علي بن أحمد\nأ- العنوان ... ب- السلسة\nديوي ٣.٢٢٧ ... ٨٦٨/ ١٤٣٠\nرقم الإيداع: ٨٦٨/ ١٤٣٠هـ\nردمك ٤ - ٨٥٧ - ٠٤ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (مجموعة)\n١ - ٨٥٨ - ٠٤ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (ج١)","vol":"3","page":3},{"text":"التَّفْسِيرُ البَسِيْط\nلأبي الحسن علي بن أحمد بن محمد الواحدي\n(ت٤٦٨هـ)\n[٣]","vol":"3","page":4},{"text":"بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ","vol":"3","page":5},{"text":"باقي تفسير سورة البقرة","vol":"3","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-291>٦٧ </span>- قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ﴾ الآية. قال الليث (١): القوم الرجال دون النساء، ومنه قوله ﷿: ﴿لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ﴾ [الحجرات: ١١] أي رجال من رجال، ثم قال: ﴿وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ﴾ قال زهير (٢):\nوَمَا أَدْرِي وَسَوْفَ إخَالُ (٣) أدْرِي ... أَقَوْمٌ آل حِصْنٍ أَمْ نِسَاءُ (٤)\nوقوم كل رجل: شيعته وعشيرته (٥).\nوقال أبو العباس: القوم والنفر والرهط معناه الجمع، ولا واحد لها من لفظها، وهم الرجال دون النساء (٦). والمراد بالقوم هاهنا شيعة موسى وأتباعه. وقد يذكر القوم فيدخل فيه النساء كقوله: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾ [نوح: ١] وكان مرسلًا إلى الإناث والذكور جميعًا، وجاز ذلك لأن\n_________\n(١) هو: الليث بن المظفر، وقيل: ابن، وقيل: ابن رافع بن يسار الخرساني، وكان بارعا في الأدب، بصيرًا بالشعر والغريب والنحو، وكان كاتبا للبرامكة. ينظر: \"بغية الوعاة\" ٢/ ٢٧٠، و\"معجم الأدباء\" ١٧/ ٤٣.\n(٢) هو: زهير بن أبي سلمة بن رباح، شاعر جاهلي، نت نزينة من الطبقة الأولى من فحول \"الشعراء الجاهليين\"، كان له من الشعر ما لم يكن لغيره، توفي سنة ١٣ قبل الهجرة. ينظر: \"الشعر والشعراء\" ١/ ٦٩، \"الأعلام\" ٣/ ٥٢.\n(٣) في (أ)، (ج): (أخاك)\n(٤) البيت من قصيدة قالها زهير في هجاء بيت من كلب من بني عليم. ورد في \"تهذيب اللغة\" (قام) ٣/ ٢٨٦٣، و\"مجمل اللغة\" (قوم) ٢/ ٧٣٨، \"المقاييس\" (قوم) ٥/ ٤٣، و\"المعاني الكبير\" ١/ ٥٩٣، و\"المخصص\" ٣/ ١١٩، و\"مغني اللبيب\" ١/ ٤١، ١٣٩، ٢/ ٣٩٣، ٣٩٨، و\"الهمع\" ٢/ ٢٣٠، ٤/ ٥٤، ٣٧٦، و\"معاهد التنصيص\" ٣/ ١٦٥، و\"اللسان\" (قوم) ٦/ ٣٧٨٦، و\"فتح القدير\" ١/ ١٣٥.\n(٥) انتهى كلام الليث. \"تهذيب اللغة\" (قام) ٣/ ٢٨٦٣، وانظر: \"الزاهر\" ٢/ ١٦٩، \"اللسان\" (قوم) ٦/ ٣٧٨٦.\n(٦) ذكره الأزهري في \"تهذيب اللغة\" عن المنذري عن أبي العباس (قام) ٣/ ٢٨٦٣، وانظر: \"اللسان\" (قوم) ٦/ ٣٧٨٦.","vol":"3","page":7},{"text":"الغالب من أمر (١) النساء اتباع الأزواج فاكتفى بهم منهن لغلبتهم عليهن (٢).\nوقوله تعالى: ﴿أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ البقرة واحدة (٣) البقر. الأصمعي: يقال: رأيت لبني فلان بَقَرًا وبَقِيرًا وبَاقُورَةً وبَاقِرًا (٤) وبَوَاقِرَ، كله جمع البقر، وأنشد (٥):\nبَوَاقِرُ جُلْحٌ أسْكَنَتْها الْمَرَاتِعُ (٦)\nوقال آخر (٧):\nخَلَقًا كَحَوْضِ الْبَاقِرِ الْمُتَهَدِّمِ (٨)\nويقال لجماعة البقرة: بيْقُور (٩) أيضًا، وقال أمية (١٠):\n_________\n(١) (من أمر النساء) ساقط من (ب).\n(٢) ذكره ابن الأنباري في \"الزاهر\" ٢/ ١٧٠.\n(٣) في (ب): (واحد).\n(٤) في (ج): (باقر).\n(٥) ذكره الأزهري في \"تهذيب اللغة\" (قال: قال أبو نصر: قال الأصمعي ... ثم ذكره، وفيه: وأنشدني ابن أبي طرفة. (بقر) ١/ ٣٧٠، وانظر: \"جمهرة أمثال العرب\" ١/ ٢٧، \"الصحاح\" (بقر) ٢/ ٥٩٤، \"مقاييس اللغة\" (بقر) ١/ ٢٧٨.\n(٦) في (ب): (المرابع). والبيت لقيس بن العَيْزَارَة وشطره الأول:\nفَسَكَّنْتُهُمْ بِالْقَوْلِ حَتَّى كَأَنَّهُمْ\nو(الجُلْح): البقر لا قرون لها، (أسكنتها المراتع): طابت أنفسها بالمرعى فسكنت. ورد البيت في \"شرح أشعار الهذليين\" ٢/ ٥٩٠، \"تهذيب اللغة\" (بقر) ١/ ٣٧٠، \"مقاييس اللغة\" ١/ ٢٧٨، \"اللسان\" (بقر) ١/ ٤٢٣، و(جلح) ٢/ ٦٥١.\n(٧) هو الحارث بن خالد المخزومي كما في \"جمهرة أمثال العرب\" ١/ ٢٧٠.\n(٨) البيت بتمامه:\nمَالِي رَأَيْتُكَ بَعْدَ أَهْلِكَ مُوحِشًا ... قَفْرًا كَحَوْضِ البَاقِر المُتهَدمِ\nورد البيت في \"جمهرة أمثال العرب\" ١/ ٢٧٠، و\"تفسير الثعلبي\" ١/ ٨٤ أ، والسجاوندي في ص ٥٣، و\"البحر المحيط\" ١/ ٢٥٤.\n(٩) \"تهذيب اللغة\" (بقر) ١/ ٣٧٠، وانظر: \"جمهرة أمثال العرب\" ١/ ٢٧٠.\n(١٠) هو: أمية بن أبي الصلت.","vol":"3","page":8},{"text":"وعَالَت الْبَيْقُورَا (١)\nوقيل: إن أصل الحرف من الْبَقْر الذي هو الشقّ، يقال: بقر بطنه إذا شقّه وفتحه، وكان يقال لمحمد بن علي بن الحسين (٢) ﵄ \"الباقر\"، لأنه بقر العلم وعرف أصله، أي شقه وفتحه (٣).\nوالْبَقِيرُ: ثوب يشق فتلقيه المرأة في عنقها من غير كُمَّيْن ولا جيب (٤). والبقر جنس شأنها أن تشق الأرض في الْكِرَاب (٥).\n_________\n(١) تمامه:\nسَلْعٌ مَّا وَمِثْلُهُ عُشَرٌ مَّا ... عَائِلٌ مَّا وَعَالَتِ الْبَيْقَورَا\nو(السلع): نبت، و(عائل): من قولهم: عالني أثقلني، و(عالت البيقورا): أي أثقلت هذه السنة البيقور بالهزال. قال في مغني اللبيب: قال عيسى بن عمر: لا أدري ما معناه، ولا رأيت أحدا يعرفه، وقال غيره: كانوا إذا أرادوا الاستسقاء في سنة الجدب عقدوا في أذناب البقر وبين عراقيبها السَّلْع والعُشَر، وهما ضربان من الشجر، ثم أوقدوا فيها النار وصعدوا بها الجبال، ورفعوا أصواتهم بالدعاء. \"مغني اللبيب\" ١/ ٣١٤، وانظر: \"جمهرة أمثال العرب\" ١/ ٢٧٠، \"تهذيب اللغة\" (بقر) ١/ ٣٧٠، و(سلع) ٢/ ١٧٣٣، \"الأزهية\" ص ٨١، \"اللسان\" (بقر) ١/ ٣٢٤، و(علا) ٥/ ٣٠٩٠.\n(٢) في (ب) (الحسين الباقر). وهو محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي القرشي، أبو جعفر، الباقر خامس الأئمة الاثني عشر عند الشيعة الإمامية، كان ناسكًا عابدًا، توفي سنة أربع عشرة ومائة، وقيل: ثماني عشرة. انظر: \"حلية الأولياء\" ٣/ ١٨٠، \"تهذيب التهذيب\" ٥/ ٣٠٩٠.\n(٣) \"تهذيب اللغة\" (بقر) ١/ ٣٦٩، \"الصحاح\" (بقر) ٢/ ٥٩٥. وذكر ابن فارس أن (الباء، والقاف، والراء: أصلان: الأول: البقر، والثاني: التوسع في الشيء وفتح الشيء، قال: وزعموا أنه أصل واحد وسميت البقر لأنها تبقر الأرض، قال: وليس ذلك بشيء. انظر: \"مقاييس اللغة\" ١/ ٢٧٧ - ٢٨٠.\n(٤) ذكره في \"تهذيب اللغة\" عن أبي عبيد عن الأصمعي ١/ ٣٦٩.\n(٥) (الكراب): بياض في: (ب). و(الْكِراَبُ): هو حرث الأرض وقلبها. انظر: \"اللسان\" (كرب) ٧/ ٣٨٤٧.","vol":"3","page":9},{"text":"وقوله تعالى: ﴿أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا﴾ يقرأ بالتخفيف والتثقيل (١)، وذلك (٢) أن كل اسم على ثلاثة أحرف أوله مضموم (٣)، فمن العرب من يثقله، ومنهم من يخففه، نحو: العُسْر واليُسْر والحُكْم (٤) والرُّحْم (٥)، وكذلك ما كان على فُعُل من الجموع قد استمر فيه الوجهان نحو: الكتب، والرسل وحتى جاء ذلك في العين إذا كانت واوا نحو:\n........ سُوُكَ الإِسْحِلِ (٦)\nوقوله:\n_________\n(١) قرأ حفص بضم الزاي من غير همز، وحمزة بإسكان الزاي، وبالهمز في الوصل، فإذا وقف أبدل الهمزة واوًا اتباعا للخط. وبقية السبعة بالضم والهمزة التيسير ص ٧٤، وانظر: \"السبعة\" ص ١٥٨، و\"الحجة\" لأبي علي ٢/ ١٠٠.\n(٢) في (ب): (وكذلك).\n(٣) في \"الحجة\" لأبي علي: (قال أبو الحسن: زعم عيسى أن كل اسم على ثلاثة أحرف أوله مضموم .... الخ) نقل عن أبي علي بتصرف. \"الحجة\" ٢/ ١٠٥.\n(٤) في (أ)، (ج): (الحلم)، وأثبت ما في (ب) لأنه يوافق ما في \"الحجة\" ١/ ١٠٥.\n(٥) عند تثقيلها يقال: (العُسُر)، (اليُسُر)، و(الحُكُم)، و(الرُّحُم). وهذا آخر ما حكاه أبو علي عن أبي الحسن عن عيسى. انظر: \"معاني القرآن\" للأخفش ١/ ٢٧٨، و\"الحجة\" ١/ ١٠٥، وانظر: \"الكشف\" لمكي١/ ٤٤٨، و\"حجة القراءات\" لابن زنجلة ص ١٠١.\n(٦) البيت لعبد الرحمن بن حسان، وتمامه:\nأغَرُّ الثَّنايا أحمُّ اللِّثا ... ت تَمْنَحهُ سُوُكُ الإسْحِلِ\n(الأحم): الأسود، و(اللثات): جمع لثة وهي ما حول الأسنان، (سوك): جمع مسواك، و(الإسْحِل): شجر يستاك به. ورد في \"الحجة\" ٢/ ١٠٥، \"المقتضب\" ١/ ١١٣، \"المخصص\" ١١/ ١٩٢، \"الصحاح\" ٤/ ١٥٩٣، \"المنصف\" ١/ ٣٣٨، \"شرح المفصل\" ١٠/ ٨٤.","vol":"3","page":10},{"text":"وفي الأَكُفِّ اللامِعاتِ سُوُر (١)\nوأما فُعْل في جمع أفعل نحو أحْمر وحُمْر، وكأنهم ألزموه الإسكان للفصل بين الجمعين، وقد جاء فيه التحريك في الشعر (٢).\nومعنى قوله: ﴿أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا﴾ قال أبو زيد: هَزِئتُ به (٣) هُزْءًا وَمهْزَأةً، وهذا لا يخلو من أحد أمرين (٤)، أحدهما: أن يكون المضاف محذوفا؛ لأن الهُزْءَ حَدَثٌ، والمفعول الثاني من هذا الفعل يكون الأول كقوله: ﴿لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [الممتحنة: ١] ويكون التقدير: أتتخذنا أصحاب هزء. أو يكون جعل الهُزْءَ المهزوءَ به مثل الخلْق (٥) والصيد. وقوله (٦): ﴿لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا﴾ [المائدة: ٥٧] لا يحتاج فيه إلى تقدير\n_________\n(١) البيت لعدي بن زيد كما في \"الكتاب\" وشطره الأول:\nعن مُبْرِقَاتٍ بالبُريْنِ تبدو\n(المبرقات): النساء المتزينات، و(البُرين): جمع برة وهو الحلي، و(سُوُر) جمع سوار. والبيت من \"شواهد\" سيبويه ٤/ ٣٥٩، و\"شرح شواهده\" للسيرافي ٢/ ٤٢٥، \"المخصص\" ٤/ ٤٦، و\"المنصف\" ١/ ٣٣٨، و\"الحجة\" ٢/ ١٠٥، و\"شرح الكافية\" لابن مالك ٤/ ١٨٣٧، \"شرح المفصل\" ٥/ ٤٤، ١٠/ ٨٤، ٩١، و\"الهمع\" ٦/ ٩٤، \"اللسان\" (لمع) ٧/ ٤٠٧٤.\n(٢) \"الحجة\" لأبي علي ٢/ ١٠٦، وانظر \"الكشف\" لمكي ١/ ٤٤٨.\n(٣) (به): ساقط من: (ب)، وليس في \"الحجة\"، وفي الحاشية: (في ط: هزئت به) \"الحجة\" ٢/ ١٠٤.\n(٤) في \"الحجة\" بعد أن ذكر كلام أبي زيد: قال أبو علي قوله تعالى: ﴿أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا﴾ فلا يخلو من أحد أمرين ..) ٢/ ١٠٤.\n(٥) قوله: مثل الخلْق والصيد، أي في نحو قوله تعالى: ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ وقوله: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ ونحو ذلك. انظر: \"الحجة\" ٢/ ١٠٤.\n(٦) في (ب): (وقال).","vol":"3","page":11},{"text":"محذوف، لأن الدِّين (١) ليس بعين.\nوقول موسى: ﴿أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ في جواب: ﴿أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا﴾ يدل على أن الهازئ جاهل (٢)، ومعنى ﴿أَعُوذُ بِاللَّهِ﴾ أي: أمتنع به وألجأ إليه، ومصدره العَوْذ والعِياذ (٣). وتقول العرب: أطيب اللحم عُوَّذه، أي الذي عاذ بالعظم، وناقة عائذ: يعوذ بها ولدها، وجعلت عائذًا وهي معوذ بها، وجمعها عُوذ، وهي الحديثات النتاج، وذلك أن الولد يعوذ بها إذا (٤) كان حديثا، فإذا شبّ الولد لم يعذ بالأم، فلهذا يفسر العُوذ بالحديثات النتاج (٥) والأصل ما ذكرنا، ومنه قول لبيد:\nفالِعينُ سَاكِنَةٌ على أَطْلائِهَا (٦) ... عُوذًا تأَجَّلُ بِالغَضَاءِ بِهَامُهَا (٧)\nوقوله تعالى: ﴿مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ الجهل نقيض العلم، ويقال: استجهلت الريحُ الغصنَ إذا حركته فاضطرب، والمجهلة: الأمر يحملك\n_________\n(١) في (ب)، (ج): (الذين) تصحيف.\n(٢) انتهى من \"الحجة\" ٢/ ١٠٤، ١٠٥.\n(٣) انظر: \"مقاييس اللغة\" (عوذ) ٤/ ١٨٤، \"اللسان\" (عوذ) ٥/ ٣١٦٢.\n(٤) في (أ)، (ج): (إذ)، وأثبت ما في: (ب)، لأنه أنسب للسياق.\n(٥) انظر: \"تهذيب اللغة\" (عاذ) ٣/ ٢٢٧٣، \"الصحاح\" (عوذ) ٢/ ٥٦٧، \"اللسان\" (عوذ) ٥/ ٣٧٦٣.\n(٦) في (ب): (أطلابها).\n(٧) قوله: (العين): البقر، لكبر عيونها، و(أطلائها): أولادها، والمفرد: طلا و(عوذا): حديثات النتاج، و(تَأجَّل): تسير أو تتجمع إجْلًا إجْلًا، أي قطيعا. و(البِهَام): أولاد الضأن، واستعاره لبقر الوحش. \"شرح ديوان لبيد\" ص ٢٩٩، \"مقاييس اللغة\" (عوذ) ٤/ ١٨٤، \"شرح القصائد المشهورات\" للنحاس ص ١٣٣، \"اللسان\" (أجل) ١/ ٣٣، و(بهم) ١/ ٣٧٦.","vol":"3","page":12},{"text":"على الجهل (١)، ومنه الحديث: \"الولد مجهلة مبخلة (٢) مجبنة (٣) \".\nوكان حقه (٤) أن يقول: (فقال أعوذ بالله) لأنه عطف على ما قبله، قال الفراء: وهذا في القرآن كثير بغير الفاء، وذلك أنه جواب يستغني أوله عن آخره بالوقفة عليه، فكأنّ (٥) حسن السكوت (٦) يجوز به طرح الفاء. وأنت تراه في رؤوس (٧) الآيات لأنها فصول حسنًا (٨)، في ذلك (٩) قوله: ﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (٥٧) قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا﴾ (١٠) [الحجر:٥٧، ٥٨، والذاريات:\n_________\n(١) انظر: \"تهذيب اللغة\" (جهل) ١/ ٦٨٠، \"اللسان\" (جهل) ١/ ٧١٣.\n(٢) (مبخلة): ساقط م: ن (ب).\n(٣) أخرجه ابن ماجه بسنده (عن يعلى العامري أنه قال: جاء الحسن والحسين يسعيان إلى النبي - ﷺ - فضمهما إليه، وقال: \"إن الولد مبخلة مجبنة\". قال في \"الزوائد\": إسناده صحيح، رجاله ثقات. \"سنن ابن ماجه\" كتاب الأدب، باب: بر الوالد والاحسان إلى البنات. وبهذا اللفظ ذكره السيوطي فىِ \"جمع الجوامع\" وعزاه لابن ماجه وابن أبي شيبة والطبراني في \"الكبير\"، \"جمع الجوامع\" في ١/ ل/٢١٦. وذكره الهيثمي في \"مجمع الزوائد\"، ولفظه: \"أن الولد مبخلة مجهلة مجبنة\" قال: رواه البزار ورجله ثقات. \"مجمع الزوائد\"، كتاب: البر والصلة باب ما جاء في الأولاد ٨/ ١٥٥.\n(٤) قوله: (وكان حقه أن يقول ..) هذه العبارة لا تليق بمكانة كتاب الله الذي هو في قمة الفصاحة والبلاغة، مع أن عموم القاعدة التي ذكر منقوض بكلام الفراء الذي أورده.\n(٥) في (ب): (وكان) وفي \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٤٣: (فكأن) وهو أولى.\n(٦) في (أ): (السكون) والصحيح بالتاء كما في \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٤٤.\n(٧) في (ب): (فصول).\n(٨) كذا في جميع النسخ، وكذا في \"معاني القرآن\" للفراء وفي حاشيته: في ش، ج (حسنة) ١/ ٤٤.\n(٩) (من ذلك): ساقط من: (ب).\n(١٠) قوله: (قالوا إنا أرسلنا) ساقط من: (ج).","vol":"3","page":13},{"text":"٣١، ٣٢]. والفاء حسنة مثل قوله: ﴿فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [هود: ٢٧، المؤمنون: ٢٤]، ولوكان على كلمة واحدة لم تسقط العرب منه الفاء، من ذلك (١): قمت ففعلت، لا يقولون: قمت فعلت، ولا قلت قال (٢)، حتى يقولوا: قلت (٣) فقال وقمت فقام، أو قلت (٤) وقال، لأنها نسق وليست باستفهام يوقف عليه، قال: وأنشدني بعض العرب:\nلَمَا رأَيْتُ نَبَطَا أَنْصَارا ... شَمَّرتُ عَنْ رُكْبَتِيَ الإِزَارَا\nكُنْتُ لَهَا مِنَ النَّصَارى جَارَا (٥)\n[لم يقل: فكنت، ولا وكنت] (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-292>٦٨ </span>- وقوله تعالى: ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ﴾ الآية إنما سألوا ما هي، لأنهم لم (٧) يعلموا أنّ بقرةً يحيا بضرب بعضها ميّتٌ، قاله (٨) الزجاج (٩).\n_________\n(١) (ذلك) ساقط من (ب).\n(٢) زيادة لازمة من \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٤٤.\n(٣) قوله: (حتى يقولوا قلت) ساقط من (ب).\n(٤) قوله: (أو قلت وقال) ليست في \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٤٤.\n(٥) سبق هذا الرجز. انظر تخريجه عند تفسير قوله تعالى: ﴿قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا﴾. وبه ينتهي ما نقله من كلام الفراء. انظر: \"المعاني\" ١/ ٤٣، ٤٤، \"تفسير الطبري\" ١/ ٣٣٧.\n(٦) ما بين المعقوفين ساقط من: (ب).\n(٧) في (ب): (ما علموا).\n(٨) في (ب)، (ج): (قال).\n(٩) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ١٢٢. والحقيقة أن هذا السؤال تعنت منهم لسوء أخلاقهم مع نبي الله وجفائهم. انظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ٢٤٠، \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٨٢ أ، \"تفسير ابن كثير\" ١/ ١١٧.","vol":"3","page":14},{"text":"ويقال: بيّن الشيءَ وأبانه إذا (١) أزال الإشكال عنه، والأصل فيه معنى التفريق، والبيان سمي بيانًا لأنه التمييز عما يلتبس، والتبيين هو التمييز الذي يقع به التعريف (٢). وترى هذا مستقصًى (٣) عند قوله: ﴿عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٦٨].\nوموضع (ما) رفع بالابتداء، لأنه بمعنى الاستفهام، معناه: أي شيء هي؟ والاستفهام لا يعمل فيه ما قبله (٤)، وبيان هذه المسألة يذكر (٥) عند قوله: ﴿مَا لَوْنُهَا﴾ [البقرة: ٦٩].\nوقوله تعالى: ﴿لَا فَارِضٌ﴾ قال الفراء: الفارض: الهرمة، يقال من الفارض: فرَضَت وفرُضَت، ولم يسمع بِفَرَضَ (٦)، ونحو ذلك قال قتادة (٧).\nوقال الكسائي: الفارض: الكبيرة العظيمة، قد فرَضت تفرُض فُروضًا.\nثعلب عن ابن الأعرابي: الفارض: الكبيرة.\n_________\n(١) في (ب): (وإذا).\n(٢) انظر: \"مقاييس اللغة\" (بين) ١/ ٣٢٧، \"الصحاح\" (بين) ٥/ ٢٠٨٢.\n(٣) في (ب): (مستقص).\n(٤) انظر: \"إعراب القرآن\" للنحاس ١٨٥، و\"إعراب المشكل\" ١/ ٥٢، و\"الإملاء\" ص ٤٢، \"البحر المحيط\" ١/ ٢٥١.\n(٥) (يذكر): ساقط من: (ب).\n(٦) في (ج): (تفرض)، وفي (أ) غير معجمة، والكلام بهذا النص في \"تهذيب اللغة\" (فرض) ٣/ ٢٧٧٢، وفي \"معاني القرآن\" للفراء: (والفارض: قد فرضت، وبعضهم: قد فرضت، وأما البكر فلم نسمع فيها بفعل) ١/ ٤٥.\n(٧) وكذلك قال ابن عباس وأبو العالية والسدي، انظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ٣٤١، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" ١/ ٤١٢.","vol":"3","page":15},{"text":"وقال أبو الهيثم: الفارض: المسنة (١).\nأبو زيد: بقرة فارض: عظيمة سمينة، والجميع فوارض (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا بِكْرٌ﴾ قال الليث: البكر من النساء: التي لم تمس، والبكر من الرجال: الذي لم يقرب النساء بعد، والبكر: أول ولد الرجل غلاما كان أو جارية، وبقرة بكر: فتية لم تحمل، والبكر من كل أمر: أوله (٣)، وأصل هذا الباب أول الأمر، فالبكارة أول حال النساء، وهي بكر في أول حالها، والباكورة أول ما يدرك من الثمار، والبُكرة أول النهار (٤).\nقال الزجاج في قوله: ﴿لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ﴾: أي: ليست بكبيرة ولا صغيرة، قال: وارتفع (فارض) بإضمار هي (٥).\nوقال الأخفش: ارتفع على الصفة للبقرة، والوصف بالنفي صحيح، لأنه يرجع في التحقيق إلى أنه يختص بما ينافي ذلك الوصف، تقول: مررت برجل لا قائم ولا قاعد، أي: برجل (٦) مختص بصفة تنافي القيام والقعود (٧).\n_________\n(١) قول الكسائي وابن الأعرابي وأبي الهيثم في \"تهذيب اللغة\" (فرض) ٣/ ٢٧٧٢، وانظر: \"اللسان\" (فرض) ٦/ ٣٣٨٧.\n(٢) ذكره في \"اللسان\" (فرض) ٦/ ٣٣٨٧.\n(٣) \"تهذيب اللغة\" (بكر) ١/ ٣٧٥ - ٣٧٧.\n(٤) انظر: \"مقاييس اللغة\" (بكر) ١/ ٢٨٧، \"تهذيب اللغة\" (بكر) ١/ ٣٧٥ - ٣٧٧، \"اللسان\" (بكر) ١/ ٣٣٣.\n(٥) \"معاني القرآن\" ١/ ١٢٢.\n(٦) في (ب): (رجل).\n(٧) \"معاني القرآن\" للأخفش ١/ ٢٧٩. ذكر قوله بمعناه.","vol":"3","page":16},{"text":"وقوله تعالى: ﴿عَوَانٌ﴾ قال الفراء: انقطع الكلام عند قوله: ﴿وَلَا بِكْرٌ﴾، ثم استأنف فقال: ﴿عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾. قال: والعوان يقال منها: عوَّنت تُعوّن تعْوينًا (١).\nوقال أبو الهيثم: العوان: النَّصَف التي بين الفارض -وهي المسنة- وبين البكر وهى: الصغيرة (٢).\nأبو زيد: بقرة عوان: بين المسنة والشابة (٣)، وقد عانت تعون عُوونًا إذا صارت عوانًا (٤).\nوقال الأخفش: العوان التي نتجت مرارا، وجمعها عُون (٥). قال ابن (٦) مقبل:\nومَأتَمٍ كالدُّمَى حُورٍ مَدَامِعُها ... لَمْ تشقَ بالعَيْشِ أَبْكَارًا وَلَا عُونًا (٧)\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" ١/ ٤٤، ٤٥، \"تهذيب اللغة\" (عان) ٣/ ٢٢٩٢، ولم يرد فيهما (تعون تعوينا).\n(٢) \"تهذيب اللغة\" (عان) ٣/ ٢٢٩٢، وانظر: \"اللسان\" (عون) ٥/ ٣١٧٩.\n(٣) في (ب): (الشاب).\n(٤) المرجع السابق.\n(٥) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ٨٣ ب، والبغوي في \"تفسيره\" ١/ ٨٣، ولم أجده في \"معاني القرآن\" للأخفش.\n(٦) (ابن) ساقط من: (ج).\n(٧) (المأتم): جماعة النساء، و(الدمى): الصورة أو التمثال، شبه النساء بجمالهن بالدمى، لم يشقين بالعيش وهن أبكار، أو عون عند أزواجهن، ويروى البيت (لم تيأس) بدل (لم تشق)، ورد البيت في \"تفسير الطبري\"، \"الزاهر\" ١/ ٢٦٣، و\"جمهرة أشعار العرب\" ص ٨٥٩، \"تهذيب اللغة\" (أتم) ١/ ١١٤، \"اللسان\" (أتم) ١/ ٢٠.","vol":"3","page":17},{"text":"وقال ابن الأعرابي: العَوَان (١) من الحيوان السن بين السنين لا صغير ولا كبير (٢).\nقال (٣): ويقال في الجمع: عُون، فرس عَوان، وخيل عُون، على فُعْل، والأصل عُوُن فكرهوا إلقاء ضمة على الواو فسكنوها، وكذلك يقال: رجل جواد وقوم جُود، قال زهير:\nنَحُلُّ (٤) سُهُولَها فإذا فَزِعْنا ... جَرَى مِنْهُنّ بالآصال عُونُ (٥)\nفزعنا: أغثنا مستغيثًا.\nقال (٦): وامرأة عوان: ثيب. وحرب عوان: كان قبلها حرب، كأنه قوتل فيها مرتين.\nقال ابن عباس: عوان: بين (٧) الصغيرة والكبيرة، وهي أقوى ما\n_________\n(١) في (أ)، (ج): (العون)، وما في (ب) يوافق \"تهذيب اللغة\".\n(٢) كلام ابن الأعرابي أورده الأزهري عن ثعلب عن ابن الأعرابي، \"تهذيب اللغة\" (عان) ٣/ ٢٢٩٢، وانظر: \"اللسان\" (عون) ٥/ ٣١٧٩.\n(٣) نسب الواحدي الكلام لابن الأعرابي، وهو في \"تهذيب اللغة\" منسوب لأبي الهيثم حيث قال: (وأخبرني المنذري عن أبي الهيثم قال: العوان النصف .. ثم قال: قال: ويقال: فرس عوان .. إلخ)، \"تهذيب اللغة\" (عان) ٣/ ٢٢٩٢.\n(٤) في (أ) (ج): (يحل)، وفي (ب) غير منقوط، وبالنون ورد في جميع المصادر.\n(٥) قوله: (جرى منهن): أي من خيلهم، وقد روي شطره الأخير:\nجَرتْ بهم إلى المِضمارِ عُون\nورد البيت في \"تهذيب اللغة\" (عان) ٣/ ٢٢٩٢، \"المخصص\" ٨/ ٥١، \"اللسان\" (عون) ٥/ ٣١٧٩، و\"ديوان زهير\" ص ١٠٢.\n(٦) أي ابن الأعرابي. انظر: \"تهذيب اللغة\" (عان) ٣/ ٢٢٩٢.\n(٧) في (ج): (من).","vol":"3","page":18},{"text":"يكون من البقر (١) وأحسن ما يكون (٢).\nوقال مجاهد: عوان: وسط قد ولدت بطنا أو بطنين (٣).\nوفائدة قوله: (عوان)، بعد ما نفي أن تكون (٤) بكرًا وأن تكون (٥) فارضًا، هو أنه احتمل أن تكون عجلًا أو جنينًا، فقال: عوان، لإزالة اللبس ونفي الاحتمال.\nوقوله تعالى: ﴿بَيْنَ ذَلِكَ﴾ و(بين) لا تصلح (٦) إلا لشيئين (٧) أو لأكثر، وإنما صلحت من ذلك وحده؛ لأنه في مذهب الاثنين (٨)، والاثنان (٩) قد يجتمعان بـ ذلك وذاك ألا ترى أنك تقول: أظن زيدا أخاك، وكان زيد أخاك، ولا بد لـ (كان وأظن) (١٠) من شيئين، ثم تقول: قد كان ذاك وذلك، وأظن ذلك وذاك (١١)، فيكون جائزا.\n_________\n(١) في (أ): (البقرة) وما في (ب)، (ج) يوافق رواية ابن عباس في الطبري.\n(٢) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" عن الضحاك عن ابن عباس ٢/ ١٩٥، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ١/ ٤١٣، وانظر: \"تفسير ابن كثير\" ١/ ١١٨، \"الدر المنثور\" ١/ ١٥١.\n(٣) أخرجه الطبري ٢/ ١٩٥، وابن أبي حاتم ١/ ٤١٤.\n(٤) في (أ): (يكون) في المواضع الثلاثة وأثبت ما في (ب)، (ج) لمناسبته للسياق.\n(٥) في (ج): (أو تكون).\n(٦) في (أ)، (ج): (يصلح) وما في (ب) موافق لـ\"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٤٥، والكلام منقول منه.\n(٧) في \"معاني القرآن\"، (لا تصلح إلا مع اسمين فما زاد).\n(٨) في (ب): (الاثنتين).\n(٩) في \"معاني القرآن\" (والفعلان).\n(١٠) في (ب): (ولأظن).\n(١١) (ذاك): ساقط من: (ب).","vol":"3","page":19},{"text":"والاسمان اللذان ضمهما ذلك: الهرم والشباب (١)، كأنه قيل: بين الهرم والشباب (٢)، وجاز أن يتضمن ذلك اسمين، لأنه أتى به على مذهب الفعل وأنت تقول في الأفعال: إقبالك وإدبارك يشق علي، فتوحد فعلهما بعدهما، ولا تقول: أخوك وأبوك يزورني لأن الأفعال وإن اختلفت حركاتها جنس واحد، وليست كالأسماء التي يخالف بعضها بعضا، كذلك هاهنا أريد بين الهرم والشباب (٣).\nومما يجوز أن يقع عليه (بين) وهو واحد في اللفظ ويؤدي عن الاثنين (٤) فما زاد قوله: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ [البقرة: ١٣٦]، ولا يجوز: لا نفرق بين رجل منهم، لأن أحدا لا يُثنى كما يثنى الرجل ويجمع، فإن شئت جعلت أحدا (٥) في تأويل اثنين، وإن شئت في تأويل أكثر من ذلك، قال الله تعالى: ﴿فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ [الحاقة: ٤٧]، وتقول: بين أيهم المال، وبين من قسم المال، فتجرى (٦) (من وأي) على (٧) مجرى أحد لأنهما قد يكونان لواحد. وجميع (٨) هذا قول الفراء (٩)، ونحو هذا قال\n_________\n(١) في (أ، ج): (الشاب) في المواضع الثلاثة، وما في (ب) موافق لـ\"معاني القرآن\" ١/ ٤٥.\n(٢) انظر الحاشية السابقة.\n(٣) انظر الحاشية السابقة.\n(٤) في (ب): (اثنتين).\n(٥) في (ب): (واحد).\n(٦) في (ج): (في فتجري).\n(٧) (على): ساقط من: (ب).\n(٨) في (ب): (لواحد ولجمع).\n(٩) انظر: \"معاني القرآن\" ١/ ٤٥، وقد نقل كلام الفراء بتصرف، وانظر \"تفسير الطبري\" ١/ ٣٤٤.","vol":"3","page":20},{"text":"الزجاج فقال: معنى: ﴿بَيْنَ ذَلِكَ﴾ بين البكر والفارض، وانما جاز بين ذلك وبين لا يكون (١) إلا مع اثنين لأن (٢) ذلك ينوب عن الجمل تقول: ظننت زيدا قائما، فيقول القائل: قد ظننت ذاك، وظننت ذلك (٣).\nقال أبو علي (٤): اعلم (٥) أن بين اسم يستعمل على ضربين: مصدر وظرف، وهما عندي وجميع بابهما يرجع إلى أصل واحد، وهو الافتراق والانكشاف.\nفأما الذي هو مصدر (٦) فقالوا: بان الخليطُ بينًا أي فارق، وقد بِنْتُه أي: فارقته، أنشد أبو زيد:\nكَأَنَّ عَيْنَيَّ وَقَدْ بَانُونِي ... غَرْبَانِ في جَدْوَلٍ مَنْجَنُونِ (٧)\nوالمعروف: بان عني، فأما هذا فيتجه على أنه أراد الحرف فحذفه\n_________\n(١) في (ب): (لا تكون).\n(٢) (لأن): ساقط من: (ج).\n(٣) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ١٢٣، وانظر ما سبق ص ١٠٣٧، ١٠٣٨.\n(٤) ورد كلام أبي علي في كتاب \"الإغفال فيما أغفله الزجاج في كتاب معاني القرآن\" نقل عنه الواحدي طويلا بتصرف، وقد أثبت الفروق الهامة في أماكنها، \"الإغفال\" ص ٢١٤.\n(٥) (اعلم): ساقط من: (ب).\n(٦) في (ب): (المصدر).\n(٧) قوله: (بانوني): فارقوني، (غربان): مثنى غرب، وهي: دلو عظيمة، (جدول): نهر صغير، (منجنون): الدولاب، وهو ما يستقى به الماء، فارسي معرب. ورد البيت في \"نوادر أبي زيد\" ص ٢٦٢، \"الإغفال\" ص٢١٤، \"الخصائص\" ٢/ ١٤٩، \"المنصف\" ٣/ ٢٤، \"المخصص\" ١٢/ ٣٨، \"اللسان\" (بين) ١/ ٤٠٤، و(منجنون) ١/ ٤٢٧٣.","vol":"3","page":21},{"text":"فلما حذف الحرف أوصل الفعل (١). وقولهم: بان الأمر وأبان، إنما معناه: انكشف، وفارقه ما كان غشيه من الإشكال بغيره والالتباس بسواه.\nوقال أبو زيد: البَيُون: البئر الواسعة الرأس الضيقة الأسفل، إذا قام\nالساقي على شفتها لم ير الماء، وأنشد:\nإِنَّكَ إِنْ دَعَوْتَنِي ودُوني ... زَوْرَاءُ ذاتُ مَنْزَعٍ بَيُونِ\nلَقُلْتُ لَبَّيْهِ لِمَنْ يَدْعُونِي (٢)\nوهذا أيضًا مما ذكرنا (٣)؛ لأن أعلى البئر فارق أسفلها لانهياره بورود\nالسابلة عليها (٤) والمستقين (٥) منها.\nولهذا المعنى الذي ذكرنا في أصل هذه الكلمة أضيف (بين) إلى ما دل على أكثر من الواحد في الأسماء، ولم يضف إلى الاسم المفرد الدال على الواحد، لأن ذلك ممتنع في معناه.\n_________\n(١) بمعناه في \"الإغفال\" ص ٢١٥.\n(٢) الرجز لم يعرف قائله، ومعنى: (زوراء): الأرض البعيدة الأطراف. (المنزع): الموضع الذي يصعد فيه الدلو إذا نزع من البئر، فذلك الهواء هو المنزع. يقول: لو ناديتني وبيني وبينك أرض بعيدة، ذات ماء بعيد المتناول، أجبت. فلا تردني عن إجابتك الصعاب، وردت الأبيات في \"تهذيب اللغة\" (بان) ١/ ٢٦٦، \"المخصص\" ١٠/ ٣٦، ١٦/ ١٤٧، \"الإغفال\" ص٢١٥، \"الهمع\" ٣/ ١١٣، \"شرح ابن عقيل\" ٣/ ٥٢، \"أوضح المسالك\" ١٤٤، \"مغني اللبيب\" ٢/ ٥٧٨، \"الخزانة\" ٢/ ٩٣، \"اللسان\" (لبب) ٧/ ٣٩٨٠، و(بين) ١٣/ ٦٤، ووقع اختلاف يسير في رواية بعض ألفاظها.\n(٣) في \"الإغفال\": (ذكرناه).\n(٤) (عليها): ساقط من (ب).\n(٥) في (ج): (المستبين).","vol":"3","page":22},{"text":"ألا ترى أنك لو قلت: اجتماع زيد (١)، وجمعت زيدًا، لم يسغ (٢) حتى تضيف إليه ما تريد (٣) به على الأفراد.\nهذا أصل (بين) في اللغة، ثم لا يمتنع أن يتسع فيه كما اتسع في غيره، فيستعمل لغير هذا المعنى. مما اتسع فيه أنه استعمل بمعنى الوصل (٤)، وهو ضد الافتراق، وقد بينا أن أصله راجع إلى الافتراق، وإنما جاز استعماله بمعنى الوصل في قوله: ﴿لَقَد تَقَطَّع بَيْنُكُم﴾ [الأنعام: ٩٤] على قراءة من رفع (٥)، لأنه قد كثر استعمالها ظرفًا بين الشيئين ومع الشيئين اللذين بينهما ملابسة ومخالطة، فصار لذلك بمنزلة الوصلة والاقتراب بين الشيئين. وهذا الاتساع إنما هو في المستعمل ظرفا دون التي هي مصدر، لأنه في الاستعمال أكثر.\nوهذا التوسع في الظروف كثير، والذي استعمل ظرفا أصله الذي هو مصدر؛ لأن المصادر قد استعملت ظروفًا في مواضع كثيرة، والأسماء التي تستعمل تارة ظروفًا وتارة أسماءً لا تمتنع أن تكون مشتقة مثل: خلف وأمام وقدام وأعلى وأسفل ووسط كلها مشتقة، وهي مع ذلك ظروف وقد استعملت أسماءً كما (٦) استعملت ظروفًا، وكذلك بين في نحو قوله: ﴿وَمِن\n_________\n(١) في (ب): (زيدا).\n(٢) (يسغ): مكانها بياض في (ب).\n(٣) في \"الإغفال\": (ما يؤيد به ..) ص ٢١٧.\n(٤) \"الإغفال\" ص ٢١٧ - ٢١٩، نقل كلامه بتصرف.\n(٥) قرأ ابن كثير وأبو عمرو وعامر وحمزة وعاصم في رواية أبي بكر بالرفع، وقرأ نافع والكسائي وعاصم في رواية حفص بالنصب. انظر: \"السبعة\" ص ٢٦٣، و\"التيسير\" ص ١٠٥.\n(٦) في (ب): (كلما).","vol":"3","page":23},{"text":"بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ﴾ [فصلت: ٥]، قد استعملت اسما. كما استعملت ظرفا (١) نحو: بينهما مال، وفي قوله: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: ٩٤] في قراءة من نصب (٢)، لأن المعنى: لقد تقطع الاشتراك (٣) بينكم.\nوأما ما لزم (٤) الظرفية وبعد عن التمكن كإذ ونحوه فيمتنع اشتقاقه (٥).\nهذا هو الكلام في بين. فأما ما يقع بعده فهو على ضربين (٦): اسم وجملة. والاسم المفرد الذي بعده لا يخلو من أن يكون دالا على واحد أو أكثر من الواحد. فإن كان دالا على الواحد غير دال (٧) على أكثر منه عطف عليه اسم آخر، وكان العطف بالواو دون غيرها من الحروف العاطفة، [وذلك قولنا: المال بين زيد وعمرو. وإنما كان العطف بالواو لما فيما من معنى الاجتماع، ولأن ذلك حقيقتها وأصلها وليس ذلك موجودا في شيء غيرها من الحروف العاطفة (٨)]، وفي العطف على الاسم المفرد بعد (بين) يحتاج إلى ما يدل على معنى الاجتماع. لما قدمنا ذكره في معنى\n_________\n(١) في (ب): (قد استعملت ظروفًا).\n(٢) قراءة نافع والكسائي وحفص عن عاصم كما سبق.\n(٣) في (أ)، (ج): (لقد تقطع بينكم الاشتراك بينكم) زيادة بينكم وليست في \"الإغفال\" ص ٢١٨.\n(٤) في (أ)، (ج): (وأما لزم)، وفي (ب): (وأما ما لزوم).\n(٥) قال أبو علي: (فالقول: أن ما كان منها يستعمل تارة اسما، وتارة ظرفا، فلم يلزم الظرفية، فيبعد بذلك عن المتمكنة، كإذ ونحوه، ولا يمتنع أن تكون مشتقة كسائر الأسماء التي لا تكون ظروفا) \"الإغفال\" ص ٢١٨.\n(٦) \"الإغفال\" ص ٢١٩.\n(٧) في (ب): (وغير ذاك).\n(٨) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).","vol":"3","page":24},{"text":"(بين) فلو عطف فيه على الاسم المفرد بحرف غير الواو لبقيت إضافتها كأنها إلى المفرد.\nألا ترى أنك لو جعلت موضع الواو الفاء لكان -لما فيها من معنى إتباعه الثاني الأول- لا يكون مجتمعا مع المعطوف عليه، وإذا لم يجتمع معه حصلت الإضافة إلى مفرد دال على واحد، وإضافتها إلى الواحد ممتنع. والذي يدل على أنه حيث تريد (١) الاجتماع لا يجوز العطف بغير الواو (٢) أنك لو قلت: مررت بزيد أخيك وصاحبك، وأنت تريد نعته بالأخوة والصحبة جميعًا (٣) كان العطف بالواو دون سائر أخواتها، إذ (٤) كان الغرض أنه مستحق لهما (٥) معًا. وكذلك الأفعال التي لا تقع إلا من فاعلين لا يكون العطف فيه لأحد الفاعلين على الآخر إلا بالواو دون غيرها، لأنك لو عطفت فيها بغير الواو، لصارت كأنها مسندة إلى فاعل واحد، وذلك فيها فاسد، وذلك نحو الاشتراك والاختصام (٦) والاقتتال وما أشبه هذا. وما امتنع من العطف بالفاء، فهو من (ثم) أشد امتناعًا إذ (٧) كان معناها من معنى الاجتماع أبعد، وإلى الافتراق أقرب لما يدل عليه من التراخي والمهلة (٨).\n_________\n(١) في (ب): (يريد).\n(٢) \"الإغفال\" ص ٢٢٠، نقل كلامه بتصرف.\n(٣) في (ب): (حصل).\n(٤) في (ب): (اذا).\n(٥) في (ب): (لها جميعا).\n(٦) في \"الإغفال\": (الاختصاص) ص ٢٢٠.\n(٧) في (ب): (اذا).\n(٨) \"الإغفال\" ص ٢٢١.","vol":"3","page":25},{"text":"فإن قيل (١): أليس قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَه﴾ [النور: ٤٣] فأضاف (بين) (٢) إلى اسم مفرد؟ قيل: الهاء فيه ضمير يعود إلى اسم يراد به الجمع، فجاز إضافة (بين) إليه من حيث جاز إضافته إلى الاسم الذي هذه (٣) الهاء عائدة إليه، وذلك قوله: ﴿سَحَابًا﴾ (٤) ألا ترى أن سحابًا جمع سحابة.\nفأما قوله (٥): بيني وبينه مال، فمذهب سيبويه فيه أن (بين) الثاني متكرر للتأكيد، ومعناه عنده (٦): بيننا. قال: وهو مثل قولهم: أخزى الله الكاذب منِّي ومنك وإنما هو: منا (٧)، وكقول القائل (٨):\nفأيِّي ما وأَيُّك كان شرًّا ... فَقِيدَ إلى الْمقَامَةِ لاَ يَرَاهَا (٩)\n_________\n(١) \"الإغفال\" ص ٢٢٦.\n(٢) (بين): ساقط من (ب).\n(٣) في (ج): (هو هذه).\n(٤) سياق الآية: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ﴾ [النور: ٤٣].\n(٥) في (ب): (قولهم).\n(٦) في \"الإغفال\": فمذهب سيبويه فيه أن (بين) الثاني متكرر للتأكيد، كما يكرر\nالشيء له، ومعناه عندنا: بيننا .. ص ٢٢٧.\n(٧) انظر: \"الكتاب\" ١/ ٢٠٤.\n(٨) هو العباس بن مرداس.\n(٩) معنى البيت: يقول من كان منا شرًّا أعماه الله في الدنيا فلا يبصر مجلسه، وقيل: مات على عماه فيقاد إلى موضع إقامة الناس في العرصات، و(المُقامة): بفتح الميم وضمها: المجلس ومكان اجتماع الناس. انظر: \"الكتاب\" ٢/ ٤٠٢، \"شرح أبيات سيبويه\" للسيرافي ٢/ ٩٣، و\"شرحها\" للنحاس ص ١٥٥، \"الإغفال\" ص ٢٢٧، \"تهذيب اللغة\" (أى) ١/ ٢٤٢، \"اللسان\" (قوم) ٦/ ٣٧٨٧، و(أيا) ١/ ٢٤٢، \"أمالي القالي\" ٣/ ٦٠، \"شرح المفصل\" ٢/ ١٣١، \"الخزانة\" ٤/ ٣٦٧، \"البحر المحيط\" ٤/ ٢٢٦.","vol":"3","page":26},{"text":"إنما هو فأينا، كذلك هاهنا المعنى بيننا، وكرر للتأكيد. وأما قوله تعالى: ﴿عَوَان بَينَ ذَلِكَ﴾ فأضاف (١) (بين) إلى ذلك من حيث جاز إضافته إلى القوم وما أشبه ذلك من الأسماء التي تدل على الكثرة وإن كانت مفردة، وإنما جاز أن يكون قولنا: (ذلك) يراد به مرة الانفراد ومرة الجمع والكثرة لمشابهته الموصولة كـ (الذي وما).\nألا ترى أن القبيلين يشتبهان في دلالة كل واحد منها على شيء بعينه. ألا ترى أن (الذي) لا يدل على زيد دون عمرو، و(ما) لا يدل على الفرس دون الحمار، وكذلك (من)، فكان (٢) قولنا (ذلك) وسائر المبهمة كذلك، فلما كان (الذي وما ومن) على ما وصفنا من الدلالة على الجموع والإفراد، وكانت تفرد والمراد في إفرادها الجمع في نحو قوله: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (٣٣)﴾ [الزمر: ٣٣] و﴿كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ [البقرة: ١٧] و﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨] ونحو ذلك مما يكثر تعداده، وكانت المبهمة مثلها في أنها لا تخص (٣) بالدلالة نوعًا ولا شخصًا بعينه، أجري مجراها في أن المراد فيما استعمل منه مفردًا قد يكون الجماعة (٤).\nوهذا واسع مستحسن في جميع المبهمة، فمن المبهمة (كم) في قوله: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ﴾ [النجم: ٢٦]، وقال: ﴿وَكَم\n_________\n(١) في (ب)، (ج): (فأضيف)، وفي \"الإغفال\": (فإنما أضيف ..) ص ٢٢٨.\n(٢) في (ب): (وكان).\n(٣) في (ب)، (ج): (لا تختص)، وما في (أ) موافق و\"الإغفال\" ص ٢٢٩.\n(٤) في \"الإغفال\": (لجماعة) ص ٢٢٩، وعبارته أوضح.","vol":"3","page":27},{"text":"مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا﴾ [الأعراف: ٤]، ثم قال: ﴿أَوْ هُمْ قَائِلُونَ﴾ وقال: ﴿فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ [الحاقة: ٤٧]، وقال: ﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾ [النمل: ٨٧] (١) وقال: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم: ٩٣].\nفهذه الأسماء (٢) حسن فيها هذا، لما لم يكن (٣) لواحد بعينه ولا لنوع وحده (٤)، فكذلك (٥) (ذلك) لما كان مبهمًا جاز أن يراد به الواحد مرة، وأكثر من الواحد مرة، وعلى هذا الحد صار فاعلًا لحبَّ في قولهم: [حبذا. ألا ترى أنه موضع يقع فيه الاسم (٦)، كما أن فاعل نعم وبئس عام. وقيل:] (٧) حبذا هند، كما قيل: حبذا زيد (٨)، ويدلك على ما ذكرنا من قصدهم بـ (ذلك) الجمع وما زاد على الواحد، أن رؤبة لما قيل له في قوله:\nفيه خُطُوطٌ من سَوَادٍ وبَلَقْ ... كأَنَّه في الجِلْدِ تَوْلِيعُ البَهَقْ (٩)\n_________\n(١) والآية لم ترد في \"الإغفال\"، وترك الواحدي آيات أخرى استشهد بها أبو علي، انظر: ص ٢٣٠.\n(٢) في (ج): (اسماء).\n(٣) في (ب): (يكون)، وفي \"الإغفال\" (تكن) ص ٢٣٠ وهو أولى.\n(٤) في \"الإغفال\" (واحد) ص ٢٣٠.\n(٥) في (ج): (وكذلك).\n(٦) في \"الإغفال\": (الاسم العام).\n(٧) ما بين المعقوفين ساقط من (أ)، (ج)، وثابت في (ب)، و\"الإغفال\" ص ٢٣٠.\n(٨) أي: أنه لم تُغير (حبذا) للتأنيث. انظر \"الإغفال\" ص ٢٣٠، ٢٣١.\n(٩) يروى (فيها) بدل فيه، وقوله (بلق): سواد وبياض، و(التوليع) استطالة البلق ولمعانه، (البهق): بياض رقيق في البشرة. ورد الرجز في \"ديوان رؤبة\" ص ١٠٤ \"مجالس العلماء\" للزجاجي ص ٢٧٧، \"المخصص\" ٥/ ٨٩، \"تهذيب اللغة\" (بهق) ١/ ٤٠٥، \"مجمل اللغة\" ١/ ١٣٨، \"مقاييس اللغة\" ١/ ٣١٠، \"اللسان\" ١/ ٣٧٤،=","vol":"3","page":28},{"text":"وجب أن تقول (١): كأنها، وإن أردت السواد والبلق وجب أن تقول (٢): كأنهما.\nقال: أردت كأن ذاك (٣). فعلم بهذا أنهم يقصدون بـ (ذلك) غير المفرد وأنه قصد هذا المعنى، وعليه حمل كلامه.\nويدل أيضًا على أنهم يقصدون بـ (ذلك) إلى (٤) أكثر من الواحد إضافتهم (كلا) إليه، وذلك في قول القائل:\nوَكِلاَ ذَلِكَ وَجْهٌ وَقَبَلْ (٥)\nألا ترى أن (كلا) لا يضاف إلى المفرد، فبان أن المراد بـ (ذلك) الزيادة على الواحد. وكذلك (٦) قوله: ﴿عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ إنما أضيف\n_________\n= و\"أساس البلاغة\" (ولع) ٢/ ٥٢٧، \"مغني اللبيب\" ٢/ ٦٧٨، \"البحر المحيط\" ١/ ٢٥١، ٤/ ٢٨٥، ٥/ ٦٤، \"الكشاف\" ١/ ٢٧٨، \"الدر المصون\" ١/ ٤٢٣.\n(١) في (أ): (يقول)، وما في (ب)، (ج) موافق \"للإغفال\" ص ٢٣١.\n(٢) انظر الحاشية السابقة.\n(٣) في \"مجاز القرآن\": قال أبو عبيدة فقلت لرؤبة: إن كانت خطوط فقل كأنها، وان كان سواد وبلق فقل: كأنهما، فقال: كان ذاك ويلك توليع البهق. \"المجاز\" ١/ ٤٤.\n(٤) (إلى): ساقط من (ج)، وفي (ب): (الأكثر).\n(٥) من قصيدة لعبد الله بن الزِّبَعْرَى، قالها يوم أحد، يتشفى من المسلمين، فرد عليه حسان، والشطر الأول: إنَّ للخَيْرِ وللِشِّرِ مَدًى.\nأورد ابن هشام القصيدة في \"السيرة\" ٣/ ٩٦، وهي في \"شعره\" ص ٤١، وورد البيت في \"الإغفال\" ص ٢٣٢، \"شرح المفصل\" ٣/ ٢، و\"الهمع\" ٤/ ٢٨٣، \"البحر المحيط\" ١/ ٢٥١، \"شرح ابن عقيل\" ٣/ ٦٢، \"مغني اللبيب\" ١/ ٢٠٣، \"أوضح المسالك\" ١٤٦، \"الدر المصون\" ١/ ٣٤٨، ٤٢٢.\n(٦) في (ب): (فكذلك)، ومثله في \"الإغفال\" ص ٢٣٢.","vol":"3","page":29},{"text":"(بين) إلى (ذلك) لأن المراد به الزيادة على الواحد.\nألا ترى أنه إشارة إلى ما تقدم من قوله مما دل على الفروض والبكارة.\nفأما قول أبي إسحاق: (لأن ذلك ينوب عن الجمل (١)، يقول القائل: ظننت ذاك، والظن يقتضي مفعولين فقام ذلك أو ذاك مقامهما)، فهذا خطأ (٢)، ولا يجوز أن يقع ذاك وذلك (٣) موقع الجملة، ولا يجوز أن تكون (٤) نائبة عن الجملة، لأنه لوكان نائبا عنها للزم أن ينوب عنها في صلة (الذي) وأخواتها، وفي وصف النكرات (٥). ولو (٦) كان (ذلك) نائبًا عن الجمل لما جاز وقوعه في هذه الآية؛ لأن هذا الموضع ليس من مواضع الجمل، ولا من الأماكن التي يتجه فيها دخول الجمل.\n_________\n(١) في \"الإغفال\": (فأما قول أبي إسحاق: إنما جاز (بين ذلك)، و(بين) لا تكون إلا مع اثنين فعبارة أطلقها على جهة التسامح .. ثم قال (فاما قوله (لأن ذلك) ينوب عن الجمل، كقول القائل: ظننت ذاك ... إلخ) نقله بتصرف \"الإغفال\" ص ٢٣٢، ٢٣٣.\n(٢) قوله: (فهذا خطأ) لم يرد في كلام أبي علي، ونص كلامه: (فلا يخلو (ذلك) في ما ذكره من قولهم: ظننت ذاك أن يكون إشارة إلى المصدر، كما ذهب إليه سيبويه، أو يكون نائبا عن الجمل كما قاله أبو إسحاق، أو يكون إشارة إلى أحد المفعولين اللذين يقتضيهما (ظننت)، لا تحتمل القسمة غير ذلك ..) ثم أخذ يفصل هذه الوجوه. انظر: \"الإغفال\" ص ٢٣٣.\n(٣) في (ج): (ذلك وذاك).\n(٤) في (أ)، (ج): (يكون)، وفي \"الإغفال\" (يكون نائبًا) ص ٢٣٣، وأثبت ما في (ب) لأنه أنسب للسياق.\n(٥) \"الإغفال\" ص ٢٣٣.\n(٦) \"الإغفال\" ص ٢٤١.","vol":"3","page":30},{"text":"ألا ترى أن (ذلك) إشارة إلى البكارة والفروض. فلو كان واقعًا (١) موقعَ جملةٍ ما دلّ عليهما (٢)؛ لأن الجملة يُسنَد فيها الحديثُ إلى المحدَّث عنه (٣)، وليس (٤) واحد من الفروض والبكارة بمسند إلى الآخر. وهذا واضح لمن تأمله.\nفأما قولهم: ظننت ذاك، فهو عند سيبويه إشارة إلى المصدر (٥) كأنك قلت: ظننت ذاك (٦) الظنَّ، وإذا كان إشارة إلى المصدر لم يحتج إلى مفعول ثان، كما أنّ (ضربت) وغيره من الأفعال المتعدية إذا عديته (٧) إلى المصدر لم يلزم أن تُعدِّيه إلى مفعول به، فبان أن (ذاك) من قولهم: (ظننت ذاك) لم يقع موقع الجملة (٨).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-293>٦٩ </span>- قوله تعالى: ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا﴾ اللون (٩) مرفوع، لأنك لم ترد أن تجعل (ما) صلة، فتقول: يبين لنا لونَها، وقد قرئ\n_________\n(١) في (ب): (واقع).\n(٢) في (ب): (عليها).\n(٣) في (ب): (عنها).\n(٤) قوله: (وليس) ساقط من (ب).\n(٥) انظر: \"الكتاب\" ١/ ٤٠.\n(٦) في (ب): (ذلك).\n(٧) قوله: (إذا عديته) ساقط من (ب).\n(٨) انتهى ما نقله المؤلف عن كتاب \"الإغفال\" لأبي علي الفارسي بعضه بنصه، وبعضه بتصرف. انظر: \"الإغفال\" ص ٢١٤ - ٢٤١، وقد أطال في النقل عن (بين). ومحل ذلك المطولات من كتب النحو، لا كتب التفسير والله أعلم.\n(٩) في (ب): (ما لونها مرفوع).","vol":"3","page":31},{"text":"بها شاذًّا، وهو صواب (١)، ولكنه (٢) أراد (٣): ادع لنا ربك يبيّن لنا أي شيء لونُها؟ ولم يصلح للفعل الوقوع (٤) على (أي) لأن أصله جمع متفرق (٥) من الاستفهام، كقول القائل (٦): يبين لنا (٧) أسوداء هي أم صفراء؟ فلما لم يصلح (٨) للتَّبَيُّن أن يقع على الاستفهام في تفرقه لم [يقع] (٩) على أي، لأنها\n_________\n(١) لعل المراد من الناحية النحوية، لو ثبتت القراءة به وقد نسب الثعلبي القراءة بالنصب إلى الضحاك ١/ ٨٤/ أ، وعبارة الفراء -والكلام بنصه منقول عنه- يقول: (اللون مرفوع، لأنك لم ترد أن تجعل (ما) صلة فتقول: يبين لنا ما لونَها، ولو قرأ به قارئٌ كان صوابا ..) \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٤٦. قارن بين كلام الفراء وكلام الواحدي. قال الزجاج: (ولا يجوز في القراءة (ادع لنا ربك يبين لنا ما لونَها) على أن يجعل (ما) لغوا، ولا يُقرأ القرآن إلا كما قرأت القراء المجمع عليهم في الأخذ عنهم) \"معاني القرآن\" ١/ ١٢٣. وانظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ٣٤٤، فإنه نقل بعض كلام الفراء بمعناه، وانظر: \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ١٨٥، و\"المشكل\" ١/ ٥٢.\n(٢) في (ج): (ولكنه القائل يبين لنا أسوداء هي أما صفراء أراد: ادع ..) وفيه تكرير جملة لا مكان لها هنا وستأتي بعد.\n(٣) ما أحسن صنيع الفراء حينما قال: (ولكنه أراد -والله أعلم- ادع ..) \"معاني القرآن\" ١/ ٤٦.\n(٤) في (ج): (للوقوع).\n(٥) عبارة الفراء: (لأن الأصل (أي) تفرق جمع من الاستفهام) يريد أن (أيا) نابت عن جمع من الاستفهام متفرق. انظر: \"معاني القرآن\" للفراء، وحاشيته ١/ ٤٦.\n(٦) (القائل): مكرر في (ج).\n(٧) في (ب): (سوداء) بسقوط الهمزة.\n(٨) في (أ)، (ج): (فإنما يصلح للتبيين ..)، وما في (ب) موافق لـ \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٤٦.\n(٩) (يقع) زيادة من \"معاني القرآن\" ١/ ٤٦، وهي لازمة لتمام الكلام.","vol":"3","page":32},{"text":"جمع ذلك المتفرق، وكذلك ما كان في القرآن مثله. فأعمِلْ في (١) (ما) و(أي) الفعل الذي بعدهما، ولا تُعمِلْ الذي قبلهما إذا كان مشتقًّا من العلم أو في معناه، كقولك: ما أعلم أنهم قال ذلك، ولا أُعلِمَنَّ أيُّهم قال ذلك، وما أدري أيَّهم ضربتَ (٢). فهو في العلم والإخبار والإنباء وما أشبهها على هذا الوصف، ومنه قوله: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الانفطار: ١٧]، موضع (ما) (٣) رفع (٤)، رفعتها بيوم، كقولك: ما أدراك أيُّ شيء يوم الدين؟ وكذلك قوله: ﴿لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى﴾ [الكهف: ١٢]، رفعت (أي) بأحصى، وإنما (٥) امتنعت (أي) من الفعل الذي قبلها، لأنك تجد الفعل غير واقع عليها في المعنى؛ ألا ترى أنك إذا قلت: اسأل (٦) أيهم قام، كان المعنى: سل الناس أيُّهم قام، ولو أوقعت الفعل على أي فقلت: اسأل أيَّهم قام، خرجت من معنى الاستفهام، وذاك جائز إن أردته (٧)، تقول: لأضربنَّ أيَّهم قال ذلك، فهنا (٨) (أي) لا تكون (٩) استفهامًا؛ لأن الضرب لا يقع [على\n_________\n(١) (في): ساقطة من (ب).\n(٢) من (ب): (ضربت)، ومثله في \"معاني القرآن\" ١/ ٤٦، وفي غير (ب): (ضرب).\n(٣) في \"معاني القرآن\" (ما الثانية) ١/ ٤٦.\n(٤) في (ب): (رفعت).\n(٥) في \"معاني القرآن\" للفراء: (وتقول إذا كان الفعل واقعا على (أي): ما أدري أيَّهم ضربت، وإنما امتنعت من أن توقع على (أي) الفعل الذي قبلها من العلم وأشباهه، لأنك تجد الفعل ... إلخ) ١/ ٤٦، ٤٧.\n(٦) في \"المعاني\": (سل).\n(٧) في (ب): (أردت).\n(٨) في (ج): (فهاهنا).\n(٩) في (أ)، (ج): (يكون).","vol":"3","page":33},{"text":"اسم، ثم يأتي بعد ذلك استفهام، لأن الضرب لا يقع، (١) على اثنين. وقوله: ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا﴾ [مريم: ٦٩] مَنْ نصَبَ أيًّا (٢) أوقع عليها النزع، وليس باستفهام، كأنه قال: ثم لنستخرجن العاتي الذي هو أشدّ عِتيّا.\nوأما الرفع (٣)، فأن تجعل مكتفيًا بـ (من) في الوقوع عليها كما تقول: قد قتلنا من كل قوم، وأصبنا من كل طعام، ثم تستأنف أيًّا فترفعها بالذي بعدها، كقوله تعالى: ﴿يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ [الإسراء: ٥٧] وكذلك: ﴿يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ (٤) [آل عمران: ٤٤].\nو(٥) قوله تعالى: ﴿قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا﴾ (٦) ما بعد القول من باب (٧) إنَّ مكسور أبدا، كأنك لم تذكر القول في صدر كلامك، وإنما وقع (قلت) في كلام العرب على أن يحكى به ما كان كلامًا يقوم بنفسه قبل دخوله، فيؤدي\n_________\n(١) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).\n(٢) بالنصب قرأ طلحة بن مصرف، ومعاذ بن مسلم الهراء، وزائدة عن الأعمش، انظر \"البحر المحيط\" ٦/ ٢٠٩.\n(٣) ذكر الفراء وجهين للرفع حيث قال: (وفيها وجهان من الرفع: أحدهما: أن تجعل الفعل مكتفيا بـ (من) .. الخ) وذكر الوجه الثاني فقال: (فإن في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ﴾ لننزعن من الذين تشايعوا على هذا، ينظرون بالتشايع أيهم أشد وأخبث، وأيهم أشد على الرحمن عتيا ..) ١/ ٤٨.\n(٤) بهذا انتهى ما نقله المؤلف من الفراء بنصه في الغالب، وبتصرف في بعضه، انظر: \"معاني القرآن\" ١/ ٤٦ - ٤٨.\n(٥) (الواو): ساقط من (ب).\n(٦) (قال): ساقط من (ب).\n(٧) (باب): ساقط من (ج).","vol":"3","page":34},{"text":"مع ذكر (قلت) ذلك اللفظ، تقول: قلت: زيد منطلق، وكذلك إن زيدًا منطلق، إذا حكيته تقول: قلت: إن زيدًا منطلق (١)، لا اختلاف بين النحويين في ذلك، إلا أن قومًا من العرب، وهم بنو سُلَيم يجعلون باب (قلت) (٢) كباب (ظننت)، فيقولون: قلت: زيدًا منطلقًا، وهذه لغة لا يؤخذ بها في القرآن.\nوقوله تعالى: ﴿فَاقِعٌ﴾ هو مبالغة في نعت الأصفر يقال: فَقَعَ فُقُوعًا وهو يَفْقَعُ ويَفْقُعُ. وربما استعمل الفقوع في معنى الحمرة (٣)، قال البُرجُ بن مُسْهِر:\nكُمَيْتًا (٤) مِثْلَ ما فَقَعَ الأَديم (٥)\nأي: اشتدت حمرته، وفاقع يرجع إلى اللون، وهو خبر واسمه اللون، فهو خبر مقدم على الاسم (٦).\n_________\n(١) الكلام بنصه في \"معاني القرآن\" للزجاج وفيه: (تقول: قلت: زيد منطلق. كأنك قلت: زيد منطلق، وكذلك: إن زيدا منطلق، لا اختلاف بين النحويين ..) \"معاني القرآن\" ١/ ١٢٣.\n(٢) في \"المعاني\": (باب (قلت) اجمع كباب (ظننت» ١/ ١٢٣.\n(٣) أكثر المفسرين على أن ﴿فَاقِعٌ﴾ في هذه الآية صفة للأصفر. انظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ٣٤٥ - ٣٤٦، \"غريب القرآن\" لابن قتيبة ص ٥٣، ٥٤، \"معاني القرآن\" للأخفش١/ ٢٧٩، \"معاني القرآن\" للزجاج١/ ١٢٤، \"الكشاف\" ١/ ٢٨٧، وانظر: مادة (فقع) في \"الصحاح\" ٣/ ٢٥٩، \"اللسان\" ٦/ ٣٤٤٨.\n(٤) كذا في جميع النسخ، وفي \"اللسان\" (كميت)، وكذا في \"التاج\".\n(٥) ورد البيت في اللسان، وصدره:\nتَراها في الإناء لها حُمَيَّا\n\"اللسان\" (فقع) ٦/ ٣٤٤٨، و\"التاج\" (فقع) ١١/ ٣٤٩.\n(٦) في إعراب (فاقع) وجوه: الأول: (فاقع) خبر مقدم، و(لونها) مبتدأ مؤخر، =","vol":"3","page":35},{"text":"ومعنى ﴿تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾: تعجبهم بحسنها (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-294>٧٠ </span>- قوله تعالى: ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِىَ﴾ أي (٢): أسائمة أم عاملة (٣)؟ ﴿إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا﴾ ذكَّر الفعل لتذكير (٤) اللفظ كقوله: ﴿نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ﴾ [القمر: ٢٠] وكلُّ جمعٍ حروفُه أقلُّ من حروف واحده جاز تذكيره مثل: بقر ونخل وسحاب، فمن ذكَّر ذهب إلى لفظ الجمع، ولفظ الجمع مذكر، ومَن أنَّثَ ذهب إلى لفظ الجماعة (٥)، قال الله تعالى: ﴿يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ﴾ [النور: ٤٣] وقال: ﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ﴾ [ق: ١٠]، وقال الزجاج: معناه جنس البقر تشابه علينا (٦).\n﴿وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾ إلى وصفها (٧)، وقيل: إلى القاتل (٨).\n_________\n= والجملة صفة، والثاني: (فاقع) صفة للبقرة، و(لونها): فاعل فاقع، والثالث: (فاقع) صفة، و(لونها) مبتدأ خبره (تسر الناظرين) انظر: \"البيان\" ١/ ٩٣، \"الإملاء\" ١/ ٤٢، \"البحر المحيط\" ١/ ٢٥٢، \"الدر المصون\" ١/ ٤٢٤.\n(١) انظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ٣٤٦، \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٨٤ أ.\n(٢) في (ب): (قوله) يبين لنا ما هي (أي ..).\n(٣) الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ٨٤ أ، وانظر: \"تفسير أبي الليث\" ١/ ٣٧٨، و\"البغوي\" ١/ ٨٣.\n(٤) في (ج): (للذكير).\n(٥) انظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ٣٥٠، \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ١٢٧، \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٨٤ أ.\n(٦) \"معاني القرآن\" ١/ ١٢٨.\n(٧) الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ٨٤ ب، وانظر \"تفسير الطبري\" ١/ ٣٥٠، \"تفسير أبي الليث\" ١/ ١٢٨.\n(٨) انظر: \"تفسير أبي الليث\" ١/ ١٢٨، \"الكشاف\" ١/ ٢٨٨، \"البحر المحيط\" ١/ ٢٥٤.","vol":"3","page":36},{"text":"قال رسول الله - ﷺ -: \"وأيمُ اللِّه لو لم يستثنوا لما بُيِّنَتْ لهم آخر الأبد\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-295>٧١ </span>- قوله تعالى: ﴿قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ﴾ الذلول: المذللة بالعمل، و﴿تُثِيرُ اَلأرَضَ﴾ أي: تقلبها للزراعة (٢). ومعنى الإثارة: تفريق الشيء في كل جهة، يقال: أثرت الشيء واستثرته، إذا هيجته. قال (٣):\nإِذا كَانَ في صَدْر (٤) ابنِ عمِّك إِحْنَةٌ ... فلا تَسْتَثِرْها سوف يَبْدُو دَفِينُهَا (٥)\nويقال: ثار الشيء إذا ارتفع عن مكانه، يقال: ثار الغبار، ثار الدخان، وثار الدم في وجه فلان، وثَوَّرْتُ كدُورةَ الماء فثار، ومنه الثور لأنه يثير الأرض (٦).\n_________\n(١) أخرجه الطبري عن قتادة وابن جريح مرسلا، قال شاكر - عن الأثر عن ابن جريح: لا تقوم به حجة. \"الطبري (مع حاشية شاكر\") ٢/ ٢٠٥، ٢٠٦، وبمعناه عند \"تفسير ابن أبي حاتم\" عن أبي هريرة، قال المحقق: إسناده ضعيف. \"تفسير ابن أبي حاتم\" ١/ ٤٢٠، وذكر ابن كثير رواية ابن أبي حاتم، وقال: ورواه الحافظ أبو بكر من مردويه في \"تفسيره\" من وجه آخر، ثم ذكره، وقال وهذا حديث غريب من هذا الوجه، وأحسن أحواله أن يكون من كلام أبي هريرة. \"ابن كثير\" ١/ ١١٨، وقد تناقل المفسرون هذه الروايات بدون سند، وقد جمع بعضها السيوطي في \"الدر\" ١/ ١٥٠، والشوكاني في \"فتح القدير\" ١/ ١٥٦.\n(٢) انظر: \"تفسير الطبري\" ٢/ ٢١٢ و\"تفسير الثعلبي\" ١/ ٨٤ ب، و\"تفسير أبي الليث\" ١/ ٣٨٨.\n(٣) نسبه المرتضى في أماليه، إلى أبي الطمحان، ونُسب في اللسان إلى الأقيبل القيني.\n(٤) في (أ)، (ج): (صد)، وأثبت ما في (ب)، لأنه يوافق المصادر الأخرى التي ورد بها البيت.\n(٥) البيت في \"أمالي المرتضى\" ١/ ٢٥٩، \"مقاييس اللغة\" (أحسن) ١/ ٦٧، \"الفائق\" ١/ ٢٧، \"اللسان\" (أحن) ١/ ٣٥.\n(٦) \"تهذيب اللغة\" (ثار) ١/ ٤٦٧، انظر: \"الصحاح\" (ثور) ٢/ ٦٠٦، \"معجم مقاييس اللغة\" (ثور) ١/ ٣٩٥.","vol":"3","page":37},{"text":"وقوله تعالى: ﴿تُثِيرُ الأَرْضَ﴾ صفة لذلول (١)، والنكرة مع صفتها شيء واحد، ولذلك (٢) قلنا: إن المراد بقوله: ﴿تُثِيرُ الأَرْضَ﴾ النفي لا الإثبات، لأنه نفي أن تكون مثيرة للأرض (٣)، والنفي دخل على أول الكلام، فانتفى ما كان ينضم إليه، والصفة للنكرة كالصلة للموصول، ولو قلت: فلان ليس بالذي يأتيني كنت نافيًا للإتيان. ألا ترى إلى (٤) قول طرفة:\nلا كَبِيرٌ (٥) دالفٌ من هَرَمٍ ... أرْهَبُ اللّيْلَ ولا كَلُّ الظُّفُرْ (٦)\nأراد أنه لا يدلف من الهرم ولا يرهب الليل، ولم يرد الإثبات.\n_________\n(١) وقيل: في موضع الحال من المضمر في (ذلول)، أو حال من (ذلول) أو حال من بقرة، أو صفة لها، أو مستأنفة، فيكون الوقف على (ذلول)، والقول الأخير مردود عند كثير من العلماء، وسيذكره الواحدي.\nانظر: \"إعراب المشكل\" ١/ ٥٣، \"الكشاف\" ١/ ٢٨٨، \"تفسير ابن عطية\" ١/ ٣٤٦، \"الإملاء\" ١/ ٤٢، \"البحر المحيط\" ١/ ٢٥٥، \"الدر المصون\" ١/ ٤٢٩، ٤٣٠.\n(٢) في (ب): (وكذلك).\n(٣) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ١٢٤، \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ١٨٦، \"الإملاء\" ١/ ٤٢.\n(٤) في (ب): (في).\n(٥) في (ب): (كثير).\n(٦) قوله: (دالف): الدالف هو الذي يقارب الخطو ويمشي مشي المقيد، (الهَرَم): أقصى الكبر، كَلُّ الظفُر) أي: ظفري غير كليل، كناية عن قوته وبطشه، وكليلُ الظفَّر: المهين الذي لا يؤبه له. ورد البيت في ديوان طرفة ص ٧٥، \"مقاييس اللغة\" (ظفر) ٣/ ٤٦٦، وفيه (لا كليل دالف)، وورد الشطر الثاني في \"اللسان\" (ظفر) ٥/ ٢٧٤٩، وفيه (لست بالفاني ولا كل الظفر).","vol":"3","page":38},{"text":"قال ابن الأنباري (١): غلط أبو حاتم في هذا (٢)، لأنه قال: الوقف جيد على قوله: (ذلول) (٣)، ثم يبدأ بـ (تثير (٤) الأرض)، وقال: إن الله تعالى وصف هذه البقرة بما لا يعرفه الناس وصفًا لغيرها من البقر، فجعلها تثير الأرض ولا تسقي الحرث على خلاف ما نشاهد من بقرنا.\nوقد أبطل (٥) الفراء وغيره من كبار النحويين هذا الوقف (٦)، وردّ عليه هذا الاختيار بأن البقرة متى أثارت سقت، وغير جائز أن يُدّعى أعجوبةٌ في حرف من القرآن لم تؤثر (٧) عن أهل العلم ما ادعاه، فلا يقبل (٨) عنه ذلك، مع ما ذكرنا أنه لا يصح من (٩) طريق النحو أن المراد منه الإثبات. وموضع (تثير) رفع في التأويل لأنه نعت لذلول، والمعنى: أنها بقرة لا ذلول مثيرة للأرض، أي: ليست كذا ولا كذا، أي: لا توصف بالتذليل ولا بإثارة الأرض، كما تقول في (١٠) الكلام: عبد الله ليس بعاقل حازم، وزيد ليس\n_________\n(١) انظر: \"إيضاح الوقف والابتداء\" ١/ ٥٢١.\n(٢) في (ب): (في هذه الآية) بدل (في هذا لأنه).\n(٣) قال النحاس (ليس بقطع طاف وزعم الفراء: أنه ليس بقطع). \"القطع والائتناف\" ص١٤٨، وانظر: \"تفسير القرطبي\" ١/ ٣٨٤.\n(٤) قوله: (بـ (تثير) ساقط من (ب).\n(٥) (أبطل): ساقط من (ج).\n(٦) انظر: \"إيضاح الوقف والابتداء\" ١/ ٥٢١، \"القطع والائتناف\" ص ١٤٨، \"تفسير القرطبي\" ١/ ٣٨٥.\n(٧) في (ب): (يؤثر).\n(٨) في (ج): (فلا يقبل).\n(٩) (من): ساقط من (ب).\n(١٠) (في الكلام): ساقط من (ب).","vol":"3","page":39},{"text":"بآكل شارب، فتنفي (١) عنه الفعلين.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ﴾ دخلت (لا) لأنه معطوف على قوله: (ذلول) فلما كان فيه حرف النفي أدخل أيضا فيما انعطف عليه (٢).\n[وجاز عطف الفعل على الاسم، لأن فيه معنى الفعل كأنه قيل: لم تُذلَّل، والاسم إذا كان مبنيًّا على الفعل] (٣) جاز عطف الفعل عليه، كما تقول: زيد صائم ويصلي، ويجوز أن تكون (لا) مستأنفة، يراد بها: لا ذلول تثير الأرض، وليست تسقي الحرث.\nقال أبو العباس: والحرث كل موضع ذللته من الأرض ليزرع (٤) فيه، ويقال له عند غرسه وبذره إلى حيث بلغ: حرث. فمعنى الحرث: الأرض المهيأة للزرع (٥)، ومنه قوله: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣]، على التشبيه بالأرض التي (٦) قد هُيِّئت للزرع. فأما الزرع فإنما هو النماء، من ذلك قولك للصبي: زرعه الله (٧)، ويوضح هذا قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا\n_________\n(١) في (أ): (فينفى) وفي (ج): (فينتفي).\n(٢) وأجاز الزمخشري أن تكون (لا) مزيدة، لتأكيد النفي في الأولى. انظر \"الكشاف\" ١/ ٢٨٨، قال أبو حيان: (ووافقه على جعل الثانية مزيدة صاحب المنتخب، وما ذهب إليه ليس بشيء، لأن قوله: (لا ذلول) صفة منفية بلا، وإذا كان الوصف كان الوصف قد نفى بـ (لا) لزم تكرار (لا) النافية لما دخلت عليه ....) \"البحر\" ١/ ٢٥٥، وانظر \"الدر المصون\" ١/ ٤٣٠.\n(٣) ما بين المعقوفين ساقط من (أ)، (ج)، وأثبته من (ب) لأن استقامة السياق تقتضيه.\n(٤) في (ب): (لتزرعه).\n(٥) انظر: \"تهذيب اللغة\" (حرث) ١/ ٧٧٤، \"الصحاح\" (حرث) ١/ ٢٧٩، \"جمهرة أمثال العرب\" ٢/ ٣٤، ٣٥، \"مقاييس اللغة\" (حرث) ٢/ ٤٩، \"اللسان\" (حرث) ٢/ ٨١٩.\n(٦) في (أ)، (ج) (الذي)، وأثبت ما في (ب) لأنه أصوب.\n(٧) انظر: \"تهذيب اللغة\" (زرع) ٢/ ١٥٢٤، \"اللسان\" (زرع) ٣/ ١٨٢٦.","vol":"3","page":40},{"text":"تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ﴾ [الواقعة:٦٣، ٦٤].\nوقوله تعالى: ﴿مُسَلَّمَةٌ﴾ قال قتادة، والربيع، وابن عباس: أي من العيوب (١).\nوقال الحسن: من أثر العمل (٢).\nوقال مجاهد: من الشية (٣).\nوقوله تعالى: ﴿لَا شِيَةَ فِيهَا﴾ الوشى في اللغة معناه (٤): خلط لون، وكذلك في الكلام يقال: وشيتُ (٥) الثوب أشِيه وَشْيًا وشِيَةً (٦). والشية مما نقص منه الواو (٧)، وعوض فيه الهاء كالدية من وَدَيْتُ، والعِدة من وَعدتُ (٨)، ويجوز أن يكون (٩) الشية مصدرًا، يقال: وَشَيْتُ أشي شِيَةً (١٠)\n_________\n(١) ذكر الطبري في \"تفسيره\" عنهم، وعن أبي العالية ١/ ٣٥٢، وذكره \"ابن أبي حاتم\" عن قتادة، وأبي العالية، والربيع ١/ ٤٢٣، انظر: \"تفسير الماوردي\" ١/ ٣٦٥، \"الدر المنثور\" ١/ ١٥٢.\n(٢) في الثعلبي عن الحسن: مسلمة القوائم ليس فيها أثر العمل، ١/ ٨٤ ب، وذكره \"الماوردي\" ١/ ٣٦٥.\n(٣) ذكره الطبري في \"تفسيره\" ١/ ٣٥١ - ٣٥٢، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ١/ ٤٢٣، وانظر: \"الدر\" ١/ ١٥٢.\n(٤) (معناه) ساقط من (ب).\n(٥) في (ب): (وشية).\n(٦) بنصه في \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ١٢٤، وانظر \"تهذيب اللغة\" (وشى) ٨/ ٤٨٤٧.\n(٧) (الواو): ساقطة من (ج).\n(٨) انظر: \"معاني القرآن\" للأخفش ١/ ٢٨٢، والطبري في \"تفسيره\" ١/ ٣٥٢، و\"تفسير القرطبي\" ١/ ٣٨٦.\n(٩) في (ب): (تكون).\n(١٠) في (ب): (وشية).","vol":"3","page":41},{"text":"ووَشْيا (١).\nقال الزجاج: أي (٢) ليس فيها لون يفارق سائر لونها (٣).\nوقوله تعالى: ﴿قَالُوا الْآنَ﴾ الآن هو الوقت الذي أنت فيه، وهو حد الزمانين (٤)، حد الماضي من آخره وحد الزمان (٥) المستقبل من أوله (٦).\nوذكر الفراء في أصله قولين (٧):\nأحدهما: أن أصله (أوان) (٨) حذفت منه الألف وغيرت واوه إلى الألف ثم أدخلت عليه الألف واللام، ولم يخلعا منه كما فعلوا بالذي وتركوه على مذهب الأداة، والألف واللام له لازمة غير مفارقة.\nوالقول الثاني: أن أصله: آن (٩) ماضي يئينُ، بني اسمًا لحاضر الوقت، ثم ألحق به الألف واللام وترك على بنائه؛ لأن أصله فَعَلَ\n_________\n(١) انظر \"الكشاف\" ١/ ٢٨٨، و\"القاموس\" (وشى) ص ١٣٤٣.\n(٢) (أي) ساقط من: (أ)، (ج)، وأثبتها من (ب) ومثله في معاني القرآن.\n(٣) \"معاني القرآن\" ١/ ١٢٤.\n(٤) في (ب): (الزمان).\n(٥) (الزمان): ساقط من (ب).\n(٦) ذكره ابن قتيبة في \"تأويل المشكل\" ص ٥٢٣.\n(٧) \"معاني القرآن\" ١/ ٤٦٧، ٤٦٨، وقد ذكر كلام الفراء ابن قتيبة في \"تأويل المشكل\" ص ٥٢٣، ٥٢٤، والأزهري في \"تهذيب اللغة\" (الآن) ١/ ٩٨، وعبارة الواحدي متفقة مع ما ذكره ابن قتيبة في \"تأويل المشكل\".\n(٨) في (ب): (وان).\n(٩) في \"معاني القرآن\": (الآن) أصلها من قولك آن لك أن تفعل، أدخلت عليها الألف واللام، ثم تركتها على مذهب (فَعَلَ) فأتاها النصب من نصب (فعل)، وهو وجه جيد كما قالوا ..) ١/ ٤٦٨، ومثله في \"تهذيب اللغة\" ١/ ٩٩.","vol":"3","page":42},{"text":"منصوبة، كما قالوا: نهى رسول الله - ﷺ - عن قيلَ وقالَ وكثرةِ السؤال (١) وكانتا كالاسمين وهما منصوبتان. ولو خفضا على النقل لهما من حد الأفعال إلى الأسماء في النية لكان صوابًا.\nقال: وسمعت العرب تقول: أعييتني من شُبَّ إلى دُبَّ، ومن شُبٍّ إلى دُبٍّ مخفوض منون، يذهبون به مذهب الأسماء، والمعنى منذ كان صغيرًا يشِبُّ إلى أن دَبَّ كبيرًا (٢).\nومثله (أمس) فإن أصله الأمر من: أمسى يُمسي بُنيَ اسمًا للوقت، وألحق به الألف واللام (٣).\nقال أبو علي الفارسي (٤): حكم ما يبنى من الأسماء أن يكون لمضارعته الحرف، فلمضارعته له (٥) ما يجب أن يخرج إلى حكمه كما أن\n_________\n(١) أخرجه البخاري (١٤٧٧) كتاب (الزكاة) باب (قول الله ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾. عن المغيرة ولفظه: (إن الله كره لكم ثلاثا .. الحديث). \"الفتح\" ٣/ ٣٤، وفي كتاب (الأدب)، باب (عقوق الوالدين)، \"الفتح\" ١٠/ ٤٠٥، و(٦٤٧٣) وفي كتاب (الرقاق) باب (ما يكره من قيل وقال) الفتح، وفي كتاب (الاعتصام) باب: (ما يكره من كثرة السؤال) الفتح، ومسلم عن أبي هريرة والمغيرة، بنحوه (٧٢٩٢) كتاب (الأقضية) (النهي عن كثرة المسائل)، وأحمد عن أبي هريرة ٢/ ٣٢٧، ٣٦٠، ٣٦٧، وعن المغيرة ٤/ ٢٤٦، ٢٤٩، ٢٥٠.\n(٢) انتهى كلام الفراء، انظر: \"المعاني\" ١/ ٤٦٧، ٤٦٨، و\"تأويل المشكل\" ص ٥٢٣، ٥٢٤.\n(٣) انظر: \"تهذيب اللغة\" (أمس) ١/ ٢٠٠، و\"الأزمنة\" لقطرب ص ١٠٩، ١١٠.\n(٤) \"الإغفال\" لأبي علي الفارسي ص ٢٥٣. وقد نقل عنه الواحدي طويلا، بتصرف في كلامه بالاختصار والتقديم والتأخير، وسأذكر الفروق الهامة في أماكنها إن شاء الله.\n(٥) (له): ساقط من (ب).","vol":"3","page":43},{"text":"نوعًا منها لمشابهتها الأفعال (١) يخرج إلى حكمها (٢) فيمنع ما لا يكون لها من الجر والتنوين. وكذلك (الآن) بني لما فيه من مضارعته الحرف.\nوجهة المضارعة تضمنه معنى الحرف، وإذا تضمن الاسم معنى الحرف وجب بناؤه. [وذلك التضمن هو تضمن معنى (٣) التعريف، لأن التعرف حكمه أن يكون بحرف، فلما تضمن معنى الحرف وجب بناؤه] (٤)، كما أن خمسة عشر لما تضمن معنى الحرف بني. فإن قيل: كيف تضمن معنى الحرف، والحرف نفسه فيه، ولو جاز بناؤه وفيه الحرف لجاز بناء الرجل ونحوه؟\nقيل: الألف واللام في (الآن) ليس كهما في (الرجل)؛ لأن الرجل لا يتعرف (٥) بغير الألف واللام، والآن يتعرف بغيرهما (٦).\nوالدليل على تعرف (الآن) بغير ما ظهر فيه من الحرفين، أن ما فيه الألف واللام مما يعرف به يلزم أن يكون قبل دخوله (٧) عليه نكرة كرجل، والرجل، وليس (الآن) كذلك. ألا ترى أنه ليس (آن) (٨) منكورا، ثم\n_________\n(١) في (ب): (فقال يخرج).\n(٢) قوله: (كما أن نوعا منها لمشابهتها الأفعال يخرج إلى حكمها) ليس في \"الإغفال\" انظر: ص ٢٥٣.\n(٣) في \"الإغفال\" (تضمن معنى حرف التعريف) ص ٢٥٤.\n(٤) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).\n(٥) في (ب): (لا يعرّف).\n(٦) نقله بالمعنى، انظر: \"الإغفال\" ص ٢٥٤، و\"سر صناعة الإعراب\" ١/ ٣٥٠.\n(٧) في \"الإغفال\": (دخولهما)، وفي حاشيته (ج): (دخولها).\n(٨) في (ب): (الآن).","vol":"3","page":44},{"text":"يكتسي التعريف بالحرف كالرجل.\nويراد بـ (الآن) الوقت الحاضر (١)، وما هو أقل القليل، ثم قد تتسع فيه العرب، فتقول: أنا الآن أنظر في النجوم، وأنا الآن أنظر في العلم، وأنا الآن أصل من قطعني (٢)، وليس يراد أنه (٣) في ذلك الوقت اليسير يفعل ذلك، ولكن غرضه أنه في وقته ذلك وما أتى من (٤) بعد، وتطاول، يفعل هذا الضرب من الفعل.\nوهذا كقولهم: أنا اليوم خارج، يريد به الذي هو عقيب الليلة. ثم قالوا: أنا اليوم شيخ، وأنا اليوم متماسك، فاليوم أصله لما هو عقيب الليلة ثم يتسع فيستعمل لغير ذلك الزمان. فكذلك (الآن) أصله للوقت الحاضر، ثم قد يتسع فيه.\nفإن قلت: فهل تجد الألف واللام في اسم غير هذا، والاسم الذي فيه غير متعرف به (٥)؟\n_________\n(١) تصرف الواحدي في كلام أبي علي بالتقديم والتأخير، وسياق أبي علي أوضح، لترابط الكلام وبناء بعض على بعض. قال: أبو علي: (فإن قال قائل: ما تنكر أن يكون تعريف الآن كتعريف الجنس؟ ..) ثم قال: (ومع ذلك فلا يصح في المعنى أن يراد بالآن تعريف الجنس .. لأنه يخلو من أحد أمرين: إما أن يكون يراد به جميع الأزمنة، أو يراد به الأوقات الحاضرة، أو الآتية ..) ثم فصل ذلك، وفي آخره قال: (فكذلك الآن أصله للوقت الحاضر، ثم قد يتسع فيه بعد ..) \"الإغفال\" ص ٢٥٥ - ٢٥٦.\n(٢) في (ج): (من قطع).\n(٣) في (ب): (وليس أنه يراد).\n(٤) (من): ساقط من (ب)، وفي \"الإغفال\": (وما يأتي بعد) ص ٢٥٥.\n(٥) في \"الإغفال\": (بهما).","vol":"3","page":45},{"text":"فالجواب: أن قولهم: (الذي) فيه الألف واللام وليس (١) تعريف الاسم بهما، إنما تعريفه بغيرهما.\nوالدليل على ذلك: تعريف سائر الموصولات (٢) سوى الذي (٣) ولا ألف ولام فيها. فقد وجدت الألف واللام في هذا الاسم (٤) أيضا لغير التعريف (٥).\nويدل أيضا على أن التعريف في (الذي) ليس باللام، أنّ كثيرًا من العرب قد يستعمل موضع (الذي): (ذو)، وهو عندهم معرفة.\nأنشد أبو زيد لقيس بن جِرْوة (٦) جاهلي:\nلئنْ لَم تُغَيِّرْ (٧) بَعْضَ مَا قَدْ صَنَعْتُمُ ... لَأَنْتَحِيَنْ (٨) للعَظْمِ ذُوأنا عارِقُه (٩)\n_________\n(١) في (أ)، (ج): (ليس) بسقوط (الواو)، وثابتة في (ب)، و\"الإغفال\" ص ٢٥٦.\n(٢) مثل (من) و(ما) و(أي)، انظر: \"سر صناعة الإعراب\" ١/ ٣٥٣.\n(٣) والتي وبابهما مما فيه (الألف واللام).\n(٤) قوله: (في هذا الاسم) أي: الآن كما في \"الإغفال\" ص ٢٥٧، واختصار الواحدي للكلام جعله محتملًا لأن يراد به (الذي).\n(٥) انظر بقية كلام أبي علي في \"الإغفال\" ص ٢٥٧ - ٢٦٠.\n(٦) هو قيس بن جروة الطائي، ويلقب بـ (عارق الطائي) شاعر جاهلي، انظر أخباره وترجمته في: \"الحماسة\"، \"شرح المرزوقي\" ٣/ ١٤٤٦، ١٤٦٦، \"المزهر\" ٢/ ٤٣٨، \"الخزانة\" ٧/ ٤٤٠.\n(٧) في (ب): (يغير) وكذا يروى في بعض المصادر.\n(٨) في (ب): (لا نتحن).\n(٩) يروى البيت (فإن): بدل (لئن)، ومعنى (لا نتحين): لأقصدن ولأميلن. (عارقه): من عرق العظم، إذا نهشه بأسنانه. يقول: إن لم تغير ما صنعتم من الظلم، لأميلن إلى كسر العظم الذي أخذت ما عليه من اللحم، ورد في \"نوادر أبي زيد\" =","vol":"3","page":46},{"text":"فإن قيل: إذا كانت اللام زيادة (١) في الذي غير متعرف بها، فهل يوجد حرف زائد لا يجوز إسقاطه؟ قلنا: قد يكون زائدًا لازمًا، ألا ترى أنهم يقولون: آثِرًا ما (٢)، ولا يسقطون هذا الزائد، ورب (٣) زائد لازم حتى يكون بمنزلة ما هو من نفس الحرف.\nومثل ذلك (مِن) في ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ﴾ [الحج: ٤٨]، و(ما) في سِيَّما (٤)، فليس لزوم هذا الحرف وامتناع حذفه مما يمنع من الحكم بزيادتها (٥). ومما يقوي زيادة اللام، ما (٦) أخبرنا أبو بكر محمد بن الحسن (٧)، عن أبي العباس محمد بن يزيد (٨) عن أبي عثمان (٩) قال: سألت الأصمعي عن قول الشاعر:\n_________\n= ص ٢٦٦ و\"الكمال\" ٣/ ٢١٩، و\"الحماسة\" بشرح المرزوقي ٣/ ١٤٤٧، و\"الإغفال\" ص ٢٦٠، و\"شرح المفصل\" ٣/ ١٤٨، و\"اللسان\" (عرق) ٥/ ٢٩٠٩، و\"الخزانة\" ٧/ ٤٣٨، ١١/ ٣٣٩.\n(١) في (ب): (زائدة).\n(٢) جعلوا (ما) لازمة وهي زائدة، انظر \"الكتاب\" ١/ ٢٩٤.\n(٣) في (ب): (وب).\n(٤) انظر: \"الكتاب\" ٢/ ١٧٠، ١٧١.\n(٥) انظر بقية كلام أبي علي في \"الإغفال\" ص ٢٦١ - ٢٦٦.\n(٦) (ما): ساقط من (ب).\n(٧) في (ب): (الحسين) وفي \"الإغفال\": (أبو بكر بن السراج ص ٣٦٦) وهو محمد بن السري، أبو بكر سبقت ترجمته، وليس في نسبه (الحسن أو الحسين). انظر: \"طبقات النحويين\" ص١١٢، و\"إنباه الرواة\" ٣/ ١٤٥، \"معجم الأدباء\" ١٨/ ١٩٧.\n(٨) المبرد، سبقت ترجمته.\n(٩) المازني، سبقت ترجمته.","vol":"3","page":47},{"text":"وَلَقَدْ جَنَيْتُكَ أكْمُؤًا وَعَسَاقِلا ... وَلَقَدْ نَهَيْتُكَ عَنْ بَنَاتِ الأوْبَرِ (١)\nلم أدخل اللام (٢)؟ فقال: أدخله زيادة للضرورة، كقول الآخر: (٣)\nيَا ليْتَ أمَّ العَمْرِو كانَت صَاحِبي (٤)\nفكما أن اللام زيادة فيما ذكرنا، كذلك هو في (الآن) زائدة، ولا تستوحشنَّ من قولنا فيها، فقد قال بزيادته سيبويه والخليل في قولهم: مررت بهم الجمّاءَ الغفير نصب على نية (٥) إلغاء الألف واللام نحو: طرًّا\n_________\n(١) البيت من الشواهد النحوية المشهورة، ولم يعرف له قائل، وقوله: (جنيتك): جنيت لك، وقوله: (أكمؤا): جمع كمأ، و(العساقل): نوع منه، وكذا (بنات الأوبر) وهو من رديئه، ورد البيت في \"المقتضب\" ٤/ ٤٨، \"تهذيب اللغة\" (العسقول) ٣/ ٢٤٣٦، و(جنى) ١/ ٦٧٤، و(وبر) ٤/ ٣٨٢٧، \"الخصائص\" ٣/ ٥٨، \"المنصف\" ٣/ ١٣٤، \"الإنصاف\" ٢٧٣، \"المخصص\" ١/ ١٦٨، ١١/ ١٢٦، ٢٢٠، ١٣/ ٢١٥، ٢١٦، ١٤/ ١٢٠، \"شرح المفصل\" ٥/ ٧١، \"مغني اللبيب\" ١/ ٥٢، \"شرح ابن عقيل\" ١/ ١٨١، \"أوضح المسالك\" ١/ ١٨٠، \"اللسان\" (سور) ٤/ ٢١٤٧، و(وبر) ٨/ ٤٧٥٢.\n(٢) في \"الإغفال\": (الألف واللام) ص ٢٦٦.\n(٣) في \"الإغفال\": (فقال أدخلها للضرورة كقول الآخر: باعَدَ أم العَمَرِ من أسيرِهَا وروينا عن أحمد بن يحيى عن ابن الأعرابي: ياليت أم العمر ..) ص ٢٦٦، ٢٦٧.\n(٤) لم يعرف قائل الرجز: وبعده:\nمكان من أشتى على الركائب.\nويروى (أم العمر) ورد البيت في \"الإغفال\" ١/ ٢٦٧. \"المخصص\" ١/ ١٦٨، ١١/ ٢٢٠، \"الإنصاف\" ١/ ٣١٦، \"المنصف\" ٣/ ١٣٤، \"تهذيب اللغة\" (ربع) ٢/ ١٣٤٧، \"الصحاح\" (ضرب) ١/ ١٦٩، \"اللسان\" (ضرب) ٥/ ٢٥٦٩، و(وبر) ٨/ ٤٧٥٢، و(ربع) ٣/ ١٥٦٣، \"شرح المفصل\" ١/ ٤٤.\n(٥) (على نية): ساقط من (أ)، (ج).","vol":"3","page":48},{"text":"وقاطبة (١).\nوقال به أبو الحسن والأصمعي، وقبله أبو عثمان وأبو العباس وأبو بكر، فلم يدفعوه فيما روينا عنهم في البيت، وأما أبو الحسن الأخفش فإنَّه قال في قولهم: (مررت بالرجل خير منك، ومررت بالرجل مثلك) إن اللام زائدة (٢)، وبعد: فإن حرف التعريف حرف كسائر الحروف التي تلزم معنى، ثم تزاد (٣) في موضع آخر معرًّى من ذلك المعنى، كـ (باء الجر، ومن) وغيرهما، وكما جاءت (ما ولا) زائدتين، ولكل واحد منهما معنى يلزمه إذا لم يزد، وكذلك حرف التعريف (٤).\nفإن قيل: إذا كانت اللام زائدة فهلّا جعلت هذا الاسم من الأسماء المنكورة (٥) المبنية كـ (أين وكيف) ونحوه (٦)؟ فالجواب أن هذا الاسم لا يجوز أن يكون كـ (أين) ونحوه من المنكورة (٧) المبنية؛ لأن هذا مختص (٨)\n_________\n(١) انظر: \"الكتاب\" ١/ ٣٧٥، وفيه: (كقولك: مررت بهم قاطبة، ومررت بهم طرّا) وانظر: \"المنصف\" ٣/ ١٣٤، \"سر صناعة الإعراب\" ١/ ٣٥٠ - ٣٦٨.\n(٢) كلام أبي الحسن الأخفش ورد في \"الإغفال\" ص ٢٦٣، ٢٦٤. وفيه: (الألف واللام) زائدة، وانظر: \"معاني القرآن\" للأخفش ١/ ١٦٦.\n(٣) في (أ): (يزاد) وأثبت ما في (ب)، (ج) لأنه أنسب للسياق، ومثله في \"الإغفال\" ص ٢٦٨.\n(٤) انتهى كلام أبي علي في \"الإغفال\" في هذه المسألة ص ٢٦٨. ثم عاد إليها مرة أخرى ص ٢٧٧، ونقل عنه الواحدي كما سيأتي.\n(٥) في (ب): (المكنوزة).\n(٦) \"الإغفال\" ص ٢٧٧.\n(٧) في (ب): (المكنوزة).\n(٨) (مختص): ساقط من (ب).","vol":"3","page":49},{"text":"مشار به إلى شيء بعينه، كما أن (هذا) مشار به إلى شيء واحد بعينه من سائر ما يحضر (١).\nألا ترى أنك تخص به الوقت الحاضر دون الماضي ودون الآتي، إلا أن يتسع (٢) فيه فالإشارة به والقصد فيه إلى المعين المخصوص يخرجه عن أن يراد به الشائع المنكور (٣) كـ \"كيف\" وبابه.\nقال أبو على: وأما قول الفراء (٤) إن قولنا: (الآن) يجوز أن يكون الآن (٥) من قولنا: آنَ أن (٦) يفعل كذا، دخلت عليه [الألف واللام مثل شُبَّ (٧) إلى دُبَّ. وهذا قول يفسد في: اللفظ والمعنى، ومن حكم مثله ألا يعرج عليه] (٨) أما فساده في اللفظ: فلأن ذلك لا يخلو من أحد أمرين: إما أن يكون فعلًا مجرّدًا من الفعل. أويكون فعلًا معه فاعل.\nفإن كان فعلًا مجردًّا من الفاعل لزم إعرابه وامتنع حكايته، وذاك مذهب العرب والنحويين جميعا.\n_________\n(١) في \"الإغفال\": (ما يخص).\n(٢) في (ج): (تتسع)، ومثله في \"الإغفال\" ص ٢٧٧.\n(٣) في (ب): (المكنون لكيف).\n(٤) لم يذكر أبو علي الفراء باسمه وإنما قال: (وذكر بعضهم أن قولنا: (الآن) يجوز أن\nيكون ..) \"الإغفال\" ص ٢٨٣.\n(٥) في (ب): (الآن).\n(٦) في (ج): (تفعل).\n(٧) في \"الإغفال\" (من شب ..) ص ٢٨٣.\n(٨) ما بين المعقوفين ساقط من: (أ)، (ج)، وأثبته من (ب) ومثله في \"الإغفال\" ص ٢٨٣، واستقامة السياق تقتضيه.","vol":"3","page":50},{"text":"ألا تراهم سمَّوا (١) العنبر بن عمرو بن تميم (٢): خَضَّمَ (٣) لكثرة أكله (٤)، فأعربوه ولم يحكوه.\nقال سيبويه: وسمعناهم يصرفون رجلًا سُمَيَ كَعْسَبَ (٥)، وهو فعلل (٦) من الكعسبة، وهي (٧) شدة العدو، وإنما لم يجز حكايةُ الفعل إذا نُقِل فسمّي به من أجل أن الفعل يلزمه الفاعل (٨)، فلا يفارقه. فلو حكي بعد التسمية للزمه الفاعل كما كان يلزمه قبل، لأنه لا يخلو (٩) من الفاعل، الحكاية (١٠) فيه إذا سمي به تؤدي إلى خلاف الغرض المقصود؛ لأن\n_________\n(١) في (ب): (ألا تراهم أنهم) وفي \"الإغفال\" (ألا ترى أنهم سموا) ص ٢٨٣.\n(٢) العنبر بن عمرو بن تميم، كان شاعر، وإليه ينسب بني العنبر، انظر \"الاشتقاق\" لابن دريد ص ٢٠١، ٢١١، و\"المزهر\" ٢/ ٢٧٥.\n(٣) في جميع النسخ (خضما) وفي \"الإغفال\": (خضم) ص ٢٨٣. قال سيبويه: ولا يصرفون (خضّم) وهو اسم للعنبر بن عمرو بن تميم. \"الكتاب\" ٣/ ٢٠٨.\n(٤) قال في الصحاح (خضّم) على وزن (بعّم) اسم العنبر بن عمرو بن تميم، يزعمون أنهم سموا بذلك لكثرة الخضم، وهو المضغ. الصحاح (خضم) ٥/ ١٩١٤، وانظر \"اللسان\" (خضم) ٢/ ١١٧٦ - ١١٧٨.\n(٥) في \"الإغفال\" ص ٢٨٢: (يسمى كعسبا). وكذا في \"الكتاب\" ٣/ ٢٠٦.\n(٦) في \"الكتاب\" (وإنما هو (فَعَلَ) من الكعسبة. قال عبد السلام هارون: (لا يقصد بـ (فعل) الوزن الصرفي، وإلا فهو (فعلل) وإنما يقصد أنه منقول من الفعلية \"الكتاب\" مع حاشية عبد السلام هارون ٣/ ٢٠٦.\n(٧) في (ب): (وهو).\n(٨) في (ب): (الفعل).\n(٩) (يخلو): ساقط من (ب).\n(١٠) في (ب): (فالحكاية).","vol":"3","page":51},{"text":"المسمي بالفعل لو حكاه في حال (١) التسمية للزمه التسمية بالجملة دون المفرد، إذ الفعل لا يخلو من الفاعل بحال، فلما كان كذلك أزيل (٢) عن الفعلية بإعرابه، وترك حكايته، وصح التسمية به (٣) لذلك دون فاعله. ويدل على امتناع هذه الكلمة أن [تكون] (٤) فعلا، دخول لام (٥) التعريف عليها، وهذه اللام دخولها يكون على الأسماء، كما أن التنوين من خواص الأسماء.\nولا يجوز (٦) في قولهم: (الآن) (٧) أن يكون فعلًا معه فاعله غير مجرد منه؛ لأن دخول اللام عليه يمنع ذلك، ألا ترى أن اللام لا تدخل على الجمل كما لا تدخل على الفعل فهذا فساده (٨) من جهة اللفظ.\nوأما فساده من جهة المعنى، فقولهم: آن أن تفعل كذا (٩) مقلوب من (١٠) أنى يَأني وأصل هذه الكلمة في اللغة إنما هو بلوغ الشيء (١١) وانتهاؤه ومكثه وامتداده، فهو خلاف الآن وعكسه. والدليل على صحة\n_________\n(١) (حال): ساقط من (أ)، (ج)، وهو في (ب) \"الإغفال\" ص ٢٨٤.\n(٢) في (ب): (أزيد).\n(٣) في (ب): (بذلك).\n(٤) في جميع النسخ (يكون) بالياء والتصحيح من \"الإغفال\" ص ٢٨٤.\n(٥) في (ب): (اللام والتعريف).\n(٦) \"الإغفال\" ص ٢٨٨.\n(٧) في (ب): (ألا أن يكون).\n(٨) أي قول الفراء.\n(٩) (آن): ساقط من (ب).\n(١٠) في (ج): (عن).\n(١١) انظر: \"تهذيب اللغة\" (أنى) ١/ ٢٢٥، و(الآن) ١/ ٩٩.","vol":"3","page":52},{"text":"القلب في هذا، أنه لا مصدر لـ (آن)، كما أن قولهم: أيس يأيس لما كان مقلوبًا من يئس ييأس (١) لم يكن له مصدر [ولوكان له مصدر] (٢) لكان من باب جذب وجبذ (٣)، ولم يكن قلبا.\nفإن قلت (٤): فقد قالوا: الإياس، وقد سمّوا الرجل إياسًا؟\nقيل: إن إياسًا من إسْتَه إذا أعطيتَه (٥)، وتسميتهم بإياس كتسميتهم بـ (عطية وعطاء)، ومن هذا الباب قوله: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ (٦) أي أما بلغ، أما حان. والآن اسم للوقت الذي أنت فيه وهو باق، والباقي غير المتقضي (٧) المنتهي.\nوأما قولهم: أعييتني من شُبَّ إلى دُبَّ (٨) فهذا الكلام مخرجه مخرج الأمثال التي تلزم طريقةً واحدةً ووجهًا واحدًا، كقولك للرجل: أَطِرِّي\n_________\n(١) في (أ)، (ج): (يأس)، وفي \"الإغفال\": (يئس يئيس) ص ٢٨٨.\n(٢) ما بين المعقوفين ساقط من: (أ)، (ج)، وأثبته من (ب) ومثله في \"الإغفال\" ص ٢٨٨، والسياق يقتضيه.\n(٣) جبذ مقلوب من جذب قلبًا مكانيًّا. انظر: \"تهذيب اللغة\" (جذب) ١١/ ١٥، \"اللسان\" (جذب) ١/ ٢٥٨.\n(٤) في (ب): (وأن).\n(٥) في \"الإغفال\" وقد سموا الرجل إياسا فما تنكر أن يكون غير قلب، فإن إياسا من إسته إذا أعطيته ... \"الإغفال\" ص ٢٨٨، وانظر: \"اللسان\" (يأس) ٦/ ٢٥٩.\n(٦) الحديد: ١٦، وفي (ج) زيادة: ﴿أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾.\n(٧) في (ب): (المقتض)، وفي \"الإغفال\": (المنقض) ص ٢٩٢.\n(٨) قال أبو علي: (.. فإن قلت كيف يكون فيه ضمير الفاعل، وقد يقال: (أعييتني منذ شب إلى دب) ولو كان في هذا ضمير فاعل لوجب أن يكون مذ شببت إلى أن دببت؟ فالجواب: أنه إنما كان كذلك لأنه كلام مخرجه مخرج الأمثال ... الخ) \"الإغفال\" ص ٢٨٧.","vol":"3","page":53},{"text":"فَإنَّكِ نَاعِلة (١)، والصَّيفَ ضيَّعت اللبن (٢)، فمعنى هذا: أنت عندي ممن يجب أن يقال له هذا.\nفهذه الأمثال وما شبه بها إنما تقال كما قيلت حيث جرت، ولذلك (٣) أيضًا دخلت (إلى) على الجملة كأنهم جعلوها الوقت (٤). فأرادوا: أعييتني من وقت الشباب إلى وقت الكبر والدبّ بالعصا (٥).\nوأما (٦) قوله: يجوز أن يكون الآن مأخوذا من الأوان فتكون الألف منقلبة عن الواو (٧)، فإن ذلك لا ينبغي أن يجوز، لأن هذه المبنية مشابهة بالحروف (٨) والأصوات [فكما لا يكون (٩) الحروف\n_________\n(١) في جميع النسخ (فاعلة) وفي \"الإغفال\": (ناعلة) وهو الصحيح، وفي الحاشية في (ب): (فاعلة). قال العسكري: يضرب مثلا للقوي على الأمر، وأصله أن رجلا كان تله أمتان راعيتان، إحداهما ناعلة والأخرى حافية، فقال للناعلة: أطري، أي: خذي طرر الوادي، فإنك ذات نعلين، ودعى سرارته، أي: وسطه لصاحبتك فإنها حافية. \"جمهرة الأمثال\" للعسكري ١/ ٥٠، \"المستقصي\" ١/ ٢٢١، \"اللسان\" (طرر).\n(٢) يضرب مثلا لمن يضيع الأمر، ثم يريد استدراكه في غير وقته، وللمثل قصة مذكورة في كتب الأمثال. انظر: \"أمثال العرب\" للضبي ص ٥١، \"الدرة الفاخرة\" ١/ ١١، \"جمهرة الأمثال\" ١/ ٥٧٥.\n(٣) في (ب): (وكذلك).\n(٤) كذا في جميع النسخ، وفي \"الإغفال\" (للوقت) ص ٢٨٧.\n(٥) انظر بقية كلام أبي علي ص ٢٨٧.\n(٦) (أما): ساقط من (ب).\n(٧) \"الإغفال\" ص ٢٩٥.\n(٨) في \"الإغفال\": (للحروف) ص ٢٩٥، وهذا أولى بالسياق.\n(٩) في \"الإغفال\" (لا تكون) في الموضعين ص ٢٩٥.","vol":"3","page":54},{"text":"والأصوات] (١) مشتقة كذلك (٢) لا يكون هذه (٣) الأسماء مشتقة (٤).\nومعنى قوله: ﴿الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾ أي: بالوصف البين التام الذي دل على التمييز من بين أجناسها (٥)، ويقال: جاء مجيئًا وجَيْئةً، ومنه: الجَيْئة (٦)؛ لأنه يجيئها الماء فيجتمع فيهما.\n[وقوله: ﴿فَذَبَحُوهَا﴾ في الآية إضمار، أراد: فطلبوها، فوجدوها، فذبحوها] (٧).\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ قال القرظي: لغلاء ثمنها (٨).\n_________\n(١) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).\n(٢) في (ب): (لذلك).\n(٣) في (ج): (هذا).\n(٤) هذا آخر ما نقله الواحدي عن أبي علي الفارسي من كتابه \"الإغفال\" عن (الآن) وقد أطال النقل وتصرف في نقله بالاختصار والتقديم والتأخير، وقد أشرت للفروق الهامة في أماكنها. انظر: \"الإغفال\" ص ٢٥٣ - ٢٩٨.\n(٥) انظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ٣٥٣، \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٨٤ ب.\n(٦) كذا يقال له: (جيئة) وجيأة وكل من كلام العرب. \"تهذيب اللغة\" (الجيأة) ١/ ٦٨٦، وقال صاحب اللسان: والجِئة والجِيئة: حفرة الهبطة يجتمع فيها الماء، والأعرف: الجية. \"اللسان\" (جيا) ٢/ ٧٣٩.\n(٧) ما بين المعقوفين ساقط من: (أ)، (ج) وأثبته من (ب). انظر معنى الآية في \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٨٤ ب، \"الكشاف\" ١/ ٢٨٨، \"البحر المحيط\" ١/ ٢٥٧.\n(٨) ذكره الطبري ١/ ٣٥٤، \"ابن أبي حاتم\" ١/ ٤٢٦، \"تفسير ابن كثير\" ١/ ١١٩، وقال: وفي هذا نظر، لأن الثمن لم يثبت إلا من نقل بني إسرائيل. وانظر: \"الدر المنثور\" ١/ ١٥٢.","vol":"3","page":55},{"text":"وقال وهب: مخافة الافتضاح (١). وذكرنا ما في (كاد) عند قوله ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ﴾ [البقرة: ٢٠].\nقال عكرمة: لو أنهم عمدوا (٢) إلى أدنى بقرة فذبحوها لكفتهم ولكنهم شدّدوا فشُدِّد عليهم (٣)، وقيل: إن أول من راجع موسى في ذبح البقرة هو القاتل مخافة أن ينكشف ويفتضح.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-296>٧٢ </span>- قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا﴾ الآية. كان الاختلاف في القاتل قبل ذبح البقرة، وإنما تأخر في الكلام؛ لأن الله ﷿ لما قال: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة: ٦٧]، علم المخاطبون أن البقرة لم تذبح إلا للدلالة على قاتل خفيت عينه عليهم، فلما استقرّ علم هذا في نفوسهم أتبعه بقوله: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا﴾ على جهة التوكيد، لا أنه عرّفهم (٤) الاختلاف في القاتل بعد أن دلهم على ذبح البقرة (٥)، وقيل: إنه\n_________\n(١) ذكره الطبري في \"تفسيره\" ١/ ٣٥٥ - ٣٥٦، و\"ابن كثير\"، وقال: (ذكره ابن جرير، ولم يسنده عن أحد). \"تفسير ابن كثير\" ١/ ١١٩الصحيح: أن ابن جرير الطبري ذكره بسنده عن وهب.\n(٢) في (ب): (عهدوا).\n(٣) ذكره الطبري عنه، وعن عدة من السلف ٢/ ٢٠٤، وانظر: \"تفسير ابن كثير\" ١/ ١١٩، \"الدر المنثور\" ١/ ١٥٢.\n(٤) في (ب): (عن فهم).\n(٥) وعلى هذا القول يكون قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ مقدمًا في التلاوة، وقوله. ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا﴾ مقدّمًا في المعنى على جميع ما ذكر من شأن البقرة، ذكر ذلك القرطبي، وقد ذكر في الآية ثلاثة أوجه، هذا أحدها.\nوالوجه الثاني: أن يكون قوله: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ﴾ في النزول مقدمًا، والأمر بالذبح مؤخرًا.\nوالثالث: يكون ترتيب نزولها حسب تلاوتها، فكأن الله أمرهم بذبح البقرة حتى =","vol":"3","page":56},{"text":"من المؤخر الذي يراد به التقديم، وتأويل ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا﴾، فسألتم موسى فقال لكم: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾. وهذا عادة العرب في كلامهم، قال الله جل اسمه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١) قَيِّمًا﴾ [الكهف:١، ٢]، أراد: أنزل على عبده الكتاب قِيَمًا (١). وقال الفرزدق يمدح خال هشام (٢):\nوَمَا مِثْلُه في النَّاسِ إلا (٣) مُملَّكًا ... أبو أمِّهِ حَيٌّ أبوهُ يُقَارِبُهْ (٤)\nأراد: وما مثله (٥) في الناس حي يقاربه إلا مملكًا، أبو أم المملك أبوه، فقدّم وأخّر.\n_________\n= ذبحوها، ثم وقع ما وقع من أمر القتل، فأمروا أن يضرب ببعضها. \"القرطبي\" ١/ ٣٧٨ - ٣٨٨، وانظر: \"البحر المحيط\" ١/ ٢٥٨.\nوقد رجح أبو حيان أن الأمر بالذبح متقدم، والقتل متأخر كحالهما في التلاوة، ولا داعي لحمل الآيات عن ظاهرها، بل تظهر الحكمة البالغة في امتحانهم أولا بذبح البقرة هل يمتثلون أم لا؟\n(١) انظر: \"تفسير أبي الليث\" ١/ ٣٩٢، \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٨٥ أ، \"البغوي\" ١/ ٨٤.\n(٢) هشام بن عبد الملك بن مروان، أحد خلفاء بني أمية، وخاله هو إبراهيم بن هشام ابن إسماعيل المخزومي القرشي. انظر: \"الكامل\" ٥/ ١٢٣، \"سير أعلام النبلاء\" ٥/ ٣٥١، \"الأعلام\" ١/ ٧٨.\n(٣) (ألا): ساقط من (ب).\n(٤) البيت من شواهد البلاغة على التعقيد اللفظي يقول: وما مثله يعني الممدوح في الناس حتى يقاربه، أي: يشبهه في الفضائل، إلا مملكا يعني به هشاما، أبو أمه: أي أبو أم هشام أبوه، أي: أبو الممدوح، فالضمير في (أمه) فلملك، وفي (أبوه) للممدوح. ورد البيت في \"المعاني الكبير\" ١/ ٥٠٦، \"الخصائص\" ١/ ١٤٦، ٣٢٩، ٢/ ٣٩٣، \"الكامل\" ١/ ٢٨، \"الصحاح\" (ملك) ٤/ ١٦٠٩، \"اللسان\" (ملك) ٧/ ٤٢٦٦، \"معاهد التنصيص\" ١/ ٤٣، \"الخزانة\" ٥/ ١٤٦.\n(٥) قوله: (أراد وما مثله) ساقط من (ب).","vol":"3","page":57},{"text":"وأضاف القتل إليهم في قوله: ﴿وَإِذ قَتَلتُم﴾ وإن كان القاتل واحدًا على ما ذكرنا من مذهب العرب أنهم يضيفون فعل البعض إلى جماعة القبيلة، يقولون للقبيلة: انهزمتم يوم ذي قار وإنما انهزم بعضهم (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَإِذ قَتَلتُم﴾ ينعطف على قوله: ﴿وَإِذ قَلتُم يَامُوسَى﴾ (٢) [البقرة: ٥٥]، ﴿وَإِذ فَرَقنَا﴾ [البقرة: ٥٠] والذكر مضمر فيها كأنه: واذكروا إذ قتلتم (٣)، ولهذا لم يأت لـ (إذ) بجواب. ومثله قوله: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾ (٤)، وليس شيء قبله تراه ناصبًا لصالح، فعلم بذكر النبي وبالمرسل (٥) إليه أن فيه إضمار (٦): أرسلنا.\nومثله: ﴿وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ﴾ [الأنبياء: ٧٦]، ﴿وَذَا اَلنوُنِ﴾ [الأنبياء: ٨٧]. وهذا يجري على مثال ما قال في سورة ص: ﴿وَاذكُر عَبدَنَا﴾ [ص: ٤٥] (٧)، ثم ذكر الذين من بعدهم بغير (واذكر) لأن معناه متفق،\n_________\n(١) سبق بيان هذا عند تفسير قوله تعالى: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠]، ٢/ ٤٣٣ وانظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٩٠، ٩٨، \"البحر المحيط\" ١/ ٢٥٩.\n(٢) في (أ)، (ج): (قتلتم تصحيف).\n(٣) كذا في \"معاني القرآن\" للفراء نقل عنه بتصرف ١/ ٣٥، والمراد أن (إذ) يقدر قبلها (اذكر) في أول موضع وردت فيه وما بعدها عطف عليهما وذلك في قوله: ﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ﴾ [البقرة:٤٩]. انظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ٢٦٩، ٢٧٥، ٢٨٩، ٣٥٦.\n(٤) الأعراف: ٧٣، هود: ٦١.\n(٥) في (ب): (المرسل) بسقوط الواو والباء.\n(٦) (إضمار) ساقطة من: (أ)، (ج)، وأثبتها من (ب)، ومثله في \"معاني القرآن\" ١/ ٣٥، والسياق يقتضيها.\n(٧) وفي \"معاني القرآن\" للفراء: ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ﴾.","vol":"3","page":58},{"text":"فجاز ذلك، ويستدل على (أن) في هذه الآية (١) مضمرة أنه قال: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ﴾ [الأنفال: ٢٦]، ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ﴾ [الأعراف: ٨٦]، فلما ذكر هاهنا (واذكروا) (٢) مع (إذ) علم أنه مراد مع (إذ) وإن حذف (٣).\nوقوله تعالى: ﴿فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا﴾ قال ابن عباس: اختلفتم فيها (٤).\nوقال الربيع: تدافعتم (٥).\nوأصل الدرء: الدفع، يعني: ألقى ذاك على هذا، وهذا على ذاك، فدافع كل واحد عن نفسه (٦). والتدارؤ والمدارأة مهموزتان.\nقال أبو عبيد: وهي المشاغبة والمخالفة على صاحبك (٧).\nومنه حديث قيس بن السائب (٨): \"كان رسول الله صلى الله عليه\n_________\n(١) في \"معاني القرآن\": ويستدل على أن (واذكروا) مضمرة مع (إذ) أنه قال: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ ١/ ٣٥.\n(٢) في (ج): (واذكر).\n(٣) انتهى النقل عن الفراء. \"معاني القرآن\" ١/ ٣٥.\n(٤) \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٨٥ أ، وانظر: \"تفسير البغوي\" ١/ ٨٤، \"زاد المسير\" ١/ ١٠١.\n(٥) \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٨٥ أ، وانظر: \"تفسير البغوي\" ١/ ٨٤.\n(٦) \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٨٥ أ. وانظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ١٢٦. \"تفسير الماوردي\" ١/ ٣٦٧. وذكر الطبري في معنى الآية قولين: الأول: اختلفتم وتنازعتم، والثاني: تدافعتم، قال: وهو أي: القول الثاني قريب من المعنى الأول ١/ ٣٥٦. وذكر ابن فارس: أن (الدرء) مهموز: أصل واحد بمعنى: الدفع. \"مقاييس اللغة\" (درى) ٢/ ٢٧١.\n(٧) \"غريب الحديث\" ١/ ٣٣٧، \"تهذيب اللغة\" (درى) ٢/ ١١٨١.\n(٨) هو قيس بن السائب بن عويمر بن عائذ بن مخزوم، ذكر ابن حجر عن ابن حبان: أن له صحبة. انظر: \"الجرح والتعديل\" ٧/ ٩٩، و\"الإصابة\" ٣/ ٢٣٨.","vol":"3","page":59},{"text":"وسلم شريكي (١)، فكان خير شريك لا يدارئ ولا يماري\" (٢). وكل من دفعته عنك فقد دارأته.\nقال أبو زبيد (٣):\nكانَ عَنِّي يردُّ دَرْؤُكَ بَعْدَ ... اللهِ شَغْبَ المُستَصْعَبِ المِرِّيدِ (٤)\n_________\n(١) في (ب): (وكان خير) بسقوط (شريكي).\n(٢) الحديث أخرجه أحمد في \"مسنده\" عن قائد السائب عن السائب، وعن مجاهد عن السائب بن أبي السائب ٣/ ٤٢٥. وأبو داود عن قائد السائب عن السائب. \"سنن أبي داود\" كتاب الأدب، باب: كراهية المراء. وابن ماجه عن قائد السائب عن السائب (٢٢٨٧) كتاب: التجارة، باب: الشركة والمضاربة.\nوأخرجه الطبري عن السائب، وقد تكلم شاكر في حاشية الطبري عن الحديث وبين ما في سنده من ضعف، وما في الحديث من اضطراب. \"تفسير الطبري\" مع \"حاشية شاكر\" ٢/ ٢٢٣.\nوالحديث أورده أبو عبيد في \"الغريب\" ١/ ٣٣٦، ٣٣٧. والأزهري في \"تهذيب اللغة\" (درى) ٢/ ١١٨١. وذكر الحديث ابن حجر في \"الإصابة\" وقال: (أخرجه البغوي والحسن بن سفيان وغيرهما من طريق محمد بن مسلم الطائفي عن إبراهيم بن ميسرة عن مجاهد، وأخرجه أبو بشر الدولابي في \"الكنى\" من هذا الوجه، لكنه قال: أبو قيس بن السائب كذا عنده، وقيس بن السائب أصح ...).\n\"الإصابة\" ٣/ ٢٣٨.\n(٣) أبو زبيد هو حرملة بن المنذر الطائي، شاعر مشهور، أدرك الإسلام واختلف في إسلامه. انظر: \"الشعر والشعراء\" ص ١٨٥، و\"الإصابة\" ٤/ ٨٠، \"الخزانة\" ٤/ ١٩٢.\n(٤) البيت من قصيدة لأبي زبيد رثى بها ابن أخته، (الشغب): تهييج الشر، و(المرّيد): مبالغة في المارد، يقول: كان دفعك عني بعد الله يرد عني شر كل مريد. ورد البيت في \"غريب الحديث\" لأبي عبيد ١/ ٢٠٢، \"اللسان\" (درأ) ٣/ ١٣٤٧، و(شغب) ٤/ ٢٢٨٣، \"الخزانة\" ٩/ ٧٦.","vol":"3","page":60},{"text":"وأصله تدارأتم ثم أُدغمت التاءُ في الدال وأُدخلت الألفُ لِيسلَمَ سكونُ الحرف الأول (١).\nومثله: ﴿اثَّاقَلْتُمْ﴾ [التوبة: ٣٨]، ﴿اطَّيَّرنَا﴾ [النمل:٤٧].\nقال الكسائي: التاء إذا كانت في الأفعال تدغم في حروف كثيرة، في التاء مثل: اتّابع بمعنى تتابع، وأنشد:\nتُولِي الضَّجِيعَ إذا مَا اسْتَافَهَا خَصِرًا ... عَذْبَ المَذَاقِ إِذَا مَا اتَّابَعَ القُبَلُ (٢)\nوفي الثاء نحو: ﴿اثَّاقَلْتُمْ﴾ [التوبة: ٣٨]، وفي الدال نحو: ﴿ادَّارَكُوا﴾ [الأعراف:٣٨] وفي الذال نحو: ﴿يَذَّكَّرُونَ﴾ (٣) وفي الصاد نحو: ﴿يَخِصِّمُونَ﴾ [يس: ٤٩] وفي الزاي نحو: ﴿وَازَّيَّنَتْ﴾ [يونس: ٢٤] وفي الطاء نحو: (اطَّهَّروا) (٤) و﴿اطَّيَّرْنَا﴾ (٥)، وفي السين نحو: ﴿واسَّمَّعَ﴾ (٦)\n_________\n(١) انظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ٣٥٦، \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٤٣٧، وللأخفش ١/ ٢٨٣، وللزجاج ١/ ١٢٦، \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٨٥ أ، و\"البيان\" ١/ ٩٥، \"الدر المصون\" ١/ ٤٣٤.\n(٢) لم أجد من نسبه وقوله: (استافها): دنا منها وشمها. و(الخصر): البارد من كل شيء، ويريد الريق. ورد البيت في \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٤٣٨، و\"تفسير الطبري\" ١/ ٣٥٦، ١٠/ ١٣٣، \"تفسير القرطبي\" ٨/ ١٤٠.\n(٣) وردت في عدة آيات منها: الأنعام: ١٢٦، والأعراف: ٢٦، ١٣٠، والأنفال: ٥٧، والتوبة: ١٢٦، والنحل: ١٣.\n(٤) في (ب): (اطهر). جزء من آية المائدة: ٦، سياقها: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾.\n(٥) في (ج): (ولطيرنا). آية: ٤٧ من سورة النمل.\n(٦) وعلى إدغام التاء في السين -أيضا- ورد قوله تعالى: ﴿لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ﴾ [الصافات: ٨].","vol":"3","page":61},{"text":"وفي الظاء نحو: ﴿تَظَاهَرُونَ﴾ (١)، وفي الشين نحو: ﴿تَشَقَّقُ﴾ (٢) فمتى ما لقيت التاء حرفًا من هذه الحروف أُدغمت، وإذا لم تَلقَه ظهرت (٣)، من ذلك: يتعلّمون ويتكلّمون ويترامون، ولا يكون مدغمًا.\nفإن ابتدأت بقوله: ﴿اثَّاقَلْتُمْ﴾ وأخواته فقد اختلف الناس فيه. فقال بعضهم: إذا ابتدأت قلت: تثاقلتم: فتركت الإدغام (٤)، قال: وهذا أحب إليّ. وقال بعضهم: لا بل أقطع الألف فأقول: اثاقلتم، يكون (٥) هذه الألف كألف وافتعل واستفعل عند الابتداء. ولم يكتب (٦) بالألف إلا وهي هكذا عند الابتداء.\nقال الكسائي: ولم أسمع من العرب إلا بالبيان، وذلك أن الإدغام لا يكون إلا وقبله شيء، فأما إذا ابتدأت فلا.\nقال الفراء: والعرب تبني المصدر على الإدغام كما بنوا الفعل، فيقولون: ادّارأ ادّارُؤا مثل ادّارَكَ ادّارُكًا واثّاقَل اثّاقُلًا وازّامُلًا، وما كان\n_________\n(١) هذا على قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو وابن عامر بتشديد الظاء في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ الآية [البقرة: ٨٥] وقرأ عاصم وحمزة والكسائي بالتخفيف. انظر \"الحجة\" لأبي علي ٢/ ١٣٠.\n(٢) هذا على قراءة ابن كثير ونافع وابن عامر بتشديد الشين في قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ﴾ [الفرقان: ٢٥] وكذلك قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَشَقَّق اَلأَرّضُ﴾ ق: ٤٤، وبقية السبعة بالتخفيف، انظر: \"السبعة\" ص ٤٦٤، ٦٠٧.\n(٣) في (ب): (اطهرت).\n(٤) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٤٣٧، ٤٣٨، \"تفسير الطبري\" ١/ ٣٥٦، ١٠/ ١٣٣، \"تفسير القرطبي\" ٨/ ١٤٠.\n(٥) (يكون): كذا في (أ)، (ج)، وفي (ب) بدون إعجام والأولى (تكون).\n(٦) في (ب): (تكتب).","vol":"3","page":62},{"text":"مثله فإن فيه الإدغام (١) والإظهار في مصدره (٢). وكتب في المصحف (فادّرأتم) بغير ألف قبل الراء (٣) كما كتبوا (الرحمن) بغير ألف الاختصار، لأنهم قد يحذفون لطول الكلام كما يحذفون لكثرة الاستعمال.\nوقوله: (فيها) الكناية عائدة على النفس (٤).\nوقال ابن الأنباري: يجوز أن تعود على القتلة، لأن (قتلتم) يدل على المصدر (٥). ﴿وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ من أمر القتيل، وأدخل التنوين لأنه ميعاد في المستقبل (٦)، وقد مضى الكلام في هذه المسألة (٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-297>٧٣ </span>- قوله تعالى: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا﴾ قال ابن عباس: اضربوه بالعظم الذي يلي الغضروف، وهو المقتل.\nوقال الضحاك: بلسانها، واختاره الحسين بن الفضل.\nسعيد بن جبير: بعَجْب ذنبها، واختاره يمان بن رباب، قال: لأنه\n_________\n(١) في (ب): (الإظهار والإدغام).\n(٢) في (أ)، (ج): (مصدر) بدون الهاء، وأثبت ما في (ب)، لأنه أنسب للسياق.\n(٣) قال الداني: (اتفق جمعها -أي: مصاحف الأمصار- على حذف الألف التي هي في صورة الهمزة في قوله في البقرة: (فادارأتم) لا غير)، \"المقنع\" ص ٢٦.\n(٤) انظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ٣٥٧، \"تفسير ابن عطية\" ١/ ٣٥١، \"البحر المحيط\" ١/ ٢٩٥.\n(٥) ونحوه قال ابن عطية ١/ ٣٥١، وأبو حيان في \"البحر\" ١/ ٢٩٥، وذكر قولًا ثالثًا، وهو: أن الكناية تعود على التهمة.\n(٦) قال الزجاج: (الأجود في (مخرج) التنوين، لأنه ميعاد لما يستقبل، أو للحال) \"معاني القرآن\" ١/ ١٢٦، وانظر: \"الكشاف\" ١/ ٢٨٩، \"البحر المحيط\" ١/ ٢٩٥.\n(٧) وهي أن اسم الفاعل إذا كان بمعنى الاستقبال أو الحال ينون ولا يضاف لما بعده، وهذا عند البصريين، أما عند الكوفيين فيجوز إضافته.","vol":"3","page":63},{"text":"أساس البدن الذي (١) رُكِّبَ عليه الخلقُ (٢). ثم قال: ﴿كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى﴾ معناه: اضربوه ببعضها فيحيا، فضُرِبَ فحَيِيَ (٣)، كذلك يحيي الله الموتى كما أحيا هذا القتيل، وأضمر (فيحيى) كما قال: ﴿أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ﴾ [الشعراء: ٦٣] والمعنى: فضرب فانفلق (٤)، فهذا احتجاج على منكري البعث (٥).\nفإن قيل: ما معنى ضرب القتيل ببعض البقرة، والله قادر على إحيائه بغير ذلك؟\nوالجواب: أنّ في ذلك تأكيدًا أنه ليس على جهة المخرقة والحيلة، ولا على جهة الكهانة والسحر، إذ جعل الأمر في إحيائه إليهم، وجعل ذلك عند الضرب بموات لا إشكال في أنه علامة لهم وآية للوقت الذي يحيا فيه\n_________\n(١) (الذي): ساقط من (ب).\n(٢) هذه الأقوال، عن ابن عباس، والضحاك، وسعيد، في \"تفسير الثعلبي\" بنصها ١/ ٨٥ أ، وذكر الطبري عن مجاهد وقتادة: بالفخذ، وعن السدي: بالبعضة التي بين الكتفين، وعن أبي العالية: بعظم من عظامها، وعن ابن زيد: بعضو من أعضائها. ثم قال الطبري: (والصواب من القول عندنا، أنه يقال: أمرهم الله جل ثناؤه أن يضربوا القتيل ببعض البقرة ليحيا المضروب، ولا دلالة في الآية، ولا في خبر تقوم به حجة، على أي أبعاضها التي أمر القوم أن يضربوا القتيل به .... ولا يضر الجهل بأي ذلك ضربوا القتيل، ولا ينفع العلم به، مع الإقرار بأن القوم قد ضربوا القتيل ببعض البقرة بعد ذبحها، فأحياه الله). \"تفسير الطبري\" ١/ ٣٥٩ - ٣٦٠، وانظر: \"تفسير ابن كثير\" ١/ ١١٩ - ١٢٠.\n(٣) قوله: (فضرب فحيى) ساقط من (ب).\n(٤) قوله: (والمعنى فضرب فانفلق) ساقط من (ب).\n(٥) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء١/ ٤٨، و\"تفسير الطبري\" ١/ ٣٦١، و\"تفسير الثعلبي\" ١/ ٨٥ أ.","vol":"3","page":64},{"text":"عندما يكون منهم، فبان أنه من فعل الله ﷿ (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ﴾ يقال: أَرَيْتُه الشيءَ إرايةً (٢) من غير همز شبيهًا بالمنقوص، مثل: إقامة، وترك الهمز؛ لأن الياء في أريت غير مهموز.\nويقال أيضًا: أريته إِرَاءَة، لأن الياء إذا جاءت بعد الألف همزت، ويقال أيضا: إراءً بنوا على الهمز كأنهم قالوا: أرأيته إِرْءَاءً، ثم تركوا الهمز، قال الفراء: وأجودها (٣): إراية غير مهموز.\nوروى شمر عن ابن الأعرابي: أَرَيْتُه الشيءَ إِراءةً وإراية وإرْءَاءَةً (٤). ومعنى قوله ﴿آيَاتِهِ﴾ أي: آيات قدرته في خلق الحياة في الأموات. قال الزجاج: وهذه القصة في القرآن من أدلّ الدلائل على نبوة محمد - ﷺ -، حيث أخبرهم بما صدّقه في ذلك أهلُ الكتاب، وهو رجل عربي أمّي لم يقرأ كتابًا ولم يتعلم من أحد، ولم يكن هذا من علم العرب (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-298>٧٤ </span>- قوله تعالى: ﴿ثُمَ قَسَت قُلُوبُكُم﴾ معنى القسوة في اللغة: الشدة والصلابة واليبس، ويقال: حجر قاسٍ: صلب، وأرض قاسية: لا تنبت شيئا، وعامٌ قَسِيٌّ: ذو قحط، قال شمر: هو الشديد (٦) لا مطر فيه (٧).\n_________\n(١) انظر: \"تفسير الماوردي\" ١/ ٣٦٩، \"البحر المحيط\" ١/ ٢٦١.\n(٢) في (ب): (ارايته).\n(٣) (أجودها): ساقط من (ب).\n(٤) \"تهذيب اللغة\" (رأى) ٢/ ١٣٢٧، وانظر: \"اللسان\" (رأى) ٣/ ١٥٣٧ - ١٥٤٥.\n(٥) بمعناه في \"معاني القرآن\" ١/ ١٢٢.\n(٦) قوله: (هو الشديد) ساقط من (ب).\n(٧) \"تهذيب اللغة\" (قسا) ٣/ ٢٩٥٥، وانظر: \"اللسان\" (قسا) ٦/ ٣٦٢٢.","vol":"3","page":65},{"text":"ويقال: قَسا قلبُه يَقْسُو قَسْوَةً وقَسَاوةً وقُسُوًّا (١).\nوقال بعضهم: قسا قلبه قِسِيًّا، والعرب تقلب الفعول في المصدر إلى الياء فيقول: طغا طِغِيًّا وعتا عِتِيًّا.\nقال أبو إسحاق: وتأويل القسوة ذهاب اللين والرحمة والخشوع (٢).\nوقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾: أي من بعد إحياء الميت لكم بعضوٍ من أعضاء البقرة، وهذه آية عظيمة كان يجب على من شاهدها أن يلين قلبه (٣) ويخضع (٤).\nقال الكلبي: قالوا بعد ذلك: لم نقتله نحن، فلم يكونوا قط أعمى قلبًا ولا أشد تكذيبًا لنبيهم منهم عند ذلك (٥).\nقال أبو إسحاق: ويحتمل أن يكون (من بعد ذلك)، أي: من بعد إحياء الميت والآيات التي تقدمت، نحو: مسخ القردة والخنازير، ورفع الجبل فوقهم، وانبجاس الماء من حجر. وإنما جاز (ذلك) للجماعة، ولم يقل: (ذلكم)، لأن الجماعة يؤدي عن لفظها الجميع والفريق، والخطاب في لفظ واحد، والمعنى جماعة (٦).\n_________\n(١) (قُسُوًّا): كذا ضبط في: (أ)، ومثله في \"الوسيط\" ١/ ١٣٢، وفي \"تفسير الطبري\" ٣٦١ (قَسْوا) وكذا في \"القاموس\" ٢٠/ ٧٨.\n(٢) انظر: \"معاني القرآن\" ١/ ١٢٨، \"تهذيب اللغة\" (قسا) ٣/ ٢٩٥٥، والنص من \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٨٥ ب.\n(٣) في (ج): (عليه).\n(٤) ذكره الزجاج في \"معاني القرآن\" ١/ ١٢٨، وله قول آخر يأتي ذكره قريبًا. وانظر \"تفسير الطبري\" ١/ ٣٦١ - ٣٦٢.\n(٥) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ٨٥ ب، والبغوي في \"تفسيره\" ١/ ١٨٥.\n(٦) في \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ١٢٨.","vol":"3","page":66},{"text":"وقوله تعالى: ﴿فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ﴾ قال أبو إسحاق: لا يجوز عندي إسكان الواو والياء من (هو وهي) لأن كل مضمر فحركته إذا انفرد الفتح نحو (أنا) فكما لا يسكن نون أنا فلا تسكن (١) هذه الواو.\nقال أبو علي فيما استدرك عليه (٢): إسكان الواو من (هو) والياء من (هي) غير ممتنع.\nولو قال قائل: الجيد الإسكان (٣) لسكون النون في أنت (٤)، كما قال (٥) هو: لا يجوز الإسكان فيها لتحرك النون في (أنا)، لما كان بينهما فصل.\nفإن قلت: فقولهم: (نحن) من المضمر المنفصل، وآخره متحرك فذلك لا يشبه هو وهي وأنا وأنت، لأن آخر (نحن) إنما حرك لالتقاء الساكنين، ولوكان آخره متحرّكًا من الجهة التي ذكرت (٦) لا لالتقاء الساكنين لما جاز إسكان الآخر من (هم) ومن (أنت) لأنهما أيضا مضمران منفردان. فإن قلت: إن آخر (أنت) متحرك، وليس بساكن، كما أن آخر (أنا) متحرك. فليس هذا بسؤال، لأن آخر الاسم في أنت إنما هو النون، والتاء للخطاب وليست من نفس الكلمة، كما أن الألف من (أنا) إذا وقعت لتبيين الحركة في الوقف، لا من نفس الحرف فإن اعتد بـ (التاء) مع أنها زائدة في\n_________\n(١) في (أ): (يسكن) وأثبت ما في: (ب، ج)، ومثله ورد في \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ١٣٠.\n(٢) \"الإغفال\" ص ٢١١.\n(٣) أي: الإسكان في (الياء) من (هي)، و(الواو) من (هو). انظر: \"الإغفال\" ص ٢١١.\n(٤) قوله: (في أنت) ساقط من: (ب).\n(٥) أي: الزجاج، وفي \"الإغفال\": (كما قال أبو إسحاق) ص ٢١١.\n(٦) ما الجهة التي ذكر؟ قال في \"الإغفال\" (فتبين مما ذكرنا أن (نحن) لم يحرك آخره من حيث كان مضمرا منفردًا) ص ٢١٢.","vol":"3","page":67},{"text":"الكلمة، فليعتد بـ (الألف) أيضًا في (أنا) مع كونها زائدة، وإذا اعتد بها سقط الاحتجاج، لأنها حينئذٍ ساكنة الأخير، وإنما اختير الحركة في هو وهي لأنها أكثر، وفي اللغات أشهر، لا لما ذكره (١).\nويدل على جواز (٢) هذا الإسكان (٣) ما أخبرني محمد بن (٤) الحسن عن أبي حاتم عن أبي زيد:\nكأَطُومٍ فَقَدَتْ بُرْغُزَهَا ... أعْقَبَتْهُ الغُبْسُ منه عَدَمَا\nغَفَلَتْ ثم أَتَتْ تَرْقُبُهُ ... فإِذا هي بِعظامٍ ودَمَا (٥)\nوقوله تعالى: ﴿كَالْحِجَارَةِ﴾ قال الليث: الحجارة جمع الحجر (٦)، وليس بقياس، لأن الحجر يجمع على أحجار، ولكن يجوز الاستحسان في العربية مثل الاستحسان في الفقه، وترك (٧) القياس.\n_________\n(١) انظر: \"الإغفال\" ص ٢١١، ٢١٢.\n(٢) (جواز): ساقط من (ج).\n(٣) في \"الإغفال\": (ويدل على جواز هذا الإسكان إذا جاءت به رواية ثقة غير ممتنع ما أخبرنا ..) ص ٢١٣.\n(٤) هو أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد.\n(٥) لم أعثر على قائل البيتين. قوله: (أَطُوم): يريد البقرة الوحشية، (بُرْغُزَها): ولدها، (الغُبْسُ): الذئاب أو الكلاب. ورد البيتان في \"الإغفال\" ص ٢١٣، \"مجالس العلماء\" للزجاجي ص ٣٢٦، \"المنصف\" ٢/ ١٤٨، \"اللسان\" (برغز) ١/ ٣١٥، و(اطم) ١/ ١٧٠، \"الخزانة\" ٧/ ٤٩١، وورد الشطر الثاني من البيت الثاني في \"التكملة\" ص ٣٠، \"المخصص\" ٦/ ٩٣، والبيت الثاني في \"شرح المفصل\" ٥/ ٨٤، \"الهمع\" ١/ ١٣. وبهذين البيتين انتهى ما نقله الواحدي عن أبي علي الفارسي من كتاب \"الإغفال\" ص ٢١١ - ٢١٣.\n(٦) في (ج): (حجر).\n(٧) في (ب): (وترى)، وفي \"تهذيب اللغة\" (ترك القياس له ..) ١/ ٧٤٦.","vol":"3","page":68},{"text":"قال (١): ومثله: المِهَارة والبِكَارة، لجمع: المُهْر والبَكْر (٢).\nوأقرأني العروضي عن الأزهري، قال: أخبرني المنذري عن أبي الهيثم قال: العرب تدخل الهاء في كل جمع على فِعَال أو فُعُول، فتقول: عظام وعِظَامةٌ وفِحَالةٌ وجمالةٌ (٣) وذِكَارةٌ وذُكورَة وفُحُولَة وعُمُومة وحُمُولَة، قال: وإنما زادوا هذه الهاء لأنه إذا سكت عليه اجتمع فيه عند السكت ساكنان (٤). قال الأزهري: وهذه العلة (٥) أحسن من علة الاستحسان الذي شَبَّهه بالاستحسان في الفقه (٦).\nقال المفسرون: إنما شبه قلوبهم بالحجارة في الغلظة والشدة، ولم يقل (٧): (كالحديد)، وإن كان الحديد أصلب من الحجارة، لأن الحديد يلين بالنار، وقد لان لداود بإذن الله حتى صار كالعجين، ولا تلين الحجارة بمعالجة أبدًا، ولأن في الحديد منافع، تلك المنافع لا توجد في الحجارة، فشبه الله قلوبهم بالحجارة لقسوتها ولعدم المنفعة منها (٨).\n_________\n(١) (قال): ساقط من (ج).\n(٢) \"تهذيب اللغة\" (حجر) ١/ ٧٤٦، وانظر: \"اللسان\" (حجر) ٢/ ٧٨١.\n(٣) في \"تهذيب اللغة\": (حبالة)، وفي الحاشية (د): (جمالة).\n(٤) في \"تهذيب اللغة\": أخبرني المنذري عن أبي الهيثم. ثم ذكره مع بعض الاختلاف في العبارة (حجر) ١/ ٧٤٧، وانظر: \"اللسان\" (حجر) ٢/ ٧٨١.\n(٥) في (ب): (اللغة).\n(٦) \"تهذيب اللغة\" (حجر) ١/ ٧٤٦، وفيه: (قلت: وهذا هو العلة التي عللها النحويون فأما الاستحسان الذي شَبَّهه بالاستحسان في الفقه فإنه باطل، ومثله في \"اللسان\" (حجر) ٢/ ٧٨.\n(٧) (يقل): ساقط من (ج).\n(٨) انظر: \"تفسير البغوي\" ١/ ٨٥، \"تفسير ابن كثير\" ١/ ١٢١.","vol":"3","page":69},{"text":"وقوله: ﴿أَو أَشَدُّ﴾ (أو) دخلت لغير معنى شك، ولكنها للإباحة (١) كما ذكرها في قوله: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ﴾، وقيل: (أو) هاهنا بمعنى بل (٢) كقوله تعالى: ﴿أَوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات: ١٤٧].\nوقيل: أراد إبهام علم ذلك على المخاطبين، كالعادة في مثل هذا في المخاطبة أن يقال: فلان كالبدر أو أحسن، وكالبحر أو (٣) أجود، فأما الله تعالى فهو عالم أي ذلك كان (٤). وارتفع (أشدُ) بإضمار (هي) كأنه قال: أو هي أشدُّ (٥).\nويجوز أن يرتفع بالعطف على موضع الكاف، كأنه قيل: فهي مثل الحجارة (٦) أو أشد (٧).\nقال ابن عباس في هذه الآية: إنما قال: ﴿أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ لأن الحجارة\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ١٢٩، وانظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ٣٦٢ - ٣٦٣، و\"تفسير أبي الليث\" ١/ ٣٩٥، \"الماوردي\" ١/ ٣٧٢، \"ابن عطية\" ١/ ٣٥٤.\n(٢) انظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ٣٦٣، \"تفسير أبي الليث\" ١/ ٣٩٥، \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٨٥ أ، \"تفسير الماوردي\" ١/ ٣٧٢، \"تفسير ابن عطية\" ١/ ٣٥٤.\n(٣) في (ب): (بل أجود).\n(٤) ذكره الطبري في \"تفسيره\" ورجحه ١/ ٣٦٢ - ٣٦٣، \"تفسير الماوردي\" ١/ ٣٧١، \"تفسير ابن عطية\" ١/ ٣٥٤ - ٣٥٥، وذكر الأخفش: أنها بمعنى (الواو) \"معاني القرآن\" ١/ ٢٨٤، وقد رده الزجاج وقال: (أو) لا تصلح بمعنى (الواو) و\"المعاني\" ١/ ١٢٩، وهذا على قول البصريين، انظر: \"الإنصاف\" ص ٣٨٣، وانظر ما سبق عند تفسير قوله تعالى: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ﴾.\n(٥) انظر: \"معاني القرآن\" للأخفش ١/ ٢٨٤، وللزجاج ١/ ١٢٩، \"الطبري\" ١/ ٣٦٣.\n(٦) في (ب): (كالحجارة).\n(٧) انظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ٣٦٣، \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ١٨٨، \"الكشاف\" ١/ ٢٩٠، \"البحر المحيط\" ١/ ٢٦٣.","vol":"3","page":70},{"text":"ليس لها ثواب ولا عليها عقاب، وهي تخاف الله تعالى (١)، وقد مر عيسى ابن مريم ﵇ بجبل فسمع منه أنينًا فقال: يا رب ائذن لهذا (٢) الذي يئنّ حتى يكلّمني، فأذِن اللهُ للجبل فقال: إني سمعت الله يقول: ﴿نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم: ٦] فخفتُ أن أكون من تلك الحجارة (٣).\nوقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ﴾ (٤) الكناية عائدة على (ما)، و(ما) من المبهمات يجوز تذكيره وتأنيثه، تقول العرب: من النعال ما يعجبني بالياء والتاء حملًا على التأويل (٥). وقيل: إن (من) واقعة على بعض الحجارة، وبعض مذكر، والعرب تقول: بعض النساء قام، وبعضهن قمن، فمن ذكر فللفظ (بعض) ومن أنث فلتأويله (٦). والأنهار جمع نهْر ونَهَر، وأصله من السعة، يقال: أنهرت الفتق، أي: وسعته (٧)، ومنه قوله (٨):\n_________\n(١) لم أجده بهذا النص عن ابن عباس والله أعلم، وأخرج الطبري في \"تفسيره\" نحوه عن ابن عباس وقتادة ١/ ٣٦٤، وانظر: \"تفسير ابن أبي حاتم\" ١/ ٤٣٣، \"تفسير ابن كثير\" ١٢٠، ١٢٢، \"الدر المنثور\" ١/ ١٥٦.\n(٢) في (ب): (لهذا الجبل).\n(٣) ذكره السيوطي في \"الدر\" وعزاه إلى ابن المنذر عن عبد العزيز بن أبي رواد، \"الدر\" ٦/ ٣٧٥.\n(٤) في (ج): (وإن من الحجارة لما يشقق فيخرج منه الماء).\n(٥) انظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ٣٦٣ - ٣٦٤، \"إعراب القرآن\" للنحاس ١٨٨، \"تفسير ابن عطية\" ١/ ٣٥٦، \"تفسير القرطبي\" ١/ ٣٩٤، \"البحر المحيط\" ١/ ٢٦٥.\n(٦) ذكره الفراء في \"معاني القرآن\" ١/ ٤٩.\n(٧) انظر: \"تهذيب اللغة\" (نهر) ٤/ ٣٦٧٤، \"الصحاح\" (نهر) ٢/ ٨٤٠.\n(٨) البيت لقيس بن الخطيم.","vol":"3","page":71},{"text":"فأنهرت فتقها (١)\nوالنهر: اتساع الضياء، والنهر: أوسع من الجدول، والانتهار: إظهار الزجر، لا يكنى عنه، والنهار: ولد الكروان (٢)، لأنه مشبه بالنهار لبيضه.\nوقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ قيل: أراد به جبل موسى، لما تجلّى ربه للجبل جعله دكًّا (٣).\nوقال ابن الأنباري: يجوز أن يجعل الله تعالى للحجر عقلًا فيخشاه، كما جعل بحراء (٤) عقلًا حتى عرف خطاب النبي - ﷺ - (٥)، وكذلك ما\n_________\n(١) تمام البيت:\nمَلَكْتُ بها كَفِّي فَأَنْهَرْتُ فَتْقَهَا ... يَرَى قَائِمٌ مِن دُونها ما وَراءَها\nسبق البيت وتخريجه.\n(٢) قال الليث: فرخ القطاة، وقال الأصمعي: فرخ الحبارى. انظر: \"تهذيب اللغة\" (نهر) ٤/ ٣٦٧٤، \"الصحاح\" (نهر) ٢/ ٨٤٠، وفي \"القاموس\": فرخ القطا أو ذكر البوم، أو ولد الكروان أو ذكر الحبارى (نهر) ص ٤٨٩.\n(٣) انظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ٣٦٤، \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ١٣٥، \"تفسير الماوردي\" ١/ ٣٧٣، \"تفسير ابن عطية\" ١/ ٣٥٧ - ٣٥٨.\n(٤) في (ب): (لحراء).\n(٥) لعله بهذا يشير إلى الحديث الذي أخرجه مسلم عن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - كان على حراء هو وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير فتحركت الصخرة، فقال رسول الله - ﷺ -: \"اهدأ فما عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد\" مسلم (٢٤١٤). كتاب فضائل الصحابة، فضائل طلحة والزبير، وأخرج أبو داود نحوه وفيه. \"أثبت حراء .. \" \"سنن أبي داود\" (٤٦٤٨)، كتاب: السنة، باب: الخلفاء، وأخرجه ابن ماجه في المقدمة (فضائل العشرة).","vol":"3","page":72},{"text":"صحت الأخبار به من تسبيح الحصا في يد رسول الله - ﷺ - (١). وكذلك قوله تعالى: في قصة داود ﴿يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ﴾ [سبأ: ١٠]، وروي عنه - ﷺ - أنه قال: \"إني لأعرف (٢) حجرًا بمكة كان يسلّم عليّ كلّما مررتُ به\" (٣).\nوروي أنه قال: \"كان موسى ﵇ يخرج من الرَّوحاء يؤمُّ هذا البيت يُلبّي، ومقامُ الروحاء يُجاوبه\" (٤). وكذلك قوله: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [الحشر: ٢١] يدل على عقل\n_________\n(١) أخرجه البيهقي بسنده عن أبي ذر - ﵁ -، وفيه: (.. وبين يدي رسول الله - ﷺ - سبع حصيات، أو قال: تسع حصيات فأخذهن فوضعهن في كفه فسبحن، حتى سمعت لهن حنينًا كحنين النحل .. الحديث) وفي بعض رجاله ضعف. انظر: \"دلائل النبوة\" ٦/ ٦٤، ٦٥، وذكر الحديث ابن حجر في \"الفتح\" وعزاه للبزار، والطبراني في \"الأوسط\"، والبيهقي في \"الدلائل\"، وقال: (.. وأما تسبيح الحصى فليست له إلا هذه الطريق الواحدة مع ضعفها ..) \"فتح الباري\" ٦/ ٥٩٢.\n(٢) في (ب): (لا أعرف).\n(٣) أخرج مسلم نحوه عن جابر بن سمرة ولفظه: \"إني لأعرف حجرا بمكة كان يسلم\nعلي قبل أن أبعث، إني لأعرفه الآن\" مسلم (٢٢٧٦). كتاب الفضائل، فضل نسب\nالنبي - ﷺ - وتسليم الحجر عليه)، وأخرجه الترمذي (٣٦٢٤) أبواب المناقب، باب\n(في إثبات نبوة النبي - ﷺ - وما خصه الله به). معه \"عارضة الأحوذي \"، والدارمي في\n\"سننه \" باب ما أكرم الله به نبيه من إيمان الشجر والبهائم والجن ١/ ١٢، وأحمد في\n\"مسند\" ٥/ ٨٩، ٩٥، ١٠٥.\n(٤) لم أجده بهذا اللفظ، وأخرج أحمد بسنده عن ابن عباس أن رسول الله - ﷺ - مر بوادي الأزرق، فقال: \"أي واد هذا؟ \"، قالوا: هذا وادي الأزرق، فقال: \"كأني انظر إلى موسى ﵇ وهو هابط من الثنية وله جؤار إلى الله ﷿ بالتلبية\" .. \"المسند\" ١/ ٢١٥، ٢١٦. وأخرج عن ابن عباس وفيه: \"وأما موسى ﵇. فرجل آدم جعد على جمل أحمر مخطوم بخلبة، كأني أنظر إليه إذا انحدر من الوادي يلبي\" \"المسند\" ١/ ٢٧٧، وانظر \"البداية والنهاية\" ١/ ٣١٦.","vol":"3","page":73},{"text":"يُركَّب في الجبل لو أنزل القرآن عليه، لأنّ في القرآن أمرًا ونهيًا، ولا يؤمر ولا ينهى (١) من لا يعقل (٢).\nوقيل: إن الخشية في اللفظ للحجر، وفي المعنى للناظر إلى الحجر، وذلك (٣) أنه تعالى يهبط الحجارة [دلالة للناظر على قدرة الله، فيحمله ذلك على الخشية، فنسب الخشية إلى الحجر] (٤) لما كان منه بسبب مجازًا (٥)، كما تقول العرب: لفلان ناقة تاجرة، أي: تامة سمينة تُنفِّق نفسها وتدعو إلى (٦) شرائها والتجارة فيها، كذلك قال: الحجارة خاشية من الله، أي: داعية إلى الخشية (٧)، ومعنى الآية: وإن منها ما يهبط فيدعو الناظرَ إليها إلى (٨) خشية الله.\nوقال مجاهد: كلُّ حجر تفجّر منه الماءُ أوتشقّق عن ماء أو تردّى من\n_________\n(١) في (ج): (وينهى).\n(٢) ذكر نحوه الطبري في \"تفسيره\" ١/ ٣٦٥، \"تفسير الماوردي\" ١/ ٣٧٤، \"تفسير ابن عطية\" ١/ ٣٥٧ - ٣٥٨.\n(٣) في (ب): (وقيل أنه تعالى).\n(٤) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).\n(٥) في (ب): (مجاز).\n(٦) في (ب): (إلى الله سرابها).\n(٧) ذكر الطبري في \"تفسيره\" نحوه ١/ ٣٦٥، \"تفسير الماوردي\" ١/ ٣٧٤، \"تفسير ابن عطية\" ١/ ٣٥٧ - ٣٥٨، قال الزجاج: (وقال قوم إنها أثر الصنعة التي تدل على أنها مخلوقة، وهذا خطأ، لأن ليس منها شيء ليس أثر الصنعة بينًا في جميعها، وإنما الهابط منها مجعول فيه التميز ..) \"معاني القرآن\" ١/ ١٣٠، وانظر: \"تفسير القرطبي\" ١/ ٣٩٥، \"تفسير ابن كثير\" ١/ ١٢١ - ٢٢٢.\n(٨) (إلى): ساقط من (ب).","vol":"3","page":74},{"text":"يجعل على لفظ الغيبة ليعطف بالغيبة على مثله، كما عطفت الخطاب على مثله، ويجوز فيما كان قبله لفظ (١) غيبة: الخطاب، ووجه ذلك: أن يجمع بين الغيبة والخطاب، فتغلب (٢) الخطاب على الغيبة، لأن الغيبة يغلب عليها الخطاب، فيصير (٣) كتغليب المذكر على المؤنث. ألا ترى أنهم قدموا الخطاب على الغيبة في باب الضمير، فقالوا (٤): أعطاكهو (٥) ولم يقولوا: أعطاهوك، فعلمت أن الخطاب [أقدم في الرتبة كما أن المذكر مع المؤنث كذلك، ويجوز في الخطاب] (٦) بعد الغيبة وجه آخر، وهو: أن يراد به: وقل لهم أيها النبي: وما الله بغافل عما تعملون. ومعناه (٧): وعيد لهم وتهديد (٨).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-299>٧٥ </span>- وقوله تعالى: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ﴾ يعني النبيَّ والمؤمنين (٩). ومعنى الطمع: تعليقُ النفس بما يُرجى ويُظَنّ (١٠). وَالألف فيه ألفُ\n_________\n(١) في (ب): (فيما كان لفظه غيبة).\n(٢) في (ب): (فيغلب).\n(٣) في (ب): (فتصير).\n(٤) في (ب): (فقال).\n(٥) كذا في جميع النسخ، وفي \"الحجة\" (اعطاكه) ٢/ ١١٣، وهو الصواب.\n(٦) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).\n(٧) قوله: (ومعناه) ساقط من (ب).\n(٨) انتهى من \"الحجة\" لأبي علي ٢/ ١١٣ - ١١٤، وانظر: \"حجة القراءات\" لابن زنجلة ص١٠١، \"الحجة\" لابن خالويه ص ٨٢، \"الكشف\" ١/ ٤٤٨.\n(٩) ينظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ٣٦٦، \"تفسير ابن أبي حاتم\" ١/ ١٤٩، عن ابن عباس والربيع بن أنس والحسن، \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٩٩٤.\n(١٠) ينظر \"المصباح المنير\" ص ٣٤٨.","vol":"3","page":75},{"text":"هذا كلام أهل المعاني في معنى خشية الحجارة (١)، والصحيح: أنها تخشى الله حقيقة كما قال مجاهد، ولكنا لا نقف على كيفية ذلك كسجود الجمادات لله تعالى، ذهب كثير من المفسرين إلى أنها تسجد لله تعالى على الحقيقة ولا نقف عليه نحن.\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ اختلف القراء في مثل هذا، فقرأوا بالياء والتاء (٢).\nوالقول في جملة ذلك (٣) أن ما كان قبله خطاب جعل بالتاء ليكون الخطاب معطوفًا على خطاب مثله، كقوله: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ ثم قال: ﴿عَمَّا تَعْمَلُون﴾ فالتاء هاهنا حسن، لأن المتقدم خطاب.\nومن (٤) قرأ بالياء (٥) فمعناه: ما الله بغافل عما يعمل هؤلاء الذين أقتصصنا عليكم قصّتَهم (٦) أيها المخاطبون، وأما إذا كان قَلَبه غيبةً حَسُنَ أن\n_________\n(١) انظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ٣٦٥، وقد قال بعد أن ذكر هذه الأقوال: (وهذه الأقوال وإن كانت غير بعيدات المعنى مما تحتمله الآية من التأويل، فإن تأويل أهل التأويل من علماء سلف الأمة بخلافها، فلذلك لم نستجز صرف تأويل الآية إلى معنى منها)، ٢/ ٢٤٣، وإلى نحو هذا مال القرطبي في \"تفسيره\" وقال: إنه لا يمتنع أن يعطي الله الجمادات المعرفة والعقل ولا ندرك نحن كيفيته، ١/ ٤٦٥، وانظر: \"تفسير ابن كثير\" ١/ ١٢١، وبهذا أخذ الواحدي كما يأتي قوله.\n(٢) قرأ ابن كثير بالياء، وبقية السبعة بالتاء في هذه الآية، انظر: \"السبعة\" ص ١٦٠، \"التيسير\" ص ٧٤، \"حجة القراءات\" لابن زنجلة ص ١٠١.\n(٣) نقله عن \"الحجة\" لأبي علي بتصرف ٢/ ١١٣.\n(٤) في (ب): (فمن).\n(٥) في (ج): (الياء) بسقوط الباء.\n(٦) في (ب): (قصته).","vol":"3","page":76},{"text":"يعني به الذين غيّروا أحكام التوراة وبدّلوا الحرام بالحلال، وغيروا آية الرجم، وصفة محمد - ﷺ - (١).\nوعلى هذا القول معنى قوله: ﴿يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ أي: من موسى أو ممن سمعوه كما أنزل ثم غيّروه. ويجوز أن يكون معناه: يفهمون كلامَه. وقال ابن عباس (٢) ومقاتل (٣): نزلت هذه الآية في السبعين، الذين (٤) اختارهم موسى وذهبوا معه (٥) إلى الميقات، وسمعوا كلام الله ﷿ وهو يأمره وينهاه، فلما رجعوا إلى قومهم سألهم الذين لم يذهبوا معهم، فقالت طائفة منهم لم يرد الله أن يطهّر قلوبهم: سمعنا الله في آخر كلامه يقول: \"إن استطعتم أن تفعلوا هذه الأشياء فافعلوا، وإن شئتم فلا تفعلوا ولا بأس\" (٦).\n_________\n= \"الثعلبي\" في \"تفسيره\" ١/ ٩٩٤ وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ١/ ٩٠ \"ابن كثير\" ص ١٢٢ - ١٢٣.\n(١) وهذا قول جمهور المفسرين، ينظر: \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٩٩٤، \"الوسيط\" للواحدي ١/ ١٦٠ \"أسباب النزول\" للواحدي ص ٣١ وعزاه لأكثر المفسرين، \"تفسير البغوي\" ١/ ١١٣ و\"تفسير ابن كثير\" ص ١/ ١٢٢ - ١٢٣، ورجَّحه ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ١/ ١٠٣.\n(٢) رواه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ١/ ١٤٨ وذكره \"الثعلبي\" ١/ ٩٩٤، والواحدي في \"أسباب النزول\" ص ٢٧، و\"الوسيط\" ١/ ١٦٠، و\"البغوي\" ١/ ١١٣.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ١/ ١١٦، وذكره عنه الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ٩٩٤، والواحدي في \"أسباب النزول\" ص ٣١، \"الوسيط\" ١/ ١٦٠.\n(٤) ليست في (أ).\n(٥) قوله: (وذهبوا معه): ليست في (م).\n(٦) وروي هذا القول عن ابن إسحاق والربيع بن أنس، رواه عنهما الطبري ٢/ ٢٤٦، وابن أبي حاتم ١/ ١٤٨وذكره ابن كثير ١/ ١٠٥، ورجحه الطبري محتجًّا بأن الله أخبر أن التحريف كان ممن سمع كلام الله، وهؤلاء الذين كانوا في عهد =","vol":"3","page":77},{"text":"استخبار، يجري في كثير من المواضع مجرى الإنكار والنهي، إذا لم يكن معها نفيٌ، كأنه آيَسَهم من الطمع في إيمان هذه الفرقة، فإذا كان في أوّل الكلام نفيٌ، فإنكار النفي تثبيت (١)، نحو قوله: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ﴾ [تبارك: ٨] وسيأتي بعد هذا لِمَ جعل الاستفهام للإنكار (٢).\nوقوله تعالى: ﴿أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ﴾ يعني به: جماعة اليهود (٣)؛ لأنّه قال: ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ﴾ [البقرة: ١٤٥]. يعني به: جماعتَهم؛ لأن الخاصةَ تتبعُ العامة.\n﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ﴾ أي: جماعة. وأصله من الفَرْق، ومعناه: طائفة فرقت من الجملة كالفئةِ، قالوا: أصلها من فأوتُ (٤) رأسَه: أي: شَقَقْتُه (٥).\nواختلفوا في هذا الفريق، فقال مجاهد (٦) وقتادة (٧) والسُدّي (٨):\n_________\n(١) فصَّل هذه المسألة ابن هشام الأنصاري في كتابه \"مغني اللبيب عن كتاب الأعاريب\" ١/ ١٧.\n(٢) في (م): (الإنكاري) وفي (أ): (الإنكار).\n(٣) ينظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ٣٦٦، \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٩٩٤.\n(٤) هذا مما يذكر في الواوي واليائي، أي فأوت وفأيت، وقوله: الفئة على وزن فعة، قال الأزهري في \"تهذيب اللغة\": وكانت في الأصل فئوة بوزن فعلة فنقص. انظر \"لسان العرب\" ٦/ ٣٣٣.\n(٥) ينظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ٣٦٦.\n(٦) رواه مجاهد في \"تفسيره\" ص ٨٠ ومن طريقه (الطبري) ٢/ ٢٤٥، ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ١/ ١٤٩، وذكره \"الثعلبي\" في \"تفسيره\" ١/ ٩٩٤ وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ١/ ١٠٣ - ١٠٤، \"ابن كثير\" في \"تفسيره\" ص ١٢٢ - ١٢٣.\n(٧) رواه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ١/ ١٤٩ وذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ٩٩٤، ابن كثير في \"تفسيره\" ص ١٢٢ - ١٢٣.\n(٨) رواه الطبري في \"تفسيره\" ١/ ٣٦٧، ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ١/ ١٤٩ وذكره =","vol":"3","page":78},{"text":"اليأس وبين قطع الطمع. وليس قولُ من قال: المراد بالفريق هاهنا الذين سمعوا كلامَ الله في وقت المناجاة أولى من القول الأول بأن هؤلاء سمعوا كلام الله على الحقيقة (١)، من جهة أن الكلام يضاف إلى المتكلم على وجهين، وكلاهما حقيقة: أحدهما: يضاف إليه على أنه المظهر له.\nوالآخر: يضاف إليه على معنى الحكاية لما كان مظهرًا له.\nيوضح ذلك أنك تقول: هذا كلام سيبويه (٢) بعينه إن لم يحكه الحاكي على المعنى دون تأدية اللفظ (٣)؛ ولهذا نقول: القرآن كلام الله على الحقيقة، وإن كنا لا نسمعُ الله يقولُ ذلك عند تلاوته.\nوقوله تعالى: ﴿ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ﴾ التحريفُ: تفعيلٌ من الحَرْف، والحَرْفُ في أصل اللغة: حدّ الشيء وحِدَتُهُ، ومِنْه يقال: طعامٌ حِرِّيْفٌ، يراد حِدَّتُهُ، فالتحريف أن يَجْعَلَ للشيء حَرْفًا كتحريف القلم. هذا أصل معناه في اللغة، ثم استعمل في معنى الإمالة والتغيير، وهذا المعنى راجع إلى أصله في اللغة؛ لأن بالإمالة يصير الشيءُ ذا حَرْفٍ، ألا ترى أن القلم إنما يصير مُحَرَّفًا إذا أُمِيلَ قَطْعُهُ في أحد الجانبين، فصار التحريف اسمًا لتغيير الشيء عن وجهه (٤).\n_________\n(١) يريد: سمعوا كلام الله من رسوله أو من كتابه المنزل.\n(٢) هو: أبو بشر عمرو بن عثمان بن قنبر، وقد تقدمت ترجمته في المقدمة.\n(٣) يريد: إن حكاه الحاكي بلفظه. ينظر: \"تهذيب اللغة\" ١/ ٨٨٣، \"اللسان\" ٢/ ٩٥٤، \"مقاييس اللغة\" ٢/ ٤٢.\n(٤) ينظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ٣٦٨، \"تهذيب اللغة\" ١/ ٧٨٦، \"المفردات\" للراغب ص ١٢١ وقال: وتحريف الشيء إمالته كتحريف القلم، وتحريف الكلام أن تجعله على حرف من الاحتمال يمكن حمله على الوجهين.","vol":"3","page":79},{"text":"فغيّروا ما سمعوا، ولم يؤدّوه على الوجه الذي سمعوه، فقيل في هؤلاء الذين شاهدهم النبي - ﷺ -: إنهم إن كفروا وحرفوا فلهم سابقة في كفرهم، وهذا مما يقطع الطمع في إيمانهم (١)؛ لأن الطمعَ قد ينقطعُ بغلبةِ الظن كما ينقطع مع العلم، فإذا ظهرت الأمارات التي توجب غلبة الظن انقطع الطمع. بيان ذلك: أنا لا نطمع في إيمانِ ملكِ الرومِ مع غلبةِ الظن أنه لا يؤمن، كما لا نطمع في إيمان أبي جهل (٢)، مع العلم بأنه لا يؤمن وقد هلك، واليأس إنما يكون مع اليقين أنه لا يقع، وهذا هو الفرق بين\n_________\n= النبي - ﷺ - من نسلهم أحرى بالجحود والتحريف؛ لأن أسلافهم سمعوا من الله وحرفوا متعمدين التحريف، وهؤلاء سمعوا منكم أنتم، ولذا قطع الله أطماع المؤمنين في إيمانهم. ثم رد ابن جرير على أصحاب القول الأول قولهم، بأنه لوكان المراد: سمعوا التوراة، لم يكن لذكر قوله: (يسمعون كلام الله) معنى مفهوم، لأن ذلك قد سمعه المحرف وغيره، فخصوص المحرف بالسماع لا معنى له. وقد بين ابن كثير ص ١/ ١٢٢ - ١٢٣ أن القول الأول أعلم، وأنه ليس يلزم من سماع كلام الله أن يكون سمعه منه كما سمعه الكليم قال تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦] أي: يسمعه مبلغًا إليه. وممن ضعف القول الثاني ابن عطية ١/ ٣٥٩ فقال: وفي هذا القول ضعف، ومن قال: إن السبعين سمعوا ما سمع موسى فقد أخطأ وأذهب فضيلة موسى ﵇ واختصاصه بالتكليم، ونقله القرطبي ٢/ ١، وقال ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ١/ ١٠٣: وقد أنكر بعض أهل العلم، منهم الترمذي صاحب \"النوادر\"، هذا القول إنكارًا شديدًا. وقال: إنما خص بالكلام موسى وحده، وإلا فأي ميزة، وجعل هذا من الأحايث التي رواها الكلبي، وكان كذابًا. وينظر: \"العجائب\" ١/ ٢٦٢.\n(١) ينظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ٣٦٧ - ٣٦٨.\n(٢) هوة عمرو بن هشام بن المغيرة المخزومي القرشي، أحد سادات قريش في الجاهلية، وأشد الناس عداوة للنبي - ﷺ - في صدر الإسلام، حتى كانت وقعة بدر الكبرى فشهدها مع المشركين فكان من قتلاهم. ينظر: \"السيرة النبوية\" ٢/ ٣٥٨.","vol":"3","page":80},{"text":"ابتدأت فتحه، كما يبتدأ الدخول إلى الشيء بفتح بابه، ومنه: الفتّاح للحاكم؛ لأنه يفتح القضيّة المستغلقة (١). وأما (يستفتحون) بمعنى: يستنصرون، فهم يسألون الفتح.\nومعنى قوله: ﴿بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ قال ابن عَبَّاسٍ (٢) وأبو العالية (٣) والحسن (٤) وقتادة (٥) أي: من العلم بصفةِ محمد - ﷺ - المبشَّر به ونعتِهِ.\nوقوله تعالى: ﴿لِيُحَاجُّوكُمْ﴾ معنى المحاجة: المجادلة والمخاصمة. وأصل الكلمة: من القصد، ومنه: حَجَّ البيتَ، والحجة: النكتة (٦) التي هي القصد في تصحيح الأمر، والمحجة: الطريقُ القاصدُ بك إلى الغرض الذي تؤمّه (٧).\nومعنى قوله: ﴿لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ﴾ أي: ليجادلوكم، يعني: أصحاب محمد، ويقولون: قد أقررتم أنه نبي حقٌّ في كتابكم ثم لا تتّبعونه، فهذه حجة لهم عليكم (٨).\nوقوله تعالى: ﴿عِندَ رَبِّكُم﴾ قال أبو بكر (٩): معناه: في حكم ربكم، كما تقول: هذا حلال عند الشافعي، أي: في حكمه، وهذا يحل عند الله:\n_________\n(١) ينظر: \"تفسير الطبري\" ٢/ ٢٥٤ \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٩٩٥، \"القرطبي\" ٢/ ٣.\n(٢) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ١/ ٣٧٠.\n(٣) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ١/ ٣٧٠، و\"ابن أبي حاتم\" ١/ ٧٨١.\n(٤) بنحوه أخرجه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ١/ ٧٨٥، ٧٨٧.\n(٥) أخرجه الطبري ١/ ٣٧٠ بأسانيد عن قتادة.\n(٦) في (م): (النكة). والنكتة هي النقطة.\n(٧) ينظر: \"تهذيب اللغة\" ١/ ٧٤٤ - ٧٤٦ مادة حج، \"مقاييس اللغة\" ٢/ ٢٩ - ٣١.\n(٨) ينظر: \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٩٩٦.\n(٩) يعني: ابن الأنباري.","vol":"3","page":81},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أي: يعلمون أنّ الذي حرفوا ليس من قبل الله، إنما هو مفتعل من جهتهم. أعلمنا الله تعالى أنهم لم يحرفوا ما سمعوا على جهة النسيان والخطأ، بل جهة القصد والتعمد. وقيل: ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أن الذي يفعلونه مُكسِبٌ للأوزار (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ قال ابن عباس (٢) والحسن (٣) وقتادة (٤) (٥): يعني منافقي اليهود، كانوا إذا رأوا المؤمنين قالوا: آمنّا بمحمد أنه نبي صادق نجده في كتابنا، فإذا رجعوا إلى رؤسائهم لاموهم على ذلك (٦).\nوقالوا: ﴿أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾. ومعنى التحديث: الإخبار عن حوادث الزمان. وأصل الفتح: نقيض الإغلاق، ثم يدخل في هذا فتح البلاد، وفتح المِغْلاق، وفتح المُشكل من الحكم، وفتح الباب، وكلّ مَا بَدَأتَ به فقد استفتحته، وبه سميت فاتحة الكتاب، ومعنى استفتحته:\n_________\n(١) ينظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ٣٦٨، \"ابن أبي حاتم\" ١/ ١٤٩، \"زاد المسير\" ١/ ١٠٤.\n(٢) رواه الطبري في تفسيره ٢/ ٢٤٩، ٢٥٠.\n(٣) رواه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ١/ ١٥١.\n(٤) رواه الطبري في تفسيره بمعناه عنه ١/ ٣٦٩، وذكره ابن أبي حاتم ١/ ١٤٩، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ١/ ٩٠.\n(٥) أخرج أثر ابن عباس: ابن جرير الطبري ١/ ٣٦٩. وأخرج ابن أبي حاتم أثر الحسن ١/ ٧٨٥، وذكره عن قتادة ١/ ٧٧٩، ٧٨٧، ونسبه السيوطي في \"الدر المنثور\" ١/ ١٥٧ إلى عبد بن حميد.\n(٦) روي هذا القول أيضًا عن السدي وأبي العالية، والربيع بن أنس، ومجاهد وعطاء وابن زيد، ينظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ٣٦٩ - ٣٧٠، \"ابن أبي حاتم\" ١/ ١٤٩ - ١٥٠ \"زاد المسير\" ١/ ١٠٤، \"الدر المنثور\" ١/ ١٥٧.","vol":"3","page":82},{"text":"فقلبت الواو ياءً لسكونها ثم أدغمت (١)، ويجوز في أداء (٢) جَمعها التخفيف على نقصان إحدى الياءين (٣)، وكذلك ما كان على هذا الوزن من الجمع الصحيح ففيه لغتان، نحو: قرقور وقراقر (٤) وإن شئت: قراقير، وحواجب وحواجيب، وجلابب وجلابيب.\nفأمَّا الغواشي والجوابي (٥) والجواري والليالي فليس فيها إلَّا التخفيف؛ لأنّها منقوصات، وواحدَتُها خفيفة (٦).\nوالأمنيَّة: من التمنّي، كالأغنية من التغنّي. قال الكسائي: أصل التمني في اللغة: حديثُ الرجلِ نفسَه، والعرب تقول: تركتُه قاعدًا يتمنى، أي: يحدث نفسَه.\nوأنشد لكعب بن مالك (٧) يرثي أباه:\n_________\n(١) ينظر: \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٢٥٤\n(٢) ساقطة من (أ) و(ش).\n(٣) قال أبو حاتم: كل جمع من هذا النحو، واحده مشدّد فلك فيه التخفيف والتشديد، مثل: بَخَاتي، وأثافي، وأغاني، وأماني ونحوها ينظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ٣٧٦ - ٣٧٧، \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٤٥٤، \"المحتسب\" لابن جني ١/ ٩٤ \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٩٩٩.\n(٤) القرقور: السفينة العظيمة الطويلة.\n(٥) في (م): (الجواني).\n(٦) ينظر: \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٤٩، \"معاني القرآن\" للأخفش الأوسط ١/ ١١٧ - ١١٨، \"تفسير الطبري\" ٢/ ٣٧٦ - ٣٧٧، \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ١٥٩، \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٤٥، \"المحتسب\" لابن جني ١/ ٩٤.\n(٧) هو: كعب بن مالك بن أبي كعب الأنصاري الخزرجي، شاعر رسول الله - ﷺ - وصاحبه، وأحد الثلاثة الذين خلفوا فتاب الله عليهم، اختلف في تاريخ وفاته بين ٤٠ و٥٠ هـ وغيرها. ينظر: \"أسد الغابة\" ٤/ ٤٨٧ - ٤٨٩، \"الإصابة\": ٣/ ٣٠٢.","vol":"3","page":83},{"text":"أي: في حكمه، فعلى هذا معناه: لتكون لهم الحجة عليكم عند الله في الدنيا والآخرة. ويحتمل: أنه أراد عند ربكم في الآخرة؛ لأنهم يقولون لكم: يا معشر اليهود آمنا بمحمد ولم نقرأ صفته، وكفرتم به بَعْد أن وقفتم على صِدقه في التوراة. ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ أفليس لكم ذهن الإنسانية (١). وهذا من كلام رؤسائهم لهم في لومهم إياهم، فقال الله تعالى: ﴿أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ أي: من التكذيب ﴿وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ من التصديق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-300>٧٨ </span>- قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ﴾ قال أبو إسحاق: معنى الأمي في اللغة: المنسوب إلى ما عليه جبلّة (٢) الأمة: أي: لا يكتب، فهو في أنه لا يكتب على ما ولد عليه (٣).\nوقال غيره: قيل للذي لا يكتب: أمِّي؛ لأن الكتابة مكتسبة، فكأنه نُسِبَ إلى ما ولد عليه، أي: هو على ما ولدته أمّه.\nوقال ابن الأنباري: إنما سمّي الذي لا يكتب، ولا يقرأ: أمّيًّا؛ لأنه نسب إلى أمّه، إذ كان النساءُ لا يكتبن في ذلك الدّهر (٤).\nوقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَمَانِىَّ﴾ جَمْعُ أُمْنِيّة، وأُمْنِيَّة في الأَصْلِ. أُمْنُوية\n_________\n(١) \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٩٩٧.\n(٢) في (ش): (حيلة).\n(٣) \"معاني القرآن\" ١/ ١٥٩. وفي \"تهذيب اللغة\" ١/ ٢٠٤ مادة (أم) النص هكذا: معنى الأمي في اللغة المنسوب إلى ما عليه جبلته أمه.\n(٤) ينظر. \"تهذيب اللغة\" ١/ ٢٠٤ - ٢٠٥، و\"المحيط في اللغة\" للصاحب بن عباد ١٠/ ٤٥٩، \"تفسير القرطبي\" ٢/ ٤، و\"اللسان\" ١/ ١٢٣.","vol":"3","page":84},{"text":"حُروفه من غير زيادة.\nوقال ابن السكيت: يقال: هو مُنّي (١) بمَنَى مِيل، أي: بقدر ميل (٢).\nوقال الفراء: يقال: مَنىَ الله لك ما يَسُرّك، أي: قَدّر لك. وأنشد:\nولا تقولَنْ لشيء سوف أفعله ... حتى تَبَيّنَ (٣) ما يَمْني (٤) لَكَ الماني (٥)\nأي: ما يقدر لك القادر (٦).\nفأمَّا التفسير، فقال ابن عباس: ﴿إِلَّا أَمَانِيَّ﴾: إلا أحاديث (٧)، قال: لا يعلمون إلّا ما حُدّثوا.\nوقال الفرَّاء: الأماني: الأحاديث المفتعلة، يقول الله: لا يعلمون الكتاب ولكن هو أحاديث مفتعلة ليست من كتاب الله يسمعونها من كبرائهم (٨)، وهذا قول الكلبي (٩). واختاره الزجّاج في أحد قوليه، وقال:\n_________\n(١) في (ش): (تمني).\n(٢) نقله عنه في \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٤٥٤ ولم أجده في كتابيه:\"تهذيب الألفاظ\"، و\"إصلاح المنطق\".\n(٣) في (م): (يبين). وفي (ش): (بين) وفي \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٤٥٤: تُلاقيَ.\n(٤) في (ش): (تمنى).\n(٥) البيت لأبي قلابة الهذلي، في \"شرح أشعار الهذليين\" ص ٧١٣، ولسويد بن عامر \"المصطلقي في لسان العرب\" ٧/ ٤٢٨٢، وذكره في \"تهذيب اللغة\" عن الفراء ولم ينسبه ٤/ ٣٤٥٤.\n(٦) لم أجده في مظنته من \"معاني القرآن\" للفراء، ونقله عنه في \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٤٥٤.\n(٧) رواه ابن جرير الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٢٦١، و\"ابن أبي حاتم\" ١/ ١٥٢.\n(٨) ينظر: \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٤٩ - ٥٠.\n(٩) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ٩٩٩، وينظر: \"البغوي\" ١/ ٨٨، \"الخازن\" ١/ ٧٧.","vol":"3","page":85},{"text":"تمنّى كتابَ الله أولَ ليلِهِ ... وآخرها (١) لاقى حِمَام المقادر (٢)\nأي: قرأ، يسمّى (٣) القراءة تمنِّيًا، لأنها تشبه التحدث، وما تمناه الإنسان فهو مما (٤) يحدث به نفسه (٥)؛ ولهذا فُسِّرت الأماني في هذه الآية بالأحاديث.\nوقال غيره: أصل هذه الكلمة عند أهل اللّغة من التقدير. والتمني: هو تقدير شيء تودُه، والمنيّة مقدرةٌ على العباد، والمَنَى الذي يوزن به: مقدار معروف، والمَنِيُّ: الذي يقدَّرُ منه الولد، والتمني: التلاوة؛ لأنها حكاية على مقدار المحكيِ، والمنا (٦): الحذاء؛ لأن أحد الشيئين بإزاء الآخر على مقداره (٧)، ومُنيت (٨) بكذا أي: قُدَر علَيّ.\nوالأمنية في هذه الآية: التلاوة؛ لأنها حكاية للكلام على مقدار\n_________\n(١) كذا في الأصل: وآخرها، وفي \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٠٠٠، \"اللسان\" ٧/ ٤٢٨٤، \"تفسير القرطبي\" ٢/ ٦: وآخره.\n(٢) البيت في \"ديوانه\" ص ٢٩٤ قاله في رثاء عثمان بن عفان، وينظر \"تفسير ابن عطية\" ١/ ١٦٩، \"القرطبي\" ٢/ ٥، وقيل: هو لحسان بن ثابت كما في \"تفسير أبي حيان\" ٦/ ٣٨٦، وليس في \"ديوانه\"، وبلا نسبة في \"لسان العرب\" ٧/ ٤٢٨٤، و\"مقاييس اللغة\" ٥/ ٢٧٧، وكتاب \"العين\" ٨/ ٣٩٠. ينظر \"المعجم المفصل في شواهد اللغة العربية\"، للدكتور/ أميل بديع يعقوب ٣/ ٣٧٠. وحمام المقادر: الموت.\n(٣) في: (م) لعلها (يسمي).\n(٤) في (م) و(ش): (ما).\n(٥) في (ش): تحدث نفسه.\n(٦) في (م): (المنا الذي).\n(٧) ينظر: \"القاموس\" ١٣٣٦: (مادة: المنا).\n(٨) في (م): (أمنيت).","vol":"3","page":86},{"text":"رأس جبل فهو من خشية الله [نزل به القرآن (١).\nوقال بعض المتأولين: من قال: المراد بالحجارة في قوله: ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾] (٢) أنه يركَّب فيها التمييز والعقل، فقد أخطأ (٣)، إذ كان لا يُستنكر ذلك ممن جُعِل فيه التمييز، ولكن هذا على جهة (٤) المثل، كأنه يهبط من خشية الله لما فيه من الانقياد لأمر الله الذي لو كان من حيّ قادر لدلَّ على أنه خاشٍ لله كقوله: ﴿جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ [الكهف: ٧٧]، أي: كأنه مريد. وكقول جرير:\nلمَّا أَتَى خَبَرُ الزُّبَيْرِ تَوَاضَعَتْ ... سُورُ المدينةِ والجِبَالُ الخُشَّعُ (٥)\nأي: كأنها خاشعة للتذلل الذي ظهر (٦) فيها كما يظهر تذلل الخاشع،\n_________\n(١) ذكره الطبري في \"تفسيره\" ١/ ٣٦٤، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ١/ ٤٣٣، \"تفسير الماوردي\" ١/ ٣٧٤، انظر: \"تفسير ابن عطية\" ١/ ٣٥٦ - ٣٥٧، \"تفسير ابن كثير\" ١/ ١٢١ - ١٢٢.\n(٢) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).\n(٣) نسب الرازي هذا القول للمعتزلة ٣/ ١٣١.\n(٤) في (ب): (على وجه).\n(٥) من قصيدة قالها جرير في هجاء الفرزدق، يقول: لما وافى خبر قتل الزبير إلى المدينة تواضعت هي وجبالها وخشعت حزنا له، لأن قاتل الزبير من رهط الفرزدق. ورد البيت في مواضع كثيرة منها،\"الكتاب\" ١/ ٥٢، \"مجاز القرآن\" ١/ ١٩٧، \"الكامل\" ٢/ ١٤١، \"المقتضب\" ٢/ ١٩٧،\"المذكر والمؤنث\" لابن الأنباري ص ٥٩٥، \"جمهرة أمثال العرب\" ٢/ ٣٣٣٩، \"الأضداد\" لابن الأنباري ص ٢٩٦، \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٣٧، والطبري في \"تفسيره\" ١/ ٢٦١، ٣٦٥، \"الخزانة\" ٤/ ٢١٨، \"الخصائص\" ٢/ ٤١٨، \"المخصص\" ١٧/ ٧٧، \"تفسير القرطبي\" ١/ ٣٩٥، \"البحر المحيط\" ١/ ٢٦٦، \"رصف المباني\" ص ٢٤٤، \"ديوان جرير\" ص ٢٧٠.\n(٦) في (ب): (للتذل ظهر الذي فيها).","vol":"3","page":87},{"text":"إلّا أكاذيب، والعربُ تقول: أنت إنما تتمنى (١) هذا القول، أي: تختلقه (٢). وقال أحمد بن يحيى: التمني: الكذب، يقول الرجل: والله ما تمنيت هذا الكلام ولا اختلقته (٣).\nقال ابن الأنباري (٤): والمُنى تشبه الكذب لأنه لا حقيقة لها، والعرب تذمّها كما تذم الكذب، قال الشاعر:\nفَلا يَغُرَّنْكَ مَا مَنَّتْ ومَا وَعَدَتْ ... إنَّ الأمَانِيَّ وَالأحْلامَ تَضْلِيلُ (٥)\nوقال أبو عبيدة (٦) وابن الأنباري (٧) وابن قتيبة (٨) والزجَّاج (٩) في أحد قوليهِ: الأماني: التلاوة، واحتجوا ببيتِ كعبٍ، فأرادَ أنّهم يقرؤون عن ظهر القلب ولا يقرؤون في الكتب (١٠).\nوقيل: يقرءون في الكتاب ولا يعلمونه بقلوبهم، فهم لا يعلمون\n_________\n(١) في (ش): (تتمنى). في (أ) و(م): (تمتني)، وما في (ش) موافق لما في \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ١٥٩.\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ١٥٩.\n(٣) نقله عنه في \"تهذيب اللغة\" ١٥/ ٥٣٤.\n(٤) في (م): (الأنبار).\n(٥) البيت لكعب بن زهير، ينظر: \"ديوانه\" ص ٩، \"لسان العرب\" ٧/ ٤٢٨٤، \"المعجم المفصل\" ٦/ ٣٤٧.\n(٦) ينظر: \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٩٩٩، وليس هو في \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة.\n(٧) ينظر: \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٤٥٦\n(٨) ينظر: \"تفسير غريب القرآن\" ص ٤٦.\n(٩) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ١٥٩.\n(١٠) ينظر: \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٩٩٩، \"تفسير البغوي\" ١/ ٨٨ \"زاد المسير\" ١/ ١٠٥.","vol":"3","page":88},{"text":"الكتاب إلا تلاوة ولا يعملون به (١)، فليسوا كمن يتلونه حقّ تلاوته، فيُحِلّون حلالَه، ويحرمون حرامه، ولا يحرفونه عن مواضعه (٢).\nقال ابن الأزهري: والتلاوة سميت أمنية؛ لأن تالي القرآن إذا مر بآية رحمة تمنّاها، وإذا مرّ بآية عذاب تمنّى أن يُوَقّاه (٣).\nوقال الحسن (٤) وأبو العالية (٥) وقتادة (٦): أي: إلّا أن يتمنوا على الله الباطل والكذب، ويتمنون على الله ما ليس لهم، مثل قولهم: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ [البقرة: ٨٠]، وقولهم: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا﴾ [البقرة: ١١١]، وقولهم: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ﴾ [المائدة: ١٨]. قال ابن الأنباري: والاستثناء على هذا التأويل منقطع عن الأوّل، يريد. لا يعلمون الكتاب البتة، لكنهم يتمنون على الله مالا ينالون (٧).\n_________\n(١) في الأصل (يعلمون)، وهو تحريف.\n(٢) ينظر: \"تفسير غريب القرآن\" لابن قتيبة ص ٥٦.\n(٣) \"تهذيب اللغة\" ١٥/ ٥٣٤.\n(٤) ذكره \"الثعلبي\" في \"تفسيره\" عنه ٢/ ١٠٠١، وينظر: \"الوسيط\" للمصنف ١/ ١٦٢، و\"البغوي\" ١/ ٨٨.\n(٥) أخرجه الطبري في تفسيره بمعناه ٢/ ٣٧٤ - ٣٧٥، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ١/ ١٥٢، وذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ١٠٠١.\n(٦) أخرجه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ١/، وفي \"تفسير الطبري\" بمعناه ١/ ٣٧٥، وذكره \"أبن أبي حاتم\" ١/ ١٥٢ عنه وعن الربيع بن أنس بلا إسناد، وينظر: \"التفسير الصحيح\" ١/ ١٨٠.\n(٧) وقد رجح الشنقيطي هذا القول في أضواء البيان ١/ ١٤١ وبين أن مما يدل لهذا القول: قوله تعالى ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ﴾ [البقرة: ١١١] وقوله ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ [النساء: ١٢٣] وبين أن القول الأول لا يتناسب مع قوله: ومنهم أميون لأن الأمي لا يقرأ. =","vol":"3","page":89},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ أي: لا يعلمون، (١) أراد: ما هُمْ إلا ظانّينَ ظنًّا وتوهمًا لا حقِيقَةً ويقينًا (٢) (٣). وجعل الفعل المستقبل في مَوضع الحَالِ؛ لأنه يصلح للزمانين.\nقال ابن عبّاس في قوله: (وإن هُم إلّا يظنون): أي: لا يعلمون الكِتَابَ، ولا يدرون ما فيه، وهم يجحدون نبوتك بالظَنّ (٤).\nقالَ أصحاب المعاني: ذمّ الله بهذه الآية قومًا من اليهود، لا يحسنون شيئًا وليسُوا على بصيرة إلّا ما يحدّثونَ به، أو إلّا ما يقرءون عن غَيْرِ عِلم به (٥). ففيه حثٌّ علَى تعلّم العلم؛ حتّى لا يحتاج الإنسان إلى تقليد غيره، وأن يقرأ شيئًا لا يكون له به معرفة.\nقوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ﴾ الآية. قال ابن عباس: الوَيْل شِدّة العَذَاب (٦).\n_________\n= ويؤيد ذلك ما ورد بأسانيد صحيحة عن ابن عباس وقتادة ومجاهد وأبي العالية. ينظر: \"التفسير الصحيح\" ١/ ١٨٠.\n(١) زيادة من (ش).\n(٢) ينظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ٣٧٧، \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٠٠١، \"تفسير البغوي\" ١/ ١١٥.\n(٣) نقل القرطبىِ في \"تفسيره\" ٢/ ٦ عن أبي بكر الأنباري عن أحمد بن يحيى النحوي: أن العرب تجعل الظن علمًا وشكًّا وكذبًا، وقال: إذا قامت براهين العلم فكانت أكثر من براهين الشك فالظن يقين، وإذا اعتدلت براهين اليقين وبراهين الشك فالظن شك، وإذا زادت براهين الشك على براهين اليقين فالظن كذب.\n(٤) رواه الطبري في تفسيره ١/ ٢٧٧.\n(٥) ينظر: \"المحرر الوجيز\" لابن عطية ١/ ٣٦٥، \"تفسير القرطبي\" ٢/ ٦.\n(٦) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ١٠٠٣، والبغوي في \"تفسيره\" ١/ ١١٥، وأخرجه الطبري في \"تفسيره\" ١/ ٣٧٨ بلفظ: فالعذاب عليهم.","vol":"3","page":90},{"text":"وقال الزجّاج: الويل كلمة يستعملها كل واقع في هَلَكة، وأصله في اللغة: العذاب (١).\nوقال ابن قتيبة: قال الأصمعي: الويل تقبيح (٢)، قال الله تعالى: ﴿وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾ [الأنبياء: ١٨].\nوروى الأزهري عن المنذري عن أبي طالب النحوي أنه قال: قولهم: ويل (٣)، كان أصلها (وي) وُصِلت بـ (له)، ومعنى (وي): حزن، ومنه قولهم: ويه (٤) معناه: حزن، أُخْرج مُخْرجَ الندبة (٥) (٦).\nوحكى ابن الأنباري عن الفراء: أن أصل هذه الكلمة: وي لفلان، وهو حكاية صوتِ المصاب وَي وَي، فكثر الاستعمال للحرفين، يعني: وي لفلان فوُصِلتْ اللام بوي وَجُعِلَتْ معها حرفًا واحدًا، ثم خُبِّر عَن ويل بلام أُخرى.\nوقرأت على أبي الحُسين الفسوي، فقلت: أخبركم حمد بن محمد الفقيه، قال: أخبرني أبو عمر (٧)، قال: حضرنا مجلس أبي العباس أحمد\n_________\n(١) ينظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ١٦٠.\n(٢) ينظر: \"اللسان\" ١١/ ٧٣٩.\n(٣) في \"تهذيب اللغة\": (ويله).\n(٤) في الأصل ويه، والمثبت من \"اللسان\".\n(٥) الندبة: وهي نداء متفجع عليه حقيقة أوحكما أو متوجع منه. ينظر: \"طرح التثريب\" ١/ ١٥٤، \"المصباح المنير\" ص ٥٩٧.\n(٦) \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٩٦٩.\n(٧) هو: محمد بن عبد الواحد بن أبي هاشم، أبو عمر اللغوي الزاهد، المعروف بغلام ثعلب، لازم ثعلبًا في العربية فأكثر عنه إلى الغاية، له مصنفات كثيرة منها: \"فائت الفصيح\"، و\"الياقوتة\"، وغيرها، توفي سنة ٣٤٥ هـ. ينظر: \"سير أعلام النبلاء\" ١٥/ ٥٠٨ - ٥١٣، و\"تاريخ بغداد\" ٢/ ٣٥٦ - ٣٥٩.","vol":"3","page":91},{"text":"أبن يحيى، فأقبل علينا، فقال: كيف الفعل من الويل؟ فبلّح القوم ولم يكن عند واحدٍ منهم جواب، وفي المجلس ابن (١) كيسان وغيره فأنشدنا:\nتَوَيّل إذ ملأتُ يدي وكانَتْ ... يميني لا تعلّلُ (٢) بالقليل (٣)\nقال أبو عمرو: يقال في هذا أيضًا: وال يَوِيلُ، على وزن مال يميل. انتهت الحكايةُ.\nوسمعتُ من يوثق بعلمه يقول: أخطأ أبو عمرو، لم يأت من هذا الباب ما أَوَّلُه واوٌ ولا ياءٌ في الأجوف. وروي عن أبي سعيد الخدري (٤) مرفوعًا قال: \"ويْلٌ: وادٍ في جهنم، يهوي فيه الكافر أربعين خريفًا قبل أن يبلغ قعره\" (٥).\n_________\n(١) ساقطة من (ش).\n(٢) في (ش): (لا تغلل).\n(٣) البيت بلا نسبة في: \"الممتع في التصريف\" ٢/ ٥٦٨، وفي \"لسان العرب\" ٨/ ٤٩٣٩، \"المعجم المفصل\" ٦/ ٥٨٧.\n(٤) هو: الصحابي الجليل، سعد بن مالك بن سنان الأنصاري الخزرجي، اشتهر بكنيته أبو سعيد الخدري، من فقهاء الصحابة ومكثريهم في رواية الحديث، شهد ما بعد أحد، وتوفي سنة ٧٤ هـ. ينظر: \"أسد الغابة\" ٢/ ٣٦٥، و\"الأعلام\" ٣/ ٨٧.\n(٥) أخرجه أحمد ٣/ ٧٥، وعبد بن حميد ٩٢٤، والترمذي في التفسير، سورة الأنبياء برقم (٣١٦٤)،، الطبري في تفسيره ١/ ٣٧٨، والحاكم ٢/ ٥٠٧ أبو يعلى في \"مسنده\" ٢/ ٥٢٣ والبيهقي في \"البعث والنشور\" برقم ٥٣٧ من طريق دراج أبي السمح عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري، ودراج ضعيف، وصححه الحاكم، وأحمد شاكر وقال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه مرفوعًا إلا من حديث ابن لهيعة وتعقبه ابن كثير في \"تفسيره\" ١/ ١٢٥ فقال: لم يتفرد به ابن لهيعة كما ترى ولكن الآفة ممن بعده، وهذا الحديث بهذا الإسناد مرفوعا منكر، والله أعلم.","vol":"3","page":92},{"text":"قال النحويون: وذكر اليد في قوله: ﴿يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ﴾ تحقيق للإضافة وإن كانت الكتابة لا تقع إلا باليد، وقد أُكدّت الإضافة بذكر اليد (١) فيما لا يُرادُ باليد فيه الجارحة (٢)، كقوله تعالى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥] وقوله: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ [يس: ٧١]. ومعناه: مما تولينا عمله، ولما (٣) توليت خلقه.\nوالأصل في هذا: أنه قد يضاف الفعل إلى الفاعل وغير الفاعل له، كقوله: ﴿يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ﴾ [القصص: ٤]، والمراد بذلك: أنه يأمر بالذبح فَيُمتثل أمره. فلما كان الفعلُ قد يُضاف إلى غير الفاعل أُكّدَت الإِضافة بذكر اليد؛ للتحقق وينتفي الاحتمال، ثم استعمل هذا التأكيد (٤) أيضا في فعل الله تعالى وإن لم يجز في وصفه يد الجارحة؛ لأن المراد بذكر اليد تحقيق الإضافة على ما بيّنا.\nوقال ابن السراج: معنى يكتبون بأيديهم، أي: من تلقائهم ومن قبل أنفسهم من غير أن يكون أُنزل عَلَيهم أو على من قبلهم (٥)، وهذا كما يقال للذي يُبدعُ (٦) قولًا لَم يُقَلْ قبله: هذا أنت تقوله (٧)، يراد بذلك: أنت ابتدعت هذا المذهب وهذا الحكم.\n_________\n(١) ينظر: \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٠٠٤، \"تفسير القرطبي\" ٢/ ٨.\n(٢) هذا تأويل من المؤلف ﵀، جرى فيه على مذهب الأشاعرة. والصواب ما عليه السلف من إثبات الصفات لله من غير تَأَويل ولا تكييف ولا تمثيل.\n(٣) في (أ) و(م): (كما).\n(٤) في (ش): (التاليد).\n(٥) انظر: \"تفسير القرطبي\" ٢/ ٨.\n(٦) في (ش): (يبيع).\n(٧) في (ش): (بقوله).","vol":"3","page":93},{"text":"قال المفسرون: هذا في اليهود، عَمَدوا إلى صفة محمد - ﷺ - فكتبوا صفته على غير ما كانت في التوراة، وأخذوا عليه الأموال، وقبلوا الهدايا (١). وهو معنى قوله: ﴿وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ يقال: كسبت الشيء كسبًا، وكَسَبْتُ الرجلَ مالًا فَكَسَبه وهذا أحد ما جاء على فَعَلْتُه فَفَعَل، ومعنى الكسب: فعل يُجتلَب به نفع، أو يُستدفَع به ضرر، واكتسب الخطيئة إنما ذلك لأنه يَجتلب به تعجّلَ المنفعة وينسَى ما عليه فيه من تأجّل المضرّة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-301>٨٠ </span>- وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ يعني: اليهود لما أوعدهم رسول الله - ﷺ - بالنار عند تكذيبهم إياه، قالوا: لن تمسَّنا النار إلّا أيامًا معدودة (٢): أي: قليلة، والمعدودة إذا أطلقت كان معناها القليلة، كقوله: ﴿دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾ [يوسف: ٢٠] قيل معناه: معدودة عندنا. قال ابن عبّاس: قالت اليهود: مدّة الدنيا سبعة آلاف سنة، وإنما نعذَّب بكل ألف سنة يومًا واحدًا (٣).\nوقال قتادة (٤) وعطاء (٥): يعنون الأيام التي عبد آباؤهم فيها العجل،\n_________\n(١) ينظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ٣٧٨، \"تفسير ابن أبي حاتم\" ١/ ٢٤٤ - ٢٤٧، \"تفسير السمرقندي\" ١/ ١٣٢، \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١٠٠٣.\n(٢) انظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ٣٨٠ - ٣٨١، \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٠٠٦.\n(٣) أخرجه عنه الطبري ٢/ ٢٧٨، وابن أبي حاتم ١/ ١٥٥، وسنده حسن كما في \"التفسير الصحيح\" ١/ ١٨٤ والطبراني في \"الكبير\" ١١/ ٩٦، وهو مروي عن مجاهد أيضًا كما عند الطبري ١/ ٣٨٢.\n(٤) أخرجه عنه عبد الرزاق في \"تفسيره\" بسند صحيح ١/ ٥١ ومن طريقه رواه الطبري في تفسيره ١/ ٣٨١، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ١/ ١٥٥، وذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ١٠٠٧، ينظر: \"التفسير الصحيح\" ١/ ١٨٤.\n(٥) ذكره عنه الثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ١٠٠٧، والبغوي في \"تفسيره\" ١/ ١١٦.","vol":"3","page":94},{"text":"وهي مدّة غيبة موسى عنهم، فكذّبهم الله ﷿، فقال: قُل يا محمد: ﴿أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا﴾ أي: أخذتم بما تقولون من الله ميثاقًا فالله لا ينقُض ميثاقه، أم تقولون على الله الباطل جهلًا منكم. وَ(أَمْ) هاهنا يحتمل أن تكون متصلة على المعادلة لألف الاستفهام بمعنى: عَلَى أي الحَالَتَين أنتم؟ على اتخاذ العهد أم على القول بما لا تَعلَمُون.\nويحتمل أن تكون منقطعة (١)، على تقدير تمام الكلام قبلها، كأنه تم الكلام عند قوله: ﴿فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ﴾ ثم استأنف بـ (أم) على معنى: لا تقولون على الله مالا تعلمون. وكذا تقديرها وإن كانت منقطعةً (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-302>٨١ </span>- قوله تعالى: ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً﴾ قال الفراء: (بلى): تكون جوابًا للكلام الذي فيه الجحد، فإذا قال الرجل: ألست تقوم؟ فتقول: بلى. ونَعم جواب للكلام الذي لا جحد فيه، فإذا قال الرجل: هَل تقوم؟ قلت: نعم. قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (٨) قَالُوا بَلَى﴾ [تبارك:٨، ٩]، وقال: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢]، وقال: ﴿فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ﴾ [الأعراف: ٤٤]، وإنما صارت (بلى) تتصل بالجحد؛ لأنّها رجوع عن الجحد إلى التحقيق، فهي بمنزلة (بَل)، و(بل) سبيلها أن تأتي بعد الجحد، كقولهم: مَا قام أخوك بل أبوك، وما أكرمت أخاك بل أباك.\nفإذا قال الرجل للرجل: ألا تقوم، فقال: بلى، أرادَ: بل أقوم، فزاد الياء على (بل) ليحسن السكوت عليها؛ لأنه لو قال: بل كان يتوقع كلامًا بعد بل، فزاد الياء (٣) على بل ليزول عن المخاطب هذا\n_________\n(١) ينظر: \"البحر المحيط\" ١/ ٢٧٨.\n(٢) كذا في الأصل، ولعل الصواب: كذا تقديرها إن كانت منقطعة.\n(٣) أراد الألف المقصورة، وهكذا عدها الفراء ألفًا.","vol":"3","page":95},{"text":"التَوهم (١) وإنّما لم يصلح ها هنا (نعم) لأن (نعم)؛ إقرار، وإذا قال في هذا الموضع نعم، فقد أقرّ بالجحد وبالفعل الذي بعده، ألا ترى أنك لو قيل لك: أَمالَكَ مالٌ؟ فقلت: نعم، كنتَ مُقِرًّا بالكلمة بطرح الاستفهام وحده، كأنك قلت: نعم مالي مالٌ، فأرادوا أن يرجعوا عن الجحد ويُقرّوا بما بعده، فاختاروا (٢) (بلى) لأن أَصلها رجوع عن الجحد كما بينا (٣). ومعنى الآية: أنه ردّ على اليهود قولَهم: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ﴾ فقال: (بلى) أُعذِّبُ من كَسَبَ سَيّئةً. و(مَنْ) هاهنَا بمعنى (الذي) (٤)، ولهَا أربعة أَوجُه: تكون بمعنى (الذي)، وتكون (٥) استِفهَامًا، وجزاءً، ونكرةً موصوفة، مثل:\nوَكَفَى بِنَا فَضلًا عَلَى مَنْ غَيْرِنا ... حُبُّ النبيِّ محمّدٍ إيّانا (٦)\nأي: على أحد غيرِنا.\n_________\n(١) ينظر: \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٥٢، ونقله عنه الطبري في تفسيره ١/ ٣٨٤ - ٣٨٥، وأبن الجوزي في \"زاد المسير\" ١/ ١٠٧. وينظر: \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٠٠٨، و\"البيان\" لابن الأنباري ١/ ٩٩.\n(٢) في (م): (فقالوا).\n(٣) ينظر في معنى (بلى): \"الكتاب\" لسيبويه ٤/ ٢٣٤، و\"البحر المحيط\" ١/ ٢٧٩، و\"مغني اللبيب\" ١/ ١١٣ - ١١٤.\n(٤) قال أبو حيان في \"البحر المحيط\" ١/ ٢٧٩: (من) يحتمل أن تكون شرطية، ويحتمل أن تكون موصولة، والمسوغات لجواز دخول الفاء في الخبر إذا كان المبتدأ موصولًا موجودة هنا، ويحسنه المجيء في قسميه بالذين، وهو موصول.\n(٥) في (ش): (تكون) في الموضعين.\n(٦) البيت ذكره ابن هشام في \"مغني اللبيب\" ١/ ٣٢٨، وابن الشجري في \"الأمالي\" ٢/ ٣١١ منسوبا إلى حسان، ونسبه الزبيدي في \"التاج\" (مادة: من)، والبغدادي في \"الخزانة\" ٢/ ٥٤٥ إلى كعب بن مالك، انظر: \"ديوان حسان\" ١/ ٥١٥.","vol":"3","page":96},{"text":"وقولُ آخرَ:\nيا رُبَّ مَن يبغض أذوادنا .. (١) البيتَ.\nودخول \"رُبَّ\" يدل على أنه نكرة (٢).\nوالسيئة فيعِلة (٣) من السوء في قياس قول الخليل، وَفعيلَةٌ في قياس قول الفراء، وهذا مثل ما ذكرنا في الصيِّب (٤).\nقال اللّيث: والسيئ والسيئة: عملان قبيحان يَصِير السيئ نَعتًا للذكر الأفعال، والسيئة: الأنثى (٥)، يقال: ساء الشيء يَسوء فهو سَيئٌ، إذا قبح، وساء ما فعل، أي: قبح (٦).\nوإجماع أهل التفسير: أن السيئةَ هاهُنا الشرك (٧)، وأنّ الآية وردت\n_________\n(١) وتمامه:\nرُحْنَ على بغضائه واغْتَدين\nقاله عمرو بن قميئة كما في \"الكتاب\" لسيبويه ١/ ٣١٥ وقيل: لعمرو بن لأي التيمي. ينظر: \"الوحشيات\" ص ٩، \"معجم الشعراء\" ٢١٤، \"المقتضب\" ١/ ٤١، \"الإغفال\" ص ٣١٨.\n(٢) ينظر في (رُبَّ): \"المقتضب\" للمبرد ٤/ ١٣٩ - ١٥٠، و\"مغني اللبيب\" ١/ ١٣٤ - ١٣٨، وقال في \"القاموس\" ٨٧: ورُبَّ، ورُبَةَ، ورُبَّما، وربتما، بضمهن مشددات ومخففات، وبفتحهن كذلك حرف خافض لا يقع إلا على نكرة.\n(٣) ينظر: \"الكتاب\" لسيبويه ٤/ ٣٦٥، \"المقتضب\" للمبرد ١/ ١٢٥، \"اللسان\" ٤/ ٢١٦١ (مادة: سوأ).\n(٤) راجع \"البسيط\" [البقرة: ١٩].\n(٥) نقله عنه في \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٥٨٣.\n(٦) نقله عنه في: \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٥٨٣، \"اللسان\" ٤/ ٢١٦١.\n(٧) هذا الإجماع ذكره الواحدي أيضًا في \"الوسيط\" ١/ ١٦٤، والصحيح: أن هذا قول أكثر السلف، والقول الآخر: أن السيئة هي كبائر الذنوب التي توعد الله عليها =","vol":"3","page":97},{"text":"في اليهود (١)، وقد قيل: إنها عامة في جميع الكفار.\nوقوله تعالى: ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُه﴾ لا يَخلو معناه من أحد أمرين: إمَّا أن يكون المعنى: أحاطت بحسنته خطيئته، أي: أحبطتها من حيثُ كان المحِيط أكبر مِنَ المحاط به، فيكون كقوله: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٥٤]، وقوله: ﴿أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ [الكهف: ٢٩]، ويكون المعنى في (أحاطت به خطيئته): أهلكته، من قوله: ﴿لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾ [يوسف: ٦٦]، وقوله: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ﴾ [يونس: ٢٢]، وقوله: ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾ [الكهف: ٤٢] وهذا كله في معنى البوار.\nوقد يكون للإحاطة معنى ثالث، وهو العلم كقوله: ﴿وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا﴾ [الكهف: ٩١]. وقال: ﴿وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ [البروج: ٢٠].\n_________\n= بالنار، والخطيئة هي الكفر، وممن قال به الحسن والسدي، وقواه ابن عطية في \"المحرر الوجيز\" ١/ ٣٧٠ فقال: ولفظ الإحاطة يقوي هذا القول، وأصحاب القولين على أن الآية إنما هي في الكفار لا في العصاة؛ لأن الله توعد أهل هذه الآية بالخلود في النار، وهذا إنما يكون في حق الكفار فقط، قال الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ١٦٥: والمؤمنون لا يدخلون في حكم هذه الآية، لأن الله تعالى أوعد بالخلود في النار من أحاطت به خطيئته، وتقدمت منه سيئة هي الشرك، والمؤمن ومن عمل الكبائر فلم يوجد منه شرك. ولعل الذي دفع الواحدي لحكاية الإجماع الرد على من حمل الآية على عصاة المؤمنين كالمعتزلة والخوارج. ينظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ٣٨٤ - ٣٨٥، و\"مجموع فتاوي ابن تيمية\" ١٤/ ٤٨ وما بعدها، و\"البحر المحيط\" ١/ ٢٧٩، و\"تفسير ابن كثير\" ١/ ١١٩، وكتاب \"الإجماع في التفسير\" ص ١٧٧.\n(١) ذكر الإجماع على أنها في اليهود الزجاج في \"معاني القرآن\" ١/ ١٦٢ قال: والإجماع أن هذا لليهود خاصة، لأنه ﷿ ذكرهم؛ والطبري في تفسيره لم يذكر سوى ذلك، وكأن المؤلف نقض الإجماع بقوله: وقد قيل.","vol":"3","page":98},{"text":"أي: عالم، هذا كلام أبي علي (١).\nوقال ابن السراج: أحاطت به خَطِيئته، أي: سُدّت عليه مَسَالك النجاة، وهذا لمن هو في معلوم الله أنه لا يؤمن. وأما الخطيئة فقال أبو زيد: خطِئْتُ من الخطيئةِ، أَخْطأ خَطْئًا، والاسم الخِطْءُ، وأخطأت إِخطاءً، والاسمُ الخَطَاء (٢).\nوقال الأخفَش: الخطأ: الإثم وهو ما أصابه متعمدًا والخِطء غير المتعمد. ويقال من هذا: أخطأ يُخْطِئُ. قال الله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥] واسم الفاعل من هذا: مخطئ، فأمّا خطيئة فاسم الفاعل منه: خاطئٌ، وهو المأخوذ به فاعله، وفي التنزيل: ﴿لَا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ﴾ [الحاقة: ٣٧] (٣).\nاللّيث: الخطيئة: الذنب على عمد (٤).\nقال أبو علي: والخطيئة تقع على الصغير والكبير، فمن وقوعها على الصغير قوله: ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الشعراء: ٨٢]. ووقوعها على الكبير قوله: ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ (٥). واختلف القراء في هذا الحرف فقرأ أهل المدينة (خطيئاته) بالجمع، والباقون على الوحدة (٦)؛\n_________\n(١) في \"الحجة للقراء السبعة\" ٢/ ١١٤ - ١١٥.\n(٢) ينظر: \"الحجة\" ٢/ ١١٥، \"تهذيب اللغة\" ١/ ١٦٠، \"اللسان\" ٢/ ١٢٠٥.\n(٣) \"الحجة\" ١/ ١١٥.\n(٤) ذكره في \"تهذيب اللغة\" ١/ ١٠٦٠، \"اللسان\" ٢/ ١٢٠٥ولم ينسبه لليث.\n(٥) \"الحجة\" لأبي علي ١/ ١١٦.\n(٦) قرأ نافع وأبو جعفر بالجمع، والباقون بالإفراد، ينظر: \"السبعة\" ص ١٦٢، \"والنشر في القراءت العشر\".","vol":"3","page":99},{"text":"لأنها أضيفت إلى ضمير مفردٍ، فلما لم يكن الضمير جمعًا لم يجمع كما جمعت في قوله: ﴿نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ﴾ [البقرة: ٥٨]. لأنه مضاف إلى جماعة لكل واحدٍ منهم خطيئة، وكذلك قوله: ﴿إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا﴾ [الشعراء: ٥١]. فهذه جمعت بجمع (١) ما أضيف إليه (٢). فأما قوله: ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ فمضاف إلى مفرد، وكما أفردت السيئة ولم تجمع فكذلك ينبغي أن تفرد الخطيئة. وأنت إذا أفردته لم يمتنع وقوعه على الكثرة وإن كان مضافًا، كقوله: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ﴾ [إبراهيم: ٢٤] والعَدُّ إنما يقع على الجموع والكثرة، وكذلك ما روي في الحديث: \"منعت العراق درهمها وقفيزها (٣) ومصر إردَبَّها\" (٤) (٥).\nفهذه أسماء مفردة مُضافة والمراد بها الكثرة، ومن جمَع حمله على المعنى، والمعنى الجمع والكثرة، فكما جُمع ما كان مُضَافًا إلى جمع كذلك يجمع ما كان مضافًا إلى مفردٍ يرادُ به الجمع من حيث اجتمعا في أنهما كثرة، ويدلّك على أن المراد به الكثرة. فيجوز من أجل ذلك أن تجمع خَطِيئةٌ على المعنى؛ لأنَّ الضمير المضاف إليه جمع في المعنى (٦).\n_________\n(١) في \"الحجة\": (كجمع).\n(٢) \"الحجة\" ٢/ ١١٨ - ١١٩.\n(٣) القفيز: مكيال معروف لأهل العراق، قال الأزهري: هو ثمانية مكاكيك، والمكوك: صاع ونصف، وهو خمس كليجات. ينظر: \"النهاية\" ٤/ ٩٠.\n(٤) الإردب: مكيال معروف لأهل مصر، قال الأزهري وآخرون: يسع أربعة وعشرين صاعًا. ينظر: \"النهاية\" لابن الأثير ١/ ٣٧.\n(٥) أخرجه مسلم في (٢٨٩٦) كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب: لا تقوم الساعة حتى يحسر الفرات.\n(٦) ما تقدم بمعناه منقول من \"الحجة\" ٢/ ١١٩ - ١٢٠.","vol":"3","page":100},{"text":"قوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ واختلف المفسرون في معنى الخطيئة هاهنا، فقال ابن عباس (١) والضحاك (٢) وأبو وائل (٣) (٤)، وأبو العالية (٥)، والربيع (٦) (٧) وابن زيد (٨) (٩): هي الشرك يموت عليه الإنسان.\nوقال غيرهم (١٠): هي الذنوب الكبيرة الموجبة لأهلها النار، وعلى\n_________\n(١) رواه عنه الطبري ١/ ٣٨٦، ابن أبي حاتم ١/ ١٥٧.\n(٢) رواه عنه الطبري في تفسيره ١/ ٣٨٦، وذكره \"الثعلبي\" ١/ ١٠٠٩.\n(٣) ذكره ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ١/ ١٥٨، وانظرت \"زاد المسير\" ١/ ١٠٦.\n(٤) هو الإمام الكبير، شيخ الكوفة أبو وائل، شقيق بن سلمة الأسدي الكوفي، مخضرم أدرك النبي - ﷺ - وما رآه، حدث عن الخلفاء وكثير من الصحابة، كان ثقة كثير الحديث، توفي سنة ٨٢ هـ. ينظر: \"تاريخ بغداد\" ٩/ ٢٦٨، \"السير\" ٤/ ١٦١ - ١٦٦.\n(٥) ذكره ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ١/ ١٥٨، والثعلبي ١/ ١٠٠٩.\n(٦) هو: الربيع بن أنس البكري، من رواة الحديث، وممن اشتهر بالعلم والتفسير كان من التابعين، بصري نزل خراسان، صدوق له أوهام، توفي سنة ١٣٩ هـ وقيل: ١٤٠ هـ. ينظر: \"تقريب التهذيب\" ص ٢٠٥، (١٨٨٢) و\"مشاهير علماء الأمصار\" ص ١٢٦.\n(٧) رواه عنه الطبري في تفسيره ١/ ٣٨٦ - ٣٨٧ وذكره ابن أبي حاتم ١/ ١٥٨، والثعلبي ١/ ١٠٠٩.\n(٨) هو: عبد الرحمن بن زيد بن أسلم العدوي مولاهم، المدني، محدث مفسر، كان في نفسه صالحًا، وفي الحديث ذاهبًا، توفي سنة ١٨٢ هـ. ينظر: \"الجرح والتعديل\" ٥/ ٢٣٣، \"تقريب التهذيب\" ص ٣٤٠.\n(٩) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ١٠٠٩.\n(١٠) ومنهم: مجاهد وقتادة والحسن والربيع بن أنس وأبو العالية، كما في \"تفسير الطبري\" ١/ ٣٨٦ - ٣٨٧، و\"ابن أبي حاتم\" ١/ ١٥٩، وقال ابن كثير ١/ ١٢٧ عقب هذه الأقوال والأقوال السابقة في الشرك: وكل هذه الأقوال متقاربة في المعنى، والله أعلم.","vol":"3","page":101},{"text":"هذا فالمؤمنون لا يدخلون في حكم هذه الآية؛ لأنه أوعد بالخلود في النار من أحاطت به خطيئته، وتقدمت مِنه سَيِّئةٌ هي الشرك، والمؤمن وإن عمل الكبائر فلم يوجد منه الشرك. وأيضًا فإن الخطيئة لا تحيط بالمؤمن؛ لأنه يعصي مستحييًا راجيًا عفو الله معتمدًا للتوبة فلا تحيط به الخطيئة، وإنما تحيط بالكافر. أو يجعل هذه الآية من العموم المخصوص بآي الوعد.\nوقوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ خبر المبتدأ الذي هو (مَن) كقوله: ﴿وَمَا بِكُم مِن نِعمَةٍ فَمِنَ اَلله﴾ [النحل:٥٣] (١).\nفإن قيل: لم دخلت الفاء في خبر المبتدأ وأنت لا تقول: زيد فقائم. والجواب: إن الفاء تدخل في خبر المبتدأ إذا كان المبتدأ موصُولًا. نحو (مَنْ وما والذي) لتدلّ (٢) أنَّ الخبر يجب بوجوب معنى الصلة، كقولك: الذي في الدار فَلَهُ دِرْهَم. قال ابن السراج: دلت أنه وجب الدرهم لأجل الكون في الدار. ونذكر شرح هذه المسألة عند قوله: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ﴾ [البقرة: ٢٧٤]، إن شاء الله.\nفإن قيل: لم جاءت الجملتان في قوله: ﴿فأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ بغير حرف عطف؟\nوالجواب: قال أبو بكر بن السراج: لأنهما خبران عن شيء واحد، وأيضا فإن الضمير يربط الكلام الثاني بالأول كما أن حرف العطف يربط به، ألا ترى أنّك تقول: مررت بزيد والناس يتراءون الهلالَ، فلا يجوز إسقاط الواو، فإن قلت: مررتُ بزَيْدٍ الناس عنده يتراءون الهلال، جاز إسقاط الواو وجاز إثباتها.\n_________\n(١) ينظر: \"الحجة\" ٢/ ١٢٠.\n(٢) في (ش) و(م): (ليدل).","vol":"3","page":102},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-303>٨٣ </span>- قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾ اختلف النحويون (١) في محل قوله: لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللهَ. فقال قطرب (٢) (٣): يجوز أن يكون (٤) حالًا كأنه أخذ ميثاقهم موحدين. وكذلك ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ﴾ [البقرة: ٨٤] أي: غير سافكين، فيكون حالًا من المخاطبين، ويكون موضعه نصبًا، كأنه قيل: أخذنا ميثاقكم غير عابدين إلا الله، أو موحدين.\nوقال الكسائي: يجوز أن يكون ﴿لَا تَعْبُدُونَ﴾ و﴿لَا تَسْفِكُونَ﴾ في تقدير: لا تعبدوا، وكأن التقدير: أخذت ميثاقكم بأن لا تسفكوا (٥) إلا أنه لما حَذَفَ (أن) ارتفع الفعل، كقوله: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ﴾ (٦) [الزمر: ٦٤].\nوأنكر المبرد هذا القول، وقال: هو خطأ من وجهين: أحدهما: أن كل ما أضمر في العربية فهو يعمل عمله مُظْهَرًا، كقولهم: وبلدٍ قطعت، يراد: ورُبَّ بلد قطعت (٧) (٨)، وكقوله (٩) تعالى: ﴿نَاقَةَ الله﴾ [الشمس:\n_________\n(١) ذكر في \"البحر المحيط\" ١/ ٢٨٢ ثمانية أقوال في إعراب الآية.\n(٢) محمد بن المستنير بن أحمد البصري، أبو علي المعروف بقطرب.\n(٣) ينظر: \"البحر المحيط\" ١/ ٢٨٢.\n(٤) في (ش): (تكون).\n(٥) ساقطة من: (أ) و(م) من قوله: (غير عابدين).\n(٦) نقله عن الكسائي الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ١٠١٣، وينظر: \"معاني القرآن\" للأخفش ١/ ١٣٣، \"تفسير الطبري\" ١/ ٣٨٨ - ٣٨٩، \"البيان\" لابن الأنباري ١/ ١٠١، \"البحر المحيط\" ١/ ٢٨٣.\n(٧) مقولة المبرد نقلها القرطبي في \"تفسيره\" ٢/ ١٣.\n(٨) ساقطة من: (أ) و(م).\n(٩) في (م): (وقوله).","vol":"3","page":103},{"text":"١٣] أي: احذروا، وكقوله: ﴿قَالُوا مَعْذِرَةً﴾ [الأعراف: ١٦٤] أي: موعظتنا معذرة.\nوالثاني: أنه لا يجوز حذف الموصول في شيء من الكلام.\nوليس الأمر على ما قاله المبرد، فقد أجاز قولَ الكسائي: الأخفشُ والفراءُ وقطرب والزجّاج وعلي بن عيسى (١) (٢)، ودعواه أن كل ما أضمر في العربيّة فهو يعمل عمله مظهرًا ليس كذلك، وهو على ضربين: منه ما هو على ما ذكر، ومنه ما ليس كذلك (٣)، كحروف الجر إذا حذفت وهي تزاد، كقوله:\nأمرتك الخير (٤) ..... البيت\nيريد بالخير، وقال الله تعالى: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ﴾ [الأعراف: ١٥٥] فلما حَذف مِنْ وصل الفعل فنصب. كذلك هاهُنا لمّا حذف (أن) وصل\n_________\n(١) ينظر في الأقوال في المسألة: \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٥٣ - ٥٤، \"معاني القرآن\" للأخفش ١/ ١٢٦، \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ١٦٢، \"البحر المحيط\" ١/ ٢٨٢ - ٢٨٣.\n(٢) هو: علي بن عيسى بن الفرج بن صالح، أبو الحسن الربعي النحوي، صاحب أبي علي الفارسي، درس النحو وتفنن فيه حتى ما بقي له شيء يحتاج أن يسأل عنه، من مؤلفاته: \"شرح مختصر الجرمي\"، توفي سنة هـ ٤٢٠ ص. وينظر \"إنباه الرواة\" ٢/ ٢٩٧، و\"تاريخ بغداد\" ١٢/ ١٧ - ١٨.\n(٣) في (أ): (كذلك) مكررة.\n(٤) البيت: لعمرو بن معد يكرب، وتتمته:\nأمرتُك الخيرَ فافعل ما أُمِرتَ به ... فقد تركتُك ذا مالٍ وذا نَشَبِ\n\"مغني اللبيب\" ١/ ٣١٥، وقد عزاه في \"الكتاب\" ١/ ٣٧ لعمرو بن معدي كرب الزبيدي، واختلف في قائله كما في \"الخزانة\" ١/ ١٦٤ - ١٦٦، والنشب: المال الثابت كالضياع ونحوها، من نشب الشيء، والمال: الإبل أو هو عام، والشاهد فيه: أمرتك الخير أراد: أمرتك بالخير.","vol":"3","page":104},{"text":"عامل الرفع فرفع الفعل.\nوقوله: لا يحذف الموصول في شيء من الكلام ليس كذلك؛ لأن الموصول مع صلته بمنزلة اسم واحد، والاسم الواحد قد يحذف بعضه بالترخيم (١).\nوقال كثير من النحويين: الزجّاج (٢) والفراء (٣) والأخفش (٤) في أحد قوليه: إن قوله: (لا تعبدون) جواب القسم؛ لأن أخذ الميثاق بمنزلة القسم، والدليل على ذلك قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ﴾ [آل عمران: ٨١]، القسم بـ (لام)، فكذلك هو في النفي بـ (لا)، وكان المعنى: استحلَفناهم وقلنا لهم: والله لا تعبدون (٥) (٦).\nقال الفراء: ويجوز أن يكون في موضع جزم على النهي، إلا أنه خرج مخرج الخبر، كقوله: ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ﴾ [البقرة: ٢٣٣]. بالرفع ومعناه النهي، ويدل على أنه نهي قوله: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾.\nوقرئ لا تعبدون بالياء والتاء (٧)، وما كان من مثل هذا جاز أن يكون\n_________\n(١) الترخيم: ما حذف من آخره حرف واحد أو أكثر للتخفيف، نحو: يا فاطم.\n(٢) ينظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ١٦٢.\n(٣) ينظر: \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٥٣ - ٥٤، و\"البحر المحيط\" ١/ ٢٨٢.\n(٤) ينظر: \"معاني القرآن\" للأخفش ١/ ١٢٦.\n(٥) ينظر: \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٥٤، والبحر المحيط ١/ ٢٨٢.\n(٦) ينظر: \"تفسير القرطبي\" ٢/ ١١.\n(٧) قرأ ابن كثير وحمزة والكسائي (لا يعبدون) بالغيب، وقرأ الباقون بالخطاب. انظر \"السبعة\" ص ١٦٢، \"الحجة\" ٢/ ١٢١، \"النشر\" ٢/ ٢١٨.","vol":"3","page":105},{"text":"على لفظ الغيبة من حيث كان اللفظ لها، وجاز أن يكون على لفظ المخاطب لأنك تحكي حال الخطاب وقت ما تخاطب به. ألا ترى أنهم قد فرأوا قوله: ﴿قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوا سيُغلَبون ويُحْشَرونَ إلى جَهَنَم﴾ [آل عمران: ١٢] على لفظ الغيبة، وبالتاء على لفظ الخطاب (١)، على حكاية حال الخطاب في وقت الخطاب (٢)، فإذا كان هذا النحو جائزًا جاز أن تجيء القراءة بالوجهين جميعا، ويجوز في قياس العربية في قوله: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨]، الخطاب (على حكاية) (٣) حال الخطاب.\nفأما قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ﴾ [البقرة: ٨٤]، وهذا لا يجوز (أن يكون) (٤) إلا على الخطاب؛ لأن المأخوذ ميثاقهم مخاطبون (٥)، ولأنك إن حكيت الخطاب كان التقدير: (أخذنا ميثاقكم فقلنا لكم: لا تسفكون) كان بالتاء.\nفحجة من قرأ بالتاء (٦) قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ﴾ [آل عمران: ٨١] فجاء على الخطاب، ويقويه قوله: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ﴾ .. الآية. فإذا كان هذا خطابًا وهو عطف على ما تقدّم وجب أن\n_________\n(١) قرأ حمزة والكسائي وخلف بالياء على الغيب في: (سيغلبون، يحشرون) وقرأ الباقون بالخطاب. ينظر: \"السبعة\" ص١٦٢، و\"النشر\" ٢/ ٢٣٨.\n(٢) ينظر: \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٥٤.\n(٣) في (م): (الحكاية على حال الخطاب).\n(٤) ساقطة من (م).\n(٥) في (م): (مخاطبين).\n(٦) أي في قوله: (لا تعبدون).","vol":"3","page":106},{"text":"يكون المعطوف عليه في حكمه. وحجة مَن قرأ بالياء قوله: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا﴾ .. الآية [الأنفال: ٣٨]. وكل واحد من المذهبين قد جاء التنزيل به (١).\nوقوله (٢): ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾. تقديره: وأحْسِنُوا بالوالدين إحسانًا، كأنه قال: لما أخذنا ميثاقهم قال: وقُلنا لهم: أحْسِنوا بالوالدين إحسانًا، كما قال: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا﴾ [البقرة: ٦٣]، أي: وقلنا لهم: خذوا، فالجار في الوالدين يتعلق بالفعل المضمر ولا يجوز أن يتعلق بالمصدر؛ لأن ما يتعلق بالمصدر لا يتقدم عليه.\nو(أَحْسِنْ) يُوصَل بالباء كما يوصل بـ (إلى) (٣). يدلك على ذلك قوله: ﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ﴾ [يوسف: ١٠٠]. فتَعَدّى بالباء كما تعدى بإلى (٤) في قوله: ﴿وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ (٥) [القصص: ٧٧] هذا قول الزجاج (٦).\nوقال بعضهم: المعنى: ووصيناهم بالوالدين إحسانًا (٧).\nوالقربى: القرابة في الرحم (٨).\n_________\n(١) \"الحجة\" ٢/ ١٢٣ - ١٢٦، بتصرف.\n(٢) في (ش): (وهو قوله).\n(٣) في \"الحجة\" يصل بالباء كما يصل بـ (إلى).\n(٤) من قوله: (يدلك). ساقط من (أ) و(م).\n(٥) هذا كلام أبي علي في \"الحجة\" ٢/ ١٢٨ - ١٢٩.\n(٦) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ١٦٣، وانظر: \"معاني القرآن\" للأخفش ١/ ١٢٧.\n(٧) ينظر: \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٠١٤، و\"البحر المحيط\" ١/ ٢٨٣ - ٢٨٤.\n(٨) قال في \"البحر المحيط\" ١/ ٢٨١: القربى: مصدر كالرجعى، والألف فيه للتأنيث، وهي قرابة الرحم والصلب.","vol":"3","page":107},{"text":"واليتامى: جمع يتيم، مثل: نديم وندَامى، ويجمع أيتامًا أيضًا، واليُتمْ (١) في الناس فُقْدان الأب، وفي غير الإنسان من قبل الأم (٢).\nقال أحمد بن يحيى: معنى قولك: صبي يتيم: منفرد من أبيه، قال: واليتم (٣) في كلام العرب معناه: الانفراد.\nقال: وأنشدنا ابن الأعرابي بيتًا، قال: فقلت له: زدنا، فقال: البيتُ يتيمٌ، أي: هو منفرد ليس قبله ولا بعده شيء.\nومنه قولهم: درة يتيمة، إذا لم يوجد لها نظير.\nوقال الأصمعي: اليتيمة: الرملة المنفردة، قال: وكل منفرد ومنفردة عند العرب يتيم ويتيمة.\nقال الفراء: يقال للغلام: يَتِم يَيْتَمُ يُتْمًا وَيَتْمًا، وحكي لي ما كان يَتِيمًا، ولقد يَتِم يِيتَم، وقَدْ أَيْتَمَهُ الله.\nوقال المُفضّل: أصل اليُتْم: الغَفْلة، وبه سُمي اليتيم؛ لأنه يُتَغَافل عن بره.\n_________\n(١) في (م): (اليتيم).\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ١٦٣، \"أحكام القرآن\" للجصاص ١/ ٤٥٢ \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٩٧٤، \"اللسان\" ١٢/ ٦٤٥، وقال ابن بري: اليتيم الذي يموت أبوه، والعجي الذي تموت أمه، واللطيم الذي يموت أبواه. وقال ابن العربي في أحكام القرآن ١/ ٢١٥: اليتيم: هو في اللغة عبارة عن المفرد من أبيه، وقد يطلق على المفرد من أمه، والأول أظهر لغة، وعليه وردت الأخبار والآثار، ولأن الذي فقد أباه عدم النصرة، والذي فقد أمه عدم الحضانة، وقد تنصر الأم لكن نصرة الأب أكثر، وقد يحضن الأب لكن الأم أرفق حضانة.\n(٣) في (م): (اليتيم).","vol":"3","page":108},{"text":"وقال أبو عمرو: اليُتْم: الإبطاء، يقال: ما في سَيرِه أتَمٌ ويتم أي: إبطاء، ومنه أُخِذَ اليتيم؛ لأن البرّ يبطيء عنه (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ الحُسنُ هاهُنا يحتمل وجهين:\nأحَدُهُما: أن يكون لغة في الحَسَن، كالبُخْل والبَخَل والرُشْد والرَشَد وبابه، وجاء ذلك في الصفة كما جاء في الاسم، ألا تراهُم قالوا: العُرْبُ والعَرَبُ وهو صفة، يدلك على ذلك: قولك: قومٌ عُرْبٌ، فيكون الحُسْن على هذا صفة (٢).\nوقد حكى الزجّاج عن الأخفش هذا القول، فقال: زعم الأخفش أنه يجوز أَنْ يكون (حُسنًا) في معنى حَسَنًا (٣).\nالوجه الثاني: أن يكون الحُسْن مصدرًا كالكُفر والشُكر والشُغل، وحذف المضاف معه كأنه: قولًا ذا حُسْن (٤).\nوقرأ حمزة والكسائي (حَسَنًا) (٥) وهو صِفَة، كَأنَّ التقدير: وقولوا للناس قولًا حَسَنًا، فحذف الموصوف، وحَسُن ذلك في حَسَنٍ لأنها\n_________\n(١) ينظر في معاني اليتيم السابقة: \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٩٧٤، \"البحر المحيط\" ١/ ٢٨١، \"اللسان\" ٨/ ٤٩٤٨، \"القاموس\" ١١٧٢.\n(٢) من \"الحجة\" ٢/ ١٢٧، وبنحوه في \"معاني القرآن\" القرآن للأخفش ١/ ١٢٧، ينظر \"تهذيب اللغة\" ١/ ٨١٣، \"لسان العرب\" ٢/ ٨٧٨ (مادة: حسن).\n(٣) ينظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ١٦٣، ونقله أيضًا الأزهري في \"تهذيب اللغة\" ١/ ٨٢٣، وعنه ابن منظور في \"اللسان\" ٢/ ٨٧٨.\n(٤) من \"الحجة\" ٢/ ١٢٧، وبنحوه في \"معاني القرآن\" للأخفش ١/ ١٢٧.\n(٥) قرأ حمزة والكسائي ويعقوب وخلف (حَسَنا) بفتح الحاء والسين، وقرأ الباقون بضم الحاء وإسكان السين. ينظر: \"السبعة\" ص ١٦٢، و\"النشر\" ٢/ ٢١٨.","vol":"3","page":109},{"text":"ضارعت الصفات التي تقوم مقام الأسماء، نحو: الأبرق والأبطح، ألا تراهم (١) يقولون: هذا حَسَن ومررت بحسن، فلا يكادون يذكرون مَعَهُ الموصوف (٢).\nوقال أبو الهَيثم (٣): أصل قولهم شيء حَسَنٌ. إنما هو شيء حَسِين؛ لأنه من حَسُنَ يَحسُنُ، كما قالوا: عَظُم فهو عظيم، إلا أنّه جاء نادِرًا (فَعَلٌ) في مَعنى (فَعِيل).\nوحكى الأخفش عن بعض القراء: ﴿وقولوا للناس حُسْنَى﴾ بالتأنيث (٤) (٥).\nوذلك (٦) لا يجوز عند سيبويه وسائر النحويين (٧)؛ لأن (أفعل)\n_________\n(١) في (ش): (ألا تراهم أنهم).\n(٢) كذا قال أبو علي في \"الحجة\" ٢/ ١٢٦ - ١٢٨.\n(٣) هو: خالد بن يزيد الرازي، كان نحويَّا إمامًا علامة، اشتهر بكنيته، روى عنه الأزهري من طريق أبي الفضل، توفي سنة ٢٧٦ هـ. ينظر: \"إنباه الرواة\" ٤/ ١٨٨، ومقدمة \"تهذيب اللغة\" ١/ ٤٢.\n(٤) كذا في \"معاني القرآن\" للأخفش ١/ ١٢٧.\n(٥) قرأ بها: أبي وطلحة بن مصرف. ينظر: \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٠١٥، و\"البحر المحيط\" ١/ ٢٨٥، و\"القراءات الشاذة\" للقاضي ص ٣٠.\n(٦) في (ش): (في ذلك).\n(٧) قال النحاس في \"إعراب القرآن\": وهذا لا يجوز في العربية، لا يقال في هذا شيء إلا بالألف واللام، نحو الفضلى والكبرى والحسنى، هذا قول سيبويه. ونقل ذلك عن النحاس القرطبي في \"تفسيره\" ٢/ ١٦، وينظر \"المحرر الوجيز\" ١/ ١٠٩، وكذا رد القراءة ابن جرير الطبري في \"تفسيره\" ٣٩٠ - ٣٩١، قال: وأما الذي قرأ ذلك فإنه خالف بقراءته إياه كذلك قراءة أهل الإسلام إلى آخر ما قال. وقد ناقش أبو حيان هذه القضية وأطال فيها النفس في \"البحر المحيط\" ١/ ٢٨٥.","vol":"3","page":110},{"text":"و(فُعلى) لا يستَعمل صِفَةً إلا بالألف واللام؛ لأن أفعل لما كانت تلزمه (من) ولا يدخله الألف واللام معها كان إذا سقطت (من) لا بد من الألف واللام، إذًا صارا متعاقبين؛ فسقوط أحدهما يدلُّ على وجوب الآخر على المعاقبة.\nفأما معنى قوله: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ فقال ابن عباس (١) وسعيد بن جُبَير (٢) (٣) وابن جريج (٤) ومقاتل (٥) والزجاج (٦) والأكثرون: قولوا للناس صدقًا وحقًّا في شأن محمد - ﷺ -، فمن سألكم عنه فاصدقوه وبيّنوا له صفته، ولا تكتموا أمره، ولا تغيروا نعته.\nوقال الربيع بن أنس: هذا على العموم في تحسين المقالة للناس كلهم (٧).\nوقال الحسن والثوري (٨): يعني: الأمر بالمعروف والنهي عن\n_________\n(١) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ١٠١٦، وذكره القرطبي بنحوه ٢/ ١٢.\n(٢) \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٠١٦.\n(٣) هو: أبو عبد الله سعيد بن جبير الأسدي بالولاء، تقدمت ترجمته ٢/ ١٦.\n(٤) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ١/ ٣٩٠ - ٣٩٢، وذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ١٠١٦.\n(٥) أخرجه عن مقاتل بن حيان ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ١/ ١٦١، وذكره مقاتل بن سليمان في \"تفسيره\" ١/ ١١٩، وذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ١٠١٦.\n(٦) \"معاني القرآن\" ١/ ١٦٤.\n(٧) لم أجده عن الربيع، لكن روى الطبري في تفسيره ١/ ٣٩٢ بسنده عن الربيع عن أبي العالية: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ قال: قولوا للناس معروفا. أخرجه عنه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ١/ ١٦١.\n(٨) أخرجه عنه الطبري في تفسيره ١/ ٣٩٢، وذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ١٠١٦، وورد مثله عن ابن عباس كما في \"تفسير ابن أبي حاتم\" ١/ ١٦١.","vol":"3","page":111},{"text":"المنكر، وهو أن يأمروهم (١) بما أمرهم الله تعالى، وينهوهم (٢) عما نهاهم الله عنه (٣).\nوقال عطاء عن ابن عباس: المراد بالناس في هذه الآية محمد - ﷺ - (٤) كقوله: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ﴾ [النساء: ٥٤]، فكأنه (٥) يقول: قولوا للنبي - ﷺ - حسْنًا.\nوقوله تعالى: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ﴾ أي: أعرضتم عن العهد والميثاق (٦)، ويَعْني به: أوائلهم ﴿إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ﴾ يعني: من كان ثابتًا على دينه ثم آمن بمحمد - ﷺ -.\nوقوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ﴾ أي: وأنتم أيضًا كأوائلكم في الإعراض عما عُهِد إليكم فيه.\nومعنى الإعراض: الذهَاب عن المواجهة إلى جهة العرض.\n_________\n(١) في (ش): (تأمروهم).\n(٢) في (ش): (وتنهونهم).\n(٣) وروي هذا عن ابن عباس أيضًا كما عند ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ١/ ١٦١ وسنده مقبول.\nوقال ابن كثير١/ ١٢٨: فالحسن من القول: يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويحلم ويعفو ويصفح ويقول للناس حسنًا، كما قال الله، وهو كل خلق حسن رضيه الله.\n(٤) تقدم الحديث عن رواية عطاء هذه في المقدمة.\n(٥) في (م): (وكأنه)، وفي (أ): (وكانوا).\n(٦) \"تفسيرالثعلبي\" ١/ ١٠١٦.","vol":"3","page":112},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-304>٨٤ </span>- قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ﴾ في (لا تسفكون) من وجوه الإعراب ما ذكرنا في (لا تعبدون). ويُقال: سَفَكَ يَسفِكُ ويَسفُكُ لُغتان (١). ودماء: جمع دم، قال الزجاج: وأصل دم: دَماء في قول أكثر النحويين (٢)، أنشد أبو زيد:\nغفَلَتْ ثم أتت ترقبه ... فإذا هي بعظام ودَمَا (٣)\nوقد جاء في التثنية: دَمَيَان ودَمَوَان (٤)، على الأصل، قال الشاعر:\nوظل لعمري في الوغى دَمَوَاهما\nوقال آخر:\n_________\n(١) ينظر: \"اللسان\" ٤/ ٢٠٣٠، و\"القاموس\" ٩٤٢٥، وسفك: من باب ضرب ونصر، وبهما قرئ قوله تعالى: ويسفك الدماء، والسفك: الصب وقرأ طلحة بن مصرف بضم الفاء قال الثعلبي ١/ ١٠١٦: وهما لغتان، مثل: يعرُشون، ويعكُفون.\n(٢) عبارة الزجاج في \"معاني القرآن\" ١/ ١٦٥: وواحد الدماء دم يا هذا مخفف، وأصله دمىِ في قول أكثر النحويين، ودليل من قال: إن أصله دمي: قول الشاعر:\nفلو أنا على حجر ذبحنا ... جرى الدميان بالخبر اليقين\nوقال قوم: أصله: دمْي، إلا أنه لما حذف ورد إليه ما حذف منه، حركت الميم لتدل الحركة على أنه استعمل محذوفا. اهـ\n(٣) ورد البيت هكذا:\nغفلت ثم أتت تطلبه\nينظر: \"الخزانة\" ٧/ ٤٩١، و\"التنبيه\" لابن بري ٢/ ٢٣٥، و\"شرح التسهيل\" ١/ ٢٥٠، و\"تلخيص الشواهد\" ص ٧٧، وينظر: \"البحر المحيط\" ٢/ ١٢٣١ ولم ينسبوه.\n(٤) في \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٢٣١، فقال بعضهم في تثنية الدميان، ونقل في \"اللسان\" ٣/ ١٤٢٩ عن ابن سيده: وأما الدموان فشاذ سماعا. قال في \"البحر المحيط\" ١/ ٢٨١: الدم معروف وهو محذوف اللام، وهي ياء لقوله: جرى الدميان بالخبر اليقين، أو واو لقولهم: دموان، ووزنه فَعَل، وقيل: فَعْل، وقد سمع مقصورًا.","vol":"3","page":113},{"text":"جرى الدَمَيَان بالخَبر اليقين (١)\nوقال الليْث: الدم معروف، والقِطعة دَمَةٌ، وكان أصله دَمَيٌ؛ لأنك تقول: دَمِيَتْ يده (٢).\nوقد أقرأني العروضي عن الأزهري، قال: أخبرني المنذري، عن أبي الهيثم، أنه قال: الدم اسم على حرفين. فقال بعضهم في تثنيته: الدَمَيَان، وقال بعضهم: الدَّمَان، ويقال في تصريفه: دَمِيَتْ يدي تَدْمَى دَمًى، فيظهرون في دَمِيَتْ وتَدْمَى الياء والألف اللذين لم يجدوهما في دم. قال: ومثله: يَدٌ، أصله: يَدَيٌ (٣). ومن قال بهذا القول قال: إنما حرّك الميم في قوله جرى الدمَيان؛ لإقامة الوزن، وقيل: بل وزنُه فَعَلٌ، فإنه كان (دَمَيٌ)؛ لأن الشاعر لما اضطر ردّه إلى أصل بنائه (٤). والأجود: ما حكاه الزجاج في أصل الدم. والدُّميَةُ من الدم، كأنها الحَيَوان ذُو الدم (٥).\nفأما التفسير: فقال ابن عباس (٦) وقتادة (٧): معناه لا يسفك بعضكم\n_________\n(١) البيت صدره: فلو أنا على حَجَر ذُبِحْنا .. وهو للمثقب العبدي في ملحق ديوانه ص ٢٨٣، ولعلي بن بدال في \"أمالي الزجاجي\" ص ٢٠. ينظر: \"المعجم المفصل\" ٨/ ٢٦٥.\n(٢) نقله عنه في \"تهذيب اللغة\" ١٤/ ٢١٦، \"اللسان\" ٤/ ٢٦٨.\n(٣) \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٢٣١، وينظر \"اللسان\" ٣/ ١٤٢٩.\n(٤) ينظر: \"اللسان\" ٣/ ١٤٢٩.\n(٥) المرجع السابق.\n(٦) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ١٠١٧، والواحدي في \"الوسيط\" ١/ ١٦٧.\n(٧) أخرجه عن قتادة \"الطبري\" ١/ ٣٩٤ وينظر: \"التفسير الصحيح\" ١/ ١٨٩، وكذا رواه عن أبي العالية، وأخرجه عن أبي العالية ابن أبي حاتم ١/ ١٦٣، ذكر أنه مروي عن الحسن والسدي ومقاتل بن حيان، وينظر: \"التفسير الصحيح\" ١/ ١٨٨.","vol":"3","page":114},{"text":"دم بَعضٍ بغَير حقٍّ. وإنما قال: ﴿دِمَاءَكُمْ﴾ لأن كل قوم اجتمعوا على دين واحد فهم كنفس واحدة، وأيضًا فإنّ الرجل إذا قتل غيره فكأنما قتل نفسه؛ لأنه يقاد ويُقتص (١)، ففي النهي عن قتل نفسه على هذا الوجه نهي عن قتل غيره. (٢)\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ﴾ أي: لا يخرج بَعضكُم بعضًا مِن دَاره ويغلبه عَليها (٣). ﴿ثُمَّ أَقرَرتُم﴾ أي: قبلتم ذلك وأقررتم به (٤).\nوقوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ حكى محمد بن جرير، عن ابن عباس: أن هذا خطاب لليهود الذين كانوا زمن النبي - ﷺ - (٥). ومعناه: وأنتم تشهدون اليوم على إقرار أوائلكم بأخذ المِيثاق عليهم بما في الآية، فالآية وإن كانت خِطابًا فالمراد به: أوائلهم، إلّا قوله: ﴿وَأَنتُم تَشهَدُونَ﴾ على هذا القول. وقال أبو العالية: الآية كلها خبر عن الله ﷿ عن أوائلهم (٦)، وإن أخرجه مخرج المخاطبة على سعة كلام العرب، ويحتمل أن يكون قوله: ﴿وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ خِطابًا للسَلف والخلف جميعًا، يريد: أنتم\n_________\n(١) في (ش) و(م): (ويُقبض).\n(٢) \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٣٩٤ - ٣٩٦ ينظر: \"تفسير الطبري\" ٢/ ٣٠٠، \"زاد المسير\" ١/ ١١٠.\n(٣) روى ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ١/ ١٦٣ عن أبي العالية نحوه، وينظر المصادر السابقة، و\"الحجة\" لأبي علي ٢/ ١٤٦.\n(٤) أخرج ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ١/ ١٦٣ نحو هذا عن ابن عباس وأبي العالية وإسنادهما حسن كما في \"التفسير الصحيح\" ١/ ١٨٩.\n(٥) ذكره \"الطبري\" ١/ ٣٩٥ - ٣٩٩.\n(٦) رواه \"الطبري\" ١/ ٣٩٥ - ٣٩٦.","vol":"3","page":115},{"text":"تشهدُون أن هذا حق من ميثاقي عَليكم في التوراة (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-305>٨٥ </span>- قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ﴾ الخطاب في هذه الآية لقُريظة والنضير (٢). روى الربيع عن أبي العالية في هذه الآية، قال: كان (٣) بنو إسرائيل إذا استضعف قومٌ قومًا أخرجوهم من ديارِهم، وقد أُخذ عليهم الميثاق أن لا يسفكوا دماءهم، ولا يخرجوا أنفسهم من ديارهم، وأُخذ عليهم الميثاق إن أسر بعضهم بعضًا أن يفادوهم، فأخرجوهم من ديارهم، ثم فادوهم، فآمنوا ببعض الكتاب وكفروا ببعض (٤).\nوقد كشف السُدِّي عن هذا، فقال: أخذ الله عليهم أربعةَ عهود: تركَ القتل، وتركَ الإخراج، وتركَ المظاهرة عليهم، وفدى أسراهم، فأعرضوا عن كل ما أمروا إلا الفداء. وذلك أن قريظة كانت حلفاء الأوس (٥)،\n_________\n(١) قال \"الطبري\" ٣٩٥: وأولى الأقوال في تأويل ذلك بالصواب عندي أن يكون قوله: (وأنتم تشهدون) خبرًا عن أسلافهم، وداخلًا فيه المخاطبون منهم الذين أدركوا رسول الله - ﷺ - كما كان قوله (وإذ أخذنا ميثاقكم) خبرًا عن أسلافهم، وإن كان خطابًا للذين أدركوا رسول الله - ﷺ -\n(٢) قريظة والنضير: قبيلتان من اليهود في المدينة، وهما من بني الخزرج الصريح بن التوءمان بن السبط بن اليسع بن سعد بن لاوي بن خير بن النحام بن تنحوم بن عازر بن عذري بن هارون بن عمران بن يصهر بن قاهث بن لاوي بن يعقوب. ينظر \"السيرة النبوية\" لابن هشام ١/ ٦١.\n(٣) في (ش): (كانوا).\n(٤) أخرجه الطبري في تفسيره ١/ ٣٨٩، أبن أبي حاتم في \"تفسيره\". بمعناه ١/ ١٦٣.\n(٥) هم بنو الأوس بن حارثة بن ثعلبة بن عمرو مزيقيا بن عامر ماء السماء بن حارثة الغطريف، من أعظم بطون الأزد من القحطانية، أهل عز ومنعة، فيهم عدة أفخار، كان موطنهم الأصلي بلاد اليمن، فهاجروا إلى يثرب، وعاشوا مع الخزرج والقبائل اليهودية، ونشبت حروب طويلة بينهم وبين الخزرج كيوم بعاث والدرك وغيرها. ينظر: \"معجم قبائل العرب القديمة والحديثة\" ١/ ٥٠.","vol":"3","page":116},{"text":"والنضير حلفاء الخزرج (١)، وكانوا يقتتلون، فتقاتل بنو قريظة مع الأوس، والنضير مع الخزرج، فإذا غلبوا خربوا ديارهم، وأخرجوهم منها، فإذا أُسر رجل من الفريقين كليهما جمعوا له حتى يفدوه، فتعيّرهم العرب بذلك، وتقول: كيف تقاتلونهم وتفادونهم؟ فيقولون: إنَّا أُمرنا أن نفادَيهم، وحُرّم علينا قتالهم، قالوا: فلم تقاتلونهم؟ (٢) قالوا: إنا نستحيي أن يُسْتَذَلّ (٣) حلفاؤنا، فذلك حِين عيّرهم الله تعالى فقال: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ﴾ أي (٤): يا هؤلاء، فحذف حرف النداء (٥)، وقيل: معناه التوكيد لأنتم، و(تقتلون) في موضع الرفع بالخبر. وقال الزجاج: هؤلاء في معنى: الذين (وتقتلون) صلة لهؤلاء، كأنه قيل: أنتم الذين تقتلون أنفسكم، ولا موضع لتقتلون إذا كان صلة (٦)، ومثله: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى﴾ [طه: ١٧] (٧) بمنزلة: وما التي بيمينك.\n_________\n(١) هم الخزرج بن حارثة بطن من الأزد من القحطانية، كانوا يقطنون المدينة مع الأوس، وكانت العرب جميعًا في الجاهلية يسمون الأوس والخزرج جميعًا الخزرج، وكانوا هم والأوس يحجون ويقفون مع الناس. ينظر: \"معجم قبائل العرب\" ١/ ٣٤٢.\n(٢) ساقطة من (أ) و(م).\n(٣) في (م): (يذل).\n(٤) رواه بمعناه الطبري في تفسيره ١/ ٣٩٦، ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ١/ ١٦٣، وذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ١٠٢١، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ١/ ١١٠ وورد نحوه عن ابن عباس، أخرجه الطبري في تفسيره ٢/ ٣٠٥، ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ١/ ١٦٤.\n(٥) \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٠١٧.\n(٦) قوله: (ولا موضع لتقتلون إذا كان صلة) ليست عند الزجاج في \"معاني القرآن\".\n(٧) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ١٦٧.","vol":"3","page":117},{"text":"وقوله تعالى: ﴿تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ﴾ قرئ بتخفيف الظاء وتشديدها (١)، فمن شدّد: أدغم التاء في الظاء لمقاربتها، ومن خفف حذف التاء التي أدغمها الآخرون، فكل وَاحِد من الفريقين كره اجتماع الأمثال والمقاربة، فبعضهم خفف بالحذف، وبعضهم بالإدغام (٢)، والمحذوفة هي التي تدغم، والمدغمة هي التي تحذف، وذلك أنها لما أُعِلّت بالإدغام أُعِلّت بالحذف.\nقال سيبويه (٣): الثانية أولى بالحذف؛ لأنّهَا هي التي تُسَكن وتدغم، في نحو ﴿فَادَّارَأْتُمْ﴾ [البقرة: ٧٢] و﴿وَازَّيَّنَتْ﴾ [يونس: ٢٤]. ومما يقوي ذلك: أن الأولى لمعنًى، فإذا حذفت لم يبق شيء يَدُلّ على المعنى، والثانية من جملةِ كلمةٍ إذا حذفتْ دل ما بقي من الكلمة عليها (٤). ومعنى تظاهرون تعاونون (٥)، ومنه قوله: ﴿وَإِن تَظَاهَرَا عَليهِ﴾ [التحريم: ٤]، وقوله: ﴿سِحرَانِ تَظَاهَرَا﴾ (٦) [القصص: ٤٨] أي: تعاونا (٧) على سحرهما، ومنه: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ [التحريم: ٤]، أي: معين (٨). والتقدير فيه\n_________\n(١) قرأ الكوفيون (عاصم، وحمزة والكسائي) بالتخفيف، وقرأ الباقون بالتشديد، ينظر: \"السبعة\" ص١٦٢ - ١٦٣و\"النشر\" ٢/ ٢١٨.\n(٢) ينظر \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ١٦٦.\n(٣) \"الكتاب\" ٢/ ٤٢٥ - ٤٢٦.\n(٤) هذا كله كلام أبي علي الفارسي في \"الحجة\" ٢/ ١٣٤ - ١٣٥.\n(٥) في (م): (تعارفون).\n(٦) قرأ الكوفيون (سحران) من غير ألف، وقرأ الباقون (ساحران). ينظر \"السبعة\" \"النشر\" ٢/ ٣٤١.\n(٧) في (م): (تعارفا).\n(٨) \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٠١٩.","vol":"3","page":118},{"text":"الجمع، وإن كان اللفظ على الإفراد، كقوله: ﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩] (١) وسمي العون ظهيرًا لاستناد ظهره إلى ظهر صاحبه (٢).\nوأصل الباب من الظهور وهو البُروز، فظهر الشيء ظاهره الذي هو خلاف البطن، والظهيرة؛ لأنه أظهر ما تكون الشمس بانبساط شُعَاعها، وقرأه ظاهرًا، ومن ظهر قلبه؛ لأنّه ظهر له من غير كتاب. هذا أصل الباب. ثم استعمل من هذا التأليف أحرف ليس فيها معنى الظهور، ولكنها من الظهر الذي هو خلاف البطن، من ذلك: الظهر: الإبل التي تحمل الأثقال، والظهار: في مظاهرة الرجل من امرأته، والظِهريُّ: الشيء الذي تنساه وتحطّه وراء ظهرك (٣).\nوقوله تعالى: ﴿بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ أي: تعاونون على أهل ملتكم بالمعصية والظلم. ومعنى العدوان: الإفراط والظلم، يقال: عَدَا عَدْوًا وعُدوانًا وعُدُوًّا وعِداءً (٤). وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ﴾ أي: إن أتوكم مأسورين يطلبون الفداء فديتموهم، وقُرئ: (أُسَارى) (وأَسرى) (٥)، وهما جمع أسير. وأسير: فَعِيل في معنى مفعول؛ لأنك تقول: أسرته، كما تقول: قتلته، وفعيل إذا كان بمعنى مفعول فجمعه يُكسَّر على فَعْلَى، نحو: لديغ ولدغَى، وقتيل وقتلى، وجريح وجَرحَى، وإذا (٦)\n_________\n(١) من كلام أبي علي في \"الحجة\" بتصرف ٢/ ١٣١.\n(٢) \"تفسيرالثعلبي\" ١/ ١٠١٩.\n(٣) انظر: \"مقاييس اللغة\" ٣/ ٧٤١.\n(٤) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ١٦٦، \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٠١٩.\n(٥) قرأ حمزة (أَسْرى) بفتح الهمزة وسكون السين من غير ألف، وقرأ الباقون بضم الهمزة وألف بعد السين. ينظر: \"السبعة\" ص ١٦٣، و\"التيسير\" ص ٦٤، \"النشر\" ٢/ ٢١٨.\n(٦) في (ش): (وإن).","vol":"3","page":119},{"text":"كان كذلك فالأقيس الأسرى، وهو أقيس من الأسارى، كما أن الأسارى أقيس من قولهم: أُسَراء. والذين قالوا أُسَرَاء شبهوه بظُرَفاء، كما قالوا في قتيل: قُتلَاء، فكما أن أُسَراء وقُتلَاء في جمع قتيل وأسير ليس بالقياس، كذلك أُسارى ليس بالقياس (١).\nووجه قول من قال أُسارى: كأنه شبهه بكسالى، وذلك أن الأسير لما كان محبوسًا عن كثير من تصرفه للأسر كما أن الكسلان محتبس عن ذلك لعادته (٢)، شُبِّه به، فقيل في جمعه: أُسارى، كما قيل: كسالى، وأجرى عليه هذا الجمع للحمل على المعنى، كما قيل: مرضى وموتى وهلكى؛ لما كانوا مُبتلين بهذه الأشياء ومصابين بها، فأشبه في المعنى فَعِيلًا الذي بمعنى مفعول، فلما أشبهه أجري عليه في الجمع (٣). والحمل على المعنى لا يكون الأصلَ عند سيبويه، قال: ولو كان أصلًا قبح (هالِكون وزَمِنون)، وكذلك أُسَارى ليس بالأصل في هذا الباب، ولكن قد استعمل كثيرًا. قال سيبويه: قالوا: كَسْلى شبهوه بأَسْرى، كما قالوا: أُسارى، شبهوه بكُسالى. قال: وإنّما جمع ما كان على فعلان نحو سكران وكسلان على فُعَالى، وإن\n_________\n(١) هذا كله كلام أبي علي في \"الحجة\" بتصرف يسير ٢/ ١٤٣، وقد ذكر الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ١٠٢٠ أن أحدًا من العلماء الأثبات لم يُفَرق بين أسرى وأسارى إلا أبو عمرو فإنه قال: ما قد أُسِر فهو أسارى، وما لم يؤسر فهو أسْرى، وروي عنه من وجه آخر قال: ما صاروا في أيديهم فهم أسارى وما جاء مستأسرًا فهم أسرى، وأنكر الفرق ثعلب. وبين القرطبي في \"تفسيره\" ١٨/ ١٩ أن ما ذكره أبو عمرو لا يعرفه أهل اللغة.\n(٢) في \"الحجة\": لعادته السيئة شبه به.\n(٣) في \"الحجة\" ٢/ ١٤٤: فلما أشبهه في المعنى أجري عليه في الجمع اللفظ الذي لفعيل بمعنى مفعول.","vol":"3","page":120},{"text":"كانت في أبنية الآحاد نحو: حيارى؛ لأن فعالًا قد جاء في بعض أبنية الجموع، نحو: رُخَالٍ (١) (٢) وظُؤارٍ (٣) وثُناء (٤)، وقد لحقت تاء التأنيث بعض الجموع (٥)، نحو: الحجارة والذِّكارة (٦)، وكما لحق التاء في هذا النحو الذي يراد به الجمع، كذلك لحق علامة التأنيث في سكارى وكسالى، فجعلت الألف بمنزلة التاء، كما جعلت بمنزلتها في قولهم: قاصعاء وقواصع، ودامّاء (٧) ودوامّ (٨).\nوأصل الأسر في اللغة: الشدّ. قال الأصمعي: تقول العرب: ما أحسن ما أسَرَ قَتَبَه، أي: ما أحسن ما شدّه بالقِدّ، والقِدُّ: الذي يؤسَرُ به القَتَبُ، يسمى الإسار، وقيل للأسير من العدوّ: أسير؛ لأن آخذه يستوثق\n_________\n(١) في (ش) كأنها (رجال).\n(٢) رخال: بكسر الراء وضمها: جمع رِخل، الأنثى من أولاد الضأن، ينظر\n\"القاموس\" ص ١٠٠٥ (مادة: رخل).\n(٣) الظؤار: جمع ظئر، وهي العاطفة على غير ولدها المرضعة له. ينظر القاموس ص ٤٣٢ مادة: ظئر.\n(٤) الثُّنَاء: أي اثنين اثنين، يقال: جاءوا مثنى وثُنَاء، كغُراب، أي: اثنين اثنين، وثنتين ثنتين، ينظر \"القاموس\" ص ١٢٦٧.\n(٥) في \"الحجة\" وقد لحقته تاء التأنيث، فقالوا في جمع نقوة: نُقاوة، كما قالوا: الحجارة والذكارة.\n(٦) الذكارة: بالكسر، ما يصلح للرجال، كالمسك والعنبر والعود. انظر \"اللسان\" ٣/ ١٥٠٩ مادة: ذكر\n(٧) القاصعاء والداماء: من أسماء جِحَرَةِ اليربوع السبعة. \"اللسان\" ٣/ ١٤٢٦ مادة: دمم.\n(٨) هذا كله كلام أبي علي في \"الحجة\" ٢/ ١٤٣ - ١٤٥ بتصرف يسير.","vol":"3","page":121},{"text":"منه بالإسار، وهو القِدّ، لئلا يُفْلِتَ (١)، ثمّ كثر استعماله حتّى قيل للمأخوذ: أسير، وإن لم يكن هناك شدّ (٢).\nوقوله تعالى: ﴿تُفَادُوهُم﴾ قرئ أيضا بوجهين (٣): بالألف، من المفاداة، وبغير ألف، من الفداء. يقال: فديتُه بمال، فيتعدّى إلى مفعولين، ويتعدّى إلى الثاني بالجار، كقوله: ﴿وَفَدَينَاهُ بِذِبحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠٧]، وكقول الشاعر:\nيودّون لو يَفْدُونَني بنفوسهم ... وَمَثْنَى الأواقي والقِيَانِ النواهدِ (٤)\nفإذا ثَقَّلْتَ العين زدتَ المفعولين ثالثًا، كقوله:\nلو يَستطعن إذا نابتك مُجْحِفَةٌ ... فَدَّيْنَك الموتَ بالآباء (٥) والولد (٦)\nوقالوا: فادى الأسير: إذا أطلقه وأخذ عنه شيئا (٧). فأما الفداء فيجوز أن يكون مصدرًا مثل: الكتاب، ويجوز أن يكون مصدر فاعل، وقد قالوا: فديتُهُ وافتديتُه، أنشد أبو زيد:\n_________\n(١) نقله عنه في \"تهذيب اللغة\"١/ ١٥٩. مادة (أسر)\n(٢) ينظر في \"تهذيب اللغة\"١/ ١٥٩، \"اللسان\" ٤/ ٧٨. (مادة: أسر)\n(٣) قرأ المدنيان نافع وأبو جعفر، وعاصم والكسائي ويعقوب (تفادوهم) بضم التاء وألف بعد الفاء، وقرأ الباقون بفتح التاء وسكون الفاء من غير ألف. ينظر \"السبعة\" ص ١٦٢ - ١٦٣، \"التيسير\" للداني ص ٦٤، و\"النشر\" ٢/ ٢١٨.\n(٤) البيت لأبي ذؤيب في \"شرح أشعار الهذليين\" ص ١٩٢. مثنى الأواقي: (الذهب)، مثنى: أي: مرة بعد مرة. والقيان: الخدم.\n(٥) في \"الحجة\" بالأبناء.\n(٦) ذكره أبو علي في \"الحجة\" ٢/ ١٤٦ ولم ينسبه.\n(٧) هذا كلام أبي علي في \"الحجة\" ٢/ ١٤٦.","vol":"3","page":122},{"text":"ولوأنّ مَيْتًا يُفْتَدَى لَفَدَيْتُه ... بما اقتال (١) من حُكْمٍ عليَّ طبيبُ (٢) (٣)\nفمن قرأ: ﴿تُفَادُوهُمْ﴾ فلأن من كلّ واحد من الفريقين فِعْلًا، فمن الآسر دفع (الأسير) (٤)، ومن المأسور منهم دفع الفداء، وإذا كان كذلك فوجه (تفادوهم) ظاهر، والمفعول الثاني الذي يصل إليه الفعل بالحرف محذوف؛ لأن معناه تفادونهم بالمال. ومن قرأ (تَفْدُوهم) فالمعنى فيه مثل معنى من قرأ: (تُفَادوهم) إلا أنّه جاء بالفعل على يفعل، ألا ترى أن في هذا الوجه أيضًا دفعًا من كل واحد من الآسرين والمأسور منهم (٥).\nأخبرني العَرُوضي، عن الأزهري، عن المنذري، عن ثعلب قال: المفاداة: أن تدفع رجلًا وتأخذ رجلًا. والفِداء: أن تشتريَه بمال فداءً. ويقال: فديته بنفسي (٦).\nوقال نصير (٧) الرازي (٨): يقال: فاديتُ الأسيرَ، وفاديت الأُسارى،\n_________\n(١) في (ش) لعلها (أفتال) أو (أفتاك).\n(٢) البيت لكعب بن سعد الغنوي في النوادر ص ٢٤٤، وعنه نقل أبو علي في \"الحجة\" دون نسبة ١/ ٣٤٢، ورواية \"اللسان\" والصحاح مادة [قول] والأصمعيات ص ٩٧ هكذا:\nومنزلة في دار صدق وغبطة ... وما اقتال من حكم علي طبيب\nفلو كان ميت يفتدى لفديته ... بما لم تكن عنه النفوس تطيب\nوذكره صاحب \"اللسان\" في مادة [فدى] ٦/ ٣٣٦٦ دون نسبة.\n(٣) هذا كلام أبي علي في \"الحجة\" ٢/ ١٤٧.\n(٤) سقطت من (ش).\n(٥) هذا كلام أبي علي في \"الحجة\" ٢/ ١٤٧ بتصرف يسير.\n(٦) في \"تهذيب اللغة\" ١٤/ ٢٠٠، وينظر: \"اللسان\" ٥/ ١٥٠ (مادة: فدى).\n(٧) في (ش): (نظير).\n(٨) هو: نصير بن أبي نصير الرازي، تقدمت ترجمته [البقرة: ١٥].","vol":"3","page":123},{"text":"هكذا تقوله العرب. وإذا قلت: فديت الأسير فهو أيضا جائز بمعنى فَدَيْتُه مما كان فيه، أي: خلّصته، منه وفاديت أحسن في هذا المعنى. ومعنى فديته بالشيء، أي: خلّصته به، وجعلته عوضًا منه؛ صيانة له، كقوله تعالى: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠٧] أي: خلّصناه به (١) من الذبح (٢).\nقال الفراء: والعرب تقصر الفداء وتمدّه، يقال: هذا فداؤك وفداك، وربما فتحوا الفاء إذا قصروا (٣).\nوقوله تعالى: ﴿وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ﴾. (هو) إضمار الإخراج الذي تقدم ذكره في قوله: ﴿وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا﴾. ثم بيّن لتراخي الكلام أنّ ذلك الذي حُرِّم: الإخراج، فقال: (وهو محرّم عليكم)، ولو اقتصر على هذا القدر أشبه أن يرجع ذلك إلى فداء الأسرى، لأن معناه وإخراجهم (٤) فأظهر المكنى عنه فأعاده، فقال: إخراجهم فكان رفع الإخراج (٥) بالتكرير على هو؛ لأن معناه: وإخراجهم، محرم عليكم، فهو مبتدأ مؤخر عن خبره، تقديره: وإخراجهم محرم عليكم، وهذا معنى قول الفرّاء (٦) والزجّاج (٧) جميعًا. قال الفراء: وإن شئتَ جعلتَ هو عمادًا (٨).\n_________\n(١) من قوله: خلصناه به. ساقط من (أ) و(م).\n(٢) \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٧٥٤ بتصرف واختصار. (مادة: فدى).\n(٣) نقله عنه \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٧٥٤، وعنه ابن منظور في \"اللسان\" ٦/ ٣٣٦٦، \"القرطبي\" في \"تفسيره\" ٢/ ٩١. (مادة: فدى).\n(٤) قوله: (لأن معناه، وإخراجهم) ساقطة من (أ) و(م).\n(٥) في (ش): (الإحرام).\n(٦) في \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٥٠ - ٥١.\n(٧) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ١٦٧.\n(٨) كذا نقله عنه \"القرطبي\" في \"تفسيره\" ٢/ ٢٢.","vol":"3","page":124},{"text":"قال: وإذا رأيت الواو في موضع تطلب الاسم دون الفعل، صلح في ذلك الموضع العماد، كقولك: أتيت زيدًا وأبوه قائم، فإن أردت أن تقدم الفعل على الأب، فقلت: أتيت زيدًا قائم أبوه (١)، أو ويقوم أبوه قبح؛ لأن الواو تطلب الاسم، فإذا قبح ذلك أدخلوا هو؛ لأنه اسم فقيل: أتيت زيدًا وهو قائم (٢)، كذلك ﴿وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ﴾: حُرّم عليكم إخراجهم، والاسم المبني على الفعل ينوب عنه في العمل، ومحرم على: حُرِّم .. (٣) ورفعت الإخراج في هذا الوجه بمحرّم لأن معنى قوله: (ومحرم) مبني على حُرِّمَ.\nوقال الزجاج: وجائز أن يكون هو للقصة والحديث والخبر والأمر والشأن، كأنه قال: والخبر (٤) محرم عليكم إخراجهم، كما قال ﷿: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الصمد: ١] أي: الأمر الذي هو الحق: الله الأحد، وتأويله (٥): الأمر الذي هو الحقُّ توحيدُ الله ﷿ (٦).\nونظم الآية على التقديم والتأخير، تقديره: وتخرجون فريقًا منكم من ديارهم، وهو محرّم عليكم إخراجُهم، وإن يأتوكم أسرى (٧) تَفْدُوهم (٨).\n_________\n(١) في \"معاني القرآن\" للفراء: فقبيح أن تقول: أتيت زيدًا قائم أبوه، وأتيت زيدًا ويقوم أبوه.\n(٢) \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٥١.\n(٣) من قوله: حُ (رِّم عليكم) .. ساقط من (أ) و(م).\n(٤) في (ش): (الخير).\n(٥) في (أ): (وتأويل).\n(٦) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ١٦٧.\n(٧) في (م): (أسارى).\n(٨) \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٠٢٢.","vol":"3","page":125},{"text":"والمحرم: الممنوعٌ منه، والحرامُ: كلُّ ممنوع من فعله، ومن ذلك: البلد الحرام، والبيت الحرام؛ لأنه كان يمنع فيه ما هو مُبَاح في غيره، ورَجل مُحْرِم وحرام: إذا مَنَع نفسه ممّا يحظره الإحرام، والحُرُمات: كُلّ ما مُنِعَ ارتكابُه، وتقول: قد تَحَرَّمت بطعامك، أي: حَرُم عليك بهذا السبَب ما كان لك أخذه، والمحروم: الممنوع ما (١) ناله سواه. وقول زُهَير:\nيقول (٢) لا غائبٌ مالي ولا حَرِمُ (٣)\nأي: ليس بممنوع، والحَرَم والحَرَام واحد، كقولهم: زَمَنٌ وزَمَانٌ (٤).\nوقوله تعالى: ﴿فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ﴾ استفهامٌ في معنى توبيخ. وقوله تعالى: ﴿إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ يعني (٥): ما نال قُريْظة وبني النضير؛ لأن بني النضير أُجلوا عن مَساكنهم، وبني قريظة أبيروا بقتل مقاتلهم، وسبي ذراريهم (٦). والخزي: الهوان والفضيحة، وقد أخزاه الله: أي: أهانه (٧). شمر (٨): أخزاه الله: فضحه، وفي القرآن: ﴿وَلَا تُخْزُونِ فِى\n_________\n(١) (ما) بمعنى الذي.\n(٢) في (أ): (يقول).\n(٣) ديوان زهير ص ٧٩، وصدر البيت:\nوإن أتاه خليلٌ يومَ مسألةٍ.\n(٤) ينظر: \"تهذيب اللغة\" ١/ ٧٩٣ - ٧٩٧، و\"لسان العرب\" ٢/ ٨٤٤. مادة (حرم).\n(٥) في (ش): (بمعنى).\n(٦) \"تفسيرالثعلبي\" ١/ ١٠٢٣.\n(٧) ينظر: \"تهذيب اللغة\" ١/ ١٠٢٧، \"اللسان\" ٢/ ١١٥٥ مادة (خزا)، \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٠٢٣.\n(٨) هو: شمر أبو عمرو بن حمدويه الهروي اللغوي الأديب الفاضل الكامل، إليه الرحلة في هذا الفن من كل مكان، كانت له عناية بعلم اللغة، توفي سنة ٢٥٥ هـ. ينظر: \"إنباه الرواة\" ٢/ ٧٧ - ٧٨، و\"بغية الوعاة\" ٢/ ٤ - ٥.","vol":"3","page":126},{"text":"ضَيْفِي﴾ [هود: ٢٣٠] أي: لا تفضحوني (١). أبو عبيد: يُقال: خزِي يخزى خِزيًا: إذا هلك (٢).\nوقال ابن السراج: معنى أخزاه الله، أي: أوقفه موقفا يُسْتحيَا منه، مِن قولهم: خزي يخزَى خِزَايَةً: إذا استحيا (٣). ثم أعلم الله ﷿ أن ذلك غير مكفِّر عنهم ذنوبهم، فقال: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ﴾\nوالردُّ: الرجع. يقال: ردّه إلى كذا، ويقال للمُجبّر: ردّاد؛ لأنه يردّ العُضْو إلى ما كان. والرِّدّة: الرجوع عن الشيء، ومنه الردّة عن الإسلام (٤).\nوإنما قال: (يُردّون) بلفظ الجمع لمعنى مَنْ.\nوفي (أشد العذاب) قولان:\nأحدهما: أنه عذاب لا رَوْح (٥) فيه تتصل أجزاؤه.\nوالثاني: عذابٌ أشدّ من عذاب الدنيا بتضعيف الألم فيه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-306>٨٦ </span>- قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ الآية. أي: استبدلوا قليل الدنيا بكثير الاخرة (٦).\nوقوله تعالى: ﴿فَلَا يُخَفَّفُ عَنهُمُ العَذَابُ﴾ أي: لا ينقص، والخِفّة: نُقْصَان الوَزْن.\n_________\n(١) ينظر \"تهذيب اللغة\" ١/ ١٠٢٧، \"اللسان\" ٢/ ١١٥٥ (مادة: خزي).\n(٢) كذا في \"غريب الحديث\" له ٢/ ٣٨١.\n(٣) ينظر: \"غريب الحديث\" لأبي عبيد ٢/ ٣٨١، \"تهذيب اللغة\" ١/ ١٠٢٧٤، (مادة: خزى)، \"تفسير القرطبي\" ٢/ ٢٣.\n(٤) ينظر: \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٣٩٠ مادة (ردد).\n(٥) لا روح فيه: أي لا راحة فيه.\n(٦) ينظر: الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٣١٦ - ٣١٧، \"زاد المسير\" ١/ ٩٨.","vol":"3","page":127},{"text":"ودخلت الفاء في قوله: ﴿فَلَا يُخَفَفُ عَنهُمُ العَذَابُ﴾ للعطف على (اشتروا) فيكون من صلة الذين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-307>٨٧ </span>- وقوله تعالى: ﴿وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ﴾ أي: أرسلنا رسولًا يقفو رَسُولًا في الدعاء إلى توحيد الله والقيام بشرائع دينه (١).\nيقال: قفّى أثره، وقفّى غيرَه على أثره، أي: اتبعه إياه، والقفا: مُؤَخَّرُ العُنُق، ويقال للشيخ إذا هرم: رُدّ على قَفَاه، ورُدّ قَفًا. قال:\nإِن تَلْقَ رَيْبَ المنايا أو تُرَدُّ قفًا ... لا أَبْكِ مِنك على دينٍ ولا حَسَب (٢).\nومنه: قافية الشعر (٣)، ونذكر استقصاءه عند قوله: ﴿وَلَا تَقفُ مَا ليَسَ لَكَ بِهِ عِلم﴾ [الإسراء:٣٦] إن شاء الله تعالى.\nوقوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ﴾ يعني: الآياتِ التي ذكرها في سورة آل عمران (٤) والمائدة (٥).\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ١٦٨، قال الطبري في \"تفسيره\" ١/ ٤٠٣: وقفينا من بعده بالرسل أي: أتبعنا بعضهم بعضا على منهاج واحد، وشريعة واحدة لأن كل من بعثه الله نبيا بعد موسى ﵇ إلى زمان عيسى بن مريم فإنما بعثه بأمر بني إسرائيل بإقامة التوراة والعمل بما فيها والدعاء إلى ما فيها.\n(٢) البيت بلا نسبة في: \"لسان العرب\" ٦/ ٣٧٠٨، و\"أساس البلاغة\" ص ٢/ ٢٦٩،\n(٣) ينظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ٤٠٣، \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٣٠١٣، \"المحرر الوجيز\" ١/ ٣٨٥، \"اللسان\" ٦/ ٣٧٠٨ مادة (قفا).\n(٤) في قوله تعالى: ﴿وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ﴾ [آل عمران: ٤٩].\n(٥) في قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ﴾ الآية: ١١٠ من سورة المائدة وينظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ٤٠٣، \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٠٢٤.","vol":"3","page":128},{"text":"﴿وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ أي: قويناه (١)، والأيد والآد: القوة، ويقال: أَيَّدَه وآيده: إذا قواه، وآدَ يَئِيدُ أَيْدًا: إذا قوي، قال امرؤ القيس:\nفَأَثَّتْ (٢) أَعَاليه وآدَتْ أُصولُه (٣)\nأي: قويت وإياد كل شيء: ما يَقْوَى به (٤)، قال العجاج:\nمتخذًا مِنها إيادًا (٥)\nواختلفوا في معنى (روح القدس). فقال قتادة (٦) والربيع والضحاك (٧) والسُّدّي (٨): إنه جبريل. واختاره الزجاج (٩). والقُدسُ:\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" ١/ ٤٠٣، \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ١٦٨، \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٠٢٤و\"المحرر الوجيز\" ١/ ٣٨٥.\n(٢) في (م) (فأتت).\n(٣) عجز البيت:\nومال بقُنْيَانٍ من البُسْرِ أحمرا\nيصف نخيلًا، انظر \"ديوانه\" ص ٦٠، \"لسان العرب\" ١/ ١٨٩ (مادة أيد). \"المعجم المفصل\" ٣/ ١٤٠.\n(٤) ينظر \"تهذيب اللغة\" ١/ ٩٦، \"اللسان\" ١/ ١٨٩، وفيه: وإياد كل شيء: ما يقوى به من جانبيه، وهما إياداه.\n(٥) البيت للعجاج يصف الثور: متخذًا منها إيادًا هدفًا. ينظر \"تهذيب اللغة\" ١/ ٩٦، \"اللسان\" ١/ ١٨٩.\n(٦) أخرجه عنه الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٣٢٠ وذكره ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ١/ ١٦٨، الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ١٠٢٦.\n(٧) أخرجه عنه الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٣٢٠ وذكره الثعلبي فى \"تفسيره\" ١/ ١٠٢٦.\n(٨) أخرجه عنه الطبري في \"تفسيره\" ١/ ٤٠٤.\n(٩) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ١٦٨ وكذا اختاره الطبري في \"تفسيره\" ١/ ٤٠٤ بعد أن ذكر قولين آخرين: الأول: أنه الإنجيل، والثاني: أنه الاسم الذي كان عيسى يحيي به الموتى. ثم قال: وأولى التأويلات في ذلك بالصواب قول من قال: الروح في هذا الموضع جبريل؛ لأن الله جل ثناؤه أخبر أنه أيد عيسى به، كما أخبر في قوله: ﴿إِذْ =","vol":"3","page":129},{"text":"الطهارة (١)، كأنه منسوبٌ إلى الطهارة، وذلك أنه ممن لا يقترف ذنبًا ولا يأتي مأثمًا.\nوتأييد عيسى بجبريل ﵉ هو أنه كان قرينه، يسير معه حيثما سار، وأيضًا فإنه صَعِد به إلى السماء (٢)، ودليل هذا التأويل: قوله ﷿: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ [النحل: ١٠٢]، يعني: جبريل (٣). وإنّما سُمي جبريل رُوحًا؛ لأنه بمنزلة الأرواح للأبدان تحيا بما يأتي من (٤) البيان عن الله ﷿ من يُهدَى به، كما قال ﷿: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ [الأنعام: ١٢٢]، أي: كان كافرًا فهديناه.\n_________\n= قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ فلو كان الروح الذي أيده الله به هو الإنجيل لكان قوله: ﴿إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ ﴿وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ تكرير قول لا معنى له، وانظر \"تفسير ابن كثير\" ص ١١٢.\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ١٦٨، الطبري في \"تفسيره\" ١/ ١٣٢.\n(٢) ينظر: \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٠٢٦، وذكر ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ١/ ١١٢ - ١١٣ في تأييد عيسى بروح القدس الذي هو جبريل ثلاثة أقوال: أحدها: أنه أُيد به لإظهار حجته وأمر دينه. والثاني: لدفع بني إسرائيل عنه إذ أرادوا قتله. والثالث: أنه أيد به في جميع أحواله.\n(٣) \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٠٢٦ وقال الشنقيطي في \"أضواء البيان\" ١/ ١٤٢ هو جبريل على الأصحِ، ويدل ذلك قوله تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾ [الشعراء: ١٩٣] وقوله: ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا﴾ [مريم: ١٧]، انتهى. ويؤيده أيضًا قول النبي - ﷺ - لحسان - ﵁ -: \"ياحسان أجب عن رسول الله - ﷺ -، اللهم أيده بروح القدس\". رواه البخاري (٤٥٣) في الصلاة، باب الشعر في المسجد ومسلم (٢٤٨٥) كتاب: في فضائل الصحابة، باب فضائل حسان بن ثابت وينظر \"التفسير الصحيح\" ١/ ١٩٢.\n(٤) في (م): (عن).","vol":"3","page":130},{"text":"وقيل (١): لأن الغالب على جسمه الروحانية لرقته، وكذلك سائر الملائكة.\nوقال آخرون: أراد: الروح القدس، أي: المقدس، فأضاف الاسْم إلى الصفة، وأراد به روح عيسى ﵇.\nوسمى روحَه قُدُسًا؛ لأنه لم تتضمنه أصلاب الفحولة، ولم تشتمل عليه أرحام الطوامث (٢) (٣). وجاء في الخبر: أن الله تعالى لما أخذ الذرية في ظهر آدم (٤) وأشهدهم على أنفسهم ردها إليه إلا روح عيسى فإنه أمسكها عنده إلى وقت خلقه. وقرئ القُدس بالتخفيف والتثقيل (٥)، وهُما حسنان، مثل: العُنْقُ والعُنُق، والحُلْم والحُلُم، وبابه (٦). ومعناه: الطهارة.\nقال العَجّاج:\nقد عَلِمَ القُدُّوس رَبُّ القُدْس (٧).\nوذكرنا ما فيه عند قوله ﴿وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ [البقرة: ٣٠].\n_________\n(١) سقطت من (م).\n(٢) في (م): (الطوارق).\n(٣) \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٠٢٥، \"الكشاف\" للزمخشري ١/ ٨٠، \"تفسير ابن كثير\" ١/ ١٣٢.\n(٤) في (م): (لما أخذ من ظهر آدم الذرية).\n(٥) قرأ ابن كثير في تفسيره (القُدْس) بإسكان الدال حيث جاء، والباقون بضمها. ينظر: \"السبعة\" ص ١٦٣، و\"التيسير\" ص ٦٤، و\"النشر\" ٢/ ٢١٦.\n(٦) من كلام أبي علي في \"الحجة\" ٢/ ١٥٠.\n(٧) وبعده:\nإن أبا العباس أولى نفس ... بمعدن الملك القديم الكِرسِ\nذكره في: \"اللسان\" ٦/ ٣٥٥٠ (مادة: قدس)، وفيه: (مولى) بدل (رب).","vol":"3","page":131},{"text":"وقوله: ﴿أَفَكُلَّمَا﴾ ذهب أبو الحسن (١) في هذه الفاء إلى أنها زائدة، والوجه: أن تكون غير زائدة وأن تكون للإتباع؛ لتعلق ما قبلها بما بعدها.\nوعلى هذا قوله - ﷺ -، وقد قيل له لما جهد (٢) نفسه بالعبادة: أتفعل هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال: \"أفلا أكون عبدا شكورًا\" (٣). فالوجه أن تكون الفاء هَاهُنَا مُتبعَةً غير زائدة (٤).\nونصب (كلّما) كنصب سائر الظروف (٥)، وكُلّ: حرفُ جملة، وهو اسم يجمع الأجزاء (٦).\nوقال أبو الهيثم: يقع (كل) على اسم منكور مُوحَّد فيؤدي معنى الجماعة، كقولهم: ما كلُّ بيضاءَ شحمةً (٧).\nو(ما) هاهُنا حرف جزاء (٨)، ضم إلى (كل) (٩).\nومعنى ﴿أسْتَكبَرْتُم﴾: تعظمتم عن الإيمان به؛ لأنهم كانت لهم\n_________\n(١) أي: الأخفش.\n(٢) في (م): (أجهد).\n(٣) رواه البخاري (١١٣٠) في أبواب التهجد، باب: قيام النبي - ﷺ - الليل حتى ترم قدماه، ومسلم (٢٨١٩) في الجنة والنار، باب: إكثار الأعمال والاجتهاد في العبادة.\n(٤) ينظر: \"البحر المحيط\" ١/ ٣٠٠.\n(٥) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ١٦٩.\n(٦) \"اللسان\" ١١/ ٥٩١، وقال في \"البحر المحيط\" ١/ ٨٨: كل للعموم، وهو اسم جمع لازم للإضافة، إلا أن ما أضيف إليه يجوز حذفه ويعوض منه التنوين، وأحكام كل كثيرة.\n(٧) نقله عنه الأزهري في \"تهذيب اللغة\" ٩/ ٤٥٠ وعنه ابن منظور في \"اللسان\" ١١/ ٥٩١، وينظر: \"مغني اللبيب\" ١/ ٢٠١ - ٢٠٢.\n(٨) في (ش): (وخبر).\n(٩) ينظر: \"مغني اللبيب\" ٢/ ٢٠١.","vol":"3","page":132},{"text":"الرئاسة، وكانوا متبوعين، فآثروا الدنيا على الآخرة (١).\n﴿فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ﴾ مثل: عيسى ومحمد، ﴿وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ مثل: يحيى وزكريا. نظيره في المائدة [٧٠]: ﴿فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ﴾ (٢)، والفريق: الطائفة من الناس (٣).\nقوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ فيما دل عليه قوله: ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ﴾ كأنه قال: فما استقمتم (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-308>٨٨ </span>- قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا قُلُوُبنَا غُلْفُ﴾ الآية. جمع أغلَفَ، كما أن حُمْرًا (٥) جمع أَحمر، فإذا كان جمع أفعل لم يجز تثقيله إلا في الشعر (٦).\nقال أبو عبيدة: كل شيء في غلاف فهو أَغْلَف، قالوا: سيفٌ أَغْلَف، وقوس غلفاء، ورجل أغلف: لم يُختن (٧).\nوما يدرك به المعلومات من الحواس وغيرها من الأعضاء إذا ذُكِر بأنه لا يعلم وُصِفَ بأن عليه مانعًا من ذلك ودونه حائلًا، فمن ذلك قوله: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: ٢٤]، كأن القُفْل لما كان حاجزًا بين المُقْفَل عليه وحائلًا من أن يدخله ما يدخل إذا لم يَكن مُقفلًا\n_________\n(١) \"تفسيرالثعلبي\" ١/ ١٠٢٧.\n(٢) ينظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ٤٠٥ - ٤٠٦، \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٠٢٧.\n(٣) \"تفسيرالثعلبي\" ١/ ١٠٢٧.\n(٤) ينظر: \"البحر المحيط\" ١/ ٣٠٠.\n(٥) في (ش): (حمر).\n(٦) من \"الحجة\" ٢/ ١٥٥، وينظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ٤٠٦، \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ١٦٩.\n(٧) \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ١/ ٤٦، ونقله عنه أبو علي في \"الحجة\" ٢/ ١٥٥.","vol":"3","page":133},{"text":"جُعِل مَثَلًا للقلوب في أنها لا تعي ولا تفقَه.\nوكذلك قوله ﴿الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي﴾ [الكهف: ١٠١] (١)، ومثل هذه الآية في المعنى قوله: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ﴾ [فصلت: ٥]. قال ابن عباس (٢) ومجاهد وقتادة في هذه الآية: إنهم قالوا استهزاءً وإنكارًا وجحدًا لما أتى به محمد: قلوبنا عليها غشاوة، فهي في أوعية، فلا تعي ولا تفقه ما تقول يا محمد.\nومن ضم اللام فهو جمع غلاف مثل: حِمَار وحُمُر، ومِثَال ومُثُل (٣). قال ابن عباس (٤) والكلبي (٥): إنهم قالوا للنبي - ﷺ -: قُلُوبنا أوعية للعلم، فما بالها لا تفهم عنك ما أتيت به مما تدعونا إليه؟ فلو كان فيه خير لفَهِمَتْه وَوَعَتْه (٦).\nوقوله تعالى: ﴿بَل لَّعَنَهُمُ اَللَّهُ بِكفرِهِمْ﴾ أكذبهم الله سبحانه وقال: بل\n_________\n(١) من كلام أبي علي في \"الحجة\" ٢/ ١٥٤.\n(٢) رواه عنه الطبري في \"تفسيره\" ١/ ٤٠٦، ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ١/ ١٧٠.\n(٣) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ١٦٩، و\"البحر المحيط\" ١/ ٣٠١، وقال الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٣٢٧: وأما الذين قرأوها بتحريك اللام وضمها، فإنهم تأولوها أنهم قالوا: قلوبنا غلف للعلم، بمعنى أنها أوعية فمعنى الكلام: وقالت اليهود: قلوبنا غلف للعلم وأوعية له ولغيره، ثم بين أن القراءة بالضم شاذة غير جائزة. انتهى كلامه. وممن قرأ بضم اللام: ابن عباس والحسن وابن محيصن والأعرج. ينظر: \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٠٢٨، \"زاد المسير\" ١/ ٩٩، \"تفسير القرطبي\" ٢/ ٢٢.\n(٤) رواه عنه الطبري في \"تفسيره\" ١/ ٤٠٧، ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ١/ ١٧٠، وذكره أبو علي في \"الحجة\" ٢/ ١٥٥، \"القرطبي\" ٢/ ٢٢.\n(٥) \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١٠٢٨، \"تفسير البغوي\" ١/ ١٢٠، \"تفسير الخازن\" ١/ ٨١.\n(٦) ينظر: \"تفسير القرطبي\" ٢/ ٢٢.","vol":"3","page":134},{"text":"لعنهم الله، أي: أبعدهم من رحمته وطردهم، واللعن: الإبعاد (١).\nقال الشَّمَّاخ (٢):\nذَعَرْتُ به القَطَا وَنَفَيتُ عنه ... مقام الذئبِ كالرجُلِ اللعينِ (٣)\nأراد: مقام الذئب الذي هُوَ كالرجل اللَعين، لا يزال مُنتبذًا عن الناس، شبّه الذئب به، وكل من لعنه الله فقد أبعده عن رحمته، واستحق العذاب، وصار هالكًا (٤).\nوقال الليث: اللعن: التعذيب، ولعنه الله، أي: عذبه، قال: واللعنة في القرآن: العذاب، واللعن: السب والشتم (٥).\nقال شمر (٦): أقرأنا ابن الأعرابي لعنترة (٧):\nلُعِنَتْ بمحرومِ الشَّرابِ مُصَرّم (٨)\n_________\n(١) ينظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ٤٠٨، و\"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ١/ ٤٦.\n(٢) هو: الشمّاخ بن ضرار بن سنان بن أمامة الذبياني، قال ابن سلام: فأما الشماخ فكان شديد متون الشعر، أشد أسر كلام من لبيد، وفيه كزازة، ولبيد أسهل منه منطقًا \"طبقات فحول الشعر\" ١/ ١٢٤ - ١٣٢.\n(٣) البيت للشماخ بن ضرار في \"ديوانه\" ص ٣٢١، \"مجاز القرآن\" ١/ ٤٦، \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ١٧٠ \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٠٢٩، \"لسان العرب\" ٧/ ٤٠٤٤، \"تفسير القرطبي\" ٢/ ٢٣، وذكره الطبري في \"تفسيره\" ١/ ٤٠٨ برواية: مكان الذئب.\n(٤) ينظر: \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٢٧٢ - ٣٢٧٤، \"اللسان\" ٧/ ٤٠٤٤ - ٤٠٤٥.\n(٥) ينظر: \"تهذيب اللغة\" ٢/ ٣٩٦، و\"اللسان\" ١٣/ ٣٨٨، وتفسير \"القرطبي\" ٢/ ٢٥.\n(٦) أول البيت:\nهل تبلغني دارها شدنية\n(٧) والبيت من معلقة عنترة بن شداد التي مطلعها:\nهل غادر الشعراء من متردم\n(٨) ينظر: \"أساس البلاغة\" ٢/ ١٤، و\"لسان العرب\" ٧/ ٤٠٤٥.","vol":"3","page":135},{"text":"وفسّره، فقال: سُبَّت بذلك، أي: قيل: أخزاها الله فما لها در ولا لبن (١).\nوقال الفراء: اللعن: المسخ أيضًا، قال الله تعالى: ﴿أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ﴾ [النساء: ٤٧] أي: نمسخهم (٢)، وكل هذا راجع إلى معنى الطرد والإبعاد.\nو(بل) لا يُنسق به في غير الجحد، والجحد هاهنا في المعنى، ومجازه: وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ، وليس كذلك، بل لعنهم الله، ولم يجعل لهم سبيلًا إلى فهم ما تقول (٣).\nوقوله تعالى: ﴿فَقَلِيلًا مَّا يُؤمِنُونَ﴾ يريد: فما يؤمنون قليلًا ولا كثيرًا، والعرب قد تستعمل لفظَ القِلَّةِ في موضع النفي، فتقول: قلّما رأيتُ من الرجال مثلَه، وقلَّمَا تزورنا، يريدون النفي لا إثبات القليل.\nوحكى الكسائي عن العرب: مررت (٤) بأرضٍ قلّما تُنبت إلا الكُرّاث والبَصَل، أي: ما تُنبت إلا هذين (٥)، هذا قول الواقدي (٦) (٧) و(ما) على\n_________\n(١) ينظر: \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٢٧٤، ونقله في \"لسان العرب\" ٧/ ٤٠٤٥ وفيه: ولا بها لبن.\n(٢) لم أعثر عليه في \"معاني القرآن\" له.\n(٣) في (ش): (فتقول).\n(٤) في (ش): (مررنا).\n(٥) ذكره عنه الفراء في \"معاني القرآن\" ١/ ٥٩، وعنه الطبري في \"تفسيره\" ١/ ٤٠٩ - ٤١٠ ولم ينسبها، الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ١٠٣٠.\n(٦) نقله عنه الثعلبي ٣/ ١٠٣٠، وينظر: \"القرطبي\" ٢/ ٢٣، و\"البحر المحيط\" ١/ ٣٠٢.\n(٧) هو: أبو عبد الله محمد بن عمر بن واقد السهمي الأسلمي بالولاء، المدني، محدث مؤرخ، مفسر فقيه، أديب، متروك الحديث مع سعة علمه، ولد بالمدينة، وأقام =","vol":"3","page":136},{"text":"هذا الوجه للنفي.\nوقال أبو عبيدة: معناه: لا يؤمنون إلَّا بقليل ممَّا في أيديهم ويكفرون بأكثره. وانتصب قليلًا على هذا القول بنزع الخافض (١). و(ما) صلة، تقديره: فبقليل يؤمنون. وقال قتادة: معناه لا يؤمن منهم إلا قليلٌ؛ (٢) لأن مَنْ آمن من المشركين أكثر ممن آمن من اليهود. و(ما) على هذا القول أيضًا صلة، وانتصب قليلًا على الحال. تقديره: فيؤمنون قليلًا (٣)، كعبد الله بن سلَامَ (٤).\nوذكر ابن الأنباري في هذه الآية ثلاثة أوجه سوى ما ذكرنا:\nأحدها: فيؤمنون إيمانًا قليلًا، وذلك أنهم يؤمنون بأن الله خالقهم ورازقهم، ويكفرون بمحمد والقرآن، فيقلل ذلك إيمانهم، ودليل هذا التأويل: قوله: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٦]،\n_________\n= ببغداد، تولى القضاء، توفي سنة ٢٠٧ هـ. ينظر: \"تاريخ بغداد\" ٣/ ٣، و\"وفيات الأعيان\" ٤/ ٣٤٨.\n(١) ينظر: \"البحر المحيط\" ١/ ٣٠٢.\n(٢) رواه عبد الرزق في \"تفسيره\" ١/ ٥١، ومن طريقه رواه الطبري في \"تفسيره\" ١/ ٤٠٩، وابن أبي حاتم ١/ ١٧١، وذكره الثعلبي ١/ ١٠٢٩، وينظر: \"البحر المحيط\" ١/ ٣٠١ - ٣٠٢، ونقل عن المهدوي مذهب قتادة: أن المعنى فقليل منهم من يؤمن، وأنكره النحويون؟ وقالوا: لو كان كذلك للزم رفع قليل، ثم تعقبه أبو حيان فقال: قول قتادة صحيح، ولا يلزم ما ذكره النحويون؛ لأن قتادة إنما بين المعنى وشرحه ولم يرد شرح الإعراب فيلزمه ذلك.\n(٣) \"البحر المحيط\" ١/ ٣٠٢.\n(٤) هو: أبو يوسف عبد الله بن سلام بن الحارث الإسرائيلي، ثم الأنصاري، كان أحد أحبار اليهود في الجاهلية، أسلم عند مقدم الرسول - ﷺ -، بشره الرسول - ﷺ - بالجنة، توفي سنة ٤٣ هـ. ينظر: \"أسد الغابة\" ٣/ ٢٦٤، \"الاستيعاب\" ٣/ ٩٢١.","vol":"3","page":137},{"text":"معناه: أنهم يعترفون بأن الله ربهم، ويكفرون بمحمد فيقلّ إيمانهم. وانتصب قليلًا على هذا الوجه لأنه نعتُ مصدرٍ محذوف (١).\nالوجه الثاني: أن يكون المعنى: فيؤمنون قليلًا من الزَمَانِ ويكفرون أكثره، ودليل هذا التأويل: قوله: ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [آل عمران: ٧٢]. فخّبر الله تعالى بقلة إيمانهم على معنى الوقت القصير الذي أظهروا فيه موافقة المسلمين ثم باينوهم بعده، وانتصب (قليلًا) في هذا الوجه؛ لأنه أقيم مقام الظرف، و(ما) في هذين الوجهين صلة.\nالوجه الثالث: أن يكون (ما) مع الفعل مصدرًا، ويرتفع بـ \"قليل\"، وهو مقدم، ومعناه:\nفقليلًا إيمانهم، كما قالوا: راكبًا لقَائِيك ومُجَرَّدًا ضَرْبِيكَ.\nوالآيه رَدٌّ على القدرية؛ لأن الله تعالى بيّن أن كفرهم بسبب لعنه آباءهم، فالله تعالى لما لعنهم وطردهم وأراد كفرهم وشقاوتهم منعهم الإيمان (٢).\n_________\n(١) ينظر: \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٦٠، وهذا ما رجحه الطبري ﵀ في \"تفسيره\" ١/ ٤٠٩، فقال: أخبر أنه لعن الذين وصف صفتهم في هذه الآية، ثم أخبر عنهم أنهم قليلو الإيمان بما أنزل الله إلى نبيه محمد - ﷺ -، ولذلك نصب قوله: فقليلا لأنه نعت للمصدر المتروك ذكره، ومعناه: بل لعنهم الله بكفرهم فإيمانًا قليلًا ما يؤمنون، فقد تبين إذًا بما بينا فساد القول الذي روي عن قتادة في ذلك\". ورجحه في \"البحر\" ١/ ٣٠٢ قائلًا: لأن دلالة الفعل على مصدره أولى من دلالته على الزمان، وعلى الهيئة وعلى المفعول وعلى الفاعل، ولموافقته ظاهر قوله تعالى: ﴿فَلا يُؤْمِنُونَ إِلا قَلِيلًا﴾ [النساء: ٤٦].\n(٢) قال القرطبي ٢/ ٢٣: ثم بين أن السبب في نفورهم عن الإيمان: إنما هو أنهم لعنوا بما تقدم من كفرهم واجترائهم، وهذا هو الجزاء على الذنب بأعظم منه.","vol":"3","page":138},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-309>٨٩ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاَءَهُم كِتَابٌ﴾ يعنى: القرآن ﴿مُصَدِّقٌ﴾ موافق ﴿لِمَا مَعَهُمْ﴾؛ لأنه جاء على ما تقدّم به الإخبار في التوراة والإنجيل، فهو مصداق الخبر المتقدم، من حيث كان مخبره على ما تقدم الخبر به (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَكَانُوا﴾ يعني: اليهودَ (٢).\nو(كان) ليس بفعل حقيقي كسائر الأفعال، والفرق بينه وبين الفعل الحقيقي، أن الفعل الحقيقي يدل على وجود معنى مصدره بعد أن لم يكن، في ماض أو حاضر أو مستقبل، و(كان) إنما يدل على الزمان الماضي أو الحاضر والمستقبل في تصريفه فقط، من غير دلالة على وجود مصدره بعد أن لم يكن (٣) كقولك: كان زيد عالمًا معناه: زيد عالم فيما مضى (٤).\nوذكرنا ما في (كان) عند قوله: ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا﴾ [البقرة:٢٨] (٥).\nوقوله تعالى ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ أي: من قبل هذا الكتاب وقبل هذا النبي (٦). ﴿يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قال ابن عباس (٧) والسدي (٨): هو أنهم إذا\n_________\n(١) ينظر الطبري في \"تفسيره\" ١/ ٤١٠، ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ١/ ١٧١، \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ١٧١، \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٠٣٠.\n(٢) ينظر الطبري في \"تفسيره\" ١/ ٤١٠، \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٠٣٠.\n(٣) من قوله: في ماضٍ أو حاضر .. ساقط من (ش).\n(٤) ينظر: \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٠٨٤ مادة (كان)، و\"الأزهية في علم الحروف\" ص ١٨٣، و\"مغني اللبيب\" ٢/ ٥٥٩.\n(٥) ينظر: \"البسيط\" ٢/ ٢٩٣.\n(٦) ينظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ٤١٠ \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٠٣٠.\n(٧) رواه عنه الطبري في \"تفسيره\" ١/ ٤١١ - ٤١٢، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ١/ ١٧١ - ١٧٢.\n(٨) رواه عنه الطبري ١/ ٤١١ - ٤١٢، وانظر: \"زاد المسير\" ١/ ١١٤.","vol":"3","page":139},{"text":"حزبهم (١) أمر، وظهر لهم عدوٌّ، قالوا: اللهم انصرنا بالنبي المبعوث في آخر الزمان، وكانوا يسألون الله النصرَ بمحمد وبكتابه (٢).\nوذكرنا معنى (الفتح والاستفتاح) عند قوله: ﴿أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ٧٦]. وفي الكلام إضمار واختصار، أراد: وكانوا من قبل يستفتحون به، أي: بذلك الكتاب، فلما سبق ذكر الكتاب لم (٣) يُعِده. ومثله في الكلام: السَّمْنُ مَنَوَان (٤) بدرهم أي: منه، ولكنك لا تعيد ذكره، وقد سبق في أول كلامك.\nوقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ يعني: الكتاب وبعثة النبي - ﷺ - وذلك أنهم كانوا قرأوا في التوراة: إن الله تعالى يبعث في آخر الزمان نبيًّا (٥)، وينزل عليه قرآنًا مبينًا أي: بالكتاب، ويبعث صاحب ذلك الكتاب (٦).\nأعلم الله أنهم كفروا وهم يوقنون، وأنهم مُتَعمدون للشقاق وعداوة الله.\nوجواب قوله: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُم كِتَابٌ﴾ محذوف، تقديره: ولما جاءهم\n_________\n(١) في (ش): (حزنهم)، وفي (م): (جزلهم).\n(٢) ينظر ما رواه الطبري في \"تفسيره\" ١/ ٤١٠ - ٤١٠، ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ١/ ١٧١ - ١٧٢، وأبو نعيم في \"الدلائل\" ١/ ١٩.\n(٣) في (م): (فلم).\n(٤) المنوان: تثنية مَنَا وهو كيل أو ميزان يساوي رطلين ويثنى على منوان، ومنيان ويجمع على: أمْنَاءٍ، وأمْنٍ، ومُنِيٍّ ومِنِيٍّ. ينظر: \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٤٥٤ مادة (منا)، و\"القاموس\" ١٧٢٢ و\"المجموع شرح المهذب\" ٩/ ٣٤٧.\n(٥) في (م) و(ش): (يبعث نبيا في آخر الزمان).\n(٦) ينظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ٤١١ - ٤١٢، ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ١/ ١٧٢.","vol":"3","page":140},{"text":"كتاب من عند الله جحدوه، وحذف لأنه معروف، دل عليه ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾، هذا قول أبي إسحاق (١).\nوقال الفراء: جوابه في الفاء في قوله: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا﴾، وفيه أيضا معنى الابتداء. و(كفروا) بما فيه من جوابهما جميعًا، والعرب تجيب كلامين بجواب واحد، كقولهم: ما هو إلا أن يأتي عبد الله فلما قعد أكرمته (٢) (٣).\nوالدليل على هذا: أن الواو لا تجوز في موضع الفاء في قوله: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا﴾ كما جاز في ابتداء الآية، فذلك دليل على أنها جواب وليست بنسق.\nومثل هذا في كون الفاء جوابًا قوله: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾ [طه: ١٢٣] ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ﴾ (٤) صار كأنه جواب لـ\"إما\"، ألا ترى أن الواو لا تصلح في موضع الفاء هنا.\nوقال محمد بن يزيد (٥) قوله: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ﴾ تكرير للأول؛ لأن\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ١٧١، وذكره الطبري في \"تفسيره\" ٤١٢ - ٤١٣، وممن ذهب إليه: الأخفش واختاره الزمخشري كما في \"البحر المحيط\" ١/ ٣٠٣، ورجحه أبو حيان.\n(٢) قال الفراء: ما هو إلا أن أتاني عبد الله فلما قعد أوسعت له وأكرمته.\n(٣) \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٥٩ بتصرف، وذكره الطبري في تفسيره ١/ ٤١٢ - ٤١٣، ونسبه إليه في \"البحر المحيط\" ١/ ٣٠٣، وقال: وأما قول الفراء، فلم يثبت من لسانهم: لما جاء زيد فلما جاء خالد أقبل جعفر، فهو تركيب مفقود في لسانهم فلا نثبته، ولا حجة في هذا المختلف فيه، فالأولى أن يكون الجواب محذوفًا لدلالة المعنى عليه.\n(٤) ساقطة من (ش).\n(٥) أي المبرد، ينظر: \"البحر المحيط\" ١/ ٣٠٣.","vol":"3","page":141},{"text":"الكلام طال بقوله: ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ﴾، وكأنه كلام معترض، فأعاد الأول. وجوابه ﴿كَفَرُوا بِهِ﴾.\nومثله قوله: ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٥] أعاد ذكر ﴿أَنَّكُمْ﴾ لما طال الكلام، وكأنه قال: أيعدكم أنكم إذا مِتُّم مُخرَجون (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-310>٩٠ </span>- قوله تعالى: ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوا﴾ الآية. بئس ونِعم لفظان وُضِعا للمدح والذم، يخبر بأحدهما عن الشيء المذموم، وبالثاني عن الممدوح، وأصلهما: نَعِمَ وبَئِسَ (٢)، وأرادوا لفظًا يُعبِّر عن المحمود يخصه، ولفظًا يعبِّر عنِ المذموم ويقتصر، فجعلوا نعم للممدوح وبئس للمذموم، فألزمهم بهذا الغرض ضرب من التغيير ليخص هذا القَصْد بالدلالة، فأزالوا التصرف عنهما وهو المستقبل، فلا يقال والمراد المدح أو الذم: ينعَم الرجل أو يَبْأسُ، وهذا القدر من التغيير لا يزيل الإلباس، فليس يُدرى (٣) بقولك: نَعِمَ الرجل أو بَئِسَ إن المراد به الإخبار عنه على ما يقتضيه الأصل أو المدح والذم، فلم يجدوا بُدًّا من تغيير (٤) زائد، فنقلوا وخففوا، والنقل والتخفيف لغة للعرب (٥) فيما كان على فَعُل وفَعِل، نحو. حَسُنَ وضَجِر. حَسُن\n_________\n(١) بين في \"البحر المحيط\" ١/ ٣٠٣: أن هذا القول حسن، لولا أن الفاء تمنع من التأكيد.\n(٢) ينظر في نعم وبئس: \"المقتضب\" للمبرد ٢/ ١٤٠ - ١٥٢، \"تهذيب اللغة\" ١/ ٤١٢، \"اللسان\" ١/ ٢٠١ (بئس).\n(٣) في (ش): (تَدْري).\n(٤) في (ش): (تعبير).\n(٥) في (ش): (العرب).","vol":"3","page":142},{"text":"وجهُك، إذا خففت، وإن ثقلت قلت: حُسْنَ وَجهُك، فنقلت ضمة السين إلى الحاء، وعلى هذا ينشد:\nفَإِنْ أَهْجُهُ يَضْجَرْ كَمَا ضَجْرَ بَازِلٌ ... من الأُدْمِ دِبْرَتْ (١) صفحتاه وكاهله (٢)\nوإنما حملَهُم على هذا اسْتثقالهم الانتقال في الحركات المختلفة الذي يدل على هذا: أن اتفاق الحركات في فعل منعهم من هذا. فقالوا في نِعْمَ وبِئْسَ فرقًا بين المدح والذم وبين الخبر؛ ليخلُصا للمدح والذم لا يلتبسان بالخبر، ولهذا المعنى لم يتصرفا تصرف الأفعال؛ لأنهما تضمنا الدلالة على معنى الذم والمدح، كما أن التعجب لما كان خبرًا كسائر الأخبار إلا أنه زاد عليها بمعنى التعجب تُركَ تصرّفُه؛ ليدل به على زيادة المعنى، فكذلك (نعم وبئس)، يدل على أن القائل مادح أو ذامّ، وهو خبر باستحقاق المدح والذم.\nوبئس ذمٌّ بشدة الفساد. وأصل الكلمة من الشدة، ومنه البأساء: وهو اسم للحرب والمشقة والضرر والشدة، ومنه ﴿بِعَذَابٍ بَئِيسٍ﴾ [الأعرف: ١٦٥] أي: شديد. وكل هذا ممَّا علّقته عن مشايخ هذه الصنعة.\nفأما حكم هاتين الكلمتين وعملهما فقال أبو إسحاق: إنهما لا يعملان في اسم عَلم، إنما يعملان في اسم منكور دالّ على جنس، أو اسم فيه ألف ولام يدل على جنس، وإنما كانتا كذلك؛ لأنّ (نعم) مستوفية لجميع المدح، و(بئس) مستوفية لجميع الذمّ، فإذا قلت: نِعم الرجل زيدٌ،\n_________\n(١) في (ش): (ديرت).\n(٢) البيت للأخطل في \"ديوانه\" ص ٢١٧، ينظر: \"لسان العرب\" ٤/ ٤٨١ - ١٢/ ١٢.","vol":"3","page":143},{"text":"قلت (١): استحق زيد المدح الذي يكون في سائر جنسه، وكذلك (٢) إذا قلت: بئس الرجل دللت على أنه قد استوفى الذم الذي يكون في سائر جنسه، فلم يجز إذ كان يستوفي مدح الأجناس أن يعمل في غير لفظ جنس، فإذا كان معهما (٣) اسم جنس بغير ألف ولام فهو نصب أبدًا، وإذا كانت فيه الألف واللام فهو رفع أبدًا، وذلك قولك (٤): نعم رجُلًا زيدٌ، (٥) ونعم الرجل زيد (٦)، نصبت النكرة على التشبيه بالمفعول، وهو بمعنى التمييز، لأنك إذا قلت: نعم، جاز أن تذكر رجلًا أو حِمارًا، فإذا ذكرت نوعًا ميزته من سائر الأنواع، وفي نعم ضمير فاعل؛ لأنه فِعْلٌ، والفِعْلُ لا يخلو من فاعل، فصار المميز كالمفعول فلهذا نصب.\nفأما إذا قلت: نِعْمَ الرَجُل، فليس في نِعْمَ ضمير، وصار الرجل رفعًا بنعم. وارتفع زيد من وجهين، قال سيبويه والخليل (٧): إن شئت رفعت زيدًا؛ لأنه ابتداء مؤخر، ويكون نعم وما عملت فيه خبره، وإن شئت رفعت على أنه خبر ابتداء محذوف، لأنك إذا قلت: نعم رجلًا، ونعم الرجل، لم يُعلم من تعني، فقلت: زيد، أي: هو زيد.\n_________\n(١) في \"معاني القرآن\": فقد.\n(٢) ساقطة من (م).\n(٣) في \"معاني القرآن\": معها.\n(٤) في \"معاني القرآن\": كقولك.\n(٥) في (ش): (زيدا).\n(٦) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ١٧٢، وقد نقله الواحدي بتصرف يسير، وينظر: \"تهذيب اللغة\" ١/ ٤١٢، \"اللسان\" ١/ ٢٠١، \"تفسير القرطبي\" ٢/ ٢٤.\n(٧) نقله عنه الزجاج في \"معاني القرآن\" ١/ ١٧٢، ونقله عن سيبويه ابن عطية في \"المحرر\" ١/ ٣٩١، \"تفسير القرطبي\" ٢/ ٢٤٠.","vol":"3","page":144},{"text":"وقال الكسائي: قولك: نعم الرجل، كالشيء الواحد يرتفع بهما زيد (١)؛ لأن قولك: الرجل زيد، لمعنى: صلح زيد، فارتفاع زيدٍ، كارتفاع الفاعل.\nقال الفراء: فإن أضفتَ النكرةَ التي بعد نِعْمَ إلى نكرة رفعت ونصبت، فقلت: نعم غلامُ سَفَرٍ زَيدٌ، وغلامَ سفرٍ زيد، فإن أضفت إلى المعرفة شيئًا رفعتَ، فقلت: نعم سائسُ الخيل أخوك، ولا يجوز النصبُ إلّا أن يضطرّ إليه شاعر؛ لأنهم حينَ أَضَافوا إلى النكرَة آثروا الرفع، فهم إذا أضَافوا إلى المعرفة أحرى أن لا ينصبوا (٢).\nفإن وصلت \"مَا\" بـ\"نعم وبِئسَ\" نحو: بئسما ونعِمّا، فقال الزجّاج: (ما) فيهما لغير صلة (٣)؛ لأن الصلة توضح، وتخصص، وَالقصد في بئسَ (٤) أن يليها اسم منكور واسم جنس (٥).\nفقوله ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾ بئس شيئًا اشتروا به أنفسهم (٦)، قال: وروى جميع النحويين: بئسما تزويجٌ ولا مهر، وَالمَعنى فيه: بئسَ\n_________\n(١) نقله الفراء في \"معاني القرآن\" عن الكسائي ١/ ٥٦، ابن عطية في \"المحرر\" ١/ ٣٩١، \"تفسير القرطبي\" ٢/ ٢٤ قال ابن عطية: وهذا أيضًا معترض؛ لأن بئس لا تدخل على اسم معين متعرف بالإضافة إلى الضمير.\n(٢) \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٥٧.\n(٣) في \"معاني القرآن\" للزجاج: بغير.\n(٤) في \"معاني القرآن\" للزجاج: نعم.\n(٥) في \"معاني القرآن\" للزجاج: اسم منكور أو جنس، وفي \"الإغفال\" ص ٣١٧: اسم منكور أو اسم جنس.\n(٦) ينظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ١٧٢، ونقله في \"اللسان\" ١/ ٢٠١ مادة (بئس).","vol":"3","page":145},{"text":"شيئًا تزويج ولا مَهر (١).\nقالَ أبو علي: مَا ذكره أبو إسحاق يَدُل على أن (مَا) إذَا كانت موصولة لم يجز عنده أن يكون فاعلة نعم وبئس، وذلك عندنا لا يمتنع، وجهة جوازه: أن ما اسم مبهم يقع على الكثرة، ولا يخصص شيئًا واحدًا، كما أن أسماء الأجناس كذلك، وهي تكون للكثرة (٢) والعموم، كما أن أسماء الأجناس تكون للكثرة (٣)؛ (٤) وذلك نحو قوله: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨] فالقصد به هاهنا الكثرة، وإن كان في اللفظ مفردًا؛ يدلك على ذلك قوله: هؤلاء (٥).\nوتكون ما معرفةً ونكرةً؛ كما أن أسماء الأجناس تكون معرفةً ونكرةً. فأمَّا كونها معرفةً فمأنوس به، وأَمَّا كونها نكرة فكثير أيضًا، ذكره سيبويه في مواضع، وهي و(من) قد تكونان نكرتين في التنزيل والشعر القديم الفصيح، أنشد سيبويه:\nربّما تكره النفوسُ من الأمر ... له فَرجة كحلِّ العِقَال (٦)\n_________\n(١) ينظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ١٧٣، ونقله في \"تهذيب اللغة\" ١/ ٤١٢، و\"اللسان\" ١/ ٢٠١، وينظر: \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٥٨.\n(٢) في \"الإغفال\": للنكرة\n(٣) في \"الإغفال\": للنكرة.\n(٤) من قوله: كما أن .. ساقط من (ش).\n(٥) في \"الإغفال\" فهؤلاء لا يكون للواحد.\n(٦) البيت لأمية بن أبي الصلت، في \"ديوانه\" ص ٥٠ وفي \"الكتاب\" ١/ ٣١٥، ٤٢٤ وكذا في \"الخزانة\" ٢/ ٥٤١ و٤/ ١٩٤، وينسب البيت أيضًا: لأبي قيس اليهودي، ولابن صرمة اليهودي، ولحنيف بن عمر اليشكري، ولنهار بن أخت مسيلمة =","vol":"3","page":146},{"text":"وقال:\nيا رُبَّ من يُبْغِضُ أَذْوادَنا ... رُحْنَ على بَغْضَائِه واغْتَدَيْن (١) (٢)\nوتأول سيبويه قوله تعالى: ﴿هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾ [ق: ٢٣]، على أن تكون معرفةً، وعلى أن تكون نكرةً، مثل: هذا شيء لديّ عتيد، فإنما يتخلص بعضر ذلك من بعض، بدلالةٍ مِن غير جهة اللفظ؛ لأن اللفظ محتمل لما أعلمتك في اللغة (٣).\nفقوله: ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾ يجوز عندي أن تكون ما موصولة، وموضعها رفع بكونها فاعلة لـ\"بئس\"، ويجوز أن تكون منكورةً، ويكون (اشتروا) صفة غير صلة (٤)، وحينئذٍ تكون (ما) نصبًا. وتقول: نِعم ما صنعت، وبئسما صنعت، إن شئت كانت (ما) منصوبة، كأنك قلت: نعم شيئًا صنعت، وإن شئت كانت مرفوعة، كأنك قلت: بئس الشيء صنعت.\nولا يجوز أن يليهما (الذي)؛ لأن الألف واللام لا يفارقانه، وهما يعملان فيما عُرِّف بالألف واللام، وجاز طرحهما منه. فقال الفراء: ويجوز أن تُجعل (ما) مع نِعم وبئس بمنزلة كلمة واحدة في غير هذه الآية، فيكون مثل كلما، وإنما، كما جُعلت (ذا) مع حَبَّ كلمةً واحدة، فقالوا: حبّذا.\n_________\n= الكذاب ويروى تجزع بدل تكره. ينظر: \"الإغفال\" ٣١٧، و\"مغني اللبيب\" ١/ ٢٩٧، و\"شذور الذهب\" ١٣٢، والأشموني ١/ ٧٠، و\"المفصل\" ٤/ ٢، وابن يعيش ٣/ ٤، و\"طبقات القراء\" ١/ ٢٩٠، وشرح شواهد المغني ص ٢٤٠، و\"ديوان عبيد بن الأبرص\" ص ٨٦.\n(١) البيت تقدم تخريجه.\n(٢) من \"الإغفال\" ص ٣١٧، ٣١٨ بتصرف، وقد لخصه القرطبي في \"تفسيره\" ٢/ ٢٤.\n(٣) من \"الإغفال\" ص ٣١٩.\n(٤) من \"الإغفال\" ص ٣١٩.","vol":"3","page":147},{"text":"من ذلك قوله: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ﴾ [البقرة: ٢٧١]، رفعت هي بنعما، ولا يجوز (حينئذ) (١) تأنيث نعم، كما لا يجوز تأنيث حبذا (٢)، قال: ويجوز أن تجعل (ما) فيه حشوًا وصلة، كما قال: عما قليل (٣)، وإذا جعلت (ما) صلةً جاز فيه التأنيث (٤)، تقول: بئست مَا جاريةً جاريتك (٥).\nومعنى الاشتراء هاهُنَا: البيع. والاشتراء والشراء والبيع كله من الأضداد، ويقال: اشتريته، أي: بعته، واشتريته، أي: ابتعته، وكذلك: شريته في المعنيين، وكذلك: بعته، قال الله تعالى: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾ [يوسف: ٢٠]، أي: باعوه (٦)، وقال يزيد بن المُفَرِّغ:\n_________\n(١) ساقطة من (م).\n(٢) \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٥٧.\n(٣) في \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٥٧: عما قليل آتيك.\n(٤) في \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٥٧: جاز فيه التأنيث والجمع، فقلت: بئسما رجلين أنتما، بئست ما جاريةً جاريتك.\n(٥) \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٥٨ بتصرف، وقد ذكر الأقوال في إعراب ما في هذه الآية الطبري في تفسيره ١/ ٤١٣ - ٤١٤، والعكبري في \"التبيان\" ٧٤، وأبو حيان في \"البحر\" ١/ ٣٠٤ - ٣٠٥، وخلاصته: اختلف في ما ألها موضع من الإعراب أم لا؟ فذهب الفراء إلى أنه بجملته شيء واحد، وظاهره أن لا موضع لها من الإعراب، والجمهور على أن لها موضعًا من الإعراب، واختلفوا أموضعها نصب أم رفع؟.\n(٦) ينظر: \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٥٦، \"اللسان\" ٤/ ٢٢٥٣ (شرى)، وذكر في \"البحر المحيط\" ١/ ٣٠٥: أن اشتروا هنا بمعنى: باعوا عند الأكثرين، وفي المنتخب أنه على بابه، لأن المكلف إذا خاف على نفسه من العقاب أتى بأعمال يظن أنها تخلصه، وكأنه قد اشترى نفسه بها، قال أبو حيان: ويرد عليه، ﴿بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾، حيث فعلوا ذلك على سبيل البغي والحسد.","vol":"3","page":148},{"text":"وشُرَيْتُ بُردًا لَيْتَنِي ... مِنْ بَعْدِ بردٍ صِرتُ هامة (١)\nأي: بعته؛ قال الفراء: وتقول بع لي بدرهم تَمرًا، أي: اشتر لي. وأنشد:\nويأتيك بالأخبار مَن لم تَبعْ له ... بَتَاتًا ولم تضربْ له وقتَ موعِدِ (٢) (٣)\nومعنى الآية: بئس الشيء بَاعوا به أنفسهم الكفر؛ يريد: أنهم اختاروا الكُفر وأخذوه، وبذلوا أنفسهم للنار؛ لأن اليهود خصوصًا علموا صدق محمد - ﷺ -، وأن من كذبه فالنار عاقبته، فاختاروا الكفر، وسلموا أنفسهم للنار، فكان ذلك كالبيع منهم (٤). وقال المفسرون: في الآية إضمار معناه بئسما باعوا حظ أنفسهم بالكفر، هكذا قالوا (٥)، وعلى هذا تكون الآية من باب حذف المضاف، وعلى ما قلنا أولًا تصح الآية من غير إضمار.\nوقوله تعالى: ﴿أَن يَكْفُرُواْ﴾ قال الزجاج: موضع أن رفع، المعنى: ذلك الشيء المذموم أن يكفروا (٦)، على تقدير: بئس الشيء اشتروا به أنفسهم\n_________\n(١) البيت ليزيد بن مفرغ الحميري، في ديوانه ص ٢١٣، و\"لسان العرب\" ٤/ ٢٢٥٢ مادة (شرى).\n(٢) البيت لطرفة بن العبد في \"ديوانه\" ص ٤١.\n(٣) \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٥٦، وقال: وللعرب في شروا واشتروا مذهبان، فالأكثر منهما أن يكون شروا: باعوا، واشتروا: ابتاعوا، وربما جعلوهما جميعًا في معنى باعوا، وكذلك البيع، يقال: بعت الثوب، على معنى: أخرجته من يدي، وبعته: اشتريته، وهذه اللغة في تميم وربيعة. ينظر: \"البحر المحيط\" ١/ ٣٠٥.\n(٤) ينظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ٤١٤ - ٤١٦، \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٠٣٢، \"تفسير ابن كثير\" ١١٣ - ١١٤.\n(٥) \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٠٣٢.\n(٦) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ١٧٢.","vol":"3","page":149},{"text":"الكفر، فيكون كقولك: بئس الرجل زيد، على الاختلاف الذي حكينا عن سيبويه والخليل والكسائي في رفع زيد، وقال الفراء: يجوز أن يكون محله جزًا بدلًا من المكني في (به)، كأنك قلت: اشتروا أنفسهم بالكُفْر (١).\nوقوله تعالى: ﴿بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ يعني: القرآن (٢).\n﴿بَغْيًا﴾ أَصْلُ البغي في اللغة: الظلم والخروج عن النَّصَفَة والحدّ، يقال: بَغَى الفرس في عدوه، إذا اختال ومرح، وإنه ليبغي، ولا يقال: فرس باغ، وبغى الجُرحُ يَبْغِي بَغْيًا، إذا وَرم وكثر فيه المِدّة (٣)، وبَغَتِ السماء، إذا كثر مطرها حتى تجاوز الحدّ، وبغى الوادي، إذا بلغ الماء منه موضعًا لم يبلغه قبل.\nوقالَ قوم: أصل البَغْي: الطلب (٤)، يقال: بغى الشيءَ، إذا طلبه، وأَبْغَاه، أعانه على الطلب. والبَغيّ: التي تطلب الزنا، ومنه قيل للأمة: بَغِيٌّ. وما ينبغي كذا، أي: ليس بصواب طلبه، والبَغْيُ: شدة الطلَب للتطاول (٥).\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٥٦، ونصه: أن يكفروا، في موضع خفض ورفع، فأما الخفض فأن ترده على الهاء التي في به، على التكرير على كلامين، كأنك قلت: اشتروا أنفسهم بالكفر. وأما الرفع فأن يكون مكرورا أيضا على موضع ما التي تلي بئس. اهـ. وينظر في إعراب الآية: \"التبيان\" للعكبري ص ٧٥، حيث ذكر القولين السابقين وزاد: وقيل: هو مبتدأ، وبئس وما بعدها خبر عنه.\n(٢) \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٠٣٢.\n(٣) المِدَّة بكسر الميم القيح، وهي الغثيثة الغليظة، وأما الرقيقة فهي صديد وأَمَدّ الجرح إمدادًا، صار فيه مِدَّةٌ ينظر: \"المصباح المنير\" ص ٥٦٧.\n(٤) قال في \"مقاييس اللغة\" ١/ ٢٧٢: الباء والغين والياء أصلان: أحدهما: طلب الشيء، والثاني: جنس من الفساد.\n(٥) ينظر في معاني البغي: \"تهذيب اللغة\" ١/ ٣٦٧، \"مقاييس اللغة\" ١/ ٢٧١ - ٢٧٢، \"المفردات\" للراغب ص ٦٥، \"اللسان\" ١/ ٣٢٣.","vol":"3","page":150},{"text":"قال المفسرون: البَغْيُ، هاهُنا، بمعنى الحَسَد (١).\nقال اللحياني (٢): بغيت على أخيك بغيًا، أي: حسدته، وقال الله تعالى: ﴿ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ﴾ [الحج: ٦٠]، وقال: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾ [الشورى: ٣٩] فالبغي أصله الحَسَد، ثم سمي الظلم بغيًا؛ لأن الحاسِد يظلم المحسودَ جَهْدَه إرادة زوال نعمة الله عليه عنه (٣).\nقال ابن عباس في هذه الآية: إنَّ كفر اليهود لم يكن شكًا ولا شيئًا اشتبه عليهم، ولكن بغيًا منهم، حيث صارت النبوة في ولد إسماعيل (٤).\nوانتصابه على المصدر؛ لأن ما قبله من الكلام يدلّ على بَغَوا، فكأنه قيل: (٥) بَغَوا بغيًا (٦).\nوقال الزجّاج: انتصب؛ لأنه مفعول له، كما تقول: فعلت ذلك حِذارَ الشرّ، أي: لحذر الشر (٧)، ومثله من الشعر: قول حَاتِم (٨):\n_________\n(١) ينظر: الطبري في تفسيره ١/ ٤١٥، \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ١٧٣، \"زاد المسير\" ١/ ١١٤، \"تفسير القرطبي\" ٢/ ٢٥.\n(٢) هو: أبو الحسن علي بن حازم، وقيل: علي بن المبارك، تقدمت ترجمته [البقرة: ١٠].\n(٣) من \"تهذيب اللغة\" ١/ ٣٦٧.\n(٤) لم أجده بهذا اللفظ لكن قريب منه عند ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ١/ ١٧٣.\n(٥) في (ش): (قال).\n(٦) ينظر: \"التبيان\" للعكبري ص ٧٥.\n(٧) والعامل فيه: يكفروا، أي: كفرهم لأجل البغي، أو يكون العامل فيه: اشتروا. ينظر: \"البحر المحيط\" ١/ ٣٠٥.\n(٨) هو: حاتم بن عبد الله بن سعد بن الحشرج الطائي القحطاني، فارس شاعر جواد، جاهلي يضرب المثل بجوده، كان من أهل نجد، شعره كثير ضاع معظمه. ينظر: \"الشعر والشعراء\" ص ١٤٣، و\"الأعلام\" ٢/ ١٥١.","vol":"3","page":151},{"text":"وأغفر عَورَاءَ الكريم ادّخارَه ... وأُعْرِضُ عن شَتْم اللئيم تَكَرُّما (١)\nالمعنى: لادخاره، وللتَّكرّم (٢).\nوقوله تعالى: ﴿أَن يُنَزِل اللَّهُ﴾ موضع أن نصب؛ لأن المعنى: أن تكفروا بما أنزل الله؛ لأن ينزل الله من فَضْلِهِ، أي: كفروا لهذه العلة، فهو كما ذكرنا في بيت حاتِم؛ لأنهم كفروا لإنزال الله عليه، كما أنه يغفر العوراء لادّخاره، هذا قول الزجاج (٣). وأظهر منه أن تجعل ﴿أَن يُنَزِلَ﴾ مفعولًا للبغي، كأن معناه: حسدًا إنزال الله، لأن البغي، هاهنا، بمعنى الحَسَد، وأنت تقول: حَسَدْتُ زيدًا مالَه وفضلَه (٤).\nوقوله تعالى: ﴿فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ﴾ قال ابن عباس: الغضب الأول: تضييعهم التوراة، والثاني: بكفرهم بهذا النبي الذي أحدث الله فيهم (٥).\nوقال قتادة: الأول بكفرهم بعيسى والإنجيل، والثاني: بكفرهم بمحمد والقرآن (٦).\n_________\n(١) تقدم تخريج البيت [البقرة: ١٨].\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ١٧٠٣.\n(٣) بتصرف من \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ١٧٣، وينظر: \"التبيان\" ص ٧٥ قال: وقيل: التقدير: بغيًا على ما أنزل الله، أي: حسدًا على ما خص الله به نبيه من الوحي.\n(٤) وقيل: التقدير: بغيًا على أن ينزل الله، لأن معناه: حسدا على أن ينزل الله، فحذفت على، وقيل: أن ينزل في موضع جرًّ على أنه بدل اشتمال من ما في قوله بما أنزل الله أي: بتنزيل الله ينظر \"البحر المحيط\".\n(٥) رواه الطبري في \"تفسيره\" ١/ ٤١٧، ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ١/ ١٧٣، وذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ١٠٣٢ وقال ابن أبي حاتم: وروي عن عكرمة ومجاهد وعطاء وقتادة وابن أبي خالد نحو ذلك، وقد ذكر ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ١/ ١١٤ خمسة أقوال في الآية، والخلاف فيها من قبيل اختلاف التنوع.\n(٦) رواه الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٣٤٦ وذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ١٠٣٣، وعزاه =","vol":"3","page":152},{"text":"وقال أهل المعاني: أي: بإثم استحقوا به النار على إثم تقدم استحقوا به النار (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-311>٩١ </span>- وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ﴾ أي: لليهود، و﴿إِذَا﴾ عند النحويين وقت للفعل الذي هو جواب، كما تقول: إذا جئتني وصلتك، أخبرتَ أنك تصلُهُ وقت مجيئه، وليس كذلك إنْ، لأنك إذا قلت: إن جئتني وصلتك، يصلح أن تصلَه بعد وقت المجيء (٢).\nوقوله تعالى: ﴿بِمَا أَنزَلَ الله﴾ يعني القرآن، ﴿قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا﴾، يعني التوراة (٣).\n﴿وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ﴾، قال ابن الأنباري: يجوز أن يكون هذا إخبارًا من الله ﷿ عن اليهود، وتم الكلام عند قوله: ﴿بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا﴾، ثم ابتدأ بالإخبار عنهم، فقال: (٤) ﴿وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ﴾ (٥). والدليل على انقطاع الكلام الأول: الانصرافُ عن الإخبار عن النفس إلى الحديث عن\n_________\n= السيوطي في \"الدر\" ١/ ٢١٨ إلى عبد بن حميد. وروى الطبري، وابن أبي حاتم عن أبي العالية نحوه.\n(١) هذا كلام الزجاج في \"معاني القرآن\" ١/ ١٧٤، وروى ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ١/ ١٧٤ عن سعيد بن جبير في قوله: (فباؤوا بغضب على غضب) يقول: استوجبوا سخطا على سخط، وذكر \"القرطبي\" ٢/ ٢٩ قولًا فقال: وقال قوم: المراد التأييد وشدة الحال عليهم، لا أنه أراد غضبين معللين بمعصيتين. وينظر \"البحر المحيط\" ١/ ٣٠٦.\n(٢) ينظر في معاني إذا \"مغني اللبيب\" ١/ ٨٧ - ١٠١.\n(٣) \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٠٣٣.\n(٤) ساقطة من (ش).\n(٥) في (ش): (تكفرون).","vol":"3","page":153},{"text":"الغيب. ويجوز أن يكون (١) حكاية عن اليهود أنهم قالوا ذلك، وتأويله: نؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا، وَيَكْفُرُونَ (٢) بِمَا وَرَاءَه، فردّ الفعل الثاني إلى الغيبة، كما تقول العرب: قال عبد الله: لأقُومَنّ، وقال عبد الله ليقومن، فالألف: لمعنى الإخبار، والياء: لمعنى الغيبة (٣)، وكذلك تقول العرب: استحلفت عبد الله: لأقومنّ، وليقومنّ، ولتقومنّ.\nفمن قال: لأقومنّ، أراد: قلت له: قل لأقومن، ومن قال بالتاء، أخرجه على معنى الخطاب.\nومن قال بالياء، أخرجه على لفظ عبد الله؛ لأنه غائب، قال الشاعر (٤):\nيا ليت شعري عنك دَخْتَنُوس (٥) ... إذا أتاك الخبرُ المرموسُ\nأتحلِقُ القرونَ أم تَمِيسُ ... لا، بل تَميسُ إنّها عروسُ (٦)\nفقدم أفعالًا على المخاطبة، ثم رجع إلى الغيبة على ما وصفنا.\nومعنى ﴿بِمَا وَرَاءَهُ﴾ بما سواه، قال الفراء: وذلك كثير في العربية يتكلم الرجل بالكلام الحسن، فيقول السامع: ليس وراء هذا الكلام شيء،\n_________\n(١) في (ش): (تكون).\n(٢) في (ش): (ونكفر).\n(٣) من قوله: كما تقول العرب .. ساقطة من (ش).\n(٤) البيتان للقيط بن زُرارة كما في \"اللسان\" ٣/ ١٧٢٨، \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٤٦٧، ورواية التهذيب: ياليت شعري اليوم ... إذا أتاهها الخبر. ومعنى المرموس: المكتوم، وتميسُ: تتبختر.\n(٥) في (ش): (وختنوس).\n(٦) الرجز للقيط بن زرارة، في \"لسان العرب\" ٦/ ١٠١ مادة: (رمس)، و\"تاج العروس\" ٨/ ٢٧٩ (دختنس)، و\"المعجم المفصل\" ١٠/ ٢٨٢.","vol":"3","page":154},{"text":"يريد ليس سوى هذا الكلام شيء (١).\nويحتمل ﴿بِمَا وَرَاءَهُ﴾ بما بعده، أي: ما بعد التوراة، يريد: الإنجيل والقرآن، وهذا كقوله: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، أي: ما بعده، وما سواه.\nوقوله تعالى: ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ﴾ (٢) مثله (٣). أبو العباس، عن ابن الأعرابي في قوله: ﴿وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ﴾ قال: بما سواه (٤). وسنذكر الكل في (وراء) عند قوله: ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ﴾ [الكهف: ٧٩] وقوله ﴿وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود: ٧١] وقولِه: ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي﴾ [مريم: ٥]، إن شاء الله.\nوقوله تعالى: ﴿وَهُوَ اَلحَقُّ﴾ (هو) كناية عما في قوله: ﴿بِمَا وَرَاءَهُ﴾.\nو(ما وراءه)، يجوز أن يكون واقعًا على الإنجيل والقرآن، فأفرد الله القرآن بقوله: (وَهُوَ الْحَقّ) تفصيلًا له وتخصيصًا (٥).\nويجوز أن يكون (هو) كناية عن محمد ﷺ؛ لأن الله تعالى لما ذكر الإنزال والمنزِّل دلّا على المُنزَّل عليه، فكان كالظاهر.\nقال أبو إسحاق: في قوله: ﴿وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ﴾ دلالة على أنهم قد كفروا بما معهم، إذ كفروا بما يُصَدِّق مَا معهم. قال: ونصبت\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٦٠.\n(٢) جزء من آية وردت في سورة [المؤمنون: ٧]، [المعارج: ٣١]\n(٣) ينظر: \"البحر المحيط\" ١/ ٣٠٧.\n(٤) نقله عنه في \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٨٧٩، \"اللسان\" ٨/ ٤٨٠٧، وينظر: \"تفسير القرطبي\" ٢/ ٢٥، \"البحر المحيط\" ١/ ٣٠٧.\n(٥) ينظر: \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٠٣٣، \"البحر المحيط\" ١/ ٣٠٧.","vol":"3","page":155},{"text":"﴿مُصَدِّقًا﴾ على الحال (١)، ومثله قولك: هو زيد معروفا، فـ (معروف) حال؛ لأنه إنما يكون زيدًا بأنه يعرف بزيد، وكذلك تقول: القرآن هو الحق، إذا كان مصدقًا لكتبِ الرُّسُل صلى الله عليهم.\nوقوله تعالى: ﴿فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ﴾ هذا تكذيب من الله تعالى لهم في قولهم: ﴿نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا﴾، أي: أيّ كتاب جوّز فيه قتل نبي، وأيّ دين وإيمان جوّز فيه ذلك (٢).\nوأضاف القتل هاهُنا إلى المخاطبين، وإن كان آباؤهم قَتَلوا؛ لأنهم كانوا يتولّون الذين قَتَلوا فهم على مذهبهم، وإذا كانوا على ذلك المذهب فقد شركوهم. قال ابن عباس: كلما عُمِلَت مَعصِية، فمن أنكرها برئ، ومن رضي بها كان كمن شهدها (٣).\nوقال ابن الأنباري: تأويله: فلم توليتم آباءكم القاتلين ورضيتم ما كانوا عليه، وصوبتم أفعالهم. والمراد بلفظ الاستقبال هاهنا: المضي (٤)، وجاز ذلك؛ لأنه لا يذهب الوهم إلى غيره؛ لقوله: ﴿مِنْ قَبلُ﴾، ودليل هذا قوله: ﴿قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ﴾ [آل عمران: ١٨٣]. ومما وضع فيه المستقبل موضع الماضي قوله تعالى:\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" ١/ ١٧٤ بتصرف، وينظر: \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٠٣٤.\n(٢) \"تفسيرالثعلبي\" ١/ ١٠٣٤.\n(٣) ذكره في \"الوسيط\" ولم أجده عنه في التفاسير المسندة، وفي معناه حديث أم سلمة قالت: قال رسول الله - ﷺ -: \"إنها ستكون أمراء، تعرفون وتنكرون، فمن أنكر فقد برئ ومن كره فقد سلم، ولكن من رضي وتابع\" رواه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" ٨/ ٦٢١ وقوله - ﷺ -: \"إن الخطيئة إذا عملت في الأرض كان من غاب عنها ورضيها كمن حضرها، ومن شهدها وسخطها كان كمن غاب عنها وأنكرها\" رواه أبو داود.\n(٤) ينظر: \"تفسير القرطبي\" ٢/ ٢٥ - ٢٦.","vol":"3","page":156},{"text":"﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ﴾ [البقرة: ١٠٢]، وسنذكره في موضعه، ومثل هذا قولك للرجل تعنفه بما سلف من قبيح فعله: ويحك لم تكذب؟ لم تُبَغِّض نفسك إلى الناس؟، كأنه قيل: لم هذا من شأنك (١). قال الفراء: وذلك كثير في الكلام، أنشدني بعض العرب:\nإذا ما انْتَسَبْنا لم تلدني لئيمةٌ ... ولم تَجِدِي من أن تُقِرِّي بها بُدَّا (٢).\nيعني: أن الولادة قد مضت، وقد عبَّر عنها بجواب الجزاء، وذلك يكون في الاستقبال، كما تقول: إذا ما جئتني لم أضربْك، لم يوجد المجيء ولا الضرب (٣) فالجزاء للمستقبل، والولادة قد مضت، وذلك أن المعنى معروف (٤) يدل عليه، فجاز ذلك. والذي يدل على أن المراد بما في الآية المضي أن (لِمَ) معناه التعنيف، وأنت إنما تعنف الرجل بما سلف من فعله (٥).\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٦٠ - ٦١ ونقله الطبري في تفسيره ١/ ٤٢٠.\n(٢) البيت لزائد بن صعصعة الفقعسي يُعَرِّض بزوجته، وكانت أمها سرية، وذكره الفراء في \"معاني القرآن\" ١/ ٦١، ١٧٨، ولم ينسبه وكذا الطبري في \"تفسيره\" ١/ ٣٢٨، ٤٢٠، ٣/ ٧٣.\n(٣) من قوله: (يعني أن الولادة) ساقط من (ش).\n(٤) \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٦١، ومن قوله: (يعنىِ أن الولادة) إلى قوله: (ولا الضرب) من كلام الواحدي، في \"تفسيره\".\n(٥) \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٦١ ونقله الطبري في تفسيره عنه ١/ ٤٢ ذكر جوابًا آخر وهو أن معناه: فلم قتلتم أنبياء الله من قبل، كقوله: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ﴾ أي: ما تلت، وكقول الشاعر:\nولقد أمر على اللئيم يسبني ... فمضيت عنه وقلت: لا يعنيني\nيريد بقوله: (ولقد أمر): ولقد مررت. اهـ. قال في \"البحر المحيط\" ١/ ٣٠٧ نقلًا عن ابن عطية: وفائدة سوق المستقبل في معنى الماضي الإعلام بأن الأمر مستمر، ألا ترى أن حاضري محمد - ﷺ - ولما كانوا راضين بفعل أسلافهم بقي لهم من قتل الأنبياء جزء.","vol":"3","page":157},{"text":"وقوله تعالى: ﴿إِن كنُتُم مُّؤمِنِينَ﴾ (إِنْ) بمعنى الشرط، وجوابها قبلها، يراد به: إن كنتم مؤمنين، فلم تقتلون أنبياء الله؛ لأنه ليس سبيل المؤمنين أن تقتلوا الأنبياء، ولا أن يتولوا قاتليهم (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-312>٩٢ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاَءَكُمْ﴾ اللام في (لقد) لام القسم (٢)، ولا يجوز أن تكون لام الابتداء، لأن لام الابتداء لا تلحق إلّا الاسم أو ما كان بمنزلة الاسم من المضارع.\nوالمراد بالبيّناتِ في هذه الآية ما ذكره في قوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ [الإسراء: ١٠١]، وهي العصا، واليد، وفلق البحر، والجراد، والقُمَّل (٣)، والضَفَادع، والدم، ورفع الطور، وإحياء الميت ببعض البقرة (٤).\nوقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ﴾ المراد بـ (ثُم) هاهنا: الاستعظام لكفرهم مع ما رأوا من الآيات التي أتى بها موسى ﵇.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-313>٩٣ </span>- قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَاسْمَعُواْ﴾ أي:\n_________\n(١) استظهر هذا الوجه أبو حيان في \"البحر المحيط\" ١/ ٣٠٧ وقال: ويكون الشرط وجوابه قد كرر مرتين على سبيل التوكيد، لكن حذف الشرط من الأول وأبقي جوابه، وهو فلم تقتلون، وحذف الجواب من الثاني وأبقي شرطه.\n(٢) ينظر: \"تفسير \"القرطبي\" ٢/ ٢٧.\n(٣) القمّل: قال ابن عباس: وهو السوس الذي يخرج من الحنطة، وعنه: أنه الدَّبى وهو الجراد الصغار الذي لا أجنحة له - وبه قال مجاهد وعكرمة وقتادة، وقال الطبري في تفسيره ٩/ ٣٣: القمّل: جمع، واحدتها قُمَّلة، وهي دابة تشبه القمْل، تأكلها الإبل فيما بلغني. ينظر \"تفسير ابن كثير\" ص ٧٠٠.\n(٤) ينظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ٤٢١ \"البحر المحيط\" ١/ ٣٠٨ إلا أنه عد بدل الأخيرين: السنين، والطوفان.","vol":"3","page":158},{"text":"ما فيه من حلاله وحرامه، ﴿قَالُوا سَمِعْنَا﴾ ما فيه، ﴿وَعَصَيْنَا﴾ ما أمرنا به، هذا هو الظاهر.\nوقال أهل المعاني: معنى (اسمعوا) هاهنا: استجيبوا وأطيعوا، عُبِّر بالسمع؛ لأنه سَبَب الإجابة والطاعة (١)، وقد يُعبّر عنهما بالسمع كقول الشاعر:\nدعوتُ اللهَ حتى خِفتُ أن لا ... يكونَ اللهُ يَسْمَعُ ما أقولُ (٢)\nأي: يجيب (٣).\nوقوله تعالى: ﴿قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾ بعض المفسرين يقولون: إنهم تلفظوا بهذه اللفظة، فقالوا: ﴿سَمِعْنَا﴾ لما أطل الجبل فوقهم، فلما كشف عنهم قالوا: ﴿وَعَصَيْنَا﴾ (٤).\nوقال الحسن: قالوا: سمعنا بألسنتهم، وعصينا بقلوبهم (٥).\nفقال أهل المعاني: إنهم لم يقولوا هذا بألسنتهم، ولكنهم لما سمعوا\n_________\n(١) ينظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ٤٢٢، \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٠٣٤ \"تفسير القرطبي\" ٢/ ٢٧.\n(٢) البيت، لشمير بن الحارث الضبي، في \"تاج العروس\" ١١/ ٢٢٧ (مادة: سمع)، و\"نوادر أبي زيد\" ص ١٢٤، وبلا نسبة في \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٠٣٤ و\"لسان العرب\" ٤/ ٢٠٩٥.\n(٣) \"تفسيرالثعلبي\" ١/ ١٠٣٥.\n(٤) بنحوه عن ابن عباس كما في \"البحر المحيط\" ١/ ٣٠٨ واستحسنه أبو حيان قال: لأنا لا نصير إلى التأويل مع إمكان حمل الشيء على ظاهره لا سيما إذا لم يقم دليل على خلافه اهـ. وحكى الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ١٧٦ أن المفسرين اتفقوا على أنهم قالوا (سمعنا) لما أطل الجبل فوقهم، فلمَّا كشف عنهم قالوا (عصينا).\n(٥) ذكره في \"الوسيط\" ١/ ١٧٦، وذكره في \"البحر المحيط\" ١/ ٣٠٨ ولم ينسبه.","vol":"3","page":159},{"text":"الأمر، وتلقَّوه بالعصيان نسب ذلك منهم إلى القول اتساعًا (١)، كقول الشاعر:\nومَنْهَلٍ ذِبَّانُه في غَيْطَلِ ... يَقُلْنَ للرائدِ أعْشَبْتَ انْزِلِ (٢)\nوقال امرؤ القيس:\nنواعِمُ يُتْبعنَ الهوى سُبُلَ الردَى ... يقلن لأهل الحِلم ضُلًّا بَتْضلال (٣)\nقالوا: المعنى: يُضللن ذا الحلم، وليس الغرض حكاية قولهن. وقوله تعالى: ﴿وَأُشْرِبُواْ﴾ الإشرابُ في اللُّغةِ خَلْطَ لونٍ بلون، يقال: أبيض مُشرَبٌ حُمرةً، إذا كان يعلوه حُمرة (٤)، المازني (٥): الإشراب: الخلط، يقال: أُشْرِب ذَا بذَا، وهو مشربٌ حُمرةً إذا خالطت لونه حُمرة. اللّحياني: يقال: فيه شُربةٌ من الحُمرة، إذا كان يُخالطه حُمرة (٦).\nوقال أبو عبيدة (٧)، والزجاج (٨): معناه سُقُوا حُبَّ العِجل، وأصل\n_________\n(١) \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٠٣٥، عزاه لأهل المعاني.\n(٢) البيت لأبي النجم العِجْلي. ينظر: \"الحيوان\" ٣/ ٣١٤ و٧/ ٢٥٩، وذكر الشطر الآخر منه \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٤٤٨، \"اللسان\" ٥/ ٢٩٥١، \"التاج\" ٢/ ٢٣٣، وذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ١٠٣٥ بلا نسبة. والغيطل: شجر ملتف أو عشب ملتف.\n(٣) البيت لامرئ القيس في \"ديوانه\" ص ١٢٦.\n(٤) ينظر \"تاج العروس\" ٢/ ١٠٣.\n(٥) هو أبو عثمان بكر بن بقية، وقيل: بكر بن محمد بن عدي بن حبيب المازني، تقدمت ترجمته.\n(٦) ينظر: \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٨٤٨، \"اللسان\" ٤/ ٢٢٢٤ (شرب).\n(٧) في \"مجاز القرآن\" ١/ ٤٧.\n(٨) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ١٧٥، وينظر: \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٨٤٨، \"اللسان\" ٤/ ٢٢٢٤.","vol":"3","page":160},{"text":"الإشرابِ: السَّقْي، واستُعملَ في اللون المختلط بغيره تشبيهًا بالسّقي، لأنه لقال للمشرب حُمرةً: إنه لمسقيّ الدم. والمعنى هاهنا: أنهم خلطوا بحب العجل حتى اختلط بهم، ثم بيّن أنّ مَحَلّ ذلك الحُبّ قلوبهم، وأن الخلط حصل فيها، فأضاف أولًا إلى الجملة، ثم خصّ القلوب، كما تقول: ضُربوا على رؤوسهم، أضفت الضرب أولًا إليهم، ثم بيّنت مَحلّ الضَّرب، وإنما ذكره بلفظ الإشراب إخبارًا عن رسوخ ذلك الحُبّ في قلوبهم كإشراب اللَّوْن لِشِدّة الملازمة (١).\nوقوله تعالى: ﴿الْعِجْلَ﴾ أراد: حُبّ العجل فحذف المضاف (٢) كقوله: ﴿وَسْئَلِ القَرْيَةَ﴾ (٣) [يوسف: ٨٢]، ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ﴾ [البقرة: ١٧٧]، وكقول الشاعر:\nوكيف تُوَاصل مَنْ أصبَحتْ ... خِلاَلَتُه كأبي مَرْحَبِ (٤)\n_________\n(١) ينظر: \"الزاهر\" ٢/ ١٠١ و\"غريب القرآن\" ص ٤٨ \"البحر المحيط\" ٢/ ١٨٤٨ وقال: وإنما عبر عن حب العجل بالشرب دون الأكل، لأن شرب الماء يتغلغل في الأعضاء حتى يصل إلى باطنها .. وأما الطعام، فقالوا: هو مجاور لها غير متغلغل فيها، ولا يصل إلى القلب منه إلا اليسير.\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ١٧٥، ونقله في \"اللسان\" ٤/ ٢٢٢٤، وقال في \"البحر المحيط\" ١/ ٣٠٩: وأسند الإشراب إلى العجل مبالغة كأنه بصورته أشربوه.\n(٣) ينظر: \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٦١، الطبري في \"تفسيره\" ١/ ٤٢٣.\n(٤) البيت للنابغة الجعدي، ينظر: \"ديوانه\" ص ٢٦، \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٠٣٥، \"الكتاب\" لسيبويه ١/ ١١٠، \"أمالي القالي\" ١/ ١٩٢ \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٩٣، ١٧٥، \"لسان العرب\" ٤/ ٢٢٢٤ مادة (اشرب) و١/ ٢٥٢ مادة (برد) قال ابن منظور: وأبو مرحب كنية الظِّل والظل منتقل، ويقال: هو كنية عرقوب، الذي قيل عنه: مواعيد عرقوب، والمراد على الأول: كيف تصاحب من لا يدوم على مودة، وإنما هو منتقل غير ثابت.","vol":"3","page":161},{"text":"وأنشد الفراء:\nحَسِبْتَ بُغَامَ راحلتي عَنَاقًا ... وما هي وَيْبَ غيرِك بالعَنَاقِ (١)\nوقوله تعالى: ﴿بِكُفْرِهِمْ﴾ قال بعضهم: أي، باعتقادهم التشبيه؛ لأنهم طلبوا ما يتصوّرُ في نفوسهم (٢). وقال الزجاج: معناه فعل الله ذلك مجازاة لهم على الكفر، كما قال: ﴿بَلْ طَبَعَ الله عَلَيْهَا بِكُفرِهِم﴾ [النساء: ١٥٥] (٣).\nوقوله تعالى: ﴿قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ معناه: إن كنتم مؤمنين فبئس الإيمان إيمانٌ يأمر بالكُفْر، وهذا تكذيب لهم؛ لأنهم كانوا يزعمون أنهم مؤمنون، وذلك أنهم قالوا: ﴿نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا﴾، فكذّبهم الله ﷿، وعيَّرهم بعبادة العجل، وذلك أنّ آباءهم ادعوا الإيمان ثم عبدوا العجل (٤).\nوقوله تعالى: ﴿يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ﴾ من المجاز وسعة العربية؛ لأن الإيمان لا يأمُر، وهو كقوله: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ\n_________\n(١) البيت لذي الخرق الطهوي، ينظر \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٦٢، و\"لسان العرب\" ١/ ٣٢٠ مادة (بغم)، ٥/ ٣٠٥٣ (مادة: عقا) يخاطب الشاعر ذئبًا تبعه في طريقه، وقبله:\nألم تعجب لذئب بات يسري ... ليؤذن صاحبًا له باللحاق\nوقوله ويب كلمة مثل: ويل، تقول: وْيبَك وويب زيد، معناه: ألزمك الله ويلًا، نصب نصب المصدر. بُغام الناقة: صوت لا تفصح به، والعناق: الأنثى من المعز. وقوله: حسبت بغامَ راحلتي عناقًا، أي: بغام عناق.\n(٢) ينظر \"البحر المحيط\" ١/ ٣٠٨ - ٣٠٩.\n(٣) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ١٧٦.\n(٤) \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٠٣٦، \"الوسيط\" ١/ ١٧٦.","vol":"3","page":162},{"text":"وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥]، وكما تقول في الكلام: بئسما يأمرك العقل بشتم الناسِ، معناه: إِن كنْتَ عاقلًا لم تشتمهم، كذلك المعنى في الآية: لو كنتم مؤمنين ما عبدتم العجل (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-314>٩٤ </span>- قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ﴾ الآية، كانت اليهود تقول: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا﴾ [البقرة: ١١١]، وقالوا أيضًا: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨]، فقيل لهم: إن كنتم عند أنفسكم صادقين فتمنوّا الموتَ، فإنّ مَنْ كان لا يشكّ في أنه صائرٌ إلى الجنة، فالجنة آثرُ عنده من الدنيا (٢).\nوالمعنى: إن كانَتْ لكم نعمة الدار الآخرة، فحذف لدلالة الكلام عليه.\nوقوله تعالى: ﴿خَالِصَةً﴾ يجوز أن يكون فاعلةً من الخُلوص، فيكون انتصابها على خبر كان، ويجوز أن يكون مصدرًا، كالكاذبة والصافية والخائنَة، فيكون المعنى: خلصتْ خالِصَةً، ويكون انتصابها على المصدر (٣). ومعنى الخالصة: الصافية من الشائبة.\n_________\n(١) \"البحر المحيط\" ١/ ٣٠٩ \"الوسيط\" ١/ ١٧٦.\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ١٧٧، وينظر في هذا: \"تفسير الطبري\" ١/ ٤٢٢ - ٤٢٣ عن قتادة وأبي العالية والربيع، ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ١/ ٢٨٤، \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٦٢، \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٠٣٦، \"البحر المحيط\" ١/ ٣١٠.\n(٣) ذكر أبو حيان في \"البحر المحيط\" ١/ ٣١٠ الخلاف في إعراب خالصة فقيل: نصب على الحال، ولم يحك الزمخشري غيره، وقيل: خبر كان، فيجوز في (لكم) أن يتعلق بـ (كانت)، ويجوز أن يتعلق بـ (خالصة) ويجوز أن تكون للتبيين، فيتعلق بمحذوف تقديره: لكم أعني، ولم يذكر الانتصاب على المصدرية، وكذا القرطبي في \"تفسيره\" ٢/ ٣٣.","vol":"3","page":163},{"text":"ومعنى قوله: ﴿مِّن دُونِ النَّاسِ﴾ الاختصاص كقولك: هذا لي دونك، أي: أنا مختص به (١).\nوقوله تعالى: ﴿فَتَمَنَّوُا المَوْتَ﴾ معنى التمني: هو قولٌ يقدر فيه معنًى يحبه الطبع، وذكرنا ما فيه عند قوله: ﴿إِلَّا أَمَانِىَّ﴾ وَيُدَلّ على التمني بأداةٍ تميِّزُه من الإخبار، كقولك: ليت الله غفر لي، (وليت) أصل في التمني (٢)، وقد يقام مقامها الاستفهام، كقوله: ﴿فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ﴾ (٣) [الأعراف: ٥٣]، وقولك: ألا ماءَ فأشربَه (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-315>٩٥ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلَن يَتَمَنَّوهُ أَبَدًا﴾ وذلك أنهم كفروا، وعرفوا أنهم كَفَرة، ولا نصيب لهم في الجنة؛ لأنهم تعمدوا كتمانَ أمر النبي - ﷺ - وتكذيبَه.\nوقوله تعالى: ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ أي: بما قدموه وعملوه (٥)، فأضاف ذلك إلى اليد، لأن أكثر جنايات الإنسان تكون بيده، فيضاف إلى اليد كل جناية، وإن لم يكن لليد فيها عمل، فيقال: هذا ما اجترحته يدك (٦).\nوقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ فيه معنى التهديد، أي: عليم بمجازاتهم، وهذا جرى على مستعمل الكلام يقول الرجل لمن أتى إليه مُنْكَرًا: أنا أعرفك، وأنا بصير بك، تأويله: أنا أعلم ما أعاملك به، وإلا\n_________\n(١) ينظر: \"البحر المحيط\" ١/ ٣١٠.\n(٢) ينظر: \"مغني اللبيب\" ١/ ٢٨٥.\n(٣) كذا أورده في مقام التمني: \"القرطبي\" ٧/ ٢١٨.\n(٤) ينظر: \"مغني اللبيب\" ١/ ٦٩.\n(٥) في (أ): (قدموا فأضاف).\n(٦) ينظر: \"البحر المحيط\" ١/ ٣١٢ وبين أن هذا الاستعمال كثير في القرآن، وقيل: المراد: اليد الحقيقية هنا، والذي قدَّمته أيديهم: هو تغيير صفة الرسول - ﷺ -، وكان ذلك بكتابة أيديهم.","vol":"3","page":164},{"text":"فالله عليم بالظالمين وغيرهم (١).\nوفي هذه الآية أبيَن دلالة عَلَى صدق نبيّنا محمد - ﷺ - لأنه أخبر عن الله أنهم لا يتمنون الموت، وقالي: \"لو تمنوا الموت لغصَّ كلُّ إنسانٍ بريقه، وما بقي على وجه الأرض يهودي إلاّ مَاتَ\" (٢)، ثمَّ لم يَرَوا مَعَ حرصهم على تكذيبه أن أحدا أتاه، وقال: يا محمد، أنا أشتهي الموت وأتمناه؛ لأنهم علموا أنهم لو تمنوا الموت لَم يَبقَ منهم صغير ولا كبير إلّا مات، فكان إحجامهم عن ذكر الموت دليلًا على عنادهم الحق وتكذيب من يعرفون صِدقه، ويعلمون صحَّة نبوَّته - ﷺ - (٣).\n_________\n(١) من \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ١٧٧.\n(٢) الحديث بهذا اللفظ ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ١٠٣٧ عن ابن عباس مرفوعًا وأخرج البيهقي في دلائل النبوة ٦/ ٢٧٤ من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس مرفوعًا، وفيه: \"لا يقولها رجل منكم الا غص بريقه فمات مكانه\" وفي السند الكلبي. وأخرج أحمد ١/ ٢٤٨ وأبو يعلى ١/ ٤٢٤ - ٤٢٥، الطبري في تفسيره ٢/ ٣٦٢ من طريق عبد الكريم الجزري عن عكرمة عن ابن عباس مرفوعًا: وفيه: \"ولو أن اليهود تمنوا الموت لماتوا، ورأوا مقاعدهم من النار\" قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٨/ ٢٢٨: في الصحيح طرف من أدلة، رواه أحمد وأبو يعلى، ورجاله الصحيح. وقال أيضًا ٦/ ٣١٤: هو الصحيح بغير سياقه، رواه البزار، ورجاله رجال الصحيح وأصله كما قال في البخاري (٤٩٥٨) كتاب التفسير باب: ﴿كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ﴾ والترمذي كتاب التفسير باب من سورة اقرأ باسم ربك برقم (٣٣٤٨) وأحمد ١/ ٣٦٨ وليس فيه: ولو أن اليهود ... وأخرج الطبري في تفسيره، ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ١/ ٢٨٤ عن ابن عباس موقوفًا: لو تمنوا الموت لشرق أحدهم بريقه. وأخرجا عن عكرمة نحوه، وأورد ابن كثير في تفسيره هذه الموقوفات عن ابن عباس ص ١١٥ وصحح أسانيدها إليه.\n(٣) ينظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ١٧٦، \"تفسير الطبري\" ١/ ٤٢٤ - ٤٢٥، \"البحر المحيط\" ١/ ٣١٠ - ٣١٢.","vol":"3","page":165},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-316>٩٦ </span>- قوله تعالى: ﴿وّلَتَجِدَنَّهُم﴾ دخلت اللام والنون لأن القسم مضمر تقديره: والله لتجدنهم، فهو جواب القسم (١)، فأكّد باللام والنون، وهذه النون إذا دخلت عَلَى (يفعل) فُتِحَ لدخولها، وبني الفعل معها على الفتح نحو: ليفعلنّ، وحذْفُ النون التي تَثبُت في نحو (٢) يفعلان، في الرفع مع النون الشديدة (٣)، كحذف الضمة في (ليفعلن).\nومَعناه: ولَتجدنّ اليهود، يعني: علماءهم، وهؤلاء الذين كتموا أمر محمد - ﷺ - عن عنَادٍ في حالِ دعائك إياهم إلى تمني الموت أحرص الناس على حياة؛ لأنهم علموا أنهم صائرون إلى النار إذا ماتوا في أمر محمدعليه السلام (٤). والحرص: شدّة الطَلَب، يقال: رجل حريصٌ، وقوم حِرَاص، ومِنْهُ:\nعليّ حِرَاصًا لَو يُسِرُّون مَقتَلي (٥)\nومنه يقال: حَرَص القَصَّارُ الثوبَ، إذا ألحَّ في الدقِّ إلحاح الحَريص. والحَارِصَة: شَجّةٌ تشقّ الجلد قليلًا، كما يحرص القصَّار الثوب عند الدقّ (٦).\n_________\n(١) \"تفسيرالثعلبي\" ١/ ١٠٣٨.\n(٢) ساقطة من (م).\n(٣) يعني عند التوكيد فتقول: يفعلانِّ.\n(٤) ينظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ١٧٨.\n(٥) عجز بيت لامرئ القيس من معلقته في \"شرح القصائد السبع الطوال\" لابن الأنباري ص ٤٩، وصدره:\nتجاوزتُ أحراسًا إليها ومعشرًا\n(٦) ينظر: \"تهذيب اللغة\" ١/ ٧٨٦، \"اللسان\" ٢/ ٨٣٥ (حرص).","vol":"3","page":166},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ قال الفرّاء (١)، والزجَّاج (٢): أي، وأحرص من الذين أشركوا، وهذا كما يقال: هو أسخى الناس ومن هَرِم، أي: وأسخى من هَرِم.\nوحقيقة الإشراك: عبادة غير الله مع الله، وهو أن يجعَل عبادته مشتركةً بين الله وغيره، ثم يسمّى كلُّ كافر بالله مُشرِكًا من عظم ذنبه حتى ساوى به عظم ذنب المشرك في عبادة الله.\nوقال بعضهم (٣): تم الكلامُ عند قوله: ﴿عَلَى حَيَاةٍ﴾، ثم ابتدأ، فقال (٤): ﴿وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ﴾، أي: من يود، فأضمر الموصول بيَوَدّ كقول ذي الرُمَّة:\nفظلوا وَمنهم (٥) دمعُه سابقٌ له ... وآخرُ تُذري دمعَه العينُ بالهَملِ (٦)\nأراد: ومنهم من دمعه سابق (٧). وهذا الوجه يضعف من جهتين:\nإحداهما: أن المراد بالآية بيان حرص اليهود على الحياة، فلا يحسن قطع الكلام عند قوله: ﴿عَلَى حَيَاةٍ﴾ ثم الإخبار عن غيرهم بحب التعمير.\n_________\n(١) ينظر: \"معاني القرآن\" ١/ ٦٢.\n(٢) ينظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ١٧٨.\n(٣) ينظر: \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١٠٣٩.\n(٤) في (أ) و(ش): (قال).\n(٥) ساقطة من (م).\n(٦) البيت في \"ديوانه\" ص ١٤١، \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٠٣٩، وبلا نسبة في \"الدر\" ٢/ ٦٦، و\"همع الهوامع\" ١/ ١١٦. وينظر: \"المعجم المفصل في شواهد اللغة\" ٦/ ٥٦٣.\n(٧) \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٠٣٩.","vol":"3","page":167},{"text":"والأخرى: أنه لا يجوز حذف الموصول وترك صلته، واستقصاء هذا مذكور عند قوله: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ في سورة [النساء: ٤٦]\nواختلفوا في المعْنيّ بقوله: الذين أشركوا، فقال أبو العالية (١)، والربيع (٢): هم المجوس، وإنما وصفوا بالإشراك؛ لأنهم يقولون بالنور والظلمة، وَيزدَان، وأَهرَمَن، وهم أيضًا موصوفون بالحرص على الحياة، ولهذا جعلوا التحيّة بينهم: زِه هَزَار (٣) سَال، أي: عِشْ ألف سنة (٤)، وقال أبن عباس: أراد منكري البَعْث، ومن أنكر البَعث فهو يحب طول الحياة؛ لأنه لا يرجو بعثًا بعد الموت (٥). قال العلماء: وإنما كانت اليهود أحرص من الذين أشركوا؛ لأن المشركين لا يؤمنون بالمعاد، ولا يخافون النار، واليهود تؤمن، وقد علموا ما جَنَوا فهم يخافون النار (٦).\nوقوله تعالى: ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ﴾، أي: أحد اليهود أن (٧) يعمر ألف سنة؛\n_________\n(١) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ١/ ٤٢٩، ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ١/ ١٧٩.\n(٢) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ١/ ٤٢٩.\n(٣) في (ش): (هزاز).\n(٤) أخرج نحوه الثوري ص ٤٧، والطبري في \"تفسيره\" ١/ ٤٢٩ - ٤٣٠، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ١/ ١٧٩ عن ابن عباس وسعيد بن جبير ورواه الحاكم في المستدرك عن ابن عباس قال: هو قول الأعاجم إذا عطس أحدهم: زه (يعني: زي، الأمر من مصدر \"زيستن\") هزار سال، يعني: عش ألف سنة، فمعنى زه: عش؛ وهزار: ألف، وسال: سنة.\n(٥) أخرجه الطبري ١/ ٤٢٩، وابن أبي حاتم ١/ ١٧٩.\n(٦) ينظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ١٧٨، و\"البحر\" ١/ ٣١٣.\n(٧) في (م): (لو يعمر).","vol":"3","page":168},{"text":"لأنه يعلم أن آخرته قد فسدت عليه، فالبقاء في دار الدنيا آثر عنده من القدوم على العذاب الأليم.\nوقوله تعالى: ﴿يَوَدُّ﴾ يقال: وَدِدتُ أوَدّ، والمصدر: الوَدّ، والوُدّ، والوِداد، والوَدادة، أنشد الفرّاء (١):\nودِدت ودادَةً لو أَنّ حظّي ... مِنَ الخُلَّانِ أن لا يَصرمُوني (٢).\nويقال أيضًا: وَدَادًا بالفتح، ووِدَادَةً بالكسر، ويقلّ (٣) هذان، واستقصاء هذا يذكر عند قوله: ﴿إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ﴾ [هود: ٩٠] (٤).\nوقوله تعالى: ﴿لَوْ يُعَمَّرُ﴾ يقال: عَمَّرَه الله تعميرًا، إذا أطال عمره، وأصله من العمارة، الذي هو ضدّ الخراب، والعُمُر: اسم للمدّة التي يُعَمَّرُ فيها البدن بالحياة والنمو (٥).\nوقوله تعالى: ﴿أَلْفَ سَنَةٍ﴾ سُمي الألف ألفًا، لأنه تأليف العشرات في عِقْدٍ، ويقال: ثلاثة آلاف إلى العشرة، ثم أُلُوف جمع الجمع، والألف مذكر، وإذا أُنِّثَ على أنه جمع فهو جائز، وكلام العرب فيه التذكير (٦)،\n_________\n(١) نقله عن الفراء صاحب \"اللسان\" ٨/ ٤٧٩٢، ولم أجده في \"معاني القرآن\" والظاهر أنه في المصادر للفراء.\n(٢) البيت بلا نسبة في: \"لسان العرب\" ٨/ ٤٧٩٣.\n(٣) في (ش): (ونقل).\n(٤) ينظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ١٧٩، \"اللسان\" ٨/ ٤٧٩٣ (ودد)، \"المفردات\" للراغب ٥٣٢، وقال: الود: محبة الشيء، وتمني كونه، ويستعمل في كل واحد من المعنيين.\n(٥) ينظر: \"المفردات\" ٣٥٠، \"اللسان\" ٥/ ٣٠٩٩ (عمر).\n(٦) ينظر \"تهذيب اللغة\" ١/ ١٨٣، \"المفردات\" ٣٠، \"اللسان\" ١/ ١٠٨ مادة (ألف).","vol":"3","page":169},{"text":"وقال أبو عبيد: يقال: آلفتُ القوم، إذا جعلتهم ألفًا، وقد آلفوا هم، إذا صاروا ألفًا (١). وأما السنة فأصلها والكلام فيها يذكر عند قوله: ﴿لَمْ يَتَسَنَّه﴾ [البقرة: ٢٥٩]. وخَصَّ الألف هاهُنا بالذكر: لأنه نهاية العُقُود، وقيل: لأنه نهاية ما كانت تدعُو بهِ المجوس لملوكها (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا هُوَ﴾ الكناية راجعة إلى أحدهم، كأنه قيل: وما أحدهم بمزحزحه من العذاب تعميره، كما تقول: ما عبد لله بضاربه أبوه.\nقال أبو إسحاق: ويصلح أن يكون هو كناية عما جرى ذكره من طول العمر، وهو قوله: (لو يعمر) فيكون: وما تعميره بمزحزحه (٣)، والفعل يدل على المصدر، كقوله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١] وإنه يريد إنأكله، وعلى هذا قوله: ﴿وأَن يُعَمَّرَ﴾ تكرير لذكر التعمير، فيكون كقوله: ﴿وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ﴾ أعاد المصدر بعد ما كنى عنه (٤).\nوقال ابن الأنباري: يجوز أن يكون هو كناية عن الشأن والأمر في قول الكسائي، والمعنى عنده: وما الشأن بمزحزحه من العذاب أن يعمَّر (٥).\nقال: ويجوز أن يكون عمادًا في قول الفراء. والعرب تدخل (هو) للعماد مع (ما) في الجحد و(هل) و(واو الحال)، فيقولون: هل هو قائم\n_________\n(١) نقله عنه في \"تهذيب اللغة\" ١/ ١٨٣، \"اللسان\" ١/ ١٠٨.\n(٢) ينظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ١٧٨، \"تفسير الطبري\" ١/ ٤٢٩، \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٠٣٩، \"زاد المسير\" ١/ ١١٧.\n(٣) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ١٧٨.\n(٤) ينظر: \"البحر المحيط\" ١/ ٣١٥.\n(٥) وأجاز هذا الوجه أبو علي كما في \"البحر المحيط\" ١/ ٣١٥، وقال في التبيان ١/ ٧٨: ولا يجوز أن يكون هو ضمير الشأن لأن المفسر لضمير الشأن مبتدأ وخبر، ودخول الباء في بمزحزحه يمنع من ذلك.","vol":"3","page":170},{"text":"عبد الله؟ وما هو بقائم زيد، ولقيت محمدًا وهو حسن وجهه (١). واحتج بما أنشده الفراء:\nفَهَلْ هُوَ مَرْفُوعٌ بما هاهنا رأسُ (٢)\nمن أبيات ذكرها (٣). والزحزحة الإبعاد والتنحية، يقال: زحّه وزحزحه فتزحزح: إذا تنحى (٤).\nوقوله تعالى: ﴿أَن يُعَمَّرَ﴾ في موضع رفع بمزحزحه كما يرتفع الفاعل بالفعل؛ لأن المعنى: ما يزحزحه تعميره (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-317>٩٧ </span>- وقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾ الآية، سألت اليهود نبي الله - ﷺ - عمن يأتيه من الملائكة فقال: جبريل فقالوا: هو عدونا، ولو\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٥١ - ٥٢، وينظر أيضًا: \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ١٧٩، و\"التبيان\" ١/ ٧٨.\n(٢) ذكره الفراء في \"معاني القرآن\" ١/ ٥١ - ٥٢ فقال: وأنشدني بعض العرب، والأبيات:\nفأبلغ أبا يحيى إذا ما لقيتهَ ... على العِيسِ فىِ آباطِها عَرَقٌ يَبْسُ\nبأن السُّلامِيَّ الذي بضَرِيَّةٍ ... أميَر الحِمَى قد باع حقي بني عبسِ\nبثوبٍ ودينارٍ وشاةٍ ودرهمٍ ... فهل هو مرفوع بما هاهنا رأسُ\n(٣) ابن الأنباري. قال في \"البحر المحيط\" ١/ ٣١٦: وتلخص في هذا القول الضمير، أهو عائد على أحدهم أو على المصدر المفهوم من يعمر، أو على ما بعده من قوله: أن يعمر أو هو ضمير الشأن، أو عماد، أقوال خمسة أظهرها الأول.\n(٤) ينظر: \"تفسير ابن أبي حاتم\" ١/ ١٧٩، \"البحر المحيط\" ١/ ٢٩٨، \"اللسان\" ٣/ ١٨١٦، \"القاموس\" ٢٢٢.\n(٥) ينظر: \"البحر المحيط\" ١/ ٣١٥ قال: وأجازوا أن يكون هو ضميرًا عائدًا على المصدر المفهوم من قوله: لو يعمر. وأن يعمر بدل منه، وارتفاع هو على وجهين من كونه اسم ما، أو مبتدأ.","vol":"3","page":171},{"text":"أتاك بالوحي ميكائيل لتقبلنا منك، فأنزل الله تعالى هذه الآية (١).\nوجبريل فيه لغات (٢)، بعضها قرئ به (٣)، وبعضها لم يقرأ به (٤)،\n_________\n(١) أخرجه أحمد في \"مسنده\" ١/ ٢٧٤، والنسائي في \"السنن الكبرى\"، في عشرة النساء، كما في \"تحفة الأشراف\" ٤/ ٣٩٤، والترمذي (٣١١٧) كتاب باب ومن \"التفسير\"، سورة الرعد وقال: حسن غريب، وأبو نعيم في \"الحلية\" ٤/ ٢٣٧ وقال: غريب من حديث بكير، تفرد به بكير، الطبري في تفسيره ١/ ٤٣ - ٤٣٢، ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ١/ ١٨٠، وعبد بن حميد كما ذكره ابن كثير في التفسير، وصححه الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على الطبري في تفسيره. وقال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" ٨/ ٢٤٢: رواه الترمذي باختصار ورواه أحمد والطبراني ورجالهما ثقات وصححه الألباني في \"صحيح سنن الترمذي\" (٣١١٧) قال الطبري في تفسيره ١/ ٤٣١: أجمع أهل العلم جميعًا على أن هذه الآية نزلت جوابًا لليهود من بني إسرائيل، إذ زعموا أن جبريل عدو لهم، وأن ميكائيل ولي لهم، ثم اختلفوا في السبب الذي من أجله قالوا ذلك وحكى الإجماع أيضًا أبو حيان في \"البحر\" ١/ ٣١٩ قال الحافظ ابن حجر في \"العجاب\" ١/ ٢٩٨ بعد أن ذكر الروايات في سبب النزول: وحاصل ما ذكر فيه ثلاثة أقوال:\nأحدها: قول الجمهور: أن عداوتهم لكونه ينزل العذاب.\nثانيها: كونه حال دون قتل بختنصّر الذي خَرّب مسجدهم، وسفك دمائهم، وسبى ذراريهم.\nثالثها: كونه عدل بالنبوة عن بني إسرائيل إلى بني إسماعيل.\n(٢) استقصى اللغات في جبريل وميكائيل: الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ١٠٤٤ وما بعدها، وأبو حيان في \"البحر\" ١/ ٣١٨، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ١/ ١١٧ - ١١٩.\n(٣) قرأ نافع وأبو جعفر وأبو عمرو ويعقوب وابن عامر وحفص، بكسر الجيم والراء بلا همز، وقرأ ابن كثير كذلك ولكن مع فتح الجيم، وقرأ شعبة بفتح الجيم والراء وبعدها همزة مكسورة، وقرأ كذلك حمزة والكسائي وخلف، ولكن بزيادة ياء\nساكنة بعد الهمزة، ولحمزة إن وقف عليه التسهيل فقط. وأما ميكال، فقد قرأ نافع وأبو جعفر بهمزة مكسورة بعد الألف من غير ياء بعدها، وقرأ حفص وأبو عمرو ويعقوب من غير همز ولا ياء، وقرأ الباقون بهمزة مكسورة بعد الألف وياء ساكنة بعدها، ولحمزة فيه التسهيل مع المد والقصر.\nينظر: \"السبعة\" ص ١٦٦ - ١٦٧، و\"النشر\" ٢/ ٢١٩، و\"البدور الزاهرة\" ص ٤٦.\n(٤) ينظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ١٧٩، وذلك مثل: قراعة ابن محيصن (جبرئل) =","vol":"3","page":172},{"text":"وكذلك ميكائيل وإسرائيل.\nوهذه أسماء عجمية (١) وقعت إلى العرب (٢) (٣)، فإذا أُتي بها على ما في أبنية العرب مثلُه كان أذهب في باب التعريب، يقوي ذلك: تغييرهم للحروف المفردة التي ليست من حروفهم، كتغييرهم الحرف الذي بين الفاء والباء في قلبهم إياه إلى الباء المحضة أو الفاء المحضة، كقولهم: البِرِنْدُ والفِرِنْدُ (٤)، وكذلك تغييرهم الحركة التي ليست في كلامهم، كالحركة التي في قول العجم: رُوز وآشُوب (٥) يخلصونها ضَمّةً، فكما (٦) غيروا الحروف والحركات إلى ما في كلامهم فكذلك القياس في أبنية هذه الأسماء (٧)، إلا أنهم قد تركوا أشياء من العجمية على أبنية العجم التي ليست من أبنية العرب كالآجُرِّ (٨) والإِبْريسَم (٩) والفِرِنْد (١٠)، وليس في الكلام على هذه\n_________\n= وقراءة الحسن (جبرائل). ينظر: \"المحستب\" ١/ ٩٧، و\"القراءات الشاذة\" للقاضي ص ٣١.\n(١) في (م): (أسماء عربية وعجمية).\n(٢) في (م): (للعرب).\n(٣) في \"الحجة\": وهذه أسماء معربة.\n(٤) في (ش): (القرند).\n(٥) في \"الحجة\" (زورْأ اشُوْب). قال المحققان: في المعجم في اللغة الفارسية: زور: قوة، غلبة، وآشوب: من أشوفتين: الاضطراب.\n(٦) في (م) و(ش): (كما).\n(٧) قال ابن جني في \"المحتسب\" ١/ ٩٧: عن العرب إذا نطقت بالأعجمي خَلّطَتْ فيه .. وذكرنا أنهم قد يحرِّفون ما هو من كلامهم فكيف مما هو من كلام غيرهم. وقال في ١/ ٩٨: وهم لما كثر استعماله أشد تغييرًا.\n(٨) الآجُرّ: اللَّبِنُ إذا طُبخ، بمد الهمزة، والتشديد أشهر من التخفيف، الواحدة آجُرَّة وهو مُعَرّب، ينظر \"المصباح المنير\" ص ٦.\n(٩) الإبْرِيسَمُ: بفتح السين وضمها، هو الحرير، أو معرَّبٌ مُفَّرِّحٌ للبدن، معتدلٌ مُقَوٍّ للبَصر إذا اكتحل به، \"القاموس\" ١٠٧٩.\n(١٠) الفِرِنْد: بكسر الفاء والراء، السيف وجواهره ووشيه. ينظر: \"القاموس\" ص ٣٠٦.","vol":"3","page":173},{"text":"الأبنية. فمن قال جِبْرِيل بكسر الجيم وحذف الهمز كان على لفظ قِنْديل وبِرْطيل (١)، فإذا فتحتها فليس لهذا البناء مِثْلٌ في كلام العرب، فيكون هذا من باب الآجُرِّ والفرند ونحو ذلك من المُعَرَّب، الذي لم يجئ له مِثْل في كلامهم (٢).\nومن قال جَبْرَئيل: على وزن جبرعل كان على وزن: جَحْمَرِش (٣) (٤) وصَهْصَلْق (٥). وجَبْرَئيل على وزن: عَندَليب (٦)، والخارج من الأبنية العربية: جَبْريل، ألا ترى أنه ليس في أبنيتهم مثل مَنْدِيل، إلا أنه مُتَّجِهٌ وإن لم تجئ في أبنيتهم، وكلا المذهبين حسن لاستعمال العرب لهما جميعًا، وإن كان الموافق لأبنيتهم أذهب في باب التعريب (٧)، وقد جاء في أشعارهم الأمران (٨): قال جرير:\nعبدوا الصّليبَ وكذّبوا بمحمدٍ ... وبِجبْرَئيلَ وكذّبوا ميكالا (٩)\n_________\n(١) البِرطِيل: بكسر الباء: الرشوة، ينظر: \"المصباح المنير\" ص ٤٢.\n(٢) هذا كله كلام أبي علي في \"الحجة\" ٢/ ١٦٤، ١٦٥.\n(٣) في (ش): (جمحرش) وفي (م): (جمحرين).\n(٤) الجَحْمَرِشُ: العجوز الكبيرة، والمرأة السمجة، والأرنب المرضع، ومن الأفاعي: الخشناء، وجمعه: جَحَامرِ ينظر: \"القاموس\" ص ٥٨٦.\n(٥) الصهصلق: العجوز الصَّخَّابة، ومن الأصوات: الشديد. ينظر: \"القاموس\" ص ٣٠٦.\n(٦) العَنْدَلِيبُ: طائرٌ يقال له: الهزارُ، يصَوِّت ألوانًا، وجمعه: عَنَادِل: \"القاموس\" ١١٨.\n(٧) من كلام أبي علي في \"الحجة\" ٢/ ١٦٥.\n(٨) في \"الحجة\" الأمران: ما هو على لفظ التعريب، وما هو خارج عن ذلك.\n(٩) البيت لجرير من قصيدة له في هجاء تغلب، ينظر: \"شرح ديوان جرير\" ٣٦١،=","vol":"3","page":174},{"text":"وقال حسان (١):\nوجبريلٌ رسولُ الله فينا ... وروحُ القُدْس ليس به خفاءُ (٢)\nوقال كعب بن مالك:\nويوم بدر لقيناكم لنا مَدَدٌ ... فيه مع النصرِ جبريل وميكالُ (٣)\nقال أبو علي الفارسي (٤): وليس قول من قال: إن إيل وإل اسم الله وأضيف ما قبلهما إليهما، كما يقال عبد الله (٥) بمستقيم من وجهين:\n_________\n=، \"إعراب القرآن\" للزجاج ١/ ١٧٩، \"تفسير الطبري\" ١/ ٤٣٦، \"الحجة\" لأبي علي٢/ ١٦٧، \"البحر المحيط\" لأبي حيان ١/ ٤٨٦.\n(١) هو حسان بن ثابت بن المنذر الخزرجي الأنصاري، أبو الوليد الصحابي، شاعر الرسول - ﷺ - وأحد المخضرمين الذين أدركوا الجاهلية والإسلام، دافع بشعره عن الإسلام ونبيه - ﷺ -، إلا أنه لم يشهد معه مشهدا لعلة أصابته. ينظر: \"الإصابة\" ١/ ٣٢٦، و\"الأعلام\" ٢/ ١٧٥.\n(٢) البيت لحسان بن ثابت، في \"ديوانه\" ص ٧٥، و\"لسان العرب\" ٧/ ٣٨٩٢ (مادة: كفأ)، ١/ ٥٣٥ (مادة: جبر). ورواية الزجاج وأبي علي: ليس له كفاء، ونفى صاحب \"الخزانة\" ١/ ١٩٩ أن يكون البيت لحسان.\n(٣) نَسب أبو علي البيت لكعب، ونُسِب لحسان في \"ديوانه\" ص ٢٠٤ وجبريل بدل ميكال، وكذا نسبه في \"لسان العرب\" ٧/ ٤٢٥٢ (مادة: مكا). ورواية \"اللسان\" ميكال وجبريل.\n(٤) من كلام أبي علي في \"الحجة\" ٢/ ١٦٧ - ١٦٨، وقال في \"البحر المحيط\"١/ ٣١٩: (فإنه نزله) ليس هذا جواب الشرط لما تقرر في علم العربية أن اسم الشرط لابد أن يكون في الجواب ضمير يعود عليه ... وإنما الجزاء محذوف لدلالة ما بعده عليه، بالتقدير: فعداوته لا وجه لها أو ما أشبه هذا التقدير.\n(٥) ذكر ذلك الماوردي في \"النكت والعيون\" ١/ ١٦٣، وقال: وهذا قول ابن عباس، وليس له من المفسرين مخالف، ونقله عنه القرطبي في \"تفسيره\" ٢/ ٣٣ ثم نقل خلافه، ونقل ابن كثير في تفسيره الخلاف أيضًا. ونقل هذا القول أبو حيان في \"البحر المحيط\" ١/ ٣١٧، وينظر: \"الإجماع في التفسير\" ص ١٧٩ - ١٨٢.","vol":"3","page":175},{"text":"أحدهما: أن إيل وإل (١) لا يعرفان في أسماء الله سبحانه في اللغة العربية. والآخر: أنه لو كان كذلك لم ينصرف (٢) آخر الاسم في وجوه العربية، ولكان الآخر مجرورًا، كما أن عبد الله كذلك (٣). وهذا الذي قاله أبو علي أراد أنه ليس في اللغة العربية على الوجه الذي ذكروا بمستقيم. وقد قال جماعة من أهل العلم: جَبر وميك: هو العبد بالسُريانية، وإيل هو الله ﷿ (٤). وروي ذلك من خبر مرفوع، قال: إنما جبريل وميكائل كقولك: عبد الله وعبد الرحمن (٥).\nقوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُ﴾ يعني جبريل ﴿نَزَّلَهُ﴾ يعنى: القرآن، كنى عنه ولم يجئ له ذكر، وهو كثير، وقيل: فإن الله نزل جبريل على قلبك (٦).\nوقيل: جواب من مُضمر، أراد: من كان عدُوًّا لجبريل فليخف، أو ليَمُتْ غيظا أو ما أشبهه من الإضمار (٧).\nوقوله تعالى: ﴿عَلَى قَلْبِكَ﴾ يعني: قلبَ محمد - ﷺ - قال الفراء: ولو كان: على قلبي، كان صوابًا، مثله في الكلام: لا تقل للقوم: إن الخَيْر\n_________\n(١) من قوله: (اسم الله وأضيف) .. ساقط من (ش).\n(٢) في (ش): (ينصرف).\n(٣) \"الحجة\" ١/ ١٦٩، وينظر: \"البحر المحيط\" ١/ ٣١٧.\n(٤) ينظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ٤٣٦ - ٤٣٧، \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٠٤٨، \"زاد المسير\" ١/ ١١٩، و\"الدر المنثور\" ١/ ١٧٦.\n(٥) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ١٠٤٨ بسنده من طريق أبي معاوية عن الأعمش عن إسماعيل بن رجاء بن ربيعة الزبيدي عن معاوية يرفعه، ونسبه في \"الدر المنثور\" ١/ ١٧٦ إلى الديلمي عن أبي أمامة، وهو من مظان الحديث الضعيف والله أعلم.\n(٦) ينظر: \"التفسير الكبير\" للرازي ٣/ ١٩٦، \"البحر المحيط\" ١/ ٣٢٠ ورجَّح الأول.\n(٧) ينظر: \"التبيان\" ١/ ٧٩.","vol":"3","page":176},{"text":"عندي وعندك، أما عندك فجائز؛ لأنه كالخطاب، وأما عندي فهو قول المتكلم بعينه (١)، وقد تقدم لهذا نظائر.\nوقوله تعالى: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ قال ابن عباس: لما قبله من الكتب التي أنزلها الله ﷿ (٢).\nوفي قوله تعالى: ﴿وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ رد على اليهود حين قالوا: إن جبريل ينزك بالحرب والشدة، فقيل: إنه وإن كان ينزل بالحرب والشدة على الكافرين فإنه ينزل بالهدى والبشرى للمؤمنين (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-318>٩٨ </span>- قوله تعالى: ﴿مَن كاَنَ عَدُوًّا﴾ أي: معاديًا؛ لأن العدوَّ فعول بمعنى فاعل، ولا يصح العداوة لله على الحقيقة؛ لأن العداوةَ للشيء طلب الإضرار به بُغْضًا له، وإنما قيل للكافر: عدوّ الله، من عداوة الله له، أو لأنه بفعل فعل المُعَادي (٤).\nوقوله تعالى: ﴿وَمَلاَئِكَتِهِ﴾ يريد: كجبريل وميكائيل، وذلك أن اليهود قالت لعمر - ﵁ -: إن صاحب محمد من الملائكة جبريلُ، وهو عدوّنا، يُطْلعُ محمدًا على سرّنا، وهو صاحب كل عذاب وخسف وسَنَةٍ وشدّة، فقالٍ عمر: فإني أَشْهد أن من كان عدوًّا لجبريل فهو عدوُ ميكائيل، ومن كان عدوًّا لهما فإن الله عدو له، ثم (٥) أتى عمر النبي - ﷺ -، فوجد جبريل قد سبقه\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٦٣، وينظر: \"تفسير الرازي\" ٣/ ١٩٦ \"البحر المحيط\" ١/ ٣٢٠.\n(٢) أخرجه الطبري في تفسيره ١/ ٤٣٨ - ٤٣٩، وينظر: \"تفسير الرازي\" ٣/ ١٩٧.\n(٣) ينظر: \"البحر المحيط\" ١/ ٣٢١.\n(٤) ينظر: \"البحر المحيط\" ١/ ٣١٩.\n(٥) في (م): (وأتى).","vol":"3","page":177},{"text":"بالوحي، فقرأ عليه رسول الله - ﷺ - هذه الآيات، وقال: \"لقد وافقك ربك يا عمر\"، فقال عمر: لقد رأيتني في دين الله أصلب من الحجر (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَرُسُلِهِ﴾ يعني: محمدًا وعيسى كفرت بهما اليهود.\nوقوله تعالى: ﴿وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ (٢) أخرجهما من الجملة بالذكر (٣) تخصيصًا وتشريفًا (٤)، كقوله: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ [الرحمن: ٦٨]، وكقوله: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾ [الجن: ١٨]، بعد قوله: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [النجم:٣١].\nوقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ قال محمد بن يزيد (٥):\nظهرت الكناية في قوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ﴾ لأن الفاء جواب الجزاء وما بعدها مستأنف، فلما كان مبتدأً لم يقع (٦) فيه كناية عن ظاهر سبقها، لأنه ليس\n_________\n(١) رواه الطبري في \"تفسيره\" ١/ ٤٣٣ - ٤٣٤، عن قتادة والسدي بنحوه، وعزاه في \"الدر المنثور\" ١/ ١٧٤ لسفيان بن عيينة عن عكرمة. وذكر القصة بطولها الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ١٠٤٤، ورواه الواحدي في \"أسباب النزول\" ص ٣٢ بسنده عن الشعبي عن عمر، وهو لم يلق عمر. ولقصة عمر هذه طرق كثيرة. وقد قوى الحافظ ابن حجر في \"فتح الباري\" ٨/ ١٦٦القصة بطرقها. وينظر ابن كثير في \"تفسيره\"\n١/ ١٤٠، ١٤١، و\"الدر المنثور\" ١/ ١٧٤ - ١٧٥، وقال: صحيح الإسناد ولكن الشعبي لم يدرك عمر.\n(٢) في (أ): (وميكايل)، وفي (ش): (وميكائيل).\n(٣) في (م): (من الذكر).\n(٤) ينظر: \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٠٤٩، \"زاد المسير\" ١/ ١١٩، \"التفسير الكبير\" للرازي ١/ ١٩٨، وذكر جوابًا ثانيًا وهو: أن الذي جرى بين الرسول واليهود هو ذكرهما، والآية نزلت بسببهما فلا جرم نص على اسميهما. وقد أطال البحث في ذلك أبو حيان في \"البحر\" ١/ ٣٢٢.\n(٥) يعني المبرد.\n(٦) في (م): (لم يكن يقع).","vol":"3","page":178},{"text":"سبيل المكني أن يكون مبتدأً، بل سبيله أن يتقدمه ظاهر، والعرب تقول: إن ضربت زيدًا فإن زيدًا يضربك، إن ضربت زيدًا فإنه يضربك، فالذي بقول بالإظهار يحتج بأن الذي بعد الفاء مستأنف، و(إنَّ) من (١) علامات الاستئناف، والاستئناف (٢) يكون بالظاهر لا بالمكني. والذي يقول بالكناية يحتج بأن جواب الجزاء ملابسٌ للأوَّل في المعنى لتعلقه به، فالذي في الجزاء يكفي من الذي في الجواب، فتصح الكناية لهذه العلة (٣).\nوقال غيره: إنما أظهر الكناية لأنه ذكر الملائكة والرسل، فلو كنى لذهبَ الوهمُ إلى واحد من الملائكةِ، أو الرسلِ، أو إلى جبريل، أو إلى ميكائيل، فأظهر الكناية ليزيل اللبس (٤).\nومعنى الآية: من كان عدوًا لأحد هؤلاء فإن الله عدو له، لأن عدوّ الواحد عدو الجميع، وعدو محمدٍ عدوُّ الله. ومثله قوله: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ [النساء: ١٣٦]؛ لأن الكافر بالواحد كافر بالكل (٥).\nوالواو هاهنا بمعنى أو (٦). وقال: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ ولم يقل: فهم أعداء له؛ لأنه تولى تلك العداوة بنفسه، وكفى رسله وملائكته أمر من عاداهم. وإنما لم يقل: فإن الله عدو لهم أوله بالكناية؛ ليدل مع أنه عدو لهم على أنهم كافرون بهذه العداوة (٧).\n_________\n(١) في (م): (لأن).\n(٢) ساقطة من (م).\n(٣) ينظر: \"البحر المحيط\" ١/ ٣٢٢.\n(٤) ينظر: \"البحر المحيط\" ١/ ٣٢٢.\n(٥) ينظر: \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٠٥٠، \"البحر المحيط\" ١/ ٣٢٢.\n(٦) ينظر: \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١٠٥٠، وذكر الرازي في \"التفسير الكبير\" ٣/ ١٩٨: أن الواو، قيل: إنها للعطف، وقيل: بمعنى أو.\n(٧) ينظر: \"زاد المسير\" ١/ ١١٩، و\"التفسير الكبير\" للرازي ٣/ ١٩٨، و\"تفسير ابن كثير\" ١/ ١٤١.","vol":"3","page":179},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-319>٩٩ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ قال ابن عباس: هذا جواب لابن صوريا (١)، حيث قال لرسول - ﷺ -: يا محمد ما جئتنا بشيء نعرفه، وما أنزل عليك من آية بينة فنتبعك لها، فأنزل الله هذه الآية (٢).\nوالبينات: جمع بينة، والبين: من باب الصيّب والسيّد، وقد مرّ (٣).\nوالبينة: الدلالة الفاصلة بين القضية الصادقة والكاذبة؛ لأنها من إبانة أحد شيئين عن الآخر، فيزول الالتباس بها. واستقصاء الكلام في هذا عند قوله: ﴿عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٦٨].\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ﴾ أي: الخارجون عن أديانهم، واليهود خرجت بالكفر بمحمد - ﷺ - عن شريعة موسى ﵇ (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-320>١٠٠ </span>- قوله تعالى: ﴿أَوَكُلَّمَا﴾ قال سيبويه (٥): الواو فيه واو العطف، إلا أن ألف الاستفهام دخل عليها؛ لأن لها صدر الكلام، وهي الأصل في الاستفهام، يدل على ذلك: أن الواو تدخل على (هل)، كقولك: وهل زيد عاقل؟ ولا يجوز: وأزيد عاقل؛ لأن الألف أقوى في\n_________\n(١) هو: عبد الله بن صوريا، تقدمت ترجمته [البقرة:١].\n(٢) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ١/ ٤٤١، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ١/ ١٨٣ من طريق سعيد بن جبير أو عكرمة عن ابن عباس، وذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ١٠٥١ والواحدي في \"أسباب النزول\" ص ٣٤، والسيوطي في \"لباب القول\" ص ١٨.\n(٣) في تفسير الآية رقم ١٩.\n(٤) ينظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ٤٤١.\n(٥) ينظر: \"الكتاب\" لسيبويه ٣/ ١٨٧، \"معاني القرآن\" للأخفش ١/ ١٤٧، \"تفسير الطبري\" ١/ ٤٤١ - ٤٤٢، و\"إعراب مشكل القرآن\" لمكي ١/ ١٠٥، \"التبيان\" للعكبري ١/ ٧٩.","vol":"3","page":180},{"text":"الاستفهام (١). و﴿كُلَّمَا﴾ ظرف، والعامل فيه: ﴿نَبَذَهُ﴾ (٢) ﴿عَاهَدُوا﴾، لأنه متمم لما، إما صلةً، وإما صِفَةً.\nوقوله تعالى: ﴿عَاهَدُوا عَهْدًا﴾ قال المفسرون: إن اليهود عاهدوا فيما بينهم، لئن خرج محمد - ﷺ - ليؤمنُنّ به، وليكونُنّ (٣) معه على مشركي العرب، فلما بُعِثَ نقضوا العهد وكفروا به (٤).\nوقال عطاء: هي العهود التي كانت بين رسول الله - ﷺ - وبين اليهود، فنقضوها كفعل قريظة والنضير، عاهدوا ألا يعينوا عليه أحدًا، فنقضوا ذلك، وأعانوا عليه قريشًا يوم الخندق (٥).\nواتصال هذه الآية بما قبلها: من حيث إنهم كفروا بنقض العهد كما كفروا بالآيات.\nوقوله تعالى: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ إنما دخلت (بل) ههنا لأنه لما قال: ﴿نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾ دل على أنه كفر ذلك الفريق بالنقض، فقال:\n_________\n(١) ينظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ١٨١، و\"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٠٥١، \"القرطبي\" ٢/ ٣٩ وذكر أبو حيان في \"البحر\" ١/ ٣٢٣ الخلاف في هذه الواو: فقيل هي زائدة، قاله الأخفش، وقيل: هي أو الساكنة الواو حركت بالفتح، وهي بمعنى بل، قاله الكسائي، وكلا القولين ضعيف، وقيل: واو العطف وهو الصحيح.\n(٢) ينظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ١٨١، \"إعراب مشكل القرآن\" ١/ ١٠٦.\n(٣) في (ش): (لنؤمنن به ولنكونن).\n(٤) ينظر: \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٠٥٢، \"الوسيط\" ١/ ١٨١، \"زاد المسير\" ١/ ١٢٠، القرطبي ٢/ ٣٥ والرازي في \"تفسيره\" ٢/ ٢١٧.\n(٥) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ١٠٥٣، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ١/ ١٠٥، الرازي في \"تفسيره\" ٣/ ٢٠١، القرطبي في \"تفسيره\" ٢/ ٤٠ وأبو حيان في \"البحر المحيط\" ١/ ٣٢٣.","vol":"3","page":181},{"text":"بل أكثرهم كفار بالنقض. وحَسُن هذا التفصيل؛ لأن منهم من نقض عنادًا، ومنهم من نقض جهلًا.\nوقيل: معناه: كفر فريق بالنقض وكفر أكثرهم بالجحد للحق، وهو أمر النبي - ﷺ - (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-321>١٠١ </span>- قوله تعالى: ﴿نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ﴾ جائز أن يكون المراد بقوله: ﴿كِتَابَ الله﴾: القرآن، وجائز أن يكون المراد به: التوراة؛ لأن الذين كفروا بالنبي - ﷺ - نبذوا التوراة (٢).\nويقال لكل من استخف بشيء (٣) ولم يعمل به: نبذه وراء ظهره (٤).\nقال الشعبي (٥): هو بين أيديهم يقرؤونها، ولكن نبذوا العمل به (٦).\nوقال سفيان بن عُيينة: (٧) أدرجوه في الحرير والديباج، وحلَّوه بالذهب والفضة، ولم يُحِلّوا حلاله ولم يحرّموا حرامه، فذلك النبذ (٨).\n_________\n(١) ينظر: \"البحر المحيط\" ١/ ٣٢٤، وذكر احتمالا آخر.\n(٢) هذا كلام الزجاج في \"معاني القرآن\" ١/ ١٨٢، وينظر: \"زاد المسير\" ١/ ١٢٠، و\"تفسير الرازي\" ١/ ٢٠٢.\n(٣) في (م): (استخف بشيء نبذه ولم يعمل).\n(٤) ينظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ٤٤٣، \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٠٥٣، \"تفسير الرازي\" ٣/ ٢٠١.\n(٥) هو: أبو عمرو عامر بن شراحيل الشعبي الحميري، تقدمت ترجمته [البقرة: ٧].\n(٦) ينظر: \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٠٥٤، البغوي في \"تفسيره\" ١/ ١٢٦وفي بعض نسخ الثعلبي في \"تفسيره\" يقرؤونه، وفي بعضها: يقرؤونها.\n(٧) هو: الإمام أبو محمد سفيان بن عيينة بن أبي عمران، ميمون الهلالي الكوفي المجتهد، شيخ الإسلام، من كبار المحدثين الثقات، كان واسع العلم، وله تفسير، توفي سنة ١٩٨ هـ. ينظر: \"طبقات المفسرين\" للداودي ١/ ١٩٦، و\"السير\" ٨/ ٤٥٤.\n(٨) ينظر: \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٠٥٤، \"البغوي\" ١/ ١٢٦.","vol":"3","page":182},{"text":"وقوله تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أعلَمَ أنهم نبذوا كتاب الله، ورفضوه على علم به، عداوهً للنبي - ﷺ - (١).\nوعنى بالفريق في هذه الآية: علماء اليهود الذين تواطؤوا على كتمان أمر محمد - ﷺ - (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-322>١٠٢ </span>- قوله تعالى ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ﴾ الآية، هذه الآية قد أشكل علم إعرابها ومعناها على كثيرٍ من الناس، حتى ترك أكثر أهل العلم والنحو الكلام فيها لصعوبتها. وتكلم آخرون فيها (٣).\nقال أبو إسحاق: أعلم الله ﷿ أنهم رفضوا كتابه واتبعوا السحر (٤).\nوقوله تعالى: ﴿تَتْلُوا﴾ أي: تقرأ (٥). وقال ابن عباس: تتبع وتعمل به (٦). وكذلك قال في قوله: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ [البقرة: ١٢١]: يتبعونه حق اتباعه (٧)، فيعملون به حق عمله.\nوقال أبو عُبَيدة: ﴿مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ﴾ أي: ما تتكلم به. كقولك: فلان يتلو كتاب الله، أي: يقرؤه ويتكلم به (٨). وقال عطاء: ما تُحدّث\n_________\n(١) من كلام الزجاج في \"معاني القرآن\" ١/ ١٨٢.\n(٢) ينظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ٤٤٢.\n(٣) قال الزجاج في \"معاني القرآن\" ١/ ١٨٥: فإن النحويين قد ترك كثير منهم الكلام فيها لصعوبتها، وتكلم جماعة منهم، وإنما تكلمنا على مذاهبهم.\n(٤) ينظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ١٨٣.\n(٥) وبه قال مجاهد وقتادة وعطاء، وروي عن ابن عباس، ينظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ٤٤٧، و\"تفسير ابن كثير\" ص ١٤٤ - ١٤٦.\n(٦) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ١/ ٤٤٧ وذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ١٤/ ١٠٥٥.\n(٧) رواه عنه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ١/ ٢١٨، وذكره ابن كثير في \"تفسيره\" ١/ ١٤٥.\n(٨) \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة بمعناه ١/ ٤٨.","vol":"3","page":183},{"text":"وتَقُصّ (١). وهذه أقوال متقاربة (٢).\nقال الزجاج: وفيه إضمار، أراد: واتبعوا ما كانت تتلوا (٣)، وقيل: إنه لفظ الاستقبال والمراد به المضي، أي: تلت (٤)، كقول الشاعر:\nفلقد يكون أخا دمٍ وذبائحِ (٥)\nأي: فلقد كان (٦). وكقوله: ﴿حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ﴾ [البقرة: ٢١٤]، أي: حتى قال.\nوقال أبو علي (٧) فيما استدرك على أبي إسحاق الآية: تحتمل تأويلين، كلُّ واحد منهما أسوغ مما ذكره وذهب إليه.\nأحدهما: أن يكون ﴿تَتلُوا﴾ بمعنى: تلت فيكون كقوله: ﴿فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٩١]. أي: فلم قتلتم، إلا أنه لما اتصل بقوله: ﴿مِن\n_________\n(١) رواه الطبري في تفسيره عنه ١/ ٤٤٧، وذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ١٠٥٥.\n(٢) ينظر الطبري في تفسيره ١/ ٤٤٧ - ٤٤٨، وذكر أبو حيان في \"البحر المحيط\" ١/ ٣٢٦: أنها متقاربة.\n(٣) ينظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ١٨٣ بتصرف، وليس عنده قوله: وفيه إضمار، وينظر: \"البحر المحيط\" ١/ ٣٢٦.\n(٤) ينظر: \"التبيان\" للعكبري ١/ ٨٠، \"البحر المحيط\" ١/ ٣٢٦.\n(٥) صدر البيت:\nوانْضَح جوانبَ قبرِه بدمائها\nوهو لزياد الأعجم في \"ديوانه\" ص ٥٤، \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٠٥٥، و\"البيان\" ١/ ١٣٣، \"تفسير القرطبي\" ٢/ ٣٧، \"الدر المصون\"١/ ٣١٨، \"أمالي المرتضي\" ١/ ٣٠١، \"الشعر والشعراء\" ١/ ٢٧٩، \"لسان العرب\" ٧/ ٣٩٦٢، ينظر: \"المعجم المفصل في شواهد اللغة العربية\" ٢/ ١٢٦.\n(٦) \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٠٥٥.\n(٧) أي: في كتابه \"الإغفال\".","vol":"3","page":184},{"text":"قَبْلُ﴾ علم أن المراد بمثال المضارع الماضي، فكذلك هنا (١) كان يعلم باتصال الكلام بعهد سليمان؛ لأن المعنى (٢): على عهد ملك سليمان، أو في زمن ملك سليمان، على تقدير (٣) حذف المضاف (٤)، وكان ذلك يدل على أن مثال المضارع يراد به الماضي.\nومن هذا قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الحج: ٢٥]. يجوز عندي أن يكون المعنى: إنّ الذين كفروا وصدوا. فلما كان المعطوف عليه ماضيًا دلّ على أن المراد بالمضارع أيضًا الماضي، ويقوي هذا قوله: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد: ١] (٥). ويجوز أن يكون المضارع على بابه، كأنه قال: إنّ الذين كفروا فيما مضى وهم الآن يصدُّون مع ما تقدم من كفرهم. والأول كأنه أقوى (٦).\nوالإرادة بمثال المضارع الماضي مذهب سيبويه؛ لأنه قال (٧): وقد تقع (٨) نفْعَل في موضع فَعلت في بعض المواضع، ومثل ذلك: قول رجل\n_________\n(١) ساقطة من (ش).\n(٢) في \"الإغفال\": في من قال إن المعنى على عهد ملك سليمان.\n(٣) في \"الإغفال\": على من لم يقدر.\n(٤) ينظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ١٨٣، \"التبيان\" للعكبري ١/ ٨٠، \"البحر المحيط\" ١/ ٣٢٦.\n(٥) تتمة الكلام في \"الإغفال\" فخبر اسم إن مضمرة، هو من نحو ما ظهر من قوله: أضل أعمالهم، وحسن الحذف لطول الكلام بالعلة.\n(٦) \"الإغفال\" ص٣٢١ - ٣٢٢.\n(٧) في \"الإغفال\" وهذا الذي ذكرته لك من الإرادة بمثال المضارع الماضي مذهب سيبويه وقوله.\n(٨) في (ش): (يقع تفعل).","vol":"3","page":185},{"text":"من بني سلول:\nولقد أمرُّ على اللئيم يَسُبّني ... فمضيتُ ثُمَّتَ قلتُ لا يَعْنِيني (١) (٢)\nعلى معنى: ولقد مررت (٣). قال أبو علي: فسألت أبا بكر عما ذكره سيبويه من هذا، فقال: الأفعال جنس واحد، فكان يجب أن يكون على بناء واحد؛ لكنها غُيّرت بتغيير الأزمنة وقُسِّمت بتقاسيمها، لما كان ذلك في الإيضاح أبلغ، فخُصّ كلُّ قسم من ذلك بمثال لا يقع واحد منها في موضع الآخر، إلا أن يُضمّ إليه حرف يكون دليلًا على ما أريد به (٤)، فيصير الحرف كأنه يقوم مقام البناء المراد، إذ كان يَدُلّ عليه كما يدلّ البناء، نحو: والله لا فعلت، فقولك: فعلت فعلٌ ماض وقع في موضع مستقبل، فلما كانت قبلها (٥) (لا) عُلم أنه يُرادُ به الاستقبال؛ لأن (لا) إنما (٦) تكون نفيًا لما يستقبل (٧)، فلما كانت نفيًا للمستقبل ووقع بعدها ماض علمت أنه يراد\n_________\n(١) البيت لرجل من سلول في \"الكتاب\" ٣/ ٢٤، و\"الخصائص\" ٣/ ٣٣٠، و\"الإغفال\" ١/ ٣٢٣، و\"الدر\" ١/ ٧٨، ولشمر بن عمرو الحنفي في \"الأصمعيات\" ص ١٢٦، ولم ينسب في بعضها: نحو \"تفسير الطبري\" ١/ ٤٢٠، وروايته وحده: فمضيت عنه وقلت. وبعد هذا البيت:\nغضبان ممتلئًا عليّ إهابه ... إني وربِّك سُخْطُه يُرضيني\n(٢) \" الكتاب\" لسيبويه ٣/ ٢٤.\n(٣) \"الإغفال\" ص ٣٢٢، ٣٢٣ وقال سيبويه في \"الكتاب\" ١/ ٥٠٤: يجوز أن يجعل أفعل في موضع فعلت، ولا يجوز فعلت في موضع أفعل إلا في مجازاة، نحو إن فعلت فعلت.\n(٤) في \"الإغفال\" على ما أريد به الحرف.\n(٥) في (ش): (في قبلها).\n(٦) إنما ساقطة من (ش).\n(٧) في \"الإغفال\": لما يستقبل مما أوجب القسم.","vol":"3","page":186},{"text":"به الاستقبال (١). قال أبو علي: وقد اتسعوا في إقامة أمثلة الأفعال، بعضها مقام بعض (٢)، من ذلك: إقامتهم مثال الأمر مقام الخبر، نحو قولهم: أكرِمْ بزيد وقوله: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ﴾ [مريم:٣٨]، ومعنى هذا: كرُمَ زيد، وسمعوا (٣) وأبصروا، أي: صار زيد ذا كرم، وصار هؤلاء المستحقون لأن يمدحوا بهذا المدح ذوي (٤) أسماع وأبصار (٥).\nووقع مثال الأمر مقام الخبر، كما وقع مثال الخبر مقام الأمر في مثل: غفر الله لزيد، وقطع الله يده، وفي التنزيل: ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾ [البقرة: ٢٣٣]. وقال: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ﴾ [البقرة: ٢٣٤] (٦).\nفكذلك تَتْلُوا في هذه الآية، يجوز أن تكون بمعنى (تلتْ) كهذه الأشياء التي أريتكها، وهذا وجه. وأما الوجه الآخر: فعلى أن يكون يفعل على بابه، لا تريد به فَعَل كما أردت في الأول، ولكن تجعله حكايةً للحال وإن كان ماضيًا، وهذا الوجه في السَّعَة والكثرة كالأول وأسوغ (٧)، كأنه حكى الفعل الذي كان يُحدّث به عنهم وهو للحال.\nونظير هذا قوله: ﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ﴾ [البقرة:\n_________\n(١) \"الإغفال\" ص ٣٢٣، ٣٢٤.\n(٢) في \"الإغفال\": اتساعًا أشد مما قدمنا.\n(٣) في \"الإغفال\" فمعنى هذا: أكْرم زيد وأسمعوا. وما في نسخة البسيط أصوب.\n(٤) في نسخة \"الإغفال\" جاء النص مُحرّفًا: وصار هؤلاء المستحقون الآن يمدحون بهذا المدح، ويثنى عليهم بهذا الثناء دون أسماع وأبصار.\n(٥) \"الإغفال\" ص ٣٢٦.\n(٦) \"الإغفال\" ص ٣٢٧ وما بعدها. بتصرف كبير.\n(٧) في \"الإغفال\": أو أسوغ.","vol":"3","page":187},{"text":"٤٩]، فقوله: ﴿يَسُومُونَكُمْ﴾ حكاية للحال في الوقت الذي كانت فيه، وإن كان آل فرعون منقرضين في وقت هذا الخطاب، وموضع الفعل نصب بالحال. ونظير هذا أيضًا من حكاية الحال: قوله: ﴿فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ﴾ [القصص: ١٥] فأشير إليهما بما (١) يشار إلى الحاضر؛ إرادة لحكاية الحال على وجهها، وإن كانت قد تقدمت (٢). ومن هذا أيضًا: إضافة (إذ) إلى تقول وإلى جمع المضارع في نحو: ﴿إِذ تَقُولُ لِلمُؤمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٢٤] أضيف (إذ) إلى فعل الحال إرادةً لحكايتها (٣)، ولولا ذلك لتنافى هذا الكلام؛ لأن (إذ) لما مضى و(تقول) لما يستقبل.\nومن هذا أيضًا: ما أنشده أحمد بن يحيى عن ابن الأعرابي:\nجاريةٌ في رمضانَ الماضي ... تُقطِّع الحديث بالإيماض (٤)\nوهذا وجه ثانٍ نظير ما يحسن حمل الآية عليه (٥).\n_________\n(١) في \"الإغفال\": كما.\n(٢) في \"الإغفال\" لحكاية القصة على جهتها، وإن كانت متقدمًا كونها.\n(٣) من قوله: إرادة لحكاية الحال على وجهها ... ساقط من (أ)، (م).\n(٤) ذكره في \"الإغفال\" ص ٣٣٢ بهذه الصيغة ووقع في نوادر ابن الأعرابي غير منسوب كما في \"شرح ابن يعيش\" ٦/ ٩٣، ووقع في \"ديوان رؤبة\" مما نسب إليه ص ١٧٦:\nجارية في درعها الفضفاض ... تقطع الحديث بالإيماض\nونسب البغدادي ٣/ ٤٨٣ الشاهد نقلًا عن هشام اللخمي لرؤبة هكذا:\nلقد أتى في رمضان الماضي ... جارية في درعها الفضفاض\nتقطع الحديث بالإيماض أبيض من أخت بنىِ إباض\nوينظر أيضًا: \"مغنى اللبيب\" ٢/ ٦٩١، و\"الإنصاف\" ١/ ١٢٤، مع اختلاف في الرواية، وحاشية \"الإغفال\" ٣٣٢.\n(٥) \"الإغفال\" ص٣٣١، ٣٣٢. بتصرف.","vol":"3","page":188},{"text":"فإن قلت: ما تنكر أن يكون ما ذكره أبو إسحاق من إضمار (كان) أيضًا جائزًا، فيكون ذلك وجهًا ثالثًا.\nقيل: ذلك لا يجوز؛ لأن المضمر لا دلالة عليه، وإنما يسوغ الإضمار إذا كانت عليه دلالة يكون بها كالمظهر، وسيبويه منع إجازة هذا، فقال: واعلم أنه لا يجوز لك أن تقول: عبدَ الله المقتول، وأنت تريد: كن عبدَ الله المقتول (١)، فإذا لم يجز هذا، لم يجز هذا مع أن المنصوب يدل على ناصبه، فأن لا يجوز ما ذهب إليه في الآية أولى (٢).\nفإن قلت: فقد قالوا: إنْ سيفًا فسيفٌ، وإنْ خنجرًا فخنجرٌ، فأضمروا، قيل: ليس ذلك من هذا في شيء؛ لأن (إن) مما يعلم أنه لا يليه إلا الفعل، فالدلالة على المحذوف المضمر قوية، وليس شيء من هذا في الآية (٣).\nوقوله تعالى: ﴿عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ ذكرنا أنه على تقدير حذف المضاف، وقيل: إن (على) هاهنا من صلة الافتراء والكذب، إذا قلنا إنّ (تتلوا) معناه: تحدّث وتكلّم، على ما قال أبو عبيدة وعطاء، فمعنى قوله: ﴿تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ (٤)؛ لأنهم قالوا: إن سليمان مَلَكَ النّاسَ\n_________\n(١) \"الكتاب\"١/ ١٥٩ ط. بيروت. وزاد: لأنه ليس فعلًا يصل من شيء إلى شيء، ولكنك لست على أحد.\n(٢) \"الإغفال\" ص ٣٣٣ بتصرف.\n(٣) \"الإغفال\" ص ٣٣٤ بتصرف.\n(٤) ينظر: \"التفسير الكبير\" للرازي ٣/ ٢٠٤، \"البحر المحيط\" ١/ ٣٢٦، ابن كثير في \"تفسيره\" ١/ ١٤٣ - ١٤٦.","vol":"3","page":189},{"text":"بالسحر، وذلك ما قاله ابن عباس (١) ﵀: إن سليمان، ﵇، لما عُذّبَ بنزع ملكه، دفنت الشياطين في خزانته ومواضع مصلاه سحرًا وأُخَذًا ونِيرَنْجات (٢)، فلما مات سليمان دلّت الشياطين عليه الناسَ حتى أستخرجوها، وقالوا للناس: إنما ملككم سليمان بهذا فتعلموه، فأقبل بنو إسرائيل على تعلمها، ورفضوا كتب أنبيائهم، فبرّأ الله نبيه سليمان ﵇ على لسان محمد - ﷺ - (٣).\nوقال السُّدِّي: إن الناس في زمن سُليمان كتبوا السحر، واشتغلوا بتعلّمه، فأخذ سليمان تلك الكتب، وجعلها في صندوق، ودفنها تحت كرسيه، ونهاهم عن ذلك، فلما مات سليمان، وذهب الذين كانوا يعرفون دفنه الكتب، تمثل شيطان على صورة إنسان، فأتى نفرًا من بني إسرائيل، فقال: هل أدلكم على كنز لا تأكلونه أبدا (٤)؟ قالوا: نعم، قال: فاحفروا تحت الكرسي، فحفروا، فوجدوا تلك الكتب، فلما أخرجوها، قال\n_________\n(١) قال في \"البحر المحيط\" ١/ ٣٢٦: وقد ذكر المفسرون في كيفيات ما رتبوه من هذا الذي تلوه قصصًا كثيرة، الله أعلم به، ولم تتعرض الآية الكريمة ولا الحديث المسند الصحيح لشيء منه، فلذلك لم نذكره اهـ. وقد ذكر ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ١/ ١٢١ الكيفيات فعد أقوالًا ستة.\n(٢) النيرنجات: أُخذٌ كالسحر وليس به، وإنما هو شبه وتلبيس، ويقال: النيرنجيَّات. ينظر: \"تاج العروس\" ٣/ ٤٩٧، و\"مفتاح السعادة\" لطاش كبرى زاده ١/ ٣٤٠.\n(٣) أخرج هذه القصة النسائي في \"تفسيره\" ١/ ١٧٩، الطبري في \"تفسيره\" ١/ ٤٤٧ ولفظه مختصر، ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ١/ ٢٩٧ من طريق المنهال بن عمرو عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، بنحوه، والمنهال: صدوق ربما وهم. وقد ذكرها الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ١٠٥٧، وعزا القصة للكلبي. وذكرها أيضًا في \"عروس المجالس\" ص ٤٣، والواحدي في \"أسباب النزول\" ص ٣٥.\n(٤) لا تأكلونه أبدًا: أي: لا تفنونه أبدًا، يقال: أكل فلان عمره: إذا أفناه.","vol":"3","page":190},{"text":"الشيطان: إن سليمان كان يضبط الجن والإنس (١) والشياطين والطير بهذا، فاتخذ بنو إسرائيل تلك الكتب؛ فلذلك أكثر ما يوجد السحر في اليهود، فبرأ الله تعالى سليمان من ذلك، وأنزل هذه الآية (٢).\nوقوله تعالى ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ﴾ أي: لم يكن كافرًا ساحرًا بسحر، (٣) ويعمل بالسحر (٤).\nوقيل: وما ستر سليمان كتب السحر، ولكن الشياطين سترته ودفنته. وأصل الكفر: الستر والتغطِية (٥).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾ في (لكن) قراءتان: التشديد ونصب الاسم به، والتخفيف ورفع الاسم به (٦).\n_________\n(١) في (م): (الإنس والجن).\n(٢) رواه ابن جرير في \"تفسيره\" مطولًا عنه ١/ ٤٤٤ - ٤٤٥، ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ١/ ١٨٦ من طريق أسباط عن السدي، وذكره الثعلبي في \"تفسيره\" مطولًا ١/ ١٠٥٧ والواحدي في أسباب النزول ص ٣٦ ولفظه هناك مثل هذا تمامًا. وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ١/ ١٢١ - ١٢٢، وروى الحاكم ٢/ ٢٦٥، والواحدي بسنديهما عن ابن عباس نحوًا من هذا وصححه الذهبي. وينظر: \"التفسير الصحيح\" ١/ ٢٠٥ - ٢٠٦. ذكر الدكتور بشير حكمت ياسين في كتاب \"التفسير الصحيح\" ١/ ٢٠٥ - ٢٠٦ روايتين عن ابن عباس وصححهما وهما موافقتان لما نقله الواحدي وقال بعدهما. وهاتان الروايتان من أخبار أهل \"الكتاب\"، ولكنهما لا تتعارض مع \"الكتاب\" والسنة، بل لبعض فقراتها شواهد، فهي توافق عصمة سليمان ﵇ وتبرىء ساحته مما ألصق به من مفتريات الإسرائيليات.\n(٣) ساقطة من (ش).\n(٤) \"تفسيرالثعلبي\" ١/ ١٠٦٠.\n(٥) \"المفردات\" للراغب ٤٣٥.\n(٦) قرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وخلف بتخفيف نون لكن وإسكانها، ثم تكسر تخلصًا من التقاء الساكنين، والشياطين بالرفع. وقرأ الباقون بتشديد النون مفتوحة، ونصب الشياطين. ينظر: \"السبعة\" ١٦٧ - ١٦٨، و\"الحجة\" لأبي علي ٢/ ١٦٩، و\"النشر\" ٢/ ٢١٩، و\"البدور الزاهرة\" ص ٤٦.","vol":"3","page":191},{"text":"وهذه الحروف، أعني: لكنّ، وإن، وأن، وكأنَّ حروف تستعمل مخففة ومثقلة، فإذا استعملت مثقلة كانت عاملة في الأسماء، وعملها النصب (١)، والعلة في ذلك: أنها إذا كانت مشدّدة كانت مفتوحة الأواخر، وفتحةُ أواخرِها ألحقتها في المشابهة بالأفعال الماضية، والأفعال عاملةٌ في الأسماء، فإذا استعملت مخففة باينتها تلك الصفة التي ألحقتها في المشابهة بالأفعال، فالقياس أن لا تعمل لزوال المعنى الذي به كان يعمل (٢).\nوقال الكسائي: الذي يختار العرب والذي هو وجه الكلام عندنا إذا كانت (لكن) وحدها بغير واو كان التخفيف أحسن، وإذا كانت بالواو كانت بالتشديد، وبهذا قرئ أكثر ما في القرآن كقوله: ﴿وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام: ٣٣] ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام: ٣٧]. وبغير الواو كقوله: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ﴾ [النساء: ١٦٦]، ﴿لَكِنِ الرَّسُولُ﴾ [التوبة: ٨٨] ﴿لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ﴾ [مريم: ٣٨].\nوقال الفراء: إذا ألقيت من ولكن الواو آثرت العرب تخفيفَ نونها، وإذا دخلت الواو آثروا تشديدَها، وإنما فعلوا ذلك؛ لأنها رجوع عما أصاب أول الكلام، فشبهت بـ \"بل\"، إذ كانت رجوعًا مثلها، ألا ترى أنك تقول: لم يقم أخوك بل أبوك، ثم تقول: لم يقم أخوك لكن أبوك، فتراهما في معنى واحد، والواو لا تصلح في بل.\nفإذا قالوا: ولكن فأدخلوا الواو تباعدت من بل، إذ لم تصلح الواو في بل، فآثروا فيها تشديد النون، وجعلوا الواو كأنها دخلت لعطف لا بمعنى بل (٣)، وأصلها: أن دخلت عليها لا وكاف الخطاب، فصارنا\n_________\n(١) ينظر: \"اللسان\" ٧/ ٤٠٧٠ (مادة: لكن)، و\"مغني اللبيب\" ١/ ٢٩٠ - ٢٩٢.\n(٢) ينظر: \"الحجة\" ٢/ ١٧٠ - ١٧٧، \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٠٦١، \"المجيد في إعراب القرآن المجيد\" ص ٣٥٩.\n(٣) بل ساقطة من (ش).","vol":"3","page":192},{"text":"جميعًا حرفًا واحدًا (١).\nوقال الكسائي: حرفان من الاستثناء لا يقعان (٢) أكثر ما يقعان إلا مع الجحد، وهما: لكن وبل، والعرب تجعلهما مثل واو النسق (٣).\nوقال المبرد: لكن من حروف العطف، وهي الاستدراك بعد النفي، ولا يجوز أن يدخل بعد واجب إلا لترك قصة إلى قصة تامة، نحو قولك: جاءني زيد لكن عبد الله لم يأت (٤).\nوأما اختلاف القراء في تشديد (لكن) في بعض المواضع وتخفيفها في بعض، فلا معنى للمصير إلى التبعيض في هذه المواضع ونظائرها إلا بأن تترجح عند أحد من القراء بعض الروايات على بعض، فيصير إليه (٥).\nومعنى الآية: ولكن الشياطين كفروا بالله يعلّمون الناس السحر. يريد: ما كتب لهم الشياطين من كتب السحر. ويجوز أن يكون (يعلّمون) في فعل اليهود الذين عُنُوا بقوله: ﴿وَاْتَّبَعُواْ﴾ (٦).\nوسمي السحرُ سحرًا؛ لخفاء سببه. ومنه: السِّحْر وهو الغِذَاء، كقول لبيد (٧):\nونُسْحَرُ بالطعام وبالشراب (٨)\n_________\n(١) نقل كلام الفراء صاحب \"اللسان\" ٧/ ٤٠٧٠، وقد ناقش أبو علي في \"الحجة\" ٢/ ١٧٩ ذلك وبين أن القياس لا يوجب هذا الذي ذكره الفراء من تشديدها مع الواو وتخفيفها مع عدمها.\n(٢) في (ش): (لا تقعان).\n(٣) نقل كلام الكسائي صاحب \"اللسان\" ٧/ ٤٠٧٠.\n(٤) \"المقتضب\" للمبرد ١/ ١٢.\n(٥) ينظر: \"الحجة\" ٢/ ١٧٩ - ١٨٠.\n(٦) ينظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ٤٥١ - ٤٥٢، \"معاني للقرآن\" للزجاج ١/ ١٨٣، \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٠٦٢، \"البيان\" لابن الأنباري ١/ ١١٤، \"التفسير الكبير\" للرازي ٣/ ٢٠٥.\n(٧) هو: أبو عقيل، لبيد بن ربيعة بن مالك العامر، تقدمت ترجمته [البقرة: ٢].\n(٨) وشطره الأول: =","vol":"3","page":193},{"text":"وذلك أن حاله خفيّة في التنمية (١)، والسَّحَر: الرئة، لأنها مما تخفى وليس مما يظهر. وسَحَر الليل: قبل ظهور الصُبح.\nوقال المحققون من أهل اللغة: معنى السحر: الإزالة وصرف الشيء عن وجهه (٢)، تقول العرب: ما سَحَرك عن كذا، أي: ما صَرَفك عنه. ومنه: قوله تعالى: ﴿فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٩]، أي: تصرفون، ويقال: سحره، أي: أزاله عن البُغض إلى الحُبِ، وكأن السّاحر بما أرى الباطل في صورة الحق فقد سَحَر الشيء عن وجهه، أي: صرفه (٣).\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾ موضع (ما) نصب، نسق على السحر، وجائز أن يكون نسقًا على ما في قوله: ﴿مَا تَتلُوا الشَّيَاطِينُ﴾ (٤).\nومعنى: ﴿أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾: أي: عُلِّما وأُلْهِما وقُذِفَ في قُلُوبِهِما\n_________\n= أرانا مُوضِعِين لأمر غيب\nوفي رواية: لحتم غيبٍ، وهو لامرئ القيس في \"ديوانه\" ص ٤٣، \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٦٤١، \"لسان العرب\" ٤/ ١٩٥٢، ونسبه المؤلف وكثير من أهل التفسير كالرازي في \"تفسيره\" ٣/ ٢٠٥ إلى لبيد.\n(١) نقل الأزهري في \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٦٤١: أن معنى ونسحر بالطعام، أي نُعَلَّل به قال الرازي في \"تفسيره\" ٣/ ٢٠٥: قيل فيه (أي: البيت) وجهان: أحدهما أنا نعلل ونخدع كالمسحور. والآخر: نغذى، وأي الوجهين كان فمعناه الخفاء.\n(٢) ينظر كلام الأزهري في \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٦٤١، ونقله صاحب \"اللسان\" ٤/ ١٩٥٢٥.\n(٣) ينظر: \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٦٤١، \"مقاييس اللغة\" ٣/ ١٣٨، \"المفردات\" للراغب ٣٣١، ٣٣٢، \"التفسير الكبير\"٣/ ٢٠٥، \"تفسير القرطبي\" ٢/ ٣٨، \"اللسان\" ٤/ ١٩٥٢.\n(٤) ينظر: \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٠٦٢وصحح الأول، \"تفسير الطبري\" ١/ ٤٥٤ - ٤٥٥ \"إعراب مشكل القرآن\" ١/ ١٠٦، \"التبيان\" للعكبري ١/ ٨٠.","vol":"3","page":194},{"text":"من علم التفرقة، وهو رقية (١) وليس بسحر، والرخصة في الرقية واردة. فقد روى عوف الأشجعي (٢) أنه قال: كنا نرقي في الجاهلية، فقلنا لرسول الله - ﷺ - كيف ترى في ذلك؟ فقال: \"اعرضوا علي رقاكم، لا بأس بالرقى ما لم يكن شرك\" (٣).\nوقال ابن قتيبة: الذي أنزل الله على الملكين فيما يرى أهل النظر من أهل العلم والله أعلم هو الاسم الذي صعدت الزهرة فعلمته الشياطين، فهي تعلمه أولياءها، وقد يقال: إنّ السّاحر يتكلم بكلام فيطير بين السماء والأرض، ويطفو على الماء.\nوذهب قومٌ ممن أبطلوا السّحر وأنكروا أن يكون له حقيقة (٤) إلى أن قوله: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾ ما فيه نفي (٥)، وذلك مستكره؛ لأنه إذا كان\n_________\n(١) الرقية: العُوذَةُ التي يُرَقى بها صاحب الآفة، كالحُمَى والصرع وغير ذلك من الآفات. ينظر: \"النهاية\" لابن الأثير، \"اللسان\" ٣/ ١٧١١.\n(٢) هو: عوف بن مالك بن أبي عوف الأشجعي، أبو عبد الرحمن، ويقال: أبو حماد، صحابي جليل، أول مشاهده خيبر، وكانت معه راية أشجع يوم الفتح، توفي بدمشق سنة ٧٣ هـ. ينظر: \"أسد الغابة\" ٤/ ٣١٢.\n(٣) أخرجه مسلم (٢٢٠٠) كتاب السلام، باب: لا بأس، وأخرجه أبو داود (٣٨٨٦) كتاب الطب، باب: ما جاء في الرقى واللفظ له.\n(٤) اختلف الناس هل للسحر حقيقة أو أنه خدع وتخييل؟ فذهب المعتزلة إلى أنه خدع وتخييل، ولا حقيقة له؛ لقوله تعالى: ﴿سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ﴾ [الأعراف: ١١٦]. والصحيح الذي عليه أهل السنة أنه يكون تخييلا وخدعا، ويكون حقيقة، ودليل كونه حقيقة قوله تعالى: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾. ينظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ٤٥٩ - ٤٦١، \"تفسير القرطبي\" ٢/ ٣٨ - ٣٩، \"المغني\" لابن قدامة ١٢/ ٣٠٤.\n(٥) ذكر هذا الوجه مكي بن أبي طالب في \"مشكل إعراب القرآن\" ١/ ١٠٦.","vol":"3","page":195},{"text":"المعنى: لم ينزل على الملكين، (١) صار الكلام فضلًا لا معنى له. وإنما يجوز أن يكون (ما) نفيًا أن لو ادعى مدعي: أن السحر أنزل على الملكين، ويكون فيما تقدّم ذكر ذلك أو دليل (٢) عليه، فيقول الله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا﴾، ولم ينزل على الملكين كما ذكروا. ومثال ذلك: أن يقول مُبْتدئا: علمت هذا الرجل القرآن، وما أنزل على موسى. فلا يتوهم سامعُ هذا أنك أردت بقولك أن القرآن لم ينزل على مُوسى؛ لأنه لم يتقدّمه قول أحدٍ أنه أنزل على موسى، وإنما يتوهم السامع أنك علمتَه القُرآنَ والتوراةَ (٣).\nثم اعلم أن السحر على قسمين:\nأحدهما: يكفر به السّاحر، وهو أن يعتقد القدرة لنفسه، فإذا انتهى به السحر إلى هذه النهاية صار كافرًا بالله، وهذا السحر هو الذي عده رسول الله - ﷺ - في الكبائر في قوله: \"اجتنبوا السبع الموبقات\"، قيل: يا رسول الله وما هنّ؟ قال: \"الشرك بالله، والسّحر، وقَتْل النفسِ التي حرّم الله إلاّ بالحقّ، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولّي يوم الزحف، وقذف المحصنة\". (٤)\nوالقسم الثاني: لا يكفر به، وهو التخييل الذي يشاكل النِّيرَنْجات، فإذا لم يعتقد لنفسه فيما يعمل قدرة، واعتقد القدرة لله تعالى، كانت معصية، ولم يكن ذلك كفرًا (٥).\n_________\n(١) من قوله: مافيه ... ساقط من (أ)، (م).\n(٢) في (ش): (ذلك).\n(٣) كلام ابن قتيبة لم أره في \"غريب القرآن\" و\"تأويل مشكل القرآن\".\n(٤) أخرجه البخاري (٦٨٥٧) كتاب الحدود، باب رمي المحصنات، ومسلم (٨٩): الإيمان، باب: بيان الكبائر وأكبرها.\n(٥) قد ذكر القرافي في \"أنوار البروق في أنول الفروق\" ٤/ ١٣٧، أقسام السحر وأحكامه، وذكر القرطبي في \"تفسيره\" ٢/ ٣٩: أن من السحر ما يكون كفرًا =","vol":"3","page":196},{"text":"وأما قصّة الملكين فهي معروفة مذكورة في عدة مواضع (١).\n_________\n= من فاعله، مثل ما يدعون من تغيير صور الناس وإخراجهم في هيئة بهيمة، فكل من فعل هذا ليوهم الناس أنه محق فذلك كفر منه، وأما من زعم أن السحر خدع ومخاريق وتمويهات فلم يَجِبْ على أصله قتل الساحر إلا أن يقتل بفعله أحدًا فيقتل به، ثم ذكر في ٢/ ٤٧ خلاف الفقهاء في حكم الساحر:\n١ - فذهب مالك إلى أن المسلم إذا سحر بنفسه بكلام يكون كفرًا يقتل ولا يستتاب ولا تقبل توبته؛ لأنه أمر يستسرّ به كالزنديق والزاني؛ ولأن الله سمى السحر كفرًا في هذه الآية، وهو قول أحمد وأبي ثور وإسحاق والشافعي وأبي حنيفة، وروي قتل الساحر عن عمر وعثمان وابن عمر وحفصة وأبي موسى وقيس بن سعد وعن سبعة من التابعين، وروي مرفوعا: \"حد الساحر ضربه بالسيف\".\n٢ - وروي عن الشافعي: لا يقتل الساحر إلا أن يقتل بسحره، ويقول: تعمدت القتل، وإن قال: لم أتعمده لم يقتل، وكانت فيها الدية كقتل الخطأ، وإن أضرَّ به أُدِّبَ على قدر الضرر. ينظر: \"الأم\" للشافعي ١/ ٢٩٣.\nقال ابن العربي في \"أحكام القرآن\" ١/ ٤٨: وهذا باطل من وجهين: أحدهما: أنه لم يعلم السحر، وحقيقته: أنه كلام مؤلف يعظم به غير الله تعالى، وتنسب إليه المقادير والكائنات. الثاني: أن الله سبحانه قد صرح في كتابه بأنه كفر.\nوينظر في المسألة: الطبري في \"تفسيره\" ١/ ٤٥٣، و\"أحكام القرآن\" للجصاص ١/ ٧٢٥، و\"المغني\" ١٢/ ٣٠٢ - ٣٠٣، \"زاد المسير\" ١/ ١٢٦، \"تفسير ابن كثير\" ١/ ١٤٧ - ١٥٢.\n(١) ينظر في القصة وتفصيلاتها: \"تفسير عبد الرزاق\" ١/ ٥٣، والبزار في \"المسند\" برقم ٢٩٣٨، وعبد بن حميد كما في \"المنتخب من مسنده\" برقم ٧٨٧، وابن حبان ١/ ٦٣٤، والسمرقندي في \"تفسيره\" ١/ ١٤٣، والبيهقي في \"سننه\" ٤/ ١٠، الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ١٠٦٣، و\"زاد المسير\" ١/ ١٢٣، و\"الدر المنثور\" ١٨٥٨ - ١٩٣، والقرطبي ٢/ ٤٤ - ٤٥، قال: وقد روي عن علي وابن مسعود وابن عباس وابن عمر وكعب الأحبار، والسدي والكلبي ما معناه: فذكر القصة مجملة، ثم قال: هذا كله ضعيف وبعيد عن ابن عمر وغيره لا يصح منه شيء. اهـ. وقال \"ابن كثير\" في تفسيره: \"وحاصلها راجع في تفاصيلها إلى أخبار بني إسرائيل، إذ =","vol":"3","page":197},{"text":"وقوله تعالى: ﴿بِبَابِلَ﴾ (١).\nوبابل اسم أرض (٢)، قيل: سميت لأن الله تعالى حين أراد أن يخالف بين ألسنة بني آدم بعث ريحا فحشرتهم من كل أفق إلى بابل، فبلبل الله بها\n_________\n= ليس فيه حديث مرفوع صحيح متصل الإسناد إلى الصادق المصدوق المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى وظاهر سياق القرآن إجمال القصة في غير بسط ولا إطناب فيها، فنحن نؤمن بما ورد في القرآن على ما أراد الله تعالى والله أعلم بحقيقة الحال\". وقال أيضًا: \"فهذا أظنه من وضع الإسرائيليين، وإن كان قد أخرجه كعب الأحبار، وتلقاه عنه طائفة من السلف، فذكروه على سبيل الحكاية والتحديث عن بني إسرائيل. اهـ. وقد أنكر القصة جماعة من أهل العلم منهم ابن حزم في \"الفصل\" ٣/ ٢٦١، ٤/ ٣٢، وابن عطية في \"تفسيره\" ١/ ٤٢٠، وابن العربي في \"أحكام القرآن\" ١/ ٢٩، والرازي في \"تفسيره\" ١/ ٢٣٧، والبيضاوي في \"تفسيره\" ١/ ٧٩، والخازن في \"تفسيره\" ١/ ٧١، وأبو حيان في \"البحر\" ١/ ٣٢٩، وابن كثير في \"تفسيره\" ١/ ١٥١، والآلوسي في \"روح المعاني\" ١/ ٣٤١، والقاسمي في \"محاسن التأويل\" ١/ ٢١١، وغيرهم. وينظر استقصاؤهم في: \"تحقيق العجاب\" لابن حجر للأستاذ عبد الحكيم محمد الأنيس ١/ ٣٣٢ - ٣٤٢، وانتصر لتصحيحها الحافظ ابن حجر في \"العجاب\"، والسيوطي كما في \"اللآلي المصنوعة\" ١/ ١٥٩ و\"مناهل الصفافي\" تخريج أحاديث الشفاء للسيوطي ٤/ ٢٣١ كما أفاده الخفاجي عنه في \"نسيم الرياض\" ٤/ ٢٣١، وقال: وقد جمع الجلال السيوطي طرق هذا الحديث في تأليف مستقل فبلغت نيفًا وعشرين طريقًا.\n(١) قال العكبري في \"التبيان\" ص ٨١: ببابل، يجوز أن يكون ظرفًا لأنزل، ولجوز أن يكون حالا من الملكين، أو من الضمير في أنزل.\n(٢) ذكر الطبري فى تفسيره ١/ ٤٥٩ فيها قولين: أنها: بابل رنباوند، أو أنها بابل العراق، وذكر ابن الجوزي في \"تفسيره\" ١/ ١٠٩ في حدها ثلاثة أقوال: أنها الكوفة وسوادها، والثاني: أنها من نصيبين إلى رأس العين، والثالث: أنها جبل في وهدة من الأرض، وقد رجح ابن كثير في تفسيره ١/ ١٥٢ أنها بابل العراق، واستدل لذلك. وينظر: \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٠٦٣، \"معجم ما استعجم\" ١/ ٢٠٢، \"معجم البلدان\" ١/ ٣٠٩.","vol":"3","page":198},{"text":"أَلْسِنَتهم، ثم فرقتهم تلك الريح في البلاد (١). والبلبلة: التفرِيقُ (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ﴾ اختلفوا في تعليم الملكين السحر، فذكر أهل التفسير وأصحاب المعاني فيه وجهين (٣):\nأحدهما: أنهما كانا لا يتعمدان تعليم السحر، ولكنهما يصفانه، ويذكران بطلانه، ويأمران الناس باجتنابه، وكانا يعلمان الناس وغيرهم ما يُسألان عنه، ويأمران باجتناب ما حُرِّم عليهم، وطاعة الله فيما أُمروا به، ونهوا عَنْهُ. وفي ذلك حكمة، لأن سائلًا لو سأل: ما الزنا؟ وما اللواط؟ لوجب أن يوقف عليه، ويعلم أنه حرام، فكذلك مجاز إعلام الملكين الناس السحر، وأمرهما السائل باجتنابه بعد الإعلام والإخبار أنه كفر حرام (٤). ويؤكد هذا الوجه: ما روى أبو العباس عن ابن الأعرابي أنه قال: عَلَّم بمعنى أعلم، وذلك أن التعليم لا ينفك عن الإعلام، كما يقال: تعلّمْ بمعنى أعلَمْ؛ لأن من تعلم (٥) شيئا فقد عَلِمَه، فيوضع التَّعَلُّم موضع العلم (٦).\nقال قيس بن زهَير:\n_________\n(١) ينظر: \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٠٦٣، \"زاد المسير\" ١/ ١٢٥، \"القرطبي\" ٢/ ٤٦.\n(٢) ينظر: \"القاموس\" ٩٦٨ - ٩٦٩.\n(٣) ينظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ٤٦١ - ٤٦٢ - ٤٦٣، \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ١٨٣ - ١٨٤، \"تفسير البغوي\" ١/ ١٢٩، \"زاد المسير\" ١/ ١٢٢، \"القرطبي\" ٢/ ٤٨.\n(٤) من \"تهذيب اللغة\" للأزهري ٣/ ٢٥٥٤ مادة (علم) ومنه نقل الثعلبي ١/ ١٠٨٥.\n(٥) ساقطة من (أ)، (م).\n(٦) نقله عن ابن الأعرابي والأزهري في \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٥٥٤، والقرطبي في \"تفسيره\" ٢/ ٤٨، وينظر: \"البحر المحيط\" ١/ ٣٣٠.","vol":"3","page":199},{"text":"تَعَلَّمْ أنّ خيرَ الناس حيًّا ... على جَفْر الهَباءةِ لا يَريم (١)\nأي: اعلم.\nقال ابن الأعرابي: ومن هذا قول الله: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ﴾ قال معناه: إن السّاحر يأتي الملكين فيقول: أخبرني عمّا نهى الله عنه حتى أنتهي، فيقولان: نهى عن الزنى، فيستوصفُهما الزِنى، فيصفانه، فيقول: وعن ماذا؟ فيقولان: عن اللواط، ثم يقول: وعن ماذا؟ فيقولان عن السحر، فيقول: وما السحر؟ فيقولان: هو كذا، فحفظه، وينصرف فيخالف، فيكفر، فهذا معنى ﴿يُعَلِّمَانِ﴾ (٢) ولا يكون تَعليم السحْر إذا كان إعلامًا كفرًا، ولا تعلّمه إذا كان على معنى الوقوف عليه ليجتنبه كفرًا، كما أن من عرَّف الزنى لم يأثم بأنه عرَّفه، إنما يأثم بالعمل (٣).\nالوجه الثاني: أن الله ﷿ امتحن الناسَ بالملكين في ذلك الوقت، وجعل المحنةَ في الكفر والإيمان أن يقبل القائل تعلُّم السحر، فيكفر بتعلّمه، ويؤمن بترك التعلّم، ولله تعالى أن يمتحن عباده بما شاء، كما امتحن الله (٤) بنهر طالُوت في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ﴾ [البقرة:\n_________\n(١) البيت لقيس بن زهير في \"مقاييس اللغة\" ٤/ ١١٠، و\"لسان العرب\" ٥/ ٣٠٨٣ مادة (علم).\n(٢) هذا فيه زيادة في (ش) إنما هو يعلمان ولا يكون.\n(٣) نقل هذا بطوله الأزهري في \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٥٥٥ مادة (علم)، ومنه أخذ الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ١٠٨٥، ونصر هذا القول الطبري في \"تفسيره\" ١/ ٤٥٣ - ٤٥٥، وقواه الزجاج في \"معاني القرآن\" ١/ ١٨٣ - ١٨٤، قال ابن كثير في \"تفسيره\" ١/ ١٥٢ - ١٥٣: وهذا الذي سلكه [يعني: ابن جرير] غريب جدًّا، وأغرب منه قول من زعم أن هاروت وماروت قبيلان من الجن كما زعمه ابن حزم.\n(٤) في (ش): (كما أنه امتحن بنهر طالوت).","vol":"3","page":200},{"text":"٢٤٩]. يدل على صحة هذا: قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ أي: محنة من الله نُخبرك أنَّ عملَ السحر كفر بالله، وننهاك عنه، فإن أطعتنا في ترك العمل بالسحر نجوتَ، وإن عصيتنا في ذلك هلكتَ (١).\nوروي عن ابن عباس أنه قال: أما السحر فمما (٢) علّمت الشياطين، وأما الفرق بين المرء وزوجه فمما علّم الملكان (٣).\nثم وجه تعليم الملكين أنه يجوز أن يلهمهما الله ويعلّمهما من الأذكار والأسماء ما يعلمان أنها إذا استعلمت على جهة الدعاء أو على جهة الرقية أفادت التفريق بين المرء وزوجه، إذ لا يحسن بحالهما وما هما فيه من عقوبة الذنب السابق أن يشتغلا بارتكاب كبيرة مستأنفة.\nوقوله تعالى: ﴿مِنْ أَحَدٍ﴾ أي: أحدًا، ومِنْ زائدة مؤكدة، كقولك: ما جاءني من أحدٍ (٤).\nوأما (أحد) (٥) فقال الليث:\n_________\n(١) من \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٠٨٥ وذكر أنه الأصح. وينظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ١٨٣، \"تفسير الطبري\" ١/ ٤٥٥، \"تفسير السمعاني\" ١/ ٥٧٥، \"تفسير الرازي\" ٣/ ٢٨٣.\n(٢) في (ش): (فما).\n(٣) رواه بمعناه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ١/ ١٨٨، ورواه الطبري بسنده عن مجاهد ١/ ٤٥٤، وروى نحوه ١/ ٤٥٣ عن قتادة، وكذا ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ١٠٨٠ وعزاه في \"الدر\" ١/ ١٩٤ لعبد بن حميد.\n(٤) ينظر: \"البحر المحيط\" ١/ ٣٣٠، وقال: من زائدة لتأكيد استغراق الجنس، لأن أحدًا من الألفاظ المستعملة للاستغراق في النفي العام فزيدت هنا لتأكيد ذلك.\n(٥) قال العكبري في \"التبيان\" ١/ ٨١: وأحد هاهنا يجوز أن تكون المستعملة في العموم، كقولك ما بالدار من أحد، ويجوز أن تكون هاهنا بمعنى واحد أو إنسان قال في \"البحر المحيط\" ١/ ٣٣٠: والأول أظهر.","vol":"3","page":201},{"text":"أصله: وحد (١)، ونحو ذلك قال الزجاج (٢).\nوقال أحمد بن يحيى: واحد وأحد وَوَحد بمعنى (٣).\nوقال الليث: الوحَد: المنفرد، ورجل وحدٌ، وثور وحدٌ، قال النابغة (٤):\nبذي الجليل (٥) على مستأنسٍ وَحَدِ (٦)\nوالوَحْد والحِدَة كالوَعْد والعدة، يقال: وَحَدَ الشيءُ فهو يحِد حِدَةً.\nوفرّق قوم بين الواحد والأحد، فقالوا: أحد يصلح في الكلام في موضع الجحد، وواحد في موضع الإثبات. تقول ما جاءني منهم أحد، وجاءني منهم واحد، ولا يقال: جاءني منهم أحد؛ لأنك إذا قلت: ما جاءني منهم أحد، فمعناه لا واحد ولا اثنان، وإذا قلت: جاءني منهم واحد، فمعناه: أنه لم يأتني منهم اثنان (٧). وأكثر ما جاء (أحد) في التنزيل في موضع النفي.\n_________\n(١) نقلة في \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٨٤٦، (مادة: وحد).\n(٢) نقله عنه في \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٨٤٤، \"اللسان\" ٨/ ٤٧٨٠، (مادة: وحد).\n(٣) في \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٨٤٤: ثعلب عن سلمة عن الفراء: رجل وَحيدٌ وَوَحَدٌ وَوَحِدٌ، وكذلك فريد وفَرَدٌ مادة (وحد).\n(٤) هو: الذبياني أبو أمامة زياد بن معاوية بن ضباب، من الطبقة الأولى، من فحول شعراء الجاهلية، كان يحكم بين الشعراء في سوق عكاظ ويفاضل بينهم. ينظر: \"طبقات فحول الشعراء\" ١/ ٥٦، و\"جمهرة أشعار العرب\" ١/ ٣٠٣.\n(٥) في (م) و(أ): (الخليل).\n(٦) صدر البيت:\nكأن رحلي وقد زال النهار بها\nوالبيت، من قصيدة قالها يمدح النعمان بن المنذر، ينظر: \"ديوانه\" ص ١٧، \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٨٤٤ مادة (وحد).\n(٧) من \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٨٤٥، وعنه في \"اللسان\" ٣/ ٤٤٨، (مادة: وحد).","vol":"3","page":202},{"text":"قال أبو علي: وقد استعملوا أحدًا بمعنى واحد، وذلك قولهم: أحد وعشرون، وفي التنزيل: ﴿قُل هُوَ اَللَّهُ أَحَد﴾ (١) [الصمد: ١].\nوسنذكر الكلام في (أحد) صفة الله تعالى في سورة الإخلاص، والكلام في (واحد) نذكره في (٢) قوله: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [البقرة: ١٦٣]، إن شاء الله تعالى.\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ﴾ معنى الفتنة في كلام العرب: الابتلاء والامتحان (٣)، وأصلها مأخوذ من قولك: فتنتُ الفضة والذهب: إنا أذبتهما بالنار؛ ليتميز الرديء من الجيد، وتعرف جودتهما من الرداءة، ومن هذا قوله ﷿: ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ﴾ [الذاريات: ١٣]، أي: يحرقون بالنار، ومن هذا قيل للحجارة السود التي كأنها أحرقت بالنار: الفتين، هذا هو (٤)، ثم جعل كل امتحان فِتْنَة، وقد جعل الله امتحانه عبيده\n_________\n(١) ينظر: \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٨٤٧ - (مادة: وحد)، \"مقاييس اللغة\" ٦/ ٩٠، \"اللسان\" ٨/ ٤٧٨٠ (مادة: وحد)، وقال صاحب \"المفردات\" ص٢١ - ٢٢ ما حاصله: أحد يستعمل على ضربين: أحدهما في النفي فقط، نحو: ما في الدار أحد. والثاني: في الإثبات، وهو على ثلاثة أوجه: الأول: في الواحد المضموم إلى العشرات، نحو أحد عشر. والثاني: أن يستعمل مضافًا إليه بمعنى الأول، كقوله: ﴿أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا﴾ [يوسف: ٤١]، وقولهم: يوم الأحد، أي يوم الأول، ويوم الاثنين. والثالث: أن يستعمل مطلقًا وصفًا، وليس ذلك إلا في وصف الله تعالى: ﴿قُل هُوَ اَللَّهُ أَحَدُ﴾.\n(٢) في (م): (عند).\n(٣) قال في \"مقاييس اللغة\" ٤/ ٤٧٢: الفاء والتاء والنون أصل صحيح يدل على ابتلاء واختبار.\n(٤) من \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٧٣٨، (مادة: فتن).","vol":"3","page":203},{"text":"المؤمنين باللأواء ليبلو صبرَهم فيثيبهم، أو جزعهم (١) على ما ابتلاهم به فيجزيهم، جزاؤهم فتنة فقال: ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ﴾ إلى قوله: ﴿وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت:١ - ٢] قيل في تفسيره: وهم لا يُبلَون في أنفسهم وأموالهم، وكذلك قوله: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٣]، أي: اختبرنا (٢).\nوالفتنة تستعمل في معانٍ كثيرة، ترجع كلها إلى الأصل الذي ذكرنا عند النظر، والفتنة مصدر؛ لذلك (٣) لم يُثَنَّ (٤).\nويقال: فَتَنَه وأَفْتَنَه، والأول: لغة أهل الحجاز، والثاني: لغة أهل نجد، وقال أعشى همْدان:\nلئن فَتَنَتْني لَهْيَ بالأمس أفْتَنَتْ ... سعيدًا فأمسى قد قَلَى كلَّ مُسلم (٥)\nوكان الأصمعي ينكر أفتَنَه (٦)، وذُكر له هذا البيت فلم يعبأ به (٧). وأكثر أهل اللغة أجازوا اللغتين (٨). ومعنى فتنته فلانة: أي: اختبرته، كأنه اختبر بها لجمالها.\n_________\n(١) في (ش): (جوعهم).\n(٢) بمعناه من \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٧٣٨، (مادة: فتن).\n(٣) في (ش): (كذلك).\n(٤) ينظر: \"الوسيط\" ١/ ١٨٥.\n(٥) البيت لأعشى همدان، وقيل: لابن قيس الرقيات، كما في \"اللسان\" ٦/ ٣٣٤٥، (مادة: فتن) وذكر أنه قيل في سعيد بن جبير، وقال الأصمعي: هذا سمعناه من مخنث، وليس بثبت، لأنه كان ينكر أفتن. وينظر: \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٧٣٩، (مادة: فتن).\n(٦) في (ش): (افتنته).\n(٧) ينظر: \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٧٣٩، (مادة: فتن)، \"اللسان\" ٦/ ٣٣٤٤.\n(٨) ما تقدم من \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٧٣٩، (مادة: فتن).","vol":"3","page":204},{"text":"وقال الليث: يقال فِتَنَه يَفتِنُه، ففَتَنَ بمعنى: افتتن، فجعله لازمًا ومتعديًا (١)، وقال:\nرخيم الكلام قطيع القيام ... أمسى الفؤاد به فاتنا (٢)\nقال الأزهري: يقال: افْتَتَنَتْهُ (٣) فافْتَتَنَ، واقعًا ومطاوعًا، وهو صحيح ذكره ابن شُميل (٤).\nوأما فَتَنَتْه فَفَتَنَ فهي لغة ضعيفة (٥).\nومعنى قوله: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ﴾ أي: ابتلاء واختبار لكم (٦)\nوقوله تعالى: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا﴾ (٧) هذا الفعل منسوق على فعل مقدّر يدل عليه الكلام، كأنه قال: حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر فَيَأبَون فيتعلمون (٨).\n_________\n(١) نقله في \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٧٣٩، (مادة: فتن).\n(٢) البيت في: \"اللسان\" ٦/ ٣٣٤٥، (مادة: فتن)، ولم ينسبه، وروايته: أمسى فؤادي بها فاتنا.\n(٣) في (م): (افتنته).\n(٤) هو: النضر بن شميل بن خرشة بن يزيد بن كلثوم التميمي، تقدمت ترجمته.\n(٥) نقله عنه في \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٧٤٠، ينظر في فتن: \"المفردات\" ٣٧٤، \"اللسان\" ٦/ ٣٣٤٥، \"تاج العروس\" ١٨/ ٤٢٤ - ٤٢٨.\n(٦) \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٧٣٩.\n(٧) ينظر في إعرابها: \"التبيان\" ص ٨٠، \"البحر المحيط\" ١/ ٣٣١، وقد لخص أبو حيان الكلام فيها بقوله: وتلخص في هذا العطف أنه عطف على محذوف، تقديره: فيأبون فيتعلمون، أو يعلمان فيتعلمون، أي: على مثبت، أو يتعلمون: خبر مبتدأ محذوف، أي: فهم يتعلمون عطف على جملة اسمية على فعلية، أو معطوف على يعلمون الناس أو معطوفًا على كفروا أو على يعلمان المنفية، لكونها موجبة في المعنى، فتلك أقوال ستة أقربها إلى اللفظ هذا القول الأخير.\n(٨) وهذا اختيار \"الطبري\" ١/ ٤٦٢ واستحسنه الزجاج ١/ ١٨٥ لكنه جوّد ما بعده.","vol":"3","page":205},{"text":"قال ابن الأنباري: وصلح إضمار يأبون هنا كما صلح إضمار الفعل في قوله: ﴿أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ﴾ [الشعراء: ٦٣]، والعرب تحمل على المعنى كثيرًا، من ذلك قول الفرزدق:\nفكيف بليلةٍ لا نجمَ فيها ... ولا قمر لساريها منيرِ (١)\nعطف (ولا قمر) على مقدر في المعنى، كأنه قال: فكيف بليلة ليست بليلة نجم ولا قمر.\nقال أبو إسحاق: والأجود في هذا أن يكون عطفًا على ﴿يُعَلِّمَانِ﴾ ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ﴾، ويستغنى (٢) عن ذكر ﴿يُعَلِّمَانِ﴾؛ لما (٣) في الكلام من الدليل عليه (٤). وقال الفراء: هي مردودة على قوله: ﴿يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ فيتعلّمون (٥).\nقال الزجّاج: هذا خطأ؛ لأن قوله: (منهما) دليل هاهُنا على التعلم منَ الملكين خاصّةً (٦).\n_________\n(١) ورد البيت هكذا:\nفكيف بليلة لا نوم فيها ... ولا ضوء لصاحبها منير\nوالبيت للفرزدق، ينظر: \"ديوانه\" ص ٢٢١.\n(٢) في \"معاني القرآن\" للزجاج: واستغنى.\n(٣) في \"معاني القرآن\" للزجاج: بما.\n(٤) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ١٨٥، وينظر: \"التبيان\" للعكبري ص ٨١.\n(٥) \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٦٤، وقد جود الوجه الأول، ورد عليه النحاس هذا الوجه في \"إعراب القرآن\" ١/ ٢٠٤، فقال: غلط؛ لأنه لو كان كذا لوجب أن يكون فيتعلمون منهم، فقوله. منهما، يمنع أن يكون التقدير: ولكن الشياطين كفروا، يعلمون الناس السحر فيتعلمون، إلا على قول من قال الشياطين هاروت وماروت.\n(٦) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ١٨٥، وقد أطال أبو علي في \"الإغفال\" ص ٣٣٥ - ٣٤٩ النفس في مناقشة كلام الزجاج.","vol":"3","page":206},{"text":"وابن الأنباري صحح مذهب الفراء، وقال: معناه: يعلّمون الناس السحر فيتعلّمون منهم عن (١) الملكين، فلا يكون (منهما) على هذا صلة للتعلم، بل يكون كقولك: تعلمت من الفراء عن الكسائي، أي: الفراء تعلم عنه، وروى لي (٢) عنه، (ومنهما) على هذا الوجه يكون بمعنى: عنهما، فقامت مِنْ مقام عن.\nقال هشام: قال الأصمعي: سمعت (٣) أفصح العرب يقول: حدثني فلان من فلان، وهو يريد عن فلان.\nويجوز أن يكون معنى قوله: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا﴾ أي: مِن السّحر والكُفر، أو من السحر والكهانة. و(أحدٌ): يقع على الواحد وَالاثنين والجميع؛ لذلك (٤) قال: فيتعلّمُون بلفظ الجمع، والدليل على ذلك: قوله: ﴿فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ [الحاقة: ٤٧].\nقال ابن الأنباري: وأجاز أصحابنا: ما مررت بأحدٍ يتكلّمون. ومررت على كُلّ رَجُل يتعجبون (٥).\nوروى سَلَمة (٦) عن الفراء قال: (أحدٌ)، يكون للجميع والواحد في النفي، كقوله: ﴿فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ [الحاقة: ٤٧]، جعل (أحد) في موضع جمع، وكذلك قوله: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥]\n_________\n(١) في (أ): فيتعلمون عن منهم عن الملكين، وفي (م): فيتعلمون عن منهم من الملكين.\n(٢) (لي) ساقطة من (م)\n(٣) في (م): (سمعت من).\n(٤) في (ش): (كذلك).\n(٥) ابن الأنباري.\n(٦) هو: سلمة بن عاصم النحوي أبو محمد، تقدمت ترجمته [البقرة: ٨].","vol":"3","page":207},{"text":"فهذا جمع؛ لأن (بينَ) لا يقع إلّا على اثنين فما زاد (١).\nوقوله تعالى: ﴿مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ وهو أن يُؤَخَّذَ (٢) كل واحد منهما عن صاحبه، ويبغَّضَ كلُّ واحد إلى الآخر (٣).\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا هُمْ﴾ أي: السحرة، وقيل: الشياطين وعلى هذا دلّ كلام ابن عبّاس (٤).\n(به) أي: بالسحر ﴿مِنْ أَحَدٍ﴾ أي: أحدًا (٥).\n﴿إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾. قال ابن عبّاس: يريد: ما يُضلّون إلا من كان في علمي وقضائي وقدرتي أن أُضِلّه (٦).\nوقال المفسرون: الإذن هاهُنا تأويله: إرادة التكوين، أي: لا يضرّون بالسحر إلا من أراد الله أن يلحقه ذلك الضرر (٧).\n_________\n(١) نقله عنه في \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٨٤٦ وقال سيبويه: هو معطوف على (كفروا)، قال: وارتفعت (فيتعلمون) لأنه لم يخبر عن الملكين أنهما قالا: لا تكفر فيتعلموا، ليجعلا كفره سببا لتعلم غيره، نقله أبو حيان في \"البحر المحيط\" ١/ ٣٣١.\n(٢) يؤخذ: من التاخيذ، وآخذه: رقاه، والأُخْذَة: بضم فسكون: رقية تأخذ العين ونحوها كالسحر، أو خرزة يؤخذ بها النساء الرجال، ورجل مؤخذ عن النساء: محبوس، ينظر: \"اللسان\" (مادة: أخذ).\n(٣) رواه الطبري في \"تفسيره\" ١/ ٤٦٣، ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ١/ ١٩٣، وذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ١٠٨٠ كلهم عن قتادة.\n(٤) ينظر: \"البحر المحيط\" ١/ ٣٣٢ وزاد قولًا ثالثًا: وقيل: على اليهود.\n(٥) أي: من زائدة. ينظر: \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٠٨٦، \"أحكام القرآن\" لابن العربي ١/ ٤٩، \"تفسير القرطبي\" ٢/ ٤٩، \"البحر المحيط\" ١/ ٣٣٢.\n(٦) ليس في شيء من التفاسير المسندة، وقد تقدم الحديث عن هذه الرواية في المقدمة.\n(٧) ينظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ٣٦٤، \"ابن أبي حاتم\" ١/ ١٩٣، \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ١٨٦، \"تفسير القرطبي\" ٢/ ٤٩.","vol":"3","page":208},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ﴾ المعنى: إنه يضرهم في الآخرة، وإن تعجّلوا به في الدنيا نفعًا (١).\n﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا﴾ يعني: اليهود (٢) ﴿لَمَنِ اشْتَرَاهُ﴾ أي: اختاره يعني السحر (٣). ﴿مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ أي: نصيب. والخلاق: النصيب الوافر من الخير (٤).\nقال المفسرون في هذه الآية، الخلاقُ: النصيبُ من الجنة (٥).\nثعلب عن ابن الأعرابي: ﴿لَا خَلَاقَ لَهُمْ﴾ [آل عمران: ٧٧] لا نصيب لهم في الخير. ويعني بهذا: الذين يعلّمون الناس السحر، وهم كانوا من علماء اليهود (٦).\n_________\n(١) ينظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ٤٦٤.\n(٢) ينظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ٤٦٤، \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٠٨٦، وذكره في \"البحر المحيط\" ١/ ٣٢٣ قولين آخرين أحدهما: أن المراد الشياطين، والثاني: أن المراد الملكين.\n(٣) ينظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ٤٦٥، ابن أبي حاتم ١/ ١٩٥، \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٠٨٦، \"زاد المسير\" ١/ ١٢٥، وذكر في \"البحر المحيط\" ١/ ٣٣٤ أربعة أقوال فيما يعود عليه الضمير، فقيل: السحر، وقيل: الكفر، وقيل: كتابهم الذي باعوه بالسحر، وقيل: القرآن لأنه تعوضوا عنه بكتب السحر.\n(٤) ينظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ١٨٧، \"الطبري\" ١/ ٤٦٥ - ٤٦٦، \"ابن أبي حاتم\" ١/ ١٩٥، \"البحر المحيط\" ١/ ٣٣٤، وذكروا خمسة أقوال هي: النصيب، والدين، والقوام، والخلاص، والقدر وقد فسره بالنصيب ابن عباس ومجاهد والسدي ورجحه الطبري والزجاج وغيرهما.\n(٥) ينظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ٤٦٦، \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٠٨٦.\n(٦) ينظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ١٨٦، \"زاد المسير\" ١/ ١٢٥.","vol":"3","page":209},{"text":"وفي قوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ جملتان (١): إحداهما: مقسم عليها. والأخرى: مؤكدة بغير قسم.\nويحتمل أن تكون الجملتان كلتاهما مقسم عليهما، والجملة هي المحدّث عنه والحديث.\nفأما الجملة المقسم عليها فقوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا﴾ مقسم عليه؛ لدخول اللام في لقد، وهذه اللام إذا جاءت في الفعل الماضي والمستقبل فإنما تجيء على نية اليمين، كانت مذكورة معها أو محذوفة. قال سيبويه: سألت الخليل عن قوله: ليفعلنّ إذا جاءت مبتدأة؟ فقال: هي على نية القسم (٢)، واللام التي تدخل على الماضي هي هذه التي إذا دخلت على المستقبل لزمته النون، فتقدير ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ﴾: والله لقد علموا.\nوالأخرى المؤكدة غير المقسم عليها: قوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ إذا جعلت (مَنْ) بمعنى (الذي) كانت اللام للتأكيد دون القسم.\nومذهب سيبويه فيه هذا، وهو أن (من) فيه بمعنى (الذي)، كأنه قيل: للذي اشتراه ماله في الآخرة من خلاق (٣). فموضع (من) رفع بالابتداء.\n_________\n(١) ما سيأتي فىِ المسألة من كلام أبي علي في \"الإغفال\" ص ٣٦٢ وما بعدها. وينظر في إعرابها \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٦٥ - ٦٩، \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ١٨٦ - ١٨٧، \"إعراب القرآن\" للنحاس١/ ٢٠٤، \"إعراب مشكل القرآن\" ١/ ١٠٦ - ١٠٧، \"التبيان\" للعكبري ص ٨١.\n(٢) \"الكتاب\" ١/ ٥٣١ - ٥٣٢ ط. بيروت.\n(٣) ساقط من (أ)، (م).","vol":"3","page":210},{"text":"وموضع ﴿مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ رفع على أنه خبر الابتداء. وأما احتمال الكلام أن يكون فيه جملتان كلتاهما مقسم عليهما:\nفالأولى منهما أيضًا: قوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا﴾، والأخرى المقسم عليها: قوله: ﴿مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾، وذلك أن تجعل (من) شرطًا في قوله: ﴿لَمَنِ اشْتَرَاهُ﴾ ولا تجعله بمنزلة الذي. وتجعل قوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا﴾ بمنزلة القسم؛ لأن العلم قد يقام مقام القسم، في مثل قولك: علمت ليفعلنّ كذا، وفي مثل قول الشاعر (١):\nولقد علمتُ لتأتينّ عَشِيّةٌ ... لا بعدها خوفٌ عليّ ولا عَدَمْ (٢)\nقال سيبويه: كأنه قال: والله لتأتينّ عَشِيَّة، فحمل (علمت) في البيت على معنى اليمين. فمن حيث استعمل استعمال القسم صلح أن يكون له جواب، كما يكون للقسم، وساغ أن يكون النفي جوابًا له في الآية.\nفإن قيل: على هذا إذا قلتم: إن قوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا﴾ مقسم عليه، وجوزتم أن يكون هو في نفسه قسمًا، فكأنه قسم قد دخل على قسم، ويبعد ذلك عند سيبويه، فإن سيبويه والخليل قالا: لا يقوى أن يقول: وحقِّك وحقِّ زيد لأفعلن، والواو الآخرة واوُ قَسم لا يجوز إلا مستكرهًا؛ لأنّه لا يجوز هذا في محلوف عليه، إلا أن تضم الآخر إلى الأوّل، وتحلف بهما على المحلوف عليه (٣).\n_________\n(١) الذي استشهد به أبو علي في \"الإغفال\" ص ٣٦٦ ونقله عنه سيبويه هو قول الشاعر: ولقد علمت لتأتين منيتي.\n(٢) البيت لعامر بن حوط، في تاج العروس، (مادة: عدم). \"المعجم المفصل\" ٧/ ١٦٣.\n(٣) \"الكتاب\" لسيبويه ٣/ ٥٠١ ط. عبد السلام هارون.","vol":"3","page":211},{"text":"ولهذا جعل هو والخليل الحرف في قوله: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾ [الليل: ١ - ٢] إنه للعطف (١). معنى ضم الآخر إلى الأوّل، أي: يضم إليه بحرف العطف (٢) دون القسم، قلنا: هذا على ما ذكرت، ولكن قوله: ﴿وَلَقَد عَلِمُوا﴾ أقيم مقام القسم، وليس كالمختصِّ بالقسم التي لا معنى لها غيره، نحو لعمرُك لأفعلنّ، وبالله (٣) ليقومنّ، فليس يدخل على هذا قسم على قسم على (٤) الحقيقة، إنما يدخل (٥) على شيء أقيم مقام القسم، وأصله غير ذلك، والأول هو الوجه الواضح (٦).\nقوله تعالى: ﴿وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾ أي: بئس شيء باعوا به حظ أنفسهم، حيث اختاروا السحر ونبذوا كتاب الله (٧).\nوقوله تعالى: ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ إن قيل: كيف نفى العلم عنهم، ولقد أثبت العلم لهم في قوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا﴾.\nقيل: وصفهم بالعلم (٨) في قوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا﴾ على المجاز لا على الحقيقة، كأنه قال: علموا هذا عِلمًا ظاهرًا، ولم يعلموا كنه ما يصير\n_________\n(١) المصدر السابق.\n(٢) من قوله: معنى (ضم الآخر) ساقط من (ش).\n(٣) في (ش): (وتالله).\n(٤) (على) ساقطة من (ش).\n(٥) في (ش) يدخل الاسم على شيء.\n(٦) هذه المسألة بتمامها ملخصة من كلام أبي علي في \"الإغفال\" ص ٣٦٢ - ٣٦٨.\n(٧) ينظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ٤٦٦، \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٠٨٧، \"تفسير ابن كثير\" ١/ ١٥٤.\n(٨) في (ش): (وصفهم بالعلم ثم نفاه عنهم في قوله ... وهذا سيأتي).","vol":"3","page":212},{"text":"إليه من بخس الآخرة من العقاب، لذلك (١) قال: ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾.\nوقيل: إن الله تعالى وصفهم بالعلم ثم نفاه عنهم؛ لأنهم لم يعملوا بما علموا، فكانوا بمنزلة من لم يعلم، كما تقول: صلَّيتَ ولم تصلِّ، وتكلّمتَ ولم تتكلّم، أي: لم تجوّد كلامك، فكنت بمنزلة من لم يتكلم.\nوقيل: إنما وصفهم بوصفين مختلفين؛ لأنهم علموا أن الآخرة يخسرها من آثر السحر، ثم دخلوا فيه وآثروه طمعًا في عوض يصير إليهم من الدنيا، فقال الله ﷿: ﴿وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ أن الذي قصدوه وآثروه لا يتم لهم من جهته ما يؤمِّلُون؛ لأن الدنيا تنقطع عنهم بالموت، ثم يقدمون على الآخرة التي لا حظ لهم فيها (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-323>١٠٣ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا﴾ أي: بمحمد والقرآن ﴿وَاتَّقَوْا﴾ اليهودية والسحر (٣).\n_________\n(١) في (ش): (كذلك).\n(٢) ينظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ٤٦٧، \"تفسير البغوي\" ١/ ١٣٢، \"التفسير الكبير\" للرازي ٣/ ٢٢٢، \"البحر المحيط\" ١/ ٣٣٤، وأجاب الطبري ١/ ٤٦٦ بأنه من باب التقديم والتأخير، ومعنى الكلام: وما هم ضارون به من أحد إلا بإذن الله، ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم، ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون، ولقد علموا لمن اشتراه ماله في الآخرة من خلاق، ثم رد على من قال: ولقد علموا، أي: الشياطين، ولو كانوا يعلمون، يعني به الناس، وبين أنه قول لجميع أهل التأويل مخالف، لأنهم مجمعون على أن قوله (ولقد علموا)، يعني به اليهود إلخ ما قال.\n(٣) ينظر: \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٠٨٧، \"تفسير الطبري\" ١/ ٤٦٨، \"تفسير البغوي\" ١/ ١٣٢.","vol":"3","page":213},{"text":"﴿لَمَثُوبَةٌ﴾ يقال: أثابه إثابة ومَثَابة، والاسم: الثواب والمَثُوبَةُ والمثْوَبَةُ بفتح الواو (١)، كالمَشُورَة والمَشْوَرَة.\nقال أبو العباس: الثوابُ في الأصل معناه: ما رجع إليك من عائدة، وحقيقته (٢): الجزاء العائد على صاحبه مُكَافأةً لما فعل، ومنه: التَثْويب في الأذان، إنما هو ترجيع الصَوْت، ولا يقال لصوتٍ مرةً واحدةً: تثويب، ويقال: ثوّب الداعي: إذا كرر دعاه كما قال:\nإذا الداعي المُثَوّبُ قال: يالا (٣)\nوالثوب مشتقّ من هذا، لأنه ثاب لباسًا بعد أن كان قُطنا أو غزلا (٤).\nوقوله تعالى: ﴿لَمَثُوبَةٌ﴾ في موضع جواب لو؛ لأنه ينبئ عن قولك: لأثيبُوا، فَحُذِفَ الجواب، وجُعل قوله: ﴿لَمَثُوبَةٌ﴾ بدلًا منه، واللامُ فيه لام الابتداء (٥).\n_________\n(١) المثْوَبة: بفتح الواو شاذ كما قال اللحياني. ينظر: \"اللسان\" ١/ ٥١٩، (مادة: ثوب).\n(٢) في (أ)، (ش): (والحقيقة).\n(٣) البيت نسب لزهير بن مسعود الضبي، ينظر: \"لسان العرب\" ٨/ ٤٩٧٦ (مادة: يا) غير منسوب. \"المعجم المفصل\" ٦/ ٨١. ونسب إلى الفرزدق في \"لسان العرب\" ٧/ ٤١٠٥ (لوم).\n(٤) ينظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ٤٦٨، \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٠٦، \"تهذيب اللغة\" ١/ ٤٦٣ (مادة- ثاب)، \"المفردات\" للراغب الأصبهانى ٨٩، \"مقاييس اللغة\" ١/ ٣٩٣، وقال: الثاء والواو والباء قياس صحيح من أصل واحد وهو العود والرجوع.\n(٥) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ١٨٧ و\"البحر المحيط\" ١/ ٣٣٥، وقد ذكر الطبري في \"تفسيره\" ١/ ٤٦٨ أن بعض نحوي البصرة يرد ذلك، ويرى أن الجواب (لمثوبة).","vol":"3","page":214},{"text":"ومعنى الآية: أن ثواب الله خير لهم من كسبهم بالكفر والسحر (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-324>١٠٤ </span>- قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا﴾ يقال: أرعى إلى الشيء، وراعاه: إذا أصغى إليه، مثل: عافاه وأعفاه. قال الفراء: هو من الإرعاء والمراعاة (٢).\nوقال أبو العباس أحمد بن يحيى: راعِنا سمعَك، أي: اسمع منّا حتى نفهمَك وتفهمَ عنّا، والعرب تقول: أرْعِنا سمعَك، وراعِنا سمعَك بمعنى واحد (٣). وأصل الكلمة من الرعاية (٤)، الذي هو الحفظ، فمعنى أرعيته سمعي، أي: حفظت عليه ما يقول. والمراعاة: المراقبة لأنها حفظ ما يكون من أحوال الشيء، والإرعاء: الإبقاء على أخيك؛ لأنك تحفظ ما تقدم من حقه. (٥)\nقال الكلبي: عن ابن عباس: كان المسلمون يقولون للنبي - ﷺ -: راعِنا سمعك، وكان هذا بلسان اليهود سبًّا قبيحًا، فلما سمعوا هذه الكلمة\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ١٨٧، وينظر: \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٠٨٧، و\"مشكل إعراب القرآن\" ١/ ١٠٨، و\"التبيان\" ص ٨١، و\"البحر المحيط\" ١/ ٣٣٥.\n(٢) \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٦٩.\n(٣) نقله عنه في \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٤٣٠، (مادة: رعن).\n(٤) ذكر الزجاج في \"معاني القرآن\" ١/ ١٨٨ أن في (راعنا) ثلاثة أقوال: أحدها: راعنا، من أرعنا سمعك. والثاني: من المراعاة والمكافأة، فقيل لهم: لا تقولوا: راعنا، أي: كافئنا في المقال، كما يقول بعضهم لبعض، وقولوا أنظِرنا، أي: أمهلنا، واسمعوا، كأنه قيل لهم استمعوا. والثالث: راعنا، كلمة تجري على الهزء والسخرية، فنهي المسلمون أن يتلفظوا بها بحضرة النبي - ﷺ -.\n(٥) ينظر: \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٤٣٠، \"المفردات\" للراغب٢٠٤، \"مقاييس اللغة\" ٢/ ٤٠٧، \"البحر المحيط\" ١/ ٣٣٦، \"تاج العروس\" ١٨/ ٢٣٨ (رعن).","vol":"3","page":215},{"text":"يقولونها لرسول الله - ﷺ - أعجبتهم، وكانوا يأتونه ويقولون ذلك، ويضحكون فيما بينهم، فسمعها سعد بن معاذ (١)، وكان يعرف لغتهم، فقال: عليكم لعنة الله، لئن سمعتُها من رجلٍ منكم يقولها لرسول الله - ﷺ - (٢) لأضربنَّ عنقه، فقالت اليهود (٣): أولستم تقولونها؟ فأنزل الله هذه الآية، ونُهوا عن ذلك (٤).\nوهذا النهي اختص بذلك الوقت؛ لإجماع الأمة على جواز المخاطبة بهذه اللفظة الآن.\n_________\n(١) سعد بن معاذ بن النعمان الأنصاري الأشهلي، أبو عمرو سيد الأوس، شهد بدرًا، واستشهد من سهم أصابه بالخندق، ومناقبه كثيرة. ينظر: \"تقريب التهذيب\" ص ٢٣٠ (٢٢٥٥) ط. دار الرسالة.\n(٢) من قوله: أعجبتهم ... ساقطة من (ش).\n(٣) ساقطة من (ش).\n(٤) أخرجه أبو نعيم في \"دلائل النبوة\" ١/ ٤٧ من طريق عبد الغني بن سعيد عن موسى ابن عبد الرحمن عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس، وعن مقاتل عن الضحاك عن ابن عباس، والإسنادان ضعيفان كما ذكرت في الدراسة. وذكر الثعلبي القصة ولم يسندها لأحد ١/ ١٠٨٧ وكذا قال مقاتل في \"تفسيره\". وذكره الواحدي في \"أسباب النزول\" ص ٣٦، عن عطاء عن ابن عباس، والسيوطي في \"لباب النقول\" ص ١٩ وفي \"الدر\" ١/ ١٩٥ - ١٩٦ وعزاه لأبي نعيم في \"الدلائل\". ويشهد له ما أخرجه الطبري ١/ ٤٦٩ عن قتادة بمعناه، وذكره ابن حجر في \"العجاب\" ١/ ٣٤٤، وفي \"فتح الباري\" ٨/ ١٦٣ وقال: وروى أبو نعيم في \"الدلائل\" بسند ضعيف جدًا عن ابن عباس.\nوالصحابي الذي ذكره الواحدي في \"أسباب النزول\" هو سعد بن عبادة، وكذا هو عند مقاتل في \"تفسيره\" ١/ ٥٩. وهناك أسباب أخرى وردت في نزول الآية، ذكرها الطبري ١/ ٤٧٠، وابن أبي حاتم ١/ ١٩٦، والسيوطي في \"الدر\" ١/ ١٩٥ - ١٩٦.","vol":"3","page":216},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾ أي: انتظرنا والعرب تقول: نظرت فلانًا، أي: انتظرته، قال الحطيئة:\nوقد نَظَرْتُكُمُ إبناءَ صَادِرةٍ (١)\nومعنى (انظرنا) هاهنا: اصبر حتى نفهمك ما نقول، ويجوز أن يكون (انظرنا) أي: انظر إلينا، فحذف حرف الصفة، كقول قيس بن الخطيم (٢):\nظاهراتُ الجَمال والحُسْنِ ينظُرنَ ... كما ينظرُ الأراكَ الظباءُ (٣)\n_________\n(١) عجز البيت:\nللخمس طال بها حَوْزي وتنساسي\nفي \"ديوانه\" ص ١٠٦، \"تفسير الطبري\" ١/ ٤٧٣، \"لسان العرب\" ٧/ ٤٤٦٦، \"المعجم المفصل\" ٤/ ٧١، وفي رواية: للورد بدل للخمس والشطر الأول عند الطبري إعشاء: بدل إيناء. وهذه قصيدة مدح بها الحطيئة بغيض بن عامر بن شمّاس ويهجو الزبرقان بن بدر. والإيناء: مصدر آنيت الشيء: إذا أخرته. والصادرة: الإبل التي تصدر على الماء والخمس: من أظماء الإبل، وهو أن تظل في المرعى بعد يوم ورودها ثلاثة أيام ثم ترد في الرابع، والحوز: السوق اللين، والتنساس: السوق الشديد لورود الماء، والشاعر يصف طول انتظاره حين لا صبر له على طول الانتظار.\n(٢) هو: قيس بن الخطيم بن عدي الأوسي، أبو يزيد، شاعر الأوس وأحد صناديدها في الجاهلية، اشتهر عنه تتبعه قاتلي أبيه وجده حتى قتلهما، أدرك الإسلام لكنه لم يسلم، قتل سنة ٢ ق هـ. ينظر \"جمهرة أشعار العرب\" ١٢٣، و\"الأعلام\" ٥/ ٢٠٥.\n(٣) نسب هذا البيت لقيس بن الخطيم كما في إحدى نسخ الثعلبي الخطية وفي بعضها بلا نسبة. \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٠٩٠. وهو بلا نسبة في \"أساس البلاغة\" ص ٤٥٤. ونسب لعبد الله بن قيس الرقيّات وهو في \"ديوانه\" ص ٨٨، وينظر: \"تفسير القرطبي\" ٢/ ٥٤، \"البحر المحيط\" ١/ ٣٣٩، و\"الدر المصون\" ١/ ٣٣٢.","vol":"3","page":217},{"text":"وإذا كان بتقدير: انظر إلينا كان من نظر العين (١).\nونذكر معاني النظر عند قوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢١٠] إن شاء الله.\nقال: المفسرون أمروا أن يقولوا: انظرنا، بدل راعنا.\nوقوله تعالى: ﴿وَاسْمَعُوا﴾ أي: أطيعوا، أو اتركوا هذه الكلمة، فسمّى الطاعة سمعًا؛ لأن الطاعة تحت السمع (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-325>١٠٥ </span>- قوله تعالى: ﴿مَا يَوَدُّ﴾ إلى قوله ﴿مِنْ خَيْرٍ﴾ (من) صلة مؤكدة (٣). وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَخْتَصُّ﴾ يقال: خَصَّه بالشيء واخْتَصَّه به بمعنى واحد (٤)، ويقال: اختَصَصْتُه بالفايدة واختصصت بها.\nومعنى الاختصاص: الانفراد بالشيء، ومنه: الخَصَاص للفُرَجِ (٥)؛\n_________\n(١) ينظر: \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٧٠، \"تفسير الطبري\" ١/ ٤٧٣، \"المفردات\" ٤٩٠ - ٥٠٠، \"اللسان\" ٧/ ٤٤٦٤، وقد ذكر الطبري في \"تفسيره\" ١/ ٤٧٣ - ٤٧٤: أن معناها: انظرنا وارقبنا، نفهم ما تقول لنا وتعلمنا، قال: وقد قرئ (أنظِرنا)، أي: أخرنا، ولا وجه له في هذا الموضع؛ لأن الصحابة أمروا بالدنو من رسول الله - ﷺ - والاستماع له لا بالتأخر عنه، قال: وقد قيل: إن معناها: أمهلنا، وبيَّنَ أنها قريبة المعنى مما ذكر لكن لا يقرأ بها. انتهى ملخصًا.\n(٢) \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١٠٩١، و\"التفسير الكبير\" للرازي ٣/ ٢٢٥.\n(٣) ينظر: \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٠٩٢، \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ٢٠٦، \"تفسير البغوي\" ١/ ١٣٣.\n(٤) زيادة من (ش) وقد ذكر الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ١٠٩٢ أن الاختصاص أوكد من الخصوص؛ لأن الاختصاص لنفسك والخصوص لغيرك.\n(٥) أي: فُرَج بين الأثافي والأصابع، ينظر: \"اللسان\" ٢/ ١١٧٣، وقال في \"تهذيب اللغة\" ١/ ٢٣٣ - ٢٣٤: وأصل ذلك من الخَصَاص، وكل خَلَلٍ أو خَرْق يكون في مُنْخل أو باب أو سحاب أو بُرقُع فهو خصَاص.","vol":"3","page":218},{"text":"لأنه انفرد كل منهما (١) واحد عن الآخر من غير جمع بينها، ثم يقال لسوء الحال: الخصاصة (٢)، لأنها خللٌ في الحال وصدع (٣).\nوقوله تعالى: ﴿بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ أراد بالرحمة هاهنا: النبوة (٤).\nوقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ قال الليث: ذو اسم ناقص، وتفسيره: صاحب ذاك (٥)، كقولك: ذو مال. والتثنية: ذوان، والجمع (٦): ذوون، وتقول في تأنيث (٧) ذو: ذات، وفي التثنية: ذواتا، وفي الشعر يجوز: ذاتا. والجمع: ذوات مال (٨)، وأنشد للكميت:\nوقد عَرَفَتْ مَوَالِيها الذَّوِينَا (٩)\nأي (١٠): الأخصين الأدنين، وإنما جاءت النون لذهاب الإضافة (١١).\nوسمعت أبا الحسن النحوي ﵀ يقول: أصل ذو: ذوي أو\n_________\n(١) زيادة من (ش).\n(٢) في (ش): (خصاصة).\n(٣) ينظر: \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٢٩٩، \"المفردات\" ١٥٥، \"اللسان\" ٣/ ١٤٧٦.\n(٤) ينظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ٤٧٤ - ٤٧٥، \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ١٨٩.\n(٥) في \"تهذيب اللغة\": ذلك.\n(٦) في (أ) و(ش): (الجميع).\n(٧) في (م): (التأنيث).\n(٨) ينظر: \"المفردات\" ١٨٦، \"البحر المحيط\" ١/ ٢٣٦ - ٢٣٧، \"القاموس\" ص ١٣٥١، \"الإتقان\" ٢/ ١٩٥.\n(٩) البيت هكذا:\nفلا أعني بذلك أسفليكم ... ولكني أريد به الذوينا\nوهو للكميت بن زيد، في \"ديوانه\" ٢/ ١٠٩، و\"معجم الشعراء\" ٨/ ١٠١، وما ذكره المؤلف موافق لما في \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٢٩٩.\n(١٠) في (ش): (أن).\n(١١) نقله عنه في \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٢٩٩.","vol":"3","page":219},{"text":"ذوو، فلما تحركت الواو والياء وانفتح ما قبلها صارت ألفًا فصار ذوا، ثم لما تحركت الواو وانفتح ما قبلها صارت ألفًا، فاجتمعت ألفان فحذفت إحداهما لالتقاء الساكنين، فبقي ذا فلم يمكن إعراب الألف، فجعل إعرابه في الذال، فلما أعربت الذال بالرفع انقلبت الألف واوًا، ولما أعربت بالخفض انقلبت ياء، ولما أعربت بالنصب بقيت ألفًا كما كانت.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-326>١٠٦ </span>- قوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا﴾ الآية، قال الزجاج: النسخ في اللغة: إبطال شيء وإقامة آخر مقامه. والعرب تقول: نسخت الشمسُ الظل، والمعنى: أذهبت الظلّ وحلّت محلّه (١).\nوقال غيره: تناسخ الأزمنة والقرن بعد القرن: هو مضي الأول ومجيء الثاني بعده يخلفه في محلّه.\nثعلب عن ابن الأعرابي: النسخ: تبديل الشيء من الشيء، وهو غيره، والنسخ: نقل شيء من مكان إلى مكان، وهو هو (٢) (٣). وروى أبو تراب (٤) عن الفراء وأبي سعيد: مسخه الله قردًا، ونسخه قردًا، بمعنى واحد (٥) (٦).\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ١٨٩.\n(٢) ساقطة من (أ)، (م).\n(٣) نقله عنه في \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٥٥٨، \"اللسان\" ٧/ ٤٤٠٧، (مادة: نسخ).\n(٤) لغوي من خراسان، استدرك على الخليل بن أحمد في كتاب العين، وله كتاب الاعتقاب. ينظر: \"إنباه الرواة\" ٤/ ١٠٢.\n(٥) نقله عنه في \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٥٥٨، (مادة: نسخ)، وعنه أيضًا في \"اللسان\" ٧/ ٤٤٠٧، \"تفسيرالثعلبي\" ١/ ١٠٩٣.\n(٦) ينظر في معاني النسخ: \"تفسير الطبري\" ١/ ٤٧٥ - ٤٧٦، \"تفسير القرطبي\" ٢/ ٦٢، \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٥٥٨، (مادة: نسخ)، \"اللسان\" ٧/ ٢٤٠٧، والإتقان ٣/ ٥٩، وقال صاحب \"المفردات\" ص ٤٩٢: النسخ: إزالة شيء بشيء يتعقبه، كنسخ الشمس الظل، والظل الشمس، والشيب الشباب، فتارة يفهم منه الإزالة، وتارة يفهم منه الإثبات، وتارة يفهم منه الأمران.","vol":"3","page":220},{"text":"وقال العلماء من أهل اللغة والتفسير (١): النسخ له معنيان:\nأحدهما: تحويلُ الكتاب من حيث هو إلى نسخة أخرى، يقال: نسخت الكتاب، أي: كتبت منه نسخة أخرى (٢).\nثم (٣) يقال: نَسَخْتُ منه نسخة، وإن لم تُحوِّله من مكتوب إلى غيره، كأنك كتبته عن حفظك. ومن هذا قوله ﷿ ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية: ٢٩]، يجوز أن يكون معناه: ننسخ، كقوله: ﴿وَإِذَا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ﴾ [الصافات: ١٤]، أي: يسخرون، ويجوز أن يكون معناه: نستدعي ذلك، وهو أمر الملائكة بكتابته. وعلى الوجهين جميعًا هو كتابة لا من نسخة.\nفعلى هذا المعنى: القرآن كله منسوخ، لأنه نُسِخَ للنبي - ﷺ - من أمِّ الكتاب فأُنزل عليه.\nوالثاني: هو رفعُ الحكم وإبطالهُ، ثم يجوز النسخ إلى بدل وإلى غير بدل. فالذي إلى بدل قولهم: نَسَختِ الشمسُ الظلَّ، فالظلُّ يزول ويبطل،\n_________\n(١) ينظر في ذلك: \"المستصفى\" للغزالي ١/ ١٠٧، و\"المحرر الوجيز\" ١/ ٤٢٨ - ٤٣١، و\"التفسير الكبير\" للرازي ٣/ ٢٢٦، و\"شرح مختصر الروضة\" للطوفي ٢/ ٢٥١، و\"الإتقان\" ٣/ ٥٩، و\"إرشاد الفحول\" ص١٨٣.\n(٢) ساقطة من (أ)، (ش).\n(٣) ساقطة من (أ).","vol":"3","page":221},{"text":"والشمس تكون بدلًا عنه (١).\nوالذي إلى غير بدل قولهم: نَسَختِ الريحُ الأثرَ، أي: أبطلتها وأزالتها.\nوهذا المعنى هو المراد بالآية (٢).\nثم النسخ في القرآن على ضروب: منها: ما يكون حكمه مرفوعًا، وخطُّه مثبت يتلى ويقرأ، ولا يعمل به، وهذا هو المعروف من النسخ؛ أن تكون الآية الناسخةُ والمنسوخةُ جميعًا ثابتتين في التلاوة وفي خط المصحف، إلا أن المنسوخة منهما غيرُ معمولٍ بها ثابت، فينسخ التلاوة بثابت التلاوة (٣)، وذلك مثل:\nعِدّة المتوفى عنها زوجها، كانت سنّةً لقوله: ﴿مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ﴾ [البقرة: ٢٤٠] ثم نسخت بأربعة أشهر وعشر؛ لقوله: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] (٤).\nومثل هذا أيضا قوله: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ﴾ [الأنفال: ٦٥] الآية، ثم نسخت بقوله: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٦].\nومنها: أن ترفع تلاوتها وحكمها، كنحو ما يُرْوَى عن أبي بكر - ﵁ - أنه قال: كنا نقرأ: (لا ترغبوا عن آبائكم إنه كفر) (٥).\n_________\n(١) ساقطة من (ش).\n(٢) ينظر: \"الناسخ والمنسوخ\" لأبي عبيد ص ١٤، \"تفسير الطبري\" ١/ ٤٧٥، \"المحرر الوجيز\" ٤٢٨ - ٤٣١، \"تفسير القرطبي\" ٢/ ٥٥ - ٦١.\n(٣) (بثابت التلاوة) ساقطة من (ش).\n(٤) سيأتي بيان حقيقة النسخ في هذه الآية عند \"تفسيره\".\n(٥) الحديث أخرجه أبو عبيد في \"فضائل القرآن\" ص ١٩٣، وأبو داود الطيالسي ص ١٢ عن عمر بن الخطاب، ونقله السيوطي عنه في \"الإتقان\" ٣/ ٧٤، وانظر: \"كنز العمال\" ٢/ ٢٨٥، وذكره في \"الحجة\" ٢/ ١٨٠، وينظر: \"تفسير القرطبي\" ٢/ ٥٥ - ٥٦، وأخرجه ابن الضريس عن ابن عباس كما في \"الدر المنثور\" ١/ ١٩٧ - ١٩٨.","vol":"3","page":222},{"text":"ومنها: أن ينسخ تلاوته ولا تنسخ حكمه، كآية الرجم، فإنها منسوخة تلاوة، ثابتة حكمًا (١).\nومنها: أن يُنْسخ ما ليس بثابت التلاوة (بما ليس بثابت التلاوة) (٢) مثل: ما روي عن عائشة ﵂. قالت: إنا كنا نقرأ: \"عشر رضعات معلومات يُحَرّمن\"، فنسخن بخمس (٣).\nوقد ينسخ أيضا ما ليس بثابت التلاوة بما هو ثابت التلاوة والمراد بالمنسوخ: الحكم، مثل: نسخ تحليل الخمر، وكتحريم الزنا، وهذا كثير.\nويجوز أيضا نسخ ما هو ثابت التلاوة بما (٤) ليس بثابت التلاوة، وهو كنسخ الجلد في المحصنين بالرجم، والرجم غير متلو الآن، وإن (٥) كان يتلى على عهد رسول الله - ﷺ - (٦)، فالحكم يثبت والقراءة لا تثبت، كما يجوز أن تثبت التلاوة في بعض ولا يثبت الحكم.\nوإذا جاز أن يكون قرآن ولا يعمل به جاز أن يكون قرآن يعمل به ولا يتلى؛ وذلك أن الله ﷿ أعلم بمصالحنا، وقد يجوز أن يعلم من مصلحتنا\n_________\n(١) ساقطة من (أ)، (م).\n(٢) ساقطة من (ش).\n(٣) أخرجه مسلم (١٤٥٢) كتاب الرضاع، باب التحريم بخمس رضعات.\n(٤) (بما هو ليس) في (م).\n(٥) في (ش): (قد).\n(٦) ينظر حديث عمر في آية الرجم المنسوخة لفظًا عن ابن عباس عند البخاري (٦٨٣٠) كتاب الحدود، باب: رجم الحبلى من الزنا إذا أحصنت، ومسلم (١٩١) كتاب الحدوث، باب: رجم الثيب في الزنا. ينظر: \"الإتقان\" ٣/ ٧٣.","vol":"3","page":223},{"text":"تعلّق العمل بهذا الوجه.\nقال أبو إسحاق: إن قيل: ما الفصل (١) بين الترك والنسخ؟\nفالجواب في ذلك: أن النسخ أن يأتي في الكتاب نسخ آية بآية، فتبطِلَ الثانيةُ العمل بالأولى.\nومعنى الترك: أن تأتي الآية بضرب من العمل فيؤمر المسلمون بترك ذلك بغير آية تنزل ناسخةً للتي قبلها، نحو قوله: ﴿إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠]، ثم أُمر المسلمون بعد بترك المحنة، فهذا يدل على معنى الترك ومعنى النسخ (٢).\nفأبو إسحاق فصل بين النسخ والترك كما ترى، وجعلهما قسمين.\nقال أبو علي (٣): ليس حقيقهُ النسخ ما ذكره أبو إسحاق، بل هو ضرب من النسخ، وقد يكون نسخ الآية على (٤) ضروب أخر، وما أعلم في النسخ روايةً ولا قياسًا يدل على أنه مقصور على ما ذكر، وقد ينسخ القرآن عند عامةِ الفقهاء بسنَّةٍ غير آية، ولا يمتنعون من أن يسمّوا ذلك نسخًا، ولا يمتنع أن يسمّى الضرب الذي سماه أبو إسحاق تركًا نسخًا.\n_________\n(١) في \"معاني القرآن\" للزجاج: ما الفرق.\n(٢) بتصرف من \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ١٩٠.\n(٣) أي: في \"الحجة\" ٢/ ٢٠١ وما بعدها.\n(١) ساقطة من (أ)، (م).","vol":"3","page":224},{"text":"ومما (١) يدل على ذلك: أن الزهري روى عن عروة عن عائشة، قالت: نزل في أصحاب بئر معونة (٢) قرآن منه: \"بلّغوا قومنا أن قد لقينا ربَّنا فرضِيَ عنّا وأرضانًا\"، دم نسخ (٣)، فسمّت عائشة ذلك نسخًا، وإن لم ينسخ بآية، ولم تُسمّه تركًا، وهذا يفسد القسمين اللذين قسمهما (٤).\nقال أبو علي: ولم يثبت بتسمية النسخ ومعناه رواية نعلمها عن العرب، ولا سماع، ولا قياس، وإن المفسرين قالوا فيه على طريق التقريب.\nالذي يدل على هذا: أن الفراء قال: النسخ: أن يعمل بالآية ثم تنزل أخرى فيعمل بها، وتترك (٥) الأولى.\n_________\n(١) في (أ)، (م): (وما).\n(٢) بئر معونة: وقعة في صفر من السنة الرابعة، قتل فيها أربعون من خيار أصحاب رسول الله - ﷺ -، بعثهم رسول الله - ﷺ - دعاة إلى الله فغدرت بهم قبائل رِعل وذكوان وعصية عند بئر معونة. ينظر: \"سيرة ابن هشام\" ٣/ ١٨٤ - ١٩٠ تحقيق: همام سعيد.\n(٣) حديث عائشة.\nوجاء هذا أيضًا من رواية أنس رواه البخاري (٤٠٩٠) كتاب المغازي، باب: غزوة الرجيع ورعل وذكوان وبئر معونة، ومسلم (٦٧٧) كتاب المساجد، باب: استحباب القنوت في جميع الصلاة إذا نزلت بالمسلمين نازلة.\n(٤) (٥) من \"الحجة\" ٢/ ٢٠١.","vol":"3","page":225},{"text":"والقراءة الصحيحة: ﴿مَا نَنْسَخْ﴾ وقرأ ابن عامر (١) وحده (ما نُنْسِخْ) بضم النون (٢)، وخَطَّأهُ في ذلك أبو حاتم (٣) (٤) وكثير من أهل النظر (٥). والذين وجهوا هذه القراءة قالوا: أفعَلَ لا يخلو من ثلاثة (٦) أوجه:\nأحدها (٧): أن تكون (٨) لغة (٩) في فعل كقولهم: حلَّ من إحرامه، وأَحَلّ، وبدأ الله الخلق وأبدا هم، ولا يجوز هذا الوجه في أنسخ؛ لأنا لا نعلم أحدًا حكى أو روى أنسخ بمعنى: نسخ.\nالوجه الثاني: أن تكون الهمزة للنقل، كقوله: قام وأقمته، وضرب وأضربته (١٠)، ونسخ الكتاب وأنسخته الكتاب، وهذا الوجه أيضًا كالأول\n_________\n(١) هو: أبو عمران عبد الله بن عامر اليحصبي، إمام أهل الشام في القرآن، وأحد القراء السبعة، أخذ القراءة من المغيرة بن أبي شهاب اليحصبي عن عثمان بن عفان -﵁-، توفي سنة ١١٨هـ. ينظر: \"معرفة القراء الكبار\" ١/ ٨٢، و\"السبعة\" ص ٨٥.\n(٢) قرأ ابن عامر من غير طريق الداجوني عن هشام: (ما نُنْسِخ) بضم النون، والباقون بالفتح. ينظر: \"السبعة\" ١٦٨، \"النشر\" ٢/ ٢١٩ - ٢٢٠، و\"معاني القراءات\" للأزهري ص ٦٠، \"الحجة في القراءات السبعة\" ٨٦ تحقيق: عبد العال سالم مكرم.\n(٣) هو: سهل بن محمد الجشمي السجستاني، من أئمة القراءة واللغة، تقدمت ترجمته.\n(٤) ينظر: \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١١٠٢، \"تفسير القرطبي\" ٢/ ٥٥، \"الدر المصون\" ١/ ٣٣٤.\n(٥) قال السمين الحلبي في \"الدر المصون\" ١/ ٣٣٤: وهذا جراءة منه على عادته.\n(٦) في (ش): (لا يخلو هذه أوجه).\n(٧) في (ش): (أحدهما).\n(٨) في \"الحجة\" أن تكون (أفعل) لغة في هذا الحرف.\n(٩) ساقطة من (م).\n(١٠) في (ش): (وضربته).","vol":"3","page":226},{"text":"في أنه لا يجوز حمل الآية عليه؛ لأنك لو قدرت الهمزة للنقل كان المعنى ما ننسخك من آية، فتجعل (١) المفعول محذوفًا من اللفظ مرادًا في المعنى، كقولك: ما أعطيت من درهم فلن يضيع عندك، على معنى: ما أعطيتك، وإذا كان على هذا التقدير، كان المعنى: ما نُنَزِّلُ عليك من آية أو ننسها نأت بخير منها، وذلك أن إنساخه إياها إنما هو إنزال في المعنى، لأنه تمكين من نسخها بالكتابة، وإنما يتمكن بأن ينزل عليه، وليس هذا المراد بالآية ولا المعنى، ألا ترى أنه ليس كل آية أنزلت أُتي بآية أذهب منها في المصلحة، وإذا كان هذا التأويل يؤدي إلى الفساد في المعنى والخروج عن الغرض الذي قصد به الخطاب علمت أن توجيه التأويل إليه لا يصح (٢).\nالوجه الثالث: أن يكون المعنى في أنسخت الآية: وجدتها منسوخة، كقولهم: أَجَدْتُ الرجل، وأَجْبَنْتُه، وأكذَبْتُهُ، وأَبْخَلْتُه، أي: أصبتُه على هذه الأحوال، فيكون معنى قوله (نُنسخْ): نجده منسوخًا، وإنما (٣) نجده كذلك\n_________\n(١) في (ش): (فجعل).\n(٢) عبارة أبي علي في \"الحجة\" ٢/ ١٨٥ هكذا: وذلك أن إنساخه إياها إنما هو إنزال في المعنى، ويكون معنى الإنساخ أنه منسوخ من اللوح المحفوظ أو من الذكر، وهو، الكتاب الذي نسخت الكتب المنزلة منه، وإذا كان كذلك فالمعنى: ما ننزل من آية، أو ما ننسخك من آية أو ننسها؛ لأن ابن عامر يقرأ: (أو نُنسها نأت بخير منها أو مثلها) وليس هذا المراد ولا المعنى، ألا ترى أنه ليس كل آية أنزلت أتي بآية أذهب منها في المصلحة فإذا كان تأويلها هذا التأويل يؤدي إلى الفساد في المعنى والخروج عن الغرض الذي قصد به الخطاب علمت أن توجيه التأويل إليه لا يصح، وإذا لم يصح ذلك ولا الوجه الذي ذكرناه قبله، ثبت أن وجه قراءته على القسم الثالث.\n(٣) في (ش): (وأما).","vol":"3","page":227},{"text":"لنسخه إياه، وإذا كان كذلك كان قوله: نُنسخ بضم النون كقراءة من قرأ: (نَنسخ) بفتح النون يتفقان في المعنى وإن اختلفا في اللفظ (١).\nوقوله تعالى: ﴿نُنْسِهَا﴾ قرأ ابن كثير (٢) وأبو عمرو: (نَنْسَأها) مفتوحة النون مهموزة (٣).\nقال أبو زيد: نسأتُ الإبل عن الحوض، فأنا أنسؤها نَسْأً، إذا أخَّرْتَها عنه، ونسأت الإبل: إذا زدتَ في ظمئها يومًا أو يومين أو أكثر، وتقول: انتسأتُ عنك انتساء: إذا تباعدتَ (٤) عنه (٥)، وفي الحديث: \"إذا تناضلتم\n_________\n(١) انتهى كلام أبي علي ملخصًا من \"الحجة\" ٢/ ١٨٤ - ١٨٦، وينظر: \"المحرر الوجيز\" ١/ ٤٢٨ - ٤٢٩، ونقله القرطبي ٢/ ٥٤ - ٥٦، قال أبو حيان في \"البحر\" ١/ ٣٤٢ معلقا على كلام أبي علي: فجعل الهمزة في النسخ ليست للتعدية، وإنما أفعل لوجود الشيء بمعنى ما صيغ منه، وهذا أحد معاني أفعل المذكورة فيه فاتحة الكتاب، وجعل الزمخشري الهمزة فيه للتعدية، قال: وإنساخها: الأمر بنسخها، وهو أن يأمر جبريل بأن يجعلها منسوخة بالإعلام بنسخها وقال ابن عطية: التقدير: ما ننسخك من آية، أي: ما نبيح لك نسخه، كأنه لما نسخه الله أباح لنبيه تركها بذلك النسخ، فسمى تلك الإباحة إنساخا (فالهمزة عنده للتعدية).\nوخرج ابن عطية هذه القراءة على تخريج آخر، وهو أن تكون الهمزة فيه للتعدية أيضًا، وهو من نسخ الكتاب، وهو نقله من غير إزالة له، قال: ويكون المعنى: ما نكتب وننزل من اللوح المحفوظ، أو ما نؤخر فيه ونترك فلا ننزله، أي ذلك فعلنا فإنا نأتي بخير من المؤخر المتروك أو بمثله الخ وتعقبه أبو حيان. انتهى ملخصًا من \"البحر المحيط\".\n(٢) هو: أبو معبد عبد الله بن كثير الداري المكي، أحد القراء السبعة المشهورين، تقدمت ترجمته ٢/ ٤١ - ٤٢.\n(٣) ينظر: \"السبعة\" ص ١٦٨، \"النشر\" ٢/ ٢٢٠.\n(٤) في (ش): (أخرتها).\n(٥) نقله عنه في \"الحجة\" لأبي علي ٢/ ١٨٧.","vol":"3","page":228},{"text":"فانتسئوا عن البيوت\" (١) أي: تباعدوا. وقال: مالك بن زُغْبة (٢):\nإذا أَنْسَؤُوا فوتَ الرماح أتَتْهُمُ ... عوائرُ نَبْلٍ كالجرادِ نُطِيرُها (٣)\nوأنسأته الدين إنساءً: إذا أخرت قضاءه عنه. واسم ذلك: النسيئة، فمعنى قوله: (ننسأها) أي: نؤخرها (٤). ومعنى التأخير في الآية على ثلاثة أوجه:\nأحدها: أن يؤخر التنزيل (٥) فلا ينزل ألبتَّة، ولا يُعْلَم، ولا يُعْمَل به، ولا يتلى، والمعنى على هذا: ما نؤخر (٦) إنزالها فلا ننزِلُها (٧).\nالوجه الثاني: أن ينزلَ القرآن فيعمل به ويتلى، ثم يؤخر بعد ذلك، بأن يُنْسخ فترفع (٨) تلاوته ألبتّة، فلا يتلى ولا يعمل بتأويله، وذلك مثل ما روينا عن أبي بكر (٩) - ﵁ - ومثل ما روي عن زر أن أُبَيًّا قال له: كم تقرؤون الأحزاب؟ قلت: بضعًا وسبعين آية، قال: قد قرأتها ونحن مع\n_________\n(١) ذكره ابن الأثير في \"النهاية\" بلفظ: \"ارموا فإن الرمي جلادة، وإذا رميتم فانتسوا عن البيوت\" أي: تأخروا وصوب: انتسئوا، وعزاه للهروي. ينظر: \"النهاية\" ٥/ ٤٥، \"اللسان\" ١/ ٣٩٢ - ٣٩٣ ومعنى تناضلتم: تراميتم للسبق.\n(٢) هو: مالك بن زغبة، من بني قتيبة بن معن، من باهلة، حدثت معركة قبلية جاهلية ضد بني الحارث بن كعب وبني نهد وبني جرم، نظم فيها أبياتا. ينظر: \"خزانة الأدب\" ٨/ ١٣٢، و\"البرصان والعرجان\" ص ٤٥٩.\n(٣) ينظر: \"لسان العرب\" ٥/ ٣٦١٧، (مادة: عور)، ٥/ ٣١٨٧، (مادة: عير)، ٧/ ٤٤٠٤، (مادة: نسأ)، \"المعجم المفصل\" ٣/ ٣٧١.\n(٤) ينظر: \"الحجة\" لأبي علي ٢/ ١٨٧، \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٥٥٦، \"اللسان\" ٧/ ٤٤٠٣.\n(٥) في (ش): (المنزل).\n(٦) في (ش): (يؤخر).\n(٧) في (ش): (فلا ينزلها).\n(٨) في (ش): (فترفع).\n(٩) تقدم تخريجه.","vol":"3","page":229},{"text":"رسول الله - ﷺ - أطول من سورة البقرة (١).\nوالوجهُ الثالث: أن يؤخر العملُ بالتأويل؛ لأنه نسخ، ويترك خَطه مُثبتًا وتلاوته في أن يُتلى قُرآن (٢). وهو ما حكي عن مجاهد في قوله: (أو ننساها) قال: نُثْبت (٣) خطها ونُبَدّل حكمها (٤) (٥).\nولا يصح في معنى الآية من هذه الأوجه إلا الأول؛ لأن الثاني والثالث يرجع تأويلهما إلى النسخ، ولا يَحسُن في التقدير: ما نَنْسَخْ من آية أو نَنْسَخْها.\nوذُكر وجه رابع، هو أقوى هذه الأوجه، وهو: أن يكون المعنى: نؤخرها إلى وقت ثانٍ، فنأتي بدلًا منها في الوقت المتقدم بما يقوم مقامها، فعلى هذا يتوجّه معنى التأخير (٦).\n_________\n(١) رواه عبد الله بن الإمام أحمد في: \"زوائد المسند\" ٥/ ١٣٢، والنسائي في \"السنن الكبرى\" (٧١٥٠)، وأخرجه أبو عبيد في \"فضائل القرآن\" ص ١٩٠، ونقله عن أبي عبيد: السيوطي في \"الإتقان\" ٣/ ٧٢، وذكره القرطبي ٢/ ٥٦، وقال ابن كثير في \"تفسيره\" ص ١٣٥٠: وهذا إسناد حسن.\n(٢) في \"الحجة\": وتلاوته قرآن يتلى.\n(٣) في (م): (ثبت).\n(٤) رواه الطبري في تفسيره عن مجاهد ١/ ٤٧٥ وذكره أبو علي في \"الحجة\" ٢/ ١٨٧ وينظر في هذه القراءة وغيرها: \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١١٠٤، وما بعدها، و\"المحتسب\" ١/ ١٠٣، و\"المختصر\" لابن خالويه ص ٩، و\"تفسير ابن عطية\" ١/ ٤٢٨ - ٤٢٩، و\"البحر المحيط\" ١/ ٣٤٣.\n(٥) هذا كلام أبي علي في \"الحجة\" ٢/ ١٨٧ - ١٨٨ بمعناه.\n(٦) قال ابن عطية في \"المحرر الوجيز\" ١/ ٤٢٨ - ٤٢٩: وهذه القراءات لا تخلو كل واحدة منها أن تكون من النسء أو الإنساء بمعنى التأخير، أو تكون من النسيان. والنسيان في كلام العرب يجيء في الأغلب ضد الذكر، وقد يجيء بمعنى الترك،=","vol":"3","page":230},{"text":"وأما من قرأ: (نُنسها) فهو منقول من نسي، والنسيان له معنيان:\nأحدهما: الترك كقوله: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧]، أي: تركوا طاعة الله فترك رحمتهم، أو ترك تخليصهم.\nوالثاني: الذي هو ضد الذكر (١).\n_________\n= فالمعاني الثلاثة مقولة في هذه القراءات، فما كان منها يترتب في لفظة النسيان الذي هو ضد الذكر، فمعنى الآية: ما ننسخ من آية أو نقدر نسيانك لها فتنساها حتى ترتفع جملة وتذهب، فإنا نأتي بما هو خير منها لكم، أو مثله في المنفعة. وما كان من هذه القراءات يحمل على معنى الترك فإن الآية معه تترتب فيها أربعة معان:\nأحدها: ما ننسخ على وجوه النسخ أو نترك غير منزل عليك فإنا لابد أن ننزل رفقًا بكم خيرًا من ذلك أو مثله، حتى لا ينقص الدين عن حد كماله.\nوالمعنى الثاني: أو نترك تلاوته وإن رفعنا حكمه فيجيء النسخ على هذا: رفع التلاوة والحكم.\nوالمعنى الثالث: أو نترك حكمه وإن رفعنا تلاوته، فالنسخ أيضا على هذا: رفع التلاوة والحكم.\nوالمعنى الرابع: أو نتركها غير منسوخة الحكم والتلاوة، فالنسخ على هذا المعنى: هو على جميع وجوهه، ويجيء الضميران في منها، أو مثلها، عائدين على المنسوخة فقط، وكأن الكلام: إن نسخنا أو أبقينا فإنا نأتي بخير من المنسوخة أو مثلها.\nوما كان من هذه القراءات يحمل على معنى التأخير، فإن الآية معه تترتب فيها المعاني الأربعة التي في الترك:\nأولها: ما ننسخ أو نؤخر إنزاله. والثاني: ما ننسخ النسخ الأكمل أو نؤخر حكمه وإن أبقينا تلاوته. والثالث: ما ننسخ النسخ الأكمل أو نؤخر تلاوته وإن أبقينا حكمه. والرابع: ما ننسخ أو نؤخره مثبتا لا ننسخه، ويعود الضميران كما ذكرنا في الترك، وبعض هذه المعاني أقوى من بعض، لكن ذكرنا جميعها لأنها تحتمل، وقد قال جميعها العلماء، إما نصًا، وإما إشارةً، فكملناها.\n(١) من كلام أبي علي في \"الحجة\" ٢/ ١٨٨ بمعناه.","vol":"3","page":231},{"text":"والذي في هذه الآية منقول من: نسيتُ الشيء إذا لم تذكره، ومعناه: أنَّا إذا رفعنا آية من جهة النسخ أو الإنساء لها أتينا بخير من الذي نرفع بأحد هذين الوجهين وهما النسخ والإنساء (١). وقد يقع النسخ بالإنساء، وهو ما حدث أبو أمامة بن سهل بن حنيف (٢): أن رجلًا كانت معه سورة، فقام يقرؤها من الليل، فلم يقدر عليها، وقام آخر يقرؤها، فلم يقدر عليها، فلما أصبحوا أتوا رسول الله - ﷺ - فقال بعضهم: يا رسول الله، قمت البارحة لأقرأ سورة كذا، فلم أقدر عليها، وقال الآخر: يا رسول الله، ما جئت إلا لذلك (٣)، وقال الآخر: وأنا يا رسول الله، فقال رسول الله - ﷺ -: \"إنها نسخت البارحة\" (٤).\n_________\n(١) بمعناه من كلام أبي علي في \"الحجة\" ٢/ ١٩٢،١٩٣.\n(٢) أبو أمامة أسعد بن سهل بن حُنَيف، وقيل: سعد بن سهل الأنصاري: معروف\nبكنيته، معدود في الصحابة، له رؤية، ولم يسمع من النبي - ﷺ -، مات سنة ١٠٠\nينظر: \"الاستيعاب\" ١/ ١٧٦ و\"التقريب\" ١٠٤ (٤٠٢).\n(٣) في (ش): (كذلك).\n(٤) أخرجه أبو عبيد في \"الناسخ والمنسوخ\" برقم [١٧]، من طريق عبد الله بن صالح عن الليث عن عُقَيل ويونس عن ابن شهاب، ورواه الثعلبي في \"تفسيره\" من طريقه ١/ ١٠٩٧ وأخرجه الطحاوي في \"مشكل الأثار\" ٢/ ٢٧٣ والواحدي في \"الوسيط\" ١/ ١٨٩ وابن الجوزي في \"نواسخ القرآن\" ص ٢٣ من طريق شعيب بن أبي حمزة الحمصي عن الزهري، به نحوه. وذكره السيوطي في \"الدر\" ١/ ١٩٧ - ١٩٨ وعزاه لأبي داود في \"ناسخه\" وابن المنذر، وابن الأنباري في \"المصاحف\"، وأبي ذر الهروي في \"فضائله\"، والبيهقي في \"الدلائل\". وله شاهد عن ابن عمر بنحوه قال فيه ابن كثير في تفسيره فيه سليمان بن أرقم: ضعيف رواه الطبراني في \"الأوسط\" ٧/ ١٥٦ وفي \"الكبير\" ١٢/ ٢٨٨ ورواه عبد الرزاق في \"المصنف\" ٣/ ٢٦٣، وينظر، \"مشكل الأثار\" ٢/ ٢٧٣، وقد حسنه د. خالد العنزي في تعليقه على الثعلبي ١/ ١٠٩٩ وهو من مراسيل الصحابة، وهي حجة، ينظر: \"تدريب الراوي\" ١/ ٢٠٧.","vol":"3","page":232},{"text":"ومعنى قوله: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا﴾ أي: أصلح لمن تعبّد بها، وأنفع لهم، وأسهل عليهم، وأكثر لأجرهم، لا أن آيةً خيرٌ من آية؛ لأن كلام الله ﷿ واحد، وكله خيرٌ (١).\n﴿أَوْ مِثْلِهَا﴾ في المنفعة والمثوبة، بأن يكون ثوابها كثواب التي قبلها (٢).\nوالفائدة في ذلك: أن يكون الناسخُ أسهلَ في المأخذ من المنسوخ، والإيمان به والناس إليه أسرع، نحو القبلة التي كانت على جهة ثم حولت إلى الكعبة، فهذا وإن كان السجود إلى سائر النواحي متساويًا في العمل والثواب، فالذي أمر الله به في ذلك الوقت كان الأصلح والأدعى للعرب وغيرهم إلى الإسلام. واعلم أن هذه الآية قد اضطرب فيها المفسرون وأصحاب المعاني والقراء، واختلفت أقوالهم وقراءاتهم. وكثرة الاختلاف تدل على الإشكال وخفاء المغزى، وقلَّ من أصاب الشاكلة منهم (٣). فالفراء أشار في هذه الآية إلى قولين زَلَّ في أحدهما، وذلك أنه قال: النسيان على وجهين:\nأحدهما: على الترك، يتركها ولا ينسخها (٤). وهذا لا يصح؛ لأنه\n_________\n(١) \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١١٠٩.\n(٢) \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١١٠٩.\n(٣) ينظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ٤٧٥، و\"المحرر الوجيز\" ١/ ٤٢٨ - ٤٤١، و\"التفسير الكبير\" ٣/ ٢٣١، و\"البحر المحيط\" ١/ ٣٤٤.\n(٤) \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٦٤ - ٦٥ قال: والوجه الآخر من النسيان الذي ينسى، كما قال الله: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ وكان بعضهم يقرأ (أو ننسأها)، بهمز، يريد: نؤخرها من النسيئة، وكل حسن.","vol":"3","page":233},{"text":"ليس كل آية تُركت ولم تنسخ يؤتى بخير منها (١).\nقال الزجاج: وهو فاسد من جهة اللفظ، وذلك النسيان يكون بمعنى الترك، وفي الآية (ننسها) من الإنساء لا من النسيان، فالإنساء لا يكون بمعنى الترك (٢). ونصر أبو علي الفارسي في كتاب الحجة قول الفراء، وأَفَسَدَ كل ما ذكره أبو إسحاق في هذه الآية في كتابه، وطال الخطبُ بينهما، فضربت عن ذكره صفحًا (٣). وكثير من المفسرين حمل النسخ المذكور في الآية على معنى: نسخ الكتاب من الكتاب. فقد حكي عن عدة منهم أنهم قالوا: يريد بالنسخ ما نسخه الله لمحمد - ﷺ - من اللوح المحفوظ فأنزله عليه، وهذا ظاهر الإحالة؛ لأنه ليس كل آية نسخت للنبي - ﷺ - من اللوح المحفوظ، فأنزلت عليه (٤) يؤتيه الله ويأتيه بخير منها، ولو كان كذلك لتسلسل الوحي حتى لا يتناهى (٥).\nوقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أي: من النسخ والتبديل وغيرهما (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-327>١٠٧ </span>- قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ﴾ هو استفهام معناه التوقيف والتقرير (٧)، كقوله:\n_________\n(١) ينظر هذا التعقب عند أبي علي في \"الحجة\" ٢/ ١٩٢.\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ١٨٩ - ١٩٠.\n(٣) ينظر: \"الحجة\" لأبي علي ٢/ ١٩٢ - ٢٥٢.\n(٤) في (ش): (فأنزلت عليه)، وهذا ظاهر الإحالة، وهو تكرار.\n(٥) ينظر: \"الناسخ والمنسوخ\" لابي عبيد ص ٧، \"تفسير الطبري\" ١/ ٤٧٧ - ٤٧٨، ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ١/ ٢٠٠ - ٢٠١، \"تفسير القرطبي\" ١/ ٥٤ - ٥٦.\n(٦) \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١١٠٩.\n(٧) من \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ١٩١، وينظر: \"الوسيط\" ١/ ١٩٠.","vol":"3","page":234},{"text":"أَلَسْتم خير من ركب المطايا (١)\nأي: أنتم كذلك.\nوقوله تعالى: ﴿مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ الملك: تمام القدرة واستحكامها (٢)، وقد مرَّ. ومعنى الآية: أنه يملك السماوات والأرض ومن فيهن، وهو أعلم بوجه الصلاح فيما يتعبدهم به من ناسخ ومنسوخ (٣).\nوقوله تعالى: ﴿مِنْ وَلِيٍّ﴾ هو فعيل بمعنى الفاعل (٤)، يقال: هو والي الأمر ووليُّه، أي: القائم به والذي يلي عليه (٥).\nوشرحنا (٦) معنى الولي عند قوله: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ٢٥٧] ومعنى: ﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ تحذير العباد من عذابه، إذ لا مانع منه (٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-328>١٠٨ </span>- قوله تعالى: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ﴾ الآية، قد ذكرنا بعض أحكام أم في قوله: ﴿أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ [البقرة: ٦]، (٨) والذي بقي هاهنا أن أم تقع (٩)\n_________\n(١) عجزالبيت:\nوأندى العالمين بطون راح\nوهو لجرير، في \"ديوانه\" ص ٨٥، وفي \"المجموع شرح المهذب\"١٠/ ٢٩٨، \"المعجم المفصل\" ٢/ ١٣٣، وانظر ٢/ ٣٦٣.\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ١٩١، وينظر: \"الوسيط\" ١/ ١٩٠.\n(٣) نفسه.\n(٤) انظر: \"البحر المحيط\" ١/ ٣٤٥.\n(٥) ينظر: \"الوسيط\" ١/ ١٩٠.\n(٦) يعنى: سيأتي شرحه.\n(٧) ينظر: \"الوسيط\" ١/ ١٩٠.\n(٨) \"البسيط\" ١/ ٤٧٤ - ٤٧٥ تحقيق: الفوزان.\n(٩) في (ش): (تقطع).","vol":"3","page":235},{"text":"عاطفة بعد الاستفهام، كقولك: أخرج زيدٌ (١) أم عمرو؟ وأَزَيدٌ عندك أم عمرو؟، فيكون معنى الكلام: أيهما عندك؟، ولا تكاد تكون عاطفة إلا بعد الاستفهام (٢).\nقال الفراء: ويجوز أن يستفهم بها، فتكون (٣) على جهة النسق في ظاهر اللفظ، وفي المعنى تكون استفهامًا مبتدأً به، منقطعًا مما قبله، وذلك مثل قوله تعالى: ﴿الم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾ [السجدة:١ - ٣]. فجاءت (أم) وليس قبلها استفهام، وهي دليل على أنها استفهام مُبتدأ على كلام قد سبقه (٤)، وتقديره: بل أتقولون افتراه، فلو لم يتقدمه كلام لم يجز أن تستفهمَ مبتدئا كلامك بـ (أم)، ولا يكون إلا بالألف أو بهل، فأم استفهام متوسط والمتقدم يكون بالألف أو بهل (٥).\nفأما قوله ﴿أَمْ تُرِيدُونَ﴾ فيجوز فيه الوجهان جميعًا، إن شئت قلت قبله استفهام رُدَّ عليه، وهو قوله: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ﴾ (٦).\nفإن قيل: كيف يُرَدّ (أم تريدون) عليه والأول خطاب للنبي - ﷺ -، والثاني خطاب للجماعة؟ قيل: الله تعالى رجع في الخطاب من التوحيد إلى الجمع، وما خوطب به ﵇ فقد خوطب به أُمّته، فيكتفى به من أُمّته، كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [الطلاق: ١]، فوحَّد ثم جَمَعَ،\n_________\n(١) في (ش): (زيدًا).\n(٢) ينظر: \"مغني اللبيب\" ١/ ٤٢، \"البحر المحيط\" ١/ ٣٤٦.\n(٣) في (أ)، (م): (فيكون).\n(٤) كذا في \"معاني القرآن\" للفراء١/ ٧١.\n(٥) من قوله: (فأم استفهام) ... ساقط من (ش).\n(٦) كذا في \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٧١.","vol":"3","page":236},{"text":"كذلك فيما نحن فيه، ويكون المعنى على هذا: أيُّهما عندكم العلم بأن الله قدير، وأن له ملك السماوات والأرض، أم إرادة سؤال الرسول الآيات؟ والله تعالى علم أيهما عندهم.\nوإن شئت جعلت أم منقطعًا مما قبله في المعنى، مستأنفًا بها الاستفهام، فيكون استفهامًا متوسطًا في اللفظ مُبتدئًا في المعنى، كقوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ﴾ الآية. ثم قال: ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ﴾ [الزخرف:٥١ - ٥٢] وهذا يطرد فيه الوجهان العطف بالاستفهام، والابتداء به (١). ومثله قوله: ﴿مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرَارِ (٦٢) أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ﴾ [ص:٦٢ - ٦٣]. فمن قرأ: ﴿أَتَّخَذنَاهُم﴾ بفتح الألف فـ (أم) جاءت بعد الاستفهام (٢)، ومن وصل الألف فـ (أم) فيه بمنزلته في قوله: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾ [السجدة: ٣].\nقال الفراء: وربما جعلت العرب (أم) إذا سبقها استفهام لا يصلح فيه أيٌّ على جهة (بل) فتقول (٣): هل لك قبلنا حقٌ أم أنت رجل ظالم؟ على معنى: بل أنت (٤).\nوأنشد ابن الأنباري على هذا:\nتروحُ من الحيِّ أم تَبْتَكرْ ... وماذا يضُرُّك لو تَنْتَظِرْ (٥)\n_________\n(١) ينظر: \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٧٢.\n(٢) ينظر: \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٧١ - ٧٢.\n(٣) في (أ)، (م): (فيقول). وفي \"معاني القرآن\" ١/ ٧٢: (فيقولون).\n(٤) كذا بنحوه في \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٧٢، ونقل أغلب ما سبق عن الفراء الطبري في \"تفسيره\" ١/ ٤٨٤ - ٤٨٥، وينظر: \"المحرر الوجيز\" لابن عطية ١/ ٤٤١.\n(٥) البيت لامرئ القيس، ينظر: \"ديوانه\" ص ٦٨، \"لسان العرب\" ٥/ ٢٧٧٧، (مادة: عبد)، \"المعجم المفصل\" ٣/ ٣١.","vol":"3","page":237},{"text":"فقال: يجوز أن تكون أم في هذا البيت مردودة على الألفِ المُضْمَرة مع تروح وكافية منها، كقوله:\nفوالله ما أدري وإنْ كنتُ داريًا ... بسبعٍ رمينَ الجمرَ أم بثمانِ (١)\nويجوز أن يكون هي حرف الاستفهام متوسطًا.\nفأما التفسير فقال ابن عباس: نزلت هذه الآية في رهط من قريش، قالوا: يا محمد، (اجعل لنا) (٢) الصَّفَا ذهبًا، ووسِّع لنا أرضَ مكة، وفجَّر الأنهار خلالها تفجيرًا، نؤمنْ بك، فأنزل الله تعالى هذه الآية (٣). والذي سأل قوم موسى أنهم قالوا: ﴿أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [النساء: ١٥٣]، (٤). قال\n_________\n(١) البيت لعمر بن أبي ربيعة، ينظر: \"ديوانه\" ص ٢٦٦، \"المعجم المفصل\" ٨/ ١٨٦.\n(٢) ساقطة من (م).\n(٣) كذا ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ١١١٠، والمصنف أيضًا في \"أسباب النزول\" ص ٣٤، القرطبي ٢/ ٦٢، وأبو حيان في \"البحر المحيط\" ١/ ٣٤٥ وذكره الحافظ في \"العجاب\" ١/ ٣٥٠ عن الواحدي، وقال: ذكره الثعلبي، ولعله من تفسير الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس .. وقد ذكر الطبري في تفسيره ١/ ٤٨٣، ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ١/ ٣٢٨ أسبابًا أخرى، ومن ذلك: ما رواه ابن أبي حاتم بسنده الحسن كما في \"التفسير الصحيح\" ١/ ٢١٣ عن محمد بن إسحاق بسنده عن ابن عباس قال: قال رافع بن حريملة، ووهب بن زيد لرسول الله - ﷺ -: يا محمد ايتنا بكتاب تنزله علينا من السماء نقرؤه، وفجر لنا أنهارًا نتبعك ونصدقك، فأنزل الله في ذلك عن قولهم: (أم تريدون ..) الآية. قال الثعلبي في \"تفسيره\" ١٥/ ١١١: والصحيح إن شاء الله أنها نزلت في اليهود حين قالوا: ائتنا بكتاب من السماء جملة كما أتى موسى بالتوراة، لأن هذه السورة مدنية، وتصديق هذا القول: قوله ﷿: ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ﴾ [النساء: ١٥٣].\n(٤) قال الشنقيطي في \"أضواء البيان\" ١/ ١٤٥ لم يبين هنا الذي سأل موسى من قبل من هو؟ ولكنه بينه في موضع آخر، وذلك في قوله: (يسألك أهل الكتاب ...) الآية.","vol":"3","page":238},{"text":"المفسرون: إن (١) اليهود وغيرهم من المشركين تمنَّوا (٢) على رسول الله - ﷺ -، فمِنْ قائلٍ يقول: ائتنا بكتاب من السماء جملة واحدة (٣)، كما أتى موسى بالتوراةِ، ومِن قائلٍ يقول، وهو عبد الله ابن أبي أمية المخزومي (٤): ائتني بكتاب من السماء فيه من الله رب العالمين إلى أُبي بن (٥) أُميّة: اعلم أني قد أرسلت محمدًا إلى الناس، ومِن قائلٍ يقول: لن نؤمن أو تأتي بالله والملائكة قَبيلًا، فأنزل الله تعالى هذه الآية (٦).\nوقال أبو إسحاق: معنى الآية: أنَّهم نُهوا أن يسألوا النبي - ﷺ - مالا خير لهم في السؤال عنه (٧)، إنما خُوطبوا بهذا بعدَ وضوحِ البراهين لهم، وإقامتهم (٨) على مخالفتهم (٩).\n_________\n(١) في (ش): (بأن).\n(٢) تحرفت في \"أسباب النزول\" ص ٣٧ إلى تمنعوا.\n(٣) ساقطة من (أ)، (م).\n(٤) هو عبد الله بن أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن مخزوم ابن عمة النبي - ﷺ - عاتكة بنت عبد المطلب، كان من كفار مكة ومن أقوى المعارضين للرسول - ﷺ - ودعوته ولم يزل كذلك حتى عام الفتح، فهاجر إليه قبل الفتح هو وأبو سفيان بن الحارث ابن عبد المطلب، وأسلما وحسن إسلامهما، وشهد فتح مكة وحنينًا والطائف، ورُمي من الطائف بسهم فقتله. ينظر: \"معجم الصحابة\" لابن قانع ٢/ ٥٢١، \"أسد الغابة\" ٣/ ١٧٧، \"البداية والنهاية\" ٤/ ١٣٠.\n(٥) في الأصل: أبي بن، والتصويب من \"أسباب النزول\" ص ٣٨.\n(٦) ينظر تخريج كلام ابن عباس السابق، وكذا أيضا في \"أسباب النزول\" للمصنف ص ٣٧ - ٤٨، \"البحر المحيط\" ١/ ٣٤٦.\n(٧) في \"معاني القرآن\" عنه وما يكفرهم وإنما.\n(٨) في \"معاني القرآن\" وإقامتها.\n(٩) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ١٩٢.","vol":"3","page":239},{"text":"والسؤال بعد قيام البراهين كفر. لذلك قال ﴿وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ قصدَه ووسطَه (١)، ومعنى الضلال ها هنا: الذَهابُ عن الاستقامة (٢)، قال الأخطل (٣):\nكنتُ القَذَى في موجِ أكدرَ مُزبدٍ ... قذَفَ الأتيُّ به فضلَّ ضلالا (٤)\nأي: ذهب يمينًا وشمالًا.\nوذكرنا ما في (سواء) في قوله: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ﴾ [البقرة: ٦].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-329>١٠٩ </span>- قوله تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ قال ابن عباس: نزلت في نفر من اليهود قالوا للمسلمين بعد وقعة أحد (٥): ألم تروا إلى ما أصابكم، ولو كنتم على الحقّ ما هُزِمتم، فارجعوا إلى ديننا فهو خير لكم (٦). وتم الكلام عند قوله: ﴿كُفَّارًا﴾. وانتصب ﴿حَسَدًا﴾ على\n_________\n(١) \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١١١٢.\n(٢) ينظر: \"الوسيط\" ١/ ١٩١.\n(٣) هو: غياث بن غوث بن الصلت أبو مالك التغلبي، شاعر نصراني.\n(٤) ينظر: \"ديوان الأخطل\" ص ٢٥٠، و\"نقائض جرير والأخطل\" ص ٨٣، و\"تفسير القرطبي\" ١٤/ ٩١، و\"الماوردي\" ٣/ ٢٩٣، و\"وضح البرهان\" للغزنوي ٢/ ١٧٥. وينظر: \"البحر المحيط\" ٥/ ٥١٣ - ٥١٤.\n(٥) تحرف في نسخ \"أسباب النزول\" كما في ص ٣٨ إلى وقعة بدر.\n(٦) ذكره المصنف أيضًا في \"أسباب النزول\" ص ٣٨، وعنه ابن حجر في \"العجاب في بيان الأسباب\" ١/ ٣٥٤، ثم قال: هذا لعله من تفسير الكلبي، والذي ذكره ابن إسحاق في المغازي من رواية يونس بن بكير عنه حدثني محمد بن أبي محمد، حدثني سعيد بن جبير أو عكرمة عن ابن عباس قال: كان حيي بن أخطب وأبو ياسر بن أخطب من أشد يهود للعرب حسدًا، إذ خصهم الله تعالى برسوله، وكانا جاهدين في رد الناس عن الإسلام بما استطاعا، فأنزل الله تعالى فيهما: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ﴾ الآية. انتهى. وقد أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ١/ ٤٨٧ - ٤٨٨، ابن أبي =","vol":"3","page":240},{"text":"المصدر. ودل قوله: (يردونكم كفارًا) على (يحسدونكم)، وإن شئت جعلته مفعولًا له، كأنه قيل: للحسد (١).\nوقوله تعالى: ﴿مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾ أراد: أنهم ودُّوا ذلك من عند أنفسهم، لم يؤمروا به في كتابهم (٢) الدليل على ذلك قوله: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ فـ (من) موصولة بـ ﴿وَدَّ﴾ لا بقوله: ﴿حَسَدًا﴾ على التوكيد، كقوله: ﴿وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ [الأنعام: ٣٨].\nقال ابن الأنباري: ويكون تأويل ﴿مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾ في حكمهم وتدينهم ومذهبهم، أي: هذا الحسد مذهب لهم، لم يؤمروا به كما تقول: هذا عند الشافعي حلال، أي: في حكمه ومذهبه. وأما معنى الحسد في اللغة، فحكى ثعلب عن ابن الأعرابي: أصل الحسد في كلام العرب: القشر، ومنه أخذ الحسد؛ لأنه يَقْشر القلب، قال والحَسدلُ (٣): القرادة،\n_________\n= حاتم في \"تفسيره\" ١/ ٢٠٤ وسند ابن أبي حاتم حسن كما في \"التفسير الصحيح\" ١/ ٢١٥، وقد ذكر القصة بأطول مما عند الواحدي: مقاتل في \"تفسيره\" ١/ ١٣٠ وكذا الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ١١١٢، وذكره الزيلعي في \"تخريج أحاديث الكشاف\" ١/ ٧٨ وقال: قلت: غريب، وهو في \"تفسير الثعلبي\" هكذا من غير سندٍ ولاراوٍ. وقال ابن حجر في \"الكاف الشاف في تخريج أحاديث الكشاف\" ١/ ٣٥٦: لم أجده مسندًا. اهـ. وممن ذكر القصة مختصرة: السمرقندي ١/ ١٤٩، والحيري في \"الكفاية\" ١/ ٦٧، والسمعاني في \"تفسيره\" ٢/ ١٦، وابن عطية ١/ ٤٤٦، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ١/ ١١٤ وغيرهم.\n(١) ينظر: \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١١١٤، و\"البيان\" لابن الأنباري ١/ ١١٨، \"التبيان في إعراب القرآن\" ص ٨٣، و\"إعراب القرآن\" لأبي جعفر النحاس ١/ ٢٠٧، و\"الدر المصون\" ١/ ٣٤١.\n(٢) \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١١١٤.\n(٣) زيدت اللام فيه كما يقال للعبد: عبدل. ينظر: \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١١١٤.","vol":"3","page":241},{"text":"لأنه يقشر الجلد فيمص الدم. ذكره الأزهري (١).\nوقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ في التوراة أن قول محمد صدق، ودينه حق، وهذا يدل على أنهم كانوا معاندين (٢).\nوقوله تعالى: ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا﴾ قد ذكرنا معنى العفو عند قوله: ﴿ثُمَّ عَفَونَا عَنكم﴾ [البقرة: ٥٢]، وأما الصفح فمعناه في اللغة: الإعراض (٣)، يقال: صفح عن فلان أي: أعرض عنه موليًا، ومنه قول كُثَيِّر يصفُ امرأة أعرضت عنه:\nصفوحًا فما تلقاك إلا بخيلةً ... فمَنْ ملَّ منها ذلك الوصلَ ملَّتِ (٤)\nقال ابن عباس: ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا﴾ أي: عن مساوئ كلامهم، وغلّ قلبهم (٥). قال: وهذا منسوخٌ بآية القتال (٦)، وذلك أن النبي - ﷺ - كان مأمورًا\n_________\n(١) في \"تهذيب اللغة\" ١/ ٨١٣، \"اللسان\" ٢/ ٨٦٨ (حسد).\n(٢) \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١١١٤.\n(٣) ينظر: \"شمس العلوم\" لنشوان الحميري ٦/ ٣٧٧٣.\n(٤) البيت لكثير عزة، في \"ديوانه\" ص ٩٨، \"لسان العرب\" ٤/ ٢٤٥٧، (مادة: صفح)، \"المعجم المفصل\" ١/ ٥٥٣.\n(٥) تقدم الكلام عن مثل هذه الرواية في قسم الدراسة.\n(٦) أخرجه الطبري ١/ ٤٨٩ - ٤٩٠، ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ١/ ٢٠٦. وينظر: \"مجاز القرآن\" لأبي عبيد ١/ ٥٠، و\"الناسخ والمنسوخ\" للنحاس ص ٢٧٤، و\"الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه\" لمكي ص ٣١٢. ورد ابن الجوزي في \"نواسخ القرآن\" ص ٤٦ القولَ بالنسخ وعزى ذلك لجماعة، وقال: واحتجوا بأن الله لم يأمر بالصفح والعفو مطلقًا، وإنما أمر به إلى غاية، وما بعد الغاية يخالف ما قبلها، وما هذا سبيله لا يكون من باب المنسوخ، بل يكون الأول قد انقضت مدته بغايته، والآخر يحتاج إلى حكم آخر. ونقل في \"البحر المحيط\" ١/ ٣٤٩ عن قوم بأنه ليس هذا حد المنسوخ، لأن هذا في نفس الأمر للتوقيف على مدته ﴿حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ غيّا العفو والصفح بهذه الغاية، وهذه الموادعة على أن تأتي أمر الله =","vol":"3","page":242},{"text":"في أوَّلِ الأمر أن (١) يدعو بالحججِ البينة، وغاية الرفق، فلمَّا عاندَ اليهود بعدَ وضوحِ الحق عندهم أُمِرَ المسلمون بعد ذلك بالحرب (٢).\nوقوله تعالى: ﴿حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ قال ابن عباس: يريد إجلاء النضير، وقتل قريظة، وفتح خيبر وفَدَك (٣) (٤)، وقال قتادة: يعنى: أمره بالقتال (٥) في قوله: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (٦) [التوبة: ٢٩] (٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-330>١١١ </span>- قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ المعنى: أن اليهود قالت: لن يدخل الجنة إلا من كان هودًا، والنصارى قالت: لن يدخل الجنة إلا من كان نصارى، ولكنهم أُجملوا،\n_________\n= بقتل بني قريظة، وإجلاء بني النضير وإذلالهم بالجزية، وغير ذلك مما أتي من أحكام الشرع فيهم، وترك العفو والصفح.\n(١) ساقط من (ش)\n(٢) انظر: \"معاني القرآن\" للنحاس ١/ ١٩٣.\n(٣) فَدَك: قال في \"المصباح المنير\" ص ٤٦٥ (ط: المكتبة العلمية) بفتحتين، بلدة بينها وبين مدينة النبي - ﷺ - يومان، وبينها وبين خيبر دون مرحلة، وهي مما أفاء الله على رسوله - ﷺ - وتنازعها علي والعباس في خلافة عمر ... فسلمها لهما. وينظر: \"المغرب\" للمطرزي ص ٣٥٣ ط. دار \"الكتاب\" العربي.\n(٤) عزاه لابن عباس: الثعلبي ٣/ ١١١٤، وينظر: \"الكفاية\" ١/ ٦٧، \"الوسيط\" ١/ ١٩١ \"ابن عطية\" ١/ ٤٤٨، \"القرطبي\" ٢/ ٦٥، \"البحر المحيط\" ١/ ٣٤٩.\n(٥) وهذا قول الجمهور كما في \"البحر المحيط\" ١/ ٣٤٩.\n(٦) أخرجه الطبري ١/ ٤٩٠، وذكره الثعلبي ٣/ ١١١٤ وروي نحوه عن ابن عباس وأبي العالية والسدي والربيع بن أنس وغيرهم كما عند الطبري ١/ ٤٩٠، وابن أبي حاتم ١/ ٣٣٤.\n(٧) لم يفسر المؤلف الآية رقم (١١٠) وهي قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾.","vol":"3","page":243},{"text":"وضم النصارى إلى اليهود في قوله: ﴿وَقَالُوا﴾؛ لأن الفريقين يُقِرَّانِ بالتوراة (١). كما قال حسان:\nأمَنْ يهجُو رسولَ اللهِ منكمْ ... ويمدحُه وينصرُه سواءُ (٢).\nتقديره: ومن يمدحه وينصره، إلا أنه لما كان اللفظ واحدًا جُمع مع الأول، يعنى إلى أصل الفعل، وصار كأنه إخبار عن جملة واحدة، وإنما حقيقته عن بعضين مختلفين.\nوقوله: ﴿هُودًا﴾ قال الفراء: أراد: يهودًا، فحذف الياء الزائدة، ورجع إلى الفعل من اليهودية، وقد يكون أن تجعل الهود جمعًا، واحده هائد، مثل حائل (٣) وحُول، وعائط وعُوط (٤) (٥)، ومثله من الصحيح: بازل وبُزْل (٦)، وفاره وفُرْهٌ، والهائد: المائل إلى التوبة وإلى غيرها من\n_________\n(١) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ١٩٤.\n(٢) البيت لحسان في \"ديوانه\" ص ٨، وينظر: \"السيرة النبوية\" ٤/ ٤٦، \"تذكرة النحاة\" ص ٧٠، \"الخزانة\" ٩/ ٢٣٢، \"إعراب القرآن\" للنحاس ٢/ ٣٥٣، \"البحر المحيط\" ١/ ٦٤٠.\n(٣) في (ش): (حائل إلى أصل الفعل).\n(٤) حائل: ناقة حائل: حمل عليها فلم تَلْقَح، أو التي لم تَلْقح سنة أو سنوات، وجمعها: حُول وحِيال وحُوَّل وحُولَل. القاموس ص ٩٨٩. عائط: عاطت الناقة والمرأة: لم تحمل سنين من غير عُقْرٍ فهي عائط، وجمعها: عُوط وعِيْط وعُيَّط وعُوطَط، وعِيطات. \"لسان العرب\" ٥/ ٣١٧٢.\n(٥) كذا أورده الفراء في \"معاني القرآن\" ١/ ٧٣، وعنه النحاس في \"إعراب القرآن\" ١/ ٢٠٧، وينظر مثله في: \"معاني القرآن\" للأخفش ١/ ١٥١، \"تفسير الطبري\" ١/ ٤٩١ - ٤٩٢، \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ١٩٤.\n(٦) بازل: هو الجمل أو الناقة إذا بلغ التاسعة من سنينه، وليس بعده سِنٌّ تسمى جمعه: بُزْل، وبُزَّل، وبَوَازل.","vol":"3","page":244},{"text":"المعاني (١)، وقال الليث: الهود: هم اليهود، هادوا يهودون هُودًا: أي: تابوا (٢)\nوقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا﴾ [الأنعام: ١٤٦]، أي: دخلوا في اليهودية، وقد مرَّ هذا.\nوقوله تعالى: ﴿تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ﴾ أي: التي تمنّوْها على الله باطلًا، وذكرنا ما في هذا الحرف عند قوله: ﴿إِلَا أَمَانىِّ﴾ [البقرة: ٧٨].\nوقوله تعالى: ﴿هَاتُوا﴾ قيل: إن الهاء فيه أصلية، وهو من المُهَاتَاة. وقيل: إنه بدل عن الألف، من آتى، ولكن العرب قد أَمَاتَتْ كلَّ شيء من فعلها غير الأمر، فإذا أمرت رجلًا أن يعطيك شيئا قلتَ: هاتِ (٣).\nثعلب عن ابن الأعرابي: هاتِ وهاتِيَا، وهاتوا: أي: قَرِّبُوا قال (٤): ومنه قوله تعالى: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾ أي: قَرِّبُوا، قال: ومن العرب من يقول: هاتِ: أعط (٥).\nو(البرهان): الحُجَّةُ، قال الأزهريُّ: والنون فيه ليست بأصلية، وقولهم: بَرْهَنَ فلانٌ، إذا جاء بِبُرهانٍ، مُوَلَّدٌ، والصوابُ أن يقال في معناه: أَبْرَهَ. كذلك قال ابن الأعرابي (٦). أَبْرَهَ الرجلُ إذا غلبَ الناسَ وأتى\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" ١/ ٤٩٢، \"اللسان\" (مادة: هود) ٨/ ٤٧١٨.\n(٢) نقله في \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٦٨٩.\n(٣) \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٨١٦، ولفظه: كل شيء من فعلها غير الأمر بهات. وينظر: \"المحرر الوجيز\" لابن عطية ١/ ٤٤٩. \"اللسان\" ٨/ ٤٧٣٢ (هيت).\n(٤) ساقطة من (ش) و(م).\n(٥) في (أ) و(م): (اعطى).\n(٦) عبارة \"تهذيب اللغة\" بتمامها ١/ ٣٢٢: كما قاله ابن الأعرابي [إن صح عنه =","vol":"3","page":245},{"text":"بالعجائب (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-331>١١٢ </span>- قوله تعالى: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ﴾ (بلى) هاهنا بمنزلته في قوله: ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ﴾ (٢) [البقرة: ٨١]، وقد ذكرناه.\nوقوله تعالى: ﴿أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾ الإسلام والاستسلام لله -﷿- هو الانقياد لطاعته، والقبول لأمره. ومن هذا قوله: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [آل عمران: ٨٣] أي: انقاد، والإسلام الذي هو ضد الكفر من هذا. ثم ينقسم إلى: متابعة وانقياد باللسان دون القلب، كقوله: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات: ١٤]، أي: انقدنا من خوف السيف، وإلى متابعة وانقيادٍ باللسان والقلب كقوله: ﴿قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: ١٣١].\nومعنى قوله: ﴿أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾ أي: بذل وجْهَهُ له في السجود (٣)، وعلى هذا ﴿أَسْلَمَ﴾ بمعنى سلَّم، يقال: سلّم الشيءَ لفلانٍ، أي: خَلَّصَه له، وسَلَمَ له الشيء، أي: خَلَصَ له (٤).\nقال ابن الأنباري: والمسلم على هذا القول: هو المخلصُ لله\n_________\n= وهي في رواية أبي عمرو، ويجوز أن تكون النون في البُرهان نون جمعٍ على فُعْلان، ثم جعلت كالنون الأصلية، كما جمعوا مُصَادًا على مُصْدَانٍ، ومصيرًا على مصرانٍ، ثم جمعوا: مُصران على مَصَارين، على توهم أنها أصلية] ..\n(١) ينظر: \"تهذيب اللغة\" ١/ ٣٢٢ وليس عنده: أبْرَةَ الرجل إذا غلبَ الناسَ وأتى بالعجائب. وبنحوه في \"اللسان\" لابن منظور نقلًا عن الأزهري ١/ ٢٧١.\n(٢) \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١١١٩.\n(٣) ينظر: \"تفسير القرطبي\" ١/ ٤٥١.\n(٤) ينظر: \"تفسير مقاتل\" ١/ ١٣١، \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١١١٩.","vol":"3","page":246},{"text":"العبادةَ، فمعنى قوله: ﴿أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾، أي: سلّم وجهه له، بأن صانه عن السجود لغيره، وخَصَّ الوجه، لأنه إذا جاد بوجهه في السجودِ لم يبخل بسائر جوارحه. وقال قومٌ من أهل المعاني: أسلمَ وجهَه أي: أسلمَ نفسه وجميع بدنه لأمر الله، والعرب تستعملُ الوجه وهم يريدون نفسَ الشيء، إلا أنَّهم يذكرونه باللفظ الأشرف (١)، كما قال: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨].\nوقال جماعة: الوجهُ قد يقع صلةً في الكلام (٢)، فقوله: ﴿أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾ أي: انقاد هو لله، ومثله: ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ﴾ [آل عمران: ٢٠] أي: انقدت لله بلساني وعَقْدي (٣)، قال زيد بن عمرو بن نفيل (٤):\nوأسلمتُ وجهي لمن أسلمتْ ... له المزنُ تحملُ عَذْبًا زُلالًا (٥)\n_________\n(١) قال القرطبي في \"تفسيره\" ١/ ٦٧: والعرب تخبر بالوجه عن جملة الشيء، وينظر: \"البحر المحيط\" ١/ ٣٥٢.\n(٢) ذكره أبو حيان في: \"البحر المحيط\" ١/ ٣٥٢ معاني (أسلم وجهه) بأنه: أخلص عمله لله أو قصده، أو فوض أمره إلى الله تعالى، أو خضع وتواضع. ثم قال: وهذه أقوال متقاربة في المعنى، وإنما يقولها السلف على ضرب المثال، لا على أنها متعينة يخالف بعضها بعضًا.\n(٣) في (ش): (وعقيدتي).\n(٤) هو: زيد بن عمرو بن نفيل العَدَوي، ابنُ عَمِّ عمر بن الخطاب -﵁- كان يعادي عبادة الأوثان، ولا يأكل مما ذبح عليها، آمن بالنبي - ﷺ - قبل بعثته، قال فيه - ﷺ -: \"إنه يبعث أمة وحده\" توفي قبل البعثة بخمسِ سنين. ينظر: \"جمهرة أنساب العرب\" ص ١٠٥، و\"الإصابة\" ١/ ٥٦٩.\n(٥) هما بيتان ذكرهما الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ١١١٩ هكذا:\nأسلمت وجهي لمن أسلمت ... له الأرض تحمل صخرًا ثقالا\nوأسلمت وجهي لمن أسلمت ... له المزن تحمل عذبًا زلالا =","vol":"3","page":247},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ قال ابن عباس: يريد: وهو مؤمن موحّدٌ (١) مُصدِّق لما جاء به محمد - ﷺ - (٢). وقال غيره (٣): ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ أي: في عمله (٤).\nوهذا دليل (٥) على أن الطاعةَ من الإيمان، حيث جعل الإحسان في العمل (٦) شرطًا في دخول الجنة، والآية ردٌّ على اليهود والنصارى؛ لأنَّهم قالوا: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ فقال الله تعالى: (بلى) يدخلُها من كان بهذه الصفة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-332>١١٣ </span>- قوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ﴾ الآية.\nقال ابن عباس: قدم وفد نجران على رسول الله - ﷺ -، فتنازعوا مع اليهود، فكذّب كل واحد منهما صاحبه، فنزلت هذه الآية فيهم (٧).\n_________\n= وينظر في \"الروض الأنف\" ١/ ٢٦٦، و\"الأغاني\" ٣/ ١٧، و\"تفسير الرازي\" ٤/ ٤، والبيت الثاني في \"تأويل مشكل القرآن\" ٤٨٠، و\"الدر المصون\" ٢/ ٧٣، وينظر: \"وضح البرهان في مشكلات القرآن\" محمد الغزنوي ١/ ١٦٢، وقد ورد البيت الثاني في بعض المصادر: نفسي، بدل وجهي، وماءً، بدل عذبًا.\n(١) في (م): موحد مؤمن).\n(٢) هذه الرواية تقدم الحديث عنها في قسم الدراسة، ولم أجد من نقلها من أهل التفسير.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ١/ ١٣١.\n(٤) ينظر الطبري في \"تفسيره\" ١/ ٤٩٤، \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١١٢٠ وذكر قولين آخرين: مؤمن، ومُخْلص. \"البحر المحيط\" ١/ ٣٥٢.\n(٥) في (ش): (زيادة دليل في العمل).\n(٦) في (أ) و(م): (في العمل على شرطًا).\n(٧) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" بنحوه ١/ ٤٩٤ - ٤٩٥، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ١/ ٢٠٨ وإسنادهما حسن، وذكره المصنف في \"أسباب النزول\" دون عزو لابن =","vol":"3","page":248},{"text":"فقوله تعالى ﴿وَهُم يَتْلُونَ الكِتَبَ﴾ قال الزجَّاجُ: يعني (١) به أن الفريقين يتلون التوراة، وقد وقع بينهم هذا الاختلاف، وكتابهم واحد، فدلّ بهذا على ضلالتهم، وحذّر بهذا وقوع الاختلاف في القرآن؛ لأن الفريقين أخرجهما إلى الكفر (٢). وقيل معنى قوله ﴿وَهُم يَتْلُونَ الكِتَبَ﴾ رفع الشبهة بأنه ليس في تلاوة الكتاب معتبر في الإنكار إذا لم يكن لهم برهان على ما ينكرون، فلا ينبغي أن يدخل الشبهة بإنكار أهل الكتاب لملة الإسلام، إذ كلُّ فريق من أهل الكتاب قد أنكر ما عليه الآخر. ثم بين أن سبيلهم كسبيل مَنْ لا يعلم الكتابَ في الإنكار لدين الله من مشركي العرب وغيرهم ممن لا كتاب لهم، فهم في جحدهم لذلك إذ لا حجة معهم يلزم بها تصديقهم لا من جهة سمع ولا عقل، فقال: ﴿كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾ (٣).\nقال ابن عباس: يريد: أمةَ نوحٍ وعادٍ وثمودَ وقومِ فرعون وإخوان لوط وأصحاب الأيكة وقوم تبع، كلهم كذبوا الرسل، واختلفوا على أنبيائهم، وكذَّبوهم كما كذب اليهود والنصارى محمدًا - ﷺ - (٤).\n_________\n= عباس ص ٣٩، وكذا الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ١١٢٠، وذكره ابن هشام في \"السيرة النبوية\" ٢/ ١٧٥.\n(١) في (أ) و(م): (نعني).\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ١٩٥.\n(٣) ينظر: \"البحر المحيط\" ١/ ٣٥٣.\n(٤) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ١١٢١ عن ابن جريج عن عطاء قريبًا من هذا اللفظ، وأخرجه عن عطاء أيضا: الطبري في \"تفسيره\" ١/ ٤٩٧، ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ١/ ٢٠٩.","vol":"3","page":249},{"text":"وقال مقاتل (١): يعنى: مشركي العرب قالوا: إن محمدًا وأصحابه ليسوا على شيء من الدين (٢).\nوقوله تعالى: ﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ الآية، قال أبو إسحاق: المعنى: أنه (٣) يريهم من يدخلُ الجنة عيانًا ويدخل النار عيانًا (٤)، فأما (٥) حكم الدين (٦) فقد بيّنه الله ﷿ بما أظهر من حجج المسلمين (٧)، وقال الحسن: حُكْمُه فيهم أن يكذّبهم جميعًا، ويدخلهم النار (٨).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-333>١١٤ </span>- قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ﴾ الآية، (من) ابتداء، وخبره أظلم، وهو استفهام معناه: وأيُّ أحدٍ أظلمُ (٩).\nوعن ابن عباس في نزول هذه الآية روايتان: الأولى: أنها نزلت في أهل الروم، لأنهم خربوا بيتَ المقدس، فعلى هذا أراد بالمسجد بيت المقدس ومحاريبه (١٠) (١١).\n_________\n(١) هو مقاتل بن سليمان بن بشر الأزدي البلخي، أبو الحسن، من أعلام المفسرين، ولكنه رمي بالتجسيم، متروك الحديث، وانظر ترجمته في المقدمة.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ١/ ١٣٢. ويروى عن السدي فيما أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ١/ ٤٩٧، و\"ابن أبي حاتم\" ١/ ٢٠٩.\n(٣) في (ش): (أنهم).\n(٤) ليست في (أ)، (م). وفي \"معاني القرآن\" للزجاج قال بعدها: وهذا هو حكم الفصل فيما تصير إليه كل فرقة.\n(٥) في (ش): (وأما).\n(٦) في \"معاني القرآن\" فأما الحكم بينهم في العقيدة.\n(٧) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ١٩٥، وزاد: وفي عجز الخلق عن أن يأتوا بمثل القرآن.\n(٨) ذكر هذا الوجه: أبو حيان في \"البحر المحيط\" ١/ ٣٥٤.\n(٩) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ١٩٥.\n(١٠) في (م): (محاربة).\n(١١) ذكر ذلك الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ١١٢٢ دون عزو وذكره الواحدي في \"أسباب =","vol":"3","page":250},{"text":"والثانية: أنها نزلت في مشركي مكة، لأنهم منعوا المسلمين من ذكر الله في المسجد الحرام (١)، وعلى هذه الرواية معنى قوله ﴿وَسَعَى فِي خَرَابِهَا﴾ أنهم منعوا من العبادة في المساجد، وكلُّ من مَنعَ من عبادة الله في مسجد فقد سعى في خرابه؛ لأن عمارته بالعبادة فيه.\nوأصل السعي في اللغة: الإسراع في المشي، قال الله ﷿: ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى﴾ [القصص: ٢٠]. ثم يسمّى المشيُ سعيًا، كقوله: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾ [الصافات: ١٠٢]، يعنى المشي، وقال: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩]، أي: امشوا، وقال (٢) ﴿ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا﴾ [البقرة: ٢٦٠]، أي: مشيًا. ثم يسمى العمل سعيًا، لأنه لا ينفك من السعي في غالب الأمر، قال الله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾ [الإسراء: ١٩] وقال: ﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ﴾ [الحج: ٥١] أي: جدّوا في ذلك، وقال: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾ [الليل: ٤]، أي: عملكم مختلف.\nوأراد (٣) بالسعي في هذه الآية: العمل (٤).\n_________\n= النزول\" ص ٣٩ من رواية الكلبي عن ابن عباس وأخرجها الطبري في \"تفسيره\" ١/ ٤٩٨، وابن أبي حاتم ١/ ٢١٠ من طريق العوفي نحو ذلك، كما روي عن مجاهد وقتادة والسدي كما ذكره الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٥٢٠، وابن أبي حاتم ١/ ٢١٠، والواحدي في \"أسباب النزول\" ص ٣٩ وغيرهم.\n(١) أخرجها ابن أبي حاتم ١/ ٢١٠ من طريق ابن اسحاق بسند حسن، وذكره الحافظ في \"العجاب\" ١/ ٣٥٩ من طريق عطاء عن ابن عباس. وبه قال عبد الرحمن بن زيد ابن أسلم، كما رواه الطبري عنه ١/ ٤٩٨.\n(٢) في (م): (ثم قال).\n(٣) في (ش): (فأراد).\n(٤) ينظر: \"المفردات في غريب القرآن\" للراغب الأصفهاني ص ٢٣٨ - ٢٣٩.","vol":"3","page":251},{"text":"وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ﴾. قال أبن عباس على الرواية الأولى: لم يدخل بيتَ المقدس بعد أن عمره المسلمون روميٌّ إلا خائفًا لو عُلمَ به قُتِلَ (١)، قيل: وهذا قول (٢) مجاهد وقتادة (٣) ومقاتل (٤) والفراء (٥).\n_________\n(١) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ١١٢٣، البغوي ١/ ١٣٩، \"الخازن\" ١/ ٩٨.\n(٢) يذكر ذلك عن كعب والسدي، ينظر: الطبري ١/ ٥٠٠، ابن أبي حاتم ١/ ٢١٠ - ٢١١، \"العجاب\" ١/ ٣٦٠.\n(٣) رواه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ١/ ٥٦ ومن طريقه أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ١/ ٤٩٨ - ٤٩٩، وابن أبي حاتم ١/ ٣٤١ بنحوه وأخرجه الطبري أيضا من غير طريق عبد الرزاق.\n(٤) \"تفسيرمقاتل\" ١/ ١٣٢ - ١٣٣.\n(٥) في \"معاني القرآن\" ١/ ٧٤. وقد رجح الطبري في \"تفسيره\" هذا القول ١/ ٤٩٨ - ٥٠٠ محتجًّا بأن الله ذكر أنهم سعوا في خراب المسجد، وهذا لم يكن قط من المشركين في المسجد الحرام، بل كانوا يفخرون بعمارته، وبأن سياق الآية ولحاقها كله في أهل الكتاب، ولم يجر للمشركين ذكر. ثم قال: وإن كان قد دل بعموم قوله: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ أن كل مانع مصليًا في مسجد لله -فرضًا كانت صلاته فيه أو تطوعًا- وكل ساع في إخرابه، فهو من المعتدين الظالمين. وانتصر لترجيح الطبري في \"تفسيره\" أحمد شاكر ورد كلام ابن كثير في \"تفسيره\" الآتي مختصره. وأما قول الطبري في \"تفسيره\" إنهم النصارى، وذلك أنهم سعوا في خراب بيت المقدس، وأعانوا بُخْتنْصَّر على ذلك ومنعوا مؤمني بني إسرائيل من الصلاة فيه بعد مُنْصرف بختنصر عنهم إلى بلاده. اهـ. فهذا قول قتادة والسدي وقد ذكر الجصاص في \"أحكام القرآن\" ١/ ٦١ أن ما روي في خبر قتادة يشبه أن يكون غلطا من راويه؛ لأنه لا خلاف بين أهل العلم بأخبار الأولين أن عهد بختنصر كان قبل مولد المسيح ﵇ بدهر طويل، والنصارى إنما كانوا بعد المسيح وإليه ينتمون، فكيف يكونون مع بختنصر في تخريب بيت المقدس، والنصارى إنما استفاض دينهم في الشام والروم في أيام قسطنطين=","vol":"3","page":252},{"text":"وقال على الرواية الثانية: هذا وعدٌ من الله لنبيه والمهاجرين، يقول: أفتح مكة لكم حتى تدخلوها آمنين وتكونوا أولى بها منهم.\nوهذا قول عطاء (١) وابن زيد (٢).\nوقيل (٣): إنه أمر في صيغة الخبر، يقول: جاهدوهم واستأصلوهم بالجهاد؛ كيلا يدخلها أحد منهم إلا خائفًا من القتل والسبي، كقوله ﷿: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا﴾ [الأحزاب: ٥٣] نهاهم على لفظ الخبر، ومعناهما: لا ينبغي لهم ولكم (٤).\nوقال الزجاج حاكيًا: إنَّ هذه الآية مما يعنى به جميع الكفار الذين تظاهروا على الإسلام ومنعوا جملة المساجد؛ لأن من قاتل المسلمين حتى يمنعهم من الصلاة فقد منع جميع المساجد، وكل موضع يتعبد فيه فهو\n_________\n= الملك، وكان قبل الإسلام بمائتي سنة وكسور، وإنما كانوا قبل ذلك صابئين عبدة أوثان، وكان من ينتحل النصرانية منهم مغمورين مستخفين بأديانهم فيما بينهم، ومع ذلك فإن النصارى تعتقد من تعظيم بيت المقدس مثل اعتقاد اليهود، فكيف أعانوا على تخريبه مع اعتقادهم فيه.\n(١) ذكره عنه الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ١١٢٦، وعنه البغوي في \"تفسيره\" ١/ ١٣٩، والحافظ في \"العجاب\" ١/ ٣٥٩.\n(٢) ينظر الطبري في \"تفسيره\" ١/ ٥٠٠، ففيه عن ابن زيد بغير هذا المعنى ومال إلى هذا ابن كثير في \"تفسيره\" ١/ ١٦٧ وبين أن أعظم خراب فعلوه إخراجهم رسول الله - ﷺ - واستحواذهم عليه بأصنامهم، وصدهم رسول الله - ﷺ - يوم الحديبية، وذكر الآيات الدالة على أن معنى العمارة إقامة ذكر الله فيها وليس زخرفتها ... إلخ.\n(٣) في (ش): (وقال).\n(٤) \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١١٢٤، وينظر: \"تفسير البغوي\" ١/ ١٣٩، والرازي ٤/ ١٢، والقرطبي ٢/ ٧٠، و\"البحر المحيط\" ١/ ٣٥٨ - ٣٥٩.","vol":"3","page":253},{"text":"مسجد؛ لقوله - ﷺ -:\"جعلت لي الأرض مسجدا\" (١) والمعنى على هذا: ومن أظلم ممن يخالف ملة الإسلام (٢).\nوقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا﴾ الآية، أعلم الله ﷿ أن أمر المسلمين يظهر على جميع من خالفهم، حتى لا يمكن دخول مخالف إلى مساجدهم إلا خائفا، وهذا كقوله: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة: ٣٣]. الآية (٣).\nوقوله: ﴿أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ موضع (أن) نصب؛ لأنه المفعول الثاني للمنع، وهو مع الفعل بمنزلة المصدر (٤).\nقوله تعالى: ﴿لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ﴾ الآية. قال المفسرون: يريد القتل للحربي، والجزية للذمي (٥). وذكرنا معنى الخزي عند قوله: ﴿فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ﴾ [البقرة: ٨٥].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-334>١١٥ </span>- قوله تعالى: ﴿وللهِ المشَرِقُ وَالمغَرِبُ﴾ ارتفع المشرق من جهتين:\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٤٣٨) كتاب الصلاة، باب: قول النبي - ﷺ - جعلت لي الأرض مسجدا. ومسلم (٥٢٢) كتاب المساجد ومواضع الصلاة.\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ١٩٦.\n(٣) نقله عن الزجاج في \"معاني القرآن\" ١/ ١٩٦.\n(٤) \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١١٢٣، القرطبي في \"تفسيره\" ٢/ ٦٨، \"البحر المحيط\" ١/ ٣٥٨ وذكر الثعلبي في \"تفسيره\" جواز نصبه على نزع الخافض والتقدير: من أن يذكر.\n(٥) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ١١٢٤، والبغوي في \"تفسيره\" ١/ ١٤٠، والقرطبي ٢/ ٧٠ عن قتادة، وأخرجه عبد الرازق في \"تفسيره\" ١/ ٥٦ ومن طريقه الطبري ١/ ٥٠٠، وابن أبي حاتم ١/ ٢١١ عن قتادة: أن المراد بها الجزية وينظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ١٩٦ - ١٩٧، قال ابن كثير في \"تفسيره\" ١/ ١٦٨: والصحيح أن الخزي في الدنيا أعم من ذلك كله، وقد ورد الحديث بالاستعاذة من خزي الدنيا وعذاب الآخرة.","vol":"3","page":254},{"text":"إحداهما: الابتداء، والأخرى: بالفعل الذي ينوب عنه اللام (١)، أي: ثبت لله المشرق، ومثله قولك: لزيد المال، فيه الوجهان كما ذكرنا، ومعنى (لله) أي: هو خالقهما (٢).\nقال ابن عباس: نزلت الآية في نفر من أصحاب النبي - ﷺ - خرجوا في سفر فأصابَهم الضَّبابُ، وحضرت الصلاةُ فتحرَّوا القبلةَ، وصلوا إلى أنحاء مختلفة، فلما ذهب الضباب استبان أنهم لم يصيبوا، فلما قدموا سألوا رسول الله - ﷺ - عن ذلك، فنزلت هذه الآية (٣).\nوقال ابن عمر: نزلت في صلاة المسافر يصلي حيثما توجهت به راحلته تطوعًا (٤).\nوروى أن النبى -ﷺ- كان يصلى على راحلته فى السفر حيثما توجهت به (٥).\nوقال عكرمة وأبو العالية: نزلت في تحويل القبلة، وذلك أن اليهود عيّرت المؤمنين في انحرافهم من بيت المقدس، فأنزل الله هذه الآية جوابًا\n_________\n(١) ينظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ١٩٧.\n(٢) \"تفسير الطبري\" ١/ ٥٠١.\n(٣) أخرجه ابن مردويه من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس، كما في \"ابن كثير\" ١/ ١٦٩، وذكره السمرقندي في \"تفسيره\" ١/ ١٥١، والثعلبي ١/ ١١٢٨، والسيوطي في \"لباب النقول\" ص ٢٣، وفي \"الدر المنثور\" ١/ ٢٠٥، وعزاه إلى ابن مردويه، وضعف إسناده. وقد ذكر ابن كثير في \"تفسيره\" روايات كثيرة في هذا ثم قال: وهذه الأسانيد فيها ضعف، ولعله يشد بعضها بعضًا.\n(٤) أخرجه مسلم (٧٠٠/ ٣٤ - ٣٥ - ٣٦) كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب جواز صلاة النافلة على الدابة في السفر حيث توجهت به.\n(٥) أخرجه البخاري (٤٠٠) في الصلاة، باب التوجه نحو القبلة حيث كان، ومسلم (٧٠٠) صلاة المسافرين، باب جواز النافلة على الدابة في السفر حيث توجهت.","vol":"3","page":255},{"text":"لهم (١).\nقوله تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا﴾ أي: وجوهَكم، فحذف المفعول (٢).\nومعنى ﴿تُوَلُّوُا وُجُوهَكُم﴾: تجعلونها تليه، ونذكر معنى هذا الحرف عند قوله: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ [البقرة: ١٤٨].\nوقوله تعالى: ﴿فَثَمَّ﴾ قال أبو إسحاق: (ثَمّ) بُني على الفتح لالتقاء الساكنين، وثَمَّ في المكان: إشارة، بمنزلة هناك (٣)، فإذا أردت المكان القريب قلت: هنا زيد. وإذا أردت المتراخي قلت: هناك وَثَمّ. وإنما منعت (ثَمّ) الإعراب لإبهامها (٤).\nقال أبو علي الفارسي: المبني على ضربين: مبني على حركة، ومبني على سكون، والمبني على الحركة على ضربين: أحدهما: ما يكون بناؤه على الحركة، لتمكّنه قبل حاله المفضية إلى بنائه (٥)، وذلك نحو: من عَلُ وأولُ ويا حَكَم، وما أشبه ذلك.\n_________\n(١) ذكره عنهما الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ١١٣٢وعنه البغوي ١/ ١٤٠، والخازن ١/ ٩٩، وينظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ٥٠٢ - ٥٠٣، \"الوسيط\" ١/ ١٩٤. وقد ذكر الثعلبي ١/ ١١٣٢، والواحدي في \"أسباب النزول\" ص ٤٢، والحافظ في \"العجاب\" ١/ ٣٦٤ سببين آخرين غير ما ذكر. وقال في \"البحر المحيط\" ١/ ٣٦٠: وهذه أقوال كثيرة في سبب نزول الآية وظاهرها التعارض، ولا ينبغي أن يقبل منها إلا ما صح، وقد شحن المفسرون كتبهم بنقلها، وقد صنف الواحدي في ذلك كتابًا قلَّما يصح فيه شيء، وكان ينبغي أن لا يشتغل بنقل ذلك إلا ما صح.\n(٢) ينظر: \"الوسيط\" ١/ ١٩٤.\n(٣) في \"معاني القرآن\": هنا زيد.\n(٤) بتصرف من \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ١٩٧، وينظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ٥٠٥، \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ٢٠٨.\n(٥) في \"الإغفال\": في حالة المفضية به إلى البناء.","vol":"3","page":256},{"text":"والآخر: ما يكون بناؤه على الحركةِ لالتقاء الساكنين، نحو: كيف، وأين، وأيان، وثم، وأولاء، وحذارِ، ومنذ. وكل هذه الأسماء المبنيات مع اختلافها فالعلة الموجبة لبنائها مشابهتها الحروف، ومضارعتها لها، ولذلك بني هذا الاسم أيضا لا للإبهام، لأن الإبهام لا يوجب البناء. ألا ترى أن قولنا: (شيء) من أعمّ ما يتكلم به وأبهمه، وهو معرب غير مبني، و(مكان) أَبْهَمُ من قولنا: ثم؛ لأنه للداني والقاصي (١)، وهو مع إبهامه معرب، فبانَ أنّ بناءه ليس لإبهامه، وإنما هو لتضمُّنه معنى الحرف واختزاله عنه، وذلك أنّ هذا الاسم لمّا كان معرفةً، وكان حكم المعرَّف أن يكون بحرف ولم يذكر، بُنيَ ولم يُعرَبْ؛ لتضمّنه معنى الحرف الذي به يكون التعريف والعهد. ألا ترى أن (ثَمَّ) لا تستعمله إلا في مكان معهود معروف. (٢) لمخاطبك، فإن لم تعرفه لم تعبر عنه بذلك، فتحقيق العلة في هذا وشرحه ما ذكرنا، دون ما ذكره من الإبهام (٣).\nوقوله تعالى: ﴿وَجْهُ اللَّهِ﴾ قال أكثر المفسرين (٤): الوجه: صلة، معناه: فثمَّ الله. كقوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤]، والمعنى: فثم الله يَعْلَمُ وَيرَى (٥). و(الوجه) قد ورد صلة مع اسم الله كثيرًا، كقوله:\n_________\n(١) في \"الإغفال\": ومكان أبهم من قولنا ثم وكذلك؛ لأنهما يقعان على المواضع الدانية والقاصية.\n(٢) في (ش): (معروف معهود).\n(٣) \"الإغفال\" ٣٨٣ - ٣٨٥ بتصرف واختصار.\n(٤) بين شيخ الإسلام في \"الفتاوى\" ٢/ ٤٢٨ أن جمهور السلف على القول بأن المعنى: فثم قبلة الله ووجهة الله.\n(٥) ينظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ١٩٨.","vol":"3","page":257},{"text":"﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن: ٢٧] و﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ﴾ [الإنسان: ٩] و﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨].\nوهذا قول الكلبي (١) وعبد الله بن مسلم (٢) (٣)، وقال الحسن (٤)، ومجاهد (٥) وقتادة (٦) ومقاتل (٧): فثم قبلة الله (٨)، والوجه والجهة والوجهة: القبلة. ومثله: الوزن والزِّنَة، والوَعْد والعِدَة، والوَصْل والصِّلة. والعرب تجعل القصد الذي يتوجه إليه وجهًا (٩)، كقول الشاعر:\nربَّ العبادِ إليه (١٠) الوجهُ والعملُ (١١)\n_________\n(١) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ١١٣٤ وعنه البغوي ١/ ١٤٠.\n(٢) يعني ابن قتيبة في \"تأويل مشكل القرآن\" ص ٢٥٤، وقد نُسِب هذا القول لابن عباس كما في \"زاد المسير\" ١/ ١٣٤ - ١٣٥، \"القرطبي\" ٢/ ٧٥، \"البحر المحيط\" ١/ ٣٦١، وانظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ٥٠٦، \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١١٣٤.\n(٣) في (ش): (ومسلم).\n(٤) ذكره ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ١/ ٢١٢، \"الثعلبي\"، ١/ ١١٣٤، \"البغوي\" ١/ ١٤٠، \"زاد المسير\" ١/ ١٣٥.\n(٥) أخرجه الترمذي في التفسير، تفسير سورة البقرة ٥/ ٢٠٦، الطبري في \"تفسيره\" ١/ ٥٠٦، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ١/ ٢١٢ (١١٢٢)، والبيهقي في سننه ٢/ ١٣.\n(٦) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ١/ ٥٠٢، وذكره ابن أبي حاتم ١/ ٢١٢، الثعلبي ١/ ١١٣٤، البغوي ١/ ١٤٠، وينظر: \"ابن كثير\" ١/ ١٦٨.\n(٧) أي: ابن حيان، ذكره عنه \"الثعلبي\" ١/ ١١٣٤ وعنه البغوي ١/ ١٤٠.\n(٨) أخرج ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" هذا القول عن ابن عباس ١/ ٢١٢، وينظر في هذا القول: \"الطبري\" ١/ ٥٠٦، \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١١٣٤، السمعاني ٢/ ٢٦، \"زاد المسير\" ١/ ١٣٥، القرطبي ٢/ ٧٥، الخازن ١/ ٩٩.\n(٩) ينظر: \"اللسان\" ٤٧٧٥ (وجه).\n(١٠) في (ش): وإليه.\n(١١) وصدر البيت:\nأستغفر الله ذنبًا لستُ مُحْصِيه =","vol":"3","page":258},{"text":"معناه. إليه القصد، وعلى هذا القول معنى قوله: ﴿فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ أي: جهة الله (١) التي تعبّدكم بالتوجه إليها (٢)، والإضافة تكون للتخصيص\n_________\n= هذا البيت من شواهد سيبويه الخمسين التي لا يعرف قائلها. ينظر: \"الكتاب\" ١/ ٣٧، و\"الخزانة\" ٣/ ١١١، و\"أدب الكاتب\" ٤١٩، و\"الفراء\" ١/ ٢٣٣، القرطبي ٢/ ٧٥ و\"مجموع الفتاوى\" ٢/ ٤٢٨ والرازي في \"تفسيره\" ٤/ ٢٢، \"البحر المحيط\" ١/ ٣٦١، \"لسان العرب\" ٦/ ٣٢٧٤ (ماده: غفر). \"المعجم المفصل\" ٦/ ٢٧٩.\nوالذنب هنا اسم جنس بمعنى الجمع؛ فلذا قال: لستُ محصيه، وأراد: من ذنبٍ. والوجه: القصد والمراد.\n(١) ساقطة من (أ)، (م).\n(٢) هذه الآية مما تنازع فيه الناس، هل هي من آيات الصفات أو لا؟ قولان: فمنهم من عدها في آيات الصفات وجعلها من الآيات الدالة على إثبات صفة الوجه لله واستدلوا على ذلك بقول النبي - ﷺ -: \"إذا قام أحدكم إلى الصلاة فإن الله قِبَل وجهه\" رواه البخاري (٤٠٦) كتاب الصلاة، باب: حك البزاق باليد ومسلم (٥٤٧) كتاب المساجد، باب: النهي عن البصاق في المسجد في الصلاة وغيرها، وبقوله \"لا يزال الله مقبلا على عبده بوجهه ما دام مقبلًا عليه، فإذا انصرف صرف وجهه عنه\". وممن قرر ذلك: \"ابن خزيمة\" كما في \"مجموع الفتاوى\" ٦/ ١٦ وبهذا فسرها السعدي في \"تفسيره\" ص ٤٥ وابن عثيمين في \"شرح العقيدة الواسطية\" ١/ ٢٨٩ (ط. ابن الجوزي).\nوقال آخرون: إن المراد بالوجه هنا الجهة كما نقل عن مجاهد والشافعي ونصره شيخ الإسلام في \"الفتاوى\" ٦/ ١٦، ٣/ ١٩٣و ٢/ ٤٢٨ بل قال في ٣/ ١٩٣: من عدها في آيات الصفات فقد غلط كما فعل طائفة، فإن سياق الكلام يدل على المراد حيث قال: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ والمشرق والمغرب الجهات، والوجه هو الجهة، يقال: أي وجه تريده؟ أي: أي جهة .. ولهذا قال: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ أي: تستقبلوا وتتوجهوا والله أعلم. اهـ. وقال في ٦/ ١٦: ولكن من الناس من يسلِّم أن المراد بذلك وجه الله: أي قبلة الله، ولكن يقول: هذه =","vol":"3","page":259},{"text":"نحو: بيت الله، وناقة الله (١).\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ الواسع في صفة الله تعالى على ثلاثة أوجه (٢):\nأحدها: أنه واسع بإفضاله على خلقه، واحتماله مسائل عباده، وأنه لا يُكرِثه (٣) إلحاحُهم (٤)، من قول العرب: فلان يسع ما يسأل، قال أبو زبيد:\nأُعطيهم الجَهْدَ مني بَلْهَ ما أسِعُ\n_________\n= الآية تدل على الصفة وعلى أن العبد يستقبل ربه كما جاء في الحديث ... ويقول: إن الآية دلت على المعنيين، فهذا شيء آخر، ليس هذا موضعه.\nوقد بيَّن الشيخ ابن عثيمين في \"شرح الواسطية\" ١/ ٢٩٠: أن الأول صحيح موافق لظاهر الآية، وأن الثاني لا يخالف الأول في الواقع، فإذا قلنا: فثم جهة الله، وكان هناك دليل سواء كان هذا الدليل تفسير الآية الثانية في الوجه الثاني، أوكان الدليل ما جاءت به السنة، فإنك إذا توجهت إلى الله في صلاتك، فهي جهة الله التي يقبل الله صلاتك إليها، فثم أيضًا وجه الله حقًا، وحينئذٍ يكون المعنيان لا يتنافيان. اهـ. هذا وقد نبه شيخ الإسلام على أمرٍ مهم فقال في \"الفتاوى\" ٦/ ١٧: والغرض أنه إذا قيل: فثم قبلة الله لم يكن هذا من التأويل المتنازع فيه، الذي ينكره منكرو آيات الصفات، ولا هو مما يستدل به عليهم المثبتة، فإن هذا المعنى صحيح في نفسه، والآية دالة عليه، وإن كانت على ثبوت صفة فذاك شيء آخر، ويبقى دلالة قولهم ﴿فَثَمَّ وَجهُ اللَّهِ﴾ على: فَثَّمَّ قبلة الله، هل هو من باب تسمية القبلة وجهًا باعتبار أن الوجه والجهة واحد، أو باعتبار أن من استقبل وجه الله فقد استقبل قبلة الله؟ فهذا فيه بحوث ليس هذا موضعها.\n(١) \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١١٣٤.\n(٢) ينظر تفصيل ذلك في: \"البحر المحيط\" ١/ ٣٦١.\n(٣) في (أ): (لا يكونه).\n(٤) \"تفسير الطبري\" ١/ ٥٠٦.","vol":"3","page":260},{"text":"وهذا معنى قول الفراء (١) وأبي عبيدة (٢).\nالثاني: أنه يُوَسِّع على عباده في دينهم، ولا يضطرهم إلى ما يعجزون عن أدائه، فهو واسعُ الرَّحمة، واسع الشريعةِ بالترخيص لهم في التوجهٍ إلى أي جهة أدَّى إليها اجتهادهم عند خفاء الأدلة (٣).\nالثالث: أنه يسع علمَ كلِّ شيء، ويسع علمُه كلَّ شيء، كقوله: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ أي: علمه (٤)، وقال: ﴿وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [طه: ٩٨]. وقال ابن عباس في بعض الروايات: إن هذه الآية نزلت في النجاشي (٥)، وذلك أنه توفي، فأتى جبريل النبي - ﷺ - فقال: \"إن أخاكم النجاشي قد مات، فصلوا عليه\"، ثم صلى رسول الله - ﷺ - بأصحابه عليه، فقال أصحابه في أنفسهم: كيف نصلي على رجل مات وهو يصلي لغير قبلتنا؟، وكان النجاشي يصلي إلى بيت المقدس حتى مات، وقد صرفت القبلة إلى الكعبة، فأنزل الله تعالى هذا الآية (٦). وعَذَر النجاشيَّ في ذلك؛\n_________\n(١) ذكره عنه الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ١١٣٦ وعنه البغوي ١/ ١٤٠.\n(٢) في \"مجاز القرآن\" ١/ ٥١.\n(٣) \"الوسيط\" ١/ ١٩٤.\n(٤) \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١١٣٦ سيأتي الرد على هذا القول موسعًا عند آية الكرسي.\n(٥) هو: أصحمة بن أبحر، والنجاشي لقبه، قال ابن عيينة: أصحمة بالعربية عطية، هو ملك الحبشة الذي أكرم المسلمين الذين هاجروا إلى بلاده من مكة، وأحسن استقبالهم وأسلم ولم يهاجر وليست له رؤية فهو تابعي من وجه، وصاحب من وجه، وقد توفي في حياة النبي - ﷺ -. ينظر: \"الإصابة\" ١/ ١٠٩، و\"تفسير عبد الرزاق\" ١/ ١٤٤ و\"السير\" ١/ ٤٢٨.\n(٦) ذكره الواحدي في \"أسباب النزول\" ص ٤١ ونقله عنه في: \"العجاب\" ١/ ٣٦٤، من قول ابن عباس في رواية عطاء، وذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ١٣٣٢ عن عطاء وقتاده، وأخرجه الطبري في \"تفسيره\" ط. شاكر ٢/ ٥٣٢ - ٥٣٣، مختصرًا عن =","vol":"3","page":261},{"text":"لأنه لم يبلغه خبرُ نسخ القبلة وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ﴾ للنجاشي في قبلته، ﴿عَلِيمٌ﴾ بما قبله (١) من الإيمان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-335>١١٦ </span>- قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ﴾ وفي مصاحف الشام: قالوا (٢) بغير واو؛ لأن هذه الآية ملابسة بما قبلها من قوله ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ لأن الذين قالوا: اتخذ الله ولدا من جملة الذين تقدم ذكرهم، فيستغنى عن الواو؛ لالتباس الجملة بما قبلها كما استغنني عنها في نحو قوله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٣٩]. ولو كان (وَهُمْ) كان حسنًا، إلا أن التباس إحدى الجملتين بالأخرى وارتباطها بها أغنت عن الواو. ومثل ذلك قوله: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ [الكهف: ٢٢]، ولم يقل: ورابعهم كما قال: ﴿وَثَامِنُهُمْ﴾ [الكهف: ٢٢]، ولو حذفت الواو منها كما حذفت من التي (٣) قبلها، واستغنى عن الواو بالملابسة التي بينهما كان حسنًا، ويمكن أن يكون حذف الواو لاستئناف جملة ولا يعطفها على ما تقدم (٤).\nوالآية نزلت ردًّا على اليهود والنصارى والمشركين، فإنهم وصفوا الله\n_________\n= قتادة، وذكره ابن كثير في \"تفسيره\" ١/ ١٧٠ عن ابن جرير وقال: وهذا غريب، وقال أحمد شاكر: هو حديث ضعيف، لأنه مرسل، وسياقه يدل على ضعفه ونكارته.\n(١) قوله: عليم بما قبله .. ساقطة من (أ)، (م).\n(٢) ذكره ابن أبي داود في: كتاب \"المصاحف\" ص ٥٤، ولم ينص عليه أبو عمرو الداني في: \"المقنع في رسم مصاحف الأمصار\". وينظر: \"تفسير ابن عطية\" ١/ ٤٦٠، \"البحر المحيط\" ١/ ٣٦٢.\n(٣) في (ش): (الذي).\n(٤) ينظر: \"إعراب القرآن\" للنحاس ٢٠٨.","vol":"3","page":262},{"text":"تعالى بالولد، فقالت اليهود: ﴿عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾، وقالت النصارى: ﴿الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠]، وقالت المشركون: الملائكة بنات الله، فنزّه اللهُ نفسَه عن اتخاذ الولد، فقال سبحانه: ﴿بَل لَّهُ﴾ (١). وبل معناه: نفي الأول واثبات للثاني (٢) (٣)، أي: ليس الأمر كذلك ﴿بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ عبيدًا وملكًا (٤).\n﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ قال مجاهد (٥) وعطاء (٦) والسدي (٧): مطيعون.\nقال أبو عبيد: أصل القنوت في أشياء: فمنها القيام، وبه جاءت الأحاديث في قنوت الصلاة؛ لأنه إنما يدعو قائمًا، ومن أبين ذلك: حديث جابر (٨) قال: سئل النبي - ﷺ - أي الصلاة أفضل؟ قال: \"طول القنوت\" (٩)\n_________\n(١) ينظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ٥٠٧، \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ١٩٨، \"تفسير السمرقندي\" ١/ ١٥٢، \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١١٣٧، \"أسباب النزول\" للواحدي ص ٤٢، \"زاد المسير\" ١/ ١١٨، \"العجاب\" لابن حجر ١/ ٣٦٦.\n(٢) في (م): (الثاني).\n(٣) ينظر: \"كتاب سيبويه\" ٤/ ٢٢٣.\n(٤) \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١١٣٨.\n(٥) أخرجه الطبري ١/ ٥٠٧، ابن أبي حاتم ١/ ٢١٣من طريقين عن مجاهد.\n(٦) ذكره عنه في \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١١٣٨.\n(٧) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ١/ ٥٠٧ وهو مروي أيضًا عن ابن عباس وقتادة وعكرمة، ينظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ٥٠٧، البغوي في \"تفسيره\" ١/ ١٤١، واختاره الطبري في \"تفسيره\" و\"ابن كثير\" في \"تفسيره\".\n(٨) هو: أبو عبد الله جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاري السلمي، أحد الصحابة المكثرين من الرواية عن النبي - ﷺ -، شهد العقبة كما شهد تسع عشرة غزوة مع الرسول - ﷺ - عدا بدرًا وأحدًا، منعه أبوه، توفي سنة ٧٨ وقيل ٧٤، أو ٧٣ هـ. ينظر: \"أسد الغابة\" ١/ ٣٠٧، و\"الإصابة\" ١/ ٤٣٤.\n(٩) أخرجه مسلم (٧٥٦) في صلاة المسافرين، باب أفضل الصلاة طول القنوت.","vol":"3","page":263},{"text":"يريد: طول القيام.\nوالقنوت أيضًا: الطاعة (١)، وقال عكرمة في قوله: ﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ القانت: المطيع (٢)، وقال الزجاج مثله، قال: والمشهور في اللغة أن القنوت الدعاء، وحقيقة القانت: أنه القائم بأمر الله، والداعي إذا كان قائمًا خُصَّ بأن يقال له: قانت، لأنه ذاكر لله وهو قائم على رجليه، فحقيقة القنوت: العبادة والدعاء لله في حال القيام (٣).\nويجوز أن يقع في سائر الطاعة؛ لأنه إن لم يكن قيام بالرجلين فهو قيام بالشيء بالنية (٤).\nقال ابن عباس في هذه الآية: قوله: ﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ راجع إلى أهل طاعته دون الناس أجمعين (٥).\nوهو من العموم الذي أريد به الخصوص، وهذا اختيار الفراء (٦)، وطريقة مقاتل (٧) ويمان (٨) إلا أنهما قالا: هذا يرجع إلى عُزير والمسيح\n_________\n(١) \"غريب الحديث\" لأبي عبيد ١/ ٤٣٧، وينظر: \"تأويل مشكل القرآن\" ص ٤١٥، \"تفسير الطبري\" ٢/ ٥٣٩، \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١١٣٨.\n(٢) أخرجه أبو عبيد في: \"غريب الحديث\" ١/ ٤٣٨، ورواه الطبري ١/ ٥٠٧ بنحوه\n(٣) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ١٩٨.\n(٤) رجح الطبري في \"تفسيره\" ١/ ٥٠٧ أن القنوت: الطاعة والإقرار لله ﷿ بالعبودية، بشهادة أجسامهم بما فيها من آثار الصنعة والدلالة على وحدانية الله.\n(٥) ورد عن ابن عباس بلفظ: قانتون: مطيعون. عند الطبري في \"تفسيره\" ١/ ٥٠٧ وأما اللفظ المذكور أعلاه فلعله من تلك الرواية التي تقدم الحديث عنها في مقدمة الكتاب.\n(٦) \"معاني القرآن\" ١/ ٧٤، وذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ١١٤٠.\n(٧) \"تفسير مقاتل\" ١/ ١٣٣، وذكره الثعلبي ١/ ١٤٠.\n(٨) ذكره عنه الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ١١٤٠.","vol":"3","page":264},{"text":"والملائكة، أراد: أنهم كلهم عباد الله طائعون (١)، نظيره: قوله: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٦].\nوقال السُدي ومجاهد والزجاج: هذا على ما ورد من العموم، فقال السدي: هذا في يوم القيامة (٢)، تصديقه قوله: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ﴾ [طه: ١١١] (٣).\nوقال مجاهد: إن ظِلالَ الكفار تسجد لله وتطيعه (٤). دليله قوله (٥): ﴿يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ﴾ [النحل: ٤٨]، الآية، وقوله: ﴿وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ [الرعد: ١٥] (٦).\nوقال الزجاج: كل (٧) ما خلق الله في السماوات والأرض فيه أثر الصنعة فهو قانت لله، ودليل (٨) على أنه مخلوق. والمعنى: كل له قانت، إما (٩) مُقِرّ بأنه خالقه؛ لأنه أكثر من يخالف ليس يدفع أنه مخلوق، وما كان\n_________\n(١) رد الطبري في تفسيره ١/ ٥٠٨ القول بالخصوص، بأنه لا يجوز ادعاء خصوص في آية ظاهرها العموم، إلا بحجة.\n(٢) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ١/ ٥٠٧ وذكره الثعلبي ١/ ١١٤٠.\n(٣) \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١١٤١.\n(٤) تقدم تخريجه عن مجاهد قريبًا. قال ابن كثير في تفسيره ١/ ١٧١: وهذا القول عن مجاهد -وهو اختيار ابن جرير- يجمع الأقوال كلها، وهو أن القنوت: هو الطاعة والاستكانة إلى الله وذلك شرعي وقدري.\n(٥) من قوله: قوله: وعنت ... ساقط من (ش).\n(٦) \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١١٤١ البغوي ١/ ١٤١.\n(٧) في (ش): على.\n(٨) في \"معاني القرآن\"، (والدليل).\n(٩) في (ش): (إنما)، وليست الكلمة في \"معاني القرآن\" للزجاج، والكلام مستقيم بدونها.","vol":"3","page":265},{"text":"من الجمادات فأثَرُ الخلق بيِّنٌ فيه، فهو على العموم (١) (٢).\nوقال غيرهُ: طاعة الجميع لله تكونهم (٣) في الخلق عند التكوين إذا قال: كن كان كما أراد (٤)، فنسب القنوت إليه كما نسبت الخشية إلى الحجارة، والمحبة إلى الجبال، والشكوى إلى الإبل، والسجود إلى الأشجار (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-336>١١٧ </span>- قوله تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ الآية، أي: خالقها وموجدها (٦) لا على مثالٍ تقدّم (٧)، وهو عند الأكثرين فعيل بمعنى مُفعلٍ، كأليم ووجيع وسميع في قوله:\n_________\n(١) في \"معاني القرآن\": فأثر الصنعة بَيِّنٌ فيه، فهو قانت على العموم.\n(٢) \"معاني القرآن\" ١/ ١٩٨.\n(٣) في (ش): (بكونهم).\n(٤) يروى عن مجاهد. ينظر: ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ١/ ٢١٣.\n(٥) نسبت الخشية إلى الحجارة في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٧٤]، ونسبت المحبة إلى الجبال في قوله - ﷺ -: \"أحد جبل يحبنا ونحبه\" متفق عليه.\nونسبت الشكوى إلى الإبل في الحديث الذي رواه أبو داود وأحمد عن عبد الله بن جعفر أن النبي - ﷺ - لما راى جملًا لرجل من الأنصار، حنّ الجمل وذرفت عيناه، فمسح النبي - ﷺ - ذِفراه، فسكت فقال: \"من رب هذا الجمل\"، فجاء فتى من الأنصار فقال: لي يا رسول الله، فقال: \"أفلا تتقى الله في هذه البهيمة التي ملكك الله إياها، فإنه شكا إلي أنك تجيعه وتدئبه\".\nونسب السجود إلى الأشجار في قوله تعالى: ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾ [الرحمن: ٦]، وغيرها من الآيات.\n(٦) في (ش): (خالقهما وموجدهما).\n(٧) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ١٩٩، \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١١٤١.","vol":"3","page":266},{"text":"أَمِنْ ريحَانة الداعي السميعُ (١)\nأي: المسمع. فالبديع: الذي يُبْدِعُ الأشياءَ، أي: يحدثها مما لم يكن.\nابن السكيت قال: البدعة: كل محدثة، وسقاء بديع: أي: جديد (٢).\nوقال أبو إسحاق: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ منشئُهما (٣) على غير حذاء ولا مثال، وكل من أنشأ ما لم يسبق إليه قيل: أبدعت؛ ولهذا قيل لمن خالف السنة (٤): مبتدع؛ لأنه أحدث في الإسلام (٥) ما لم يسبقه إليه السلف (٦) (٧).\nقال الأزهري: قول الله تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ بمعنى مبدعهما، إلا أن بديعًا من بَدَعَ لا من أَبْدَع، وأَبْدَع أكثر في الكلام من بَدَع، ولو استُعْمِل بَدَع لم يكن خطأ، فبديع: فعيل بمعنى فاعل، مثل: قدير بمعنى قادر، وهو (٨) من صفات الله؛ لأنه بدأ الخلق على ما أراد على\n_________\n(١) عجز البيت:\nيؤرقني وأصحابي هجوع\nوهو لعمرو بن معد يكرب، وقد تقدم البيت.\n(٢) نقله عنه في \"تهذيب اللغة\" ١/ ٢٩٣، \"لسان العرب\" ١/ ٢٣٠ (بدع).\n(٣) في \"معاني القرآن\": يعني أنشأهما.\n(٤) في \"معاني القرآن\" للزجاج: السنة والإجماع.\n(٥) في \"معاني القرآن\" للزجاج: لأنه يأتي في دين الإسلام.\n(٦) في \"معاني القرآن\" للزجاج: بما لم يسبقه إليه الصحابة والتابعون.\n(٧) من \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ١٩٩ وقد نقله بحروفه من \"تهذيب اللغة\" ١/ ٢٩٣ ولذلك اختلفت العبارات مادة (بدع).\n(٨) في \"تهذيب اللغة\": وهو صفة من صفات الله.","vol":"3","page":267},{"text":"غير مثالٍ تقدمه (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قَضَى أَمْرًا﴾ أي: قدره وأراد خلقه (٢).\nقال أبو إسحاق في قوله: ﴿وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾ [الأنعام: ٨]: قضى في اللغة على وجوه، كلها يرجع إلى معنى انقطاع الشيء وتمامه، ومنه قول الله تعالى: ﴿قَضَى أَجَلًا﴾ [الأنعام: ٢]. معناه: ثم حتم بذلك (٣) وأتمه، ومنه: الأمر، وهو قوله: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣]، معناه: أمر، إلا أنه أمرٌ قاطع حتم.\nومنه الإعلام، وهو قوله: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الإسراء: ٤]، أي: أعلمناهم إعلامًا قاطعًا، ومنه: القضاء الفصل فى الحكم، وهو قوله: ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: ١٤] (٤) أي: قطع بينهم في الحكم، قال: ومن ذلك قضى فلان دينه، تأويله: أنه قطع ما لغريمه عليه، وأداه إليه، وقطع ما بينه وبينه. وكل ما أحكم فقد قُضِيَ.\nتقول: قد قضيت هذا الثوب، وقد قضيت هذه الدار، إذا عملتها وأحكمت عملها، تقول: قد قضيت هذا الثوب، وقد قضيت هذه الدار، إذا عملتها وأحكمت عملها، وقال أبو ذؤيب (٥):\n_________\n(١) ذكره في \"تهذيب اللغة\" ١/ ٢٩٣، ونقله في \"اللسان\" ١/ ٢٣٠ (بدع).\n(٢) \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١١٤١.\n(٣) في \"معاني القرآن\": بعد ذلك.\n(٤) وردت الآية في نسخ \"البسيط\" كلها، وفي \"معاني القرآن\" للزجاج ناقصة هكذا، (ولولا أجل مسمى لقضي بينهم).\n(٥) هو: خويلد بن خالد بن محرث أبو ذؤيب الهذيلي، تقدمت ترجمته.","vol":"3","page":268},{"text":"وَعَلَيْهِمَا مَسْرُودَتَانِ قَضَاهما ... داودُ أو صنعَ السوابغَ تُبّعُ (١) (٢)\nومنه قول الله تعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ [فصلت: ١٢]، أي: خَلَقَهن وعملهن وصنعهن.\nوقوله تعالى: ﴿فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾، القول هاهنا عند كثيرٍ من النحويين لا يكونُ المراد به النطق، قالوا: لأن المعدوم الذي ليس بكائن لا يخاطَبُ، وتأويله: إذا قضى أمرًا فإنما يكوِّنُه فيكونُ، والقولُ قد يَرِدُ ولا يرادُ به النطقُ والكلام، كما قال:\nامتلأ الحوضُ وقال قَطْني (٣) (٤)\n_________\n(١) البيت لأبي ذؤيب، في \"ديوانه\": ١٩، \"شرح أشعار الهذليين\" ١/ ٣٩، \"مجاز القرآن\" ١/ ٥٢ \"تأويل مشكل القرآن\" ص ٤٤١، \"تفسير الطبري\" ١/ ٥٠٩ \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١١٤١، \"لسان العرب\" ٦/ ٣٦٦٢ مادة (قضض)، ٦/ ٣٦٦٥ مادة (قضى)، ٤/ ٢٥٠٨ مادة (صنع). وتفسير \"القرطبي\" ٢/ ٨٧ \"الدر المصون\" ١/ ٣٥٣. والبيت من قصيدته التي يرثي فيها أولاده، ومسرودتان يعني: درعين، من السرد، وهو الخرز أو النسج وقضاهما أي: أحكمهما. وداود هو النبي المعروف - ﷺ -، والصَّنَع الحاذق بالعمل، والصَّنَع هاهنا: تبع، يقال: رجلٌ صَنَعٌ، وامرأة صَنَاع. سمع بأن داود﵇- كان سخر له الحديد فكان يصنع ما أراد، وسمع بأن تبعًا ملك اليمن عملهما، فقال: عملهما تبع، وظن أنه عملهما، وإنما أمر بها أن تعمل، وكان تبع أعظم شأنًا من أن يصنع شيئًا بيده ينظر: \"شرح أشعار الهذليين\" ١/ ٣٩.\n(٢) بتصرف يسير من \"معاني القرآن\" للزجاج ٢/ ٢٣٠.\n(٣) عجز البيت:\nمهلا رويدًا قد ملأت بطني\nوهذا البيت لم يعرف قائله، والبيت في \"تفسير الطبري\" ١/ ٥١٠، و\"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٣٦، و\"الأمالي الشجرية\"١/ ٣١٣، و\"المقاصد النحوية\" ١/ ٣٦، و\"الخصائص\" ١/ ٢٣، ومعنى قطني: أي: حسبي. وروي: سلَّا رويدًا.\n(٤) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ١٩٩.","vol":"3","page":269},{"text":"وكقول أبي النجم (١):\nيَقُلْنَ للرائد: أعشبت، انزل (٢)\nوالذبّانُ لا قولَ لها، وقال آخرون: إن ما قدّر الله وجوده وعلم فهو كالموجود (٣).\nقال أبو بكر بن الأنباري: يحتمل أن تكون اللام في (له) لام أجْل، والتأويل: ﴿وَإِذَا قَضَى أَمْرًا﴾ فإنما يقول من أجْل إرادته: كن، فيكون، كقوله: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ﴾ [آل عمران: ١٩٣] أي: من أجله (٤)، وكقوله: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات: ٨]، معناه: إنه من أجل حبّ المال لبخيل. قال: ولا يعجبني أن يُلغى القول، ويبطل معناه؛ لأنا لا نجعل حرفًا من كتاب الله مُطَّرَحًا إذا وجدنا له من وجه من الوجوه معنى.\nفإن قيل: كيف قال (كن) للشيء الذي يكونه، وذلك الشيء لا يكون نفسه حتى يقال له: كن؟ قلنا: على مذهب النحويين هذا لا يلزم؛ لأن التقدير عندهم فإنما يكوِّنه فيكون، ولفظ الأمر هاهنا المراد منه الخبر، ونذكره فيما بعد. وأما من جعل هذا أمرًا حقيقيًّا فإنه يقول هذا من الأمر الحتم الذي لا انفكاكَ للمأمور منه، ولا قدرة له على دفعه والانصراف\n_________\n(١) هو الفضل بن قدامة، تقدم ٢/ ١٠.\n(٢) سبق تخريجه تحت الآية رقم ٩٣.\n(٣) ينظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ١٩٩ ففيه: قال بعض أهل اللغة (إنما يقول له كن فيكون) يقول له وإن لم يكن حاضرًا (كن)، لأن ما هو معلوم عنده بمنزلة الحاضر، وينظر: \"البحر المحيط\" ١/ ٣٦٤.\n(٤) ينظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ١٩٩.","vol":"3","page":270},{"text":"عنه، ومشهورٌ في كلام العرب أن يرى الرجلُ منهم الرجلَ فيقول له: كن أبا فلان، أي: أنت أبو فلان. فكذلك قوله: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ معناه: كن بتكويننا إياك، فالمأمور بهذا لا قدرة له على دفعِه، ولا صنع له فيه، كما أن الذي يقال له: كن أبا فلان، لا صنع له في ذلك بفعل ولا عزم ولا غير ذلك مما يكون من الفاعلين (١).\nوقوله تعالى: ﴿فَيَكُونُ﴾ قال الفراء (٢): والكسائي (٣) وأبو إسحاق (٤): رفعه من وجهين: أحدهما: العطف على (يقول)، ومثله ﴿يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ﴾ (٥) [إبراهيم: ٤٤].\nالثاني: أن يكون رفعه على الاستئناف، المعنى: فهو يكون؛ لأنَّ الكلامَ تمَّ عند قوله: (كن) ثم قال: فسيكون (٦) ما أراد الله. قال الفرَّاءُ: وإنه لأحبُّ الوجهين إلي (٧)، وقرأ ابن عامر وحده (فيكونَ) بنصب النون (٨).\n_________\n(١) ينظر تفصيل المسألة في: \"تفسير الطبري\" ١/ ٥٠٨ - ٥١١، \"البحر المحيط\" ١/ ٣٦٤ - ٣٦٦ وقد رجح الطبري في \"تفسيره\" أن الأمر هنا عام في كل ماقضاه الله وبرأه مما هو موجود، فيقال له: كن قال: فغير جائز أن يكون الشيء مأمورًا بالوجود مرادًا كذلك إلا وهو موجود، ولا أن يكون موجودًا إلا وهو مأمور بالوجود مراد كذلك.\n(٢) \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٧٤.\n(٣) \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٧٥.\n(٤) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ١٩٩.\n(٥) وهذا الذي اختاره الطبري في \"تفسيره\" ١/ ٥١١.\n(٦) في (م): (فيكون).\n(٧) \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٧٥.\n(٨) ينظر كتاب: \"السبعة\" ١٦٨، \"الحجة\" ٢/ ٢٠٣.","vol":"3","page":271},{"text":"قال أبو علي (١): قوله: (كُنْ) وإن كان على لفظ الأمر فليس بأمر، ولكنَّ المرادَ به الخبرُ، كأنَّ التقديرَ: يُكَوَّن (٢) فيكون، وقد يَرِدُ لفظ الأمر والمرادُ منه الخبر، كقولهم: أكرمْ بزيدٍ، تأويلُه: ما أكرمَ زيدًا (٣)، والجار والمجرور في موضع رفع بالفعل. وفي التنزيل: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾ [مريم: ٧٥] فالتقدير: مدَّه الرحمن. وإذا لم يكن قوله: ﴿كُنْ﴾ خبرًا في المعنى وإن (٤) كان على لفظ الأمر لم يَجُزْ أن ينصبَ الفعلُ بعد الفاء بأنه (٥) جواب. ويدل على امتناع النصب في قوله: ﴿فَيَكوُنُ﴾ أن الجواب بالفاء مضارع للجزاء، يدلُّ على ذلك أنه يؤولُ في المعنى إليه. ألا ترى أن قولك: اذهب فأعطيَكَ، معناه إن تذهب أعطيتُك (٦) ولا يجوز: اذهب فتذهب؛ لأن المعنى يصير: إن ذهبتَ ذهبتَ، وهذا كلامٌ لا يفيد كما يفيد إذا اختلف الفاعلان والفعلان، نحو: قُمْ فأُعطيَك؛ لأنَّ المعنى: إن قُمتَ أعطيتُك، ولو جعلتَ الفاعل في الفعل الثاني فاعِل الفعل الأول، فقلت: قُم فتقومَ، أو أعطِني فتعطيني، على قياس قراءة ابن عامر، لكان المعنى: إن قمت تقم، وإن تُعطِني تعطِني، وهذا كلامٌ في قلةِ الفائدة على ما تراه.\nفأمَّا مَنِ احتج له فإنه يقول: اللفظ لما كان على لفظ الأمر وإن لم\n_________\n(١) في \"الحجة\" للفراء السبعة ٢/ ٢٠٣.\n(٢) في (ش): (فكون).\n(٣) في الأصل: زيد، والمثبت من \"الحجة\".\n(٤) في (م): (وإذا).\n(٥) في (ش): (لأنه).\n(٦) من قوله: معناه .. ساقطة من (ش).","vol":"3","page":272},{"text":"يكن المعنى عليه حملته على صورة اللفظ. وقد حمل أبو الحسن نحو قوله: ﴿قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [إبراهيم: ٣١]، ونحوه من الآي على أنه أجري مجرى جواب الأمر، وإن لم يكن جوابًا له في الحقيقة. وقد يكونُ اللفظُ على شيء والمعنى على غيره، ألا ترى أنهم قالوا: ما أنت وزيد (١)، والمعنى: لِمَ تؤذيه، وليس ذلك في اللفظ. قال: ومن رفع فإنه عطف على قوله: ﴿كُنْ﴾ لأن معناه: يكوّنه فيكون، وهذا أولى من حمله على (يقول) (٢)؛ لأنه لا يطرد في سورة آل عمران في قوله: ﴿ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٥٩]، لأن قال ماضي، ويكون مضارع، فلا يحسن عطفه عليه لاختلافهما، قال: ويجوز أن يكون خبر ابتداء محذوف، كأنه قال: فهو يكون (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-337>١١٨ </span>- قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ قال ابن عباس: هم اليهود، قالوا لمحمد - ﷺ -: لا نؤمن لك حتى يكلّمنا الله أنك رسوله، أو حتى تأتينا بمثل الآيات التي أتت بها الرسل (٤). وقال مجاهد: هم النصارى (٥).\n_________\n(١) في \" الحجة\": وزيدًا.\n(٢) في (ش): (على ما يقول).\n(٣) إلى هنا انتهى كلام أبي علي الفارسي ١/ ٢٠٨ بتصرف واختصار.\n(٤) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ١/ ٥١٢، ابن أبي حاتم ١/ ٢١٥ وذكره الثعلبي ١/ ١١٤٢، وذكره ابن هشام في \"السيرة النبوية\" عن ابن إسحاق ٢/ ١٧٦، وينظر: \"تفسير السمعاني\" ٢/ ٣٣، \"زاد المسير\" ١/ ١٣٧، \"تفسير القرطبي\" ٢/ ٨٣.\n(٥) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ١/ ٥١٢، ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ١/ ٢١٥، وهو في \"تفسير مجاهد\" ص ٨٦، وهذا الذي رجحه الطبري في \"تفسيره\" ١/ ٥١٣، وذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ١١٤٢ لدلالة سياق الآيات.","vol":"3","page":273},{"text":"وقال الحسن (١) وقتادة (٢): هم مشركو العرب، وهذا أظهر الأقوال؛ لأنه يُشاكل ما طلبوا، حيث قالوا: ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا﴾ الآيات الأربع [الإسراء: ٩٠ - ٩٣]، ولأن أهل الكتاب أهل علم به، والله تعالى قال: ﴿وَقَالَ اَلَّذِينَ لَا يَعلَمُونَ﴾.\nوقوله تعالى: ﴿لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ﴾ قال أبو عبيدة (٣) والزجاج (٤): معنى لولا: هلّا، وأنشد أبو عبيدة:\nتعدُّونَ عَقْرَ النِّيب أفضلَ مجدِكم ... بني ضَوْطَرَى، لولا الكَمِيَّ المُقَنَّعَا (٥)\nأي: هلّا (٦)، وقال الخليل: (لولا) له معنيان: أحدهما: هلاّ،\n_________\n(١) لم أره عن الحسن وقد نقله في \"الوسيط\" ١/ ١٩٧.\n(٢) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٥٥١، وذكره ابن أبي حاتم ١/ ٢٥١، والثعلبي ١/ ١١٤٢.\n(٣) ينظر: \"مجاز القرآن\" ١/ ٥٢.\n(٤) ينظر: \"معاني القرآن\" ١/ ١٩٩.\n(٥) البيت \"لجرير\" في ديوانه ص٢٦٥، \"النقائض\" ص ٨٣٣، \"مجاز القرآن\" ١/ ١٩٩، \"تفسير الطبري\" ١/ ٥١٣، \"أمالي ابن الشجري\" ٢/ ٢١٠. وقد عزاه هؤلاء الثلاثة لأشهب بن رُميلة. ورواية الديوان والنقائض: أفضل سعيكم. وقوله: عقر النيب: يقال عقر الناقة أو الفرس: أي ضرب قوائمها فقطعها، والنيب: جمع ناب، وهي الناقة المسنة، سميت بذلك لطول نابها، وقوله: بني ظوطري: يعني: يابني الحمقى، وقيل: إنه نبز لرجلٍ من بني مشجاع بن دارم. والكمي: الشجاع الذي لا يرهب، فلا يحيد عن قرنه، كان عليه سلاح أو لم يكن. وكان العرب يعقرون البعير قبل نحره لئلا يشرد، وكانوا يتكارمون بالمعاقرة، وهي أن يعقر هذا ناقة فيعقر الآخر، يتباريان في الجود حتى يغلب أحدهما. ينظر حاشية \"تفسير الطبري\" ١/ ٥١٣.\n(٦) \"مجاز القرآن\" ١/ ٥٢ - ٥٣.","vol":"3","page":274},{"text":"والآخر: لو لم، كقولك: لولا زيد لأكرمتك، معناه: لو لم يكن، وتقول: لولا فعلت ما أمرتك، في معنى: هلَّا فعلت. وقد يدخل (ما) في هذا المعنى في موضع لا، كقوله تعالى: ﴿لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ﴾ [الحجر: ٧]. أي: هَلَّا. وكلُّ ما في القرآن لولا يفسر على هَلَّا، غير التي في الصافات ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ﴾ [الصافات: ١٤٣] يقول: فلو لم يكن من المُسَبِّحِين (١). وقال الفراء: لولا إذا كانت مع الأسماء فهي شرط، وإذا كانت مع الأفعال فهي بمعنى هلّا، لومٌ على ما مضى، وتحضيض لما يأتي.\nقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أراد: كفار الأمم الخالية. قال الزجاج: أعْلَمَ اللهُ أنَّ كفرَهم في التعنُّتِ بطلب الآيات على اقتراحهم، كَكُفْر الذين من قبلهم في قولهم لموسى: ﴿أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [النساء: ١٥٣] وما أشبهه، وفي هذا تعزية للنبي - ﷺ - (٢).\nوقوله تعالى: ﴿تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ أي: أشبه بعضُها بعضًا في الكفرِ والقسوةِ ومسألةِ المُحال (٣) كقوله: ﴿يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ﴾ [التوبة: ٣٠].\nوقوله تعالى: ﴿قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ يريد: أن من أيقن وطلبَ الحقّ فقد أتته الآيات البينات، نحو: المسلمين ومن لم يعاند من علماء اليهود؛ لأن القرآن برهانٌ شافٍ (٤).\n_________\n(١) ينظر في لولا: \"الكتاب\" لسيبويه ٣/ ١١٥، ٤/ ٢٢٢، \"المغني\" لابن هشام ١/ ٢٧٢ - ٢٧٦.\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ١٩٩.\n(٣) ينظر: \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٧٥، \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١١٤٣.\n(٤) نقلًا عن \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٠٠.","vol":"3","page":275},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-338>١١٩ </span>- قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾ معنى الحقّ في اللغةِ: هو الواجب الصدق الموجود، وهو نقيض الباطل، يقال: حَقَّ الشيء يَحِقُّ حقًا، معناه: وجب (١) وجوبًا. فالحق مصدر، ثم يستعمل بمعنى فاعل، مثل: بَرٍّ وطَبٍّ، وقال شمر: تقولُ العرب: حقٌّ عليَّ أن أفعل ذلك، وحُقّ، وإني لمحقوق أن أفعل خيرًا، قال: وتقول: حَقَقْتُ الأمر، وأحققته، إذا كنت على يقين منه (٢). وقال الفراء: حُقّ لكَ أن تفعل كذا، وحُقٌ عليك، فإذا قلت: حُقَّ، قلت: لك، وإذا قلت: حَقٌّ، قلت: عليك (٣). ابن الأعرابي: الحق: صدق الحديث، والحقّ: الملك، والحقّ: اليقين بعد الشك (٤).\nوأصل الحق ما ذكرنا من أنه الصدق الواجب، ثم يسمى كلُّ ثابت موجود غير باطل: حقًا، كالذي ذكره ابن الأعرابي. والحقُّ من أسماء الله تعالى قال الله تعالى: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [المؤمنون: ٧١]، والحقُّ: العدل في قوله. ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ﴾ [الأعراف: ٨٩]، والحق: الدَّين في قوله: ﴿وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ﴾ (٥) [البقرة: ٢٨٢].\nفأما تفسير الحق في هذه الآية، فقال ابن عباس: الحق: القرآن (٦)، كقوله: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ﴾ [ق: ٥]، (٧)، وقال ابن كيسان: الحق\n_________\n(١) في (ش): (وجبت).\n(٢) نقله عنه في \"تهذيب اللغة\" ١/ ٨٧٧\n(٣) نقله عن شمر كما في \"تهذيب اللغة\" ١/ ٨٧٦\n(٤) نقله عنه في \"تهذيب اللغة\" ١/ ٨٨٠.\n(٥) ينظر: \"المفردات\" للراغب الأصفهاني ص ١٣٢، \"اللسان\" ٢/ ٩٤٠ (حق).\n(٦) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ١١٤٣، والواحدي في \"الوسيط\" ١/ ١٩٨، البغوي ١/ ١٤٢، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ١/ ١٣٧.\n(٧) \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١١٤٣.","vol":"3","page":276},{"text":"في هذه الآية: الإسلام (١)، نحو قوله: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ﴾ [الإسراء: ٨١] (٢).\nوالباء في (بالحق) بمعنى مع، أي: مع الحق (٣). وقوله: ﴿وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ﴾ [المائدة: ٦٢]، وإذا (٤) كان كذلك كان في موضع النصب بالحال (٥)، كقوله: ﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ (٦) البشير: فعيلٌ بمعنى فاعل من بشَر يبشُرُ بشَرًا بمعنى بشّر (٧)، ونذكر ذلك عند قوله: ﴿أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى﴾ [آل عمران: ٣٩]. والنذير: بمعنى المنذر، وكان الأصل: نَذَرَ، إلا أن فعل الثلاثي أميت، ومثله: السميع: بمعنى المسمع، والبديع بمعنى المبدع، وتقول: أنذرتُه فَنَذِر، أي: أعلمتُه فعلِمَ وتحرّز (٨).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾ سأل فِعْلٌ يتعدّى إلى مفعولين، أنشد أحمد بن يحيى (٩):\n_________\n(١) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ١١٤٤، والواحدي في \"الوسيط\" ١/ ١٩٨ البغوي ١/ ١٤٢ وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ١/ ١٣٧.\n(٢) \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١١٤٣.\n(٣) ينظر: \"البحر المحيط\" ١/ ٣٦٧.\n(٤) في (ش): (فإذا).\n(٥) ينظر: \"البحر المحيط\" ١/ ٣٦٧ وذكر أنه حال من الكاف، ويحتمل أن يكون حالا من الحق؛ لأن ما جاء به من الحق يتصف أيضًا بالبشارة والنذارة، والأظهر الأول.\n(٦) ينظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٠٠، \"إعراب القرآن\" ١/ ٢٠٩.\n(٧) ينظر: \"تهذيب اللغة\" ١/ ٣٣٨، \"البحر المحيط\" ١/ ٣٦٧.\n(٨) \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٥٤٦، \"اللسان \" ٧/ ٤٣٩٠.\n(٩) في \"الحجة\" ذكر هذا البيت ثم قال: وأنشد أحمد بن يحيى:\nسألت عَمْرًا بعد بكير خُفًّا ... والدلْو قد تُسْمَعُ كي تَخِفّا","vol":"3","page":277},{"text":"سألناها الشِّفَاءَ فما شَفَتْنَا ... ومَنَّتْنَا المواعدَ والخِلابا (١)\nويجوز الاقتصارُ فيه على مفعولٍ واحد، ويكون على ضربين: أحدهما: أن يتعدّى بغير حرف. والآخر: أن يتعدّى بحرف. فالمتعدي بغير حرف نحو قوله: ﴿وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا﴾ [الممتحنة: ١٠]. وقال: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ [الأنبياء: ٧]. وأما تعديه بالحرف فالحرف الذي يتعدى به حرفان. أحدهما: (الباء)، كقوله: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ﴾ [المعارج: ١]، وكقول الشاعر:\nوسائلةٍ بثعلبةَ بْنِ بكر ... وقد أودَتْ بثعلبةَ العَلُوقُ (٢)\nوالآخر: (عن)، كقولك: سل عن زيد.\nوإذا تعدى إلى مفعولين فالمفعول الثاني يكون على ثلاثة أضرب: أحدها: أن يكون الفعل واقعًا عليه من غير حرف ظاهر ولا مضمر، وذلك نحو قوله:\nسألتُ زيدًا بعد بكر خُفًّا (٣)\n_________\n(١) البيت لجرير بن عطية، يهجو فيها الراعي النميري، ينظر: \"ديوانه\" ص ٥٨، \"الحجة\" ٢/ ٢٠٩. والخلاب: المخادعة والكذب.\n(٢) البيت للمفضل النكري، في \"الأصمعيات\" ص ٢٠٣، و\"المنصفات\" ص ٢٥، و\"الخصائص\" ٢/ ٤٣٧، \"الحجة\" ٢/ ٢١٠، \"لسان العرب\" ٤/ ٢١٧٠، (مادة: سير)، ٥/ ٣٠٧٤، (مادة: علق)، \"المعجم المفصل\" ٥/ ١٨٢ وروايته في بعض المصادر: (سير) بدل: بكر، و(علقت) بدل: أودت، وهذا البيت من قصيدة الشاعر المنصفة، يذكر أن ثعلبة بن سيار كان في أسره، وهو الذي ذكره في البيت: ثعلبة بن سير، ضرورة لإقامة الوزن. والعلوق: المنية.\n(٣) البيت من الرجز لم ينسب لقائل، وبعده:\nوالدلَو قد تُسْمَعُ كي تَخِفّا\nذكره في \"الحجة\" ٢/ ٢١٠ مرة قال: عمرًا، ومرة قال: زيدًا. \"اللسان\" (مادة: خفف).","vol":"3","page":278},{"text":"فيكون معناه: استعطيته (١).\nالثاني: أن يتعدّى الفعلُ إليه بإضمارِ حرف، وذلك قوله (٢): ﴿وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾ [المعارج: ١٠]. معناه: ولا يسأل حميمٌ عن حميمٍ، ويكون بمنزلة: اخترت الرجال زيدًا، ويجوز إظهارُ الحرف، فيكوَن كقوله: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ﴾ [الأعراف: ١٦٣].\nوالثالث: أن يقع موقعَ المفعول الثاني استفهام، كقوله: ﴿سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ﴾ [البقرة: ٢١١]. وقوله: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزخرف: ٤٥] (٣).\nوفي (سألت) لغتان: تحقيق الهمزة وهي الفاشية الكثيرة، وسِلْتُ أَسَال لغةٌ، وعليها جاء قول الشاعر:\nسَالَتْ هذيلُ رسولَ الله فاحشةً ... ضلَّت هذيلُ بما قالت ولم تُصِبِ (٤)\nوحمل سيبويه (٥) (سالت) على قلب الهمزة ألفًا للضرورة، كما قال:\nراحَتْ بمسلمةَ البغالُ (٦) عَشِيَّةً ... فارعَيْ فَزارةُ لا هَنَاكِ المَرْتَعْ (٧)\n_________\n(١) في \"الحجة\" ٢/ ٢١١ زيادة عليه، أي: سألته أن يفعل ذلك.\n(٢) من قوله: سألت زيدًا بعد بكر ... ساقط من (ش).\n(٣) ما تقدم منقول من \"الحجة\" لأبي علي الفارسي ٢/ ٢٠٩ - ٢١١.\n(٤) البيت لحسان بن ثابت هجو هذيلًا، في ملحق ديوانه ص ٣٤، \"السيرة النبوية\" لابن هشام ٣/ ١٧٦، \"الكتاب\" لسيبويه ٢/ ١٣٠ \"المقتضب\" للمبرد ١/ ١٦٧، \"الحجة\" ٢/ ٢١٨ \"المعجم المفصل\" ١/ ٤٢٥.\n(٥) \"الكتاب\" ٣/ ٤٦٨، ٥٥٥. ونقل ذلك عنه أبو علي الفارسي في \"الحجة\" ٢/ ٢١٨.\n(٦) في (ش): (النعال).\n(٧) البيت للفرزدق، في \"ديوانه\" ١/ ٤٠٨، \"الكتاب\" ٣/ ٥٥٤، \"الحجة\" ٢/ ٢١٨، \"المعجم المفصل\" ٤/ ٢٦٧.","vol":"3","page":279},{"text":"قال الزجاج (١) ثم ابن الأنباري وأبو علي (٢): الرفع في قوله: (ولا تُسأل) من وجهين: أحدهما: أن يكون حالًا صُرِفَتْ إلى الاستقبال، فيكون مثل ما عطف عليه في المعنى من قوله: ﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ وغير مسؤول، فيكون مرفوعًا في اللفظ، منصوبًا في التأويل، ويكون ذكر تُسْأَلُ وهو فعل بعد قوله: ﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ (٣) كقوله: ﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ﴾ [آل عمران: ٤٦]. بعد ما تقدم من قوله: ﴿وَجِيهًا﴾.\nوالوجه الثاني: أن يكون منقطعًا من الأول، مُستأنفًا به، يُراد: ولست تسأل عن أصحاب الجحيم، ويقوي هذا الوجهَ قراءة عبد الله: ولن تسألَ، وقراءة أُبي: وما تُسأل (٤)، فلن، وما يشهدان للاستئناف (٥). ومعنى الآية ما قال مقاتل: وهو أن النبي - ﷺ - قال: لو أن الله أنزل بأسه باليهود لآمنوا، فأنزل الله ﷿ ﴿وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾ (٦). أي: لست بمسؤولٍ عنهم، وليس عليك من شأنهم عُهدة ولا تبعة، فلا تحزن عليهم، كما قال:\n_________\n(١) في \"معاني القرآن\" ١/ ٢٠٠.\n(٢) \"الحجة\" ٢/ ٢١٦.\n(٣) ساقط من (ش) من قوله: (في اللفظ).\n(٤) القراءتان في \"الحجة\" لابن زنجلة ص ١١٢، \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١١٤٦، و\"مختصر في شواذ القرآن\" لابن خالوية ص ١٦، و\"الكاشف\" ١/ ١٨٢، وتفسير ابن عطية ١/ ٤٦٨.\n(٥) إلى هنا انتهى كلام أبي علي في \"الحجة\" ٢/ ٢١٦.\n(٦) ذكره عنه الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ١١٤٥، والواحدي في \"أسباب النزول\" ص ٤٣، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ١/ ١١٩، و\"القرطبي\" ٢/ ٨٣ ونقله ابن حجر في \"العجاب\" ١/ ٣٦٨ عن الواحدي، ثم قال: لم أر هذا في \"تفسير مقاتل بن سليمان\"، فينظر في \"تفسير مقاتل بن حيان\" ا. هـ. وهذا مرسل لا يحتج به.","vol":"3","page":280},{"text":"﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾ (١) [الرعد: ٤٠].\nوقرأ نافعٌ وحدَه (ولا تَسْألْ) بفتح التاء وجزم اللام، وله وجهان: أحدهما: أن يكونَ هذا نهيًا للنبي - ﷺ - على ما روي عن ابن عباس، أنه قال: سأل رسول الله - ﷺ - جبريل عن قبر أبيه وقبرِ أمِّهِ، فدلَّه عليهما، فذهب إلى القبرين ودعا لهما، وتمنىَّ أن يعرف حالَ أبويه في الآخرة فنزلت قوله: ﴿وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾ (٢).\nوقال القرظي: قال رسول الله - ﷺ - ذات يوم: \"ليت شعري ما فعل أبواي\"، فأنزل الله هذه الآية، فما ذكرهما حتى توفاه الله (٣). قال ابن\n_________\n(١) ينظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٠٠.\n(٢) ذكره أبو علي الفارسي في \"الحجة\" ٢/ ٢١٦، وقال: وهذا إن ثبت معنى صحيح، ويذكر أن في إسناد الحديث شيئا وذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ١١٤٤ والواحدي في \"أسباب النزول\" ص ٤٣ من طريق عطاء عن ابن عباس. وقال ابن حجر في \"العجاب\" ١/ ٣٦٩: وأما قول ابن عباس فنسبه الثعلبي في \"تفسيره\" لرواية عطاء عنه، وهي من تفسير عبد الغني بن سعيد الواهي، وقد أخرجه الطبري من مرسل محمد بن كعب القرظي، وعليه اقتصر الماوردي وابن ظفر وغيرهما، وأستبعد الرازي صحة هذا السبب، قال لأنه - ﷺ - يعلم من مات كافرًا. انتهى. وفي سنده موسى بن عبيدة وهو ضعيف.\n(٣) أخرجه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ١/ ٥٩، الطبري ١/ ٥١٦ وأشار إلى ضعفه في ١/ ٥١٦، ابن أبي حاتم ١/ ٢١٧ من طريق موسى بن عبيدة الربذي عن محمد بن كعب، وذكره السيوطي في \"الدر\" ١/ ٢٠٩، وزاد نسبته إلى وكيع، وسفيان بن عيينه، وعبد بن حميد، وابن المنذر. قال السيوطي: هذا مرسل ضعيف الإسناد، وقال أحمد شاكر بعد أن أورده الطبري من طريقين عن موسى بن عبيدة: هما حديثان مرسلان، فإن محمد بن كعب بن سليم القرظي، تابعي، والمرسل لا تقوم به حجة، ثم هما إسنادان ضعيفان أيضًا بضعف راويهما موسى بن عبيدة بن نشيط الربذي ... وقد أخرجه الطبري أيضًا ٢/ ٥٥٩ عن داود بن أبي عاصم، أن النبي -ﷺ- =","vol":"3","page":281},{"text":"عباس: وفي هذا نزلت الآية التي في التوبة: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ وهو علي -﵁-. ﴿أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ (١) [التوبة: ١١٣].\nقال أبو إسحاق: ويجوز أن يكون النهي لفظًا، ويكون المعنى على تفخيم ما أَعَدَّ لهم من العقاب، كما تقولُ (٢): لا تسأل عما فيه فلان من البلاء، إذا عظمته وبالغت في وصفه (٣). وعلى هذا يكون الظاهر نهيًا وتأويله تأويل التعجيب والتعظيم (٤). واختار أبو عبيد القراءة الأولى قال: لأنه لو أراد النهي لكانت الفاء أحسن من الواو (٥).\nوقال أبو علي: إنما تكون الفاء أحسن إذا كانت الرسالة بالبشارة والنِذارة علّةً لأن لا يسأل عن أصحاب الجحيم، كما يقول الرجل: قد حملتُك على فرس فلا تسألني غيره، فيكونُ حملُه على الفرس علّةً لئلا يَسْأل غيره، وليس البشارة والنذارة علةً لئلا يسأل (٦)، وإنما يجعل للقراءة الأولى مزية على الثانية؛ لأن الأولى خبر، والكلام الذي بعده وقبله خبر، فإذا كان أشكل بما قبله وبما بعده كان أولى من القراءة الثانية التي هي\n_________\n= قال ... فذكره. وقال السيوطي١/ ٢٠٩: معضل الإسناد ضعيف لا تقوم به ولا بالذي قبله حجة. وقال أحمد شاكر: وهذا مرسل أيضا لا تقوم به حجة، داود بن أبي عاصم بن عروة بن مسعود الثقفي: تابعي ثقة، ويروى عن بعض التابعين أيضًا.\n(١) أخرجه الطبري ١١/ ٤٢ من طريق عطية العوفي وسنده مسلسل بالضعفاء.\n(٢) في \"معاني القرآن\": كما يقول لك القائل الذي تعلم أنت أنه يجب أن يكون من تسأل عنه في حالة جميلة، أو حالة قبيحة، فتقول: لا تسأل عن فلان، أي: قد صار إلى أكثر مما تريد.\n(٣) ينظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٠٠.\n(٤) في \"معاني القرآن\" ١/ ٢٠٠.\n(٥) نقله أبو علي الفارسي في \"الحجة\" ٢/ ٢١٧ دون نسبة.\n(٦) \"الحجة\" لأبي علي الفارسي ٢/ ٢١٧.","vol":"3","page":282},{"text":"نهى (١).\nوالجحيم عند العرب: النار المستحكمة المتلظية، يقال: جَحَمَتِ النارُ تَجْحَمُ، بفتح العين فيهما، جُحومًا فهي جاحم وجحيم، قال الله تعالى في قصة إبراهيم: ﴿فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٩٧]، أراد: النار الشديدة التأجج. ويقال لشده القتل في معركة الحرب: جاحم، تشبيهًا بالنار العظيمة، قال:\nحتى إذا ذاق منها جاحِمًا بَردَا (٢)\nوالجَحْم والجَحْمَة: توقُّد النار (٣)، ومنه قوله:\nنحن حَبسنا بني جَدِيلةَ في ... نارٍ من الحرب جَحْمةِ الضَّرَمِ (٤)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-339>١٢٠ </span>- وقوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ قال المفسرون: كانت اليهود والنصارى يسألون النبي - ﷺ - الهُدنة، وُيطمعونه، ويُرونه أنه (٥) إن هادنهم وأمهلهم اتبعوه، فأنزل الله هذه الآية (٦)، وأخبر أنه لا يرضيهم إلا ما يستحيل وجوده، وما لا سبيل إليه؛ لأن اليهود لا ترضى عنه إلا بالتهود، والنصارى إلا بالتنصر، ويستحيل\n_________\n(١) \"الحجة\" لأبي علي الفارسي ٢/ ٢١٦.\n(٢) ذكره في \"تهذيب اللغة\" ١/ ٥٤٥، عن الليث، ولم ينسبه وكذا في \"اللسان\" ١/ ٥٥٣.\n(٣) ينظر: \"تهذيب اللغة\" ١/ ٥٤٥، \"المفردات\" للراغب ص ٩٥، \"اللسان\" ١/ ٥٥٣.\n(٤) ينظر: \"ديوان الحماسة\" ١/ ٤٦.\n(٥) ساقطة من (م).\n(٦) ذكره الزجاج في \"معاني القرآن\" ١/ ٢٠٢، والسمرقندي في \"بحر العلوم\" ١/ ١٥٤، الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ١١٤٦، والواحدي في \"أسباب النزول\" ص ٤٣، وفي \"الوسيط\" ١/ ٢٠٠، البغوي ١/ ١٤٣، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ١/ ١٣٨، وأبو حيان في \"البحر المحيط\" ١/ ٣٦٨.","vol":"3","page":283},{"text":"الجمع بينهما، فإذا استحال إرضاؤهم فهم لا يرضَوْنَ عنه أبدًا (١).\nوقوله تعالى: ﴿حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ (حتى) تقع (٢) على الأسماء وعلى الأفعال، وهي لوضعِ غاية أسمية أو فعلية. أما الأسمية: فمثل قولك: لقيتُ القوم حتى عبدَ الله، ومررت بالقومِ حتى عبدِ الله. وأمَّا الفعليةُ: فمثلُ قولك: اصبِرْ حتى أخرُجَ إليك. و(حتى) قد تقوم مقام (إلى) وتؤدي مثلَ معناها في بعض المواضع، ويفترقان في كثير منها، أما الموضع الذي يتفقان فيه، فمثلُ قولك: أقمْنا عندَه إلى الليلِ، وحتى الليل. وأما موضعُ افتراقهما، فمثل قولك: لقيتُ القوم حتى زيدًا، فإنه لا يجوز في هذا الموضع: لقيت القوم إلى زيد. وأما قولهُم: أكلت السمكةَ حتى رأسَها، ورأسُها، ورأسِها. فإذا كسرت لم يدخل الرأس في الكل، لأنَّ الأكلَ انتهى إليه، وهو بمعنى إلى. وفي النصب والرفع الرأسُ مأكولٌ؛ لأن (حتى) أتبع الرأسَ السمكة في النصب. وفي الرفع كان (حتى) بمعنى الواو، ورأسُها ابتداء، والخبر مضمرٌ فيه.\nوأما نصبها للفعل فقال الخليل (٣) وسيبويه (٤): الناصبُ للفعل بعد حتى (أن)، إلا أنها لا تظهر مع حتى، والدليل على أن (حتى) غير ناصِبَة بنفسها: أنَّها خافضةٌ بالإجماع، كقوله ﴿حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ [القدر: ٥]، ولا يُعرَف (٥) في العربية ما يعمل في اسم يعمل في فعلٍ، ولا ما يكون خافضًا\n_________\n(١) ينظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ٥١٧، \"البحر المحيط\" ١/ ٣٦٨.\n(٢) في (أ)، (م): يقع.\n(٣) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٠١.\n(٤) \"الكتاب\" ٣/ ٧.\n(٥) في (ش): (تعرف).","vol":"3","page":284},{"text":"لاسم يكون ناصبًا (١). وهكذا اللام في قولك: جاء زيد ليضربك، معناه: لأن يضربك؛ لأن اللام خافضة للاسم، فلا تكون ناصبَةً لفعل، ولا يجوز إظهار (أن) مع هذه اللام. ويجوز رفع الفعل بعد (حتى) إذا حَسُن فيه الماضي، نحو قولك: تعلمت حتى أجيب في كل شيء، وسنذكر هذا عند قوله: ﴿حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ﴾ [البقرة: ٢١٤]، إن شاء الله.\nوقوله تعالى: ﴿مِلَّتَهُم﴾ قال ابن عباس: دينهم (٢).\nوكذلك قال أهل اللغة، قالوا: وإنما سُمَيَ الدينُ ملّةً؛ لأنه يُمَلُّ، أي: يُملَى على المدعوِّ إليه، وأملّ وأملَى بمعنى واحد (٣)، لكن الملة بنيت (٤) على الأصل، وهو الثلاثي. وقيل: الملّة فِعْلةٌ من مَلَّه يمُلّه، إذا ألقاه في الرماد الحار، جُعِلَتْ اسمًا للدين؛ لما فيه من مشاق تخرج عن قضية (٥) الهوى ورسم النفس، ويُقْلِق ويُحرقُ (٦) (٧). والزجاج ذكر فيها وجهًا آخر، وهو أنه قال: الملّة بمعنى السنّة والطريقة قال: ومن هذا سُمّيت المَلَّة؛ لأنها تؤثر (في مكانها كما يؤثر) (٨) في الطريق بالسلوك فيه (٩)، فجعل المَلَّة\n_________\n(١) ينظر تفصيل حتى وأوجهها في: \"مغني اللبيب\" ١/ ١٢٢ - ١٣١، ومعظم النص منقول من \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٠١ - ٢٠٢.\n(٢) أخرجه الثعلبي في \"تفسيره\" كما في \"الدر المنثور\" ١/ ٢٠٩.\n(٣) زيادة من (م).\n(٤) في (ش) كأنها: (ثنيت).\n(٥) في (ش): (قصة).\n(٦) في (ش): (تعلق وتحرق).\n(٧) ينظر: \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٤٥١، \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١١٤٧، \"اللسان\" ٧/ ٤٢٧١.\n(٨) ساقط من (ش).\n(٩) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٠٢ وعبارته: ومن هذه المَلَّة، أي: الموضع الذي =","vol":"3","page":285},{"text":"مشتقة من المِلَّة، وعنده أصلها من التأثير.\nوقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى﴾ قال ابن عباس: يريد أن الذي أنت عليه هو دين الله الذي رضيه (١). وقال الزجاج: أي: الصراط الذي دعا إليه وهدى إليه هو طريق الحق (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ﴾ إنما جمعَ الهوى؛ لأنَّ جميع الفرق ممن يخالفُ النبي - ﷺ - لم يكن لِيُرضيَهم منه إلا اتباعُ هواهم (٣). وأراد بهذا: ما يدعونه إليه من المهادنة والإمهال.\nوقوله تعالى: ﴿بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ دين الله هو الإسلام (٤)، وقيل: من العلم أنهم على الضلالة. وروي عن ابن عباس في هذه الآية قولان:\nأحدهما: أنه قال: الآية نزلت في تحويل القبلة، وذلك أن اليهود والنصارى كانوا يرجُون أن يرجع محمد إلى دينهم، فلمَّا صرفَ اللهُ القبلة إلى الكعبة شَقَّ ذلك عليهم، وأَيِسُوا منه أن يوافقَهم على دينهم، فأنزل الله تعالى هذه الآية: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ (٥). يعني:\n_________\n= يختبز فيه، لأنها تؤَثر في مكانها كما يُؤثر في الطريق. ثم قال: وكلام العرب إذا اتفق لفظه فأكثره مشتق بعضه من بعض، وآخذ بعضه برقاب بعض. وقد نقله في \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٤٥١.\n(١) ذكره في \"الوسيط\" ١/ ٢٠٠، وهذا لعله من رواية عطاء.\n(٢) و(٣) \"معاني القرآن\" ١/ ٢٠٢.\n(٤) \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١١٤٧.\n(٥) ذكره الثعلبي ١/ ١١٤٦ والواحدي في \"أسباب النزول\" ص ٤٣، والبغوي ١/ ١٤٣، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ١/ ١٣٨، وابن حجر في \"العجاب\" ١/ ٣٧٣، والسيوطي في \"لباب النقول\" ص ٢٥، وعزاه في \"الدر\" ١/ ٢٠٩ للثعلبي.","vol":"3","page":286},{"text":"صليت نحو قبلتهم بعد الذي جاءك من العلم في التحويل إلى الكعبة.\nوالقول الثاني: إن المراد بقوله ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ﴾ أمةُ محمد - ﷺ -، وأما محمد فقد عصمته. وإياكم أخاطب وأنهى وأؤدب، فقد علمتم أن محمدًا قد جاءكم بالحق والصدق، فلا تتبعوا أهواء الكافرين، فلا يكونَ لكم من دوني ولي ولا نصير، فالخطاب لرسول الله - ﷺ - والمراد منه أمته (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-340>١٢١ </span>- ثم ذكر أن من كان منهم غير متعنّت ولا حاسد ولا طالب رئاسة تلا التوراة كما أنزلت، فرأى فيها أن النبي - ﷺ - حق فآمن به. فقال: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ قال ابن عباس: نزلت في الذين قدموا مع جعفر بن أبي طالب (٢) من أهل الحبشة، وكانوا من أهل الكتاب، آمنوا بالنبي - ﷺ - (٣).\nومعنى قوله: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ قال ابنُ مسعود: يُحِلِّون حلالَه،\n_________\n(١) ينظر: \"تفسير القرطبي\" ٢/ ٩٤.\n(٢) جعفر بن أبي طالب، ابن عم رسول الله - ﷺ -، وأخو علي بن أبي طالب لأبويه وهو الملقب بالطيار، وكان أشبه الناس بالنبي - ﷺ - خلقًا وخُلُقًا، هاجر الهجرتين، وعينه النبي صلى الله عليه خلفًا لزيد بن حارثة في مؤته واستشهد فيها سنة ٨هـ. ينظر: \"الاستيعاب\" ١/ ٣١٢، \"أسد الغابة\" ١/ ٣٤١.\n(٣) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ١١٤٧، ونقله الواحدي في \"أسباب النزول\" ص ٤٣ وأبو حيان في \"البحر المحيط\" ١/ ٣٦٧ من رواية عطاء والكلبي: نزلت في أصحاب السفينة الذين أقبلوا مع جعفر بن أبي طالب من أرض الحبشة، كانوا أربعين رجلًا من الحبشة وأهل الشام. وقال ابن حجر في \"العجاب\" ١/ ٣٧٤ تعقيبًا: ذكر بأبسط منه الثعلبي في \"تفسيره\" وقد ذكره الحيري في \"الكفاية\" ص ٧٠، والسمعاني في \"تفسيره\" ٢/ ٣٨، والبغوي في \"تفسيره\" ١/ ١٤٤، وأبو حيان في \"البحر المحيط\" ١/ ٣٦٩.","vol":"3","page":287},{"text":"ويُحَرِّمون حرامَه، ويقرؤونه كما أنزل، ولا يحُرِّفونه عن مواضعِه (١).\nوقال الحسن: يعملون بمحكمه، ويؤمنون بمتشابهِه، ويَكِلُونَ علمَ ما أشكلَ عليهم إلى عالمه (٢).\nوقال مجاهد: يتبعونه حق اتباعه (٣)، وقال الضحاك: نزلت في مؤمني اليهود: عبد الله بن سلام وأصحابه (٤)، وقال قتادة (٥) وعكرمة (٦): نزلت في أصحاب النبي - ﷺ -، و(الكتاب) على هذا: القرآن. ﴿أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ بمحمد أو بالكتاب.\n_________\n(١) رواه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ١/ ٥٦، ومن طريقه أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ١/ ٥١٩ ورواه أيضًا من طريق أبي العالية، ورواه الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ١١٤٩، وذكره ابن أبي حاتم ١/ ٣٥٦، والسمرقندي ١/ ١٥٥، والواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٢٠٠، والسمعاني في \"تفسيره\" ٢/ ٣٨.\n(٢) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ١/ ٥٢٠، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ١/ ٢١٨، وذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ١١٥٠، وعزاه في \"الدر\" ١/ ٢١٠ إلى وكيع. وينظر: \"تفسير الحسن البصري\" ٢/ ٧٩.\n(٣) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ١/ ٥٢٠، وذكره ابن أبي حاتم ١/ ٢١٨، والثعلبي ١/ ١١٥٠.\n(٤) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ١١٤٨، ولفظه: هم من آمن من اليهود: عبد الله بن سلام، وشعبة بن عكرو وتمام بن يهوذا، وأسيد وأسد ابنا كعب وابن يامين وعبد الله بن صوريا وذكره الواحدي في \"أسباب النزول\" ص ٤٣ مختصرًا وفي \"الوسيط\" ١/ ٢٠٠، البغوي في \"تفسيره\" ١/ ١٤٤، وفي \"البحر المحيط\" ١/ ٣٦٩، وينظر: \"العجاب\" ١/ ٣٧٤.\n(٥) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ١/ ٥١٨، وذكره الثعلبي ١/ ١١٤٨، وعزاه في \"الدر\" ١/ ٢١٠ لعبد بن حميد.\n(٦) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ١١٤٨، والواحدي في \"أسباب النزول\" ص ٤٣.","vol":"3","page":288},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-341>١٢٣ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ﴾ ليس على ظاهره من العموم (١)؛ لأنه قال في موضع آخر: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: ٢٣] وقال: ﴿لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ [مريم: ٨٧] وهو من باب الخصوص، تأويله: ولا ينفعها (٢) شفاعة إذا وجب عليها العذاب، ولم يستحقوا سواه. وقال بعضهم: إنما آيس الله اليهود بهذه الآية؛ لأنهم كانوا يزعمون أن آباءهم من الأنبياء يشفعون لهم (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-342>١٢٤ </span>- وقوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾ الآية، الابتلاء: الاختبار والامتحان، وابتلاء الله تعالى يعود إلى إعلامه عباده لا إلى استعلامه؛ لأنه يعلم ما يكون، فلا يحتاج إلى ابتلاءٍ ليَعْلَم (٤).\nوقوله تعالى: ﴿بِكَلِمَاتٍ﴾ الكلبي، عن أبي صالح (٥)، عن ابن عباس، قال: الكلمات التي ابتلى الله ﷿ إبراهيمَ بها عشر خصال من السُّنة: خمس في الرأس، وخمس في الجسد، فاللاتي في الرأس: المضمضة والاستنشاق والفرق والسواك وقص الشارب، والتي في الجسد: تقليم الأظفار وحلق العانة والختان والاستنجاء ونتف الرفغين (٦).\n_________\n(١) ينظر: \"تفسير ابن عطية\" ١/ ٤٧٢ - ٤٧٣.\n(٢) في (ش): (ولا تنفعها).\n(٣) ذكره الزجاج في \"معاني القرآن\" ١/ ١٢٨.\n(٤) ينظر: \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ١/ ٥٤، \"تفسير الطبري\" ١/ ٥٢٤، \"المفردات\" للراغب ص ٧١ - ٧٢، \"تفسير البغوي\" ١/ ١٤٥.\n(٥) هو: باذان، ويقال: باذام، أبو صالح مولى أم هانىء، تقدمت ترجمته.\n(٦) هذا الإسناد ضعيف لا تقوم به حجة، لكن ورد هذا عن ابن عباس بإسناد صحيح عند عبد الرزاق في \"تفسيره\" ١/ ٥٧ عن معمر عن ابن طاوس، عن ابن عباس، ومن طريق عبد الرزاق أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ١/ ٥٢٤، ابن أبي حاتم =","vol":"3","page":289},{"text":"وهذا أصح ما قيل في تفسير الكلمات، وعلى هذا أكثر أهل العلم (١).\nوقال ابن عباس في رواية عطاء: أوحى الله إلى إبراهيم: يا خليلي، تطهّرْ، فتمضمض، فأوحى الله إليه أن تطهرْ، فاستنشقَ، فأوحى إليه أن تطهر، فاستاك، فأوحى إليه أن تطهر، فأخذ شاربه، فأوحى (٢) إليه أن تطهر، فَفَرَقَ شعره، فأوحى إليه أن تطهر، فاستنجى، فأوحى إليه أن تطهرَ، فحلق عانته، فأوحى إليه أن تطهر، فنتف إبطيه، فأوحى إليه أن تطهر، فقلم أظفاره، فأوحى إليه أن تطهر، فأقبل بوجهه على جسده ينظر ماذا يصنع فاختتن بعد عشرين ومائة سنة (٣).\nوقال بعض المتأولين: المراد بالكلمات في هذه الآية: انقياده لأشياء امتحن بها، وأخذت عليه، منها: الكوكب والشمس والقمر والهجرة والختان وعزمه على ذبح ابنه (٤) (٥)، والمعنى: وإذ ابتلى إبراهيم ربه بإقامة\n_________\n= ١/ ٣٥٩، والحاكم ٢/ ٢٦٦ وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. والبيهقي في \"السنن الكبرى\" ١/ ١٤٩، وذكره الثعلبي ١/ ١١٥٤، ولفظ الرُّفْغَين عند الفراء في \"معاني القرآن\" ١/ ٧٦ والرُّفْغ: كل موضع اجتمع فيه الوسخُ، والمراد به الإبط. ينظر: \"المصباح المنير\" ص ٢٣٣.\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٠٤، وقال ابن أبي حاتم ١/ ٢١٩: روي عن أبي صالح وأبي الجلد ومجاهد وسعيد بن المسيب والنخعي والشعبي نحو ذلك.\n(٢) في (ش): (فأوحى الله).\n(٣) هو بمعنى ما سبق، ولكن فيه تفصيل.\n(٤) أورد هذا المعنى عبد الرزاق في \"تفسيره\" ١/ ٧٥، الطبري في \"تفسيره\" ١/ ٥٢٧، وابن أبي حاتم ١/ ٢٢١ (١١٧٠)، وذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ١١٥٥ كلهم عن الحسن.\n(٥) ذكره الطبري في \"تفسيره\" ١/ ٥٢٧ - ٥٢٨ الأقوال في المسألة ثم بين أن الصواب:=","vol":"3","page":290},{"text":"كلمات، أو بتوفية كلمات، والتقدير: ذوي كلمات: أي: يعبر بها عن هذه المسميات، ويجوز أن يكون الكلم المتكلم به، كما أن الصيد هو المصيد، والنسج المنسوج (١)، ومثلُ هذا مما حمل الكلمات فيه على الشرع قولُه تعالى: ﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ﴾ [التحريم: ١٢]، فالكلمات تكون الشرائع التي شرع لها دون القول؛ لأن ذلك قد استغرقه قوله تعالى: ﴿وَكُتُبِهِ﴾ وكان المعنى: صدقت بالشرائع فأخذت بها، وصدقت الكتب فلم تكذب بها (٢).\nوقوله تعالى: ﴿فَأَتَمَّهُنَّ﴾ معناه: أدَّاهُنَّ تامّاتٍ غيَر ناقصات (٣)، وقيل: إنه مِنْ فعلِ الله تعالى، أي: قضاها الله له (٤).\nوقوله تعالى: ﴿قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾. قال ابن عباس: أوحى الله إليه إني جاعلك للناس إمامًا يقتدي بك الصالحون من بعدك (٥).\n_________\n= أنه لا يجزم بشيء مما ذكر على أنه المراد بالكلمات إلا بحجة يجب التسليم بها، ورجح ابن كثير في \"تفسيره\" ١/ ١٧٧ عموم الكلمات لكل ما ذكر في أقوال المفسرين، وذكر في \"البحر المحيط\" ١/ ٣٧٥ ثلاثة عشر قولًا ثم قال: وهذه الأقوال ينبغي أن تحمل على أن كل قائل منها ذكر طائفة مما أبتلى الله به إبراهيم إذ كلها ابتلاه الله بها، ولا يحمل ذلك على الحصر في العدد ولا على التعيين، لئلا يؤدي ذلك إلى التناقض.\n(١) في (ش): (النسخ والمنسوخ)، وفي (م): (النسخ للمنسوخ).\n(٢) ينظر: \"تفسير القرطبي\" ٢/ ٨٧، و\"تفسير ابن كثير\" ١/ ١٧٦.\n(٣) ينظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ٥٢٨، و\"تفسير غريب القرآن\" لابن قتيبة ص ٦٢، \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١١٥٧.\n(٤) ينظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٠٤.\n(٥) ذكره في \"الوسيط\" ١/ ٢٠٣ لعله من رواية عطاء التي تقدم الحديث عنها في=","vol":"3","page":291},{"text":"والأَمُّ في اللغة: القصد، والإمامُ: كلُّ مَنِ ائتم به قومٌ، كانوا على الصراط المستقيم (١)، أو كانوا ضالّين. والنبي إمامُ أمتهِ، والخليفةُ إمام رعيتهِ، والقرآنُ إمامُ المسلمين، على معنى أنهم ينتهون إليه فيما أمر وزجر. والإمام: الذي يؤتَمُّ به، فيفعل أهله وأمته كما يفعل، أي: يقصدون لما يقصد. هذا أصله (٢). ثم يجعل الكتابُ إمامًا يؤتم بما فيه، قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾ [الإسراء: ٧١] أي: بكتابهم الذي جعلت فيه أعمالهم في الدنيا، وقال: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [يس: ١٢] يعنى: كتابًا، أو اللوح المحفوظ. وقد يجعل الطريقُ إمامًا؛ لأنَّ المسافر يأتمُّ به ويستدلُّ، قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [الحجر: ٧٩]، أي: بطريقٍ واضح. ويقالُ للخيط الذي يُقَدَّرُ به البناء: الإمام؛ لأنه يقتدى به، ويُقْصَدُ قَصْدُه. وإمام الغلام في المكتب: ما يتعلمه كل يوم، لأنه يتبعه، ويقصده بالتعلم، ولا يعدو ما فيه (٣).\nفقال إبراهيم: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ أي: ومن أولادي أيضًا فاجعل أئمةً يُقْتدَى بهم (٤). فأمَا تفسيرُ الذرية، فقال الليث: الذر: عدد الذرية،\n_________\n= القسم الدراسي وقد روى ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ١/ ٢٢٢ عن أبي العالية، أنه قال: فجعله الله إمامًا، يؤتم ويقتدى به، ثم قال: وروي عن الحسن وعطاء الخراساني ومقاتل ابن حيان وقتادة والربيع بن أنس نحو ذلك.\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٠٥.\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٠٥، وينظر: \"تهذيب اللغة\" ١/ ٢٠٦ (مادة: أمَ).\n(٣) ينظر: \"تهذيب اللغة\" ١/ ٢٠٦، و\"المفردات\" للراغب الأصفهاني ص ٣٣ - ٣٤.\n(٤) \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١١٥٧.","vol":"3","page":292},{"text":"تقول (١): نَمَى (٢) الله ذَرْأَكَ وذَرْوَكَ: أي: ذريتك. والذريةُ: تقع على الآباء والأبناء والأولاد والنساء، قال الله تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [يس: ٤١] أراد: آباءهم الذين حُمِلوا مع نوح في السفينة (٣)، وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ﴾ إلى قوله: ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ﴾ [آل عمران:٣٣ - ٣٤]، فدخل فيها الآباء والأبناء (٤).\nوتكون (٥) الذرية واحدًا وجمعًا، فممَّا جاء فيه ذرية يراد به الواحدِ قوله: ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾ [آل عمران: ٣٨]، فهذا مثل قوله: ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا﴾ [مريم: ٥]. ألا ترى أنه قال: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى﴾ [آل عمران: ٣٩]. ومما جاء فيه جمعًا قوله: ﴿وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [الأعراف: ١٧٣]، وهو كثير.\nوأما أصل الذُّرِّيةِ ومأخذُها، فقال أبو إسحاق النحوي: فيها قولان: قال بعضهم: هي فُعْليَّةٌ، من الذَرَ؛ لأنَ الله تعالى أخرجَ الخلق من صُلْبِ آدم كالذَّرِّ، حين أشهَدَهُم على أنفسِهم (٦).\n_________\n(١) في (أ)، (م): (يقول).\n(٢) في (ش): (تمنى).\n(٣) نقله عنه في \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٢٧٤ (مادة: ذرأ).\n(٤) \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٢٧٤ (مادة: ذرأ).\n(٥) في (ش): (ويكون).\n(٦) لم يذكر أبو إسحاق شيئا من ذلك في هذه الآية، لكنه أشار إلى العلة في آية الأعراف: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾. فقال في \"معاني القرآن\" ٢/ ٣٩٠: قال بعضهم: خلق الله الناس كالذر من صلب آدم وأشهدهم على توحيده.","vol":"3","page":293},{"text":"قال: وقال بعضُ النحويين: أصلها ذرُّورَةٌ، على وزن فعلولة، ولكنَّ التضعيَف لمَّا كَثُرَ أُبْدِلَ من الراء الأخيرة ياء فصارت ذُرُّويَةً، ثم أُدغمت الواو في الياء فصارت: ذُرِّيَّة. قال: والقول الأول أقيسُ وأجود (١) عند النحويين (٢). واختاره (٣) الليث، فقال: هو فُعْليّة من الذر، كما قالوا: سُرّيَّة، والأصلُ من السّرّ، وهو النكاح (٤).\nوزاد ابن الأنباري الوجهين (٥) اللذين ذكرهما أبو إسحاق بيانًا فقال: الذرية مأخوذةٌ من ذرأَ الله الخلق، ويكون أصلها ذُرُّوؤه، تُرِكَ هَمْزُها، وأبدل من الهمز ياءً، فلمَّا اجتمعت الياء والواو والسابقُ ساكنٌ أُبدلَ من الواو ياءً، وأُدغمت في الياء التي بعدَها، وكُسِرَ الراء لتصِحَّ الياء.\nقال: ويجوزُ أن تكون (٦) منسوبة إلى الذر بالتشبيه في كثرة التوالد، وضم الذال لأن النسبة قد يغير فيها الحرف، كما قالوا: دُهريٌّ بضم الدال (٧)، وقالوا: بُصري للمنسوب إلى البصرة.\nوقال الخليل: الذرية فُعْليّة، من ذَرَرْت؛ لأن الله تعالى ذَرَّهم في الأرض، أي: نشرهم.\nقال أبو على الفارسي: أمَّا مثالُ ذرية من الفعل، فيجوزُ أن يكون\n_________\n(١) في (م): (أجود وأقيس).\n(٢) نقله عنه في \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٢٧٧، وعنه في \"اللسان\" ٣/ ١٤٩١ (مادة: ذرأ).\n(٣) في (أ) و(م): (واختيار).\n(٤) نقله عنه في \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٢٧٧.\n(٥) المثبتمن (ش)، وفي غيرها: (للوجهين).\n(٦) في (أ)، (م): (يكون).\n(٧) الدهري، بضم الدال وفتحها، الذي يقول ببقاء الدهر \"القاموس\" ص ٣٩٥.","vol":"3","page":294},{"text":"فُعلُولة من الذر، فأُبدلَتْ من الراء التي هي اللامُ (١) الأخيرة ياءً، ويحتملُ أن يكون فُعّيلة منه. فأبدلت من الراء الياء، كما يبدل من هذه الحروف للتضعيف، وإن وقع فيها الفصل. ويحتمل أن يكون فُعْلية نَسَبًا إلى الذرّ، إلا أن الفتحة أبدلت منها الضمة، كما أبدلوا في الإضافة إلى الدهر دُهري، وإلى السهل سُهلي. ويجوز أن يكون فُعِّيلة، من ذرأ الله الخلق، اجتمع على تخفيفها كما اجتمع على تخفيف البرية، ويجوز أن يكون فُعِّيلة، من قوله: ﴿تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ﴾ أُبدِلت من الواو الياء؛ لوقوع ياء قبلها (٢).\nوقوله تعالى: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ أعلم الله إبراهيم أن في ذريته الظالم (٣). قال ابن عباس: يريد من كان من ولدك ظالمًا لم ينل عهدي (٤). يريد: ليس بإمام ولا كرامة (٥).\nواختلفوا في معنى العهد هاهنا، فقال أبو عبيد: العهد هاهنا: الأمان، أي: لا ينال أماني الظالمين (٦)، يقول: لا أؤمنهم عذابي، وقال\n_________\n(١) ساقطة من (م).\n(٢) ينظر: تفصيل ذرية وما فيها من اشتقاق وتصريف في: \"البحر المحيط\" ١/ ٣٧٢ - ٣٧٣، \"اللسان\" ٣/ ١٤٩٤ (ذر)، ٣/ ١٤٩١ (ذرأ).\n(٣) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٠٥.\n(٤) أخرجه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ١/ ٢٢٢ بمعناه.\n(٥) تفسير العهد بالإمامة قال به: ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير، وبه قال كثيرون، ينظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ٥٣٠، و\"تفسير السمعاني\" ٢/ ٤٥، \"تفسير ابن عطية\" ١/ ٤٧٧، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ١/ ١٤٠، و\"تفسير القرطبي\" ٢/ ٩٨.\n(٦) \"غريب الحديث\" ١/ ٤٤٠، وذكره عنه الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ١١٦٠ في نسخةٍ، وفي النسخة: أبو عبيدة، وليس في \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة، ونسبه الرازي في \"تفسيره\" ٤/ ٤٥ إلى أبي عبيد، وقد أخرجه الطبري ١/ ٥٣٠ عن قتادة.","vol":"3","page":295},{"text":"السدي: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي﴾ أي: نبوتي (١). واختاره ابن كيسان، فقال: يعني: لا ينال ما عهدت إليك من النبوة والإمامة في الدين من كان ظالمًا من ولدك، بل ينال عهدي من كان رسولًا إماما.\nوقال الفراء: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ أي: لا يكون للناس إمام مشرك (٢). وقال عبد الله بن مسلم (٣): العهد هاهنا: الميثاق، يقول: لا ينال ما وعدتك من الإمامة الظالمين من ذريتك، والوعد من الله ﷿ ميثاق (٤). وهذه الأقوال متقاربة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-343>١٢٥ </span>- قوله تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا﴾ هذه الآية تنعطف على ما تقدمها من الآيات التي ذكر فيها (٥) (إذ)، ويريد بالبيت الكعبة التي هي القبلة اليوم، ولذلك ذكره بالألف واللام (٦).\nقوله تعالى: ﴿مَثَابَةً لِلنَّاسِ﴾ المثاب والمثابة مصدران لقولهم: ثاب يثوب مثابًا ومثابة وثؤوبا وثَوَبانا، ذكر ذلك الفراء في كتاب \"المصادر\". فالمثابة هاهنا: مصدر وُصِف به، ويراد به الموضعُ الذي يُثاب إليه (٧)، كما يقال: درهمٌ ضربُ الأمير، والمصدر قد يوصف به كثيرًا، قال زهيرٌ:\n_________\n(١) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ١/ ٥٣٠، وابن أبي حاتم ١/ ٢٢٣، وذكره الثعلبي ١/ ١١٥٩.\n(٢) \"معاني القرآن\" ١/ ٧٦.\n(٣) يريد ابن قتيبة الدينوري، المتوفى سنة ٢٧٦ هـ\n(٤) \"تأويل مشكل القرآن\" ص ٦٢، وذكره ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ١/ ١٤١.\n(٥) قوله: (التي ذكر فيها) ساقطة من (ش).\n(٦) ينظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ٥٣٢.\n(٧) ينظر: \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٧٦، الطبري ١/ ٥٣٢، \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٠٥ - ٢٠٦ انظر البحث في مثابة في: \"اللسان\" ١/ ٥١٨ (ثوب).","vol":"3","page":296},{"text":"مَتَى يَشْتَجِرْ قَوْمٌ يَقُلْ سَرَوَاتُهُمْ ... هُمُ بَيْنَنا فَهُمُ رضًا وَهُمُ عَدْلُ (١)\nوأنشد أحمد بن يحيى:\nسقى الله نجدًا من ربيعٍ وصيّفِ ... وماذا تُرْجَى (٢) مِن ربيعٍ سَقَى نَجْدا\nبلى إنَّهُ قد كانَ للعيشِ مرةً ... وللبيضِ والفتيانِ منزلةً حمدا (٣)\nأراد: منزلة محمودة. قال ابن الأنباري: والمصدر للمؤنث قد يكون خبرًا عن المذكر، كقولهم: أكلُ الرمانِ لذةٌ، وذكر أخبار الصالحين عظةٌ، ولقاءُ محمد منفعة. ويمكن أن تكون المثابة الموضع الذي يثاب إليه، والهاء فيه لا تكون لتأنيث الموصوف به، كما يقال للمجلس: المقامُ والمقامة، يقال: هذا الموضعُ مقامُ فلان ومقامة بمعنى، والهاء تدخل للتخصيص لا للتأنيث، وهاء التخصيص تدخل في مواضع كثيرة كالقطنة والصوفة وأشباه ذلك (٤)، قال زهير:\nوفيهم مقاماتٌ حِسَانٌ وجوهُها ... وأنديةٌ ينتابُها القولُ والفِعْلُ (٥)\nوواحد المقامات مقامة، وعلى هذا دلَّ كلام المفسرين. فقد قال ابن عباس في معنى قوله: ﴿مَثَابَةً﴾: يريد: لا يقضون (٦) منه وطرًا، كلما أتوه\n_________\n(١) البيت لزهير بن أبي سلمى في \"الديوان\" ص ٤٠، \"والأشباه والنظائر\" ٢/ ٣٨٥، و\"لسان العرب\" ٣/ ١٦٦٤ (مادة: رضى). وينظر: \"المعجم المفصل\" ٦/ ٢١٦.\n(٢) ساقطة من (أ)، (م).\n(٣) هما بلا نسبة في \"المذكر والمؤنث\" للأنباري ص ٢٤٦، \"معجم البلدان\" ٥/ ٢٦٣ (نجد). وينظر: \"المعجم المفصل\" ٢/ ٢٠٤.\n(٤) ابن الأنباري.\n(٥) البيت لزهير بن أبي سلمى، في \"ديوانه\" ص١١٣، \"لسان العرب\" ٦/ ٣٧٨٧ مادة (قوم)، \"المعجم المفصل\" ٦/ ٢٤٥.\n(٦) في (ش): (لا تقضون).","vol":"3","page":297},{"text":"وانصرفوا اشتاقوا إلى الرجعة إليه (١).\nوروي أيضًا عن ابن عباس أنه قال في تفسير المثابة: معادًا (٢)، وعلى هذا فقال أبو إسحاق: الأصل في مثابة مثْوَبةٌ، ولكنَّ حركة الواو نُقلت إلى الثاء، وتبعت الواو الحركة فانقلبت ألفًا. قال: وهذا إعلال إتباع، تبع مثابةٌ بابَ ثاب (٣)، وأصلُ ثاب ثَوَبَ، ولكنَّ الواوَ قُلِبَت ألفًا؛ لتحركها وانفتاحِ ما قبلها، لا اختلاف بين النحويين في ذلك. انتهى كلامه (٤). وُينشدُ على أن المثاب والمثابة واحد قول ورقة في صفة الحرم:\nمَثَابًا لأَفْنَاءِ القبائلِ كُلِّها ... تَخُبُّ إليها اليعملاتُ الطَّلائحُ\nوأنشده الشافعي ﵀ لأبي طالب، وروى: اليعملات الذوامل (٥).\n_________\n(١) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ١/ ٥٣٣ وبنحوه أخرجه ابن أبي حاتم ١/ ٢٥٥ ثم قال: وروي عن أبي العالية، وسعيد بن جبير في إحدى روايتيه وعطاء ومجاهد والحسن وعطية والربيع بن أنس والسدي والضحاك نحو ذلك.\n(٢) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ١١٦٠، البغوي في \"تفسيره\" ١/ ١٤٦، \"البحر المحيط\" ١/ ٣٨٠. ولفظهم: معاذًا وملجًا، بالذال، وليست بالدال. وقال الطبري ١/ ٥٣٢: وإذ جعلنا البيت مرجعا للناس ومعاذًا. وورد بالدال في \"الوسيط\" ١/ ٢٠٤.\n(٣) في (ش): (وإعلال الألف اتباع تبع ألف مثابة ألف ثاب).\n(٤) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٠٦.\n(٥) نسبه إلى ورقة الطبري في \"تفسيره\" ١/ ٥٣٢، وأبو حيان في \"البحر المحيط\" ١/ ٣٨٠، و\"البداية والنهاية\" ٢/ ٢٩٧. ورواية الطبري: مثابٌ، وذكره الشافعي في \"الأم\" (١/ ١٥٣ط. دار المعرفة) منسوبًا لورقة بن نوفل خلافًا لما ذكره الواحدي، لكنه قال: الذوامل بدل الطلائح وكذلك ذكره القرطبي في \"تفسيره\" ٢/ ١٠٠ وعدها أبو حيان رواية في البيت. وبمثل هذه الرواية ذكرها صاحب \"اللسان\" ٣/ ١٥١٦ منسوبًا لأبي طالب، وذكره في (مادة: ذمل) غير منسوب قال=","vol":"3","page":298},{"text":"ومعنى ثاب في اللغة: عاد ورجع إلى وضعه الذي كان أفضى إليه، يقال: ثاب ماء البئر إذا عاد جُمَّتُها (١)، ومنه تثويب الداعي إذا عاد وكرَّر الدعاء.\nوقال الأخفشُ: الهاء في المثابة للمبالغة في كثرة من يثوب إليه، كقولهم: رجل علامة ونسابة (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَأَمْنًا﴾ أراد: مأمنا (٣)، وهو أيضًا مصدر وصف به، كما ذكرنا. قال ابن عباس: يريدُ: من دخله كان آمنًا، فمن أحدث حدثًا خارج الحرم ثم لجأ إليه أمن من أن يُهاجَ فيه. ولكن لا يُؤْذى (٤) ولا يخالط ولا يُبَايع، فإذا خرج منه أُقيم عليه الحدُّ، ومَنْ أحدثَ في الحرم أُقيمَ عليه الحد فيه (٥).\n_________\n= شاكر في تعليقه على الطبري ٣/ ٢٦: \"والظاهر أن الشافعي ﵀ أخطأ في رواية البيت، وأخطأ صاحب \"اللسان\" في نسبته، اشتبه عليه بشعر أبي طالب في قصيدته المشهورة\". وكلام الواحدي صريح في نسبة البيت لأبي طالب، فلعلها في نسخة أو كتاب آخر. وأفناء القبائل: أخلاطهم، وخَبَّت الدابة تَخُبُّ خَبَبًا: ضرب سريع من العدو، واليعملات: جمع يعملة، وهي الناقة السريعة المطبوعة على العمل، اشتق اسمها من العمل، والعمل من الإسراع والعجلة، والطلائح: جمع طليح، ناقة طليح أسفار: جهدها السير وهزلها، والذوامل جمع ذاملة: وهي التي تسير سيرًا لينًا سريعا.\n(١) في \"تهذيب اللغة\" ١/ ٤٦٣ (مادة: ثاب).\n(٢) \"معاني القرآن\" ١/ ١٤٦.\n(٣) ينظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ٥٣٤، \"تفسير البغوي\" ١/ ١٤٦.\n(٤) في \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١١٦١: ولكن لا يُؤْوَي.\n(٥) ذكره عنه الثعلبي ١/ ١١٦١ والسمعاني٢/ ٤٧، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ١/ ١٤١ وينظر: \"تفسير السمرقندي\" ١/ ١٥٧، القرطبي ٢/ ١١١، الرازي ٤/ ٥٢ =","vol":"3","page":299},{"text":"وإلى هذا ذهب أبو حنيفة: أن الجاني إذا لاذ بالحرم أمن (١)، ومذهب الشافعي: أنه لا يأمن بالالتجاء إليه، وُيسْتَوفى منه ما وجب عليه في الحرم (٢) (٣)، على ما قد روي في الخبر: لا يعيذ الحرم عاصيًا (٤).\nوعلى هذا فمعنى قوله: ﴿وَأَمْنًا﴾ الأولى أن يأمن فيه الجاني، فإن أخيف بإقامة الحد عليه جاز، فقد قال كثير من المفسرين: من شاء أمن، ومن شاء لم يؤمن، كما أنه لما جعله مثابة من شاء ثاب ومن شاء لم يثب، وقد كان قبل الإسلام يرى الرجلُ قاتلَ أبيه في الحرم فلا يتعرض له، وهذا شيء كانوا توارثوه من دين إسماعيل، فبقُوا عليه إلى أيام النبي - ﷺ -، فاليوم من أصاب فيه جريرةً أقيم عليه الحد بالإجماع (٥).\n_________\n= وقد روي بعضه عن بعض التابعين كما عند الطبري ١/ ٥٣٤، ابن أبي حاتم ١/ ٢٢٥.\n(١) ينظر: \"شرح السير الكبير\" للسرخسي ١/ ٣٦٦ (ط. الشركة الشرقية)، \"كشف الأسرار\" للبزدوي ١/ ٢٩٦، قال في \"المغني\" ٩/ ٩٠ (ط. دار احياء التراث العربي): وهذا قول ابن عباس، وعطاء، وعبيد بن عمير، والزهري ومجاهد وإسحاق والشعبي وأبي حنيفة وأصحابه. وأحمد بن حنبل في القتل وأما في غيره فعنه روايتان.\n(٢) ينظر: \"الأم\" للشافعي ٤/ ٢٩٠، وبه قال مالك وابن المنذر كما في \"المغني\" ٩/ ٩٠.\n(٣) ساقطة من (أ)، (م).\n(٤) ذكره البخاري (١٠٤) كتاب العلم، باب ليبلغ العلم الشاهد الغائب، ومسلم (١٣٥٤) كتاب الحج، باب: تحريم مكة وصيده، قال ابن حجر: كلام ظاهره حق لكن أراد به الباطل، \"الفتح\" ١/ ١٩٩ وقال في \"المغني\" ٩/ ٩١: وما رووه من الحديث فهو من كلام عمرو بن سعيد الأشدق يرد به قول رسول - ﷺ - حين روى له أبو شريح هذا الحديث [يعني إن الله حرم مكة] وقول الرسول أحق أن يتبع.\n(٥) ينظر الخلاف الفقهي فيه في: \"تفسير الطبري\" ٤/ ١١ - ١٥، \"غرائب النيسابوري\" ١/ ٣٩٤، \"الوسيط\" ١/ ٢٠٤.","vol":"3","page":300},{"text":"وقال أبو بكر بن الأنباري: معناه: وَأَمْنًا أن يُبخس القاصد له من الثواب الذي يوعده أمثاله، فهو واثق آمنٌ أنَّ أجرَه لا يضيعُ عند ربه (١) (٢)، وهذا قول قويم حسن؛ لأن الله تعالى وصف البيت بالأمن، وعلى ما ذكر أبو بكر يتعلق الأمن بالبيت، وعلى (٣) ما قاله غيره من المفسرين من أمْنِ الجاني إذا لاذ بالحرم، فهو أمن الحرم لا أمن البيت، إلا أن يقال: إن أمن الحرم لأجل البيت، فهو بسبب منه وعائد إليه (٤).\nوقوله تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ هذا معطوف على ما أضيف إليه إذ، كأنه: وإذ اتخذوا.\nقال الزجاج: وهو عطف جملة، على جملة (٥).\nوقال الفراء: أي: جعلناه مثابةً لهم فاتخذوه مُصلَّى. والفتح في الخاء على معنى الخبر، قراءة أهل المدينة والشام (٦). ويؤكده أنَّ الذي قبله والذي بعده خبر، وهو قوله ﴿جَعَلْنَا﴾ و﴿وَعَهِدْنَا﴾.\nومن قرأ ﴿وَأتَّخِذُوا﴾ بالكسر على الأمر (٧) فحجته في ذلك: ما أخبرنا\n_________\n(١) في (م): أن أجره عند ربه لا يضيع.\n(٢) ابن الأنباري.\n(٣) ساقطة من (أ)، (ش).\n(٤) ينظر: \"البحر المحيط\" ١/ ٣٨٠.\n(٥) \"معاني القرآن\" ١/ ٢٠٧.\n(٦) \"معاني القرآن\" ١/ ٧٧.\n(٧) قرأ بفتح الخاء نافع وابن عمر، وبكسر الخاء على الأمر، قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وعاصم، وحمزة، والكسائي. ينظر: \"السبعة\" ص ١٦٩، \"الحجة\" ٢/ ٢٢٠، \"المبسوط\" لابن مهران ص ١٣٥، \"التيسير\" للداني ص ٦٥.","vol":"3","page":301},{"text":"الأستاذ أبو إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم (١) -﵀- ثنا عبد الرحمن بن إبراهيم بن محمد (٢)، ثنا عبدوس بن الحسين بن منصور (٣)، ثنا أبو حاتم الرازي (٤)، ثنا محمد بن عبد الله الأنصاري (٥)، حدثني حُميد الطويل (٦)، عن أنس بن مالك (٧)، قال: قال عمر بن الخطاب -﵁-: وافقني ربي في ثلاث. قلت: لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى. فأنزل الله ﷿:\n_________\n(١) يعني: الثعلبي في \"تفسيره\".\n(٢) هو عبد الرحمن بن إبراهيم بن محمد بن يحيى، أبو الحسين بن أبي إسحاق المزكي، من فقهاء نيسابور، قال الخليلي: كان ثقة، وقال الحاكم: كان من الصالحين العباد، التاركين لما لا يغني، قراء القرآن، المكثرين من سماع الحديث توفي سنة ٣٩٧. ينظر: \"تاريخ بغداد\"١٠/ ٣٠٢، \"السير\" ١٦/ ٩٧.\n(٣) هو أبو الفضل عبدوس بن الحسين بن منصور النَّصْراباذي، سمع محمد بن عبد الوهاب الفراء وطبقته، روي عنه أبو علي الحافظ، ويقال: إن اسم عبدوس: عبد القدوس، والله أعلم ينظر: \"الأنساب\" ٥/ ٤٩٢.\n(٤) هو: محمد بن إدريس بن المنذر الحنظلي، أبو حاتم الرازي، تقدمت ترجمته.\n(٥) هو محمد بن عبد الله بن المثنى بن عبد الله بن أنس بن مالك، أبو عبد الله البصري القاضي، ثقةٌ، توفي سنة (٢١٤) أو نحوها. انظر: \"تهذيب الكمال\" ٢٥/ ٥٣٩، \"تقريب التهذيب\" ص ٤٩٠ (٦٠٤٦)، \"تهذيب التهذيب\" ٣/ ٦١٤.\n(٦) هو: حميد بن أبي حميد الطويل، أبو عبيدة البصري، اختلف في اسم أبيه على نحو عشرة أقوال، ثقة مدلس، كثير التدليس عن أنس معظم حديثه عنه بواسطة ثابت وقتاده، وقد وقع تصريحه عن انس بالسماع وبالتحديث في أحاديث كثيرة في البخاري وغيره مات وهو قائم يصلي سنة ١٤٢ هـ ينظر: \"تهذيب الكمال\" ٧/ ٣٥٥، \"التهذيب\" ١/ ٤٩٣.\n(٧) أنس بن مالك بن النضر الأنصاري، الخزرجي، خادم رسول الله - ﷺ -، خدمه عشر سنين، صحابي مشهور، مات سنة ٩٢ وقيل: ٩٣ وقد جاوز المائة. ينظر: \"الاستيعاب\" ١/ ١٩٨، \"أسد الغابة\" ١/ ١٥١.","vol":"3","page":302},{"text":"﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾. وقلتُ: يا رسولَ الله، إنه يدخُلُ عليك البرُّ والفاجرُ، فلو حجبت أمهات المؤمنين، فأنزل الله ﷿ آية الحجاب، قال: وبلغني شيءٌ كان بين أمهات المؤمنين وبين النبي - ﷺ - فاستقريتُهن أقول: لتكُفُّنَّ عن رسول الله - ﷺ -، أو ليبدلَنَّه اللهُ أزواجًا خيرًا منكن، فأنزل الله ﷿: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ﴾ الآية [التحريم: ٥] (١).\nوهكذا قال ابن عباس في هذه، فقال في قوله: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾: وذلك أن عمر بن الخطاب قال: يا رسول الله، لو صليت بنا خلف المقام، فأنزل الله تعالى على ما قال عمر، ففعل رسول الله - ﷺ - (٢).\nوعلى هذه القراءة يكون قوله: ﴿وَاتَّخِذُوا﴾ عطفا على المعنى لا على اللفظ؛ لأن قوله: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً﴾ معناه: ثوبوا إليه واتخذوا.\nواختلف في مقام إبراهيم، فقال ابن عباس في رواية عطاء: يريد: البيت (٣)، وقال النخعي (٤) (٥):\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٤٤٨٣) كتاب تفسير القرآن، باب: واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى.\n(٢) لعله من رواية عطاء، وقد تقدم الحديث عنها في المقدمة، والحديث رواه عدد كبير من الأئمة، وبعضهم أخرجه مختصرًا. وقد رواه الثعلبي بالإسناد نفسه ١/ ١١٦٣ بهذا اللفظ، وإسناده ورجاله ثقات عدا عبدوس فإنه لم يذكر بجرح أو تعديل، والحديث ثابت في البخاري (٤٤٨٤) كتاب التفسير: باب: قوله تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ وغيره من طريق آخر عن حميد الطويل عن أنس به.\n(٣) هذا من رواية عطاء التي تقدم الحديث عنها في المقدمة.\n(٤) هو إبراهيم بن يزيد بن قيس بن الأسود أبو عمران النخعي من أهل الكوفة، كان إماما مجتهدًا، له مذهب، صالح زاهد ثقة، إلا أنه يرسل كثيرًا ويدلس، توفي سنة ٩٧ هـ. ينظر: \"الطبقات الكبرى\" لابن سعد ٦/ ٢٧٠، \"الأعلام\" ١/ ٨٠.\n(٥) \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١١٦٤، البغوي ١/ ١٤٦، القرطبي ٢/ ١٠٢، \"البحر المحيط\" ١/ ٣٨١، والآلوسي ١/ ٣٨٠.","vol":"3","page":303},{"text":"الحرم كله مقام إبراهيم (١). وقال يمان: المسجد كله مقام إبراهيم (٢). وقال عطاء: التعريف والصلاتان بعرفة والمشعر ورمي الجمار والطواف بين الصفا والمروة مقام إبراهيم، سمعته من ابن عباس (٣).\nوقال قتادة (٤) ومقاتل (٥) والسدي (٦) في هذه الآية: هو الصلاة عند مقام إبراهيم، أمروا بالصلاة عنده، ولم يؤمروا بمسحه ولا تقبيله، والمقام في اللغة: موضع القدمين حيث يقوم عليه (٧). وروى عبد الله بن عمر (٨) أن النبي - ﷺ - قال: \"الركن والمقام ياقوتتان من ياقوت الجنة، طمس الله نورهما، ولولا أن طمس نورهما لأضاءتا ما بين المشرق والمغرب\" (٩).\n_________\n(١) \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١١٦٤.\n(٢) ذكره عنه الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ١١٦٤، والبغوي ١/ ١٤٦، وأبو حيان في \"البحر المحيط\" ١/ ٣٨١.\n(٣) أخرجه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ١/ ٢٢٦.\n(٤) أخرجه الطبري ١/ ٥٣٧، وذكره الثعلبي ١/ ١١٦٤.\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ١/ ١٣٧ - ١٣٨، وذكره الثعلبي ٣/ ١١٦٤.\n(٦) أخرجه الطبري ١/ ٥٣٧، وابن أبي حاتم ١/ ٢٢٧.\n(٧) ينظر: \"البحر المحيط\" ١/ ٣٨١.\n(٨) هكذا في الأصل، والصواب: عبد الله بن عمرو كما في مصادر تخريج الحديث.\n(٩) أخرجه الترمذي (٨٧٨) كتاب الحج، باب: ما جاء في فضل الحجر الأسود، والإمام أحمد في \"المسند\" ٢/ ٢١٣ - ٢١٤ ابن خزيمة ٤/ ٢١٩ برقم ٢٧٣٢ في المناسك، باب صفة الركن والمقام، والبيان انهما ياقوتتان من يواقيت الجنة، والحاكم ١/ ٤٥٦ البيهقي ٥/ ٧٥ وعبد الرزاق في \"المصنف\" ٥/ ٣٩، الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ١١٦٧. قال الترمذي: هذا يُرْوى عن عبد الله بن عمرو، موقوفًا من قوله، وفيه عن أنس أيضا، وهو حديث غريب وقال ابن خزيمة: لست أعرف (رجاء) [يعني رجاء بن صبيح الحَرَشي] هذا بعدالة ولا جرح، ولست أحتج بخبر مثله، اهـ. وقد ضعفه الحافظ في \"الفتح\" ٣/ ٤٦٢ وللحديث شواهد كثيرة حكم بعضها على الحديث بالحسن لغيره، كالدكتور خالد العنزي في تحقيق \"تفسير الثعلبي\".","vol":"3","page":304},{"text":"وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس: أن إبراهيم ﵇ استأذن سارة أن يزور إسماعيل ﵇، فأذنت له، واشترطت عليه أن لا ينزل، فجاء إبراهيم حتى انتهى إلى باب إسماعيل، فقال لامرأته: أين صاحبك؟ قالت: ذهب (١) يتصيد، قال لها: هل عندك ضيافة؟ قالت: نعم، فجاءت باللبن واللحم فدعا لها بالبركة، فقالت له: انزل حتى أغسل رأسك، فلم ينزل به، فجاءته بالمقام، فوضعته عن شقه الأيمن، فوضع قدمه عليه فبقي أثر قدمه عليه فغسلت شق رأسه الأيمن، ثم حولت المقام إلى شقه الأيسر، فغسلت شق رأسه الأيسر، فبقي أثر قدمه عليه (٢).\nوذلك الحجر هو مقام إبراهيم الذي يعرفه الناس اليوم، وإذا أطلق مقام إبراهيم لم يفهم إلا الذي هو اليوم في المسجد، ويدل على هذا حديث عمر الذي رويناه آنفا (٣)، وجعل تأثير قدم إبراهيم في الحجر معجزة\n_________\n(١) ساقطة من (أ)، (م).\n(٢) ذكر القصة مطولة مبسوطة الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ١١٦٤ وقد ذكر الواحدي منها موضع الشاهد، وقد أخرج القصة الطبري في \"تاريخه\" ١/ ١٥٤ من طرق عن سعيد بن جبير، وذكرها البغوي في \"تفسيره\" ١/ ١٤٧، الثعلبي أيضا من رواية السدي وغيره في كتابه: \"عرائس المجالس\" ص ٧١، ورواها الطبري مختصرة من كلام السدي ١/ ٥٣٧، وأصل القصة رواها البخاري (٣٣٦٤) كتاب الأنبياء، وليس عند البخاري غسل رأس إبراهيم ووضع رجله حينذاك على المقام، ومن طريق البخاري أخرجها ابن الجوزي في \"المنتظم\" ١/ ٢٦٨ ثم ذكر قصة غسل زوجة إسماعيل الثانية لرأس إبراهيم، من رواية عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس. وينظر: \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١١٦٦ تحقيق د: العنزي.\n(٣) قال في \"البحر المحيط\" ١/ ٣٨١ بعد أن ذكر اتفاق المحققين على هذا القول: ورجح بحديث عمر أفلا نتخذه مصلى. الحديث، وبقراءة رسول الله - ﷺ - لما فرغ من الطواف وأتى المقام ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ فدل على أن المراد منه ذلك الموضع؛ ولأن هذا الاسم في العرف مختص بذلك الموضع، ولأن الحجر صارت تحت قدميه في رطوبة الطين حين غاصت فيه رجلاه، وفي ذلك معجزة له، فكان اختصاصه به أقوى من اختصاص غيره، فكان إطلاق هذا الاسم عليه أولى =","vol":"3","page":305},{"text":"لنبوته.\nوقال أنس بن مالك: رأيت في المقام أثر أصابعه وعقبه وأخمص\nقدميه غير أنه أذهبه مسح الناس بأيديهم (١).\nومعنى قوله تعالى: ﴿مُصَلًّى﴾ قال الحسن: قبلة (٢)، وقال مجاهد: مُدَّعى (٣)، أي: موضع دعاء. وقال قتادة: صلوا عنده (٤).\nوقوله تعالى: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ﴾ أي: أمرناهما وأوصينا إليهما (٥): ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ﴾ قال سعيد بن جبير (٦)، وعبيد بن عمير (٧) (٨)،\n_________\n= لأنه موضع القيام، وثبت قيامه على الحجر، ولم يثبت قيامه على غيره.\n(١) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ١١٦٧ وفي \"عرائس المجالس\" ص ٧٣، وأخرجه الواحدي بسنده من طريق الزهري، عن ابن أنس في \"الوسيط\" ١/ ٢٠٦، وذكره أبن كثير في \"تفسيره\" ١/ ١٨٢ من هذا الطريق، وذكره القرطبي ٢/ ١٠٢ وابو حيان في \"البحر\" ١/ ٣٨١ وروى الطبري ٣/ ٣٥ بسنده عن قتادة قال: إنما أمروا أن يصلوا عنده، ولم يؤمروا بمسحه، ولقد تكلفت هذه الأمة شيئًا ما تكلفته الأمم قبلها، ولقد ذكر لنا بعض من رأى أثر عقبيه وأصابعه فيه، فما زالت هذه الأمة يمسحونه حتى اخلولق وانمحى.\n(٢) في (ش): (وقبله).\n(٣) أخرجه الطبري ١/ ٥٣٧، ابن أبي حاتم ١/ ٢٢٧.\n(٤) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ١/ ٥٣٧.\n(٥) \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١١٦٩.\n(٦) أخرجه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ١/ ٢٢٧، وذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ١١٦٩، البغوي ١/ ١٤٨، القرطبي ٢/ ١٠٣.\n(٧) هو: أبو عاصم عبيد بن عمير بن قتادة الليثي، ولد على عهد النبي - ﷺ -، يعد من كبار التابعين، أجمعوا على توثيقه، كان من العباد، توفي سنة ٧٣ هـ. ينظر: \"تقريب التهذيب\" ص ٣٧٧ (٤٣٨٥)، \"السير\" ٤/ ١٥٦.\n(٨) أخرجه الطبري ٣/ ٤٠، وذكره ابن أبي حاتم ١/ ٢٢٨، والثعلبي ١/ ١١٦٩.","vol":"3","page":306},{"text":"وعطاء (١)، ومقاتل (٢): من الأوثان والريب وقول الزور. وقال الزجاج (٣) والفراء (٤): يريد من الأصنام ألا تعلّق فيه. وهذا الاختيار عند أبي علي، قال: لما جاء في المظهر منه لفظ (الرِّجْس) في قوله: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ [الحج: ٣٠]. وقال ابن عباس ويمان بن رئاب (٥): يعنى بَخِّراه وخَلِّقاه (٦) ونظفاه.\nوقوله تعالى: ﴿لِلطَّائِفِينَ﴾ قال الفراء (٧): يقال: طاف يطُوفُ طَوفًا وطَوافًا وطوفانًا، وطاف يطِيف، وأطَاف يُطِيفُ، بمعنى واحد (٨).\nوقوله تعالى: ﴿وَالْعَاكِفِينَ﴾ العكوف: الإقامة (٩) على الشيء (١٠).\nقال المفسرون: عنى بالطائفين: النُّزَّاع إليه من الآفاق، وبالعاكفين:\n_________\n(١) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٣/ ٤٠ عن عطاء، عن عبيد، وذكره عنه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ١/ ٢٢٨، الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ١١٦٩.\n(٢) \"تفسير مقاتل\"١/ ١٣٨. وينظر: \"الثعلبي\" ١/ ١١٦٩، \"البحر المحيط\" ١/ ٣٨٢.\n(٣) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٠٧.\n(٤) \"معاني القرآن\" ١/ ٧٧.\n(٥) ذكره عنه الثعلبي ١/ ١١٧١ وينظر: البغوي ١/ ١٤٥٨، \"البحر المحيط\" ١/ ٣٨٢.\n(٦) خَلَّقاه: أي طَيَّباه، والخلُوق والخِلاق: ضرب من الطيب وقيل: الزعفران وغيره، قال بعض الفقهاء: وهو مائع فيه صفرة. \"تهذيب اللغة\" ١/ ١٠٩٤ \"المصباح المنير\" ص ١٨٠.\n(٧) من قوله: (وقوله تعالى: للطائفين) ساقط من (ش).\n(٨) هذا في كتاب \"المصادر\" للفراء وهو مفقود ينظر: \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢١٥٥، \"لسان العرب\" ٥/ ٢٧٢٢.\n(٩) في (م): (القيام).\n(١٠) ينظر: \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٥٣٢.","vol":"3","page":307},{"text":"أهلَ مكة وبالركع السجود (١): جميعَ المسلمين (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-344>١٢٦ </span>- قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا﴾. (البلد) يجوز في اللغة أن يكون جمع بلدة، ويجوز أن يكون واحدًا، وجمعه بلدان وبلاد (٣). قال الليث: كل موضع من الأرض (٤) عامرٍ أو غامر (٥) مسكونٍ أو خالٍ: بلدٌ، والطائفة منه: بلدة (٦). والبلد: المفازة، يقال: أذلّ من بيضةِ البلدِ، أي: بيضة النعامة التي تتركُها بالبلد، وهو المفازة. والعربُ تُسَمِّي كلَّ موضع خال: بلدة، فيقولون لموضع خالٍ من الكواكب بين النعائم وسعد الذابح: بلدة (٧). ويقال للذي ليس بمقرون الحاجبين: الأبلدُ؛ لخُلُوّ ما بين حاجبيه من الشعر.\nوقال أهل اللغة: أصلُ البلد: هو الأثر. من ذلك قولهم لكِرْكِرَةِ (٨)\n_________\n(١) في (أ)، (م): (بالركع).\n(٢) ينظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ٥٣٩ - ٥٤١، \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٠٧، \"تفسير الثعلبي\"، \"تفسير البغوي\" ١/ ١٤٨ - ١٤٩ وذكر الثعلبي في \"تفسيره\" عن عطاء قال: إذا كان طائفا فهو من الطائفين، وإذا كان جالسًا فهو من العاكفين، وإذا كان مصليًا فهو من الركع السجود. وأخرجه الطبري ١/ ٥٤٠ - ٥٤١ مفرقًا عن ابن عطاء ورجحه، وأخرج ابن حاتم في \"تفسيره\" ١/ ٢٢٨ مثله عن عطاء عن ابن عباس.\n(٣) ينظر: \"تهذيب اللغة\" ١/ ٣٨٣.\n(٤) عبارة في \"التهذيب\" البلد: كل موضع مُسْتَحِييزٍ من الأرض.\n(٥) في (م): (أو غير عامر) وهو كذلك في \"تهذيب اللغة\" والغامر: ضد عامر.\n(٦) نقله عنه في \"تهذيب اللغة\" ١/ ٣٨٣.\n(٧) نقل في \"تهذيب اللغة\" ١/ ٣٨٣ عن الليث: والبلدة في السماء موضع لا نجوم فيه بين النعائم وسعد الذباح، وليست كواكب عظامًا تكون علمًا، وهي من منازل القمر وهي آخر البروج سميت بلدةً، وهي من برج القوس، خالية إلا من كواكب صغار.\n(٨) الكِركِرة: بالكسر: رحى زور البعير، أو صدر كل ذي خف. \"القاموس\" ٤٦٩.","vol":"3","page":308},{"text":"البعير: بلدة. لأنه إذا برك أثرت.\nقال ذو الرمة:\nأُنِيخَتْ فألقَتْ بلدةً فوقَ بلدةٍ ... قليلٍ بها الأصواتُ إلا بُغَامُها (١)\nويقال للأثر: بلد، وجمعه أبلادٌ.\nقال القُطامي (٢):\nوبالنُحورِ كُلومٌ ذاتُ أبلادٍ (٣)\nوقال ابنُ الرِّقاع (٤):\nعرَف الديارَ توهُّمًا فاعتادَها ... مِنْ بعدِ ما شَمِلَ البِلَى أبلادَها (٥)\nوإنما سُمِّيت البلادُ لأنها مواضعُ مواطن الناس وتأثيرهم. والبلد: المقبرة، ويقال: هو نفس القبر، قال خُفَاف (٦):\nكلُّ امرئ تاركٌ أحبَّتَه ... ومُسْلِمٌ وجهَه إلى البلَد (٧)\n_________\n(١) البيت لذي الرمة، في \"ديوانه\" ص ١٠٠٤، \"تهذيب اللغة\" ١/ ٣٨٣، \"لسان العرب\" ١/ ٣٤١، \"المعجم المفصل\" ٧/ ١٣٥.\n(٢) هو عمير بن شييم التغلبي القطامي، شاعر إسلامي، تقدمت ترجمته [البقرة: ٦١].\n(٣) هذا عجز بيت، وصدره: ليست تجرح فُرّارًا ظهورهم. وهو للقطامي في \"ديوانه\" ص ١٢، ينظر: \"اللسان\" مادة: بلد. ويروى: وفي النجوم، كما في \"عمدة الحفاظ\"١/ ٢٥٨، وكذا في \"المشوف المعلم\" ١/ ١١٧، و\"البصائر\" ٢/ ٢٧٣، وينظر: \"مفردات ألفاظ القرآن\" للراغب ص ١٤٣.\n(٤) هو عدي بن الرقاع بن عاملة حي من قضاعة، تقدمت ترجمته [البقرة: ٦٠].\n(٥) البيت في \"ديوانه\" ص ٣٣، \"لسان العرب\" ١/ ٣٤١ مادة: بلد.\n(٦) هو خفاف بن عمير بن الحارث بن الشريد السلمي، من مضر، أبو خراشة، شاعر فارس، كان أسود اللون، وعاش زمنًا في الجاهلية، وأدرك الإسلام فأسلم، وشهد فتح مكة وحنينًا والطائف، وثبت في الردة على إسلامه، توفي سنة ٢٠ هـ. ينظر: \"أسد الغابة\" ٢/ ١٣٨، \"الأعلام\" ٢/ ٣٠٩.\n(٧) البيت بلا نسبة في \"المخصص\" ٦/ ١٣٣، وانظر: \"المعجم المفصل\" ٢/ ٤٢٩.","vol":"3","page":309},{"text":"ومن هذا يقال: رجلٌ بليدٌ، إذا أثَّرَ فيه الجهلُ، ثم يقالُ منه: تبلَّدَ الرجلُ، وهو نقيضُ التجلُّد، قال:\nألا لا تَلُمْهُ اليومَ أن يتبلَّدا ... فقد غُلِبَ المحزونُ أن يتجلَّدا (١)\nوبلد أيضا: إذا ضَعُفَ في العملِ وغيره، حتى قيل في الجرِي قال:\nجَرَى طَلَقًا حتى إذا قيلَ سابقٌ ... تداركَه أعراقُ (٢) سوءٍ فَبَلَّدَا (٣)\nوقوله تعالى: ﴿آمِنًا﴾ قال الزجاج: ذا أَمْنٍ (٤)، فيكون كقولهم: لاِبنٌ وتَامِرٌ، ويجوزُ أن يكون آمنًا يأمَنُ أهله فيه، فيكون كقولهم: ليلٌ نائمٌ، أيْ: ينامُ أهله (٥) فيه، قال الشاعر:\nونمتُ وما ليلُ المطيِّ بنائمٍ (٦)\nويقولون: همٌّ ناصب، أي: ينصبُ فيه الإنسان، وينصبُ لأجلِه (٧)\n_________\n(١) البيت للأحوص الأنصاري في \"ديوانه\" ص ٩٨، وانظر: \"المعجم المفصل\" ٢/ ٢٠١.\n(٢) في (ش): (أعواق).\n(٣) البيت بلا نسبة في \"تهذيب اللغة\" ١/ ٣٨٣، \"لسان العرب\" ١/ ٣٤٢ و٥/ ٢٩٠٤، \"المعجم المفصل\" ٢/ ٢٠١.\n(٤) \"معاني القرآن\" ١/ ٢٠٧.\n(٥) زيادة من (م).\n(٦) البيت لجرير بن عطية، ومطلعه:\nلقد لُمتِنا يا أمَّ غيلان في السُّرى\nينظر: \"ديوانه\" ص ٤٥٤.\n(٧) وليس هذا بقياس عند سيبويه، وعن المبرد أن فاعلًا بمعنى صاحب، كذا قياس، وفي شرح المفصل: وكثر فعال حتى لا يبعد دعوى القياس فيه، وقل فاعل، فلا يمكن دعوى القياس فيه لندوره. ينظر: \"حاشية ابن جماعة الكناني على شرح الجاربردي للشافية لابن الحاجب\" ١/ ١٢٥، \"همع الهوامع\" للسيوطي ٢/ ١٩٨.","vol":"3","page":310},{"text":"قال النابغة:\nكِلِيني لَهمٍّ يا أميمةُ ناصبِ (١)\nفأما التفسير فقال ابن عباس: يريد حرامًا محرمًا، لا يصاد طيره، ولا يقطع شجره، ولا يختلى خلاه، ولا يدخلها أحد إلا بإحرام، ولا تحلُّ لأحدٍ من الخلق إلا الساعة التي حلّت للنبي - ﷺ -، هذا كلامه (٢). فأما الحكم في هذا، فإنَّ صيدَ مكة لا ينفر، ولا ينتف شعره، ولا يتعرض له بنوع أذًى، ومن قتل صيد مكة فعليه جزاؤه، ولا يجوز قطع أشجار (٣) الحرم على جهة الإضرار بها، ويجوز تشذيبها على جهة المصلحة لها، ولا يجوز خبطها؛ ولكنها تهشُّ هشًا رفيقًا، ويجوزُ إرسالُ المواشي لترتَعَ في حشيش الحرم (٤). وقال النبي - ﷺ -: \"إن الله حبس الفيل عن مكة، وسلَّطَ عليها رسولَه والمؤمنين، وإنهَّا لم تَحِلُّ لأحدٍ كان قبلي، ولا تحلُّ لأحدٍ كان بعدي، وإنما أُحِلَّت لي ساعة من النهار\" (٥). والعرب تقول: آمَنُ من حمام مكة، يضربون المثلَ بها في الأمن (٦).\n_________\n(١) البيت للنابغة الذبياني، وعجزه:\nوليلٍ أقاسيه بطيءِ الكواكبِ\nينظر: \"ديوانه\" ص ٤٥، و\"المعجم المفصل\" ١/ ٤٥٠.\n(٢) ينظر مرفوعًا عن ابن عباس بنحوه عند البخاري (١٣٤٩) كتاب الحج باب: الأذخر والحشيش في القبر، ومسلم (١٣٥٣) كتاب الحج؛ باب: تحريم مكة وصيدها وخلاها.\n(٣) في (م): (شجر).\n(٤) ينظر في المسألة: \"مشكل الآثار\" للطحاوي ٤/ ١٧٦ ط دار الكتب العلمية، \"المجموع شرح المهذب\" ٧/ ٤٢٥ و٧/ ٤٤٤ ط المنيرية، \"تفسير ابن كثير\" ١/ ١٨٠.\n(٥) تقدم تخريجه آنفًا.\n(٦) لأنها لا تثار ولا تهاج. ينظر: \"مجمع الأمثال\" للميداني ١/ ٨٧، \"جمهرة الأمثال\" للعسكري ١/ ١٩٩، \"المستقصى\" للزمخشري ١/ ٧.","vol":"3","page":311},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ الثمرات: جمع ثمرة، وهو حمل الشجرة من أي نوع كان، ويأتي الكلام فيها عند اختلاف القراء في (ثمره) [الكهف: ٤٢].\nقال المفسرون: استجاب الله دعاء إبراهيم، فقال في موضع آخر: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [القصص: ٥٧] (١).\nقال عطاء عن ابن عباس: ذكروا أن الله ﷿ بعث جبريل إلى الشام، حتى اقتلع الطائف من موضع الأردن، ثم طاف بها حول الكعبة أسبوعًا، لذلك سميت الطائف، ثم أنزلها تهامة، ومنها تجْبَى إلى مكة الثمرات (٢).\nوقوله تعالى: ﴿مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ (من) بَدَلٌ من أهله (٣) وهو بدل البعض من الكُلِّ، كقوله: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧]. والأخفش يسمي هذا بدل التبيان؛ لأنَّ الأول دلَّ على العموم، ثم بان بالبدل أن المراد به البعض، كما تقول: أخذت المال ثلثيه، ورأيت القوم ناسًا منهم (٤). وإنما خصَّ إبراهيم ﵇ بطلب الرزق المؤمنين؛ لأن الله تعالى أدبه بقوله: ﴿قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ فتوهَّم أنه كما لا يعطيهم النبوة إلا إذا كانوا مؤمنين، كذلك لا يرزق أهل\n_________\n(١) ينظر: \"الوسيط\" ١/ ٢١٠.\n(٢) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٢١٠ ذكره البغوي في \"تفسيره\" ١/ ١٤٩ دون نسبة، وبعضه يذكر عن الزهري ومحمد بن مسلم الطائفي. ينظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ٥٤٤، \"تفسير ابن أبي حاتم\" ١/ ٢٢٩ - ٢٣٠، \"البحر المحيط\" ١/ ٣٨٣.\n(٣) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٠٧.\n(٤) \"معاني القرآن\" للأخفش ١/ ١٤٧.","vol":"3","page":312},{"text":"مكة إلا أن يكونوا مؤمنين (١).\nقال ابن عباس: وكانت دعوةُ إبراهيم يومئذ وأهلها مؤمنون (٢)، فما زالوا على إيمانٍ ومعرفة بالله حتى غيَّرَ ذلك عمرو بن لُحَيّ الخُزاعي (٣)، وهو الذي قال رسول الله - ﷺ -: \"رأيته في جهنم يجُرّ قُصْبَه (٤) في النار\" (٥)، وكان أول من غيّر دين إبراهيم، وعبد الأصنام، وسيّب السائبة، وبَحَر البحيرة، وحمى الحامي (٦)، وغلب على مكة، وقهر أهلها، وهم ولد إسماعيل.\n﴿وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا﴾ فسأرزقه إلى منتهى أجله (٧). وفي (أمتعه)\n_________\n(١) ينظر: \"الوسيط\" ١/ ٢١٠.\n(٢) لعله من رواية عطاء، وقد تقدم الحديث عنها في القسم الدراسي.\n(٣) هو عمرو بن لحي بن حارثة بن عمرو بن عامر الأزدي وقيل: عمرو بن لحي بن قَمَعَة، وقيل غير ذلك، من قحطان، أول من غير دين إسماعيل، ودعا العربَ إلى عبادة الأوثان حيث دعا إلى تعظيمها. ينظر: \"البداية والنهاية\" ٢/ ١٨٧، \"الأعلام\" ٥/ ٨٤.\n(٤) قصبه أي: أمعاءه، ينظر: \"صحيح مسلم\" (٢٨٥٦) كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب: النار يدخلها الجبارون.\n(٥) رواه البخاري (٤٦٢٣) كتاب تفسير القرآن، باب: ما جعل الله من بحيرة، ومسلم (٢٨٥٦) كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب: النار يدخلها الجبارون.\n(٦) السائبة: قيل: من الإبل، وقيل من جميع الأنعام وتكوم من النذر للأصنام، فتسيب فلا تحبس عن مرعى ولا ماء ولا يركبها أحد، كان الرجل ينذر إن برىء أو قدم من سفره ليُسيبن بعيرًا. والبحيرة: هي التي بحرت أذنها أي خرمت، قيل من الإبل وقيل من الشاة، إذا ولدت خمسة أبطن بحروا أذنها وتركت فلا يمسها أحد. والحامي: هو فحل الإبل، إذا انتجوا منه عشرة أبطن، قالوا قد حمى ظهره، فلم يركب وقيل: غير ذلك ينظر: \"فتح الباري\" ٨/ ٢٨٤.\n(٧) ينظر: \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١١٧٧، \"تفسير البغوي\" ١/ ١٤٩.","vol":"3","page":313},{"text":"قراءتان: التشديد من التفعيل، وهو قراءة عامة القراء، وقرأ ابن عامر بالتخفيف (١). والتشديدُ أولى، لأن التنزيل عليه: كقوله: ﴿يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا﴾ [هود: ٣] وقال: ﴿كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [القصص: ٦١] وقال: ﴿وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ [يونس: ٩٨]. وأمّا التخفيف فإن أَفْعَل قد يكون بمعنى فَعَّل في كثير من المواضع، نحو: فَرَّحْتُه وأفرحْتُه، وأنزلته ونَزَّلته، قال الراعي (٢):\nخَلِيطَين من شعبين شتّى تجاورا ... قديمًا وكانا بالتفرُّقِ أمتعا (٣)\nوأما قوله: (قليلا) قال أبو علي الفارسي (٤): يجوز أن يكون صفةً للمصدر، ويجوز أن يكون صفة للزمان. فالدلالةُ على جواز كونه صفة للمصدر قوله: ﴿يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا﴾ [هود: ٣] فوصف به المصدر. قال سيبويه (٥): مثال هذا: أنك ترى الرجل يعالج شيئًا فتقول: رُويدًا، أي: علاجًا رويدًا. فإن قيل: كيف يحسنُ أن يكون صفة للمصدر، وفعّل يدل على التكثير، فكيفَ يستقيمُ وصفُ الكثير بالقليل في قوله: ﴿فَأُمَتِعُهُ قَلِيلًا﴾، وهلا كان قولُ ابن عامر أرجحَ؛ لأنَّ هذا السؤال لا يعترض فيه.\n_________\n(١) ينظر: \"السبعة\" ص ١٧٠، \"معاني القراءات\" للأزهري ص ٦٣.\n(٢) هو: أبو جندل عبيد بن حصين النميري، والراعي لقبه؛ لكثرة وصفه للإبل، وهو شاعر من المحدثين الفحول، عاصر جريرًا والفرزدق، توفي سنة ٩٠ هـ. ينظر: \"الشعر والشعراء\" ٢٦٥، \"الأعلام\" ٤/ ١٨٨.\n(٣) ينظر: \"ديوانه\" ص ١٦٦، \"لسان العرب\" ٧/ ٤١٢٩، \"المعجم المفصل\" ٤/ ١٩٩.\n(٤) في \"الحجة للقراء السبعة\" ٢/ ٢٢٢.\n(٥) \"الكتاب\" ١/ ١٢٤.","vol":"3","page":314},{"text":"والجواب: أن هذا لا يدل على ترجيح قراءته، وإنما وصفه الله سبحانه بالقليلِ من حيثُ كان إلى نَفادٍ ونقصٍ وتناهٍ، ألا ترى أن (١) قوله: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾ [النساء: ٧٧] فعلى هذا وُصِفَ المتاع بالقلة في قوله: ﴿فَأُمَتِعُهُ قَلِيلًا﴾.\nوأما جواز أن يكون (قليل) صفة للزمان فيدل عليه قوله: ﴿قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ﴾ [المؤمنون: ٤٠] بعد زمان قليل، كما تقول: أطعمه عن جوعٍ وكساه عن عُري (٢).\nوقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ﴾ أي: ألجئه في الآخرة إلى عذاب النار ﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ مُختصر، أي: بئس المصير النار أو عذاب النار (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-345>١٢٧ </span>- قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ﴾ معنى القعود في أصل (٤) اللغة: الثبات على أيِّ حالةٍ كانت، الدليل عليه قوله تعالى: ﴿تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾ [آل عمران: ١٢١]، يريد: مثابت ومراكز، ولا يريد مَجَالس. وقولهم: قَعَدَتِ المرأةُ عن المحيض، معناه: ثبتت على حالة الطُّهْر، ولا يراد به الجُلوس. ويقولون: قَعَدَتِ الفَسِيلة، إذا ثَبَتَتْ في الأرض، وصار لها جذع (٥). ومن هذا: قواعد البيت، فَقَعَدَ في أصل اللغة\n_________\n(١) زيادة من (م).\n(٢) انتهى كلام أبي علي الفارسي من \"الحجة\" ٢/ ٢٢٢.\n(٣) ينظر: \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١١٧٧، \"تفسير ابن كثير\" ١/ ١٨٦ - ١٨٧.\n(٤) ساقط من (ش).\n(٥) \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٣٠٠٤.","vol":"3","page":315},{"text":"بمعنى: ثبت، ثم نقل إلى هذا الفعل المخصوص والمتعارف الذي لا تعرف العامة غيره (١).\nوأما تفسير قواعد البيت، فقال ابن المظفر: القواعد: أصول الأساسِ، الواحد: قاعدة (٢).\nقال الزجاج: وكل قاعدةٍ فهي أصلٌ للذي فوقها (٣). قال الكُمَيْت (٤):\nفي ذِروةٍ من يفاعٍ اوّلهم ... زانت عواليَها قواعدُها (٥)\nومنه يقال للخشبات أسافل الهودج: القواعد، لأنها كالأساس للهودج (٦). قال ابن عباس: يعنى: أصولَ البيت (٧).\nوقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا﴾ المعنى: يقولان (٨): ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا﴾\n_________\n(١) ينظر: \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٣٠٠٤، \"لسان العرب\" ٦/ ٣٦٨٩ (قعد).\n(٢) \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٣٠٠٤، \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١١٨٢، \"البحر المحيط\" ١/ ٣٨٧.\n(٣) \"معاني القرآن\" ١/ ٢٠٨، قال في \"البحر المحيط\" ١: ٣٧٣: القواعد: قال الكسائي والفراء: هي الجدر، وقال أبو عبيدة: الأساس، وبالأساس فسرها ابن عطية أولًا والزمخشري وقال: هي صفة غالبة، ومعناها: الثابتة. اهـ.\n(٤) تقدمت ترجمته.\n(٥) البيت للكميت في \"مجاز القرآن\" ١/ ٥٥، \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١١٨٣، \"البحر المحيط\" ١/ ٣٧٣ ولم ينسبه، واليَفَاع: المشرف من الأرض والجبل.\n(٦) \"لسان العرب\" ٦/ ٣٦٨٩ (قعد)، والهَوْدَج: مركب للنساء يوضع على ظهور الرواحل.\n(٧) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ٣/ ١١٨٢، وأخرجه ابن أبي حاتم ١/ ٢٣١ بلفظ: أساس البيت، وأخرجه الطبري في \"تفسيره\" ١/ ٥٤٦ بلفظ: القواعد التي كانت قواعد البيت قبل ذلك.\n(٨) يروي ابن عباس ذلك كما في \"تفسير الطبري\" ١/ ٥٤٩، وينظر: \"صحيح البخاري\" (٣٣٦٥) كتاب الأنبياء، باب: يزفون النسلان في المشي، وعند الأخفش في \"معاني القرآن\" ١/ ١٤٨ أن إسماعيل هو الذي قال: (ربنا تقبل منا).","vol":"3","page":316},{"text":"كقوله: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ﴾ [الأنعام: ٩٣] المعنى: يقولون: أخرجوا، ومثله: ﴿يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الرعد:٢٣ - ٢٤].\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ﴾ يريد: لدعائنا ﴿الْعَلِيمُ﴾ بما في قلوبنا (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-346>١٢٨ </span>- قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ أي: مطيعين مستسلمين منقادين لحكمك (٢).\nقال ابن الأنباري: يقال: فلان مسلم، وفيه قولان:\nأحدهما: أنه المستسلم لأمر الله.\nوالثاني: هو المخلص لله العبادة، من قولهم: سَلَّمَ لفلان الشيءَ، أي: خَلَّصَه له، وسَلِمَ له الشيءُ، أي: خَلَصَ (٣)، ومنه قوله تعالى: ﴿وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ﴾ [الزمر: ٢٩]، معناه: خالصًا لرجل، وأنشد على أنَّ المسلم بمعنى المستسلم لأمر الله قولَ الشاعر:\nفقلنا أسْلِمُوا إنّا أخوكم (٤) ... فقد بَرِئَتْ مِنَ الإحَنِ الصُّدُورُ (٥)\nأراد: استسلموا. قالوا: فالمسلم الذي يعتقد الاستسلامَ لله تعالى والإيمانَ به محمودٌ، والمسلمُ الذي يستسلم خوفًا من القتل مذمومٌ، من\n_________\n(١) \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١١٨٤، \"تفسير البغوي\" ١/ ١٥٠.\n(٢) \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١١٨٥، \"تفسير البغوي\" ١/ ١٥٠.\n(٣) نقله في \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٧٤٥، وعنه في \"لسان العرب\" ٤/ ٢٠٨٠.\n(٤) في (ش): (باحركم).\n(٥) البيت لعباس بن مرداس، في \"ديوانه\" ص ٥٢، \"لسان العرب\" ١/ ٤١ \"المعجم المفصل\" ٣/ ٣٢٦.","vol":"3","page":317},{"text":"ذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات: ١٤] (١). معناه: استسلمنا من خوف القتل (٢). وقد ذكرنا معنى الإسلام فيما تقدم.\nقوله تعالى: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ الأمَّةُ في اللغة تكون على وجوه، قال أبو العباس: الأمَّةُ تأويلها: الجماعة من كل شيء، من ذلك: أمة محمد - ﷺ -، ويقال: إنما فلان أمةٌ وَحْدَه، أي يَسُدُّ مَسَدَّ جَمَاعةٍ، ومنه يقال: فلان حسن الأُمَّة، إذا مُدِحَ بالتمامِ واستجماعِ الخُلُقِ على الاستواء (٣).\nقال الأعشى (٤):\nوإنَّ معاويةَ الأكْرَمِين ... حسَانُ الوُجُوهِ طِوالُ الأُمَمْ (٥)\nومنه سميت الأمّ؛ لأنها المحتويةُ على الولد، ومنها يخرج، ومن ذلك قوله: ﴿هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [آل عمران: ٧] أَيْ: مجمع الحلال والحرام. والإمام مأخوذ من هذا؛ لأن عليه تجتمع (٦) الجماعة (٧)، ومنه: ﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ [يوسف: ٤٥]، أي: بعد حين من الدهر (٨)، وذلك لجماعة الشهور\n_________\n(١) في (م)، (ش): (لن).\n(٢) ينظر: \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٧٤٥، \"لسان العرب\" ٤/ ٢٠٨٠.\n(٣) \"تهذيب اللغة\" ١/ ٢٠٢ - ٢٠٦، \"لسان العرب\" ١/ ١٣٥ (أمم).\n(٤) هو أبو بصير ميمون بن قيس، تقدمت ترجمته.\n(٥) البيت للأعشى في \"ديوانه\" ص ١٩٩، \"تهذيب اللغة\" ١/ ٢٠٤، \"لسان العرب\" ١/ ١٣٥، \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٨٢، \"الأمالي\" لأبي علي القالي ١/ ٢٥، \"المعجم المفصل\" ٧/ ٢٩.\n(٦) في (أ): (يجتمع)، وفي (م): (مجتمع).\n(٧) \"لسان العرب\" ١/ ١٣٣ - ١٣٤ (أمم).\n(٨) \"المفردات\" للراغب الأصفهاني ص ٣٣.","vol":"3","page":318},{"text":"والأعوام، وأم النجوم: المجرة، لأنها مجتمع النجوم، وكل شيء انضمت إليه أشياء فهو أمّ لها (١)، وأمُّ القوم: رئيسُهم الذي يجتمع إليه أَمْرُهم (٢).\nقال الشنفرى (٣):\nوأمَّ عيال قد شَهِدتُ تَقُوتُهم ... إذا أحْتَرتْهُمْ (٤) أحْتَرَتْ وأقَلَّتِ (٥)\nيعني: تأبط شرّا، والأَمَم: القريب المجتمع، وأمَّه: إذا قَصَدَ الاجتماع معه (٦).\nوقال أبو إسحاق: الأمة في اللغة أشياء، الأمة: القرن من الناس، يقال: قد مضت أمم أي: قرون، والأمة: الدِّين، ومنه قوله: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [البقرة: ٢١٣]، أي: كانوا على دين واحد، والأمة: القامة وأنشد:\n.......... طوال الأمم (٧)\nوالأمة: الرجل الذي لا نظير له، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ (٨)، [النحل: ١٢٠].\n_________\n(١) \"لسان العرب\" ١/ ١٣٧ (أم).\n(٢) \"لسان العرب\" ١/ ١٣٣ (أمم).\n(٣) هو ثابت بن أوس الأزدي، شاعر جاهلي، تقدمت ترجمته [البقرة: ٣٠].\n(٤) في (ش): (أخترتهم)، وفي (أ) لعلها كذلك.\n(٥) البيت للشنفرى في \"ديوانه\" ص ٣٥، \"تهذيب اللغة\" ١/ ٢٠٣ وروايته: إذا حَتَرَتْهم أتْفَهَتْ وأقَلَّتِ، \"لسان العرب\" ٢/ ٧٦٩ (مادة: حتر)، ١/ ١٣٧ (مادة: أمم)، \"المعجم المفصل\" ١/ ٥٥٢.\n(٦) ينظر: \"تهذيب اللغة\" ١/ ٢٠٢ - ٢٠٣، \"لسان العرب\" ١/ ١٣٥ (أمم).\n(٧) هذه قطعة من البيت المذكور في الصفحة السابقة.\n(٨) بتصرف من \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ١٨٣، وزاد من المعاني: الأمة: بمعنى النعمة والخير.","vol":"3","page":319},{"text":"قال: وأصل هذا الباب كله من القصد، يقال: أممت الشيء إذا قصدته، فمعنى الأمة في القرن من الناس: الذين يقصدهم مقصدًا واحدًا، ومعنى الأمة في الدين: إنما هو الشيء الذي يقصده الخلق ويطلبونه؛ ولذلك سميت النعمة أمة، ومعنى الأمة في الرجل: الذي لا نظير له: أن قصده منفرد من قصد سائر الناس (١). قال ومعنى الأمة: القامة، لأنها مقصد الجسد، فليس يخرج شيء من هذا الباب عن معنى أممت، أي: قصدت (٢).\nقال الأزهري: والأمة فيما فسّروا يقع على الكفار والمؤمنين (٣)، وقال الليث: كلُّ قوم نُسبوا إلى نبيٍّ فأضيفوا إليه فهم أمته، وقيل: أمة محمد - ﷺ -: كل من أرسل إليه (٤) ممن آمن به أو كفر، قال: وكل جيل من الناس هم أمة على حدة (٥).\nقال ابن الأنباري: والأمة أيضًا أتباع الأنبياء، من قولهم: نحن أمة محمد - ﷺ -.\nقال ابن عباس: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا﴾ يريد: أمةَ محمَّدٍ - ﷺ - ﴿أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ يريد: المهاجرين والأنصار والتابعين بإحسان (٦). قيل: وإنما خصّا\n_________\n(١) بتصرف من \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٨٣، ونقله عنه الأزهري في \"تهذيب اللغة\" ١/ ٢٠٤ (أم).\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٨٤.\n(٣) \"تهذيب اللغة\" ١/ ٢٠٤.\n(٤) ساقط من (ش).\n(٥) نقله في \"تهذيب اللغة\" ١/ ٢٠٥.\n(٦) لم أجده ولعله من رواية عطاء التي تقدم الحديث عنها في المقدمة.","vol":"3","page":320},{"text":"بالدعوة بعضَ الذُّرِّيَّة؛ لأن الله تعالى أعلمهما أن في ذريتهما من لا ينال العهد في قوله: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾.\nوقوله تعالى: ﴿وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا﴾. (أرنا) يحتمل وجهين:\nأحدهما: أن يكون منقولًا من رأيت الذي يراد بها إدراك البصر، نقلت بالهمزة فتعدت إلى مفعولين، والتقدير: حذف المضاف، كأنه قال: أرنا مواضع مناسكنا، والمناسك: جمع منسك، وهو مصدر، جُمع لاختلاف ضروبه، والمعنى: عَرِّفْنا هذه المواضع التي تتعلق النسك بها؛ لنفعله ونقضي نسكنا فيها (١)، على حدِّ ما يقتضيه توقيفنا عليها، وذلك نحو: المواقيت التي يحرم منها، ونحو: الموضع الذي يوقف فيه بعرفةَ، وموضع الطواف، وموضع رمي الجمار، فهذا من: رأيتُ المواضع، وأريته زيدًا.\nوالوجه الآخر: أن يكون أرنا منقولًا من رأيت، الذي لا يراد به رؤية العين ولكن التوقيف على الأمر، وضرب من العلم. وإلى هذا ذهب أبو عبيدة في تأويل الآية فقال: (وأرنا مناسكنا) أي: عَلِّمْنا، وأنشد:\nأريني جوادًا مات هَزْلًا لأَنني ... أرى ما تَرَيْنَ أو بخيلًا مُخَلَّدا (٢)\n_________\n(١) في (م): (فيه)، وفي (ش): (بها).\n(٢) البيت لحاتم الطائي، في \"ديوانه\" ص ٤٠، ولحطائط بن يعفر، \"مجاز القرآن\" ١/ ٥٥، \"الحجة\" ٢/ ٢٢٥، \"شرح أبيات المغني\" ١/ ٢١٩، وفي \"خزانة الأدب\" ١/ ٤٠٦، ولدريد في \"لسان العرب\" ١/ ١٥٨، ولمعن بن أوس في \"ديوانه\" ص ٣٩. قال: العيني ١/ ٣٢٩: أقول قائله هو حاتم بن عدي الطائي، كذا قالت جماعة من النحاة. ينظر: \"المعجم المفصل\" ٢/ ٢٠٢، وتحقيق أحمد شاكر لكتاب \"الشعر والشعراء\" ١/ ٢٤٨.","vol":"3","page":321},{"text":"قال: أراد: دُلِّيني، ولم يرد رؤية العين (١). وقوله: لأنني، أي: لعلني (٢).\nوقال أبو إسحاق: ﴿وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا﴾ معناه: عرِّفنا متعبداتنا، وكلُّ متعبدٍ فهو منسِك ومنسَك، ومن هذا قيل للعابد: ناسك، ويقال للذبيحة المتقرب بها إلى الله: نسيكة، وإنما سمي الذبيحة نَسِيكة (٣)؛ لأنهم كانوا يذبحونها للعبادة. فقوله: ﴿مَنَاسِكَنَا﴾ يحتمل أن يكون جمع مَنْسَك الذي هو المصدر، فيكون على تقدير حذف المضاف كما ذكرنا، ويحتمل أن يكون جمع منسك الذي هو الموضع، فلا يكون فيه حذف. ونسك في اللغة على معنيين:\nأحدهما: ذَبَح، والآخر: عَبَدَ، فلا يُدرى (٤) أيهما الأصل (٥).\nوفي قوله: (وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا﴾ قراءتان: كسر الراء، وإسكانها (٦).\nقال أبو إسحاق: والأجود الكسر؛ لأن الأصل أَرْئنا، فالكسرة في الراء إنما هي كسرة همزة، أُلقيت فَطُرحت حركتها على الراء، فالكسرة دليلُ الهمزة، وحذفُها قبيحٌ، وهو جائزٌ على بُعدٍ؛ لأن الكسرةَ والضمةَ\n_________\n(١) ما تقدم من \"الحجة\" ٢/ ٢٢٤ - ٢٢٥ بتصرف واختصار.\n(٢) \"مجاز القرآن\" ١/ ٥٥.\n(٣) ينظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٠٩، وقال بعده: وكان الأصل في النسك إنما هو من الذبيحة لله جل وعز.\n(٤) في (ش): (ندري).\n(٥) ينظر: \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٥٦٢ (نسو).\n(٦) قرأ ابن كثير والسوسي ويعقوب بإسكان الراء، وقرأ الدوري عن أبي عمرو بإخفاء كسرتها: أي: اختلاسها، والباقون بالكسرة الكاملة على الأصل. ينظر: \"السبعة\" ص ١٧٠، \"الحجة\" ٢/ ٢٢٤، \"البدور الزاهرة\" ص ٥٠.","vol":"3","page":322},{"text":"تُحذفانِ استثقالًا (١)؛ كقولهم في فَخِذٍ: فَخْذٌ، وفي عَضُدٍ: عَضْدٌ، وقد (٢) ذكرنا هذا بأبلغ من هذا الشرح فيما تقدم.\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ﴾ قال ابن عباس: أي: الراجع بأوليائه وأهل طاعته (٣) إلى أفضل دينه (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-347>١٢٩ </span>- وقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا﴾ قال ابن عباس: يريد: في ولدي (٥)، والكناية تعود إلى الذرية أو إلى الأمة في قوله: ﴿أُمَّةً مُسْلِمَةً﴾ (٦)، وكلاهما ولد إبراهيم، وهم العرب (٧).\nوقوله تعالى: ﴿رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ قال ابن عباس: يريد محمدًا - ﷺ -،\nفاستجاب الله دعاءه، وبعث فيهم رسولًا من أنفسهم، محمدًا سيد الأنبياء (٨)، لذلك قال رسول الله - ﷺ -: \"إني عند (٩) الله في أمِّ الكتاب لَخَاتَمُ\n_________\n(١) بتصرف من \"معاني القرآن\" ١/ ٢٠٩، وفيه: (والأجود الكسر، وإنما أسكن أبو عمرو لأنه جعله بمنزلة فخذ وعضد، وهذا ليس بمنزلة فخذ ولا عضد؛ لأن الأصل ...).\n(٢) في (ش): (وهذا).\n(٣) في (أ)، (ش): (طاعة).\n(٤) لعله من رواية عطاء التي تقدم ذكرها. وينظر: \"تفسير القرطبي\" ٢/ ١٢٠٠.\n(٥) لعله من رواية عطاء.\n(٦) \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١١٨٧، وينظر: \"سنن سعيد بن منصور\" ٢/ ٦١٥، \"تفسير الطبري\" ١/ ٥٥٦، \"زاد المسير\" ١/ ١٤٦.\n(٧) \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١١٨٧ قال: وقيل في أهل مكة. وينظر: \"زاد المسير\" ١/ ١٤٦، \"الخازن\" ١/ ١١١، \"البحر المحيط\" ١/ ٣٩٢.\n(٨) ينظر: \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١١٩٥، \"تفسير البغوي\" ١/ ١٥١.\n(٩) في (ش): (عبد).","vol":"3","page":323},{"text":"النبيين، وإن آدم لمُنجدِلٌ في طِينَتِه، وسوف أنبئكم بتلك دعوة أبي إبراهيم ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ﴾. الآية، وبشارة عيسى قومه: ﴿وَمُبَشِّرَا بِرَسُولٍ﴾ [الصف: ٦]، ورؤيا أمي، التي رأت أنه خرج منها نورٌ أضاءت له قصورُ الشام (١) \".\nوقوله تعالى: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ قال ابن عباس: يريد القرآن الذي أنزل عليه، وما فيه من الفرائض والأحكام والسنن وشرائع النبيين (٢).\nفعلى هذا الحكمة: هي نفس الكتاب، وجُمع بينهما لاختلاف اللفظين. والحكمة في اللغة: فهم المعاني، وبه قال مجاهد، فإنه قال: يعنى بالحكمة فهم القرآن (٣).\nوقال عبد الله بن مسلم: هي العلم والعمل، ولا يسمى الرجل حكيما\n_________\n(١) أخرجه الإمام أحمد في \"المسند\" ٤/ ١٢٧، وابن حبان (٦٤٠٤)، والحاكم ٢/ ٤١٨، ٦٠٠، والبيهقي في \"الدلائل\" ١/ ٣٨٩، والبغوي في \"تفسيره\" ١٥/ ١٥١، وفي \"شرح السنة\" ١٣/ ٢٠٧، والطبري ١/ ٥٥٦، والطبراني ١٨/ ٢٥٢ (٦٢٩)، (٦٣٠)، والبخاري في \"تاريخه\" ٦/ ٦٨ والثعلبي في \"تفسيره\"، وآخرون من حديث العرباض بن سارية وروايتهم: وسأنبئكم بتأويل ذلك، أو سأنبئكم بأول ذلك، أو سأخبركم عن ذلك، وذكر الآيات ليس في الرويات، ومعنى منجدل: أي: ملقىً على الجدالة وهي الأرض، والحديث صححه ابن حبان والحاكم، وقال: الهيثمي: أحد أسانيد أحمد رجاله رجال الصحيح غير سعيد بن سويد وثقه ابن حبان، وينظر: \"الكشاف\" لابن حجر ص١٠، وهو صحيح لغيره.\n(٢) لعله من رواية عطاء، وينظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ٥٥٧، عن قتادة وغيره \"المحرر الوجيز\" ١/ ٢١٢.\n(٣) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ١١٨٨ عن مجاهد، وعنه البغوي ١/ ١١٨٨، \"الخازن\" ١/ ١١٢، وذكره أبو حيان في \"البحر المحيط\" ١/ ٣٩٣.","vol":"3","page":324},{"text":"حتى يجمعهما (١). سمعت الثعلبي -﵀- يقول: سمعت البياري (٢) يقول: سمعت السِّيرافي (٣) يقول: سمعت ابن دُرَيدٍ يقول: كل كلمة وعظتك أو زجرتك أو دعتك إلى مكرمة أو نهتك عن قَبيحٍ فهي حكمة (٤).\nومنه قوله - ﷺ -: \"إنَّ من الشعرِ حكمةً (٥) \".\nوأصلها في اللغة: من المنع والرد (٦)، قال الأصمعي: أصل الحكومة: ردُّ الرجل عن الظلم، ومنه سميت حَكَمَةُ اللِّجَام؛ لأنها تَرُدُّ الدَّابَّة (٧)، وهذا يذكر في مواضع من هذا الكتاب.\nوقوله تعالى: ﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾ أصل التزكية في اللغة: النسبة إلى الازدياد من الأفعال الحسنة التي ليست بمشوبة، والزكاة: الزيادة (٨)، وقد ذكرنا\n_________\n(١) ذكره عنه الثعلبي ١/ ١١٨، وذكره البغوي ١/ ١٥٢ وأبو حيان في \"البحر المحيط\".\n(٢) هو علي بن الحارث البياري الخراساني، من معادن العلم، أديب بارع شدت إليه الرحال صاحب كتاب \"شرح الحماسة وصناعة الشعر\" ينظر: \"إنباه الرواة\" ٢/ ٢٧٤، ٢٧٥، \"دمية القصر\" ص ٣٠٢.\n(٣) هو العلامة إمام النحو أبو سعيد الحسن بن عبد الله بن المرزبان، \"السيرافي\"، صاحب التصانيف ونحوي بغداد، وهو من أعيان الحنفية، رأسًا في نحو البصريين، تصدر لإقراء القراءات واللغة والفقه والفرائض، وولي قضاء بغداد توفي سنة ٣٦٨ هـ ينظر: \"السير\" ١٦/ ٢٤٧ - ٢٤٨، \"إنباه الرواة\" ١/ ٤١٣، \"تاريخ بغداد\" ٧/ ٣٤١ - ٣٤٢.\n(٤) هكذا بهذا الإسناد عند الثعلبي ١/ ١١٨٩ وزاد: فهي حكمة وحكم. وذكره ابن دريد في \"الجمهرة\" ١/ ٥٦٤، والواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٢١٢، والسمعاني ٢/ ٦٠.\n(٥) رواه البخاري (٦١٤٥) كتاب الأدب، باب: ما يجوز من الشعر والرجز والحداء وما يكره منه، من حديث أبي بن كعب.\n(٦) ينظر: \"تهذيب اللغة\" ١/ ٨٨٦، \"تفسير الثعلبي\" ٨٤٣ و١١٩٢.\n(٧) نقله عنه في \"تهذيب اللغة\" ١/ ٨٨٦، \"لسان العرب\" ٢/ ٩٥٢.\n(٨) \"تفسير الطبري\" ١/ ٥٥٨، \"المحرر الوجيز\" ١/ ٤٩٢، \"تفسير القرطبي\" ٢/ ١٢٠.","vol":"3","page":325},{"text":"هذا عند تفسير الزكاة. قال ابن عباس: ويرشدهم إلى أفضل عبادتك (١)، وقال ابن جريج (٢): يطهرهم من الشرك، ويخلّصهم منه (٣).\nوقيل: يأخذ زكاة أموالهم (٤)، وقال ابن كيسان: يشهد لهم يوم القيامة بالعدالة إذا شهدوا للأنبياء بالبلاغ، بيانه قوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ (٥) [البقرة: ١٤٣] الآية.\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ اختلف قول أهل اللغة في معنى العزيز واشتقاقه، فقال أبو إسحاق: العزيز في صفات الله: الممتنع فلا يغلبه شيء (٦)، وهذا قول المفضل، قال: العزيز: المنيع الذي لا تناله الأيدي (٧).\nوعلى هذا القول العزيز من عزّ يَعَزُّ بفتح العين، إذا اشتد (٨)، يقال: عَزَّ علي ما أصاب فلانًا أي: اشتد، وتعزز لحم الناقة إذا صلُب واشتدّ (٩)،\n_________\n(١) لعله من رواية عطاء التي تقدم ذكرها. وبنحوه أخرجه الطبري١/ ٥٥٨، وابن أبي حاتم ١/ ٢٣٧ (١٢٦٥) بلفظ: يعني بالزكاة طاعة الله والإخلاص.\n(٢) هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، تقدمت ترجمته [البقرة: ٣٥].\n(٣) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ١/ ٥٥٨، وذكره الثعلبي ١/ ١١٩٢ بلا نسبة.\n(٤) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ١١٩٢، والسمرقندي ١/ ١٥٨، والبغوي ١/ ١٥٢، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ١/ ١٤٦، وبنحوه في \"البحر المحيط\" ١/ ٣٩٣.\n(٥) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ١١٩٢، وعنه البغوي ١/ ١٥٢، \"الخازن\" ١/ ١١٢.\n(٦) نقله عن أبي إسحاق الزجاج الأزهري في: \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٤٢٠، وعنه في \"اللسان\" ٥/ ٢٩٢٥، وينظر تفصيلا في \"اشتقاق أسماء الله\" لأبي القاسم الزجاجي ص ٢٣٧ - ٢٤٠.\n(٧) نقله عنه الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ١١٩٣ وأبو حيان في \"البحر المحيط\"١/ ٣٩٣.\n(٨) ينظر: \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٤٢٠ \"عزز\".\n(٩) ينظر: \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١١٩٤، \"البحر المحيط\" ١/ ٣٩٣، \"الدر المصون\" ١/ ٣٧٣.","vol":"3","page":326},{"text":"وأنشد أبو عمرو الشيباني (١):\nأُجُدٌ إذا ضَمَرَتْ تعزّزَ لحمُها ... وإذا تُشَدُّ بنسعةٍ لا تَنْبِسُ (٢)\nيريد: أنها إذا هزلت صَلُبَ لحمُها ولم يَسْتَرْخِ جلدها.\nوقال أبو كبير الهذلي (٣) يصف عقابًا (٤):\nحتى انتهيت إلى فراشِ عزيزة ... سوداء روثةُ أنفِها كالمِخْصفِ (٥)\nسماها عزيزة؛ لأنَّها من أقوى الجوارح، وأشدِّها بأسًا، والعزاز: الأرض الصلبة، فمعنى العِزَّةِ في اللغة: الشَدَّة (٦)، ولا يجوزُ في وصف الله تعالى الشِّدَّة (٧)، ويجوزُ العزّة، وهي امتناعه على من أراده، وعلوه\n_________\n(١) هو إسحاق بن مرار أبو عمرو الشيباني، تقدمت ترجمته [البقرة: ٣٩].\n(٢) البيت للمتلمس الضبعي في \"ديوانه\" ص ١٨٠، \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١١٩٤، \"لسان العرب\" ٥/ ٢٩٢٧، \"تاج العروس\" ٨/ ١٠٥، \"الأغاني\" ٢٤/ ٢٣٠، وذكره ابن دريد في \"الجمهرة\" ص ٣٤١ ولم ينسبه. ورواية \"الديوان\": عُنُسٌ بدل أَجُدٌ، ورواية الثعلبي: بنَسعِها. ومعنى: ضمرت: نحلت، وقوله: تَعَزَّزَ لحمها: اشتد وصلب، والنسع: سير من الجلد تشد به الرحال، ومعنى لا تنبس: لا تنطق ولا تصيح. وهو في البيت يصف الناقة.\n(٣) هو عامر بن الحليس الهذيلي، أبو كبير من بني سهل بن هذيل، تقدمت ترجمته.\n(٤) ساقطة من (أ)، (م).\n(٥) ينظر: \"شرح أشعار الهذليين\" ص١٠٨٩، \"لسان العرب\" ٥/ ٢٩٢٦، ١/ ١٠٣٩ (خصف)، \"تاج العروس\" ٣/ ٢٢٠ (مادة: روث)، \"المعجم المفصل في شواهد اللغة العربية\" ٥/ ٩١.\n(٦) \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٤٢٠ (عزز).\n(٧) ذكره الشيخ بكر أبو زيد في \"معجم المناهي اللفظية\" ص ٣٠٢ أن من أسماء الله تعالى القوي، ومن لوازم القوة: القدرة، بخلاف الشديد ولهذا لم يأت في القرآن =","vol":"3","page":327},{"text":"عن (١) أن تناله (٢) يدٌ (٣)، وقال ابن عباس: العزيز: الذي لا يوجد مثله (٤).\nقال الفراء: يقال: عزّ يَعِزُّ بالكسر: إذا قلَّ حتى لا يكاد يوجد، عِزّةً فهو عزيز (٥). وقال الكسائي (٦) وابن الأنباري (٧) وجماعة من أهل اللغة: العزيز: القوي الغالب، تقول العرب: عَزَّ فلانٌ فلانًا يَعُزُّه عِزًّا، إذا غلبه (٨)، قال الله تعالى: ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾ [ص: ٢٣].\n_________\n= الكريم إلا مربوطًا بالعقاب أو العذاب أو الحساب الشديد، وهو كثير، وليس من أسماء الله الشديد، قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾ [الرعد: ١٣] فهذا من صفات الله سبحانه. ا. هـ. وقال الأستاذ علوي السقاف في كتابه: \"صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة\" ص ١٣٥ - ١٥٤: الشدَّة بمعنى القوة من صفات الله الذاتية ودلل لها بقوله تعالى: ﴿وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾ [الرعد: ١٣] وقوله: ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ﴾ [القصص: ٣٥]، وبحديث: \"اللهم اشدد وطأتك على مضر .. \" رواه البخاري ومسلم. وقال: وقد عد الزجاجي (في كتابه اشتقاق أسماء الله ص ١٩٢) وابن منده في كتابه \"التوحيد\" ووافقه محققه (الشديد) من أسماء الله تعالى، ولا يوافقون على ذلك. ا. هـ كلام السقاف ملخصًا.\n(١) في (ش): (من).\n(٢) في (أ) و(م): (يناله).\n(٣) \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٤٢٠ - ٢٤٢١، \"لسان العرب\" ٥/ ٢٩٢٥ (عزز).\n(٤) \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١١٩٢، وذكره البغوي في \"تفسيره\" ١/ ١٥٢، \"الخازن\" ١/ ١١٢، وأبو حيان في \"البحر المحيط\" ١/ ٣٩٣.\n(٥) نقله عنه في \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٤٢٠، وينظر: \"القاموس المحيط\" ص ٥١٧.\n(٦) ذكره عنه الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ١١٩٣، والواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٢١٣، والقرطبي ٢/ ١٢١.\n(٧) \"الزهراء\" ١/ ١٧٤.\n(٨) ينظر: \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٤٢٠، \"لسان العرب\" ٥/ ٢٩٢٥ (عزز).","vol":"3","page":328},{"text":"قال عمر بن أبي ربيعة (١):\nهُنالك إما تَعُزُّ الهوى ... وإما على إثرهم تَكْمدُ (٢)\nمعناه: إما تغلب الهوى، ومنه يقال: من عَزّ بَزَّ أبو عبيد عن أبي زيد: عَزَّ الرجل يَعِزّ عِزةً وعِزًّا، إذا قَوِيَ (٣)، فمعنى العزيز: الغالبُ القويُّ الذي لا يعجزه شيء (٤)، وذكرنا معنى الحكيم فيما مضى (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-348>١٣٠ </span>- قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ﴾ يقال: رغبت عن الشيء أي: تركته عمدًا، وهو ضدُّ قولك: رغبتُ فيه (٦).\nقال أبو إسحاق: معنى (مَنْ) التقريرُ والتوبيخُ، ولفظُها لفظُ الاستفهام والمعنى: ما يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سَفِهَ نَفْسَه (٧)، وذكرنا معنى السفه فيما تقدم (٨).\nواختلف النحويون في نصب (نفسَه). فقال الفرَّاءُ: العرب توقع (٩)\n_________\n(١) هو: أبو الخطاب عمر بن عبد الله بن أبي ربيعة المغيري المخزومي القرشي، أكثر شعره في الغزل، ولد ليلة مقتل الخليفة عمر، وتوفي سنة ٩٣ هـ. ينظر: \"وفيات الأعيان\" ٣/ ٤٣٦، \"الشعر والشعراء\" ص ٢٥، ١٨٦.\n(٢) ينظر: \"الأغاني\" ١٣/ ٨٧.\n(٣) ذكره عنه في \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٤٢٠ \"عزر\".\n(٤) ينظر: \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٤٢٠، \"لسان العرب\" ٥/ ٢٩٢٥ (عزر).\n(٥) تقدم عند قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة: ٣٢].\n(٦) \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٤٣٢، \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١١٩٤.\n(٧) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج بتصرف، ١/ ٢٠٩ \"البحر المحيط\" ١/ ٣٩٤.\n(٨) تقدم عند قوله تعالى: ﴿أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ﴾ [البقرة: ١٣].\n(٩) في (م): (ترفع).","vol":"3","page":329},{"text":"سَفِهَ على النفس، وهى معرفة، وكذلك قوله: ﴿بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا﴾ [القصص: ٥٨] وهو في المعرفة كالنكرة؛ لأنه مفسِّر، والمفسِّر في أكثر الكلام نكرة، كقولك: ضِقْتُ به ذَرْعًا، المعنى: ضاق به ذرعي، فالفعل للذرع، فلما جعلتَ الضيق مسندًا إليك فقلت: ضقت، جاء الذرع مفسرًا؛ ليدل على أنَّ (١) الضيقَ فيه، كما تقول: هو أوسعُكم دارًا، أدخلتَ الدارَ لِيُعْلَمَ أنَّ السعةَ فيها لا في الرجل (٢). ثم أجري على هذا قولهم: قد (٣) وَجِعَ بطنَه، وأَلِمَ رأسَه، وغَبِنَ رأيَه، ورَشِدَ أمرَه، فعند الفرَّاءِ التقدير: سَفِهَتْ نفسُه، فَأُضيفَ الفعلُ إلى صاحب النفس، فخرجت النفس مُفسّرةً، وهذا مذهب الكوفيين.\nواعترض الزجاج على هذا بأن قال: معنى التمييز لا يحتمل التعريفَ؛ لأنَّ التمييزَ إنما هو واحدٌ يدل على جنس أو خَلَّة يخلص من خِلال، فإذا عَرَّفته صار مقصودًا قصده، وهذا لم يقُلْهُ أحدٌ ممن تقدَّمَ (٤) من النحويين (٥).\nثم حكى أقوالًا، فحكى عن الأخفش (٦)، عن أهل التأويل، إنهم قالوا: إن المعنى: سَفَّه نفسه. وقال يونس (٧) (٨): أُراها لغةً، ذهب إلى أن\n_________\n(١) في (م): (أن المعنى الضيق فيه).\n(٢) \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٧٩، ونقله في \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٩٩.\n(٣) ساقطة من (ش)، (م).\n(٤) في (م): (من المتقدمين).\n(٥) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٧٩، وينظر: \"التبيان\" للعكبري ٩٣.\n(٦) \"معاني القرآن\" للأخفش ١/ ١٤٨.\n(٧) نقله عنه الأخفش في \"معاني القرآن\" ١/ ١٤٨.\n(٨) هو يونس بن حبيب الضبي بالولاء، البصري أبو عبد الرحمن، تقدمت ترجمته.","vol":"3","page":330},{"text":"فَعِلَ للمبالغة كفَعُلَ، فذهب في هذا مذهب أهل التأويل، قال: ويجوز على هذا سفِهتُ زيدًا (١)، بمعنى: سَفّهتُ زيدًا.\nقال ابن الأنباري: لا يعرف (٢) هذا؛ لأن العرب لا تقول: سَفِهَ زيدٌ عمرًا بمعنى: سَفَّه، وحكى الزجّاج أيضًا، عن أبي عبيدة، أنه قال: معناه: أهلك نفسه، وأوبق نفسه (٣)، وهذا القول مثل ما حكى الأخفش عن أهل التأويل (٤).\nوقال أبو بكر: على هذا القول أهلكت في معنى سفه معنًى، وليس بتفسير، وإذا كان كذلك لم يجز نصبُ النفس به، وإيقاعُه عليه؛ لأن سَفِهَ يخالف أهلَكَ في التعدِّي، وإن كان بمعنى خِفْتُ.\nوحكى الزجّاج أيضًا عن الأخفش نفسه (٥): أن سَفِهَ نفسَه بمعنى سَفُه في نفسه، إلا أن (في) حذفت كما حُذفت حروف الجر في غير موضع، كقوله تعالى: ﴿أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، المعنى: أن تسترضعوا لأولادكم (٦)، فحذف حرف الجر من غير ظرف؛ لأن المعنى: لأولادكم، ومثله ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٥]، أي: عليها، ومثلُه قول الشاعر:\nنغالي اللحم للأضياف نِيئًا ... ونبذُلُه إذا نَضجَ القُدُورُ (٧)\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج.\n(٢) في (ش): (نعرف).\n(٣) \"مجاز القرآن\" ١/ ٥٦.\n(٤) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢١٠.\n(٥) ساقطة من (م).\n(٦) ساقطة من (ش).\n(٧) البيت لرجل من قيس، في \"جمهرة اللغة\" ص ١٣١٧، \"أساس البلاغة\" (غلو) =","vol":"3","page":331},{"text":"المعنى: نغالي باللحم (١).\nقال: ومثله: قول العرب: ضُرِبَ زيدٌ الظَهَر والبَطنَ، المعنى (٢): على الظهر والبطن.\nقال: وهذا عندي مذهَبٌ صالح، ثم اختار أن يكون معنى سفِه نفسَه: جَهِلَ نفسه، فالمعنى والله أعلم: إلا من جهل نفسه، أي: لم يفكر في نفسه، فوضع سَفِهَ موضع جَهِل، وعُدِّى كما عُدَي (٣). وقد ارتضى هذا القول كثير من العلماء (٤)، وبه قال ابن كيسان فقال في تفسير قوله: ﴿إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾: إلا من جهِل نفسه (٥)؛ لأن من عبد حجرًا أو قمرًا أو شمسا أو صنمًا (٦) فقد جهل نفسه؛ لأنه لم يعلم خالقها، ولم يعلم (٧) ما يحق لله عليه. والعرب تضع سَفِهَ في موضع جَهِل، ومنه الحديث: \"الكِبْرُ (٨)\n_________\n= ص ١٧١ وبلا نسبة في \"لسان العرب\" ٦/ ٣٢٩٠. ونسب للحطيئة في \"أمالي المرتضي\". انظر: حاشية \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢١٠، \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٣٨٢، \"المعجم المفصل\" ٣/ ٣٢٧.\n(١) \"معاني القرآن\" للأخفش ١/ ١٤٨ - ١٤٩، وينظر: \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٣٨٥.\n(٢) في (ش): (والمعنى).\n(٣) بتصرف من \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢١٠، وعنده: فحذف حرف الجر في غير الظرف.\n(٤) ينظر: \"التبيان\" ٩٣، \"البحر المحيط\" ١/ ٣٩٤.\n(٥) الثعلبي ١/ ١٢٠٠، والبغوي في \"تفسيره\" ١/ ١٥٢. والواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٢١٤، وهو اختيار الزجاج في \"معاني القرآن\" ١/ ٢١١.\n(٦) في (ش): (ضيًا).\n(٧) في (م): (ولا يعلم).\n(٨) في (أ) و(م): (الكبير).","vol":"3","page":332},{"text":"أن تسفَهَ الحقَّ وتغمِصَ (١) الناسَ (٢) \" أي: تجهل الحق.\nويؤيد هذا القولَ ما روي في الحديث (٣): \"مَنْ عرف نفسه فقد (٤) عرف ربه\" (٥). قيل في معناه: إنما يقع الناس في البدع والضلالات لجهلهم أنفسهم، وظنّهم أنهم يملكون الضرّ والنفع دون الله.\n_________\n(١) أي: تحقر وتزدري، ينظر: \"القاموس\" ص ٦٢٥.\n(٢) رواه الطبراني في \"الكبير\" ٢/ ٦٩، عن ثابت بن قيس، قال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" ٥/ ١٣٣، في طريق عبد الله بن عمرو: رواه الطبراني في \"الكبير\" و\"الأوسط\" وفيه عبد الحميد بن سليمان، وهو ضعيف، وقال: رواه أحمد والبزار ورجال أحمد ثقات. اهـ. ورواه أحمد ٤/ ١٣٤ عن أبي ريحانة بلفظ: \"إنما الكبر من سفه الحق وغمض الناس\" ورواه مسلم (٩١) كتاب الإيمان، باب: تحريم الكبر وبيانه ولفظه: \"الكبر بطر الحق وغمط الناس\".\n(٣) ذكره في \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٢٠٠، وقال: كما جاء في الخبر فذكره، وينظر: \"تفسير البغوي\" ١/ ١٥٣.\n(٤) ساقطة من (أ).\n(٥) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\"، وعنه البغوي ١/ ١٥٣، وذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٢١٤ قال النووي: ليس بثابت، ينظر: \"المقاصد الحسنة\" ص ٤٩٠ (١١٤٩)، وقال ابن تيمية: موضوع، ينظر: \"المصنوع في معرفة الموضوع\" ص ١٨٩ (٣٤٩)، وقال السمعاني: إنه لا يعرف مرفوعًا، ينظر: \"المقاصد\" ص٤٩٠، \"الموضوعات\" ص ٣٥١. وقال العجلوني في \"كشف الخفاء\" ٢/ ٢٦٢: وقال أبو المظفر ابن السمعاني في \"القواطع\": إنه لا يُعرف مرفوعًا وإنما يُحْكى عن يحيى بن معاذ الرازي، يعني من قوله. وقال ابن الفرس بعد أن نقل عن النووي أنه ليس بثابت، قال: لكن كُتبُ الصوفية مشحونة به، يسوقونه مساق الحديث، كالشيخ محيي بن عربي، وغيره. قال: وللحافظ السيوطي فيه تأليف سماه \"القول الأشبه في الحديث: من عرف نفسه فقد عرف ربه\" والكتاب ضمن الكتب الموجودة في \"الحاوي للفتاوى\" للسيوطي، وذكره أبو نعيم في \"الحلية\" ١٠/ ٢٠٨، عن سهل التستري.","vol":"3","page":333},{"text":"وحُكي عن أبي بكر الوراق (١) أنه قال في معنى هذا الحديث: من عرف نفسه مخلوقة مرزوقة بلا حول ولا قوة، عرف ربه خالقًا رازقًا بالحول والقوة (٢)، وقد أوحى الله إلى داود: كيف عرفتني، وكيف عرفت نفسك؟ فقال: عرفتك بالقدرة والقوة والبقاء، وعرفتُ نفسي بالعجز والضعف والفناء، فقال: الآن عرفتني (٣). فإذا كان من عرف نفسه عرف ربه، كان من جهل نفسه جهل ربه حتى يرغب (٤) عن ملة إبراهيم.\nثم بعد هذه الأقوال، قد حكي عن الخليل قول حَسَنٌ، وهو أنه قال: تجيء أفعال تتعدى إلى النفس خاصة، نحو: سَفِه نفسَه وصَبَر نفسَه، ولا يقال: سَفهتُ زيدا (٥) ولا صبرتُه، قال عنترة (٦):\nفصبرتُ عارفةً لذلك حُرّةً ... ترسُو إذا نفسُ الجبان تَطَلَّعُ (٧)\nأراد: صبرتُ نفسًا عارفة. وبهذا قال الكسائي، فقال في قوله: ﴿سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ و﴿بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا﴾ [القصص: ٥٨]، ﴿أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ١٥٠]، ووجع بطنَه، ورشِد أمرَهُ وخسِر نفسَه: هذه حروف تقولها العرب\n_________\n(١) الإمام المحدث أبو بكر محمد بن إسماعيل بن العباس البغدادي المستملي الوراق، تقدمت ترجمته [البقرة: ٦].\n(٢) ذكره في \"الوسيط\" ١/ ٢١٤.\n(٣) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٢١٥، والبغوي ١/ ١٥٣.\n(٤) في (م): (حتى يذهب يرغب).\n(٥) في (م): (سفهت نفسه زيدًا).\n(٦) هو عنترة بن عمرو بن شداد العبسي، من أشهر فرسان العرب وشجعانهم، من أصحاب المعلقات، يعد من الطبقة السادسة لفحول شعراء الجاهلية. ينظر: \"الشعر والشعراء\" ص ١٤٩، \"الأعلام\" ٥/ ٩١.\n(٧) البيت لعنترة، تقدم تخريجه [البقرة: ٤٤].","vol":"3","page":334},{"text":"كأنها فعل واقع في هذا المكان، ولا يقولون: وجعتُ عبدَ الله، ولا خسرتُ عبدَ الله (١).\nقال الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس في قوله: ﴿إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ قال: خسر نفسه (٢).\nوقال بعضهم: سفِه حقَّ نفسه، أي: جهِلَ (٣)، فجعله من باب حذف المضاف.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا﴾ معنى اصطفيناه: اخترناه للرسالة، وهو افتعلنا من الصفوة، قلبت التاءُ طاءً؛ لأنها أشبه بالصاد (٤)، وتأويل: ﴿اصْطَفَيْنَاهُ﴾ أخذناه صافيًا من غير شائب (٥). قال ابن عباس في معنى قوله: ﴿وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا﴾: يريد: أنه ليس في الأرض خلق إلا وهو (٦) يذكره بخير، وينتحل دينه (٧)، وقيل: ﴿وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا﴾ بالنبوة، وقيل: بالخُلّة.\nوقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾، قال ابن عباس: يريدُ\n_________\n(١) تقدم شيء منه قبل قليل.\n(٢) ذكره الثعلبي ١/ ١١٩١، وذكره البغوي في \"تفسيره\" ١/ ١٥٢، والخازن ١/ ١١٢، وأبو حيان في \"البحر المحيط\" ١/ ٣٩٤.\n(٣) ذكره الثعلبي ١/ ١٢٠٠، عن المفضل بن سلمة عن بعضهم. وانظر: \"البحر المحيط\" ١/ ٣٩٤.\n(٤) ينظر: \"الكتاب\" لسيبويه ٤/ ٢٣٩ - ٢٤٠، \"تفسير الطبري\" ١/ ٥٥٩، \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١١٩٥، \"تفسير القرطبي\" ٢/ ١٢٢.\n(٥) ينظر: \"الوسيط\" للواحدي ١/ ٢١٥.\n(٦) في (م): (إلا ويذكره).\n(٧) لعله من رواية عطاء.","vol":"3","page":335},{"text":"من نوح وآدم (١)، وقال أبو صالح عنه: يريد مع آبائه الأنبياء في الجنة (٢)، وقال الحسن (٣): أي: من الذين يستوجبون على الله الكرامةَ وحسنَ الثواب، فلما كان خلوصُ الثواب في الآخرة دون الدنيا وصفه بما ينبئ عن ذلك.\nوقال الزجاج: يريد من الفائزين؛ لأن الصالح في الآخرة فائز (٤).\nوقال الحسينُ بن الفضل (٥): هذا على التقديم والتأخير، تقديره: ولقد اصطفيناه في الدنيا والآخرة وإنه لمن الصالحين قال: ومثل هذا: الآية التي في النحل: ﴿وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [النحل: ١٢٢] (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-349>١٣١ </span>- قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ﴾ قال الزجاج: معناه: اصطفيناه إذ قال له ربه ﴿أَسْلِمْ﴾، أي: في ذلك الوقت (٧). ولأهل التفسير في قوله: ﴿أَسْلِمْ﴾ طريقان:\nأحدهما: أنه أراد بقوله: ﴿أَسْلِمْ﴾ ابتداء الإسلام، فقد قال ابن\n_________\n(١) في \"الوسيط\" عزاه لعطاء، فلعله من رواية عطاء عن ابن عباس التي تقدم الحديث عنها في المقدمة، ولفظه: يريد: نوح وآدم.\n(٢) ذكره الثعلبي ١/ ١٢٠١، والبغوي ١/ ١٥٣، وذكره أبو حيان في \"البحر المحيط\" ١/ ٣٩٥.\n(٣) ذكره في \"الوسيط\" ١/ ٢١٥، \"البحر المحيط\" ١/ ٣٩٥.\n(٤) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢١١.\n(٥) هو الحسين بن الفضل بن عمير البجلي، تقدمت ترجمته.\n(٦) ذكره عنه الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ٢٠١، والبغوي ١/ ١٥٣، والقرطبي ٢/ ١٢٢، وأبو حيان ١/ ٣٩٥ وقال: وهذا الذي ذهب إليه خطاء ينزه القرآن عنه.\n(٧) \"معاني القرآن\" ١/ ٢١١.","vol":"3","page":336},{"text":"عباس: إنما قال له ذلك حين خرج من السَّرَب (١)، فنظر إلى الكوكب والقمر والشمس (٢)، كما ذكره الله تعالى في سورة الأنعام (٣).\nوقال أصحاب هذا القول: إن الأنبياء يجوز عليهم قبل الوحي من الشرك والكبائر ما جاز على غيرهم، وإنما عصموا من وقت البعثة وإنزال الوحي (٤)، وهذا مذهب جماعة من أهل الأصول (٥).\nوقال عدة من المفسرين: قوله: (أسلِمْ) معناه: دُمْ واثْبُتْ على الإسلام، كقوله تعالى لمحمد - ﷺ -: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ (٦)\n_________\n(١) السَّرَب: حفير تحت الأرض، وقيل: بيت تحت الأرض. ينظر: \"اللسان\" ٤/ ١٩٨٠.\n(٢) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ١١٩٤، والواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٢١٥، والبغوي في \"تفسيره\" ١/ ١٥٣، الخازن ١/ ١١١، والقرطبي في \"تفسيره\" ٢/ ١٢٣، وهو من رواية الكلبي عنه ولفظه كما في \"الوسيط\" رفع إبراهيم الصخرة عن باب السَّرَب، ثم خرج منه فنظر إلى الكوكب والشمس والقمر.\n(٣) في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا﴾ [الأنعام: ٧٦]، وهذا اختيار الطبري في \"تفسيره\" ١/ ٥٦٠.\n(٤) قال شيخ الإسلام في \"مجموع الفتاوى\" ٤/ ٣١٩: فإن القول بأن الأنبياء معصومون عن الكبائر دون الصغائر، هو قول أكثر علماء الإسلام، وجميع الطوائف، حتى إنه قول أكثر أهل الكلام، كما ذكر أبو الحسن الآمدي أن هذا قول أكثر الأشعرية، وهو أيضًا قول أكثر أهل التفسير والحديث والفقهاء، بل هو لم يَنْقُلْ عن السلف والأئمة والصحابة والتابعين وتابعيهم إلا ما يوافق هذا القول .. وإنما نُقِل ذلك القول في العصر المتقدم عن الرافضة ثم عن بعض المعتزلة، ثم وافقهم عليه طائفة من المتأخرين، وعامة ما ينقل عن جمهور العلماء أنهم غير معصومين عن الإقرار على الصغائر، ولا يُقَرُّون عليها، ولا يقولون: إنها لا تقع بحال. وأول من نُقِل عنهم من طوائف الأمة القول بالعصمة مطلقًا وأعظمهم قولًا لذلك: الرافضة ....\n(٥) ينظر مناقشة ذلك عند أبي حيان في \"البحر المحيط\" ١/ ٣٩٥.\n(٦) ينظر: \"تفسيرالثعلبي\" ١/ ١٢٠١.","vol":"3","page":337},{"text":"[محمد:١٩] وكقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا﴾ [النساء: ١٣٦]، في أحد الوجهين (١). وعند أصحاب هذا القول، لا يجوز على الأنبياء في سابقة حالهم الشرك والكبائر، بل عصمهم الله سبحانه ودفع عنهم مالم يدفع عن غيرهم. فأما محمد - ﷺ - فعامة أصحابنا: على أنه ما كفر بالله طرفةَ عينٍ، ولا كان مشركًا قطُّ. ثم قال بعضهم: كان قبل البَعْث على دين عيسى، ومنهم من قال: كان يعبد الله تعالى على دين إبراهيم. قال ابن كيسان: معنى (أسلم): أخلِصْ دينك لله بالتوحيد (٢) فيكون أصل الإسلام على هذا القول: من السلامة، كأنه يخلص دينه فيسلم من الشرك، والشك، وقال عطاء: أسلِمْ نفسَك إلى الله وفوِّض أمورَك إليه (٣).\nوقوله تعالى: ﴿قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ قال ابن عباس: في رواية عطاء: يريد بقلبه ولسانه وجوارحه، فلم يعدل بالله شيئا، ورضي أن يُحرَق بالنار في رضى الله تعالى، ولم يستعن بأحد من الملائكة (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-350>١٣٢ </span>- قوله تعالى: ﴿وَوَصَّى﴾ يقال: وصَّى يُوَصّي توصية (٥)، يكونُ المصدر منه على تفعلة، ولا يكون على تفعيل؛ لأنك لو جئت به على تفعيل\n_________\n(١) ينظر: \"البحر المحيط\" ١/ ٣٩٦، \"تفسير الفخر الرازي\" ٤/ ٧١.\n(٢) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ١١٩٥، والواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٢١٥، والبغوي ١/ ١٥٣، والقرطبي ٢/ ١٢٣، وهذا اختيار ابن كثير ١/ ١٩٨، وذكره أبو حيان في \"البحر المحيط\" ١/ ٣٩٦.\n(٣) ذكره عنه الثعلبي ١/ ١١٩٥، والواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٢١٦، والبغوي في \"تفسيره\" ١/ ١٥٣ وأبو حيان في \"البحر المحيط\" ١/ ٣٩٥.\n(٤) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" بنحوه، وذكره البغوي في \"تفسيره\" ١/ ١٥٣.\n(٥) المادة المذكورة في \"الحجة\" لأبي علي الفارسي ٢/ ٢٢٧ - ٢٢٨، \"اللسان\" ٨/ ٤٨٥٣ - ٤٨٥٤ (وصى).","vol":"3","page":338},{"text":"للزم في حيّيتُ ونحوه أن يكون على تفعيل، فيجتمع ثلاث ياءات.\nوالوصاة: اسم من التوصية، يقوم مقام المصدر، يقال: وصَّاه وصاةً، كما يقال: كلَّمه كلامًا، قال الله تعالى: ﴿وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا﴾ [الأحزاب: ٤٩]، قال الشاعر:\nألا مَنْ مبلغٌ عَنِّي يزيدًا ... وَصاةً من أخي ثقةٍ وَدودِ (١)\nالمصدر من هذا الباب ينقسمُ إلى: تفعيل وتفعلة وفِعَّال ومُفَعَّل، قال الله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤] وقال: ﴿تَبْصِرَةً وَذِكْرَى﴾ [ق: ٨]. وقال: ﴿وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا﴾ [عم: ٢٨]. وقال: ﴿وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ [سبأ: ١٩]. وفيما جاء على فِعال وهو اسم ينوب عن المصدر كما ذكرنا، إلا أن العربَ تُؤْثِر التَّفْعِلة على التفعيل في ذوات الأربعة، يقولون: وصَّيْتُه توصيةً، وصفّيْتُه تصفيةً. قال الله تعالى: ﴿وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ [الواقعة: ٩٤]. وقال: ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً﴾ [يس: ٥٠]. والعلةُ فيه ما ذكرنا، واشتقاقُ التوصية من قول العرب: وصَى الشيء، إذا اتصل، قال أبو عُبيد (٢): وَصَيْتُ الشيءَ ووَصَلْتُه سواء، قال ذو الرمة:\nوصى الليل بالأيامِ حتى صلاتُنا ... مُقاسمةٌ يشتَقُّ أنصافَها السَّفْرُ (٣).\nوفلاة واصية: تتصلُ بفَلاةٍ أخرى، وقال ذو الرمة:\n_________\n(١) البيت بلا نسبة في \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٩٠٢، \"لسان العرب\" ٨/ ٤٨٥٤ (وصى)، \"المعجم المفصل\" ٢/ ٢٥٦.\n(٢) ذكره الأزهري في \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٩٠٢ (وصى).\n(٣) ينظر: \"ديوانه\" ص ٥٩٠، \"لسان العرب\" ٨/ ٤٨٥٤، \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٩٠٢، \"ديوان الأدب\" ٣/ ٢٥٧، \"أساس البلاغة\" (وصى)، \"المعجم المفصل\" ٣/ ٢٨٢، ورواية \" التهذيب\" (نَصِي) بدل (وصى).","vol":"3","page":339},{"text":"بين الرَّجَا والرَّجَا من جنبِ واصيةٍ ... يَهْمَاءُ خابطُها بالخوفِ مَكْعُومُ (١) (٢)\nالأصمعي: وَصَى الشيءُ يَصي، إذا اتصلَ، ووَصَاه غيرُه يَصِيه، إذا وَصَلَه، لازمٌ وواقع (٣). ثعلب، عن ابن الأعرابي: الوصيُّ النباتُ الملتفُّ (٤)، وقيل لعلي - ﵁ -: (وصيٌّ) (٥)، لاتصالِ نسبه وسببه (٦) وسمته بنسب النبي - ﷺ - وسببه وسمته، وسميت الوصيّةُ وصيةً؛ لاتصالها بأمر الميت، وقيل: لأنَّ الموصَى وصَلَها إلى الموصي إليه (٧).\nوفي هذا الحرف قراءتان: وصَّى، وأوصى (٨)، ولهما أمثلة من الكتاب. فمثال التشديد قوله: ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً﴾ [يس: ٥٠]، وقوله:\n_________\n(١) ينظر: \"ديوانه\" ص٤٠٧، \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٩٢٠، \"لسان العرب\" ٣/ ١٦٠٥، ٧/ ٣٨٩١، ٨/ ٤٨٥٤، \"المعجم المفصل\" ٧/ ٢١٨، ورواية \"التهذيب\"، و\"اللسان\" معكوم.\n(٢) في (ش): (معكوم).\n(٣) ذكره في \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٩٠٢ (وصى).\n(٤) المصدر السابق.\n(٥) لم أجد في النصوص ما يدل على وصف علي -﵁- بالوصي سواء بالمفهوم الذي ذكره المؤلف أو بمفهوم الرافضة. وقد بين شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى ٤/ ٧٧ أن الرافضة خرج أولهم في زمن علي -﵁- صاروا يدعون أنه خُص بأسرار من العلوم والوصية حتى كان يسأله عن ذلك خواص أصحابه فيخبرهم بانتفاء ذلك .. وقد خرج أصحاب الصحيح كلام علي هذا من غير وجه مثل ما في الصحيح عن أبي جحيفة، قال: سألت عليًا، هل عندكم شيء ليس في القرآن؟ فقال: لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، ماعندنا إلا ما في القرآن إلا فهمًا يعطيه الله لرجل في كتابه، وما في الصحيفة. قلت: وما في هذه الصحيفة؟ قال. العقل وفكاك الأسير.\n(٦) ذكره في \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٩٠٢ (وصى).\n(٧) ينظر: \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٩٠٢، \"لسان العرب\" ٨/ ٤٨٥٤ (وصى).\n(٨) قرأ نافع وابن عامر: (وأَوْصَى) بها وقرأ الباقون من السبعة: (وَوَصَّى). ينظر: \"السبعة\" ص ١٧٠، \"الحجة\" لأبي علي ٢/ ٢٢٧، \"الحجة\" لابن خالويه ص ٨٩.","vol":"3","page":340},{"text":"﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ﴾ [الأحقاف:١٥] ومثال الإفعال: قوله: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ﴾ [النساء: ١١] وقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ﴾ [النساء: ١٢] (١). قال الزجاج: ووَصَّى أبلغ من أَوْصَى؛ لأن أَوْصَى جائزٌ أن يكون قال لهم مرة واحدة، ووَصَّى لا يكون إلا لمرات كثيرة (٢).\nوقوله تعالى: (بِهَا) اختلفوا في هذه الكناية، فقال بعضُهم: إنهَّا ترجع إلى الوصية؛ لأنه ذكر الفعلَ، والفعلُ يدُلُّ على المصدرِ وعلى الاسمِ منه، كقول الشاعر:\nإذا نُهِيَ السفيهُ جرى إليه (٣)\nأي: إلى السَّفَهِ، فدل السفيهُ على السَّفَهِ. وهذا قولُ أبي عبيدة، قال: وإن شئت رددتها إلى الملة؛ لأنه قد ذكر ملة إبراهيم (٤). وقال المفضَّلُ وجماعة: الكناية عائدة إلى غير مذكور، ثم اختلفوا إلى ماذا تعود؟ فقال المفضل: تعود إلى الطاعة (٥)، كأنه قال: ووصّى بالطاعة. وقال الكلبي (٦)\n_________\n(١) \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٢٠٣.\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢١١، وينظر: \"البحر المحيط\" ١/ ٣٩٧.\n(٣) تمام البيت:\nوخالف والسفيه إلى خلاف.\nلم ينسب البيت لقائل. أنشده الفراء في \"معاني القرآن\" ١/ ٢٤٨، وثعلب في \"مجالسه\" ١/ ٦٠، وذكره في \"خزانة الأدب\" ٤/ ٣٣٥، وفي \"الخصائص\" ٣/ ٤٩، وفي \"همع الهوامع\" ١/ ٢٦٤.\n(٤) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ١٢٠٣، ونقله البغوي في \"تفسيره\" ١/ ١٥٣، وينظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢١١.\n(٥) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ١٢٠٣، وذكره ولم ينسبه أبو حيان في \"البحر\" ١/ ٣٩٧، والسمين في \"الدر المصون\" ١/ ٣٧٦.\n(٦) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ١٢٠٣، والواحدي في \"البسيط\" ١/ ١٢٠٤، والبغوي في \"تفسيره\" ١/ ١٥٣.","vol":"3","page":341},{"text":"ومقاتل (١): يعني بكلمة الإخلاص: لا إله إلا الله. والكناية عن غير مذكور جائزة كثيرة، كقوله تعالى: ﴿وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ﴾ [القصص: ٨٠] يعنى: الجنة لم يسبق لها ذكر، وقال: ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ [ص: ٣٢] يعني: الشمس.\nوقال طرفة (٢)؟\nعلى مثلها أمضي إذا قال صاحبي ... ألا ليتني أَفْدِيكَ منها وأَفْتَدي (٣)\nأي: من الفلاة، وقال بعضهم: رجعت الكناية إلى كلمةٍ سبقت، وهو قوله: ﴿أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٤).\nوقوله تعالى: ﴿يَا بَنِيَّ﴾ قيل: أراد أن يا بني، فحذف (أن) كأنه قال: وصَّاهم أن يا بني، وكذلك هو في قراءة أُبي وابن مسعود، بإثبات أن (٥). قال الفراء: إنمَّا حذف (أن) لأن الوصية قول، وكل كلام رجع إلى القول جاز فيه دخول (أن) وجاز إلقاؤه (٦)، كما قال: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ﴾ [النساء: ١١]، ولم يقل: أن للذكر، كأنّ معناه: قال الله: للذكر، فجرى الوصية على معنى القول. قال: وأنشدني الكسائي:\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ١/ ١٤٠، \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٢٠٣، \"تفسير البغوي\" ١/ ١٥٣.\n(٢) هو: طرفة بن العبد بن سفيان البكري، تقدمت ترجمته.\n(٣) ينظر: \"ديوانه\" ص ٢٩، \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٢٠٤ \"الإنصاف\" لابن الأنباري ص ٨٥، \"الدرر اللوامع على همع الهوامع\" ٢/ ٢٦٩، والهاء في قوله: (منها) تعود إلى مضمر، وهي الصحراء المهلكة، وهو الشاهد حيث عادت على غير مذكور.\n(٤) كذا في \"البحر المحيط\" ١/ ٣٩٨.\n(٥) كذا في \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٨٠، \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٢٠٧، \"شواذ القراءة\" ص ٣٢، \"تفسير القرطبي\" ٢/ ١٢٥.\n(٦) في (م): كأنها (الغاوه).","vol":"3","page":342},{"text":"إني سأبدي لك فيما أبدي\nلي شَجَنان شجن بنجد\nوشَجَنٌ لي ببلاد السند (١)\nولم يقل: أن لي؛ لأن الإبداء بلسانه في معنى القول، قال: ومثله قوله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ [المائدة: ٩]، لأن العِدَةَ قولٌ، وإذا جعلت الوصية بمعنى القول لا يحسن أن يقال: أراد أن يا بني فحذف؛ لأنه لا يحتاج إلى إضمار أن مع القول (٢).\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى﴾ قال أبو إسحاق: إنما كسرت (إنّ) لأن معنى وصى وأوصى: قول، والمعنى: قال لهم: إن الله اصطفى (٣). قال ابن عباس: إن إبراهيم قال لبنيه: لا تَعْدِلُوا بالله شيئًا، وإن نُشرتم بالمناشير وقُرضتم بالمقاريض وحُرقتم بالنار (٤).\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى﴾ يريد: دين الإسلام دين الحنيفية، والألف واللام فيه للعهد لا للجنس؛ لأنه لم يختر جميع الجنس من الدين، إنما اختار دين الإسلام على سائر الأديان (٥).\nوقوله تعالى: ﴿فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ قال الفراء في كتاب\n_________\n(١) الرجز ذكره الفراء، عن الكسائي في \"معاني القرآن\" ١/ ٨٠، وهو بلا نسبة في \"تفسير الطبري\" ١/ ٥٦١، \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٢٠٧، \"المخصص\" ١٢/ ٢٢٣، \"مقاييس اللغة\" ٣/ ٢٤٩.\n(٢) \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٨٠\n(٣) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢١١.\n(٤) ذكره في \"الوسيط\" ١/ ٢١٦، \"تفسير ابن عباس\" ص ١٩.\n(٥) \"البحر المحيط\" ١/ ٣٩٩.","vol":"3","page":343},{"text":"المصادر: مات يموت مَوتًا ومِيتةً ومَمَاتًا، والمَوتَةُ: المرَّةُ، ويقال: أرض مَواتٌ، وهو مصدر، ووَقَعَ في الناس مُواتٌ ومُوْتانٌ، ويقال: فلان يبيعُ الحيوان والموتانَ، إذا كان يبيع ما سوى الحيوان، ورجل مَوْتانُ النفس إذا لم يكن حيَّ القلب (١) (٢).\nووقع النهي في ظاهرِ الكلام على الموت، وإنما نهُوا في الحقيقة عن ترك الإسلام؛ لئلَّا يصادفهم الموت وهم (٣) عليه، فإنه لابد منه، وتقديره: لا تتعرضوا للموت على ترك الإسلام بالشرك والكفر بالله (٤)، وهذا كما تقول: لا أريَنَّكَ ههنا، فتوقع حرف النهي على الرؤية، وأنت لم تنه نفسك على الحقيقة، بل نهيتَ المخاطب (٥)، كأنك قلت: لا تقربن هذا الموضع فمتى جئته لم أرك فيه، ومثله من الكلام: لا يصادفك الإمام على ما يكره، تقديره: لا تتعرض لأن يصادفك. قال الزجاج: وهذا من سعة الكلام، والمعنى في الآية: ألزموا الإسلام، فإذا أدرككم الموت صادفكم عليه (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-351>١٣٣ </span>- قوله تعالى: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ﴾ الآية،\n_________\n(١) في نسخة (أ) زيادة ليست في النسخ لعلها حاشية من الكاتب وهي قوله: ومن العرب من يقولُ: مُتُّ، ومِتُّ، ويَمَات ويموتُ، والمَمَات من مصادر الموت أيضًا، والجارية تأخذها المُوْتَةُ كأنه سُكْرٌ وضرب من الجنون. ومؤتةُ، مهموزة، الأرض التي قتل بها جعفر بن أبي طالب، - ﵁ -.\n(٢) ينظر: \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٣٢١، \"لسان العرب\" ٧/ ٤٢٩٦ (مات).\n(٣) زيادة من (م).\n(٤) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢١٢، \"البحر المحيط\" ١/ ٣٩٩.\n(٥) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢١٢.\n(٦) المصدر السابق.","vol":"3","page":344},{"text":"نزلت في اليهود حين قالوا للنبي صلى الله وسلم: ألست تعلم أن يعقوب يوم مات أوصى بنيه باليهودية؟ فأنزل الله قوله: ﴿أَمْ كُنْتُمْ﴾ (١)، ومعناه: بل أكنتم، كأنه ترك الكلام الأول واستفهم، قاله أبو إسحاق (٢). وقال أبو عبيدة: أم ههنا بمعنى: هل، واحتج بقول الأخطل:\nكذَبَتْكَ عَيْنُكَ أم رأيتَ بواسِطٍ (٣)\nبمعنى: هل رأيت (٤).\nويجوز أن يتقدمه استفهام مضمر، كأنه قيل لليهود: أبلغكم ما تقولون وتنسبون إلى (٥) يعقوب، أم كنتم شهداء حضرتم وصيته (٦)؟ وقد شرحنا معنى (أم) عند قوله: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا﴾ [البقرة: ١٠٨].\n_________\n(١) ذكره مقاتل في \"تفسيره\" ١/ ١٤٠، والثعلبي ١/ ١٢١٠، والواحدي في \"أسباب النزول\" ص ٤٤، وفي \"الوسيط\" ١/ ٢١٦، والبغوي ١/ ١٥٤ وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ١/ ١٤٨، وابن حجر في \"العجاب\" ١/ ٣٩٧، والمناوي في \"الفتح السماوي\" ١/ ١٨٣، ونقله عنه السيوطي، قوله: لم أقف عليه.\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢١٢، وينظر: \"البحر المحيط\" ١/ ٤٠٠.\n(٣) وعجز البيت:\nغَلَسَ الظلام من الرَّباب خيالا\nينظر: \"ديوان الأخطل\" ص ٣٨٥، \"مجاز القرآن\" ١/ ٦٥، \"الخزانة\" ٢/ ٤١١، ٤/ ٤٥٢، \"لسان العرب\" ٦/ ٣٢٨١، ٧/ ٣٨٤١، \"المعجم المفصل\" ٦/ ٧٩.\n(٤) \"مجاز القرآن\" ١/ ٥٧.\n(٥) في (ش): (عن).\n(٦) قال ابن عطية في \"المحرر الوجيز\" ١/ ٤٩٧ - ٤٩٨: وقال لهم على جهة التقريع والتوبيخ: أشهدتم يعقوب وعلمتم بما أوصى فتدلون عن علم، أي: لم تشهدوا بل أنتم تفترون، وأم، تكون بمعى ألف الاستفهام في صدر الكلام لغة يمانية، وحكى الطبري أن أم يستفهم بها في وسط كلام قد تقدم صدره، وهذا منه.، وينظر: \"البحر المحيط\" ١/ ٤٠٠ - ٤٠١.","vol":"3","page":345},{"text":"وقوله تعا لى: ﴿شُهَدَاءَ﴾ أراد: حضورًا (١).\nوقوله تعالى: ﴿إِذْ حَضَرَ﴾ موضع إذ نصب؛ لأنه بمعنى وقت حضر، والحضور خلاف الغيبة، وحَضْرة الرجل: فناؤه (٢) (٣).\nوقوله: ﴿إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ﴾: إذ هذه الثانية موضعها نصب، كموضع الأولى، وهو بدل مؤكد (٤).\nوقوله تعالى: ﴿وَإِلَهَ آبَائِكَ﴾ الآباء: جمع أب، وفي الأب لغاتٌ، يقال: هذا أبُكَ، وهذا أباك، وهذا أبوكَ، فمن قال: أَبُكَ، قال في التثنية: أَبَان وأبُونَ وأَبِينَ، ومن قال: أباك وأبوك، فتثنيتهما أَبَوَان. أنشد أحمد بن يحيى (٥):\nسوى أبِكَ الأدنى وأنَّ محمدًا ... علا كلَّ عالٍ يا ابنَ عمِّ محمدِ (٦)\nوأنشد سيبويه (٧):\nفلما تَبَيَّنَّ أصواتَنا ... بَكَيْنَ وَفَدَّيْنَنَا بالأبِينَا (٨)\n_________\n(١) \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٢١٠.\n(٢) في (ش): (حضر الرجل فتاه).\n(٣) \"تهذيب اللغة \"١/ ٨٤٨، \"البحر المحيط\" ١/ ٣٩٧.\n(٤) كذا قال الزجاج في: \"معاني القرآن\" ١/ ٢١٢.\n(٥) في: \"اللسان\" ١/ ١٦ (أبى).\n(٦) البيت بلا نسبة في \"لسان العرب\" ١/ ١٦ (أبى)، \"المعجم المفصل\" ٢/ ٤٣٦.\n(٧) في: \"الكتاب\" ٣/ ٤٠٦، وهو في \"اللسان\" ١/ ١٥ (أبى).\n(٨) البيت لزياد بن واصل السلمي، في \"خزانة الأدب\" ٤/ ٤٧٤ - ٤٧٧، \"شرح أبيات سيبويه\" ٢/ ٢٨٤، وبلا نسبة في \"الأشباه والنظائر\" ٤/ ٢٨٦، \"خزانة الأدب\" ٤/ ١٠٨، ٤٦٨، \"الخصائص\" ١/ ٣٥٦، \"شرح المفصل\" ٣/ ٣٧، \"الكتاب\" ٣/ ٤٠٦، \"لسان العرب\" ١/ ١٥ (أبى)، \"المقتضب\" ٢/ ١٧٤، \"البحر المحيط\" ١/ ٤٠٢، \"المعجم المفصل\" ٨/ ٧٥.","vol":"3","page":346},{"text":"ويقال: ما كنت أبًا ولقد أَبَوْتَ أُبُوَّةً، وماله أبٌ يأبُوه.\nالليث: فلان يأبو تيمًا إباوة بكسر الألف، أي: يغذوه (١)، وتأبىّ فلان (٢) فلانًا، أي: اتخذه أبًا، كما تقول: تبنَّى من الابن (٣). وقال في تصغير الأب: أُبَيّ، وتصغير الآباء على وجهين: أجودهما: أُبيُّون، والآخر: أُبيَّاء؛ لأن كل جماعة كانت على أفعال فإنها تصغّر على حدها (٤)، كما تقول في تصغير الأجمال: أجيمال.\nوقوله تعالى: ﴿وَإِسْمَاعِيلَ﴾ أدخله في جملة الأباء، وهو كان عمَّ يعقوب؛ لأن العرب تُسَمِّي العمَّ أبًا (٥)، وقد روي أنه لما كان يوم فتح مكة قال رسول الله - ﷺ - للعباس (٦): \"امض إلى قومك، أهل مكة، فادعهم إلى الله قبل القتال\"، فركب العباس بغلة رسول الله - ﷺ - الشهباء، فانطلق، فلما مضى فأبعد، قال رسول الله - ﷺ -: \"رُدُّوا عليَّ أبي، ردوا عليَّ أبي، لا تقتلْه\n_________\n(١) نقله عنه في \"تهذيب اللغة\" ١/ ١٠٣، \"اللسان\" ١/ ١٦ (أبي).\n(٢) في (أ) (م): (تأبى فلانًا).\n(٣) في \"اللسان\" ١/ ١٧ (أبي). \"تهذيب اللغة\" ١/ ٣٩٦.\n(٤) في (ش): (أحدها).\n(٥) يروى عن أبي العالية، كما أخرج ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ١/ ٢٤، وينظر: \"مجاز القرآن\"، \"معاني القرآن\" للفراء، \"تفسير الطبري\" ١/ ٥٦٣، \"تفسير الثعلبي\".\n(٦) العباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف الهاشمي القرشي أبو الفضل، عم رسول الله - ﷺ -، وكان إليه في الجاهلية السقاية والعمارة، هاجر قبل الفتح، وثبت يوم حنين، وقال النبي - ﷺ -: \"من آذى العباس فقد آذاني، فإنما عم الرجل صنو أبيه\"، ولد قبل النبي - ﷺ - بسنتين، وتوفي بالمدينة سنة ٣٢. ينظر: \"فضائل الصحابة\" للإمام أحمد ٢/ ١١٥٩، \"الاستيعاب\" ٢/ ٣٥٨.","vol":"3","page":347},{"text":"قريش كما قتلت ثقيفٌ عُروةَ بن مسعود (١) \"، فلما رجع قال: يا رسول الله - ﷺ - دَعْني أمضِي لأمرك، فقال: \"يا عم، أما علمتَ أنَّ عمَّ الرجل صِنْوُ أبيه (٢) \"، وقال أيضًا يعني العباس: \"هذا بقيةُ آبائي (٣) \".\nوفي بعض القراءات: \"وإله أبيك إبراهيم\" (٤) وله وجهان:\n_________\n(١) هو عروة بن مسعود بن معتب الثقفي، صحابي مشهور، كان كبيرًا في قومه بالطائف، استأذن رسول الله - ﷺ - في دعوته قومه فخافهم عليه أن يقتلوه فرجع ودعاهم فقتلوه سنة ٩ هـ. ينظر: \"أسد الغابة\" ٤/ ٣١ - ٣٢، \"الاستيعاب\" ٣/ ١٧٦.\n(٢) رواه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" ١٤/ ٤٨٤ عن عكرمة مرفوعًا، وينظر أيضًا: \"كنز العمال\" ١٤/ ٥٨٤ (٣٩٦٥٤).\n(٣) أخرجه الطبراني في \"المعجم الكبير\" ١١/ ٨٠ عن ابن عباس مرفوعًا ولفظه: \"استوصوا بعمي العباس خيرًا فإنه بقية آبائي، وإنما عم الرجل صنو أبيه\" قال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" ٩/ ٢٦٩: رواه الطبراني، وفيه عبد الله بن خراش، وهو ضعيف، ووثقه ابن حبان، وقال: ربما أخطاه، وبقية رجاله وُثَّقُوا، ورواه الطبراني في \"الصغير\" ١/ ٣٤٤ من حديث الحسن بن علي مرفوعًا بلفظ \"احفظوا في العباس فإنه بقية آبائي\" قال الهيثمي: فيه جماعة لم أعرفهم وضعفه الألباني كما في \"ضعيف الجامع الصغير\" برقم ٢١٣، وأخرجه الخطيب في \"تاريخ بغداد\" ١٠/ ٦٨ من حديث عبد المطلب بن ربيعة، وقد ضعفه الألباني كما في \"السلسلة الضعيفة\" ٤/ ٤١٥، وروي عم مجاهد مرسلًا كما عند ابن أبي شيبة في \"المصنف\" ١٢/ ١٠٩ وعبد الرزاق في \"تفسيره\" ٢/ ٣٣١.\n(٤) كذا قرأ ابن عباس والحسن وابن يعمر والجحدري وأبو رجاء، كما في \"مختصر شواذ القرآن\" لابن خالويه ص ٩، \"شواذ القراءة\" للكرماني ص ٣٢، \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٢١١، \"البحر المحيط\" ١/ ٤٠٢، وقال الطبري في \"تفسيره\" ١/ ٥٦٣: وقرأ بعض المتقدمين (وإله أبيك إبراهيم) ظنا منه أن إسماعيل إذ كان عمًّا ليعقوب، فلا يجوز أن يكون فيمن ترجم به عن الآباء وداخلا في عدادهم، وذلك من قارئه كذلك قلة علم منه بمجاري كلام العرب، والعرب لا تمنع من أن =","vol":"3","page":348},{"text":"أحدهما: أنه جمع الأب على أَبِينَ كما ذكرنا.\nوالثاني: أنه كره أن يجعل إسماعيل من جملة الآباء فوحَّد الأب، ويكونُ التقدير: إلهَ أبيك إبراهيمَ وإله إسماعيل وإسحاق، كما تقول: رأيتُ غلامَ زيد وعمرو أي: غلامهما (١)، قال عطاء عن ابن عباس: إن الله لم يقبض نبيًّا حتى يخيره بين الموت والحياة، فلما خيرَّ يعقوب قال: أنظِرْني حتى أسألَ ولدى وأوصيَهم، فجمع ولده، وهم اثنا عشر رجلًا، وهم الأسباطُ، وجميع أولادهم، فقال لهم: قد حَضَرَتْ وفاتي، وأنا أريدُ أن أسألكم وأوصيكم: ما تعبدون من بعدي قالوا: نعبد إلهك كما في الآية (٢).\nوقوله تعالى: ﴿إِلَهًا وَاحِدًا﴾ ينتصب على وجهين: إن شئت على الحال، كأنهم قالوا: نعبد إلهَكَ في حال وحدانية، وإن شئت على البدلِ، وتكون الفائدة في هذا البدل: ذكر التوحيد، فيكون المعنى: نعبد إلهًا واحدًا (٣).\n_________\n= تجعل الأعمام بمعنى الآباء، والأخوال بمعنى الأمهات، فلذلك دخل إسماعيل فيمن ترجم به عن الآباء، وإبراهيم وإسماعيل وإسحاق ترجمة عن الآباء في موضع جر، ولكنهم نصبوا بأنهم لا يجرون.\n(١) ينظر: \"البحر المحيط\" ١/ ٤٠٢ - ٤٠٣، \"تفسير القرطبي\" ٢/ ١٢٧.\n(٢) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ٣/ ١٢١٠، والبغوي في \"تفسيره\" ١/ ١٥٤، والحافظ في \"العجاب\" ١/ ٣٨٠ من قول عطاء، وذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ١٢١٠ والرازي في \"التفسير الكبير\" ٤/ ٧٦، عن ابن عباس وذكره دون نسبة \"الخازن\" ١/ ١١٤، وأبو حيان في \"البحر المحيط\" ١/ ٤٠٢.\n(٣) من \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢١٢، وذكره الأخفش في \"معانيه\" ١/ ١٥٠ على وجه الحال فقط.","vol":"3","page":349},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-352>١٣٤ </span>- قوله تعالى: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ﴾ قال الأخفش: التاء في تلك: اسم المؤنث، واللام عمادٌ للتاء، والكاف خطاب، وهذا كما ذكرنا في ذلك قال: وكُسرت التاء من (١) تلك علامةً للتأنيث (٢).\nوقوله تعالى: ﴿قَدْ خَلَتْ﴾ أي: مضت (٣)، وخَلَتْ إذا استعمل في المكان فالمراد به خلوه عن السكان، وإذا استعمل في الزمان فالمراد به المضي (٤) كقوله ﷿: ﴿الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ [الحاقة: ٢٤]. وقول لبيد:\nحِجَجٌ خلون حلالُها وحرامُها (٥)\nوالمراد بقوله: (تلك أمة) إبراهيم وبنوه ويعقوب وبنوه الذين تقدم ذكرهم، (لها ما كسبت) من العمل، ثم قال لليهود: ﴿وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ﴾ أي: حسابهم عليهم، وإنما تسألون عن أعمالكم (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-353>١٣٥ </span>- قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ المعنى: قالت اليهود: كونوا هودًا، وقالت النصارى: كونوا نصارى (٧).\n_________\n(١) في (ش): (في).\n(٢) ينظر: \"شرح التصريح على التوضيح\" للشيخ خالد الأزهري ١/ ١٢٨.\n(٣) كذا قال الأخفش في \"معاني القرآن\" ١/ ١٥٠، \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٢١٢.\n(٤) \"تهذيب اللغة\" ١/ ١٠٧٤ (خلا).\n(٥) مطلع البيت:\nدمن تجرم بعد عهد أنيسها\nوهو من الكامل، للبيد بن ربيعة من معلقته، ينظر: \"ديوانه\" ص ١٦٣.\n(٦) ينظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٣١٢، \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٢١٢، \"تفسير ابن كثير\" ١/ ١٩٩.\n(٧) ذكره الزجاج في \"معاني القرآن\".","vol":"3","page":350},{"text":"قال ابن عباس: نزلت في: يهود المدينة، ونصارى نجران، قال كل واحد من الفريقين للمؤمنين: كونوا على ديننا فلا دين إلا ذلك (١).\nوقوله تعالى: ﴿بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ بنصب (٢) ﴿مِلَّةَ﴾ بفعل مضمر، كأنه قال: قولوا بل نتبع ملة إبراهيم (٣). وقال بعض النحويين: هو عطف على المعنى؛ لأن قوله: ﴿كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ معناه: اتبعوا اليهودية والنصرانية، فقال الله: ﴿مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ أي: بل اتبعوا ملته (٤).\nقال أبو اسحاق: ويجوز أن تنصب على معنى: بل نكون أهلَ ملةِ إبراهيم، ويحذف الأهل كقوله: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ (٥) [يوسف: ٨٢]، وإلى هذا القول أشار الفراء والكسائي.\n_________\n(١) ذكره الثعلبي، والواحدي في \"أسباب النزول\" ص ٤١، والبغوي ١/ ١٥٥، وابن حجر في \"العجاب\" ١/ ٣٨١، عن ابن عباس وأخرج الطبري ١/ ٥٦٤، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ١/ ٢٤١، عن ابن عباس، قال: قال عبد الله بن صوريا الأعور لرسول الله - ﷺ -: ما الهدى إلا ما نحن عليه، فاتبعنا يا محمد تهتد، وقالت النصارى مثل ذلك، فأنزل الله ﷿ فيهم: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا﴾، وذكره السيوطي في \"لباب النقول\" ص ٢٦ وعزاه في \"الدر\" ١/ ٢٥٧، لابن إسحاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، وحسن إسناده الأستاذ عصام الحميدان في تحقيقه لـ\"أسباب النزول\" للواحدي ص ٤٤.\n(٢) في (أ)، (م): (تنصب).\n(٣) ينظر: \"معاني القرآن\" للفراء، \"معاني القرآن\" للزجاج، وقال بعده: ويجوز الرفع (بل ملةُ إبراهيم حنيفا) والأجود والأكثر النصب، ومجاز الرفع على معنى: قل: ملتنا وديننا ملة إبراهيم.\n(٤) كذا في \"معاني القرآن\" للزجاج.\n(٥) \"معاني القرآن\" للزجاج، وذكره بنحوه أبو حيان في \"البحر المحيط\" ١/ ٤٠٦.","vol":"3","page":351},{"text":"قال الفراء: إن نصبتها بـ (نكون) كان صوابًا (١)، وقال الكسائي: بل يكون ملة إبراهيم. وقول الزجاج بيان لقولهما.\nقال أهل المعاني: وفي هذا احتجاج عليهم؛ إذ في اليهودية تناقُضٌ، وكذلك النصرانية، والتناقضُ لا يكون من عند الله، وملةُ إبراهيم سليمةٌ من التناقض، فهو أحقُّ بالاتباع (٢).\nفمِمَّا في اليهودية من التناقض (٣): امتناعُهم من جواز النسخ، مع ما في التوراة مما يدل على ذلك، وإمتناعُهُمْ من العمل بما تقدمت به البشارة في التوراة من اتباع النبي الأمي، مع إظهارهِم التمسك بها، وامتناعهم من الإذعان لما دلّت عليه المعجزة من نبوة محمد وعيسى ﵉، مع إقرارهم بنبوة موسى من أجل المعجزة، إلى غير هذا مما هم عليه من التناقض، وأما النصارى فقولهم بثلاثة، ثم يقولون: إنه إله واحد (٤).\nوقوله تعالى: ﴿حَنِيفًا﴾. انتصب على الحال؛ لأن المعنى: نتبعُ ملةَ ابراهيم في حال حنيفيته، وعند الكوفيين ينتصب على القطع، كأنه ملة\n_________\n(١) \"معاني القرآن\"، وعبارته (نكون). وفي الحاشية قال: وفي نسخ الفراء: بيكون، ولعل المراد إن صحت: يكون ما نختاره، وفي \"البحر\" ١/ ٤٠٥ ذكر من أعاريبه على النصب: أنه خبر كان أي: بل تكون ملة إبراهيم، أي: أهل ملة إبراهيم ... وإما أنه منصوب على الإغراء، أي: الزموا ملة إبراهيم، قاله أبو عبيد، وإما على أنه منصوب على إِسقاط الخافض، أي: نهتدي ملة: أي بملة.\n(٢) ينظر: \"تفسير الفخر الرازي\" ٤/ ٨٠.\n(٣) ساقط من (م) و(أ).\n(٤) ينظر: \"تفسير الفخر الرازي\" ٤/ ٨٠.","vol":"3","page":352},{"text":"إبراهيم الحنيف، فقطع عنه الألف واللام (١).\nوأمَّا معنى الحنيف: فقال ابنُ دُريد: الحنيف: العادل عن دين إلى دين، وبه سمي الإسلام: الحنيفية؛ لأنها مالت عن اليهودية والنصرانية (٢). قال أبو حاتم: قلت للأصمعي: من أين عُرِفَ في الجاهلية الحنيف؟ قال: لأن من عدل عن دين اليهود والنصارى فهو حنيف عندهم، وكان كل من حجَّ البيت سُمِّيَ حنيفًا، وكانوا في الجاهلية إذا أرادوا الحجَّ قالوا: هلموا نتَحَنَّفْ (٣) (٤). فالحنيف: المسلم؛ لأنه مال عن دين اليهود والنصارى إلى دين الإسلام، ومنه قيل للميل في القَدَم: حَنَفٌ.\nقال ذو الرمَة:\nإذا حَوَّل الظلُّ العشِيَّ رأيتَه ... حنيفًا وفي قَرنِ (٥) الضحَى يَتَنَصَّر (٦) (٧)\nوقال الأخفش: الحنيف: المسلم، وكان في الجاهلية يقال لمن اختتن وحج البيت: حنيف؛ لأن العرب لم تتمسك في الجاهلية بشيء من\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢١٤، \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ٢١٨، \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٢١٤، \"البيان\" لابن الأنباري ١/ ١٢٥، \"التبيان\" ١/ ٩٥، ٩٦.\n(٢) ذكره في \"الوسيط\" ١/ ٢١٨.\n(٣) في (م): (نحنف).\n(٤) ذكره في \"الوسيط\" ١/ ٢١٨.\n(٥) في (م): (قرب).\n(٦) البيت في \"ديوانه\" ص ٦٣٢، \"لسان العرب\" ٢/ ١٠٦٠، \"المعجم المفصل\" ٣/ ٢٦٥.\n(٧) في (م): (تنتصر).","vol":"3","page":353},{"text":"دين إبراهيم غير الختان، وحج البيت، فلما جاء الإسلام عادت الحنيفية، فالحنيف: المسلم (١).\nوروى ابن نجدة (٢)، عن أبي زيد (٣)، أنه قال: الحنيفُ: المستقيم، وأنشد (٤):\nتعلم أَنْ سَيَهْدِيْكُم إلينا ... طريقٌ لا يَجُور بكم حَنِيفُ (٥)\nفقيل: لكل من سَلَّم لأمر الله ولم يَلْتَوِ: حنيف (٦)، وهذا القول اختيار ابن قتيبة (٧)، والرياشي (٨)، قالا: الحنيفية: الاستقامة على دين إبراهيم، وإنما قيل للذي تقبل إحدى قدميه على الأخرى: أحنف، تفاؤلًا بالسلامة، كما قيل للمفازة (٩): مهلكة (١٠).\n_________\n(١) نقله عنه في \"تهذيب اللغة\" ١/ ٩٤٢، \"لسان العرب\" ٢/ ١٠٢٥.\n(٢) هو محمد بن الحسين بن محمد الطبري النحوي، يعرف بابن نجدة، قال ياقوت: مشهور في أهل الأدب، وله خط مرغوب فيه، قرأ على الفضل بن الحباب الجمحي. ينظر: \"بغية الوعاة\" ١/ ٩٤، \"معجم الأدباء\" ١٨/ ١٨٦.\n(٣) \"لسان العرب\" ٢/ ١٠٢٦ (حنف).\n(٤) نقله عنه في \"تهذيب اللغة\" ١/ ٩٤٢ (حنف).\n(٥) البيت بلا نسبة في \"تهذيب اللغة\" ١/ ٩٤٢، \"لسان العرب\" ٢/ ١٠٢٦ (حنف)، \"المعجم المفصل\" ٣/ ٢٦٥.\n(٦) \"تهذيب اللغة\" ١/ ٩٤٢ (حنف).\n(٧) \"غريب القرآن\" ص ٦٤ بنحوه، وكذا قال الطبري ١/ ٥٦٤ - ٥٦٥.\n(٨) هو العباس بن الفرج، أبو الفضل الرياشي، اللغوي النحوي، قرأ على المازني النحو، وقرأ عليه المازني اللغة، ووثقه الخطيب، صنف كتاب الخيل وكتاب الإبل، وغير ذلك، قتله الفرنج سنة ٢٥٧ هـ. ينظر: \"بغية الوعاة\" ٢/ ٢٧، \"الأعلام\" ٣/ ٢٦٤.\n(٩) في (ش): \"للمقارفة\".\n(١٠) لعل صحة العبارة كما قيل للمهلكة: مفازة، أو: كما قيل: مفازة للمهلكة، وينظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ٥٦٤.","vol":"3","page":354},{"text":"فأما التفسير: فروي عن ابن عباس أنه قال: الحنيف: المائل عن الأديان كلها إلى دين الإسلام (١).\nوقال مجاهد: الحنيفية اتباع الحق (٢)، وروي عنه أيضًا: الحنيفية: اتباع إبراهيم فيما أتى به من الشريعة التي صار بها إمامًا للناس بعده، من الحج، والختان، وغير ذلك من شرائعه (٣).\nوقال الحسن: الحنيفية: حج البيت (٤)، وهو معنى قول ابن عباس (٥)، وعطية (٦) (٧).\nوقيل: الحنيفية: إخلاص الدين لله وحده (٨)، وهذه الأقوال غير خارجة عما ذكره أهل اللغة؛ لأنها تعود إلى الاستقامة أو الميل إلى ما أتى به إبراهيم ﵇ من الشريعة (٩).\n_________\n(١) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ١٢١٤، والواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٢١٨، و\"البغوي\" ١/ ١٥٥، و\"الخازن\" ١/ ١١٥، و\"البحر المحيط\" ١/ ٤٠٦.\n(٢) بنحوه أخرج الطبري في \"تفسيره\" ١/ ٥٦٥ - ٥٦٦، وابن أبي حاتم ١/ ٤١ قال: وروي عن الربيع بن أنس نحو ذلك.\n(٣) عنه الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٢١٨، والبغوي في \"تفسيره\" ١/ ١٥٥.\n(٤) أخرجه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ١/ ٩٥، ومن طريقه أخرجه الطبري ١/ ٥٦٥، وأخرجه من طريق أخرى ١/ ٥٦٥، وذكره ابن أبي حاتم ١/ ٢٤٢، والثعلبي ١/ ١٢١٤.\n(٥) أخرجه عنه الطبري ١/ ٥٦٥، وابن أبي حاتم ١/ ٢٤١، قال: وروي عن الحسن والضحاك وعطية والسدي نحو ذلك.\n(٦) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٣/ ١٠٦، وذكره ابن أبي حاتم ١/ ٢٤١.\n(٧) تقدمت ترجمته.\n(٨) ذكر عن السدي كما أخرج الطبري في \"تفسيره\" ١/ ٥٦٦، وعن خصيف عند ابن أبي حاتم ١/ ٢٤٢، وذكره مقاتل في \"تفسيره\" ١/ ١٤١.\n(٩) رجح الطبري في \"تفسيره\" ١/ ٥٦٦ أن الحنف والحنيف: الاستقامة على دين =","vol":"3","page":355},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-354>١٣٦ </span>- قوله تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿وَالْأَسْبَاطِ﴾ قال الزجاج: الأسباط: ولد إسحاق، ومعنى القبيلة في ولد إسماعيل: معنى الجماعة، يقال لكل جماعة من واحد: قبيلة، ويقال لكل جمع على شيء واحد: قبيل، قال الله ﷿: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ﴾ (١) [الأعراف: ٢٧].\nفأما الأسباط: فهو مشتق من السبط، وهو ضرب من الشجر، يعلفه الإبل. كأنه جعل إسحاق بمنزلة شجرة، وكذلك يفعل النسابون في النسب، يجعلون الوالد بمنزلة الشجرة، ويجعلون الأولاد بمنزلة أغصانها (٢).\nوقال أبو العباس: سألت ابن الأعرابي، ما معنى السبط في كلام العرب؟ فقال: خاصة الأولاد (٣) والمُصَاصُ منهم (٤)، وكان في الأسباط أنبياء؛ لذلك قال: ﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ﴾.\nوقوله: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ أي: لا نكفر ببعض ونؤمن ببعض،\n_________\n= إبراهيم، واتباعه على ملته، وبين أنه لو كان المراد الحج، أو الاختتان؛ لوجب أن يكون المشركون حنفاء، وقد نفى الله عنهم ذلك.\n(١) عبارة الزجاج التي نقلها الأزهري في \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٦١٥ (سبط): والصحيح أن الأسباط في ولد إسحاق ﵇، بمنزلة القبائل في ولد إسماعيل، فولدُ كل ولد من أولاد يعقوب سبط، وولدُ كل ولد من أولاد إسماعيل قبيلة، وإنما سموا هؤلاء بالأسباط، وهؤلاء بالقبائل ليُفْصَل بين ولد إسماعيل وولد إسحاق ﵉.\n(٢) نقله بتصرف من \"تهذيب اللغة\" عن الزجاج ٢/ ١٦١٥ (سبط)، وقد ذكر في \"معاني القرآن\" شيئا يسيرا من هذا ١/ ٢١٧، وينظر: \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٢١٥، وقال: والأسباط من بني إسرائيل كالقبائل من العرب والشعوب من العجم.\n(٣) ساقط من (أ)، (م).\n(٤) كما في \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٦١٦ (سبط)، وعبارته: فقال: السِّبط والسِّبطان والأسباط: خاصة الأولاد، أو المُصاص منهم.","vol":"3","page":356},{"text":"كما فعلت اليهود والنصارى (١)، وإنما جاز ﴿بَيْنَ أَحَدٍ﴾، و(بين): تقتضي اثنين؛ لأنَّ أحدًا منهم يقع على الاثنين والجمع، يقال: ما عندي أحدٌ يتكلمون، فجاز دخول (بين) عليه، كما تقول: لا نفرق بين قوم منهم، وبين جمع منهم. ولهذه العلة جمع نعته في قوله تعالى: ﴿فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ [الحاقة: ٤٧] (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-355>١٣٧ </span>- قوله تعالى: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ قال الزجاج: تأويل هذا: إن أتوا بتصديقٍ مثل تصديقكم (٣)، فيُحْمَلُ على تشبيهٍ بالإيمان، لا على التشبيه في الشيء الذي آمنوا به، كأنه قال: إن آمنوا وكان إيمانهم كإيمانكم، ووحدوا كتوحيدكم، وهذا قول ابن الأنباري، وزاد بيانًا فقال: المعنى: فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به، أي: فإن آمنوا مثل إيمانكم، فتزاد الباء للتوكيد، كما زيدت في قوله: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ [مريم: ٢٥].\nوقال أبو معاذ النحوي (٤): أراد: إن آمنوا هم (٥) بكتابكم كما آمنتم أنتم بكتابهم (٦). فالمثل هاهنا: الكتاب، والمسلمون يؤمنون بالتوراة،\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢١٥، \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٢١٤.\n(٢) ينظر: \"البحر المحيط\" ١/ ٤٠٩.\n(٣) \"معاني القرآن\" ١/ ٢١٧.\n(٤) هو أبو معاذ النحوي المروزي، المقرئ اللغوي، تقدمت ترجمته في المقدمة.\n(٥) ليست في (م).\n(٦) نقله البغوي في \"تفسيره\" ١/ ١٥٦.","vol":"3","page":357},{"text":"وقيل: المثل ههنا صلة، والمعنى: فإن آمنوا بما آمنتم به (١)، والمثل قد يذكر ولا يراد به الشَبْهُ والنظير، كقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، قيل: ليس كهو شيء (٢).\nوقوله تعالى: ﴿فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ أي: فقد صاروا مسلمين (٣).\n﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ﴾ أي: خلاف وعداوة (٤)، وتأويله: أنهم صاروا في شِقّ غير شَقّ المسلمين (٥)، والعداوة تسمى شقاقًا؛ لأنّ كلّ واحد من المعادين يأتي بما يشقّ على صاحبه، أو لأنّ كل واحد صار في شقّ غير شق صاحبه للعداوة والمباينة (٦).\nوقوله تعالى: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾ قال المفسرون: كفاه الله أمر اليهود بالقتل والسبي في قريظة، والجلاء والنفي في بني النضير، والجزية والذلة (٧) في نصارى نجران (٨).\n_________\n(١) \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٢٢٤، والبغوي في \"تفسيره\" ١/ ١٥٦، وقد ورد عن ابن عباس أنه كان يقرأ الآية: فإن آمنوا بالذي آمنتم به، كما ذكره الطبري في \"تفسيره\" ١/ ٥٦٩، وبين الطبري أن مراد ابن عباس: فإن صدقوا مثل تصديقكم بما صدقتم به، فالتشبيه وقع بين التصديقين، الإقرارين اللذين هما: إيمان هؤلاء، وإيمان هؤلاء.\n(٢) ينظر: \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٢١٨، \"البحر المحيط\" ١/ ٤١٠.\n(٣) كذا قال الزجاج في \"معاني القرآن\" ١/ ٢١٤، والثعلبي ١/ ١٢١٧.\n(٤) ذكره الثعلبي ١/ ١٢١٨، عن ابن عباس وعطاء والأخفش.\n(٥) في (م): (الإسلام).\n(٦) بنحوه عند الزجاج في \"معاني القرآن\" ١/ ٢١٤، \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٢١٨، \"تفسير السمرقندي\" ١/ ١٦٢، والرازي ٤/ ٩٣.\n(٧) في (ش): (والذلة والجزية).\n(٨) \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١٢٢٠و ١/ ١٥٧، \"تفسير القرطبي\" ٢/ ١٣١، \"البحر المحيط\" ١/ ٤١٠.","vol":"3","page":358},{"text":"وقال عطاء عن ابن عباس في قوله: ﴿فِى شِقَاقٍ﴾ يريد في خلاف لدينهم ولدينكم (١)؛ لأنهم أمروا في التوراة بالإيمان بمحمد - ﷺ -. وقال الحسن: علموا أولادَكم وأهاليكم وخدمَكم أسماء الأنبياء، الذين ذكرهم الله في كتابه، حتى يؤمنوا بهم، ويصدقوا بما جاءوا به. هذا قوله (٢).\nوقالت العلماء: لا يكون الرجل مؤمنًا حتى يؤمن بسائر الأنبياء السابقين، وجميع الكتب التي أنزلها الله على الرسل، فيجب على الإنسان أن يُعَلِّمَ صِبيانَه ونساءهَ أسماءَ الأنبياء ويأمرهم بالإيمان بجميعهم؛ إذ لا يبعد أن يظُنَّوا أنهم كُلِّفوا الإيمان بمحمد - ﷺ - فقط فيلقَّنوا قوله تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ الآية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-356>١٣٨ </span>- قوله تعالى ﴿صِبغَةَ الله﴾ الصِّبْغ: ما يُلَوَّنُ به الثياب، والصَّبْغُ المصدر، وأصله: المزجُ للتلوين، وما يُصْطبَغُ به من الأطعمة يسمى: صِبْغا وصِبَاغًا؛ لأنه مزج شيء بشيء، ولون بلون (٣).\nقال الحسن (٤) وقتادة (٥) وأبو العالية (٦) ومجاهد (٧) والسُّدّي (٨) وعطية (٩) وابن زيد (١٠): دين الله. فعلى هذا القول، إنما سمي الدينُ\n_________\n(١) بنحوه مختصرًا عند الثعلبي في \"تفسيره\" ٣/ ١٢١٨، والبغوي ١/ ١٥٦.\n(٢) ذكره في \"الوسيط\" عنه، وبنحوه عن الضحاك، كما في \"الدر المنثور\" ١/ ٢٥٨.\n(٣) ينظر: \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٩٧٥ - ١٩٧٦ \"صبغ\"، \"البحر المحيط\" ١/ ٤١١.\n(٤) ذكره ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ١/ ٢٤٥.\n(٥) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ١/ ٥٧١، وذكره ابن أبي حاتم ١/ ٢٤٥.\n(٦) المراجع السابقة.\n(٧) المراجع السابقة.\n(٨) المراجع السابقة.\n(٩) المراجع السابقة.\n(١٠) المراجع السابقة.","vol":"3","page":359},{"text":"صبغةً؛ لأن المتدين يَلْزَمُه ولا يُفَارقُه، كما يلزم الصبغُ الثوبَ. والعرب تقول: فلانٌ يَصْبغ فلانًا في الشرّ، إذا أدخله فيه، وألزمه إياه، كما يلزم الثوب الصبغ، خاطبهم الله في كتابه بمثل ما يعرفون في لغتهم، أنشد ثعلب:\nدعِ الشَّرَّ وَانْزِلْ بِالنَّجَاةِ تَحَرُّزًا ... إذا أنت لم يَصْبِغْكَ في الشَّرِّ صَابغُ (١)\nقال اللحياني: تَصَبَّغَ فلان في الدين تَصَبُّغُا، وصِبْغَةً حسنة (٢).\nوقال أبو عمرو: كل ما يتقرب به إلى الله ﷿ فهو الصِّبْغَةُ (٣).\nوقال ابن عباس: إن النصارى كانوا إذا ولد لأحدهم ولد، فأتى على سبعة أيام غمسوه في ماء لهم، يقال له: المعمودي، وصبغوه به ليطهروه بذلك مكان الختان (٤)، ويقولون: هو تطهير له وتنظيف، فجعل الله الختان للمسلمين تنظيفًا وتطهيرًا، وأمر به معارضةً للنصارى. فعلى هذا القول جرت الصبغة على الختانة؛ لصبغهم غلمانهم في الماء.\n_________\n(١) البيت بلا نسبة في: \"أساس البلاغة\"، (دبغ)، (صبغ)، \"المعجم المفصل\" ٣/ ٢٦٧.\n(٢) ذكره الأزهري في \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٩٧٦، وابن منظور في \"اللسان\" ٤/ ٢٣٩٦ (صبغ).\n(٣) ذكره الأزهري في \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٩٧٦، وعنه ابن منظور في \"اللسان\" ٤/ ٢٣٩٦.\n(٤) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ١٢٢٣، وعنه البغوي في \"تفسيره\" ١/ ١٥٧، والواحدي في \"أسباب النزول\" ص ٤٤، ٤٥، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ١/ ١٥١، \"تفسير القرطبي\" ٢/ ١٣٢، و\"الخازن\" ١/ ١١٦، وأبو حيان في \"البحر المحيط\" ١/ ٤١١، وابن حجر في \"العجاب\" ١/ ٣٨٢.","vol":"3","page":360},{"text":"قال الأزهري: يقال: صَبَغَتِ الناقَةُ مَشَاَفِرَها في الماء: إذا غمستها، وصبغ يده في الماء (١)، قال:\nقد صبغت مشافرًا كالأشبارْ (٢)\nفسمي الختانُ صبغةً من حيثُ كان بدل ما فعلوه من صبغهم أولادهم، كما قال: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠] فسمى الثانية سيئة لما كانت في معارضة الأولى، كذلك الختانة سماها الله تعالى صبغة؛ لأنها تجري (٣) للمسلمين مجرى صبغ النصارى أولادهم، وهذا القول اختيار الفراء (٤). ويحتمل أنه سمي الختان صبغة؛ لأنه يصبغُ الولدَ بالدم.\nوذكر أبو إسحاق في قوله: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ قولًا آخر، هو مذهب أبي عُبيدة (٥)، وهو أنه قال: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ أي: خِلقَةَ الله، من صبَغْتُ الثوب، إذا غيرتُ لونَه وخِلْقَتَه، فيجوز أن يسمى الخلقة صبغة، والله تعالى ابتدأ الخلقة على الإسلام بدليل قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ﴾ [الأعراف: ١٧٢] الآية.\nوقوله: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠] (٦)، وما\n_________\n(١) \"تهذيب اللغة\" له ٢/ ١٩٧٦ (صبغ).\n(٢) هذا رجز ذكره الأزهري في \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٩٧٦، وابن منظور في \"اللسان\" ٤/ ٢٣٩٦ (صبغ)، ولم ينسباه.\n(٣) في (م): (تجزي).\n(٤) \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٨٢، وينظر: \"الزاهر\" ١/ ١٤٥، \"تفسير الطبري\" ١/ ٥٧٠.\n(٥) \"مجاز القرآن\" ١/ ٥٩.\n(٦) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢١٥ - ٢١٦، والثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ١٢٢١.","vol":"3","page":361},{"text":"رُوِيَ أن النبي - ﷺ - قال: \"كل مولود يُولَد على الفطرة\" (١)، معناه: إن كل مولود يولد في العالم على ذلك الإقرار الأول، وعلى ذلك العهد حين قالوا: ﴿بَلَى﴾ وهو الفطرة، ومعنى الفطرة (٢): ابتداء الخلقة. ثم يُهَوِّدُ اليهودُ أبناءَهم، وُيمَجِّسُ المجوسُ أبناءَهم، وليس الإقرارُ الأول مما يَقَعُ به حكم، أو عليه ثواب.\nوانتصب قوله: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ عند الأخفش (٣) على البدل من قوله: ﴿مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾. وذكر الزجاج (٤) في انتصابه الوجهين اللذين ذكرنا في ﴿مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾، وقال أبو عبيد: نصب على الإغراء، أي: الزموا واتبعوا (٥).\nوقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً﴾ أي: دينًا، على القول الأول، وعلى قول ابن عباس: تطهيرًا، ومعناه: أن التطهير الذي أمر الله به مبالغ في النظافة، وعلى قول أبي إسحاق: فطرة وخلقة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-357>١٣٩ </span>- قوله تعالى: ﴿قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا﴾ الخطاب ليهود المدينة، ونصارى نجران، ومحاجتهم أنهم قالوا: إن أنبياء الله كانوا منا، وديننا هو الأقدم، وكتابنا هو الأسبق، ولو كنت نبيًّا كنت منَّا، فأنزل الله تعالى: ﴿قُلْ\n_________\n(١) أخرجه البخاري (١٣٨٥) كتاب \"الجنائز\"، باب: ما قيل في أولاد المشركين، ومسلم (٢٦٥٨) كتاب \"القدر\"، باب: معنى كل مولود يولد على الفطرة: ٤/ ٢٠٤٧، حديث ٢٦٥٨.\n(٢) ليست في (أ) و(م).\n(٣) \"معاني القرآن\" للأخفش ١/ ١٥٠، وينظر: \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٢٢٤.\n(٤) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢١٥.\n(٥) ذكره عنه الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ١٢٢٣، وذكر هذا الوجه ابن الأنباري في \"البيان في غريب إعراب القرآن\" ١/ ١٢٦، وأبو حيان في \"البحر\" ١/ ٤١٢، والبغوي في \"تفسيره\" ١/ ١٥٧.","vol":"3","page":362},{"text":"أَتُحَاَجُّونَنَا﴾ (١) أي: أتخاصموننا وتجادلوننا، والمحاجة: مفاعلة من الحجة (٢). وظاهر الألف: الاستفهام، ومعناه: التوبيخ والتقرير هاهنا (٣)، وذكرنا في سورة آل عمران لم صار لفظ الاستفهام للتوبيخ.\nوقوله تعالى: ﴿فِي اللَّهِ﴾ أي: في دين الله (٤)، ولنا أعمال نجازى بحسنها وسيئها، وأنتم في أعمالكم على مثل سبيلنا، لا يؤخذ بعض (٥) بذنب بعض. ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ﴾ أي: موحدون (٦)، ومعنى الإخلاص: التنقية من الشوائب (٧).\nولقد سألت الأستاذ أبا إسحاق أحمد بن محمد (٨) ﵀ فحدثني بإسناده مسلسلا (٩): أن حذيفة (١٠) ﵁ قال: سألت النبي - ﷺ - عن\n_________\n(١) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ١٢٢٤، والواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٢٢٣، و\"الوجيز\" ١/ ٥٠٦، والبغوي في \"تفسيره\" ١/ ١٥٧، و\"الخازن\" ١/ ١١٦، وأبو حيان في \"البحر\" ١/ ٥٨٥.\n(٢) \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٢٢٤، \"تفسير البغوي\" ١/ ١٥٧، \"البحر المحيط\" ١/ ٤١٢.\n(٣) قال أبو حيان في \"البحر المحيط\" ١/ ٤١٣: والهمزة للاستفهام مصحوبًا بالإنكار عليهم. وينظر: \"تفسير القرطبي\" ٢/ ١٣٣.\n(٤) في \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٢٢٤ قال: وذلك أنهم قالوا: يا محمد إن الأنبياء كانوا منا وعلى ديننا، ولم يكن من العرب نبي، فلو كنت نبيًّا لكنت منا وعلى ديننا، وينظر: \"تفسير البغوي\" ١/ ١٥٧، \"تفسير الخازن\" ١/ ١١٦.\n(٥) في (ش): (بعضنا).\n(٦) \"تفسيرالثعلبي\" ١/ ١٢٢٤.\n(٧) ينظر: \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٢٢٥ - ١٣٣٢، وقد أفرد فصلًا في معنى الإخلاص، \"تفسير البغوي\" ١/ ١٥٧.\n(٨) يعني الثعلبي.\n(٩) هذا الحديث مسلسل بالسؤال عن الإخلاص من أدناه إلى أعلاه.\n(١٠) هو حذيفة بن اليمان العبسي، حليف الأنصار، صحابي جليل من السابقين، =","vol":"3","page":363},{"text":"الإخلاص، ما هو؟ قال: \"سألت جبريل عن الإخلاص، ما هو؟ قال: سألت ربَّ العزة عن الإخلاص، ما هو؟ قال: سرٌ من سِرِّي، استودعتُه قلبَ مَنْ أحببتُ من عبادي\" (١).\nقال ابن الأنبارى: وفي الآية إضمار واختصار، أراد: ونحن له مخلصون، وأنتم غير مخلصين، فحذف اكتفاء بقوله: ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ﴾.\nقال: ومعنى الآية: أتحتجون علينا، وأنتم مشركون كافرون بالأنبياء، ونحن مخلصون له بالعبادة والتوحيد؟ ومَن هو على مثل سبيلكم، الواجبُ عليه أن يتشاغل بالفكر في عماه، وأن لا ينازع ويناظر من يعلم (٢) أنه أرشد منه وأهدى سبيلًا. وتلخيص الآية: لا حجة لكم علينا في دين ربنا؛ إذ كنا نخلص له (٣) ولا نعبد معه سواه، وأنتم تجعلون له الشركاء والأنداد (٤).\n_________\n= أعلمه النبي - ﷺ - بما كان وما يكون إلى أن تقوم الساعة، كما في \"صحيح مسلم\"، وأبوه صحابي أيضًا، توفي في أول خلافة علي سنة ٣٦ هـ ينظر: \"تقريب التهذيب\" ص ١٥٤ (١١٥٦)، \"أسد الغابة\" لابن الأثير ١/ ٤٦٨.\n(١) رواه الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ١٢٢٥، وذكره الديلمي في \"مسند الفردوس\" ٣/ ١٨٧، عن علي وابن عباس مرفوعًا، وذكره القرطبي في \"تفسيره\" ٢/ ١٣٤، وأبو حيان في \"البحر المحيط\" ١/ ٤١٣، والآلوسي في \"روح المعاني\" ١/ ٣٩٩، والحديث في إسناده أحمد بن عطاء، وعبد الواحد بن زيد، وقال عنه الحافظ ابن حجر في \"الفتح\" ٤/ ١٠٩: حديث واهٍ جدًا وضعفه كذلك الدكتور خالد العنزي في تحقيق \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٢٢٧.\n(٢) في (ش): (يعلم الله).\n(٣) في (ش): (معه).\n(٤) ينظر: \"البحر المحيط\" ١/ ٤١٣ - ٤١٤.","vol":"3","page":364},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-358>١٤٠ </span>- قوله تعالى: ﴿أَمْ تَقُولُونَ﴾ قرئ بالتاء والياء (١)، فمن قرأ بالتاء؛ فلأن ما قبله من قوله: ﴿قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا﴾ وما بعده من قوله: ﴿قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ﴾ بالتاء. ومن قرأ بالياء؛ فلأن المعنى لليهود والنصارى، وهم غَيْبٌ (٢). ومعنى الآية: كأنه قيل لهم: بأي: الحجتين تتعلقون؟ أبالتوحيد؟، فنحن موحدون، أم باتباع دين الأنبياء، فنحن متبعون دونكم (٣)، فمن الجهتين جميعًا لا تلزمنا لكم حجة. هذا على قراءة من قرأ (٤) بالتاء، وتكون الآية متصلة بما قبلها من الاستفهام الذي معناه الإنكار، ومن قرأ بالياء، فمعناه الانقطاع إلى حجاج آخر غير الأول، كأنه قيل: بل أيقولون إن الأنبياء من قبل أن تنزل التوراة والإنجيل كانوا هودًا أو نصارى؟ كأنه أعرض عن خطابهم استجهالًا لهم بما كان منهم؛ كما يُقبِل العالِم على من بحضرته بعد ارتكاب مخاطبه جهالة شنيعة، هذا كله قول أصحاب المعاني في هذه الآية (٥).\nوقوله تعالى: ﴿قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّه﴾ أي: قد أخبرنا الله أن الأنبياء كان دينهم الإسلام، ولا أحد أعلم منه (٦) (٧).\n_________\n(١) قرأ ابن كثير ونافع وعاصم في رواية أبي بكر، وأبو عمرو، بالياء، وقرأ الباقون بالتاء. ينظر: \"السبعة\" ص ١٧١، \"الحجة\" لأبي علي ٢/ ٢٢٩، \"الكشف\" لمكي ١/ ٢٦٦.\n(٢) من \"الحجة\" ٢/ ٢٢٩ بتصرف، وينظر: الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ١٢٣٢، والبغوي في \"تفسيره\" ١/ ١٥٨.\n(٣) كذا قال الزجاج في \"معاني القرآن\" ١/ ٢١٧.\n(٤) في (م) و(ش): (قرأ).\n(٥) ينظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢١٧.\n(٦) ساقط من (ش).\n(٧) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢١٧.","vol":"3","page":365},{"text":"وقوله تعالى ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ توبيخٌ من الله لليهود بعد أن قامت الحجةُ عليهم (١).\nقال ابن عباس: يريد مَنْ أظلمُ ممَّنْ كتمَ شهادتَه التي أشهد عليها، يريد أن الله أشهدهم في التوراة والإنجيل: أنه باعث فيهم محمد بن عبد الله من ذرية إبراهيم، وأخذ على ذلك مواثيقهم أن يبيّنوه للناس ولا يكتموه، فكتموه وكذبوا فيه (٢).\nوقال مجاهد (٣) والربيع (٤): الشهادةُ في أمر إبراهيم والأنبياء الذين ذكرهم وأنهم كانوا حنفاء مسلمين، فكتموها، وقالوا: إنهم كانوا هودًا أو نصارى (٥).\nوحكى ابن الأنباري عن بعضهم: أن هذا من كلام المسلمين، يريدون: من أظلم منا إن تابعناكم على ما تقولون، بعد ما وقفنا على كذبكم بإعلام الله إيّانا، وكتمان أمر محمد، والشهادة له بالنبوة، بعد أن ثبتت (٦)\n_________\n(١) \"البحر المحيط\" ١/ ٤١٥.\n(٢) هذا من رواية عطاء التي تقدم ذكرها في المقدمة، ويذكر قريب منه عن غير ابن عباس عند الطبري في \"تفسيره\" ١/ ٥٧٤ - ٥٧٥، وابن أبي حاتم ١/ ٢٤٦.\n(٣) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ١/ ٥٧٤.\n(٤) أخرجه الطبري ١/ ٥٧٥، وذكره ابن أبي حاتم ١/ ٢٤٦.\n(٥) رجح هذا القول الطبري في \"تفسيره\" ١/ ٥٧٥ - ٥٧٥ مبينًا أن هذه الشهادة جاءت بعد ذكر هؤلاء الأنبياء؛ فأولى بها أن تكون متصلة بهم لا بموضوع آخر، والشهادة التي عندهم ما أنزل الله إليهم في التوراة والإنجيل من الأمر بمتابعة هؤلاء المذكورين من الأنبياء، وأنهم كانوا حنفاء مسلمين فكتموا ذلك حينما دعاهم إليه رسول الله - ﷺ - إلى الإسلام. ورجحه كذلك أبو حيان في \"البحر\" ١/ ٤١٥، مبينا أنه أشبه بالسياق.\n(٦) في (م): (ثبت).","vol":"3","page":366},{"text":"عندنا نبوته بإخبار الله تعالى إيانا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-359>١٤١ </span>- قوله تعالى ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ﴾ أي: ثواب ما كسبت ﴿وَلَكُمْ﴾ ثواب ﴿مَا كَسَبْتُمْ﴾ (١) وحَسُنَ تكريرُ هذه الآية؛ لأن الحجاج إذا اختلفت مواطنه حَسُنَ تكريرُه للتذكير به (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-360>١٤٢ </span>- قوله تعالى ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ﴾ الآية، نزلت في تحويل القبلة إلى الكعبة.\nقال ابن عباس: عَنَى بالسفهاء يهود المدينة (٣)، وقال الحسن: يعني مشركي مكة.\nوقال السدي: يعني منافقي المدينة، وذلك أن المشركين قالوا لما توجه النبي - ﷺ - إلى الكعبة: قد اشتاق محمد إلى مولده، ومولد آبائه، وقد توجه نحو قبلتكم، وهو راجع إلى دينكم. وقالت اليهود: قد تردد على محمد أمره، ولا يدري أين يتوجه. وقالت المنافقون استهزاءً بالإسلام والمسلمين: ﴿مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ﴾ (٤)، والسفهاء: جمع سفيه، وهو الخفيف إلى ما لا يجوز له أن يخِفّ إليه (٥)، وذكرنا هذا فيما تقدم.\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢١٨.\n(٢) ينظر: \"الوسيط\" ١/ ٢٢٤، \"البحر المحيط\" ١/ ٤١٥، وقال: وليس ذلك بتكرار؛ لأن ذلك ورد إثر شيء مخالف لما وردت الجمل الأولى بإثره، وإذا كان كذلك فقد اختلف السياق فلا تكرار، بيان ذلك: أن الأولى وردت بإثر ذكر الأنبياء فتلك إشارة اليهم، وهذه وردت عقب أسلاف اليهود والنصارى فالمشار إليه هم.\n(٣) أخرجه الطبري ٢/ ١، وذكره ابن أبي حاتم ١/ ٢٤٧.\n(٤) ينظر: \"تفسير البغوي\" ١/ ١٥٨.\n(٥) ينظر: \"اللسان\" ٤/ ٢٠٣٢ (سفه).","vol":"3","page":367},{"text":"وقوله تعالى: ﴿مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ﴾ أي: عَدَلهم وصرفهم (١)، ونذكر أصل هذا الحرف عند قوله: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ [البقرة: ١٤٨].\nوقوله تعالى: ﴿عَنْ قِبْلَتِهِمُ﴾ القبلة: الوجهة، وهي الفعلة من المقابلة، والعرب تقول: ماله قِبلة ولا دِبرة، إذا لم يهتد لجهة أمره، وأصل القبلة في اللغة: الحالة التي يقابل الشيء غيره عليها، كالجلسة للحال التي يجلس عليها، إلا أنها الآن صارت كالعلم للجهة التي تستقبل في الصلاة (٢).\nوقوله تعالى: ﴿الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ يعنون: بيت المقدس، في قول أكثر المفسرين، والضمير في قبلتهم: للنبي - ﷺ - وأصحابه.\nوقال عطاء عن ابن عباس: يريد التي كان عليها إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط (٣)، وهذا على زعمهم؛ لأنهم كانوا يدعون أن قبلة إبراهيم كانت بيت المقدس، وعلى هذا القول الضمير (٤) في ﴿قِبلَتِهِمُ﴾ لإبراهيم ومن ذُكر بعده، كأنهم قالوا: ما ولّى النبي وأصحابه عن قبلة إبراهيم والأسباط. والقول هو الأول، وعليه المفسرون.\nوقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ أي: له أن يأمر بالتوجه إلى أي جهة شاء (٥).\nوقيل: أراد بالمشرق الكعبة؛ لأن المصلي بالمدينة إذا توجه إلى الكعبة فهو متوجه إلى المشرق، وإذا توجه إلى بيت المقدس فهو متوجه إلى\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" ٢/ ٢، \"تفسير القرطبي\" ٢/ ١٣٧ - ١٣٨.\n(٢) \"اللسان\" ٦/ ٣٥١٧ (قبل).\n(٣) قريب منه في \"تفسير ابن أبي حاتم\" ١/ ٢٤٧.\n(٤) ساقط من (م).\n(٥) كذا في \"تفسير القرطبي\" ٢/ ١٤٠.","vol":"3","page":368},{"text":"المغرب (١).\nوقوله تعالى: ﴿يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ قال ابن عباس: إلى دين مستقيم، يريد: أني قد رضيت قبلة أولئك، ورضيت هذه القبلة لمحمد - ﷺ -. \"ودين الله\" يسمى: صراطًا مستقيمًا؛ لأنه يؤدي إلى الجنة؛ كما يؤدي الطريق المستقيم إلى البغية (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-361>١٤٣ </span>- قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ الآية. قال أهل المعاني: التشبيه في قوله: ﴿وَكذَلِكَ﴾ يرجع إلى ذكر الأنبياء الذين أنعم الله عليهم، وهم إبراهيم وأولاده، فلما ذكرهم وذكر النعمة عليهم بالكتاب المنزل، والحنيفية المستقيمة، قال: ﴿وَكذَلِكَ﴾ أي: وكما اخترنا إبراهيم وذريته واصطفيناهم، كذلك جعلناكم أمةً وسطًا (٣).\nوقيل: هذه الآية تتصل بما قبلها من قوله: ﴿يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أي: هديناكم وخصصناكم دونهم بالصراط المستقيم، وتحويل قبلتكم إلى قبلة إبراهيم، وكذلك أنعمنا عليكم نعمة أخرى فقال: إنا جعلناكم عدولًا (٤).\nوقوله: ﴿وَسَطًا﴾ الوسط: اسم لما بين طرفي الشيء. قال الفراء: الوَسَط المثقل: اسم، كقولك: رأسٌ وسط وأسفل، ولا تقولن ههنا:\n_________\n(١) ذكره أبو حيان في \"البحر\" ١/ ٤٢١.\n(٢) ينظر: \"تفسير القرطبي\" ٢/ ١٤٠.\n(٣) ينظر: \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٢٣٥، \"تفسير البغوي\" ١/ ١٥٨، \"تفسير الرازي\" ٤/ ٩٦ - ٩٧.\n(٤) ذكر الرازي في \"التفسير الكبير\" ٤/ ٩٦ - ٩٧، وجوهًا أخر. وينظر: \"المحرر الوجيز\" ٢/ ٣ - ٤، \"البحر المحيط\" ١/ ٤١٢.","vol":"3","page":369},{"text":"وسْط بالتخفيف، واحتجم وَسَط رأسه، وربما خفف، وليس بالوجه. وجلس وسْط القوم، ولا تقول (١): وسَط؛ لأنه في معنى بين القوم، وجلس وسَط الدار؛ لأن (بين) لا يصلح في هذا الموضع، وربما خفف.\nقال الفراء: قال ابن يونس: سمعت وسْط ووَسَط بمعنًى (٢)، قال الشاعر:\nقالوا يالَ أشجع يومَ هَيْجٍ ... ووَسْط الدار ضَربًا واحْتِمايا (٣)\nقال أحمد بن يحيى: ما اتحدت أجزاؤه فلم يتميز بعضه من بعض فهو وسَط بتحريك السين، نحو: وسَط الدار، ووسَط الرأس والكف، وما أشبهها. وما التفت أجزاؤه متجاورة، بعضها يتميز (٤) من بعض، كالعقد، وحلقة الناس، فهو وسْط (٥). ومما يصدق هذا ما روي في الخبر: \"الجالس وسْط الحلقة ملعون\" (٦)، لم يرو إلا بالتخفيف، وقال محمد بن يزيد: ما كان اسمًا فهو وسَط، محرّك السين، نحو قولك: وسَط رأسه صلبٌ، ووسَط\n_________\n(١) في (أ): (ولا يقول).\n(٢) قال الجوهري: كل وضع صلح فيه بين فهو وسْط، وإن لم يصلح فيه بين فهو وسَط بالتحريك، وقال: وربما سكن، وليس بالوجه. وذكر البيت.\n(٣) البيت، نسبه في \"اللسان\" ٨/ ٤٨٣١ (وسط) لأعصر بن سعد بن قيس عيلان.\n(٤) في (م): (يتميز بعضها من بعض).\n(٥) نقله عنه بمعناه في \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٢٨٨٨، \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٢٣٤، \"اللسان\" ٨/ ٤٨٣٢ (وسط).\n(٦) أخرجه الإمام أحمد في \"المسند\" ٥/ ٣٨٤ عن حذيفة، في الذي يقعد في وسط الحلقة قال: ملعون على لسان ٢٢٧٥٢، والترمذي (٢٧٥٣) الأدب، باب: كراهية القعود وسط الحلقة، وأبو داود (٤٨٢٦) الأدب، باب: في الجلوس وسط الحلقة، وقال الترمذي: حسن صحيح.","vol":"3","page":370},{"text":"داره واسع، وما كان طرفًا فهو وسْط، مسكن السين، نحو قولك: وسْط رأسه دهن، ووسْط داره رجل أي: في وسط داره، وفي وسط رأسه (١).\nقال الفراء: ويقال: وسطتُ القوم سِطةً ووسوطًا إذا دخلت وسطهم: قال الله تعالى: ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾ [العاديات: ٥] (٢).\nفأما التفسير: فقال عُظْم أهل التفسير في قوله: ﴿أُمَّةً وَسَطًا﴾ أي: عدلًا خيارًا (٣)، وروي ذلك في حديث مرفوع، أخبرناه الأستاذ أبو طاهر محمد بن محمد بن محمش الزيادي (٤) ﵀، ثنا أبو بكر محمد بن عمر بن حفص الزاهد (٥)، ثنا إبراهيم بن عبد الله الكوفي العبسي (٦)، ثنا\n_________\n(١) نقله عنه بمعناه في \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٢٨٨٨، \"اللسان\" ٢/ ٤٨٣٢ (وسط).\n(٢) نقله عنه بمعناه في \"اللسان\" ٨/ ٤٨٣٣، ينظر في معاني الوسط: \"المفردات\" ص ٥٣٧ - ٥٣٨، \"البحر المحيط\" ١/ ٤١٨، \"اللسان\" ٨/ ٤٨٣١ - ٤٨٣٤ (وسط).\n(٣) ينظر: \"تفسير الطبري\" ٢/ ٧، وابن أبي حاتم ١/ ٢٤٩، \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٢٣٤، \"المحرر الوجيز\" ٢/ ٤ - ٥، \"تفسير القرطبي\" ٢/ ١٤٠.\n(٤) هو محمد بن محمد بن محمش الزيادي، أبو طاهر، من شيوخ الواحدي، كان إمام أصحاب الحديث بخراسان، وفقيههم ومفتيهم، أخذ الواحدي عنه، توفي سنة ٤١٠هـ. ينظر: \"سير أعلام النبلاء\" ١٧/ ٢٧٦ - ٢٧٨، \"تذكرة الحفاظ\" ٣/ ١٠٥١.\n(٥) هو الإمام الزاهد المعمر أبو بكر محمد بن عمر بن حفص النيسابوري العابد، سمع سهل بن عمار وغيره، روى عنه أبو طاهر بن محمش وغيره، توفي سنة ٣٣٥ هـ. ينظر: \"سير أعلام النبلاء\" ١٥/ ٣٧٦.\n(٦) هو إبراهيم بن عبد الله العبسي الكوفي أبو شيبة، سمع من أبي نعيم وقبيصة والإمام أحمد وغيرهم، وحدث عنه ابن ماجه والنسائي في اليوم والليلة، قال أبو حاتم: صدوق، توفي سنة ٢٦٥ هـ. ينظر: \"السير\" ١١/ ١٢٨، \"الجرح والتعديل\" ٢/ ١١٠.","vol":"3","page":371},{"text":"وكيع (١)، عن الأعمش (٢)، عن أبي صالح، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"يدعى نوح يوم القيامة، فيقال له (٣): هل بلّغت؟ فيقول: نعم. فيدعى قومه، فيقال لهم: هل بلغكم؟ فيقولون: ما أتانا من نذير، وما أتانا من أحد، فيقال لنوح: من يشهد لك؟ فيقول: محمد - ﷺ - وأمته، فذلك قوله ﷿: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ \" (٤).\nوالوسط: العدل، ثم اختلفوا لِمَ سمّي العدل وسطًا؟ فقالت طائفة: هذا مأخوذ من وسط الوادي والقاع، وهو خير موضح فيه، وأكثره كَلأً وماءً، وذلك أن في غالب الأمر الماء يبرح وسط الوادي؛ لأنه في الصيف وشدة الحر ينحسر عن الأطراف إلى جوف الوادي، فيكون الكلأ هناك أكثر، ولذلك تقول العرب: انزل وسط الوادي، أي (٥): خير مكان منه (٦)، فعلى هذا (الوسط) اسم وصف به (٧)، ومنه قول زهير:\nهم وَسَطٌ يرضى الأنام بحكمهم (٨) ....................... البيت.\n_________\n(١) هو وكيع بن الجراح بن مليح الرؤاسي الكوفي الحافظ، تقدمت ترجمته.\n(٢) هو أبو محمد سليمان بن مهران الأسدي، تقدمت ترجمته [البقرة: ٦٠].\n(٣) ساقط من (ش).\n(٤) أخرجه البخاري (٣٣٣٩) كتاب أحاديث الأنبياء، باب: قول الله ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾، ورواه أحمد ٣/ ٣٢، ٥٨، والطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٨، وابن أبي حاتم ١/ ٢٤٩.\n(٥) في (م): (انزل إلى وسط الوادي إلى)، وفي (أ): (انزل وسط الوادي إلى). وما أثبته موافق لما في \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٢٤٣.\n(٦) ينظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢١٩، \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٢٣٣.\n(٧) ينظر: \"اللسان\" ٨/ ٤٨٣٤ \"وسط\".\n(٨) البيت تتمته:\nإذا نزلت إحدى الليالي بمعظَمِ","vol":"3","page":372},{"text":"ويحتمل على هذا الاشتقاق: أنه أراد: هم وسط بين طرفين:\nأحدهما: الغلو.\nوالثاني: التقصير، وهما مذمومان، وهذا قول الكلبي (١).\nقال أهل المعاني: لما صار ما بين (٢) الغلو والتقصير خيرًا منهما (٣) صار الوسط، والأوسط عبارة عن كل ما هو خير، وإن لم يتصور فيه الغلو والتقصير، حتى قالوا: هو من أوسطهم نسبًا، أي: خيرهم، قال الله تعالى: ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ﴾ [القلم: ٢٨] قيل في تفسيره: خيرهم وأعدلهم (٤)، وقال النبي - ﷺ -: \"خير هذا الدين النمط الأوسط\" (٥). فعلى هذا، أمة\n_________\n= ذكره بهذا اللفظ الجاحظ في \"البيان والتبيين\" ٣/ ٣٢٥، لكنه قال: يرضى الإله. وهو تحريف مفسد للمعنى، وذكره ابن قتيبة في \"غريب القرآن\" ص ٦٣، ولم ينسبه، وذكره الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٦، والثعلبي ١/ ١٢٣٤، والسمعاني ٢/ ٨٠، وأبو حيان في \"البحر المحيط\" ١/ ٤١٨، والسمين في \"الدر المصون\" ١/ ٣٩٣، وقال المعلق على \"تفسير الطبري\" ٢/ ٦: البيت من معلقة زهير، وروايته كما في \"ديوانه\" بشرح ثعلب، وفي شرحي التبريزي والزوزني للمعلقات، وكما في جمهرة أشعار العرب للقرشي:\nلحيٍّ حلال يعصم الناس أمرهم ... إذا طرقت إحدى الليالي بِمُعْظَمِ\n(١) ينظر: \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٢٣٤، وذكره البغوي في \"تفسيره\" ١/ ١٥٨.\n(٢) من قوله: (الغلو)، ساقط من (ش).\n(٣) في (ش): (مبهمًا).\n(٤) ينظر: \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٢٣٤.\n(٥) قال العراقي في \"تخريج الإحياء\" ١/ ١٠٦: حديث: \"عليكم بالنمط الأوسط\"، رواه أبو عبيد في \"غريب الحديث\" موقوفا على علي بن أبي طالب، ولم أجده مرفوعا، وذكره في \"اللسان\" ٨/ ٤٨٣٣ \"وسط\" من كلام علي. وفي \"تفسير القرطبي\" ٢/ ١٤٠ - ١٤١: \"عليكم بالنمط الأوسط، فإليه ينزل العالي وإليه يرتفع النازل\". والنمط: جماعة من الناس أمرهم واحد، وقيل هو الطريقة.","vol":"3","page":373},{"text":"محمد - ﷺ - وسط، أي: عدول؛ لأنهم لم يغلوا غلو النصارى، ولا قصّروا تقصير اليهود، في حقوق أنبيائهم، بالقتل والصلب (١).\nوقالت طائفة: وَسَط جمع واسط، وفَعَل يجوز في جمع فاعل، نحو: خدَم ونشَأ. والواسط: الذي يسِطُ الشيء، أي: يتوسطه، قال الشاعر:\nوَسَطتْ نسبتي الذوائبَ منهم ... كلُّ دار فيها أبٌ لي عظيم (٢) (٣)\nوفلان من واسطة قومه، أي: من أعيانهم، وهذا يحتمل أمرين:\nأحدهما: أن نسبه توسط نسبهم، فهو كريم الطرفين، أبوه وأمه من ذلك النسب.\nوالثاني: أنه أخذ من واسطة القلادة؛ لأنه يجعل فيه أنفَسَ خَرَزها.\nقال بعض سعد بن زيد مناة:\nومَن يفتقِرْ في قومه يحمَدِ الغنى ... وإن كان فيهم واسطَ العَمِّ مُخْوِلا (٤)\nقوله: واسط العم، يحتمل المعنيين (٥).\nوقوله تعالى: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء: يريد: على جميع الأمم، وذلك أن (٦) الله تعالى إذا جمع الأولين والآخرين، أتى بالناس أمة بعد أمة، فيؤتى بأمة نوح، فيسألهم عما أرسل\n_________\n(١) ينظر: \"المحرر الوجيز\" ١/ ٣ - ٥.\n(٢) سقطت من (م).\n(٣) البيت لحسان بن ثابت في \"ديوانه\" ص ٢٢٥.\n(٤) البيت لجابر بن الثعلب الطائي، ينظر: \"ديوان الحماسة\" ١/ ١٠٩.\n(٥) ينظر: \"زاد المسير\" ١/ ١٥٤.\n(٦) في (م): (لأن الله).","vol":"3","page":374},{"text":"إليهم، فينكرون أن نوحًا بلّغهم ما أرسل به إليهم، فيقول الله تعالى لنوح: ما فعلت فيما أرسلتك؟ فيقول: بلّغته قومي فكذّبوني وعصوك، فيقول الله له: زعموا أنك لم تبلّغهم فهل لك شهيد؟ فيقول: نعم، محمد وأمته، فيدعى بأمة محمد، فيقول الله تعالى: بم تشهدون لنوح؟ فيقولون: نشهد أنه قد بلّغ رسالاتك، فكذبوه وعصوك، فتقول أمة نوح: هؤلاء بعدنا يارب؛ كيف يشهدون علينا؟ فيقولون: ربنا أرسلت إلينا رسولًا، فآمنا به وصدقناه، فكان فيما أنزلت عليه ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٠٥]، إلى قوله: ﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ﴾ [الشعراء: ١١١]. قال: ثم يؤتى بأمة بعد أمة فيشهدون عليهم (١).\nوشهداء: لا ينوّن؛ لأن فيه ألف التأنيث، وألف التأنيث يبنى معها الاسم، وجعل الجمع بألف التأنيث كما جعل بهاء التأنيث، نحو: أَجْرِبَة، وأغْرِبَة، وضَرَبَة، وكَتَبَة (٢). وقال ابن زيد في هذه الآية: الأشهاد أربعة: الملائكة، والأنبياء، وأمة محمد - ﷺ -، والجوارح، وهذا كقوله: ﴿وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ﴾ [الزمر: ٦٩]. وقوله: ﴿وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر: ٥١] (٣).\n_________\n(١) ذكره بمعناه من غير نسبة الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ١٢٣٦، وينظر: \"تفسير البغوي\" ١/ ١٥٨، وبمعناه: حديث أبي سعيد عند البخاري (٧٣٤٩) كتاب الاعتصام، باب: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾، ورواه الترمذي (٢٩٦١) كتاب التفسير، باب: ومن تفسير سورة البقرة، والنسائي في \"التفسير\" ١/ ١٩٧، وابن ماجه (٤٢٨٤) كتاب الزهد، باب: صفة أمة محمد - ﷺ -.\n(٢) من \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٢٠ بتصرف، وأجربة: جمع جريب، والأصل فيه: كل أرض ذات حدود، ثم استعمل في مقدار معين من الأرض، وهو يستعمل في المساحة والكيل. وضربة: جمع ضارب.\n(٣) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ١١.","vol":"3","page":375},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ قال المفسرون: وذلك أن محمدًا - ﷺ - يُسأل عن حال أمته، فيزكّيهم، ويشهد بصدقهم (١).\nوقوله تعالى: ﴿عَلَيْكُمْ﴾ أي: لكم (٢)، كقوله (٣): ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ [المائدة: ٣]، أي: للنصب، وقيل: معناه: على صدقهم، فهو من باب حذف المضاف (٤).\nقال ابن جريج: قلت لعطاء: ما معنى: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾؟ قال: أمةُ محمد شهداءُ على من ترك الحق من الناس أجمعين (٥)، حين جاءه الهدى والإيمان، فذكر الله في كتابه ﴿وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ يشهد على أنهم آمنوا بالحق حين جاءهم، وقبلوا، وصدّقوا به.\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ﴾ اختلف أهل المعاني في هذا، فقال بعضهم: إن الله تعالى تعبّد نبيه والمسلمين بالصلاة إلى بيت المقدس حيث (٦) كانوا بمكة في أول الأمر مخالفةً للمشركين؛ ليتبين إيمان المؤمن ونفاق المنافق، إذ كانت العرب تحب الكعبة، وترغب في الصلاة إليها، ولا يعجبهم الصلاة إلى بيت المقدس، فتعبّدهم الله بما يشقّ\n_________\n(١) ينظر: \"تفسير الطبري\" ٢/ ٩ - ١١، \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٢٣٥. وقال في \"البحر المحيط\" ١/ ٤٢٢: وفي شهادته أقوال: أحدها: شهادته عليهم أنه قد بلغهم رسالة ربه. والثاني: شهادته عليهم بإيمانهم. والثالث: يكون حجة عليهم. والرابع: تزكيته لهم وتعديلهم. ثم عزا هذا القول لأكثر المفسرين.\n(٢) ينظر: \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٢٣٥.\n(٣) في (م): (لقوله).\n(٤) ينظر: \"البحر المحيط\" ٢/ ٤٢٣.\n(٥) رواه \"الطبري\" في \"تفسيره\" ٢/ ١١، وابن أبي حاتم ١/ ٢٥٠، والبغوي ١/ ١٥٩.\n(٦) في (ش): (حين).","vol":"3","page":376},{"text":"عليهم، امتحانًا واختبارًا؛ ليظهر إيمان المؤمن عند صبره على ما يحبّ، ويتبين نفاق المنافق عند خلافه ربَّه في إيثاره هواه، فكأنه قال: تعبدناكم بالصلاة إلى بيت المقدس برهةً من الدهر؛ لنمتحنكم بذلك، ونختبركم.\nوعلى هذا التأويل خبر ﴿جَعَلْنَا﴾ محذوف، معناه: وما جعلنا القبلة التي كنت عليها قبلة إلا لهذا، فحذف المفعول الثاني؛ لإحاطة العلم، ويقال: إن ﴿جَعَلْنَا﴾ هاهنا لا يقتضي (١) مفعولًا ثانيًا؛ لأنه في تأويل نصبنا.\nوقال بعضهم: إن النبي - ﷺ - لما (٢) هاجر إلى المدينة أمر بالتوجه إلى الكعبة مخالفة لليهود وامتحانًا للمؤمنين، وعلى هذا التأويل (٣) تقدير الآية: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا﴾ فيكون من باب حذف المضاف (٤)، ويحتمل أن يكون التقدير: وما جعلنا القبلة التي كنت عليها منسوخة، فأضمر المفعول الثاني، كما ذكرنا في الوجه الأول.\nوتحتمل الآية على هذا التأويل وجهًا ثالثًا، وهو أن ﴿كُنْتَ﴾ بمعنى: أنت (٥)، والتقدير: وما جعلنا القبلة التي أنت عليها -وهي: الكعبة- قبلةً،\n_________\n(١) في (ش): (تقتضي).\n(٢) ساقطة من (ش).\n(٣) في (م): (وعلى هذا التقدير تأويل الآية).\n(٤) ينظر: \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٢٣٦.\n(٥) ينظر: \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٢٣٦، \"البغوي\" ١/ ١٥٩، \"الكشاف\" ١/ ١٩٩، وروي هذا عن ابن عباس.\nينظر: \"البحر المحيط\" ١/ ٤٢٣، وقال: وهذا من ابن عباس إن صح: تفسير معنى، لا تفسير إعراب؛ لأنه يؤول إلى زيادة كان الرافعة للاسم والناصبة للخبر، وهذا لم يذهب إليه أحد.","vol":"3","page":377},{"text":"فحذف المفعول الثاني، أو أراد بـ (جعلنا) معنى نصبنا، كما بينا.\nويجوز أن يريد بمعنى الكون: الحال، كقوله: ﴿كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾ [مريم: ٢٩] أي: من هو في الحال صبي، وكقوله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ﴾ [آل عمران: ١١٠] أي: أنتم. ويؤكد هذا التأويل الثاني: أن جماعة من اليهود لما صرفت القبلة إلى الكعبة، قالوا للمسلمين: أخبرونا عن صلاتكم نحو بيت المقدس، أكانت هدًى أو ضلالةً؟ فإن كانت هدًى، فقد تحولتم عنها، وإن كانت ضلالة، لقد دنتم الله بها؟ فقال المسلمون: إنما الهدى ما أمر الله به، والضلالة ما نهى الله عنه، عيّروهم بنسخ القبلة (١).\nوقوله تعالى: ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ﴾ والله تعالى عالم لم يزل، ولا يجوز أن يحدث له علم.\nواختلف أهل المعاني في وجه تأويله (٢):\nفذهب جماعة إلى أن العلم له منزلتان: علم بالشيء قبل وجوده، وعلم به (٣) بعد وجوده، والحكم للعلم بعد الوجود؛ لأنه يوجب الثواب والعقاب، والمتعبد بالشيء إذا لم يُطع وعصى عَلِمَه اللهُ تعالى عاصيًا، وإذا\n_________\n(١) ذكره مقاتل في \"تفسيره\" ١/ ١٤٥ - ١٤٦، والثعلبي ١/ ١٢٣٨. وتنظر بعض الآثار التي تدل على هذا عند الطبري ٢/ ١١ - ١٢، وابن أبي حاتم ١/ ٢٤٨. وتنظر الوجوه الإعرابية في: \"البحر المحيط\" ١/ ٤٢٣، \"التبيان\" للعكبري ص ٩٨.\n(٢) ينظر في وجوه تأويل هذا: \"تفسير الطبري\" ٢/ ١٢ - ١٤، \"تفسير البغوي\" ١/ ١٦٠، \"المحرر الوجيز\" ٢/ ٧ - ٨، \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٢٣، \"البحر المحيط\" ١/ ٤٢٤.\n(٣) سقطت من (ش).","vol":"3","page":378},{"text":"أطاع عَلِمَه الله مطيعًا، وكان قبل أن أطاع لم يعلمه مطيعًا علمًا يستحق به الثواب، وإن كان في معلوم الباري أنه يطيع.\nفمعنى قوله: ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ﴾ أي: لنعلم العلم الذي يستحق العامل به الثواب والعقاب، وتبدل الأحوال على المعلوم لا يقتضي تبدل العلم وتغيره، وهذا مذهب جماعة من أهل النظر (١). ويؤيده: ما روي عن ابن عباس: أنه فسر العلم هاهنا: بالرؤية، وقال: معنى ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ﴾: إلا لنرى (٢)، وهذا راجع إلى ما ذكرنا؛ لأنه إنما يراه إذا علمه موجودًا.\nوحكى ابن الأنباري، عن الفراء، أنه قال: يجوز أن يكون الله جل اسمه أضاف العلم إليه، وهو للمخاطبين (٣) في المعنى، كما يجتمع جاهل وعاقل، فيقول الجاهل: الحطب يحرق النار. ويقول العاقل: النار تحرق الحطب، وسنجمع بينهما؛ لنعلم أيهما يحرق صاحبه؟. ومعناه: لتعلم أنت فينسب إلى نفسه فعل غيره، كذلك معنى الآية: إلا لتعلموا أنتم. ومثله: ﴿حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ﴾ [محمد: ٣١]، على هذا التأويل.\nويجوز في سَعَة العربية إضافة الفعل إلى من ليس له في الحقيقة، كقول العرب: طلعت الشِّعرى، وانتصب العود على الحرباء، معناه: انتصب الحرباء على العود، فنسب الانتصاب إلى غير فاعله، ومثله في الكلام: لا أرَيَنَّك ههنا، أوقع النهي على غير المنهي؛ لأن المنهيَّ المخاطب، وذكرنا\n_________\n(١) ينظر: \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٢٣٧، \"تفسير السمعاني\" ٢/ ٨٣، البغوي في \"تفسيره\" ١/ ١٦٠، \"التفسير الكبير\" ٤/ ١١٥.\n(٢) ذكره الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ١٣ - ١٤، ولم ينسبه لابن عباس، ثم رد عليه، وذكره ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ١/ ١٥٥.\n(٣) في (أ): (المخاطبين).","vol":"3","page":379},{"text":"هذا في قوله: ﴿فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٢].\nوقيل: أراد ليعلم محمد - ﷺ -، فأضاف علمه إلى نفسه تخصيصًا وتفضيلًا، كقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ﴾ [الأحزاب: ٥٧] وقوله: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا﴾ [الزخرف: ٥٥] (١) وتحقيق هذا القول: أنه تعالى أراد: ليعلم حزبنا من النبي والمؤمنين، كما يقول الملك: فعلنا بمعنى: فعل أولياؤنا، ومنه: فتح عُمَرُ السواد، وجبى الخراج، وإن لم يتول ذلك بنفسه (٢).\nوقوله تعالى: ﴿مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ﴾ أي: يطيعه في التوجه (٣) إلى بيت المقدس (٤).\n﴿مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ أي: يرتد فيرجع إلى الشرك دين آبائه (٥).\nويجوز أن يكون المراد: ممن هو مقيم على كفره (٦)؛ لأن جهة الاستقامة إقبال وخلافها إدبار، وكذلك وصف الكافر بأنه أدبر واستكبر، هذا إذا قلنا: المراد بقوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا﴾ بيت المقدس\n_________\n(١) ينظر: \"تفسير الطبري\" ٢/ ١٣، والثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ١٢٣٨.\n(٢) قال ابن عطية في \"المحرر الوجيز\" ٢/ ٨ عن الأقوال السابقة: وهذا كله متقارب، والقاعدة: نفي استقبال العلم بعد أن لم يكن. وقال أبو حيان في \"البحر المحيط\" ١/ ٤٢٤: فهذه كلها تأويلات في قوله: (لنعلم) فرارًا من حدوث العلم وتجدده؛ إذ ذاك على الله مستحيل، وكل ما وقع في القرآن مما يدل على ذلك أُوِّل بما يناسبه من هذه التأويلات.\n(٣) في (ش): (التوحيد).\n(٤) ينظر: \"تفسير الطبري\" ٢/ ١٤.\n(٥) ينظر: \"تفسير الطبري\" ٢/ ١٥، \"زاد المسير\" ١/ ١٥٥، \"المحرر الوجيز\" ٢/ ١٠، \"تفسير القرطبي\" ٢/ ١٤٤.\n(٦) ينظر: \"التفسير الكبير\" ٤/ ١٠٥.","vol":"3","page":380},{"text":"وإن قلنا: إن المراد هناك: التحويل عن بيت المقدس، وهو أظهر التأويلين (١)، فمعنى قوله: ﴿مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ﴾ أي: يوافقه في التوجه إلى الكعبة، والانحراف عن بيت المقدس ﴿مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ أي: يرتّد عن الدين فيرجع إلى اليهودية، أو إلى ما كان عليه. وذلك أن الله تعالى جعل نسخ القبلة عن الصخرة إلى الكعبة ابتلاء لعباده المؤمنين، فمن عصمه ووفقه صدَّق الرسول في ذلك، وعلم أن لله (٢) تعالى أن يتعبد عباده بما شاء، وأن له أن ينسخ ما تعبدهم به، فيحولهم إلى غير ذلك، وأن الصلاح لهم فيما يأمرهم به، ومن لم يعصمه شَكَّ في دينه، وتردد عليه أمره، وظن أن محمدًا في حَيْرة من أمره، فارتد عن الإسلام.\nوالانقلاب على العَقِب: عبارة عن الانصراف إلى حيث أقبل منه؛ لأن عقبَ الإنسان يكون وراءه، فإذا رجع إلى وراء يقال: نكص على عقبيه، وانقلب على عقبيه، أي: انصرف راجعًا (٣).\nقال ابن عباس: ﴿مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ يريد: من يرجع إلى دينه الأول (٤)، يعني: المنافقين، وسمي العقب عقبًا؛ لأنه يتلو القدَمَ، وأصل هذا الباب: الإتباع (٥).\nوقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً﴾ قال سيبويه: ﴿وَإِنْ﴾ تأكيد شبيه\n_________\n(١) ينظر: \"البحر المحيط\" ١/ ٤٢٥.\n(٢) في (م) و(ش): (الله).\n(٣) ينظر: \"تفسير الطبري\" ٢/ ١٥، \"المحرر الوجيز\" ٢/ ١٠.\n(٤) هذه من رواية عطاء التي تقدم الحديث عنها بالمقدمة.\n(٥) ينظر: \"المفردات\" ص ٣٤٣ - ٣٤٤، \"اللسان\" ٥/ ٣٠٢٢ (عقب).","vol":"3","page":381},{"text":"باليمين؛ لذلك دخلت اللام في جوابها (١).\nقال أبو إسحاق: دخلت اللام مع إن، لأنها لو لم تدخل كان الكلام جحدًا، فلولا اللام كان المعنى: (ما كانت كبيرة)، فإذا جاءت (إن واللام) فمعناهما التوكيد للقصة (٢).\nوأما التفسير: فقال ابن عباس (٣) ومجاهد (٤) وقتادة (٥): وقد كانت التولية إلى الكعبة لكبيرة.\nقال ابن زيد (٦): وقد كانت الصلاة إلى الكعبة لكبيرة ثقيلة، إلا على الذين هدى الله، وقال أبو العالية: وإن كانت القبلة لكبيرة (٧)، يعني: الكعبة. وقيل: إنه يعني: بيت المقدس (٨)، أي: وإن كان اتباعها لكبيرًا إلا على الذين هدى الله.\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ قال المفسرون: قالت اليهود للمسلمين لما حُوِّلت القبلة إلى الكعبة: إن كان هذا التحويل حقًّا\n_________\n(١) ينظر: \"الكتاب\" لسيبويه ٤/ ٢٣٣، ٢/ ١٤٠.\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٢٠، وينظر: \"التبيان\" للعكبري ٩٨، \"البحر المحيط\" ١/ ٤٢٥.\n(٣) رواه عنه الطبري ٢/ ١٥، وابن أبي حاتم ١/ ٢٥١.\n(٤) رواه عنه الطبري ٢/ ١٥، وابن أبي حاتم ١/ ٢٥١.\n(٥) رواه عنه الطبري ٢/ ١٥، وذكره ابن أبي حاتم ١/ ٢٥١.\n(٦) رواه عنه الطبري ٢/ ١٦.\n(٧) رواه عنه الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ١٥، بلفظ: عن أبي العالية (وإن كانت لكبيرة) أي: قبلة بيت المقدس (إلا على الذين هدى الله)، وذكره ابن أبي حاتم ١/ ٢٥١، وجعل قوله كقول مجاهد.\n(٨) وعلى هذا المعنى حمله الطبري ٢/ ١٦.","vol":"3","page":382},{"text":"فإنَّ من مات منكم وهو يصلي إلى بيت المقدس مات على الضَّلالة، وكان قد مات رجال من المسلمين قبل تحويل القبلة، فانطلق عشائرهم إلى النبي - ﷺ -، فقالوا: يارسول الله، صرفك الله إلى قبلة إبراهيم، فكيف بإخواننا الذين ماتوا منا وهم يصلون إلى بيت المقدس؟ فأنزل الله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ (١) أي: تصديقكم بأمر تلك القبلة.\nقال الفراء: أسند الإيمان إلى الأحياء من المؤمنين، والمعنى: فيمن مات من المسلمين. وإنما أضيف إلى الأحياء؛ لأن الذين ماتوا على القبلة الأولى كانوا منهم. فقال: ﴿إِيمَانَكُمْ﴾ وهو يريد: إيمانهم؛ لأنهم داخلون معهم في الملة، وهو كقولك للقوم: قد قتلناكم وهزمناكم، يريد: قتلنا منكم، فيواجههم بالقتل وهم أحياء (٢).\nويمكن أن يحمل على العموم، بأن أراد: إيمان الأحياء والأموات (٣).\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ الرأفة: أخص من\n_________\n(١) روي بهذا اللفظ في: \"تفسير الطبري\" ٢/ ١٧، \"تفسير ابن أبي حاتم\" ١/ ٢٥١، \"تفسير مقاتل\" ١/ ٧٤، \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٢٣٩، \"الكفاية\" للحيري ١/ ٧٩، \"أسباب النزول\" للواحدي ص ٤٥ - ٤٦، \"تفسير البغوي\" ١/ ١٢٣. وروى البخاري (٤٠) كتاب الإيمان، باب: الصلاة من الإيمان، عن البراء بن عازب أنه مات على القبلة قبل أن تحول رجال وقتلوا، فلم ندر ما نقول فيهم، فأنزل الله تعالى: (وما كان الله ليضيع إيمانكم).\n(٢) ينظر: \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٨٣ - ٧٤.\n(٣) ينظر: \"تفسير الطبري\" ٢/ ١٨.","vol":"3","page":383},{"text":"الرحمة وأرق، قال الفراء: الرأْفة والرآفة، مثل: الكأبة والكآبة (١).\nوقال أبو زيد: رَأَفْتُ بالرجل، أَرْأَفُ به رأفةً، ورآفةً، ورَؤُفْتُ أَرْؤُفُ به، كلٌ من كلام العرب (٢). وفي الرؤوف قراءتان (٣):\nأحدهما: رؤوف على وزن فعول.\nوالثانية: رؤف على وزن رَعُف.\nفمن قرأ على فَعُول؛ فلأنه أكثر في كلامهم من فَعُل، ألا ترى أن باب صبور وشكور، أكثر من باب حذُر ويقُظ، وإذا كان أكثر في كلامهم كان أولى. يؤكد هذا: أن صفات الله قد جاءت على هذا (٤) الوزن، نحو: ﴿غَفُورٌ شَكُورٌ﴾، ولا نعلم فَعُلًا فيها قال الشاعر:\nنطيع إلهنا ونطيع ربًّا ... هو الرحمن كان بنا رؤوفًا (٥)\nومن قرأ على وزن \"رَعُف\"، فقد قيل: إنه غالبُ لغة أهل الحجاز، ومنه قول الوليد بن عقبة بن أبي معيط (٦):\n_________\n(١) نقله عنه في \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٣٢٣، وينظر: \"لسان العرب\" ٣/ ١٥٣٥ (رأف)، \"البحر المحيط\" ١/ ٤٢٦.\n(٢) نقله عنه في \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٣٢٣، وينظر: \"لسان العرب\" ٣/ ١٥٣٥ (رأف). وينظر في بيان معاني الرؤوف: \"اشتقاق أسماء الله\" للزجاجي ص ٨٦.\n(٣) قرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي وشعبة عن عاصم: (رؤف)، بهمزة من غير واو. وقرأ الباقون بواو بعد الهمزة. ينظر \"السبعة\" ص ١٧١، \"النشر\" ٢/ ٢٢٣.\n(٤) في (أ)، (م): (على وزن رعف الوزن).\n(٥) البيت لكعب بن مالك الأنصاري في \"ديوانه\" ص ٢٣٦، \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٢٤٠ وروايته: نطيع رسولنا، \"لسان العرب\" ٣/ ١٥٣٥ \"رأف\"، وروايته: نطيع ربنا، \"تاج العروس\" ١٢/ ٢٢١ (رجف).\n(٦) هو الوليد بن عقبة بن أبي معيط، واسم أبي معيط أبان بن عمرو، أسلم يوم فتح =","vol":"3","page":384},{"text":"وشرُّ الطالبين (١) فلا تَكُنْه ... يقاتل عمَّه الرؤوفَ الرحيما (٢)\nوكثر ذلك حتى قاله غيرهم، قال جرير:\nترى للمسلمين عليك حقًّا ... كفعل الوالد (٣) الرؤوف الرحيم (٤) (٥)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-362>١٤٤ </span>- قوله تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ الآية. قال المفسرون: كانت الكعبة أحبَّ القبلتين إلى رسول الله - ﷺ -.\nقال ابن عباس: لأنها كانت قبلة أبيه إبراهيم (٦).\nوقال مجاهد (٧) ومقاتل (٨) وابن زيد (٩): لأنه كره موافقة اليهود (١٠).\n_________\n= مكة، كان من الشعراء المطبوعين، قال الأصمعي كان شاعرًا كريمًا، توفي بالرقة. ينظر: \"أسد الغابة\" ٥/ ٤٥١، \"الإصابة\" ٣/ ٦٣٧.\n(١) في (أ)، (م): (للطالبين).\n(٢) البيت للوليد في \"الحجة\" لأبي علي ٢/ ٢٣٠، ابن عطية في \"تفسيره\" ٢/ ١٢، \"تفسير القرطبي\" ٢/ ١٤٥، \"البحر المحيط\" ١/ ٦٠١، \"أنساب الأشراف\" ص ١٤٠، \"تاريخ الطبري\" ٥/ ٢٣٦. وورد البيت في بعض المصادر هكذا:\nوشر الظالمين للظالمين فلا تكنه ... يقابل عمه الرؤف الرحيمُ\n(٣) في (ش): (الوليد).\n(٤) البيت لجرير في \"ديوانه\" ص ٤١٢، \"الخزانة\" ٤/ ٢٢٢، \"الكامل\" للمبرد ٢/ ١٣٩، \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٢٤١، \"البحر المحيط\" ١/ ٦٠١.\n(٥) من كلام أبي علي في \"الحجة\" ٢/ ٢٢٩ - ٢٣٠.\n(٦) رواه عنه الطبري ٢/ ٢٠، وابن أبي حاتم ١/ ٢٥٣، وذكره الثعلبي ١/ ١٢٤٢.\n(٧) رواه عنه الطبري ٢/ ٢٠، وذكره الثعلبي ١/ ١٢٤٢، وعزاه السيوطي في \"الدر المنثور\" ١/ ٢٦٩ إلى عبد بن حميد.\n(٨) ذكره الثعلبي ١/ ١٢٤٢، والحيري في \"الكفاية\" ١/ ٨٠.\n(٩) رواه عنه الطبري ٢/ ٢٠، وذكره الثعلبي ١/ ١٢٤٢.\n(١٠) وثم قول ثالث روي عن السدي، وهو ليتألف العرب لمحبتها في الكعبة. ينظر \"البحر المحيط\" ١/ ٤٢٨.","vol":"3","page":385},{"text":"وقال عامة المفسرين: إن رسول الله - ﷺ - وأصحابه كانوا بمكة يصلّون إلى الكعبة، فلما هاجروا إلى المدينة أمره الله أن يصلي نحو صخرة بيت المقدس؛ ليكون أقرب إلى تصديق اليهود إياه إذا صلى إلى قبلتهم (١).\nوقال ابن زيد: قال الله لنبيه - ﷺ -: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ فقال: هؤلاء اليهود يستقبلون بيتًا من بيوت الله، فلو استقبلناه، فاستقبله النبي - ﷺ - سبعة عشر شهرًا (٢).\nثم رأى أن الصلاة إلى الكعبة أدعى لقومه إلى الإسلام، فقال لجبريل: وددت (٣) أنّ الله صرفني عن قبلة اليهود إلى غيرها، فقال له جبريل: إنما أنا عبد مثلك، وأنت كريم على ربك، فادع ربك وسَلْه، ثم ارتفع جبريل، وجعل رسول الله يديم النظر إلى السماء؛ رَجَاء أن يأتيه جبريل بالذي سأل ربه، فأنزل الله تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ (٤).\n_________\n(١) عزاه لعامة المفسرين: الثعلبي ١/ ١٢٤١. وينظر: \"الناسخ والمنسوخ\" لأبي عبيد برقم ٢١، \"صحيح البخاري مع الفتح\" ١/ ٩٥، ومسلم (٥٢٥) كتاب المساجد، باب: تحويل القبلة من القدس إلى الكعبة، \"تفسير الطبري\" ٢/ ٢٠، \"الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه\" لمكي ص ١٢٦، \"تفسير البغوي\" ١/ ١٦١، \"التفسير الكبير\" ٣/ ١٠٩، \"تفسير الخازن\" ١/ ١٢٠، \"العجاب\" لابن حجر ١/ ٣٩٦.\n(٢) رواه عنه الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٢٠ بلفظ: ستة عشر شهرًا، وذكره الثعلبي ١/ ١٢٤٢، ويوحي صنيع الواحدي أن ما بعده تبع له، وليس الأمر كذلك.\n(٣) في (م): (وودت).\n(٤) كذا في \"تفسير مقاتل\" ١/ ١٤٤، \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٢٤٣، \"تفسير البغوي\"، عن مجاهد ١/ ١٦١، \"العجاب\" لابن حجر ١/ ٣٩٥، وقال في \"الدر المنثور\" ١/ ٢٦٩: أخرجه أبو داود في \"ناسخه\" عن أبي العالية. وذكره الواحدي ص ٤٦، =","vol":"3","page":386},{"text":"قال أصحاب المعاني: أراد: تَقَلُّبَ عينيك، فذكرهما بلفظ الوجه، كما ذكر الأعين بلفظ الوجوه في قوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢ - ٢٣]، وذلك أنّ ما تقع به المواجهة يسمّى وجهًا، كاللحية قد يطلق عليها اسم الوجه. ويجوز أن يريد نفس الوجه؛ لأنه كما يقلب عينيه في السماء يقلب وجهه (١).\nوقوله تعالى: ﴿فِي السَّمَاءِ﴾ أي: في النظر إلى السماء.\nوقوله تعالى: ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً﴾ يقال، وَلَّيْتُكَ القبلة،: إذا صيرتَه يستقبلها (٢) بوجهه، وليس في (فعلت) منه هذا المعنى؛ لأنك إذا قلت: وَلِيتُ الحائط، ووليت الجدران، لم يكن في قولك دلالة على أنك واجهته. فَفَعَّلت من هذه الكلمة ليس بمنقول من (فَعَلت) الذي هو وَلِيتُ، فيكون على حد قولك: فَرِحَ وفرّحْتُه، ولكن المعنى الذي هو المواجهة عارض (٣) في فَعّلت، ولم يكن في (فَعَلْت)، وإذا كان كذلك كان فيه دلالة على أن النقل لم يكن من فَعَلت، كما كان قولهم: ألقيتُ متاعَك بعضه على بعض، لم يكن النقل فيه (٤) من: لقي متاعك بعضه بعضًا، ولكن\n_________\n= عن ابن عباس من رواية الكلبي، وأخرج بعضه الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٢٠، والنحاس في \"الناسخ والمنسوخ\" ص ١٥، من طريق علي بن طلحة عن ابن عباس.\n(١) ينظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٢١، \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٢٤٣، \"المحرر الوجيز\" ٢/ ١٣، \"تفسير القرطبي\" ٢/ ١٤٥، والوجه الثاني هو الذي ذكره الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٢٠.\n(٢) في (م): (مستقبلها).\n(٣) في (ش): كأنها (يمارض).\n(٤) في (ش): (فيه دلالة).","vol":"3","page":387},{"text":"(ألقيت) كقولك: أسقطت، ولو كان منه زاد مفعول آخر في الكلام، ولم يحتج في تعديته إلى المفعول الثاني إلى حرف الجر في قولك: ألقيت متاعك بعضه على بعض، كما لم يحتج إليه في قولك: ضرب زيد عمرًا، وأضربته إياه، ونحو ذلك. فكذلك: وَلَّيْتُكَ قبلةً، من قولك: وَلِيتُ، كألقيت، من قولك: لَقِيتُ (١).\nوقد جاءت هذه الكلمة مستعملة على خلاف المقابلة والمواجهة، وذلك نحو: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ﴾ [البقرة: ٨٣] ﴿وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى﴾ [يوسف: ٨٤] ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٦٤] ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾ [عبس: ١] ﴿فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا﴾ [النجم: ٢٩]، فهذه مع (٢) دخول الزيادةِ الفِعْلَ. وفي غير الزيادة قوله: ﴿وَلَّى مُدْبِرًا﴾ [النمل: ١٠]، وقوله: ﴿ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ [التوبة: ٢٥]، وقوله: ﴿مُدْبِرِينَ﴾ حال مؤكدة؛ لأن في ﴿وَلَّيْتُمْ﴾ دلالة على أنهم مدبرون، وهذا على نحوين: أما ما لحق التاءُ أولَّه، فإنه يجوز أن يكون من باب: تَحَوَّب (٣) وتأثم، إذا ترك الحُوب (٤) والإثم، فكذلك إذا ترك الجهة التي هي المقابلة. وأما الذي لا زيادة فيه، فيجوز أن تكون الكلمة استعملت على الشيء وعلى خلافه، كالحروف المروية في الأضداد، وقد روي في الأضداد: ولّى: إذا أقبل، وولّى: إذا أدبر (٥).\n_________\n(١) من كلام أبي علي في \"الحجة\" ٢/ ٢٣٠.\n(٢) في (ش): فهذا (دخول).\n(٣) في (أ)، (م): (تحرب).\n(٤) في (أ)، (م): (الحرب).\n(٥) من كلام أبي علي في \"الحجة\" ٢/ ٢٣١ - ٢٣٢ بمعناه.","vol":"3","page":388},{"text":"وقوله تعالى: ﴿تَرْضَاهَا﴾ أي: تحبها وتهواها (١)؛ لأن النبي - ﷺ - كان راضيًا بالقبلة الأولى، مطيعًا لله في حال صلاته إليها (٢)، ولكنه أحبّ أن (٣) تكون قبلته الكعبة، للمعاني التي ذكرنا (٤).\nوقوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ﴾ أي: أقبل وجهك نحوه.\nوقوله تعالى: ﴿شَطْرَ الْمَسْجِدِ﴾ أي: قصدَه ونحوَه، ومعنى الشطر: النحو عند أهل اللغة، يقولون: وَلِّ وجْهَك نحوَ الموضع، وشطرَه، وتلِقَاءه بمعنًى.\nقال الشاعر:\nوأظعنُ بالقوم شَطْر الملوك ... حتى إذا خَفَق المِجْدَحُ (٥)\nوقال آخر:\nأقول لأم زِنباعَ أقيمي ... صُدورَ العِيس شَطْرَ بني تميمِ (٦)\n_________\n(١) ينظر: \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٢٤٣.\n(٢) ينظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٢٢.\n(٣) أن ساقطة من (م).\n(٤) تقدمت في أول الآية.\n(٥) البيت لدرهم بن زيد الأنصاري، في \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٢٤٤، \"مجمل اللغة\" ١/ ١٨٠، \"الكشاف\" ١/ ٢٠١، \"أساس البلاغة\" ٢/ ٧٢، \"تاج العروس\" ٤/ ٢٢ (جرح)، \"لسان العرب\" ١/ ٥٥٩، ٢/ ١٢١٤. والمجدح: نجم من النجوم كانت العرب تزعم أنها تمطر به، كقولهم الأنواء. وجواب إذا خفق المجدح، في البيت الذي بعده وهو قوله:\nأمرت صحابي بأن ينزلوا ... فناموا قليلًا وقد أصبحوا\n(٦) البيت لأبي زنباع الجذامي، في \"الدرر\" ٣/ ٩٠، \"لسان العرب\" ٤/ ٢٢٦٣ \"شطر\"، ولأبي ذؤيب الهذلي في \"شرح أشعار الهذليين\" ١/ ٣٦٣، وبلا نسبة في \"شرح ديوان الحماسة\" للمرزوقي ٢/ ٧٠٥.","vol":"3","page":389},{"text":"وقال سُدَيف:\nأقِمْ قصدَ وجهك شطرَ العراق ... وخالَ الخليفة فاستَمْطِرِ (١)\nقال أبو اسحاق: لا اختلاف بين أهل اللغة أن الشطر معناه: النحو. قال: وقول الناس: فلان شاطر، معناه: إنه قد أخذ في نحو غير الاستواء. قال: ونصب قوله: ﴿شَطْرَ الْمَسْجِدِ﴾ على الظرف (٢).\nوقوله تعالى: ﴿اَلْحَرَامِ﴾ بمعنى المحرم، وأصله: من المنع، وسمِّيت تلك البقعة حرامًا لما منع فيها من أشياء لم تمنع في غيرها (٣)، ونذكر الكلام في الحرام والحرمات في موضع آخر. ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ﴾ في بر أو بحر (٤)، وذكرنا الكلام في حيث عند قوله: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة: ١٩٩].\n﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ فيه إضمار واختصار، أي: وحيثما كنتم، وأردتم الصلاة، فولّوا وجوهكم شطره.\nقال المفسرون: إن أول ما نسخ من أمور الشرع أمر القبلة (٥). وهذه\n_________\n(١) البيت بلا نسبة في \"جمهرة اللغة\" ٢/ ٧٢٨.\n(٢) بتصرف من \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٢٢، ونقل الإجماع على النحو ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ١/ ١٥٦، وينظر: \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ٢٢٠ - ٢٢١، \"التبيان\" للعكبري ص ٩٩. وينظر في معاني الشطر: \"تفسير الطبري\" ٢/ ٢٠ - ٢١، \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ص ٦٠، \"تفسير غريب القرآن\" لابن قتيبة ص ٦٤، \"المفردات\" ص ٢٦٤، \"تفسير القرطبي\" ٢/ ١٤٦.\n(٣) ينظر: \"لسان العرب\" ٢/ ٨٤٧ - ٨٤٨.\n(٤) ينظر: \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٢٤٤.\n(٥) قاله ابن عباس كما رواه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ١/ ٢٥٣ عنه، ورواه أبو داود في ناسخه كما في \"الدر المنثور\" ١/ ٢٦٩، ورواه الطبري عن الحسن وعكرمة ٢/ ٤، وينظر: \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٢٤١.","vol":"3","page":390},{"text":"الآية نزلت ورسول الله - ﷺ - في مسجد بني سلمة، وقد صلّى بأصحابه (١) ركعتين من صلاة الظهر، فتحول في الصلاة نحو الكعبة، وحول الرجالَ مكانَ النساء، والنساءَ مكانَ الرجال، فسمي ذلك مسجد القبلتين (٢). فلما حولت القبلة إلى الكعبة قالت اليهود: يا محمد، ما أُمرت بهذا، وإنما هو شيء تبتدعه من تلقاء نفسك! فأنزل الله سبحانه: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ (٣)، والكناية في ﴿أَنَّهُ﴾ يجوز أن ترجع إلى المسجد الحرام، أي: إنهم عالمون أن المسجد الحرام قِبْلَة إبراهيم وأنه حق.\n_________\n(١) في (م): (أصحابه).\n(٢) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ١٢٤٤ عن مجاهد وغيره، وينظر: \"تفسير البغوي\" ١/ ١٦٢، (الخازن) ١/ ١٢١.\n(٣) ذكره مقاتل في \"تفسيره\" ١/ ١٤٦، وذكره هكذا الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ١٢٤٤، والبغوي ١/ ١٦٢، وأخرج الطبري ٢/ ٢٤ - ٢٥ نحوه عن السدي، وقد اختلفت الروايات كثيرًا في الوقت والمكان والكيفية التي غيرت فيها القبلة، وقد ذكر جملة منها: السيوطي في \"الدر المنثور\" ١/ ٢٦٧ - ٢٧٣.\nوقال الحافظ ابن حجر في \"الفتح\" ١/ ٥٠٣: اختلفت الرواية في الصلاة التي تحولت القبلة عندها، وكذا في المسجد، فظاهر حديث البراء هذا أنها الظهر، وذكر محمد بن سعد في \"الطبقات\" قال: يقال: إنه صلى ركعتين من الظهر في مسجده بالمسلمين، ثم أمر أن يتوجه إلى المسجد الحرام، فاستدار إليه، ودار معه المسلمون، ويقال: زار النبي - ﷺ - أم بشر بن البراء بن معرور في بني سلمة، فصنعت له طعامًا، وحانت الظهر، فصلى رسول الله - ﷺ - بأصحابه ركعتين، ثم أمر فاستدار إلى الكعبة، واستقبل الميزاب، فسمي مسجد القبلتين. قال ابن سعد: قال الواقدي: هذا أثبت عندنا. وذكر ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ١/ ١٥٧، خلاف العلماء في وقت تحويل القبلة فلينظر.","vol":"3","page":391},{"text":"ويجوز أن تعود الكناية إلى التولية (١)، لأن قوله: ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ﴾ دل على المصدر، كما أن قوله: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ [آل عمران: ١٨٠] دل على البخل، فكنى عنه بقوله: ﴿هُوَ خَيْرًا لَهُمْ﴾. والتولية وإن كان في لفظ المؤنث فهو مصدر، وحكى ابن الأنباري: أن أبا عمرو الدوري روى عن الكسائي: أن الهاء تعود على الشطر (٢)، والمعنى عنده: لَيَعْلَمُون أن شطره الذي تحولتم إليه هو الحق من ربهم (٣).\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ قال ابن عباس: يريد أنكم يا معشر المؤمنين تطلبون مرضاتي، وما أنا بغافل عن ثوابكم وجزائكم. وإن اليهود يطلبون سخطي، وما أنا بغافل عن خِزْيِهم في الدنيا والآخرة (٤)،\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-363>١٤٥ </span>- وقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ الآية، معنى (لئن): ما تستقبل، ومعنى (لو): ماض، وحقيقة معنى (لو): أنها يمتنع بها الشيء لامتناع غيره، تقول: لو جئتني لأكرمتك، أي: لم تجئني، فلم أكرمك، فإنما امتنع إكرامي لامتناع مجيئك (٥). ومعنى إن ﴿وَلَئِنْ﴾: أنه يقع بهما الشيء لوقوع غيره، تقول: إن تأتني أكرمْك، فالإكرام يقع بوقوع\n_________\n(١) وهذا اختيار الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٢٣، وينظر: \"زاد المسير\" ١/ ١٥٦ - ١٥٧، \"تفسير القرطبي\" ٢/ ١٤٧.\n(٢) ينظر: \"البحر المحيط\" ١/ ٤٣٠.\n(٣) ينظر في الأقوال: \"تفسير الطبري\" ٢/ ٢٣، \"زاد المسير\" ١/ ١٥٧، \"البحر المحيط\" ١/ ٤٣٠، \"الدر المنثور\" ١/ ٢٦٧ - ٢٦٩.\n(٤) ذكره البغوي في \"تفسيره\" ١/ ١٦٣.\n(٥) بمعناه من \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٢٤، وينظر: \"الكتاب\" لسيبويه ٤/ ٢٢٤، \"المقتضب\" للمبرد ٣/ ٧٥.","vol":"3","page":392},{"text":"الإتيان (١).\nفقولهم: (لئن) تستعمل فيما يستقبل، وجوابها يقع بالمستقبل، و(لو) تستعمل في الماضي، وجوابها يقع بالماضي، كقولك: لئن قمتَ لأقومنّ، ولو قمتَ قمتُ، هذا معنى الكلمتين ووضعهما في الأصل.\nثم إنّ العرب لما استجازت في الفعل المستقبل والماضي أن يقوم أحدهما مقام الآخر، استجازت تقريب إحدى هاتين الكلمتين من الأخرى في الجواب؛ لذلك أجيبت لئن بجواب لو في هذه الآية (٢). ومثل هذا من تقريب إحداهما من الأخرى في التنزيل قوله: ﴿وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا﴾ [الروم: ٥١]، أجيب (لئن) بجواب (لو). وأجيبت (لو) بجواب (لئن) في قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ﴾ [البقرة: ١٠٣] فقوله: ﴿لَمَثُوبَةٌ﴾ ميعاد للثواب في المستقبل، ومثل هذا يكون جوابًا لقولك: لئن. وهذا معنى قول الفراء؛ لأنه قال؛ أجيبت لئن بجواب لو؛ لأن الماضي وليها، كما يلي لو، فأجيبت بجواب لو، ودخلت كل واحدة منهما على أختها، وشبهت كل واحدة بصاحبتها (٣).\n_________\n(١) بمعناه من \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٢٤، وينظر: \"الكتاب\" لسيبويه ٣/ ٧٧، و١٠٧، و١٠٨، \"المقتضب\" للمبرد ٢/ ٤٦ - ٤٧، و٣٦٢.\n(٢) ينظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٢٣.\n(٣) \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٨٤، واختاره الطبري ٢/ ٢٤، ورده الزجاج في \"معاني القرآن\" ١/ ٢٢٤، وينظر: \"التبيان\" للعكبري ص ٩٩، وقال متعقبا رأي الفراء: وهو بعيد، لأن إن للمستقبل، ولو للماضي. وقال أبو حيان، \"البحر المحيط\" ١/ ٤٣٠: اللام في (ولئن) هي التي تؤذن بقسم محذوف متقدم، فقد اجتمع القسم المتقدم المحذوف والشرط متأخر عنه، فالجواب للقسم، وهو قوله: (ما تبعوا)؛ ولذلك لم تدخله الماء، وجواب الشرط محذوف لدلالة جواب القسم عليه، وهو =","vol":"3","page":393},{"text":"فأما التفسير: فإن اليهود والنصارى طلبوا من النبي - ﷺ - الآيات، فأنزل الله هذه الآية، وقد علم أهل الكتابين أن محمدًا حقّ، وصفته ونبوته في كتابهم، ولكنهم جحدوا مع تحقق علمهم، وما تغني الآيات عند من يجحد ما يعرف (١)؛ لذلك قال -عز من قائل-: ﴿مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ﴾.\nفإن قيل: كيف قال هذا، وقد آمن منهم كثير؟\nقيل: هذا إخبار عن جميعهم أنهم كلهم لا يفعلون (٢) ذلك (٣).\nوقيل: إنه أراد الفريق الذين هم أهل العناد، وهم الذين عناهم بقوله: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ (٤).\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ﴾ حسم بهذا إطماع اليهود في رجوعه - ﷺ - إلى قبلتهم، لأنهم كانوا يطمعون. وأكّد بهذا أنه لا ينسخ التوجه\n_________\n= منفي بما، ماضي الفعل، مستقبل المعنى. ثم رد مذهب الفراء بقوله: وهذا الذي قاله الفراء هو بناء على مذهبه أن المقسم إذا تقدم على الشرط جاز أن يكون الجواب للشرط دون القسم، وليس هذا مذهب البصريين، بل الجواب يكون للقسم بشرطه المذكور في النحو، واستعمال (إن) بمعنى (لو) قليل، فلا ينبغي أن يحمل على ذلك، إذا ساغ إقرارها على وضع أصلها. وقال ابن عطية في: \"المحرر الوجيز\" ٢/ ١٧: وجاء جواب لئن كجواب لو، وهي ضدها في أن لو تطلب المضي والوقوع، وإن تطلب الاستقبال؛ لأنهما جميعًا يترتب قبلهما معنى القسم، فالجواب إنما هو للقسم، لا أن أحد الحرفين يقع موقع الآخر، هذا قول سيبويه.\n(١) ينظر: \"تفسير مقاتل\" ١/ ١٤٧، \"تفسير الطبري\" ٢/ ٢٤، \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٢٤، \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٢٤٥، \"الكفاية\" ١/ ١٨، \"تفسير البغوي\" ١/ ١٦٣.\n(٢) في (ش): (لا يعقلون).\n(٣) ينظر: \"المحرر الوجيز\" ٢/ ١٧، \"التفسير الكبير\" ٤/ ١٢٥، ونسبه إلى الحسن.\n(٤) ينظر: \"البحر المحيط\" ١/ ٤٣١.","vol":"3","page":394},{"text":"إلى الكعبة (١)، وقيل في هذا: إنه لما قال: ﴿مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ﴾ قال: ﴿وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ﴾ على المقابلة، كما تقول: ما هم بتاركي إنكار الحق، وما أنت بتارك الاعتراف به، ويكون الذي جرّ الكلام الثاني التقابل للكلام الأول، وهو حسن من كلام البلغاء (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ﴾ أخبر أنهم وإن اتفقوا في الظاهر على النبي - ﷺ - مختلفون فيما بينهم. فاليهود تستقبل بيت المقدس، والنصارى تستقبل المشرق. واليهود لا تتبع قبلة النصارى، ولا النصارى تتبع قبلة اليهود (٣).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ﴾ أي: صليت إلى قبلتهم ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ أن قبلة الله الكعبة ﴿إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ أي: إنك إذن مثلهم (٤)، وأجيبت (لئن) ها هنا بجواب مثلها؛ لأنه أراد فيما يستقبل من الزمان.\nوذكر أهل التأويل في قوله: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ﴾ وجهين:\nأحدهما: أن الخطاب له - ﷺ - في الظاهر وهو في المعنى لأمته، كما قال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [الطلاق: ١].\nوالثاني: أن الله تعالى خاطب نبيه -﵇- بهذا مهددًا أمته، أي: إذا استحققت منا مثل ذا الجزاء عند مخالفة، لو وقعت منك، ولن تقع أبدًا\n_________\n(١) ينظر: \"تفسير الطبري\" ٢/ ٢٤، \"البحر المحيط\" ١/ ٤٣٢.\n(٢) ينظر: \"البحر المحيط\" ١/ ٤٣٢.\n(٣) ينظر: \"تفسير الطبري\" ٢/ ٢٤، ٢٥ والثعلبي ١/ ١٢٤٦، \"التفسير الكبير\" ٤/ ١٢٦، \"البحر المحيط\" ١/ ٤٣٢، \" المحرر الوجيز\" ٢/ ١٧ - ١٨.\n(٤) ينظر: \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٢٤٦.","vol":"3","page":395},{"text":"كانوا هم أجدر وأخلق، بتكاثف الأوزار، واجتماع الآثام، عند ما يظهر منهم من إيثار الضلال والانحراف عن الحق.\nوذكر وجه ثالث: وهو أن معنى ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ﴾ أي: في المداراة معهم حرصًا على إيمانهم ﴿إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ لنفسك، إذ قد أعلمتك أنهم لا يؤمنون (١).\nوذكرنا الكلام في معنى (إذن) عند قوله: ﴿فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا﴾ [النساء: ٥٣].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-364>١٤٦ </span>- قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ﴾ الآية، الكناية في ﴿يَعْرِفُونَهُ﴾ تعود إلى محمد - ﷺ - عند أكثر المفسرين (٢). وكنى عن محمد، وقد تقدم ذكره في الخطاب؛ على عادة العرب في تلوين الخطاب.\nويشهد بصحة (٣) هذا التأويل: ما روي أن عبد الله بن سلام قال لما نزلت هذه الآية، وسئل عن معرفته محمدًا - ﷺ -، فقال: والله لأنا بمحمد وصحة نبوته أعرف مني بابني؛ لأني لا أشك في أمره، ولا أدري ما أحدث النساء (٤).\n_________\n(١) ينظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٢٤، \"المحرر الوجيز\" ٢/ ١٨ - ١٩.\n(٢) ينظر: \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٢٤٦، وعزاه في \"المحرر الوجيز\" ٢/ ٢١ إلى قتاده ومجاهد، وعزاه في: \"زاد المسير\" ١/ ١٥٨ إلى ابن عباس، ولم يذكر ابن كثير في \"تفسيره\" ١/ ٢٠٧ غيره، وقال في \"البحر المحيط\" ١/ ٤٣٥: \"واختاره الزجاج ورجحه التبريزي، وبدأ به الزمخشري\" وهو الذي رجحه أبو حيان.\n(٣) في (م): (على صحة).\n(٤) أخرجه الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ١٢٤٦، من حديث ابن عباس، وفيه الكلبي، وينظر \"الفتح السماوي\" ١/ ١٩٥، \"الوسيط\" للواحدي ١/ ٢١٥، وذكره السمرقندي في \"بحر العلوم\" ١/ ١٦٦، والحيري في \"الكفاية\" ١/ ٨٢، =","vol":"3","page":396},{"text":"وقال قتادة (١) والربيع (٢) وابن زيد (٣): معناه: يعرفون أن أمر القبلة حق (٤)\nوقوله تعالى: ﴿لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ﴾ قال ابن عباس: يعني النبي - ﷺ - وصفته في التوراة (٥)، وقال قتادة (٦) والربيع (٧): يريد به: القبلة، والمسجد، والبيت، وأمر الكعبة (٨).\n_________\n= والسمعاني في \"تفسيره\" ٢/ ٩٢، والواحدي في \"أسباب النزول\" ص ٤٧، والبغوي في \"تفسيره\" ١/ ١٦٤، وأورده القرطبي في \"تفسيره\" بصيغة التمريض ٢/ ١٤٩. وعزاه ابن حجر في \"العجاب\" ١/ ٣٩٩ إلى يحيى بن سلام.\n(١) رواه عنه الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٢٥، وذكره ابن أبي حاتم ١/ ٢٥٥.\n(٢) رواه عنه الطبري ٢/ ٢٦، وذكره ابن أبي حاتم ١/ ٢٥٥، وروي عنه ما يوافق القول الأول، أخرجه عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وأبو الشيخ كما في \"الدر المنثور\" ١/ ٢٧١.\n(٣) رواه عنه الطبري في ٢/ ٢٦.\n(٤) وهذا اختيار الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٢٦، ورواه أيضا عن ابن عباس والسدي، كما رواه ابن أبي حاتم عنهما في \"تفسيره\" ١/ ٢٥٥، وينظر: \"زاد المسير\" ١/ ١٥٨، قال الحافظ ابن حجر في \"العجاب\" ١/ ٤٠٠: وحاصله أن الضمير في قوله: (يعرفونه) للنبي - ﷺ -، وهو في آية الأنعام بعيد، وأما في آية البقرة فمحتمل، وقد جاء أن الضمير للبيت الحرام، كذا قال مقاتل بن سليمان.\n(٥) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ١٢٤٧، ولم ينسبه لأحد، ورواه الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٢٦ - ٢٧، وابن أبي حاتم ١/ ٢٥٦ عن مجاهد، كما رواه ابن جرير ٢/ ٢٧، عن قتادة وخصيف بن عبد الرحمن.\n(٦) روى الطبري في \"تفسيره\" عن قتادة ٢/ ٢٧ ما يوافق القول الأول.\n(٧) رواه عنه الطبري ٢/ ٢٧، وابن أبي حاتم ١/ ٢٥٦.\n(٨) ينظر: \"تفسير مقاتل\" ١/ ١٤٨، وعزاه في \"زاد المسير\" ١/ ١٥٨ إلى السدي، وقد جمع الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ١٢٤٧ بين القولين.","vol":"3","page":397},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَهُمْ يعَلَمُونَ﴾ لأن الله بيّن ذلك في كتابهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-365>١٤٧ </span>- ثم قال: ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ أي: هذا الحق من ربك (١). وقوله تعالى: ﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ لفظ خاص، ومعناه العموم، والخطاب للنبي - ﷺ -، والمراد غيره (٢).\nوالمعنى: فلا تكونن من الممترين في الجملة التي أخبرتك من أمر القبلة، وعناد من كتم النبوة، وامتناعهم من الإيمان بك (٣)، والمِرْيَة: الشك، ومنه: الامتراء والتماري (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-366>١٤٨ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ﴾ مختصر، أراد: ولكل أهل دين وِجهة (٥). والوِجهة: اسم للمتوجَّه إليه. وقيل: الوجهة: الجهة.\nقال الفراء: تقول العرب: هذا أمر ليس له وِجْهَةٌ، وليس له وَجْه (٦). قال: وسمعت العرب تقول (٧): وجِّه الحجر، وجِهةٌ مَّا لَه، وَوِجهةٌ مَّا لَه، ووَجهةٌ مَّا لَه (٨)، وجِهة مَّا له، ووَجْه ما له، معناه: ضعه غير هذه\n_________\n(١) ينظر: \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٢٤٧.\n(٢) ينظر: \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٢٤، وقال: وكل ما ورد عليك من هذا النحو فهو سبيله.\n(٣) ينظر: \"المحرر الوجيز\" ٢/ ٢١، ٢٢، \"تفسير القرطبي\" ٢/ ١٤٩ - ١٥٠.\n(٤) ينظر: \"تفسير الطبري\" ٢/ ٢٧، \"زاد المسير\" ١/ ١٥٨، \"تفسير القرطبي\" ٢/ ١٥٠، وقال الراغب في \"المفردات\" ص ٤٦٩: المرية: التردد في الأمر، وهو أخصمن الشك، والامتراء والمماراة: المحاجة فيما فيه مرية.\n(٥) ينظر: \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٢٤٨.\n(٦) في \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٩٠ زيادة: وليس له جهة.\n(٧) سقطت من (م).\n(٨) في \"معاني القرآن\" ١/ ٩٠، وسمعتهم يقولون: وجه الحجر، جهةٌ ما له، ووجهة ما له، ووجهٌ ما له. وينظر: \"اللسان\" ٨/ ٤٧٧٥، \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٨٤٢ \"وجه\".","vol":"3","page":398},{"text":"الوَضْعة، والضِّعة والضَّعَة (١). وأصله في البناء (٢)، يقولون: إذا رأيت الحجر في البناء لم يقع موقعه فأدِرْه، فإنه سيقع على جهته (٣).\nقال أبو إسحاق: ومثله: وَضْعة وضِعَة وضَعَة (٤).\nوقوله تعالى: ﴿هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ ذكرنا معنى التولية في قوله: ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ﴾ [البقرة: ١٤٤]. وقوله: ﴿هُوَ﴾ (٥) ضمير اسم الله (٦) وقد حذف من الكلام أحد مفعولي الفعل الذي يتعدى إلى مفعولين وهو التولية، والتولية تقتضي (٧) مفعولين، كقوله: ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً﴾ [البقرة: ١٤٤]. والتقدير هاهنا: الله موليها إياه، وإياه ضمير كل الموجَّه (٨) المولَّى، وتولية الله إياه إنما هي بأمره له بالتوجه إليها، أو بإرادته ذلك، هذا قول أبي علي (٩).\n_________\n(١) في (ش) لم يكرر: ما له. وليس فيها: والضعه والضعة.\n(٢) في \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٩٠: ويقولون: ضعه غير هذه الوضعة، والضِّعة والضَّعة، ومعناه: وجِّه الحجر فله جهة، وهو مَثَلٌ.\n(٣) من \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٩٠ بتصرف، وينظر في معاني الكلمة: \"المفردات\" ص ٥٢٩، \"اللسان\" ٨/ ٤٧٧٦ (وجه).\n(٤) ينظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٢٥، ونصه: وكذلك يقال: ضَعَةٌ، ووَضْعة، وضِعَة.\n(٥) قال ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ١/ ١٥٩: وفي هو ثلاثة أقوال: أحدها: أنها ترجع إلى الله تعالى، فالمعنى: الله موليها إياهم، أي: أمرهم بالتوجه إليها. والثاني: ترجع إلى المتولي، فالمعنى: هو موليها نفسه، فيكون هو ضمير كل. والثالث: يرجع إلى البيت، قاله مجاهد، أمر كل قوم أن يصلوا إلى الكعبة.\n(٦) قوله: (اسم الله) سقطت من (ش).\n(٧) قوله: (أحد مفعولي ..) سقطت من (ش).\n(٨) في (ش): (المؤخر).\n(٩) ينظر: \"الحجة\" ٢/ ٢٣٩.","vol":"3","page":399},{"text":"وقال أبو إسحاق: قال أكثر أهل اللغة (١): هو ضمير لكل، المعنى: هو مولّيها وَجْهَة، وجاء قوله: ﴿هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ على لفظ كل، ولو قيل: هم (٢) مولّوها على المعنى كما قال: ﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾ [النمل: ٨٧]، كان حسنًا، يريد: كل أهل وجهة هم الذين ولّوا وجوههم إلى تلك الجهة (٣)، ونحو هذا قال الفراء، فقال: هو مولّيها: مستقبلها، الفعل لكلٍ، يريد: كلٌّ مولّي وجهه إليها.\nوالتولية في هذا الموضع: الإقبال، وفي ﴿يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ﴾ [آل عمران: ١١١] ﴿ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ [التوبة: ٢٥] نصراف، وهو كقولك في الكلام: انصرِفْ إليّ، أي: أقبِلْ إلي، وانصرف إلى أهلك، أي: اذهب إلى أهلك (٤)، وهذا وجه آخر في ولّى، بمعنى: أقبل، وبمعنى: أدبر، غير ما ذكرنا في قوله ﴿فَلَنُوَلّيَنَكَ﴾ أنّ (ولّى) من الأضداد.\nقال الزجاج: وكلا القولين جائز (٥)، أي: أن يكون ﴿هُوَ﴾ كناية عن الله تعالى. وأن يكون كناية عن كلّ.\n_________\n(١) في \"معاني القرآن\" للزجاج: قال بعض أهل اللغة. وهو أكثر القول.\n(٢) في (أ)، (م): (هو).\n(٣) ينظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٢٥، وليس عنده: وجاء قوله كان حسنًا، وقال في \"البحر المحيط\" ١/ ٤٣٧: (وهو)، من قوله: (موليها)، عائد على (كل)، على لفظه، لا على معناه، أي: هو مستقبلها وموجه إليها صلاته التي يتقرب بها، والمفعول الثاني لموليها محذوف؛ لفهم المعنى، أي: هو موليها وجهه أو نفسه، قاله ابن عباس وعطاء والربيع، ويؤيد أن هو عائد على كل، قراءة من قرأ: هو مولاها.\n(٤) ينظر: \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٨٥ بمعناه.\n(٥) ينظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٢٥.","vol":"3","page":400},{"text":"وقرأ ابن عامر (١): (هو مولّاها) (٢). وعلى هذه القراءة الكناية تعود إلى كل فقط، والمفعولان مذكوران، وذلك أنه حذف الفاعل، وأضاف المفعول الأول إلى المفعول الآخر، الذي هو ضمير المؤنث العائد إلى الوجهة، أي: كلٌّ وُلِّي جهةً، وهذه القراءة تؤول في المعنى إلى القراءة الأولى (٣)؛ لأن التولية في المعنى استقبال، وما استقبلك فقد استقبلته، وما استقبلته فقد استقبلك.\nوقال أبو (٤) الحسن النحوي فيما قرأته عليه: من قرأ بفتح اللام فحجته قوله: ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً﴾ فلما كان الله هو الذي يولّي القبلةَ فالإنسان مولًّى (٥) إياها، ومن قرأ بكسر اللام قال: لما كان الله هو الذي يولّي المتوجه القبلة؛ كان إسناد التولية إليه أولى. وموضع ﴿هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ رفع؛ لأنها جملة وقعت صفةً لقوله ﴿وِجْهَةٌ﴾ (٦).\nوقال الحسن في هذه الآية: هو كقوله: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا﴾ [الحج: ٦٧] (٧).\n_________\n(١) في (م): (عباس). وعند الفراء في \"معاني القرآن\" ١/ ٨٥: وقرأ ابن عباس وغيره. وكذا عند الطبري ٢/ ٢٩.\n(٢) ينظر: \"السبعة\" ص ١٧١، \"الكشف\" لمكي ١/ ٢٦٧، \"النشر\" ٢/ ٢٢٣.\n(٣) من كلام أبي علي في \"الحجة\" ٢/ ٢٤٠، وزاد: ألا ترى أن في (موليها) ضمير اسم الله ﷿، فإذا أسند الفعل إلى المفعول به، وبناه له، ففاعل التولية هو الله تعالى، كما كانت القراءة الأخرى كذلك.\n(٤) في (ش) سقطت (أبو).\n(٥) في (ش) و(م): كتبت (مولي) بنقطتين.\n(٦) ينظر: \"التبيان\" للعكبري ص ٩٩ - ١٠٠، \"البحر المحيط\" ١/ ٤٣٧.\n(٧) وفي \"البحر المحيط\" ١/ ٤٣٧: وقال الحسن: وجهة: طريقة، كما قال: (لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا).","vol":"3","page":401},{"text":"وقوله تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ قال أهل التفسير: أراد: إلى الخيرات، فحذف حرف الجر (١)، كقول الراعي:\nثنائي عليكم يَا ابْنَ حَرْبٍ وَمَنْ يَمِلْ ... سواكم فإني مهتدٍ غيرُ مائل (٢)\nقال النحويون: ودعوى (٣) الحذف لا يطرد هاهنا، وليس (٤) الحذف من ضرورة هذا الكلام، فإن العرب تقول: استبقنا موضع كذا، أي: قصدناه متسابقين، كقوله تعالى: ﴿وَاسْتَبَقَا الْبَابَ﴾ [يوسف: ٢٥] وقوله: ﴿فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ﴾ [يس: ٦٦] وقلَّ ما تراه مستعملا مع الخافض.\nوقوله تعالى: ﴿أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ﴾ قال الفراء: إذا رأيت حروف الاستفهام قد وُصِلت بـ (ما) مثل: أينما، ومتى ما، وكيف ما ﴿أَيًّا مَا تَدْعُوا﴾ [الإسراء: ١١٠] كانت جزاء ولم تكن استفهامًا. فإذا لم توصل بـ (ما) كان الأغلب عليها الاستفهام، وجاز فيها الجزاء، فإذا كانت جزاءً جزمت الفعلين، الفعلَ الذي مع أينما وأخواتها، وجوابَه، كقوله: ﴿أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ﴾. فإذا أدخلت الفاء في الجواب، رفعت الجواب فقلت في مثله من الكلام: أينما تكن فآتيك، ومثله قوله: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ﴾ [البقرة:\n_________\n(١) ينظر: \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٢٤٩، \"تفسير البغوي\" ١/ ١٦٤،\"البحر المحيط\" ١/ ٤٣٩، \"الدر المصون\" ١/ ٤٠٧.\n(٢) البيت للراعي النميري، في مدح يزيد بن معاوية بن أبي سفيان، ينظر \"ديوانه\" ص ١٩١، \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٢٤٩، \"البحر المحيط\" ١/ ٤٣٩، \"الدر المصون\" ١/ ٤٠٧ وموضع الشاهد قوله: ومن يمل سواكم، أراد: ومن يمل إلى سواكم.\n(٣) في (ش): (ومعنى دعوى).\n(٤) سقطت من: (ش).","vol":"3","page":402},{"text":"١٢٦]. فإذا كانت استفهامًا رفعت الفعل الذي يلي: أين، وكيف، ثم تجزم (١) الفعل الثاني؛ ليكون جوابًا للاستفهام بمعنى الجزاء، كما تقول: هل أدلك على بيتي تأتني؟ (٢).\nفإذا (٣) أدخلْتَ في جواب الاستفهام فاءً نصبتَ، كما تقول: هل أدلك على بيتي فتأتيني؟ قال: ومثله قوله: ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [المنافقون: ١٠] (٤).\nوقال أبو إسحاق: إنما تجزم ما بعدها، لأنها إذا وصلت بما جزمت ما بعدها، وكان الكلام شرطًا، وكان الجواب جزمًا كالشرط، وإن كانت استفهامًا، نحو: أين زيد؟ فأجبته أجبت بالجزم، تقول: أين بيتُك أزرْكَ؟ المعنى: إن (٥) أعرف بيتك أزرك (٦).\nقال أبو علي، فيما استدرك عليه (٧): لا فائدة تحت قوله: إنها إذا وصلت بما جُزِمت (٨)؛ لأنها تجزم ما بعدها في الشرط والجزاء، وُصلت\n_________\n(١) في (م): (وجزمت). في (أ)، (م): (فإن).\n(٢) ذكر الفراء في \"معاني القرآن\" ١/ ٨٦ مثالا غير هذا، فقال: كما قال الله ﵎: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ ثم أجاب الاستفهام بالجزم، فقال: ﵎: (يغفر لكم ذنوبكم).\n(٣) في (أ)، (م): (فإن).\n(٤) من \"معاني القرآن\" للفراء ٦/ ٨٥ - ٨٦.\n(٥) في (ش): (أين).\n(٦) بتصرف يسير من، \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٢٦.\n(٧) يعني في كتاب \"الإغفال\" لأبي علي الفارسي.\n(٨) كرر كلام أبي إسحاق في نسخة (ش) وهو زيادة لا داعي لها.","vol":"3","page":403},{"text":"بـ (ما)، أو لم توصل بها، فقوله إذن لا فائدة فيه، ولا نكتة تحته، كما لا فائدة في قول القائل: الفعل يرفعُ الفاعل إذا كان ماضيًا؛ لأنه يرفع ماضيًا كان أو آتيًا (١)، ومما جزم أين (٢) من غير وصلها بـ (ما). قول الشاعر:\nأين تصرِفْ بنا الغداة تجدنا ... نصرف العيس نحوها للتلاقي (٣) (٤)\nوأما التفسير: فلأهل التفسير في هذه الآية طريقان:\nأحدهما: التعميم. والثاني: التخصيص.\nفأما التخصيص فقوله: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ أراد: القبلة في الصلاة لكل أهل دين (٥)، كما ذكرنا.\nوقوله ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ قال الزجاج: أي: فبادروا إلى القبول من الله ﷿، وولّوا وجوهكم حيث أمركم الله أن تولوا (٦). وعلى هذا ﴿الْخَيْرَاتِ﴾ على صيغتها من العموم، وهي مخصوصة؛ لأنه أراد الابتدارَ إلى استقبال الكعبة.\nوقوله تعالى: ﴿أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا﴾ قيل: إنه في\n_________\n(١) \"الإغفال\" ص ٣٨٧.\n(٢) في (ش): (أي).\n(٣) البيت لابن همام السلولي في \"الكتاب\" ٣/ ٥٨، وبلا نسبة في \"الإغفال\" ص ٣٨٩، \"شرح ابن يعيش\" ٤/ ١٠٥، \"المقتضب\" ٢/ ٤٨، \"شرح الأشموني\" ٣/ ٥٨٠، والرواية في بعض نسخ \"الإغفال\" وبعض المصادر:\nأين تضرب بنا العُداة\n(٤) من \"الإغفال\" ص ٣٨٩، باختصار.\n(٥) ينظر أثر ابن عباس والسدي وابن أبي زيد ومجاهد والربيع وعطاء في هذا: عند ابن جرير ٢/ ٢٨، ٢٩، وابن أبي حاتم ١/ ٢٥٦ - ٢٥٧.\n(٦) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٢٦، وينظر أثر قتادة عند الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٣٠.","vol":"3","page":404},{"text":"المؤمنين خاصة، ومعناه: إن الذي سبق في علم الله أنه يصلي إلى الكعبة، فأينما يكونوا في شرق الأرض وغربها، وفي أصلاب الآباء وأرحام الأمهات، يجمعهم الله على التوجه إلى هذه القبلة، فهذا محمول على صرف وجوه الناس إلى الكعبة للصلاة والمناسك (١).\nوأما التعميم فقوله: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ قال عطاء، عن ابن عباس: يريد: من أراد وجهَ الله قبِلَ اللهُ منه، ومن أراد غير ذلك فإن الله يجزيه (٢)، يعني: ان من طلب في جميع ما يأتي وجهَ الله قبِلَ الله منه، ومن رايا وطلب غير الله بعلمه عَلِمَ الله ذلك منه. وهذا كما قال سعيد بن جبير في هذه الآية قال: لكلٍّ طريقةٌ هو مجبور عليها. وهذا كقوله: ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ﴾ [الإسراء: ٨٤] وكقوله: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨].\nوقوله: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ قال ابن عباس: يريد: تنافسوا فيما رغب فيه من الخير لكل عنده ثوابه (٣) (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-367>١٤٩ </span>- وقوله تعالى: ﴿أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا﴾ أي: أينما تكونوا يجمعكم الله للحساب فيجزيكم بأعمالكم (٥).\n_________\n(١) ينظر: \"زاد المسير\" ١/ ١٥٩، \"البحر المحيط\" ١/ ٤٣٩.\n(٢) تقدم الحديث عن هذه الرواية.\n(٣) تقدم الحديث عن هذه الرواية، وينظر: \"تفسير الطبري\" ٢/ ٣٠ حيث روى عن الربيع وابن أبي زيد ما يدل على العموم، وكذا ابن أبي حاتم ١/ ٢٥٧، وينظر: \"زاد المسير\" ١/ ١٥٩، \"البحر المحيط\" ١/ ٤٣٩، \"التفسير الكبير\" ٤/ ١٣١ - ١٣٣.\n(٤) من قوله: (وقوله تعالى: ...) ساقط من (أ)، (م).\n(٥) ينظر: \"تفسير الطبري\" ٢/ ٣٠، والثعلبي ١/ ١٢٤٩، \"البحر المحيط\" ١/ ٤٣٩.","vol":"3","page":405},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-368>١٤٩ </span>- قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ الهاء تعود على شطر المسجد، ويجوز أن تعود إلى التوجه المدلول عليه بقوله: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ﴾ (١)، ومعنى: ﴿لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ أي: بأمره وحكمه (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-369>١٥٠ </span>- قوله تعالى: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ﴾ إنما كرر هذا؛ لأن هذا من مواضع التوكيد؛ لأجل النسخ الذي نُقلوا فيه من جهة إلى جهة للتقرير (٣).\nوقوله تعالى ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾ قيل: الحجة: فُعلة، من الحج الذي هو القصد، لأنها مقصودة للمخاصم، ومنه: المحجّة: لأنها تقصد بالسلوك. والمخاصمةُ يقال لها: المحاجّة؛ لقصد كل واحد من الخصمين إلى إقامة بينته وإبطال ما في يد صاحبه (٤).\nوقوله تعالى ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ اختلف العلماء في وجه هذا الاستثناء، وهم في هذه الآية فريقان:\nفريق أوّلوا الآية على سياقها، وصححوا الاستثناء على ظاهره (٥)،\n_________\n(١) وهذا اختيار الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٣٠، وينظر: \"التبيان\" للعكبري ص ١٠٠.\n(٢) قال الطبري ٢/ ٣٠: وان التوجه شطره للحق الذي لا شك فيه من عند ربك، فحافظوا عليه، وأطيعوا الله في توجهكم قِبَله. وقال في \"البحر المحيط\" ١/ ٤٣٩. هذا إخبار من الله تعالى بأن استقبال هذه القبلة هو الحق، أي الثابت الذي لا يعرض له نسخ ولا تبديل.\n(٣) ينظر: \"تفسير البغوي\" ١/ ١٦٥، \"المحرر الوجيز\" ٢/ ٢٤.\n(٤) ينظر: \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٢٥٠، \"المفردات\" ص ١١٥، \"لسان العرب\" ٢/ ٧٧٩ (حجج).\n(٥) بين أبو حيان في \"البحر المحيط\" ١/ ٤٤١ أن الاستثناء في الآية متصل، ونسبه إلى ابن عباس، قال: واختاره الطبري، وبدأ به ابن عطية، ولم يذكر الزمخشري غيره، وذلك أنه متى أمكن الاستثناء المتصل إمكانًا حسنًا كان أولى من غيره.","vol":"3","page":406},{"text":"وهم مجاهد (١) وعطاء (٢) وقتادة (٣) والربيع (٤) والسدي (٥) وابن جرير (٦) وأبو روق (٧) (٨)، قالوا: الناس هاهنا اليهود، كانوا يحتجون على رسول الله - ﷺ - في صلاتهم إلى بيت المقدس، ويقولون: ما درى محمد وأصحابه أين قبلتهم حتى هديناهم نحن، ويقولون: يخالفنا محمد في ديننا ويتبع قبلتنا (٩). وهذا كان حجتهم التي كانوا يحتجون بها على المؤمنين، على وجه الخصومة والتمويه بها على الجهال، فلما صرفت القبلة إلى الكعبة بطلت هذه الحجة (١٠).\nثم قال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ وهم المشركون، فإنهم قالوا: قد تحيّر محمد في دينه، فتوجه إلى قبلتنا، وعلِم أنّا (١١) أهدى سبيلًا منه، ويوشك\n_________\n(١) ينظر: \"تفسير ابن أبي حاتم\" ١/ ٢٥٩، وذكره الثعلبي ١/ ١٢٥١.\n(٢) رواه عنه الطبري ٢/ ٣٢، وذكره الثعلبي ١/ ١٢٥١.\n(٣) رواه عنه الطبري ٢/ ٣٢، وذكره الثعلبي ١/ ١٢٥١.\n(٤) رواه الطبري ٢/ ٣٢، وذكره الثعلبي ١/ ١٢٥١.\n(٥) رواه عنه الطبري ٢/ ٣٢، وذكره الثعلبي ١/ ١٢٥١.\n(٦) ينظر: \"تفسير الطبري\" ٢/ ٣١ - ٣٥.\n(٧) هو عطية بن الحارث الهمداني الكوفي صدوق، صاحب تفسير، عده ابن حجر من طبقة صغار التابعين، ينظر: \"تقريب التهذيب\" ص ٣٩٣ (٤٦١٥)، \"الجرح والتعديل\" ٣/ ٣٨٢.\n(٨) ينظر: \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٢٥٤.\n(٩) ينظر: \"تفسير الطبري\" ٢/ ٣١ - ٣٢، ٢/ ١٩ - ٢٠، والثعلبي ١/ ١٢٥١، والبغوي ١/ ١٦٥، و\"زاد المسير\" ١/ ١٥٩ - ١٦٠، وزاد نسبة هذا القول لابن عباس وأبي العالية ومقاتل.\n(١٠) ينظر: \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٢٥١، \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٢٦ - ٢٢٧، \"البحر المحيط\" ١/ ٤٤٢.\n(١١) في (ش): (أننا).","vol":"3","page":407},{"text":"أن يرجع إلى ديننا (١)، فهؤلاء تبقى لهم (٢) الخصومة. والحجةُ قد تكون بمعنى الخصومة، كقوله: ﴿لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُم﴾ [الشورى: ١٥]، أي: لا خصومة (٣).\nقال أبو روق: حجة اليهود أنّهم كانوا قد عرفوا أنّ النبيّ المبعوث في آخر الزمان قبلته الكعبة، وأنه يحوَّل إليها، فلما رأوا محمدًا - ﷺ - يصلي إلى الصخرة واحتجوا بذلك، فصرفت قبلته إلى الكعبة؛ لئلا يكون لهم عليه حجة إلا الذين ظلموا منهم (٤)، يريد: إلا الظالمين الذين يكتمون ما عرفوا من أنه يُحَوَّل إلى الكعبة.\nوقال المفضَّل بن سلمة (٥): المراد بالناس في هذه الآية: جميع الناس، كانوا يحتجّون على النبي - ﷺ - بأنه (٦) لو كان نبيًّا لكانت له قبلة، ولم يصلّ إلى قبلة اليهود، فلما حُوِّلت قبلته إلى الكعبة، بطل هذا الاحتجاج، إلا أن الظالمين يتعنتون ويخاصمون. فيقول المشركون ومن دان بدينهم:\n_________\n(١) ذكر ذلك الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٣٢ - ٣٤، وابن أبي حاتم ١/ ٢٥٨، بسنده عن أبي العالية، ثم ذكر عن مجاهد وعطاء والسدي وقتادة والربيع بن أنس والضحاك، وينظر: \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١٢٥١، والبغوي ١/ ١٥٦.\n(٢) في (أ)، (م): (فهو لانتقالهم الخصومة).\n(٣) ينظر: \"تفسير الطبري\" ٢/ ٣١، \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٢٥٢.\n(٤) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ١٢٥٤، والبغوي ١/ ١٦٥، وقد ذكر الرازي في \"تفسيره\" ٤/ ١٤٠ أربعة أوجه لتأويل كون الاستثناء متصلًا.\n(٥) هو المفضل بن سلمة بن عاصم، أبو طالب الضبي، لغوي، كان كوفي المذهب في النحو، لقي ابن الأعرابي وغيره من العلماء، توفي في نحو ٢٩٠ هـ كما في \"الأعلام\". ينظر: \"إنباه الرواة\" ٣/ ٣٠٥، \"بغية الوعاة\" ٢/ ٢٩٦ - ٢٩٧، \"الأعلام\" ٧/ ٢٧٩.\n(٦) في (م): (لأنه).","vol":"3","page":408},{"text":"إنما رجع إلى الكعبة؛ لأنها قبلة آبائه وهي الحق، وكذا يرجع إلى ديننا، ويقول اليهود: إنما انصرف عن بيت المقدس مع علمه بأنه حق؛ لأنه يفعل برأيه ويزعم أنه أُمِرَ به. وهذا مذهب أبي إسحاق، فإنه يقول: المعنى: لأن لا يكون للناس عليكم حجة إلا من ظلم باحتجاجه فيما قد وضح له، كما تقول: مالك علي حجة، وحجته داحضة عند الله -﷿- قال الله تعالى: ﴿حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ﴾ [الشورى: ١٦]، فسماها حجة مع بطلانها.\nوعلى هذا المذهب موضع (الذين) خفض على البدل من الناس: كما تقول: ما مررت بأحد إلا زيد. ويجوز أن يكون موضعه نصبًا على الاستثناء، كما يستثنى بعد الإيجاب؛ كقوله: ﴿مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٦٦] من رفعه جعله بدلًا من الواو، ومن نصبه نصبه على الاستثناء (١)، وكذلك: ﴿وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ﴾ [هود: ٨١]، رفعًا ونصبًا (٢).\nوأما الفريق الثاني فإنهم لم يصححوا الاستثناء، وعدلوا به عن ظاهره، وهم الأخفش والمؤرج والفراء ومعمر بن المثنى. قال الفراء والمؤرج: هذا استثناء منقطع من الكلام الأول، ومعناه: لأن لا يكون للناس كلهم عليكم حجة إلا الذين ظلموا فإنهم يحاجّونكم بالظلم. هذا معنى قولهما، ثم قال الفراء: وهو كما تقول في الكلام: الناس كلهم حامدون إلا الظالم لك، فإن ذلك لا يُعتدّ به وبتركه الحمد لعداوته لك، وكذلك: الظالم لا حجة له وقد سمّي ظالمًا.\n_________\n(١) قرأ ابن عامر بنصب قليل والباقون برفعها، ينظر: \"السبعة\" ص ٢٣٥.\n(٢) قرأ ابن كثير وأبو عمرو إلا امرأتك برفع التاء. والباقون بنصبها. ينظر: \"السبعة\" ص ٣٣٨.","vol":"3","page":409},{"text":"قال ابن الأنباري: (إلاَّ) في الاستثناء المنقطع له معنيان:\nأحدهما: أن يكون الذي بعدها مستأنفًا، يلابس الأول من جهة عائد عليه منها، أو معنى يقرب به منه، كقول القائل: قعدنا نتذاكر الخير وما يقرّبنا من الله، إلا أن قومًا يبغضون ما كنا فيه. فالذي بعد (إلا) مستأنف، يلبس بالأول من جهة المعنى، وذلك بغضهم لما كانوا فيه، فتأويل إلا: لكن قومًا. ولو لم يلتبس ما بعد (إلا) بما قبلها من وجه لم يكن الاستثناء معنى على جهة إيصال ولا انقطاع، ولذلك يقول النحويون: (إلا) في الاستثناء المنقطع بمنزلة (لكن)، لأن الذي بعد (لكن) مستأنف.\nوبهذا قال الأخفش في هذه الآية، لأنه قال: معناه: لكن الذين ظلموا، كقوله: ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾ [النساء: ١٥٧] يعني: لكن الذين يتبعون الظن ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى (١٩) إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى﴾ [الليل:١٩ - ٢٠]، يعني: لكن يبتغي، فيكون منقطعًا من الكلام الأول. وأما المتصل فإنه يخرج من أسماء تشاكله ومن فعل يخالف بخروجه منه ما قبله من الأسماء المذكورة، كما تقول: خرج القوم إلا زيدًا، فزيد من جنس القوم قد خالفهم بترك الخروج. والمنقطع لا يكون مخرجًا من الأسماء التي قبل إلا في الظاهر، ولكن من معنى من معاني الكلام يجب به الملابسة كما ذكرنا.\nوالمعنى الثاني في الاستثناء المنقطع: أن يكون مؤكدًا لما قبله، وذلك أن الرجل إذا قال: ارتحل الناس إلا الأثقال، أكّد ارتحال الناس بقوله: إلا الأثقال، وذهب إلى أنه إذا لم يبق إلا الأثقال، كان القوم كلهم مرتحلين، وكان تأويله: ارتحل الناس كلهم. وكذلك: مضى العسكر إلا الأبنية والخيام، معناه: مضوا أجمعون؛ لأنه إذا لم يبق إلا بناء وخيمة كان","vol":"3","page":410},{"text":"القوم غير متخلف منهم واحد. ومنه قوله ﷿: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٣] معناه: لكن ما قد سلف وأنتم غير مؤاخذين، فهو مستأنف يلابس الأول، إذ كان أخرج من الأمور التي فيها المآثم والأوزار، فجعل لا مأثم فيه ولا وزر، ومثله قول النابغة:\n......... وما بالربع من أحد\nإلا أواري ......... (١)\nمعناه: لكن، وضم الاستثناء؛ لأنها كانت مستثناة ممن كان بالربع، فالربع كان يشملهم، وهذا ملابسة بينهما، وأيضًا فإن هذا التأكيد لخلو الأرض؛ لأنه إذا لم يبق في الدار إلا الأواري كان خلوها من الإنس متيقنًا.\nفهذان المعنيان ذكرناهما في الاستثناء المنقطع تحتملهما الآية؛ لأن الظالمين وإن لم يكن لهم حجة فهم يموّهون ويحتجون بالباطل، وأيضًا: فإنه إذا لم يكن لأحد عليهم حجة إلا من كان ظالمًا كان في هذا تأكيدًا لنفي الحجة.\nفعلى المذهب الأول: الظالمون كانوا ظالمين بشركهم وكفرهم، وعلى المذهب الثاني: كانوا ظالمين لاحتجاجهم بما لا متعلق لهم به. وموضع (الذين) على هذا القول -وهو قول الفريق الثاني- نصب على أكثر العرب؛ لأنهم ينصبون ما كان من الاستثناء المنقطع كقوله:\nإلا أواريّ ......\n_________\n(١) تمام البيتين:\nوقفتُ بها أصيلانًا أسائلها ... عيَّتْ جوابًا وما بالربع من أحدِ\nإلا الأواريَّ لأيًا ما أبينها ... والنؤيُ كالحوض بالمظلومة الجَلَدِ\nينظر: \"ديوانه\" ص ٩، \"الأغاني\" ١١/ ٢٧، \"الخزانة\" ٢/ ١٢٢.","vol":"3","page":411},{"text":"غير أن بني تميم يجيزون البدل، كما يكون الاستثناء متصلًا، وعلى لغتهم ينشد:\nوبلدةٍ ليس بها أنيسُ ... إلّا اليعافيرُ وإلّا العِيسُ (١)\nفجعل اليعافير بدلًا من الأنيس. والقرآن نزل بلغة أهل الحجاز فلذلك نصب كل مستثنى منقطع من الأول، كقوله: ﴿إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾ [النساء: ١٥٧] وقوله: ﴿فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ﴾ ثم قال: ﴿إِلَّا رَحْمَةً﴾ [يس:٤٣ - ٤٤] وكذلك قوله: ﴿إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ﴾ [الليل: ٢٠] (٢).\nوقال معمر بن المثنى: إلا هاهنا معناها: الواو، فهو عطفٌ عُطِف به ﴿الَّذِينَ﴾ على ﴿النَّاسِ﴾. والمعنى: لئلا يكون للناس والذين ظلموا عليكم حجة (٣)، واحتُجَّ على هذا المذهب بأبيات منها (٤):\n_________\n(١) الرجز لجران العود في \"ديوانه\" ص ٩٧، \"لسان العرب\" ٧/ ٣٩٣٨ (كنز)، وأوضح المسالك ٢/ ٢٦١.\n(٢) ينظر: \"تفسير البغوي\" ١/ ١٦٥، وقال في \"البحر\" ١/ ٤٤٢ مبينا مثار الخلاف بين من قال بالاتصال والانقطاع هو: هل الحجة هو الدليل والبرهان الصحيح، أو الحجة هو الاحتجاج والخصومة؟ فإن كان الأول: فهو استثناء منقطع، وإن كان الثاني: فهو استثناء متصل.\n(٣) ينظر: \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ١/ ٦٠ - ٦١، و\"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٢٥٥، و\"تفسير البغوي\" ١/ ١٦٦.\n(٤) احتج أبو عبيدة بهذه الأبيات: الأول للأعشى:\nإلا كخارجةَ المكلِّفِ نفسَه ... وابني قبيصة أن أَغيبَ وأشهدا\nومعناه: وخارجة. والثاني: لعنز بن دجاجة المازني:\nمن كان أسرع في تفرق فالج ... فلبونُه جَرِبتْ معَا وأغدَّتِ\nإلا كناشرةَ الذي ضيّعتمُ ... كالغصن في غُلَوائه المتنبِّتِ\nيريد وناشرة الذي ضيعتم.","vol":"3","page":412},{"text":"وكل أخٍ مفارقُهُ أخوه ... لَعَمْرُ أبيك إلا الفرقدان (١)\nفقال: أراد: والفرقدان أيضًا يفترقان.\nوما أنشده الأخفش (٢):\nوأرى لها دارًا بأغْدِرَةِ السِّيـ ... ـدَانِ لم يَدْرُس لها رَسْمُ\nإلّا رَمَادًا خامدًا دَفَعَتْ ... عنهُ الرِّياحَ خَوَالِد سُحْمُ (٣)\nأراد: أرى دارًا ورمادًا (٤).\nوهذا القول عند الفراء خطأ (٥)؛ لأن (إلا) (٦) لا يُخرج عن الاستثناء إلى النسق حتى يتقدمها عدد لا يصلح أن يستثنى منه، فتجري مجرى الواو إذا بطل فيها معنى الاستثناء، بيانه: قولك: لي على فلان ألفٌ إلا عشرةً إلا\n_________\n(١) البيت. نسب لعمرو بن معدي كرب، ينظر: \"ديوانه\" ص١٧٨، \"الكتاب\" ٢/ ٣٣٤، \"المؤتلف والمختلف\" ص ١٥١، ولعمرو أو لحضرمي في \"خزانة الأدب\" ٣/ ٤٢١. وهو بلا نسبة في \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٢٥٥، \"لسان العرب\" ٦/ ٣٤٠٢ \"فرقد\". والفرقدان: نجمان في السماء لا يغربان.\n(٢) ينظر: \"معاني القرآن\" للأخفش ١/ ١٥٢.\n(٣) البيت للمُخَبَّل السعدي، ينظر: \"ديوانه\" ص ٣١٢، \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٢٥٦، \"لسان العرب\" ٢/ ١٢٢٥ (خلد)، \"المفضليات\" ص ١١٣ - ١١٤. والأغدرة: جمع غدير، السِّيدان: أرض لبني سعد. الخوالد: البواقي وعنى بها: الأثافي. سحم: ذات لون يضرب إلى السواد.\n(٤) سقط من (ش).\n(٥) ينظر: \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٨٩، وخطأه أيضًا الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٣٣ - ٣٤، وقال في \"البحر المحيط\" ١/ ٤٤٢: وإثبات إلا بمعنى الواو، لا يقوم عليه دليل، والاستثناء سائغ فيما ادعى فيه أن إلا بمعنى الواو، وكان أبو عبيدة يضعَّف في النحو، ثم نقل تخطئة الزجاج لهذا القول.\n(٦) كتبت في (ش): (لئلا).","vol":"3","page":413},{"text":"مائةً، لا يصلح استثناء المائة من العشرة، فعادت المائة إلى الألف لا بالاستثناء ولكن بالعطف، كأنك أغفلت المائة فاستدركتها فقلت: اللهم إلا مائة فالمعنى: لي عليه ألف ومائة، وكما قال الشاعر:\nما بالمدينة دارٌ غيرُ واحدةٍ ... دارُ الخليفة إلا دارُ مروانا (١)\nكأنه قال: ما بالمدينة دار إلا دار الخليفة ودار مروان (٢).\nفعند الفراء إنما تكون (إلا) (٣) بمنزله الواو إذا عطفتها على استثناء قبلها، لا يصلح أن يكون الثاني استثناء من الأول، كما بيّنا، ومن الناس من صوّب أبا عبيدة في مذهبه، وصحح قوله بما احتج به من الشعر.\nوقال قطرب: الاستثناء في هذه الآية من الضمير في ﴿عَلَيْكُمْ﴾، المعنى: لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا على الذين ظلموا منهم فإن عليهم الحجة (٤)، وهذا الوجه اختيار أبي منصور الأزهري. حكاه لي أحمد بن إبراهيم المقبري -﵀- عن الحسن بن محرم، عنه.\nقال أبو بكر بن الأنباري: وهذا عندي بعيد رديء (٥)؛ لأن المكني المخفوض لا ينسق عليه إلا بإعادة الخافض، ولأن (٦) الكاف والميم في عليكم، للمخاطبين، فلو استثنى الذين ظلموا منهم لقال: إلا الذين ظلموا\n_________\n(١) البيت للفرزدق في \"الكتاب\" ٢/ ٣٤٠، وليس في \"ديوانه\"، وبلا نسبة في \"تذكره النحاة\" ص ٥٩٦، \"المقتضب\" ٤/ ٤٢٥.\n(٢) ينظر: \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٨٩ - ٩٠.\n(٣) سقطت من (ش).\n(٤) ينظر: \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٢٥٧، \"التفسير الكبير\" ٤/ ١٤٠، \"البحر المحيط\" ١/ ٤٤٢، وممن ضَّعف هذا: الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٣٤.\n(٥) ساقط من (أ)، (م).\n(٦) في (ش): (ولكن).","vol":"3","page":414},{"text":"منكم، فلما قال: (منهم) دلّ بالغيبة على أنّ الذين ظلموا لم (١) يُستثنَوا من الكاف والميم.\nوقوله تعالى: ﴿فَلَا تَخْشَوْهُمْ﴾ الكناية ترجع إلى الذين ظلموا، والمعنى: لا تخشوهم في انصرافكم إلى الكعبة، وفي تظاهرهم عليكم في المحاجّة والمحاربة (٢)، فإني وليكم، أُظْهركم عليهم بالحجة والنصرة (٣). ﴿وَاخْشَوْنِي﴾ في تركها ومخالفتها (٤).\n﴿وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ عطف على قوله: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾ (٥)، ولكن (٦) أتم نعمتي عليكم بهدايتي إياكم إلى قبلة إبراهيم فتتم لكم الملة الحنيفية (٧).\nقال عطاء: عن ابن عباس: ﴿وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ يريد: في الدنيا والآخرة، أما الدنيا: فأنصركم على عدوكم، وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأولادهم، وأما في الآخرة: ففي رحمتي وجنتي، وأزوجكم من الحور العين (٨).\nوقال علي - ﵁ -: تمام النعمة: الموت على الإسلام.\n_________\n(١) في (ش): (من).\n(٢) في (ش): (والمجابهة).\n(٣) ينظر: \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٢٥٧.\n(٤) ينظر: \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٢٥٧، والطبري ٢/ ٣٥، و\"معالم التنزيل\" ١/ ١٦٦.\n(٥) ينظر: \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٢٥٨، \"البحر المحيط\" ١/ ٤٢٢، \"التبيان\" ص ١٠٥.\n(٦) هكذا وردت في الأصول، ووردت في \"الثعلبي\": ولكي. وهي أوضح في المعنى.\n(٧) ينظر: \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٢٥٨، والطبري ٢/ ٣٥، والبغوي ١/ ١٦٦.\n(٨) تقدم الحديث عن هذه الرواية في المقدمة.","vol":"3","page":415},{"text":"وعنه أيضًا: النعم ست: الإسلام (١) (٢)، والقرآن، ومحمد - ﷺ -، والستر، والعافية، والغنى عما في أيدي الناس (٣).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ ذكرنا معنى (لعل) فيما تقدم (٤)، ونظمُ الكلام يوجب طرح الواو؛ لأن معناه: ولأتم (٥) نعمتي عليكم لعلكم تهتدون بنعمتي، إلا أنه قد يحسن استعمال الواو في مثل هذا الموضع، ويستفاد منه أن يكون ما بعده جملة مبتدئة تتضمن الاتصال بما سبق من الكلام، ويحسن حذف الواو فيكون حينئذ اتصالًا محضًا لا يتضمن استئناف جملة، مثاله: أن تقول: أعطيتك وأكرمتك أرجو رُشْدك، ويحسن أن تقول: وأرجو رُشْدك، أي: بالإكرام والإعطاء، وإن كانت جملة مبتدئة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-370>١٥١ </span>- قوله تعالى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ﴾ الآية، تكلم النحويون وأرباب المعاني في أن الكاف في قوله: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا﴾ بماذا تتعلق، فذكروا فيه قولين (٦)، أحدهما: أنه متعلق بما قبله، وهو من صلة ﴿وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي﴾، فيكون المعنى: ولأتم نعمتي عليكم كإرسالي إليكم رسولًا، أي:\n_________\n(١) ساقطة من (ش).\n(٢) ذكره عنه الثعلبي ١/ ١٢٥٨، والبغوي ١/ ١٦٦.\n(٣) ذكره عنه الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ١٢٥٨، وذكر أبوحيان في \"البحر المحيط\" ١/ ٤٤٣: ثمانية أقوال في معنى تمام النعمة، قال فيها: صدرت مصدر المثال، لا مصدر التعيين، وكل فيها نعمة.\n(٤) وقد ذكر الثعلبي في هذا الموضع من \"تفسيره\" ١/ ١٢٥٨ - ١٢٦٠: معاني لعل.\n(٥) في (ش): (لأتم).\n(٦) ينظر: \"تفسير الطبري\" ٢/ ٣٦، والثعلبي ١/ ١٢٦٢.","vol":"3","page":416},{"text":"أتم هذه كما أتممت تلك، وبيان هذا: ما ذكر محمد بن جرير، قال: إن إبراهيم ﵇ دعا بدعوتين:\nإحداهما: قوله ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا﴾ [البقرة: ١٢٨].\nالثانية: قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٩] وهو محمد - ﷺ -، فالله تعالى قال: ﴿وَلِأُتِمَّ نِعمَتِى﴾ ببيان شرائع ملتكم الحنيفية، وأهديكم لدين خليلي إبراهيم، ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ﴾ يعني (١): فكما أجبتُ دعوته بابتعاث الرسول، كذلك أجيب دعوته بأن أهديكم لدينه، وأجعلكم مسلمين، فيكون هذا إجابةً لدعوته حيث قال: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً﴾ (٢) وهذا الوجه اختيار الفراء (٣).\nالقول الثاني: أن ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا﴾ جواب لقوله: ﴿فَاذْكُرُونِي﴾ معناه: فاذكروني أذكركم كما أرسلنا، فيكون هذا بمنزلة جزاءٍ له جوابان، أحدهما: مقدم، والآخر: مؤخر، ومثله من الكلام: إذا أتاك عبد الله فأتِه (٤) تُرْضِه، فقد صارت فأتِه ترْضِه جوابين (٥).\n_________\n(١) في (ش): (معنى).\n(٢) \"تفسير الطبري\" ١/ ٣٥ - ٣٦ بتصرف. ورجحه مكي بن أبي طالب في \"مشكل إعراب القرآن\" ١/ ١١٤، وينظر: \"البحر المحيط\" ١/ ٤٤٤.\n(٣) \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٩٢، وينظر: \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٢٦٢.\n(٤) في (ش): كتبت: (فأنه).\n(٥) ينظر: \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٩٢، وذكر الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ٢٦٢، وأبو حيان في \"البحر المحيط\" ١/ ٤٤٤ أن هذا قول مجاهد وعطاء والكلبي ومقاتل، وهو اختيار الأخفش والزجاج وابن كيسان والأصم، وردّ الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٣٦ قول من قال: معنى الآية: فاذكروني كما أرسلنا فيكم رسولا منكم أذكركم =","vol":"3","page":417},{"text":"قال ابن الأنباري: وفسر بعض (١) أصحابنا هذا تفسيرًا شافيًا. فقال: (كما) شرط، والفاء في قوله: ﴿فَاذْكُرُونِي﴾ جوابه، و﴿أَذْكُرْكُمْ﴾ جواب الشرط المقدر من الأمر في ﴿فَاذْكُرُونِي﴾ وكذلك: إذا أتاك عبد الله فأتِه تُرضِه، (إذا) محمولة على معنى الشرط، والفاء جواب (٢) له، فلما جعل له جواب لشرط مقدر من الإتيان، قال: ولو اقتصر على قوله: ﴿فَاذْكُرُونِي﴾ كان (كما) جوابًا له، فلما جُعِلَ له جوابٌ كان (كما) مذهوبًا به مذهب الشرط.\nوهذا القول موافق لتفسير الآية؛ لأن الآية خطاب لمشركي العرب (٣)، خاطبهم الله تعالى بما دلّهم على إثبات رسالة محمد - ﷺ - فقال: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ﴾ محمدًا، وهو رجل منكم أمي، تعلمون أنه لم يتلُ كتابًا، فأنبأكم (٤) بأخبار الأنبياء، أىِ: فكما أنعمت عليكم بإرساله ﴿فَاذْكُرُونِي﴾\n_________\n= وزعموا أن ذلك من المقدم الذي معناه التأخير، فأغربوا النزع وبعدوا من الإصابة، وحملوا الكلام على غير معناه المعروف، وسوى وجهه المفهوم. ثم فسر ذلك، ثم ذكر الرد على من قال بالجزاء الذي له جوابان، فقال: وهذا القول وإن كان مذهبا من المذاهب، فليس بالأسهل الأفصح في كلام العرب. وذكر في \"البحر المحيط\" ١/ ٤٤٤: أن مكي بن أبي طالب رد هذا القول، وقال: لأن الأمر إذا كان له جواب لم يتعلق به فاقبله لاشتغاله بجوابه، وقد رد كلامه أبو حيان في \"البحر\" وفصَّل.\n(١) في (م): (وفسر هذا).\n(٢) في نسخة (ش): (والفاء جوابها وترضه جواب الشرط مقدر من الإتيان ..) والمثبت من نسختي (أ)، (م).\n(٣) ينظر: \"تفسيرالثعلبي\" ١/ ١٢٦٢.\n(٤) سقطت من (ش).","vol":"3","page":418},{"text":"بتوحيدي، وتصديقه ﴿أَذْكُرْكُمْ﴾ برحمتي ومغفرتي والثناء عليكم (١).\nقال ابن عباس: قوله: ﴿وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ﴾ قال: هذا كله للمهاجرين والأنصار، فأوّل الآية الخطابُ عامٌّ؛ لأن الإرسال عام، وباقي الآية خاص؛ لأن تلاوته وتعليمه وتزكيته مما خص الله به أقوامًا دون (٢).\nومعنى قوله: ﴿وَيُزَكِّيكُمْ﴾ أي: يعرضكم لما تكونون به أزكياء، من الأمر بطاعة الله، واتباع مرضاته (٣)، ويحتمل أن يكون المعنى: ينسبكم إلى أنكم أزكياء بشهادته لكم؛ ليعرفكم الناس به، وقد ذكرنا معنى التزكية فيما تقدم (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-371>١٥٢ </span>- قوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ أصل الذكر في اللغة: التنبيه على الشيء، ومن ذكّرك شيئا فقد نبهك عليه، وإذا ذكرته فقد تنبهت عليه، والذَّكرُ أَنْبَهُ من الأنثى. وقوله: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ﴾ [الزخرف: ٤٤] أي: شرف لك، من النباهة. ومعنى الذكر: حضور المعنى للنفس، ثم يكون تارة بالقلب، وتارة بالقول، وليس موجبه أن يكون بعد النسيان؛ لأنه يستعمل كثيرًا دون أن يتقدمه نسيان (٥).\n_________\n(١) من كلام الزجاج ١/ ٢٢٨، وينظر: \"تفسير الطبري\" ٢/ ٣٧، والثعلبي ١/ ١٢٦٢ - ١٢٦٥، والبغوي ١/ ١٦٧.\n(٢) سقط في نسختي: (أ)، (م). وأما في (ش) فبياض بمقدار كلمة ولعلها (أقوام).\n(٣) ينظر: \"تفسير الطبري\" ٢/ ٣٦ - ٣٧.\n(٤) ينظر ما تقدم في قوله: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٩].\n(٥) ينظر في الذكر: \"البحر المحيط\" ١/ ٤٤٥ - ٤٤٦، \"لسان العرب\" ٣/ ١٥٠٧ - ١٥٠٩ (ذكر)، وقال الراغب في \"المفردات\" ص ١٨٤: الذكر ذكران: ذكر بالقلب، وذكر باللسان، وكل واحد منهما ضربان، ذكر عن نسيان، وذكر لا عن نسيان، بل عن إدامة الحفظ، وكل قول يقال له ذكر.","vol":"3","page":419},{"text":"قال سعيد بن جُبير: (اذكروني) بطا عتي ﴿أَذْكُرْكُمْ﴾ بمغفرتي (١). وقيل: اذكروني بالدعاء أذكركم بالإجابة (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَاشْكُرُوا لِي﴾ تقول العرب: شكرته وشكرت له، ونصحته ونصحت له، في أحرف تسمع ولا تقاس. فمن قال: شكرتك، أوقع اسم المنعم موقع النعمة، فعدّى الفعل بغير وسيطة، والأجود: شكرت لك؛ لأنه الأصل في الكلام، والأكثر في الاستعمال (٣). والنعمة محذوفة من الآية؛ لأن معنى الكلام: واشكروا لي نعمتي؛ لأن حقيقة الشكر إنما هو إظهار النعمة، لا إظهار المنعم. وكذلك ﴿وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ أي: لا تكفروا نعمتي (٤)؛ لأن أصل الكفر إنما هو ستر النعمة (٥) لا ستر\n_________\n(١) رواه عنه الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٣٧، وأبو نعيم في \"الحلية\" ٤/ ٣١٤، وذكره الثعلبي ١/ ١٢٦٣، وعزاه في \"الدر\" ١/ ٢٧٣ إلى عبد بن حميد، وأخرجه أبو الشيخ والديلمي من طريق جويبر عن ابن عباس مرفوعًا.\n(٢) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ١٢٦٧.\n(٣) ينظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ٣٧ - ٣٨، \"المفردات\" ص ٢٦٨، \"لسان العرب\" ٤/ ٢٣٠٥ (شكر)، قال: يقال: شكرته، وشكرت له، وباللام أفصح، وقال الفراء في \"معاني القرآن\" ١/ ٩٢: العرب لا تكاد تقول شكرتك، إنما تقول: شكرت لك، ونصحت لك، ولا يقولون: نصحتك، وربما قيلتا. وقال في \"البحر المحيط\" ١/ ٤٤٧: وهو من الأفعال التي ذكر أنها تارة تتعدى بحرف الجر، وتارة تتعدى بنفسها وقالوا: إذا قلت شكرت لزيد، فالتقدير: شكرت لزيد صنيعه، فجعلوه مما يتعدى لواحد بحرف جر ولآخر بنفسه، ولذلك فسر الزمخشري هذا الموضع بقوله. واشكروا لي ما أنعمت به عليكم.\n(٤) ينظر: \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٢٦٩، \"البحر المحيط\" ١/ ٤٤٧.\n(٥) ينظر في الكفر: \"تفسير الطبري\" ٢/ ٣٧ - ٣٨، وقال في \"المفردات\" ص ٤٣٥: وكفر النعمة وكفرانها: سترها بترك أداء شكرها والكفران في جحود النعمة أكثر استعمالًا، والكفر في الدين أكثر، والكفور فيهما جميعًا.","vol":"3","page":420},{"text":"المنعم. والأصل: لا تكفروني (١) بالياء، إلا أن أكثر ما جاء في القرآن حذف الياءات مع النون (٢) (٣)، وقد حذفت مع غير النون، كقوله: ﴿يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ﴾ (٤) [ق: ٤١].\nقال الفراء: وليست تتهيّب العرب حذف الياء من آخر الكلام (٥)، إذا كان ما قبلها مكسورًا، من ذلك ﴿أَكْرَمَنِ﴾ ﴿أَهَانَنِ﴾ [الفجر: ١٥ - ١٦] و﴿أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ﴾ [النمل: ٣٦]، ومن غير النون ﴿الْمُنَادِ﴾ [ق:٤١] و﴿الدَّاعِ﴾ [القمر: ٨]، (٦) يكتفي من الياء بكسر ما قبلها، ومن الواو بضمة ما قبلها، مثل: ﴿سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ (١٨)﴾ [العلق: ١٨]، و﴿وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا (١١)﴾ [الإسراء: ١١]. وقد تُسقط العرب الواو، وهي واو جِمَاع (٧)، اكتفاءً بالضمة قبلها، فيقال في ﴿ضَرَبُوا﴾: ضَرَبُ، وفي ﴿قالوا﴾: قالُ، وهي في هوازن وعُليا قيس. قال بعضهم:\nإذا ما شاءُ ضرّوا من أرادوا ... ولا يألوهم أحدٌ ضرارا (٨) (٩)\n_________\n(١) في (ش)، (م): (لا تكفرون).\n(٢) (النون) سقطت من (م).\n(٣) ينظر: \"الكتاب\" لسيبويه ٤/ ١٨٦، \"المقتضب\" ٤/ ٢٤٦.\n(٤) في (م): (ينادى المنادي).\n(٥) في (م): (النون).\n(٦) ينظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٢٨، وقال فيه: الأكثر الذي أتى به القراء حذف الياءات مع النون.\n(٧) في (ش): (اجماع).\n(٨) (ما) ساقطة من (أ)، (م). وفيهما: \"ضرار\". وفي (م)، (ش): (ضربوا)، وهو تحريف.\n(٩) البيت بلا نسبة في \"الإنصاف\" ص ٤٣٠، \"همع الهوامع\" ١/ ٥٨، وأورده البغدادي في \"شرح شواهد المغني\" ٢/ ٨٥٩، وقال: هذا البيت مشهور في تصانيف =","vol":"3","page":421},{"text":"وأنشد الكسائي:\nفلو أنّ الأطِبّا كانُ حولي ... وكان مع الأطبّاءِ الأُسَاةُ (١) (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-372>١٥٣ </span>- وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ قال مقاتل: استعينوا على طلب الآخرة بالصبر على الفرائض، وبالصلوات الخمس في مواقيتها على تمحيص الذنوب (٣). وذكرنا أن معنى الصبر في اللغة: الحبس (٤)، فالاستعانة بالصبر هو أن يستعين على دينه بحبس النفس عن (٥) الشهوات والمحارم، وحبسها على (٦) الطاعات (٧). ومعنى الاستعانة بالصلاة: قال الزجاج: أي: أنكم إذا صليتم تلوتم في صلاتكم ما تعرفون به فضل ما أنتم عليه، وكان ذلك لكم عونًا (٨).\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ قال عطاء، عن ابن عباس:\n_________\n= العلماء، ولم يذكر أحد منهم قائله. وذكر الفراء في \"معاني القرآن\" ١/ ٩١ بيتًا هو:\nمتى تقول خلت من أهلها الدار ... كأنهم بجناحي طائر طاروا\n(١) البيت بلا نسبة في \"أسرار العربية\" ص ٣١٧، \"جواهر الأدب\" ص ٢٠٨، وينظر: \"الخزانة\" ٢/ ٣٨٥. والأُساة: جمع آس، وهو هنا: من يعالج الجرح.\n(٢) من \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٩١.\n(٣) ينظر: \"تفسير مقاتل\" ١/ ١٥٠، وعبارته: استعينوا على طلب الآخرة بالصبر على الفرائض والصلوات في مواقيتها نحو الكعبة، حين عيرتهم اليهود بترك قبلتهم.\n(٤) ينظر في الصبر ومعناه وحقيقته: كتاب ابن القيم الماتع: \"عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين\".\n(٥) في (ش): (من).\n(٦) في (ش): (عن).\n(٧) ينظر: \"تفسير الطبري\" ٢/ ٣٨.\n(٨) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٢٩.","vol":"3","page":422},{"text":"يقول: إني معكم أنصركم ولا أخذلكم (١).\nوقال أبو اسحاق: تأويله: أنه يظهر دينهم على سائر الأديان؛ لأن من كان الله معه فهو الغالب، كما قال ﷿: ﴿فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [المائدة: ٥٦] (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-373>١٥٤ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ﴾ يرتفع بإضمار المكني، تقريره: لا تقولوا: هم أموات. ولا يجوز إيقاع القول على الأسماء، لا يجوز أن تقول: قلتُ عبد الله قائمًا، وإنما يجوز إيقاع القول على (٣) اسم في معنى قول، من ذلك قولك: قلت خيرًا، وقلت شرًا، نصبتهما؛ لأنهما قول، كأنك قلت كلامًا حسنًا أو قبيحًا (٤).\nنزلت الآية في قتلى بدر من المسلمين، وذلك أن الناس كانوا يقولون لمن يقتل في سبيل الله: مات فلان، وذهب عنه نعيم الدنيا ولذتها، فأنزل الله هذه الآية (٥).\n_________\n(١) تقدم الحديث عن هذه الرواية في المقدمة.\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٢٩.\n(٣) من قوله: (الأسماء ..) ساقط من (ش).\n(٤) بمعناه من كلام الفراء في \"معاني القرآن\" ٩٣/ ١، \"تفسير الطبري\" ٣٨/ ٢ - ٣٩، \"المحرر الوجيز\" ٢/ ٣٠ - ٣١، \"البحر المحيط\" ١/ ٤٤٨.\n(٥) ذكره مقاتل في \"تفسيره\" ١/ ١٥٠، وعدَّ أسماء القتلى، وأبو الليث السمرقندي في \"بحر العلوم\" ١/ ١٦٩، وذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ١٢٦٩، والواحدي في \"أسباب النزول\" ص ٤٧ - ٤٨، والحيري في \"الكفاية\" ١/ ٨٧، والسمعاني ٢/ ١٠٠، والماوردي مختصرا في \"النكت والعيون\" ١/ ٢٠٩، وعزاه السيوطي في \"الدر\" ١/ ٣٨٤ لابن منده في المعرفة، من طريق السدي الصغير، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، وهذه سلسلة الكذب. وحكى ابن عطية في \"المحرر\" ٢/ ٣٠ - ٣١ في سببها، دون أن ينسبه إلى أحد، أن المؤمنين صعب عليهم فراق =","vol":"3","page":423},{"text":"وقوله تعالى: ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ﴾ أي: بل هم أحياء، والأحسن في حياة الشهداء، وكيفية وصفهم بها (١) ما قال رسول الله - ﷺ -: \"إن أرواح الشهداء في أجوافِ طيرٍ خُضْرِ، تسرَحُ في ثمار الجنة، وتشرب من أنهارها، وتأوي بالليل إلى قناديلَ من نورِ معلّقةِ بالعرش (٢) \".\nوقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ أي: ما هم فيه من النعيم والكرامة، وقيل ﴿وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ أنهم أحياء (٣).\nفإن قيل: كيف لا يشعرون وقد أخبر الله بذلك؟\nقلنا: أراد: لا يحسّون ذلك؛ لأنهم لا يشاهدون (٤)، وهذا النوع من العلم مقتضى (٥) الشِعْرِ، وذكرنا هذا في أول السورة (٦)، وبيّنّا أنه لهذا المعنى لا يقال: الله يشعر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-374>١٥٥ </span>- قوله تعالى ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ﴾ النون فيه للتأكيد، واللام جواب قسم\n_________\n= إخوانهم وقراباتهم، فنزلت مسلية لهم، تعظم منزلة الشهداء، فصاروا مغبوطين لا محزونا عليهم. ينظر: \"العجاب\" لابن حجر ١/ ٤٠٣ - ٤٠٥، \"البحر المحيط\" ١/ ٤٤٨.\n(١) سقطت من (م).\n(٢) أخرجه مسلم عن عبد الله بن مسعود (١٨٨٧) كتاب الإمارة، باب: بيان أن أرواح الشهداء في الجنة.\n(٣) ينظر: \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٢٧٠، \"البحر المحيط\" ١/ ٤٤٨، وقال: ولكن لا تشعرون بكيفية حياتهم، ولو كان المعنى بأحياء: أنهم سيحيون يوم القيامة أو أنهم على هدى، فلا يقال فيه ولكن لا تشعرون؛ لأنهم قد شعروا به.\n(٤) ينظر: \"تفسير الطبري\" ٢/ ٤٠.\n(٥) في (ش): (فيقتضي).\n(٦) عند قوله: ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ [البقرة: ٩].","vol":"3","page":424},{"text":"محذوف، وفتحت الواو لالتقاء الساكنين في قول سيبويه، وقال غيره: إنّها مبنية على الفتح (١).\nومعنى ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ﴾ أي: نعاملكم معاملة المبتلي؛ لأن الله تعالى يعلم عواقب الأمور، فلا يحتاج إلى الابتلاء ليعرف العاقبة، ولكنه يعاملهم معاملة من يبتلي، فمن صبر أثابه على صبره، ومن لم يصبر لم يستحقّ الثواب، فيكون في ذلك إلزام الحجة (٢).\nوقوله تعالى: ﴿بِشَيْءٍ﴾ ولم يقل: بأشياء، وقد ذكر بعده ما هو أشياء لمكان (من)، والمعنى: بشيء من الخوف وشيء (٣) من الجوع، وهو كقول القائل: أعطني شيئًا من الدراهم، ومن الطعام، فيصير شيء كالمكرر في المعنى، ولو كان (بأشياء) كان صوابًا (٤).\nقال ابن عباس: ﴿مِنَ الْخَوْفِ﴾ يعني خوف العدو (٥)، ﴿وَالْجُوعِ﴾ يعني: المجاعة والقحط، ﴿وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ﴾ يعني: الخسران والنقصان\n_________\n(١) من \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٣٠، وعنده: وقال غيره من أصحابه، وتتمة كلامه: وقد قال سيبويه في لام يفعل، لأنها مع ذلك قد تبنى على الفتحة، فالذين قالوا من أصحابه: إنها مبنية على الفتح غير خارجين من قول له، وكلا القولين جائز. ينظر: \"الكتاب لسيبويه\" ٣/ ٥١٨ - ٥٢١.\n(٢) ينظر: \"تفسير الطبري\" ٢/ ٤١، \"تفسير البغوي\" ١/ ١٦٩.\n(٣) في (م)، (ش): (شيئًا).\n(٤) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٣١٢، \"تفسير الطبري\" ٣/ ٤١، \"البحر المحيط\" ١/ ٤٥٠، وقال: أفرده ليدل على التقليل؛ إذ لو جمعه فقال: بأشياء، لاحتمل أن تكون ضروبًا من كل واحد مما بعده.\n(٥) ذكره عن ابن عباس: الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ١٢٧٤، والواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٢٣٦، و\"البغوي\" ١/ ١٦٩، \"تفسير القرطبي\" ٢/ ١٥٩.","vol":"3","page":425},{"text":"في المال وهلاك المواشي، ﴿وَالْأَنْفُسِ﴾ يعني: الموت والقتل. وقيل: المرض. وقيل: الشيب، ﴿وَالثَّمَرَاتِ﴾ يعني: الجوائح، وأن لا تخرج الثمرة كما كانت تخرج (١).\nقال أبو إسحاق وابن الأنباري: تأويل الآية: ولَنبلونّكم بشيء من الخوف والجوع لتصبروا عليه، فيكون صبركم داعيًا من يخالفكم من الكفار إلى أتباعكم والدخول فيما أنتم عليه، وذلك أنهم يقولون: لم يصبر هؤلاء القوم على هذا الدين الذي امتُحِنوا فيه بما امتُحِنوا ونالتهم فيه الشدائد إلا بعد ما قامت براهينُ صحته عندهم، ولم يداخلهم ريب في أنه هو الحق، فيكون ذلك أدعى إلى الإسلام (٢).\nقال أبو بكر: وقيل في الآية: ولنختبرنّكم (٣) بشيء من الخوف والجوع، لتنالوا به درجةً، وتصلوا معه إلى منزلة لولا هو ما وصلتم إليها، ولكي (٤) تتضرعوا في كشفه عنكم، فتكتسبوا بذلك حظًا من الثواب جزيلًا.\nوقال الشافعي - ﵁ -: يعني بالخوف: خوف الله ﷿، وبالجوع: صيام شهر رمضان، وبنقص من الأموال: أداء الزكوات والصدقات، والأنفس: الأمراض، والثمرات: موت الأولاد؛ لأن ولد الرجل ثمرة قلبه (٥). وقد\n_________\n(١) هذا من رواية عطاء وقد تقدم الحديث عنها، وقد ذكر هذا بتمامه: الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ١٢٧٤، وينظر: \"تفسير البغوي\" ١/ ١٦٩، \"البحر المحيط\" ١/ ٤٥٠،\n(٢) ينظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٣١.\n(٣) في (ش): (لنختبرنكم).\n(٤) في (م): (ولكن).\n(٥) ذكره عن الشافعي: الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ١٢٧٤، والبغوي ١/ ١٦٩، والرازي ٤/ ١٦٧، وأبو حيان في \"البحر\" ١/ ٤٥٠، وذكره ابن كثير في \"تفسيره\" ١/ ٢١١، قائلًا: وقد حكى بعض المفسرين، ثم قال: وفي هذا نظر.","vol":"3","page":426},{"text":"سمى رسول الله - ﷺ - الولد ثمرة القلب (١) في بعض الأحاديث.\nوفي قوله: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ دليل على أن من صبر على هذه المصائب أعطاه الله تعالى في العاجل والآجل ما هو أعمّ نفعًا له.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-375>١٥٦ </span>- قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ﴾ الآية، من الناس من يجعل ﴿الَّذِينَ﴾ مبتدأ، وخبره قوله: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ﴾ ومنهم: من يجعله صفة للصابرين (٢).\nوقوله تعالى: ﴿أَصَابَتْهُمْ﴾ يقال في المصدر: الإصابة، والمُصَابة، والمُصَاب. أنشد الفراء:\nفلو أنّا بكينا من مُصَابِ ... على حَدَثٍ بكينا سَيِّدَيْنَا\n_________\n(١) رواه البزار عن ابن عمر، وفيه: أبو مهدي سعيد بن سنان، وهو ضعيف متروك، ينظر: \"مجمع الزوائد\" للهيثمي ٨/ ١٥٥، وينظر: \"كنز العمال\" ١٦/ ٢٨٤، برقم ٤٤٤٨٥. وقد أخرج الترمذي في كتاب الجنائز، باب: فضل المصيبة إذا احتسب ٣/ ٣٣٢، (١٠٢١) عن أبي موسى الأشعري، قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"إذا مات ولد العبد، قال الله لملائكته: أقبضتم ولد عبدي؟ قالوا: نعم، قال: أقبضتم ثمرة فؤاده؟ قالوا: نعم، قال: فماذا قال عبدي؟، قالوا: حمدك واسترجع، قال: ابنوا له بيتًا في الجنة، وسموه بيت الحمد\" وقال: هذا حديث حسن، ورواه عبد بن حميد [برقم ٥٥١]، وأبو نعيم في \"زوائده على الزهد\" لابن المبارك ص ١٠٨، وابن حبان في \"صحيحه\" ٧/ ٢١٠، والثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ١٢٧٤، والبغوي في \"تفسيره\" ١/ ١٣٠، قال ابن حجر في \"الكاف الشاف\" ص ١٢ - ١٣. أخرجه أحمد [٤/ ٤١٥] وغيره من حديث أبي موسى، وصححه ابن حبان، ورواه البيهقي في الشعب مرفوعًا وموقوفًا وقال الألباني في \"السلسلة الصحيحة\" برقم ١٤٠٨. الحديث بمجموع طرقه حسن على أقل الأحوال.\n(٢) ينظر: \"البحر المحيط\" ١/ ٤٥١، وقال عن الأول: إنه محتمل، وعن الثاني: إنه ظاهر الإعراب، وذكر أيضا: أنه منصوب على المدح، أو مرفوع على إضمار هم على وجهين: إما على القطع، أو على الاستئناف.","vol":"3","page":427},{"text":"وأنشد أيضًا:\nأظُلَيْمُ إن مُصَابَكمْ رَجُلًا ... أهدى السلامَ تحيةً ظُلْمُ (١)\nومعنى المصيبة: هي التي تصيب بالنكبة، ولا يقال فيما يصيب بخير: مصيبة (٢)، وياؤها منقلبة عن واو، هي عين الفعل.\nفأما جمعها: فحكى سيبويه: أن بعضهم قال في جمع مصيبة: مصائب فهمز، وهو غلط، وإنما هو مُفْعِلَة فتوهموها فَعِيلَة.\nقال: ومنهم من يقول: مصاوب، فجيء به عن الأصل والقياس. هذا كلامه (٣)، ومثل هذا الغلط في جمع مصيبة على مصائب بالهمزة: قراءة من قرأ (معائش) بالهمز، وقد شرحنا ذلك مستقصى.\nقال أبو علي الفارسي: قول سيبويه: وتوهموها فعيلة، أي: توهموا\n_________\n(١) البيت للحارث بن خالد المخزومي في \"ديوانه\" ص ٩١، \"الاشتقاق\" ص ٩٩، و١٥١، \"الأغاني\" ٩/ ٢٢٥، \"خزانة الأدب\" ١/ ٤٥٤، \"إنباه الرواة\" ١/ ٢٤٩، \"اللسان\" ٤/ ٢٥١٩، (صوب) \"المقاصد النحوية\" ٣/ ٥٠٢، \"المعجم المفصل في شواهد اللغة العربية\" ٧/ ١٩٠.\nوظليم: ترخيم ظليمة، ويروى: أظلوم، وظليم: هي أم عمران زوجة عبد الله بن مطيع وكان الحارث يُنْسب بها، ولما مات زوجها تزوجها.\nورجلًا منصوب بمصاب، يعني: إن إصابتكم رجلًا، وظُلْمُ: خبر إن.\n(٢) ينظر: \"البحر المحيط\" ١/ ٤٥١.\n(٣) بمعناه من \"الكتاب\" لسيبويه ١/ ٣٥٦، وقال الزجاج فيما نقله الأزهري في \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٩٥٦ \"صاب\": أجمع النحويون على أن حكوا مصائب في جمع: مصيبة، بالهمز، وأجمعوا على أن الاختيار: مصاوب، ومصائب عندهم بالهمز من الشاذ، قال: وهذا عندي إنما هو بدل من الواو المكسورة، كما قالوا: وسادة وإسادة.","vol":"3","page":428},{"text":"الياء التي في مصيبة، وهي منقلبة عن العين، التي هي واو الياء التي للمد، التي في نحو سفينة وصحيفة، فهمزوا الياء المنقلبة عن الواو التي هي عين الفعل، كما همزوا الياء التي للمد، في نحو: سفائن وصحائف، ولا تشبه هذه الياء تلك، ألا ترى أن هذه منقلبة عن واو، هي عين أصلها الحركة، وتلك زائدة للمد، لاحظَّ لها في الحركة. ومثل هذا مما حمله أبو الحسن على الغلط: قول بعضهم في جمع مَسيل: مُسْلان، فمسيل مَفعِل، والياء فيه عين الفعل، فتوهم من قال: مُسْلان أنها زائدة للمد، فجمعه على فُعلان، كما يجمع قضيب على قُضبان (١)، وعند أبي إسحاق: الهمزة في مصائب بدل من الواو المكسورة على حد إبدالها في إسادة (٢).\nقال أبو علي: وليس القول عندي كذلك؛ لأن المكسورة غير أول لا تبدل كالمفتوحة، ألا ترى أنهم قالوا: أَناةٌ؟ فأبدلوا الواو أولًا، ولم يلزموا البدل غير أول، مع تكررهما في أَحْوويّ ونحوه، فكذلك المكسورة لا يجوز إبدالها غير أول (٣) إذ لم تجئ في شيء مكسورة مبدلة غير أول، وإذا كان كذلك، كان قوله في مصائب عاريًا من دلالة تبينه، وخاليًا من نظير يردّ إليه، ويستشهد به (٤) عليه، وقول النحويين: إنه على جهة الغلط أشبه\n_________\n(١) ذكر الأزهري في \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٣٩٨ \"مسل\" أن القياس في مسيل الماء: مسايل، غير مهموز، ومن جمعه: أمسِلة، ومُسُلا، ومُسلانًا، فهو على توهم أن الميم في المسيل أصلية، وأنه على وزن فعيل، ولم يرد به مفعِلا، كما جمعوا مكانا: أمكنة، ولهما نظائر.\n(٢) ينظر كلامه فيما نقله الأزهري في \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٩٥٦ (صاب).\n(٣) من قوله: (تبدل كالمفتوحة ..) ساقط من (ش).\n(٤) في (أ)، (م): (ويستشهد به دل عليه).","vol":"3","page":429},{"text":"بالصواب من حيث كان أكثر نظيرًا. وقوله إنما يحصل (١) فيه على دعوى مجردة من البرهان.\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ أي: نحن وأموالنا لله، ونحن عبيد يصنع بنا ما يشاء، وفي ﴿إِنَّا لِلَّهِ﴾ إقرار له بالعبودية ﴿وَإِنَّا إِلَيْهِ﴾ إقرار بالبعث والنشور (٢).\nومعنى الرجوع إلى الله: الرجوع إلى انفراده بالحكم، كما كان أول مرة، إذ قد مَلَّك قومًا في الدنيا شيئًا من الضر والنفع لم يكونوا يملكونه، ثم يرجع الأمر إلى ما كان، إذا زال تمليك العباد (٣).\nوقال أبو بكر الوراق: ﴿إِنَّا للِّهِ﴾: إقرار منّا له بالملك ﴿وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾: إقرار على أنفسنا بالهلك (٤)، وظاهر الخطاب في هذه الآية يقتضي أن يكون قول القائل: ﴿إِنَّا للِّهِ﴾ على إثر المصيبة من غير أن يتخللها جزع؛ ليستحق الثواب الموعود. يؤيد هذا: ما روي أن النبي - ﷺ - قال لامرأة جزعت ثم راجعت: \"إنما الصبر عند الصدمة الأولى\" (٥). الصبر الموعود عليه الأجر والثواب (٦).\n_________\n(١) في (ش): كأنها: (يتحصل).\n(٢) ينظر: \"تفسير الطبري\" ٢/ ٤٢، \"المحرر الوجيز\" ٢/ ٣٤، \"البحر المحيط\" ١/ ٤٥١.\n(٣) في (ش): (العبادة).\n(٤) ذكره عنه الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ١٢٧٧، والرازي في \"تفسيره\" ٤/ ١٧١، وذكره القرطبي في \"تفسيره\" ٢/ ١٦١ [دون نسبة].\n(٥) أخرجه البخاري (١٢٨٣) كتاب الجنائز، باب: زيارة القبور، ومسلم (٩٢٦) كتاب الجنائز، باب: في الصبر على المصيبة عند الصدمة الأولى.\n(٦) ينظر في ذلك: كتاب \"عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين\" ص ١١٤ وما بعدها.","vol":"3","page":430},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-376>١٥٧ </span>- قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ﴾ قد ذكرنا معنى الصلاة واشتقاقها فيما تقدم (١)، وهي في اللغة: الدعاء، ومنه قوله: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ يسكنهم (٢).\nوقال أبو عبيدة: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ﴾ يقول: ترحّم من ربهم (٣)، واحتجّ بقول الأعشى:\nتقولُ بنتي وقد قَرّبْتُ مُرْتَحِلًا ... يا رَبِّ جَنِّبْ أَبِي الأوصابَ والوجعا\nعليكِ مِثْلُ الذي صلَّيتِ فاغتمضي ... نومًا فإنّ لجنب المرء مضطجَعا (٤)\nيروى (مثل) رفعًا ونصبًا، فمن نصب فهو إغراء، ومن رفع فهو ردّ عليها، كأنه قال: عليك مثل دعائك، أي: ينالك من الخير مثل الذي أردت لي. فأبو عبيدة يجعل صليت بمعنى: ترحمت، وغيره من أهل اللغة يجعله بمعنى: دعوت، وأحدهما يقرب من الآخر؛ لأن المترحم على الإنسان داعٍ له، والداعي للإنسان مترحّم عليه (٥)، ولهذا المعنى كان الصلاة منّا دعاء،\n_________\n(١) تقدم ذلك عند قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: ٣].\n(٢) ينظر في معنى الصلاة: \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٣١، \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٢٨٠، \"المفردات\" ص ٢٨٧ قال: .. والصلاة، قال كثير من أهل اللغة: هي الدعاء والتبريك والتمجيد، يقال: صليت عليه، أي دعوت له وزكيت وصلوات الرسول، وصلاة الله للمسلمين هو في التحقيق تزكيته إياهم، ومن الملائكة هي الدعاء والاستغفار كما هي من الناس.\n(٣) \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ص ٦١ - ٦٢.\n(٤) البيتان في \"ديوانه\" ص ١٠٦، وفي \"الخزانة\" ١/ ٣٥٩، و\"مراتب النحويين\" ص ١٩٤.\n(٥) سقطت من (م).","vol":"3","page":431},{"text":"ومن الله تعالى رحمة (١).\nوأنشد الأزهري في تفسير هذه الآية قول الشاعر:\nصلّى على يحيى وأشياعه ... ربٌّ كريمٌ وشفيعٌ مُطاعْ (٢)\nقال: معناه (٣): ترحم الله عليه، على الدعاء، لا على الخبر. ثعلب عن ابن الأعرابي قال: الصلاة (٤) من الله رحمة، ومن المخلوقين: الملائكة والإنس والجن القيام والركوع والسجود والدعاء والتسبيح، ومن الطير والهوام: التسبيح، ومنه قوله: ﴿كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾ [النور: ٤١].\nفالصلاة لها معانٍ بالتدريج، أصلها: الدعاء، ثم صارت الرحمة، لما ذكرنا من أن الداعي مترحّم، ثم صارت للمغفرة؛ لأن الترحم يوجب المغفرة، ومن ترحم الله عليه غفر له، وفسر ابن عباس الصلوات في هذه الآية بالمغفرة، فقال: ﴿صَلَوَاتٌ﴾ أي: مغفرة من ربهم (٥).\n_________\n(١) قال الزجاج في \"معاني القرآن\" ١/ ٢٣١: الصلاة في اللغة على ضربين: أحدهما: الركوع والسجود، والآخر: الرحمة والثناء والدعاء، فصلاة الناس على الميت، إنما معناها الدعاء، والثناء على الله صلاة، والصلاة من الله ﷿ على أنبيائه وعباده معناها: الرحمة لهم والثناء عليهم، وصلاتنا: الركوع والسجود كما وصفنا، والدعاء صلاة.\n(٢) البيت للسفاح بن بكير اليربوعي، في \"شرح اختيارات المفضل\" ص ١٣٦٢، وقيل: هو لرجل من قُريع يرثي يحيى بن ميسرة صاحب مصعب بن الزبير. ينظر: \"الخزانة\" ١/ ١٤١، وبلا نسبة في \"لسان العرب\" ٤/ ٢٤٩٠ (صلا).\n(٣) في (ش): (ومعناه).\n(٤) في (ش): (الله من الله). وهو خطأ.\n(٥) ذكره عن ابن عباس الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ١٢٨٠، وبهذا فسر الطبري الرحمة =","vol":"3","page":432},{"text":"وقيل في قوله - ﷺ -: \"اللهم صلّ على آل (١) أبي أوفى (٢) \" أي: ارحمهم، واغفر لهم. قال ابن كيسان: وجَمَع الصلوات؛ لأنه عنى بها رحمةً بعد رحمة (٣).\nوقوله تعالى: ﴿وَرَحْمَةٌ﴾ قال ابن عباس: ونعمة (٤).\nوقال أهل المعاني: إنما ذكر الرحمة، ومعنى الصلوات هاهنا: الرحمة؛ لإشباع المعنى، والاتساع في اللفظ (٥). ومثله قوله: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ﴾ [الزخرف: ٨٠].\nوقال ذو الرمة:\nلمياءُ في شفتيها حوَّة لَعَسٌ (٦)\n_________\n=٢/ ٤٢، ورواه ابن أبي حاتم ١/ ٢٦٥ عن سعيد بن جبير، وفسر ابن كثير هذه اللفظة ص ١/ ٢١١، فقال: ثناء من الله عليهم ورحمة. وكأنه يشير إلى تفسير أبي العالية لصلاة الله على نبيه - ﷺ - حيث قال: صلاة الله ثناؤه عليه عند الملائكة، وصلاة الملائكة الدعاء. ذكره البخاري (٤٧٩٧) كتاب التفسير، باب: (إن الله وملائكته يصلون على النبي). حديث: قبل، ينظر: \"فتح الباري\" ٨/ ٥٣٢.\n(١) سقطت من (ش).\n(٢) أخرجه البخاري (٤١٦٦) كتاب المغازي، باب: غزوة الحديبية، ومسلم (١٠٧٨)\nكتاب الزكاة، باب: الدعاء لمن أتى بصدقته.\n(٣) ذكره في \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٢٨٠.\n(٤) ذكره في \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٢٨٠.\n(٥) ينظر: \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٤٧٨، \"معالم التنزيل\" ١/ ١٧٠، \"المحرر الوجيز\" ٢/ ٣٤.\n(٦) عجز البيت:\nوفي اللثات وفي أنيابها شَنَبُ\nوهو في \"ديوانه\" ص ٣٢، \"لسان العرب\" ٤/ ٢٣٣٦ (شنب).","vol":"3","page":433},{"text":"وتفعل العرب ذلك كثيرًا إذا اختلف اللفظ، ألا ترى أنّ اللعَس حُوَّة، فكرر لما اختلف اللفظان.\nوقوله تعالى: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ قال ابن عباس: يريد: الذين اهتدوا للترجيع (١). وقيل: إلى الجنة والثواب، وقيل: إلى الحق والصواب (٢)، وكان عمر - ﵁ - إذا قرأ هذه الآية قال: نعم (٣) العِدلان، ونعمت العلاوة (٤) (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-377>١٥٨ </span>- قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ الآية، الصفا: جمع صفاة، وهي: الحجارة.\nقال أبو العباس: الصفا: كلُّ حجر لا يخلطه غيره، من طين أو تراب يتصل به، واشتقاقه من صفا يصفو إذا خَلَص (٦)، والمروة: واحدة المرو،\n_________\n(١) هذا من رواية عطاء، وقد تقدم الحديث عنها، وقد ذكره بغير نسبة الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ١٢٨١.\n(٢) ينظر: \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٢٨١، \"معالم التنزيل\" ١/ ١٧٠.\n(٣) في (م): (نعمت).\n(٤) في (ش) حاشية: (قال عبد المؤمن: أراد بالعدلين: الصلاة والرحمة، وبالعلاوة: الاهتداء).\n(٥) الأثر أخرجه سعيد بن منصور في \"سننه\" ٢/ ٦٣٤، والبيهقي في \"شعب الإيمان\" ٧/ ١١٦، من طريق مجاهد عن عمر، والحاكم ٢/ ٢٧٠، وصححه على شرط الشيخين، والواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٢٢٦ من طريق مجاهد عن سعيد بن المسيب عن عمر، ومجاهد لم يلق عمر، وسعيد أدرك عمر ولم يسمع منه. والأثر ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ١٢٨١، و\"تفسير البغوي\" ١/ ١٧٠، \"تفسير القرطبي\" ٢/ ١٦٢.\n(٦) ينظر: \"تفسير الطبري\" ٢/ ٤٣، \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٣٣، \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٢٨٢، \"المفردات\" ص ٢٨٦، \"البحر المحيط\" ١/ ٤٥٤، وذكر أبو حيان =","vol":"3","page":434},{"text":"وهي حجارة بِيض برّاقة، يكون فيها النار (١).\nقال الأعشى:\nوتُوَلّي الأرضَ خُفًّا ذابلًا ... فإذا ما صادف المَروَ رَضَحْ (٢)\nوهما اسمان لجبلين معروفين بمكة (٣).\nوشعائر الله: واحدتها شعيرة. قال المفسرون وأهل اللغة جميعًا: شعائر الله: متعبداته التي أشعرها الله، أي: جعلها أعلامًا لنا، وهي كلّ ما كان من مَشعر، أو موقف، أو مسعًى، أو منحر (٤)، وهي من قولهم: شعرتُ، أي: علمتُ، وهي كلّها معلومات، وهذا قول الزجاج، واختياره (٥).\n_________\n= قولين، فقال: وقد قيل: إنه الحجر الأملس، وقيل: هو الصخرة العظيمة، والقول المذكور أعلاه قال: إنه الذي يدل عليه الاشتقاق. وينظر: \"اللسان\" ٤/ ٢٤٦٨ (صفا).\n(١) ينظر: \"تفسير الطبري\" ٢/ ٤٣ - ٤٤، \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٣٣،\"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٢٨٣، \"البحر المحيط\" ١/ ٤٥٤، وذكر في \"البحر\" أقوالا أخر هي: الحجارة الصلبة، أو الصغار المرهفة الأطراف، أو الحجارة السود، أو الحجارة البيض، أو الحجارة البيض الصلبة.\n(٢) البيت في مدح إياس بن قبيصة الطائي، ينظر: \"ديوان الأعشى الكبير\" ص٤٠، وفيه: (مجمرًا) بدل (ذابلًا)، وفي \"تفسير الطبري\" ٢/ ٤٣، \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٢٨٣، \"تفسير القرطبي\" ٢/ ١٨٠. يصف الشاعر خف ناقته بأنه إذا وطئ المرو -وهي الحجارة الصغيرة- تكسرت من تحت خفها الأحجار، ورضح الحصى: كسرها.\n(٣) \"تفسيرالثعلبي\" ١/ ١٢٨٣.\n(٤) سقطت مشعر من (أ)، (ش) كما أن فيها تقديمًا وتأخيرًا بين المذكورات.\n(٥) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٣٣، وينظر \"البحر المحيط\" ١/ ٤٥٤.","vol":"3","page":435},{"text":"ويحتمل أن تكون الشعائر مشتقة من الإشعار الذي هو (١): الإعلام على الشيء، ومنه: الشعائر بمعنى العلامة؛ ولهذا تسمى الهدايا: شعائر؛ لأنها تُشْعَر بحديدة في سنامها (٢) من جانبها الأيمن حتى يخرج الدم. قال الكميت:\nشَعَائرَ قُربانٍ بهم يُتَقَرَّبُ (٣)\nويحتمل أن يكون من الإعلام بالشيء (٤)، وبه قال مجاهد في قوله: ﴿مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾. قال: يعني: منْ الخبر الذي أخبركم عنه (٥)، كأنه إعلام من الله عبادَه أمرَ الصفا والمروة (٦).\nوقوله تعالى: ﴿فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ﴾ قال الليث: أصل الحج في اللغة: زيارة شيء تعظّمه.\n_________\n(١) في (ش): (هي).\n(٢) في (ش): (من أسنامها).\n(٣) وشطره الأول:\nنُقَتِّلهُم جيلًا فجيلًا، تَرَاهُمُ\nينظر: \"القصائد الهاشميات\" للكميت بن زيد ص ٢١، في \"مجاز القرآن\" ١/ ١٤٦، \"تفسير الطبري\" ٢/ ٤٤، \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٢٨٤، \"تفسير القرطبي\" ٢/ ١٦٥.\n(٤) ينظر: \"مجاز القرآن\" ١/ ١٤٦، \"تفسير الطبري\" ٢/ ٤٤، \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٣٣، \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٨٨٤ وما بعدها، \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٢٨٤، \"المفردات\" ص ٢٦٥، \"تفسير البغوي\" ١/ ١٧٢.\n(٥) رواه عنه الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٤٤، وذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ١٢٨٤.\n(٦) قال الطبري في \"تفسيره\" ٣/ ٢٢٧: وذلك تأويل من المفهوم بعيد، وإنما أعلم الله تعالى ذكره بقوله: (إن الصفا)، عباده المؤمنين أن السعي بينهما من مشاعر الحج التي سنها لهم، وأمر بها خليله إبراهيم - ﷺ - إذ سأله أن يريه مناسك الحج، وذلك وإن كان مخرجه مخرج الخبر، فإنه مراد به الأمر.","vol":"3","page":436},{"text":"وقال يعقوب والزجاج: أصل الحجّ: القصد، وكلّ من قصد شيئًا فقد حجّه. (١)\nوقال كثير من أهل اللغة: أصل الحجّ: إطالة الاختلاف إلى الشيء. واختار ابن جرير هذا القول، قال: لأن الحاجّ يأتي البيت قبل التعريف، ثم يعود إليه للطواف يوم النحر، ثم ينصرف عنه إلى منى، ثم يعود إليه لطواف الصَّدَر؛ فلتكرارِهِ (٢) العودَ إليه مرةً بعد أخرى قيل له: حاج (٣).\nوكلهم احتجوا بقول المخبّل القُريعي (٤):\nيحجُّون سِبَّ (٥) الزِّبرِقانِ المُزَعْفَرا (٦)\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٣٤.\n(٢) في (م): (فلتكرار)\n(٣) ينظر: \"تفسير الطبري\" ٢/ ٤٤ - ٤٥، \"المفردات\" ص ١١٥، \"اللسان\" ٢/ ١٨١ - ٧٧٨ (حجج).\n(٤) هو المخبل بن ربيعة بن عوف قتال بن أنف الناقة بن قريع، أبو يزيد، شاعر فحل، هاجر وابنه إلى البصرة، وولده كثير بالأحساء، وهم شعراء، وله شعر كثير جيد، هجا به الزبرقان وغيره، وكان يمدح بني قريع ويذكر أيام سعد. ينظر: \"طبقات ابن سلام\" ص ٦١، \"الشعر والشعراء\" ٢٦٩.\n(٥) في (ش): (سب الزعفران الزبرقان المزعفرًا).\n(٦) صدر البيت:\nوأشهد من عوف حُلُولًا كثيرةً\nينظر في نسبته إليه \"إصلاح المنطق\" ص ٣٧٢، \"تفسير الطبري\" ٢/ ٤٤، \"البيان والتبيين\" ٣/ ٩٧، \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٢٨٦، \"تفسير السمعاني\" ٢/ ١٠٦، \"تفسير القرطبي\" ٢/ ١٦٥، وروي (المعصفرا) بدل (المزعفرا). وقوله: يحجون أي: يزورون. والسِبّ: العمامة، وقيل: الاست. والزبرقان: هو حصين بن بدر =","vol":"3","page":437},{"text":"وقال سيبويه: ويقال: حَجَّ حِجًّا، كقولهم: ذكر ذِكرًا. وقال الفراء: الحَجّ والحِجّ لغتان (١)، يقال: حَجَجْتُ حِجّة للمرة الواحدة، لم يأت عن العرب غيره. ولو قيل: حَجَّة بالفتح كما قالوا: مَرَرتُ به مَرّة، كان صوابًا، مثل: مددته مدّةً، وقددته قدّةً، هذا كلامه. فأما قولهم: حُجٌّ، وهم يريدون: جمع الحاجّ، فقد يمكن أن يكونوا سموا بالمصدر، وتقديره: ذوو (٢) حج، قاله أبو علي، قال: وأنشد أبو زيد:\nوكأنّ عافيةَ النسور عليهمُ ... حُجٌّ بأسفلِ ذي المَجَاز نُزُولُ (٣) (٤).\nوقوله تعالى: ﴿أَوِ اعْتَمَرَ﴾ قال الزجاج: قَصد (٥)، وقال غيره: زار (٦)، قال أعشى باهلة:\nوراكبٌ جاء من تثليثَ معتمرُ\nقال الأزهري: وقد يقال: الاعتمار (٧) القصد، وأنشد للعجاج:\nلقد سما ابنُ مَعْمَرٍ (٨) حينَ اعْتَمَرْ ... مَغْزًى بعيدًا من بعيدٍ وضَبَر (٩)\n_________\n= الفزاري من سادات العرب. والحلول: الأحياء المجتمعة. ينظر: \"اتفاق المباني وافتراق المعاني\" ١/ ٢٠٦، \"البيان والتبيين\" ٣/ ٩٧.\n(١) ذكر في \"اللسان\" ٢/ ٧٧٩ \"حجج\"، أن الكسائي لا يفرق بين الحِج والحَج، وغيره يقول: الحَج حَج البيت، والحِج عمل السنة.\n(٢) في (ش)، (م): (ذو).\n(٣) البيت لجرير يهجو الأخطل في \"ديوانه\"، ص١٠٤، \"لسان العرب\" ٢/ ٧٧٨، وقال: والمشهور في روايات البيت: حِجّ، بالكسر، وهو اسم الحاج.\n(٤) ينظر فيما تقدم \"اللسان\" ٢/ ٧٧٨ - ٧٧٩ (حجج).\n(٥) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٣٤.\n(٦) ينظر: \"تفسير الطبري\" ٢/ ٤٥، \"المفردات\" ص ٣٥٠.\n(٧) في (م): (للاعتمار).\n(٨) في (ش): (معتمر).\n(٩) البيت للعجاج يمدح عمر بن عبيد الله التميمي، في \"ديوانه\" ص ١٩، \"تفسير =","vol":"3","page":438},{"text":"يعنى: حين قصد مغزًى بعيدًا (١).\nوقوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ﴾ الجناح: الإثم، وأصله: من الجنوح، الذي هو الميل، يقال: جَنَحَ: مال، ومنه قوله: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ﴾ [الأنفال: ٦١] وقيل للأضلاع: جوانح؛ لاعوجاجها. قال ابن دريد: معنى ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ أي: لا ميل إلى مأثم. وجناح الطائر من هذا؛ لأنه يميل في أحد شقّيه، ليس على مستوى خلقته، فمعنى الجناح: الميل عن الحق.\nوقال أبو علي الجرجاني: معنى ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ﴾ أينما ذكر في القرآن: لا ميل لأحد عليه بمطالبة شيء من الأشياء، هذا هو الأصل، ثم صار معناه: لا حرج عليه، ولا ذنب عليه (٢).\nقال ابن عباس: كان على الصفا صنم، وعلى المروة صنم، وكان أهل الجاهلية يطوفون بينهما، ويمسحونهما، فلما جاء الإسلام وكسرت الأصنام كره المسلمون الطواف بينهما؛ لأجل الصنمين؛ فأنزل الله ﷿ هذه الآية، منبهًا لهم (٣) على أن الطواف بالصفا والمروة لا تبعة فيه عليهم، وأنه\n_________\n= الطبري\" ٢/ ٤٥، \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٥٦٦ (عمر)، \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١١٨٦، \"القرطبي\" ٢/ ١٦٦، قوله: مغزى: أي غزوًا. ومعنى: ضبر الجواد: تهيأ للوثوب بقوائمه أو جمع قوائمه ليثب ثم وثب. ينظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٣٤.\n(١) ينظر: \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٢٨٦.\n(٢) ينظر في معنى الجناح: \"تفسير الطبري\" ٢/ ٤٥، الثعلبي ١/ ١٢٨٩، \"أحكام القرآن\" لابن العربي ١/ ٤٦، \"المفردات\" ص١٠٧، \"تفسير القرطبي\" ٢/ ١٦٦، \"اللسان\" ٢/ ٦٩٧ - ٦٩٨ (جنح).\n(٣) سقطت من (م).","vol":"3","page":439},{"text":"طاعة لله تعالى، وغير تعظيم للصنمين (١).\nفالآية تدلّ بظاهرها على إباحة ما كرهوه، ولكن السنّة أوجبت الطواف بينهما والسعي، وهو قوله - ﷺ -: \"يا أيها الناس كُتِبَ عليكم السعيُ فاسعَوا\" (٢).\nوهو مذهب الشافعي، ﵁ (٣)، والواجب أن يبدأ بالصفا،\n_________\n(١) رواه الطبري من طريق عمرو بن حبشي عن ابن عباس ٢/ ٤٦، وضعفه أحمد شاكر، ورواه ابن أبي حاتم ١/ ٢٦٧، وذكره الثعلبي ١/ ١٢٩٠، والواحدي في \"أسباب النزول\" ص ٤٩. وبمعنى هذا ذكر الطبري آثارًا كثيرة عن: أنس، وابن عباس، وابن عمر، والسدي، والشعبي، وابن زيد، ومجاهد. وحديث أنس، رواه البخاري (١٦٤٨) كتاب الحج، باب: ما جاء في السعي بين الصفا والمروة، ولم يذكر المؤلف -﵀- السبب الآخر الذي روته عائشة، وهو أن الأنصار كان يُهّلون قبل أن يسلموا لمناة الطاغية، التي كانوا يعبدونها عند المشلل، وكان من أهلّ منها تحرَّج أن يطوف بالصفا والمروة، فلما أسلموا سألوا النبي - ﷺ - عن ذلك، فقالوا: يا رسول الله: إنا كنا نتحرج أن نطوف بين الصفا والمروة؟ فأنزل الله الآية. وهذا رواه البخاري في الحج، باب: وجوب الصفا والمروه \"فتح الباري\" ٣/ ٤٩٧، ومسلم (١٢٧٧) كتاب الحج، باب: بيان أن السعي بين الصفا والمروة ركن لا يصح الحج إلا به.\n(٢) أخرجه الإمام أحمد في \"المسند\" ٦/ ٤٢٢، حديث (٢٦٩١٧)، وابن خزيمة في \"صحيحه\" ٤/ ٢٣٢ برقم (٢٧٦٤)، والدارقطني في \"سننه\" ٢/ ٢٥٥ - ٢٥٦، والطبراني في \"الكبير\" ٢٤/ ٢٥٥، والحاكم ٦/ ٤٢١، والحديث صححه الحافظ المزي، وابن عبد الهادي كما في \"الإرواء\" ٤/ ٢٧٠، وقواه الحافظ في \"الفتح\" ٣/ ٤٩٨، وصححه الألباني في \"الإرواء\" ٤/ ٢٧٠.\n(٣) ينظر: \"المجموع شرح المهذب\" ٨/ ٦٣، \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٢٩٥، وقد اختلف العلماء في السعي: فمنهم من قال بركنيته، وهذا قول عائشة وعروة ومالك والشافعي، ومنهم من قال بسنيته، روي ذلك عن ابن عباس وأنس وابن الزبير =","vol":"3","page":440},{"text":"ويختم بالمروة، ويسعى بينهما سعيًا، فيكون مسيره من الصفا إلى المروة شوطًا من السبع، وعوده من المروة إلى الصفا شوطًا ثانيًا، فإن بدأ بالمروة إلى الصفا لم يحسب هذا الشوط (١)؛ لأن النبي - ﷺ - لما دنا من الصفا في حجته قرأ: \" ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ ابدأوا (٢) بما بدأ الله به\" فبدأ بالصفا فرقي عليه، حتى رأى البيت، ثم مشى حتى إذا تصوبت قدماه في الوادي سعى (٣).\nوقوله تعالى: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ فيه وجهان من القراءة (٤):\nأحدهما: ﴿تَطَوَّعَ﴾ على تَفَعَّل ماضيًا وهذه القراءة تحتمل أمرين (٥):\nأحدهما: أن يكون موضع تطوَّع جزمًا، وتجعل (مَن) للجزاء، وتكون الفاء مع ما بعدها من قوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ في موضع جزم؛ لوقوعها موقع الفعل المجزوم، والفعل الذي هو ﴿تَطَوَّعَ﴾ على لفظ المثال\n_________\n= ومجاهد وعطاء وابن سيرين، وهو رواية عن أحمد. ومنهم من قال: إنه واجب وليس بركن، وإذا تركه جبره بدم، وهو مذهب الحسن وأبي حنيفة وصاحبيه والثوري. ينظر \"أحكام القرآن\" للجصاص ١/ ١٨، \"تفسير الطبري\" ٢/ ٤٩، \"المغني\" ٥/ ٢٣٨، \"أحكام القرآن\" لابن العربي ١/ ٤٨، \"تفسير القرطبي\" ٢/ ١٦٧، \"تفسير ابن كثير\" ١/ ٢١٣.\n(١) ينظر: \"المغني\" لابن قدامة ٥/ ٢٣٧.\n(٢) في (م): (فابدأوا).\n(٣) جزء من حديث جابر الطويل في صفة حجة النبي - ﷺ -، أخرجه مسلم (١٢١٨) كتاب: الحج، باب: حجة النبي - ﷺ -.\n(٤) قرأ حمزة والكسائي وخلف: (يَطَّوَّعْ) بالياء التحتية، وتشديد الطاء، وإسكان العين على الاستقبال، والباقون: بالتاء الفوقية، وتخفيف الطاء، وفتح العين. ينظر \"السبعة\" ص ١٧٢، \"النشر\" ٢/ ٢٢٣.\n(٥) في (م): (وجهين).","vol":"3","page":441},{"text":"الماضي، والمراد به المستقبل، كقولك: إن أتيتني أتيتك.\nالثاني: أن لا تجعل (مَن) للجزاء، ولكن تكون بمنزلة الذي، وتكون (١) مبتدأ به، ولا موضع حينئذ للفعل الذي هو ﴿تَطَوَّعَ﴾، والفاء مع ما بعدها في موضع رفع، من حيث كان خبر المبتدأ الموصول، والمعنى فيه معنى الجزاء؛ لأن هذه الفاء إذا دخلت في خبر الموصول أو النكرة الموصوفة؛ آذنت أنّ الثاني إنما وجب لوجوب الأول، كقوله: ﴿وَمَا بِكُم مِن نِّعمَةٍ فَمِنَ اَللهِ﴾ [النحل: ٥٣] وما: مبتدأ موصول، والفاء مع ما بعدها جواب له، وفيه معنى للجزاء؛ لأن تقديره: ما ثبت بكم من نعمة، أو ما دام بكم من نعمة فمن ابتداء الله إياكم بها، فسبب ثبات (٢) النعمة ابتداؤه [ذلك] (٣)، كما أن استحقاق الأجر إنما هو من أجل الإنفاق في قوله: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ﴾ [البقرة: ٢٧٤].\nوعلى هذا كل ما في القرآن من هذا الضرب، كقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا﴾ إلى قوله: ﴿فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ﴾ [البروج: ١٠]، وقوله: ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٩٥]، ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ﴾ [البقرة: ١٢٦]، ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠]، ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩]. ونذكر هذه المسألة مشروحة عند قوله: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً﴾ [البقرة: ٢٧٤].\n_________\n(١) الأفعال السابقة في (ش) بالفاء (تجعل يكون ويكون).\n(٢) في (ش): (ابتدا).\n(٣) زيادة يقتضيها الكلام، من كلام أبي على الفارسي في \"الحجة\" ٢/ ٢٤٦.","vol":"3","page":442},{"text":"الوجه الثاني من القراءة: (يَطَّوَّعْ) بالياء وجزم العين، وتقديره: يتطوع إلا أنّ التاء أُدغم في الطاء لتقاربهما، وهذا حسن؛ لأن المعنى على الاستقبال، والشرط والجزاء الأحسن فيهما (١) الاستقبال، وإن كان يجوز أن تقول: من أتاك أعطيته، فتُوقع الماضي موقعَ المستقبل في الجزاء، إلا أنّ اللفظ إذا كان وافق المعنى كان أحسن (٢).\nوأما التفسير: فقال مجاهد: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ بالطواف بهما (٣)، وهذا على قول من لا يرى الطواف بهما فرضًا.\nوقال مقاتل والكلبي: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ فزاد في الطواف بعد الواجب (٤).\nومنهم من حمل هذا النوع على العمرة، وهو قول ابن زيد (٥)، وكان يرى العمرة غير واجبة.\nوقال الحسن: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ يعنى به: الدين كلّه، أي: فعل غير المفترض عليه، من طواف وصلاة وزكاة ونوع من أنواع الطاعات (٦).\n_________\n(١) في (ش): (في هذا).\n(٢) ما تقدم من كلام أبي علي في \"الحجة\" ٢/ ٢٤٥ - ٢٤٨ بتصرف واختصار.\n(٣) \"تفسير مجاهد\" ص ٩٢، ورواه الطبري عنه في \"تفسيره\" ٢/ ٥٠، وعزاه في \"الدر المنثور\" ١/ ٢٩٢ إلى: سيعد بن منصور، وعبد بن حميد، وروى ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ١/ ٢٦٨ عن أنس قوله: والطواف بهما تطوع، وكذا روي عن ابن عباس، وعزاه في \"الدر\": إلى عبد بن حميد، وأبي عبيد في \"فضائله\"، وابن أبي داود في \"المصاحف\".\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ١/ ١٥٢، وذكره عنهما الثعلبي ١/ ١٣٠٠، والبغوي ١/ ١٧٥.\n(٥) رواه الطبري عنه في \"تفسيره\" ٢/ ٥٢، وذكره الثعلبي ١/ ١٣٠١.\n(٦) ذكره الثعلبي ١/ ١٣٠١، والبغوي في \"معالم التنزيل\" ١/ ١٧٥.","vol":"3","page":443},{"text":"وهذا أحسن هذه الأقاويل؛ لأن قوله ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ صيغته تدلّ على العموم (١).\nوقوله تعالى ﴿فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ أي: مُجازٍ بعمله ﴿عَلِيمٌ﴾ بنيته (٢).\nقال أهل المعاني: وحقيقة الشاكر في اللغة: هو المظهر للإنعام عليه، والله تعالى لا تلحقه المنافع والمضارّ، فالشاكر في وصفه مجازٍ، ومعناه: المجازي على الطاعة بالثواب، إلا أن اللفظ خرج مخرج التلطف للعباد، مظاهرة في الإحسان إليهم، كما قال: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ﴾ [البقرة: ٢٤٥]، وهو تعالى لا يستقرض من عوزة ولكنه تلطّف (٣) في الاستدعاء. كأنه قيل: من الذي يعمل عمل المُقرِض، بأن يقدّمَ، فيأخذ أضعاف ما قدَّمَ في وقت فقره وحاجته (٤)!؟\n_________\n(١) رجح الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٥١ - ٥٢ أن معنى ذلك: ومن تطوع بالحج والعمرة بعد قضاء حجته الواجبة عليه.\n(٢) \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٣٠١.\n(٣) في (م): (اللطف).\n(٤) وقال الزجاجي في \"اشتقاق أسماء الله\" ص ٨٧: فلما كان الله ﷿ يجازي عباده على أفعالهم ويثيبهم على أقل القليل منها، ولا يضيع لديه ﵎ لهم عمل عامل، كان شاكرا لذلك لهم، أي: مقابلًا له بالجزاء والثواب. وقال الشيخ السعدي في \"تفسيره\" ص ٧٧: الشاكر والشكور من أسماء الله تعالى: الذي يقبل من عباده اليسير من العمل، ويجازيهم عليه العظيم من الأجر، الذي إذا قام عبده بأوامره وامتثل طاعته أعانه عليه وأثنى عليه ومدحه، وجازاه في قلبه نورًا وإيمانًا وسعة، وفي بدنه قوةً ونشاطًا، وفي جميع أحواله قلادة بركة ونماء، وفي أعماله زيادة توفيق، ثم بعد ذلك يقدم على الثواب الآجل عند ربه كاملًا موفرًا، لم تنقصه هذه الأمور، ومن شكره لعبده أن من ترك شيئا لله أعاضه الله خيرًا منه، ومن تقرب منه شبرًا تقرب منه ذراعًا.","vol":"3","page":444},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-378>١٥٩ </span>- قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى﴾ قال المفسرون: نزلت في علماء اليهود (١). وأراد بالبينات: الرجم والحدود والأحكام (٢)، وبالهدى: أمر محمد - ﷺ - ونعته (٣) (٤). ﴿مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ﴾: لبني إسرائيل (٥). ﴿فِي الْكِتَابِ﴾: في التوراة (٦).\n_________\n(١) ذكره الواحدي في \"أسباب النزول\" ص ٥٠، ونقله عنه ابن حجر في \"العجاب\" ١/ ٤١١، وذكره مقاتل بن سليمان في \"تفسيره\" ١/ ٨٠، ورواه الطبري ٢/ ٥٣، وابن أبي حاتم ١/ ٢٦٨ عن ابن عباس.\n(٢) \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٣٠١، وروى ابن أبي حاتم ١/ ٢٦٩ عن السدي عن أصحابه: [البينات]: الحلال والحرام.\n(٣) في (ش): (وبعثه).\n(٤) \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٣٠١، وقد ذكر هذا الفرق بين البينات والهدى أبو حيان في \"البحر المحيط\" ١/ ٤٥٨، وقال: والبينات هي: الحجج الدالة على نبوته - ﷺ -، والهدى: الأمر باتباعه، أو الهدى والبينات، والجمع بينهما توكيد، وهو ما أبان عن نبوته وهدى إلى اتباعه. وقد بين الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٥٢ البينات بقوله: البينات التي أنزلها الله: ما بين من أمر نبوة محمد - ﷺ - ومبعثه وصفته في الكتابين اللذين أخبر الله تعالى ذكره أن أهلهما يجدون صفته فيهما. ويعني -تعالى ذكره- بالهدى: ما أوضح لهم من أمره في الكتب التي أنزلها على أنبيائهم.\n(٥) ينظر: \"تفسير الطبري\" ٢/ ٥٣، قال: لأن العلم بنبوة محمد - ﷺ - وصفته ومبعثه لم يكن إلا عند أهل الكتاب دون غيرهم، ثم قال: وهذه الآية وان كانت في خاصّ من الناس فإنها معنيّ بها كلُّ كاتمٍ علمًا فرض الله تعالى بيانه للناس. وينظر: \"تفسير الثعلبى\" ١/ ١٣٠١، \"البحر المحيط\" ١/ ٤٥٨.\n(٦) ينظر: \"تفسير الطبري\" ٢/ ٥٣، \"تفسير ابن أبي حاتم\" ١/ ٢٦٩، \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٣٠١، و\"تفسير البغوي\" ١/ ١٧٥، وروى \"الطبري\" ٢/ ٥٣، عن قتادة أن المراد: التوراة والإنجيل، وروى ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ١/ ٢٦٩ عن الحسن أن الكتاب: القرآن، قال: وروي عن ابن عباس مثل ذلك، وقال في \"البحر المحيط\" ١/ ٤٥٨: والأولى والأظهر عموم الآية في الكاتمين، وفي الناس، وفي الكتاب.","vol":"3","page":445},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ اختلفوا في اللاعنين ههنا: فقال ابن عباس: كلّ شيء إلا الجنّ والإنس (١). وعلى هذا إنما قال: (اللاعنون)، ولم يقل اللاعنات؛ لأنه وصفها صفة من يعقل، فجمعها جمع من يعقل، كقوله: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ [يوسف: ٤]، و﴿يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ﴾ [النمل: ١٨]، ﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا﴾ [فصلت: ٢١] ﴿كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: ٤٠] (٢).\nوقال قتادة: هم الملائكة (٣).\nوقال عطاء: الجنّ والإنسان (٤).\n_________\n(١) نسبه إلى ابن عباس: الزجاج في \"معاني القرآن\" ١/ ٢٣٥، والثعلبي \"في تفسيره\" ١/ ١٣٠٣، والفراء في \"معاني القرآن\" ١/ ٩٥، والبغوي في \"معالم التنزيل\" ١/ ١٧٥، ورواه الطبري \"في تفسيره\" ٢/ ٥٦ عن البراء بن عازب، والضحاك، وقريب منه قول مجاهد وعكرمة حيث قالا: يلعنهم كل شيء حتى الخنافس والعقارب، يقولون: مُنِعْنا القطرَ بذنوب بني آدم. ينظر: \"تفسير الطبري\" ٢/ ٥٤ - ٥٥، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" ١/ ٢٦٩، وقد رده الطبري: بأنه قول لا تدرك حقيقته إلا بخبر عن الله، ولا خبر.\n(٢) ينظر: \"تفسير الطبري\" ٢/ ٥٥، والثعلبي ١/ ١٣٠٥، والقرطبي ٢/ ١٧١.\n(٣) رواه عنه الطبري ٢/ ٥٢ إلا أنه قال في رواية: اللاعنون من ملائكة الله، ومن المؤمنين، وروى ذلك ٢/ ٥٦ عن الربيع بن أنس، وكذا رواه ابن أبي حاتم ١/ ٢٦٩، ورجحه الطبري؛ لأن الله قد وصف الكفار بأن اللعنة التي تحل بهم إنما هي من الله والملائكة والناس أجمعين، في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾. وبنحوه قال الزجاج.\n(٤) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ١٣٠٣، والبغوي ١/ ١٧٥، وعزاه في \"الدر المنثور\" ١/ ٢٩٦ إلى عبد بن حميد.","vol":"3","page":446},{"text":"وقال ابن مسعود: ما تلاعن اثنان من المسلمين إلا (١) رجعت تلك اللعنة على اليهود والنصارى، الذين كتموا أمر محمد - ﷺ -، وصفته (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-379>١٦٠ </span>- قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ معنى (٣) (إلّا) التخصيص (٤)، نحو قولك: جاءني القوم إلا زيدًا، خصصتَ زيدًا بأنه لم يجئ (٥).\nومعنى قوله تعالى: ﴿وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا﴾ بعد قوله: ﴿تَابُوا﴾ إزالة الإبهام: أن التوبة مما سلف من الكتمان تكفي، ومعنى ﴿وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا﴾ أي: أصلحوا السريرة بإظهار أمر محمد - ﷺ - (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-380>١٦١ </span>- قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ إلى قوله: ﴿وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ إن قيل: كيف يلعنه الناس أجمعون، وأهل دينه لا يلعنونه؟ قيل: يلعنونه في الآخرة؛ لقوله: ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ\n_________\n(١) في (أ) زيادة في الحاشية: (وليس أحدهما بمستحق للعن رجعت).\n(٢) أخرجه البيهقي في \"شعب الإيمان\" ٤/ ٣٠٣ من طريق السدي الصغير، عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن مسعود، وهذا إسناد واه، وذكره الثعلبي ١/ ١٣٠٤ ولفظه: هو الرجل يلعن صاحبه فترتفع اللعنة في السماء ثم تنحدر فلا تجد صاحبها الذي قيلت له أهلًا لذلك، فترجع إلى الذي تكلم بها فلا تجده أهلا، فتنطلق فتقع على اليهود، فهو قوله ﷿ ﴿وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾. فمن تاب منهم ارتفعت اللعنة عنه فكانت في من بقي من اليهود. وينظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٣٥، \"تفسير البغوي\" ١/ ١٧٥.\n(٣) في (أ)، (م): (يعنى).\n(٤) في (أ)، (م): (للتخصيص).\n(٥) \"البحر المحيط\" ١/ ٤٥٩.\n(٦) ينظر: \"تفسير الطبري\" ٢/ ٥٧، \"تفسير ابن أبي حاتم\" ١/ ٢٧٠، \"تفسير البغوي\" ١/ ١٧٥، \"تفسير القرطبي\" ٢/ ١٧٢.","vol":"3","page":447},{"text":"بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ [العنكبوت:٢٥] (١).\nوقال قتادة (٢) والربيع (٣): أراد بـ ﴿وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾: المؤمنين، وعلى هذا كأنه لم يعتدّ بغيرهم، كما تقول: المؤمنون هم الناس (٤).\nوقال السدي: لا يتلاعن اثنان مؤمنان ولا كافران، فيقول أحدهما: لعن الله الظالم، إلا وجبت تلك اللعنة على الكافر؛ لأنه ظالم، وكل أحل من الخلق يلعنه (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-381>١٦٢ </span>- قوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ معنى الخلود: اللزوم أبدًا، ومنه يقال: أخلد إلى كذا، أي: لزمه، وركن إليه (٦). والعامل في الخالدين: الظرف من قوله (عليهم)؛ لأن فيه معنى الاستقرار، وهو حال من الهاء والميم في ﴿عَلَيْهِمْ﴾، كقولك: عليهم المال صاغرين (٧)، ومثل هذه الآيات الثلاث: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾، ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ﴾، ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ في سورة آل عمران [الآيات: ٨٧ - ٨٩]، وذكرنا الكلام هناك بأبلغ من هذا.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ قال عطاء عن ابن عباس: يريد:\n_________\n(١) من \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٣٦، ورواه الطبري ٢/ ٥٨، وابن أبي حاتم ١/ ٢٧١ عن أبي العالية، قال ابن أبي حاتم: وروي عن قتادة نحو قول أبي العالية، وينظر: \"تفسير البغوي\" ١/ ١٧٦.\n(٢) رواه عنه الطبري ٢/ ٥٨، وذكره ابن أبي حاتم ١/ ٢٧١، والثعلبي ١/ ١٣٠٦.\n(٣) رواه عنه الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٥٨.\n(٤) رواه ابن أبي حاتم ١/ ٢٧١ عن أبي العالية.\n(٥) رواه عنه الطبري ٢/ ٥٨، وابن أبي حاتم ١/ ٢٧١. ورجح الطبري العموم.\n(٦) ينظر: \"المفردات\" ص ١٦٠.\n(٧) ينظر: \"تفسير الطبري\" ٢/ ٥٩، \"البحر المحيط\" ١/ ٤٦٢.","vol":"3","page":448},{"text":"للرجعة ولا للتوبة ولا للمعذرة (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-382>١٦٣ </span>- قوله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ الآية، معنى الوحدة في اللغة: هي الانفراد، يقال: وحَدَ الشيءُ، وهو يَحِدُ حِدَةً، فهو واحد، وجمعه: وُحدان بالضم. والوَحدان بالفتح؛ بمعنى: الواحد، مثل قولهم: فَردان بمعنى: الفَرد. وحقيقة الواحد: شيء لا يتبعض، ويقال أيضًا: وَحَدَ يَوْحَدُ وَحَادةً وَوَحْدةً فهو وحيد (٢).\nويستعمل الواحد على وجهين:\nأحدهما: على جهة الحكم والحقيقة.\nوالثاني: على الوصف والمجاز. فالحكم كقولك: ذاتٌ واحدةٌ، وجزء واحد، والوصف قولك: إنسان واحد، ودار واحدة، فهذا لا ينقسم عن (٣) الجهة التي جرت عليه الصفة، إذ ليس ينقسم من جهة أنه إنسان، وإن انقسم من جهة أنه جسم، وإذا أجريته حكمًا لم ينقسم من وجه من الوجوه.\nفأما الواحد في صفة الله تعالى، فقال الأزهري: له معنيان:\nأحدهما: أنه واحد لا نظير له، وليس كمثله شيء، والعرب تقول: فلان واحد قومه، وواحد الناس، إذا لم يكن له نظير.\nوقال بعضهم: المعنى في الواحد: أنه إله واحد، وربّ واحد، ليس له في إلاهيته وربوبيته شريك؛ لأنّ المشركين أشركوا معه آلهةً فكذّبهم\n_________\n(١) رواه ابن أبي حاتم بمعناه عن الضحاك عن ابن عباس ١/ ٢٧٢.\n(٢) ينظر في معاني الواحد: \"تفسير الطبري\" ٢/ ٦٠، \"المفردات\" ص ٥٣٠، \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٨٤٤، \"اللسان\" ٨/ ٤٧٧٩ - ٤٧٨٣ (وحد).\n(٣) في (ش): (من).","vol":"3","page":449},{"text":"الله ﷿، فقال: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ (١).\nوقال أبو علي: قولهم: واحد، اسم جرى على وجهين في كلامهم:\nأحدهما: أن يكون اسمًا.\nوالآخر: أن يكون وصفًا.\nفالاسم الذي ليس بصفة قولهم: واحد المستعمل في العدد، نحو: واحد، اثنان، ثلاثة، فهذا اسم ليس بوصف، كما أنّ سائر أسماء العدد كذلك، وأما (٢) كونه صفة فنحو قولك: مررت برجل واحد، وهذا شيء واحد، فإذا أجري هذا الاسم على القديم تعالى جاز أن يكون الذي هو وصف، كالعالم والقادر، وجاز أن يكون الذي هو اسم، كقولنا: شيء. يقوي الأول قوله: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ (٣).\nويجمع (٤) الواحد واحدِين، كقوله:\nفقد (٥) رجعوا كحيٍّ واحدينا (٦)\n_________\n(١) الذي وجدته في \"تهذيب اللغة\" للأزهري ٤/ ٣٨٤٧ (وحد): والواحد في صفة الله، معناه: أنه لا ثاني له، ويجوز أن ينعت الشيء بأنه واحد، فأما أحد فلا يوصف به أحد غير الله؛ لخلوص هذا الاسم الشريف له، جل ثناؤه.\n(٢) في (م): (فأما).\n(٣) نقله عنه الرازي في \"التفسير الكبير\" ٤/ ١٦٨.\n(٤) في (م): (وجمع).\n(٥) في (ش): (وقد).\n(٦) ورد البيت هكذا:\nفَرَدَّ قَواصِيَ الأحياء منهم ... فقد أضحوا كحيٍّ واحدينا\nوهو للكميت، ينظر: \"اللسان\" مادة: (وحد)، وفيه ورد بلفظ: رجعوا، وينظر: \"معاني القرآن\" ٢/ ٢٠٨، \"عمدة الحفاظ\" ٣/ ٣٩٢.","vol":"3","page":450},{"text":"ويكسِّرونه على فُعلان، كقولهم: وُحدان، ويقلبون الواو همزةً، كقولهم: أُحدان، ومنه قوله:\nطاروا (١) إليه زَرَافاتٍ ووُحْدانا (٢)\nوذلك أنه وإن كان صفة قد يستعمل استعمال الأسماء، فكسروه على فُعلان، كقولهم: راع ورُعْيَان.\nوأما التفسير: فقال ابن عباس في رواية الكلبي: قالت كفار قريش: يا محمد صِفْ وانسُبْ لنا ربّك. فأنزل الله تعالى سورة الإخلاص، وهذه الآية (٣).\nوقال جويبر (٤)، عن الضحاك، عن ابن عباس: كان للمشركين ثلاثمائة وستون صنمًا، يعبدونها من دون الله، فبيّن الله سبحانه لهم أنه واحد، فأنزل هذه (٥).\n_________\n(١) في (أ)، (م): (يطار).\n(٢) صدر البيت:\nقوم إذا الشرّ أدى ناجذيه لهم\nوالبيت للعنبري، واسمه: قريط بن أنيف، ويروى لأبي الغول الطهوي. ينظر: \"عمدة الحفاظ\" ٢/ ٤٩٩.\n(٣) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ١٣٠٧، والوا حدي في \"الوسيط\" ١/ ٢٤٥، والبغوي ١/ ١٧٦، والسمعاني ٢/ ١١٤، والقرطبي ٢/ ١٧٥، ونقله في \"البحر المحيط\" ١/ ٤٦٢، وإسناده واه، ونقله عنه ابن حجر في \"العجاب\" ١/ ٤١٣.\n(٤) هو جويبر بن سعيد البلخي، روى: عن الضحاك وأبي سهل، وروى عنه: الثوري وابن المبارك ويزيد بن هارون، وهو ضعيف، قال يحيي بن معين: ليس بشيء، وكان وكيع لا يسميه استضعافًا له، في قول عن سفيان عن رجل. ينظر: \"الجرح والتعديل\" ٢/ ٥٤٠ - ٥٤١.\n(٥) ذكره الثعلبي ١/ ١٣٠٧، والواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٢٤، ونقله ابن حجر في =","vol":"3","page":451},{"text":"قال أصحابنا: حقيقة الواحد في وصف الباري سبحانه: أنه واحد لا قسيم له في ذاته، ولا بعض له في وجوده، بخلاف الجملة الحاملة التي يطلق عليها لفظ الواحد مجازًا، كقولهم: دار واحدة، وشخص واحد؛\nولهذا قال أصحابنا: التوحيد: هو نفي الشريك والقسيم، والشريك والشبيه، فالله ﷾ واحد في أفعاله، لا شريك له يشاركه في إثبات المصنوعات؟ وواحد في ذاته، لا قسيم له؟ وواحد في صفاته، لا يشبه الخلق فيها (١).\nوقال أهل المعاني: في الآية تقديم وتأخير، تقديرها: وإلهكم الرحمن الرحيم إله واحد، لا إله إلا هو.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-383>١٦٤ </span>- قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ الآية، قال المفسرون: لما نزل قوله: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ عجب المشركون، وقالوا: إن محمدًا يقول: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾؛ فليأتنا بآية إن كان من الصادقين، فأنزل الله هذه الآية (٢)، وعلّمهم كيفيةَ الاستدلالِ على الصانع، وعلى\n_________\n= \"العجاب\" ١/ ٤١٣، وأبو حيان في \"البحر المحيط\" ١/ ٤٦٢، وإسناده ضعيف؛ لضعف جويبر.\n(١) ينظر في تفسير الواحد: \"اشتقاق أسماء الله\" لأبي القاسم الزجاجي ص٩٠ - ٩٣.\n(٢) رواه الثوري في \"تفسيره\" ص ٥٤، وسعيد بن منصور في \"سننه\" ٢/ ٦٤٠، وأبو الشيخ في \"العظمة\" ١/ ٢٥٢، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ١/ ٢٧٢، والبيهقي في \"شعب الإيمان\" ١/ ١٣٠، والثعلبي ١/ ١٢٠٨ كلهم عن أبي الضحى. ورواه الطبري ٢/ ٦٠ عن عطاء، وذكرهما الواحدي في \"أسباب النزول\" ص ٥٠ - ٥١، وروى ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ١/ ٢٧٣ عن ابن عباس أن قريشًا سألت النبي - ﷺ - أن يجعل لهم الصفا ذهبًا، فأوحى الله إليه: إني معطيهم، ولكن إن كفروا عذبتهم عذابًا لا أعذبه أحدًا من العالمين، فنزلت، وذكره السيوطي في \"لباب النقول\" =","vol":"3","page":452},{"text":"توحيدِه، وردَّهم إلى التفكر في آياته، والنظرِ في مصنوعاته، على ما عدّها في الآية. وبيَّن أنّ فيما ذكره في هذه الآية من عجيب صنعه، وإتقانِ أفعاله، واتساق صنائعه دليلًا على توحيده، فإن هذه الأفعال لا تحصل في الوجود لو كان لها صانعان؛ لوجوب التمانع بينهما (١)، واستحالة تساويهما في صفة الكمال.\nقال أهل المعاني: وجمع السماوات؛ لأنها أجناس مختلفة، كل سماء من جنس غير الأخرى، ووحّد الأرض؛ لأنها كلها تراب (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَار﴾ فسّر الاختلاف هاهنا تفسيرين يرجعان إلى أصل واحد:\nأحدهما: أنه افتعال، من قولهم: خلَفه يخلُفه، إذا ذهب الأول وجاء الثاني خلافه، أي: بعده، فاختلاف الليل والنهار: تعاقبهما في الذهاب والمجيء، ومنه يقال: فلان يختلف إلى فلان، إذا كان يذهب إليه، ويجيء\n_________\n= ص ٣١ وجود إسناده، وروي عن ابن عباس أنها نزلت حين قالوا: انسب لنا ربك وصفه. وينظر: \"العجاب\" ١/ ٤١٤ - ٤١٥، \"زاد المسير\" ١/ ١٦٧.\n(١) دليل التمانع: هو أنه لو كان للعالم صانعان، فعند اختلافهما -مثل أن يريد أحدهما: تحريك جسم، والآخر تسكينه، أو يريد أحدهما: إحياءه، والآخر إماتته- فإما: أن يحصل مرادهما، أو مراد أحدهما، أو لا يحصل مراد واحد منهما، والأول ممتنع؛ لأنه يستلزم الجمع بين الضدين، والثالث ممتنع؛ لأنه يلزم خلو الجسم عن الحركة والسكون وهو ممتنع، ويستلزم أيضًا عجز كل منهما، والعاجز لا يكون إلها، وإذا حصل مراد أحدهما دون الآخر، كان هذا هو الإله القادر، والآخر عاجزًا لا يصلح للإلهية. ينظر: \"شرح العقيدة الطحاوية\" ١/ ٢٨.\n(٢) \"تفسير البغوي\" ١/ ١٧٧، وينظر أيضًا: \"تفسير الطبري\" ١/ ١٩١ - ١٩٥، \"البحر المحيط\" ١/ ٤٦٤.","vol":"3","page":453},{"text":"من عنده، فذهابه يخلف مجيئه، ومجيئه يخلف ذهابه. أحدهما خلاف الآخر، أي: بعده، وكل شيء يجيء بعده شيء، فهو خِلفه. وبهذا فُسِّر قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً﴾ [الفرقان: ٦٢] (١)، قال الفراء: يذهب هذا، ويجيء هذا (٢).\nالثاني: قال ابن كيسان (٣) وعطاء (٤) في هذه الآية: أراد: اختلافهما في الطول والقصر، والنور والظلمة، والزيادة والنقصان.\nقال الكسائي: يقال لكل شيئين اختلفا: هما خِلْفان وخِلْفتان، وقول زهير:\nبها العِينُ والآرامُ يمشين خِلْفةً (٥)\nفسّر بالوجهين: تكون مختلفة في ألوانها وتكون يذهب هذا، ويجيء هذا. وهذا القول يرجع إلى معنى الأول؛ لأن معنى الاختلاف في اللغة:\n_________\n(١) ينظر: \"تفسير الطبري\" ٢/ ٦٣ ولم يذكر غيره، \"تفسير البغوي\" ١/ ١٧٧، \"تفسير القرطبي\" ٢/ ١٧٦.\n(٢) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٧١، وينظر: \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٣٠٨، \"اللسان\" ٢/ ١٢٣٧ (خلف).\n(٣) ذكره في \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٣٠٩، \"البحر المحيط\" ١/ ٤٦٥.\n(٤) ينظر: \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٣٠٩، \"القرطبي\" ٢/ ١٧٦، \"البغوي\" ١/ ١٧٧.\n(٥) عجز البيت:\nوأطلاؤها ينهضن من كل مجثم\nوهو في \"ديوانه\" ص ٥، \"جمهرة اللغة\" ص٤١٥ - ٤١٦، \"لسان العرب\" ٢/ ١٢٣٧ (خلف)، و٥/ ٢٧٠٠، وبلا نسبة في \"رصف المباني\" ص ١٤٥. وقوله: بها: أى بدار من يتغزل بها، والعين: البقر، واحدها: أعين وعيناء، وذلك لسعة عيونها، والآرام: الظباء الخوالص البياض، والأطلاء: الصغار من البقر والظباء، والمجثم: ما تربض فيه وترقد.","vol":"3","page":454},{"text":"التفرق في الجهات، جهة اليمين والشمال والخلف والقُدّام، ثم شبّه الاختلاف في المذاهب وفي كل شيء بالاختلاف في الطريق (١)، من جهة أن كل واحد من المختلفين على نقيض ما ذهب إليه الآخر، كالمختلفين في الطريق، ولما تفاوت الليل والنهار في النور والظلمة وغيرهما جعل ذلك اختلافا، فهذا أيضًا يعود في الاشتقاق إلى الخلف.\nوقوله تعالى: ﴿وَالْفُلْكِ﴾ الفُلْك: واحد وجمع، ويذكر ويؤنث، وأصله من الدوران، وكل مستدير فُلك، وفَلَك السماء: اسم لأطواق (٢) سبعة، تجري فيها النجوم، وفَلَكَتِ الجارية: إذا استدارَ ثَدْيُها، وفَلَكَة (٣) المِغْزلَ من هذا، والسفينة سميت فُلكًا؛ لأنها تدور بالماء أسهل دور (٤). وإنما كانت للواحد والجمع؛ لأنه على بناء يصلح لها (٥)، فإذا أريد به الواحد ذُكِّر، وإذا أريد به الجمع أُنِّث. ومثلُ الفلك من الجموع التي كسرت الآحاد عليها واللفظ فيهما (٦) واحد: قولهم: ناقة هِجَان، ونوق هِجَان (٧)، ودرع دِلاصٍ، وأدرُع دِلاص (٨)، وشِمال: للخليقة والطبع،\n_________\n(١) في (ش): (بالطريق).\n(٢) في (ش): (لأطواف).\n(٣) في (م): (وفلك).\n(٤) ينظر في الفلك: \"تفسير غريب القرآن\" ص ٦٤، \"تفسير الطبري\" ٢/ ٦٤، \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٨٣٠ - ٢٨٣١، \"المفردات\" ص ٣٨٧، \"اللسان\" ٦/ ٣٤٦٥ (فلك)، \"تفسير القرطبي\" ٢/ ١٧٨.\n(٥) في (م): (بها).\n(٦) في (ش): (فيها).\n(٧) (نوق هجان) سقطت من (ش). والهجان: البيض الخوالص.\n(٨) دلاص: ملساء ليِّنة.","vol":"3","page":455},{"text":"وجمعه شِمالٌ. ومجيء الجمع على لفظ الواحد مما يدل على قلة حفلهم بالفرق بينهما من طريق اللفظ، وأنهم اعتمدوا في الفرق على دلالة الحال، ومتقدم الكلام ومتأخره (١).\nوقال سيبويه (٢): الفلك إذا أريد به الواحد فضمة الفاء فيه بمنزلة ضمة (٣) باء بُرْد، وخاء خُرْج، وإذا أريد به الجمع، فضمة الفاء بمنزلة ضمة الحاء في حُمْر، والصاد من صُفْر، فالضمتان وإن اتفقتا في اللفظ فإنَّهما مختلفتان (٤) في المعنى، وغير منكر أن يتفق اللفظان من أصلين مختلفين، ألا ترى أن من رخّم منصورًا في قول من قال: يا جار، قال: يامنصُ، فبقى الصاد مضمومة، كما بَقَّى الراء مكسورة، ومن قال: يا جارُ، فاجتلب للنداء ضمةً قال أيضًا: يا منصُ، فحذف ضمّةَ الصاد، كما حذف كسرة الراء، واجتلب للصاد ضمةَ النداء، كما اجتلب للراء ضمة النداء، إلا أن لفظ: يا منصُ في الوجهين واحد، والمعنيان متباينان.\nوقوله تعالى: ﴿تَجْرِي فِي الْبَحْرِ﴾ قد مضى الكلام في البحر. والآية في الفلك: تسخيرُ الله تعالى إياها، حتى يجريَها على وجه الماء، كما قال: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ﴾ [إبراهيم: ٣٢]، ووقُوفُها فوق الماء مع ثقلها وكثرة وزنها.\nوقوله تعالى: ﴿يَنْفَعُ النَّاسَ﴾ أي: بالذي ينفعهم، من ركوبها،\n_________\n(١) ينظر: \"تفسير غريب القرآن\" ص ٦٤، \"تفسير الطبري\" ٢/ ٦٤، \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٨٣١ (فلك)، \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٣١٠.\n(٢) قريب منه ما في \"الكتاب\" ٣/ ٥٧٧، ونقله عنه في \"اللسان\" ٦/ ٣٤٦٥ (فلك).\n(٣) في (م): (ضمها).\n(٤) في (م): (فهما مختلفان)، وفي (أ): (فإنهما مختلفان).","vol":"3","page":456},{"text":"والحمل عليها في التجارات، وينفع الحامل؛ لأنه يريح، والمحمول إليه؛ لأنه ينتفع بما حمل إليه (١) (٢).\nوقوله تعالى: ﴿فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ أراد بموت الأرض: جدوبتَها ويُبُوستَها، فسمّاها موتًا مجازًا، وذلك أن الأرضَ إذا لم يصبها مطر لم تُنبت، ولم تُنْمِ نباتًا، وكانت (٣) من هذا الوجه كالميت، وإذا أصابها المطر أنبتت، ونحو هذا قوله: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ [الحج: ٥]، فلما وصفت بالاهتزاز وهو (٤) الحركة عند نزول الماء، توصف عند إمساك الماء بالسكون، والعربُ تسمي السكون موتًا (٥)، قال الشاعر:\nإني لأرجو أن تموتَ الريحُ ... فأسكنَ اليوم وأستريحُ (٦)\nفيجوز أن يراد بالموت في هذه الآية: ضد الاهتزاز الذي وُصِفَت به عند نزول الماء، ولما سَمّى ذلك موتًا سمّى (٧) إِزالتَها إحياءً ليتجانس اللفظ (٨).\n_________\n(١) ساقط من (ش).\n(٢) ينظر: \"تفسير الطبري\" ٢/ ٦٤، \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٣١٠، \"تفسير البغوي\" ١/ ١٧٧، \"تفسير الرازي\" ٤/ ١٩٧، \"تفسير القرطبي\" ٢/ ١٨٠.\n(٣) في (ش) و(م): (وكان).\n(٤) في (ش): (وهي).\n(٥) ينظر: \"تفسير الطبري\" ٢/ ٦٤، \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٣١١، \"تفسير البغوي\" ١/ ١٧٧، \"تفسير الرازي\" ٤/ ١٩٨.\n(٦) البيت في \"اللسان\" ٧/ ٤٢٩٥ (موت)، بغير نسبة. وينظر: \"شأن الدعاء\" ص ١١٦، \"الحجة للقراء السبعة\" ٢/ ٣٨١.\n(٧) سقطت جملة: (ذلك موتًا سمي) من (ش).\n(٨) ينظر: \"تفسير الرازي\" ٤/ ١٩٨ - ١٩٩.","vol":"3","page":457},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ﴾ البثُّ: النشر والتفريق، ومنه قوله تعالى: ﴿وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ [النساء: ١]، ومنه: ﴿كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ﴾ [القارعة: ٤]، ويقال: بثثته سِرِّي (١) أبثثته، إذا أطلعته عليه؛ لأنك فرقت بين سرّك وبينك، ويقال للحزن: بَثٌ؛ لأن صاحبَه لا يصبر عليه حتى يظهره (٢).\nوقوله تعالى: ﴿مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ﴾ قال ابن عباس: يريد: كلّ ما دبّ على الأرض من جميع الخلق، من الناس وغيرهم (٣).\nوقوله تعالى: ﴿وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ﴾ أراد: وتصريفه الرياح، فأضاف المصدر إلى المفعول، وهو كثير (٤). والرياح: جمع الريح.\nقال أبو علي: الريح: اسم على فعل، والعين منه واو، انقلبت في الواحد (٥) للكسرة، فأما في الجمع القليل: أرواح، فصحّت؛ لأنه لا شيء فيه يوجب الإعلال، ألا ترى أن سكون الراء لا يوجب إعلال هذه الواو في نحو: قوم، وعون، وقول. وفي الجمع الكثير: رياح، انقلبت الواو ياء؛ للكسرة التي قبلها، نحو: ديمة ودِيَم، وحِيلَة وحِيَل (٦).\n_________\n(١) سقطت من (ش).\n(٢) ينظر في البث: \"الطبري\" ٢/ ٦٤، \"المفردات\" ص ٤٧، \"اللسان\" ١/ ٢٠٨ (بثث).\n(٣) لم أجد هذا عن ابن عباس.\n(٤) ينظر: \"تفسير الطبري\" ٢/ ٦٤، واختار هذا الوجه، ونقل الرازي في \"تفسيره\" ٤/ ٢٠١ هذا عن الواحدي، \"البحر المحيط\" ١/ ٤٦٧، وذكر وجهًا آخر وهو أن يكون تصريف مصدرًا مضافًا للفاعل، أي: وتصريف الرياح السحاب، أو غيره مما له فيه تأثير بإذن الله.\n(٥) سقطت من (م).\n(٦) ونقله عنه ابن سيده في \"المخصص\" المجلد ٢/ السفر التاسع ص ٨٣، والرازي في \"تفسيره\" ٤/ ٢٠١، وينظر: \"لسان العرب\" ٣/ ١٧٦٣.","vol":"3","page":458},{"text":"وقال ابن الأنباري: إنما سميت الريح ريحًا؛ لأن الغالب عليها في هبوبها المجيء بالرَّوح والرَّاحة، وانقطاعُ هبوبها يُكسِبُ الكربَ والغَمّ، فهي مأخوذة من الروح. وأصلها: رِوْح، فصارت الواو ياء؛ لسكونها وانكسار ما قبلها، كما فعلوا في الميزان والميعاد والعيد، والدليل على أن أصلها الواو: قولهم في الجمع: أرواح (١).\nقال زهير:\nقِفْ بالديار التي لم يعفُها القدمُ ... بلى وغيَّرَها الأرواحُ والدِيَمُ (٢)\nويقال: رِحْتُ الريح أَراحُها، وأُرحتُها أرِيحُها: إذا وجدتها، ومنه الحديث: \"من استُرعي رعيةً فلم يَحُطهم بنصيحة، لم يُرِحْ رائحةَ الجنة، وإن ريحَها لتوجد من مسيرة مائة عام\" (٣).\nقال الكسائي: الصواب: لم يُرحْ، من: أرَحتُ أُريح، وقال الفراء: لم يَرَح، بفتح الراء. وقال غيرهما: الصواب: لم يرِحْ، من رحت أريح.\n_________\n(١) نقله عنه الرازي في \"تفسيره\" ٤/ ٢٠١.\n(٢) ينظر: \"ديوانه\" ص ١٤٥، \"لسان العرب\" ٨/ ٤٩٤٢.\n(٣) الحديث أصله في الصحيحين، رواه البخاري (٧١٥٠، ٧١٥١) كتاب الأحكام، باب: من استرعى رعية فلم ينصح، ومسلم (١٤٢) في الإيمان، باب: استحقاق الوالي الغاش لرعيته النار، وليس في ألفاظهما: \"لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها لتوجد من مسيرة مائة عام\"، ولفظ (لم يرح) في حديث عبد الله بن عمرو مرفوعًا: \"من قتل معاهدًا لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها توجد من مسيرة أربعين عامًا\" رواه البخاري (٣١٦٦) كتاب الجزية، باب: إثم من قتل معاهدًا بغير جرم، (٦٩١٤) كتاب: الديات، باب: إثم من قتل ذميًّا بغير جرم.","vol":"3","page":459},{"text":"قال أبو عبيد: الصواب: بفتح الراء (١)، وأنشد:\nوماءٍ وَرَدْتُ على زَوْرَةٍ ... كَمَشْيِ السَّبَنْتَى يَراحُ الشَّفِيفَا (٢)\nوقال أبو زيد: قال القيسيون: الرياح أربع: الشمال والجنوب\nوالصَّبَا والدَّبُور. فأما الشمال فمن عن يمين القبلة، والجنوب من عن جهة\nشمالها، والصَّبَا والدَّبور متتابعتان (٣)، فالصَّبا من قبل المشرق، والدَّبور\nمن قبل المغرب، وأنشد أبو زيد البيت لأبي صخر الهذلي:\nإذا قلتُ هذا حينَ أسلُو يهيجُني ... نسيمُ الصَّبا من حيث يَطَّلِعُ الفَجْر (٤) (٥)\nوربما تسمى الصبا: قبولًا؛ لأنها استقبلت الدبور.\nوقال الأصمعي: إذا انحرفت واحدة منهن عن هذه المهابّ فهي نكباء.\n_________\n(١) \"اللسان\" ٣/ ١٧٦٥: لم يُرح رائحة الجنة: من أرحتُ، ولم يَرَح رائحة الجنة: من رِحتُ أراحُ، ولم يرِح تجعله من راح الشيء أريحه إذا وجدت ريحه، وقال الكسائي: إنما هو لم يُرح رائحة الجنة، من أرحت الشيء فأنا أُريحه، إذا وجدت ريحه، والمعنى واحد، وقال الأصمعي: لا أدري هو من رِحت أو من أرحت؟.\n(٢) البيت لصخر الغَيِّ الهذلي في \"شرح أشعار الهذليين\" ص ٣٠٠، \"لسان العرب\" ٣/ ١٧٦٤، ٣/ ١٨٨٧. والزورة: البعد، وقيل: انحراف عن الطريق، والشفيف: لذع البرد، والسبنتى: النمِر.\n(٣) في كتاب \"الحجة\" ٢/ ٢٥٠: متقابلتان. وهو أصوب.\n(٤) البيت لأبي صخر الهذلي في \"شرح أشعار الهذليين\" ٢/ ٩٥٧، و\"شرح شواهد المغني\" ١/ ١٦٩، و\"لسان العرب\" ٥/ ٢٦٨٩ (طلع)، و\"مغني اللبيب\" ٢/ ٥١٨.\n(٥) من كتاب \"الحجة\" ٢/ ٢٥٠.","vol":"3","page":460},{"text":"قال: وأخبرنا ابن الأعرابي قال: مهبّ الجنوب من مطلع سُهيل إلى مطلع الثُّرَيّا، والصبا من مطلع الثريا إلى بناتِ نَعْشٍ، والشمال من بنات نعش إلى مسقط النسر الطائر، والدبور من مسقط النسر الطائر إلى مطلع سُهَيل.\nوقال غيره: الجنوب: التي تجيء من قبل اليمن، والشمال: التي تهبّ من قبل الشام، والدَّبور: التي تجيء من عن يمين القبلة شيئًا، والصّبا: بإزائها (١).\nوالشمال ريح باردة، تكرهها العرب؛ لبردها وذهابها بالغيم، وفيه (٢) الحَيَا والخِصْبُ (٣)، وإذا سمعت الريح تنسب إلى الشام فهي الشمال الباردة، كقول زياد بن منقذ:\nوالمطعِمون إذا هبّتْ شاميةً ... وباكر الحيَّ من صُرّادها صِرَمُ (٤) (٥)\nوقال النابغة:\nوهبّت الريحُ مِن تلقاءِ ذي أُرُلٍ ... تُزجى مع الليل من صُرّادها صِرَمًا (٦)\n_________\n(١) من كتاب \"الحجة\" ٢/ ٢٥٠، و٢٥١ بتصرف وتقديم وتأخير.\n(٢) في (ش): (وفيها).\n(٣) من كلام الأصمعي، نقله أبو علي في \"الحجة\" ٢/ ٢٥٥.\n(٤) في (أ): ضبطت صِرَم، وفي (ش): صَرَم.\n(٥) ينظر: \"معجم البلدان\" ١/ ٢٠٣ (أشي).\n(٦) البيت في \"ديوانه\" ص ٦٣، \"لسان العرب\" ١/ ٦٥، ٤/ ٢٤٣٩، \"مقاييس اللغة\" ٣/ ٣٤٥، \"أساس البلاغة\" (مادة: صرم).","vol":"3","page":461},{"text":"وذُو أُرُلٍ: جبل بأرض غطفان من ناحية الشام، ولكراهتهم الشمال يسمّون كل مكروه عندهم: مشْمولًا، قال زهير:\nجرت سُنُحًا (١) فقلت لها مَرُوعُا ... نَوًى مَشْمُولةٌ فمتى اللِّقاءُ (٢)\nمشمولة أي: مكروهة (٣).\nوقد صرّح طرفة بأن الشمال شامية، في قوله:\nفأنت (٤) على الأدنى شَمالٌ عَرِيّةٌ (٥) ... شآميّةٌ (٦) تَزوي (٧) الوجوهَ بَلِيلُ\nويحبون الجنوب لدفئها، ولأنها تجيء بالسحاب والمطر (٨)، أنشد الأصمعي لحُميد بن ثور:\nفلا يُبْعِدِ اللهُ الشبابَ وقولَنا ... إذا ما صَبَوْنا صبْوَةً سَنَتُوبُ\nلياليَ أَبْصَارُ الغواني وسمعُها ... إليَّ وإذ ربْحِي لهن جنوبُ (٩)\n_________\n(١) في (ش): (كأنها بسحًا).\n(٢) البيت في \"ديوانه\" ص ٥٩، و\"لسان العرب\" ٤/ ٢١١٣، ٤/ ٢٣٢٩، \"أساس البلاغة\" ١/ ٥٠٦ (مادة: شمل).\n(٣) ينظر: \"الحجة\" لأبي علي الفارسي ٢/ ٢٥٥.\n(٤) في (ش)، (م): (وأنت).\n(٥) في (ش): (عزية).\n(٦) سقطت من (م).\n(٧) في (ش): (تزري).\n(٨) من كلام الأصمعي تابع للنقل السابق عنه، نقله أبو علي في \"الحجة\" ٢/ ٢٥٥، وقطعه المؤلف وأدخل فيه غيره.\n(٩) البيتان لحميد بن ثور، وردا في \"الإصابة\" ١/ ٣٥٦، \"الاستيعاب\" ١/ ٤٣١، \"الأغاني\" ١٨/ ١٣٢، \"الزاهر\" ١/ ٣٦٧. ينظر: \"وضح البرهان\" ٢/ ٣٣٢.","vol":"3","page":462},{"text":"أي: محبوبة كما تحب الجنوب.\nوقال أبو عبيدة: الشمال عند العرب للرَّوْح، والجنوب للأمطار والأنداء، والدَّبور للبلاء، أهونه أن يكون غبارًا عاصفًا، يقْذي (١) العين، وهي أقلهن هُبوبًا، والصَّبا لإلقاح الشجر، وكل ريح انحرفت فوقعت بين ريحين من هذه الأربع فهي نكباء.\nوتقول العرب: إنَّ النُّكْب أربع: فنكباء الصبا والجنوب ميباس للبقل ونكباء الصبا (٢) والشمال مِعْجاجٌ مِصْراد، لا مطر فيها ولا خير، ونكباء الشمال والجنوب ريح قَرَّة، وربما كان فيها مطر وهو قليل، ونكباء الدبور والجنوب قد تكون في الشتاء والصيف (٣). وقول الخثعمي:\nمِن كلِّ فيّاضِ اليدين إذا غدَتْ ... نكباءُ تُلْوي بالكنيفِ (٤) المُوصَدِ (٥)\nهذه في الشتاء (٦) (٧).\nواختلف القراء في ﴿الرِّيَاحِ﴾ فقرأ بعضهم: بالجمع في مواضع، وبالتوحيد في مواضع (٨)، وهم مختلفون فيها. والأظهر في هذه الآية\n_________\n(١) في (م): (يؤذي).\n(٢) في (ش): (للصبا).\n(٣) في (أ): (كأنها المصيف).\n(٤) في (ش): (الكثيف).\n(٥) ورد البيت في \"ديوان الحماسة\" ١/ ٣٣٤.\n(٦) في (م): (الثنا).\n(٧) ينظر في تفصيلات الريح وأسمائها وأنواعها:\"المخصص\" لابن سيده ٢ سفر ٩٦٢ وما بعدها.\n(٨) فبهذه الآية قرأ حمزة والكسائي وخلف بإسكان الياء وحذف الألف بعدها، على الإفراد، وغيرهم بفتح الياء وألف بعدها على الجمع. ينظر: \"السبعة\" ص ١٧٣،=","vol":"3","page":463},{"text":"الجمع؛ لأن كل واحد من هذه الرياح مثل الأخرى في دلالتها على الوحدانية، وتسخيرها؛ لينتفع الناس بها بتصريفها، وإذا كان كذلك فالوجه أن تجمع؛ لمساواة كل واحدة منها الأخرى. وأما من وحّد فإنه يريد الجنس، كما قالوا (١): أهلك (٢) الناس الدينار والدرهم، وإذا أريد بالريح الجنس كانت قراءة من وحّد كقراءة من جمع.\nفأما ما روي في الحديث من أن النبي - ﷺ - كان إذا هبت ريح قال: \"اللهم اجعلها رياحًا ولا تجعلها ريحًا\" (٣).\nفمما (٤) يدل على أن مواضع الرحمة بالجمع أولى قوله (٥): ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ﴾ [الروم: ٤٦]، وإنما تبشر بالرحمة، ويشبه أن يكون النبي - ﷺ - قصد هذا الموضع من التنزيل. ومواضع الإفراد من\n_________\n= \"النشر\" ٢/ ٢٢٣، \"الحجة\" ٢/ ٢٤٨ - ٢٥١، وقد ذكروا المواضع التي اختلفت فيها القراء في القرآن كله.\n(١) في (م): (يقال).\n(٢) في (م): (هلك).\n(٣) أخرجه الشافعي في الأم ١/ ٢٥٣ باب القول في الإنصات عند رؤية السحاب، وفي \"المسند\" ١/ ١٧٥ برقم ٥٠٢، باب في الدعاء من طريق العلاء بن راشد عن عكرمة عن ابن عباس، ومن طريق الشافعي أخرجه البيهقي في \"معرفة السنن والآثار\" ٥/ ١٨٩، وأخرجه أبو الشيخ في \"العظمة\" ٤/ ١٣٥٢ من طريق العلاء بن راشد، وهو ضعيف، وأخرجه أبو يعلى في \"مسنده\" ٤/ ٣٤١، والطبراني في \"الكبير\" ١١/ ٢١٣ من طريق الحسين بن قيس، وهو متروك. قال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" ١٠/ ١٣٥: رواه الطبراني وفيه: حسين بن قيس، الملقب بحنش، وهو متروك، وقد وثقه حصين بن نمير، وبقية رجاله رجال الصحيح.\n(٤) في (م): (رايدًا).\n(٥) في كتاب \"الحجة\" ٢/ ٢٥٧: ومواضع العذاب بالإفراد، ويقوي ذلك قوله تعالى.","vol":"3","page":464},{"text":"العذاب (١) كقوله: ﴿وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ﴾ [الذاريات: ٤١].\nوقد يختص اللفظ في التنزيل بشيء فيكون أمارة له، فمن ذلك أن عامة ما جاء في التنزيل من قوله: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ﴾ مبهم غير مبيّن، كقوله: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ [الشورى: ١٧]، وما كان من لفظ (أدراك) مفسّر، كقوله: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ﴾ [القارعة: ٣]، ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ﴾ [القارعة: ١٠] (٢).\nفأما التفسير، فالتصريف في اللغة: التقليب، وهو تَفْعيل من الصَّرف، والصَّرف: القلب عن الشيء. والصَّرِيف: اللبنُ الذي سَكَنَت (٣) رَغْوتُه؛ لانصراف الرغوة عنه، وقيل: لا يُسمَى صريفًا حتى يُنصرف به عن الضرع (٤)، والصريف: الفحل نابيه؛ لأنه يقلب أحدهما بالآخر (٥).\nقال المفسرون: ومعنى ﴿وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ﴾: تَقْليبُها قَبُولًا ودَبُورًا وشمالًا وجنوبًا، كما بَيَّنَّا، وتصريفها مرةً بالرحمة، ومرةً بالعذاب، وتصريفها مرة حارةً، ومرةً باردةً، ومرة لينةً، ومرةً عاصفة (٦).\n_________\n(١) في (أ)، (م): (الإفراد والعذاب).\n(٢) من كتاب \"الحجة\" ٢/ ٢٥٦ - ٢٥٨ بتصرف.\n(٣) في (ش): (سكتت). ولعلها كذلك في (م).\n(٤) ينظر في معاني التصريف: \"المفردات\" ص ٢٨٣، \"اللسان\" ٤/ ٢٤٣٤ (صرف).\n(٥) العبارة غير واضحة، وقد يكون صوابها: صرف الفحل نابه، أي: حرقه فسمعت له صوتًا، ولنابه صريف أي: صوت. قال في \"اللسان\" ٤/ ٢٤٣٦: الصريف: صوت الأنياب، وصرف الإنسان والبعير نابه، وبنابه حرقة فسمعت له صريفًا، وناقة صروف بينة الصريف، وصريف الفحل: تهدُّره.\n(٦) ينظر: \"تفسير الطبري\" ٢/ ٦٤، \"تفسير ابن أبي حاتم\" ١/ ٢٧٥، \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٣١١، \"المحرر الوجيز\" ٢/ ٥١، \"البحر المحيط\" ١/ ٤٦٧.","vol":"3","page":465},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّر﴾ سمي السحاب لانسحابه في الهواء (١).\nومعنى التسخير: التذليل، ﴿وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّر﴾: المطيعة لله تعالى (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-384>١٦٥ </span>- قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا﴾ الآية، لما ذكر الله تعالى الدلالةَ على وحدانيته أَعْلَم أنّ قومًا بعد هذه الدلالة والبيان يتخذون الأنداد، مع علمهم أنهم لا يأتون بشيء مما ذكر (٣). ومضى الكلام في معنى: (الأنداد) (٤).\nقال أكثر المفسرين: يريد بالأنداد: الأضداد (٥) المعبودة من دون الله ﷿، فعلى هذا، الأصنام أنداد بعضها لبعض، أي: أمثال، ليست أنها أنداد لله تعالى (٦).\nوقال السُدِّي: يعنى: بالأنداد أكفاء من الرجال يطيعونهم في معصية الله (٧).\n_________\n(١) \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٣١٢، وينظر: \"المفردات\" ص ٢٣١، \"التفسير الكبير\" ٤/ ٢٠٢، \"اللسان\" ٤/ ١٩٤٨.\n(٢) ينظر: \"المفردات\" ٢٣٣، \"التفسير الكبير\" ٤/ ٢٠٢، \"اللسان\" ٤/ ١٩٦٣ (سخر).\n(٣) من \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٣٧، وينظر: \"التفسير الكبير\" ١/ ٢٠٤، \"البحر المحيط\" ١/ ٤٦٩.\n(٤) ينظر في معنى الند: \"تفسير الطبري\" ١/ ١٦٣، \"المفردات\" ص ٤٨٩.\n(٥) في (ش): (الأصنام). وهو كذلك عند الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ١٣١٤\n(٦) ينظر: \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٣١٤، \"زاد المسير\" ١/ ١٧٠، \"معاني القرآن\" ١/ ٩٩، \"البحر المحيط\" ١/ ٤٦٩، \"التفسير الكبير\" ٤/ ٢٠٤، ونسبه إلى أكثر المفسرين. وظاهر كلام المفسرين: أنهم اتخذوها أندادًا لله بحسب زعمهم.\n(٧) رواه عنه الطبري ٢/ ٦٧، ولفظه: الأنداد من الرجال، يطيعونهم كما يطيعون الله،=","vol":"3","page":466},{"text":"وعلى هذا: المطاعون في معصية الله أنداد (١) للمطيعين، أو هم أندادٌ، بعضُهم (٢) لبعض نِدٌّ، كما قلنا في الأصنام.\nوقوله تعالى: ﴿يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّه﴾ قال الليث: يقال: أَحْبَبَتُ الشيءَ فأنا مُحِبٌّ، وهو محبوبُ، قال: ومثله: أحزنته فهو محزون، وأجَنَّه الله فهو مجنون، وقد جاء مُحَبّ شاذًا في قول عنترة:\nبمنزلة المُحبِّ المكرم (٣)\nقال شمر: قال الفراء: وحَبَبْتُ لغةٌ، وأنشد:\nفو الله لولا تَمْرُهُ ما حَبَبَتْهُ ... ولا كان أدنى من عُبيدٍ ومُشرِقِ (٤) (٥)\nعن أبي زيد: بعير مُحِبّ، وقد أحَبّ أحبابًا، وهو أن يصيبه مرض أو كسر فلا يبرح مكانه حتى يبرأ أو يموت. قال: والإحباب: هو البروك، فمن\n_________\n= إذا أمروهم أطاعوهم وعصوا الله. وقد رواه الطبري عن ابن مسعود وناس من أصحاب النبي - ﷺ - باللفظ الذي ذكره المؤلف، وذكر ذلك عند قوله: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، ورواه الطبري ١/ ١٦٣. وينظر: \"البحر المحيط\" ١/ ٤٦٩، فقد بين: أن المراد بالناس: أهل الكتاب، ورجح كونهم أهل الكتاب بقوله: (يحبونهم). فأتى بضمير العقلاء، وباستبعاد محبة الأصنام. ولقوله: (إذ تبرأ)، والتبرؤ لا يناسب إلا العقلاء، وكذا قال الرازي في \"تفسيره\" ٤/ ٢٠٤.\n(١) في (ش): (أندادًا لمطيعين).\n(٢) في (ش): (وبعضهم).\n(٣) والبيت بتمامه:\nولقَدْ نَزَلْتِ فلا تَظُنِّى غيرَه ... مني بمنزلة المُحَبِّ المكرم\nالبيت في \"ديوانه\" ص ١٩١.\n(٤) في (م): (ومشرقي).\n(٥) البيت لغيلان بن شجاع النهشلي، في \"لسان العرب\" ٢/ ٧٤٣ (حبب). وروايته: فأُقسِمُ، وبلا نسبة في \"الأشباه والنظائر\" ٢/ ٤١٠، \"مغني اللبيب\" ١/ ٣٦١.","vol":"3","page":467},{"text":"الناس من يجعل المحبة مأخوذة من هذا؛ للزوم المحب محبوبه (١).\nوفي قوله: ﴿كَحُبِّ اَللَّهِ﴾ طريقان لأهل المعاني: أحدهما: أن المعنى فيه كحب المؤمنين الله، أي: يحبون الأصنام كما يحب المؤمنون ربهم، فأضيف المصدر إلى المحبوب، كقول القائل: أكلتُ طعامي كأكل طعامك، وبعت جاريتي كبيع جاريتك، وهو يريد: كبيعك جاريتك وأكلك طعامك، فيحذف الفاعل، ولضيف المصدرَ إلى المفعول (٢)، كقول الشاعر:\nولستُ مسلِّما ما دمتُ حيًّا ... على زيدكتسليم الأميرِ (٣)\nأراد: كتسليمي على الأمير، هذا قول الفراء (٤)، ويوافقه تفسير ابن عباس (٥)، فإنه قال: يريد: كحب الذين آمنوا الله (٦)، فكثير (٧) من العلماء\n_________\n(١) ينظر: \"المفردات\" ص١١٢، \"البحر المحيط\" ١/ ٤٧٠، \"اللسان\" ٢/ ٧٤٥ - ٧٤٦ (حبب).\n(٢) ينظر: \"المحرر الوجيز\" ٢/ ٥٤ - ٥٥، \"البحر المحيط\" ١/ ٤٧٠.\n(٣) البيت لعلي بن خالد البردخت، كما في \"رسائل الجاحظ\" ٢/ ٢٦١، ينظر: \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ١٠٠، \"البيان والتبيين\" ٤/ ٥١، \"تفسير الطبري\" ٢/ ٦٧ \"تفسيرالثعلبي\" ١/ ١٣١٤.\n(٤) \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٩٧.\n(٥) نسبه إليه ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ١/ ١٧٠، وابن عطية في \"المحرر الوجيز\" ٢/ ٥٤.\n(٦) ينظر: \"تفسير الطبري\" ٢/ ٦٧، واختار هذا القول، ورواه عن قتادة ومجاهد والربيع وابن أبي زيد، وكذا رواها ابن أبي حاتم ١/ ٢٧٦، ونسبه في \"زاد المسير\" ١/ ١٧٠ أيضًا إلى عكرمة وأبي العالية ومقاتل. وينظر: \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٣١٤، وعزاه لأكثر العلماء، \"تفسير السمعاني\" ٢/ ١٢٠، \"الكشاف\" ١/ ٢٠٩.\n(٧) في (ش): (وكثير).","vol":"3","page":468},{"text":"على هذه الطريقة فلم يثبتوا للكفار حبًا لله، وجعلوا حب الله للمؤمنين (١)، وشبهوا حُب الكفار للأصنام بحب المؤمنين لله (٢).\nالطريق الثاني: أن المعنى فيه: يحبونهم كحب الله، أي: يسوّون بين هذه الأصنام وبين الله ﷿ في الحب، فيكون تقدير الآية: يحبونهم كحبهم الله، فيضاف الحب إلى الله ﷿، والمشركون هم المُحِبُّون (٣)، وعلى المشركين في تسويتهم بين الله ﷿ والأصنام في المحبة أعظم الحجج وأوكدها، إذ أحبوا وعبدوا ما لا ينفع ولا يضر، ولا يحيي ولا يميت. وقد بيّن الله -عز اسمه- ما يدل على هذا المعنى في قوله: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣]. وهذا القول اختيار الزجاج (٤) وابن كيسان (٥)، وعلى هذا فقد أثبت للمشركين حبًّا لله، شبه حبّهم الأصنام بحبهم الله تعالى.\nوقال أبو رَوق: معنى قوله: ﴿كَحُبِّ اللَّهِ﴾، أي: يحبون الأصنام حُبًّا لا يستحقّ مثلَ ذلك الحبِّ إلا اللهُ، ويحبونهم كما ينبغي لهم أن يحبوا الله، فالمعنى فيه: كالحب المستحق لله.\nثم قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ قال ابن عباس: أي:\n_________\n(١) في (أ)، (م): (المؤمنين).\n(٢) في (م): (الله).\n(٣) في (م): (المحبين).\n(٤) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٣٧، وقال عن القول الأول: (ليس بشيء، ودليل نقضه قوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾. والمعنى: أن المخلصين الذين لا يشركون مع الله غيره هم المحبون حقًّا). وهو اختيار الرازي في \"تفسيره\" ٤/ ٢٠٤.\n(٥) \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٣١٤.","vol":"3","page":469},{"text":"أثبت وأدوم (١)، وذلك أن المشركين كانوا يعبدون صنمًا فإذا رأوا شيئًا أحسن منه (٢) تركوا ذلك، وأقبلوا على عبادة الأحسن (٣). وقال قتادة: إن الكافر يعرض عن معبوده في وقت البلاء، ويقبل على الله ﷿، ألا ترى إلى قوله: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ﴾ الآية [العنكبوت: ٦٥]، والمؤمن لا يُعرض عن الله في السرّاء والضرّاء والشدة والرخاء، ولا يختار عليه سواه (٤).\nوقيل: لأن المؤمنين يوحدون ربهم، والكفار يعبدون مع الصنم أصنامًا، فتنقص محبة الواحد، بضم محبة مجمع إليه، والذي لا يعبد إلا واحدًا محبته له أتم. وهذه الأقوال على طريقة من لم يثبت للمشركين محبة لله. فأما من أثبت لهم محبة لله فالمؤمنون أشد حبًّا منهم؛ لأن الكفار يقولون: إن الله خالقنا ورازقنا، ثم يجعلون معه شركاء، فتضعف محبتهم، وتنقص بذلك، وتتم محبة المؤمنين ربّهم بإفرادهم إياه في العبادة (٥).\nوهذا معنى قول الحسن: إن الكافرين عبدوا الله بالواسطة، وذلك قولهم للأصنام: ﴿هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨] وقولهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ﴾ [الزمر: ٣] والمؤمنون يعبدونه بلا واسطة، لذلك قال: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾، (٦) ومعنى حب المؤمنين الله:\n_________\n(١) في (م): (ودا).\n(٢) في (م): (أخير).\n(٣) ذكره الثعلبىِ في \"تفسيره\" ١/ ١٣١٥، والسمعاني في \"تفسيره\" ٢/ ١٢١، والبغوي ١/ ١٧٨ ولم ينسبه لابن عباس.\n(٤) \"تفسير الثعلبي\" ٥/ ١٣١١، وذكره البغوي في \"تفسيره\" ١/ ١٧٨ - ١٧٩، والواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٢٣٦.\n(٥) ينظر: \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٣١٥ - ١٣١٦.\n(٦) في \"تفسير الحسن البصري\" ١/ ٩٤، وذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ١٣١٥.","vol":"3","page":470},{"text":"حب طاعته والانقياد لأمره، ليس معنى يتعلق بذات القديم سبحانه (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ جواب (لو) محذوف. وقد كَثُر في التنزيل حذفُ جواب (لو) كقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا﴾ [الرعد: ٣١] ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ﴾ [الأنعام: ٢٧] ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ﴾ [الأنعام: ٩٣].\nقال أصحاب المعاني: وحذف جواب (لو) في مثل هذا الآي يكون أفحم وأبلغ؛ لذهاب المخاطب المتوعَّد إلى كلّ ضرب من الوعيد، ولو\n_________\n(١) هذا من المؤلف تأويل يخالف ظواهر النصوص، جرى فيه على مذهب الأشاعرة الذين يجيزون إطلاق هذه اللفظة لكنهم يحيلون وقوعه، كما ذكر الرازي في \"تفسيره\" ٤/ ٢٠٥، فالمؤمنون يحبون الله لذاته، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾، وقال: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَه﴾ [المائدة: ٥٤].\nقال ابن القيم في \"إغاثة اللهفان\" ١/ ١٦٥: وليس شيء يحب لذاته من كل وجه إلا الله ﷿ وحده، الذي لا تصلح الألوهية إلا له. وأما تقسيم المحبة والإرادة إلى نافعة وضارة، فهو باعتبار متعلقها ومحبوبها ومرادها، فإن كان المحبوب المراد هو الذي لا ينبغي أن يحب لذاته ويراد لذاته إلا هو، وهو المحبوب الأعلى الذي لا صلاح للعبد ولا فلاح ولا نعيم ولا سرور إلا بأن يكون هو وحده محبوبه ومراده وغاية مطلوبه، كانت محبته نافعة له. أما الأشاعرة فينفون المحبة بين الله وعبده؛ لأن العقل لا يدل عليها، وكل ما لا يدل العقل عليه فإن الله يجب أن ينزه عنه، وقالوا: إن المحبة لا تكون إلا بين متجانسين، فلا تكون بين رب ومخلوق، وهذه دعوى باطلة يكفي فيها المنع؛ لأن الأصل عدم ثبوت الدعوى، والواقع يدل على ثبوت المحبة بين غير المتجانسين، كما يحب آلاته وبعض بهائمه. علمًا بأن العقل قد دل على ذلك؛ فإثابة الطائعين ونصرهم وتأييدهم وإجابة دعائهم دليل على المحبة. وينظر: \"شرح العقيدة الواسطية\" للشيخ محمد العثيمين ص ١٩٦، \"مختصر منهاج القاصدين\" ٣٤٣ - ٣٥٦.","vol":"3","page":471},{"text":"ذكر له ضرب من الوعيد لم يكن مثل أن يبهم (١) عليه؛ لأنه يوطّن نفسه على ذلك المذكور، ومن وطّن نفسه على شيء لم يصعب عليه صعوبتَه على من لم يوطنْ عليه نفسَه. وذكرنا شواهد هذه المسألة في سورة الأنعام، عند قوله: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا﴾ [الأنعام: ٢٧]، (٢).\nوكثر اختلافُ القُرّاء (٣) في هذه الآية، فقرأ حمزة والكسائي وعاصم وأبو عمرو وابن كثير: (ولو يَرَى) بالياء، ﴿أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ﴾، ﴿وَأَنَّ اللَّهَ﴾ بالفتح فيهما (٤).\nوالمراد بالرؤية هاهنا: رؤية العين المتعدية إلى مفعول واحد، والفعل في هذه القراءة (٥) مسند إلى الذين ظلموا، و(الذين ظلموا): هم الذين\n_________\n(١) في (ش): (يتهم)، وفي (أ)، (م): غير منقطة ولا واضحة.\n(٢) ينظر: \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٩٧، \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٣٩، و\"تفسير الطبري\" ٢/ ٦٧، \"التبيان\" للعكبري ص ١٠٥، \"البحر المحيط\" ١/ ٤٧١، \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٣١٨.\n(٣) ينظر في توجيه القراءات في الآية: \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٩٧، \"تفسير الطبري\" ٢/ ٦٧ - ٦٩، \"التبيان\" ص ١٠٥ - ١٠٦، \"البحر المحيط\" ١/ ٤٧١، \"الحجة\" ٢/ ٢٥٨.\n(٤) ينظر: \"السبعة\" ص ١٧٣ - ١٧٤، \"النشر\" ٢/ ٢٢٤، \"الحجة\" ٢/ ٢٥٨، قال في \"النشر\": واختلفوا في ﴿وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ﴾ فقرأ نافع وابن عامر ويعقوب بالخطاب، واختلف عن ابن وردان عن أبي جعفر، فروى ابن شبيب عن الفضل من طريق النهرواني عنه بالخطاب، وقرأ الباقون بالغيب. واختلفوا في ﴿يَرَوْنَ الْعَذَابَ﴾ فقرأ ابن عامر بضم الياء، وقرأ الباقون بفتحها. واختلفوا في ﴿أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ﴾ فقرأ أبو جعفر ويعقوب بكسر الهمزة فيهما. وقرأ الباقون بفتح الهمزة فيهما.\n(٥) في (ش): (الآية).","vol":"3","page":472},{"text":"كفروا، ألا ترى إلى قوله: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٤]، وإنما كان ينبغي أن يسند إليهم الفعل؛ لأن النبي - ﷺ - والمسلمين قد علموا قدرَ ما يشاهدُ الكفارُ ويعاينونه من العذاب يوم القيامة، والمتوعدون في هذه الآية لم يعلموا ذلك، فوجب أن يسند الفعل إليهم (١)، وفتحوا ﴿أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ﴾، لأنهم أعملوا فيه الرؤية، تقديره: ولو يرون أن القوة. ومعناه: ولو يرى الذين ظلموا شدة عذاب الله وقوته لعلموا مضرّة اتخاذ الأنداد. وقولنا: لعلموا، هو الجواب المحذوف، وإنما قدرنا هذا الجواب مع احتمال غيره؛ لأنه قد جرى ذكر اتخاذ الأنداد في أول الآية (٢).\nوقال أبو عبيد والزجاج (٣): يجوز أن يكون العامل في (أن) جواب (لو) المقدر؛ لأنه قد جاء في تفسير هذه الآية: لو رأى الذين كانوا يشركون في الدنيا عذاب الآخرة، لعلموا حين يرونه أن القوة لله جميعًا، ففتحوا (أن) بالجواب المقدر وهو: لعلموا (٤).\nوضعّف أحمد بن يحيى هذا القول، وقال: (٥) العَلَم لو حذف لم يترك صلته، وقال من احتج لهذا القول: حذف الموصول وإبقاء أصله لا ينكر، كقوله تعالى: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: ٩٤]، في قراءة من نصب، والمراد: ما بينكم، فحذفت (ما) وتُركت صلتها.\nوقرأ أبو جعفر: (ولو يرى) بالياء (٦)، وكسر (إن القوة) و(إن الله)\n_________\n(١) \"الحجة\" ٢/ ٢٦١.\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٣٨.\n(٣) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٣٨.\n(٤) في (ش): (وعلموا).\n(٥) في (م): (قال).\n(٦) في (ش): (بالتاء).","vol":"3","page":473},{"text":"وإنما كَسَر؛ لأن ما قبل (إن) كلام تام، مع ما أضمر فيه من الجواب المقدرة لأن تقديره: ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب لآمنوا، أو لرأوا أمرًا عظيما، فلما تم الكلام بقي قوله: ﴿أَنَّ اَلقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ مستأنف، وإذا استأنف وجب كسره.\nقال الفراء: وتكون الرؤية على هذه القراءة واقعة على (إذ) في المعنى، وفتح (أنّ) مع الياء أحسن من كسرهما (١).\nوقرأ يعقوب وسَهْل: (ولو ترى) بالتاء، (إن القوة)، و(إن الله): بالكسر فيهما. والخطاب في هذه القراءة (٢) للنبي - ﷺ -، ولم يقصده (٣) بالمخاطبة؛ لأنه لم يعلم ما يراه الكفار من العذاب في الآخرة، ولكن في قصده المخاطبة (٤) تنبيه لغيره، ألا ترى أنه قد يُخَاطَبُ فيكون خطابه خطابًا للكافّة، كقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى﴾ [الأنفال: ٧٠] و﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [الطلاق: ١] (٥).\nقال أبو إسحاق: وهذا (٦) كما قال ﷿: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٦) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [البقرة:١٠٦ - ١٠٧] وهو بمنزلة: ألم تعلموا. كذلك، (ولو ترى) بمنزلة: ولو ترون، ويكون (إن القوة) مستأنفة كما وصفنا. ويكون الجواب -والله أعلم- لرأيت أمرًا\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٩٧.\n(٢) في (ش): (الآية).\n(٣) في (أ)، (م): (يقصد).\n(٤) سقطت من (أ)، (م).\n(٥) \"الحجة\" ٢/ ٢٦٢.\n(٦) في (ش): (فهذا).","vol":"3","page":474},{"text":"عظيمًا، كما تقول: لو رأيت فلانًا والسياط تأخذه، فتستغني (١) عن\nالجواب؛ لأن المعنى معلوم (٢).\nقال ابن الأنباري: ويجوز في هذه القراءة أن تضمر القول وتعلق (إن) به، ويكون التقدير: ولو ترى الذين ظلموا إذ يرون العذاب لقلت: إن القوة لله جميعا، فانكسرت (إن) مع القول كما انفتحت مع العلم.\nوقرأ نافع وابن عامر: (ترى) بالتاء (٣)، وفتح: ﴿أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ﴾، و﴿وَأَنَّ اللَّه﴾، وعلى (٤) هذه القراءة لا يجوز أن يكون العامل في: ﴿أَنَّ الْقُوَّةَ﴾ قوله: (ترى)؛ لأن الرؤية هاهنا: المراد به رؤية البصر، فلم يجز أن تتعدّى إلى (أن)؛ لأنها قد استوفت مفعولها الذي تقتضيه، وهو: (الذين ظلموا)، فإذا لم يجز أن تنتصب (أن) بـ (ترى)، ثبت أنه منتصب (٥) بفعل آخر غير (ترى) الظاهرة، وذلك الفعل هو الذي يقدر جوابا لـ (لو)، كأنه: ولو ترى الذين ظلموا إذ يرون العذاب رأوا أن القوة لله، والمعنى: أنهم شاهدوا من قدرته سبحانه ما تيقنوا معه أنه قوي عزيز، وأن الأمر ليس على ما كانوا عليه من جحودهم لذلك، أو شكّهم فيه (٦).\nوالاختيار عند الفراء وغيره: كسر (إن) مع المخاطبة؛ لأن الرؤية واقعة على الذين ظلموا، فكان وجه الكلام أن يستأنف (إن).\n_________\n(١) في (م): (تستغني).\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٣٨ - ٢٣٩، وينظر: \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٣١٨.\n(٣) في (م): (بفتح التاء وفتح).\n(٤) في (أ)، (م): (على).\n(٥) في (م): (انتصب).\n(٦) من كلام أبي علي في \"الحجة\" ٢/ ٢٦٣.","vol":"3","page":475},{"text":"قال الفراء: ولو فتحها على تكرير الرؤية كان صوابًا، كأنه قال: ولو ترى الذين ظلموا إذ (١) يرون العذاب يرون (٢) ﴿أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ (٣). ومن قرأ بالياء ففتحُ ﴿أَنَّ﴾ في قراءته أبين؛ لأنه ينصب ﴿أَنَّ﴾ بالفعل الظاهر دون المضمر.\nهذه وجوه اختلاف القراءة في هذه الآية (٤). فإن قيل: كيف جاءت (إذ) في قوله: ﴿إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ﴾ مع قوله: ﴿وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ وهذا أمر مستقبل وإذ لما مضى؟، قيل: إنما جاء على لفظ المضي لإرادة التقريب في ذلك، كما جاء ﴿وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ﴾ [النحل: ٧٧]، ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ [الشورى:١٧]، فلما أريد فيها من التحقيق والتقريب؛ جاء على لفظ المضي، وعلى هذا جاء في ما هو من (٥) أمر الآخرة أمثلة الماضي، كقوله: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف: ٤٤]. ومما جاء على لفظ المضي للتقريب من الحال: قول المقيم: قد قامت الصلاة، يقول ذلك قبل إيقاعه التحريم بالصلاة؛ لقرب ذلك من قوله، وعلى هذا قول رؤبة:\nأَوْدَيْتُ إن لم تَحْبُ (٦) حَبْوَ المُعْتَنِكْ (٧) (٨)\n_________\n(١) من قوله: (فكان وجه الكلام). ساقطة من (ش).\n(٢) ليست في (أ)، (م).\n(٣) من \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٩٧ - ٩٨.\n(٤) من كلام أبي علي في \"الحجة\" ٢/ ٢٦٣ بتصرف.\n(٥) ساقطة من (أ)، (م).\n(٦) في (ش): (يجب).\n(٧) في (ش): (المعتبك).\n(٨) لرؤبة من قصيدة يمدح فيها الحكم بن عبد الملك في \"ديوانه\" ص ١١٨،=","vol":"3","page":476},{"text":"فإنما أراد تقريب مشاركته وإشفاءه عليه، فأتى بمثال الماضي، وجعله سادًّا مسدّ جواب أن، من حيث كان معناه الاستقبال في الحقيقة (١)، وأن الهلاك لم يقع بعد، ولولا ذلك لم يجز، ألا ترى أنه لا يكون: قمتُ إن قمتَ؟ إنما تقول: أقومُ إن قمتَ، وقد جاء كثير مما في التنزيل من هذا الضرب كقوله: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا﴾ [الأنعام: ٢٧]، ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُون﴾ [الأنعام: ٩٣]، ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا﴾ [سبأ: ٥١]، ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى﴾ [الأنفال: ٥٠]، فكما جاءت هذه الآية التي يراد بها الاستقبال بإذ، كذلك جاء: ﴿وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْن﴾ (٢).\nوقرأ ابن عامر: (يُرون) بضم الياء، وحجته قوله (٣): ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ﴾ (٤).\nوقوله تعالى: ﴿أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ منصوب على الحال، المعنى: إن القوة ثابتة لله ﷿ في حال اجتماعها (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-385>١٦٦ </span>- قوله تعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ﴾. العامل في ﴿إِذْ﴾ معنى ﴿شَدِيدُ﴾\n_________\n= \"الخصائص\" ٢/ ٢٨٩، \"الحجة للقراء السبعة\" ٢/ ٢٦٠ والمعتنك: البعير يصعد في العانك من الرحل، وهو المتعقد منه.\n(١) في (ش): (بالحقيقة).\n(٢) من كلام أبي علي في \"الحجة\" ٢/ ٢٦٠ - ٢٦١.\n(٣) ساقط من (ش) وكلمة قوله ليست في (م).\n(٤) \"الحجة\" ٢/ ٢٦٤.\n(٥) من \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٣٩، وينظر: \"التبيان\" للعكبري ص ١٠٧، وهذا إعراب لكلمة: (جميعًا).","vol":"3","page":477},{"text":"من قوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ (١٦٥) إِذْ تَبَرَّأ﴾ كأنه قيل: وقت تبرأ (١).\nوقوله: ﴿الَّذِينَ اتُّبِعُوا﴾ يعنى: المتبوعين في الشرك والشرّ، ﴿مِنَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا﴾ يعنى: السفلة والأتباع (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ﴾ الباء هاهنا: بمعنى: عن (٣)، كقوله: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٩]، أي: عنه، قال علقمة بن عبدة:\nفإن تسألوني بالنساء فإنني ... بصيرٌ بأدواء النساء طبيب (٤)\nأي: عن النساء.\nوقال آخر:\nتسائل بي هوازنُ أين مالي ... وهل لي غيرَ ما أتلفتُ مالُ (٥)\nأي: عني.\nوقوله تعالى: ﴿الْأَسْبَابُ﴾ أصل السبب في اللغة: الحبل، قال شمر: قال أبو عبيدة: السببُ: كلُّ حَبْل حَدَرْتَه (٦) من فوق.\n_________\n(١) ينظر: \"التبيان\" ص ١٠٧، وإعرابها إعراب آخرين، فالأول: بدل من إذ الأولى. والثاني: مفعول (اذكر).\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٣٩، وتنظر الآثار في ذلك عند الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٧٠، وابن أبي حاتم ١/ ٢٧٧ عن قتادة وأبي العالية والربيع وعطاء، وينظر: \"زاد المسير\" ١/ ١٧١، \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٣٢٠ وعزاه لأكثر أهل التفسير.\n(٣) \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٣٢٠، \"التبيان\" ١/ ١٠٧، وذكر أنها أيضًا للسببية، والتقدير: وتقطعت بسبب كفرهم، وقيل: إنها للحال، أي تقطعت موصولة بهم الأسباب، وقيل: الباء للتعدية، والتقدير: قطعتهم الأسباب، كما تقول: تفرقت بهم الطرق، أي فرقتهم، وينظر: \"البحر المحيط\" ١/ ٤٧٣، \"التفسير الكبير\" ٤/ ٢١١.\n(٤) البيت لعلقمة الفحل في \"ديوانه\" ص ٣٥.\n(٥) البيت ليزيد بن الجهم، في \"ديوان الحماسة\" ٢/ ٣٥٦.\n(٦) في (ش): (جدوته).","vol":"3","page":478},{"text":"وقال خالدُ بنُ جَنَبَة: السبب من الحبال: القوي الطويل، قال: ولا يدعى الحبل سببًا حتى يُصْعَدَ به وُينْزَل، ومن هذا قوله تعالى: ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ﴾ [الحج: ١٥]، فالسبب: الحبل في هذا الموضع، ثم قيل (١) لكل شيء وصلت به إلى موضع أو حاجة تريدها: سبب، يقال: ما بيني وبينك سبب، أي: آصرة رحم، أو عاطفة مودة. وقيل للطريق: سبب؛ لأنك بسلوكه تصل إلى الموضع الذي تريده، قال الله تعالى: ﴿فَأَتْبَعَ سَبَبًا﴾ [الكهف: ٨٥]، أي: طريقًا، و(أسبابُ السماء): أبوابُها؛ لأن الوصول إلى السماء يكون بدخولها، قال الله تعالى خبرًا عن فرعون: ﴿لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ﴾ [غافر:٣٦ - ٣٧]، قال زهير:\nومن هاب (٢) أسبابَ المنايا ينلنه ... ولو رام أسبابَ السماء بسُلَّمِ (٣).\nوالمودة بين القوم تسمى: سببًا؛ لأنهم بها يتواصلون، ومنه قول لبيد:\nبل ما تَذكَّرُ من نوارَ وقد نأتْ ... وتقطّعت أسبابُها ورِمامُها (٤) (٥).\nوالتي في هذه الآية يعني بها: وُصَلَهم التي كانت تجمعهم، قال ابن\n_________\n(١) في (م): (يقال).\n(٢) سقط من (ش).\n(٣) البيت في \"ديوانه\" ص٣٠، \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٣٢٢، \"السمعاني\" ٢/ ١٢٣، \"الرازي\" ٤/ ٢٣٤، \"القرطبي\"، \"لسان العرب\" ٤/ ١٩١٠ (سب).\n(٤) البيت في \"ديوانه\" ص ٣٠١، \"لسان العرب\" ٤/ ١٩١٠ (سب).\n(٥) ينظر في معاني السبب: \"تفسير الطبري\" ٢/ ٧١ - ٧٣، \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٣٢٢، \"المفردات\" ص ٢٢٦، \"تاج العروس\" ٢/ ٦٦ وما بعدها.","vol":"3","page":479},{"text":"عباس (١) ومجاهد (٢) وقتادة (٣): يعني: أسباب المودة والوصلات التي كانت بينهم في الدنيا، تقطعت وصارت مخالّتهم عداوة.\nوقيل: أراد بالأسباب: الأرحام التي كانوا يتعاطفون بها (٤).\nوقال ابن زيد: يعني: الأعمال التي كانوا يؤملون أن يصلوا (٥) بها إلى ثواب الله (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-386>١٦٧ </span>- وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ وهم الأتباع. ﴿لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً﴾ موضع أن رَفْع؛ لأن لو تطلب الفعل (٧)، المعنى: لو وقع كرور، أي: رجعة إلى الدنيا (٨).\n﴿فَنَتَبَرَّأَ﴾ جواب التمني بالفاء، كقوله: ﴿فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٠٢]، قال الكسائي: إنما نصب جواب التمني بالفاء (٩)؛ لأن تأويله: لو أنّ لنا أن نَكُرَّ فَنَتَبَرَّأَ (١٠).\n_________\n(١) رواه عنه الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٧١، وابن أبي حاتم ١/ ٢٧٨.\n(٢) رواه عنه الطبري ٢٧١، وابن أبي حاتم ١/ ٢٧٨.\n(٣) رواه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ١٥/ ٦٥، والطبري ٢/ ٧١، وابن أبي حاتم ١/ ٢٧٨.\n(٤) رواه الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٧١ بسنده عن ابن عباس، وابن أبي حاتم عن الضحاك ١/ ٢٧٨، وذكره الثعلبي ١/ ١٣٢٠ عن ابن جريج والكلبي.\n(٥) في (م): (يوصلوا).\n(٦) رواه عنه الطبري ٢/ ٧٢، ورواه ابن أبي حاتم عن السدي عن أبي صالح ١/ ٢٧٩.\n(٧) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٤٠.\n(٨) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٤٠، وينظر: \"تفسير الطبري\" ٢/ ٧٣، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" ١/ ٢٧٩.\n(٩) ساقطة من (أ)، (م).\n(١٠) ينظر: \"تفسير الطبري\" ٢/ ٧٣، \"التبيان\" ١/ ١٠٦، وذكر وجهًا آخر وهو أن (فنتبرأ) منصوب بإضمار أن، تقديره: لو أن لنا أن نرجع فأن نتبرأ، وجواب لو على هذا محذوف، تقديره. لتبرأنا أو نحو ذلك.","vol":"3","page":480},{"text":"وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ﴾ أي: كتبرؤ (١) بعضهم من بعض (٢). ﴿يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ﴾ قال الربيع بن أنس: يريهم أعمالهم القبيحة التي سلفت منهم في الدنيا حسراتٍ عليهم في الآخرة (٣)؛ لأنهم إذا رأوا حُسْنَ مجازاة الله المؤمنين بأعمالهم الحسنة تحسروا على أن لم تكن أعمالُهم حسنةً، فيستحقّوا بها من ثواب الله مثلَ الذي استحقه المؤمنون.\nوقال ابن كيسان: يعني بأعمالهم: عبادَتَهم الأوثان رجاء أن تقربهم إلى الله، فلما عُذِّبوا على ما كانوا يرجون ثوابه تحسّروا وندموا (٤).\nقال أبو إسحاق: والحَسْرَةُ: شِدَّةُ الندم، حتى يبقى النادم كالحسير من الدوابّ الذي لا منفعة فيه، ويقال: حَسِرَ فلان يَحْسَر حَسْرَةً وحَسَرًا: إذا اشتدَّ نَدَمُه على أمر فاته، قال المَرَّار:\nما أنا اليومَ على شيء خلا ... يا ابنةَ القَيْنِ تَوَلَّى بِحَسِرْ (٥).\nأي: بنادم.\nوأصل الحَسْر: الكشف، يقال: حَسَر عن ذراعه، والحَسْرَة: انكشاف عن حال الندامة (٦)، والحُسُور: الإعياء؛ لأنه انكشاف الحال\n_________\n(١) في (ش): (كثير).\n(٢) من \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٤٠، وينظر: \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٣٢٢ وذكر وجها آخر، أي: كما أراهم العذاب كذلك يريهم الله!\n(٣) رواه عنه الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٧٥، وذكره الثعلبي ١/ ١٣٢٣، والقرطبي ٢/ ١٩٠.\n(٤) ذكره الثعلبي ١/ ١٣٢٣، والواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٢٥٢، \"البغوي\" ١/ ١٨٠.\n(٥) البيت للمرار في \"لسان العرب\" ٢/ ٨٦٩.\n(٦) سقطت من (م).","vol":"3","page":481},{"text":"عما أوجبه طول السفر، والمِحْسرة: المِكْنَسَة (١)؛ لأنها تكشف عن الأرض، والطيرُ تنحسر؛ لأنها تنكشف بذهاب الريش (٢).\nقال ابن عباس: نزلت هذه الآية في المشركين الذين أخرجوا النبي - ﷺ - من مكة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-387>١٦٨ </span>- قوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ قال ابن عباس، في رواية أبي صالح: نزلت في الذين حَرَّموا على أنفسهم السوائب والوصائل والبحائر (٣)، وقال في رواية عطاء: يعني: المؤمنين خاصةً (٤).\nوقوله تعالى: ﴿حَلَالًا﴾ إن شئت نصبته على الحال: ﴿مِمَّا فِي الْأَرْضِ﴾، وإن شئت نصبته على أنه مفعول: ﴿مِمَّا فِي الْأَرْضِ﴾.\n_________\n(١) في (ش): كتب (الميليس).\n(٢) ينظر في معاني حسر: \"تفسير الطبري\" ٢/ ٧٣ - ٧٤، \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٣٢٣، \"المفردات\" ص١٢٥، \"تاج العروس\" ٦/ ٢٧٣.\n(٣) روى البخاري (٤٦٢٣) كتاب: التفسير، باب: ما جعل الله من بحيرة ولا سائبةٍ، عن سعيد بن المسيب قال: البحيرة: التي يمنع درها للطواغيت فلا يحلبها أحد من الناس، والسائبة: التي كانوا يسيبونها لآلهتهم فلا يحمل عليها شيء، والوصيلة: الناقة البكر في أول نتاج الإبل بانثى، ثم تثني بعد بانثى، وكانوا يسيبونها لطواغيتهم إن وصلت إحداهما بأخرى ليس بينهما ذكر.\n(٤) ينظر: \"العجاب\" ١/ ٤١٧، وفي \"البحر المحيط\" ١/ ٤٧٨: قال الحسن: نزلت في كل من حرم على نفسه شيئًا لم يحرمه الله عليه، وروى الكلبي ومقاتل وغيرهما: أنها نزلت في ثقيف وخزاعة وبني الحارث بن كعب، قاله النقاش. وقيل: في ثقيف وخزاعة وعامر بن صعصعة، قيل: وبني مدلج فإن صح هذا كان السبب خاصًّا واللفظ عامًّا، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. انتهى. وينظر: \"زاد المسير\" ١/ ١٧٢.","vol":"3","page":482},{"text":"قال الفراء: يقال: قد حَلَّ الشيء فهو يَحِلُّ حَلالًا وحلًا، وحَلَّ من إحرامه يَحِلُّ حلالًا، وأصله: من الحَلِّ الذي هو نقيض العَقْد، ومعنى الحلال: المباح الذي انحلت عُقْدة الحظر عنه. ومنه: حلَّ بالمكان، إذا نزل به؛ لأنه حلّ شدّ الارتحال للنزول. وحَلّ الدَّين: إذا وجب؛ لانحلال العُقْدة بانقضاءِ المدة، وحَلَّ من إحرامه؛ لأنه حل عقدة الإحرام. وحلت عليه العقوبة، أي: وجبت، لانحلال العقدة المانعة من العذاب، والحُلّة: الإزار والرداء؛ لأنها تحل عن الطي للبس، ومن هذا: تَحِلَّةُ اليمين؛ لأن عقدة اليمين تنحلّ به (١).\nوالطيب في اللغة يكون بمعنى: الطاهر، والحلال يوصف بأنه طيب؛ لأن الحرام يوصف بأنه خبيث، قال الله تعالى: ﴿قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ﴾ [المائدة: ١٠٠]. والأصل في الطيب: هو ما يُسْتَلَذُّ ويستطاب، وَوُصفَ به الطاهر والحلال على جهة التشبيه؛ لأن النجسَ تكرهُهُ النفس فلا يُسْتَلَذّ، والحرام غير مستلَذّ؛ لأن الشرع يزجر عنه (٢).\nقال ابن عباس: يريد: قد غَنَّمْتُكم مال أعدائكم (٣)، فعلى هذا عنى بالحلال الطيب: الغنيمة.\nوقال أهل المعاني: أراد كل ما يغتذى به من المطاعم، ولهذا جمع\n_________\n(١) ينظر في الحلال \"تفسير الطبري\" ٢/ ٧٦، \"تهذيب اللغة\" ١/ ٩٠٢ - ٩٠٤ (حل)، \"المفردات\" ص ١٣٥، \"تاج العروس\" ١٤/ ١٥٨ - ١٦٨.\n(٢) ينظر في الطيب: \"تفسير الطبري\" ٢/ ٧٦، \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢١٤٧ - ٢١٤٨ (طاب)، \"المفردات\" ٣١٤ - ٣١٥، \"تفسير البغوي\" ١/ ١٨٠، \"تاج العروس\" ٢/ ١٨٨ - ١٩٢، \"البحر المحيط\" ١/ ٤٧٩.\n(٣) هذا من رواية عطاء، وتقدم الحديث عنها.","vol":"3","page":483},{"text":"بين الوصفين لاختلاف الفائدتين، إذ وصْفُه بأنه حلال يفيد أنه طِلْقٌ، ووصفه بأنه طيب أنه يغتذى به، وهو مُستلَذّ في العاجل والآجل. فعلى هذا: التراب والخشب طاهر، ولا يحل أكلهما؛ لأنهما ليسا من الطيّب الذي يغتذى به (١).\nوقال الزجاج: الأجود أن يكون المعنى: من حيث يطيب لكم، أي: لا تأكلوا مما يحرم (٢). فعلى هذا: المعنى: كلوا حلالًا من حيث يحِلّ لكم، فأما أن يأكل مال غيره فهو حلال في جنسه، ولكن ليس يحلّ له أكله، فهو حلال وليس مما يطيب له.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ قال ابن السِّكِّيت فيما رواه عن اللحياني: الخُطوة والخَطْوة بمعنى، وحكى عن الفراء: خَطَوْتُ خَطْوَةً، والخَطْوَة ما بين القدمين. وقالوا: خطوتُ خُطوةً، كما قالوا: حَسَوتُ حَسْوَةً، والحُسْوة: اسم ما تحسيت، وكذلك غَرفتُ غَرْفةً، والغُرفة: اسم ما اغترفت (٣). وإذا كان كذلك، فالخطوة: المكان المتخطى، كما أن الغرفة: المغترَفة بالكف، فيكون المعنى: لا تتبعوا سبيله، ولا تسلكوا طريقه، لأن الخطوة: اسم مكان، وهذا قول عبد الله\n_________\n(١) ينظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٤١، \"البحر المحيط\" ١/ ٤٧٩.\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٤١.\n(٣) نقل الأزهري في \"تهذيب اللغة\" ١/ ١٠٥٢ (خطا): وقال الفراء: العرب تجمع فُعلة من الأسماء على فُعُلات، مثل: حجرة وحجرات، فرقًا بين الاسم والنعت، النعت يخفف، مثل حلوة وحُلْوات، فلذلك صار التثقيل الاختيار، وربما خفف الاسم، وربما فتح ثانيه فقيل: حُجَرات ولنظر في معاني الخطوة \"تفسير الطبري\" ٢/ ٧٦، \"المفردات\" ص ١٥٨، \"اللسان\" ٢/ ١٢٠٥ (خطا).","vol":"3","page":484},{"text":"ابن مسلم (١) والزجاج (٢)، فإنهما قالا: خُطواتُ الشيطان: طُرُقُه. وإن جعلت الخُطوة بمعنى: الخَطوة كما ذكره اللحياني، فالتقدير: لا تأتموا به، ولا تَقْفُوا أَثَرَه. والمعنيان يتقاربان وإن اختلف التقديران (٣)، وهذا قول المؤرِّج. قال: خطوات الشيطان: آثاره (٤).\nوقال الوالبي عن ابن عباس: خُطوات الشيطان: عمله (٥)، وهذا على أن يكون الخُطوة بمعنى الخَطوة، وخَطوة الشيطان: عمله.\nوقال الكلبي (٦) والسُّدّي (٧): يعني: طاعته، وهذا على أنَّ من اقتدى بإنسان واتبع خطاه فقد أطاعه، يريد: لا تطيعوا الشيطان (٨).\nوفي الخطوات قراءتان: ضَمُّ العين وإسكانها (٩)، فمن ضم العين فلأن الواحدة خُطوَة، فإذا جمعتَ حركتَ العينَ للجمع، كما فعلت\n_________\n(١) \"تفسير غريب القرآن\" لابن قتيبة ص ٦٤.\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٤١.\n(٣) ما تقدم في معنى الخطوة من قوله. وقالوا: خطوت خطوة، من كلام أبي علي في \"الحجة\" ٢/ ٢٦٧.\n(٤) نقله عنه الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ١٣٢٨، وأبو حيان في \"البحر المحيط\" ١/ ٤٧٩.\n(٥) أخرجه عنه الطبري ٢/ ٧٦، وذكره الثعلبي ١/ ١٣٢٧.\n(٦) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ١٣٢٧.\n(٧) أخرجه عنه الطبري ٢/ ٧٧، وذكره الثعلبي ١/ ١٣٢٧.\n(٨) ذكر الطبري ٢/ ٧٧: أن هذه الأقوال قريب معنى بعضها من بعض؛ لأن كل قائل منهم قولًا في ذلك فإنه أشار إلى نهي اتباع الشيطان في آثاره وأعماله. وقال أبو حيان في \"البحر المحيط\" ١/ ٤٧٩: وهذه أقوال متقاربة.\n(٩) قرأ: نافع وأبو عمرو وشعبة وحمزة بإسكان الطاء، والباقون: بضمها. ينظر: \"السبعة\" ص ١٧٤، \"النشر\" ٢/ ٢١٦، \"البدور الزاهرة\" ص ٥٤.","vol":"3","page":485},{"text":"بالأسماء التي على هذا الوزن، نحو: غُرْفَة وغُرُفات (١)، وتحريك العين في نحو هذا الجمع فصل بين الاسم والصفة (٢)، وذلك أن ما كان اسمًا جمعته بتحريك العين، نحو: تمرة وتمرات، وغرفة وغرفات، وشهوة وشهوات. وما كان نعتًا جمع بسكون العين، نحو: ضَخْمَة وضَخْمَات، وعَبْلَة وعَبْلات، والخطوة من الأسماء لا من الصفات، فتجمع بتحريك العين.\nوأما من أسكن العين، فإنهم نووا الضمة، وأسكنوا الكلمة عنها؛ لثقل الضمة، وحذفوها من اللفظ وهم يقدرون ثباتها، ولا يجوز أن يكون جمع فعلة، فتركوها في الجمع على ما كان عليه في الواحد؛ لأن ذلك إنما يجئ في ضرورة الشعر، دون حال السعة والاختيار، كما قال ذو الرُّمَّة:\nورَفْضاتُ الهوى في المفاصل (٣)\nوإذا كان كذلك، علمتَ أنهم أسكنوا تخفيفًا وهم يريدون الضمة، لأنّ تحريكَ العين فصلٌ بين الاسم والصفة كما ذكرنا، فلا بد من أن يكون التحريك الذي يختصّ بالأسماء دون الصفات منويًّا هاهنا (٤).\nووجه آخر لمن سكن: وهو أنه أجرى الواو في خُطْوَة مجرى الياء في نحو: مُدْيَة وكُلية وزُبية، فإنها تجمع بإسكان العين، فيقولون: مُدْيات وكُلْيات. وذلك أنهم لو جمعوا بتحريك العين؛ للزم انقلاب الياء واوا\n_________\n(١) من كلام أبي علي في \"الحجة\" ٢/ ٢٦٧.\n(٢) \"الحجة\" ٢/ ٢٦٨.\n(٣) تمام البيت:\nأبتْ ذِكَرٌ عَوَّدن أحشاءَ قلبه ... خفوقًّا ورَفْضاتُ الهوى في المفاصلِ\nلذي الرمة يتغزل بخرقاء، ويصف الإبل، في: \"ديوانه\" ص ٤١٧.\n(٤) من \"الحجة\" ٢/ ٢٦٨ بتصرف.","vol":"3","page":486},{"text":"لانضمام ما قبلها، فلما لزم الإسكان في الياء جَعَل من أسكن خطوات الواو بمنزلة الياء، كما جعل الياء بمنزلة الواو (١) في قولهم: اتَّسَرُوا (٢)، ألا ترى أن التاء لا تكاد تبدل من الياء، وإنما يكثر إبدالها من الواو، وانما أبدلوها في اتَّسَرُوا لإجراء الياء مجرى الواو (٣).\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ قال المفسرون: قد أبان عداوته لكم بإبائه السجود لآدم، وهو الذي أخرجه من الجنة (٤)، فعلى هذا (مبين): من أَبَان العداوة: إذا أظهرها. ويجوز أن يكون المبين بمعنى: الظاهر هاهنا؛ لأنّ (أبان) يتعدى، ولا يتعدى (٥). ثم بين عداوة الشيطان فقال: ﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ﴾ الكلام في إنما نذكره في قوله: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ﴾ [البقرة: ١٧٣].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-388>١٦٩ </span>- وقوله تعالى: ﴿بِالسُّوءِ﴾ قال الليث: يقال: ساء الشيءُ يسوء فهو سيّئ، إذا قَبُحَ (٦)، والسوء: الاسم الجامع للآفات والداء.\nوقال غيره: يقال: ساءه يَسُوءه سَوءًا ومساءةً، والسُّوء الاسم، بمنزلة الضُّرّ وهو كل ما يسوء صاحبه في العاقبة (٧)، وذكرنا الكلام في (ساء)\n_________\n(١) من قوله: (الياء كما ..) ساقط من (ش).\n(٢) ضبطت في (ش): (اتسَّروا).\n(٣) من \"الحجة\" ٢/ ٢٦٩ بتصرف.\n(٤) ينظر: \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٣٢٨، والقرطبي ٢/ ١٩٢ - ١٩٣.\n(٥) \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٣٢٨، وينظر: \"اللسان\" ١/ ٤٠٦ بين، \"المفردات\" ص ٤٥ - ٤٦، \"زاد المسير\" ١/ ١٧٢.\n(٦) نقله عنه في \"اللسان \" ٤/ ٢١٣٨ (سوأ).\n(٧) ينظر في السوء: \"تفسير الطبري\" ٢/ ٧٧، \"المفردات\" ص٢٥٣ - ٢٥٤، \"المحرر الوجيز\" ٢/ ٦٢، \"زاد المسير\" ١/ ١٧٢، \"اللسان\" ١/ ٤/٢١٣٨ - ٢١٣٩ (سوأ).","vol":"3","page":487},{"text":"عند قوله: ﴿وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ٢٢]، والفصل بين السَّوء والسُّوء نذكره في سورة التوبة، عند ذكر اختلاف القراء في قوله: ﴿دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾ [التوبة: ٩٨] إن شاء الله.\nوقوله تعالى: ﴿وَالْفَحْشَاءِ﴾ اسم على ما قَبُحَ من الفعل والقول، كالفاحشة (١).\nقال الليث: الفحشاء: اسم الفاحشة، وكل شيء تجاوز قَدْرَه فهو فاحش، وكلُّ أمرٍ لا يكون موافقًا للحق فهو فاحشة وفحشاء. ويقال: فَحُش الرجل يفحُش صار فاحشًا، وأفحَشَ [قال] قولًا فاحشًا (٢).\nقال عطاء عن ابن عباس: السوء: عصيان الله، والفحشاء: البُخل (٣)، وقال في رواية باذان: السوء من الذنوب: ما لا حدّ فيه في الدنيا، والفحشاء: كل ما كان فيه حدّ (٤).\n﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ من تحريم الحرث والأنعام (٥). قال ابن عباس: يريد: المشركين وكفار أهل الكتاب (٦).\n_________\n(١) \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٣٢٩.\n(٢) ينظر في الفحش: \"تفسير الطبري\" ٢/ ٧٧، \"المفردات\" ص ٣٧٥ - ٣٧٦، \"المحرر الوجيز\" ٢/ ٦٢، \"البحر المحيط\" ١/ ٤٧٧.\n(٣) ذكره في \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٣٣٠ عن عطاء عن ابن عباس في تفسير الفحشاء، وقال: البخل، ولم يذكر تفسير السوء، وذكره بنحوه: أبو حيان في \"البحر المحيط\" ١/ ٤٨٠ [عن عطاء].\n(٤) ذكره في \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٣٢٩، وفي \"البحر المحيط\" بنحوه ١/ ٤٨٠.\n(٥) \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٣٣٠، الطبري ٢/ ٧٧، \"البحر المحيط\" ١/ ٤٨٠، \"الدر المنثور\" ١/ ٣٠٦.\n(٦) لم أجده عند الثعلبي.","vol":"3","page":488},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-389>١٧٠ </span>- قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ قال ابن عباس: نزلت في اليهود، وذلك حين دعاهم رسول الله - ﷺ - إلى الإسلام، فقالوا: نتبع ما وجدنا عليه آباءنا فهم كانوا خيرًا وأعلم مِنِّا (١). فعلى هذا، الآية مُستأنفة، والكناية في لهم عن غير مذكور.\nوقال الضحاك، عن ابن عباس: نزلت في كفار قريش (٢)، والكناية تعود إلى (من) في قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ﴾ [البقرة: ١٦٥] (٣).\nوقال آخرون: نزلت في الذين حرّموا على أنفسهم من الحرث والأنعام (٤)، والكناية ترجع إلى (الناس) في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ﴾ [البقرة: ١٦٨] عدل عن المخاطبة إلى الغيبة (٥).\nوقوله تعالى: ﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ﴾ إلى آخر الآية، معناه: أيتبعون آباءهم وإن كانوا جهالًا، فترك جواب لو لأنه معروف (٦)، والتقدير: أو لو كان آباؤهم لا يعقلون شيئًا ولا يهتدون يتبعونهم (٧)؟\n_________\n(١) رواه الطبري ٢/ ٧٨ بسنده عن ابن عباس، وابن أبي حاتم ١/ ٢٨١، وذكره الثعلبي ١/ ١٣٣١، وأبو حيان في \"البحر المحيط\" ١/ ٤٨٠، ونقله السيوطي في \"اللباب\" ص ٣١ - ٣٢. وينظر: \"سيرة ابن هشام\" ٢/ ٢٠٠.\n(٢) \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٣٣٧.\n(٣) ينظر: \"تفسير الطبري\" ٢/ ٧٨، \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٣٣٢، \"البحر المحيط\" ١/ ٤٨٠.\n(٤) \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٣٣٢، والبغوي ١/ ١٨١.\n(٥) ينظر: \"الطبري\" ٢/ ٧٨، والثعلبي ١/ ١٣٣٢، ورجح هذا الطبري والثعلبي، وقال: لأن هذه القصة عقيب قوله: (يا أيها الناس)، فهي أولى أن تكون خبرًا عنهم من أن تكون خبرًا عن المتخذين للأنداد مع ما بينهما من الآيات وطول الكلام.\n(٦) \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٣٣٣.\n(٧) ينظر: \"التبيان\" ص ١٠٩.","vol":"3","page":489},{"text":"والواو في أَوَلو واو العطف دخلت عليها ألف الاستفهام المنقولة إلى معنى التوبيخ (١)، وإنما جعل ألف الاستفهام للتوبيخ؛ لأنه يقتضي ما الإقرار به فضيحة كما يقتضي الاستفهام الإخبار عن المستفهم عنه. وفي هذا حجة عليهم، كأنه قيل: إذا جاز لكم أن تتبعوا آباءكم فيما لا تدرون أعلى حق هم فيه أم باطل؟ فأنتم كمن قال: نتبعهم وإن كانوا على باطل، وهذا غاية الفضيحة (٢).\nوالآية تضمنت النهي عن التقليد؛ لأن الله تعالى أنكر عليهم متابعة آبائهم، وأمر بمتابعة العقل والهدى (٣).\nوقوله تعالى: ﴿لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا﴾ لفظه عام ومعناه الخصوص؛ لأنهم كانوا يعقلون أمرَ الدنيَا، ومعناه: لا يعقلون شيئًا من أمر الدين (٤).\nقال عطاء عن ابن عباس: لا يعقلون عظمةَ الله، ولا يهتدون إلى دينه (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-390>١٧١ </span>- قوله تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ﴾ الآية، قال أهل اللغة، الفراء وغيره: النعيق: دعاء الراعي الشاة، يقال: انعَقْ بضَأنِك، أي: ادعُها، وقد نَعَقَ يَنْعِقُ نعيقًا ونَعْقًا ونَعْقانًا ونُعاقًا، إذا صاح بالغنم زجرًا، قال الأخطل:\n_________\n(١) ينظر: \"التبيان\" ص ١٠٩، \"البحر المحيط\" ١/ ٤٨٠، وذكر القول الآخر وهو أن الواو للحال.\n(٢) \"البحر المحيط\" ١/ ٤٨١.\n(٣) ينظر: \"تفسير القرطبي\" ٢/ ١٩٤، \"البحر المحيط\" ١/ ٤٨٠.\n(٤) \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٣٣٤.\n(٥) قد تقدم الحديث عن هذا الحديث عن هذه الرواية.","vol":"3","page":490},{"text":"فانعِقْ بِضَأْنِك يا جريرُ فإنما ... مَنَّتْكَ نَفْسُك في الخَلَاء ضَلالا (١) (٢)\nوللعلماء من أهل التأويل في هذه الآية طريقان:\nأحدهما: تصحيح المعنى بإضمار في الآية.\nوالثاني: إجراء الآية على ظاهرها من غير إضمار (٣).\nفأما الذين أضمروا فقد اختلفوا، فقال الأخفش (٤) والزجاج (٥) وابن قتيبة (٦): تقدير الآية: ومثلك يا محمد، ومثل الذين كفروا في وعظهم ودعائهم إلى الله ﷿؛ فَحَذَف أحدَ المثلين اكتفاءً بالثاني، كقوله: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: ٨١]، وعلى هذا التقدير: شبه الكفار بالبهائم، وشبه داعيهم بالذي يصيح بها، وهي لا تعقل شيئًا.\nوقال الفراء (٧) في هذه الآية قولين:\nأحدهما: أن تقدير الآية: ومثل واعظ الذين كفروا كمثل الذي ينعق بالغنم، فحذف كما قال: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢]، أي: أهلها (٨).\n_________\n(١) البيت في \"ديوان الأخطل\" ص ٣٩٢، \"تفسير الطبري\" ٢/ ٨٣، والثعلبي ١/ ١٣٣٦، \"خزانة الأدب\" ١١/ ١٣٣، \"طبقات فحول الشعراء\" ٢/ ٤٩٧، \"مجاز القرآن\" ١/ ٦٤، \"وضح البرهان في مشكلات القرآن\" ١/ ١٨٣.\n(٢) ينظر في معنى نعق: \"تفسير الطبري\" ٢/ ٨٣، \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٦١٣، \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٣٣٥، \"المفردات\" ٥٠١، \"اللسان\" ٧/ ٤٤٧٦.\n(٣) ينظر في معنى الآية: \"تفسير الطبري\" ٢/ ٧٩، \"المحرر الوجيز\" ١/ ٦٣ - ٦٥، \"تفسير القرطبي\" ٢/ ١٩٧ - ١٩٨، \"البحر المحيط\" ١/ ٤٨١.\n(٤) ينظر: \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٣٣٤، ولم أجده في \"معاني القرآن\" للأخفش.\n(٥) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٤٢.\n(٦) \"تأويل مشكل القرآن\" ص ١٩٩، \"تفسير غريب القرآن\" ص ٦٥.\n(٧) ينظر: \"معاني القرآن\" للفراء بمعناه، وقال بعد ذكر القولين: وكلٌّ صواب.\n(٨) ينظر: \"تفسير الطبري\" ٢/ ٨١، \"البحر المحيط\" ١/ ٤٨٢، وهذا اختيار الطبري.","vol":"3","page":491},{"text":"والقول الثاني: أن معنى الآية: ومثل الذين كفروا في قلة عقلهم وفهمهم عن الله ﷿ وعن رسولهِ كمثل المنعوقِ به من البهائم، التي لا تفقه من الأمر والنهى غير الصوت، فيكون المعنى للمنعوق به (١)، والكلام خارج على الناعق، وهو جائز عند العرب، يقلبون الكلام لاتضاح المعنى عندهم، فيقولون: اعرض الحوض على الناقة، وإنما هو: اعرض الناقة على الحوض، وأنشد:\nكانت فريضة ما تقول كما ... كان الزناءُ فريضةَ الرجم (٢)\nأراد: كما كان الرجمُ فريضةَ الزنا. وعلى هذا حُمِل قوله تعالى: ﴿مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ﴾ [القصص: ٧٦]، المعنى: أن العُصْبَةَ تنوء بالمفاتح (٣). واعترض ابن قتيبة على هذا القول بأن قال: لا يجوز لأحد أن يحكم بهذا على كتاب الله، لأن الشاعر يقلب اللفظ ويزيل الكلام عن الغلط، على (٤) طريق الضرورة للقافية، أو لاستقامة الوزن، والله تعالى لا يغلط ولا يُضطر. هذا كلامه (٥).\n_________\n(١) ينظر: \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ١/ ٦٣، \"تفسير الطبري\" ٢/ ٨١، والثعلبي ١/ ١٢٤٦، \"البحر المحيط\" ١/ ٤٨٢.\n(٢) البيت للنابغة الجعدي في \"ديوانه\" ص ٣٥، \"لسان العرب \" ٣/ ١٨٧٥ (زني)، وورد غير منسوب في \"معاني القرآن\" للفراء، \"مجاز القرآن\" ١/ ٣٧٨، \"تفسير الطبري\" ٢/ ٨١، والثعلبي ١/ ١٣٣٧.\n(٣) \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٩٩ - ١٠٠، \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٣٣٦ - ١٣٣٧.\n(٤) في (أ)، (م): (على الغلط وعلى طريق).\n(٥) \"تأويل مشكل القرآن\" لابن قتيبة ص ٢٠٠، \"البحر المحيط\" ١/ ٤٨٢ وقال: وينبغي أن ينزه القرآن عنه؛ لأن الصحيح أن القلب لا يكون إلا في الشعر، أو إن جاء في الكلام فهو من القلة بحيث لا يقاس عليه.","vol":"3","page":492},{"text":"وقول الفراء صحيح وإن أنكره ابن قتيبة، موافق لمذاهب العرب في فنون مخاطباتها، فإنهم يفعلون الشيء للضرورة، ثم يصير وجهًا ومذهبًا لهم في الكلام، حتى يجيزوه وإن لم تدع إليه ضرورة. وعلى هذا الطريق أراد: بما لا يسمع إلا دعاءً ونداءً: البهائم التي لا تعقل ولا تفهم ما يقول الراعي، إنما تسمع صوتًا ولا تدري ما تحته، لو قال لها: كلي واشربي لم تقف على معنى قوله، فالذين كفروا يسمعون كلام النبي - ﷺ - وهم كالغنم، إذ كانوا لا يستعملون ما يأمرهم به، ولا ينتهون عما نهاهم عنه. وهذا قول ابن عباس (١) وعكرمة ومجاهد وقتادة وعطاء والربيع (٢) والسدي (٣).\nوالطريق الثاني في الآية: هو أن معناها: ومثل الكفار في قلة فهمهم وعقلهم، كمثل الرعاةِ يكلمون البَهم والبهم لا تعقل عنهم، وعلى هذا التفسير لا تحتاج الآية إلى إضمار (٤).\nوقال عبد الرحمنُ بن زيد: معنى الآية: ومثل الذين كفروا في دعائهم الأصنام وعبادتهم الأوثان، كمثل الرجل الذي يصيح في جوف الجبال، فيجيبه منها صوت يقال له: الصدى، يجيبه ولا ينفعه (٥)، وتقدير الآية على\n_________\n(١) رواه عنه الطبري ٢/ ٨٠، وابن أبي حاتم ١/ ٢٨٢.\n(٢) رواه عن عكرمة ومجاهد وقتادة وعطاء والربيع: \"الطبري\" ٢/ ٧٩، وذكره \"الثعلبي\" ١/ ١٣٣٤.\n(٣) رواه عنه الطبري ٢/ ٨٠، وابن أبي حاتم ١/ ٢٨٢.\n(٤) ينظر: \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٣٣٨، \"الوسيط\" للواحدي ١/ ٢٥٥، والرازي ٥/ ٨، والقرطبي ٢/ ١٩٧ - ١٩٨.\n(٥) رواه عنه الطبري ٢/ ٨٢.","vol":"3","page":493},{"text":"هذا القول: ومثلهم في عبادتهم الأصنام كمثل الناعق بشيء لا يسمع منه الناعقُ إلا دعاءه ونداءه؛ لأن الصدى هو صوته عاد إليه، وذلك أنه إذا قال: يا زيد، سمع من الصدى يا زيد، وليس وراء القول شيء، إلا أنَّ يخيل إليه أن مجيبًا يجيبه، فيقول: يا زيد، وليس فيه فائدة. فكذلك يخيل إلى هؤلاء المشركين أن دعاءهم للأصنام يستجاب، وليس لذلك (١) حقيقة ولا فيه فائدة، والسمع على هذا في قوله: (لا يسمع) منفي عن الناعق لا عن المنعوق به (٢).\nقال ابن الأنباري: ويجوز على هذا القول أيضًا: أن يكون السمع منفيًا عن المنعوق به، فيكون المعنى: كمثل الذي ينعق بما لا يسمع ألبتة (٣). والدعاءُ والنداءُ ينتصبان بـ (ينعق)، و(إلا) توكيد هاهنا، معناها السقوط، كقول الفرزدق:\nهم القوم إلا حيث سلّوا سيوفهم ... وضَحَّوا بلحم من مُحِلٍّ ومُحرِمِ (٤)\nمعناه: هم القوم حيث سلّوا سيوفهم (٥). انتهى كلامه.\nوالتقدير الأول في هذا المعنى أولى مما ذكره أبو بكر؛ لأن السمع إذا كان منفيًّا عن المنعوق به لم يكن للجبل اختصاص بالنعيق به؛ لأن غير الجبل من القفار والرمال والأشجار لا يسمع ألبتة أيضًا، وفي نفي السمع\n_________\n(١) في (م): (مستجاب وليس كذلك).\n(٢) ينظر: \"تفسير الطبري\" ٢/ ٨١، والثعلبي ١/ ٣٣٩، والسمعاني ٢/ ١٢٨، والبغوي ١/ ١٨١، والرازي ٥/ ٩.\n(٣) ينظر: \"تفسير الطبري\" ٢/ ٨١\n(٤) البيت للفرزدق في \"ديوانه\" ص ٢٠٠.\n(٥) من قوله: (معناه هم). ساقطة من (ش).","vol":"3","page":494},{"text":"عن الناعق للجبل اختصاص؛ لأن الصدى إنما يجيب من الجبل، فلهذا كان نفي السمع عن الناعق في هذا القول، أولى من نفيه عن المنعوق به، ولأنه أَلْغى (إلا)، وهو شاذ قليل في الاستعمال، ومهما أمكن استعمال حرف في معنى، أولى من إلغائه (١). وجمهور أهل التأويل على ما ذكرنا أولًا؛ لأن المشهور في كلام العرب أن النعيقَ صوتُ الراعي بالغنم، فإن حمل على غيره من الأصوات لم يكن حقيقة فيه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-391>١٧٢ </span>- وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ قال المفسرون: هذا أمرُ إباحةٍ لا ندبٍ، ولا إيجابٍ (٢)، وأراد بالطيبات: الحلالات من الحرث والنعم وما حرمه المشركون على أنفسهم منها (٣)، وذكرنا لم سُمّي الحلال طيبًا.\nوقوله تعالى: ﴿وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ أراد: إن كانت العبادة لله واجبة عليكم بأنه إلهكم، فالشكر له واجب بأنه محسن إليكم، فمعنى الشرط هاهنا: المظاهرة في الحجاج (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-392>١٧٣ </span>- ثم بين أن المحرَّم ما هو (٥)، فقال عز من قائل: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ﴾ الآية. ﴿إِنَّمَا﴾ تكون على وجهين (٦):\n_________\n(١) ينظر: \"التبيان\" للعكبري ص ١٠٩.\n(٢) ينظر: \"أحكام القرآن\" لابن العربي ١/ ٥١، \"تفسير القرطبي\" ٢/ ١٩٨.\n(٣) ينظر: \"تفسير الطبري\" ٢/ ٨٣، والثعلبي ١/ ١٣٤٠.\n(٤) ينظر: \"تفسير الطبري\" ٢/ ٨٣\n(٥) سقطت: (هو) في (ش).\n(٦) ينظر في (إنما) وإعرابها: \"تفسير الطبري\" ٢/ ٨٤، \"الكتاب\" لسيبويه ٢/ ١٣٨، و٣/ ١١٦ - ١٣١، \"التبيان\" ١/ ١٤٠ - ١٤١.","vol":"3","page":495},{"text":"أحدهما: أن تكون حرفًا واحدًا، وما بعده من الأفعال يكون عاملًا في الأسماء على حسب عمله، فتقول: إنما دخلت دارَك، وإنما أعجبتني دارُك، وإنما مالي مالُك.\nوالوجه الآخر: أن تكون حرفين: ما منفصلة عن إنّ، وتكون بمعنى الذي (١)، وإذا (٢) كان كذلك وصلتها بما توصل به (الذي)، ثم ترفع الاسم الذي يأتي بعد الصلة، كقولك: إنّ ما أخذت مالُك، وإنّ ما ركبتُ دابتُك، وفي التنزيل كثيرًا ما أتى على الوجهين:\nكقوله (٣): ﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [النساء: ١٧١]، ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ﴾ [هود: ١٢]، فهذه حرفٌ واحد؛ لأن (الذي) لا يصلح في موضع (ما). وأما التي (٤) في مذهب (الذي) فقوله: ﴿إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ﴾ [طه: ٦٩]، ولو نصب كيدَ ساحر على أن تجعل (إنما) حرفًا واحدًا كان صوابًا، وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ﴾ [العنكبوت: ٢٥]، تنصب المودة وترفع، على ما ذكرنا من الوجهين، هذا كله قول الفراء (٥).\nوقال الزجاج: ﴿إِنَّمَا﴾ إذا جعلته كلمةً واحدةً كان إثباتًا لما يذكر بعده ونفيًا لما سواه، فقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ﴾ معناه: ما\n_________\n(١) في (ش): (الذين).\n(٢) في (م): (وإن).\n(٣) في (م): (زيادة إنما الله إله).\n(٤) في (م): (الذي).\n(٥) \"معاني القرآن\" للفراء، وينظر: \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ٢٢٩.","vol":"3","page":496},{"text":"حرم عليكم إلا ما ذكر، كقول الشاعر:\nوإنما يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي (١)\nالمعنى: ما يدافع عن أحسابهم إلا أنا أو مثلي، وإنما صارت كلمة إنما إثباتًا للشيء ونفيًا لما سواه؛ لأن كلمة (إنّ) للتوكيد في الإثبات، و(ما) تكون نفيًا، وإذا قال (٢) القائل: إني بشرٌ، فالمعنى: أنا بشرٌ على الحقيقة، وإذا قال: إنما أنا بشرٌ، كان المعنى: ما أنا إلا بشرٌ (٣).\nوالميتة: ما فارقته الروح من غير ذكاة مما يُذبح (٤).\nوتحريم الميتة مخصوص بالسنة لقوله - ﷺ -: \"أُحِلّتْ لنا ميتتان\" (٥).\n_________\n(١) مطلع البيت:\nأنا الذائد الحامي الذمار وإنما\nوالبيت للفرزدق في \"ديوانه\" ص ٧١٢، \"معاني القرآن\" للزجاج، \"معاهد التنصيص\" ١/ ٨٩.\n(٢) في (م): (وإذا كان قال).\n(٣) ينظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٣٤٢ - ٣٤٣.\n(٤) ينظر: \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٣٤٣، \"أحكام القرآن\" للجصاص ١/ ١٣٢، \"أحكام القرآن\" لابن العربي ١/ ٥٢، \"تفسير القرطبي\" ٢/ ٢٠٣ - ٢٠٤، وتعريف المؤلف ﵀ ناقص؛ فإنه لم يدخل فيه أيضًا ما ذبح بطريقة غير شرعية، قال الجصاص ١/ ١٣٢: \"الميتة في الشرع: اسم حيوان الميت غير المذكى، وقد يكون ميتة بأن يموت حتف أنفه من غير سبب لأدمي فيه، وقد يكون ميتة لسبب فعل آدمي إذا لم يكن فعله على وجه الذكاة المبيحة له\".\n(٥) أخرجه ابن ماجه (٣٢١٨) كتاب الصيد، باب: صيد الحيتان والجراد، وأحمد في \"المسند\" ٢/ ٩٧، وعبد بن حميد في \"المنتخب من مسنده\" ص٢٦٠، والعقيلي في \"الضعفاء الكبير\" ٢/ ٣٣١، والدارقطني في \"سننه\" ٤/ ٢٧٢، وابن عدي في \"الكامل\" ٤/ ٢٧١، والبيهقي في \"سننه\" ١/ ٢٥٤، كلهم من طريق عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه عن ابن عمر مرفوعًا وأخرجه ابن عدي في \"الكامل\" =","vol":"3","page":497},{"text":"وكذلك الدم يخصه قوله تعالى: ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ [الأنعام: ١٤٥]، فقيد هناك، وأطلق هاهنا، والمطلق يحمل على المقيد (١)، وقولُه - ﷺ -: \"وَدَمَان\" وكانت العرب تجعل الدَّمَ في المباعر، وتشويها ثم تأكلها (٢)، فحرّم الله تعالى الدم.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ﴾ أراد: الخنزيرَ بجميع أجزائه، وخص اللحم؛ لأنه المقصود بالأكل (٣)، ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ أبو عبيد: قال الأصمعي: الإهلال أصله: رفع الصوت، وكل رافع صوتَه فهو مُهِلّ، قال ابن أحمر (٤):\n_________\n= ١/ ٣٩٧، من طريق عبد الرحمن وأسامة وعبد الله بني زيد بن أسلم وبنو زيد متكلم فيهم. وقد صحح الحديث موقوفًا أبو زرعة في \"علل الحديث\" ٢١٧١، والبيهقي وهو موقوف له حكم الرفع. ينظر: \"حاشية أبي الطيب على سنن الدارقطني\" ٤/ ٢٧٢، \"السلسلة الصحيحة\" ٣/ ١١١، وتحقيق \"تفسير الثعلبي\" للدكتور خالد العنزي ١/ ١٣٤٦.\n(١) ينظر: \"تفسير الطبري\" ٨/ ٧١، الثعلبي ١/ ١٣٤٣، \"أحكام القرآن\" للكيا الهراسي ١/ ٧١ - ٧٢، \"أحكام القرآن\" لابن العربي ١/ ٥٢، \"تفسير القرطبي\" ٢/ ١٩٩.\n(٢) في (م): (وتأكلها).\n(٣) وقد حكي الإجماع على هذا، وممن حكاه: السمرقندي ١/ ١٧٧، وابن حزم في \"المحلى\" ٧/ ٣٩١، وابن رشد في \"بداية المجتهد\" ١/ ٤٥٢، وابن عطية ٢/ ٦٩، والرازي ٥/ ٢٢، والقرطبي ٢/ ٢٠٥، والشوكاني في \"فتح القدير\" ١/ ٢٦٢.\n(٤) هو عمرو بن أحمر بن العمرو بن تميم بن ربيعة الباهلي، أبو الخطاب، أدرك الإسلام فأسلم، وغزا مغازي الروم، وأصيبت إحدى عينيه هناك، ونزل الشام، وتوفي على عهد عثمان، وهو صحيح الكلام، كثير الغرائب. ينظر: \"طبقات فحول الشعراء\" ٢/ ٥٧١، و٥٨٠، و\"الشعر والشعراء\" ص ٢٢٣.","vol":"3","page":498},{"text":"يُهِلُّ (١) بالفَرْقَدِ رُكْبَانُها ... كمَا يُهِل الراكبُ المُعْتَمِرْ (٢)\nهذا معنى الإهلال في اللغة، ثم قيل للمُحْرِم: مُهِل، لرفعه الصوت بالتلبية، يقال: أهَلّ فلانٌ بحَجَّةٍ أو عُمْرةٍ، أي: أحْرَم بها؛ وذلك لأنه يرفع الصوت بالتلبية عند الإحرام، والذابحُ مُهِلّ، وذلك لأنه كان يسمي الأوثان عند الذبح، ويرفع صوته بذكرها (٣).\nفمعنى قوله: ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ قال ابن عباس: يعني: ما ذبح للأصنام (٤)، وهو قول مجاهد (٥) والضحاك (٦) وقتادة (٧).\nوقال الربيع (٨) وابن زيد (٩): يعني: ما ذكر عليه غير اسم الله ﷿.\n_________\n(١) في (م): (هل).\n(٢) البيت في \"ديوانه\" ص ٦٦، \"مجاز القرآن\" ١/ ١٥٠، \"غريب الحديث\" لأبي عبيد ١/ ١٧٣، \"تفسير السمعاني\" ٢/ ١٣٠، الثعلبي ١/ ١٣٤٦، \"لسان العرب\" ٣/ ١٥٩٥، و١٧١٤، ٥/ ٣١٠٢.\n(٣) ينظر في الإهلال: \"تفسير الطبري\" ٢/ ٨٥، والثعلبي ١/ ١٣٤٥، \"المفردات\" ص ٥٢٢، \"اللسان\" ٨/ ٤٦٨٩.\n(٤) رواه عنه الطبري ٢/ ٨٥.\n(٥) رواه عنه الطبري ٢/ ٨٥.\n(٦) رواه عنه الطبري ٢/ ٨٥.\n(٧) رواه عنه الطبري ٢/ ٨٥.\n(٨) رواه عنه الطبري ٢/ ٨٥.\n(٩) رواه عنه الطبري ٢/ ٨٦. وقد حكى الإجماع الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٢٥٧ على أن ما أهل به لغير الله يشمل ما ذبح للأصنام، وذكر عليه غير اسم الله، وحكاه الجصاص في \"أحكام القرآن\" ١/ ١٥٤، وينظر: \"تفسير الطبري\" ٢/ ٨٦، ٨/ ٧١، \"النكت والعيون\" للماوردي، \"معالم التنزيل\" ١/ ١٨٣، \"فتح القدير\" ١/ ٢٦٢، \"روح المعاني\" ٢/ ٤٢.","vol":"3","page":499},{"text":"قال الكلبي (١): وإن ذبحه مسلم لم يحل أكله، وقال أهل العلم: لو أن مسلمًا ذبح ذبيحة وقصد بذبحها التقرب إلى غير الله صار مرتدًّا، وذبيحته ذبيحة مُرتد (٢). وهذا الحكم في غير ذبائح أهل الكتاب، وذبائحهم تحل لنا، لقوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥] (٣).\nوقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾ أي: أُحْوِجَ وألجئ، وهو افتُعِل من الضرورة، قال الأزهري: معناه ضُيق عليه الأمر بالجوع، وأصله: من الضرر وهو الضيق (٤).\nوقرئ: برفع النون وكسرها في ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾ (٥) فمن رفع فللإتباع، ومن كسر فعلى أصل الحركة. لالتقاء الساكنين (٦). وفي الآية إضمار، معناه: فمن اضطر إلى شيء مما ذكرنا أنه محرّم، ويدخل تحت قوله: ﴿اضْطُرَّ﴾: أن يحوج إليه لبؤس، أو يضطر (٧) أو يُكره عليه لخوف، والإكراه مذهب مجاهد (٨).\n_________\n(١) لم أجده.\n(٢) ينظر: \"إعلام الموقعين\" ٤/ ٤٠٤،، \"المغني\" ١٢/ ٢٧٦، و\"القول المفيد شرح كتاب التوحيد\" ١/ ٢١٤.\n(٣) ينظر: \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٣٤٨، القرطبي ٢/ ٢٠٨ - ٢١٤.\n(٤) ينظر: \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٣٥٠، \"المفردات\" ص ٢٩٦ - ٢٩٧، \"البحر المحيط\" ١/ ٤٩٠، \"القاموس\" ص ٤٢٨.\n(٥) قرأ أبو عمرو ويعقوب وعاصم وحمزة بكسر النون وضم الطاء، وأبو جعفر بضم النون وكسر الطاء، والباقون بضمهما معًا. ينظر: \"النشر\" ٢/ ٢٢٥، \"البدور الزاهرة\" ص ٥٤.\n(٦) ينظر: \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٣٥٠، \"التبيان\" ص ١١٠، \"البحر المحيط\" ١/ ٤٩٠.\n(٧) ليست في: (أ)، (ش).\n(٨) رواه عنه الطبري ٢/ ٨٦.","vol":"3","page":500},{"text":"وقوله تعالى: ﴿غَيْرَ بَاغٍ﴾ يصلح أن يكون ﴿غَيْرَ﴾ حالًا للمضطر، ولا يصلح أن يكون استثناءً؛ لأن ﴿غَيْرَ﴾ هاهنا بمعنى: النفي؛ ولذلك عطف عليها بلا؛ لأنها في معنى لا (١).\nقال الفراء: (غير) في هذا الموضع حال للمضطر، كأنك قلت: فمن اضطر لا باغيًا ولا عاديًا فهو له حلال (٢).\nوقوله: ﴿بَاغٍ﴾ أصل البغي في اللغة: الفساد وتجاوز الحد، قال الليث: البغي في عدو الفرس: اختيال ومرح، وإنه ليبغي في عدوه. ولا يقال: فرس باغ، والبغي: الظلم والخروج عن النَّصَفة، ومنه قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ﴾ [الشورى: ٣٩].\nالأصمعي: يقال: بغى الجرح يبغي بغيًا: إذا ترامى بالفساد، وبغت السماء: إذا كثر مطرها حتى تجاوز الحد.\nالفراء: يقال للجرح إذا تورّم واشتد: بغى يبغي بغيًا، وبَغَى الجرح والبحر والحساب سواء: إذا طغى وزاد (٣).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا عَادٍ﴾ العدْو: هو التعدي وتجاوز ما ينبغي له أن يقتصر عليه، يقال: عدا عليه عَدْوًا وعُدُوًّا وعُدْوانًا وعدًا واعتداءً وتعديًا:\n_________\n(١) ينظر: \"تفسير الطبري\" ٢/ ٨٦، \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ٢٣٠، \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٣٥٠، \"التبيان\" ص ١١٠ قال الثعلبي: وإذا رأيت (غير) تصلح في موضعها (لا)، فهي: حال، وإذا صلح في موضعها (إلا)، فهي: استثناء، فقس على هذا ما ورد عليك من هذا الباب.\n(٢) \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ١٠٢ - ١٠٣.\n(٣) ينظر في معاني البغي: \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٤٤، \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٣٥١، \"المفردات\" ص ٦٥ - ٦٦، \"البحر المحيط\" ١/ ٤٩٠.","vol":"3","page":501},{"text":"ظلمه ظلمًا مجاوزًا للقدر، وعدا طورَه: جاوز قدره (١) ولأهل التأويل في قوله: ﴿غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾ طريقان (٢):\nأحدهما وهو قول ابن عباس في رواية عطاء: غير باغ على المسلمين، ولا عاد عليهم (٣). وهذا قول مجاهد (٤)، وسعيد بن حُبَير (٥)، والضحاك (٦)، والكلبي (٧) قالوا: غير قاطع للطريق، ولا مفارق للأئمة، مُشاقّ للأمة. وعلى هذا التأويل كل من عصى بسفره لم يحل له أكل الميتة عند الضرورة؛ لأنه باغ عاد، وهو مذهب الشافعي (٨) ﵀، قال: إن\n_________\n(١) ينظر في التعدي: \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٣٥١، \"المفردات\" ص ٣٢٨ - ٣٢٩، \"البحر المحيط\" ١/ ٤٩٠.\n(٢) ينظر: \"تفسير الطبري\" ٢/ ٨٦، \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٤٣ - ٢٤٤، \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٣٥١، \"تفسير البغوي\" ١/ ١٨٣، \"المحرر الوجيز\" ٢/ ٧٢ - ٧٣، \"تفسير القرطبي\" ٢/ ٢١٤، \"البحر المحيط\" ١/ ٤٩٠ - ٤٩١.\n(٣) تقدم الحديث عن هذا هذه الرواية ص ٩٢.\n(٤) رواه عنه الطبري ٢/ ٨٦، ٨٧، وابن أبي حاتم ١/ ٢٨٣.\n(٥) رواه عنه الطبري ٢/ ٨٦، ٨٧، وابن أبي حاتم ١/ ٢٨٤.\n(٦) ذكره الثعلبي ١/ ١٣٥١.\n(٧) ذكره الثعلبي ١/ ١٣٥١.\n(٨) ينظر: \"أحكام القرآن\" لابن العربي ١/ ٥٨، \"تفسير القرطبي\" ٢/ ٢١٤، \"المغني\" ١٣/ ٣٣٣، وقال الكيا الهراسي في \"أحكام القرآن\" ١/ ٧٤: اختلف قول الشافعي في إباحة أكل الميتة للمضطر العاصي بسفره، ويشهد لأحد القولين قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾، فإنه عام، ويشهد للقول الآخر قوله: ولا تقتلوا أنفسكم، وليس أكل الميتة عند الضرورة رخصة، بل هو عزيمة واجبة، ولو امتنع من أكل الميتة كان عاصيًا، وليس تناول الميتة من رخص السفر، أو متعلقًا بالسفر، بل هو من نتائج الضرورة سفرًا كان أو حضرًا، وهو كالإفطار للعاصي المقيم إذا كان مريضًا، وكالتيمم للعاصي المسافر عند عدم الماء، وهو الصحيح عندنا. ا. هـ =","vol":"3","page":502},{"text":"الإباحة إعانة له على فساده وظلمه، ولكن يتوب ويستبيح (١).\nوالثاني: أن هذا البغي والعدوان يرجعان إلى الأكل، ومعناه: غير آكلها تلذُّذًا من غير اضطرار، ﴿وَلَا عَادٍ﴾ ولا مجاوز ما يدفع به عن نفسه الجوع، وهذا قول السدي (٢).\nوقال الحسن (٣)، وقتادة (٤)، والربيع (٥)، وابن زيد (٦): (غير باغ) بأكله من غير اضطرار، ولا (عاد) يتعدى الحلال إلى الحرام، فيأكلها وهو غني عنها. وعلى طريقة هؤلاء يُباح للعاصي بسفره تناول الميتة عند الضرورة، وهو مذهب أهل العراق (٧).\nوالتأويل الأول أولى؛ من حيث اللفظ والمعنى.\n_________\n= وقال القرطبي في \"تفسيره\" ٢/ ٢١٤ - معقبا على قول ابن العربي-: وعجبا ممن يبيح له ذلك مع التمادي على المعصية، وما أظن أحدا يقوله، فإن قاله فهو مخطئ قطعا، قلت: الصحيح خلاف هذا؛ فإن إتلاف المرء نفسه في سفر المعصية أشد معصية مما هو فيه، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقتُلُواْ أَنفُسَكُم﴾، وهذا عام، ولعله يتوب في ثاني حال فتمحو التوبة عنه ما كان، وقد قال مسروق: من اضطر إلى أكل الميتة والدم ولحم الخنزير فلم يأكل حتى مات دخل النار، إلا أن يعفو الله عنه.\n(١) \"الأم\" ٢/ ٢٢٦، وينظر: \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٣٥٢.\n(٢) رواه عنه الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٨٨، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ١/ ٢٨٤، ورواه ابن أبي حاتم عن ابن عباس.\n(٣) رواه عنه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ١/ ٦٥، والطبري ٢/ ٨٧\n(٤) رواه عنه الطبري ٢/ ٨٧، وابن أبي حاتم ١/ ٢٨٥.\n(٥) رواه عنه الطبري ٢/ ٨٧، وذكره الثعلبي ١/ ١٣٥٣.\n(٦) رواه عنه الطبري ٢/ ٨٧، وذكره الثعلبي ١/ ١٣٥٣.\n(٧) يعني به الحنفية، ينظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص ١/ ١٥٦، وقد ناقش هذه القضية بتوسع وأجاب على أدلة المانعين، فلينظر: \"أحكام القرآن\" للتهانوي ١/ ١٢٠.","vol":"3","page":503},{"text":"أما اللفظ: فرجوع البغي والعدوان إلى حال المضطر أولى من رجوعهما إلى أكله، وهو المفهوم من اللفظ؛ لأنه لم يسبق للأكل ذكر حتى يكون البغي والعدوان صفةً له، راجعًا إليه، ومثله من الكلام أن يقال: قد حرم الأمير ركوب الخيل، ولبس السلاح، فمن أُحوِج (١) غير فارٍّ ولا ذاهبٍ فلا حرج عليه، فالذي يسبق إلى الوهم من هذا، ويليق باللفظ، أن معناه: غير فار بنفسه ولا ذاهب، وأن الفرار والذهاب يعود إلى نفس المضطر، لا إلى شيء سواه. وَوِزان التأويل الثاني من هذا الكلام: أن يكون المعنى: غير فار بسلاحه، ولا ذاهب به.\nوأما من حيث المعنى: فإن نفس المؤمن يعاف الميتة والدم، ويستقذرهما (٢) استقذارا يمنعه من أكلهما؛ ولهذا لا يقام الحد على آكلهما، لأنه لم يحتج في الزجر عنهما إلى الحد، لا كالخمر فإن لها دواعي من النفس، وإذا كان كذلك فليس يتجاوز أحدٌ في أكل الميتة قدر التشبع عند الضرورة، ولا يتعدى الحلال الذي معه، فيأكلها تلذذًا من غير أن يَرِدَ بهذا نهي، وإن جاز ورود النهي تأكيدًا؛ فلهذين الوجهين: قلنا إن التأويل الأول أولى.\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ الله غَفُوُرُ﴾ أي: للمعاصي، وفيه إشارة إلى أنه إذا كان يغفر المعصية فإنه لا يأخذُ بما جعل فيه الرخصة. ﴿رَحِيمٌ﴾ حيث رَخَّصَ للمضطر في أكل الميتة (٣).\n_________\n(١) في (ش): (أخرج).\n(٢) في (ش): (تعاف وتستقذرهما).\n(٣) \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٣٥٥.","vol":"3","page":504},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-393>١٧٤ </span>- قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ﴾ الآية. قال ابن عباس: نزلت في رؤساء اليهود (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَيَشْتَرُونَ بِهِ﴾ يجوز أن تعود الكناية إلى الكتمان، والفعل يدل على المصدر، ويحتمل أن تعود الكناية إلى ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾، ويجوز أن تعود إلى المكتوم مما أنزل الله (٢). ومعنى قوله: ﴿وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ كقوله: ﴿تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [البقرة: ٤١]. وقد مرّ.\nوقوله: ﴿مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ﴾ ذكر البطن هاهنا زيادة بيان؛ لأنه يقال: أكَلَ فلانٌ المال: إذا بَذَّرَه وأَفْسَدَه (٣).\n_________\n(١) ذكره الثعلبي ١/ ١٣٥٦، والواحدي بأطول من هذا في \"أسباب النزول\" ص ٥٢، من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس، ونقله عنه ابن حجر في \"العجاب\" ١/ ٤١٩، والسيوطي في \"لباب النقول\" ص ٣٠، وفي \"الدر المنثور\" ١/ ٣٠٩، وضعف إسناده، ورواه الطبري ٢/ ٨٩، وعبد بن حميد عن قتادة، ورواه الطبري ٢/ ٨٩، وهو في \"تفسير سنيد بن داود\". كما ذكره الحافظ في \"العجاب\". عن عطاء، ورواه الطبري ٢/ ٨٩ - ٩٠، وابن أبي حاتم ١/ ٢٨٥ عن السدي وأبي العالية والربيع بن أنس، وذكره أبو حيان في \"البحر المحيط\" ١/ ٤٩١ من وجه آخر عن ابن عباس، وذكره الثعلبي ١/ ١٣٥٥ من رواية جويبر عن الضحاك، وضعفه السيوطي في \"الدر المنثور\" ١/ ٣٠٩، والآية وإن كانت في أحبار اليهود فإنها تتناول من علماء المسلمين من كتم الحق مختارًا لذلك، بسبب دنيا يصيبها. ينظر: \"المحرر الوجيز\" ٢/ ٧٣.\n(٢) ينظر: \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٣٥٦، \"المحرر الوجيز\" ٢/ ٧٤، وذكرها في \"البحر المحيط\" ١/ ٤٩١، واستظهر الثاني.\n(٣) ينظر: \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٣٥٧، \"البحر المحيط\" ١/ ٤٩١ قال: أو كناية عن ملء البطن؛ لأنه يقال: فلان أكل في بطنه، وفلان أكل في بعض بطنه، أو لرفع توهم المجاز إذ يقال: أكل فلان ماله إذا بذره وإن لم يأكله.","vol":"3","page":505},{"text":"وقوله تعالى: ﴿إِلَّا اَلنَّارَ﴾ أي: إلا ما هو عاقبته النار، كما روي في حديث الشارب من آنية الفضة: \"إنما يجرجر في بطنه نار جهنم\" (١) وكقوله: ﴿إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ [النساء: ١٠]؛ وقوله: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ [يوسف: ٣٦]، أي: عنبًا، فسماه باسم ما يؤول إليه (٢).\nوقوله: ﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾. قال المفسرون: أي: لا يكلمهم كلاما ينفعهم ويسرهم، فأما التهديد والمناقشة فقد تكون.\nوقيل: معناه: أنه يغضب عليهم؛ لأن ترك التكليم علامة الغضب.\nوقيل: لا يرسل إليهم الملائكة بالتحية (٣).\n﴿وَلَا يُزَكِّيهِمْ﴾: لا يطهرهم من دنس ذنوبهم، ولا يثني (٤) عليهم (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-394>١٧٥ </span>- قوله تعالى: ﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾ معنى الفاء هاهنا: الجواب لما تقدم، وذلك أن ما قبله من الكلام وهو قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٥٦٤٣) كتاب الأشربة، باب: آنية الفضة، ومسلم (٢٠٦٥) كتاب اللباس والزينة، باب: تحريم استعمال أواني الذهب. وقوله (يجرجر) يعني به صوت وقوع الماء في الجوف، وإنما يكون ذلك عند شدة الشرب. ينظر: \"غريب الحديث\" لأبي عبيد ١/ ١٥٤.\n(٢) ينظر: \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٣٥٧، \"البحر المحيط\" ١/ ٤٩٢.\n(٣) ينظر: \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٣٥٨، وعزاه لأهل التفسير، \"تفسير الطبري\" ٢/ ٩٠، وقد اختار الأول، \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٤٥، \"زاد المسير\" ١/ ١٧٦. والقولان الأخيران فيهما عدول عن ظاهر اللفظ، وتأويل للصفة.\n(٤) في (أ)، (م): (لا يثني).\n(٥) ينظر: \"تفسير الطبري\" ٢/ ٩٠، \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٤٥، \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٣٥٨، \"زاد المسير\" ١/ ١٥٣، وذكر ثلاثة أقوال: لا يثني عليهم، قاله الزجاج، ولا يزكي أعمالهم، قاله مقاتل، ولا يطهرهم من دنس كفرهم، قاله ابن جرير.","vol":"3","page":506},{"text":"اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ﴾ ثم قال: ﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ﴾، كأنه قال: من كان بهذه الصفة فما أصبرهم على النار، فعومل معاملة المعنى الذي تضمنه حتى كأنه قد لفظ به.\nفأما المعنى: ففيه وجهان لأهل التأويل (١):\nأحدهما: أن (ما) هاهنا تعجب (٢)، كقولهم: ما أحسن زيدًا. فما: رفع بالابتداء، وأحسن: فعل ماض، وهو خبر الابتداء، وفيه ضمير يرجع إلى ما وهو فاعل أحسن، وزيدًا (٣): نصب (٤) بأحسن، والتقدير: شيء أحسن هو زيدًا؛ وخُصَّتْ لفظة ما بالتعجب لإبهامها، وهي واقعة على الشيء الذي تتعجب منه، وذلك الشيء ليس مما يعقل (٥).\nفإن قيل: قد قلتم: إن (ما) استعمل لإبهامها، فهلا استعمل (الشيء) إذ كان أبهم الأشياء؟\nقيل: إن الشيء ربما يستعمل للتقليل، فلو قلت: شيء حسَّن زيدًا، لجاز أن يعتقد أنك تقلل المعنى الذي حسن زيدًا، وأيضًا: فإن الغالب في قولك: شيء حسّن زيدًا، أنه خبر عن معنى مستقر، وما يتعجب منه، فحقه أن يبهرك في الحال، فأما ما قد استقر وعرف فلا (٦) يجوز التعجب منه،\n_________\n(١) ينظر: \"تفسير الطبري\" ٢/ ٩٠، \"المحرر الوجيز\" ١/ ٧٥ - ٧٦، \"زاد المسير\" ١/ ١٧٦ - ١٧٧.\n(٢) \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٣٥٩، قال في \"البحر المحيط\" ١/ ٤٩٤: والأظهر أنها تعجبية، وهو قول جمهور المفسرين.\n(٣) في (أ): (نصبت).\n(٤) في (أ): (نصبت).\n(٥) \"البحر المحيط\" ١/ ٤٩٤.\n(٦) سقطت من (ش).","vol":"3","page":507},{"text":"ومعنى التعجب: تَغَيُّر النفسِ لما يَرِدُ عَليها مما (١) جُهِل سَبَبُهُ جدًّا، ونقل لفظ الفعل في التعجب من الثلاثي إلى الرباعي؛ لأنا ذكرنا أن التقدير: شيء أحسن زيدًا، فصار زيد مفعولًا لغيره، ولهذا انتصب المتعجب منه؛ لأنه مفعول في الحقيقة، والدليل على أنَّ أحسن هاهنا فعل: لزومُ الفتحِ آخره (٢). ولو كان اسمًا لوجب أن يرتفع؛ إذ كان خبر المبتدأ، فلما لزمه الفتح دل على أنه فعل ماض. وقد يصغَّرُ فعلُ التعجب، فيقال: ما أُحَيْسِنَ زيدًا، كقول الشاعر:\nيا ما أُمَيْلح غزلانًا (٣) شدنّ (٤) لنا (٥)\nوتصغيره لا يدل على أنه اسم، وذلك أن فعل التعجب قد لزم طريقةً واحدةً، فجرى في اللفظ مجرى الأسماء، فأدخلوا عليه التصغير تشبيهًا بالاسم، وليس يجب أن يكون الشيء إذا حمل على غيره لشبه بينهما أن يُخرج من جنسه، ألا ترى أن اسم الفاعل قد أُعمل عمل الفعل ولم يخرج من أن يكون اسمًا، وكذلك الفعل أعرب؛ لشبهه بالاسم ولم يخرجه ذلك من أن يكون فعلًا، فكذلك فعل التعجب وإن صُغِّر تشبيهًا بالاسم؛ لم يجب أن يكون اسمًا (٦). فقد بان بما ذكرنا أن قوله: ﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ﴾ إذا\n_________\n(١) في (ش): (ما).\n(٢) مذهب البصريين أنه فعل، وأما الكوفيون فيرون أنه اسم. ينظر: \"البحر المحيط\" ١/ ٤٩٤.\n(٣) في (م): (عن). وفي (أ): (عزلانا).\n(٤) في (م): (شدان).\n(٥) تكملة البيت:\nمن هؤليائكن الضال والسمر\nوالبيت للمجنون في \"ديوانه\" ص ١٣٠، ونسب لآخرين.\n(٦) ينظر في ما تقدم: \"المقتضب\" للمبرد ٤/ ١٧٥ وما بعدها.","vol":"3","page":508},{"text":"قلنا: إنه تعجب، فعل منقول من الثلاثي إلى الرباعي، والهاء والميم في محل النصب بوقوع الفعل عليه.\nقال ابن الأنباري: ويكون أصبر ههنا بمعنى: صبّر (١)، وكثيرًا ما يكون أفعل بمعنى فعّل، نحو: أكرم وكرّم، وخبّر وأخبر، فهذا الذي ذكرنا بيان معنى التعجب وفعله.\nفأما التفسير على هذه الطريق: فقال المؤرّج: معناه: فما أصبرهم على عمل يؤديهم إلى النار (٢)، أو على عمل أهل النار (٣) وهو قول الكسائي وقطرب (٤).\nوقال أحمد بن يحيى: الصبر معناه هاهنا (٥): الجرأة، أي: ما أجرأهم على أعمال أهل النار (٦).\nوهذا قول الحسن (٧) وقتادة (٨) والربيع (٩).\n_________\n(١) ينظر: \"زاد المسير\" ١/ ١٧٧.\n(٢) الثعلبي ١/ ١٣٥٩، والحيري في \"الكفاية\" ١/ ١٠٩، والقرطبي ٢/ ٢١٨، وأبو حيان في \"البحر المحيط\" ١/ ٤٩٤.\n(٣) سقطت من (أ)، (م).\n(٤) عزاه إليهما الثعلبي ١/ ١٣٦٠، والحيري في \"الكفاية\" ١/ ١٠٩، والقرطبي في \"تفسيره\" ٢/ ٢١٨، وأبو حيان في \"البحر المحيط\" ١/ ٤٩٤، وهو قريب من قول المؤرخ كما بيّن أبو حيان، ونسبه في \"زاد المسير\" ١/ ١٧٦ إلى عكرمة والربيع.\n(٥) في (م): (الصبر هاهنا معناه).\n(٦) ونسبه في \"زاد المسير\" ١/ ١٧٦ إلى مجاهد.\n(٧) رواه عنه الطبري ٢/ ٩١، وذكره الثعلبي ١/ ١٣٥٩.\n(٨) رواه عنه الطبري ٢/ ٩١، وذكره الثعلبي ١/ ١٣٥٩.\n(٩) رواه عنه الطبري ٢/ ٩١، وذكره الثعلبي ١/ ١٣٥٩.","vol":"3","page":509},{"text":"قال الفراء: وهذه لغة يمانية، وحكى عن الكسائي قال: قال لي قاضي اليمن: اختصم إليَّ رجلان، فحلف أحدهما على حق صاحبه، فقال له الآخر: ما أصبرك على الله ﷿ (١)! قال الفراء: ففي هذا وجهان: أحدهما: ما أجرأك على الله، والثاني: ما أصبرك على عذاب الله، كما تقول (٢): ما أشبه سخاءك بحاتم، أي: بسخاء حاتم، فتقيم حاتم مقام السخاء (٣).\nقال أهل المعاني: وإنما جاز استعمال الصبر بمعنى الجرأة؛ لأن الصبر حبس النفس على الشدة، والجريء يصبِّر نفسه على الشدة، فلما كانت الجرأة تقتضي الصبر سميت به.\nوقال السدي: هذا على وجه الاستهانة (٤) (٥)، وقد تقول في الكلام لمن تعرف ضعفه، تستخف به: ما أقواك على هذا الأمر!\nوقيل: أراد ما أبقاهم في النار، وما أطول مكثهم فيها، كما يقال: ما أصبر فلانًا على الضرب والحبس، أي: ما أبقاه فيهما (٦).\nقال عطاء عن ابن عباس: لم يرد أنهم حين دخلوا النار صبروا عليها،\n_________\n(١) ينظر: \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ١٠٣، \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٣٥٩، والسمعاني ٢/ ١٣٤.\n(٢) في (م): (يقال).\n(٣) بتصرف من \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ١٠٣، وهذا اختيار الطبري ٢/ ٩٢.\n(٤) في (ش): (الاستهابة).\n(٥) ذكره الثعلبي ١/ ١٣٦٠ولم ينسبه، وكذا القرطبي ٢/ ٢٣٦، وقد أخرج الطبري ٢/ ٩١، والثعلبي ١/ ١٣٦٠ عن السدي وعطاء وابن زيد وأبي بكر بن عياش نحوه.\n(٦) ينظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٤٥، \"تفسير السمرقندي\" ١/ ١٧٨، الثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ١٣٦٠، \"زاد المسير\" ١/ ١٧٦ - ١٧٧.","vol":"3","page":510},{"text":"ولكنه يريد: فما أعملهم بأعمال أهل النار (١).\nقال أصحاب المعاني: ومعنى التعجب من الله أنه يُعجِّب المخلوقين، ويدلُّنا على أنهم قد حلّوا محلّ من يتعجب منه (٢)، ولا يجوز على الله التعجب؛ لأنا قد ذكرنا أن التعجب إنما هو مما لا يعرف سببه، والله تعالى عالم لا يخفى عليه شيء (٣).\nالوجه الثاني من التأويل: أن (ما) في هذه الآية استفهام يتضمن التوبيخ، معناه: ما الذي صبرهم؟، وأي شيء صبرهم على النار حين تركوا الحق واتبعوا الباطل؟ وهذا قول عطاء (٤) وابن زيد (٥)، وقد ذكرنا عن ابن\n_________\n(١) تقدم الحديث عن هذه الرواية. وقد ورد هذا عن مجاهد في \"تفسيره\" ص ٩٤، ورواه عنه الطبري ٢/ ٩١، وسعيد بن منصور في \"سننه\" ٢/ ٦٤٧، وأبو نعيم في \"الحلية\" ٣/ ٣٣١.\n(٢) ينظر: \"تفسير الطبري\" ٢/ ٩٢، \"زاد المسير\" ١/ ١٧٦.\n(٣) قد دلت النصوص على إثبات صفة التعجب لله، وعقيدة أهل السنة إثباتها كما جاءت دون تأويل، قال الله تعالى: ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ﴾، في قراءة ضم تاء الفاعل، وقوله - ﷺ -: \"عجب ربنا من قنوط عباده وقرب غِيَره\" رواه أحمد ٤/ ١١ - ١٢، وقال - ﷺ -: \"يعجب ربك من شاب ليست له صبوة\" رواه أحمد ٤/ ١٥١، وفيه ضعف، وقوله - ﷺ -: \"عجب الله ﷿ من قوم بأيديهم السلاسل حتى يدخلوا الجنة\" أخرجه البخاري (٣٠١٠) كتاب الجهاد والسير، باب: الأسارى في السلاسل وغيرها. وحقيقة التعجب: استغراب الشيء، ويكون ذلك لسببين: الأول: لخفاء الأمر على المستغرب المتعجب، وهذا مستحيل على الله؛ لأن الله عليم بكل شيء. والثاني: لخروج ذلك الشيء عن نظائره، وعما ينبغي أن يكون عليه، بدون قصور من المتعجب، وهذا ثابت لله ﷿، وليس فيه نقص. ينظر: \"شرح العقيدة الواسطية\" للشيخ محمد العثيمين ٢/ ٤٤٦، \"الأسماء والصفات\" للبيهقي ٢/ ٤١٥.\n(٤) رواه عنه الطبري ٢/ ٩١، وذكره عنه الثعلبي.\n(٥) رواه عنه الطبري ٢/ ٩١، ورواه أيضا عن أبي بكر بن عياش، وزاد نسبته في \"زاد =","vol":"3","page":511},{"text":"الأنباري أصبر بمعنى صبّر.\nوقيل: معناه: أيُّ: شيء غرّهم من النار أنهم يصبرون عليها؟.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-395>١٧٦ </span>- قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ ﴿ذَلِكَ﴾ إشارة إلى قوله ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٧٤] معناه: ذلك العذاب لهم بأن الله نزل الكتاب بالحق فاختلفوا فيه، فأضمر: فاختلفوا فيه (١). و﴿الْكِتَابَ﴾ هو التوراة، واختلافهم فيه: إيمانهم ببعض وكفرهم ببعض (٢). ويجوز أن يريد: القرآن، واختلافهم فيه (٣): قولهم: إنه كهانة، وسحر، ورجز، وأساطير الأولين (٤).\nوقال بعضهم: معنى: ﴿ذَلِكَ﴾ أي: فعلهم الذي يفعلون من الكفر، والاجتراء على الله ﷿ من أجل أن الله نَزَّل الكتاب بالحق. وتنزيله الكتاب بالحق: هو إخباره عنهم بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ﴾. إلى قوله ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [البقرة:٦ - ٧] (٥).\nوقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ﴾ أي: فآمنوا ببعض\n_________\n= المسير\" ١/ ١٧٧ إلى السدي، وهو قول أبي عبيدة في \"مجاز القرآن\"، ونسبه في \"البحر المحيط\" ١/ ٤٩٥ إلى ابن عباس والمبرد، وذكر قولًا ثالثًا وهو أن ما نافية، والمعنى: أن الله ما أصبرهم على النار، أي ما يجعلهم يصبرون على العذاب.\n(١) ينظر: \"تفسير الطبري\" ٢/ ٩٢، \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٤٥، \"زاد المسير\" ١/ ١٧٧، ابن أبي حاتم ١/ ٢٨٦، \"المحرر الوجيز\" ٢/ ٧٧ - ٧٨.\n(٢) ينظر: \"تفسير الطبري\" ٢/ ٩٣، ابن أبي حاتم ١/ ٢٨٦، \"المحرر الوجيز\" ٢/ ٧٨، \"البحر المحيط\" ١/ ٤٩٥.\n(٣) (فيه) سقطت من (ش).\n(٤) ينظر: \"المحرر الوجيز\" ٢/ ٧٨، \"البحر المحيط\" ١/ ٤٩٥.\n(٥) ينظر: \"تفسير الطبري\" ٢/ ٩٢.","vol":"3","page":512},{"text":"وكفروا ببعض (١). وإن قلنا: الكتاب هو القرآن، فقال ابن عباس: يريد اختلفوا فيما أنزلت عليك (٢). وذكرنا حقيقة معنى الاختلاف عند قوله: ﴿وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَار﴾ [البقرة: ١٦٤] (٣).\nوقوله تعالى: ﴿لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ ذكرنا معنى (شقاق) عند قوله: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: ١٣٧].\nومعنى ﴿لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾: لفي خلاف طويلٍ (٤)، ويقال: معناه: بعيدٍ عن الألفة بالاجتماع على الصواب (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-396>١٧٧ </span>- قوله تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ﴾ قرئ (البرُّ) رفعًا ونصبًا (٦)، وكلتا القراءتين حَسَن؛ لأن اسم ليس وخبرها، اجتمعا في التعريف، فتكافآ في كون أحدهما اسمًا، والآخر خبرًا، كما يتكافأ النكرتان. وحجة من رفع (البر): أن اسم ﴿لَيْسَ﴾ مشبهة بالفاعل وخبرها بالمفعول، والفاعل أن يلي الفعل أولى من المفعول، كما تقول: قام زيد، فيلي الاسم الفعل، وإذا\n_________\n(١) ينظر: \"تفسير الطبري\" ٢/ ٩٣، \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٤٦، \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٢٤٨، \"زاد المسير\" ١/ ١٧٧.\n(٢) ينظر: \"زاد المسير\" ١/ ١٧٧، \"البحر المحيط\" ١/ ٤٩٥.\n(٣) ينظر: ٣/ ٤٣١ - ٤٣٢.\n(٤) ينظر: \"تفسير الثعلبي\"، \"زاد المسير\" ١/ ١٧٧، \"المحرر الوجيز\" ٢/ ٧٨، \"البحر المحيط\" ١/ ٤٩٦.\n(٥) ينظر: \"تفسير الطبري\" ٢/ ٩٣، \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٤٦، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ١/ ٢٨٧، \"زاد المسير\" ١/ ١٧٧، \"البحر المحيط\" ١/ ٤٩٦.\n(٦) قرأ حمزة وحفص: بالنصب، وقرأ الباقون: بالرفع. ينظر: \"النشر\" ٢/ ٢٢٦.","vol":"3","page":513},{"text":"قدمت المفعول كان النيةُ به التأخير، كما تقول: ضرب غلامَه زيدٌ (١).\nومن نصب البر، ذهب إلى أن بعض النحويين قال: أَنْ مع صلتها أولى أن تكون اسم ليس؛ لشبهها بالمضمر، في أنها لا توصف كما لا يوصف المضمر، وكان هاهنا اجتمع مُضْمَرٌ ومظهر، والأولى إذا اجتمعا أن يكون المُضْمَرُ الاسم، من حيث كان أذهب في الاختصاص من المظهر، فكذلك إذا اجتمع (أن) مع مظهر غيره كان أن يكون (أن) (٢) الاسم، والمظهرُ الخبرُ أولى (٣)، وعلى هذا قرئ في التنزيل قوله: ﴿فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ (١٧)﴾ [الحشر: ١٧]. وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا﴾ [الأعراف: ٨٢] ﴿مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا﴾ [الجاثية: ٢٥]، والاختيار رفع البر؛ لأنه روي عن ابن مسعود أنه قرأ: ليس البرُّ بأن (٤)، والباء تدخل في خبر ليس.\nواختلف المفسرون في هذه الآية على وجهين: فقال قتادةُ (٥) والربيع (٦) ومقاتل (٧): عنى الله بهذه الآية: اليهود والنصارى، وذلك أن\n_________\n(١) من \"الحجة\" لأبي علي ٢/ ٢٧٠ بمعناه.\n(٢) (أن) ليست في (ش).\n(٣) \"الحجة\" لأبي علي ٢/ ٢٧١، وينظر: \"معاني القرآن\" للزجاج.\n(٤) رواه الثعلبي بسنده عن عبد الله، وأبي بن كعب. وينظر: \"معاني القرآن\" للفراء، \"المحرر الوجيز\" ٢/ ٧٨، \"تفسير القرطبي\" ٢/ ٢٢٠، ونسب القراءة لأبي بن كعب أيضًا، وينظر: \"البحر المحيط\" ٢/ ٢.\n(٥) رواه عنه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ١/ ٦٦، والطبري ٢/ ٩٤.\n(٦) رواه عنه الطبري ٢/ ٩٥ واختاره، وذكره ابن أبي حاتم ١/ ٢٨٧.\n(٧) لعل المراد به هنا مقاتل بن حيان، كما هو عند الثعلبي، وقد روى عنه ابن أبي حاتم ١/ ٢٨٧ ما يوافق القول الثاني.","vol":"3","page":514},{"text":"اليهود كانت تصلي قِبَلَ المغرب إلى بيت المقدس، والنصارى قِبَلَ المشرق، وزعم كل طائفة أن البر في ذلك، فأخبر الله تعالى أن البر غيرُ دينهم وعملهم، ولكنه ما بينه في هذه الآية. فقال ابن عباس (١)، ومجاهد (٢)، والضحاك (٣)، وعطاء (٤): المراد به المؤمنون، وقد كان الرجل قبل الفرائض إذا شهد الشهادتين، وصلى إلى أي ناحية (٥) كانت، ثم مات على ذلك، وجبت له الجنة، فلما هاجر رسول الله - ﷺ -، ونزلت الفرائض، وحُدَّتْ الحدود، وصرفت القبلة إلى الكعبة، أنزل اللهُ هذه الآية، فقال: ليس البرُّ كله أن تصلوا ولا تعملوا غير ذلك، ولكن البرَّ ما ذكر في الآية (٦).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ ﴿الْبِرَّ﴾ مصدر، ولا يخبر عن المصادر بالأسماء ومَنْ اسم. واختلف النحويون وأهل المعاني في وجهه. وقال أبو عبيدة: البر، هاهنا، بمعنى: البار (٧)، والفاعل قد يسمى بالمصدر، كما يسمى المفعول به، ومنه قوله تعالى ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ\n_________\n(١) رواه عنه الطبري ٢/ ٩٤، وابن أبي حاتم ١/ ٣٨٧.\n(٢) السابق.\n(٣) السابق.\n(٤) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ١٤٣، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ١/ ١٧٨، وأبو حيان في \"البحر المحيط\" ٢/ ٢.\n(٥) في (م): (جهة).\n(٦) رواه الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٩٤ عن قتادة، وعزاه السيوطي في \"الدر\" ١/ ٣١٠ إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، وذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ١٤٠ - ١٤١.\n(٧) \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ١/ ٦٥، و\"تفسير الطبري\" ٢/ ٩٥، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٤٧.","vol":"3","page":515},{"text":"غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ﴾ [الملك: ٣٠]. أي: غائرًا.\nوقالت الخنساء:\nفإنما هي إقبال وإدبار (١)\nأي: مقبلة ومدبرة.\nوقال آخر:\nهَرِيقي مِنْ دمُوعهما سِجاما ... ضُباعَ وجَاوبِي نَوْحًا قيامًا (٢) (٣)\nأراد: نائحاتٍ قائماتٍ. ومثله قوله: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ [طه: ١٣٢] أي: للمتقي.\nوحكى الزجَّاجُ أن معناه: ذا البر، فحذف (٤)، كقوله: ﴿هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٦٣]، أي: ذوو درجات (٥).\nوقال قطرب (٦) والفراء (٧): معناه: ولكن البرَّ برُّ من آمن، فحذف المضاف، وهو كثير في الكلام، كقوله: ﴿وَأُشرِبُواْ فِى قُلُوبِهِمُ اَلعِجلَ﴾\n_________\n(١) صدر البيت:\nترتع ما رتعت حتى إذا ادكرت\nوالبيت في \"ديوان الخنساء\" ص ٣٨٣، \"الشعر والشعراء\" ص ٢١٥.\n(٢) في (م): (سقاقًا .. حاوي)، وفي (ش): (صباع .. وجاوني).\n(٣) البيت في \"مجاز القرآن\" ١/ ٤٠٤ بلا نسبة، بل قال: وقال باكٍ يبكي هشامَ بن المُغيرة. والطبري ١٥/ ٢٤٩، والقرطبي ١٠/ ٤٠٩، و\"شرح أبيات سيبويه\" ١/ ٩٤، ٣٥٤.\n(٤) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٦٥.\n(٥) ينظر: \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٢٤٨، \"البيان في إعراب القرآن\" لأبي البركات الأنباري ١/ ١٣٩.\n(٦) ينظر: \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٢٤٨، \"البحر المحيط\" ٢/ ٣، قال: وعلى هذا خرجه سيبويه. ينظر: \"الكتاب\" لسيبويه ١/ ٢١٢، وهو اختيار الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٩٥.\n(٧) \"معاني القرآن\" للفراء. ١/ ١٠٥.","vol":"3","page":516},{"text":"[البقرة: ٩٣] و﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] ويقولون: الجود حاتم، والشعر زهير، والشجاعة عنتر.\nوقال النابغة:\nوكيف تواصل من أصبحت ... خِلالتُه كأبي مرحب (١)\nقال الفراء: والعرب تخبر عن الاسم بالمصدر، وعن المصدر بالاسم، وتجعل الاسمَ خبرًا للفعل، والفعلَ خبرًا للاسم؛ لأنه أمر معروف المعنى عندهم (٢)، وحكي عن العرب أنهم يقولون: إنما البِرُّ الصادقُ (٣): الذي يصل رحمه، ويخفي صدقته، فيجعلون الاسم خبرًا للفعل، وأما الأفعال التي جعلت أخبارًا للأسماء، فقولُ الشاعر:\nلَعَمْرُك ما الفتيان أن تَنْبُتَ اللّحى ... ولكنما الفتيانُ كلُّ فَتًى نَدِيّ (٤)\nفجعل نباتَ اللِّحى، وهو مصدر، خبرًا للفتيان (٥).\n_________\n(١) البيت في \"ديوانه\" ص ٢٦، \"لسان العرب\" ٣/ ١٦٠٧ (رحب).\n(٢) سقطت من (ش).\n(٣) سقطت من (ش).\n(٤) قال البغدادي في شرح أبيات \"مغني اللبيب\": البيت ملفق من مصراعين من أبيات لابن بيض، وهي:\nلعمرك ما الفتيان أن تنبت اللحى ... وتعظم أبدان الرجال من الهبر\nولكنما الفتيان كل فتى ندي ... صبور على الآفات في العسرِ واليُسْرِ\nوقد ذكره غير منسوب الفراء في \"معاني القرآن\" ١/ ١٠٤، الثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ١٤٥، \"أمالي المرتضى\" ١/ ٢٠١، \"شرح شواهد المغني\" ٢/ ٢٦٤، \"مغني اللبيب\" ٢/ ٦٩١.\n(٥) \"معاني القرآن\" ١/ ١٠٤ - ١٠٥ للفراء بمعناه.","vol":"3","page":517},{"text":"قال ابن الأنباري: ولا يجوز القياس على هذا، وإنما يستعمل في مثل هذا ما استعملته العرب، لا يجوزُ أن تقولَ: الرُّكوب عبد الله؛ لأن هذا (١) من المجاز، والمجاز لا يقاس بعضه على بعض، إلا أن يُوصفَ رجلٌ بحسن الركوب فيصير عَلَمًا فيه، فيقال فيه: الرُكوبُ عبدُ الله، كما يقال: الجُودُ حاتم، ولا يقاس على المشهور ما ليس بمشهور.\nقال أبو علي: ومثل هذه الآية قوله: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ﴾. ثم قال: ﴿كَمَنْ آمَنَ﴾ [التوبة:١٩]، وهذا على: أجعلتم أهل سقاية حاج كمن آمن أو أجعلتم سقاية الحاج (٢) كإيمان من آمن، ليقع التمثيل بين حَدَثَيْن، أو بين فَاعِلَيْن، إذ لا يقع التمثيل بين (٣) حدث وفاعل (٤).\nوقوله تعالى: ﴿وَالْكِتَابِ﴾ يريد: الكُتُب، قاله ابن عباس (٥).\nوقوله تعالى: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ الأكثرون (٦) على أن الكناية في الحب راجعة إلى المال، والتقدير (٧): وآتى المال على حب (٨) المال،\n_________\n(١) ليست في (أ)، (م).\n(٢) الجملة من قوله: (ثم قال ..) سقطت من (ش).\n(٣) في (م): (من).\n(٤) ينظر: \"التفسير الكبير\" للرازي ٥/ ٣٩.\n(٥) \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٤٩، وقال الزمخشري في \"الكشاف\" ١/ ١٠٩: والكتاب: جنس كتب الله، أو القرآن. ينظر: \"تفسير الرازي\" ٥/ ٣٧.\n(٦) ينظر: \"تفسير الطبري\" ٢/ ٩٥، ٩٦، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" ١/ ٢٨٨، \"المحرر الوجيز\" ٢/ ٨٠، \"البحر المحيط\" ٢/ ٥، وقال: لأنه أقرب مذكور، ومن قواعد النحويين أن الضمير لا يعود على غير الأقرب إلا بدليل.\n(٧) سقطت من (ش).\n(٨) في (ش): (حبه).","vol":"3","page":518},{"text":"فأضيف الحب إلى المفعول، كما تقول: اشتريت طعامي كاشتراء طعامك.\nقال ابن عباس (١) وابنُ مسعود (٢): هو أن تؤتيه وأنت صحيح شحيح. وهذا التفسير يقوي رجوع الكناية إلى المال.\nوقال ابن الأنباري: يجوز أن تكون الهاء عائدة على ﴿مَنْ﴾ في\nقوله: ﴿مَنْ آمَنَ﴾ فيكون المصدر مضافًا إلى الفاعل، وتُرِكَ ذكرُ المفعول معه، لانكشاف المعنى.\nقال: ويجوزُ أن يعودَ إلى الإيتاء، أي: على حُب الإيتاء، (وآتى) يدل على الإيتاء؛ لأن الفعل يدل على المصدر، كقوله تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا﴾ [آل عمران: ١٨٠]، أي: البخل، كنى عنه؛ لأن (يبخلون) يدل عليه، ومثله قولُ القَطَامي:\nهُمُ الملوكُ وأبناءُ المُلوكِ هُمُ ... والآخذون به والسَّاسَةُ الأُوَلُ (٣)\nأراد: والآخذون بالملك، ودلَّ (الملوكُ) عليه، فكنى عنه، وأنشد الفراء (٤):\n_________\n(١) عزاه إليه في \"التفسير الكبير\" ٥/ ٣٩.\n(٢) رواه عنه ابن المبارك في \"الزهد\" ص ٨، وعبد الرزاق في \"المصنف\" ٩/ ٥٥، وسعيد بن منصور ٢/ ٦٤٨، والطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٩٥، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ١/ ٢٨٨، وبمعنى هذا: حديث أبي هريرة مرفوعًا، رواه البخاري (١٤١٩) كتاب الزكاة، باب: أي الصدقة أفضل، ومسلم (١٠٣٢) كتاب الزكاة، باب: بيان أن أفضل الصدقة صدقة الصحيح الشحيح.\n(٣) البيت من البسيط، وهو بهذه الصيغة للنابغة في \"ديوانه\" ص ٧٥، \"لسان العرب\" ١/ ١١٩مادة (ألا).\n(٤) \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ١٠٤ - ١٠٥.","vol":"3","page":519},{"text":"إذا نُهي السفيهُ جرى إليه ... وخَالف والسفيهُ إلى خلاف (١)\nأي: إلى السفه، ويكون المعنى على هذا الوجه: لا يعطيه وهو متسخِّط، وهذا الوجْهُ اختيارُ الحسين بن الفضل (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَابْنَ اَلسَّبِيلِ﴾ قال مجاهد: هو المنقطع من أهله يَمُرُّ عليك (٣).\nوقال قتادة: هو الضيفُ ينزل بالرجل (٤).\nقال أهل المعاني: كل مسافر من حاجٍّ وغازٍ وغيرهما، فهو ابن السبيل؛ لملازمته الطريق، وكل من لزم شيئا نسب إليه، فيقال للشجعان: بنو الحروب، وللناس: بنو الزمان؛ لأنهم لا يَنْفَكُّون منه، ولطيرِ الماءِ: ابنُ الماء، وهو كثير (٥).\nوقوله تعالى: ﴿وَفِى اَلرِّقَابِ﴾ قال ابن عباس: يريد المكاتبين (٦)، ويكون التقدير: وفي غزو الرقاب.\n_________\n(١) تقدم تخريج البيت عند تفسير [البقرة: ١٧٧].\n(٢) \"تفسير الثعلبي\"، ٢/ ١٥٠ \"المحرر الوجيز\" ٢/ ٨١، \"زاد المسير\" ١/ ١٧٧، \"البحر المحيط\" ٢/ ٥، وقال عن هذا القول: إنه بعيد من حيث اللفظ، ومن حيث المعنى، أما من حيث اللفظ: فإنه يعود على غير مصرح به، وعلى أبعد من المال، وأما المعنى: فلأن من فعل شيئًا وهو يحب أن يفعله لا يكاد يمدح على ذلك؛ لأن في فعله ذلك هوى نفسه ومرادها.\n(٣) رواه عنه الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٩٧، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ١/ ٢٩٠، وروى مثله عن قتادة.\n(٤) رواه عنه الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٩٧، وذكره ابن أبي حاتم ١/ ٢٨٩، وأسنده عن ابن عباس، قال ابن عطية في \"المحرر الوجيز\" ٢/ ٨١: والأول أعم.\n(٥) ينظر: \"تفسير الطبري\" ٢/ ٩٧، \"المحرر الوجيز\" ٢/ ٨١.\n(٦) عزاه إليه ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ١/ ١٧٨، قال وهو مروي عن علي=","vol":"3","page":520},{"text":"وقيل: فداء الأسارى، وعتق النسمة، وفك الرقبة (١)، والرقاب: جمع الرقبة، وهو مُؤَخَّر أصل العنق، واشتقاقها: من المراقبة، وذلك أن مكانها من البدن مكان الرقيب المشرف على القوم؛ ولهذا المعنى يقال: أعتق الله رقبته، ولا يقال: أعتق الله عُنَقَه، لأنها لما سميت رقبةً كانت كأنها تراقب العذاب، ومن هذا يقال للتي لا يعيش لها ولد: رَقُوب؛ لأجل مراعاتها موتَ ولدِها (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا﴾ قال المفسرون: أراد: فيما بينهم وبين الله، وبينهم وبين الناس، إذا وعدوا أنجزوا، وإذا حَلَفُوا ونَذَروا وَفَّوا، وإذا قالوا صدقوا، وإذا ائتمنوا أدَّوا (٣).\nارتفع قوله: ﴿وَالْمُوفُونَ﴾ بالعطف على محل (مَنْ) في قوله: ﴿مَنْ\n_________\n= والحسن وابن زيد والشافعي، ورواه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ١/ ٢٩٠ عن سعيد ابن جبير ومقاتل بن حيان والحسن والزهري، وينظر: \"تفسير الطبري\" ٢/ ٩٨، وقد حكى الواحدي في \"الوسيط\" أن جميع المفسرين قالوا: يريد به المكاتبين، والمفسرون ذكروا الخلاف على أربعة أقوال: المكاتبون، وأنهم عبيد يشترون بهذا السهم ويعتقون، وفداء الأسرى، وجميع هؤلاء، وهذا قول ابن عطية وابن العربي في \"أحكام القرآن\" ١/ ٦٠، واستظهره أبو حيان في \"البحر\" ٢/ ٦. ينظر: \"الإجماع في التفسير\" ص ١٩٥.\n(١) ينظر: \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٢٤٩، \"المحرر الوجيز\" ٢/ ٨١، \"الكشاف\" ١/ ١٠٩، وقال في \"زاد المسير\" ١/ ١٧٩: رواه مجاهد عن ابن عباس، وبه قال مالك بن أنس وأبو عبيد وأبو ثور، وعنه كالقولين.\n(٢) ينظر في الرقاب: \"المفردات\" ص ٢٠٦، \"اللسان\" ٣/ ١٧٠١ (رقب)، والكلام بنصه عند الرازي في \"تفسيره\" ٥/ ٤٢.\n(٣) \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٦٦، وينظر: \"تفسير الرازي\" ٥/ ٤٣، \"تفسير القرطبي\" ٢/ ٢٢٥.","vol":"3","page":521},{"text":"آمَنَ﴾ وهو رفع؛ لأنه خبر لكن، كأنه: ولكن البر من آمن بالله والموفون، أو على المدح على أن يكون خبر ابتداء محذوف، تقديره: وهم الموفون (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَالصَّابِرِينَ﴾ قال الكسائي: هو معطوف على ذوي القُربى، كأنه: وآتى المال على حبه ذوي القربي والصابرين (٢).\nقال النحويون: إذا عطفت قوله: (والموفون) على الموصول وهو قوله: (من) لا يجوز أن يكون (الصابرين) مِنْ صلة (مَنْ) وقوله: (وآتى المال)، مِنْ صلة (مَنْ)، فإذا نصبت الصابرين بقوله: ﴿وَآتَى الْمَالَ﴾، على ما ذكره الكسائي فقد جعلت ﴿وَالْصَّابِرِينَ﴾ من تمام الصلة، ولا يجوز هذا؛ لأنك قطعت ذلك الكلام بالعطف على (مَنْ)، حيث عطفت عليه قوله: ﴿وَالْمُوفُونَ﴾، ولا يجوز العطف على الموصول حتى ينقضي بصلته، كما لا يؤكد ولا يوصف إلا بعد انقضائه بجميع صلته؛ لأن الموصول مع الصلة بمنزلة اسم واحد، ومحالٌ أن يوصف الاسم، أو يؤكد، أو يعطف عليه،\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٤٧، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٦٧، \"التفسير الكبير\" ١/ ٤٢، \"التبيان\" ص ١١٢، وذكر وجهًا ثالثًا: وهو أن يعطف (الموفون) على الضمير في (آمن).\n(٢) \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ١٠٧، قال: وإنما امتنع من مذهب المدح -يعني الكسائي- الذي فسرت لك؛ لأنه قال: لا ينصب الممدوح إلا عند تمام الكلام، ولم يتمم الكلام في سورة النساء، ألا ترى أنك حين قلت: (لكن الراسخون في العلم منهم) - إلى قوله: (والمقيمين والمؤتون)، كأنك منتظر لخبره، وخبره في قوله: (أولئك سنؤتيهم أجرًا عظيمًا). والكلام أكثره على ما وصف الكسائي، ولكن العرب إذا تطاولت الصفة جعلوا الكلام في الناقص والتام كالواحد وينظر أيضا: \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ٢٣١، وقال: وهذا القول خطأ بين.","vol":"3","page":522},{"text":"إلا بعد تمامه وانقضائه بجميع أجزائه وما يتصل به، فلا يجوز إذن أن يكون ﴿وَالصَّابِرِينَ﴾ عطفا على قوله: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى﴾.\nواذا كان قوله: ﴿وَالْمُوفُونَ﴾ عطفا على الموصول؛ لأن قولَه: ﴿وَالصَّابِرِينَ﴾ على هذا من تمام الموصول، فلا يجوز الفصل بينه وبين الموصول بالمعطوف على الموصول، ألا ترى أنه لا يجوز أن تقول: مررت بالضاربين وقوم زيدًا، حتى تقدم زيدًا على القوم، وكذلك سبيل التأكيد والصفة، لو قلت: أعجبني كلامُكَ كلُّه زيدًا، أو أعجبني كلامُك الحسن زيدًا، لم يجز؛ لوصفك الاسم وتأكيدك قبل تمامه بما في صلته.\nوإن جعلت قوله: ﴿وَالْمُوفُونَ﴾ رفعًا على المدح على ما ذكرنا، لم يصح أيضا قول الكسائي؛ لأن الفصل بين الصلة والموصول يقع به إذا كان مدحًا، كما يقع إذا كان معطوفًا على الموصول، بل الفصل بينهما بالمدح أشنع؛ لكون المدح جملة، والجمل ينبغي أن تكون في الفصل أشنع بحسب زيادتها على المفرد (١).\nفإن قيل: أليس جاز الفصلُ بين المبتدأ والخبر بالجملة، كقول القائل: إن زيدًا -فافهم ما أقول- رجلُ صدقٍ، وكقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٣٠]. ثم قال: ﴿أُولَئِكَ﴾ ففصل بين المبتدأ والخبر بقوله: ﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ﴾؟ قيل: ليس الصلة مع الموصول كالمبتدأ مع الخبر؛ لأن اتصال كل واحد منهما بالآخر أشد من اتصال المبتدأ وخبره، لأن مجراهما مجرى حروف الاسم\n_________\n(١) ذكر هذا بمعناه الرازي في \"تفسيره\" ٥/ ٤٤.","vol":"3","page":523},{"text":"الواحد وأجزائه، وعلى حسب شدة الاتصال يقبح الانفصال، وليس كذلك المبتدأ مع خبره، ألا ترى أنَّ كل واحد منهما ليس كَجُزْء (١) الآخر. وإذا كان الأمرُ على ما ذكرنا، لم يَجُزْ الفصل بين بعض الصلة وبعض؛ لأن عطفَك على الموصول بالمفرد والجملة وتأكيدَك إياه ووصفَك له وإبدالَك منه يؤذن كل ذلك بالتمام والانقضاء، فلا يسوغ أن يذكر ما يؤذن بالتمام ويدل عليه ثم يتم بعد؛ لأن ذلك نَقْصٌ وفساد (٢).\nفأما (٣) قول الشاعر:\nذاك الذي وأبيك يَعرِف مالكٌ ... والحقُّ يَدفَع تُرَّهاتِ الباطلِ (٤)\nففصل بين الصلة والموصول بالقسم، وهو جملة؛ لأن القسم، وإن كان في الأصل جملة، فإنه لا توصف به النكرة، ولا توصل به الموصول، كسائر الجمل، فالفصلُ بها -لجريها مجرى غير الجمل في هذه المواضع- أسهَل وأسْوَغ من الفصل بغيره؛ لمخالفة القسم سائر الجمل. وأيضًا فإن للقسم مداخل ليس لغيره من الجمل، ألا ترى أن القسم قد دخل بين الشرط وجزائه في نحو: إن تأتنى والله آتك، ولا يدخل عليه غيره من الجمل.\nفالقسم مما (٥) قد اتسع بالفصل فيه؛ لكثرته، ويقع مواقع لم يقع غيره، فلا يلزم إذا اتسع فيه ففصل به أن يفصل بغيره. ألا ترى أنهم اتسعوا في الفصل بالظرف، ففصلوا به بين إن واسمها، وليس يوجب فصلهم بذلك\n_________\n(١) في (ش): (ليس كَجَسر الآخر).\n(٢) ذكر هذا بمعناه الرازي في \"تفسيره\" ٥/ ٤٤.\n(٣) في (ش): (وأما).\n(٤) البيت لجرير في \"ديوانه\" ص٥٨٠، \"لسان العرب\" ١/ ٤٣١ (تره).\n(٥) في (م): (ما).","vol":"3","page":524},{"text":"فصلهم بغيره. وكذلك يجوز الفصل بالقسم في الصلة، ولا يجوز ذلك في غيره، فبان (١) بما ذكرنا أنه لا وجه لقول الكسائي، وهذا كله كلام أبي علي. ثم قولُ الكسائي ضعيف أيضا في المعنى؛ لأنه يَضْعُفُ أن يُقَال: معنى الآية: ولكن البرّ من آمن بالله وآتى الصابرين. والصحيح: أنَّ ما بعد ﴿آمَنَ﴾ تَعدادٌ لأفعال ﴿مَنْ آمَنَ﴾ وأوصافه.\nوالوجه في نصب ﴿وَالصَّابِرِينَ﴾ قولُ الفراء، وهو أنه ذهب به إلى المدح، وإن كان مِنْ صفة ﴿مَنْ﴾، والعرب تعترض في صفات الواحد إذا تطاولت بالمدح أو الذم، فينصبون بعض المدح، وإن كان الاسم رفعًا، كأنهم ينوون إخراج المنصوب بمدح مجدد غير متبع لأول الكلام، من ذلك قولُ الشاعر:\nلا يَبْعَدَنْ قومي الذين هُمُ ... سَمُّ العُداةِ وآفةُ الجُزْر\nالنازلينَ بكلِّ مُعْتَرَكٍ ... والطيبين معاقِدَ الأزْرِ (٢)\nفنصبوا النازلين والطيبين على المدح.\nوأنشد أيضا:\nإلى الملك القَرْمِ وابنِ الهمام ... وليثَ الكتيبةِ في المُزْدَحمْ (٣)\n_________\n(١) في (ش): (فان).\n(٢) البيتان لخرنق بنت بدر بن هفَّان، ترثي زوجها ومن قتل معه، في \"ديوانها\" ص ٤٣، \"معاني القرآن\" للفراء، \"لسان العرب\" ٧/ ٤٤٥٤ (نضر). وفي \"الكتاب\" لسيبويه ٢/ ٦٤، لكن قال: (والطيبون) قال الفراء: وربما رفعوا (النازلون) (الطيبون)، وربما نصبوهما على المدح، والرفع على أن يُتْبَعَ آخرُ الكلام أوّلَه.\n(٣) البيت بلا نسبة في \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ١٠٥، \"الإنصاف\" ص ٣٧٦، \"الخزانة\" ١/ ٢١٦. والقَرْم: السيد المعظم.","vol":"3","page":525},{"text":"فنصب ليثَ الكتيبة على المدح، والاسم قبله مخفوض (١).\nوقال أبو علي مختارًا هذا القول: الأحسن عندي في هذه الأوصاف التي تعطف وتذكر للرفع من موصوفها والمدح أو النقص منهم والذم: أن يخالف (٢) بإعرابها، ولا يجعل كلها جارية على موصوفيها؛ لأن هذه المواضع من مواضع الإطناب في الوصف، والإبلاغ في القول، فإذا خُولِفَ بإعراب الأوصاف كان أشدَ وأوقعَ فيما يعني لضرورةِ الكلام، وكونه بذلك ضروبًا وجملًا (٣)، وكونه في الإجراء على الأول وجهًا واحدًا وجملةً واحدة (٤). ونص سيبويه في قوله: ﴿وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ﴾ [النساء: ١٦٢]، أنه نصبٌ على المدح. انتهى كلامه (٥).\nومعنى المدحِ والذمِّ في النحو: أن العربَ لما أطنبت في وصفٍ بمدح أو ذم سلكت طرقًا، وأتت بأوصاف كثيرة، فلذلك خالفت بإعراب الأوصاف، تنويهًا بالموصوف وتنبيهًا على المراد، كأنهم ظنوا أنهم لو أجروا الأوصافَ على نحوٍ واحدٍ، كانوا قد أَتوا بوصفٍ واحدٍ. وأما علة اختلاف الحركة في المدح والذم: فقال الفراء: أصل المدح والذم من كلام السامع، وذلك أن الرجل إذا أخبر الرجل، فقال له: قام زيد، أثنى السامع عليه، فقال: ذكرت والله الظريف، ذكرت العاقل، وهو والله الظريف، هو العاقل، فأراد المتكلم أن يمدحه بمثل ما مدحه به السامع،\n_________\n(١) من \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ١٠٦ بتصرف، واختاره الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ١٠٠.\n(٢) في (ش): (لا تخالف).\n(٣) في (م): (وحولًا).\n(٤) نقله عنه الرازي في \"تفسيره\" ٥/ ٤٥، ونقله في \"البحر المحيط\" ٢/ ٧ - ٨.\n(٥) \"الكتاب\" لسيبويه ٢/ ٦٣ - ٦٥.","vol":"3","page":526},{"text":"فجرى الإعراب على ذلك (١).\nوقال الخليل: المدح والذم ينصبان على معنى: أعني الظريفَ (٢).\nوأنكر الفراء هذا القول (٣)، وقال: (أعني) إنما تقع تفسيرًا للاسم المجهول، والمدح يأتي بعد المعروف، ولو اطرد لنا إضمار (أعني) لأجزنا (٤): قام زيدٌ أخاك، على معنى: أعني أخاك، وهذا لا يقوله (٥) العرب أصلًا (٦). قال: والذم بمنزلة المدح، يقال: مررت بزيدٍ الخبيثِ، والخبيثَ، ومن هذا: قوله ﷿ ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾ [المسد: ٤]. وقد تدخل الواو على المنصوب على المدح والذم ويكون (٧) نكرةً، فيقال: مررت برجل ينصفُ من يُناظرهُ، وعاقلًا لبيبًا عالمًا، قال الشاعر:\nويأوي إلى نسوة عُطَّلٍ ... وشُعثًا مراضيعَ مثل السَّعَالِي (٨)\nفنصب شعثًا على الذم. وقال آخر:\n_________\n(١) نقله الرازي في \"تفسيره\" ٥/ ٤٥، وينظر: \"الكتاب\" لسيبويه ٢/ ٦٥.\n(٢) نقله الرازي في \"تفسيره\" ٥/ ٤٥.\n(٣) ليست في (أ)، (م).\n(٤) في (ش): (لأجرينا).\n(٥) في (ش): (بالتاء وفيهما).\n(٦) نقله الرازي في \"تفسيره\" ٥/ ٤٥.\n(٧) في (ش): (بالتاء).\n(٨) البيت، وهو لأمية بن أبي عائذ الهذلي، في \"شرح أشعار الهذليين\" ٢/ ٥٠٧، ذكره الفراء في \"معاني القرآن\" ١/ ١٠٨ولم ينسبه، وفي \"لسان العرب\" ٣/ ١٦٦١ (رضع). ويروى: وشعث على النعت كما ذكر الفراء. وهذا البيت في وصف صائد وإعساره. وعطل: هن اللواتي لاحلي عليهن، وشعث: جمع شعثاء، وشعثها من قلة التعهد بالدهن والنظافة. والسعالي: ضرب من الغيلان، الواحد: سعلاة.","vol":"3","page":527},{"text":"إلى الملك القرم وابن الهمام ... وليثَ الكتيبة في المزدحم (١)\nفنصب ليثَ على المدح.\nوقوله تعالى: ﴿فِي الْبَأْسَاءِ﴾ قال ابن عباس: يريد الفقر، وهو اسم من البؤس. (والضراء) قال: يريد المرض (٢). وهما اسمان على فعلاء ولا أَفْعل لهما؛ لأنهما ليسا بنعتين (٣).\n(وحين البأس) قال ابن عباس: يريد القتال في سبيل الله والجهاد (٤). ومعنى البأس في اللغة: الشدة، يقال: لا بأس عليكم في هذا، أي: لا شدة ولا حرج، ﴿بِعَذَابٍ بَئِيسٍ﴾ [الأعراف: ١٦٥]، شديد، ثم تسمى الحرب بأساء لما فيها من الشدة، والعذاب يسمى بأسًا لشدته، قال الله: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ [غافر: ٨٤] وقال: ﴿فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا﴾ [الأنبياء: ١٢] وقال: ﴿فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ﴾ [غافر: ٢٩] كل هذا معناه: العذاب (٥).\nوقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ أي: أهل هذه الأوصاف هم الذين صدقوا في إيمانهم (٦). وهذه الواوات في الأوصاف في هذه الآية\n_________\n(١) سبق تخريج البيت.\n(٢) ذكره ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ١/ ٢٩١، ورواه الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٩٩، عن ابن مسعود والربيع وقتادة والضحاك وابن جريج.\n(٣) \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٧٠، وينظر: \"تفسير الطبري\" ٢/ ١٠٠، \"التفسير الكبير\" للرازي ٥/ ٤٥.\n(٤) رواه الطبري ٢/ ١٠١، وابن أبي حاتم ١/ ٢٩٢ عن ابن مسعود ومجاهد وقتادة والربيع والضحاك وسعيد بن جبير والحسن وأبي العالية ومرة ومقاتل بن حيان.\n(٥) ينظر في معاني البأس: \"تهذيب اللغة\" ١/ ٢٥٥ (بأس)، \"المفردات\" ص ٧٥، \"التفسير الكبير\" ٥/ ٤٥.\n(٦) ينظر: \"تفسير الطبري\" ٢/ ١٠١، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٧١، \"المحرر الوجيز\" ٢/ ٨٢.","vol":"3","page":528},{"text":"للجمع، فمن شرائط البر وتمام شرط البار أن يجتمع فيه هذه الأوصاف، ومن قام بواحدة منها لم يستحق الوصف بالبر، فلا يظنن ظان أن الموفي بعهده على انفراد هذا الوصف فيه من جملة من قام بالبر، وكذا الصابر في البأساء حتى يستكمل هذه الأوصاف، وقد تدخل الواو في الأوصاف لموصوف واحد بقوله:\nإلى الملك القرم ......... (١)\nالبيت الذي أنشدناه آنفًا، دخلت الواو في هذه الأوصاف وهي لموصوف واحد. ولهذه النكتة اختلف السلف في هذه الآية، فقال بعضهم: هذه الصفة خاصة بالأنبياء؛ لأن غيرهم لا تجتمع فيه هذه الأوصاف كلها، وقال بعضهم: هذه عامة في جميع المؤمنين (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-397>١٧٨ </span>- وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾، كُتِبَ هاهنا، بمعنى: فُرض وأُوجب، كقوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ [البقرة: ١٨٠]. وأصله: أن من أراد إحكام شيء والاستيثاق منه كَتَبَه؛ لئلا ينساه، فقيل في كل مفروضٍ واجب: كتب، بمعنى: أحكم ذلك. وقيل: أصلُه: ما كتبه الله في اللوح المحفوظ، ومن هذا قوله: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ [المجادلة: ٢١]، أي: قضى الله ذُلك، وفَرَغَ منه، وحَكَم به، ومثله قوله: ﴿وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ﴾ [الحشر: ٣]، أي: حكم بإخراجهم من دورهم، وقوله: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ [التوبة: ٥١]، وقوله: ﴿لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ\n_________\n(١) تقدم تخريج البيت.\n(٢) نقله بتمامه الرازي في \"تفسيره\" ٥/ ٤٥ وصرح فيه بالنقل عن الواحدي.","vol":"3","page":529},{"text":"عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ﴾ [آل عمران: ١٥٤]، كل هذا من القضاء.\nويكون (كتب) بمعنى (١): جعل، كقوله: ﴿أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ﴾ [المجادلة: ٢٢]، وقوله: ﴿فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ [المائدة: ٨٣] وقوله: ﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٦] (٢).\nوقوله تعالى: ﴿القِصَاصُ﴾ معنى القصاص في اللغة: المماثلة والمساواة، وأصله من قولهم: قصصت أثره، إذا تتبعته (٣)، ومنه قوله تعالى: ﴿وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ﴾ [القصص: ١١]، فكأن المفعول به يتبع ما عُمِلَ به فَيَعْمَلُ مثله (٤). والقِصَاص مصدرة لأنه فعال من المفاعلة.\nقال الفراء في كتاب المصادر: قاصَصْته قَصَصا، وأَقْصَصْتُه: إذا أقدته من أخيه إِقْصَاصًا، ويقال: قَصَصْتُ أثره قَصصًا وقَصًّا، وقَصصْتُ عليه الحديثَ قَصَصًا، قال الله تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ [يوسف: ٣].\nوقال في قَصِّ الأثر: ﴿فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾ [الكهف: ٦٤] والقَصُّ جائز في هذين. هذا كلامه. وأراد بالقصاص هاهنا: المماثلة في النفوس والجروح.\n_________\n(١) في (أ): (يعنى).\n(٢) ينظر في معنى (كتب): \"تفسير الطبري\" ٢/ ١٠٢، ١٠٣، \"المحرر الوجيز\" ٢/ ٨٣، \"المفردات\" ص ٤٢٥ - ٤٢٧، \"البحر المحيط\" ٢/ ٧ - ٨، قال الراغب: ويعبر عن الإثبات والتقدير والإيجاب والفرض والعزم، بالكتابة، ووجه ذلك: أن الشيء يراد، ثم يقال، ثم يكتب، فالإرادة مبدأ، والكتابة منتهى، ثم يعبر عن المراد الذي هو المبدأ إذا أريد توكيده بالكتابة التي هي المنتهى.\n(٣) في (م): (تبعته).\n(٤) \"تفسيرالثعلبي\" ٢/ ١٧٦.","vol":"3","page":530},{"text":"وقال الأزهري: أصل القَصّ: القطع. قال أبو زيد: قَصَصتُ ما بينهما، أي: قطعت. قال الأزهري: والقِصَاص في الجِرَاح مأخوذ من هذا، وهو أن يُجْرحَ مثلَ ما جَرَح، أو يُقْتل مثل ما قتل (١)، والقول الأول أشهر؛ لأن القصاص والمقاصة في غير الجراح، يقال: قَاصَّه في الحساب وغيره: إذا أخذ الشيء مكان غيره.\nوقال الليث: القصاص والتقاص (٢) في الجراحات والحقوق شيء بشيء (٣)، وهذا يبين ان معنى القصاص اعتبار المماثلة والمساواة (٤). وليس معنى الآية أن القصاص واجب علينا حتى لا يسعنا تركه، ولكن معناه: أن اعتبار المماثلة بين القتلى فرضٌ علينا، فالفَرْضِية ترجع إلى اعتبار المماثلة بين (٥) الدماء، لا إلى نفس القصاص، حتى يلزم قتْلُ القاتلِ حتمًا، فالقصاص حيث يجب إنما يجب إذا وُجِدَتْ المساواة، وهذا يؤكدُ أنَ القولَ في اشتقاق القِصَاص في اللغة إنما هو من الاتباع، لا من القطع كما قاله الأزهري؛ لأنه لو كان من القطع لوجب القصاص حتى لا يسعنا تركه (٦).\n_________\n(١) \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٩٧٦ (قصّ)، وعبارته: والقصاص في الجراح مأخوذ من هذا، يجرحه مثل جرحه إياه، أو قتله به.\n(٢) في (ش): (والتقصاص).\n(٣) نقله عنه في \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٩٧٦، \"لسان العرب\" ٦/ ٣٦٥٢ (قصّ).\n(٤) ينظر في معنى القصاص \"تفسير الطبري\" ٢/ ١٠٢ - ١٠٣، \"اللسان\" ٦/ ٣٦٥٢ (قصّ).\n(٥) في (أ)، (م): (من).\n(٦) ينظر: \"تفسير الطبري\" ٢/ ١٠٢، ١٠٦، \"زاد المسير\" ١/ ١٨٠، \"التفسير الكبير\" ٥/ ٤٨، قال ابن عطية في \"المحرر الوجيز\" ٢/ ٨٣: وصورة فرض القصاص هو =","vol":"3","page":531},{"text":"قوله تعالى: ﴿اَلحُرُّ باَلحُرِّ﴾ أراد: الحر يقتص بالحر، فحذف لدلالة ذكر القصاص عليه. والحر: نقيض (١) العبد، قال أهل الاشتقاق: أصله من الحَرِّ الذي هو ضد (٢) البرد، وذلك أن الحُرّ له من الأنفة وحرارة الحمية ما يبعثه على المكرمة، بخلاف العبد، ثم قيل للأكرم من كل شيء: حُرٌّ تشبيهًا بالرجل الحر (٣).\nقال المفسرون: نزلت الآية في حَيَّيْنِ من العَرَبِ، لأَحَدِهِما طَولٌ على الآخر، فكانوا يتزوجون نسائهم بغير مهور، فقتلَ الأوضعُ منهما من الشريف قتلى، فحلف الشريف لَيَقْتُلَن الحرَّ بالعبد، والذكرَ بالأنثى. وليضاعفن الجراح، فأنزل الله هذه الآية، ليعلم أن الحر المسلم، كفء للحر المسلم، وكذلك العبد للعبد، والذكر للذكر، والأنثى للأنثى (٤).\n_________\n= أن القاتل فرض عليه إذا أراد الولي القتل الاستسلام لأمر الله، والانقياد لقصاصه المشروع، وأن الولي فرض عليه الوقوف عند قتل قاتل وليه، وترك التعدي على غيره، كما كانت العرب تتعدى وتقتل بقتيلها الرجل من قوم قاتله، وأن الحكام وأولي الأمر فرض عليهم النهوض بالقصاص وإقامة الحدود، وليس القصاص باللزام، إنما اللزام أن لا يتجاوز القصاص إلى اعتداء، فأما إذا وقع الرضى بدون القصاص من دية أو عفو فذاك مباح، فالآية معلمة أن القصاص هو الغاية عند التشاح.\n(١) في (ش): (يقتص).\n(٢) في (م): (نقيض).\n(٣) ينظر في معاني الحر: \"تهذيب اللغة\" ١/ ٧٨٠ - ٧٨٣، \"اللسان\" ٢/ ٨٢٧ - ٨٣٢.\n(٤) ينظر في سبب النزول \"تفسير الطبري\" ٢/ ١٠٣، \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ١٠٨، \"المحرر الوجيز\" ٢/ ٨٣ - ٨٤، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٧٥، \"أسباب النزول\" للواحدي ص ٥٢ - ٥٣، \"زاد المسير\" ١/ ١٨٠، \"العجاب\" لابن حجر ١/ ٤٢٣ - ٤٢٦، \"لباب النقول\" للسيوطي ص ٣٢ - ٣٣، وقد استطرد الطبري -﵀- في ذكر أسباب نزول للآية، وكلها تدور حول هذا المعنى الذي ذكره الواحدي.","vol":"3","page":532},{"text":"ولم تدل (١) الآية على أن الذكر لا (٢) يقتل بالأنثى، ولكنها بينت أن من قُتِلتْ له أُنْثَى فقال: لا أقتل بها إلا رجلًا متعدٍّ غير منصف، فأما قتل الذكر بالأنثى فمستفاد من إجماع الأمة؛ لأنهما تساويا في الحرمة، والميراثِ، وحدِّ الزنى، والقذف وغير ذلك، فوجب أن يستويا في القصاص (٣).\nقال الفراء: هذه الآية منسوخة بقوله: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥] (٤) وكان عنده هذه الآية تدل على أن الرجل إنما يُقتل بالذَّكَر ولا يُقتل بالأنثى؛ لأنه قال: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾ فلما لم يعمل بهذا وعمل بقوله: ﴿اَلنَّفسَ بِالنَّفسِ﴾ جعل هذه الآية منسوخة، والصحيح أن هذه الآية غير منسوخة؛ لأن حُكْمَ الآية ثابتٌ، ولم تدلَّ على أن الذكرَ لا يقتل بالأنثى (٥).\n_________\n(١) في (ش): (تدلك).\n(٢) في (م): (لم).\n(٣) \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٧٧، وينظر: \"تفسير الطبري\" ٢/ ١٠٥، \"أحكام القرآن\" للكيا الهراسي ١/ ٤٤، \"أحكام القرآن\" لابن العربي ١/ ٦٣، \"تفسير القرطبي\" ٢/ ٢٢٧، \"البحر المحيط\" ٢/ ١١ وقد حكى هؤلاء الثلاثة الإجماع على ما ذكره المؤلف. \"المحرر الوجيز\" ٢/ ٨٤، \"تفسير البغوي\" ١/ ١٨٩.\n(٤) \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ١٠٩.\n(٥) ينظر: \"تفسير القرطبي\" ٢/ ٢٢٧، قال ابن عطية في \"المحرر الوجيز\" ٢/ ٨٤ - ٨٥: روي عن ابن عباس أن الآية نزلت مقتضية أن لا يقتل الرجل بالمرأة، ولا المرأة بالرجل، ولا يدخل صنف على صنف، ثم نسخت بآية المائدة: (أن النفس بالنفس)، قال القاضي أبو محمد (ابن عطية): هكذا روي، وآية المائدة إنما هي إخبار عما كتب على بني إسرائيل، فلا يترتب النسخ إلا بما تلقي عن رسول الله - ﷺ - من أن حكمنا في شرعنا مثل حكمهم، وروي عن ابن عباس فيما ذكر أبو=","vol":"3","page":533},{"text":"وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ معنى العفو: هو ترك الواجب من أَرْشِ (١) جناية، أو عقوبة ذنب، أو ما استوجبه الإنسان بما ارتكبه من جناية فصفح عنه وترك له من الواجب عليه (٢).\nوقوله تعالى: ﴿مِنْ أَخِيهِ﴾ أراد: من دم أخيه، فحذف المضاف للعلم به (٣)، وأراد بالأخ: المقتول، سماه أخًا للقاتل، فدل أن أخوة الإسلام بينهما لا تنقطع، وأن القاتل لم يخرج عن الإيمان بقتله (٤) (٥).\nوفي قوله: (شيء) دليل على أن بعض الأولياء إذا عَفَا سَقَطَ القود؛ لأن شيئًا من الدمِ قد بطل بعفو البعض (٦)، والله تعالى قال: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾، والكنايتان في قوله: ﴿لَهُ﴾ و﴿أَخِيهِ﴾ ترجعان إلى (مَنْ) وهو القاتل (٧)، ولا يحتاج أن يقال: أخيه المقتول؛ لأن هذا الحكم لا\n_________\n= عبيد وعن غيره أن هذه الآية محكمة، وفيها إجمال فسرته آية المائدة، وأن قوله هنا: (الحر بالحر)، يعم الرجال والنساء، وقاله مجاهد.\n(١) الأرش: ما يأخذه المشتري من البائع إذا اطلع على عيب في المبيع، وأروش الجنايات والجراحات من ذلك، لأنها جابرة لها عما حصل فيها من النقص، وسمي أرشا؛ لأنه من أسباب النزل، يقال: أرَّشت بين القوم إذا أوقعت بينهم. \"النهاية\" ص ٣٣.\n(٢) وهو قول ابن عباس ومجاهد وعطاء والشعبي وقتادة والربيع وغيرهم. ينظر: \"تفسير عبد الرزاق\" ١/ ٦٦، \"تفسير الطبري\" ٢/ ١٠٧، \"تفسير ابن أبي حاتم\" ١/ ٢٩٥، \"تفسيرالثعلبي\" ٢/ ١٨١.\n(٣) \"البحر المحيط\" ١/ ١٢.\n(٤) في (ش): (بقلبه).\n(٥) \"البحر المحيط\"١/ ١٢، \"التفسير الكبير\" ٥/ ٥٤، \"المحرر الوجيز\" ٢/ ٨٨.\n(٦) \"البحر المحيط\"١/ ١٣، \"التفسير الكبير\" ٥/ ٥٤.\n(٧) \"تفسير البغوي\" ١/ ١٩١.","vol":"3","page":534},{"text":"يثبت ولا يوجد إلا عند القتل.\nهذا الذي ذكرنا من معنى قوله: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ هو الذي عليه عامة المفسرين وأهل المعاني وإن لم (١) يبينوا هذا البيان. (٢)\nوقال الأزهري: هذه الآية فيها إشكال، وقد فسرها ابن عباس وغيرُه من المفسرين على جهة التقريب وقدر أفهام من شاهدهم من أهل عصرهم. وأهلُ عصرنا لا يكادون يفهمون عنهم ما أومأوا إليه حتى يزاد في البيان، ويوضح بعض الإيضاح، ونسأل الله التوفيق.\nحدثنا محمد بن إسحاق، ثنا المخزومي، عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار (٣) عن مجاهد قال: سمعت ابن عباس يقول: كان القِصَاصُ في بني إسرائيل ولم تكن الدية، فقال الله لهذه الأمة: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ إلى قوله: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ﴾ قال: فالعفو أن تقبل الدية في العمد (٤).\nقال الأزهري: وليس العفو في قوله: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ﴾ عفوًا من ولي (٥)\n_________\n(١) (لم) سقطت من (م).\n(٢) ينظر: \"تفسير الطبري\" ٢/ ١٠٧، \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٤٨، \"تفسير البغوي\" ١/ ١٩١، \"أحكام القرآن\" لابن العربي ١/ ٦٦، \"المحرر الوجيز\" ٢/ ٨٨، \"تفسير القرطبي\" ٢/ ٢٣٤، وذكر خمس تأويلات للآية، وقال: هذا قول ابن عباس وقتادة ومجاهد وجماعة من العلماء.\n(٣) هو: أبو محمد عمرو بن دينار المَكِّي الأثرم الجمحي مولاهم، تابعي إمام حافظ ثقةٌ ثبت، توفي سنة ١٢٦هـ ينظر: \"الجرح والتعديل\" ٦/ ٢٣١، \"التقريب\" ص ٤٢١ (٥٠٢٤).\n(٤) الحديث: أخرجه البخاري (٤٤٩٨) كتاب التفسير، باب: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾، والطبري في \"تفسيره\" ٢/ ١٠٧، كلاهما بهذا الإسناد.\n(٥) في (ش): (ولا).","vol":"3","page":535},{"text":"الدم، ولكنه عفو من الله -جل ذكره-، وذلك أنه لم يكن لبني إسرائيل أن يأخذوا الدية، فجعلها الله لهذه الأمة عفوًا منه وفضلًا، مع اختيار ولي الدم ذلك في العمد، فذلك قوله: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِن أَخِيهِ شَئٌ﴾ أي (١): من عفا الله له بقبول الدية مع اختياره، أي: تَفَضَّل اللهُ عليه من هذه الأمة، ولم يكن ذلك الفضلُ لمن تَقَدَّمَه، قال: وقوله: ﴿مِنْ أَخِيهِ﴾ ﴿مِنْ﴾ هاهنا بمعنى البدل، المعنى: فمن عفا الله له بقبول الدية بدل أخيه المقتول. والعرب تقول: عوّضت (٢) له من حقه ثوبًا: أي، أعطيته بدل حقه ثوبًا، وما أعلم أحدًا فسر من هذه الآية ما فسرته، فتدبره، فإنه صعب، واقبله بِشُكْرٍ إذ بان لك صوابه، انتهى كلامه (٣).\nولقد أعجب بقوله، وزلّ (٤) فيما تكلف، وليس الأمر على ما ذكر، فإن (٥) قوله ﴿فَمَنْ عُفِيَ﴾ عفو من ولي الدم بإباحة الله تعالى ذلك، ولو\n_________\n(١) لخص الواحدي كلام الأزهري، وهذا تمام هذه الجملة ٣/ ٢٢٦: أي: من عفا الله -جل اسمه- له بالدية حين أباح له أخذها بعدما كانت محظورة على سائر الأمم، مع اختياره إياها على الدم، (اتباع بالمعروف)، أي: مطالبة للدية بمعروف، وعلى القاتل أداء الدية إليه بإحسان، ثم بين ذلك فقال: ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾، لكم يا أمة محمد، وفضل جعله لأولياء الدم منكم، ورحمة خصكم بها، ﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ﴾، أي: من سفك دم قاتل وليه بعد قبوله الدية، ﴿فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، والمعنى الواضح في قوله: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِن أَخِيهِ شَئٌ﴾، أي: أحل له أخذ الدية بدل أخيه المقتول، عفوًا من الله وفضلًا مع اختياره، فليطالب بالمعروف.\n(٢) في \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٢٨٣ (عاض).\n(٣) في \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٢٨٣ (بمعناه).\n(٤) في (م): (وزاد).\n(٥) في (م): (ما ذكرنا وقوله).","vol":"3","page":536},{"text":"كان العفو من الله تعالى لتعيّنت (١) الدية وسقط القصاص أصلًا، ولا معنى لقوله: أي: من عفا الله له بقبول الدية، أي: تفضل الله به عليه؛ لأن هذا رُخِّص لولي الدم في العفو، وهذا التفضل من الله، هذا العفو على القاتل لا على ولي الدم. وقوله: ﴿مِنْ أَخِيهِ﴾ أي: بدل أخيه المقتول (٢) ليس بشيء؛ لأن قوله: ﴿مِنْ أَخِيهِ﴾ عام في كل المقتول، ليس المراد به (٣) أخوة النسب، وعلى ما ذكره يختص بالأخ من (٤) طريق النسب، والحكم في كل مقتول سواء، وليس لتخصيص الأخ فائدة، ومن تأمل هذا ظَهَرَ له فساد قوله.\nوقوله: ﴿فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ على معنى: فعليه اتباع بالمعروف، ولو كان في غير القرآن لجاز: فاتباعًا وأداءً على معنى: فليتبع اتباعًا، وليؤد أداءً (٥). قال الفراء: وهو بمنزلة الأمر في الظاهر، كما تقول: من لقي العدو فصبرًا واحتسابًا، فهذا نصب (٦)، ورفعه جائز، على معنى: فعليه. ومثله في القرآن كثير، كقوله: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾ [البقرة: ١٩٦]، ﴿فَتَحرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [النساء: ٩٢]، ﴿فَإمسَاكُ بِمَعْرُوفٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، وليس شيء من هذا إلا ونصبه جائز على أن توقع عليه الأمر. ومما جاء منصوبًا قوله:\n_________\n(١) في (م): (لم ثبتت).\n(٢) في (م): (العفو).\n(٣) ليست في (م).\n(٤) ليست في (ش).\n(٥) من \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٤٩، وينظر: \"تفسير الطبري\" ٢/ ١١٠، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٨٢.\n(٦) في (م): (نصبه).","vol":"3","page":537},{"text":"﴿فَضَربَ الرِّقَابِ﴾ [محمد: ٤] (١). والمعروف: كل ما يتعارفه الناس ولا ينكرونه، ثم صار اسمًا للإحسان والجود والأخلاق الجميلة، لأنها مما لا ينكر، وأراد بالمعروف هاهنا: ترك التشديد (٢) على القاتل في طلب الدية، ومعناه: فعلى (٣) وليِّ المقتول الاتباع (٤) بالمعروف في المطالبة بالدية (٥)، وهو معنى قول ابن عباس: يطلبُ هذا بإحسان، ويؤدي هذا بإحسانٍ (٦).\nوقال بعضهم: قوله: ﴿فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ﴾ خبر مبتدأ محذوف، والمعنى: فالأمر اتباعٌ بالمعروف، أو فالحكم فيه اتباع بالمعروف (٧).\nوقوله تعالى: ﴿وَأَدَاءٌ﴾ الأداء: اسم، من قولك: أدَّيْتُ إليه المال، وقد ينوب عن المصدر فيقال: أدّيت أداءً، كما يقال: سَلَّمْتُ\n_________\n(١) من \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ١٠٩ - ١١٠ بتصرف كبير، وينظر: \"تفسير الطبري\" ٢/ ١١٠، \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٤٨ - ٢٤٩.\n(٢) في (أ)، (م): (التشدد).\n(٣) بياض في (م).\n(٤) في (ش): (اتباع).\n(٥) ينظر: \"تفسير الطبري\" ٢/ ١٠٩، \"المحرر الوجيز\" ٢/ ٨٩.\n(٦) رواه عنه الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ١٠٩.\n(٧) وهذا اختيار الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ١١٠، وينظر: \"التفسير الكبير\" ٥/ ٤٥، \"المحرر الوجيز\" ٢/ ٨٩، وقال: فاتباع رفع على خبر ابتداء مضمر، تقديره: فالواجب والحكم اتباع، وهذا سبيل الواجبات، كقوله تعالى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾، وأما المندوب إليه فيأتي منصوبًا، كقوله تعالى: ﴿فَضَربَ الرِقَابِ﴾ [محمد: ٤]، قال في \"البحر المحيط\" ٢/ ١٤: ولا أدري هذه التفرقة بين الواجب والمندوب إلا ما ذكروا من أن الجملة الابتدائية أثبت وآكد من الجملة الفعلية في مثل قوله: ﴿قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ﴾ [هود: ٦٩].","vol":"3","page":538},{"text":"سلامًا، وكلَّمْتُ كلامًا، قال الله تعالى: ﴿وَسَرِّحُوهُن سَرَاحًا﴾ [الأحزاب: ٤٩]. وقوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ﴾ الكناية ترجع إلى العافي، ودل عليه ﴿عُفِىَ﴾، لأنا قد ذكرنا أَنَّ الفعل يدل على الفاعل، فكأنه ذُكِر (١) (٢).\nوقوله: ﴿بِإِحْسَانٍ﴾ قال ابن عباس، في رواية عطاء (٣): يريد: أن يؤديَ الدية في نجومها، ولا يَمْطُلَه، ولا يذهبَ بشيء (٤) منها، هذا هو الإحسان.\nقال المفسرون: إن الله تعالى أمر الطالب أن يطلب بالمعروف، ويتبع الحق الواجب له، من غير أن يطالبه بالزيادة، أو يكلفه ما لا يوجبه الله، أو يشدد عليه (٥). كل هذا تفسير المعروف، وأَمَرَ المطلوب منه بالإحسان في الأداء، وهو ترك المَطْل والتسويف، وهذا لا يختص بثمن الدم، بل كل دين فهذا سبيله (٦).\nوقوله: ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾ قال عطاء عن ابن عباس: يريد حيث جعل الدية لأمتك يا محمد (٧).\n_________\n(١) في (ش): كأنها: (ذكره).\n(٢) ينظر تفسير الواحدي لقوله تعالى: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ [البقرة: ١٧٧].\n(٣) في (م): (شيئًا).\n(٤) تقدم الحديث عن هذه الرواية.\n(٥) \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٨٢.\n(٦) ينظر: \"التفسير الكبير\" ٥/ ٥٥، \"تفسير القرطبي\" ٢/ ٢٣٥ - ٢٣٦. وقوله: بل كل دين فهذا سبيله، ففي حق الطالب قال تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾. وفي حق المطلوب قال النبي - ﷺ -: \"مطل الغني ظلم يحل عرضه وعقوبته\".\n(٧) رواه الطبري بمعناه ٢/ ١١١، وابن أبي حاتم ١/ ٢٩٦.","vol":"3","page":539},{"text":"قال قتادة: لم تحلّ الدية لأحد غير هذه الأمة (١).\nقال المفسرون: إن الله تعالى كتب على أهل التوراة أن يُقِيدُوا (٢)، ولا يأخذوا الدية، ولا يعفوا؛ وعلى أهل الإنجيل أن، يعفوا ولا يقيدوا ولا يأخذوا الدية؛ وخَيّر هذه الأمة بين القصاص والدية والعفو، فقال: ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾، أي: التخيير بين هذه الأشياء (٣).\nوقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ﴾ قال ابن عباس: يريد: كما كانت الجاهلية تفعل، تقتل من قوم القاتل عِدَّةً (٤).\nوقال آخرون: أي: ظَلَم فوثب على القاتل فقتله بعد أخذ الدية (٥).\nوفي هذه الآية أدلة على القدرية:\nأحدها: قوله في افتتاح الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾ ولا خلاف أن القصاص واقع في قتل العمد، فلم يسقط اسم الإيمان عن القاتل بارتكاب هذه الكبيرة.\nوالثاني: ما ذكرنا في قوله: ﴿مِنْ أَخِيهِ﴾.\nوالثالث: قوله: ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾ وهما يلحقان\n_________\n(١) رواه الطبري عنه بمعناه ٢/ ١١١، وابن أبي حاتم ١/ ٢٩٦.\n(٢) في (ش): (ولا يفتفدوا).\n(٣) روي نحوه عن ابن عباس وسعيد بن جبير ومقاتل بن حيان والربيع وقتادة. ينظر البخاري (٤٤٩٨) كتاب التفسير، باب: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾، \"تفسير الطبري\" ٢/ ١١٠، وابن أبي حاتم ١/ ٢٩٦، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٨٥.\n(٤) لم أجده في الطبري ولا ابن أبي حاتم ولا البغوي، وذكر الرازي هذا القول ولم ينسبه لأحد ٥/ ٥٥.\n(٥) تنظر الآثار التي أوردها الطبري ٢/ ١١٢، عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والربيع والحسن وعكرمة والسدي وابن زيد، وكذا عن ابن أبي حاتم ١/ ٢٩٧.","vol":"3","page":540},{"text":"المؤمنين (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-398>١٧٩ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ قال عُظْمُ أهل التأويل (٢): معناه: أن سافكَ الدم إذا أُقيد منه ارتدع من كان يهمّ بالقتل، فكان في القصاص بقاءٌ؛ لأنه إذا علم أنه إن قَتَل قُتِلَ أَمْسَكَ وارتدع عن القتل، ففيه حياةٌ للذي همّ بقتله، وحياةٌ للهامّ أيضًا، وقد أخذ الشاعر هذا المعنى ونقله عن القصاص إلى العتاب فقال:\nأبلغ أبا مالك عنى مُغَلغَلةً ... وفي العتاب حياة بين أقوام (٣)\nيريد: أنهم إذا تعاتبوا أصلح ما بينهم العتابُ، وكَفُّوا عن القتل، فكان (٤) في ذلك حياة. أخذه المتمثلون فقالوا: بعض القتل أحيا للجميع، وقالوا: القتل أقل للقتل (٥).\n_________\n(١) ذكر هذا الثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ١٩١ في مقام الاستدلال على أن القاتل لا يصير كافرًا، ولا يخلد في النار، وينظر: \"تفسير البغوي\" ١/ ١٩١.\n(٢) ينظر في بيان كون القصاص حياة: \"تفسير الطبري\" ٢/ ١١٤، ١١٥، \"تفسير ابن أبي حاتم\" ١/ ٢٩٧، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٩١، \"تفسير البغوي\" ١/ ١٩١، \"المحرر الوجيز\" ٢/ ٩١، \"التفسير الكبير\" ١/ ٥٦، \"تفسير القرطبي\" ٢/ ٢٣٧ - ٢٣٨، \"البحر المحيط\" ٢/ ١٥.\n(٣) البيت لهمام الرقاشي في \"مقاييس اللغة\" ٤/ ٣٧٧، ولعصام بن عبيد الزماني في \"تاج العروس\"، وبلا نسبة في \"لسان العرب\" ٦/ ٣٢٨٩ (غلل).\n(٤) في (ش): (فكفوا عن القتل وكان).\n(٥) ينظر: \"تأويل مشكل القرآن\" ص ٦٦/ ٦٧، \"أحكام القرآن\" للجصاص ١/ ١٥٩، ويروى المثل بلفظ: القتل أنفى للقتل، وأوفى للقتل، وأكف للقتل. ينظر: \"الصناعتين\" لأبي هلال العسكري ص ١٨١، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٩١، \"التفسير الكبير\" ٥/ ٥٦، \"الدر المصون\" ٢/ ٣٥٧، وعزاه ابن كثير ١/ ٢٢٣ - ٢٢٤ لبعض الكتب المتقدمة.","vol":"3","page":541},{"text":"وقال السدي: كانوا يقتلون بالواحد الاثنين والعشرة والمائة، فلما قصروا على الواحد كان في ذلك حياة (١).\nوقال عطاء عن ابن عباس: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ فرح، وأراد: أن ولي الدم إذا استوفى القصاص تشفّى بذلك وطابت نفسه، فالتذ بالحياة، ولولا القصاص لتنغص بعيشه، فكأن حياته موتًا. وقد يبلغ بالإنسان القصور عن إدراك الثأر إلى أن يتمنى الموت، سيما العرب، فإنهم أشد الأمم حفاظًا، وأحرصهم على إدراك الثأر، والأخذ بالطوائل، وكل عيشٍ يراد الموتُ فيه موت، فإذا زال سبب تمني الموت بالقصاص كان فيه حياة. ويجوز أن يكون المعنى في هذا ما تذهب إليه العرب من أن قتل القاتل إحياء للمقتول، يقولون: أحيا فلان أباه، إذا قتل قاتله، ومنه:\nأحيا أباه هاشمُ بنُ حَرمَله (٢)\nيعني: قتل قاتله، فسماه إحياءً، فعلى هذا في القصاص حياة للمقتول على معنى: أن المراد بالحياة قتل قاتله.\nوقوله تعالى: ﴿يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾ أولوا: واحدها ذو، وهو من الجموع التي لا يفرد واحدها من لفظه، كالنفر (٣) والرهط والقوم والخيل\n_________\n(١) رواه بمعناه الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ١١٥، وذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٢٦٨، والرازي في \"تفسيره\" ٥/ ٥٦.\n(٢) تمامه:\nإذ الملوكُ حوله مُرَعبله.\nالبيت لعامر الخصفي، ذكره في \"الاشتقاق\" لابن دريد ص ٢٩٥، \"السيرة النبوية\" لابن هشام ١/ ١١٢، ١١٣، \"الإصابة\" ٣/ ٦١٦ وفيه قصة هذا البيت.\n(٣) في (م): (كالنفس).","vol":"3","page":542},{"text":"والإبل والنساء (١).\n﴿الأَلْبَابِ﴾ جمع لُبٍّ، ولُبُّ الشيء: خالصُه، وهو الذي يَتَركَّبُ عليه القِشْر، وكذلك اللُّبَاب، يُقال: لبابُ القَمح والفستق، ولُبّ اللَّوز (٢) والجوز. وسمى العقل لُبَّا تشبيهًا به؛ لأنه أشرف خصال المرءِ، وأصل لُبّ: اللزوم، يقال: أَلَبَّ بالمكان، إذا لزمه لزوم لُبِّ الشّيء له، واللَّبَبَ: الرمل المتراكم، سمي للزوم بعضه بعضًا، ومنه قولُ ذي الرمة:\n..... أفضى بها لَبَبُ (٣)\nوقال ابن المظفر: اللَّبَابَةُ: مصدر اللَّبيب (٤)، وقد لَبِبْتَ تَلَبُّ، وهكذا قال الفراء\nوغيرُه: لَبَّ يَلَبُّ: إذا عَقَل، ومنه قول صفية (٥) في ابنها الزبير (٦) وضربته، فقيل لها: لم ضربتيه؟ فقالت: أضربه كي يَلِبَ، ويقود الجيش ذا\n_________\n(١) ينظر: \"القاموس\" ص ١٣٣.\n(٢) في (م): (الموز).\n(٣) تمام البيت هكذا:\nبراقةُ الجِيد واللبات واضحة ... كأنها ظبية أفضى بها لبب\nينظر: \"ديوانه\" ص ٥٩.\n(٤) في (أ): (اللبب).\n(٥) هي: صفية بنت عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، القرشية الهاشمية، عمة رسول الله - ﷺ -، أم الزبير بن العوام شقيقة حمزة، صحابية، توفيت سنة ٢٠ هـ- في خلافة عمر. ينظر: \"أسد الغابة\" ٧/ ١٧٢ - ١٧٤، \"الأعلام\" ٣/ ٢٠٦.\n(٦) هو: الزبير بن العوام بن خويلد الأسدي القرشي، أبو عبد الله، أمه صفية بنت عبد المطلب، هو أول من سل سيفًا في سبيل الله، ما تخلف عن غزوة غزاها الرسول - ﷺ -، أحد المبشرين بالجنة، قتل سنة ٣٦ هـ. ينظر: \"الاستيعاب\" ٢/ ٨٩، \"أسد الغابة\" ٢/ ٢٤٩ - ٢٥٢.","vol":"3","page":543},{"text":"اللَّجَبْ (١).\nوقرأتُ على سعيد بن محمد، قال: قرأت على أبي علي الفارسي، قال: قرأت على أبي إسحاق الزجاج، قال: قرأت على المبرد، عن يونس: لَبِبْتُ لبابًا، وليس في المضاعف حرف على فَعُلت غير هذا، ولم يروه أحدٌ غير يونس (٢).\nوقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ أي: الدماء مخافة القصاص (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-399>١٨٠ </span>- قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ الآية. يعني: إذا تيقن حضور الموت، ورأى أعلامه، ولم يشكُك في قربهِ منه.\nفقوله: ﴿إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ يريد: أسبابَ الموت ومقدماته، من العلل والأمراض. وكان الإيصاء فرضًا قبل نزول أسباب الموت، ولكن يتضيق عند نزول سبب الموت حتى لا يجوز التأخير، فلذلك (٤) قال: ﴿إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ ليس أنه قبل الحضور لم يكتب عليه (٥). وإنما قال:\n_________\n(١) الخبر في \"اللسان\" ٧/ ٣٩٧٩ \"لبب\"، وفيه فقالت: ليَلَبَّ، ويقود الجيش ذا الجلب، أي: يصير ذا لُب، ورواه بعضهم: أضربه لكي يلَبَّ، ويقود الجيش ذا اللجب، قال ابن الأثير: هذه لغة أهل الحجاز، وأهل نجد يقولون: يلِبّ، بوزن فَرَّ يَفِرُّ.\n(٢) ينظر في معاني اللبيب: \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٢٢٤ - ٣٢٢٦، \"المفردات\" ص ٤٤٩، \" اللسان\" ٧/ ٣٩٧٩ (لبب).\n(٣) \"تفسير الطبري\" ٢/ ١١٥، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٩٢.\n(٤) في (ش): (فكذلك).\n(٥) ينظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٥٠، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٩٣، \"البحر المحيط\" ٢/ ١٦، وذكر قولًا آخر: وهو أن المراد بالموت حقيقته لا مقدماته، فيكون الخطاب متوجهًا للأوصياء والورثة أن ينفذوا الوصية.","vol":"3","page":544},{"text":"﴿كُتِبَ﴾، لأنه أراد بالوصية الإيصاء، أو للفصل بين الفعل والوصية؛ لأن الكلام لما طال كان الفاصل بين المؤنث والفعل كالعوض من تاء التأنيث، والعرب تقول: حَضَرَ القاضي امرأةٌ، فَيُذَكِّرون؛ لأن القاضي فَصَل بين الفعل وبين المرأة. وقد أحكمنا هذا فيما سبق (١). ورفع ﴿الْوَصِيَّةُ﴾ من وجهين:\nأحدُهما: على ما لم يسم فاعله، والثاني: على الابتداء، ويكون ﴿لِلْوَالِدَيْنِ﴾ الخبر، وتكون الجملة في موضع رفعٍ بـ ﴿كُتِبَ﴾، كما تقول: قيل: عبدُ الله قائم، فترفع عبدَ الله بقائم، وقائمًا بعبد الله، وتكون الجملة في موضع رفعٍ بـ (قيل) (٢).\nوقوله تعالى: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ الخيرُ: اسم جامعٌ للمالِ وغيرِهِ، والخيرُ يراد به المالُ في كثيرٍ من القرآنِ، كقوله: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ﴾ [البقرة: ٢٧٢] ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات: ٨]، ﴿مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص: ٢٤] (٣).\nوقوله تعالى: ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي: بالشيء الذي يعلم ذوو التمييز أنه لا حيف فيه، فهو العدل الذي لا ينكر، يعني: لا يزيد على الثلث (٤).\n_________\n(١) ينظر: \"التفسير الكبير\" ٥/ ٦٠، \"المحرر الوجيز\" ٢/ ٩٢ - ٩٤.\n(٢) من \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٥٠، وينظر: \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ١١٠، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٩٣، \"التفسير الكبير\" ١/ ٦٠، \"البحر المحيط\" ١/ ١٩.\n(٣) ينظر في معاني الخير: \"المفردات\" ص ١٦٧ - ١٦٨، \"البحر المحيط\" ١/ ١٧.\n(٤) من \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٥٠، وينظر: \"تفسير الطبري\" ٢/ ١١٥، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٩٤، \"المحرر الوجيز\" ٢/ ٩٧.","vol":"3","page":545},{"text":"وقوله تعالى: ﴿حَقًّا﴾ أي: حقَّ ذلك عليكم حقًّا (١).\nوقوله تعالى: ﴿عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ أي: المؤمنين الذين يتقون الشرك (٢).\nوقد اجتمعت العلماء على نسخ هذه الآية (٣).\nوكان السبب في نزول هذه الآية: أن أهل الجاهلية كانوا يوصون بمالهم للبعداء رياءً وسمعةً، ويتركون العيالَ عالةً، فصرف الله بهذه الآية ما كان يُصرف إلى البعداء إلى الأهلِ والأقرباء، فَعُمِل بها ما كان العمل صلاحًا، ثم نسختها آية المواريث (٤)، فكانت الوصية للوالدين والأقربين فرضًا على من مات وله مال، حتى نَزَلَتْ آيةُ المواريث في سورة النساء، فأجمعوا على نسخ الوصية للوالدين والأقربين الذين يرثون (٥)؛ لقوله - ﷺ -:\n_________\n(١) من \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٥١، وينظر: \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٩٤، \"المحرر الوجيز\" ٢/ ٩٧، \"البحر المحيط\" ١/ ٢١، وقيل: نصب على المفعول، أي: جعل الوصية حقًّا، وقيل: على القطع من الوصية.\n(٢) \"تفسير الطبري\" ٢/ ١١٥، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٩٤.\n(٣) تابع المؤلف -﵀- الزجاج في \"معاني القرآن\" ١/ ٢٤٩ في هذا الإجماع، وسيأتي في كلامه ما يدل على نقض هذا الإجماع، وممن ذكر الخلاف في الآية فأطنب: الإمام الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ١١٦، ولو قال -﵀-: أجمع العلماء على نسخ حكم هذه الآية في القريب الوارث، لكان مقاربا، وهذا ما ذكره بعد عدة أسطر.\n(٤) أشار إلى هذا الزجاج في \"معاني القرآن\" ١/ ٢٥٠، وذكره الرازي ٥/ ٦٠.\n(٥) رواه عن ابن عباس: البخاري (٢٧٤٧) كتاب الوصايا، باب: لا وصية لوارث، وأبو داود (٢٨٦٩) الوصايا، باب: ما جاء في نسخ الوصية للوالدين، والدارمي ٢/ ٤١٩ - ٤٢٠، وأبو عبيد في \"الناسخ والمنسوخ\" ص٢٣٠، والطبري ٢/ ١١٧ - ١١٩.","vol":"3","page":546},{"text":"\"ألا إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث\" (١).\nفأما الأقرباء الذين لا يرثون، والوالدان اللذان لا يرثان بكفر أو رقٍّ، ففل تجب الوصية لهم؟ اختلفوا، فذهبت جماعة إلى أن الوصية للوارث نسخت، والوصيِّة لهؤلاء الذين لا يرثون لم تنسخ، وهو (٢) مذهب مسلم بن يسار، والعلاء بن زياد (٣) (٤)، ومسروق (٥) والحسن (٦)، حتى قال\n_________\n(١) أخرجه الترمذي (٢١٢٠) كتاب الوصايا، باب: ما جاء لا وصية لوارث، والنسائي ٦/ ٢٤٧ كتاب الوصايا، باب: إبطال الوصية للوارث، وأبو داود (٢٨٧٠) كتاب الوصايا، باب: ما جاء في الوصية للوارث، وابن ماجه (٢٧١٣) كتاب الوصايا، باب: لا وصية لوارث، وأحمد في \"المسند\" ٤/ ١٨٦ - ١٨٧، عن أبي أمامة الباهلي. وقال الترمذي: حسن صحيح. وحسنه الحافظ في \"التلخيص الحبير\" ٣/ ١٠٦، وللحديث روايات ذكرها الزيلعي في \"نصب الراية\" ٤/ ٤٠٣، وقال الحافظ في \"الفتح\" ٥/ ٣٧٢ بعد أن ذكر رواياته: ولا يخلو إسناد كل منها من مقال، لكن مجموعها يقتضي أن للحديث أصلًا، بل جنح الشافعي في الأم إلى أن هذا المتن متواتر.\nوقال ابن عبد البر في \"التمهيد\" ٢٣/ ٤٤٢: استفاض عند أهل العلم، وقوله: لا وصية لوارث استفاضة هي أقوى من الإسناد والحمد لله.\nوقد ذكره السيوطي ضمن الأحاديث في كتابه: \"الأزهار المتناثرة\" ص ١١٩؛ وكذا الكتاني في \"نظم المتناثرة من الحديث المتواترة\" ص ١٧٦، ينظر: \"نصب الراية\" للزيلعي ٤/ ٤٠٣.\n(٢) في (م): (وهذا).\n(٣) العلاء بن زياد بن مطر العدوي، أبو نصر البصري، ثقة، أحد العباد، توفي في ولاية الحجاج سنة ٩٤ هـ. ينظر: \"الثقات\" ٥/ ٢٤٦، \"تهذيب التهذيب\" ٣/ ٣٤٣.\n(٤) رواه عن مسلم والعلاء في أثر واحد: ابن أبي شيبة في \"المصنف\" ١١/ ١٦٦، وأبو عبيد في \"الناسخ والمنسوخ\" ص ٢٣٢، والطبري في \"تفسيره\" ٢/ ١١٨.\n(٥) هو: أبو عائشة، مسروق بن الأجدع بن مالك الهمداني، تابعي ثقة، من أخص تلاميذ ابن مسعود، كان عابدًا فقيهًا مقرئًا، توفي سنة ١٦٢ هـ، وقيل بعدها. ينظر: \"السير\" ٤/ ٦٣ - ٦٩، \"الأعلام\" ٧/ ٢١٥.\n(٦) رواه عنه الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ١١٨.","vol":"3","page":547},{"text":"الضحاك: من مات ولم يُوص لذي قرابته فقد ختم عمله بمعصية (١).\nوقال طاوس: إن أوصى للأجانب (٢) وترك ذوي قرابته نزع منهم، ورد إلى ذوي قرابته (٣).\nفعلى قول هؤلاء: النسخُ تناول بعض أحكام الآية وهو الوصية للوارث (٤). والأكثرون من العلماء -وهو الذي يعمل به اليوم- على أن حكم الآية كلّه (٥) منسوخ، ولا تجب على أحد وصية لأحد قريب ولا بعيد. وإذا أوصى فله أن يُوصِي لكل من شاء من الأقارب والأباعد إلا الوارث (٦).\nقال أبو عبيد: وعلى هذا القول أجمعت العلماء من أهل الحجاز وتهامة والعراق والشام، منهم سفيان ومالك الأوزاعي (٧) والليث، وجميع\n_________\n(١) رواه الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ١١٦، وسعيد بن منصور في \"السنن\" طبعة الأعظمي ١/ ١٣٥، وذكره النحاس في \"الناسخ والمنسوخ\" ١/ ٤٨٤، ومكي في \"الإيضاح\" ١٤٤.\n(٢) في (ش): (الأجانب).\n(٣) رواه عبد الرزاق في \"مصنفه\" ٩/ ٨١، والطبري ٢/ ١١٧، وعزاه في \"الدر\" ١/ ٣١٩ إلى عبد بن حميد، وذكره الثعلبي ٢/ ١٩٨، والرازي ٥/ ٦٣.\n(٤) عزا الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ١١٧، ١١٨ القول بذلك أيضًا إلى ابن عباس وقتادة والربيع وإياس بن معاوية.\n(٥) سقطت من (م).\n(٦) ينظر: \"تفسير الطبري\" ٢/ ١١٧، \"تفسير ابن أبي حاتم\" ١/ ٢٩٩، \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٥٠، \"الناسخ والمنسوخ\" للنحاس ١/ ٤٨٤، \"تفسير البغوي\" ١/ ١٩٢، \"المحرر الوجيز\" ٢/ ٩٧، \"البحر المحيط\" ١/ ١٧، \"التفسير الكبير\" ٥/ ٦٢.\n(٧) هو: أبو عمرو عبد الرحمن بن عمرو بن أبي عمرو يحمد الأوزاعي، شيخ الإسلام، وعالم أهل الشام، أحد أئمة الدنيا فقهًا وعلمًا وورعًا وفضلًا وزهدًا، توفي سنة ١٥٩ هـ. ينظر: \"السير\" ٧/ ١٠٧ - ١٣٨، \"الأعلام\" ٣/ ٣٢٠.","vol":"3","page":548},{"text":"أهل الآثار والرأي، وهو القول المعمول به، أن الوصية جائزة للناس كلهم، ما خلا الورثة، غير واجبة (١).\nوالخير في هذه الآية حمل على المال الكثير (٢)، فقد روي عن علي ﵁ أنه دخل على مريض يعوده، فقال: إني أريد أن أوصي، فقال علي: إن الله ﷿ يقول: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ وإنما تدع شيئًا يسيرًا، فَدعه لعيالك، فإنه أفضل (٣).\nوروي أيضًا أن رجُلًا قال لعائشة ﵂: إني أريد أن أوصي، قالت: كم مالك؟ قال: ثلاثة آلاف، قالت: كم عيالك؟ قال: أربعة، قالت: إنما قال الله: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ وإن هذا شيء يسير، (٤) فاتركه\n_________\n(١) \"الناسخ والمنسوخ\" لأبي عبيد ص ٢٣١.\n(٢) الخير هنا: المال، في قول جميع المفسرين، وقد اختلف المفسرون فيه: فمنهم من جعل له حدًا معينًا، فمن ترك ذلك أوصى، وإلا فلا، واختلفوا في ذلك الحد، ومنهم من قيده بوصف، وهو المال الكثير عرفا كما بينه الواحدي، ومنهم من أطلق في القليل والكثير، كما روي عن الزهري، ونصره الطبري. ينظر: \"تفسير الطبري\" ٢/ ١٢١، \"تفسير ابن أبي حاتم\" ١/ ٢٩٩، \"التفسير الكبير\" ٥/ ٥٩، \"البحر المحيط\" ١/ ١٧.\n(٣) رواه الثوري في \"تفسيره\" ص ٥٥، وعنه عبد الرزاق في \"المصنف\" ٩/ ٦٣، والدارمي في \"سننه\" ٢/ ٤٠٥، والطبري في \"تفسيره\" ٢/ ١٢١، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ١/ ٢٩٨، وسعيد بن منصور في \"سننه\" ٢/ ٦٥٩، والبيهقي ٦/ ٢٧٠، وابن أبي شيبة في \"المصنف\" ١١/ ٢٠٨، والحاكم في \"المستدرك\" ٢/ ٣٠١، وقال: صحيح على شرط الشيخين وتعقبه الذهبي بقوله: فيه انقطاع يعني الانقطاع بين عروة بن الزبير وعلي -﵁-.\n(٤) في (م): (شيئًا يسيرًا).","vol":"3","page":549},{"text":"لعيالك (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-400>١٨١ </span>- قوله تعالى: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ﴾ الكناية تعود إلى الإيصاء؛ لأن الوصيةَ في معنى الإيصاء، ودالة (٢) عليه، كقوله: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ﴾ [البقرة: ٢٧٥] أي: وعظ. وقيل: الهاء (٣) راجعة إلى الحكم والفرض، إذ كان تأويل ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ﴾: فرض عليكم، فكأنه قال: فمن بدل فرض الله، فيدل ﴿كُتِبَ﴾ على الكَتْبِ فيُكْنى عنه.\nوقيل: الكناية تعود إلى معنى الوصية، وهو قول أو فعل (٤)، قال المفسرون: أي فمن غيّر الوصية من الأوصياء والأولياء والشهود ﴿بَعْدَمَا سَمِعَهُ﴾ من الميت (٥).\nوما: صلة زائدة. والكناية في ﴿سَمِعَهُ﴾ ترجع إلى حيث رجعت الكناية (٦) في ﴿بَدَّلَهُ﴾. وقيل: (ما) بمعنى: الذي، والكناية في ﴿سَمِعَهُ﴾\n_________\n(١) رواه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" ١١/ ٢٠٨، وسعيد بن منصور في \"السنن\" ٢/ ٦٥٦، والطبري في \"تفسيره\" ٢/ ١٢١، والبيهقي في \"الوصايا\"، باب: من استحب ترك الوصية إذا لم يترك شيئًا كثيرًا ٦/ ٢٧٠، ونحوه عن عبد الرزاق في الوصايا، باب: الرجل يوصي وماله قليل ٩/ ٦٣.\n(٢) في (ش): (دالة) بلا واو عطف.\n(٣) في (م): (إنها).\n(٤) ينظر: \"تفسير غريب القرآن\" لابن قتيبة ص ٦٧، \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٥١، \"تفسير الطبري\" ٢/ ١٢١، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٢٠٧.\n(٥) ينظر: \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٢٠٧، \"البحر المحيط\" ٢/ ٢٢، \"التفسير الكبير\" ٥/ ٦٤، \"التبيان\" للعكبري ص ١١٤.\n(٦) سقطت من (م).","vol":"3","page":550},{"text":"راجعة إليه. والمعنى: فمن بدله بعد الذي سمعه، أي: من تغليظ الإثم في التبديل، والعادة في الوصايا أن يُذْكَر فيها تغليظٌ على من بدَّلَها، وهذا فيه بعد؛ لأن التغليظَ ذُكِر بعد قوله: ﴿بَعْدَمَا سَمِعَهُ﴾ وهو قوله تعالى: ﴿فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ﴾ فيبعد أن تجعل ما بمعنى الذي (١).\nوقوله: ﴿فَإِنَّمَا إِثْمُهُ﴾ أي: إثم التبديل على الذين يبدلونه (٢)، أي: على من بدل الوصية، وبرئ الميت (٣).\n﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ قد سمع ما قاله الموصي ﴿عَلِيمٌ﴾ بنيته وما أراد، وعليم بما يفعله الوصي (٤). ويحتمل أن يكون المنهي عن التبديل المُوصي، نهي عن تغيير الوصية عن المواضع التي بين الله سبحانه، وأمر أن يوصي على الوجه الذي أمر الله، وعلى هذا قوله: ﴿بَعْدَمَا سَمِعَهُ﴾ أي: عن (٥) الله تعالى (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-401>١٨٢ </span>- قال الكلبي: كان الأولياءُ والأوصياءُ يمضون وصية الميت بعد نزول هذه الآية وإن كانت مستغرقة للمال، فأنزل الله قوله تعالى: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا﴾ (٧) أي: خشي، وقيل: علم.\n_________\n(١) ينظر في هذه الأقوال: \"تفسير الطبري\" ٢/ ١٢٢، \"تفسير ابن أبي حاتم\" ١/ ٣٠٠، \"التبيان\" للعكبري ص ١١٤، \"التفسير الكبير\" ٥/ ٦٤، \"البحر المحيط\" ٢/ ٢٢.\n(٢) من قوله: (فيبعد) ساقط من (ش).\n(٣) ينظر: \"تفسير الطبري\" ٢/ ١٢٢، ١٢٣، \"الثعلبي\" ٢/ ٢٠٨، \"البغوي\" ١/ ١٩٤.\n(٤) ينظر: \"تفسير الطبري\" ٢/ ١٢٣، \"الثعلبي\" ٢/ ٢٠٨، \"البغوي\" ١/ ١٩٤.\n(٥) في (م): (من).\n(٦) ينظر: \"التفسير الكبير\" ٥/ ٦٤.\n(٧) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ٢١٧، لكنه قال: ثم نسختها هذه الآية: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا﴾. وذكره البغوي ١/ ١٩٤، وروى عبد الرزاق في \"المصنف\" ٩/ ٨٩ عن سفيان الثوري نحوه.","vol":"3","page":551},{"text":"والخوف (١) والخشية يستعملان بمعنى العلم؛ لأن في الخشية والمخافة طرفًا من العلم؛ لأن القائل إذا قال: أخاف أن يقع أمر كذا، كأنه يقول (٢): أعلم، وإنما يخاف لعلمه بوقوعه، فاستعمل الخوف في العلم، قال الله تعالى: ﴿فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا﴾ [الكهف: ٨٠] أي: علمنا، ومنه ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ﴾ [الأنعام: ٥١] وقوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا﴾ [البقرة: ٢٢٩] (٣).\nوقوله: ﴿جَنَفًا﴾ أي: ميلًا، يقال: جَنِفَ يَجْنَفُ جَنَفًا: إذا مال، وكذلك تجانف، ومنه قوله: ﴿غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ﴾ [المائدة: ٣]، (٤).\nقال ابن عباس: يريد: خطأ من غير تعمدٍ (٥).\nقال عطاء: هو أن يُعطي عند حضور أجله بعض ورثته دون بعض (٦).\nوقال طاوس: جنفُه: توليجه، وهو أن يوصي لولد ولده، يريدُ ولدَه (٧).\nوقوله تعالى: ﴿أَوْ إِثْمًا﴾ أي: قصدًا للميل، قال السُدّي (٨) والربيع (٩)\n_________\n(١) في (ش): (فالحوف).\n(٢) في (م): (قال).\n(٣) ينظر: \"تفسير غريب القرآن\" ص ٦٧، \"تفسير ابن أبي حاتم\" ١/ ٣٠١، \"الثعلبي\" ٢/ ٢٠٨، \"المحرر الوجيز\" ٢/ ٩٨، \"البغوي\" ١/ ١٩٤، \"التفسير الكبير\" ٥/ ٦٦.\n(٤) ينظر: \"تفسير الطبري\" ٢/ ١٢٣، \"المفردات\" ص١٠٨، \"التفسير الكبير\" ٥/ ٦٥.\n(٥) رواه الطبري ٢/ ١٢٤، وابن أبي حاتم ١/ ٣٠٢، وقال: وروي عن أبي العالية ومجاهد والضحاك والسدي والربيع بن أنس نحو ذلك.\n(٦) رواه عنه الطبري بنحوه ٢/ ١٢٤، وابن أبي حاتم ١/ ٣٠١.\n(٧) رواه عنه الطبري بنحوه ٢/ ١٢٥، وابن أبي حاتم ١/ ٣٠١.\n(٨) رواه عنه الطبري ٢/ ١٢٥.\n(٩) رواه عنه الطبري٢/ ١٢٧.","vol":"3","page":552},{"text":"وعطية (١): الجنف: الخطأ، والإثم: العمد.\nفمن قال: (خاف) معناه: خشي قال: تأويل الآية: من حَضَر مَرِيضًا وهو يُوصي، فخاف أن يخطئ في وصيته فيفعل ما ليس له، أو يتعمد جورًا فيها فيأمر بما ليس له، فلا حَرَجَ عليه أن يُصلح بينه وبين ورثته، بأن يأمره بالعدل وهذا قول مجاهد (٢).\nومن قال خاف: معناه علم، قال: الميت إذا أخطأ في وصيته، أو حاف فيها متعمدًا، فلا حَرَجَ على من علم ذلك أن يُغَيِّرَه، ويصلح بعد موتِه بين ورثته وبين المُوصَى لهم، من وليّ أو وصيّ أو والي أمر المسلمين، ويردَّ الوصيَة إلى العدل. وهذا معنى قول ابن عباس (٣) وقتادة (٤) والربيع (٥).\nوقوله تعالى: ﴿فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ﴾ يريد: بين الورثة والمختلفين في الوصية، وهم المُوصَى لهم. وسياق الآية وذكر الوصية يدل عليهم، فكنى عنهم (٦).\nوقال الكسائي والفراء (٧): قوله: (أصلح) يدل على أن الصلح يكون\n_________\n(١) رواه عنه الطبري ٢/ ١٢٧.\n(٢) \"تفسير مجاهد\" ١/ ٩٦، وينظر: \"تفسير الطبري\" ٢/ ١٢٣، وعزاه في \"الدر\" ١/ ٣٢٠ إلى عبد بن حميد، وهذا اختيار الطبري.\n(٣) رواه عنه الطبري ٢/ ١٢٤، وابن أبي حاتم ١/ ٣٠٣، وروي عن أبي العالية وطاوس والحسن وإبراهيم وسعيد بن جبير وقتادة والربيع بن أنس ومقاتل نحو ذلك.\n(٤) رواه عنه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ١/ ٦٩، والطبري ٢/ ١٢٤، والجصاص في \"أحكام القرآن\" ١/ ١٧١.\n(٥) رواه عنه الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ١٢٤، وذكره ابن أبي حاتم ١/ ٣٠٣.\n(٦) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٥١، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٢١٦، \"التفسير الكبير\" ٥/ ٦٧، \"البحر المحيط\" ١/ ٢٤.\n(٧) \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ١١١.","vol":"3","page":553},{"text":"بين الورثة والمُوصَى لهم، قال الكسائي: لأنّ أصلح لا يكون على واحد، لا تقول: أصلحت بينَه، ولكن بينهما، أو بينهم.\nوقوله تعالى: ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ إنما قال للمتوسط للإصلاح: ليس عليه إثم، ولم يقل فله الأجر؛ لأنه ذكر إثم التبديل، ونفى الإثم عن المصلح، ليبين أنه ليس بمبدل (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-402>١٨٣ </span>- قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ الآية، الصيام: مصدر صام كالقيام، وأصله في اللغة: الإمساكُ عن الشيء والتركُ له، ومنه: قيل للصمت: صوم، لأنه إمساك عن الكلام، قال الله تعالى: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ [مريم: ٢٦]، وصام النهار: إذا اعتدل وقام قائم الظهيرة، قال امرؤ القيس:\nفَدَعْها وسَلِّ الهَمَّ عنكَ بجَسْرةٍ ... ذَمُولٍ إذا صامَ النهارُ وهَجَّرا (٢)\nوقال آخر:\nحتى إذا صَام النهارُ واعتدَلْ (٣)\n_________\n(١) \"التفسير الكبير\" ٥/ ٦٧، وذكر أربعة أوجه.\n(٢) البيت لامرئ القيس في \"ديوانه\" ٦٣، \"الكامل\" للمبرد ٣/ ٨٩، \"أساس البلاغة\" (مادة: كنز). \"لسان العرب\" ٤/ ٢٥٣٠ (صوم) والجسرة: الناقة النشيطة، والذمول: هو \"السير\" السريع، وهجرا: من الهاجرة، وهي شدة الحر. ينظر: \"الديوان\" ص ٦٣.\n(٣) ورد هذا الرجز بلا نسبة في \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٢٢٦، بعده عنده:\nوسال للشمس لعابٌ فنزل\nوكذا في \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٥٨١، وفي \"لسان العرب\" ٣/ ١٥٢٤، ٣/ ١٩٠١ (ذوب، زيق)، بالرواية التالية:\nوقام ميزان النهار فاعتدل","vol":"3","page":554},{"text":"وصامت الريح: إذا ركدت، وصام الفرس: إذا قام على غير اعتلاف، ومنه قول النابغة:\nخيل صيامٌ وخيلٌ غير صائمة (١)\nويقال: بكرة صائمة: إذا قامتْ فلم تَدُر، وقال الراجز:\nوالبكراتُ شَرُّهن الصائمه (٢)\nومَصَام الشمس: حيث تَستَوى في مُنتصف النهار، وكذلك مَصَام النجم، وروي في شعر امرئ القيس:\nكَأنَّ نُجومًا عُلِّقَتْ في مَصَامِها ... بأَمْراسِ كَتّانٍ إلى صُمِّ جَنْدَلِ (٣)\nهذا هو الأصلُ في اللغة (٤).\nوفي الشريعة: هو الإمساك عن الطعام والشراب والجماع مع اقتران النية به (٥).\n_________\n(١) عجزالبيت:\nتحت العجاج وأخرى تعلك اللجما\nفي ملحق \"ديوانه\" ص ٢٤٠، \"الكامل\" للمبرد ٣/ ٨٩، \"لسان العرب\" ٥/ ٣٠٧٧ (مادة: علك)، ٤/ ٣٥٢٩ (مادة: صوم).\n(٢) ذكره في \"البحر\" ٢/ ٢٦، ولم ينسبه، وذكره في \"اللسان\" ٢/ ٣٣. وقوله: الصائمة: أي التي لا تدور.\n(٣) ينظر: \"ديوانه\" ص ١٩، \"اللسان\" ٤/ ٢٥٣٠ (مادة: صوم).\n(٤) ينظر في (مادة: صوم): \"تفسير الطبري\" ٢/ ١٢٨، \"الثعلبي\" ٢/ ٢٢٥، \"المفردات\" ص ٢٩٣، \"البحر المحيط\" ٢/ ٢٦، \"اللسان\" ٤/ ٢٥٣٠، \"أساس البلاغة\" ٢/ ٣٣.\n(٥) ينظر في تعريفه: \"المغني\" ٤/ ٣٢٣ - ٣٢٥، \"المحرر الوجيز\" ٢/ ٩٩ - ١٠٢.","vol":"3","page":555},{"text":"وإجماعُ المفسرين على أن المراد بهذا الصيام صيام شهر رمضان (١)، وقد كان الفرض في ابتداء الإسلام صومَ يوم عاشوراء وثلاثة أيام من كل شهر، فنسخ ذلك بصيام رمضان قبل قتال بدر بشهرين (٢).\n_________\n(١) حكى الواحدي هذا الإجماع في \"الوسيط\" ١/ ٢٧٢، ولا يسلم له؛ لورود الخلاف؛ حيث يرى جماعة أن المراد صيام ثلاثة أيام من كل شهر، أو صيامها وصيام عاشوراء، على خلاف بين القائلين بذلك، وبه قال قتادة وعطاء، وروي عن ابن عباس.\nوقد بيَّن الحافظ في \"الفتح\" ٨/ ١٧٨ أن الناس اختلفوا في التشبيه الذي دلت عليه الكاف، هل هو على الحقيقة، فيكون صيام رمضان قد كتب على الذين من قبلنا؟ أو المراد: مطلق الصيام دون وقته وقدره؟ قولان، والثاني قول الجمهور. وينظر في ذكر الخلاف: \"تفسير الطبري\" ٢/ ١٣٠، \"المحرر الوجيز\" ٢/ ٩٩ - ١٠٢، \"النكت والعيون\" ١/ ٢٣٠، \"الإجماع في التفسير\" ص ١٩٩ - ٢٠٠.\n(٢) ينظر: \"تفسير الطبري\" ٢/ ١٢٩ - ١٣٠، \"تفسير ابن أبي حاتم\" ١/ ٣٠٤ - ٣٠٥، \"الدر المنثور\" ١/ ٣٢٢.\nقال البغوي ١/ ١٩٦: قيل: كان في ابتداء الإسلام صوم ثلاثة أيام من كل شهر، ثم نسخ بصوم رمضان، ويقال. نزل صوم شهر رمضان قبل بدر بشهر وأيام، قال محمد بن إسحاق: كانت غزوة بدر يوم الجمعة، لسبع عشرة ليلة خلت من شهر رمضان على رأس ثمانية عشر شهرًا من الهجرة، ثم ذكر حديث عائشة في الصحيحين، قالت: كان يوم عاشوراء يومًا تصومه قريش في الجاهلية، فلما قدم رسول الله - ﷺ - المدينة صامه وأمر بصيامه، فلما فرض رمضان كان هو الفريضة، وترك يوم عاشوراء، فمن شاء صامه ومن شاء تركه. البخاري (٢٠٠٢) كتاب الصوم، باب: صوم عاشوراء، ومسلم (١١٢٥) كتاب الصوم، باب: صوم عاشوراء.","vol":"3","page":556},{"text":"وقوله تعالى: ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ قال بعضهم: التشبيه عائد إلى الإيجاب، فنحن متعبدون بالصيام كما تعبد الله من قبلنا من الأمم وأهل الكتابين (١).\nوقيل: إن التشبيه يعود إلى وقت الصوم، وقدر الصوم (٢)، وذلك أن الله تعالى فرض صيام رمضان على اليهود والنصارى، فأما اليهود فإنها تركت الشهر وصامت يومًا من السنة تزعم (٣) أنه يوم غَرَق فِرعون، وكذبت في ذلك أيضًا؛ لأن ذلك اليوم يوم عاشوراء على لسان رسول الله - ﷺ -.\nفأما النصارى فإنهم حَوَّلوا صيامهم إلى فصل اعتدال الهواء؛ لأنهم ربما صاموه في القيظ، فكان يشتدُّ عليهم، فاستدعوا أحبارهم أن ينقلوا الصوم إلى وقت اعتدال الهواء، ويزيدوا عليه زيادة، ففعلوا، وزادوا عشرة أيام، ثم إن حبرًا لهم اشتكى فمه، فنذر إن (٤) شُفي أن يزيد في صومهم عشرة أيام، فبَرَأ فزاد، فصومهم اليوم خمسون يومًا. وهذا معنى قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١] (٥).\n_________\n(١) ينظر: \"تفسير الطبري\" ٢/ ١٢٩، \"المحرر الوجيز\" ٢/ ١٠١.\n(٢) روي عن ابن عباس والحسن وقتادة والسدي. ينظر: \"تفسير الطبري\" ٢/ ١٢٩، ١٣٠، \"ابن أبي حاتم\" ١/ ٣٠٥، \"الثعلبي\" ٢/ ٢٣٢، \"المحرر الوجيز\" ٢/ ١٠١.\n(٣) في (ش): (بزعم).\n(٤) في (ش): (لأن).\n(٥) رواه الطبري ٢/ ١٢٩ عن السدي، وذكره الفراء في \"معاني القرآن\" ١/ ١١٢، والثعلبي ٢/ ٢٣٣، والبغوي ١/ ١٩٥، وعند الثعلبي أن الذي اشتكى ملك وليس حبرًا، وقد روي نحوه مرفوعا إلى النبي - ﷺ -، فقد روى البخاري في \"التاريخ الكبير\" ٣/ ٢٥٤، والطبراني في \"الكبير\" ٤/ ٢٢٦، \"الأوسط\" ٩/ ٩٠، والنحاس=","vol":"3","page":557},{"text":"وقال الشعبي: إنهم أخذوا بالوثيقة فصاموا قبل الثلاثين يومًا، وبعدهَا يومًا ثم لم يزل الآخر يَسْتَنّ بسُنَّة القرن (١) الذي قبله حتى صاروا إلى خمسين يومًا، ولهذا كره صوم يوم الشك (٢).\nقال أبو إسحاق: وموضع ﴿كَمَا﴾ نصب على المصدر، المعنى: فرض عليكم فرضًا كالذي فرض على الذين من قبلكم (٣).\nوقال ابن الأنبارى: يجوز أن يكون في موضع نصب على الحال من الصيام، يراد بها: كتب عليكم الصيام مشبهًا ومماثلًا ما كتب على الذين من قبلكم (٤).\nوقال أبو علي الفارسي: هو صفة لمصدر محذوف، تقديره: كتابة كما كتب يعني: مثل ما كتب عليهم، فحذف المصدر، وأقيم نعته مقامه، قال: ومثله في الاتساع والحذف قولهم في صريح الطلاق: أنتِ واحدة،\n_________\n= في \"الناسخ والمنسوخ\" ١/ ٤٩٢ عن دغفل بن حنظلة، والطبراني في الكبير وقفه عليه، قال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" ٣/ ١٤٢: رواه الطبراني في \"الأوسط\" مرفوعا، ورواه الطبراني في الكبير موقوفًا على دغفل، ورجال إسنادهما رجال الصحيح، وقال الدكتور المنيع في تحقيق \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٢٣٤: الحديث مرسل، دغفل بن حنظلة مخضرم، ولم يصح أن له صحبة.\n(١) في (ش): (القران).\n(٢) ذكره الفراء في \"معاني القرآن\" ١/ ١١١، ورواه الطبري عنه ٢/ ١٢٩، والثعلبي ٢/ ٢٣٤، وقد ورد النهي عن صيام يوم الشك في أحاديث، منها: حديث أبي هريرة، رواه البخاري (١٩١٤) كتاب الصوم، باب: لا يتقدمن رمضان بصوم يوم ولا يومين، ومسلم (١٠٨٢) كتاب الصوم، باب: لا تقدموا رمضان بصوم يوم ولا يومين.\n(٣) من \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٥١، وليس فيه الجملة الأولى.\n(٤) ينظر: \"التبيان\" ١/ ١٤٨، \"المحرر الوجيز\" ١/ ٢٥٠.","vol":"3","page":558},{"text":"يريدون: أنت ذات تطليقة واحدة، فحذف المضاف والمضاف إليه، وأقيم صفة المضاف إليه مقام الاسم المضاف إليه (١).\nوقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ قال ابن عباس: يريد كي تخافوني في حدودي وفرائضي (٢).\nوقال السُدي: لكي تتقوا الأكل والشرب والجماع في وقت وجوب الصوم (٣).\nوقال الزجاج: (٤) لتتقوا المعاصي، فإن الصيام وصلةٌ إلى التقى؛ لأنه يكف الإنسان عن كثير مما تطلَّع إليه النفسُ من المعاصي، و(لعل) هاهُنَا على ترجي العباد، والله ﷿ من وراء العلم أيتقون (٥) أم لا؟ ولكن المعنى: أنه ينبغي لكم بالصوم أن يقوى رَجاؤكم في التقى (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-403>١٨٤ </span>- قوله تعالى: ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ في انتصاب الأيام وجوه: أحدُها: أنها (٧) ظرف لكُتب، كأنه: كتب عليكم الصيام في هذه الأيام، هذا قول الزجاج (٨).\n_________\n(١) ينظر: \"التبيان\" ١/ ١٤٨، وزاد وجهًا رابعًا، وهو أن يكون في موضع رفع صفة للصيام، \"المحرر الوجيز\" ١/ ٢٥٠، \"البحر المحيط\" ٢/ ٢٩.\n(٢) من \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٥٢، وينظر معنى لعل في: \"المفردات\" ص ٤٥٤.\n(٣) رواه عنه الطبري ٢/ ١٢٩، وابن أبي حاتم ١/ ٣٠٥.\n(٤) من قوله: (يريد: كي) مكرر في نسخة (م)، وفيه تقديم وتأخير.\n(٥) في (ش): (أتتقون).\n(٦) من \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٥٢، وينظر: \"البحر المحيط\" ٢/ ٣١، فيه مناقشات للأعاريب المذكورة.\n(٧) في (م): (آنه).\n(٨) من \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٥٢.","vol":"3","page":559},{"text":"وقال الفراء: هي نصب على خبر ما لم يسم فاعله؛ لأن كل ما لم يسم فاعله، إذا كان فيه اسمان أحدهما غير الآخر رفعتَ واحدًا ونصبت الآخر، كما تقول: أُعطي عبدُ الله المال، ولا تبال أكان المنصوب معرفةً أو نكرة، فإن كان الآخر نعتًا للأول، وهما معرفتان، رفعتهما جميعًا، فقلت: ضُربَ عبدُ الله الظريفُ، رفعتَه؛ لأنه عبد الله، وإن كان نكرة نصبته، قلت: ضُرِبَ عبدُ الله راكبًا وماشِيًا ومظلومًا (١).\nقال أبو إسحاق: ليس هذا بشيء، لأن الأيام هَاهُنَا معلقة بالصوم، وزيد والمال مفعولان لأُعطي، فلك أن تقيم أيهما شئت مقام الفاعل، وليس في هذا إلّا نصب (٢) أيام بالصيام (٣).\nونصر أبو علي الفارسي قول الفراء، وقال: يجوز أن ينتصبَ الأيام انتصاب المفعول به على السعة، وهو أن يكون الأيام اسمًا لا ظرفَّاَ، فتخرجها من حيّز الظروف إلى حيز الأسماء، متسعًا فيها، وهذا الاتساع كثير واسع في الظروف، وقد جاء التنزيل به، وهو قوله: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [سبأ: ٣٣]، فجواز الإضافة إليهما (٤) دل على خروجهما من الظرف، ومتى وقعت الإضافة إلى هذه الأسماء المستعملة ظروفًا أخْرَجَتها الإضافة عن ذلك وأدخلتها في حَيّزِ الأسماء، وقد نص سيبويه على جواز هذا في قوله: يا سارقَ الليلةِ أهلَ الدار.\n_________\n(١) من \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ١١٢، وقد خطأ أبو حيان في \"البحر المحيط\" ٢/ ٣١ قول الفراء وناقشه.\n(٢) في (ش): (ونظر).\n(٣) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٥٢.\n(٤) في (م): فجواز إليهما وفي (ش): (إليها).","vol":"3","page":560},{"text":"وإذا كان هذا الاتساع على ما ذكرت لك في الكثرة والحسن ومجيء التنزيل به، فلم ينكر أن تحمل هذه الآية أيضًا عليه، وإذا حمل عليه، كان بمنزلة: أُعطي زيدٌ المال، ولا يمتنع على هذا التقدير أن تكون الأيام ظرفًا لـ (كُتِبَ)، ولا شيءَ يمنع من كون الأيام ظرفًا لكُتِبَ؛ لأن الصّيَام مفروض مكتوب في أيام معدودات، وإذا كان ظرفًا له لم يمتنع أن يتسع فيه، فينتصب انتصاب المفعول به، وإذا نصب انتصاب المفعول به كان بمنزلة: أُعطى زيدٌ المال، وصار الأيام في موضع المال، لا إشكال في جواز هذا الوجه، فقد بان أن ما منعه أبو إسحاق من إجازة أن ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ بمنزلة أعطي زيدٌ المال جائز غير ممتنع.\nوعند أبي علي يجوز أن تُعمل (الصيام) في الأيام، ثم (١) يجوز في انتصاب الأيام الوجهان اللذان ذكرنا إذا أعملت فيها (كتب)، من الظرف والانتصاب على المفعول به، فالظرف أن تجعل الأيام ظرفًا للصيام لا للكتابة، كما تقول: كتب عليكم الدخول يوم كذا، يجوز (٢) أن تجعل اليوم ظرفًا للدخول، وإن جعلت الأيام مفعولًا به لصيام أعملت الصيَام وهو مصدر، فنصبت به، والمصدر يعمل عمل الفعل، كقوله: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ﴾ [البقرة: ٢٥١]، وهو كثير، ومثله:\nلحِقتُ فلم أنكُلْ عن الضرب مِسْمَعَا\nقال أبو علي: والأجودُ فيمن جَعَل الأيامَ معمول الصيام أن ينصب على أنه ظرف ولا يجعله مفعولًا للمصدر؛ لأنه يعمل المصدر وفيه الألف\n_________\n(١) (ثم) ساقطة من (ش).\n(٢) في (ش): (ويجوز).","vol":"3","page":561},{"text":"واللام إعمال الفِعل، وذلك لا يحسن؛ لأن الفعل نكرة، فحُكْمُ ما قام مقامه ويعمل عمله أن يكون مثلَه، وإن كان أصحاب سيبويه قد أجازوه.\nفأما (١) قوله: عن الضرب مسمَعَا، فقد قيل فيه: إن مسمعًا مفعول (لحقت) دون الضرب، فإن قيل: الإضافة في التعريف كالألف واللام، وقد جاء المصدر عاملًا في الإضافة، كقوله: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ﴾ [البقرة: ٢٥١] قيل: الإضافة أسهل من الألف واللام، ألا ترى أن الإضافة قد تقدر فيها الانفصال كثيرًا والألف واللام لا تشبهها، فلهذا رجَّحْنا قول من جعله ظرفًا، ولا يمتنع كون الأيام ظرفًا للصيام؛ لأن الصيام فيها، كما أن الكتابة فيها. وجمهور المفسرين على أن المراد بالأيام المعدودات: شهر رمضان (٢).\nوقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿أُخَرَ﴾ فيه معنى الشرط والجزاء، أي: من يكن منكم مريضًا أو مُسافرًا فأفطر فليقض. وإذا قدرت فيه معنى الشرط كان المراد بقوله: ﴿كَانَ مِنْكُمْ﴾ الاستقبال لا المضي، كما تقول: من أتاني أتيته، وفي الآية إضمارة لأن التقدير: فأفطر فعدة؛ لأن القضاء إنما يجب بالإفطار لا بالمرض والسفر، ومثله قوله: ﴿أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٦]، والحذف كثير في كلام العرب إذا كان فيما (٣) أُبقي دليلٌ على ما أُلقي، قال ذُو الرمة:\n_________\n(١) في (ش): (وأما).\n(٢) ينظر: \"تفسير الطبري\" ٢/ ١٣١، ١٣٢، وهو اختياره، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٢٣٦، \"البحر المحيط\" ١/ ٣٠.\n(٣) في (م): (ما).","vol":"3","page":562},{"text":"فلما لبسن الليل أو حين نصَّبت ... له من خذا آذانها وهو جانح (١)\nأراد: أو حين أقبل (٢).\nونذكر في الآية التي بعد هذه حكم المرض والسفر في الصوم.\nوأصل السَّفَر من الكشف، وذلك أنه يكشف من أحوالِ الرجالِ وأخلاقهم، والمِسفَرة: المكنس؛ لأنها تُسِفر التراب عن الأرض، والسَّفيرُ: الداخل بين اثنين للصُّلح؛ لأنه يكشف المكروه الذي اتصل بهما، والمُسْفِر: المضيء؛ لأنه قد انكشف وظهر، ومنه: أسفر الصبح، والسِّفُر: الكتاب؛ لأنه يكشف عن المعاني ببيانه، ومنه ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ﴾ [عبس: ١٥]، أي: كتبة؛ لأن الكاتب يكشف عن المعاني، وسفرتِ المرأةُ عن وجهها: إذا كشفت النقاب (٣).\nقال الأزهري: وسمي المسافر مُسَافرًا، لكَشْفِه قناع الكِنِّ عن وَجْهه، وبروزه للأرض الفضاء، وسُمي السَّفرُ سَفَرًا؛ لأنه يسفر عن وجوه المسافرين وأخلاقهم، فيظهر ما كان خافِيًا مِنْهَا (٤).\nوقوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ﴾ أي: فعليه عدة، كقوله: ﴿فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ١٧٨]، والتقدير: فعليه صومُ عِدّةٍ، ويكون هذا من باب حذف المضاف (٥).\n_________\n(١) البيت في \"ديوانه\" ص ٨٩٨.\n(٢) ينظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٥٢، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٢٣٩، \"البحر المحيط\" ٢/ ٣٢ - ٣٣، \"التبيان\" ص١١٦.\n(٣) ينظر في السفر: \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٧٠١، \"المفردات\" ص ٢٣٩، \"لسان العرب\" ٤/ ٢٠٢٤ (سفر).\n(٤) \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٧٠٢ (سفر).\n(٥) \"تفسير الطبري\" ٢/ ١٣٢، \"البحر المحيط\" ٢/ ٣٢، \"التبيان\" ١/ ١١٦.","vol":"3","page":563},{"text":"وقال أبو إسحاق: التقدير فالذي ينوب عن صومِهِ عِدة (١). والعِدَّةُ: فِعْلَة من العَدِّ، وهو بمعنى المعدودة، كالطِّحْن بمعنى المطحون، ومنه يُقَالُ للجماعة المعدودة من الناس: عِدَّة، وعِدّة المرأة من هذا (٢).\nوقوله تعالى: ﴿مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ أراد غير أيام مرضه أو سفره (٣). و(أُخَر) لا ينصرف؛ لأنها جمع أُخرى تأنيث آخر، وآخَرَ على وزن أفعل، وما كان على وزن أفعل فإنه يُستَعمل مع مِنْ أو بالألف واللام، فيقالُ: زيدٌ أفضل من عمرو، وزيد الأفضل، والألف واللام مُعاقبة لـ (مِن) في باب أفعل، فكان القياس يُوجب أن يقال: زيد آخر من عمرو، كما يقال: أقدم من عمرو، إلا أنهم حذفوا (من) من آخر؛ لأن لفظه اقتضى معنى مِنْ، فأسقطوا (مِنْ) اكتفاء بدلالة اللفظ عليه، والألف واللام تعاقب (مِنْ)، فلما جاز استعماله بغير الألف اللام صار آخر وأُخر وأُخْرى معدولة عن حكم نظائرها؛ لأن الألف واللام استعملتا فيها، ثم حُذفتا.\nفإن قيل: الخروج عن النظائر يُوجب للاسم البناء، فهلا بُني آخر وأُخرى وأخَرُ؟ قيل: إنها وإن خرجت عن حكم نظائرها فليس هو خروجًا مُبَاينًا لما عليه الأسماء، وإنما هو خروج عن حكم تعريف إلى تنكير، وأكثر الأسماء يلحقها التعريف والتنكير، فلم يكن لهذه المخالفة قوةٌ توجب البناء، إلا أنه قد نقصت بهذا العدل لها درجة عن حكم أخواتها، فجعل هذا العدل لها من أقسام العلل المانعة للصرف، فاجتمع فيها في حال\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٥٢.\n(٢) ينظر: \"المفردات\" ص ٣٢٧، \"البحر المحيط\" ٢/ ٣٢ - ٣٣،\"لسان العرب\" ٥/ ٢٨٣٢ - ٢٨٣٦ (عدد).\n(٣) \"تفسير الطبري\" ٢/ ١٣٢، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٢٤٠.","vol":"3","page":564},{"text":"التنكير العدل والصفة، فلذلك لم تنصرف، ومعنى الصفة: أنها مما يوصف به، ألا ترى أنها صفة للأيام في هذه الآية (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ قال الأزهري: يُقَال: طَاقَ يَطُوقُ طَوْقًا، وأَطَاق يُطِيقُ إِطَاقَةً وطَاقَةً، كما يقال: طاع يَطُوعُ طَوْعًا، وأَطَاع يُطِيعُ إِطَاعة وطَاعَةً، والطَّاعَة والطاقة: اسمان يوضعان موضع المصدر (٢).\nوقوله تعالى: ﴿فِدْيَةٌ﴾ الفِدْيَة: الجزاء والبدل، من قولك: فديته بكذا، أي (٣): أعطيته بدلًا منه (٤)، كقوله تعالى: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠٧]، ومضى الكلام في هذا عند قوله: ﴿أُسَارَى تُفَادُوهُمْ﴾ [البقرة: ٨٥].\nوقوله تعالى: ﴿طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ قرأ أهل المدينة والشام بإضافة الفِدْيَةِ إلى الطَّعَام وجمع المساكين (٥).\nومعنى الآية: وعلى الذين يطيقون الصيامَ فأفطروا فديةُ طعامٍ؛ لأن\n_________\n(١) ينظر: \"المفردات\" ص ٢٣، \"البحر المحيط\" ١/ ٣٤، \"اللسان\" ١/ ٣٨ (أخر).\n(٢) \"تهذيب اللغة\" ١/ ١٣١ (طبق).\n(٣) في (م): إذا.\n(٤) ينظر: \"تفسير الطبري\" ٢/ ١٤١، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٢٥٤، \"المفردات\" ٣٧٦ ص، \"مجمل اللغة\" ٣/ ٧١٤.\n(٥) هذا إجمال في ذكر القراءات، تفصيله: قرأ نافع وأبو جعفر وابن ذكوان بحذف تنوين (فدية)، وجر (طعام) وجمع (مساكين)، وفتح نونه بغير تنوين، والباقون بتنوين (فدية)، ورفع (طعام)، وإفراد (مساكين)، وكسر نونه منونة، إلا هشامًا فقرأ بجمع مساكين كقراءة نافع ومن معه. ينظر: \"النشر\" ٢/ ٢٢٦، \"البدور الزاهرة\" ص ٥٦.","vol":"3","page":565},{"text":"الفدية وجبت بالإفطار لا بالإطاقة، وإنما أضافوا الفدية إلى الطعام، وهي طعام؛ لأن الفدية اسم للقدر الواجب، والطعام اسم يعم الفدية وغيرها، فهذه الإضافة من الإضافة التي تكون بمعنى من، وهو أن تضيف الاسم إلى اسم (١) يقع على الاسم الأول، كقولك: ثوبُ خَزٍّ، وقميصُ كتانٍ، وخاتم حديد، والمعنى: ثوبٌ من خَزٍّ، وقميصٌ من كتان، وخاتم من حديد. ألا ترى أنك تطلق على الثوبِ اسم الخز، وعلى القميص اسم الكتان، وعلى الخاتم اسم الحديد، كذلك هاهنا التقدير: فديةٌ من طعام، فأضفت الفدية إلى الطعام، وأنت تطلق على الفدية اسم الطعام. وجمعوا المساكين؛ لأن الذين يطيقونه جماعة، وكل واحد منهم يلزمُهُ طَعامُ مِسْكِين (٢).\nوقرأ الباقون: (فِديةٌ) منونةً ﴿طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ على واحد، جعلوا ما بعد الفدية تفسيرًا لها، ووحَّدُوا المسكين؛ لأن المعنى: على كل واحد لكل يوم إطعام مسكين.\nومثل هذا في المعنى قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ﴾ وليس جميع القاذفين يُفرَّقُ فيهم جلد ثمانين، إنما على كل واحد منهم جلد ثمانين (٣) فكذلك على كل واحد منهم طعام مسكين، فأفرد هذا كما جَمَعَ قوله: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ﴾.\nوقال أبو زيد: أتينا الأميرَ فكسانا كلَّنا حُلّةً وأعطى كلَّنا مائةً، قال:\n_________\n(١) في (ش): (الاسم).\n(٢) ينظر: \"الحجة\" ٢/ ٢٧٣ - ٢٧٤، \"تفسير الطبري\" ٢/ ١٤١، \"المحرر الوجيز\" ٢/ ١٠٦، \"البحر المحيط\" ٢/ ٣٧.\n(٣) من قوله: (إنما على ..) ساقطة من (ش).","vol":"3","page":566},{"text":"معناه: كسا كلَّ واحدٍ منا حُلَّةً وأعطى كل واحدِ منا مائة (١).\nفأما حكم قوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾ فقال ابن عباس: كانت الإطاقة أن الرجل أو المرأة كان يصبح صائمًا، ثم إن شاء أفطرَ وأطعم لذلك مسكينًا، فنسختها هذه الآية: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (٢) وهذا قولُ سلمة بن الأكوع (٣) (٤)، وعبد الرحمن بن أبي ليلى (٥) (٦)، وعلقمة بن قيس (٧)، وابن شهاب (٨)، ومذهب أكثر\n_________\n(١) من كلام أبي علي في \"الحجة\" ٢/ ٢٧٣، وينظر: \"تفسير الطبري\" ٢/ ١٤١، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٢٤٦ - ٢٤٧، \"المحرر الوجيز\" ٢/ ١٠٧، \"البحر المحيط\" ١/ ٣٧.\n(٢) أبو داود في الصوم، باب: نسخ قوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ ٢/ ٣٠٥ برقم ٢٣١٦، من طريق عكرمة، وابن الجوزي في \"نواسخ القرآن\" ص٢٠٣، من طريق ابن سيرين، ورواه أبو عبيد في \"الناسخ والمنسوخ\" ص ٤٣، والنحاس في \"الناسخ والمنسوخ\" ١/ ٤٩٥، وابن أبي حاتم ١/ ٣٠٧، من طريق عطاء الخراساني، ورواه الطبري ٢/ ١٣٤ من طريق عطية.\n(٣) هو: سلمة بن عمرو بن سنان الأكوع الأسلمي، صحابي ممن بايع تحت الشجرة، غزا مع الرسول - ﷺ - سبع غزوات، وكان شجاعًا بطلًا راميًا عدّاءً، توفي بالمدينة سنة ٧٤ هـ. ينظر: \"أسد الغابة\" ٢/ ٤٢٣، \"الأعلام\" ٣/ ١١٣.\n(٤) رواه عنه البخاري (٤٥٠٧) كتاب التفسير، باب: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾، ومسلم (١١٤٥) كتاب الصيام، باب: بيان نسخ قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾، والطبري ٢/ ١٣٤.\n(٥) هو: عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري المدني ثم الكوفي، تابعي ثقة، مات بوقعة الجماجم سنة ٨٣ هـ. ينظر: \"تقريب التهذيب\" ص ٣٤٩ (٣٩٩٣)، وذكر أسماء التابعين ومن بعدهم ١/ ٢١٢.\n(٦) رواه عنه البخاري (١٩٤٩) كتاب الصوم، باب: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾، والطبري ٢/ ١٣٤، وابن أبي حاتم ١/ ٣٠٦.\n(٧) رواه عبد الرزاق في \"المصنف\" ٤/ ٢٢٢، وأبو عبيد في \"الناسخ والمنسوخ\" ص ٤٤، والطبري ٢/ ١٣٣، وابن أبي حاتم ١/ ٣٠٨.\n(٨) رواه أبو عبيد في \"الناسخ والمنسوخ\" ص ٤٤، والطبري في \"تفسيره\" ٢/ ١٣٤.","vol":"3","page":567},{"text":"العلماء (١)، قالوا: كان في ابتداء إيجاب الصوم من شاء صام ومن شاء أفطر وافتدى بالطعام، ثم نسخ الله سبحانه ذلك بقوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾.\nوقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾ قال ابن عباس: زاد في الصدقة، يعنى: على المُدِّ الوَاحِدِ (٢)؛ لأنه كان يجب مدٌّ واحدٌ على من أطاق الصومَ فَأَفْطَر قبل النسخ، في قول أهل الحجاز وأكثر العلماء (٣).\nوقال مجاهد (٤) والسُدّى (٥): يطعم مسكينين، وفي هذا القول أيضًا زيادة الصدقة؛ لأنه إذا زاد مسكينا يجب أن يزيد في الصدقة حتى يكون متطوعًا. وقال ابن شهاب: يريد: من صام الفِدْية فهو خيرٌ له (٦) (٧).\n_________\n(١) ينظر: \"تفسير الطبري\" ٢/ ١٣٣ - ١٣٦، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٢٥٢، \"أحكام القرآن\" لابن العربي ١/ ٧٩، \"المحرر الوجيز\" ٢/ ١٠٧، \"الناسخ والمنسوخ\" لهبة الله بن سلامة ص ٤٣، \"البحر المحيط\" ٢/ ٣٦ - ٣٧.\n(٢) رواه عنه الطبري ٢/ ١٤٢، ورواه ابن جريج وخصيف بن عبد الرحمن عن مجاهد، كما في \"تفسير الطبري\" ٢/ ١٤٢، \"تفسير الثوري\" ٥٦، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" ١/ ٣٠٩.\n(٣) ينظر: \"المغني\" ٤/ ٣٩٥، و\"تفسير البغوي\" ١/ ١٩٧.\n(٤) رواه عن مجاهد ابن جريج كما في \"تفسير الطبري\" ٢/ ١٤٢، وأشار إليها عبد الرزاق في \"المصنف\" ٤/ ٢٢٣، ورواها عنه خصيف بن عبد الرحمن كما في \"تفسير الثوري\" ص ٥٦، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" ١/ ٣٠٩.\n(٥) رواه عنه الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ١٤٣، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ١/ ٣٠٩.\n(٦) رواه عنه أبو عبيد في \"الناسخ والمنسوخ\" ص ٤٥، و\"تفسير الطبري\" ٢/ ١٤٣، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" ١/ ٣٠٩.\n(٧) قال الطبري ٣/ ٤٤٣: والصواب من القول في ذلك عندنا: أن الله -تعالى ذكره- =","vol":"3","page":568},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ أي: الصوم خيرٌ لكم، فالجملة ابتداء وخبر.\nوالمعنى: والصوم خيرٌ لكم من الإفطار والفدية، وهذا إنما كان خيرًا لهم قبل النسخ، وبعد النسخ فلا يجوز أن يقال: الصوم خيرٌ من الإفطار والفدية (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-404>١٨٥ </span>- قوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾ الآية، الشهر: مأخوذ من الشهرة، تقول شَهَرَ الشيء يَشْهَرُه شَهْرًا: إذا أظهره، وسمي الشَّهْرُ شهرًا لشهرة أمره في حاجة الناس إليه في معاملاتهم، ومحل ديونهم، وقضاء نسكهم في صومهم وحجهم وغير ذلك من أمورهم.\nقال الليث: والشهر: ظهور الشيء، وسمي (٢) الهلال شهرًا، قال ابن الأعرابي: لأنه يشهر به (٣).\n_________\n= عمم بقوله: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾، فلم يخصص بعض معاني الخير دون بعض، فإن جمع الصوم مع الفدية من تطوع الخير، وزيادة مسكين على جزاء الفدية من تطوع الخير، وجائز أن يكون الله -تعالى ذكره- عنى بقوله: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾، أيَّ هذه المعاني تطوع به المفتدي من صومه فهو خير له؛ لأن كل ذلك من تطوع الخير ونوافل الفضل. وقد ذكر ابن العربي ١/ ٨٠ قول من قال: (فمن تطوع)، أي: زاد على طعام مسكين، وقيل: من صام، وهذا ضعيف؛ لقوله تعالى بعد ذلك: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾. معناه: الصوم خير من الفطر في السفر، وخير من الإطعام، وتحقيق ذلك أن الصوم الفرض خير من الإطعام النفل، والصدقة النفل خير من الصوم النفل .. اهـ\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٥٣.\n(٢) في (م): (ويسمى).\n(٣) نقله عنه في \"اللسان\" ٤/ ٢٣٥١ (شهر).","vol":"3","page":569},{"text":"وقال الزجاج: سمي الهلال شهرًا لشُهْرتِه وبيانه (١).\nوقال بعضهم: سُمي الشهر شهرًا باسم الهلال إذا أهلّ سمي شهرًا. والعرب تقول: رأيتُ الشَّهْرَ، أي: رأيت هلاله، قال ذو الرمة:\nيرى الشَّهْرَ قَبْلَ الناسِ وهو بخيلُ (٢)\nوقد أَشْهَرْنا، أي: أتى علينا شَهْرٌ.\nقال الفراء: ولم أسمع منه فعلًا إلا هذا (٣). وارتفع على البدل من الصيام، كأن المعنى: كتب عليكم شَهْرُ رمضانَ. ويجوز أن يكون ابتداءً، وخَبرُه الذي مع صلته، كقولك: زيد الذي في الدار (٤).\nوقال الأخفش: ارتفع على أنه خبر ابتداء محذوف، المعنى: هي شهر رمضان (٥)؛ لأن قوله: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾ تفسيرٌ للأيام المعدُودات، وتبيين لها، ونحو هذا قال الفراء (٦)، أراد: ذلكم شهر رمضان، الصيام شهر رمضان، أي: صيامه كما قال في: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا﴾ [النور: ٢] أي: فيما فرض عليكم الزانية والزاني، أي: حكمهما، وكذلك: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا﴾ قال: والأشبه أن يكون ﴿الَّذِي﴾ وصفًا، ليكون النص قد وقع على الأمر بصيام الشهر، يعنى: أَنَّكَ إن جعلت الذي خبرًا\n_________\n(١) من \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٥٩، ونقله عنه في \"اللسان\" ٤/ ٢٣٥١ (شهر).\n(٢) البيت في \"ديوانه\" ص ٥٦١، وورد في \"البحر المحيط\": نحيل.\n(٣) ينظر في معاني الشهر: \"تفسير الطبري\" ٢/ ١٤٤، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٢٦٤، \"المفردات\" ص ٢٧٣، \"اللسان\" ٤/ ٢٣٥١ (شهر).\n(٤) ينظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٥٣.\n(٥) \"معاني القرآن\" للأخفش ١/ ٣٥٢.\n(٦) \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ١١٢.","vol":"3","page":570},{"text":"لم يكن شهر رمضان منصوصًا على صومه بهذا (١) اللفظ، إنما يكون مخبرًا عنه بإنزال القرآن فيه، قال: وإذا جعلت الذي وصفًا كان حقُّ النظر أن يكنى عن الشهر في قوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ كقولك: شهر رمضان المبارك من شهده فليصمه، قال: وهذا كقوله: ﴿الْحَاقَّةُ (١) مَا الْحَاقَّةُ﴾ [الحاقة:١ - ٢] و﴿الْقَارِعَةُ (١) مَا الْقَارِعَةُ﴾ [القارعة:١ - ٢] ونحو ذلك، يعنى: أن ذكر الابتداء أعيد ولم يُكْنَ عنه للتعظيم، كذلك في هذه. والفاء في قوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ﴾ داخل على خبر الابتداء، وليس من حق خبر الابتداء (٢) دخول الفاء عليه. ونذكر الكلام فيه إذا انتهينا إليه (٣).\nو﴿رَمَضَانَ﴾ لا ينصرف للتعريف وزيادة الألف والنون، مثل: عثمان وسَعْدان. واختلفوا في اشتقاق ﴿رَمَضَانَ﴾، فقال بعضهم: هو مأخوذ من الرمض، وهو حرُّ الحِجَارة من شدّة حَرِّ الشمس، والاسم: الرَمْضَاء، رَمِضَ الإنسان رَمَضًا: إذا مشى على الرَمضاء، والأرض رَمِضة، فسُمي هذا الشهر رمضان؛ لأن وجوبَ صَومه وافقَ بشِدَّة الحرّ، وهذا القول حكاه الأصمعي عن أبي عمرو (٤).\nوحكي عن الخليل أنه قال: مأخذه من الرَّمَضي (٥)، وهو من السَحَاب\n_________\n(١) في (ش): (فهذا).\n(٢) في (م): (المبتدأ).\n(٣) ينظر: \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ١١٢ - ١١٣، \"تفسير الطبري\" ٢/ ١٤٦ - ١٤٩، \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٥٣، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٢٦٣، \"التبيان\" ص١١٨، \"البحر المحيط\" ١/ ٣٨ - ٣٩، \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ٢٣٨.\n(٤) رواه الثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ٢٦٧، وقد ذكره الأزهري في \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٤٦٨ (رمض) ولم ينسبه لأحد.\n(٥) عند الثعلبي: (الرمض).","vol":"3","page":571},{"text":"والمطر: ما كان في آخرِ القَيْظ وأول الخريف، سمّي رمَضيًا لأنه يُدرِك سخونةَ الشمس وحَرَّها، فسمي هذا الشهر رمضان؛ لأنه يغسل (١) الأبدان من الآثام (٢).\nوقيل: هو من قولهم: رمَضتُ النصْلَ أرمِضُه رَمْضًا: إذا دقَقْتَه بين حجرين ليرقَّ، ونصل رَميض ومَرْمُوض، فسمي هذا الشهر رمضان لأنهم كانوا يرمُضُون فيه أسلحتهم، ليقضوا منها أوطارهم في شوالٍ قبل دخول الأشهر الحرم، وهذا القول يُحْكَى عن الأزهري (٣)، وعلى القولين الأولين يجب أن يكون هذا الاسم إسلاميًا، وقبل الإسلام لا يكون له هذا الاسم، وعلى ما حكاه الأزهري، الاسم جاهلي (٤).\nوروي مرفوعًا أن النبي - ﷺ - قال ذات يوم لأصحابه: \"أتدرون لم سمي شعبان؟ \" قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: \"لأنه يشعب (٥) فيه خير كثير لرمضان\"، أتدرون لم سُمي رمضان؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: \"لأنه يرمض الذنوب\" (٦). والإرماض: الإحراق.\n_________\n(١) في (م): زيادة (لأنَّ وجوب صومه يغسل).\n(٢) ذكره عنه الثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ٢٦٩، وعزاه الأزهري في \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٤٦٩ (رمض) إلى أبي عمرو.\n(٣) لم يذكره في \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٤٦٨، وذكره أبو حيان في \"البحر المحيط\" ٢/ ٢٦، ولم ينسبه لأحد.\n(٤) ينظر في رمضان: \"تفسير الطبري\" ٢/ ١٤٤، \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٤٦٨ - ١٤٦٩، \"المفردات\" ص٢٠٩، \"اللسان\" ٣/ ١٧٣٠، \"البحر المحيط\" ٢/ ٢٦ (رمض).\n(٥) سقطت من (ش).\n(٦) أخرجه ابن الشجري في \"أماليه\" ٢/ ١٠٢.","vol":"3","page":572},{"text":"وروى سلمة عن الفراء، يقال: هذا شهر رمضان، وهما شهرا ربيع، ولا يُذكَر الشهرُ مع سائر أسماء الشهور العربية (١)، ونحو هذا يروى عن مجاهد (٢)، أنه كره أن يقال: رمضان.\nوروى أنس أن النبي -ﷺ- قال: \"لا تقولوا رمضان، انسبوه كما نسبه الله في القرآن، فقال: شهر رمضان\" (٣).\nوقوله تعالى: ﴿أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ قال ابن عباس: أنزل القرآن جملة واحدة من اللوح المحفوظ في ليلة القدر من شهر رمضان، فوضع في\n_________\n(١) ذكره الأزهري في \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٤٦٩، وزاد، يقال: هذا شعبان قد أقبل، وكذا في \"اللسان\" ٣/ ١٧٣٠ (رمض).\n(٢) رواه عنه الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ١٤٤، ورواه ابن أبي حاتم عن جماعة منهم مجاهد ومحمد بن كعب القرظي، وقال ابن أبي حاتم ١/ ٣١٠: ورخص فيه ابن عباس وزيد بن ثابت.\n(٣) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" عن أنس ٢/ ٢٦٥، وليس في شئ من المصادر الحديثية عن أنس، بل روى من حديث أبي هريرة وابن عمر وعائشة - ﵂ - عند ابن عدي في \"الكامل\" ٧/ ٥٣، والبيهقي ٤/ ٢٠١ والجوزقاني في \"الأباطيل والمناكير والصحاح والمشاهير\" ٢/ ٨٨، وابن أبي حاتم ١/ ٣١٠، وحكم ابن الجوزي عليه في \"الموضوعات\" ٢/ ١٨٧ بأنه موضوع لا أصل له، وقال المعلمي في تعليقه على \"الفوائد المجموعة\" ص ٨٧ موضوع بلا ريب، وضعفه القرطبي في \"تفسيره\" ٢/ ٢٧٨، وقال: والصحيح جواز إطلاق رمضان من غير إضافة كما ثبت في الصحاح وغيرها.\nروى مسلم (في الصيام، باب: فضل شهر رمضان برقم ١٠٧٩)، عن أبي هريره أن رسول الله - ﷺ - قال: \"إذا جاء رمضان فتحت أبواب الرحمة، وغلقت أبواب النار، وصُفِّدت الشياطين\". ورواه البخاري برقم [١٨٩٨] ثم ذكر القرطبي آثارًا كثيرة كلها بإسقاط الشهر.","vol":"3","page":573},{"text":"بيت العزة في سماء الدنيا، ثم نزل به جبريل على محمد - ﷺ - نجومًا (١) عشرين سنة (٢).\nوقال سفيان بن عيينة: ﴿أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ معناه: أنزل في فضله القرآن. وهذا اختيار الحسين بن الفضل، قال: ومثله: أن تقول: أنزل في الصديق كذا آية، تريد في فضله (٣).\nوقال ابن الأنبارى: أنزل في فرضه وإيجاب صومه على الخلق القرآن. كما تقول: أنزل الله في الزكاة كذا وكذا تريد في فرضها، وأنزل في الخمر كذا تريد في تحريمها (٤). فأما (٥) القرآن فهو اسم لكلام الله تعالى\n_________\n(١) سقطت من (ش).\n(٢) رواه أبو عبيد في \"فضائل القرآن\" ٣٦٧، والنسائي في \"تفسيره\" ٢/ ١٣١، والحاكم ٢/ ٢٤٢، وصححه، والبيهقي في \"دلائل النبوة\" ٧/ ١٣١، والطبري ٢/ ١٤٤ - ١٤٥، وابن الضريس في \"فضائل القرآن\" ص ١٢٥، والطبراني في \"الكبير\" ١١/ ٣٠٥، والثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ٢٦٩، وصحح إسناده الحافظ في \"الفتح\" ٩/ ٤.\nقال القرطبي: \"ولا خلاف أن القرآن أنزل من اللوح المحفوظ ليلة القدر جملة واحدة، فوضع في بيت العزة في سماء الدنيا ثم ذكر قول مقاتل: أنزل من اللوح المحفوظ كل عام ليلة القدر إلى سماء الدنيا قلت: وقول مقاتل هذا خلاف ما نقل من الإجماع\" انتهى كلامه.\n(٣) ذكره الرازي عن سفيان ٥/ ٨٥، \"البحر المحيط\" ٢/ ٣٩.\n(٤) نسب ابن الجوزي هذا القول في \"زاد المسير\" ١/ ١٨٥، وأبو حيان في \"البحر المحيط\" ٢/ ٣٩ إلى مجاهد والضحاك، وذكر ابن الجوزي قولًا ثالثًا نسبه إلى ابن إسحاق وأبي سليمان الدمشقي، وهو أن القرآن ابتدئ بنزوله فيه على النبي - ﷺ -.\n(٥) في (م): (وأما).","vol":"3","page":574},{"text":"واختلفوا (١) في اشتقاقه وهمزه، فقرأه أبن كثير بغير همز (٢).\nأخبرنا سعيد بن العباس القرشي (٣) كتابة، ثنا أبو منصور محمد بن أحمد بن الأزهري، ثنا محمد بن يعقوب المعقلي، عن محمد بن عبد الله ابن عبد الحكم (٤)، أن الشافعي، ﵀، كان يقول: القرآن اسم، وليس بمهموز، ولم يؤخذ من قرأت، ولكنه اسم لكتاب الله، مثل التوراة والإنجيل، قال: ويهمز قرأت ولا يهمز القرآن، كما تقول: وإذا قرأت القرآن (٥). وقول الشافعي: إنه اسم لكتاب الله يشبه أنه ذهب إلى أنه ليس\n_________\n(١) ينظر في هذه المسألة \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٩١٢، \"التفسير الكبير\" ٥/ ٨٦، \"تفسير القرطبي\" ٢/ ٢٧٨، \"اللسان\" ٦/ ٣٥٦٣ \"قرأ\"، \"الإتقان\" للسيوطي ١/ ١٤٦، \"البرهان\" للزركشي ١/ ٢٧٧.\n(٢) قرأ ابن كثير بنقل حركة الهمزة إلى الراء، وحذف الهمزة في الحالين، وكذلك حمزة عند الوقف، وليس لورش فيه توسط ولا مد؛ نظرا للساكن الصحيح الذي قبل الهمز، وهكذا كل ما جاء من لفظه في القرآن معرَّفا أو منكرا. ينظر: \"النشر\" ٢/ ٢٢٦، \"البدور الزاهرة\" ص ٥٦، وقال الأزهري في \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٩١٢ (قرأ): وقال أبو بكر بن مجاهد المقرئ: كان أبو عمرو بن العلاء لا يهمز القرآن، وكان يقرؤه كما روي عن ابن كثير.\n(٣) هو: سعيد بن العباس بن محمد بن علي القرشي الهروي، قدم بغداد حاجا، وحدث عن أبي حامد بن حسنويه وأبي منصور محمد بن أحمد الأزهري وغيرهم، توفي سنة ٤٣٣ هـ. ينظر: \"السير\" ١٧/ ٥٥٢ - ٥٥٣، \"تاريخ بغداد\" ٩/ ١١٣ - ١١٤.\n(٤) هو: شيخ الإسلام المصري الفقيه، كان عالم الديار المصرية في عصره مع المزني كان أعلم بمذهب مالك وأحفظهم له، وكان عارفا بأقوال الصحابة والتابعين، له مصنف في أدب القضاة، توفي سنة ٢٦٨ هـ. ينظر: \"السير\" ١٢/ ٤٩٧، \"وفيات الأعيان\" ٤/ ١٩٣، \"تقريب التهذيب\" (٦٠٢٨).\n(٥) ذكره الأزهري بسنده في \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٩١٢ (قرأ)، والخطيب البغدادي في \"تاريخ بغداد\" ٢/ ٦٢، ونقله عن الواحدي: الرازي في \"تفسيره\" ٥/ ٨٦.","vol":"3","page":575},{"text":"بمشتق، وقد قال بهذا جماعة، قالوا: إنه اسمُ كلامِه، يجرى مجرى الأعلام في أسماء غيره، كما قيل في اسم الله: إنه غير مشتق، من معنى يجرى مجرى اللقب في صفة غيره (١).\nوذهب آخرون إلى أنه مأخوذ من قَرَنْتُ الشيءَ بالشيء: إذا ضممت أحدَهما إلى الآخر، فسمي لاقتران السور والآيات والحروف، ولأن العبارة عنه: قرن بعضه إلى بعض. فهو مشتق من قرن. والاسم: قران غير مهموز، كما يقال: خرج، والاسم خُراج، ومن هذا يقال للجمع بين الحج والعمرة: قران (٢).\nوذكر الأشعري (٣) ﵀ هذا المعنى في بعض كتبه فقال: إن كلام (٤) الله يسمى قُرآنًا؛ لأن العبارةَ عنه قرن بعضه إلى بعض (٥).\n_________\n(١) نقل ذلك الرازي في \"تفسيره\" ٥/ ٨٦، وقال بعده: وذهب آخرون إلى أنه مشتق، واعلم أن القائلين بهذا القول منهم من لا يهمزه ومنهم من يهمزه، أما الأولون فلهم فيه اشتقاقان: أحدهما أنه مأخوذ من قرنت.\n(٢) نقله عن الواحدي: الزركشي في \"البرهان\" ١/ ٢٧٨.\n(٣) هو: علي بن إسماعيل بن أبي بشر، أبو الحسن تتلمذ في العقائد على الجبائي زوج أمه، وبرع في علمي الكلام والجدل على طريقة المعتزلة، ثم رجع فرد عليهم، وشُهر بمذهب ينسب إليه، وقيل إنه رجع بعده إلى مذهب السلف، له: \"مقالات الإسلاميين\"، و\"الإبانة\"، توفي سنة ٣٢٤ هـ. ينظر: \"شذرات الذهب\" ٢/ ٣٠٣، \"الأعلام\" ٤/ ٢٦٣.\n(٤) في (م): (كتاب).\n(٥) نقله عن الواحدي: الزركشي في \"البرهان\" ١/ ٢٧٨. وهذا مذهب الأشاعرة واعتقاد السلف إثبات صفة الكلام لله تعالى على الوجه اللائق به سبحانه من غير تشبيه ولا تمثيل ولا تكييف ولا تعطيل على حد قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١].","vol":"3","page":576},{"text":"وقال الفراء: ظن أن القرآن سمي من القرائن، وذلك أن الآيات يصدق بعضها بعضًا، ويشبه بعضها بعضًا، فهي قرائن، فمذهب هؤلاء أنه غير مهموز (١).\nوأما الذين همزوا اختلفوا، فقالت طائفة: إنه مصدر القراءة.\nقال أبو الحسن اللحياني (٢) (٣): يقال: قرأت القرآن، فأنا أقرأه قَرْأً (٤) وقراءةً وقرآنًا، وهو الاسم، قوله: وهو الاسم يعني: أن القرآن يكون مصدرًا لقرأت، ويكون اسمًا لكتاب الله، ومثل القرآن من المصادر: الرُّجْحَان والنُّقْصَان والخُسْران والغُفْران (٥)، قال ابن مقبل (٦):\nيُقَطِّعُ اللَّيلَ تسبيحًا وقرآنًا (٧)\nأي: قراءة، هذا هو الأصل، ثم المقروء، ويسمي قرآنًا لأن المفعول يسمى بالمصدر، كما قالوا للمشروب: شراب، وللمكتوب: كتاب، واشتهر هذا الاسم في المقروء حتى إذا طرق الأسماع سبق إلى القلوب أنه المقرُوء، ولهذا لا يجوز أن يقال: القرآن مخلوق مع كون القراءة مخلوقةً؛\n_________\n(١) ينظر: \"التفسير الكبير\" ٥/ ٨٦.\n(٢) هو: علي بن المبارك، وقيل ابن حازم، أبو الحسن اللحياني، تقدم.\n(٣) \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٩١٢ (قرأ).\n(٤) في (م): (قراء).\n(٥) ينظر: \"التفسير الكبير\" ٥/ ٨٦، \"اللسان\" ٦/ ٣٥٦٣ (قرأ).\n(٦) هو: الشاعر تميم بن أبي بن مقبل العجلاني، تقدم.\n(٧) صدر البيت:\nضحوا بأشمط عنوان السجود به\nوالبيت لحسان بن ثابت في رثاء الخليفة عثمان - ﵁ - كما في \"المغني\" ١/ ٢١٨، رقم ٣٦٣، \"البحر المحيط\" ٢/ ٣٢، ومعنى الأشمط: شيب اللحية.","vol":"3","page":577},{"text":"لأن القرآن أشهر تسمية للمقروء (١).\nوقال أبو إسحاق الزجاج (٢): معنى قرآن معنى الجمع، يقال: ما قَرَأَتْ هذا الناقة سلًا قط، إذا لم يَضْطَم رحمها على ولد، وهذا مذهب أبي عبيدة (٣)، قال: إنما سُمي القرآن قرآنًا لأنه يجمع السور ويضمها، وأصل القرآن: الجمع، وأنشد قول عمرو:\nهِجَان اللون (٤) لم تَقْرأْ جَنِينَا (٥)\nأي: لم تجمع في رحمها ولدًا، ومن هذا الأصل: قُرء المرأة، وهو أيام اجتماع الدم في رحمها.\nوقال قُطْرب (٦) في (القرآن) قولين:\nأحدهما: ما ذكرنا وهو قول أبي إسحاق وأبي عبيدة.\nوالثاني: أنه سُمي قرآنًا؛ لأن القارئ يُظهرُه ويبينه ويلقيه من فيه، أخذ من قول العرب: ما قَرَأَتِ الناقة سلًا قَط، أي: ما رمت بولد، ونحو\n_________\n(١) \"التفسير الكبير\" ٥/ ٨٦، \"تفسير القرطبي\" ٢/ ٢٧٨.\n(٢) \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٩١٣، وينظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٣٠٥.\n(٣) ينظر: \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ١/ ١ - ٤، \"التفسير الكبير\" ٥/ ٨٦، \"البرهان\" للزركشي ١/ ٢٧٧، \"اللسان\" ٦/ ٣٥٦٣.\n(٤) في (م): (اللون).\n(٥) البيت لعمرو بن كلثوم في معلقته وأوله:\nذِراعَيْ حُرَّةٍ أَدْماءَ بَكْرٍ\nوينظر: \"شرح المعلقات العشر\" ١١١، \"الجمهرة\" ٧٦، \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ١/ ٢ \"لسان العرب\" (مادة: قرأ)، و\"تفسير القرطبي\" ٣/ ١١٤، \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ١٧٠.\n(٦) \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٩١٢، \"التفسير الكبير\" ٥/ ٨٦.","vol":"3","page":578},{"text":"هذا قال أبو الهيثم واللّحياني، أي: ما أسقطت ولدًا قَط، وما طرَحت، وتأوِيلُه: ما حَمَلَتْ قَطّ. وأنشد قول حميد:\nأَرَاها الوليد أن الخلا فتشذّرتْ ... مرَاحًا ولم يقرأ (١) جنينًا ولا دمَا (٢)\nقال: معناه: لم ترمِ بجنين، وسمي قرء المرأة من هذا على مذهب أهل العراق، والقرآن يلفظه القارئ من فيه ويلقيه، فسمي قرآنًا، ومعنى قرأت القرآن: لفظت به مجموعًا (٣).\nقال أبو إسحاق: وهذا القول ليس بخارج من الصحة وهو حسن. قَرَأْتُه أي: جَمَعْتُه (٤).\nفبيّن على هذا أنه اسمٌ منقول من اسمِ هذا الحدث، كما أن قولنا: (زيد) في اسم رجل منقول من مصدر زاد يزيد، فأما دخول لام التعريف فيه بعد النقل فكدخوله في الحارث والعباس والفضل بعد النقل.\nومذهب الخليل وسيبويه في هذه الأسماء التي يسمى بها، وفيها الألف واللام: أنها بمنزلة صفات غالبةٍ، كالنابغة والصَّعِق، وهذا فيما ينقل من الصفات، فأما الفضل فإنما (٥) دخله الألف واللام لأنه (٦) أيضًا\n_________\n(١) في (ش): (تقرأ).\n(٢) البيت لحميد بن ثور في \"ديوانه\" ص ٢١، \"لسان العرب\" ٦/ ٣٥٦٥ (قرأ).\n(٣) \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٩١٢، \"اللسان\" ٦/ ٣٥٦٥.\n(٤) \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٩١٢.\n(٥) في (م): (فإنه).\n(٦) في (م): (فإنه).","vol":"3","page":579},{"text":"على (١) وعلى هذا دخلت اللام في قولنا: القرآن، ومن هذه الأسماء ما يكون اللام فيه تعريفًا ثانيًا، كما قالوا في اسم الشمس: إلاهة والإلاهة (٢)، ومنها ما يكون اللام فيه زائدة، نحو قوله:\nيا ليت أم العمرو كانت صاحبي (٣)\nقال: وقول من يقول: إنّ القرآن غير مهموز من قَرَنْتُ الشيء بالشيء سهو، وإنما هو تخفيف الهمزة ونقل حركتها إلى الساكن قبلها، فصار اللفظ به كفُعَال، من قرنت، وليس منه، ألا ترى أنك لو سميت رجلًا بقُرَان (٤) مخفف الهمزة لم تصرفه في المعرفة، كما لا تصرف عثمان، ولو أردت به فعالا من قرنت لا تصرف في المعرفة والنكرة، ذكر ذلك أبو علي في المسائل الحلبية (٥).\nوقوله تعالى: ﴿هُدًى لِلنَّاسِ﴾ أي: هاديًا، وهو حال قد سَدّ مَسَدّ المفعول الثاني لأنزل (٦)، و﴿بَيِّنَاتٍ﴾ عطف على قوله ﴿هُدًى﴾،\n_________\n(١) بياض في نصف سطر في نسخة (أ) (م) وفي نسخة (ش) الكلام متصل كما هو مثبت والكلام غير واضح.\n(٢) سقطت من (ش).\n(٣) عجزالبيت:\nمكان من أشتى على الركائب\nولم يعرف قائل هذا الرجز، والبيت ورد في \"الأغفال\" ١/ ٢٦٧، \"المخصص\" ١/ ١٦٨، \"الإنصاف\" ص ٢٧٢، \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٣٤٧، \"الصحاح\" ٣/ ١٦٩، \"اللسان\" ٢/ ١٥٦٣ (ربع). وانظر ص ٤٨ من هذا المجلد.\n(٤) في (ش): (بقرأت).\n(٥) \"المسائل الحلبية\" ص ٢٩٧، وينظر: \"البرهان\" للزركشي ١/ ٢٧٨.\n(٦) ينظر: \"معاني القرآن\" للأخفش ١/ ١٥٩، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٢٧٨، \"البحر المحيط\" ٢/ ٤٠.","vol":"3","page":580},{"text":"وتأويله: أنزل القرآن بيانًا للناس (١).\nوالبيِّنَات: جَمْعُ بينة، يقال: بانَ الشيءُ يبين بيانًا فهو بين، مثل: بيِّع بمعنى بايع. والبيِّنات: الواضحات (٢).\nوقوله تعالى: ﴿مِنَ الْهُدَى﴾ يريد: من الحلال والحرام والحدود والأحكام.\nوذكرنا معنى الفرقان في قوله: ﴿وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ﴾ [البقرة: ٥٣]، قال عطاء عن ابن عباس في قوله: ﴿وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى﴾: يريد: من الرشاد إلى مرضاة الله، ﴿وَالْفُرْقَانِ﴾ يريد: فرّق فيه بين الحق والباطل، وبيّن لكم ما تأتون وما تَذَرُونُ.\nوقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ﴾ زعم الأخفش والمازني: أن الفاء ههنا زائدة، وذلك أن الفاء تدخل للعطف أو للجزاء أو زيادة، وليس للعطف ولا للجزاء ههنا مذهب (٣)، ومن زيادة الفاء: قوله: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ﴾ [الجمعة: ٨] وقول الشاعر:\nلا تجزعي إِنْ مُنْفِسًا أهلكته ... وإذا هلكت فعند ذلك فاجزعي (٤)\nألا ترى أن إحدى الفاءين لا تكون إلا زائدة؛ لأن (إذا) إنما تقتضى جوابًا واحدًا.\n_________\n(١) ينظر: \"البحر المحيط\" ٢/ ٤٠.\n(٢) ينظر: \"تفسير البغوي\" ١/ ١٩٩.\n(٣) نقله عنه في \"التفسير الكبير\" ٥/ ٨٧ - ٨٨، والعكبري في \"التبيان\" ص ١١٧، ١١٨.\n(٤) البيت للنمر بن تولب في \"ديوانه\" ص ٧٢، وانظر: \"لسان العرب\" ٨/ ٤٥٠٣ (نفس).","vol":"3","page":581},{"text":"قال أبو علي: ولا يمتنع (١) أن يكون دخول الفاء لمعنى الجزاء؛ لأن شهر رمضان وإن كان معرفة فليس معرفة (٢) بعينه (٣)، ألا ترى أنه شائع في جميع هذا القبيل، لايراد به واحدٌ بعينه، فلا يمتنع من أجل ذلك من معنى الجزاء، كما يمتنع ما يشار به إلى واحد مخصوص، ومن ثم لم يمتنع ذلك في صفة الموت في قوله: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ﴾ [الجمعة: ٨]، لأن الموت ليس يراد به موتٌ بعينه، إنما يراد به الشِّيَاع ومعنى الجنس وخلاف الخصوص، والجزاءُ بوجبُ الشِّياع والإبهام واستغراق الجميع، ويكون التقدير فيه: الذي أنزل فيه القرآن من هذه الشهور التي سمي الواحد منها رمضان فمن شهده فليصمه (٤).\nوقوله تعالى: ﴿شَهِدَ﴾ أي: حضر. ومعنى الشهود في اللغة: الحضور (٥)، ومفعول شهد محذوف؛ لأن المعنى: فمن ﴿شَهِدَ﴾ منكم البلد أو بيته، يعنى: لم يكن مُسَافرًا (٦).\n_________\n(١) في (ش): (لا يمتنع).\n(٢) ليست في (أ) و(م).\n(٣) في (ش): (معينة).\n(٤) ينظر: \"التفسير الكبير\" ٥/ ٨٨، قال: وأقول: يمكن أن يقال الفاء هاهنا للجزاء، فإنه تعالى لما بين كون رمضان مختصًا بالفضيلة العظيمة التي لا يشاركه سائر الشهور فيها، فبين أن اختصاصه بتلك الفضيلة يناسب اختصاصه بهذه العبادة، ولولا ذلك لما كان لتقديم بيان تلك الفضيلة هاهنا وجه، كأنه قيل: لما علم اختصاص هذا الشهر بهذه الفضيلة فأنتم أيضا خصوه بهذه العبادة.\n(٥) ينظر: \"التبيان\" ص ١١٥، \"البحر المحيط\" ٢/ ٤١.\n(٦) المراجع السابقة.","vol":"3","page":582},{"text":"وقوله تعالى: ﴿الشَّهْرَ﴾ انتصابه على الظرف، ولا يجوز أن يكون مفعولًا به؛ لأنه ما من أحدٍ غَابَ أو حضر إلّا وهو يشهد الشهر، لكن المعنى: من شهد منكم بيته في الشهر (١)، ولا بد أيضًا من إضمار حال الشاهد وصفته، التي بوجودها يجب الصوم، وهو أن يقال: من شهد منكم الشهر عاقلًا بالغًا مقيمًا صحيحًا (٢).\nقوله: ﴿فَلْيَصُمْهُ﴾، قال ابن عباس وأكثر أهل التأويل: معناه: فليصم ما شَهِدَ منه؛ لأنه إن سافر في حال الشهر كان له الإفطار (٣).\nوذهب طائفة إلى أنه إذا شهد أول الشهر مقيمًا ثم سافر لم يحل له الإفطار. وهو قول النخعي (٤) والسُدي (٥) وابن سيرين (٦) ومذهب\n_________\n(١) \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ٢٣٨، \"الكشاف\" ١/ ١١٤، \"البحر المحيط\" ١/ ٤١، قال: وقيل: انتصاب الشهر على أنه مفعول به، وهو على حذف مضاف، أي: فمن شهد منكم دخول الشهر عليه، وهو مقيم لزمه الصوم، ثم قال: وقيل: التقدير: هلال الشهر، وهذا ضعيف؛ لأنك لا تقول: شهدت الهلال، إنما تقول: شاهدت، ولأنه كان يلزم الصوم من كل من شهد الهلال وليس كذلك.\n(٢) ينظر: \"تفسير الطبري\" ٢/ ١٤٨، \"أحكام القرآن\" للجصاص ١/ ١٨٣، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٢٩٨.\n(٣) رواه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" ٣/ ١٨، والطبري ٢/ ١٤٦، والبيهقي ٤/ ٢٤٦، وذكرها الثعلبي ٢/ ٣٠٠، وابن العربي في \"أحكام القرآن\" ١/ ٨٢، والقرطبي ٢/ ٢٩٩، وروى الطبري في \"تفسيره\" عن ابن عباس ما يوافق القول الثاني ٢/ ١٤٧.\n(٤) رواه عنه الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ١٤٧، وذكره ابن أبي حاتم ١/ ٣١٢.\n(٥) رواه عنه الطبري ٢/ ١٤٦، وذكره ابن أبي حاتم ١/ ٣١٢.\n(٦) رواه عنه عبد الرزاق في \"المصنف\" ٤/ ٢٦٩، وابن أبي شيبة في \"المصنف\" ٣/ ١٨، والطبري ٢/ ١٤٦، ١٤٧، وقد ذكره من روايته عن عبيدة السلماني عن علي مرة، وعن عبيدة مرة أخرى.","vol":"3","page":583},{"text":"جماعة (١)\nوقوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ أعاد هاهُنا تخييرَ المريض والمسافر وترخيصهما في الإفطار؛ لأن الله تعالى ذكر في الآية الأولى تخيير المقيمين بقوله: ﴿فَلْيَصُمْهُ﴾، فلو اقتصر على هذا لاحتمل أن يعود النسخ إلى تخيير الجميع، فأعاد بعد النسخ ترخيصَ المسافر والمريض؛ ليعلم أنه باق على ما كان (٢).\nوالمرض الذي يبيح الإفطار هو كل مرض كان الأغلبُ من أمر صاحبه بالصوم الزيادةَ في علته زيادةً لا يحتمله، والأصل فيه: أنه إذا أجهده الصوم أفطر (٣).\n_________\n(١) وممن حكي عنه هذا: علي وعائشة وابن عمر وابن عباس ﵃، وعبيدة السلماني وسعيد بن جبير وابن الحنفية وسويد بن غفلة وعلي بن الحسين ومجاهد والشعبي وأبو مجلز، وغيرهم. تنظر الروايات عنهم في: \"تفسير الطبري\" ٢/ ١٤٦، ١٤٧، ابن أبي حاتم ١/ ٣١٢، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٢٩٨، وقال ابن العربي في أحكام القرآن ١/ ٨٣: وقد سقط القول الأول -يعني: قول هؤلاء- بالإجماع من المسلمين كلهم على الثاني، وكيف يصح أن يقول ربنا: (فمن شهد منكم الشهر فليصم منه ما لم يشهد)، وقد روي أن النبي - ﷺ - (سافر في رمضان فصام حتى بلغ الكَديد فأفطر وأفطر المسلمون). رواه البخاري برقم (٢٩٥٣) كتاب الجهاد والسير، باب: الخروج في رمضان، ومسلم برقم (١١١٣) كتاب الصيام، باب: جواز الصوم والفطر في شهر رمضان للمسافر ..، وقال جمهور الأمة: (من شهد أول الشهر وآخره فليصم ما دام مقيما، فإن سافر أفطر)، وهذا هو الصحيح، وعليه تدل الأخبار الثابتة. وينظر: \"المغني\" ١/ ٣٤٣ - ٣٤٤، \"تفسير ابن كثير\" ١/ ٢٣١.\n(٢) ينظر: \"تفسير البغوي\" ١/ ١٩٩.\n(٣) ينظر: \"أحكام القرآن\" للشافعي ص ١٢١، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٣٠٤، \"أحكام =","vol":"3","page":584},{"text":"وحدُّ السَّفَرِ الذي يبيح الإفطار (١): ستة عشر فرسخا (٢) فصاعدًا. والإفطار رخصة من الله للمسافر، فمَنْ (٣) أَفْطَرَ فبرخصة الله أخذ، ومن صام ففرضه أدّى، على هذا عامة الفقهاء (٤). ومن أجهده الصوم في السفر كره له ذلك (٥)، وفي مثل هذا: جاء ما روي أنه - ﷺ - قال: \"ليس من البر الصوم في\n_________\n= القرآن\" لابن العربي ١/ ٧٧، \"تفسير القرطبي\" ٢/ ١٥٦ - ١٥٧، \"المغني\" ٤/ ٤٠٣، وذكر الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ١٥٠ أقوال العلماء في المرض الذي يبيح الفطر، فذكر ثلاثة أقوال: الأول: هو الذي لا يطيق معه صاحبه القيام لصلاته، ورواه عن الحسن وإبراهيم النخعي. والثاني: كل مرض كان الأغلب من أمر صاحبه بالصوم الزيادة في علته زيادة غير محتملة، ونسبه للشافعي. الثالث: كل مرض يسمى مرضا، ونسبه لمحمد بن سيرين، ورجح أن من أجهده الصوم جهدا غير محتمل من المرض فله الفطر. وذكر القرطبي أن الجمهور يرون أن من كان به مرض يؤلمه ويؤذيه أو يخاف تماديه أو يخاف تزيده صح له الفطر، وقد ذكر قبل ذلك أن للمريض حالتين: إحداهما: أن لا يطيق الصوم بحال، فعليه الفطر واجبا. والثانية: أن يقدر على الصوم بضرر ومشقة، فهذا يستحب له الفطر، ولا يصوم إلا جاهل. وهذا من كلام ابن العربي في \"الأحكام\" ١/ ٧٧.\n(١) اختلف العلماء في حد السفر الذي يبيح الفطر على أقوال كثيرة. ينظر: \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٣٢٧، \"المغني\" ٣/ ١٠٥ - ١١٠، ٤/ ٣٤٥، \"أحكام القرآن\" لابن العربي ١/ ٧٧، \"تفسير القرطبي\" ٢/ ٢٥٧ - ٢٥٨، والذي في البخاري: كان ابن عمر وابن عباس يفطران ويقصران في أربعة برد، وهي \"ستة عشر فرسخا\".\n(٢) الفرسخ: ثلاثة أميال هاشمية، والميل: ستة آلاف ذراع، والذراع: أربعة وعشرون أصبعا معتدلة معترضة أي: أن طول الفرسخ نحو ٦ كلم. ينظر: \"المجموع شرح المهذب\" ٤/ ١٩٠، \"القاموس\" ٣٢٩، \"المكاييل والأوزان الإسلامية وما يعادلها في النظام المتري\" ص ٩٤.\n(٣) في (أ)، (م): (ومن).\n(٤) ينظر: \"تفسير الطبري\" ٢/ ١٥٣، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٣١١، \"المغني\" ٤/ ٤٠٦.\n(٥) ينظر: \"تفسير الطبري\" ٢/ ١٥٥، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٣١٨ - ٣٢٢، \"تفسير القرطبي\" ٢/ ٢٦٠.","vol":"3","page":585},{"text":"السفر\" (١) يريد: لمن يشق عليه ويجهده.\nوذهب قومٌ من الصَّحَابة إلى أن الإفطار في السفر واجب (٢).\nوقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ﴾ أي: بالرخصة للمسافر والمريض (٣). واليُسْر في اللغة: معناه: السهولة، ومنه يقال للغِنَى والسَّعَة: اليَسَار؛ لأنه يتسهل به الأمور، واليد اليُسْرى قيل: على التفاؤل باليسر، وقيل: لأنه يتسهل الأمر بمعاونتها اليمنى (٤).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ لأنه لم يشدد ولم يضيق عليكم. وهذه الإرادة ونفي الإرادة تختص بالأحكام لأهل الإسلام (٥) (٦). قال الحسين بن الفضل: يريد الله أن يكون أمره بالصوم عليكم ميسَّرًا، ولم يرد أن يكون أمره بالصوم عليكم مُعَسَّرًا (٧).\nوقوله تعالى: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ﴾ ذكرنا معنى العدة (٨)، والمدةُ من الأيام تسمى عِدَّة، قال أبو زيد: يقال انقضت عدة الرجل إذا انقضى\n_________\n(١) أخرجه البخاري (١٩٤٦) (كتاب الصوم)، باب: قول النبي - ﷺ - لمن ظلل عليه واشتد الحر، ومسلم (١١١٥) (كتاب الصيام)، باب جواز الصوم والفطر في شهر رمضان للمسافر. من حديث جابر وقد روي من حديث أبي سعيد وأنس.\n(٢) ينظر: \"تفسير الطبري\" ٢/ ١٥٢ حيث روى ذلك عن عمر وأبي هريرة وعروة بن الزبير، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٣٠٥، \"المغني\" ٤/ ٤٠٦، \"تفسير ابن كثير\" ١/ ٢٣١.\n(٣) \"تفسيرالثعلبي\" ٢/ ٣٢٧.\n(٤) ينظر: \"المفردات\" ص ٥٥٣، \"اللسان\" ٨/ ٤٩٥٧ - ٤٩٦٠ (يسر).\n(٥) في (أ)، (م): لأهل (الأحكام) سلام.\n(٦) \"تفسيرالثعلبي\" ٢/ ٣٢٨.\n(٧) لم أجده.\n(٨) تقدم معنى العدة في الآية السابقة.","vol":"3","page":586},{"text":"أجله (١).\nقال عطاء عن ابن عباس: ولتكملوا عدة أيام الشهر، إن كان ثلاثين قضيتم ثلاثين، وإن كان تسعًا وعشرين قضيتم تسعًا وعشرين، عددًا (٢) بعدد (٣). وروي عنه أيضا يعني: عدة ما أفطرتم، يوما مكان يوم. رواه الكلبي عن أبي صالح عنه (٤)، فحمل ابن عباس إكمال العدة في الروايتين على قضاء رمضان (٥).\nومعنى الواو في قوله: ﴿وَلِتُكْمِلُوا﴾ على هذا التفسير: العطف على معنى الكلام لا على ظاهر اللفظ، وذلك أن في إباحته الإفطار للمريض والمسافر تسهيل، فتأويل الكلام: فعل الله ذلك ليسهل عليكم، ولتكملوا العدة إذا أقمتم وبرأتم، والعرب ربما تحمل الكلام على المعاني وتترك اللفظ، أنشد الزجاج (٦):\nبادَت وغُيِّر آيُهنّ مع البلى ... إلا رَواكدَ جمرهُن هباءُ\nومشججٌ أما سواءُ قذاله ... فبدا وغيّبَ سارَه المَعْزَاءُ (٧)\n_________\n(١) ينظر: \"اللسان\" ٥/ ٢٨٣٤ (عدد).\n(٢) روى الطبري ٢/ ١٥٦، ١٥٧، أثرين عن الضحاك وابن زيد بمعنى ما ذكر.\n(٣) تقدم الحديث عن رواية عطاء ص ٩٢.\n(٤) تقدم الحديث عن رواية الكلبي ص ٩٢.\n(٥) ينظر: \"تفسير الطبري\" ٢/ ١٥٦، ١٥٧، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٣٣٠، \"تفسير أبي المظفر السمعاني\" ٢/ ١٧٤.\n(٦) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٥٤، وينظر: \"التفسير الكبير\" ٥/ ٩٢.\n(٧) البيت لشماخ بن ضرار، في ملحق \"ديوانه\" ص ٤٢٧ - ٤٢٨، ولذي الرمة في ملحق \"ديوانه\" ص ١٨٤٠ - ١٨٤١، \"لسان العرب\" ٤/ ٢١٩٧. والرواكد: الأثافي، والمَعْزاء بفتح الميم: الأرض الغليظة الصلبة. والمشج: الوتد، والقذال: أعلاه،=","vol":"3","page":587},{"text":"فعطف المشجج على معنى: بها رواكِد ومشجج؛ لأنه لما قال: بادت إلا رواكد ومشجج علم أن المعنى بقيت رواكدُ ومشجج (١).\nواحتج ابن الأنباري لهذه الطريقة بقول الشاعر:\nقد سالَمَ الحياتُ منه القَدَما ... الأُفْعُوانَ والشُّجَاع الشَّجْعَما (٢)\nرد الأفعوان والشجاع على الحيات بالنصب، وهي مرفوعة على تغليب المعنى وتحلية (٣) اللفظ؛ لأن الحيات إذا سالمت القدم فقد سالمتها القدم. قال: ويحتمل أن تكون الواو عاطفة على مضمر في الكلام يدل عليه المعنى، والتأويل: يريد الله بكم اليُسر، ولا يريد بكم العسر، ليسعدكم ولتكملوا العدة، فحذفت اللام الأولى لوضوح معناها، وبقيت الثانية منعطفة عليها؛ لأن قيام معناها في الكلام يجري مجرى إظهارها.\nواختار الفراء هذا القول، وقال: معنى الآية: ولتكملوا العدة في قضاء ما أفطرتم، والواو واو استئناف، واللام من صلة فعل مضمر بعدها، والتقدير: ولتكملوا العدةَ فعلَ ذلك، أو شرع ذلك، أي: الرخصة في الإفطار. ومثله: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ\n_________\n= وساره: سائره. وهذا البيت من شواهد \"الكتاب\" لسيبويه ١/ ١٧٣ - ١٧٤.\n(١) زيادة يقتضيها الكلام، من \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٥٤.\n(٢) اختلف في قائل هذا الرجز، فنسب في \"اللسان\" ٤/ ٢٢٠١ (شجع) إلى مساور بن هند، ويقال هو لأبي حيان الفقعسي، وفي \"كتاب سيبويه\" ١/ ١٤٥، لعبد بني عبس، ونسبه الأعلم للعجاج، وفي \"شرح شواهد المغني\" للسيوطي ص ٣٢٩ قال: هو من أرجوزة لأبي حيان الفقعسي، وقيل. لمساور بن هند العبسي، وبه جزم البطليوسي، وقيل: للعجاج، وقال السيرافي: قائله التدمري، وقال الصغاني: قائله عبد بني عبس، انظر: \"تأويل مشكل القرآن\" لابن قتيبة ص ١٩٥.\n(٣) في (أ): (تخلية).","vol":"3","page":588},{"text":"الْمُوقِنِينَ﴾ [الأنعام: ٧٥]، أي وليكون من الموقنين أريناه ذلك، وروي عن ابن عباس أيضا ما يدل على أن المراد بإكمال العدة إكمالها في الأداء لا في القضاء، وهو أنه قال في قوله ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ﴾ يعني: عدة أيام الشهر (١). وتقدير الآية على هذا التفسير: يريد الله بكم اليُسر ولا يريد بكم العُسْر، ويريد لتكملوا العدة. والمفسرون على أن المراد به إكمالُ العِدّة في القضاء (٢).\nوفي قوله: ﴿وَلِتُكْمِلُوا﴾، قراءتان: التخفيف والتشديد (٣)، فمن خَفَّفَ فلقوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ (٤) [المائدة: ٣]، وقد قال امرؤ القيس:\nطوالُ المتون والعرانين والقنا ... لِطافُ الخُصور في تمام وإكمال (٥)\nومن شدَّدَ فلأن فَعَّل وأفعل يتعاقبان في أكثر الأحوال، كما ذكرنا في وصَّى وأوصى (٦).\nوقال النابغة:\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ١١٣ - ١١٤، وينظر: \"التفسير الكبير\" ٥/ ٩٢، واختار هذا الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ١٥٧.\n(٢) هذا من رواية عطاء وقد تقدم الحديث عنها، ونسبه الثعلبي ٢/ ٣٢٩، البغوي ١/ ٢٠١ لعطاء.\n(٣) ينظر: \"تفسير الطبري\" ٢/ ١٥٧، وابن أبي حاتم ١/ ٣١٣، والبغوي ١/ ٢٠١، \"المحرر الوجيز\" ٢/ ١١٤، ١١٥، \"تفسير ابن كثير\" ١/ ٢٣٢.\n(٤) قرأ يعقوب وأبو بكر بن عياش عن عاصم بتشديد الميم، والباقون بالتخفيف. ينظر: \"النشر\" ٢/ ٢٢٦، \"الحجة\" ٢/ ٢٧٤.\n(٥) البيت لامرئ القيس في \"ديوانه\" ص ١٣٩.\n(٦) ينظر: \"الحجة\" لأبي علي ٢/ ٢٧٤ - ٢٧٥.","vol":"3","page":589},{"text":"فكمَّلَتْ مائةً فيها حمامتُها ... وأسرعت حسبةً في ذلك العددِ (١)\nواللام في ﴿وَلِتُكْمِلُوا﴾، لام كي (٢)، وليستْ لامَ الأمر، ولو كانت لامَ الأمرِ لجاز تسكينُها مع الواو؛ لأنه إذا دخل على لام الأمر الواو أو الفاء أو ثم جاز تسكينها وتحريكها، كقوله: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ [الحج: ٢٩]، قرئ بالتسكين والحركة (٣) (٤). ونذكر الكلام فيه في سورة الحج إن شاء الله.\nقوله تعالى: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ قال عطاء عن ابن عباس: يريد لتعظموا الله على. ما أرشدكم له من شرائع الدين (٥). وقال أكثر العلماء (٦): أراد به التكبير ليلة الفطر (٧).\nقال ابن عباس في هذه الآية: حقٌّ على المسلمينَ إذا رَأَوا هَلالَ\n_________\n(١) \"ديوان النابغة\" ص ١٦.\n(٢) ينظر: \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٣٢٩، \"معاني القرآن\" للأخفش ١/ ٣٥٠، \"تفسير البغوي\" ١/ ٢٠١.\n(٣) سقطت من (م).\n(٤) ينظر: \"الحجة\" لأبي علي ٢/ ٢٧٦ - ٢٧٧، قرأ ابن ذكوان بكسر اللام فيهما، والباقون بالإسكان، وقرأ شعبة بفتح الواو وتشديد الفاء من: وليوَفُّوا، والباقون بسكون الواو وتخفيف الفاء.\n(٥) هذا من رواية عطاء، وقد تقدم الحديث عنها ص ٩٢. وذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ٣٣٠ دون عزو لأحد.\n(٦) في (م): (المفسرين العلماء).\n(٧) ينظر: \"تفسير الطبري\" ٢/ ١٥٧، \"تفسير القرطبي\" ٢/ ٢٨٦ - ٢٨٧، \"تفسير ابن كثير\" ١/ ٢٣٢ - ٢٣٣.","vol":"3","page":590},{"text":"شوالٍ أن يُكبروا (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-405>١٨٦ </span>- قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي﴾ الآية، قال الضحاك: سأل بعض الصحابة النبي - ﷺ -: أقريب ربُنا فنناجيه أم بعيد فنناديه؟ فأنزل الله هذه الآية (٢).\nوقال الحسن سأل أصحاب النبي - ﷺ - (٣) فقالوا: أين ربنا؟ فأنزل الله هذه الآية (٤).\nوقوله تعالى: ﴿فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ قال عطاء عن ابن عباس: من أوليائي وأهل طاعتي (٥).\n_________\n(١) رواه الطبري عنه في \"تفسيره\" ٢/ ١٥٧، وذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ٣٣٠، وهو مروي عن زيد بن أسلم كما في المصدرين السابقين.\n(٢) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ٣٣٣، وكذا البغوي ١/ ٢٠٥، وروى الطبري ٢/ ١٥٨، وابن أبي حاتم ١/ ٣١٤، وأبو الشيخ في \"العظمة\" ٢/ ٥٣٥ وغيرهم: عن أبي الصلت بن حكيم عن أبيه عن جده، بمثل حديث الضحاك، وذكر في \"الدر المنثور\" ١/ ٣٥٢: أنه رواه البغوي في معجمه، وابن مردويه، قال أحمد شاكر: وهذا الحديث ضعيف جدا، منهار الإسناد بكل حال. حاشية \"تفسير الطبري\" ٢/ ١٥٨، وعزاه السيوطي في \"الدر\" ١/ ٣٥٢ من حديث أبي بنحوه إلى سفيان بن عيينة في \"تفسيره\"، وعبد الله بن الإمام أحمد في زوائده على الزهد من طريق سفيان عن أبي.\n(٣) من قوله: (أقريب ..) ساقطة من (ش).\n(٤) رواه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ١/ ٧٣، وعنه الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ١٥٨، وإسناده صحيح إلى الحسن، لكنه ضعيف لإرساله كما ذكر ذلك أحمد شاكر في تعليقه على الطبري. وعزاه السيوطي في \"الدر\" ١/ ٣٥٢ من حديث أنس بنحوه إلى ابن مردويه.\n(٥) تقدم الحديث عن هذه الرواية.","vol":"3","page":591},{"text":"وقال أهل المعاني: يريد قربَه بالعلم، كما قال: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧]، وقال: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤]، يريد بالعلم (١).\nوقوله تعالى: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ قال ابن عباس: أَتَقَبَّل عبادةَ من عَبَدَني وَوَحَّدني (٢).\n_________\n(١) ينظر: \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٣٣٤، \"الدر المصون\" ٢/ ٢٨٩، وقد بين شيخ الإسلام في \"مجموع الفتاوى\" ٥/ ٢٤٧، ٤٦٠ أن ما نطق به الكتاب والسنة من قرب الرب من عابديه وداعيه هو مقيد لا مطلق لجميع الخلق، وذكر ﵀ أن قرب الله ودنوه من بعض مخلوقاته لا يستلزم أن تخلو ذاته من فوق العرش، بل هو فوق العرش ويقرب من خلقه كيف يشاء، كما قال ذلك من قال من السلف، وهذا كقربه من عبده موسى لما كلمه من الشجرة، وينظر أيضا: \"مجموع الفتاوى\" ٦/ ١٣، و\"النهج الأسمى في شرح أسماء الله الحسنى\" للشيخ عبد الله المحمود ٢/ ٧٣٥ - ٧٥١.\nوقال الشيخ ابن عثيمين في \"شرحه للعقيدة الواسطية\" ٤٦٠ ما خلاصته: اعلم أن من العلماء من قسم قرب الله إلى قسمين، كالمعية، وقال: القرب الذي مقتضاه الإحاطة قرب عام، والقرب الذي مقتضاه الإجابة والإثابة قرب خاص، ومنهم من يقول. إن القرب خاص فقط، مقتض لإجابة الداعي وإثابة العابد، ولا ينقسم، مستدلين بهذه الآية، وبقوله - ﷺ -: \"أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد\". رواه مسلم (٤٨٢) كتاب الصلاة، باب: ما يقال في الركوع والسجود، وهذا اختيار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم، وقد أورد على قولهما: قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ وقوله: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ﴾، وهاتان عامتان في المؤمن والكافر، وأجيب بأن القرب فيهما إنما هو للملائكة، ألا ترى أنه قال بعد الأولى: إذ يتلقى المتلقيان، وهما من الملائكة، وقال في الثانية: ولكن لا تبصرون، أي: لا تبصرون الملائكة وهم حاضرون لقبض الروح.\n(٢) هذه من رواية عطاء، وقد تقدم الحديث عنها.","vol":"3","page":592},{"text":"ويصحُّ حملُ الإجابة على القبول إذا حملت الدعاء على العبادة، والدعاءُ ضُرُوبٌ، فما كان توحيدًا وثناءً على الله، كقولك: يا الله لا إله إلا أنت، وقولك: ربنا لك الحمد يكون عبادة، لأنك دعوت الله ثم وحدته وأثنيت عليه، ولهذا يسمى دعاءً، ولما سمى العبادة دعاءً سمى القبول إجابةً؛ ليتجانس اللفظ، ومثله كثير في كلام العرب (١).\nوقال ابن الأنباري: ﴿أُجِيبُ﴾ هاهنا معناه: أسمع؛ لأنه أَخْبَر عن قُرْبه تعالى، وظاهر القُرْب يدل على السماع لا على الإجابة، والإجابة قد تكون في بعض المواضع بمعنى السماع؛ لأنها تترتب على السماع، فسمى السماعَ إجابةً، كما تقول: دعوت من لا يجيب، أي: دعوت من لا يسمع.\nقال الشاعر:\nمنزلة صَمَّ صداها وعَفَتْ ... أرسُمُها إن سُئلتْ لم تُجبِ (٢)\nأراد: لم تَسْمَع، فنفى الإجابة؛ لأن نفيها يدل على نفي السمع، وكما جعلوا الإجابة بمعنى السمع جعلوا السمع بمعنى الإجابة، فيقال: سمع الله لمن حمده، يراد به: أَجَابه.\nوأنشد أحمد بن يحيى عن ابن الأعرابي:\nدعوتُ الله حتى خِفْتُ أن لا ... يكونَ اللهُ يَسْمَعُ ما أقولُ (٣)\n_________\n(١) من \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٥٥ بتصرف، وذكر ضربين آخرين: أحدهما: مسألة الله العفو والرحمة. وثانيهما: هو مسألته من الدنيا. كقولك: اللهم ارزقني مالا وولدا. وينظر: \"البحر المحيط\" ١/ ٤٧.\n(٢) البيت بلا نسبة في \"لسان العرب\"١/ ٦١٨، ٢/ ١١٥٢.\n(٣) البيت لسمير بن الحارث الضبي في \"تاج العروس\" ١١/ ٢٢٧ (سمع)، وفي \"نوادر أبي زيد\" ص ١٢٤.","vol":"3","page":593},{"text":"أرأد: يجيب، وإنما قام أحدهما مقام الآخرة لأنهما يترتبان في الوجود (١).\nوقال السدي: ما من مؤمن يدعو الله إلا استجاب له، فإما أن عجل له في الدنيا، وإما ادّخر (٢) له في الآخرة، أو دفع به عنه مكروهًا (٣).\nو﴿أُجِيبُ﴾ موضعه نصبٌ (٤) على الحَال، تأويله: فإني قريبٌ مجيبًا دعوةَ الداعي، فلما كان مستقبلًا رفع بما في أوله، ويجوز أن يكون مستأنفًا منقطعا مما قبله، ويجوز أن يكون محمولًا على ﴿قَرِيبٌ﴾. تأويله: فإني قريبٌ مجيب، فلما كان في لفظ الاستقبال رفع بالألف، وتأويله الرفع على النعت لقريب (٥).\nوقوله تعالى: ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي﴾ أي: فليجيبوني بالطاعة وتصديق الرسل. وأجاب واستجاب بمعنى (٦).\nقال كعب الغنوي (٧):\n_________\n(١) ينظر: \"تفسير البغوي\" ١/ ٢٠٦، \"البحر المحيط\" ١/ ٤٧.\n(٢) في (ش): (أخر).\n(٣) رواه الطبري عنه في \"تفسيره\" ٢/ ١٥٩، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ١/ ٣١٤.\n(٤) في (ش): (نصبًا).\n(٥) ينظر: \"البحر المحيط\" ٢/ ٤٥، وذكر أيضا إعرابًا آخر، وهو أن أجيب خبر بعد خبر.\n(٦) ينظر: \"تفسير الطبري\" ٢/ ١٥٩، \"تفسير ابن أبي حاتم\" ١/ ٣١٥، \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٥٥، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٣٣٥.\n(٧) هو: كعب بن سعد بن عمرو الغنوي، من بني غنى، شاعر جاهلي حلو الديباجة يقال له: كعب الأمثال، لكثرة ما في شعره من الأمثال، أكثر شعره في رثاء أخ له قتل في حرب ذي قار قال عنه الأصمعي بين أصحاب المراثي: ليس في الدنيا مثله. وقد رد الزركلي وعبد العزيز الميمني قولَ الغدادي والبكري: إنه شاعر =","vol":"3","page":594},{"text":"وداعٍ دَعَا يا (١) مَنْ يُجِيبُ إلى النَّدى ... فلم يَسْتَجِبْه عندَ ذَاك مُجِيْبُ (٢)\nقال أهل المعاني: الإجابة من العبد لله تعالى: الطاعة، وإجابة كلِّ شيء على وفق السؤال، والله تعالى تَعَبَّدَنا بالطاعة، فالإجابة منّا له أن نطيعه، يقال: سأل فلان فلانًا شيئًا فلم يكن له عنده إجابة، أي: إعطاء لأن سؤاله كان استعطاءً، ويقال: أجابت السماء بالمطر، إذا أرسلت المطر، وأجابت الأرضُ بالنبات إذا أنبتت (٣)، قال زهير:\nوغيثٍ من الوسمي حُوٍّ تِلاعُه ... أجابت روابيه النِّجَاءَ هَوَاطِلُه (٤).\nوقوله تعالى: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ أي: ليكونوا على رجاء من إصابة الرشد (٥).\n_________\n= إسلامي. توفي نحو١٠ ق هـ. ينظر: \"سمط اللائي\" ٧٧٢، \"الأعلام\" ٥/ ٢٢٧، \"جمهرة أشعار العرب\" ص ٢٥٠.\n(١) في (ش): (دعانا).\n(٢) البيت في \"الأصمعيات\" ص ٩٦، \"الأمالي\" لأبي علي ٢/ ١٥١ \"مجاز القرآن\" ١/ ٦٧ \"لسان العرب\" ١/ ٢٨٣ (جوب).\n(٣) ينظر: \"تفسير الطبري\" ٢/ ١٥٩، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٣٣٦، \"البحر المحيط\" ٢/ ٤٧.\n(٤) البيت في \"ديوانه\" ص ١٢٧. و\"المخصص\" لابن سيده ١٠/ ١٩٠، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٣٣٦، والوسمي: أول المطر، وحُوّ: تضرب إلى السواد من شدة خضرة نبتها، والتلاع: مسيل ما ارتفع من الأرض إلى بطن الوادي، والروابي: ما ارتفع من الأرض، وهواطله: مواطره، والهطل: مطر لين ليس بالشديد ينظر: \"الديوان بشرح ثعلب\" ص ١٢٧.\n(٥) ينظر: \"البحر المحيط\" ٢/ ٤٧.","vol":"3","page":595},{"text":"وقال ابن عباس: لكي يرشدوا (١)، ويقال: رَشِدَ يَرشَدُ ورشَدَ يَرْشُدُ: إذا أصاب الرشد، وهو نقيض الغي (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-406>١٨٧ </span>- قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ﴾ الآية قال المفسرون: كان في أول فرض الصيام الجماع محرَّما في ليل الصيام، والأكل والشرب بعد العشاء الآخرة، فأحل الله ﷿ ذلك كله إلى طلوع الفجر (٣).\nوقوله تعالى: ﴿لَيْلَةَ الصِّيَامِ﴾ أراد: لَياليَ الصِّيام، فأوقع الواحد مَوْقِعَ الجماعة (٤)، ومنه قول العباس بن مرداس (٥):\nفقلنا اسلموا إنا أخوكم ... فقد برئت من الإِحنِ الصُّدُور\nوأما (٦) الرفث، قال الليث: الرفث: الجماع، وأصله: قول الفحش، وأنشد الزجاج:\nعن اللَّغَا ورَفَثِ التَّكَلُّمِ (٧)\n_________\n(١) هذا من رواية عطاء التي تقدم الحديث عنها.\n(٢) ينظر: \"المفردات\" للراغب ص ٢٠٢، وقال: وقال بعضهم: الرَّشَد أخص من الرُّشْد، فإن الرشد يقال في الأمور الدنيوية والأخروية، والرَّشَد يقال في الأمور الأخروية لا غير، والراشد والرشيد يقال فيهما جميعا.\n(٣) من \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٥٥، وقد اختصر المؤلف قصة سبب النزول، وهي مطولة، ينظر: في \"تفسير الطبري\" ٢/ ١٦٥ - ١٦٧، وابن أبي حاتم ١/ ٣١٦، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٣٤٦، وابن كثير ١/ ٢٣٥، ورواها البخاري (١٩١٥، ٤٥٠٨).\n(٤) ينظر: \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ١/ ٦٧.\n(٥) انظر التعليق عند تفسير [البقرة: ٦١].\n(٦) في (م): (فأما).\n(٧) قبله:\nوَرَبِّ أسرابِ حجيج كُظَّمٍ\nوهو للعجاج، من ميميته الطويلة في \"ديوانه\" ص ٢٩٦، وأسراب: قطع، وكُظَّم: لا تتكلم بالكلام القبيح واللغا بفتح اللام: اللغو من الكلام. \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٦٩","vol":"3","page":596},{"text":"يقال: رَفَثَ في كلامه يَرْفُثُ، وأرفث: إذا تكلم بالقبيح، هذا هو الأصل، ثم يكنى به عن الجماع (١).\nقال أبو إسحاق: الرَّفَثُ: كلمة جامعة لكل ما يريده الرجل من المرأة (٢).\nوقال عطاء فيما روى عن ابن عباس: الرفث: الجماع (٣).\nقال ابن عباس: إن الله حيي كريم يكني، فما ذكر الله في القرآن من المباشرة والملامسة والإفضاء والدخول والرفث فإنما يعنى به الجماع (٤).\nقال الزجاجي: قد تأملنا الألفاظ الواردة عن العرب، المستعملة في معنى الجماع، فما وجدنا فيها لفظةً وُضِعَتْ حقيقة في معنى الجماع حتى\n_________\n(١) ينظر في الرفث؛ \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٤٣٧، \"اللسان\" ٣/ ١٦٨٦، \"المفردات\" ص ٢٠٥، وقال: الرفث: كلام متضمن لما يستقبح ذكره من ذكر الجماع ودواعيه، وجعل كناية عن الجماع في قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾، تنبيها على جواز دعائهن إلى ذلك ومكالمتهن فيه، وعدي بإلى لتضمنه معنى الإفضاء.\n(٢) من \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٥٥.\n(٣) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ١٦١ من طريق بكر بن عبد الله المزني عن ابن عباس، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ١/ ٣١٥ من طريق سعيد بن جبير، قال ابن أبي حاتم: وروي عن عطاء ومجاهد وسعيد بن جبير وطاوس والحسن والضحاك وإبراهيم النخعي، وسالم بن عبد الله والسدي، وعمرو بن دينار وقتادة والزهري ومقاتل بن حيان وعطاء الخراساني نحو ذلك. وينظر: \"تفسير ابن كثير\" ١/ ٢٣٥ - ٢٣٦، \"الدر المنثور\" ١/ ٣٥٨.\n(٤) رواه الثوري في \"تفسيره\" ص ٦٣، والطبري ٢/ ١٦١، وابن أبي حاتم ١/ ٣١٧، وعزاه في \"الدر\" ١/ ٣٥٩ إلى ابن المنذر والبيهقي، وذكره الثعلبي ٢/ ٣٤٩، والبغوي ١/ ٢٠٧.","vol":"3","page":597},{"text":"لا تستعمل في غيره، لكن الكلمة إذا كثر استعمالها في معنى ويكون موضوعها لمعنى آخر فإنها تصير حقيقةً فيما استعملت فيه كثيرًا، حتى إذا أطلق لم يعرف غير ذلك، كما تقول في المباضعة، فإن أصلها من البَضْع، وهو قَطْعُ اللحم، فإذا أطلق لم يعرف منه غير معنى الجماع، كما أن نفس قولنا: فَرْج كناية، فإذا أطلقوا الفرج لم يعرف منه غير هذا المعنى المقصود إليه.\nوقالوا: بَاضَعَها كأنه باشر بُضْعَها، ولم يقولوا: فارجها، وصارت المباضعة كالحقيقة في معنى الجماع؛ لأنهم لا يستعملونها في غيره، ألا ترى أنهم يقولون: غَشِيَها وتَغَشَّاها، ووَطِئَها وتوطاها، وقربها، وبَطَنَها وتَبَطَنَها، وكل هذه الألفاظ موضوعةٌ لغير هذا المعنى (١).\nوذكر جماعة من أهل هذه الصناعة: أن صريحَ اللفظ المستعمل في المباضعة قولهم: ناك ينيكُ نَيْكا، وليس كما ذهبوا إليه؛ لأن هذه اللفظة مستعارة أيضا، وقد ذكر أبو زيد عن العرب: ناكَ النعاسُ عينَهُ، ونكح النعاس بمعنى (٢)، فجعل أصل الكلمة اللزوم والمواظبة.\nوأما معنى النكاح فسنذكره عند قوله: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ﴾ [البقرة: ٢٢١]، إن شاء الله.\nقال أبو عبيدة: الرّفث إلى نسائكم: الإفضاء إلى نسائكم (٣)، قال الأخفش: وانما عدّاه بإلى لأنه كان بمعنى الإفضاء (٤).\n_________\n(١) ينظر: \"البحر المحيط\" ١/ ٤٨.\n(٢) ينظر: \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٦٥٩، \"اللسان\" ٨/ ٤٥٣٧.\n(٣) \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ١/ ٦٧، \"البحر المحيط\" ١/ ٤٨.\n(٤) لم أجده في \"معاني القرآن\" للأخفش.","vol":"3","page":598},{"text":"وقوله تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ أصلُ اللِّباس: ما يَلْبَسُه الإنسان مما يواري جَسَدَه، ثم المرأة تسمى لباسَ الرّجل، والرجل لباس المرأة؛ لانضمام جسد كل واحد منهما إلى جسد صاحبه، حتى يصير كل واحد منهما لصاحبه كالثوب (١) الذي يلبسه، فلما كانا يتلابسان عند الجماع سمي كل واحد منهما لباسا للآخر (٢). قال الجعدي (٣):\nإذا ما الضجيعُ ثنى جيدَها ... تثنّتْ فكانت عليه لباسا (٤)\nوالعرب تسمى المرأة: اللباس، والفراش، والإزار، وأم العيال، والرَبَضَ (٥) والبيت. وقيل في قوله:\nفدًى لك من أخي ثقةٍ إزاري (٦)\n_________\n(١) في (م): (كالثوب لصاحبه كالثوب).\n(٢) ينظر: \"تأويل مشكل القرآن\" ١٤١، \"تفسير الطبري\" ٢/ ١٦٢، \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٥٦، \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٢٢٨، ٣٢٢٩، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٣٥١، \"البحر المحيط\" ١/ ٤٩.\n(٣) هو: قيس بن عبد الله بن عدس بن ربيعة الجعدي العامري، شاعر مفلق، صحابي من المعمرين، اشتهر في الجاهلية وسمي النابغة؛ لأنه أقام ثلاثين سنة لا يقول الشعر ثم نبغ فقاله، هجر الأوثان ونهى عن الخمر في الجاهلية، ثم وفد إلى الرسول - ﷺ - فأسلم، توفي سنة ٥٥ هـ. ينظر: \"الإصابة\" ٣/ ٥٣٧، \"الأعلام\" ٥/ ٢٠٧.\n(٤) البيت في \"ديوانه\" ص ٨١، \"تأويل مشكل القرآن\" ١٤٢ \"الشعر والشعراء\" ١/ ٢٩٩ \"تفسير الطبري\" ٢/ ١٦٢، \"لسان العرب\" ٧/ ٣٩٨٦. ويروى عطفها بدل جيدها. وتداعت بدل تثنت.\n(٥) في (ش): (الريض).\n(٦) صدر البيت:\nألا أبلغ أبا حفص رسولًا\nوهو لنفيلة الأكبر الأشجعي، وكنيته أبو المنهال، وكان كتب إلى عمر بن =","vol":"3","page":599},{"text":"أي: نسائي (١). ومنه:\nأكِبرٌ غَيّرني أم بيت (٢)\nوقول (٣) الآخر:\nجاء الشتاء ولمّا أتخِذْ رَبَضًا (٤)\nوهذا المعنى الذي ذكرناه في اللباس (٥) هاهنا موافق لما قاله المفسرون، قال الربيع: هن فراش لكم وأنتم لحاف لهن (٦).\nوقال ابن زيد في قوله: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ قال:\n_________\n= الخطاب أبياتًا من الشعر يشير فيها إلى رجل كان واليًا على مدينتهم في قصة طويلة. والبيت في \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٣٥٤ \"تاج العروس\" ٦/ ٢١، \"الإصابة\" ١/ ٢٧٣، \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٥٦، \"غريب الحديث\" للخطابي ٢/ ١٠١. والبيت للنابغة الجعدي، في \"الشعر والشعراء\" ص ٢٥٥، والطبري ٣/ ٤٩٠، وينظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٥٦.\n(١) \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٣٥٤، \"غريب الحديث\" للخطابي ٢/ ١٠١، \"الصحاح\" للجوهري ٢/ ٥٧٨.\n(٢) البيت لمجهول، ذكره في \"الأمالي\" لأبي علي ١/ ٢١، وفي \"أساس البلاغة\" ١/ ٧٢ (بيت)، وفي \"لسان العرب\" ١/ ٣٩٣ (بيتا).\n(٣) في (ش): (وقال).\n(٤) عجز البيت:\nياويح كفي من حفر القراميص\nوهو في \"اللسان\" ٣/ ١٥٥٩، بغير نسبة.\n(٥) ينظر في اللباس: \"تفسير الطبري\" ٢/ ١٦٢، ١٦٣، ابن أبي حاتم ١/ ٣١٦، \"المفردات\" ٤٥٠، \" اللسان\" ٧/ ٣٩٨٦ (لبس).\n(٦) ذكره البغوي في \"تفسيره\" ١/ ٢٠٧ بهذا اللفظ، ورواه الطبري عنه ٢/ ١٦٣، ابن أبي حاتم ١/ ٣١٦ ولفظهما: هن لحاف لكم وأنتم لحاف لهن، وكذا ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ٣٥٢.","vol":"3","page":600},{"text":"للمواقعة (١)، يريد: أن كلَّ واحد منهما يستر صاحبه عند الجماع عن أبصار الناس، (٢) وهذا من خصائص الإنسان.\nقال عمرو بن يحيى (٣): ليس شيء من الحيوان يتبطن طروقته غير الإنسان والتمساح. وزاد غيره: الدُبُّ. ومعنى تبطن: أتى من جهة البطن (٤).\nوقيل: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ﴾ أي: سكن لكم وأنتم سكن لهن، وهو قول ابن عباس في جميع الروايات (٥)، وقول مجاهد (٦) وقتادة (٧).\nوالمعنى: أنكم تلابسونهن وتخالطونهن بالمساكنة، وهن كذلك، أي: قَلَّ ما يَصْبرُ أحد الزوجين عن الآخر.\nويقال: إنما سُمِي الزوجان (٨) لباسًا؛ لسَتر كل واحد منهما صاحبه عما لا يحلّ (٩)، كما جاء في الخبر: (من تزوج فقد أحرز ثلثي دينه) (١٠).\n_________\n(١) رواه الطبري عنه في \"تفسيره\" ٢/ ١٦٣.\n(٢) \"تفسير البغوي\" ١/ ٢٠٧.\n(٣) في (ش): (عمرو بن بحر) أقول لعله الجاحظ فليلاحظ\n(٤) \"حياة الحيوان الكبرى\" للدميري ١/ ١٦٤. (ط. دار الفكر).\n(٥) رواه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ١/ ٣١٦، وقال بعده: وروي عن مجاهد وسعيد ابن جبير وقتادة والسدي ومقاتل بن حيان نحو ذلك.\n(٦) رواه الطبري في \"تفسيره\" عنه ٢/ ١٦٣، وابن أبي حاتم ١/ ٣١٦.\n(٧) رواه الطبري عنه ٢/ ١٦٣.\n(٨) في (م): (سمي الزوجين).\n(٩) ينظر: \"تفسير الطبري\" ٢/ ١٦٣، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٣٢٥، \"تفسير البغوي\" ١/ ٢٠٧، \"التفسير الكبير\" ٥/ ١٠٦، \"البحر المحيط\" ١/ ٤٨.\n(١٠) ذكره البغوي في \"تفسيره\" ١/ ٢٠٧، دون إسناد، والحديث لفظه في كتب السنة الأخرى: \"من تزوج فقد استكمل نصف دينه، أو نصف الإيمان\" رواه الطبراني في \"الأوسط\" عن أنس برقم ٧٦٤٣، ورقم ٨٧٨٩، والأصفهاني في \"الترغيب =","vol":"3","page":601},{"text":"وإنما وحد (١) اللباس بعد قوله: ﴿هُنَّ﴾ لأنه يجري مجرى المصدر. وفِعَال من مصادر فاعل، وتأويله: هنّ ملابسات لكم.\nوقوله تعالى: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ يقال: خَانه خَوْنًا وخِيانَةً ومَخَانَةً واخْتَانَه اخْتِيانًا: إذا لم يف له، والسيف إذا نبا عن الضريبة فقد خانك، وخَانَه الدهرُ والنعيمُ: إذا تغير حاله إلى شر منها.\nقال ابن قتيبة: الخيانة: أن يؤتمن الرجلُ على شيء فلا يؤدي الأمانةَ فيه، وناقض العهدِ خائن؛ لأنه آمن بالعهد فغدره، ومنه قوله: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً﴾ [الأنفال: ٥٨]. أي: نقضا للعهد، ويقال لعاصي المسلمين: خائن؛ لأنه مؤتمن على دينه، ومنه قوله: ﴿لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ [الأنفال: ٢٧]، أي: بالمعاصي (٢).\n_________\n= والترهيب\"، والحاكم ٢/ ١٦١، وصححه، ولفظه عنده: \"من رزقه الله امرأة صالحة فقد أعانه على شطر دينه، فليتق الله في الشطر الثاني\". وضعفه ابن حجر في التلخيص ٢٧٩، وقال ابن الجوزي في \"العلل المتناهية\" ٢/ ٦١٢ (ط. دار الكتب العلمية): هذا حديث لا يصح عن رسول الله - ﷺ -، وإنما يذكر عنه، وفيه آفات منها: يزيد الرقاشي، وهياج يعني ابن بسطام، ومالك بن سليمان. اهـ. بتصرف. وينظر: \"كشف الخفا\" للعجلوني ٢/ ٢٣٩ برقم٢٤٣٢، \"المقاصد الحسنة\" للسخاوي ص ٦٣٨ برقم١٠٩٨ (ط. دار الكتاب العربي) وحسن الألباني الحديث بمجموع طرقه كما في \"السلسلة الصحيحة\" ١/ ٢٠٠ برقم ٦٢٥.\n(١) في (ش): (وجد).\n(٢) ينظر في \"خان\": \"تفسير غريب القرآن\" لابن قتيبة ص ٧٤، \"الكشاف\" للزمخشري ١/ ١١٥، وقال: الاختيان من الخيانة، كالاكتساب من الكسب، فيه زيادة وشدة، \"اللسان\" ٣/ ١٢٩٤، \"المفردات\" للراغب ص ١٦٧، قال: والاختيان: مراودة الخيانة، ولم يقل تخونوا أنفسكم؛ لأنه لم تكن منهم الخيانة، بل كان منهم الاختيان، فإن الاختيان تحرك شهوة الإنسان لتحري الخيانة. اهـ. أقول: وسبب النزول يدل على وقوعهم في الجماع المحظور.","vol":"3","page":602},{"text":"وقوله: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ أي: تخونونها بالمعصية، قال ابن عباس: يريد فيما ائتمنتكم عليه (١)، وخيانتهم: أنهم كانوا يباشرون ليالي الصيام (٢).\nوقوله تعالى: ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ﴾ يريد: عمر وأصحابه، وذلك أنه واقع أهله بعد ما صلى العشاء الآخرة، فلما اغتسل أخذ يبكي، فأتى النبي - ﷺ - وطلب الرخصة، واعترف رجال بمثل ما صنع عمر فنزلت هذه الآية فيه وفي أصحابه (٣).\nوقوله تعالى: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ أمر إباحة (٤)، والمباشرة: المجامعة؛ لتلاصق البشرتين وانضمامهما (٥).\nوقوله تعالى: ﴿وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ أكثر المفسرين على أن المراد بهذا: الولد، أي: اطلبوا بالمباشرة ما قضى الله لكم من الولد (٦).\n_________\n(١) هذا من رواية عطاء، وقد تقدم الحديث عنها.\n(٢) ينظر أسباب النزول فيما تقدم.\n(٣) تنظر الروايات في ذلك عند الطبري ٢/ ١٦٣ - ١٦٧، وابن أبي حاتم ١/ ٣١٦، والثعلبي ٢/ ٣٤٦.\n(٤) \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٣٥٦.\n(٥) \"تفسير الطبري\" ٢/ ١٦٨، وابن أبي حاتم ١/ ٣١٧، \"الثعلبي\" ٢/ ٣٥٤، \"البغوي\" ١/ ٢٠٧، \"التفسير الكبير\" ٥/ ١٠٨.\n(٦) ذكر الآثار في ذلك: الطبري ٢/ ١٦٩ - ١٧٠، وابن أبي حاتم ١/ ٣١٧ عن أنس وابن عباس ومجاهد وعكرمة والحسن والسدي والربيع وابن زيد والضحاك بن مزاحم وشريح وعطاء وسعيد بن جبير والحكم بن عتيبة وزيد بن أسلم ومقاتل بن حيان. وينظر: \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٣٥٥، \"تفسير البغوي\" ١/ ٢٠٧، \"الدر المنثور\" ١/ ٣٥٩.","vol":"3","page":603},{"text":"وقال قتادة: يعنى الرخصةَ التي كتبتُ لكم (١)، وقال معاذ بن جبل (٢) وابن عباس في رواية أبي الجوزاء (٣): يعني: ليلةَ القدر، وكل هذا مما تحتمله الآية.\nوقال أبو إسحاق: الصحيح عندي أن ما كتب الله لنا هو (٤) القرآن، أي: اتبعوا القرآن فيما أبيح لكم فيه (٥) وأمرتم به (٦).\nوقوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ أمر إباحة حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود (٧) روي في تفسير هذا عن النبي - ﷺ - أنه قال لعدي بن حاتم: \"إنما ذاك بياض النهار من سواد الليل\" (٨).\nوبهذا قال عامة أهل التفسير (٩)، والعرب قد تكلمت بهذا اللفظ في\n_________\n(١) رواه عنه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ١/ ٧١، والطبري ٢/ ١٧٠، وذكره الجصاص في \"أحكام القرآن\" ١/ ٢٢٧.\n(٢) رواه عنه الطبري ٢/ ١٧٠، وذكره عنه الثعلبي ٢/ ٣٥٦، البغوي ١/ ٢٠٧.\n(٣) رواه عنه الطبري ٢/ ١٧٠، وابن أبي حاتم ١/ ٣١٧، وذكره الثعلبي ٢/ ٣٥٦، والجصاص في \"أحكام القرآن\" ١/ ٢٢٧.\n(٤) هو: سقطت من (م).\n(٥) سقطت من (ش).\n(٦) من \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٥٦ بمعناه، وقد بين الطبري ٢/ ١٧٠ أن كل الأقوال المذكورة مرادة، وهو مما كتب الله، لكن أشبه المعاني بظاهر الآية من قال: إن المراد به الولد؛ لأنه ورد عقيب قوله: جامعوهن.\n(٧) ينظر: \"التفسير الكبير\" ٥/ ١٠٩، \"أحكام القرآن\" لابن العربي ١/ ٩١.\n(٨) أخرجه البخاري (١٩١٦) كتاب الصوم، باب قول الله: وكلوا واشربوا، ومسلم (١٠٩٠) كتاب الصيام، باب: بيان أن الدخول في الصوم يحصل بطلوع الفجر.\n(٩) ينظر: \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ١/ ٦٨، \"تفسير غريب القرآن\" ص ٧٤، \"تفسير الطبري\" ٢/ ١٧٠ - ١٧٢، \"تفسير ابن أبي حاتم\" ١/ ٣١٨، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٣٦٣، \"البغوي\" ١/ ٢٠٨.","vol":"3","page":604},{"text":"الليل والنهار، قال أمية الثقفي (١):\nالخيط الأبيض لون الصبح منفلق ... والخيط الأسود لون الليل مركوم (٢) (٣)\nوقال أبو دواد (٤):\nفَلمّا أَضَاءت لنا غُدْوَة ... ولاحَ من الصُّبْح خَيْطٌ أَنَارا (٥)\nواختلفوا لم سميا خيطين؟ (٦) فقال الأكثرون: إنما (٧) يسمى خيطين عند اختلاط الضوء بالظلام والتفاف أحدهما بالآخر؛ شبها (٨) بخيطين بريمين، ومن هذا يقال: خَيّطَ الشيبُ رأسَه، إذا اختلط السواد بالبياض،\n_________\n(١) هو: أمية بن أبي الصلت بن ربيعة بن عوف، تقدمت ترجمته.\n(٢) في (ش): (مزكوم).\n(٣) البيت في \"ديوانه\" ص ٧٧، وذكره الثعلبي دون نسبة ٢/ ٣٦٤ ولفظه:\nالخيط الأبيض وقت الصبح منصدع ... والخيط الاسود جوز الليل مركوم\nوهو في \"تاج العروس\"، \"الدر المنثور\" ١/ ٣٦٠، وقد ورد في \"الديوان\"، \"الدر المنثور\" مكموم، بدل: مركوم.\n(٤) جارية بن الحجاج بن حذاق، وقيل: حنظلة بن المشرقي، أبو دواد الإيادي، تقدمت ترجمته.\n(٥) البيت لأبي دواد الإيادي في \"ديوانه\" ص ٣٥٢، \"الأصمعيات\" ص ١٩٠، \"غريب الحديث\" للخطابي ١/ ٢٣٣، \"لسان العرب\" ٣/ ١٣٠٢ خيط. ورواية الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ١٧٦، سُدْفَة، بدل: غدوة، والسدفة: ظلمة الليل في لغة نجد، والضوء في لغة قيس، وهي أيضًا اختلاط الضوء والظلمة جميعًا وهذا مراد الشاعر. والخيط: اللون هنا يكون ممتدًا كالخيط.\n(٦) ينظر: \"تفسير الطبري\" ٢/ ١٧٦ - ١٧٧، \"تفسير البغوي\" ١/ ٢٠٨، \"التفسير الكبير\" ٥/ ١٠٩ - ١١٠.\n(٧) في (ش): (إنهما).\n(٨) في (ش): (شبّها).","vol":"3","page":605},{"text":"ذكره أبو عبيد عن الأصمعي، وأنشد:\nحتى تُخَيَّطَ (١) بالبياض قروني (٢)\nالبيت لبدر الهذلي، وأوله:\nآليت لا أنسى منيحة واحدٍ\nيعنى بالمنحة: هجاء مهاجيه (٣).\nوقرأت على أبي الحسين الفسوي: أخبركم حمد بن محمد، قال: أنشدنا الحسن بن خلّاد، قال: أنشدني دريد، قال: أنشدنا ابن أخي الأصمعي، عن عَمِّه، لرجل يصف ليلًا:\nكأن بقايا (٤) الليل في أخرياته ... مُلاءٌ يبقى (٥) من طيالسة خضرِ\nتخال بقاياه التي أسأر الدجى ... تمدُّ وشِيعًا فوق أرديةِ الفجرِ (٦)\nفشبهها بالوشيع، وهو فتائل الغزل؛ لما يتراءى في خلاله من خيوط سوادٍ وبياضٍ.\nوقال الزجاج: هما فجران، أحدهما: يبدو أسود معترضًا، وهو الخيط الأسود، والأبيض: الذي يطلع ساطعًا يملأ الأفق (٧)، فعندهما\n_________\n(١) في (ش): (تخيط).\n(٢) عجز بيت ذكر الواحدي بعده صدره، وهو من قول بدر بن عامر الهذلي في \"الأغاني\" ٢٤/ ١٦٦.\n(٣) من قوله البيت: البدر ... ساقط من: (ش).\n(٤) في (ش): (بقانا).\n(٥) في (م): (كأنها سقى).\n(٦) لم أهتد إلى قائله أو من ذكره.\n(٧) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٥٧، والفجر فجران: أحدهما: يسطع في السماء مستطيلا كذنب السرحان (الذئب) ولا ينتشر، وهو الفجر الكاذب، فذاك لا يحل=","vol":"3","page":606},{"text":"الخيطان: هما الفجران، سميّا لامتدادهما، تشبيهًا بالخيطين.\nوقوله تعالى: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ الفجر: مصدر قولك: فَجَرْتُ الماء أَفْجُره فَجْرًا، وفَجرتُه تفجيرًا، فانفجر انفجارًا، إذا سال.\nقال الأزهري: أصله: الشق، ومنه: فَجْرُ السِّكْر (١)، فعلى هذا، الفجر في آخر الليل: هو شق عمود الصبح الليل، شَبَّه شقَّ الضوءِ ظُلْمةَ الليل بفجر الماء الحوض (٢).\nقال سهل بن سعد (٣): لما نزل قوله: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ كان الرجل إذا أراد الصوم ربط في رجله خيطين أسود وأبيض، فلا يزال يأكل ويشرب حتى يتبين له رِئْيُهُما، فأنزل الله: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾، فعلموا أنه يعني: الليل والنهار (٤). فالأكل للصائم بالليل\n_________\n= الصلاة، ولا يحرم الطعام على الصائم. والثاني: هو المستطير الذي ينتشر ويأخذ الأفق، وهو الفجر الصادق الذي يحل الصلاة ويحرم الطعام على الصائم، وهو المعني بهذه الآية. ينظر: \"تفسير الطبري\" ٢/ ١٧٢، والبيهقي ٤/ ٢١٥، \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٣٣٤.\n(١) ينظر: \"تفسير الطبري\" ٢/ ١٧٧، \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٧٤٣، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٣٦٧، \"المفردات\" ٧٥، \"اللسان\" ٦/ ٣٣٥١ (فجر).\n(٢) \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٣٦٧.\n(٣) هو سهل بن سعد بن مالك بن خالد الأنصاري الخزرجي الساعدي، أبو العباس، له ولأبيه صحبة، توفي سنة ٨٨ هـ. وقيل بعدها. ينظر: \"أسد الغابة\" ٢/ ٤٧٢، \"تقريب التهذيب\" ص ٢٥٧ (٢٦٥٨).\n(٤) رواه البخاري (٤٥١١) كتاب التفسير، باب: قوله: وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض وكذا برقم (١٩١٧) كتاب الصوم، باب: قول الله: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا﴾، ومسلم (١٠٩١) كتاب الصيام، باب: بيان أن الدخول في الصوم يحصل بطلوع الفجر.","vol":"3","page":607},{"text":"منظوم في الإباحة بإباحة المباشرة المذكورة قبله بمثل معناها في التوقيت، فقد أباح ﷿ المباشرة والأكل والشرب في ليالي الصوم وإلى انفجار الصبح، وفي هذا ما يدفع قول من يتهول: إن الجنب إذا أصبح قبل الاغتسال لم يكن له صوم؛ لأن المباشرة إذا كانت مباحة إلى انفجار الصبح لم يمكنه الاغتسال إلا بعد انفجار الصبح (١).\nوقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ جعل الليل منتهى الصوم، ولم يُدْخِل الليلَ في الصوم، كما دخل المرفق في الغسل في قوله: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦] لأن الليل ليس من جنس النهار، والمرفق (من جنس اليد) (٢).\nقال أحمد بن يحيى: سبيل الغاية الدخول والخروج، وكلا الأمرين فيهما ممكن، كما تقول: أكلتُ السمكةَ إلى رأسها، جائز أن يكون الرأس داخلًا في الأكل وخارجًا منه، وخرج الليلُ من الصوم؛ لأنه لا يشك ذو عقل أن الليل لا يُصام، ودخلت المرافق في الغسل أخذًا بالأوثق، ثم انضم إلى هذا تبيين السنة (٣).\n_________\n(١) ينظر: \"تفسير الرازي\" ٥/ ١١٠، \"أحكام القرآن\" لابن العربي ١/ ٩٤ - ٩٥، وقال: ففي ذلك عدى جواز طلوع الفجر عليه وهو جنب، وذلك جائز إجماعا، وقد كان وقع فيه بين الصحابة رضوان الله عليهم كلام، ثم استقر الأمر على أنه من أصبح جنبا فإن صومه صحيح، وبهذا احتج ابن عباس عليه. ويعني -﵀- بالخلاف بين الصحابة ما روي عن أبي هريرة أنه قال: من أصبح جنبا فلا صوم له، واختلف في رجوعه كما ذكره القرطبي ٢/ ٣٠٥.\n(٢) ساقط من (م).\n(٣) قد بينت السنة ذلك بقوله - ﷺ -: \"إذا أقبل الليل من هاهنا، وأدبر النهار من هاهنا، وغربت الشمس فقد أفطر الصائم\"، رواه البخاري (١٩٤١) كتاب الصوم، باب:=","vol":"3","page":608},{"text":"وقال قوم: (إلى) في هذه الآية للتحديد، وفي آية الوضوء معناه مع. كقوله: ﴿مَنْ أَنصَارِىَ إِلَى اَللَّهِ﴾ [آل عمران: ٥٢]. وقوله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢] (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ قال المفسرون: كان الرجلُ يخرجُ من المسجد وهو معتكف فيجامع ثم يعود، فنهوا عن ذلك ما داموا معتكفين (٢)، فالجماع يفسد الاعتكاف، وأما المباشرةُ غيرُ الجماع مما يُقْصدُ به التلذُّذُ فهو مَكْروه، ولا يفسده، وما لا يقصد به التلذذ فلا يكره (٣).\n_________\n= الصوم في السفر والإفطار، ومسلم (١١٠١) كتاب الصيام، باب: بيان وقت انقضاء الصوم وخروج النهار.\n(١) ينظر: \"المغني\" ٤/ ٤٣٢ - ٤٣٧، \"المحرر الوجيز\" ٢/ ١٢٩، \"تفسير القرطبي\" ٢/ ٣٠٦، \"التفسير الكبير\" ٥/ ١١١ - ١١٢، وقد نقل كلام الواحدي هذا برمته.\n(٢) من \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٥٧، وروى الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ١٨٠، عن مجاهد والضحاك والربيع وقتادة معنى ذلك، وينظر ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ١/ ٣١٩، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٣٧٥.\n(٣) ينظر: \"تفسير الطبري\" ٢/ ١٨٠ - ١٨٢، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٣٧٤، \"تفسير القرطبي\" ٢/ ٣١١، وبين أن من جامع زوجته وهو معتكف عامدا، أنه أفسد اعتكافه بإجماع أهل العلم، واختلفوا فيما عليه إذا فعل ذلك، فأما المباشرة من غير جماع فإن قصد بها التلذذ فهي مكروهة، وان لم يقصد لم يكره، لأن عائشة كانت ترجل رأس رسول الله - ﷺ - وهو معتكف، رواه البخاري (٢٠٢٨) كتاب الاعتكاف، باب: الحائض ترجل رأس المعتكف، ومسلم (٢٩٧) كتاب الحيض، باب: جواز غسل الحائض رأس زوجها وترجيله، وكانت لا محالة تمس بدن رسول الله - ﷺ - بيدها، هذا قول عطاء والشافعي وابن المنذر، قال أبو عمر (يعني: ابن عبد البر): وأجمعوا على أن المعتكف لا يباشر ولا يقبل، واختلفوا فيما =","vol":"3","page":609},{"text":"وقوله تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ أشار إلى الأحكام التي ذكرها في هذه الآية. وأما معنى الحد، فقالَ الليثُ: فَصْل ما بينَ كلِّ شَيْئين: حد، ومنتهى كل شيء حدُّه.\nقال الأزهري: ومن هذا: حدود الأرضين، وحدود الحرم.\nقال أهل اللغة: أصل الحد: الصرفُ والمنعُ عن (١) ومنه يقال للمحروم: محدودٌ؛ لأنه ممنوع عن الرزق، ولهذا قيل للبواب: حدَّاد؛ لأنه يمنع الناس من الدخول، قال الأعشى:\nوقُمْنا ولَّما يَصِحْ ديكُنَا ... إلى جَوْنَةٍ عند حَدَّادها (٢).\nيعني: صاحبها الذي يحفظها ويمنعها (٣)، والجونة: الخابية، ومنه قول النابغة:\n...... فاحدُدْها عن الفَنَد (٤)\n_________\n= عليه إن فعل. وينظر في المسألة: \"الإجماع\" لابن المنذر ص ٤، \"الكافي\" لابن عبد البر ١/ ٣٠٨، \"فتح الباري\" ٤/ ٢٧٢.\n(١) في نسختى (أ) (م): (عن)، وكأن في الكلام باقيًا لم يذكر.\n(٢) ورد البيت هكذا:\nفقمنا ولما يصحْ ديكنا ... إلى خمرة عند حدّادها\nوالبيت في \"ديوانه\" ٦٩، \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٣٠٨ \"مجمل اللغة\" ١/ ٢١٠، \"الصحاح\" ٢/ ٤٦٢ \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٣٨٠، والجونة: خابية الخمر \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٣٠٨.\n(٣) \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٣٨٠.\n(٤) تمام البيت:\nإلا سليمان إذ قال الإله له ... قم في البرية فاحددها عن الفند\nوالبيت للنابغة الذبياني في \"ديوانه\" ص ١٢، والقرطبي ٩/ ٢٦٠، \"البحر المحيط\" ٥/ ٣٤٠، \"الدر المصون\" ٦/ ٥٥٧، \"اللسان\" ٢/ ٨٠١، \"تاج العروس\" ٤/ ٤١١=","vol":"3","page":610},{"text":"أي: امنعها. وحَدُّ الدار: ما يمنع غيرها أن يدخلَ فيها، وحدودُ الله: ما منع الله من مخالفتها (١).\nقال الأزهري: حدود الله على ضربين.\nضرب منها: ما حُدَّ للناسِ في مطاعمهم ومشاربهم ومناكحهم وغيرها مما أحل وحرم، وأمر بالانتهاء إليها (٢)، ونهى عن تعدّيها.\nوالضرب الثاني: عقوبات جعلت لمن تعداها (٣) كحد السارق وحد الزاني وحد القاذف، سميت حدودًا؛ لأنها تحدُّ، أي: تمنع من ارتكاب المعاصي التي جعلت عقوباتٍ فيها، وسميت الأولى حدودًا؛ لأنها نهايات أمر الله لا تُتَعَدَّى (٤).\nوعلى ما ذكر الأزهري، وهو حسن صحيح، الضرب الأول سمي حدودًا؛ لأنها ممنوعة لا تؤتى، كالأكل بعد الفجر في الصوم، والضرب الثاني: مانعٌ، والمصدر يطلق على المفعول والفاعل كثيرًا، كقولهم: نسجُ اليمن، وضربُ الأمير، وقوله ﷿: ﴿إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا﴾ [تبارك: ٣٠].\nويؤكد ما ذكرنا من المعنى في الحدود قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ أي: لا تأتوها فبيّن أنها ممنوعة (٥).\n_________\n= (حدد)، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٣٨٠، وروايته (المليك) بدل (الإله). والفند: الخطأ في الرأي والقول.\n(١) ينظر: \"تفسير الطبري\" ٣/ ٥٤٦، \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٣٥٧، ٣٠٨، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٣٧٩، \"تهذيب اللغة\" ١/ ٧٥٩ (حدد).\n(٢) عبارة الأزهري في \"تهذيب اللغة\" وأمر بالانتهاء عما نهي عنه منها.\n(٣) عبارة الأزهري في \"تهذيب اللغة\" عقوبات جعلت لم ركب ما نهي عنه.\n(٤) من \"تهذيب اللغة\" ١/ ٧٥٩ (حدد) بتصرف.\n(٥) ينظر: \"تفسير الطبري\" ٢/ ١٨٢، \"التفسير الكبير\" ٥/ ١١٥.","vol":"3","page":611},{"text":"وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ﴾ أي: مثل هذا البيان الذي ذكر (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-407>١٨٨ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ أي: لا يأكل (٢) بعضكم مالَ بعضٍ. فأضافَ الأموالَ إليهم؛ لأن المؤمنين كجسد واحدٍ في توادِّهم وتعاطفِهم وتَرَاحمِهم، كذا قال رسول الله - ﷺ - (٣). ومثله قوله: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] (٤).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ معنى الباطل في اللغة: الذاهب الزائل، يقال: بَطَلَ الشيء يبطُل بُطْلًا وبُطولًا فهو باطل، ويجمع الباطل: بَوَاطل، وأَبَاطِيل جمع أُبْطُولَة، ويقال: بَطَل الأجيرُ يَبْطُلُ بِطَالَة، إذا تَعَطَّل واتبع اللهو، ومثله: تبطّل (٥).\n_________\n(١) من \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٥٧، وينظر: \"تفسير الطبري\" ٢/ ١٨٣، \"تفسير ابن أبي حاتم\" ١/ ٣٢٠، \"التفسير الكبير\" ٥/ ١١٦.\n(٢) في (أ): (لأكل).\n(٣) عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى\" أخرجه البخاري في الأدب باب: رحمة الناس والبهائم (٦٠١١)، ومسلم في: البر والصلة، باب: تراحم المؤمنين وتعاطفهم، وتعاضدهم (٢٥٨٦) (٦٠١١) كتاب الأدب، باب: رحمة الناس والبهائم، ومسلم (٢٥٨٦) كتاب البر والصلة، باب: تراحم المؤمنين وتعاطفهم وتعاضدهم.\n(٤) ينظر: \"تفسير الطبري\" ٢/ ١٨٣، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٣٨٣، \"تفسير البغوي\" ١/ ٢١٠، \"التفسير الكبير\" ١/ ١١٦. وقال: اعلم أنهم مثلوا قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ﴾، بقوله: ﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ﴾، وهذا مخالف لها؛ لأن أكله لمال نفسه بالباطل يصح كما يصح أكله مال غيره.\n(٥) ينظر: \"تهذيب اللغة\" ١/ ٣٥٠ بطل، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٣٨٣، \"الصحاح\" ٤/ ١٦٣٥، \"المفردات\" ص٦١، \"اللسان\" ١/ ٣٠٢ بطل.","vol":"3","page":612},{"text":"قال ابن عباس: يعني: بغير طاعة الله ﷿، واليمين الكاذبة يقتطع الرجل بها مال أخيه المسلم (١).\nقال أهل المعاني: الأكلُ بالباطل على وجهين:\nأحدهما: أن يكون على جهة الظلم، من نحو: الغَصْب والخيانة والسرقة، والثاني: على جهة اللهو واللعب، كالذي يُؤْخَذُ في القمار والملاهي ونحوها، كلُّ ذلك من أكل المال الباطل (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ﴾ في محل ﴿وَتُدْلُوا﴾ من الإعراب قولان (٣) ذكر في قوله: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ٤٢]. وأصل الإدلاء في اللغة: إرسال الدلو وإلقاؤها في البئر، قال الله تعالى: ﴿فَأَدْلَى دَلْوَهُ﴾ [يوسف: ١٩]، ثم جعل كل إلقاء قول أو فعل إدلاءً، ومنه يقال للمحتج: أدلى بحجته، كأنه يرسلها ليصل إلى مراده إدلاءَ المستقى الدلوَ ليصل إلى مطلوبه من الماء، ويقال: فلان يُدلي إلى الميت بقرابة ورَحِم، إذا كان يَمت إليه من هذا؛ لأنه يطلب الميراث بتلك القرابة طلب\n_________\n(١) هذا من رواية عطاء التي تقدم الحديث عنها في قسم الدراسة.\n(٢) ينظر. \"تفسير القرطبي\" ٢/ ٣١٧، \"زاد المسير\" ١/ ١٩٤، ونقل عن القاضي يعلى أن الباطل على وجهين: أحدهما: أن يأخذه بغير طيب نفس من مالكه كالسرقة. والثاني: أن يأخذه بطيب نفسه كالقمار والغناء وثمن الخمر.\n(٣) ينظر: \"تفسير الطبري\" ٢/ ١٨٤، \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ١١٥، \"تفسير القرطبي\" ٢/ ٣١٩، \"التبيان\" للعكبري ١/ ١٢٠، وذكر الوجهين، وهما: الجزم عطفًا على لا تأكلوا، والنصب على معنى الجمع أي: لا تجمعوا بين أن تأكلوا وتدلوا، وقيل: نصب بإضمار أن الخفيفة، وقال الأخفش: نصب على الجواب بالواو. ينظر: \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٣٨٦، \"معاني القرآن\" للأخفش ١/ ٣٥٣.","vol":"3","page":613},{"text":"المستقي الماء بالدلو (١).\nومعنى قوله: ﴿وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ﴾ أي: تلقون أمورَ تلك الأموال بينكم وبين أربابها إلى الحكام.\nقال ابن عباس: نزلت في الرجل يكون عليه مال، وليس عليه فيه بينة، فيجحد المال، ويخاصم فيه إلى الحكام، وهو يعرف أن الحقَّ عليه، ولعلم أنه آثمٌ آكلُ حرامٍ (٢).\nوقال الحسن: هو أن يكون على الرجل لصاحبه حَقٌّ، فإذا طالبه به دعاه إلى الحاكم فيحلف له، ولذهب بحقه (٣). وعلى هذا المعنى تفسير لفظ الآية ما ذكره الزجاج، وهو أنه قال: معنى أدلى فلان بحجته: إذا أرسلها، وأتى بها على صحة. قال: فمعنى قوله: ﴿وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ﴾ أي: تعملون على ما يوجبه ظاهر الحكم والإدلاء بالحجة، وتتركون ما قد علمتم (٤)، وقد قال - ﷺ -: \"إنما أنا بشر، ولعل بعضَكُم أن يكون أَلْحَنَ بِحُجَّتِه من بعض\" الحديث (٥).\n_________\n(١) ينظر: \"تفسير الطبري\" ٢/ ١٨٤، \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٥٨، \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٢١٤ (دلو)، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٣٨٤، \"المفردات\" ص ١٧٨، \"التفسير الكبير\" ٥/ ١١٨.\n(٢) رواه الطبري في \"تفسيره\" عنه ٢/ ١٨٣، وابن أبي حاتم ١/ ٣٢١، وعزاه السيوطي في \"الدر\" ١/ ٣٦٦ إلى ابن المنذر.\n(٣) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ٣٨٧، وذكر ابن أبي حاتم ١/ ٣٢١، عن الحسن أنه قال: لا تخاصم وأنت تعلم أنك ظالم.\n(٤) من \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٥٨.\n(٥) أخرجه البخاري (٧١٦٩) كتاب الشهادات، باب: موعظة الإمام للخصوم، ومسلم (١٧١٣) كتاب الأفضية، باب: الحكم بالظاهر واللحن بالحجة.","vol":"3","page":614},{"text":"والمختار في هذه الآية ما ذكره الفراء، وهو أنه قال: المعنى: لا تصانعوا بأموالكم الحكام، ليقتطعوا لكم حقًّا لغيركم وأنتم تعلمون أنه لا يحل لكم (١).\nقال الأزهري: وهذا عندي أصح القولين؛ لأن الهاء في قوله ﴿بِهَا﴾ للأموال، وهي على قول الزجاج للحجة، ولا ذكر لها في الكلام (٢). واختار ابن قتيبة أيضًا قول الفراء، فقال: يقول: لا تُدْلِ بمالِ أخيك إلى الحاكم ليَحكمَ لك به وأنت تعلم أنك ظالم له (٣).\nوقوله تعالى: ﴿لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا﴾ أي: طائفة (٤). ﴿مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ﴾ قال ابن عباس: يريد باليمين الكاذبة (٥).\nوقال غيرُه: بالباطل (٦)، يعني: بأن يرشو الحاكم ليقضي له ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أنكم مبطلون وأنه لا يحلُّ لَكم (٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-408>١٨٩ </span>- قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ﴾ الآية. قال المفسرون: سأل معاذ بن جبل رسول الله - ﷺ - عن زيادة القمر ونقصانه؟ فأنزل الله هذه الآية (٨).\n_________\n(١) نقله عنه الأزهري في \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٢١٤ (دلو).\n(٢) \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٢١٤ (دلو).\n(٣) \"تفسير غريب القرآن\" لابن قتيبة ص ٧٥.\n(٤) \"تفسير ابن أبي حاتم\" ١/ ٣٢٢، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٣٨٦، \"البحر المحيط\" ٢/ ٥٧.\n(٥) هذا من رواية عطاء التي تقدم الحديث عنها في المقدمة.\n(٦) \"تفسيرالثعلبي\" ٢/ ٣٨٦.\n(٧) \"تفسير الطبري\" ٢/ ١٨٣، \"تفسير ابن أبي حاتم\" ١/ ٣٢٢، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٣٨٦، \"البحر المحيط\" ٢/ ٥٢.\n(٨) رواه أبو نعيم في \"معرفة الصحابة\" ١/ ٤٩٣، وعزاه السيوطي في \"لباب النقول\" =","vol":"3","page":615},{"text":"والأهلة: جمع هِلال، وهو غُرّة القمر حين يراها (١) الناس، يقال لها (٢): هلال ليلتين، ثم يكون قمرًا بعد ذلك.\nوقال أبو الهيثم: يسمى القمر لليلتين من أول الشهر وليلتين (٣) من آخر الشهر: هلالًا، ويسمى ما بين ذلك: قمرًا، وسمي الهلال هلالًا: لأنه حين يرى يُهلِّ الناس بذكر الله وبذكره (٤).\nويقال: أُهِلّ الهلال، واستُهِلّ، وأهللنا الهلال، واستَهْلَلْناه (٥)، إذا بُني الفعل للهلال ضُمَّ، وإذا بُنِيَ للرائين فُتِح. هذا قول عامة أهل اللغة، وقال شمِر: يقال: استَهَلَّ الهلال أيضًا وشهر مُستَهِلٌّ، وأنشد:\n_________\n= ص ٣٥ أيضًا إلى ابن عساكر في \"تاريخ دمشق\"، من طريق السدي الصغير عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس به، وذكره أبو الليث في \"بحر العلوم\" ١/ ١٨٨، والثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ٣٩٠، وضعف إسناده السيوطي كما في \"الدر\" ١/ ٣٦٧، ووهاه المناوي في \"الفتح السماوي\" ١/ ٢٣٢، وذكره مقاتل في \"تفسيره\" ١/ ١٦٦ والواحدي في \"أسباب النزول\" ص ٥٦ عن الكلبي، وكذا ذكره الحيري في \"الكفاية\" ١/ ١٣٢، قال الحافظ في \"العجاب\": وقد توارد من لا يد لهم في صناعة الحديث على الجزم بأن هذا كان سبب النزول مع وهاء السند فيه، ولا شعور عندهم بذلك، بل كاد يكون مقطوعا به لكثرة من ينقله من المفسرين وغيرهم. اهـ. وقد روى الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ١٨٥، عن قتادة والربيع وابن جريج وكذا ابن أبي حاتم ١/ ٣٢٢ عن أبي العالية، قالوا: إن أناسا سألوا رسول الله - ﷺ - لم خلقت الأهلة؟ فانزل الله تعالى هذه الآية\n(١) في (م): (تراها).\n(٢) في (م) و(أ): (له).\n(٣) من قوله: (ثم يكون قمرًا بعد ذلك). ساقط من (أ)، (م).\n(٤) \"تفسيرالثعلبي\" ٢/ ٣٩٢.\n(٥) في (م): (استهللنا).","vol":"3","page":616},{"text":"وشهرٌ مُستهلٌّ بعد شَهْر ... وحَوْلٌ بعدَه (١) حولٌ جديد (٢) (٣)\nقال ابو إسحاق: فِعَالٌ يجمع في أقل العدد على أَفْعِلَة، نحو: مِثَال وأَمْثِلَة، وحِمَارٌ وأَحْمِرَة، وفي أكثر العدد يجمع على فُعُل، نحو: مُثُل وحُمُر، إلَّا أنهم كَرِهوا في التضعيف فُعُلا، نحو هُلُل وحُلُل (٤)، واقتصروا على جمع أدنى العدد، كما اقتصروا في ذوات الياء والواو على ذلك، نحو: أَكْسِيَة وأَرْدِيَة، للقليلِ والكثير (٥).\nأخبرَ اللهُ سبحانه أن الحكمةَ في زيادة القمر ونقصانه زوال الالتباس عن أوقات الناس في حَجِّهم (٦)، وحَلِّ ديونهم، وعِدَدِ نسائهم، وأجور أُجَرَائِهم، ومُدَدِ حواملهم، ووقت صومهم وإفطارهم، فقال: ﴿قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ (٧).\nوالمواقيت: جمع الميقات، والميقات: الوقت، كالميعاد بمعنى الوعد. وقال بعضهم: الميقات: منتهى الوقت، قال الله تعالى ﴿فَتَمَّ مِيقَتُ رَبِّهِ﴾ [الأعراف: ١٤٢] والهلال: ميقات الشهر، ومواضع الإحرام:\n_________\n(١) في (م): (بعد).\n(٢) البيت بلا نسبة في \"لسان العرب\" ٨/ ٤٦٩٠ (هلل). ورواية \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٧٨٤ (هلل: ويومٌ بعده يومٌ قريب).\n(٣) ينظر في هلال: \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٧٨٤ - ٣٧٨٨، \"المفردات\" ص٥٢٢، \"اللسان\" ٨/ ٤٦٩٠ (هلل).\n(٤) في \"معاني القرآن\" للزجاج: نحو هلل وخلل، فقالوا: أهلة وأخلة.\n(٥) من \"معاني القرآن\" ١/ ٢٦٢.\n(٦) في (ش): (حجتهم).\n(٧) \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٣٩٢، وينظر: \"تفسير الطبري\" ٢/ ١٨٥، \"البحر المحيط\" ٢/ ٦١.","vol":"3","page":617},{"text":"مواقيت للحج؛ لأنها مقادير يُنْتَهَى (١) إليها (٢). ولا يصرف مواقيت؛ لأنها غاية للجموع، فصار كأن الجمع تكرر فيها. فإن قيل: لم صرفت ﴿قَوَارِيرَ﴾ [الإنسان: ١٥]؟ قيل: لأنها فاصلة وقعت في رأس آية، فنُوِّن ليجري على طريقة الآيات كما ينون القوافي في مثل:\nأقلي اللومَ عاذلَ والعتابا (٣)\nفالألفُ بدلٌ من التنوين، وليس هو تنوين الصرف الذي يدل على تَمَكُّن الاسم، وإنما هو للفاصلة (٤).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا﴾ قال عامة أهل التفسير: كان أهلُ الجاهلية وفي أول الإسلام إذا أحرم الرجل منهم نَقَبَ في بيته نَقْبًا من مُؤَخَّرِه يخرج منه ويدخل، إلا قريشًا ومن دانوا بدينهم، فبينما رسول الله - ﷺ - وهو (٥) محرم، ورجل محرم فرآه دخل من باب حائط، فاتبعه ذلك الرجل، فقال له: تنح عنى، قال: ولم؟ قال: دخلت من الباب وأنت محرم! فوقف ذلك الرجل فقال: إني رضيت بسنتك وهديك، وقد\n_________\n(١) في (ش): (تنتهى).\n(٢) ينظر في المواقيت: \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٣٩٢، \"المفردات\" ٥٤٤، \"البحر المحيط\" ٢/ ٥٩، \"اللسان\" ٨/ ٤٦٩٠ (هلل).\n(٣) عجز البيت:\nوقولي إن أصبت لقد أصابا\nمطلع قصيدة لجرير يهجو فيها عبيدا الراعي والفرزدق في \"ديوانه\" ص ٨١٣، \"أوضح المسالك\" ١/ ١٤. وقوله: عاذل: هو مرخم عاذلة، وهو اسم فاعل مؤنث من العذل، وهو اللوم والتوبيخ.\n(٤) ينظر: \"البحر المحيط\" ٨/ ٣٩٧، \"أوضح المسالك\" ١/ ١٤.\n(٥) ساقطة من (ش).","vol":"3","page":618},{"text":"رأيتك دخلت فدخلت على إثرك، فقال النبي - ﷺ -: \"إني أحمس\" (١)، يعني: قرشي، وكانت قريش لا تفعل ذلك، قال الرجل: فإن كنت أحمس فإني أحمس (٢) ديننا واحد، فأنزل الله هذه الآية (٣)، وأعلمهم أن تشديدهم في الإحرام ليس ببر، ولكن البِرَّ بِرُّ من اتقى مخالفةَ اللهِ، وأمرهم بتركِ سُنَّةِ\n_________\n(١) الأحمس: هو المتشدد في دينه، والحُمْس: قريش وخزاعة، وكل من ولدت قريش من العرب، وكل من نزل مكة من قبائل العرب، فكانت الحمس قد شددوا في دينهم على أنفسهم، فكانوا إذا نسكوا لم يسلأوا سمنا، ولم يطبخوا أقطا، ولم يدخروا لبنا، ولم يحولوا بين مرضعة ورضاعها حتى يعافه، ولم يحركوا شعرا ولا ظفرا، ولا يبتنون في حجهم شعرا ولا وبرا ولا صوفا ولا قطنا، ولا يأكلون لحما، ولا يلبسون إلا جديدا، ولا يطوفون بالبيت إلا في حذائهم وثيابهم، ولا يمشون المسجد بأقدامهم تعظيما لبقعته، ولا يدخلون البيوت من أبوابها، ولا يخرجون إلى عرفات يقولون نحن أهل الله ويلزمون مزدلفة حتى يقضوا نسكهم. ينظر: \"المحبر\" ص١٧٨ - ١٨٠، \"سيرة ابن هشام\" ١/ ٢١١ - ٢١٦، \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٦٢، وهذا من تعليق محمود شاكر على \"تفسير الطبري\" ٢/ ١٨٧، وقيل: سموا حمسا بالكعبة؛ لأنها حمساء، حجرها أبيض يضرب إلى السواد، والأول أشهر وأصح. \"فتح الباري\" ٣/ ٦٠٣.\n(٢) سقطت من (ش).\n(٣) أورده بهذا اللفظ الثعلبي ٢/ ٣٩٤، وكذا ذكره الواحدي في \"أسباب النزول\" ص ٥٦، دون سند، وقد جمعه من آثار متفرقة كما ذكر الحافظ في \"العجاب\" ١/ ٤٥٨، وقد روي نحو هذا عن جابر، رواه ابن أبي حاتم ١/ ٣٢٣، والحاكم ١/ ٦٥٧، وصححه وعزاه الحافظ في \"الفتح\" ٣/ ٦٢١ إلى ابن خزيمة وعبد بن حميد وأبي الشيخ وبقي، وقال في \"العجاب\" ١/ ٤٥٦: هو على شرط مسلم ولكن اختلف في إرساله ووصله، وروى الطبري ٢/ ١٨٨، وابن أبي حاتم ١/ ٣٢٣ من طريق العوفي عن ابن عباس بنحوه، كما رواه الطبري ٣/ ٥٥٦ عن قيس بن حبتر، وأصل السبب رواه البخاري (١٨٠٣) كتاب العمرة، باب: قول الله تعالى: ﴿وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾، ومسلم (٣٠٢٦) كتاب التفسير من حديث البراء بن عازب.","vol":"3","page":619},{"text":"الجاهلية فقال: وأتوا البيوت من أبوابها.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى﴾ كقوله: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ١٧٧]، وقد مرَّ.\nوذهب أبو عبيدة في تفسير هذه الآية إلى غير ما ذكرنا، وهو أنه قال: معناه: ليس البرُّ بأن تطلبوا الخير من غير أهله، وتلتمسوا الأمر من غير بابه، ﴿وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾. أي: اطلبوا الخير من وجهه والأمر من بابه (١)، والقول ما عليه العامة.\nواختلف القراء في ﴿الْبُيُوتَ﴾ وأخواته، كالجيوب والغيوب، فقرؤوا بضم أولها وكسره (٢)، فمن ضم فهو الأصل، لأن فَعْلًا يجمع على فُعُول بضم الفاء، ومن كسر فلأجل موافقة الياء، فإن الكسرة أشد موافقة للياء من الضمة، ولا يستقبح ذلك، وإن لم يكن في كلامهم فِعُل؛ لأن الحركة إذا كانت للتقريب من الحرف لم تُكره، ولم تكن بمنزلة مالا تقريب فيه، ألا ترى أنه لم يجئ في الكلام عند سيبويه على فِعِل إلا إِبِل، وقد أكثروا من هذا البناء، واستعملوه على اطراد، إذا كان القصد فيه تقريب الحركة من\n_________\n(١) \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ١/ ٦٨، ولفظه: اطلبوا البر من أهله ووجهه، ولا تطلبوه عند الجهلة المشركين.\n(٢) قال في \"النشر\" ٢/ ٢٢٦: واختلفوا في الضم والكسر من (بيوت، والغيوب، وعيون، وشيوخا، وجيوب) فقرأ بضم الباء من (البيوت وبيوت) حيث وقع: أبو جعفر والبصريان (أبو عمرو ويعقوب) وورش وحفص، وقرأ بكسر الغين من (الغيوب) وذلك حيث وقع: حمزة وأبو بكر، وقرأ بكسر العين من (العيون وعيون)، والشين من (شيوخا) وهو في في كافر، والجيم من (جيوبهن)، وهو في سورة النور: ابن كثير وحمزة والكسائي وابن ذكوان وأبو بكر، إلا أنه اختلف عنه في الجيم من جيوبهن.","vol":"3","page":620},{"text":"الحرف، وذلك قولهم ماضغٌ لِهِمٌ، ورجل ضِحِكٌ (١)، وقالوا في الفعل: شِهِدَ ولِعِب، وقد استعملوا في إرادة التقريب ما ليس في كلامهم (٢) على بنائه البتة، وذلك نحو شِعِير ورِغيف وشِهِيد، وليس في الكلام شيء على فِعِيل على غير هذا الوجه، فكذلك في ﴿اَلْبُيُوتَ﴾ يستجاز فيه ما ذكرنا للتقريب والتوفيق بين الحرفين. ومما يدل على جواز ذلك: أنه إذا كانت عين الحرف ياءً جوزوا كسر الفاء في التحقير، فقالوا: عِيَيْنَةُ وبِيَيْتٌ، بكسر الفاء، للتقريب من الياء، وإن لم يكُن في أبنية التحقير على هذا الوزن. ويدلّ على صحة هذا: أنه قد جاء في الجموع ما لزمته الكسرة في الفاء، وذلك قولهم في جمع قوس: قِسي، فلولا أن الكسر قد تَمَكَّن في هذا الباب للتقريب من الياء ما كان الحرف يجيء على الكسر خاصة حتى لا يستعمل فيه غيره (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-409>١٩٠ </span>- قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي: في دين الله وطاعته (٤)، قال الربيع (٥) وابن زيد (٦): هذه أول آية نزلت في القتال، فلما نزلت كان رسول الله - ﷺ - يقاتل من قاتله، ويكفُّ عمن كف عنه، حتى\n_________\n(١) هكذا بالأصل، وفي الحجة: مِحِك.\n(٢) في (م): (الكلام).\n(٣) من \"الحجة\" ٢/ ٢٨٢ - ٢٨٣ باختصار وتصرف.\n(٤) ينظر: \"تفسير الطبري\" ٢/ ١٨٩، \"الثعلبي\" ٢/ ٣٩٨، \"البغوي\" ١/ ٢١٢.\n(٥) رواه عنه الطبري ٢/ ١٨٩، وذكره الثعلبي ٢/ ٣٩٨، والجصاص في \"أحكام القرآن\" ١/ ٢٥٧.\n(٦) رواه عنه الطبري ٢/ ١٨٩، وذكره النحاس في \"الناسخ والمنسوخ\" ١/ ٥١٦، والثعلبي ٢/ ٣٩٨.","vol":"3","page":621},{"text":"نزلت: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِين﴾ [التوبة: ٥]، فنُسخت هذه الآية، وأُمِرَ بالقتال مع المشركين كافة.\nومعنى قوله: ﴿وَلَا تَعْتَدُوا﴾ أي: لا تبدؤوهم ولا تعجلوهم بالقتال قبل تقديم الدعوة (١).\nوقال ابن عباس (٢) ومجاهد (٣): الآية محكمة، أُمر رسول الله - ﷺ - فيها (٤) بالقتال، ولم ينسخ شيء من حكم هذه الآية.\nقالا (٥): ومعنى قوله: ﴿وَلَا تَعْتَدُوا﴾ أي: لا تقتلوا النساء والصبيان والشيخ الكبير ولا من ألقى إليكم السَّلَم وكف يده، فإن فعلتم ذلك فقد اعتديتم (٦).\nوقال في رواية الكلبي: نزلت هذه الآيات في صلح الحديبية (٧)، وذلك\n_________\n(١) \"تفسيرالثعلبي\" ٢/ ٣٩٩.\n(٢) رواه عنه الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ١٩٠، وابن أبي حاتم ١/ ٣٢٥، وذكره النحاس في \"الناسخ والمنسوخ\" ١/ ٥١٦، والثعلبي ٢/ ٣٩٩.\n(٣) رواه الطبري ٢/ ١٩٠، وابن أبي حاتم ١/ ٣٢٥.\n(٤) ساقطة من (ش).\n(٥) في (م): (قال).\n(٦) روى الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ١٩٠ هذا القول أيضا عن عمر بن عبد العزيز ثم قال: وأولى هذين القولين بالصواب: القول الذي قاله عمر بن عبد العزيز؛ لأن دعوى المدعي نسخ آية يحتمل أن تكون غير منسوخة، بغير دلالة على صحة دعواه: تحكمٌ، والتحكم لا يعجز عنه أحد.\n(٧) الحديبية: بالتخفيف والتشديد، قرية متوسطة ليست بالكبيرة، سميت ببئر هناك عند مسجد الشجرة التىِ بايع رسول الله - ﷺ - تحتها، وهي على تسعة أميال من مكة، ويقال لها الآن: الشميسي، وصلح الحديبية كان في سنة لست من الهجرة حين منع المشركون رسول الله - ﷺ - ومعه أصحابه وكانو ١٤٠٠ وقيل: ١٥٠٠، ثم تصالحوا=","vol":"3","page":622},{"text":"أن رسول الله - ﷺ - لما انصرف من الحديبية إلى المدينة حين صَدَّه المشركون عن البيت صالحهم على أن يرجع عامه القابل، ويُخْلُوا له مكة ثلاثة أيام، فلما كان العام المقبل تجهز رسول الله - ﷺ - وأصحابه لعمرة القضاء (١)، خافوا أن لا تفي لهم قريش، وأن يصدوهم عن البيت، ويقاتلوهم، وكره أصحاب رسول الله - ﷺ - قتالهم في الشهر الحرام، في الحرم، فأنزل الله ﷿: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ محرمين ﴿الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ يعني: قريشا (٢).\n_________\n= الصلح المعروف، ولم يقع فيه قتال، وفيه أنزل الله: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾، ينظر: \"سيرة ابن هشام\" ٣/ ٣٦٥ - ٣٧٣، \"طبقات ابن سعد\" ٢/ ٩٥ - ١٠٥، \"تاريخ الطبري\" ٣/ ٧١، \"زاد المعاد\" ٣/ ٣٨٦.\n(١) عمرة القضاء أو القضية كانت في ذي القعدة سنة سبع، وسميت بذلك قيل: لكونها قضاء للعمرة التي صدوا عنها، وقيل من المقاضاة، لأن رسول الله - ﷺ - قاضى عليها المشركين. ينظر: \"سيرة ابن هشام\" ٣/ ٤٢٤،\"زاد المعاد\" ٣/ ٣٧٠.\n(٢) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ٤٠٦، والحيري في \"الكفاية\" ١/ ١٣٤، والواحدي في \"أسباب النزول\" ص ٥٧ - ٥٨، والبغوي ١/ ٢١٣، وذكره ابن حجر في \"العجاب\" ١/ ٤٦٥، ثم قال: الكلبي ضعيف لو انفرد، فكيف لو خالف، وقد خالفه الربيع بن أنس، وهو أولى بالقبول منه، فقال: إن هذه الآية أول آية في الإذن للمسلمين في قتال المشركين، وسياق الآيات يشهد لصحة قوله، فإن قوله تعالى عقيبهما: ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه، منسوخ بقوله تعالى: فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم، عند الأكثر، فوضح أنها سابقة، لكن سيأتي في سورة الحج عن أبي بكر الصديق: أول آية نزلت في الإذن في القتال: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾، قلت: ويمكن الجمع، ولفظ الربيع قال: هذه أول آية نزلت في القتال بالمدينة، فكان رسول الله - ﷺ - يقاتل من قاتله ويكف عمن كف عنه، حتى نزلت براءة. اهـ. ولم يرتض ابن كثير ١/ ٢٤٢ هذا فقال: وفي هذا نظر؛ لأن قوله: الذين يقاتلونكم إنما هو تهييج وإغراء بالأعداء الذين همتهم قتال الإسلام وأهله، أي كما يقاتلونكم فاقتلوهم أنتم.","vol":"3","page":623},{"text":"﴿وَلَا تَعْتَدُوا﴾ ولا تظلموا، فتبدؤوا في الحرم بالقتال (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-410>١٩١ </span>- ثم قال: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ قال الليث: ثَقِفْنا فلانًا في موضع كذا، أي: أخذناه، ومصدره: الثَّقْف، وقال الفراء في المصادر: ثَقِفَ يَثْقَفُ ثَقْفًا، وربما ثُقِّل، فقيل: ثَقَفًا (٢) (٣).\nقال المفسرون: أي: حيث وجدتموهم (٤).\nوقال الزجاج: معنى الآية: لا تمتنعوا من قتلهم في الحرم وغيره (٥)، أينما وجدتموهم وصادفتموهم وظفرتم بهم (٦)\nوقوله تعالى: ﴿وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ﴾ يعني: مكة (٧) ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾ يعني: وشركهم بالله ﷿ أعظم من قتلكم إياهم في الحرم والحُرُم والإحرام (٨).\n_________\n(١) \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٣٩٩.\n(٢) ضبطت في (ش): (ثقفا).\n(٣) ينظر في ثقف: \"تفسير الطبري\" ٢/ ١٩١، \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٦٣، \"اللسان\" ١/ ٤٩٢ - ٤٩٣، \"المفردات\" ص ٨٥، وقال: الثقف: الحذق في إدراك الشيء، ويقال: ثقفت كذا إذا أدركته ببصرك لحذق في النظر، ثم يتجوز به فيستعمل في الإدراك وإن لم تكن معه ثقافة.\n(٤) ينظر: \"تفسير الطبري\" ٢/ ١٩١، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٤٠٧.\n(٥) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٦٢.\n(٦) في (أ): (به).\n(٧) ينظر: \"تفسير الطبري\" ٢/ ١٩١، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٤٠٨، \"تفسير البغوي\" ١/ ٢١٣.\n(٨) \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٤٠٨، وعبارته في بعض النسخ: في الحرم والحرام والإحرام، \"تفسير الطبري\" ٢/ ١٩١، ١٩٢، \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٦٤، \"تفسير البغوي\" ١/ ٢١٤، وقوله: والحُرم: يعني: الأشهر الحرم، والقول الثاني في=","vol":"3","page":624},{"text":"وذكرنا معاني الفتنة عند قوله: ﴿إِنَّمَا نَحنُ فِتنَةٌ﴾ [البقرة: ١٠٢].\nوقال بعض أصحاب المعاني: سُمِّيَ الكفرُ فتنةً: لأن الكفر إظهار الفساد عند الاختبار، وأصل الفتنة: الاختبار (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ﴾ قال مقاتل: نَسَخَ هذا قولَه: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُم﴾ ثم (٢) نسخ هذا قولُه: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥]، فهذه الآية ناسخة ومنسوخة، وعنده يجوز الابتداء بالقتال في الحَرَم (٣).\n_________\n= الآية: ارتداد المؤمن إلى الأوثان أشد عليهم من أن يقتل محقًا، وهذا قول مجاهد. ينظر: \"زاد المسير\" ١/ ١٩١ - ١٩٩، وقال الكسائي: الفتنة هاهنا. العذاب، وكانوا يعذبون من أسلم كما في \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٤٠٨.\n(١) ينظر: \"زاد المسير\" ١/ ١٩٨، \"التفسير الكبير\" ٥/ ١٣٠.\n(٢) ليست في (أ)، (م).\n(٣) ذكره عن مقاتل بن حيان: الثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ٤١٠، وبنحوه رواه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ١/ ٣٢٦، وابن الجوزي في \"نواسخ القرآن\" ص ٢٢٨، وفي \"زاد المسير\" ١/ ١٩٩ - ٢٠٠، واختاره الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ١٩٣، والنحاس في \"الناسخ والمنسوخ\" ١/ ٥٢١، ومكي في \"الإيضاح\" ١٥٧، ونسبه ابن عطية في \"تفسيره\" ٢/ ١٣٩ للجمهور، وقد ناقش الرازي في \"تفسيره\" ٥/ ١٢٩ - ١٣٠ قول مقاتل، ثم ضعفه فقال: وأما قوله: إن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾، فهذا من باب التخصيص لا من باب النسخ، وأما قوله: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾، منسوخة بقوله: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾، فهو خطأ أيضا؛ لأنه لا يجوز الابتداء بالقتال في الحرم، وهذا الحكم ما نسخ بل هو باق، مثبِت أن قوله ضعيف، ولأنه يبعد من الحكيم أن يجمع بين آيات متوالية تكون كل واحدة ناسخة للأخرى. اهـ وممن رجح القول بعدم النسخ: ابن العربي في الناسخ والمنسوخ ٢/ ٥٨، وابن الجوزي. اهـ. في نواسخ القرآن ٢٢٨، بعدم النسخ: ابن العربي في \"الناسخ والمنسوخ\" ٢/ ٥٨، وابن الجوزي في \"نواسخ القرآن\" ٢٢٨،=","vol":"3","page":625},{"text":"وقال آخرون: إنهم نُهُوا عن ابتدائهم بقتل أو قتال، حتى يبتدئ المشركون بذلك، وهذه الآية محكمة. ولا يجوز الابتداء بالقتال في الحرم، وعلى هذا أكثر المفسرين، وغلّطوا مقاتلًا فيما قال (١).\nوقرأ حمزةُ والكِسائي (ولا تقتلوهم) (حتى يقتلوكم) (فإن قتلوكم) هذه الثلاثة بغير ألف (٢)، وجاز ذلك، وإن وقع القتل ببعض دون بعض؛ لأن العرب تقول: قتلنا بني تميم، وإنما قتلوا بعضهم (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-411>١٩٣ </span>- وقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ أي: شرك (٤)، يعني: قاتلوهم حتى يُسْلموا، فليس يُقْبَلُ من المشرك الوثني جِزْيةٌ، ولا يُرضى منه إلا بالإسلام (٥)، ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ﴾، أي: الطاعة والعبادة ﴿لله﴾\n_________\n= والقرطبي ٢/ ٣٣٠، وابن كثير ١/ ٢٤٢ قال النحاس في \"الناسخ والمنسوخ\" ١/ ٥١٩: هذه الآية من أصعب ما في الناسخ والمنسوخ.\n(١) ينظر: \"التفسير الكبير\" ٥/ ١٣٠، \"تفسير القرطبي\" ٢/ ٣٣٠، ونسبه الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ١٩٢ إلى مجاهد، وقال القرطبي: وبه قال طاوس، وهو الذي يقتضيه نص الآية، وهو الصحيح من القولين، وإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه، ثم استدل بحديث ابن عباس، وفيه: وإنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي ولم يحل لي إلا ساعة من نهار فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، وقد ذكر -﵀- أدلة الفريقين.\n(٢) قرأ حمزة والكسائي وخلف بحذف الألف في الثلاثة، والباقون بإثباتها. \"النشر\" ٢/ ٢٢٦ - ٢٢٧.\n(٣) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٦٤، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٤٠٩.\n(٤) ينظر: \"تأويل مشكل القرآن\" ٣٧٤، \"تفسير الطبري\" ٢/ ١٩٤، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ١/ ٣٢٧ حيث ذكر الآثار في ذلك عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي والربيع وابن زيد. وينظر: \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٤١١.\n(٥) \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٤١١، وقد ذكر عن المفضل بن سلمة الحكمةَ في أخذ الجزية =","vol":"3","page":626},{"text":"وحده، ولا يُعبد دونه شيء (١).\n﴿فَإِنِ انْتَهَوْا﴾ أي: عن الكفر (٢) ﴿فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ أي: الكافرين الواضعين العبادة في غير موضعها (٣)، والذي عليهم إنما سماه عدوانًا على معنى الجزاء والقصاص؛ لأن ما يكون منهم عُدوان فسمي الذي عليهم عدوانًا، كقوله: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠] وذلك أنه في صورة العدوان من حيث إنه قَتلٌ ونهبٌ واسترقاقٌ (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-412>١٩٤ </span>- قوله تعالى: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ قال المفسرون: إن النبي - ﷺ - صُدّ عام الحديبية سنة ستٍ، ثم عاد في سنة سبع، ودخل مكة وقضى العُمرة في ذي القَعدة، فأنزل الله هذه الآية، يريد: ذو القعدة، الذي دخلتم فيه مكةَ، واعتمرتم ﴿بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾: ذي القعدة، الذي صددتم فيه عن البيت، يعني: أن هذا جزاء ذاك وبدله. وتأويله: العمرة في الشهر\n_________\n= من أهل \"الكتاب\" دون غيرهم، قال القرطبي في \"تفسيره\" ٢/ ٣٥٣: وقاتلوهم، أمر بالقتال لكل مشرك في كل موضع، على من رآها ناسخة، ومن رآها غير ناسخة قال: المعنى: قاتلوا هؤلاء الذين قال الله فيهم: فإن قاتلوكم، والأول أظهر، وهو أمر بقتال مطلق لا بشرط أن يبدأ الكفار، وقد بين في \"زاد المسير\" ١/ ٢٠٠ بأن القول بالنسخ إنما يستقيم إذا قلنا إن معنى الكلام: فإن انتهوا عن قتالكم مع إقامتهم على دينهم، وأما إذا قلنا: إن معناه: فإن انتهوا عن دينهم، فالآية محكمة.\n(١) ينظر: \"تفسير الطبري\" ٢/ ١٩٥، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٤١٢.\n(٢) في \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٤١٣: فإن انتهوا عن القتال والكفر.\n(٣) \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٤١٣، \"تفسير البغوي\" ١/ ٢١٤، أو من بدأ بقتال على التأويل الثاني. ينظر: \"تفسير القرطبي\" ٢/ ٣٥٤.\n(٤) ينظر: \"تفسير الطبري\" ٢/ ١٩٥، ١٩٦، \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٦٥، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٤١٣، \"تفسير القرطبي\" ٢/ ٣٣٢.","vol":"3","page":627},{"text":"الحرام من سنة سبع بدلٌ من الصدّ في الشهر الحرام سنة ستٍ (١).\nوالحرمات: جمع حُرْمَة، والحُرْمَة: ما مُنِع من انتهاكه (٢).\nوالقصاص: المساواة والمماثلة، ذكرنا ذلك. وأراد بالحرمات: الشهر الحرام، والبلد الحرام، وحُرمة الإحرام (٣).\nومعنى قوله: ﴿وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾ أي: اقتصصت لكم منهم، حيث أضاعوا وانتهكوا هذه الحرمات في سنة ستٍ، فقضيتم على زعمهم ما فاتكم في سنة سبع (٤).\nقال مجاهدٌ: فَخَرت قريش أن صدت رسول الله - ﷺ - عن البيت الحرام في الشهر الحرام، في البلد الحرام، فأقصه الله، فدخل عليهم من القابل، في الشهر الحرام، في البلد الحرام، في البيت الحرام، وأنزل الله هذه الآية (٥)، هذا قول أكثر المفسرين (٦).\n_________\n(١) ينظر: \"تفسير الطبري\" ٢/ ١٩٦ - ١٩٨، وقد ذكر روايات كثيرة في ذلك عن ابن عباس ومجاهد وقتادة ومقسم والسدي والضحاك والربيع وابن زيد، ونحوه عند ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ١/ ٣٢٨، وذكر هذا السبب: الثعلبي ٢/ ٤١٤، البغوي ١/ ٢١٥، والواحدي في \"أسباب النزول\" ص ٥٨، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ١/ ١٩٤ وغيرهم.\n(٢) \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٤١٦، وينظر: \"المفردات\" ص ١٢٢.\n(٣) ينظر: \"تفسير الطبري\" ٣/ ٥٧٩ و\"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٤١٦ و\"البغوي\" ١/ ٢١٥.\n(٤) ينظر: \"تفسير الطبري\" ٢ - ١٩٨، \"الثعلبي\" ٢/ ٤١٦، ويفيد كلام الواحدي هنا أن هذه العمرة قضاء للعمرة التي حصروا عنها عام الحديبية، والقول الآخر: أنها من المقاضاة؛ لقول ابن عمر: لم تكن هذه قضاء ولكن كان شرطًا على المسلمين أن يعتمروا في الشهر الذي حاصرهم فيه المشركون. ينظر: \"زاد المعاد\" ٣/ ٣٧٨.\n(٥) رواه عنه الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ١٩٧.\n(٦) ينظر: \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٤١٦.","vol":"3","page":628},{"text":"والصحيح في تفسير هذه الآية: ما قاله ابن عباس في رواية عطاء:\n﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ يريد: إن قاتلوكم في الشهر الحرام، فقاتلوهم في مثله (١)، واختار الزجاج هذا القول، فقال: معناه: قتال الشهر الحرام بقتال الشهر الحرام (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾ قال ابن عباس: يريد: إن انتهكوا لكم حرمةً فانتهكوا منهم مثل ذلك.\nوقال الزجاج: أعلم الله ﷿ أن أمر هذه الحرمات قصاص (٣)، أي: لا يكون للمسلمين أن ينتهكوها على سبيل الابتداء، ولكن على سبيل القصاص. وهذا القول أولى القولين بالصواب، وأشبهها بالآية وبما (٤) قبلها، وهو قوله: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ﴾ [البقرة: ١٩١] والذي يدل عليه من سياق الآية.\nقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ أي: ظلم، فقاتل، ﴿فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾. وسمى الثاني اعتداءً لأنه مجازاة اعتداء فَسُمِّي بمثل اسمه؛ لأن صورةَ الفِعْلين واحدة، وإن كان أحدهما طاعة والآخر معصية،\n_________\n(١) تقدم الحديث عن رواية عطاء ص ٩٢، وقد ذكره البغوي في \"تفسيره\" ١/ ٢١٥، ولم ينسبه، وروى الطبري ٢/ ١٩٨، وابن أبي حاتم ١/ ٣٢٩ عن عكرمة عن ابن عباس في هذه الآية قال: أمركم الله بالقصاص، ويأخذ منكم العدوان، وهي بمعنى ما ذكره الواحدي، وعزا ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ١/ ٢٠١ هذا القول إلى الحسن البصري.\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٦٤.\n(٣) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٦٤.\n(٤) في (أ)، (م): (بما) بلا واو.","vol":"3","page":629},{"text":"والعرب تقول: ظلمني فلان فظلمته، إذا جازيته بظلمه، وجَهِلَ عَلَيَّ فَجَهِلْتُ عليه، أي: جازيته بجهله. قال عمرو (١):\nألا لا يَجْهَلَن أحدٌ علينا ... فَنَجْهَل فوق جَهْلِ الجاهلينا (٢)\nأي: نكافئ على الجهل بأكثر من مقداره، ومثله من التنزيل: قوله ﷿: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٥٤] وقوله: ﴿فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ﴾ [التوبة: ٧٩] (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-413>١٩٥ </span>- وقوله تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ كل ما أمر الله به من الخير فهو في سبيل الله، وأكثر ما استعمل في الجهاد؛ لأنه السبيل الذي يقاتل فيه على عقد الدين (٤).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ قال أبو عبيدة (٥) والزجاج (٦): التَهْلُكة: الهلاك، يقال: هلك يهلك هَلاكًا وهُلْكًا وهَلَكًا وتَهلُكةً.\n_________\n(١) عمرو بن كلثوم بن مالك بن عتاب التغلبي، شاعر جاهلي، من أصحاب المعلقات، وهو قاتل عمرو بن هند ملك الحيرة، وقد عمِّر وأدركته المنية وهو يناهز الخمسين ومائة.\nينظر: \"طبقات فحول الشعراء\" ١/ ١٥١، \"الشعر والشعراء\" ص ١٣٧، \"خزانة الأدب\" ٣/ ١٨٣.\n(٢) البيت في \"ديوانه\" ص ٣٣٠ وقد تقدم تخريجه ٢/ ١٤٠.\n(٣) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٦٥، وينظر: \"تفسير الطبري\" ٢/ ١٩٩، ٢٠٠، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٤١٣، ٤١٧، \"تفسير البغوي\" ١/ ٢١٥.\n(٤) من \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٦٥، \"تفسير البغوي\" ١/ ٢١٥.\n(٥) \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ١/ ٦٨.\n(٦) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٦٦.","vol":"3","page":630},{"text":"قال الخارزنجي (١): لا أَعْلَمُ في كلام العَرب مصدرًا على تفعُلة بضم العين إلا هذا (٢).\nقال أبو علي: قد حكى سيبويه التَّضُرَّةُ والتَّسُرَّة وقد جاء هذا المثال اسما غير مصدر، حكى سيبويه: التتفل والتنضُب قال: ولا نعلمه جاء صفةً (٣).\nوقال الليث: التَّهْلُكَة: كل شيء تصيرُ عَاقبتُه إلى الهلاك.\nومعنى الهَلاكِ: الضياعُ، وهو مصير الشيء بحيث لا يُدْرى أين هو (٤).\nومعنى قوله: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ﴾، لا تأخذوا في ذلك، يقال لكل من أخذ في عمل: قد ألقى يديه فيه (٥)، ومنه:\n_________\n(١) هو: أحمد بن محمد البشتي، أبو حامد المعروف بالخارْزَنجي، إمام الأدب بخراسان في عصره بلا مدافعة، صنف تكملة كتاب العين، وشرح أبيات أدب الكاتب توفي سنة ٣٤٨ هـ. ينظر: \"الأنساب\" ٢/ ٣٠٤ \"بغية الوعاة\" ١/ ٣٨٨.\n(٢) رواه عنه الثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ٤١٧، والحيري في \"الكفاية\" ١/ ١٣٦، وينظر: \"البحر المحيط\" ١/ ٥٩، \"الدر المصون\" ٢/ ٣١٢.\n(٣) ينظر: \"الكتاب\" لسيبويه ٤/ ٢٧٠ - ٢٧١، وينظر: \"البحر المحيط\" ١/ ٥٩.\n(٤) ينظر في التهلكة: \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٤١٧، \"المفردات\" ص ٥٢٢، \"البحر المحيط\" ١/ ٥٩، \"اللسان\" ٨/ ٤٦٨٦ (هلك)، وقال الحافظ في \"الفتح\" ٨/: وقيل: التهلكة: ما أمكن التحرز منه، والهلاك بخلافه، وقيل: التهلكة: نفس الشيء المهلك، وقيل ما تضر عاقبته، والمشهور الأول. وينظر: \"تفسير البغوي\" ١/ ٢١٥، \"البحر المحيط\" ٢/ ٦٠، وقد تكلم كثيرا، يحسن تلخيص كلامه.\n(٥) \"تفسير الطبري\" ٢/ ٢٠٤، ٢٠٥، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٤١٨.","vol":"3","page":631},{"text":"حتى إذا ألقت يدًا في كافر (١)\nأي: بدأت (٢) في المغيب (٣).\nوقال المبرد: عبر بالأيدي عن النفس، أراد: لا تلقوا أنفسكم إلى التهلكة، فعبر بالبَعْضِ عن الكُلِّ، كقوله: ﴿بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ﴾ [الحج: ١٠] ﴿فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠] (٤).\nوالباء زائدة، أراد: لا تلقوا أيديكم، يدل عليه قوله ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ﴾ [النحل: ١٥]. فعدّى بغير الباء (٥).\nوقال أبو علي: المعنى لا تقربوا مما يهلككم؛ لأن من ألقى يَدَهُ إلى الشيء فقد قَرُبَ منه، وهذا مبالغة (في الزجر) (٦) وتأكيد، لأن النهي إذا وقع عن (٧) مشارفته ومُقاربته فمباشرته أولى بالانتهاء، وكان المعنى: لا تقربوا من ترك الإنفاق في سبيل الله (٨).\n_________\n(١) عجز البيت:\nوأَجَنَّ عوراتِ الثُّغُورِ ظَلاَمُها\nوالبيت للبيد في \"ديوانه\" ص ٣١٦، و\"شرح المعلقات السبع\" لأبي عبد الله الزورني ص ٢٢٠، و\"شرح المعلقات العشر\" للتبريزي ص ٢٤٦، و\"إصلاح المنطق\" ص ١٢٧، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٤١٨. والكافر: الليل، والكفر: الستر، والإجنان: الستر أيضًا. \"لسان العرب\" ٧/ ٣٨٩٧ (كفر).\n(٢) في (م): (بدت).\n(٣) \"تفسيرالثعلبي\" ٢/ ٤١٨.\n(٤) نقله عنه الثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ٤١٨، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ١/ ٢٠٣.\n(٥) ينظر: \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٤١٩، \"معاني القرآن\" للأخفش ١/ ٣٥٣، \"الإنصاف في مسائل الخلاف\" لابن الأنباري ٢٤٤.\n(٦) سقطت من (م).\n(٧) في (ش): (من).\n(٨) ينظر في ذكر الأقوال في الآية \"تفسير الطبري\" ٢/ ٢٠٠ - ٢٠٢، \"البغوي\" =","vol":"3","page":632},{"text":"وأكثر أهل التفسير على أن معنى قول ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾، أي: لا تمسكوا ولا تبخلوا عن الإنفاق في سبيل الله.\nوالمراد بهذه الآية: النَّهْيُ عن ترك النفقة في الجهاد، إما أن ينفق على نفسه ويخرج، وإما أن ينفق على من يغزو من المسلمين (١)، حتى قال ابن عباس: أنفق في سبيل الله، وإن لم يكن لك إلا سهم أو مشقص، ولا يقولن أحدكم: لا أجد شيئًا (٢).\nوقال السدي، في هذه الآية: أنفق في سبيل الله ولو عقالًا. ﴿وَلَا تُلْقُوا\n_________\n= ١/ ٢١٥ - ٢١٧، \"زاد المسير\" ١/ ٢٠٣، \"البحر المحيط\" ٢/ ٧٠، وذكر تسعة أقوال ثم قال: وهذه الأقوال كلها تحتمل هذه الآية، والظاهر أنهم نهوا عن كل ما يؤول بهم إلى الهلاك في غير طاعة الله، وقال الطبري في \"تفسيره\" ٣/ ٥٩٣: فالصواب أن يقال: إن الله نهى عن الإلقاء بأيدينا لما فيه هلاكنا، والاستسلام للهلكة وهي العذاب بترك ما لزمنا من فرائضه، فغير جائز لأحد منا الدخول في شيء يكرهه الله منا مما نستوجب بدخولنا فيه عذابه، ثم ذكر أثر ابن عباس: التهلكة: عذاب الله.\n(١) ذكر الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٢٠٠ - ٢٠٢، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ١/ ٣٣١ الآثار في ذلك عن حذيفة، وابن عباس وعكرمة والحسن ومجاهد وعطاء وسعيد بن جبير وأبي صالح والضحاك والسدي ومقاتل بن حيان وقتادة ومحمد بن كعب القرظي، وينظر: \"صحيح البخاري\" ٥/ ١٨٥، و\"تفسير سفيان الثوري\" ص ٥٩، وسعيد بن منصور في \"السنن\" ٣/ ٧١٠، وعبد الرزاق في \"تفسيره\" ١/ ٧٤، والجصاص في \"أحكام القرآن\" ١/ ٢٦٢.\n(٢) رواه عنه سفيان الثوري في \"تفسيره\" ٥٩، والإمام أحمد في \"العلل ومعرفة الرجال\" ٢/ ٣٩٥، والطبري ٢/ ٢٠٠، وابن أبي شيبة في \"المصنف\" ٥/ ٣٣١، والبيهقي ٩/ ٤٥.","vol":"3","page":633},{"text":"بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ لا تقل: ليس عندي شيء (١).\nوقال أبو إسحاق معناه: أنكم إن لم تنفقوا في سبيل الله هلكتم، أي: عصيتم الله فهلكتم، وجائز أن يكون هلكتم بتقوّي عدوكم عليكم (٢).\nفعلى هذا معنى التهلكة: الهلاك بالعصيان بترك النفقة، والهلاك بقوة العدو عند ترك النفقة في الجهاد.\nوقال أبو أيوب الأنصاري (٣): إنها نزلت فينا معشر الأنصار، لما أعز الله دينَهُ ونَصَر رَسُوله، قلنا: لو أقمنا في أموالنا فأصلحنا ما ضاع منها، فأنزل الله هذه الآية (٤).\n_________\n(١) رواه عنه الطبري ٢/ ٢٠١، وذكره ابن أبي حاتم ١/ ٣٣١.\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٦٦.\n(٣) هو: خالد بن زيد بن كليب بن ثعلبة، أبو أيوب الأنصاري، من بني النجار، صحابي شهد العقبة وبدرا وأحدا والخندق وسائر المشاهد، رحل إلى الشام وغزا مع جيش معاوية القسطنطينية، وتوفي هناك سنة ٥٢ هـ. ينظر: \"الإصابة\" ١/ ٤٠٥، \"الأعلام\" ٢/ ٢٩٥.\n(٤) الحديث رواه الترمذي في التفسير، باب: ومن سورة البقرة ٥/ ٢١٢ وقال: حسن صحيح غريب، والنسائي في \"تفسيره\" ١/ ٢٣٦، وأبو داود في الجهاد، باب: في قوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ ٣/ ١٢ برقم ٢٥١٢، وصححه الألباني كما في صحيح سنن أبي داود برقم ٢١٩٣، ولهذا الحديث قصة، عن أسلم بن عمران قال: غزونا من المدينة نريد القسطنطينية، وعلى الجماعة عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، والروم ملصقو ظهورهم بحائط المدينة، فحمل رجل على العدو، فقال الناس: مه مه، لا إله إلا الله، يلقي بيديه إلى التهلكة! فقال أبو أيوب: إنما نزلت في الإلقاء بالأيدي إلى التهلكة أن نقيم في أموالنا ونصلحها وندع الجهاد. هذا لفظ أبي داود. قال الحافظ في \"الفتح\" ٨/ ٣٤: وأما مسألة حمل الواحد على العدد الكثير من العدو، فصرح الجمهور بأنه إن كان لفرط شجاعته وظنه أنه يرهب العدو بذلك، أو يجرئ المسلمين عليهم أو نحو ذلك من المقاصد الحسنة فهو حسن، ومتى كان مجرد تهور =","vol":"3","page":634},{"text":"فعلى هذا، التهلكة: الإقامة في الأهل والمال وترك الجهاد.\nوالمعنى: لا تتركوا الجهاد فتهلكوا، فسمى ترك الجهاد تَهُلكة؛ لأنه يؤدي إلى الهلاك في الدنيا بقوة العدو وفي الآخرة بالعصيان (١).\nوفي الآية قول ثالث، وهو ما روي عن البراء بن عازب (٢): أنه قيل له في هذه الآية: أهو (٣) الرجل يحمل على الكتيبة وهم ألف بالسيف؟ قال: لا، ولكنه الرجل يصيب الذنب فيلقي بيديه (٤) ويقول: لا توبة لي؟ (٥).\n_________\n= فممنوع، ولا سيما إن ترتب على ذلك وهن في المسلمين.\n(١) ينظر: \"تفسير الطبري\" ٢/ ٢٠٥، \"الثعلبي\" ٢/ ٤٢٦، \"البحر المحيط\" ٢/ ٧٠.\n(٢) هو: البراء بن عازب بن حارث الأنصاري الأوسي، صحابي غزا مع رسول الله - ﷺ - أربع عشرة غزوة، وهو الذي افتتح الرَّيَّ، وشهد الجمل وصفين مع علي - ﵁ -، ومات في إمارة مصعب بن الزبير. ينظر: \"أسد الغابة\" ١/ ٢٠٥، \"الإصابة\" ١/ ٢٧٨.\n(٣) في (ش): (أهوالٌ).\n(٤) في (م): (بيده).\n(٥) رواه الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٢٠٢، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ١/ ٣٣٢، والحاكم ٢/ ٣٠٢، وقال: صحيح على شرط الشيخين، والبيهقي في \"شعب الإيمان\" ٥/ ٤٠٧، والخطابي في \"غريب الحديث\" ١/ ٥٣٦، وصحح إسناده الحافظ في \"الفتح\" ٨/ ١٨٥، وروى الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٢٠٢، وأحمد في \"مسنده\" ٤/ ٢٨١ عن أبي بكر بن عياش عن أبي إسحاق قال: قلت للبراء: الرجل يحمل على المشركين، أهو ممن ألقى بيده إلى التهلكة؟ قال: لا؛ لأن الله ﷿ بعث رسوله - ﷺ - فقال: فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك، إنما ذلك في النفقة، وذكر الحافظ في \"الفتح\" ٨/ ١٨٥ أنه إن كان محفوظا، فلعل للبراء فيه جوابين، والأول من رواية الثوري وأبي إسرائيل وأبي الأحوص ونحوهم، وكلٌّ منهم أتقن من أبي بكر بن عياش، فكيف مع اجتماعهم وانفراده.","vol":"3","page":635},{"text":"وهذا القول اختيار يمان (١) بن رِئَاب (٢) (٣) والمفضل (٤)، قالا: يقال للرجل إذا استسلم للهلاك ويئس من النجاة: ألقى بيديه (٥).\nوقال الفضيل: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ بإساءة الظن بالله (٦)، فعلى هذا القول التهلكة: هو ترك التوبة، والقنوط من رحمة الله، أو إساءة الظن بالله ﷿ في الإخلاف عند الإنفاق (٧).\nقال أبو علي الفارسي: الباء في قوله: (بأيديكم) زيادة، المعنى: (ولا تلقوا أيديكم) يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ﴾ [النحل: ١٥] ﴿وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ﴾ [الحجر: ١٩] و﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ [آل عمران: ١٥١]، وزيادتها ههنا كزيادتها في قوله: ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ [العلق: ١٤] (٨).\n_________\n(١) ذكره عنه الثعلبي ٢/ ٤٣٧.\n(٢) في (ش): (ريمان بن زيّات). وفي (م): (رباب).\n(٣) هو: اليمان بن رباب أو ابن رئاب البصري من رؤساء الخوارج، تقدمت ترجمته.\n(٤) ذكره عنه الثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ٤٣٧. وهذا القول مروي أيضًا عن محمد بن سيرين وعبيدة السلماني وأبي قلابة البصري. ينظر: \"تفسير الطبري\" ٢/ ٢٠٣، \"تفسير ابن أبي حاتم\" ١/ ٣٣٢، \"تفسير عبد الرزاق\" ١/ ٣٣٢، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٤٣٦ - ٤٣٧.\n(٥) في (م): (بيده).\n(٦) رواه سفيان الثوري في \"تفسيره\" ٥٩، ورواه ابن أبي الدنيا في \"حسن الظن بالله\" ص ١١٧، وذكره الثعلبي ٢/ ٤٤٣، وروى الطبري ٢/ ٢٠٥ عن عكرمة نحوه.\n(٧) وروى الطبري ٢/ ٢٠٥، وابن أبي حاتم ١/ ٢٣٢ عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: التهلكة: عذاب الله، وهذا قول رابع في معنى الآية.\n(٨) ينظر: \"تفسير الطبري\" ٢/ ٢٠٥، \"تفسير البغوي\" ١/ ٢١٥، وقال: وقيل: الباء في موضعها، وفيه حذف، أي: لا تلقوا أنفسكم بأيديكم إلى التهلكة، واختار أبو=","vol":"3","page":636},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَأَحْسِنُوا﴾ معناه على القول الأول في التهلكة: أنفقوا في سبيل الله، فمن أنفق في سبيل الله فهو محسن.\nقال ابن عباس: أي (١): أحسنوا الظن بالله، فإنه يُضَاعِفُ الثواب، ويُخْلِفُ لكم النفقة (٢)، فالإحسان على هذا محمول على إحسان الظن بالله في الخُلْف، وعلى القول الثاني: جاهدوا، والمجاهد في سبيل الله محسنٌ، وعلى القول الثالث: تفسير الإحسان إحسان الظن بالله في قبول التوبة وغفران الذنوب (٣).\n...\n_________\n= حيان في \"البحر المحيط\" ٢/ ٧١ أن المفعول في المعنى هو بأيديكم، لكنه ضمن ألقى معنى ما يتعدى بالباء فعداه بها، كأنه قيل: ولا تفضوا بأيديكم إلى التهلكة، ويكون إذ ذاك قد عبر عن الأنفس بالأيدي؛ لأن بها الحركة والبطش والامتناع.\n(١) ليست في (م).\n(٢) رواه الطبري في \"تفسيره\" عن عكرمة ٢/ ٦٠٢، وذكر في \"البحر المحيط\" ٢/ ٧١.\n(٣) ينظر: \"زاد المسير\" ١/ ٣٠٣، وذكر أن القول الثاني: أحسنوا الظن بالله، قاله عكرمة وسفيان، وهو يخرج على قول من قال: التهلكة: القنوط، والثالث: معناه: أدوا الفرائض، رواه سفيان عن أبي إسحاق.","vol":"3","page":637},{"text":"المملكة العربية السعودية\nوزارة التعليم العالي\nجامعة الإِمام محمد بن سعود الإسلامية\nعماد البحث العلمي\nسلسلة الرسائل الجامعية\nالتَّفْسِيرُ البَسِيْط\nلأبي الحسن علي بن أحمد بن محمد الواحدي\n(ت ٤٦٨ هـ)\nسورة البقرة من آية (١٩٦) - آخر السورة\nتحقيق\nد. محمد بن عبد العزيز الخضيري\nأشرف على طباعته وإخراجه\nد. عبد العزيز بن سطام آل سعود ... أ. د. تركى بن سهو العتيبي\nالجزء الرابع","vol":"4","page":1},{"text":"المملكة العربية السعودية\nوزارة التعليم العالي\nجامعة الإِمام محمد بن سعود الإسلامية\nعماد البحث العلمي\nسلسلة الرسائل الجامعية\nالتَّفْسِيرُ البَسِيْط\nلأبي الحسن علي بن أحمد بن محمد الواحدي\n(ت ٤٦٨ هـ)\nسورة البقرة من آية (١٩٦) - آخر السورة\nتحقيق\nد. محمد بن عبد العزيز الخضيري\nأشرف على طباعته وإخراجه\nد. عبد العزيز بن سطام آل سعود ... أ. د. تركى بن سهو العتيبي\nالجزء الرابع","vol":"4","page":2},{"text":"جامعة الإِمام محمد بن سعود الإسلامية ١٤٣٠هـ\nفهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية أثناء النشر\nالواحدي، علي بن أحمد\nالتفسير البسيط لأبي الحسن علي بن أحمد بن محمد الواحدي\n(ت٤٦٨هـ)./ علي بن أحمد الواحدي، محمد بن صالح بن\nعبد الله الفوزان، الرياض١٤٣٠هـ.\n٢٥مج. (سلسلة الرسائل الجامعية)\nردمك:٤ - ٨٥٧ - ٠٤ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (مجموعة)\n١ - ٨٥٨ - ٠٤ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (ج١)\n١ - القرآن تفسير ... ٢ - الواحدي، علي بن أحمد\nأ- العنوان ... ب- السلسة\nديوي ٢٢٧٣ ... ٨٦٨/ ١٤٣٠\nرقم الإيداع: ٨٦٨/ ١٤٣٠ هـ\nردمك ٤ - ٨٥٧ - ٠٤ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (مجموعة)\n١ - ٨٥٨ - ٠٤ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (ج١)","vol":"4","page":3},{"text":"التَّفْسِيرُ البَسِيْط\nلأبي الحسن علي بن أحمد بن محمد الواحدي\n(ت ٤٦٨ هـ)\n[٤]","vol":"4","page":4},{"text":"بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ","vol":"4","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-414>١٩٦ </span>- قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ الآية.\nقال ابن عباس (١) ومجاهد (٢): أتِمُّوهما بمناسِكِهما وحدودِهما وسننِهِما وتأديةِ كل ما فيهما (٣).\nوقال ابن مسعود (٤) وعلي (٥) ﵄: إتمامُهُما: أن تُحرم بهما من دُوَيْرة أهلك مؤتنفَيْن. وبهذا قال سعيد بن جبير (٦) وطاوس (٧).\nوفي إيجاب العمرة قولان:\n_________\n(١) رواه سعيد بن منصور في \"السنن\" ٢/ ٧١٢، والطبري في \"تفسيره\" عنه بمعناه ٢/ ٢٠٧، وعزاه في \"الدر المنثور\" ١/ ٣٧٦ إلى وكيع وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر، والنحاس في \"ناسخه\"، والحاكم وصححه، والبيهقي في \"سننه\".\n(٢) في \"تفسير مجاهد\" ١/ ١٠٠، ورواه الثوري في \"تفسيره\" ص ٦٥، والطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٢٠٧، وعزاه في \"الدر\" ١/ ٣٧٦ إلى عبد بن حميد.\n(٣) وبه قال علقمة وإبراهيم. ينظر: \"تفسير الطبري\" ٢/ ٢٠٦، ٢٠٧، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٤٥٢.\n(٤) نسبه إليه البغوي في \"تفسيره\" ١/ ٢١٧، وابن العربي في \"أحكام القرآن\" ١/ ١١٧.\n(٥) رواه عنه الطبري في \"تفسيره\" بمعناه ٢/ ٢٠٧، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ١/ ٣٣٣، والحاكم ٢/ ٣٠٣ وصححه، وعزاه في \"الدر المنثور\" ١/ ٣٧٦ إلى وكيع وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر والنحاس في \"ناسخه\"، والبيهقي في \"سننه\".\n(٦) رواه الطبري في \"تفسيره\" عنه ٢/ ٢٠٧، وذكره ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ١/ ٣٣٣، والجصاص في \"أحكام القرآن\" ١/ ٢٦٣.\n(٧) رواه عنه الطبري في \"تفسيره\" ٤/ ٩، وذكره ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ١/ ٣٣٣، وابن الجوزي في \"نواسخ القرآن\" ص ٢٢٥، وقد ذكر المؤلف قولين، والقول الثالث: إتمامهما: أن يفصل بينهما فيأتي بالعمرة في غير أشهر الحج، روي عن عمر والحسن وعطاء، والرابع: أنه فعل ما أمر الله فيهما، روي عن مجاهد. والخامس: ألا يتجر معهما. والسادس: ألا يحرم بالعمرة في أشهر الحج، قاله قتادة. ينظر: \"زاد المسير\" ١/ ٢٠٤ (ط. المكتب الإسلامي)","vol":"4","page":5},{"text":"أحدهما: أنها (١) واجبة، وهو مذهب علي (٢) وابن عباس (٣)، وقول الشافعي في الجديد (٤).\nقال ابن عباس: والله إن العمرة لقرينة الحج في كتاب الله ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (٥).\nوقال مسروق: نزلت العمرة من الحج منزلة الزكاة من الصلاة، ثم تلا هذه الآية (٦).\nفمن أوجَبَ العمرةَ تأول الإتمام على معنى الابتداء، أي: أقيموهما وافعلوهما بما فيهما من الأعمال، كقوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ\n_________\n(١) في (أ) (أنهما)، وفي (م) (أيهما).\n(٢) رواه عنه الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٢٠٩، وعزاه السيوطي في \"الدر\" ١/ ١٧٦ إلى عبد ابن حميد، وذكره عنه الثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ٤٦٣.\n(٣) رواه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ١/ ٣٣٤، والدارقطني في \"السنن\" ٢/ ٢٨٥، والبيهقي في \"تفسيره\" ٤/ ٣٥١، والحاكم ١/ ٦٤٣ وصححه، وعزاه في \"الدر\" ١/ ٣٧٧، إلى عبد الرزاق وعبد بن حميد والدارقطني والحاكم والبيهقي.\n(٤) ينظر: \"الأم\" للشافعي ٢/ ٤٧٧ (ط. دار إحياء التراث العربي) \"المجموع\" ٧/ ٧، \"البيان في مذهب الشافعي\" للعمراني ٤/ ١١، وممن قال بالوجوب: ابن عمر وجابر وزيد وعطاء وابن المسيب وسعيد بن جبير وعلي بن الحسين، والسفيانان، وقتادة، وهو المذهب عند الحنابلة. ينظر: \"المصنف\" لابن أبي شيبة ٤/ ٣٠٤ - ٣٠٥، \"البيان\" للعمراني ٤/ ١١، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٤٦٣، \"الفروع\" لابن مفلح ٣/ ٢٠٣.\n(٥) رواه البخاري تعليقًا في العمرة، باب: وجوب الحج والعمرة ٢/ ٢٤٠، ورواه موصولًا: الشافعي في \"الأم\" ٤/ ١٤٤، والبيهقي في \"تفسيره\" ٤/ ٣٥١، وابن عبد البر في \"التمهيد\" ٢٠/ ١٦.\n(٦) رواه الطبري عنه في \"تفسيره\" ٢/ ٢٠٩، والبيهقي في \"تفسيره\" ٤/ ٣٥١، وابن عبد البر في \"التمهيد\" ٢٠/ ١٥.","vol":"4","page":6},{"text":"فَأَتَمَّهُنَّ﴾ [البقرة: ١٢٤]، أي: فعلهن وقام بهن، وقوله: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، أي: ثم ابتدؤوا الصيام وأتموه؛ لأنه ذكر الإتمام عَقِيب الأكل والشرب (١).\nوفرائض الحَجِّ أربعةٌ: الإحرامُ، والوقوفُ، وطوافُ الإفاضة، والسعيُ (٢).\nوأعمال العمرة: الإحرامُ، والطوافُ، والسعي، والحلق والتقصير (٣)، وأقله: ثلاث شَعَرات (٤).\nالقول الثاني: أن العمرة سنةٌ وليست بفريضة، وهو مذهب أهل العراق (٥)، وحملوا الآية على معنى: أتموها إذا دخلتم فيها، كالمتطوع\n_________\n(١) من \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٤٦٩، وينظر: \"الأم\" ٢/ ١٤٤، \"التمهيد\" ٢٠/ ١٠.\n(٢) من \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٤٥٤، وهذا مذهب الجمهور. ينظر: \"حاشية ابن عابدين\" ٢/ ٢٥٠، \"شرح الزرقاني على مختصر خليل\" ٢/ ٢٨١، \"المهذب\" للشيرازي ٢/ ٧٨٩، \"الوسيط\" للغزالي ٢/ ١٢٦١، \"البيان\" للعمراني ٤/ ٣٧٣، \"الموسوعة الفقهية الكويتية\" ١٧/ ٤٩.\n(٣) من \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٤٥٤، وينظر: \"المهذب\" ٢/ ٧٨٩، \"المجموع\" ٨/ ٢٦٥، وذهب جمهور الفقهاء إلى أن أركان العمرة ثلاثة، هي: الإحرام، والطواف، والسعي، وهو مذهب المالكية والحنابلة، وزاد الشافعية ركنًا رابعًا هو الحلق، ومذهب الحنفية أن الإحرام شرط للعمرة، وركنها واحد هو الطواف. ينظر: \"الشرح الكبير\" و\"حاشيته للدسوقي\" ٢/ ٢١، \"المسلك المتقسط\" ص ٣٠٧، \"كشاف القناع\" ٢/ ٥٢١، \"البيان\" للعمراني ٤/ ٣٧٠.\n(٤) القدر الواجب: هو حلق شعر جميع الرأس، أو تقصيره عند المالكية والحنابلة، وربع الرأس على الأقل عند الحنفية، وثلاث شعرات على الأقل عند الشافعية. ينظر: \"فتح القدير\" ٢/ ١٧٨ - ١٧٩، \"المسلك المتقسط\" ص ١٥١ - ١٥٤، \"الشرح الكبير\" و\"حاشيته للدسوقي\" ٢/ ٤٦، \"الفروع\" ٣/ ٥١٣.\n(٥) القول بالسنية قول المالكية وأكثر الحنفية، وهو قول الشافعي في القديم، واختيار=","vol":"4","page":7},{"text":"بالحج يلزمه المضي فيه إذا شرع فيه (١).\nوالقول الأول أولى لأن فيه جمعًا بين وجهي الإتمام، ومعناه: ابتدئوا العمرة فإذا دخلتم فيها فأتموها، وقد تقول لمن لم يشرع في أمر: أَتِمَّ هذا الأمر (٢).\nوقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ اختلف أهلُ اللغةِ في الحَصْر والإحْصَار، ففرَّق بينهما قوم.\nأقرأني العروضي، قال: أقرأنا الأزهري، عن المنذري، عن ابن فهم، عن محمد بن سلام (٣)، عن يونس، قال: إذا رُدّ الرجل عن وجه يريده فقد أُحْصر، وإذا حُبِسَ فقد حُصر (٤).\nوبهذا الإسناد عن المنذري، عن الحرَّاني، عن ابن السِّكِّيت (٥):\n_________\n= الطبري، وقول أبي ثور، وذهب بعض الحنفية إلى أنها واجبة في العمر مرة واحدة، على اصطلاح الحنفية في الواجب. ينظر: \"مختصر الطحاوي\" ص ٥٩، \"أحكام القرآن\" للجصاص ١/ ٢٦٤، \"شرح فتح القدير\" ٢/ ٣٠٦، \"بدائع الصنائع\" ٢/ ٢٢٦، \"حاشية الدسوقي\" ٢/ ٢، \"الموسوعة الكويتية\" ٣/ ٣١٤.\n(١) من \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٤٦٨، وينظر: \"الأم\" ٢/ ١٤٤، \"تفسير الطبري\" ٢/ ٢١٠، \"أحكام القرآن\" للجصاص ١/ ٢٦٤، \"التمهيد\" ٢٠/ ١٠.\n(٢) من \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٤٦٩، وقال: ولأن من أوجبها أكثر، والأخبار في إيجاب الحج والعمرة مقترنين أظهر وأشهر.\n(٣) هو: محمد بن سلام بن عبيد الله بن سالم أبو عبد الله، الجمحي البصري، تقدمت ترجمته (البقرة آية ٥٨).\n(٤) في \"تهذيب اللغة\" ١/ ٨٣٨ (حصر): عن يونس أنه قال: إذا رُدَّ الرجل عن وجه يريده فقد أحصر، أبو عبيد، عن أبي عبيدة: حُصر الرجل في الحبس، وأحصر في السفر من مرض أو انقطاع به.\n(٥) في \"تهذيب اللغة\" ٢/ ٨٣٨ (حصر)، وقال ابن السكيت، ولم يذكر الإسناد.","vol":"4","page":8},{"text":"أحصره المرض: إذا منعه من السفر أو من حاجة يريدها، وحَصَرَه العَدُوّ: إذا ضَيَّق عليه (١).\nوأقرأني سعيد بن أبي بكر الزاهد، عن أبي عليٍّ الحسنِ (٢) بن أحمد الفارسي، عن أبي إسحاقَ الزجاج، قال: الروايةُ عن أهل اللغة للذي يمنعه الخوف أو المرض: أُحْصِر، وللمحبوس: حُصِر (٣).\nوقال ابن قتيبة في قوله: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾: هو أن يَعْرِضَ للرجل ما يحول بينه وبين الحج من مَرَضٍ أو كَسْرٍ أو عَدُو، يقال: قد أُحصر فهو محصَر، فإن حُبِس في سجن أو في دار قيل: حُصِر فهو مَحصُور (٤).\nوهذا هو قول الفراء في المَصَادر، ونحو (٥) ذلك ذكر أبو عبيد عن أبي عبيدة (٦).\nوذهب قوم إلى أنهما بمعنى واحد، قال الزجاج، في باب الوفاق من فَعَلْت وأَفْعَلْت، يقال للرجل: من حَصَرك ههنُا، ومن أحصرك؟.\nوقال أحمدُ بن يحيى: أصل الحَصْرِ والإِحْصَار: الحبس، وحُصِرَ في\n_________\n(١) \"تهذيب اللغة\" ٢/ ٨٣٨ (حصر)، وزاد: إذا ضيق عليه فحصر، أي: ضاق صدره.\n(٢) في (أ) (م) الحسن.\n(٣) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٦٧ بمعناه.\n(٤) \"غريب القرآن\" لابن قتيبة ٧٨.\n(٥) في (أ) (م) نحو بلا واو.\n(٦) \"مجاز القرآن\" ١/ ٦٩، وينظر: \"الفروق في اللغة\" للعسكري ص ١٠٨، \"أحكام القرآن\" ١/ ٢٦٨، وقد فرق بينهما الراكب في \"المفردات\" ص ١٢٨ فقال: والحصر والإحصار من طريق البيت، فالإحصار يقال في المنع الظاهر كالعدو، والمنع الباطن كالمرض، والحصر لا يقال إلا في المنع الباطن، فقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ فمحمول على الأمرين.","vol":"4","page":9},{"text":"الحبس أقوى من أُحْصِر (١).\nوقال الأزهري: الرواية عن ابن عباس صحيحة أنه قال: لا حصر (٢) إلا حصر العدو (٣)، فَجَعْلُه بغير ألف جائزٌ، بمعنى قول الله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ (٤).\nوقال الفراء: يقال للذي يمنعه خوف أو مرض: أُحْصِر، ولمن حُبِسَ قَهْرًا: حُصر، فإن نويت بقهر السلطان أنها عِلَّةٌ مانعةٌ ولم يذهب إلى فعل الفاعل جاز فيه أحصر، وإن نويت في العلة (٥) أنها حبسته جاز حُصِر (٦).\nهذا كلام أهل اللغة في الحصر والإحصار، وأصل الباب: الحَبْس، ومنه يقال للذي لا يبوح بسرِّه: حَصِرَة لأنه حبس نفسه عن البَوْح (٧) قال\n_________\n(١) بمعناه عند الثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ٤٩٥، ونقله في \"البحر المحيط\" بنحوه ٢/ ٧٣، \"الدر المصون\" ٢/ ٣١٤.\n(٢) سقطت من (ش).\n(٣) رواه الشافعي في \"الأم\" ٢/ ١٧٨، والطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٢١٤، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ١/ ٣٣٦، والبيهقي في \"تفسيره\" ٥/ ٢١٩، وصحح إسناده الحافظ في \"تلخيص الحبير\" ٢/ ٢٨٨.\n(٤) \"تهذيب اللغة\" ٢/ ٨٣٨، قال القشيري أبو نصر: وادعت الشافعية: أن الإحصار يستعمل في العدو، فأما العدو فيستعمل فيه الحصر، والصحيح أنهما يستعملان فيهما، نقله القرطبي في \"تفسيره\" ٢/ ٣٤٨ - ٣٤٩، وقال أبو حيان في: \"البحر المحيط\" ٢/ ٧٣: وثبت بنقل من نقل من أهل اللغة أن الإحصار والحصر سواء، وأنهما يقالان في المنع بالعدو وبالمرض وبغير ذلك من الموانع، فتحمل الآية على ذلك، ويكون سبب النزول ورد على أحد مطلقات الإحصار، وليس في الآية تقيد، وبهذا قال قتادة والحسن وعطاء والنخعي ومجاهد وأبو حنيفة.\n(٥) في (ش) اللغة.\n(٦) \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ١١٨ بمعناه.\n(٧) ينظر: \"تهذيب اللغة\" ٢/ ٨٣٨ حصر.","vol":"4","page":10},{"text":"جرير:\nولقد تَكَنَّفَنِي الوُشَاةُ فَصَادفوا ... حَصِرًا بسرِّكِ يا أُمَيْمُ ضَنِيْنَا (١)\nوالحَصْر: احتباس الغائط، والحصير: المَلِك؛ لأنه كالمحبوس في الحجاب، وهو في شعر لبيد:\nجِنٌّ لَدَى بابِ الحَصِيرِ قِيامُ (٢)\nوالحصير: المعروف، وسَقِيْفُ من بَرْديٍّ (٣)؛ لانضمام بعضه إلى بعض، كحبس (٤) الشيء مع غيره، ومنه يقال للجَنْب: حصير، تشبيهًا به (٥).\nفأما حُكْمُ الإِحْصار فمذهب أهل العراق: أن كل مانع منع المُحْرم عن الوصول إلى البيت من: مَرَضٍ أو جُرْح أو كسر أو خوف عدو أو أي مانع كان، فإنه يقيم مكانه على إحرامه، ولبعث بهديه، أو بثمن الهدي، فإذا نحر الهدي حَلَّ من إحرامه. واحتجوا بأن الإحصار من طريق اللفظ عام\n_________\n(١) البيت في \"ديوانه\" ص ٠٤٧٦ وقد ورد البيت: ولقد تسقطني، وعند الطبري: تساقطني ٣/ ٢٥٥، وورد منسوبا له في \"مجاز القرآن\" ١/ ٩٢، \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٤٠٧،\"تهذيب اللغة\" ٤/ ٢٣٥، \"معجم مقاييس اللغة\" ٢/ ٧٣، \"لسان العرب\" ٢/ ٨٩٦.\n(٢) ورد البيت وهو في \"ديوانه\" ص ١٦٠ هكذا:\nوَمَقَامةٍ غُلْبِ الرِّقَابِ كَأنهم ... جِنٌّ لدى طَرَفِ الحَصِيرِ قِيامُ\n\"المفردات\" للراغب ص ١٢٨ وروايته: ومَعَالمٍ.\n(٣) في (ش) سقيف من تردي وفي (م) سفيف من بردي. والبردي: نبات يعمل منه الحصر.\n(٤) في (ش): كلبس.\n(٥) ينظر في مادة (حصر): \"تهذيب اللغة\" ٢/ ٨٣٩، \"المفردات\" ص١٢٨، \"عمدة الحفاظ\" ١/ ٤٨١.","vol":"4","page":11},{"text":"في كل مانع (١).\nوأما مذهب أهل الحجاز (٢)، وهو مذهب الشافعي (٣)، ﵀، أن الحكم المتعلق بالإحصار إنما يتعلق بحبس العدو عن الوصول إلى البيت، فأما سائر الأعذار فغير داخل في الآية، والدليل على (٤) هذا سببُ النزول، وهو إحصار العدوِّ للنبي - ﷺ - وأصحابه بالحُدَيْبِيَةِ (٥)، يَدُلُّ على أن المراد به حبس العدو فقط، قوله في سياق الآية: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ﴾ ولم يقل: فإذا أندملتم (٦)، والأمن المطلق يقتضى الخوف المطلق من العدو، لأنه قال:\n_________\n(١) وبه قال النخعي والحسن ومجاهد وعطاء وقتادة وعروة بن الزبير ومقاتل. ينظر: \"تفسير الطبري\" ٢/ ٢١٥، \"أحكام القرآن\" للجصاص ١/ ٢٦٨، \"شرح معاني الآثار\" ٢/ ٢٥٢، \"أحكام القرآن\" للكيا الهراسي، \"أحكام القرآن\" لابن العربي ١/ ١١٩، \"تفسير القرطبي\" ٢/ ٣٥٠ - ٣٥١.\n(٢) ينظر: \"الموطأ\" ١/ ٣٦٠، \"معاني القرآن\" للنحاس ١/ ١١٥، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٤٩٥، \"أحكام القرآن\" للكيا الهراسي ١/ ٩٠ - ٩١، \"أحكام القرآن\" لابن العربي ١/ ١١٩، وقال: قاله ابن عمر وابن عباس وأنس والشافعي، وهو اختيار علمائنا، ورأي أكثر أهل اللغة ومُحصِّليها على أن أُحصِر: عرض للمرض، وحُصر: نزل به الحصر، واستدرك عليه القرطبي في \"تفسيره\" ٢/ ٣٥٠ فقال: ما حكاه ابن العربي من أنه اختيار علمائنا، فلم يقل به إلا أشهب وحده، وخالفه سائر أصحاب مالك في هذا، وقالوا: الإحصار إنما هو المرض، وأما العدو فإنما يقال فيه: حصِر حصْرا فهو محصور، قاله الباجي في المنتقى، وحكى أبو إسحاق الزجاج أنه كذلك عند جميع أهل اللغة.\n(٣) \"الأم\" ٢/ ١٧٨، و\"اختلاف العلماء\" للمروزي ص ٨٥، و\"السنن\" للبيهقي ٥/ ٢١٩.\n(٤) في (ش) عليه.\n(٥) ينظر: \"تفسير الثعلبي\": ٢/ ٤٩٥. قال ابن العربي في \"أحكام القرآن\" ١/ ١١٩: وقد اتفق علماء الإسلام على أن الآية نزلت سنة ست، في عمرة الحديبية، حين صد المشركون رسول الله - ﷺ - عن مكة.\n(٦) ينظر: \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٤٩٥، \"تفسير القرطبى\" ٢/ ٣٥٠.","vol":"4","page":12},{"text":"﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا﴾ فعُلم أن الإحصار في الآية ليس بالمرض، وأيضًا ذكرنا عن ابن عباس أنه قال: لا حصر إلا حصر العدو (١).\nوقولهم: الإحصار عام، قلنا: هو عام من حيث اللفظ، خاص ههنا في حبس العدو، بما (٢) ذكرنا من الدليل (٣).\nفإذا (٤) بان أن الإحصار هو قهر العدو بالحبس عن البيت، فالرجل إذا أحرم بحجٍّ أو عُمْرةٍ انحتم عليه الإتمام، حتى لو أفسد الإحرام بالجماع وجب عليه المضي في فَاسِدِ الإحرام، وإنما يباح التحلل (٥) من الإحرام بإحصار العدو، كما أُحْصِر رسول الله (٦).\nثم إن كان الحج فَرْضًا أو العمرة فأحصره العدو فقال الشافعي: إذا أُحْصِرَ بعدوٍّ كافرٍ أو مسلم، أو سُلْطَان يحبسه في سجن، نحر هديًا بالإحصار حيث أُحْصِر في حِلٍّ أو حَرَم، وحَلَّ من إحرامه، وعليه القَضَاءُ إذا انْجَلَى الحَصْر، فإن انجلى الحَصْرُ عاجلًا أمكنه القضاء في ذلك العام، وإن كان النُّسُكُ في الأصل نفلًا فأُحْصِر فَتَحَلَّلَ فلا قضاء عليه من طريق الوجوب، ولكن يُسْتَحَبُّ له ذَلكَ، وإذا لم يجد هديًا يشتريه، أو كان فقيرًا، ففيه قَوْلان:\nأحدهما: لا يحل إلا بهدي.\n_________\n(١) تقدم تخريجه.\n(٢) في (م) وبما.\n(٣) ينظر في ذكر الأدلة: \"أحكام القرآن\" للكيا الهراسي ١/ ١٣٤ - ١٣٥.\n(٤) في (ش) فإن.\n(٥) في (ش) التحليل.\n(٦) ينظر: \"تفسير القرطبي\" ٢/ ٣٤٨ - ٣٥٥، \"البحر المحيط\" ٢/ ٧٣.","vol":"4","page":13},{"text":"والآخر: إذا لم يَقْدِر عليه حَلَّ، وأتى به إذا قَدَرَ عَليه (١).\nوأما المحصر بالمرض، فإنه يصير على إحرامه ولا يتحلل، وله أن يتداوى بما لابد منه ويفتدي، ويأتي في هذه الآية ذكره (٢).\nوفي الآية إضمار، تقديره: فإن أحصرتم دون تمام الحج والعمرة، وجاز الحذف لأن ما تقدم يدل عليه (٣).\nقوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ محل \"ما\" رفع. المعنى: فواجبٌ عليكم ما استيسر (٤).\nقال الفراء: ولو نصبتَ على معنى: اهْدُوا ما استيسر، كان صوابًا، وأكثر ما جاء في القرآن من أشباهه مرفوع (٥).\n_________\n(١) \"مختصر المزني\" الملحق بكتاب \"الأم\" للشافعي ٨/ ١٦٩، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٤٩٦، والنقل عنه. وينظر: \"أحكام القرآن\" لابن العربي ١/ ١٢٢، \"تفسير القرطبي\" ٣/ ٣٥٣ - ٣٥٥، ويرى أبو حنيفة أن عليه القضاء، وهو اختيار الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٢٢٦، واحتجوا بأن النبي - ﷺ - قضى عمرة الحديبية في العام الآخر، وأجيبوا بأنه إنما قضاها لأن الصلح وقع على ذلك إرغاما للمشركين، وإتماما للرؤيا، وتحقيقا للموعد، وهي في ابتداء عمرة أخرى، وسميت عمرة القضية من المقاضاة لا من القضاء.\n(٢) من \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٤٩٧، وينظر: \"أحكام القرآن\" لابن العربي ١/ ١٢١، \"تفسير القرطبي\" ٢/ ٣٥١، وقد رد الإمام الطبري هذا القول في \"تفسيره\" ٢/ ٢٢٧، وناقش القائلين به، وبين عدم الفرق بين الإحصار بالعدو وبالمرض لعدم الفارق بين المعنيين بكلام نفيس.\n(٣) ينظر: \"تفسير الطبري\" ٢/ ٢١٥.\n(٤) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٦٧، \"تفسير الطبري\" ٢/ ٢١٩، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٤٩٨، \"تفسير القرطبي\" ٢/ ٣٥٥، \"التبيان\" ١٢٢، وقال مكي في \"مشكل إعراب القرآن\" ١/ ١٢٣: (ما) في موضع رفع بالابتداء، أي: فعليه ما استيسر.\n(٥) \"معاني القرآن\" للفراء بمعناه ١/ ١١٨، وينظر: \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٤٩٨، \"مشكل =","vol":"4","page":14},{"text":"واستَيْسر بمعنى: تيسر، ومثله استعظم، أي: تَعَظَّم، واسْتَكْبَر، أي: تَكَبَّر (١).\nوالهَدْيُ: جَمْعُ هَدْيَة، مثل: شَرْية وشَرْي، وجَدْيَة وجَدْي (٢).\nقال أحمد بن يحيى: أهلُ الحجاز يُخَفِّفُون الهَدْي، وتميمٌ تُثَقِّلُهُ،\nفيقولون: هديّة وهديّ، مثل مطيّة ومَطِيّ (٣).\nقال الشاعر:\nحَلَفْتُ بربِّ مَكَّةَ والمُصَلَّى ... وأعْنَاقِ الهَديِّ مُقَلَّداتِ (٤)\nومعنى الهَدْي: ما يُهْدَى إلى بيت الله ﷿ تَقَرُّبًا إليه، بمنزلة الهَدِيَّةِ يُهْدِيها الإنسان إلى غيره متقربًا بها إليه (٥). قال علي (٦) وابن\n_________\n= إعراب القرآن\" لمكي ١/ ١٢٣، \"التبيان\" ١٢٢، \"البحر المحيط\" ٢/ ٧٤.\n(١) ينظر: \"التفسير الكبير\" ٥/ ١٦٠، \"التبيان\" للعكبري ١٢٢، قال: والسين هنا ليست للاستدعاء. وقال في \"البحر المحيط\" ٢/ ٧٤: واستيسر هو بمعنى الفعل المجرد، أي: يسر، بمعنى: استغنى وغني، واستصعب وصعب، وهو أحد المعاني التي جاءت لها استفعل.\n(٢) ينظر: \"تفسير الطبري\" ٢/ ٢١٩، \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٦٧، \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٧٣٨، \"المفردات\" ٥١٩، \"اللسان\" ٨/ ٤٦٤٢ \"هدى\".\n(٣) نقله الرازي في \"التفسير الكبير\" ٥/ ١٦٠، وصاحب \"اللسان\" ٨/ ٤٦٤٢ (هدى).\n(٤) البيت للفرزدق في \"ديوانه\" ١/ ١٠٨، \"لسان العرب\" مادة: قلد ٦/ ٣٧١٨.\n(٥) \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٤٩٩، وينظر: \"تفسير الطبري\" ٢/ ٢٢٠، \"المفردات\" ٥١٩، \"التفسير الكبير\" ٥/ ١٦٠، \"اللسان\" ٨/ ٤٦٤٢ (هدى).\n(٦) رواه عنه مالك في \"الموطأ\" ١/ ٣٨٤، وسعيد بن منصور في \"تفسيره\" ٣/ ٧٥٣، والطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٢١٧، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ١/ ٣٣٦، قال: ما استيسر من الهدي: شاة، ولم يذكر هذا التقسيم، والواحدي لعله لما نقل هذا عن الثعلبي لم يلتفت إلى التفريق في عبارته؛ حيث قال الثعلبي ٢/ ٤٩٩: فقال علي ابن أبي طالب وابن عباس: شاة، وقال الحسن وقتادة: أعلاه بدنة، وأوسطه شاة.","vol":"4","page":15},{"text":"عباس (١) والحسن (٢) وقتادة (٣) في هذه الآية: أعلاه بدنة، وأوسطه بقرة، وأخسُّه شاة، فعليه ما تيسر له من هذه الأجناس.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ أي: لا تَتَحَلَّلُوا من إحرامكم حتى يُنْحَرَ الهَدْيُ (٤).\nومعنى ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ أي: حيث يَحِلُّ ذبحُه ونَحْرُه، يُقال: حلَّ الشيء يَحِلُّ حَلاَلًا وحِلًاّ، وهذا أوان محله، أي: حينَ حَلَّ (٥)، كقوله - ﷺ - في اللحم الذي تصدّق على بريرة: \"قربوه فقد بَلَغ محله\" (٦) أي: حل لنا\n_________\n= أو لعله سقط من المخطوطة. والله أعلم.\n(١) رواه مالك في \"الموطأ\" ١/ ٣٨٤، والطبري بمعناه ٢/ ٢١٥ - ٢١٧، وابن أبي حاتم ١/ ٣٣٦، وسعيد بن منصور ٣/ ٧٤٩.\n(٢) رواه سعيد بن منصور في \"السنن\" ٣/ ٧٥٨، والطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٢١٦، وذكره ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ١/ ٣٣٦ كلهم عن الحسن قال: فما استيسر من الهدي: شاة، وليس فيه التقسيم المذكور. وذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ٥٠٠ بلفظ الواحدى.\n(٣) ينظر: \"تفسيرالثعلبي\" ٢/ ٤٩٩.\n(٤) ينظر: \"تفسير الطبري\" ٢/ ٢٢٠.\n(٥) من \"تفسير الثعلبي\"، وينظر: \"غريب القرآن\" ٧٩، \"تفسير الطبري\" ٢/ ٢٢٠.\n(٦) بهذا اللفظ ذكره الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٢٢٢، والثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ٥٠٢، وتابعه الواحدي هنا. وحديث بريرة المشهور، لفظه: هو لها صدقة ولنا هدية، رواه البخاري في الزكاة، باب: الصدقة على موالي أزواج النبي - ﷺ - ٢/ ١٦٤ برقم ١٤٩٣، ومسلم في العتق، باب: إنما الولاء لمن أعتق ٢/ ١١٤٣ برقم ١٥٠٤ وليس فيه اللفظ الذي ذكره المؤلف، لكنه ورد في حديث أم عطية أنه - ﷺ - قال عن الشاة التي أرسلتها نسيبة الأنصارية: فقد بلغت محلها، رواه البخاري في الزكاة، باب: قدر كم يعطي من الزكاة والصدقة ٢/ ١٤٨ برقم ١٤٤٦، ومسلم في الزكاة، باب. إباحة الهدية للنبي - ﷺ - ٢/ ٧٥٦. =","vol":"4","page":16},{"text":"بالهدية إلينا (١)، بعد أن كان صدقة على بريرة (٢) (٣).\nوهكذا فعل النبي - ﷺ - وأصحابه، حين صُدُّوا عن البيت، نَحَروا هَدْيَهُم بالحديبية ليست من الحرم (٤).\nقال الشافعي ﵀: وكل ما وجب على المحرم في ماله من بَدَنةٍ وجَزَاء وَهَدْي فلا يُجْزِي إلا في الحرم، لمساكين أهله، إلا في موضعين:\nأحدهما: دم المحصر بالعدو، فإنه ينحر حيث حبس ولحل.\nوالآخر: من ساق هديًا فعَطب في طريقه ذبحه وخلى بينه وبين المساكين (٥).\nهذا على مذهب أهل الحجاز (٦)، وعلى مذهب أهل العراق محلُّ\n_________\n= قال أحمد شاكر في تعليقه على الطبري: ولم أجد لفظ: \"فقد بلغ محله\"، الذي حكاه الطبري في قصة بريرة، ولعله وقع إليه من رواية خفيت علينا، ثم ذكر شاكر أن نحو هذا اللفظ جاء في قصتين أخريين: إحداهما: من حديث أم عطية الأنصارية، ولفظه: \"إنها قد بلغت محلها\"، والأخرى: من حديث جويرية بنحو اللفظ السابق.\n(١) سقطت من (ش).\n(٢) بريرة مولاة عائشة ﵄، وكانت مولاة لبعض الأنصار، ثم اشترتها عائشة فأعتقتها، وكانت تحت مغيث فخيرها رسول الله - ﷺ - بعد عتقها، فاختارت فراقه، وعاشت إلى خلافة يزيد بن معاوية. ينظر: \"صحيح البخاري\" ٦/ ٢١٠، \"الاستيعاب\" ٤/ ٣٥٧ (٣٢٩٠).\n(٣) \"تفسيرالثعلبي\" ٢/ ٥٠٢.\n(٤) ينظر: \"تفسير الطبري\" ٢/ ٢٢١، ٢٢٢، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٥٠٢.\n(٥) \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٤٩٧، وقد عزاه فقال: وقال بعض الفقهاء، ولم يعزه إلى الشافعي، لكن الجملة التي قبله عزاها للشافعي، وهي التي نقلها الواحدي قبل عدة أسطر.\n(٦) ينظر: \"الأم\" ٢/ ١٧٤، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٥٠١، \"أحكام القرآن\" لابن العربي=","vol":"4","page":17},{"text":"هدي المحصر الحرمُ، ولا محل له غيره، فإن كان حاجًا فمحله يوم النحر، وإن كان معتمرًا فمحله (١) يوم يبلغ هديه الحرم (٢).\nوحقيقة الخلاف تعود إلى أن عند أهل الحجاز المحل في هذه الآية اسمًا للأوان الذي يحل فيه ذبح الهدي عن المحصر، وعند غيرهم المحل اسم للمكان (٣).\nوقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ﴾ نزلت في كعب ابن عُجْرة (٤) قال: مر بي رسول الله - ﷺ - زمن الحديبية ولي وفرة من شعر فيها القَمْل والصِّيبَان، وهي تَتَناثر على وجْهي وأنا أطبخ قِدرًا لي، فقال رسول الله - ﷺ -: \"أيؤذيك هوام رأسك؟ \" قلت: نعم يا رسول الله قال: \"احلق رأسك\"، فأنزل الله ﷿: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ﴾ (٥) أي:\n_________\n= ١/ ١٢٢، \"تفسير الطبري\" ٢/ ٢٢١، ٢٢٢، وبين ﵀ ٢/ ٢٢٦، ٢٢٧ أن أولى الأقوال بالصواب قول من قال: إن المراد بالآية كل محصر بعمرة أو حج، وجعل محل هديه الموضع الذي أحصر فيه، وجعل له الإحلال من إحرامه ببلوغ هديه محله، وأراد بالمحل: المنحر أو المذبح، وذلك حين حل ذبحه ونحره في حرم كان أو حل.\n(١) في (م) (فحله في الموضعين).\n(٢) ينظر: \"تفسير الطبري\" ٢/ ٢٢٣، \"أحكام القرآن\" للجصاص ١/ ٢٧٢، \"شرح معاني الآثار\" ٢/ ٢٥١، \"بدائع الصنائع\" ٢/ ١٧٩.\n(٣) \"التفسير الكبير\" ٥/ ١٦٢.\n(٤) كعب بن عجرة بن أمية البلوي، الأنصاري المدني، أبو محمد، صحابي مشهور، تأخر إسلامه، ثم شهد المشاهد كلها، مات بعد الخمسين، وله نيف وسبعون سنة، روى حديثه الجماعة. ينظر، \"أسد الغابة\" ٤/ ٢٤٣، \"تقريب التهذيب\" ص ٤٦١ (٥٦٤٣).\n(٥) أخرجه البخاري (١٨١٧) كتاب المحصر، باب: النسك شاة، ومسلم (١٢٠١) =","vol":"4","page":18},{"text":"فحلق أو فداوى فعليه فدية يفدي بها إحرامه؛ لأنه يجبر بها ما وقع من خلل في إحرامه (١).\nوالحكم في هذا: أن المحرم إذا تأذّى بهوامِّ رأسِه أو بالمرض أُبيح له الحلق والمداواة بشرط الفدية، وهذه الفدية على التخيير أيها شاء فعل، كما دل عليه ظاهر الآية (٢)، فالصيام ثلاثة أيام، يصوم حيث شاء من البلاد (٣)، والصدقة إطعام ستة مساكين، لكل مسكين مدان، فيكون الجملة فَرَقًا، وهو اثنا عشر مدًّا (٤)، وفي سائر الكفارات لكلِّ مسكين (٥) مدٌّ واحد.\nوأصل معنى الصدقة نذكرها في قوله: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة: ٢٧١] إن شاء الله تعالى.\n_________\n= كتاب الحج، باب: جواز حلق الرأس للمحرم، وقال الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٢٣٠: وقد تظاهرت الأخبار عن رسول الله - ﷺ - أن هذه الآية نزلت بسبب كعب بن عجرة، إذ شكا كثرة أذى رأسه من صئبانه، وذلك عام الحديبية، ثم ذكر ٢٨ طريقا للحديث. والوفرة: أعظم من الجمة، وهي: ما جاوز شحمة الأذنين من الشعر، ثم اللمة، وهي: ما ألم بالمنكبين، والصئبان: جمع صؤاب، جمع: صؤابة، وهو بيض القمل، والهوام: واحدها: هامة، وهي الحيات وأشباهها مما يهم، أي: يدب، والهميم: الدبيب، وكنوا عن القمل بأنها هوام؛ لأنها تهم في الرأس، أي: تدب فيه وتؤذي.\n(١) \"تفسير القرطبي\" ٢/ ٣٦٠، \"اللسان\" ٦/ ٣٣٦٧ فدي.\n(٢) ينظر: \"تفسير الطبري\" ٢/ ٢٣١ - ٢٣٤، ٢٣٦، ٢٣٧، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٥٠٨، \"أحكام القرآن\" لابن العربي ١/ ١٢٤.\n(٣) ينظر: \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٥٠٧، \"أحكام القرآن\" لابن العربي ١/ ١٢٤ - ١٢٥، \"تفسير القرطبي\" ٢/ ٣٦٣ خلافًا لقول الحسن وعكرمة.\n(٤) ينظر: \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٥٠٧، \"أحكام القرآن\" لابن العربي ١/ ١٢٥، \"تفسير القرطبي\" ٢/ ٣٦٢ - ٣٦٣.\n(٥) ليست في (أ) ولا (م).","vol":"4","page":19},{"text":"وقوله تعالى: ﴿أَوْ نُسُكٍ﴾ جمعُ نسيكة، وهي الذبيحة يَنْسُكُها لله ﷿، أي: يذبحها (١)، ويجمع أيضا: نسائك، وأصل النسك: العبادة. والناسك: العابد. قال ابن الأعرابي: النسك سبائك الفضة. كل سبيكة منها نسيكة، وقيل للمتعبد: ناسك؛ لأنه خَلَّص نفسه من دنس الآثام وصفّاها، كالسبيكة المخلَّصَة من الخَبَث (٢). هذا أصل معنى النسك. ثم قيل للذبيحة نسك؛ لأنها من أشرف العبادات التي يُتَقرَّب بها إلى الله (٣).\nقال العلماء أعلاها: بدنة، وأوسطها: بقرة، وأدناها: شاة. وهو مخير بينهما؛ لأن النسك وقع على هذه الأجناس (٤). والصحيح: أنه يأتي بالإطعام والنسك أي موضع شاء، لأن الله تعالى أطلق في الآية، ولم يخص مكانًا دون مكانٍ (٥).\n_________\n(١) في (م) بذبحها.\n(٢) نقله عن ابن الأعرابي في \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٥٦٢.\n(٣) ينظر في معنى النسك: \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٥٦٢ - ٣٥٦٣، \"المفردات\" ٤٩٣، \"التفسير الكبير\" ٥/ ١٦٤، \"تفسير القرطبي\" ٢/ ٣٦٤، \"عمدة الحفاظ\" ٤/ ١٩٧.\n(٤) \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٥٠٧، \"تفسير البغوي\" ١/ ٢٢٣، وقال الرازي في \"تفسيره\" ٥/ ١٦٤: اتفقوا في النسك على أن أقله شاة لأن النسك لا يتأدى إلا بأحد الأمور الثلاثة: الجمل، والبقرة، والشاة، ولما كان أقلها الشاة، لا جرم كان أقل الواجب في النسك هو الشاة، قال ابن عبد البر: كل من ذكر النسك في هذا الحديث مفسرًا فإنما ذكره بشاة، وهو أمر لا خلاف فيه بين العلماء، نقله القرطبي في \"تفسيره\" ٢/ ٣٦١. وينظر: \"الإجماع في التفسير\" ص٢٠٤.\n(٥) وهذا قول علي وإبراهيم النخعي، وروي عن مجاهد، وهو قول المالكية، واختيار الطبري والثعلبي، وقال الحسن وطاوس وعطاء ومجاهد، وهو قول الشافعي: النسك والإطعام بمكة، والصيام حيث شئت، وعلتهم: قياسه على جزاء الصيد، حيث قال الله تعالى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥]، وإذا كان =","vol":"4","page":20},{"text":"قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ﴾، قال ابن عباس: أي من العدو، أو كان حج ليس فيه عدو (١)، قد جمع ابن عباس الحالتين في تفسير قوله: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ﴾ لأن الأمن يكون بعد خوف فيزول، ويكون من غير خوف قد زال، وكلا الحالتين سواء في حكم المتمتع، وهو قوله: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾.\nوالمتاع: كل شيء يُتَمَتَّعُ به، ويُنْتَفَع به. وأصله: من قولهم: جَبَلٌ ماتعٌ، أي: طَويل، وكل من طالت صُحْبته مع الشيء فهو متمتع به (٢).\nوالتمتع بالعمرة إلى الحجِّ هو: أن يَقْدُمَ مَكَّةَ مُحْرِمُا، فيعتمرَ في أَشْهُرِ الحَجِّ، ثم يقيم حلالًا بمكةَ، حتى ينشئَ منها الحجَّ فيحج من عامه ذلك، ويكون متمتعًا بمحظورات الإحرام؛ لأنه حل بالعمرة إلى إحرامه بالحج (٣).\n_________\n= هذا حكم الدم فكذا الإطعام، وقال عطاء: ما كان من دم فبمكة، وما كان من طعام وصيام فحيث شاء، وروي عن الحسن وهو قول أصحاب الرأي، قال الطبري ٢/ ٢٤٠: وأجمعوا على أن الصيام مجزئ عن الحالق رأسه من أذى حيث صام من البلاد. ينظر: \"تفسير الطبري\" ٢/ ٢٤٠، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٥٠٩، \"أحكام القرآن\" للكيا الهراسي ١/ ١٤٥، \"أحكام القرآن\" لابن العربي ١/ ١٢٥، \"تفسير القرطبي\" ٢/ ٣٦٤.\n(١) هذا من رواية عطاء التي تقدم الحديث عنها في المقدمة. والمفسرون على قولين: أحدهما: أمنتم من العدو؛ لأن الأمن لا يقال إلا من العدو، والمرض لا تؤمن معاودته، وبه قال قتادة والربيع، وقال علقمة: أمنتم من المرض والخوف، وكذا قال عروة. ينظر: \"تفسير الطبري\" ٢/ ٢٤٣.\n(٢) ينظر في متع: \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٣٣٤ - ٣٣٣٥، \"المفردات\" ٤٦٣، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٥١١، \"التفسير الكبير\" ٥/ ١٦٥، \"عمدة الحفاظ\" ٤/ ٧٢ - ٧٤، \"اللسان\" ٧/ ٤١٢٧، \"معاني القرآن\" للنحاس ١/ ١٢١، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٥١٠، \"تفسير ابن أبي حاتم\" ٢/ ٣٤١.\n(٣) وبه قال سعد بن أبي وقاص وابن عمر وابن عباس وسعيد بن المسيب وعطاء =","vol":"4","page":21},{"text":"ومعنى قوله: ﴿بِالْعُمْرَةِ﴾ هو أي: بسبب العمرة، لأنه لا يتمتع بالعمرة، ولكنه يتمتع بمحظورات الإحرام بسبب العمرة حيث أتى بها (١). هذا معنى التمتع بالعمرة إلى الحج.\nوقوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ قال أصحابنا: المتمتع الذي يجب عليه الدّم: هو الذي يُحِم في أشهر الحج، ويحل بعمرة في أشهر الحج، ويُحْرم بالحج من عامه ذلك من مكةَ، ولا يرجع إلى الميقات، ويكون من غير أهل الحرم، فإذا انخرم شيء من هذه الشرائط سقط عنه الدم، ولا يكون متمتعًا (٢).\n_________\n= وإبراهيم والحسن. ينظر: \"تفسير الطبري\" ٢/ ٢٤٣ - ٢٤٦،\"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٥١٠، \"تفسير ابن أبي حاتم\" ٢/ ٣٤١، \"أحكام القرآن\" لابن العربي ١/ ١٢٦، \"التفسير الكبير\" ٥/ ١٦٥، \"تفسير القرطبي\" ٢/ ٣٦٤ - ٣٦٦، وذكر ﵀ أربع صور للتمتع، هذه إحداها. والثانية: القرآن، وهي أن يجمع بين الحج والعمرة في إحرام واحد فيهل بهما جميعا في أشهر الحج أو غيرها. والثالثة: أن يحرم بالحج حتى إذا دخل مكة فسخ حجه في عمرة، ثم أهل بالحج يوم التروية، وهذا الذي توعد عليه عمر بن الخطاب، وقال: متعتان كانتا على عهد رسول الله - ﷺ - أنا أنهى عنهما وأعاقب عليهما: متعة النساء، ومتعة الحج. والرابعة: متعة المحصر، ومن صُدَّ عن البيت حتى ينقضي الحج فيأتي إلى البيت فيعتمر ويحل إلى الحج من قبل قابل فيحج ويُهدي. وذكر هذه الصور: الطبري بأسانيده ٢/ ٢٤٣ - ٢٤٦.\n(١) \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٥١١، ونقله الرازي في \"تفسيره\" ٥/ ١٦٥، وقيل: سمي متمتعًا؛ لأنه تمتع بإسقاط أحد السفرين. ينظر القرطبي في \"تفسيره\" ٢/ ٣٦٤ - ٣٦٦.\n(٢) ينظر: \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٥١١، و\"غرائب القرآن\" للنيسابوري ٢/ ١٦١، \"فتح الباري\" ٣/ ٤٣٥، وذكر الرازي في \"تفسيره\" ٥/ ١٦٥ - ١٦٦: أن دم التمتع له خمس شرائط عند الأصحاب أي من الشافعية: أحدها: أن يقدم العمرة على =","vol":"4","page":22},{"text":"وإذا وجدت هذه الشرائط كان متمتعًا، وعليه إراقة دم إن شاء قبل يوم النحر، وإن شاء في يوم النحر (١)، ولا يجزيه غيره إن كان موسرًا، وإن كان معسرًا فعليه صوم عشرة أيام، وذلك قوله: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ أي: في أشهر الحج.\nقال المفسرون: يصومُ يومًا قبل التروية، ويومَ التروية، ويومَ عرفة.\nقال أصحابنا: يصوم ثلاثة أيام قبل يوم النحر في أشهر الحج، إن شاء متتابعة، وإن شاء متفرقة، وإن صام قبل يوم عرفة حتى يكون يوم عرفة (٢) مفطرًا كان أولى؛ لأن رسول الله - ﷺ - ما صامَ بعرفةَ يومَ عَرَفة، وذلك\n_________\n= الحج. والثاني: أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج. والثالث: أن يحج من عامه. والرابع: أن لا يكون من حاضري المسجد الحرام. والخاص: أن يحرم بالحج من جوف مكة بعد الفراغ من العمرة، فإن عاد إلى الميقات لم يلزمه شيء. وفصلها ابن العربي في \"أحكام القرآن\" ١/ ١٢٦ وزاد فقال: والتمتع يكون بشروط ثمانية: الأول: أن يجمع بين العمرة والحج. الثاني: في سفر واحد. الثالث: في عام واحد. الرابع: في أشهر الحج. الخامس: تقديم العمرة. السادس: ألا يجمعهما، بل يكون إحرام الحج بعد الفراغ من العمرة. السابع: أن تكون العمرة والحج عن شخص واحد. الثامن: أن يكون من غير أهل مكة.\n(١) من \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٥١٢، وهذا قول علي وابن عمر وابن عباس وجماعة من التابعين.\nينظر: \"تفسير عبد الرزاق\" ١/ ٧٦، \"تفسير الطبري\" ٢/ ٢٤٥ - ٢٤٦، \"تفسير ابن أبي حاتم\" ١/ ٣٤٢.\n(٢) ينظر: \"تفسير الطبري\" ٢/ ٢٤٧ - ٢٤٩، \"أحكام القرآن\" لابن العربي ١/ ١٢٩ -\n١٣١، \"زاد المسير\" ١/ ٢٠٦، وقد بين الطبري ﵀ علة قول من قال: إن آخر الثلاثة قبل يوم النحر، أن الله أوجب صومهن في الحج، وإذا انقضى عرفة انقضى الحج، والعلماء مجمعون على حرمة صوم يوم النحر، فإن كان إجماعهم على حرمة صيام لأجل كونه ليس من أيام الحج فما بعده أولى، وان كان لأجل كونه عيدا فما بعده من أيام التشريق في معناه. وقال آخرون: إن آخرهن أيام التشريق=","vol":"4","page":23},{"text":"أقوى للدعاء (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ أما السَّبْعَةُ فله أن يصومها بعد الفراغ من الحج، أين شاء ومتى شاء، والأولى: أن لا يُوقِعَها في أيام التشريق (٢)، وإن فاته صوم الأيام الثلاثة في الحج قضاها من بعد.\nوقوله تعالى: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ يقال: كمُل الشيءُ يَكمُل، وكمَل يكمُل، فهو كامِلٌ وكميل، وذُكِر أيضًا: كَمِل يكمَلُ (٣).\nوإنما قال: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ مع العلم بأن الثلاثة والسبعة عشرة،\n_________\n= لحديث عائشة وابن عمر قالا: لم يرخص في أيام التشريق أن يصمن إلا لمن لم يجد الهدي. رواه البخاري، قالوا: وأيام منى من أيام الحج، وفيه جملة من أعماله، وممن يرى جواز ذلك: عائشة وابن عمر وابن الزبير ومالك والأوزاعي وأحمد وإسحاق، كما في \"تفسير البغوي\" ١/ ٢٢٤. والواحدي ﵀ كأنه بكلامه يرى عدم جواز صيام أيام التشريق مطلقا، وهذا قول الشافعية، والحديث حجة عليهم كما بين ذلك ابن العربي في \"تفسيره\" ١/ ١٢٩ - ١٣٠، والقرطبي في \"تفسيره\" ٢/ ٣٧٧.\n(١) ينظر: \"أحكام القرآن\" لابن العربي ١/ ١٣٠، \"تفسير القرطبي\" ٢/ ٣٧٧.\n(٢) ذكر الطبري في \"تفسيره\" ﵀ ٢/ ٢٥٣: \" الإجماع\" على أن المراد بقوله: ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾، أي: إلى أهليكم، ودليله. حديث ابن عمر في الصحيحين مرفوعا: فمن لم بجد هديا فليصم ثلاثة أيام في الحج، وسبعة إذا رجع إلى أهله. البخاري ٢/ ١٨١ في الحج، باب: من ساق البدن معه، ومسلم ٢/ ٩٠١ في الحج، باب: وجوب الدم على المتمتع، وقد اختلف العلماء في حكم صيامها بعد الفراغ من أعمال الحج، وقبل الرجوع على قولين، ذكرهما القرطبي في \"تفسيره\" ٢/ ٣٧٨ - ٣٧٩.\n(٣) ينظر: \"لسان العرب\" ٧/ ٣٩٣٠، \"تفسير القرطبي\" ٢/ ٣٧٩.","vol":"4","page":24},{"text":"للتأكيد (١)، كقول الفرزدق (٢):\nثَلاثٌ واثْنَتَانِ فهُنَّ خَمْسُ (٣) ... ....................... البيت.\nوكقوله تعالى: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ [الأعراف: ١٤٢].\nوقيل: إن العرب أمّةٌ أميةٌ، لا تَعْرِف الحساب (٤)، ولذلك قال جابر حين ذكر عددَ أهلِ الحُدَيْبِيَة: كنا أربعَ عَشرَ مائة (٥). ويروى أن رجلًا من الصحابة سَبَى جاريةً في بعض المغازي، فطلبوا منه أن يأخذ الفداء، فقال: لا أفديها إلا بألف درهم، فبذلوها له، فقيل له: لو طلبت أكثر من ذلك لأعطوك، فقال: والله ما عرفت أن فوق الألف حسابا (٦).\nوقال الزجاج: العرب قد تذكر الواو والمراد منها أو، كقوله: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٣]، فجاز أن يَتَوَهَّم المتوهم أن الفرضَ ثلاثة أيام في الحج أو سبعة في الرجوع، فأعلم الله ﷿\n_________\n(١) ينظر: \"تفسير الطبري\" ٢/ ٢٥٤، \"المحرر الوجيز\" ٢/ ١٦٢، \"التفسير الكبير\" ٥/ ١٦٩.\n(٢) هو: همام بن غالب بن صعصعة التميمي، أبو فراس، الشهير بالفرزدق، شاعر عظيم الأثر في اللغة، مات في بادية البصرة سنة ١١٠ هـ انظر: \"الشعر والشعراء\" ٣١٠، \"السير\" ٤/ ٥٩٠.\n(٣) عجزه: وسادسة تميل إلى شمام\nوالبيت للفرزدق في \"ديوانه\" ٢/ ٨٣٥، ينظر: \"البحر المحيط\" ٢/ ٨٠، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٥١٣، \"الدر المصون\" ٢/ ٣٢٠ وشمام: اسم جمل ينظر: \"لسان العرب\" ٥/ ٢٩٥٢ (عشر).\n(٤) ينظر: \"تفسير البغوي\" ١/ ٢٢٤، \"التفسير الكبير\" ٥/ ١٦٩.\n(٥) رواه مسلم (١٨٥٦) كتاب الإمارة، باب: استحباب مبايعة الإمام الجيش عند إرادة القتال.\n(٦) لم أجده.","vol":"4","page":25},{"text":"أن العشرَ مفترضةٌ كلها (١). وذكر الكمال على التأكيد.\nوقيل: أراد: كاملة في البدل عن الدم، وإن كانت مُفَرَّقة، ثلاثة في الحج وسبعة في الوطن (٢).\nوقيل: لفظه خبر ومعناه أمر، أي: فأكملوها ولا تنقصوها (٣).\nوقوله: ﴿لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ أي: ذلك الفرض والذي أمرنا به لمن كان من الغرباء من غير أهل مكة (٤).\nقال الفراء: واللام في قوله: ﴿لِمَنْ﴾ معناها: على (٥)، أي: ذلك الفرض الذي هو الدمُ أو الصومُ على من لم يكن من أهل مكة، كقوله - ﷺ -: \"اشترطي لهم الولاء\" (٦). أي: عليهم.\nوالله تعالى ذكر الأهل والمراد بالحضور المحرم لا الأهل، وذلك أن\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٦٨، وينظر: \"المحرر الوجيز\" ٢/ ١٦٢، \"التفسير الكبير\" ٥/ ١٦٩، \"تفسير القرطبي\" ٢/ ٣٧٩.\n(٢) ينظر: \"تفسير الطبري\" ٢/ ٢٥٤، \"المحرر الوجيز\" ٢/ ١٦٢، \"التفسير الكبير\" ٥/ ١٦٩، \"تفسير القرطبي\" ٢/ ٣٧٩.\n(٣) ينظر: \"تفسير الطبري\" ٢/ ٢٥٤، \"المحرر الوجيز\" ٢/ ١٦٢، \"التفسير الكبير\" ٥/ ١٧٠، \"تفسير القرطبي\" ٢/ ٣٧٩، وهذا هو اختيار الطبري.\n(٤) هذا قول، وهو رجوع اسم الإشارة إلى المتمتع الذي يلزمه الدم أو بدله، والقول الآخر: أن اسم الإشارة عائد إلى التمتع، ولهذا اختلفوا في حكم تمتع المكي، وهل له المتعة أو لا؟ والأول: قال به الشافعي، والثاني: قال به أبو حنيفة. ينظر: \"التفسير الكبير\" ٥/ ١٧١، \"تفسير القرطبي\" ٢/ ٣٨٠، \"البحر المحيط\" ٢/ ٨٠.\n(٥) \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ١١٨، وينظر: \"تفسير القرطبي\" ٢/ ٣٨١، والقول الآخر: أن اللام على بابها، والمعنى: ذلك لازم لمن. ينظر: \"الدر المصون\" ٢/ ٣٢١.\n(٦) أخرجه البخاري (٢١٦٨) كتاب البيوع، باب: إذا اشترط شروطا في البيع لا تحل، ومسلم (١٥٠٤) كتاب العتق، باب: إنما الولاء لمن أعتق.","vol":"4","page":26},{"text":"الغالب على الرجل أن يسكن حيث كان أهله ساكنون (١).\nوالحاضرون: من كانت دارُه على مسافةٍ لا يَقْصُر إليها الصِّلاة، سموا حاضرين: لأنهم يقربون من مكة، والحَضْرة عند العرب: قرب الشيء (٢).\nوقوله تعالى: ﴿الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ أصلُ الحرام: المَنْع، والمحروم: المَمْنُوع من المكاسب، والشيء المنهي عنه حَرَام؛ لأنه منع من إتيانه؛ ومنه قول زُهيْر:\nلا غائبٌ مالي ولا حَرِمُ (٣).\nأي: لا ممنوع. فالمسجد الحرام: الممنوع من أن يفعل فيه ما حَرُم ولم يؤذن في إتيانه (٤).\nقال الفراء: ويقال حَرَام وحَرَمُ، مثل: زَمَان وزَمَن (٥).\n_________\n(١) نقله عن الواحدي بتمامه الرازي في \"تفسيره\" ٥/ ١٧٢.\n(٢) واختلف الناس في حاضري المسجد الحرام، بعد \"الإجماع\" على أن أهل مكة وما اتصل بها، من حاضريه، وقال الطبري: بعد \"الإجماع\" على أهل الحرم، فقالا بعضهم: من وجبت عليه الجمعة فهو من حاضريه، وقال مالك: هم أهل مكة وما اتصل بها خاصة، وقال أبو حنيفة: من كان دون المواقيت فهو من حاضري المسجد الحرام، وقال الشافعي: ما ذكره الواحدي. ينظر في ذكر الأقوال: \"تفسير الطبري\" ٢/ ٢٥٥ - ٢٥٧، \"التفسير الكبير\" ٥/ ١٧١، \"تفسير القرطبي\" ٢/ ٣٨١، \"البحر المحيط\" ٢/ ٨١، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٥١٥.\n(٣) البيت بتمامه:\nوإن أتاه خليل يوم مسألة ... يقول: لا غائب مالي ولا حرم\nوهو في \"ديوان زهير بشرح ثعلب\" ص ١٥٣، وفي \"الكتاب\" لسيبويه ٣/ ٦٦، \"الكامل\" ١/ ١٣٤، \"المقتضب\" ٢/ ٧٠، والخليل من الخَلة: الفقير.\n(٤) ينظر: \"المفردات\" ص ١٢٢، \"عمدة الحفاظ\" ١/ ٤٥٧، ونقله عن الواحدي بلا عزو: الرازي في \"تفسيره\" ٥/ ١٧٢، \"لسان العرب\" ٢/ ٨٤٦ (حرم).\n(٥) نقله عنه الرازي في \"تفسيره\" ٥/ ١٧٢.","vol":"4","page":27},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ قال ابن عباس: يريد فيما افترضه عليكم ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ لمن تهاون بحدوده (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-415>١٩٧ </span>- قوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ تقدير الآية عند النحويين على وجهين:\nأحدهما: أن التقدير: أشهُر الحج أشهر معلومات، ليكون (٢) الثاني الأول في المعنى، فحذف المضاف (٣).\nوالثاني: أنّ التقدير: الحجُّ حجُّ أشهر مَعْلومات، أي: لا حج إلا في هذه الأشهر، ولا يجوز في غيرها، كما كان يفعله أهل الجاهلية، يستجيزونها في غيرها من الأشهر، فحذف المصدر المضاف إلى الأشهر. ويمكن تصحيحُ الآيةِ من غير إضمار، وهو أنه جعل الأشهر الحج لمَّا كان الحج فيها، كقولهم: ليل نائم، لما (٤) كان النوم فيه جعل نائمًا، كذلك ها هنا، اتسع في الأشهر وأخرجت عن الظرف، كقوله تعالى: ﴿مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ﴾ [طه: ٥٩]، ألا تَرَى أن الحجَّ في الأشهر، كما أن الموعدَ في اليوم، إلا أنه اتسع فيه، فجعل الأول لما كان فيه، كذلك جعل الحج الأشهر على الاتساع، لكونه فيها وكثرته من الفاعلين له (٥)، كما جَعَلتِ الخَنْساءُ الوحشيةَ إقبالًا وإدبارًا لكثرتهما منها في قولها:\n_________\n(١) المصدر السابق.\n(٢) في (ش) (أي ليكون).\n(٣) قال مكي في \"مشكل إعراب القرآن\" ١/ ١٢٣: ولولا هذا الإضمار لكان القياس نصب (أشهر) على الظرف، كما تقول: القتال اليوم، والخروج الساعةَ.\n(٤) في (ش) ولما.\n(٥) ليست في (أ) ولا (م).","vol":"4","page":28},{"text":"تَرْتَعُ ما رَتَعَتْ حتّى إذا ادَّكَرَتْ ... فإنَّما هي (١) إقْبَالٌ وإدْبَارُ (٢)\nوكما قال مُتَمِّم (٣):\nلَعَمْري وما دَهْرِي بَتَأبِيْنِ هَالكٍ ... ولا جَزعٍ مما أَصَاب فَأَوجَعَا (٤)\nألا ترى أنه قد جعل دَهره الجزع في قوله: ولا جزعٍ، أي: وما دهري بجزع. والأشهرُ بمنزلة الدهر (٥).\nوالمراد بالأشهر، هاهنا، عند جميع المفسرين: شَوَّالٌ وذو القَعْدة وتسع من ذي الحِجَّة، ويقال: عشر من ذي الحجة، فمن قال: وتِسْع، أراد الأيام؛ لأن يوم عرفة وهو اليوم التاسع من ذي الحجة آخر هذه الأشهر (٦)، ومن قال: عَشْرٌ، عَبَّر به عن الليالي؛ لأن من أدركَ عرفةَ في الليل العاشر\n_________\n(١) في (ش) (اذكرت فانماهن).\n(٢) البيت تقدم تخريجه مع تفسير [البقرة:٤٩].\n(٣) هو: متمم بن نويرة بن جمرة بن ثعلبة بن يربوع، أبو نهشل، صحابي شاعر فحل، اشتهر في الجاهلية والإسلام، أشهر شعره رثاء أخيه مالك، توفي سنة ٣٥ هـ انظر: \"أسد الغابة\" ٥/ ٥٢، ٥٨، \"الشعر والشعراء\" ص ٢٠٩.\n(٤) البيت في \"ديوانه\" ص ١٠٦، \"لسان العرب\" ١/ ١٣ (أبن)، ٣/ ١٤٤٠ (دهر).\n(٥) ينظر: في إعراب الآية: \"مشكل إعراب القرآن\" لمكي ١/ ١٢٣، \"التبيان\" ص ١٢٣، \"البحر المحيط\" ٢/ ٨٤، \"الدر المصون\" ٢/ ٣٢٢، وقال أبو حيان والحج أشهر: مبتدأ وخبر، ولابد من حذف؛ إذ الأشهر ليست الحج، وذلك الحذف إما في المبتدأ، فالتقدير: أشهر الحج، أو وقت الحج، أو في الخبر، أي: الحج حج أشهر، أو يكون الأصل: في أشهر، فاتسع فيه، وأخبر بالظرف عن الحج. ثم رد على ابن عطية قوله بالإلزام بالنصب في الحالة الثالثة.\n(٦) ذكره الشافعي في \"أحكام القرآن\" ص١٢٧، \"مختصر المزني\" ٨/ ١٥٩، \"المجموع\" ٧/ ١٤٣.","vol":"4","page":29},{"text":"من ذي الحجة فقد أدركَ الحج (١)، وقد ورد في الخبر اللفظان جميعًا في تفسير الأشهر (٢).\nوإنما قال: أشهر، لشهرين وبعض الثالث؛ لأن الاثنين قد يوقع عليها (٣) لفظ الجمع، وذلك أن التثنية أولُ الجَمْع (٤)، الدليل عليه قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ﴾ [النور: ٢٦]. وإنما يريد عائشةَ وصَفْوان، وكذلك قوله: ﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٨]، يريد: داودَ وسليمانَ، وقال: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤].\nوقال الشاعر:\n_________\n(١) وهذا قول ابن عباس وابن الزبير وابن سيرين ومجاهد والحسن وعطاء والشعبي وطاوس والنخعي وقتادة ومكحول والسدي والضحاك وأبو حنيفة والشافعي، وابن حبيب عن مالك، وروي عن ابن مسعود وابن عمر، وهو اختيار الطبري. ينظر: \"تفسير الطبري\" ٢/ ٢٥٧ - ٢٦٠، \"تفسير البغوي\" ١/ ٢٢٥، \"البحر المحيط\" ٢/ ٨٥.\n(٢) أما لفظ عشر من ذي الحجة، فقد ورد عن جماعة من الصحابة: عبد الله بن مسعود وابن عمر وابن عباس وابن الزبير -﵁- وجماعة من التابعين. ينظر: \"سنن سعيد بن منصور\" ٣/ ٧٨٣ - ٧٩١، \"المصنف\" لابن أبي شيبة، (القسم الأول من الجزء الرابع ص ٢١٨)، \"تفسير الطبري\" ٢/ ٢٥٧، \"سنن الدارقطني\" ٢/ ٢٢٦، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٥١٦. وأما لفظ تسع، فلم أعثر عليه في شيء من الأحاديث والآثار، لكن ذكرها المفسرون والفقهاء في معرض الخلاف في أشهر الحج، وذكرها الشافعي في \"أحكام القرآن\" له ص ١٢٧، وفي \"المجموع\" ٧/ ١٤٣، والمؤلف ﵀ تابع الثعلبي على هذا. ينظر: \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٥١٦.\n(٣) في (ش) (عليه).\n(٤) ينظر: \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٥١٨، \"تفسير البغوي\" ١/ ٢٢٥، \"تفسير القرطبي\" ٢/ ٣٨٢، \"المدخل لعلم تفسير كتاب الله\" للحدادي ص ٢٨٠.","vol":"4","page":30},{"text":"ظَهْرَاهُمَا (١) مِثلُ ظُهُورِ التُرسَيْن (٢) (٣)\nوقال ابن الأنباري: العرب توقع الوقت الطويل على الوقت اليسير، فيقولون: قُتل ابن الزبير زمان الحجاج أمير، وإنما كان القتل في أقصر وقت، فجاز على هذا وقوع الأشهر على أقل منها، ويقولون: أتيتك يوم الخميس، وإنما أتاه (٤) في ساعة منه، فيسمي تلك الساعة يومًا (٥).\nوقال عروة بن الزبير (٦): أراد بالأشهر شوالًا وذا القَعْدة وذا الحِجَّة كُمَّلًا (٧)؛ لأنه يبقى على الحاج أمور بعد عرفة يجب عليه فعلها، مثل:\n_________\n(١) في (ش) (ظهورهما).\n(٢) في (ش) (الريسين).\n(٣) صدر البيت: ومهمهين قذفين مرتين\nينظر: \"الكتاب\" لسيبويه ٢/ ٤٨، وفيه قال الراجز هو خطام المجاشعي، \"الخزانة\" ٢/ ٣١٤، \"البيان\" ٢/ ٤٤٦. وينظر: \"الوسيط\" للواحدي ١/ ٣٠٠.\n(٤) في (م) أتوه.\n(٥) وينظر: \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ١١٩، \"تفسير الطبري\" ٢/ ٢٦٠، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٥١٧، قال الفراء: وكذلك تقول العرب: له اليوم يومان منذ لم أره، وإنما هو يوم وبعض آخر، وهذا ليس بجائز في غير المواقيت؛ لأن العرب قد تفعل الفعل في أقل من الساعة ثم يوقعونه على اليوم.\n(٦) هو: أبو عبد الله عروة بن الزبير بن العوام القرشي الأسدي، أخو عبد الله بن الزبير، وأمهما أسماء بنت أبي بكر -﵃- ثقة مشهور، من أفاضل التابعين وعبادهم، توفي سنة ٩٤ هـ انظر: \"السير\" ٤/ ٤٢١، \"تقريب التهذيب\" ص ٣٨٩ (٤٥٦١).\n(٧) ذكره الثعلبي عنه ٢/ ٥١٨، البغوي في \"تفسيره\" ١/ ٢٢٥، والرازي في \"تفسيره\" ١/ ١٧٣، ولم يذكره أحد من أصحاب الكتب المسندة في التفسير، وروى سعيد بن منصور في \"السنن\" ٣/ ٧٩١ عن عروة بن الزبير قال: قال عمر بن الخطاب - ﵁ - (الحج أشهر معلومات) قال: شوال، وذو القعدة، وذو الحجة، وعزاه السيوطي في \"الدر\" ١/ ٣٩٣ إلى ابن المنذر، وهذا قول ابن مسعود وابن عمر وعطاء وطاوس ومجاهد والزهري والربيع ومالك. ينظر: \"البحر المحيط\" ٢/ ٨٥.","vol":"4","page":31},{"text":"الرمي، والحلق، والنحر، والبيتوتة بمنى (١).\nوقوله تعالى: ﴿مَعْلُومَاتٌ﴾ أي: أشهر مُؤَقَّتَةٌ معينة، لا يجوز فيها ما كان يفعلُه أهلُ الجاهلية من التبديل بالتقديم والتأخير، الذي كان يفعله النَّسَأة الذين أنزل فيهم ﴿إِنَمَا النَّسِىَءُ﴾ الآية [التوبة: ٣٧].\nقال ابن عباس في هذه الآية: جعلهن سبحانه للحج، وسائر الشهور للعمرة، فلا يصلح لأحد (٢) أن يحرم بالحج إلا في أشهر الحج (٣).\nوهذا مذهب الشافعي ﵀ قال: من أراد أن يحرم بالحج لم يصح إحرامه بالحج إلا في أشهر الحج، فإن أحَرْم في غير أشهر الحج انعقد إحرامه عمرة؛ لأن الله تعالى خَصَّ هذه الأشهر بفرض الحج فيها، وجعلها وقتًا للحج (٤).\nوعند أبي حنيفة: إذا أحرم بالحج في غير أشهر الحج كُرِه ذلك،\n_________\n(١) \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٥١٨.\n(٢) سقطت من (ش).\n(٣) رواه الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٢٥٧ - ٢٥٨ من طريق علي بن أبي طلحة عنه، ورواه الشافعي في \"الأم\" ٢/ ١٦٩، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ١/ ٣٤٥، والنحاس في \"معاني القرآن\" ١/ ١٣٠ من طريق عكرمة، ورواه البخاري معلقا ٢/ ١٨٣ معلقا مجزوما به، ووصله ابن خزيمة في \"تفسيره\" ٤/ ١٦٢، والحاكم في \"تفسيره\" ١/ ٦١٦، وصححه، من طريق مقسم، عن ابن عباس بنحوه مختصرًا.\n(٤) ينظر: \"الأم\" ٢/ ١٦٨، \"المجموع\" ٧/ ١٤٠، \"تفسير البغوي\" ١/ ٢٢٦، \"تفسير القرطبي\" ٢/ ٣٨٣، وهذا القول على التقدير في الآية: الحج حج أشهر معلومات، وبه قال ابن عباس وجابر وعطاء ومجاهد وطاوس والأوزاعي وأبو ثور، وقال الأوزاعي: يحل بعمرة، وقال أحمد: هذا مكروه، وروي هذا القول عن مالك، والمشهور عنه القول الآخر.","vol":"4","page":32},{"text":"ويجزيه (١).\nوقوله تعالى: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾. قال المفسرون: أي: من أوجب على نفسه فيهن الحج بالإحرام والتلبية (٢). ومعنى فَرَضَ في اللغة. ألزم وأوجب، يقال: فَرَضْتُ عليك كذا، أي: أوجبته، وأصل معنى الفَرْض في اللغة: الحزّ والقطع.\nقال ابن الأعرابي: الفرض: الحز (٣) في القِدْح وفي (٤) الزند وغيره (٥)، وفُرْضَة القَوس: الحَزّ الذي يقع فيه الوتر، وفرضة الزند: الحز الذي فيه. قال: ومنه فَرْضُ الصلاة وغيرها، إنما هو لازم للعبد كلزوم الحز للقدح، ففرض بمعنى: أوجب، قد ورد في القرآن فرضَ بمعنى أَبَان، وهو\n_________\n(١) وبه قال النخعي والثوري، والمشهور من مذهب مالك، وهذا القول على أن التقدير في الآية: أشهر الحج أشهر معلومات. ينظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص ١/ ٣٠٠، \"شرح فتح القدير\" ٣/ ١٦، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٥١٩، \"تفسير البغوي\" ١/ ٢٢٦، \"تفسير القرطبي\" ٢/ ٣٨٣.\n(٢) ينظر: \"تفسير الطبري\" ٢/ ٢٦٠ - ٢٦٢، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٥٢٠، \"تفسير القرطبي\" ٢/ ٣٨٣، وقد بين الطبري أن أهل التأويل اختلفوا في المعنى الذي يكون به الرجل فارضا الحج بعد إجماع جميعهم على أن معنى الفرض: الإيجاب والإلزام، فقال بعضهم: فرض الحج: الإهلال، وقد رواه عن ابن عمر وعطاء ومجاهد وطاوس والثوري والقاسم بن محمد، وبه قال أبو حنيفة، وابن حبيب من المالكية، وهو قول الظاهرية، وقال آخرون فرض الحج: إحرامه، وقد رواه عن ابن عباس والحسن وقتادة والنخعي والضحاك، وهذا قول الشافعي والحسن بن حي. ثم رجح القول الثاني، وبين سبب الترجيح.\n(٣) في (م) كأنها (الجز).\n(٤) في ليست في (م).\n(٥) نقله عن ابن الأعرابي في \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٧٧١ فرض.","vol":"4","page":33},{"text":"قوله: ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا﴾ [النور: ١]، بالتخفيف (١)، وقوله: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ٢] وهذا أيضًا راجع إلى معنى القطع؛ لأن من قطع شيئًا أبانه عن غيره، والله تعالى إذا فرض شيئًا أبانه، وبان ذلك الشيء عن غيره. (فرض) بمعنى: أوجب، وفرض بمعنى: أبان، كلاهما يَرْجِع إلى أصل واحد على ما بينا (٢).\nوقوله تعالى: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ ذكرنا معنى الرفث عند قوله: ﴿الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧]، وأما معناه في هذه الآية، فذهب ابن عباس (٣)، والأكثرون إلى أن المراد به الجماع (٤).\nقالت طائفة (٥): المراد بالرفث، هاهنا، التعريض (٦) للنساء بالجماع،\n_________\n(١) قال الأزهري في \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٧٧١ \"فرض\": (وفرضناها) فمن خفف أراد: ألزمناكم العمل بما فرض فيها، ومن ضدد فعلى وجهين: أحدهما التكثير على معنى: إنا فرضنا فيها فروضا، ويكون على معنى بينا وفصلنا ما فيها من الحلال والحرام والحدود.\n(٢) ينظر في الفرض \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٧٧١ \"فرض\"، \"المفردات\" ٣٧٨، \"عمدة الحفاظ\" ٣/ ٢٥٨ - ٢٥٩.\n(٣) رواه الثوري في \"تفسيره\" ص ٦٣، وسعيد بن منصور في \"السنن\" ٣/ ٧٩٩، وأبو يعلى في \"مسنده\" ٥/ ٩٨، والطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٢٦٥، وابن أبي حاتم في \" تفسيره\" ١/ ٣٤٦ وغيرهم.\n(٤) ذكر الطبري القول بذلك عن ابن مسعود وابن عمر والحسن وعطاء ومجاهد وعكرمة وعمرو بن دينار وقتادة وسعيد بن جبير والسدي والربيع والنخعي والضحاك. ينظر: \"تفسير الطبري\" ٢/ ٢٦٥ - ٢٦٧، \"تفسير ابن أبي حاتم\" ١/ ٣٤٦، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٥٢٣.\n(٥) ذكر الطبري القول بذلك عن ابن عباس وابن عمر وابن الزبير ومحمد بن كعب القرظي وطاوس وابنه وعطاء. ينظر: \"تفسير الطبري\" ٢/ ٢٦٣ - ٢٦٤، \"تفسير ابن أبي حاتم\" ١/ ٣٤٦، وقد رجح الطبري أن الرفث شامل للقولين، وقال أبو حيان في البحر ٢/ ٨٧: وملخص هذه الأقوال أنها دائرة بين شيء يفسده، وهو الجماع، أو شيء لا يليق لمن كان متلبسا بالحج لحرمة الحج.\n(٦) في (م) التعرض.","vol":"4","page":34},{"text":"ذكره بين أيديهن، فأما اللفظ به من غير مراجعة النساء فلا بأس به، لما روى ابن عباس، كان يحدو بعيرَه وهو محرم ويقول:\nوهُنَّ يَمْشِينَ بنا هَمِيسا ... إن تَصْدُقِ الطَّيْرُ نَنِك لَمِيسَا (١)\nفقيل له: تَرفث وأنت محرم؟ فقال: إنما الرفث ما قيل عند النساء (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا فُسُوقَ﴾ قال ابن عباس (٣) والأكثرون (٤): الفسوق معاصي الله كلها.\nوقال ابن زيد: هو الذبح للأصنام، قُطِعَ ذلك بالنبي - ﷺ - حين حج فعلَّم أُمتَه المناسكَ (٥)، دليله قوله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ\n_________\n(١) البيت ذكره الفراء في: \"معاني القرآن\" ٢/ ١٩٢، وقال: تمثل به ابن عباس، وذكره الحربي في \"غريب الحديث\" ولم ينسبه ٣/ ١١١، وقال شاكر في تعليقه على \"تفسير الطبري\" ٤/ ١٢٦: لم أعرف قائله وهو رجز كثير الدوران في الكتب. والهمس، والهميس: صوت نقل أخفاف الإبل، والصوت الخفي الذي لا غور له في الكلام، والوطء والأكل وغيرها، ولميس: اسم صاحبته، ويريد بقوله: إن تصدق الطير: أنه زجر الطير فتيامن بمرها، ودلته على قرب اجتماعه بأصحابه وأهله.\n(٢) رواه سعيد بن منصور في \"السنن\" ٣/ ٨٠٦، والطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٢٦٣ من طريق أبي حصين بن قيس، وهو القائل لابن عباس: ترفث وأنت محرم؟ ومن طريق أبي العالية الرياحي، ورواه الحاكم ٢/ ٣٠٣ وصححه وعنه البيهقي في \"تفسيره\" ٥/ ٦٧ من طريق الأعمش.\n(٣) رواه سعيد بن منصور في \"السنن\" ٣/ ٧٩٩، وأبو يعلى ٥/ ٩٨، والطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٢٦٩، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ١/ ٣٤٧.\n(٤) رواه الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٢٦٩، عن عطاء والحسن وطاوس ومجاهد والقرظي وابن جبير وإبراهيم النخعي والربيع وعكرمة. قال ابن عطية في: \"المحرر الوجيز\" ٢/ ١٦٩: وعموم المعاصي أولى الأقوال.\n(٥) رواه الطبري، وروى ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ١/ ٣٤٧ نحوه عن مالك، وينظر: \"الموطأ\" ١/ ٣٨٩.","vol":"4","page":35},{"text":"وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: ١٢١] (١).\n(والجدال) يقال: من المجادلة، وأصلها (٢): من الجَدْل الذي هو الفَتْل، يقال: زِمَامٌ مَجْدُول وجَدِيْل، أي: مَفْتُول، والجَدِيْل: اسم للزمام لأنه لا يكون إلا مفتولًا، سميت المخاصمة مجادلة؛ لأن كلَّ واحدٍ من الخصمين يروم أن يفتل صاحبه عن رأيه (٣).\nقال ابن عباس (٤) والمفسرون (٥) في قوله: ﴿وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾: هو أن يجادل صاحبه ويُمَارِيَه حتى يغضبه، نُهِي المحرمُ عن هذا.\n_________\n(١) ذكر الطبري ﵀ ٢/ ٢٧٠ قولين آخرين أحدهما: أن الفسوق في هذا الموضع: ما عصي الله به في الإحرام مما نهى عنه فيه من قتل صيد وأخذ شعر، ورواه عن ابن عمر. والثاني: السباب، ورواه عن ابن عمر وابن عباس ومجاهد والسدي وإبراهيم وعطاء بن يسار. وينظر: \"النكت والعيون\" ١/ ٢٥٩، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٥٢٨.\n(٢) في (م) وأصله.\n(٣) ينظر في المجادلة: \"تهذيب اللغة\" ١/ ٥٦٠ - ٥٦١ \"جدل\"، \"المفردات\" ٩٧، وذكر الراغب في تسمية المخاصمة مجادلة قولا آخر فقال: \"وقيل: الأصل في الجدال: الصراع، وإسقاط الإنسان صاحبه على الجدالة، وهي الأرض الصلبة\" وذكر السمين في عمدة الحفاظ ١/ ٣٥٩ قولا ثالثا، وهو: أن أصله من القوة، فكان كُلًّا من المتجادلين يقوي قوله ويضعف قول صاحبه.\n(٤) رواه عنه سعيد بن منصور في \"السنن\" ٣/ ٧٩٩، وابن أبي شيبة في \"المصنف\"، القسم الأول من الجزء الرابع ص ١٥٧، وأبو يعلى ٥/ ٩٨، والطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٢٧١، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ١/ ٣٤٨.\n(٥) روى الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٢٧٢، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ١/ ٣٤٨ هذا القول عن عطاء وابن جبير ومجاهد وعمرو بن دينار والحسن والربيع والضحاك والنخعي وعطاء بن يسار وعكرمة والزهري وقتادة.","vol":"4","page":36},{"text":"وقال مجاهد (١) وأبو عبيدة (٢): معناه: ولا شك في الحج أنه في ذي الحجة، فأبطل النسيء، واستقام الحج كما هو اليوم، وبطل ما كان يفعله النّسَأة في تأخير الشهور (٣).\nقال أهل المعاني: ظاهر الآية نفي ومعناها نهي، أي: ولا ترفثوا ولا تفسقوا ولا تجادلوا، كقوله ﷿: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢]، أي: لا ترتابوا (٤).\nواختلف القُرَّاء في هذه الآية، فقرأ (٥) بعضهم: (فلا رفثٌ ولا فسوقٌ) مرفوعين منونين، وقرأ بعضُهم منونين غير منونين، ولم يختلفوا في نصب اللام من جدال (٦).\n_________\n(١) رواه الطبري في \"تفسيره\" عنه من عدة طرق ٢/ ٢٧٤ - ٢٧٥، ورواه عن السدي وابن عباس، ورجحه الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٢٧٥ - ٢٧٦، وابن عطية في \"المحرر الوجيز\" ٢/ ١٦٩، ويرى الزجاج في \"تفسيره\" ١/ ٢٧٠ أن كلا من القولين صواب.\n(٢) \"مجاز القرآن\" ١/ ٧٠.\n(٣) ذكر الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٢٧٠، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ١/ ٣٤٩ أقوالا أخر، فمنهم من قال: الجدال: السباب، وهو مروي عن ابن عمر وابن عباس وقتادة، ومنهم من قال: الجدال: اختلافهم فيمن هو أتم حجا من الحُجاج، وهو مروي عن محمد بن كعب القرظي، ومنهم من قال: الجدال: اختلافهم في اليوم الذي يكون فيه الحج، فنهوا عن ذلك، وهو مروي عن القاسم بن محمد، وقيل: بل اختلافهم في أمر مواقف الحج أيهم المصيب موقف إبراهيم، قاله ابن زيد. وينظر: \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٥٣٠، \"النكت والعيون\" ١/ ٢٥٩، \"زاد المسير\" ١/ ٢١١، \"تفسير البغوي\" ١/ ٢٢٧، \"البحر المحيط\" ٢/ ٨٨\n(٤) من \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٥٣١، وينظر: \"تفسير البغوي\" ١/ ٢٢٧، و\"حجة القراءات\" لابن زنجلة ص ١٢٨، \"المدخل\" للحدادي ص ٤٦٥.\n(٥) في (ش) وقرأ.\n(٦) قرأ ابن كثير المكي وأبو عمرو ويعقوب برفع الثاء والقاف مع التنوين، ووافقهم أبو جعفر، وانفرد بتنوين جدال مع الرفع، والباقون بـ (الفتح) بلا تنوين في الثلاث. ينظر: \"السبعة\" ص ١٠٨، \"النشر\" ٢/ ٢١١، \"البحر المحيط\" ٢/ ٨٨.","vol":"4","page":37},{"text":"والأصل في هذا الباب: أن \"لا\" تَنْصِبُ النكراتِ خاصّةً بلا تنوين، ولا تعمل في المعارف شيئًا؛ لأنها جواب ما لا يكون إلا نكرة، وذلك أنك تسأل فتقول: هل من رجلٍ عندك؟ وهل من غلامٍ لك، فتقول: لا رجلَ عندي، ولا غلامَ لي، فكان الجواب منكّرًا مثل السؤال، والخافض والمخفوض في السؤال بمنزلة شيء واحد لا ينفصل أحدُهما عن صاحبه، فكذلك جعلت (لا) وما عَمِلتْ فيه بمنزلة شيء واحد، وحذفت منه التنوين، كما حذفت من خمسة عشر. ويجوز أن يكون العامل والمعمول فيه بمنزلة شيء واحد، كقولهم: يا ابن أمِّ، فالابن عامل في الأم؛ لأنه مضاف إليها، فجعلا بمنزلة اسم واحد وبُنِيا. هذا وجه النصب بلا (١).\nفإن رفعتَ بها، فقلت: لا رجلٌ عندك (٢) ولا ثوبٌ لك، فيكون هذا جوابًا لقول القائل: هل رجل عندك؟ هل (٣) ثوب لك؟ فكما أن هل لا تعمل شيئًا، جعلت لا في الجواب مثلها، فرفعت ما بعدها بالابتداء وإن شئتَ جعلتَ \"لا\" مشبهةً بـ (ليس) فرفعت بها النكرات؛ لأن بعض العرب تجعلها بمنزلة ليس. من ذلك قوله:\nفَأَنَا ابْنُ قَيْس لا بَرَاحُ (٤)\n_________\n(١) ينظر: \"الكتاب\" لسيبويه ٢/ ٢٧٤ - ٢٧٥.\n(٢) في (م) عندي.\n(٣) في (ش) لا ثوب.\n(٤) شطره الأول: \"من صد عن نيرانها\".\nوالبيت لسعد بن مالك بن ضبيعة من قيس ثعلبة. ينظر: \"الكتاب\" لسيبويه ١/ ٥٨، \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٧٠، \"الخزانة\" ١/ ٢٢٣، \"المقتضب\" ٤/ ٣٦٠، وفي رواية: من فر نيرانها، أي: نيران الحرب وشدتها، ومعنى: لا براح: أي لا براح لي ولا تحول، ولا أهرب منها، وابن قيس: سمى نفسه باسم جده لشهرته.","vol":"4","page":38},{"text":"وقول العجاج:\nتالله لولا أنْ تَحُشَّ (١) الطُّبَّخُ ... بيَ الجَحِيمَ حِسِن لا مُسْتَصْرَخُ (٢)\nفإن كررت (لا) كقولك: لا درهم ولا دينار، جاز لك فيه (٣) الوجهان: النصبُ من غير تنوين، والرفعُ والتنوين، كالقراءتين في هذه الآية، وجاز أوجهٌ ثلاثة أيضًا يطول ذكرها (٤).\nفإن قدرت الاسم بعدها مرفوعًا بالابتداء، جاز في قول سيبويه أن يكون (في الحج) خبرًا عن الأسماء الثلاثة، لاتفاق الأسماء في ارتفاعها بالابتداء. أما قوله ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ﴾ فبين (٥)، وأما قوله ﴿وَلَا جِدَالَ﴾ فإن (لا) مع ﴿جِدَالَ﴾ في موضع رفع، فقد اتفقت الأسماء في ارتفاعها بالابتداء، فلا يمنع من أن يكون قوله: (في الحج) خبرًا عنها (٦). وإن قدرت لا بمنزلة ليس، لم يجز أن يكون \"في الحج\" منتصبًا في موضع خبر ليس، لأن الخبر لا ينتصب بلا كما ينتصب (٧) بليس، ولكنك تضمر لقوله: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ﴾ خبرًا، لأن من شأن العرب إذا رفعت ما بعد لا وكانت لا بمنزلة ليس، حذف الخبر. وإضماره كالبيتين الذين أنشدناهما، فقوله: لا براحُ، تقديره: لا براحٌ من هاهنا، ويكون قوله: (في\n_________\n(١) في (ش) تخش وفي (م) كأنها (يخش).\n(٢) البيت في \"الديوان\" ص ١٤، \"أمالي الشجري\" ١/ ٢٨٢، \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٧٠.\n(٣) في (ش): ولا دينار لك جاز فيه الوجهان.\n(٤) ينظر: \"الكتاب\" لسيبويه ٢/ ٢٧٤، ٢/ ٣٠٣، وينظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٧٠ - ٢٧١، \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ١٢٠ - ١٢١.\n(٥) في (م) فهن.\n(٦) من \"الحجة\" لأبي علي ٢/ ٢٨٩ - ٢٩٠، وينظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٧١.\n(٧) سقطت من (أ)، (م).","vol":"4","page":39},{"text":"الحج) خبرا عن (لا جدال) (١).\nفأما من فتح فقال: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ﴾ فحجته أنه أشد مطابقة للمعنى المقصود، ألا تري أنه إذا فتح فقد نفى جميع الرفث والفسوق، كما أنه إذا قال: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢]، فقد نفى جميع هذا الجنس، وإذا رَفَع وَنَوَّنَ كان المنفي الواحدَ منه، ألا ترى أن سيبويه يرى (٢) أنه إذا قال: لا غلام عندك ولا جارية، فهو جواب من سأل فقال: غلام عندك أم جارية؟ (٣) فالفتح أولى؛ لأن النفي به أعم والمعنى عليه (٤)، ألا ترى أنه لم يُرَخَّص في ضَرْبٍ من الرَّفَثِ والفُسوق، كما لم يُرَخَّص في ضرب من الجدال، وقد اتفق الجميع على فتح اللام من الجدال؛ لتناول النفي جمع جنسه، فيجب أن يكون ما قبله من الاسمين على لفظه، إذ كان في حكمه (٥)، ومن رفع فحجته أنه يُعلم من الفحوى (٦) أنه ليس المنفي رفثًا\n_________\n(١) \"الحجة\" لأبي علي ٢/ ٢٩٠ بتصرف، وقال أبو حيان في \"البحر\" ٢/ ٨٨: قيل: ويجوز أن تكون لا عاملة عمل ليس، فيكون في الحج في موضع نصب، وهذا الوجه جزم به ابن عطية فقال: ولا، في معنى ليس، في قراءة الرفع، وهذا الذي جوزه وجزم به ابن عطية ضعيف؛ لأن إعمال ليس قليل جدا لم أجد منه في لسان إلا ما لا بال له، ثم ذكر أربع شواهد، ثم قال: وهذا كله يحتمل التأويل، وعلى أن يحمل على ظاهره، لا ينتهي من الكثرة بحيث تبنى عليه القواعد فلا ينبغي أن يحمل عليه كتاب الله الذي هو أفصح الكلام وأجله، ويعدل عن الوجه الكثير الفصيح.\n(٢) \"الكتاب\" لسيبويه ١/ ٢٩٥.\n(٣) من قوله: فهو جواب ... ساقط من (ش).\n(٤) في \"الحجة\": لأن النفي قد عم.\n(٥) \"الحجة\" لأبي علي ٢/ ٢٩١، قال العكبري في \"التبيان\" ص ١٢٤: \"الفتح\" في الجميع أقوى لما فيه من نفي العموم.\n(٦) في (م) (النحوي).","vol":"4","page":40},{"text":"واحدًا ولكنه جميع ضروبه، وقد يكون اللفظ واحدًا والمعنى المراد به الجميع، خصوصًا في النفي، فإن النفي قد يقع فيه الواحد موضع الجميع، وإن لم يُبْنَ فيه الاسمُ مع لا النافية، نحو قولك: ما (١) رجل في الدار (٢)، هذا الذي ذكرنا يكون وجه القراءتين في قوله: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ﴾ ولم يختلفوا في نصب (لا جدال). وذلك أن الرفث والفسوق متفقان في المعنى وهو النهي، كأنه قيل: لا ترفثوا ولا تفسقوا، والجدال مخالف لهما في المعنى؛ لأن معنى لا جدال في الحج أي: الحج في ذي الحجة (٣) على ما حكينا عن مجاهد وأبي عبيدة، فلما كان معنى الأولَيْن نهيًا ومعنى الثالث خبرا، أرادوا الفرق بين اللفظين، لتكون مخالفةُ ما بينهما في اللفظ لمخالفة (٤) ما بينهما في المعنى (٥).\n_________\n(١) في (م) (لا) وفي (أ) (هل).\n(٢) \"الحجة\" لأبي علي ٢/ ٢٩١ - ٢٩٢.\n(٣) في (ش) معنى لا جدال النفي أي لا جدال أي الحج في ذي الحجة.\n(٤) في (ش) (كمخالفة) وفي (م) (للمخالفة).\n(٥) ينظر: \"مشكل إعراب القرآن\" لمكي ١/ ١٢٣ - ١٢٤، \"البحر المحيط\" ٢/ ٨٨ - ٩٠، وقد تعقب أبو حيان في \"تفسيره\" ٢/ ٩٠ الزمخشري في دعواه أن قراءة أبي عمرو وابن كثير: (لا رفث ولا فسوق)، بالرفع، (لا جدال)، بالنصب، بأنهما حملا الأولين على النهي، والثالث على معنى الإخبار بانتفاء الجدال، كأنه قيل: ولا شك ولا خلاف في الحج، فقال: الرفع والبناء لا يقتضيان شيئا من ذلك، بل لا فرق بين الرفع والبناء في أن ما كانا فيه كان مبنيا، وأما أن الرفع يقتضي الابتداء والبناء يقتضي الخبر فلا، ثم قراءة الثلاثة بالرفع، وقراءتها كلها بالبناء يدل على ذلك، غاية ما فرق بينهما أن قراءة البناء نص على العموم، وقراءة الرفع مرجحة له، فقراءتهما الأولين بالرفع، والثالث بالبناء على الفتح إنما ذلك سنة متبعة، إذا لم يتأد ذلك إليهما إلا على هذا الوجه من الوجوه الجائزة في العربية في مثل هذا التركيب. ثم بيَّن ﵀ الخلاف في الآية هل يراد بها النفي حقيقة فيكون إخبارا، أو صورتها صورة النفي والمراد به النهي، ورجح الثاني.","vol":"4","page":41},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ قال أهل المعاني: معناه: يجازيكم الله العالم به، إلا أنه جعل ﴿يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ في موضع يجازيه؛ لأن المجازاة إنما تقع من عالم بالشيء، وفيه: حث لهم على فعل الخيرات، وأن الله تعالى ليس بغافل عنهم وعن مجازاتهم، ومتى علم العامل أن الذي يُعْملُ له العملُ يعلم ذلك وليس بغافل عنه كان أحرصَ على عمله (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ نزلت في ناس من أهل اليمن كانوا يحجون بغير زاد، ويقولون: نحن متوكلون، ثم كانوا يسألون الناس، وربما ظلموهم وغصبوهم، فأمرهم الله سبحانه أن يتزودوا (٢)، فقال: ﴿وَتَزَوَّدُوا﴾ ما تتبلغون به ﴿فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ ما تكفُّون به وجوهكم عن السؤال وأنفسكم. وفي هذا حَثٌّ على التزود للآخرة، وتنبيهٌ عليه (٣)، لأن الآية أفادت بيان الزادين، وذلك أن اللفظةَ العامة إذا أفادت فوائد ولم تكن متنافية، فلابد من استفادتها جميعًا، ويكون\n_________\n(١) ينظر: \"تفسير الطبري\" ٢/ ٢٧٨، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٥٣٦، \"المحرر الوجيز\" ٢/ ١٦٩، \"البحر المحيط\" ٢/ ٩٢، \"التفسير الكبير\" ٥/ ١٨٢.\n(٢) وردت هذه القصة عن جمع من السلف، أشهرهم ابن عباس، روى حديثه البخاري (١٥٢٣) كتاب الحج، باب: قوله تعالى. وتزودوا فإن خير الزاد التقوى، وأبو داود (١٧٣٠) كتاب المناسك، باب: التزود في الحج، والنسائي في \"تفسيره\" ١/ ٢٤٥، والطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٢٧٨، والخلال في \"الحث على التجارة\" ص١٤٧، والواحدي في \"أسباب النزول\" ص ٦٣، عن عكرمة عن ابن عباس، وذكر الطبري الرواية بذلك عن ابن عمر وابن عباس وعكرمة، والنخعي وابن زيد ومجاهد، دون ذكر لقوم معينين، وذكر الرواية بتعيين أهل اليمن عن مجاهد والحسن والربيع وقتادة. ينظر: \"تفسير الطبري\" ٢/ ٢٧٨ - ٢٨١، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٥٣٦.\n(٣) \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٥٢٧، وينظر: \"تفسير الطبري\" ٢/ ٢٨١، \"المحرر الوجيز\" ٢/ ١٧٢، \"التفسير الكبير\" ٥/ ١٨٢ - ١٨٣، \"تفسير القرطبي\" ٢/ ٣٨٨ - ٣٨٩.","vol":"4","page":42},{"text":"الجميع مرادًا باللفظ عند أهل التحقيق، فكأنه قال: إذا تزودتم تعففتم عن السؤال، وهو نوع تقوى، والتقوى زاد الآخرة (١)، قال الأعشى، وأراد هذا المعنى.\nإذا أنْتَ لم تَرْحَلْ بزَادٍ من التُّقَى ... ولاقيتَ بعدَ المَوْتِ من قَدْ تَزَوَّدَا\nنَدِمْتَ على أن لا تكونَ كمِثْله ... وأنكَ لم تَرْصُدْ كما كان أرْصَدَا (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-416>١٩٨ </span>- قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ قال المفسرون: كان قوم يزعمون أنه ليس لجمَّالٍ ولا أَجِيرٍ ولا تاجر حج، فأعلم الله ﷿ أنه لا (جُنَاح) أي: لا حرج في ﴿أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا﴾ من رَبِّكُمْ: رزقًا من ربكم، يعني: التجارة في الحج (٣).\n_________\n(١) قال القرطبي في \"تفسيره\" ٢/ ٣٨٩. أخبر تعالى أن خير الزاد اتقاء المنهيات، فأمرهم أن يضموا إلى التزود التقوى، وجاء قوله: فإن خير الزاد التقوى، محمولًا على المعنى؛ لأن معنى (وتزودوا): اتقوا الله في اتباع ما أمركم به من الخروج بالزاد، وقيل: يحتمل أن يكون المعنى فإن خير الزاد ما اتقى به المسافر من التهلكة أو الحاجة إلى السؤال والتكفف، وقيل: فيه تنبيه على أن هذه الدار ليست بدار قرار. وبين أبو حيان أن الأقوال ثلاثة: أحدها: أنه أمر بالتزود في أسفار الدنيا. والثاني: أنه أمر بالتزود لسفر الآخرة، واختار هذا القول؛ لدلالة السباق واللحاق. والثالث: أنه أمر بالتزود في السفرين، كأن التقدير: وتزودوا ما تنتفعون به لعاجل سفركم وآجله.\n(٢) البيتان للأعشى من قصيدة يمدح بها رسول الله - ﷺ -، \"ديوان الأعشى\" ص ٤٦. وذكرها الثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ٥٣٨.\n(٣) هذا السبب جمعه المؤلف من عدة آثار بمعناها عن ابن عمر وابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد والحسن وقتادة، وقد ثبت عن ابن عباس أنه قال: كانت عكاظ ومجنة وذو المجاز أسواقا في الجاهلية، فكانوا يتجرون فيها، فلما كان الإسلام كأنهم تأثموا منها، فسألوا النبي - ﷺ - فأنزل الله: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾، في مواسم الحج، رواه البخاري، \"الفتح\" (٣/ ٥٩٣) =","vol":"4","page":43},{"text":"قال الزجاج: وموضع أن نصب، على تقدير: ليس عليكم جناح في أن تبتغوا، فلما سقطت (في) عمل فيها معنى جُناح. المعنى: لستم تأثمون أن تبتغوا، أي: في أن تبتغوا (١).\nوقوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ﴾ معنى الإفاضة، في اللغة: الدَّفْعُ للشَّيءِ حين يَتَفَرَّق. يقال: أفاضت العينُ دَمْعَها، وأفاض بالقداح، وعلى القداح: إذا ضرب بها منبثةً متفرقة، ومنه:\nوكأنَّهُن رِبَابَةٌ وكأنَّه ... يَسَر يُفِيْضُ على القِدَاحِ وَيصدَعُ (٢)\nوأفاض البعير بجرته: إذا رمى بها متفرقة.\n_________\n= في الحج، باب: التجارة أيام الموسم، والبيع في أسواق الجاهلية ٢/ ٢٣٩ برقم ١٧٧٠، وأبو داود في المناسك، باب: الكرى ٢/ ١٤٦ برقم ١٧٣٤، والطبراني في \"الكبير\" ١١/ ١١٣، والطبري ٢/ ٢٨٥ وغيرهم، وثبت عن ابن عمر نحوه، رواه الأمام أحمد ٢/ ١٥٥ برقم ٦٤٣٥ ط. شاكر. وصححه أحمد شاكر، وأبو داود، الموضع السابق حديث ١٧٣٣، والحاكم ١/ ٤٤٩ وصححه، والطبري ٢/ ٢٨٢ - ٢٨٤، وفيه قال أبو أمامة التيمي: قلت لابن عمر: إنا قوم نكري فيزعمون أنه ليس لنا حج، فقال: ألستم تحرمون كما يحرمون، وتطوفون كما يطوفون، وترمون كما يرمون، قلت: بلى، قال: أنت حاج، جاء رجل إلى النبي - ﷺ - فسأله عن الذي سألتني عنه فلم يدر ما يقول له حتى نزل جبريل ﵇ بهذه الآية.\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٧١.\n(٢) والبيت لأبي ذؤيب الهذلي خويلد بن خالد يصف الحمُرُ، ضمن قصيدة من \"المفضليات\" ص ١٢٦، \"ديوان الهذليين\" ١/ ٦ والبيت في \"اللسان\" مادة: ريب، وصدع. والرِّبابة: بكسر الراء: الرقعة تجمع فيها قداح الميسر، واليَسَر. صاحب الميسر، شبه الأُتُن بالقداح لتجمعهن وتراكمهن، وشبه الحمار الوحشي بالضارب الذي يفرق القداح ويجمعها. وينظر: \"شرح أشعار الهذليين\" للسكري ١/ ١٨.","vol":"4","page":44},{"text":"قال الراعي:\nوأَفَضْنَ بعد كُظُومِهِنّ بجِرَّةٍ ... من ذي الأبَاطِح إذ رَعَيْنَ حَقِيلا (١)\nوأفاض القوم في الحديث، إذا اندفعوا فيه، ومنه ﴿إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ (٢) [يونس: ٦١] فمعنى قوله: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ﴾ أي: دفعتم بكثرة (٣)، يعني دفع بعضكم بعضًا؛ لأن الناس إذا انصرفوا مزدحمين دفع بعضهم بعضًا، قال أبو إسحاق: قد دل بهذا اللفظ على أن الوقوف بها واجب؛ لأن الإفاضة لا تكون إلا بعد وقوف (٤).\n_________\n(١) البيت للراعي النميري من لاميته المطولة التي كان يرمى من لم يحفظها من أولاده وحفدته بالعقوق في \"ديوانه\" ٥٢، وفي \"جمهرة اللغة\" لابن دريد ٢/ ١٧٩ وذكره الأزهري في \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٧١٩ (فيض) والثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ٥٤٧ ويروى: من ذي الأباطل، قال ياقوت في \"معجم البلدان\" ٢/ ٢٧٩: قال ثعلب: ذو الأبارق وحقيل موضع واحد، فأراد: من ذي الأبارق إذا رعينه، والكَظْم. إمساك الفم، فلما ابتل مافي بطونها أفضن بجرة. والمعنى: أنها إذا رعت حقيلًا أفاضت بذي الأبارق.\n(٢) ينظر في مادة (فيض): \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٧١٩، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٥٤٦، \"المفردات\" ص ٣٩٠، \"عمدة الحفاظ\" ٣/ ٣٠٨، قال الزجاج في \"تفسيره\" ١/ ٢٧٢: وكل ما في اللغة من باب الإفاضة، فليس يكون إلا من تفرقة أو كثرة.\n(٣) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٧٢، وفي معنى الآية ثلاثة أقوال، هذا أحدها. والثاني: أن معناه: فإذا رجعتم من حيث بدأتم، وهذا اختيار الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٢٨٥، والثالث: أن الإفاضة: الإسراع من مكان إلى مكان. وينظر: \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٥٤٦، \"النكت والعيون\" ١/ ٢٦٠، \"البحر المحيط\" ٣/ ٨٣\n(٤) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٧٢، قال أبو حيان في \"تفسيره\" ٢/ ٩٥ متعقبا هذا القول: ولا يظهر من هذا الشرط الوجوب، إنما يعلم منه الحصول في عرفة والوقوف بها، فهل ذلك على سبيل الوجوب أو الندب، لا دليل في الآية على ذلك، لكن السنة الثابتة والإجماع يدلان على ذلك.","vol":"4","page":45},{"text":"وقوله تعالى: ﴿مِنْ عَرَفَاتٍ﴾ القراءةُ بالكسرةِ والتنوين؛ لأنها جَمْع عَرَفَة، مثل: مسلمات ومؤمنات، سميت بها بقعةٌ واحدة، مثل قولهم (١): ثوبٌ أَخْلاقٌ، وبَرْمَةٌ أَعْشَار، وأرضُ سَبَاسبٌ (٢)، يجمع بما حولها، فلما سميت بها البقعة الواحدة صرفت، إذ كانت مصروفة قبل أن تسمى بها البقعة، تركًا منهم لها على أصلها (٣).\nفإذا كانت في الأصل اسمًا لبقعة ولم يكن جمعًا لواحد معروف تركوا إجراءها، مثل: عانات وأذرعات (٤)؛ لأنها ليست بجمع عانة ولا أذرعة، ففرقوا بين الواحد والجمع (٥)، وعلى هذا تتوجه قراءة أشهب العُقَيلي: (من عرفاتَ)، مفتوحة التاء، جعلها اسمًا واحدًا، مثل: عانات وأذْرِعَات.\n_________\n(١) ثوب أخلاق: الثوب الذي بلي كله، ومعنى خلق، أي: بلي، وبرمة أعشار، وقدور أعاشر: مكسرة على عشر قطع، أو عظيمة لا يحملها إلا عشرة، والبرُمة: بالضم قدر من حجارة. والسبسب: المفازة، أو الأرض المستوية البعيدة، يقال: بلد سبسب، وسباسب.\n(٢) في (م): سباب.\n(٣) ينظر: \"معاني القرآن\" للأخفش ١/ ١٦٤ - ١٦٥، \"الكتاب\" لسيبويه ٣/ ٢٣٢ - ٢٣٣، \"تفسير البغوي\" ١/ ٢٢٨، \"تفسير الطبري\" ٢/ ٢٨٥ - ٢٨٦، ورجح الطبري أنه اسم لواحد، سمي بجماع، فإذا صرف ذهب به مذهب الجماع الذي كان له أصلًا، وإذا ترك صرفه ذهب به إلى أنه اسم لبقعة واحدة معروفة، فترك صرفه كما يترك صرف أسماء الأمصار والقرى المعارف. واستدرك أبو حيان في \"البحر\" ٢/ ٨٣ على من زعم أنها جمع، بأنه إن عنى في الأصل فصحيح، وإن عنى حالة كونه علما فليس بصحيح؛ لأن الجمعية تنافي العلمية.\n(٤) أذرعات: موضع بالشام بين دمشق وعمان، وعانات، ويقال عانة: موضع في العراق على نهر الفرات.\n(٥) \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٥٤٩.","vol":"4","page":46},{"text":"قال أبو إسحاق: في قوله: ﴿مِنْ عَرَفَاتٍ﴾ الوجه كسرها مع التنوين، وهي اسم لمكان واحد، ولفظه لفظ الجمع، والوجه فيه: الصرفُ عند جميع النحويين؛ لأنه بمنزلة الزيدين يستوي نصبُه وجَرُّه، وليس بمنزلة هاء التأنيث (١) (٢).\nهذا كلامه، ومعناه: أن عرفات بمنزلة مسلماتٍ، وهو معنى قوله: لأنه بمنزلة الزيدين، وهي وإن كانت اسمًا لمكان واحد لفظه جمع كما بينا، بخلاف عانات.\nقال: وقد يجوز منعه الصرف إذا كان اسمًا للواحد، إلا أنه لا يكون إلا مكسورًا، وإن أسقطت التنوين، وأنشد:\nتَنَوَّرْتُها من أَذْرعاتٍ وأهْلُهَا ... بيَثْرِبَ أدْنَى دَارِها نَظَرٌ عَالِ (٣)\nالرواية بالتنوين، وقد أُنْشِدَ بغير التنوين، فأما الفَتْحُ فَخَطأ (٤)؛ لأن نصبَ الجميع غير المُنْصِرف وجرَّه كَسْر (٥).\n_________\n(١) قوله: وليس بمنزلة هاء التأنيث ساقط من (ش).\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٧٢.\n(٣) البيت لامرئ القيس في \"ديوانه\" ص ١٢٤. \"الكتاب\" لسيبوبه ٢/ ٢٣٣، \"الخزانة\" ١/ ٢٦، والضمير في قوله: تنورتها للمرأة التي يذكرها، وتنور النار: أبصرها من بعيد، والمعنى: لاح نور المرأة في الظلماء وهو بأذرعات بلد الشام وهي بيثرب (المدينة)، ثم يقول: أقرب ما يرى منها لا يرى إلا من عال في جو السماء، يصف بُعْدَ ما بينه وبينها، ومع ذلك فقد لاحت له في الليل من هذا المكان البعيد.\n(٤) النحويون على إجازة الأوجه الثلاثة؛ لأنه ليس جمعا. ينظر الأشموني ١/ ٧٥، وممن أنشد البيت بغير تنوين: المبرد في \"المقتضب\" ٣/ ٣٣٣.\n(٥) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٧٢، والعبارة الأخيرة عنده هكذا: لأن نصب الجمع وفتحه كسر.","vol":"4","page":47},{"text":"فعنده (من عرفاتَ) وهو قراءة العقيلي خطأ؛ لأن هذه التاء لا تفتح، وعند غيره إذا كان المراد به اسمًا واحدًا يجوز أن تفتح؛ لأنها ليست بتاء جمع يجري لفظه على ما كان يجري قبل التسمية، وعلى هذا جاء عرفات، قال الله ﷿: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ﴾ فالذي ذكره أصحابنا التنوين، أجازوا ترك التنوين.\nقال (١): وذكر المبرد أن الفتح فيه لا يجوز (٢)، فلا يجوز عنده أن تقول: رأيت عرفاتَ ومسلماتَ، إذا سميت بها رجلًا، قال: ورأيت من النحويين من يقول ضد هذا، يقول: إذا حذفت التنوين لم يجز إلا الفتح، قال: وكلام سيبويه (٣) عندي يدل على هذا، ولم يفصح بفتح ولا كسر، هذا معنى كلام السيرافي (٤)، وهو موافق لما ذكرنا وحكينا.\nواختلفوا لم سميت تلك البقعة عرفات؟ (٥)\nفقال الضحاك: إن آدم ﵇ لما أُهْبِطَ، وقع بالهندِ، وحَوَّاء بِجُدَّة، فجعل آدم يطلب حواءَ، وهي تطلبه، فاجتمعا بعرفات يومَ عَرَفَة، وتَعَارَفا، فسمي اليوم عَرَفَة، والموضع عرفات (٦).\n_________\n(١) الظاهر عود الضمير على الزجاج في المواضع الثلاثة الآتية، ولم أجد هذا النقل في كتابه، إلا أن يكون في الكلام سقط، أو في \"معاني القرآن\" للزجاج نقص.\n(٢) \"المقتضب\" للمبرد ٣/ ٣٣١ - ٣٣٤.\n(٣) \"الكتاب\" لسيبويه ٣/ ٢٣٢ - ٢٣٣.\n(٤) السيرافي: الحسن بن عبد الله بن مرزبان السيرافي أبو سعيد، تقدمت ترجمته ٣/ ٣٢٨ [البقرة: ١٢٩].\n(٥) ذكر المفسرون أقوالًا كثيرة في سبب تسمية البقعة عرفات. ينظر: \"تفسير الطبري\" ٢/ ٢٨٦، \"النكت والعيون\" ١/ ٢٦١، \"التفسير الكبير\" ٥/ ١٨٨ - ١٩٠.\n(٦) ذكره الثعلبي ٢/ ٥٤٩، البغوي في \"تفسيره\" ١/ ٢٢٨، وابن الجوزي في \"زاد =","vol":"4","page":48},{"text":"وقال عطاء: إن جبريل ﵇ كان يُرِي إبراهيمَ المناسكَ، فيقول: عَرَفْتُ، ثم يريه فيقول: عرفتُ، فسميت عرفات (١).\nوقوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ أي: بالدُّعاء والتَّلْبية (٢) ﴿عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ وهو المزدلفة (٣)، وتسمى أيضًا جَمْعًا؛ لأنه يجمع فيها بين صَلاتَي العشاء (٤).\n_________\n= المسير\" ٢/ ١٧٤، وروى الطبري في \"تاريخ الأمم والملوك\" ١/ ١٢١ عن ابن عباس نحوه، وقال ابن كثير: وقد ذكر المفسرون الأماكن التي هبط فيها كل منهما، ويرجع حاصل تلك الأخبار إلى الإسرائيليات؛ والله أعلم بصحتها، ولو كان في تعيين تلك البقاع فائدة تعود على المكلفين في أمر دينهم أو دنياهم لذكرها الله تعالى أو رسوله.\n(١) رواه ابن أبي شيبة في \"المصنف\"، القسم الأول من الجزء الرابع ٢٩١، ورواه الفاكهي في \"أخبار مكة\" ٥/ ٩، والطبري ٢/ ٢٨٦، والثعلبي ٢/ ٥٥٤، وروى الإمام أحمد ١/ ٢٩٧، وغيره عن ابن عباس نحوه.\n(٢) \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٥٦٢.\n(٣) اختلف في المراد بالمشعر الحرام، فقيل: هو الجبل الذي بالمزدلفة، ويسمى جبل قزح، وهذا قول لبعض المفسرين، وهو الذي صححه الزمخشري. والأكثرون على أن المزدلفة كلها هي المشعر الحرام، قال الطبري ٢/ ٢٨٧: فأما المشعر، فإنه ما بين جبلي المزدلفة من مأزِمَي عرفة إلى محسر، وليس مأزما عرفة من المشعر، وبالذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل، ثم ذكر الرواية به عن ابن عمر وابن عباس وابن جبير ومجاهد وعطاء والسدي والربيع. ثم ذكر الطبري أنه يحتاج للحاج أن يجعل وقوفه لذكر الله من المشعر الحرام على قُزح وما حوله؛ لحديث: هذا الموقف، وكل مزدلفة موقف.\n(٤) \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٥٦٤، \"تفسير البغوي\" ١/ ٢٢٩، \"معاني القرآن\" للنحاس ١/ ١٣٨، وهذا قول، وقيل: لأن الناس يجتمعون بها، وذلك أن قريشا كما سيأتي لا يخرجون إلى عرفات، فيكون اجتماع الحجيج في المزدلفة. ينظر: \"معجم البلدان\" [مزدلفة]، \"اللسان\" ٤/ ٢٢٧٧، وذكر قولا آخر، وهو: أنها سميت بذلك لأن آدم وحواء لما هبطا اجتمعا بها.","vol":"4","page":49},{"text":"وتسمى مشعرًا من الشِّعَار، وهو العلامة؛ لأنه مَعْلَم الحج. والصلاةُ (١) والمقامُ والمبيتُ به والدعاءُ عنده من معالم الحج (٢). وقد ذكرنا هذا عند قوله: ﴿مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾. وقولُه تعالى: ﴿وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ﴾ موضَع الكاف نَصْب.\nالمعنى: واذكروه ذكرًا مثل هدايته إياكم، أي: يكون جزاءً لهدايته (٣)، ومعنى (اذكروه) بتوحيده والثناء عليه والشكر له (٤).\nقال سيبويه: يقال: ذَكَرْته ذِكرًا مثل: حَفِظْتُه حِفْظًا (٥). وقالوا: ذُكرًا كما قالوا: شُربًا (٦).\nوالذكر في كلام العرب على ضَرْبين: ذكر هو خلاف النسيان، وذكر هو قول (٧)، فمما هو خلاف النسيان قوله: ﴿وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾ [الكهف: ٦٣] والذكر الذي هو قولٌ يستعمل على ضربين: قول لا ثلبَ فيه للمذكور، كقوله: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٠٠] ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٠٣]، وهو كثير.\n_________\n(١) سقطت من (م).\n(٢) \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٥٦٢، وينظر: \"تفسير الطبري\" ٢/ ٢٨٧، ونقل الثعلبي، عن المفضل: سمي المشعر لأنه أُشْعِرَ المؤمنون أنه حرم كالبيت ومكة، أي: اعملوا.\n(٣) من \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٧٣.\n(٤) المصدر السابق.\n(٥) \"الكتاب\" لسيبويه، لم أعثر عليه فيه. ونقله عنه في \"اللسان\" ٣/ ١٥٠٧ \"ذكر\".\n(٦) ينظر: \"تهذيب اللغة\"، ونقل عن الفراء قوله: الذَّكر: ما ذكرته بلسانك وأظهرته. قال: والذُّكر بالقلب، يقال: ما زال مني على ذُكر، أي: لم أنسه.\n(٧) ينظر: \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٢٨٦ - ١٢٨٧، نقله عن الليث، \"لسان العرب\" ٣/ ١٥٠٨ \"ذكر\".","vol":"4","page":50},{"text":"والآخر: يراد به ثلب المذكور، كقوله: ﴿سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ﴾ [الأنبياء: ٦٠] (١). ومن ذلك قول الشاعر:\nيذكركم منا عدي بن حاتم ... لَعَمْري لقد جِئْتُم حبولًا وماثما (٢)\nويقال في مصدره أيضًا: ذِكرى (٣).\nوإنما أعاد الأمر بالذكر بعد قوله: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ مبالغة في الأمر، وزيادة في الحث. وأكثر ما يكون التكرير في الأمر والنهي، كقولهم للرجل: اِرْم اِرْم. على أنَّ هذا التكرير حَسُنَ هاهنا؛ لأن اللفظةَ الثانيةَ لم تلاصِقِ الأُوْلى، وأيضًا فإن الأمر الثاني موصول بما لم يَصِلْ به الأول، وكانت الإعادة لما تعلق به من قوله: ﴿كَمَا هَدَاكُمْ﴾ (٤).\n_________\n(١) نقل الأزهري في \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٢٨٧ \"ذكر\"، عن الفراء والزجاج بيان أن الذكر يكون مدحا ويكون عيبا، ونقل عن بعضهم أنه أن يكون الذكر عيبا. وينظر أيضا: \"تفسير الرازي\" ٥/ ١٩٣ - ١٩٤، ونقله بحروفه.\n(٢) البيت لم أهتد إلى قائله، ولا من ذكره.\n(٣) ينظر في مادة: (ذكر) \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٢٨٦ - ١٢٨٨، \"اللسان\" ٣/ ١٥٠٧ - ١٥٠٩ \"ذكر\"، \"المفردات\" ص ١٨٤ وقال: الذكر تارة يقال ويراد به هيئة للنفس، بها يمكن للإنسان أن يحفظ ما يقتنيه من المعرفة، وهو كالحفظ إلا أن الحفظ يقال اعتبارًا بإحرازه، والذكر يقال اعتبارًا باستحضاره، وتارة يقال لحضور الشيء القلب أو القول، ولذلك قيل: الذكر ذكران: ذكر بالقلب، وذكر باللسان، وكل واحد منهما ضربان: ذكر عن نسيان، وذكر لا عن نسيان، بل عن إدامة الحفظ، وكل قول يقال له ذكر. ثم ذكر الأمثلة على ذلك، ولخص كلامه السمين الحلبي في \"عمدة الحفاظ\" ٢/ ٤٢ - ٤٥.\n(٤) ينظر: \"التفسير الكبير\" ٥/ ١٩٢ - ١٩٣، وذكر وجوها أخر.","vol":"4","page":51},{"text":"وقال ابن الأنباري معنى قوله: ﴿وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ﴾ أي: اذكروه بتوحيده كما ذكَرَكُم بهدايته (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ﴾ أي: من قبل هداه، فالهاء كناية عن الهدى لدلالة هدى عليه (٢)، وتأويله: ما كنتم من قبل إلا ضالين، كقوله: ﴿وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [الشعراء: ١٨٦]، يعنى: ما نظنك إلا من الكاذبين (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-417>١٩٩ </span>- قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ ذكرنا معنى الإفاضة.\nو(حيثُ) حقُّها البناء؛ لأنها مُنِعَتْ الإضافةُ مع لزوم معنى الإضافة لها، ولمَّا لزمت معنى الإضافة إلى الجملة، صارت بمنزلة الأسماء الناقصة التي تحتاج إلى صِلَةٍ كالذي ونحوه، والاسم الناقص بمنزلة بعض الكلمة، وبعض الكلمة حرفٌ يستحق البناء، فأما بناؤها على الضم: فلأنها بمنزلة الغاية كقبلُ وبعدُ، من جهة أنها مُنِعت الإضافة، مع لزوم معنى الإضافة، ولو أُعربت لاستحقت النصب والجر فقط؛ لأنها ظرف، والظروف لا\n_________\n(١) المصدر السابق.\n(٢) واختاره الطبري ٢/ ٢٩١، وقيل: راجعة إلى الرسول - ﷺ -، كناية عن غير مذكور، وقيل: راجعة إلى القرآن، ينظر: \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٥٦٦، \"تفسير البغوي\" ١/ ٢٣٠، \"البحر المحيط\" ٢/ ٩٨.\n(٣) ينظر: \"تفسير الطبري\" ٢/ ٢٩١، \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٧٣، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٥٦٦، \"تفسير البغوي\" ١/ ٢٣٠، \"تفسير الرازي\" ٥/ ١٩٥، وحكى الطبري وجها مفاده: أن إنْ بمعنى قد، والمعنى: وقد كنتم من قبل ذلك من الضالين، وهذا مذهب الكسائي كما في \"البحر المحيط\" ٢/ ٩٨.","vol":"4","page":52},{"text":"تُعْرَبُ إلا بالجر والنصب (١)، فإذا أعربت بالرفع لم تكن ظَرفًا، فلما بنيت جعلت على حركة لا تكون لها في حال الإعراب، ويجوز فيها الفتح لأجل الياء، كما فتحت أين وكيفَ، ويجوز الكسر على أصل الحركة لالتقاء الساكنين (٢).\nقال عامة أهل التأويل: كانت الحُمْسُ (٣) لا يَخْرجون من الحرم إلى عرفات، إنما يقفون بالمزدلفة، ويقولون: نحن أهلُ الله، وقُطَّانُ حَرَمه، فلا نخرج من الحرم، ولسنا كسائر الناس، فأمرهم الله تعالى أن يقفوا بعرفات كما يقف سائرُ الناس، حتى تكون الإفاضة معهم منها، فالناس في هذه الآية: هم العربُ كلُّها غيرُ الحُمس، وإنما أتى الله تعالى بالجمع المبهم لانكشاف معناه عند المخاطبين، هذا قول جمهور المفسرين (٤).\n_________\n(١) في (م): بالنصب والجر.\n(٢) ينظر: \"الكتاب\" لسيبويه ٤/ ٢٣٣ حيث بين أنها ظرف للمكان، ٣/ ٢٨٦، ٢٩٩، \"مغني اللبيب\" ص ١٧٦ - ١٧٨ (ط. دار الفكر) \"لسان العرب\" ٢/ ١٠٦٤ - ١٠٦٥ \"حيث\".\n(٣) الحُمس: تقدم بيانه عند قوله: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا﴾ ٣/ ٦٢٧ [البقرة: ١٨٩].\n(٤) ذكر الرواية بذلك: الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٢٩١ - ٢٩٣ عن عائشة وابن عباس وعروة وعطاء ومجاهد وقتادة والسدي والربيع وابن أبي نجيح، وحديث عائشة رواه البخاري (٤٥٢٠) كتاب التفسير، باب: ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس، ومسلم (١٢١٩) كتاب الحج، باب: في الوقوف وقوله: ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس، كما رواه البخاري (١٦٦٤) كتاب الحج، باب: الوقوف بعرفة، ومسلم (الموضع السابق) (١٢٢٥) من حديث جبير بن مطعم.\nقال الطبري ٢/ ٢٩٣: والذي نراه صوابا من تأويل هذه الآية: أنه عُني بهذه الآية =","vol":"4","page":53},{"text":"وعلى هذا يبقى إشكال في النَّظْم؛ لأن الله تعالى ذَكَر الإفاضة من عرفاتٍ قبل هذا في قوله: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ﴾، وبينَّا أن في ذكر الإفاضة منها بيانَ وجوب الوقوف، فكيف يسوغ أن يقول: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ ثم أفيضوا من عرفات، ووجه هذا: أن في الكلام تقديمًا وتأخيرًا، تقديره: فمن فرض فيهن الحج فلا رَفَثَ ولا فسوق ولا جدال في الحج، ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس، فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله (١).\nوقال بعضهم: المراد بالإفاضة في هذه الآية: الدَّفْعُ من مزدلفةَ إلى مِنَى، وأراد بالناس: الحُمْس، فإنهم كانوا يفيضون من المزدلفة إلى منى ولا يفيضون من عرفات. والله تعالى ذكر أولًا الإفاضة من عرفات إلى المزدلفة، ثم أمر بالإِفَاضَة من المزدلفة إلى منى (٢).\nوالحكم في الوقوف بعرفة والإفاضتين، هو أن الغرض (٣) من الوقوف بعرفة الحصولُ فيها مجتازًا أو ماكثًا، مستيقظًا أو نائمًا، عالمًا أنه بعرفة أو جاهلًا. والكمال في الصبر إلى غروب الشمس.\nفإن أفاض قبل الغروب أراق دمًا، وما بين زوال الشمس من يوم\n_________\n= قريش، ومن كان متحمسا معها من سائر العرب، لإجماع الحجة من أهل التأويل على أن ذلك تأويله. وينظر: \"تفسير البغوي\" ١/ ٢٣٠، \"تفسير الرازي\" ٥/ ١٩٦.\n(١) \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٥٦٨، وينظر: \"تفسير الطبري\" ٢/ ٢٩٣، \"تفسير البغوي\" ١/ ٢٣٠، وذكر قولا آخر: أن ثم بمعنى الواو، أي: وأفيضوا، كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البلد: ١٧].\n(٢) ينظر: \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٥٦٨، \"تفسير البغوي\" ١/ ٢٣٠.\n(٣) في (ش): الفرض.","vol":"4","page":54},{"text":"عرفة إلى طلوع الفجر الصادق من يوم النحر وَقْتُ إدراك الحج، فمن أدرك عرفة في هذا الوقت تم حجه.\nفإذا أفاضوا من عرفة إلى المزدلفة باتوا بها، ومن ترك المبيت بها فعليه دم (١)، ويجمعون هناك بين صلاتي العشاء، ولهذا يسمي: جمعًا (٢)، ويسمى أيضًا: قُزَح والمشعر (٣). فإذا أصبحوا بها غَلّسوا بالصبح.\nثم وقفوا عند المشعر الحرام وهو آخر حد مزدلفة. والمزدلفة من الحرم كلها، ثم لا يزالون يدعون ويذكرون الله تعالى حتى يقاربوا (٤) طلوع الشمس، ثم يروحون من مزدلفة قبل الطلوع خلافَ العادةِ في الجاهلية (٥)، فإنهم كانوا يصبرون إلى الطلوع، ويقولون: أَشْرِقْ ثَبِيْر (٦) كيما نُغِير (٧)،\n_________\n(١) ينظر: \"الأم\" ٢/ ٢٣٣، \"أحكام القرآن\" للجصاص ١/ ٣١٣، \"المجموع\" ٨/ ١٣٤، \"المغني\" ٥/ ٢٨٤.\n(٢) ينظر المراجع السابقة.\n(٣) ينظر: \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٥٦٤.\n(٤) في (ش): يفارقوا.\n(٥) ينظر: \"الأم\" ٢/ ٢٣٣، \"أحكام القرآن\" للجصاص ١/ ٣١٣، \"المجموع\" ٨/ ١٣٤، \"المغني\" ٥/ ٢٨٤، \"صحيح البخاري\" (١٦٨٤) كتاب الحج، باب: متى يدفع من جمع، \"سنن أبي داود\" (١٩٣٨) والترمذي كتاب الحج، باب: الإفاضة من جمع قبل طلوع الشمس ٣/ ٢٤٢ (٩٨٦)، والنسائي كتاب الحج، باب: الصلاة بجمع ٥/ ٢٦٥.\n(٦) هو ثبير غيناء، ويسمى أيضا: ثبير الأثبرة، أي: كبيرها، وتسميه عامة أهل مكة اليوم: جبل الرخم، وهو المقابل لجبل النور (حراء) من الجنوب والمشرف على منى من الشمال. \"معجم البلدان\" ٢/ ٧٣، \"معالم مكة\" للبلادي ص ٥٥.\n(٧) رواه البخاري (١٦٨٤) كتاب الحج، باب: متى يدفع من جمع، عن عمر بن الخطاب -﵁ -.","vol":"4","page":55},{"text":"ومعناه: أشرق يا ثبير بالشمس كيما نَدْفَعَ من مزدلفَةَ، فندخل في غَورِ الأرض، وهو المنخفض منها، وذلك أنهم إذا جاوزوا المزدلفة صاروا في هبوط من الأرض، وهناك بطن وادي محسر، والوادي فاصل بين حد مزدلفة وحد منى (١).\nوذهب الزُّهري (٢) إلى أن (الناس) في هذه الآية: آدم -﵇- واحتج بقراءة سعيد بن جبير: (ثم أفيضوا من حيث أفاض الناسي (٣». وقال: هو آدم، نسي ما عُهد إليه.\nوروي أنه قرأ (الناسِ) فاكتُفي (٤) من الياء بالكسرة (٥).\n_________\n(١) المحَسِّر: واد ليس من منى ولا المزدلفة، بل هو واد برأسه، وهو واد صغير يأتي من الجهة الشرقية لثبير الأعظم من طرف ثقبة، ويذهب إلى وادي عرَنة، فإذا مر بين منى ومزدلفة، كان الحد بينهما، والمعروف منه للعامة ما يمر فيه الحاج بين مزدلفة ومنى، وله علامات هناك منصوبة. \"معجم البلدان\" ٥/ ٦٢، \"معالم مكة\" ص ٢٤٨.\n(٢) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ٥٧٠، البغوي في \"تفسيره\" ١/ ٢٣١، \"زاد المسير\" ١/ ٢١٤، \"تفسير الرازي\" ٥/ ١٩٧.\n(٣) في (ش): الناس.\n(٤) في (ش) و(أ): اكتفى.\n(٥) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ٥٧٠، البغوي في \"تفسيره\" ١/ ٢٣١، وابن جني في \"المحتسب\" ١/ ١١٩، وابن خالويه في \"مختصر شواذ القراءات\" ص ٢٠، وابن عطية في \"المحرر الوجيز\" ٢/ ١٧٧، وقال: وقرأ سعيد بن جبير: الناسي، وتأوله: آدم ﵇، ويجوز عند بعضهم: تخفيف الياء فيقول الناس كالقاض والهاد، قال ابن عطية: أما جوازه في العربية فذكره سيبويه، وأما جوازه مقروءًا به فلا أحفظه. وبها قرأ أبو المتوكل، وأبو نهيك، ومورق العجلي: الناسي، بإثبات الياء، ينظر: \"زاد المسير\" ١/ ٢١٤.","vol":"4","page":56},{"text":"وقال الضحاك: الناسُ هاهنا: إبراهيم ﵇ (١)، وهذا كقوله: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ اَلنَّاسُ﴾ يعني: نعيم بن مسعود (٢) ﴿إِنَّ اَلنَّاسَ﴾ [آل عمران: ١٧٣] يعني: أبا سفيان، وإنما يقال هذا للذي يُقْتَدى به ويكون لسان قومه (٣).\nقال ابن الأنباري: وإيقاع الجمع على الواحد جائز، كما تقول العرب: خرج زيدٌ إلى البصرة في السفن، وإلى الكوفة على البغال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-418>٢٠٠ </span>- قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ﴾ ذكرنا معاني القضاء عند قوله: ﴿وَإِذَا قَضَى أَمْرًا﴾ [البقرة: ١١٧]، وأراد هاهنا: أدَيْتُم، لأنه يقال: قضى ما عليه، إذا أداه. كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةَ﴾ [الجمعة: ١٠] يعني: الجمعة، ولا يُتَصَوَّرُ فيها قَضَاءٌ دون الأداء، وأصلُ هَذَا يؤول إلى إحكامه بالفراغ منه (٤).\n_________\n(١) رواه عنه الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٢٩٣، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٢/ ٣٥٤، وينظر: \"النكت والعيون\" ١/ ٢٦١، \"زاد المسير\" ١/ ٢١٤، وبين الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٢٩٣: أنه لولا إجماع الحجة لكان الأولى بتأويل الآية قول الضحاك؛ لأن الإفاضة من عرفات قبل الإفاضة من مزدلفة، وقبل وجوب الذكر عند المشعر الحرام، وقد تقدم الأمر بها، فالأمر هنا إنما هو بالإفاضة من الموضع الذي لم يفيضوا منه دون ما أفاضوا منه.\n(٢) هو: أبو سلمة، نعيم بن مسعود بن عامر الأشجعي، صحابي مشهور، هاجر إلى الرسول - ﷺ - يوم الخندق، وهو الذي خذَّل المشركين واليهود حتى صرفهم الله، سكن المدينة، قُتِلَ في وقعة الجمل في أول خلافة علي، وقيل في خلافة عثمان. ينظر: \"الإصابة\" ٣/ ٥٦٨، \"أسد الغابة\" ٥/ ٣٤٨.\n(٣) ينظر: \"تفسير الطبري\" ٢/ ٢٩٤، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٥٦٩، \"تفسير البغوي\" ١/ ٢٣٠ - ٢٣١، \"التفسير الكبير\" ٥/ ١٩٦.\n(٤) ينظر: \"تفسير الطبري\" ٢/ ١٩٥، \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٩٨٥ - ٢٩٨٧ \"قضى\"، \"المفردات\" ص ٤٠٦ - ٤٠٨، وقال الرازي في \"تفسيره\" ٥/ ١٩٩: اعلم أن القضاء =","vol":"4","page":57},{"text":"والمناسك: جمع مَنْسَك الذي هو مصدر، بمنزلة النُّسُك، أي: إذا قضيتم عبادتكم التي أُمِرْتُم بها في الحج (١)، وإنْ جَعَلْتَها جَمْعَ مَنْسَك الذي هو موضع العبادة، كان التقدير: فإذا قضيتم أعمالَ مناسِكَكُم، فيكون من باب حذف المضاف (٢).\nوقوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ﴾ قال أكثرُ أهل التفسير: كانت العربُ إذا فَرَغوا من حَجِّهم ذكروا مآثرَ آبائِهم ومفاخِرَهم، فأمرهم الله ﷿ بذكره، فقال: فاذكروني فأنا الذي فعلت ذلك بكم وبآبائكم، وأحسنت إليكم وإليهم (٣).\n_________\n= إذا علق بفعل النفس فالمراد به: الإتمام والفراغ، وإذا علق على فعل الغير، فالمراد به الإلزام، نظير الأول: قوله: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾، ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ﴾، ونظير الثاني: قوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ﴾، وإذا استعمل في الإعلام فالمراد أيضا ذلك، كقوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ﴾، يعني: أعلمناهم، إذا ثبت هذا فنقول: قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ﴾، لا يحتمل إلا الفراغ من جميعه. اهـ. بتصرف.\n(١) ينظر: \"المحرر الوجيز\" ٢/ ١٧٨، \"التفسير الكبير\" ٥/ ١٩٩، \"زاد المسير\" ١/ ٢١٥، وذكر أن القائلين بأن المناسك هي المتعبدات قد اختلفوا في المراد بها هاهنا على قولين: أحدهما: أنها جميع أفعال الحج، قاله الحسن. والثاني: أنها إراقة الدماء، قاله مجاهد. وينظر: \"البحر المحيط\" ٢/ ١٠٣.\n(٢) ينظر: \"التفسير الكبير\" ٥/ ١٩٩، \"البحر المحيط\" ٢/ ١٠٣، \"المحرر الوجيز\" ٢/ ١٧٨ وقال: والمناسك عندي العبادات في معالم الحج، ومواضع النسك فيه.\n(٣) نقله عن الثعلبي مختصرا \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٥٨٣، وقد جمعه الثعلبي من روايات عدة عن الصحابة والتابعين، وذكر الطبري ٢/ ٢٩٦ - ٢٩٧، الرواية بذلك عن أنس ومجاهد وأبي وائل وأبي بكر بن عياش وقتادة وسعيد بن جبير وعكرمة، وينظر: \"تفسير عبد الرزاق\" ١/ ٧٩، \"أخبار مكة\" للفاكهي ٤/ ١٤٧، \"تفسير ابن أبي حاتم\" ١/ ٣٥٥، \"الدعاء\" للطبراني ٢/ ١٢٠٨، \"العجاب\" ١/ ٥١١.","vol":"4","page":58},{"text":"قال أبو إسحاق: كانت العرب إذا قضت مناسكها وقَفَتْ بين المسجد بمنى وبين الجبل، فَتُعَدِّدُ فَضَائل آبائها، وتذكر محاسِنَ أيامهم، فأمر الله تعالى أن يجعلوا ذلك الذكرَ له، وأن يزيدوا على ذلك الذكر، فيذكروه بتوحيده، وتعديد نِعَمه؛ لأنه إن كانت لآبائهم نِعَمٌ فهي من الله ﷿، وهو المشكور عليها (١)، وهذا قول ابن عباس في رواية عطاء (٢).\nوقال في بعض الروايات (٣): وهو قول الربيع (٤) والضحاك (٥): أرادَ: فاذكروا الله كذكركم آباءكم وأمهاتكم، فاكتُفي بالآباء من الأمهات، كقوله: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: ٨١]، قالوا: وهو قول الصبي الصغير أول ما يُفْصحُ الكَلام: أَبَهْ أَبَهْ، أمَّهْ أمَّهْ، أي: الهجوا بذكر ربكم في جميع أحوالكم، كما يلزمُ الصبيُّ (٦) في صِغَرِه ذكرَ أبيهِ وأُمِّه (٧).\nوقال ابن الأنباري في هذه الآية: إن العربَ كان أكثر أقسامها في الجاهلية بالآباء، كقولهم: وأبي وأبيك وأبيكم وجدكم. فقال الله تعالى:\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٧٤.\n(٢) رواه عن عطاء: الفاكهي في \"أخبار مكة\" ٤/ ١٤٨، والطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٢٩٧، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٢/ ٣٥٦، والبيهقي في \"شعب الإيمان\" ١/ ٤٥١، وذكره الرازي في \"تفسيره\" ٥/ ١٩٨.\n(٣) رواه عنه الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٢٩٧ من طريق عطية العوفي عنه، وذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ٥٨٣.\n(٤) رواه الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٢٩٧، وذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ٥٨٤، والرازي في \"تفسيره\" ٣/ ٢٠٠.\n(٥) انظر السابق.\n(٦) من قوله: (الصغير ...) ساقط من (أ) (م).\n(٧) ينظر: \"تفسير الثعلبى\" ٢/ ٥٨٤.","vol":"4","page":59},{"text":"عَظِّموا الله تعالى كتعظيمِ آبائكم (١).\nوقوله تعالى: ﴿أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ يعني: وأشدّ (٢)، والعامل فيه: الكاف في قوله (٣): ﴿كَذِكْرِكُمْ﴾، وموضعه جر، وإن شئت جعلت العامل فيه: الفعل في (اذكروا)، فتكون نصبًا (٤).\nوهذا الذكر المأمور به هو التكبير أيام منى، وقيل: إنه الدعاء لله ﷿ في تلك المواطن (٥).\nوقوله تعالى: ﴿فَمِنَ النَّاسِ ..﴾ إلى آخر الآية قال ابن عباس: هم المشركون، كانوا يسألون المال والإبل والغنم، وكانوا يقولون: اللهم اسْقِنا المَطَر، وأَعْطِنا على عَدُوِّنا الظَّفَر، ويسألون التوسعة عليهم في\n_________\n(١) نقله الرازي في \"تفسيره\" ٥/ ٢٠٠ - ٢٠١، وينظر: \"زاد المسير\" ١/ ٢١٥، وقال: وهذا مروي عن الحسن أيضًا، \"البحر المحيط\" ٢/ ١٠٣.\n(٢) \"التبيان\" ١/ ١٦٤، قال في \"البحر المحيط\" ٢/ ١٠٣: و(أو) هنا قيل: للتخيير، وقيل للإباحة، وقيل: بمعنى: بل أشد.\n(٣) في (م): (كقوله).\n(٤) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٧٤، \"مشكل إعراب القرآن\" لمكي ١/ ١٢٤، \"التبيان\" ص ١٢٥ - ١٢٦، وقد اعترض أبو حيان في \"البحر\" ٢/ ١٠٣ على إعرابه بذلك، وبين سبب الاعتراض، وأطال في ذكر الأعاريب الضعيفة، ثم قال: والذي يتبادر إلى الذهن في الآية أنهم أمروا بأن يذكروا الله ذكرًا يماثل ذكر آبائهم أو أشد، وقد ساغ لنا حمل الآية على هذا المعنى بتوجيه واضح ذهلوا عنه، وهو أن يكون أشد منصوبا على الحال، وهو نعت لقوله (ذكرًا) لو تأخر، فلما تقدم انتصب على الحال، ويكون إذ ذاك: أو ذكرا أشد، معطوفا على محل الكاف من (كذكركم)، ثم ذكر وجهًا آخر.\n(٥) والأول: اختيار الطبري ٢/ ٢٩٨، وينظر: \"التفسير الكبير\" ٥/ ٢٠٠، \"البحر المحيط\" ٢/ ١٠٣.","vol":"4","page":60},{"text":"الدنيا، ولا يسألون حظًا في الآخرة لأنهم كانوا غير مؤمنين بالآخرة (١).\nوحذف مفعول ﴿آتِنَا﴾ من الكلام، وهو المسؤول من الدنيا؛ للعلم (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-419>٢٠١ </span>- قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ الآية.\nهؤلاء المسلمون يسألون الحظ في الدنيا والآخرة. قال ابن عباس في رواية عطاء: أمّر رسول الله - ﷺ - أبا بكر ﵁ (٣) عام الفتح على الموسم، ثم بعث عليًا ﵁ بسورة التوبة، وصلى أبو بكر بالناس في الموسم، وعَرَّفَهُم مناسكهم.\nولما (٤) قَضَوْا حَجَّهم ومناسكهم ذكروا الله أشد من ذكرهم آباءهم، فكان أول من قال: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ أبو بكر، ثم اتبعه علي والناس أجمعون (٥).\nقال ابن عباس: ﴿فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ يريد: العملَ بما يُرضِي الله، وأكلَ الحلال، والزوجةَ الصالحة، ﴿وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً﴾ يريد: الجنةَ\n_________\n(١) رواه عنه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\"١/ ٣٥٧، وهو مروي عن أنس ومجاهد وقتادة والسدي وأبي وائل وأبي بكر بن عياش، وابن زيد ومقاتل بن حيان. ينظر: \"تفسير الطبري\" ٢/ ٢٩٨ - ٢٩٩.\n(٢) \"التفسير الكبير\" ٥/ ٢٠٣، \"البحر المحيط\" ٢/ ١٠٤ - ١٠٥، وقال: حذف مفعولي آتى، وأحدهما جائز اختصارا واقتصارا، لأن هذا من باب: أعطى، وذلك جائز فيه.\n(٣) قوله: (أبا بكر -﵁-) سقطت من (م).\n(٤) في (م): (فلما).\n(٥) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٣٠٧، وأبو حيان في \"البحر\" ٢/ ١٠٥.","vol":"4","page":61},{"text":"والحور العين، والنعيم المقيم (١).\nوروى مجاهد، عن ابن عباس قال: عند الركن اليماني مَلَكٌ قائم منذ خلق الله السموات والأرض يقول: آمين، فقولوا: ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار (٢).\nولفظ الحسنة في الآية منكّرة مبهمة محتملة لكل حسنة من الحسناتِ على البدل، وأَتَمُّها ما قال ابن عباس (٣).\n_________\n(١) هذه من رواية عطاء التي تقدم الحديث عنها في المقدمة.\n(٢) رواه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" ١٠/ ٣٦٨، والفاكهي في \"أخبار مكة\" ١/ ١١٠، والآجري في \"مسألة الطائفين\" ٣٣، وابن شاهين في \"الترغيب في فضائل الأعمال\" ٣٠١، والبيهقي في \"شعب الإيمان\" ٣/ ٤٥٣ كلهم من طريق عبد الله بن مسلم بن هرمز عن مجاهد به، وهذا إسناد ضعيف؛ لضعف عبد الله بن مسلم. ينظر: \"التقريب\" ص ٣٢٢ (٣٦١٦)، وضعفه الدكتور/ المنيع في تحقيقه لـ\"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٦٠٠، ورواه الأزرقي في \"أخبار مكة\" ١/ ٣٤١ بهذا السند موقوفا على مجاهد، وله شاهد من حديث أبي هريرة، رواه ابن ماجه (٢٩٥٧) كتاب: المناسك، باب: فضل الطواف، عن حميد بن أبي سوية، قال: سمعت ابن هشام يسأل عطاء بن أبي رباح عن الركن اليماني، وهو يطوف بالبيت، فقال عطاء: حدثني أبو هريرة أن النبي - ﷺ - قال: وُكِّل به سبعون ملكًا، فمن قال: اللهم إني أسألك العفو والعافية في الدنيا والآخرة، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار، قالوا: آمين، الحديث، قال البوصيري في \"مصباح الزجاجة\" ٢/ ١٣٥: إسناده ضعيف، حميد قال فيه ابن عدي: أحاديثه غير محفوظة، وقال الذهبي: مجهول، وضعفه الألباني في \"ضعيف سنن ابن ماجه\" (٦٤٠).\n(٣) والمروي عن السلف كله مقارب لهذا في المعنى، تنظر المرويات في ذلك عند الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٣٠٠ - ٣٠١، واختار الطبري أن المراد بالحسنة عام، فيشمل كل ما قيل فيها، وأما حسنة الآخرة فالجنة، لأن الله لم يخص شيئا من=","vol":"4","page":62},{"text":"قال أهل المعاني: والفائدة في الإخبار عنهم بهذا الدعاء: الاقتداء بهم فيه، وذلك أنه لما حذر من الدعاء الأول رغب في الثاني. والإيتاء منقول من الأتي الذي هو المجيء (١)، يقال: أَتَى، إذا كان منه المجيء، وأتى إذا حَمَلَ غيرَه (٢) على المجيء. يقال: آتاه ما يحب، وأتاه غير ما يحب، إذا جعله يأتيه ذلك الشيء، ثم يفسر الإيتاء بالإعطاء، وأصله ما ذكرنا (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-420>٢٠٢ </span>- قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا﴾ قال ابن عباس: يريد: ثوابَ ما عملوا (٤).\nوقال أبو إسحاق: أي: دعاؤهم مستجاب؛ لأن كَسْبَهُم هاهنا الذي ذكر: الدعاء (٥).\nوقيل: معناه: لهم نصيب من كسبهم باستحقاقهم الثواب عليه، خلاف من بطل عمله فلم يكن (٦) له منه حظ (٧).\n_________\n= معاني الحسنة ولا نصب على خصوصه دلالة فوجب إبقاؤه على عمومه، وحكى ابن عطية في \"المحرر الوجيز\" ٢/ ١٨٠ أن حسنة الآخرة الجنة بإجماع، وقال القرطبي في \"تفسيره\" ٢/ ٤٠٨: والذي عليه أكثر أهل العلم أن المراد بالحسنتين: نعم الدنيا والآخرة، وهذا هو الصحيح، فإن اللفظ يقتضي هذا كله.\n(١) في (م): (من المجيء).\n(٢) في (أ) (م): (غير).\n(٣) ينظر: \"تهذيب اللغة\"، \"المفردات\" ١٨، \"لسان العرب\" ١/ ٢١ - ٢٤ \"أتى\".\n(٤) لعله من رواية عطاء التي تقدم الحديث عنها في القسم الدراسي.\n(٥) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٧٥.\n(٦) في (م) (ينزل).\n(٧) ينظر: \"تفسير الطبري\" ٢/ ٣٠٢، ورواه عن قتادة وابن زيد، ينظر: \"تفسير الثعلبي\" =","vol":"4","page":63},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَاللهُ سَرِيعُ الحِسَابِ﴾ سريع فاعل من السُّرْعَة. قال ابن السِّكِّيْت: يقال: سَرَع يَسْرُع سَرَعًا وسُرْعة فهو سريع (١).\nوالحساب: مصدر كالمحاسبة، وربما سمي المَحْسُوبُ حِسَابًا، ومعنى الحساب في اللغة: العد، يقال: حَسَب يَحْسُبُ حِسَابًا وحِسَابةً وحِسْبَةً وحَسْبًا؛ إذا عَدّ، ذكره الليث وابن السكيت، وأنشد قول النابغة:\nوأَسْرَعَتْ حِسْبَةً في ذلك العَدَد (٢)\nوقول آخر:\nيا جُمْلُ أسْقَاكِ بلا حِسَابَهْ (٣)\n_________\n= ٢/ ٦٠١، \"التفسير الكبير\" ٥/ ٢٠٥، وكلا القولين اللذين ذكرهما (المصنف) على اعتبار أن أولئك عائدة للصنف الثاني، وهم المؤمنون، وهذا اختيار الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٣٠١، ودليله: أنه قال في حق الصنف الأول: ﴿وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾، فذكر جزائهم، ثم ذكر الصنف الثاني، وهذا جزاؤهم. ينظر: \"التفسير الكبير\" ٥/ ٢٠٥،\"الدر المصون\" ٢/ ٣٤٣، وقيل: إن أولئك تعود إلى الفريقين مثل قوله: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾ [الأحقاف: ١٩].\n(١) نقله في \"تهذيب اللغة\" ٢/ ٨٩، \"تفسير القرطبي\" ٢/ ٤١٠، ونقله عن الواحدي بغير عزو: الرازي في \"تفسيره\" ٥/ ٢٠٦.\n(٢) صدره: فَكَمَّلَتْ مائةً فيها حمامَتُها\n\"ديوان النابغة\" ص ٢٥، \"لسان العرب\" ٢/ ٨٦٥ (حسب).\n(٣) ورد الرجز هكذا:\nيا جمل أُسْقِيْتَ بلا حسابه * سُقْيَا مَلِيكِ حَسَنِ الرِّبَابَه * قتلتني بالدل والخلابة\nوالرجز لمنظور بن مَرْثَد الأسدي، في \"لسان العرب\" ٢/ ٨٦٥ (حسب)، وقال: وأورد الجوهري الرجز: يا جُمْل أسقاكِ، وصواب إنشاده: يا جُمْل أُسْقِيت، و\"التنبيه والإيضاح\" ١/ ٦٢، \"تاج العروس\" ١/ ٤١٩. \"المعجم المفصل\" ٩/ ٥١. والرِّبابة: القيام على الشيء بإصلاحه وتربيته، والخِلابة: أن تخلب الأمة قلب الرجل بألطف القول وأعذبه.","vol":"4","page":64},{"text":"والحَسَبُ: ما عُدَّ، ومنه: حَسَب الرجل: وهو ما يُعَدُّ من مآثره ومَفَاخره، والاحتساب: الاعتدادُ بالشيء (١).\nوقال الزجاج: الحساب في اللغة: مأخوذ من قولهم: حَسْبُك كذا، أي: كفاك، فسمى الحساب في المعاملات حسابًا؛ لأنه يعلم به ما فيه كفاية، وليس فيه زيادة على المقدار ولا نقصان (٢).\nوأما التفسير، فإن (٣) ابن عباس حَمَلَ الحساب، هاهنا، على حساب المذكورين في هذه الآية، فقال: يريد: أنه (٤) لا حساب عليهم، إنما يقفون بين يدي الله يُعْطَوْن كتبهم بأيمانهم، فيها سيئاتهم، فيقال لهم: هذه سيئاتكم قد تجاوزتها عنكم، ثم يعطون حسناتهم فيقال لهم: هذه حَسَنَاتُكُم قد ضَعَّفْتُها لكم (٥).\nوقال أبو إسحاق: معناه: أنه قد علم ما للمحاسَب وعليه قبل توقيفه على حسابه، فهو سريع الحساب؛ لأن الفائدة في الحساب علم حقيقته (٦).\nفعلى ما ذكره أبو إسحاق تأويله: أنه عالم بما للمحاسبين وعليهم.\nوقال ابن الأنباري: معناه: سريع المجازاة للعباد على أعمالهم، وإن\n_________\n(١) ينظر في مادة حسب \"تهذيب اللغة\" ٢/ ٨٠٩ - ٨١٢، \"المفردات\" ص ١٢٣ - ١٢٥، \"اللسان\" ١/ ٨٦٣ - ٨٦٨.\n(٢) نقله عنه في \"تهذيب اللغة\" ٢/ ٨١٠ \"حسب\".\n(٣) في (م): قال.\n(٤) في (م): إنه يريد.\n(٥) ذكره في \"غرائب النيسابوري\" ٢/ ٢٨٠ - ٢٨١، \"الوسيط\" ١/ ٣٠٨، \"التفسير الكبير\" ٥/ ٢٠٦.\n(٦) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٧٥.","vol":"4","page":65},{"text":"كان قد أمهلهم مدة من الدهر، فإن وقت الجزاء عنده قريب (١)، يدل عليه قوله: ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [النحل: ٧٧]، فسَمَّى المجازاةَ حسابًا؛ لأن ما يجازى به العبد هو كِفَاء لفعله، أو لأنه يجازى عند الحساب، وإنما يحاسب ليجازى، فذكر الحساب وهو يريد الجزاء.\nوقيل: تأويل الآية: أنه سريع القبول لدعاء عباده، والإجابة لهم، وذلك أنه تعالى يُسأل في وقت واحد سؤالاتٍ مختلفة، من أمر الدنيا والآخرة، فيجزي كلَّ عَبْدٍ على قدر استحقاقه، فلو كان الأمر مع واحد من المخلوقين لطال العَدُّ واتصل الحساب، فأعلم الله تعالى أنه (٢) سريعُ الحساب، أي: الإحاطة والعلم بجملة سؤال السائلين؛ لأنه لا يحتاج إلى عَقْدِ يَدٍ، ولا وَعْي صَدْرٍ، ولا رؤيةٍ وفكرٍ، ثم تأويله يعود إلى سرعة القبول والإجابة ما لم يعرف مسألةَ كلِّ أحدٍ على التفصيل ليمكنه الإجابة (٣) إلى ما سأل، وهذا معنى الدعاء المأثور: يا من لا يشغله سَمْعٌ عن سَمْع (٤).\nومع ما ذكرنا من هذه التأويلات (٥) قد ورد في الخبر: \"أن الله ﷿\n_________\n(١) \"الزاهر\" لابن الأنباري ١/ ٩٧ - ٩٨، وينظر: \"الوسيط\" للواحدي ١/ ٣٠٨، \"البحر المحيط\" ٢/ ١٠٦.\n(٢) في (ش) (لأنه).\n(٣) لسِت في (أ) ولا (م).\n(٤) لم أجده.\n(٥) ينظر في الأقوال السابقة: \"تفسير الطبري\" ٢/ ٣٠٢، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٦٠٩، \"تفسير السمعاني\" ٢/ ٢٤٣، \"تفسير البغوي\" ١/ ٢٣٣، \"المحرر الوجيز\" ٢/ ١٨١، \"زاد المسير\" ١/ ٢١٦، \"تفسير الرازي\" ٥/ ٢٠٧، \"البحر المحيط\" ٢/ ١٠٦، \"تفسير القرطبي\" ٢/ ٤١٢، وقال: الكل محتمل، فيأخذ العبد لنفسه في تخفيف =","vol":"4","page":66},{"text":"يحاسب في قَدْر حَلْبِ شَاةِ\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-421>٢٠٣ </span>- قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ الأصحُّ أن هذه الأيام يرادُ بها: أيامُ التشريق (٢) وأيامُ رَمْي الجمار (٣)، سماها معدودات (٤) لِقِلَّتِهَا (٥)، كقوله: ﴿دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾ [يوسف: ٢٠]. وجَمْعُها\n_________\n= الحساب عنه بالأعمال الصالحة، وإنما يخف في الحساب في الآخرة على من حاسب نفسه في الدنيا.\n(١) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ٦٠٩، وذكره الزيلعي في \"آثار الكشاف\" ١/ ١٢٨، والحافظ ابن حجر في \"تخريج أحاديث الكشاف\" ١/ ٢٤٩، وسكتا عليه، وقال المناوي في \"الفتح السماوي\" ١/ ٢٤٨: قال الولي العراقي: لم أقف عليه، وقال غيره: أخرجه ابن أبي حاتم عن ابن عباس.\n(٢) سميت أيام التشريق بذلك؛ لأن الناس كانوا يشرقون اللحم تلك الأيام، وتشريق اللحم هو تقديده وبسطه في الشمس ليجف، وقيل: لأن الهدي والضحايا لا تنحر حتى تشرق الشمس، أي: تطلع. ينظر: \"النهاية\" لابن الأثير ص ٤٧٥.\n(٣) قد حكى جماعة كثيرة من العلماء الإجماع على أن المراد بالأيام المعدودات هي أيام منى، منهم: الماوردي في: \"النكت والعيون\" ١/ ٢٦٣، وابن عبد البر، نقله عنه القرطبي في \"تفسيره\" ٣/ ١، والجصاص في \"أحكام القرآن\" ١/ ٣٩٤، والكيا الهراسي في \"أحكام القرآن\" ١/ ١٧٨، والرازي في \"تفسيره\" ٥/ ٢٠٨، والقرطبي في \"تفسيره\" ٣/ ١. وقال النووي في \"المجموع\" ٨/ ٢٨١: نقل القاضي أبو الطيب والعبدري وخلائق: إجماع العلماء على أن المعدودات هي أيام التشريق. وذكر الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٣٠٢ - ٣٠٣ هذا القول عن مفسري السلف، وقال: وبمثل الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل، ثم أسند التفسير به عن ابن عباس وعطاء ومجاهد وإبراهيم والحسن وقتادة والسدي والربيع ومالك والضحاك وابن زيد. ينظر: \"الإجماع في التفسير\" ٢١٦ وما بعدها.\n(٤) زيادة من (ي).\n(٥) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٧٥.","vol":"4","page":67},{"text":"على الألف والتاء يدل أيضًا على القلة، نحو: دُرَيْهِمَات وحمامات (١).\nوروي أن حسان بن ثابت عرضَ شعره وهو صبي بعكاظ على النابغة وأنشده قوله:\nلنا الجَفنَاتُ الغُرُّ يَلْمَعْن بالضُّحَى ... وأسْيَافُنَا يَقْطُرْنَ مِنْ نَجْدَةٍ دمَا (٢)\nفقال: يا غلام! قَلَّلْتَ جِفَانك، يريد: أنه جَمَعَ بالألف والتاء، ولم يَقُلْ الجِفَان. قال الزجاج: وهذا الخبر عندي مصنوع؛ لأن الألف والتاء قد تأتي للكَثْرة قال الله ﷿: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥]. وقال: ﴿فِي جَنَّاتٍ﴾ [يونس: ٩]. وقال: ﴿الْغُرُفَاتِ﴾ [سبأ: ٣٧]، فقد يرد هذا الجمع في الكثير، ولكنه أدلُّ على القليل، من حيث كانَ أقرب إلى الواحد؛ لأنه على التثنية، تقول: حمام وحمامان وحمامات، فتؤدي بناءَ الواحد (٣).\nوالمراد بالذكر في هذه الأيام: التكبير أدبار الصلوات وعند الجمرات، يكبر مع كل حصاة (٤).\nوأكثر العلماء على ما ذكرنا وهو أن الأيام المعدودات: أيام\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٧٥، قال القرطبي في \"تفسيره\" ٣/ ١: قال الكوفيون: الألف والتاء في (معدودات)؛ لأقل العدد، وقال البصريون: هما للقليل والكثير.\n(٢) البيت في \"ديوانه\" ص ٢٢١. \"المقتضب\" ٢: ١٨٨ \"الكتاب\" لسيبويه ٣/ ٥٧٨ \"الخصائص\" ٢/ ٢٠٦، \"المحتسب\" ١/ ١٨٧، والغُر: البيض، جمع غرّاء، يريد بياض الشحم، يقول: جفاننا معدة للضيفان ومساكين الحي بالغداة وأسيافنا تقطر بالدم، لنجدتنا وكثرة حروبنا.\n(٣) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٧٥ - ٢٧٦، وقد استشهد سيبويه في \"الكتاب\" ٣/ ٥٧٨ ببيت حسان على الجمع الكثير.\n(٤) ينظر: \"تفسير الطبري\" ٢/ ٣٠٢، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٦١٤، \"زاد المسير\" ١/ ٢١٧.","vol":"4","page":68},{"text":"التشريق، وهي ثلاثة أيام بعد النحر:\nأولها: يوم القَرّ، وهو اليوم الحادي عشر من ذي الحجة، يستقرُّ الناس فيه بمنى.\nوالثاني: يوم النَّفْر الأول؛ لأن بعض الناس ينفرون في هذا اليوم من منى.\nوالثالث: يوم الثالث عشر، وهو يوم النفر الثاني (١).\nوهذه الأيام الثلاثة مع يوم النحر كلها أيام النحر، وأيام رمي الجمار (٢). وهي الأيام الأربعة مع يوم عرفة أيام التكبير أدبار الصلوات، يبتدأ مع الصبح يوم عرفة، ويختم مع العصر يوم الثالث عشر، وهو مذهب\n_________\n(١) ينظر: \"تفسير الطبري\" ٢/ ٢٠٤، \"أحكام القرآن\" لابن العربي ١/ ١٤٠ - ١٤٢، وقال القرطبي ٣/ ١. أمر الله سبحانه عباده بذكره في الأيام المعدودات، وهي الثلاثة التي بعد يوم النحر، وليس يوم النحر منها، لإجماع الناس أنه لا ينفر أحد يوم النفر، وهو ثاني يوم النحر، ولو كان يوم النحر في المعدودات لساغ أن ينفر من شاء متعجلا يوم النفر؛ لأنه قد أخذ يومين من المعدودات.\n(٢) كونها أياما لرمي الجمار لا خلاف فيه، وكونها أياما للنحر وقع فيه الخلاف على أقوال: الأول: أن آخر أيام النحر اليوم الثاني من أيام التشريق، فتكون أيام النحر ثلاثة، يوم النحر ويومان بعده، وهذا قول عمر وعلي وابن عمر وابن عباس وأبي هريرة وأنس، وهو قول أبي حنيفة ومالك والثوري. والثاني: أن آخر أيام النحر هو آخر أيام التشريق، روي عن علي، وبه قال عطاء والحسن، وهو مذهب الشافعي. والثالث: أن النحر في يوم النحر فقط وهو قول ابن سيرين. والرابع: أن آخرها لأهل الأمصار يوم النحر، ولأهل منى اليوم الثاني من أيام التشريق، وبه قال سعيد بن جبير وجابر بن زيد. والخامس: أن آخرها هلال المحرم، وبه قال أبو سلمة بن عبد الرحمن وعطاء بن يِسار. ينظر: \"المغني\" لابن قدامة ١٣/ ٣٨٦.","vol":"4","page":69},{"text":"أمير المؤمنين علي (١)، ﵁، وهو أكمل المذاهب.\nوالأظهر من مذهب الشافعي ﵀ أنه يبتدئ التكبيرَ من صلاة الظُّهر يوم النحر إلى صلاة الفجر من آخر أيام التشريق، اقتداءً بالحاجّ، قال: لأنهم يقطعون التلبية ويأخذون في التكبير يوم النحر، من صلاة الظهر، والصبح آخر صلاة يصليها الحاج، والناس لهم تبع (٢).\nوقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ معناه: فمن تعجل في يومين من أيام التشريق فنفر في اليوم الثاني، فلا إثم عليه في تَعَجُّلِه، ومن تَأَخَّرَ عن النفر في اليوم الثاني من أيام التشريق إلى اليوم الثالث حتى\n_________\n(١) رواه عن علي: ابن أبي شيبة في \"المصنف\" ٢/ ١٦٥، وابن المنذر في \"الأوسط\" ٤/ ٣٠٠، والبيهقي في \"تفسيره\" ٣/ ٣١٤.\n(٢) ينظر: \"الأم\" ١/ ٢٧٥، \"معرفة السنن والآثار\" ٥/ ١٠٤، \"المجموع\" ٥/ ٣١، وقد وقع الخلاف في ابتداء التكبير عقب الصلوات المفروضات وانتهائه على ستة أقوال: الأول: ما ذكره المؤلف من مذهب علي، وبه قال عمر وعلي وابن عباس وابن مسعود والثوري وأبو ثور، والشافعي في بعض أقواله، وأبو يوسف ومحمد، وهو مذهب أحمد لمن كان محلا، أما إن كان محرما فيبتدئ بالظهر من يوم النحر. الثاني أنه من صلاة الفجر يوم عرفة إلى صلاة العصر من يوم النحر، قاله ابن مسعود وعلقمة والنخعي وأبو حنيفة. الثالث: من بعد صلاة الظهر يوم النحر إلى ما بعد العصر من آخر أيام التشريق، قاله ابن عمر وزيد بن ثابت وابن عباس وعطاء. والرابع: أنه يكبر من صلاة الظهر يوم النحر إلى ما بعد صلاة الظهر من يوم النفر، وهو الثاني من أيام التشريق، قاله الحسن. والخامس: أنه يكبر من الظهر يوم النحر إلى صلاة الصبح من آخر أيام التشريق، قاله مالك وهو أحد قولي الشافعي. والسادس: أنه يكبر من صلاة المغرب ليلة النحر إلى صلاة الصبح من آخر أيام التشريق، وهذا قول للشافعي. ينظر: \"زاد المسير\" ١/ ٢١٧، \"المغني\" ٣/ ٢٨٨، \"أحكام القرآن\" لابن العربي ١/ ١٤٢، \"تفسير القرطبي\" ٣/ ٤.","vol":"4","page":70},{"text":"نفر فيه، فلا إثم عليه في تأخُّرِه (١).\nفإن قيل: إنما يخاف الإثم المتعجل. فما بال المتأخر أُلحق به، والذي أتى أفضل؟\nقيل: معناه: فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه، ومن تأخر فهو مبرور مأجور. فقال: (فلا إثم عليه) وهو يريد هذا المعنى لتوافق اللفظةُ الأولى الثانيةَ، وتكون على مثلِ سبيلها، وقد ذكرنا أنه حُمِلَ على موافقة اللفظ بما لا يصلح في المعنى (٢) وهو قوله: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ﴾ [الشورى: ٤٠]، وقوله: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٩٤]، فَلأَن يحمل على موافقة اللفظ بما يَصِحُّ في المعنى أولى؛ لأن المبرور المأجور يصح في المعنى نفيُ الإثم عنه.\nوقيل: فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه في استعماله الرخصة، ومن تأخر فَتَرْكُه استعمالَ الرخصةِ غيُر مؤثم له أيضًا.\nوقيل: فمن تَعَجَّل في يومين فلا إثم عليه، ومن تأخر فلا إثم عليه من آثامهما التي كانت عليهما قبل أن يَحُجَّا، يدل على صحة هذا الوجه: ما روى منصور (٣)، عن أبي حازم (٤)، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: \"من\n_________\n(١) \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٦٢٢، وينظر: \"تفسير الطبري\" ٢/ ٣٠٥، \"زاد المسير\" ١/ ٢١٨، \"تفسير القرطبي\" ٣/ ٤.\n(٢) في (أ) و(م): ليوافق اللفظ ما لا يصح في المعنى.\n(٣) هو: منصور بن المعتمر بن عبد الله السلمي، أبو عتاب الكوفي، أحد الأئمة الثقات، وكان أثبتَ أهلِ الكوفة، اشتهر بالعبد والصلاح، ذكر العجلي أن فيه تشيعا قليلا وليس بمغال، توفي سنة ١٣٢ هـ ينظر: \"الجرح والتعديل\" ٦/ ٩٢، \"تاريخ بغداد\" ١١/ ١٢٠.\n(٤) هو: سلمان أبو حازم الأشجعي الكوفي، روى عن ابن عمر وأبي هريرة، وروى =","vol":"4","page":71},{"text":"حجَّ هذا البيتَ فلم يَرْفُثْ ولم يَفْسُق خرج من ذنوبه كيومِ ولدتْه أمه\" (١).\nوذهب بعض المتأولين: إلى أن المراد بوضع الإثم عنه المتعجلُ دون المتأخر، ولكن ذُكرا معًا والمراد أحدُهما، كقوله: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] والجناح على الزوج؛ لأنه أخذ ما أعطى، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٢٢٩] ومثل هذا قوله: ﴿نَسِيَا حُوتَهُمَا﴾ [الكهف: ٦١]، نسب النسيان إليهما، والناسي أحدُهما، وقوله ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ [الرحمن: ٢٢]، وإنما يخرج من أحدهما (٢).\nوقوله تعالى: ﴿لِمَنِ اتَّقَى﴾ قال النحويون: المعنى: ذلك لمن اتقى، أي: طَرْح المآثم عن المتعجل والمتأخر يكون إذا اتَّقَيَا في حَجَّهما تضييع شيء مما حَدَّه الله وأمر به، حتى لا يظن أن من تعجل أو تأخر خرج عن الآثام دون أن يتقي، فيكون قوله: ﴿لِمَنِ اتَّقَى﴾ خبرًا لمبتدأ محذوف (٣)،\n_________\n= عنه منصور والأعمش، كان ثقة وله أحاديث صالحة، قال ابن عبد البر: أجمعوا على أنه ثقة، توفي في خلافة عمر بن عبد العزيز. ينظر: \"تهذيب التهذيب\" ٤/ ١٤٠، \"التقريب\" ص ٢٤٦ (٢٤٧٩).\n(١) أخرجه البخاري (١٨٢٠) كتاب الحج، باب: قول الله: ولا فسوق ولا جدال في الحج، ومسلم (١٣٥٠) كتاب الحج، باب: في فضل الحج والعمرة.\n(٢) ينظر في ذكر هذه الأجوبة على هذا الإشكال الذي طرحه الواحدي: \"تفسير الطبري\" ٢/ ٣٠٥ - ٣٠٧، \"زاد المسير\" ٢/ ٢١٨، \"التفسير الكبير\" ٥/ ٢١٠ - ٢١١، \"البحر المحيط\" ٢/ ١١٢.\n(٣) ينظر: \"المحرر الوجيز\" ٢/ ١٨٥، \"التبيان\" ص ١٢٦ - ١٢٧، وقال في \"البحر المحيط\" ٢/ ١١٢: قيل هو متعلق بقوله: واذكروا الله، أي: الذكر لمن اتقى، وقيل: المعنى: ذلك التخيير ونفي الإثم عن المتعجل والمتأخر لأجل الحاج المتقي لئلا يختلج في قلبه شيء منهما فيحسب أن أحدهما آثام في الإقدام عليه،","vol":"4","page":72},{"text":"وهذا معنى قول قتادة (١) وابن مسعود (٢)، وكان يقول: إنما جعلت مغفرة الذنوب لمن اتقى الله في حجه، وكذلك كان يقرأ: ﴿لِمَنِ اتَّقَى﴾ (٣) (٤).\nوقال ابن عباس في رواية العوفي والكلبي: طرح المأثم عن المتعجل والمتأخر يكون إذا اتَّقَيَا قَتْلَ الصيد، لا يحلُّ لأَحَدْ أن يَقْتُلَ صيدًا حتى تخلو أيام التشريق (٥)، فمتى (٦) لم يتقياه كان عليهما مأثم.\nوقال أبو العالية: ذهب إِثْمُهُ كُلُّه إن اتقى فيما بقي من عمره (٧).\nومعناه: التحذير من الاتكال على ما سلف من أعمال الحج والبر فيه، فبين أن عليهم مع ذلك ملازمةَ التقوى، ومجانبةَ الاغترار بالحال الأولى.\n_________\n(١) رواه عنه الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٣٠٩، وذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ٦٢٥.\n(٢) رواه عنه الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٣٠٩، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٢/ ٣٦٣.\n(٣) من قوله: كان يقرأ القرآن ... ساقطة من (م). وهذه العبارة وردت مكررة في (أ) وفي الأولى منهما (لمن اتقى الله حجه).\n(٤) رواه أبو عبيد في \"فضائل القرآن\" ص ٢٩١، والطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٢٠٨ عن ابن جريج، وذكر القراءة: الثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ٦٢٦، وأبو حيان في \"البحر المحيط\" ٢/ ١١٣.\n(٥) رواه عنه الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٣٠٩، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٢/ ٣٦٣ كلاهما من غير طريق العوفي والكلبي، وفي \"الدر المنثور\" ١/ ٤٢٣، عزاه إلى سفيان بن عيينة وابن المنذر. رواية العوفي أخرجها الطبري ٢/ ٣٠٩، وذكرها الثعلبي ٢/ ٦٢٥، ورواية الكلبي ذكرها الثعلبي ٢/ ٦٢٥، وأخرجها ابن أبي حاتم ٢/ ٣٦٣، من طريق سفيان عن رجل قد سماه عن أبي صالح عن ابن عباس به.\n(٦) في (ي) (فإذا).\n(٧) رواه عنه الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٣٠٨، وفي \"الدر المنثور\" ١/ ٤٢٥ عزاه إلى عبد بن حميد، وذكر النحاس في \"معاني القرآن\" ١/ ١٤٧، والثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ٦٢٥.","vol":"4","page":73},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-422>٢٠٤ </span>- قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ الآية. قال الكلبي (١) والسدي (٢) ومقاتل (٣) وابن عباس (٤) في رواية عطاء: نزلت هذه الآية في الأخنس بن شَرِيق (٥)، واسمه: أُبَيّ، وسمي الأخنس؛ لأنه خَنَس يوم بدر بثلاثمائة رجل من بني زُهْرَة عن قتالِ رسول الله - ﷺ -، وكان رجلًا حُلْوَ الكلام، حُلْوَ المَنْظر، وكان يأتي رسول الله - ﷺ - فيجالسه، ويظهر الإسلام، ويخبره أنه يحبه، ويحلف بالله على ذلك، وكان منافقًا حسن العلانية، سيئ السريرة، وكان يُعْجِبُ النبيَّ - ﷺ - (٦) كلامُه (٧). وإنما قال: (في الحياة الدنيا)، لأنه كاذب، فما تعجب النبي - ﷺ - من كلامه (٨) ولا\n_________\n(١) عزاه السيوطي في \"الدر المنثور\" ١/ ٤٢٧ إلى عبد بن حميد وابن المنذر، وعزاه ابن حجر في \"العجاب\" ١/ ٥١٩ إلى عبد بن حميد، وذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ٦٢٦.\n(٢) رواه عنه الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٣١٢، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٢/ ٣٦٤.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ١/ ١٧٧. وذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ٦٢٦، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ١/ ٢١٩، البغوي في \"تفسيره\" ١/ ٢٣٥.\n(٤) عزاه في \"زاد المسير\" ١/ ٢١٩ إلى ابن عباس، وعزاه الثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ٦٢٦، وكذا البغوي في \"تفسيره\" ١/ ٢٣٥ إلى عطاء وحده وقد تقدم الحديث عن رواية عطاء في المقدمة.\n(٥) هو: الأخنس بن شَرِيق بن عمرو بن وهب الثقفي، كان حليف بني زهرة، مطاعًا فيهم، نصحهم في عدم المشاركة في معركة بدر فأطاعوه ولم يشاركوا، كان أحدَ الثلاثةِ الذين تلذذوا بسماع القرآن ليلًا. اختلف في إسلامه. ينظر: \"المحرر الوجيز\" ٢/ ١٨٧، \"أسد الغابة\" ١/ ٤٧، \"البداية والنهاية\" ٥/ ٧٨.\n(٦) ساقطة من \"ي\".\n(٧) هذا مختصر من لفظ مقاتل في \"تفسيره\" ١/ ١٧٧ - ١٧٨، وذكره مطولا الثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ٦٢٦.\n(٨) ما من قوله: وإنما. قال زيادة من (ي).","vol":"4","page":74},{"text":"يثاب عليه في الآخرة (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ﴾ يعني قوله: والله إني بك مؤمن، ولك محب، فهو يحلف بالله ويُشْهِدُه على أنه مضمر (٢) ما يقوله، وهو كاذب في ذلك، فكان التأويل: ويشهد الله على ما في قلبه من الإيمان بزعمه (٣).\nوقوله تعالى: ﴿وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ معنى الأَلَدّ: الشديد الخصومة. قال أبو إسحاق: أُخذ من لَدِيدَي العُنُق، وهما صَفْحَتَاه، وتأويله: أنه في\n_________\n(١) وذكر المفسرون كالطبري ٢/ ٣١٢ - ٣١٤، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ١/ ٢١٩، والرازي ٥/ ٢١٣، والثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ٦٢٩ قولين آخرين فيمن نزلت فيه الآية:\nأحدهما: أنها نزلت فيمن نافق فأظهر بلسانه ما ليس في قلبه. وهذا قول مجاهد والربيع وعطاء والحسن وقتادة وابن قلد ومحمد بن كعب القرظي، وقال الرازي في \"تفسيره\" ٥/ ٢١٤: وهو اختيار أكثر المحققين من المفسرين.\nالثاني: أنها نزلت في سرية الرجيع، وبه قال ابن عباس والضحاك، والرجيع: ماء لهذيل قرب الهداة، بين عسفان ومكة، حين بعث كفار قريش إلى النبي - ﷺ - إنا قد أسلمنا فابعث لنا نفرا من أصحابك يعلمونا ديننا، فبعث لهم النبي - ﷺ - ستة من أصحابه، فغدرت بهم عضل والقارة، وصارت لهم قصة، فقال بعض المنافقين: ويح هؤلاء المقتولين، لا في بيوتهم قعدوا ولا رسالة صاحبهم أدوا، فأنزل الله تعالى في الزبير والمقداد وخبيب وأصحابه والمنافقين هذه الآية وثلاث آيات بعدها. وخبر سرية الرجيع مذكور في الصحيحين. رواه البخاري (٤٠٨٦) كتاب المغازي، باب: غزوة الرجيع ورعل وذكوان. ينظر: \"فتح الباري\" ٧/ ٣٨٥ - ٣٩٢، ومسلم (٦٧٧) كتاب الأمارة، باب: ثبوت الجنة للشهيد، \"سيرة ابن هشام\" ٢/ ١٨٤ - ١٩١، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٦٢٩ - ٦٣٨.\n(٢) زيادة من (ي).\n(٣) \"تفسيرالثعلبي\" ٢/ ٦٤٢.","vol":"4","page":75},{"text":"أيِّ وَجْه أَخَذَ من يمين أو شمال في أبواب الخُصومةِ غَلَب (١)، ويقال: لَدَدْتَ يا رجل، فأنت تَلَدُّ لَدَدًا ولَدَادَةً (٢).\nوالخصام: مصدر، كالمُخَاصمة، والمُخَاصَمَة: مُفَاعلةٌ من الخصُومة، وحقيقة الخُصومة: التَّعَمُّق في البحث عن الشيء، والمضايقةُ فيه، ولذلك قيل لزوايا الأوعية: خُصوم، واحِدُها: خُصْم (٣). قال ابن عباس في قوله: ﴿أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ يريد: الذي يدع الحق ويِخاصم على الباطل (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-423>٢٠٥ </span>- قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ﴾ قال ابن عباس: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى﴾ يريد: راجعًا إلى مكة (٥)، وذلك أنه لما انصرف من بدر ببني\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٧٧ بمعناه.\n(٢) ينظر في مادة لدد: \"تفسير الطبري\" ٢/ ٣١٥، \"معاني القرآن\" للفراء١/ ١٢٣، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٦٤٣، \"لسان العرب\" ٧/ ٤٠٢٠، \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٢٥٤، وضبطت فيه: لدِدْتُ، بكسر الدال، وقال شاكر في حاشية \"تفسير الطبري\" عن لدادة: مصدر لم أجده في كتب اللغة التي بين يدي.\n(٣) ينظر في مادة (خصم) \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ١/ ٧١، \"تهذيب اللغة\" ١/ ١٠٤٢، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٦٤٤، \"لسان العرب\" ٢/ ١١٧٧ - ١١٧٨، \"المفردات\" ص ١٥٥، وبين أن أصل المخاصمة أن يتعلق كل واحد بخصم الآخر أي جانبه، وأن يجذب كل واحد خُصْم الجوالق من جانب. ويرى الزجاج في \"معاني القرآن\" ١/ ٢٧٧: أن خصام: جمع خصم؛ لأن فَعلا يجمع إذا كان صفة على فعال، نحو صعب وصعاب، وكذلك إن جعلت خصما صفة، فهو يجمع على أقل العدد، وأكثره على فعول وفعال جميعا، يقال: خصم وخصام وخصوم، وإذا كان اسما ففعال فيه أكثر العدد، نحو: فرخ وأفراخ لأقل العدد، وفراخ وفروخ لما جاوز العشرة.\n(٤) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٣١٠ بلفظه، وعزاه السيوطي في \"الدر المنثور\" ١/ ٤٢٨ إلى الطستي من سؤالات نافع بن الأزرق.\n(٥) رواه الطبري عنه في \"تفسيره\" ٢/ ٣١٦، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٢/ ٣٦٦،=","vol":"4","page":76},{"text":"زُهْرَة (١)، كان بينه وبين ثقيف (٢) خصومه، فبيتهم ليلًا، وأهلك مواشِيَهُم، وأَحْرَقَ زَرْعَهُم (٣).\nوقال السُّدِّي. مرّ بزرع للمسلمين وحُمُر، فأَحْرَقَ الزَّرْعَ، وعَقَرَ الحُمُر (٤).\nوقال الضحاك (٥) ومجاهد (٦): تولى بمعنى: ملك وَوَلي وصار واليًا، ومعناه: إذا ولي سلطانًا جار، وعلى تفسير ابن عباس معناه: أدبر وأعرض. وذكرنا معنى السَّعْيَ فيما تقدم.\nوقوله تعالى: ﴿وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ﴾ أكثرُ المُفَسِّرين على أن المراد بالحرث: الزرع والنبات، وبالنَّسْل: نسل الدواب، على ما روي أنه\n_________\n= وقد ذكر الواحدي قولين في معنى تولى، وفيها قولان آخران: أحدهما: تولى بمعنى غضب، روي عن ابن عباس وابن جريج. والثاني: أنه الانصراف عن القول الذي قاله. قاله الحسن. ينظر: \"تفسير الطبري\" ٢/ ٣١٦، \"زاد المسير\" ١/ ٢٢١.\n(١) هم: بنو زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر، كانوا بطنا من بني مرة بن كلاب من قريش من العدنانية، ينتهي نسبهم إلى معد بن عدنان. انظر. \"معجم قبائل العرب\" ٢/ ٤٨٢.\n(٢) قبيلة منازلها في جبل الحجاز بين مكة والطائف، وتنقسم إلى عدة بطون منها: طويرق، وبطن النور، وثمالة، وبني سالم، وعوف، وسفيان، وقريش، وهذيل، وثقيف اليمن. انظر: \"معجم قبائل العرب\" ١/ ١٤٧ - ١٤٨.\n(٣) ذكر القصة بمعناها مقاتل في \"تفسيره\" ١/ ١٧٨، وذكرها الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٣١٠، والرازي في \"تفسيره\" ٥/ ٢١٦.\n(٤) رواه عنه الطبري ٢/ ٣١٢.\n(٥) ذكره عنه الثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ٦٤٦، وذكر أيضا في \"تفسير البغوي\" ١/ ٢٣٦، \"زاد المسير\" ١/ ٢٢١.\n(٦) رواه الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٣١٧ بمعناه، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٢/ ٣٦٦، والثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ٦٤٨، وذكره البغوي في \"تفسيره\" ١/ ٢٣٦.","vol":"4","page":77},{"text":"أهلكَ المَواشِيَ وأَحْرَقَ الزَّرْعَ (١).\nوقال مجاهد: إذا ولي فعمل بالعدوان والظلم أمسك الله المطر، فيهلك باحتباس المطر الحرث والنسل.\nوقيل: إن الحرث: النساء، والنسل: الأولاد، وهذا غير مدفوع عن الصحة؛ لقوله: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣]، (٢).\nوالنسل: معناه في اللغة: الولد، يقال: نَسَلَ بولد كثير (٣)، واشتقاقه يحتمل أن يكونَ من قولهم: نَسَلَ يَنْسِلُ، إذا سقط وخرج، ومنه نَسَل رِيْشُ الطائر، وَوَبَرُ البعير، وشَعْر الحمار، إذا خرج فسقط منه، والقطعة منها إذا سقطت نُسالة، ومنه قوله ﷿: ﴿إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ [يس: ٥١]، أي: يسرعون؛ لأنه إسراع الخروج بحدة، والنسل: الولد؛ لخروجه من ظهر الأب وبطن الأم وسقوطه، والنسل (٤): نسل آدم، وأصل الحرف من النُّسُول، وهو الخروج (٥).\nوقوله: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ قال ابن عباس في رواية الكلبي: أي: لا يَرْضَى بالفسادِ والعَمَلِ بالمعاصي (٦).\n_________\n(١) ينظر: \"تفسير مقاتل\" ١/ ١٧٨، \"تفسير الطبري\" ٢/ ٣١٧ - ٣١٨، \"تفسير ابن أبي حاتم\" ٢/ ٣٦٦ - ٣٦٧، ومرادهم بالنسل: نسل الدواب كلها، ومنها الإنسان؛ خلافا لما قد يوهمه لفظ الواحدي، كما بينه الثعلبي في \"تفسيره\" صراحة ٢/ ٦٤٧.\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٧٧ - ٢٧٨ بمعناه.\n(٣) ساقط من (ي).\n(٤) في (ي) والنسل.\n(٥) ينظر: \"تفسير الطبري\" ٢/ ٣١٧، \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٥٦٣ \"نسل\"، \"المفردات\" ص٤٩٣، \"النهاية في غريب الحديث\" ص ٩٣١ (ط. ابن الجوزي).\n(٦) ذكره في \"الوسيط\" ١/ ٣١١، \"زاد المسير\" ١/ ٢٢٢، وعبارة الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٣١٩ نحو هذا.","vol":"4","page":78},{"text":"وذكر في تفسير الفساد هاهنا: الخراب، وقطع الدرهم، وشق الثياب، لا على وجه المصلحة (١).\nويقال: فَسَدَ الشيءُ يَفْسد فسودًا وفسادًا، كما يقال: ذهب ذُهُوبًا وذَهابًا، وكسد كُسُودًا وكَسَادًا (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-424>٢٠٦ </span>- قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ﴾، وذلك أن رسول الله - ﷺ - دعاه إلى إجابةِ اللهِ في ظاهره وباطنه، فدعاه الأَنَفَةُ والكِبْر إلى الإثم والظلم، وهو قوله: ﴿أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ﴾ (٣). ومعنى العزة هاهنا: المنعة والقوة (٤). وذكرنا معاني العز والعزيز فيما تقدم.\nقال قتادة: إذا قيل له: مَهْلًا مَهْلَا ازداد إقدامًا على المعصية (٥).\nقال أهل المعانى: معنى (أخذته العزة بالإثم) حملته عليه، وجَرّأته عليه، وزينت له ذلك، يقال: أخذت فلانًا بكذا وكذا، أي: أردته عليه، وحملته على ذلك، وكلفته.\n_________\n(١) ينظر: \"تفسير الطبري\" ٢/ ٣١٩، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٦٤٨ - ٦٥١، \"الوسيط\" ١/ ٣١١، \"البحر المحيط\" ٢/ ١١٧.\n(٢) ينظر: \"معاني القرآن\" للفراء ١١٢٤، \"تفسير الطبري\" ٢/ ٣١٩، \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٧٨٧ \"فسد\" وقال: قال الليث: الفساد: نقيض الصلاح، والفعل فسد يفسد فسادا، قلت: ولغة أخرى: فسُد فسودًا، ويقال: أفسد فلان المال يُفسده إفسادًا وفسادا.\n(٣) ينظر: \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٦٥٢.\n(٤) ينظر: \"تفسير الطبري\" ٢/ ٣١٩، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٦٥٢، \"الوسيط\" ١/ ٣١١، \"التفسير الكبير\" ٥/ ٢١٩، \"البحر المحيط\" ٢/ ١١٧.\n(٥) ذكره الواحدي عن قتادة في \"الوسيط\" ١/ ٣١١، والقرطبي ٣/ ١٩.","vol":"4","page":79},{"text":"وتأويل الآية: حَمَلَتْه العِزّةُ وحَمِيَّةُ الجاهلية على الفعل بالإثم (١).\nوالجَارّ في قوله تعالى: ﴿بِالْإِثْمِ﴾ يجوزُ تَعَلُّقُه بالأخذ وبالعزة، فإن علقته بالأخذ، كان المعنى: أخذته بما يؤثمه، أي: أخذته بما كسبه ذلك، والمعنى: للعزة يرتكب ما لا ينبغي أن يرتكب، فكأن العزة حملته على ذلك وقلة الخشوع.\nوإن علقته بالعزة كان المعنى الاعتزاز بالإثم، أي: اعتز بما يؤثمه فيبعده مما يرضاه الله (٢).\nوقوله تعالى: ﴿فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ﴾ قال المفسرون: كافيه الجحيمُ جزاءً له وعذابًا (٣)، ويقال: حَسْبُكَ دِرْهَمٌ، أي: كفاك، وحَسْبُنا الله، أي: كافينا الله.\nقال امرؤ القيس:\nوحَسْبُكَ من غِنًى شِبَعٌ ورِيّ (٤)\n_________\n(١) ينظر: \"تفسير الطبري\" ٢/ ٣١٩، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٦٥٢، \"المحرر الوجيز\" ٢/ ١٩٢، \"الوسيط\" ١/ ٣١١، \"زاد المسير\" ٢/ ٢٢٢، \"التفسير الكبير\" ٥/ ٢٢٠.\n(٢) ينظر: \"تفسير البغوي\" ١/ ٢٣٦، \"البحر المحيط\" ٢/ ١١٧، \"الدر المصون\" ٢/ ٣٥٤، وذكر أبو حيان أن الباء يحتمل أن تكون للتعدية، كأن المعنى: ألزمته العزة الإثم، ولحتمل أن تكون للمصاحبة، أي: أخذته مصحوبا بالإثم، أو مصحوبة بالإثم، فيكون للحال من المفعول، أي: أخذته متلبسا بالإثم أو من الفاعل أي: حال من العزة، أي متلبسة بالإثم. ويحتمل أن تكون سببية، والمعنى: أن إثمه السابق كان سببا لإخذ العزة له حتى لا يقبل ممن يأمره بتقوى الله.\n(٣) ينظر: \"تفسير الطبري\" ٢/ ٣١٩، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٦٥٣، \"التفسير الكبير\" ٥/ ٢٢٠، \"البحر المحيط\" ٢/ ١١٧.\n(٤) صدر البيت: فَتُوسِعَ أَهْلَها أَقِطًا وسَمْنًا\nوالبيت في \"ديوان امرئ القيس\" ص ١٧١، وينظر: \"الزاهر\" ١/ ٩٦، \"الوسيط\" للواحدي ١/ ٣١١.","vol":"4","page":80},{"text":"أي: يكفيك الشِّبَعُ والرِّيُّ، تصريفه من الثلاثي ممات، ويقال منه في الرباعي: أحسبني الشيء، إذا كفاني (١).\nوأما جهنم، فقال يونس وأكثر النحويين: هي اسم للنار التي يعذب الله بها في الآخرة، وهي أعجمية لا تُجْرَى للتعريف والعجمة (٢).\nوقال آخرون: جهنم اسم عربي، سميت نار الآخرة بها لبعد قعرها، ولم تُجْر (٣) للتعريف والتأنيث.\nقال قطرب: حكي لنا عن رؤبة (٤) أنه قال: رَكِيَّةٌ جَهَنَّام، يريد: بعيدةَ القَعْر (٥).\nوالمهاد: جمع المهد. والمهد: الموضعُ المُهَيَّأُ للنَّوم، ومنه: مَهْدُ الصبي. وأصله: من التوطية، يقال: مَهَدْتُ الشَّيءَ والأرض مهادًا؛ لأنه موطاة للعباد (٦).\nوسَمَّى جهنمَ هاهنا مِهادًا على معنى أنها قرار، والقرار كالوطاء في\n_________\n(١) ينظر: \"الكتاب\" لسيبويه ٤/ ٢٣١، \"تهذيب اللغة\" ١/ ٨١٠، \"المفردات\" ص ١٢٤، \"تفسير الرازي\" ٥/ ٢٢٠، \"البحر المحيط\" ٢/ ١٠٩، \"لسان العرب\" ٢/ ٨٦٣ - ٨٦٥ \"حسب\".\n(٢) نقله عنه في \"تهذيب اللغة\" ١/ ٦٨١، وفي \"لسان العرب\" ٢/ ٧١٥ \"جهن\"، وقوله: لا تجرى، أي: لا تصرف وتنون.\n(٣) قوله: لم تجر، أي: لم تصرف وتنون.\n(٤) هو: أبو الجحاف رؤبة بن العجاج بن عبد الله التميمي، تقدمت ترجمته [البقرة: ٩].\n(٥) ينظر: \"تهذيب اللغة\" ١/ ٦٨١، \"المفردات\" ١٠٩، \"التفسير الكبير\" ٥/ ٢٢٠، \"البحر المحيط\" ٢/ ١٠٨، \"لسان العرب\" ٢/ ٧١٥ \"جهن\".\n(٦) بنظر: \"مجاز القرآن\" ١/ ٧١، \"تفسير الطبري\" ٢/ ٣٢٠، \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٤٦١، \"المفردات\" ص ٤٧٩، \"اللسان\" ٧/ ٤٢٨٦ \"مهد\".","vol":"4","page":81},{"text":"الثبوت عليه، وقيل: لأنها بدل من المهاد لهم، فصار كقوله: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الانشقاق: ٢٤]، على جِهَةِ البَدَلْ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-425>٢٠٧ </span>- قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ﴾ الآية، يشري من الأضداد، يقال: شَرَى إذا باع، وشرى إذا اشترى. وأصله: الاستبدال، قال الله تعالى: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾ [يوسف: ٢٠]، أي: باعوه (٢).\nومعنى بيع النفس هاهنا: بذلها لأوامر الله وما يرضاه (٣).\nونصب ﴿ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ على معنى المفعول له، أي: لابتغاء مرضاة الله، ثم نزع اللام منه، فوصل الفعل فنصبه (٤)، ولا يجوز على هذا: فعله زيدًا، أي: لزيد، ويجوز: فعله خوفًا، أي: للخوف، وذلك أن في ذكر المصدر دليلًا على الغَرَضِ الداعي إلى الفعل، وليس كذلك ذكر زيد،\n_________\n(١) ينظر: \"التفسير الكبير\" ٥/ ٢٢٠، \"البحر المحيط\" ٢/ ١١٨.\n(٢) ينظر: \"معاني القرآن\" للأخفش ١/ ١٦، \"الأضداد\" للأصمعي ١٨، ١٩، \"أضداد ابن السكيت\" ١٨٥، \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٨٦٩، ونقل عن الفراء قوله: وللعرب في شروا واشتروا مذهبان، فالأكثر منهما: أن شروا: باعوا، واشتروا: ابتاعوا، وربما جعلوهما بمعنى باعوا. وينظر: \"اللسان\" ٤/ ٢٢٥٢ - ٢٢٥٣ \"شرى\"، \"المفردات\" ص ٢٦٣، وقال: الراء والبيع يتلازمان، فالمشتري دافع الثمن وآخذ المثمن، والبائع دافع المثمن وآخذ الثمن، هذا إذا كانت المبايعة والمشاراة بناض وسلعة، فأما إذا كانت بيع سلعة بسلعة صح أن يتصور كل واحد منهما في موضع الآخر، وشريت بمعنى: بعت أكثر، وابتعت بمعنى: اشتريت أكثر، قال الله تعالى: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾.\n(٣) ينظر: \"تفسير الطبري\" ٢/ ٣٢٠، \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٧٨، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٦٥٤، \"الوسيط\" ١/ ٣١٢.\n(٤) ينظر: \"معاني القرآن\" للأخفش ١/ ١٦٦، \"تفسير الطبري\" ٢/ ٣٢٠، \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٧٩، \"المحرر الوجيز\" ٢/ ١٩٦، \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ٢٩٩.","vol":"4","page":82},{"text":"ولأن في قوله: فعله لزيدٍ، تضمينًا، كأنه قال: فَعَلَه لإكرامِ ولسببِ زيدٍ، وما أشبه هذا مما يكون داعيًا إلى الفعل، فلم يحتمل الكلام حذفين كما احتمل حذفًا واحدًا (١).\nوالمرضاة: الرِّضَى، يقال: رَضِيَ رِضًا ومَرْضَاة (٢).\nوكان الكسائي يقرأها ممالة (٣)، ليدل على أن الألف فيها منقلبة عن الباء، ولم يمنعها المستعلي وهو (الضاد) (٤) من الإمالة، كما لم يمنع من إمالة نحو: صار وخاف وطاب (٥).\nوكان حمزة يقف عليها بالتاء (٦)، وحجته ما حكاه سيبويه عن أبي الخطاب (٧)، أنه كان يقول: طَلْحَت (٨).\n_________\n(١) ينظر: \"الكتاب\" لسيبويه ١/ ٣٦٧ - ٣٧٠، ٣/ ١٢٦، ١٥٤.\n(٢) ينظر: \"اللسان\" ٣/ ١٦٦٣ - ١٦٦٤ \"رضى\".\n(٣) قرأ الكسائي وحده: مرضاة الله، ممالة، وقرأ الباقون: مرضاة الله، بالفتح، أي بلا إمالة. ينظر: \"السبعة\" ١٨٠، \"الحجة للقراء السبعة\" ٢/ ٢٩٩.\n(٤) في (ي) و(أ): الميم ثم ذكر في تصحيح نسخة [أ] أن ذكر الميم غلط لأنها ليست من حروف الاستعلاء.\n(٥) \"الحجة\" ٢/ ٢٩٩ - ٣٠٠ بمعناه، وحروف الاستعلاء هي حروف التفخيم، وهي سبعة مجموعة في قولك: خص ضغط قظ.\n(٦) وقف حمزة على مرضات، بالتاء المفتوحة، والباقون يقفون عليها بالهاء. ينظر: \"السبعة\" ص ١٨٠، \"الحجة\" ٢/ ٢٩٩، وفي \"التيسير\" ص ٦٠، أن الكسائي وأبا عمرو كانا يقفان على هاء تأنيث رسمت في المصاحف تاء بالهاء، وهو قياس مذهب ابن كثير.\n(٧) أبو الخطاب، هو: عبد الحميد بن عبد المجيد الأخفش الأكبر، تقدمت ترجمته [البقرة: ٣٢].\n(٨) \"الكتاب\" لسيبويه ٤/ ١٦٧.","vol":"4","page":83},{"text":"وأنشد الأخفش:\nما بَالُ عَيْني عن كَرَاها قد جَفَتْ ... مُسْبِلَةً تَسْتَنّ لَمّا عَرَفَتْ\nدارًا لِسَلْمى بعد حَوْلٍ قَدْ عَفَتْ ... بل جَوْزِ تَيْهَاءَ كَظَهْر الْجَحَفَتْ (١)\nويجوز أن يكون لما كان المضاف إليه في التقدير أثبت التاء، كما\nيثبته في الوصل، أن المضاف إليه مراد (٢)، كما أشم (٣) من أشمّ في الوقف\nالحرفَ المضمومَ، ليعلم أنه في الوصل مضمومٌ، وكما كَسَر من كَسَر قوله:\n......................... واعتقالًا بالرِّجْلِ (٤)\nليعلم أنه في الوصل مجرور. ويدل على حُجةِ قراءة حمزة قول\n_________\n(١) الرجز لسؤر الذئب، في \"شرح شواهد الشافية\" ٤/ ٢٠٠ مع اختلاف في الرواية، وينظر: \"الخصائص\" ١/ ٣٠٤ \"المحتسب\" ٢/ ٩٢. \"لسان العرب\" ٢/ ٧٨٧ \"جحف\". وقوله: تَسْتَنّ، أي: تجري بدمعها، من سننت الماء: إذا أرسلته بغير تفريق، وضعت موضع رب، وجوز وسط، والتيهاء: المفازة التي يتيه فيها سالكها، والجحفة: الترس، شبه التيهاء بظهر الترس في الملامسة.\n(٢) في \"الحجة\": ليعلم أن المضاف إليه مراد.\n(٣) الإشمام هو: ضم الشفتين من غير انطباق بعد إسكان الحرف، وهو يرى ولا يسمع. ينظر: \"الكشف\" لمكي ١/ ١٢٢.\n(٤) هذا جزء من بيت في الرجز، وتمامه في \"النوادر والخصائص\" ٢/ ٣٣٥:\nعلَّمَنا أصحابنا بنو عجِل ... الشغزَبِي واعتقالا بالرجِل\nوهو برواية:\nعلمنا إخواننا بنو عجل ... شرب النبيذ واصطفافا بالرجل\nفي \"المخصص\" ١١/ ٢٠٠، \"الإنصاف\" ص ٧٣٤، والعيني ٤/ ٥٦٧، وقالا فيه: إن أبا\nعمرو سمع أبا مرار الغنوي ينشد هذا البيت، والشغزبي: ضرب من المصارعة، والاعقال: أن يدخل رجله بين رجلي صاحبه فيصرعه. ينظر تعليق المحققين على \"الحجة\" ٢/ ٣٠١.","vol":"4","page":84},{"text":"الراجز:\nإن عَدِيًا رَكِبَتْ إلى عَدِي ... وجَعَلَتْ (١) أمْوالَها في الحُطَمي\nارْهَنْ بَنِيكَ عَنْهم ارْهَنْ بَنِي (٢).\nأراد: بنيّ، فحذف ياء الإضافة للوقف، كما يخفف المثقل من نحو: سُرٍّ وضُرٍّ، فلولا أن المضاف إليه المحذوف في تقدير المثبت لرد النون في بنين، فكما لم يَرُدَّ النون في بنين فكذلك لم يقف بالهاء في (مَرْضَاةِ)، لأن المضاف إليه في تقدير الثبات في اللفظ (٣).\nفأما التفسير، فقال أكثر المفسرين: نزلت في صهيب بن سنان الرومي (٤)، كان رجلًا من ولد النِّمر بن قاسط (٥)، فَسُبِيَ صغيرًا (٦) إلى\n_________\n(١) في (م) لعلها: حملت.\n(٢) ورد هكذا:\nإنَ عديا ركبت لي عديْ ... وجعلت أموالها في الحطَميْ\nارهن بنيك عنهمْ ارهن بَنِيْ\nوزعم ابن جني أن هذا الشعر جاهلي، ينظر: \"المحتسب\" ١/ ١٠٨، \" الخصائص\" ٣/ ٣٢٧، \"الحجة للقراء السبعة\" ٢/ ٣٠١، ورهنه عنه: جعله رهنًا بدلًا منه.\n(٣) من كلام أبي علي في \"الحجة\" ٢/ ٣٠٠ - ٣٠٢ بتصرف، وذكر الوجهين السمين في \"الدر المصون\" ٢/ ٣٥٧ - ٣٥٨.\n(٤) هو: أبو يحيى صهيب بن سنان الرومي، أصله من النمر، يقال: اسمه عبد الملك، ولقبه صهيب، صحابي شهير شهد المشاهد كلها توفي بالمدينة في خلافة علي - ﵁ - سنة ٣٨ هـ. انظر: \"فضائل الصحابة\" ٢/ ٨٢٨، \"أسد الغابة\" ٣/ ٣٦، \"تقريب التهذيب\" ص ٢٧٨ (٢٩٥٤).\n(٥) هو النمر بن قاسط بن هِنْب بن أفصى بن دعمى من أسد بن ربيعة جد جاهلي، كان له بالمدينة عقب كثير. انظر: \"قبائل العرب\" ١١٩٢، \"الأعلام\" ٨/ ٤٨.\n(٦) في (أ) و(م:) (صغير).","vol":"4","page":85},{"text":"الروم، فتغير لسانه، ثم كان مملوكًا لابن جُدْعان (١)، فآمن بالله وصدق النبي - ﷺ -، وأقبل مهاجرًا إليه، فأخذه المشركون، فقال لهم صهيب: إني شيخ كبير لا يضركم أَمِنْكُم كنت أم من غيركم، فهل لكم أن تأخذوا مالي وتذروني وديني؟ ففعلوا ذلك، وكان قد شرط عليهم راحلة ونفقة، فلما بلغ المدينة تلقاه أبو بكر وعمر ﵄ في رجال، فقال له أبوبكر: ربحَ بيعُك أبا يحيى، فقال له (٢) صهيب: وبيعك فلا يخسر، ما ذاك؟ فقال أنزل الله (٣) فيك، وقرأ عليه هذه الآية (٤).\nوقال ابن عباس في رواية عطاء: إنه بذل ماله لمولاه، وقال له: خذ\n_________\n(١) هو: عبد الله بن جدعان بن عمرو بن كعب، أحد كفار قريش، كان يقري الضيف ويطعم الجائع، ويصل الرحم ويعتق، سئل عنه الرسول - ﷺ - هل ينفعه ذلك؟ فقال: \"لا\" لأنه لم يقل يوما من الدهر: لا إله إلا الله\". انظر \"البداية والنهاية\" ٣/ ٢٥٣، و١٩/ ٥١٦.\n(٢) زيادة من (م).\n(٣) ساقطة من (م).\n(٤) هذا السياق بمعناه ذكره مقاتل ١/ ١٧٨ - ١٧٩، ورواه ابن أبي حاتم بنحوه ٢/ ٣٦٨ عن سعيد بن المسيب، وعزاه في \"الدر المنثور\" ١/ ٤٣٠ إلى ابن مردويه وابن سعد والحارث ابن أبي أسامة في \"مسنده\"، وابن المنذر وأبي نعيم في \"الحلية\"، وابن عساكر، كلهم عن سعيد بن المسيب، وأخرجه الحاكم في \"المستدرك\" ٣/ ٤٠٠، والطبراني في \"المعجم الكبير\" ٨/ ٣٧حديث رقم (٧٢٩٦)، والبيهقي في \"الدلائل\" ٢/ ٥٢٢، ويشهد له ما أخرجه الحاكم في \"المستدرك\" ٣/ ٣٩٨، وابن المنذر \"فتح القدير\" ١/ ٢١٠ عن أنس، وأخرج الطبري ٢/ ٣٢١ عن عكرمة: أنها نزلت في صهيب بن سنان وأبي ذر الغفاري، كما أخرج الطبري ٢/ ٣٢١، عن الربيع هذه القصة إلا أنه لم يسم صهيبا، وينظر: \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٦٥٤، \"أسباب النزول\" للواحدي ص ٦٨، \"تفسر البغوي\" ١/ ٢٣٨، وقد نسبوه لأكثر المفسرين، وكذا ذكر الحافظ ابن حجر في \"العجاب\" ١/ ٥٢٧.","vol":"4","page":86},{"text":"مالي وسَيِّبْني، فقد آمنت بالله وحده لا شريك له، فأعطى ماله وخرج مهاجرًا (١). وعلى هذا يشري بمعنى: يشتري، كأنه يشتري نفسه من مولاه بماله، أو من المشركين بماله (٢). وروى عن ابن عباس أيضًا في هذه الآية، أنه قال: أرى هاهنا من إذا أُمِر بتقوى الله أخذته العزة بالإثم، قال هذا: وأنا أشري نفسي فقاتله فاقتتل الرجلان (٣)، لذلك كان علي ﵁ إذا قرأ هذه الآية يقول: اقتتلا ورب الكعبة (٤)، وهذا كالمستنبط من الآية، وذلك أن هاتين الآيتين تتضمنان (٥) المعنى الذي أشار إليه ابن عباس (٦).\n_________\n(١) تقدم الحديث عن هذه الرواية في المقدمة ونقل الرازي في \"تفسيره\" ٥/ ٢٢١ عن ابن عباس أنها نزلت في صهيب وعمار وسمية أمه وياسر أبيه، وفي بلال وآخرين ذكرهم.\n(٢) ينظر: \"التفسير الكبير\" ٥/ ٢٢٣.\n(٣) رواه عنه الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٣٢٠، ومراد ابن عباس: أن قوله: وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم، هي في الكافر يأمره المؤمن بتقوى الله، فيرد ذلك الكافر فيقول المؤمن: وأنا أشري نفسي ابتغاء مرضاة الله، فيقتتل الرجلان، وبمعنى هذا: ما روي عن عمر أنها نزلت في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما ذكره الواحدي في \"أسباب النزول\" ص ٦٨، ونقله ابن حجر في \"العجاب\" ١/ ٥٢٨، وقال: أسنده عبد بن حميد، وبمعناه أيضا ما روي عن الحسن، وذكره الواحدي في \"أسباب النزول\" ص ٦٨، والثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ٦٥٨.\n(٤) رواه عنه الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٣١٩، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٢/ ٣٦٨، والخطيب في \"تاريخ بغداد\" ١١/ ١٣٥، وعزاه في \"الدر\" ١/ ٤٣٢ إلى وكيع وعبد ابن حميد والبخاري في \"تاريخه\" تاريخه ٦/ ٤٧.\n(٥) في (أ) و(م): يتضمنان.\n(٦) ذكر المفسرون أقوالا أخرى في سبب النزول، فقيل: إنها نزلت في المهاجرين والأنصار، وقيل: إنها نزلت في كل شارٍ نفسه في طاعة الله وجهاد في سيله، وقيل: نزلت في أناس بأعيانهم، وقيل: نزلت في أصحاب الرجيع، وتقدمت =","vol":"4","page":87},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-426>٢٠٨ </span>- قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ اختلف القُرّاء في ﴿السِّلْمِ﴾، فقرأ بعضهم بفتح السين، وبعضهم بكسرها (١).\nأما (٢) الكسر: فقال أبو عبيدة (٣) والأخفش (٤): السِّلم: الإسلام، وهو اسم جعل بمنزلة المصدر، كالعطاء من أَعْطيْتُ، والنبات من أَنْبَتَ. وأما الفتح: فيجوز أن يكون لغة في السِّلْم الذي يراد به الإسلام، ويجوز أن يكون المراد به الصُّلْح، والمعني بالصلح: الإسلام؛ لأن الإسلام صلح، ألا ترى أن القتال والحرب بين أهله موضوع، وأنهم أهل اعتقاد واحد، ويد واحدة في نصرة بعضهم لبعض، فإذا كان ذلك موضوعًا بينهم وفي دينهم (٥) كان صُلْحًا في المعنى، فكأنه قيل: ادخلوا في الصُّلْح، والمراد به: الإسلام، فسماه صُلْحًا لما ذكرنا، وهذا الوجه (٦) أوجه من أن يكون\n_________\n= قصتهم. ينظر: \"تفسير الطبري\" ٢/ ٣٢٠ - ٣٢٢، \"تفسير البغوي\" ١/ ٢٣٦، \"العجاب\" ١/ ٥٢٤ - ٥٢٩، والذي رجحه الطبري أن يكون معنيًا بها كل من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، كما روي عن عمر وعلي وابن عباس، وهذا لا يدفع أن تكون أنزلت في شخص بعينه كصهيب، ومعناها شامل له ولغيره.\n(١) قرأ ابن كثير ونافع والكسائي بفتح السين هنا، وفي قوله: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ﴾ [الأنفال: ٦١] وقوله: ﴿وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ﴾ [محمد: ٣٥]، وقرأ عاصم في رواية شعبة بكسر السين في الثلاثة، وقرأ حمزة بكسر السين هنا وفي سورة محمد، وفتح التي في الأنفال، وقرأ أبو عمرو وابن عامر وحفص، عن عاصم بكسر السين هنا، وفتحوا الأخريين. ينظر: \"السبعة\" ص ١٨٠ - ١٨١، \"الحجة\" ٢/ ٢٩٢.\n(٢) في (م) فأما.\n(٣) \"مجاز القرآن\" ١/ ٧١.\n(٤) \"معاني القرآن\" للأخفش ١/ ١٦٧.\n(٥) في \"الحجة\": زيادة: وغلِّظ على المسلمين في المسايفة بينهم.\n(٦) زيادة من (م).","vol":"4","page":88},{"text":"السِّلْم لغة في السِّلم الذي يراد به (الإسلام، إلا أن يقال: إن الفتح لغة في الكسر الذي يراد به) (١) الصلح، ويتأول أن الإسلام صلحٌ على نحو ما بينا (٢). والذي يراد به الصلح فيه ثلاث لغات: السِّلْم والسَّلْم والسَّلَم. وأنشد أبو عبيدة:\nأنائلَ إنَّنِي سَلَمٌ ... لأهلِكِ فاقْبَلي سَلَمِي (٣)\nوقرئ ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَن أَلقَىَ إِليَكُمُ السَّلَامَ﴾ [النساء: ٩٤] (٤).\nوالمراد بالسِّلم في هذه الآية: الإسلام (٥)؛ لأن المراد إنما هو\n_________\n(١) ساقطة من (ي).\n(٢) من \"الحجة\" ١/ ٢٩٣، وقد اختصر الواحدي كلامه كثيرًا، وينظر: \"تفسير الطبري\" ٢/ ٣٢٣.\n(٣) البيت لمسعدة بن البختري يقوله في نائلة بنت عمر بن زيد الأسيدي، وكان يهواها، انظر: \"الأغاني\" ١٣/ ٢٧١، \"تفسير أسماء الله الحسنى\" للزجاج ص ٤٣، \"الحجة للقراء السبعة\" ٢/ ٢٩٤. وفي \"اللسان\" (مادة: سلم) ضبطت بكسر السين وتسكين اللام.\n(٤) من \"الحجة\" ١/ ٢٩٣ - ٢٩٤ بتصرف واختصار، \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٧٩، وآية النساء في المخطوطة كتبت: السلم، وهي كذلك في \"الحجة\" ٢/ ٢٩٦، وأما في \"معاني القرآن\" للزجاج فكتبت: السلام، بألف، والظاهر أن المؤلف ساقها شاهدا على السلم، وقد اختلف فيها القراء، فقرأها بالألف: ابن كثير وأبو عمرو والكسائي وعاصم، وقرأها بغير ألف: نافع وابن عامر وحمزة. ينظر في تفصيل ذلك: \"السبعة\" لابن مجاهد ص ٢٣٦.\n(٥) ذكر الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٣٢٢ - ٣٢٣، وكذا ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٢/ ٣٧٠ الرواية بذلك عن ابن عباس ومجاهد وعكرمة وطاوس وقتادة والسدي وابن زيد والضحاك. وقيل: بل المراد: الطاعة، وهو مروي عن ابن عباس وأبي العالية والربيع. وقيل: في أنواع البر كلها، وهو مروي عن مجاهد وسفيان الثوري، وهذه الثلاثة متقاربة، وقيل: الموادعة، وهو مروي عن قتادة، وينظر: \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٦٧٢.","vol":"4","page":89},{"text":"تحضيضهم على الإسلام والدعاء إليه، والدخول فيه، وليس المراد: أدخلوا في الصلح، وليس ثَمّ صُلْحٌ يدعون إلى الدخول فيه (١)، إلا على التأويل الذي ذكرنا أن الإسلام صلح (٢).\nقال ابن عباس في رواية عطاء (٣)\nوقتادة (٤) وابن زيد (٥) والضحاك والسُّدِّي (٦): نزلت هذه الآية في عبد الله بن سلام وأصحابه، وذلك أنهم حين آمنوا بالنبي - ﷺ - قاموا بشرائعه وشرائع موسى، فعظموا السبت، وكرهوا لُحْمَانَ الإِبِلِ وألبَانَها بعد ما\n_________\n(١) من قوله: وليس المراد ساقطة من (ي).\n(٢) من \"الحجة\" ١/ ٢٩٣ بتصرف، وينظر: \"تفسير الطبري\" ٢/ ٣٢٣.\n(٣) رواه الواحدي بسنده في \"أسباب النزول\" ص ٦٨، وفي إسناده عبد الغني بن سعيد الثقفي، وهو واه كما قال ابن حجر في \"العجاب\" ١/ ٥٣٠، وذكره مقاتل في \"تفسيره\" ١/ ١٧٩ - ١٨٠ بمعناه، ورواه الطبري ٢/ ٣٢٥، عن ابن جريج عنه بلفظ: يعني أهل الكتاب، ورواه ابن أبي حاتم ٢/ ٣٦٩ - ٣٧٠ عن عكرمة عن ابن عباس قال: يعني مؤمني أهل الكتاب، ثم ذكره عن مقاتل بن حيان، أنه قال: عبد الله بن سلام، ومؤمنوا أهل \"الكتاب\"، ورواه الطبري عن عكرمة قال: نزلت في ثعلبة وعبد الله بن سلام وابن يامين وأسد وأسيد بن كعب وسعية بن عمرو وقيس بن زيد -كلهم من يهود- قالوا: يا رسول الله، يوم السبت يوم كنا نعظمه فدعنا فلنسبت فيه، إلخ. بمعناه. وقد اعترض ابن كثير في \"تفسيره\" ص ٢٦٦ على رواية عكرمة فقال: وفي ذكر عبد الله بن سلام مع هؤلاء نظر؛ إذ يبعد أن يستأذن في إقامة السبت، وهو مع تمام إيمانه يتحقق نسخه ورفعه وبطلانه، والتعويض عنه بأعياد الإسلام.\n(٤) رواه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ١٥/ ٨٢، والطبري ٢/ ٣٢٣، وذكره ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٢/ ٣٧٠، والثعلبي ٢/ ٦٧١.\n(٥) رواه الطبري ٢/ ٣٢٣، وذكره الثعلبي ٢/ ٦٧١.\n(٦) انظر المصدر السابق.","vol":"4","page":90},{"text":"أسلموا، فأنكر ذلك عليهم المسلمون، فقالوا: نقوى على هذا وهذا، وقالوا للنبي - ﷺ -: إن التوراة كتاب الله، فدعنا فلنقم بها في صلاتنا، فأنزل الله هذه الآية.\nوقوله تعالى: ﴿كَافَّةً﴾ يجوز أن يكون معناه: ادخلوا جميعًا.\nويجوز أن يكون معناه: في السلم (١)، أي: في جميع شرائعه، وهذا أليق بظاهر التفسير، لأنهم أُمِروا بترك تعظيم السبت، واستحلاله لُحْمان الإبل، وهذا من شرائع الإسلام التي أمروا بالقيام بها كلها (٢).\nومعنى الكافة في اللغة: الحاجزة المانعة، يقال: كففت فلانًا عن السوء فكَفّ يَكُفُّ كَفًّا، سواء لفظ اللازم والمجاوِز، ومن هذا يقال: كُفَّةُ القميص، لأنها تمنع الثوب من الانتشار، وقيل لطرف اليد: كَفُّ؛ لأنه يُكَفُّ بها عن سائر البدن، ورجل مكفوف: كُفَّ بَصَرُه من أن ينظر. فالكافة معناها: المانعة، ثم صارت اسمًا للجملة الجامعة؛ لأنها تمنع من الشذوذ\n_________\n(١) في (ي): كافة.\n(٢) ينظر في ذكر القولين: \"تفسير الطبري\" ٢/ ٣٢٤ - ٣٢٥، \"النكت والعيون\" ١/ ٢٦٧، \"المحرر الوجيز\" ٢/ ١٩٧ - ١٩٨، \"زاد المسير\" ١/ ٢٢٥، قال ابن عطية: واختلف بعد حمل اللفظ على الإسلام من المخاطب؟ فقالت فرقة: جميع المؤمنين بمحمد - ﷺ -. والمعنى أمرهم بالثبوت فيه والزيادة من التزام حدوده، ويستغرق كافة حينئذ المؤمنين، وجميع أجزاء الشرع، فتكون الحال من شيئين، وذلك جائز نحو قوله تعالى: ﴿فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ﴾ [مريم: ٢٧]، إلى غير ذلك من الأمثلة. وقال عكرمة: بل المخاطب من آمن بالنبي - ﷺ - من بني إسرائيل كعبد الله بن سلام وغيره. الحديث، فكافة على هذا لأجزاء الشرع فقط، وقال ابن عباس: نزلت في أهل الكتاب، والمعنى: يا أيها الذين آمنوا بموسى وعيسى ادخلوا في الإسلام بمحمد كافة، فكافة على هذا لأجزاء الشرع وللمخاطبين على من يرى السلم الإسلام، ومن يراها المسالمة يقول: أمرهم بالدخول في أن يعطوا الجزية. ا. هـ- بتصرف.","vol":"4","page":91},{"text":"والتفرق (١) (٢). والمعنى: ادخلوا في شرائع الإسلام جملة مانعة من شريعة لم تدخلوا فيها (٣).\nوقال أبو إسحاق: معنى الآية: ابلغوا في الإسلام إلى حيث تنتهي شرائعه، فتكفوا (٤) من أن تعدوا شرائعه، وادخلوا كلكم حتى يكف عن عددٍ واحدٍ لم يدخل فيه (٥).\nقوله تعالى ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ أي (٦): آثاره ونزغاته، فيما زين لكم من تحريم السبت ولحم الجمل (٧). وذكرنا هذا فيما تقدم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-427>٢٠٩ </span>- قوله تعالى: ﴿فَإِنْ زَلَلْتُمْ﴾ يقال: زَلّ يَزِلّ زَلًّا وزالًا ومزلًا وزلولًا: إذا دحضت قدمه، وزَلَّ في الطين زليلًا. ومعنى زَلَلْتُم: تنحيتم عن القصد والشرائع في تحريم السبت ولحوم الإبل (٨) ﴿مِنْ بَعْدِ مَا\n_________\n(١) في (ي): فالفرق.\n(٢) ينظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٧٩، وهذا لفظه بتصرف، \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣١٦٥ \"كف\"، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٦٧٨، \"المفردات\" ص ٤٣٥، وقوله: سواء لفظ اللازم والمجاوز: أي المتعدي.\n(٣) ينظر: \"الوسيط\" ١/ ٣١٣، \"التفسير الكبير\" ٥/ ٢٢٦.\n(٤) في (ي) فيكفوا. وفي \"معاني القرآن\" للزجاج: فَكُفُّوا، وفي \"تهذيب اللغة\" موافق لما أثبت.\n(٥) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٧٩، وقوله: وادخلوا، في \"معاني القرآن\": أو ادخلوا، وفي \"تهذيب اللغة\" موافق لما أثبت، وكذا قوله واحد، في \"معاني القرآن\" وأحد، وفي \"تهذيب اللغة\" موافق لما أثبت.\n(٦) زيادة من (ي).\n(٧) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٨٠، \"تفسير الطبري\" ٢/ ٣٢٦، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٦٧٨، \"الوسيط\" ١/ ٣١٣، \"التفسير الكبير\" ٥/ ٢٢٧.\n(٨) من \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٨٠ بتصرف، وينظر في معاني زل \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٥٥٠ - ١٥٥١، \"المفردات\" ص ٢١٩.","vol":"4","page":92},{"text":"جَاءَتْكُمُ﴾ يعنى: القرآن ومواعظه (١).\n﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ في نقمته لا تعجزونه، ولا يعجزه شيء، ﴿حَكِيمٌ﴾ فيما شرع لكم من دينه (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-428>٢١٠ </span>- قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾ الآية، ﴿هَلْ﴾ هاهنا استفهام يراد به النفيُ والإنكار (٣)، كما يقال: هل يفعل هذا إلا مايق (٤)، أي: لم يفعل.\n﴿يَنْظُرُونَ﴾ بمعنى: ينتظرون، والنظر عند أهل اللغة: الطلب لإدراك الشيء، وتقليب العين نحو الجهة التي فيها المرئي المراد رؤيته، مما يدل على ذلك قولُ ذي الرُّمَّةِ:\nفيامَيّ هل يُجْزَى بُكائِي بمِثْلِه ... مرارًا وأنْفاسِي إليك الزَّوافِرُ\nوإني متى أشْرِف على الجَانِبِ الذي ... به أنتِ من بَينِ الجَوانِبِ ناظِرُ (٥)\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٨٠، وينظر: \"تفسير الطبري\" ٢/ ٣٢٧، \"المحرر الوجيز\" ٢/ ١٩٩.\n(٢) \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٦٨٢، وقال ابن عطية ٢/ ١٩٩: والبينات: محمد وآياته ومعجزاته، إذا كان الخطاب أولا لجماعة المؤمنين، وإذا كان الخطاب لأهل الكتابين، فالبينات ما ورد في شرائعهم من الإعلام بمحمد - ﷺ - والتعريف به. اهـ-. وهذا الذي مال إليه الطبري ٢/ ٣٢٦، وبين أن الأول قريب منه في المعنى.\n(٣) ينظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ٤٨١، ٢/ ٣٢٩، \"التبيان\" ص ١٢٩، \"البحر المحيط\" ٢/ ١٢٤، وقال: وكونها بمعنى النفي إذا جاء بعدها إلا، كثير الاستعمال في القرآن وفي كلام العرب.\n(٤) المائق: الأحمق. ينظر: \"اللسان\" ٧/ ٤٣٠٠.\n(٥) البيت لذي الرمة من قصيدة يمدح فيها بلال بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري، في \"ديوانه\" ص ٢٣٣.","vol":"4","page":93},{"text":"فلو كان النظرُ الرؤيةَ لم يطلب عليه الجزاء، أي: المحب لا يستثيب من النظر إلى محبوبه شيئًا، بل يريد ذلك ويتمناه، ويدل على ذلك قول الآخر:\nونظْرَة ذي شِجَنٍ وأَمْنٍ ... إذا ما الرَّكَائِبُ جاوَزْنَ مِيلًا (١).\nفهذا على التوجه إلى الناحية التي المحبوبُ فيها، وتقليب البصر نحوها، وما يعالج من التلفت والتقلب، كقول الآخر:\nما سِرتُ مِيلًا ولا جَاوَزْتُ مَرْحَلةً ... إلا وذكركِ يَلْوِيْ دايبًا عُنُقِيْ (٢)\nهذا الذي ذكرنا هو الأصل في اللغة (٣)، ثم يجوز أن يعني بالنظر: الرؤية؛ لأن تقليب البصر نحو المُبْصَر تتبعه (٤) الرؤية، وقد يجري على الشيء لفظ ما يتبعه ويقترن به، كقولهم للفِنَاء: عَذِرَة، ولذي بطن الإنسان: غائط.\nوالنَّظَر يُعَدَّى بإلى، ثم يجوز أن يُحْذَفَ الجار وُيوصَل الفعل كما أنشده (٥) الأخفش:\nظاهرات الجَمَالِ وَالحُسْنِ يَنْظُرْ ... نَ كما تَنْظرُ الأرَاكَ الظِّبَاءُ (٦)\n_________\n(١) البيت في \"المفضليات\" ١/ ٥٦ ولم ينسبه. وقوله وأمن كذا في المخطوطة وفي \"المفضليات\": (وامق) ولعلها أصوب.\n(٢) البيت في \"الحلة السيراء\" ١/ ٩٤، وفي \"محاضرات الأدباء\" ٢/ ٧٣. ولم أهتد لقائله.\n(٣) ينظر في (نظر) \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٦٠٣ - ٣٦٠٦، \"المفردات\" ص ٤٩٩ - ٥٠٠، \"اللسان\" ٧/ ٤٤٦٥ - ٤٤٦٨ (نظر)، \"البحر المحيط\" ٢/ ١٢٤.\n(٤) في (م): (يتبعه).\n(٥) في (أ): (م) (أنشد).\n(٦) البيت لعبد الله بن قيس الرقيات في \"ديوانه\" ص ٨٨ وذكره في \"البحر المحيط\".","vol":"4","page":94},{"text":"المعنى: ينظرن إلى الأراك، فحذف الجار (١). والنظر فعل يستعمل على ضروب من المعاني، كلها يرجع إلى أصل (٢) واحد، وهي طلب الإدراك.\nمنها: النظر، بمعنى: الانتظار (٣)، كقوله تعالى: ﴿غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾ [الأحزاب: ٥٣] أي: غير منتظرين إدراكه وبلوغه، والمنتظر يطلب إدراك ما يتوقع، يقال: نظرته وانتظرته، ومنه قوله: ﴿فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ [النمل: ٣٥].\nوقال الحطيئة (٤):\nوقد نَظَرْتُكُم إينَاءَ صادرة .... (٥)\nوالناظرُ إلى الشيء يطلبُ إدراك ما يلتمس ببصره، والنظر بالفكر إدراك المعاني.\nويكون النظر بمعنى: التَّعَطُّفِ والرَّحْمَة، كقوله: ﴿وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ\n_________\n= ١/ ٣٩٩، وهو بلا نسبة في \"معاني القرآن\" للأخفش ١/ ٢٤٠، \"أساس البلاغة\" ٢/ ٤٥٤ (نظر) يشبه الشاعر الحسان العبشميات بالظباء المنتصبات، وهو أحسن ما تكون الظباء. والأراك شجر معروف يستاك بعيدانه.\n(١) ينظر: \"البحر المحيط\" ٢/ ١٢٤.\n(٢) في (أ): الأصل.\n(٣) قال الرازي في \"تفسيره\" ٥/ ٢٢٩: وأجمعوا على أنه يجيء بمعنى الانتظار.\n(٤) هو جرول بن أوس من بني قطيعة بن عبس، الشاعر الهجاء الشهير، لقب بالحطيئة لقصره، وهو جاهلي إسلامي أسلم بعد وفاة الرسول - ﷺ -، وتوفي سنة ٤٥ هـ. ينظر: \"الشعر والشعراء\" ص ١٩٩، \"الأعلام\" ٢/ ١١٨\n(٥) وتمامه: للوِردِ طال بها حَوزي وتَنْساسي .. البيت للحطيئة كما في \"اللسان\" ٧/ ٤٤٦٦ (نظر).","vol":"4","page":95},{"text":"الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ﴾ [آل عمران: ٧٧]. ذلك أن الرحمةَ تتبع النظر، فإن الواحدَ منا إذا نظر إلى حال إنسان فرآه في بليةٍ أو شدةٍ رَحِمَهُ، ولو لم ينظر إليه لم تداخله الرحمة، هذا هو الأصل، ثم جعل الرحمة نظرًا.\nويكون النظر بمعنى الاعتبار والتأمل والتدبر، وهو فعل غير متعد، فمن ذلك قوله: ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ﴾ [الفرقان: ٩] ﴿انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ [النساء: ٥٠] ﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [الإسراء: ٢١] وقد يتعدى هذا بالجار، كقوله: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ١٨٥]. وقوله: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ [الغاشية: ١٧]. وقوله: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ﴾ [ق: ٦]، والمراد بالنظر في هذه الآية: نظر الاعتبار، وذلك أن الاعتبار ثاني النظر، كما ذكرنا في الرحمة. والنظر يكون بمعنى المقابلة، تقول العرب: الجبل ينظر إليك أي: يقابلك، وذلك أن الأكثر في باب النظر أن الناظر ينظر فيما يقابله، فلما كان الأكثر في هذا الباب المقابلة سميت المقابلة نظرًا (١).\nوالظُّلَل جمع ظُلَّة: مثل حُلَّة وحُلَلٌ، والظُّلَّة: ما يُسْتَظَلُّ به من الشمس، ويسمى السحابُ ظَلَّةً لأنه يُسْتَظَل بها، ومنه قوله: ﴿عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ﴾ [الشعراء: ١٨٩]، أراد: غيمًا تحته سموم (٢).\nومعنى الآية: هل ينتظر التَاركونَ الدخولَ في السَّلْم والمتبعون\n_________\n(١) ينظر في معاني النظر \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٦٠٣ - ٣٦٠٦، \"المفردات\" ص٤٩٩ - ٥٠٠، \"اللسان\" ٧/ ٤٤٦٥ - ٤٤٦٨ (نظر).\n(٢) ينظر: \"تفسير الطبري\" ٢/ ٣٢٧ - ٣٢٨، \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٢٤٥ - ٢٢٤٨ (ظل)، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٦٨٣، \"المفردات\" ٣١٧، \"المحرر الوجيز\" ٢/ ٢٠٠، \"اللسان\" ٥/ ٢٧٥٣ - ٢٧٥٦ (ظلل).","vol":"4","page":96},{"text":"خطوات الشيطان إلا العذاب يوم القيامة، يريد: أنه لا ثواب لهم، فلا ينتظرون إلا العذاب (١).\nفإن قيل: إنهم لا ينتظرون العذاب، ولو انتظروا العذاب لدخلوا في السلم كافة؟ قيل: انتظارهم العذاب يكون في الآخرة، يوم القيامة يعلمون أنهم لا ثواب لهم فلا ينتظرون إلا العذاب، أو نقول: قد ذكرنا أن هذا استفهام معناه النفي، بمعنى: ما ينتظرون، ويكون هذا خبرًا بمعنى النهي، أي: لا تنتظروا بعد تكذيب محمد - ﷺ - إلا العذاب، وذكرنا عن صاحب النظم وجهًا آخر في نظير هذه الآية في سورة النحل.\nوفي قوله تعالى ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ وجهان: أحدهما: أن هذا من بابِ المضاف، أذ يأتيهم عذابُ الله، أو أمرُ الله، أو آياتُ الله، فجعل مجيء الآيات والعذاب مجيئًا له، تفخيمًا لأن العذاب وتعظيمًا له.\nوالثاني: أن المعنى: هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله بما وعدهم من العذاب والحساب، فحذف ما يأتي به تهويلًا عليهم، إذ لو ذكر ما يأتي به كان أسهل عليهم في باب الوعيد، وإذا لم يذكرْ كان أبلغ لانقسام\n_________\n(١) ينظر: \"تفسير الطبري\" ٢/ ٣٢٩ - ٣٣٠، \"تفسير البغوي\" ١/ ٢٤١، \"تفسير ابن كثير\" ١/ ٢٦٦، وقد رد الطبري ﵀ ٢/ ٣٣١ قول قتادة في تأويله: والملائكة، أنه يعني به الملائكة تأتيهم عند الموت، بدلالة بعض الأحاديث الواردة التي تدل على أن إتيانهم إنما يكون بعد قيام الساعة في موقف الحساب حين تشقق، وبمثل ذلك روي الخبر عن جماعة من الصحابة والتابعين. اهـ-. وإذا كان قول قتادة مردودا بذلك فمن باب أولى ما روي عن بعضهم: أن هذا الوعيد إنما هو في الدنيا. ينظر: \"المحرر الوجيز\" ٢/ ٢٠٠.","vol":"4","page":97},{"text":"وخواطرهم وذهاب فكرتهم في كل وجه، ومثله قوله: ﴿فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا﴾ [الحشر: ٢]، أي: أتاهم بخذلانه إياهم (١).\n_________\n(١) ينظر في ذكر هذه الأقوال: \"تفسير الطبري\" ٢/ ٣٢٩، \"المحرر الوجيز\" ٢/ ٢٠٠، والقول الصحيح مذهب السلف الصالح من إثبات الصفات لله تعالى على الوجه اللائق به، من غير تحريف ولا تكييف، ولا تمثيل ولا تعطيل، مع الإقرار بمعناها، وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (٢١) وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر:٢١ - ٢٢]، وكقوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ [الأنعام: ١٥٨]، وقد ساق الطبري في ٢/ ٣٢٧ - ٣٣١، وابن أبي حاتم ٢/ ٣٧٢ - ٣٧٣، والثعلبي ٢/ ٦٨٣ - ٦٨٧، أخبارا وآثارا كثيرة تدل على مجيء الله تعالى يوم القيامة لفصل القضاء مجيئا حقيقيا، قال ابن سريج كما نقل الذهبي في \"الأربعين في صفات رب العالمين\" ص ٩٥: وقد صح عند جميع أهل السنة إلى زماننا أن جميع الأخبار الصادقة عن رسول الله - ﷺ - يجب على المسلم الإيمان بكل واحد منها، كما ورد مثل قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾، اعتقادنا فيه وفي الآي المتشابهة أن نقبلها، فلا نتأولها بتأويل المخالفين، ولا نحملها على تشبيه المشبهين، ونسلم الخبر لظاهره، والآية لظاهر تنزيلها. وينظر: \"مختصر العلو\" للذهبي ٢٢٦ ص، وقال الصابوني في \"عقيدة السلف أصحاب الحديث\" ص ١٩١: ويثبت أصحاب الحديث نزول الرب سبحانه كل ليلة إلى السماء الدنيا، من غير تشبيه له بنزول المخلوقين ولا تمثيل ولا تكييف، بل يثبتون له ما أثبته رسول الله - ﷺ - وينتهون فيه إليه، ويمرون الخبر الصحيح الوارد بذكره على ظاهره، ويكلون علمه إلى الله ﷿، وكذلك يثبتون ما أنزله -عز اسمه- في كتابه من ذكر المجيء والإتيان المذكورين في قوله ﷿: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ﴾، وقوله عز اسمه: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾. وينظر: \"الحجة في بيان المحجة\" ٢/ ١٢٣، و\"تفسير أبي المظفر السمعاني\" ٢/ ٦٠، و\"تفسير البغوي\" ١/ ٢٤١، و\"الفتاوى\" لابن تيمية ١٦/ ٤٠٩، و\"اجتماع الجيوش الإسلامية\" ص ١٩٩، و\"تفسير ابن كثير\" ١/ ٢٦٦.","vol":"4","page":98},{"text":"وفي قوله: ﴿ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ وجهان أيضًا:\nأحدهما: أن العذاب يأتي فيها ويكون أهول، كقوله: ﴿عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ﴾ [الشعراء: ١٨٩].\nوالثاني: أن ما يأتيهم من العذاب يأتي في أهوال مفظعة، فشبه الأهوال بالظلل من الغمام، كقوله: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ﴾ [لقمان: ٣٢] (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾ أي: فُرغَ لهم مما كانوا يوعدون، بأن قدر عليهم ذلك وأعد لهم (٢). وذكرنا معنى القضاء فيما تقدم (٣).\nوقوله تعالى: ﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ اختلف القراء في (ترجع) (٤)، فقرأ بعضهم: بفتح التاء وكسر الجيم، بنى الفعل للفاعل، كقوله ﴿أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾ [الشورى: ٥٣].\nوقوله: ﴿إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ﴾ [الغاشية: ٢٥]، و﴿إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ﴾ [المائدة:\n_________\n(١) ينظر: \"التفسير الكبير\" ٥/ ٢٣٤، \"البحر المحيط\" ٢/ ١٢٤. والغمام: السحاب الأبيض الرقيق، سمي غماما، لأنه يغم، أي: يستر، قال ابن عباس: يأتي الله ﷿ يوم القيامة في ظلل من السحاب وقد قطعت طاقات، وقال مجاهد: هو غير السحاب، ولم يكن إلا لبني إسرائيل في تيههم، وهو الذي يأتي الله فيه يوم القيامة، وقد ذكر المؤلف هذين الوجهين بناء على ما قرره من تأويل صفة الإتيان لله تعالى. تنظر: المراجع السابقة.\n(٢) ينظر: \"تفسير الطبري\" ٢/ ٣٣١، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٦٩٢، \"تفسير البغوي\" ١/ ٢٤١، \"المحرر الوجيز\" ٢/ ٢٠١، \"البحر المحيط\" ٢/ ١٢٥.\n(٣) ينظر تفسير [البقرة: ٢٠٠].\n(٤) قرأ ابن كثير وأبو عمرو ونافع وعاصم بضم التاء، وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي بفتح التاء، وروى خارجة عن نافع أنه قرأ: وإلى الله يُرجع الأمور، بالياء مضمومة في سورة البقرة ولم يروه غيره ينظر السبعة ص ١٨١، \"الحجة\" ٢/ ٣٠٤.","vol":"4","page":99},{"text":"٤٨] أضاف المصدر إلى الفاعل (١). وقرأ بعضهم: بضم التاء وفتح الجيم، بنى الفعل للمفعول به، كقوله: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ﴾ [الأنعام: ٦٢]، وقوله: ﴿وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي﴾ [الكهف: ٣٦] (٢).\nومعنى قوله: ﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ أي: في الخير من الثواب والعقاب، وذلك أن العباد في الدنيا لا يجازون على أعمالهم، ثم إليه يصيرون، فيعذب من يشاء، ويرحم من يشاء (٣).\nقال ابن الأنباري: إن الأمور لم تخرج من يديه، ولكن العباد في الدنيا لا يجازون على أعمالهم بما يستحقون من الثواب والعقاب، ولا يُرزقون بمقدار الطاعة، ولا يُفَتَّر عليهم على حسب المعصية، بل الثواب والعقاب والجزاء والحساب في الآخرة، فقال الله تعالى: ﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ يعني: أنه كان يجازي عليها وُيثِيْبُ ويُعَاقب، إذ كانوا في الدنيا لا يلحقهم من هذه الأشياء شيءٌ. ويكون المعنى على أن الله مَلَّك عبيده في الدنيا الأموالَ والتصرفَ فيها، ثم يرجع الأمر في ذلك كله إلى الله تعالى في الآخرة، فلا يملك أحدٌ شيئًا (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-429>٢١١ </span>- قوله تعالى: ﴿سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ الآية، ﴿سَلْ﴾ كان في الأصل: اسأل، فتركت الهمزة التي هي عين الفعل؛ لكثرة الدور في الكلام\n_________\n(١) من \"الحجة\" ٢/ ٣٠٥ بتصرف.\n(٢) من \"الحجة\" ٢/ ٣٠٤ - ٣٠٥، وقال: والمعنى في بناء الفعل للمجهول كالمعنى في بناء الفعل للفاعل.\n(٣) ينظر: \"تفسير الطبري\" ٢/ ٣٣١.\n(٤) ينظر: \"تفسير الطبري\" ٢/ ٣٣١ - ٣٣٢، \"المحرر الوجيز\" ٢/ ٢٠١، \"البحر المحيط\" ٢/ ١٢٥.","vol":"4","page":100},{"text":"تخفيفًا، ونقلت حركتها إلى الساكن الذي قبلها، فاستغنيت عن ألف الوصل.\nوقال قطرب: يقال: سَال يَسَال، مثل: زأر الأسد يزأر، وسال يسال يسل، مثل: خاف يخاف، والأمر منه: سَلْ، مثل: خَفْ (١).\nوبهذه اللغة قرأ نافع (٢) وابن عامر ﴿سَأَلَ سَائِلُ﴾ [المعارج: ١] (٣)، على وزن: قال وكال.\nوقوله: ﴿كَمْ﴾ هو اسم مبني على السكون موضوع للعدد، يقال: إنه من تأليف (كاف) التشبيه إلى (ما)، ثم قصرت (ما)، وسكنت الميم، وبنيت على السكون لتضمنها حرف الاستفهام، ويعمل فيه ما بعده من العوامل، ولا يعمل فيه ما قبله سوى ما يجر، وهو في موضع نصب هاهنا بـ (أتيناهم)، وأكثر لغة العرب الجرُّ به عند الخَبَر، والنصبُ عند الاستفهام، ومن العرب من ينصب به في الخبر ويجر في الاستفهام (٤).\n_________\n(١) ينظر: \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ١٢٤ - ١٢٥، \"التبيان\" للعكبري ص ١٢٩، وقال: وفيه لغة ثالثة وهي إسل، حكاها الأخفش، ووجهها أنه ألقى حركة الهمزة على السين وحذفها، ولم يعتد بالحركة لكونها عارضة، فلذلك جاء بهمزة الوصل، كما قالوا: كحمر، \"البحر المحيط\" ٢/ ١٢٦، \"الدر المصون\" ٢/ ٣٦٦.\n(٢) هو أبو رويم نافع بن عبد الرحمن بن أبي نعيم الليثي مولاهم، المقرئ المدني، أحد الأعلام والقراء السبعة المشهورين، توفي سنة ١٦٩ هـ ينظر: \"معرفة القراء الكبار\" ١/ ١٠٧، \"النشر\" ١/ ١١٢.\n(٣) قرأ نافع وابن عامر: سال، غير مهموز، والباقون بالهمز، وكلهم قرأ: سائل، بالهمز بلا اختلاف. ينظر: \"السبعة\" ص٦٥٠.\n(٤) ينظر في عمل كم: \"الكتاب\" لسيبويه ٢/ ١٥٦ - ١٦٨، \"مغني اللبيب\" ٢٤٣، وبين أن الاستفهامية والخبرية يشتركان في خمسة أشياء ويفترقان في مثلها أيضا، \"الدر المصون\" ٢/ ٣٧٠ واختار أن الصحيح فيها أنها بسيطة وليست مركبة، وينظر في =","vol":"4","page":101},{"text":"ومعنى السؤال هاهنا: تبكيتٌ للمسؤول عنه وتقريع له، لا تَعَرُّفٌ منه، كما يقال: سله كم أنعمت عليه فكفر نعمتي! وكم حذرته فلم ينته! كذلك هؤلاء، أنعم الله عليهم نعمًا من فَلْقِ البحر لهم، وإنجائهم من عدوهم، وأنزل عليهم المَنَّ والسلوى، فكفروا بهذه النعم حتى لم يؤمنوا بمحمد - ﷺ -، ولم يبينوا نعته (١)، ولهذا قال بعضهم: في الآية إضمار واختصار، تقديره: سلهم كم آتيناهم من آية بينةٍ فكفروا بها، ويدل على هذا الإضمار قوله: ﴿وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ﴾ يعني: أنهم بدلوا بالكفر بها، وترك الشكر لها (٢).\nوالتبديل: تصيير الشيء على غير ما كان (٣)، ونذكر الكلام فيه مستقصى عند قوله: ﴿بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ [النساء: ٥٦] إن شاء الله. والله تعالى هو الذي يبدل النعمة نقمة إذا كُفِرَت ولم يُعْرف حقها، ولكن أضاف التبديل إليهم؛ لأنه بسبب من جهتهم، وهو ترك الشكر والقيام بحقها (٤)، ثم بين حكم من بَدّل بباقي الآية.\nوفي قوله: ﴿شَدِيدُ العِقَابِ﴾ إضمار، يريد: شديد العقاب له (٥).\n_________\n= إعرابها هنا: \"التبيان\" ص ١٢٩، \"البحر المحيط\" ٢/ ١٢٦، \"الدر المصون\" ٢/ ٣٦٦ - ٣٦٧، وذكروا وجها آخر وهو الرفع بالابتداء (وآتيناهم) خبرها، وضعفه سيبويه وأبو حيان.\n(١) ينظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٨١، \"المحرر الوجيز\" ٢/ ٢٠٢، \"البحر المحيط\" ٢/ ١٢٦، وذكر في \"زاد المسير\" ١/ ٢٢٧ قولًا آخر وهو أن المراد بالاستفهام التقرير والإذكار بالنعم.\n(٢) ينظر: \"التفسير الكبير\" ٦/ ٣.\n(٣) ينظر: \"المفردات\" ص ٥٠.\n(٤) ينظر: \"التفسير الكبير\" ٦/ ٤.\n(٥) قال في \"التبيان\" ص ١٣٠: ومن يبدل: في موضع رفع بالابتداء، والعائد الضمير في يبدل، وقيل: العائد محذوف تقديره: شديد العقاب له.","vol":"4","page":102},{"text":"والعقاب يَعْقُبُ الجُرْمَ (١).\nوقال ابن عباس في رواية عطاء: ﴿سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ يريد: الذين آمنوا بالله ﴿كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ﴾ يريد ما أعطى موسى ﴿وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ﴾ يريد: من تخلف من الإيمان من قريظة والنضير وبني إسرائيل (٢)، فعلى هذا: السؤال راجع إلى مؤمني أهل الكتاب.\nوقال مجاهد (٣): النعمة في هذه الآية يراد بها: الحججُ والبراهينُ التي تدل على صحة أمر النبي - ﷺ - ونبوته، مما في كتابهم، وتبديلهم إياها: تغييرهم نعتَه وصفتَه وذكَره، وهذا الوجه اختيار الزجاج (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-430>٢١٢ </span>- قوله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ الآية، إنما لم يقل: (زينت)؛ لأن الحياة مصدر، فذهب إلى تذكير المصدر، كقوله: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ [البقرة: ٢٧٥] ﴿وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾ [هود:\n_________\n(١) ينظر: \"المحرر الوجيز\" ٢/ ٢٠٣.\n(٢) تقدم الحديث عن رواية عطاء في المقدمة.\n(٣) قال ابن عطية في \"المحرر الوجيز\" ٢/ ٢٠٢: ونعمة الله، لفظ عام لجميع أنعامه، ولكن يقوي من حال النبي - ﷺ - معهم أن المشار إليه هنا محمد - ﷺ -، فالمعنى: ومن يبدل من بني إسرائيل صفة نعمة الله، ثم جاء اللفظ منسحبا على كل مبدل نعمة لله تعالى، وقال الطبري: النعمة هنا الإسلام، وهذا قريب من الأول، ويدخل في اللفظ أيضا كفار قريش الذين بعث محمد منهم نعمة عليهم فبدلوا قبولها والشكر عليها كفرًا، والتوراة أيضًا نعمة على بني إسرائيل أرشدتهم، وهدتهم فبدلوها بالتحريف لها، وجحدوا محمدًا - ﷺ -.\n(٤) ذكره الزجاج ١/ ١٨١، وذكر ابن الجوزي ١/ ٢٢٧، أن في المراد بتبديل النعمة ثلاثة أقوال: أحدها: أنه الكفر بها، قاله أبو العالية ومجاهد. والثاني: تغيير صفة النبي - ﷺ - في التوراة قاله أبو سليمان الدمشقي. والثالث: تعطيل حجج الله بالتأويلات الفاسدة.","vol":"4","page":103},{"text":"٦٧] هذا قول الفراء (١).\nوقال الزجاج: تأنيث الحياة ليس بحقيقي، لأن معنى الحياة والعيش والبقاء واحد، وكأنه قال: زين للذين كفروا البقاء (٢).\nوقال ابن الأنباري: إنما لم يقل: (زينت)، لأنه فصل بين زين وبين الحياة بقوله: ﴿لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾، وإذا فصل بين فعل المؤنث وبين الاسم بفاصل حسن تذكير الفعل؛ لأن الفاصل يكفي من تاء التأنيث (٣)، ويقال: من الذي زين لهم؟ قيل: فيه قولان:\nأحدهما: زَيَّنَها لهم إبليس بما يمنيهم ويعدهم من شهواتها، قاله ابن كيسان والزجاج (٤).\nوالقول الثاني: أن الله تعالى زَيَّنَها لهم حين بَسَطَها وَوَسَّعَها عليهم، فهي هَمُّهم وطَلِبَتُهْم ونِيَّتُهم وهم لا يريدون غيرها، كقوله: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [النجم: ٢٩] وإنما فعل الله ذلك بهم\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ١٢٥، وقال: فأما في الأسماء الموضوعة فلا تكاد العرب تذكر فعل مؤنث، إلا في الشعر لضرورته، وقد يكون الاسم غير مخلوق من فعل، ويكون فيه معنى تأنيث، وهو مذكر فيجوز فيه تأنيث الفعل وتذكيره على اللفظ مرة وعلى المعنى مرة، ومن ذلك قوله ﷿: ﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ﴾ [الأنعام ٦٦] ولم يقل: كذبت، ولو قيلت لكان صوابا، كما قال ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ﴾ [الشعراء ١٠٥].\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٨١، وقد ذكر أيضا العلة التي ذكرها ابن الأنباري بعد.\n(٣) ينظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٨١، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٧٠٢، \"البحر المحيط\" ٢/ ١٢٩، قال: وقرأ ابن أبي عبلة: زينت، بالتاء وتوجيهها ظاهرة لأن المسند إليه الفعل مؤنث. وينظر: \"الدر المصون\" ٢/ ٣٧١.\n(٤) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٨٢.","vol":"4","page":104},{"text":"للابتلاء، كما قال: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ﴾ [الكهف: ٧] ويدل على هذا قراءة حميد (١) (زَيَّنَ للذين كفروا) بفتح، الزاي (٢) يعني الله تعالى (٣).\nوقوله تعالى: ﴿وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يقال: سخر منه سُخريَّة، وسُخريًّا، وسَخَرًا، وسُخْرًا، قال الأعشى:\n..... لا عَجَبٌ منه ولا سُخْرُ (٤)\nويروى: ولا سَخَرَ، ومعنى السُّخْرِية: الإيهام للشيء والانطواء على خلافه (٥).\n_________\n(١) هو حميد بن قيس المكي الأعرج، أبو صفوان القارئ، قال ابن حجر. ليس به بأس، من السادسة مات سنة مائة وثلاثين، وقيل بعدها. روى له الجماعة. ينظر: \"تقريب التهذيب\" ص ١٨٢ (١٥٥٦).\n(٢) وبها قرأ أبي بن كعب، والحسن ومجاهد وابن محيصن وابن أبي عبلة وأبو حيوة. ينظر: \"المحرر الوجيز\" ٢/ ٢٠٣، \"زاد المسير\" ١/ ٢٢٨.\n(٣) ينظر في ذكر الأقوال: \"تفسير البغوي\" ١/ ٢٤٢، \"المحرر الوجيز\" ٢/ ٢٠٣، \"البحر المحيط\" ٢/ ١٢٩ قال البغوي: الأكثرون على أن المزين هو الله تعالى، والتزيين من الله تعالى هو أنه خلق الأشياء الحسنة والمناظر العجيبة، فنظر الخلق إليها بأكثر من قدرها فأعجبتهم ففتنوا بها. وقال ابن عطية جامعا بين القولين: المزين هو خالقها ومخترعها وخالق الكفر، ويزينها أيضا الشيطان بوسوسته وإغوائه. وينظر: \"زاد المسير\" ١/ ٢٢٨.\n(٤) تمام البيت:\nإني أتتني لسان لا أسر بها ... من عَلوَ لا عجبٌ منها ولا سُخْر\nقال ذلك لما بلغة خبر مقتل أخيه المنتشر، والتأنيث للكلمة. ينظر: \"اللسان\" ٤/ ١٩٦٣ (سخر).\n(٥) ينظر: \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٦٥٠، \"المفردات\" ٢٣٣، \"اللسان\" ٤/ ١٩٦٣ (سخر)، ونقل في \"التهذيب\" عن الفراء قوله: سخِرتُ منه، ولا تقل سخرت به، قال الله تعالى: ﴿لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ﴾ [الحجرات ١١]، وقال ابن السكيت: تقول:=","vol":"4","page":105},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَيَسْخَرُونَ﴾ مستأنف غير معطوف على ﴿زُيِّنَ﴾، ولا ينكر استئناف المستقبلِ بعد الماضي، وذلك أن الله تعالى خبر عنهم بـ ﴿زُيِّنَ﴾ وهو ماض، ثم خبر عنهم بعد ذلك بفعل يديمونه ويستقبلونه، فقال: ﴿وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي: يسخرون من فقراء المؤمنين ويعيرونهم بالفقر (١).\nقال ابن عباس في رواية أبي صالح: نزلت في مشركي العرب، كانوا يتنعمون بما بسط لهم في الدنيا من المال، ويسخرون من فقراء المؤمنين الذين يرفضون الدنيا (٢)، وقال في رواية عطاء: نزلت في رؤساء اليهود وعلمائهم من بني قريظة والنضير وقينقاع، سخروا من المهاجرين حيث أخرجوا من ديارهم وأموالهم (٣).\n_________\n= سخرت من فلان، فهذه اللغة الفصحية قال الله تعالى: ﴿فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ﴾ [التوبة: ٧٩].\n(١) ينظر: \"التفسير الكبير\" ٦/ ٧، \"البحر المحيط\" ٢/ ١٣٠، وذكر أنها خبر مبتدأ محذوف تقديره، وهو يسخرون، وقيل الجملة الفعلية معطوفة على الجملة الفعلية، ولا يلحظ فيها عطف الفعل على الفعل؛ لأنه كان يلزم اتحاد الزمان، وإن لم يلزم اتحاد الصيغة، قال: وصدرت الأولى بالفعل الماضي لأنه أمر مفروغ منه، فليس أمرًا متجددًا، وصدرت الثانية بالمضارع لأنها حالة تتجدد كل وقت. وينظر: \"الدر المصون\" ٢/ ٣٧١ - ٣٧٣.\n(٢) ذكره الثعلبي ٢/ ٦٩٨ من رواية الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس، وهذا إسناد ضعيف جدًّا، وذكر البغوي ١/ ٢٤٢، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ١/ ٢٢٨، والسمعاني في \"تفسيره\" ٢/ ٢٦٣، والرازي في \"تفسيره\" ٦/ ٥، \"البحر المحيط\" ٢/ ١٢٩، وعزاه أبو الليث في \"بحر العلوم\" ١/ ١٩٨ إلى الكلبي، وقد روى الطبري ٢/ ٣٣٤، نحوه عن عكرمة.\n(٣) تقدم الحديث عن هذه الرواية في المقدمة وقد ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ١٠٧ =","vol":"4","page":106},{"text":"وقوله تعالى ﴿وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ قال مقاتل: والذين اتقوا الشرك وهم هؤلاء الفقراء (١)، وقال غيره: والذين اتقوا الله في عهدهِ وأمرهِ فوق الذين سخروا منهم (٢)، يعني: بارتفاع حججهم على حجج الكفار، لأن في القيامة تعلو حجج المؤمنين، ويلزم الذُّلُّ الكافرين (٣).\nقال الزجاج (٤) وابن الأنباري: يجوز أن يكون (فوق) يدل على علو موضع المؤمنين على موضع الكافرين (٥)؛ لأن المؤمنين في الجنة، والجنة عالية، والكافرين في النار، والنار هاوية، فوصف المؤمنين بأنهم فوق الكفار، وإن لم يكن للكفار موضع يوصف بالفوقية، كما قال: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا﴾ [الفرقان: ٢٤] وإن لم يكن في مستقر أهل النار خير. وقال بعض أهل المعاني: أراد: أن حالهم في الآخرة فوق حال هؤلاء الكفار في الدنيا، وعلى هذا يتوجه قوله: ﴿خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا﴾ يعني: أن مستقرهم في الآخرة خير من مستقر هؤلاء الذين اغتبطوا به في\n_________\n= من قول عطاء، وكذا البغوي في \"تفسيره\" ١/ ٢٤٢، \"زاد المسير\" ١/ ٢٢٨، و\"تفسير الرازي\" ٦/ ٥، \"البحر المحيط\" ٢/ ١٢٩، وقال مقاتل في \"تفسيره\" ١/ ١٨١ عند قوله: ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾: نزلت في المنافقين: عبد الله بن أبي وأصحابه، ﴿وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾، في أمر المعيشة بأنهم فقراء نزلت في عبد الله بن ياسر المخزومي وصهيب، وفي نحوهم من الفقراء.\n(١) \"تفسير مقاتل\" ١/ ١٨١.\n(٢) ذكره في \"الوسيط\" ١/ ٣١٥، وينظر: \"تفسير الطبري\" ٢/ ٣٣٣ - ٣٣٤.\n(٣) ينظر: \"زاد المسير\" ١/ ٢٢٨، \"التفسير الكبير\" ٦/ ٨.\n(٤) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٨٢، وينظر: \"تفسير البغوي\" ١/ ٢٤٢، \"المحرر الوجيز\" ٢/ ٢٠٤، \"زاد المسير\" ١/ ٢٢٨، \"التفسير الكبير\" ٦/ ٨.\n(٥) من قوله: قال الزجاج ساقط من (أ) و(م).","vol":"4","page":107},{"text":"الدنيا (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء: يريد أن أموال قريظة والنضير تصير إليكم بلا حساب ولا قتال بأسهل شيء وأيسره (٢)، فيكون على هذا: والله يرزق من يشاء بغير تقدير من المرزوق للرزق، فيصير إليه ما لم يكن يحتسبه ولم يؤمله، ويكون ذلك من أهنأ العطاء وأحلا الأرزاق، لذلك مدح الله نفسه بهذا.\nوقال في رواية لأبي صالح: يعني: كثيرًا بغير فوت ولا مقدار؛ لأن كل ما دخل عليه الحساب فهو قليل (٣). وقال الضحاك: يعني من غير تبعة في الدنيا ولا حساب في الآخرة (٤)، دليله قوله: - ﷺ -: \"يدخل الجنة سبعون ألفًا من أمتي بغير حساب\" (٥).\nوقال مقاتل: يرزق من يشاء حين بسط للكافرين في الرزق، وقتّر على\n_________\n(١) ينظر: \"المحرر الوجيز\" ٢/ ٢٠٤ - ٢٠٥، \"زاد المسير\" ١/ ٢٢٨، \"التفسير الكبير\" ٦/ ٨، وذكر ابن عطية أن هذه الاحتمالات المذكورة حفظ لمذهب سيبويه والخليل في أن التفضيل إنما يجيء فيما فيه شركة، والكوفيون يجيزونه حيث لا اشتراك.\n(٢) هذا من تتمة الخبر السابق، عن عطاء، وقد تقدم تخريجه آنفا. وينظر في: \"البحر المحيط\" ١/ ١٣١، \"غرائب النيسابوري\" ٢/ ٣٠١، \"الوسيط\" للواحدي ١/ ٣١٥.\n(٣) ذكره عنه الثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ٧١٢، \"البغوي\" في \"تفسيره\" ١/ ٢٤٣، وروى ابن أبي حاتم ٢/ ٣٧٥ عن ابن عباس في تفسيرها قوله: ليس على الله رقيب ولا من يحاسبه.\n(٤) ذكره عنه الثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ٧١٣، \"البغوي\" في \"تفسيره\" ١/ ٢٤٣.\n(٥) رواه البخاري (٦٠٥٩) كتاب الرقاق، باب: يدخل الجنة سبعون ألفا بغير حساب، (٥٢٧٠) كتاب الطب، باب: من اكتوى أو كوى غيره وفضل من لم يكتو، ومسلم (٣١٧) كتاب الإيمان، باب: الدليل على دخول طوائف من المسلمين الجنة.","vol":"4","page":108},{"text":"المؤمنين، ﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ يعني: ليس فوقي من يحاسبني، لي الملك أعطي من شئت بغير حساب (١). وهذا معنى قول الحسن (٢)؛ لأنه قال: ﴿وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ لا يسأل عما يفعل. هذا الذي ذكرنا هي أقوال المفسرين.\nولأصحاب المعاني أقوال (٣) في هذا:\nأحدها: أن ما يعطي الله تعالى العبد على نوعين: ما يستحقه بعمله، ومنه ما يعطيه من فضله ابتداءً من غير استحقاق بعمل، كقوله تعالى ﴿فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: ١٧٣] فقوله: ﴿وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ يعني: ما يتفضل به لا على حساب العمل.\nوالثاني: لا يخاف نفاد ما عنده فيحتاج إلى حساب ما يخرج منه، إذ كان الحساب من المعطي إنما يكون ليعلم ما يعطي وما يبقى ولا يتجاوز في عطائه إلى ما يجحف به، والله تعالى لا يحتاج إلى الحساب؛ لأنه عالم غني لا يتناهى لمقدوره ولا يخاف نفاد ما عنده (٤).\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ١/ ١٨١، ونقله في \"البسيط\" ١/ ٣١٥.\n(٢) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٣١٥، وينظر: \"البحر المحيط\" ٢/ ١٣١، \"غرائب النيسابوري\" ٢/ ٣٠١.\n(٣) ينظر في هذه الأوجه: \"تفسير الطبري\" ٢/ ٣٣٤، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٧١٣، و\"تفسير السمعاني\" ٢/ ٢٦٤، \"النكت والعيون\" ١/ ٢٧٠، \"تفسير البغوي\" ١/ ٢٤٣، \"المحرر الوجيز\" ٢/ ٢٠٥ - ٢٠٦، \"زاد المسير\" ١/ ٢٢٨ - ٢٢٩، \"التفسير الكبير\" ٦/ ٩ - ١٠، وقد ذكر ثمانية أوجه، إذا كان المراد به عطاء الآخرة، وثلاثة إذا حملت الآية على عطاء الدنيا. \"البحر المحيط\" ٢/ ١٣١.\n(٤) روى نحوه عن الربيع بن أنس كما في \"الدر المنثور\" ١/ ٤٣٥، وهذا اختيار الطبري\" ٢/ ٣٣٤، وينظر: \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٧١٣.","vol":"4","page":109},{"text":"والثالث: أنه أراد بهذا رزقَ أهل الجنة، ورَزْقُهم بغير حساب؛ لأنه دائمٌ، كقوله: ﴿فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [غافر: ٤٠] وذلك أن رِزْقَهُم لا يَتَنَاهى، وما لا نهاية له لا حساب له. وقال ابن الأنباري: هذا في الدنيا يرزقُ عباده من غيرِ محاسبةٍ ولا استحقاق، ولو فعل ذلك لخرج الكفار من الأرزاق، فجعل فضله يشملهم، ورزقه يعمهم، بتفضل منه عليهم، وفيهم من لا يستحق الرزق والإحسان، فكان ذلك على غير حساب، لأنه لا يحاسب بالرزق في الدنيا على قدر العمل، وهذا الوجه اختيار الزجاج (١)، وذكرنا معنى الحساب فيما تقدم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-431>٢١٣ </span>- قوله تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ الآية، قال ابن عباس: كان الناس على عهد إبراهيم ﵇ أمةً واحدةً كفارًا كلهم، وولد إبراهيم في جاهلية، فبعث الله إليهم إبراهيم وغيره من النبيين (٢).\nوقال الحسن (٣) وعطاء (٤): كان الناس من وقت وفاة آدم إلى مبعث نوح أمة واحدة على ملة واحدة وهي الكفر، كانوا كفارًا كلهم أمثال البهائم، فبعث الله ﷿ نوحًا وإبراهيم وغيرهما من النبيين.\nقال ابن الأنباري: على هذا القول وإن كان فيما بينهم من لم يكن\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٨٢.\n(٢) رواه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٢/ ٣٧٦ من طريق العوفي، وذكره البغوي في \"تفسيره\" ١/ ٢٤٣، \"الدر المنثور\" ١/ ٤٣٥.\n(٣) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ٧١٤، \"البغوي\" في \"تفسيره\" ١/ ٢٤٣، والواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٣١٥، والرازي في \"تفسيره\" ٦/ ١٣٣، \"غرائب النيسابوري\" ٢/ ٣٠٣.\n(٤) انظر المصادر السابقة.","vol":"4","page":110},{"text":"بهذا الوصف نحو: هابيل وإدريس، فإن الغالب كان الكفر، والحكم للأغلب والأعم، ولا يعتد بالقليل في الكثير، كما لا يعتد بالنبيذ القليل من الشعير في البر الكثير.\nوقال الكلبي (١) والواقدي (٢): هم أهل سفينة نوح، كانوا مؤمنين كلهم، ثم اختلفوا بعد وفاة نوح فبعث الله النبيين.\nوقال ابن زيد (٣): لم يكونوا أمة واحدة إلا يومًا من الدهر، يذهب إلى الوقت الذي أخرجهم الله فيه من صلب آدم في صورة الذَّرِّ، حين قال لهم تعالى: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢].\nوهذا القول مروي عن أبي بن كعب (٤)، وعلى هذين القولين يحتاج في الآية إلى إضمار، كأنه قال: كان الناس أمة واحدة فاختلفوا فبعث الله، وهكذا في قراءة أبيٍّ (٥) وابن مسعود (٦).\nوحكى الزجاج عن بعض أهل اللغة قال: كان كلُّ من بعث إليه الأنبياء كفارًا (٧)، يريد: أن أمم الأنبياء الذين بعثوا إليهم كانوا كفارًا، كما\n_________\n(١) ذكره عنه الثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ٧١٥، \"البغوي\" في \"تفسيره\" ١/ ٢٤٣، والقرطبي في \"تفسيره\" ٣/ ٢٢.\n(٢) ذكره عنه الثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ٧١٦، والقرطبي في \"تفسيره\" ٣/ ٢٢، وقد استظهر محقق \"تفسير الثعلبي\" أن المراد بالواقدي هنا: علي بن الحسين بن واقد القرشي ت ٢١١، وله تفسير رواه الثعلبي وصرح به في مقدمة \"تفسيره\".\n(٣) رواه عنه الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٣٣٦.\n(٤) رواه عنه الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٣٣٥، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٢/ ٣٧٦، وينظر: \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٧١٧، \"الدر المنثور\" ١/ ٤٣٥.\n(٥) ينظر: \"تفسيرالثعلبي\" ٢/ ٧١٧.\n(٦) ينظر: \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٧١٧، \"الكشاف\" ١/ ٢٥٥، \"المحرر الوجيز\" ٢/ ٢٠٩.\n(٧) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٨٤.","vol":"4","page":111},{"text":"كانت هذه الأمة قبل مبعث محمد - ﷺ -.\nوقال محمد بن إسحاق: ولدت حواء لآدم أربعين ولدًا ذكرًا وأنثى، في عشرين بطنًا، وكانوا أمة مسلمين فاختلفوا حين قتل أحد ابني آدم أخاه (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ﴾ أي: الكتب، اسم الجنس أريد به الجمع (٢).\nوقوله تعالى: ﴿بِالْحَقِّ﴾ أي: بالعدل والصدق، وما فيه من البيان عن الحق من الباطل (٣).\nوقوله تعالى: ﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ﴾ قال أهل المعاني: هذا مجاز وتوسع، وحقيقته ليحكم منزل الكتاب، إلا أنه جعل اللفظ على الكتاب تفخيمًا له لما فيه من البيان (٤).\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ﴾ الكناية راجعة إلى الكتاب، والمراد بالكتاب المختلف فيه: التوراة والإنجيل (٥).\nوقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ﴾ يعني: اليهود والنصارى، وهم الذين\n_________\n(١) ينظر: \"السيرة النبوية\" لابن هشام، والذي في \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٧١٧ - ٧١٨، وقال مجاهد ومحمد بن إسحاق بن يسار: كان الناس أمة واحدة، يعني: آدم وحده، سمى الواحد بلفظ الجمع؛ لأنه أصل النسل، ثم خلق الله تعالى حواء ونشر منهما الناس، فكانوا مسلمين كلهم إلى أن قتل هابيل فاختلفوا حينئذ فبعث الله النبيين. وينظر قول مجاهد في \"تفسيره\" ١/ ١٠٤، والطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٣٣٥.\n(٢) ينظر: \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٧٢٣، \"الكشاف\" ١/ ٢٥٦، \"المحرر الوجيز\" ٢/ ٢٠٦.\n(٣) ينظر: \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٧٢٣.\n(٤) ينظر: \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٧٢٤، \"تفسير القرطبي\" ٣/ ٣٢.\n(٥) ينظر: \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٧٢٤.","vol":"4","page":112},{"text":"أوتوا الكتاب، والله تعالى كثيرًا ما يذكرهم في القرآن بهذا اللفظ، كقوله: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥]، كأنه قال: وما اختلف في الكتاب إلا اليهود والنصارى (١).\nواختلافهم: كفر بعضهم بكتاب بعض بغيًا وحسدًا. ويحتمل أن يكون المراد باختلافهم: تحريفهم وتبديلهم؛ لأن اليهود بدلت التوراة، وعلى هذا المراد اليهود دون النصارى إن لم تبدل النصارى، والوجهان في الاختلاف ذكرهما الفراء (٢).\nوقال بعضهم: الكناية راجعةٌ إلى محمد - ﷺ -، لأنه من جملة النبيين وداخل فيهم، وعلى هذا معنى الآية: وما اختلف في أمر محمد بعد وضوح الدلالات لهم بغيًا وحسدًا إلا اليهود الذين أوتوا الكتاب، وذلك أن المشركين وإن اختلفوا في أمر محمد فإنهم لم يفعلوا ذلك للبغي والحسد، ولم تأتهم البينات في شأن محمد - ﷺ - وصحة نبوته كما أتت اليهود. فاليهود مخصوصون من هذا الوجه الذي ذكرنا (٣)، وهذا اختيار الزجاج، وقال في هذه الآية: لم يوقعوا الاختلاف إلا للبغي؛ لأنهم عالمون بحقيقة أمره في كتبهم (٤)، ويجوز أن تعود الكناية إلى الحق كأنه قال: وما اختلف في الحق، وذلك الحق الذي اختلفوا فيه هو: إما محمد - ﷺ -، وإما كتابهم،\n_________\n(١) ينظر: \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٧٢٥، \"المحرر الوجيز\" ٢/ ٢١٠ - ٢١١.\n(٢) \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ١٣١، وينظر: \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٧٢٥، \"المحرر الوجيز\" ٢/ ٢١١، \"تفسير القرطبي\" ٣/ ٣٢، \"البحر المحيط\" ٢/ ١٣٦ - ١٣٧.\n(٣) ينظر: \"معاني القرآن\" للنحاس ١/ ١٦١، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٧٢٥، \"البحر المحيط\" ٢/ ١٣٦ - ١٣٧.\n(٤) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٨٤.","vol":"4","page":113},{"text":"فيعود المعنى إلى ما ذكرنا.\nوقوله تعالى ﴿فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ أي: إلى ما اختلفوا، كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ [المجادلة: ٣]، ويقال: هديته إلى الطريق وللطريق والطريقَ، قال الله: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا﴾ [الأعراف: ٤٣] (١).\nفإن قيل: ما معنى الهداية إلى ما اختلفوا فيه؟ فالجواب ما قال ابن الأنباري: إن هذا من باب حذف المضاف، أي: فهدى الله الذين آمنوا لمعرفة ما اختلفوا فيه.\nوقال الفراء: هذا من المقلوب، أراد: فهدى الله الذين آمنوا للحق مما اختلفوا فيه، وأنشد:\nإِن سِرَاجًا لكَرِيمٌ مَفْخَرُه ... تَحْلَى به العَيْنُ إذا ما تَجْهَرُه (٢)\nأراد: يَحْلَى بالعين، لأنك تقول: حَلِيْتَ بعيني، فصرف فعل الرجل إلى العين (٣).\nوقال بعضهم: اختلفوا فيه حق لا باطل، فالهداية إليه يصح في المعنى، وذلك أن أهل الكتاب اختلفوا فكفر بعضهم بكتاب بعض، فهدى الله الذين آمنوا بالكتب كلها؛ لأن الكتب المنزلة كلها حق، ألا تري إلى قول ابن زيد في هذه الآية، قال: ثم اختلفوا في القبلة، فصلت اليهود إلى بيت المقدس، وصلت النصارى إلى المشرق، فهدانا الله ﷿ إلى الكعبة، واختلفوا في الصيام، فمنهم من يصوم بعض يوم، ومنهم من يصوم بالليل،\n_________\n(١) ينظر: \"تفسيرالثعلبي\" ٢/ ٧٢٦.\n(٢) البيت غير منسوب، في \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ١٣١.\n(٣) \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ١٣١ - ١٣٢ بمعناه.","vol":"4","page":114},{"text":"فهدانا الله لشهر رمضان، واختلفوا في يوم الجمعة فأخذت اليهود السبت، والنصارى الأحد، فهدانا الله ﷿ له. واختلفوا في إبراهيم، فقالت اليهود: كان يهوديًّا، وقالت النصارى: كان نصرانيًّا، فهدانا الله ﷿ للحق من ذلك، واختلفوا في عيسى، فجعلته اليهود لفرية، وجعلته النصارى ربًّا، فهدانا الله ﷿ فيه للحق (١).\nوقد قال النبي - ﷺ -: \"كتب الله الجمعة على من كان قبلنا فاختلفوا فيها فهدانا الله لها، والناس لنا فيه تبع، اليهود غدًا، والنصارى بعد غدٍ\" (٢).\nوقوله تعالى: ﴿بِإِذْنِهِ﴾ قال عطاء عن ابن عباس: يريد كان ذلك في قضائي وقدري (٣)، وقال بعضهم: بعلمه وإرادته فيهم، وهو قول الزجاج (٤).\nوقال بعض أهل التفسير في قوله: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا اَلَّذِينَ أُوتُوهُ﴾ يعني: أهل كل كتاب اختلفوا فيه بعد ما جاءهم البينات بغيًا بينهم ظلمًا وطلبًا للملك، ورفضوا الحكم بكتابهم، فعصم الله هذه الأمة من نقض حكم كتابها، ومخالفة ما فيه من الأحكام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-432>٢١٤ </span>- قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾ الآية، قال عطاء\n_________\n(١) رواه عنه الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٣٣٩، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٢/ ٣٧٨، والنحاس في \"معاني القرآن\" ١/ ١٦٣، والثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ٧٢٦، وينظر: \"البحر المحيط\" ٢/ ١٣٨، \"الدر المنثور\" ١/ ٤٣٦.\n(٢) أصله في الصحيحين من حديث أبي هريرة، رواه البخاري (٨٧٦) كتاب الجمعة، باب: فرض الجمعة، ومسلم (٨٥٥) كتاب الجمعة، باب: هداية هذه الأمة ليوم الجمعة. وأوله عندهما: \"نحن الآخرون السابقون\".\n(٣) ذكره في \"الوسيط\" ١/ ٣١٧.\n(٤) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٨٥، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٧٢٦.","vol":"4","page":115},{"text":"عن ابن عباس (١): لما دخل رسول الله - ﷺ - المدينة اشتد الضر عليهم؛ لأنهم خرجوا بلا مال، وتركوا ديارهم وأموالهم بأيدي المشركين، وأظهرت اليهود العداوة لرسول الله - ﷺ -، فأنزل الله ﷿ تطييبًا لقلوبهم ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ﴾ الآية (٢)، وقال قتادة (٣) والسدي (٤): نزلت في غزوة الخندق، حين أصاب المسلمين ما أصابهم من الجهد وشدة الخوف، وكان كما قال الله ﷿ ﴿وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾ [الأحزاب: ١٠].\nفقوله: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾ قال الفراء: استفهم بـ (أم) في ابتداء ليس قبله ألف فيكون (أم) ردًا عليه، وذلك يجوز إذا كان قبله كلام يتصل به، ولو كان ابتداء ليس قبله كلام لم يجز ذلك، كقولك للرجل: أعندك خبز؟ لم يجز هاهنا: أم عندك خبز، ولو قلت: أنت رجل لا تُنْصِف أم لك سلطان تُدِلُّ به؟ لجاز ذلك، إذ تقدمه كلام فاتصل به (٥).\n_________\n(١) رواه ابن أبي حاتم عن ابن عباس في \"تفسيره\" ٢/ ٣٧٩، وعزاه في \"الدر المنثور\" ١/ ٤٣٧ إلى ابن المنذر، وعن عطاء ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ٧٢٨، والواحدي في \"أسباب النزول\" ص ٦٨، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ١/ ٢٣١، البغوي في \"تفسيره\" ١/ ٢٤٥، وأبو حيان في \"البحر\" ٢/ ٣٧١.\n(٢) رواه في \"الدر المنثور\" ١/ ٤٣٧ بمعناه، وعزاه إلى ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٢/ ٣٧٩، وابن المنذر. وينظر: \"الوسيط\" ١/ ٣١٧.\n(٣) رواه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ١/ ٨٣، والطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٣٤١، والبيهقي في \"دلائل النبوة\" ٣/ ٤٣٥، وعزاه السيوطي في \"الدر المنثور\" ١/ ٤٣٧ إلى ابن المنذر، وذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ٧٢٧.\n(٤) رواه عنه الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٣٤١، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٢/ ٣٧٩، والثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ٧٢٧.\n(٥) \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ١٣٢، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٧٢٨.","vol":"4","page":116},{"text":"قال ابن الأنباري: (أم) استفهام متوسط، لا يكون إلا بعد كلام، جعلوا للمتوسط لفظًا يخالف لفظ السابق، فكان للسابق (هل) وأخواتها، وللمتوسط (أم) يدل على صحة هذا قوله ﷿: ﴿الم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾ [السجدة: ١ - ٣]، أتى بـ (أم) وسطًا، فجعلها استفهامًا، ولم يَرْدُدْهَا على استفهام متقدم، ومن هذا قول الأخطل:\nكَذَبَتْكَ عينُكَ أم رأيتَ بواسِطٍ ... غَلَسَ الظلامِ من الرباب خَيَالا (١)\nوقال قوم: (أم) هاهنا بمعنى (بل) (٢) وذلك لا يحسن إلا إذا تقدمه استفهام، كقولك: إنها لإبل أم شاء يا فتى، وكما قيل في بيت الأخطل:\nكذبتك عينك أم رأيت ............... البيت.\nوقد استقصينا الكلام في (أم) عند قوله: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا﴾ [البقرة: ١٠٨] الآية.\nوقال بعضهم: أم هاهنا عطفٌ على استفهام متقدم محذوف، تقديره: أعلمتم أن الجنة حفت (٣) بالمكاره، أم حسبتم أن تدخلوا الجنة من غير بلاء ولا مكروه؟ والكلام ما ذكره الفراء وابن الأنباري (٤).\n_________\n(١) البيت في \"ديوانه\" ص ٣٨٥ \"المعجم المفصل\" ٦/ ٧٩.\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٨٥، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٧٢٨.\n(٣) في (أ) (تحف).\n(٤) ينظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٨٥، \"التبيان\" ص ١٣١، واختارا أنها منقطعة، وفي \"البحر المحيط\" ٢/ ١٣٩ ذكر أبو حيان في (أم) هنا أربعة أقوال: الأول: أنها منقطعة بمعنى بل والهمزة. والثاني: أنها متصلة على إضمار جملة قبلها. والثالث: الاستفهام بمعنى الهمزة. والرابع: الإضراب بمعنى بل، قال: والصحيح هو القول الأول.","vol":"4","page":117},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا يَأْتِكُمْ﴾ أي: ولم يأتكم، و(ما) صلة، والفرق بينهما أن (لما) يوقف عليها في مثل قولك: أَقَدم زيد؟ فيقول: (١) (لما)، ولا يجوز: (لم) (٢).\nوقوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا﴾ أي: شبه الذين مضوا من قبلكم من النبيين والمؤمنين، أي: ولما يصبكم مثل الذي (٣) أصابهم، ولم يمتحنوا بمثل الذي امتحنوا فتصبروا، كما صبروا، وهذا استدعاء إلى الصبر (٤).\nوفي الكلام حذف، تقديره: مثل محن الذين، أو مثل مصيبة الذين من قبلكم (٥).\nثم ذكر ما أصابهم، فقال: ﴿مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاء﴾ وهو اسم من البؤس بمعنى الشدة، قال عطاء: يريد: الفقر الشديد، ﴿وَالضَّرَّاءُ﴾: المرض والجوع (٦).\n﴿الْبَأْسَاءُ﴾: نقيض النعماء، والضراء نقيض السراء.\n_________\n(١) في (ش): (تقول).\n(٢) ينظر: \"التبيان\" ص ١٣١، \"البحر المحيط\" ٢/ ١٤٠، \"مغني اللبيب\" ص ٣٦٧، وذكر أنها تفارق (لم) من خمسة أمور:\n١ - أنها لا تقترن بأداة شرط.\n٢ - أن منفيها مستمر النفي إلى الحال، ومنفي لم يحتمل الاتصال والانقطاع.\n٣ - أن معنى (لما) لا يكون إلا قريبا من الحال.\n٤ - أن منفي (لما) متوقع ثبوته.\n٥ - أن منفي (لما) جائز الحذف. اهـ. وقال أبو حيان: ولما، أبلغ في النفي من لم؛ لأنها تدل على نفي الفعل متصلا بزمان الحال، فهي لنفي التوقع.\n(٣) في (ي) و(ش) (الذين).\n(٤) ينظر: \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٧٢٩.\n(٥) ينظر: \"البحر المحيط\" ٢/ ١٤٠.\n(٦) ذكره في \"الوسيط\" ١/ ٣١٧.","vol":"4","page":118},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَزُلْزِلُوا﴾ أي: حركوا بأنواع البلايا والرزايا (١) (٢).\nقال أبو إسحاق: وأصل الزلزلة في اللغة من: زَلّ الشيء عن (٣) مكانه، فإذا قلت: زلزلته، فتأويله: أنك كررت زللَه (٤) من مكانه، فضوعف لفظه لمضاعفة معناه، وكل ما كان فيه ترجيع كررت فيه فاء الفعل، نحو: صَرَّ (٥) وصَرْصَرَ وَصَلّ وصلصل (٦). وتفسير ﴿وَزُلزِلُوا﴾ هنا: خوفوا وحقيقته ما ذكرنا، وذلك أن الخائف لا يستقر بل يضطرب لقلقه، ولهذا يقال للخوف: المقيم المُقْعِد؛ لأنه يُذْهب السكون، فيجوز أن يكون ﴿وَزُلزِلُوا﴾ هاهنا مجازًا، والمراد به: خوفوا، ويجوز أن يكون حقيقة بأن يكونوا مضطربين لا يستقرون لما في قلوبهم من الجزع والخوف (٧).\nوقوله تعالى ﴿حَتَى يَقُولَ اَلرَّسُولُ﴾ قرئ (يقولَ) نصبًا ورفعًا (٨)، والنصب على وجهين إذا نصبت الفعل بـ (حتى) فقلت: سرت حتى أدخلها.\n_________\n(١) في (ي): (الرزايا والبلايا).\n(٢) ينظر: \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٧٣٠.\n(٣) في (م): (من).\n(٤) كذا في الأصول، وفي \"معاني القرآن\" زلزلته.\n(٥) (صر) ليست في (ي)، وفي (ش): (ضر وضرضر) وفي (م): (صر وصَرّ).\n(٦) من \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٨٥. بمعناه.\n(٧) ينظر في زلزل \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٥٥١، \"المفردات\" ص ٢١٩، \"عمدة الحفاظ\" ٢/ ١٦٥،\"اللسان\" ٣/ ١٨٥٧ (زلل). ونقل الأزهري عن ابن الأنباري في قولهم: أصابت القوم زلزلة، قال: الزلزلة: التخويف والتحذير، من ذلك قوله تعالى: ﴿وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾ [الأحزاب: ١١] ﴿وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ أي: خوفوا وحذِّروا قال بعضهم: الزلزلة مأخوذة من الزلل في الرأي، فإذا قيل: زلزل القوم، فمعناه: صرفوا عن الاستقامة، وأوقع في قلوبهم الخوف والحذر.\n(٨) قرأ نافع برفع اللام، وقرأ الباقون بالنصب. ينظر: \"السبعة\" ص ١٨١ - ١٨٢، \"الحجة\" ٢/ ٣٠٥ - ٣٠٦.","vol":"4","page":119},{"text":"أحدهما: أن يكون الدخول غاية للسير، والسير والدخول قد مضيا جميعًا، والمعنى: سرت (١) إلى دخولها، وقد مضى (٢) الدخول. وعلى هذا نصب (يقول) في الآية، المعنى: وزلزلوا إلى أن يقول الرسول، فكأنه حتى قول الرسول.\nوالوجه الآخر في النصب: أن يكون السير قد وقع والدخول لم يقع، ويكون المعنى: سرت كي أدخلها، وليس هذا وجه نصب الآية (٣). ورفع ما بعد حتى على وجهين.\nفأحد الوجهين: هو وجه (٤) الرفع في الآية، كما تقول: سِرتُ (٥) حتى أَدْخُلُها، وقد مضى السير والدخول، كأنه بمنزلة قولك: سِرت فادخلها بمنزلة سرت فدخلتها، وصارت (حتى) هاهنا مما لا يعمل (٦) في الفعل شيئًا؛ لأنها تلي الجمل تقول: (٧) سرت حتى إني (٨) كالٌّ، وكقوله:\nفيا عَجَبًا حتى كُليبٌ تَسُبُّني (٩)\n_________\n(١) ليس في: (ش).\n(٢) في (ي): (مضت).\n(٣) رجح أبو حيان في \"البحر\" ٢/ ١٤٠ الوجه الأول، قال: لأن المس والزلزال ليسا معلولين لقول الرسول والمؤمنين.\n(٤) من قوله: نصب الآية. ساقط من (ي).\n(٥) (سرت) ليست في (أ) ولا (م).\n(٦) في (ش) (تعمل).\n(٧) في (ش): (تقول).\n(٨) في (ي): (كأني).\n(٩) البيت للفرزدق، وعجزه:\nكأن أباها نهشل أو مجاشع","vol":"4","page":120},{"text":"فعملها في الجمل يكون في معناها لا في لفظها، وعلى هذا وجه الآية، ويجوز أن يكون السير قد مضى والدخول واقع الآن، وقد انقطع السير، تقول: سرت حتى أدخلَها الآن ما أمنع، كأنك قلت: سرت حتى (أني) (١) أَدْخُلُها الآن ما أمنع، فهذه جملة باب (حتى) في الأفعال (٢). قال أبو علي الفارسي: ما ينتصب بعد (حتى) من الأفعال المضارعة على ضربين:\nأحدهما: أن يكون بمعنى (إلى)، وهو الذي تحمل (٣) عليه الآية، والفعل الذي يكون قبل (حتى) مع ما حدث عنه قد مضيا جميعًا، ألا ترى أن الأمرين في الآية كذلك.\nوالآخر: أن يكون بمعنى (كي)، وذلك قولك: (أسلمت حتى (٤) أدخلَ الجنة)، فهذه تقديره: أسلمت كي أَدْخُلَ الجنة، فالإسلام قد كان والدخول لم يكن.\nوأما قراءة من قرأ: (حَتَّى يَقُولُ) بالرفع، فالفعل الواقع بعد حتى إذا\n_________\n= في \"ديوانه\" ص٤١٩، \"الكتاب\" لسيبويه ٣/ ١٨، \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ١٣٨، \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ٣٠٤، \"الخزانة\" ٤/ ١٤١، \"همع الهوامع\" ٢/ ٢٤، و\"تفسير ابن يعيش\" ٨/ ١٨، \"مغني اللبيب\" ١٧٣. والشاعر يهجو كليب بن يربوع رهط جرير، فجعلهم من الهون بحيث لا يُسابُّون مثله لشرفه. ونهشل ومجاشع: ابنا دارم، وهم رهط الفرزدق.\n(١) ليست في (ي).\n(٢) ينظر في ذلك: \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ٣٠٤ - ٣٠٦، \"التبيان\" ص ١٣١، \"البحر المحيط\" ٢/ ١٤٠، \"مغني اللبيب\" ١٦٦ - ١٧٦.\n(٣) في (ش): (يجهل).\n(٤) الجملة هذه ليست في (أ) و(م).","vol":"4","page":121},{"text":"كان مضارعًا مرفوعًا لا يكون إلا فعلَ حالٍ، ويجيء على ضربين.\nأحدهما: أن يكون السبب الذي أدى إلى (١) الفعل الذي بعد حتى قد مضى، والفعلُ المُسَبِّبُ لم يمضِ، ومثال ذلك قولهم: مرض حتى لا يرجونه، وشَرِبَتِ الإبلُ حتى يجيء البعير يَجُرُّ بَطْنَه، وتتجه الآية على هذا الوجه، كأن المعنى: زلزلوا فيما مضى حتى إن الرسول يقول الآن: متى نصر الله، وحُكِيَتْ الحالُ التي كَانوا عليها، كما حكيت الحال في قوله: ﴿هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّه﴾ [القصص: ١٥] وفي قوله: ﴿وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ﴾ [الكهف: ١٨].\nوالوجه الآخر من وجهي الرفع: أن يكون الفعلان جميعًا قد مضيا،\nنحو: سِرتُ حتى أدخُلُها، والدخول متصل بالسير بلا فصل، كما (كان) (٢)\nفي الوجه الأول بينهما فصل، والحال في هذا الوجه أيضًا محكية، كما كانت محكية (٣) في الوجه الآخر، ألا ترى أن ما مضى لا يكون حالًا؟ وحتى إذا رُفِعَ الفعل بعدها حرفٌ، يصير الكلام بعدها إلى الابتداء، وليست العاطفةَ ولا الجارةَ، وهي إذا انتصب الفعلُ بعدها الجارةُ للاسم، وينتصب الفعل بعدها بإضمار (أن) كما ينتصب بعد اللام بإضمارها (٤).\nواعلم أن (حتى) على ثلاثة أضرب:\nأحدها: أن تكون جارة نحو ﴿حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ [القدر: ٥]، وهذه (٥)\n_________\n(١) (إلى) ساقطة من (أ) و(ش) و(ي).\n(٢) في (ش): (قال).\n(٣) ليست في (أ) (م).\n(٤) \"الحجة\" ٢/ ٣٠٦ - ٣٠٧، وينظر: \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ١٣٢، \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ٣٠٤ - ٣٠٦، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٧٣٠.\n(٥) (وهي) في (ي).","vol":"4","page":122},{"text":"الجارة هي التي تنصب الأفعال بعدها بإضمار أن، والفعل و(أن) المضمرة (معه) (١) في موضع جر بـ (حتى) (٢).\nوالآخر: أن تكون (٣) عاطفة في نحو:\nوالزَّادَ حَتَّى نَعْلَهُ ألْقَاهَا (٤).\nوهذه تكون عاطفة.\nوالثالث: أن تكون داخلة على الجمل ومنصرفًا بعدها الكلام إلى الابتداء، كأما وإذا ونحوهما، وذلك نحو قوله:\nفيا عجبًا حَتَى كليبٌ تَسُبُّني (٥)\nفهذا جملة الكلام في حتى (٦). ومعنى الآية: أن الجهد قد بلغ بالأمم قبل هذه الأمة حتى استبطأوا النصر، فقال الله ﷿: ألا إن نصر الله قريب\n_________\n(١) ليست في (ي).\n(٢) ليست في (ش).\n(٣) (يكون) في (م).\n(٤) صدر البيت: ألقى الصحيفة كي يخاف رحله.\nالبيت منسوب للمتلمس، وفيه إشارة إلى قصة المتلمس وطرفة حين كتب لهما عمرو بن هند كتابين مختومين، أوهمهما أن فيهما أمرًا لعامله في البحرين بإكرامهما، إلا أن المتلمس فض صحيفته فوجد فيها أمرا بقتله فرجع. وفي \"الكتاب\" لسيبويه ١/ ٩٧ نسبه لابن مروان النحوي. [وقال المحقق: الصواب أنه مروان النحوي] والبيت في \"الكتاب\" ١/ ٩٧، و\"الخزانة\" ١/ ٤٤٥، ٤/ ١٤٠، و\"مغني اللبيب\" ١٦٧، والشاهد في البيت: مجيء حتى عاطفة، حيث نصب نعله، ويستشهد به أيضًا على مجيئها ابتدائية برفع نعله.\n(٥) تقدم تخريج البيت قريبًا.\n(٦) ينظر في حتى: \"الكتاب\" لسيبويه ١/ ٩٦ - ٩٧، ٣/ ١٦ - ٢٧، \"المقتضب\" للمبرد ٢/ ٣٨ - ٤٣، \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ١٣٢ - ١٣٨، \"الأزهية\" ص٢١٤ - ٢١٦، \"مغني اللبيب\" ص ١٦٦ - ١٧٦.","vol":"4","page":123},{"text":"فأعلم أولياءه أنه ناصرهم لا محالة، وأن ذلك قريب منهم كما قال ﴿أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [المجادلة: ٢٢].\nوقوله تعالى: ﴿مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾ (متى) سؤال عن زمان؛ لأن جوابها يقع بالزمان، ألا ترى أنك تقول: متى زيد خارج؟، فيكون الجواب: يوم الجمعة أو يوم السبت، فإذا كان الاسم الذي يلي (متى) جثة احتاج إلى خبر، كقولك: متى زيد منطلق؟، ولا يجوز أن تقول: متى زيد، وتسكت؛ لأن ظروف الزمان لا تكون خبرًا للجثث، وإن كان الاسم الذي (يلي) (١) (متى) لا يكون جثة، حسن السكوت على ذلك الاسم، كقولك: متى القتال؟ وكما في هذه الآية ﴿مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾؛ لأن ظروف الزمان تكون خبرًا للمصادر (٢).\nوقوله تعالى ﴿أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ﴾ (ألا) صلةٌ لابتداء الكلام، كأنه تنبيهٌ للمخاطب.\nقال صاحب النظم: في هذه الآية مبتدآن وجوابان، جمع بين المبتدأين والجوابين، فقوله: ﴿حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ مبتدآن.\nوقوله: ﴿مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾ إلى آخر الآية جوابان لهما، مجموع بينهما، فيحتاج أن يرد كل جواب إلى ابتداء به ليبين نظم الكلام، والتقدير: حتى\n_________\n(١) (هو) في (ي) و(ش).\n(٢) ينظر في متى: \"الكتاب\" لسيبويه ١/ ٢١٧ - ٢١٨، \"المقتضب\" ٣/ ٦٣، ٢٨٩، \"الأزهية\" ٢٠٠ - ٢٠١، \"مغني اللبيب\" ٤٤٠ - ٤٤١، قال في \"التبيان\" ص ١٣١: وموضع متى رفع؛ لأنه خبر المصدر، وعلى قول الأخفش موضعه نصب على الظرف، ونصر مرفوع به.","vol":"4","page":124},{"text":"يقول الذين آمنوا متى نصر الله، فيقول الرسول: ألا إن نصر الله قريب، وإنما قلنا إنه كذلك؛ لأن الرسول لا يشبهه (١) أن يقول: متى نصر الله، وهذا حسن (لمن) (٢) تأمله، وذكر عبد الملك بن محمد الصدفي في هذه الآية، يرفعه إلى النبي - ﷺ -، \"أن نبيًا من الأنبياء سأل ربه السعة في الرزق، فأوحى الله إليه: أما يكفيك أني عصمتك أن تكفرني حتى تسألني السعة في الرزق، ولو رضي الله الدنيا لأحد من أوليائه ما نال فيها كافر جرعة ماء، ولكن الله تعالى لم يجعلها ثوابًا لمؤمن ولا عقابًا لكافر\"، وقد قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٦٤)﴾ [العنكبوت: ٦٤]. يريد: الجنة لا موت فيها ولا نصبَ ولا تَعَبَ ولا هَرَمَ ولا سَقَم ولا هَمّ ولا حَزَنَ ولا شيءَ من الضر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-433>٢١٥ </span>- قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾ الآية، قال عطاء عن ابن عباس (٣): نزلت الآية في رجل أتى النبي - ﷺ - فقال: إن لي دينارًا؟ فقال: \"أنفقه على نفسك\" فقال: إن لي دينارين! فقال: \"أنفقهما على أهلك\"، فقال: إن لي ثلاثة؟ فقال: \"أنفقها على خادمك\"، فقال: إن لي أربعة؟ قال (٤): \"أنفقها على والديك\"، وقال: إن لي خمسة؟ قال: \"أنفقها على قرابتك\"، قال: إن لي ستة؟ قال: \"أنفقها في سبيل الله، وهو أخسها\".\nوروي من طريق الكلبي عن ابن عباس: أن الآية نزلت في عمرو بن\n_________\n(١) في النسخ (أ) و(م) و(ب) يسبهه بدون نقط.\n(٢) ساقطة من (ش).\n(٣) تقدم الحديث عن رواية عطاء في المقدمة، وقد ذكره في \"زاد المسير\" ١/ ٢٣٣، والرازي في \"تفسيره\" ٢/ ٢٤.\n(٤) (فقال) في (ي). في جميع المواضيع.","vol":"4","page":125},{"text":"الجموح الأنصاري (١)، وهو الذي قتل يوم أحد، وكان شيخًا كبيرًا هرمًا، وعنده مال عظيم، فقال: ماذا ننفق من أموالنا وأين نضعها؟ (فنزلت) (٢) ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾ الآية (٣)، ومعنى السؤال طلب الجواب.\nوقوله تعالى: ﴿مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾ في محل (ماذا) من الإعراب قولان:\nأحدهما: أن تجعل (ما) مع (ذا) بمنزلة اسم واحد، ويكون الموضع نصبًا بـ (ينفقون) المعنى: يسألونك أي شيء ينفقون، ومثل جعلهم (ماذا) بمنزلة اسم واحد قول الشاعر:\nدَعِيْ مَاذا عَلِمْتُ سَأَتَّقِيْهِ ... ولكن بالمغِيبِ ينبّئُنِي (٤)\n_________\n(١) ذكره الواحدي في \"أسباب النزول\" ص ٦٩، وينظر: \"زاد المسير\" ١/ ٢٣٣، \"الوسيط\" ١/ ٢١٥، \"التفسير الكبير\" ٢/ ٢٤، \"البحر المحيط\" ٢/ ١٤١. ورواية الواحدي في \"أسباب النزول\" و\"البحر المحيط\": (وهو أحسنها)، وأورده الهيثمي عن أبي هريرة ص ٢١١ حديث رقم ٨٢٨.\nوعمرو، هو عمرو بن الجموح بن زيد بن حرام الخزرجي الأنصاري، شهد العقبة وبدرًا في رواية، وجعله النبي - ﷺ - سيد بني سلمة، وشهد أحدا، وكان أعرج شديد العرجة، واستشهد بها. ينظر: \"معرفة الصحابة\" لأبي نعيم ٤/ ١٩٨٤، \"الاستيعاب\" ٣/ ٢٥٣.\n(٢) في (ي) (فأنزل الله).\n(٣) ذكره الثعلبي بغير إسناد ٢/ ٣٣٧، وعنه نقل الحافظ ابن حجر في \"العجاب\" ١/ ٥٣٤، وعزاه من طريق أبي صالح عن ابن عباس: الواحدي في \"أسباب النزول\" ص ٦٩، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ١/ ٢٣٣، وعزاه الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٣١٨، وعنه الفخر الرازي في \"تفسيره\" ٦/ ٢٠ إلى رواية الكلبي عن ابن عباس ٦/ ٢٤. وهو قول مقاتل بن سليمان كما في \"تفسيره\" ١/ وقول مقاتل بن حيان، نسبه إليه ابن المنذر كما في \"الدر المنثور\" ١/ ٤٣٧.\n(٤) البيت للمثقب العبدي، في \"ديوانه\" ص ٢١٣، ولمزرد بن ضرار في \"ديوانه\" ينظر: \"المعجم المفصل\" ٨/ ٢٥٠.","vol":"4","page":126},{"text":"فلا يكون (ذا) مع (ما) إلا بمنزلة شيء واحد، كأنه قال: دعي الذي علمت، لأن (دَعِي) لا يتعلق بالجملة كما يتعلق السؤال، لو قلت: سَألُته أزيدٌ في الدار أم عمرو؟ صَحَّ، ولو قلت: دعي أزيد في الدار أم عمرو، لم يصح على ذلك الحد من غير حذف، والعرب تقول: عماذا تسأل؟ بإثبات الألف في (ما)، فلولا أن (ما) مع (ذا) بمنزلة اسم واحد لقالوا: عمذا (١) تسأل، بحذف الألف، كما حذفوها من قوله: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾ [النبأ: ١] و﴿فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا﴾ [النازعات: ٤٣] فلما لم يحذفوا الألف من آخر (ما) (٢) علمت أنه مع (ذا) بمنزلة اسم واحد، فلم تحذف الألفُ منه، لما لم يكن آخر الاسم، والحذف يلحقها إذا كانت آخرًا، إلا أن تكون في شعرٍ، كقول الشاعر:\nعَلَى ما قام يشتمني لئيمٌ ... كخنزيرٍ تَمَرَّغَ في دَمَاني (٣)\nومما يحمل على أن (ما) و(ذا) فيه شيء واحد قول الشاعر:\nيا خُزْرَ تَغْلِبَ ماذا بالُ (٤) نِسوتِكم ... لا يَسْتَفِقْنَ إلى الدَّيرين تَحْنَانا (٥)\nفقوله: ماذا بالُ نسوتكم، بمنزلة: ما بال نسوتكم، فاستعمل (ماذا)\n_________\n(١) في (ي) (عماذا).\n(٢) ساقطة من (ي).\n(٣) البيت لحسان بن ثابت، قاله في هجو بني عابد. ينظر: \"الحجة\" ٢/ ٣١٧ \"شرح أبيات المغني\" ٥/ ٢٢٠ \"الخزانة\" ٢/ ٥٣٧، \"أمالي ابن الشجري\" ٢/ ٢٣٣، \"الشافية\" ٤/ ٢٢٤، وابن يعيش ٤/ ٩، والعيني ٤/ ٥٥٤. والدمان كالرماد وزنًا ومعنى.\n(٤) (قال) في (ي).\n(٥) البيت لجرير يهجو الأخطل ينظر: \"ديوانه\" ص ١٦٧. و\"الحجة\" ٢/ ٣١٧.","vol":"4","page":127},{"text":"استعمال (ما) من غير أن ينضم إليها (ذا)، ألا ترى أنك لو حملت (ذا) على الذي في هذا البيت لم يَسْهُلْ: ما الذي بال نسوتكم؟ لأن المستعمل: ما بالُك، دون: ما الذي بالك (١).\nالقول الثاني: أن تجعل (ذا) اسمًا يرفع (ما) كأنك قلت: ما الذي ينفقون؟ يعنى: أيَّ شيء الذي ينفقون، فيكون (ما) رفعًا بالابتداء و(ذا) خبرُها، والعرب قد تذهب بهذا وذا إلى معنى الذي، فيقولون: ومن ذا يقول (٢) ذاك، في معنى من الذي، وأنشدوا:\nعَدَسْ ما لِعَبّادٍ عَلَيْكِ إمَارَةٌ ... أَمِنْتِ وَهَذَا تَحْمِليَن طَلِيقُ (٣)\nكأنه قال: والذي تحملين طليق (٤).\nوقد (٥) مضى صدر من الكلام في (ماذا) عند قوله: ﴿مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا﴾ [البقرة: ٢٦].\nوقوله تعالى: ﴿قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ﴾ هذا جواب لسؤالهم. فإن (قيل): هذا الجواب لا يُطَابِقُ السُّؤَال، وما الجواب المطابق لهذا السؤال؟\n_________\n(١) هذا الكلام بطوله من \"الحجة\" بتصرف يسير ٢/ ٣١٦ - ٣١٨.\n(٢) (يكون) في (م).\n(٣) البيت ليزيد بن مفرغ الحميري قاله في عباد بن زياد، وكان يزيد قد أكثر من هجوه، حتى حبسه وضيق عليه، حتى خوطب في أمره معاوية، فأمر بإطلاق سراحه،. فلما خرج من السجن قدمت له بغلة فركبها فنفرت فقال هذا الشعر، في \"ديوانه\" ص١٧٠، \"لسان العرب\" ٥/ ٢٨٣٧ \"عدس\" وعدس: اسم صوت لزجر البغل.\n(٤) من \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ١٣٨ - ١٣٩.\n(٥) ينظر في إعراب الآية: \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ٣٠٦، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٧٣٧، \"مشكل إعراب القرآن\" ١/ ١٢٧، \"التبيان\" ص ١٣١، قال: وموضع الجملة نصب بيسألون على المذهبين. \"البحر المحيط\" ٢/ ١٤٢.","vol":"4","page":128},{"text":"قيل: الجواب المطابق أن يقال: قل النفقة التي هي خير، وإنما عدل عن المطابق لحاجة السائل إلى بيان بجمع الدلالة على ما سأل وعلى غيره. ويحسن من المعلم الحكيم الذي يعلم الناس ويبصرهم أن يضمن الجواب مع الدلالة على المسؤول عنه، الدلالة على ما يحتاج إليه السائل في ذلك المعنى مما أغفله وترك السؤال عنه، فأما الجدل الذي يضايق فيه الخصم فالأصل فيه أن يكون الجواب على قدر السؤال من غير زيادة ولا نقصان ولا عدول عما يوجبه نفس السؤال.\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ﴾ جزم ﴿وَمَا تَفْعَلُوا﴾ بالشرط، واسم الشرط وموضع ﴿وَمَا﴾ نصبٌ بـ ﴿تَفْعَلُوا﴾، وجواب الشرط قوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ (١) ومعناه: (أنه يحصيه) (٢) ويجازي عليه.\nقال ابن الأنباري: إن عمرو بن الجموح سأل رسول الله - ﷺ - عن الصدقة لمن (٣) يخص (٤) بها عند الموت، فأنزل الله ﷿ هذه الآية قبل آية المواريث، فلما نزلت آية المواريث نسخت من هذه التصدق على الوالدين.\nويقال: إن الإنفاق في هذه الآية لا يراد به الصدقة عند الموت، إنما يراد (٥) به النفع في الدنيا، والإيثار بما يتقرب به الإنسان إلى الله تعالى،\n_________\n(١) ينظر في إعراب الآية: \"إعراب القرآن\" للنحاس١/ ٣٠٦،\"مشكل إعراب القرآن\" ١/ ١٢٧، \"التيبان\" ص ١٣١، \"البحر المحيط\" ١/ ١٤٢.\n(٢) ساقط من (ش).\n(٣) (لما) في (ي).\n(٤) (نخص) في (ي) و(ش).\n(٥) (أراد) في (ش).","vol":"4","page":129},{"text":"فأخبر الله أن مريد ذلك ينبغي أن يتوخى به الوالدين والأقربين والمذكورين في الآية، وإذا خرج الإنفاق على معنى التصدق كانت الآية محكمة، وهذا معنى قول مقاتل بن حيان (١).\nوقال (٢) كثير من أهل التفسير: إن هذا كان قبل فرض الزكاة، فلما فُرِضَتِ الزكاة بالآية التي في براءة، نسخت الزكاةُ هذه الآية (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-434>٢١٦ </span>- قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾ الآية، اعلم أن رسول الله - ﷺ - كان غير مأذون في القتال مدة إقامته بمكة، فلما هاجر أذن بعد الهجرة في قتال من يقاتله من المشركين دون من لا يقاتل (٤)، ثم أذن في قتال المشركين عامة، وهذا كله قبل فرض الجهاد، ثم فرض الله الجهاد.\nواختلف العلماء في حكم هذه الآية، فمذهب عطاء أن المعني بهذا: أصحاب رسول الله - ﷺ - خاصة دون غيرهم؛ لأنه قال: كان القتال مع النبي\n_________\n(١) ذكره في \"الوسيط\" ١/ ٣١٨.\n(٢) في (أ) و(م): فقال.\n(٣) من \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٧٣٨، وينظر: \"تفسير الطبري\" ٢/ ٣٤٣، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٢/ ٣٨١، و\"الناسخ والمنسوخ\" لابن العربي ٢/ ٧٢، و\"نواسخ القرآن\" لابن الجوزي ص ٢٢٨، وقد بين ابن العربي في \"أحكام القرآن\" ١/ ١٤٥، أن الأولى أن تكون الآية في بيان مصارف صدقة التطوع، ولا نسخ؛ لأن شروطه معدومة وقال ابن الجوزي في \"نواسخ القرآن\" ص ٢٢٩: والتحقيق أن الآية عامة في الفرض والتطوع، فحكمها غير منسوخ؛ لأن ما يجب من النفقة على الوالدين والأقربين إذا كانوا فقراء لم ينسخ بالزكاة، وما يتطوع به لم ينسخ بالزكاة، وقد قامت الدلالة على أن الزكاة لا تصرف إلى الوالدين والولد. وينظر: \"النسخ في القرآن\" للدكتور/ مصطفى زيد ٢/ ٦٥٦.\n(٤) (يقاتله) في (ش).","vol":"4","page":130},{"text":"- ﷺ - فريضة (١).\nوسئل عبد الله بن عمرو عن الفرائض؟ فقال: الفرائض: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله - ﷺ -، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصيام رمضان، والجهاد في سبيل الله، وخالفه ابن عمر في الجهاد، فعد الفرائض وترك الجهاد (٢).\nوقال بعضهم: كان الجهاد في الابتداء من فرائض الأعيان، ثم صار فرض كفاية؛ لقوله ﷿ ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [النساء: ٩٥] ولو كان القاعدُ مضيِّعًا فرضًا ما كان موعودًا بالحسنى. وقال بعضهم: لم يزل الجهادُ فرض كفاية، غير أن رسول الله - ﷺ - كان إذا استنفرهم تعين عليهم النفير؛ لوجوب طاعته (٣). وقال الزهري والأوزاعي: كتب الله سبحانه الجهاد على الناس (غَزَوا أو قعدوا، فمن غزا فبها ونعمت، ومن قعد فهو عدة، إن\n_________\n(١) رواه عنه الطبري ٢/ ٣٤٤، وابن أبي حاتم ٢/ ٣٨٢، وينظر: \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٧٣٩، وقال النحاس في \"الناسخ والمنسوخ\": ١/ ٥٣١: وأما قول عطاء: إنها فرض، ولكنه على الصحابة فقول مرغوب عنه، وقد رده العلماء، وقد ذكر الثعلبي عن عطاء ما يوافق قول الجمهور من أن الجهاد في الأصل فرض كفاية ٢/ ٧٤١.\n(٢) رواه بسنده الجصاص في \"أحكام القرآن\" ٤/ ٣١١، وله قصة، وبين أنه مختلف في صحته، أما حديث ابن عمر المشهور: \"بني الإسلام ... \" فقد رواه البخاري (٨) كتاب: الإيمان، باب: دعاؤكم إيمانكم، ومسلم (٢١) كتاب الإيمان، باب: بيان أركان الإسلام ودعائمه العظام.\n(٣) قال الحافظ ابن حجر في \"فتح الباري\" ٦/ ٣٧: فهو فرض كفاية على المشهور، إلا أن تدعو الحاجة إليه كأن يدهم العدو، ويتعين على من عينه الإمام، وممن ذكر أنه فرض كفاية أبو عبيد في \"الناسخ والمنسوخ\" ص ٢٠٥، والطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٣٤٤ - ٣٤٥، والثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ٧٤١، وابن عطية في \"المحرر الوجيز\" ٢/ ٢١٧.","vol":"4","page":131},{"text":"استعين به أعان) (١)، وإن استنفر نفر، وإن استغني عنه قعد (٢).\nوقال أبو عبيد: القول في الجهاد أنه حق لازم للناس، غير أن بعضهم يقضي ذلك عن بعض، وإنما وسعهم هذا لقوله: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ [التوبة: ١٢٢] فإنها فيما يقال ناسخة لفرض الجهاد، والإجماع اليوم على أنه من فروض الكفاية، إلا أن يدخل المشركون ديار المسلمين فإنه يتعين على كافة المسلمين، إلى أن يقوم بكفايتهم من يصرف وجوههم.\nوقوله تعالى: ﴿وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ يعني: القتال كره لكم، وكان الكسائي يقول في الكَرْه والكُرْه: هما لغتان في المشقة (٣) (٤).\nقال الفراء: الكُره: المشقة، قمت على كُره، أي: على مشقة، وقال: أقامني على كره، إذا أكرهك عليه، فالكُره عند الفراء: الإجبار، ولهذا لم يقرأ هاهنا (كَرْه) بالفتح، كما قرأ في سائر المواضع بالضم والفتح؛ لأن المشقة هاهنا أليق من الإجبار (٥).\n_________\n(١) ساقط من (م).\n(٢) قول الزهري رواه أبو عبيد في \"الناسخ والمنسوخ\" ص ٢٠٤، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٢/ ٣٨٢، وقول الأوزاعي ذكره أبو عبيد في \"الناسخ والمنسوخ\" ص ٢٠٥، والطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٣٤٤.\n(٣) ساقط جميعًا من (ي).\n(٤) ينظر في بيان أنهما لغتان بمعنى: \"معاني القرآن\" للأخفش ١/ ٣٦٥، و\"تفسير الطبري\" ٢/ ٣٤٥، و\"الصحاح\" ٦/ ٢٢٤٧.\n(٥) ينظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٨٨، و\"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣١٣٦ \"كره\"، و\"المفردات\" ص٤٣١، \"عمدة الحفاظ\" ٣/ ٤٥٩، \"اللسان\" ٧/ ٣٨٦٤، ٣٨٦٥، قال الزجاج: والكره يقال فيه: كرهت الشيء كُرها وكراهية، وكل ما في كتاب =","vol":"4","page":132},{"text":"قال الزجاج: وتأويله: وهو ذو كُره لكم، وهذا الكره من حيث المشقة الداخلة على النفس وعلى المال من المؤنة، وعلى الروح، (لا) (١) إن المؤمنين يكرهون فرض الله ﷿ (٢)، وقال عكرمة: إنهم كرهوه ثم أحبوه، فقالوا: سمعنا وأطعنا (٣).\nوقيل: ﴿وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ قبل أن يكتب عليكم.\n_________\n= الله ﷿ من الكُره فالفتح فيه جائز، إلا أن هذا الحرف الذي في هذه الآية ذكر أبو عبيدة أن الناس مجمعون على ضمه، قال الأزهري: الذي قاله أبو العباس والزجاج فحسن جميل. وقال الراغب: قيل: الكَره والكُره واحد، نحو الضَّعف والضُّعف، وقيل: الكَره: المشقة التي تنال الإنسان من خارج فيما يحمل عليه بإكراه، والكُره: ما يناله من ذاته وهو يعافه، وهو على ضربين: أحدهما: ما يعاف من حيث العقل والشرع، ولهذا يصح أن يقول الإنسان في الشيء الواحد إني أريده وأكرهه، بمعنى: إني أريده من حيث الطبع وأكرهه من حيث العقل أو الشرع، أو العكس، وقوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ أي تكرهونه من حيث الطبع، ثم بين ذلك بقوله: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾، وكرهت يقال فيهما جميعا، إلا أن استعماله في الكره أكثر. اهـ- بتصرف.\n(١) ساقط جميعًا من (ي).\n(٢) الزجاج ١/ ٢٨٩، وعبارته: معنى كراهتهم القتال أنهم كرهوه على جنس غِلَظِه عليهم ومشقته، لا أن المؤمنين يكرهون فرض الله ﷿، لا يفعل إلا ما فيه الحكمة والصلاح.\n(٣) رواه الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٣٤٤، عن عكرمة عن ابن عباس، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٢/ ٣٨٢ عن عكرمة، ولفظ الأثر: نسختها هذه الآية ﴿وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ يعني: أنهم كرهوه ثم أحبوه، فقالوا: سمعنا وأطعنا، قال الطبري ٢/ ٣٤٤: وهذا قول لا معنى له؛ لأن نسخ الأحكام من قبل الله ﷿ لا من قبل العباد، وقوله: ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ خبر من الله عن عباده المؤمنين وأنهم قالوه لا نسخ منه.","vol":"4","page":133},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ لأن في الغزو إحدى الحسنين: إما الظفر والغنيمة، وإما الشهادة والجنة، ﴿وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا﴾ يعني: القعود عن الغزو، وهو شر لكم؛ لما فيه من الذل والفقر وحرمان الغنيمة والأجر (١).\n﴿وَعَسَى﴾ عند العامة شك وتوهم، وهي عند الله يقين وواجب. وعسى. فعل يتصرف، درج مضارعه وبقي ماضيه، فيقال منه: عسيتما وعسيتم، قال الله تعالى: ﴿فَهَل عَسَيْتُم﴾ [محمد: ٢٢] يتكلم فيه على فعل ماض، (وأميت) (٢) ما سواه من وجوه فعله.\nويرتفع الاسم بعده كما يرتفع بعد الفعل، فتقول: عسى زيد، كما تقول: قام زيد، ويقال منه: أعس بفلان أن يفعل كذا، مثل أحر وأخلق، وبالعسى أن يفعل كذا، يقول: بالحري أن يفعل، ومعناه في جميع الوجوه: قريب وقَرُبَ وأَقْرِب به.\nومنه قوله: ﴿قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ﴾ [النمل: ٧٢]، بمعنى: قرب، ومنه: ﴿قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا﴾ [الإسراء: ٥١]، أي: قرب ذلك، وكثرت (عسى) على الألسنة حتى صارت كأنها مثل: (لعل).\nوتأويل (عسى): التقريب؛ لكون الشيء الذي يقع عليه ويقتضيه فيجري مجرى (كاد) (٣) وقرب، ولما كانت فعلًا لم تخل من ذكر فاعل، وهو الاسم الذي يدل عليه (عسى)، كقولك: عسى زيد، فزيد رفع لأنه\n_________\n(١) من \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٧٤٥.\n(٢) في (ي): ليست.\n(٣) في (ي): عاد.","vol":"4","page":134},{"text":"فاعل، ولا يخلو (عسى) إما أن يكون لازمًا أو متعديًا، فلو كان لازمًا لجاز أن تقول: عسى زيد، وتقف، فلما لم يكن ذلك كاملًا اقتضت (عسى) مفعولًا، فإذا قلت: عسى زيدٌ أن يقوم، فقولك: أن يقوم، مثل قولك: قيام كقوله: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٤] المعنى: والصيام خير لكم، فتأويل قولك: عسى زيد أن يقوم، عسى قيام زيد، بمعنى قَرُبَ قيام زيدٍ ورُجِي ذلك، إلا أنهم لما قلبوا فقدموا الاسم وأخَّروا الفعلَ رفعوا زيدًا، فـ (أن يقوم) في قولك: عسى زيد أن يقوم، في موضع نصب بوقوع فعل زيد (عليه) (١)، وجاء في القرآن بدخول أن كقوله: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ﴾ [الإسراء: ٨]. ﴿عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ﴾ [النمل: ٧٢]، ولما كثرت عند العرب في ألفاظهم أسقطوا (أن) (٢) كما قال الشاعر:\nعَسَى فَرَجٌ يأتي به اللهُ إنه ... له كلّ يَوْمٍ في خَلِيقَتِهِ أمْرُ (٣)\n_________\n(١) في (ي) (وعليه).\n(٢) ينظر في عسى وأحكامها: \"الكتاب\" لسيبويه ٣/ ١١، ١٢، ١٥٨، ٤/ ٢٣٣، \"المقتضب\" ٣/ ٦٨ - ٧٢، \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٤٢٨، \"المفردات\" ٣٣٨ ص، \"عمدة الحفاظ\" ٣/ ٩٢، \"اللسان\" ٥/ ٢٩٥، \"مغني اللبيب\" ص ٢٠١ - ٢٠٤، وقال: ومعناه: الترجي في المحبوب، والإشفاق في المكروه، وقد اجتمعا في قوله تعالى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ﴾، ثم ذكر أنها تستعمل على سبعة أوجه. وقال في \"البحر المحيط\" ٢/ ١٤٣: عسى هنا للإشفاق لا للترجي، ومجيئها للإشفاق قليل، وهي هنا تامة لا تحتاج إلى خبر، ولو كانت ناقصة لكانت مثل قوله: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا﴾ [محمد: ٢٢] فقوله: ﴿أَن تَكرَهُوا﴾ في موضع رفع بعسى.\n(٣) البيت لمحمد بن إسماعيل، ينظر: \"همع الهوامع\" ١/ ١٣١. \"المعجم المفصل\" ٣/ ٣٠١.","vol":"4","page":135},{"text":"وقال آخر:\nعَسَى الكَرْبُ الذي أمْسَيْتُ فيه ... يكونُ وَرَاءَه فَرَجٌ قَرِيبُ (١)\nوقوله تعالى: ﴿وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ﴾ قال أصحاب العربية: الشر: السوء، (وأصله) (٢) من شَرَّرْت الشيءَ إذا بسطته، يقال: شَرَّرْتُ اللحمَ والثوبَ، إذا بسطته لِيَجِفّ، وكذلك أَشْرَرْتُه (٣)، ومنه:\nوحتى أُشِرَّتْ بالأكفِّ المَصَاحِفُ (٤)\nفالشر: انبساط الضر، والشرر: اللهب لانبساطه، قال ابن عباس (٥): كنت رِدْف النبي - ﷺ - فقال: \"يا ابن عباس ارض عن الله بما قدر وإن كان خلاف هواك، إنه لمثبت في كتاب الله ﷿\"، قلت: يا رسول الله، أين وقد قرأت القرآن؟ قال: (مكيس) (٦) ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ﴾ (٧).\n_________\n(١) البيت لهدبة بن خشرم في \"خزانة الأدب\" ٩/ ٣٢٨. \"المعجم المفصل\" ١/ ٣٢٣.\n(٢) ليست في (ش).\n(٣) يقال: شرَّرت، وأشررت، وشرَرْت.\n(٤) البيت لكعب بن جعيل، وقيل: إنه للحصين بن الحمام المرِّي، يذكر يوم صفين، وتمامه: فما برحوا حتى رأى الله صبرهم.\nأي نشرت وأظهِرت. ينظر: \"اللسان\" ٤/ ٢٢٣٣ (شرر).\n(٥) رواه عنه الطبري ٢/ ٣٤٤، وفي \"الدر المنثور\" عنه ١/ ٤٣٩. ينظر: \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٨٥٣، \"المفردات\" ص٢٦٠، \"عمدة الحفاظ\" ٢/ ٢٩٨، \"اللسان\" ٤/ ٢٢٣٣ (شرر).\n(٦) في (ي) و(ش) (مليس). ولم أعرف المراد من الكلمة.\n(٧) رواه الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٣٤٤، وذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ٧٤٥ وأبو المسفر السمعاني في \"تفسيره\" ٢/ ٢٧٥ قال أحمد شاكر: هذا إسناد مظلم، والمتن منكر، لم أجد ترجمة يحيى بن محمد بن مجاهد، ولا عبيد الله بن أبي هشام،=","vol":"4","page":136},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ أي: يعلم ما فيه مصالحكم وما فيه منافعكم فبادروا إلى ما يأمركم به وإن شق عليكم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-435>٢١٧ </span>- قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ الآية، نزلت في سرية بعثها رسول الله - ﷺ - إلى نخلة، فلما انتهوا إليها وافت خيل المشركين فيها عمرو بن الحضرمي (١) والحكم بن كيسان، فرمى واقد بن عبد الله (٢)، وهو من أصحاب رسول الله - ﷺ - (٣)، عمرو بن الحضرمي فقتله، وظهر المسلمون على المشركين، وأسَرُوا بعضهم، وأهل هلال رجب والمسلمون يقاتلون لا يعلمون بدخوله، فضجت قريش بمكة، وكانوا يستعظمون سفك الدماء في رجب، فأنزل الله تعالى هذه الآية (٤).\n_________\n= ولا أدري ما هما، ولفظ الحديث لم أجده، ولا نقله أحد ممن ينقل عن الطبري. ينظر حاشية \"تفسير الطبري\" ٤/ ٢٩٩.\n(١) هو: عمرو بن العلاء الحضرمي، والحضرمي هو عبد الله بن عباد الصدفي، كان من صناديد كفار قريش، كان في عير تجارة قريش، قتله واقد بن عبد الله التميمي من سرية عبد الله بن جحش. انظر\"البداية والنهاية\" ٥/ ٣٧ - ٣٩.\n(٢) هو: واقد بن عبد الله بن عبد مناف بن عرين التميمي الحنظلي اليربوعي، صحابي أسلم قبل دخول الرسول دار الأرقم، بعثه رسول الله - ﷺ - في سرية عبد الله بن جحش إلى نخلة لمراقبة تحركات المشركين والإتيان بأخبارهم، فكان أول من قاتل من المسلمين، شهد بدرًا والمشاهد كلها توفي في أول خلافة عمر - ﵁ -. انظر: \"معرفة الصحابة\" ٥/ ٢٧٢٩، \"أسد الغابة\" ٥/ ٤٣٢ - ٤٣٣.\n(٣) من قوله: عمرو بن الحضرمي .. ساقط من (أ) ولا (م).\n(٤) ينظر في سبب النزول: \"تفسير الطبري\" ٢/ ٣٤٧ - ٣٤٨، \"سيرة ابن هشام\" ٢/ ٣٤٠، والبيهقي في \"دلائل النبوة\" ٣/ ١٧، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٧٥٣ - ٧٦٠، والواحدي في \"أسباب النزول\" ص ٦٩، قال ابن حجر في \"تعليق التعليق\" ١/ ٧٦: وهو مرسل جيد، قوي الإسناد، وقد صرح فيه ابن إسحاق بالسماع.","vol":"4","page":137},{"text":"فقوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ يعني: أهل الشرك يسألون عن ذلك على جهة العَيْب للمسلمين باستحلالهم القتال في الشهر الحرام.\nوقوله تعالى ﴿قِتَالٍ فِيهِ﴾ هو خَفْضٌ على البدل من الشهر، وهذا من باب بدل الشيءِ من الشيءِ، والمعنى مشتمل عليه، ويسمى: بدلَ الاشتمال، وهو إبدال المصادر من الأسماء، كقولك: أعجبني زيدٌ عِلْمُه، وعجبت من عمروٍ أمرِه، ونفعنى زيدٌ كلامُه، ومثله قوله: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ (٤) النَّارِ﴾ [البروج:٤ - ٥]، وقول الأعشى:\nلَقَدْ كان في حَوْلٍ ثَوَاءٍ ثَوَيْتُه ... تُقَضِّى لُبَانَاتٍ وَيسْأَم سَائِم (١)\nومن هذا الباب: سُرِق زيدٌ مالُه، وسُلب زيدٌ ثوبُه (٢).\nومعنى الاشتمال في الآية: أن سؤالهم اشتمل على الشهر وعلى القتال، وسؤالهم (٣) عن الشهر إنما كان لأجل القتال.\nوقيل: الخفضُ في ﴿قِتَالٍ﴾ على معنى تكرير (عن)، تقديرُه: وعن قتال فيه، وكذلك هو في قراءة ابن مسعود والربيع (٤)، وقيل: إنه على\n_________\n(١) البيت للأعشى في \"ديوانه\" ص ١٧٧. \"الكامل\" للمبرد ٢/ ٢٦٥، وابن يعيش في \"تفسيره\" ١/ ٣٨٦، \"شواهد المغني\" ٢٩٧.\nقوله: ثواءٍ: الثواء: الإقامة، بالجر، قال ثعلب: وأبو عبيدة يخفضه، والنصب أجود، ومن روى تقضى لبنات فإنه ينبغي أن يرفع ثواء. ينظر: \"شرح الديوان\"، \"مجاز القرآن\"، \"المعجم المفصل\" ٧/ ١١٧.\n(٢) ينظر في بدل الاشتمال: \"الكتاب\" لسيبويه ١/ ١٥٠ - ١٥٨، \"المقتضب\" ١/ ٢٧، ٤/ ٢٩٦.\n(٣) في (م): (ومعنى سؤالهم).\n(٤) وبها قرأ ابن عباس والأعمى أيضا، ينظر: \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ١٤١، \"المصاحف\" لابن أبي داود ٥٨، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٧٦٧، \"البحر المحيط\" ٢/ ١٤٥.","vol":"4","page":138},{"text":"التقديم والتأخير، تقديره: يسألونك عن قتالٍ في الشَّهْرِ الحرامِ، وتم الكلام عند قوله: (قتال فيه كبير) (١).\nثم ابتدأ فقال: ﴿وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾، وهو رفع على الابتداء، وما بعده من قوله: ﴿وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ﴾ مرتفع بالعطف على الابتداء (٢) وخبره قوله تعالى: ﴿أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ هذا قول الزجاج (٣)، وهو الصحيح (٤)، وذكر الفراء في ارتفاع الصَّدِّ وجهين آخرين (٥)، غُلِّطَ فيهما:\nأحدهما: أنه عطف على قوله: ﴿كَبِيرٌ﴾ يريد: قل القتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به، يعني: أن القتالَ قد جَمَع أنه كبير وأنه صَدٌّ وأنه كُفْرٌ، وهذا القول يؤدي إلى (٦) أن يكون القتال في الشهر الحرام كفرًا\n_________\n(١) ينظر في إعراب هذه الآية: \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ١٤١، \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ٣٠٧، \"مشكل إعراب القرآن\" ١/ ١٢٧، \"التبيان\" ص ١٣٢، \"البحر المحيط\" ١/ ١٤٥، وقد أعرض المؤلف عن وجه ذكره أبو عبيدة في \"مجاز القرآن\" ١/ ٧٢، وهو الخفض على الجوار، قال النحاس: لا يجوز أن يعرب شيء على الجوار في كتاب الله ﷿، ولا في شيء من الكلام، وإنما الجوار غلط، وإنما وقع في شيء شاذ وقال: وإن كان أبو عبيدة عنى الخفض على الجوار أنه تابع لمخفوض، فخفضه بكونه جاور مخفوضًا، أي: صار تابعا له، ولا نعني به المصطلح عليه جاز ذلك ولم يكن خطأ، وكان موافقا لقول الجمهور، إلا أنه أغمض في العبارة وألبس في المصطلح.\n(٢) من قوله: (وما بعده من ..) ساقطة من (ي).\n(٣) ذكره الزجاج في \"تفسيره\" ١/ ٢٩٠.\n(٤) ينظر في إعراب الآية: المصادر السابقة.\n(٥) \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ١٤١.\n(٦) ساقطة من (ش).","vol":"4","page":139},{"text":"بالله، وهو خطأ بإجماع من الأمة.\nوالوجه الآخر: أن يجعل الصد مرتفعًا بالابتداء، وخبره محذوف لدلالة ﴿كَبِيرٌ﴾ المتقدم عليه، كأنه قال: والصد كبير، كقولك: زيد منطلق وعمرو، فيصير التقدير: قل قتال فيه كبير، وكبيرٌ الصد عن سبيل الله والكفر به، وينتقض هذا عليه بقوله: ﴿وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ﴾؛ لأنه يستأنف على ما ذكر من التقدير قوله: ﴿وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرِ﴾ (١) وإخراج أهله منه لا يكون أكبر عند الله من الكفر به، ومن قال: إنه أكبر فهو غالط بالإجماع (٢).\nومعنى الصد: الحَبْس، يقال: صَدَّ عن الشيء صُدُودًا، إذا صَدَف عنه، وصَدَّ غَيرَه يَصُدّ صَدًّا (٣)، ويعني بهذا الصد: أن المشركين منعوا رسول الله - ﷺ - وأصحابه عن البيت عام الحديبية (٤).\nوقوله تعالى: ﴿وَكُفْرٌ بِهِ﴾ أي: بالله ﴿وَالْمَسْجِدِ﴾ يُخْفَضُ بالعطف على ﴿سَبِيلِ اللَّهِ﴾ تقديره: وصدٌّ عن سبيلِ الله وعن المسجدِ الحرام؛ لأن المشركين صدوا المسلمين عنه؛ كما قال الله سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا\n_________\n(١) من قوله: وإخراج. ساقطة من (أ)، (ي).\n(٢) ينظر في مناقشة الفراء: \"مشكل إعراب القرآن\" لمكي ١/ ١٢٨.\n(٣) ينظر في الصد \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٩٨٤، ١٩٨٥، \"المفردات\" ص ٢٧٩، \"اللسان\" ٤/ ٢٤٠٩ \"صد\".\n(٤) ذكر الثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ٧٦٧ مثل قول الواحدي، دون قوله: عام الحديبية، وفيه إشكال؛ لأن الآية نزلت قبل ذلك، والظاهر أن المراد بالصد عن سبيل الله: الصد عن دين الله. ينظر: \"المحرر الوجيز\" ٢/ ٢٢١، \"تفسير القرطبي\" ٣/ ٤٦، وقد حاول الرازي الإجابة عن هذا بأن المراد أنه معلوم لله قبل وقوعه، والأولى ما ذكرنا.","vol":"4","page":140},{"text":"وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الحج: ٢٥].\nوقال الفراء: المسجد الحرام مخفوض بقوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ وعن المسجد (١)، وأُنكر (٢) عليه هذا، بأنهم لم يُسْأَلوا عن المسجد، وإنما السؤال عن القتال في الشهر الحرام (٣)، وله أن يقول: إن القوم لما استعظموا القتال في الشهر الحرام وكان القتال عند المسجد الحرام فجرى مجراه في الاستعظام (جمعوهما) (٤) في السؤال، وإن كان القتال إنما وقع في الشهر الحرام خاصة، كأنهم قالوا: هل استحللت الشهر الحرام وَالْمَسْجِد الحَرَام؟ (٥)، ولا يجوز حمله على الهاء في (٦) (وكفر به)؛ لأنه لا يعطف على المضمر المجرور إلا بإعادة الجار، ولأنه ليس المعنى: على كفر بالله والمسجد.\nوقيل: إنه خفض بواو القسم وليس بشيء (٧).\nوقوله تعالى: ﴿وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ﴾ أي: أهل المسجد منه ﴿أَكْبَرُ﴾ أعظم وزرًا وعقوبة ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ (٨). ﴿وَالْفِتْنَةُ﴾ أي: الشرك والكفر ﴿أَكْبَرُ\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ١٤١.\n(٢) في (ش): (فأنكر).\n(٣) ينظر في مناقشة قول الفراء: \"مشكل إعراب القرآن\" ١/ ١٢٨، \"المحرر الوجيز\" ٢/ ٢٢١، \"التفسير الكبير\" ٦/ ٣٤، \"التبيان\" ص ١٣٣.\n(٤) في (أ) (ي): (مجوعهما) وفي (م): (فجمعوهما).\n(٥) ليست في (ي).\n(٦) في (ي) (الباقى) وفي (م) (الثاني) وفي (ش) (الباقى).\n(٧) ينظر في إعراب الآية: \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ٣٠٨، \"مشكل إعراب القرآن\" ١/ ١٢٨، \"التبيان\" ص ١٣٣، \"البحر المحيط\" ٢/ ١٤٦.\n(٨) ينظر: \"تفسيرالثعلبي\" ٢/ ٧٦٨.","vol":"4","page":141},{"text":"مِنَ الْقَتْلِ﴾، يعني: قتل ابن الحضرمي (١)، فلما نزلت هذه الآية كتب عبد الله أبن جحش (٢)، صاحب هذه السرية، إلى مؤمني مكة: إذا عيركم المشركون بالقتال في الشهر الحرام، فعيروهم أنتم بالكفر وإخراج رسول الله - ﷺ - من مكة ومَنْع المؤمنين عن البيت (٣).\nوأما حكم القتال في الشهر الحرام اليوم، فالعلماء فيه مختلفون: قال ابن جريج (٤): حلف لي عطاء بالله: ما يحل للناس أن يغزوا في الحَرَم (٥) ولا في الشهر الحرام إلا أن يُقاتَلوا.\nوروى أبو الزبير عن جابر (٦)، قال: لم يكن رسول الله - ﷺ - يغزو في الشهر الحرام إلا أن يُغْزى (٧)، فإذا حضر ذلك أقام حتى ينسلخ. وسئل سعيد بن المسيب (٨): هل يصلح للمسلمين أن يقاتلوا الكفار في الشهر الحرام؟ قال: نعم، وقال ذلك سليمان بن يسار (٩)، وهذا مذهب قتادة (١٠)\n_________\n(١) المصدر السابق.\n(٢) هو: عبد الله بن جحش بن رباب بن يعمر بن صبرة، أبو محمد الأسدي، أمه أميمة بنت عبد المطلب، أسلم قبل دخول الرسول - ﷺ - دار الأرقم وهاجر الهجرتين، كان أول أمير أمره الرسول - ﷺ -، شهد بدرا وقتل في أحد شهيدًا سنة ٣هـ. انظر \"أسد الغابة\" ٣/ ١٩٤ - ١٩٥، \"الأعلام\" ٤/ ٧٦.\n(٣) ذكر ذلك الثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ٧٦٨، البغوي في \"تفسيره\" ١/ ٢٤٨.\n(٤) رواه عنه الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٣٥٣.\n(٥) في (ش) (بالحرم).\n(٦) المصدر السابق.\n(٧) في (ي) (يغروا).\n(٨) ذكره في \"زاد المسير\" عنه ١/ ٢٣٧، والرازي في \"تفسيره\" ٢/ ٢٣.\n(٩) ذكره في \"زاد المسير\" عنه ١/ ٢٣٧.\n(١٠) لم أجده عنه.","vol":"4","page":142},{"text":"وغيره من العلماء، يرون القتال في الشهر الحرام، قال أبو عبيد: والناس اليوم بالثغور جميعًا على هذا القول، يرون الغزو مباحًا في الشهور كلها حلالها وحرامها ولم أر أحدًا من علماء الشام والعراق ينكره عليهم، وكذلك حب قول أهل الحجاز، والحجة في إباحته قوله جل ثناؤه: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥]، هذه الآية عندهم ناسخة لتحريم القتال في الشهر الحرام.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُونَ﴾ يعني: مشركي مكة، وهو فعل لا مصدر له، يقال: ما يزال يفعل كذا، ولا (١) يزال، ولا يقال منه فاعل ولا مفعول، ومثله من الأفعال كثير، نحو: (عسى)، ليس له مصدر ولا مضارع، وكذلك ﴿وَذَرُوا مَا بَقِيَ﴾ [البقرة: ٢٧٨]، وهَلُمّ وهَاكَ وهَاتِ وتَعَالَوا.\nومعنى (لا يزالون) أي: يدومون، وكأن هذا مأخوذ من قولهم: زال عن الشيء، أي: تركه، فقولك: ما زال يفعل كذا، أي: لم يتركْه، وقلّ ما يتكلم به إلا بحرف نفي لأنه يبطل المعنى، وذلك أنك إذا قلت: زال زيد، فإنما أثبت زوال القيام، فإذا أدخلت حرف النفي نفيت الزوال، وبينت معنى الدوام، ومثله: (ما برح) بهذا التقدير سواء (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ﴾ أظهر التضعيف مع الجزم؛ لسكون الحرف الثاني، وهو أكثر في اللغة من الإدغام (٣).\n_________\n(١) في (ي)، (ش) (أولا يزال).\n(٢) ينظر في زال وأحكامها: \"المقتضب\" للمبرد ٣/ ٩٦ - ١٨٩، ٤/ ١١٩ - ١٢٠، \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٥٧٧، \"المفردات\" ٢١٦، \"اللسان\" ٣/ ١٩٠١\"زول\".\n(٣) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٩٠، \"التبيان\" ص ١٣٣.","vol":"4","page":143},{"text":"وقوله تعالى: ﴿فَيَمُتْ﴾ جزم بالعطف على ﴿يَرْتَدِدْ﴾ (١) (٢) وجوابهما (٣): قوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ أي: بطلت، يقال: حَبِطَ عملُ الرجلِ يَحْبَطُ حَبَطًا وحُبُوطًا، وأَحْبَطَه اللهُ إِحْبَاطًا (٤)، وأصله: من الحَبَط، وهو فساد يلحق الماشية في بطونها لأكل الكلأ حتى تَنْتَفِخَ أجوافها، ومنه الحديث \"وإن مما (٥) ينبت الربيعُ ما يقل حَبَطًا\" (٦). وسمي بطلان الأعمال بهذا لأنه كفساد الشيء لمصيره إلى ما لا ينتفع به (٧)، والحكم في هذا أن المسلم إذا ارتد -أعاذنا الله من ذلك- فأعماله وطاعاته موقوفة، فإن عاود\n_________\n(١) في (ي) (يرتد).\n(٢) \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٧٦٨، \"التبيان\" ص ١٣٣.\n(٣) في (ش) (وجوابها).\n(٤) ونقل في \"تهذيب اللغة\" ١/ ٧٢٦ \"حبط\" عن ابن السكيت، يقال: حَبَط عملُه يحبُط حبْطا وحُبوطا، بسكون الباء، وحبِط بطنُه إذا انتفخ يحبَط حبَطا فهو حبِط، ورأيت بخط الأقرع في كتاب ابن هانىء: حبَط عملُه يحبُط حبوطا وحبْطا، وهو أصح، ثم قال في ١/ ٧٢٨: قلت: ولا أرى حبْط العمل وبطلانه مأخوذا إلا من حبَط البطن؛ لأن صاحب الحبَط يهلِك، وكذلك عمل المنافق والمشرك يحبط، غير أنهم سكنوا الباء من قولهم: حبط بطنُه يحبَط حبْطا، كذلك أثبت لنا عن ابن السكيت وغيره.\n(٥) في (ي): (ما).\n(٦) أخرجه البخاري (٦٤٢٧) كتاب: الرقاق، باب: ما يحذر من زهرة الدنيا والتنافس فيها، ومسلم (١٠٥٢) كتاب الزكاة، باب: تخوف ما يخرج من زهرة الدنيا. قال الأزهري في \"تهذيب اللغة\" ١/ ٧٢٧: هو مثل الحريص المفرط في الجمع والمنع، وذلك أن الربيع يُنْبِتُ أحرار العشب التي تَحْلَوْليها الماشية فتستكثر منها حتى تنتفخ بطونها وتهلِك، وكذلك الذي يجمع الدنيا، ويحرص عليها ويشحّ على ما جمع حتى يمنع ذا الحق حقه منها.\n(٧) ينظر في حبط: \"تهذيب اللغة\" ١/ ٧٢٦، \"المفردات\" ص ١١٣ - ١١٤، \"عمدة الحفاظ\" ١/ ٤٢٣ - ٤٢٥، \"لسان العرب\" ٢/ ٧٥٥.","vol":"4","page":144},{"text":"الإسلام لم تحبط، ولم يبطل حجه الذي فرغ منه في الإسلام، وإن لم يعد ومات على الردة حبط (١) عمله؛ لأن الله تعالى قال: ﴿فَيَمُت وَهُوَ كَافِرٌ﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-436>٢١٨ </span>- قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ نزلت في عبد الله بن جحش وأصحابه، قالوا لرسول الله: أصبنا القوم في رجب أنرجو أن يكون لنا أجر المجاهدين في سبيل الله؟ فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (٢) يعني بمحمد ﴿هَاجَرُوا﴾ فارقوا عشائرهم وأوطانهم (٣)، وأصله من الهجر، الذي هو ضِدّ الوَصْل، ومنه قيل للكلام القبيح: الهُجْرة لأنه مما ينبغي أن يهْجَر، والهاجِرة: وقتٌ يُهْجَر فيه العمل (٤).\n﴿وَجَاهَدُوا﴾ يعني: جاهدوا المشركين، ومعناه: حملوا أنفسهم على المشقة في قتالهم، ومنه: يقال: اجتهد فلان رأيه، إذا حمل نفسه على المشقة في بلوغ صواب الرأي، وأصله: من الجُهْد، الذي هو المشقة، ومنه: الجهاد، وهو الأرض الصلبة، لحمل النفس في ركوبها على\n_________\n(١) في (أ) (م) (يحبط).\n(٢) رواه الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٣٥٦، والواحدي في \"أسباب النزول\" ص ٧١، والثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ٧٦٩، وقد رواه الطبري من حديث جندب بن عبد الله في \"تفسيره\" ٤/ ٣٠٦، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٢/ ٣٨٤، وأبو يعلى في \"مسنده\" ٣/ ١٠٢، وهو تمام قصة سبب النزول في الآية السابقة ومذكور في بعض رواياتها.\n(٣) \"تفسيرالثعلبي\" ٢/ ٧٦٩.\n(٤) ينظر في هجر \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٧١٧، \"المفردات\" ص٥١٤ - ٥١٥، \"عمدة الحفاظ\" ٤/ ٢٧٨ - ٢٨٠، \"لسان العرب\" ٨/ ٤٦١٧. قال الراغب: الهجْر والهِجران: مفارقة الإنسان غيره، إما بالبدن أو باللسان أو بالقلب.","vol":"4","page":145},{"text":"المشقة (١) ﴿فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾ في نصرة دين الله (٢).\n﴿أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ﴾ قال الزجاج: إنما قال: ﴿يَرْجُونَ﴾ لأنهم عند أنفسهم غير بالغين ما يجب لله (٣) عليهم، ولا يعلمون ما يختم به أمرهم (٤). ﴿غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ غفر لعبد الله بن جحش وأصحابه ما لم يعلموا ورحمهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-437>٢١٩ </span>- قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ الآية، نزلت في عمر بن الخطاب ومعاذ بن جبل وسعد بن أبي وقاص وجماعة، أتوا رسول الله - ﷺ -، فقالوا: أفتنا في الخمر والميسر، فإنهما مذهبة للعقل، مسلبة للمال، فنزل قوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ (٥).\n_________\n(١) ينظر في جهد \"تهذيب اللغة\" ١/ ٦٧٥، \"المفردات\" ص ١٠٨، \"عمدة الحفاظ\" ١/ ٤٠٥ - ٤٠٦، \"اللسان\" ٢/ ٧٠٩. ونقل الأزهري في \"تهذيب اللغة\" ١/ ٦٧٥ عن الليث: الجَهد: ما جَهد الإنسان من مرض أو أمر شاق، فهو مجهود، قال: والجُهد لغة بهذا المعنى. وقال الفراء: بلغت الجَهد. أي: الغاية، واجْهَدُ جهْدًا في هذا الأمر. أي ابلغ فيه غايتك، وأما الجُهد فالطاقة. وقال الراغب: الجَهد والجُهد: الطاقة والمشقة، وقيل: الجَهد بالفتح: المشقة، والجُهد: الوسع.\n(٢) \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٧٦٩.\n(٣) في (ي): (ما يحب الله).\n(٤) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٩٠ - ٢٩١.\n(٥) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ٧٧٠، وعنه ابن حجر في \"العجاب\" ١/ ٥٤٦، وذكره الواحدي في \"أسباب النزول\" ص ٧٣، البغوي في \"تفسيره\" ١/ ٢٤٩، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ١/ ٢٣٩، وأبو حيان في \"البحر المحيط\" ٢/ ١٥٦. وورد عن عمر قوله: لما نزل تحريم الخمر قال عمر: اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا، فنزلت الآية التي في البقرة: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ فدعي عمر فقرئت عليه، قال: اللهم بين لنا في الخمر بيانًا شافيًا. الحديث رواه أبو داود =","vol":"4","page":146},{"text":"والخَمْر عند أهل اللغة سميت خمرًا لسترها العقل. قال ابن المُظَفَّر: الَخْمر معروف، واختمارها: إِدْرَاكها وغَلَيَانُها، ومُخَمِّرُها: مُتَّخِذُها، وخُمْرَتُها: ما غشي المَخْمورَ من الخُمَارِ (١)، وأنشد:\nوقد أَصَابَتْ حُمَيَّاها مَقَاتِلَهُ ... فلم تكَد تَنْجَلِي عن قَلْبِه الخُمَرُ (٢)\nوخَمَرْتُ الدابةَ أُخْمِرُها، إذا سَقَيْتُهَا الخَمْر (٣)، قال الكسائي: اختمرت خمرًا، ولا يقال: أخمرتها (٤)، وأصل هذا السحرف: التغطية. روى ثعلب عن عمرو عن أبيه (٥) قال: الخَامِرُ: الذي يَكْتُمُ شَهَادَتَهُ، وفي الحديث: \"خمروا آنيتكم\" (٦).\nوقد اخْتَمَرَتِ المرأةُ بخمارها، وتَخَمَّرَتْ وهي حَسَنَهُ الخِمْرَةِ،\n_________\n= (٣٦٧٠) كتاب الأشربة، باب: تحريم الخمر، والترمذي (٣٠٤٨) كتاب التفسير، باب: من سورة المائدة، والنسائي ٨/ ٢٨٦ كتاب الأشربة، باب: تحريم الخمر، وأحمد ١/ ٥٣، والحاكم ٢/ ٣٠٥، وقال: صحيح على شرط الشيخين، وصححه ابن المديني كما في \"تفسير ابن كثير\" ١/ ٢٧٤.\n(١) في \"مقاييس اللغة\" ٢/ ٢١٥ زيادة: [والسكر في قلبه] والكلام منسوب إلى الخليل فلعل الليث ناقل كما قال محقق \"تهذيب اللغة\"، كما أنه أخبر عن الخمر بالمذكر فقال: معروف، وكذا في \"التهذيب\"، والعبارة المنقولة عن الخليل: الخمر معروفة.\n(٢) البيت بلا نسبة في \"تهذيب اللغة\" ١/ ١٠٩٩، \"مقاييس اللغة\" ٢/ ٢١٥، \"لسان العرب\" ٢/ ١٢٥٩ (خمر) وروايته: لذٌّ أصابت.\n(٣) نقله عن ابن المظفر في \"تهذيب اللغة\" ١/ ١٠٩٩.\n(٤) نقل عنه في \"تهذيب اللغة\" ١/ ١٠٩٩ قوله: أبو عبيد عن الكسائي: خمرت العجين وفطرته، وهي الخمرة الذي يجعل في العجين يسميه الناس: الخمير.\n(٥) في \"تهذيب اللغة\" ١/ ١٠٩٩: ثعلب عن ابن الأعرابي.\n(٦) رواه البخاري (٣٢٨٠) كتاب بدء الخلق باب صفة إبليس وجنوده، ومسلم (٢٠١٣) كتاب الأشربة باب تغطية الإناء في الأشربة باب الأمر بتغطية الإناء وإيكاء السقاء، من حديث جابر بن عبد الله. والتخمير: التغطية.","vol":"4","page":147},{"text":"ويقال: خَامِرِي أمَّ عَامر (١)، أي: ادخُلِي الخَمَرَ، واستتري، والخَمَرَ: ما واراك من شجرٍ وغيره من وهْدَةٍ وأَكَمَةٍ.\nوقيل: سميت خمرًا؛ لأنها تُغَطَّى حتى تدرك، وقال ابن الأنباري: سميت خَمْرًا؛ لأنها تُخَامِرُ العَقْلَ، أي: تخالِطُه، يقال: خَامَره الداءُ، إذا خَالَطَه، وأنشد لكثير:\nهَنِيئًا مَرِيئًا غيرَ داءٍ مُخَامِرٍ (٢)\nيقال: خامر السقامُ كبدَه، وخامرت كبدُه السقامَ، تجعل أيهما شئت فاعلًا، قال:\nأتَيْت الوَلِيدَ له عَايدًا ... وقد خَامَرَ القَلْبُ منه سَقَامَا (٣)\nوهذا (٤) الذي ذكره راجع إلى الأول؛ لأن الشيء إذا خالط (٥) الشيء يصير بمنزلة الساتر، هذا قول أهل اللغة في اشتقاقها (٦).\n_________\n(١) مثَل يضرب للرجل الأحمق، وأم عامر هي الضبع، قال ابن السكيت: الضبع محَمَّق، ويدخل عليها الرجل في وجارها تحمل عليه، فيقول: خامري أم عامر، ليست أم عامر هاهنا، فتمكنه حتى يكْعمَها ويوثقها بحبل ثم يجرها. ينظر: \"تهذيب اللغة\" ١/ ١٠٩٩، \"مقاييس اللغة\" ٢/ ٢١٧، \"مجمع الأمثال\" للميداني ١/ ٢٣٨.\n(٢) عجز البيت: لعزة من أعراضنا ما استحلت.\nوالبيت في \"ديوانه\" ص١٠٠، كتاب \"العين\" ٤/ ٢٦٣، \"مقاييس اللغة\" ٢/ ٢١٦. \"المعجم المفصل\" ١/ ٥٤٧.\n(٣) البيت لم أهتد إلى قائله، ولا من ذكره.\n(٤) في (ش) (وهو).\n(٥) في (ي) (خالطه).\n(٦) ينظر في مادة خمر: \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٩١، \"تهذيب اللغة\" ١/ ١١٠١، \"المفردات\" ص ١٦٥، \"عمدة الحفاظ\" ١/ ٦١٤، \"اللسان\" ٢/ ١٢٦١.","vol":"4","page":148},{"text":"فأما حدها: فمذهب الثوري (١) وأبي حنيفة وأكثر أهل الرأي (٢): أن الخمر ما اعتصر من الحبلة (٣) والنخلة، فغلى (٤) بطبعه دون عمل النار فيه، وأن ما سوى ذلك فليس بخمر، ومذهب مالك (٥) والشافعي (٦) وأحمد (٧) وأهل الأثر (٨): أن الخمر كل شراب مسكر، سواء كان عصيرًا أو نقيعًا، مطبوخًا كان أو نيئًا. واللغة تشهد لهذا.\nقال الزجاج: القياس أن ما عمل عمل الخمر أن يقال لها خمر، وأن يكون (٩) في التحريم بمنزلها (١٠)، لأن إجماع العلماء أن القمار كله حرام، وإنما (١١) ذكر الميسر من بينه وهو قمار في الجُزُر (١٢)، وحُرِّم كلُّه قياسًا على الميسر، وكذلك كل ما كان كالخمر فهو بمنزلته، وكل مُسْكِرٍ مخالط للعقل مُغَطٍّ عليه فهو خمر، ويقال لكل شارب غلبه بخار شرب المسكر،\n_________\n(١) ينظر: \"اختلاف العلماء\" للمروزي ٢٠٤، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٧٨٤، \"بداية المجتهد\" ١/ ٥٤٩.\n(٢) ينظر: \"مختصر الطحاوي\" ص ٢٧٨، \"شرح معاني الآثار\" ٤/ ٢١٢، \"أحكام القرآن\" للجصاص ١/ ٣٢٤.\n(٣) الحبلة: العنبة.\n(٤) في (م): (فغشي).\n(٥) ينظر: \"الموطأ\" في الأشربة، باب: الحد في الخمر ١/ ٨٤٣، \"المدونة\" ٦/ ٢٦١.\n(٦) ينظر. \"الأم\" ٦/ ١٩٥.\n(٧) ينظر: \"المغني\" ١٢/ ٥١٤، \"شرح الزركشي على مختصر الخرقي\" ٦/ ٣٧٢.\n(٨) ينظر: \"التمهيد\" ١/ ٢٤٥، \"أحكام القرآن\" لابن العربي ١/ ١٤٩.\n(٩) في (ش) (تكون).\n(١٠) ابن الأنباري، ذكره الزجاج ١/ ٢٩١.\n(١١) في (ش): (وإما).\n(١٢) في (م): (الجزد)، وفي (ش): (الجرر)، وفي (ي): (الحرر).","vol":"4","page":149},{"text":"أيِّ مُسْكِرٍ كان: مخمور، وبه خمار، فهذا بين واضح، وقد قال النبي - ﷺ - \"إن من التمر لخمرًا، وإن من العنب لخمرًا، وإن من الزبيب لخمرًا، وإن من الحنطة لخمرًا، وإن من الشعير لخمرًا، وإن من الذرة لخمرًا، وأنا أنهاكم عن كل مسكر\" (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَالْمَيْسِرِ﴾ يعني: القمار، قال ابن عباس: كان الرجلُ في الجاهلية يخاطر الرجلَ على أهله وماله، فأيهما قمر صاحبه ذهب بماله، فأنزل الله هذه الآية (٢). والمَيْسِر عند أهل اللغة: مَفْعِل، من قولهم: يَسَر لي هذا الشيء يَيْسِرُ يَسَرًا ومَيْسِرًا، إذا وجب، والياسر: الواجبُ بقدح وجب ذلك أو مُنَاحبةٍ (٣) أو غير ذلك، هذا أصله، ثم قيل للقمار: ميسر، وللمقامر: ياسر ويسرٌ (٤)، قال:\nيَسَرُ الشِّتَاءِ وفَارِسٌ ذو قدمة ... في الحَرْبِ أن حَاصَ الجَبَانُ مَحِيصَا (٥)\n_________\n(١) أخرجه أبو داود (٣٦٧٢) كتاب الأشربة، باب: الخمر مما هو؟، والترمذي (١٨٧٢) كتاب الأشربة، باب: ما جاء في الحبوب التي يتخذ منها الخمر، وابن ماجه (٣٣٨٠) كتاب الأشربة، باب: مما يكون منه الخمر، والإمام أحمد ٤/ ٢٦٧ والحاكم ٤/ ١٦٤ وصححه. وحسنه الحافظ ابن حجر في \"الفتح\" ١٠/ ٤٤.\n(٢) رواه أبو عبيد في \" الناسخ والمنسوخ\" ص ٢٤٩، والطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٣٥٨، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٢/ ٩٠،والنحاس في \"الناسخ والمنسوخ\" ١/ ٦٢٨، والثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ٨٧٨، \"الدر المنثور\" ١/ ٤٥٢.\n(٣) في (ش): مناجية. وفي (أ) كأنها: مناخبة، وما أثبت من \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٨٧٨، والمناخبة: المراهنة والمخاطرة كما في النهاية، وأثبت محقق \"تفسير الطبري\" فتاحة.\n(٤) \"تفسير الطبري\" ٢/ ٣٥٧، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٨٧٨، وعنده: الواجب بقداح.\n(٥) البيت لم أهتد لقائله، ولا من ذكره.","vol":"4","page":150},{"text":"ويجمع يَسَر أَيْسَارًا. قال طرفة:\nوهم أيْسَارُ لُقْمَانَ إذا ... أغْلَتِ الشَّتْوَةُ أبْدَاءَ الجُزُرْ (١)\nقال ابن الأعرابي: يقال: يَسَر الياسِر يَيْسِر، إذا جاء بقِدْحِه للقمار (٢). وقيل: أخذ الميسر من التجزئة والاقتسام (٣)، ويقال: يَسَروا الشيء، أي: اقتسموه، قال:\nأقولُ لهم بالشِعْبِ إذ يَيْسِرُونني ... ألم تيأسوا أني ابنُ (٤) فَارِسِ زَهْدَمِ (٥)\nأي: تقتسمونني كما نقتسم أعضاء الجزور في الميسر، أراد أنهم أخذوا فداه فاقتسموه، فكأنهم اقتسموا نفسه، وكانت العرب تنحر الجزور وتجعله أقسامًا (٦) يتقامر عليها بالقِداح، على عادة لهم في ذلك (٧).\nقال النضر: الياسر: الجزار، ويَسَرْتُ الناقة، أي (٨): جَزَّأْتُ\n_________\n(١) البيت في \"اللسان\" ٨/ ٤٩٥٩ (يسر)، \"تفسير القرطبي\" ٣/ ٥٣، والشتوة: مفرد شتاء، والعرب تجعل الشتاء مجاعة؛ لأن الناس يلتزمون فيه البيوت ولا يخرجون للانتجاع، وأبداء: جمع بدء، خير عظم في الجزور، وقيل: هو خير نصيب فيها.\n(٢) نقله في \"اللسان\" ٨/ ٤٩٥٩ (يسر).\n(٣) من قوله: يسر الياسر. ساقط من (أ) و(م).\n(٤) في (ش) و(ي): (لي).\n(٥) البيت لسحيم بن وثيل اليربوعي، ينظر: \"مجاز القرآن\"،\"اللسان\" ٨/ ٤٩٥٩، \"تفسير القرطبي\" ٣/ ٥٣، ورواية الأزهري في \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٩٨١ \"يسر\". أقول لأهل الشعب، ورواية \"اللسان\": ألم تعلموا. وتيأسوا: تعلموا. وزهدم: اسم فرس.\n(٦) ليست في (أ) ولا (م).\n(٧) ينظر: \"الميسر والقداح\" لابن قتيبة ص ٥٦ - ١٥٤، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٨٧٩، \"المحرر الوجيز\" ٢/ ٢٣٤، \"الميسر والأزلام\" لعبد السلام هارون ص ١٢ - ٥٤.\n(٨) في (ش): (إذا).","vol":"4","page":151},{"text":"لَحْمَها (١)، وقول الأعشى:\nوالجَاعِلُو القُوتِ على اليَاسِرِ (٢)\nيعني: الجازر، وقيل: الميسر من اليُسْر، وهو تَسَهُّلُ الشيء، وذلك أنهم كانوا يشتركون في الجزور لِيَسْهُل أمرُه (٣)، وإلى هذا ذهب مقاتل؛ لأنه قال: (٤) سمي ميسرًا لأنهم كانوا يقولون: يَسِّرُوا لنا ثَمَنَ الجَزُور (٥)، وليست هذه الآية المُحَرِّمَةُ للخمر ﴿وَالْمَيْسِرِ﴾ (٦) إنما المحرمة التي في المائدة (٧).\nوقوله تعالى: ﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ أراد: الإثم بسببهما من المخاصمة والمشاتمة، وقول الفحش والزور، وزوال العقل والمنع من الصلاة، والقمار يورث (٨) الجماعة (٩) العداوة، بأن يصير مال الإنسان إلى غيره بغير جزاء يأخذه عليه (١٠).\n_________\n(١) نقله في \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٩٨٠.\n(٢) عجز بيت للأعشى، وصدره:\nلمطعمون اللحم إذا ما شتوا\nينظر: \"ديوانه\" ص ٩٥، \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٩٨٠، \"لسان العرب\" ٨/ ٤٩٥٩ (يسر).\n(٣) ينظر في الميسر: \"الميسر والقداح\" لابن قتيبة، \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٩٨١، \"عمدة الحفاظ\" ٤/ ٤٠٩، \"لسان العرب\" ٨/ ٤٩٥٩ (يسر).\n(٤) ليست في (ش)\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ١/ ١٨٨.\n(٦) ليست في (ي).\n(٧) تقدم ذلك في ذكر سبب نزول الآية.\n(٨) من قوله: الخاصمة. ساقط من (أ) ولا (م).\n(٩) ليست في (أ) ولا (م) ولا (ي).\n(١٠) ينظر: \"تفسيرالثعلبي\" ٢/ ٨٨٩ - ٨٩٠.","vol":"4","page":152},{"text":"وقال الربيع (١) والضحاك (٢): إثم كبير بعد التحريم، ومنافع للناس قبل التحريم. والأول الوجه، وعنى بالمنافع ما كانوا يصيبونه من المال في بيع الخمر، والتجارة فيها، واللذة عند شربها، والتقوي بها (٣)، كقول الشاعر (٤) الأعشى:\nلنا من ضُحَاها خُبْثُ نَفْسٍ وكَأبةٌ ... وذِكرى هُمُومٍ ما تَغِبُّ أَذَاتُها\nوعند العِشَاءِ طيبِ نَفْسٍ ولَذّةٍ ... ومالٍ كثِيرٍ عدة نَشَوَاتُها (٥)\nومنفعة الميسر: ما يصاب من القمار، ويرتفق به الفقراء (٦).\nوقال قتادة: في هذه الآية ذمها ولم (٧) يحِّرْمها، وهي يومئذ حلال (٨).\nوذهب قوم من أهل النظر: إلى أن الخمر حرمت بهذه الآية؛ لأن الكتاب قد دل في موضع آخر على تحريم الإثم في قوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ﴾ [الأعراف: ٣٣] وقد حرم الإثم، وقال: ﴿فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾، فوجب أن يكون محرمًا (٩).\n_________\n(١) رواه عنه الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٣٦١، وذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ٨٩١.\n(٢) رواه عنه الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٣٦١، وذكره النحاس في \"معاني القرآن\" ١/ ١٧٤، والثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ٨٩١.\n(٣) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٩٢، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٨٩٠\n(٤) ليست في (أ) ولا (م) ولا (ي).\n(٥) البيتان للأعشى بن قيس في قصيدة فخر له، ينظر: \"ديوانه\" ص ٣١ وفي الأشربة لابن قتيبة ص ١٩٨، \"تفسير الطبري\" ٢/ ٣٥٩ \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٨٩٠.\n(٦) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٩٣، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٨٩٠.\n(٧) في (ي): (فلم).\n(٨) رواه الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٣٦٣، وذكره في \"زاد المسير\" ١/ ٢٤١٤، وفي \"الحجة\" ٢/ ٣٠٧.\n(٩) من \"الحجة\" ٢/ ٣٠٨.","vol":"4","page":153},{"text":"واختلف القراء في قوله: ﴿إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ فقرأ حمزة والكسائي (كثير) بالثاء، الباقون بالباء (١)، وحجتهم: أن الباء أولى؛ لأن الكِبَر مثلُ العِظَم، ومقابل الكِبرِ الصِّغَر، قال الله تعالى: ﴿وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ﴾ [القمر: ٥٣] وقد استعملوا في وصف الذنب العِظَمَ والكِبَرَ، يدل على ذلك قوله: ﴿كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾ [النجم: ٣٢]، ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ [النساء: ٣١]، بالباء، كذلك هاهنا ينبغي أن يكون بالباء، ألا ترى أن شرب الخمر والميسر من الكبائر.\nوقالوا في اللمم: صغيرٌ وصغيرة، ولم يقولوا: قليل، فلو كان (كثير) متجهًا في هذا لوجب (٢) أن يقال في غير الكبيرة (٣): قليل، ألا ترى أن القلة تقابل الكثرة، كما أن الصغر يقابل الكبر. واتفاق القراء على الباء في ﴿وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ﴾، ورفضهم الثاء مما يقوي الباء.\nوأما من قرأ بالثاء فلأنه قد جاء فيهما ما يقوي (٤) وصف الإثم فيهما بالكثرة دون الكبر، وهو قوله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ﴾ [المائدة: ٩١] فذكر عددًا من الذنوب فيهما، ولأن (٥) النبي - ﷺ - لعن عَشْرَةً في سبب الخمر (٦)،","vol":"4","page":154},{"text":"فدل على كثرة الإثم فيها، ولأن الإثم في هذه الآية عودل به المنافع فَحَسُنَ أن يوصف بالكثرة (١)؛ لأنه كأنه قال: فيه مضارٌّ كثيرةٌ ومنافعُ (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾ نزل في سؤال عمرو بن الجموح، لما نزل قوله: ﴿فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [البقرة: ٢١٥] في سؤاله أعاد السؤال وسأل عن مقدار ما ينفق، فنزل قوله: ﴿قُلِ الْعَفْوَ﴾ (٣). قال ابن عباس في رواية مقسم: العفو: ما فضل من المال عن العيال (٤)، وهو قول السدي (٥) وقتادة (٦) وعطاء (٧).\n_________\n(١) في (ش): (بالكثير) وفي (بالكبيرة).\n(٢) من \"الحجة\" ١/ ٣١٢ - ٣١٤ بتصرف.\n(٣) ذكر السيوطي في \"لباب النقول\" ١/ ٤١ أن ابن المنذر أخرج عن أبي حيان أن عمرو ابن الجموح سأل النبي - ﷺ - ماذا ننفق من أموالنا، وأين نضعها؟ فنزلت. وذكره مقاتل بنحوه ١/ ١٨٨ وذكر الثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ٨٩١ أن رسول الله - ﷺ - حثهم على الصدقة، ورغبهم فيها من غير عزم، فقالوا: يا رسول الله، ماذا ننفق وعلى من نتصدق؟ فنزلت، وعنه نقله ابن حجر في \"العجاب\" ١/ ٥٤٦، والسيوطي في \"لباب النقول\" ص ٤٢، وعزاه لابن جرير، وبنحوه عند ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٢/ ٣٨١.\n(٤) رواه سعيد بن منصور في \"سننه\" ٣/ ٨٣٨، والطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٣٦٤، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٢/ ٣٩٣، والنحاس في \"الناسخ والمنسوخ\" ١/ ١٣٣، والثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ٨٩٤.\n(٥) رواه عنه الطبري ٢/ ٣٦٤، والثعلبي ٢/ ٨٩٣، البغوي في \"تفسيره\" ١/ ٢٥٣.\n(٦) رواه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ١/ ٨٩، والطبري ٢/ ٣٦٤، وذكره ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٢/ ٣٩٣، والثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ٨٩٣\n(٧) رواه سعيد بن منصور ٣/ ٣٣٩، والطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٣٦٤، وذكره ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٢/ ٣٩٣، والثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ٨٩٣.","vol":"4","page":155},{"text":"وقال في رواية الوالبي: ما لا يتبين (١) في أموالكم (٢).\nوقال مجاهد: صدقة عن ظهر غنى (٣). وأصل العفو في اللغة: الزيادة، قال الله تعالى: ﴿حَتَّى عَفَوْا﴾ [الأعراف: ٩٥]، أي: زادوا على (ما) (٤) كانوا عليه من العدد (٥).\nوقال الشاعر:\nولكنا نُعِضُّ السَّيْفَ منها ... بأسْؤُقِ عَافِيَاتِ الشَّحْمِ كُومِ (٦)\nأي: زائدات الشحم.\nقال أهل التفسير: أُمِروا أن ينفقوا الفَضْل، وكان أهل المكاسب يأخذ الرجل من كسبه ما يكفيه في عامه، وينفق باقيه، إلى أن فرضت الزكاة، فنسخت آيةُ الزكاة المفروضة هذه الآية وكل صدقة أمروا بها قبل نزول الزكاة (٧) (٨).\n_________\n(١) في (ش): (مانبين)\n(٢) رواه الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٣٦٤، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٢/ ٣٩٤، والنحاس في \"الناسخ والمنسوخ\" ١/ ٦٣١، وذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ٨٩٤.\n(٣) رواه الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٣٦٥ بمعناه، وذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ٨٩٤.\n(٤) ساقطة من (ش).\n(٥) \"تفسيرالثعلبي\" ٢/ ٨٩٦\n(٦) القائل: لبيد، ينظر: \"ديوانه\" ص ١٠٤، \"مجاز القرآن\" ٠/ ٢٢٢، \"تفسير الطبري\" ٢/ ٣٦٦ \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٨٩٦ والضمير في قوله: منها، يعود إلى الإبل، يقال: أعضَّه السيف، إذا ضربه به والباء في (أسوق) زائدة، كُوْم: عظام الأسمنة يقال في البعير: أكوم، والناقة: كوماء.\n(٧) من قوله: المفروضة. ساقطة من (ي).\n(٨) ينظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٩٣، وعزاه الثعلبي ٢/ ٨٩٩ للكلبي، و\"نواسخ القرآن\" لابن الجوزي ص ٢٣٨، واستظهر ابن الجوزي أن لا نسخ في الآية،=","vol":"4","page":156},{"text":"واختلف القرَّاء في رفع العفو ونصبه، فقرؤا بالوجهين جميعًا (١)، فمن نصب جعل (ماذا) اسمًا واحدًا، فيكون قوله: ﴿مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾ بمنزلة ما ينفقون (٢)، و(ماذا) في موضع نصب، كما أن ما وأيًّا في قولك: ما ينفقون، وأيًّا ينفقون، كذلك (٣)، وجواب هذا العفو بالنصب، كما تقول في جواب: ما أنفقت؟ درهمًا، أي: أنفقت درهمًا.\nومن رفع العفو جعل ذا (٤) بعد (ما) بمنزلة الذي، ورد العفو عليه فرفع، كأنه قال: ما الذي ينفقون؟ فقال: العفو، أي: الذي ينفقون العفو، فيضمن (٥) المبتدأ الذي كان خبرًا في سؤال السائل، كما تقول في جواب ما الذي أنفقته؟ مال زيد، أي: الذي أنفقته مال زيد (٦).\nقال أبو إسحاق: ويجوز أن تنصب ﴿الْعَفْوَ﴾ وإن كان (ما) وحدها اسمًا، تحمل (العفوَ) على ينفقون (٧)، كأنه قيل (٨): قل أنفقوا العفو،\n_________\n= وأنها في الإنفاق المندوب إليه، وقال الطبري ٢/ ٣٦٨: فهو أدب من الله لجميع خلقه على ما أدبهم به في الصدقات غير المفروضات، ثابت الحكم غير ناسخ لحكم كان قبله بخلافه، ولا منسوخ بحكم حدث بعده. وينظر: \"النسخ في القرآن\" لمصطفى زيد ٢/ ٦٦٥.\n(١) قرأ أبو عمرو: ﴿قل العفوُ﴾ رفعا، والباقون نصبًا.\n(٢) قوله: بمنزلة ما ينفقون ساقطة من (أ) و(م).\n(٣) ساقطة من (ي).\n(٤) في (ي): (إذا).\n(٥) في (ش): (فيضمر) لحلها هي الصواب.\n(٦) من \"الحجة\" ٢/ ٣١٨ بتصرف.\n(٧) في (ي): (ما ينفقون).\n(٨) (قيل) ساقطة من (ش).","vol":"4","page":157},{"text":"ويجوز (١) أن يرفع العفو، وإن جعلت ما وذا بمنزلة شيء واحد، على معنى: قل هو العفو (٢)، والكلام في (ماذا) قد مر مستقصى (٣).\nوقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ﴾ أشار إلى ما بين في الإنفاق، كأنه قال: مثل الذي بينه لكم في الإنفاق إذ يقول: (قل العفو) يبين لكم الآيات لتتذكروا (٤) في أمر الدنيا والآخرة، فتعرفوا فضل الآخرة على الدنيا.\nوقيل: مثل البيان في الخمر والميسر يبين الله لكم الآيات (٥). وقال: ﴿كَذَلِكَ﴾ وهو يخاطب جماعة؛ لأن الجماعة معناها القبيل، كأنه قال: كذلك أيها القبيل.\nوقد أتى القرآن في غير موضع (بذلك) للجماعة، قال الله تعالى: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ﴾ ثم قال: ﴿وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٠] والأصل: (ذلكن) (٦)، إلا أن الجماعة في معنى القبيل، وجائز أن يكون الكاف للنبي - ﷺ -، أي: كذلك أيها النبي يبين الله لكم الآيات؛ لأن خطاب النبي - ﷺ - مشتمل على خطاب أمته، كقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ﴾ [الطلاق:١] (٧).\n_________\n(١) في (ي): (فيجوز).\n(٢) ذكره الزجاج ١/ ٢٩٣.\n(٣) ينظر ما تقدم.\n(٤) (لتتفكروا) في (ش)، وفي (ي): (تتفكروا).\n(٥) ينظر: \"تفسير الطبري\" ٢/ ٣٦٨ - ٣٦٩، \"بحر العلوم\" ١/ ٢٠٣، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٩٠٠ - ٩٠١، \"الكشاف\" ١/ ٢٦٣.\n(٦) في (ي) و(ش) و(م): (ولكن).\n(٧) من \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٩٣ - ٢٩٤ بتصرف، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٩٠٠.","vol":"4","page":158},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-438>٢٢٠ </span>- قوله تعالى: ﴿فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ أول هذه الآية موصول بما قبلها، فيجوز أن يكون من صلة التفكر، قال أكثر (١) المفسرين: معناه: هكذا يبين الله لكم الآيات في أمر الدنيا والآخرة، ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ في زوال الدنيا وفنائها فتزهدوا فيها، وفي إقبال الآخرة وبقائها فترغبوا فيها. ويجوز أن يكون ﴿فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ من صلة التبين، أي: يبين لكم الآيات في أمر الدنيا والآخرة ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى﴾ قال الضحاك (٣) والسدي (٤) وابن عباس (٥) في رواية العوفي: كانت العرب في الجاهلية يعظمون شأن اليتيم ويشددون (٦) أمره، فلا يؤاكلونه، وكانوا يتشاءمون (٧) بملابسة أموالهم، فلما جاء الإسلام سألنا (٨) عن ذلك رسول الله - ﷺ -، فأنزل الله هذه الآية.\nوقال قتادة والربيع (٩) وابن عباس في رواية سعيد بن جبير\n_________\n(١) قوله: من صلة ... في (ش) (أهل أكثر).\n(٢) من \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٩٤، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٩٠١.\n(٣) رواه عنه الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٣٧٢ بمعناه، وذكره في \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٩٠١، \"زاد المسير\" ١/ ٢٤٤.\n(٤) رواه عنه الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٣٧٢ بمعناه، وذكره في \"زاد المسير\" ١/ ٢٤٤.\n(٥) رواه عنه الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٣٧٢ بمعناه، وذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ٩٠١.\n(٦) في (ي): (يسدورن).\n(٧) في (أ) و(م) و(ي): (يتشامون).\n(٨) في (ي) و(ش): (سألوا).\n(٩) رواه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ١/ ٨٩، والطبري بمعناه ٢/ ٣٧٠، وذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ٩٠٢، وعزاه في \"الدر المنثور\" ١/ ٤٥٦ - ٤٥٧ إلى عبد بن حميد وابن الأنباري والنحاس.","vol":"4","page":159},{"text":"والوالبي (١): لما نزل في أمر اليتامى ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ﴾ [الإسراء: ٣٤] وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى﴾ [النساء: ١٠] اعتزلوا أموالهم، وعزلوا طعامهم، واجتنبوا مخالطتهم في كل شيء، حتى كان يصنع لليتيم طعامٌ، فيفضل منه شيء فيتركونه ولا يأكلونه حتى يفسد، وكان صاحب اليتيم يفرد له منزلًا وطعامًا وشرابًا، فعظم ذلك على ضَعَفَةِ المسلمين، فقال عبد الله بن رواحة: يا رسول الله! ما لكلنا منازل يسكنها الأيتام (٢)، ولا كلُّنا يجد طعامًا وشرابًا يفردهما (٣)، ونزلت: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ﴾ عني: الإصلاح لأموالهم من غير أجرة ولا أخذ عوض منهم خير وأعظم أجرًا، وقيل: مخالطتهم بالإصلاح لهم وتعريفهم ما فيه حظهم خير من التفرد منهم (٤).\n﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ﴾ أي: تشاركوهم في أموالهم وتخلطوها بأموالكم، فتصيبوا من أموالهم عوضًا من قيامكم بأمورهم، أو تكافؤهم على ما تصيبون من أموالهم.\nوالمخالطة: جَمْعٌ يَتَعَذَّرُ معه التمييز، يقال: استَخْلط الفَحْل: إذا\n_________\n(١) رواه عنه الطبري ٢/ ٣٧٠، وذكره الثعلبي ٢/ ٩٠٢.\n(٢) قول ابن عباس من رواية سعيد رواه أبو داود (٢٨٧١) كتاب الوصايا، باب: مخالطة اليتيم في الطعام، والنسائي ٦/ ٢٥٦ كتاب الوصايا، باب: ما للموصى من مال اليتيم، وأحمد ١/ ٣٢٥، والطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٣٧٠ - ٣٧١، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٢/ ٣٩٥ وغيرهم. وقول ابن عباس من رواية الوالبي (علي بن أبي طلحة) رواه أبو عبيد في \"الناسخ والمنسوخ\" ص ٢٣٨، والطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٣٧١، والجصاص في \"أحكام القرآن\" ١/ ٣٣٠ وغيرهم.\n(٣) في (ش): (نفردهما) وفي (ي): (يردهما).\n(٤) ينظر: \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٩٠٣.","vol":"4","page":160},{"text":"خالطَ قُبُلُه (١) حَيَا الناقَةِ، ومنه يقال للجماع: الخِلاطُ، ويقال خولط\nالرجل: إذا جُنّ، والخلاط (٢): الجنون، لاختلاط الأمور على صاحبه\nبزوال عقله (٣).\nوقوله تعالى: ﴿فَإِخْوَانُكُمْ﴾ أي: فهم إخوانكم. والإخوان يعين بعضهم بعضًا، ويصيب بعضهم (٤) من مال بعض (٥)، ومثله قوله: ﴿فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [الأحزاب: ٥].\nقال الفراء: ولو نصبته كان صوابًا، يُرِيد: فإخوانَكُم تخالطون (٦)، وانما يرفع من هذا ما حسن فيه هو، فإذا لم يحسن أجريته على ما قبله، فقلت: إن اشتريت طعامًا فَجَيِّدًا، أي: اشْتَرِ جَيدًا، وإن لبستَ ثِيابًا فالبياضَ، تنصب لأن هو (٧) لا يحسن هاهنا، والمعنى هاهنا مخالفٌ للأول، ألا ترى أنك تجد القوم إخوانًا وإن لم تخالطوهم (٨)، ولا تجد كل ما تلبس (٩) بياضًا ولا ما تشتري جيدًا، فإن نويت أن ما ولي شراءه\n_________\n(١) في (ش): (قبلة).\n(٢) في (ي): (المخالط).\n(٣) بنظر في خلط \"تهذيب اللغة\" ١/ ١٠٨٣، ١٠٨٤، \"المفردات\" ص١٦١، \"عمدة الحفاظ\" ١/ ٦٠٠ - ٦٠١، \"اللسان\" ٢/ ١٢٢٩ - ١٢٣٢ (خلط).\n(٤) في (ش): (يصيب بعضهم بعضَا من مال بعض).\n(٥) \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٩٠٤.\n(٦) ينظر: \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ٣١٠.\n(٧) في (ش): (ها).\n(٨) عبارة الفراء في \"معاني القرآن\" ١/ ١٤٢: ألا ترى أنك تجد القوم إخوانًا وإن جحدوا.\n(٩) في (ش): (تلتبس).","vol":"4","page":161},{"text":"فَجَيّدٌ (١) رفعتَ، إذا كان الرجل قد عُرِفَ بجودةِ الشراءِ أو بلبس البياض (٢).\nقال أبو عبيد: هذه الآية عندي أصل للتناهد (٣) الذي يفعله الرفاق في الأسفار، ألا ترى أنهم يخرجون النفقات بالسوية ويتباينون في قلة المطعم وكثرته، فلما جاء هذا في أموال اليتامى واسعًا كان في غيرهم بحمد الله واسعًا (٤).\nوقوله تعالى ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ أي: المفسد لأموالهم من المصلح لها، فاتقوا الله في مال اليتيم ولا تجعلوا مخالطتكم إياهم ذريعة إلى إفساد (٥) أموالهم وأكلها بغير حق (٦).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ﴾ معنى الإعنات: الحمل على مَشَقَّةٍ لا تُطَاقُ ثَقِلًا، يقال: أعَنتَ فلانٌ فلانًا، أي: أوقعه فيما لا يستطيع الخروج منه، وتَعَنَّتَه تَعَنُّتًا إذا لَبَّسَ عليه في سؤاله له، وعَنَتَ العظمُ المجبورُ، إذا انكسر بعد الجبر، وأصل الحرف من المشقة، أَكَمَةٌ عَنوت: إذا كانت شاقةً كَؤُودًا (٧).\n_________\n(١) في (أ) و(م): (جيد).\n(٢) \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ١٤١ - ١٤٢ بتصرف يسير.\n(٣) في (ي): (المشاهد)، وفي (ش): (للمتناهد).\n(٤) \"الناسخ والمنسوخ\" لأبي عبيد ص ٢٤٠.\n(٥) في (ي) و(ش) (فساد).\n(٦) من \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٩٠٥.\n(٧) ينظر في عنت: \"تفسير غريب القرآن\" ص ٧٦، \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٩٤ - ٢٩٥، \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٥٨٥ - ٢٥٨٦، \"المفردات\" ص ٣٥٢ وقال: المعانتة: كالمعاندة لكن المعانتة أبلغ؛ لأنها معاندة فيها خوف وهلاك، ولهذا يقال: عنت فلان إذا وقع في أمر يخاف منه التلف يعنَت عنتا، وينظر: \"عمدة الحفاظ\" ٣/ ١٥٦، \"لسان العرب\" ٥/ ٣١٢٠.","vol":"4","page":162},{"text":"قال ابن عباس: معناه: ولو شاء الله لجعل ما أصبتم من أموال اليتامى موبقًا (١). وقال عطاء: ولو شاء الله لأدخل عليكم المشقة كما أدخلتم على أنفسكم (٢).\nوقال الزجاج: ولو شاء الله لكلفكم ما يشتد عليكم (٣).\nوقيل: ولو شاء الله لضيق عليكم وأثمكم في مخالطتهم (٤)، ومعناه التذكير بالنعمة في التوسعة. ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾ في ملكه ﴿حَكِيمٌ﴾ فيما أمركم من أمر اليتامى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-439>٢٢١ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ﴾ الآية، قال الأزهري: أصل النكاح في كلام العرب: الوطء، وقيل للتزُّوج: نِكَاح، لأنه سبب الوطء (٥)، يقال: نَكَح المطرُ الأرضَ: إذا اعتمد عليها، ونكح النعاسُ عَيْنَه. حكى ذلك أبو مالك (٦) وأبو زيد (٧).\nوقال أبو القاسم الزجاجي: النِّكَاح لفظةٌ جاريةٌ في كلام العرب بمعنى الوطء والعَقْدِ جميعًا، وموضوع (ن ك ح) على هذا الترتيب في كلامهم للزوم الشيء الشيء وإكبابه عليه، من ذلك قولهم: نكحَ المطرُ\n_________\n(١) رواه عنه الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٣٧٥، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٢/ ٣٩٦، وذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ٩٠٥.\n(٢) ذكره الرازي في \"تفسيره\" ٢/ ٥٦.\n(٣) ذكره الزجاج في \"معاني القرآن\" ٢/ ٢٩٤.\n(٤) \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٩٠٥.\n(٥) في \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٦٥٩ (نكح)، سبب الوطء المباح.\n(٦) هو غزوان الغفاري الكوفي، مشهور بكنيته أبي مالك، ثقة قال ابن حجر من الثالثة. انظر \"الجرح والتعديل\" ٧/ ٥٥، \"التقريب\" ص ٤٤٢ (٥٣٥٤).\n(٧) حكاه في \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٦٥٩ (نكح).","vol":"4","page":163},{"text":"الأرضَ ينكحها نكحًا، إذا واظب عليها ولزمها، ذكر ذلك أبو زيد وابن الأعرابي فيما حكى عنه ثعلب في \"الأمالي\" (١) (٢).\nوقال أبو عمرو الشيباني: نكح النعاس عينه، إذا غَلَبَ ولزم، هذا كلام العرب الصحيح فإذا قالوا: نكح الرجلُ فلانةً، ينكِحُها نَكْحُا ونِكَاحُا، أرادوا: تزوج بها، كما قال الأعشى:\nفلا تَقَربَنَّ جَارَةً إنَّ سِرَّها ... عَلَيْكَ حَرَامٌ فانكِحَنْ أو تَأَبَّدا (٣)\nوهذا الموضح لا يحتمل انكحن إلا الأمر بالعقد والتزوج؛ لأنه قال: لا تقربن جارة، يعني: مقاربتها على الطريق الذي يحرم فاعقد وتزوج، وإلا فتأبد في (٤) تجنب النساء وتوحش.\nقال عثمان بن جني (٥) (٦): سألت أبا علي عن قولهم: نَكَح المرأةَ، فقال: فَرَّقَتِ العربُ بالاستعمال فرقًا لطيفًا بين موضع العقد بفحوى الكلام وموضع الوطء حتى لا يلتبس، فإذا قالوا: نكح فلانٌ فلانة أو ابنةَ فلانٍ، أرادوا: أنه تزوجَ وعَقَدَ عليها، وإذا قالوا: نكح امرأته أو زوجَه، لم يريدوا غير المجامعة؛ لأنه إذا ذكر امرأته أو زوجه فقد استغنى عن ذكر العقد ولم\n_________\n(١) في (ي) و(ش): (فيما حُكَي عنه في \"الأمالي\").\n(٢) نقله في \"البحر المحيط\" ٢/ ١٥٥، ونسبه للتبريزي، فلعله الزجاجي.\n(٣) البيت للأعشى في \"ديوانه\" ص ٤٦، \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٦٥٩ (نكح)، \"اللسان\" ٨/ ٤٥٣٧ \"نكح\" وروايتها ولا تقربن.\n(٤) في (ي) و(ش) (أي تجنب).\n(٥) في (ي) و(ش) (أن حسين).\n(٦) هو أبو \"الفتح\" عثمان بن جني الموصلي النحوي، صاحب التصانيف البديعة في النحو والأدب، سكن بغداد، وتوفي سنة ٣٧٢ هـ. انظر \"إنباه الرواة\" ٢/ ٢٣٥، \"وفيات الأعيان\" ٣/ ٢٤٦.","vol":"4","page":164},{"text":"تحتمل الكلمة غير المجامعة، وإذا قالوا: نَكَحَ بنتَ فلانٍ أو أُخْتَه أو امرأةً، لم يريدوا غير العَقْد (١).\nوروى سلم (٢) (٣) عن الفراء أنه قال: العرب تقول: نُكْحُ المرأةِ (بضم النون) بمعنى بضعها، وهو كناية عن الفرج، بُني على بناء القُبُل والدُّبُر، فإذا قالوا: نَكَحَها فمعناه: أصاب نُكْحَها، أي: ذلك الموضعَ منها، وقلّ ما يقال: نَاكَحَها كما يقال: باضعها من البُضْع (٤)، وقد جاء لفظ النِّكاح في الشعر ولا يراد به إلا الوطء، من ذلك قوله:\nالتارِكِينَ على طُهْرٍ نِسَاءَهُم ... والناكحينَ بِشَطَّيْ دِجْلةَ البَقَرَا (٥) (٦)\n_________\n(١) ينظر: \"البحر المحيط\" ٢/ ١٥٥، \"عمدة الحفاظ\" ٤/ ٢٥١ قال: قلت: وهذا غير صحيح لظهوره بالقرينة. وقال الراغب في \"المفردات\" ص ٥٠٦: أصل النكاح للعقد، ثم استعير للجماع، ومحال أن يكون في الأصل للجماع، ثم استعير للعقد؛ لأن أسماء الجماع كلها كنايات لاستقباحهم ذكره كاستقباح تعاطيه، ومحال أن يستعير من لا يقصد فحشا اسم ما يستفظعونه لما يستحسنونه، قال تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى﴾ [النور: ٣٢].\n(٢) في (م): (مسلم)، وفي (ي): (سالم).\n(٣) لعله سلمة بن عاصم النحوي من تلاميذ الفراء.\n(٤) الفراء، نقله في \"البحر المحيط\" ٢/ ١٥٥.\n(٥) البيت للربيع بن ضبع الفزاري. ورد البيت في: \"عمدة الحفاظ\" ٤/ ٢٥١ بلفظ:\nالنازلين على ظهور متونهم ... والناكحين بشاطي دجْلة البقرا\nولم ينسبه، وورد في \"البحر المحيط\" ٢/ ١٥٥، وروايته:\nالباركين على ظهور نسوتهم ... والناكحين بشاطي دجلة البقرا\n(٦) ينظر في (نكح): \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٦٥٩، \"المفردات\" ٥٠٦ - ٥٠٧، \"عمدة الحفاظ\" ٤/ ٢٥٠ - ٢٥١، \"اللسان\" ٨/ ٤٥٣٧ - ٤٥٣٨.","vol":"4","page":165},{"text":"قال المفسرون: نزلت هذه الآية في أبي مرثد الغنوي (١)، كانت له خليلة مشركة في الجاهلية، يقال لها: عناق، فلما أسلم قالت له: تَزَوَّجْ بي، فسأل رسول الله - ﷺ -، وقال: يا رسول الله أيحل لي أن أتَزَوجَهَا، فأنزل الله هذه الآية (٢).\nومعنى المشركات هاهنا: كل من كفر بالنبي - ﷺ -، وإن قال: إن الله واحد، وذلك أن من كفر بالنبي (٣) - ﷺ - فقد زعم أن ما أتى به النبي - ﷺ - من القرآن (٤) (٥) من عند غير الله، والقرآن إنما هو من عند الله ﷿، فمن زعم\n_________\n(١) هو: كناز بن حصين بن يربوع بن طريف بن خرشة، آخى النبي - ﷺ - بينه وبين عبادة بن الصامت وكان حليف حمزة بن عبد المطلب، وهو تربه، شهد هو وابنه مرثد بدرا، مات في خلافة أبي بكر - ﵁ - سنة ١٢ هـ. انظر: \"الطبقات الكبرى\" ٣/ ٤٧، \"أسد الغابة\" ٦/ ٢٨٢، \"الأعلام\" ٥/ ٢٣٤.\n(٢) ذكره مقاتل في \"تفسيره\" ١/ ١٩٠ وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٢/ ٣٩٨، والثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ٩٠٦، والواحدي في \"أسباب النزول\" ص ٧٤، والرازي في \"تفسيره\" ٦/ ٥٨، والحافظ ابن حجر في \"الحجاب\" ١/ ٥٥١، والسيوطي في \"لباب النقول\" ص ٤٢، وغيرهمِ، وقد ورد عن عبد الله بن عمرو قصة مرثد هذه فنزل قول الله: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً﴾ [النور: ٣] رواها أبو داود في النكاح، باب: قول الله تعالى: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً﴾ ٢/ ٢٢٧ برقم٢٠٥١، والترمذي (٣١٧٧) كتاب التفسير، باب: ومن سورة النور وقال: حسن غريب، والنسائي ٦/ ٦٦ كتاب النكاح، باب: تزويج الزانية، والحاكم ١/ ١٨٠ وصححه، قال الزيلعي: فظهر أن هذا الحديث ليس في هذه الآية التي في البقرة، إنما هو في الآية التي في النور [تخريج أحاديث \"الكشاف\"١/ ٢٣٦]، وقال الحافظ في \"الكشاف\" ١/ ٢٦٤ عن آية البقرة. ونزولها في هذه القصة ليس بصحيح.\n(٣) ساقط من (ي).\n(٤) ساقط من (ي).\n(٥) في (م) (إنه من عند).","vol":"4","page":166},{"text":"أنه قد أتى غير الله (١) بما لا يأتي به إلا الله ﷿ قد أشرك به غيره (٢) والله تعالى يقول: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠] ثم قال في آخر الآية الثانية: ﴿سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣١]. فحرم الله تعالى بهذه الآية نكاح المشركات، ثم استثنى الحرائر الكتابيات بالآية التي في المائدة، وهي قوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥] فهذه الآية مخصوصة بتلك في قول ابن عباس (٣)، وهو الصحيح، والذي عليه جمهور (٤) أهل العلم (٥).\nوقال قتادة (٦) وسعيد بن جبير (٧): أراد بالمشركات في هذه الآية: مشركات العرب اللاتي ليس لهن كتاب يقرأنه، فعلى قولهما: الآية محكمة\n_________\n(١) من قوله: والقرآن .. ساقط من (ي).\n(٢) من \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٩٥.\n(٣) رواه عنه الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٣٧٦، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٢/ ٣٩٧، والنحاس في \"الناسخ والمنسوخ\" ٢/ ٤، وعزاه في \"الدر المنثور\" ١/ ٤٥٨ إلى ابن المنذر.\n(٤) ساقطة من (ش).\n(٥) ينظر: \"الناسخ والمنسوخ\" لأبي عبيد ٨٤، \"الناسخ والمنسوخ\" للنحاس ٢/ ٤، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٩٠٩، \"الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه\" لمكي ص ١٧١، وقال ابن الجوزي في \"نواسخ القرآن\" ٢٤١: قوله: \"ولا تنكحوا المشركات\" لفظ عام، خص منه الكتابيات بآية المائدة، وهذا تخصيص لا نسخ، وعلى هذا الفقهاء وهو الصحيح، وينظر: \"تفسير القرطبي\" ٣/ ٦٧، \"النسخ في القرآن الكريم\" لمصطفى زيد ٢/ ٦٠٤.\n(٦) رواه عنه الطبري ٢/ ٣٧٧، وعزاه في \"الدر المنثور\" ١/ ٤٥٨ إلى عبد الرزاق وعبد ابن حميد.\n(٧) رواه عنه الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٣٧٧، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٢/ ٣٩٧.","vol":"4","page":167},{"text":"لا نسخ فيها، والذي عليه أهل العلم أن التي في المائدة ناسخة لهذه (١)، وبحكم (٢) هذه الآية لا يحل تزوج الأمة الكتابية، لأن الله تعالى إنما استثنى الحرائر الكتابيات بقوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [المائدة: ٥]، فلا يحل نكاح الأمة الكتابية بحال (٣).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ﴾ الأمة: المملوكة. ومصدرها: الأمُوَّة، وتأميتُ أَمَةً، أي: اتخَذْتُ أمة، وجمع الأمة: إماء وآم (٤)، قال الشاعر:\nيا صاحِبيَّ ألا لا حَيَّ بالوادي ... إلا عَبِيدٌ وآمٍ بَيْنَ أذْوادِ (٥)\nووزن أمة فَعَلَة، بدلالة الجمع، نحو: أكَمَة وآكَام.\nوقال الليث: يقال لجمع الأمة: إماء وإمَوَان وثلاث آم، وأنشد:\nتَمْشِي بها رُبْدُ (٦) النَّعَام ... تَمَاشِيَ الآمِي الزَّوَافِر (٧) (٨)\nوقال أبو الهيثم: الآم جمع الأَمَة، كالنَّخْلَة والنَّخْل، والبَقْلَة والبَقْل. قال: وأصل الأَمَةِ أَمْوَة (٩)، حذفوا لامها لما كانت من حروف اللين، فلما\n_________\n(١) قدم المؤلف أن آية المائدة مخصصة لآية البقرة على الصحيح، وعليه فإن مراده بالنسخ هنا التخصيص على العادة المعروفة عند المتقدمين.\n(٢) في (م): (ومحكم).\n(٣) انظر: \"تفسير القرطبي\" ٣/ ٧٠.\n(٤) وتجمع أيضا على أَمَوَات، وإِمْوان، وأُمْوان، وأَمَات. ينظر: \"اللسان\" ١/ ١٢١ (أما).\n(٥) القائل: السليك بن السلكة، في \"ديوانه\" ص ٥١، \"لسان العرب\" ١/ ١٢١ (أما).\n(٦) في (ي): (رند).\n(٧) البيت للكميت في \"ديوانه\" ١/ ٢٣١، \"تهذيب اللغة\" ١/ ١٩٤، \"لسان العرب\" ١/ ١٢١ (أما).\n(٨) ينظر: \"تهذيب اللغة\" ١/ ١٩٤ (أما).\n(٩) ضبطت في الأصل: أمَوَة، وما أثبتناه من \"تهذيب اللغة\"، \"اللسان\".","vol":"4","page":168},{"text":"جمعوها على مثال نَخْلة ونَخْل لزمهم أن يقولوا: أَمَةٌ وآم، فكرهوا أن يجعلوها حرفين، وكرهوا أن يردوا الواو المحذوفة لما كانت آخر الاسم؛ لأنهم يستثقلون السكوت على الواو، فقدموا الواو وجعلوها ألفًا فيما بين الألف والميم (١) (٢).\nقال السدي: نزلت في عبد الله بن رواحة (٣)، كانت له أمة سوداء فغضب عليها ولطمها، ثم أتى النبي - ﷺ - وأخبره بذلك، فقال له: \"وما هي يا عبد الله\"، قال: تشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسوله، وتصوم رمضان، وتحسن الوضوء وتصلي، فقال: \"هذه مؤمنة\"، قال عبد الله: فوالذي بعثك بالحق لأعتقنها ولأتزوجنها، ففعل، وطعن عليه ناس من المسلمين وعرضوا عليه حرة مشركة فأنزل الله هذه الآية (٤).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾ أي: المشركة بمالها وجمالها (٥). و(لو) بمعنى (أن) إلا أن (لو) للماضي، و(أن) للمستقبل (٦).\n_________\n(١) نقله عنه في \"تهذيب اللغة\" (أما) بتصرف يسير، وفي الأصل قال ابن الهيثم، والتصويب من \"التهذيب\"، \"اللسان\".\n(٢) ينظر في إماء: \"تهذيب اللغة\"، \"البحر المحيط\" ٢/ ١٥٥، \"اللسان\" ١/ ١٢١.\n(٣) عبد الله بن رواحة بن ثعلبة الخزرجي الأنصاري، شهد العقبة، وهو أحد النقباء، وشهد بدرًا والمشاهد كلها، وكان من الشعراء، واستشهد بمؤتة، وكان ثالث الأمراء بها في جمادى الأولى سنة ثمان. ينظر: \"معرفة الصحابة\" ٣/ ١٦٣٨، \"الاستيعاب\" ٣/ ٣٣.\n(٤) رواه الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٣٨٧ - ٣٨٩، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٢/ ٣٩٨، والواحدي في \"أسباب النزول\" ص ٧٥، وينظر: \"العجاب\" ١/ ٥٥١، \"لباب النقول\" ٤٢.\n(٥) \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٩١٠.\n(٦) ينظر: \"مغني اللبيب\" ٣٣٧.","vol":"4","page":169},{"text":"وقوله تعالى ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ لا يجوز تزويج المسلمة من المشرك (١).\nوقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ﴾ يعني: المشركين ﴿يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ أي: الأعمال الموجبة للنار (٢).\nفإن قيل: أليست الكتابية تدعو أيضًا إلى النار، فلم جاز نكاحها؟\nقيل: الوثنية تدعو بما هي عليه إلى التقصير في الجهاد، والكتابية الذمية من جملة من سقط فيهم فرض القتال فلا تدعو إلى التقصير في الجهاد (٣).\nوقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ﴾ يقول: إلى التوبة والتوحيد والعمل الموجب للجنة، ﴿وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ﴾ أي: بأمره، يعني: أنه بأوامره يدعوكم.\nوقيل: إن (٤) هذا مختصر على تقدير: يدعو إلى الجنة والمغفرة ولا هداية إلا بإذنه، كما قال في سورة يونس، فَبَسَطَ ما اخْتُصِر هاهنا، فقال: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [يونس: ٢٥] فدعاء الله الخلق على العموم، وتوفيقه على الخصوص، ويؤيد هذا المعنى: ما روي عن الحسن أنه كان يقرأ: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ﴾ رفعًا (٥).\n_________\n(١) ينظر: \"تفسير القرطبي\" ٣/ ٧٢ قال: وأجمعت الأمة على أن المشرك لا يطأ المؤمنة بوجه؛ لما في ذلك من الغضاضة على الإسلام.\n(٢) \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٩١٣.\n(٣) ينظر: \"التفسير الكبير\" ٦/ ٦٥ - ٦٦.\n(٤) ساقطة من (ش).\n(٥) ينظر: \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ٢٦١، \"التفسير الكبير\" ٦/ ٦٦، \"البحر المحيط\" ٢/ ١٦٦.","vol":"4","page":170},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-440>٢٢٢ </span>- قوله تعالى ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾ الآية، قال المفسرون: كانت العرب في الجاهلية إذا حاضت المرأة لم تؤاكلْها ولم تشاربها ولم تساكنها في بيت، كفعل المجوس، فسأل أبو الدحداح (١) رسول الله - ﷺ - عن ذلك، وقال: يا رسول الله كيف نصنع بالنساء إذا حِضْن؟ فأنزل الله هذه الآية (٢). والمحيضُ: الحَيْضُ، قال أبو إسحاق: يقال: حاضت المرأةُ تَحِيضُ حَيْضًا ومَحَاضًا ومَحِيْضًا (٣).\nوأصل الحيض في اللغة: السيلُ، حاض السيلُ، يقال: وفاض.\nوقال الفراء: حَاضَتِ السَّمُرَة تحيض إذا سَالَ منها لَثَاها (٤)، وأنشد\n_________\n(١) هو: ثابت بن الدحداح، وقيل الدحداحة بن نعيم بن غنم بن إياس، اشتهر بكنيته، صحابي أقبل يوم أحد والمسلمون أوزاع قائلًا: يا معشر الأنصار إليَّ أنا ثابت بن الدحداحة إن كان محمد قتل فإن الله حي لا يموت، فقاتلوا معه حتى قتلوا. ينظر: \"معرفة الصحابة\" ١/ ٤٧٢، \"الاستيعاب\" ١/ ٢٧٨.\n(٢) عزاه السيوطي في \"لباب النقول\" ص ٤٣ إلى البارودي في الصحابة بسنده عن ابن عباس، ورواه الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٣٨٠ - ٣٨١ عن السدي مختصرا، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٢/ ٤٠٠ عن مقاتل بن حيان، وذكره مقاتل في \"تفسيره\" ١/ ١٩١ وعنده: عمرو بن الدحداح، وذكره الواحدي في \"أسباب النزول\" ص ٧٦ - ٧٧، وابن حجر في \"العجاب\" ١/ ٥٥٤، وقال في \" التلخيص الحبير\" ١/ ١٦٤: وقيل إن السائل هو أبو الدحداح، قاله الواقدي، والصواب ما في الصحيح أن السائل عن ذلك أسيد بن الحضير وعباد بن بشر. اهـ-. يعني ما رواه مسلم (٣٠٢) كتاب الحيض، باب: جواز غسل الحائض رأس زوجها وترجيله، عن أنس. وينظر: \"تفسير القرطبي\" ٣/ ٨٠.\n(٣) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٩٦.\n(٤) قوله: حاضت السمرة: خرج منها الدُّوَدِم، وهو شيء شبه الدم، وإنما ذلك على التشبيه. ينظر: \"اللسان\" ٢/ ١٠٧١ \"حيض\".","vol":"4","page":171},{"text":"المبردُ عن عمارة بن عقيل (١):\nأجالَت حَصَاهُنَّ الذَّوَارِي وَحَيَّضَتْ (٢) ... عَلَيْهِنّ حَيْضَات السُّيولِ الطَّواحِمِ (٣) (٤)\nقال: ومعنى حيّضت: سيِّلت (٥).\nقال الأزهري: ومن هذا قيل للحوض حوض؛ لأن الماء يحيض إليه، أي: يسيل، والعرب تدخل الواو على الياء، والياء على الواو؛ لأنهما من حَيِّزٍ واحدٍ وهو الهواء (٦).\nقال أبو إسحاق: وعند النحويين أن المصدر في هذا الباب المَفْعِل، ولذلك (٧) ذهب قوم إلى أنه المأتى أي: (٨) موضع الحيض، وإنما هو مصدر، والمَفْعِل جيد بالغ، قال الراعي:\nبُنِيَتْ (٩) مرافقُهُنّ فوق مَزِلَّةٍ ... لا يَسْتَطِيعُ بها القُرَادُ مَقِيْلا (١٠)\n_________\n(١) هو: عمارة بن عقيل بن بلال بن جرير بن عطية الخطفي، كان من الشعراء الفصحاء، قدم من اليمامة فمدح المأمون ووجوه قواده، اجتمع الناس وكتبوا شعره، عمر قبل موته. انظر: \"معجم الشعراء\" للمرزباني ص ٢٤٧، \"الأعلام\" ٥/ ٣٧.\n(٢) ساقط من (ش).\n(٣) في (م) (الطواحي).\n(٤) البيت في \"لسان العرب\" ٢/ ١٠٧١ \"حيض\"، ٥/ ٢٦٤٥ \"طعم\". والذَّوَاري والذاريات: الرياح.\n(٥) ينظر: \"تهذيب اللغة\" ١/ ٧٠٦، \"اللسان\" ٢/ ١٠٧١ \"حيض\".\n(٦) \"تهذيب اللغة\" ١/ ٧٠٦ \"حاض\".\n(٧) في (ش) (وكذلك).\n(٨) ليست في (م) (ساقطة).\n(٩) في (م) (وبُنَيَتْ).\n(١٠) البيت في \"ديوانه\" ص ٢٤١، \"لسان العرب\" ٢/ ٧٥٢، ٣/ ١٨٥٦ \"حس-زلل\".","vol":"4","page":172},{"text":"أي: قيلولة (١) (٢).\nقال ابن السِّكِّيت: إذا كان المفعل من ذوات الثلاثة نحو: كَال يَكِيْلُ، وحاض يحيضُ وأشباهه، (فإن) (٣) الاسم منفرد (٤) منه مكسور، والمصدر مفتوح، من ذلك مَال ممالًا وهذا مميلة، يذهب إلى الأسماء، وبالفتح إلى المصدر، ولو فتحتهما (٥) جميعًا أو كسرتهما في المصدر والاسم لجاز. تقول العرب: المَعَاش والمَعِيش، والمَعَابُ والمَعِيبُ، والمَسَار والمَسِيُر. وأنشد:\nأنا الرَّجُلُ الذي قد عِبْتُمُوه ... وما فيه لِعَيَّابٍ مَعَابُ (٦)\nوقوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ أَذًى﴾ قال عطاء وقتادة (٧) والسدي (٨): أي: قَذَرَ. وقال مجاهد (٩) والكلبي (١٠): دم. والأذى: ما يَغُمُّ ويُكْره من كل شيء. (١١)\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٩٦ بمعناه، وقوله: \"ولذلك ذهب قوم إلى أنه المأتي أي موضع الحيض\" ليست عند الزجاج.\n(٢) ينظر في حيض: \"تهذيب اللغة\" ١/ ٧٠٦، \"المفردات\" ص ١٤٤، \"عمدة الحفاظ\" ١/ ٥٤٨، \"اللسان\" ٢/ ١٠٧٠.\n(٣) في (م) (لأن).\n(٤) زيادة من (م).\n(٥) في (م) و(ي) (فتحهما)\n(٦) البيت بلا نسبة في \"لسان العرب\" ٥/ ٣١٨٤ \"عيب\".\n(٧) رواه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ٨٩، والدارمي في \"السنن\" ١/ ٢٥٨، والطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٣٨١، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٢/ ٤٠١.\n(٨) رواه عنه الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٣٨١، وذكره ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٢/ ٤٠١.\n(٩) رواه عنه الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٣٨٢، وذكره ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٢/ ٤٠١.\n(١٠) رواه الدارمي في \"السنن\" ١/ ٢٥٨، والطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٣٨٢، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٢/ ٤٠١.\n(١١) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ٩١٩.","vol":"4","page":173},{"text":"﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ الاعتزال: التنحي عن الشيء.\nقال المفسرون: لما نزلت هذه الآية عمد المسلمون إلى النساء الحيض فأخرجوهن من البيوت واعتزلوهن، فإذا اغتسلن ردوهن إلى البيوت، فقدم ناس من الأعراب وشكوا عزل الحيض عنهم، وقالوا: يا رسول الله! البرد شديد والثياب قليلة، فإن آثرناهن بالثياب هلك سائر أهل البيت، وإن آثرنا أهل البيت هلكت الحيض، فقال رسول الله - ﷺ -: \"إنما أمرتم أن تعتزلوا مجامعتهن إذا حضن، ولم يأمركم بإخراجهن من البيوت كفعل الأعاجم\" (١) (٢). فوطء الحائض في فرجها حرام (٣).\nواعلم أن المرأة إذا حاضت حرم على الزوج جماعها ومباشرتها فيما بين السرة والركبة (٤)، ولم يحرم عليه تقبيلها وما (٥) فوق السرة وتحت الركبة منها (٦)، وكذلك كان يفعل رسول الله - ﷺ -، روت ندبة (٧) عن ميمونة\n_________\n(١) أورد السيوطي مثله منسوبا إلى ابن عباس ١/ ٤٦١.\n(٢) ذكره مقاتل في \"تفسيره\" ١/ ١٩١، والسمرقندي في \"بحر العلوم\" ١/ ٢٥٠. وبنحوه روى ابن أبي حاتم عن ابن عباس في \"تفسيره\" ٢/ ٤٠٠، وذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ٩٢٤، وقال الحافظ في \"الكشاف\" ١/ ٢٦٥: لم أجده.\n(٣) بالنص والإجماع. ينظر: \"التفسير الكبير\" ٦/ ٧٢، \"تفسير القرطبي\" ٣/ ٨٦.\n(٤) في (ي): (إلى الركبة).\n(٥) في (م): (ولا ما).\n(٦) هذا قول أبي حنيفة ومالك والشافعي والأوزاعي والجمهور، وقال الثوري ومحمد ابن الحسن وداود وبعض أصحاب الشافعي وهو الصحيح من قول الشافعي: يجتنب موضع الدم؛ لقوله - ﷺ -: \"اصنعوا كل شيء إلا النكاح\". ينظر: \"التفسير الكبير\" ٦/ ٧٢، \"تفسير القرطبي\" ٣/ ٨٧.\n(٧) ندبة: ويقال: بُرَيِّة، ويقال: بَدَنة، مولاة ميمونة أم المؤمنين، ذكرها ابن حبان في \"الثقات\" ٥/ ٤٨٧، وقال: روى عنها الزهري وذكرها الذهبي في النساء =","vol":"4","page":174},{"text":"زوج النبي - ﷺ -، قالت: كان رسول الله - ﷺ - يباشر المرأة من نسائه وهي حائض، إذا كان عليها إزار يبلغ إلى أنصاف الفخذين أو الركبتين (١). فدل بهذا على أن المراد باعتزال الحيض ترك جماعهن، وذلك أن المجوس واليهود كانوا يجتنبون الحيض في كل شيء، وكانت النصارى يجامعونهن ولا يبالون بالحيض، فأمرنا الله سبحانه بالاقتصاد بين هذين الأمرين (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ أي: لا تجامعوهن (٣)، يقال: قَرُبَ الرجلُ امرأَتَه: إذا جامعها، قربانًا (٤).\nوقوله تعالى ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ أي: يَتَطَهَّرْنَ، ومعناه: يغتسلن بالماء بعد النَّقَاء من الدم، فأدغمت التاء في الطاء، هذه قراءة أهل الكوفة (٥)، وحُجَّتُهم: أن حكم انقطاع الدم قبل الاغتسال حكم اتصاله؛ لأنها ما لم\n_________\n= المجهولات وقال: تفرد عنها حبيب الأعور. ينظر: \"ميزان الاعتدال\" ٤/ ٦١٠، وقال الحافظ في \"التقريب\" ترجمة ص ٧٥٤ (٨٦٩٢): مقبولة، ويقال: إن لها صحبة من الثالثة.\n(١) رواه البخاري (٣٠٣) كتاب الحيض، باب مباشرة الحائض، ومسلم (٢٩٤) كتاب الحيض باب مباشرة الحائض فوق الإزار من طريق عبد الله بن شداد عن ميمونة بنحوه. وأخرجه النسائي ١/ ١٥١ - ١٥٢ كتاب الطهارة، باب: مباشرة الحائض، وأبو داود (٢٦٧) كتاب الطهارة، باب: في الرجل يصيب منها ما دون الجماع، والإمام أحمد في \"المسند\" ٦/ ٣٣٢، ٣٣٥.\n(٢) ينظر: \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٩٤٧، \"تفسير القرطبي\" ٣/ ٨١، \"تفسير الرازي\" ٦/ ٦٧.\n(٣) في (ي) (يجامعوهن).\n(٤) \"المفردات\" ص ٤٠٠ - ٤٠١.\n(٥) قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وحفص، عن عاصم: يطْهُرن بالتخفيف، وقرأ حمزة والكسائي وشعبة عن عاصم: يَطَّهَّرن مشددة. ينظر: \"السبعة\" ص ١٨٢، \"الحجة\" ٢/ ٣٢١.","vol":"4","page":175},{"text":"تغتسل كانت في حكم الحيض لكونها ممنوعة عن الصلاة والتلاوة، وإذا كانت كذلك فالوجه في القراءة التشديد، كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦] فكما أن الجنب يتطهر بالماء إذا وجده، كذلك الحائض، لاجتماعهما في وجوب الغسل عليهما (١).\nوأما من قرأ بالتخفيف، فقال أهل اللغة: طَهَرت المرأة، وطهُرت طُهْرًا وطَهَارة، والفتح أقيس؛ لأنها خلاف طَمَثت، فينبغي أن يكون على بناء ما خالفه، مثل: عَطِشَ وَرَوِيَ، ونحو ذلك (٢)، وُيقَوِّيَ طَهَرت أيضًا (٣) قولُهم: طَاهر، وهذا يدل على أنه مثل: قَعَدَ يَقْعُدُ فهو قَاعِد، فقوله: ﴿يَطْهُرْنَ﴾ يحتمل أن يكون المراد حتى يَنْقَطع الدم، ويحتمل أن يكون حتى يفعلن الطهارة التي هي الغسل؛ لأنه إنما يحكم لها بأنها طاهرة إذا اغتسلت، وهذا أولى؛ لما قدمنا أنها في حكم الحيض ما لم تغتسل (٤).\nفإن قيل على هذه القراءة: وجب أن يحل الوطء بعد انقطاع الدم وقبل الاغتسال، لأن التحريم قد تناهى، ودل ﴿حَتَّى﴾ على غاية التحريم؟\nقيل: إن في الكلام حذفًا، قد دل عليه ما بعده، وأغنى (٥) عنه، لأن التقدير: ولا تقربوهن حتى يطهرن ويَطَّهَّرن، نحو قول القائل: لا تكلم\n_________\n(١) من \"الحجة\" ٢/ ٣٢٢ - ٣٢٣ بتصرف.\n(٢) ينظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٩٧، \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٢٢٥ - ٢٢٢٦ (طهر)، \"اللسان\" ٥/ ٢٧١٢ - ٢٧١٣ (طهر)، قال الزجاج: ويقال: طَهَرت وطَهُرت جميعا، وطَهُرت أكثر.\n(٣) ساقطة من (ش).\n(٤) من \"الحجة\" ٢/ ٣٢١ - ٣٢٣ بتصرف.\n(٥) في (ي)، (ش) (وأغني).","vol":"4","page":176},{"text":"الأمير حتى يقعد (١)، وإذا طابت نفسه فكلمه في حاجتك، فتقديره: حى بقعد وتطيب نفسه، مع أنا قد بينا أن معنى ﴿يَطْهُرْنَ﴾ يفعلن (٢) الطهارة التي يحل بها وطؤهن. فعلى القراءتين جميعًا لا يحل وطؤها ما لم تغتسل أو تتيمم عند عدم الماء (٣)، وهو قول سالم بن عبد الله (٤) وسليمان بن يسار (٥) والقاسم بن محمد (٦) وابن شهاب (٧) والليث ومذهب الشافعي (٨).\nوعند أبي حنيفة إذا طهرت لعشرة أيام حل وطؤها دون الاغتسال، وان طهرت لما دونها لم يحل وطؤها إلا بإحدى ثلاث: أن تغتسل (٩)، أو\n_________\n(١) في (ي) زيادة (ويطيب نفسه).\n(٢) في (ش) (من الطهارة).\n(٣) ينظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٩٧، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٩٥٣.\n(٤) هو سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب القرشي العدوي المدني، أحد الفقهاء السبعة، كان ثبتًا عابدًا فاضلًا، وكان يشبه بأبيه في الهدي والسمت، توفي سنة ١٠٦ هـ-. انظر: \"التقريب\" ص ٢٢٦ (٢١٧٦)، \"وفيات الأعيان\" ٢/ ٣٤٩ - ٣٥٠.\n(٥) هو: أبو أيوب سليمان بن يسار مولى ميمونة أم المؤمنين، كان ثقة عالمًا فقيهًا كثير الحديث، أحد الفقهاء السبعة بالمدينة، توفي سنة ١٠٧هـ-. انظر: \"وفيات الأعيان\" ٢/ ٣٩٩، \"الأعلام\" ٣/ ١٣٨.\n(٦) هو: القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق التيمي، ثقة أحد الفقهاء السبعة بالمدينة، قال أيوب: ما رأيت أفضل منه، توفي سنة ١٠٦هـ انظر \"تقريب التهذيب\" ص ٤٥١ (٥٤٨٩)، \"الأعلام\" ٥/ ١٨١.\n(٧) في (ي)، (ش): (ابن شباب).\n(٨) ينظر في عزو هذه الأقوال إليهم: \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٩٥٢، \"الموطأ\" باب: ما يحل للرجل من امرأته برقم ٩٦، \"الأم\" ١/ ٧٦، \"سنن البيهقي\" ١/ ٣١٠، \"الأوسط\" لابن المنذر ١/ ٢١٣، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٢/ ٤٠٢، وابن العربي في \"أحكام القرآن\" ١/ ١٦٥.\n(٩) في (م) و(أ): (يغتسل).","vol":"4","page":177},{"text":"تمضي بها وقت أقرب الصلوات، فيحكم لها بذلك حكم الطاهرات بوجوب الصلاة في ذمتها، أو تتيمم (١).\nوقوله تعالى: ﴿فَأْتُوهُنَّ﴾ معناه: فجامعوهن، وهو إذن بعد الحظر، فهو كقوله: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢] ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا﴾ [الجمعة:٩] (٢).\nوقوله تعالى: ﴿مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ أي: من حيث أمركم الله بتجنبه في الحيض وهو الفرج، قاله مجاهد (٣) وإبراهيم (٤) (٥) وقتادة (٦) وعكرمة (٧).\nوقال ابن عباس في رواية الوالبي (٨): يقول: طؤوهن في الفرج ولا تعدوه إلى غيره (٩)، وقال في رواية عطاء: يريد: من حيث يكون النسل (١٠). وقال في رواية العوفي: فأتوهن من الوجه الذي أمركم الله أن تأتوهن\n_________\n(١) ينظر: \"مختصر الطحاوي\" ص ٢١٧، \"أحكام القرآن\" للجصاص ١/ ٣٤٨، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٩٥١، \"التفسير الكبير\" ٦/ ٧٣.\n(٢) ينظر: \"المحرر الوجيز\" ٢/ ٢٥٤.\n(٣) رواه عبد الرزاق في \"المصنف\" ١/ ٣٣٠، وابن أبي شيبة في \"المصنف\" ٤/ ٢٣٣، والطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٣٨٧ - ٣٨٨.\n(٤) هو: الإمام الحافظ فقيه العراق أبو عمران إبراهيم بن يزيد بن قيس بن الأسود بن عمرو النخعي اليماني ثم الكوفي، تقدمت ترجمته ٣/ ٣٠٧ [البقرة: ١٢٥].\n(٥) رواه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" ٤/ ٢٣٢، والدارمي في \"السنن\" ١/ ٢٥٩، والطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٣٨٨.\n(٦) رواه عنه الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٣٨٨.\n(٧) رواه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" ١/ ٩٦، والطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٣٨٧.\n(٨) في (ي): (الكلبي).\n(٩) رواه عنه الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٣٨٧، والبيهقي في \"سننه\"١/ ٣٠٩.\n(١٠) تقدم الحديث عن الرواية.","vol":"4","page":178},{"text":"منه، وهو الطهر دون الحيض (١). وهذا قول السدي (٢) والضحاك (٣).\nوقال ابن الحنفية: فأتوهن من قبل الحلال دون الفجور (٤).\nوقال ابن كيسان: أي: من الجهات التي يحل فيها أن تقرب المرأة، أي: لا تأتوهن صائمات ولا معتكفات ولا محرمات واقربوهن وغشيانهن لكم حلال (٥) وهذا اختيار الزجاج (٦).\nوقال الواقدي: (من) هاهنا بمعنى (في) يريد: في حيث أمركم الله وهو الفرج، نظيره قوله: ﴿أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ﴾ [الأحقاف: ٤] أي: فيها، وقوله: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ [الجمعة: ٩] أي: فيه. (٧)\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ قال عطاء (٨) ومقاتل بن سليمان (٩) والكلبي (١٠): التوابين: من الذنوب، والمتطهرين (١١) بالماء من الأحداث والمحيض والجنابات والنجاسات.\n_________\n(١) رواه الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٣٨٩، وذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ٩٥٥.\n(٢) رواه عنه الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٣٨٩.\n(٣) رواه عنه الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٣٨٩، وذكره ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٢/ ٤٠٢.\n(٤) رواه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" ٢/ ٢٣٣، والطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٣٨٩، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٢/ ٤٠٢.\n(٥) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ٩٥٦، والماوردي في \"النكت والعيون\" ١/ ٢٨٣.\n(٦) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٩٧، و\"تفسير الرازي\" ٦/ ٧٤.\n(٧) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ٩٥٦. وذكره ولم يعزه في \"زاد المسير\" ١/ ٢٤٩.\n(٨) رواه عنه الطبري \"في تفسيره\" ٢/ ٣٩٠، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٢/ ٤٠٣.\n(٩) \"تفسير مقاتل\" ١/ ١٩٢، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٩٥٧.\n(١٠) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ٩٥٦، البغوي في \"تفسيره\" ١/ ٢٥٩.\n(١١) من قوله: قال عطاء. ساقط من (ي).","vol":"4","page":179},{"text":"وقال مجاهد: التوابين من الذنوب، والمتطهرين من أدبار النساء (١). سعيد بن جبير: التوابين من الشرك، والمتطهرين من الذنوب (٢). أبو العالية: التوابين من الكفر، والمتطهرين بالإيمان (٣) ابن جريج: التوابين من الذنوب لا يعودون فيها، والمتطهرين منها لم يصيبوها (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-441>٢٢٣ </span>- قوله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ الآية، قال ابن عباس: جاء عمر - ﵁ - إلى رسول الله - ﷺ -، فقال: يا رسول الله! هلكت. قال: \"فما الذي أهلكك؟ \" قال: حَوَّلْتُ رَحْلِيَ البارحة، فلم يرد عليه شيئًا، وأوحي إليه: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ (٥).\nوقال الحسن (٦) وقتادة (٧) والمقاتلان (٨) والكلبي (٩): تذاكر المسلمون واليهود إتيان (١٠) النساء، فقال المسلمون: إنا نأتيهن باركاتٍ وقائماتٍ\n_________\n(١) رواه عنه الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٣٩١، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٢/ ٤٠٣.\n(٢) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ٩٥٩، البغوي في \"تفسيره\" ١/ ٢٥٩، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ١/ ٢٤٩.\n(٣) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ٩٥٩، وفي \"البحر المحيط\" ٢/ ١٦٩.\n(٤) رواه عنه الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٣٩١، والثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ٩٥٩.\n(٥) الحديث رواه الترمذي (٢٩٨٠) كتاب التفسير، باب: ومن سورة البقرة وقال: حسن غريب، والنسائي في \"تفسيره\" ١/ ٢٥٦، وأحمد ١/ ٢٩٧، والطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٣٩٧، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٢/ ٤٠٥، والبيهقي في \"سننه\" ٧/ ١٩٨، والثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ٩٦٢ وغيرهم.\n(٦) رواه عنه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" ٤/ ٢٣٢، والدارمي في \"سننه\" ١/ ٢٥٧.\n(٧) عزاه الحافظ في \"العجاب\" ١/ ٥٦٠، والسيوطي في \"الدر المنثور\" ١/ ٤٦٧ - ٤٦٨ إلى عبد بن حميد، وذكره عنه الثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ٩٧١.\n(٨) \"تفسير مقاتل\" ١/ ١٩٢، وينظر: \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٩٧١.\n(٩) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ٩٧١، والواحدي في \"أسباب النزول\" ص٨٠.\n(١٠) في (أ): (آيتان).","vol":"4","page":180},{"text":"ومستلقياتٍ ومن بين أيديهن وأرجلهن، بعد أن يكون المأتى واحدًا، فقالت اليهود: ما أنتم إلا أمثال البهائم، لكنا نأتيها على هيئة واحدة، وإنا لنجد في التوراة: أن كل إتيان يؤتى النساء غير الاستلقاء دنس عند الله، ومنه يكون الحول والحَبْل، فذكر المسلمون ذلك لرسول الله - ﷺ -، فأكذب الله ﷿ اليهود، وأنزل يرخص (١) لهم ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾. أي: مَزْرَعٌ ومَنْبَتٌ للولد (٢)، وأراد به المُحْتَرَثَ والمُزْدَرَع، ولكنهن لما كُنَّ من أسباب الحرث جُعلن حَرْثًا، ولهذا وُحِّد (٣) الحرث؛ لأنه مصدر.\nوقال أهل العربية: معناه: ذواتُ حرثٍ لكم، فيهن تحرثون الولد (٤)، فحذف المضاف، وقيل: أراد: كحرثٍ لكم، كقوله: ﴿حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا﴾ (٥) [الكهف: ٩٦].\nأي: كنار (٦)، وكَقَولِ الشاعر:\nالنَّشْرُ مِسْكٌ والوجوهُ دنا ... نير وأطرافُ الأكفِّ عَنَم (٧) (٨)\n_________\n(١) في (م) (ترخص).\n(٢) في (م) (للوالد).\n(٣) في (م) (ي) (ش) (وحد).\n(٤) في (م) زيادة (الولد والفدة وقال الأزهري) حرث الرجل امرأته وأنشد وهو تكرار.\n(٥) (حتى) ساقطة من (ي).\n(٦) من \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٩٧٦ - ٩٧٧، وينظر: \"البحر المحيط\" ٢/ ١٧٠، وذكر وجها ثالثا، قال: ويحتمل أن يكون حرث لكم بمعنى محروثة لكم، فيكون من باب إطلاق المصدر ويراد به اسم المفعول.\n(٧) في (ي)، (ش) (غنم).\n(٨) البيت للمرقش الأكبر في \"ديوانه\" ص ٥٨٦، وفيه: وأطراف البنان. \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٩٧٧ \"تاج العروس\" ٧/ ٥٢٤، \"لسان العرب\" ٧/ ٤٤٢٢ \"نشر\"، ينظر: \"المعجم المفصل في شواهد العربية\" ٧/ ٣٠ - ٣١.","vol":"4","page":181},{"text":"وقال الزجاج: زعم أبو عبيدة أنه كناية (١)، قال: والقول عندي فيه: أن نساءكم حرث لكم، فيهن تحرثون الولد واللذة (٢). وقال الأزهري: حَرْثُ الرجل: امرأتُه، وأنشد المبرد:\nإذا أكل الجَرادُ حُرُوثَ قومٍ ... فَحَرْثِي هَمُّهُ أَكْلُ الجَرَادِ (٣)\nيعني: امرأته (٤).\nوقوله تعالى: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ أي: كيف شئتم (٥)، ومن أين شئتم، بعد أن يكون في صمام واحد. ﴿أَنَّى﴾ شِئْتُمْ معناه من أين، يدل عليه الجواب، نحو قوله تعالى: ﴿أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٣٧] (٦).\nوقال الزجاج: أي ايتوا مواضع (٧) حرثكم كيف شئتم مقبلة ومدبرة (٨).\n_________\n(١) \"مجاز القرآن\" ١/ ٧٣.\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٩٨.\n(٣) البيت بلا نسبة في \"تهذيب اللغة\" ١/ ٧٧٥، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٩٧٧، لكنه قال: قال المفضل بن سلمة أنشدني أبي \"لسان العرب\" ٢/ ٨٢٠، \"تهذيب اللغة\" ١/ ٧٧٥، \"تاج العروس\" ٣/ ١٩٤ [مادة حرث]، \"أساس البلاغة\"، [مادة: حرث] \"البحر المحيط\" ١/ ١٧٠. \"المعجم المفصل\" ٢/ ٣٢٨.\n(٤) ينظر: \"تهذيب اللغة\" ١/ ٧٧٥، والكلام فيه منقول عن ابن الأعرابي.\n(٥) ساقطة من (أ) و(م).\n(٦) ينظر: \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ١٤٤، \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ٣١١، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٩٧٣، \"البحر المحيط\" ١/ ١٧٠.\n(٧) في (ش) و(ي): (موضع).\n(٨) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٩٨.","vol":"4","page":182},{"text":"والآية لا تدل على جواز (١) الإتيان في الموضع المكروه؛ لأنها نزلت تكذيبًا لليهود، ونسخًا لشرعهم إن صدقوا فيما ادعوا، أو إباحة للإتيان في القبل من أي (٢) وجه كان، ولأن الله تعالى ذكر لفظ الحرث والقبل محل النسل (٣) والحرث لا الدبر، فعلم أن المراد بالآية إباحة الجماع إذا كان في الفرج على كل جهة، والأخبار شائعة في تحريم أدبار النساء (٤).\nوقوله تعالى: ﴿لِأَنْفُسِكُمْ﴾ قال عطاء عن ابن عباس: يريد العمل لله بما يحب ويرضى (٥)، وهو قول السدي (٦)\nوالكلبي (٧)، واختيار الزجاج؛ لأنه قال: معناه: قدموا طاعته واتباع أمره، فمن اتبع ما أمر الله به فقد قدم لنفسه خيرًا (٨)، يحض على العمل بالواجب الذي أمروا.\nوقال بعض المفسرين: يعني: ابتغاء الولد والنسل (٩)، وذلك أن\n_________\n(١) في (ي): (جواب).\n(٢) في (ش): (كل).\n(٣) في (ي): (للنسل).\n(٤) ينظر: \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٩٧٩ - ١٠٠٠، \" المحرر الوجيز\" ٢/ ٢٥٦، \"التفسير الكبير\" ٦/ ٧٦، \"تفسير القرطبي\" ٣/ ٩٦، \"البحر المحيط\" ٢/ ١٧٠ - ١٧١.\n(٥) تقدم الحديث عن هذه الرواية في المقدمة. وذكره في \"زاد المسير\" عنه ١/ ٢٥٣ برواية أبى صالح، وذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٣٢٩.\n(٦) رواه عنه الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٣٩٩ بمعناه، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٢/ ٤٠٦.\n(٧) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ١٠٠٦، البغوي في \"تفسيره\" ١/ ٢٦٢.\n(٨) \"معانى القرآن\" للزجاج ١/ ٢٩٨.\n(٩) قال به عكرمة كما رواه ابن أبى حاتم في \"تفسيره\" ٢/ ٤٠٥، وقدمه الثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ١٠٠١، وينظر: \"غريب القرآن\" لابن قتيبة ص ٧٧، \"معاني القرآن\" للنحاس ١/ ١٨٦.","vol":"4","page":183},{"text":"الولد ذخيرة للدنيا والآخرة. ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ فيما حد لكم من الجماع وأمر الحيض. ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ﴾ قال عطاءُ: يريد: راجعون إليه (١). وقد ذكرنا ما في هذا عند قوله: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (٤٦)﴾ [البقرة: ٤٦].\nوقال أصحاب المعاني: معناه: ملاقو جزائه، إن ثوابًا وإن عقابًا. وقال بعضهم ﴿مُلَاقُوهُ﴾ أي: ملاقو ما قدمتم. ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ الذين خافوه (٢) وحَذِرُوا مَعْصيتَهُ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-442>٢٢٤ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ﴾: قال الكلبي: نزلت في عبد الله بن رواحة، ينهاه عن قطيعة ختنه على أخته (٣)، بشير بن النعمان (٤)، حلف أن لا يكلمَه، ولا يَدْخُلَ بينه، وبين خصم له (٥)،\n_________\n(١) لم أجده.\n(٢) في (م): (يخافوه)، وفي (ي) (خافوا).\n(٣) هي عمرة بنت رواحة الأنصارية، وهي امرأة بشير بن سعد والد النعمان. ينظر: \"الاستيعاب\" ٤/ ٤٤١.\n(٤) هو بشير بن سعد بن ثعلبة الخزرجي والد النعمان، شهد العقبة وبدرًا والمشاهد كلها، ويقال: إنه أول من بايع من الأنصار أبا بكر يوم السقيفة واستشهد يوم عين التمر مع خالد بن الوليد سنة ١٢هـ. ينظر: \"الاستيعاب\" ١/ ٢٥٢، وهذا هو زوج أخت عبد الله، وفي \"الإصابة\" ١/ ١٦٠ ترجمة لبشير بن النعمان بن عبيد، ويقال له مقرن بن أوس بن مالك الأنصاري الأوسي، قال ابن قداح: قتل يوم الحرة وقتل أبوه يوم اليمامة لكنه ليس المقصود والله أعلم. ينظر: \"الإصابة\" ١/ ١٦٠.\n(٥) في (أ) كأنها: ولا يدخل بيته، وعند الثعلبي ٢/ ١٠٠٧: أن لا يدخل عليه ولا يكلمه ولا يصلح بينه وبين خصم له، فلعل في نسخ \"البسيط\" سقط كلمات، والمعنى صحيح على كل حال.","vol":"4","page":184},{"text":"وجعل يقول: قد حلف (١) بالله أن لا أفعل، فلا يحل لي، فأنزل الله هذه الآية (٢).\nوالعُرضَة عند أهل اللغة: مُشْتَقَّةٌ من أصلين:\nأحدهما: وهو الذي عليه الجمهور، أنها مشتقة من (٣) الاعتراض بمعنى المنع، وذلك أن المعترض بين الشيئين مانع من وصول أحدهما إلى الآخر، تقول العرب: هو له دونه عرضة، إذا كان يعترض له دون الوصول إلى ذلك الشيء.\nقال الأزهري: والأصل فيه: أن الطريق المسلوك إذا اعترض فيه بناءٌ أو جِذْعٌ أو جَبَلٌ مَنَعَ السَابِلَةَ من سُلُوكه، فوضِعَ الاعتراضُ موضع المنع لهذا المعنى، وكل شيء منعك عن (٤) أمر تريده فقد اعترض عليك وتعرض لك، ومن هذا يقال للمعارض في الكلام: معترض، واعترض عليه في كذا، أي: منع كلامه عن الاستمرار على وجهه (٥).\n_________\n(١) في (ي) و(ش): (حلفت).\n(٢) ذكره السمرقندي في \"بحر العلوم\" ١/ ٢٠٦، والثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ١٠٠٧، والواحدي في \"أسباب النزول\" ص ٨٠، وابن حجر في \"العجاب\" ١/ ٥٧٦، وعزاه في \"زاد المسير\" ١/ ٢٥٣، \"البحر المحيط\" ٢/ ١٧٦ إلى ابن عباس، وقد ذكروا أسبابا أخرى لنزول الآية، فقيل: نزلت في أبي بكر - ﵁ - حين حلف أن لا يصل ابنه عبد الرحمن حتى يسلم، وقيل: نزلت فيه حين حلف لا ينفق على مسطح حين خاض في الإفك.\n(٣) في (ي) زيادة وتكرار من أصلين أحدهما: الاعتراض.\n(٤) في (ي) و(م): (من).\n(٥) \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٣٩٤ - ٢٤٠١ مادة \"عرض\".","vol":"4","page":185},{"text":"وعلى هذا الفراء (١) والزجاج (٢) وابن الأنباري، وأكثر أقوال المفسرين موافق لهذا الأصل (٣).\nقال الحسن (٤) وطاوس (٥) وقتادة (٦): لا تجعلوا اليمين بالله علة مانعة من البر والتقوى، من حيث تتعمدون اليمين تعتلوا (٧) بها.\nوقال ابن عباس (٨) ومجاهد (٩) والربيع (١٠): لا تجعلوا (١١) اليمين بالله حجة في المنع، والتقدير: لا تجعلوا الله مانعًا من البر والتقوى باعتراضكم به حالفين.\nالأصل الثاني: في اشتقاق العُرْضَة: أنها من الشدة والقوة، تقول العرب: لفلان عُرْضَة يصرع بها الناس، أي: قُوة، ودابة عُرْضَةٌ للسفر، أي: قوية عليه والعرضيّ من النوق والإبل: الذي فيه نشاط وقوة (١٢).\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ١٤٤.\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٩٨ - ٢٩٩.\n(٣) ينظر: \"تفسير الطبري\" ٢/ ٤٠٠ - ٤٠٢، \"تفسير ابن أبي حاتم\" ٢/ ٤٠٧، \"تفسير غريب القرآن\" لابن قتيبة ص ٧٧، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٠١١.\n(٤) ذكره في \"الوسيط\" ١/ ٣٣٠.\n(٥) رواه عنه الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٤٠٠، وعزاه في الدر ١/ ٤٧٩ إلى عبد الرزاق.\n(٦) رواه عنه الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٤٠٠.\n(٧) في (ي) (لتعلموا).\n(٨) رواه عنه الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٤٠١ بمعناه، وعزاه في \"الدر\" ١/ ٤٧٩ إلى ابن المنذر. و\"ابن أبي حاتم\" في \"تفسيره\" ٢/ ٤٠٧.\n(٩) رواه عنه الطبري ٢/ ٤٠١ - ٤٠٢ بمعناه.\n(١٠) رواه عنه الطبري ٢/ ٤٠٢ بمعناه.\n(١١) ليست في (م) ولا (أ).\n(١٢) ينظر: \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٠٠٩.","vol":"4","page":186},{"text":"قال الشاعر:\nواعْرَوْرَتِ العُلُطَ العُرْضِيَّ تَرْكُضُه ... أمُّ الفَوارسِ بالدِّيدَاءِ والرَّبَعَه (١)\nوقال الليث: يقال: فلان فيه على أعدائه عُرْضِيَّة، وفي الفَرَس عرضِيَّة (٢) في عَدْوِه.\nوأنشد القطامي:\nبِيضُ الهِجَانِ التى كانت تكونُ بها ... عُرْضِيّةٌ وهِبَابٌ حينَ يَرْتَحِلُ (٣) (٤) (٥)\nفالمعنى على هذا الأصل: لا تجعلوا الحلف بالله قوة لأيمانكم في أن لا تبروا، ويحتمل أن يكون المعنى على هذا الأصل: النهي عن المبادرة إلى الأيمان، كأنه يقول: لا تجعلوا اسم الله قوة لأيمانكم تبتدر من أفواهكم مسرعين بذكره.\n_________\n(١) ورد البيت هكذا:\nواعرورت العلط العرضي تركضه ... أم الفوارس بالدأداء والربعة\nوالبيت من البسيط، وهو لأبي الأسود الرؤاسي، في \"لسان العرب\" ٣/ ١٣١١ مادة: دأدأ، ٥/ ٣٠٦٩ مادة: علط، \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٤٠ مادة: \"عرض\"، ٣/ ٢٣٧٥ مادة \"عرا\" \"جمهرة اللغة\" ص ٢٢٦، \"ديوان الأدب\" ١/ ٢٣٨. انظر \"المعجم المفصل في شواهد اللغة العربية\" ٤/ ١٩٦.\n(٢) في (ش) و(ي) (عرضة).\n(٣) في (ش) (هبات)، وفي (ي) (ترتحل) وهي كذلك في الديوان.\n(٤) البيت في ديوانه ص ٢٣ - ٣٠ ط دار الثقافة، بيروت.\n(٥) ينظر في عرض: \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٣٩٤ - ٢٤٠٣، \"المفردات\" ٣٣٢، \"عمدة الحفاظ\" ٣/ ٦٦ - ٧٤، \"اللسان\" ٥/ ٢٨٨٤ - ٢٨٩٦.","vol":"4","page":187},{"text":"وهذا المعنى مروي عن عائشة ﵂؛ لأنها قالت: لا تحلفوا بالله وإن بررتم (١).\nوتفسير ابن عباس في رواية عطاء موافق لهذا المعنى؛ لأنه قال: يريد: لا يحلف الرجل في كل حق وباطل، ينبغي له أن ينزه الله عن كثير من الأيمان (٢).\nوالأيمان: جمع (٣) يمين، وهي القسم، وأصلها: من اليُمْن الذي هو البركة، فاليمين عَقْدُ الأمرِ بما يُتَبَرَّكُ (٤) بذكره (٥).\nوقوله تعالى: ﴿أَن تَبَرُّوا﴾ اختلف أهل المعاني في تقديره، فقال الزجاج: تقديره (٦): لا تعترضوا باليمين بالله في أن تبروا، فسقط (في) ووصل معنى الفعل (٧).\nوقال أبو عبيد: معناه: أن لا تبروا، فحذفت لا، كقوله: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦] وكقوله: ﴿رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [النحل: ١٥] والمعنى: لئلا تضلوا، أن لا تميد بكم (٨).\nوقال أبو العباس: تقديره: لدفع أن تبروا، أو لترك أن تبروا، فحذف المضاف.\n_________\n(١) رواه الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٤٠٢.\n(٢) تقدم الحديث عن هذه الرواية في القسم الدراسي.\n(٣) في (ش) (جميع).\n(٤) في (م) (يتبرك به بذكره).\n(٥) ينظر في اليمين: \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٩٨٤ - ٣٩٨٧، \"اللسان\" ٨/ ٤٩٦٧ - ٤٩٧١.\n(٦) ساقط من (ش).\n(٧) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٩٨.\n(٨) ينظر: \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٠١١.","vol":"4","page":188},{"text":"وقال الكسائي: تقديره: لأن تبروا (١) أي: لا تتخذوا اليمين (٢) مانعةً لأن تبروا (٣).\nوهذه التقديرات كلها توافق تفسير العرضة من الاعتراض بمعنى المنع.\nوإن جعلنا تفسير العرضة القوة لم يصلح فيه تقدير الزجاج والكسائي.\nوقال عطاء: أراد (٤): أن لا تبروا (٥)، وهذا موافق لتفسير الآية عنده، والتقدير: لا تحلفوا بالله إلا أن يكون اليمين لقصد بر أو تقوى أو إصلاح بين الناس، فلكم أن تحلفوا (٦).\nفالعرضة على القول الأول بمعنى المعترض، وعلى القول الثاني بمعنى القوة والشدة، وعلى القولين جميعا معنى قوله: لا تجعلوا الله، لا تجعلوا اسم الله، فالله تعالى هاهنا يراد (٧) به التسمية لا الاسم الذي هو بمعنى الذات.\nوأما محل (أن) من الإعراب، فقال أبو إسحاق: الاختيار فيه النصب عند جميع النحويين؛ لأنه لما حذف الخافض وصل الفعل، المعنى: لا\n_________\n(١) من قوله: تقديره. ساقط من (أ) و(م).\n(٢) قوله: لا تتخذوا اليمين. ساقط من (أ) و(م) و(ش).\n(٣) وقد ذكر النحاس في \"إعراب القرآن\" ١/ ٣١٢، ومكي في \"مشكل إعراب القرآن\" ١/ ١٣٠ أن موضع (أن) خفض على إضمار الخافض، فيكون في أن تبرو.\n(٤) ساقط من (ي).\n(٥) ذكره في \"زاد المسير\" ١/ ٢٥٤.\n(٦) تقدم الحديث عن هذه الرواية في القسم الدراسي.\n(٧) في (ي) (يريد).","vol":"4","page":189},{"text":"تعترضوا باليمين بالله في أن تبروا، فلما سقطت (في) أفضى معنى الاعتراض (١) فنصب (أن)، ويكون تأويله: (لا يمنعكم) (٢) الإيمان بالله البر والتقوى والإصلاح بين الناس، قال: وجائز عند كثير من النحويين أن يكون موضعُها خفضًا، وإن سقطت (في)؛ لأنَّ (إن) الحذف معها مستعمل، يقول (٣): جئت لأن تضرب زيدًا، وجئت أن تضرب زيدًا، فتحذف اللام مع (أن) ولا تحذف مع المصدر لو قلت: جئت ضربَ زيدٍ، وأنت تريد: لضرب زيد، لم يجز كما جاز مع (أن)، لأنّ (أنْ) إذا وُصِلَت دل ما بعدها على الاستقبال، والمعنى (٤) تقول: جئتك أن ضربت زيدًا، وجئتك أن تضربَ زيدًا، فلذلك جاز حذف اللام، وإذا (٥) قلت: جئتك ضَرْبَ زيد، لم يدل الضربُ على معنى مضى (٦) ولا استقبال (٧).\nوحرر بعض أصحابه هذا الفصل فقال: معنى هذا: أنّ (أنْ) لما وُصِل بالفعل احتمل الحذف كما يحتمل (الذي) إذا وصل بالفعل من حذف ضمير المفعول ما لا يحتمله الألف واللام إذا وُصل بالاسم، نحو: الذي ضربت، يريد: ضربته، فأما: الضاربه (٨) أنا زيد، فلا يحسن إلّا بالهاء، وذلك أن\n_________\n(١) في \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٩٨: لمعنى، وفي \"الإغفال\" لأبي علي ٥٠٩ أقصى معنى الاعتراض.\n(٢) في (ش): (يمنعنكم).\n(٣) في (ش): (تقول).\n(٤) في (أ) و(م) و(ش): والمضي، وما أثبته من (ي) موافق لما في \"معاني القرآن\".\n(٥) في (ي) (إذا).\n(٦) في \"معاني القرآن\": على معنى الاستقبال.\n(٧) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٩٨ - ٢٩٩ بمعناه.\n(٨) في (ش) (المضاربة).","vol":"4","page":190},{"text":"الفعل أثقل، وهو بالحذف أحق. وأنكر أبو علي الفارسي هذا الفصل كلَّه على أبي إسحاق، وأجاز حذف اللام من المصدر، وقال: الذي منعه جائز غير ممتنع في جميع باب المفعول له، تقول (١): جئتك طمعًا في الخير، وزرتك كرامة فلان، أي: لكرامته (٢)، قال: وأنشد أبو عثمان (٣) لرؤبة:\nبلاَلٌ أنْدَى (٤) العَالَمينَ شَخْصًا ... عندي وما بي أن أُسِيءَ الحِرْصا (٥)\nفحمل الحرص على المفعول له، قال: وإنما جاز الحذف مع (أن) لطول الكلام بالصلة، وإذا طال الكلام حَسُنَ من الحذف معه ما لا يحسن إذا لم يطل، وذلك كثير، نحو قوله: ﴿مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا﴾ [الأنعام: ١٤٨]، ترك التأكيد الذي يقبح تركه في السعة لطول الكلام بلا، ولو لم يطل به للزم التأكيد كما لزم ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ﴾ [الأعراف: ٢٧] ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ﴾ [المائدة: ٢٤] ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ﴾ [البقرة: ٣٥]، ومن ثم استجازوا: حضر القاضي اليوم امرأةٌ، حذفوا التاء من الكلام لما طال الكلام بالفصل بين الفعل والفاعل من المفعول.\nقال: وأما قوله: والنصب في (أن) في هذا الموضع الاختيار عند\n_________\n(١) في (أ) (يقول).\n(٢) في \"الإغفال\" ص ٥١١: تقول: جئتك طمعا في الخير، وللطمع في الخير، وزرتك كرامة فلان ولكرامة فلان، فتثبت اللام وتحذف، والمعنى في الحذف مثل المعنى في الإثبات.\n(٣) هو بكر بن بقية، تقدمت ترجمته ٣/ ١٦٢، [البقرة:٩٣].\n(٤) في (ش): (أبدى).\n(٥) هذان البيتان ليسا في \"ديوان رؤبة\" قال محقق \"الإغفال\": ولم أوفق في العثور عليهما. \"الإغفال\" ص ٥١٢.","vol":"4","page":191},{"text":"جمع النحويين، فمن يقول أن موضعه جر وهو قول سيبويه، ليس يحفظ عنه أن النصبَ أحسن، وإنما يحكم على موضعه بالجر.\nأطال أبو علي الكلام في هذه المسألة على أبي إسحاق في الإنكار عليه، وقد اختصرته هاهنا (١).\nقال أبو إسحاق: ويجوز أن يكون موضع (أن) رفعًا بالابتداء، وخبره محذوف تقديره: أن تبروا وتتقوا وتصلحوا أولى، أي: البر والتقى أولى، ويكون (أولى) محذوفًا، كقوله: ﴿وطَاعَةٌ وَقَول مَّعْرُوفٌ﴾ [محمد: ٢١] أي: طاعة وقول معروف (٢) أمثل. قال: ومذهب النحويين فيه الجر والنصب، ولا أعلم أحدًا منهم ذكر هذا المذهب (٣).\nوهذا الذي ذكره أبو إسحاق من رفع (أن) تقدير (٤) زائد على ما ذكرنا من التقديرات في (أن)، لأن الكلام على هذا يصير مستأنفًا لا تعلق له بما قبله، والتقديرات السابقة توجب (٥) التعلق بما سبق (٦).\nوقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ يسمع (٧) أيمانكم ويعلم ما تقصدون بها.\n_________\n(١) ينظر: \"الإغفال\" ص ٥٠٩ - ٥١٧.\n(٢) زيادة من (ي).\n(٣) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٣٠٠.\n(٤) في (ش) (تقديره).\n(٥) في (ش) (يوجب).\n(٦) ينظر في إعراب الآية: \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ٣١١ - ٣١٢، \"مشكل إعراب القرآن\" لمكي ١/ ١٣٠، \"التبيان\" ص١٣٥، \"البحر المحيط\" ٢/ ١٧٧، وقد ضعف الوجه الأخير فقال: لأن فيه اقتطاع (أن تبروا) مما قبله، والظاهر هو اتصاله به، ولأن فيه حذفا لا دليل عليه.\n(٧) ساقطة من (ي).","vol":"4","page":192},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-443>٢٢٥ </span>- قوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ الآية. اللغو: معناه في اللغة: الكلام الذي لا فائدة فيه ولا يعتد به (١)، وهو مصدر يقال: لَغَا يَلْغُو لَغْوًا وَلغا يَلْغَى، ولغي يَلْغَى لغًا: إذا أتى بلغو (٢)، قال الفراء. اللغا مصدرٌ للغَيْتُ، واللغوُ مَصْدَرٌ لِلَغَوْتُ.\nقال العجاج:\nورُبَّ أسْرَابٍ حَجِيجٍ كُظّمِ ... عن اللَّغَا ورَفَثِ التَّكَلُّمِ (٣)\nوقال ذو الرمة:\nويُطْرَحُ بينها المَرْئِيُّ لَغْوًا ... كما أَلْغَيْتَ في المائةِ الحُوَارَا (٤)\nقال ابن المظفر: يقول: اللَّغْو واللَّاغِيَةُ واللَّوَاغِي واللَّغَا واللغوي (٥)، ومنه الحديث: \"من قال يوم الجمعة لصاحبه صه (٦) والإمام يخطب فقد لغا (٧) \".\n_________\n(١) ساقطة من (ي).\n(٢) قال الزجاج في \"معاني القرآن\" ١/ ٢٩٩: ويقال: لغوت ألْغُو لغوًا، ولغوْت أَلْغَى لغوًا، مثل محوت أمحو محوا وأمحى، ويقال: لغيت في الكلام ألغَى لغىً إذا أتيت بلغو.\n(٣) سبق تخريجه ٣/ ٦٠٥.\n(٤) ورد البيت هكذا:\nويَهْلِكُ بينها المَرْئِيُّ فيها ... كما أَلْغَيْتْ في الديةِ الحُوَارا\nوفي \"اللسان\": ويَهْلِكَ وسْطَها المرئي لَغْوًا وهو لذي الرمة يهجو هشام بن قيس المرئي أحد بني امرئ القيس، انظر الديوان ٢/ ١٣٧٩، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٠١٦، \"عمدة الحفاظ\" للسمين الحلبي ٤/ ٣٤. \"اللسان\" ٧/ ٤٠٤٩ مادة \"لغا\".\n(٥) ينظر: \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٢٧٥ مادة \"لغو\"، وبعض الكلام لغيره.\n(٦) سقطت من (م) و(أ).\n(٧) رواه البخاري (٩٣٤) كتاب: الجمعة، باب. الإنصات يوم الجمعة والإمام يخطب، ومسلم (٨٥١) الجمعة، باب: الإنصات يوم الجمعة في الخطبة.","vol":"4","page":193},{"text":"ومثله من الكلام: الدَّلْو والدِّلاَء، والعَيْبُ والعَابُ.\nقال ابن الأنباري: اللغو عند العرب: ما يُطْرح من الكلام (١) استغناءً عنه ولا يفتقر إليه، قال الكميت:\nوبعد ذلك (٢) أيَّامٌ (٣) سَنَذْكُرها ... لم تنس لغوًا ولم تقدم على عمد (٤)\nأي: لم تنس اطراحًا لها. ويقال: لغَا الطائر يلغو لغوًا: إذا صَوَّتَ، وسُمِّيَ ذلك منه لَغْوًا؛ لأنه لا يُوْقَفُ على ما يُريدُه. قال الشاعر:\nباكرتُهُم بِسَبَا جَوْنٍ ذَارعٍ (٥) ... قبل الصَّبَاحِ، وقَبْلَ لَغْوِ الطَّائرِ (٦)\nالسبا: اشتراء الخمر، والجَوْنُ: الزِّقُّ، والذَّارعُ (٧): الكبيرُ الكثيرُ (٨) الأخذ من الأرض، ولغو الطائر: تَصْوِيْتُه. قال الزجاج: وكلُّ ما لا خيرَ فيه مما يُؤْثَم فيه، أو يكون غير محتاج إليه في الكلام فهو لغوٌ (٩) ولَغًا (١٠). هذا معناه في اللغة (١١).\n_________\n(١) من قوله: الدَّلْو .. سقطت من (م) و(أ).\n(٢) في (م): (ذاك).\n(٣) في (ي): (أيامَا).\n(٤) في (م): (أمر) والبيت لم أهتد إلى من ذكره.\n(٥) في (ش) (دارع)، وفي (ي) (دراع).\n(٦) البيت لثعلبة بن صعير المازني في \"لسان العرب\" ٣/ ١٤٩٨ مادة: ذرع، و٧/ ٤٠٥١ مادة: لغا. وروايته: بساء.\n(٧) في (م) و(ش) (الذراع)، وفي (ي) (الدراع).\n(٨) (الكثير) ساقطة من (ي).\n(٩) في (ش) (أو).\n(١٠) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٩٩.\n(١١) ينظر لغا: \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٩٩، \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٢٧٥ - ٣٢٧٦، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٠١٦، \"المفردات\" ص ٤٥٥، \"عمدة الحفاظ\" ٤/ ٣٣ =","vol":"4","page":194},{"text":"وأما التفسير: فقال مجاهد (١) وعكرمة (٢) والشعبي (٣): لغو اليمين، في هذه الآية، ما يسبق به اللسان من غير عقد ولا قصد، ويكون كالصلة للكلام، مثل قول القائل: لا والله، وبلى والله، وكلا والله، ونحو هذا، ولا كفارة فيه ولا إثم. وهو قول عائشة ﵂، قالت: أيمان اللغو ما كان في الهزل والمراء والخصومة، (الذي) لا يعقد عليه القلب (٤)، ومثله روى حماد (٥) عن إبراهيم (٦)، وهو كما روي أن رسول الله - ﷺ - مرَّ بقوم\n_________\n= \"اللسان\" ٧/ ٤٠٤٩ - ٤٠٥١. وقال الراغب: اللغو من الكلام ما لا يعتد به، وهو الذي يورد لا عن روية وفكر، فيجري مجرى اللغا، وهو صوت العصافير ونحوها من الطيور. وقد يسمى كل كلام قبيح لغوًا.\n(١) رواه عنه الطبري ٢/ ٤٠٦ بمعناه، وذكره النحاس في \"معاني القرآن\" ١/ ١٨٨، والثعلبي ٢/ ١٠٢١.\n(٢) رواه عنه الطبري ٢/ ٤٠٤، وذكره ابن أبي حاتم ٢/ ٤٠٨\n(٣) رواه عنه سعيد بن منصور ٤/ ١٥٢٨، والطبري ٢/ ٤٠٥، وذكره ابن أبي حاتم ٢/ ٤٠٨.\n(٤) حديث عائشة بهذا اللفظ موقوفًا عليها، رواه الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٤١١ - ٤١٢، وبنحوه عند عبد الرزاق في \"المصنف\" ٨/ ٤٧٤، وأصله رواه البخاري (٦٦٦٣) كتاب: الأيمان، باب: لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم، ومالك في \"الموطأ\" ٢/ ٤٧٧، والشافعي في \"الأم\" ٧/ ٢٥٧، والنسائي في \"تفسيره\" ١/ ٤٤٤ رقم ١٦٩، والطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٤٠٦، \"ابن أبي حاتم\" في \"تفسيره\" ٢/ ٤٠٨ وغيرهم موقوفا عليها. ورواه أبو داود مرفوعا (٣٢٥٤) كتاب: الأيمان، باب: لغو اليمين، والطبري ٢/ ٤٠٥، وابن حبان في \"صحيحه\" ١٠/ ١٧٦ وغيرهم، قال الحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير ٤/ ١٦٧: وصحح الدارقطني الوقف.\n(٥) هو حماد بن أبي سليمان بن مسلم أبو إسماعيل الكوفي الأصبهاني، كان علامة إماما فقيه العراق، تفقه على إبراهيم النخعي فكان أنبل أصحابه وأفقههم، روى عنه تلميذه أبو حنيفة والأعمى وخلق كثير، توفي سنة ١٢٠هـ. ينظر \"السير\" ٥/ ٢٣١ - ٢٣٨، \"الجرح والتعديل\" ٣/ ١٤٦.\n(٦) رواه الطبري في \"تفسيره\" ٤/ ٤٤٣، وذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ١٠٣٠.","vol":"4","page":195},{"text":"ينتضلون، ومعه رجل من أصحابه فرمى رجل من القوم، فقال: أصبت والله وأخطأ، فقال الذي مع النبي ﵊: حنث الرجل يا رسول الله، فقال - ﷺ -: (١) \"كل (٢) أيمان الرماة لغو لا كفارة فيها ولا عقوبة (٣) \". وكأن الفرزدق أراد هذا المعنى بقوله:\nولسْتَ بمأخُوذٍ بلَغْوٍ تَقُولُه ... إذا لم تَعَمَّد عاقِداتِ العَزَائمِ (٤)\nوقال ابن عباس في رواية الوالبي (٥) ومجاهد في رواية ابن أبي نجيح (٦): لغو اليمين، أن يحلف الإنسان على الشيء يُرى أنه صادق فيه ثم يتبين له خلاف ذلك، فهو خطأ منه غير عَمدٍ، ولا كفارة عليه فيه ولا إثم،\n_________\n(١) قوله: (فقال -ﷺ-). ساقطة من (ش).\n(٢) في (ي) و(ش). (كلا).\n(٣) أخرجه الطبراني في: \"المعجم الصغير\" عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده ٢/ ٢٧١ حديث رقم ١١٥١. قال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" ٤/ ١٨٨: ورجاله ثقات إلا أن شيخ الطبراني يوسف بن يعقوب لم أجد من وثقهُ ولا جرحه، ورواه الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٤١٢ عن الحسن قال ابن كثير: وهذا مرسل حسن عن الحسن، وقال الحافظ في \"الفتح\" ١١/ ٥٤٧: وهذا لا يثبت؛ لأنهم كانوا لا يعتمدون مراسيل الحسن، لأنه كان يأخذ عن كل أحد.\n(٤) البيت للفرزدق في \"ديوانه\" ٢/ ٣٠٧، وانظره في \"طبقات فحول الشعراء\" ٢/ ٣٣٦، \"الدر المصون\" ٢/ ٤٣٠، \"والأغاني\" ١٩/ ١٤، \"المفردات\" ص ٥٢، \"وضح البرهان\" للغزنوي ١/ ٢٠٧.\n(٥) رواه عنه الطبري ٢/ ٤٠٦، وذكره ابن أبي حاتم ٢/ ٤٠٨.\n(٦) رواه في \"تفسير مجاهد\" ١/ ١٠٧، ورواه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ١/ ٩١، والطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٤٠٧.","vol":"4","page":196},{"text":"وهو قول الحسن (١) والنخعي (٢) والزهري (٣) وقتادة (٤) والربيع (٥) والسدي (٦): وقال (٧) في رواية وُسيم (٨) (٩): اللغو: اليمين في حال الغضب والضجر من غير عقدٍ ولا عزم، وهو قول علي (١٠) - ﵁ - وطاوس (١١).\nوقال ابن عباس (١٢) في رواية عكرمة ومسروق (١٣): اليمين الملغاة هي التي يحلف بها الحالف على أمر متى أمضاه وفعله كان معصية لله ﷿، فهي ملغاة، إذ كان الواجب أن لا يستعمل ما حلف عليه.\n_________\n(١) رواه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ١/ ٩١، والطبري عنه ٢/ ٤٠٨.\n(٢) رواه عنه سعيد بن منصور في \"سننه\" ٤/ ١٥٢٤، والطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٤٠٧.\n(٣) ذكره عنه الثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ١٠٢٢، وذكره ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٢/ ٤٠٨، ضمن أهل القول الأول.\n(٤) رواه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ١/ ٩١، والطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٤٠٨، وعزاه في الدر ١/ ٤٨١ بمعناه إلى عبد بن حميد وأبي الشيخ.\n(٥) رواه عنه الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٤٠٨، وذكره ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٢/ ٤٠٩.\n(٦) رواه عنه الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٤٠٨، وذكره ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٢/ ٤٠٩.\n(٧) رواه سعيد بن منصور ٤/ ١٥٣٣، والطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٤٠٩، \"ابن أبي حاتم\" في \"تفسيره\" ٢/ ٤١٠.\n(٨) في (م) (رستم) وفي (ي) (وسم).\n(٩) وسيم أو الوسيم، قال البخاري وابن أبي حاتم وابن حبان في \"الثقات\": يروي عن طاوس عن ابن عباس، روى عه عطاء بن السائب، ولم يذكروا غيره. ينظر \"التاريخ الكبير\" ٨/ ١٨١، \"الجرح والتعديل\" ٩/ ٤٦.\n(١٠) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ١٠٢٤، وأبو حيان في \"البحر المحيط\" ٢/ ١٧٩.\n(١١) رواه عنه الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٤٠٩، وذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ١٠٢٤.\n(١٢) رواه عنه الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٤١١، وذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ١٠٢٦.\n(١٣) رواه عبد الرزاق في \"مصنفه\" ٨/ ٤٦٢، والطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٤١١.","vol":"4","page":197},{"text":"وقال الشعبي في الرجل يحلف على معصية: كفارته أن يتوب منها، وكل يمين لا يحل لك أن تفي بها فليس فيها كفارة (١). يدل عليه ما روى عمرو (٢) بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله - ﷺ - قال: \"من حلف على معصية الله فلا يمين له (٣) \".\nوروت عمرة (٤) عن عائشة قالت: قال رسول الله - ﷺ -: \"من حلف على قطيعة رحم أو معصية، فبره أن يحنث فيها ويرجع عن يمينه\" (٥).\nوبه قال سعيد بن جُبير إلا أنه قال: يحنث ويكفِّر، ولا يؤاخذه الله بالحِنث (٦).\nوقال الضحاك: هو اليمين المُكفَّرة (٧)، سُميت لغوًا لأن الكفارة تُسقط منه الإثم، تقدير الآية: لا يؤاخذكم الله بالإثم في اليمين إذا كفرتم، وهذا اختيار الزجاج، قال: المعنى: لا يؤاخذكم الله بالإثم في (٨) الحلف\n_________\n(١) رواه عنه الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٤١١، وابن أبي شية في \"المصنف\"، القسم الأول من الجزء ٤/ ص ٣٣.\n(٢) هو عمرو بن شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص، من رجال الحديث، قال ابن حجر: صدوق، سكن مكة وتوفي بالطائف سنة ١١٨ هـ. انظر \"تقريب التهذيب\" ص ٤٢٣ (٥٠٥٠)، \"الأعلام\" ٥/ ٧٩.\n(٣) أخرجه أبو داود رقم (٢١٩٠) كتاب: الطلاق، باب: الطلاق قبل النكاح.\n(٤) هي: عمرة بنت عبد الرحمن بن سعد بن زرارة الأنصارية، تابعية روت عن عائشة توفيت سنة ١٠٣ هـ. انظر \"التقريب\" ٧٥٠ (٨٦٤٣) \"البداية والنهاية\" ١١/ ٣٣٩، ٥٠٣.\n(٥) أخرجه ابن ماجه (٢١١٠) كتاب: الكفارات، باب: من قال كفارتها تركها.\n(٦) رواه عبد الرزاق في \"المصنف\" ٨/ ٣٧٥، والطبري ٢/ ٤١١.\n(٧) رواه عنه الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٤١٢، وذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ١٠٣٢.\n(٨) من قوله: في اليمين. ساقطة من (أ) و(م).","vol":"4","page":198},{"text":"إذا كفرتم، وإنما قيل له (١) لغو؛ لأن الإثم يسقط فيه إذا وقعت الكفارة (٢).\nأعلم الله ﷿ أن الإثم إنما هو في الإقامة على ترك البر والتقى، وأن اليمين إذا كفرت فالذنب فيها مغفور.\nوجملة اليمين على مذهب الشافعي، ﵀: قِسْمٌ على الماضي (٣) نفيًا أو إثباتًا مثل أن تقول: والله لقد كان كذا، أو لم يكن كذا. فإن كذب في يمينه متعمدًا فهذه الغموس التي تغمس صاحبها في الإثم، وفيها (٤) الكفارة، وإذا (٥) لم يتعمد واستبان الكذب فلا كفارة.\nالقسم الثاني: اليمين (٦) على المستقبل نفيًا أو إثباتًا، مثل: والله لأفعلن، أو والله لا أفعل، فإن حَنِثَ لزمته الكفارة، وحالة الرضا والغضب سواء (٧).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ أي: عزمتم وقصدتم، لأن كسب القلب العقد والنية (٨).\nوقال الزجاج: أي: بعزمكم على أن لا تبروا وأن لا تتقوا، وأن\n_________\n(١) ساقطة من (أ) و(م).\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٩٩.\n(٣) في (ي): (المعاصي).\n(٤) في (م) و(أ): (فيها).\n(٥) في (ي) و(ش): (فإن).\n(٦) ساقطة من (ي).\n(٧) ينظر: \"الأم\" ٧/ ٦٤، \"والسنن الكبرى للبيهقي\" ١٠/ ٣٦، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٠٣٣، \"الإشراف على مذاهب أهل العلم\" لابن المنذر ١/ ٤٢٢، \"اختلاف العلماء\" للمروزي ٢١٢.\n(٨) ينظر: \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٠٣٢.","vol":"4","page":199},{"text":"تَعْتلَّوا في ذلك بأنكم حلفتم (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ معنى الحِلْم في كلام العرب: الأَنَاةُ والسُكُون، والعَرب تقول: ضَعِ الهَوْدَجَ على أحْلَمِ الجِمال، أي: على أَشَدِّها تَؤُدَةً في السير. ومنه الحُلُم؛ لأنه يُرَى في حال السكون، وحَلَمَةُ الثدي لأنها تُحَلِّم المرتَضِعَ، أي: تُسَكِّنُه، والحَلَمَةُ: القُراد، مُشَبَّهَةً بِحَلَمَةِ الثَّدْي (٢)، ومعنى الحليم في صفة الله: الذي لا يَعْجَل بالعقوبة، بل يؤخر عقوبة الكافرين والعُصَاة (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-444>٢٢٦ </span>- قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ قال سعيد بن المسيب: كان الرجل لا يريد المرأة، ولا يحب أن يتزوجها غيره، فيحلف أن لا يقربها أبدًا، فكان يتركها بذلك لا أَيَّمًا ولا ذاتَ بعلٍ، يُضَارُّها، وكانوا يفعلون ذلك في الجاهلية وفي الإسلام، فجعل الله تعالى الأجل الذي يُعلم به ما عند الرجل في المرأة أربعة أشهر (٤).\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٩٩.\n(٢) \"تهذيب اللغة\" ١/ ٩٠٨، \"المفردات\" ص ١٣٦، \"عمدة الحفاظ\" ١/ ٥١٦ - ٥١٨، \"اللسان\" ٢/ ٩٧٩ - ٩٨٢. قال الراغب: الحلم: ضبط النفس والطبع عن هيجان الغضب، وجمعه أحلام، قال الله تعالى: ﴿أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُمْ﴾ [الطور: ٣٢] قبل معناه: عقولهم، وليس الحلم في الحقيقة هو العقل، لكن فسروه بذلك لكونه من مسببات العقل.\n(٣) قال السمين الحلبي في عمدة الحفاظ ١/ ٥١٦: الحلم: أصله ضبط عن هيجان الغضب، وإذا ورد في صفات الله فمعناه: الذي لا يستفزه عصيان العصاة، ولا يستخفه الغضب عليهم.\n(٤) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ١٠٣٨، والواحدي في \"أسباب النزول\" ص ٨٠، ٨١، وابن حجر في \"العجاب\" ١/ ٥٧٩. وذكره بنصه بلا نسبة الزجاج في \"معاني القرآن\" ١/ ٣٠٠ - ٣٠١، وروى سعيد بن منصور ٢/ ٥١ [ط. حبيب الرحمن] والطبراني =","vol":"4","page":200},{"text":"ويقال: آلى يُولي إِيلاء، وتألّي يَتَألَّى تألِّيًا وائتلى يَأتلي ائتلاءً، قالت الخنساء:\nفآليْتُ آسَى عَلَى هَالِكِ ... وأسْألُ نَائِحَةً مَالَهَا (١)\nوقال زيد الفوارس (٢):\nتالى ابنُ أوسٍ حَلْفةً ليَرُدَّني ... إلى نِسوَةٍ كأنَّهُنَّ مقائد (٣)\nومن هذا قراءة من قرأ: ﴿ولا يتأل أولوا الفضل منكم﴾ [النور: ٢٢] وقراءة العامة (ولا يأتلِ) (٤) من الإيتلاء بمعنى الحلف، ويقال لليمين: الأَلِيَّةَ والأُلوّة والأَلُوّة (٥) كلها بالتشديد، وحكى أبو عمرو (٦) أَلْوَةٌ وإِلْوَهٌ\n_________\n= في \"المعجم الكبير\" ١١/ ١٢٧، والواحدي في \"أسباب النزول\" ص ٨٠، ٨١ عن ابن عباس قال: كان إيلاء الجاهلية السنة والسنتين، وأكثر من ذلك، فوقت الله أربعة أشهر.\n(١) البيت للخنساء في رثاء أخيها صخر، ينظر ديوانها ص١٢٠. تقول: لا أبكي على هالك بعده فقد شغلني عن غيره.\n(٢) هو زيد بن حصين بن ضرار الضبي، فارس شاعر جاهلي، أورد البغدادي قليلًا من أخباره وأبياتًا له، واختار أبو تمام في \"الحماسة\" أبياتًا أخرى من شعره. ينظر \"خزانة الأدب\" للبغدادي ١/ ٥١٦، ٥١٧، \"الأعلام\" ٣/ ٥٨.\n(٣) البيت ذكره في \"الدر المصون\" ٨/ ٣٩٤.\n(٤) قرأ أبو جعفر: (يتأل) بهمزة مفتوحة بين التاء واللام مع تشديد اللام مفتوحة، وهي قراءة عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة مولاه، وزيد بن أسلم، وقرأ الباقون بهمزة ساكنة بين الياء والتاء وكسر اللام خفيفة، قال في النشر ٢/ ٣٣١: وذكر الإمام المحقق أبو محمد إسماعيل بن إبراهيم القراب، في كتابه: \"علل القراءات\": أنه كتب في المصاحف (يتل) قال: فلذلك ساغ الاختلاف فيه على الوجهين. ينظر النشر٢/ ٣٣١، و\"البدور الزاهرة\" ص٢٧١.\n(٥) ساقطة من (ش) و(ي).\n(٦) ساقطة من (ي).","vol":"4","page":201},{"text":"وأُلوَةٌ ثلاث لغات مخففة في اليمين، وذكرها يعقوب (١).\nقال كثيّر:\nقَلِيلُ الأَلايَا حَافِظٌ ليمينه ... فإن سَبَقَتْ منه الأَلِيَّةُ بَرَّتِ (٢)\nوقوله تعالى: ﴿مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ قال أهل المعاني: الآية مختصرة، وما وقع عليه الإيلاء محذوف، وهو اعتزال النساء، كأنه قيل: للذين يؤلون أن يعتزلوا نسائهم تربص أربعة أشهرٍ، فحذف ما حذف لبيان معناه، وذلك أنه معلوم أن الحلف لا يكون إلّا على شيء يؤكّدُ ويحقق (٣) (٤).\nو(مِنْ) في (٥) قوله: ﴿مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ عند بعضهم من صلة التربص، كأنه قيل: للذين يؤلون تربص أربعة أشهر من نسائهم، أي: يتربصون عنهن هذه المدة.\nوحكى ابن الأنباري عن بعض أهل اللغة أن (من) هاهنا بمعنى على، وحروف الصفات متعاقبة، والتقدير عنده: للذين يحلفون على وطء أو في\n_________\n(١) ينظر في آلى: \"تفسير الطبري\" ٢/ ٤١٧، \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٣٠١، \"تهذيب اللغة\" ١٥/ ١٧٨ - ١٨٠، \"المفردات\" ٣٢، \"عمدة الحفاظ\" ١/ ١٢٠ - ١٢٢، \"اللسان\" ١/ ١١٧ - ١٢٠. قال الراغب: وحقيقة الإيلاء والألية: الحلف المقتضي لتقصير في الأمر الذي يحلف عليه. وجعل الإيلاء في الشرع للحلف المانع من جماع المرأة. أي: مدة أربعة أشهر فأكثر.\n(٢) البيت لكثير عزة في \"ديوانه\" ٢/ ٢٢٠. وفي \"البحر المحيط\" ٢/ ١٧٦، \"التفسير الكبير\" ٦/ ٨٦، وذكره في \"اللسان\" ١/ ١١٧ بغير نسبة قال: ورواه ابن خالويه: قليل الإلاء. وفيه: وإن سبقت.\n(٣) في (ي) و(ش) (تحقق).\n(٤) \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٠٤٠.\n(٥) ساقطة من (ي).","vol":"4","page":202},{"text":"وطء نسائهم، فأقام الصفة مقام الصفة، وحذف المضاف، وأقام النساء مقامه (١).\nوالتربص: التَّلَبُّثُ والانتظار، تَرَبَّصْتُ بالشيء تَرَبُّصًا، ويقال: ما لي على هذا الأمر رُبْصَةٌ، أي: تلبث (٢).\nوإضافة التربص إلى الأربعة أشهر أضافة المصدر، كقولك: بينهما مسيرة يوم، أو مسيرة في يوم، ومثله كثير.\nوأما تفسير الإيلاء الشرعي وحكمه، فكل (٣) يمين يحلفها الرجل ويصير بها ممتنعًا من جماع امرأته أكثر من أربعة أشهرٍ فهو إيلاء، وما كان دون أربعة أشهر فليس بإيلاء. وإن حلف على أربعة أشهر، فقد اختلف الصحابة فيه، فذهب الأكثرون إلى أنه غير مُوْلي، وذهب ابن عباس إلى أنه مُولٍ. (٤)\n_________\n(١) ينظر في معنى (من): التبيان ص ١٣٦، \"تفسير الرازي\" ٦/ ٨٦، \"البحر المحيط\" ١/ ١٨١ وقال: (من) يتعلق بقوله: يؤلون، وآلى لا يتعدى بمن، فقيل: (من) بمعنى على، وقيل بمعنى في، ويكون ذلك على حذف مضاف، أي: على ترك وطء نسائهم، أو في ترك وطء نسائهم، وقيل: (من) زائدة، والتقدير: يؤلون أن يعتزلوا نساءهم، وقيل يتعلق بمحذوف، والتقدير: للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر، فتتعلق بما تتعلق به لهم المحذوف، قاله الزمخشري، وهذا كله ضعيف ينزه القرآن عنه، وإنما يتعلق بـ يؤلون على أحد وجهين: إما أن يكون (من) للسبب، أي: من يحلفون بسبب نسائهم، وإما أن يضمن الإيلاء معنى الامتناع فيعدى بمن، فكأنه قيل: للذين يمتنعون بالإيلاء من نسائهم.\n(٢) ينظر في تربص: \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٣٤٤ مادة \"ربص\"، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٠٤١، \"المفردات\" ١٩٢، \"عمدة الحفاظ\" ٢/ ٦٨.\n(٣) في (ي) و(ش) (وكل).\n(٤) ينظر: \"مختصر الطحاوي\" ص ٢٠٨، \"أحكام القرآن\" للجصاص ١/ ٣٦٠.","vol":"4","page":203},{"text":"وحالة الرضا والغضب سواء، إلا فيما يحكى عن علي ﵁ أنه كان يقول: الإيلاء يمين في الغضب، فإذا حلف في حال الرضا فليس بإيلاء (١).\nثم إن جامع قبل مضي أربعة أشهر لزمته (٢) الكفارة عند عامّة الفقهاء والنكاح ثابت، وذهب الحسن (٣) (٤) وقتادة (٥) إلى أنه لا كفارة عليه، لقوله: ﴿فَإِن فَاَءُو فَإِنَّ اَللهَ غَفُوُرٌ﴾ رَحِيمٌ، وإن لم يجامع حتى انقضت أربعة أشهر بانت منه بتطليقة عند أبي حنيفة (٦)، ولا رجعة له، وهو قول ابن مسعود (٧) وزيد بن ثابت (٨) وقتادة (٩) والكلبي (١٠).\nوعند الشافعي (١١): أنه إذا مضت أربعة أشهر والرجل ممتنع، فإن عفت المرأة ولم تطلب حقها من الجماع فلا شيء على الرجل، ولا يقع طلاق، وهما على النكاح ما أقامت على ذلك، وإن طلبت حقها وقف\n_________\n(١) رواه عبد الرزاق في \"المصنف\" / ٤٥١، وابن أبي شيبة في \"المصنف\" ٥/ ١٤١، والطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٤١٧ - ٤١٨، وعزاه في \"الدر\" ١/ ٤٨٢ إلى عبد بن حميد.\n(٢) في (م): (لزمه).\n(٣) في (ي): (أبو الحسن).\n(٤) رواه عنه الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٤٢٦.\n(٥) المصدر السابق.\n(٦) ينظر: \"مختصر الطحاوي\" ص ٢٠٨، \"أحكام القرآن\" للجصاص ١/ ٣٦٠.\n(٧) رواه عبد الرزاق في \"المصنف\" ٦/ ٤٥٤، وسعيد بن منصور ٢/ ٥١، والطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٤٢٨.\n(٨) رواه عبد الرزاق في \"المصنف\" ٦/ ٤٥٣، والطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٤٢٨.\n(٩) رواه عنه الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٤٢٨.\n(١٠) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ١٠٤٣.\n(١١) ينظر: \"الأم\" ٥/ ٢٨٧، و\"الرسالة\" ص ٥٧٦.","vol":"4","page":204},{"text":"الحاكم زوجها فإما أن يطلق، وإما أن يطأ، فإن أباهما جميعًا طلق الحاكم عليه، وله أن يراجعها.\nوهذا قول عُمَر (١)، وعثمان (٢)، وعلي (٣)، وأبي الدرداء (٤) وابن عُمر (٥) وعائشة (٦)، ومذهب مالك (٧).\nوأبي ثور (٨) (٩) وأبي عبيد (١٠) وأحمد (١١) وإسحاق (١٢) وعامة أهل الحديث.\n_________\n(١) رواه عنه الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٤٣٣.\n(٢) رواه البخاري (٥٢٩١) كتاب: الطلاق، باب: قول الله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ معلقا على قول عثمان، ورواه الشافعي في \"الأم\" ٥/ ٢٨٢ موصولا، والطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٤٣٣.\n(٣) رواه البخاري في الموضع السابق معلقا؛ ورواه موصولا: الشافعي في الأم ٥/ ٢٨٢، والطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٤٣٤.\n(٤) رواه البخاري في الموضع السابق معلقا، ورواه موصولا عبد الرزاق في \"المصنف\" ٦/ ٤٥٧، والطبري ٢/ ٤٣٤.\n(٥) رواه البخاري في الموضع السابق، والطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٤٣٤.\n(٦) رواه البخاري في الموضع السابق معلقا، ورواه موصولا الشافعي في الأم ٥/ ٢٨٢، والطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٣٤٣.\n(٧) ينظر \"الموطأ\" ٢/ ٥٥٦، \"والكافي\" لابن عبد البر ٢/ ٥٩٩.\n(٨) هو: إبراهيم بن خالد أبو ثور الكلبي البغدادي، الفقيه مفتي العراق، أحد الحفاظ المجتهدين، حجة رغم جرح أبي حاتم الخفيف بسبب أخذه بالرأي، توفي سنة ٢٤٠ هـ. ينظر \"الجرح والتعديل\" ٢/ ٣٧٢، \"تاريخ بغداد\" ٦/ ٦٥، و\"السير\" ١٢/ ٧٢.\n(٩) ينظر: \"اختلاف العلماء\" للمروزي ص ١٨٣، و\"الإشراف\" لابن المنذر ١/ ٢٢٨.\n(١٠) ينظر المرجعين السابقين.\n(١١) ينظر: مسائل الإمام أحمد برواية ابنه عبد الله ٣/ ١١١٩.\n(١٢) \"سنن الترمذي\" (١٢٠١) كتاب: الطلاق واللعان، باب: ما جاء في الايلاء، والإشراف ١/ ٢٢٨.","vol":"4","page":205},{"text":"وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ فَاءُوا﴾ أي: رجعوا، والفَيْءْ في اللغة: الرجوعُ. قال الفراء: يقال: فاء يفيء فيئًا (١) وفُيُوءًا (٢) (٣) وفَيْئةً، وهي المرَّة (٤) الواحدة (٥)، وإنما يصير راجعًا بالجماع، ويكفى من ذلك تغييب (٦) الحشفة في فرجها مرة واحدة (٧).\nوقال قوم: الفيء باللسان، وهو مذهب النخعي (٨)، وإن كان عاجزًا عن الجماع بمرض أو غيبة فاء بلسانه، وأشهد عليه.\nوقد ذكرنا أنه إذا فاء لزمته الكفّارة إلا عندَ الحسن وقتادة (٩)، لقوله: ﴿فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ والذين يوجبون الكفارة يقولون: هذا في إسقاط العقوبة لا في الكفارة (١٠).\n_________\n(١) في (ش): (فئيًا).\n(٢) في (ش): (فُؤَرًا).\n(٣) \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ١٤٥ بمعناه\n(٤) في (أ) و(م): (المرأة).\n(٥) ينظر في معنى الفيء: \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٧١١، \"المفردات\" ص ٣٩٠، وقال: الفيء والفيئة: الرجوع إلى حالة محمودة، \"اللسان\" ٦/ ٣٤٩٥، وذكر الأزهري: أن الفيء في القرآن على ثلاثة معان، مرجعها إلى أصل واحد هو الرجوع، ثم ذكر أولها وهي الفيء في هذه الآية، والثاني: قوله تعالى: ﴿يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ﴾ [النحل: ٤٨]، فالفيء الظل بعد العشي، والثالث: قوله: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ [الحشر: ٧]، فالفي: ما رد الله تعالى على أهل دينه من أموال من خالف أهل دينه بلا قتال.\n(٦) في (م): (تغيب).\n(٧) ينظر: \"الإشراف\" ١/ ٢٨٨، \"والأم\" ٥/ ٢٨٧، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٠٤٧.\n(٨) رواه عنه الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٤٢٣، وعبد الرزاق في \"المصنف\" ٦/ ٤٦٢.\n(٩) سبق تخريجه عنهما.\n(١٠) \"تفسيرالثعلبي\" ٢/ ١٠٤٧.","vol":"4","page":206},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-445>٢٢٧ </span>- قوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ﴾ الآية، العَزْم: عقد القلب على الشيء، عزم على الشيء يَعْزِم عَزْمًا وعُزْمًا وعَزِيمةً، ذكرها الفراء (١)، اعتزم اعتزامًا، وعزمت عليك لتفعلنّ، أي: أقسمت (٢) (٣).\nوالطلاقُ: مصدرُ طَلُقتِ المرأةُ تطلُق طَلاقًا (٤)، وقال الليث: طَلُقَتِ المرأة، بضم اللام، تَطْلُق طلاقًا، وقال ابن الأعرابي: طَلُقَتْ من الطلاق أجود، وطَلَقَتْ بفتح اللام جائز (٥) (٦).\nومعنى الطلاق: هو حل عقد النكاح بما يكون حلًّا في الشرع، وأصله من الانطلاق وهو الذهاب، والطَّلاق: انطلاق المرأة، والأولى (٧) أن يكون الطلاق هاهنا اسمًا من التطليق، كالسراح اسم من التسريح يوضع موضع المصدر، لأن المراد هاهنا التطليق (٨).\nوهذه الآية دليل على أنها لا (٩) تَطْلقُ بعد مضي الأربعة أشهر ما لم\n_________\n(١) لم أجده في مظانه من \"معاني القرآن\" له.\n(٢) ينظر في عزم: \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٤٢٥، \"المفردات\" ٣٣٧، \"عمدة الحفاظ\" ٣/ ٨٦، \"اللسان\" ٥/ ٢٩٣٢ - ٢٩٣٣.\n(٣) ينظر عزم \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٥٢، \"والمفرادت\" ٣٣٧، \"وعمدة الحفاظ\" ٣/ ٨٦ واللسان ١٢/ ٣٩٨ - ٤٠١.\n(٤) نقله عنه في \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٢٠٩ مادة \"طلق\".\n(٥) نقله عنه في \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٢٠٩، وتتمة كلامه: ومن الطلق طُلقت، وكلهم يقول: امرأة طالق بغير هاء.\n(٦) ينظر في طلق: \"تهذيب اللغة\" ٢٢٠٩ - ٢٢١٢، \"المفردات\" ص ٣٠٩، \"عمدة الحفاظ\" ٢/ ٤٧٦ - ٤٧٧، \"اللسان\" ٤/ ٢٦٩٢ - ٢٦٩٦.\n(٧) ساقطة من (ي).\n(٨) ينظر: \"البحر المحيط\" ٢/ ١٩٢.\n(٩) ساقطة من (ي).","vol":"4","page":207},{"text":"يطلقها زوجها أو السلطان؛ لأنه شرط فيه (١) العزم، ولأنّ (٢) السماع يقتضي مسموعًا، والقول هو الذي (٣) يُسمَعُ فالسماع راجع إلى الطلاق.\nفإن قيل: العزم عزم القلب لا لفظ اللسان، فإلى أي شيء يرجع السماع؟ قلنا: الرجل يعزم بقلبه ثم يطلق بلسانه، وقد ذكر الله العزم والمراد منه إنشاء اللفظ وهو قوله: ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٥]. وما نهى عن النية؛ لأن التعريض بالخطبة مباح في عدة الوفاة والتعريض بالخطبة يتضمن القصد بالقلب وزيادة، وإنما حرم إنشاء عقد النكاح قبل أن يبلغ الكتاب أجله (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-446>٢٢٨ </span>- قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ﴾ الآية. المطلقات: المُخَلَّيات من حبال الأزواج (٥) (٦)، أراد المطلقات المدخول بهن البالغات غير الحوامل؛ لأن في الآية بيان عدتهن.\nوذكرنا معنى التربص. ومعنى الآية: أنهن ينتظرن بِأَنفُسِهِنَّ (٧) انقضاء ثلاثة قروء أو مضي ثلاثة قروء (٨) ولا يتزوَّجن، لفظه خبر ومعناه الأمر، كقوله: ﴿يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، ومثله كثير (٩).\n_________\n(١) في (ي) (في).\n(٢) الواو: ساقطة من (ي).\n(٣) في (ي) (الذي هو).\n(٤) ينظر: \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٠٤٨، \"تفسير الرازي\" ٦/ ٨٩ - ٩٠.\n(٥) \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٠٥٠.\n(٦) ساقطة من (ي).\n(٧) ساقطة من (ي).\n(٨) زيادة من (ي).\n(٩) ينظر: \"الكشاف\" \"التبيان\" ص ١٣٦، \"البحر المحيط\" ١/ ١٨٥.","vol":"4","page":208},{"text":"قال الزجاج: هو كما تقول: حسبك درهم، لفظه خبر ومعناه: اكتف بدرهم.\nوقال غيره: معناه (١): يتربصن في حكم الله الذي أوجبه، فحذف للدلالة عليه (٢).\nوقيل: أراد: ليتربصن، فحذف اللام (٣).\nوالقُرُوْءُ: جمع قُرْءٍ (٤)، وجمعه القليل أَقرء، والكثير: أَقْراء وقروء (٥). وهذا الحرف من الأضداد يقال للحِيَض: قُرُوءٌ، وللأَطهارِ: قُروء، والعَربُ تقول: أَقْرَأتِ المرأةُ. في الأمرين جميعًا. وعلى هذا يونس (٦) وأبو عمرو بن العلاء (٧) (٨) وأبو عبيد أنها من الأضداد (٩) (١٠)، وهي في لغة\n_________\n(١) ساقطة من (ي).\n(٢) ينظر: \"البحر المحيط\" ٢/ ١٨٥.\n(٣) ينظر: \"التبيان\" ص ١٣٦، \"البحر المحيط\" ٢/ ١٨٥، واستبعد هذا القول جدا.\n(٤) في (ش) (قرؤ).\n(٥) ينظر: \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٠٥١، قال في \"اللسان\" ٦/ ٣٥٦٤ مادة \"قرأ\": والجمع أقراء، وقروء على فُعول، وأقرؤ، الأخيرة عن اللحياني في أدنى العدد، ولم يعرف سيبويه أقراءً ولا أقرؤًا، قال: استغنوا عنه بفعول.\n(٦) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٣٠٤.\n(٧) هو: زبان بن العلاء بن عمار التميمي البصري، أحد القراء السبعة المشهورين، كان إماما في التفسير والعربية، توفي سنة ١٥٤هـ. ينظر معرفة القراء الكبار ١/ ١٠٠، \"الأعلام\" ٣/ ٤١.\n(٨) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٣٠٤.\n(٩) من قوله: يقال للحيض .. ساقط من (ي).\n(١٠) ينظر: \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٩١٢ - ٢٩١٣ مادة: (قرأ).","vol":"4","page":209},{"text":"العرب مُستعملة في المعنيين (١) جميعًا (٢)، وكذلك في الشرع (٣).\nأما في استعمال العرب فقد أنشد الأئمة حجة للحيض قول الراجز:\nله قُرُوءٌ كَقُروء الحائضِ (٤).\nوأنشدوا حجةً للطُّهْر قول الأعشى:\nما ضَاعَ فيها من قُرُوءِ نِسَائِكَا (٥)\nوالذي ضاع الأطهار لا الحيض؛ لأنه خرج إلى الغزو فلم يغش نساءه.\nوأما في الشرع فقال (٦) النبي - ﷺ - في المستحاضة \"تنتظر (٧) أيام أقرائها\n_________\n(١) في (م) (الأمرين).\n(٢) قال الراغب ص ٣٩٩ - ٤٠٠: والقرء في الحقيقة اسم للدخول في الحيض عن طهر، ولما كان اسما جامعا للأمرين الطهر والحيض المتعقب له أطلق على كل واحد منهما؛ لأن كل اسم موضوع لمعنيين معا يطلق على كل واحد منهما إذا انفرد كالمائدة للخوان وللطعام، ثم قد يسمى كل واحد بانفراده به، وليس القرء اسما للطهر مجردا ولا للحيض مجردا بدلالة أن الطاهر التي لم تر أثر الدم لا يقال لها ذات قرء، وكذا الحائض التي استمِر بها الدم والنفساء لا يقال لها ذلك.\n(٣) ينظر في القرء: \"معاني القرآن\" للأخفش ١/ ١٧٤ - ١٧٥، \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٣٠٢ - ٣٠٤، \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٩١٢ - ٢٩١٤ مادة (قرأ)، \"المفردات\" ص ٣٩٩ - ٤٠٠، \"عمدة الحفاظ\" ٣/ ٣٣٨ - ٣٤٠، \"اللسان\" ٦/ ٣٥٦٤ - ٣٥٦٥ مادة (قرأ).\n(٤) ذكره الزجاج بقوله: وأنشدوا في القرء والحيض، ينظر \"معاني القرآن\" ١/ ٣٠٣.\n(٥) مطلع البيت: مورِّثةً مالا وفي الأصل رفعة\nالبيت في \"ديوان الأعشى\" ص ٦٧، \"مجاز القرآن\" ١/ ٧٤، ينظر \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٣٠٤.\n(٦) في (ي): (فقد قال).\n(٧) في (م): (ينتظر).","vol":"4","page":210},{"text":"وتغتسل فيما سوى ذلك\" (١) يعنى: أنها تجلس عن الصلاة أيام حيضها، فالخبر دليل على أن الأقراء قد يكون الحيض، وأما استعمال الشرع إياها في الأطهار، فقوله تعالى: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ أي: ثلاثة أطهار، يدل عليه قوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ أي: لوقت عدتهن وزمان عدتهن، وبين النبي - ﷺ -: أن وقت العدة: زمان الطهر في حديث ابن عُمر، وهو أنه طلق امرأته وهي حائض، فقال النبي - ﷺ - لعمر: \"مره فليراجعها فإذا طهرت فليطلق أو ليمسك\" (٢) فبين أن زمان الطلاق الطهر؛ لتكون المرأة مستقبلة العدة. ومن هذا الاختلاف في اللغة وقع الخلاف في الأقراء بين الصحابة وفقهاء الأمة.\nفعند علي (٣) وابن مسعود (٤) وأبي موسى الأشعري (٥) ومجاهد (٦) ومقاتل (٧) وفقهاء الكوفة (٨): أنها الحيض.\n_________\n(١) أخرجه الدارمي في الطهارة، باب: في غسل المستحاضة ١/ ٢٠٢، وأحمد في \"المسند\" ص ٣/ ٣٢٣.\n(٢) أخرجه البخاري رقم (٥٢٥٨) كتاب: الطلاق، باب: من طلق وهل يواجه الرجل امرأته بالطلاق، ومسلم (١٤٧١) كتاب: الطلاق، باب: تحريم طلاق الحائض بغير رضاها.\n(٣) رواه عبد الرزاق في \"المصنف\" ٦/ ٣١٥، وسعيد بن منصور في \"سننه\" ١/ ٣٣٢ [ط. حبيب الرحمن]، والطبري ٢/ ٤٤١، وعزاه في \"الدر\" ٦/ ٣٤٩ إلى الشافعي وعبد بن حميد.\n(٤) رواه عبد الرزاق في \"المصنف\" ٦/ ٣١٦، والطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٤٣٩.\n(٥) رواه عبد الرزاق في \"المصنف\" ٦/ ٣١٧، والطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٤٤٠.\n(٦) \"تفسير مجاهد\" ١/ ١٠٨، ورواه الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٤٣٩، \"ابن أبي حاتم\" في \"تفسيره\" ٢/ ٤١٥.\n(٧) هو ابن حيان. ينظر \"تفسير ابن أبي حاتم\" ٢/ ٤١٥، والحيري في \"الكفاية في التفسير\" ١/ ١٧٩.\n(٨) ينظر \"مختصر الطحاوي\" ص ٢١٧، و\"شرح معاني الآثار\" ٣/ ٦٤، \"أحكام القرآن\" للجصاص ١/ ٣٦٤.","vol":"4","page":211},{"text":"وعند زيد بن ثابت (١) وابن عمر (٢) وعائشة (٣) ومالك (٤) والشافعي (٥) وأهل المدينة (٦): أنها الأطهار. وهذا الخلاف فيما ذكر منها في العدة، فأما كونها حيضًا وطهرًا وأن (٧) اللفظ صالح لهما جميعًا، فمما لا يختلف فيه أحد (٨).\nوأصل هذا اللفظ واشتقاقه مختلف فيه أيضًا (٩)، قال أبو عبيد: أصله من دُنُو وِقت الشيء (١٠)، وروى الأزهري عن الشافعي: أن القرء اسم للوقت، فلما كان الحيض يجيء لوقتٍ والطهر يجيء لوقت (١١)، جاز أن يكون الأقراء حيضًا وأطهارًا (١٢). وذكر أبو عمرو بن العلاء أن القرء:\n_________\n(١) رواه مالك في \"الموطأ\" ٢/ ٥٧٧، والشافعي في الأم ٥/ ٢٢٤، والطبري ٢/ ٤٤٢.\n(٢) رواه مالك في \"الموطأ\" ٢/ ٥٧٧، والطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٤٤٣.\n(٣) رواه مالك في \"الموطأ\" ٢/ ٥٧٦، والشافعي في \"الأم\" ٥/ ٢٢٤، والطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٤٤٢.\n(٤) \"الموطأ\" ٢/ ٥٧٨، و\"التمهيد\" ١٥/ ٨٥.\n(٥) \"الرسالة\" ص ٥٦٩، و\"الأم\" ٥/ ٢٢٤.\n(٦) \"تفسيرالثعلبي\" ٢/ ١٠٥٦.\n(٧) في (ي) (فإن).\n(٨) ينظر: \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٠٦١.\n(٩) ينظر في القرء: \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ١/ ٧٤، \"معاني القرآن\" للأخفش ١/ ١٧٤ - ١٧٥، \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٣٠٢ - ٣٠٤، \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٩١٢، \"المفردات\" ص ٣٩٩ - ٤٠٠، \"عمدة الحفاظ\" ٣/ ٣٣٨ - ٣٤٠، \"اللسان\" ٣/ ٢٩١٢ - ٢٩١٣.\n(١٠) في \"تفسير الثعلبي\" ذكر أبا عبيدة وهو عنده في \"مجاز القرآن\" ١/ ٧٤.\n(١١) قوله: والطهر يجيء الوقت. ساقط من (ش).\n(١٢) \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٩١٢.","vol":"4","page":212},{"text":"الوقت، وهو يصلح للحيض ويصلح للطهر، ويقال: هذا قارئ الرياح، لوقت هبوبها (١) وأنشد أهل اللغة للهذلي:\nإذا هَبَّتْ لِقَارِئِها الرِّيَاحُ (٢)\nأي: لوقت هبوبها، (٣) (٤) ومن هذا يقال: أَقْرَأَتِ النُّجُوم، إذا طَلَعَتْ، وأَقْرَأَتْ، إذا أَفَلَتْ (٥)، قال كُثَيِّر:\nإذا ما الثُّرَيّا وقد أقْرَأَتْ ... أحسَّ السَّمَاكَانِ منها أُفُولاَ (٦)\nأي: غابت، وأنشد ابن الأعرابي عن أحمد بن يحيى:\nمواعيد لا يأتي لقَرْءٍ حويرها (٧) ... تكون هبا يوم نكباء صرصرا (٨)\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٣٠٤، \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٩١٣، ورواه الطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" ٣/ ٦٠ عن أبي عمرو.\n(٢) مطلع البيت: شَنِئْتُ العَقْر عَقْر بني شَلَيْلٍ\nوالبيت لمالك بن الحارث الهذلي، ينظر \"ديوان الهذليين\" ٣/ ٨٣، والطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٤٤٤، \"لسان العرب\" مادة: قرأ ٦/ ٣٥٦٥ ينظر \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٣٠٤، ورواية الثعلبي ٢/ ١٠٦٢: كرهت، ورواية \"اللسان\": لقارئها. وقوله: شنئت: أي: (كرهت)، والعقر: مكان، وهبت لقاريها: لوقت هبوبها. وشليل: جد جرير بن عبد الله البجلي ينظر \"شرح أشعار الهذليين\" للسكري ١/ ٢٣٩.\n(٣) من قوله: (وأنشد) .. زيادة من (ي) و(ش). وهنا ينتهي كلام أبي عمرو كما في \"تهذيب اللغة\".\n(٤) من \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٣٠٤ - ٣٠٥.\n(٥) \"تفسيرالثعلبي\" ٢/ ١٠٦٢.\n(٦) البيت ليس في \"ديوانه\" الذي بتحقيق إحسان عباس، وهو في \"تفسير الطبري\" ٢/ ٤٤٤، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٠٦٢، \"النكت والعيون\" ١/ ٢٩١ بلا نسبة، والسماكان: نجمان نيران. ينظر \"لسان العرب\" ٤/ ٢٠٩٩ مادة \"سمك\".\n(٧) في (ش): (حويزها).\n(٨) البيت لم أهتد لقائله ولا من ذكره.","vol":"4","page":213},{"text":"أي: لا تأتي (١) لوقت رجوعها (٢)، قال: والقُرُءُ: الأوقات، واحدها قَرْؤٌ، فعلى هذا الأصل القَرْؤ يجوز أن يكون الحيض، لأنه وقت سيلان الدم، ويكون الطُّهْر لأنه وقت إمسَاكِهِ، على عادة جارية فيه (٣).\nوقال قوم: أصل القرء: الجمع، يقال: ما قَرَأَتِ الناقةُ سَلًا قَطّ، أي: ما جَمَعَتْ في رحمها ولدًا قَطُّ، ومنه قولُ عمرو بن كلثوم:\nهِجَانِ اللونِ لم تَقْرأْ جَنِيْنَا (٤)\nوقال الأخفش: يقال: ما قَرَأَتْ حَيْضَةً، أي: ما ضمت (٥) رحمها على حيضة (٦)، والقرآن من القرء الذي هو الجمع، وقرأ القارئ: أي جمع الحروف بعضها إلى بعض في لفظِهِ. وهذا الأصل يقوي أن الأقراء هي الأطهار (٧).\nقال أبو إسحاق: والذي عندي في حقيقة هذا أن القرء الجمع (٨) في اللغة، وأن قولهم: قريت الماء في الحوض وإن كان قد لزم (٩) الياء فهو\n_________\n(١) في (ش): (لا يأتي).\n(٢) ساقطة من (ش).\n(٣) ينظر: \"تفسير غريب القرآن\" لابن قتيبة ٧٧ - ٧٨، \"تفسير الطبري\" ٢/ ٤٤٤، \"والأضداد\" لابن الأنباري ٢٦، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٠٦٢.\n(٤) سبق تخريجه.\n(٥) في (ش): (صمت).\n(٦) \"معاني القرآن\" للأخفش ١/ ١٧٤، ولفظه: ما قرأت حيضة قط.\n(٧) ينظر: \"الأضداد\" لقطرب ص ١٠٨، و\"الأضداد\" لابن الأنباري ص ٢٩، \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٣٠٥، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٠٦٣.\n(٨) في (ش): (تجمع).\n(٩) في (ش): (ألزم).","vol":"4","page":214},{"text":"جمعت، وقرأت القرآن لفظت به مجموعًا، والقرد يقرى، أي: يجمع ما يأكل في فيه (١)، فإنما القُرء اجتماع الدم في الرحم، وذلك إنما يكون (٢) في الطهر. هذا كلامه (٣).\nوذكر أبو حاتم عن الأصمعي أنه قال في قوله: ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾: جاء هذا على غير قياس، والقياس: ثلاثة أَقْرؤ؛ لأن القروء للجمع الكثير (٤)، ولا يجوز أن تقول: ثلاثة فلوس، إنما يقال: ثلاثة أفلس (٥)، فإذا كثرت فهي الفلوس (٦).\nقال أبو حاتم: وقال النحويون في هذا: أراد ثلاثة من القروء (٧).\nوقال أهل المعاني: لما كانت كلُّ مطلقة يلزمها (٨) هذا، دخله معنى الكثرة، فأتي بناء الكثير (٩) للإشعار بذلك، فالقروء (١٠) كثيرة إلا أنها في القسمة ثلاثة ثلاثة.\nفمن قال: القرء: الحيض، قال: لا تخرج المرأة من عدتها ما لم\n_________\n(١) في (ي): (وقته)\n(٢) ساقطة من (ي).\n(٣) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٣٠٥، وينظر في بسط أدلة القولين والترجيح بينهما: \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٠٥١ - ١٠٦٤، \" التفسير الكبير\" ٦/ ٩٤ - ٩٨، \"زاد المعاد\" ٥/ ٦٢٩.\n(٤) في (ي): (الكبير).\n(٥) ساقطة من (ي).\n(٦) \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٩١٢.\n(٧) انظر المصدر السابق مادة \"قرأ\".\n(٨) في (ش) و(ي): (يلزمه).\n(٩) في (ي): (الكثيرة).\n(١٠) في (أ) و(م): (قال: فالقروء).","vol":"4","page":215},{"text":"تنقض الحيضة الثالثة، ومن قال: إنها الأطهار، قال: إن طلقها في خلال الحيض لم يحتسب (١) كسر زمان الحيض من العدة، وعدتها ثلاثة أطهار كوامل، وإن طلقها وهي طاهر كانت بقية الطهر محسوبةً طهرًا ثم عليها طهران آخران (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ الرحم: منبت الولد ووعاؤه في البطن، قال عكرمة (٣) وإبراهيم (٤): يعنى: الحيض، وهو أن تكون المرأة في العدة، فأراد الرجل أن يراجعها فقالت: إني قد حضت الثالثة.\nوقال ابن عباس (٥) وقتادة (٦) ومقاتل (٧): يعنى: الحبل والولد. وهذا القول أولى؛ لأن قوله: ﴿مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ أدل على الولد منه على الحيض، كقوله ﷿: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ﴾ [آل عمران: ٦]، ومعنى الآية: لا يحل لهن أن يكتمن الحمل ليبطلن حق الزّوج من الرجعة والولد (٨).\n_________\n(١) في (م) (يحتسبه).\n(٢) ينظر في الأحكام: \"المحرر الوجيز\" ٢/ ٢٧٢، \"التفسير الكبير\" ٦/ ٩٤ - ٩٥.\n(٣) رواه عنه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" ٥/ ٢٣٣، والطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٤٤٧، \"ابن أبي حاتم\" في \"تفسيره\" ٢/ ٤١٦.\n(٤) رواه عنه ابن أبي شيبة ٥/ ٢٣٤، والطبري ٢/ ٤٤٦، والبيهقي ٧/ ٤٢٠.\n(٥) رواه عنه الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٤٤٩، وذكره النحاس في \"الناسخ والمنسوخ\" ٢/ ٤٤، وروى ابن أبي شيبة عنه في \"المصنف\" ٥/ ٢٣٤ الجمع بين القولين.\n(٦) رواه عبد الرزاق في \"المصنف\" ٦/ ٣٣٠، والطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٤٤٩، وذكره ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٢/ ٤١٥.\n(٧) \"تفسير مقاتل\" ١/ ١٩٤.\n(٨) ينظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٣٠٥ - ٣٠٦.","vol":"4","page":216},{"text":"وقال عطاء عن ابن عباس في قوله: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ﴾ الآية، وذلك أن المرأة السوء تكتم الحبل شوقًا منها إلى الزوج، وتستبطئ (١) العدة؛ لأن عدة ذات الحمل أن تضع حملها (٢)، ذكر هذا في سورة الحج في قوله: ﴿وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ﴾ [الحج: ٥].\nوقوله تعالى: ﴿إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ معناه: من كان مؤمنًا (٣) بالله واليوم الآخر (٤) فهذه صفته فيما يلزمه، لا أنه على المؤمن دون غيره.\nقال (٥) أبو إسحاق: وهذا كما تقول للرجل يظلم (٦): إن كنت مؤمنًا فلا تظلم، لا تقول له هذا مُطْلِقًا الظلمَ لغيرِ المؤمن، ولكن المعنى: إن كنت مؤمنًا فينبغي أن يحجزك إيمانك عن ظلمي (٧).\nوفي هذه الآية أمر متوجه على النساء في إظهار ما يخلق (٨) الله في أرحامهن من الحيض والولد، وهن مُؤَمناتٌ على ذلك، إذ لا مرجع إلى غيرهن فيه، فإن كتمن أثمن وفسقن بالخيانة في الأمانة، وإذا أخبرن واحتمل ما قلن وجب الرجوع إلى قولهن، وإن كن متهمات فعليهن اليمين، وقد أغلظ الله القول عليهن حيث قال: ﴿إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾.\n_________\n(١) في (م): (تستنظر).\n(٢) تقدم الحديث عن هذه الرواية في القسم الدراسي ص ٩٢.\n(٣) في (م): (يؤمن).\n(٤) من قوله: (معناه). ساقط من (ي).\n(٥) في (ي) و(ش): (وقال).\n(٦) في (ش): (تظلم).\n(٧) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٣٠٦.\n(٨) في (ي): (خلق).","vol":"4","page":217},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ البُعُولَة: جمع بَعْل، كالفُحُولة والذُّكُورة والخُؤُولَة والعُمُومة، وهذه الهاء زيادة (١) مؤكدة تأنيث الجماعة، ولا يجوز إدخالها في كل جمع إلا فيما رواه أهل اللغة عن العرب، لا تقول في كعب: كُعُوبة، ولا في كلب: كلابة (٢).\nوالبعولة أيضًا: مصدر البَعْل، يقال: بَعَل الرجل يَبْعَلُ بُعُولةً، إذا صار بَعْلًا، أنشد يعقوب (٣):\nيارُبَّ بَعْلٍ سَاء ما كان بَعَلْ (٤)\nومن هذا يقال (٥) للجماع ومُلاعَبَةِ الرَّجُلِ أهلَه: بِعَال، يقال للمرأة: هي تُباعِل زوجَها بِعالًا، إذا فَعَلتْ ذلك معه.\nومنه قول الحُطَيْئَة:\nوكَمْ من حَصَانٍ ذاتِ بعْلٍ تَرَكْتها ... إذا الليلُ أَدْجَى لم تَجِدْ مَنْ تباعِلُه (٦)\nوامرأةٌ حَسَنَةُ التَّبَعُّل: إذا كانت تحْسِنُ عِشْرَة زَوْجها.\n_________\n(١) في (ي) (زائدة).\n(٢) من كلام الزجاج في \"معاني القرآن\" ١/ ٣٠٦ بتصرف، وفيه زيادة: لأن القياس في هذه الأشياء معلوم.\n(٣) هو: أبو يوسف يعقوب بن أسحاق السكيت النحوي اللغوي، تقدمت ترجمته ٢/ ٥١، [البقرة: ٢].\n(٤) البيت ورد بغير نسبة في \"تهذيب اللغة\" ١/ ٣٦٣ (بعل).\n(٥) ساقطة من (م).\n(٦) البيت من الطويل، وهو للحطيئة في \"ديوانه\" ص٨٠، \"تهذيب اللغة\" ١/ ٣٦٣ \"لسان العرب\" ١/ ٣١٦ مادة: بعل. وأراد: أنك قتلت زوجها أو أسرته.","vol":"4","page":218},{"text":"ومنه الحديث \"إذا أَحْسَنْتُنّ تَبَعُّلَ أَزْوَاجِكُن (١) (٢) \".\nومعنى ﴿أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾، أي: إلى النكاح والزوجية، يعنى: أحق بمراجعتهن (٣) ﴿فِي ذَلِكَ﴾ أي: في الأجل الذي (٤) أمرن أن يتربصن فيه.\n﴿إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾ لا إضرارًا، وذلك أن الرجل في الجاهلية إذا أراد الإضرار بامرأته، طلقها واحدةً وتركها حتى (٥) إذا قرب انقضاء عدتها راجعها، ثم طلقها، ثم راجعها، يضارها بذلك، فالله تعالى جعل الزوج أحق بالرجعة على وجه الإصلاح، لا على الإضرار (٦).\nويستغني الزوج في المراجعة عن الولي وعن رضاها وعن تسمية مهر، وإذا راجعها سقطت بقية العدة وحل جماعها في الحال. والاحتياط الإشهاد على الرجعة. ولفظ الرجعة أن تقول: راجعتك أو رددتك إلى النكاح.\n_________\n(١) الحديث أخرجه البيهقي في \"شعب الإيمان\" ٦/ ٤٢٠ - ٤٢١، برقم (٨٧٤٣)، وابن عبد البر في \"الاستيعاب\" ٤/ ١٧٨٨ في ترجمة أسماء بنت زيد الأشهلية، و\"تاريخ واسط\" ص ٧٥.\n(٢) ينظر في مادة: بعل \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٣٠٦، \"تهذيب اللغة\" ١/ ٣١٦، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٠٦٦، \"المفردات\" ٦٤ - ٦٥، \"اللسان\" ١/ ٣٦٢ - ٣٦٣. قال الراغب: ولما تُصور من الرجل الاستعلاء على المرأة فجعل سائسها والقائم عليها كما قال تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾، سمي باسمه كلُّ مستعل على غيره، فسمى العرب معبودهم الذي يتقربون به إلى الله بعلا؛ لاعتقادهم ذلك فيه، نحو قوله تعالى: ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ﴾، ويقال: أتانا بعل هذه الدابة، أي المستعلي عليها، وقيل للأرض المستعلية على غيرها بعل.\n(٣) في (ي) زيادة أي في ذلك أي.\n(٤) ساقط من (ي).\n(٥) ساقط من (أ) و(م).\n(٦) ينظر: \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٠٦٧.","vol":"4","page":219},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي: للنساء على الرجال مثل الذي للرجال عليهن من الحق ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي: بما أمر الله به من حق الرجل على المرأة (١). روي عن ابن عباس أنه قال: إني لأتزين لامرأتي كما تتزين لي لقوله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ مثل الذي عليهن بالمعروف (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ يقال: رَجَلٌ بَين الرُّجْلَة (٣)، أي: القُوة، وهو أَرْجَلُ الرَّجُلَين، أي: أقواهما، وفَرَسٌ رَجِيلٌ، قويٌّ على المشي، والرِّجْل: معروفة لقوتها على المشي، وارتَجَل الكَلامَ، أي: قَوِيَ (٤) عليه من ركوبِ فِكرةٍ ورويّة، وتَرَجَّلَ النهار: قويَ ضياؤه (٥).\nوالدَّرَجَة: المنزلة، وأصلها من دَرَجْتُ الشيء أَدْرُجُه دَرْجًا، وأَدْرَجْتُه إدراجًا: إذا طويتُه. ودَرَجَ القومُ قرنًا بعد قرن، أي: فَنُوا. وأدرجهم الله إدراجًا؛ لأنه (٦) كطي الشيء منزلة بعد منزلة. ومعنى دَرَج القوم: طووا عمْرَهم شيئًا فشيئا، وأدرجهم الله: طواهم الله، ومَدْرَجَةُ الطريق: قَارِعَتُهُ؛ لأنه يُطْوى منزلةً بعدَ مَنْزِلَة، والدَّرَجَةُ: المنزلة من منازل الطَّيّ، ومنه:\n_________\n(١) \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٠٦٧.\n(٢) رواه الطبري عنه ٢/ ٤٥٣، ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٢/ ٤١٧، وعزاه في \"الدر\" ١/ ٤٩٣ - ٤٩٤ إلى وكيع وسفيان بن عيينة وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(٣) يقال: رجل جيد الرُّجلة، ورجل بين الرجولة والرُّجلة والرُّجْلِيَّة والرجولية، وهي من المصادر التي لا أفعال لها. ينظر \"اللسان\" ٣/ ١٥٩٧ مادة \"رجل\".\n(٤) في (ي) (أقوى).\n(٥) ينظر في رجل: \"تهذيب اللغة\" ٣/ ١٥٩٦ - ١٦٠١، \"المفردات\" ١٩٦، \"عمدة الحفاظ\" ٢/ ٨١ - ٨٣، \"اللسان\" ٣/ ١٥٩٦ - ١٦٠١.\n(٦) ساقطة من (ي).","vol":"4","page":220},{"text":"الدَّرَجَة التي يُرْتقى (١) فيها (٢).\nوأما المعنى (٣) فقال ابن عباس: بما ساق إليها من المهر، وأنفق عليها من المال (٤). وقيل: بالعقل. وقيل: بالدية. وقيل: بالميراث (٥). وقال قتادة: بالجهاد (٦).\nقال أبو إسحاق: المعنى: أن المرأة تنال من اللذة من الرجل، كما ينال الرجل، وله الفضل بنفقته وقيامه عليها (٧).\n﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ أي: مالك يأمر كما أراد، ويمتحن كما أحب، ولا يكون ذلك إلا عن حكمة بالغة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-447>٢٢٩ </span>- قوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ قال أهل التفسير: أتت امرأةٌ عائشة، فشكت أن زوجها يطلقها ويسترجعها، يضارُّها بذلك، وكان الرجل في الجاهلية إذا طلق امرأته ثم راجعها قبل أن تنقضي عدتها كان له ذلك،\n_________\n(١) في (ش) (يرتقي).\n(٢) ينظر في درج: \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١١٦٧، \"المفردات\" ص ١٧٤، \"اللسان\" ٣/ ١٣٥١. قال الراغب: الدَّرَجة نحو المنزلة، لكن يقال للمنزلة: درجة، إذا اعتبرت بالصعود دون الامتداد على البسيط كدرجة السطح والسلم، ويعبر بها عن المنزلة الرفيعة، قال تعالى: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾.\n(٣) في (ي) (فقد قال).\n(٤) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ١٠٧٤، والماوردي في \"النكت والعيون\" ١/ ٢٩٣، والبغوي في \"تفسيره\" ١/ ٢٦٩، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ١/ ٢٦١.\n(٥) ينظر في هذه الأقوال: \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٠٧٤ - ١٠٧٥، و\"تفسير البغوي\" ١/ ٢٦٩، \"زاد المسير\" ١/ ٢٦١.\n(٦) رواه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ١/ ٩٣، والطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٤٥٤، ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٢/ ٤١٨.\n(٧) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٣٠٧.","vol":"4","page":221},{"text":"وإن طلقها ألف مرة، فذكرت ذلك عائشة (١) لرسول الله - ﷺ -، فنزلت: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ (٢).\nفحُصِرَ الطلاق، وجعل حدّه ثلاثة، فذكر في هذه الآية طلقتين، وذكر الثالثة في الآية الأخرى، وهو قوله: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ﴾ الآية (٣).\nوالمرة من المرور والمرِّ أيضًا، يقال: المَرّةُ الأُولى، والمَرُّ (٤) الأوَّلُ. وقال أهل المعاني: الآية مختصرة معناها: الطلاق الذي يملك فيه الرجعة مرتان (٥).\nوقوله تعالى: ﴿فَإِمْسَاكُ﴾ الإِمْسَاكُ: خلاف الطلاق، والَمِسَاك والمَسَكَة اسمان منه، يقال: أنه لذو مَسَكَةٍ ومَسَاكَةٍ إذا كان بخيلا.\nقال الفراء: يقال: إنه ليسيء (٦) مَسَاكَ غلمانِه، وفيه مُسْكَةُ من خيرٍ، أي: قوة وتَمَاسُك، ومَسَكٌ من قوة ومَسَاكَة، وإنه لَمسِيْكٌ (٧) بين\n_________\n(١) في (ش): (عائشة ذلك).\n(٢) رواه الترمذي (١١٩٢) كتاب: الطلاق، باب: ١٦، والحاكم ٢/ ٣٠٧، وصححه البيهقي ٧/ ٣٣٣، والواحدي في \"أسباب النزول\" ٨١ عن عائشة بنحوه، ورواه مالك في \"الموطأ\" في الطلاق، باب جامع الطلاق ٢/ ٥٨٨، وعنه الشافعي في \"الأم\" ٥/ ٢٥٨، والطبري ٢/ ٤٥٦، ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٢/ ٤١٨ عن هشام بن عروة عن أبيه مرسلًا، والمرسل أصح كما قال الترمذي ٣/ ٤٩٧، والبيهقي ٧/ ٣٣٣، وله شاهد من حديث ابن عباس عند أبي داود برقم ٢١٩٥، والنسائي ٦/ ٢١٢.\n(٣) \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٠٨٣.\n(٤) في (م) و(ش): (المرة).\n(٥) \"تفسيرالثعلبي\" ٢/ ١٠٨٤.\n(٦) في (ش): (لشيء).\n(٧) في (ي) و(ش): (لمسك).","vol":"4","page":222},{"text":"المَسَاكَة (١) (٢).\nوهو مرتفع بمحذوف يتقدمه، أي: فالواجب إذا راجعها بعد الطلقتين إمساك بمعروف، أو فعليه إمساك بمعروف (٣).\nومعنى (بمعروف) أي: ما يعرف من إقامة الحق (٤) في إمساك المرأة (٥).\nوقوله تعالى: ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ معنى التسريح في اللغة: الإِرسَال، وتَسْريحُ الشَّعْر، تخليصُك بعضَه من بعض، وسَرَحَ الماشيةَ سَرْحًا: إذا أرسلها ترعى، وناقة سُرُحٌ: سهلة السير لانطلاقها فيه (٦). واختلفوا في معنى قوله: ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ فقال عطاء والسُدّي (٧) والضحاك (٨): هو ترك المعتدة حتى تبين بانقضاء العدة، يريد: إن كان من شأنه (٩) رجعتها وإمساكها، وإلّا فلا يرتجعها ويسرحها بإحسان كي يسلم من الإثم.\n_________\n(١) في (ي) (الماسكة).\n(٢) ينظر في مسك: \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٣٩٧، \"المفردات\" ص ٤٧١، \"اللسان\" ٤٢٠٢ - ٤٢٠٥.\n(٣) ينظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٣٠٧، و\"المحرر الوجيز\" ٢/ ٢٧٧.\n(٤) في (ي) (الحد).\n(٥) ينظر: \"المحرر الوجيز\" ٢/ ٢٧٧.\n(٦) ينظر في سرح: \"تهذيب اللغة\" ١٦٦٥ - ١٦٦٨. وذكر الراغب أن التسريح في الطلاق مستعار من تسريح الإبل، كالطلاق في كونه مستعارًا من إطلاق الإبل.\n(٧) رواه عنه الطبري ٢/ ٤٦٠ بمعناه، وذكره في \"الدر المنثور\" ١/ ٤٩٥ - ٤٩٦.\n(٨) رواه عنه الطبري ٢/ ٤٦٠.\n(٩) في (ي) و(ش) (شأنها).","vol":"4","page":223},{"text":"وقيل: قوله: ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ أراد به: الطلقة الثالثة، روي ذلك عن النبي - ﷺ -، أن رجلًا قال له: أسمعُ الله يقول: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ فأين الثالثة؟ قال: قوله: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ﴾ هو الثالثة (١).\nوقال صاحب النظم: قوله: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ إلى قوله: ﴿بِإِحْسَانٍ﴾ ظاهره يقتضي أنه خبر، وتأويله في الباطن شرط وجزاء، على نظم: من طلق امرأته مرتين فليمسك بعدهما بمعروف، أو ليسرحها بإحسان، ومثله مما جاء على لفظ الخبر ومعناه الشرط: قوله: ﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ (١٢)﴾ [الدخان: ١٢] معناه: إن كشفت آمنَّا، وقال في الجواب: ﴿إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ﴾ [الدخان: ١٥] ظاهره خبر وتأويله: إن كشفنا تعودوا (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا﴾ لا يجوز للزوج أن يأخذ من امرأته شيئًا مما أعطاها من المهر وما نحلها وتفضل عليها ليطلقها؛ لأنه ملك بضعها واستمتع بها في مقابلة ما أعطاها، فلا\n_________\n(١) رواه عبد الرزاق في \"المصنف\" ٦/ ٣٣٧، وأبو داود في \"المراسيل\" ص ١٨٩، وسعيد بن منصور ١/ ٣٨٤، وابن أبي شيبة في \"المصنف\" ٥/ ٢٥٩، والطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٤٥٨، ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٢/ ٤١٩، والبيهقي ٧/ ٣٤٠ عن أبي رزين، وهذا مرسل؛ لأن أبا رزين تابعي، ورواه الدارقطني في \"السنن\" ٤/ ٤، والبيهقي ٧/ ٣٤٠ عن أنس، قال البيهقي: وروي عن قتادة عن أنس وليس بشيء؛ وقال عبد الحق الإشبيلي في الأحكام الوسطى ٣/ ١٩٥: قد أسند هذا عن إسماعيل بن سميع عن أنس، وعن قتادة عن أنس، والمرسل أصح. وقال ابن القطان كما في بيان الوهم والإيهام ٢/ ٣١٦: وعندي أن هذين الحديثين صحيحان.\n(٢) ينظر: \"البحر المحيط\" ٢/ ١٩٥.","vol":"4","page":224},{"text":"بجوز أن يأخذ منها شيئًا إلا في الخلع (١).\nوهو قوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ نزلت في جميلة بنت عبد الله بن أبيّ (٢)، وفي زوجها ثابت بن قيس بن شماس (٣) (٤)، كانت تبغضه أشد البغض كان يحبها أشد حُبٍّ، فأتت رسول الله - ﷺ - وقالت: فرق بيني وبينه، فإني أبغضه، فقال ثابت: يا رسول الله مرها فلترد عليَّ الحديقة التي أعطيتها، فقال لها: \"ما تقولين\"؟ قالت: نعم وأزيده، قال: \"لا، حديقته فقط\". وقال لثابت: \"خذ منها ما أعطَيتَها، وخَلِّ سَبِيلَها\"، ففعل، فكان أول خلع في الإسلام (٥).\n_________\n(١) ينظر: \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٠٨٥ - ١٠٨٦.\n(٢) جميلة بنت عبد الله بن أبي ابن سلول الخزرجية، وقد وقع الخلاف هل المختلعة بنت عبد الله المنافق أو أخته؟ واسمها جميلة أيضا، فذهب ابن سعد وابن منده إلى أن المختلعة هي جميلة بنت عبد الله، وذهب أبو نعيم وابن عبد البر إلى أنهما واحدة، وأن المختلعة هي جميلة بنت أبي، وصوب الحافظ ابن حجر أنهما اثنتان، وأن ثابتا تزوج أخت عبد الله فاختلعت منه، ثم تزوج الثانية ففارقها. ينظر \"الطبقات الكبرى\" ٨/ ٣٨٢، \"فتح الباري\" ٦/ ٣٩٨.\n(٣) في (ش) (سماس).\n(٤) ثابت بن قيس بن شماس بن زهير الخزرجي الأنصاري، خطيب الأنصار، شهد أحدا وما بعدها، وبشره النبي - ﷺ - بالجنة في قصة معروفة، رواها البخاري (٣٦١٣) كتاب: المناقب، باب: علامات النبوة، قتل يوم اليمامة شهيدا بعد أن أبلى بلاء حسنا. ينظر \"سنن الترمذي\" ٥/ ٦٦٧، و\"الاستيعاب\" ١/ ٢٧٦.\n(٥) القصة رواها البخاري (٥٢٧٣) كتاب: الطلاق، باب: الخلع وكيف الطلاق فيه، والنسائي ٦/ ١٦٩ كتاب: الطلاق، باب: ما جاء في الخلع، وأبو داود (٢٢٢٩) كتاب: الطلاق، باب: في الخلع، والترمذي (١١٨٥) كتاب: الطلاق، باب: ما جاء في الخلع، والطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٤٦١، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٠٨٦، ولفظ الواحدي مختصر منه، وقد روى أبو داود والنسائي في الموضعين السابقين =","vol":"4","page":225},{"text":"ومعنى قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَخَافَا﴾ أي: يَعْلَما، وإنما كان الخوف بمعنى العِلْم؛ لأن الخَوفَ مُضَارعٌ للظَّنِّ، وحكى الفراء: أن (١) العرب تقول للرجل: قد خرجَ غُلامُك بغير إِذْنك، فيقول له: قد خِفْتُ ذاك، يريد (٢): قد ظَنَنْتُه وتَوَهّمْتُه، وأنشد:\nأتاني (٣) كلامٌ عن نُصَيبٍ يقولُه ... وما خِفْتُ يا سَلّام أنكَ عَائِبي (٤) (٥)\nأراد: وما ظَنَنْتُ، والظَّنُّ بمعنى العِلْم صحيح، كذلك الخوف.\nوحكى الزجاج عن أبي عبيدة، قال: ﴿إِلَّا أَنْ يَخَافَا﴾ إلا أن يوقنا (٦)، وذلك أن في الخوف طرفًا من العلم، لأنك تخاف ما تعلم، وما لا تعلم لا تخافه، فجاز أن يكون بمعنى العلم، كما أن الظن لما كان فيه طرفٌ من العِلْم جاز أن يكون علمًا (٧).\n_________\n= وغيرهما: أن المختلعة هي حبيبة بنت سهل، قال الحافظ في \"الفتح\" ٦/ ٣٩٩: والذي يظهر أنهما قضيتان وقعتا لامرأتين؛ لشهرة الخبرين وصحة الطريقين واختلاف السياقين.\n(١) في (م) (ساقطة).\n(٢) ساقطة من (ي).\n(٣) في (ي) (وأتاني).\n(٤) البيت لأبي الغول علياء بن جوشن من بني قطن، ينظر \"الشعر والشعراء\" ص ٢٧٨،\n\"والنوادر في اللغة\" لأبي زيد ص ٤٦، وذكره الفراء والطبري دون نسبة ٥/ ٦١.\n(٥) \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ١٤٦.\n(٦) \"مجاز القرآن\" ١/ ٧٤، \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٣٠٧ - ٣٠٨، وقال النحاس ١/ ٣١٥: وقول من قال: يخافا، بمعنى يوقنا، لا يعرف. ولكن يقع النشوز فيقع الخوف من الزيادة.\n(٧) ينظر في بيان أن الخوف يكون بمعنى الظن والعلم: \"مشكل القرآن\" لابن قتببة ص١٩١، \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٣٠٨، \"الحجة\" ٢/ ٣٢٨، \"تفسير الثعلبي\" =","vol":"4","page":226},{"text":"ومعنى الآية: أن المرأة إذا خافت أن تعصي الله في أمر زوجها بغضًا له، وخاف الزوج إذا لم تطعه امرأته أن يعتدي (١) عليها، حل له أن يأخذ الفدية منها (٢) إذا دعت إلى ذلك (٣).\nويكره أن يأخذ منها أكثر مما أعطاها، فإن أخذ أكثر من ذلك صح الخلع ولم ينقض (٤) (٥)، وهو مذهب ابن عباس (٦) وابن عُمر (٧) ورجاء بن حيوة (٨) (٩): أنه يجوز أن يأخذ زيادة من المهر.\n_________\n= ٢/ ١٠٩٠، \"البحر المحيط\" ١/ ١٩٧، وقال: والأولى بقاء الخوف على بابه، وهو أن يراد به الحذر من الشيء فيكون المعنى: إلا أن يعلم أو يظن أو يوقن أو يحذر كل واحد منهما بنفسه أن لا يقيم حقوق الزوجية لصاحبه حسبما يجب فيجوز الأخذ.\n(١) في (ش): (يتعدى).\n(٢) ساقطة من (أ) و(م).\n(٣) ينظر: \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٠٩٢.\n(٤) في (ي): (ينقص).\n(٥) ينظر: \"الموطأ\" ٢/ ٥٦٥، و\"الأم\" ٥/ ٢١١، و\"الإشراف\" ٣/ ٢١٣، و\"الكافي\" لابن عبد البر ٢/ ٥٩٣، \"فتح الباري\" ٩/ ٣٩٧.\n(٦) رواه عنه الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٤٧١.\n(٧) رواه عنه الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٤٧١، وعزاه في \"الدر\" ١/ ٦٧٤ إلى مالك والشافعي وعبد بن حميد والبيهقي عن نافع.\n(٨) هو: رجاء بن حيوة الكندي، أبو المقدام، ويقال: أبو نصر الفلسطيني، ثقة فقيه، شيخ أهل الشام في عصره، من الوعاظ الفصحاء العلماء، لازم عمر بن عبد العزيز، توفي سنة ١١٢هـ. ينظر: \"تقريب التهذيب\" ص٢٠٨ (١٩٢٠)، \"الأعلام\" ٣/ ١٧.\n(٩) رواه عنه الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٤٧١، وعزاه في \"الدر\" بمعناه ١/ ٦٧٤ إلى عبد ابن حميد عن حميد الطويل.","vol":"4","page":227},{"text":"ومذهب علي (١)، والحسن (٢) (٣)، وأبي حذيفة وعطاء (٤)، والزهري (٥) والشعبي (٦): أنه يأخذ المهر فقط. وليست هذه الحالة حالة بعث الحكمين؛ لأن المرأة معترفة هاهنا بمنع حق الزوج وكراهتها (٧) صحبته، وإنما الحكمان إذا اشتبه المتعدي منهما، وموضعه في سورة النساء. والخلع فسخ بلا طلاق عند ابن عباس (٨)، وهو قول الشافعي في القديم، وقوله في الجديد (٩): إن الخُلع (١٠) تطليقة بائنة، إلّا أن ينوي (١١) أكثر منها، وهو قول عثمان ﵁ (١٢).\n_________\n(١) رواه عنه الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٤٦٩.\n(٢) في (ش): (الحسين).\n(٣) رواه عنه الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٤٧٠.\n(٤) رواه عنه الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٤٦٩، وعزاه في \" الدر\" ١/ ٦٧٣ إلى عبد بن حميد والبيهقي.\n(٥) رواه عنه الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٤٧٠.\n(٦) رواه عنه الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٤٦٩.\n(٧) ساقطة من (ش).\n(٨) رواه عبد الرزاق في \"المصنف\" ٦/ ٤٨٥ - ٤٨٧، وسعيد بن منصور ١/ ٣٨٤، وقال الإمام أحمد كما في \"الإشراف\" ٣/ ٢١٤: ليس في الباب أصح من حديث ابن عباس.\n(٩) ينظر: \"مختصر المزني\" ٨/ ٢٩٠، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٠٩٥، و\"تكملة المجموع شرح المهذب\" ١٧/ ١٤.\n(١٠) من قوله: بلا طلاق .. ساقطة من (ي).\n(١١) في (ش): (يقوي).\n(١٢) رواه عبد الرزاق في \"المصنف\" ٦/ ٤٨٣، وسعيد بن منصور ١/ ٤٨٢، وابن أبي شيبة في \"المصنف\" ٥/ ١٠٩ من طريق جهمان عن عثمان. وروى النسائي ٦/ ١٨٦، كتاب: الطلاق، باب: عدة المختلعة، وابن ماجه (٢٠٥٨) كتاب: =","vol":"4","page":228},{"text":"وقرأ حمزة ﴿يُخَافَا﴾ بضم اليَاءِ (١). وخَاف يتعدَّى إلى مفعولٍ واحدٍ، فإن عديته إلى مفعول ثان ضَعَّفْتَ العين، أو (٢) اجتلبتَ حرفَ الجر، كقولك: خَوَّفْتُ زيدًا أمرًا، واجتلاب حرف الجر كقوله:\nلو خَافَكَ اللهُ عَليه حَرَّمَهُ (٣)\nفحرف الجر في موضع المفعول الثاني. وحمزة بنى الفعل للمفعول به وهو الزوجان، وقدر الجار ليتعدى إلى (٤) المفعول الآخر، الذي هو ﴿أَن يُقِيمَا﴾، فلابد من تقدير الجار في قراءة من (٥) ضم الياء، لأن الفعل قد أسند إلى المفعول، فلا يتعدى إلى المفعول الآخر إلا بالجار، ولا يحتاج في قراءة العامة إلى تقدير الجار، ثم يكون قوله: ﴿أن يقيما﴾ على هذه القراءة في محل الجر بالجار المقدر، على مذهب الخليل والكسائي، وفي محل النصب، على قول غيرهما، لأنه لما حذف الجار وصل الفعل إلى المفعول الثاني، مثل:\n_________\n= الطلاق، باب: عدة المختلعة، عن الربيع بنت معوذ، قالت: اختلعت من زوجي فجئت عثمان فقال: تمكثي حتى تحيضي حيضة، وهذا يدل على أن عثمان يرى أن الخلع فسخ وليس بطلاق كما رجحه الخطابي في \"معالم السنن\" ٢/ ٢٥٦، وشيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم كما في \"زاد المعاد\" ٥/ ١٩٨، ضعفوا الرواية الأولى عنه.\n(١) وقرأ الباقون (يُخافا) بفتح الياء. ينظر \"السبعة\" ١٨٣، \"الحجة\" ٢/ ٣٢٨.\n(٢) في (ي) و(ش) (و).\n(٣) من رجز نسبه في \"اللسان\"، مادة: روح، لسالم بن دارة، وقبله: يا أسدي لم أكلته لِمَه. وذكره في \"الحجة\" ٢/ ٢٢٩، وفي \"الإنصاف\" ٢٥٧، والعيني ٤/ ٥٥٥، والأشموني ٤/ ١١٧.\n(٤) ساقطة من (ي).\n(٥) ساقطة من (ي).","vol":"4","page":229},{"text":"أستغفر الله ذنبًا (١) ........\nوأمرتك الخيرَ (٢) .........\nوهذا كما ذكرنا في قوله: ﴿أَنْ تَبَرُّوا﴾ [البقرة: ٢٢٤]، وعلى قراءة العامة يكون في محل النصب لا غير؛ لأنه لا يحتاج فيه إلى تقدير الجار، وعاب الفراء قراءةَ حمزة، فقال: أراد أن يعتبر قراءة عبد الله (إلا أن يخافوا) فلم يصبه؛ لأن الخوف في قراءة عبد الله واقع على أن، وفي قراءة حمزة على الرجل والمرأة (٣)، فقال من نصر حمزة: إن بلغ الفراء ما يقوله بروايةٍ عن حمزة: أنه أراد اعتبار قراءة عبد الله، فهو كما قال، وإلا فإذا اتجه قراءَتُهُ على وجه صحيحٍ لم يَجُزْ أن ينسب إليه الخطأ، وقد قال عمر - ﵁ -: لا تَحمِلْ فِعْلَ أخيك على القبيح ما وجدت له في الحَسَن مذهبًا (٤).\nوقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ﴾ كان من حق النظم أن يكون فإن خافا (يعنى الزوجين، ليشاكل قوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَخَافَا﴾، وفي قراءة حمزة (فإن خِيْفَا) ليشاكلَ قراءته (يُخَافا)، إلا أنه لا يلزم هذا، لأمرين:\nأحدهما: أن يكون انصرف من الغيبة إلى الخطاب كما قال: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ﴾ ثم قال: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ (٣٩)﴾ [الروم: ٣٩] ونظائره كثيرة.\nوخاطب في هذه الآية الجماعة بعد ما أخبر عن اثنين؛ لأنّ ضمير الاثنين في ﴿يَخَافَاَ﴾ ليس يراد به اثنان مخصوصان، إنما يراد به أن كل من\n_________\n(١) تقدم تخريج البيت [البقرة: ١١٥].\n(٢) تقدم تخريج البيت [البقرة: ٨٣].\n(٣) ينظر \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ١٤٦.\n(٤) ما تقدم كله ملخص من كلام أبي علي في \"الحجة\" ٢/ ٣٢٨ - ٣٣٣.","vol":"4","page":230},{"text":"هذا شأنه فهذا حكمه.\nوالآخرُ: أن قولَه: (فإن خفتم) خطابٌ (١) لولاة الأمر والفقهاء الذين يقومون بأمور الكافة، وقد خاطب الله تعالى في هذه الآية الجميعَ بقوله: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ﴾ ثم رجع إلى الزوجين فقال: ﴿إِلَّا أَنْ يَخَافَا﴾، ثم رجع إلى المخاطبين بالجمع بينهم وبين الزوجين (٢) في لفظ واحد فقال: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا﴾ (٣).\nومثل هذا النظم قد جاء في الشعر، قال:\nأبا واصلٍ (٤) فاكْسُوهُما حُلَّتَيْهِما ... فإنكما إن تَفْعَلا فَتَيَانِ (٥)\nنادى مفردًا ثم جمع بقوله: فاكسوهما، ثم ثنى (٦).\nومعنى ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا﴾ أي: عَلِمْتُم وغَلَب على ظنكم، (أن لا يقيما حدود الله) في حسن العشرة وجميل الصحبة ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ المرأةُ نفسَها من الزوج.\nوإنما قال: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾ والمقصودُ رفعُ الحرجِ عن الزوجِ في استرجاع المَهْرِ عند الخُلْع، لأنه لو خصَّ الرجلَ بالذكر لأوهم ذلك أنها عاصية بالنشوز والافتداء بالمال، لأنها ممنوعة من إتلاف المال بغير حق، فأدخلت في الذِّكْر ليزول هذا الوهم، وفيه وجوه سوى هذا ذكرناها في\n_________\n(١) ساقطة من (ي).\n(٢) من قوله: فقال .. ساقطة من (ش).\n(٣) من \"الحجة\" ٢/ ٣٣١ - ٣٣٢ بتصرف.\n(٤) في (أ): (واصلى).\n(٥) البيت لم أهتد لقائله ولا من ذكره.\n(٦) في (أ) و(م): (كنى).","vol":"4","page":231},{"text":"قوله: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٢٠٣] (١).\nوقوله تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ الآية. يريد: ما حده الله من شرائع الدين (٢). وذكرنا معنى الحد فيما تقدم.\nوقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ﴾ إلى آخر الآية، قال عطاء: يريد: من يأخذ من أمرأته شيئًا وليست تريد أن تختلع منه، ويضارها ليأخذ منها شيئًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-448>٢٣٠ </span>- قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾ قال صاحب النظم: قوله: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ فصل مضمن فصلًا آخر، قد اعترض بينهما فصل سواهما، وهو قوله: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا﴾ إلى آخرها. فلما فرغ من الفصل المعترض عاد إلى الفصل الأول الذي ضمنه الفصل الثالث، فقال: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾ يعنى: الزوج المطلق اثنتين المضمر في اللفظ الذي أخرجه مخرج الخبر بقوله: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ ففي هذا دليل على أن تأويل قوله: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ (٣) من طلق امرأته تطليقتين فليمسكها بمعروف أو ليسرحها ﴿بِإِحْسَانٍ﴾ (٤)؛ لأن هذا الثاني منسوق على الأول مثل معناه، فكأنَّ الثاني مفسِّرٌ للأول.\nوقوله تعالى: ﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ﴾ أي: من بعد التطليقة الثالثة. وهو رفع على الغاية؛ لأنه لما حذف من الكلام ما أضيف إليه (بعدُ) رفع على الغاية (٥).\n_________\n(١) ينظر \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ١٤٧، \"تفسير الطبري\" ٢/ ٤٦٦ - ٤٦٥، \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ٣١٥، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٠٩٣ - ١٠٩٤.\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٣٠٨، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٠٩٦.\n(٣) من قوله: ففي هذا. ساقط من (ي).\n(٤) ساقطة من (ي).\n(٥) ينظر: \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٠٩٦، \"البحر المحيط\" ٢/ ٢٠٠.","vol":"4","page":232},{"text":"﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ أي: غير المُطَلِّقِ، والنكاح لفظ يتناول العقد والوطء جميعًا، فلا تحل للأول ما لم يصبها الثاني (١)، ولأن النبي - ﷺ - قال لعائشة بنت عبد الرحمن بن عتيك القرظى (٢). وكانت تحت رفاعة بن وهب (٣) فطلقها ثلاثًا، فتزوجت بعده عبد الرحمن بن الزبير (٤)، ثم طلقها، فأتت نبي الله - ﷺ - فقالت: إني كنت عند رفاعة فطلقني، فبتَّ طلاقي، فتزوجت بعده عبد الرحمن بن الزبير وإنما معه مثل هُدْبَةِ الثوب (٥)، وإنه طلقني قبل أن يمسني، أفأرجع إلى زوجي الأول؟ فتبسم رسول الله - ﷺ -، وقال: \"أتريدين أن ترجعي إلى رِفاعة؟ لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق عُسيلتك (٦) \" قال أبو إسحاق: عَلم الله تعالى صعوبة تزوج المرأة على الرجل، فحرم عليهم التزوج بعد الثلاث، لئلا يعجلوا بالطلاق (٧).\n_________\n(١) ينظر: \"تفسير الطبري\" ٢/ ٤٧٦ - ٤٧٧، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٠٩٦.\n(٢) هي عائشة بنت عبد الرحمن بن عتيك النضيري القرظي، زوج رفاعة بن وهب، نزلت في طلاقها هذه آيات، صحابية. ينظر \"أسد الغابة\" ٢/ ٢٣٣، ٧/ ١٩٣. وقد وقع في اسم المطلقة اختلاف ينظر \"فتح الباري\" ٩/ ٤٦٤ - ٤٦٥.\n(٣) هو: رفاعة بن وهب بن عتيك، صحابي طلق زوجه طلاقا بائنًا فنزل بشأنه قرآن. ينظر \"أسد الغابة\" ٢/ ٢٣٣. وينظر الاختلاف فيه في \"فتح الباري\" ٩/ ٤٦٤.\n(٤) عبد الرحمن بن الزبير بن باطيا القرظي المدني، وقال ابن منده: هو ابن الزبير بن زيد الأوسي، قال ابن الأثير: واتفقوا على أنه هو الذي تزوج المرأة التي طلقها رفاعة. ينظر \"المؤتلف والمختلف\" ٣/ ١١٣٩، و\"الإصابة\" ٤/ ١٥٩.\n(٥) أرادت أن متاعه في عدم الانتشار والاسترخاء كطرف الثوب الذي لم ينسج. ينظر \"فتح الباري\" ٩/ ٤٦٥.\n(٦) رواه البخاري (٢٦٣٩) كتاب: الشهادات، باب: شهادة المختبئ، ومسلم (١٤٣٣) كتاب: النكاح، باب: لا تحل المطلقة ثلاثا حتى تنكح زوجا ويطأها عن عائشة.\n(٧) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٣٠٨ - ٣٠٩.","vol":"4","page":233},{"text":"وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾ يعنى: الزوج الثاني الذي تزوجها بعد الطلقة الثالثة، لأنه قد ذكره بقوله: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ (١).\nوقوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا﴾ يعنى: على المرأة المطلقة وعلى الزوج الأول، ﴿أَنْ يَتَرَاجَعَا﴾ بنكاح جديد، فذكر لفظ النكاح بلفظ التراجع، لما كان بينهما قبل هذا من الزوجية، فإذا تناكحا فقد تراجعا إلى ما كانا عليه من النكاح، فهذا تراجع لغوي (٢).\nومحل (أن) في قوله: ﴿أَنْ يَتَرَاجَعَا﴾ نصب؛ لأن المعنى: لا جناح عليهما في أن يتراجعا (٣)، فلما سقطت (في) وصل معنى الفعل. وعند الخليل والكسائي: يجوز أن يكون محله خفضًا بالجار المقدر، وإن حذف من اللفظ؛ لأن المعنى إرادته.\nقال (٤) الزجاج: والذي قالاه صواب؛ لأن أن يقع معها الحذف، لكونها موصولة، ويكون جعلها موصولة عوضًا مما حذف، ولو قلت، لا جناح عليهما الرجوع، لم يصلح حذف في (٥)، وصلح مع (أن) لأن الكلام طال بالصلة فحسن الحذف، كما تقول: الذي ضربت زيد، تريد (٦): ضربته، فلهذا أجاز الخليل وغيره أن يكون موضعها جرًا على إرادة في، وأبى الفراء هذا، وقال: لا أعرفه (٧). وقد استقصينا هذه المسألة عند قوله:\n_________\n(١) ينظر \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٣٠٨، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١١٠٢.\n(٢) ينظر: \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١١٠٢.\n(٣) من قوله: (نصب ..) ساقطة من (ش).\n(٤) في (م): (وقال).\n(٥) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٣٠٩.\n(٦) في (ي): (يريد).\n(٧) \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ١٤٨.","vol":"4","page":234},{"text":"﴿أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا﴾ [البقرة: ٢٢٤] (١).\nوقوله تعالى: ﴿إِنْ ظَنَّا﴾ أي: إن علما وأيقنا أنهما يقيمان حدودَ الله (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ خص العالمين بالذكر، وهو في المعنى عام لهم ولغيرهم؛ لأنهم الذين ينتفعون ببيان (٣) الآيات، فصار غيرهم بمنزلة من لا يعتد بهم، ويجوز أن يُخَصّوا بالذكر لنباهتهم (٤) وتشريفهم، كقوله: ﴿وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ [البقرة: ٩٨].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-449>٢٣١ </span>- وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ أي: قاربن انقضاء العدة، ولم يرد إذا انقضت عدتهن. فالبلوغ هاهنا بلوغ مقاربة، كما نقول: قد بلغت المدينة، إذا أشرفتَ عليها (٥).\nوالأَجَلُ: آخرُ المدةِ، وعاقبةُ الأمرِ، قال لبيد:\nواخْزُها (٦) بالبِرِّ لله الأَجَلْ (٧).\n_________\n(١) ينظر في إعراب الآية: \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٣٠٩، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١١٠٢، \"التبيان\" ١٣٥، \"البحر المحيط\" ٢/ ٢٠٢.\n(٢) ينظر: \"مجاز القرآن\" ١/ ٧٤، \"تفسير غريب القرآن\" لابن قتيبة ٧٨، وتأويل مشكل القرآن ص ١٨٧، وقيل: (إن ظنا) أي: رجوا، ولا يجوز أن يكون بمعنى العلم؛ لأن أحدا لا يعلم ما هو كائن إلا الله. ينظر \"تفسير الطبري\" ٢/ ٤٧٨ - ٤٧٩، \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٣٠٩، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١١٠٢.\n(٣) ساقطة من (ي).\n(٤) في (ش) (لنباهيهم).\n(٥) حكى القرطبي في \"تفسيره\" ٣/ ١٥٥ الإجماع على أن معنى البلوغ هاهنا: المقاربة، ونقل الإجماع الشوكاني ١/ ٢٤٢، وينظر \"تفسير الطبري\" ٢/ ٤٧٩ - ٤٨٠، \"تفسير البغوي\" ١/ ٢١٠، \"زاد المسير\" ١/ ٢٦٧، و\"الإجماع في التفسير\" ص٢٣٠.\n(٦) في (ي) و(أ): (وأحرها).\n(٧) صدر البيت: =","vol":"4","page":235},{"text":"يريد (١): لله عاقبة الأمور، ومنه يقال: أَجَّلَ الشيءَ تأجيلًا، إذا أخَّره (٢).\n﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ أي: راجعوهن. والمعروف: ما يتعارف الناس بينهم، مما تقبله النفوس ولا تنكره العقول. قال ابن جرير: أي: بإشهاد على الرجعة، وعقد لها، لا بالوطء، كما يجوز عند أبي حنيفة (٣). ﴿أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ أي: اتركوهن حتى تنقضي عدتهن، ويكن أملك بأنفسهن (٤). ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا﴾ يريد: لا تراجعوهن مضارة وأنتم لا حاجة بكم إليهن. وكانوا يفعلون ذلك إضرارًا بالمرأة ﴿لِتَعْتَدُوا﴾ أي: عليهن بتطويل العدة ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾: الاعتداء ﴿فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ ضرها، وإثم فيما بينه وبين الله (٥).\n﴿وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾ قال أبو الدرداء: كان الرجل يطلق في\n_________\n= غير أن لا تكذبنْها في التقى\nوالبيت في: ديوانه ص ١٣٩. وفي \"الشعر والشعراء\" لابن قتيبة ص ١٧١، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١١٢٦، وقوله: واخزها أَمْرٌ من خزاه يخزو خزوًا: إذا ساسه وقهره، ورواية \"اللسان\" واجْزِها، والأجلّ من الجلالة كما قال ابن السكيت في \"إصلاح المنطق\" ٣٧٤ ص وقال ابن منظور: الأجل: الأعظم، كما في \"لسان العرب\" ٢/ ١١٥٥ مادة (خزا) وهذا لايوافق ما استشهد عليه الواحدي به متابعًا الثعلبي.\n(١) ساقطة من (ي).\n(٢) ينظر في الأجل: \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١١٢٥، \"تهذيب اللغة\" ١/ ١٢٤، \"المفردات\" ص٢٠ - ٢١، \"عمدة الحفاظ\" ١/ ٧١، \"اللسان\" ١/ ٣٢ مادة (اجل).\n(٣) رواه الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٤٧٩ - ٤٨٠، وينظر \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١١١٢.\n(٤) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٣٠٩.\n(٥) من \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١١١٢ - ١١١٣.","vol":"4","page":236},{"text":"الجاهلية، ويقول إنما طلقت وأنا لاعب، فيرجع (١) فيها، ويعتق فيقول مثل ذلك، وينكح فيقول مثل ذلك، فأنزلت هذه الآية، فقرأها رسول الله - ﷺ - وقال: \"من طلق أو حرّر أو نكح أو أنكح، فزعم أنه لاعب فهو جد\" (٢).\nوقيل: معناه: لا تتركوا العمل بما حد الله ﷿ فتكونوا مقصرين لاعبين، كما تقول للرجل (٣) الذي لا يقوم بما تكلفه ويتوانى فيه، إنما أنت لاعب، وهذا معنى (٤) قول الكلبي (٥).\nوقال عطاء (٦): يريد أن المستغفر من الذنب المصِرَّ عليه كالمستهزئ بآيات ربّه.\n﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ قال عطاء: بالإسلام (٧).\n_________\n(١) في (ي): (يرجع).\n(٢) رواه الثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ١١١٦، وقال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" ٤/ ٢٩١: رواه الطبراني، وفيه عمرو بن عبيد وهو من أعداء الله، وراه ابن عدي في \"الكامل\" ٥/ ١٠٩ مختصرا، وابن أبي عمر عن الحسن عن رجل عن أبي الدرداء كما ذكر البوصيري في \" إتحاف المهرة\" ٨/ ٤٣ وضعفه لجهالة التابعي، وله شاهد من حديث عبادة بن الصامت، وروى ابن أبي شيبة في \"المصنف\" ٥/ ١٠٦، والطبراني في \"تفسيره\" ٥/ ١٣عن الحسن مرسلا، وإسناده صححه ابن حجر في \"العجاب\" ١/ ٥٨٩، وصحح الألباني في الإرواء ٦/ ٢٢٧ إسناد ابن أبي شيبة، وينظر \"تحقيق الثعلبي للمنيع\" ٢/ ١١١٨.\n(٣) في (ش) (يقول الرجل).\n(٤) ساقطة من (ش).\n(٥) ينظر \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١١٢٢، والبغوي في \"تفسيره\" ١/ ٢٧٥.\n(٦) لعله الرواية التي تقدم الحديث عنها في القسم الدراسي من المقدمة.\n(٧) رواه الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٤٨٣، وذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٣٣٨، وعزاه في \"الدر المنثور\" ١/ ٥٠٨ - ٥١٠ إلى وكيع والبخاري وعبد بن حميد وأبي داود=","vol":"4","page":237},{"text":"﴿وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ﴾ يعنى: القرآن ﴿وَالْحِكْمَةِ﴾ يعنى: مواعظ القرآن (١).\nوفي قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ تنبيهٌ على أنه لا يسقط الجزاء على شيء من أعمالهم لخفائه عنده، لأنه بكل شيء عليم.\nقوله تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ الآية: نزلت في أخت معقل بن يسار (٢)، طلقها زوجها، فلما انقضت عدتها جاء يخطبها، فأبى معقل أن يزوجها إياه، ومنعها بحق الولاية من ذلك، فلما نزلت هذه الآية تلاها عليه رسول الله - ﷺ -، فقال معقل: رَغِمَ أنفي لأمر الله، وقال: فإني أومن بالله واليوم الآخر، وأنكحها إياه (٣).\nوأراد ببلوغ الأجل هاهنا: انقضاءَ العِدَّةِ، لا بُلوغَ المُقَاربَة (٤).\n_________\n= والترمذي والنسائي وابن ماجه وابن المنذر، وأبي حاتم في \"تفسيره\" ٢/ ٤٢٦، وابن مردويه والحاكم والبيهقي.\n(١) \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١١٢٢.\n(٢) هو: معقل بن يسار بن عبد الله بن معبر بن حراق المزني، أبو عبد الله، وقيل: أبو اليسار، صحب الرسول - ﷺ - وشهد بيعة الرضوان، روي عنه قوله: بايعناه على أن لا نفر. سكن البصرة، وتوفي في آخر خلافة معاوية، وقيل: أيام يزيد بن معاوية، وفي الأعلام نحو ٦٥ هـ. ينظر أسد الغابة ٥/ ٢٣٢ - ٢٣٣، و\"الاستيعاب\" ٣/ ٤٨٥، \"الأعلام\" ٧/ ٢٧١.\n(٣) الحديث رواه البخاري ٤٥٢٩ كتاب: التفسير، باب: قوله: وإذا طلقتم النساء، وأبو داود (٢٠٨٧) كتاب: النكاح، باب: في العضل، والترمذي (٣٩٨١) كتاب: تفسير القرآن، باب: ومن سورة البقرة وغيرهم.\n(٤) ينظر: \"تفسير البغوي\" ١/ ٢١٠، و\"المحرر الوجيز\" ٢/ ٢٨٨ - ٢٩٠، \"تفسير القرطبي\" ٣/ ١٥٥، و\"الإجماع في التفسير\" ٢٣٠ - ٢٣١.","vol":"4","page":238},{"text":"والعَضْل: المنع، يقال: عَضَل فلان أَيِّمهُ: إذا مَنَعَها من التزوُّج، فهو يَعْضِلها وَيعْضُلها. أنشد الأخفش:\nوإن قصائدي (١) يدي لَكَ فاصطنعني ... كَرَائمُ قد عُضِلنَ عن (٢) النكاح (٣)\nوأصل العضل في اللغة: الضيق، يقال: عَضَّلَتِ المَرْأةُ: إذا نَشِبَ الولدُ في بطنها، وكذلك عَضَّلَتِ الشَّاةُ، وعضَّلَتْ الأرض بالجيش: إذا ضاقت بهم لكثرتهم (٤).\nقال أوس بن حجر (٥):\nتَرَى الأرْضَ مِنَّا بالفَضاءِ مَرِيضَةً ... مُعَضِّلةً منا بجَيْشٍ عَرَمْرَمِ (٦)\n_________\n(١) في (ش): (قضا).\n(٢) في (ي): (من).\n(٣) البيت نسب إلى إبراهيم بن هرمة في \"ديوانه\" ص ٨٦ وفيه: كان قصائدي، ينظر: \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١١٦٢، \"الأغاني\" ٦/ ١٠١، \"الكشاف\" ١/ ٣٣٨، \"البحر المحيط\" ٢/ ٢٠٦، \"تفسير الرازي\" ٦/ ١١١.\n(٤) في حاشية (أ) زيادة في الحاشية قال: وعَضَّلت الدجاجةُ فهي مُعَضِّل إذا احْتَبَس بيضُها ونَشِبَ فلم يخرج. وعَضَّلت الناقة فهي مُعَضِّلٌ إذا احتبس ولدها في بطنها.\n(٥) هو أبو شريح بن حجر بن مالك التميمي، وقيل أبن عتاب من شعراء بني تميم في الجاهلية، في شعره حكمة ورقة، عمّر طويلا ولم يدرك الإسلام، له ديوان شعر. ينظر: \"الشعر والشعراء\" ١١٤، \"الأعلام\" ٢/ ٣١.\n(٦) البيت من الطويل، وهو لأوس بن حجر في \"ديوانه\" ص ١٢، \"تهذيب اللغة\" للأزهري ٣/ ٢٤٧٥ \"لسان العرب\" ٥/ ٢٩٨٩، مادة: عضل، وروايتهما: بجمعٍ عَرَمْرَمِ.","vol":"4","page":239},{"text":"وأَعْضَل الدَّاءُ الأطباءَ، إذا أعياهم، ويقال: داءٌ عُضَال، وأمر عُضُال.\nوأَعْضَلَ الأمرُ: إذا اشتد. ومنه قول أوس (١):\nوليس أخوك الدائمُ العَهْد بالذي ... يذمُّكَ إنْ ولَّى وُيرْضِيكَ مُقْبِلا\nولكنّه النَّائي إذا (٢) كُنْتَ آمِنًا ... وصَاحِبك الأدْنَى إذا الأمْرُ أَعْضَلا (٣)\nوقوله تعالى: ﴿أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ يريد: الذين كانوا أزواجًا لهن، ويجوز أن يريد (٤) من رضين بهم أزواجًا. ومحل (أن) نصب بحذف الخافض، وجرٌّ عند الكسائي والخليل، على ما (٥) سبق شرحه (٦).\nوأراد (٧): ينكحن نكاحًا جديدًا: ﴿إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي: بعقد حلال، ومهر جائز، ونظم الآية: أن ينكحن أزواجهن بالمعروف إذا ترضوا بينهم بالمعروف (٨)، وفي هذا ما يقطع به على صحة قول من قال: لا نكاح\n_________\n(١) البيتان، لأوس بن حجر، في: ديوانه ص ٨٢. وفي \"تفسير الطبري\" ٢/ ٤٨٨، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١١٢٧.\n(٢) في (ش): (إذ).\n(٣) ينظر في عضل: \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٣١١، \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٤٧٦، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١١٢٦ - ١١٢٧، \"المفردات\" ٣٤١، \"عمدة الحفاظ\" ٣/ ١٠٩ - ١١٠، \"اللسان\" ٥/ ٢٩٨٩.\n(٤) في (ي): (يكون).\n(٥) في (ي): (ما قال).\n(٦) تقدم في قوله تعالى: ﴿أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا﴾ [البقرة: ٢٢٤].\n(٧) في (ي): (أراد).\n(٨) من \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١١٢٨.","vol":"4","page":240},{"text":"إلا بوليٍّ؛ لإجماع المفسرين أن هذا الخطاب للأولياء، ولو صَحَّ نكاحٌ دون ولي لم يتصوَّر عضل، ولم يكن لنهي الله عن العضل معنى (١).\nوزعم (٢) قوم أن (٣) المعني بالنهي عن العضل: الزوج، وأن البلوغ هاهنا: مقاربة انقضاء العدة، ومعنى عضلها: أن يطلقها واحدة ثم يمهلها حتى تقارِبَ انقضاء العدة، ثم يراجعها، ثم يطلقها، ويطول عليها بالعدة بعد العدة، فذلك العضل، وهذا خلاف ما أجمع عليه المفسرون، ثم ما ذكروا مستفاد من الآية الأولى فلا تحمل هذه على ما وردت فيه الأولى، ثم في نفس هذه الآية ما يقطع بفساد ما قالوه، وهو أنه قال: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ﴾ فقرن النهي عن العضل بشرط التراضي بالنكاح ولا يكون التراضي بالنكاح (٤) إلا بعد التصريح بالخطبة والنكاح، وقد نهى الله ﷿ عن ذلك بقوله: ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٥] وعلى ما ذكروا لا يكون هذا التراضي إلا قبل انقضاء العدة، وقبل بلوغ الكتاب أجله، إذ لا يكون العضل من الزوج إلا في ذلك الوقت، ولا يكون العضل من الولي إلا بعد بلوغ الكتاب أجله وانقضاء العدة، فوقوع التراضي بالنكاح في هذا الوقت أولى (٥).\nوقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ يُوعَظُ﴾ ﴿ذَلِكَ﴾ إشارة إلى ما سبق، أي: أمر\n_________\n(١) من \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١١٢٨ - ١١٢٩، وينظر \"تفسير الطبري\" ٢/ ٤٨٨، \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٣١٠.\n(٢) في (ي): (زعم).\n(٣) في (م): (إلى أن).\n(٤) سقط من (ش).\n(٥) ينظر: \"التفسير الكبير\" ٦/ ١٢٠ - ١٢١، وقد نصر القول الذي رد عليه الواحدي.","vol":"4","page":241},{"text":"الله الذي تلي عليكم من ترك العضل، ووحَّد الكاف وهو يخاطب جماعة؛ لأن الجماعة في معنى القبيل (١).\nوقال الفراء: ﴿ذَلِكَ﴾ حرف، كثر في الكلام حتى تُوُهِّمَ بالكاف أنها من الحروف، وليست بخطاب، فعلى هذا يجوز أن يخاطب المرأة والرجل والواحد والاثنان والجماعة بالكاف المنصوبة، ومن جعل الكاف للخطاب ثنى وجمع وأنث (٢)، وقد نزل القرآن باللغتين جميعًا قال الله تعالى: ﴿ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي﴾ [يوسف: ٣٧]. ﴿فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾ [يوسف: ٣٢]. وقال: ﴿ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ﴾ [الطلاق: ٢]. وقال: ﴿أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ﴾ [الأعراف: ٢٢].\nوأنكر الزجاج هذا وقال: اللهُ خاطب العرب بأفصح اللغات، وليس في القرآن تَوَهُّم، تعالى الله عن هذا (٣)، وقول الفراء صحيح، وإن أنكره الزجاج؛ لأن التوهم تعود إلى العرب هم توهموا ذلك، والله تعالى يخاطبهم بلغتهم، وهذا كقولهم: تمكن فلان من الشيء، توهموا أن ميم المكان أصلي فبنوا منه الفعل، ولهذا نظائر في كلامهم، يجعلونَ الحرفين بمنزلة حرف واحد، كما قلنا (٤) في (ماذا)، وهو كثير.\nوقال صاحب النظم: الكاف في (ذلك) مَنْ جَعَلَه للخطاب أظهَرَ\n_________\n(١) ذكر في \"البحر المحيط\" ٢/ ٢١٠: أن ذلك خطاب للنبي - ﷺ -، وقيل: لكل سامع، ثم رجع إلى خطاب الجماعة فقال: (منكم)، وقيل: ذلك بمعنى ذلكم.\n(٢) \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ١٤٩ بمعناه، وينظر \"تفسير الطبري\" ٢/ ٤٨٨ - ٤٨٩، \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٣١١، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١١٣٣.\n(٣) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٣١١.\n(٤) في (ي): (قال).","vol":"4","page":242},{"text":"الجَمْع والتثنيةَ والتَّذْكِير، ومَنْ جَعَلَه للتراخي أو التبعيد (١) تركه على حالة واحدة.\nوقوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ خص المؤمنين، أنهم أهل الانتفاع به.\n﴿ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ﴾ (٢) خير لكم وأفضل، ﴿وَأَطْهَرُ﴾ لقلوبكم من الريبة، وذلك أنهما إذا كان في نفس كل واحد منهما علاقة حب لم يؤمن أن يتجاوز ذلك إلى ما غير أحل (٣) الله، ولم يؤمن من أوليائهما أن يسبق إلى قلوبهم منهما ما لعلهما أن يكونا بريئين من ذلك فيأثمون (٤).\n﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ﴾ ما لكم فيه الصلاح في العاجل والآجل وأنتم غير عالمين إلا (٥) بما أعلمكم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-450>٢٣٣ </span>- قوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾ الآية. قال المفسرون: أراد المطلقات اللاتي لهن أولاد من أزواجهن.\nوقال بعضهم: بل هي على العموم، لأنه قال: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنّ﴾ والمطلقة (٦) لا تستحق الكسوة إلا أن يحمل على الرجعية، فإنها تستحق الكسوة والرزق في زمان العدة، والمطلقة ثلاثًا لا تستحق بالإرضاع الكسوة، وإنما تستحقُّ الأجرةَ، فإذا لا يمكن إجراؤها على العموم ولا\n_________\n(١) في (ي) و(ش): (والتبعيد).\n(٢) ساقطة من (ي) و(ش) و(أ).\n(٣) في (أ) و(م): (إلى ما أخل الله).\n(٤) من \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١١٣٤، وينظر \"تفسير الطبري\" ٢/ ٤٨٩.\n(٥) ساقطة من (ش).\n(٦) في (ش): (فالمطلقة).","vol":"4","page":243},{"text":"على المطلقات أيضًا لما بينا، فالأولى أن يحمل على الزوجات في حال بقاء النكاح؛ لأنهن يستحققن الرزقَ والكسوة (١).\nفإنْ قيل: إذا كانت الزوجية باقية فهي تستحق الرزق والكسوة بسبب النكاح، سواء أرضعت له ولده أو امتنعت، فما وجه تعليق هذا الاستحقاق بالإرضاع؟ قلنا: النفقة والكسوة في مقابلة التمكين، وإذا اشتغلت بالإرضاع والحضانة ربما لا تمكن من كمال التمكين، فيتوهم متوهم أن نفقتهما وكسوتها تسقط بالخلل الواقع في التمكين، فقطع الله ذلك التوهم بإيجاب الرزق والكسوة، وإن اشتغلت المرأة بالإرضاع، ولهذا قلنا: إذا أشخصها زوجها إلى سفر لحاجته وتجارته فنفقة سفرها عليه؛ لأنها مشغولة بشغله، وإذا كان كذلك فالرزق والكسوة هاهنا لا يكون أجرة الرضاع، وأجرة الرضاع تجب على الزوج بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦] وفائدة ذكر الرزق والكسوة في هذه الآية ما بينا (٢).\nوقوله تعالى: ﴿يُرْضِعْنَ﴾ لفظه لفظ الخبر ومعناه الأمر، كما تقول: حسبك درهم، معناه اكتف به، وهو أمر استحباب لا أمر إيجاب، يريد: أنهن أحقُّ بالإرضاع من غيرهن إذا أردن ذلك، ولو وجب عليها الإرضاع لما استحقَّت الأجرةُ، وقد أوجب الله الأجرة لهن في سورة الطلاق (٣).\nوقوله تعالى: ﴿حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ أي: سنتين.\nأصل الحول من حال الشيء إذا انقلب، فالحول منقلب من الوقت\n_________\n(١) ينظر \"البحر المحيط\" ٢/ ٢١٢.\n(٢) \"التفسير الكبير\" ٦/ ١١٦ - ١١٧.\n(٣) كذا قال الزجاج في \"معاني القرآن\" ١/ ٣١٢، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١١٣٤ - ١١٣٥.","vol":"4","page":244},{"text":"الأول إلى الثاني (١)، وذكر الكمال لرفع التوهم من أنَّه على مثل قولهم: أقام فلان بمكان كذا حولين أو شهرين، وإنما أقام حولًا (٢) وبعض الآخر، ويقولون: اليوم يومان مذ لم أره، وإنما يعنون يومًا وبعضًا آخر، ومثله قوله: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٠٣]، ومعلوم أنه يتعجل في يوم وبعض الثانى (٣).\nوليس التحديد بالحولين تحديد إيجاب؛ لأنه قد قال بعد هذا: ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾ ولكنه تحديدٌ لقطع التنازع بين الزوجين إذا اشتجرا في مدة الرضاع، فجُعِل الحولان ميقاتًا لهما يرجعان إليه عند الاختلاف، فإن أراد الأَبُ أن يَفْطِمَه قبل الحولين ولم ترض الأم، لم يكن له ذلك، وكذلك لو كان على عكس هذا. فإن اجتمعا قبل الحولين فطماه (٤).\nهذا هو الصحيح، وهو قول ابن عباس (٥)، في رواية علي بن أبي طلحة، والثوري (٦) وابن جريج (٧).\n_________\n(١) \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١١٣٥، وينظر: \"المفردات\" ١٤٢ قال الراغب: والحول: السنة اعتبارا بانقلابها ودوران الشمس في مطالعها ومغاربها. وينظر \"اللسان\" ٢/ ١٠٥٤، \"تفسير الطبري\" ٢/ ٤٩٠.\n(٢) في (ي): (حولان) وهو خطأ.\n(٣) \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١١٣٥، \"تفسير الطبري\" ٢/ ٤٩٠، \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٣١٢، و\"تفسير البغوي\" ١/ ١٧٧، \"البحر المحيط\" ٢/ ٢١٢.\n(٤) من \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١١٣٦ - ١١٣٧.\n(٥) رواه الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٤٩١، وعزاه في \"الدر\" ١/ ٥١٥ إلى ابن أبي حاتم وابن المنذر، وذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ١١٣٧.\n(٦) رواه عنه الطبري ٢/ ٤٩٢.\n(٧) ذكره الثعلبي ٢/ ١١٣٧، وعنه البغوي ١/ ٢٧٧، وروى ابن جريج عن عطاء نحوه =","vol":"4","page":245},{"text":"وقال آخرون: المراد بهذه الآية: الدلالة على أن الرضاع ما كان في الحولين، وأن ما بعد الحولين من الرضاع لا يُحرِّم، وهو قول علي (١) وعبد الله (٢) وابن عباس (٣) وابن عمر (٤) وعلقمة (٥) والشعبي (٦) والزهري (٧) ومذهب الشافعي، فإن عنده التحريم الحاصل بالرضاع يتعلق بالحولين، وبعد الحولين لا يحصل التحريم بالإرضاع (٨).\nوعند أبي حنيفة: تتقدَّر (٩) مدة حصول التحريم بالإرضاع بثلاثين شهرًا (١٠).\nوالآية حجة للشافعي على قول هؤلاء، لأن الله تعالى علق (١١) حكم\n_________\n= رواه الطبري ٢/ ٤٩٢، \"ابن أبي حاتم\" ٢/ ٤٢٩.\n(١) رواه عبد الرزاق في \"المصنف\" ٧/ ٤٦٤، وابن أبي شيبة في \"المصنف\" ٤/ ٢٩٠.\n(٢) رواه أبو داود ٢٠٥٩ كتاب: النكاح باب في رضاعة الكبير، وعبد الرزاق في \"المصنف\" ٧/ ٤٦٣، والطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٤٩٢.\n(٣) رواه مالك في \"الموطأ\" ٢/ ٦٠٢، وعبد الرزاق في \"المصنف\" ٧/ ٤٦٤، والطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٤٩٢.\n(٤) رواه مالك في الموطأ ٢/ ٦٠٢، وعبد الرزاق في \"المصنف\" ٧/ ٤٦٥، والطبري ٢/ ٤٩٢.\n(٥) رواه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" ٤/ ٢٩١، والطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٤٩٢.\n(٦) رواه عبد الرزاق في \"المصنف\" ٧/ ٤٦٣، وسعيد بن منصور ١/ ٢٧٨، والطبري ٢/ ٤٩٢.\n(٧) رواه عبد الرزاق في \"المصنف\" ٧/ ٤٦٥.\n(٨) ينظر: \"السنن الكبرى\" للبيهقي ٧/ ٤٦٢، وقال ابن كثير في \"تفسيره\" ١/ ٣٠٣: وهو مذهب الشافعي وأحمد واسحاق والثوري وأبي يوسف ومحمد ومالك في رواية.\n(٩) في (ي) و(ش) (يتقدر).\n(١٠) تنظر المراجع السابقة.\n(١١) ساقطة من (م).","vol":"4","page":246},{"text":"الرضاع بالحولين، فدل على أن ما زاد على الحولين لا حكم له.\nوقال عكرمة عن ابن عباس: إذا وضعت لسبعة أشهر أرضعت ثلاثة وعشرين شهرًا، وإذا وضعته لتسعة أشهر أرضعته أحدًا وعشرين شهرًا، كل ذلك تمام ثلاثين شهرًا اعتبارا بقوله: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥] (١).\nفجعل مدتيهما (٢) ثلاثين شهرًا، والذي عليه عامة الفقهاء أن مدة الرضاع حولان في جميع هذه الأحوال، لا يفصلون بين أن تزيد مدة الحمل أو تنقص، للتصريح بذكر الحولين في هذه الآية.\nوأما قوله: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ﴾ الآية [الأحقاف: ١٥] فإنها في تعظيم شأن الوالدة، وتعريف الأولاد ما لزم الوالدة من التعب والمشقة في أول هذه المدة من حملها وإرضاعها وفي آخرها، لقوله: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا﴾ [الأحقاف: ١٥]، فلا تعتبر هذه الآية بتلك إذ الأصلان مختلفان في المعنى الذي نزلت الآيتان فيه (٣).\nوقوله تعالى: ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ يقال: رَضِعَ المولودُ يرضَعُ رِضاعةً ورَضاعًا، هذا هو الأفصح، ويقال أيضًا: رَضَعَ يرضِعُ رضَاعَةً ورِضاعًا بالكسر في المصدر (٤) (٥) والمعنى: أنَّ هذا التقديرَ والبيان لمن\n_________\n(١) رواه عنه الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٤٩١، والحاكم في \"تفسيره\" ٢/ ٣٠٨، وصححه، والبيهقي في \"تفسيره\" ٧/ ٤٦٢، وذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ١١٣٦.\n(٢) في (ي) (مدتهما).\n(٣) تنظر المراجع في القول السابق.\n(٤) في (ش) (أجرها).\n(٥) كذا بنحوه في: \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٣٠٢، \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٤١٩ مادة (رضع)، \"المفردات\" ص ٢٠٢، \"اللسان\" ٣/ ١٦٦٠ مادة: رضع، وفيهما رضُع =","vol":"4","page":247},{"text":"أراد أن يُتِمَّ الرضاعة، كقوله: ﴿وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى﴾ [البقرة: ٢٠٣]، يعنى أن هذا منتهى الرضاع، وليس فيما دون ذلك وقت محدود (١). (من) لفظ مبهم يصلح للأب والأمِّ جميعًا.\nوقال قتادة (٢) والربيع (٣): فرض الله ﷿ على الوالدات أن يرضعن أولادهن حولين كاملين، ثم أنزل الرخصةَ والتخفيفَ بعد ذلك، فقال: ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾.\nوقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ﴾ يعنى: الأب.\n﴿رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ﴾ الكِسوة والكُسوة: اللباس، يقال: كسوت فلانًا أكسوه كسوة، إذا ألبسته (٤) ثوبًا (٥).\nوالأكثرون من المفسرين قالوا في هذا: معناه (٦) وعلى (٧) الزوج رزق المرأة المطلقة وكسوتها إذا أرضعت الولد (٨)، وقد ذكرنا هذا في أول الآية.\n_________\n= الرجل يرضُعُ رضاعة، بمعنى اللؤم، وأصله: من رضع اللؤمَ من ثدي أمه، يريد أنه وُلد في اللؤم.\n(١) \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١١٤٠.\n(٢) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٤٩٣، وذكره ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٢/ ٤٢٩.\n(٣) انظر المصدر السابق.\n(٤) في (ي) و(ش): (ومن).\n(٥) ينظر في كسا: \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣١٣٩، \"المفردات\" ص ٤٣٢ - ٤٣٣، \"اللسان\" مادة: كسا ٧/ ٣٨٧٩.\n(٦) في (م): (قالوا لي معنى هذا).\n(٧) في (ي): (على).\n(٨) يرويه بنحوه الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٤٩٥ - ٤٩٦ عن الضحاك بن مزاحم، والنص المذكور من \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٣١٣.","vol":"4","page":248},{"text":"وقوله تعالى: ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي: بما يعرفون أنه عدل على قدر الإمكان (١).\nوقوله تعالى: ﴿لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا﴾ التكليفُ: الإلزام، يقال: كلفته الأمر فَتَكَلَّفْ وكَلِفَ (٢).\nقيل (٣): إن أصله من الكَلَف، وهو الأثر على الوجْه من السَّوَاد، فمعنى تَكَلَّفَ الأمرَ، أي: اجتهد يبين (٤) فيه أثره، وكلّفه: أَلزمه ما يَظْهَرُ (٥) فيه أثره (٦).\nوالوُسْع، ما يَسَعُ الإنسانَ فيطيقه، أُخِذَ مِن سَعَةِ المَسْلَك إلى الغَرَضِ، ولو ضاق لعجز عنه، فالسَّعَةُ فيه بمنزلة القُدْرَة، فلذلك قيل: الوُسْعُ بمعنى (٧) الطاقة (٨).\n_________\n(١) كذا في \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٣١٣، وينظر: \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١١٤٢، \"تفسير القرطبي\" ٣/ ١٦٣.\n(٢) ساقطة من (م).\n(٣) في (م): (وقيل).\n(٤) في (ي) (أن بين).\n(٥) في (م) (فلا يظهر)، وفي (أ) لعلها (فما يظهر).\n(٦) ينظر في كلف: \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣١٧٥، \"المفردات\" ص ٤٤١، \"اللسان\" مادة: (كلف) ٧/ ٣٩١٧. قال الراغب: وتكلُّف الشيء ما يفعله الإنسان بإظهار كلَفٍ مع مشقة تناوله في تعاطيه، وصارت الكُلْفة في التعارف اسما للمشقة، والتكلُّف: اسم لما يفعل بمشقة أو تصنع أو تشبع.\n(٧) في (ي) (بمنزلة).\n(٨) ينظر في وسع: \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٨٨٩، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١١٤٢، \"المفردات\" ص ٥٣٨، \"اللسان\" ٨/ ٤٨٣٥ مادة: وسع، \"البحر المحيط\" ٢/ ٢١٤، وذكر الراغب أن السعة تقال في الأمكنة وفي الحال كقوله تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ﴾ [الطلاق: ٧] =","vol":"4","page":249},{"text":"وقوله تعالى: ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ﴾ الاختيار فتح الراء (١) من تضارّ، وموضعه جزم على النهي، والأصل: لا تضارر، فأدغمت الراء الأولى في الثانية، وفتحت الثانية لالتقاء الساكنين، وهذا الاختيار في التضعيف إذا كان قبله فتح أو ألف، تقول: عَضَّ يا رجلُ، وضارَّ زيدًا (٢) يارجلُ (٣).\nوالمعنى: لا ينزع الولد منها إلى غيرها بعد أن رضيت بإرضاعه (٤) وألفها الصبي، ولا تلقيه هي إلى أبيه (٥) بعد ما عرفها، تضاره بذلك (٦).\nوقيل معناه: لا تضارَّ والدة فتكره على إرضاع الصبي إذا قبل من غيرها وكرهت هي رضاعه؛ لأن ذلك ليس بواجب عليها، ﴿وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ﴾ يكلف (٧) أن يُعْطِي الأم إذا (٨) لم يرتضع الولد إلا منها أكثر مما يجب لها\n_________\n= من سعته، والوُسع من القدرة ما يفضل عن قدر المكلف، قال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، تنبيها أنه يكلف عبده دُوَيْن ما ينوء به قدرته، وقيل: يكلفه ما يثمر له السعة، وهي الجنة.\n(١) كذا قرأ نافع وحفص عن عاصم وحمزة والكسائي وابن عامر: (لا تضارَّ)، وقرأ الباقون من السبعة: (تضارُّ). ينظر: \"السبعة لابن مجاهد\" ص ١٨٣، و\"النشر\" ١/ ٢٢٧.\n(٢) في (ي): (زيد).\n(٣) كذا نقله من \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٣١٣.\n(٤) في (م): (وأصابك وألفها).\n(٥) في (ش) (أمه).\n(٦) ينظر: \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ١٥٠، \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٣١٣، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١١٤٦، \"البحر المحيط\" ٢/ ٢١٥.\n(٧) في (ي): (فكلف)، في (ش): (فيكلف).\n(٨) في (ش): (إذ).","vol":"4","page":250},{"text":"عليه. وهذان القولان على مذهب الفعل المبنى للمفعول نهيًا (١).\nويحتمل أن يكون الفعل لهما، ولكون تضارّ على مذهب ما قد سُمي فاعله، وكان في الأصل: لا تضارر، فأدغمت (٢).\nوالمعنى: (لا تُضارَّ والدة) فتأبى أن ترضع ولدها لتشق على أبيه، (ولا مولود له) أي: ولا يضارَّ الأب أمّ الصبي فيمنعها من إرضاعه وينزعه منها، والضرار يرجع إلى الوالدين، يضار كل واحد منهما صاحبه بسبب الولد (٣)، ويجوز أن يكون الضرار راجعًا إلى الصبي، أي: لا يضار كل واحد منهما الصبي (٤)، فلا ترضعه الأم حتى يموت، ولا ينفق الأب أو ينزعه من أمه حتى يضر بالصبي، وتكون الباء زائدة على تقدير: لا تضار والدة ولدَها، ولا أبٌ ولدَه، وكل هذه الأقاويل مروية عن المفسرين (٥).\nوقرأ ابن كثير وأبو عمرو: (لا تضارُّ) برفع الراء على الخبر منسوقًا على قوله: (لا تكلف) وأتبع ما قَبْلَه ليكونَ أحسنَ في تشابه اللفظ.\nفإن قلت: إن ذلك خبر، وهذا أمر؟ قيل: والأمر يجيء على لفظ الخبر، كقوله: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، وقد سبق نظائره (٦).\n_________\n(١) \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١١٤٦ - ١١٤٧.\n(٢) \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١١٤٧، \"البحر المحيط\" ٢/ ٢١٥.\n(٣) ينظر: \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١١٤٧، \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٣١٣، \"تفسير القرطبي\" ٣/ ١٦٧.\n(٤) من قوله: أي لا يضار .. ساقط من (ي).\n(٥) من \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١١٤٨، وأورده أيضًا البغوي في \"تفسيره\" ١/ ٢٧٨، وينظر \"تفسير الطبري\" ٢/ ٤٩٦، \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٣١٣، \"تفسير ابن أبي حاتم\" ٢/ ٤٣٠ - ٤٣٢.\n(٦) نقله من \"الحجة\" لأبي علي ٢/ ٣٣٣ بمعناه.","vol":"4","page":251},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ هذا منسوق على قوله: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ﴾ يعني: على وارث الصبي الذي لو مات الصبي وله مال ورثه، مثل الذي كان على أبيه في حياته، وأراد بالوارث من كان من عصبته كائنًا من كان من الرجال (١)، في قول عمر بن الخطاب (٢) وإبراهيم (٣) والحسن (٤) ومجاهد (٥) وعطاء (٦) وسفيان (٧).\nوقال بعضهم: هو وارث الصبي كائنًا من كان من الرجال والنساء، وهو قول قتادة (٨) والحسن بن صالح (٩) وابن أبي ليلى (١٠)، ومذهب أحمد (١١)\n_________\n(١) \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١١٤٨، والبغوي في \"تفسيره\" ١/ ٢٧٨.\n(٢) أخرجه عبد الرزاق في \"المصنف\" ٧/ ٥٩، وسعيد بن منصور ٢/ ١٤٤، والطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٥٠٠، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٢/ ٤٣٢.\n(٣) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٥٠١، وذكره ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٢/ ٤٣٣.\n(٤) أخرجه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" ٥/ ٢٤٧، وأبو عبيد في \"الأموال\" ص ٣٠٥، والطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٥٠٠.\n(٥) تفسير مجاهد ١/ ١٠٩، وأخرجه الطبري ٢/ ٥٠١، وذكره ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٢/ ٤٣٣.\n(٦) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٥٠١، وذكره ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٢/ ٤٣٣.\n(٧) روى عنه عبد الرزاق في \"المصنف\" ٧/ ٦١ ما يوافق القول الثاني، وذكره ابن أبي حاتم ٢/ ٤٣٣.\n(٨) رواه عبد الرزاق في \"المصنف\" ٧/ ٦١، والطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٥٠١.\n(٩) ذكره عنه الثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ١١٥٠، والمروزي في \"اختلاف العلماء\" ص ١٥٦، والحسن بن صالح اسمه: حيان الثوري الهمداني، ثقة فقيه عابد، رمي بالتشيع توفي سنة ١٦٩. ينظر \"حلية الأولياء\" ٧/ ٣٢٧، و\"سير أعلام النبلاء\" ٧/ ٣٦١.\n(١٠) ذكره عنه الثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ١١٥٠، والمروزي في \" اختلاف العلماء\" ١٥٦.\n(١١) \"المغني\" ١١/ ٣٨١، و\"زاد المعاد\" ٥/ ٥٤٨.","vol":"4","page":252},{"text":"وإسحاق (١)، قالوا: يجبر على نفقه الصبي كل وارث (٢) على قدر ميراثه عَصَبَةً كانوا أو غيرهم.\nوعند أبي حنيفة: يجبر على نفقة الصبي مِن ورثته مَن كان محرمًا، ومن لم يكن محرما مثل ابن العم والمولى فليسوا ممن عناهم الله بقوله: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ عند أبي حنفية وأصحابه (٣).\nوقال آخرون: أراد بالوارث، الصبي نفسه الذي هو وارث أبيه المتوفى، عليه أجر (٤) رضاعه (٥) في ماله، إن كان له مال، وإن (٦) لم يكن له مال أجبرت (٧) أمه على رضاعه، ولا يجبر على نفقة الصبي إلا الوالدان، وهو قول مالك (٨) والشافعي (٩).\nوقال كثير من أهل العلم: أراد بالوارث الباقي من الوالدين بعد الآخر، عليه مثل ما كان على الأب من أجر (١٠) الرضاع والنفقة والكسوة (١١).\n_________\n(١) \"اختلاف العلماء\" للمروزي ص ١٥٦، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١١٥١.\n(٢) قوله كائنًا من كان .. ساقط من (ش).\n(٣) ينظر \"مختصر الطحاوي\" ص ٢٢٤، \"أحكام القرآن\" للجصاص ١/ ٤٠٧.\n(٤) في (ي): (المتوفى آخر).\n(٥) في (ش): (رضاعة).\n(٦) في (ي) و(ش): (فإن لم).\n(٧) في (م) و(ي): (أجبر).\n(٨) ينظر \"اختلاف العلماء\" للمروزي ص ١٥٦، و\"الإيضاح\" لمكي ص ١٨٠.\n(٩) ينظر: \"الأم\" ٥/ ٩٧، و\"أحكام القرآن\" للكيا الهراسي ١/ ٢٧١.\n(١٠) في (ي): (آخر).\n(١١) ينظر: \"تفسير الطبري\" ٢/ ٥٠٢، \"تفسير ابن أبي حاتم\" ٣/ ٤٣٣، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١١٥٢، \"والنكت والعيون\" ١/ ٣٠٠، و\"تفسير البغوي\" ١/ ٢٧٨.","vol":"4","page":253},{"text":"وقال الشعبي (١) والزهري (٢) والزجاج (٣)، ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ يعنى: ألا يضارَّ (٤).\nوقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرَادَا﴾ يعنى: الوالدين ﴿فِصَالًا﴾ فطامًا، لانفصال المولود عن الاغتذاء بثدي أمه إلى غيره من الأقوات.\nقال المبرد: يقال: فَصَلَ الولدُ عن أمِّه فِصَالًا وفَصْلًا، وقد قُرئ بهما (٥) (٦) في قوله: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ﴾ [الأحقاف: ١٥]، والفِصالُ أحسن؛ لأنه إذا انفصل من أمِّهِ فقد انْفَصَلَتْ منه أُمُّهُ، فبينهما فِصَالٌ، نحو: القِتال والضِّرَاب. ويقال: فَصَلْتُه فَصْلًا وفِصَالًا كالكِتَاِب والضِّرَاب (٧) والحِسَابِ واللِّقَاء، ومنه سُمِّيَ الفَصِيل فَصِيلًا؛ لأنه مَفْصُول عن أمِّه (٨).\n﴿عَنْ تَرَاضٍ﴾ منهما، يعني: قبلَ الحولين، لأن بعد الحولين لا يجب\n_________\n(١) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٥٠٤، وذكره ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٢/ ٤٣٣، وروى عنه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" ٥/ ٢٤٤ أن المراد بقوله: (مثل ذلك)، رضاع الصبي.\n(٢) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٥٠٤.\n(٣) \"معاني القرآن\" ١/ ٣١٣.\n(٤) ذكره إيضًا البغوي ١/ ٢٧٨.\n(٥) في (ش): (بها)، وفي (ي): (منها).\n(٦) قرأ يعقوب من العشرة بفتح الفاء وإسكان الصاد (وفصْله) وكذا روي عن الحسن، وقرأ الباقون بكسر الفاء وفتح الصاد وألف بعدها (وفِصاله). ينظر \"النشر\" ٢/ ٣٧٣، و\"البدور الزاهرة\" ص ٦٣، و\"القراءات الشاذة وتوجيهها من لغة العرب\" للقاضي ص ٨١.\n(٧) زيادة من (م).\n(٨) ما ينظر في فصل: \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٧٩٥، \"المفردات\" ص ٣٨٢ - ٣٨٣،\"لسان العرب\" ٦/ ٢٤٢٣.","vol":"4","page":254},{"text":"على واحد منهما اتِّبَاعُ الآخر.\nوقوله تعالى: ﴿وَتَشَاوُرٍ﴾ معنى التَّشَاوُر في اللغة: استخراج (١)، وكذلك المَشْوَرَة، والَمُشْوَرَة مَفْعَلَةٌ منه (٢) كالمَعُونَةِ، ونظيرها: المَيْسَرَة.\nوشُرتُ العسلَ: استخرجته، وأنشد أبو زيد لحاتم:\nوليس على ناري حِجَابٌ أكفُّها ... لمُسْتَقْبِسٍ لَيلًا ولكِنْ أَشيْرُها (٣)\nقال أبو حاتم والرياشي: أشيرُها: أرفعها. وهذا يعود إلى ما ذكرنا، لأنه أراد أنه يوقدها في البراز والتِّلاع دون (٤) الوِهَاد، ليقْصِدَها الغَاشِيةُ من الطُّرَّاق.\nوقال أبوزيد: شِرتُ الدابةَ، وشَوَّرْتُها أَجْرَيْتُها لاستخراج جَرْيها.\nوالشَّوَار: متاعُ البيت؛ لأنه يَظْهَر للناظِر، وقولهم: تَشَوَّرَ وشَوَّرْتُه، قيل: إن أصله أَنّ رجلًا بَدَتْ عورته وظهرت (٥)، وكان معنى تَشَوَّرَ (٦) ظهر ذلك، وشوَّرْتُه: فعلتُ به ذلك الفعلَ، أو مثله فيما فيه حِشمة ومنه خَجَلٌ. وتسميتهم للذكرِ شَوَارًا يُشبهُ أن يكونَ من ذلك. قال أبوزيد: يقالُ للرجالِ إذا دعوت عليه: أبدى الله شَوارَك. وشَوَارُهُ: مذاكيره (٧).\n_________\n(١) في (ش): استخراج المشورة، وعند الثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ١١٥٣: استخراج الرأي.\n(٢) ساقطة من (ش).\n(٣) البيت في ديوانه ص ٢٣٢.\n(٤) ساقطة من (ي).\n(٥) في (م): (فظهرت)، وفي (ش) ساقطة.\n(٦) في (ي): (شور).\n(٧) نقله عنه في \"تهذيب اللغة\" ١١/ ٤٠٥.","vol":"4","page":255},{"text":"والشارة: هيئة الرجل؛ لأنه ما يظهر (١) من زيِّهِ ويبدو من زينته.\nوالإشارة: إخراجُ ما في نفسك وإظهاره للمخاطب بالنطق وبغيره (٢).\nوالمعنى: أنهما إن تشاورا وتراضيا على الفطام قبل الحولين فلا بأس إذا كان الولد قويًا، وليس لهما ذلك مع ضعفه (٣).\nوقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ﴾ أي: لأولادكم، وحذفت اللام اجتزاء بدلالة الاسترضاع؛ لأنه لا يكون إلا للأولاد، ولا يجوز: دعوت زيدًا، وأنت تريد لزيد؛ لأنه يلتبس هاهنا، بخلاف ما قلنا في الاسترضاع (٤).\nوالمعنى: إن أردتم أن تسترضعوا لأولادكم مراضع غير الوالدة فلا إثم عليكم (٥).\nوقوله تعالى: ﴿إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾.\nقال مجاهد (٦) والسدي (٧): إذا سلمتم إلى الأم أجرتها بمقدار ما أرضعت.\n_________\n(١) في (ش): (لأنه يظهر).\n(٢) ينظر في شور: \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٨٠٣، \"المفردات\" ص ٢٧٣، \"اللسان\" ٤/ ٢٣٥٦. قال الراغب: والمشورة استخراج الرأي بمراجعة البعض إلى البعض، في قولهم: شِرت العسل، إذا اتخذته من موضعه واستخرجته منه.\n(٣) بنحو معناه ذكر البغوي في \"تفسيره\" ١/ ٢٧٩، والزجاج في \"معاني القرآن\" ١/ ٣١٣.\n(٤) ينظر: \"التبيان\" ص ١٣٩، \"البحر المحيط\" ٢/ ٢١٨، في تفصيل الاسترضاع وتعديه بحرف أو دون حرف.\n(٥) كذا في \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٣١٤، وينظر \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ٣١٧، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١١٥٣.\n(٦) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٥٠٩، \"ابن أبي حاتم\" ٢/ ٢٣٧.\n(٧) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٥٠٩، \"ابن أبي حاتم\" ٢/ ٤٣٥.","vol":"4","page":256},{"text":"وقال سفيان (١): إذا سلمتم أجرة المسترضعة.\nوقرأ ابن كثير: (ما أتيتم) بقصر الألف (٢).\nوحجته: ما روي عن الزهري في هذه الآية، أنه قال: التسليم هاهنا بمعنى: الطاعة والانقياد (٣). يعني: إذا سلمتم للاسترضاع عن تراض واتفاق دون الضرار (٤).\nوكذلك قال ابن عباس في رواية عطاء، قال (٥): إذا سلمت أمُّه ورَضِيَ أبوه، لعلَّ له غِنًى يشتري له مرضعًا (٦).\nومعنى: أتيتم هاهنا فعلتم، يعني: إذا سلمتم ما أتيتموه من الإنفاق، كما تقول: أتيت جميلًا، أي: فعلته. قال زهير:\nوما يَكُ من خَيْرٍ أتَوْه فإنمَّا ... تَوَارَثَه آباءُ آبائِهِم قَبْلُ (٧)\nيعني: فعلوه وقصدوه. والباء في (بالمعروف) يجوز أن تتعلق بـ سلمتم، كأنه: إذا سلمتم بالمعروف، ويجوز أن تتعلق (٨) بالإيتاء على قراءة العامة (٩).\n_________\n(١) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٥٠٩.\n(٢) ينظر: \"السبعة لابن مجاهد\" ١٨٣.\n(٣) أخرجه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٢/ ٤٣٥، وينظر \"تفسير البغوي\" ١/ ٢٧٩.\n(٤) \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١١٥٤، وذكره البغوي في \"تفسيره\" ١/ ٢٧٩ على أنه قول آخر غير التسليم الذي بمعنى الطاعة والانقياد.\n(٥) ساقطة من (ي).\n(٦) فقد تقدم الحديث عن هذه الرواية في قسم الدراسة من المقدمة.\n(٧) ورد البيت هكذا:\nوما يك من خير أتوه فإنما ... توارثهم آباء آبائهم قبل\nوالبيت في ديوانه ص ٥٨. \"البحر المحيط\" ٢/ ٢١٨.\n(٨) في (ش): (يتعلق).\n(٩) من قوله: ومعنى أتيتم، ... من كلام أبي علي الفارسي في \"الحجة\" ٢/ ٣٣٦ =","vol":"4","page":257},{"text":"ثم عطف على جميع (١) هذه الحدود والأحكام الوصية بالتقوى فيها فقال: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-451>٢٣٤ </span>- قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ الآية، ﴿يُتَوَفَّوْنَ﴾ معناه: يموتون ويُقْبَضُون.\nوأصلُ التَّوَفِّي: أخذُ الشيء وافيًا، يقال: تَوَفَّى الشيءَ واسْتَوفَاه، وتُوُفِّي فلانٌ وتَوَفَّى إذا مات، فمن قال تُوفي كان (٢) معناه قُبض وأُخِذَ، ومن قال: تَوَفَّى، معناه: تَوَفَّى أَجَلَه، واسْتَوْفَى أُكُلَه وعُمُرَه (٣).\nوعلى هذا قراءة علي ﵁ (يَتَوفون) بفتح الياء (٤).\n﴿وَيَذَرُونَ﴾ معناه: يتركون، ولا يستعمل منه الماضي ولا المصدر، استغناء عنهما بترك تركًا، ومثله أيضًا: يدع في رفض مصدره وماضيه (٥).\nقال ابن المظفر: العربُ قد أماتت المصدر من يذر والفعل الماضي، واستعملته في الغابر (٦) والأمر، فإذا أرادوا المصدر قالوا: ذَرْه تَرْكًا (٧).\n_________\n= بنحوه، وينظر \"البحر المحيط\" ٢/ ٢١٨.\n(١) في (ش) (جمع).\n(٢) ساقطة من (ي).\n(٣) ينظر في توفي: \"تهذيب اللغة\" ١٥/ ٥٨٤ - ٥٨٧، \"المفردات\" ٥٤٣، \"لسان العرب\" ١٥/ ٤٠٠ - ٤٠١ (مادة: وفي).\n(٤) عزاها إليه ابن جني في \"المحتسب\" ١/ ١٢٥، وأبو حيان في \"البحر المحيط\" ٢/ ٢٢٣.\n(٥) تنظر مادة وذر، في: \"اللسان\" ٨/ ٤٨٠٥، \"البحر المحيط\" ٢/ ٢٢٠.\n(٦) هكذا في الأصل، وفي \"اللسان\" ٨/ ٤٨٠٥، ووردت (الحاضر) في \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٨٦٦.\n(٧) نقله عنه الأزهري في \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٨٦٦.","vol":"4","page":258},{"text":"وقال ابن السِّكِّيت: يقال: ذر ذا ودع، ولا يقالُ: وَذَرْتُه ولا ودعته، وأمَّا في الغابر (١) فيقال: يذره ويدعه، ولا يقال: واذِرٌ ولا وادِعٌ، ولكن يقال: تركته فأنا تاركٌ (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ﴾ ابتداء، ولابد للابتداء من خبر يكون هو أو يكون له فيه ذكر. واختلف النحويون في خبر (الذين) هاهنا:\nفقال الأخفش: المعنى: يتربصن بعدهم (٣). وقال المبرد: التقدير والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجًا أزواجهم يتربصن (٤).\nوقال الكسائي: المعنى: يتربصْنَ أزواجهم، فكنى الله عن الأزواج، فجاءت النون دالة على تأنيث المضمر (٥).\nوقال الفراء (٦): ترك الخبر عن (الذين) وأخبر عن الأزواج؛ لأن المعنى على ذلك، قال: والعرب تذكر اسمين ثم تترك الأول بلا خبر، وتخبر عن الثاني، وأغنى الإخبار عن الثاني الإخبار عن الأول، كذلك\n_________\n(١) هكذا في الأصل، وفي \"اللسان\" ٨/ ٤٨٠٥، وصوابه: الحاضر، كما في \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٨٦٦، وهو المصدر الذي ينقل عنه الواحدي وابن منظور.\n(٢) نقله عنه الأزهري في \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٨٦٦. وينظر في المادة \"المفردات\" ص ٥٣٣، \"اللسان\" ٨/ ٤٨٠٥، \"البحر المحيط\" ٢/ ٢٢٠.\n(٣) \"معاني القرآن\" ١/ ١٧٦، ونصه: فخبر (والذين يتوفون) يتربصن بعد موتهم، ولم يذكر بعد موتهم، كما يحذف بعض الكلام، تقول: ينبغي لهن أن يتربصن، فلما حذف ينبغي وقع يتربصن موقعها.\n(٤) نقله عنه في \"البحر المحيط\" ٢/ ٢٢٢.\n(٥) ينظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٣١٤ - ٣١٥، \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ٣١٧، \"البحر المحيط\" ٢/ ٢٢٢.\n(٦) ساقط من (ي).","vol":"4","page":259},{"text":"ههنا أخبر عن الأزواج وترك الذين. والمعنى عنده: وأزواج الذين يتوفون منكم يتربصن، وأنشد:\nلَعلِّي إن مَالَتْ بي الرِّيحُ مَيْلةً ... على ابن أبي ذِبَّانَ أن يَتَنَدَّما (١)\nقال: المعنى: لعل ابن أبي ذِبان أن يتندم أن مالت بي الريح ميلة عليه (٢)، فأخبر عن الابن واكتفى بخبره من خبر الياء في لعلي (٣).\nقال أبو إسحاق: وهذا القول غير جائز، لا يجوز أن يبتدأ بالاسم ولا يحدث عنه؛ لأن الكلام إنما وضع للفائدة، فما لا يفيد فليس بصحيح، والذي هو الحق في هذه المسألة: أن ذكر الذين قد جرى ابتداء، وذكر الأزواج قد جرى متصلا بصلة الذين، فصار الضمير الذي في (يتربصن) يعود على الأزواج مضافات إلى الذين، كأنك قلت: يتربصن أزواجهم. قال: ومثل هذا من الكلام: الذي يموت ولخلف ابنتين ترثان الثلثين، المعنى: ترث ابنتاه الثلثين (٤).\n_________\n(١) البيت لثابت بن كعب العتكي المعروف بثابت قطنة من أبيات قالها يرثي بها يزيد بن المُهَلِّب ينظر \"تاريخ الطبري\" ٢/ ٥١١، و\"المخصص\" ١٣/ ١٧٥. \"البحر المحيط\" ٢/ ٢٢٢ والبيت دون نسبة في \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ١٥٠، \"تفسير الطبري\" ٢/ ٥١١، \"معاني القرآن\" و\"إعرابه\" للزجاج ١/ ٣١٥ والصاحبي في فقه اللغة ص ٢١٧ \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١١٥٥، وأبو ذُبّان: كنية عبد الملك بن مروان؛ لأنه كان أبخرًا لفسادٍ كان في فمه، وأراد بابنه: هشام بن عبد الملك. ينظر \"لسان العرب\" ٣/ ١٤٨٤ [ذبب].\n(٢) \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ١٥٠ - ١٥١، وذكر أبو حيان في \"البحر المحيط\" ٢/ ٢٢٢ ردا عليه.\n(٣) \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ١٥٠ - ١٥١ \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٣٥١.\n(٤) \"معاني القرآن\" لأبي إسحاق الزجاج ١/ ٣١٥ - ٣١٦.","vol":"4","page":260},{"text":"وهذا الذي ذكره أبو إسحاق هو قول أبي العباس بعينه، إلا أنه مَثَّل مثالًا لا يليق بما قدَّمه من الكلام والتقدير؛ لأنه مثل بالفعل والفاعل، وكان ينبغي أن يمثل بالمبتدأ والخبر، ألا ترى أنه قال: فصار الضمير الذي في يتربصن يعود على الأزواج مضافات إلى الذين، وإذا كان كذلك، وجب أن يكون ما يرجع إليه الضمير الذي في (يتربصن) يرتفع بالابتداء، وإذا ارتفع بالابتداء (١)، وجب أن يمثل بالابتداء، ليكون المثال مطابقًا للوصف، فيقول بدل قوله: يتربصن أزواجهم، أزواجهم يتربصن، وكذلك: الذي يموت ويخلف ابنتين يرثان الثلثين (٢).\nثم قال: المعنى: يرث (٣) ابنتاه الثلثين، والمعنى: كذا من حيث (٤) كان معنى الفعل والفاعل والمبتدأ والخبر هاهنا واحدًا، إلا أن الأشبه بغرضه، والأولى أن يقول: ابنتاه يرثان الثلثين (٥)، وهذا نقد عليه في اللفظ لا في المعنى.\nقال أبو علي الفارسي في تأويل هذه الآية: وتقدير المحذوف منها خلاف، فالواضح منها: أن الذين يرتفع بالابتداء، وإذا ارتفع بالابتداء فلا يخلو خبره من حكم خبر الابتداء، وهو أن يكون هو هو، أو يكون له فيه ذكر. ولا يجوز (٦) أن يكون على هذا الظاهر الذي هو عليه، لخلوه من ضربي\n_________\n(١) قوله: \"وإذا ارتفع بالابتداء\". ساقطة من (ي).\n(٢) في (ش): (الثلث).\n(٣) في (ش): (ترث).\n(٤) في \"الإغفال\": والمعنى -لعمري- يقرض كذا.\n(٥) من الإغفال ص ٥١٨ - ٥١٩ بتصرف.\n(٦) في \"الإغفال\" ص ٥٢٠: ولا يجوز عندنا.","vol":"4","page":261},{"text":"خبر الابتداء، فالذي يحتمله القول في ذلك: أن يكون المعنى: يتربصن بعدهم، على ما قاله أبو الحسن الأخفش (١)، والمعنى على هذا (٢)، لأن المراد: أن أزواج المتوفين يتربصن عن التزوج بعدهم أربعة أشهر وعشرًا، وإذا كان المعنى عليه، جاز حذف هذا الذي يتعلق به هذا الراجع إلى المبتدأ من جملة الخبر (٣)، يدل على جواز ذلك وحسنه: إجازة الناس: السمنُ مَنَوَانٍ بدرهم، والمعنى على: منوان منه بدرهم، لا يستقيم الكلام إلا بتقدير ذلك، لأن المنوين ليس بالسمن، إنما هو عبارة عن المقدار.\nوإذا كان كذلك فلابد (٤) من راجع يرجع إليه، وجاز الحذف هاهنا في الجار والمجرور للعلم به والدلالة عليه واقتضاء الكلام (٥) (٦).\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للأخفش ١/ ٣٧٢، وينظر\"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ٣٧١ \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١١٥٦.\n(٢) اختصر الواحدي الكلام، وتمامه في \"الإغفال\" ص ٥٢٠: وهذا قول أبي الحسن، أو أن يكون: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ﴾. أخبرنا بهذا القول أبو بكر عن أبي العباس، وهذا هو الذي ذهب إليه أبو إسحاق أيضا، أو يكون ما ذهب إليه الكسائي من أن المعنى: يتربصن أزواجهم، ثم كنى عن الأزواج.\n(٣) اختصر الكلام، وتمامه في \"الإغفال\" ص ٥٢١: إذ الخبر إذا عرف جاز حذفه بأسره، فإذا جاز حذف جميعه جاز حذف بعضه.\n(٤) في (ش) (ولابد).\n(٥) ساقطة من (م) و(أ).\n(٦) في \"الإغفال\" ص ٥٢١ ورد الكلام هكذا: فإذا كان ذلك كذلك، فلابد من راجعين يرجع كل واحد منهما إلى كل واحد من المبتدأين، فالذي يرجع إلى الأول هو هذا الضمير المتصل بالجار المحذوف مع الجار، والذي يرجع إلى الثاني ما في الظرف، وجاز الحذف هنا في الجار والمجرور للعلم به، والدلالة عليه، واقتضاء الكلام له.","vol":"4","page":262},{"text":"وهذه المعاني كلها قائمة في الآية، وإذا كان كذلك جاز تأويل أبي الحسن هذه المسألة التي لا خلاف في جوازها، وهذا القول أمثل من قول أبي العباس: أن التقدير: أزواجهم يتربصن، فحذف الأزواج، وحَذْفُ المبتدأ في كلامهم كثير، نحو: ﴿قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ النَّارُ﴾ [الحج: ٧٢] يعني: هو النار، وقوله: ﴿فَصَبُرُ جمَيلٌ﴾ [يوسف: ١٨]، لأن أبا العباس يقدر حذف مبتدأ مضاف، فيوالي بين الحذفين حذف المبتدأ، وحذف المضاف إليه مع اقتضاء الكلام لكل واحد منهما، أما اقتضاؤه للمبتدأ فلأن له خبرًا أسند إليه (١) وهو قوله: ﴿يَتَرَبَّصْنَ﴾، وأما اقتضاؤه للضمير فلأنه يرجع إلى قوله: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ﴾ وليس إذا جاز حذف شيء جاز حذف شيئين، وليس حد حذف المبتدأ المضاف كحد حذف المبتدأ المفرد غير المضاف؛ لأن المضاف شيئان: المبتدأ والضمير.\nولأبي العباس أن يقول: حذف المبتدأ المضاف يسوغ من حيث ساغ حذف المفرد، لأن المفرد إنما ساغ حذفه للدلالة عليه، والدلالة (٢) إذا قامت على حذف المضاف قيامها على حذف المفرد، وجب أن يكون جوازه كجوازه؛ لمشاركته المفرد فيما له جاز الحذف، وقيام الدلالة على حذف المضاف: أن الأزواج قد تقدم ذكرهن في الصلة، فإذا تقدم ذكرهن ساغ إضمارهن وحسن، ألا ترى أنه لو قيل له: أين زيد؟ ساغ أن يقول (٣): في السوق، ويضمر الاسم لجَرْي ذكره، وأما حذف المضاف إليه وهو\n_________\n(١) من قوله: (الكلام لكل واحد ...) ساقط من (ش).\n(٢) في (ش) و(ي) (فالدلالة).\n(٣) في (م) (يقول).","vol":"4","page":263},{"text":"الضمير في (أزواجهم) ولتقدم (١) ذكر ما يعود هذا الضمير إليه، وجري ذكره وجري ذكر الاسم مما (٢) يسهل حذف الضمير العائد إليه، لدلالة المذكور عليه، فلا فصل إذن بين حذف المفرد والمضاف في باب الحسن والجواز، ألا ترى أنه قد جاء المضاف من المبتدأ محذوفًا كما جاء المفرد، وذلك كقوله: ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (١٩٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ﴾ [آل عمران:١٩٦ - ١٩٧] والمعنى: تقلبهم متاع قليل، فقد رأيت المضاف حذف كما حذف المفرد (٣)، فهذان القولان أجود هذه الأقوال.\nوأما قول الكسائي فليس بالمتجه؛ لأن المبتدأ على قوله ليس يعود إليه ذكر، لا مثبت ولا محذوف، وليس تقديره كواحد من هذين التقديرين في المساغ، ألا ترى أن المثبت في الكلام لا يرجع منه إلى المبتدأ شيء، وقد استقل الفعل بفاعله في ﴿يَتَرَبَّصْنَ﴾ وليس بهذه الجملة افتقار إلى ذلك الضمير الذي تقدره، لأن (يتربصن) مستقلة بالأزواج الظاهرة فلم يضمر عائدًا على المبتدأ، كما أضمر أبو الحسن وأبو العباس (٤).\nوأما قول الفراء: إنه (٥) اعتمد على الثاني ورفض الأول، فبعيد من الصواب جدًا، ومن فساده أنه ينكسر عليه قوله، وذلك أنه يقول؛ إن الأول مرتفع بالثاني، فإذا اعتمد على الثاني ورفض الأول لم يكن له برافع، وإذا لم يكن له برافع (٦) وجب أن لا يرتفع، فارتفاعه وظهور الرفع فيه يدفع ذلك\n_________\n(١) في (م) (ليقدم)، وفي (ي) و(أ) غير منقوط.\n(٢) في (أ) و(م) (فما).\n(٣) من كلام أبي علي في الإغفال ص ٥٢٦، بتصرف واختصار.\n(٤) من كلام أبي علي في الإغفال ص ٥٢٦ - ٢٢٧، بتصرف كثير واختصار.\n(٥) في (ي) (فإنه).\n(٦) قوله: وإذا لم يكن له برافع ساقطة من (ي).","vol":"4","page":264},{"text":"ويمنع منه.\nوالمبتدأ (١) إنما يذكر ويلقى إلى المخاطب ليسند إليه حديث (٢) يُفَاده (٣) المخاطب، وإذا كان كذلك، علمت أن رفضه خلاف الغرض الذي يقصد به، وهذا في المعنى فاسد مرذول، وليس في كلامهم (له) نظير (٤)، وما احتج به من البيت يجوز على حذف: أن يتندم لأجلي، لا على أنه ترك الأول (٥).\nوقوله تعالى: ﴿وَعَشْرًا﴾ بلفظ التأنيث، وأراد الأيام، وإنما كان كذلك تغليب الليالي على الأيام إذا (٦) اجتمعن في التاريخ وغيره، وذلك أن ابتداء الشهر يكون بالليل، فلما كانت الليالي الأوائل غلبت، لأن الأوائل أقوى من الثواني (٧).\nقال ابنُ السِّكِّيت: يقولون (٨): صمنا خمسًا من الشهر، فيغلبون\n_________\n(١) في (ي): (فالمبتدأ).\n(٢) في (ش): (حديثًا).\n(٣) في الإغفال: (بإفادة).\n(٤) من كلام أبي علي في \"الإغفال\" ص ٥٢٨.\n(٥) ينظر: في إعراب الآية: \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ٣١٧ - ٣١٨، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١١٥٤، \"التبيان\" ص ١٤٠، \"البحر المحيط\" ٢/ ٢٢٢. وذكر قول سيبويه، وحاصله: أن (الذين) مبتدأ، والخبر محذوف تقديره: وفيما يتلى عليكم حكم الذين يتوفون منكم، ومثله: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ [المائدة: ٣٨].\n(٦) في (ي): (فإذا).\n(٧) ينظر: \"الكتاب\" لسيبويه، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١١٥٩، \"شرح الكافية الشافية\" ٣/ ١٦٩٠ - ١٦٩٢، \"الأصول\" لابن السراج ٢/ ٤٢٨ - ٤٢٩، \"همع الهوامع\" ٢/ ١٤٨.\n(٨) في (ي): (يقول).","vol":"4","page":265},{"text":"الليالي على الأيام، إذا لم يذكروا الأيام وإنما يقع الصيام على الأيام؛ لأن ليلة كل يوم قبله، فإذا أظهروا الأيام قالوا: صُمنا خمسة أيام (١).\nقال الزجاج: وإجماع أهل اللغة: سرنا خمسًا بين يوم وليلة (٢)، وأنشدوا للجعدي:\nفَطَافَتْ ثَلاثًا بَيْن يَوْمٍ ولَيْلَةٍ ... وكان النَّكِيُر أن تُضيفَ وتَجْأَرا (٣)\nوفيه وجه آخر لأصحاب المعاني: وهو أنه أنث العشر لأنه أراد الليالي، والعرب تذكر الليالي والمراد بها الأيام، كقولهم: خرجنا ليالي الفتنة، وخفنا ليالي إمارة الحجاج، وقال أبو عمرو بن العلاء: هربنا ليالي إمارة الحجاج.\nوإنما يُراد الأيام بلياليها، وهذا قريب من الأول (٤).\nوكان المبرد يقول: إنما أنث العشر لأن المراد به المدة، معناه: وعشر مدد، وتلك المدد كل مدة منها يوم وليلة، والليلة مع اليوم مدة معلومة من الدهر (٥).\nوذهب بعض الفقهاء إلى ظاهر الآية فقال: إذا انقضى لها أربعة أشهر\n_________\n(١) \"لسان العرب\" ٢/ ١٢٦٢ (مادة: خمس).\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٣١٦.\n(٣) البيت في ديوانه ص ٤١، و\"الكتاب: لسيبويه\" ٣/ ٥٦٣، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١١٦٠و\"الكتاب: لسيبويه\" ٣/ ٥٦٣، \"لسان العرب\" ٢/ ١٢٦٢ (مادة: خمس) والشاعر يصف بقرة فقدت ولدها.\n(٤) ينظر: \"البحر المحيط\" ٢/ ٢٢٣ - ٢٢٥.\n(٥) نقله في \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١١٦٠، \"المحرر الوجيز\" ٢/ ٣٠٠، \"البحر المحيط\" ٢/ ٢٢٣.","vol":"4","page":266},{"text":"وعشُر ليال حلت للأزواج، فتأول العشر لليالي، وإليه ذهب الأوزاعي وأبو بكر الأصم (١).\nومعنى الآية: بيان عدة المتوفى عنها زوجها، وأنها تعتد من حين وفاة الزوج أربعة أشهر وعشرًا (٢)، إلا أن تكون حاملًا، فإن عدتها تنقضي بوضع الحمل، أو تكون أمة فإنها تعتد نصف عدة الحرة (٣)، وسنذكر في سورة الحج (٤) عند قوله:\n﴿فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ [الحج: ٥] الآية: لم اختصت عدة المتوفى عنها زوجها (٥) بهذا العدد، إن شاء الله.\nوهذه الآية ناسخة (٦) لقوله: ﴿مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ [البقرة:\n_________\n(١) نقله ابن عطية في: \"المحرر الوجيز\" ٢/ ٣٠٠ - ٣٠١، والقرطبي ٣/ ١٨٦، وأبو حيان في \"البحر المحيط\" ٢/ ٢٢٣.\n(٢) من: (ليال حلت). ساقط من (ش).\n(٣) قال ابن العربي في \"أحكام القرآن\" ١/ ٢١٠: فإن كانت أمة فتعتد نصف عدة الحرة إجماعًا، إلا ما يحكى عن الأصم، وهذا الإجماع فيه نظر، فهذا ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" ٥/ ١٦٢ - ١٦٤ ينقل أن عدتها أربعة أشهر وعشرٌ عن علي وعمرو بن العاص وأبي عياض، وسعيد بن المسيب، والحسن وسعيد بن جبير والزهري وعمر بن عبد العزيز. وقد تعقب القرطبي في \"تفسيره\" ٣/ ١٨٣ قول ابن العربي فقال: قول الأصم صحيح من حيث النظر، فإن الآيات الواردة في عدة الوفاة والطلاق بالأشهر والأقراء عامة في حق الأمة والحرة، فعدة الحرة والأمة سواء على هذا النظر، فإن العمومات لا فصل فيها بين الحرة والأمة، وكما استوت الأمة والحرة في النكاح فكذلك تستوي معها في العدة والله أعلم.\n(٤) في (ي) (سورة الحجر).\n(٥) في (ي) (الزوج).\n(٦) سيأتي الحديث عن النسخ عند الآية الأخرى ٢٤٠ من سورة البقرة.","vol":"4","page":267},{"text":"٢٤٠] وإن كانت هذه مكتوبة قبلها في المصحف، إذ ليس ترتيب المصحف على ترتيب النزول، بل ترتيب التلاوة والمصاحف ترتيب جبريل بأمر الله ﷾ (١).\nوقوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ يخاطب الأولياء (٢)، لأن الرجال قوامون على النساء، مأمورون بزجرهن عن مجاوزة حدود الله، فبين أنهن إذا انقضت عدتهن لا جناح على الأولياء في تخلية سبيلهن، ليفعلن في أنفسهن بالمعروف ما يردن من تزوج الأكفاء بإذن الأولياء، وهذا تفسير المعروف (٣)، لأن التي تزوج نفسها سماها النبي - ﷺ - زانيةً (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-452>٢٣٥ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ الآية، التعريض في اللغة: ضدّ التصريح، ومعناه: تضمين الكلام دلالة على شيء ليس فيه ذكر له، وأصله: من عَرْضِ الشيء، وهو جانبه، كأنه يحوم به ولا يظهره (٥)، وينشد على هذا قول الشماخ:\n_________\n(١) ينظر: \"الإتقان\" للسيوطي ١/ ١٧٥.\n(٢) \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١١٦٠، \"تفسير البغوي\" ١/ ٢٨١.\n(٣) ينظر: \"تفسير ابن كثير\".\n(٤) روى ابن ماجه برقم (١٨٨٢) كتاب: النكاح باب: لا نكاح إلا بولي والدارقطني ٣/ ٢٢٧ والبيهقي ٧/ ١١٠ عن أبي هريرة مرفوعًا: لا تزوج المرأة المرأة، ولا تزوج المرأة نفسها، فإنه الزانية هي التي تزوج نفسها وقد صحح الألباني الحديث دون الجملة الأخيرة منه؛ فإنها موقوفة على أبي هريرة كما في البيهقي. ينظر \"إرواء الغليل\" ٦/ ٢٤٨. وروى الترمذي (١١٠٣) كتاب: النكاح، باب ما جاء لا نكاح إلا ببينة عن ابن عباس مرفوعا: البغايا اللاتي يُنكحن أنفسهن بغير بينة. ثم أورده موقوفًا وقال: هذا أصح. وأخرجه البيهقي في \"السنن الكبرى\" ٧/ ١٢٥ وقال: والصواب موقوف والله أعلم.\n(٥) \"تهذيب اللغة\" (عرض) ٢٣٩٨.","vol":"4","page":268},{"text":"كما خَطّ عِبْرَانِيَّةً بيَمِينِه ... بتَيْمَاءَ حَبْرٌ ثم عَرَّضَ أسْطُرا (١)\nقالوا في تفسير عَرَّضَ، أي: لم يبيّن، بل حرفها (٢)، ذهب (٣) مرة كذا ولم يقوِّمْها، وذلك أشبه بالرسوم.\nقال ابن الأنباري حاكيًا عن بعضهم معنى التعريض في اللغة: اتصال الشيء من الكلام إلى المخاطب (٤)، فإذا قيل: عرَّضَ به، معناه (٥): أوصل إليه كلامًا فهم معناه ودَلَّ بالذي أسمعه عليه، من قول العرب: قد عرضت الرجل. إذا أهديت إليه أوصلت إليه التحفة (٦).\nومن ذلك حديثُ عائشة: أن رسول الله - ﷺ - وأبا بكرٍ لقيا الزُّبير في رَكْبٍ قد أقبلوا من الشام يريدون مكة، فَعَرَّضُوا رسول الله - ﷺ - وأبا بكر ثيابًا بيضًا، أي (٧): أهدوها إليهما (٨).\nوالتعريض أخفى من الكناية؛ لأن الكناية عدول عن الذكر الأخصِّ إلى ذكر يدل عليه، والتعريض دلالة على شيء ليس له فيه ذكر، كقولك: ما أقبح\n_________\n(١) البيت للشماخ في \"ديوانه\" ص ١٢٩، و\"شرح القصائد السبع\" لابن الأنباري ص ٥٢٨، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١١٦١. \"لسان العرب\" ٢/ ٧٤٩ [مادة: حبر]. وتيماء: بلدة معروفة في الساحل على الطريق بين المدينة وتبوك. ينظر \"معجم البلدان\" ٢/ ٦٧، والمعجم الجغرافي للبلاد السعودية \"شمال المملكة\" ١/ ٢٧١.\n(٢) نص الأزهري \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٤٠٠: إذا لم يبين الحروف، ولم يقوّم الخطأ.\n(٣) في (ي): (وذهب).\n(٤) في (ي): (المخاطبين).\n(٥) في (ي): (معنى).\n(٦) ابن الأنباري\n(٧) ساقطة من (ي).\n(٨) الحديث ذكره في \"النهاية\" ص ٦٠٦، وعنه ابن منظور في \"اللسان\" ٥/ ٢٨٩١.","vol":"4","page":269},{"text":"البخل، تعرض (١) بأنه بخيل، والكناية كقولك: رأيته وضربته، من غير أن تذكر اسمه (٢).\nوأما الخِطْبة فقال الفراء: الخِطْبة (٣): مصدر، بمنزلة الخَطْب، وهو مثل قولك: إنه (٤) لحَسَنُ القِعْدَةِ والجِلْسَة، تريد (٥): القُعُودَ والجلوسَ (٦).\nومعى الخِطبة (٧): التماس النكاح، يقال: خَطَب فلانٌ فلانة، أي: سألها خِطبةً إليها في نفسها، أي حاجَته وأمَره، من قولهم: ما خَطْبُك، أي: ما حاجتُك وأمرك (٨).\nوقال بعضهم: أصلُ الخِطْبة: من الخطاب الذي هو الكلام، يقال: خَطَبَ المرأة خِطْبَةً؛ لأنه خاطِبٌ في عقد النكاح، وخَطَب خُطْبَة: خَاطب بالزجر والوعظ.\nوالخَطْب: الأمر العظيم، لأنه محتاج فيه إلى خطاب كثير.\nقال الليث: يقال: هو يخطبُ المرأة ويختطبها خِطبَةً وخِطِّبَى (٩)،\n_________\n(١) في (أ) يعرض أنه.\n(٢) ينظر \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٣٩٥ - ٢٤٠٣ (عرض)، \"والنهاية\" ص٦٠٤ - ٦٠٧، \"المفردات\" ص ٣٣٣، \"اللسان\" ٥/ ٢٨٩٥ (عرض).\n(٣) قوله: فقال الفراء: الخطبة. ساقطة من (أ) و(م).\n(٤) في (ش) (وأنه).\n(٥) في (أ) (يريد).\n(٦) \"معاني القرآن\" ١/ ١٥٢.\n(٧) ساقطة من (م).\n(٨) ينظر: \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١١٦٥.\n(٩) نقله عنه في \"تهذيب اللغة\" ١/ ١٠٥٢ - ١٠٥٣ مادة \"خطب\".","vol":"4","page":270},{"text":"وخِطِّيْبَى مصدر كالخطبة، كذا قال أبو عبيد وغيره وأنشدوا:\nلخطِّيبى التي غَدَرَت وخَانَت ... وهُنّ ذَوَاتُ غائِلِةٍ (١) لُحِينَا (٢)\nالمعنى: لخِطبة زباء التي غدرت بجذيمة حين خطبها إلى نفسها (٣).\nقال المفسرون: ومعنى التعريض بالخطبة: أن يقول لها وهي في العدة: إنك لجميلة، وإنك لصالحة، وإنك لنَافِقة، وإن من عَزْمي أن أتزوج، وإني فيك لراغب، وما أشبه هذا من الكلام (٤). هذا في عدة المتوفى عنها، فأما الرجعية فلا يحل التعريض بخطبتها (٥) في العدة؛ لأنها في معاني الأزواج، وأما المختلعة والمطلقة ثلاثًا فالصحيح أن التعريض بخطبتها جائز، كجوازه في عدة الوفاة (٦).\n_________\n(١) في (ش) و(ي): (عائلة).\n(٢) البيت لعدي بن زيد في ديوانه ص ١٨٢، \"تهذيب اللغة\" ١/ ١٠٥٣، \"لسان العرب\" ٢/ ١١٩٤ خطب. قال الأزهري: والمعنى: لِخْطَبة زباء وهي امرأة كانت مَلِكَةً خَطَبَها جذيمةَ الأبرش، فَغَرّرت به وأجابته، فلما دخل بلادها قَتَلَتْهُ. وقد خطأ الأزهري قول الليث: إن خطيبى في البيت اسم امرأة بل هو مصدر كالخِطبة.\n(٣) ينظر في خطب \"معاني القرآن\" للأخفش ١/ ٣٧٣، \"تهذيب اللغة\" ١/ ١٠٥٣ (خطب)، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١١٦٥، \"المفردات\" ص ١٥٧، \"اللسان\" ٢/ ١١٩٤ - ١١٩٥ (خطب)، قال في المفردات: وأصل الخِطبة. الحالة التي عليها الإنسان إذا خطب، نحو الجلسة والقِعدة، ويقال من الخُطبة: خاطب وخطيب، ومن الخِطبة: خاطب لا غير، والفعل منهما خطب.\n(٤) كذا يروى عن القاسم ومجاهد وسعيد بن جبير وعبد الرحمن بن القاسم وآخرين، فيما ذكر عنهم الطبري في \"تفسيره\" بإسناده ٢/ ٥١٧ - ٥٢٠، وينظر صحيح البخاري (٥١٢٤) كتاب: النكاح، باب: قول الله ﷿ ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ﴾، \"مصنف عبد الرزاق\" ٧/ ٥٣، \"مصنف ابن أبي شيبة\" ٤/ ٢٥٧.\n(٥) في (ش): (بخطبها).\n(٦) ينظر: \"تفسير القرطبي\" ٣/ ١٨٨، \"التفسير الكبير\" ٦/ ١٤٠ - ١٤١.","vol":"4","page":271},{"text":"وقوله تعالى: ﴿أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ أي: أَسْرَرْتم وأضمرتم في أنفسكم من خطبتهن ونكاحهن. قال مجاهد (١) وابن زيد (٢): هو (٣) إسرار العزم على النكاح دون إظهاره.\nوقال السدي: هو أن يَدْخُل فَيُسَلِّم ويُهْدِي إن شاءَ ولا يتكلم بشيء (٤).\nومعنى الإكنان في اللغة: الإخفاء والستر. قال الفراء: للعرب في أكننت الشيء إذا سترته لغتان، كَنَنْتُهُ، وأَكْنَنْتُهُ وأنشدوني (٥):\nثَلاثٌ من ثَلاثٍ قُدَامِيَاتٍ ... مِنَ اللاتِي يَكُنُّ مِنَ الصَّقيعِ (٦)\nوبعضهم [يرويه] (٧) تُكِن من أكننت (٨).\nونحو هذا قال ابن الأعرابي وأبو زيد: قالوا: كننت الشيء وأكننته في الكِنِّ وفي النفس بمعنى. وفَرَّقَ قومٌ بينهما، فقالوا: كننتُ الشيء: إذا صُنته حتى لا تصيبَه آفةٌ، وإن لم يكن مستورًا، يقال: دُرٌّ مكنون، وجاريةٌ مكنونة، وبيضٌ مكنون: مَصُونٌ عن التَّدَحْرُج (٩).\n_________\n(١) أخرجه الطبري ٢/ ٥٢١.\n(٢) المصدر السابق.\n(٣) ساقط من (م) و(أ).\n(٤) أخرجه الطبري ٢/ ٥٢١، \"ابن أبي حاتم\" ٢/ ٤٣٩ (٢٣٢٩).\n(٥) في (م) (أنشدني).\n(٦) البيت بلا نسبة في \"لسان العرب\" ٧/ ٣٩٤٢ [مادة: كنن]، \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣١٩٦، \"تاج العروس\" (مادة: كنن). وينظر \"المعجم المفصل\" ٤/ ٤١٥.\n(٧) في الأصل: طمس عليها، والكلام يقتفيها، وهي مذكورة في \"معاني القرآن\" الفراء.\n(٨) \"معاني القرآن\" ١/ ١٥٢ - ١٥٣.\n(٩) \"اللسان\" ٧/ ٣٩٤٢ - ٣٩٤٣، وينظر \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٣١٧.","vol":"4","page":272},{"text":"وأما أكننت فمعناه: أضمرت (١)، ويستعمل ذلك في الشيء الذي (٢) يُخْفِيهِ الإنسانُ وَيسْتُره (٣) عن غيره (٤)، وهو ضِدُّ أَعْلَنْتُ وأَظْهَرْت (٥).\nوقوله تعالى: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ﴾ يعني: الخطبة (٦)، ﴿وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾.\nروى الكلبيُّ، عن أبي صالح، عن ابن عباس، قال: السرُّ في هذا الموضع النكاح، وأنشد عنه بيت امرئ القيس:\nوأن لا يشْهَدَ السِّرَّ أمْثَالي (٧) (٨).\nوقال الشعبي (٩) والسدي (١٠): لا يأخذ ميثاقها أن لا تنكح غيره،\n_________\n(١) \"تفسير البغوي\" ١/ ٢٨٢، \"زاد المسير\" ١/ ٢٧٦ - ٢٧٧.\n(٢) (الذي) ساقط من (ي،. وفي (ش) (إذا).\n(٣) ساقطة من (ي).\n(٤) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٣١٧.\n(٥) ينظر في (كنن) \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ١٥٢ - ١٥٣، \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٣١٧، \"تهذيب اللغة\" \"المفردات\" ص ٤٤٤، \"اللسان\" ٧/ ٣٩٤٢ - ٣٩٤٣.\n(٦) رواه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" ٤/ ٣٦٠، والطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٥٢١، ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٢/ ٤٣٩ عن الحسن.\n(٧) ورد البيت هكذا:\nألا زعمت بسباسة اليوم أنني ... كَبِرْتُ وألا يُحْسِنَ السِّرَّ أمثالي\nفي \"ديوانه\" ص ٢٨، وفيه: وألا يحسن اللهو. و\"جمهرة أشعار العرب\" ١/ ١١٨،١١٧، وفي \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ١٥٣: وأن يشهد. ومعنى السر: النكاح. وبسباسة: امرأة من بني أسد.\n(٨) كذا نقَل رواية الكلبي وبيت الشعر من \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ١٥٣.\n(٩) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٥٢٣، وذكره ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٣/ ٤٣٩.\n(١٠) أخرجه الطبري في الموضع السابق.","vol":"4","page":273},{"text":"وقال الحسن (١) وقتادة (٢) والضحاك (٣) والربيع (٤) وعطية عن ابن عباس (٥): السِرُّ: هو الزنى، وكان الرجل يدخُلُ على المرأة للريبة وهو يعرض بالنكاح، فيقول لها: دعيني فإذا وفيتِ عدتك أظهرت نكاحك، فنهى الله ﷿ عن ذلك، وقال: الخطبة في السر بمعنى الزنا (٦).\nويَحْرُمُ سِرُّ جَارَتهِمِ عَلَيْهِم ... ويَأكلُ جَارُهُم أَنْفَ القِصَاعِ (٧)\nونحو هذا قال عطاء عن ابن عباس في قوله: ﴿وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾ قال: يريد الجماع، يقول لها: أنا راغب فيك، دعيني أجامعك حتى إذا وفيتِ عِدَّتَك أظْهَرْتُ نِكَاحَكِ (٨). وقال الكلبي: معناه: لا تصفوا أنفسكم لهن بكثرة الجماع (٩)، وعلى هذا القول السر: الجماع نفسه (١٠).\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٥١٢٤) كتاب: النكاح، باب: ولا جناح عليكم فيما عرضم به خطبة النساء معلقًا عنه، ورواه موصولًا عبد الرزاق في \"المصنف\" ٧/ ٥٦، والطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٥٢٢، وذكره ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٢/ ٤٤٠.\n(٢) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٥٢٢، وذكره ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٢/ ٤٤٠.\n(٣) أخرجه سعيد بن منصور في \"تفسيره\" ٣/ ٨٧٦، انظر المصدرين السابقين.\n(٤) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٥٢٣.\n(٥) المصدر السابق.\n(٦) ينظر ما تقدم عند الثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ١١٦٦ - ١١٦٩، والبغوي في \"تفسيره\" ١/ ٢٨٣.\n(٧) البيت من الوافر، وهو للحطيئة في \"ديوانه\" ص ٣٢٨، و\"أمالي المرتضى\" ١/ ١٧٥، ومعناه: يصفهم بالعفة والكرم، فهم يعفون عن سر الجارة، ويؤثرون ضيفهم بخير الطعام. وينظر \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٣١٧.\n(٨) تقدم الحديث عن هذه الرواية في القسم الدراسي من المقدمة.\n(٩) نقله عنه الثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ١١٧٠، والبغوي في \"تفسيره\" ١/ ٢٧٣.\n(١٠) ينظر: \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١١٧١.","vol":"4","page":274},{"text":"قال الفرزدق:\nمَوَانِع للأسْرَارِ (١) إلا من أَهْلِهَا ... ويخْلِفْنَ ما ظَنَّ الغَيْورُ المُشَفْشَفُ (٢)\nالذي شفه الهم. يعنى: أنهن عفائف يمنعن الجماع إلا من أزواجهن.\nفحصل في السرِّ أربعة أقوال: النكاح، والجماع، والزنا، والسِرّ الذي تخفيه وتكتمه غيرك.\nوقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ يعنى: التعريض بالخطبة كما ذكرنا (٣)، ويكون التقدير: قولًا معروفًا في هذا الموضع، وهو التعريض (٤) غير التصريح؛ لأن التصريح مزجور عنه، فهو منكر (٥) غير معروف.\nويجوز أن يكون المعنى: قولًا معروفًا (٦) منه الفحوى والمعنى دون التصريح.\nقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ قد ذكرنا معنى العزم عند قوله: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ﴾. ولم يقل: على عقدة النكاح\n_________\n(١) في (ش): (الأسرار).\n(٢) البيت في \"ديوانه\" ٢/ ٢٤، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١١٧١، \"لسان العرب\" ٤/ ٢٢٩٢ مادة شفف. والمشفف: السخيف السيء الخلق، وقيل: الغيور، ويروي: المُشَفْشِف بالكسر عن ابن الأعرابي، وأراد: الذي شَفّت الغيرة فؤاده فأضمرته.\n(٣) رواه الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٥٦٢ عن مجاهد، ينظر \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١١٧٢، \"تفسير البغوي\" ١/ ٢٨٣، \"تفسير القرطبي\" ٣/ ١٩٢.\n(٤) من قوله: (بالخطبة) ساقط من (ش) و(ي).\n(٥) في (ي): (منكور).\n(٦) في (ش): (معروفًا يعني منه).","vol":"4","page":275},{"text":"اجتزاء بدلالة العزم، لأنه لا يكون إلا على معزوم عليه، كما تقول: ضرب زيدٌ الظهرَ والبطن، أي: عليهما. قال سيبويه: والحذف في هذه الأشياء لا يقاس، ويكون معنى الآية: ولا تعزموا على عقدة النكاح أن تعقدوها حتى يبلغ الكتاب أجله (١)؛ لأنه يجوز أن ينوي بقلبه ويعزم في مدة عدتها أن يتزوجها إذا انقضت المدة، فأما أن يعقد العقد قبل مضي المدة فلا.\nوالمفسرون قالوا: معناه: لا تصححوا عقدة النكاح (٢).\nوأصل العقد: الشدّ. والعهود (٣) والأنكحة تسمى عقودًا؛ لأنها كَعَقْد الحبل في التوثيق.\nوقال عبد الرحمن بن زيد: هذه الآية نسخت ما قبلها، والخطبةُ (٤) ومواعدهُ النكاح، وكلُّ شيء جائز إلا النكاح فقط (٥).\nوقوله تعالى: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ قيل: الكتاب: القرآن. والمعنى: حتى يبلغ فرض الكتاب أجله، يعنى: العدة المفروضة تنقضي.\nويجوز أن يكون الكتاب نفسه في معنى الفرض، فيكون المعنى: حتى يبلغ الفرض كمال أجله، قال: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣] أي: فرض، وإنما جاز أن يقع (كتب) بمعنى فرض؛ لأن ما يكتب يقع في\n_________\n(١) كذا نقله من \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٣١٨، وينظر \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ٣١٩، و\"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١١٧٣، و\"تفسير القرطبي\" ٣/ ١٩٢.\n(٢) ينظر: \"تفسير الطبري\" ٢/ ٥٢٧، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١١٧٣، \"البحر المحيط\" ٢/ ٢٢٩.\n(٣) في (م): (والعقود).\n(٤) في (ي): (فالخكطبة).\n(٥) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٥٢٧، وذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ١١٧٢، ومكي في \"الإيضاح\" ١٨٥.","vol":"4","page":276},{"text":"النفوس أنه أثبت (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-453>٢٣٦ </span>- قوله تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ الآية. نزلت في رجل من الأنصار، تزوَّجَ امرأةً من بني حنيفة، ولم يسمِّ لها مهرًا، ثم طلقها قبل أن يَمَسَّها، فأنزل اللهُ هذه الآيةَ، فلما نزلت قال له رسول الله - ﷺ -: \"مَتَّعْها ولو بقلنسوتك\" (٢).\nفإن قيل: ما معنى نفيِ الجناح عن المطلَّق قبل المسيس، ولا جناح على المُطَلِّقِ بعده؟ قيل: ظاهر الآية رفع الحرج عن المطلق قبل المسيس وقبل الفرض، فيحتمل أن يكون معناه: لا سبيل للنساء عليكم إذا طلقتموهن قبل المسيس والفرض بصداق ولا نفقة.\nويحتمل أن يكون معناه: إباحة الطلاق له أي وقت شاء، بخلاف ما لو طلق بعد المسيس فإنه يجب أن يطلق للعدة (٣).\n_________\n(١) ينظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٣١٨، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١١٧٣.\n(٢) ذكره مقاتل في \"تفسيره\" ١/ ٢٠٠، والثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ١١٧٤، والبغوي في \"تفسيره\" ١/ ٢٨٣، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ١/ ٢٧٩، والقرطبي في \"تفسيره\" ٣/ ٢٠٢، وأبو حيان في \"البحر\" ٢/ ٢٣٠، وقد ذكره الزيلعي في تخريج أحاديث \"الكشاف\" ١/ ١٥١، وبيض له، وقال الحافظ كما في \"الكشاف\" ١/ ٢٨٥: لم أجده، وقال الولي العراقي كما في \"الفتح السماوي\" ١/ ٢٩٣: لم أقف عليه، وعزاه الحافظ في \"العجاب\" ١/ ٥٩٦ إلى مجاهد ولم يذكر من خرجه. وقد روى البيهقي ٧/ ٢٥٧، والخطيب في \"تاريخ بغداد\" ٣/ ٧٢ من حديث جابر - ﵁ - قال: لما طلق حفص بن المغيرة امرأته، قال له رسول الله - ﷺ -: \"متعها ولو بصاع\"، وليس فيه ذكر لسبب نزول الآية. وينظر تحقيق \"تفسير الثعلبي\" للمنيع ٢/ ١١٧٤.\n(٣) \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١١٧٥ - ١١٧٩، وينظر \"تفسير الطبري\" ٢/ ٥٣٨ - ٥٣٩، و\"تفسير البغوي\" ١/ ٢٨٤، و\"البحر المحيط\" ٢/ ٢٣٢.","vol":"4","page":277},{"text":"وقال أبو إسحاق: أعلم الله ﷿ في هذه الآية أن عقد التزويج بغير مهر جائز، وأنه لا إثم على من طَلَّقَ من تزوج بها بغير مهرٍ (١)، كما أنه لا إثم على من طلق من تزوج بها بمهر (٢) (٣).\nوقال صاحب النظم: ما في قوله: ﴿لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ بمعنى الذي على النعت للنساء والترجمة والبيان عنهن، على نظم: إن طلقتم النساء اللاتي لم تمسوهن. و(ما) اسم جامد لا يتصرف، ولا يتبين فيه الإعراب ولا العدد (٤).\nواختلف القراء في قوله: ﴿تَمَسُّوهُنَّ﴾ فقرأ حمزة والكسائي من المفاعلة، والباقون من الثلاثي (٥)، لإجماعهم على قوله: ﴿وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ [آل عمران: ٤٧] ولأن أكثر الألفاظ في هذا المعنى جاء على فَعَلَ دون فاعل، كقوله ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ﴾ [الرحمن: ٥٦] كقوله: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٥] (٦).\nوالنكاح عبارة عن الوطء وإن كان قد وقع على العقد (٧).\nفأما ما جاء في الظهار من قوله: ﴿مِّنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: ٣]، فإنه أراد المماسة التي هي عين (٨) الجماع، وهي حرام في الظهار (٩).\n_________\n(١) من قوله. (على من) ساقطة من (ي).\n(٢) من قوله: (كما أن) ساقطة من (ش).\n(٣) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٣١٨.\n(٤) ينظر: \"مغني اللبيب\" لابن هشام ١/ ٢٩٦ وما بعدها.\n(٥) ينظر: \"السبعة\" ص ١٨٣ - ١٨٤، \"الحجة\" ٢/ ٣٣٦، \"النشر\" ٢/ ٢٢٨.\n(٦) نقله عن أبي علي الفارسي في \"الحجة\" ٢/ ٣٣٦.\n(٧) \"الحجة\" ٢/ ٣٣٧.\n(٨) في (ش) و(م) (غير).\n(٩) \"الحجة\" ٢/ ٣٣٧ - ٣٣٨.","vol":"4","page":278},{"text":"ومن قرأ: (تماسوهن) فلأن فَاعَل قد يراد به ما يراد بـ فعل، نحو: طارقتُ النعلَ، وعاقبت اللصَّ، وهو كثير (١).\nوقوله تعالى: ﴿أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾. أي. توجبوا لهن صداقًا (٢). ومضى الكلام في معنى الفرض عند قوله: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾ [البقرة: ١٩٧].\nواختلفوا في تقديره، فقال قوم: (أو) هاهنا عطف على محذوف قبله، والتقدير: ما لم تمسوهن ممن فرضتم لهن أو لم تفرضوا لهن، لأن كل منكوحة إنما هي إحدى ثنتين: مفروض لها الصداق، وغير مفروض لها.\nوقال قوم: أو هاهنا بمعنى الواو، يريد: ما لم تمسوهن و(٣) لم تفرضوا لهن فريضة، كقوله: ﴿يَزِيدُونَ﴾ [الصافات: ١٤٧] (٤).\nوقوله تعالى: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾ أي: زودوهن وأعطوهن من مالكم (٥) ما يتمتعن به (٦) ومضى الكلام في معنى المتعة والتمتع.\nفأما من يستحق المتعة: فالمرأة إذا طلقت قبل تسمية المهر وقبل المسيس، فإنها تستحق المتعة بالإجماع من العلماء، ولا مهر، وإنما تستحق المتعة في مقابلة ما حصل (٧) من العقد عليها (٨). وإن طلقها بعد\n_________\n(١) \"الحجة\" ٢/ ٣٣٨.\n(٢) \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١١٧٥، و\"تفسير البغوي\" ١/ ٢٨٤.\n(٣) في (ي) (أوتفرضوا).\n(٤) ينظر: \"البحر المحيط\" ٢/ ٢٣١.\n(٥) في (ي) (وأعطوهن ما لكم).\n(٦) \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١١٧٩، و\"تفسير البغوي\" ١/ ٢٨٤.\n(٧) في (ي) (حصلت).\n(٨) ينظر: \"تفسير الطبري\" ٢/ ٥٣٦، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١١٨٢، \"تفسير القرطبي\" ٣/ ٢٠٠.","vol":"4","page":279},{"text":"الدخول وقبل الفرض، فلها (١) مهر مثلها والمتعة أيضًا (٢).\nوإن لم يدخلْ بها ولم يَفْرِضْ لها حتى مات ففيها قولان:\nأحدهما: لها مهر مثلها والميراث، وهو مذهب أهل العراق (٣)، لحديث بِرْوع بنت واشَقْ الأشْجَعِية (٤) حين توفي عنها زوجها، ولم يفرض لها، ولا دخل بها، فقضى رسول الله - ﷺ - بمهر نسائها، لا وَكْسَ ولا شطط، وعليها العِدّة، ولها الميراث (٥).\nوالقول الثاني: وهو الصحيح: أن لها الميراث، وعليها العدة، ولا مهر لها، ولها المتعة، كما لو طَلَّقها قبل الدخول والتسمية، وهو قول علي (٦) -﵁- وكان علي يقول في حديث بِرْوع: لا يقبلُ قولُ\n_________\n(١) في (ش): (فلما).\n(٢) وقع الخلاف في حكم المتعة، وقد ذكره المؤلف عند الآية رقم (٢٤١) فلينظر.\n(٣) ينظر \"اختلاف العلماء\" للمروزي ص ١٤٢، \"مختصر الطحاوي\" ص ١٨٤، \"المبسوط\" ٥/ ٦٢، \" المغني\" ١٠/ ٤٩.\n(٤) بروع بنت واشق الرؤاسية الكلابية، وقيل: الأشجعية، زوج هلال بن مرة، صحابية اشتهرت بقصتها هذه. ينظر \"الاستيعاب\" ٤/ ٣٥٧، \"أسد الغابة\" ٥/ ٤٠٨.\n(٥) الحديث رواه أبو داود (٢١١٥) كتاب: النكاح، باب: فيمن تزوج ولم يسم صداقا، والنسائي ٦/ ١٢١ كتاب: النكاح، باب: إباحة التزوج بغير طلاق، والترمذي (١١٤٥) كتاب: النكاح، باب: ما جاء في الرجل يتزوج المرأة فيموت عنها قبل أن يفرض لها، وصححه، وابن ماجه (١٨٩١) كتاب: النكاح، باب: الرجل يتزوج ولا يفرض لها فيموت على ذلك، وأحمد ٣/ ٤٨٠، والحاكم ٢/ ١٩٦، وقال: صحيح على شرط مسلم، عن معقل بن سنان الأشجعي، وقال الحافظ في \"تلخيص الحبير\" ٣/ ١٩١: وصححه ابن مهدي والترمذي وقال ابن حزم: لا مغمز فيه لصحة إسناده.\n(٦) رواه عبد الرزاق في \"مصنفه\" ٦/ ٢٩٣، وسعيد بن منصور في \"سنه\" ١/ ٢٦٥، وابن أبي شيبة في \"المصنف\" ٤/ ٣٠١، والبيهقي ٧/ ٢٤٧.","vol":"4","page":280},{"text":"أَعْرَابيٍ بَوَّالٍ على عقبيه على كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ - (١).\nوقوله تعالى: ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ﴾ المُوْسِع: الغني الذي يكون في سَعَة من غناه، يقال: أوسعَ الرجل: إذا كَثُرَ مالُه واتَّسَعت حالُه، ويقال: أوسعه كذا، أي: وسعه عليه، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ [الذاريات: ٤٧] (٢).\nوقوله تعالى: ﴿قَدَرُهُ﴾ أي: قَدْرَ إمكانه وطاقته، فحذف المضاف.\nوالمقتر: الذي في ضيق من فقره وهو المقل الفقير. وأقتر الرجل إذا افتقر.\nوقرئ (قدْرُه) بالإسكان والتحريك (٣)، وهما لغتان في جميع معاني القدر.\nيقال: قدر القوم أمرَهم يَقْدِرونه قَدْرًا، وهذا قَدْرُ هذا، واحمل على رأسك قَدْرَ ما تطيق، وقَدْرَ الله الرزق يَقْدِره ويَقْدُره قَدْرًا، وقَدَرْتُ الشيء بالشيء أقدِرُه قَدْرًا، وقَدَرْتُ على الأمر أقدِرُ عليه قُدْرَةً وقُدُورًا وقَدَارةً. كل هذا يجوز فيه التسكين والتحريك، يقال: هذا قدَرُ هذا، واحمل قَدَرَ ما تطيق، وهم يختصمون في القدْرِ والقَدَر، وقدرتُ عليه الثوب قدرًا، وخذ منه بقدرِ كذا وَبِقَدَر كذا، قال الله تعالى: ﴿فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾ [الرعد: ١٧] وقال: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الأنعام: ٩١] ولو حُرِّك كان جائزًا. وكذلك: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩]، ولو خُفِّفَ جَاز، إلا أَنَّه\n_________\n(١) رواه سعيد بن منصور في \"سننه\" ١/ ٢٦٨، والبيهقي ٧/ ٢٤٧، قال المنذري كما في \"الجوهر النقي\" ٧/ ٢٤٧: لم يصح هذا الأثر عن علي.\n(٢) ينظر في وسع: \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٨٨٩، \"المفردات\" ص ٥٣٨، \"اللسان\" ٨/ ٤٨٣٥.\n(٣) قدْرُه: بإسكان الدال، قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر، وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم: قدَرُه، بتحريكين. ينظر \"السبعة\" لابن مجاهد ص ١٨٤.","vol":"4","page":281},{"text":"لِوفَاق رؤوس الآي يُحَرَّك (١). وقال الفرزدق:\nوما صَبَّ رِجْلي (٢) في حديدِ (٣) مُجَاشِعٍ ... مع القَدْرِ إلا حاجةً لي أُرِيدُها (٤)\nوالمتعة غير مقدرة (٥) كما ذكر الله تعالى، فقال: ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ قال ابن عباس (٦) والشعبي (٧) والزهري (٨) والربيع (٩): أعلاها: خادم، وأوسطها: ثلاثة أثواب: درع وخمار وإزار، ودون ذلك: وِقَاية (١٠) أو شيءٌ من الوَرِق.\nوهذا مذهب الشافعي ﵀، قال: أعلاها على الموسع (١١)\n_________\n(١) هذا كله كلام أبي علي الفارسي في \"الحجة\" ٢/ ٣٣٨ - ٣٣٩.\n(٢) في (ش): (رحلي).\n(٣) في (ي): (حديث).\n(٤) البيت للفرزدق في \"ديوانه\" ١/ ٢١٥ وفي \"إصلاح المنطق\" لابن السكيت ص ٩٩، \"تفسير الطبري\" ٢/ ٥٣٨ \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١١٨١، \"لسان العرب\" ٤/ ٢٣٨٧ (مادة: صبب).\n(٥) قال الثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ١١٨٩: والصحيح أن الواجب من ذلك على قدر عسر الرجل ويسره.\n(٦) أخرجه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" ٥/ ١٥٦، والطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٥٣٠، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٢/ ٤٤٢ - ٤٤٣.\n(٧) أخرجه سعيد بن منصور في \"تفسيره\" ٢/ ٢٧، والطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٥٣٠، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٢/ ٤٤٣.\n(٨) أخرجه عبد الرزاق في \"المصنف\" ٧/ ٢٧، وابن أبي شيبة في \"المصنف\" ٥/ ١٥٧، والطبري ٢/ ٥٣١.\n(٩) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٥٣٠.\n(١٠) الوقاية: مثلثة الواو: كل ما وقيت به شيئًا، والوِقاية التي للنساء. ينظر \"لسان العرب\" ٨/ ٤٩٠١ - ٤٩٠٤ (مادة: وقى).\n(١١) في (ي) (الموضع).","vol":"4","page":282},{"text":"خادم، وأوسطها: ثوب، وأقلها: أقل مَالَه ثمن، قال: وحسن ثلاثون درهمًا (١).\nوعند أبي حنيفة ﵀: مبلغها إذا اختلف الزوج والمرأة فيها قدر نصف مهر مثلها (٢).\nوقوله تعالى: ﴿مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ﴾ انتصب على: متعوهن متاعًا، وإن شئت على الخروج من القدر، لأنه معرفة وهذا نكرة (٣).\nوقوله تعالى: ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي: بما يعرفون القصد وقدر الإمكان (٤).\nوقوله تعالى: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ منصوب على: حقَّ ذلك عليهم حقًا، يقال: حققت عليه القضاء وأحققت: أي أوجبت (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-454>٢٣٧ </span>- قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ الآية. هذا في المطلقة بعد التسمية وقبل الدخول، حكم الله تعالى لها بنصف المهر ولا عِدَّة عليها (٦)، وإن مات عنها قبل الدخول فلها المهر كاملًا والميراث،\n_________\n(١) ينظر: \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١١٨٧، \"تكملة المجموع\" ١٦/ ٣٩١، \"تخليص الحبير\" ٣/ ١٦٤.\n(٢) \"أحكام القرآن\" للجصاص ١/ ٤٣٣، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١١٨٩.\n(٣) من \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٣١٩، وعبارته: يجوز أن يكون منصوبا على الخروج من قوله: (ومتعوهن ... متاعًا) أي: ممتعًا متاعًا. وينظر \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ٣١٩. وقال الثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ١١٨١: ويجوز أن يكون نصبًا على القطع، لأن المتاع نكرة والقدر معرفة.\n(٤) من \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٣١٩.\n(٥) من \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٣١٩، وينظر: \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ١٥٤ - ١٥٥، و\"التبيان\" ص ١٤٢.\n(٦) تنظر الآثار في ذلك في \"تفسير الطبري\" ٢/ ٥٤٠، \"تفسير ابن أبي حاتم\" ٢/ ٤.","vol":"4","page":283},{"text":"وعليها العدة بلا خلاف (١).\nوالآية دلالة ظاهرة على أبي حنيفة حيث أوجب كمال الصداق (٢) بالخلوة (٣).\nقال شريح: لم أسمع الله تعالى ذكر في كتابه بابًا ولا سترًا، إذا زعم أنه لم يمسها فلها نصف الصداق (٤). وهو مذهب ابن عباس، قال: إذا خلا بها (٥) ولم يَمَسَّها فلها نصف المهر، لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ الآية (٦).\nوقال ابن مسعود: لها نصف المهر وإن قعد بين رجليها (٧).\nفأما ما ذكر عن زرارة ابن أبي أوفى (٨) أنه قال: قضى الخلفاء الراشدون أن الرجل إذا أغلق بابًا وأرخى سترًا وجب المهر (٩). فإنهم أرادوا\n_________\n(١) \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١١٩٣، \"تفسير البغوي\" ١/ ٢٨٦.\n(٢) في (ي) (الطلاق).\n(٣) ينظر: \"اختلاف العلماء\" للمروزي ص ١٥٧، \"الإشراف\" ٣/ ٤٨، \"تحفة الفقهاء\" للسمرقندي ٢/ ١٩٣.\n(٤) رواه سعيد بن منصور في \"سننه\" ١/ ٢٣٤، ووكيع في \"أخبار القضاة\" ٢/ ٢٥٤، وذكره الثعلبي في \"سننه\" ٢/ ١١٩٤، والقرطبي ٣/ ٢٠٥.\n(٥) في (أ) و(م) (خلاها).\n(٦) رواه الشافعي في \"الأم\" ٥/ ٢٣٠، وعبد الرزاق في \"المصنف\" ٦/ ٢٩٠، وسعيد بن منصور في \"سننه\" ١/ ٢٣٦، قال ابن المنذر في \"الإشراف\" ٣/ ٤٩: فأما حديث ابن عباس فإنما رواه ليث بن أبي سليم، وليث يضعف.\n(٧) ذكره البغوي في \"تفسيره\" ١/ ٢٨٦، وذكر القرطبي في \"تفسيره\" ٣/ ٢٠٥ عن ابن مسعود قال: قضى الخلفاء الراشدون فيمن أغلق بابًا أو أرخى سترًا أن لها الميراث وعلها العدة، وروي مرفوعا خرجه الدارقطني.\n(٨) في (أ) و(ي) و(م): (ابن أوفى).\n(٩) رواه عبد الرزاق في \"المصنف\" ٦/ ٢٨٨، وسعيد بن منصور في \"سننه\" ١/ ٢٣٤،=","vol":"4","page":284},{"text":"أَنَّ لها المطالبةَ بجميع المَهْر والنكاحُ قائمٌ إذا مَكّنت من نفسها، ولم يريدوا إذا طَلَّقها، أو لعلهم قالوا ذلك على استعمال مكارم الأخلاق، فإنَّ من الكرم أن يوفي مَهْرَها إذا خلا بها وإن لم يطأها.\nوقوله تعالى: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ أي: فَعَلَيكم نصفُ ما فَرَضْتُم، أو فالواجب ذاك (١). والنصف: الجزء من اثنين على المساواة، وكل شيء بَلَغَ نِصْفَ غيره فقد نَصَفَه، يقال: نصفَ النهارُ ينصُفُ، ونَصَفَ الماءُ القَدَحَ، ونصفَ الساقَ إزاري، ونصفَ الغلامُ القرآنَ، ويجوز في جميع ذلك: أنصف النهار، وأنصف الغلام القرآن (٢)، ويجوز في جميع ذلك: أنصف، حكاه الفراء، يقال: أنصف النهار، وأنصف الغلام القرآن (٣) وَنَصَّفَ (٤). قال ابن ميادة:\nتَرَى سَيْفَه لا ينصُفُ الساقَ نعلُه ... أجَلْ لا وإن كانت طِوالا حَمَائِلُه (٥)\n_________\n= وابن أبي شيبة في \"المصنف\" ٤/ ٢٣٥، والبيهقي ٧/ ٢٥٥ وقال: هذا مرسل، زرارة لم يدركهم، وقد رويناه عن عمر وعلي موصولا، وقد روى مالك في \"الموطأ\" ٢/ ٥٢٨، وعبد الرزاق في \"المصنف\" ٦/ ٢٨٥، وسعيد بن منصور في \"سننه\" ١/ ٢٣٣، وابن أبي شية في \"المصنف\" ٤/ ٢٣٤ من طرق عن عمر وعلي بنحوه.\n(١) \"تفسير القرطبي\" ٣/ ٢٠٤.\n(٢) من قوله: (ويجوز في جميع ذلك). ساقط من (ي).\n(٣) من قوله: (ويجوز في جميع ذلك): أنصف النهار. ساقط من (ش).\n(٤) ينظر في (نصف) \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٥٨٦ - ٣٥٨٧، \"المفردات\" ص٤٩٧، \"لسان العرب\" ٩/ ٣٣٠ - ٣٣٢.\n(٥) وفي رواية:\nإلى ملك لا تنصف الساق نعلُه ... أجل لا وإن كانت طوالا محامله\nونسب لابن ميادة في \"ديوانه\" ص٢٩٣، وفي \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٥٨٧ وروايته:=","vol":"4","page":285},{"text":"وقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ يعنى: النساء، ولذلك لم تسقط (١) النون مع أن؛ لأن جماعة المؤنث في الفعل المضارع يستوي في الرفع والنصب والجزم، والنون في الدلالة على جمع المؤنث كالواو في الدلالة على جمع المذكر، وكما (٢) لا يسقط واو يفعلون في الإعراب كله رفعه ونصبه وجزمه لم يسقط نون يفعلن (٣).\nوقال الفراء: (لو) (٤) أسقطوها لأشبه فعل الواحد المذكر، ألا ترى أنك لو أسقطت النون من يقمن لالتبس بفعل الواحد المذكر (٥).\nومعنى ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ إلا أن يترك النساء ذلك النصف فلا يطالبن الأزواج به، إذا كُنَّ بالغاتٍ رشيداتٍ، فيسقطُ عن الرجل أو بعضه، فيسقط ذلك القدر (٦).\nوقوله تعالى: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ اختلفوا في الذي بيده عقدة النكاح.\nفقال ابن عباس (٧)، في رواية العوفى: هو ولي المرأة. وهذا قول\n_________\n= محاملهُ، وفي \"اللسان\" ٨/ ٤٤٤٣ (نصف). نسب البيت الثاني لذي الرمة في \"ديوانه\" ص ١٢٦٦.\n(١) في (أ) و(م): (يسقط).\n(٢) في (م): (مما).\n(٣) ينظر \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ١٥٥ بنحوه، \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٣١٩، \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ٣٢٠، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١١٩٧، \"التبيان\" ص ١٤٢.\n(٤) ساقطة من (ي).\n(٥) \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ١٥٥ بنحوه.\n(٦) ذكره القرطبي في \"تفسيره\" ٣/ ٢٠٥ - ٢٠٦.\n(٧) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٥٤٤.","vol":"4","page":286},{"text":"علقمة (١) وأصحاب عبد الله (٢)، وإبراهيم (٣) وعطاء (٤) والحسن (٥) والزهري (٦) والسدي (٧). وقال عكرمة: أذن الله تعالى في العفو، وأي (٨) امرأة عَفَتْ جاز عفوها، فإن شَحَّت عفا وليها وجاز عفوه (٩).\nوهذا مذهب أهل الحجاز، إلا أنهم قالوا: يجوز عفو ولي البكر، فإذا كانت ثيبا فلا يجوز عفوه عليها (١٠). وقال ابن عباس، في رواية عمار ابن أبي عمار (١١):\n_________\n(١) أخرجه عبد الرزاق في \"المصنف\" ٩/ ٢٨٤، والطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٥٤٣، وابن أبي شيبة في \"المصنف\" ٤/ ٢٨٢، وذكره ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٢/ ٤٤٥.\n(٢) \"تفسير الطبري\" ٢/ ٥٤٣.\n(٣) أخرجه سعيد بن منصور في \"تفسيره\" ٣/ ٨٨٦، والطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٥٤٤، ٥٤٥، وذكره ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٢/ ٤٤٥.\n(٤) أخرجه عبد الرزاق في \"المصنف\" ٦/ ٢٨٣، وابن أبي شيبة في \"المصنف\" ٤/ ٢٨٢، والطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٥٤٤، وذكره ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٢/ ٤٤٥.\n(٥) أخرجه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ١/ ٩٦، والطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٥٤٤، وذكره ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٢/ ٤٤٥.\n(٦) انظر المصادر السابقة.\n(٧) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٥٤٤، وذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ١١٩٩.\n(٨) في (ش) و(ي) (فأي).\n(٩) أخرجه سعيد بن منصور في \"تفسيره\" ٣/ ٨٨٨، والطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٥٤٥،\nوذكره ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٢/ ٤٤٤.\n(١٠) ينظر: \"الموطأ\" ٢/ ٥٢٨، و\"الكافي\" لابن عبد البر ٢/ ٥٥٩، \"الإشراف\" ٣/ ٤٨.\n(١١) هو: عمار بن أبي عمار مولى بني هاشم أبو عمر، ويقال: أبو عبد الله، قال ابن حجر: صدوق ربما أخطأ، توفي بعد سنة ١٢٠هـ. ينظر \"الجرح والتعديل\" ٦/ ٣٨٩، \"التقريب\" ص٤٠٨ (٤٨٢٩).","vol":"4","page":287},{"text":"إنه الزوج (١). وهو قول عليٍّ (٢)، وسعيد بن المسيب (٣)، والشعبي (٤)، ومجاهد (٥)، والقرظي (٦)، والربيع (٧) وقتادة (٨) ومقاتل (٩) والضحاك (١٠).\nوهو الصحيح الذي عليه عامة الفقهاء اليوم (١١). ومعنى عفو الزوج: أن يعطيها الصداق كاملًا، ولما ذكر الله تعالى عفو المرأة عن النصف الواجب ذكر عفو الزوج عن النصف الساقط، فيحسن لها أن تعفو ولا تطالب بشيء، وللرجل أن يعفو ويوفي المهر كاملًا.\n_________\n(١) أخرجه ابن أبى شيبة في \"المصنف\" ٤/ ٢٨١، والطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٥٤٦، وذكره ابن أبى حاتم في \"تفسيره\" ٢/ ٤٤٥.\n(٢) أخرجه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" ٤/ ٢٨١، والطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٥٤٥، ابن أبى حاتم في \"تفسيره\" ٢/ ٤٤٥.\n(٣) أخرجه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ١/ ٩٦، والطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٥٤٧، وذكره ابن أبى حاتم في \"تفسيره\" ٢/ ٤٤٥.\n(٤) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٥٤٧، ٥٤٨، وذكره ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٢/ ٤٤٥.\n(٥) أخرجه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ١/ ٩٦، والطبري ٢/ ٥٤٧ - ٥٤٨، وذكره ابن أبي حاتم ٢/ ٤٤٥.\n(٦) أخرجه ابن أبى شيبة ٤/ ٢٨٠، والطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٥٤٨، وذكره ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٢/ ٤٤٥.\n(٧) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٥٤٨، وذكره ابن أبى حاتم في \"تفسيره\" ٢/ ٤٤٥.\n(٨) ذكره ابن أبى حاتم في \"تفسيره\" ٢/ ٤٤٥، والجصاص في \"أحكام القرآن\" ١/ ٤٣٩.\n(٩) هو مقاتل بن حيان، ذكره ابن أبى حاتم في \"تفسيره\" ٢/ ٤٤٥، والثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ١٢٠٢.\n(١٠) أخرجه ابن أبى شيبة في \"المصنف\" ٤/ ٢٨١، والطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٥٤٨ - ٥٤٩، وذكره ابن أبى حاتم في \"تفسيره\" ٢/ ٥٤٩.\n(١١) كذا ذكره الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٥٤٩.","vol":"4","page":288},{"text":"روي أن جُبير بن مطعم تزوج امرأة ثم طلقها قبل البناء فأكمل لها الصداق، وقال: أنا أحقُّ بالعفو، وتأوَّل قوله: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ (١) ولأنَ المهرَ حقُّ المرأة فليس لغيرها إسقاطه، كما أنه ليس للولي أن يهب من مالها شيئًا، كذلك المهر مال لها (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ هذا خطاب للرجال والنساء جميعًا، إلا أن الغلبة (٣) للذكور إذا اجتمعوا مع الإناث، فلذلك غلب التذكير لسبق الأسماء المذكرة (٤) وزيادة التأنيث على ما بينَّا، تقول: قائم، ثم تريد (٥) التأنيث فتقول: قائمة، والمزيد (٦) عليه هو الأصل المغلب (٧). وموضع (أنْ) رفع بالابتداء، تقديره: والعفوُ أقربُ للتقوى (٨)، واللام بمعنى إلى (٩). والمعنى: وعفوُ بعضِكم عن بعضٍ أقربُ (١٠) إلى اتِّقاءِ\n_________\n(١) رواه عبد الرزاق في \"المصنف\" ٦/ ٢٨٤، وابن أبي شيبة في \"المصنف\" ٤/ ٢٨٠، والطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٥٤٦.\n(٢) ينظر في الاستدلال لهذا القول: \"تفسير الطبري\" ٢/ ٥٤٩، \"أحكام القرآن\" للجصاص ١/ ٤٤٠، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٢٠٣ - ١٢٠٧، \"تفسير البغوي\" ١/ ٢٨٧.\n(٣) في (أ) (الغلبة).\n(٤) في (ي) و(ش) (المذكورة).\n(٥) في (ش) (يريد).\n(٦) في (ي) و(ش) (فالمزيد).\n(٧) ذكره الزجاج في \"معاني القرآن\" ١/ ٣١٩ - ٣٢٠، والثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ١٢١٢، والبغوي في \"تفسيره\" ١/ ٢٨٧.\n(٨) \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ٣٢٠، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٢١١، \"التبيان\" ص١٤٣، \"تفسير القرطبي\" ٣/ ٢٠٨، \"المسير الكبير\" ٦/ ١٤٤.\n(٩) قال السمين في \"الدر المصون\" ٢/ ٤٩٦: وهذا مذهب الكوفيين، أعني: التجوز في الحروف، ومعنى اللام وإلى في هذا الموضع يتقارب. وينظر \"التبيان\" ص ١٤٣.\n(١٠) في (ي) (أقرب للتقوى).","vol":"4","page":289},{"text":"ظلمِ كُلِّ واحد صاحبه ما يجب من حقه (١). وقيل: معناه: أدعى إلى اتقاء معاصي الله؛ لأن هذا العفو ندب، فإذا انتدب إليه علم أنه لما كان فرضًا كان أشد استعمالًا (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ قال ابن عباس: لا تتركوا أن يتفضل بعضكم على بعض، وهذا حث من الله للزوج والمرأة على الفضل والإحسان، وأمر لهما جميعًا أن يستبقا إلى العفو (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-455>٢٣٨ </span>- قوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ الآية. الوسطى: تأنيثُ الأوسط، يقال: وَسَطَ فلانٌ الجماعة يَسِطُهم: إذا صار في وَسْطِهم، وهذا أوسطُ من ذاك على المبالغة، والأوسطُ: اسمٌ للوسط، قال الله تعالى: ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ﴾ [القلم: ٢٨] (٤).\nواختلفوا في الصلاة الوسطى، فقال معاذ (٥) وعمر (٦) وابن عباس (٧)\n_________\n(١) \"التفسير الكبير\" ٦/ ١٤٤ - ١٤٥.\n(٢) \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٢١٢، \"التفسير الكبير\" ٦/ ١٤٥.\n(٣) ينظر: \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٢١٣، \"تفسير البغوي\" ١/ ٢٨٧.\n(٤) ينظر: \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٨٨٨ - ٣٨٨٩، \"المفردات\" ص ٥٣٧ - ٥٣٨. \"اللسان\" ٨/ ٤٨٣١ - ٤٨٣٤ (مادة: وسط).\n(٥) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ١٢١٦، والدمياطي في \"كشف المغطى في تبين الصلاة الوسطى\" ص١٢٣، والبغوي في \"تفسيره\" ١/ ٢٨٧.\n(٦) انظر المصادر السابقة.\n(٧) أخرجه مالك في \"الموطأ\" ١/ ١٣٩ بلاغا، وسعيد بن منصور في \"تفسيره\" ٣/ ٩١٥، والطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٥٦٤ - ٥٦٥، وذكره ابن أبي حاتم ٢/ ٤٤٨، وقد روى سعيد بن منصور في السنن ٣/ ٩١٧، وابن أبي شيبة في \"المصنف\" ٢/ ٥٠٤، والطبري ٢/ ٥٧٧ عن ابن عباس: أنها العصر.","vol":"4","page":290},{"text":"وابن عمر (١) (٢) وجابر (٣) وعطاء (٤) وعكرمة (٥) والربيع (٦) ومجاهد (٧): إنها صلاة الفجر. وهو اختيار الشافعي (٨) ﵀.\nروى عكرمة عن ابن عباس قال: هي صلاة الصبح، وسطت فكانت بين الليل والنهار، تُصَلى في سواد من الليل وبياض من النهار، وهي أكثر الصلاة تفوت الناس (٩)؛ ولأنها بين صلاتي ليل وصلاتي نهار (١٠).\nوقال زيد بن ثابت (١١)، وأبو سعيد الخدري (١٢)، وأسامة بن\n_________\n(١) سقطت من (ي).\n(٢) رواه سعيد بن منصور في \"سننه\" ٣/ ٩١٠، وذكره ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٢/ ٤٤٨، والثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ١٢١٧، والبغوي في \"تفسيره\" ١/ ٢٨٧، وروى الطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" ١/ ١٧٠ عن ابن عمر: أنها العصر.\n(٣) رواه الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٥٦٥، وذكره ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٢/ ٤٤٨، والبغوي في \"تفسيره\" ١/ ٢٨٧.\n(٤) أخرجه عبد الرزاق في \"المصنف\" ١/ ١٧٩، والطبري ٢/ ٥٦٦، وذكره ابن أبي حاتم ٢/ ٤٤٨.\n(٥) أخرجه سعيد بن منصور في \"تفسيره\" ٣/ ٩١٢، والطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٥٦٦، وذكره ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٢/ ٤٤٨.\n(٦) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٥٦٦، وذكره ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٢/ ٤٤٨.\n(٧) رواه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" ٢/ ٥٠٥، وانظر المصدرين السابقين.\n(٨) \"أحكام القرآن\" للشافعي ص ٧١، \"السنن الكبرى\" للبيهقي ١/ ٤٦١.\n(٩) رواه الطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" ١/ ١٧١، وعزاه ابن عبد البر في \"التمهيد\" ٤/ ٢٨٤ إلى إسماعيل القاضي، وذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ١٢٢١.\n(١٠) \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٢٢١.\n(١١) أخرجه مالك في \"الموطأ\" ١/ ١٣٩، وعبد الرزاق في \"المصنف\" ١/ ٥٧٧، والطبري ٢/ ٥٦١.\n(١٢) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٥٦١، والبيهقي ١/ ٤٥٨.","vol":"4","page":291},{"text":"زيد (١) وعائشة (٢): إنها الظهر؛ لأنها وسط النهار. ومن خصائصها: أنها أول صلاة فرضت (٣).\nوقال علي (٤) وعبد الله (٥) وأبو هريرة (٦) والنَّخَعي (٧) وقتادة (٨) والحسن (٩) والضحاك (١٠) والكلبي (١١) ومقاتل (١٢): أنها العصر، وهو اختيار أبي حنيفة (١٣) ﵀.\n_________\n(١) أخرجه النسائي في السنن الكبرى ١/ ١٥٣، والطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٥٦٢، وابن\nأبي حاتم ٢/ ٤٤٨.\n(٢) رواه عبد الرزاق في \"المصنف\" ١/ ٥٧٧، وذكره الترمذي ١/ ٣٤٢ كتاب: الصلاة، باب: ما جاء في صلاة الوسطى ...، وروى ابن أبي شيبة في \"المصنف\" ٢/ ٥٠٥، والطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٥٥٥ عنها أنها قالت: هي صلاة العصر.\n(٣) \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٢٣٤.\n(٤) رواه عبد الرزاق في \"المصنف\" ١/ ٥٧٧، وسعيد بن منصور في \"سننه\" ٣/ ٩٠١، والطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٥٥٧ - ٥٥٩، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٢/ ٤٤٨.\n(٥) أخرجه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" ٢/ ٥٠٤، والطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٥٥٧ - ٥٥٩.\n(٦) أخرجه عبد الرزاق في \"مصنفه\" ١/ ٥٧٧، وسعيد بن منصور في \"تفسيره\" ٣/ ٩٠٣ - ٩٠٨، والطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٥٥٩.\n(٧) رواه الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٥٥٦، وذكره الثعلبي ٢/ ١٢٣٥، والدمياطي في كشف المغطى ص ١١٩.\n(٨) رواه الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٥٥٦، ٥٥٧.\n(٩) أخرجه الطبري ٢/ ٥٥٨.\n(١٠) رواه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" ٢/ ٥٠٥، والطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٥٥٦.\n(١١) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ١٢٣٦، والنووي في \"المجموع\" ٣/ ٦١.\n(١٢) \"تفسير مقاتل\" ١/ ٢٠٠، وذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ١٢٣٦.\n(١٣) \"شرح معاني الآثار\" ١/ ١٧٦، \"أحكام القرآن\" للجصاص ١/ ٤٤٣.","vol":"4","page":292},{"text":"روي ذلك مرفوعًا أنها العصر (١)، ولأنها بين صلاتي نهار وصلاتي (٢) ليل (٣).\nوقال قبيصة بن ذؤيب (٤): إنها المغرب (٥)، لأنها وسط في الطول والقصر من بين الصلوات.\nومن خصائصها: أنها لا تقصر (٦). وحكى (٧) الشيخ الإمام أبو الطيب سهل بن محمد، ﵀ (٨)، عن بعضهم: أنها صلاة العشاء الآخرة؛\n_________\n(١) قال رسول الله - ﷺ - يوم الأحزاب: \"شغلونا عن صلاة الوسطى صلاة العصر .. \" الحديث، فقد رواه البخاري (٢٩٣١) كتاب: الجهاد، باب: الدعاء على المشركين بالهزيمة، ومسلم (٦٥٧) كتاب: المساجد، باب: الدليل لمن قال الصلاة الوسطى هي صلاة العصر من حديث علي. ورواه الترمذي من طريقين: (١٨٢) كتاب: الصلاة، باب: ما جاء في الصلاة الوسطى، وحسنه، (٢٩٨٣) كتاب: التفسير، باب: ومن سورة البقرة وصححه، والإمام أحمد ٥/ ٧، والطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" ١/ ١٧٤، وابن أبي شيبة في \"المصنف\" ٢/ ٥٠٥، والبيهقي ١/ ٤٦٠، والطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٥٦٠، والثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ١٢٣٦، وغيرهم عن الحسن عن سمرة بن جندب.\n(٢) في (ي) (وبين صلاتي).\n(٣) \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٢٤٩.\n(٤) هو: قبيصة بن ذؤيب الخزاعي، أبو سعيد أو أبو إسحاق المدني من أولاد الصحابة وله رؤية، من الفقهاء الوجوه، توفي سنة ٨٦ هـ. ينظر \"الاستيعاب\" ٣/ ٣٣٦، \"التقريب\" ص ٤٥٣.\n(٥) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٥٦٤، وذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ١٢٥٣، والبغوي في \"تفسيره\" ١/ ٢٨٩.\n(٦) \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٢٥٣ - ١٢٥٤، وهو معنى كلام قبيصة المتقدم تخريجه.\n(٧) الواو ساقطة من (ي).\n(٨) هو سهل بن محمد بن سليمان الصعلوكي، أبو الطيب النيسابوري، شيخ الشافعية\nبخراسان ومفتيها، توفي سنة ٤٠٤. ينظر \"سير أعلام النبلاء\" ١٧/ ٢٠٧، \"طبقات الشافعية الكبرى\" ٤/ ٣٩٣.","vol":"4","page":293},{"text":"لأنها بين صلاتين، لا تقصران (١) فهي الوسطى بينهما (٢).\nوقال بعضهم: هي إحدى الصلوات الخمس ولا نعرفها (٣) بعينها (٤). سئل الربيع بن خثيم (٥) عنها فقال للسائل (٦): أرأيت إن علمتها أكنت (٧) محافظًا عليها ومضيعًا سائرهن؟ قال: لا، قال: فإنك إن حافظت عليها كلها فقد حافظت عليها (٨).\nوبه يقول أبو بكر الوراق (٩).\nوقال: لو (١٠) شاء الله ﷿ لعينها، ولكنه أراد تنبيه الخلق على أداء الصلوات (١١).\nوقوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ قال أبو عبيد: أصلُ القنوت في\n_________\n(١) في (ي) (لا تقصران وهي المغرب والفجر فهي).\n(٢) ذكره الثعلبي ٢/ ١٢٥٧، وينظر كشف المغطى ص ١٣٥، \"فتح الباري\" ٨/ ١٩٧\n(٣) في (م) (ولا يعرفها) في \"تفسيره\".\n(٤) ينظر: \"تفسير الطبري\" ٢/ ٥٦٦، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٢٦٠.\n(٥) هو: الربيع بن خثيم بن عائذ بن عبد الله التوزي أبو يزيد الكوفي، ثقة عابد مخضرم، قال له ابن مسعود: لو رآك رسول الله - ﷺ - لأحبك، توفي سنة ٦١هـ، وقيل: ٦٣ هـ. ينظر \"تقريب التهذيب\" ص٢٠٦ (١٨٨٨).\n(٦) ساقطة من (ي).\n(٧) في (ي): (كنت).\n(٨) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٥٦٦.\n(٩) هو محمد بن عمر الوراق الحكيم، أبو بكر البلخي، أصله من ترمذ، وأقام ببلخ، وأسند الحديث، توفي سنة ٢٤٠. ينظر \"حلية الأولياء\" ١٠/ ٢٣٥، \"صفة الصفوة\" ٤/ ١٦٥.\n(١٠) في (ي): (وقالوا).\n(١١) ذكره عنه الثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ١٢٦٠، وأبو حيان في \"تفسيره\" ٢/ ٢٤١.","vol":"4","page":294},{"text":"أشياء، فمنها: القيام، وبه جاءت الأحاديث في قنوت الصلاة؛ لأنه إنما يدعو قائمًا، ومن أبين ذلك: حديث جابر، قال: سئل النبي - ﷺ - أي الصلاة أفضل؟ قال: \"طول القنوت\" (١) يريد: طول القيام. والقنوت أيضًا: الطاعة، ومنه قوله: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ أي: مطيعين.\nوالقانت: الذاكر لله المصلي، كما قال: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا﴾ [الزمر: ٩] (٢). قال أبو إسحاق: والمشهور في اللغة والاستعمال أن القنوت: العبادة والدعاء لله في حال القيام، ويجوز أن يقع في سائر الطاعة؛ لأنه إن (٣) لم يكن قيام بالرِّجلين فهو قيام بالشيء بالنية (٤). وعلى هذا صارت الآية دلالة للشافعي أن الوسطى صلاة الفجر (٥)، لأنه لا فرض يُدْعى فيه قائمًا إلا الفجر عنده (٦).\nفأما المفسرون: فقال ابن عباس في رواية عكرمة (٧) والعوفي (٨)\n_________\n(١) سبق تخريجه\n(٢) \"غريب الحديث\" لأبي عبيد ١/ ٤٣٧ بمعناه، ونقله في \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٣٠٥٤.\n(٣) في (ش) (لأنه لم يكن).\n(٤) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٣٢٠ - ٣٢١، وينظر في القنوت: \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٣٠٥٤، \"المفردات\" ص٤١٣، \"اللسان\" ٦/ ٣٧٤٧ - ٣٧٤٨.\n(٥) في (ش) (أن الوسطى الفجر)، وفي (ي) (أن الصلاة الوسطى: الفجر).\n(٦) ينظر: \"تفسير الطبري\" ٢/ ٥٧٧، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٢٢٢، وقد قال ابن القيم في \"زاد المعاد\" ١/ ٢٧٣: وكان هديه - ﷺ - القنوت في النوازل خاصة، وتركه عند عدمها، ولم يكن يخصه بالفجر، بل كان أكثر قنوته فيها؛ لأجل ما شرع فيها من التطويل، ولاتصالها بصلاة الليل.\n(٧) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ١٢٧٧.\n(٨) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٥٦٩، وروى ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٢/ ٤٤٩، من طريق العوفي عن ابن عباس: مصلين.","vol":"4","page":295},{"text":"والوالبي (١): ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ أي: مطيعين. وهو قول الشعبي (٢) وعطاء (٣) والحسن (٤) وقتادة (٥).\nوقال الضحاك (٦) ومقاتل (٧) والكلبي (٨): لكل أهل دين صلاة يقومون فيها عاصين، فقوموا أنتم لله في صلاتكم مطيعين.\nوروي عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"كل قنوت في القرآن فهو الطاعة\" (٩)\nوقال ابن عباس، في رواية أبي رجاء (١٠): داعين في صلاتكم (١١).\nفأما ما روي عن زيد بن أرقم (١٢) أنه قال: كنا نتكلم على عهد رسول\n_________\n(١) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٥٦٨.\n(٢) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٥٦٨، وذكره ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٢/ ٤٤٩.\n(٣) انظر المصدرين السابقين.\n(٤) انظر المصدرين السابقين.\n(٥) انظر المصدرين السابقين.\n(٦) انظر المصدرين السابقين.\n(٧) \"تفسير مقاتل\" ١/ ٢٠١.\n(٨) انظر المصدر السابق.\n(٩) رواه أحمد ٣/ ٧٥، وأبو يعلى ٣/ ٥٢٢، والطبري ٢/ ٥٦٩، ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ١/ ٢١٣، وابن حبان في صحيحه ٢/ ٧ قال ابن كثير في \"تفسيره\": ولكن في هذا الإسناد ضعف لا يعتمد عليه ورفع هذا الحديث منكر، وقد يكون من كلام الصحابي أو من دونه، والله أعلم. وكثيرًا ما يأتي بهذا الإسناد تفاسير فيها نكارة فلا يغتر بها فإن السند ضعيف.\n(١٠) في (م): (رخا).\n(١١) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٥٧٠.\n(١٢) زيد بن أرقم بن زيد الخزرجي الأنصاري، أبو عمر، أول مشاهده الخندق، وقيل: المريسيع، وغزا مع النبي - ﷺ - سبع عشرة غزوة، وهو الذي أنزل الله تصديقه في =","vol":"4","page":296},{"text":"الله - ﷺ - في الصلاة حتى نزلت: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام (١) (٢)، وعلى هذا القنوت هاهنا: الإمساك عن الكلام في الصلاة (٣).\nوقال بعض (٤) أهل المعاني: ليس القنوت في اللغة بمعنى السكوت، والمراد: أنه لما نزلت الآية فهم النبي - ﷺ - من أمر الله بالقنوت وهو الطاعة تحريم الكلام في الصلاة فنهى عن الكلام في الصلاة (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-456>٢٣٩ </span>- قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ الآية، أراد خفتم عدوًّا فحذف المفعول لإحاطه العلم به.\nوالرِّجَالُ: جمع رَاجِل، مثل: تَاجِر وتِجَارُ، وصَاحِب وصِحَاب (٦). والراجل: هو الكائن على رجله ماشيًا كان أو واقفًا. ويقال في جمع راجِل: رَجل ورَجَّالة ورُجّالَه ورِجَال ورُجَّال (٧).\n_________\n= سورة المنافقون، توفي سنة ٦٦ وقيل ٦٨. ينظر \"الاستيعاب\" ٢/ ١٠٩، \"أسد الغابة\" ٢/ ٢١٩.\n(١) أخرجه البخاري (١٢٠٠) كتاب: الجمعة، باب: ما ينهى من الكلام في الصلاة، ومسلم (٥٣٩) كتاب: المساجد ومواضع الصلاة، باب: تحريم الكلام في الصلاة، والترمذي بلفظه (٢٩٨٦) كتاب: تفسير القرآن، باب: ٣.\n(٢) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٥٧٠، ٢٣٣، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٢/ ٤٤٩، والبغوي في \"تفسيره\" ١/ ٢٨٩.\n(٣) ينظر: \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٢٧٨.\n(٤) (بعض) ساقطة من (ي).\n(٥) ينظر: \"تفسير الطبري\" ٢/ ٥٧٠ - ٥٧١.\n(٦) ينظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٣٢١، \"تفسير الطبري\" ٢/ ٥٧٢ - ٥٧٣، و\"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٢٨١.\n(٧) ينظر في رجل: \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٣٧١ - ١٣٧٥، \"المفردات\" ص١٩٦، =","vol":"4","page":297},{"text":"والرُّكبان: جمع راكبٍ، مثل: فارس وفرسان (١). ومعنى الآية: فإن لم يمكنكم أن تصلوا قانتين مُوَفِّين للصلاة حقَّها فصلُّوا مشاةً على أرجلكم، وركبانًا على ظهور دوابِّكم، فإن ذلك (٢) يجزيكم (٣).\nقال المفسرون: هذا في المُسَايَفَة والمطاردة، يكبر الرجل مستقبلَ القبلة إن أمكنه، وإن (٤) لم يمكنه يكبر غير مستقبل القبلة، ثم يقرأ ويومئ للركوع والسجود، ولا ينقص بسبب الخوف من عدد الركعات، ولكن إن كان مسافرًا يقصر الصلاةَ كما يقصر المسافر (٥).\nوما روي عن ابن عباس أنه قال: فرض الله على لسان نبيكم الصلاةَ في الحضر أربعًا وفي السفر ركعتين وفي الخوف ركعة (٦) فذاك مذهب لا يُعْمَل به (٧). وهذه صلاة شدة الخوف، وهي التي يجوز للمصلي أن يصلي\n_________\n= و\"القاموس\" ص ١٠٠٣ - ١٠٠٤، وزاد في جمعه: رُجالَى ورَجالَى، ورجْلى ورُجْلان بالضم، ورَجْلة، ورِجْلة وأرجِلَة، وأراجل وأَراجيل.\n(١) ينظر: \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٤٥٦ - ١٤٥٨، و\"القاموس\" ص ٩١، ونقل الثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ١٢٨٢ عن المفضل قال: لا يقال راكب إلا لصاحب الجمل، وأما صاحب الفرس فيقال له: فارس، ولراكب الحمار: حمَّار، ولراكب البغل: بغّال.\n(٢) في (ي) (ذلكم).\n(٣) ينظر: \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٢٨٣، \"تفسير البغوي\" ١/ ٢٩٠.\n(٤) في (ي) ولم يمكنه.\n(٥) \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٢٨٣، \"تفسير البغوي\" ١/ ٢٩٠.\n(٦) أخرجه مسلم (٦٨٧) كتاب: صلاة المسافرين وقصرها، باب: صلاة المسافرين.\n(٧) قال النووي في \"المجموع\" ٤/ ٤٠٤: إن صلاة الخوف لا يتغير عدد ركعاتها، وهو مذهبنا ومذهب العلماء كافة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، إلا ابن عباس والحسن البصري والضحاك وإسحاق بن راهويه، وحكاه الشيخ أبو حامد عن جابر وطاوس، فإنهم قالوا: الواجب في الخوف عند شدة القتال ركعة واحدة وقال =","vol":"4","page":298},{"text":"من أجلها راكبًا ومومئًا وحيث ما كان وجهه، وأما صلاة الخوف فبيانها في سورة النساء (١)، وقال (٢) ابن عمر في تفسير هذه الآية: ومستقبلي القبلة وغير مستقبلها.\nوالصلاة بالإيماء في شدة الخوف لا يختص (٣) بخوف المشركين، بل إذا خاف سبعًا، أو سيلًا، أو جملًا صائلًا، وما الأغلب (٤) من شأنه الهلاك، له أن يومئ بالصلاة إيماءً، ويعدو عدوًا، أو يركض ركضًا إذا خاف فوت الصلاة (٥).\nوقوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ فصلوا الصلوات الخمس تامةً بحقوقها ﴿كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ يريد: كما افترض عليكم في مواقيتها (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-457>٢٤٠ </span>- قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ﴾ الآية. قال ابن عباس وغيره من المفسرين: نزلت الآية في رجل من أهل الطائف يقال (٧) له: حكيم بن الحارث، هاجر إلى المدينة وله\n_________\n= البغوي في \"تفسيره\" ١/ ٢٩٠: ولا ينتقص عدد الركعات بالخوف عند أكثر أهل العلم.\n(١) \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٢٨٣. وصلاة الخوف ذكرت في سورة النساء [آية:١٠٢].\n(٢) في (أ) و(م) قال.\n(٣) في (م): (لا تختص).\n(٤) في (م): (وما إلا وغلب)، وفي (ي): (وأما الأغلب).\n(٥) \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٢٨٣، وينظر: \"تفسير الطبري\" ٢/ ٥٧٦، \"البحر المحيط\" ٢/ ٢٤٤.\n(٦) \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٢٨٥، \"تفسير البغوي\" ١/ ٢٩٠.\n(٧) في (م): فقال.","vol":"4","page":299},{"text":"أولاد معه أبواه وامرأته، فمات، فرفع ذلك إلى النبي - ﷺ - فأنزل الله ﷿ هذه الآية، فأعطى رسول الله - ﷺ - والديه وأولادَه ميراثه، ولم يعطِ امرأته شيئًا، غير أنَّهُ أمرَهم أن يُنفقوا عليها من تركةِ زوجها حَوْلًا (١).\nفكان الأمر في ابتداء الإسلام على هذا، إذا مات الرجل لم يكن لامرأته من الميراث شيء إلا السُّكْنى والنفقة سنة، ما لم تخرج من بيت زوجها، وكان المتوفى يوصي بذلك لها، فإن خرجت من بيت زوجها لم يكن لها نفقة، وكان الحول عزيمةً عليها في الصبر عن (٢) التزوُّجِ، ولكن كانت مخيرةً في أن تعتدَّ إنْ شاءت في بيتِ الزوجِ، وإن شاءت خَرَجَتْ قبلَ الحَوْلِ، على أنها إنْ خرجت سقطتْ نفقتُها.\nهذا جملةُ حكم هذه الآية. ثم وَرَدَ النَّسْخُ على هذه الآية من وجهين: أحدهما (٣): أن العدة صارت مُقَدَّرةً بأربعة أشهرٍ وعشر، وقد تقدمت الآية الناسخة.\nوالوجه الثاني: أن الميراث ثبت (٤) لها، وسقطت نفقة العدة (٥).\n_________\n(١) ذكره الثعلبي ٢/ ١٢٨٨، واليه وحده عزاه الحافظ في \"الإصابة\" ٢/ ٣٢، وذكره الماوردي في \"النكت والعيون\" ١/ ٣١١ عن الضحاك عن ابن عباس، وعزاه ابن حجر في \"العجاب\" ١/ ٦٠٠، والسيوطي في \"اللباب\" ص ٥٢، وفي \"الدر\" ١/ ٥٥٠ إلى إسحاق بن راهويه في \"تفسيره\"، وأورد مقاتل في \"تفسيره\" ١/ ٢٠٢ نحوه، وروى أبو عبيد في \"الناسخ والمنسوخ\" ص ١٢٩، والطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٥٨٠، وغيرهم عن ابن عباس في الآية قال: كان الرجل إذا مات وترك امرأته اعتدت سنة في بيته ينفق عليها من ماله .. الحديث.\n(٢) في (ي): (في).\n(٣) ساقطة من (ي).\n(٤) في (ي): يثبت.\n(٥) \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٢٩٠، وينظر \"صحيح البخاري\" (٤٥٣٦) كتاب: التفسير،=","vol":"4","page":300},{"text":"واختلف القراء في رفع الوصية ونصبها (١).\nفمن رفع فله وجهان:\nأحدهما: أن يجعل الوصية مبتدأ، والظرف خبره، وهو قوله: ﴿لَأَزْوَاجِهِم﴾، وحَسُنَ الابتداء بالنكرة، لأنَّه موضعُ تخصيصٍ (٢)، كما حسن أن يرتفع: سلام عليكم، وخير بين يديك.\nوالوجه الآخر: أن يُضمر (٣) له خبرًا، فيكون قوله: ﴿لَأَزْوَاجِهِم﴾\n_________\n= باب: والذين يتوفون منكم، \"الناسخ والمنسوخ\" لأبي عبيد ص ١٢٩، \"تفسير الطبري\" ٢/ ٥٨٢، \"ونواسخ القرآن\" لابن الجوزي ص٢٥٢، قال الحافظ ابن حجر في \"الفتح\" ٩/ ٤٩٣: قال ابن بطال: وأطبقوا على أن آية الحول منسوخة، وأن السكنى تبعا للعدة، فلما نسخ الحول في العدة بالأربعة أشهر وعشر نسخت السكنى أيضا، وقال ابن عبد البر: لم يختلف العلماء في أن العدة بالحول نسخت إلى أربعة أشهر وعشر. وذهب مجاهد كما رواه البخاري (٥٣٤٤) كتاب: الطلاق، باب: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ﴾، وآخرون من أهل العلم أن الآية محكمة، قال الشيخ السعدي في \"تفسيره\": ومن تأمل الآيتين اتضح له أن القول الآخر في الآية -وهو عدم النسخ- هو الصواب، وأن الآية الأولى في وجوب التربص أربعة أشهر وعشرا على وجه التحتيم على المرأة، وأما في هذه الآية فإنها وصية لأهل الميت أن يبقوا زوجة ميتهم عندهم حولا كاملا جبرا لخاطرها وبرا بميتهم، ولهذا قال: ﴿وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ﴾، أي: وصية من الله لأهل الميت أن يستوصوا بزوجته ويمتعوها ولا يخرجوها. اهـ. وذكر ابن كثير في \"تفسيره\" ١/ ٣١٨ أن قول عطاء ومن تابعه على أن ذلك منسوخ بآية الميراث، إن أرادوا ما زاد على الأربعة والعشر فمسلّم، وان أرادوا أن سكنى الأربعة أشهر وعشر لا تجب في تركة الميت فهذا محل خلاف بين الأئمة.\n(١) قرأ بالرفع: ابن كثير ونافع وعاصم في رواية أبي بكر والكسائي، وقرأ الباقون بالنصب. ينظر السبعة لابن مجاهد ص ١٨٤.\n(٢) في \"الحجة\" لأبي علي: تحضيض.\n(٣) في (ش): (يضمر).","vol":"4","page":301},{"text":"صفةً للنكرة التي هي الوصية، وتقدير الخبر المضمر: فعليهم وصية لأزواجهم (١).\nقال أبو عبيد: ومع هذا رأينا (٢) المعنى كله في القرآن رفعًا، مثل قوله: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧] ﴿فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ﴾ [النساء: ٩٢] ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾ [البقرة: ١٩٦]. ونحوهما (٣).\nومن نصب حمله على الفعل، أىِ: فليوصوا وصيةً، فتُنْصَب الوصيةُ على المصدر، ويكون قوله: ﴿لَأَزْوَاجِهِم﴾ وصفًا كما كان في قول من أضمر الخبر كذلك. ومن حجتهم: أن الظرف إذا تأخر عن (٤) النكرة كان استعماله صفةً أكثر، وإذا كان خبرًا تقدم على النكرة، كقوله: ﴿وَلَهُمْ أَعْمَالٌ﴾ [المؤمنون: ٦٣] ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ (٣٥)﴾ [ق: ٣٥] فإذا تأخرت فالأكثر (٥) فيها أن تكون صفات، وهاهنا تأخر الظرف، وهو قوله: ﴿لَأَزْوَاجِهِم﴾، فالأحسن أن تكون صفة للنكرة لا خبرًا (٦).\nفإن قيل: كيف يوصي المتوفّى، والله تعالى ذكر الوفاة ثم أمر بالوصية؟.\nقلنا: المعنى: والذين يقاربون الوفاة ينبغي أن يفعلوا هذا، فالوفاة عبارة عن الإشراف عليها (٧).\n_________\n(١) كذا نقله من \"الحجة\" ٢/ ٣٤١ - ٣٤٢.\n(٢) عند الثعلبي: رأينا هذا.\n(٣) نقله عنه الثعلبي٢/ ١٢٨٧.\n(٤) في (ش) و(ي): (على).\n(٥) في (ي): فأكثر.\n(٦) من \"الحجة\" لأبي علي ٢/ ٣٤٣.\n(٧) من \"الحجة\" لأبي علي ٢/ ٣٤٣.","vol":"4","page":302},{"text":"وجواب آخر: وهو أن هذه الوصية يجوز أن تكون مضافة إلى الله، بمعنى أمره وتكليفه، كأنه قيل: وصية من الله لأزواجهم، كقوله: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النساء: ١١] وهذا المعنى إنما يحسن على قراءة من قرأ بالرفع (١).\nوقوله تعالى: ﴿مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ﴾ انتصب على معنى: متعوهن متاعًا، فيكون كقوله: ﴿وَصِيَّةً﴾ عند من قرأها بالنصب، ويجوز أن يكون على تأويل: جعل الله لهن ذلك متاعًا؛ لأن ما قبله من الكلام قد دل على هذا.\nوقيل: إنه عبارة عن الحال، وقيل: نصب بالمصدر الذي هو الوصية، كقوله (٢): ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيمًا﴾ [البلد: ١٤ - ١٥] (٣).\nوعنى بالمتاع: نفقة سنتها لطعامها (٤) (٥).\nوقوله تعالى: ﴿غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ نصب على أنه (٦) صفةٌ لمتاع، وقيل: نصب بوقوعه موقع الحال، كأنه قال: مَتِّعوهن مقيمات غير مخرجات.\nوقيل: انتصب بنزع (٧) الخافض، أراد: من غير إخراج (٨).\n_________\n(١) ينظر: \"البحر المحيط\" ٢/ ٢٤٥.\n(٢) ليست في (ي).\n(٣) ينظر في إعراب الآية: \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ٣٢٣، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٢٨٧، \"مشكل إعراب القرآن\" ١/ ١٣٢، \"التبيان\" ص١٤٣.\n(٤) في (ش): إطعامها.\n(٥) \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٢٨٨، وزاد: وكسوتها وسكناها وما تحتاج إليه.\n(٦) ساقط من (ي).\n(٧) في (ي): انتزع بنصب.\n(٨) ينظر في إعراب الآية: \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ٣٢٣، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٢٨٨،\"مشكل إعراب القرآن\" ١/ ١٣٢، \"التبيان\" ص١٤٣.","vol":"4","page":303},{"text":"وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خَرَجْنَ﴾ يعنى: من قبل أنفسهن قبل الحول من غير إخراج الورثة، ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ يا أولياء الميت ﴿فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ﴾ يعنى: التشوف (١) للنكاح والتصنع للأزواج (٢).\nقال عطاء: يريد التزوج بعد العِدة، يعنى: إذا مضت لها ثلاثة قروء كان لها أن تتزوج، وهذا منسوخ كما بينا (٣). وفي (٤) رفع الجناح عن الرجال بخروج النساء وجهان:\nأحدهما: لا جناح في قَطْعِ النفقة عنهن إذا خرجن قبل انقضاء الحول.\nوالثاني: لا جُناحَ عليكم في ترك منعهن من الخروج؛ لأن مُقامَها حولًا في بيت زوجها غيرُ واجب عليها (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-458>٢٤١ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ قال ابن زيد: إنما نزلت هذه الآية؛ لأن الله سبحانه لما أنزل قوله: ﴿وَمَتِعُوهُنَ﴾ إلى قوله: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٦]، قال رجل من المسلمين: إن أحسنت فعلت، وإن لم أرد ذاك لم أفعل، فقال الله تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ (٦) يعنى: المتقين الشرك، فبين أن لكل مطلقة متاعًا (٧).\n_________\n(١) في (ش): (الشوق)، وفي (م): (التشوق).\n(٢) \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٢٩١، \"تفسير البغوي\" ١/ ٢٩١.\n(٣) ينظر كلامه عند تفسيره لآية ١٠٦ في: بيان الصحيح في النسخ.\n(٤) في (ي): (في).\n(٥) \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٢٩١، \"تفسير البغوي\" ١/ ٢٩١.\n(٦) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٥٨٤ - ٥٨٥، وذكره في \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٢٩٢.\n(٧) \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٢٩٢.","vol":"4","page":304},{"text":"والناس طوائف مختلفة في هذا.\nفطائفة تقول: لكل مطلقة متعة كائنة من كانت، وعلى أي وجه وقع الطلاق، وهو قول الحسن (١) وسعيد بن جبير (٢) وأبي العالية (٣).\nوطائفة تقول: المتعة واجبة لكل مطلقة إلا المطلقة المفروض لها إذا طلقت قبل الدخول، إنما لها نصف المسمى فقط (٤).\nوقال بعضهم: ليس شيء من ذلك بواجب، وإنما المتعة إحسان، والأمر بها أمر (٥) ندب واستحباب، وهو مذهب أبي حنيفة (٦).\nروي أن امرأة خاصمت إلى شريح في المتعة فقال شريح للزوج: (لا تأب أن تكون من المحسنين (٧» ولا تأب أن تكون من المتقين، ولم يجبره على ذلك (٨).\n_________\n(١) رواه عبد الرزاق في \"المصنف\" ٧/ ٧٠، وسعيد بن منصور في \"سننه\" ٢/ ٧٢، وابن أبي شيبة في \"المصنف\" ٥/ ١٥٤، والطبري ٢/ ٥٣٢، ابن أبي حاتم ٢/ ٤٤٤.\n(٢) أخرجه سعيد بن منصور في \"تفسيره\" ٢/ ٢٩، والطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٥٨٤.\n(٣) أخرجه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" ٥/ ١٥٤، والطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٥٣٢، وابن أبي حاتم ٢/ ٤٥٤.\n(٤) وهذا قول ابن عمر ونافع وعطاء ومجاهد ومذهب الشافعي. ينظر \"الموطأ\" ٢/ ٥٧٣، وعبد الرزاق في \"المصنف\" ٧/ ٦٨، وابن أبي شيبة في \"المصنف\" ٥/ ١٥٤، والطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٥٣٢، والأم ٥/ ٦٣، و\"أحكام القرآن\" للشافعي ص٢١٦، و\"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١١٨٤ - ١١٨٥.\n(٥) ليست في (ش).\n(٦) ينظر: \"مختصر الطحاوي\" ص ١٩٤، \"أحكام القرآن\" للجصاص ١/ ٤٢٨، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١١٨٦.\n(٧) سقطت من (ش).\n(٨) رواه عبد الرزاق في \"المصنف\" ٧/ ٧١، وسعيد بن منصور ٢/ ٢٨، ووكيع في \"أخبار القضاة\" ٢/ ٣٢٧، والطبري ٢/ ٥٣٤، ابن أبي حاتم ٢/ ٤٤٣.","vol":"4","page":305},{"text":"قال المفسرون: إنما أعيد هاهنا ذكر المتعة؛ لأنه ذُكر في غير هذه الآية خاصًّا وذكر هاهنا عامًّا (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-459>٢٤٢ </span>- قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ﴾ أي: مثل البيان الذي تقدم فيما ذكر من الأحكام يبين آياته، فشبه البيان الذي يأتي بالبيان الذي مضى (٢).\nوقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ قال عطاء: يريد: يفسر لكم فرائضه لتعملوا (٣) بها حتى تفقهوا. قال أبو إسحاق: حقيقة هذا أن العاقل هاهنا الذي يعمل بما افترض الله عليه، لأنه إن فهم الفرض (٤) ولم يعمل به فهو جاهل ليس بعاقل. وحقيقة العقل: استعمالُ الأشياء المستقيمة، ألا ترى أن الله تعالى وصَفَ بالجهلِ أقوامًا آثروا هواهم على ما علموا أنه الحق، وإن كانوا ذوي عقل، من حيث يلزمهم التكليف، فقال: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ﴾ [النساء: ١٧] فلو كان هؤلاء جهالًا غير مميزين لسقط عنهم التكليف (٥) (٦).\nوقال غيره: معنى ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ أي: ثبت لكم صفةُ العقلاء، باستعمالِ ما بَيَّنَّا لكم، وهذا قريب مما ذكر.\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" ٢/ ٥٨٣ - ٥٨٤، و\"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٢٩٢، و\"تفسير البغوي\" ١/ ٢٩١.\n(٢) ينظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٣٢٢.\n(٣) في (ش): لتعلموا.\n(٤) في (م) لعلها (الغرض).\n(٥) ساقط من (أ) و(م).\n(٦) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٣٢٢.","vol":"4","page":306},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-460>٢٤٣ </span>- قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ الآية، الرؤية تكون بمعنى رؤية العيان، وتكون بمعنى رؤية القلب، وذلك راجع إلى العلم، والمعنى هاهنا: ألم تعلم، ألم ينته علمك إلى خبر هؤلاء (١). وإنما جاز إطلاق لفظ الرؤية على غير المعاينة؛ لأن النبي - ﷺ - صار يصدق إخبار الله تعالى إياه كالناظر عيانًا.\nقال أهل المعاني: وفي هذا تعجيب (٢) وتعظيم، كما تقول: ألم تر إلى ما يصنع فلان. وكل ما في القرآن من نحو هذا فهذا سبيله (٣).\nوقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ قال المفسرون: أراد به قومًا من بني إسرائيل، كانوا أهل قرية يقال لها: داوَرْدَان (٤)، وقع بها الطاعون فخرجوا هاربين منها (٥)، حتى نزلوا واديًا فأماتهم الله جميعًا (٦).\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٣٢٢، وينظر: \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ٣٢٣.\n(٢) في (ش) و(ي): (هذا تبين تعجيب).\n(٣) \"تفسير غريب القرآن\" ص ٨٤، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٣٠٧، \"تفسير البغوي\" ١/ ٢٩٤.\n(٤) قرية في نواحى شرقي واسط، بينهما فرسخ. ينظر: \"معجم البلدان\" ٢/ ٤٣٤، والمذكور في \"تفسير مقاتل\" (دامرودان).\n(٥) في (ش) و(ي): (منه).\n(٦) وهذا قول ابن عباس والسدي وأبي مالك وابن زيد والحسن وعمرو بن دينار. ينظر \"تفسير الطبري\" ٢/ ٥٨٩، \"تفسير ابن أبي حاتم\" ٢/ ٤٥٨، \"الدر المنثور\" للسيوطي ١/ ٥٥١، و\"بذل الماعون في فضل الطاعون\" ص ٢٣٦، قال الحافظ ابن حجر في \"بذل الماعون\" ص ٢٣٥: والطرق الماضية من أن فرارهم كان بسبب الطاعون أقوى مخرجًا وأحسن طرقًا.","vol":"4","page":307},{"text":"وقال الضحاك (١) ومقاتل (٢) والكلبي (٣): إنما فروا من الجهاد، وذلك أن نبيًّا لهم يقال له: حزقيل ندبهم إلى الجهاد، فكرهوا وجبنوا، فأرسل الله عليهم الموت، فلما كثر فيهم خرجوا من ديارهم فرارًا من الموت، فلما رأى حِزْقِيل ذلك قال: اللهم ربّ يعقوب، وإله موسى، ترى معصية عبادك، فأرِهِم آيةً في أنفسهم تدلُّهم على نفاذ قدرتك، وأنهم لا يخرجون عن قبضتك، فأرسل الله عليهم الموت.\nواختلفوا في مبلغ (٤) عددهم، فلم يقولوا دون ثلاثة آلاف، ولا فوق سبعين ألفًا (٥).\nوالوجه من حيث اللفظ أن يكون عددهم يزيد على عشرة آلاف؛ لقوله: ألوف وهو جمع الكثير (٦)، ولا يقال في عشرة فما دونها: ألوف (٧).\nوقوله تعالى: ﴿حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ ينتصب على أنه مفعول له، أي: لحذر\n_________\n(١) رواه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٢/ ٤٥٦، وذكره الحافظ في بذل الماعون ص ٢٣٥، وعزاه إلى سنيد في \"تفسيره\"، وإلى الطبري في تفسيره، وليس عند الطبري، وذكره النحاس في \"معاني القرآن\" ١/ ٢٤٥.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ١/ ٢٠٢، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٢٩٨.\n(٣) \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٢٩٨.\n(٤) ساقطة من (ش).\n(٥) ينظر: \"تفسير الطبري\" ٢/ ٥٩٠، \"تفسير ابن أبي حاتم\" ٢/ ٤٥٦ - ٤٥٧، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٢٩٩.\n(٦) في (ي): (الكثير).\n(٧) هذا ترجيح الثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ١٣٠١، وتنظر الأقوال: عند الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٥٨٥، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٢/ ٤٥٥، والسيوطي في \"الدر المنثور\" ١/ ٥٥١، والحافظ في \"بذل الماعون\" ص ٢٣٢.","vol":"4","page":308},{"text":"الموت. وجائز أن يكون نصبه على المصدر؛ لأن خروجهم يدل على حذر (١).\nوقوله تعالى: ﴿فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا﴾ يجوز أن يكون الله تعالى أماتهم عند قوله لهم (٢): موتوا، ويكون ذلك أمر تحويل (٣)، كقوله: ﴿كُونُوا قِرَدَةً﴾ [البقرة: ٦٥] ويجوز أن يكون هذا أمرًا والمراد منه (٤) الخبر. وقد ذكرنا وجوه الأمر عند قوله: ﴿كُونُوا قِرَدَةً﴾ [البقرة: ٦٥] (٥).\nوقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَحْيَاهُمْ﴾ قال ابن عباس: وذلك أن نبيهم حزقيل خرج في (٦) طلبهم فوجدهم بعد ثمانية أيام موتى، وقد نتنوا، فتضرع إلى الله وبكى، وقال: يا رب كنت في قوم يحمدونك ويمجدونك فبقيت وحيدًا لا قوم لي، فأوحى الله إليه رحمة منه له: إني قد جعلت حياتهم إليك، فقال حزقيل: احيوا، فقاموا كأنهم نيام انتبهوا من نومهم، فذلك السبط الذين أُحيوا في الدنيا تشم منهم رائحة منتنة تخالف روائح الناس (٧).\nوقال قتادة: مقتهم الله على فرارهم من الموت، فأماتهم عقوبة لهم، ثم بعثهم إلى بقية آجالهم ليتوفوها، ولو كانت آجال القوم جاءت ما بعثوا بعد موتهم (٨).\n_________\n(١) ينظر: \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ٣٢٤، \"البحر المحيط\" ٢/ ٢٥٠.\n(٢) في (ي) (قوله موتوا).\n(٣) \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٣٠٩، والبغوي في \"تفسيره\" ١/ ٢٩٤.\n(٤) في (ي) و(ش) (فيه).\n(٥) ينظر: \"تفسير البسيط للواحدي\" الدكتور/ محمد الفوزان ص ١٠١٩.\n(٦) ساقطة من (ش).\n(٧) \"تفسير مقاتل\" ١/ ٢٠٣، و\"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٣٠٥، والثعلبي في \"عرائس المجالس\" ص ٢٥٢، والبغوي في \"تفسيره\" ١/ ٢٩٣.\n(٨) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٥٨٩.","vol":"4","page":309},{"text":"وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ﴾ تفضل على هؤلاء بأن أحياهم بعد موتهم وأراهم الآية العظيمة في أنفسهم ليلزموا سُبُل الهدى (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-461>٢٤٤ </span>- قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ يذهب كثير من أهل التفسير إلى أن هذا خطاب للذين أحيوا (٢).\nقال الضحاك: أحياهم ثم أمرهم بأن يعاودوا (٣) إلى الجهاد (٤).\nوقال ابن عباس في رواية عطاء: يحرض المؤمنين على القتال (٥).\nفهذا يدلُّ على أنَّ الخطاب لأمة محمد - ﷺ - وهذا أظهر (٦)، لأن الكلام على وجهه لا محذوف فيه، وعلى الأول يحتاج إلى إضمار، أي: وقيل لهم: قاتلوا (٧).\nقال الزجاج: يقول لا تهربوا من الموت، كما هرب هؤلاء الذين\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" ٢/ ٥٩١.\n(٢) ينظر: \"تفسير الطبري\" ٢/ ٥٩١ - ٥٩٢، \"تفسير أبي المظفر السمعاني\" ١/ ٢٦٧، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٣٠٩، \"تفسير البغوي\" ١/ ١٩٤.\n(٣) في (ي) و(ش) (يعادوا).\n(٤) أخرجه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٢/ ٤٥٩، وتنظر روايات أخرى عن ابن عباس وغيره، فيها الأمر بالجهاد، عند الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٥٨٦، ٥٨٧، ورد الطبري هذا الوجه من التفسير في \"تفسيره\" ٢/ ٥٩١ - ٥٩٢ قائلًا: ولا وجه لقول من زعم أن قوله: (وقاتلوا في سبيل الله)، أمر من الله للذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف بالقتال بعدما أحياهم، ثم ذكر تفصيلًا مطولًا في المسألة.\n(٥) ينظر: \"التفسير الكبير\" ٦/ ١٦٥، \"تفسير البغوي\" ١/ ٢٩٤. وتقدم الحديث عن هذه الرواية في قسم الدراسة ص ٩٢.\n(٦) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٣٢٣.\n(٧) ينظر: \"تفسير الطبري\" ٢/ ٥٩١، \"بحر العلوم\" ١/ ٢١٦، \"تفسير القرطبي\" ٣/ ١٥٤، وذكر أنه قول الجمهور.","vol":"4","page":310},{"text":"سمعتم خبرهم فلا ينفعكم الهرب (١). وقيل: إنه حث على الشكر بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ﴾ كأنه قال: واشكروا وقاتلوا في سبيل الله.\nوقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ أي: سميع لما يقوله المُتَعَلل (٢) ﴿عَلِيمٌ﴾ بما يضمره، فإياكم والتعلل بالباطل، وقيل: ﴿سَمِيعُ﴾ لقولكم إن قلتم، كقول الذين تقدم ذكرهم، ﴿عَلِيمٌ﴾ بضمائركم (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-462>٢٤٥ </span>- قوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ الآية. القرض: اسم لكل ما يلتمس عليه الجزاء، يقال: أقرض فلان فلانًا، إذا أعطاه (٤) ما يتجازاه منه، والاسم منه: القرض، وهو ما أعطيتَه لتكافأ عليه، هذا إجماع من أهل اللغة (٥).\nقال الكسائي: القرض: ما أسلفت من عمل صالح (٦) أو سيئ (٧). وقال الأخفش: تقول العرب: لك عندي قَرْضُ صِدْق، وقرض سوء (٨)، لأمر يأتي فيه مسرته أو مساءته (٩).\nوقال الزجاج: القرض: البلاء الحسن، والبلاء السيئ (١٠).\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٣٢٣.\n(٢) في (ي)، (م): (المعلل).\n(٣) \"زاد المسير\" ١/ ٢٨٩، \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٣٢٤.\n(٤) ساقط من (ي).\n(٥) \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٣١٢، \"لسان العرب\" ٦/ ٣٥٨٨ - ٣٥٨٩ مادة \"قرض\".\n(٦) ساقط من (م).\n(٧) نقله عنه في \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٣١٢، \"لسان العرب\" ٦/ ٣٥٨٩.\n(٨) في (م): (سبق).\n(٩) \"معاني القرآن\" للأخفش ١/ ١٧٩.\n(١٠) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٣٢٤.","vol":"4","page":311},{"text":"وأنشد بيت أمية:\nكلُّ امْرئٍ سَوْف يُجْزَى قرضَه حَسَنًا ... أو سَيِّئًا ومَدِينًا كالذي دانا (١)\nوقال ابن كيسان: القَرْضُ أن تعطيَ (٢) شيئًا ليرجع إليك مثله، ولتُقْضَى شبهه (٣).\nيقال: تقارضا الثناءَ: إذا أثني كلُّ واحد منهما على صاحبه. ويقال: قارضه الودُّ (٤) والثناء.\nوأصله في اللغة: القطع، ومنه المقراض (٥) ومعنى أقرضته: قطعت له قطعة يجازى عليها. وانقرض القوم: إذا هلكوا، لانقطاع أثرهم (٦).\nشبه الله ﷿ عمل المؤمنين لله ﷿ على ما يرجون من ثوابه بالقرض؛ لأنهم إنما يعطون ما ينفقون ابتغاء ما وعدهم الله ﷿ من جزيل الثواب (٧).\nوالقرض في هذه الآية اسم لا مصدر، ولو كان مصدرًا لكان إقراضًا (٨). قال أهل المعاني: هذا تلطف من الله في الاستدعاء إلى أعمال البر؛\n_________\n(١) البيت لأمية بن أبي الصلت في ديوانه ص ٦٣، \"تفسير الطبري\" ٢/ ٥٩٢، \"معاني\nالقرآن\" للزجاج ١/ ١٣١١ \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٩٣١ ويروى: ومدينًا مثل مادانا.\n(٢) في (ي): (تقضي).\n(٣) نقله عنه الثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ١٣١٢.\n(٤) في (ش): (للود)، وفي (ي): (بالود).\n(٥) في (م): (القراض).\n(٦) ينظر في قرض: \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٩٣١ - ٢٩٣٣، \"المفردات\" ص٤٠٢، \"لسان العرب\" ٦/ ٣٥٩٠، \"تفسير البغوي\" ١/ ٢٩٤، \"تفسير القرطبي\" ٣/ ٢٣٩.\n(٧) \"تفسير الطبري\" ٢/ ٥٩٢، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٣١٢.\n(٨) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٣٢٥.","vol":"4","page":312},{"text":"لذلك أضاف الإقراض إلى نفسه، وهذا كما جاء في الحديث: إن الله تعالى\nيقول لعبده: استطعمتك (١) فلم تطعمني (٢). كأنه قيل: مَنِ الذي يعمل عمل المقرض بأن يقدم فيأخذ أضعاف ما قدم في وقت فقره وحاجته. وتأويله: في الذي يقدم لنفسه إلى الله تعالى ما يجد ثوابه عنده (٣). قال ابن زيد: هذا القرض (٤) الذي دعا الله إليه هو في الجهاد. وقال الحسن: هو في أبواب البر كله.\nوقوله تعالى: ﴿قَرْضًا حَسَنًا﴾ قال عطاء: يعنى حلالًا.\nالواقدي: طيبة به نفسه (٥). ونذكر أوصاف القرض الحسن في سورة الحديد إن شاء الله.\nوقوله تعالى: ﴿فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ قرئ بالتشديد والتخفيف، والرفع والنصب (٦). أما التشديد والتخفيف فهما لغتان. والرفع: بالنسق على ما في الصلة، أو الاستئناف، وهو الاختيار؛ لأن الاستفهام في هذه الآية عن فاعل الإقراض، ليس عن الإقراض، وإذا كان كذلك لم يحسن النصب؛ لأنه في هذه الآية (٧) ليس مثل قولك: أتقرضني\n_________\n(١) في (م) و(ش): (استطعمك).\n(٢) أخرجه مسلم (٢٥٦٩) كتاب: البر والصلة، باب: فضل عيادة المريض.\n(٣) \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٣١٣، \"البحر المحيط\" ٢/ ٢٥٢.\n(٤) في (ي): (هذا هو القرض).\n(٥) ذكره عنه الثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ١٣١٩، \"تفسير البغوي\" ١/ ٢٩٤، والواقدي هو علي بن الحسين.\n(٦) قرأ ابن كثير (فيضَعِّفه) بالرفع والتشديد، وقرأ ابن عامر (فيضعِّفَه) بالنصب والتشديد، وقرأ عاصم (فيضاعفَه) بالنصب والتخفيف، وقرأ الباقون (فيضاعفُه). ينظر السبعة لابن مجاهد ص ١٨٤ - ١٨٥.\n(٧) زيادة من (ي).","vol":"4","page":313},{"text":"فأشكرك، لأن الاستفهام هاهنا عن الإقراض.\nفأما وجه النصب: فهو أن يحمل الكلام على المعنى لا على اللفظ؛ لأن المعنى: أيكون قرض فيضاعفه، كقراءة من قرأ: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ﴾ (١) (٢) [الأعراف: ١٨٦] جزم قوله: ﴿وَيَذَرُهُم﴾ لأن معنى قوله: ﴿فَلَا هَادِيَ لَهُ﴾ لا يهده (٣). ونحو هذا كثير مما حُمِل الكلام فيه على المعنى دون اللفظ، قال الحسن والسدي: هذا التضعيف لا يعلمه إلا الله تعالى، و(هو) (٤) مثل قوله: ﴿وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٠]، ومعنى التضعيف والإضعاف والمضاعفة واحد، وهو الزيادة على أصل الشيء حتى يصير مثلين أو أكثر (٥).\nوقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ﴾ يعنى: يمسك الرزق عمن يشاء، ويضيق عليه، ويوسع على من يشاء، في قول عطاء عن ابن عباس والحسن وابن زيد والأكثرين (٦).\nوحكى الزجاج: يقبض الصدقات ويبسط الجزاء عليها عاجلًا وآجلًا (٧).\n_________\n(١) ساقطة من (أ) و(ش).\n(٢) في (ش): (ونذرهم).\n(٣) في (ش): (يهده).\n(٤) ساقطة من (ش).\n(٥) نقله عن \"الحجة\" لأبي علي ٢/ ٣٤٤ - ٣٤٥.\n(٦) ذكره عنهم أيضًا: ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ١/ ٢٩١.\n(٧) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٣٢٥، وينظر: \"معاني القرآن\" للنحاس ١/ ٢٤٨، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٣٢٣.","vol":"4","page":314},{"text":"وحكى أبو الهيثم السجزى، عن بعضهم قال: إن الله تعالى لما أمرهم بالصدقة أخبر أنه لا يمكنهم ذلك إلا بتوفيقه، فقال: (١) ﴿وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ﴾ يعني يقبض بعض القلوب فيزويه كيلا ينشط (٢) لخير، ويبسط بعضها فيقدم لنفسه خيرًا (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-463>٢٤٦ </span>- وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ الآية. الملأ: الأشراف من الناس، وهو اسمٌ للجماعة، كالقومِ والرَّهْطِ والجيش، وجمعه: أملاء، قال الشاعر:\nوقال لها الأَمْلاَء من كلِّ مَعْشَر ... وخَيْرُ أقَاوِيلِ الرِّجَالِ سَدِيدُها (٤)\nوأصله من الملأ، فالملأ: هم الذين يملؤون العيون هيبة ورُواءً (٥)، وقيل: هم الذين يملؤون المكان إذا حضروا (٦).\nوقال أبو إسحاق: الملأ: الرؤساء سموا بذلك لأنهم مِلآءٌ ومُلآءُ (٧) بما يحتاج إليه (٨) من قولهم: مَلُؤَ الرجل يَمْلُؤُ ملاءَةً فهو مليء (٩).\n_________\n(١) ساقطه من (ي).\n(٢) في (ي) ينبسط وفي (ش) فيزويه ينشط.\n(٣) \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٣٢٣، \"عجائب التأويل للكرماني\" ١/ ٢٢١، \"البحر المحيط\" ٢/ ٢٥٣.\n(٤) البيت من الطويل، وهو بلا نسبة في \"أساس البلاغة\" ٢/ ٣٩٧ مادة: ملأ.\n(٥) في (ش) ورؤًا.\n(٦) ينظر في الملأَ: \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٤٣٧ - ٣٤٣٨، \"المفردات\" ص ٤٧٤ - ٤٧٥، \"لسان العرب\" ٧/ ٤٢٥٢ - ٤٢٥٣.\n(٧) في (ش) (مُلآة)، وقد كتبت الأولى والثانية في النسخ مِلآء ومُلآء.\n(٨) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٣٢٥ - ٣٢٦، ولفظه: لأنهم مُلء بما يحتاج إليه منهم، وفي \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٤٣٨: س ملاء بما يحتاج إليه منهم.\n(٩) ساقط من (ش).","vol":"4","page":315},{"text":"وقوله تعالى: ﴿إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا﴾ قال قتادة: هو يوشع (١).\nوقال السدي: هو شمعون (٢).\nوقال سائر المفسرين: هو أشمويل (٣).\nوكان سبب قولهم ذلك لنبيهم، فيما قال الكلبي (٤) ووهب (٥): أن الأحداث كثرت في بني إسرائيل، وعظمت فيهم الخطايا، وغلب عليهم عدُوُلهم (٦) فَسَبوا كثيرًا من ذراريهم، فسألوا نبيهم ملكًا تنتظمُ به كلمتهم، ويجتمع أمرهم، ويستقيم حالهم في جهاد عدوهم، فقال لهم ذلك النبي: ﴿هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا﴾ وهذا استفهام شك، يقول: لعلكم أن تَجْبُنُوا عن القتال (٧).\nوقرأ نافع وحده (عسِيتم) بكسر السين، واللغة المشهورة فتحها (٨).\nووجه قراءة نافع: ما حكاه ابن الأعرابي: أنهم يقولون: هو عسٍ\n_________\n(١) أخرجه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ١/ ٩٧، والطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٥٩٦، ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٢/ ٤٦٣، واستبعده ابن كثير ١/ ٣٢٢ قال: لا هذا كان بعد موسى بدهر طويل، وكان ذلك في زمان داود ﵇ كما هو مصرح به في القصة. وينظر: \"المحرر الوجيز\" ٢/ ٣٥٢.\n(٢) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٥٩٦، ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٢/ ٤٦٣.\n(٣) \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٣٣٤، وكذا يروى عن ابن إسحاق ووهب بن منبه فيما أخرج الطبري ٢/ ٥٩٥.\n(٤) ذكره عنه الثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ١٣٣٥، والبغوي في \"تفسيره\" ١/ ٢٩٦.\n(٥) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٥٩٦ - ٥٩٧، وذكر الثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ١٣٣٥.\n(٦) في (ي): عدوهم.\n(٧) \"تفسيرالثعلبي\" ٢/ ١٣٣٩.\n(٨) ينظر: \"السبعة\" ص ١٨٦، \"والنشر\" ١/ ٢٣٠.","vol":"4","page":316},{"text":"بكذا، وما أعساهُ، وأَعْسِ به، فقولهم: عسٍ، يقوي عسِيتم بكسر السين، ألا ترى أن عسٍ، مثل (١): حرٍ وشجٍ، فإن قالوا: يلزمه أن يقرأ: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ﴾ [الإسراء: ٨] قيس: القياس هذا، وله أن يأخذ باللغتين فيستعمل إحداهما في موضع، والأخرى في موضع (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ اختلف النحويون في وجه دخول (أن) هاهنا، والقائل يقول: ما لَكَ تفعل كذا كقوله: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾ [نوح: ١٣] و﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [الحديد: ٨].\nفقال الأخفش: (أن) هاهنا زائدة. المعنى: وما لنا لا نقاتل في سبيل الله (٣).\nوقال الفرَّاءُ: ذهب الى المعنى؛ لأن قول: مَا لَكَ لا تصلي، معناه:\n_________\n(١) ساقط من (ي).\n(٢) \"الحجة\" لأبي علي ٢/ ٣٥٠.\n(٣) \"معاني القرآن\" للأخفش ١/ ١٨٠، وتمام كلامه: (أن) هاهنا زائدة، كما زيدت بعد (فلما) و(ولما) و(ولو) فهي تزاد في هذا المعنى كثيرا، ومعناه: ما لنا لا نقاتل، فأعمل (أن) وهي زائدة كما قال: ما أتاني من أحد، فأعمل (من) وهي زائدة. انتهى كلامه. وفي \"البحر المحيط\" ٢/ ٢٥٦ رد مذهب الأخفش، ومذهب من قال: إن المعنى (ما لنا وأن نقاتل) فحذف الواو كما حكاه الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٦٠٠، فقال أبو حيان: وهذا ومذهب أبي الحسن ليس بشيء؛ لأن الزيادة والحذف على خلاف الأصل، ولا نذهب إليهما إلا لضرورة، ولا ضرورة تدعو هنا إلى ذلك مع صحة المعنى في عدم الزيادة والحذف. وقال الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٦٠٠: وأنكر ما قال هذا القائل من قوله الذي حكينا عنه آخرون، غير جائز أن تجعل (أن) زائدة في الكلام وهو صحيح في المعنى وبالكلام إليه الحاجة، قالوا: والمعنى: ما يمنعنا ألا نقاتل، فلا وجه لدعوى مدّع أن (أن) زائدة معنى مفهوم صحيح.","vol":"4","page":317},{"text":"ما يمنعك أن تصلي، فلما ذهب إلى معنى المنع أدخل أن (١)، الدليل على ذلك: قوله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ﴾ [ص: ٧٥]، وعلى هذا المعنى قال: ﴿مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ﴾ [الحجر: ٣٢] (٢).\nوقال الكسائيُّ: المعنى: وما لنا في أن نقاتل، فأسقط (في) (٣) وارتضى الزجاج هذا القولَ وصحَّحه.\nوقال: المعنى: أي شيء لنا في أن لا نقاتل. أي: أيُّ غرضٍ (٤) لنا في ترك القتال وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا، ولكن (في) سقطت مع (أن)، وكثيرًا ما يحذف حرف الجر مع أن، وقد مضت لهذا نظائر (٥).\nورجح أبو علي الفارسي قول الكسائي على قول الفراء، فقال: إذا اتجه للكلام وجه صحيح وكان مستمرًّا على الأصول، فلا معنى للعدول عنه إلى غيره، وكما جاز وقوع الفعل موقع الحال في قولك: ما لك تفعل كذا، والمعنى: ما لك فاعلًا، كذلك يجوز وقوع حرف الجر موقعها، كما ذكر الكسائي، وسد مَسَدَّها، ألا ترى أنك تقول: خرجت في الثياب، كما تقول: خرجت لابسًا، فالظرف هاهنا يقع موقع الحال، فكذلك في الآية، فإذا كان ما ذكرناه من تقدير حرف الجر متجها (٦) متخرجًا (٧) على معنى\n_________\n(١) في (ش): (أنَّ).\n(٢) \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ١٦٣ - ١٦٤.\n(٣) نقله عنه الفراء في \"معاني القرآن\" ١/ ١٦٥، والثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ١٣٤١.\n(٤) في (ي): (أي: أي شيء) وفي (ش): (أي أي لنا).\n(٥) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٣٢٧.\n(٦) من قوله: (موقعها ..) ساقط من (ش).\n(٧) في (ش): (متحركًا).","vol":"4","page":318},{"text":"مستقيم ولفظ مستعمل، لم يكن بنا حاجة إلى أن نقدر أنَّ معنى ما لنا: ما يمنعنا، وكأنه قال: ما يمنعنا أن نقاتل أي: ما يمنعنا من أن نقاتل (١)، على أنا لا ندفع الحمل على المعنى في كثير من المواضع، ولكن لا يستحسن (٢) ترك الظاهر والعدول عنه إلى غيره ما وجد للتأويل على الظاهر مساغ، وإذا حمل الكلام على ما ذكره الفَرَّاء ففي الكلام تقدير حرف جرٍ، كما أن في حمله على الظاهر تقديرُ حرفِ جرٍّ (٣)، وإذا استوتِ الحالتانِ فلزومُ الظاهرِ أعْجَبُ إلينا (٤).\nوعلى الأقوال كلها (أن لا نقاتل (٥» في محل النصب، لوقوعه موقع الحال، كقوله تعالى: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ [النساء: ٨٨] وقوله: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ [المدثر: ٤٩]، كأنه (٦) قيل: ما لنا غير مقاتلين. وكما جاز وقوع الفعل الموجب موقع الحال في هذا النحو مثل: ما لك نفعل كذا، جاز أيضًا وقوع المنفي موقعه نحو: ما لك لا تفعل، كقوله تعالى: ﴿مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا﴾ [يوسف: ١١] ﴿مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ﴾ [الصافات: ٩٢] (٧) وأنشد أبو زيد:\n_________\n(١) من قوله: (أي ما ..) ساقط من (ي).\n(٢) في \"الإغفال\": (لا نستحسن).\n(٣) من قوله: (كما أن ..) ساقط من (ي).\n(٤) من \"الإغفال\" ص ٥٣٧ - ٥٤٠ بتصرف واختصار.\n(٥) في (ي) (لا تقاتلوا).\n(٦) في (ش): (له).\n(٧) ينظر في إعراب الآية: \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ٣٢٥، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٣٤٠، \"مشكل إعراب القرآن\" ١/ ١٣٤، \"التبيان\" ١٤٧،\"البحر المحيط\" ٢/ ٢٥٦.","vol":"4","page":319},{"text":"ما لَكَ لا تَذْكُرُ أُمَّ عَمْرِو ... إلّا لعَيْنَيْكَ غُرُوبٌ تَجْرِي (١)\nوذهب المبرد في هذه الآية إلى غير ما ذهب إليه هؤلاء، وهو أنه قال: ما في هذه الآية جحدٌ لا استفهام، كأنه قيل: ما لنا ترك القتال، وعلى هذا سهل الأمر في دخول أن (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا﴾ ظاهرُ الكلام العموم وباطنه الخصوص؛ لأن الذين قالوا هذا لم يُخْرَجُوا من دِيَارِهم، ولكن إذا أُخْرِج بعضُهم جاز لكلهم أن يقولوا هذا، كما يقال: قتلناكم يوم ذي قار، وكما قال موسى بن جابر الحنفي (٣):\nذهبتُم فلُذْتمُ بالأميرِ وقُلْتُم ... تَرَكْنا أحَادِيثًا ولَحْمًا مُوضّعَا (٤)\nوالذين قالوا هذا لم يكونوا بهذه الصفة، وعنوا بالإخراج من الديار: السبيَ والقهر (٥) على نواحيهم (٦).\nوقوله تعالى: ﴿وَأَبْنَائِنَا﴾ أرادوا: أُفْرِدنا من أبنائنا بالتفريق بيننا\n_________\n(١) في \"النوادر\" ص ٦٥، وينظر \"الإغفال\" ص ٥٣٩، و\"المخصص\" ١/ ١٢٧، و\"اللسان\" ٦/ ٣٢٢٨، و\"التاج\" ٢/ ٢٧٥، قال أبو زيد: الغروب: الدموع حين تخرج، وغربا العين: مقدمها ومؤخرها.\n(٢) ينظر: \"البحر المحيط\" ٢/ ٢٥٦.\n(٣) هو: موسى بن جابر بن أرقم بن مسلمة أو سلمة بن عبيد الحنفي، شاعر مكثر من مخضرمي الجاهلية والإسلام، من أهل اليمامة، كان نصرانيًّا يقال له: أزيرق اليمامة، ويعرف بابن الفريعة. ينظر: \"النجوم الزاهرة\" ٢/ ٢٣١، \"الأعلام\" ٧/ ٣٢٠.\n(٤) البيت ذكر في \"ديوان الحماسة\" ١/ ١٤٠.\n(٥) في (ي): (القهر والسبي).\n(٦) \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٣٤٢، \"تفسير البغوي\" ١/ ٢٩٧.","vol":"4","page":320},{"text":"بالسبي والقتل. ومعنى الآية: أنهم أجابوا نبيَّهم بأن قالوا: إنما كنا نزهد في الجهاد إذ كنا ممنوعين في بلادنا لا (١) يظهر علينا عدو، فأما (٢) إذْ (٣) بَلَغَ ذلك منا فلابُدَّ من الجهاد، فنطيع ربنا في الغزو ونمنع نساءنا وأولادنا (٤).\nقال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾ وهم الذين عبروا النهر، ويأتي (٥) ذكرهم بعد هذا (٦).\nقال عطاء: وفي هذا تحريض للمهاجرين والأنصار، ووعيدٌ لمن تَخلَّفَ عن النبي - ﷺ - في القتال (٧)، فقال: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ يريد: المشركين والمنافقين (٨).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-464>٢٤٧ </span>- قوله تعالى: ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا﴾ أي: قد أجابكم إلى ما سألتم، من بَعْثِ الملكِ يُقَاتِل وتُقَاتلون معه، وكان طالوتُ رجلًا دبَّاغًا، يعمل الأدم، وكان من أدنى بيوت بني إسرائيل، وكان من سبط بنيامن، ولم يكن من سبط النبوة، ولا من سبط المملكة، ولذلك أنكروا مُلكه (٩)، و﴿قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ\n_________\n(١) في (ي): (مالا).\n(٢) في (م): (فلما).\n(٣) في (ي) و(ش): (إذا).\n(٤) \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٣٤٢ - ١٣٤٣، \"تفسير البغوي\" ١/ ٢٩٧.\n(٥) في (ي) (وسيأتي).\n(٦) \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٣٤٣، \"تفسير البغوي\" ١/ ٢٩٧.\n(٧) لعله من الرواية التي تقدم ذكرها في قسم الدراسة.\n(٨) في (ي): (بالمشركين والمنافقين).\n(٩) \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٣٤٧، وينظر: \"تفسير الطبري\" ٢/ ٦٠٢ - ٦٠٤، \"تفسير ابن أبي حاتم\" ٢/ ٤٦٥، \"تفسير عبد الرزاق\" ١/ ٩٧.","vol":"4","page":321},{"text":"بِالْمُلْكِ مِنْهُ﴾ لأنا من سبط الملوك ﴿وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ﴾ أي: لم يؤت ما يتملك به الملوك ﴿قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ﴾ اختصه بالملك ﴿وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ (١).\nقال ابن عباس: كان طالوتُ يومئذ أعلمَ رجلٍ في بنى إسرائيل وأجمله وأتمه (٢).\nوالبسطة: الزيادة في كل شيء، ويسمى طول القامة: بَسْطَةً. والزيادة في المال والعلم وفي كل شيء: بسطة (٣).\nوقال الكلبي: ﴿وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ بالحرب (٤) ﴿وَالْجِسْمِ﴾ يعني: بالطول.\nوكان يفوقُ الناسَ برأسه ومنكبه (٥)، وإنما سمي طالوت لطوله (٦). قال الزجاج: أعلمَ اللهُ ﷿ أن الذي يجب أن يقع به الاختيارُ العلمُ، ليس أن الله ﷿ لا يُملِّكُ إلا ذا مالٍ، وأعلمَهم أنَّ الزيادة في الجسم مما يهيب به العدو ﴿وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ﴾ (٧) يريد: أن الملك ليس\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" ٢/ ٦٠١، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٣٤٧.\n(٢) ينظر: \"تفسير ابن أبي حاتم\" ٢/ ٤٦٦.\n(٣) ينظر في بسطة: \"تهذيب اللغة\" ١/ ٣٣٤، \"المفردات\" ص٥٦ - ٥٧، \"اللسان\" ١/ ٢٨٣.\n(٤) \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٣٤٨، \"تفسير البغوي\" ١/ ٢٩٨، وقال القرطبي: وهذا تخصيص للعموم بغير دليل.\n(٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٦٦ عن ابن عباس، وينظر: \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٣٤٨.\n(٦) \"تفسيرالثعلبي\" ٢/ ١٣٤٨.\n(٧) كذا في \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٣٢٨ - ٣٢٩.","vol":"4","page":322},{"text":"بالوراثة، إنما هو بإيتاء الله واختياره (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ قيل في الواسع ثلاثة أقوال:\nأحدها: أنه واسع الفضل والرزق والرحمة، وسعت رحمته كل شيء، وهذا كما يقال: فلان كبير وعظيم (٢)، يراد: أنه كبيرُ القدر، كذلك هو واسع بمعنى: أنه واسع الفضل، وهذا القول اختيار الأزهري (٣) (٤).\nوالثاني: أنه واسع بمعنى: مُوَسِّع، أي: يوسع على من يشاء (من عباده) (٥) من نعمه، وهذا قول الزجاج (٦)، لأنه قال في قوله: ﴿وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ معناه: يوسع على من يشاء، ويعلم أين ينبغي أن تكون السعة.\nالثالث: أنه واسع بمعنى ذو سعة (٧)، ويجيء فاعل (٨) كثيرًا ومعناه ذو كذا، نحو: ﴿عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٢١] أي ذات رضى، وهمّ ناصب: ذو نصب، فلما قال لهم النبي ذلك، قالوا له: لا نصدقك أن الله بعثه علينا، ولكنك تريد أن تحمله علينا مضارة لنا إذ سألناك ملكًا، فأراهم النبي على صحة مُلْك طالوت وتمليك الله إياه آيةً (٩) وهي قوله:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-465>٢٤٨ </span>- ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ﴾\n_________\n(١) \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٣٤٩.\n(٢) في (ي): (كبير عظيم).\n(٣) في (ي): (الزهري).\n(٤) في: \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٨٨٩ (مادة: وسع).\n(٥) زيادة من (م).\n(٦) في: \"معاني القرآن\" ١/ ٣٢٩.\n(٧) \"تفسير البغوي\" ١/ ٢٩٨.\n(٨) في (ش): (وعلى فاعل).\n(٩) \"زاد المسير\" ١/ ٢٩٤.","vol":"4","page":323},{"text":"قال أصحاب الأخبار: إن الله تعالى أنزل على آدم تابوتًا فيه صور الأنبياء من أولاده، فتوارثه أولاد آدم إلى أن وصل إلى يعقوب، فكان في بنى إسرائيل، وكانوا إذا اختلفوا في شيء تكَلَّم وحكم بينهم، وإذا حضروا القتال قدموه بين أيديهم يستفتحون به على عدوهم، وكانت الملائكة تحمله فوق العسكر وهم يقاتلون العدو، فإذا سمعوا من التابوت صيحة استيقنوا النصرة، فلما عصوا وفسدوا سلط الله عليهم العَمَالقة، فغلبوهم على التابوت، وسلبوه فلما سألوا نبيهم البينة على ملك طالوت دعا النبي ربه، فنزل بالقوم الذين غلبوا (بنى إسرائيل على التابوت) (١) داء بسببه، وذلك أنهم كانوا قد أخذوا التابوت فجعلوه في موضع غائطهم وبولهم، وكل من بال عنده أو تغوط ابتلاه الله بالبواسير، حتى تنبهوا أن ذلك لاستخفافهم بالتابوت، أخرجوه ووضعوه (٢) على ثورين، فأقبل الثوران يسيران، ووكل الله بهما أربعة من الملائكة يسوقونهما (٣)، حتى أتوا به منزل طالوت، فلما رأوا التابوتَ عند طالوت، علموا أن ذلك إمارة ملكه عليهم، فذلك قوله: ﴿إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ﴾ الآية (٤).\nوالإتيان على هذا مجاز لأنه أُتِيَ به ولم يأت هو، فنسبَ الإتيان إليه توسعًا، كما يقال: ربحت الدراهم، وخسرت التجارة، وعزم الأمر.\nوقال آخرون: إن التابوت لم تحمله الملائكة ولا الثوران، بل كان\n_________\n(١) ساقط من (ي).\n(٢) في (ي) (فوضعوه) وفي (م) (قضعوه)\n(٣) في (ي) (يسوقونها).\n(٤) تنظر القصة بطولها في: \"تفسير الطبري\" ٢/ ٦٠٧ - ٦٠٨، \"تاريخ الأمم والملوك\" ١/ ٤٦٩، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٣٥٨ - ١٣٦٢، \"تفسير البغوي\" ١/ ٢٩٨ - ٢٩٩، \"البحر المحيط\" ٢/ ٢٦١.","vol":"4","page":324},{"text":"يسير بقدرة الله ﷿، بلا حامل يحمله، ولا جارٍّ يجره، وهم ينظرون إليه، والملائكة تحفظه وترعاه، حتى وضع عند طالوت، وهذا قول ابن عباس، وعلى هذا الإتيان حقيقة في التابوت.\nوأضيف الحمل إلى الملائكة في القولين جميعًا؛ لأن من حفظ شيئًا في الطريق ورعاه جاز أن يوصف بحمل ذلك الشيء وإن لم يحمله، كما يقول القائل: حملت الأمتعة إلى زيد، إذا رعاها وحفظها في الطريق، وإن كان الحامل غيره، وتقول: حملت متاعي إلى مكة، ومعناه: كنت سببًا لحمله (١).\nوقوله تعالى: ﴿فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ قال وَهْبٌ: السكينة: روح من الله يتكلم، وكانوا إذا اختلفوا في أمر نطق ببيان ما يريدون (٢).\nوقال قتادة (٣) والكلبي (٤): هي فعيله من السكون، أي: طمأنينة من ربكم. وفي أي مكان كان التابوت اطمأنوا إليه وسكنوا.\nوهذا اختيار الزجاج. قال: أي: فيه ما تسكنون به إذا أتاكم (٥).\nوالسكينة: مصدر وقع موقع الاسم، نحو القضية والعزيمة، وهذا معنى قول الحسن، قال: جعل الله لهم في التابوت سكينةً لا يفرُّون عنه\n_________\n(١) قال أبو حيان في \"البحر المحيط\" ٢/ ٢٦١: وقد كثر القصص في هذا التابوت والاختلاف في أمره، والذي يظهر أنه تابوت معروف حاله عند بني إسرائيل كانوا قد فقدوه، وهو مشتمل على ما ذكره الله تعالى مما أبهم حاله، ولم ينص على تعيين ما فيه.\n(٢) رواه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ١/ ١٠٠، والطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٦١٢، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٢/ ٤٦٩.\n(٣) رواه الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٦١٣، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٢/ ٤٧٠.\n(٤) ذكره السمرقندي في \"بحر العلوم\" ١٢١٩، والثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ١٣٥٦.\n(٥) في \"معاني القرآن\" ١/ ٣٢٩.","vol":"4","page":325},{"text":"أبدًا وتطمئن قلوبهم (١).\nوجاء في التفسير: أن السكينة لها رأس كرأس الهرة من زبرجد وياقوت، ولها جناحان (٢).\nوقال مقاتل: كان فيه رأس كرأس الهرة إذا صاح كان الظفرُ لبني إسرائيل (٣).\nوقوله تعالى: ﴿وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ﴾ والبقية: مصدَرٌ وَقَعَ مَوْقِعَ الاسم، مثل: السكينة ونحوها، فيقال للباقي: بقية، وجمعها: بقايا (٤).\nقال المفسرون: البقية التي كانت في التابوت: لوحان من التوراة، ورضُاض الألواح التي تكسَّرت لما ألقى موسى الألواحَ، وقفيزٌ من المن الذي كان ينزل عليهم، ونعلا موسى، وعمامة هارون، وعصاه، وعصى موسى، وطست من ذهب، قيل: كان يغسل فيه (٥) قلوب الأنبياء (٦). وإنما جعل هذه الأشياء بقية لأنها بقيت مما تركه موسى وهارون.\n_________\n(١) قريب منه عند ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٢/ ٤٦٩.\n(٢) بنحوه عن مجاهد في \"تفسيره\" ١/ ١١٤، ورواه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ١/ ١٠١، والطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٦١١ - ٦١٢، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٢/ ٤٦٩.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ١/ ٢٠٦، وأخرج نحوه الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٦١٢، عن وهب بن منبه عن بعض أهل العلم من بني إسرائيل.\n(٤) ينظر: \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٣٥٦، \"المفردات\" ص ٦٧، \"لسان العرب\" ١/ ٣٣٠ - ٣٣١ (مادة: بقي).\n(٥) في (ي): (فيها).\n(٦) تنظر الآثار في ذلك: عند سعيد بن منصور في \"سننه\" ٣/ ٩٤٨، والطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٦١٣ - ٦١٥، وابن أبي حاتم ٢/ ٤٧٠ - ٤٧١، والثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ١٣٥٧.","vol":"4","page":326},{"text":"وأراد بآل موسى وآل هارون: موسى وهارون نفسهما، والعرب نقول: آل فلان، لو تريد نفسه (١). قال جميل:\nبثينة (٢) مِنْ آل النّساء وإنما ... يَكُنَّ لأدْنَى لا وِصَالَ لِغَائِبِ (٣)\nوعلى هذا يتأول قوله - ﷺ - لأبي موسى: \"لقد أُوتيَ هذا مِزمارًا من مزامير آل داود (٤) \" أراد: داود نفسه؛ لأنَّه لا يُعْلَم أحدٌ من آله أُعْطِيَ من حسن الصوت ما أعطيه داود.\nأخبرنا أبو الحسين بن أبي عبد الله الفسوي، أخبرنا أحمد بن محمد الفقيه، أخبرني أبو رجاء الغنوي، قال: حدثنا أبي، قال حدثنا ابن عمر بن شبه، قال: سمعت أبا عبيدة وسأله رجلٌ عن رجل أوصى لآل فلان: ألفلان نفسه المسمى من هذا شيء؟ قال: نعم، قال الله تعالى: ﴿أَدْخِلُوا آلَ\n_________\n(١) \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٣٥٦، \"لسان العرب\" ١/ ١٧٤ - ١٧٥ (مادة آل).\n(٢) هو جميل بن عبد الله بن معمر الحذري، أبو عمر، شاعر أموي من أشهر شعراء الغزل، صاحب بثينة، وكان قد خطبها فمنعت منه، فتغزل بها، واشتهر. وكان عفيفًا حييًا دينًا، توفي سنة ٨٢، وقيل: بعد ذلك. ينظر \"الشعر والشعراء\" ٢٨٢، و\"سير أعلام النبلاء\" ٤/ ١٨١\n(٣) البيت عزاه إلى جميل، الثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ١٣٥٦، وأبو حيان في \"البحر المحيط\" ٢/ ٢٦٢، وليس في \"ديوان جميل\"، وعزاه ابن جني في \"الخصائص\" ٣/ ٢٧ إلى كثيِّر، ولذا ألحقه د/ إحسان عباس بـ\"ديوان كثير\" ص ٣٤٣، والبيت ذكره الطبري في \"تفسيره\" ١/ ٢٧٠، وابن فارس في \"الصاحبي\" ص ٢٥٨. ينظر تحقيق \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٣٥٧.\n(٤) أخرجه البخاري (٥٠٤٨) كتاب: فضائل القرآن، باب: حُسْن الصوت بالقراءة بالقرآن، ومسلم (٧٩٣) كتاب: صلاة المسافرين، باب: استحباب تحسين الصوت بالقرآن، من حديث أبي موسى الأشعري.","vol":"4","page":327},{"text":"فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٦]، ففرعون أوَّلُهم، وأنشد:\nولا تبكِ مَيْتًا بعد ميت أجنة ... علي وعباس وآل أبي بكْرِ (١)\nيريد: أبا بكر نفسه، وآل الرجل في اللغة: شخصه (٢)، وقد ذكرناه عند قوله: ﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ [البقرة: ٤٩].\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ﴾ أي: في رجوع التابوت إليكم علامة أنَّ الله قد ملَّكَ طالوت عليكم ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أي: مصدقين (٣).\nقيل: إنهم كفروا بتكذيبهم نبيَّهُم في تمليك طالوت، ولذلك لم يَصْبر عن الماء - لَمَّا ابتلاهم اللهُ بالنهر إلا القليل منهم، وهم الذين أطاعوا ولم يكذبوا، فعلى هذا قوله: (إن كنتم مؤمنين) أي: مصدقين بتمليك طالوت إذ عاد إليكم التابوت (٤).\nوقيل: أراد ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ كما تزعمون (٥)، ويجوز أن يكون المعنى: إن في ذلك لآية لمن كان مؤمنًا منكم، فدخل الشرط للتوكيد، كقوله: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٢٣]، أي: من كان مؤمنًا توكل، وكما تقول: إن كنت أخي فأكرمني، لم يدخل الشرط للشك في الأخوة، ولكن توكيدًا للإكرام، ومثله في القرآن كثير.\n_________\n(١) البيت من الطويل، وهو لابن أراكة الثقفي في: \"المؤتلف والمختلف\" ص ٥٣.\n(٢) ينظر \"البحر المحيط\" ٢/ ٢٦٢.\n(٣) \"تفسير الطبري\" ٢/ ٦١٧، وبنحوه في \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٣٣٠.\n(٤) \"تفسير الطبري\" ٢/ ٦١٧، \"البحر المحيط\" ٢/ ٢٦٣.\n(٥) ينظر: \"البحر المحيط\" ٢/ ٢٦٣.","vol":"4","page":328},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-466>٢٤٩ </span>- قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ﴾ الآية. وجْهُ اتصال هذه الآية بما قبلها (١) يظهر بتقدير محذوف يدل عليه باقي الكلام، كأنه (٢) قيل: فأتاهم التابوت بالصفة التي وُعِدوا فصدقوا؛ لأن قوله: ﴿فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ﴾ بعد تلك (٣) المنازعة، يدل على أن الآية أتتهم فانقادوا لأجلها (٤).\nومعنى الفصل: القطع (٥). يقال: قولٌ فَصْلٌ، إذا كان يقطع بين الحق والباطل، وفَصَلَ عن المكان، قطعه بالمجاوزة عنه، يقال: فَصَل يَفْصِل فُصُولًا، ومنه قوله: ﴿وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ﴾ [يوسف: ٩٤]. وفَصَلْتُ اللحم عن العظم فَصْلًا، وفَاصَل الرجل شَريكَه وامْرَأَتَه فِصَالًا (٦). والجنود جمع جند: وكل صنف من الخلق جُنْدٌ على حِدَة، يقال: الجَرَاد أكْثَرُ جنودِ الله (٧)، ومنه: \"الأرواح جنودٌ مجندة\" (٨).\n_________\n(١) ساقط من (ي).\n(٢) في (ي) فإنه.\n(٣) في (ي) و(ش) (ذلك).\n(٤) \"البحر المحيط\" ٢/ ٢٦٣.\n(٥) \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٣٦٣، \"تفسير البغوي\" ١/ ٣٠١\n(٦) ينظر \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٧٩٥، \"المفردات\" ص ٣٨٢ - ٣٨٣، \"لسان العرب\" ٦/ ٣٤٢٣ مادة (فصل).\n(٧) ينظر: \"المفردات\" ص ١٠٧ - ١٠٨، \"لسان العرب\" ٢/ ٦٩٨. (مادة: جند).\n(٨) الحديث رواه البخاري تعليقًا من رواية عائشة، (٣٣٣٦) كتاب: الأنبياء، باب: الأرواح جنود مجندة، وقال الحافظ في \"الفتح\" ٦/ ٣٦٩: وصله المصنف في \"الأدب المفرد\" عن عبد الله بن صالح عن الليث وأخرجه من رواية أبي هريرة - ﵁ - ومسلم (٢٦٣٨) كتاب: البر، باب: الأرواح جنود مجندة.","vol":"4","page":329},{"text":"قال السدي: وكانوا يومئذ ثمانين ألف مقاتل (١).\nوقوله تعالى: ﴿قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ﴾ يعنى: قال طالوت. قال وهب (٢): إنهم شكوا قلة المياه بينهم وبين عدوهم، وقالوا: إن المياه لا تحملنا، فادع الله سبحانه أن يجري لنا نهرًا، فقال لهم طالوت: ﴿إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ﴾ (٣).\nوهذا لا يجوز أن يقوله إلّا نبي؛ لأن الله ﷿ عالم الغيب، فلا يظهر على غيبه أحدًا، إلا من ارتضى من رسول. فيجوز أن طالوت قال ذلك بوحى من الله إليه، فقد قيل: إنه لما مُلِّك عليهم صار نبيًّا، ويجوز أن يكون قال ذلك بإخبار نبيٍّ إياه (٤).\nوإنما وقع الابتلاء ليتميز الصادق من الكاذب، فإن طالوت كان لا يعلم بمن له نيةٌ في القتال معه، ومن ليست له نية، فابْتُلُوا بالنهر ليتميَّزَ المحقق من المعذِّر، وذلك النهر: هو نَهْر فِلَسْطين في قول ابن عباس (٥) والسدي.\nوقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي﴾، الكناية تعود على النهر في الظاهر، وهو في المعنى للماء.\n_________\n(١) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٦١٨، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٢/ ٤٧٢.\n(٢) وهب بن مُنبه اليماني: أبو عبد الله، صاحب القصص والأخبار، كانت له معرفة بأخبار الأوائل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وثَّقه أكثرهم، وضعفه عمرو الفلاس، اختُلف في تاريخ وفاته فقيل سنة ١١٠هـ، وقيل ١١٦هـ، وقيل بينهما، ينظر \"وفيات الأعيان\" ٦/ ٣٥، \"طبقات ابن سعد\" ٥/ ٥٤٣.\n(٣) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٦١٨.\n(٤) ينظر: \"البحر المحيط\" ٢/ ٢٦٤.\n(٥) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٦١٩، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٢/ ٤٧٣.","vol":"4","page":330},{"text":"وقوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ مِنِّي﴾ أي: من أهل ديني وطاعتي (١)، فحذف، ودل (مِنّي) عليه.\nوقيل: تأويله: ليس معي على عدوي، كقوله ﵇: \"من غشنا فليس منّا (٢) \" أي: ليس من أهل ديننا، وليس (٣) هو معنا في حقيقة ديننا (٤).\nوقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ طَعْمُ كُلِّ شيء ذوقُه، ومثله التطعُّمُ، يقال: تطعَّمت منه، أي: ذُقْتُه، قال ابن الأنباري: العرب تقول: قد أَطْعَمْتُكَ الماءَ، يراد به: أَذَقْتُكَ، وطعمت الماء أَطْعَمُه، بمعنى: ذقُته أذوقه (٥) (٦).\nأنشدنا أبو العباس العَرْجِي (٧):\n_________\n(١) \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٣٦٦، \"تفسير البغوي\" ١/ ٣٠١.\n(٢) أخرجه ابن ماجه (٢٢٢٥) كتاب: التجارات، باب: النهي عن الغش، وأحمد في \"المسند\" ٢/ ٥٠، وأصله في مسلم.\n(٣) في (ي) و(ش): (أو ليس).\n(٤) ينظر: \"تفسير القرطبي\" ٣/ ٢٥٢.\n(٥) نقله عن ابن الأنباري أبو حيان في \"البحر المحيط\" ٢/ ٢٦٤.\n(٦) ينظر: \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢١٩٣، \"المفردات\" ص ٣٠٧، \"لسان العرب\" ٥/ ٢٦٧٥ (مادة: طعم)، وذكر الراغب أن الطعم: تناول الغذاء، قيل: وقد يستعمل في الشراب، كقوله: ومن لم يطعمه فإنه مني. وقال بعضهم: إنما قال: (ومن لم يطعمه) تنبيهًا على أنه محظور عليه أن يشربه إلا غرفة، فإن الماء قد يطعم إذا كان مع شيء يمضع.\n(٧) عبد الله بن عمر بن عبد الله العرجي، وقال في \"اللسان\" ٨/ ٤٥١٧ (مادة: نقخ): اسمه عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان ونسب إلى العَرْج وهو موضع ولد به، كان ينزل بموضع قبل الطائف يقال له: العرج، فنُسب إليه، وكان من الشعراء. ينظر \"الشعر والشعراء\" ٣٨١.","vol":"4","page":331},{"text":"فإن شِئْتُ حَرّمْتُ النِّساءَ سِوَاكُمُ ... وإن شِئْت لم أَطْعَم نُقَاخًا ولا بَرْدًا (١)\nأراد: لم أذق. والنُّقَاخُ: الماءُ العَذْب (٢).\nوقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ﴾ الاغتراف: الأَخْذُ من الشيء باليدِ أو بآلة كما يُغْتَرَفُ من الماء. والمِغْرَفَةُ: الآلة التي يُغْرَفُ بها، وكذلك الغَرْفُ مثل الاغْتِرَاف (٣).\nواختلف القراء في فتح الغين من (غرفة) وضمها (٤).\nفمن فتح الغين عدَّى الفعل إلى المصدر، والمفعول محذوف في قوله، والمعنى: إلا من اغترف ماءً غَرْفةً. ومن ضم الغين عدَّى الفعل إلى المفعول به، ولم (٥) يعده إلى المصدر؛ لأن الغُرفَة بالضم: الشيء المُغْتَرف، والماء المغروف، فهذا بمنزلة إلا من اغترف ماء (٦). إلا أن كثيرًا من البغداديين يجعلون هذه الأسماء المشتقة من المصادر بمنزلة المصادر،\n_________\n(١) البيت نسب لعمر بن أبي ربيعة، ينظر: \"ديوانه\" ص ٩٥، \"اللسان\" ٨/ ٤٥١٧ (مادة: نقخ) وروايته: أحرمت. والبرد هنا: الريق.\n(٢) قال في \"اللسان\" ٨/ ٤٥١٦ (مادة: نقخ): والنقاخ: الماء البارد العذب الصافي الخالص الذي يكاد ينقخ الفؤاد ببرده، وقال ثعلب: هو الماء الطيب فقط.\n(٣) ينظر: \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٦٥٦، \"المفردات\" ص ٣٦٢، \"لسان العرب\" ٦/ ٣٢٤٢ (مادة: غرف).\n(٤) قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو (غَرفة) بالفتح، والباقون بالضم. ينظر \"السبعة\" لابن مجاهد ص ١٩٨.\n(٥) في (ي): (ومن).\n(٦) في \"حجة القراءات\" لابن زنجلة ص ١٤٠، عن أبي عمرو: ما كان باليد فهو غَرفة -بالفتح- وما كان بإناء فهو غُرفة -بالضم-، وقال الزجاج في \"معاني القرآن\" ١/ ٣٣٠ - ٣٣١: من قال: غرفة كان معناه: غَرفة واحدة باليد، ومن قال: غُرفة كان معناه: مقدار ملء اليد.","vol":"4","page":332},{"text":"وُيعْمِلونَها كما يُعْمِلُون المصادر، فيقولون: عجبت من دُهنك لحيتَكَ، ويحتجون بقول القُطامي:\nوبعد عَطَائِكَ المِائةَ الرَّتَاَعا (١) (٢)\nفعلى هذا يجوز أن ينتصب الغُرْفة، انتصاب الغَرْفَة. وزعم بعضهم (٣) أن الاختيار الضم، لأنه لو جاء على معنى المصدر لمرة واحدة لكان (اغترافة) (٤).\nوليس فيما قال حجة؛ لأنه إذا كان معنى الغرف والاغتراف واحدًا جاز: اغْتِرَافةً (٥)؛ لأنه الأصل، وجاز غَرْفَة لأنه أخف (٦).\nوقوله تعالى: ﴿فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾ قال المفسرون: قال لهم طالوت: من شرب من النهر وأكثر فقد عصى الله ﷿ وخالف أمره وتعرَّض لعقابه، ومَنِ اغترف غرفة بيده أقنعته، فهجموا على النهر بعد عطش شديد\n_________\n(١) في (ي): (الرباعا).\n(٢) صدر البيت: أكفرا بعد رد الموت عني\nينظر: \"ديوان القطامي\" ص ٤١، وفي \"الخصائص\" ٢/ ٢٢١، \"أمالي ابن الشجري\" ٢/ ٤٢، \"شرح المفصل\" ١/ ٢٠، \"شرح الشواهد\" للعيني ٣/ ٥٠٥، \"همع الهوامع\" ١/ ١٨٨، \"مجاز القرآن\" لأبي عبيد ٢/ ٩، \"البحر المحيط\" ١/ ٢٧٢.\n(٣) في (م): (بعضهم إلى).\n(٤) شرح القراءة وتوجيهها منقول من \"الحجة\" لأبي علي الفارسي ٢/ ٣٥١ بتصرف، وكذا رجح هذه القراءة الطبري في \"تفسيره\". قال أبو حيان في \"البحر\" ٢/ ٢٦٥ معلقًا: وهذا الترجيح الذي يذكره المفسرون والنحويون بين القراءتين لا ينبغي، لأن هذه القراءات كلها صحيحة ومروية ثابتة عن رسول الله - ﷺ -، ولكل منها وجه ظاهر حسن في العربية، فلا يمكن فيها ترجيح قراءة على قراءة.\n(٥) من قوله: (إذا كان). ساقط من (ش).\n(٦) ينظر: \"الحجة\" ٢/ ٣٥١ - ٣٥٢، \"البحر المحيط\" ٢/ ٢٦٥.","vol":"4","page":333},{"text":"أضر بهم فوقع أكثر أصحاب طالوت في النهر، وأكثروا الشرب، وأطاع قوم قليل عددهم، فلم يزيدوا على الاغتراف، فأما من اغترف كما أمره الله تعالى: قوي قلبه، وصحَّ إيمانه، وعبر النَّهْرَ سالمًا، وكَفَتْه تلك الغرفة الواحدة لشربه ودوابه، والذين شربوا وخالفوا أمر الله ﷿ اسودَّت شفاهُهم، وغلبهم العطش فلم يرووا، وبقوا على شاطئ النهر، وجبنوا عن لقاء العدو (١)، ولم يشهدوا الفتح (٢).\nقالوا: وتلك الغرفة المباحة لم تكن ملء الكف، ولكن المراد بالغرفة أن يغترف مرةً واحدةً بقربةٍ أو جرةٍ وما أشبه ذلك، تكفيه وتكفي دابته، غير أن العصاة انغمسوا في النهر ولم يغترفوا، بل شربوا منه وسقوا دوابهم. وأولئك القليل، الذين لزموا الاغتراف، كانوا ثلاثمائة وبضعة عشر رجلًا، في أصح الأقاويل (٣)؛ لأن النبي - ﷺ - قال لأصحابه يوم بدر: \"أنتم اليوم على عدة أصحاب طالوت حين عبروا النهر، وما جاز معه إلا مؤمن\"، قال البراء بن عازب: وكنا يومئذ ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلًا (٤).\nوقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ يقال: جاوزتُ المكان والطريق مجاوزةً وجوازًا، وكذلك جُزْتُ الطريق، فأنا (٥) أجوزه جَوازًا ومجَازًا وجُؤُوزًا، وأَجَزْتُ أيضًا مثل جُزْتُ، قال امرؤ القيس:\n_________\n(١) قوله: (عن لقاء العدو). ساقط من (ي) وفي (ش): (جبنوا من لقاء العدو).\n(٢) \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٣٦٩، الفخر الرازي في \"تفسيره\" ٦/ ١٨٢\n(٣) ينظر: \"تفسير الطبري\" ٢/ ٦٢١، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" ٢/ ٤٧٥، والثعلبي ٢/ ١٣٦٨.\n(٤) رواه البخاري ٣٩٥٦ - ٣٩٥٩ كتاب: المغازي، باب: عدة أصحاب بدر عن البراء ابن عازب.\n(٥) في (ي): (وأنا).","vol":"4","page":334},{"text":"فَلمّا أَجَزْنَا سَاحَةَ الحَيِّ (١)\nالبيت، والمَجَازُ في الكلام هو ما جاز في الاستعمال، أي: نَفَدَ واستمرَّ على وَجْهِهِ، ومنه يقال: هذا يَجُوزُ. أي: يمرُّ على وجهِه (٢) لا يَمْنَعُه مَانعٌ (٣).\nوقوله تعالى: ﴿قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ﴾ الطاقة: [مصدرٌ بمنزلة] (٤) الإطاقة، يقال: أطقتُ الشيء إطاقةً وطاقةً وطَوْقًا، مثل: أطَعْتُ إطاعةً وطاعةً وطَوْعًا (٥).\nقال ابن عباس والسدي: يعنى هؤلاء الذين شربوا، وخالفوا أمرَ الله ﷿، وكانوا أهل شك ونفاق، قالوا: ﴿قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ﴾ وانصرفوا عن طالوت، ولم يشهدوا قتال جالوت (٦).\nوقال الحسن وقتادة وابن زيد: هم المؤمنون الذين عبروا مع طالوت\n_________\n(١) البيت بتمامه:\nفلما أجزنا ساحة الحي وانْتَحَى ... بنا بَطْنُ خَبْت ذي حِقَافٍ عَقَنْقَل\nوهو لامرئ القيس في \"ديوانه\" ص ١٥، \"تهذيب اللغة\" ١/ ٥١٩، \"لسان العرب\" ٢/ ٧٢٤ مادة: جوز.\n(٢) في (ش): (على وجهه ومنه يقال: لا يمنعه مانع).\n(٣) ينظر في (جاز): \"تهذيب اللغة\" ١/ ٥١٩، ٥٢٠، \"المفردات\" ١١٠، \"لسان العرب\" ٢/ ٧٢٤ (مادة: جوز).\n(٤) ساقط من (م).\n(٥) كذا في\"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٣١، وقوله: (طوقًا وطوعًا) إنما هما مصدران للثلاثي منه، قال الأزهري في \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٢٣٠: يقال: طاق يطوق طوقًا، وأطاق يطيق إطاقة وطاقة، كما يقال: طاع يطوع طوعًا، فأطاع يطيع إطاعة وطاعة.\n(٦) أخرجه عنهما بنحوه دون ألفاظه الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٦٢٢، وذكره البغوي في \"تفسيره\" ١/ ٣٠٢.","vol":"4","page":335},{"text":"النهر، ممن ضَعُفَت بصيرتُهم ولم يبلغوا منزلة غيرهم (١).\nوهذا اختيار الزجاج، لأنه قال: لما رأوا قلتهم قال بعضهم لبعض: ﴿لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ﴾ يعنى: القليل الذين اغترفوا (٢).\nوعلى قول الحسن: هم صلحاء المؤمنين والأماثل منهم.\nومعنى يَظُنّون: يَعْلمون وُيوقِنون (٣). وذكرنا هذا عند قوله: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾ (٤) [البقرة: ٤٦].\nويجوز أن يكون الظن هاهنا (٥) شكًّا لا علمًا، وله تأويلان:\nأحدهما: قال الذين يتوهمون أنهم يُقْتلون مع طالوت فيلْقَون الله تعالى شهداء (٦)، فوقوع الشك في القتل لأنهم لم يَيْقَنُوهُ، ولم يدرُوا أيكونُ أم لا؟\nوالثاني: الذين يظنون أنهم ملاقو ثواب الله فحذف المضاف، وهو كثير.\nوقوله تعالى: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ﴾ قال الفراء: لو ألقيت (٧)\n_________\n(١) نقل ذلك عنهم ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ١/ ٢٩٨.\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٣٣١.\n(٣) نقله الزجاج عن أهل اللغة في \"معاني القرآن\" ١/ ٣٣١، وينظر: \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٣٧٠.\n(٤) ينظر: \"تفسير البسيط\" للواحدي ت/ د: الفوزان.\n(٥) ساقط من (ي).\n(٦) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٣٣١.\n(٧) في (م) لعلها: (ألغيت).","vol":"4","page":336},{"text":"من (١) ههنا جاز في (فئة) الرفع والنصب والخفض. فمن نصب قال: أصل (كم) الاستفهام (٢)، وما بعدها (من) النكرة مُفَسّر كتفسير العدد، فجعل (كم) بمنزلة عدد ينصب ما بعده، نحو: عشرين وثلاثين.\nومن خفض قال: طالت صحبة (من) للنكرة في كم (٣)، فلما حذفناها أعملنا إرادتها فخفضنا، كقول العرب إذا قيل لأحدهم: كيف أصبحت؟ قال: خيرٍ، يريد بخير.\nومن رفع نوى تقديمَ الفعل، كأنه قيل: كم غلبت فئة، وأنشد:\nكم عَمَّةٍ لك يا جَرِيرُ وخَالةٍ ... فَدْعَاءَ قد حَلَبَتْ عليَّ عِشَاري (٤)\nقال: يجوز فيه الأَوْجُه الثلاثة، وأنشد في جوازِ الرفعِ قولَ امرئ القيس:\nتَنُوصُ وكم من دُويها من مَفَازَةٍ ... وكم أرضِ جَدْبٍ (٥) دونهَا ولصُوصُ (٦) (٧)\n_________\n(١) ساقط من (ش).\n(٢) في (ي) (استفهام).\n(٣) في (ي) و(ش) (كما).\n(٤) البيت للفرزدق يهجو جريرًا، في \"ديوانه\" ١/ ٣٦١، و\"معاني القرآن\" للفراء ١/ ١٦٩، و\"الأشباه والنظائر\" ٨/ ١٢٣، و\"أوضح المسالك\" ٤/ ٢٧١. والفَدَع: اعوجاجٌ وعيبٌ في القدم، والعشار: جمع العشراء، وهي الناقة التي أتى عليها من يوم أرسل عليها الفحل عشرة أشهر.\n(٥) في (ش): (جذب).\n(٦) كذا إلى هنا نقل من \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ١٦٨ - ١٦٩. وينظر في الإعراب: \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ٣٢٧، \"التبيان\" ١٤٩، \"البحر المحيط\" ٢/ ٢٦٨.\n(٧) ورد البيت هكذا:\nوكم دونها من مهمة ومفازة ... وكم أرضُ جَدْبٍ دونها ولصوصُ\nوالبيت في \"ديوانه\" ص ٩١. وفي \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ١٦٩ ورد البيت هكذا:\nتبوص وكم من دونها من مفازة ... وكم أرض جَدْب دونها ولصُوصُ","vol":"4","page":337},{"text":"والفئة: الجماعة، لأنَّ بعضَهم قد فاءَ إلى بعضٍ فصاروا جماعةً، وقال الزجاجُ: أصلُ الفئةِ: من قولهم فأوت رأسَه بالعصا، وفأيْتُ، فالفئةُ فرقةٌ من هذا، كأنها (١) قطعة (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ أصل (مع): للمصاحبة (٣)، كأنه قال: الله يصحبهم النصر والمعونة (٤).\n﴿الصَّابِرِينَ﴾ قال عطاء: على طاعة الله، وعن محارمه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-467>٢٥٠ </span>- وقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا﴾ الإفراغ: الصَّبُّ، يقال: أَفْرَغْتُ الإناء إذا صَبَبْت ما فيه، أصله من الفَرَاغ: وهو الخُلُوّ، وفلان فَارغٌ، معناه: أنه خَالٍ مما يَشْغَلُه، والإِفراغ: إِخْلاَءُ الإِنَاءِ مما فيه، وإنما يخلو بصَبِّ كُلِّ ما فيه، فمعنى ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا﴾ أي: اصبب (٥) علينا أتمَّ صبٍّ وأبلغَه (٦).\n_________\n= وقبله قوله:\nأمن ذكر سلمى أن نأتك تنوص ... فتقصر عنها خطوة أو تبوص\nتنوص: أي تتحول، فتقصر عنها خطوة، أي تتأخر عنها أو تبوص، البوص السبق والفوت، أي: تسبقها، أي: أنك لا توافقها فى \"السير\" معها، وهو يخاطب نفسه.\n(١) في (ي): (كأنه)\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٣٣٢، وينظر \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٧٣٠ مادة (فأى)، قال الأزهري: والفئة، بوزن فعة: الفرقة من الناس، مأخوذ من فأيت رأسه، أي شققته، وكانت في الأصل فئوة بوزن (فعلة) فنقص، وجمع الفئة فئون وفئات. وذكر العكبري في التبيان ١٤٩ قولا آخر فقال: وأصل فئة (فيئة)، لأنه من فاء يفيء إذا رجع، فالمحذوف عينها.\n(٣) ينظر: \"لسان العرب\" ٧/ ٤٢٣٤ (مادة: معع).\n(٤) \"تفسير الطبري\" ٢/ ٦٢٤.\n(٥) في (ي): (صب).\n(٦) ينظر: \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٧٧٧، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٣٧١، \"لسان العرب\" ٦/ ٣٣٩٦ (مادة: فرغ) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٣٣٢.","vol":"4","page":338},{"text":"﴿وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا﴾ بتقويةِ قلوبِنا، أو باختلاف كلمةِ الأعداء حتى يتخاذلوا، أو بإلقاء الرُّعْبِ في قلوبهم حتى يظهر منهم الخور، وما أشبه هذا مما يكون من أسباب النصر (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-468>٢٥١ </span>- قوله تعالى: ﴿فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ هذه الآية تتصلُ بما قبلَها بتقدير محذوف (٢) يتقدمها ويتصل بها، كأنه قيل: فأنزل الله عليهم صبرًا ونصرًا (٣)، فهزموهم بإذن الله.\nوأصل الهزمِ في اللغة: الكسر، يقالُ: سقاءٌ مُنْهَزِمٌ: إذا تشقَّقَ مع جَفافٍ، وهَزَمْتُ العظم والقَصَبة هَزْمًا، وهزمت الجيشَ هزمًا وهَزِيمةً وهِزِّيمى مقصور، والهَزْمَةُ: نقرةٌ في الجبل أو في الصخرة.\nقال سفيان بن عينية في ذكر زمزم: هي هَزْمَةُ جبريل، يريد: هَزَمَها جبريلُ (٤) برجله، فخرَجَ الماء، ويقالُ: سمعتُ هَزْمَةَ الرعد.\nقال الأصمعي: كأنَّهُ صوتٌ فيه تشقق، ويقالُ للسحابِ: هَزِيمٌ؛ لأنه يتشقَّقُ بالمطرِ، وهَزْمُ الضريع، وهَزْمه: ما تكسر منه (٥)، قال قيسُ بن خويلد (٦).\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" ٢/ ٦٢٥، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٣٧١.\n(٢) في (ش): (محذوف في اللغة بتقدمها) وهي زيادة.\n(٣) ساقط من (ي).\n(٤) زيادة من (ي).\n(٥) ينظر في (هزم): \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٧٥٩، \"المفردات\" ص٥٢١، \"لسان العرب\" ٨/ ٤٦٦٥، \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٣٣٢.\n(٦) هو قيس بن عيزارة الهذلي، خويلد أبوه، وعيزارة أمه، وهو شاعر جاهلي، مات من داء من البطن في مكة. ينظر ترجمته في \"معجم الشعراء\" للمرزباني ص: ٣٢٦، و\"ديوان الهذليين\" ٣/ ٨٢ - ٨٣.","vol":"4","page":339},{"text":"وحُبِسْن في هَزْمِ الضَّريعِ فكلُّها ... حَدْباءُ (١) دَامِيَةُ اليَدَيْنِ حَرُودُ (٢)\nفمعنى (هزموهم): كَسَرُوهم ورَدُّوهُم (٣).\nقوله تعالى: ﴿وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ﴾ قال المفسرون وأصحاب الأخبار: إن جالوت طلبَ البِرازَ فخرج إليه داود، وكان ممن عبر النهر مع طالوت، فرماه بحجر من مقلاعه، فوقَعَ بين عينيه، فخرجَ من قَفاهُ، وقَتَلَ من ورائه ثلاثين رجلًا، وانهزمَ القومُ عن آخرهم، وخَرَّ جالوتُ قَتيلًا (٤).\nوقوله تعالى: ﴿وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ﴾ أي: جمع له المُلْك والنبوة (٥)، قال ابن عباس: يريد بعد طالوت (٦).\nوقوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ﴾ قال الكلبيُّ: يعنى: صنعةَ الدروع، والتقدير: في السرد (٧). وقيل: منطق الطير وكلام الحُكْل (٨).\n_________\n(١) في (أ): (حربا)، وفي (م): (جربا).\n(٢) البيت في \"شرح أشعار الهذليين\" ص ٥٩٨، \"لسان العرب\" ٥/ ٢٥٨١ (مادة: ضرع).\n(٣) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٣٣٢.\n(٤) ينظر هذه القصة في: \"تفسير مجاهد\" ١/ ١١٣، \"تفسير الطبري\" ٢/ ٦٢٥ - ٦٣٢ على اختلاف بين الروايات، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٣٧٨وما بعدها، \"تفسير البغدادي\" ١/ ٣٠٣ - ٣٠٧.\n(٥) \"تفسيرالثعلبي\" ٢/ ١٣٨٩.\n(٦) ذكره ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ١/ ٣٠٠، ويذكر عن السدي فيما أخرج الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٦٣٢، و\"ابن أبي حاتم\" في \"تفسيره\" ٣/ ٤٨٠، وقال الضحاك والكلبي: ملك داود بعد قتل جالوت بسبع سنين، فلم يجتمع بنو إسرائيل على ملك واحد إلا على داود. ينظر: \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٣٨٨.\n(٧) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ١٣٨٩، والبغوي في \"تفسيره\" ١/ ٣٠٧، وذكره الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٦٣٢ دون عزو لأحد.\n(٨) ذكره الزجاج في \"معاني القرآن\" ١/ ٣٣٢، والثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ١٣٩٠، والبغوي في \"تفسيره\" ١/ ٣٠٧. والحكل: ما لا يسمع له صوت كالذر والنمل.","vol":"4","page":340},{"text":"﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾ قال ابن عباس (١) ومجاهد (٢): لولا دفع الله بجنود المسلمين وسراياهم ومرابطيهم لغلب المشركون على الأرض، فقتلوا المؤمنين وخربوا (٣) البلاد والمساجد.\nوقال سائر المفسرين: لولا دفع الله بالمؤمنين والأبرار عن الكفار والفجار، لفسدت الأرض ولهلكتْ بِمَنْ فيها (٤).\nوتصديقُ هذا: ما روي أن النبي - ﷺ - قال: \"يدفع الله بمن يصلي من أمتي عمَّنْ لا يصلُي، وبمن يزكي، عمَّن لا يزكِّي، وبمن يصومُ عمَّن لا يصوم، وبمن يَحُجُّ عمن لا يَحُجُّ، وبمن يُجاهدُ عمن لا يجاهد، ولو اجتمعوا على تركِ هذه الأشياء ما ناظَرَهُم (٥) الله طرفةَ عين\"، ثم تلا رسولُ الله - ﷺ - هذه الآية (٦).\nواختلف القراء في قوله ﴿دَفْعُ اللَّهِ﴾ فقرأ بعضهم: (دفاعُ الله)، وقرأ بعضهم: (دفعُ الله) (٧).\n_________\n(١) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ١٣٩٤، وأبو المظفر السمعاني ٢/ ٣٨٥.\n(٢) رواه الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٦٣٣، ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٢/ ٤٨٠، والثعلبي ٢/ ١٣٩٤.\n(٣) في (م): (لغلب المشركون فيقتلوا المؤمنين ويخربوا).\n(٤) \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٣٩٤، و\"تفسير البغوي\" ١/ ٣٠٧.\n(٥) أي: ينظرهم، وهي كذلك عند الثعلبي.\n(٦) ذكره الديلمي في \"فردوس الأخبار\" ٥/ ٣٦٤، من حديث ابن عباس، وروى ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٢/ ٤٨٠ دون طرفه الأخير، ومن طريقه البيهقي في \"شعب الإيمان\" ٦/ ٩٧ عن ابن عباس موقوفًا. وذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ١٣٩٤.\n(٧) قرأ نافع (دفاع)، وقرأ الباقون (دفع). ينظر \"السبعة\" لابن مجاهد، ص ١٨٧.","vol":"4","page":341},{"text":"ومعنى الدفع: الصرف عن الشيء (١).\nوالدفاع يحتمل أن يكون مصدرًا لِفَعَلَ، كالكتاب واللقاء والنكاح، ونحوها من المصادر التي جاءت على فِعالٍ، ويجوزُ أن يكون مصدرًا لفاعَلَ (٢)، يُدلُّ على ذلك قراءةُ من قرأ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحج: ٣٨]، ونظيرُ الدفاع في كونه مصدرًا لِفَعَلَ وفاعَلَ: الكتاب، فقوله: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النور: ٣٣]، الكتاب فيه مصدر: كاتَبَ. وقال: ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] فالكتاب هاهنا: مصدرٌ لِكَتَبَ؛ لأن المعنى: كَتَبَ (٣) هذا التحريمَ عليكم، ومعنى (دَفَعَ) و(دافَعَ) سواء، قال أبو ذؤيب:\nولَقَدْ حَرِصْتُ بأن أُدَافِعَ عَنْهُم ... فإِذا المَنِيَّةُ أقْبَلَتْ لا تُدْفَعُ (٤)\nالمعنى: حرصتُ بأن أدفعَ عنهم المنيةَ فإذا المنيةُ لا تُدْفَعُ (٥).\nونصب (بعضهم) على البدل من الناس (٦)، المعنى: ولولا دفع الله بعض الناس ببعض.\n_________\n(١) ينظر: \"المفردات\" ص ١٧٧، \"لسان العرب\" ٣/ ١٣٩٤ مادة (دفع). قال الراغب: الدفع إذا عُدِّي بـ إلى اقتضى معنى الإنالة، نحو قوله تعالى: ﴿فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾، وإذا عُدِّي بـ (عن) اقتضى معنى الحماية، نحو: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾.\n(٢) ساقط من (م).\n(٣) ساقط من (أ) و(م).\n(٤) البيت لأبي ذؤيب الهذلي، في \"شرح أشعار الهذليين\" ص ٨، \"لسان العرب\" ٢/ ٨٣٥ (مادة: حرص).\n(٥) توجيه القراءة كله منقول من \"الحجة\" لأبي علي الفارسي ٢/ ٣٥٢ - ٣٥٣.\n(٦) ينظر: \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ٢٨٠، \"التبيان\" ١/ ١٥٠.","vol":"4","page":342},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-469><span data-type=\"title\" id=toc-470>٢٥٣ </span></span>- قوله تعالى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا﴾ أي: هذه الآيات التي أنبأتُكَ بها آيات الله (١) أي: علاماته التي تدل على توحيده (٢)، ﴿وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ أي: أنت من هؤلاء الذين قَصَصْت آياتهم؛ لأنك قد أُعطيت مثل ما أعطوا وزيادة.\n٢٥٣ - قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ الآية. ﴿تِلْكَ﴾ ابتداء، وإنما قال: ﴿تِلْكَ﴾ ولم يقل: أولئك الرسل؛ لأنه ذهب إلى الجماعة، كأنه قيل: تلك الجماعة. والرسلُ رفع، لأنها صفة لتلك، وخبر الابتداء: ﴿فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ﴾ (٣).\nوالمعنى في ذكر تفضيل بعضهم على بعض زوال الشبهة لمن أوجب التسوية بينهم في الفضيلة، لاستوائهم في القيام بالرسالة.\nوقوله تعالى: ﴿مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ﴾ أي أراد: كلّمه الله، فحذف الهاء، والهاء تحذف كثيرًا من الصلة (٤)، وقد ذكرنا هذا في مواضع.\nوعنى بقوله: ﴿مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ﴾ موسى ﵇ (٥).\n_________\n(١) في (ي) (أ): (آيات الله أي: علاماته).\n(٢) من \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٣٣٣\n(٣) ينظر في إعراب الآية: \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٣٣٣، \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ٣٢٨، \"مشكل إعراب القرآن\" ١/ ١٣٦، لكنه قال: الرسل: عطف بيان، \"التبيان\" ١٥٠، وذكر وجها آخر وهو: أن (الرسل) خبر، و(فضلنا) حال من الرسل.\n(٤) ينظر \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٣٣٣ - ٣٣٤، \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ٣٢٨، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٤٠١.\n(٥) ينظر \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٣٣٤","vol":"4","page":343},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ قال أبو إسحاق: جاء في التفسير: أنه يعني به محمدًا (١) - ﷺ -، أُرسل إلى الناس كافةً، وليس شيء من الآيات التي أعطيها الأنبياء إلا والذي أُعطي محمد - ﷺ - أكبر (٢) (٣).\nوقوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ قد مضى تفسير هذا فيما تقدم. والله تعالى أخبر في هذه الآية بتفضيل بعض الأنبياء على بعض ليعرف الناس أنهم ليسوا سواءً في الفضيلة، غير أن النبي - ﷺ - نهانا عن الخوض في تفضيل بعض الأنبياء على بعض، ولا نخالف أمره، فقال في خبر أبي هريرة: \"لا تفضلوا بين الأنبياء (٤) \" فيستفاد (٥) من الآية معرفة تفاضلهم، وننتهي (٦) عن (٧) الكلام في ذلك؛ لنهيه - ﷺ -.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ يعني: من بعد الرسل ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ أي: من بعد ما وضحت لهم البراهين ﴿وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ﴾ (ثبت على إيمانه) (٨) ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ\n_________\n(١) في باقي النسخ: محمد.\n(٢) (أكبر) ساقطة من (ش).\n(٣) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٣٣٤.\n(٤) أخرجه البخاري (٣٤١٤) كتاب: أحاديث الأنبياء، باب: [قول الله: ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾]، ولفظه: بين أولياء الله، ومسلم (٢٣٧٣) كتاب: الفضائل، باب: من فضائل موسى، واللفظ له.\n(٥) في (ي): (يستفاد).\n(٦) في (ي): (ويبتنى الكلام).\n(٧) في (م) و(ش): (من).\n(٨) ساقط من (ي).","vol":"4","page":344},{"text":"كَفَرَ﴾ كالنصارى بعد المسيح، اختلفوا فصاروا فرقًا، ثم تحاربوا (١)، ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا﴾، كما قال: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾ [الأنعام: ٣٥].\nوكرر (٢) المشيئة باقتتالهم تأكيدًا للأمر، وتكذيبًا لمن زعم أنهم فعلوا ذلك من عند أنفسهم، لم يجر به قضاء ولا قدر من الله تعالى، ثم قال: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيد﴾ فيوفق من يشاء فضلًا، ويخذل من يشاء عدلًا (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-471>٢٥٤ </span>- قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ﴾ قال الحسن: أراد الزكاة المفروضة، قال: لأنه مقرون بوعيد، وقال الآخرون (٤): أراد صدقة التطوع، والنفقة في الخير. قال ابن عباس في هذه الآية: نَفَقَةُ الرجل على أهله وولده وخادمه وجاره صدقة، إذا كان من حلال، وفي غير سرف.\nوقال أبو إسحاق: أي: أنفقوا في الجهاد، ولْيُعِنْ بعضكم بعضًا عليه (٥).\n﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ﴾ يعنى: يوم القيامة، يريد: لا يؤخذ في ذلك اليوم بدلٌ ولا فداء، كقوله: ﴿وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا﴾ [الأنعام: ٧٠]، وقوله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ﴾ وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٣٦]، فذكر لفظ البيع لما فيه من المعاوضة وأخذ البدل.\n_________\n(١) \"تفسيرالثعلبي\" ١/ ١٤٠٢.\n(٢) في (ي): (فكرر).\n(٣) \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٤٠٣.\n(٤) في (ي) و(م): (آخرون).\n(٥) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٣٣٥.","vol":"4","page":345},{"text":"﴿وَلَا خُلَّهٌ﴾ الخُلَّةُ: مَصْدَرُ الخَلِيْل، وكذلك الخِلاَلة، والخُلَّةُ أيضًا تكون اسمًا، كما قال:\nألا أبْلِغا خُلَّتِي رَاشِدًا ... وصِنْوِي قِديمًا إذا ما اتَّصَل (١)\nيريد: خليلى (٢).\nوقوله تعالى: ﴿شَفَاعَةٌ﴾ إنما عم نفيَ الشفاعة؛ لأنه عنى الكافرين بأن هذه الأشياء لا تنفعهم، ألا ترى أنه قال عقيب هذا: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ أي: هم الذين وضعوا الأمرَ غيرَ موضِعِه (٣)، ونظير هذه الآية ﴿قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآية [إبراهيم: ٣١].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-472>٢٥٥ </span>- قوله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ (٤) رفع بالابتداء، وما بعده خَبَرُه (٥)، ونَفْيُ إلهٍ سواهُ توكيدٌ وتحقيقٌ لإلاهِيَّتِه؛ لأن قولك: لا كريم إلا زيد، أبلغُ من قولِك: زيدٌ كريم.\nوقوله تعالى: ﴿الْحَيُّ﴾ الحي من له حياة، وهي صفة تخالف الموت والجمادية (٦)، وأصله: حَيِيَ، مثل: حَذِرَ وطَمِع، فأدغمت الياء في الياء عند\n_________\n(١) البيت في \"اللسان\" ٢/ ١٢٥٢ (مادة: خلل) غير منسوب لأحد، وفي \"اللسان\": إذا ما اتصل.\n(٢) ينظر في (خلل): \"تهذيب اللغة\" ١/ ١٠٩٥ - ١٠٩٨، \"المفردات\" ص ١٥٩ وقال: الخلة: المودة، إما لأنها تتخلل النفس، أي: تتوسطها، وإما لأنها تخل النفس فتؤثر فيه تأثير السهم في الرمية، وإما لفرط الحاجة إليها. وينظر أيضًا \"اللسان\" ٢/ ١٢٤٨ - ١٢٥٤.\n(٣) ينظر \"تفسيرالثعلبي\" ٢/ ١٤٠٩.\n(٤) ساقطة من (ش).\n(٥) ينظر في إعراب الآية: \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ٣٣٠، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٤٣٥، \"إعراب مشكل القرآن\" ١/ ١٣٦، \"التبيان\" ص ١٥١.\n(٦) \"تفسيرالثعلبي\" ٢/ ١٤٣٦","vol":"4","page":346},{"text":"اجتماعهما. وقال ابن الأنبارى: الحي: أصله الحيو (١)، فلما اجتمعت الياء والواو، والسابق ساكن جعلتا ياء مشددةً (٢). ومعنى الحي: الدائم البقاء (٣).\nوقوله تعالى ﴿الْقَيُّومُ﴾ القَيُّومُ في اللغة: مبالغةٌ من القَائم، وزنه فَيْعُول، وأصله: قَيْوُوُم، فلما اجتمعت الياء والواو، والسابق ساكن جُعِلَتا ياءً مشددة (٤)، ولا يجوز أن يكون على (فَعُّول)، لأنه لو كان كذلك لكان قوومًا (٥). وفيه ثلاث لغات: قَيوم وقَيّام وقَيِّم (٦)، ولا يجوز أن يطلق في وصفه إلا ﴿الْقَيُّومُ﴾ لعدم التوقيف بغيره من اللغات، إلا ما روي عن بعض الصحابة والتابعين، أنهم قرأوا: القَيَّام والقَيّم (٧). وقد تكلمت العرب بالقَيُّوم. قال أمية:\nقَدَّرَها (٨) المُهَيْمِن القَيُّوم (٩)\n_________\n(١) في (ي) (الحياة).\n(٢) ابن الأنباري، وفي \"تهذيب اللغة\" ١/ ٩٤٧ (مادة: حوى) عن الفراء.\n(٣) ينظر في (حيي): \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٣٣٦، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٤٣٦.\n(٤) في \"تهذيب اللغة\" ١/ ٩٤٧ عن سيبويه. وكذلك قال في سيد وجيد وميت وهيِّن وليِّن.\n(٥) في (ي): (قؤومًا)، وفي (م): (قيووم).\n(٦) \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٤٣٧.\n(٧) \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ١٩٠، وقال: وقرأها عمر بن الخطاب وابن مسعود (القيّام)، وصورة القيوم: فيعول، والقيام: الفيعال، وهما جميعًا مدح، وأهل الحجاز أكثر شيء قولًا: (الفيعال) من ذوات الثلاَثة، فيقولون للصوّاغ: الصيّاغ. اهـ. والقيم: قرأه علقمة، كما ذكر الثعلبي ٢/ ١٤٣٦.\n(٨) في (ي) (قدزها)\n(٩) صدر بيت من مشطور الرجز، لأمية بن أبي الصلت، وهو في \"ديوانه\" ص ٧٣ ضمن أبيات له يقول فيها: =","vol":"4","page":347},{"text":"وأنشد ابن الأنباري:\nإنَّ ذا العَرْش الذي يَرْزُق ... النَّاس وحَيّ عَلَيْهمُ قَيّوم (١)\nومثله: ما في الدار دَيَّارٌ ودَيُّورٌ ودَيِّر (٢).\nفأما معناه: فقال (٣) مجاهد: القيوم: القائم على كل شيء (٤)، وتأويله: أنه قائم بتدبير أمر الخلق، في إنشائهم وأرزاقهم، وقال الضحاك: القيوم: الدائم الوجود (٥). أبو عبيدة: هو الذي لا يزول (٦)، لاستقامة وصْفِهِ بالوجود، حيث لا يجوز عليه التغيير بوجه من الوجوه. وقيل: هو بمعنى العالم بالأمور، من قولهم: فلان يقوم بهذا الكتاب، أي: هو (٧) عالم به.\nوقوله تعالى: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ السِّنة: ثِقَلُ النُّعاس، وهو مصدر وَسَن، يَوْسَنُ، سِنَةً، وهو وسنان ووسِن، وامرأة وَسْنَانَةٌ ووَسْنَى.\n_________\n= لم تخلق السماء والنجوم\nوالشمس معها قمر يَعُوم\nدرها المهيمن القيوم\nوالحشر والجنة والجحيم\nإلا لأمر شأنه عظيم\n(١) البيت لم أهتد إلى قائله، ولا من ذكره\n(٢) ينظر في (القيوم): \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ١٩٠، \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٣٣٦، \"تهذيب اللغة\" ٩/ ٣٥٦.\n(٣) في (ي): (قال).\n(٤) رواه الطبري في \"تفسيره\" عنه ٣/ ٦، وذكره ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٣/ ٤٨٦، والبيهقي في \"الأسماء والصفات\" ١/ ١٣١.\n(٥) رواه الطبري عنه في \"تفسيره\" ٣/ ٦.\n(٦) \"مجاز القرآن\" ١/ ٧٨.\n(٧) ليست في (ي).","vol":"4","page":348},{"text":"وحقيقة السِّنة: ريح تجيء من قبل الرأس لينة تغشى العين (١).\nوحقيقة النوم: هو الغشية الثقيلة، التي تهجم على القلب، فتقطعه عن معرفة الأمور الظَّاهرة.\nوقال المفضل: السِّنة في الرأس، والنوم في القلب (٢).\nوقد فصل بينهما عدي ابن الرِّقَاع (٣) في قوله (٤):\nوَسْنَانُ أَقْصدَه النُّعاسُ فَرَنَّقَتْ ... في عَينِه سِنَةٌ ولَيْسَ بِنَائِمِ (٥) (٦)\nوتأويله: أنه لا يغفل عن تدبير الخلق (٧).\nوقوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ استفهام معناه الإنكار والنفي، أي: لا يشفع عنده أحد إلا بأمره (٨)، وذلك أن المشركين كانوا يزعمون أنّ الأصنام تشفع لهم، وقد أخبر الله عنهم بقوله: ﴿مَا\n_________\n(١) ينظر \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٤٤٣.\n(٢) ينظر في (السنة): \"غريب القرآن\" لابن قتيبة ٨٤، \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٨٩٣ مادة \"وسن\"، \"المفردات\" ٥٣٩.\n(٣) عدي بن زيد بن مالك بن الرقاع العاملي القضاعي، يكنى أبا داود، تقدمت ترجمته [البقرة: ٦٠].\n(٤) (في قوله) ساقط من (ي).\n(٥) في (ش): (ينام).\n(٦) البيت في \"ديوانه\" ص ١٢٢، وذكره في \"مجاز القرآن\" ١/ ٧٨، \"غريب القرآن\" ص ٨٤، والأغاني ٨/ ١٨١، وفي \"اللسان\" ٨/ ٤٨٣٩ مادة \"وسن\". والإقصاد: أن يصيبه السهم فيقتله من فوره، وهو هنا استعارة، أي: أقصد النعاس فأنامه، رنقت: دارت وماجت، \"سمط اللآلئ\" ١/ ٥٢١.\n(٧) من \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٣٣٧.\n(٨) ينظر: \"البحر المحيط\" ٢/ ٢٧٨.","vol":"4","page":349},{"text":"نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣] وقوله: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ﴾ الآية [يونس: ١٨] فأخبر الله تعالى أنه لا شفاعة عنده لأحد (١) إلا ما استثناه بقوله: ﴿إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ يريد: شفاعة النبي - ﷺ - وشفاعة بعض المؤمنين لبعض في الدعاء (٢).\nوقوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ قال مجاهد (٣) وعطاء (٤) والسدّي (٥): ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ من أمر الدنيا ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ من أمر الآخرة.\nالضحاك (٦) (٧) والكلبي (٨):\n﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ يعني (٩): الآخرة، لأنهم يُقْدمون عليها ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ الدنيا، لأنهم يُخِّلفونها وراء ظهورهم (١٠).\nوقال عطاء عن ابن عباس: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ يريد: من السماء\n_________\n(١) في (ي): (لأحد عنده).\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٣٣٧ بمعناه.\n(٣) رواه الطبري عنه في \"تفسيره\" ٣/ ٩، وذكره ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٢/ ٤٨٩.\n(٤) \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٤٥٢، وفي \"تفسير البغوي\" ١/ ٣١٢.\n(٥) رواه الطبري عنه في \"تفسيره\" ٣/ ٩، وذكره ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٢/ ٤٨٩.\n(٦) في (ي) و(أ) و(ش): (ضحاك).\n(٧) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ١٤٥٣.\n(٨) ذكره أبو الليث في \"بحر العلوم\" ١/ ٢٢٣، والثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ١٤٥٣.\n(٩) ساقط من (ي).\n(١٠) في نسختي (أ) و(م) كرر قول الضحاك والكلبي بنصه، ونسبه إلى عطاء عن ابن عباس، وقد أتى بعده ما رواه عطاء عن ابن عباس.","vol":"4","page":350},{"text":"إلى الأرض، (وما خلفهم) يريد: ما في السموات (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ يقال: أَحَاط بالشئ: إذا عَلِمَه، كأنه ما لم يَعْلَمْه عازِبٌ عنه، فإذا عَلِمَه ووَقَفَ عليه وجَمَعَه في قَلْبه قيل: أحاط به (٢)، من حيث إن المحيط بالشيء مشتمل عليه، قال الليث: يقال لكل من أحرز شيئًا أو بلغَ علمُه أقصاه: قد أحاط به (٣) (٤).\nوقوله تعالى: ﴿مِنْ عِلْمِهِ﴾ أي: من معلومه، كما يقال: اللهم اغفر لنا علمك فينا، وإذا ظهرت آية عظيمة قيل: هذه قدرة، أي: مقدورة.\nوقوله تعالى: ﴿إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ أي: إلا (٥) بما أنبأ به الأنبياء، ليكون دليلًا على تثبيت نبوتهم، وقال (٦) ابن عباس: يريد مما أطلعهم على علمه.\nوقوله تعالى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ يقال: وَسِع الشيءَ يَسَعُه سَعَةً: إذا احتمله وأطاقه (٧) وأمكنه القيام به، يقال: لا يَسَعُك هذا، أي: لا تُطِيقُه ولا تَحْتَمِلُه (٨)، قال أبو زبيد (٩) (١٠):\n_________\n(١) هذا من رواية عطاء التي تقدم الحديث عنها في قسم الدراسة.\n(٢) ساقط من (ي).\n(٣) نقله عنه في \"تهذيب اللغة\" ١/ ٧٠٧ (مادة: حاط).\n(٤) ينظر في (أحاط): \"تهذيب اللغة\" ١/ ٧٠٧ مادة \"حاط\"، \"المفردات\" ص ١١١ - ١١٢، \"اللسان\" ٢/ ١٠٥٢ (مادة: حوط).\n(٥) ساقط من (ي).\n(٦) في (ي): (قال).\n(٧) ساقط من (ش).\n(٨) في (ي): (لا تحمله).\n(٩) في (ي): (أبو زيد).\n(١٠) حرملة بن المنذر الطائي، شاعر مشهور أدرك الإسلام واختُلف في إسلامه. تقدمت ترجمته، [البقرة: ٧٢].","vol":"4","page":351},{"text":"أعْطِيهم الجهدَ مِنَّي بَلْهَ مَا أَسَعُ (١)\nأي: ما أطيق، ومنه قوله - ﷺ -: \"لو كان موسى حيًّا ما وسعه إلا اتباعي (٢) \" أي: ما جَازَ له، ولم يحتمل غير ذلك (٣).\nوأما الكرسي، فأصله في اللغة: من تركب الشيء بعضه على بعض، قال الأصمعي: الكِرْسُ: أبوالُ الدواب وأَبْعَارُها، تَتَلَبَّدُ بعضها فوق بعض (٤)، وأكرست الدار إذا كثر فيها الأبعار والأبوال (٥)، وتلبد بعضها على بعض.\nقال العجّاج (٦):\nيا صاحِ هل تَعْرِفُ رَسْمًا مُكرِسَا (٧)\n_________\n(١) عَجْز بيتٍ، صدرُه:\nحّمالُ أثقالِ أهلِ الودِّ آونةً\nوالبيت في \"اللسان\" ٨/ ٤٨٣٤ (مادة: وسع)، وفي \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٨٩٠ (ماده: وسع)، قال الأزهري: فدع ما أحيط به وأقدر عليه، والمعنى: أعطيهم ما لا أجِدُه إلا بجهد، فدع ما أحيط به.\n(٢) أخرجه الإمام أحمد ٣/ ٣٣٨ بلفظ: \"فإنه لو كان موسى حيًا بين أظهركم ما حل له إلا أن يتبعني\".\n(٣) ينظر في (مادة: وسع): \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٨٩٠، \"المفردات\" ص ٥٣٨، \"اللسان\" ٨/ ٤٨٣٥.\n(٤) نقله في \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣١٢٦ مادة \"كرس\".\n(٥) في (ي): (الأبوال والأبعار).\n(٦) ساقطة من (ي).\n(٧) البيت، من أرجوزة للعجاج، في \"ديوانه\" ١/ ١٨٥، وبعده قوله:\nقال: نعم أعرفه وأبلسا\nضمن مجموع أشعار العرب ٢/ ٣١، وذكره في \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣١٢٧، و\"المفردات\" ص٤٣٠، و\"لسان العرب\" ٧/ ٣٨٥٤ مادة \"كرس\".","vol":"4","page":352},{"text":"بفتح الراء وكسرها، ومن فتح الراء فهو الذي قد بعرت فيه الإبل وبولت فركب بعضه بعضًا، وتَكَارَسَ الشَّيءُ إذا تَرَاكَب، ومنه: الكُرّاسة لِتَرَاكبِ بعضِ أوراقِها على بعضٍ، والكُرسيُّ المعروف؛ لتركيب خَشَبَاته (١) بعضِها فوق بعض (٢).\nواختلف المفسرون في معنى الكرسي في هذه الآية، فأولى الأقاويل وأصحُّها: ما قال ابن عباس، في رواية عطاء (٣)، وأبو موسى (٤) والسدي (٥): أنه الكرسي بعينه، وهو لؤلؤ، وما السموات السبع في الكرسيِّ ألا كَدَراهم سبعة أُلْقِيَتْ في تُرْس، ومعناه: أن كرسيَّهُ مشتمل بعظمه على السموات والأرض.\nقال عطاء: هو أعظم من السموات السبع والأرضين السبع (٦).\nوروى عمَّار الدُّهني (٧) (٨) عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن\n_________\n(١) في (ي) (خشيه).\n(٢) ينظر في (كرس): \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٣٣٧ - ٣٣٨، \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣١٢٦ - ٣١٢٧، \"المفردات\" ٤٣٠، \"اللسان\" ٧/ ٣٨٥٤ - ٣٨٥٥.\n(٣) ذكره البغوي بمعناه ١/ ٣١٣، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ١/ ٢٥١ وقد تقدم الحديث عن هذه الرواية في القسم الدراسي.\n(٤) رواه عبد الله بن الإمام أحمد في \"السنة\" ١/ ٣٠٢، والطبري في \"تفسيره\" ٣/ ١٠، ومحمد بن عثمان بن أبي شيبة في العرش ص ٧٨، وأبو الشيخ في \"العظمة\" ٢/ ٦٢٧، وابن منده في \"الرد على الجهمية\" ٤٦، والبيهقي في \"الأسماء والصفات\" ٢/ ٢٧٢، وصححه الحافظ في الفتح ٨/ ١٩٩.\n(٥) رواه الطبري عنه بمعناه في \"تفسيره\" ٣/ ١٠، \"ابن أبي حاتم\" في \"تفسيره\" ٥/ ٤٩١.\n(٦) ذكره البغوي بمعناه ١/ ٣١٣، وفي \"زاد المسير\" ١/ ٢٥١.\n(٧) في (ي) الذهبي.\n(٨) هو: عمار بن معاوية الدُّهْني، أبو معاوية البَجَلي الكوفي، قال ابن حجر: صدوق يتشيع، توفي سنة ١٣٣ هـ ينظر \"تقريب التهذيب\" ص ٤٠٨ (٤٨٣٣).","vol":"4","page":353},{"text":"ابن عباس، أنه قال: الكرسي: موضع القدمين، وأما العرش فإنه لا يُقْدَرُ قَدْرُه (١). وقال (٢) الأزهري: وهذه رواية اتفق أهل العلم على صحتها (٣). وأراد ابن عباس بقوله: موضع القدمين، أي: موضع القدمين منا.\nقال الزجاج: وهذا القول بَيِّن؛ لأن الذي نعرفه من الكرسي في اللغة: الشيء الذي يعتمد عليه، ويجلس عليه، فهذا يدل (٤) أن الكرسي عظيم، عليه السموات والأرضون (٥).\nوقال بعضهم: كرسيه: سلطانه ومُلْكه، يقال: كرسي الملك من مكان كذا إلى مكان كذا، أي: مُلْكه، مشبه (٦) بالكرسي المعروف؛ لأن تركيب بعض (٧) تدبيره على بعض، كتركيب بعض الكرسي على بعض، ويجوز أن يكون لاحتوائه عليه كاحتوائه على كرسيه، فلا يبعد أن تُكنّي عن\n_________\n(١) رواه عبد الله بن الإمام أحمد في \"السنة\" ١/ ٣٠١، والدارمي في \"نقض الإمام أبي سعيد على المريسي\" ١/ ٣٩٩، ٤١٢، وابن خزيمة في \"التوحيد\" ١/ ٢٤٨، ومحمد بن عثمان بن أبي شيبة في \"العرش\" ص ٧٩، والطبراني في \"الكبير\" ١٢/ ٣١، وأبو الشيخ في \"العظمة\" ٢/ ٥٨٢، والحاكم ٢/ ٣١٠، وقال: صحيح على شرط الشيخين ٢/ ٣١٠، والخطيب في \"تاريخ بغداد\" ٩/ ٢٥١، قال الذهبي في \"مختصر العلو\" ص١٠٢: رواته ثقات، وقال الهيثمي في المجمع ٦/ ٣٢٦: ورجاله رجال الصحيح، وصححه الأزهري كما ذُكر في النص أعلاه.\n(٢) في (ي) و(ش) (قال).\n(٣) في \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣١٢٧ مادة \"كرسى\".\n(٤) في (م) (يدل على).\n(٥) \"معاني القرآن\" ١/ ٣٣٨.\n(٦) في (م) (فشبه).\n(٧) ساقطة من (ش).","vol":"4","page":354},{"text":"الملك بالكرسي، كما (١) تكني عنه بالعرش. فيقال: ثُلَّ عرشُه، إذا ذهب عزُّه وملكه (٢).\nوقال قوم: كرسيه: قدرته التي بها يمسك السموات والأرض، قالوا: وهذا كقولك: اجعل لهذا الحائط كرسيًا، أي: اجعل له ما يَعْمِدُه ويُمْسِكُه، حكاه أبو إسحاق (٣).\nوقال ابن عباس (٤) ومجاهد (٥) وسعيد بن جبير (٦): كرسيه: علمه.\nقال أهل المعاني: يجوز أن يُسَمَّى العلمُ كرسيًّا، من حيث إن الاعتماد في الأشياء على العلم، كالكرسي الذي يعتمد عليه، ويقال للعلماء: الكراسي؛ لأنهم المُعتمدُ عليهم، كما يقال: هم أوتاد الأرض (٧)، وأنشدوا:\n_________\n(١) في (ي) (كما لا يبعد أن تكني).\n(٢) ينظر: \"تفسير الطبري\" ٣/ ١١، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٤٥٥، \"النكت والعيون\" ١/ ٣٢٥، \"البحر المحيط\" ٢/ ٢٧٩.\n(٣) \"معاني القرآن\" ١/ ٣٣٨.\n(٤) رواه عبد الله بن الإمام أحمد في \"السنة\" ٢/ ٥٠٠، والطبري في \"تفسيره\" ٣/ ٩، و\"ابن أبي حاتم\" في \"تفسيره\" ٢/ ٤٩٠، وابن مندة في الرد على الجهمية ٤٥، واللالكائي في \"شرح أصول اعتقاد أهل السنة\" ٣/ ٤٤٩، والبيهقي في \"الأسماء والصفات\" ٢/ ٢٧٢، كلهم من طريق جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس. قال الدارمي في نقضه على المريسي ١/ ٤١١: وأما ما رَوَيْتَ عن ابن عباس فإنه من رواية جعفر، وليس جعفر ممن يعتمد على روايته إذا خالفه الرواة المتقنون. وقال ابن منده في \"الرد على الجهمية\" ص ٤٥: ولم يتابع عليه جعفر، وليس هو بالقوى في سعيد بن جبير.\n(٥) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ١٤٥٤، والبغوي في \"تفسيره\" ١/ ٣١٣.\n(٦) رواه البخاري عنه ٨/ ١٩٩ معلقا مجزومًا، ورواه موصولًا سفيان الثوري ١٢٧.\n(٧) ينظر: \"تفسير الطبري\" ٣/ ١١، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٤٥٤، \"النكت والعيون\" ١/ ٣٢٥، \"البحر المحيط\" ٢/ ٢٨٠.","vol":"4","page":355},{"text":"تَحُفُّ بهم بِيضُ الوُجُوه وعُصْبة ... كَرَاسي بالأحْدَاثِ حِينَ تَنُوبُ (١)\nأي: علماء بحوادث الأمور.\nوأنشدوا أيضًا:\nنَحْنُ الكرَاسِي لا (٢) تعد هوازن ... أمثالنا في النَّائِبَاتِ ولا أَسُد (٣)\nقال ابن الأنباري: الذي نذهب إليه ونختاره القول الأول، لموافقته الآثار، ومذاهب العرب، والذي يحكى عن ابن عباس: أَنَّه عِلْمُه، إنما يروى بإسناد مطعون، والبيتان يقال: إنهما من صَنْعَةِ النحويين، لا يُعْرفُ لهما قائل، فلا يحتج بمثلهما (٤) في تفسير (٥) كتاب الله ﷿.\nوقال الأزهري: من روى عن ابن عباس في الكرسي (٦): أنه العلم، فقد أبطل (٧). وقال أبو إسحاق: الله ﷿ أعلم بحقيقة الكرسي، إلا أن جملته\n_________\n(١) البيت ذكره الطبري في \"تفسيره\" ٣/ ١١، والثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ١٤٥٥، والماوردي في \"النكت والعيون\" ١/ ٣٢٠٥، والزمخشري في \"أساس البلاغة\" ٢/ ٣٠٣، (كرسي) وقال: أنشده قطرب، وأبو حيان في \"البحر المحيط\" ٢/ ٣٨٠.\n(٢) في (ي) (فلا).\n(٣) البيت لم أهتد إلى قائله، ولا من ذكره.\n(٤) في (أ) و(م) بمثلها.\n(٥) سقطت من (ي).\n(٦) سقطت من (ي).\n(٧) \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣١٢٦، وهذا لفظه في نسخة خطية أشار إليها محققو التهذيب، ونقلها صاحب \"اللسان\" ٧/ ٣٨٥٥ مادة (كرس)، ولفظه في النسخة المطبوعة: والذي روي عن ابن عباس في الكرسي، فليس مما يثبته أهل المعرفة بالأخبار. وفي \"مجموع الفتاوى\" ٦/ ٥٨٤ سئل شيخ الإسلام ابن تيمية: هل العرش والكرسي موجودان، أو أن ذلك مجاز؟ فأجاب: الحمد لله، بل العرش موجود =","vol":"4","page":356},{"text":"أنه أمر عظيم من أمره (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ يقال: آده يَؤُوده أَوْدًا: إذا أَثْقَلَه وأَجْهَدَه، وأُدْتُ العُودَ أودًا، وذلك إذا اعتَمدت (٢) عليه بالثِّقْلِ حتى أملته (٣)، قالت الخنساء:\nوحَامِلُ الثِّقلِ والأعْبَاءِ قَدْ عَلِمُوا ... إذا يَؤُودُ رِجَالًا (٤) بعضُ ما حَمَلُوا (٥)\nوقال آخر:\nوقَامَتْ تُرَائِيكَ مُغْدوْدِنًا (٦) ... إذا ما تَنُوءُ بهِ آدَها (٧)\n_________\n= بالكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة وأئمتها، وكذلك الكرسي ثابت بالكتاب والسنة وإجماع جمهور السلف، وقد نقل عن بعضهم أن كرسيه: علمه، وهو قول ضعيف، فإن علم الله وسع كل شيءكما قال: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ [غافر: ٧] والله يعلم نفسه، ويعلم ما كان وما لم يكن، فلو قيل: وسع علمه السموات والأرض؛ لم يكن هذا المعنى مناسبًا، ولاسيما وقد قال: ﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ [البقرة: ٢٥٥] أي لا يثقله ولا يكرثه، وهذا يناسب القدرة لا العلم، والآثار المأثورة تقتضي ذلك.\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٣٣٨.\n(٢) في (أ) و(م) و(ش): (اعتمد).\n(٣) في (أ) و(م) و(ش) (أماله).\n(٤) في (ي): (رجال).\n(٥) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ١٤٦٣، وليس في \"ديوانه\".\n(٦) في (م) مغدودوننا.\n(٧) البيت من المتقارب، وهو لحسان بن ثابت في \"ديوانه\" ص ٧٦، وفي \"الحجة\" ٢/ ٣٩٢، \"المحتسب\" ١/ ٣١٩، \"لسان العرب\" ٦/ ٣٢٢٠ مادة: غدن. والمُغْدَودِن: الشعر الطويل.","vol":"4","page":357},{"text":"أي: أثقلها، يصف كَثْرةَ شَعْرِها، وإنها لا تُطِيقُ حَمْله (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ يقال: علا يَعْلُو عُلُوًّا فهو عالٍ وعليّ، مثل: عَالم وعَليم، وسامع وسميع، فالله تعالى عليٌّ بالاقتدار ونفوذِ السلطان، وقيل: عليٌّ على الأشباه والأمثال. يقال: علا على قِرنه، إذا اقتدر عليه وغَلبه، وليس ثَمَّ عُلُوٌ من جهة المكان، ويقال أيضًا: علا فلان عن هذا الأمر: إذا كان أرْفَعَ مَحَلًّا عن الوصف به (٢)، فمعنى العُلُوِّ في صفة الله تعالى منقولٌ إلى اقتداره، وقهره، واستحقاقه صفات المَدْح، على وجه لا يُسَاوى ولا يُوَازَى (٣) (٤).\nوالعظيم: معناه: أنه عظيم الشأن، لا يُعْجِزه شَيء، ولا نهايةَ لمَقْدُوره (٥) ومَعْلُومه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-473>٢٥٦ </span>- قوله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ الآية. اللام في الدين، قيل: إنه لام العهد، وقيل: بدل من الإضافة، كقوله: ﴿فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: ٤١] أي: مأواه، وأراد: في دين الله (٦). وأكثرُ المفسرين: ابن\n_________\n(١) ينظر في (آد): \"تهذيب اللغة\" ١/ ١٣٣، \"المفردات\" ص ٤٣، \"اللسان\" ١/ ١٦٨، وقال ابن قتيبة في غريب القرآن ص ٩٣: آده الشيء يؤوده، وآده يئيده، والوأد، الثِّقْل.\n(٢) ساقط من (ي).\n(٣) في (ي): (ولا يوازى ولا يوارى).\n(٤) ينظر: \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٤٦٣، وقد أنكر المؤلف -﵀- علو الله على خلقه علو الذات وهو خلاف مذهب السلف. فالعلو ثابت بالكتاب والسنة والإجماع والعقل والفطرة، ينظر كتاب: \"العلو للعلي الغفار\" للإمام الذهبي.\n(٥) في (م): (لقدورة).\n(٦) ينظر: \"البحر المحيط\" ٢/ ٢٨٢.","vol":"4","page":358},{"text":"عباس (١)، وقتادة (٢)، ومجاهد (٣)، وغيرهم (٤)، على أن معنى الآية: لا إكراه في الدين بعد إسلام العرب.\nوذلك أن العرب كانت أمة أمية، لم يكن لهم دين ولا كتاب، فلم يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف (٥)، فأُكْرِهوا (٦) على الإسلام، ولم يقبل منهم الجزية، فلما أسلموا، ولم يبق أحد من العرب، إلا دخل في الإسلام، طوعًا أو كرهًا، أنزل الله سبحانه: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ فأمر أن يقاتل أهل الكتاب، والمجوس، والصابئون، على أن يسلموا أو يقروا بالجزية، فمن أقر منهم بالجزية، قبلت منه وخُلّي سبيلُه، ولم يُكره على الإسلام (٧).\nوالحكم في هذا: أن الحربي إذا أُكْره على الإسلام فتلفظ بالشهادتين خوف السيف صحّ إسلامه، ولا خلاف في ذلك؛ لأن الإكراه إكراه بالحق هذا (٨)، فأما الذمي إذا أكره على الإسلام، فهو مختلف فيه، والصحيح: أن إسلامه مع الإكراه غير صحيح؛ لأنه إكراه بباطل وظلم (٩). قال أبو\n_________\n(١) \"الوسيط\" ١/ ٣٦٩.\n(٢) رواه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ١/ ١٠٢، والطبري في \"تفسيره\" ٣/ ١٦، \"ابن أبي حاتم\" في \"تفسيره\" ٢/ ٤٩٣.\n(٣) \"الوسيط\" ١/ ٣٦٩.\n(٤) عزاه الثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ١٤٧٢ إلى قتادة والضحاك وعطاء وأبي روق والواقدي.\n(٥) في (ي) (والسيف).\n(٦) في (ي) و(ش) (وأكرهوا).\n(٧) ينظر: \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٤٧٢.\n(٨) ساقط من (ي).\n(٩) ينظر: المغني ١٢/ ٢٩١، وخالف محمد بن الحسن، حيث يرى أن الذمي المكره على الإسلام يصير مسلمًا في الظاهر، وإن رجع عنه قتل إذا امتنع عن الإسلام.","vol":"4","page":359},{"text":"عبيد: الصحيح في وجه هذه الآية، إن شاء الله، أن يكون في أهل الذمة لأدائهم الجزية، أو يكونوا مماليك، فلا يكرهون على الإسلام، فأما أهل الحرب فلا يكون لهم ذلك.\nوقال ابن مسعود، (١) والسدي، (٢) وابن زيد، (٣): كان هذا قبل أن يؤمر رسول الله - ﷺ - بقتال أهل الكتاب في سورة براءة.\nوقال سليمان بن موسى (٤) في هذه الآية: نَسَخَتْها ﴿جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ [التوبة: ٧٣] (٥).\nوقال الزجاج: الإكراه في هذه الآية معناه: النسبة إلى الكره، كما يقال: أكفره وأفسقه وأكذبه. ومعنى الآية: لا تقولوا لمن دخل بعد الحرب في الإسلام: إنه (٦) دخل مكرهًا، ولا تنسبوا من دخل في الإسلام إلى الكره؛ لأنه إذا رضي بعد الحرب، وصح إسلامه فليس بِمُكرَه (٧) (٨)، يدل عليه قوله: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ [النساء: ٩٤] (٩).\n_________\n(١) ذكره البغوي في \"تفسيره\" ١/ ٣١٤، والقرطبي ٣/ ٢٨٠.\n(٢) ذكره ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٢/ ٤٩٤، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ١/ ٣٠٦.\n(٣) ذكره في \"النكت والعيون\" ١/ ٣٢٧، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ١/ ٣٠٦.\n(٤) لعله سليمان بن موسى بن الأشدق أبو أيوب الدمشقي، روى عن عطاء وعمرو بن شعيب، وروى عنه الأوزاعي وابن جابر، كان أوثق أصحاب مكحول، وكان فقيها ثبتا. ينظر \"الجرح والتعديل\" ٤/ ١٤١ - ١٤٢، \"التقريب\" ص ٢٥٥ (٢٦١٦).\n(٥) ذكره القرطبي في \"تفسيره\" ٣/ ٢٨٠.\n(٦) في (ي): (لا تقولوا من دخل في الإسلام بعد الحرب دخل مكرها).\n(٧) في (ش) (بمكروه).\n(٨) \"معاني القرآن\" ١/ ٣٣٨.\n(٩) \"تفسيرالثعلبي\" ٢/ ١٤٧٥.","vol":"4","page":360},{"text":"وقوله تعالى: ﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ يقال: بَانَ الشيءُ وأَبَانَ واستبان وَبيَّنَ: إذا ظهر وَوَضَح، ومنه المثل: قد بَيَّنَ الصُّبْح لذي عينين، ويقال: تبَيَّن (١).\nوالرُّشْدُ معناه في اللغة: إصابةُ الخير، وفيه لغتان: رَشَد يَرْشُد رُشْدُا، ورشِد يرشَد رشَدًا (٢). والرشاد أيضًا مصدر كالرُّشْد (٣).\nوالغيُّ: نقيض الرُّشد، يقال: غوى يغوي غيًا وغوايةً، إذا سلك خلافَ طريقِ الرشد (٤)، قال:\nفمَنْ يَلْقَ خَيْرًا يَحْمَدِ النَّاسُ أَمْرَه ... ومَنْ يَغْوِ لا يَعْدَمْ على الغَيِّ لائِما (٥)\nقال أبو عبيد: وبعضٌ يقول: غَوِيْتُ أَغْوَى، وليست بمعروفة، إنما\n_________\n(١) ينظر في (بان): \"تهذيب اللغة\" ١/ ٢٦٤، \"المفردات\" ص ٤٥، \"اللسان\" ١/ ٤٠٦.\n(٢) ينظر في (رشد): \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٤١١، \"المفردات\" ص ٢٠٢، \"اللسان\" ٣/ ٦٤٩. وذكر الراكب عن بعضهم الفرق بين الرشَد والرُّشْد، بأن الرَّشَد أخص من الرُّشد، فإن الرُّشد يقال في الأمور الدنيوية والأخروية، والرَّشَد يقال في الأمور الأخروية لا غير. والراشد والرشيد يقال فيهما جميعا.\n(٣) ذكر في \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٤١١ مادة \"رشد\" أن الليث فرق بين رَشَد يرشُد رُشْدا ورَشَادا، ورَشِد يرشَد رَشَدا، بأن الأول نقيض الغي، والثاني نقيض الضلال، ثم ذكر الأزهري أن غير الليث جعلوهما بمعنى واحد.\n(٤) ينظر في (غوى): \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٧٠٦، و\"القاموس المحيط\" ص ١٢٢٠، \"اللسان\" ٦/ ٣٣٢٠، قال الراغب: الغيُّ: جهل من اعتقاد فاسد، وذلك أن الجهل قد يكون من كون الإنسان غير معتقد اعتقادا لا صالحًا ولا فاسدًا، وقد يكون من اعتقاد شيء فاسد، وهذا النحو الثاني يقال له غيٌّ.\n(٥) البيت للمُرَقِّش، كما في \"اللسان\" ٦/ ٣٣٢٠ مادة \"غوص\"، وضُبطت: يغْوَ، بفتح الواو، بينما في نسخة (أ) من البسيط ضُبطت بكسر الواو.","vol":"4","page":361},{"text":"هي في الفصيل إذا بِشِمَ من اللبن (١).\nومعنى ﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ﴾ مِنْ الغَبِّ ظهر الإيمان من الكفر، والهدى من الضلالة بكثرة الحجج والآيات الدالة.\nوقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ قال أهل اللغة: الليث، (٢) وأبو عبيدة، (٣) والكسائي (٤): الطاغوت: كُلُّ ما عُبِدَ من دون الله، واحدٌ وجِماع (٥)، ويُذَكَّر ويؤنث، قال الله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ [النساء: ٦٠] فهذا في الواحد، قيل: هو كعب بن الأشرف (٦)، وقال في الجمع (٧): ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ﴾ [البقرة: ٢٥٧] وقال في المؤنث: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا﴾ [الزمر: ١٧].\nومثله من الأسماء: الفُلْك، يكون (٨) واحدًا وجمعًا ومذكرًا ومؤنثًا (٩).\n_________\n(١) نقله في \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٧٠٦ مادة (غوى)، وينظر \"غريب الحديث\" لأبي عبيد،\nوغويت أغْوَى، تقال في الفصيل إذا بشم وأتخم، وإذا لم يصب ريًّا من اللبن.\n(٢) نقله عنه في: \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢١٩٦ مادة (طغى).\n(٣) \"مجاز القرآن\" ١/ ٧٩، \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢١٩٦ مادة (طغى).\n(٤) نقله عنه في \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢١٩٦ مادة (طغى).\n(٥) في (م): (وجمع).\n(٦) كعب بن الأشرف الطائي: من بني نبهان، شاعر جاهلي، أمه يهودية من بني النضير، وكان سيدًا فيهم، هجا النَّبي - ﷺ - وأصحابه، وآذى كثيرًا من المسلمين، أمر النبي بقتله، فقتله خمسة من الأنصار ظاهر حصنه سنة ٣ هـ. ينظر \"الروض الأنف\" ٣/ ١٣٩، \"الأعلام\" ٥/ ٢٢٥.\n(٧) ساقط من (ي).\n(٨) في (ش): (تكون).\n(٩) ينظر في الطاغوت: \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢١٩٦، \"التبيان\" ١٥٣، \"اللسان\" ٥/ ٢٦٧٨، مادة (طغى) وفى \"المفردات\" ٣٠٧ - ٣٠٨ قال الراغب: والطاغوت: عبارة عن =","vol":"4","page":362},{"text":"قال النحويون: وزنه: فَعَلوت، نحو: جَبَرُوت، والتاء زائدة فيه، وهي مشتقة من طَغَى، وتقديره: طَغَوُوْت (١)، إلا أن لام الفعل قُلِبت إلى موضع العين، كعادتهم في القلب، نحو الصاعقة والصاقعة وبابه، ثم قلبت الواو ألفًا، لوقوعها في (٢) موضع حركة وانفتاح ما قبلها، (٣)، قال المبرد في الطاغوت: الأصوب عندي أنه جمع (٤)، قال أبو علي: وليس الأمر عندنا على ما قال، وذلك أن الطاغوت مصدر، كالرَّغَبُوت والرَّهَبُوت والسَّلَبُوت، فكما أن هذه الأسماء آحاد، كذلك هذا الاسم مفرد ليس بجمع، والأصل فيه التذكير، فأما قوله: ﴿أَنْ يَعْبُدُوهَا﴾ [الزمر: ١٧] فإنما أَنَّثَ إِرادةَ الآلهة، ويدل على أنه مصدر مفرد قوله: ﴿أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ﴾ فأفرد في موضع الجمع، كما قال: هم رضا، وهم عدل (٥).\n_________\n= كل متعد وكل معبود من دون الله، ويستعمل في الواحد والجمع. ولما تقدم سمِّي الساحر والكاهن والمارد من الجن والصارف عن طريق الخير طاغوتًا.\n(١) في (ي) (إنها طغووت).\n(٢) ليست في (م).\n(٣) ينظر: \"مشكل إعراب القرآن\" ١/ ١٣٧، \"المفردات\" ص٣٠٨، \"التبيان\" ص١٥٣، \"اللسان\" ٥/ ٢٦٧٨ مادة (طغى). قال العكبري: وأصله طغَيُوت؛ لأنه من طغيت تطغى، ويجوز أن يكون من الواو؛ لأنه يقال فيه: يطغو أيضا، والياء أكثر، وعليه جاء الطغيان، ثم قدمت اللام فجعلت قبل العين، فصار طيْغوتًا أو طوْغوتًا، فلما تحرك الحرف وانفتح ما قبله قلب ألفا، فوزنه الآن فلَعوت، وهو مصدر في الأصل مثل الملكوت والرهبوت. اهـ. وبنحو هذا في \"مشكل إعراب القرآن\".\n(٤) المبرد، نقله عنه في \"البحر المحيط\" ٢/ ٢٧٢.\n(٥) أبو علي، نقله عنه في \"البحر المحيط\" ٢/ ٢٧٢.","vol":"4","page":363},{"text":"قال ابن عباس (١) ومقاتل (٢) والكلبي (٣): الطاغوت: الشيطان، وقيل: الأصنام (٤).\nوقوله تعالى: ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ اسْتَمْسَكَ بالشيء: إذا تمسك به (٥).\nوالعُرْوة: جمعها عُرًى، وهي نحو عُروة الدَّلو والكُوز، وإنما سُميت لأنها يتعلق بها، من قولهم: عَرَوْتُ الرجلَ أَعْرُوهُ عَرْوًا: إذا ألمَمْتَ به مُتَعلِّقا بسبب منه، والعُرْوَةُ: شَجَر يبقى على الجَدْب؛ لأن الإبل تتعلق (٦) به إلى وقت الخِصْب (٧)،\nومنه قول مهلهل (٨):\n_________\n(١) ذكره ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ١/ ٤٩٥، والثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ١٤٧٧، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ١/ ٣٠٦.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ١/ ٢١٥.\n(٣) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ١٤٧٧.\n(٤) تفسير ابن أبي حاتم ٢/ ٤٩٥، \"بحر العلوم\" للسمرقندي ١/ ٢٢٤، والثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ١٤٧٧.\n(٥) ينظر: \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٤٧٨، \"المفردات\" ص ٤٧١، قال: واستمسكت بالشيء إذا تحريت الإمساك.\n(٦) في (م) (ش): (يتعلق).\n(٧) ينظر في (العروة): \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٣٧٦، \"اللسان\" ٥/ ٢٩١٩، قال الراغب في \"المفردات\" ص ٣٣٥: والعروة: ما يتعلق به من عراه، أي ناحيته، قال تعالى: ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ وذلك على سبيل التمثيل، والعروة أيضا شجرة يتعلق بها الإبل، ويقال لها: عروة وعَلْقةً.\n(٨) مهلهل بن ربيعة التغلبي؛ قيل: اسمه امرؤ القيس، وقيل: عدي، ورجح المرزُباني أن عديًّا أخوه، سمي مهلهلًّا؛ لأنه هلهَل الشعر، أي: أَرقّه، ويقال إنه أول من قصد القصائد، وفي الأعلام رجح عديًّا، وقال توفي نحو ١٠٠ ق هـ. ينظر: \"طبقات فحول الشعراء\" ١/ ٣٩، \"معجم الشعر\" للمرزباني ص ٢٤٨، \"الأعلام\" ٤/ ٢٢٠.","vol":"4","page":364},{"text":"خَلَعَ المُلوكَ وسَارَ تَحْتَ لِوَائِهِ ... شَجَرُ العُرَى وعَراعِرُ الأقْوَامِ (١) قال الأزهري: العروة من دِق الشجر: ما له أصل باق، مثل: العَرْفَج والنَّصِي، (٢) وأجناس (٣) الخُلةِ والحَمْضِ، فإذا أمحل (٤) الناس عصمت العروة الماشية فتبلغت (٥) بها، ضربها الله مثلًا لما يعتصم به من الدين (٦).\n(والوُثْقَى) تأنيث الأوثق (٧). قال عطاء عن ابن عباس: العروة الوثقى، هي: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن ما جاء به محمد حق وصدق (٨). وقال مجاهد (٩): هي الإيمان، وقال الزجاج (١٠): معناه: فقد عقد لنفسه عقدًا وثيقًا (١١).\n_________\n(١) البيت في \"ديوانه\" ص ١٨٠، \"لسان العرب\" ٥/ ٢٨٧٦ [مادة: عرر]، \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٣٨٨، \"تاج العروس\" ٧/ ٢٠٨، \"مقاييس اللغة\" ٤/ ٣٧، \"جمهرة اللغة\" ص ١٩٧. وجاء في \"اللسان\" ٥/ ٢٩١٩ مادة (عرا)؛ قال ابن بَرِّي: ويروى البيت لشُرْحبيل بن مالك يمدح معد يكرب بن كعب، قال: وهو الصحيح. ويروى: عُراعِر وعَراعِر، فمن ضمّ فهو واحد، ومن فتح جعله جمعًا، ومثله: جُوالق، وجَوالق. قال: والعُرَاعِر هنا: السيد.\n(٢) حاشية على نسخة (أ) نصها: والنصِي من نبات الرمل، يقال له: الغضا والأرَطى والألا، مثال: العُلا، وهو شجر حسن المنظر، مر الطعم، والسبط والنَّصِي ما دام رطبًا، فإذا يبس فهو الحَلِي.\n(٣) ساقط من (ي).\n(٤) في (م): (كأنها أهل).\n(٥) في (م): (تعلقت).\n(٦) \"تهذيب اللغة\" مادة (عرا) ٣/ ٢٣٧٦.\n(٧) \"المفردات\" ٥٢٧.\n(٨) ذكره القرطبي في \"تفسيره\" ٣/ ٢٨٢، \"ابن أبي حاتم\" في \"تفسيره\" ٢/ ٤٩٦.\n(٩) رواه عنه الطبري في \"تفسيره\" ٣/ ٢٠، \"ابن أبي حاتم\" في \"تفسيره\" ٢/ ٤٩٦.\n(١٠) \"معاني القرآن\" ١/ ٣٣٩.\n(١١) من قوله: (وقال الزجاج). ساقط من (ي).","vol":"4","page":365},{"text":"قال أهل المعاني: العروة (١) الوثقى، هاهنا: مَثَلٌ حَسُنَ به البيان لتَرْك ما لا يقع به الإحساس إلى ما يقع به الإحساس، وذلك أنه لا يقع الإحساس بالتعلق بالكلمة ولا بالإيمان، وإنما يقع الإحساس بما يكون من جنس الحَبْل والسَّبب والعُرَى وما يتعلق به، فضرب العروة الوثقى مثلًا للإيمان بما جاء به محمد - ﷺ -.\nوقوله تعالى: ﴿لَا انْفِصَامَ لَهَا﴾ الفَصْم: كَسْرُ الشيء من غير إبانة، يدل عليه قولُ ذىِ الرمة يَصِفُ ظَبْيًا حاقِفًا:\nكأنه دُمْلجٌ من فِضَّةٍ نَبَهٌ ... في مَلْعَبٍ من جَوَارِي الحَيِّ مَفْصومُ (٢)\nوالانفصام: مطاوع الفَصْم، يقال: فَصمْتُه فانْفَصَم، أي: صَدَعْتُه فانْصَدَع (٣).\nقال ابن عباس: لا انقطاع لها دون رضى الله ودخول الجنة (٤).\nقال النحويون: نَظْمُ الآيةِ: بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها،\n_________\n(١) ساقطة من (ش).\n(٢) البيت في ديوان ذي الرمة ص ٥٧٢، وفي \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٧٩٥، وجاء في \"اللسان\" مادة (فصم) ٦/ ٣٤٢٤،: شبه الغزال وهو نائم بدملج فضة قد طرح ونُسي، وكل شيء سقط من إنسان فنسيه ولم يهتد له فهو نَبَهٌ، قال ابن بري: قبل في نبه: إنه المشهور، وقيل: النفيس الضال الموجود عن غفلة لا عن طلبَ، وقيل هو المنسي.\n(٣) ينظر في فصم: \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٧٩٥، \"اللسان\" ٦/ ٣٤٢٤، وفي \"البحر المحيط\" ٢/ ٢٧٢، ذكر أبو حيان أن الفصم: الانكسار من غير بينونة، والقصم: الكسر ببيونة، وقد يجيء الفصم -بالفاء- في معنى البينونة.\n(٤) ذكره في \"الوسيط\" ١/ ٣٧٠.","vol":"4","page":366},{"text":"والعرب تضمر (التي والذي ومن وما)، وتكتفي بصلاتها منها (١)، قال سلامةُ بنُ جَنْدَل (٢):\nوالعادِياتُ أَسَابِيُّ الدِّماءِ بها ... كأنَّ أَعْناقَها أَنْصابُ تَرْجِيبِ (٣)\nيريد: والعاديات (٤) التي. ومنه قوله ﷿: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ﴾ [الإنسان: ٢٠] أي: رأيت (٥) ما ثم. وقال الشاعر في إضمار من:\nكَذَبْتُم وبَيْتِ الله لا تَنْكِحُونَها ... بَني شَابَ قَرْنَاهَا تُصَرُّ وتُحْلَبُ (٦)\nعلى معنى: بني مَنْ شاب قرناها، وقال الله ﷿: ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصافات: ١٦٤]، أي: من له.\nوقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ قال عطاء عن ابن عباس: كان رسول الله - ﷺ - يحب إسلام أهل الكتاب من اليهود الذين حول المدينة، وكان يسأل الله ذلك سرًّا وعلانية (٧).\nفمعنى قوله: والله سميع، يريد: لدعائك يا محمد، عليم بحرصك\n_________\n(١) في (ي): (منهما).\n(٢) سلامة بن جندل بن عبد عمرو، من بني كعب بن سعد التميمي، أبو مالك: شاعر جاهلي، من الفرسان، من أهل الحجاز، في شعره حكمة وجودة، توفي في حدود ٢٣ ق. هـ. ينظر الأعلام ٣/ ١٠٦.\n(٣) البيت في ديوان سلامة ص ٩٦، وجاء في \"لسان العرب\" ٣/ ١٠٨٤ مادة (رجب) شَبّه الشاعر أعْناق الخيل بالنخلِ المُرَجَّب، والترجيب: التعظيم أو إرفاد النخلة من جانب ليمنعها من السقوط، وقيل: شبه أعناقها بالحجارة التي تذبح عليها النسائك.\n(٤) في (ي): (العادة).\n(٥) ساقط من (ش).\n(٦) البيت من الطويل للأسدي في \"لسان العرب\" ٦/ ٣٦٠٩ (مادة: قرن).\n(٧) هذه الرواية التي تقدم عنها الحديث في قسم الدراسة.","vol":"4","page":367},{"text":"واجتهادك. وقال (١) أبو إسحاق: أي: يسمع ما يعقده الإنسان على نفسه من أمر الإيمان، ويعلم نيته في ذلك (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-474>٢٥٧ </span>- قوله تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآية، الوَلِيُّ: فعيل بمعنى فاعل، من قولهم: وَلِيَ فلانٌ الشيءَ يَلِيهِ ولايةً فهو والٍ وَوَليِّ (٣)، وأصله من الوَلْيِ الذي هو القُرْب، قال الهذلي (٤):\nعدَتْ عَوَادٍ دَون وَليك تَشْعَبُ (٥).\nومِنْ هذا يقال: داري تَلِي دارَه، أي، تَقْرُبُ منه، ومن هذا المعنى يقال للنصير المعاون المحب: وَلِيّ، لأنه يقرب منك (٦) بالمحبة والنصرة، ولا يفارقك (٧)، ومن ثَم قالوا في خلاف الولاية: العَدَاوة، ألا ترى أن العداوة من: عَدَا الشيءَ، إذا جَاوَزَه، فمن ثَمَّ كانت خِلافَ الوِلاية، فالوَلِيّ في اللغة هو: القريب من غير فصل (٨)، والله تعالى ولي المؤمنين على معنى أنه يلي أمورهم، أي: يتولاها، وإن كانت أمور الكفار تجري بمشيئته، ففي هذا تخصيص للمؤمنين وتفضيل، كقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ\n_________\n(١) في (ي): (قال).\n(٢) \"معاني القرآن\" ١/ ٣٣٩.\n(٣) ليست في (ي).\n(٤) خويلد بن خالد بن محرث الهذلي: شاعر مخضرم أدرك الجاهلية والإسلام، وأسلم، وحسن إسلامه، تقدمت ترجمته.\n(٥) عجز بيت وصدره:\nهجرتْ غضوبُ وحبَّ من يتجنبُ.\nورد في \"لسان العرب\" ٨/ ٤٩٢٢؛ ونُسب لساعدة (مادة: ولى).\n(٦) في (ش): (منه ومنك).\n(٧) ساقط من (ي).\n(٨) ينظر في الولي: \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٩٥٦، \"المفردات\" ص ٥٤٧ - ٥٤٩، \"اللسان\" ٨/ ٤٩٢١.","vol":"4","page":368},{"text":"الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ﴾ [محمد:١١]، ووليهم أيضًا على معنى أنه يَتَوَلَّى ثوابَهُم ومجازاتهم بحسن أعمالهم (١).\nوقوله تعالى: ﴿يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ أىِ: من الكفر والضلالة إلى الإيمان والهداية (٢).\nقال الواقدي: كل ما في القرآن من الظلمات والنور فإنه أراد به الكفر والإيمان، غير التي في الأنعام ﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ [الأنعام: ١]، فإنه يعني الليل والنهار. وجعل الكفر ظلمات؛ لأنه كالظلمة في المنع من إدراك الحق (٣).\nوقال الزجاج: لأن أمر الضلالة مظلمٌ غيُر بَيِّن، وأمر الهدى بَيِّنٌ واضح كبيان النور (٤).\nوقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ﴾ أي: الذين يتولون أمرهم الطاغوت، والطاغوت هاهنا جمع، وقد ذكرناه (٥).\nوقرأ الحسن: (أوليائهم الطواغيت) على الجمع (٦).\nوقال مقاتل: يعنى بالطاغوت هاهنا: كعب بن الأشرف وحيي بن\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٣٣٩.\n(٢) \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٤٧٩.\n(٣) نقله في \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٣٣٩، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٤٧٩، \"تفسير البغوي\" ١/ ٣١٥.\n(٤) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٣٣٩.\n(٥) في (ش): (وقد ذكرنا).\n(٦) ينظر: \"المحتسب\" لابن جني ١/ ١٣١، وابن خالويه في \"مختصر شواذ القرآن\" ص ٢٣، والثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ١٤٨١.","vol":"4","page":369},{"text":"أخطب (١) وسائر رؤوس الضلالة (٢).\nوقوله تعالى: ﴿يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾ قال قتادة (٣) والمقاتلان (٤): يعنى: اليهود كانوا مؤمنين بمحمد - ﷺ - قبل أن يبعث لِما يجدونه في كتبهم من نعته وصفته، فلما بعث جحدوه وأنكروه (٥) وكفروا به. بيانه (٦) قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة: ٨٩] وعلى هذا، الطاغوتُ: علماؤهم، يخرجون أتباعهم عما كانوا عليه من الإيمان بمحمد قبل مبعثه، بقولهم: إنه ليس ذلك الذي نُعت (٧) في كتابنا. وسائر المفسرين على أن هذا على العموم في جميع الكفار (٨).\nووجه إخراجهم من النور ولم يكونوا فيه، أنّ منع الطاغوت إياهم عن الدخول فيه إخراجٌ لهم منه، كما تقول: أخرجني والدي من ميراثه، تأويله: أنه (٩) منعني الدخول فيه؛ لأنه لو لم يعمل ما عَمِلَ لدخلتُ فيه ومثل هذا:\n_________\n(١) هو: حيي بن أخطب النضري اليهودي، جاهلي من الأشداء العتاة، كان ينعت بسيد الحاضر والبادي، أدرك الإسلام وآذى المسلمين فأسروه يوم قريظة ثم قتلوه. ينظر: \"سيرة ابن هشام\" ٣/ ٢٢٩، \"الأعلام\" ٢/ ٢٩٢.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ١/ ٢١٥، وذكره البغوي في \"تفسيره\" ١/ ٣١٥، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ١/ ٢٥٣.\n(٣) ذكره ابن أبي حاتم ٢/ ٤٩٨، والثعلبي ٢/ ١٤٨٢.\n(٤) ذكره عن مقاتل بن حيان: ابن أبي حاتم ٢/ ٤٩٧، والثعلبي ٢/ ١٤٨٢، وقول مقاتل في \"تفسيره\" ١/ ٢١٥.\n(٥) زيادة من (ي).\n(٦) في (ش): (ببيانه).\n(٧) في (ش): (بعث).\n(٨) \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٤٨٢.\n(٩) في (ي): (أن).","vol":"4","page":370},{"text":"قوله تعالى ﴿مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ﴾ [الحج: ٥]، يريد: ينقل، لأنه لم يكن فيه قط، فسمى النقل ردًا، لأن صورتهما واحدة، ومثله: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ [يس: ٣٩] أي: صار (١).\nوروي عن مجاهد: أن هذا في قوم ارتدوا عن الإسلام (٢).\nوأضاف الإضلال والإخراج من النور إلى الطاغوت؛ لأن سبب ذلك من الطاغوت، وهو التزيين والوسوسة والدعاء إليه، فالإضافة إليه لأجل السبب. وحقيقة الهداية والإضلال لله تعالى: ﴿يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [النحل: ٩٣] والشيطان يزين ويسول، كما قال النبي - ﷺ -: \"بعثت داعيًا وليس إليَّ من الهداية شيء، وخُلِقَ إبليسُ مُزِيِّنًا (٣) وليس إليه من الضَّلالَةِ شيء\" (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-475>٢٥٨ </span>- قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ﴾ الآية ﴿أَلَمْ﴾ كلمة يُوْقَفُ (٥) بها المخاطَبُ على أمر تعجب منه. ولفظه لفظ الاستفهام (٦).\n_________\n(١) قال معد الكتاب للشاملة: هذه الحاشية سقطت من المطبوع، وأصل الحاشية في الصفحة السابقة، بسبب ترحيل الحواشي في أغلب الكتاب، وحقها أن تنقل هنا، وما بقي من هذه الحاشية هو: .... ٢/ ١٤٨٣.\n(٢) ذكره في \"النكت والعيون\" ١/ ٣٢٩.\n(٣) في (أ) و(م): (من نار).\n(٤) رواه العقيلي في \"الضعفاء\" من حديث عمر بن الخطاب، وفيه خالد أبو الهيثم، وابن عدي في \"الكامل\" في الضعفاء ٣/ ٤٧١، وقال: في قلبي منه شيء، ولا أدري سمع خالد من سماك أم لا، قال الدارقطني وابن حجر: مجهول، ينظر تنزيه الشريعة١/ ٣١٥، \"كنز العمال\" ١/ ١١٦حديث رقم ٥٤٦.\n(٥) في (ي): (وقف).\n(٦) من \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٣٤٠.","vol":"4","page":371},{"text":"قال الفراء: وإدخال العرب (إلى) (١) في هذا الموضع على جِهَةٍ التعجب، كما يقول الرجل: أما ترى إلى هذا؟ والمعنى: هل رأيت مثل هذا؟ أو رأيتَ هكذا (٢)، والدليل على ذلك أنه قال: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ﴾، فكأنه قال: هل رأيت كمثل الذي حاج، أو كالذي مر (٣).\nوإنما دخلت (إلى) لهذا المعنى من بين حروف الإضافة؛ لأن (إلى) لما كانت نهاية صارت بمنزلة: هل انتهت رؤيتك إلى من هذه صفته؟ لتدل على بعد وقوع مثله على التعجب منه، لأن التعجب إنما هو (٤) مما استبهم سببه مما (٥) لم تجر به عادة (٦).\nو﴿حَاجَّ﴾ بمعنى: جادل وخاصم (٧)، وهو نمروذ (٨) بن كنعان. قال ابن عباس، في رواية عطاء: إن إبراهيم دخل بلدة نمرود ليمتار (٩)، وأرسل إليه (١٠) نمرود، وقال له: من ربك؟ قال: ربي الذي يحيي ويميت، قال نمرود: أنا أحيي وأميت (١١).\n_________\n(١) ساقط من (ي).\n(٢) في (ش): (كهذا).\n(٣) \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ١٧٠ وينظر \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٤٩٤، \"مشكل إعراب القرآن\" ١/ ١٣٨، \"التبيان\" ص ١٥٥\n(٤) ساقط من (ي).\n(٥) في (ش): (ما)\n(٦) ينظر في معنى (إلى): \"مغني اللبيب\" ص ١٠٤.\n(٧) \"المفردات\" ص ١١٥.\n(٨) في (أ) و(م) و(ي): (نمرود).\n(٩) ساقط من (م).\n(١٠) في (ي) و(ش): (فأرسل).\n(١١) ذكر في \"تفسير مقاتل\" ١/ ٢١٥، \"تفسير الطبري\" ٢/ ٢٤، والثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ١٤٨٤، وذكره في \"الوسيط\" ١/ ٣٧١.","vol":"4","page":372},{"text":"وقوله تعالى: ﴿أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ﴾ أي: لأن أتاه الله، وتأويله: ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه للملك الذي (١) آتاه الله، يريد: بطرُ المُلك حمله على محاجة إبراهيم (٢).\nوقوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ هذا جواب سؤال سابق غير مذكور، وتقديره (٣): إذ قال له: من ربك؟ فقال إبراهيم: ﴿رَبِّيَ﴾ (٤) الذي يحيي ويميت، فحذف (٥)؛ لأن الجواب يدل على السؤال في مثل هذا الموضع (٦).\nوقوله تعالى: ﴿قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ اعتمد عدو الله على المعارضة على الإشراك (٧) في العبادة (٨) في العبارة، عادلًا عن وجه الحجة بفعل حياةٍ للميت أو مَوْتٍ (٩) لحي على سبيل الاختراع الذي يفعله الله ﷿؛ لأنه رُويَ أنه دعا برجلين؛ فقتل أحدهما واستحيا الآخر، فسَمَّى ترك القتل إحياءً (١٠).\nوالقراء على إسقاط ألف أنا (١١) عند الوصل في جميع القرآن، إلا ما\n_________\n(١) ساقط من (ي).\n(٢) ينظر: \"تفسير الثعلبى\" ٢/ ١٤٨٤.\n(٣) في (م) (وتأويله).\n(٤) زيادة من (ي).\n(٥) في (م) حذف.\n(٦) \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٤٩٠.\n(٧) في (ي) و(ش) الاشتراك.\n(٨) في (ي) و(ش) العبارة.\n(٩) فى (ش) ميت.\n(١٠) ينظر: \"تفسير غريب القرآن\" ص ٨٥، \"تفسير الطبري\" ٣/ ٢٤ - ٢٥، \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٣٤١، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٤٩٢.\n(١١) (أنا) ساقط من (ي).","vol":"4","page":373},{"text":"روي عن نافع من إثباته عند استقبال همزة (١)، والصحيح من القراءة ما عليه القراء (٢)؛ لأن (أنا) ضمير المتكلم، والاسم الهمزة والنون، فأما الألف فإنما تلحقها في الوقف، كما تلحق الهاء في (مسلمونه) للوقف، وكما أن الهاء التي تلحق للوقف إذا اتصلت الكلمة التي هي فيها بشيء (٣) سقطت. كذلك هذه الألف تسقط في الوصل؛ لأن (٤) ما تتصل به يقوم مقامه، ألا ترى أَنَّ همزة الوصل إذا اتصلت الكلمة التى هي فيها (٥) بشيء سقطت ولم تثبت؛ لأن ما تتصل به يتوصل به إلى النطق بما بعد الهمزة، فلا تثبت الهمزة لذلك، وكذلك الألف في أنا والهاء التي للوقف (٦)، إذا اتصلت الكلمة التي هما فيها بشيء سقطتا ولم يجز إثباتهما، كما لم تثبت همزة الوصل؛ لأن الهمزة في هذا الطرف مثل الألف والهاء في الطرف (٧) الآخر وأما قراءة نافع فهي ضعيفة جدًّا (٨)، لأنه أجرى الوصل مجرى الوقف (٩)،\n_________\n(١) ينظر: \"السبعة\" ص ١٨٨، \"الحجة\" ٢/ ٣٥٩، ونافع يثبت الألف عند استقبال همزة في جميع القرآن، إلا في قوله: ﴿إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [الشعراء: ١١٥] فإنه يطرحها في هذا الموضع مثل سائر القراء، ولم يختلفوا في حذف الألف إذا لم تلقها همزة، إلا في قوله: ﴿لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي﴾ [الكهف: ٣٨].\n(٢) ينظر التعليق لأبي حيان عند قوله تعالى: \"إلا من اغترف غرفة بيده\" [البقرة: ٢٤٩].\n(٣) في (ي) و(ش): (شيء).\n(٤) ساقط من (ي).\n(٥) ساقط من (ى).\n(٦) في (م): (في أنا والتي للوقف)، وفي (ش): (في أنا والهاء التى في الوقف).\n(٧) في (ش): (الظرف) في الموضعين.\n(٨) هذه العبارة، وأما قراءة نافع فهي ضعيفة جدًّا ليست من كلام أبي علي.\n(٩) هذا قول في توجيه قراءة نافع، والقول الآخر: أنها لغة، قال أبو حيان في \"البحر المحيط\" ٢/ ٢٨٨: والأحسن أن تجعل قراءة نافع على لغة بني تميم، لا أنه من=","vol":"4","page":374},{"text":"وأثبت الألف التي حكمها أن تلحق في الوقف (١)، وهم قد يجرون الوصل مجرى الوقف في ضرورة الشعر، فيثبتون فيه ما حكمه أن يثبت في الوقف، وليس ذلك مما ينبغي أن يؤخذ به في التنزيل؛ لأنهم إنما يفعلون ذلك لتصحيح وزنٍ أو إقامةِ قافية، وذلك لا يكونان في التنزيل، وهذه (٢) الضرورات إنما تركت في الشعر، كقوله:\nهم القائلونَ الخيرَ والآمِرُونَهُ (٣)\nالهاء فيه هاء الوقف التي تلحق في: مسلمونه وصالحونه، فألحق الهاء حرف اللين، وهذا كما أجروا غير القافية مجري القافية، كما أجروا قوله:\nلما رَأَتَ ماءَ السّلى مَشْرَوبا (٤)\nوإن لم يكن مُصَرَّعًا مجرى المُصَرّع، ولا يجوز شيء من ذلك في غير\n_________\n= إجراء الوصل مجرى الوقف على ما تأوله عليه بعضهم، قال: وهو ضعيف جدا، وليس هذا مما يحسن الأخذ به في القرآن. انتهى. فإذا حملنا ذلك على لغة تميم كان فصيحًا، وبنحوه قال السمين في \"الدر المصون\" ٢/ ٥٥٣، وقال: وإنما أثبت نافع ألفه قبل الهمزة جمعا بين اللغتين، أو لأن النطق بالهمز عسر فاستراح له بالألف، لأنها حرف مد.\n(١) ساقط من (ش).\n(٢) في (ي): (وهذا).\n(٣) عجزالبيت:\nإذا ما خشوا من محدَث الأمر معظما.\nهو بلا نسبة في \"لسان العرب\" ٥/ ٢٦٩٠ مادة: طلع، مادة (جين).\n(٤) هذا صدر بيت عجزه:\nوالغرْثَ يُعْصر في الإناء أرنَّت.\nوقد اختلف في نسبته إلى شبيب بن جعيل، أو حجل بن نضلة. ينظر: \"الحجة\" ٢/ ٣٦٤، وشرح أبيات المغني للبغدادي ٧/ ٢٤٧ - ٢٤٨.","vol":"4","page":375},{"text":"الشعر، فمما (١) جاءت ألف (أنا) مثبته فيه وصلًا من الشعر قول الأعشى:\nفكَيْفَ أنا وانْتِحَالِي القَوافي ... بعيد المَشِيبِ كَفَى ذاكَ (٢) عارَا (٣)\nوما أنشده الكسائي:\nأنا شَيْخُ العَشِيرةِ فاعرِفُوني ... حَمِيدٌ قد تَذَرَّيْتُ السَّنَاما (٤)\nوقول آخر:\nأنا عبيد الله يَنْمينِي عُمَر\nخَيْرُ قُرَيْشٍ مِنْ مَضَى ومَنْ غَبَر (٥) (٦)\n_________\n(١) في (م): فما.\n(٢) في (ي): بذاك.\n(٣) البيت في \"ديوانه\" ٨٤، وروايته فيه:\nفما أنا أم ما انتحالي القوافِ ... بعد المشيب كفى ذاك عارا\nوذكره في \"البحر المحيط\" ٢/ ٢٨٨، كرواية المؤلف، وأورده المبرد (في الكامل ٢/ ٣٧) شاهدا على إثبات ألف (أنا) في الوصل ضرورة، ثم قال: والرواية الجيدة فكيف يكون انتحال القوا .. في بعد .. والمعنى: ينفي عن نفسه ما اتهم به عند الممدوح من أنه يسطو على شعر غيره وينتحله لنفسه.\n(٤) ورد البيت هكذا:\nأنا سيف العشيرة فاعرفوني ... حميدًا قد تذريت السناما.\nوالبيت لحميد بن ثور، ينظر: \"الديوان\" ١٣٣، \"عمدة الحفاظ\" للسمين الحلبي ٢/ ٥٥٣. وقيل: هو لحميد بن مجدل الكلبي، ينظر: \"المنصف\" ١/ ١٠، وابن يعيش ٣/ ٩٣، \"الخزانة\" ٢/ ٣٩٠، \"شرح شواهد الشافية\" ٤/ ٢٢٣.\n(٥) تكملة الرجز:\nبعد رسول الله والشيخ الأغر\nوالرجز لعبيد الله بن عمر، ينظر: \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٤٩١، و\"أساس البلاغة\" (مادة: غبر)، \"تاج العروس\" ٧/ ٢٨٧ (مادة: غبر).\n(٦) من \"الحجة\" ٢/ ٣٥٩ - ٣٦٥ بتصرف واختصار.","vol":"4","page":376},{"text":"وقوله تعالى: ﴿قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾، إنما انتقل إبراهيم من الحجة الأولى مع إمكانه أن يناقضه بأن يقول له: أحيي من قتلته إن كنت صادقًا، قطعًا للخصومهَ، وتركًا للإطالة، واحتجاجًا بالحجة المسكتة، لأن عدوّ الله لما لبس في الحجة بأن قال: أنا أفعل ذلك، احتج عليه إبراهيم بحجة لا يمكنه فيه (١) أن يقول: أنا أفعل ذلك، ولو قال ذلك بان عجزه وافتضاحه، ولزمه من الحجة ما لا سبيل إلى التدليس فيه، وصار كلام إبراهيم ﵇ قدوةً للمجادِل إذا تمرَّد الخصمُ (٢) وقصدَ التلبيسَ بالمحالِ، وكان الإدلاء في الحجة الأخرى مما يقطعه ويفحمه فالصواب ذكرها، ولا يكون تركُ الأُولى انتقالًا لعجز، ولكه تنبيهٌ على قِلةِ عَقْلِ الخصم، أو على تعسفه في الكلام (٣).\nفإن قيل: كان للنمرود أن يقول لإبراهيم: فليأت بها ربك من المغرب، قيل: علم بما رأى من الآيات أنه يفعل فيزداد (٤) فضيحةً؛ لأن هذه المحاجة (٥) كانت مع إبراهيم بعد إلقائه في النار، وخروجه منها سالمًا، فعلمَ أنَّ من قَدَرَ على حفظ إبراهيم في تلك النار العظيمة من الاحتراقِ، يَقْدِرُ على أن يأتي بالشمس من المغرب، وقيل: إن الله تعالى خذله عن التلبيس (٦) بالشبهة نصرة لنبيه.\n_________\n(١) ساقط من (ي).\n(٢) في (ي): (للخصم).\n(٣) ينظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٣٤١، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٤٩٢.\n(٤) في (م): (ليزداد).\n(٥) في (ي): (المحاججة).\n(٦) في (م): (التلبيس).","vol":"4","page":377},{"text":"وقوله تعالى: ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ يقال: بَهَتَه يَبْهَتُه بَهْتًا وبُهْتانًا: إذا واجهه بالكذب عليه، هذا هو الأصل، ثم تُسمَّى الحَيْرةُ عند استيلاء الحجة بُهْتًا لأنها كحيرة المواجَه بالكذب، وفيه ثلاث لغات: بُهِت الرجل فهو مبهوت، وبَهِت، وبَهُتَ، قال عروة العذري (١):\nفما هو إلا أن أرَاهَا فُجاءةً ... فَأُبْهَتُ حَتّى ما أكادُ أُجِيْبُ (٢)\nأي: أتحير وأسكت (٣).\nوتأويل قوله (٤): فبهت أي: انقطع وسكت (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-476>٢٥٩ </span>- قوله تعالى: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ﴾ الآية. قد ذكرنا أن هذه الآية معطوفة على ما قبلها في المعنى، كأنه قيل: أرأيت (٦) كالذي حاج، أو كالذي مر (٧)، والعرب تحمل على المعاني كثيرًا (٨)، قال الفرزدق:\n_________\n(١) هو عروة بن حزام بن مهاجر العذري، من بني عذرة شاعر من متيمي العرب، له ديوان شعر صغير، توفي في حدود ٣٠ هـ ينظر: \"الشعر والشعراء\" ٣/ ٤، \"الأعلام\" ٤/ ٢٢٦.\n(٢) البيت في \"ديوانه\" ص ٢٨، وفي \"خزانة الأدب\" ٨/ ٥٦٠ وُيعْزى لكُثَيِّر عزة في \"ديوانه\" ص ٥٢٢، وُيعْزى أيضًا للمجنون في \"ديوانه\" ص ٤٩، ولم ينسبه في \"معاني القرآن\" للأخفش، ولا الثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ١٤٩٣ وعزاه في الكتاب ٣/ ٥٤ لبعض الحجازيين، وللأحوص في ملحق، \"ديوانه\" ص ٢١٣.\n(٣) ينظر في بهت: \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٣٤١، \"تهذيب اللغة\" ١/ ٤٠٠، \"المفردات\" ٧٣، \"اللسان\" ١/ ٣٦٨.\n(٤) ساقط من (ي).\n(٥) من \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٣٤١، ولفظه: انقطع وسكت متحيرًا.\n(٦) ساقط من (م).\n(٧) من \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٣٤٢.\n(٨) ينظر: \"البحر المحيط\" ٢/ ٢٩٠، وقال: والعطف على المعنى نصوا على أنه لا ينقاس.","vol":"4","page":378},{"text":"فكيْفَ بلَيْلَةٍ لا نَجْمٍ فيها ... ولا قَمَرٍ لسَاريهَا مُنِيرِ (١)\nأراد: فكيف بليلة ليست بليلة نجم ولا قمر، وقال آخر:\nوَجَدْنَا الصَّالِحِينَ لَهُم جَزَاءً ... وجَنَّاتٍ وعَيْنًا سَلْسَبِيلًا (٢)\nفنصب الجنات بالنسق على الجزاء وجنات وعينا (٣)، وقال آخر:\nمُعَاوِيَ إنَّنا بَشَرٌ فاسْجَحْ ... فلَسْنَا بالجِبَالِ ولا الحَدِيدَا (٤)\nأراد: فلسنا الجبال والحديد (٥)، فحمل على (٦) المعنى وترك اللفظ. وذهب أبو الحسن الأخفش إلى أن الكاف زائدة، وعطف الذي على الذي من قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي﴾ (٧) والقول الأول اختيار أبي علي، وهو وجه\n_________\n(١) سبق تخريجه.\n(٢) البيت لعبد العزيز بن زرارة الكلابي، كما في \"أدب الكاتب\" ١/ ٢٨٨، وهو من شواهد \"المقتضب\" ٣/ ٢٨٤، ومعنى سلسبيلًا: أي سهلًا لذيذًا سلسًا، ينظر: \"المفردات\" ص ٢٣٧.\n(٣) البيت وما بعده ساقط من (أ) و(م).\n(٤) البيت لعقبة أو لعقيبة الأسدي في: \"الإنصاف\" ٣٨٤، \"لسان العرب\" ٦/ ٣٤٩٦ (مادة: غمز).\n(٥) في (ي): (ولا الحديدا)، وفي (ش): (ولا الحديد).\n(٦) ساقط من (ي).\n(٧) \"معاني القرآن\" للأخفش ١/ ١٨٢، ورده الطبري في \"تفسيره\" ٣/ ٢٨، وذكر أبو حيان في \"البحر\" ٢/ ٢٩٠: أن الكاف قد تكون اسمًا على مذهب الأخفش، فتكون في موضع جر معطوفة على (الذي)، والتقدير: ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم، أو إلى مثل الذي مر على قرية، ومجيء الكاف اسمًا فاعلة ومبتدأة ومجرورة بحرف الجر ثابت في \"لسان العرب\"، وتأويلها بعيد، فالأولى هذا الوجه، وإنما عرض لهم الإشكال من حيث اعتقاد حرفية الكاف حملًا على مشهور مذهب البصريين.","vol":"4","page":379},{"text":"حسن (١).\nواختلفوا في الذي مَرَّ. فقال قتادة (٢) والربيع (٣) وعكرمة (٤) والضحاك (٥) والسدي (٦): هو عزير (٧).\nوقال وهب (٨) وعطاء عن ابن عباس (٩): هو أرميا؟ وهو الخضر. وقال مجاهد: هو رجل كافر (١٠) شك في البعث (١١).\nوقوله تعالى: ﴿عَلَى قَرْيَةٍ﴾ قال وهب (١٢) وعكرمة (١٣) وقتادة (١٤)\n_________\n(١) ينظر في إعراب الآية: \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ١٧٠، \"مشكل إعراب القرآن\" ١/ ١٣٨، \"التبيان\" ١٥٤، \"البحر المحيط\" ١/ ٢٩٠.\n(٢) رواه عنه الطبري في \"تفسيره\" ٣/ ٢٨، \" ابن أبي حاتم\" في تفسيره ٢/ ٥٠٠.\n(٣) رواه عنه الطبري في \"تفسيره\" ٣/ ٢٨، وذكره الثعلبي ٢/ ١٤٩٤، والقرطبي ٣/ ٢٨٩.\n(٤) رواه عنه الطبري في \"تفسيره\" ٣/ ٢٨، وذكره الثعلبي ٢/ ١٤٩٤، والبغوي في \"تفسيره\" ١/ ٣١٧.\n(٥) رواه عنه الطبري في \"تفسيره\" ٣/ ٢٨، وذكره الثعلبي ٢/ ١٤٩٥، والبغوي في \"تفسيره\" ١/ ٣١٧.\n(٦) رواه عنه الطبري في \"تفسيره\" ٣/ ٢٨، \"ابن أبي حاتم\" في تفسيره ٢/ ٥٠٠.\n(٧) وهذا الذي صححه أبو المظفر السمعاني في \"تفسيره\" ٢/ ٤٠٩، وقال ابن كثير ١/ ٣٣٧: وهذا القول هو المشهور.\n(٨) رواه عنه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ١/ ٩٩، والطبري في \"تفسيره\" ٣/ ٢٩، \"ابن أبي حاتم\" في تفسيره ٢/ ٥٠٢.\n(٩) ذكره البغوي في \"تفسيره\" ١/ ٣١٧، وابن الجوزي في \"تفسيره\" ١/ ٢٥٥.\n(١٠) ليست في (ي).\n(١١) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ١٤٩٦، وروى الطبري في \"تفسيره\" ٣/ ٤٠، وذكر ابن أبي حاتم ٢/ ٥٠٠ عن مجاهد: أنه رجل من بني إسرائيل.\n(١٢) رواه عنه الطبري في \"تفسيره\" ٣/ ٣٠، وذكره الثعلبي ٢/ ١٤٩٦.\n(١٣) انظر المصدرين السابقين.\n(١٤) انظر المصدرين السابقين.","vol":"4","page":380},{"text":"والربيع (١): إيليا، وهي بيت المقدس.\nوقال (٢) ابن زيد: هي القرية التي خرج منها الألوف حذر الموت (٣).\nوقوله تعالى: ﴿وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ قال أبو عبيد عن أبي زيد والكسائي: خَوَت الدار (٤) تَخْوِي خُوُيًّا، إذا خلت، قال الكسائي: ويجوز: خويت الدار (٥). الأصمعي: خَوَى البيتُ فهو يَخْوِي خَوَاءً، ممدود، إذا ما خلا من أهله (٦).\nوالخَوَى: خُلُوّ البطن من الطعام، وأصل معنى هذا الحرف: الخُلوّ. ومن هذا ما ورد في الحديث أن النبي - ﷺ - كان إذا سجد خَوَّى (٧) أي: أخلى ما بين عَضُدَيْهِ وجَنْبَيْهِ وبَطْنِهِ وفَخِذَيْه، وخَوَاءُ الفرس: ما بين قوائمه، وخَوَاءُ الأرض: بَرَاحُها (٨) قال أبو النَّجْم يصف فرسًا طويلًا:\nيَبْدُو خَوَاءُ الأرْضِ من خَوَائِه (٩)\n_________\n(١) رواه عنه الطبري في \"تفسيره\" ٣/ ٣٠، وذكره ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ١/ ٣٠٨ - ٣٠٩.\n(٢) في (أ) (قال).\n(٣) رواه عنه الطبري في \"تفسيره\" ٣/ ٣٠، وذكره ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ١/ ٣٠٩.\n(٤) في (ي) (الديار).\n(٥) نقله عنهما في \"تهذيب اللغة\" ١/ ١١٢٣ (مادة: خوى).\n(٦) نقله عنه في \"تهذيب اللغة\" ١/ ١١٢٣ (مادة: خوى)، وضبطت يخوي في نسخة (أ) بكسر الواو، وفي التهذيب بفتح الواو.\n(٧) رواه مسلم (٤٩٧) كتاب: الصلاة، باب: ما يجمع صفة الصلاة.\n(٨) من قوله: (وخواء). ساقط من (ي).\n(٩) ورد هذا الشطر منسوبا لأبي النجم في \"تهذيب اللغة\" ١/ ١١٢٢، \"اللسان\" ٣/ ١٢٩٦ (مادة: خوى).","vol":"4","page":381},{"text":"ثم يقال للبيت إذا سَقَطَ وتَهَدَّم: خوي؛ لأنه بِتَهَدُّمه يَخْلُو من أهله، وكذلك خَوَتِ النجوم وأَخْوَت: إذا سَقَطت ولم تمطر؛ لأنها خَلَتْ من المطر (١).\nوالعَرْشُ: سَقْفُ البيت، والعُرُوش: الأَبْنِيَة، والسُّقُوفُ من الخَشَب، يقال: عَرَشَ الرجلُ يَعْرِشُ ويَعْرُشُ، إذا بنى بناءً من خَشَبٍ (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ أي: متهدِّمة ساقطة خراب، قاله ابن عباس (٣) والربيع (٤) والضحاك (٥). ومعنى: ﴿عَلَى عُرُوشِهَا﴾ أي: حيطانها كانت قائمة، وقد تهدمت سقوفها ثم انقعرت (٦) الحيطان من قواعدها، فتساقطت على السقوف المتهدمة (٧). ومعنى الخاوية: بمعنى المنقعرة وهي المنقلعة من أصولها، يدلك على ذلك قوله تعالى: ﴿أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٧]. وقوله تعالى في موضع آخر: ﴿أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ [القمر: ٢٠] وهذه الصِّفَةُ في خراب المنازل من أبلغ ما يوصف به.\nقال الأزهري: وإنما قيل للمنقعر: خاو؛ لأن الحائط إذا انقلع خَوِي\n_________\n(١) ينظر في خوى: \"تهذيب اللغة\" ١/ ١١٢٢، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٤٩٧، \"المفردات\" ص ١٦٧، \"اللسان\" ٣/ ١٢٩٦ مادة (خوا).\n(٢) ينظر في عرش: \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٣٩١، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٤٩٧، \"المفردات\" ٣٣٢، \"لسان العرب\" ٥/ ٢٨٨١.\n(٣) رواه عنه الطبري في \"تفسيره\" ٣/ ٣١، وذكره في \"النكت والعيون\" ١/ ٣٣١.\n(٤) انظر المصدرين السابقين.\n(٥) رواه عنه الطبري في \"تفسيره\" ٣/ ٣١، \"ابن أبي حاتم\" في تفسيره ٢/ ٥٠٠، وذكره في \"النكت والعيون\" ١/ ٣٣١.\n(٦) في (ش) (انقرعت).\n(٧) ينظر: \"تفسير غريب القرآن\" ص ٨٥، \"تفسير الطبري\" ٣/ ٣١، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٤٩٨.","vol":"4","page":382},{"text":"مكانه، أي: خلا منه، فيقال: خَوِي البيت، أي: خلا عن الجدار، ثم يقال: خَوِي الحائط: إذا تهدّم (١).\nوقال بعضهم ﴿وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ أي: خالية عن عروشها لتهدمها، جعل (على) بمعنى عن كقوله: ﴿الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (٢)﴾ [المطففين: ٢] أي: عنهم.\nوقوله تعالى: ﴿أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ قال وهب: إن بُخْتَنَصّر دخل هو وجنوده بيت المقدس، وقتل بنى إسرائيل حتى أفناهم وسبى ذرارِيَهم، وخرب بيت المقدس، فلما رجع إلى بابل ومعه سبايا بني إسرائيل أقبل أَرْمِيا على حمار له، معه عصير عنب في زُكرة (٢) وسلة تين، حتى غشي إيليا، فلما وقف عليها ورأى خرابها قال: ﴿أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ (٣).\nومن قال: المار عزير، قال: هذا من قوله (٤).\nوفي قول مجاهد قوله: ﴿أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ يكون إنكارًا للبعث؛ لأنه جَعَل المارَّ كافرًا، وعلى قول غيره: لا يكون إنكارًا للبعث، ولكن تأويله: أنه أحب أن يزداد بصيرة في إيمانه، فقال: ليت شِعْرِي كيف يحيي الله الأموات (٥)؟ كما قال إبراهيم: ﴿أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾\n_________\n(١) ينظر: \"تهذيب اللغة\" ١/ ١١٢٢ (مادة: خوى).\n(٢) في (ش) (ركوة). والزُّكرة: وعاءٌ أو زِقٌ من أدم يجعل فيه شراب أو خلّ.\n(٣) حديث وهب ستأتي تتمته بعد قليل، فينظر تخريجه هناك.\n(٤) ينظر \"تفسير الطبري\" ٣٥/ ٣٥، \"تفسير ابن أبي حاتم\" في تفسيره ٢/ ٥٠١، \"بحر العلوم\" ١/ ٢٢٦، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٥٠٥.\n(٥) في (ي): (الموتى).","vol":"4","page":383},{"text":"[البقرة: ٢٦٠] والمراد بإحياء القرية: عمارتها (١).\nوقال آخرون: إنه لما رأى خلاءها (٢) من السكان وتهدم أبنيتها استبعد أن يعمرها الله، لا منكرًا للقدرة، ولكن متعجبًا منها لو كانت (٣).\nومعنى أنى: من أين، كقوله: ﴿أَنَّى لَكِ هَذَا﴾ [آل عمران: ٣٧] يعني: من أين يفعل الله ذلك، على معنى: أنه لا يفعله. فأحب الله تعالى أن يُرِيَه آيةً في نفسه، وفي إحياء القرية، فأماته الله مائةَ عَامٍ. قال وهبٌ: ربط أرميا حمارَه بحبل جديد، فألقى الله عليه النوم، فلما نام نزع الله منه الروحَ مائة عام، وأماتَ حماره، وعصيرُه وتِيْنُه عنده، وأعمى الله سبحانه عنه العيون، فلم يَرَهُ أحدٌ، وذلك ضُحَى، ومنع اللهُ السباعَ والطيرَ لحمَه، فلما مضى من موته سبعون سنة أرسل الله ﷿ مَلَكًا إلى ملك (٤) من ملوك فارس عظيم، يقال له: نوشك، فقال: إن الله ﷿ يأمرك أن تنفر بقومك فَتَعْمُر بيتَ المقدس وإيليا وأرضَها حتى تعودَ أَعْمَر ما كان، فانتدب الملك لعمارتها، وأهلك الله بُخْتَنَصّر، ورَدّ من بقي من بني إسرائيل إلى بيت المقدس، فعمروها ثلاثين سنة، وكثروا حتى كانوا على أحسن ما كانوا عليه، فلما مضت المائة أحيا الله منه عينيه، وسائرُ جسدِه ميت، ثم أحيا جسدَه وهو ينْظُر، ثم نظر إلى حماره فإذا عظامه بيض متفرقة (٥) تلوح، فسمع صوتًا من السماء: أيتها العظام البالية، إن الله يأمرك أن تكتسي\n_________\n(١) ينظر: \"تفسير الطبري\" ٣/ ٣٥، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٥٠٥.\n(٢) كتبت في (ي) و(ش) (خلاها)، وفي (أ) و(م): (حلآها).\n(٣) ينظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٣٤٢، \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٥٠٥، \"التبيان\" ص ١٥٥، \"البحر المحيط\" ٢/ ٢٩١.\n(٤) ساقط من (ي).\n(٥) في (ي): (متفرقة بيض).","vol":"4","page":384},{"text":"لحمًا وجلدًا، فكان كذلك، ثم قام بإذن الله تعالى ونهق، فذلك قوله: ﴿فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ﴾ (١).\nوقوله تعالى: ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتَ﴾ فيه وجهان من القراءة: الإدغام، والإظهار (٢).\nفمن أظهر فلتباين المخرجين، وذلك أن الظاءَ والذالَ والثاءَ من حَيِّز، والطاءَ والدالَ والتاءَ من حَيِّز، فلما تباين المخرجان واختلف الحَيِّزَان لم يُدْغِم.\nومن أدغم: أجراهما مجرى المثلين، من حيث اتفق الحرفان في أنهما من طرف اللسان وأصول الثنايا، واتفقا في الهمس، ورأى الذي بينهما من الاختلاف في المخرج خلافًا يسيرًا. فأدغم، أَجْراهما مجرى المِثْلين، ويقوي ذلك اتفاقُهم في الإدغام في سِتٍّ، ألا ترى أن الدالَ أُلْزِمَتْ الإدغامَ في مقَارِبِهِ وإن اخْتَلَفَا في الجَهْرِ والهَمْس (٣).\n_________\n(١) حديث منبه هذا، رواه الطبري في \"تفسيره\" في \"تفسيره\" ٣/ ٣٢، وفي \"تاريخ الرسل والملوك\" ١/ ٥٤٨، وذكره الثعلبي بطوله ٢/ ١٤٩٨ - ١٥٠٨، وذكره ابن كثير في \"قصص الأنبياء\" ٢/ ٣٢٠.\n(٢) قرأ ابن كثير ونافع وعاصم في كل القرآن بإظهار الثاء هنا، وفي مثله، كقوله: \"لبثتم\" [الكهف ١٩] [المؤمنون ١١٢] وقرأ أبو عمرو وابن عامر وحمزة والكسائي بالإدغام. ينظر \"السبعة\" ص ١٨٨، \"الحجة\" ٢/ ٣٦٧.\n(٣) من \"الحجة\" ٢/ ٣٦٧ - ٣٦٨ بتصرف. والجهر في اصطلاح المجودين: قوة التصويت بالحرف لقوة الاعتماد عليه في المخرج حتى منع جريان النفس معه، والهمس هو: ضعيف التصويت بالحرف لضعف الاعتماد عليه في المخرج حتى النفس معه، وحروفه مجموعة في قولك (فحثه شخص سكت) والباقي حروف الجهر. ينظر \"هداية القاري\" ١/ ٧٩.","vol":"4","page":385},{"text":"(وكم) ههنا: استفهام عن مبلغ العدد الذي لبث، ومعناه: كم أقمت ومكثت هاهنا؟ (١).\nقال: ﴿لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾، وذلك أن الله ﷿ أماته ضحى في أول النهار؟ وأحياه بعد مائة عام في آخر النهار قبل غيبوبة الشمس، فقال: ﴿لَبِثْتُ يَوْمًا﴾ وهو يرى أن الشمس قد غربت، ثم التفت فرأى بقيةً من الشمس، فقال: أو بعض يوم، جاء (٢) بمعنى: بل بعض يوم؛ لأنه رجعَ عن قوله: ﴿لَبِثْتُ يَوْمًا﴾ (٣).\n﴿قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ﴾. العام (٤) -وجمعه أعوام-: حولٌ يأتي على شتوة وصيفة، قيل: إن أصله من العوم، الذي هو السِّباحة؛ لأن فيه سَبْحًا طويلًا لما يمكن من التصرف فيه (٥).\n﴿فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ﴾ يعني: التين ﴿وَشَرَابِكَ﴾ يعني: العصير (٦).\n﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء: لم يتغير ولم ينتن بعد\n_________\n(١) \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٥٠٨.\n(٢) ليست في (ي).\n(٣) \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٥٠٩، وينظر: \"تفسير الطبري\" ٣/ ٣٥، \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٣٤٣.\n(٤) في (ي) (والعام).\n(٥) ينظر في العام: \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٢٩٠، \"المفردات\" ٣٥٦، وقال: العام كالسنة، لكن كثيرًا ما تستعمل السنة في الحول الذي يكون فيه الشدة أو الجدب، ولهذا يعمر عن الجدب بالسنة، والعام بما فيه الرخاء والخِصب، قال: \"عام فيه يغاث الناس وفيه يحصرون\" [يوسف: ٤٩] ثم قال: وقيل سمي السنة عاما لعوم الشمس في جميع بروجها.\n(٦) \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٥٠٩.","vol":"4","page":386},{"text":"مائة سنة (١).\nوقال أبو عبيدة: لم يأت عليها السنون فيتغير، يريد: أن مر السنين عليه لم يغيره.\nوفيه قراءتان: إحداهما: إثبات الهاء في الوصل، والأخرى: حذفها، ولا اختلاف في إثباتها في الوقف (٢). وأصل هذا الحرف، من السنه، والسَّنه مترددة (٣) بين أصلين: أحدهما: سَنَوَة، والآخر: سَنَهَة (٤)، فالذي يدل على أن أصلها سنوة، قولهم في الاشتقاق منها: أَسْنَتَ القومُ، إذا أصابتهم السَّنَةُ، وينشد قوله:\nورِجَالَ مَكَّةَ مُسْنِتُون عِجَافُ (٥)\n_________\n(١) رواه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٢/ ٥٠٣ من طريق عكرمة، وذكره في \"زاد المسير\" ١/ ٣١١.\n(٢) قال ابن مجاهد: واختلفوا في إثبات الهاء في الوصل من قوله ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ و﴿اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠]، و﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ (٢٨) هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ [الحاقة:٢٨ - ٢٩] و﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ﴾ [القارعة: ١٠] وإسكانها في الوصل، ولم يختلفوا في إثباتها في الوقف. فقرأ ابن كثير ونافع وعاصم وأبو عمرو وابن عامر هذه الحروف كلها بإثبات الهاء في الوصل، وكان حمزة يحذفهن في الوصل، وكان الكسائي يحذف الهاء في الوصل من قوله (لم يتسنه) و(اقتده) ويثبت الهاء في الوصل والوقف في الباقي، وكلهم يقف على الهاء، ولم يختلفوا في ﴿يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٥] أنهما بالهاء في الوصل والوقف. \"السبعة\" ص ١٨٨ - ١٨٩.\n(٣) في (ي): (مرددة).\n(٤) ينظر: \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٥١٠، \"الحجة\" ٢/ ٣٧٤.\n(٥) شطره الأول:\nعمرو العلا هشم الثريد لقومه.\nالبيت لابن الزبعرى، كما قال ابن بري. ذكره: في \"تاريخ الطبري\" في \"تفسيره\" ١/ ٥٠٤، \"صبح الأعشى\" ١/ ٤١٢، \"المنتظم\" ٢/ ٢١٠، \"الاشتقاق\" ص ١٣ وفيه نسبته إلى مطرود بن كعب الخزاعي.","vol":"4","page":387},{"text":"وقولهم في جمعها: سَنَوات، وفي الفعل منها: سَانَيْتُ الرجل مُسَانَاةً، إذا عامَلْتَه سَنَةً سَنَةً، قال لبيد:\nوسَانَيْتُ مِن ذِي بَهْجَةٍ وَرَقْيتُه ... عليه السُّموط عابِسٍ مُتَعصِّب (١)\nيقال: سَانَيْتُ الرجلَ أي: رَاضَيْتُهُ وأَحْسَنْتُ مُعَاشَرَتَه، ومعناه: عَامَلْتُه مُعَاملةَ من كأنه يريد صحبةَ السنين؛ لأن طولَ الصحبة بحسن (٢) العشرة، وقولهم في التصغير: سُنَيه، فمن حذف الهاء أخذه من التَّسَنِّي، بمعنى التغير من السنه، على أن أصلها سنوة، فيكون المعنى: فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتغير لما أتى عليه من طول الأيام، ألا ترى أن تطاول الأيام على العصير يُغَيِّرُهُ خَمْرًا أو خَلّا (٣).\nوعند الفراء: يجوز أن تكون أصل سنة: سننه (٤)، قال: لأنهم قد قالوا في تصغيرها: سُنَيْنَة، وإن كان ذلك قليلًا، فعلى هذا يجوز أن يكون: لم يَتَسَنَّ، لم يَتَسَنَّنْ، فَبُدِّلَتِ النونُ ياءً لما كثرت النونات، كما قالوا: تَظَنَّيْت (٥)، وكقول العجاج:\nتَقَضِّيَ البَازِي إذا البَازِي كَسَرْ (٦)\n_________\n(١) البيت في \"لسان العرب\" ٤/ ٢١٣٠ (سنا) وفيه: عليه السموط عائصٍ متعصب، وأنشد الجوهري هذا البيت: عابس متعصب.\n(٢) في (ش): (تحسن)، وفي (م): (يحسن).\n(٣) ينظر: \"الإغفال\" لأبي علي ص ٥٤٣، \"الحجة\" ٢/ ٤٧٤ - ٤٧٥، \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٤٤٣، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٥١٠.\n(٤) في (أ) كأنها (سنينه).\n(٥) ينظر: \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ١٧٢، \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٧٨١ (مادة: سنن) \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٥١١. وتظنيت من ظننت.\n(٦) هذه قطعة من مشطور الرجز، للعجاج، وقبله: =","vol":"4","page":388},{"text":"ووجه آخر لمن حذف الهاء ذكره الفراء (١) وأبو عمرو الشيباني (٢) (٣) وهو: أن يكون مأخوذًا من قوله تعالى: ﴿مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ [الحجر: ٢٦] يريد: متغير، فيكون قد بُدِّلَتْ نُونُه ياءً على ما ذكرنا (٤).\nواعترض الزجاج على هذا، وقال: هذا ليس من ذاك (٥)؛ لأن مسنون إنما هو مصبوب على سُنَّةِ الطريق (٦).\nقال أبو علي الفارسي: قد حكي عن أبي عمرو الشيباني أنه قال (٧): لم يتسن: لم يتغير من قوله: ﴿مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ [الحجر: ٢٦] وأبدل من النون ياءً فإن كان هذا ثابتًا (٨) عن أبي عمرو وقاله على (٩) جهة الاستنباط من قوله: ﴿مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ فهو خلاف ما فسره أبو عبيدة، لأنه يقول:\n_________\n= داني جناحيه من الطور فمر\n\"ديوانه\" ص ١٧، \"تفسير الطبري\" ١/ ٣٢٤، \"الإغفال\" ٥٤١، \"المحتسب\" ١/ ١٥٧، \"سمط اللآلي\" ٢/ ٧١٠، \"شرح ابن يعيش\" ١٠/ ٢٥، \"اللسان\" (قضض، ضبر) وتقضي: بمعنى: انقض وتقضض على التحويل، وكسر الطائر يكسر كسرًا وكسورًا، إذا ضم جناحيه حتى ينقض.\n(١) \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ١٧٢ - ١٧٣.\n(٢) ينظر. \"غريب القرآن\" لابن قتيبة ص ٨٥، \"معاني القرآن\" للنحاس ١/ ٢٨٠.\n(٣) سبق ترجمته.\n(٤) ينظر: \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ١٧٢، \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٣٤٣، \"تهذيب اللغة\" ١/ ٩١٢ مادة \"حمأ\"، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٥١٠.\n(٥) في (ش): (ذلك.)\n(٦) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٣٤٤.\n(٧) سقطت من (ي).\n(٨) كتبت في النسخ (ثبتًا).\n(٩) في (ي): (عن).","vol":"4","page":389},{"text":"المسنون: المصبوب (١)، وإن قال ذلك (٢) من حيث رواه وسمعه، فذاك على أنه يجوز أن يكون قوله: (لم يتسن) ﴿مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ بمعنى مصبوب، فيكون (لم يتسن) بمعنى: لم يَتَصَبَّبْ، أي: أن الشراب على حاله وكما تركته لم يَتَصَبَّبْ، وقد أتى عليه مائة عام، والسَّنُّ في اللغة: هو الصَّبُّ وإن لم يكن على سُنَّةِ الطَّريق، قال:\nتُضَمَّرُ بالأصائلِ كلَّ يَوْمٍ ... تُسَنُّ عَلَى سَنَابِكِها قُرُون (٣)\nأي: تُصَب عليها دُفَعٌ من العرق (٤).\nفعلى ما ذكرنا من هذه الأوجه الهاء تكون للوقف، فينبغي أن تُلْحَقَ في الوقف، وتسقط في الدَّرْج. وأما من أثبت الهاء في الوصل فإنه يجعل اللام في السنة الهاء (٥)، فيقول: إنها في الأصل سَنَهَة، وتصغيرها سُنَيْهَة، ويحتج بقولهم: سَانَهَتِ النخلةُ، بمعنى: عَاوَمَتْ، وآجَرْتُ الدارَ مُسَانهة، وأنشد الفراء:\n_________\n(١) \"مجاز القرآن\" ١/ ٣٥١.\n(٢) في (أ): (ذاك).\n(٣) البيت من الوافر، وهو لزهير بن أبي سلمى، في \"ديوانه\" ص ١٨٧، \"لسان العرب\" ٤/ ٢١٢٥ مادة: (سنن). (وقرن) ٦/ ٣٦٠٩، \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٧٨٠ (سنن) وروايته:\nنعوِدها الطِّراد فكلَّ يومٍ ... يُسَنُّ على سنابِكها القُرونُ\n(٤) ما تقدم من كلام أبي علي في \"الإغفال\" ص ٥٤٥ بتصرف، وينظر: \"الحجة\" ٢/ ٣٧٤، \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٧٨٠، وقد وردت (رفع العرق) هكذا في \"تهذيب اللغة\"، وفي \"الإغفال\": يعني وقع العرق الذي يتصبب عليها في الحضر.\n(٥) ينظر: \"الحجة\" ٢/ ٣٧٤ - ٣٧٦.","vol":"4","page":390},{"text":"ليْسَتْ بِسَنْهَاءَ ولا رُجْبِيَّةٍ ... ولكن عَرَايَا في السِّنين الجَوَائِحِ (١)\nويكون التَّسَنُّهُ بمعنى التغير، فعلى هذا من وقف بالهاء وقف على لام الفعل، وإذا وصل بالهاء كان بمنزلة: لم يَتَّقهِ زيد، ولم يجبهُ عمرو (٢).\nقال الأزهري: وأحسن الأقاويل في السنة: أن أصلها سَنَهَة، نَقَصُوا الهاء منها كما نقصوها من الشَّفَة، ولأن الهاء ضاهت حروف اللين التي تنقص. والوجه: أن يُقْرَأ بالهاء في الوقف والإِدراج (٣)، وهو اختيار أكثر القراء.\n_________\n(١) البيت لسويد بن الصامت الأنصاري، ورد منسوبًا إليه في \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ١٧٣، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٥١٢، السجستاني ٨٨، ٩٣، \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٧٨٢ (سه) وروايتها: وليست. وفي \"اللسان\" ٣/ ١٥٨٤ مادة: رجب، ٣/ ١٥٨٤ مادة: قرح، ٢/ ٧١٩ مادة: جوح، ٤/ ٢١٢٨ مادة: سنه، وأورده أبو عبيد بن سلام في \"غريب الحديث\" ١/ ٢٣١، ٤/ ١٥٤، وابن فارس في \"معجم المقاييس\" ٤/ ٢٩٩، ونسباه لشاعر الأنصار دون تصريح. والشاعر يصف نخله بالجودة، وأنها ليس فيها سنهاء، وهي التي تحمل عامًا وتحيل عامًا، وقيل: القديمة، وقيل: التي أصابتها السِّنة، أي: أخَّر بها الجدب، والرُّجْبِيّة: التي يبنى تحتها لضعفها أو لطولها وكثرة حملها، والعرايا: جمع عرية التي يوهب ثمرها، والجوائح: السنون الشداد.\n(٢) ينظر: \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ١٧٢، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٥١١، \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٧٨١ (مادة: سنن).\n(٣) من \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٧٨١ - ١٧٨٢ (سنه) بمعناه، ولفظه. وأجود ما قيل في تصغير السنة: سُنيهة، على أن الأصل سنْهَة، كما قالوا: الشفة، أصلها: شفهة، فحذفت الهاء منهما في الوصل ونقصوا الهاء من السنة والشفة؛ لأن الهاء مضاهية حروف اللين التي تنقص في الأسماء الناقصة، مثل زنة وثبة وعِزة وعِضة، وما شاكلها، والوجه في القراءة (لم يتسنه) بإثبات الهاء في الإدراج والوقف، وهو اختيار أبي عمرو. والله أعلم.","vol":"4","page":391},{"text":"قال ابن عباس في تفسير هذه الآية: إنه نظر إلى التين فإذا هو كما اجتناه، ونظر إلى العصير فإذا هو كهيئته لم يتغير (١). فإن قيل: ذكر شيئين وأخبر عن أحدهما أنه لم يتغير؟ قيل: التَّغَيُّرُ راجعٌ إلى أقرب اللفظين، وهو الشراب، واكتفى بالخبر عن أحدهما عن الخبر عن الثاني؛ لأنه في معنى الثاني، كما قال الشاعر:\nعِقَابٌ عَقَنْبَاة (٢) كأنَّ وَظِيفَها ... وخُرطُومَها الأعْلَى بنانٌ مُلوّح (٣)\nذكر الوظيف والخرطوم، وأخبر عن أحدهما، ويدل على صحة هذا التأويل: قراءة ابن مسعود (٤) فانظر إلى طعامك، وهذا شرابك لم يتسن (٥).\nوقوله تعالى: ﴿وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ﴾ وذلك أنه لما أحياه الله وقال له: ﴿بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ﴾ وأراه طعامه غير متغير، وكذلك شرابه، وأراه علامة مكثه مائة سنة ببلى عظام حماره، فقال: ﴿وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ﴾ (٦) فرأى حماره ميتًا عظامُهُ بيضٌ تلوح، فأذن الله ﷿ له في الحياة، فاجتمعت أعضاؤه وانتظمت، حتى عاد إلى حالة الحياة، وجاءه فوقف عند رأسه ينهق.\n_________\n(١) ذكره في \"الوسيط\" ١/ ٣٧٣.\n(٢) في (أ) و(م) و(ي): (عقبناه)، وما أتبت موافق لما في \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٥١٣، \"لسان العرب\" ٧/ ٤٠٩٥ (مادة: لوح).\n(٣) البيت من الطويل، وهو لجران العود في \"ديوانه\" ص ٤: \"لسان العرب\" ٧/ ٤٠٩٥ مادة: (لوح)، وللطرماح في ملحق \"ديوانه\" ص ٥٦٥، \"لسان العرب\" ٥/ ٣٠٥٢ مادة: (عقنب). وقوله (عقاب عقبناه) على سبيل المبالغة: حديدة المخالب السريعة الخطبة، وظيفتها: عظم ساقها، والخرطوم: منقار الطائر.\n(٤) ينظر: \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٥١٣، \"تفسير القرطبي\" ٣/ \"البحر المحيط\" ٢/ ٢٩٢.\n(٥) من \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٥١٢.\n(٦) من قوله: (وذلك أنه لما). ساقط من (ي).","vol":"4","page":392},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ﴾ قال بعضهم: هذه الواو مقحمة زائدة، والجالب للام في نجعلك (لبثت)، كأنه قال: بل لبثت مائة عام لنجعلك آية للناس (١) ﴿فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ﴾ على هذا تقدير الآية ونظمها، وإقحام الواو جائز عند بعض الكوفيين، أجازوا ذلك في مواضع من التنزيل، سنذكرها إن شاء الله.\nوقال الفراء: دخلت الواو لنية فعل بعدها مضمر (٢)، لأنه لو قال: لنجعلك، كان شرطًا للفعل الذي قبله، كأنه قيل: ولنجعلك آية للناس فعلنا ذلك، يعني: ما فعله من الإماتة والإحياء، ومثله قوله: ﴿وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ﴾ [الأنعام: ١٠٥] معناه: وليقولوا دارست صرّفْناها، ومثله ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ [الأنعام: ٧٥] أراد: وليكون من الموقنين نريه الملكوت (٣).\nومعنى كونه آية للناس: أنه لما أحيي بعد الإماتة كان ذلك دلالة على البعث بعد الموت في قول أكثر المفسرين (٤). وقال الضحاك وغيره: جعله الله آية للناس بأن بعثه شابًا أسودَ الرأس واللحيةِ وبنو بنيه شيب (٥).\n_________\n(١) من قوله: (كأنه قال). سقطت من (أ) و(م).\n(٢) \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ١٧٣.\n(٣) ينظر في إعراب الآية: \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٥٢٠، \"التبيان\" ١/ ١٥٥ - ١٥٦، \"البحر المحيط\" ٢/ ٢٩٣.\n(٤) \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٥٢١.\n(٥) نقله عن الضحاك: الثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ١٥٢١، والبغوي في \"تفسيره\" ١/ ٣٢٠، وروى سفيان الثوري في \"تفسيره\" ص ٧٢ نحوه عن المنهال بن عمرو، وروى=","vol":"4","page":393},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ﴾ أكثر المفسرين على أن المراد بالعظام عظام حماره، وأن اللام فيه بدل عن الكناية (١).\nوقال آخرون: أراد به عظام هذا الرجل نفسه، وذلك أن الله تعالى لم يمت حماره وأحيا الله عينيه ورأسَه، وسائرُ جسده ميت، ثم قال له: انظر إلى حمارك، فنظر فرأى حماره واقفًا كهيئة يوم ربطه حيًّا، لم يطعم ولم يشرب مائة عام، وتقدير الآية على هذا: وانظر إلى عظامك كيف ننشرها، واللام في هذا القول بدل عن كاف الخطاب، وهذا قولُ قتادة (٢) والربيع (٣) وابن زيد (٤). وقال عطاء عن ابن عباس: يريد عظام نفسه وعظام حماره (٥).\nوقوله تعالى: ﴿كَيْفَ نُنْشِزُهَا﴾ (٦) أي: نحييها، يقال: أنشر الله الميت فنشر، قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ﴾ [عبس: ٢٢]، وقال الأعشى:\n_________\n= الطبري في \"تفسيره\" ٣/ ٤٢ عن الأعمش نحوه، وروى ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٢/ ٥٠٥ عن عكرمة نحوه.\n(١) ينظر: \"تفسير الطبري\" ٣/ ٤٠، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٥١٩، \"النكت والعيون\" ١/ ٣٣٣، \"زاد المسير\" ١/ ٣١٢.\n(٢) رواه عنه الطبري في \"تفسيره\" ٣/ ٤٤، وذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ١٥٢٠.\n(٣) انظر المصدرين السابقين.\n(٤) انظر المصدرين السابقين.\n(٥) تقدم الحديث عن هذه الرواية في قسم الدراسة.\n(٦) قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو (نُنْشِرها) بضم النون الأولى وبالراء، وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي (ننشزها) بالزاي، لمحال ابن مجاهد: وروى أبان عن عاصم (كيف نَنْشُرها) بفتح النون الأولى وضم الشين والراء مثل قراءة الحسن. ينظر: \"السبعة\" ص ١٨٩، \"الحجة\" ٢/ ٣٧٩.","vol":"4","page":394},{"text":"يا عَجَبًا للمَيتِ الناشِرِ (١)\nوقد وصفت العظام بالإحياء في قوله: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا﴾ [يس:٧٨ - ٧٩] فكذلك في قوله: ننشرها (٢).\nوقرئ (نَنْشُرُها) (٣) بفتح النون وضم الشين، قال الفراء: كأنه ذهب إلى النَّشْر بعد الطي (٤)، وذلك أن بالحياة يكون الانبساط (٥) في التصرف، فهو كأنه مطوي ما دام ميتًا، فإذا عاد حيًا صار كأنه نُشر بعد الطي.\nوقال آخرون: يقال: نَشَر الميتُ ونَشَره اللهُ، مثل: حَسَرَتِ الدابةُ، وحَسَرْتُها أنا، وغاض الماء وغِضْتُه، قال العجاج:\nكم قد حَسَرْنا من عَلاةٍ عَنْسِ (٦) (٧) (٨)\n_________\n(١) صدر البيت:\nحتى يقول الناس مما رأوا\nوالبيت في \"ديوانه\" ص ٩٣، \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ١٧٣، \"الخصائص\" ٣/ ٢٢٥، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٥١٨، والناشر: الذي بعث من قبره. \"البحر المحيط\" ٢/ ٢٩٧.\n(٢) ينظر: \"الحجة\" ٢/ ٣٧٩ - ٣٨٠، \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٥٧٢ مادة \"نشر\"، \"غريب القرآن\" ص ٨٥.\n(٣) قرأ بها الحسن والمفضل. ينظر \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ١٧٣، \"غريب القرآن\" ص ٨٥، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٥١٨.\n(٤) \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ١٧٣.\n(٥) في (ش): (الانتشاط).\n(٦) في (ش) و(ي): (عبس).\n(٧) رجز أورده في \"الحجة للقراء السبعة\" ٢/ ٣٨١، وصاحب \"اللسان\" ٥/ ٣١٢٩ (مادة: عنس)، ولم ينسباه، والعَنْس: الصخرة والناقة القوية، شبهت بالصخرة لصلابتها، والعلاة: السندان، ويقال للناقة علاة تُشَبَّه بها في صلابتها.\n(٨) بتصرف من \"الحجة\" ٢/ ٣٨١، وينظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٣٤٤، \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٥٧٢ مادة \"نشز\"، \"المفردات\" ص ٤٩٥.","vol":"4","page":395},{"text":"وقرأ حمزة والكسائي نُنْشِزُها بالزاي على معنى: نرفع بعضها إلى (١) بعض، وإنشاز الشيء: رَفْعُه، يقال: أَنْشَزْتُه فَنَشَزْ، أي: رفعته فارتفع، ويقال لما ارتفع من الأرض: نَشْزٌ، ومنه: نشوز المرأة، وهو أن تنبو عن الزوج في العشرة ولا تلائمه، وترتفع عن حد رضاه (٢).\nومعنى الآية على هذه القراءة: كيف نرفعها من الأرض فنردها إلى أماكنها من الجسد، ونركب بعضها على بعض (٣).\nوقال الأخفش: يقال: نَشَزْتُه وأَنْشَزْتُه، أي: رفعته (٤).\nوروي عن النخعي أنه كان يقرأ (نَنَشُزُها) بفتح النون وضم الشين والزاي (٥).\nوقوله تعالى: ﴿قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ وذلك أنه لما شهد ما شاهد من إحياء الله وبعثه إياه بعد وفاته، أخبر عما تبيّنه وتيقنه مما لم يكن تبيّنه هذا التبيُّنَ الذي لا يجوز أن يعترض فيه إشكال، ﴿قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. أي: أعلم هذا الضرب من العلم الذي لم أكن علمته قبل، وتأويله: أني قد علمت مشاهدة ما كنت أعلمه غيبًا (٦) (٧).\n_________\n(١) في (ي): (على).\n(٢) ينظر: \"الحجة\" ٢/ ٣٨١ - ٣٨٢، \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٥٧٢ (مادة: نشز)، \"المفردات\" ص ٤٩٥.\n(٣) \"غريب القرآن\" ص ٩٥، \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٣٤٤، \"المفردات\" ص ٤٩٥.\n(٤) \"معاني القرآن\" للأخفش ١/ ١٨٣.\n(٥) ينظر: \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٥١٨، و\"تفسير القرطبي\" ٣/ ١٨٨، \"البحر المحيط\" ٢/ ٢٩٣.\n(٦) سقطت من (ي).","vol":"4","page":396},{"text":"وقرأ حمزة والكسائي (١): (قال اعلمْ) موصولًا مجزومًا على لفظ الأمر، وذلك أنه لما تبين له ما تبين نَزَّلَ نفسه منزلة غيره، فخاطبها كما يخاطِبُ سِواها، وهذا مما تفعله العرب، يُنزّل أحدهم نفسه منزلة الأجنبي، فيخاطبها كما يخاطبه، ويجري التخاطب بينهما كما يجري بين الأجنبيين، قال الأعشى:\nوَدِّع هُرَيْرَةَ إنّ الرَّكْبَ مُرْتَحِلُ (٢)\nخاطب نفسه كما يخاطب غيره، كذلك (٣) قوله لنفسه: ﴿أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ نزله منزلة الأجنبي المنفصل منه؛ لينبهه على ما تبين له (٤) (٥).\nويجوز أن يكون الله تعالى قال له: ﴿أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، يدل على صحة هذا التأويل قراءة عبد الله والأعمش: قيل: اعلم (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-477>٢٦٠ </span>- قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾ الآية. العامل في (إذ) عند الزجاج اذكر، كأنه قيل: واذكر هذه القصة (٧)، وعند غيره: كأنه قيل: ألم تر إذ قال إبراهيم، عطف على ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي\n_________\n(١) وقرأ الباقون (أعلمُ). ينظر: \"السبعة\" ص١٨٩، \"الحجة\" ٢/ ٣٨٣.\n(٢) عجزالبيت:\nوهل تطيق وداعًا أيُها الرَّجُلُ\nوهو في \"ديوانه\" ص١٥٥، \"الحجة\" لأبي علي ٢/ ٣٨٤ \"لسان العرب\" ٢/ ٧١٥ \"جهم\".\n(٣) في (ي): (وكذلك).\n(٤) سقطت من (ي).\n(٥) من \"الحجة\" ٢/ ٣٨٣ - ٣٨٤ بتصرف.\n(٦) ينظر: \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٥٢٧، \"التبيان\" ص ١٥٧، \"البحر المحيط\" ٢/ ٢٩٦.\n(٧) \"معاني القرآن\" ١/ ٣٤٥، وينظر \"مشكل إعراب القرآن\" ١/ ١٣٨، \"التبيان\" ص ١٥٧.","vol":"4","page":397},{"text":"حَاجَّ﴾ (١).\nواختلفوا في سبب سؤاله إحياء الميت، والأكثرون على أنه رأى جيفة بساحل البحر، يتناوله السباع والطير ودوابّ البحر، ففكر كيف يجتمع ما قد تفرّق من تلك (٢) الجيفة، وتطلعت نفسه إلى مشاهدة ميت يحييه ربه، ولم يكن شاكًّا في إحياء الله تعالى الموتى، ولا دافعًا له، ولكنه أحب أن يرى ذلك كما أن المؤمنين يحبون أن يروا محمدًا - ﷺ - والجنة، ويحبون رؤية الله تعالى، مع الإيمان بذلك وزوال الشك، فكذلك أحب إبراهيم أن يصير الخبر له عيانًا (٣)، وهذا معنى قول الحسن (٤) والضحاك (٥) وقتادة (٦).\nوقال ابن عباس (٧) والسدي (٨) وسعيد بن جبير (٩): إن ملك الموت\n_________\n(١) ينظر: \"البحر المحيط\" ٢/ ٢٩٧، وقال: والذي يظهر أن العامل في (إذ) قوله: (قال أو لم تؤمن).\n(٢) سقطت من (م).\n(٣) ينظر: \"تفسير الطبري\" ٣/ ٤٧، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٥٣١، \"المحرر الوجيز\" ٢/ ٤١٦.\n(٤) قول الحسن، عزاه الحافظ في \"العجاب\" ١/ ٦١٧ إلى عبد بن حميد، وعزاه السيوطي في الدر ١/ ٥٩٤ إلى البيهقي في \"الشعب\"، وذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ١٥٣١، والبغوي في \"تفسيره\" ١/ ٣٢٢، وابن الجوزي في \"تفسيره\" ١/ ٣١٣.\n(٥) رواه عنه الطبري في \"تفسيره\" ٣/ ٤٧، \"ابن أبي حاتم\" في تفسيره ٢/ ٥٠٧، وينظر \"زاد المسير\" ١/ ٣١٣.\n(٦) رواه عنه الطبري ٣/ ٤٧، وذكره الثعلبى ٢/ ١٥٣٠، والبغوي ١/ ٣٢٢، وابن الجوزي في \"تفسيره\" ١/ ٣١٣.\n(٧) رواه الطبري في \"تفسيره\" ٣/ ٤٩، \"ابن أبي حاتم\" في تفسيره ٢/ ٥٠٩، والبيهقي في \"الأسماء والصفات\" ٢/ ٤٨٧.\n(٨) رواه عنه الطبري ٣/ ٤٨، \"ابن أبي حاتم\" في تفسيره ١/ ٥٠٨، وينظر \"زاد المسير\" ١/ ٣١٣.\n(٩) رواه سعيد بن منصور ٣/ ٩٧٣، والطبري فى \"تفسيره\" ٣/ ٤٩ بمعناه، \"ابن أبي حاتم\" ٢/ ٥١٠.","vol":"4","page":398},{"text":"استأذن ربه أن يأتي إبراهيم فيبشره أن الله تعالى اتخذه خليلا، فأذن له فأتاه وبشَّره بذلك، فحمد الله ﷿، وقال: ما علامة ذلك؟ قال: أن يجيب الله دعاك وتحيي الموتى بسؤالك، فقال إبراهيم ﵇: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾. قال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى﴾. والألف فيه ألف إيجاب، كقول جرير:\nألَسْتُم خَيْرَ مَنْ رَكِبَ المَطَايَا (١)\nيعني: أنتم كذلك (٢).\n﴿قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ بأن أنال ما قد تَمَنَّيْتُه، وأحببت رؤيته، واشتهيت مشاهدته. وقال الحسن (٣) وقتادة (٤)، أي: بزيادة اليقين والحجة، وعلى قول ابن عباس بحقيقة الخلة وإجابة الدعوة، ويدل على هذا: ما روى الضحاك عن ابن عباس في قوله: ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ قال معناه: لكن لأرى من آياتك وأعلم أنك قد أجبتني (٥) (٦).\nوروى الوالبي عنه: لكن لأعلم أنك تُجِيبُني إذا دعوتك، وتعطيني إذا سألتك (٧).\nوعن سعيد بن جبير قال معناه: ولكن ليزداد قلبي إيمانًا (٨).\n_________\n(١) البيت في \"ديوانه\" ص ٨٥.\n(٢) \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٥٤٠.\n(٣) ذكره عنه ابن أبي حاتم ٢/ ٥١٠، وابن الجوزي ١/ ٣١٣.\n(٤) رواه عنه الطبري في \"تفسيره\" ٣/ ٥٠، وينظر \"المحرر الوجيز\" ٢/ ٤٢٠.\n(٥) في (ش) و(م): (أحببتني).\n(٦) رواه الطبري في \"تفسيره\" ٣/ ٥١، وذكره ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٢/ ٥٠٩.\n(٧) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٣/ ٥١، وذكره في \"زاد المسير\" ١/ ٣١٣.\n(٨) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٣/ ٥٠ - ٥١، وذكره في \"زاد المسير\" ١/ ٣١٣.","vol":"4","page":399},{"text":"وقال الأزهري: أي: يسكن إلى المعاينة بعد الإيمان بالغيب. ويقال: طامن ظهره: إذا حنى ظهره، بغير همزة، والهمزة التي في (اطمأن) ليست بأصلية أدخلت فيها حذار الجمع بين الساكنين (١).\nقال الله تعالى: ﴿فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ﴾ قال ابن عباس: أخذ طاوسًا ونَسْرًا وغرابًا وديكًا (٢)، وفي قول مجاهد (٣) وابن إسحاق (٤) وابن زيد (٥): حمامةً بدل النسر (٦).\nوقوله تعالى: ﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾ قال أكثر أهل اللغة والتفسير (٧): معناه: مِلْهُنَّ إليك، يعني: وَجِّهْهُنَّ إليك وادْعُهُنَّ واضممهن، قاله عطاء (٨) وابن زيد (٩).\n_________\n(١) \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٢٢٠ - ٢٢٢١ (مادة: طمن).\n(٢) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ١٥٤١، والبغوي في \"تفسيره\" ١/ ٣٢٣، \"زاد المسير\" ١/ ٣١٤.\n(٣) رواه الطبري في \"تفسيره\" ٣/ ٥١، \"ابن أبي حاتم\" في تفسيره ٢/ ٥١٠، وذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ١٥٤١، والبغوي في \"تفسيره\" ١/ ٣٢٣.\n(٤) رواه الطبري في \"تفسيره\" ٣/ ٥١، وذكره في \"المحرر الوجيز\" ٢/ ٤٢٠.\n(٥) رواه عنه الطبري في \"تفسيره\" ٣/ ٥١، وذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ١٥٤١.\n(٦) ذكر ابن كثير في \"تفسيره\" ١/ ٣٣٨ بأنه لا طائل تحت تعيينها؛ إذ لو كان في ذلك مهم لنص عليه القرآن.\n(٧) ينظر: \"غريب القرآن\" ص ٨٦، \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٣٤٥ - ٣٤٦، وعزاه لأكثر أهل اللغة. \"تهذيب اللغة\" ٢/ ٢٠٠٢ - ٢٠٥٤ (مادة: طمن)، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٥٤٤، \"المفردات\" ٢٩٢ - ٢٩٣.\n(٨) رواه عنه الطبري في \"تفسيره\" ٣/ ٥٦، \"ابن أبي حاتم\" في تفسيره ٢/ ٥١٢، وذكره في \"النكت والعيون\" ١/ ٣٣٥.\n(٩) رواه عنه الطبري ٥/ ٥٦، وذكره في \"النكت والعيون\" ١/ ٣٣٥.","vol":"4","page":400},{"text":"يقال: صُرْتُهُ أَصُورُه، إذا أملته (١)، وأنشدوا على الإمالة:\nعلى أنني في كل سَيْرٍ أسِيرُه ... وفي نظري من نَحْوِ أرضِكَ أَصْوَر (٢)\nفقالوا (٣): الأصور المائل العنق (٤).\nوقول آخر:\nالله يَعْلَمُ أَنّا في تَلَفُّتِنا ... يومَ الوَدَاعِ إلى أحْبَابِنا صُورُ (٥)\nجمع: أصْوَرَ، أي: مائلة. وهذان البيتان من الصَّوْر، يعنى: الميل، وهو لازم، والصَّوْر: الإمالة، ساكنة العين، قال الطرماح (٦):\nعفائف إلا ذاك أو أن يَصُورَهَا ... هوًى والهَوَى للعَاشِقِينَ صَرُوعُ (٧)\nوقال آخر:\nيَصُور عنُوقَها أحْوَى زَنِيمٌ ... له ظَابٌ كما صَحِبَ الغَرِيمُ (٨)\nوعلى هذا في الكلام محذوف، كأنه قيل: فصرهن إليك وقطعهن، ثم\n_________\n(١) سقطت من (ي).\n(٢) البيت لذي الرمة، في \"ديوانه\" ص ٢٢٠.\n(٣) في (ي): (فقال).\n(٤) من \"الحجة\" ٢/ ٣٨٩ بمعناه.\n(٥) البيت بلا نسبة في \"تهذيب الألفاظ\" لابن السكيت ٢/ ٥٥٢، \"تفسير الطبري\" ٣/ ٥٢، \" لسان العرب\" ٤/ ٢٥٢٤ (مادة: صور)، و٤/ ٢٢٥٤ (مادة: شرى)، \"تاج العروس\" ٧/ ١١١ (مادة: صور)، \"المخصص\" ١٢/ ١٠٣. \"المعجم المفصل\" ٣/ ٣٣٦.\n(٦) هو الطرماح بن حكيم بن الحكم، تقدمت ترجمته ٢/ ١٣٣ [البقرة: ٩].\n(٧) البيت في \"ديوانه\" ص ١٨٠.\n(٨) البيت لأوس بن حجر من ملحق \"ديوانه\" ص ١٤٠، \"لسان العرب\" ٥/ ٢٧٤١ (مادة: ظأب)، وهو ملفق من بيتين.","vol":"4","page":401},{"text":"اجعل على كل جبل منهن جزءًا، فحذف الجملة التي هي قَطِّعْهُن، لدلالة الكلام عليها، كقوله: ﴿أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ﴾ [الشعراء: ٦٣] على معنى: فضرب فانفلق؛ لأن قوله: ﴿ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا﴾ يدل على التقطيع (١).\nوقال أبو عبيدة (٢) وابن الأنباري (٣) وجماعة: صرهن، معناه: قطعهن (٤). وهو قول ابن عباس (٥) وسعيد بن جبير (٦) والحسن (٧) ومجاهد (٨).\nيقال: صار الشيء يَصُورُه صَوْرًا: إذا قطعه، قال رؤبة يصف خصمًا ألد:\nصُرْنَاه بالحُكم ويعي الحُكَّما (٩)\n_________\n(١) ينظر: \"معاني القرآن\" للأخفش ١/ ١٨٣، \"غريب القرآن\" ص ٨٦، \"تفسير الطبري\" ٣/ ٥٢، \"معاني القرآن\" للنحاس ١/ ٢٨٦، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٥٥٢.\n(٢) \"مجاز القرآن\" ١/ ٨١.\n(٣) \"الأضداد\" لابن الأنباري ص ٣٦.\n(٤) ينظر: \"معاني القرآن\" للأخفش ١/ ١٨٣، \"مجاز القرآن\" ١/ ٨١، \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٣٤٥ - ٣٤٦، \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٩٥٩ (مادة: صار)، \"المفردات\" ص ٢٩٢.\n(٥) رواه عنه الطبري ٣/ ٥٥، \"ابن أبي حاتم\" ٢/ ٥١٢.\n(٦) انظر المصدرين السابقين.\n(٧) ذكره في \"زاد المسير\" ١/ ٣١٥.\n(٨) انظر التخريج السابق.\n(٩) في حاشية (أ) تصحيح للبيت هكذا:\nصرنا به الحُكم وأَعْيا الحكَمَا\nوقد ورد البيت في \"الحجة\" ٢/ ٣١٩ معزوًّا لذي الرُّمَّة بلفظ (صُرْنا به الحكم وعيًا الحُكّمَا) وليس في \"ديوان ذي الرمة\"، ونسبه في \"اللسان\" ٤/ ٢٥٢٤ (صور) =","vol":"4","page":402},{"text":"أي: قطعناه، ومنه قول الخنساء:\nولو يلدغني الذي لاقيته حَضَنٌ ... لَظَلَّت الشُّمُّ منه وهي تَنْصَارُ (١)\nأي: تنصرع (٢) وتنفلق.\nفمن فسر صُرْهُن بمعنى قَطِّعْهُن لا يحتاج إلى إضمار، كما ذكرنا في الإمالة، ويكون قوله: ﴿إِلَيْكَ﴾ من صلة الأخذ، كأنه قيل: خذ إليك أربعة من الطير فقطعهن (٣).\nوقرأ حمزة (فصِرهن) بكسر الصاد (وقد فسر هذا الحرف على قراءة حمزة بالإمالة والتقطيع، كما ذكرنا في قراءة من ضم الصاد) (٤) (٥).\nفمن الإمالة: ما أنشده الكسائي هذا (٦):\nوفَرْعٍ يصيرُ الجِيدَ وَحْفٍ كأنّه ... على اللِّيتِ قِنوانُ الكُرومِ الدَّوَالِحِ (٧).\n_________\n= للعجاج وهو مذكور في \"ملحقات ديوان العجاج\" ٢/ ٣٣٥، \"مجاز القرآن\" ١/ ٨١ قال: صُرْنا به الحكم، أي: فصلنا به الحكم.\n(١) ورواية صدر البيت\nفلو يلاقي الذي لاقيته حضن\nورد في \"لسان العرب\" ٤/ ٢٥٢٤ مادة: (صور)، بلفظ: لظلت الشهب، ولم يرد في \"ديوان الخنساء\"، وهو في \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ١/ ٨١ وفي الأضداد للأصمعي وابن السكيت ص ٣٣ - ١٨٧، \"البحر المحيط\" ٢/ ٣٠٠ وقوله: الشم، أي: الجبال، تنصار: تقطع، وحِضنُ الجبل: ما يُطِيف به.\n(٢) في (ش): (تتضرع).\n(٣) \"الحجة\" ٢/ ٣٩٣، وينظر \"تفسير الطبري\" ٣/ ٥٢، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٥٥٢.\n(٤) ساقط من (أ) و(م).\n(٥) ينظر \"الحجة\" ٢/ ٣٩٢.\n(٦) ليست في (ي) ولا (ش).\n(٧) ذكره الفراء في \"معاني القرآن\" ١/ ١٧٤، قال: وأنشدني عن بعض سليم، وذكره =","vol":"4","page":403},{"text":"معناه: يميل الجيد من كثرته.\nقال الفراء: وهذه لغة هذيل (١).\nوسليم (٢)، يقولون: صاره يصيره: إذا ماله (٣).\nوقال الأخفش وغيره: صِرهن، بكسر الصاد: قطعهن، يقال: صاره يصيره: إذا قطعه (٤).\nقال الفراء: وأرى أن ذلك مقلوبٌ من صَرَى يَصْري إذا قطع (٥)، قال ذو الرمة:\nوودَّعْنَ مُشْتَاقًا أصبْنَ فُؤَادَه ... هَوَاهُنّ إن لم يَصره اللهُ قَاتِلُه (٦)\nفقدمت ياؤها، كما قالوا: عثى وعاث (٧)، وأنشد:\n_________\n= في \"الحجة\" ٢/ ٣٩٢. قوله: فرع: يريد بالفرع الشعر التام، والوحف: الأسود، والليت: صفحة العنق، ويريد بقنوان الكروم: عناقيد العنب، وأصل ذلك كباسة النخل، والدوالح: المثقلات بحملها. ينظر \"تهذيب الألفاظ\".\n(١) هذيل بن مدركة، بطن من مدركة بن إلياس، من العدنانية، كانت ديارهم بالسروات، وكان لهم أماكن ومياه في أسفلها من جهات نجد. ينظر \"معجم قبائل العرب\" ٣/ ١٢١٣.\n(٢) سليم بن منصور، قبيلة عظيمة من قيس غيلان، من العدنانية، وكانت منازلهم في عالية نجد بالقرب من خيبر. ينظر \"معجم قبائل العرب\" ٢/ ٥٤٣.\n(٣) \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ١٧٤.\n(٤) ينظر: \"معاني القرآن\" للأخفش ١/ ١٨٣ - ١٨٤، وعبارته: أي قطعهن، وتقول منها: صار يصور، وقال بعضهم: فصرهن، فجعلها من صار يصير.\n(٥) \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ١٧٤.\n(٦) ورد البيت: فودعن، وهو في \"ديوانه\" ص ٣٩٦.\n(٧) ينظر \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ١٧٤، وعثى: لغة أهل الحجاز، وعاث: لغة تميم، وهما بمعنى: أفسد.","vol":"4","page":404},{"text":"صَرَتْ نظرهٌ لو صَادَفَتْ جَوْزَ (١) دَارعٍ ... عَدَا والعَوَاصِي من دَمٍ الجَوْفِ (٢) تَنْعَرُ (٣)\nوأنشد أيضًا:\nيقولون: إنَّ الشَّأمَ يَقْتُلُ أهلَهُ ... فمَنْ لِيَ إن لَم آتِهِ بِخُلُودِ\nتَعَرَّب آبائي فما إن صَرَاهُم ... عن الموت إذ لم يَذْهَبُوا وجُدُودِي (٤)\nفالإمالة والقطع يقال في كلِّ واحد من القراءتين (٥).\nوقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا﴾ قال المفسرون: إن الله تعالى أمره أن يذبح تلك الطيور، وينتف ريشها، ويقطعها، ويفرق أجزاءها، ويخلط ريشها ودماءها ولحومها، بعضها ببعض، ففعل ذلك، ثم\n_________\n(١) في (م): (جوز)، وكما أثبت في (أ) \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ١٧٤ \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٥٤٩.\n(٢) في (ش): (القوم).\n(٣) البيت بلا نسبة في \"لسان العرب\" ٧/ ٤٤٧٢ (مادة: نعر)، ٥/ ٢٩٨١ (مادة: عصا).\n(٤) البيت بلا نسبة في \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ١٧٤، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٥٥٠، وفي \"لسان العرب\" ٤/ ٢١٧٧ مادة: شأم، وورد البيت الثاني في \"معاني القرآن\" هكذا:\nتَعَرَّب آبائي فَهَلَّا صَرَاهم ... من الموت إن لم يذهبوا وجُدوُدي\n\"الأمالي\" للقالي ٢/ ٥٢، وقال في \"التنبيه\" ص ٩٣: هذا ما اتبع فيه أبو علي القالي ﵀ غلط من تقدمه، فأتى ببيت من أعجاز بيتين أسقط صدورهما، والشعر للمعلى العبدي، وقد أطال محقق \"الحجة\" الكلام حول البيتين ٢/ ٣٨٩ - ٣٩١. ولون الدهاس: لون الرمل، كأنه تراب رمل أدهس، خُلْعة: خيار شائه، صفايا: غزار، ويقال للنخلة: صفية، أي: كثيرة الحمل.\n(٥) ينظر: \"الحجة\" ٢/ ٣٩١ - ٣٩٣.","vol":"4","page":405},{"text":"أمر بأن يجعلها على أربعة أجبُل، فجعل أجزاء تلك الطيور أربعة أقسام، وجعل على كل جبل رُبعًا منها (١). وقال ابن جريج (٢) والسدي (٣): جعلها سبعة أجزاء، ووضعها على سبعة أجبل.\nوقال مجاهد (٤) والضحاك (٥): كل جبل بحسب الإمكان، كأنه قيل: فرقه على كل جبل يمكنك التفرقة عليه، قالوا: ففعل ذلك إبراهيم، وأمسك رؤوسهن عنده، ثم دعاهن: تعالين بإذن الله سبحانه، فجعلت أجزاء الطيور يطير بعضها إلى بعض، حتى لقيت كل جثة بعضها بعضًا، وتكاملت أجزاؤها، ثم أقبلن إلى رؤوسهن، فكلما جاء طائر أشار بعنقه إلى رأسه، فكان إبراهيم إذا أشار إلى واحد منها بغير رأسه امتنع الطائر وتباعد، حتى يشير إليه برأسه، فتلقى كل طائر رأسه، فذلك قوله: ﴿ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا﴾ (٦).\nوهو نصبٌ على المصدر، أي: سَعَيْنَ سعيًا، ويجوز أن يكون في موضع الحال (٧).\n_________\n(١) هذا هو المروي عن ابن عباس وقتادة والربيع وابن إسحاق. ينظر: \"تفسير الطبري\" ٣/ ٥٥ - ٥٧، ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٢/ ٥١١، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٥٥٣، \"الدر المنثور\" ١/ ٥٩٣.\n(٢) رواه الطبري في \"تفسيره\" ٣/ ٥٨.\n(٣) السابق.\n(٤) السابق.\n(٥) ينظر: الطبري في \"تفسيره\" ٣/ ٥٩.\n(٦) ينظر: \"تفسير الطبري\" ٣/ ٥٥ - ٥٧، \"تفسير ابن أبي حاتم\" ٢/ ٥١١ - ٥١٢، و\"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٥٥٤ - ١٥٥٥.\n(٧) ينظر في الإعراب: \"مشكل إعراب القرآن\" ١/ ١٣٩، \"التبيان\" ص ١٥٨، \"البحر=","vol":"4","page":406},{"text":"وفي سعيها إلى إبراهيم دليل صحة إقدامها، وعود عظامها إلى مفاصلها، ولو طارت إليه لم يكن في طيرانها هذه الدلالة (١) ﴿وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾ لا يمتنع عليه ما يريد (٢) ﴿حَكِيمٌ﴾ فيما يدبر ويفعل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-478>٢٦١ </span>- وقوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ﴾ الآية. قال أهل المعاني: هذه الآية متصلة بقوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ﴾ [البقرة: ٢٤٥] وما بين الآيتين من الآيات اعتراض بالاستدعاء إلى الحق بالحجج والعبر التي ذكرها.\nوقال الزجاج: لما قصَّ الله ﷿ ما فيه الدلالة على توحيده، وما أتاه الرسل من البينات، حث على الجهاد، وأعْلَمَ أن من جاهد من كفر بعد هذا البرهان فله في جهاده ونفقته الثواب العظيم، وقد وعد الله في الحسنات أن فيها عشر أمثالها من الجزاء، ووعد في الجهاد أن الواحد يضاعف سبعمائة مرة، فقال: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ﴾ (٣). ونظمُ الآية: مثلُ صدقاتِ الذين ينفقون (أموالهم في سبيل الله) (٤)، أو مثلُ الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله (٥) كمثل زارعٍ\n_________\n= المحيط\" ٢/ ٣٠٠ - ٣٠١، واستظهر الإعراب الثاني، وذكره عن الخليل: أن المعنى يأتينك وأنت تسعى سعيًا، فعلى هذا يكون مصدر الفعل محذوفًا وهو في موضع الحال من الكاف، وكان المعنى: يأتينك وأنت ساعٍ إليهن، أي: يكون منهن إتيان إليك ومنك سعي إليهن فتلتقي بهن.\n(١) ينظر: \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٥٥٥، \"البحر المحيط\" ٢/ ٣٠٠.\n(٢) سقطت من (أ) و(م).\n(٣) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٣٤٦.\n(٤) سقطت من (ي).\n(٥) زيادة من (م).","vol":"4","page":407},{"text":"حبةٍ، فحذف المضاف (١).\nفإن قيل: فهل رؤي سنبلة فيها مائة حبة حتى يضرب المثل بها؟ قيل: قد يتصور ذلك وإن لم ير، وليس القصد في المثل تصوير سنبلة فيها مائة حبة، وإنما القصد التشبيه بمثل هذه السنبلة، على تقدير التصوير، لا على تحقيق التصوير، والعادة في الأمثال التي تضرب أن يشبه الشيء بما يجوز أن يتصور، وإن لم ير ذلك الشيء، وقد قيل: إنه رأى ذلك في سنبل الدُّخن، وقد قيل: المراد بقوله: ﴿فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ﴾ (٢) أنها إذا بذرت أنبتت مائة حبة، فقيل: فيها مائة حبة على هذا المعنى، كما يقال: في هذه الحبة حبّ كثير (٣) ﴿وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ من أهل النفقة في طاعته ﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ﴾ جواد لا ينقصه ما يتفضل به من السعة، (عليم) بمن ينفق (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-479>٢٦٢ </span>- قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ﴾ إلى قوله ﴿مَنًّا وَلَا أَذًى﴾ المنّ في اللغة على وجوه: يكون بمعنى الإنعام، يقال: قد منَّ عليَّ فلان: إذا أَفْضَل وأَنْعَم، ولفلان عليّ منّة، أي: نعمة، أنشد ابن الأنباري:\nفمِنّي عَلَيْنَا بالسَّلامِ فَإِنَّما ... كلامُكِ ياقُوتٌ ودُرٌّ مُنَظَّمُ (٥)\n_________\n(١) \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٥٥٨، \"التبيان\" ص ١٥٨، قال: وإنما قدر المحذوف لأن الذين ينفقون لا يشبهون بالحبة، بل إنفاقهم أو نفقتهم. \"البحر المحيط\" ٢/ ٣٠٣.\n(٢) سقطت من (ي).\n(٣) ينظر: \"تفسير الطبري\" ٣/ ٦١، \"تفسير السمعاني\" ٢/ ٤٢٢، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٥٦٠، \"تفسير البغوي\" ١/ ٣٢٥.\n(٤) \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٥٦٠.\n(٥) البيت أورده ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ١/ ٣١٧ دون نسبة إلى قائل، وقال: ذكر ذلك أبو بكر بن الأنباري.","vol":"4","page":408},{"text":"ومن النعمة: قوله - ﷺ -: \"ما من الناس أحد أمنّ علينا في صحبته ولا ذات يده من ابن أبي قحافة (١) \".\nيريد: أنعم وأسمح بماله، ولم يرد المنة التي تهدم الصنيعة، والله تعالى يُوصَفُ بأنه مَنَّان، أي: منعم. قال أهل اللغة: المن: الإحسانُ إلى من لا يستثيبه، ولهذا يقال: الله تعالى منّان، لأن إحسانه إلى الخلق ليس لطلب ثواب، ومن هذا قوله: ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ﴾ [ص: ٣٩] وقوله: ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ [المدثر: ٦] أي: لا تعط لتأخذ من المكافأة أكثرَ مما أعطيت (٢).\nوالمنّ في اللغة أيضًا: النقص من الحق والبخس له، قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ [القلم: ٣] يقال: غير مقطوع، وغير منقوص، ومن هذا يسمى الموت: مَنُونًا؛ لأنه يُنْقِصُ الأَعْدَاد، ويقطع الأعمار (٣).\nومن هذا: المِنَّةُ المذمومة؛ لأنها تُنْقِصُ النعمة وتُكَدِّرُها، قال\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٤٦٦) كتاب: الصلاة، باب: الخوخة والممر من المسجد، ومسلم (٢٣٨٢) كتاب: \"فضائل الصحابة\"، باب: من فضائل أبي بكر، والإمام أحمد في \"مسنده\" واللفظ له حديث رقم (١٥٤٩٢).\n(٢) في (ي): (أعطيتك).\n(٣) ينظر في معاني المن: \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٤٥٩ - ٣٤٦٠ (مادة: منن)، \"المفردات\" ٤٧٧، \"لسان العرب\" ٧/ ٤٢٧٩، \"عمدة الحفاظ\" ٤/ ١٣١ - ١٣٢. وذكر الراغب أن المنة يراد بها: النعمة الثقيلة، ويقال ذلك على وجهين: أحدهما: أن يكون ذلك بالفعل، فيقال: منَّ فلان على فلان، إذا أثقله بالنعمة ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ وذلك على الحقيقة لا يكون إلا لله تعالى. والثاني: أن يكون ذلك بالقول، وذلك مستقبح فيما بين الناس إلا عند كفران النعمة، ويقبح ذلك، قيل: المنة تهدم الصنيعة، ولحسن ذكرها عند الكفران قيل: إذا كفرت النعمة حسنت=","vol":"4","page":409},{"text":"الشاعر في المِنَّةِ المَذْمومة:\nأَنَلْتَ قليلًا ثم أسْرعَت مِنَّةً ... فَنَيْلُكَ مَمْنُون (١) لِذَاك قليلُ (٢)\nفالمراد بالمن الذي في الآية: المنُّ الذي هو الاعتداد بالصنيعة (٣)، وذكرها الذي يكدرها.\nوالعَرَبُ تتمدّح بترك المنِّ بالنعمة، قال قائلهم:\nزَادَ مَعْروفَكَ عِنْدِي عِظَمًا ... أنَّهُ عِنْدَكَ مَسْتُورٌ حقيرْ\nتَتَنَاسَاهُ كأنْ لم تَأتِهِ ... وهو في العالم مَشْهورٌ كبيرْ (٤).\nقال المفسرون: معنى المنّ المذكور في الآية: هو أن يقول: قد أحسنت إلى فلان، ونَعَشْتُه (٥)، وجبرت حاله، وأعنته، يمنُّ بما فعل (٦).\nوالأذى: هو أن يذكر إحسانه لمن لا يحب الذي أحسن إليه وقوفه عليه، وما أشبه ذلك من القول الذي يؤذيه (٧).\n_________\n= المنة، وقوله: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ﴾ [الحجرات: ١٧] فالمنة منهم بالقول، ومنة الله عليهم بالفعل وهو هدايته إياهم كما ذكر.\n(١) في (ش): (مذموم).\n(٢) البيت أورده ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ١/ ٣١٧ دون نسبة إلى قائل وقال: ذكر ذلك أبو بكر بن الأنباري.\n(٣) في (ي): (في الصنعة).\n(٤) البيتان من قول الخُرَيمي، نسبهما إليه في \"عيون الأخبار\" ٣/ ١٦٠، و\"دلائل الإعجاز\" ١/ ٣٦٠ وروايتهم، وعند الناس بدل في العالم.\n(٥) في (م): (تعيشته).\n(٦) \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٥٦٤ - ١٥٦٦.\n(٧) \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٥٦٤.","vol":"4","page":410},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-480>٢٦٣ </span>- قوله تعالى: ﴿قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ﴾ أي: كلام حسن، وردٌّ على السائل جميل، وقال عطاء: عدةٌ حسنة (١)، وفي الجملة: أنه قول معروف، تعرفه النفوس وتقبله ولا تنكره.\n﴿وَمَغْفِرَةٌ﴾ أي: سَترٌ (٢) لخلة السائل، قاله ابن جرير (٣)، وقال عطاء والحسن (٤): أي: تجاوز عن السائل، إذا استطال عليه عند رده، مثل ما يتجاوز عن أخيه إذا استطال عليه وعن زوجته وعن خادمه (٥)، علم الله تعالى أن الفقير إذا ردّ بغير نوال شق عليه ذلك، فربما يدعوه ذلك إلى بذاءة اللسان، فأمر بالصفح والعفو عنه، وبين أن ذلك خير من صدقة يتبعها أذى، أي: مَنّ وتعيير للسائل بالسؤال (٦).\nوقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ غَنِيٌّ﴾ أي: عن صدقة العباد، وإنما دعاكم إليها ليُثِيبَكُم عليها (٧).\nيقال: غَنِيَ عن الشيء يَغْنَى عنه غنى مقصور، فهو غانٍ عنه وغَنِيٌّ عنه (٨)، والغِنَى: نقيضُ الحاجة (٩).\n_________\n(١) ذكره في \"الوسيط\" ١/ ٣٧٧، وذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ١٥٦٩ دون عزو.\n(٢) سقطت من (ي).\n(٣) \"تفسير الطبري\" ٣/ ٦٤.\n(٤) لم أجده عنهما.\n(٥) ذكر ذلك الثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ١٥٧٠، دون عزو لأحد.\n(٦) \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٥٧٠، \"تفسير السمعاني\" ٢/ ٤٢٥.\n(٧) ينظر: \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٥٧٠ - ١٥٧١.\n(٨) ليست في (ي) ولا (ش).\n(٩) ينظر في غنى: \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٣٧٠٣، \"المفردات\" ٣٦٨، \"اللسان\" ٦/ ٣٣٠٨.","vol":"4","page":411},{"text":"﴿حَلِيمٌ﴾ إذ لم يعجل بالعقوبة على من يمن ويؤذي بصدقته (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-481>٢٦٤ </span>- قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ﴾ أراد: ثواب صدقاتكم وأجرها (٢) ﴿بِالْمَنِّ﴾ هو أن تمن بما أعطيت وتعتد به، كأنك إنما تقصد به الاعتداد، وقال ابن عباس: ﴿بِالْمَنِّ﴾ على الله ﷿ (٣). (والأذى) (٤) هو أن يوبخ المعطَى.\nوقوله تعالى: ﴿كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ﴾ أخبر الله تعالى أن المن والأذى يبطلان الصدقة، كما تبطل نفقة المنافق الذي إنما أعطى وهو لا يريد بذلك العطاء ما عند الله، إنما يريد (٥) ليوهم أنه مؤمن (٦).\nوالرياء مصدر المُرَاءاة، يقال: رياء ومراءاة، مثل: راعيته رِعَاءً ومُرَاعَاةً، وهو أن ترائي غيرك بعملك (٧).\nقال ابن عباس: يريد كالذي يتصدق لا يرجو لها ثوابًا، ولا يخاف من منعها عقابًا (٨).\nوقوله تعالى: ﴿فَمَثَلُهُ﴾ أي: مثل هذا المنافق المرائي ﴿كَمَثَلِ\n_________\n(١) \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٥٧١.\n(٢) \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٥٧٥.\n(٣) ذكره عنه الثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ١٥٧٥، والبغوي في \"تفسيره\" ١/ ٣٢٦، والرازي ٧/ ٥٧.\n(٤) سقطت من (ي).\n(٥) في (ي) و(ش): (يعطي).\n(٦) \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٥٧٥.\n(٧) ينظر في الرياء: \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٣٢٦ (مادة: رأى)، \"المفردات\" ١٩٠، \"اللسان\" ٣/ ١٥٤٤ (مادة: رأى)، \"عمدة الحفاظ\" ٢/ ٦٢.\n(٨) لعله من رواية عطاء التي تقدم الحديث عنها في قسم الدراسة.","vol":"4","page":412},{"text":"صَفْوَانٍ﴾ (١)، وهو الحجر الأملس، ومثله: الصفا. أبو عبيد عن الأصمعي: الصَّفْواء أو (٢) والصَّفْوان والصَّفَا مقصور كلُّه واحدٌ (٣).\nوالوابل: المطر الشديد، يقال: وَبَلَتِ السماءُ تَبِلُ وَبْلًا، وأرض مَوْبُولَةٌ: أصابها وابل (٤).\nوالصَّلْد: الأملسُ اليابس، يقال: حَجَرٌ صلْدُ، وجبين صلْدٌ: إذا كان براقًا أملس، وأرض صلد: لا تنبت شيئًا كالحجر الصلد، قال تأبط شرًا (٥) في الحَجَر:\nولَسْتُ بِجُلْبٍ جُلْبِ ريحٍ وقِرةٍ ... ولا بصَفًا صلْدٍ عَن الخَيْرِ مَعْزِل (٦)\nوقال رؤبة في الجبين:\n_________\n(١) \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٥٧٥.\n(٢) كتبت في (م): (الصفو والصفوان)، وفي بقية النسخ (الصفوا والصفوان).\n(٣) نقله عنه في \"تهذيب اللغة\" ٢/ ٢٠٢٢ (مادة: صفا)، وينظر في المادة نفسها: \"المفردات\" ٢٨٦ - ٢٨٧، \"اللسان\" ٤/ ٢٤٦٨ - ٢٤٦٩.\n(٤) ينظر في وبل: \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٨٢٩، \"المفردات\" ٥٢٦، \"اللسان\" ٨/ ٤٧٥٥ (مادة: وبل).\n(٥) ثابت بن جابر بن سفيان الفهمي أبو زهير، من شعراء الصعاليك، وأحد لصوص العرب المغيرين، اشتهر بسرعة العدو حتى إن الخيل لا تلحقه، وسمي تأبط شرًّا؛ لأنه تأبط سيفا وخرج، فقيل لأمه: أين هو؟ فقالت: تأبط شرا وخرج، وقيل غير ذلك. ينظر \"الشعر والشعراء\" ١/ ٩٣، \"وسمط اللالي\" ١/ ١٥٨.\n(٦) البيت في \"ديوانه\" ١٧٤، وفي \"تفسير الطبري\" ٣/ ٦٦، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٥٧٧، \"لسان العرب\" ٥/ ٢٩٣٠ (عزل) والجلب: هو السحاب المعترض، تراه كأنه جبل، والمعنى: لست برجل لا نفع فيه، ومع ذلك فيه أذى كالسحاب الذي فيه ريح وقِرٌّ، ولا مطر فيه. ينظر \"لسان العرب\" ٢/ ٦٤٩ (جلب).","vol":"4","page":413},{"text":"برّاق أصلادِ الجبينِ الأَجْلَهِ (١)\nوقال بعض بني أسد في الأرض الصلدة:\nوإنِّي لأرجو الوَصْلَ منكِ كَما رَجَا ... صَدَى الجَوْفِ (٢) مُرْتَادًا كداه صُلود (٣)\nجمعُ صَلْد، وأصله من قولهم: صَلَدَ الزَّنْدُ وأصلد (٤): إذا لم يوْرِ نارًا (٥).\nوهذا مثل ضربه الله تعالى لعمل المنافق وعمل المنّان الموذي، يعنى: أن الناس يرون في الظاهر أن لهؤلاء أعمالًا كما يُرى التُرابُ على هذا الصفوان، فإذا كان يوم القيامة اضمحل كله وبطل؛ لأنه لم يكن لله، كما أذهب الوابل ما كان على الصفوان من التراب، فلا يقدر أحد (من الخلق) (٦) على ذلك التراب الذي أزاله المطر عن الصفا، كذلك هؤلاء في العمل الذي حبط، إذا قدموا على ربهم لم يجدوا شيئًا (٧)، فهو قوله: ﴿لَا\n_________\n(١) الرجز لرؤبة، وقبله كما في \"الأراجيز\" ص ١٦٥: لما رأتني خلق المُمَوهِ. وذكره في \"تهذيب اللغة\" ١٢/ ١٤٢، \"اللسان\" ٤/ ٢٤٨١ مادة: صلد، وخلق المموه: يعنىِ: قد بلي شبابي وأخلق، وأصلاد الجبين: يعني: أن جبينه قد زال شعره، والأجله: الأنزع الذي انحسر شعره عن جانبي جهته. \"حاشية تفسير الطبري\" ٣/ ٦٦.\n(٢) في (ش): (الخوف).\n(٣) ورد البيت غير منسوب في \"ديوان الحماسة\" ٢/ ١٦٥.\n(٤) سقطت من (ي).\n(٥) ينظر في صلد: \"تهذيب اللغة\" ٢/ ٢٠٤٢، \"المفردات\" ٢٨٩، \"اللسان\" ٤/ ٢٤٨١.\n(٦) سقطت من (ي).\n(٧) \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٥٧٨.","vol":"4","page":414},{"text":"يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا﴾ أي: على ثواب شيء (١) ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ قال أبو إسحاق: أي: لا يجعلهم بكفرهم مهتدين، وقيل: لا يجعل جزاءهم على كفرهم أن يهديهم (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-482>٢٦٥ </span>- قوله تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ الآية. هذا مثل ضربه الله ﷿ لمن ينفق، يريد ما عند الله ولا يمن ولا يؤذي، وقوله (٣): ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ﴾ أي: مثل نفقتهم أو إنفاقهم، فحذف المضاف كقولهم: يا خيل الله اركبي (٤).\nوقوله تعالى: ﴿وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ قال الزجاج: أي: وينفقونها مقرين بأنها مما يثيب الله عليها (٥).\nفعلى هذا يكون المعنى: وتثبيتًا من أنفسهم لثوابها، يعني: أنهم أيقنوا أن الله يثيب عليها فيثبتوا (٦) ذلك الثواب، بخلاف المنافق فإنه ينفق رياء (٧) ولا يحتسب، ولا يؤمن بالثواب، وعلى هذا المعنى دارت أقوال المفسرين.\nفقال السدي (٨) وأبو صالح (٩) وابن زيد (١٠): يقينًا.\n_________\n(١) المصدر السابق.\n(٢) \"معاني القرآن\" ١/ ٣٤٧.\n(٣) في (ي): (فقوله).\n(٤) ينظر في إعراب الآية: ما تقدم في قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ﴾.\n(٥) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٣٤٧.\n(٦) في (ش) و(ي): (فثبتوا).\n(٧) في (ش): (رياء الناس).\n(٨) ذكره ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٢/ ٥٢٠، والثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ١٥٨٥، وابن الجوزية في \"زاد المسير\" ١/ ٣١٩.\n(٩) رواه عنه الطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٦٩.\n(١٠) ذكره في \"النكت والعيون\" ١/ ٣٣٩، والثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ١٥٨٥، وفي \"الوسيط\" ١/ ٣٧٩.","vol":"4","page":415},{"text":"وقال الشعبي (١) والكلبي (٢): يعني: تصديقًا من أنفسهم، يعلمون أن ما أَخْرجوا خيرٌ لهم مما تركوا. وقال بعضهم: التثبيت، هاهنا، بمعنى: التثبت، وهو مذهب عطاء ومجاهد والحسن، قال عطاء (٣) ومجاهد (٤): يتثبت في صدقته، فيضعها في أهل الصلاح والعفاف، فهذا تثبت في طلب من يصرف إليه المال. وقال الحسن: كان الرجل إذا هم بصدقة تثبت، فإن كان لله أمضى، وإن خالطه شك أمسك (٥). وإنما جاز أن يكون التثبيت بمعنى التثبت؛ لأنهم ثبتوا أنفسهم تثبيتًا في طلب المستحق، وصرف المال في وجهه، فكانوا متثبتين، كما أن من صرف نفسه عن شيء فهو منصرف، وصح أن يقال: انصرف عنه، كذلك هؤلاء لما ثبتوا أنفسهم جاز أن يقال: تثبتوا (٦).\nوقوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ﴾ (٧) الرَّبْوة: ما ارتفع من\n_________\n(١) رواه ابن زنجويه في \"الأموال\" ٣/ ١٢٢٠، والطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٦٩، و\"ابن أبي حاتم\" في تفسيره ٢/ ٥١٩، وذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ١٥٨٥، والبغوي في \"تفسيره\" ١/ ٣٢٨.\n(٢) ذكره أبو المظفر السمعاني ٢/ ٤٢٨، والثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ١٥٨٥، والبغوي في \"تفسيره\" ١/ ٣٢٨، والواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٣٧٩.\n(٣) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ١٥٨٦، والبغوي في \"تفسيره\" ١/ ٣٢٨، والرازي ٧/ ٦٠.\n(٤) رواه ابن زنجويه في \"الأموال\" ٣/ ١٢٢٠، والطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٦٩، و\"ابن أبي حاتم\" في تفسيره ٢/ ٥٢٠.\n(٥) رواه ابن زنجويه في \"الأموال\" ٣/ ١٢٢١، والطبري في \"تفسيره\" ٢/ ٧٠، و\"ابن أبي حاتم\" في تفسيره ٢/ ٥٢٠ بمعناه.\n(٦) ينظر: \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٥٨٦.\n(٧) قرأ عاصم وابن عامر (برَبوة) بفتح الراء، وقرأ الباقون بضم الراء. ينظر \"السبعة\" ١٩٠.","vol":"4","page":416},{"text":"الأرض، وفيها لغات: رُبْوة ورَبْوة ورِبْوة ورَباوة ورِباوَةٌ ورُباوة (١).\nقال الأخفش والذي نختاره: رُبْوَةٌ بالضم (٢)، لأنك لا تكاد تسمع في جمعها غير الرُّبَى، وأصلها من قولهم: رَبَا الشيء يَرْبُو: إذا زاد وارتفع، ولهذا يقال لها: الرَّابِيَة؛ لأن أجزاءها ارتفعت عن صفحة المكان الذي هي بها (٣)، ومن هذا يقال: أصابه رَبْوٌ: إذا أصابه نفسٌ في جوفه لزيادة النفس على عادته، ومن هذا أيضًا: الربا في المال؛ لأنه معاملة على أن يأخذ أكثر مما يُعطي، وإنما خصت الجنة بأنها على ربوة؛ لأن الموضع المرتفع من الأرض إذا كان له ما يُرَوِّيْهِ من الماء فهو أكثرُ ريعًا من المستفل، ونَبْتُه يكونُ أحسن، وأنضر ما تكون الجنان والرياض على الرُّبى، قال الأعشى:\nما رَوْضَةٌ (مِنْ رِياضِ) (٤) الحَزْنِ (٥) مُعْشِبَةٌ ... خَضْرَاءُ جَادَ عليها مُسْبِلٌ هَطِلُ\nفخص رياض الحزن (٦) لما ذكرنا (٧) (٨).\n_________\n(١) ينظر: \"مجاز القرآن\" ١/ ٨٣، \"معاني القرآن\" للأخفش ١/ ١٨٤، \"غريب القرآن\" ص ٨٧، \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٣٤٨، \"الحجة\" ٢/ ٣٨٥.\n(٢) نقله عنه في \"الحجة\" ٢/ ٣٨٥، \"المفردات\" ص١٩٣.\n(٣) من كلام أبي علي في \"الحجة\" ٢/ ٣٨٦.\n(٤) سقطت من (ش).\n(٥) في (م) و(ي): (الحسن)، وفي (ش): (الحي).\n(٦) في (م): (الحسن)، وفي (ش): (الجون).\n(٧) البيت في \"ديوانه\" ص ١٤٥، \"لسان العرب\" ١/ ٤٢٨ (مادة: ترع)، \"تهذيب اللغة\" ١/ ٤٣٥، وينظر: \"المعجم المفصل\" ٦/ ٢٤٠.\n(٨) ينظر في ربو: \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٣٤٨، \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٣٣٤، \"المفردات\" ١٩٣، \"اللسان\" ٣/ ١٥٧٣.","vol":"4","page":417},{"text":"وقوله تعالى: ﴿أَصَابَهَا وَابِلٌ﴾ وهو أشد المطر.\n﴿فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ﴾ الأُكُل: ما يؤكل، قال الله تعالى: ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ﴾ [إبراهيم: ٢٥] أي: ثمرتها وما يؤكل منها، فالأُكُلُ في المعنى مثل الطُعمة، تقول: جعلته أُكْلًا له، كما تقول جعلته له (١) طُعمة (٢). وأنشد الأخفش:\nفما أُكْلَةٌ إن نِلْتُها بغَنِيمَة ... ولا جَوْعةٌ إن جُعْتُها بغَرام (٣)\nوقال أبو زيد: يقال: إنه (٤) لذو أكل: إذا كان له (٥) حظّ من الدنيا (٦). والضمُّ والتخفيف في الكاف لغتان (٧)، ويجمع على الآكال (٨).\nقال المفسرون: الأُكل: المراد به الثمر.\nوقوله تعالى: ﴿ضِعْفَيْنِ﴾ قال ابن عباس، في رواية عطاء: يريد: حملت في سنة من الريع ما يحمل غيرها في سنتين (٩).\n_________\n(١) (له) سقطت من (م).\n(٢) من \"الحجة\" ٢/ ٣٩٤ - ٣٩٥ بتصرف.\n(٣) ورد البيت في \"تفسير الطبري\" ٥/ ٥٣٨، ونسبه محققه إلى أبي مضرس النهدي، ينظر: \"تفسير الطبري\" ٥/ ٥٣٨، \"الحجة للقراء السبعة\" ٢/ ٣٩٥.\n(٤) في (ي) (له).\n(٥) في (ي) (ذو).\n(٦) نقله عنه في \"الحجة\" ٢/ ٣٩٥.\n(٧) وفي الآية قراءتان على اللغتين: فقرأ ابن كثير وأبو عمرو ونافع بسكون الكاف، وقرأ الباقون بضمها. ينظر: \"السبعة\" ص ١٩٠، \"الحجة\" ٢/ ٣٩٤.\n(٨) ينظر في أكل: \"تهذيب اللغة\"١/ ١٧٦ - ١٧٧، \"الحجة\" ٢/ ٢٩٤ - ٢٩٥، \"المفردات\" ص ٢٩، \"اللسان\" ١/ ١٠٠ - ١٠٣.\n(٩) ذكره عن عطاء: الثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ١٥٩٠، والبغوي في \"تفسيره\" ١/ ٣٢٨، وفي \"الوسيط\" ١/ ٣٧٩، وفي بعض نسخ الثعلبي في \"تفسيره\": سنين بدل سنتين.","vol":"4","page":418},{"text":"وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ﴾ أي: فالذي يُصِيبها طَلٌّ، وهو المطر اللِّينُ الصغارُ القَطْر، يقال: طَلَّت السماء تَطُلُّ طَلًّا فهي طَلَّة، وطُلَّتِ الأرض فهي مَطْلُولة، وروضة طَلَّةٌ نَدِيَّة، وتقول العرب في الدعاء: رحُبَت عليك الأرض وطُلَّت، بضم الطاء، ومن نصب الطاء أراد: وطَلَّت عليك السماء (١).\nفإن قيل: كيف قيل فيما مضى ﴿فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ﴾ قيل: فيه إضمار المعنى: فإن يكن لم يصبها وابل فطل، ومثله من الكلام: قد أعتقت عبدين، فإن لم أعتق اثنين فواحدًا بقيمتهما، المعنى: إن أكن لم أعتق، قاله الفراء (٢).\nوتم المعنى عند قوله: ﴿فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ﴾ ثم زاد تأكيدًا وزيادة معنى فقال: ﴿فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ﴾ وأصابها طلٌّ فتلك حالها في الثراء وتضاعف الثمرة لا ينقص بالطل عن مقدارها بالوابل، وفي الكلام إضمار لا يتم المعنى إلا به، كأنه قيل: فإن لم يصبها وابل وأصابها طل فتلك حالها، فحذف لأن الباقي يدل عليه، تقول: كما أن هذه الجنة تثمر في كل حال ولا يخيب صاحبها، قلّ المطر أو كثر، كذلك يضعف (٣) الله ﷿ ثواب صدقة المؤمن المخلص، سواء قلت نفقته وصدقته أم (٤) كثرت (٥).\n_________\n(١) ينظر في طلل: \"معاني القران\" للزجاج ١/ ٣٤٨، \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٢١٢، \"المفردات\" ص٣٠٩، \"اللسان\" ٥/ ٢٦٩٦ - ٢٦٩٨.\n(٢) \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ١٧٨، وينظر: \"البحر المحيط\" ٢/ ٣١٢.\n(٣) في (ش): (يضاعف).\n(٤) في (م): (أو).\n(٥) الثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ١٥٩٢، \"البحر المحيط\" ٢/ ٣١٣.","vol":"4","page":419},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-483>٢٦٦ </span>- قوله تعالى: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ﴾ الآية. الأكثرون من المفسرين على أن هذه الآية راجعة في المعنى إلى قوله: ﴿لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ وأن هذا تقريرُ مثلٍ للمراء في النفقة (١) (٢)، وقال مجاهد: هذا مثل للمفرط في طاعة الله، المشتغل بملاذ الدنيا، يحصل في الآخرة على الحسرة العظمى (٣).\nوقال ابن عباس: هو مثل الذي يختم عمله بفساد، وكان يعمل عملًا صالحًا، فهو مثل للجنة المذكورة في الآية، ثم يبعث الله له الشيطان فيسيء في آخر عمره، ويتمادى في الإساءة حتى يموت على ذلك، فيكون الإعصار مثلصا لإساءته التي مات عليها (٤).\nوقوله تعالى: ﴿وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ﴾ عطف بماض على مستقبل، قال الفراء: وذلك يجوز (٥) في يود؛ لأنها تتلقى مرّة بأن ومرة بلو، فجاز أن يقدر أحدهما مكان الآخر لاتفاق المعنى، كأنه قيل: أيود أحدكم لو كانت له جنة، وذلك أن (لو) و(أن) مضارعتان في المعنى، فتجاب أن بجواب لو، ولو بجواب أن، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢١] المعنى: وإن أعجبتكم، وقال: ﴿وَلَئِنْ\n_________\n(١) في (م): (بالنفقة).\n(٢) \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٥٩٣.\n(٣) رواه عنه الطبري في \"تفسيره\" ٣/ ٧٥، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٢/ ٥٢٢.\n(٤) رواه البخاري (٤٥٣٨) كتاب: التفسير، باب: قوله: (أيود أحدكم أن تكون له جنة)، والثوري في \"تفسيره\" ٧٢، وابن المبارك في \"الزهد\" ٥٤٦، والطبري في \"تفسيره\" ٣/ ٧٦، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٢/ ٥٢٣.\n(٥) في (ي): (ويجوز ذلك).","vol":"4","page":420},{"text":"أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا﴾ [الروم: ٥١]، فأجيبت لئن بإجابة لو، وقال: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم: ٩] معناه: ودوا أن تدهن (١).\nوالإعصار: ريح ترتفع وتستدير نحو السماء كأنها عمود، وهي التي يسميها الناس الزوْبَعة، وهي ريح شديدة، ومنه: إن كنت ريحًا فقد لاقيت إعصارًا (٢) وقال ابن الأعرابي: يقال: إعصار وعِصَار، وهو أن يهيجَ الريحُ الترابَ (٣).\nقال المفسرون: مثلُهم كمثلِ رجلٍ كانت له جَنَّةٌ فيها من كلِّ الثمرات، وأصابه الكِبَرُ فَضعُفَ عن الكسب، وله أطفال لا يجدون عليه، ولا ينفعونه، فأصابها إعصار فيه نار فاحترقت، ففقدها أَحوَج (٤) ما كان إليها، عند كبر السن، وضعف الحيلة، وكثرة العيال، وطفولة الولد، وضعف عن إصلاحها لكبره، وضعف أولاده عن إصلاحها لصغرهم، ولم يجد هو ما يعود به على أولاده، ولا أولاده ما يعودون به على أبيهم، فبقي هو وأولاده فقراء عجزة متحيرين، لا يقدرون على حيلة، كذلك يبطل الله عمل المنافق والمرائي، حين لا مُسْتَعْتب لهما، ولا توبة، ولا إقالة من ذنوبهما (٥).\nوقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ﴾ أي: كمثل بيان هذه الأقاصيص\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ١٧٥، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٥٩٣ - ١٥٩٤.\n(٢) مثل عربي في \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٤٥٩ (مادة: عصر). وينظر \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٣٤٩. ويضرب مثلًا للرجل يلقى قِرْنَه في النجدة والبسالة.\n(٣) نقله عنه في \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٤٥٩ (مادة: عصر)، وعبارته: أن تهيج الريح التراب فترفعه. وينظر في إعصار: \"المفردات\" ص ٣٣٩ - ٣٤٠، \"اللسان\" ٥/ ٢٩٧٠ (مادة: عصر).\n(٤) في (م): (فأحوج).\n(٥) \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٥٩٦.","vol":"4","page":421},{"text":"التي ذكرها، من قصة الذي يمر على قرية، وقصة إبراهيم، ﴿وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ﴾، أي: العلامات والدلالات التي تحتاجون إليها في أمر توحيده.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-484>٢٦٧ </span>- وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ يعنى: الجيادَ (١) الخِيارَ (٢)، وقيل: يعنى: الحلالاتِ (٣) مما كسبه الإنسان بالتجارة والصناعة من الذهب والفضة.\n﴿وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ يعنى: الحبوب مما يجب فيه الزكاة.\n﴿وَلَا تَيَمَّمُوا﴾ التَّيَمُّم: القَصْد والتَّعَمُّد، يقال: أمَمْتُه وتَيَمَّمْتُه وَتَأمَّمْتُه ويَمَّمْتُهُ، كله بمعنى: قصدته، قال الأعشى:\nتَيَمَّمْتُ قَيْسًا وكَمْ دُونَه ... من الأرضِ من مَهْمَهٍ ذي شَزَن (٤)\nوقال آخر:\nرَمَى بصُدُورِ العِيسِ مُنْخَرقَ الصَّبا ... فلم يَدْرِ شَخْصٌ بعدها أين يَمَّمَا (٥)\nأي: أين قَصَد، ويقال أيضًا: يممته الشيء، قال:\n_________\n(١) ليست في (ش) ولا (ي).\n(٢) \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٥٩٨.\n(٣) روي عن ابن مسعود ومجاهد. ينظر \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٥٩٨، والبغوي في \"تفسيره\" ١/ ٣٢٩.\n(٤) البيت في \"ديوانه\" ص٢٠٧، \"تفسير الطبري\" ٣/ ٨٢، \"تهذيب اللغة\" ١/ ٢٠٧، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٦١٩، \"اللسان\" ١/ ١٣٢ (مادة: أمم) من قصيدة يمدح بها قيس بن معدي كرب، ومعنى: ذي شزن: غليظ، يصفُ وُعُورَةَ الطريق الذي يسلكه ليصل منه إلى ممدوحه، انظر: \"زاد المسير\" ١/ ٣٢٢. وضبطت (شَزَن) بالفتح على الشين والزاي في \"تهذيب اللغة\" \"اللسان\" وبضمها في نسخة (أ).\n(٥) أورده صاحب (ديوان الحماسة) ١/ ٤٠٤ دون أن ينسبه.","vol":"4","page":422},{"text":"يَمَّمْتُه الرُّمْحَ شَزْرًا ثم قلتُ له ... هَذِي المروة لا لعب الزحاليق (١) (٢)\nوقراءة العامة: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا﴾ مخففة التاء، على حذف إحدى التاءين، وقرأ ابن كثير مشددة التاء على الإدغام (٣).\nقال أبو علي: والإدغام في هذا ينبغي أن لا يجوز؛ لأن المدغم يسكن، وإذا سكن لزم أن تجلب همزة الوصل عند الابتداء به، كما جلبت في أمثلة الماضي، نحو: ادّارأتم، وازينت، واطّيّر، وهمزة الوصل لا تدخل على المضارع، ألا ترى أن من قال في يترّس: اترس، لا يقول في المضارع: اتّرسون، بمعنى: تتترسون، ولا ايفكرون، في تتفكرون (٤)، وهذا يلزم أن يقوله من قال: ولا تيمّموا مشدّدة التاء، وفي ﴿يَمِينِكَ تَلْقَفْ﴾ [طه: ٦٩] ولا تدخل همزة الوصل على المضارع، قال أبو علي: وسألت أحمد بن موسى: كيف يبتدئ من أدغم؟ فقال كلامًا معناه: إنه يصير إذا ابتدأ إلى قول من خَفّف ويدعُ الإدغام.\nوأما التاء المحذوفة على قراءة العامة فقال هشام: هي الأولى من التائين، والفراء يقول: أيهما شئت أسقطت لنيابة الباقية عنها، وسيبويه لا يسقط إلا الثانية.\n_________\n(١) البيت لعامر بن مالك مُلاعِبُ الأَسِنّة في \"لسان العرب\" ٣/ ١٨١٩ (مادة: زحلق)، ١/ ١٣٢ (مادة: أمم) وروايته: صدرًا بدل: شزرًا. \"ومجمل اللغة\" ٤/ ٥٦٠، \"مقاييس اللغة\" ١/ ٣١.\n(٢) ينظر في أمم: \"تهذيب اللغة\" ١/ ٢٠٧، \"المفردات\" ص ٣٢ - ٣٣، \"اللسان\" ١/ ١٣٢.\n(٣) ينظر \"المبسوط في القراءات العشر\" ص ١٣٥،\"حجة القراءات\" لابن زنجلة ص١٤٦، \"النشر في القراءات العشر\" ٢/ ٢٣٢.\n(٤) في (م): (يتفكرون).","vol":"4","page":423},{"text":"قال ابن عباس جاء رجل ذات يوم بعذق حَشَف فوضعه في الصدقة فقال رسول الله - ﷺ -: \"ما صنع صاحب هذا\" فأنزل الله هذه الآية (١).\nوقال علي بن أبي طالب (٢).\nوالحسن (٣) ومجاهد (٤): كانوا يتصدقون بشرار في ثمارهم ورُذَالة أموالهم، فأنزل الله هذه الآية (٥) ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ﴾.\n_________\n(١) رواه الثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ١٦٢٣، وفي إسناده صالح بن محمد، والسدي الصغير، والكلبي، وهذا السند يسمى: سلسلة الكذب، وأورد نحوه مقاتل بن سليمان في \"تفسيره\" ١/ ٢٢٢ وأبو الليث في \"بحر العلوم\" ١/ ٢٣١، وروى ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٢/ ٥٢٦ من طريق جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: وإن أصحاب رسول الله - ﷺ - يشترون الطعام الرخيص ويتصدقون، فأنزل الله على نبيه الآية، وروى أبو داود (١٦٠٨) كتاب: الزكاة، باب: فلا يجوز في الثمرة من الصدقة، والنسائي ٥/ ٤٣ كتاب: الزكاة، باب زكاة الثمر، وابن ماجه (١٨٢١) كتاب: الزكاة، باب النهي أن يخرج من الصدقة شر ماله، والإمام أحمد ٦/ ٢٣، والحاكم ٢/ ٣١٣، وصححه عن عوف بن مالك قال: دخل علينا رسول الله - ﷺ - المسجد وبيده عصا، وقد علق رجل منا حشفه، فطعن بالعصا في ذلك القنو، وقال: \"لو شاء رب هذه الصدقة تصدق بأطيب منها\" الحديث، وليس فيه أن القصة كانت سبب نزول الآية.\n(٢) رواه عنه الطبري في \"تفسيره\" ٣/ ٨٤ بمعناه، وذكره في \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٦٢٣، \"النكت والعيون\" ١/ ٣٤٣.\n(٣) رواه عنه الطبري في \"تفسيره\" ٣/ ٨٣، وذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ١٦٢٣، والبغوي في \"تفسيره\" ١/ ٣٣٣.\n(٤) رواه عنه الطبري في \"تفسيره\" ٣/ ٨٣، وذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ١٦٢٣، والبغوي في \"تفسيره\" ١/ ٣٣٣، وعزاه السيوطي في \"الدر\" ١/ ٦١١ إلى سفيان بن عيينة والفريابي، وعزاه الحافظ في \"العجاب\" ١/ ٦٢٦ إلى عبد بن حميد.\n(٥) من قوله: (وقال علي). ساقط من (ي).","vol":"4","page":424},{"text":"يعني: الرديء من أموالكم (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ قال الفراء: (أن) هاهنا في مذهب جزاء، يدلك عليه: أن المعنى: إن أغمضتم بعض الإغماض أخذتموه، وإنما فتحتها لأن إلا وقعت عليها، وهي في موضعِ خفضٍ، وإذا رأيت (أن) في الجزاء قد أصابها معنى خفض أو نصب أو رفع، انفتحت فهذا من ذلك، والمعنى، والله أعلم: ولستم بآخذيه إلا على الإغماض، أو بإغماض، وعن إغماض. قال: ومثله: قوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَخَافَا﴾ [البقرة: ٢٢٩] ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ [البقرة: ٢٣٧] (٢).\nوأنكر المبرد ذلك، وقال: (أن) إذا كانت مع الفعل بمعنى المصدر كانت مفتوحة أبدًا على كل حال، وذلك نحو: أن تأتينى خير لك. والمعنى في الآية: ولستم بآخذيه إلا بإغماضكم فيه (٣).\nوالإغْمَاضُ في اللغة: غَضُّ البصر (٤)، وإطباق جَفْنٍ على جَفْنٍ، قال رؤْبة:\nأَرَّقَ عَيْنِي عن الإِغْمَاضِ ... بَرْقٌ سَرَى في عَارِضٍ نهّاض (٥)\nوأصله من الغموض، وهو الخفاء، غمُض الشيء يَغْمُضُ غُموضًا، والإغْمَاضُ والغَمْضُ (٦): إطباق الجفن؛ لأنه إِخْفَاءُ العين، والغَمْضُ:\n_________\n(١) \"تفسيرالثعلبي\" ٢/ ١٦٢٣.\n(٢) \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ١٧٨ بمعناه.\n(٣) نقله عنه في \"البحر المحيط\" ٢/ ٣١٨.\n(٤) في (ي): (الطرف).\n(٥) البيت في \"ديوانه\" ص ٨١، وكذا في \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٦٢٥، وفي \"اللسان\" ٦/ ٣٢٩٩ (مادة: غمض)، وروايته: أرَّق عينيك عن الغماض.\n(٦) في (ش) و(ي): (والتغميض).","vol":"4","page":425},{"text":"المتطامن الخفي من الأرض (١).\nوالمراد بالإغماض في الآية: التجويزُ والمساهلة، وذلك أن الإنسان إذا رأى ما يكره أَغْمَضَ عينه لئلا يرى ذلك، ثم كثر ذلك حتى جُعِلَ كلُّ تجاوز ومساهلة في البيع وغيره (٢) إغماضًا (٣).\nقال الطِّرِمَّاح في الإغماض بمعنى (٤) المساهلة:\nلم يَفُتْنا بالوِتْرِ قومٌ وللضيمِ ... رجالٌ يَرْضَونَ بالإِغْمَاضِ (٥)\nويقال من هذا: اغمض لي في البياعة، أي: زدني لمكان ردائته، أو حُط لي من ثمنه (٦)، ومعنى قوله: ﴿وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ يقول: أنتم (٧) لا تأخذونه إلا بِوَكْسٍ، فكيف تُعْطُونَه في الصَّدَقَةِ (٨).\n_________\n(١) ينظر في غمض: \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٦٩٧، \"المفردات\" ٣٦٧، \"اللسان\" ٦/ ٣٢٩٩، وقال في \"القاموس\" ٦٤٩: الغامض: المطمئن من الأرض، ج: غوامض، كالغمض، ج: غموض، وأغماض، وقد غمض المكان غموضا، وككرم: غموضة وغماضة، والرجل الفاتر عن الحملة، وخلاف الواضح من الكلام، وقد غمض ككرم ونصر: غموضة، والخامل: الذليل، والحسب الغير المعروف.\n(٢) سقطت من (ي).\n(٣) ينظر: \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٦٢٥، \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٦٩٧، \"المفردات\" ص ٣٦٧ (مادة: غمض).\n(٤) في (م): (يغض).\n(٥) البيت في \"ديوانه\" ص ١٧٠. وفي \"تفسير الطبري\" ٣/ ٨٤، والوِتْر: الثأر؛ وبالإغماض: أي الإغماض على الضيم، والتساهل فيه.\n(٦) ينظر: \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٦٩٧ (مادة: غمض).\n(٧) سقطت من (ي).\n(٨) ينظر: \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٦٩٧ (مادة: غمض).","vol":"4","page":426},{"text":"قال ابن عباس في رواية العوفي: لو كان لأحدكم على رجل حقٌّ فجاءه بهذا لم يأخذه إلا وهو يرى أنه قد أغمض له عن بعض حقه وتساهل فيه (١).\nوقال في رواية الوالبي: ولستم بآخذي هذا الرديء بحساب الجيد حتى تحطوا من الثمن (٢)، وبه قال الحسن (٣) وقتادة (٤)، وهذا القول يحمل على الإغماض إذا كان متعديًا إلى آخر، كما تقول: أغمضت بصر الميت وغَمَّضْتُه، كان المعنى: ولستم بآخذيه إلا إذا أغمضتم بصر البائع، يعني: أمرتموه بالإغماضِ والحطِّ من الثمن، فيكون المفعولُ محذوفًا في (٥) هذا (٦)، يدل على هذا المعنى: قراءة أبي مجلز ﴿تُغْمِضُوا﴾ فيه بضم التاء وفتح الميم (٧) يعني: إلا أن يُهضم لكم.\nقال صاحب \"النظم\": اختلف في نظم هذه الآية فريقان:\nأحدهما: زعم أن انتهاء الفصل الأول إلى قوله: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ﴾ ثم ابتدأ خبرًا آخر في وصف الخبيث، فقال: (تنفقون منه) أي: من\n_________\n(١) رواه عنه الطبري في \"تفسيره\" ٣/ ٨٤، \"ابن أبي حاتم\" في تفسيره ٢/ ٥٢٨.\n(٢) المصدرين السابقين.\n(٣) رواه عنه الطبري في \"تفسيره\" ٣/ ٨٥، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٢/ ٥٢٩، وذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ١٦٢٦، والبغوي في \"تفسيره\" ١/ ٣٣٣.\n(٤) رواه عنه الطبري في \"تفسيره\" ٣/ ٨٥، وذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ١٦٢٦، والبغوي في \"تفسيره\" ١/ ٣٣٣.\n(٥) في (ي): (على).\n(٦) ينظر: \"التبيان\" ص ١٦٢، \"البحر المحيط\" ٢/ ٣١٨.\n(٧) \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٦٢٥، وعزاها في \"المحتسب\" ١/ ١٣٩، و\"البحر المحيط\" ٢/ ٣١٩ إلى قتادة.","vol":"4","page":427},{"text":"الخبيث تنفقون، ولا تأخذون منه إلا إذا أغمضتم، أي: ساهلتم. وقوله تعالى: ﴿وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ﴾ الآخذون وصف وضع موضع الفعل، والمراد: لا تأخذون، كقوله: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ﴾ [الأعراف: ١٩٣] أي: أم صَمَتُّم، فيكون تأويل هذا الفصل: تنفقون منه ولا تأخذونه إذا وجب لكم إلا بالإغماض.\nالفريق الثاني: أن انتهاء الفصل: ﴿إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾، فيكون (الذي) مضمرًا، كأنه قيل: ولا تيمموا الخبيث منه الذي تنفقونه، ولستم بآخذيه إلا بالإغماض (١)، والعرب قد تضمر (الذي) كما ذكرنا في قوله: ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا﴾ [البقرة: ٢٥٦].\nقال المفسرون: وفي هذه الآية بيان أن الفقراء شركاء رب المال في ماله، فإذا كان ماله جيدًا فهم شركاؤه في الجيد، والشريك لا يأخذ الرديء من الجيد، إلا بالتساهل (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-485>٢٦٨ </span>- قوله تعالى: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ﴾ الفَقْرُ والفُقْرُ لغتان (٣)، وهو الضعف بقلة الملك، وأصل الفقر في اللغة: كسر الفَقَار، يقال: رجل فَقِرٌ وفَقِير: إذا كان مكسور الفَقَار (٤)، قال طرفة:\nإنَّنِي لَسْتُ بِمَوْهُونٍ فَقِرْ (٥)\n_________\n(١) سقطت هذه الجملة من (أ) و(م) و(ش).\n(٢) ينظر: \"تفسير الطبري\" ٣/ ٨٦، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٦٢٧.\n(٣) قال الليث: والفُقر: لغة رديئة. ينظر \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٨١٢ مادة (فقر).\n(٤) ينظر في الفقر: \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٨١٣، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٦٢٩، \"المفردات\" ٣٨٥، \"اللسان\" ٦/ ٣٤٤٤ مادة (فقر).\n(٥) صدره: وإذا تلسُنني ألسُنها.\nالبيت في \"ديوانه\" ص ٦٠، وفي \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٦٣٠، و\"اللسان\" ٦/ ٣٤٤٥ =","vol":"4","page":428},{"text":"وقال لبيد:\nرَفَعَ القَوَادِمَ كالفَقِيرِ الأعْزَلِ (١)\nولم يسمع من الفقر الذي هو ضد الغنى: فِعْل، إنما يُقَال: أَفْقَرَه الله فافتقر (٢).\nومعنى الآية: أن الشيطان يُخَوِّفكم بالفقر، ويقول (٣) للرجل: أمسك مالك، فإنك (٤) أن تصدقت افتقرتَ (٥).\nوالفحشاء: البخلُ ومنعُ الزكاة في هذه الآية، وروي عن مقاتل (٦) والكلبي (٧): أن كل فحشاء في القرآن فهو الزنى إلا في هذه الآية.\nقال الأزهري: والعَرَبُ تسمي البخيلَ فاحشًا، وأنشد لطرفة:\n_________\n= (مادة: فقر). يقول الشاعر: إذا أخذتني بلسانها وفخرت علي، انتصرت لنفسي وقابلتها بمثل ذلك.\nوالموهون: الضعيف. الفقر: الفقار، وهو كناية عن ضعف النفس واحتمال الذل. ينظر الديوان.\n(١) مطلع البيت:\nلما رأى لُبَدُ النُّسورَ تَطَايَرَتْ\nوالبيت في \"ديوانه\" ص ١٢٦. \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٨١٣ \"اللسان\" ٦/ ٣٤٤٥ (مادة: فقر) والأعزل من الخيل: المائل الذَّنَب، والفقير: المكسور الفَقَار، يضرب مثلًا لكل ضعيف لا ينفُذُ في الأمور.\n(٢) قال في \"اللسان\" ٦/ ٣٤٤٤ مادة (فقر) وقال سيبويه: وقالوا افتقر كما قالوا: اشتد، ولم يقولوا: فقُر، كما لم يقولوا: شدد، ولا يستعمل بغير زيادة.\n(٣) في (ي): (فإن كان).\n(٤) في (ي): (فإن كان).\n(٥) \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٦٣٠.\n(٦) ينظر: \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٦٣٠، وليس في \"تفسير مقاتل\".\n(٧) ذكره أبو الليث في \"بحر العلوم\" ١/ ٢٣١، والثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ١٦٣٠، والبغوي في \"تفسيره\" ١/ ٣٣٣.","vol":"4","page":429},{"text":"أرَى المَوْتَ يَعْتَامُ الكِرَامَ ويَصْطفي ... عَقِيلةَ مَالِ الفَاحِشِ المُتَشَدّدِ (١) (٢)\n﴿وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ﴾ أن يجازيكم على صدقتكم ﴿مَغْفِرَةً﴾ لذنوبكم، وأن يخلف عليكم (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-486>٢٦٩ </span>- قوله تعالى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ﴾ الآية. ابن عباس (٤) وقتادة (٥)، وأكثر المفسرين (٦) على أن المراد بالحكمة هاهنا: علم القرآن، والفهم فيه، والفقه في الدين.\nوقال السدي: هي النبوة (٧)، وقال مجاهد، في رواية ابن أبي نجيح (٨): هي الإصابة في القول والفعل (٩).\n_________\n(١) البيت في \"ديوانه\" ص ٣٤، و\"لسان العرب\" ٤/ ٢٢١٥ (مادة: شدد) ٦/ ٣٣٥٦ (مادة: فحش) ٥/ ٣١٩٥ مادة: عيم.\n(٢) \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٧٤٦، وينظر \"المفردات\" ٣٧٥ - ٣٧٦.\n(٣) \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٦٣٠.\n(٤) رواه أبو عبيد في \"الناسخ والمنسوخ\" ص ٥، والطبري في \"تفسيره\" ٣/ ٨٩، و\"ابن أبي حاتم\" في تفسيره ٢/ ٥٣.\n(٥) رواه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ١/ ١٠٩، والطبري ٣/ ٨٩، وذكره البغوي ١/ ٣٣٤.\n(٦) ينظر: \"تفسير الطبري\" ٣/ ٨٩، \"تفسير ابن أبي حاتم\" ٢/ ٥٣١، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٦٣١، \"الدر المنثور\" ٢/ ٦٦.\n(٧) رواه عنه الطبري في \"تفسيره\" ٣/ ٩١، وا بن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٢/ ٥٣٢، وذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ١٦٣١، والبغوي في \"تفسيره\" ١/ ٣٣٤.\n(٨) هو: أبو يسار عبد الله بن يسار بن أبي نجيح المكي الثقفي، مفسر، أخذ التفسير عن مجاهد وعطاء، من الرواة الثقات لكنه رمي بالقدر ولم يثبت عنه ذلك، توفي سنة ١٣١هـ. ينظر: \"طبقات المفسرين\" للداودي ١/ ٢٥٨، \"التقريب\" ص ٣٣٠ (٣٧١٩).\n(٩) في \"تفسير مجاهد\" ١/ ١١٦، ورواه الدارمي في \"السنن\" ٢/ ٤٣٦، والطبري في \"تفسيره\" ٣/ ٩٠، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٢/ ٥٣٢.","vol":"4","page":430},{"text":"قال المفضل: جماع الحكمة ما يَرُدُّ إلى الصواب (١)، ومضى الكلام\nفي الحكمة، ومعناها وأصلها في اللغة (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ أي: ما يتعظ إلا ذوو العقول، وإنما قيل: للاتعاظ: تَذَكُّر؛ لأنه ما لم يتذكر آيات الله وأوامره ونواهيه لم يتعظ، وإنما يتعظ بذكر ما يزجُره عن الفساد، ويدعوه إلى الصلاح، وذكرنا تفسير الألباب فيما تقدم (٣).\nقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ﴾ النذر: ما يلتزمه الإنسان لله بإيجابه على نفسه، يقال: نَذَر يَنذرُ وينذِر.\nقال جميل (٤):\nفلَيْتَ رِجَالًا فِيكِ قَدْ نَذَرُوا دَمِي ... وهَمُّوا بَقَتْلي يابُثَيْنُ لَقُونِي (٥)\n_________\n(١) \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٦٣٥، وقال ابن عطية في \"المحرر الوجيز\" ٢/ ٤٥٧: وهذه الأقوال كلها ما عدا قول السدي، قريب بعضها من بعض؛ لأن الحكمة مصدر من الإحكام، وهو الإتقان في عمل أو قول، وكتاب: الله حكمة، وسنة نبيه حكمة، وكل ما ذكر فهو جزء من الحكمة التي هي الجنس، وقال ابن كثير في \"تفسيره\" ١/ ٣٤٥: والصحيح: أن الحكمة كما قاله الجمهور لا تختص بالنبوة، بل هي أعم منها، وأعلاها النبوة، والرسالة أخص، ولكن لأتباع الأنبياء حظ من الخير على سبيل التبع.\n(٢) ينظر ما تقدم [البقرة: ٣٢]\n(٣) ينظر ما تقدم عند الآية ١٧٩.\n(٤) هو جميل بن عبد الله بن معمر العذري، تقدمت ترجمته الآية ٢٤٨.\n(٥) البيت في \"ديوانه\" ص ٧، و\"لسان العرب\" ٢/ ١٠٠٧ (مادة: حمم)، والأغاني ٨/ ٩٩، و\"شرح ديوان الحماسة\" للتبريزي ٣/ ١٧٠، و\"شرح ديوان الحماسة\" للمرزوقي ١/ ٣٢٤، و\"مختار الأغاني\" ٢/ ٢٣٧ انظر: \"المعجم المفصل\" ٨/ ٢٤٤.","vol":"4","page":431},{"text":"وأصله من الخوف، لأن الإنسان إنما يَعْقِدُ على نفسِهِ بالنذر خوفَ التقصير في الأمر المهم عنده (١).\nوهو في الشريعة على ضربين: مُفَسَّرٌ وغيرُ مُفَسَّرٍ.\nفالمفسر، مثل أن تقول: لله عليَّ عتقُ رقبة، ولله عليَّ حَجٌّ، وما أشبه هذا، فيلزمه الوفاء به لا يجزيه غير ذلك. وغيرُ المُفسَّر، أن يقول: نذرت لله أن لا أفعل كذا، ثم يفعله، أو يقول: لله عليّ نذر من غير تسمية، فيلزمه في ذلك كفارة يمين (٢)؛ لقول رسول الله - ﷺ -: \"من نذر نذرًا وسَمَّى، فعليه ما سَمَّى، ومن نذر نذرًا ولم يُسَمِّ، فعليه كفارةُ يمين (٣) \".\nوالمفسرون حملوا الإنفاق في (٤) هذه الآية على فرض الزكاة، والنذر على التطوع بالصدقة؛ لأن كل ما نوى الإنسان أن يتطوع به فهو نذر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-487>٢٧٠ </span>- وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ أي: يجازي عليه (٥)، فدل بذكر العلم على تحقيق الجزاء، كما قال: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧].\nوقوله تعالى: ﴿يَعْلَمُهُ﴾ ولم يقل: يعلمهما (٦)؛ لأن الكناية عادت\n_________\n(١) ينظر: في (نذر) \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٥٤٦، \"المفردات\" ص ٤٨٩، \"اللسان\" ٧/ ٤٣٩٠، و\"القاموس\" ص ٤٨١.\n(٢) ينظر: \"تفسير القرطبي\" ١٩/ ١٢٥.\n(٣) أخرجه أبو داود (٣٣٢٢) كتاب: الأيمان والنذور، باب: من نذر نذرًا لا يطيقه، وابن ماجه (٢١٢٧) كتاب: الكفارات، باب: من نذر نذرًا ولم يسمه.\n(٤) في (ي) و(ش): (من).\n(٥) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٣٥٢.\n(٦) في (ي) و(ش): (يعلمهما).","vol":"4","page":432},{"text":"إلى الآخر منهما (١)، كقوله: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا﴾ [النساء: ١١٢] هذا قول الأخفش (٢). وقال غيره: الكناية عادت إلى ما في قوله: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ﴾ لأنها اسم، كقوله: ﴿وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ (٣) [البقرة: ٢٣١].\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ وعيد لمن أنفق في غير الوجه الذي يجوز له، من ربا، أو معصية، أو من مال مغصوب مأخوذ من غير وجهه (٤).\nوالأنصار: جمع نصير، مثل: شريف وأشراف، وحبيب وأحباب (٥)، يعني: لا أحد ينصرهم من عذاب الله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-488>٢٧١ </span>- قوله تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ﴾ الآية. فنعما نزلت لما سألوا رسول الله - ﷺ -، فقالوا: صدقة السِّر أفضل أم صدقة (٦) العلانيهَ؟ (٧). والصدقة تطلق على الفرض والنفل، والزكاة لا تطلق إلا على الفرض.\n_________\n(١) في (ي): (منها).\n(٢) \"معاني القرآن\" للأخفش ١/ ١٨٦، وينظر: \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٦٣٩.\n(٣) ينظر: \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ٣٣٧، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٦٣٩، \"مشكل إعراب القرآن\" ١/ ١٤١، \"البحر المحيط\" ٢/ ٣٢٢، وذكر أن العطف إذا كان بأو كان الضمير مفردا؛ لأن المحكوم عليه هو أحدهما، وتارة يراعى الأول في الذكر، وتارة يراعى الثاني، وأما أن يأتي مطابقا لما قبله في التثنية والجمع فلا.\n(٤) ينظر: \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٦٤٠.\n(٥) \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٦٤٠، وينظر في (نصر): \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٥٨٤، \"المفردات\" ص ٤٩٧.\n(٦) سقطت من (ي).\n(٧) ذكره الثعلبي ٢/ ١٦٤٠، وذكره الواحدي في \"أسباب النزول\" ص ٩١، وابن=","vol":"4","page":433},{"text":"قال الزجاجي: أصل (١) صدق على هذا الترتيب موضوع للصحة والكمال، من ذلك قولهم: رجل صَدْقُ النظر، وصدق اللقاء، وصَدَقُوهم القتال، وفلان صادق المودة، وهذا خَلٌّ صادق الحُموضة، وشيء صادق الحلاوة، وَصَدَقَ فلانٌ في خبره، إذا أخبر به على الوجه الذي هو عليه صحيحًا كاملًا، والصَّدِيقُ سُمِّي صَدِيْقًا لِصِدْقِهِ في المَوَدَّة، والصَّدَاقُ سمي صَدَاقًا لأن عقد النكاح به يتم ويَكْمُل، وسَمَّى الله تعالى الزكاةَ صَدَقَةً لأن المال بها يَصِحُّ ويكْمُل، فهي سبب لكمال المال ونماه، كما أن الزكاة سميت زكاة لأن بها تزكو الأموال وتنمى وتزداد بأن يبارك الله فيها (٢).\nوقوله تعالى: ﴿فَنِعِمَّا هِيَ﴾ فيه ثلاثة أوجه من القراءة (٣):\nأحدها: كسر النون وجزم العين، وهو قراعةُ أبي عمروٍ، واختيار أبي عبيد، قال: لأنها لغة النبي - ﷺ -، حين قال لعمرو بن العاص (٤): \"نِعْمّا\n_________\n= الجوزي في \"زاد المسير\" ١/ ٣٢٥، وأبو حيان في \"البحر المحيط\" ٢/ ٣٢٣، والحافظ في \"العجاب\" ١/ ٦٢٧ عن الكلبي، وذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٣٨٤. عن ابن عباس.\n(١) ليست في (أ) و(م).\n(٢) لم أجده فيما بين يدي من كتب الزجاجي، وينظر: \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٥٤٢، \"المفردات\" ٢٨٠ - ٢٨٢.\n(٣) قرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وخلف بفتح النون وكسر العين، وقرأ ورش وابن كثير وحفص ويعقوب بكسر النون والعين، وقرأ أبو جعفر بكسر النون وإسكان العين، واختلف عن قالون والبصري وشعبة، فروي عنهم وجهان: الأول: كسر النون واختلاس كسرة العين، وهذا هو الذي ذكره الشاطبي. والثاني: كسر النون وإسكان العين كقراءة أبي جعفر، واتفقوا على تشديد الميم. ينظر \"السبعة\" ١٩٠، \"النشر\" ٢/ ٣٣٥ - ٣٣٦، \"البدور الزاهرة\" ٥٥ - ٥٦.\n(٤) هو: عمرو بن العاص بن وائل بن هشام بن سُعَيد القرشي السهمي، كان في =","vol":"4","page":434},{"text":"بالمال الصالح للرجل الصالح\" (١) هكذا روي في الحديث بسكون العين (٢)، وهذه القراءة لا تستقيم عند النحويين؛ لما فيها من الجمع بين ساكنين، الأول منهما ليس بحرف مدّ ولين، وإنما يجوز الجمع بين ساكنين إذا كان أحدهما حرف مدّ ولين، نحو: دابّة وشابّة؛ لأن ما في الحرف من المد يصير عوضًا من الحركة (٣).\nوأما ما ذكر أبو عبيد من أنها لغة النبي - ﷺ -، فقال الزجاج: لا أحسب أصحاب الحديث ضبطوا هذا، ولا هذه القراءة جائز عند النحويين البتة؛ لأن فيها الجمع بين ساكنين مع غير حرف من مد ولين (٤).\nومن احتج لأبي عمرو في هذه القراءة قال: لعله أخفى حركة العين، كأخْذِه بالإخفاء في نحو: بارئكم ويأمركم، فظن السامع الإخفاء إسكانًا،\n_________\n= الجاهلية من الأشداء على الإسلام، أسلم في هدنة الحديبية وأمَّرَه الرسولُ - ﷺ- على الجيش، كان من عظماء العربِ ودُهَاتهم، له فتوحاتٌ في الشام ومصر، توفي سنة ٤٣ هـ.\nانظر: \"فضائل الصحابة\" للإمام أحمد ٢/ ٩١١ \"أسد الغابة\" ٣/ ٢٤٤ - ٢٤٨، \"الأعلام\" ٥/ ٧٩.\n(١) حديث صحيح أخرجه الإمام أحمد ٤/ ١٩٧ (١٧٧٦٣)، (١٧٧٦٤)، ٤/ ٢٠٢ (١٧٨٠٢)، وأخرجه أبو عبيد في \"غريب الحديث\" ١/ ٩٣ - ٩٤، وابن أبي شيبة ٧/ ١٧ - ١٨، وأبو يعلى (٧٣٣٦)، وابن حبان (٣٢١٠)، (٣٢١١)، والطحاوي في \"شرح مشكل الآثار\" (٦٠٥٦)، (٦٠٥٧).\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٣٥٤، \"علل القراءات\" للأزهري ١/ ٩٧، \"تفسير\nالثعلبي\" ٢/ ١٦٤١ - ١٦٤٢، \"والنشر\" ٢/ ٢٣٦.\n(٣) من \"الحجة\" ٢/ ٣٩٦.\n(٤) \"معاني القرآن\" ١/ ٣٥٤.","vol":"4","page":435},{"text":"للطف ذلك في السمع وخفائه (١).\nوسمعت أبا الحسن القهندري ﵀ يحتج لقراءة أبي عمرو، يقول: إنه لم يُبال الجمع بين ساكنين؛ لقوة العين، وخفاء سكون الميم عند الإدغام إذ اللسان ينبو (٢) عن الحرف المدغم نبوة واحدة، ولا يظهر سكون المدغم (٣).\nالوجه الثاني من القراءة في هذا الحرف: (فنِعِما هي) بكسر النون والعين، قالوا: كسر العين اتباعًا لكسرة الفاء، فرارًا من الجمع بين ساكنين، فأتبع العين الفاء في الكسرة، هذا قول أكثرهم، وقال أبو علي الفارسي: لا يجوز أن تكون هذه القراءة ممن قال: نِعْم، فلما أدغم حرك العين، كما يقول ﴿يَهْدِي﴾ [يونس: ٣٥]، يتحرك الهاء إذا أدغمت التاء في الدال، وأنكر قول من قال: إن العين كسرت اتباعا للفاء (٤)، وقال: هذا لا يجوز في حرفين، وإنما جاز في يهدّي لأنه حرف واحد، ألا ترى أنه لا يجوز في قولك: هذا قرْم (٥) مالك، أن تدغم الميم في الميم ويحرك الراء،\n_________\n(١) من \"الحجة\" ٢/ ٣٩٧.\n(٢) في (أ): (بنوا).\n(٣) قال في \"النشر\" ٢/ ٢٣٦: وحكى النحويون الكوفيون سماعا من العرب (شهر رمضان) مدغمًا، وحكى ذلك سيبويه في الشعر، وروى الوجهين جميعًا عنه الحافظ أبو عمرو الداني، ثم قال: والإسكان آثر، والإخفاء أقيس، قلت: والوجهان: صحيحان غير أن النص عنهم بالإسكان، ولا يعرف الاختلاس إلا من طريق المغاربة ومن تبعهم اهـ.\n(٤) في (ي): النون مراده بالنون نون نعم والمراد فيما أثبتا الفاء أي فاء الفعل.\n(٥) هكذا بالأصل مضبوطة، وفي \"الحجة\": (قدم) ولعله أصوب.","vol":"4","page":436},{"text":"وكذلك: جسم ماجد، لا يجوز فيه الإدغام لما فيه من الجمع بين ساكنين، ولأنهما حرفان منفصلان، ولكن هذه القراءة على لغة من يقول في نعْم نِعِم. (١)\nوفي (نعم) أربع لغات:\nأحدها: نَعِم بفتح النون وكسر العين، وهو الأصل.\nوالثاني: نِعِم بكسر النون والعين، أتبعوا الأول الثاني؛ لأن الكسرة أشبه بحروف الحلق.\nوالثالث: نَعْمَ بفتح الأول وإسكان (٢) الثاني، فعلوا ذلك أيضًا تخفيفًا، وهكذا القول في بئس، وقد مضى الكلام فيهما عند قوله: ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾ [البقرة: ٩٠] بما فيه مقنع (٣).\nقال سيبويه: أما قولُ بعضهم في القراءة ﴿فَنِعِمَّا هِيَ﴾ فَحَرَّك العين، فليس على لغة من يقول: نِعْمَ ما، فأسكن العين، ولكن على لغة من قال: نِعِم فحرك العين.\nوحدثنا أبو الخطاب (٤): أنها لغة هُذيل (٥)، ولو كان الذي قال: نعمّا، ممن يقول في الانفصال: نِعْمَ، لم يجز الإدغام على قوله، لما يلزم\n_________\n(١) \"الحجة\" ٢/ ٣٩٧ - ٣٩٨.\n(٢) في (م): (سكون).\n(٣) لم يذكر في هذا الموضع اللغة الرابعة، وهي نِعْم، بكسر النون وإسكان العين، وينظر في لغاتها: \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٣٥٤، \"مشكل إعراب القرآن\" ١/ ١٤١.\n(٤) هو الأخفش الأكبر.\n(٥) ينظر: \"الكتاب\" لسيبويه ٤/ ٤٣٩ - ٤٤٠.","vol":"4","page":437},{"text":"من تحريك الساكن في المنفصل (١).\nالوجه الثالث من القراءة: (نَعِمّا هي) بفتح النون وكسر العين، ومن قرأ بهذه القراءة فقد جاء بالكلمة على أصلها، وهو نَعِمَ كما قال طرفة:\nنَعِمَ السَّاعُونَ في الأمْرِ المُبِرْ (٢)\nولا يجوز أن يكون ممن يقول: نَعْم قبل الإدغام، كما أن من قرأ: ﴿نِعِمَّا﴾ لا يكون ممنْ قال قبل الإدغام نِعْمَ، ولكن قارئ الوجه الثالث ممن يقول: نَعِم، فجاء بالكلمة على أصلها (٣).\nفأما (ما) في قوله: ﴿فَنِعِمَّا﴾ قال أبو إسحاق: (ما) في تأويل الشيء، أي: نعم الشيء هي (٤)، فعلى هذا (ما) تكون في محل الرفع.\nوقال أبو علي: الجيد في تمثيل هذا: أن يقال: (ما) في تأويل شيء؛\n_________\n(١) من \"الحجة\" ٢/ ٣٩٨.\n(٢) البيت في ديوان طرفة ص ٥٨، وروايته:\nخالتي والنفس قُدما إنهم ... نعِم الساعون في القوم الشطُر\nوذكره أبو علي في \"الحجة\" ٢/ ٣٩٨، وكذا التبريزي في \"شرح الحماسة\" ٢/ ٨٥ برواية:\nما أقلت قدماي إنهم ... نَعِم الساعون في الأمر المُبِر\nوعند سيبويه ٤/ ٤٤٠ برواية:\nما أقلت قدم ناعلها ... نعم الساعون في الحي الشطر\nوقد استوفى الكلام على الشاهد: البغدادي في \"خزانة الأدب\" ٤/ ١٠١، والمُبِر: الغالب، من أبره يبره، إذا قهره بفعال أو غيره. ينظر: \"اللسان\" ١/ ٢٥٢، ٢٥٣ [برر].\n(٣) من \"الحجة\" ٢/ ٣٩٨ - ٣٩٩.\n(٤) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٣٥٤.","vol":"4","page":438},{"text":"لأن (ما) هنا: نكرة فتمثيله بالنكرة أبين، والدليل على أن (ما) نكرة هنا: أنها لا تخلو من أن تكون معرفة أو نكرة، فإن كانت معرفة فلا بُدّ لها من صلة، وليس هنا (ما) توصَل به (ما) (١)، ألا ترى أن الذي بعدها اسم مفردٌ، وهو هي، والاسم المفرد لا يكون صلة لـ (ما) (٢)، وإذا كانت غير موصولة كانت منكورة، وإذا كانت منكورةً كانت منصوبةً، فـ (ما) في نعما بمنزلة سائر النكرات التي تنتصب في هذا الباب، فإن قلت: أرأيت (ما) إذا لم تكن موصولة هل تخلو من أن تكون موصوفة، وعلى هذا ما (٣) يذهب إليه فيها لا تكون موصوفة أيضًا؛ لأنه ليس في هذا الكلام ما يصح أن يكون وصفًا لها؟ قلنا: لا تكون هنا موصوفة، كما لم تكن في التعجب في قولنا: ما أحسن زيدًا، موصوفةً ولا موصولة (٤).\nوالمعنى في قوله: ﴿فَنِعِمَّا هِىَ﴾ أن في نعم ضميرُ الفاعل، و(ما) في موضع نصب، وهي تفسير الفاعل المضمر قبل الذكر، والمخصوص بالمدح بقوله: (نعم) هو. (هي) في قوله: ﴿فَنِعِمَّا هِىَ﴾ والمعنى: إن تبدوا الصدقات فيكم (٥) فنعم شيئًا إبداؤُها، وليس المعنى على أنه: إن تبدوا الصدقات فَنِعْمَ شيئًا الصدقات، إنما هو في الإظهار والإخفاء، وترجيح أحدهما على الآخر، وتعليمنا أيهما أصلحُ لنا وأفضلُ، فكما أن قوله:\n_________\n(١) سقطت من (ي).\n(٢) في \"الإغفال\" (لها) والمعنى واحد.\n(٣) (هذا) ليست في (أ) و(م) و(ش).\n(٤) من \"الإغفال\" ص ٥٤٧ - ٥٥٠ بتصرف واختصار.\n(٥) ليست في (م) ولا (ش) وكأنها تبدو في (أ) مكشوطًا عليها.","vol":"4","page":439},{"text":"﴿وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ المعنى فيه: فالإخفاءُ خيرٌ لكم، كذلك قوله: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ﴾ المعنى فيه: فنعم شيئًا إبداؤها، فالإبداء هو المخصوص بالمدح، إلا أن المضاف الذي هو الإبداء حُذِفَ، وأقيم المضاف إليه الذي هو ضمير الصدقات مقامه، فعلى هذا قوله: ﴿هِيَ﴾ في محل الرفع (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾\nالإخفاء: نقيض الإظهار، والخِفَاء: الغِطَاء، والخفيّة: عَرِينُ الأسد، لأنه يَخْتَفِي فيها.\nوالخوافي من الريش ما دون القوادم؛ لأنها تخفى بها (٢).\nوقوله تعالى: ﴿فَهُوَ﴾ كناية عن الإخفاء، لأن الفعل يدل على المصدر، أي: الإخفاء خير لكم (٣)، وإنما كان الإخفاء والله أعلم خيرًا؛ لأنه أبعدُ من أن يشوب الصدقة مُراءاةٌ للناس، وتصنعٌ لهم، فتخلص لله سبحانه (٤).\nفأما التفسير، فأكثر المفسرين على أن المراد بالصدقات في هذه الآية التطوّع لا الفرض؛ لأن القرض إظهاره أفضل من كتمانه، والتطوع كتمانه\n_________\n(١) من \"الحجة\" ٢/ ٣٩٩ بتصرف، وذكر الثعلبي في تفسيره \"الكشف والبيان\" ٢/ ١٦٤٠ أن (هي) في محل النصب، كما تقول: نعم رجلًا، فإذا عرفت رفعت فعلت: نعم الرجل زيد.\n(٢) ينظر في خفي: \"تهذيب اللغة\" ١/ ١٠٧٠، \"المفردات\" ١٥٩، \"اللسان\" ٢/ ١٢١٦، \"القاموس\" ١٢٨٠.\n(٣) \"الحجة\" ٢/ ٣٩٩، \"التبيان\" ص١٦٣.\n(٤) \"الحجة\" ٢/ ٣٩٩.","vol":"4","page":440},{"text":"أفضل، لأنه أبعد من الرياء، كما تقول في الصلاة، فإن فرض الصلاة (١) تؤدى في الجماعة ظاهرًا، وهو أفضل، والتطوع كتمانه أفضل (٢)، وهذا القول مرويٌّ عن ابن عباس (٣).\nوقال بعضهم: المراد بالصدقات، هاهنا، القرض، وكان كتمانه على عهد رسول الله - ﷺ - أفضل، لأن المسلمين إذ ذاك لم تكن تسبق إليهم ظِنَّةٌ في منع الواجب، فأما اليوم والناس يسيئون الظن فإظهار الزكاة أحسن، أما التطوع فإخفاؤه أحسن، فإنه أدلّ على أنه يراد به الله وحده، وهذا اختيار الزجاج (٤).\nوقال بعضهم: هذه الآية عامة في الصدقات والزكاة، والإخفاء في كل صدقة من زكاة وغيرها أفضل.\nوهذا قول الحسن (٥) وقتادة (٦).\nوقوله تعالى: ﴿وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ التكفير في اللغة: التغطية والستر، ورجل مُكَفَّرٌ في السلاح: مُغَطَّى فيه، ومنه، يقال: كفّر عن يمينه، أي: ستر ذَنْبَ الحِنْثِ بما بَذَلَ من الصدقة، والكَفَّارة الساترة لما\n_________\n(١) قوله: (فإن فرض الصلاة)، ساقطة من (أ) و(م).\n(٢) ينظر: \"تفسير الطبري\" ٣/ ٩٣، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٦٥٠، \"أحكام القرآن\" لابن العربي ١/ ٢٣٦، \"فتح الباري\" ٣/ ٢٨٩.\n(٣) رواه عنه الطبري في \"تفسيره\" ٣/ ٩٢، وفي \"زاد المسير\" ١/ ٣٢٥ - ٣٢٦.\n(٤) \"معاني القرآن\" ١/ ٣٥٤.\n(٥) ذكره في \"زاد المسير\" ١/ ٣٢٦، وذكره في \"النكت والعيون\" ١/ ٣٤٥.\n(٦) ذكره في \"زاد المسير\" ١/ ٣٢٦، والواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٣٨٥، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٢/ ٥٣٧. ورواه الطبري في \"تفسيره\" ٣/ ٩٢ بمعناه.","vol":"4","page":441},{"text":"حصل من الذنب (١).\nوالرفع (٢) في (يكفر) من وجهين:\nأحدهما: أن يجعله خبرَ مبتدأ محذوف، تقديره: ونحن نكفر.\nوالآخر: أن تستأنف الكلام وتقطعه مما قبله، ولا تجعل العاطف للإشراك، ولكن لعطف جملةٍ على جملةٍ، ومن هذا القبيل قوله: ﴿أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ (١٦) ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ﴾ [المرسلات:١٦ - ١٧] هو عطف جملة مستأنفة على معنى: نحن نفعل ذلك.\nومن قرأ: (ونكفر) بالنون والجزم، فوجهه: أن يُحْمَلَ الكلام على موضع قوله: ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ وموضِعُه جَزْمٌ، ألا ترى أنه لو قال: وإن تخفوها تكن أعظم لأجركم، لجزم، فقد علمتَ أن قولَه: ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ في موضع جزم، ومثله في الحمل على الموضع: قراءة من قرأ: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ﴾ [الأعراف: ١٨٦]، بالجزم، وقد ذكرنا هذا فيما تقدم.\nومن الحمل على المعنى قول أبي دؤادٍ:\nفَأَبْلُونِي بَلِيَّتَكُم لَعَلِّي ... أُصَالِحْكُم وأَسْتَدْرِجْ نَوِيَّا (٣)\n_________\n(١) ينظر في (مادة: كفر): \"تهذيب اللغة\" ٣١٦٠ - ٣١٦٤، \"المفردات\" ص ٤٣٥ - ٤٣٨، \"اللسان\" ٧/ ٣٨٩٧ - ٣٩٠٢.\n(٢) قرأ نافع وحمزة والكسائي (ونكفر) بالنون وجزم الراء، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وشعبة (ونكفر) بالنون ورفع الراء، وقرأ ابن عامر وحفص (ويكفر) بالياء والرفع. ينظر: \"السبعة\" ص ١٩١، \"الحجة\" ٢/ ٣٩٩ - ٤٠٠.\n(٣) البيت من الوافر، وهو لأبي دؤاد الإيادي في \"ديوانه\" ص ٣٥٠، \"الحجة\" ٢/ ٤٠١، \"الخصائص\" ٢/ ٣٤١، \"سر صناعة الإعراب\" ٢/ ٧٠١، \"شرح شواهد المغني\" ٢/ ٨٣٩، \"مغني اللبيب\" ٢/ ٤٢٣ بلا نسبة. ينظر: \"المعجم المفصل\" ٨/ ٣٦٥.","vol":"4","page":442},{"text":"واختلفوا في الياء والنون في (نكفّر) فمن قرأ بالياء، فلأن ما بعده على لفظ الإفراد، فيُكَفِّر أشبه بما بعده من الإفراد منه بالجمع، ومن قرأ بالنون على لفظ الجمع، فإنه أتى بلفظ الجمع، ثم أفرد بعد، كما أتى بلفظ الإفراد ثم جمع، في قوله: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾. ثم قال: ﴿وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ (١) [الإسراء: ١ - ٢].\nوقوله تعالى: ﴿مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ أدخل (من) للتبعيض؛ ليكون العباد فيها على وجل ولا يتكلوا (٢).\nوقال ابن الأنباري: (من) هاهنا توكيد للكلام، والتقدير: ويكفر عنكم سيئاتكم، فأكد (٣) الكلام بمن كما قال: ﴿وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ [محمد: ١٥].\nوقال عطاء عن ابن عباس: (من) هاهنا صلة للكلام، يريد: جميع سيئاتكم (٤).\n_________\n(١) \"الحجة\" ٢/ ٤٠٠ - ٤٠٢.\nوينظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٣٥٥ - ٣٥٦، \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ٣٣٨ - ٣٣٩، \"مشكل إعراب القرآن\" ١/ ١٤١، \"التبيان\" ص١٦٣، \"البحر المحيط\" ٢/ ٣٢٥.\n(٢) \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٦٤٩، \"البحر المحيط\" ٢/ ٣٢٦ قال: لأن الصدقة لا تكفر جميع السيئات.\n(٣) في (م): (وأكد).\n(٤) ينظر في إعراب الآية: \"تفسير الطبري\" ٥/ ٥٨٦، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٦٤٩، \"المحرر الوجيز\" ٢/ ٤٦٤، \"التبيان\" ص ١٦٣، \"البحر المحيط\" ١/ ٣٢٦، وقد خطأ ابن عطية من قال إنها زائدة، وضعف قول من جعلها سببية وقدر (من أجل ذنوبكم).","vol":"4","page":443},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-489>٢٧٢ </span>- قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ﴾ الآية. نزلت هذه الآية حين جاءت قُتيلة (١) أم أسماء بنت أبي بكر (٢) إليها تسألها، وكذلك جَدّتها، وهما مشركتان (٣)، أتتا أسماء تسألانها شيئًا، فقالت: لا أعطيكما حتى أستأمر رسول الله - ﷺ -، وإنكما لستما على ديني، فاستأمرته في ذلك، فأنزل الله في هذه الآية، وأمرها رسول الله - ﷺ - أن تتصدق عليهما (٤).\nوالمعنى: ليس عليك هدى من خالفك فتمنعهم الصدقة ليدخلوا في الإسلام حاجة منهم إليها. وأراد بالهدى هاهنا: هدى التوفيق وخلق الهداية؛ لأنه كان على رسول الله - ﷺ - هدى البيان والدعوة لجميع الخلق (٥)،\n_________\n(١) قتيلة بنت عبد العزى بن سعد الحامرية القرشية، والدة أسماء بنت أبي بكر، ذكرها بعضهم في الصحابيات اللواتي تأخر إسلامهن، وقال أبو موسى: ليس في شيء من الروايات ذكر إسلامها، وقولها: راغبة، أي: في الصلة، وقال الحافظ ابن حجر: إن كانت عاشت إلى الفتح فالظاهر أنها أسلمت. ينظر \"تجريد أسماء الصحابة\" ٢/ ٢٩٧، \"الإصابة\" ٨/ ١٦٩.\n(٢) أسماء بنت أبي بكر الصديق، عبد الله بن عثمان التيمية القرشية، ذات النطاقين، أسلمت بعد سبعة عشر إنسانا، توفيت سنة ٧٣ أو ٧٤ بعد مقتل ابنها عبد الله بأيام، وقد عاشت مائة عام. ينظر: \"معرفة الصحابة\" لأبي نعيم ٦/ ٣٢٥٣، \"الاستيعاب\" ٤/ ٣٤٤.\n(٣) في (ي) و(م): (مشتركان).\n(٤) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ١٦٥٥، والواحدي في \"أسباب النزول\" ص ٩٠، والحافظ في \"العجاب\" ١/ ٦٣٢ عن الكلبي، وذكره أبو الليث في \"بحر العلوم\" ١/ ٢٣٣، ونحوه عند مقاتل في \"تفسيره\" ١/ ١٤٤، والقصة في الصحيحين، لكن دون ذكر لسبب النزول، رواها البخاري (٢٦٢٠) كتاب: الهبة، باب: الهدية للمشركين، ومسلم (١٠٠٣) كتاب: الزكاة، باب: فضل النفقة والصدقة على الأقربين والزوج.\n(٥) \"تفسيرالثعلبي\" ٢/ ١٦٥٨.","vol":"4","page":444},{"text":"﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ قال ابن عباس: يريد: أولياءه (١).\n﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ﴾ أي: من مالٍ (٢) وهو شرط وجوابه ﴿فَلِأَنْفُسِكُمْ﴾ (٣).\n﴿وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ﴾ ظاهره خبر، وتأويله نهي، أي: ولا تنفقوا إلا ابتغاء وجه الله، فلما لم يجئ بلا وجاء بما صرفه عن وجه الجزم؛ لأن (ما) لا ينهى بها وإن كان جحدًا، وعادتهم في النهي أن يكون بـ لا، والخبرُ في النفي يأتي والمراد به النهي، كقوله: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩]. ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾ [البقرة: ٢٣٣] وفي الإثبات يأتي والمراد به الأمر، كقوله: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]. وكقوله: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ﴾ [البقرة: ٢٣٤] (٤).\nوأجرى كثير من أهل المعاني هذا على ظاهر الخبر (٥)، قال الزجاج: هذا خاص للمؤمنين، أعلمهم الله أنه قد علم أنهم يريدون بنفقتهم ما عند الله ﷿ (٦).\nوقال غيره: المراد بهذا نفي المنّ، يقول: ﴿وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ\n_________\n(١) ذكره في \"الوسيط\" ١/ ٣٨٧.\n(٢) \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٦٥٩.\n(٣) \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٦٥٩.\n(٤) ينظر: \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٦٥٩ - ١٦٦٠، \"البحر المحيط\" ٣٢٧/ ٢، \"غرائب التفسير\" ١/ ٢٣٣.\n(٥) ينظر: \"البحر المحيط\" ٢/ ٣٢٧.\n(٦) \"معاني القرآن\" ١/ ٣٥٥.","vol":"4","page":445},{"text":"وَجْهِ اللَّهِ﴾ فلا تَمُنُّوا به، إذ كان (١) ما تنفقون لأنفسكم من حيث هو ذخر لكم، ولابتغاء وجه الله الذي يُوفَّرُ به الجزاءُ لكم، فهو من كلِّ جهةٍ عائدٌ عليكم.\nوقال صاحب النظم: قوله تعالى: ﴿وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ﴾ حالٌ متوسط بين الجزاءِ والشرط، تأويله: وما تنفقوا من خير، وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله، أي: إذا أنفقتم على هذه الحال فلأنفسكم، كما تقول في الكلام: ما تفعل من خير، ولا تفعله إلا لله، فهو مقبولٌ منك.\nوقال بعضهم: القصد بقوله (٢): ﴿وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ﴾ أن يُعَلِّمَهُم التعميمَ بالإنفاق والصِّلَة، يقول: أنتم ما تنفقون (٣) أموالكم إلا ابتغاء وجه الله، فلا (٤) يضركم أن تبتغوا وجه الله بالإنفاق على المشركين، مثاله: قولك لمن تنصحه (٥): إن قصدك بالمعروف الثواب فلا تخصص به أولياءك دون أعدائك، فيستفاد من هذا تعليم التعميم، وتعليم كيفية القصد في الإعطاء.\nقال أهل العلم: وهذا في صدقة التطوع، أباح أن يتصدق على المليّ والذمي، فأما صدقة القرض فلا تجوز إلا للمسلمين (٦).\nوفي ذكر الوجه في قوله: ﴿ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ﴾ قولان:\n_________\n(١) في (ي): (ما إذا كان).\n(٢) في (ش): (تقوله).\n(٣) من قوله: (وما تنفقون)، ساقط من (ش).\n(٤) في (ي) و(ش): (لا).\n(٥) في (ش): (نصحته).\n(٦) \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٦٦٠.","vol":"4","page":446},{"text":"أحدهما: أن المراد منه تحقيق الإضافة؛ لأن ذكر الوجه يرفع الإبهام أنه له ولغيره، وذلك أنكَ لمَّا ذكرتَ الوجه ومعناه النفس، دل على أنك تصرِف الوهم عن الإشراك إلى تحقيق الاختصاص، فكنت بذلك محققًا للإضافة ومزيلًا لإبهام الشركة.\nالقول الثاني: أنك إذا قلت: فعلته لوجه زيد، كان أشرفَ في الذكر من: فعلتُه له، لأن وجه الشيء في الأصل أشرف ما فيه، ثم كثر حتى صارَ يدل على شرف الذكر في الصفة فقط من غير تحقيق وجه، ألا ترى أنك تقول: وجه الدليل كذا، وهذا وجه الرأي، ووجه الأمر، فلا تريد تحقيق الوجه، وإنما تريد أشرف ما فيه، من جهة شدةِ ظهورِهِ وحسن بيانه.\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ﴾ أي: يوفِّر لكم جزاءه، قال ابن عباس: يريد: يجازيكم في الآخرة (١).\nوإنما حسن ﴿إِلَيْكُمْ﴾ مع التوفية؛ لأنها تضمنت معنى التأدية (٢).\n﴿وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾ لا تنقصون من ثواب أعمالكم شيئًا، كقوله تعالى: ﴿آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [الكهف: ٣٣]، يريد: لم تنقص (٣) (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-490>٢٧٣ </span>- قوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ﴾ الآية. قال المفسرون: هؤلاء فقراء المهاجرين، كانوا نحوًا من أربعمائة رجل، لم يكن لهم مساكنُ بالمدينة ولا عشائر، حثّ الله ﷿ الناس (٥) على الإنفاق\n_________\n(١) ذكره في \"الوسيط\" ١/ ٣٨٨. وهذه الرواية تقدم الحديث عنها في قسم الدراسة.\n(٢) \"تفسيرالثعلبي\" ٢/ ١٦٦٠.\n(٣) في (ي): (ولم تنقص)، وهي ساقطة من (م).\n(٤) \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٦٦٠.\n(٥) سقطت من (ش).","vol":"4","page":447},{"text":"عليهم، فكان (١) مَن عنده فضل أتاهم به إذا أمسى (٢).\nواللام في قوله: ﴿لِلْفُقَرَاءِ﴾ متعلق بمحذوف، تأويله: هذه الصدقات، أو النفقة للفقراء، وقد تقدَّم ما يدل عليه؛ لأنه قد سبق ذكر الإنفاق والصدقات.\nقال ابن الأنباري: وهذا كما تقول: عاقل لبيب، إذا تقدم وصف رجل، والمعنى: الموصوف عاقل لبيب (٣) وكذلك كتبوا على الأكياس: ألفان ومائتان، والمعنى: الذي في الكيس ألفان، وأنشد:\nتَسْألُنِي عن بَعْلِها أيُّ فَتَى ... خَبٌّ جَزُوعٌ وإذا (٤) جَاعَ بَكَى (٥)\nأراد: هو خَبٌّ، فَحَذَف المبتدأ وأبقَى خبره.\nوكثير من الناس قالوا: هذه اللام مردودة على موضع اللام من قوله: ﴿فَلِأَنْفُسِكُمْ﴾ كأنه قال: وما تنفقوا من خير فلأنفسكم، للفقراء، فأبدل الفقراء من الأنفس (٦)، وهذا غلط؛ لأن بدل الشيء من غيره لا يكون إلا والمعنى مشتمل عليه، وليس كذلك ذكر النفس هاهنا؛ لأن (٧) الإنفاق لها\n_________\n(١) في (ي): (وكان).\n(٢) ينظر: \"تفسير مقاتل\" ١/ ١٤٤، \"بحر العلوم\" ١/ ٢٣٣، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٦٦١، و\"العجاب\" ١/ ٦٣٣، \"الدر المنثور\" ١/ ٦٣٣.\n(٣) من قوله: (إذا تقدم)، ساقط من (ي).\n(٤) في (ي): (إذا).\n(٥) هما بيتان وردا هكذا:\nيسألها عن بعلها أي فتى ... خب جبان وإذا جاع بكى\nوالبيتان لشماخ بن ضرار، في \"ديوانه\" ص ١٢٨.\n(٦) \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٦٦٠ - ١٦٦١، \"البحر المحيط\" ٢/ ٣٢٨.\n(٧) في (م): (لأن المعنى).","vol":"4","page":448},{"text":"من حيث هو عائد عليها، وللفقراء من حيث هو واصل إليهم، وليس من ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧] لأن الأمر لازم للمستطيع خاصة.\nولا يجوز أيضًا أن يكون العامل في هذه اللام (تنفقوا) إلا الأخير في الآية المتقدمة؛ لأنه لا يفصل بين العامل والمعمول فيه بما ليس منه، كما لا يجوز: كانت زيدًا الحُمّى تأْخُذُ (١).\nوقوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الإحصار في اللغة: أن يعرِضَ للرجل ما يحول بينه وبين سفره، من مرض أو كسر أو عدوٍّ أو ذهابِ نفقةٍ أو عَطَبِ رِكَابٍ، أو ما جرى مجرى هذه الأشياء. يقال: أُحْصِرَ الرجل فهو مُحْصَر، ومضى الكلام في معنى الإحصار عند قوله: ﴿فَإِنْ أحُصِرتُم﴾ [البقرة: ١٩٦] بما يغني عن الإعادة.\nفأما التفسير، فقد فسرت (٢) هذه الآية بجميع الوجوه والأعذار (٣) التي ذكرنا في معنى الإحصار، فقال قتادة: حبسوا أنفسهم في سبيل الله، أي: في طاعته للغزو، فلا يتفرغون إلى طلب المعاش (٤)، وبقريب (٥) من\n_________\n(١) ينظر في إعراب الآية: \"تفسير الطبري\" ٣/ ٩٦، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٦٦٠ - ١٦٦١، و\"إعراب مشكل القرآن\" ١/ ١٤٢، \"التبيان\" ص ١٦٤، \"البحر المحيط\" ٢/ ٣٢٨، واستبعد قول من قال: التقدير: إن تبدوا الصدقات للفقراء، وكذلك من علقه بقوله: \"وما تنفقوا من خير\" وكذلك من جعل (للفقراء) بدلًا من قوله: (فلأنفسكم) لكثرة الفواصل المانعة من ذلك.\n(٢) في (م): (فسر).\n(٣) في (أ) و(م) كتبت كلمة لم أستطع قراءتها.\n(٤) رواه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ١/ ١٠٩، والطبري ٣/ ٩٦، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٢/ ٥٤٠.\n(٥) في (أ) و(ي) و(م): (ويقرب).","vol":"4","page":449},{"text":"هذا القول قال ابن زيد، لأنه يقول: من كثرة ما جاهدوا صارت الأرض كلُّها حربًا عليهم، لا يتوجهون جهةً إلا ولهم فيها عدو (١)، فهذا القول كالأول، من حيث إن خوف العدو منعهم عن السفر، إلا أن الخوف في هذا القول على أنفسهم لو خرجوا، وفي الأول على بيضة الإسلام بقوة العدو واستيلائهم (٢) لو خرجوا لطلب المعاش. وقال سعيد بن المسيب (٣): هؤلاء قوم أصابتهم جراحات مع رسول الله، وصاروا زَمْنَى، فأحصرهم المرض والزمانة عن الضرب في الأرض (٤)، فعلى هذا القول هم محصرون (٥) بالمرض والزمانة، وهذا القول اختيار الكسائي (٦)؛ لأنه يجعل الإحصار من الخوف والمرض. وقال ابن عباس، في رواية عطاء: هؤلاء قوم من المهاجرين حبسهم الفقر عن الجهاد في سبيل الله، فعذرهم الله، فقال: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ﴾ يريد: الجهاد (٧)، وعلى\n_________\n(١) رواه عنه الطبري في \"تفسيره\" ٣/ ٩٦ - ٩٧، وذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ١٦٦٧، والبغوي في \"تفسيره\" ١/ ٣٣٧.\n(٢) في (ي): (لاستيلائهم).\n(٣) كذا في الأصل، والذي عند ابن أبي حاتم ٢/ ٥٤٠، والثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ١٦٦٧، وفي \"الدر المنثور\" ١/ ٦٣٣ هو سعيد بن جبير.\n(٤) رواه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٢/ ٥٤٠، وذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ١٦٦٧، والبغوي في \"تفسيره\" ١/ ٣٣٧، وعزاه في الدر ١/ ٦٣٣: إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(٥) في (ي): (محصورون).\n(٦) نقله عنه الثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ١٦٦٧، و\"باهر البرهان في معاني مشكلات القرآن\" لمحمود النيسابوري ١/ ٢٦٦، و\"زاد المسير\" ١/ ٣٢٨.\n(٧) هذه الرواية تقدم الحديث عنها في قسم الدراسة. وذكرها في \"زاد المسير\" ٣٢٨ والواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٣٨٨.","vol":"4","page":450},{"text":"هذا القول هم محصرون بذهاب النفقة وعدم الرِكاب.\nوقوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ﴾ يقال: ضَربْتُ في الأرض ضَرْبًا ومضربًا، إذا سرت فيها. قال الشاعر:\nلَحِفْظُ المَالِ أَيْسَرُ من بُغَاه ... وضربٍ في البلادِ بِغَيْرِ زَادِ (١)\nوالضرب يقع على معان كثيرة (٢)، وهؤلاء إنما لا يستطيعون الضرب في الأرض، لأن الفقر منعهم عن جهاد العدو، على قول ابن عباس، والضرب في الأرض على هذا السفر للجهاد، وهم لا يستطيعون ذلك للفقر، وعلى قول سعيد للزمانة لا يمكنهم السفر، وعلى قول ابن زيد، إشفاقًا على أنفسهم من الاغتيال وإيقاع المكروه بهم لا يمكنهم السفر، وعلى قول قتادة، لا يستطيعون ضربًا لأنهم قد ألزموا أنفسهم أمر الجهاد، فمنعهم ذلك من ليس أنهم لا يقدرون أن يتصرفوا، وهذا كقولك: أمرني الوالي أن أقيم فما أقدر أن أخرج، فالمعنى: أني قد ألزمت نفسي طاعته، لا أنه لا يقدر على الحركة وهو صحيح سَوِيّ.\nوقوله تعالى: ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ﴾ يقال: حَسِبْتُ الشيءَ أَحْسَبُهُ وأَحْسِبُه حُسْبَانًا، وقرئ في القرآن ما كان من (٣) الحسبان باللغتين جميعًا،\n_________\n(١) البيت للمتلمس جرير بن عبد المسيح في \"ديوانه\" ص ١٧٢ وقبله:\nقليل المال تُصْلِحه فيبقى ... ولا يبقى الكثير مع الفساد\nوينظر \"الشعر والشعراء\" لابن قتيبة ص ١٠٢، \"الأغاني\" ٢٣/ ٥٧٠، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٦٦٦، \"فصل المقال في شرح كتاب الأمثال\" ١/ ٢٨٣.\n(٢) ينظر في ضرب: \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢١٠٣ - ٢١٠٦، \"المفردات\" ص ٢٩٨، \"اللسان\" ٥/ ٢٥٦٥ - ٢٥٧٠. قال الراغب: الضرب: إيقاع شيء على شيء، ولتصور اختلاف الضرب خولف بين تفاسيرها.\n(٣) من سقطت من (ش) وفي (ي): (في).","vol":"4","page":451},{"text":"الفتح والكسر، والفتح عند أهل اللغة أقيس، لأن الماضي إذا كان على فَعِلَ نحو: حَسِبَ، كان المضارع على يفعَل، مثل: فرِق يفرَق، وشرِبَ يشرَبُ، وشذ يحسِبُ فجاء على يفعِل في حروف أُخر، والكسر حسن لمجيء السمع به، وإن كان شاذًّا عن القياس (١).\nوقوله تعالى: ﴿الْجَاهِلُ﴾ لم يرد الجهل الذي هو ضد العقل، وإنما أراد الجهل الذي هو ضد الخبرة، يقول: يحسبهم من لم يختبر أمرهم ﴿أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾ (٢)، وهو تفَعُّلٌ من العِفّة، ومعنى العِفَّةِ في اللغة: تَرْكُ الشيءِ والكَفُّ عنه، قال رؤبة:\nفعَفَّ عن أسرَارِها بَعْدَ العَسَق (٣) (٤)\nأي: تركها (٥). وأراد: من التعفُّف عن السؤال، فتركه للعلم به، وإنما يحسبهم أغنياء لإظهارهم التحمل وتركهم المسألة.\n_________\n(١) من \"الحجة\" لأبي علي ٢/ ٤٠٢ - ٤٠٣ بتصرف، وينظر \"تهذيب اللغة\" ١/ ٨٠٩ - ٨١٢ مادة \"حسب\".\n(٢) \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٦٧٠\n(٣) في (م): (العشق)، وفي (أ): (الغشق)، وفي (ش): (عند) بدل (عن).\n(٤) البيت في \"ديوانه\" ص ١٠٤ من قصيدة وصف المفازة، وينظر \"الزاهر\" ٢/ ٣٢٤، \"مجاز القرآن\" ١/ ٧٦، والطبري في \"تفسيره\" ٣/ ٩٧، ومعنى العسق: عسق بالشيء إذا لزق به، ينظر \"عمدة القوي والضعيف\" ص ٧، \"الوسيط\" للواحدي ١/ ٣٨٩.\n(٥) ينظر في عفف: \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٥٠٠، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٦٧١، \"المفردات\" ص٣٤٢،\"اللسان\" ٥/ ٣٠١٥، قال الراغب: العفة: حصول حالة للنفس تمتنع بها عن غلبة الشهوة، المتعفف: المتعاطي لذلك بضرب من الممارسة والقهر، وأصله: الاقتصار على تناول الشيء القيل الجاري مجرى العفافة.","vol":"4","page":452},{"text":"وقوله: ﴿تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾ السِّيْمَا والسِّيْمَاءُ والسِّيْمِيَاءُ: العَلاَمَةُ التي يُعْرف بها الشيء، وأصلها من السِّمَة التي هي العلامة، قلبت الواو إلى موضع العين، ووزنه يكون: عِفْلَى، كما قالوا: له جَاهٌ في الناس، أي: وجه، وأرض خَامة، أي: وَخْمَةٌ، واضْمَحَلَّ الشىء وامْضَحَلّ، ذكره الفراء في كتاب \"المصادر\" في سورة الأعراف.\nوقال قوم: أصل السيما الارتفاع؛ لأنها علامة رفعت للظهور (١).\nقال مجاهد: سيماهم التخشع والتواضع (٢).\nوقال الربيع (٣) والسدي (٤): أثر الجهد من الحاجة والفقر. الضحاك: صفرة ألوانهم من الجوع والضر (٥).\nابن زيد: رثاثة ثيابهم، والجوع خفي (٦).\nوقوله تعالى: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ الإلحاف في اللغة: هو الإلحاح في المسألة (٧)، ومنه الحديث: \"من سأل وله أربعون درهما فقد ألحف (٨) \".\n_________\n(١) ينظر في السيما: \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٦٠٠ - ١٦٠٢ مادة \"سام\"، \"المفردات\" ص ٢٢٥ - ٢٢٦، \"اللسان\" ٤/ ٢١٥٨ - ٢١٥٩ (مادة: سوم).\n(٢) في \"تفسيره\" ١/ ١١٧، ورواه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ١/ ١٠٩، والطبري في \"تفسيره\" ٣/ ٩٨، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٢/ ٥٤١.\n(٣) رواه عنه الطبري في \"تفسيره\" ٣/ ٩٨، \"ابن أبي حاتم\" في تفسيره ٢/ ٥٤١.\n(٤) رواه عنه الطبري في \"تفسيره\" ٣/ ٩٨، \"ابن أبي حاتم\" في تفسيره ٢/ ٥٤١ بمعناه.\n(٥) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ١٦٧٢، والبغوي في \"تفسيره\" ١/ ٣٣٨، والواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٣٨٩.\n(٦) رواه عنه الطبري في \"تفسيره\" ٣/ ٩٨، وذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ١٦٧٢.\n(٧) ينظر: \"المفردات\" ص ٤٥٢، \"اللسان\" ٤/ ٤٠٠٩ (مادة: لحف).\n(٨) الحديث رواه الطبراني في \"الكبير\" ٢/ ١٥٠، وعنه أبو نعيم في \"الحلية\" ١/ ١٦١،=","vol":"4","page":453},{"text":"وقال أبو الأسود الديلي: ليس للسائل الملحف متل الرد الحامس. قال الزجاج: ومعنى ألحف: شَمِلَ بالمسألة، واللحاف (١) سمي لحافًا؛ لأنه شَمِلَ الإنسانَ في التغطية (٢)، فالإلحاف في المسألة، هو أن (٣) يشتمل على وجوه الطلب في المسألة، كاشتمال اللحاف في التغطية، في قول الزجاج.\nوقال غيره: معنى الإلحاف في المسألة: مأخوذ من قولهم: ألحف الرجل، إذا مشى في لَحْفِ الجبل، وهو أصله، كأنه استعمل الخشونة في الطلب (٤). فأما التفسير، فقال ابن عباس، في رواية عطاء: يقول: إذا كان عنده غداءٌ لم يسأل عشاءً، وإذا كان عنده عشاءٌ لم يسأل غداءً (٥). فعلى\n_________\n= ورواه الثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ١٦٧٤ قال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" ٩/ ٣٣٤: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح غير عبد الله بن أحمد بن عبد الله بن يونس، وهو ثقة. قال الدكتور المنيع في تحقيقه \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٦٧٦: وله شواهد يترقى بها للحسن لغيره، ثم ذكر حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رواه النسائي ٥/ ٩٨، كتاب: الزكاة، باب من الملحف، وابن خزيمة ٤/ ١٠١، والبيهقي ٧/ ٢٤، وحديث عطاء بن يسار عن رجل من بني أسد به مطولًا، رواه مالك في الموطأ ٢/ ٩٩٩، وأبو داود (١٦٢٧) كتاب: الزكاة، باب: من يعطي من الصدقة وَحَدُّ الغني، والنسائي ٥/ ٩٨، كتاب: الرعاب، باب: من الملحف، وأحمد ٤/ ٣٦.\n(١) في (م): (باللحاف).\n(٢) \"معاني القرآن\" ١/ ٣٥٧.\n(٣) في (م): (أنه).\n(٤) ينظر: \"تفسير الطبري\" ٣/ ٩٩، \"معاني القرآن\" للنحاس ١/ ٣٠٤، \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٣٠٤.\n(٥) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ١٦٧٣، والبغوي في \"تفسيره\" ١/ ٣٣٨ عن عطاء، وذكره في \"الوسيط\" ١/ ٣٩٠. وقد تقدم الحديث عن هذه الرواية في القسم الدراسي.","vol":"4","page":454},{"text":"هذا التفسير يجوز أن يسألوا الناس غير إلحاف، لأن الله تعالى نفى عنهم السؤال إلحافًا، وهو أن يسألوا مع الاستغناء عن المسألة.\nوقال الفراء (١) والزجاج (٢) وأكثر أهل المعاني (٣): لا يجوز أن يَسْألوا غير إلحافٍ أيضًا، لما وصفوا به من التعفف والمعرفة بسيماهم، دون الإفصاح (٤) بسؤالهم، إذ لو أفصحوا لم يحسبهم الجاهل أغنياء؛ لأنه إنما جهل ما لا ينال (٥) بالاستذلال.\nثم اختلفوا في وجه قوله: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ فقال الزجاج: المعنى: أنه ليس منهم سؤال فيكون إلحاف، كما قال امرؤ القيس:\nعلى لاحبٍ لا يُهْتَدَى بمَنَارِه ... إذا سَافَهُ العَوْدُ الدِّيَّافيُّ جَرْجَرَا (٦)\nالمعنى: ليس به منار فيُهتدى به، كذلك ليس من هؤلاء سؤال فيقع\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ١٨١.\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٣٥٧.\n(٣) ينظر: \"تفسير الطبري\" ٣/ ٩٩، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٦٧٣، و\"أمالي المرتضى\" ١/ ٢٢٨.\n(٤) في (م): (الالحاف صاح).\n(٥) في (ش): (ما نال)، وفي (ي): (ما ينال).\n(٦) البيت في \"ديوانه\" ص ٦٤، وأمالي المرتضى ١/ ١٦٥ \"لسان العرب\" ٣/ ١٤٦٦ مادة: ديف، ١٤٦٦٣ مادة: سوف ٤/ ٢١٥٣ مادة: لحف. وقوله: سلفه: شمه، العَوْدُ: المُسِنّ من الإبل - الدِّيافيّ: نسبة إلى دياف قرية بالشام، جرجرا: أخرج شقشقته وصاح، ولاحب: الطريق الواضح. ويروى النياطي، وهو الأكثر، بمعنى الضخم الجسيم، والشاعر يصف طريقًا إذا شمه البعير المُسن عرفه فاستبعده وذكر ما يلحقه فيه من المشقة فجرجر لذلك. ينظر (أمالي المرتضى١/ ٢٢٨ - ٢٢٩).","vol":"4","page":455},{"text":"فيه (١) إلحاف (٢).\nونصر ابن الأنباري هذه الطريقة، وقال: تأويل الآية: لا يسألون ألبتة فيخرجهم السؤال في بعض الأوقات إلى الإلحاف، فجرى هذا مجرى قولك: فلان لا يُرجَى خيرُه، أي: ليس فيه خيرٌ ألبتة فَيُرْجَى، وأنشد قول امرئ القيس:\nوَصُمٌّ صِلابٌ ما يَقِيْنَ من الوَجَى ... كأنَّ مَكَانَ الرِّدْفِ (٣) منه على رال (٤)\nأراد: ليس بهن وَجًى فَيَشْتَكِينَ من أجله، وقوله: يقين يقال: مرَّ الفرسُ يقي ويتقي، إذا هابَ المشيَ من وَجًى أو حفًا، يقال: فرسٌ واقٍ، وخيلٌ أواقٍ.\nوقال الأعشى:\nلا يغمز السَّاقَ من أيْنٍ ولا وَصَبٍ ... ولا يَعَضُّ على شُرْسُوفه الصَّفَرُ (٥)\nمعناه: ليس بساقه أينٌ ولا وصبٌ فيغمرها، ليس أن هناك أينًا ولا يَغْمِزُهُ هو (٦).\n_________\n(١) سقطت من (ي).\n(٢) \"معاني القرآن\" ١/ ٣٥٨، ينظر: \"المحرر الوجيز\" ٢/ ٤٧١.\n(٣) في (م): (الزحف).\n(٤) البيت في \"ديوانه\" ص ١٢٨.\n(٥) البيت في \"غريب الحديث\" ١/ ٢٦، و\"الكامل\" للمبرد ٤/ ٦٥، و\"الخزانة\" ١/ ١٩٧، و\"لسان العرب\"٤/ ٢٤٥٨ (مادة: صفر). ومعنى لا يعمز الساق: لا يحبسها، يصف جلده وتحمله المشاق، والأين: الإعياء، والوصب: الوجع، والشرسوف: العظم الزائد فوق القلب وأطراف الأضلاع. وينظر \"الوسيط\" للواحدي ١/ ٣٩٠.\n(٦) ليست في (أ) و(م).","vol":"4","page":456},{"text":"ونصر أبو علي هذه الطريقة، وقال: لم يثبت في قوله: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ مسألة منهم، لأن المعنى: ليس منهم مسألة فيكون منهم إلحاف، قال. ومثل ذلك قول الراجز (١):\nلا يُفْزعُ الأَرْنَبَ أهوالُها ... ولا تَرَى الضَّبَّ بها يَنْجَحِرْ (٢)\nأي: ليس بها أَرْنَبٌ فتفزع لهولها، ولا ضبٌ فينجحر، وليس المعنى: أنه ينفي الفزع عن الأرنب، والانجحار عن الضب (٣).\nوقال الفراء: نَفَى الإلحاف عنهم، وهو يريد جميعَ وجوه السؤال، كما تقول في الكلام: قل ما رأيت مثل هذا الرجل، ولعلك لم تر قليلًا ولا كثيرًا من أشباهه (٤).\nوحكى ابن الأنباري عن بعضهم: أن معنى الآية: لا يسألون الناس إلحافًا ولا غير إلحاف، فاكتُفي بالإلحاف من غيره، وجاز اختصاصه بالذكر؛ لأن القصد إنما هو نفي صفة الذم عنهم، وهذا كقوله: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: ٨١] والبرد فاكتُفي بالحر من البرد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-491>٢٧٤ </span>- قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً﴾ الآية.\n_________\n(١) في (ي): (الشاعر).\n(٢) البيت لعمرو بن أحمر في وصف فلاة، في \"ديوانه\" ص ٦٧، \"الخزانة\" ٢٧٣٤. \"شرح أشعار الهذليين\" ١/ ٣٦، \"الخصائص\" ٣/ ١٦٤،٣٢١، \"الحجة\" لأبي علي ٢/ ٤٧ المعنى: نفى أن يكون في الفلاة حيوان.\n(٣) \"الحجة\" ٢/ ٤٧.\n(٤) \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ١٨١.","vol":"4","page":457},{"text":"قال ابن عباس، في رواية مجاهد (١) وعطاء (٢): كان عند علي بن أبي طالب أربعة (٣) دراهم لا يملك غيرها، فتصدق بدرهمٍ سرًّا، ودرهمٍ علانيةً، ودرهمٍ ليلًا، ودرهمٍ نهارًا، فنزلت هذه الآية.\nوقال في رواية الضحاك (٤): لما أنزل الله قوله: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا﴾ [البقرة: ٢٧٣] الآية. بعث عبد الرحمن بن عوف إليهم بدنانير كثيرة، وبعث علي بن أبي طالب في جوف الليل (٥) بوسق من تمر، وهو ستون صاعًا، فكان (٦) أحب الصدقتين إلى الله تعالى صدقة علي بن أبي طالب، وأنزل فيهما: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ﴾ الآية. عنى بالنهارِ علانيةً، صدقة عبد الرحمن، وبالليل سرًّا، صدقة علي.\nوروى حنش بن عبد الله الصنعاني (٧) عن ابن عباس، قال: هذه الآية\n_________\n(١) الحديث رواه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ١/ ١٠٨، ومن طريقه النحاس في \"معاني القرآن\" ١/ ٣٠٥، والطبراني في \"المعجم الكبير\" ١١/ ٨٠، والواحدي في \"أسباب النزول\" ص ٩٢، \"ابن أبي حاتم\" في تفسيره ٢/ ٥٤٣، وابن عساكر في \"تاريخ دمشق\" ٤٢/ ٣٥٨، والثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ١٦٨٨، وعزاه الحافظ في \"الحجاب\" ١/ ٦٣٤ والسيوطي في \"الدر\" ١/ ٦٤٢ إلى ابن مردويه، وإلى الطبري في \"تفسيره\"، قال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" ٦/ ٣٤٧: وفيه عبد الوهاب بن مجاهد وهو ضعيف، وقد حسن الدكتور المنيع في تحقيق \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٦٨٩ إسناد الثعلبي. وينظر: \"تفسير ابن كثير\" ١/ ٣٤٩.\n(٢) لم أجده عن عطاء، وهو من الرواية التي تقدم الحديث عنها في قسم الدراسة.\n(٣) في (ش): (أربع).\n(٤) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ١٦٩٣، والبغوي في \"تفسيره\" ١/ ٣٤٠، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ١/ ٣٣٠، وهو من رواية جويبر عن الضحاك، وجويبر ضعيف جدًّا، والضحاك لم يسمع من ابن عباس.\n(٥) سقطت من (ش).\n(٦) في (ي): (وكان).\n(٧) هو: حنش بن عبد الله، ويقال: ابن علي بن عمرو السبئي، أبو رِشدين الصنعاني،=","vol":"4","page":458},{"text":"في علف الخيل (١).\nوبه قال أبو أمامة (٢) وأبو الدرداء (٣) ومكحول (٤) والأوزاعي (٥)، قالوا (٦): هم الذين يرتبطون الخيل في سبيل الله، ينفقون عليها بالليل والنهار، سرًّا وعلانيةً، نزلتْ فيمنْ لم يرتبطها لخيلاء ولا مِضْمَار (٧).\nوروي هذا مرفوعًا عن النبي أنه قال (٨): \"هذه الآية نزلت في أصحاب الخيل (٩) \".\n_________\n= نزيل إفريقيا، كان تابعيًّا ثقة شجاعًا من القادة، غزا المغرب والأندلس وأسَّسَ جامع قرطبة، توفي سنة ١٠٠ هـ. ينظر \"تقريب التهذيب\" ص ١٨٣، (١٥٧٦) و\"تهذيب الكمال\" ٧/ ٤٢٩.\n(١) رواه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" ٥/ ٣٠٤، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٢/ ٥٤٣، والثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ١٦٩٧، وعزاه الحافظ في \"العجاب\" ١/ ٦٣٦ إلى عبد ابن حميد، وعزاه السيوطي في \"الدر\" ١/ ٦٤١ إلى ابن المنذر.\n(٢) رواه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" ٥/ ٣٠٤، والمحاملي في \"أماليه\" ص ٤٩، وذكره ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٢/ ٥٤٣.\n(٣) رواه عنه الطبري في \"تفسيره\" ٣/ ١٠٠، وذكره الواحدي في \"أسباب النزول\" ص ٩٢، والثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ١٦٩٣، والبغوي في \"تفسيره\" ١/ ٣٤٠، \"زاد المسير\" ١/ ٣٣٠.\n(٤) ذكره ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٢/ ٥٤٣، وذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ١٦٩٣، والبغوي في \"تفسيره\" ١/ ٣٤٠، وابن الجوزي في \"تفسيره\" ١/ ٣٣٠.\n(٥) رواه عبد بن حميد كما عزاه إليه الحافظ في \"العجاب\" ١/ ٦٣٦، وذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ١٦٩٣، والبغوي في \"تفسيره\" ١/ ٣٤٠.\n(٦) في (ش): (قال).\n(٧) \"تفسيرالثعلبي\" ٢/ ١٦٩٤.\n(٨) في (م) قال في.\n(٩) الحديث رواه ابن سعد في \"الطبقات\" ٧/ ٤٣٣، وابن أبي عاصم في \"الآحاد والمثاني\" ٥/ ١٥٨، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٢/ ٥٤٢، وأبو الشيخ في =","vol":"4","page":459},{"text":"قال أبو إسحاق: الذين: رفع بالابتداء، وجاز أن يكون الخبر (١) ما بعد الفاء، ولا يجوز في الكلام: زيد فمنطلق، وصلح في الذي (٢)؛ لأنها تأتي بمعنى الشرط والجزاء (٣)، لأنه يدل أن الأجر من أجل الإنفاق في طاعة الله، كأنه قيل: من أنفق كذا فله أجره عند ربه، هذا كلامه، وشرح هذا الفصل أبو الفتح الموصلي (٤)، فقال: المعارف الموصولة والنكرات الموصوفة إذا تضمنت صلاتها (٥) وصفاتها معنى الشرط أدخلت الفاء في أخبارها، وذلك نحو قولك: الذي يكرمني فله درهم، فلما كان الإكرام سبب وجود الدرهم دخلت الفاء في الكلام، ولو قلت: الذي يكرمني له درهم، لم يدل هذا القول على أن الدرهم إنما (٦) يستحق للإكرام، بل (٧) إنما هو حاصل للمكرم على كل حال، وتقول في النكرة: كل رجل يزورني فله دينار، فالفاء هي التي أوجبت استحقاق الدينار بالزيارة، ولو قلت كل رجل يزورني له دينار لما دل ذلك على أن الدينار مستحق عن الزيارة بل\n_________\n= \"العظمة\" ٥/ ١٧٨١، والثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ١٦٩٥، والواحدي في \"أسباب النزول\" ص ٩٢، والطبراني في \"المعجم الكبير\" ١٧/ ١٨٨، وغيرهم. وقال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" ٧/ ٣٠: فيه مجاهيل.\n(١) في (م): (الخبر بها).\n(٢) في (م) و(ش): (الذين).\n(٣) \"معاني القرآن\" ١/ ٣٥٨.\n(٤) هو: عثمان بن جني النحوي اللغوي، تقدمت ترجمته.\n(٥) سقطت من (ش).\n(٦) سقطت من (م).\n(٧) سقطت من (ش).","vol":"4","page":460},{"text":"بدل على أنه في ملك الزائر على كل حال، فلأجل معنى الشرط في الصلة (١) والصفة ما دخلت الفاء في آخر الكلام. والفاء في هذه الآية دلت على أن الأجر إنما استحق عن الإنفاق، والفاء في مثل هذا الموضع للاتباع دون العطف، وإنما اختاروا الفاء هنا من قبل أن الجزاء سبيله أن يقع ثاني الشرط، وليس في جميع حروف العطف حرف يوجد هذا المعنى فيه سوى الفاء، فدخلت الفاء في جواب الشرط توصلًا إلى المجازاة بالجملة المركبة من المبتدأ والخبر، والكلام الذي يجوز أن يبتدأ به ولو لم تدخل الفاء لم يرتبط آخر الكلام بأوله، ولم يوجد هذه المعنى إلا في الفاء وحدها، فلذلك اختصوها من بين حروف العطف، فلم يقولوا: إن تحسن إلي والله يكافيك، ولا: ثم الله يكافيك (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-492>٢٧٥ </span>- قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا﴾ يريد: الذين يعاملون به، وخص الأكل لأنه معظم الأمر كما قال: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى﴾ [النساء: ١٠] وكما لا يجوز أكل مال اليتيم لا يجوز إتلافه، لكنه (٣) نبه بالأكل على ما سواه (٤).\nوالربا في اللغة: الزيادة، يقال: رَبَا الشيءُ يَرْبُو رَبْوًا، ومنه قوله:\n_________\n(١) سقطت من (ي).\n(٢) ينظر: \"معاني القرآن\" للأخفش ١/ ١٨٧، \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٣٥٨، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٧٠٣، \"مشكل إعراب القران\" ١/ ١٤٢، \"التبيان\" ص ١٦٤، \"البحر المحيط\" ٢/ ٣٣١.\n(٣) في (ي) ولكنه.\n(٤) ينظر: \"تفسير الطبري\" ٣/ ١٠٣، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٧٠٥، \"تفسير السمعاني\" ٢/ ٤٥٢.","vol":"4","page":461},{"text":"﴿اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ [الحج: ٥] أي: زادت، وأرْبى الرجل، إذا عامل في الربا، ومنه الحديث: \"من أجْبَى فقد أربى\" (١) أي: عامل بالربا، والإِجْبِاءُ: بيع الزرع قبل أن يبدو صلاحه، هذا معنى الربا في اللغة (٢).\nفأما في الشرع: فهو اسم للزيادة على أصل المال من غير بيع (٣).\nوما يجري فيه الربا مما لا يجوز بيع بعضه ببعض متفاضلًا لا يمكن ذكره هاهنا، يطول الكلام فيه (٤).\nوقوله تعالى: ﴿يَقُومُونَ﴾ يعني: يوم القيامة من قبورهم (٥).\n_________\n(١) رواه الطبراني في \"الكبير\" ٢٠/ ٣٣٦ برقم ٧٩٥، ٢٢/ ٤٨ برقم ١١٧، وفي \"المعجم الصغير\" ٢/ ٢٨٤ برقم ١١٧٦، وابن أبي عاصم في \"الآحاد والمثاني\" ٥/ ١٧٣ برقم ٢٧٠٨، والحارث بن أبي أسامة في \"مسنده\" ١/ ٣٨٨ برقم ٢٩٢، والبيهقي في \"شعب الإيمان\" ٢/ ١٥٩ برقم ١٤٣٣، وذكره الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" ٣/ ٧٥، ٩/ ٣٧٤ وقال: فيه بقية ولكنه مدلس وهو ثقة. قال في \"النهاية\" ١/ ٢٣٧: في كتاب: وائل بن حجر ومن أجبا فقد أربى الإجباء: بيع الزرع قبل أن يبدو صلاحه، وقيل: هو أن يغيب إبله عن المصَدِّق من أجبأته إذا واريته. والأصل في هذه اللفظة الهمز، ولكنه هكذا روي غير مهموز، فإما أن يكون تحريفًا من الراوي، أو يكون ترك الهمز للازدواج بأربى. وقيل: أراد بالإجباء العينة، وهو أن يبيع من رجل سلعة بثمن معلوم إلى أجل مسمى، ثم يشتريها منه بالنقد بأقل من الثمن الذي باعها به.\n(٢) ينظر: في الربا: \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٣٣٤ - ١٣٣٥، \"المفردات\" ص١٩٣، \"اللسان\" ٣/ ١٥٧٢ - ١٥٧٤.\n(٣) ينظر: \"أحكام القرآن\" لابن العربي ١/ ٢٤١ - ٢٤٢، \"تفسير القرطبي\" ٣/ ٣٤٨.\n(٤) ينظر: \"الأم\" ٣/ ١٥ - ٣١، و\"اختلاف الفقهاء\" للمروزي ص ٢٤٦، و\"المجموع\" ٩/ ٤٠١، و\"أحكام القرآن\" لابن العربي ١/ ٢٤١ - ٢٤٢، و\"تفسير القرطبي\" ٣/ ٣٤٨ وما بعدها.\n(٥) ينظر: \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٧٠٩.","vol":"4","page":462},{"text":"﴿إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ﴾ والتَّخَبُّطُ: معناه: الضَّرْبُ على غير استواءِ، وخَبَطَ البَعِيرُ الأرضَ بأخفافه، ويقال للرجل الذي يتصرف في أمر ولا يهتدي فيه: تَخَبَّطَ خَبْطَ عشْواءٍ، قال زهير:\nرأيتُ المَنَايا خَبْطَ عَشْوَاءَ من تُصِبْ ... تُمِتْهُ وَمَنْ تخطئ يُعمّر فيهرَمِ (١)\nوتخبّطه الشيطان: إذا مسّه بخبْلٍ أو جنونٍ؛ لأنه كالضرب على غير استواءٍ في الإدهاش، ويسمى إصابة الشيطان بالجنون والخبل: خَبْطَةٌ، ويقالُ: به خَبْطة من جنون (٢).\nوالمَسُّ: الجنونُ، يقال: مُسَّ الرجلُ فهو مَمْسُوس، وبه مَسٌّ وأَلْسٌ، أنشد ابن الأنباري:\nأُعلّلُ نَفْسِي بما لا يكونُ ... كذِي المَسِّ جُنّ ولم يخنق (٣)\nوأصله: من المَسِّ باليد، كأن الشيطان يَمَسُّ الإنسانَ فيُجِنُّه، ثم سُمِّىِ الجنونُ مسًّا، كما أن الشيطان يتخبطه ويَطَؤُهُ برجْلِه فيخبّله، فسمي الجنونُ خَبْطَةً، فالتخبط بالرِّجل، والمَسّ باليد (٤).\n_________\n(١) البيت في \"ديوان زهير\" ص ٢٩،. \"تهذيب اللغة\" ١١/ ٩٧٩ \"الوسيط\" للواحدي ١/ ٣٩٤. وقوله: بْطَ عشواء، وهي الناقة التي في بصرها ضعف تخبِط إذا مشت لا تتوقى شيئًا. فهو يقول: رأيت المنايا تخبط الخلق خَبْطَ العشواء من الإبل، وهي التي لا تبصر، فهي تخبطُ الكل لا تبقي على أحد فممّن خبطته المنايا من تميته، ومنهم من تُعِلّه فيبرأ، والهرمُ غايته ثم الموت. ينظر \"اللسان\" ٢/ ١٠٩٣.\n(٢) ينظر في خبط: \"تهذيب اللغة\" ١/ ٩٧٨ - ٩٧٩، \"معجم مقاييس اللغة\" ٢/ ٢٤١، \"المفردات\" ١٤٨، \"اللسان\" ٢/ ١٠٩٣ - ١٠٩٥.\n(٣) جاء في: \"البيان والتبيين\" ١/ ٣٨٨ بيتًا شبيهًا بهذا وهو:\nأعلل نفسي بما لا يكون ... كما يفعل المائق الأحمق.\n(٤) ينظر في المس: \"تفسير غريب القرآن\" ص ٨٧ - ٨٨، \"تفسير الطبري\" ٣/ ١٠٣،=","vol":"4","page":463},{"text":"فأما التفسير: فقال قتادة: إن آكل الربا يبعث يوم القيامة مجنونًا، وذلك عَلَم لأكلة الربا يعرفهم به أهل الموقف، يُعْلَم أنهم أكلة الربا في الدنيا، يبعثون وبهم خبْلٌ من الشيطان (١). قال الزجاج: لا يقومون في الآخرة إلا كما يقوم المجنون من حال جنونه (٢). فعلى هذا معنى الآية: أنهم يقومون مجانين كمن أصابه الشيطان بجنون.\nوقال ابن قتيبة: يريد: أنه إذا بعث الناس من قبورهم خرجوا مسرعين، لقوله: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا﴾ [المعارج: ٤٣] إلا أكلةُ الرِّبا، فإنهم يقومون فيسقطون، كما يقوم الذي يتخبّطه الشيطان ويسقط؛ لأنهم أكلوا الرِّبَا في الدنيا فأرباه الله في بطونهم يوم القيامة حتى أثقلهم، فهم ينهضون ويسقطون، ويريدون الإسراع فلا يقدرون (٣)، وهذا المعنى غير الأول؛ لأنه يريد أن أكلة الربا لا يمكنهم الإسراع في المشي، كالذي خَبَّله الشيطان وأصابه (٤) بخبل في أعضائه من عَرَجٍ أو زَمَانة، فهو يقوم ويسقط، وهذا ليس من الجنون في شيء، والأول قول أهل التفسير، ويؤكد هذا الثاني: ما روي في قصة الإسراء: أن النبي - ﷺ - انطلق به جبريل إلى\n_________\n= \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٣٩٤ - ٣٣٩٥، \"المفردات\" ص ٤٧٠، \"اللسان\" ٧/ ٤٢٠١ - ٤٢٠٢، قال الراغب: المس كاللمس، لكن اللمس قد يقال لطلب الشيء وإن لم يوجد كما قال الشاعر: وألمسه فلا أجده. والمس يقال فيما يكون معه إدراك بحاسة اللمس، واللمس يقال في كل ما ينال الإنسان من أذى:\n(١) رواه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ١/ ١١٠، والطبري في \"تفسيره\" ٣/ ١٠٢، وذكره ابن أبى حاتم في \"تفسيره\" ٢/ ٥٤٤.\n(٢) \"معاني القرآن\" ١/ ٣٥٨.\n(٣) ذكره ابن الجوزي عنه في \"زاد المسير\" ١/ ٣٣٠.\n(٤) في (ي) (فأصابه).","vol":"4","page":464},{"text":"رجال كثيرٍ، كلُّ رجلٍ منهم بطنُهُ مثلُ البيتِ الضَّخْم، يقومُ أحدُهم فيميل به بطنه فيصرع (١)، قال: قلت: \"يا جبريل من هؤلاء؟ \" قال: الذين يأكلون الربا، لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبّطه الشيطان من المس (٢).\nوقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾ أي: ذلك الذي نزل بهم بقولهم هذا، واستحلالهم إياه، وذلك لأن المشركين قالوا: الزيادة على رأس المال بعد محل الدين كالزيادة بالربح في أول البيع. وكان أحدهم إذا حلَّ له مال على إنسان قال لغريمه: زدني في المال حتى أزيدك في الأجل. فكذبهم الله سبحانه فقال: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (٣).\nقال أصحابنا: هذه الآية مجملة، والمجمل: ما لا يعرف المراد من ظاهره إلا بقرينة تقترن به، كقوله: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] أوجبَ الإِيتَاءَ، وليس يعرف من هذه الآية أن الحق الذي يجب إيتاؤه كم هو، وإنما يعرف ذلك بدليل آخر، كذلك قوله: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ اقتضى أن يكون كلّ بيع حلالًا. وقوله تعالى: ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ اقتضى أن\n_________\n(١) في (م): (فيهرع).\n(٢) يريد حديث أبي سعيد الخدري رواه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ٢٥/ ٣٦٥، ومن طريقه رواه الطبري في \"تفسيره\" ١٥/ ١١ والبيهقي في \"دلائل النبوة\" ٢/ ٣٩٠، والأصبهاني في \"الترغيب والترهيب\" ٢/ ١٨٥، والثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ١٧١١، وفي إسناده أبو هارون العبدي متروك، وفي الباب: حديث أبي هريرة، رواه ابن ماجه (٢٢٧٣) كتاب: التجارات، باب: التغليظ في الربا، والإمام أحمد ٢/ ٣٥٣، وضعَّف إسناده ابن كثير في \"تفسيره\" ١/ ٣٥٠، وقال البوصيري في \"مصباح الزجاج\" ٢/ ٢٣: هذا إسناد ضعيف لضعف علي بن زيد.\n(٣) ينظر: \"تفسير مقاتل\" ١/ ١٤٥، \"تفسير الطبري\" ٣/ ١٠٣، \"تفسير ابن أبي حاتم\" ٢/ ٥٤٥، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٧١٤.","vol":"4","page":465},{"text":"يكون كلُّ بيع حَرامًا، لأن الربا هو الزيادة، ولا بيع إلا ويقصد به الزيادة، فأول الآية إباح جميع البيوع، وآخرها حرم الجميع، فلا يعرف الحلال من الحرام بهذه الآية، ولكن يعرف ذلك ببيان رسول الله - ﷺ -.\nوقوله تعالى: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ أي وَعْظٌ، ولذلك جاز تذكير (جاءه) (١).\nقال السدي: الموعظة: القرآن (٢) ﴿فَانْتَهَى﴾ عن أكل الربا ﴿فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ قال الزجاج: أي: قد صُفح له عما سلف (٣)، أي: مضى من ذنبه قبل النهي (٤)، وقال السُدّي: فله ما أكل من الربا (٥)، أي: ليس عليه رد ما سلف، فأما ما لم يُقْضَ بعدُ فلا يجوز له أخذه، وهذا له رأس ماله فقط، وهذا أجود من الأول؛ لأن قبل النهي الربا لم يكن حرامًا فلم يكن (٦) أخذه ذنبًا (٧).\nومعنى سلف، أي: تقدم ومضى، والسُّلُوف: التقدُّم، وكل شيء قدمته أمامك فهو سَلَفُكَ، ومنه: الأمم السَّالِفَة، والسَّالِفَةُ: العنق؛ لتقَدُّمِه في جهة العلوّ، والسُّلفة ما تَقَدَّم قبل الطعام، وسُلاَفَةُ الخَمْرِ: صَفْوُها، لأنه أول ما يخرج من عصيرها (٨).\n_________\n(١) ينظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٣٥٨، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٧١٥.\n(٢) رواه عنه الطبري في \"تفسيره\" ٣/ ١٠٤، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٢/ ٥٤٥.\n(٣) \"معاني القرآن\" ١/ ٣٥٨.\n(٤) \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٧١٥.\n(٥) رواه عنه الطبري في \"تفسيره\" ٣/ ١٠٤، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٢/ ٥٤٦.\n(٦) في (ش): (فلا يكون).\n(٧) سقطت من (أ) و(م).\n(٨) ينظر في سلف: \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٧٣٥، \" المفردات\" ص ٢٤٤، \"اللسان\" ٤/ ٢٠٦٨، وذكر الأزهري أن السلف يطلق في المعاملات على معنيين: القرض=","vol":"4","page":466},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ قال أبو إسحاق: أي: الله وليه (١).\nوقيل: وأمره إلى الله بعد النهي، إن شاء عصمه حتى ثبت على الانتهاء، وإن شاء خذله حتى يعود (٢) ﴿وَمَنْ عَادَ﴾ أي: إلى استحلال الربا (٣) ﴿فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ قال أبو إسحاق: وهؤلاء قالوا: إنما البيع مثل الربا، ومن اعتقد هذا فهو كافر (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-493>٢٧٦ </span>- قوله تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا﴾ المَحْقُ: نُقْصَانُ الشيء حالًا بعد حالٍ، ومنه المُحَاقُ في الهلال، يقال: مَحَقَهُ اللهُ فانْمَحَقَ وامتحق، أنشد يعقوب:\nوأَمْصَلْتِ (٥) مالي كُلَّه بخيانةٍ ... وماسَسْتِ من شيء فَرَبُّكَ ماحِقُه (٦)\nوأنشد الليث (٧):\n_________\n= والسلم، وله معنيان آخران: أحدهما: ما قدمه العبد من عمل صالح، أو ولد فرط تقدمه فهو سلف، والثاني: من تقدمك من آبائك وذوي قرابتك الذين هم فوقك في السن والفضل.\n(١) \"معاني القرآن\" ١/ ٣٥٨.\n(٢) \"تفسير الطبري\" ٣/ ١٠٤، \"معاني القرآن\" للنحاس ١/ ٣٠٧، وقال. هذا قول حسن بين، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٧١٥.\n(٣) \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٧١٦.\n(٤) \"معاني القرآن\" ١/ ٣٥٩.\n(٥) في (ش): (وأمضلت).\n(٦) ورد النص هكذا:\nلقد أمصلت عفراء مالي كله ... وماسست من شيء فربك ماحقه\nذكره صاحب إصلاح المنطق ١/ ٢٧٩: قال: وأنشدني الكلابي.\n(٧) نقله في \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٣٥١ (مادة: محق).","vol":"4","page":467},{"text":"يَزْدَادُ حُتَّى إذا مَا تَمّ أَعْقَبَهُ ... كَرُّ الجَدِيدَيْنِ نَقْصًا ثم يَمَّحِقُ (١)\nوأَمْحَقَ: إذا صار إلى حالة المحق، أنشد ابن السكيت (٢):\nأبوك الذي يَكْوِي أنوفَ عُنُوقِهِ ... بأظْفَارهِ حتَّى أَنَسَّ (٣) وأَمْحَقَا (٤)\nويقال: هَجِيرٌ ماحق: إذا نَقَصَ كلُّ شيءٍ بحرارته وأحرقه (٥).\nقال المفسرون: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا﴾ أي: ينقصه ويذهب بركته، وإن كان كثيرًا، كما يُمْحِقُ القَمَرَ (٦)، وقد روى ابن مسعود (٧)، أن النبي - ﷺ - قال \"الربا وإن كثر فإن عاقبته إلى قُلِّ\" (٨).\n_________\n(١) ورد البيت هكذا:\nحتى إذا ما تراه تم أعقبه ... كر الجديدين نقصًا ثم يمحق\nوالبيت لعبد الله بن المبارك، في \"ديوانه\" ص ٩٠. والمِحَاق والمُحاقُ: آخر الشهر، إذا امَّحق الهلال فلم يُرَ.\n(٢) نقله في \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٣٥٢ (مادة: محق).\n(٣) لعلها: حتى أنشروا محقًا.\n(٤) البيت لسبرة بن عمرو الأسدي، في \"لسان العرب\" ٧/ ٤١٤٧ (مادة: محق)، \"تاج العروس\" ١٣/ ٤٣٨ (مادة: محق)، وبلا نسبة في \"اللسان\" ٥/ ٣١٣٦ (مادة: عنق)، \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٣٥٢ (مادة: محق)، وأنسَّ الشيء: بلغ غاية الجهد وهو نسيسه، أي: بقية نفسه.\n(٥) ينظر في محق: \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٣٥٢، \"المفردات\" ص ٤٦٦، \"اللسان\" ٧/ ٤١٤٧.\n(٦) \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٧٢٣.\n(٧) رواه عنه الطبري في \"تفسيره\" ٣/ ١٠٤.\n(٨) أخرجه ابن ماجه (٢٢٧٩) كتاب: التجارات، باب: التغليظ في الربا ٢/ ٧٦٥ حديث رقم ٢٢٧٩، والإمام أحمد في \"المسند\" ١/ ٣٩٥ والحاكم في \"المستدرك\" ٢/ ٤٣ وصححه، والبيهقي في \"شعب الإيمان\" ٤/ ٣٩٢، وأبو يعلى في \"مسنده\" ٨/ ٤٥٦، والطبراني في \"الكبير\" ١٠/ ٢٢٣ والأصبهاني في \"الترغيب والترهيب\" =","vol":"4","page":468},{"text":"وقال ابن عباس في رواية الضحاك: يعنى: لا يقبل منه صدقةً ولا جهادًا ولا حجًّا ولا صلة (١).\n﴿وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ قال في رواية عطاء: يريد: يُرَبِّي الصدقات لصاحبها (٢) كما يُرَبي أحدُكُم فَصِيلَه (٣).\nأخبرنا أبو إسحاق بن أبي منصور المقرئ (٤) ﵀، ثنا (٥) عبد الله ابن حامد (٦)، ثنا (٧) أبو بكر محمد بن الحسين (٨)، ثنا (٩) سهل بن\n_________\n= ٢/ ١٨٨، والثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ١٧٢٣. قال البوصيري في \"مصباح الزجاجة\" ٢/ ٤٢: إسناده صحيح ورجاله ثقات.\n(١) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ١٧٢٥، والبغوي في \"تفسيره\" ١/ ٣٤٤، وابن الجوزي في \"تفسيره\" ١/ ٢٧٣.\n(٢) ليست في (ي).\n(٣) ذكره في \"الوسيط\"١/ ٣٩٦. وهو من رواية التي تقدم الحديث عنها في قسم الدراسة.\n(٤) يعني شيخه أبا إسحاق الثعلبي ﵀.\n(٥) في (ي): (قال أخبرنا).\n(٦) عبد الله بن حامد الأصبهاني، أبو محمد، كان أبوه من أعيان التجار الأصبهانيين، ثم نزل بنيسابور، ولد عبد الله بنيسابور وتفقه على أبي الحسن البيهقي، توفي سنة ٣٨٩. ينظر \"الأنساب\" ٥/ ١٨٢، و\"طبقات الشافعية\" ٣/ ٣٠٦.\n(٧) في (ي): (قال أخبرنا).\n(٨) العالم الصالح مسند خراسان، أبو بكر محمد بن الحسين بن الحسن بن الخليل النيسابوري القطان، قال الحاكم: أحضروني مجلسه غير مرة، ولم يصح لي عنه شيء وقال الخليلي: ثقة، وقال الذهبي: وسماعه صحيح كثير في الثقفيات، توفي سنة ٣٣٢ هـ. ينظر \"الإرشاد\" ٣/ ٨٣٩، \"السير\" ١٥/ ٣١٨ - ٣١٩، \"الوافي بالوفيات\" ٢/ ٣٧٢.\n(٩) في (ي): (قال: ثنا)، وفي (ش): (حدثنا)، وهكذا في الذي بعده.","vol":"4","page":469},{"text":"عمار (١)، ثنا يزيد بن هارون (٢)، ثنا عباد بن منصور النَّاجي (٣)، قال: سمعت القاسم بن محمد (٤)، يقول: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله - ﷺ -: \"إن الله ﷿ يقبل الصدقات، ولا يتقبل منها إلا الطيب، ويأخذها بيمينه فيربيها، كما يربي أحدكم مهره، أو فلوّه، حتى إن اللقمة لتصير مثل أحد، وتصديق ذلك في كتاب الله ﷿ ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ﴾ [التوبة: ١٠٤] و﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ (٥).\n_________\n(١) هو سهل بن عمار النيسِابوري روى عن يزيد بن هارون وغيره، متهم، كذبه الحاكم، قال في \"تاريخه\": سهل بن عمار بن عبد الله العتكي، قاضي هراة ثم طرسوس، وهو شيخ أهل الرأي في عصره، كانوا يمنعون السماع منه، توفي سنة ٢٦٧ هـ ينظر \"ميزان الاعتدال\" ٢/ ٤٣٠، \"السير\" ١٣/ ٣٢ - ٣٣.\n(٢) هو: يزيد بن هارون بن زادان بن ثابت السلمي بالولاء الواسطي أبو خالد، ثقة متقن عابد من حفاظ الحديث الثقات، كان واسع العلم ذكيًا، كبير الأن، من أهل بخارى، وتوفي بواسط سنة ٢٠٦ هـ. انظر: \"الجرح والتعديل\" ٩/ ٢٩٥، \"تهذيب التهذيب\" ٤/ ٤٣١، \" السير\" ٩/ ٣٥٨.\n(٣) هو: عباد بن منصور أبو سلمة الناجي البصري، سمع من عكرمة وعطاء وغيرهم، وأخذ عنه يحيى القطان ويزيد بن هارون وغيرهم، ولي قضاء البصرة، كان ضعيف الحديث، قال ابن حجر: صدوق رمي بالقدر، وكان يدلس، وتغير بأخرة. توفي سنة ١٥٢ هـ. ينظر: \"السير\" ٧/ ١٠٥ - ١٠٦، \"الجرح والتعديل\" ٦/ ٨٦، \"التقريب\" ص ٢٩١ (٣١٤٢).\n(٤) سبقت ترجمته.\n(٥) الحديث بهذا الإسناد رواه الثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ١٧٢٦، فيه ضعف، لأن فيه سهل بن عمار، متهم، وعبد الله بن حامد، لم يذكر بجرح ولا تعديل، لكن الحديث صحيح متفق عليه. أخرجه البخاري (١٤١٠) كتاب: الزكاة، باب: الصدقة من كسب طيب، ومسلم (١٠١٤) كتاب: الزكاة، باب: قبول الصدقة من الكسب الطيب، وغيرهما. وليس عندهما (وتصديق ذلك ...) وهذه الزيادة عند =","vol":"4","page":470},{"text":"وقوله تعالى: ﴿لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ قال عطاء: يريد: من جحد عظمة الله وكفر بما جاء به محمد - ﷺ - (١). وقيل: ﴿كُلَّ كَفَّارٍ﴾ بتحريم الربا، مستحل له (أَثِيمٍ) فاجر بأكله (٢).\nأخبر الله تعالى في هذه أن من جمع مالًا من الربا أذهب الله البركة عنه، حتى يتلف عليه، ويذهب من حيث لا يدري، ثم يبقى عليه الوزر والإثم بجمعه وأخْذِه، ويزيد صدقةَ من تَصَدَّق بشيء وان قلَّ، حتى يَكْثُرَ ما تصدق به.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-495>٢٧٧ </span>- قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ يسأل عن هذه الآية، فيقال: إذا كان يستحق الثواب بخلوص الإيمان فلم شرط غيره؟\nقيل: للبيان، إذ (٣) كل واحدة من هذه الخصال يُستَحقُّ عليها الثواب، كما قال في ضد هذا ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾. ثم قال: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ [الفرقان: ٦٨] ومعلوم أن من دعا مع الله إلهًا آخر لا يحتاج في استحقاقه العقاب إلى عمل آخر، ولكن (٤) الله تعالى جمع الزنا وقتل النفس مستحلًا مع دعاء غيره إليها، للبيان أن (٥) كل واحدة من هذه الخصال توجب العقوبة، ولا تدل هذه الآية على أن ما ذكر من الخصال بعد الإيمان ليست من الإيمان، وإن ذكرها مع الإيمان على الانفصال، كما أنه\n_________\n= أحمد ٢/ ٤٧١، وأبي عبيد في \"الأموال\" ٤٣٧، وحميد بن زنجويه في \"الأموال\" ٢/ ٧٩٥، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٧٢٦.\n(١) وهو من رواية عطاء التي تقدم الحديث عنها في قسم الدراسة.\n(٢) \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٧٢٩.\n(٣) في (ي) و(م): (إن).\n(٤) في (ش) ب: (لكن)\n(٥) في (ي): (لأن).","vol":"4","page":471},{"text":"ذكر مع الكفر خصالًا أخرجها وذكرها على الانفصال من الكفر وهو كفر، كقوله: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [محمد: ١].\nوقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ [البقرة: ٣٩] والصد عن سبيل الله والتكذيب بآياته كفر، وإن ذكرا مع الكفر على جهة الانفصال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-496>٢٧٨ </span>- قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ قد ذكرنا معنى ﴿ذَروا﴾ وما فيه عند قوله: ﴿وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] ومعنى الآية: تحريم ما بقي دينًا من الربا، وإيجاب أخذ رأس المال دون الزيادة على جهة الربا.\nوالسبب في نزولها: العباس (١) وعثمان ﵄، طلبا ربًا لهما كانا قد أسلف قبل نزول التحريم، فلما نزلت الآية سمعا وأطاعا، وأخذا رؤوس أموالهما. هذا قول عطاء وعكرمة (٢).\nوقال المقاتلان (٣) (٤): نزلت في أربعة إخوة من ثقيف، كانوا يداينون\n_________\n(١) سبقت ترجمته.\n(٢) ذكره عنهما الثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ١٧٢٩، والواحدي في \"أسباب النزول\" ص ٩٣، والحافظ في \"العجاب\" ١/ ٦٤١، وروى الطبري في \"تفسيره\" ٣/ ١٠٦ عن عكرمة قريبًا مما ذكره المقاتلان.\n(٣) هما: المقاتلان: مقاتل بن سليمان المفسر المشهور، ومقاتل بن حيان، وهو: أبو بسطام النبطي الخزاز، صدوق مفسر مشهور فاضل، توفي قبيل سنة ١٥٠ هـ ينظر: \"طبقات المفسرين\" للداودي ٢/ ٣٢٩، \"التقريب\" ص ٥٤٤ (٦٨٦٧).\n(٤) قول مقاتل بن سليمان في \"تفسيره\" ١/ ٢٢٧، وقول مقاتل بن حيان رواه عنه ابن أبي حاتم ٢/ ٥٤٨، وقد روى أبو يعلى في \"مسنده\" ٥/ ٧٤، ومن طريقه الواحدي في \"أسباب النزول\" ص ٩٣ عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس بنحوه، وقد روى الطبري في \"تفسيره\" ٣/ ١٠٦ - ١٠٧ عن ابن نجيح نحوه، وذكر هذا السبب الفراء في \"معاني القرآن\" ١/ ١٨٢، والزجاج ١/ ٣٥٩، والثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ١٧٣٣.","vol":"4","page":472},{"text":"بني المغيرة، فلما ظهر النبي - ﷺ - على الطائف أسلم الإخوة، ثم طالبوا برباهم بني المغيرة، فأنزل الله هذه الآية.\nقوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ معناه: إن من كان مؤمنًا فهذا حكمه، كما تقول: إن كنت أخي فأكرمني، معناه: أن من كان أخًا أكرم أخاه (١). فقيل: معناه: إذ كنتم (٢).\nقال أبو إسحاق: أعلم الله ﷿ أن من كان مؤمنًا قبل عن الله أمره، ومن أبى فهو حرْبٌ، أي: كافر (٣). فقال: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾ أي: فإن لم تذروا ما بقي من الربا، قال النحويون: المفعول محذوف من الكلام، تقديره: فإن لم تفعلوا ترك ما بقي من الربا (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-498>٢٧٩ </span>- قوله: ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ يقال: أَذِنَ بالشيء: إذا علم به، يأذَنُ أَذَنُا وأَذَانَةً، قال أبو عبيدة: يقال: آذَنْتُه بالشيء فأَذِنَ به (٥)، أي: عَلِمَ، مثل: أَنْذَرْتُه بالشيء فَنَذِرَ به، أي: عَلِمَ (٦).\nوالمعنى: فإن لم تدعُوا الربا الذي قد أمر الله بوضعه عن الناس فاعلموا بحرب من الله، أي: فأيقنوا أنكم في امتناعكم من وضع ذلك\n_________\n(١) ينظر: \"البحر المحيط\" ٢/ ٣٣٧.\n(٢) ينظر: \"تفسير الثعلبي\" ١/ ١٧٣٥، \"البحر المحيط\" ٢/ ٣٣٧، وعزاه لمقاتل بن سليمان، ثم ذكر أن بعض النحويين يقول به، وهو ضعيف مردود، ولا يثبت في اللغة.\n(٣) \"معاني القرآن\" ١/ ٣٥٩.\n(٤) ينظر: \"البحر المحيط\" ٢/ ٣٣٨.\n(٥) \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ١/ ٨٣، وعبارته: تقول: آذنتك بحرب فأذنت به.\n(٦) ينظر في أذن: \"تهذيب اللغة\" ١/ ١٣٩، \"المفردات\" ص ٢٣ - ٢٤، \"اللسان\" ١/ ٥١.","vol":"4","page":473},{"text":"حربٌ لله ورسوله.\nقال سعيد بن جبير، عن ابن عباس: يقال يوم القيامة لآكل الربا: خذ سلاحك للحرب (١).\nوقال، في رواية الوالبي: يُستتاب من عامل بالربا، فإن تاب وإلا ضُربت عنقه (٢).\nوهو قول قتادة (٣) والربيع (٤). وقال أهل المعاني: حرب الله النار، فمن كان حربًا لله استحق العقوبةَ بالنار، وحربُ رسولِه السيف، فمن كان حربًا له قوتل بالسيف (٥).\nوقرأ حمزة وعاصم في بعض الروايات (فآذنوا) ممدودًا (٦)، أي: اعلموا، من قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٩] ومفعول الإيذان محذوف في هذه الآية، تقديره: فأعْلِمُوا من لم ينته عن ذلك بحرب (٧)، وإذا أمروا بإعلام غيرهم علموا هم لا محالة، ففي أمرهم بالإعلام علمهم أيضًا أنهم حرب\n_________\n(١) رواه عنه الطبري في \"تفسيره\" ٣/ ١٠٨، وذكره ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٢/ ٥٥٠، والثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ١٧٣٦، والبغوي في \"تفسيره\" ١/ ٣٤٥.\n(٢) \"تفسيرالثعلبي\" ٢/ ١٧٣٦.\n(٣) رواه عنه الطبري في \"تفسيره\" ٣/ ١٠٨، ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٢/ ٥٥٠.\n(٤) رواه عنه الطبري في \"تفسيره\" ٣/ ١٠٨.\n(٥) \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٧٣٦، و\"الكفاية في التفسير\" للحيري ١/ ٢٦٦، \"تفسير البغوي\" ١/ ٣٤٤.\n(٦) قرأ حمزة وشعبة (فآذنوا) ممدودة مكسورة الذال، وقرأ الباقون (فأذنوا) مقصورة مفتوحة الذال. ينظر: \"السبعة\" ص ١٩٢.\n(٧) ستمطت من (ي).","vol":"4","page":474},{"text":"إن لم يمتنعوا عما نهوا عنه، وليس في علمهم دلالة على إعلام غيرهم، فهذا في الإبلاغ آكد (١). وقال أحمد بن يحيى: الاختيار: قراءة العامة من (٢) الإذن، لأنه يفسّر كونوا على إذنٍ وعلم، ولأن الكلام يجري به على وجه واحد، وهو أدل على المراد وأقرب في الأفهام (٣).\nوقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ﴾ أي: عن الربا ﴿فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾ وإنما شرط التوبة، لأنهم إن لم يتوبوا كفروا برد حكم الله، وصار مالهم فيئًا للمسلمين، فلا يكون لهم رؤوس أموالهم (٤).\nوقوله تعالى: ﴿تُظْلَمُونَ﴾ قال عطاء: أي بطلب الزيادة ﴿وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ بالنقصان (٥) عن رأس المال (٦).\nوموضع ﴿تُظْلَمُونَ﴾ نصب على الحال من (لكم) (٧)، والتقدير: فلكم رؤوس أموالكم غير ظالمين ولا مظلومين. وروى عن عاصم في بعض الروايات: ﴿وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ بضم التاء الأولى ﴿وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ بفتح التاء الثانية (٨)، وقراءة القراء أشكل بما قبله؛ لأن الفعل الذي قبله مسند إلى\n_________\n(١) من \"الحجة\" ٢/ ٤١٣ بمعناه.\n(٢) في (ي): (على).\n(٣) أحمد بن يحيى، ينظر: \"الكشف عن وجوه القراءات السبع\" لمكي ١/ ٣١٨، \"حجة القراءات\" لابن زنجلة ١٤٨.\n(٤) \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٧٣٧، \"تفسير السمعاني\" ٣/ ٤٥٧، \"الكشاف\" ١/ ٣٢٢.\n(٥) في (م): (النقصان).\n(٦) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ١٧٣٦ بهذا اللفظ دون عزو لأحد.\n(٧) \"الحجة\" ٢/ ٤١٣.\n(٨) قرأ المفضل عن عاصم (لا تُظْلَمون ولا تَظْلِمون) بضم التاء الأولى وفتح الثانية، والقراء كلهم بعكس ذلك كما ذكر ابن مجاهد في \"السبعة\" ١٩٢.","vol":"4","page":475},{"text":"فاعل، وهو قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ﴾، فتظلمون أشكل بما قبله لإسناد الفعل فيه إلى الفاعل من ﴿تُظْلَمُونَ﴾ المسند فيه (١) الفعل إلى المفعول به (٢).\n\nقال المفسرون: لما نزلت هذه الآية قالت الإخوة المربون: بل نتوب إلى الله، فإنه لا يَدَان لنا بحرب الله ورسوله، فرضوا برأس المال، وسلّموا لأمر الله ﷿، فشكا بنو المغيرة العسرة، وقالوا (٣): آخرونا إلى أن تُدرك الغلات، فأبوا أن يؤخروا، فأنزل الله ﷿ (٤): ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ <span data-type=\"title\" id=toc-499>(٢٨٠) </span>وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٢٨١)﴾.\n٢٨٠ - قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ (كان) كلمة تستعمل على أنحاء (٥):\nأحدها: أن يكون بمنزلة حَدَثَ وَوَقَعَ، وذلك قولك: قد كانَ الأمرُ، أي: وَقَع وحَدَثَ، وحينئذ لا تحتاج إلى خبر، وأكثر ما تستعمل بهذا المعنى في المنكرات، كقولك: إن كان رجل صالح فأكرمه.\nوالثاني: أن يخلع (٦) منه معنى الحدث، فتبقى الكلمة مجردة للزمان،\n_________\n(١) من قوله: (فيه إلى)، من (ي) و(ش).\n(٢) من \"الحجة\" ٢/ ٤١٤ بتصرف.\n(٣) في (ي) (وقال).\n(٤) ذكره مقاتل في \"تفسيره\" ١/ ٢٢٧ والفراء في \"معاني القرآن\" ١/ ١٨٢، والحيري في \"الكفاية\" ١/ ٢٣٦، والثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ١٧٣٧، وذكره الواحدي في \"أسباب النزول\" ص ٩٥ - ٩٦، والحافظ في \"العجاب\" ١/ ٦٤١ عن الكلبي.\n(٥) في (ي) (أحوال).\n(٦) في (أ) و(م) (الخلع).","vol":"4","page":476},{"text":"فيلزمها الخبر المنصوب، وذلك قولك: كان زيد ذاهبًا.\nوالثالث: أن يكون بمعنى صار. أنشد أحمد بن يحيى:\nبتيهاءَ قَفْرٍ والمَطِيَّ كأَنّها ... قَطَا الحَزْنِ قد كانت فِرَاخًا بُيُوضُها (١)\nأي: صارت.\nوالرابع: أن تكون زائدة، وذلك قولهم: ما كَان أحسنَ زيدًا، أنشد البغداديون:\nسَرَاةُ بَنِي أبي بَكْر تَسَامَوا ... على كان المُسَوَّمةِ الجِيادِ (٢) (٣)\nفمما استعمل فيه (كان) بمعنى: وقع وحدث، هذه الآية، أي: وإن وقع ذو عسرة، والمعنى على هذا يصح، وذلك أنه لو نصب فقيل: وإن كان ذا عسرة، لكان المعنى: وإن كان المستربي ذا عسرة فنظرة، فيكون النظر مقصورًا عليه، وليس الأمركذلك؛ لأن المستربي وغيره إذا كان ذا عسرة فله النظر إلى الميسرة (٤).\n_________\n(١) البيت لعمرو بن أحمر الباهلي في \"ديوانه\" ص١١٩، \"الحجة\" ٢/ ٤٣٦، و\"شرح الكافية\" للرضي ٤/ ١٨٩، و\"لسان العرب\" ٥/ ٢٨٩٧ (مادة: عرض)، ٧/ ٣٩٦١ (مادة: كون).\n(٢) البيت بلا نسبة في \"الحجة\" ٢/ ٤٣٧، \"سر صناعة الإعراب\" ١/ ٢٩٨، والأزهية في علم الحروف ص ١٨٧وشواهد الأشموني ٢/ ١٠٩، \"الخزانة\" ٤/ ٣٣، \"لسان العرب\" ٧/ ٣٩٦٣ (كون). ويروى: العِراب بدل الجياد.\n(٣) من كلام أبي علي في \"الحجة\" ٢/ ٤٣٧، وينظر في معاني (كان): الكتاب. لسيبويه ١/ ٤٥ - ٥٦، \"المقتضب\" ٣/ ٩٦، ٤/ ٩٥، ١١٦، ١٨٤، \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٠٨٣ - ٣٠٨٤، \"الأزهية في علم الحروف\" ١٨٣ - ١٩٢، \"المفردات\" ص ٤٢١ - ٤٢٢، \"لسان العرب\" ٧/ ٣٩٥٩ - ٣٩٦٣.\n(٤) من \"الحجة\" ٢/ ٤٣٩ بتصرف، وينظر في إعراب الآية: \"معاني القرآن\" للزجاج =","vol":"4","page":477},{"text":"والعُسْرة: الاسم من الإعسار: وهو تعذر الموجود من المال، يقال: أَعْسَر الرجلُ إذا صار إلى حالة العُسْرةِ، وهي الحالة التي يتعسَّر عليها وجود المال (١).\nوقوله تعالى: ﴿فَنَظِرَةٌ﴾ أمر في صيغة الخبر، والفاء في جواب الشرط، تقديره: فالذي تعاملونه نظرة، أي: تأخير (٢).\nوالنَّظِرة: الاسم من الإنظار، وهو الإمهال، تقول: بِعته الشيء بِنَظِرَةٍ وبإِنْظَار (٣).\nوالميسرة: مفْعَلَة، من اليُسْرِ واليَسَارِ الذي هو ضد العُسْرة، وهو تيَسُّر الموجود من المال، ومنه يقال: أَيْسَرَ الرجلُ فهو مُوسر، أي: صار إلى حالةِ تَيَسُّرِ وجودِ المالِ، فالمَيْسُرة والمَيْسَرَة والمَيْسُور: الغنى (٤) (٥). وفيه قراءتان: فتح السين وضمها (٦)، والفتح أشهر اللغتين؛ لأن مَفْعَلَة قد جاء في كلامهم كثيرًا، ومن قرأ بالضم فلأن مَفعُلة قد جاء أيضًا في كلامهم،\n_________\n=١/ ٣٥٩، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٧٣٨، \"مشكل إعراب القرآن\" ١/ ١٤٣، \"البحر المحيط\" ٢/ ٣٤٠، قال: وأجاز بعض الكوفيين أن تكون كان ناقصة هنا، وقَدَّر الخبر: وإن كان من غرمائكم ذو عسرة، محذوف المجرور الذي هو الخبر، وحذف خبر (كان) لا يجوز عند أصحابنا لا اقتصارًا ولا اختصارًا.\n(١) ينظر في العسرة: \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٤٣١ - ٢٤٣٣، \"المفردات\" ٣٣٧.\n(٢) ينظر \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٧٣٩، والتقدير عنده: فعليه نظرة، أو فالواجب نظرة\n(٣) ينظر في نظرة: \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٦٠٣ - ٣٦٠٥، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٧٣٩، \"المفردات\" ٤٩٩ - ٥٠٠.\n(٤) في (ش): (والميسرة: الميسور وفيه).\n(٥) ينظر في الميسرة: \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٩٧٩ - ٣٩٨١، \"المفردات\" ٥٥٣، \"اللسان\" ٨/ ٤٩٥٧ - ٤٩٦٠.\n(٦) قرأ نافع بضم السين، وقرأ الباقون بفتحها. ينظر: \"السبعة\" ١٩٢.","vol":"4","page":478},{"text":"كالمَشْرُبَة والمَشْرُقَة وبابهما، ومفعُلة بناء مبني على التأنيث، ألا ترى أن مَفْعُل بناء لم يجىء في الآحاد (١)، قال سيبويه: وليس في الكلام مَفْعُل (٢)، فعلى هذا قراءة من قرأ (مَيْسُرِهِ) بالهاء وضم السين مُضافًا، فأخْطأ، وهو قراءة مجاهد، وإحدى الروايات عن يعقوب (٣).\nقال أبو إسحاق: من قرأ: (مَيْسُرِه) على الإضافة إلى الهاء فمخطئ، لأن مَيْسُر مَفْعُل، وليس في الكلام مَفْعُل، وزعم البصريون أنهم لا يعرفون مفْعُلًا (٤).\nفأما ما أنشده ابن السكيت:\nليَوْمِ رَوْعٍ أو فَعَالِ مَكْرُم (٥)\nوقول آخر:\nبُثَيْنُ الْزَمِي (لا) إِنَّ (لا) إن لَزِمْتِه ... على كَثْرة الواشِينَ أَيُّ مَعُونِ (٦)\nوقول عدي:\nأبْلِغِ النُّعْمَانَ عَنّي مَأْلُكًا (٧)\n_________\n(١) من \"الحجة\" ٢/ ٤١٤ - ٤١٥ بتصرف، وينظر: \"البحر المحيط\" ٢/ ٣٤٠.\n(٢) \"الكتاب\": لسيبويه ٤/ ٩١، ونقله أبو علي في \"الحجة\" ٢/ ٤١٥.\n(٣) ينظر: \"المحتسب\" ١/ ١٤٣، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٧٤١، و\"إعراب القراءات الشواذ\" ١/ ٢٨٦، \"البحر المحيط\" ٢/ ٣٤٠.\n(٤) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٣٦٠، وتمامه: إنما يعرفون مفعُلة.\n(٥) صدر البيت:\nمروان مروان أخو اليوم اليمي.\nوالبيت لأبي الأخزر الحماني، في \"اللسان\" مادة: كرم ٧/ ٣٨٦١ - ٣٨٦٤، \"البحر المحيط\" ٢/ ٣٥٥.\n(٦) البيت لجميل بثينة، انظر: \"ديوانه\" ص ١٠٥، \"المحتسب\" ١/ ١٤٤، \"الخصائص\" ٣/ ٣٢١، \"البحر المحيط\" ٢/ ٣٥٥.\n(٧) البيت لعدي بن زيد العبادي، مطلع قصيدته الرائية المكسورة، يستعطف بها =","vol":"4","page":479},{"text":"فهذه كلُّها عند جميع النحويين من البصريين والكوفيين جَمْعٌ، فمَكْرُم (١) جمع مَكرُمَة، ومَعون جمْع مَعُونة، ومأْلُك جمع مالُكة، إلا عند الكسائى فإنه أجازَ أن يكونَ واحدًا، ولا يدخل هذا على كلام سيبويه، لأنه جمع، ومُراده فيما ذكر: أنه ليس في الكلام مفعُل المفرد دون الجمع، على أن مثلَ هذا الذي يقلّ (٢) قد لا يَعتَدُّ به سيبويه، فربما أطلق القول فقال: ليس في الكلام كذا، وإن كان قد جاء عليه حرف أو حرفان، كأنه لا يعتد بالقليل، ولا يجعل له حكمًا (٣).\nفأما الحكم في إنظار المعسر: فمهما علم الإنسان أن غريمه معسر حرم عليه حبسه وملازمته وأن يطالبَه بما له عليه، ووجب عليه الانتظار إلى وقت يساره، إلا أن يكون له ريبة في إعساره، فجاز له أن يحبِسَه إلى أن يقيمَ المحبوسُ البينةَ، وتعتبر زيادةُ عددٍ على شاهدين في بينة الإعدام؛ لما روي في حديث قبيصة بن مخارق (٤): \"حتى يشهدَ ثَلاثةٌ من ذَوِي الحِجَى أنه أصابتْه فاقة وحاجة\" (٥).\n_________\n= النعمان، وعجزه:\nإنه قد طال حبسي وانتظاري\nفي \"ديوانه\" ص ١٢٤، وينظر \"الشعر والشعراء\" ص ١٣٣، \"الأغاني\" ٢/ ٩٤، \"العقد الفريد\" ٦/ ٩٥، \"الخزانة\" ٣/ ٥٩.\n(١) في (أ) و(م) (مكرم) بدون فاء.\n(٢) في (ي) و(ش) (نقل).\n(٣) من \"الحجة\" ٢/ ٤١٦ - ٤١٧ بمعناه.\n(٤) هو قبيصة بن المخارق بن عبد الله بن شداد بن ربيعة بن نهيك العامري الهلالي، أبو بشر، صحابي، عداده في أهل البصرة، وفد على النبي - ﷺ -. ينظر: \"أسد الغابة\" ٤/ ٣٨٣\n(٥) رواه مسلم (١٠٤٤) كتاب: الزكاة، باب من لا تحل له الصدقة، وذوو الحجى: ذوو العقول.","vol":"4","page":480},{"text":"وإذا أقام بينة الإعدام كان للخصم طلبُ يمينه؛ لأن الرجل ربما يكتم ذخائر أمواله، فشهادة الشهود للظاهر، واليمين للباطن، وليس للقاضي أن يتوقف في الإصغاء إلى شهادة الإِعدام؛ لأن رسول الله - ﷺ - لم يذكر مدة في سماع الشهادة (١) في حديث قبيصة.\nوالحقوق مختلفة في هذا، فكلُّ حق لزم الإنسان عوضًا عن مالٍ حصلَ في يده، مثلُ قرضٍ أو ثمنِ سلعةٍ، فإذا ادّعى الإعسار لزمته إقامة البينة، وكلُّ حق لزمه من غير حصول مال في يده كالمهر والضمان، فإذا ادَّعى الإعسار لزمَ ربُّ المال إقامةَ البينة على كونه موسرًا، لأن الأصل في الناس الفقر.\nويباع في الديون جميعُ أموالِ الغريم، فلا يستبقى له سِوى (٢) قوتِ يومٍ (٣) ودست ثوب وسط (٤).\nوقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أعلم الله تعالى أن الصدقة برأس المال على المعسر خير وأفضل، والمراد: وأن تصدقوا على المعسر برأس المال خيرٌ لكم، ولكنه حذف للعلمِ به، لأنه قد جرى ذكرُ المعسر وذكرُ رأسِ المال، فعلم أن التصدقَ راجعٌ إليهما.\n_________\n(١) في (ي) (الشهود).\n(٢) في (ي) (غير).\n(٣) في (ش) (يوم بيوم).\n(٤) ينظر في أحكام الآية: \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٧٤٣، \"معالم السنن\" ٤/ ١٧٩، \"المغني\" ٦/ ٥٨٥، \"تكملة المجموع\" ١٣/ ٢٦٩، \"مجموع فتاوى ابن تيمية\" ٣٥/ ٣٩٧، \"نيل الأوطار\" ٧/ ١٥١.","vol":"4","page":481},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-500>٢٨١ </span>- قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ قال ابن عباس: هذه آخر آية نزلت على رسول الله - ﷺ -، قال جبريلُ ﵇: ضعها على رأس ثمانين ومائتين من البقرة (١).\nقال ابن جريج: وعاش رسول الله - ﷺ - بعد نزول هذه الآية تسع ليال (٢)، وقال سعيد بن جبير (٣) ومقاتل (٤): سبع ليال.\nوانتصب (يومًا) على المفعول به، لا على الظرف (٥)، لأنه ليس المعنى: فاتقوا في هذا اليوم، لكن المعنى تأهبوا للقائه بما تقدمون من العمل الصالح، ومثله قوله: ﴿فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا﴾ [المزمل: ١٧] أي: كيف تتقون هذا اليوم الذي هذا (٦) وصفه مع الكفر بالله، أي: لا يكون الكافر مستعدًا للقائه لكفره.\nوقوله تعالى: ﴿تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ هذا يوم القيامة.\nوفي (ترجعون) قراءتان (٧): ضم التاء وفتح الجيم، اعتبارًا بقوله:\n_________\n(١) رواه سفيان الثوري ص ٧٣، وأبو عبيد في \"فضائل القرآن\" ص ٣٧٠، والنسائي في \"تفسيره\" ١/ ٢٩٠، والطبري في \"تفسيره\" ٣/ ١١٤ - ١١٥، والنحاس في \"معاني القرآن\" ١/ ٣١٢، والطبراني في \"الكبير\" ١١/ ٢٩٣، والبيهقي في \"دلائل النبوة\" ٧/ ١٣٧، والثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ١٧٧٤، والواحدي في \"أسباب النزول\" ص ١٧.\n(٢) رواه أبو عبيد في \"فضائل القرآن\" ص ٣٧٠، والطبري في \"تفسيره\" ٣/ ١١٥.\n(٣) رواه ابن أبي حاتم ٢/ ٥٥٤، وذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ١٧٨٢، والبغوي في \"تفسيره\" ١/ ٣٤٧.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ١/ ٢٢٨، وذكره في \"زاد المسير\" ١/ ٣٣٥، وفي \"الوسيط\" ١/ ٤٠٠.\n(٥) ينظر: \"المحرر الوجيز\" ١/ ٤٩٩.\n(٦) في (ي) (الذي وصفه).\n(٧) قرأ أبو عمرو: بفتح التاء وكسر الجيم، وقرأ الباقون بضم التاء وفتح الجيم. ينظر: \"السبعة\" ص ١٩٣، \"الحجة\" ٢/ ٤١٧.","vol":"4","page":482},{"text":"﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ﴾ [الأنعام: ٦٢] ﴿وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي﴾ [الكهف: ٣٦].\nوقرأ أبو عمرو: (تَرْجعون) بفتح التاء وكسر الجيم، اعتبارًا بقوله: ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ﴾ [الغاشية: ٢٥] فأضاف المصدر إلى الفاعل، وقوله: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٥٦]. وقوله: ﴿فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ﴾ [يونس: ٤٦]. وقوله: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ [الأعراف: ٢٩] (١).\nوقوله: ﴿ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ﴾ أي: جزاء ما كسبت من الأعمال، قال ابن عباس: يريدَ ثوابَ عَمَلِهَا، خيرًا بخير، وشرًّا بشر، ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ يريد: وهم لا يُنْقَصُون، لا أهلُ الثوابِ ولا أهْلُ العِقَاب، قال: وهذه الآية لجميع الخلقِ البرِّ والفاجِرِ (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-501>٢٨٢ </span>- قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ قال ابن عباس: لم حرّم الله تعالى الرِّبا أباحَ السَّلَم فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ﴾ (٣) الآية.\nالتداين: تفاعل، من الدَّيْن، ومعناه: داين بعضكم بعضًا وتبايعتم بدين (٤)، قال أهل اللغة: القرضُ غير الدينِ؛ لأن القرض أن يقترض الإنسانُ دراهمَ أو دنانيرَ أو حَبًّا وتمرًا وما أشبه ذلك ولا يجوز فيه الأجل، والأجل في الدَّيْن جائز (٥).\n_________\n(١) من \"الحجة\" ٢/ ٤١٧ - ٤١٨ بتصرف.\n(٢) ذكره في \"الوسيط\" ١/ ٣٩٩، وهو من رواية عطاء التي تقدم الحديث عنها في قسم الدراسة.\n(٣) رواه عبد الرزاق في \"المصنف\" ٨/ ٥، والشافعي في \"الأم\" ٣/ ٩٣، والطبري في \"تفسيره\" ٣/ ١١٦ - ١١٧، وذكره ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٢/ ٥٥٤.\n(٤) من قوله: (التداين)، ساقط من (ي).\n(٥) ينظر \"اللسان\" ١/ ٣٢ (مادة: أجل).","vol":"4","page":483},{"text":"ويقال من الدَّين: ادَّانَ: إذا باع سلعته (١) بثمن إلى أجل، ودان بدين: إذا أَقْرضَ، ودان استقرض، وأنشد الأحمر (٢):\nنَدِيْنُ ويَقْضِي اللهُ عَنّا وقد نَرَى ... مَصارعَ قَوْمٍ لا يَدِينُونَ ضُيَّعا (٣)\nفهذا على معنى يستقرض، وادّان: إذا كثر عليه الدّين، وتديّن واستدان: إذا أخذ الدين (٤)، قال:\nيُعَيّرُني بالدَّيْن قَوْمِي وإنَّما ... تَدَيَّنْتُ في أَشْيَاءَ تُكْسِبُهُم حَمْدًا (٥)\nقال المفسرون: كل حق مؤجل فهو داخل تحت قوله: ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ﴾ (٦).\n_________\n(١) في (م) (سلعة).\n(٢) هو: علي بن الحسن المعروف بالأحمر، مؤدب المأمون العباسي، وشيخ النحاة في عصره، كان جنديًا على باب الرشيد، وأخذ العربيةَ عن الكسائي الذي أوصله إلى الرشيد، كان قوي الذاكرة يحفظ ٤٠ ألف بيتِ شعرٍ، توفي سنة ١٩٤هـ. انظر بغية الوعاة ٢/ ١٥٨ - ١٥٩، \"الأعلام\" ٤/ ٢٧١.\n(٣) البيت للعجير السلولي، في \"لسان العرب\" ٣/ ١٤٦٨ (مادة: دين)، \"تاج العروس\" (مادة: دين)، وبلا نسبة في \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١١٣٧، ينظر: \"المعجم المفصل في شواهد اللغة\" ٤/ ٢٤٩. قال ابن بَرِّي: صوابه ضُيّعِ بالخفض على الصفة لقوم وقبله:\nفَعِد صاحبَ اللَّحَّام سيفًا تبيعُه ... وزد درهمًا فوق المُغَالينَ واخْنَعِ\n(٤) ينظر في دين: \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١١٣٧، \"المفردات\" ص١٨١، \"اللسان\" ٣/ ١٤٦٨.\n(٥) البيت للمقنع الكندي، ينظر \"اللسان\" ٣/ ١٤٦٨ مادة: (دين)، \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١١٣٨، \"البحر المحيط\" ٢/ ٨ ويروى البيت هكذا:\nيعاتبني في الدين قومي وإنما ... ديوني في أشياء تكسبهم حمدًا\n(٦) \"تفسيرالثعلبي\" ٢/ ١٧٨٣.","vol":"4","page":484},{"text":"قال ابن الأنباري: إنما ذكر الدَّيْن مع أن ﴿تَدَايَنْتُمْ﴾ يدل عليه؛ لأن التداين يكون بمعنيين، أحدهما: التداين بالمال، والآخر: التداين بمعنى: المجازاة، من قولهم: كما تدين تُدان، والدين: الجزاء، فذكر الله تعالى الدين لتلخيص أحد المعنيين (١).\nوقوله تعالى: ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ معنى الأجل في اللغة: الوقتُ المضروبُ لانقضاء الأمد، وأَجَلُ الإنسان هو الوقت لانقضاء عمره، وأَجَلُ الدين: محَلُّه، لانقضاء التأخير فيه، وأصله من التأخير، يقال: أَجِلَ الشيء يَأْجَلُ أُجُولًا: إذا تأخر، والآجل: نقيضُ العاجل.\nوقوله تعالى: ﴿فَاكْتُبُوهُ﴾ الكِتابةُ والإِشهادُ اللذان ذكرا في هذه الآية للتداين، والمبايعة في قوله: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ قد اختلف الناس فيهما، فأوجبهما جماعة من أهل العلم، وقالوا: إن الله تعالى أمر في الحقوق المؤجلة بالكِتابة والإشهادِ حفظًا منه للأموال، وذلك أن الذي عليه الدين إذا كانت عليه الشهود والبينة قلّ تحديثه نفسه بالطمع في إذهابه، وهذا مذهب عطاء (٢) وابن جريح (٣) وإبراهيم (٤) واختيار محمد بن جرير (٥)، قال إبراهيم: يشهد ولو على دَسْتَجة (٦) بَقْل.\n_________\n(١) ينظر: \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٧٨٣، وقيل: إنها جاءت للتوكيد، كقوله: ﴿وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ [الأنعام: ٣٨]. و\"تفسير الطبري\" ٣/ ١١٧، و\"المدخل لتفسير كتاب الله\": للحدادي ٢٩٦ ص، و\"تفسير أبي المظفر السمعاني\" ٢/ ٤٦١.\n(٢) المغني ٦/ ٣٨١.\n(٣) رواه عنه الطبري في \"تفسيره\" ٣/ ١١٧.\n(٤) المغني ٦/ ٣٨١.\n(٥) \"تفسير الطبري\" ٣/ ١١٩ - ١٢٠.\n(٦) الدَّسْتَجَة: الحزمة. ينظر: \"القاموس\" ص ١٨٩ (مادة: دستج).","vol":"4","page":485},{"text":"وقال قوم: هذا أمر ندب وإباحة كقوله: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢]، ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا﴾ [الجمعة: ١٠] وهذا اختيار الفراء؛ لأنه يقول: هذا الأمر ليس بفريضة، إنما هو أدب ورحمة من الله، فإن كتب فحسن، وإن لم يكتب فلا بأس (١).\nقال ابن الأنباري: وهو اختيارنا؛ لاتفاق أكثر العلماء عليه، ولأن الأمر لو كان حتمًا لم يكن المسلمون ليقدموا على خلاف نصّ القرآن في أسواقهم، ولكان فيه أعظم التشديد على الناس والتغليظ، والنبي - ﷺ - يقول: \"بُعِثْتُ بالحنفية السمحة\" (٢).\nوقال آخرون: كانت الكتابة والإشهاد أو الرهن فرضًا، ثم نسخ ذلك بقوله: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ إن أشهدت فَحَزْم (٣)، وإن تركت ففي حلٍّ وسعة (٤).\nوقال التيِمي: سألت الحسن عنها فقال: إن شاء أشهدَ، وإن شاء لم يُشْهِدْ، ألا تسمع قوله: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ (٥).\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للفراء.\n(٢) رواه أحمد ٥/ ٢٦٦. قال السخاوي في \"المقاصد الحسنة\" ص١٠٩: وسنده حسن.\n(٣) في (م) (فجزم).\n(٤) وهذا قول الشعبي، رواه الثوري في \"تفسيره\" ص ٧٣، وأبو عبيد في \"الناسخ والمنسوخ\" ص ١٤٥، وابن أبي شيبة في \"المصنف\" ٦/ ٩٧، والطبري في \"تفسيره\" ٣/ ١١٨، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٢/ ٥٧٠، وابن الجوزي في نواسخ القرآن ص ٢٦٣، وقال: وهذا ليس بنسخ؛ لأن الناسخ ينافي المنسوخ، ولم يقل هاهنا: فلا تكتبوا ولا تشهدوا، وإنما بين التسهيل في ذلك. وينظر: \"تفسير القرطبي\" ٣/ ٣٨٣، و\"النسخ في القرآن\" لمصطفى زيد ٢/ ٦٨٣.\n(٥) رواه عنه الطبري في \"تفسيره\" ٣/ ١١٨، وفي \"النكت والعيون\" ١/ ٣٥٤ بمعناه.","vol":"4","page":486},{"text":"قال أبو عبيد: والعلماء اليوم من أهل الحجاز وأهل العراق وغيرهم على هذا القول (١)، أن شهادة المبايعة ليست بحتم على الناس، والآية الناسخة بعدها قوله: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ ويرون (٢) أن البَيِّعينِ مخيَّرانِ في الشهادة والترك (٣).\nوقوله تعالى: ﴿وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ﴾ أي: ليكتب كتاب الدين بين المستدين والمدين كاتب بالعدل، أي: بالحق والإنصاف، لا يكتب لصاحب الدين فضلًا على الذي عليه، ولا يُنْقِصُه (٤) من حَقِّه، ولا يقدِّم الأجلَ، ولا يؤخِّرُه، ولا يكتب شيئًا يبطل به حقًّا لأحدهما لا يعلمه هو، فهذا العدل (٥).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ﴾ أي: لا يمتنع، يقال: أبى فلان الشيء يَأبَاهُ، إذا امتنع عنه (٦) ولم يفعله، ويقال: أَخَذَه أُبَاءٌ، إذا كان يأْبى الطعامَ فلا يشتهيه (٧).\nقال مجاهد (٨) والربيع (٩): واجب على الكاتب أن يكتبَ إذا أُمر؛ لأن\n_________\n(١) سقطت من (م).\n(٢) في (ش) (ويروي).\n(٣) وينظر في المسألة: \"المغني\" ٦/ ٣٨١ - ٣٨٣، \"أحكام القرآن\" لابن العربي ١/ ٢٤٨، \"تفسير القرطبي\" ٣/ ٣٨٣.\n(٤) في (ي) (ولا ينقصه عليه).\n(٥) \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٧٨٩.\n(٦) في (م) (منه).\n(٧) ينظر في أبى: \"تهذيب اللغة\" ١/ ١١٤، \"اللسان\" ١/ ١٤ قال الراغب في \"المفردات\": الإباء شدة الامتناع، وليس كل امتناع إباء.\n(٨) رواه عبد الرزاق في \"المصنف\" ٨/ ٣٦٥، والطبري في \"تفسيره\" ٣/ ١١٩، و\"ابن أبي حاتم\" في تفسيره ٢/ ٥٥٦.\n(٩) رواه الطبري في \"تفسيره\" ٣/ ١٢٠، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٢/ ٥٥٥.","vol":"4","page":487},{"text":"الله تعالى أَمَره أن لا يَأْبى. قال الفراء: أُمِرَ الكاتبُ أن لا يأبى، لقلةِ الكُتّاب كانوا على عهد رسول الله - ﷺ - (١).\nوقال الحسن: ذاك إذا لم يقدر على كاتب سواه فيضر بصاحب الدين إن امتنع (٢).\nوقال الضحاك: كانت هذه عزيمة واجبة على الكاتب والشاهد، فنسخها قوله: ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾ (٣).\nوقوله تعالى: ﴿كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ﴾ أي: لا يأبَ أن يكتبَ كما أمره الله ﷿ من الحق، فعلى هذا يكون قوله: ﴿كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ﴾ متصلًا بقوله: ﴿أَن يَكْتُبَ﴾ كما أمره الله، ويحتمل أن يتمَّ الكلامُ عند قوله: ﴿أَن يَكتُبَ﴾ ثم قال: ﴿كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ﴾ أي: كما فضله الله بالكتابة.\nوقال ابن عباس: كما أفهمه الله، ولا يمنعن المعروف بكتابة (٤).\nوالوجهان ذكرهما الزجاج (٥).\n_________\n(١) \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٧٨٩.\n(٢) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ١٧٨٩، والبغوي في \"تفسيره\" ١/ ٣٤٩.\n(٣) رواه عنه الطبري في \"تفسيره\" ٣/ ١٢٠، وذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ١٧٩٠، والبغوي في \"تفسيره\" ١/ ٣٤٩، وفي \"النكت والعيون\" ١/ ٣٥٥، \"تفسير القرطبي\" ٣/ ٣٨٤، وقال معلقًا: هذا يتمشى على قول من رأى أو ظن أنه قد وجب في الأول على كل من اختاره المتبايعان أن يكتب، وكان لا يجوز له أن يمتنع، حتى نسخه قوله تعالي: ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾ وهذا بعيد؛ فإنه لم يثبت وجوب ذلك على كل من أراده المتبايعان كائنا من كان، ولو كانت الكتابة واجبة ما صح الاستئجار لها؛ لأن الإجارة على فعل الفروض باطلة، ولم يختلف العلماء في جواز أخذ الوثيقة على كَتْب الوثيقة. وينظر \"أحكام القرآن\" لابن العربي ١/ ٢٤٨.\n(٤) هو من رواية عطاء التي تقدم الحديث عنها في قسم الدراسة.\n(٥) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٣٦٢.","vol":"4","page":488},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ﴾ الإِمْلال والإِملاءُ لغتان (١)، قال الفراء: أمْلَلْتُ عليه الكتابةَ لغةُ الحجاز وبني أسد، وأَمْلَيتُ لغة تميم (٢) وقيس، نزل القرآن باللغتين (٣)، قال الله تعالى في اللغة الثانية: ﴿فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الفرقان: ٥] ومعنى الآية: أن (٤) الذي عليه الدين يُملي؛ لأنه المشهود عليه، فيُقر على نفسه بلسانه، ليُعلم ما عليه.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ البَخْسُ: النُّقْصَان، يقال: بَخَسه حَقَّه، إذا نَقَصَه (٥).\nأُمِر من عليه الحق أن يُقرَّ بمبلغ المال الذي عليه ولا ينقص شيئًا.\nوقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا﴾ قال مجاهد: جاهلا (٦) بالإملاء (٧).\nوقال الضحاك (٨) والسدي (٩): طفلًا صغيرًا.\n_________\n(١) ينظر: \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٧٩٠.\n(٢) في (ي) (بني تميم).\n(٣) نقله عنه في \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٤٥٢ (مادة: ملل)، وينظر \"اللسان\" ٧/ ٤٢٧١ (مادة: ملل).\n(٤) سقطت من (أ) و(م).\n(٥) ينظر في بخس: \"تهذيب اللغة\" ١/ ٢٢١: \"المفردات\" ص ٤٨، قال الراغب: البخس: نقص الشيء على سبيل الظلم.\n(٦) سقطت من (ي).\n(٧) رواه عبه الطبري في \"تفسيره\" ٣/ ١٢٢، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٢/ ٥٥٩، وذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ١٧٩١.\n(٨) رواه عنه الطبري في \"تفسيره\" ٣/ ١٢٢، وذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ١٧٩١.\n(٩) رواه عنه الطبري في \"تفسيره\" ٣/ ١٢٢، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٢/ ٥٥٩.","vol":"4","page":489},{"text":"(أو ضعيفًا) يعني: عاجزًا أحمق، عن السدي (١) وابن زيد (٢).\n(أو لا يستطيع أن يملّ هو) لخَرَسٍ أو عِيِّ أو (٣) جَهْلٍ بما له وعليه (٤).\n﴿فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾. قال الضحاك (٥) وابن زيد (٦): أي: ولي السفيه والعاجز والطفل، يعنى: قيمه أو وارثه أو من يقوم مقامه في حقه.\nوقال ابن عباس (٧) والربيع (٨) ومقاتل (٩): يعني: ولي الحق، وهو صاحب الدين؛ لأنه أعلم بدينه. ﴿بِالْعَدْلِ﴾: بالصدق والحق والإنصاف. والقول الأول اختيار الزجاج (١٠) وصاحب النظم، وهو الأظهر والأصح.\nقال الزجّاج: إن الله ﷿ أمر أن لا يؤتى السفهاء الأموال، وأمر أن يقام بهم (١١) فيها، فقال: ﴿وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ [النساء: ٥]، فوليُّه: الذي يقوم مقامه في ماله. قال: وقول من قال: إنه ولي الدين، بعيد، كيف يقبل قول المدعي، وما حاجتنا إلى الكتابة والإشهاد، والقول قوله (١٢)؟\n_________\n(١) انظر المصدرين السابقين.\n(٢) رواه عنه الطبري في \"تفسيره\" ٣/ ١٢٣.\n(٣) غير واضح في (م).\n(٤) \"تفسيرالثعلبي\" ٢/ ١٧٩١.\n(٥) رواه عنه الطبري في \"تفسيره\" ٣/ ١٢٣ بمعناه.\n(٦) المرجع السابق.\n(٧) رواه عنه الطبري في \"تفسيره\" ٣/ ١٢٣، وذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ١٧٩٢، والبغوي في \"تفسيره\" ١/ ٣٤٩.\n(٨) رواه عنه الطبري في \"تفسيره\" ٣/ ١٢٣، وذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ١٧٩٢.\n(٩) \"تفسير مقاتل\" ١/ ٢٢٩.\n(١٠) \"معاني القرآن\" ١/ ٣٦٣.\n(١١) في (ي) و(ش) (لهم).\n(١٢) \"معاني القرآن\" ١/ ٣٦٣.","vol":"4","page":490},{"text":"وقال صاحب \"النظم\": الذي يدل عليه نظم هذا الفصل أنه ولي السفيه، لأن ولي السفيه (١) يقوم مقام (٢) السفيه، والسفيه هو الذي عليه الحق، وقد وسم الله ﷿ في أول الفصل صاحب الحق بوسْمٍ، وكان ما وسمه به أن قال: ﴿فَلْيَكْتُبْ﴾ ووسم الذي عليه الحق (٣) بوسم آخر، فقال: ﴿وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ﴾ (٤) فلما قال هاهنا: ﴿فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾، عُلِمَ أنه يعني: وليَّ السفيه؛ لأنه أقامه مقام السفيه، وهو الذي عليه الحق، ولو أراد صاحب الحق لقال: فليكتب وليه بالعدل، كما وسمه (٥) به في أول القصة.\nوأجاز الفراء القولين جميعًا (٦).\nوقوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا﴾ أي: أَشْهِدُوا، يقالُ: أَشْهَدتُّ الرجلَ واستشهدته بمعنى (٧)، وبه فسر قول النبي - ﷺ -: \"يَشْهَدُون (٨) ولا يُستشهدون\" (٩) أي: لا يشهدون.\n_________\n(١) قوله: (لأن ولي السفيه)، ساقط من (ي).\n(٢) في (م) (مقامه).\n(٣) سقطت من (م).\n(٤) في (ي) (قال فلما قال).\n(٥) في (ي) (قال) بدل (وسمه به).\n(٦) \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ١٨٣.\n(٧) ينظر: \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٩٤٤ (مادة: شهد).\n(٨) سقطت من (ي).\n(٩) رواه البخاري (٣٧٥٠) كتاب: فضائل أصحاب النبي - ﷺ -، باب فضائل أصحاب النبي - ﷺ -، ومسلم (٥٢٣٥) كتاب: فضائل الصحابة، باب: فضل الصحابة، عن عمران بن حصين.","vol":"4","page":491},{"text":"وقوله تعالى: ﴿شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ يعني: من أهل ملتكم من الأحرار البالغين، دون الصبيان والعبيد (١).\nوقوله تعالى: ﴿فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ قال الزجاج: أي: (٢) فالذي يُستشهد إن لم يكن رجلان فرجل (٣) وامرأتان (٤).\nقال الفراء: فليكن رجل وامرأتان فرفع بالرد على الكون (٥).\nوقال صاحب \"النظم\": أي: فليكفكم رجل وامرأتان (٦). وقيل: فرجل وامرأتان (٧) يشهدون. كل هذه التقديرات جائز حسن.\nقال أبو علي الفارسي: قال أبو الحسن الأخفش: التقدير: فليكن رجل وامرأتان (٨)، كما قال الفراء، ثم قال من عنده: يجوز أن تكون (٩) (كان) المضمرة في الآية الناصبة للخبر (١٠)، ويجوز أن تكون التامة التي لا\n_________\n(١) \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٧٩٢، وينظر \"الأم\" ٦/ ٢٥١، \"مختصر الطحاوي\" ٣٣٥، \"المغني\" ١٤/ ١٨٥، وأجاز أنس بن مالك وابن سيرين وشريحٌ شهادةَ العبيد، وأجاز الحسن وإبراهيم. والشعبي والنخعي والحكم شهادتهم في الشيء التافه. ينظر صحيح البخاري (٢٦٥٩) كتاب: الشهادات، باب: شهادة الإماء والعبيد، و\"المصنف\" لابن أبي شيبة ٦/ ٧٧، و\"المغني\" ١٤/ ١٨٦.\n(٢) سقطت من (ي).\n(٣) في (أ) و(م) و(ش) (رجل).\n(٤) \"معاني القرآن\" ١/ ٣٦٣.\n(٥) \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ١٨٤.\n(٦) من قوله: (قال الفراء). ساقط من (أ) و(م).\n(٧) من قوله: (قال الفراء). ساقط من (أ).\n(٨) \"معاني القرآن\" للأخفش ١/ ١٨٩.\n(٩) في (ي): (إن كانت كان).\n(١٠) في (م): (للحال).","vol":"4","page":492},{"text":"توجب خبرًا، فإن أضمرت التي تقتضي الخبر كان تقدير إضمار الخبر: فليكن من يشهدون رجل أو امرأتان، وإن (١) أضمرت التامة (٢) التي بمعنى الحدوث والوقوع كان أولى؛ لأنك إذا أضمرتها أضمرت شيئًا واحدًا، وإذا أضمرت الأخرى احتجت أن تضمر شيئين، وكلما قل الإضمار (٣) كان أسهل (٤)، وأيهما أضمرت فلابدّ من تقدير المضاف، المعنى: فليحدث شهادة رجل وامرأتين، أو يقع، ألا ترى أنه ليس المعنى: فليحدث رجل وامرأتان، ولكن لتحدُث شهادتهما أو تقع، أو تكون شهادة رجلٍ وامرأتين (٥) فيما يشهدون (٦).\nواجماع أن شهادة النساء جائزة (٧) في الأموال (٨).\nوقوله تعالى: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ قال ابن عباس: يريد: من\n_________\n(١) في (م): (فإن).\n(٢) سقطت من (ي).\n(٣) في (أ) و(م): (إضمار).\n(٤) ذكر في \"البحر المحيط\" ٢/ ٣٤٦ أن الصحيح أن خبر كان لا يحذف لا اقتصارًا ولا اختصارًا.\n(٥) في (ي): (أمرأة).\n(٦) من \"الحجة\" ٢/ ٤١٩ - ٤٢١ بتصرف، وينظر في إعراب الآية: \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ٣٤٤، \"مشكل إعراب القرآن\" ١/ ١٤٤، \"التبيان\" ١/ ١٦٧، \"البحر المحيط\" ٢/ ٣٤٦.\n(٧) سقطت من (م).\n(٨) حكى الإجماع الثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ١٧٩٣، وابن المنذر في \"الإجماع\" ص ٧٨، وينظر: \"اختلاف الفقهاء\" للمروزي ص ٢٨٤، \"المغني\" ١٤/ ١٣٠، \"فتح الباري\" ٥/ ٢٦٦، ووقع الخلاف في غير الأموال، فيرى مالك والأوزاعي والشافعي وأبو عبيد وأحمد وأبو ثور: أنها لا تجوز إلا في الأموال، ويرى أبو حنيفة وسفيان: أنها جائزة في كل شيء ما عدا الحدود والقصاص.","vol":"4","page":493},{"text":"أهل الفضل والدين (١)، كما في الطلاق، ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢]. ودل هذا القول: أن في الشهود من ينبغي أن لا يُرضى (٢)، وجملة القول فيمن تقبل شهادته، أن يجتمع فيه عشر خصال: يكون حرًا، بالغًا، مُسلمًا، عدلًا، عالمًا بما يشهد به، ولا يجرُّ بشهادته إلى نفسه منفعة، ولا يدفع عن نفسه مضرةً، ولا يكون معروفًا بكثرة الغلط، ولا بترك المروءة، ولا يكون بينه وبين من يشهد عليه عَصَبيّة (٣).\nوقوله تعالى: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ أن تتعلق بفعل مضمر، دل عليه ما قبله من الكلام، وذلك أن قوله: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ يدل على: فاستشهدوا رجلًا وامرأتين، فتعلق أن إنما (٤) هو بهذا الفعل المدلول عليه (٥)، ويجوز أن يتعلق الشيء بما ذكرنا من الفعل المقدر، في قول الفراء وأبي الحسن (٦) وهو: فليكن رجل وامرأتان، ويجوز أن يتعلق بشيء ثالث، وهو الخبر المضمر فيمن جعل التقدير: فرجل وامرأتان يشهدون (٧) (٨).\n_________\n(١) ذكره في \"زاد المسير\" ١/ ٣٣٨، وفي \"الوسيط\" ١/ ٤٠٥.\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٣٦٣.\n(٣) ينظر في ذكر الشروط: \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٧٩٦، و\"الكافي\" لابن عبد البر ٢/ ٨٩٢، و\"المغني\" ١٤/ ١٤٥، و\"روضة الطالبين\" ١٤/ ١٤٥، \"البحر المحيط\" ٢/ ٣٤٧. وبين المذاهب خلاف في بعض هذه الشروط.\n(٤) سقطت من (ي).\n(٥) من \"الحجة\" ٢/ ٤١٩.\n(٦) تقدمت أقوالهما عند قوله تعالى: ﴿فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾.\n(٧) من \"الحجة\" ٢/ ٤٢١.\n(٨) ينظر في إعراب الآية: \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ١٨٤، \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ٣٤٥، \"الحجة\" ٢/ ٤١٩، \"مشكل إعراب القرآن\" ١/ ١٤٤، \"التبيان\" ص ١٦٧.","vol":"4","page":494},{"text":"وقوله تعالى: ﴿أَنْ تَضِلَّ﴾ قال ابن عباس (١) وجميع أهل التفسير والمعاني: تَضلّ: تنسى، والضلال يكون بمعنى النسيان؛ لأن الناسي للشيء عادل عنه وعن ذكره، قال الله ﷿: ﴿قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ﴾ [الشعراء: ٢٠] أي: الناسين الذين ضلوا وجه الأمر، ومن هذا قولهم: ضَلِلْتُ الطريق والدار أَضِلُّه ضلالًا: إذا لم تدر أين هو (٢)، قال الفرزدق:\nولَقَدْ ضَلَلْتَ أباَكَ يَدْعُو دَارِمًا ... كضَلالِ مُلْتَمِسٍ طَرِيقَ وَبَارِ (٣)\nوقال أبو عمرو: أصل الضلال في اللغة: الغيبوبة (٤).\nوقوله تعالى: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا﴾ أي: تغيب عن حفظِها، أو يغيب حفظُها عنها، وإحدى: تأنيث الواحد.\nقال أبو علي: أنثوه على غير بنائه، و(إحدى) لا تستعمل إلّا مضمومة إلى غيرها ومضافة، لا يقولون: رأيت إحدى، ولا جاءني إحدى. وروى أبو العباس عن ابن الأعرابي قال: (٥) يقال: أحد في جمع إحدى. يقال: فلان إحدى الإحد، وأحَدُ الأَحَدِيْن، وواحِدُ الآحَاد، كما يقال: واحد لا\n_________\n(١) ذكره في \"زاد المسير\" ١/ ٣٣٨.\n(٢) ينظر: \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢١٢٩ - ٢١٣١ (مادة: ضلّ)، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٨٠٥، \"المفردات\" ٣٠٠ - ٣٠٢، وأطال النفس في ذكر أنواعه، \"لسان العرب\" ٥/ ٢٦٠١ - ٢٦٠٤ (مادة: ضلل)، وفيه قال أبو عمرو بن العلاء: إذا لم تعرف المكان قلت: ضلَلته، وإذا سقط من يدك شيء قلت: أضللته، يعني: أن المكان لا يضل وإنما أنت تضل عنه.\n(٣) البيت من الكامل، وهو للفرزدق في \"ديوانه\" ص ٤٥٠، \"لسان العرب\" ٥/ ٢٦٠١ مادة: (ضلل).\n(٤) نقله عنه في \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢١٣٠ (مادة: ضل).\n(٥) في \"الحجة\": (وقال أحمد بن يحيى) ولم يروه عن ابن الأعرابي كما هنا.","vol":"4","page":495},{"text":"مثل له، وأنشد:\nحتى استثاروا بي (١) إحْدَى (٢) الإِحَدِ ... لَيْثًا هِزَبْرًا ذا سِلاحٍ مُعْتَدِي (٣)\nقال أبو العباس: جعلوا الألف في (إحدى) بمنزلة التاء في الكسرة، فقالوا (٤) في جمعها: إِحَد، كما قالوا: كِسَر لما جَعَلُوه مثلها في الكبر والكبرى، والعُلْيا والعُلَى، فكما جعلوا هذه كظُلْمَة وظُلَم، جعلوا الأول بمنزلة كِسَرٍ وسِدَرٍ (٥)، وكما جعلوا الألف المقصورة بمنزلة التاء فيما ذكرنا جعلوا الممدودة أيضًا بمنزلتها في قولهم: قَاصِعَاءُ وقَوَاصعُ، ودَامَّاءُ ودَوَامّ (٦).\nوموضع (أن) نصب، لأن المعنى: استشهدوا امرأتين، لأن تُذَكّر إحداهما الأخرى، ومن أجل أن تذكر (٧).\nفإن قيل: إذا كان المعنى هذا فلم جاز: أن تضل، والشهادة لم توقع للضلال الذي هو النسيان، إنما وقعت للذكر والإذكار؟ والجواب عنه: أن\n_________\n(١) في (ي): (في).\n(٢) في (م): (أحد).\n(٣) رجز للمرار الفقعسي. ينظر: \"الأغاني\" ١٠/ ٣٢٤، \"الخزانة\" ٣/ ٢٩٣.\n(٤) في (ش): (فقال).\n(٥) في (ش): (سدد).\n(٦) \"الحجة\" ٢/ ٤٢٢ - ٤٢٣. وينظر في أحد: \"اللسان\" ١/ ٣٥، \"عمدة الحفاظ\" ١/ ٧١ - ٧٣.\n(٧) ينظر في الإعراب: \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٣٦٤، \"مشكل إعراب القرآن\" ١/ ١٤٤، \"التبيان\" ص ١٦٨.","vol":"4","page":496},{"text":"الإذكار لما كان سببه الإضلال، جاز أن يذكر (أن تضل)؛ لأن الضلال هو السبب الذي به وجب الإذكار، كما تقول: أعددت هذا (١) أن يميل الحائط فأدعمه (٢)، وإنما أعددت للدعم لا للميل، ولكن ذكر الميل لأنه سبب الدعم، كما ذكر الضلال لأنه سبب الإذكار، هذا قول سيبويه، وعليه البصريون (٣).\nوقال الفراء: معنى الآية: فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء، كي تُذَكِّر إحداهما الأخرى إن ضلت، فلما تقدم (٤) الجزاء اتصل بما قبله ففتحت أن، قال: ومثله من الكلام؛ إنه ليعجبني أن يسأل السائل فيعطى، معناه: إنه ليعجبني أن يعطى السائل أن سأل؛ لأنه إنما (٥) يعجبه الإعطاء لا السؤال (٦)، فلما قدموا السؤال على العطية أصحبوه أن المفتوحة ليكشف المعنى، فعنده (أن) في قوله: ﴿أَنْ تَضِلَّ﴾ للجزاء، إلا أنه قدم وفتح، وأصله التأخير. وأنكر البصريون هذا القول (٧).\nقال أبو إسحاق: لست أعرف لم صار الجزاء إذا تقدم وهو في مكانه وغير مكانه وجب أن تفتح أن (٨).\n_________\n(١) في \"معاني القرآن\": (أعددت هذا الجذع)، وفي \"الكتاب\" لسيبويه ٣/ ٥٣: أعددته.\n(٢) في (ش) (فأدغمه).\n(٣) ينظر: \"الكتاب\" لسيبويه ٣/ ٥٣، وعنه نقل الزجاج في \"معاني القرآن\" ١/ ٣٦٤، \"مشكل إعراب القرآن\" ١/ ١٤٤، \"التبيان\" ص ١٦٨.\n(٤) في (م) (قدم).\n(٥) في (ش) (إنه).\n(٦) \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ١٨٤، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٨٠٤.\n(٧) ينظر في رد هذا القول: \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ٣٤٥، \"التبيان\" ص ١٦٨.\n(٨) \"معاني القرآن\" ١/ ٣٦٤.","vol":"4","page":497},{"text":"وقال أبو علي: ما ذكره الفراء دعوى لا دلالة عليها، والقياس يفسدها (١)، ألا ترى أنا نجد الحرف العامل إذا تغيرت حركته لم يوجب ذلك تغيرًا في عمله ولا معناه، وذلك ما رواه أبو الحسن فتح اللام الجارة مع المظهر، عن يونس وأبي عبيدة وخلف الأحمر، فقال: لَزَيْدٍ، فكما أن هذا اللام لما فتحت لم يتغير من عملها ومعناها شيءٌ عما كان عليه من الكسر، كذلك (إن) الجزاء لو فُتِحَتْ لم يجب على قياس اللام أن يتغيَّرَ له معنى ولا عمل، ومما (٢) يبعد ذلك: أن الحروف العاملة إذا تقدمت كانت مثلها إذا تأخرت، لا تتغير بالتقدم عما (٣) كانت عليه في التأخير، ألا ترى أن من قال: بزيدٍ مررتُ، وإلى عمروٍ ذهبتُ، فقدم الحرف كان تقديمُه مثلَ تأخيرِه لا يُغَيِّرُ التقديم شيئًا كان عليه في التأخير (٤).\nوقال صاحب النظم في هذه الآية: التقدير: مخافة أن تضل وخوفًا لكم، أن تضل أن تنسى، لما فيهن من النقص عن ذكر الرجال وحفظهم، كما قال عمرو بن كلثوم:\nفَعجَّلْنَا القِرَى أن تَشْتِمُونَا (٥)\nقيل فيه: مخافة أن (٦) يشتمونا، وهذا لا بأس به لو لم يكن بعد قوله:\n_________\n(١) في (ي): (يفيدها).\n(٢) في (ي): (ما).\n(٣) في (أ) و(ش): (كما).\n(٤) من \"الحجة\" ٢/ ٤٣٣ بتصرف.\n(٥) شطره الأول:\nنزلتم منزل الأضياف منا\nوالبيت من معلقته، ينظر: \"شرح القصائد العشر\" للتبريزي ص ٣٦١، \"جمهرة أشعار العرب\" ١/ ٤١٢، \"منتهى الطلب\" ١/ ١١٦، \"شرح شواهد المغني\" ص ٤٤.\n(٦) في (أ) و(م) (لا يشتمونا).","vol":"4","page":498},{"text":"﴿أَنْ تَضِلَّ﴾ ﴿فَتُذَكِّرَ﴾، ولما عطف قوله: ﴿فَتُذَكِّرَ﴾ على ﴿أَنْ تَضِلَّ﴾ فسد هذا القول؛ لأن الخوف على الضلال يصح، والخوف على التذكير لا يصح؛ لأن إشهاد امرأتين للتذكير لا لخوف التذكير (١).\nوقرأ حمزة (إن تَضَلَّ) بكسر الألف (فَتُذَكِّرُ) بالرفع (٢)، جعل (إن) للجزاء، و(تضل) في موضع جزم، وحركت بالفتح لالتقاء الساكنين، كقوله: ﴿مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ﴾ [المائدة: ٥٤]. والفاء في قوله: ﴿فَتُذَكِّرَ﴾ جواب الجزاء، وقياس قول سيبويه في قوله: ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٩٥] أن يكون بعد الفاء في ﴿فَتُذَكِّرَ﴾ مبتدأ محذوف (٣)، ولو أظهرته لكان: فيما (٤) تُذَكِّرُ إحداهما الأخرى، والذكر (٥) العائد إلى المبتدأ المحذوف: الضميرُ في قوله: ﴿إِحْدَاهُمَا﴾.\nوموضع الشرط وجوابه رفع بكونهما وصفًا للمنكرين (٦)، وهما المرأتان في قوله: ﴿فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾، لأن الشرط والجزاء جملة يوصف\n_________\n(١) \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ٣٤٦، وقال في \"التبيان\" ص ١٦٨: ولا يجوز أن يكون التقدير: مخافة أن تضل؛ لأنه عطف عليه ﴿فَتُذَكِّرَ﴾، فيصير المعنى. مخافة أن تذكر إحداهما الأخرى إذا ضلت، وهذا عكس المراد. وينظر \"البحر المحيط\" ٢/ ٣٤٩.\n(٢) وقرأ الباقون (أن تضل إحداهما فتُذَكِّر) بفتح همزة (أن) ونصب الراء من (تذكر) غير أن ابن كثير وأبا عمرو خففا الكاف وشددها الباقون. ينظر \"السبعة\" ص ١٩٤، \"الحجة\" ٢/ ٤١٨ - ٤١٩.\n(٣) في (ي): (محذوف الضمير في).\n(٤) في (ش): (فيهما). وفي (أ): (كأنها: فهما)، والمثبت من \"الحجة\".\n(٥) في (ي) (والذكرى).\n(٦) في (ش) (وضعا للمنكورين)، وفي (ي) (للمنكورين).","vol":"4","page":499},{"text":"بها، كما يوصف (١) بها في نحو قوله: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ [الحج: ٤١] (٢).\nوقوله تعالى ﴿فَتُذَكِّرَ﴾ قرئ بالتشديد والتخفيف (٣) (٤)، والذكر فعل يتعدى إلى مفعول واحد، فإذا ضعفت منه العين أو نقلته بالهمزة تعدى إلى مفعول آخر، مثل: فَرَّحْتُه وأَفْرَحْتُه، وغَرَّمْتُهُ وأَغْرَمْتُه، وكَرَّمْتُه وأَكْرَمْتُه. فمن قرأ بالتشديد كان ممن جعل التعدية بالتضعيف ومن حجته: قوله تعالى: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات: ٥٥] وقوله: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ [الغاشية: ٢١]، والتشديد أكثر استعمالًا من التخفيف، أنشد أبو علي:\nعلى أنَّنِي بَعْدَما قَدْ مَضَى ... ثَلاثُون للهَجْرِ حَوْلًا كَمِيلا\nيُذَكّرُنيِكِ حَنِينُ العَجُولِ ... ونَوْحُ الحَمَامَةِ تَدْعُو هَدِيلا (٥)\n_________\n(١) في \"الحجة\": (يوصل).\n(٢) من \"الحجة\" ٢/ ٤٢٦ - ٤٢٧ بتصرف وتقديم وتأخير.\n(٣) في (ي) (بتشديد الكاف وتخفيف).\n(٤) قرأ ابن كثير وأبو عمرو بتخفيف الكاف، وقرأ الباقون بالتشديد. ينظر: \"السبعة\" ص ١٩٤، \"الحجة\" ٢/ ٤١٩.\n(٥) البيتان للعباس بن مرداس الصحابي في \"ديوانه\" ص ١٣٦، \"الحجة\" ٢/ ٤٣١، \"لسان العرب\" ٧/ ٣٩٣٠ مادة: (كمل). والحنين: ترجيع الناقة صوتها إثر ولدها، والعَجُول من الإبل: الواله التي فقدت ولدها بذبح أو موت أو هبة، ونوح الحمامة. صوت تستقبل بها صاحبها، والهديل: قال ابن قتيبة في \"أدب الكاتب\" ص ٢١٠: العرب تجعله مرةً فَرْخُا تزعم الأعراب أنه كان على عهد نوح لله، فصاده جارح من جوارح الطير، قالوا: فليس من حمامة إلا وتبكي عليه. ومرة يجعلونها الطائر نفسه، ومرة يجعلونه الصوت. ينظر \"الخزانة\" ١/ ٥٧٣ وشرح أبيات المغني ٧/ ٢٠٣، وتحقيق \"الحجة\" ٢/ ٤٣١.","vol":"4","page":500},{"text":"ومن قرأ بالتخفيف جعل التعدية إلى المفعول الثاني بالنقل بالهمزة، والمفعول الثاني محذوف، المعنى: فتذكّر إحداهما الأخرى الشهادة التي احتملتاها (١).\nوعامة المفسرين على أن هذا التذكير والإذكار من النسيان، إلا ما يروى عن سفيان بن عيينة أنه قال في قوله: ﴿فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ أي: تجعلها ذَكَرًا (٢)، يعني: أنها إذا شهدت مع أخرى صارت شهادتهما كشهادة ذكر، وقد روي هذا أيضًا عن أبي عمرو بن العلاء (٣)، أخبرناه أبو الحسن بن أبي عبد الله الفسوي، وأحمد بن محمد الفقيه، وأبو محمد الكراني (٤)، حدثنا عبد الله بن شبيب (٥)، حدثنا المنقري، حدثنا الأصمعى، قال: قال أبو عمرو بن العلا: من قرأ: ﴿فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ بالتشديد فهو من طريق التذكير بعد النسيان، تقول لها: هل تذكرين يوم شهدنا في موضع كذا وبحضرتنا فلان أو فلانة، حتى تذكر الشهادة، ومن قرأ: (فتذكر) بالتخفيف، قال: إذا شهدت المرأة ثم جاءت الأخرى فشهدت معها أذكرتها، لأنهما تقومان مقام رجل، ونحو هذا روى\n_________\n(١) من \"الحجة\" ٢/ ٤٣١ - ٤٣٢ بتصرف وتقديم وتأخير، وينظر: \"حجة القراءات\" لابن زنجلة ص ١٥١، \"علل القراءات\" للأزهري ١/ ١٠٠.\n(٢) رواه عنه الطبري في \"تفسيره\" ٣/ ١٢٥، وذكره النحاس في \"معاني القرآن\" ١/ ٣١٨، وابن زنجلة في \"حجة القراءات\" ص ١٥١، والثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ١٨٠٦، والبغوي ١/ ٣٥١، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ١/ ٣٣٨.\n(٣) ذكره في \"زاد المسير\" ١/ ٣٣٨، \"المحرر الوجيز\" ٢/ ٥١١ - ٥١٢، \"البحر المحيط\" ٢/ ٣٤٩.\n(٤) في (أ) و(م) (المكداني).\n(٥) عبد الله بن شبيب أبو سعيد الربعي، إخباري علامة، لكنه واهٍ ذاهب الحديث، كان يقلب الأخبار ويسرقها. ينظر: \"ميزان الاعتدال\" ٣/ ١٥٢، \"تاريخ بغداد\" ٩/ ٤٧٤.","vol":"4","page":501},{"text":"أبو عمر عن ثعلب سواء.\nوأنكر المفسرون هذا التفسير، وضعّفوه، من حيث إن النساءَ لو بلغن ما بلغن ولم يكن معهن رجل لم تجز شهادتهن حتى يكون معهنَّ رَجُل، فإذا كان الأمر على هذا لم تُذْكِرْها، والحاجة في نفاذ الشهادة إلى الرجل قائمة، ومما يبعد هذا التفسير: أن الضلال في قوله: ﴿تُضِلَّ إِحْدَاهُمَا﴾ فسر بالنسيان، والذي (١) ينبغي أن يعادله ما هو مقابل للنسيان من التذكير، وأيضًا فإن المرأة إذا انضمت إلى المرأة لو صيرتها ذكرًا لكانت شهادة المرأتين بمنزلة شهادة رجل في جميع الأحكام (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ فيه ثلاثة أقوال:\nأحدها: أن هذا في تحمل الشهادة، وكل من (٣) دعي لتحمل شهادة وجب عليه ترك الإباء، في قول قتادة (٤) والربيع (٥).\nقال الشعبي: هذا إذا لم يوجد غيره فيتعين عليه الإجابة، فإن وجد غيره ممن يتحمل فهو مخير (٦).\n_________\n(١) في (ي) (فالذي).\n(٢) ينظر في الرد: \"الحجة\" ٢/ ٤٣٣، وعنه نقل المؤلف أكثر الكلام، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٨٠٦، \"المحرر الوجيز\" ١/ ٥١١ - ٥١٢، \"البحر المحيط\" ٢/ ٣٤٩، وعده الزمخشري في \"الكشاف\" من بدع التفاسير، وقال ابن عطية: وهذا تأويل بعيد غير فصيح، ولا يحسن في مقابلة الضلال إلا الذكر، وذكر أبو حيان في \"البحر\" أن هذا التأويل ينبو عنه اللفظ من جهة اللغة ومن جهة المعنى، ثم فصل ذلك.\n(٣) في (ش) و(كلما).\n(٤) رواه عنه الطبري في \"تفسيره\" ٣/ ١٢٦، وذكره ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٢/ ٥٦٣.\n(٥) رواه عنه الطبري في \"تفسيره\" ٣/ ١٢٧، وذكره ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٢/ ٥٦٣.\n(٦) نفسه.","vol":"4","page":502},{"text":"القول الثاني: أن هذا في إقامة الشهادة وأدائها، قال ابن عباس، في رواية عطاء: يريد: إذا استودعته الشهادة ثم احتجت إلى شهادة فلا ينبغي له أن يتخلف عنك حتى يأتي معك إلى الحاكم فيؤديها (١).\nوهو قول مجاهد (٢) وعكرمة (٣) والسدي (٤) وسعيد بن جبير (٥).\nالقول الثالث: أن هذا في الأمرين جميعًا التحمل والأداء، إذا كان فارغًا، ولم يكن له عذر، وهذا قول الحسن (٦) واختيار أبي إسحاق. قال: والدليل على أن الشاهد ينبغي له إذا ما دعي ابتداءً أن يجيب قولهُ تعالى ﴿وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا﴾ أي: لا تملوا أن تكتبوا ما شهدتم عليه، فقد أمروا بهذا، فهذا يؤكد أن أمر الشهادة فى الابتداء واجب، وأنه لا ينبغي أن تملوا (٧).\nوالسآمة: المَلاَلَةُ والضَّجَر، يقال: سَئِمْتُ الشيءَ أَسْأَمُهُ سَأَمًا وسَآمةً (٨).\n_________\n(١) رواه عنه الطبري في \"تفسيره\" ٣/ ١٢٧، و\"ابن أبي حاتم\" في تفسيره ٢/ ٥٦٣، \"الوسيط\" ١/ ٤٠٥.\n(٢) في \"تفسيره\" ١/ ١١٨، ورواه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ١/ ١١٠، والطبري في \"تفسيره\" ٣/ ١٢٨.\n(٣) رواه عنه الطبري في \"تفسيره\" ٣/ ١٢٨، \"ابن أبي حاتم\" في تفسيره ٢/ ٥٦٣، \"الوسيط\" ١/ ٤٠٥.\n(٤) رواه عنه الطبري في \"تفسيره\" ٣/ ١٢٨.\n(٥) رواه عنه الطبري في \"تفسيره\" ٣/ ١٢٨، \"ابن أبي حاتم\" في تفسيره ٢/ ٥٦٣.\n(٦) رواه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ١/ ١١٠، وسعيد بن منصور في \"مسنده\" ٣/ ٩٩٦، وابن أبي شيبة في \"المصنف\" ٧/ ٧١، وذكره ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ١/ ٥٦٣.\n(٧) \"معاني القرآن\" ١/ ٣٦٥.\n(٨) ينظر في سئم: \"المفردات\" ص ٢٢٦، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٨٠٩، \"اللسان\" =","vol":"4","page":503},{"text":"يقول: لا يمنعكم (١) الضَّجَر والملالةُ أن تكتبوا ما شهدتم عليه من الحقِّ صَغُر أو كَبُر، قلَّ أو كَثُر، و(أن) مع الفعل مصدر في محل النصب بوقوع السآمة عليه (٢).\nوالهاء في ﴿تَكْتُبُوهُ﴾ تعود على الحق، وكذلك الهاء في الأجل (٣).\nهذا ما قيل في تفسير هذه الآية، وأظهر من هذا أن يُجْعَلَ قوله: ﴿وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ﴾ خطابًا لأولياء الحق، يقول: لا تَمَلُّوا أن تكتبوا حقُوقَكُم التي دفعتموها إلى الناس دقّت أو جلَّت، وتذكروا في الكتاب أَجَلَها ومَحَلَّها، ويؤكد هذا الوجه: أن الآية من ابتدائها خطاب لأرباب الأموال والديون.\nوالقيراط والحبة لا تدخل في الندب إلى الكتاب؛ لأن هذا مضمن بالعادة وليس في العادة أن يكتبُوا التَّافِه.\nوقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ﴾ أي: الكتاب ﴿أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ أي: أعدل (٤)، وذكرنا الكلام في قسط وأقسط عند قوله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا﴾ [النساء: ٣] (٥) وإنما كانت الكتابة أعدل؛ لأن الله أمر به، واتباع\n_________\n=٣/ ١٩٠٧، قال في \"اللسان\": سئم الشيء وسئم منه وسئمت منه أسام سأَما وسأْمة وسآمة. وقال الراغب: السآمة: الملالة مما يكثر لبثه فعلًا كان أو انفعالًا.\n(١) في (ش) (لا يمنعنكم).\n(٢) ينظر: \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ٣٤٦، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٨١٠.\n(٣) \"تفسيرالثعلبي\" ٢/ ١٨١٠.\n(٤) \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٨١١.\n(٥) ينظر: \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٩٥٩، \"التبيان\" ص ٢٣١، قال الراغب في \"المفردات\" ص ٤٠٤: والقسط هو أن يأخذ قسط غيره وذلك جور، والإقساط أن يعطي قسط غيره، وذلك إنصاف، ولذلك قيل: قسط الرجل إذا جار، وأقسط إذا عدل.","vol":"4","page":504},{"text":"أمره أعدل من تركه (١).\n﴿وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ﴾ لأن الكتاب يذكر الشهود، فتكون شهادتهم (٢) أقوم من أن لو شهدوا على ظن ومخيلة.\nومعنى ﴿وَأَقْوَمُ﴾ أبلغ في الاستقامة التي هي ضد الاعوجاج، وذلك أن المنتصب القائم يكون ضد المنحني المعوج، ﴿وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا﴾ أي: أقرب إلى أن لا تشكوا في مبلغ الحق والأجل (٣).\nوقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ﴾ أي: إلا أن تقع (٤) تجارة حاضرة في هذه الأشياء التي اقْتُصَّت وأمر فيها بالتوثقة بالإشهاد والارتهان، فلا جناح في ترك ذلك فيه؛ لأن ما يخاف في النَّسَاء والتأجيل يؤمن في البيع يدًا بيدٍ (٥).\nوالكونُ هنا بمعنى: الوقوع والحدوث، كما بينا في قوله: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠].\nوقال الفراء (٦): وان شئت جعلت ﴿تُدِيرُونَهَا﴾ في موضع نصب، فيكون لـ (كان) مرفوع ومنصوب (٧).\nوعلى الوجه الأول تكون (٨) في موضع رفع كأنه قيل: إلا أن تقع\n_________\n(١) \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٨١١.\n(٢) في (أ) و(م): (الشهادة).\n(٣) \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٨١١.\n(٤) من قوله: (تديرونها)، ساقط من (ش).\n(٥) ينظر \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٨١١ - ١٨١٢.\n(٦) قوله: (وقال الفراء)، سقطت من (ش).\n(٧) \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ١٨٥.\n(٨) من قوله: (في موضع نصب)، ساقط من (أ) و(م).","vol":"4","page":505},{"text":"تجارةٌ حاضرةٌ دائرة بينكم (١).\nوقرأ عاصم ﴿تِجَارَةً حَاضِرَةً﴾ بالنصب (٢)، قال أبو إسحاق: المعنى: إلا أن تكون المداينةُ تجارةً حاضرةً (٣).\nقال أبو علي: لا يجوز أن يكون التداين اسم كان؛ لأن التداين معنى، والتجارة الحاضرة يراد بها العين، وحكم الاسم أن يكون الخبر في المعنى، والتداين حق في ذمة المستدين، للمدين المطالبة به، وإذا كان كذلك لم يجز أن يكون اسم كان؛ لاختلاف التداين والتجارة الحاضرة، ولا يجوز أيضًا (٤) أن يكون اسمها (الحق) الذي في قوله: ﴿فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ﴾ للمعنى الذي ذكرنا في التداين؛ لأن ذلك الحق دين فإذا لم يجز هذا، لم يخل (٥) اسم كان من أحد شيئين:\nأحدهما: أن هذه الأشياء التي اقْتُصَّتْ من الإشهاد والإرتهان قد عُلِمَ من فحواها التبايع، فأضمر لدلالة الحال عليه، كما أضمر لدلالة الحال في ما حكى سيبويه من قولهم: إذا كان غدًا فأتني، وينشد على هذا:\nأَعَيْنَيّ هَلّا تَبْكِيَانِ عِفَاقا ... إذا كان طَعنًا بينهم وعِناقا (٦)\n_________\n(١) ينظر: \"تفسير الطبري\" ٣/ ١٣٢ - ١٣٣، و\"الحجة في القراءات السبع\" لابن خالويه ص ١٠٣، و\"الكشف عن وجوه القراءات السبع\" لمكي ١/ ٣٢١.\n(٢) قرأ عاصم وحده (تجارة) نصبًا، وقرأ الباقون بالرفع. ينظر: \"السبعة\" ص ١٩٤، \"الحجة\" ٢/ ٤٣٦.\n(٣) \"معاني القرآن\" ١/ ٣٦٦.\n(٤) سقطت من (ش).\n(٥) في (م) (يجز).\n(٦) ذكره الفراء في \"معاني القرآن\" ١/ ١٨٦ ولم ينسبه، وعفاق: اسم رجل، وقد يكون هذا عفاق بن مري الذي يقول فيه صاحب القاموس: أخذه الأحدب بن عمرو الباهلي في قحط وشواه وأكله، وقوله: إذا كان أي: إذا كان القتال والجلاد.","vol":"4","page":506},{"text":"أي: إذا كان الأمر.\nوالثاني: أن يكون أضمر التجارة، كأنه قيل: إلا أن تكون التجارة تجارة حاضرة، ومثله: ما أنشده الفراء:\nفِدًى لِبَني ذُهَلِ بنِ شَيْبَانَ نَاقتي ... إذا كان يومًا ذا كَوَاكِبَ أشْهَبَا (١)\nأي: إذا كان اليوم يومًا (٢).\nفأما التِّجَارَةُ فهي: تقليبُ الأموال وتصريفُها لطلبِ النَّمَاء (٣)، يقال: تَجَرَ الرجل يَتْجَر تِجَارَةً فهو تاجر (٤)، قال الشاعر:\nقد تَجَرَتْ في سُوقِنَا عَقْربٌ ... لا مرحبًا بالعَقْرَبِ التَّاجِرَة (٥)\nوالتجارة، اسمُ حَدَثٍ، لأنه اسمٌ للتَّقْليب والتَّصَرُّف، إلا أن المراد به في هذه الآية العين، ويكون المعنى: إلا أن تقع (٦) ذو تجارة، أي: متاع تجارة، أو يراد بالتجارة المُتَّجَرُ فيه، فيكون كقولهم: هذا الدرهم ضرب\n_________\n(١) البيت لمقَّاس العائذي، في \"الكتاب\" ١/ ٤٧، \"المقتضب\" ٤/ ٩٦ \"الحجة\"، ٢/ ٤٣٩ مع اختلاف في الرواية. وأشهب يعني يوم الحرب، جعله كالليل تبدو فيه الكواكب، ووصفه بالشبهة، وهي البياض، إما لكثرة السلاح الصقيلية فيه، وإما لما ذكره من النجوم، وذهل بن شيبان من بكر بن وائل، وكان مقّاس نازلًا فيهم ينظر: \"لسان العرب\" ٧/ ٣٩٥٩ - ٣٩٦٣ مادة: كون.\n(٢) من \"الحجة\" ٢/ ٤٤٠ بتصرف، والبيت الأول: أعيني هلا تبكيان، لم يذكره في \"الحجة\".\n(٣) من \"الحجة\" ٢/ ٤٤١.\n(٤) ينظر في تجر: \"تهذيب اللغة\" ١/ ٤٢٩، \"المفردات\" ص ٨٥، \"اللسان\" ١/ ٤٢٠، وضبط فيهما المضارع يتجر، بضم الجيم، قال في \"المفردات\": وليس في كلامهم تاء بعدها جيم غير هذا اللفظ، فأما تجاه فأصله وجاه، تجوب: التاء للمضارعة.\n(٥) البيت للفضل بن عباس في \"لسان العرب\" ٥/ ٣٠٣٩ (مادة: عقرب).\n(٦) في (م) (يقع).","vol":"4","page":507},{"text":"الأمير، وهذا الثوب نسج اليمن، أي: مضروبه ومنسوجه، وكذلك قوله: ﴿بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ﴾ [المائدة: ٩٤] أي: المصيدة لأن الأيدي والرماح إنما تنالان الأعيان، وبين (١) أن المراد بالمصدر الذي هو تجارة العروض وغيرها مما يتقابض وصفها بالحضور وبالإدارة بيننا. وهذا من أوصاف الأعيان (٢).\nوقوله: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ قد ذكرنا ما في هذا في أول الآية (٣).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾ نهى الله ﷿ الكاتبَ والشاهدَ عن المضارَّة، وهو أن يزيد الكاتب أو ينقص أو يحرف، وأن يشهد الشاهد بما لم يستشهد عليه، أو يمتنع من إقامة الشهادة، وهذا قول طاوس (٤) والحسن (٥) وقتادة (٦) وابن زيد (٧)، وعلى هذا القول أصله: يُضَارِرَ، والكاتب والشاهد فاعلان، ثم أدغمت الراء في الراء لحقّ التضعيف، وهما ساكنان، الأولى سكنت للإدغام، والثانية للنهي، ثم حركت بالفتح (٨).\n_________\n(١) في (ش) (ويبين).\n(٢) من كلام أبي علي في \"الحجة\" ٢/ ٤٤٢، وذكر وجهًا ثالثًا وهو: أن يوصف بالمصدر فيراد به العين، كما يقال: عدل ورضا، يراد به: عادل ومرضي.\n(٣) من قوله: (وقوله: وأشهدوا)، ساقط من (أ) و(م).\n(٤) رواه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ١/ ١١١، والطبري في \"تفسيره\" ٣/ ١٣٤ - ١٣٥.\n(٥) رواه عنه الطبري في \"تفسيره\" ٣/ ١٣٥، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٢/ ٥٦٧.\n(٦) رواه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ١/ ١١٠، والطبري في \"تفسيره\" ٣/ ١٣٥، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٢/ ٥٦٧.\n(٧) رواه عنه الطبري في \"تفسيره\" ٣/ ١٣٥، وذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ١٨١٥.\n(٨) ينظر \"تفسير الطبري\" ٣/ ١٣٥، \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٣٦٦، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٨١٤.","vol":"4","page":508},{"text":"وقال ابن مسعود (١) وعطاء (٢) ومجاهد (٣): معنى الآية: لا يُدْعَى الكاتب وهو مشغول لا يمكنه ترك شغله إلا بضرر يدخل عليه، وكذلك لا يدعى الشاهد ومجيئه للشهادة\nيُضِرُّ به، وعلى هذا القول، أصله: يُضَارَرَ على الفعل المجهول فاعله.\nوالقول الأول اختيار الزجاج، قال: لقوله: ﴿وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ﴾ والفاسق أشبه بغير العدل، وبمن حَرَّف الكتابة منه بالذي دعا شاهدًا ليشهد وكاتبًا ليكتب وهو مشغول، وليس يسمى هذا فاسقًا، ولكن يسمَّى من كذب في الشهادة ومن حَرَّفَ في الكتاب فاسقًا (٤). ومَنْ نَصَرَ القولَ الثاني قال في الفسوق ما قاله ابن عباس، قال: يريد: إثمٌ عليكم وعصيان (٥).\nوإذا أَضَرَّ بالكاتِبِ والشاهِدِ فقد أثم وعصى بترك أمر الله، ومعنى الفسوق: هو الخروج، وهذا خارج (٦) عن أمر الله إذا ارتكب من الضرار ما نهي عنه، ويؤكد هذا الثاني: قراءة عمر (٧) وأبي (٨) وابن مسعود (٩)\n_________\n(١) رواه عنه الطبري في \"تفسيره\" ٣/ ١٣٦.\n(٢) المرجع السابق.\n(٣) رواه عنه الطبري في \"تفسيره\" ٣/ ١٣٦، وذكره ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٢/ ٥٦٧.\n(٤) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٣٦٦.\n(٥) رواه عنه الطبري في \"تفسيره\" ٣/ ١٣٨، وذكره ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٢/ ٥٦٨.\n(٦) في (ي) (خروج).\n(٧) عزاها إليه ابن خالويه في \"مختصر شواذ القرآن\" ص ٢١، والفراء في \"معاني القرآن\" ١/ ١٥٠، والثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ١٨١٦.\n(٨) وذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ١٨١٦.\n(٩) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ١٨١٦، والنحاس في \"معاني القرآن\" ١/ ٣٢٤، وابن خالويه في \"مختصر شواذ القرآن\" ص ٢٤، والقرطبي ٣/ ٤٠٦.","vol":"4","page":509},{"text":"ومجاهد (١) ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾ بإظهار التضعيف على ما لم يسم فاعله (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-502>٢٨٣ </span>- قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ﴾ قال أهل اللغة: سمي السَّفَرُ سَفَرًا لأنه يُسْفِرُ عن أخلاق الرجال (٣)، أي: يكشف، ونَضْدت هذه الحروف للظهور والكَشْف، فالسِّفْرُ: الكتاب، لأنه يبين الشيء ويوضِّحُه، ومنه يقال: أَسْفَر الصُّبْحُ، وسَفَرَتِ المرأةُ عن وجهها، وسَفَرْتُ بين القوم أَسْفِر سِفَارة، إذا كشفت ما في قلوبهم وأصلحت بينهم، وسَفَرْتُ أَسْفُر، أي: كَنَسْتُ، والمِسْفَر: المِكْنَسُ، والسفير من الورق، ما سَفَرَتْه الريح.\nابن الأعرابي: السَّفَر: إِسْفَار الفَجْر (٤)، قال الأخطل:\nإنّي أبِيتُ وَهَمُّ المَرْءِ يَبْعَثُه ... من أول الليلِ حتى يُفْرِجَ السَّفَرُ (٥)\n_________\n(١) عزاها إليه الثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ١٨١٦، وأبو حيان في \"البحر\" ٢/ ٣٥٣، والسمين في \"الدر المصون\" ٢/ ٦٧٦.\n(٢) ينظر في معنى الآية واختلاف المعنى باختلاف التصريف: \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٣٦٦، \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ٣٤٧، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٨١٤، \"مشكل إعراب القرآن\" ١/ ١٤٥، \"البحر المحيط\" ٢/ ٣٥٣، وقد ذكر النحاس أن عمر يقرأ بكسر الراء الأولى، وابن مسعود يقرأ بفتح الراء الأولى، وقال السمين في \"الدر المصون\" ٢/ ٦٧٦: وذكر الداني أيضًا عنهم أنهم قرؤوا الراء الأولى بالفتح، قلت: ولا غروَ في هذا؛ إذ الآية محتملة للوجهين، فسروا وقرؤوا بهذا المعنى تارة وبالآخر أخرى، وقد ذكر النحاس أن القراءتين على التفسير ولا يجوز أن تخالف التلاوة التي في المصحف.\n(٣) قوله: (عن أخلاق الرجال) من (ش).\n(٤) نقله عنه في \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٧٠٢.\n(٥) البيت في \"ديوانه\" ص ٧٧، وروايته: بعهده. وهو في \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٧٠٢، وروايته: وهم المرء يصحبه، وفي نسخة: يبعثه، وهي كذلك في \"اللسان\" ٤/ ٢٠٢٥.","vol":"4","page":510},{"text":"يقول: أبيت أسري إلى الفجر المضيء.\nوقال الأزهري: وسمي المسافر مسافرًا لكشفه قناع الكِنِّ عن وجهه، وبروزه للأرض الفضاء، وسُمِّي السَّفَرُ سَفَرًا لأنه يُسْفِر عن وجوه المسافرين وأخلاقهم، فيظهر ما كان خافيًا منها، ويقال لبقية بياض النهار بعد مغيب الشمس: سفر؛ لوضوحه، ومنه قولُ الساجع: إذا طلعتِ الشِّعْرى سَفَرًا ولم تر فيها مطرًا (١).\nوالسافرة والسَّفْر: جمع سافر (٢)، ورجل مِسْفَر: قَوِيُّ على السَّفَر (٣).\nوقوله تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ الرَّهْنُ: مَصْدرُ رَهَنْتُ عند الرجل رهَنًا فأنا أَرْهَنْهُ: إذا وضعته عنده.\nقال الشاعر:\nيُرَاهِنُنُي فَيَرْهَنُنِي بنيه ... وأَرْهَنُهُ بَنِيَّ بِمَا أَقُولُ (٤)\nوأَرْهَنْتُ فلانًا ثوبًا: إذا دفعته إليه ليرهنه (٥)، وأَرْهَنْتُ بمعنى رهنت، لغة عند الفراء، واحتج ببيت ابن همام السلولي:\n_________\n(١) \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٠٧٢ بتصرف، والشعرى: نجم معروف، والمراد طلوعها عشاء.\n(٢) في (م): (مسافر). وفي \"اللسان\" ٤/ ٢٠٢٥: والمسافر كالسافر.\n(٣) تقدم كلام المؤلف عن السفر في اللغة عند قوله: ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾، وينظر في سفر: \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٧٠٢ - ١٧٠٢، \"اللسان\" ٤/ ٢٠٢٤ - ٢٠٢٧.\n(٤) البيت لأحيحة بن الجلاح، شاعر جاهلي، وذكر الأبيات الزجاج في \"معاني القرآن\" ١/ ٣٦٨ دون نسبة، \"الخزانة\" ٢/ ٢٣ \"مجمع الأمثال\" للميداني، \"اللسان\" ٣/ ١٧٥٧ مادة: (رهن)، وينظر التعليق على\"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٣٦٧.\n(٥) ورهن أكثر استعمالًا من أرهن. ينظر \"الحجة\" ٢/ ٤٤٦.","vol":"4","page":511},{"text":"فلَمَّا خَشِيتُ أظَافِيرَه ... نَجَوتُ وأَرْهَنْتُهُمْ مَالِكًا (١)\nوأنكره (٢) الأصمعي، وقال: الرواية: وأرهنهم مالكًا، والواو: واو الحال، كما تقول: قمت وأصكُّ وجْهَه (٣).\nويسمى المرهون رهنًا، وقد (٤) ذكرنا أن المصادر قد تنقل إلى الأسماء فيسمى بها، ويزول عنها عمل الفعل، فإذا قال: رهنت عند زيد رهنًا، لم يكن (٥) انتصابه انتصاب المصدر، ولكن انتصاب المفعول به (٦)، كما تقول: رَهَنْتُ زيدًا ثوبًا، ولما نقل فسمي به جَمْعٌ كما تُجْمَعُ الأسماء، ولم يسمع فيه أقل الجمع وهو أَفْعُل، نحو: أَكْلُبٍ وأَفْلُسٍ، كأنه استغنى بالكثير عن القليل، كما قيل: ثلاثة شُسُوع، ولم يقولوا: أَشْسُع، وعلى القلب من هذا استغنوا بالقليل عن الكثير في جمع الرَّسَن، فقالوا: أَرْسَان، فرهن جمع على بناءين من أبنيه الجموع وهو فُعُل وفِعَال (٧)، وكلاهما من أبنية الكثير، فمما جاء على فُعُل: قول الأعشى:\n_________\n(١) البيت في \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٣٦٧، \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٤٩١ مادة. (رهن)، \"لسان العرب\" ٣/ ١٧٥٧ مادة: رهن، ونسب لهمام بن مرة في \"تاج العروس\" (مادة: رهن). ورواية \"اللسان\": أظافيرهم، وهي المشهورة، ورواية معاهد التنصيص ١/ ٩٦ (وأرهنهم) والشاعر قال ذلك لما توعده عبيد الله بن زياد ففر إلى الشام مستنجدًا بيزيد، ومالك عريفه، تركه لجنود عبيد الله ونجا بنفسه\n(٢) في (ش): (فأنكره).\n(٣) نقله في \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٤٩١ مادة: (رهن).\n(٤) سقطت من (ي).\n(٥) في (أ) و(م): (رهنت زيدًا رهنًا ليس انتصابه).\n(٦) قال أبو علي في \"الحجة\" ٢/ ٤٤٦: لم يعملوا من المصادر ما كثر استعمالهم له، كما ذهب إليه في قولهم: لله درك، وتمثيله إياه بقولهم: لله بِلادك.\n(٧) في (ش): (فعلل).","vol":"4","page":512},{"text":"آليتُ لا أُعْطِيِهِ من أبنائنا ... رُهُنًا فَيُفْسِدُهُم كَمَنْ قَد أَفْسَدَا (١)\nفرُهُن: جمع رَهنٍ، ثم تخفف العين كما تخفف في رسل وكُتُب، ونحو ذلك، ومثل رَهْن ورُهُن: سَقف وسُقُف، ونَسْرٌ ونُسُر، وخَلْق وخُلُق (٢) (٣)، قال الزجاج: وفَعْلٌ وفُعُل قليلٌ إلا أنه صحيح (٤)، وأنشد أبو عمرو حجة لقراءته قول قعنب (٥).\nبانَتْ سُعَادُ وأمْسَى دُونَها عَدَنُ ... وغَلِقتْ عندَها من قلْبِكَ الرُّهنُ (٦)\nوحكى أبو الحسن الأخفش: لَحْدُ القبر ولُحْد، وقَلْبُ النخلة وقُلْبُ (٧)، ورجل ثَطٌّ وقوم ثُطٌّ (٨)، وفرس وَرْدٌ وخيلٌ وُرْد (٩)، وسهم حَشْرٌ\n_________\n(١) البيت في \"ديوانه\" ص ٥٦، و\"لسان العرب\" ٣/ ١٧٥٧ (مادة: رهن).\n(٢) في بعض نسخ الثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ١٨١٩: حلْق وحُلُق، بالحاء، ولعله الصواب؛ لأنه استشهد عليه ببيت أنشده الفراء في \"معاني القرآن\" ٣/ ٣٢.\nحتى إذا بلَّت حلاقيم الحلُق ... أهوى لأدنى فِقرة على شقق\n(٣) ما تقدم كله من كلام أبي علي في \"الحجة\" ٢/ ٤٤٦ - ٤٤٨ بمعناه.\n(٤) \"معاني القرآن\" ١/ ٣٦٧.\n(٥) هو: قعنب بن ضمرة من بني عبد الله بن غطفان من شعراء العصر الأموي، يقال له: ابن أم صاحب، هجا الوليد بن عبد الله، توفي نحو ٩٥ هـ. ينظر: \"سمط اللآلئ\" ص ٣٦٢، \"الأعلام\" ٥/ ٢٠٢.\n(٦) البيت في \"لسان العرب\" ٦/ ٣٧١٤ (مادة. رهن).\n(٧) قلب النخلة: لبها وشحمها. ينظر: \"اللسان\" ٦/ ٣٧١٤ (قلب).\n(٨) يقال رجل ثط: ثقيل البطن بطيء، وقيل: هو قليل شعر اللحية. ينظر \"لسان العرب\" ١/ ٤٨١ (ثطط).\n(٩) الورد: هو النبات الذي يشم وله رائحة معروفة، وسمي الفرس به لمشابهة اللون، وهو بين الكميت والأشقر. ينظر: \"لسان العرب\" ٨/ ٤٨١٠ (ورد).","vol":"4","page":513},{"text":"وسهام حُشْرٌ (١).\nوقال الفراء: الرُّهُن: جمع رِهَان، جَمْع الجمع، كأنه جمع رهن رِهانًا، ثم جمع الرِّهَان رُهُنًا، كما قالوا: ثُمُر في جمع الثمار (٢)، وفِعَال قد تكسر في الجمع، كجِمَال جمع على جَمَائل (٣).\nقال أبو عمرو: وإنما قرأت: (فَرُهُنٌ) للفَصْل بين الرِّهَان في الخيل وبين جمع رَهْن في غيرها، والرُّهُن في جمع الرَّهْن أكثر، والرِّهَانُ في الخَيْلِ أكثر (٤) (٥)، واختار الزجاج هذه القراءة، قال: لأنها موافقة للمصحف، وما وافق المصحف وصح معناه وَقَرَأَتْ به القُرَّاءُ، فهو المختار (٦). وأما قراءةُ العَامّة ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ (٧) فإنها القياس في جمع رَهْن، مثل: نَعْل ونِعَال، وكَبْش وكِباش، وكَعْب وكِعاب. وذهب ناس إلى أن الرِّهان يجوز أن تكون جمع الرُّهُن؛ لأنهم قد جمعوا (٨) فُعُلًا على فِعَال، وسيبويه لا يرى جمع الجمع مطَّرِدًا (٩)، فينبغي أن لا يقدم عليه حتى\n_________\n(١) نقله عنه أبو علي في \"الحجة\" ٢/ ٤٤٨.\n(٢) \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ١٨٨ بمعناه، ونقله عنه في \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٤٩٢ (مادة: رهن).\n(٣) ينظر \"الحجة\" ٢/ ٤٤٩.\n(٤) قوله: (والرهان في الخيل أكثر)، ساقط من (ي).\n(٥) نقله عنه في \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٣٦٦.\n(٦) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٣٦٧.\n(٧) قرأ أبو عمرو وابن كثير (فرُهُن) بضم الراء والهاء من غير ألف، وقرأ الباقون بكسر الراء وفتح الهاء وألف بعدها. ينظر: \"السبعة\" ص ١٩٤ - ١٩٥، \"الحجة\" ٢/ ٤٤٢ - ٤٤٣.\n(٨) سقطت من (ي).\n(٩) \"الكتاب\" لسيبويه ٣/ ٦١٩، قال: اعلم أنه ليس كل جمع يجمع، كما أنه ليس كل مصدر يجمع، كالأشغال والعقول والحلوم والألباب.","vol":"4","page":514},{"text":"يُعْلَم، فإذا كان رهن قد صار مثل: كَلْبٍ وكَعْبٍ قلنا: إن (رهان) مثل: كِعَاب وكِلاب، ولم يجعله جمع الجمع (١).\nفأما اشتقاق الرهن في اللغة، فأصله: من قولهم: رَهَنَ الشيءُ: إذا دامَ وثَبَتَ، يقال: نِعْمةٌ راهِنَة، أي: دائمة ثابتة، أنشد ابن السكيت:\nلا يَسْتَفِيقُونَ منها وَهْي رَاهِنَةٌ ... إلّا بهَاتِ وإنْ عَلُّوا وإنْ نَهِلُوا (٢)\nوقال آخر:\nواللَّحْمُ والخُبْزُ لَهُم رَاهِنٌ (٣)\nويقال: أَرْهَنْتُ لهم الطعامَ والشرابَ إرهانًا فَرَهَن، وهو طعام راهِنٌ، أي: دائم (٤)، فَسُمِّيَ الرَّهْنُ رَهْنًا لثباته (٥) ودوامه عند المرتهن، ومن ثَمَّ يبطلُ الرهنُ إذا خرج من يدِ المُرْتَهِن بحقٍّ؛ لزوالِ (٦) إدامة الإمساك (٧).\nوأما معنى الآية: فإن الله تعالى أمر عند عدم الكاتب بأخذ الرهون (٨)، لتكون وثيقة بالأموال (٩). واتفق الفقهاء اليوم على أن الرهن في\n_________\n(١) من \"الحجة\" ٢/ ٤٤٨ - ٤٤٩ بمعناه.\n(٢) البيت للأعشى يصف قومًا يشربون خمرًا لا تنقطع، كما في \"اللسان\" ٣/ ١٧٥٨ (مادة: رهن).\n(٣) عجز البيت:\nوقهوة راووقها ساكب\nذكره أبو علي في \"الحجة\" ٢/ ٤٤٦، وفي \"اللسان\" ١٣/ ١٩٠، دون نسبة، وفي \"شرح ديوان العجاج\" ١/ ٩٣.\n(٤) ينظر في رهن: \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٤٩١ - ١٤٩٢، \"المفردات\" ص ٢١٠، \"اللسان\" ٣/ ١٧٥٧ - ١٧٥٨.\n(٥) في (ي): (لشدته لثباته).\n(٦) في (م): (الزوال)، وفي (ش)، و(ي): (المرتهن لزاول).\n(٧) من \"الحجة\" ٢/ ٤٤٦.\n(٨) في (م): (الرهن).\n(٩) \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٨٢٢.","vol":"4","page":515},{"text":"الحضر والسفر سواء، وفي حال وجود الكاتب وعدمه (١). وكان مجاهد يذهب إلى أن الرهن لا يجوز إلا في السفر أخذًا بظاهر الآية، ولا يُعمل بقوله اليوم (٢)، وإنما تقيدت الآية بذكر السفر، لأن الغالب في ذلك الوقت انهم إنما (٣) كانوا يحتاجون إلى الرهن في السفر وعند عدم الكاتب، فخرج الكلام على ظاهره كقوله ﷿: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ﴾ [النساء: ١٠١] وليس الخوف من شرط جواز القصر (٤).\nثم عقد الرهن ينعقد بالإيجاب والقبول، ولا ينبرم إلا بالقبض (٥). فإن ندم الراهن كان له فسخ الحقد قبل الإقباض، ثم يكون للبائع فسخ البيع المعقود بشرط هذا الرهن الذي صار مفسوخًا، وأما المرتهن فهو بالخيار أبدًا في فسخ الرهن ورده (٦).\nوعقد الرهن جائز من جهة المرتهن، لازم (٧) من جهة الراهن.\nومنافع الرهن للراهن، لا حق للمرتهن فيها، فإن اشترطها المرتهن\n_________\n(١) ينظر: \"أحكام القرآن\" لابن العربي ١/ ٢٦١، \"بداية المجتهد\" ٢/ ٢٧٤، \"تفسير القرطبي\" ٣/ ٤٠٧، \"المغني\" ٦/ ٤٤٤.\n(٢) رواه عنه الطبري في \"تفسيره\" ٣/ ١٣٩، وابن أبي حاتم ٢/ ٦٩، وينظر \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٨٢٢، والبغوي في \"تفسيره\" ١/ ٣٥٢.\n(٣) سقطت من (ي) و(ش).\n(٤) ينظر: \"المغني\" ٦/ ٤٤٤، \"تفسير القرطبي\" ٣/ ٤٠٧.\n(٥) ينظر: الإجماع لابن المنذر ص ١٢٣، ونقل الإجماع على ذلك: الثعلبي في \"تفسيره\" أيضا ٢/ ١٨٢٢، وذكر الخلاف ابن قدامة في \"المغني\" ٦/ ٤٤٥، والقرطبي في \"تفسيره\" ٣/ ٤١٠.\n(٦) ينظر في المسألة: \"المغني\" ٦/ ٤٤٨ - ٤٤٩.\n(٧) في (ي): (لا من).","vol":"4","page":516},{"text":"صارت مداينتهما ومبايعتهما عقدًا من عقود الربا (١).\nوارتفع قوله: (فرهان) (٢) على معنى فالوثيقة رهن، أو فعليه رهن، ويجوز أن يكون (فرهان) مبتدأ (٣) وخبره محذوف، على تقدير: فرهان (٤) مقبوضة بدل من الشاهدين، أو تقوم مقامهما، أو ما أشبه هذا، ولكنه حذف للعلم (٥).\nوقوله تعالى ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ قال اللحياني: أَمِنَ فلانٌ غيره على الشيء يَأمَنُ أَمْنًا وأمَنَةً وأَمْنَة (٦) وأمَانًا فهو آمِن (٧)، والرجل مأمون، قال الله تعالى: ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ﴾ (٨) [الأنفال: ١١] ويقال:\n_________\n(١) ينظر: \"المغني\" ٦/ ٥١٠، \"تفسير القرطبي\" ٣/ ٤١١ - ٤١٣، وذكر ابن قدامة عن أحمد جواز اشتراط المرتهن منافع الرهن في المبيع كأن يقول: بعتك هذا الثوب بدينار بشرط أن ترهنني عبدك يخدمني شهرا، فيكون بيعا وإجارة، فهو صحيح، وإن أطلق فالشرط باطل لجهالة ثمنه، وقال مالك: لا بأس أن يشترط في البيع منفعة الرهن إلى أجل في الدُّور والأرضين، وكرهه في الحيوان والثياب، وكرهه في القرض. وذكر القرطبي في \"تفسيره\" ٣/ ٤١٣ عن ابن خويز منداد: لو شرط المرتهن الانتفاع بالرهن فلذلك حالتان: إن كان من قرض لم يجز، وإن كان من بيع أو إجارة جاز؛ لأنه يصير بائعا للسلعة بالثمن المذكور، ومنافع الرهن مدة معلومة فكانه بيع وإجارة.\n(٢) في (ي) و(ش): (فرهن).\n(٣) في (أ) و(م): (أن يكون ابتداء).\n(٤) في (ي) و(ش): (فرهن).\n(٥) ينظر في إعراب الآية: \"مشكل إعراب القرآن\" ١/ ١٤٦، \"التبيان\" ص ١٧٠، \"البحر المحيط\" ٢/ ٣٥٥ - ٣٥٦.\n(٦) سقطت من (ش).\n(٧) نقله في \"تهذيب اللغة\" ١٥/ ٥١٠.\n(٨) في (ش) (يغشاكم).","vol":"4","page":517},{"text":"أَمِنْتُ الرجل، إذا لم تخفه، آمنُهُ، قال الله تعالى: ﴿قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ﴾ [يوسف: ٦٤]. ومن هذا: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ أي: لم يخف خيانته وجحوده الحق (١).\nوقوله تعالى ﴿فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ اؤتمن: افتعل، من الأمانة، يقال: أَمِنْتُه وايتَمَنْتُهُ، فهو مَأمونٌ ومُؤْتَمَن (٢).\nوقوله تعالى ﴿فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ قال ابن عباس: يريد قد أَثِمَ قَلْبُه وفَجَر (٣).\nوهو ابتداء وخبر (٤) (٥).\nقال المفسرون: ذكر الله تعالى على كتمان الشهادة نوعًا من الوعيد لم يذكره في سائر الكبائر، وهو إثم القلب، ويقال: إِثْمُ القلبِ سببُ مَسْخِه، والله تعالى إذا مسخ قلبًا جعله منافقًا، وطبع عليه -نعوذ بالله من ذلك- وروىَ أبو موسى عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"من كتم شهادة إذا دعي كان كمن\n_________\n(١) من قوله: (أي لم يخف)، ساقط من (ي).\n(٢) ينظر في أمن: \"تهذيب اللغة\" ١/ ٢٠٩ - ٢١٢، \"المفردات\" ص ٣٥، \"اللسان\" ١/ ١٤٠ - ١٤٤.\n(٣) رواه عنه الطبري في \"تفسيره\" ٣/ ١٤١ - ١٤٢ بمعناه، وفي \"الوسيط\" ١/ ٤٠٧.\n(٤) في (ي): (خبر).\n(٥) ينظر في إعرابها: \"مشكل إعراب القرآن\" ١/ ١٤٦، \"التبيان\" ص ١٧١، \"البحر المحيط\" ٢/ ٣٥٧، وقد ذكروا عدة إعرابات: الأول: أن (آثم) خبر إن، و(قلبه) مرفوع به؛ لأن (آثم) اسم فاعل، والثاني: كذلك، إلا أن (قلبه) بدل من (آثم) لا على نية طرح الأول. والثالث: أن (قلبه) بدل من الضمير في (آثم). والرابع: أن (قلبه) مبتدأ، و(آثم) خبر مقدم، والجملة خبر (إن) وقد ناقش أكثر هذه الأقوال أبو حيان في البحر.","vol":"4","page":518},{"text":"شهد بالزور\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-503>٢٨٤ </span>- قوله تعالى ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ وهو مالكُ أعيانه، يملك تصريفه وتدبيره ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ الآية.\nاختلف الروايات عن ابن عباس في معنى هذه الآية، فقال في رواية مقسم ومجاهد (٢): نزلت في كتمان الشهادة وإقامتها، يعنى: وإن تبدوا ما في أنفسكم أيها الشهود من كتمان الشهادة، وتخفوا الكتمان يحاسبكم به\n_________\n(١) رواه الطبراني في \"المعجم الأوسط\" ٥/ ٩٧، والشجري في \"الأمالي الخميسية\" ٢/ ٢٣٨، والثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ١٨٢٣، وعزاه الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" ٤/ ٢٠٣ إلى \"المعجم الكبير\" قال المنذري في \"الترغيب والترهيب\" ٣/ ٢٢٢: حديث غريب، وقال الهيثمي في \"المجمع\" ٤/ ٢٠٣: وفيه عبد الله بن صالح وثقة عبد الملك بن شعيب، فقال: ثقة مأمون، وضعفه جماعة. وقال الدكتور المنيع في تحقيق (تفسير الثعلبي في \"تفسيره\") ٢/ ١٨٢٥: في إسناده من لم أظفر له بترجمة، ومحمد بن حميد لم أجد فيه جرحًا ولا تعديلًا وعبد الله بن صالح كثير الغلط، وقد تفرد به واضطرب في إسناده.\n(٢) أما رواية مجاهد فأخرجها سعيد بن منصور في \"تفسيره\" ٣/ ١٠٠٤، والطبري في \"تفسيره\" ٣/ ١٤٢، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٢/ ٥٧٢. وأما رواية مقسم فأخرجها أبو عبيد في \"الناسخ والمنسوخ\" ص ٢٧٤، والطبري في \"تفسيره\" ٢/ ١٤٣، والطحاوي في \"شرح مشكل الآثار\" ٤/ ٣١٥، وابن الجوزي في \"نواسخ القرآن\" ص٢٨٠.\nوقد بين الطحاوي في \"شرح مشكل الآثار\" ٤/ ٣١٦ أن هذا التأويل غير صحيح؛ لأن كتمان الشهادة مما لا يغفر؛ لأنه حق من المشهود، وفي الآية ما قد منع من ذلكُ، وكذلك اعترض الشوكاني عليه في \"فتح القدير\" ١/ ٤٦٣ قائلا: فإنها لو كانت كذلك لم يشتد الأمر على الصحابة.","vol":"4","page":519},{"text":"الله، وهذا قول الشعبي (١) وعكرمة (٢).\nوقال في رواية سعيد بن جبير (٣) وعطاء (٤): هذه الآية منسوخة، وذلك أنه لما نزلت جاء أبو بكر وعمر وعبد الرحمن بن عوف (٥) ومعاذ بن جبل وناس إلى النبي - ﷺ -، وقالوا: يا رسول الله، هلكنا وكلفنا من العمل ما لا نطيق، إن أحدنا ليحدِّث نفسه بما لا يحب أن يثبت في قلبه، وأن له الدنيا، فقال النبي - ﷺ -: \"فلعلكم تقولون كما قالت بنو إسرائيل: سمعنا وعصينا، فقولوا: سمعنا وأطعنا\"، فقالوا: سمعنا وأطعنا، واشتدَّ ذلك عليهم، فمكثوا بذلك حولًا، فأنزل الله ﷿ الفَرَجَ والرحمة، بقوله: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ فنسخت هذه الآية ما قبلها (٦).\n_________\n(١) رواه الطبري في \"تفسيره\" ٣/ ١٤٣، وذكره ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٢/ ٥٧٢، والثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ١٨٢٦.\n(٢) رواه أبو عبيد في \"الناسخ والمنسوخ\" ص ٢٧٤، والطبري في \"تفسيره\" ٣/ ١٤٣، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٢/ ٥٧٢.\n(٣) رواه الطبراني في \"الكبير\" ١١/ ٣٦٢، والبيهقي في \"شعب الإيمان\" ١/ ٢٩٦، والطبري في \"تفسيره\" ٣/ ١٤٥، وذكرها ابن أبي حاتم ٢/ ٥٧٤.\n(٤) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ١٨٢٩.\n(٥) هو: عبد الرحمن بن عوف بن عبد عوف بن زهرة القرشي الزهري، من كبار الصحابة، وأحد العشرة المبشرين بالجنة، كان من الأجواد الشجعان العقلاء، شَهد بدرًا وأحدًا والمشاهد كلها، كان من أثرياء الصحابة أنفق كثيرًا في سبيل الله، توفي سنة ٣٢ هـ. ينظر \"أسد الغابة\" ٣/ ٤٨٠، \"الأعلام\" ٣/ ٣٢١.\n(٦) تابع المصنف. ﵀. شيخه الثعلبي في \"تفسيره\" في ذكر هذه القصة بهذا السياق [\"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٨٢٧] وهي ملفقة من عدة أحاديث وآثار منها الصحيح البالغ في الصحة، ومنها ما هو دون ذلك، ومنها الضعيف، ولذا أورد الحافظ في \"العجاب\" ١/ ٦٥٤ هذه الرواية عن الثعلبي في \"تفسيره\" بتمامها وعقب قائلًا: وهذا من عيوب كتابه، ومن تبعه عليه، يجمعون الأقوال عن الثقات وغيرهم، ويسوقون القصة مساقًا واحدًا على لفظ من يُرْمَى بالكذب أو الضعف الشديد، ويكون =","vol":"4","page":520},{"text":"فقال النبي - ﷺ -: \"إن الله تجاوز لأمتي ما حدثوا به أنفسهم ما لم يعملوا (١) أو يتكلموا به\" (٢)، وهذا قول ابن مسعود (٣) وأبي هريرة (٤) والقرظي (٥) وابن سيرين (٦) والكلبي (٧) وقتادة (٨).\n_________\n= أصل القصة صحيحًا، والنكارة في ألفاظٍ زائدة، كما في هذه القصة من تسمية الذين ذكروا. اهـ فمن الأحاديث هنا: حديث أبي هريرة، رواه مسلم في الإيمان، باب: بيان أنه ﷾ لم يكلف إلا ما يطاق ١/ ١١٥ برقم (١٢٥) وغيره. ومنها حديث ابن عمر، رواه البخاري في التفسير، باب: سورة البقرة ٥/ ١٩٥ برقم (٦٥٤٦) وغيره. ومنها أثر ابن عباس في تسمية الصحابة المذكورين في القصة، رواه أبو عبيد في \"الناسخ والمنسوخ\" ص ٢٧٥، والطبراني في \"مسند الشاميين\" ٣/ ٣٢٦. ينظر: تحقيق \"تفسير الثعلبي\" للمنيع ٢/ ١٨٢٨.\n(١) في (ش) و(ي): (يعملوا).\n(٢) أخرجه البخاري (٥٢٦٩) كتاب: الطلاق، باب: الطلاق في الإغلاق والكره، ومسلم (١٢٧) كتاب: الإيمان، باب: تجاوز الله عن حديث النفس. وليس في روايتهما ما يدل على أن القصة المذكورة هى سبب ورود الحديث.\n(٣) رواه سعيد بن منصور ٣/ ١٠١٨، وأبو عبيد في \"الناسخ والمنسوخ\" ص ٢٧٥، والطبري في \"تفسيره\" ٣/ ١٤٦، والطبراني في \"الكبير\" ٩/ ٢١١.\n(٤) ذكره النحاس في \"معاني القرآن\" ١/ ٣٢٥، والثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ١٨٢٩.\n(٥) رواه الطبري في \"تفسيره\" ٣/ ١٤٦، وذكره ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٢/ ٥٧٤.\n(٦) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ١٨٣٠، والبغوي في \"تفسيره\" ١/ ٣٥٥، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ١/ ٣٤٢.\n(٧) ذكره أبو الليث في \"بحر العلوم\" ١/ ٢٣٩، والثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ١٨٣٠، والبغوي في \"تفسيره\" ١/ ٣٥٥.\n(٨) رواه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ١/ ١١١، والطبري في \"تفسيره\" ٣/ ١٤٦، وذكره ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٢/ ٥٧٤.","vol":"4","page":521},{"text":"وقال في رواية الضحاك (١) ما يدل على أن الآية محكمة غير منسوخة، وهو أنه قد ثبت أن للقلب كسبًا؛ لأن الله تعالى قال: ﴿بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥] والعبد (٢) يجازى على عمل القلب، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ١٩] وكل عامل مأخوذ بكسبه ومجازى على عمله، فمن أبدى ما في نفسه أو أخفاه مما عزم عليه وعقد عليه في قلبه يحاسبه الله به، فأما ما حَدَّث به نفسه مما لم يعزم عليه فإن ذلك مما لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، ولا يؤاخذ به (٣)، وهذا معنى قول الحسن (٤) والربيع (٥).\nوقال في رواية علي بن أبي طلحة (٦) وعطية (٧): إن الله تعالى يقول يوم القيامة: هذا يوم تبلى السرائر، وتخرج الضمائر، وإن كُتَّابي لم يكتبوا من أعمالكم إلا ما ظهر منها، وأنا المطلع على سرائركم مما لم (٨) تعملوه ولم تكتبوه، فأنا أخبركم بذلك وأحاسبكم عليه، لتعلموا أنه لا يعزب عن علمي\n_________\n(١) رواه عنه الطبري في \"تفسيره\" ٣/ ١٤٧ - ١٤٨ بمعناه، وذكره الثعلبي في \"تفسيره\"٢/ ١٨٣٣.\n(٢) في (ي): (والعمل).\n(٣) ينظر: \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٨٣٢ - ١٨٣٣، وبين أن مما يدل على هذا القول: قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦].\n(٤) رواه عنه الطبري في \"تفسيره\" ٣/ ١٤٨، وذكره ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٢/ ٥٧٤.\n(٥) انظر المرجعين السابقين.\n(٦) رواه عنه الطبري في \"تفسيره\" ٣/ ١٤٧، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٢/ ٥٧٢.\n(٧) رواه الطبري في \"تفسيره\" ٣/ ١٤٧، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٢/ ٥٧٣.\n(٨) في (ش): (لا).","vol":"4","page":522},{"text":"مثقال ذرة، ثم أغفر لمن شئت، وأعذب من شئت، فأما المؤمنون فيخبرهم بذلك كله، ويغفر لهم، ولا يؤاخذهم إظهارًا لفضله، وأما الكافرون فيخبرهم بها، ويعاقبهم عليها، إظهارًا لعدله.\nفمعنى الآية: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ فتعملوا به ﴿تُخْفُوهُ﴾ مما أضمرتم ونويتم ﴿يُحَاسِبْكُمْ بِهِ﴾ ويخبركم به، ويعرفكم إياه، فيغفر للمؤمنين، ويعذب الكافرين. يدل على هذا قوله: ﴿يُحَاسِبْكُمْ بِهِ﴾ ولم يقل: يؤاخذكم، والمحاسبة غير المعاقبة، فالحِسَابُ ثابتٌ والعِقَابُ ساقط (١).\nوروى الضحاك عن عائشة ﵂، أنها قالت: ما حدَّث العبد به نفسه (٢) من شرٍّ كانت محاسبةُ الله له عليه بِغَمٍّ يبتليه به في الدنيا أو حُزْنٍ\n_________\n(١) \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٨٤٣ - ١٨٤٣، وذكر حديثين يتأيد بهما هذا القول: الأول: حديث النجوى عن ابن عمر مرفوعا: \"يدنو العبد من ربه حتى يضع عليه كنفه، فيقرره بذنوبه، فيقول: هل تعرف كذا؟ فيقول: رب أعرف، فيوقفه على ذنوبه ذنبا ذنبا، فيقول الله ﷿: أنا الذي سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم، لا نطلع على ذلك ملكا مقربا ولا نبيا مرسلا\"، وأما الكفار والمنافقون فينادون على رؤوس الأشهاد ﴿هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨] رواه البخاري في المظالم، باب: قوله تعالى: ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ ٣/ ١٣٤ برقم (٢٤٤١)، ومسلم في التوبة، باب: قبول توبة القاتل وإن كثر قتله ٤/ ٢١٢٠ برقم (٢٧٦٨). والثاني: حديث أبي ذر مرفوعا: \"يؤتى برجل يوم القيامة، فيقال: اعرضوا عليه صغار ذنوبه فتعرض عليه، فيقال له: عملت كذا وكذا في يوم كذا وكذا، وهو يقر ولا ينكر، وتخبأ عنه كبار ذنوبه وهو منها مشفق، فيقال: أعطوه مكان كل سيئة عملها حسنة، فيقول: إن لي ذنوبا ما أراها هاهنا، قال: فلقد رأيت النبي - ﷺ - ضحك حتى بدت نواجذه\". رواه مسلم (١٩٠) كتاب: الإيمان، باب: أدنى أهل الجنة منزلة فيها.\n(٢) في (ي): (من نفسه).","vol":"4","page":523},{"text":"أو أذى، فإذا جاءت الآخرة لم يسأل عنه ولم يعاقب عليه (١). وروت هذا المعنى عن النبي - ﷺ - أنها سألته عن هذه الآية فأجابها بما هذا معناه (٢).\nوالمحققون يختارون أن تكون الآية محكمة غير منسوخة، لأن النسخ إنما يكون في الأمر والنهي، والأخذ بقول عائشة، وبقولِ من لم يحكم على الآية بنسخ أولى (٣).\n_________\n(١) رواه الطبري في \"تفسيره\" عنها ٦/ ١١٦ - ١١٧.\n(٢) حديث عائشة رواه الترمذي (٢٩٩١) كتاب: التفسير، باب: سورة البقرة، وأحمد ٦/ ٢١٨، والطيالسي ٢٢١ برقم ١٥٨٤، وإسحاق بن راهويه في \"مسنده\" ٣/ ٧٨٣ برقم (١٤١٣)، والطبري في \"تفسيره\" ٣/ ١٤٩، و\"ابن أبي حاتم\" في تفسيره ٢/ ٥٧٤ من طريق حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن أمية عن عائشة به.\nقال الترمذي: حسن غريب من حديث عائشة، لا نعرفه إلا من حديث حماد بن سلمة.\nوقال ابن كثير في \"تفسيره\" ١/ ٣٦٥: وشيخه علي بن زيد بن جدعان ضعيف يغرب في رواياته، وهو يروي هذا الحديث عن امرأة أبيه أم محمد أمية بنت عبد الله عن عائشة، وليس لها في الكتب سواه.\nورواه أبو داود (٣٠٩٣) كتاب: الجنائز، باب: عيادة النساء، والطبري في \"تفسيره\" ٥/ ٢٩٥، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٢/ ١٠٧٢ وغيرهم، من طريق صالح بن رستم أبي عامر الخزاز عن ابن أبي مليكة عنها مرفوعا بمعناه، ولفظ الحديث عن أمية أنها سألت عائشة عن هذه الآية: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾، ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣] فقالت: ما سألني عنها أحد مذ سألت رسول الله - ﷺ - فقال: \"يا عائشة هذه متابعة الله العبد بما يصيبه من الحمى والنكبة والشوكة، حتى البضاعة يضعها في كمه فيفقدها فيفرع لها يجدها في خبنه، حتى إن المؤمن ليخرج من ذنوبه كما يخرج التبر الأحمر من الكير\".\n(٣) قال البيهقي في \"شعب الإيمان\" ١/ ٢٩٧: وهذا النسخ بمعنى التخصيص والتبيين، فإن الآية الأولى وردت مورد العموم، فوردت الآية التي بعدها، فبينت أن ما يخفى مما لا يؤاخذ به، وهو حديث النفس الذي لا يستطيع العبد دفعه عن قلبه، =","vol":"4","page":524},{"text":"وقوله تعالى ﴿فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ قُرِئ رفعًا وجزمًا (١)، فمن جزم اتبع ما قبله ولم يقطعه منه، وهذا أشبه بكلامهم، لأنهم يطلبون المشاكلة (٢).\nومن رفع قَطَعَه من (٣) الأول، وقَطَعَه منه على أحد وجهين:\nإما أن يجعل الفعل خبرًا لمبتدأ محذوف، كأنه قيل: فهو يغفر، فيرتفع (٤) الفعل لوقوعه موقع خبر المبتدأ.\n_________\n= وهذا لا يكون منه كسب في حدوثه وبقائه، وكثير من المتقدمين كانوا يطلقون عليه اسم النسخ على الاتساع، بمعنى: أنه لولا الآية الأخرى لكانت الأولى تدل على مؤاخذته بجميع ذلك. وبِين شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى ١٤/ ١٠١، صحة هذا القول، وأن المراد بالنسخ في الأحاديث هنا نسخ ما وقع في نفوس الصحابة من فهم معنى، وإن كانت الآية لم تدل عليه لكنه محتمل، وهذه الآية من هذا الباب؛ فإن قوله: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ إنما تدل على أن الله يحاسب بما في النفوس لا على أنه يعاقب على كل ما في النفوس، وقوله ﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾ يقتضي أن الأمر إلِيه في المغفرة والعذاب لا إلى غيره.\nوقال الطبري في \"تفسيره\" ٣/ ١٤٩: وأولى الأقوال: أنها محكمة وليست بمنسوخة، وذلك أن النسخ لا يكون في حكم إلا ينفيه بآخر هو ناف له من كل وجوهه، وليس في قوله: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ نفي الحكم الذي أعلم عباده بقوله: ﴿أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾؛ لأن المحاسبة ليست بموجبة عقوبة ولا مؤاخذة بما حوسب عليه العبد من ذنوبه. اهـ كلامه، باختصار.\n(١) قرأ ابن عامر وعاصم بالرفع في: (فيغفرُ) و(يعذب)، وقرأ الباقون بالجزم. ينظر: \"السبعة\" ص ١٩٥، \"الحجة\" ٢/ ٤٦٣.\n(٢) في (ي): (المشاركة).\n(٣) في (ي): (عن).\n(٤) في (ي): (ارتفع).","vol":"4","page":525},{"text":"وإما أن يعطف جملة من فعل وفاعل على ما تقدمها (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-504>٢٨٥ </span>- قوله تعالى ﴿آمَنَ الرَّسُولُ﴾ الآية. قد ذكرنا في بعض الروايات عن ابن عباس: أنه لما نزل قوله: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ﴾ شق ذلك على أصحاب رسول الله - ﷺ - وقالوا: سمعنا وأطعنا. فقيل على هذا القول: إن الله تعالى لما قالوا ذلك أنزل الله هذه الآية وأثنى عليهم (٢).\nوقال أبو إسحاق: لما ذكر الله ﷿ في هذه السورة فرضَ الصلاة والزكاة والطلاق والإيلاء والحيض والجهاد وأقاصيص الأنبياء وما ذكر من الأحكام ختم السورة بذكر تصديق (٣) نبيه - ﷺ - والمؤمنين بجميع ذلك (٤).\nوقوله تعالى: ﴿وَكُتُبِهِ﴾ فيه قراءتان: التوحيد والجمع (٥)، والكُتُب: جمع كتاب، وهو مصدر كتَب، فنقل وسُمي به، فصار يجري مجرى الأعيان وما لا معنى فِعْلٍ فيه، وعلى ذلك كُسّر، فقيل: كُتب، كما قالوا: إِزَارٌ وأُزُر، ولِجَامٌ ولُجُم، فمن قرأ بالجمع؛ فلأن ما قبله وما بعده بالجمع، فَجَمَعَ الكتبَ أيضًا ليكون مُشاكلًا لما قبله وما بعده، وأما من أفرد؛ فيجوز أن يريد الجنس، كقولهم: كَثُر الدرهم في أيدي الناس والدينار، وكقوله: أهلك الناسَ اللبنُ، ونحو ذلك مما (٦) يفرد، والمراد منه الجمع.\n_________\n(١) من \"الحجة\" ٢/ ٤٦٤ - ٤٦٥ باختصار.\n(٢) ينظر: \"تفسيرالثعلبي\" ٢/ ١٨٥٨.\n(٣) سقطت من (أ) و(م).\n(٤) \"معاني القرآن\" ١/ ٣٦٨.\n(٥) قرأ حمزة والكسائي (وكتابه) على الإفراد، وقرأ الباقون (وكتبه) بالجمع. ينظر: \"السبعة\" ص ١٩٥ - ١٩٦، \"الحجة\" ٢/ ٤٥٥.\n(٦) في (م) (فيما).","vol":"4","page":526},{"text":"ويدل على هذا قوله: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ [البقرة: ٢١٣] فإن قيل: إن هذه الأسماء التي يراد بها الكثرة تكون مفردةً معرَّفَةً باللام وهذه مضافة، قيل: قد جاء المضاف من الأسماء ويعني به الكثرة، كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم: ٣٤] وفي الحديث: \"منعت العراق درهمها وقفيزها\" (١) يراد به الكثرة كما يراد بما فيه لام التعريف وقال الله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ﴾ [البقرة: ١٨٧] وهذا الإحلال شائع في جميع ليالي الصيام (٢) ولا يبعد أن يرجع الإفراد إلى كتاب محمد - ﷺ - الذي هو القرآن ثم الإيمان به يتضمن الإيمان بجميع الكتب والرسل (٣).\nوقوله تعالى: ﴿وَرُسُلِهِ﴾ أكثر القراء فيه على التثقيل، وروى العباس (٤) (٥) عن أبي عمرو فيه التخفيف، والصحيح من مذهب أبي عمرو أنه يخفف ما أضيف إلى مكنيّ على حرفين مثل ﴿رُسُلُنَا﴾ [الإسراء: ٧٧]\n_________\n(١) رواه مسلم (٢٨٩٦) كتاب: الفتن، باب. لا تقوم الساعة حتى يحسر الفرات عن جبل من ذهب من حديث أبي هريرة. والقفيز: مكيال معروف لأهل العراق. قال الأزهري: هو ثمانية مكاكيك. والمكوك: صاع ونصف. وهو خمس كيلجات.\n(٢) من \"الحجة\" ٢/ ٤٥٨ بتصرف. وينظر: \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٨٦١.\n(٣) ينظر: \"تفسيرالثعلبي\" ٢/ ١٨٦٠.\n(٤) في (ش): (أبو العباس).\n(٥) العباس بن الفضل بن عمرو بن عبيد الواقفي الأنصاري، أبو الفضل الأنصاري، قاضي الموصل، من أكابر أصحاب أبي عمرو بن العلاء، كان عظيم القدر، جليل المنزلة في العلم والدين، متروك الحديث، توفي سنة ١٨٦ وقيل: ١٩٥. ينظر: \"الجرح والتعديل\" ٦/ ٢١٢، \"تهذيب التهذيب\" ٢/ ٢٩٢.","vol":"4","page":527},{"text":"و﴿رُسُلُكُم﴾ [غافر: ٥٠] (١) فمن ثقل فلأن أصل الكلمة على فُعُل بضم العين، الدليل على أنه فُعُل مضموم العين رفضُهم هذا الجمع فيما كانت لامه حرف علة، نحو: كِسَاء ورِشَاء ورِدَاء وقِبَاء، لم يجمعوا شيئًا من هذا الجنس على فُعُل، كما جمعوا: قَذَالًا وحِمَارًا وكِتَابًا ورِغِيفًا، ولم يجمعوه أيضًا على التخفيف، لأنه إذا خفّف، والأصل التثقيل، كانت الحركة في حكم الثبات، ولو كان الأصل التخفيف لما رفضوا الجمع في هذه الأشياء على فُعْل كما قالوا: عُمْيًا وعُمْي، وعَشْواء وعُشْو، وقَنواء (٢) وقُنْو، فلم يرفضوا هذا الجمع؛ لأن أصله فُعْل مُخَففًا، فصار بمنزلة الآحاد نحو: حُلْوٍ وعُرْيٍ. وأما ما كان عينه حرف العلة من هذا الجنس، فإنهم جمعوه مخففًا، نحو: عَوَان، وعُوْنٍ ونَوارٍ ونُور، وخِوانٍ وخُوْن (٣)، كراهية الضمة في الواو، ثم إذا اضطر الشاعر رده إلى أصله، كما جاء:\n......... سُوُكَ الإِسْحِلِ (٤)\n_________\n(١) عزاها إلى أبي عمرو: ابن خالويه في \"مختصر شواذ القرآن\" ص ٢٤، والثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ١٨٦١، وأبو حيان في \"البحر المحيط\" ٢/ ٣٦٥، والسمين الحلبي في \"الدر المصون\" ٢/ ٦٩٤، وقال ابن مجاهد في \"السبعة\" ص ١٩٥: قرأ أبو عمرو ما أضيف إلى مكني على حرفين (رسلنا) و(رسلكم) بإسكان السين، وثقل ما عدا ذلك.\n(٢) قنواء. مؤنث أقنى، كما في القاموس [القنوة]\n(٣) العَوان: كسحاب، من الحروب التي قوتل فيها مرة، ومن البقر والخيل التي نُتِجت\nبعد بطنها البكر، ومن النساء: التي كان لها زوج، جمعها: عُون. ينظر: \"القاموس\" ص ١٢١٧ (مادة: عون)، والنَّوار: كسحاب، جمع: نور بالضم، والأصل: نُوُر، بضمتين، فكرهوا الضمة على الواو، ونارت نَورًا ونوَارًا بالكسر والفتح: نفرت، وبقرة نوار: تنفر من الفحل ينظر: \"القاموس\" ص ٤٨٨ (مادة: نور).\n(٤) البيت: تمامه:\nأغر الثنايا أحم اللِّثاث ... تمنحه سُوُك الإسحل\nوهو لعبد الرحمن بن حسان. ينظر: \"الحجة\" ٢/ ٤٦٢، \"المنصف\" ١/ ٣٣٨، \"المقتضب\" ١/ ١١٣.","vol":"4","page":528},{"text":"في جمع سِوَاكٍ، وقوله:\nوفي الأَكَفِّ اللامِعَاتِ سُوُرْ (١)\nوأما من خفّف، فلأن ما كان من هذا الوزن يخفّف في الآحاد، نحو: العُنُق والطنُب، وإذا خففت الآحاد فالمجموع (٢) أولى من حيث كان أثقل من الآحاد.\nوأما وجه تخفيف أبي عمرو ما اتصل من ذلك بحرفين، فلأن هذا قد يخفف إذا لم يتصل بمتحرك، فإذا اتصل بمتحرك حسن التخفيف، لئلا تتوالى أربع متحركات، لأنهم كرهوا ذلك، ومن ثم لم تَتَوالَ في بناء الشعر إلا أن (٣) يكون مُزَاحَفًا. ومن لم يخفف فلأن هذا الاتصال بالحرفين ليس بلازم، وما لم يكن لازمًا فلا حكم له، ألا ترى أن الإدغام في ﴿جَعَلَ لَكَ﴾ [الفرقان: ١٥] لم يلزم، وإن كان قد توالى (٤) خَمْسُ متحركات، وهذا لا يكون في بناء الشعر (٥)، لا في مُزَاحَفِهِ ولا في سَالمِهِ ولا في الكلم المفرد (٦).\n_________\n(١) عجز بيت لعدي بن زيد العبادي، وصدره:\nعن مبرِقاتٍ بالبُرين تبدو\nينظر: \"الحجة\" ٢/ ٤٦٢، \"المنصف\" ١/ ٣٣٨، \"المقتضب\" ١/ ١١٣.\n(٢) في (ش): (فالجموع)، وهي كذلك في \"الحجة\"، وفي (ي): (فالجمع).\n(٣) في (ي): (مزحفًا).\n(٤) سقطت من (ي).\n(٥) في (ش) (بدل الشعر) كلمة لم أستطع قراءتها.\n(٦) من \"الحجة\" ٢/ ٤٦٠ - ٤٦٣ بتصرف.","vol":"4","page":529},{"text":"وقوله تعالى: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ فيه محذوف تقديره: يقولون: لا نفرّق بين (١). كقوله: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا﴾ [الأنعام: ٩٣] أي: يقولون: اخرجوا (٢). ومعناه: لا نفعل كما فعل أهل الكتاب، حيث آمنوا ببعض الرسلِ وكفروا ببعضٍ، بل نجمع بين الرسل كلهم في الإيمان بهم (٣).\nو(بين) تقتضي شيئين فصاعدًا، وإنما جاز مع أحدٍ، وهو واحد في اللفظ، لأن أَحَدًا يجوز أن يؤدي عن الجميع، قال الله تعالى: ﴿فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ [الحاقة: ٤٧] وفي الحديث: \"ما أُحلت الغنائم لأحدٍ سُود الرؤوس غيركم\" (٤) وإنما كان كذلك، لأن أحدًا ليس كرجلٍ يثنى ويجمع، وقولك: ما يفعلُ هذا أحدٌ، تريد: ما يفعله الناس كلهم، فلما كان لفظ أحدٍ يؤديَ عن الجميع، جازَ أن يُسْتَعْمَل معه (بين)، وإن كان لا يجوز أن يقول: لا نفرّق بين رجل منهم، وقد استقصينا هذا عند قوله: ﴿عَوَانٌ بَيْنَ\n_________\n(١) بين ليست في (ش) ولا (ي).\n(٢) ينظر: \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٨٦٣، \"التبيان\" ص١٧٢، \"البحر المحيط\" ٢/ ٣٦٥، وذكر أن بعضهم يعربه خبرًا بعد خبر لكل.\n(٣) \"تفسيرالثعلبي\" ٢/ ١٨٦٢.\n(٤) الحديث، رواه الترمذي (٣٠٨٥) كتاب: تفسير القرآن، باب: ومن سورة الأنفال، وقال: حسن صحيح غريب، والنسائي في \"تفسيره\" ١/ ٥٢٩ رقم ٢٢٩، وأحمد ٢/ ٢٥٢، والطيالسي في \"مسنده\" ٣١٨ رقم ٢٤٢٩، وسعيد بن منصور في سننه ٢/ ٣٧٦ [ط. حبيب الرحمن] وابن أبي شيبة في \"مصنفه\" ١٤/ ٣٨٧، وابن حبان في \"صحيحه\" الإحسان ١١/ ١٣٤ برقم (٤٨٠٦) عن أبي هريرة مرفوعا، وأصله في الصحيحين. رواه البخاري (٣١٢٤) كتاب: فرض الجهاد، باب: قول النبي - ﷺ -. أحلت لكم الغنائم، ومسلم (١٧٤٧) كتاب: الجهاد، باب: تحليل الغنائم لهذه الأمة عن أبي هريرة بمعنى الحديث أعلاه.","vol":"4","page":530},{"text":"ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٦٨] (١).\nوالكلام في أحدٍ وأصلهِ ذكرناه (٢) عند قوله: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ﴾ [البقرة: ١٠٢].\nوقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ أي: سمعنا قوله، وأطعنا أمره، فحذف لأن في (٣) الكلام دليلًا عليه من حيث مُدحُوا به (٤).\nوقوله تعالى: ﴿غُفْرَانَكَ رَبَّنَا﴾ أي: اغفر غفرانك (٥)، يُستغني بالمصدر عن الفِعْلِ في الدعاء، نحو: سَقْيًا ورعيًا وأشباههما.\nقال الفراء: وهو مصدر وقع موقع الأمر فنصب، قال: ومثله: الصلاةَ الصلاة (٦)، وجميع الأسماء من المصادر وغيرها إذا نويت الأمر نصبت (٧)، وهذا أولى من قول من يقول: معناه: نسألك غفرانك؛ لأنه على الفعل الذي أخِذ منه أدلّ، نحو: حمدًا، وشكرًا، أي: أحمد حمدًا، وأشكر شكرًا (٨).\n_________\n(١) ينظر: \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٨٦٤، \"البحر المحيط\" ٢/ ٣٦٥، وقال: ويحتمل عندي أن يكون مما حذف فيه المعطوف لدلالة المعنى عليه، والتقدير: لا يفرق بين أحد من رسله وبين أحد، فيكون أحد هنا بمعنى: واحد، لا أنه اللفظ الموضوع للعموم في النفي، ومِنْ حذف المعطوف: \"سرابيل تقيهم الحر\" أي: والبرد.\n(٢) في (ي) و(ش): (ذكرنا).\n(٣) في سقطت من (ي) و(ش).\n(٤) ينظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٣٦٩، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٨٦٥، \"مشكل إعراب القرآن\" ١/ ١٤٧، \"البحر المحيط\" ٢/ ٣٦٦.\n(٥) قوله: (أي اغفر غفرانك)، سقطت من (أ).\n(٦) هذه الجملة ليست في (أ).\n(٧) \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ١٨٨.\n(٨) ينظر في إعراب الآية: \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٣٦٩، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٨٦٥ - ١٨٦٦، \"التبيان\" ص ١٧٢.","vol":"4","page":531},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ نحن مُقِرُّون بالبَعْث.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-505>٢٨٦ </span>- قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ الآية. يقال: كَلَّفْتُه الشيءَ فَتَكَلَّفَ، والكُلْفَة الاسم منه (١).\nوالوُسْعُ، قال الفَرّاء: هو اسم، كالوُجد والجُهد (٢)، وهو اسم لما يسع الإنسان ولا يضيق عليه (٣). وابن عباس (٤) وأكثر المفسرين على أن هذه الآية نَسَخَت ما ضجَّ المؤمنون عنه من حديث النفس والوسوسة لما نزل قوله: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ﴾ الآية (٥).\nوروي عنه من طريق آخر، أنه قال: معناه: أنه كلف المؤمنين ما هم له مستطيعون، لأنه قال: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ﴾ [البقرة: ١٨٥] وقال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] وقال: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] (٦).\n_________\n(١) ينظر: \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣١٧٥ (مادة: كلف)، \"المفردات\" ص ٤٤١.\n(٢) \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ١٨٨ قال: ومن قال في مثل الوُجد: الوَجد، وفي مثل الجُهد: الجَهد، قال في مثله من الكلام ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ ولو قيل: وَسْعَها لكان جائزًا، ولم نسمعه. اهـ ووَسعها بالفتح قراءة ابن أبي عبلة.\n(٣) \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٨٦٦.\n(٤) رواه عنه الطبري في \"تفسيره\" ٣/ ١٥٤ بمعناه، وابن أبي حاتم ٢/ ٥٧٤.\n(٥) رواه الطبري في \"تفسيره\" عن ابن عباس ٣/ ١٥٤، وعزاه في \"الدر\" ١/ ٦٦٥ إلى ابن المنذر، وينظر: \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٨٦٧، \"تفسير البغوي\" ١/ ٣٥٧. وقد ذكر المؤلف أن التحقيق عدم القول بالنسخ فلينظر عند قوله: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٤].\n(٦) رواه عنه الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ١٣٠ بمعناه، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٢/ ٥٧٧، وعزاه في \"الدر\" ٢/ ١٣٣ إلى ابن المنذر، وذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ١٨٦٧.","vol":"4","page":532},{"text":"وهذا أحسن ما قيل في (١) تفسير هذه الآية (٢)، وذلك أن الوُسع دون الطاقة، والله تعالى كلفنا دون طاقتنا تفضلًا (٣) منه، وقد روي عن سفيان بن عيينة أنه قال في قوله: ﴿إلَّا وُسْعَهَا﴾ أي: إلَّا يُسْرَها لا عُسْرها، ولم يكلفها طاقتها، ولو كلفها طاقتها لبلغ المجهود (٤).\nوتقول القدرية: إن الله تعالى أخبر أنه لا يكلف العبد إلا ما يسعه، وإذا كلفه الإيمان وقضى عليه الكفرَ فقد كَلَّفَهُ ما لا يسعه، فيقال لهم: يلزمكم مثلُ هذا في العِلْم، لأنكم توافقوننا على أن الله تعالى إذا سبق في مَعْلُومه أن فلانًا يموت كافرًا فلا سبيل له إلى تبديل معلومه، فإذا كلفه الإيمان فقد كلفه ما لا يطيق، وهذا معنى قول الشافعي، ﵁: إذا سلمت لنا القدرية العلم خُصموا (٥).\nوقوله تعالى: ﴿لَهَا مَا كَسَبَت وَعَلَيهَا مَا أكْتَسَبَت﴾ الصحيح عند أهل اللغة: أن الكسب والاكتساب واحد، لا فرق بينهما، قال ذو الرمة:\nأَلَفَى أَبَاه بذاكَ الكَسْبِ يَكْتَسِبُ (٦)\n_________\n(١) في (ش): (من).\n(٢) \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٨٦٩، وينظر: \"تفسير السمعاني\" ٢/ ٤٨١، \"الكشاف\" ١/ ٣٣٢.\n(٣) في (ي): (تفصيلًا).\n(٤) في \"تفسير الثعلبي\": المجهود منها، وقول سفيان رواه الثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ١٨٦٨، وذكره الحيري في \"الكفاية في التفسير\" ١/ ٢٤٨، والبغوي في \"تفسيره\" ١/ ٣٥٧.\n(٥) قول الشافعي، ذكره العز بن عبد السلام في \"قواعد الأحكام في مصالح الأنام\" ٢/ ٧٦ [ط. دار الكتب العلمية]. وابن تيمية في \"مجموع الفتاوى\" ٢٣/ ٣٤٢، وروايته: ناظروا القدرية بالعلم؛ فإن أنكروه كفروا وإن أثبتوه خصموا.\n(٦) شطره الأول:\nومطعم الصيد هبال لبغيته\nوهو في \"ديوانه\" شرح أبي نصر الباهلي ١/ ٩٩، و\"جمهرة أشعار العرب\" ص ٣٤٦، و\"الحيوان\" ٤/ ٤٧، و\"الأمثال\" للميداني ٣/ ٣٠٠، و\"تاريخ دمشق\" ٤٨/ ١٧٧.","vol":"4","page":533},{"text":"وقال بعضهم: الاكتساب أخصّ من الكسب؛ لأن الكسب ينقسم إلى كسبه لنفسه ولغيره، والاكتساب لا يكون إلا ما يكتسب الإنسان لنفسه خاصة (١)، يقال: فلان كَاسِبُ أهلِه، ولا يقالُ: مُكْتَسِب أهله، قال الحطيئة:\nأَلْقَيْتَ كَاسِبَهُمْ في قَعْرِ مُظلِمَةٍ ... فاغْفَر هَداكَ مَلِيكُ الناسِ يا عُمَرُ (٢)\nومعنى ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ أي: لا يؤاخَذ أحد بذنب غيره (٣).\nوقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا﴾ قال الحسن: معناه: قولوا: ربنا (٤)، على التعليم للدعاء. وقيل: أي: يقولون: رَبَّنَا. على الخبر.\n_________\n(١) قال الراغب في \"المفردات\" ص ٤٣٣: والكسب يقال فيما أخذه لنفسه ولغيره، ولهذا قد تعدى إلى مفعولين، فيقال: كسبت فلانًا كذا، والاكتساب لا يقال إلا فيما استفدته لنفسك، فكل اكتساب كسب، وليس كل كسب اكتسابا، ثم ذكر الأقوال في المراد بقوله: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ فقد قيل: خص الكسب هاهنا بالصالح، والاكتساب بالسيء، وقيل: عُنِي بالكسب ما يتحراه من المكاسب الأخروية، وبالاكتساب: ما يتحراه من المكاسب الدنيوية، وقيل: عُني بالكسب: ما يفعله الإنسان من فعل خير وجلب نفع إلى غيره، من حيثما يجوز، وبالاكتساب ما يحصله لنفسه من نفع يجوز تناوله، فنبه على أن ما يفعله الإنسان لغيره من نفع يوصله إليه فله الثواب، وأن ما يحصله لنفسه وإن كان متناولا من حيثما يجوز على الوجه فقلما ينفك من أن يكون عليه.\n(٢) البيت للحطيئة في \"ديوانه\" ص٢٠٨، وفي \"الأغاني\" ٢/ ١٧٨، و\"العقد الفريد\" ٥/ ٢٥٩، و\"الكامل في الأدب\" ٣/ ١٩٣، \"خزانة الأدب\" ٣/ ٢٥٤، \"لسان العرب\" ٥/ ٢٦٨٦ (مادة: طلح)، \"الوافي بالوفيات\" ١١/ ٥٥. وأغلب رواياته: فاغفر سلام الله عليك.\n(٣) من \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٣٦٩.\n(٤) ذكره في \"الوسيط\" ١/ ٤١٠.","vol":"4","page":534},{"text":"ومعنى ﴿لَا تُؤَاخِذْنَا﴾: لا تُعاقبنا (١).\nوإنما جاء بلفظ المفاعلة وهو فعل واحد؛ لأن المسيء قد أمكن من نفسه، وطَرّقَ السبيلَ إليها بفعله، وكأنه أعان (٢) عليه من يُعاقبه بذنبه، ويأخذه به، فشاركه في أخذه (٣).\nوقوله تعالى: ﴿إِنْ نَسِينَا﴾ يجوز أن يكون هذا من النسيان الذي هو ضد الذكر (٤)، فيكون له تأويلان: أحدهما: ما قاله الكلبي، وهو أن بني إسرائيل كانوا إذا نسوا شيئًا عجلت لهم العقوبة بذلك، فأمر الله نبيه - ﷺ - والمؤمنين أن يسألوه ترك مؤاخذتهم بذلك (٥).\nوالثاني: أن النسيان وإن كان معفوًا عنه في الشرع، فيجوز أن نتعبد (٦) بأن ندعو بذلك، كما جاء في الدعاء: ﴿قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ﴾ [الأنبياء: ١١٢] والله سبحانه لا يحكم إلا بالحق، وكما قال: ﴿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ﴾ [آل عمران: ١٩٤] وما وُعدوا به على ألسن الرسل يُؤْتَونه، وكذلك قول الملائكة في دعائهم: ﴿فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ﴾ [غافر:٧ - ٩].\n_________\n(١) \"تفسيرالثعلبى\" ٢/ ١٨٧٠.\n(٢) في (ي): (أعدل).\n(٣) من \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٨٧٠، وينظر: \"تفسير الرازي\" ٧/ ١٢٥، \"الدر المصون\" ٢/ ٧٠١.\n(٤) وهذا اختيار الثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ١٨٧١.\n(٥) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ١٨٧٠، والبغوي في \"تفسيره\" ١/ ٣٥٧، والحافظ في \"العجاب\" ١/ ٦٥٥.\n(٦) في (ي) و(ش): (يتعبد).","vol":"4","page":535},{"text":"ويجوز أن يكون النسيان، هاهنا (١)، بمعنى: الترك، فيكون معنى قوله: ﴿إِنْ نَسِينَا﴾ أي: تركنا شيئًا (٢) من اللازم لنا، كقوله تعالى: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧] أي: تركوا العمل لله فترك أن يثيبهم (٣).\nوقوله تعالى: ﴿أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ الصحيح في اللغة: أن يقال: خَطِئ الرجلُ: إذا أَثِم، فهو خَاطئٌ آثِمٌ. وأخطأ: إذا لم يُصِبِ الصَّوابَ (٤).\nقال أبو الهيثم: يقال: خطئ: ما صنعه عمدًا، وهو الذنب، وأخطأ: ما صنعه غير عمد (٥). فعلى هذا قوله: ﴿أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ معناه: مثل معنى ﴿نَسِينَا﴾ إذا كان بمعنى السهو (٦)، وفيه الوجهان اللذان ذكرناهما:\n_________\n(١) سقطت من (ي).\n(٢) سقطت من (ي).\n(٣) ينظر: \"الأشباه والنظائر\" لمقاتل ص ٢٣٩، الطبري في \"تفسيره\" ٣/ ١٥٥ - ١٥٦، \"معاني القرآن وإعرابه\" للزجاج ١/ ٣٧٠، \"معاني القرآن\" للنحاس ١/ ٣٣٢، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٨٧١، وقد بين الطبري في \"تفسيره\" ٣/ ١٥٥ - ١٥٦: أن النسيان على وجهين: أحدهما: على وجه التضييع من العبد والتفريط، فهو ترك منه لما أمر بفعله، فذلك الذي يرغب العبد إلى الله تعالى في تركه مؤاخذته، وهو النسيان الذي عاقب الله آدم به فأخرجه من الجنة، ما لم يكن تركه ما ترك من ذلك كفرًا، فإن الرغبة إلى الله في تركه المؤاخذة به غير جائزة وأما النسيان الذي يكون بسبب قلة احتمال العقل ما وكل بمراعاته، فلا وجه للدعاء بطلب المغفرة منه. قال: وكذلك الخطأ على وجهين.\n(٤) ينظر في خطئ: \"تهذيب اللغة\" ٧/ ٤٩٥ - ٥٠٠، \"المفردات\" ص ١٥٦، \"اللسان\" ١/ ٦٥ - ٦٨.\n(٥) نقله في \"تهذيب اللغة\" ٧/ ٤٩٨.\n(٦) ينظر: \"تفسير الطبري\" ٦/ ١٣٤، \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٣٧٠، قال الثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ١٨٧١: وهو الأصح، لأن ما كان عمدًا من الذنب فهو غير معفو عنه، بل هو في مشيئة الله ﷿ ما لم يكن كفرًا. وقال ابن عطية في \"المحرر الوجيز\" ٢/ ٥٤٥: وذهب كثير من العلماء إلى أن الدعاء في هذه الآية إنما هو في النسيان الغالب، والخطأ غير المقصود، وهذا هو الصحيح عندي.","vol":"4","page":536},{"text":"أحدهما: قول الكلبي (١) والثاني: أنا تعبدنا بهذا الدعاء.\nوقال أبو عبيدة: يقال: أخطأ وخطئ لغتان (٢) (٣)، وأنشد:\nيالَهْفَ هِنْدٍ إذ خَطِئْنَ كَاهلًا (٤)\nأي: أخطأن، ويقال في المثل: مع الخَوَاطِئِ سهمٌ صائبٌ (٥)،أي: المُخْطِئات.\n_________\n(١) سبق تخريجه.\n(٢) سقطت من (ي).\n(٣) \"مجاز القرآن\" ١/ ٣٧٦، ونقله عنه في \"تهذيب اللغة\" ١/ ١٠٦٠ (مادة: خطئ)، وتعقبه الحافظ ابن حجر في \"الفتح\" لعله في سورة الإسراء.\n(٤) البيت لامرئ القيس، وبعده كما في \"تهذيب اللغة\" ١/ ١٠٦٠ (مادة: خطئ)، و\"الشعر والشعراء\" ١/ ٥٥، و\"أساس البلاغة\":\nالقاتلَيْنِ الملِك الحُلاحلا\nورواية ديوان امرئ القيس ص ١٣٦ (ط. السندوبي).\nيالهف هند إذ خطئن كاهلا ... تالله لا يذهب شيخي باطلا\nحتى أبيرمالكا وكاهلا ... القاتلين الملك الحلاحلا\nوفي طبعة المعارف رواية أخرى. ينظر التعليق على\"تهذيب اللغة\" ١/ ١٠٦٠ (مادة: خطئ)، وكاهل: حي من بني أسد، وهذا الشعر عنى به الخيل وإن لم يجر لها ذكر. ينظر: \"اللسان\" ٢/ ١١٤٩ (مادة: خطأ).\n(٥) ينظر \"تهذيب اللغة\" ١/ ١٠٦٠ (مادة: خطئ): ضرب للذي يكثر الخطأ ويأتي الأحيان بالصواب، وفي \"مجمع الأمثال\" للميداني ٢/ ٢٨٠: الخواطئ سهم صائب، وفسر الخواطئ بأنها السهام التي تخطئ القرطاس.","vol":"4","page":537},{"text":"فعلى هذا معنى (أخطأنا): خطئنا، أي: أثمنا وتَعَمَّدْنا الإثم (١).\nوقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا﴾ أصل الإِصْر في اللغة: الثِّقْلُ والشِّدَّةُ، قال النابغة:\nيا مانعَ الضَّيْمِ أَنْ يَغْشَى سَرَاتَهُم ... والحَامِل الإصْرَ عَنْهمُ بعدَ ما غَرِقُوا (٢)\nثم يُسَمَّى (٣) العهد إصرًا (٤) لأنه ثقيل، قال الله تعالى: ﴿وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي﴾ [آل عمران: ٨١] أي: عهدي وميثاقي، والأَصْر: العَطْف، يقال: ما يَأصِرُني عليه آصرة، أي: رَحِمٌ وقرابة، قال الحطيئة:\nعَطَفُوا (٥) عَلَيَّ بغَيْر ... آصِرَةٍ فَقَد عَظُمَ الأوَاصِرْ (٦)\nأي: عطفوا عليّ بغير عهدِ قرابةٍ (٧)، وسمي الثقل إصرًا؛ لأنه يعطف حامله بثقله، ومن هذا يسمى العهد إصرًا؛ لأنه يأصرك على المعهود معه، أي: يعطفك عليه: فالأصل في هذا الحرف الإصر بمعنى العطف، ثم يسمي الثقل والعهد إصرًا لما فيهما من العطف (٨).\n_________\n(١) ينظر: \"تفسير الطبري\" ٣/ ١٥٥، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٨٧٢، \"تفسير البغوي\" ١/ ٣٥٧، \"البحر المحيط\" ٢/ ٣٤٣.\n(٢) في \"ديوانه\" ص ١٢٩، و\"الزاهر\" ٢/ ٥٩، و\"البحر المحيط\" ٢/ ٣٤٣، و\"الدر المصون\" ٢/ ٥٩.\n(٣) في (أ) و(ي): (سمي).\n(٤) في (ي): (الإصر عهدًا).\n(٥) في (م): (هم عطفوا).\n(٦) البيت في \"ديوانه\" ص ٣٧، \"تهذيب اللغة\" ١/ ١٦٦، \"لسان العرب\" ١/ ٨٧ (مادة: أصر).\n(٧) في \"تهذيب اللغة\" ١/ ١٦٦: أو قرابة.\n(٨) ينظر في الإصر: \"تفسير الطبري\" ٣/ ١٥٧ - ١٥٨، \"تهذيب اللغة\" ١/ ١٦٦، \"المفردات\" ص ٢٨، \"اللسان\" ١/ ٨٧.","vol":"4","page":538},{"text":"فأما التفسير. فقال ابن عباس في رواية الوالبي وعطاء وعطية (١):\nيعنى: عهدًا وميثاقًا لا نطيقه (٢) ولا نستطيع القيامَ به فتعذبنا بنقضه وتركه كما حملته على اليهود فلم يقوموا به. وهو قول مجاهد (٣) وقتادة (٤) ومقاتل (٥) والسدي (٦) والكلبي (٧) والفراء (٨).\nيدل على هذا التفسير قوله لليهود: ﴿وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي﴾ [آل عمران: ٨١].\nوقال كثير من أهل المعاني: الإصر: الثقل، أي: لا تَشُقّ علينا، ولا تشدد ولا تغلِّظ الأمرَ علينا، كما شددت على من قبلنا من اليهود (٩)، وذلك أن الله تعالى فرضى عليهم خمسين صلاة، وأمرهم بأداءِ رُبُعِ أموالهم في الزكاة، ومن أصاب (١٠) ثوبه نجاسةٌ أُمِرَ بقطعها، ونحو هذا\n_________\n(١) أخرجها الطبري في \"تفسيره\" ٣/ ١٥٧، وروى ابن أبي حاتم ٢/ ٥٨٠ نحوه من طريق الضحاك عن ابن عباس، وذكر ذلك عنهم الثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ١٨٧٥.\n(٢) في (ي): (لا نطيق ذلك)، وفي (ش): (لا نطيقه ذلك).\n(٣) رواه عنه الطبري في \"تفسيره\" ٣/ ١٥٦، وذكره ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٢/ ٥٨٠، والثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ١٨٧٥، والبغوي في \"تفسيره\" ١/ ٣٥٨.\n(٤) رواه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ١/ ١١٢، والطبري في \"تفسيره\" ٣/ ١٥٧.\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ١/ ٢٣٢.\n(٦) رواه عنه الطبري في \"تفسيره\" ٣/ ١٥٧، وذكره ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٢/ ٥٨٠.\n(٧) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ١٨٧٥، والحيري في \"الكفاية\" ١/ ٢٤٩، والبغوي في \"تفسيره\" ١/ ٣٥٨.\n(٨) \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ١٨٩.\n(٩) سقطت من (ي).\n(١٠) في (ي): (أصابت).","vol":"4","page":539},{"text":"من الأثقال التي كانت عليهم، يدل على هذا قوله في صفة هذه الأمة: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: ١٥٧] (١) وهذا قول أبي عبيدة (٢) والمؤرج (٣) (٤) والقتبيي (٥) والزجاج (٦) وابن الأنبارى (٧).\nقال الزجاج: المعنى لا تحمل علينا أمرًا يَثْقُلُ كما حملته على الذين من قبلنا، نحو ما أمُر به بنو إسرائيل من قتل أنفسِهم، أي: لا (٨) تمتحنا بما يثقل علينا (٩).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ الطاقة: اسم من الإطاقة، كالطاعة (١٠) من الإطاعة، والجابة من الإجابة، وهي توضع موضع المصدر.\nقيل في معنى ﴿مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾، أي: من العذاب، كأنهم سألوا الله تعالى أن لا يعذبهم بالنار، فإنه لا طاقة لأحد مع عذاب الله، وقيل:\n_________\n(١) من \"تفسيرالثعلبي\" ٢/ ١٨٧٦ - ١٨٧٧.\n(٢) \"مجاز القرآن\" ١/ ٨٤.\n(٣) هو: أبو فيْد، مؤرج بن عمرو السدوسي البصري، تقدمت ترجمته ٢/ ٤٦٠، [البقرة: ٤٤].\n(٤) \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٨٧٧.\n(٥) \"تفسير غريب القرآن\" ص ٨٩.\n(٦) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٣٧١.\n(٧) \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٨٧٧، وذكر الثعلبي في \"تفسيره\" أنه قول عثمان بن عطاء بن أبي مسلم الخراساني، ومالك بن أنس.\n(٨) في (ش): (لأن لا).\n(٩) \"معاني القرآن\" ١/ ٣٧١.\n(١٠) في (م): (اسم من الإطاعة).","vol":"4","page":540},{"text":"أىِ: ما يثقل علينا أداؤه، وإن كنا مطيقين له بعد التجشم وتحمل (١) المكروه، وهذا كما تقول العرب: ما أطيق النظر إلى فلان، وهو مطيق لذلك، إلا أنه يثقل عليه ويتأذى به، ومن هذا قوله: ﴿مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ﴾ [هود: ٢٠] معناه: كانوا يستطيعون ذلك على تأذٍّ وتَكَرُهٍ، فكانوا بمنزلة من لا يستطيع (٢).\nوقوله تعالى: ﴿أَنْتَ مَوْلَانَا﴾ قال ابن عباس والمفسرون: أي: ناصرنا (٣)، ومثله: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ٢٥٧] أي: نَاصِرُهُم وقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ﴾ [التحريم: ٤] أي: ناصره، وكذلك قوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ﴾ [محمد: ١١] (٤).\nومعنى المولى: من النصرة، من ولي عليه، وولي منه: إذا اتَّصَلَ به ولم يَنْفَصِلْ عنه، وعلى هذا قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠] أي: ناصِرُنا، وعلى هذا المعنى قولهم (٥): صحبك الله. والوَليُ والمَوْلَى واحد، ومنه قوله - ﷺ -: \"من كنتُ مَولاهُ فَعَلِي مولاه\" (٦) قال يونس (٧): أي: من كُنْتُ\n_________\n(١) في (ي): (وحمل).\n(٢) \"تفسير الطبري\" ٣/ ١٥٨، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٢/ ٥٨١، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٨٧٨.\n(٣) ينظر التفاسير المتقدمة، والرواية عن ابن عباس قد تقدم الحديث عنها في قسم الدراسة.\n(٤) ينظر: \"تفسير الطبري\" ٣/ ١٥٩، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٨٩٠.\n(٥) في (ش): (قوله).\n(٦) رواه أحمد ٤/ ٣٦٨، والترمذي (٣٧١٣) كتاب: المناقب، باب: مناقب علي. وقال: حديث حسن صحيح، والحاكم ٣/ ١٠٩.\n(٧) قال يونس سقطت من (ي).","vol":"4","page":541},{"text":"وَلِيَّه (١)، وقوله أيضًا: \"مُزَيْنَةُ وجُهَيْنَةُ وأَسْلَم وغِفَار موالي الله ورسوله\" (٢) أي: أولياء الله، وقال العجاج:\nالحَمْدُ لله الذي أعْطَى الظَّفَرْ ... مَوَالي الحَقِّ إن المَوْلَى شَكَرْ (٣)\nأي: أولياءُ الحَقِّ، وكلُّ مَنْ انَضَم إليكَ فَعَزَّ بِعِزِّكَ وامتنع بِمَنَعَتِكَ (٤)، فهو مَوْلاك، ولهذا تُسَمَّى العَصَبَةُ وبنو العَمِّ مَوَالي، قال الله تعالى: ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي﴾ [مريم: ٥] أي: العصبة، وعلى هذا ينشد:\nمَوَالي حِلْفٍ لا مَوَالي قَرَابةٍ ... ولكن قَطِينًا يَسْأَلونَ الأَتَاويَا (٥)\n_________\n(١) نقله عنه في \"تهذيب اللغة\" ١٥/ ٤٥٠.\n(٢) رواه البخاري (٣٥١٢) كتاب: الأنبياء، باب ذكر وأسلم وغفار، ومسلم (٢٥٢٠) كتاب: فضائل الصحابة، باب: دعاء النبي - ﷺ - لغفار وأسلم. من حديث أبي هريرة. ومزينة: بطن من مضر من القبائل العدنانية، مساكنهم بين المدينة ووادي القرى. ينظر: \"معجم القبائل العربية\" ٣/ ١٠٨٣. وجهينة: حي عظيم من قضاعة، من القحطانية، وهم: بنو جهينة بن زيد بن ليث، منازلهم ما بين ينبع ويثرب. ينظر: \"معجم القبائل العربية\" ١/ ٢١٦. وأسلم: بطن من خزاعة، وهم: بنو أسلم بن أفصى بن حارثة، من القبائل القحطانية، ومن قراهم: وبرة: وهي قرية ذات نخيل من أعراض المدينة. ينظر: \"معجم القبائل العربية\" ١/ ٢٦. وغفار: بطن من كنانة، من العدنانية، وهم: بنو غفار بن مليل بن ضمرة بن بكر بن عبد مناف، كانوا حول مكة ومن مياههم: بدر. ينظر: \"معجم القبائل العربية\" ٣/ ٨٩٠.\n(٣) البيت في ديوان العجاج رواية الأصمعي ١/ ٤، وروايته:\nفالحمد لله الذي أعطى الحبر ... موالي الحق إن الحق شكر\nوينظر: \"تهذيب إصلاح المنطق\" ١/ ١٦٩، و\"مجالس ثعلب\" ص ٢٥٣، و\"أمالي القالي\" ١/ ١٣٤، و\"خزانة الأدب\" ٤/ ٤٠.\n(٤) في (ي) و(ش): (لأنه).\n(٥) البيت للجعدي، نسبه إليه في \"اللسان\" ٨/ ٤٩٢٢ مادة: (ولى)، ٢/ ٩٥٧ (مادة: حلب)، ١/ ٢٤ (مادة: أتى)، وفي الموضع الأخير ذكره بلفظ: يحلبون الأتاويا.","vol":"4","page":542},{"text":"يقول: هم حلفاء لا أبناء عم (١)، والمَولَى: الذي يلي عليك أَمْرَكَ (٢).\nفمعنى قوله: أنت مولانا أي: أنت ولينا بنصرك إيانا، وأنت الذي تلي علينا أمورنا، وذلك أنه (٣) يلي أمور (٤) المؤمنين بالنصرة والمعونة، يقال منه (٥): ولي يلي ولاية، فهو ولي ومولى (٦).\nقال مقاتل بن سليمان: لما أسري بالنبي - ﷺ - إلى السماء، أعطي خواتيم سورة البقرة ﴿آمَنَ الرَّسُولُ﴾ فقالت له (٧) الملائكة: إن الله ﷿ قد أحسن عليك الثناء بقوله: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ﴾ فَسَلْه وارغب إليه، وعلمه جبريل كيف يدعو، فجعل رسول الله - ﷺ - يقول: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا﴾ إلى آخر السورة، وجبريل ﵇ يقول في كل فصل: قد فعل الله ﵎ ذلك (٨).\n_________\n(١) قوله: (حلفاء لا أبناء عم)، سقطت من (ي).\n(٢) ينظر في ولي \"تفسير الطبري\" ٣/ ١٥٩، \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٩٥٥ - ٣٩٥٨، \"المفردات\" ص ٥٤٧، \"اللسان\" ٨/ ٤٩٢٠.\n(٣) في (ي) و(ش): (لأنه).\n(٤) في (ي): (أمر).\n(٥) سقطت من (ي).\n(٦) قال الراغب: الولاء والتوالي: أن يحصل شيئان فصاعدان حصولًا ليس بينهما ما ليس منهما، ويستعار ذلك للقرب من حيث المكان ومن حيث النسبة، ومن حيث الدين، ومن حيث الصداقة والنصرة والاعتقاد. والوِلاية: النصرة، والوَلاية: تولي الأمر، وقيل: الوِلاية والوَلاية نحو الدِّلالة والدَّلالة، وحقيقته: تولي الأمر، والوَلي والمولى يستعملان في ذلك، كل واحد منهما يقال في الفاعل، أي الموالي، وفي معنى المفعول، أي: الموالَى، يقال للمؤمن: هو ولي الله ﷿، ولم يرد مولاه، وقد يقال: الله تعالى ولي المؤمنين ومولاهم.\n(٧) سقطت من (ي).\n(٨) لم أجد عند مقاتل في \"تفسيره\" ١/ ٢٣٢ الشق الأول من الحديث، ولكنه ذكر قوله:=","vol":"4","page":543},{"text":"وحدثنا أحمد بن أبي منصور الحافظ (١) ﵀: أنبأنا (٢) عبد الله ابن حامد الأصبهاني أنبأنا محمد بن جعفر المطيري (٣)، حدثنا (٤) علي بن حرب (٥)، حدثنا ابن فضيل (٦)، حدثنا عطاء (٧)، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قول الله ﷿: ﴿غُفْرَانَكَ رَبَّنَا﴾ قال: قد غفرت لكم لا يكلف\n_________\n= ثم علم جبريل النبي - ﷺ - أن يقول ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ قال الله ﷿: ذلك لك. إلى آخر الآيات، وفي كل دعاء يقول الله: ذلك لك، فاستجاب الله ﷿ له ذلك فيما سأل، وشفعه في أمته، وتجاوز لها عن الخطايا والنسيان وما استكرهوا عليه، فلما نزلت قرأهن النبي - ﷺ - على أمته، وأعطاه الله ﷿ هذه الخصال كلها في الآخرة، ولم يعطها أحدًا من الأمم الخالية.\n(١) يعني شيخه الثعلبي في \"تفسيره\".\n(٢) في (ش): (أخبرنا)، وفي (أ): (انبا).\n(٣) هو: الإمام المحدث أبو بكر محمد بن جعفر بن أحمد بن يزيد المطيري، ثم البغدادي الصيرفي، نزل بغداد، وحدث عن خلق منهم علي بن حرب، وروى عنه الدارقطني وغيرهم، قال فيه هو ثقة مأمون، توفي سنة ٣٣٥ هـ. ينظر \"السير\" ١٥/ ٣٠١، \"تاريخ بغداد\" ٢/ ١٤٥ - ١٤٦.\n(٤) في (ي) و(أ) (ثنا).\n(٥) هو: علي بن حرب الموصلي الطائي، أبو الحسن، روى عن يحي بن اليمان، ومحمد بن الفضيل وغيرهم، قال ابن حجر: صدوق فاضل، وروى عنه النسائي وأبو عوانة ومحمد بن جعفر المطيري، توفي سنة ٢٦٥ هـ انظر: \"الجرح والتعديل\" ٦/ ١٨٣، \"التقريب\" ص ٣٩٩ (٤٧٠١)، \"السير\" ١٢/ ٢٥١ - ٢٥٣.\n(٦) هو: محمد بن فضيل بن غزوان أبو عبد الرحمن الضبي الكوفي، قال ابن المدني: كان ثقة ثبتًا في الحديث، وقال ابن معين والعجلي ويعقوب بن سفيان، وابن سعد: ثقة، وقال الإمام أحمد: يتشيع، وكان حسن الحديث توفي سنة ١٩٤، وقيل: ١٩٥. ينظر: \"الجرح والتعديل\" ٧/ ٥٧، \"تهذيب التهذيب\" ٣/ ٦٧٦، \"السير\" ٩/ ١٧٣.\n(٧) عطاء بن السائب بن مالك الثقفي، أبو السائب الكوفي، تقدمت ترجمته [البقرة: ٦٠، ٦١].","vol":"4","page":544},{"text":"الله نفسًا إلا وسعها إلى قوله: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ قال: لا أوآخذكم، ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا﴾ قال: لا أحمل عليكم، ﴿وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ قال: لا أحملكم، ﴿وَاعْفُ عَنَّا﴾ إلى آخر السورة، قال: قد عفوت عنكم (١) وغفرت لكم، ورحمتكم، ونصرتكم على القوم الكافرين (٢).\nوقال أبو إسحاق: هذا الدعاء أخبر الله ﷿ به عن النبي - ﷺ - والمؤمنين، وجعله في كتابه ليكون دعاء من يأتي بعد النبي - ﷺ - والصحابة (٣)، فهو من الدعاء الذي ينبغي أن يُحفَظ وأن يُدعَى به كثيرًا.\nوقال في قوله: ﴿فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ أي: انصرنا عليهم في إقامة الحجة، وفي غلبتنا إياهم في حربهم وسائر أمورهم، حتى (٤) تُظهِر (٥) ديننا على الدين كلِّه كَمَا وَعَدتنا (٦).\n_________\n(١) من قوله: (غفرت لكم)، ساقط من (ي).\n(٢) الحديث، رواه بهذا السند واللفظ: في \"تفسيره\" ٢/ ١٨٩٠، ورواه الطبري في \"تفسيره\" ٣/ ١٦٠، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٢/ ٥٧٧ - ٥٨٢ كلاهما عن علي بن حرب بهذا الإسناد، والحديث أصله رواه مسلم (١٢٦) كتاب: الإيمان، باب. بيان أنه سبحانه لا يكلف إلا ما يطاق، والترمذي (٢٩٩٢) كتاب: التفسير، باب: ومن سورة البقرة، وأحمد ١/ ٢٣٣ وغيرهم بلفظ: \"قد فعلت\" بعد كل دعاء.\n(٣) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٣٧٠.\n(٤) سقطت من (ي).\n(٥) في (ش) (يظهر).\n(٦) \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٣٧١.","vol":"4","page":545},{"text":"المملكة العربية السعودية\nوزارة التعليم العالي\nجامعة الإِمام محمد بن سعود الإسلامية\nعماد البحث العلمي\nسلسلة الرسائل الجامعية\nالتَّفْسِيرُ البَسِيْط\nلأبي الحسن علي بن أحمد بن محمد الواحدي\n(ت ٤٦٨ هـ)\nسورة آل عمران من أول السورة إلى آية (١٣٨)\nتحقيق\nد. أحمد بن محمد بن صالح الحمادي\nأشرف على طباعته وإخراجه\nد. عبد العزيز بن سطام آل سعود ... أ. د. تركى بن سهو العتيبي\nالجزء الخامس","vol":"5","page":1},{"text":"المملكة العربية السعودية\nوزارة التعليم العالي\nجامعة الإِمام محمد بن سعود الإسلامية\nعماد البحث العلمي\nسلسلة الرسائل الجامعية\nالتَّفْسِيرُ البَسِيْط\nلأبي الحسن علي بن أحمد بن محمد الواحدي\n(ت ٤٦٨ هـ)\nسورة آل عمران من أول السورة إلى آية (١٣٨)\nتحقيق\nد. أحمد بن محمد بن صالح الحمادي\nأشرف على طباعته وإخراجه\nد. عبد العزيز بن سطام آل سعود ... أ. د. تركى بن سهو العتيبي\nالجزء الخامس","vol":"5","page":2},{"text":"جامعة الإِمام محمد بن سعود الإسلامية ١٤٣٠ هـ\nفهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية أثناء النشر\nالواحدي، علي بن أحمد\nالتفسير البسيط لأبي الحسن علي بن أحمد بن محمد الواحدي\n(ت٤٦٨هـ)./ علي بن أحمد الواحدي، محمد بن صالح بن\nعبد الله الفوزان، الرياض١٤٣٠هـ.\n٢٥مج. (سلسلة الرسائل الجامعية)\nردمك: ٤ - ٨٥٧ - ٠٤ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (مجموعة)\n١ - ٨٥٨ - ٠٤ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (ج١)\n١ - القرآن تفسير ... ٢ - الواحدي، علي بن أحمد\nأ- العنوان ... ب- السلسة\nديوي ٢٢٧٣ ... ٨٦٨/ ١٤٣٠\nرقم الإيداع: ٨٦٨/ ١٤٣٠هـ\nردمك ٤ - ٨٥٧ - ٠٤ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (مجموعة)\n١ - ٨٥٨ - ٠٤ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (ج١)","vol":"5","page":3},{"text":"التَّفْسِيرُ البَسِيْط\nلأبي الحسن علي بن أحمد بن محمد الواحدي\n(ت ٤٦٨ هـ)\n[٥]","vol":"5","page":4},{"text":"بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ","vol":"5","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-506>سورة آل عمران</span>","vol":"5","page":6},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\n\nتفسير سورة آل عمران <span data-type=\"title\" id=toc-507>(١)</span>\n١ - ﴿الم﴾ اجتمعت القرّاء على فتح الميم، وإدراج ألفِ اللهِ في الوصل (٢)، إلا ما رُويت (٣) شاذًا عن عاصم: أنّه سكّن الميمَ وقَطَعَ الألف (٤).\n_________\n(١) تفسير سورة آل عمران: ساقط من (ج).\n(٢) أي: بأن تُفتح الميمُ، ولا تظهر همزةُ اسم الجلالة في الوصل، حال النطق. انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" للزجّاج ١/ ٣٧٣، \"السبعة في القراءات\" لابن مجاهد ٢٠٠، \"الحجة للقراء السبعة\" لأبي علي الفارسي ٣/ ٨، وكتاب \"التبصرة في القراءات السبع\" لمكي بن أبي طالب ٤٥٥، \"إتحاف فضلاء البشر\" لأحمد البَنّا ص ١٧٠. ويجوز لكل القرّاء في \"ميم\" المدُّ والقصر؛ لتغير سبب المد، فيجوز الاعتداد بالعارض وعدمه. انظر: \"إتحاف فضلاء البشر\" ص ١٧٠، \"البدور الزاهرة\" لعبد الفتاح القاضي ٥٨.\n(٣) في (ج)، (د): (روي).\n(٤) (قَطَع الألف) أي: ابتدأ بها. انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٩، \"السبعة\" لابن مجاهد ٢٠٠، \"التبصرة\" لمكي ص ٤٥٥. وهذه القراءة عن عاصم، رواها ابنُ مجاهد من طرق عدّة عن أبي بكر عنه، كما رُويت عن الحسن، وعمرو بن عبيد، وأبي جعفر الرؤاسي، والأعمش، والأعشى، والبرجمي، وابن القعقاع. انظر: \"السبعة\" ص ٢٠٠، \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٩، \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ٣٠٧، \"علل الوقوف\" للسجاوندي: ١/ ٢٢٠، \"البحر المحيط\" لأبي حيان: ٢/ ٣٧٤. ولكنَّ المعروف والمضبوط عن عاصم هو الوصلُ وفتح الميم، وهي =","vol":"5","page":7},{"text":"واختلفوا في عِلَّةِ فتح الميم: فقال الفراء (١): طُرِحت عليها فتحةُ الهمزة؛ لأن نيّة حروف الهجاء الوقف. فَلَمَّا كان يُنوى بها الوقفُ، نُوي بما بعده الاستئنافُ، فكانت الهمزةُ في حُكْم الثَّبات (٢).\nومذهب سيبويه (٣): أنه حُرَّك لالتقاء الساكِنَينِ (٤)، والساكن الذي حُرّك له الميمُ، لامُ التعريف؛ وذلك أنَّ حُكْمَ هذه الهمزة، أن تُجتلَبَ في الابتداء، إذا احتيجَ إلى اللفظ بحرفٍ ساكنٍ، دون الصِّلَةِ والإدْراج، فإذا اتَّصلَ الساكنُ المُجتَلَبُ له هذا الحرفُ بشيءٍ قبله، استُغنِيَ عنه، فحُذِفَ. فإن اتّصَلَ بمتحرِّكٍ، بُنيَ على حركته (٥)، نحو: (ذهبَ ابْنُك). وإنْ كان حرفًا ساكنًا -غيرَ لَيِّنٍ- حُرّكَ، نَحْوَ: ﴿عَذَابٍ (٤١) ارْكُضْ﴾ (٦) [ص:٤١ - ٤٢]،\n_________\n= روايةُ حفصٍ عنه. ويقول الزجّاج: (والمضبوط عن عاصم في رواية أبي بكر بن عياش وأبي عمرو فتح الميم. وفتح الميم إجماعٌ). ويقول مكي: (والذي قرأت به في رواية يحيى بن آدم بالوصل، مثل الجماعة). يعني: رواية يحيى عن أبي بكر. انظر: \"معاني القرآن\" للزجّاج: ١/ ٣٧٣، \"التبصرة\" لمكي ٤٥٥، \"السبعة\" لابن مجاهد ص ٢٠٠، \"الحجة\" للفارسي ٣/ ٥.\n(١) في \"معاني القرآن\" له ١/ ٩. نقله عنه بالمعنى. وقد تقدمت ترجمته.\n(٢) يعني بـ \"الثبات\": عدم سقوط الهمزة في الوصل. وقد ذهب الزمخشريُّ مذهبَ الفرّاء، وناقشه أبو حيان ورَدَّ عليه. انظر: \"الكشاف\" للزمخشري ١/ ٤١٠، \"البحر المحيط\" لأبي حيان ٢/ ٣٧٥ \"الدر المصون\" للسمين الحلبي ٣/ ٨١٢.\n(٣) في \"الكتاب\" له ٤/ ١٥٢.\n(٤) قال السمين الحلبي: (وهو مذهب سيبويه وجمهور الناس). \"الدر المصون\" ٣/ ٦.\n(٥) في (ج): (متحركة).\n(٦) يقول أبو علي الفارسي: (فإن كان الحرف الثاني من الكلمة التي فيها الساكن الثاني مضمومًا ضمة لازمة، جاز فيه التحريكُ بالضم والكسر جميعًا) وأتى بهذه الآية ضمن الشواهد على ذلك. ثم قال: وجميع هذا يجوز في الساكن الأول التحريك بالضم) أي أن تقرأ هكذا: ﴿عَذَابٍ (٤١) ارْكُضْ﴾ في حال الوصل. \"التكملة\" للفارسي ١٧٧، وانظر: \"كتاب سيبويه\" ٤/ ١٥٣، \"الكشف\" لمكي ١/ ٢٧٤. وقد قرأ بكسر الباء مع التنوين في ﴿عَذَابٌ﴾ في حال الوصل: عاصم، وحمزة، وأبو عمرو بن العلاء، وقنبل، وابن ذكوان، ويعقوب. وأجمعوا على ضم الهمزة في الابتداء. وقرأ الباقون بضم الباء مع التنوين. انظر: \"الكشف\" لمكي ١/ ٢٧٤، ٢٧٥، وقال: والضم في ذلك كلِّه الاختيارُ؛ لأن عليه أكثر القراء، ولأنه أخف. والكسر حسن؛ لأنه الأصل في حركة التقاء الساكنين. وانظر: \"إتحاف فضلاء البشر\" ص ٣٧٢، \"البدور الزاهرة\" ص ٢٧٢.","vol":"5","page":8},{"text":"و﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا﴾ (١) [الجن: ١٦].\nفكذلك (٢) الهمزة في أسماءِ اللهِ ﷿ مِن قوله: ﴿الم﴾، إذا اتَّصَلَ بما قبلها لزم حذفُها، كما لزم إسقاطُها فيما (٣) ذكرنا. وإذا لزم حذفها، لزم حذفُ حركتها أيضًا؛ لأنك لا تجدُ هذه الهمزة المُجْتَلَبَة في موضع ملقاةً، وحركتَها مبقاةً. فإذا لزم حذفها، لم يجُزْ إلقاؤها على الحرف الساكن. فليس حركةُ الميم إذن (٤) حركةَ الهمزة، وإذا لم تكن حركةَ الهمزة، ثبت أنها حركةُ التقاء الساكنَيْنِ.\nوأمّا ما احتج به الفرّاءُ مِن أنّ هذه الحروف موضوعةٌ على الوقف، وإذا كان كذلك وجب أنْ تثبت الهمزةُ ولا تحذَف، كما تثبت في الابتداء، فإذا لزم أن لا (٥) تحذف كما لا تحذف (٦) في الابتداء، لم يمتنع أن تُلْقَى\n_________\n(١) وقد وردت كتابتها في جميع النسخ: (وأن لو) بفصل (أن) عن (لو). وأثبتها وفق رسم المصحف.\n(٢) في (ج): (فلذلك).\n(٣) في (ج): (في ما).\n(٤) في (ب)، (ج)، (د): (إذًا).\n(٥) (لا) ساقطة من: (ج)، (د).\n(٦) (كما لا تحذف): ساقط من (ج).","vol":"5","page":9},{"text":"حركتُها على ما قبلها. قيل: إنَّ وضعَ هذه الحروف (١) على الوقف، لا توجب (٢) قطعَ ألفِ الوصل وإثباته (٣) في المواضع التي تسقط فيها. وأنت إذا ألقيت حركته على الساكن، فقد وصلت الكلمة التي هي فيها بما قبلها، وإنْ كان ما قبلها موضوعًا على الوقف.\nفقولك: (ألقيت حركته عليه) بمنزلة قولك: (وَصَلْتُه)، ألا ترى أنك إذا خفَّفْتَ (مَنْ أَبُوكَ)، قلتَ: (مَنَ بُوك) فَوَصَلْتَ، ولو (٤) وَقَفْتَ لم تُلقِ الحركةَ عليها، فإذا (٥) وصلْتَها بما قبلها، لَزِمَ إسقاطُها، وكان إثباتُها مخالفًا لأحكامها في سائرِ مُتَصَرفاتها (٦).\nويقوي قولَ الفراء ما حكاه سيبويه (٧) مِن قولهم: (ثَلَثَهَرْبَعَة) (٨) ألاَ\n_________\n(١) في (ج): (الحرف).\n(٢) في (د): (يوجب).\n(٣) في (ج): (وإثباتها).\n(٤) (ولو) ساقطة من (د).\n(٥) في (ب): (وإذا).\n(٦) يقول السمين الحلبي - بعد أن نقل ردّ الواحدي هذا على الفراء: (قلت: هذا الرد مردود؛ بأن ذلك معامل معاملة الموقوف عليه، والابتداء بما بعده، لا أنه موقوف عليه، ومبتدأ بما بعده حقيقةً، حتى يَرُدَّ عليه بما ذكر). \"الدر المصون\" ٣/ ٨. ورأي الفراء هذا رده آخرون غير المؤلف، ومنهم: أبو علي الفارسي، وابن جنِّي، وخطَّأه تاجُ القراء الكرماني، واستبعده العكبريُّ. انظر: \"الحجة\" للفارسي: ٣/ ٩، \"المحتسب\" لابن جني: ٢٤٠، \"غرائب التفسير وعجائب التأويل\" للكرماني ١/ ١٣٩، \"التبيان\" للعكبري ١/ ١٧٣. قال الفارسي: (ولا يجوز أن تكون الفتحة لهمزة الوصل ألقيت على النون؛ لأن الهمزة إذا أوجب الإدراجُ إسقاطَها لم تبق لها حركة تلقى على شيء، فيما علمناه).\n(٧) في \"الكتاب\" ٣/ ٢٦٥.\n(٨) (ثلثهربعة): مطموسة في (د).","vol":"5","page":10},{"text":"ترى أنهم أجروا الوصل في هذا مجرى الوقف؛ حيث ألقَوا حركة الهمزة على التاء التي للتأنيث، وأبقوها هاءً، كما تكون في الوقف، ولم يقلبوها تاءً (١)؛كما يقولون في الوصل: (هذه ثلاثتك) كذلك ههنا لَمّا كانت النيّةُ في الميم الوقفَ، وفيما بعدها الاستئنافَ، كانت الهمزةُ في حُكْمِ الثَبَات، فأُلقِيَت حَرَكَتُها على الميم. فله حُكْم الوقف مِن وَجْهٍ، وحُكْمُ الوَصْلِ مِن وَجْهٍ؛ كما كان في (ثَلَثَهَرْبَعَة) (٢)، له حُكْمُ الوصل؛ من حيث إلقاء حركةِ الهمزة على (الهاء)، وحُكْم الوقف، حيث أبقوا الهاءَ على حالها (٣).\nوالساكن الذي حُرِّكت لَهُ الميمُ في ﴿الم﴾، الساكنُ الثالث، وهو (٤): لام التعريف؛ وذلك أنّ حروف التَّهَجِّي يجتمع فيها ساكنان؛ كقوله: ﴿حم (١) عسق﴾ [الشورى:١ - ٢]، ولا يُحرَّك الساكنُ الثاني منها. وجمعهم بين الساكِنَيْنِ في هذه الحروف، دليلٌ على أنها في ﴿الم﴾ ليس بمتحرك للساكن الثاني إذ لو كان للثاني (٥) لم يُحرَّك كما لم يُحرَّك سائرُ ما ذكرنا (٦).\n_________\n(١) أي: أن أصلها (ثلاثة أربعة)، فلما وقفنا على (ثلاثة) أبدلنا التاء (هاءً) كما هو اللغة المشهورة، ثم أجرينا الوصل مجرى الوقف، فتركنا الهاءَ على حالها في الوصل، ثم نقلنا الهمزة إلى الهاء، فكذلك هذا. وانظر: \"الدر المصون\" ٣/ ٨\n(٢) (ثلثهربعة): مطموسة في (د).\n(٣) ولكن يلاحظ أن الهمزةَ في (أربعة) همزة قطع، فهي ثابتة في الابتداء والدرج، وعليه نقلت حركتها. أما همزة اسم الجلالة، فهي همزة وصل واجبة السقوط، فلا تنقل حركتها إلى ما قبلها. وهذا هو الفرق. انظر: \"غرائب التفسير\" للكرماني ١/ ٢٤٠، \"الدر المصون\" ٣/ ٨.\n(٤) في (د): (فهو).\n(٥) في (ج): (الثاني).\n(٦) انظر: \"التكملة\" للفارسي ١٧٩، \"غرائب التفسير\" للكرماني ١/ ٢٣٩.","vol":"5","page":11},{"text":"قال الأخفش (١): لو كسرت الميم لالتقاء الساكِنَيْن، فقيل: ﴿الم﴾، لَجَازَ.\nقال أبو إسحاق (٢): هذا غلط من أبي الحسن؛ لأن قبل الميم ياءً، مكسورًا (٣) ما قبلها، فحقها الفتح؛ لالتقاء الساكنين؛ لِثِقَلِ الكَسْرِ مع الياء (٤).\nقال أبو علي (٥): كَسْرُ الميم لو ورد بذلك (٦) سماعٌ، لم يدفعه قياس، بل كان يُثَبِّتُه ويُقَوِّيه؛ لأنَ الأصل (٧) في التحريك لالتقاء الساكنين الكسرُ. وإنما يُترك الكسرُ (٨) إلى غير ذلك؛ لِمَا يَعْرِضُ مِن عِلّةٍ وكراهةٍ. فإذا جاء الشيء على ما به فلا وجه لِرَدِّهِ، ولا مَسَاغ (٩) لِدَفْعِهِ.\nوقول أبي إسحاق: (إنَّ ما قبل الميم ياءً مكسورًا (١٠) [قبلها] (١١)\n_________\n(١) في \"معاني القرآن\" له ١/ ٢٢. نقله عنه بمعناه. وقد تقدمت ترجمته.\n(٢) قوله في \"معاني القرآن وإعرابه\" له ١/ ٣٧٣. نقله عنه بنصه.\n(٣) في (ج): (مكسور).\n(٤) في \"معاني القرآن\" (وذلك لثقل الكسرة مع الياء).\n(٥) لم أقف على مصدر قوله فيما رجعت إليه من كتبه المطبوعة، وقد أورد قوله السمين الحلبي في \"الدر المصون\" ٣/ ١٤.\n(٦) في (ب): (به).\n(٧) في (ج): (الوصل).\n(٨) في (ج): (القياس).\n(٩) في (ج): (امتناع).\n(١٠) في (ج): (مكسورة).\n(١١) ما بين المعقوفين زيادة أضفتها من \"الدر المصون\" للسمين ٣/ ١٤. حيث أورد السمين هذه العبارة ناقلًا لها عن الواحدي، وكذلك هي في الأصل المنقول عنه وهو \"معاني الزجاج\" حيث إن الزجاج لا يعني كسر الياء، وإنما كسر ما قبل الياء.","vol":"5","page":12},{"text":"فحقها الفتح)، ينتقضُ بقولهم: (جَيْرِ) وكان مِنَ الأَمْرِ) (١) (ذَيْتِ وذِيْتِ) (٢) و(كَيْتِ وكِيْتِ) (٣). فَحُرِّك الساكنُ بعد الياء بالكسر، كما حُرِّك بعدها بالفتح في (أيْنَ).\nوكما جاز الفتح بعد الياء؛ لقولهم (٤): (أيْنَ)، كذلك يجوز الكسرُ بعدها؛ لقولهم: (جَيْرِ) (٥).\nويدل على جواز التحريك بالكسر لالتقاء الساكنين في ما (٦) كان قبله ياء جوازُ تحريكه بالضم؛ كقولهم (٧): (حيثُ). وإذا (٨) جازَ الضمُّ، كان الكسرُ أسهلَ، وأجْوَزَ.\n_________\n(١) (جير وكان من الأمر): ساقط من (ج)، (جَيْر) بكسر الراء، وقد يُنَوَّن: يمينٌ، أي: حَقَّا. أو بمعنى نعم، أو أجل. انظر: \"البسيط في شرح جمل الزجاجي\" ٢/ ٩٣٧، ٩٤٤، \"مجمل اللغة\" لابن فارس: ١/ ٢٠٤، \"القاموس المحيط\" ص٣٧٠ (جير).\n(٢) في (د): (ديت وديت).\n(٣) (ذيت وذيت) بفتح التاء أو كسرها أو ضمها: اسم كناية، يكنى بها عن الحديث أو القصة أي: الحديث عن شيء حصل أو قول وقع. ولا بد مع تكرارهما مع فصلهما بالواو، مع اعتبارهما كلمة واحدة في محل نصب أو جر أو رفع حسب حاجة الجملة. ويقال في (كيت وكيت) ما قيل في (ذيت وذيت). ولم أقف في المصادر التي رجعت إليها على كسر الذال من (ذيت) والكاف من (كيت). انظر: \"الخصائص\" لابن جني ١/ ٢٠٢، \"سر صناعة الإعراب\" له: ١/ ١٥٢ - ١٥٣، \"لسان العرب\" ٣/ ١٥٢٨ (ذيت) ٧/ ٣٩٦٤ (كيت)، \"النحو الوافي\" ٤/ ٥٨٣.\n(٤) في (ج)، (د): (كقولهم). وفي \"الدر المصون\": (في قولهم).\n(٥) في (ج): (خبر).\n(٦) في (ب)، (ج)، (د)، \"الدر المصون\": (فيما).\n(٧) في (د): (لقولهم). وفي \"الدر المصون\" (نحو قولهم).\n(٨) في (د): (إذا). بدون واو.","vol":"5","page":13},{"text":"وأما (١) ما رُوي عن عاصم، من قطعه الألف، فكأنّهُ قدّر الوقفَ (٢) على الميم، واستأنف (الله). فقطع (٣) الهمزة للابتداء بها.\nقال محمد بن إسحاق (٤)، والكَلْبِي (٥)، والرَّبِيع (٦):\nنزلت هذه الآية، إلى (٧) نيّف وثمانين من هذه السورة، في وفْدِ نَجْران (٨)، مِنَ النَّصَارَى، لَمّا جاءُوا يُحَاجُّونَ النبي - ﷺ - (٩).\n_________\n(١) من قوله: (وأما ..) إلى (.. للابتداء بها): نقله بنصه عن \"الحجة\" للفارسي: ٣/ ٩.\n(٢) في \"الحجة\": (الوقوف).\n(٣) في (د): (وقطع).\n(٤) قوله في \"سيرة ابن هشام\" ٢/ ١٧٥، \"تفسير الطبري\" ٣/ ١٦٢، \"المحرر الوجيز\" ٣/ ٥، \"تفسير ابن كثير\" ١/ ٣٦٨.\nوهو: محمد بن إسحاق بن يَسَار، المُطَّلِبي بالولاء، من أهل المدينة، سكن العراق، إمام في المغازي والسيرة النبوية، رُمَي بالتشيع والقدر، صدوق يُدلِّس، مات ببغداد سنة (١٥١ هـ)، وقيل بعدها. انظر: \"وفيات الأعيان\" ٤/ ٢٧٦، \"تذكرة الحفاظ\" ١/ ١٧٢، \"تهذيب التهذيب\" ٣/ ٥٠٤.\n(٥) قوله في \"بحر العلوم\" ٢/ ٨، \"تفسير البغوي\" ٢/ ٥.\n(٦) قوله في \"تفسير الطبري\" ٣/ ١٦٣، \"تفسير ابن أبي حاتم\" ٢/ ٥٨٥، \"تفسير البغوي\" ٢/ ٥، \"المحرر الوجيز\": ٣/ ٥.\n(٧) في (ج): (في).\n(٨) نجران: هي الآن في أرض الحجاز من المملكة العربية السعودية، وكانت قديمًا من مدن اليمن، من ناحية مكة. انظر حولها \"معجم ما استعجم\" ٤/ ١٢٩٨، \"معجم البلدان\" ٥/ ٢٦٦.\n(٩) انظر في خبر وفد نجران، وأنه سبب نزول هذه الآيات إضافة إلى المصادر السابقة: \"أسباب النزول\" للمؤلف ص ٩٩، \"امتناع الأسماع\" للمقريزي ١/ ٥٠٢، \"وتفسيرات شيخ الإسلام ابن تيمية\" جمع إقبال الأعظمي: ١١٥، \"زاد المعاد\" لابن القيم: ٣/ ٦٢٩، \"السيرة النبوية\" لابن كثير: ١/ ٣٦٧، \"البداية والنهاية\" له ٥/ ٥٢ - ٥٦، \"حدائق الأنوار\" لابن الدَّيْبَع الشيباني ١/ ٦٨، ٢/ ٧٠٩، \"الدر=","vol":"5","page":14},{"text":"قال ابن عباس (١) في رواية عَطَاء، والضحاك في قوله: ﴿الم﴾ يريد بالألف: الله، واللام (٢): جبريل، والميم: محمد - ﷺ - <span data-type=\"title\" id=toc-508>(٣)</span>. وقد مضى الكلام في حروف التَّهَجِّي، وفي معنى ﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥].\n٣ - قوله تعالى: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾. إنّما قال: ﴿نَزَّلَ﴾، وقال: ﴿وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾؛ لأن التنزيل للتكثير. والقرآن نزل نجومًا، شيء بعد شيء، والتوراة والإنجيل نزلتا دفعةً واحدةً (٤).\n_________\n= المنثور\" للسيوطي: ٢/ ٦٦، \"لباب النقول\" له: ٥١، وزاد في نسبة إخراجه فيهما لابن المنذر، والبيهقي في \"دلائل النبوة\". وانظر: \"تفسير ابن كثير\" ١/ ٣٩٥ - ٣٩٨ فله توجيه لطيف حول قول محمد بن إسحاق هذا ومن معه في سبب نزول هذه الآية.\n(١) قوله في \"تفسير الثعلبي\" (مخطوط مصور في جامعة الإمام):١/ ٢٣ ب.\n(٢) في (ب): (والميم واللام).\n(٣) أورد الأثر هذا عنه الثعلبي في تفسيره \"الكشف والبيان\" ١/ ٢٣ ب.\n(٤) وقد ذهب كثير من المفسرين، إلى ما ذهب إليه المؤلفُ، من تخصيص القرآن، هنا بلفظ التنزيل، الدال على التكثير؛ نظرًا لنزوله منجمًا، وأن التوراة والإنجيل خُصَّا بالإنزال؛ لأنهما نزلا دفعة واحدة ومن هؤلاء المفسرين: الثعلبي، والبغوي، والزمخشري، وبيان الحق النيسابوري، وابن الجوزي، والقرطبي، والنسفي، وأبو جعفر بن الزبير الغرناطي، وابن جماعة، والبيضاوي، والمهايمي، وأبو السعود. انظر: \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٤ أ، \"تفسير البغوي\" ٢/ ٦، \"الكشاف\" للزمخشري: ١/ ٢٣٨،٤١٢، \"وضح البرهان\" لبيان الحق: ١/ ٢٣٣، \"زاد المسير\" ١/ ٣٤٩، \"تفسير القرطبي\" ٤/ ٥، \"تفسير النسفي\" ١/ ١٤١، \"ملاك التأويل\" لابن الزبير: ١/ ١٤١، \"كشف المعاني\" لابن جماعة: ١٢٣، \"تفسير اليضاوي\" ١/ ٦٢، \"تفسير المهايمي\" ١/ ١٠٢، \"تفسير أبي السعود\" ٢/ ٤.\nولكن رُدَّ هذا القول بالآتي: إن التضعيف الدال على الكثرة، شرطه أن يكون في الأفعال المتعدية قبل التضعيف غالبًا؛ نحو: (فتَّحت الباب)، وفعل (نَزَل) لم=","vol":"5","page":15},{"text":"و﴿وَالكِتَابِ﴾؛ يعني: القرآن (١). فهو مصدرٌ، سُمِّي به المكتوب.\nوقوله تعالى: ﴿بِاَلحَقِّ﴾. أي: بالصدق في أخباره، وجميع دلالاته.\n_________\n= يكن متعديًا قبل التضعيف. وقولهم: (غالبًا): لأن التضعيف جاء دالًا على الكثرة في اللازم؛ نحو: (موَّت المالُ): إذا كثر. إن التضعيف الدال على الكثرة، لا يجعل اللازم متعديًا كما في (مَوَّت المال). ولما كان (نزل) لازما، وصار بالتضعيف متعديًا، دلَّ على أن تضعيفه للنقل لا للتكثير. إنه لو كان (نَزَّل) للتكثير، لاحتاج قولُهُ تعالى: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾ [الفرقان: ٣٢] إلى تأويل، إنه ورد فعل (نَزَّل) المضعَّف، في آيات كثيرة، ولا يمكن أن يدل على التكثير، إلا بتأويل بعيد جدًا، ومن ذلك قوله تعالى ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ﴾ [الأنعام: ٣٧] وقوله: ﴿لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٥].\nكما أن (أنزل) قد ورد خاصًّا بالقرآن، فقال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ﴾ [النحل: ٤٤] فلو كان أحدهما يدل على التنجيم، والآخر على النزول دفعة واحدة، لكان في ذلك تناقض في الإخبار، وهو محال. انظر: \"الحجة\" للفارسي: ٢/ ١٥٨ - ١٦٢، \"البحر المحيط\" ١/ ١٠٣، \"الدر المصون\" ٣/ ١٩٨، ٣/ ٢١. ويرى ابن عاشور أن التضعيف في ﴿نَزَّلَ﴾ كالهمز فيه، إلا أن التضعيفَ يؤذن بقوة الفعل في كيفيته وكمِّيَتِه، وأن ﴿نَزَّلَ﴾ أهم من (أنزل)؛ حيث يدل على عِظَم شأن نزول القرآن. ويرى بأنه لا دلالة على أن التوراة والإنجيل نزلا دفعة واحدة، بل نزلا مفرقَيْن؛ كحال كل ما نزل على الرسل في مدة الرسالة. انظر تفسير \"التحرير والتنوير\" ٣/ ١٤٧، ١٤٨.\n(١) ذهب سعيد بن جبير إلى أن الكتاب هنا: خواتيم سورة البقرة. انظر: \"تفسير ابن أبي حاتم\" ٢/ ٥٨٧. أما جمهور المفسرين، فقد ذهبوا إلى أن المراد به القرآن، كما فَسَّره المؤلف. يقول أبو حيان (الكتاب هنا: القرآن، باتفاق المفسرين). \"البحر المحيط\" ٢/ ٣٧٧. وانظر: \"تفسير الطبري\" ٣/ ١٦٦، ١٦٧ \"تفسير ابن أبي حاتم\" ٢/ ٥٨٧، \"تفسير البغوي\" ٢/ ٦، \"تفسير ابن جزي\" ٧٣، \"زاد المسير\" ١/ ٣٤٩، \"تفسير ابن كثير\" ١/ ٣٦٩، \"الدر المنثور\" ٢/ ٥.","vol":"5","page":16},{"text":"وقوله تعالى: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾. أي: موافقًا لِمَا تقدم الخبرُ به في سائر الكتب. وفي ذلك دليل على صحة نبوة محمد - ﷺ -.\nوقيل (١): مصدقًا لشرائع الأنبياء المتقدمين فيما أتوا به، خلاف مَن يقول: نؤمن ببعض ونكفر ببعض.\nوقوله تعالى: ﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾. مِن مَجَازِ الكلام؛ وذلك أنَّ ما بينَ يَدَيْك، فهو أمَامَك. فقيل لكل ما تقدم على الشيء: (هو بين يديه)؛ كما جاء في الحديث: \"إنَّ بينَ يَدَي الساعة سنين خَدّاعَة\" (٢)، أي: أمامها، تتقدم عليها.\n_________\n(١) هو معنى قول: مجاهد، والحسن، وقتادة، والربيع، ومقاتل، والطبري، والثعلبي، والبغوي. انظر: \"تفسير مقاتل\" ١/ ٢٦٢، \"تفسير الطبري\" ٣/ ١٦٦، ١٦٧، \"تفسير ابن أبي حاتم\" ٢/ ٥٨٧، \"تفسير البغوي\" ٢/ ٦، \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٤ أ.\n(٢) الحديث، أخرجه: البزار (انظر كشف الأستار عن زوائد البزار: رقم الحديث: (٣٣٧٣)، وأحمد في \"المسند\" ٣/ ٢٢٠. وأورده الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" ٧/ ٢٨٤، من رواية عمرو بن عوف، عن النبي - ﷺ -، ومن رواية ابن إسحاق، عن عبد الله بن دينار، عن أنس، عن النبي - ﷺ -. قال الهيثمي: (وقد صرح ابن إسحاق بالسماع من عبد الله بن دينار، وبقية رجاله ثقات). وأورده المتقي الهندي في \"كنز العمال\" ١٤/ ٢٢٩ رقم (٣٨٥١١) وعزاه للطبراني في \"المعجم الكبير\" والحاكم في \"الكنى\" وابن عساكر، عن عوف بن مالك الأشجعي. وورد الحديث بلفظ آخر من رواية أنس بن مالك: \"إن أمام الدجال سنين خدَّاعة .. \". أخرجه أحمد في \"المسند\" ٣/ ٢٢٠ (انظر: \"الفتح الرباني\" للبنا: ٢٤/ ٣٥). وقال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" ٧/ ٢٨٤: (رواه أحمد، وأبو يعلى، والطبراني في \"الأوسط\" وفيه ابن إسحاق، وهو مدلس، وابن لهيعة، وهو لين). وورد من رواية أبي هريرة بلفظ: \"إنها ستأتي على الناس سنون خداعة\". رواه أحمد في \"المسند\" ٢/ ٢٩١. وانظر: \"المسند\" بشرح شاكر: ١٥/ ٣٧ رقم (٨٧٩٩)، وقال الشيخ أحمد شاكر: (إسناده حسن، ومتنه صحيح).","vol":"5","page":17},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ﴾. قال الفراء (١): أصل (التوراة): (تَوْرَيَةٌ)، على وزن (تَفْعَلَة)، فصارت الياءُ ألفًا، لِتَحَرُّكها وانفتاح ما قبلها. قال: ويجوز أن تكون (تَفْعِلَة)، فيكون أصلها: (تَوْرِيَة)، فتنقل الراء مِن الكَسْر إلى الفتح؛ كما تقول طَيِّئ (٢) في (جاريَة): جَارَاة. وفي (ناصيةٍ): نَاصَاة (٣).\nقال الشاعر:\nبِحَرْبٍ كَنَاصاةِ الأغَرِّ المُشَهَّرِ (٤)\n_________\n(١) قوله: في \"الزاهر\" لابن الأنباري: ١/ ١٦٨، وأورد الأزهريُ طرفا منه، وعزاه\nلكتاب (المصادر) للفراء. انظر: \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٨٨٠.\n(٢) في (ج): (ظبي). (طيئ) هي القبيلة العربية المشهورة، التي تنسب إلى طيئ بن أدَد ابن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان، وهي من القبائل القحطانية، كانت مساكنهم في اليمن، ثم خرجوا منها، ونزلوا بنجد والحجاز، ثم انتشروا في الجزيرة العربية. انظر: \"جمهرة أنساب العرب\" ٣٩٨، ٣٩٩، ٤٧٦، و\"صبح الأعشى\": ١/ ٣٢٠، و\"معجم قبائل العرب\": ٢/ ٦٨٩ - ٦٩١، ٥/ ٣٤٥.\n(٣) الناصية، أو الناصاة: قصاص الشعر في مقدم الرأس. انظر: (نصا) في \"اللسان\" ٧/ ٤٤٤٧، \"القاموس المحيط\" (١٣٣٩). قال الأزهري (والناصية عند العرب: منبت الشعر في مقدم الرأس ... وسمي الشعرُ ناصيةً؛ لنباته في ذلك الموضع). \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٥٨١.\n(٤) عجز بيت، وصدره:\nلقد آذَنَتْ أهلَ اليَمَامَةِ طيِّئٌ\nوهو لحُرَيْث بن عَنَاب الطائي. وقد ورد منسوبًا له، في كتاب \"المعاني الكبير\" لابن قتيبة: ٢/ ١٠٤٨، \"اللسان\" ٧/ ٤٤٤٧ (نصا). وورد غير منسوب، في \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٥٨١، \"الدر المصون\" ٣/ ١٨. وردت كلمة (الحِصان) بدلًا من (الأغر) في كل المصادر السابقة، ما عدا \"الدر المصون\". المُشَهَّر: المشهور. انظر: (شهر) في \"تهذيب اللغة\" ٤/ ١٩٤٥، \"اللسان\" ٤/ ٢٣٥٢.","vol":"5","page":18},{"text":"وأنشد الفراء:\nفَمَا الدنيَا بِبَاقَاةٍ لِحَيٍّ ... وما حَيٌّ على الدنيا بِبَاق (١)\nوقال الخليل (٢) وهو مذهب البصريين (٣): (تَورَيَةٌ، أصلها: (فَوْعَلَةٌ)، وأصلها: (وَوْرَيَةٌ)، ولكنَّ الواو الأولى قُلِبت تاءً، كما قُلِبت في\n_________\n(١) في (د): (باقي). أورده الزمخشري في \"ربيع الأبرار\" ١/ ٣٨، ونسبه لخالد بن الطَّيِّفان الدارمي، وكذا نسبه الجاحظ له في: كتاب \"الحيوان\" ٥/ ١٠٥، وسماه خالد بن علقمة بن الطيفان. إلا أن الزمخشري في \"ربيع الأبرار\" في: ١/ ١٣ نسبه لنهشل بن حري النهشلي، وروايته فيه:\nوما الدنيا بباقية لحي ... وما حي على الحَدَثان باقي\nوهو في الموضعين في \"ربيع الأبرار\" (بباقية لحي). وورد البيت غير منسوب، في \"الزاهر\" لابن الأنباري: ١/ ١٦٨، ورسالة الصاهل والشاحج، للمعري: ٤٠٧، \"الإنصاف في مسائل الخلاف\" للأنباري: ص ٦٩، \"الدر المصون\" ٢/ ٦٣٧، ٣/ ١٩. والشاهد فيه: قوله: (بباقاة)، وأراد: بباقية.\n(٢) انظر: \"كتاب سيبويه\" ٤/ ٣٣٣.\n(٣) انظر: \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٤ ب. والبصريون، هم: أصحاب المدرسة النحوية بالبصرة، الذين نشأ النحو على أيديهم وتطور. وقد وضعوا قواعدهم على الأعم الأغلب مما نقل عن العرب، ومن قواعدهم المنهجية في النحو: التشدد في السماع، فلا يأخذون إلا من ثقات العربية، ممن سلمت لغاتهم من التأثر بلغة أو بلهجة أجنبية، ولا يعتمدون الشاهد النحوي مقياسًا، إلا إذا جرى على ألسنة العرب، وكثر استعمالهم له، وغير ذلك من القواعد، وهم أسبق من أصحاب المدرسة الكوفية، وأكثر تشددًا منهم. وهناك البغداديون، الذين ينتخبون من المدرستين. ومن علماء المذهب البصري: أبو عمرو بن العلاء، والخليل بن أحمد، وسيبويه، وقطرب، والأخفش الأوسط، والمازني، والمبرد، وغيرهم. انظر: \"طبقات النحويين\" للزبيدي: ٢١ - ٢١١، والمدراس النحوية، لشوقي ضيف: ١١ وما بعدها، \"معجم المصطلحات النحوية والصرفية\" د. محمود اللبدي: ٢١، ٨٧، \"موسوعة النحو والصرف\" د. أميل يعقوب: ٣٦٢، ٦١٦.","vol":"5","page":19},{"text":"(تَوْلَج) (١)، فهو (فَوْعَل)، مِنْ (وَلَجْت). وقُلِبت الياء ألِفًا؛ لتحركها (٢) وانفتاح ما قبلها، فصارت (تَوْرَاةً) (٣)، وكُتِبَت بالياء على أصل الكلمة. قالوا: ولا يجوز أن يكون أصلها (تَفعَلَة) كما قال الفرّاء؛ لأن (٤) هذا البناء يَقِل، وإن (فَوْعَلة) من الكثرة بحيث لا يتناسبان (٥).\nولا إشكال في أن الحَمْل على الأكثر الأشْيع أولى، وأيضًا فإن التاء لم تكثر زائدةً أوّلًا، والواو إذا كانت أوّلًا فقد استمرّ البدل فيها؛ نحو: (وُجُوه)، و(أُجُوه) (٦)، و(وُقِّتَتْ)، و(أُقِّتَتْ)، و(وشاح)، و(إشاح) (٧)، و(وَنَاة)، و(أَنَاة) (٨). فإذا اجتمع واوان لزم الأوّلَ منهما البدلُ: إما همزة،\n_________\n(١) تَوْلَج: كِناس الوحش، وهو الموضع الذي يستتر فيه. انظر: (ولج) في \"أساس البلاغة\" للزمخشري: ٢/ ٥٢٦، \"القاموس المحيط\" ص ٢٠٩. وانظر: (كنس) في \"الصحاح\" ٣/ ٩٧١.\n(٢) في (د): (لحركتها).\n(٣) في (ج): (توراية).\n(٤) من قوله: (لأن ..) إلى (.. ولا إشكال): ساقط من: (د). ومن قوله: (لأن ..) إلى (.. وعومرة قد كثر): نقله بتصرف في بعض عباراته عن \"الحجة\" للفارسي: ٣/ ١٣١٥.\n(٥) انظر: \"كتاب سيبويه\" ٤/ ٣٣٣، \"إعراب القرآن\" المنسوب للزجاج: ٣/ ٨٧٩،\n\"الممتع في التصريف\" لابن عصفور: ١/ ٣٨٣، ٣٨٤.\n(٦) في (ج): (وأوجه).\n(٧) الوشاح: شيء ينسج من أديم عريضًا، يرصع بالجوهر، وتشده المرأة بين عاتقيها. يقال: (وِشاح، وإشاح، ووُشاح، وُأشاح). الجمع: وُشُح، وأوْشِحة. انظر: \"الصحاح\" للجوهري: ١/ ٤١٥ (وشح).\n(٨) (امرأة أناة، ووناة): فيها فتور. و(نساءق أنَوات). و(قد وَني في الأمر): ضعف وفتر. انظر: \"أساس البلاغة\" ١/ ٢٣ (أنى)، ٢/ ٥٢٩ (ونى).","vol":"5","page":20},{"text":"وإما تاء؛ نحو: (أَوَاقٍ) (١) في جمع (واقِيَةٍ).\nوقد أُبدِلت التاءُ من الواو، إذا (٢) كانت مفردةً؛ نحو: (تُجَاه) و(تُرَاث) (٣) و(تُخَمَة) (٤) و(تُكْلاَن).\nفإذا كثر (٥) إبدال التاء مِنَ الواو هذه (٦) الكثرة كانَ حملها على هذا الكثير (٧)، أوْلى من حمله على ما لم يكثر ولم يتسع هذا الاتساع، ولا يقرب أيضًا حملُها على (تَفْعِلَة)؛ لأنه لا يخلو مِن أن يجعلها (٨) اسمًا؛ نحو: (تَوْدِيَة) (٩) أو مصدرًا؛ نحو: (تَوْصِية).\nفأما باب (تَوْدِيَةٍ) فقليل؛ كما أن (تَفْعَلَة) كذلك، وباب (تَوْصِيَة) فيه\n_________\n(١) في (د): (واق). وقوله: (نحو أواق): ساقط من: ب. انظر: \"لسان العرب\" ٨/ ٤٩٠٣ (وقي).\n(٢) في (أ): (فإذا). وفي (ب)، (ج): (وإذا) والمثبت من مصدر المؤلف؛ لأنه لا يستقيم الكلام إلا به. ومن قوله: (إذا ..) إلى (.. من الواو) ساقط من: (د).\n(٣) في (أ): (تَراث) بفتح التاء. والصواب ما أثبت وهو ضمها. انظر: \"تفسير غريب القرآن\" لابن قتيبة: ٥٢٧، \"مفردات ألفاظ القرآن\" للراغب: ٨٦٣ (ورث).\n(٤) في (أ): (تُخْمَة) بسكون الخاء. والصواب بفتحها. انظر: \"مجمل اللغة\" لابن فارس: ص ٩٢٠، \"المصباح المنير\" للفيومي: ص ٢٥٠ (وخم).\n(٥) في (ج): (أكثر).\n(٦) في (أ)، (ب): وهذه. والمثبت من: (ج) (د). وهو الصواب؛ حيث لا تستقيم العبارة إلا به، كما أنه هكذا في مصدر المؤلف، وهو \"الحجة\" للفارسي: ٣/ ١٤.\n(٧) في (د): (الكثير).\n(٨) في (د): (تجعلها).\n(٩) في (ب): (تردية). والتودية: واحدة التوادي، وهي: الخشبات التي نشد على خِلْفِ الناقة إذا صُرَّت. انظر: \"غريب الحديث\" للحربي: ١/ ٢٦٣، \"الصحاح\" ٦/ ٢١،٢٥ (ودى)، \"اللسان\" ٨/ ٨٨٠٤ (ودى).","vol":"5","page":21},{"text":"اتساع؛ لكن إذا حملها على لُغَةِ طَيِّئٍ، فقد حملها على لغةٍ لم نعلم شيئًا منها في التنزيل.\nفإذا لم يكن الوجهان اللّذان ذكرهما الفراءُ بالسّهلين، حَمَلْتَهُ على (فَوْعَلَةٍ) دونها؛ للكثرة؛ ألا ترى أنّ نحو: (صَومَعَة) (١) و(حَوجَلَة) (٢) و(دَوسَرَة) (٣) و(عَومَرَة) (٤)، قد كثر؟.\nونظير (التوراة) مِمّا قلبت الواوُ فيه تاءً (٥)، قولُهم (٦): (التَّرِيَّة): لِمَا تَرَاهُ المرأةُ في الطُّهْرِ بعد الحَيْضِ (٧)، وهي (فَعِيلةٌ) مِنَ (الوَرَاءِ)؛ لأنها تُرى بعد الصُّفْرَةِ والكُدْرَة. ويجوز أن تكون (فَعِيلَة) (٨)؛ مِن: (وَريَ الزَّنْدُ)؛ فكأن\n_________\n(١) الصومعة: منار الراهب، وبيت للنصارى. انظر: (صمع) في \"اللسان\" ٤/ ٢٤٩٨، \"القاموس\" ص ٧٣٨.\n(٢) الحوجلة: هي ما كان من القوارير الصغار واسعة الرأس وقيل: هي القارورة الغليظة الأسفل. وقيل: هي القارورة فقط. انظر: (حجل) في \"تهذيب اللغة\" ١/ ٧٥٢، \"اللسان\" ٢/ ٧٨٩.\n(٣) الدَوْسَر: الجمل الضخم، ذو الهامة والمناكب. ولا أنثى: دَوْسَرٌ، ودَوْسَرةٌ. و(كتيبة دوسر، ودوسرة): مجتمعة. وقيل: الدوسر: النوق العظيمة. وقيل: الدوسر: القديم. انظر: (دسر) في \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١١٨٣، \"اللسان\" ٣/ ١٣٧٢، \"القاموس\" ص ٣٩١.\n(٤) في (ب): (عوصرة).\nوالعَوْمَرة: الاختلاط. يقال: (تركت الناس في عومرة)؛ أي: في صياح وجلبة. \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٥٦٧، \"اللسان\" ٥/ ٣١٠٣.\n(٥) في (ب): (الياء في ثاء).\n(٦) من قوله: (قولهم ..) إلى (.. فكأن الطهر أخرجه): نقله بتصرف في بعض عباراته عن \"الحجة\" للفارسي: ٣/ ١٢.\n(٧) \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٣٢٨ (رأى).\n(٨) في (د): (فيعلة).","vol":"5","page":22},{"text":"الطُّهْرَ أَخرجه (١).\nفأما اشتقاقها: فقال الفرّاءُ فيما حكاه ابنُ الأنباري: التوراة (٢)؛ معناها: الضياءُ والنُّورُ؛ من قول العرب: (وَرِيَ الزَّنْدُ (٣)، يَرِي): إذا قَدَحَ (٤)، فَلَم يَكْبُ (٥)، و(أورْيتُه أنا)؛ قال الله تعالى: ﴿فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا﴾ [العاديات: ٢] ويقولونَ: (وَرِيتْ (٦) بل زِنَادِي)، على مثال: (شَرِيَتْ) (٧).\n_________\n(١) انظر مبحث إبدال التاء من الواو، وأصل كلمة (التوراة) في \"المقتضب\" للمبرد ١/ ٦٣، \"نزهة القلوب\" للسجستاني ١٥٤، \"مجالس العلماء\" للزجاجي ٩٥، وكتاب \"التكملة\" للفارسي ٥٧١، \"سر صناعة الإعراب\" لابن جني ١/ ١٤٥، \"المنصف\" له ١/ ٢٢٦، \"المشكل\" لمكي: ١/ ١٤٩، \"شرح المفصل\" لابن يعيش: ٩/ ١٤٢، ١٠/ ٣٦، \"نزهة الطرف في علم الصرف\" لابن هشام: ١٦٠.\n(٢) من قوله: (التوراة ..) إلى (قول العرب): نقله عن \"الزاهر\" لابن الأنباري: ١/ ١٦٨.\n(٣) من قوله: (وري الزند ..) إلى: (.. لم يجاوز به غيره): نقله عن \"الحجة\" للفارسي: ٣/ ١٠ مع بعض التصرف.\n(٤) يقال: (وَرِيَ الزَنْدُ يَرِي)، و(وَرَى يَرِي)، و(وَرِيَ يَوْرَى). انظر: (وري) في: \"كتاب العين\" للخليل بن أحمد: ٨/ ٣٠٤، \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٨٨٠، \"الصحاح\" ٦/ ٢٥٢٢. والزَنْدُ: العود الذي تُقدَح به النارُ، وهو يكون في الأعلى، والزندة: السفلى. انظر: \"الصحاح\" ٢/ ٤٨١ (زند).\n(٥) في (أ): (يثب). (ب): (يتب). وفي (ج): ينب. وفي (د) كما في النسخ السابقة، ولكن بدون إعجام، ولا وجه لجميعها. والمثبت هو ما استصوبته؛ فقد جاء في \"اللسان\" (كبا الزَنْدُ): إذا لم يخرج ناره. انظر ٦/ ٣٨١٤ (كبا). وفي \"مفردات ألفاظ القرآن\" (ويقال: (فلانٌ واري الزند): إذا كان مُنْجِحا. و(كابي الزند): إذا كان مُخفِقًا) ٥٥٨ (وري).\n(٦) في (ج): (وَريْتُ). ووردت الكلمةُ كما أثبَتُّ، في \"مجالس العلماء\" للزجاجي: ٨٢. وجاء في \"كتاب العين\" للخليل: ٨/ ٣٠٤: (وتقول للرجل الكريم: (إنه لواري الزِّناد، وورَّيْتُ بك زِنادي)؛ أي: رأيت منك ما أحب، مِنَ النُّصْح والنجابة والسماحة).\n(٧) في (ج): (شربت). ومعنى (شَرِيَت)؛ أي: لجَّت، مِن: (شَرِيَ يَشرَى شرًى)،=","vol":"5","page":23},{"text":"وزعم أبو عثمان (١): أنه استُعْمِل في هذا الكلام فقط، لم يُجاوَزْ به غيره.\nومعنى (وَرِيَت بك زِنَادِي)؛ أي: ظَهَر بك الخيرُ لي.\nفالتوراة سُمِّيت [بذلك] (٢)؛ لظهور الحق بها. يدل على هذا المعنى قولُه: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً﴾ [الأنبياء: ٤٨].\nوقال المُؤَرّج (٣): هو من (التَّوْرِيَةِ) (٤)، وهي: التعريض بالشيء؛ وكان أكثر التوراة معاريضَ وتلويحًا، مِن غير إيضاحٍ وتصريح.\nوفي (التوراة) قراءتان: الإمالة، والتفخيم (٥).\n_________\n= و(استشرى فلان في غيِّه): إذا تَمَادَى ولَجَّ فيه. و(شَرِيَ البَرْقُ): إذا تتابع لَمَعانُه. و(شَرِيَتْ عينُه): إذا لجت وتابعت الهملان. و(شَرِيَت)؛ بمعنى: أصابها الشَّرِي، وهو: مرض جلدي له لذع شديد. انظر: \"الأضداد\" لابن الأنباري: ٢٢٨، ٢٢٩، ومادة (شري) في \"الصحاح\" ٦/ ٢٣٩١، \"اللسان\" ٤/ ٢٢٥٣.\n(١) في (ج): (ابن عثمان). وهو: بكر بن بقية، وقيل: بكر بن محمد بن عديِّ بن حبيب. أبو عثمان المازني. من أهل البصرة، أستاذ المبرد، روى عن أبي عبيدة والأصمعي وأبي زيد. قال عنه المبرد: (لم يكن بعد سيبويه أعلم بالنحو من أبي عثمان). قيل إنه توفي: (٢٤٨ هـ)، وقيل: (٢٤٩ هـ). انظر: \"أخبار النحويين البصريين\" ٨٥، و\"معجم الأدباء\" ٧/ ١٠٧، و\"الأعلام\" ٢/ ٦٩.\n(٢) زيادة يقتضيها السياق.\n(٣) قوله في \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٤ ب.\n(٤) في (د): (التوراة).\n(٥) الإمالة: أن تُمِيل الفتحةَ نحو الكسرةِ، وتُمِيل الألفَ نحو الياء، مِن غير قلْبٍ خالص، ولا إشباع مبالغ. وهي كبرى وصغرى؛ فالكبرى: أن يُصرف الفتح إلى الكسر كثيرًا. وُيعبَّر عنهابـ (الكسر) مجازًا، أو (البطح) أو (الإضجاع)، وعند سيبويه: (الإجناح). والصغرى: أن يُصرف الفتح إلى الكسر قليلًا، ويسمى (بين اللفظين)؛ أي: بين الفتح وبين الإمالة الكبرى، أو يعبر عنها بـ (التقليل) و(التلطيف)، أو (بين بين). والتفخيم، أو الفتح هو النطق بالألف مركبة على=","vol":"5","page":24},{"text":"فَمَنْ فَخَّم؛ فلأن الراءَ (١) حَرفٌ يَمْنُعُ الإمالة؛ لِما فيه مِنَ التكرير، كما يمنعه المستعلي (٢)، ولو كان مكان (٣) الراء مُستَعْلٍ مفتوحٌ، لمْ تَحْسُنْ الإمالةُ، كذلك إذا كانت الرّاءُ مفتوحةً.\nومَنْ أمالَهَا؛ فَلأنّ الألف لَمّا كانت رابعةً، لم تخلُ مِنْ أن تشبه ألِفَ التأنيث، أو الألف المنقلبةَ عن الواو، وعن (٤) الياء.\nوألِفُ (٥) التأنيث تُمالُ (٦)، وإنْ كان قبلها مستعْلٍ؛ كقولهم:\n_________\n= فتحة خالصة غير مُمالة. وهو شديد ومتوسط؛ فالشديد: فتح القاريء لِفِيهِ بلفظ الحرف الذي يأتي بعده ألف، وهو مكروهٌ. والمتوسط: ما بين الشديد، والإمالة المتوسطة، وهو المستعمل عند أصحاب الفتح من القراء.\nانظر: \"الرعاية\" لمكي: ١٢٩، \"جمال القراء\" للسخاوي: ٢/ ٥٠٠، \"التمهيد\" لابن الجزري: ٥٧.\nووردت الإمالة في قراءة ﴿التَّوْرَاةَ﴾ عن: أبي عمرو، والكسائي، وابن ذكوان، وخلف. ووردت الإمالة بين اللفظين، والإمالة المحضة، عن: حمزة. ووردت الإمالة بين اللفظين عن نافع. أما التفخيم: فورد عن: ابن كثير، وعاصم، وابن عامر.\nانظر: \"السبعة\" لابن مجاهد: ٢٠١، \"الكشف\" لمكي: ١/ ١٨٣، \"التبصرة\" لمكي:٤٥٥، \"التيسير\" للداني: ٨٦، \"الإقناع\" لابن الباذش: ١/ ٢٨٢ - ٢٨٤، \"النشر\" لابن الجزري: ٢/ ٦١.\n(١) من قوله: (فلأن الراء ..) إلى (.. كذلك يميلون الراء): نقله بتصرف يسير عن \"الحجة\" للفارسي: ٣/ ١٥.\n(٢) حروف الاستعلاء: الخاء، والصاد، والضاء، والطاء، والظاء، والغين، والقاف. انظر: \"الرعاية\" لمكي: ١٢٣، \"التمهيد\" لابن الجزري: ٩.\n(٣) في (أ): (مكان مكان).\n(٤) في (د): (أو من).\n(٥) في (د): (والألف).\n(٦) في (د): (قال).","vol":"5","page":25},{"text":"(فَوْضى) (١)، و(جَوْخَى) (٢) وهي مدينة (٣)، [فـ] (٤) كما أمالوا المستعليةَ معها، كذلك يميلون الرَّاءَ (٥) والألِفَ المنقلبةَ عن الياء والواو، وتمال نحو: ﴿رَمَى﴾ (٦) و﴿سَجى﴾ (٧)، وأشباههما.\nوقوله تعالى: ﴿وَالْإِنْجِيلَ﴾. قال الزجَّاجُ (٨): الإنجيْل، (إفْعِيل)، مِنَ (النَّجْل)، وهو (٩): الأصل. هكذا كان (١٠) يقول جميع أهل اللغة في (إنجيل).\nقال ابن الأنباري (١١): معنى قولهم: (إنجيل) لِكِتاب الله: أصْلٌ\n_________\n(١) في (أ): (قوضى). (ب): (قوضي). (د) قوصي. والمثبت من: (ج)؛ لموافقته للمصدر المنقول عنه، وهو \"الحجة\" للفارسي: ٣/ ١٥؛ ولأن ما لم أثْبِتْهُ لم أقف عليه في معاجم اللغة التي بين يدي.\n(٢) في (ب): (جوخي). (د): (حوحي).\n(٣) في (ج): (وهما مدينتان). وجوْخى: قرية من أعمال واسط بالعراق. انظر: \"معجم ما استعجم\" للبكري: ٤٠٣، \"القاموس المحيط\" ٢٥٠ (جاخ).\n(٤) ما بين المعقوفين زيادة ليستقيم بها الكلام، وهي موجودة في \"الحجة\" ٣/ ١٥.\n(٥) قال الفارسي: (وإذا أمالوا مع المستعلي، كانت الإمالة مع الراء أجود؛ لأن الإمالة على الراء أغلب منها على المستعلي، ألا ترى أنه قد حكي الإمالة في نحو: (عمران)، ونحو: (فِراش)، و(جِراب). ولو كان مكان الراء المستعلي، لم تكن فيه إمالة؟ ..). \"الحجة\" ٣/ ١٦، وانظر: \"كتاب سيبويه\" ٤/ ١٤١، ١٤٢.\n(٦) من قوله تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ سورة الأنفال: ١٧. وقد أمالها: أبو بكر، وحمزة، والكسائي. انظر: \"الكشف\" لمكي: ١/ ١٧٧، ١٨٤.\n(٧) الضحى: ٢. وقد أمالها الكسائي. انظر: \"الكشف\" ١/ ١٨٩، \"التيسير\" للداني ٤٩.\n(٨) في \"معاني القرآن\" له: ١/ ٣٧٥.\n(٩) في (د): (وهي).\n(١٠) (كان): ساقطة من: (ج).\n(١١) في \"الزاهر\" ١/ ١٦٨. نقله عنه، مع التصرف في بعض عباراته.","vol":"5","page":26},{"text":"للقوم (١) الذين (٢) نزل عليهم؛ لأنهم يَعْمَلونَ بما فيه. ويقال (٣): (لَعَنَ اللهُ ناجِلَيْهِ)؛ أي: والِدَيْهِ. وأنشد قولَ الأعشى:\nإذْ نَجَلاهُ فَنِعْمَ مَا نَجَلا (٤)\nأي: كان أصلًا له إذ وَلَدَاهُ.\nوقال قومٌ (٥): (الإنجيل)، مأخوذ من قول العرب: (نَجَلْتُ الشيء): إذا استخرجته وأظهرتُه. يقال للماء الذي يخرج من النَّزِّ (٦): (نَجْلٌ).\nويقال: (قد استَنْجَلَ الوادي): إذا أخرج الماء من النزِّ. فسمّي الإنجيلُ إنجيلًا؛ لأن الله تعالى أظهره للناس بعد طموس الحق ودُرُوسِهِ.\n_________\n(١) في (د): (القوم).\n(٢) في (ج): (الذي).\n(٣) في (ج): (ويقولون).\n(٤) عجز بيت، وصدره:\nأنجب أيامَ والداه به\nوهو في: ديوانه: ١٧١، وقد ورد منسوبًا له، في \"مجالس ثعلب\" ١/ ٧٧، \"الزاهر\" ١/ ١٦٩، \"البارع\" لأبي علي القالي: ٦٢٥، \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٥٢٢ (نجل)، \"المحتسب\" لابن جني: ١/ ١٥٣، \"الإفصاح\" للفارقي: ٣٣٢، \"اللسان\" ٧/ ٤٣٥٥ (نجل)، \"أوضح المسالك\" لابن هشام: ص١٥٣، \"همع الهوامع\" للسيوطي: ٤/ ٢٩٧.\nويروى البيت: (أنجب أيامُ والديه به)، و(أزمان) بدلًا من: (أيام). والبيت من قصيدة يمدح بها سلامة ذا فائش الحميري. ومعنى البيت: ولدا ولدا نجيبا. فيكون سياق البيت كالتالي: أنجب والداه به -أيام إذ نجلاه- فنعم ما نجلا.\n(٥) ممن قال ذلك: ابن دريد في \"جمهرة اللغة\" ١/ ٤٩٢ (نجل). وانظر: \"المعرب\" للجواليقي: ١٢٣.\n(٦) النَزُّ، والنِزُّ: ما تَحَلَّبَ من الأرض من الماء. و(نَزَّت الأرض): صارت ذا نَزً. انظر: (نزز) في \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٥٥٠، \"مجمل اللغة\" ٨٤٣، \"القاموس\" ٥٢٧.","vol":"5","page":27},{"text":"قال: وفي (الإنجيل) قولٌ ثالث: وهو أن يكون سُمّيَ إنجيلًا؛ لأن الناس اختلفوا فيه، وتنازعوا.\nقال أبو عمرو الشيباني (١): التَّنَاجُل: التنازع. يقال: (تناجلَ القومُ): إذا تنازعوا (٢).\nوقال جماعة من أهل التحقيق: التوراة والإنجيل والزَّبُور، أسماء عُرِّبت مِنَ السريانية، وليس يُطّردُ فيها قياس الأسماء العربيّة؛ ألا تراهم يقَولون لها بالسريانية: (تُورَيْ)، (انْكِليُون) (٣)، (زَفُوتَا) (٤).\n_________\n(١) انظر: \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٥٢٢ (نجل).\n(٢) انظر: اشتقاقات ومعاني الإنجيل في \"نزهة القلوب\" للسجستاني: ١٢٣، \"تهذيب الأسماء واللغات\" للنووي: ٣/ ١٦١، \"عمدة الحفاظ\" للسمين الحلبي: ٥٦٢، إضافة إلى بقية معاجم اللغة في مادة (نجل).\n(٣) في (ج): (ان كليون). قيل إنه معرب من الرومية وليس من السريانية أي الآرامية، وأصله: (إثانْجَليُوم)؛ أي: الخبر الطيب. فمدلوله مدلول اسم الجنس؛ ولذ أدخلوا عليه كلمة التعريف في الرومية. وعربه العرب فأدخلوا عليه لام التعريف. ويرى ابن عاشور أن من ذهب إلى كونه منقول من السريانية، قد تكون العبارة اشتبهت عليه، وأن الصواب (اليونانية)؛ لأن فيها (أووَانَيْليُون) (أي: اللفظ الفصيح. انظر: \"التحرير والتنوير\" لابن عاشور: ٣/ ١٤٩.\n(٤) وممن ذهب إلى أن (الإنجيل) و(التوراة) اسمان أعجميان: الزمخشري، والجواليقي، والنسفي، وابن جزي، والبيضاوي، وأبو السعود، والسمين الحلبي، والطاهر بن عاشور. قال الزمخشري: (وتكلف اشتقاقهما من (الوَرْي) و(النَّجْل)، ووزنهما بـ (تفعلة)، و(إفعيل)، إنما يصح بعد كونهما عربيين). \"الكشاف\" ١/ ٤١٠. وانظر: \"المعرب\" للجواليقي: ١٢٣، \"تفسير النسفي\" ١/ ١٤١، \"تفسير ابن جزي\" ٧٣، \"تفسير البيضاوي\" ١/ ٦٢، \"تفسير أبي السعود\" ٢/ ٤، \"عمدة الحفاظ\" للسمين: ٥٦٢، \"التحرير والتنوير\" ٣/ ١٤٩. وقد استدل بعضهم بقراءة الحسن: (والأَنجيل) بفتح الهمزة، على أنه أعجمي؛ لأنه ليس =","vol":"5","page":28},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-509>٤ </span>- وقوله تعالى: ﴿وَأَنزَلَ اَلفُرْقَانَ﴾. أي: ما فرق بين الحق والباطل (١). قال ابن عباس في رواية عطاء (٢): يريد به جميع الكتب؛ لأنه فرّق فيها بين الحق والباطل (٣).\nوقال السُّدِّي (٤): في هذه الآية تقديم وتأخير، وتقديرها: ونَزَّلَ التوراة والإنجيل وأنزل الفرقان؛ هُدًى للناس.\nوقوله تعالى: ﴿ذُو انْتِقَامٍ﴾ أي: مِمَّن كَفَرَ به، (لأن) (٥) ذِكْرَ الكافرين جرى ههنا.\nوالانتقام: العقوبَة. يقال: (انتقم منه انتقامًا)؛ أي: عاقبه (٦).\n_________\n= في أبنية العرب (أفعيل). انظر: \"الزاهر\" ١/ ١٦٩، \"البحر المحيط\" ٢/ ٣٧٨، \"اللسان\" ٧/ ٤٣٥٦ (نجل).\n(١) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج: ١/ ٣٧٥، \"معاني القرآن\" للنحاس: ١/ ٣٤٣، \"تفسير البغوي\" ٢/ ٦.\n(٢) لم أقف على مصدر هذه الرواية عنه.\n(٣) إضافة إلى هذا القول، فقد وردت الأقوال التالية في (الفرقان): أنه القرآن، وهو قول: قتادة والربيع وعطاء ومجاهد ومِقْسم والجمهور. أنه مصدر لكل ما يفرق بين الحق والباطل في أمر عيسى ﵇، وغير ذلك من أموره. وهو قول محمد بن جعفر ابن الزبير، ورجحه الطبريُّ؛ محتَجًّا بتقدم ذِكْر القرآن في آية: ٣. من هذه السورة، فلا داعي لإعادته. أنه التوراة، وهو قول أبي صالح، ورَدَّه ابن كثير؛ نظرًا لِتقدم ذِكْر التوراة أنه خواتيم سورة البقرة، قاله سعيد بن جبير.\nانظر: \"تفسير الطبري\" ٣/ ١٦٧، \"معاني القرآن\" للزجاج: ١/ ٣٧٥، \"تفسير ابن أبي حاتم\" ٢/ ٥٨٨، \"معاني القرآن\" للنحاس: ١/ ٣٤٣، \"تفسير البغوي\" ٢/ ٦، \"زاد المسير\" ١/ ٣٥٠، \"تفسير ابن كثير\" ١/ ٣٦٩.\n(٤) قوله في \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٥، \"تفسير البغوي\" ٢/ ٦، \"زاد المسير\" ١/ ٣٥٠.\n(٥) في (أ): (لال). والمثبت من: (ب)، (ج)، (د).\n(٦) انظر: (نقم) في \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٦٥٤، \"الصحاح\" ٥/ ٢٠٤٥، \"مفردات ألفاظ القرآن\" للراغب (تحقيق عدنان داودي): ٨٢٢.","vol":"5","page":29},{"text":"وقال اللَّيْث (١): يقال: (لَمْ أرْضَ منه حتى نَقِمتُ، وانتقمْتُ): إذا كافأه؛ عقوبةً بما صنع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-510>٦ </span>- قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ﴾ (٢). التصويرُ: جعل الشيء على صورةٍ. والصورة: هيئة يكون (٣) عليها الشيء بالتأليف.\nوأصلها مِن: (صارَه، يَصُوره): إذا أماله (٤). فهي صورَةٌ؛ لأنها مائلة إلى بِنْيَةٍ بالشَبَه لها.\nوقوله تعالى: ﴿فِي الْأَرْحَامِ﴾. جَمْعُ رَحِم. وأصلها مِنَ: الرَّحْمَة (٥)؛ وذلك لأنها مما يُتَراحم بالاشتراك فيها، ويُتَعاطف.\nوقوله تعالى: ﴿كَيْفَ يَشَاءُ﴾. أي: ذكرًا (و) (٦) أنثى؛ قصيرًا وطويلًا؛ أسودَ وأبيض؛ سعيدًا وشقِيًّا. ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ﴾ في مُلْكه، ﴿الْحَكِيمُ﴾\n_________\n(١) قوله في \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٦٥٤ (نقم).\n(٢) لم يتعرض المؤلف لتفسير آية: ٥.\n(٣) في (أ): (تلون). (ج) يلون. والمثبت من: (ب)، (د).\n(٤) يقال: (صارَهُ يَصُورُه، ويَصِيرُه) انظر: \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٩٥٨ (صار)، \"غريب الحديث\" لأبي عبيد بن سلّام: ٢/ ٣٠٩، \"اللسان\" ٤/ ٢٥٢٤.\n(٥) انظر: \"مفردات ألفاظ القرآن\" للراغب (تحقيق عدنان داودي): ٣٤٧. وورد في الحديث: (قال الله: أنا الله، وأنا الرحمن، خَلَقْت الرَّحِمَ، وشَقَقْت لها اسمًا من اسمي، فَمَن وَصَلَها وصَلْتُه، ومَنْ قَطَعَها بَتَتُّه). أخرجه الترمذي في \"السنن\" رقم (١٩٠٧) كتاب: البر والصلة، باب: ما جاء في قطيعة الرحم، وقال الترمذي: (حديث صحيح)، والحاكم في \"المستدرك\" ٤/ ١٥٧. وصححه، ووافقه الذهبي، وأحمد في \"المسند\" ١/ ١٩٤. وعند البزار: (أنا الرحمن الرحيم، وإني شققت الرَّحِمَ من اسمي ..). انظر: \"كشف الأستار عن زوائد البزار\": ٢/ ٣٧٩، تحقيق الأعظمي، وقال عنه الهيثمي: (وإسناده حسن). \"مجمع الزوائد\" ٨/ ١٥١.\n(٦) في (ج): (أو). وكذا كُتِبت (أو) بدلا من (و) في (ج) فيما بعدها.","vol":"5","page":30},{"text":"في خَلْقِه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-511>٧ </span>- قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ﴾ إلى قوله: ﴿مُتَشَابِهَاتٌ﴾ اختلف المفسرون في المُحْكَمِ والمُتَشابِه.\nواختلفت (فيهما) (١) الروايات عن ابن عبّاس، فقال في روايةِ عَطِيّة: المُحْكَم: الناسخ الذي يُعمل به. والمُتشابه: المَنْسُوخُ الذي يُؤمَنُ به، ولا يُعمل [به] (٢). وهذا قول قتادة، والربيع (٣).\nوقال في رواية عطاء: المُحْكَمَات: (هي) (٤) الثلاثُ (الآيات) (٥) في (آخر) (٦) سورة الأنعام: ﴿قُلْ تَعَالَوْا﴾ [الأنعام: ١٥١]، إلى آخر الآيات\n_________\n(١) في (ج): (فيها).\n(٢) ما بين المعقوفين: زيادة من: (ج).\nوهذا الأثر عن ابن عباس من رواية عَطِية، في \"تفسير الطبري\" ٣/ ١٧٢، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ٥/ ب، \"الدر المنثور\" للسيوطي: ٣/ ٨. وسند هذا الأثر عن ابن عباس من طريق عطية قال عنه الشيخ أحمد شاكر: (إسنادٌ مُسَلْسَلٌ بالضعفاء). انظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ٢٦٣ هامش (١) (ط. شاكر)، وقد تكلم على السَّنَدِ بإسهاب. وانظر كذلك السندَ، في \"تفسير الثعلبي\" ١/ ٤ أ. وقد أخرج الطبريُ أثرًا آخرَ عن ابن عباس، في نفس المعنى من رواية السُّدِّي الكبير، عن أبي مالك، وأبي صالح، عن ابن عباس. انظر: \"تفسير الطبري\" ٣/ ١٧٢، وانظر تعليق الشيخ أحمد شاكر على سنده، في: ١/ ١٥٦ - ١٦٠ هامش (٢) (ط. شاكر).\n(٣) انظر الأثر عنهما في \"تفسير القرآن\" لعبد الرزاق الصنعاني (تحقيق د. مصطفى مسلم): ١/ ١١٥، \"تفسير الطبري\" ٣/ ١٧٢، \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٥ ب، \"تفسير البغوي\" ١/ ١٧، \" المحرر الوجيز\" ٣/ ١٧ - ١٨.\n(٤) (هي): ساقطة من: (ج).\n(٥) في (ب): (آيات).\n(٦) في (ج): (أواخر).","vol":"5","page":31},{"text":"الثلاث (١).\n﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ يريد: (التي) (٢) تشابهت اليهود؛ وهي حُرُوف التَّهَجِّي في أوائل السُّوَرِ؛ وذلك أنهم أوَّلُوها على حِسَابِ الجُمَّلِ، وطلبوا أن يَسْتَخرِجوا منها مُدَّة بقاء هذه الأمَّةِ، فاختلط عليهم واشْتَبَه (٣).\n_________\n(١) لم أجد هذا الأثر عن ابن عباس من رواية عطاء فيما رجعت إليه من مصادر، وإنما الوارد عنه هو من رواية أبي إسحاق السبيعي، عن عبد الله بن قيس. وقد أخرجه الحاكم في \"المستدرك\" ٢/ ٢٨٨، وصححه، ووافقه الذهبي، وأخرجه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٢/ ٥٩٢ كما أورده السيوطيُّ في \"الدر المنثور\" ٢/ ٦، وعزا إخراجه لسعيد بن منصور، وابن مردوية وورد من نفس الطريق بلفظ آخر: (قال: هي الثلاث الآيات، مِنْ ههنا: ﴿قُلْ تَعَالَوْا﴾ [الأنعام: ١٥١]، إلى ثلاث آيات، والتي في (بني إسرائيل): ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣] إلى آخر الآيات). أخرجه الطبريُّ في \"تفسيره\" ٣/ ١٧٢، وابن أبي حاتم ٢/ ٥٩٢، والثعلبي ٣/ ٥/ ب، من رواية أبي إسحاق.\nوأورده السيوطيُّ في \"الدر المنثور\" ٢/ ٦ وزاد نسبة إخراجه لعبد بن حميد، وابن المنذر. وانظر: \"الإتقان\" له: ٣/ ٥. وقال ابن عطية فى \"المحرر الوجيز\" ٣/ ١٧ - ١٨: (وهذا عندي مِثالٌ أعطاه في المُحكَمَات).\n(٢) في (ج): (الذي).\n(٣) موقف اليهود من حروف أوائل السور، ورد في أثر طويل رواه محمد بن إسحاق، عن الكَلْبِيُّ، عن أبي صالح، عن ابن عباس، عن جابر بن عبد الله، وروايته له بصيغة التمريض؛ حيث قال: (.. فيما ذُكر لي عن عبد الله بن عباس، وجابر بن عبد الله ..). انظر: \"سيرة ابن هشام\" ٢/ ١٧٠ - ١٧١. فسنده ضعيف لِمَا فيه مِنْ مجهول. وأخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٣/ ١٧٤، وقال عنه الشيخ أحمد شاكر: (ضعيف الإسناد). وقد أورد شاكر أسانيد هذا الأثر وبَيَّن اضطرابَها، ثم قال: (وعندي أن هذا الاضطراب، إنما هو من ابن إسحاق، أو لَعَلَّه رواهُ بهذه الأسانيد كمَا سَمِعَه، وكلها ضعيف مضطرب). \"تفسير الطبري\" ١/ ١٧٩ (ط. شاكر). وأورده الثعلبي في \"تفسيره\" ٣/ ٦ ب، وابن كثير في \"تفسيره\" ١/ ٣٧٠، وقال عنه: (مداره=","vol":"5","page":32},{"text":"وهذا القول، اختيار الفرّاء (١).\nوقال في رواية الوالبي (٢): محكمات القرآن: ما فيه من الحلال\n_________\n= على محمد بن السائب الكلبي، وهو مِمَّن لا يُحتج بما انفرد به). وأورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ٢/ ٨، وأشار إلى ضعفه، والشوكانى في \"فتح القدير\" ١/ ٤٨٠ وَرَدَّه هذا وقد استدل الطبري بهذه الرواية على أن هذه الحروف هي من حساب الجُمّل، مع أن الرواية التي أوردها مدارها على الكلبي، الذي ضعفه الطبري نفسُهُ، وعدّه ممن لا يجوز الاحتجاج بنقله. وقال عنه ابن تيمية: (فهذا نقلٌ باطلٌ)، وبيَّن بطلانَه من ثلاثة وجوه، منها: أنه من رواية الكلبي. وقال ابن كثير: (وأمّا مَنْ زَعَم أنها دالَةٌ على معرفة المُدَدِ، وأنه يُستخرجُ من ذلك أوقاتُ الحوادث والفِتَنِ والمَلاحِمِ، فقد ادّعَى ما ليس له، وطار في غير مطاره)، ثم قال: (كان مقتضى هذا المسلك إن كان صحيحًا أن يُحسب ما لكل حرف من الحروف الأربعة عشر التي ذكرناها، وذلك يبلغ منه جملة كثيرة، وإنْ حُسِبت مع التكرار فأطم وأعظم). انظر: \"تفسير الطبري\" ٣/ ١٧٥، \"تفسير سورة الإخلاص\" لابن تيمية: ١٩١. \"تفسير ابن كثير\" ١/ ٣٧٠.\n(١) في \"معاني القرآن\" له ١/ ١٩٠.\n(٢) يريد المؤلف بـ (الوالبي) والله أعلم: علي بن أبي طلحة، الراوي عن ابن عباس، وهكذا سماه الثعلبي شيخ المؤلف في مقدمة تفسيره \"الكشف والبيان\" ١/ ٥ أ، وساق سنده إليه، فقال: (.. أن معاوية بن صالح حدثه عن علي بن طلحة [هكذا في المخطوط، والصواب: ابن أبي طلحة] الوالبي، عن ابن عباس)، وهو نفس السند الذي روى به ابن أبي طلحة التفسير عن ابن عباس، وهو نفس السند الذي جاءت به هذه الرواية عنه في هذا الموضع في \"تفسير الطبري\" \"تفسير ابن أبي حاتم\". ولم أقف في المصادر التي رجعت إليها، على مَنْ سَمَّاه بـ (الوالبي) سوى الثعلبي والواحدي، والزركشي في \"البرهان\" ٢/ ١٥٨.\nوهو: علي بن أبي طلحة \"سالم\" بن المخارق الهاشمي، أبو الحسن. أرسل عن ابن عباس ولم يره، عالم بالتفسير، رواه عن ابن عباس مرسلًا، والواسطة بينهما مجاهد، أو سعيد بن جبير. وتُعَدُّ هذه الطريقة إلى ابن عباس في التفسير من أقوى=","vol":"5","page":33},{"text":"والحرام، والحُدُود والفرائض، مِمّا يُعمل به. والمتشابهات: مُقَدَّمُه ومُؤَخَّرُه، وأمثالُهُ وأقسامه، وما يُؤمَنُ به (ولا يُعمل به) (١).\nوقال ابن كَيْسَان (٢): المُحْكَمَات: حُجَجُها واضحةٌ، ودَلائِلُها لائحة، (لا) (٣) حاجة بمن سمعها إلى طلب معانيها. والمتشابه: ما يُدرَك عِلْمُهُ بالنظر. وهذا القول؛ اختيار أبي إسحاق؛ لأنه حكى هذا القول، وقال (٤): معنى ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾: أي: أُحكِمت في الإبانة، فإذا سمعها السامعُ لَمْ يَحْتَجْ إلى تأويلها؛ لأنها ظاهرة بَيِّنةٌ؛ نحو: ما قَصّ اللهُ تعالى مِنْ\n_________\n= الطرق إليه. واعتمد عليها البخاريُّ في صحيحه قال الإمام أحمد: (بمصر صحيفة تفسير رواها علي بن أبي طلحة، لو رحل رجل فيها إلى مصر قاصدًا، ما كان كثيرًا) مات سنة (١٤٣هـ). انظر: \"الجرح والتعديل\" ٦/ ١٩١، و\"المراسيل\" ١٤٠، و\"تاريخ بغداد\" ١١/ ٤٢٨، و\"ميزان الاعتدال\" ٣/ ١٤٣، و\"تهذيب التهذيب\" ٧/ ٣٣٩، و\"الإتقان\" ٢/ ٤١٤ - ٤١٥.\n(١) في (ج): (وما لم يُعمل به) والأثر أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٣/ ١٧٢، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٢/ ٥٩٣، والبغوي في \"تفسيره\" ٢/ ٨. وأورده السيوطى في \"الدر\" ٢/ ٩، وزاد نسبة إخراجه كذلك لابن المنذر، وأورده كذلك في: \"الإتقان\": ٣/ ٤.\n(٢) قوله في \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٦ ب، وأورده بالمعنى النحاسُ في \"معاني القرآن\" له: ١/ ٣٤٥. وابن كسيان، أكثر من واحد، وهو هنا: عبد الرحمن بن كيسان، أبو بكر الأصم المعتزلي. كان من أفصح الناس، وأورعهم، وأفقههم، وله تفسير للقرآن، وكتب كثيرة ذكرها ابن النديم. قال ابن حجر: (هو من طبقة أبي الهذيل العلاف، وأقدم منه)، توفي سنة (٢٠٠ هـ)، وقيل: (٢٠١ هـ). وقد نَصّ الثعلبيُّ على اسمه في مقدمة تفسيره \"الكشف والبيان\" وجعله من مصادره، وعليه اعتمد الواحديُّ. انظر: \"الفهرست\" لابن النديم: ١٢٠، \"لسان الميزان\" لابن حجر: ٤/ ٢٨٨، \"طبقات المفسرين\" للداودي: ١/ ٢٧٤، \"تفسير الثعلبي\" (المقدمة) ١/ ١٠.\n(٣) في (ج): (ولا).\n(٤) في \"معاني القرآن وإعرابه\" له: ١/ ٣٧٦. نقله عنه باختصار وتصرف يسير.","vol":"5","page":34},{"text":"أقاصيص الأنبياء، مِمّا اعترف به أهلُ الكِتَاب، وما أخبر اللهُ جلّ وعزَّ به مِنْ إنشاءِ الخَلْقِ، في قوله: ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً﴾ [المؤمنون: ١٤] الآية. ومِنْ خَلْقِهِ مِنَ الماءِ (كلَّ) (١) شيءٍ (حَيٍّ) (٢)، وما خلق مِنَ الثمار، وهذا (ما) (٣) لَمْ يُنْكِروا، (وأنكروا) (٤) ما احتاجوا فيه إلى النَّظَرِ مِنْ أنَّ اللهَ يبعثهم بعد أنْ يَصِيروا تُرابًا، (ولُوْ نَظَرُوا وتَدَبَّروا) (٥) لَصَارَ المُتَشابِهُ عندهم كالظاهر؛ لأنَّ مَنْ قَدَرَ على الإنشاء أوّلًا، قَدَرَ على الإعادَةِ.\nوقد نَبَّهَ اللهُ تعالى بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا﴾ [يونس: ٧٩].\nوقال محمد بن جعفر بن الزبير (٦): المُحْكَم: ما لا يَحْتَمِل مِنَ التأويل غير وَجْهٍ واحدٍ. والمُتَشابه: ما احتمل من التأويل أوجُهًا (٧). وهذا\n_________\n(١) في (ج): (كل كل).\n(٢) (حي): ساقطة من: (د).\n(٣) في (ب): (مما).\n(٤) في (ج): (ولو أنكروا).\n(٥) (ولو نظروا وتدبروا): ساقطة من: (ج).\n(٦) هو: محمد بن جعفر بن الزبير بن العوام الأسدي المدني. من أتباع التابعين، كان من فقهاء أهل المدينة، ثقة، مات ما بين (١١٠ هـ و١٢ هـ). انظر: \"الجرح والتعديل\" ٧/ ٢٢١، \"تهذيب التهذيب\" ٣/ ٥٣٠، \"تقريب التهذيب\" ص ٤٧١ (٥٧٨٢).\n(٧) هذا معنى كلام محمد بن جعفر، ذكره: الطبري في \"تفسيره\" ٣/ ١٧٣، ولفظه عنده من رواية محمد بن إسحاق: (قال: حدثني محمد بن جعفر بن الزبير: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾: فيهن حُجَّةُ الرَّبِّ، وعصمةُ العباد، ودفعُ الخصوم والباطل؛ ليس لها تصريف ولا تحريف عما وُضِعت عليه. ﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾: في الصدق؛ لَهُنَّ تصريفٌ وتحريف وتأويل، ابتلى اللهُ فيهن العبادَ، كما ابتلاهم في الحلال والحرام؛ لا يُصرَفْنَ إلى الباطل، ولا يُحرفن عن الحق).=","vol":"5","page":35},{"text":"اختيار ابن الأنباري، وكثيرٍ مِنَ العلماء (١).\n[و] (٢) قال ابن الأنباري (٣): الآية المُحْكَمَةُ: التي مَنَعَتْ كَثْرَةَ التأويلات؛ لأنها لا تَحْتَمِلُ إلّا تفسيرًا واحدا.\nوالعرب تقول (٤): (حَكَمتُ) و(أحكمتُ) و(حَكَّمْتُ)؛ بمعنى: (رَدَدْت) (٥)، ومَنَعْتُ. والحاكم يَمْنَعُ (الظالمَ) (٦) من الظُلْم.\nقال الأصمعي (٧): وأصلُ الحُكُومَةِ: رَدُّ الرَّجُلِ عَنِ الظُّلْمِ، ومِنْهُ قولُ لَبِيد:\nأَحْكَمَ الجِنْثِيَّ مِنْ عَوْراتِها ... كُلُّ حِرْباءٍ إذا أُكْرِهَ صَلْ (٨)\n_________\n= وانظر: \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٦ أ، \"تفسير البغوي\" ٢/ ٨، \"تفسير القرطبي\" ٤/ ١٠، \"الدر المنثور\" ٢/ ٧. وقال ابنُ عَطيَّة في \"المحرر الوجيز\" ٣/ ١٨: (وهذا أحسن الأقوال في هذه الآية).\n(١) ونسبه الماورديُّ، وابنُ الجوزي للشافعي ﵀. انظر: \"النكت والعيون\" ١/ ٣٦٩، \"زاد المسير\" ١/ ٣٨١.\n(٢) ما بين المعقوفين: زيادة من: (ج).\n(٣) لم أقف على مصدر قوله.\n(٤) من قوله: (والعرب ..) إلى نهاية بيت الشعر: (.. أحكموا سفهاءكم): نقله بتصرف واختصار عن \"تهذيب اللغة\" للأزهري: ١/ ٨٨٦.\n(٥) في (أ): رَدّدت. والمثبت من: بقية النسخ، ومن \"التهذيب\".\n(٦) في (ج): (الظلم).\n(٧) قوله: في \"جمهرة اللغة\" لابن دريد: ١/ ١٤٣ (أبواب النوادر)، وفي \"تهذيب اللغة\" كما سبق.\n(٨) البيت في \"ديوان لبيد\" ١٩٢. وقد ورد منسوبًا له، في: كتاب \"المعاني الكبير\" لابن قتيبة: ٢/ ١٠٣٠، \"جمهرة اللغة\" لابن دريد: ١/ ١٤٣، \"تهذيب اللغة\" ١/ ٨٨٦ (حكم)، \"شرح الأبيات المشكلة الإعراب\" للفارسي: ٥٤١، \"الصحاح\" ١/ ١٠٩ (حرب)، \"مجمل اللغة\" لابن فارس: ١/ ١٩٩ (جنث)، \"اللسان\" ١/ ٣٠٦ =","vol":"5","page":36},{"text":"قال: (الجِنْثِيّ): السَّيْف (١)؛ أي: ردَّ السيفَ عن (٢) عوراتِ (الدرع) (٣) (وهي) (٤) فُرَجُها، كلُّ حِرْباءٍ وهُوَ المِسْمَارُ الذي يُسَمَّرُ به حَلَقُها (٥).\nومِنْهُ حديثُ النَّخَعِيِّ: (حَكّمْ اليتيمَ كما تُحَكِّم وَلَدكَ) (٦)، أي: امنعه من الفَسَاد (٧).\n_________\n= (حرب)، ١٢/ ١٤١ (حكم). وورد غير منسوب في \"المخصص\" لابن سيده: ١٢/ ٢٤٠.\nوللبيت رواية ثانية: برفع (الجِنْثِيُّ)، ونصب (كلَّ). ومعنى (إذا أكرِهَ صَلّ): إذا أكره لِيُدْخَلَ في الحِلَقِ، سمعت له صليلًا. وعلى الرواية الثانية، يكون معنى الإحكام في البيت: إحكام الصنعة، و(الجِنْثِي): الزَّرَّاد (الحداد)؛ أي: أحْكَمَ الزَّرَّادُ مساميرها. انظر: \"كتاب المعاني الكبير\" ٢/ ١٠٣٠، \"شرح الأبيات المشكلة\" ٥٤١، \"جمهرة اللغة\" ٣/ ١٣٢٢.\n(١) في \"القاموس\" (الجُنْثي بالضم: السيف، والزَّرَّاد، وأجود الحديد، ويُكسر). ص ١٦٦ (جنث)، وانظر: \"مجمل اللغة\" ١/ ١٩٩ (جنث).\n(٢) في (ب): (من).\n(٣) في (ج): (الدروع).\n(٤) في (ب): (وهو).\n(٥) انظر: (حرب) في \"الصحاح\" ١/ ١٠٨، \"اللسان\" ٢/ ٨١٨.\n(٦) الأثر في \"غريب الحديث\" لأبي عبيد: ٢/ ٢٤٠، وقال: (حدثنيه ابنُ مهدي، عن سفيان، عن منصور، عن إبراهيم ..)، \"تهذيب اللغة\" ١/ ٨٨٦، \"الفائق في غريب الحديث\" للزمخشري: ١/ ٣٠٣، \"غريب الحديث\" لابن الجوزي: ١/ ٢٣١، \"النهاية في غريب الحديث\" لابن الأثير: ١/ ٤٢٠.\n(٧) وقيل: حكمه في ماله ومِلْكِهِ إذا صَلَح، كما تحَكِّم وَلدَكَ في مِلْكه. ولم يرتض الأزهريُّ هذا المعنى، ورجح المعنى السابق. انظر: \"تهذيب اللغة\" ١/ ٨٨٦ (حكم)، \"الزاهر\" لابن الأنباري: ١/ ٥٠٣، \"النهاية في غريب الحديث\" ١/ ٤٢٠، والمراجع السابقة.","vol":"5","page":37},{"text":"وقال جرير:\n.. أَحْكِمُوا (١) سُفهاءَكُمْ (٢) ...\nيقول: امنعوهم (٣) من التَعرُّض.\nقال أبو بكر (٤): والمُتَشَابِهُ، ما اعتَوَرَتْهُ تأويلات. وسُمِّيَ مُتشابهًا؛ لأن لفظَهُ يُشْبِهُ لفظَ غيره، ومعناه يخالف معناه.\nوقال بعضهم (٥): المُحْكَمُ: ما عرفَ العلماءُ تأويلَهُ، وفهموا معناه. والمتشابه: ما ليس لأحدٍ إلى عِلْمِهِ سبيلٌ، مِمَّا استأثرَ اللهُ بِعِلْمِهِ؛ وذلك نحو: وقت خروج يأجوج ومأجوج، وخروج الدجّال، ونزول عيسى، وقيام الساعة، وعِلْم الرُّوح.\nويُسْأَلُ (فيقال) (٦): ماذا (٧) أراد اللهُ بإنزال المُتشابِهِ في القرآن؛ وأراد\n_________\n(١) في (ج): (حكموا).\n(٢) البيت في: ديوانه: ٤٧. وتمامه:\nأَبنِي حَنِيفَةَ أحْكِمُوا سُفَهاءَكمْ ... إنِّي أخافُ عليكُمُ أنْ أغْضَبَا\nوقد ورد منسوبًا له، في \"غريب الحديث\" لأبي عبيد: ٢/ ٤٢١، \"الكامل\" للمبرد: ٣/ ٢٦، \"الزاهر\" ١/ ٥٠٣، ومادة (حكم) في \"تهذيب اللغة\" ١/ ٨٨٦، \"الصحاح\" ٥/ ١٩٠٢، \"مجمل اللغة\" ١/ ٢٤٦، \"أساس البلاغة\" للزمخشري: ١/ ١٩١، \"اللسان\" ٢/ ٩٥٣. وورد غير منسوب، في \"غريب الحديث\" للخطابي: ٢/ ٤٦٢، \"الفائق\" للزمخشري: ١/ ٣٠٣. وقد وردت روايته في \"الكامل\" (أبني حنيفة نَهْنِهُو).\n(٣) في (ج): (امنعوا السفهاء).\n(٤) هو ابن الأنباري، ولم أقف على مصدر قوله.\n(٥) من قوله: (وقال ..) إلى (.. وعلم الروح): نقله بتصرف يسير عن \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٦ أ، كما أن هذا القول موجود في \"تفسير الطبري\" ٣/ ١٧٣، مع اختلاف يسير جدًّا، إلا أن سياق المؤلف له أقرب إلى سياق الثعلبي.\n(٦) في (د): (فيقول).\n(٧) من قوله: (ماذا ..) إلى (.. يقع العجز والبلادة): نقله عن \"تأويل مشكل القرآن\" لابن قتيبة: ٨٦.","vol":"5","page":38},{"text":"بالقرآن لِعِبادِهِ الهُدَى والبيان؟ فيقال: إنَّ القرآن نَزَلَ بألفاظِ العَرَبِ ومذاهبها في: الإيجاز؛ (للاختصار) (١)، والإطالَةِ؛ (للتوكيد) (٢)، والإشارة إلى الشيء، واغماض بعض المعاني؛ حتى لا يظهر عليه إلا اللَقِن (٣). ولو كانَ القرآنُ كلُّهُ ظاهرًا مكشوفًا، حتى يستوي في معرفته العالمُ والجاهلُ، لَبَطَلَ التفاضُلُ بين الناس، وسقطت المِحْنَةُ، وماتت الخواطرُ. ومَعَ الحاجَةِ تَقَعُ الفِكْرةُ (٤) والحِيلَةُ، ومع الكفاية يقع العَجْزُ والبَلاَدَةُ (٥).\nوأصل التشابه (٦): أن يُشْبِهَ اللفظُ اللّفظَ في (الظاهر) (٧)، والمَعْنَيَانِ مُخْتَلِفان. قال اللهُ ﷿ في وَصْفِ ثِمَارِ الجَنَّةِ: ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾ [البقرة: ٢٥]؛ أي: مُتَّفِقَ المَنَاظِرِ، [و] (٨) مُخْتَلِفَ الطُعُوم (٩).\n_________\n(١) في (د)، \"وتأويل المشكل\": (والاختصار).\n(٢) في \"تأويل المشكل\": (والتوكيد).\n(٣) في (د): (الكفر). واللَّقِن، هو: سريع الفهم. انظر: \"القاموس\" ص ١٢٣٢١ (لقن).\n(٤) في (ج): (النكر).\n(٥) انظر الحكمة في ورود المحكم والمتشابه في القرآن، في \"الكشاف\" ١/ ٤١٢، \"تفسير الفخر الرازي\" ٧/ ١٨٥ - ١٨٦، \"البرهان في علوم القرآن\" للزركشي: ٢/ ٧٥، \"الفوائد الجميلة على الآيات الجليلة\" للرجراجي: ١٦١، \"أقاويل الثقات في تأويل الأسماء والصفات\" للكرمي: ٥٠، \"نور من القرآن\" لعبد الوهاب خلاف: ٦٧، \"علوم القرآن\" د. عدنان زرزور: ١٧٧، \"الناسخ والمنسوخ بين الإثبات والنفي\" لعبد المتعال الجبري: ١٣٥.\n(٦) من قوله: (وأصل التشابه ..) إلى (.. وإن لم يكن غموضه من هذه الجهة، مشكل): نقله بتصرف واختصار يسيرين عن \"تأويل مشكل القرآن\" ١٠١ - ١٠٢.\n(٧) (الظاهر): ساقطة من: (ج).\n(٨) ما بين المعقوفين: زيادة من: (ج).\n(٩) ممن قال هذا: ابن مسعود، وابن عباس، ومجاهد، والحسن، والربيع، وغيرهم.=","vol":"5","page":39},{"text":"ثم يقال لكل ما غَمُضَ ودَقّ: (مُتشابهٌ)، وإنْ لم تقع الحَيْرَةُ فيه، مِنْ جِهَةِ (الشَّبَهِ) (١) بغيره ألا تَرَى أنه قد قيل للحروف المقَطَّعَةِ في أوائل السُّوَر: متشابهة؟ (وليس) (٢) الشكُّ (٣) فيها. والوقوف فيها؛ لمشاكَلَتِها غيرَهَا والتباسِها به. ومثل المتشابه: المُشكِلُ.\nواعلَمْ (٤) أنَّ القرآن كُلَّهُ محكَمٌ مِنْ وَجْهٍ؛ على معنى: أنه (حقٌّ) (٥) ثابت (٦). قال اللهُ تعالى: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾ [هود: ١]. ومُتَشابِهٌ مِنْ وَجْهٍ؛ وهو أن يشبه بعضه بعضًا في الحُسْنِ، ويُصدّق بَعْضُه بعضًا (٧)، وهو قوله تعالى: ﴿كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾ (٨) [الزمر: ٢٣].\n_________\n= انظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ١٧٣، \"تفسير القرطبي\" ١/ ٢٠٦،\"تفسير غريب القرآن\" لابن قتيبة: ٢٦، \"تفسير المشكل\" لمكي: ٢٥، \"تذكرة الأريب في تفسير الغريب\" لابن الجوزي: ١/ ٥٣، \"عمدة الحفاظ\" للسمين الحلبي: ٢٥٩.\n(١) في (ج): (الشيء).\n(٢) في (ج): (ولبس).\n(٣) قوله: (الشك ..) إلى (ومثل المتشابه): ساقط من: (ج).\n(٤) من قوله: (واعلم ..) إلى (.. ويصدق بعضه بعضا) نقله عن \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٦ب.\n(٥) (حق): ساقطة من: (ج).\n(٦) تدور معاني الإحكام العام هنا على المعنى اللغوي للكلمة، أي: بمعنى الاتقان، والتدعيم، ومنع تطرق الخلل إلى ألفاظه وأساليبه ومعانيه؛ فهو محكم الألفاظ، لا يعتريها خلل ولا خطأ؛ ومحكم الأساليب، لا يعتورها رِكَّةٌ ولا تعقيد؛ ومحكم المعاني، فكلها حق ورسوخ، وثبات.\n(٧) قوله: (في الحسن ويصدق بعضه بعضًا): ساقط من: (ج).\n(٨) قال ابن العربي: (وأما كونه متشابها) فبمعنى واحد، وهو ما وصفناه من الأحكام الذي يجري في جميع سوره وآياته). \"قانون التأويل\" له: ٦٦٥. ويقول: \"والمعنى الذي صار به القرآن كله محكما، بذلك المعنى، صار كله متشابهًا). المرجع السابق: ٦٦٥. ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (فالتشابه هنا: تماثل الكلام، وتناسبه؛ بحيث يصدق بعضه بعضًا. فالإحكام العام في معنى التشابه العام، بخلاف الإحكام الخاص والتشابه الخاص؛ فإنهما متنافيان). ذكره ابن الوزير في \"إيثار الحق على الخلق\" ٩٢. وانظر في هذا المعنى: \"الرسالة التدميرية\" لابن تيمية: ٦٥، \"القائد إلى تصحيح العقائد\"، لعبد الرحمن المعلمي: ١٦١، \"ترجيح أساليب القرآن على أساليب اليونان\" لابن الوزير: ١٢٤، \"أقاويل الثقات\"، للكرمي: ٤٨.","vol":"5","page":40},{"text":"وقوله تعالى: ﴿هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾. أي: أصل الكتاب الذي يُعْمَل عليه (١). فَمَنْ جَعَلَ (المُحْكَمَات): الآيات الثلاث في (الأنعام)، قال: يريد: هُنّ أم كلِّ كِتَابٍ أنزله الله على نَبِيٍّ، فيهن كلُّ ما أحلّ، وفيهن كلُّ ما حرّم. ووحَّد (الأمَّ) بعد قوله: ﴿هُنَّ﴾؛ لأن (٢) الآياتِ كلَّها في تكامُلِها واجتماعها، كالآية الواحدة، وكلام الله واحد.\nوقال أبو العباس (٣): لأنهن بكمالِهِنَّ (أُمٌّ)، وليست كلُّ واحدِةٍ منهن (أُمَّ الكتاب)، على انفرادها.\nوقال الأخفش (٤): وَحَّدَ ﴿أُمُّ الْكِتَابِ﴾ بالحكاية؛ على تقدير الجواب؛ كأنه قيل (٥): ما أمُّ الكتاب؟ فقيل: هنّ أم الكتاب؛ كما تقول:\n_________\n(١) والعرب تطلق (الأم) على كلِّ ما جُعِلَ مُقَدَّما لأمْرٍ، وله توابعُ تَتْبَعُه، وكلِّ جامعٍ لأمْرٍ؛ ومِنْ ذلك: رايَةُ الجيش، والجِلْدَة التي تجمع الدِّمَاغ، وتسمى: (أم الرأس)، ومكة المكرمة، وتسمى: (أم القرى)؛ لِتقدمها أمام جميعها، أو لأن الأرض دُحِيت منها، فصارت لجميعها أمَّا .. وهكذا. انظر: \"تفسير الطبري\" ٣/ ١٧٠، \"الصحاح\" ٥/ ١٨٦٤ - ١٨٦٥ (أمم)، \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٥ أ.\n(٢) من قوله: (لأن ..) إلى (.. وكلام الله واحد): نقله بنصه عن \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٥ ب. وانظر: \"تفسير الطبري\" ٣/ ١٧٠.\n(٣) لم أقف على مصدر قوله.\n(٤) في \"معاني القرآن\" له: ١/ ١٩٣. نقله عنه بالمعنى.\n(٥) في (ج): (قيل له).","vol":"5","page":41},{"text":"مَنْ نَظِيرُ زيد؟ فيقول قومٌ: نحن نظيرُه (١)؛ كأنهم حَكَوا ذلك اللفظ. وهذا على قولهم (٢): دَعْنِى مِنْ (تَمْرَتان) (٣)؛ أي: مِمَّا يقالُ له (تمرتان).\nقال أبو بكر (٤): وقولُ الأخفش بِعيدٌ مِنَ الصواب في الآية؛ لأن الإضمار لمْ يَقُمْ عليه دليلٌ، ولم تَدْعُ إليه حاجةٌ. وقيل (٥): أراد: كل آية منهنّ أمُّ الكتاب؛ كما قال: ﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً﴾ [المؤمنون: ٥٠]؛ أي: كلُّ واحدٍ منهما آية (٦).\nقال العلماءُ، وأصحابُ المعاني: معنى قوله: ﴿هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ أي: أصلُ الكتاب الذي يُسْتَدَلُّ به على المتشابه وغيره مِنْ أمور الدين. فإذا وردت الآية المتشابهة رُدَّت إلى المحْكَمَةِ، فكانت المُحْكَمَةُ (٧) مُفَسِّرَةً لها، وقاضِيَةً على معناها.\nفـ ﴿أُمُّ الْكِتَابِ﴾ معناه: أصل الكتاب الذي ترجع إليه التأويلات، وتضم جميع المعاني، لأن الأم يرجع إليها بنوها فتضمهم.\n_________\n(١) العبارة في \"معاني القرآن\" للأخفش: (.. كما يقول الرجل: ما لي نصير. فيقول: نحن نصيرك).\n(٢) في (ج)، (د): (وعلى هذا قولهم).\n(٣) في (ب): تمراتان.\n(٤) لم أقف على مصدر قوله. وقد أورده السمين الحلبي في \"الدر المصون\" ٣/ ٢٦.\n(٥) هو قول ابن كيسان. انظر: \"معاني القرآن\" للنحاس: ١/ ٣٤٨.\n(٦) فعيسى ﵇ وأمَّه، مشتركان جميعا في الأمر العجيب الخارق للعادة، فهي قد جاءت به مِنْ غير زوج، وهو مِنْ غير أبٍ. فلم تكن الآيةُ لها إلّا بِهِ، ولا لَهُ إلّا بها. انظر: \"تفسير الطبري\" ٣/ ١٧١، \"معاني القرآن\" للنحاس: ١/ ٣٤٨، \"تفسير الفخر الرازي\" ٢٣/ ١٠٣.\n(٧) (فكانت المحكمة): ساقطة من: (د).","vol":"5","page":42},{"text":"مثال ما ذكرنا: قوله تعالى: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ [فاطر: ٣]. هذه آيةٌ (١) مُحْكَمَةٌ، لا تحتمل تأويلًا غير ظاهرها (٢)، لأن معناها: لا ينشئ الصُّوَرَ (٣)، ولا يُرَكِّبُ الأرواحَ في الأجسام غيره ﷿.\nوأما الآية المتشابهة: فقوله عزَّ ذِكْرُه: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤]؛ يقع هذا متنافيًا عند الجاهل؛ إذْ كان قالَ في ذلك الموضع: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ [فاطر: ٣]، وَجَعَلَ في (٤) هذا الموضع مع الله خالِقِين، فاحتجنا إلى رَدِّ هذه الآية، إلى الآية المحكمة؛ لِتَحْكُمَ (٥) عليها، فقلنا: قد نَفَت الآيةُ المُحْكَمة أن يكون مع الله تعالى خالق يُنْشئ وُيحْيي.\nووجدنا العربَ تجعل (الخَلْقَ) على مَعْنيَيْن: أحدهما: (الإنشاء)، والآخر: (التقدير). (٦) فنفت الآيةُ المُحْكَمة (الخَلْقَ) الذي بمعنى: (الإنشاء)، فبقي الذي معناه (٧): (التقدير). فَحَمَلْنا المُتشابِهَ عليه، وقلنا: تأويلُهُ: فتباركَ اللهُ أحْسَن المُقَدِّرِين؛ كما قال: ﴿وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا﴾\n_________\n(١) في (ب): (الآية).\n(٢) في (د): (غير ظاهر).\n(٣) في (د): (الصورة).\n(٤) (في) ساقطة من: (ج).\n(٥) في (ج): (ليحكم)، وفي (د): (لنحكم).\n(٦) انظر: \"الأضداد\" للأصمعي (ضمن ثلاثة كتب في الأضداد): ٥٥، \"تأويل مشكل القرآن \" ٥٠٧، \"تفسير أسماء الله الحسنى\" للزجاج: ٣٥، \"الزاهر\" ١/ ٨٤، \"تهذيب اللغة\"١/ ١٠٩٣، \"قاموس القرآن\" للدامغاني: ١٦٣، ١٦٤، \"مفردات ألفاظ القرآن\". للراغب: ٢٩٦ (خلق)، \"نزهة الأعين النواظر\" لابن الجوزي: ٢٨٣، \"اللسان\" ٢/ ١٢٤٣ (خلق).\n(٧) (الذي معناه): ساقط من: (ج).","vol":"5","page":43},{"text":"[العنكبوت: ١٧]، أي: ويُقَدِّرُون (١).\nومن هذا القَبِيل أيضًا، قولُه: ﴿لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾ [طه: ٥٢]؛ هذه مُحْكَمَةٌ لا تَحْتَمِل التأويلات. ثم قال: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧]؛ فَأَثْبَتَ في المُتَشَابِهِ (٢) ما نفاهُ في المحكمة؛ فكانت المُحْكَمة قاضيةً عليها؛ لأنا وجدنا النسيان في كلام العرب على مَعْنيَيْنِ: أحدهما: (الإغفال)، والآخر: (التَّعَمُّدُ والتَّرْكُ) (٣).\nفقلنا في قوله ﷿: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧]: تركوا (٤) العَمَلَ لله، فَتَرَكَ أنْ يُثِيبهم (٥)؛ فكان في المُحْكَمِ بَيانُ المُتَشابِهِ.\n_________\n(١) في (د): (وتعبدون). وفي \"تهذيب اللغة\" ١/ ١٠٩٣: (وتقدرون). وانظر: \"تفسير الطبري\"٢٠/ ١٣٧، \"تهذيب اللغة\" ١/ ١٠٩٣ (خلق)، \"تفسير أسماء الله الحسنى\" للزجاج: ٣٦، \"تفسير القرطبي\" ١٣/ ٣٣٥، \"لسان العرب\" ٢/ ١٢٤٣ (خلق)، \"تفسير أبي السعود\" ٧/ ٣٤، \"الدر المنثور\" ٦/ ٤٥٧، \"فتح القدير\" ٤/ ١٩٧. وقد سبق أن ذكر المؤلف عند تفسير آية: ٢١ من سورة البقرة: أن الخلق المنسوب لغير الله، إنما هو قياس وتشبيه وافتراء ومحاكاة وتقدير، على قدر قدره غيره، فخلق الله ذاتي، وخلق غيره على سبيل الاستعارة والتقدير.\n(٢) في (د): (المتشابهة).\n(٣) يعني أن النسيان، إما ترك الشيء عن غفلة وسهو وعدم ذكر، أو ترك الشيء مع التعمد. انظر: \"الأضداد\" لابن الأنباري: ٣٩٩، \"الأضداد\" لأبي حاتم السجستاني (ضمن ثلاثة كتب في \"الأضداد\" ١٥٦، \"قاموس القرآن\" للدامغاني: ٤٥٤، \"نزهة الأعين النواظر\" ٥٧٩، \"الوجوه والنظائر في القرآن\" د. سليمان القرعاوي: ٦١٤، \"المصباح المنير\" ٢٣١ (نسو).\n(٤) في (ج): (ترك).\n(٥) انظر: \"تفسير غريب القرآن\" لابن قتيبة: ١٩٨، \"تفسير الطبري\" ١٠/ ١٧٥، \"الأضداد\" لابن الأنباري: ٣٩٩، وتذكرة الأريب \"في تفسير الغريب\" لابن الجوزي: ١/ ٢٢٠.","vol":"5","page":44},{"text":"ومن هذا: قولُ اللهِ ﷿: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ (١)، احتمل في اللغة أنْ يكونَ كاستواءِ الجالِسِ على سَرِيرِهِ، واحتَمَلَ أن يكون بمعنى الاستيلاءِ؛ وأحَدُ الوَجْهَيْنِ لا يجوز على الله؛ لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] وهذا من المُحْكم، الذي هو أصلٌ يُردُّ إليه المتشابهُ، فقلنا: إنَّ استواءَهُ بمعنى: الاستيلاء (٢) ومثل هذا كثيرٌ، وفيما\n_________\n(١) سورة الأعراف: ٥٤، ويونس: ٣، والرعد: ٢، والفرقان: ٥٩، والسجدة: ٤، والحديد: ٤.\n(٢) لقد أبعد المؤلف -﵀- النجعةَ، في حمل الاستواء على الاستيلاء، وجانبه الصواب في ذلك؛ حيث لم يرد عن العرب أنَّ مِنْ معاني (الاستواء): الاستيلاء. وإنما الوارد عنهم في معاني الاستواء، التالي: الاستقرار، والقَصْدُ، والعُلُوّ، والإقبالُ على الشيء وإليه، والصُّعود. وقد ذَكَرَ ابنُ القيِّم أن للسلف أربع تفسيرات للاستواء، وهي: الاستقرار، والعلو، والارتفاع، والصعود، وهو ما يتناسب مع المعنى اللغوي. انظر: \"توضيح المقاصد\" في \"شرح قصيدة الإمام ابن القيم\" لأحمد بن عيسى: ١/ ٤٤٠. أما (الاستيلاء) فقد أورده الجوهري في \"الصحاح\" مستدلًا بقول الشاعر:\nقد استوى بِشْرٌ على العراق ... من غير سيفٍ ودَمٍ مِهْراقِ\nوقد نسب الزبيديُ في \"تاج العروس\" البيتَ للأخطل. وتبع الجوهريَّ في ذكر هذا المعنى، صاحبُ \"لسان العرب\" وصاحبُ \"القاموس المحيط\".\nأما بيت الشعر السابق، فقد قال عنه ابن تيمية كما في \"مجموع الفتاوى\" ٥/ ١٤٦: (ولم يثبت نقل صحيح أنه شعر عربي، وكان غير واحد من أئمة اللغة أنكروه، وقالوا: إنه بيت مصنوع لا يعرف في اللغة ..).\nوقد رَدَّ ابن الأعرابي وهو من أئمة اللغة على مَنْ فَسَّر الاستواء بـ (الاستيلاء) هنا، بقوله: (.. لا يقال: استولى على الشيء، إلا أن يكون له مضادّ، فإذا غلب أحدُهما، قيل: استولى ..). \"شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة\" لللالكائي: ٣/ ٤٤٢. والله تعالى لا منازع له في مُلْكه. ورَدَّه كذلك الخليل بن أحمد. ذكَرَ ذلك الكرميُّ =","vol":"5","page":45},{"text":"أوردتُهُ كِفَايَةٌ لِمَنْ رُزِقَ الفَهْمَ.\nوقوله تعالى: ﴿وَأُخَرُ﴾ زعم (١) سِيبَويه والخليلُ أنَّ (أُخَرَ) فارقت\n_________\n= في \"أقاويل الثقات\" ١٢٤.\nفمعنى لفظ (الاستواء) من ناحية اللغة معروفٌ، وليس متشابها، ولا حرج في تفسيره بالألفاظ التي جاءت في اللغة، وليس في ذلك إيهام بالكيف، أو التجسيم ومشابهة الخلق؛ لأننا عندما نفسر هذه الصفة، إنما نذكر المعنى اللغوي، ونُجري هذه المعاني بما يليق بجلال الله تعالى وعظمته، ونقطع الطمع عن إدراك الكيفية، وذلك لعجز وقصور عقولنا عن إدراك ذلك. ومنهج السلف الصالح إزاء صفة الاستواء، وغيرها من صفات الباري تعالى: أن تمر كما جاءت، من غير تكييف ولا تمثيل، ولا تحريف، ولا تعطيل؛ فيثبتون له الأسماء والصفات، وينفون عنه مشابهة المخلوقات، إثباتًا منزهًا عن التشبيه، منزهًا عن التعطيل، فمن نفى حقيقة الاستواء فهو مُعطّل، ومَنْ شبهه باستواء المخلوق على المخلوق، فهو مُمَثِّل. وقد قال الإمام مالك بن أنس، لَمَّا سُئل عن كيفية الاستواء، فقال: (الكيف غير معقول، والاستواء منه غير مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة)، وقد وَرَدَ مثلُ ذلك عن أم سلمة ﵂، وربيعة الرأي.\nانظر: \"شرح أصول الاعتقاد\" ٣/ ٤٤٠ - ٤٤٣. وانظر مادة (سوا) في \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٧٩٤، \"الصحاح\" ٦/ ٢٣٨٥ - ٢٣٨٦، \"اللسان\" ٤/ ٢١٦٠، \"القاموس المحيط\" ١٢٩٧، \"قاموس القرآن\" للدامغاني: ٢٥٥، \"تاج العروس\" للزبيدي: ١/ ١٧٩. وانظر حول موضوع صفة الاستواء: \"تأويل مختلف الحديث\" لابن قتيبة: ٣٩٤، \"الرد على الجهمية\" للدارمي: ص ٤٠، \"الاعتقاد والهداية إلى سبيل الرشاد\" للبيهقي: ص ١١٦، \"الأسماء والصفات\" للبيهقي: ٢/ ٣٠٣، \"مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية\" ٥/ ١٤٦، ٣٦٥،٤٠٤، ٥١٩ - ٥٢٠ \"العقائد السلفية\" لأحمد بن حجر: ١/ ١٢٤ - ١٢٥، ١٦٤ - ١٦٧، \"رسائل في العقيدة\" لمحمد بن عثيمين: ٧٠.\n(١) من قوله: (زعم ..) إلى (.. إلا صفة منعت الصرف): نقله عن \"معاني القرآن\" للزجاج: ١/ ٣٧٧. وانظر: \"كتاب سيبويه\" ٣/ ٢٢٤، ٢٨٣.","vol":"5","page":46},{"text":"أخواتها، والأصلَ الذي عليه بِنَاءُ أَخَواتِها؛ لأن (أُخَرَ) أصلُها أن تكون بالألف واللّام (١)؛ كما تقول: (الصُّغْرى) و(الصُغَر)، و(الكُبْرَى) و(الكُبَر). فلما عُدِلَت عن مُجْرَى الألِفِ واللام، وأصلِ (أَفْعَلَ مِنْكَ) وهي مِمَّا لا يكونُ (٢) إلا صِفَةً، مُنِعَت الصَّرْفَ. وقد شرحنا هذه المسألة عند قوله: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (٣) [البقرة: ١٨٤].\nقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾. الزَّيْغُ: المَيْلُ. يعني: مَيْلًا عن الحقِّ؛ (زاغ، يَزِيغ، زَيْغًا، وزَيْغُوغَةً، وزَيَغانًا، وزيوغًا (٤).\nقال الفراء (٥): والعرب تقول في عامةِ ذوات الياء، مِمَّا يُشْبِهُ (زِغتُ)؛\n_________\n(١) في \"معاني القرآن\" (أن تكون صفة بالألف واللام).\n(٢) في (د): (وهي لا تكون).\n(٣) يريد المؤلف (والله أعلم) أن (أخَر) مُنِعت مِنَ الصَّرْفِ؛ لأنها جاءت صفة بغير الألف واللام، ولم تلحقها (مِنْ) كأفعل التفضيل (أفعل منك)؛ حيث إن (أُخَر) جمعٌ، ومفرده (أُخْرَى). و(أخْرَى) مؤنث لِلَفْظٍ مُذَكَّرٍ، هو: (آخِر)؛ الذي أصله (أأخَر) بفتح الهمزة الأولى، وتسكين الثانية، على وزن (أفْعَل) الدال على التفضيل. وهو مُجَرَّدٌ من (أل) والإضافة. وحقُّه أنْ يكون مفردًا مذكرًا في جميع استعمالاته. ولكنْ عَدَلَ العربُ عنه إلى لفظ (أُخَر) بصيغة الجمع، ومنعوه من الصرف؛ للوصفية والعَدْل.\nانظر آراء النحويين حول منع (أخر) من الصرف، في \"المقتضب\" للمبرد: ٣/ ٢٤٦، ٣٧٦، \"إعراب القرآن\" للنحاس: ١/ ٢٣٥، \"البيان في غريب إعراب القرآن\" للأنباري:١/ ١٤٣، \"شرح المفصل\" لابن يعيش: ٦/ ٩٩، \"التبيان في إعراب القرآن\" للعكبري: ١/ ١١٦، \"شذور الذهب\" لابن هشام (بشرح محمد محي الدين عبد الحميد): ص ٥٣٧، \"همع الهوامع\" للسيوطي: ١/ ٨٠، \"النحو الوافي\" لعباس حسن: ٣/ ٤٠٨، ٤/ ٢٢٤.\n(٤) انظر: (زيغ) في \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٥٠٢، \"اللسان\" ٣/ ١٨٩٠.\n(٥) قوله في \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٠٨٣. وأورده بمعناه ابن جني في \"المنصف\" ٢/ ١٢.","vol":"5","page":47},{"text":"مثل: (سِرْتُ)، و(صرْتُ)، و(طِرتُ): (سَيْرُورَةً)، و(صَيْرُورَةً)، و(طَيْرُورَةً)، و(حِدْتُ حَيْدُودَةً)، و(مِلْتُ مَيْلُولَةً)، لا أحصى ذلك، وهو كثير. فأمّا ذوات الواو؛ مثل: (قلتُ)، و(رُضْتُ)، فإنهم لمْ يقولوا ذلك إلا في أربعة أحْرُف، منها: الكَيْنُونة (١)، والدَّيْمُومَةُ، مِنْ: (دُمْتُ)، والهَيْعُوعَةُ، من: (الهُواع) (٢)، والسيْدُودَةُ، من: (سُدْتُ).\nوكان ينبغي أن يكونَ -في القياس-: (كَوْنُونَة) بالواو (٣)، ولكنها لَمَّا قَلَّت في مصادر الواو، وكثرت في مصادر الياء، ألحقوها بالذي هو أكثر مجيئًا منهما؛ إذ كانت الواوُ والياءُ مُتَقارِبَتَينِ في المَخْرَج.\nومثل هذا: أنهم يقولون في ذوات الياء: (سَعَيْتُ به سِعَايةً)، و(رَمَيْتُهُمْ رِمَايَةً)، و(دَرَيْتُ بِهِ (٤) دِرايةً)، فتأتي المصادرُ في ذوات الياء،\n_________\n(١) مصدر (كان يكون كَوْنًا وكيْنُونة).\n(٢) في \"القاموس المحيط\": (والهواع بالضم، والهيعوعة، والمِهْوع، والمهواع بكسرها: الصياح في الحرب). ص ٧٧٧ (هوع). وجعلها في \"لسان العرب\" من مصادر ذوات الياء، فقال: (هاعَ، يَهاع، ويَهِيع، وهَيْعًا، وهَاعًا، وهُيُوعًا، وهَيعَة، وهَيَعانًا، وهَيْعُوعة: جَبُن وفَزع. وقيل: استخف عند الجزع). ٨/ ٤٧٢١ (هيع). والهُواع: القيءُ. يقال: (هاع، يهوع هواعًا. وهيعوتة): أي: قاء. انظر: (هوع) في \"الصحاح\" ٣/ ١٣٠٩، \"المجموع المغيث في غريبي القرآن والحديث\" لأبي موسى الأصفهاني:٣/ ٥١٦، \"اللسان\" ٨/ ٤٧٢١، \"المعجم الوسيط\" ٢/ ١٠١٠.\n(٣) ويرى الخليل بن أحمد أن (كيْنُونة): (فَيْعُولة)، هي في الأصل: (كَيْوَنُونَه)؛ التقت منها ياءٌ وواوٌ، والأولى منهما ساكنة، فَصُيِّرَتا ياءً مشدَّدَةً [أي: كيَّنُونة]، مثلما قالوا: (الهيِّن) من (هُنْت)، ثم خففوها فقالوا: (كيْنُونة)؛ كما قالوا: (هَيْنٌ، لَيْنٌ). قال الفراء: وقد ذهب مذهبًا، إلا أن القول عندي هو الأول). \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٠٨٤ (كان).\n(٤) في (د): (بهم).","vol":"5","page":48},{"text":"على هذا النحو، كثيرةً، ولا تكاد تأتي في ذوات الواو؛ نحو: (خَلَوْتُ)، و(دَعَوْتُ). فَنَدَرَ حرفٌ مِنْ ذوات الواو فألْحِقَ بذوات الياء، وهو قولُهم: (شَكَوْتُ فُلانًا شِكَايَةً)، ولم يقولوا: (شِكاوَةً)، فألحقوها بالمصادر من الياء (١).\nواختلفوا في هؤلاء الذي عُنُوا بقوله: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾: فقال الربِيع (٢): هم (٣) وَفْدُ نَجْرَانَ؛ لَمَّا حَاجُّوا رسولَ الله - ﷺ -، في المَسِيح، فقالوا: أليسَ (٤) هُوَ كَلِمَة اللهِ، وروح منه؟ قال: \"بَلَى\". قالوا: حَسْبُنا. فأنزلَ اللهُ تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾، الآية. ثمّ أنزل: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ﴾ الآية.\nوقال الكَلْبِيُّ (٥): هم اليهود، طَلَبُوا (٦) عِلْمَ أكْلِ (٧) هذه الأُمَّةِ،\n_________\n(١) انظر في هذا الموضوع: \"المنصف\" لابن جني: ٢/ ١٠، \"الممتع في التصريف\" لابن عصفور: ٢/ ٥٠٢، ٥٠٤، \"شرح شافية ابن الحاجب\" للاستراباذي: ١/ ١٥٢.\n(٢) قوله في \"تفسير الطبري\" ٣/ ١٧٧، \"تفسير ابن أبي حاتم\" ٢/ ٥٩٦، \"تفسير البغوي\" ٢/ ٩، \"زاد المسير\" ١/ ٣٥٣.\n(٣) (هم): ساقطة من: (ج).\n(٤) في (أ)، (ب): (ليس). والمثبت من: (ج) و(د).\n(٥) قول الكلبي، أخرجه الطبري ١/ ٩٢، ٩٣ من رواية محمد بن إسحاق، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، عن جابر بن عبد الله، وأخرجه البخاري في: تاريخه: ١/ ٢/ ٢٠٨، والبغوي ٢/ ٩، وذكره بمعناه أبو الليث في \"بحر العلوم\" ١/ ٢٤٧، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ١/ ٣٥٣، والسيوطي في \"الدر\" ٢/ ٧٨.\n(٦) في (ج): (طالبوا).\n(٧) في (ج): إقامة. (د) أجل. وحقيقة (الأُكْل) بضم الهمزة: التنَقّص. ومعناها هنا: الرزق، والحظ من الدنيا.\nيقال للميت: (قد انقطع أكْلُه)، أي: انقضت مدته في الدنيا. فاليهود أرادوا معرفة =","vol":"5","page":49},{"text":"واستِخْراجِهِ مِنَ الحُرُوف المُقَطَّعَةِ في أوائل السُّوَرِ (١). وهذا معنى قول ابن عباس في رواية عطاء (٢).\nوقيل: هم جميع المُبْتَدِعَةِ، وكلُّ من احتَجَّ لِباطِلِهِ بالمتشابه (٣). وهذا معنى قول قتادة (٤).\n_________\n= مدة بقاء أمة محمد - ﷺ -، وأجلها. انظر: (أكل) في \"مجمل اللغة\" ١/ ١٠٠، \"القاموس المحيط\" ص ٩٦١.\n(١) انظر: \"سيرة ابن هشام\" ٢/ ١٧٠، ١٧١ فقد ذكره عن ابن إسحاق. وأخرجه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٢/ ٥٩٥ عن مقاتل بن حيان، وأورده السيوطي في \"الدر\" ٢/ ٧ وزاد نسبة إخراجه لابن المنذر في \"تفسيره\" عن ابن جريج معضلا.\n(٢) لم أقف على رواية عطاء عن ابن عباس.\n(٣) روت عائشة ﵂ قائلة: (تلا رسول الله - ﷺ -، ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ إلى ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾، قالت: قال رسول الله - ﷺ -: \"فإذا رأيت الذين بتبعون ما تشابه منه، فأولئك الذين سَمَّى الله فاحذروهم\". أخرجه البخاريُّ (٤٥٤٧). كتاب: التفسير. سورة آل عمران باب: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾، ومسلم رقم (٢٦٦٥). كتاب: العلم. باب: النهي عن اتباع متشابه القرآن. وفي رواية الإمام أحمد: \"فإذا رأيتم الذين يجادلون فيه، فهم الذين عنى الله فاحذروهم\". \"المسند\" ٦/ ٤٨، ٢٥٦. وأخرجه أبو داود رقم (٤٧). كتاب: السنة. باب: النهي عن الجدال، والترمذي رقم (٢٩٩٣)، (٢٩٩٤). كتاب: التفسير. باب: ومن سورة آل عمران، وابن ماجة رقم (٤٧). في المقدمة، وابن حبان في \"صحيحه\" ١/ ٢٧٤، ٢٧٧ (٧٣)، (٧٦). وأخرجه: عبد الرزاق في \"تفسيره\" ١/ ١١٦، والطبري في \"تفسيره\" ٦/ ١٨٩ - ١٩٥، والطيالسي في \"المسند\" ٣/ ٥٠ (١٥٣٥)، والآجري في \"الشريعة\" ٢٦، ٢٧.\n(٤) كان قتادة إذا قرأ هذه الآية ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾، قال: (إنْ لم يكونوا الحَرُورِيَّة والسَّبَئِيَّة، فلا أدري مَن هم! ..). و(الحرورية) هم: الخوارج، و(السبئية): نسبة إلى عبد الله بن سبأ اليهودي، الذي غالى في الإمام عليٍّ، وادَّعى فيه الألوهية. انظر الأثر، في \"تفسير عبد الرزاق\": ١/ ١١٥، \"تفسير الطبري\" ٣/ ١٧٨، \"تفسير =","vol":"5","page":50},{"text":"وقولُ الزَّجَّاج في هذه الآية، يَدُلُّ على أنّ هؤلاء، هم الكفار الذين يُنْكِرُون البَعْثَ، لأنه قال (١) في سياق الآية: معنى ابتغائهم تأويله: أنهم طلبوا تأويل بَعثِهِمْ وإحيائهم.\nوقوله تعالى: ﴿ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾. قال عطاءٌ، عن ابن عباس (٢): يريد: الكفر. وقال الرَّبِيع (٣)، والسدي (٤): طلب الشرك (٥).\nوقال مجاهد (٦): اللَّبْسِ (٧)؛ لِيُضِلُّوا به جُهَّالَهم.\n_________\n= البغوي\" ٢/ ٨، \"المحرر الوجيز\" ٣/ ٢٣. وورد كذلك عن أبي أمامة ﵁: أنهم الخوارج. يرويه عن رسول الله - ﷺ - وقد رجح ابن كثيرٍ وقفَهُ على أبي أمامة. انظر الأثر في: \"مسند الإمام أحمد\" ٥/ ٢٦٢، \"مصنف عبد الرزاق\" ١٠/ ١٥٢رقم (١٨٦٦٣)، و\"سنن البيهقي\" ٨/ ١٨٨، و\"مسند الحميدي\" ٢/ ٤٠٤ رقم (٩٠٨)، \"المعجم الكبير\" للطبراني: ٨/ ٢٧٤ وما بعدها، \"المعجم الصغير\" له: ١/ ٤٢ (٣٣)، \"تفسير ابن أبي حاتم\" ٢/ ٥٩٤، و\"الشريعة\" للآجرِّي: ٣٦، \"تفسير ابن كثير\" ١/ ٣٧١.\n(١) في \"معاني القرآن\" له:١/ ٣٧٨.\n(٢) لم أقف على مصدر قوله. وقد ورد في \"تنوير المقباس\" المنسوب إلى ابن عباس: ٤٣.\n(٣) قوله في \"تفسير الطبري\" ٣/ ١٨٠، \"ابن أبي حاتم\" ٢/ ٥٩٦، \"الثعلبي\" ٣/ ٧ ب، \"البغوي\" ٢/ ١٠، \"المحرر الوجيز\" \"زاد المسير\" ١/ ٣٥٤.\n(٤) قوله في: المصادر السابقة، عدا \"المحرر الوجيز\". والسُدِّيُّ هنا هو: السُدِّي الكبير (إسماعيل بن عبد الرحمن بن أبي كريمة، ت: ١٨٢ هـ). وليس هو السُدِّي الصغير (محمد بن مروان، ت: ١٨٦ هـ)؛ وذلك أن هذا الأثر ورد من رواية أسباط عن السدي، وأسباط إنما يروي عن السدي الكبير. انظر: \"تفسير ابن أبي حاتم\" ٢/ ٥٩٦، \" الطبقات الكبرى\" لابن سعد: ٦/ ٣٧٦، \"تهذيب التهذيب\" لا بن حجر: ١/ ١٥٨في ترجمة أسباط، \"معجم المفسرين\" لعادل نويهض: ١/ ٩٠، ٢/ ٦٣٥.\n(٥) وهو قول: مقاتل في \"تفسيره\" ١/ ٢٦٤، وابن قتيبة في \"تفسير غريب القرآن\" ١٠١.\n(٦) قوله في \"تفسيره\" ١/ ١٢٢، والمصادر السابقة.\n(٧) هكذا وردت في الأصل بالكسر على تقدير: ابتغاء، أو طَلَبِ اللَّبْسِ. =","vol":"5","page":51},{"text":"وقال أبو إسحاق (١): الفِتْنَةُ في اللغة على ضُرُوب: فالضَّرْبُ الذي ابتغاه هؤلاء: إفسادُ ذوات (٢) البَيْن في الدِين، والحرب. والفتنة في اللغة: الاستهتار بالشيء والغُلُوُّ فيه؛ يقال: (فلانٌ مَفْتُونٌ بِطَلَب الدُّنْيا)؛ أي: قد غلا في طَلَبِها، وتجاوز القَدر (٣).\nوقوله تعالى: ﴿وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾. التأويل: التفسير. وأصلُهُ في اللغة: المرجِعُ والمَصِيرُ؛ مِنْ قولهم: (آل الأمْرُ إلى كذا): إذا (٤) صار إليه. و(أوَّلْته تأويلًا): إذا صَيَّرته إليه، فتأول (٥)؛ أي: رَجَعَ، وصار.\nقال الأعشى:\nعلى أَنَّها كانتْ تَأوُّلُ حُبِّها ... تأؤُّلَ رِبْعيِّ السِّقابِ فَأَصْحَبَا (٦)\n_________\n= ونصُّ قول مجاهد كما في \"تفسير الطبري\" (الشبهات، مِمَّا أهلكوا به)، وفي تفسيره: (الهلكات التي أهلكوا بها).\n(١) هو الزجاج في \"معاني القرآن\" له: ١/ ٣٧٧. نقله عنه بتصرف يسير جدًا في بعض الألفاظ.\n(٢) في (ج) و\"معاني القرآن\": (ذات).\n(٣) في \"معاني القرآن\" للزجاج: (وتجاوز القُدْرة). وانظر: \"اللسان\" ٦/ ٣٣٤٥ (فتن)، \"تفسير الفخر الرازي\" ٧/ ١٨٩. ويقول النحاس في هذا الموضع: (أي: ابتغاء الاختبار الذي فيه غُلوٌّ، وإفْسادُ ذاتِ البَيْن؛ ومنه: (فلانٌ مَفْتُونٌ بِفُلانة)؛ أي: قد غَلا في حبها). \"إعراب القرآن\" له: ١/ ٣١٠.\n(٤) في (ب): (أي).\n(٥) في (ب): (فتأوله).\n(٦) البيت، في: \"ديوانه\": ص ٧. وقد ورد منسوبًا له، في: \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة: ١/ ٨٦، \"تفسير الطبري\" ٣/ ١٨٤، \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٣٤٩ (ربع)، \"الصحاح\" ٤/ ١٦٢٧ (أول)، \"الصاحبي\" لابن فارس: ٣١٥، \"اللسان\" ٣/ ١٥٦٦ (ربع)، ١/ ١٧٢ (أول)، وفي: ٤/ ٢٤٠١ (صحب) أورد الشطر الثاني ولم ينسبه. وورد =","vol":"5","page":52},{"text":"أي: كان حُبُّها صغيرًا، فآل إلى العِظَم، كما آل السَّقْبُ إلى الكِبَرِ (١).\nهذا معنى (التأويل) في اللغة (٢).\nثم تُسَمَّى (العاقبةُ): (تأويلا)؛ لأنَّ الأمرَ يصيرُ إليها. و(التفسير)\n_________\n= البيت في الديوان كالتالي: (.. تأوَّلُ حبَّها ..). وورد في \"التهذيب\" ٢/ ١٣٤٩ (ربع)، \"اللسان\" ٣/ ١٥٦٦ (صحب)، كالتالي:\nولكنها كانت نَوًى أجنبيَّةً ... توالِيَ رِبْعِيِّ السِّقاب فأصحبا\nوينشد كما في \"تفسير الطبري\" ٣/ ١٨٤:\nعلى أنها كانت تَوَابعُ حُبِّها ... توالي رِبْعِيِّ السِّقاب فأصحبا\nومعنى: (ربعي السقاب): ذلك أن الفصيل الذي يُنتَج في أول النتاج، يقال له: (رُبَع)، والجمع: (رِباع). ورِبْعِيُّ كل شيء: أوله. والسَّقْب: ولد الناقة، أو ساعة يولد، إذا كان ذكرًا. والجمع: (سِقاب). ويقال: (سقبٌ رِبْعِيٌّ)، و(سقاب رِبعية)، وهي: التي ولدت في أول النتاج. و(أصحب): ذَلَّ وانقاد. انظر: \"كتاب الفرق\" لقطرب: ١٠٠، \"الفرق\" لابن فارس: ٨٧، \"اللسان\" ١/ ١٧٢ (أول)، \"القاموس\" ص ٩٧ (سقب). وسيأتي تفسير المؤلف للبيت على الرواية التي أوردها. أما على الرواية الثانية، التي أوردها الأزهريُّ، وصاحب \"اللسان\" فمعنى (توالي ربعي السقاب) هنا: من (الموالاة). وهي: تمييز شيء من شيء، وفصله عنه؛ أي: إن نَوَى صاحبته اشتَدَّ عليه، فحن إليها حنين ربعي السقاب، إذا فُصِل عن أمِّهِ ومُيِّز عنها. وأن هذا الفصيل يستمر على الموالاة ويُصْحب، أما هو فقد دام على حنينه الأول، ولم يصحب إصحاب السقب. انظر: \"تهذيب اللغة\" ١٣٤٩.\n(١) انظر: \"تفسير الطبري\" ٣/ ٢٨٤؛ حيث قال في تفسيره: (ويعني بقوله: (تأوُّلُ حبِّها): تفسير حبِّها ومرجعه. وإنما يريد بذلك أنَّ حبَّها كان صغيرًا في قلبه، فآلَ من الصِّغَرِ إلى العِظَم، فلَمْ يزلْ ينبت حتى أصْحَبَ فَصَارَ قديمًا، كالسَّقْبِ الصغير الذي لم يزل يشبُّ حتى أصحبَ فَصَارَ كبيرًا مثلَ أمِّهِ) ويبدو أن المؤلف نقل هذا المعنى عن الطبري، متصرفًا في عبارَتِه هذه\n(٢) انظر: (أول) في \"الصحاح\" ٤/ ١٦٢٦، ١٦٢٨، \"مجمل اللغة\" ١/ ١٠٧، \"اللسان\" ١/ ١٧٢، \"المصباح المنير\" ١٢، \"القاموس المحيط\" ٩٦٣.","vol":"5","page":53},{"text":"يُسمَّى: (تأويلًا)، وهو قوله: ﴿سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ [الكهف: ٧٨]؛ أي: بِعِلْمِهِ وتفسيره؛ لأن التَّأويل: إخبارٌ عَمَّا يَرْجِعُ إليه اللفظُ مِنَ المعنى.\nوذكرنا معنى التَّأوِيل [بأبلغ] (١) مِنْ هذا، في سورة النساء، عند قوله: ﴿وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩] (٢).\nقال ابن عباس في رواية عطاء (٣): ﴿وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ أي: طَلَبِ مُدَّةِ أُكْلِ مُحَمَّد - ﷺ -.\nوفي قول الزجاج (٤): المراد به: الكفار (٥)؛ طلبوا متى يُبْعثون؟ وكيف يكون إحياؤُهم بعد الموت؟ وفي قول الباقِين: معناه: طَلَبُ تفسير المُتَشابِهِ، وعِلْمِهِ. قال الله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ يريد: ما يَعلَمُ انقضاءَ مُلْكِ أُمَّة (٦) محمد - ﷺ - إلّا الله؛ لأن انقضاءَ مُلك هذه الأُمَّةِ مع قيام الساعَةِ، ولا (٧) يَعْلَم ذلك مَلَكٌ مُقَرَّبٌ ولا نَبِيٌ مُرْسَلٌ. وهذا قولُ عطاء (٨). وعلى هذا؛ يَحْسُنُ الوقفُ على قوله: ﴿إِلَّا اللَّهُ﴾، وكذلك على قول الزجاج؛ لأن وقت البعثِ لا يَعلَمُهُ إلا الله. ثم ابتدأ، فقال: ﴿وَالرَّاسِخُونَ\n_________\n(١) ما بين المعقوفين زيادة من: (ج)، (د).\n(٢) وقد تكلم ابنُ القيم عن معاني (التأويل) بإسهاب، وبَيَّن الصحيح منه والباطل. انظر: \"الصواعق المرسلة\": ١٧٥ وما بعدها.\n(٣) لم أقف على مصدر هذه الرواية. وقد ورد هذا القول في: \"تنوير المقباس\": ٤٣.\n(٤) في \"معاني القرآن\" له: ١/ ٣٧٨.\n(٥) في (ب): (المراد به الزج الكفار).\n(٦) (أمة): ساقطة من: (ج).\n(٧) في (ج): (لا) بدون واو.\n(٨) لم أقف على مصدر قوله.","vol":"5","page":54},{"text":"فِي الْعِلْمِ﴾ أي: الثابتون فيه. والرُّسُوخُ في اللغة (١): الثُّبُوتُ في الشيء (٢). وعند أكثر المفَسِّرين (٣): المرادُ بـ (الراسخين علمًا): مُؤْمِني أهل الكتاب؛ دليله: قوله: ﴿لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ١٦٢]. قال ابن عباس (٤)، ومجاهد (٥)، والسُّدِّي (٦): بقولهم: ﴿آمَنَّا بِهِ﴾، سَمَّاهُم اللهُ (راسخينَ في العِلْم). فَرُسُوخُهم (٧) في العِلْمِ؛ قولُهم: ﴿آمَنَّا بِهِ﴾ أي: بالمُتَشَابِهِ.\n﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ المُحْكَم والمُتشابه؛ الناسخُ والمنسوخ؛ وما عَلِمْناه وما لَمْ نعْلَمْه.\nوقال الزجاج (٨): أي: يقولون: صَدَّقنا بأن الله ﷿ يبعثنا، ويؤمنون\n_________\n(١) في (ج): (في العلم).\n(٢) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج: ١/ ٣٧٨، \"الصحاح\" ٤٢١ (رسخ)، \"تفسير القرطبي\" ٤/ ١٩.\n(٣) قول المؤلف أعلاه: (عند أكثر المفسرين)، غير مُسَلَّم؛ لأنني لم أجد من قال بهذا القول إلا مقاتل بن حيان، كما في \"تفسير ابن أبي حاتم\" ٢/ ٦٠٠. ولو كان قال به أكثر المفسرين، لتناقلته كتب التفسير والحديث، مما أُلِّف قبل المؤلف وبعده. وقد أورد هذا القولَ الثعلبيُّ وهو شيخ المصنف في \"تفسيره\" ١/ ٢٨٠ بصيغة (قيل) ولم يذكر قائله. وأورده أبو حيان في \"البحر المحيط\" ٢/ ٣٨٥ بصيغة (قيل) ولم يذكر القائل، ولكنه استبعده بقوله: (وهذا فيه بعد).\n(٤) قوله في \"تفسير الطبري\" ٦/ ٢٠٨. \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١٠ أ، \"تفسير البغوي\" ١/ ٢٨٠. ومن قوله: (قال ابن عباس ..) إلى (.. وما لم نعلمه): نقله بنصه عن \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١٠ أ.\n(٥) قوله في المصادر السابقة. وهو من روايته عن ابن عباس.\n(٦) قوله في المصادر السابقة.\n(٧) في (د): فرسخهم.\n(٨) في \"معاني القرآن\" له: ١/ ٣٧٨. نقله عنه بالنص.","vol":"5","page":55},{"text":"بأنَّ البَعْثَ حَقٌّ، كما أنَّ الإنشاءَ حَقٌّ.\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾. قال عطاء (١): هذا ثَنَاءٌ مِن الله تعالى على الذين قالوا: ﴿آمَنَّا بِهِ﴾، معناه: ما يَتَّعِظُ [بما] (٢) في القُرْآن، إلّا ذَوُو العُقُول.\nوقال الزَّجَّاج (٣): هذا دليلٌ على أن الأمرَ الذي اشْتَبَهَ عليه من البَعْثِ، لمْ يَتَدَبَّرُوه، ومعناه: ما يَتَدَّبر القرآنَ، وما أتَى به الرسولُ - ﷺ -، إلّا أوْلُوا الألباب. والأظهر في تفسير هذه الآية: قولُ عطاء: إنَّ هذا في اليهود، حين طلبوا تفسيرَ الحروف المُقَطَّعَة، والقولُ الذي حكاه الزجَّاج: إن هذه في منكري البعث.\nويقال: هل يجوز أن يكون في القرآن شيءٌ، لا يعلمه إلا الله؟ فيقال: اختلف الصحابة والناسُ في هذا:\nفذهب الأكثرون: إلى أنَّ تَمَامَ الوَقْفِ على قوله: ﴿إِلَّا اللَّهُ﴾، وأن جميع المتشابه لا يعلمه إلا الله؛ مثل: وقت قيام الساعة، وطلوع الشمس من المغرب، ونزول عيسى، وخروج الدجَّال.\nوقال قومٌ: في القرآن أشياء لا يَعْرِف حقيقَتَها إلا الله؛ كالحروف المُقَطَّعة، وقوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [المائدة: ٦٤]، وقوله: ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥]، وقوله: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾، وأشباه هذا. والله تعالى مُخْتَصٌّ (٤) مُستأثِرٌ بِعِلْم هذه، والإيمانُ بها حَقٌّ، وحقائقُ عُلُومِها\n_________\n(١) لم أقف على مصدر قوله.\n(٢) ما بين المعقوفين زيادة من: (ج).\n(٣) في \"معاني القرآن\" له: ١/ ٣٧٩. نقله عنه بتصرف يسير.\n(٤) في (أ)، (ب): (يختص). والمثبت من: (ج)، (د)؛ لمناسبته لسياق العبارة.","vol":"5","page":56},{"text":"مُفَوَّضَةٌ إلى الله تعالى.\nوهذا مذهب: عائشة، وابن مسعود، وابن عباس، وأُبَي، وكثير من التابعين، واختيار (١) الفَرّاء، والكسائي (٢)، والمُفَضَّل (٣)، وابن الأنباري، وأَبي عُبَيد (٤)، وأحمد بن يحيى (٥).\nودليل هذا القول: قراءة عبد الله (٦): (إنْ تَأويلُهُ إلّا عِنْدَ الله. والرّاسخون في العِلْم يقولون آمَنّا به) (٧).\n_________\n(١) في (أ): (واختار). والمثبت من: (ب)، (ج)، (د). وهو الصواب.\n(٢) تقدمت ترجمته.\n(٣) هو: المُفَضَّل بن محمد بن يعلى الضَبِّي، الكوفي. تقدم ٢/ ١١٩.\n(٤) في \"الأضداد\" لابن الأنباري: أبو عبيدة. وورد في أكثر المصادر: أبو عبيد. وهو: أبو عُبَيد، القاسم بن سَلّام الهَرَوي الأزدي الخزاعي.\n(٥) هو: أبو العباس، أحمد بن يحيى (ثعلب). وقد بَيَّن النحاسُ أن نَيِّفًا وعشرين رجلًا من الصحابة والتابعين والقراء وأهل اللغة، ذهبوا إلى الوقف التام على لفظ الجلالة (الله)، وأن ما بعده منقطع منه، ثم ذكر إضافة إلى من ذكرهم المؤلف: الحسن، وأبانهيك، والضحاك، ومالك بن أنس، وسهل بن محمد، وعمر بن عبد العزيز، وعروة بن الزبير، والطبري، والزجاج، وابن كيسان، وأحمد بن جعفر بن الزبير، والسدي.\nانظر: \"القطع والائتناف\" للنحاس: ٢١٢، \"تفسير الطبري\" ٣/ ١٨٢ - ١٨٤، \"تفسير ابن أبي حاتم\" ٢/ ٥٩٩ - ٦٠١، \"معاني القرآن\" للنحاس: ١/ ٣٥١، \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٨ ب، \"المحرر الوجيز\" ٣/ ٢٤، \"تفسير القرطبي\" ٤/ ١٦، \"البحر المحيط\" ٢/ ٣٨٤، \"الدر المنثور\" ٢/ ١٠، ١١، \"معترك الأقران\" للسيوطي: ١/ ١٣٨، \"فتح القدير\" للشوكاني: ١/ ٤٧٦، \"فتح البيان\" لصديق حسن خان: ٢/ ١٥ - ١٦.\n(٦) يعني: عبد الله بن مسعود ﵁.\n(٧) انظر هذه القراءة في \"معاني القرآن\" للفراء: ١/ ١٩١، \"كتاب المصاحف\" لأبي بكر بن أبي داود: ٥٩، \"تفسير الطبري\" ٣/ ١٨٤، \"الأضداد\" لابن الأنباري:=","vol":"5","page":57},{"text":"وفي (١) حرف أُبَيٍّ، وابن عباس: (ويقول (٢) الراسخون في العلم آمَنّا به) (٣). وهذا هو الأشبه بظاهر الآية؛ لأنه لو كان ﴿الرَّاسِخُونَ﴾ عَطْفًا، لَقَال: ويقولون آمنّا به.\nوفي قوله أيضًا: ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾، دليلٌ على أنهم لَمْ يَعْرِفوا البعضَ فآمَنُوا بظاهره، وقالوا: إنه من عند الله.\nوقد رُوي عن ابن عباس، أنه قال: تفسير القرآن على أربعة أوجه: تفسيرٌ (٤) لا يَسَعُ أحدًا جَهْلُه، وتفسيرٌ تَعرِفُهُ العربُ بألسنتها، وتفسيرٌ يَعْلَمُهُ العلماءُ، وتفسيرٌ لا يعلمه إلا الله (٥).\n_________\n= ٤٢٦، \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٩ أ، \"تفسير البغوي\" ٢/ ١٠، \"البحر المحيط\" ٢/ ٣٨٤، \"الدر المنثور\" ٢/ ١٠، والإتقان، للسيوطي: ٢/ ١٥. وقد وردت القراءة في: كتاب المصاحف، لابن أبي داود، كالتالي: (وإنْ حقيقةُ تأويلِهِ إلا عند الله ..).\n(١) من قوله: (وفي ..) إلى (.. آمنا به): ساقط من: (ج).\n(٢) في (ب): (ويقولون).\n(٣) انظر هذه القراءة، في \"معاني القرآن\" للفراء: ١/ ١٩١، \"الأضداد\" لابن الأنباري: ٤٢٦، \"القطع والائتناف\" للنحاس: ٢١٢، \"المستدرك\" للحاكم: ٢/ ٢٨٩ كتاب: التفسير، سورة آل عمران. وقال: (صحيح) ووافقه الذهبي، \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٩ أ، \"الدر المنثور\" ٢/ ١٠ وزاد نسبة إخراج الأثر لعبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن المنذر. قال النحاس عن هذه القراءة: (وهي قراءة على التفسير).\n(٤) (تفسير): ساقطة من: (ج).\n(٥) الأثر، في \"تفسير الطبري\" ١/ ٣٤، أخرجه موقوفًا على ابن عباس، من رواية محمد بن بشار، قال: (حدثنا مؤمل، قال: حدثنا سفيان [بن عيينة]، عن أبي الزناد ..) والسند صحيح، ما عدا مؤمل بن إسماعيل، فقد اختلف فيه. انظر: \"ميزان الاعتدال\" للذهبي: ٥/ ٣٥٣، ٣٥٤. وأورده النحاس في \"القطع والائتناف\" ٢١٣، كما أخرجه الطبري مرفوعًا بلفظ آخر عن ابن عباس: أن رسول الله - ﷺ -، قال: \"أنزل الله القرآن على أربعة أحرف حلال وحرام، لا يُعذَر أحدٌ بالجهالة به،=","vol":"5","page":58},{"text":"وعلى هذا المذهب؛ إنما (١) أنزل الله -تعالى- ما (٢) لا (٣) يعلمه إلّا هو؛ اختبارًا (٤) للعباد، لِيُؤمِنَ به المُؤْمِنُ فَيَسْعَد، ويكفر به الكافرُ فَيَشْقَى؛ لأن سبيلَ المُؤْمِنِ إذا قرأ من هذا شيئًا، أنْ يُصَدِّق رَبه ﷿، ولا يعترض فيه بسؤال وإنكار؛ فَيَعْظُمَ -بذلك- ثوابُهُ على الله ﷿.\nفإن (٥) قيل: وأي (٦) تخصيصٍ لِلرَّاسخين إذا (٧) لم يَعرِفوا، فإنَّ غيرَهم أيضًا يقولون: ﴿آمَنَّا بِهِ﴾، فَلِمَ خَصَّ (٨) الراسخينَ (٩) بالذكر؟\nقلنا: المراد بـ (الراسخين): كلُّ مَنْ يقول: ﴿آمَنَّا﴾ وليس المراد\n_________\n= وتفسير تفسره العرب، وتفسير تفسره العلماء، ومتشابه لا يعلمه إلا الله تعالى ذكره ومن ادَّعَى علمَهُ سوى الله، فهو كاذب\". وقال الطبري: (في إسناده نظر)؛ وذلك أنه من رواية الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، وهي أوهى الأسانيد عن ابن عباس. انظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ٣٤.\nوانظر: الحُكْمَ على الكلبي، وأبي صالح، في \"تهذيب التهذيب\" ٣/ ٥٦٩، \"تقريب التهذيب\" ص ٤٧٩ (٥٩٠١)، \"ميزان الاعتدال\" ٥/ ٢ (٧٥٧٤)، \"الاتقان\" للسيوطي: ٤/ ٢٣٨.\n(١) في (د): (إن ما).\n(٢) (ما) ساقطة من: (د).\n(٣): ساقطة من: (ج).\n(٤) في (د): (اختبار).\n(٥) في (أ)، (ب): (بان). والمثبت من: (ج)، (ء).\n(٦) في (أ)، (ب): (وإلى). والمثبت من: (ج)، (ء).\n(٧) في (د): (فإذا).\n(٨) في (أ): خُصَّ بالبناء للمجهول. وفي (ب)، (ج).، (د) غير مضبوطة بالشكل. وما أثبتُّه يتناسب مع ما بعده، من نصب (الراسخين).\n(٩) في (د): (الراسخون).","vol":"5","page":59},{"text":"بهم الذين يدأبون في التَّعَلُّمِ (١) ويَجْتَهِدُون. وقد ذكرنا عن ابن عباس، أنه قال: سمَّاهم (راسخين)، بقولهم: ﴿آمَنَّا﴾.\nوقال مجاهد (٢)، والربيع (٣)، ومحمد بن جعفر بن الزبير (٤): المتشابه يعلمه الله، ويعلمه الراسخون. ولا يجوز أن يكون في القرآن شيءٌ، لا يعرفه (٥) أحدٌ مِنَ الأُمَّةِ. وهذا اختيار ابن قتيبة (٦)، وزَعَمَ أنَّ الراسخينَ في العِلْمِ عَلِمُوا تأويل القرآن مع الله تعالى؛ لأنه لم يُنْزِلْ كتابَهُ، إلا لِيَنْفَعَ به\n_________\n(١) في (د): (التعليم).\n(٢) قوله في \"تفسيره\" ١/ ١٢٢، \"تأويل مشكل القرآن\" ١٠٠، \"تفسير الطبري\" ٣/ ١٨٣، \"الأضداد\" لابن الأنباري: ٤٢٤، \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٨ ب، \"المحرر الوجيز\" ٣/ ٢٤، \"تفسير القرطبي\" ٤/ ١٦. وقد رَدَّ ابن الأنباري رواية هذا القول عن مجاهد؛ زاعمًا بأن الراوي عن مجاهد هو ابن أبي نَجِيح، وهو لم يسمع التفسير عن مجاهد. ولكن أئمة الجرح والتعديل على توثيق ابن أبي نجيح، وتصحيح تفسيره عن مجاهد، بل عدَّه ابنُ تيمية مِنْ أصح التفاسير. انظر: \"الأضداد\" لابن الأنباري: ٤٢٧، \"الجرح والتعديل\" لابن أبي حاتم: ٥/ ٢٠٣، ومجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية: ١٧/ ٤٠٩، \"سير أعلام النبلاء\" للذهبي: ٦/ ١٢٥، ١٢٦، \"تهذيب التهذيب\" ٢/ ٤٤٤، \"تقريب التهذيب\" ص ٣٢٦ (٣٦٦٢).\n(٣) قوله في \"تفسير الطبري\" ٣/ ١٨٣، \"القطع والائتناف\" للنحاس: ٢١٥، \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٨ ب، \"المحرر الوجيز\" ٣/ ٢٥، \"تفسير القرطبي\" ٤/ ١٧.\n(٤) قوله في المصادر السابقة.\n(٥) في (د): (لا يعلمه).\n(٦) في \"تأويل مشكل القرآن\" له: ٩٨. قال مرعي الكرمي: (ورجح هذا جماعات من المحققين؛ كابن فورك، والغزالي، والقاضي أبي بكر بن الطيب، وقال النووي: إنه الأصح، وابن الحاجب: إنه المختار ..). \"أقاويل الثقات\" ٥٣. وانظر: \"مشكل الحديث\" لابن فورك: ٥٢٢ - ٥٢٥، وشرح صحيح مسلم، للنووي: ١٦/ ٢١٨، \"معترك الأقران\" للسيوطي: ١/ ١٣٨، \"والإتقان\" له: ٣/ ٣٥٣٧.","vol":"5","page":60},{"text":"عِبَادَه، ويدل على المعنى الذي أراده. وتأوَّلَ قولَهُ: ﴿يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾، على أنه حالٌ صُرِفَت إلى المُضَارَعَةِ؛ أي (١): (والراسخون (٢) في العلم، قائلين (٣) آمَنَّا به).\nقال: ومثله من (٤) الكلام: (لا يَأتِيك إلا عبدُ الله، وزَيْدٌ يقول: أنا مسرورٌ بزيارتك)، تريد (٥): (لا يأتيك إلا عبدُ الله، وزيدٌ قائلًا: أنا مسرورٌ بزيارتك). فـ (زيد) عطفٌ على (عبد الله) (٦).\nواحتج لهذه الطريقة في كتابه (المُشْكل) بما يطول ذِكْرُه (٧).\n_________\n(١) في (أ)، (ب): (إلى). والمثبت من: (ج)، (ء).\n(٢) في (ج): (والراسخين).\n(٣) في (د): (قايلون).\n(٤) في (ج): (في).\n(٥) من قوله: (تريد ..) إلى (.. بزيارتك): ساقط من: (ج)، (ء).\n(٦) أورد الشوكاني، والشنقيطي إشكالًا على من يمنع كون جملة ﴿يَقُولُونَ﴾ حالًا، وخلاصته: أن الحال قَيْدٌ لِعامِلِها. ووصف لصاحبها، فتقييد عِلْمِهم بتأويله، بحال كونهم قائلين: ﴿آمَنَّا بِهِ﴾، لا وجه له؛ لأن مفهومه: أنهم في حال عدم قولهم ﴿آمَنَّا بِهِ﴾، لا يعلمون تأويله، وهو باطل؛ حيث إنهم يعلمونه في كل حال. ويرى الشنقيطي أن جملة ﴿وَالرَّاسِخُونَ﴾ في حال كونها معطوفة، فإن ﴿يَقُولُونَ﴾ تكون معطوفة كذلك بحرف محذوف. واستدل على ذلك بأقوال المحققين من أهل العربية، واستشهد عليه بآيات من القرآن؛ كقوله تعالى ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ﴾ فإنها معطوفة على قوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ﴾ بالواو. انظر: \"فتح القدير\" للشوكاني: ١/ ٤٨٢، \"أضواء البيان\" للشنقيطي: ١/ ١٣١.\n(٧) انظر: \"تأويل مشكل القرآن\" ٨٦١٠١. إن الخلاف الواقع بين العلماء في تبني أحَدِ المذهبَيْنِ المذكورَيْن للسَّلَفِ؛ في الوقف أو العطف على لفظ الجلالة في هذه الآية، مرجعه وسببه: الاشتراك في لفظ التأويل؛ حيث إنَّ له معانٍ عِدَّة. ولكنَّه إذا أطْلِقَ عند السَّلَفِ، إنَّما يُرادُ به أمران: =","vol":"5","page":61},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-512>٨ </span>- قوله (١) تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا﴾. أي: ويقول الراسخون: ربنا، كقوله: ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا﴾ [آل عمران: ١٩١].\nوقوله: ﴿لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا﴾ أي: لا تُمِلْنَا (٢) عن الهدى والقصد، كما\n_________\n= الأول: تفسيرُ الكلام وبيان معناه؛ كقوله تعالى: ﴿نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ﴾ [يوسف: ٣٦]؛ أي: بتفسيره. فيجوز بهذا المعنى عطفُ جُملَةِ ﴿وَالرَّاسِخُونَ﴾ على لفظ الجلالة؛ لأن الراسخين يعلمون تفسيره، ويفهمون ما أريد منهم بالخطاب القرآني.\nالثاني: حقيقةُ الشيء، وما يؤول أمرُهُ إليه. ومنه قوله تعالى: ﴿هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ﴾ [يوسف: ١٠٠]، و﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ﴾ [الأعراف: ٥٣]؛ أي: حقيقة ما أخبرهم الله به مِنْ أمر القيامة والبعث. فيجوز بهذا الاعتبار الوقف على لفظ الجلالة؛ لأن حقائق الأشياء وكنهها، لا يعلمها إلا الله تعالى.\nوهناك معنى ثالث للتأويل عند الأصوليين والفقهاء المتأخرين عن عصر السَّلَف، وهو: صَرْفُ اللفظ عن ظاهره المتبادرِ منه، إلى مُحتَمَلٍ مرجوح، بدليل يدل عليه. وهذا المعنى ليس مُرادًا في إطلاقات السَّلَف، فهو خارجٌ عن دلالة الآية هنا. فبسبب الاشتراك في لفظ التأويل، اعتَقَدَ كلُّ مَنْ فَهمَ مِنْهُ معنًى، أنَّ ذلك هو المذكور في القرآن. ولا شكَّ أنَّ في القرآن أمورًا لا يعلمها إلا الله: كوقت قيام الساعة، وحقيقة الروح وغيرها ... وهي الأمور المتشابهة في نفسها. وهناك أمورٌ، العِلْمُ بها نِسْبيٌّ، يعلمها الراسخون في العلم دون غيرهم، وهو المتشابه الإضافي، الذي قد يَشْتَبِه على أناسٍ دون آخرين. فلا مُنافاة بين الرأيَيْنِ عند التحقق. انظر: \"مفردات ألفاظ القرآن\" ٤٤٣٤٤٥ (شبه)، والإكليل في المتشابه والتأويل، لابن تيمية: ٨٩، ٢٠٢٥، والرسالة كلها حول هذا المعنى، وتفسير سورة الإخلاص، لابن تيمية: ١٧٤، ١٧٩، ١٨٣، ١٨٨، ١٩٣، \"الرسالة التدميرية\" لابن تيمية:٥٩٦٣، \"تفسير ابن كثير\" ١/ ٣٧٢، \"بصائر ذوي التمييز\" للفيروز آبادي: ٣/ ٢٩٦، \"أقاويل الثقات\" للكرمي: ٥٣٥٥، \"فتح القدير\" للشوكاني: ١/ ٤٨٢، \"فتح البيان\" لصديق خان: ٢/ ١٥١٧، و\"مباحث في علوم القرآن\" لمناع القطان: ٢١٨، ٢١٩.\n(١) في (د): (وقوله).\n(٢) في (د): (لا تملها).","vol":"5","page":62},{"text":"أزغت قلوب اليهود والنصارى، والذين في قلوبهم زيغ، بعد إذ هديتنا للإيمان بالمُحْكَمِ والمُتَشَابِهِ مِنْ كِتَابِكَ.\nوروت أم سلمة (١): أن النبي - ﷺ - كان يُكثر في دعائه أن يقول: \"اللهم مُقَلب (٢) القلوب، ثبِّت قلبي على دينك\" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-513>٩ </span>- قوله (٤) تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾. تقديره: جامع الناس للجزاء في يوم لا ريب فيه (٥)؛ فلما حذف لفظ\n_________\n(١) هي: هند بنت أبي أمية المعروف بـ (زاد الراكب) بن المغيرة، القرشية المخزومية، زوج النبي - ﷺ -، وهي ممن أسلم قديمًا، وهاجرت إلى الحبشة، ثم المدينة، وشهدت غزوة خيبر، ماتت سنة (٦١ هـ)، أو (٦٢ هـ)، وهي آخر أمهات المؤمنين موتًا. انظر: \"الاستيعاب\" ٤/ ٤٩٣ (٣٥٩٤)، و\"الإصابة\" ٤/ ٤٥٨ (١٣٠٩).\n(٢) في (د): (مثبت). وقد وردت هذه اللفظة في الحديث من رواية أنس عند ابن أبي شيبة في: \"المصنف\": ٦/ ٢٥.\n(٣) الحديث من رواية أم سلمة ﵂: أخرجه أحمد في \"المسند\" ٦/ ٩١، ٢٩٤، ٣٠٢، ٣١٥، والترمذي برقم (٣٥٢٢) كتاب الدعوات، وقال عنه: (حديث حسن). وابن أبي شيبة في: \"المصنف\": ٦/ ٢٥ برقم (٢٩١٩٧)، وابن أبي عاصم في: \"السنة\": ١٠٠ برقم (٢٢٣)، وقال الألباني محقق الكتاب عنه: (حديث صحيح). وابن خزيمة في: كتاب التوحيد: ١/ ١٩١، والطبري في \"تفسيره\" ٣/ ١٧٨، ١٧٩، وابن أبي حاتم ٢/ ٦٠٢، ٦٠٣، والآجرِّي في \"الشريعة\" ٣١٦. وأورده السيوطي في \"الدر\" ٢/ ١٣ وزاد نسبة إخراجه للطبراني، وابن مردويه، وأورده المتقي الهندي في \"كنز العمال\" ١/ ٣٩١ برقم (١٦٨٦). وقد أوردت المصادر السابقة الحديث كذلك عن عائشة، والنواس بن سمعان، وأنس، وجابر، وعبد الله بن عمرو، ﵃.\n(٤) في (د): (وقوله).\n(٥) وقيل: إن اللام بمعنى: (في)؛ أي: في يوم. ويكون المجموع لأجله لم يُذكر. فظاهره أن هذا الجمع للحشر من القبور للمجازاة وقيل: اللام بمعنى: (إلى)،=","vol":"5","page":63},{"text":"الجزاء، دخلت اللام على ما يليه، وأغنت عن (في) (١)؛ لأن حروف الإضافة متآخية؛ لما يجمعها من معنى الإضافة (٢).\nقال الزجّاج (٣): وهذا إقرارٌ من المؤمنين بالبعث، ومخالفةٌ لمن اتبع\n_________\n= أي: جامعهم في القبور إلى يوم ... انظر: \"البحر المحيط\" ٢/ ٣٨٧، \"روح المعاني\" للآلوسي: ٣/ ٩١.\n(١) في (د): (فيه).\n(٢) حروف الإضافة عند البصريين: هي حروف الجر، وسميت بذلك: (لأنها تضيف معنى الفعل الذي هي صلته إلى الإسماء المجرور بها) \"شرح المفصل\" لابن يعيش: ٢/ ١١٧، وانظر: \"الإيضاح في علل النحو\" للزجاجي: ٩٣. وفي تناوب حروف الجر وتآخيها، مذهبان للنحويين:\nأ- مذهب جمهرة البصريين: أنها لا تنوب عن بعضها البعض قياسًا، فإن لكل حرف معنى واحدًا أصليًا، يؤديه على سبيل الحقيقة لا المجاز، فإذا أدى معنى آخر، فيقال حينها: إنه أداه على سبيل المجاز أو التضمين.\nب- مذهب الكوفيين ومن وافقهم: أنها تنوب عن بعضها البعض؛ لأن الحرف إذا اشتهر معناه اللغوي الحقيقي، وشاعت دلالته بحيث تفهم بلا غموض، كان المعنى حقيقيًا لا مجازيًّا، ودلالته أصلية، وليست من قبيل المجاز أو التضمين. قال ابن جنّي ويحسبه البعضُ على البصريين بعد أن خطّأ المذهب الثاني: (ولسنا ندفع أن يكون ذلك كما قالوا، لاكِنّا نقول: إنه يكون بمعناه في موضع دون موضع، على حسب الأحوال الداعية إليه، والمسوِّغة له، فأمّا في كل موضع، وعلى كل حال، فلا) \"الخصائص\" لابن جنّي: ٢/ ٣٠٨.\nوقال المالقي: (والحروف لا يوضع بعضها موضع بعض قياسًا، إلّا إذا كان معنياهما واحدًا، ومعنى الكلام الذي يدخلان فيه واحدًا، أو راجعًا إليه، ولو على بعد) \"رصف المباني\" للمالقي: ٢٩٧. وانظر حول الموضوع \"مغني اللبيب\" لابن هشام: ٦٥٦، \"همع الهوامع\" للسيوطي: ١/ ٢٧، \"النحو الوافي\" لعباس حسن: ٢/ ٥٣٧، و\"تناوب حروف الجر\" د. محمد عواد: ١٣١٠ وما بعدها، و\"من أسرار حروف الجر في الذكر الكريم\" د. محمد الخضري: ١٢.\n(٣) في \"معاني القرآن\" له: ١/ ٣٧٩. نقله عنه بالمعنى.","vol":"5","page":64},{"text":"المتشابه ممن ينكر أمر البعث.\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ [يجوز أن يكون إخبارًا عن المؤمنين أنهم قالوا ذلك، فيكون متصلًا بما قبله، لكنه على تلوين الخِطاب (١)، و] (٢) يجوز أن يكون استئنافًا، أخبر الله تعالى أنه لا يخلف الميعاد. ولا يدلُّ هذا على تخليد مرتكبي الكبائر من المسلمين في النار، وإنْ وعد ذلك بقوله: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [النساء: ١٤]. الآية؛ لأن المراد بالميعاد (٣) ههنا يوم القيامة (٤) لأن الآية وردت في ذكره. أو يُحمل [هذا (٥) على ميعاد الأولياء دون وعيد الأعداء؛ لأن خلف الوعيد كرم (٦) عند العرب] (٧)، والدليل: أنهم يمدحون بذلك، ومنه قول الشاعر:\n_________\n(١) يعني بتلوين الخطاب، أي: الانتقال من أسلوب الخطاب في قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ﴾ إلى أسلوب الغيبة في قوله: ﴿إنَّ الله﴾. قال أبو حيان ذاكرًا الحكمة في تغيير الأسلوب، هنا: (لِمَا في ذكره باسمه الأعظم من التفخيم والتعظيم والهيبة ..) \"البحر المحيط\" ٢/ ٣٨٧.\n(٢) ما بين المعقوفين زيادة من: (ج)، (د).\n(٣) في (ب): (المعاد).\n(٤) ومما يؤكد ذلك لغة أن الميعاد هو: وقت الوعد وموضعه، ففي \"تهذيب اللغة\" (والميعاد، لا يكون إلا وقتًا أو موضعًا) وفي \"اللسان\" (والموعد: موضع التواعد، وهو الميعاد). انظر مادة (وعد) في \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٩١٥، \"الصحاح\" ٢/ ٥٥٢، و\"اللسان\" ٨/ ٤٨٧١، و\"القاموس المحيط\" ٣٢٦. لكنَّ أبا عبيدة في \"مجاز القرآن\" ٢/ ١٤٩، ١٨٩: ذكر أن الوعد والميعاد والوعيد، واحد. وعلى الرغم من هذا، فإن سياق الآية وأقوال من سبق من أهل اللغة، يؤكد ما ذكره المؤلف من أن الآية لا دلالة فيها على تخليد مرتكبي الكبائر من المسلمين في النار.\n(٥) أي: على فرض التسليم بدلالة الآية على ما ذكر.\n(٦) في (د): (لزم).\n(٧) ما بين المعقوفين زيادة من: (ج)، (د).","vol":"5","page":65},{"text":"إذا وعد السرّاءَ أَنجز (١) وعدَه ... وإنْ وَعَدَ الضرّاءَ فالعَفْوُ مانَعُهْ (٢)\nقال الأصمعي: جمعنا بين أبي عمرو بن العلاء، وبين محمد بن مسعود الفدكي (٣)، فقال أبو عمرو: ما تقول؟ قال: أقول: إن الله وعد وعدًا، وأوعد إيعادًا (٤)، فهو منجز إيعاده، كما هو منجز وعده. فقال أبو عمرو: إنك رجل أعجم، لا (٥) أقول: أعجم اللسان، ولكن أعجم القلب. إن العرب تعُدُّ الرجوع عن الوعد لُؤمًا، وعن الإيعاد كرمًا، وأنشد:\nوإنِّي وإنْ أوْعَدْتُهُ أو وَعَدْتُهُ ... لَيَكذِبُ إيعادي ويصدقُ موعدي (٦)\n_________\n(١) (أنجز): غير مقروءة في: (أ).\n(٢) البيت، لأبي الحسن، السري بن أحمد بن السري الكندي الرفّاء الموصلي. وهو في: \"ديوانه\" ٢/ ٣٦٨. وورد منسوبًا له، في \"يتيمة الدهر\" ٢/ ١٥٦. وروايته في \"الديوان\" \"واليتيمة\": (.. وإن أوْعَدَ الضراء ..).\n(٣) ولكن في \"الوسيط في التفسير\" للمؤلف: ٦٧٠ (رسالة ماجستير. تحقيق بالطيور): ورد عمرو بن عبيد المعتزلي بدلًا من محمد بن مسعود الفدكي، وكذا بقية المصادر التي أوردت الحكاية والتي سأذكرها فيما بعد، أجمعت كلُّها على أن المُحاوِر لأبي عمرو بن العلاء، هو عمروُ بنُ عبيد المعتزلي، حتى إن الرازي في \"تفسيره\" ٧/ ١٨٧ نقل الحكاية عن \"تفسير البسيط\" للواحدي، وذكر اسم عمرو بن عبيد، وليس محمد بن مسعود، والذي يبدو لي والله أعلم أنَّ اسم عمرو بن عبيد المعتزلي قد حوِّر إلى محمد بن مسعود الفدكي، وقد يرجع السبب إلى أن جميع النسخ التي بين يدي، قد تكون نقلت عن نسخة رئيسة واحدة لم يستبن فيها الاسم لسبب ما، فكان الخط أقرب إلى أن يقرأ هذه القراءة، أو لاجتهاد من الناسخ الأول في كتابة الاسم السابق. وعمرو بن عبيد، هو شيخ المعتزلة في عصره، ولد سنة (٨٠ هـ)، وتوفي سنة (١٤٤ هـ)، وقيل غير ذلك. انظر ترجمته في \"تاريخ بغداد\" ١٢/ ١٦٦، \"وفيات الأعيان\" ٣/ ٤٦٠.\n(٤) (إيعادا): مطموسة في: (ج).\n(٥): (لا) مطموسة في: (ج).\n(٦) البيت لعامر بن الطفيل، وهو في \"ديوانه\" ٥٨. وقد ورد منسوبًا له، في \"العقد الفريد\" لابن عبد ربه: ١/ ٢٨٤، وأورده بنفس رواية المؤلف: \"يتيمة الدهر\" للثعالبي: ٢/ ١٥٧، \"لسان العرب\" ٢/ ١٠٩٨ (ختأ)، ٨/ ٤٨٧١ (وعد)، ٢/ ١١٠٣ (ختا)، \"تاج العروس\" ١/ ١٤٣ (ختأ)، ١٩/ ٣٦٩ (ختا). كما ورد غير معزوٍ، في \"عيون الأخبار\" لابن قتيبة: ٢/ ١٤٢، \"ضرورة الشعر\" للسيرافي، تحقيق د. رمضان عبد التواب: ١٣٨، \"مجالس العلماء\" للزجّاجي: ٦٢، \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٩١٥ (وعد)، \"الصحاح\" ٢/ ٥٥١ (وعد) \"طبقات النحويين واللغويين\" للزبيدي: ٣٩، \"العمدة\" لابن رشيق: ١/ ٥٨٩، \"الحماسة البصرية\" لصدر الدين البصري: ٢/ ٣٠. وروايته في \"الديوان\":\nوإنِّيَ إن أوعدتُه أو وعدتُه ... لأخلِفُ إيعادي وأنجز موعدي\nوبرواية أخرى:\nلمخلِفُ إيعادي ومنجز موعدي\nكما ورد في \"اللسان\" ١/ ٦٣ كالتالي:\nلَيأمَنُ ميعادي ومنجز موعدي\nوانظر الفرق بين (وعد) و(أوعد) في: \"ما تلحن فيه العامة\" للكسائي: ١١٠، \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة: ٢/ ١٨٩، \"أدب الكاتب\" لابن قتيبة: ١/ ٢٧٢، \"مجالس ثعلب\" ١/ ٢٢٧، \"والخاطريات\" لابن جني: ١٩٨، \"خزانة الأدب\" للبغدادي: ٥/ ١٨٩، ١٩٠. وانظر مادة (وعد) في \"تهذيب اللغة\" \"الصحاح\" \"اللسان\". وقد وردت هذه المحاورة في \"عيون الأخبار\" ٢/ ١٤٢، \"مجالس العلماء\" ٦٢، \"طبقات النحويين واللغويين\" ٣٩، \"إنباه الرواة\" ٤/ ١٣٣، \"مدارج السالكين\" لابن القيم: ١/ ٣٩٦، \"ميزان الاعتدال\" للذهبي: ٤/ ١٩٨، ١٩٩، \"لوامع الأنوار\" للسفاريني: ١/ ٣٧١.","vol":"5","page":66},{"text":"أو تقول: هذا عامٌّ في وعيد الأولياء، ووعيد الكفار، فأما مرتكبو الكبائر، فهم مخصوصون بقوله تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-514>١٠ </span>- قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قال ابن عباس: يعني:","vol":"5","page":67},{"text":"اليهود من قُريظة والنضير (١).\n﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ﴾ أي: لن تنفع، ولن تدفع. وإنما ذُكرَ (عن) مع الإغناء؛ لأنه يراد به الدفع، و(الغِنَى): ما يدفع عن صاحبه الفقر.\nوقوله تعالى: ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ قال الكلبي (٢): من عذاب الله (٣).\nوقال أبو عبيدة (٤): معناه: عند الله. (٥)\n(مِنْ) بمعنى: (عند) وحروف الصفات تتعاقب (٦).\n_________\n(١) لم أهتد إلى قول ابن عباس هذا في المصادر التي رجعت إليها. وقد ذهب ابن جرير الطبري إلى أن المراد بهم: (يهود بني إسرائيل ومنافقيهم ومنافقي العرب وكفارهم) \"تفسيره\": ٣/ ١٨٩. وقال أبو السعود: (والمراد بالموصول: جنس الكفرة الشامل لجميع الأصناف). تفسيره: ٢/ ١٠. وإلى عموم الآية وتناولها لكل كافر، ذهب كذلك أبو حيان في \"تفسيره\" ٢/ ١٨٧.\n(٢) من قوله: (قال الكلبي) إلى: (بمعنى: عند) نقله بالنص عن \"الثعلبي\" ٣/ ١١ ب.\n(٣) قوله في \"تفسيرالثعلبي\" في الموضع السابق.\n(٤) في \"مجاز القرآن\" ١/ ٨٧.\n(٥) وضعَّف أبو حيان، والسمينُ الحلبي قولَ أبي عبيدة. انظر: \"البحر المحيط\" ٢/ ٣٨٨، \"الدر المصون\" ٣/ ٣٥. ولكن ابن هشام وافق أبا عبيدة في جعل (مِن) موافقة لـ (عند) وكذلك جعلها بمعنى البدل؛ أي: بدل طاعة الله، أو بدل رحمة الله. انظر: \"المغني\" ٤٢٢، ٤٢٤.\n(٦) حروف الصفات هي حروف الجر. قال عنها ابن يعيش في \"شرح المفصل\" ٨/ ٧: (وقد يسميها الكوفيون: حروف الصفات؛ لأنها تقع صفاتًا لما قبلها من النكرات). وقد عقد لها ابن قتيبة بابًا في \"تأويل المشكل\" ص ٥٦٥ فقال (باب دخول بعض حروف الصلات مكان بعض)، وانظر: \"أدب الكاتب\" له ١/ ٣٩٢، \"من أسرار حروف الجر في الذكر الحكيم\" ص ١٢، وانظر التعليق السابق على حروف الإضافة في هامش تفسير قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ آية: ٩.","vol":"5","page":68},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-515>١١ </span>- ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾. الآية. يقال: (دَأبتُ، أَدْأَبُ، دَأبًا) (١). و(دَأَبًا)، و(دُؤُوبًا): إذا اجتهدتَ في الشيء وتعبتَ فيه (٢).\nقال الفراء (٣): والعرب تُثقِّلُ (٤) ما كان ثانيه أحد حروف الحلق (٥):\nكـ (النَعْلِ)، و(الصَخْرِ)، و(النَهْرِ)، و(الشأْمِ) (٦)، وأنشدَ:\nقد سار شرقِيّهُمْ حتى أتى سبأَ ... وانساحَ غربِيُّهُمْ حتى هو الشأَمُ (٧)\nويقال: (سار فلان يومًا دائِبًا): إذا اجتهد في السير يومه كله. هذا\n_________\n(١) في (ب): (داءبًا).\n(٢) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج: ١/ ٣٨٠، \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١١٢٧ (دأب).\n(٣) قوله بمعناه في \"معاني القرآن\" له: ٢/ ٤٧. وورد بمعناه في \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ٣١٣، ونسبه لكتاب (المصادر) للفراء. وأورده السمين الحلبي في \"الدر المصون\" ٣/ ٤٠.\n(٤) في (أ): (تَثَقَّلُ). ولم تضبط بالشكل في بقية النسخ، وصوبته من: \"الدر المصون\" ٣/ ٤٠.\n(٥) حروف الحلق هي: الهمزة، والهاء، والعين، والحاء، والغين، والخاء. انظر: \"سر صناعة الإعراب\" ١/ ٤٦ - ٤٧، \"الممتع في التصريف\" ٢/ ٦٦٨ - ٦٦٩، \"التمهيد\" لابن الجزري ص ٨٣.وقد قال الفراء في \"معاني القرآن\" ٢/ ٤٧ عند قوله تعالى: (دأبا) آية: ٤٧ من سورة يوسف بعد ذكر القراءتين فيها، بتسكين الهمزة وفتحها: (وكذلك كل حرف فُتِح أوله، وسُكِّن ثانيه، فتثقيله جائز إذا كان ثانيه همزةً أو عينًا أو غينًا أو حاءً أو خاءً أو هاءً). وانظر: \"تفسير الطبري\" ٣/ ١٩١، \"البيان\" لأبي البركات الأنباري: ٢/ ٤٢.\n(٦) في (ب)، (أ): (والشام) في (ج): (والسام). وقصد المؤلف هنا أن هذه الكلمات تُنطق بتسكين الحرف الثاني، أو بفتحه.\n(٧) لم أهتد إلى قائله، وقد نقله السمين الحلبي في \"الدر المصون\" ٣/ ٤٠ عن \"البسيط\" للواحدي بالرواية التالية:\nقد سار شرقيهم حتى أتى سبأ ... وانساح غربيهم حتى هوى الشأما.","vol":"5","page":69},{"text":"معناه في اللغة. ثم يصير الدأْب عبارة عن: الحال، والشأن، والأمر، والعادة؛ لاشتمال العمل والجهد على هذا كله (١).\nواختلفوا في معنى الكاف في قوله: ﴿كَدَأْبِ﴾: فقال ابن عباس، وعكرمة (٢)، ومجاهد، والسدِّي، وابن زيد (٣): كفعل آل فرعون، وصنيعهم في الكفر والتكذيب.\nيريد: إن اليهود كفرت بمحمد - ﷺ - كعادة آل فرعون مع فرعون، عرفوا كَذِبَهُ وصِدْقَ موسى، وكذلك كفار الأمم الخالية.\nوعلى هذا التقدير: دأبهم في الكفر، كدأب آل فرعون، فيكون الكافُ في موضع رفعٍ بخبر الابتداء (٤).\nو(الدأب) على هذا التفسير والتقدير إن شِئت قلت: معناه: الأمر والشأن. وهو قول الأخفش (٥). وإن شئت قلت: العادة. وهو قول النضر (٦) والمبَرِّد (٧).\nوأما الزجَّاج، فإنه أجرى (الدأب) على ما هو موضوع عليه في اللغة، فقال (٨): القول فيه عندي: إنَّ دأب هؤلاء أي (٩): اجتهادهم في كفرهم،\n_________\n(١) انظر: \"مجمل اللغة\" ٢/ ٣٤٢، \"اللسان\" ٣/ ١٣١٠.\n(٢) تقدمت ترجمته.\n(٣) انظر أقوالهم في \"تفسير الطبري\" ٣/ ٦٩٠، \"تفسير ابن أبي حاتم\" ٢/ ٦٠٣، \"تفسير ابن كثير\" ١/ ٣٧٥.\n(٤) انظر: \"معاني القرآن\" للزجَّاج ١/ ٣٨٠.\n(٥) في \"معاني القرآن\" له ١/ ١٩٤.\n(٦) لم أهتد إلى مصدر قوله.\n(٧) في \"الكامل\" له ١/ ٣٧٦.\n(٨) في \"معاني القرآن\" له: ١/ ٣٨٠. نقله المؤلف عنه بتصرف يسير.\n(٩) (أي): ساقطة من: (ج).","vol":"5","page":70},{"text":"وتظاهرهم على النبي - ﷺ -، كتظاهر آل فرعون على موسى ﵇.\nقال ابنُ الأنباري (١): لم يخاطب الله تعالى العرب إلَّا بما تَعْقِل (٢)، وقد يكون من عادتها أن تحذف المُشَبَّهَ، وتذكر المشَبَّهَ به (٣)، وتكون كاف التشبيه دليلًا على المحذوف، كقول امرئ القيس:\nكَدَأبِك من أُمِّ الحْوَيْرِث .... البيت (٤).\nأي لَقِيتَ من هذه المنازل، كما لَقِيتَ من هاتين المرأتين (٥)، فحذف، وهذا مشهور في الكلام.\n_________\n(١) لم أقف على مصدر قوله.\n(٢) في (د): (تفعل).\n(٣) (به): ساقطة من: (ج).\n(٤) البيت من معلقته، وهو في: \"ديوانه\": ص ١١١. وروايته في \"الديوان\":\nكَدِينك من أمِّ الحوَيْرِثِ قَبْلَها ... وجارَتِها أُمِّ الرَّباب بِمَأسَلِ\nوورد كذلك في \"تفسير الطبري\" ٣/ ١٩١، \"شرح القصائد السبع\" لابن الأنباري ٢٧، \"إيضاح الوقف والابتداء\" لابن الأنباري ٢/ ٥٦٩، \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ٣١٤، \"الأمالي\" للقالي ٢/ ٢٩٥، \"المنصف\" لابن جني ١/ ١٥٠، \"شرح المعلقات السبع\" للزوزني ص ١٠، \"شرح القصائد العشر\" للتبريزي ص ١٠، \"خزانة الأدب\" ٣/ ٢٢٣.\nوالدأب في البيت: العادة. وكذا قوله: (كدينك) أي: كعادتك. و(أم الحويرث) هي: أخت الحارث الكلبي، وهي امرأة أبي الشاعر، كما صَوَّبَ ذلك البغداديُّ في \"خزانة الأدب\" وقيل: هي أم الحارث الكلبي. و(أم الرَّبَاب): امرأةٌ من بني كلب أيضًا، و(مَأسِل): إسم جبل.\n(٥) أي: لقيت من وقوفك على هذه الديار وتذكرك أهلها، كما لقيت من أم الحويرث وجارتها. وقيل: أصابك من التعب من هذه المرأة، كما أصابك من هاتين المرأتين أي: أصبحت عادتك في حب هذه، كعادتك من تَيْنك في قلة حظك من وصالهما ومعاناتك الوجْد بهما.","vol":"5","page":71},{"text":"وقال بعض أهل المعاني (١): يجوز أن يكون الكاف في محل النصب، متصلة بقوله: ﴿وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ (١٠) كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾؛ لأن (الوقود) وإن كان اسما، ففيه معنى الفعل، ويكون التقدير: تَتَّقد النارُ بأجسامهم [كما تَتَّقدم بأجسام] (٢) آل فرعون، ولم تغن عنهم أموالهم ولا أولادهم عند حلول (٣) النقمة والعقوبة، مثل آل فرعون، أخذناهم وعاقبناهم، فلم يغن عنهم أموالهم ولا أولادهم (٤).\nوعلى هذا القول: شُبِّه حال كفار اليهود بحال آل فرعون في العقوبة، وقلة غناء أسوالهم عنهم، وفي القول الأول: التشبيه وقع بين الحالتين في الكفر والتكذيب.\nقال النحويون: ولا يجوز أن تكون الكاف من صلة (كفروا) في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ لما وقع بينهما من الفصل بخبر (إنَّ) (٥).\nوقوله تعالى: ﴿فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾. قال بعض أهل اللغة: معنى\n_________\n(١) ممن قال بذلك النحاس في \"معاني القرآن\" ١/ ٣٥٩.\n(٢) زيادة من: (ج)، (د).\n(٣) في (ب): (طول).\n(٤) من قوله: (عند حلول) إلى (أولدهم): ساقطة من: (ج)، (د).\n(٥) ممن قال: إن الكاف متعلقة بـ ﴿كَفَرُوا﴾ الفرَّاء. وممن أنكر هذا الوجه الزجَّاج، والنَّحاس. انظر: \"معاني القرآن\" للزجَّاج ١/ ٣٨٠، \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ٣١٣. وتعليل رأييِهما أن الخبر قد تم بقوله (لن تغني ..) فانقطع تعلق الفعل بالكاف، ولا يُعطَف على صلة الموصول بعد تمام الجملة.\nوانظر: \"البيان\" لأبي البركات الأنباري ١/ ١٩٢، \"التبيان\" للعكبري ١/ ١٧٧. \"الكشاف\" ١/ ٤١٤، \"المحرر الوجيز\" ٣/ ٣٢، \"البحر المحيط\" ١/ ٣٨٩ وقد ذكر عشرة أقوال في إعراب الكاف.","vol":"5","page":72},{"text":"الذَّنْب: التُّلُوُّ للشيء. (ذنَبَه، يذْنِبهُ، ذنْبًا): إذا تلاه. و(الذَّنُوبُ): الدَّلْو؛ لأنها تالية للحبل في الجذب، وأصله من (الذَّنَبِ)؛ لأنه تالٍ لصاحبه (١).\nفالذَّنْب: الجُرْم (٢)؛ لأن تبعته تتلو صاحبه من استحقاق الذم (٣).\nوقوله تعالى: ﴿شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾. إنما سُمِّي عقابًا؛ لأنه يعقب الذنب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-516>١٢ </span>- قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾. قال ابن عباس في رواية عكرمة، وسعيد بن جبير، وأبي صالح (٤)، وعطاء (٥): يعني يهود المدينة (٦).\n_________\n(١) انظر: (ذنب) في \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٢٩٥، \"اللسان\" (ذنب) ٣/ ١٥٢٠.\n(٢) في (ج): (والحرم).\n(٣) في (ج)، (د): (الدم).\n(٤) هو: باذام، أو باذان، مولى أم هانىء. تقدمت ترجمته.\n(٥) (عطاء): غير مقروءة في: (ج).\n(٦) أثر ابن عباس هذا برواية عكرمة وسعيد بن جُبير في: \"سنن أبي داود\": برقم (٣٠٠١) كتاب \"الخراج\" باب: كيف كان إخراج اليهود من المدينة \"تفسير الطبري\" ٣/ ١٩٢، \"سيرة ابن هشام\" ٢/ ١٧٩، \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١٢ أ، \"أسباب النزول\" للواحدي: ص ١٠٠ - ١٠١، \"تفسير البغوي\" ٢/ ١٣، \"لباب النقول\" للسيوطي ص ٥١. وورد من رواية الكلبي عن أبي صالح في \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١٢ أ، \"أسباب النزول\" للواحدي ص ١٠٠، \"تفسير البغوي\" ٢/ ١٣. أما رواية عطاء عن ابن عباس، فلم أهتد إلى مصدرها. ونص الأثر في: \"سنن أبي داود\": (لما أصاب رسولُ الله - ﷺ - قريشًا يوم بدر، وقدم المدينة، جَمَع اليهود في سوق بني قينقاع، فقال: \"يا معشَرَ يهودَ، أسلموا قبل أن يصيبكم مثلُ ما أصاب قريشا\"\nقالوا: يا محمدُ، لا يغرَّنَّكَ من نفسك أنك قتلت نفرًا من قريش كانوا أغمارًا لا يعرفون القتال، إنك لو قاتلتنا لعرفتَ أنَّا نحن الناس، وأنك لم تلق مثلنا، فأنزل الله ﷿ في ذلك ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ﴾","vol":"5","page":73},{"text":"وقال مقاتل (١): هم مشركو مكة. واللفظ يحتمل الفريقين جميعًا. يدل على ذلك قوله: ﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ﴾ [البقرة: ١٠٥] فَفَسَّرَ ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بالقبيلين، وكذلك قوله: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ﴾ [البينة: ١].\nوقوله تعالى: ﴿سَتُغْلَبُونَ﴾. يقال: غَلَبَ، غَلَبةً، وغَلَبًا. والغَلَبة أكثر (٢).\nقال الفرَّاء (٣): وكان قوله: ﴿مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ﴾ [الروم: ٣]، حُذفت منها الهاء لمَّا أُضيفت (٤)، كما قال: ﴿وَإِقَامِ الصَّلَاةِ﴾ [النور: ٣٧] فحُذفت منها الهاء للإضافة. وفيه قراءتان: الياء والتاء (٥)، وكذلك قوله: ﴿تُحْشَرُونَ﴾. فمن قرأ بالتاء: فللمخاطبة. ويدل (٦) على حُسن (٧) التاء (٨): قوله تعالى (٩): ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ﴾ [النور: ٣].\n_________\n(١) قوله في \"تفسيره\" ١/ ٢٦٥، \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١٢ أ، \"تفسير البغوي\" ٢/ ١٢.\n(٢) انظر: (غلب) في: كتاب \"العين\": ٤/ ٤٢٠ \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٦٨٢، \"اللسان\" ٦/ ٣٢٧٨.\n(٣) في \"معاني القرآن\" ٢/ ٣١٩.\n(٤) في (ب)، (د): (أضيف).\n(٥) في (د): (التاء والياء). قرأ حمزة والكسائي من السبعة بالياء، وقرأ الباقون بالتاء. انظر: \"الحجة\" للفارسي ٣/ ١٧، \"المبسوط\" لابن مهران ١٤٠، \"حجة القراءات\" لابن زنجلة ١٥٤ - ١٥٥، وكتاب \"الإقناع\" لابن الباذش ٢/ ٦١٨.\n(٦) في (د): (يدل).\n(٧) في (ج): (صحة).\n(٨) من قوله: (ويدل على ..) إلى (.. ولم يقل غضوا): نقله عن \"الحجة\" للفارسي ٣/ ١٨ بتصرف واختصار.\n(٩) من قوله: (تعالى ..) إلى (.. صحة الياء): ساقط من: (ج).","vol":"5","page":74},{"text":"ومن قرأ بالياء، فالمعنى: بلِّغهم أنهم سيُغلَبون. ويدل على صحة الياء: قوله: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا﴾ [الجاثية: ١٤]، وقوله: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور: ٣٠]، ولم يقل: (غُضُّوا).\nقال الفرَّاء (١): مَن (٢) قرأ بالتاء: جعل اليهود والمشركين (٣) داخلين في الخطاب، ثم يجوز في هذا المعنى: الياء، والتاء؛ كما تقول في الكلام: (قل لعبد الله إنه قائم، وإنك قائم) (٤).\nوفي حرف عبد الله (٥): (قل للذين كفروا إن ينتَهوا (٦) يُغفَر لكم (٧) ما قد سلف) (٨).\nومن قرأ بالياء: فإنه ذهب إلى مخاطبة اليهود، وإلى أن الغلبة تقع على المشركين، كأنه قيل: (قل يا محمد لليهود: سَيُغلَبُ المُشركون، ويُحشَرون) فليس يجوز في هذا المعنى (٩) إلَّا الياء؛ لأن المشركين غَيبٌ.\nوقال غير الفرَّاء (١٠): جعل المخاطبة للفريقين أحسن؛ لجواز وقوع\n_________\n(١) في \"معاني القرآن\" ١/ ١٩١.\n(٢) في (ج): (ومن).\n(٣) في (ج): (المشركين واليهود).\n(٤) (وإنك قائم): ساقط م: ن (ج).\n(٥) هو عبد الله بن مسعود ﵁.\n(٦) في (ب): (تنتهوا).\n(٧) في (ج): (د): (لهم).\n(٨) انظر هذه القراءة، في \"المحرر الوجيز\" ٦/ ٣٠٠، \"البحر المحيط\" ٤/ ٤٩٤، ووردت فيه: (تنتهوا). والقراءة المتواترة: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨].\n(٩) في (ج): (الموضع).\n(١٠) القائل هو: أبو علي الفارسي في \"الحجة\" ٣/ ١٩، ونقله المؤلف عنه بتصرف.","vol":"5","page":75},{"text":"(الذين كفروا) عليهما ولأنهما جميعًا مغلوبان: فاليهود غُلِبوا بوضع الجِزْيِ (١) عليهم، والمشركون غُلِبوا بالسيف.\nوقال صاحب النظم (٢): من قرأ بالتاء، فالأمر واقع على هذه اللفظة بعينها، أي (٣): قل لهم هذا القول، ومن قرأ بالياء، فالأمر واقع على المعنى دون اللفظ أي قل لهم ما يكون هذا معناه، وإن لم تكن هذه اللفظة بعينها (٤).\nقال مقاتل (٥): لما نزلت هذه الآية، قال النبي - ﷺ - للكفار يوم بدر: \"إن الله غالبكم وحاشركم إلى جهنم\".\nوقوله تعالى: ﴿وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ قال مجاهد (٦): بئس ما مَهَدوا لأنفسهم.\nوقال الحسن (٧): بئس القرار.\nوقيل (٨): بئس الفراش المُمَهَّدُ لهم. وقال ابن عباس في رواية\n_________\n(١) في (ج): (د): (الخزى) وفي \"الحجة\" الجِزَى، وما أثبته صحيح كذلك؛ لأن الجزي، والجِزى، جمعٌ للجزية وهي: خراج الأرض، وما يؤخذ من أهل الذمة من مال. انظر: \"اللسان\" ٢/ ٦٢١ (جزى).\n(٢) هو: أبو علي، الحسن بن حييى بن نَصْر الجُرْجاني، وكتابه \"نظم القرآن\".\n(٣) من قوله: (أي ..) إلى (.. هذه اللفظة بعينها) ساقطة من (د).\n(٤) وانظر في توجيه القراءة بالتاء والياء: \"الحجة في القراءات السبع\" لابن خالويه ص ١٠٦، \"الكشف\" لمكي ١/ ٣٣٥.\n(٥) قوله في \"تفسيره\" ١/ ٢٥٦، \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١٢ أ.\n(٦) انظر: \"تفسير مجاهد\": ١/ ١٢٢، \"تفسير الطبري\" ٣/ ١٩٣، \"تفسير ابن أبي حاتم\" ٢/ ٦٠٤.\n(٧) لم أهتد إلى مصدر قوله.\n(٨) ممن قال بذلك: الزجاج في \"معاني القرآن\" ١/ ٣٨٠.","vol":"5","page":76},{"text":"عطاء (١): بئس ما مُهِّدَ لكم، وبئس ما مَهَّدتم لأنفسكم.\nوقال أصحاب المعاني: ليس (٢) هناك تمهيد، ولكن المعنى: إنها بدلُ المهاد؛ كما أن البشارة بالعذاب بدل البشارة بالنعيم في قوله: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-517>١٣ </span>- قوله تعالى: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ﴾ قال الفراء (٤): أراد بالآية البيان (٥)؛ فلذلك ذَكَّرَ الفِعْلَ كأن ذهب إلى المعنى، وترك اللفظ كقول الشاعر:\nكَخُرْعُوبَةِ البانَةِ المنفطرْ (٦)\n_________\n(١) لم أقف على هذه الرواية عن ابن عباس، والذي في \"الدر المنثور\" ١/ ٤٣٠ هو قوله: (بئس ما مهدوا لأنفسهم). ونسب إخراجه لابن المنذر، وابن أبي حاتم، ولم يذكر الرواي عنه.\n(٢) في (ج): (وليس).\n(٣) سورة آل عمران: ٢١، التوبة: ٣٤، والانشقاق: ٢٤. وأصل المَهْد لغة: التوثير، ويقال: (مَهَدْت لنفسي مهدًا) و(مَهَّدت لنفسي) أي: جعلت لها مكانا وطيئًا سهلًا، و(مَهَد لمسه خيرًا)، و(امْتَهده): هيأه وتوطأه. والمِهاد: الفراش، سمي بذلك لوثارته، و(مهدت الفراش مهدًا): بسطته ووطأته، والجمع: (أمهِدة) و(مُهُد)، و(مهْد الصبي): موضعه الذي يُهَيَّأ له لينام فيه، وجمعه: مُهود. انظر: (مهد) في: \"الجمهرة\" لابن دريد ص ٦٨٥، \"اللسان\" ٧/ ٤٢٨٦.\n(٤) لم أهتد إلى مصدر قوله. ومن قوله: (أراد بالآية ..) إلى (.. في الدنيا لمغرور): ورد في \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١٣أ، مع اختلاف في بعض عباراته.\n(٥) أي قد كان لكم بيان.\n(٦) عجز بيت، وصدره كما في \"الديوان\":\nبَرَهْرَهَةٌ رُؤدَةٌ رَخصَةٌ\nوهو لامرئ القيس، في: \"ديوانه\": ص ٦٩، كما ورد منسوبًا له في \"تهذيب =","vol":"5","page":77},{"text":"[ولم يقل المنفطرة] (١) لأنه ذهب إلى القضيب.\nويجوز أن يكون التذكير للفصل [الواقع] (٢) بينهما بحرف الصفة؛ كقول الشاعر:\nإنَّ (٣) امرءَّاَ غرَّه مِنْكُنَّ واحدةٌ (٤) ... بعدي وبعدك في الدنيا لَمَغْرُورُ (٥)\n_________\n= اللغة\" ١/ ١٠١٤ (خرعبة)، \"الصحاح\" ١/ ١١٩ (خرعب)، \"والمخصص\": ١٠/ ٢١٤، ٣/ ١١، \"اللسان\" ٢/ ١١٣٨ (خرعب)،١/ ٣٩١ (بون)، ١/ ٢٧٠ (بره). ويروى كذلك: (.. رَخصَةٌ رُودَةٌ) في \"تهذيب اللغة\" وورد في \"الصحاح\": (رأدة) بدلًا من (رُؤدة)، ويروى: (رُودَةٌ). والبرهرهة: الجارية البيضاء، وقيل: التي لها بريق من صفائها، وقيل: الرقيقة الجلد؛ كأن الماء يجري فيها من النعمة، وهي معان متقاربة. والرخصة: الناعمة البَشرة. والرُّؤْدَة، والرَّأدَة، والرَّؤودة: الشابة الحسنة السريعة الشباب مع حسن غذاء. وسُمِّيت بذلك تشبيهًا لها بالغصن الرؤود، وهو الذي نبت من سنته أرطب ما يكون. والخرْعُوبة، والخرْعُوب، والخرعب: الغصن الطري السامق المتثني، وبه شُبِّهت المرأة الرقيقة الحسنة القوام، الكثيرة اللحم. والبانة: واحدة البان، وهو ضرب من الشجر. انظر: \"اللسان\" ١/ ٢٧٠ (بره) ٣/ ١٦١٦ (رخص) ٣/ ١٥٣٢ (رأد) ٢/ ١١٣٨ (خرعب) ١/ ٣٩١ (بون). والشاهد فيه: أنه ذكَّر لفظ (المنفطرْ) مع أن الأصل فيه التأنيث. لأنه صفة للفظ (خرعوبة) المؤنث لفظًا، إلا أنه لما أراد وقصد معنى (الغصن) أو (القضيب) ذكَّر الصفة لتتناسب مع مراده.\n(١) ما بين المعقوفين زيادة من: (ج)، (د). وهي في \"تفسير الثعلبي\" كذلك ٣/ ١٣أ.\n(٢) ما بين المعقوفين زيادة من: (ج) و(د).\n(٣) (إن): ساقطة من: (ج).\n(٤) في (أ): (واحدةً) وبقية النسخ غير مضبوطة بالشكل، والصواب ما أثبت.\n(٥) لم أهتد إلى قائله. وهو في \"معاني القرآن\" للفراء: ٢/ ٣٠٨، \"الخصائص\" لابن جني ٢/ ٤١٤، \"واللمع\" له ص ٨١، \"الأمالي الشجرية\" لابن الشجري ٢/ ٤١٣، \"الإنصاف\" لأبي البركات الأنباري ص ١٥٢، \"شرح المفصل\" ٥/ ٩٣، \"اللسان\" ٦/ ٣٢٣٢ (غرر)، \"شرح شذور الذهب\" ص ٢٣٣، \"وتخليص الشواهد\" لابن =","vol":"5","page":78},{"text":"والخطاب في هذه الآية للمعنيِّينَ بقوله: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وأراد بالآية عَلاَمَةً تدل على صدق النبي - ﷺ -.\nوقوله تعالى: ﴿فِي فِئَتَيْنِ﴾ أراد بالفئتين: رسول الله - ﷺ - وأصحابه يوم بدر، ومشركي مكة حين خرجوا لقتاله، في قول جميع المفسرين.\nوقوله تعالى: ﴿فِئَةٌ تُقَاتِلُ﴾ الرفع (١)، وجْه الكلام، لأن المعنى: إحداهما تقاتل في سبيل الله، فهو رفع على استئناف من الكلام كما أنشدهُ (٢) الفرَّاء:\nإذا مُتُّ كانَ الناسُ صِنْفَيْنِ (٣): شامتٌ ... وآخرُ مُثْنٍ بالذي كنت أفعل (٤)\n_________\n= هشام ٤٨١، \"المقاصد النحوية\" للعيني ٢/ ٤٧٦، \"منهج السالك إلى ألفية ابن مالك\" شرح الأشموني ٢/ ٥٢، \"همع الهوامع\" ٧/ ٦٦، \"الدرر اللوامع على همع الهوامع\" للشنقيطي ٢/ ٢٢٥. والشاهد فيه قوله: (غرَّه منكن واحدةٌ) حيث لم يؤنث الفعل (غرَّ) مع أن إسناده إلى اسم ظاهر حقيقي التأنيث، وهو (واحدة) نظرًا للفصل بين الفعل والفاعل بالمفعول، وهو الضمير المتصل، وبالجار والمجرور، وهو (منكن).\n(١) من قوله: (الرفع ..) إلى (.. والنصب جائز): نقله عن \"معاني القرآن\" للفراء: ١/ ١٩٢، ١٩٣ بتصرف.\n(٢) في (د): (أنشد).\n(٣) في (ج): (صنفان). وفي \"معاني القرآن\" نصفين.\n(٤) البيت للعُجَيْر بن عبد الله السَّلُولي. وقد ورد منسوبًا له في \"كتاب سيبويه\" ١/ ٧٠، \"والنوادر\" لأبي زيد ١٥٦، \"والأزهية في علم الحروف\" للهروي ١٩٩، \"الإفصاح\" للفارقي ٢٨١، \"والبسيط في شرح جمل الزجّاجي\" لابن أبي الربيع السبتي ٢/ ٧٦٠، \"المقاصد النحوية\" للعيني ٢/ ٨٥، \"خزانة الأدب\" ٩/ ٧٢، \"الدرر اللوامع\" ١/ ٤٦. وورد غير منسوب في \"إعراب القرآن\" للنحاس ٢/ ١٠، \"شرح أبيات سيبويه\" للنحاس ص ٤٠، \"أسرار العربية\" لأبي البركات الأنباري=","vol":"5","page":79},{"text":"ابتدأ الكلام بعد الصنفين، ولو كُسِرت على البدل من (١) ﴿فِئَتَيْنِ﴾ جاز؛ كما قال كُثَيِّر (٢):\nوكنت كذي رِجلين: رجلٍ صحيحة ... ورِجْلٍ رَمى فيها الزمانُ فَشَلَّت (٣)\n_________\n= ص ١٣٦، \"شرح المفصل\" ١/ ٧٧، ٣/ ١١٦، ٧/ ١٠٠، \"منهج السالك\" للأشموني ١/ ٢٣٩، \"همع الهوامع\" ١/ ٢٣٥.\nوقد انتهت قافية البيت في أكثر المصادر بكلمة (أصنعُ) بدلا من (أفعلُ) وقد جاءت رواياته مختلفة في بعض كلماتها، فورد (نصفين) و(نصفان) و(وصنفان) بدلًا من (صنفين) وورد (.. ومثنٍ بنِيرَيْ بعض)، و(النِيران): العَلَمان في الثوب. انظر: \"الخزانة\" ٩/ ٧٣.\nوالشاهد فيه، قوله وفق رواية المؤلف: (شامتُ وآخر) بالرفع؛ ناويًا ابتداء الكلام بعد (صنفين)؛ ليفَسِّر؛ وأراد: بعضٌ شامتٌ، وآخر مثنٍ. وعلى الرواية الثانية: (.. كان الناس صنفان: شامت ..)، الشاهد فيه: (صنفان: شامت ..) وأراد: كان الشأن والأمر: الناس صنفان.\n(١) (من): ساقطة من: (د).\n(٢) هو: أبو صخر، كُثَيِّر بن عبد الرحمن بن أبي جمعة. من خزاعة، كان رافضيًّا مُغاليًا، عَدَّه ابنُ سلام من الطبقة الثانية من الشعراء الإسلاميين. عاش في العصر الأموي. انظر: \"طبقات فحول الشعراء\" ٢/ ٥٣٤، \"الشعر والشعراء\" ص ٣٣٤، \"وفيات الأعيان\" ١/ ٥٤٧.\n(٣) البيت في: (ديوانه): ٩٩، كما ورد منسوبًا له في كتاب \"الجمل في النحو\" للخليل ص٢٠٧، \"كتاب سيبويه\" ١/ ٤٣٣، \"مجاز القرآن\" ١/ ٨٧، \"الأمالي\" للقالي ٢/ ١٠٨، \"أمالي المرتضى\" للشريف المرتضى ١/ ٤٦، \"العمدة\" لابن رشيق ٢/ ١٠٤٨، \"والإيضاح\" للفارقي ٢٣٢، ٢٨٢، و\"نتاج الفكر\" للسهيلي ٣١٥، \"المقاصد النحوية\" ٤/ ٢٠٤، \"البسيط في شرح جمل الزجاجي\" ١/ ٣٩٨، \"شرح شواهد المغني\" للسيوطي ٢/ ٨١٤، .. كما ورد غير منسوب في \"المقتضب\" ٤/ ٢٩٠، \"المحلى\" (وجوه النصب)، لأبي بكر بن شقير ١٦٣ و\"إيضاح الوقف =","vol":"5","page":80},{"text":"[يُنشَدُ البيتُ على وجهين (١).\nومما فُسِّر به الأول، فتبعه في الإعراب، ما أنشده] (٢) الفرَّاء:\nحتى إذا ما استقلَّ النجمُ (٣) في غَلَسٍ ... وغُودر البقْلُ (٤) مَلْويٌّ ومحصودُ (٥)\n_________\n= والابتداء\" لابن الأنباري ٢/ ٥٧٠، و\"المخصص\" ص ٥٨، و\"ارتشاف الضرب من لغة العرب\" لأبي حيان ٢/ ٦٢١، و\"المغني\" لابن هشام ٢/ ١٤٣.\nومعنى البيت: أنه لما لم تثبت معشوقته عَزَّة على العهد، وثبت هو على عهدها؛ صار كذي رِجلين: رجلٍ صحيحة، ويعني بها: ثباته على عهدها، ورِجل مريضة، ويعني بها: خيانتها للعهد. ومعنى (شَلَّت): أصابها الشلل، وأصل الفعل: (شَلِلَت، تَشَلُّ، شَلَلًا)، ويقال: (شَلت يدُه)، و(أشلها الله). انظر: \"الخزانة\" ٥/ ٢١٢. والشاهد فيه قوله: (رِجْلٍ ..) كُسرت على البدل من (رِجلين) وهو ما يسمى: بدل المفضَّل من المُجْمل، ويجوز الخفض على النعت.\n(١) أي: في (رِجْل) الوجه الأول: الخفض، كما سبق بيانه. والوجه الثاني: الرفع، على أنه خبر مبتدأ محذوفٍ، وتقديره: هما: رِجلٌ صحيحةٌ، ورجلٌ أخرى ...، أو: إحداهما رِجلٌ .. انظر: \"الخزانة\" ٥/ ٢١١.\n(٢) ما بين المعقوفين زيادة من: (ج)، (د).\n(٣) في (ج): (استقل النجمَ).\n(٤) في (ج): (النفل).\n(٥) البيت لذي الرمة، وهو في: \"ديوانه\": ١٣٦٦، \"والسمط\" ١/ ٣٥٤. وأورده الفرَّاء في \"معاني القرآن\" ٢/ ٤١٠ برواية أخرى:\nحتى إذا ما أضاء الصبح في غَلَسٍ\nوكذا نقله عن الفرَّاء بهذه الرواية النحاسُ في \"إعراب القرآن\" ٢/ ٨٠١ وروايته في \"الديوان\" (.. وأحْصَدَ البقلُ أوْ مُلوٍ ومحصودُ). ومعنى (استقل): ارتفع، و(النجم) أراد به هنا الثريا. و(الغَلَس): ظلمة آخر الليل. وقوله (ملويٌّ)؛ يقال: (ألوَى النبتُ إلواءً): إذا جف. وقوله في رواية الديوان: (وأحْصَدَ البقلُ): أي: حان أن يحصد. انظر: \"ديوانه\" بشرح الباهلي: ١٣٦٧، \"القاموس\" ١٠٤٩ (قلل)، ٥٦١ (غلس).","vol":"5","page":81},{"text":"ففسر، فقال: بعض البقل كذا، وبعضه كذا، والنَّصْب جائز (١).\nوقوله تعالى: ﴿يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ﴾ الرؤية (٢) ههنا متعدية إلى مفعول واحد، يدلك على ذلك تقييده بـ ﴿رَأْيَ الْعَيْنِ﴾. وإذا كان كذلك كان انتصاب ﴿مِثْلَيْهِمْ﴾ على الحال (٣)، لا على أنه مفعول ثانٍ كما تقول: (رأيت زيدًا راكبًا).\nوقوله (مثليهم): المِثْل: يجوز إفراده في موضع التثنية والجمع؛ كقول الشاعر:\nوساقِيَيْنِ مثلِ زيدٍ وجُعَلْ (٤)\n_________\n(١) أي على الحال؛ سواء كان يقصد جواز النصب من الناحية الإعرابية في قوله: ﴿فِئَةٌ﴾ أي: التقتا مختلفتَيْن، أو يقصد جواز النصب في قوله: (ملوي ومحصود) في البيت، فيكون المعنى: حال كونه ملويًا ومحصودًا.\n(٢) من قوله: (الرؤية ..) إلى نهاية قول الله تعالى: (ثم لا يكونوا أمثالكم) نقله عن \"الحجة\" للفارسي ٣/ ٩ - ٢٠ بتصرف.\n(٣) انظر: \"المشكل\" لمكي ١/ ١٥٠، \"البيان\" للأنباري ١/ ١٩٣.\n(٤) صدر بيت من الرجز، وتمامه:\nسَقْبانِ ممشوقان مكنوزا العَضَلْ\nولم أقف على قائله، وقد ورد غير منسوب في \"كتاب سيبويه\" ٢/ ١٧، والفرق بين الحروف الخمسة، لابن السيد البطليُوسي ص ٣٧٠، \"اللسان\" ٤/ ٢٠٣٦ (سقب) ٧/ ٣٩٣٧ (كنز)، \"التاج\" ٢/ ٧٨ (سقب). وروي بلفظ: (.. صَقْبان) بدلًا من (سقبان). و(السَّقْب): ولد الناقة الذكر ساعة يُولد، وقد سبق بيانه. و(الصَّقْب، والصَّقَب): يُطلق على الطويل الممتلئ من كل شيء، ومنه الغصن الريَّان الغليظ الطويل، و(صَقْب الناقة): ولدها، وعمود يُعمد به البيت، و(رجل صقْب): ممتلئ الجسم ناعمه. انظر: \"كتاب العين\" ٥/ ٦٨، \"الفرق بين الحروف الخمسة\" ص٢٧٠، \"اللسان\" ٤/ ٢٤٦٩ (صقب)، و(الممشوق): الذي فيه طول مع خفة لحم. و(مكنوزًا العضل): مجتمعًا، وممتلئًا العَضَل باللحم. انظر: \"اللسان\" ٧/ ٤٢١١ (مشق)، ٧/ ٣٩٣٧ (كنز).","vol":"5","page":82},{"text":"وقال الله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ (١) [النساء: ١٤٠] ولم يقل: أمثالهم. وقد جمع في قوله ﴿ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨].\nوقوله تعالى: ﴿رَأْيَ الْعَيْنِ﴾. يقال: (رَأَيْتُه (٢) رَأيًا)، و(رُؤْية)، و(رأيته في المنام رُؤيا حَسَنَةً) غَيْر مُجْراةٍ (٣). فالرؤيا تختص بالمنام، وهو مصدرٌ لـ (رأيت) (٤)، ويقول: (هو منى رأْيَ العَيْنِ) أي: حيث يقع عليه بصري. فقوله: ﴿رَأْيَ الْعَيْنِ﴾ يجوز (٥) أن يَنْتَصِبَ عدى المصدر (٦)، ويجوز أن يكون ظرفًا للمكان (٧)، كما تقول: (تروْنهم أَمامَكم). ومثله: (هو مِنِّى مَزْجَرَ الكَلْبِ) (٨)،\n_________\n= والشاهد في البيت: إفراد (مثل) وهي في موضع التثنية.\n(١) فأفرِدَت (مثل) في الآية، وهي في موضع الجمع.\n(٢) من قوله: (رأيته ..) إلى (.. مجراة): نقله عن \"تفسير الطبري\" ٣/ ١٩٨ مع التصرف.\n(٣) في (ج): (محزاة)، (د): (مجزاة). ومعنى: (غير مُحجْراة): أي أن كلمة (رُؤْيا)، غير مصروفة، والإجراء: المنع من الصرف. وهو من اصطلاحات الكوفيين. يقولون: (ما يجرى وما لا يجرى)، و(الجاري وغير الجاري). قال ابن حجر: (وهذا اصطلاح قديم، يقولون للاسم المصروف: مُجْرى). \"فتح الباري\" ٨/ ٦٨٤. وقد وردت هذه اللفظة كثيرًا عند الفرَّاء. انظر: \"معاني القرآن\" ٣/ ١٥٠، ٢١٤، ٢١٨، \"والحروف\" لأبي الحسين المزني ٥٩، \"النحو وكتب التفسير\" ١/ ١٨٦، \"دراسة في النحو الكوفي\" ص ٢٣٣.\n(٤) في (د): (مصدرًا رأيت).\n(٥) في (ج): (ويجوز).\n(٦) والنصب هنا على المصدر: إمَّا المصدر التوكيدي، أو المصدر التشبيهي أي: رأيا مثلَ رأي العين أي: يشبه رأي العين.\n(٧) أي: يجوز نصبه لكونه ظرف مكانٍ.\n(٨) انظر هذا المَثَل في \"كتاب سيبويه\" ١/ ٤١٣، ٤١٦، \"الأصول\" لابن السراج ١/ ١٩٩، \"المسائل الحلبيات\" للفارسي ٥٩، \"اللسان\" ٣/ ١٨١٣ (زجر).\nوالمَزْجَر: اسمٌ لمكان الزَجْر. والزَّجْر: المنع والنهي والانتهار. ومعنى هذا المثل: أنه مني في القرب بتلك المنزلة.\nانظر: (زجر) في \"اللسان\" ٣/ ١٨١٣، \"المعجم الوسيط\" ١/ ٣٩٠.","vol":"5","page":83},{"text":"و(مَنَاطَ العَيُّوقِ) (١).\nوفي قوله: ﴿يَرَوْنَهُمْ﴾ قراءتان: التَّاءُ (٢)، والياء (٣). فمن قرأ بالتَّاء؛ فلأن ما قبله خطاب لليهود؛ والمعنى: تَرَوْن أيها اليهود المسلمينَ مِثْلي ما كانوا، أي: مِثْلي الفئة الكافرة؛ وذلك أن الله تعالى كَثَّر المسلمين في أعينهم يوم بَدْر. فذلك الآية، والأُعجوبة، وهو أنهم رَأَوا القليلَ كثيرًا. ويجوز أن تكون الكناية عن الفئة الكافرة، وهم المشركون، والمعنى: تَرَوْنَ المشركين ضِعفي المؤمنين.\n_________\n(١) المَناط: موضع التعليق. والعيُّوق: نجم أحمرُ مضيءٌ في طرف المجرَّة الأيمن، يتلو الثريا، لا يتقدمها، ويطلع قبل الجوزاء. ومعنى المَثَل: هو مني شديد البعد، كبعد مكان هذا النجم. انظر: \"القاموس\" ص ٩١٣ (عوق)، \"المعجم الوسيط\" ٢/ ٦٤٣ (عاق) ٢/ ٩٧٢ (ناط).\nوقد ورد المَثَل في \"مجمع الأمثال\" للميداني ١/ ٢٠١، \"المستقصى في الأمثال\" للزمخشري ١/ ٢٤، \"الدرة الفاخرة\" لحمزة الأصفهاني ١/ ٧٥، ٧٦. وورد بلفظ: (أبعد من العيوق) في \"جمهرة الأمثال\" للعسكري ١/ ٢٠٤، ٢٣٨. وورد: (وهو مني مناط الثريا) في \"الأصول\" لابن السراج ١/ ١٩٩. ولم يرتض السمينُ الحلبي رأيَ الواحدي بالنصب على الظرفية، فقال بعد أن نقل قول الواحدي السابق: (وهذا إخراجٌ للفظ عن موضوعه مع عدم المساعد معنًى وصناعةً). انظر: \"الدر المصون\" ٣/ ٥٥.\n(٢) قوله: (التاء والياء، فمن قرأ بالتاء) ساقط من: (ج).\n(٣) قرأ نافع بالتاء، وقرأ باقي القرَّاء السبعة بالياء. انظر: \"السبعة\" ص ٢٠١ - ٢٠٢، \"الحجة\" للفارسي ٣/ ١٧.","vol":"5","page":84},{"text":"ونذكر بعد هذا كيف رأَوْهم مِثْلَيهم، وهم كانوا ثلاثةَ أمثالهم؟! (١).\nومن قرأ بالياء؛ فَلِلْمُغايَبَةِ (٢) التي جاءت بعد الخطاب، وهو قوله: ﴿فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ﴾. فقوله: ﴿يَرَوْنَهُمْ﴾ يعود إلى الإخبار عن إحدى الفِئتين: يجوز أن يكون خَبرًا عن الفئة المسلمة،\n_________\n(١) وهناك وجهٌ إذا كان الخطاب لليهود، إضافة إلى ما ذكره المؤلف، وهو: ترون أيها اليهودُ الكفارَ مثلي عدد الكفار، أي أن الله كثَّر الكفار في أعين اليهود، ومع ذلك كان النصر عليهم للمسلمين، وفيه دلالة على تأييد الله للمؤمنين. ويرى السمينُ الحلبي، أن كون الخطاب هنا لليهود استتباعًا لخطابهم في قوله تعالى: ﴿لَكُمْ﴾ يرى أن (تكلفٌ لا حاجة إليه). ويعلل ذلك بقوله: (لأن اليهود لم يكونوا حاضري الواقعة حتى يُخاطَبوا برؤيتهم لهم ذلك). \"الدر المصون\" ٣/ ص ٥٠ - ٥١. كما أن هناك وجوهًا أخرى وُجِّهَتْ بها القراءة بالتاء، وهي:\nأن الخطاب في قوله: ﴿لَكُمْ﴾ و﴿تَرَوْنَهُمْ﴾ للمؤمنين، أي: كان لكم أيها المؤمنون آية ... حيث ترون الكفارَ مِثْلَيْ ما أنتم عليه في العدد، واستُبعِدَ هذا بأنه خلاف ما ذكره الله في آية ٤٤ من سورة الأنفال ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ﴾ حيث قلل الله المشركين في أعين المؤمنين.\nأن الخطاب في قوله: ﴿تَرَوْنَهُمْ﴾ للمؤمنين، أي: ترون أيها المؤمنون الكافرين مثلي عدد أنفسكم. و﴿مِثْلَيْهِمْ﴾ هنا انتقالٌ من الخطاب إلى الغيبة، والمعنى: ترونهم مثلي الفئة المقاتلة في سبيل الله. أو ترون أيها المسلمون المسلمين، أي: ترون أنفسكم مثلي عددكم.\nأن الخطاب في ﴿لَكُمْ﴾ و﴿تَرَونَهُمْ﴾ للكفار، أي: قد كان لكم أيها المشركون آية .. حيث ترون المؤمنين مثلي أنفسهم في العدد، ورُدَّ هذا بما رُدَّ به الوجه الأول. ترون أيها المشركون المؤمنين مثلي فئتكم الكافرة و﴿مِثْلَيْهِمْ﴾ هنا انتقال من الخطاب إلى الغيبة، وحول هذه الوجوه المذكورة نقاشات، تراجع في الكشف لحمكي ١/ ٣٣٦. \"الحجة\" للفارسي ٣/ ٢٠، \"حجة القراءات\" ص ١٥٤، \"الدر المصون\" ٣/ ٤٨ - ٥١.\n(٢) في (ج)، (د): (فللمعاينة).","vol":"5","page":85},{"text":"ويجوز (١) أن يكون خبرًا عن الفئة الكافرة (٢). فإن جعلته خبرًا عن الفئة المُسْلمة (٣)، فالمعنى: يرى المسلمونَ المشركينَ مِثْلَيهم.\nفإن قيل: المسلمون يوم بَدر كانوا ثلاثمائة وثلاثةَ عشر رجلًا، والكفار كانوا تسعمائة وخمسين رجلًا (٤)، فكيف رأى المسلمون (٥) المشركين مِثْليهم، وهم كانوا ثلاثة أمثالهم؟!\nفزعم الفرَّاءُ (٦): أن المعنى: يرونهم ثلاثة أمثالهم. قال: لأنك إذا قلت: (عندي ألف، وأحتاج إلى مِثليه). فأنت تحتاج إلى ثلاثة (٧) آلاف (٨)؛ لأنك لمَّا نَوَيْتَ أن يكون الألف الذي عندكَ داخلًا في المِثْل، كان (المِثْل): اثنين، و(المثلان): ثلاثة. وعلى هذا (٩) الآية كانت في أن المسلمينَ رَأَوْا المشركين على ما هم عليه مِنْ وُفُورِ العَدَدِ، ومع ذلك كانت قلوبهم مملوءةً جُرْأةً عليهم، واحتقارًا لهم، وشهوةً لملابستهم (١٠).\n_________\n(١) من قوله: (ويجوز) إلى (.. عن الفئة المسلمة) ساقط من: (د).\n(٢) في (ج): (المسلمة).\n(٣) فإن جعلته خبرًا عن الفئة المسلمة) ساقط من: (ج).\n(٤) انظر: \"صحيح البخاري\" (٣٩٥٧) كتاب المغازي، باب: عدة أصحاب بدر، \"صحيح مسلم\" برقم (١٧٦٣): كتاب الجهاد. باب: الإمداد بالملائكة في غزوة بدر، \"زاد المعاد\" ٣/ ١٧٥، \"حدائق الأنوار\" لابن الديبع ٢/ ٤٩٨ - ٤٩٩، \"السيرة النبوية\" لابن كثير ٢/ ٤٠٤، ٤٢٢.\n(٥) في (ج): (المسلمين).\n(٦) في \"معاني القرآن\" ١/ ١٩٤. نقله عنه بتصرف، واختصار.\n(٧) من قوله: (ثلاثة ..) إلى (.. في المثل، كان) ساقط من: (ج).\n(٨) في (د): (ألف).\n(٩) في (د): (هذه).\n(١٠) الملابسة: المخالطة. وهنا بمعنى: الاشتباك مع الكفار في ساحة المعركة. انظر: \"اللسان\" ٧/ ٣٩٨٧ (لبس).","vol":"5","page":86},{"text":"قال الزجاج (١): وهذا غلط؛ لأنَّا إنما نعقل (مِثْل الشيء): مساويًا له، و(مثليه): ما يساويه مَرَّتَيْن. والذي قاله الفرَّاءُ يَبْطُل في معنى الدلالة على الآية المعجزة؛ لأن المسلمين إذا رأوهم على هيئتهم، فليس في هذا آيةً، وإنما المعنى في هذا: أن الله ﷿ أرى المسلمين أنَّ المشركين إنما هم (٢) ستمائة وكَسْر، وذلك (٣)، ان الله ﷿ كان قد أعلم المسلمين أن المائة منهم تغلب المائتين من الكفار (٤)، فأراهم المشركين على قَدْرِ ما أعلمهم أنهم يغلبونهم؛ ليُقَوِّي قلوبَهم.\nوالدليل على صحة هذا المعنى: قوله: ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ﴾ [الأنفال: ٤٤]، فرأى كلُّ واحدٍ من الفريقين الآخرَ أقلَّ مِمّا كانوا؛ لِيَطْمَعَ كلُّ واحد منهما في الآخر، فيتقدم ويُلابِسَ. وهذا (٥) هو الذي فيه الآية المعجزة، وهو رؤية الشيء بخلاف صورته. انتهى كلامه (٦).\nهذا إذا جعلنا قوله: ﴿يَرَوْنَهُمْ﴾ إخبارًا عن المؤمنين، فإنْ جعلته\n_________\n(١) في \"معاني القرآن\" له ١/ ٣٨١ نقله عنه بتصرف واختصار.\n(٢) في (ج): (سماهم).\n(٣) قوله (وكسر، وذلك): بياض في: (د).\n(٤) وذلك في قول الله تعالى: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ آية: ٦٦ من سورة الأنفال.\n(٥) في (ب): (هذا).\n(٦) ومما يدفع قول الفراء الآنف: أن (المِثل) في اللغة: شِبْه الشيء، والمعادل له في المثال والقَدْر والمعنى.\nكتاب \"العين\": ٨/ ٢٢٨، وذيل كتاب \"الأضداد\" للصَّغاني: ٢٤٥.","vol":"5","page":87},{"text":"إخبارًا عن الفئة الكافرة (١)، فيكون المعنى: يُرِي الفئةَ الكافرةَ الفئةَ المقاتلةَ في سبيل الله مِثْلَيهم أي: مِثْلي ما كانوا، أو (٢) مِثْلي أنفسهم، على ما ذكرنا مِنْ تكثير الله إيَّاهم.\nفإن قيل: كيف يصح تكثير الله المسلمينَ في أعينِ الكافرين، وقد قال: ﴿وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ﴾ [الأنفال: ٤٤].\nفالجواب: ما قاله أبو عبيد (٣)، وهو إنَّ التقليل كان في حالة أخرى، فالله (٤) تعالى كثَّر المسلمين في أعين الكافرين، كما قَلَّل الكافرين في أعينهم، ثم في حالة أخرى، قَلَّل المسلمين في أعينهم؛ لِيَطْمَعوا (٥) فيهم، فإذا لابسوهم، كانت العاقبةُ للمسلمين عليهم. فَكِلا (٦) الأمرين فيه دلالة على لُطْف الله ﷿ للمؤمنين (٧)، وحُسْن مَعُونَتِه إياهم.\nوالقراءة الصحيحة الموافقة للآية التي في الأنفال من غير اختلاف حالين: قراءة العامة، وهي الياء المُعْجَمة، على المعنى الذي ذكره الزجَّاج.\nعلى أنَّ الفرَّاء (٨) قال: يجوز أن يكون التقليل الذي ذُكِر (٩) في\n_________\n(١) من (الكافرة ..) إلى (.. الفئة الكافرة): ساقط من (ج).\n(٢) في (أ)، (ب): (و). والتصويب من (ج) و(د).\n(٣) لم أهتد إلى مصدر قوله.\n(٤) في (د): (والله).\n(٥) في (أ): (ليطعموا)، والمثبت من (ب)، (ج)، (د)، وهو الصواب.\n(٦) في (د): (فكان).\n(٧) (للمؤمنين): ساقطة من (ج) و(د).\n(٨) في \"معاني القرآن\" ١/ ١٩٥.\n(٩) في (ج): (ذكره).","vol":"5","page":88},{"text":"الأنفال لم يكن من طريق تقليل العَدَد، ولكن معناه: التهوين، كما تقول: (إني لأرى كثيرَكم قليلًا)، أي: قد هُوِّن علي، لا (١) أنك ترى الثلاثةَ اثنين (٢). وإذا كان كذلك صَحَّ تكثيرُ الله المسلمين في أعين الكافرين، على ما ذكرنا.\nوقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ نَصْرُ الله تعالى المسلمين على وجهين: نَصْرٌ بالغَلَبَةِ، كنصرهم يوم بدر. ونَصْرٌ بالحُجَّة. ولو هُزِمَ قومٌ مِنَ المؤمنين لجاز أن يقال: هم المنصورون بالحُجَّة، ومحمودِ العاقبة.\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً﴾ العِبْرَة: الاعتبار (٣)، وهي: الآية التي يُعْبَر (٤) بها من منزلة الجهل إلى العلم؛ لأن المعتبر بالشيء، تاركٌ جهلَه، وواصلٌ إلى عِلْمِهِ بما رأى.\nوأصلُه من: (العُبُور)، وهو: النفوذ من أحد (٥) الجانبين إلى الآخر. ومنه: (العِبارة) وهو: الكلام الذي يَعْبرُ (٦) بالمعنى إلى المخاطَب، و(عبارة\n_________\n(١) (لا): ساقطة من: (ج).\n(٢) وقد دافع ابن الأنباري عن قول الفرَّاء هذا مبينًا أن الأعجوبة لم تكن في العَدَد، وإنما كانت في الجزع الذي أوقعه الله تعالى في قلوب المشركين على كثرتهم، وقلة المسلمين، ولِما قذفه الله من شجاعة في قلوب المسلمين، فهانت بها كثرة عدد المشركين عليهم، فكان احتقار المسلمين للكافرين على وفرة عددهم أعجب من احتقارهم لهم على نقصان عددهم. انظر: \"الأضداد\" ص ١٣٣.\n(٣) وفي \"الصحاح\": (العِبْرَة: الاسم من الاعتبار) ٢/ ٧٣٢ (عبر).\n(٤) في (د): (يُعتبر).\n(٥) في (د): (إحدى).\n(٦) في (أ): (يُعْبَرُ). وفي بقية النسخ غير مضبوطة بالشكل. والصواب ما أثبته ليستقيم المعنى.","vol":"5","page":89},{"text":"الرُّؤْيا) من ذلك؛ لأنه تفسير لها، يَعْبُر بها من حال النَوْم إلى حال اليَقَظَةِ بإظهار التأويل (١).\nوقوله تعالى: ﴿لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ أي: لأولي (٢) العقول؛ كما يقال: (لِفُلانٌ (٣) بَصَرٌ بهذا الأمر)، أي: على علم ومعرفة. وليس بالأبصار التي يشترك فيها سائرُ الحيوان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-518>١٤ </span>- قوله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ﴾. يقال: مَن الذي زَيَّن للناس ذلك؟ فيقال: اللهُ تعالى زَيَّن للناس؛ بما جعل (٤) في الطِبَاع من المنازعة إلى هذه الأشياء محنةً، كما قال الله ﷿: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ﴾ [الكهف: ٧].\nوقال بعضهم (٥): الشيطان زينها؛ لأن الله تعالى زهَّد فيها؛ بأنْ أعلم وأرى زوالها (٦)، ولو زهَّد فيها (٧) حقيقةً؛ لوُجد ذلك في الخَلْقِ كلِّهم، كما وُجِد التزيين؛ فإنَّ حُبَّ هذه الأشياء موجودٌ في طِبَاع البَشَر (٨).\n_________\n(١) وقد أخذت الكلمة من (العِبْر) وهو جانب النهر. (وعبرت النهرَ والطريقَ): إذا قطعته من هذا الجانب إلى الجانب الآخر. انظر: (عبر) في \"التهذيب\" ٣/ ٢٣٠٥، \"مجمل اللغة\" ٢/ ٦٤٣، \"مفردات ألفاظ القرآن\" ص ٥٤٣، \"التوقيف على مهمات التعاريف\" للمناوي ص ٤٩٩.\n(٢) في (ج): (أولي).\n(٣) في (ج): (فلان).\n(٤) في (ب): (بحب أجعل).\n(٥) انظر: \"معاني القرآن\" للزجَّاج ١/ ٣٨٣ حيث اقتبس منه المؤلف بعض العبارات.\n(٦) في (د): (والها).\n(٧) (فيها): ساقطة من: (ج).\n(٨) وممن قال بهذا القول: الحسن البصري ﵁ وممن قال بالقول الأول:=","vol":"5","page":90},{"text":"والشهوة: تَوَقان النفس إلى الشيء، وقد ذكرناها في سورة الأعراف، عند قوله: ﴿شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ﴾ [الأعراف: ٨١].\nوقوله تعالى: ﴿وَالْقَنَاطِيرِ﴾. جَمْعُ (قِنْطار)، وكثر الاختلاف في معنى (القنطار): فروى أبو هريرة (١) عن النبي - ﷺ -، أنه قال:\n_________\n= عمر بن الخطاب ﵁. انظر: \"تفسير ابن أبي حاتم\" ٢/ ٦٠٧، \"تفسير الطبري\" ٣/ ١٩٩، \"المحرر الوجيز\" ٣/ ٤٠، \"الدر المنثور\" ٢/ ١٧١٨. وقال الخازن في \"تفسيره\" ١/ ٢٧٤: (قال أهل السنة: المُزيِّنُ: هو الله تعالى؛ لأنه تعالى خالق جميع أفعال العباد، ولأن الله تعالى خلق جميع ملاذ الدنيا، وأباحها لعبيده، وإباحتها للعبيد تزيين لها) ثم ذكر من الآيات ما يدل على ذلك، ثم قال: (ومما يؤيد ذلك: قراءةُ مجاهد: (زَيَّنَ) بفتح الزاي على تسمية الفاعل. وقال الحسن: المزين: هو الشيطان. وهو قول طائفة من المعتزلة، ويدل على ذلك: أن الله تعالى ... أطلق حب الشهوات، فيدخل فيه الشهوات المحرمة، والمُزَيِّن لذلك هو الشيطان، ولأن الله تعالى ذكر هذه الأشياء في معرض الذم للدنيا، ويدل عليه آخر هذه الآية، وهو قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ ونقل عن أبي علي الجبَّائي من المعتزلة أن كل ما كان حرامًا، كان المزين له هو الشيطان، وكل ما كان مباحًا كان المزين له هو الله تعالى. والصحيح: ما ذهب إليه أهل السنة، لأن الله تعالى خالق كل شيء، ولا شريك له في ملكه). ولكن الآية هنا تحتمل الأمرين؛ لأن تزيين الله لها، حقيقة، كما سبق إيضاح المؤلف له، وكما ورد في قول الخازن، أما تزيين الشيطان لها فبالوسوسة والخديعة وتحسين أخذها من غير وجهها، والحض على تعاطي الشهوات المحضورة فيها، وعلى هذا الوجه يُحمل كلام الحسن ﵁. انظر: \"المحرر الوجيز\" ٣/ ٤٠، \"البحر المحيط\" ٢/ ٣٩٦، \"تفسير الرازي\" ٧/ ٢٠٩، \"الإنصاف\" فيما تضمنه \"الكشاف\" من الاعتزال، لابن المنير (مطبوع على هامش \"الكشاف\" ١/ ٤١٦، \"روح المعاني\" ٣/ ٩٩.\n(١) هو: أبو هريرة بن عامر الدوسي. واختلف في اسمه كثيرًا، ولم يُختَلَف في اسم آخر مثله ولا ما يقاربه. فقيل: عمير، وقيل: عبد الله، وقيل: عبد الرحمن، وقيل غير ذلك. وقيل: إن اسم والده: صخر. وقيل: دومة، وقيل غير ذلك. أسلم بين =","vol":"5","page":91},{"text":"\"القنطار: اثنا (١) عشر ألف أوقية\" (٢).\nوروى أنس عنه أيضًا: أن القنطار: ألف دينار (٣).\nوروى أُبَيُّ بن كعب، أنه قال: القنطار (٤): ألف ومائتا أوقية (٥)\n_________\n= الحديبية وخيبر، وهاجر وسكن الصُّفَّة، وكان من ألزم الصحابة للنبي - ﷺ -، وأحفظهم للحديث عنه، وأكثرهم رواية. توفي سنة (٥٧ هـ). انظر: \"أسد الغابة\" ٦/ ٣١٨، \"الإصابة\" ٤/ ٢٠٢.\n(١) في (ب)، (ج)، (د): (اثني).\n(٢) الحديث أخرجه: أحمد في \"المسند\" ٢/ ٣٦٣، وابن ماجه (٣٦٦٠) \"كتاب الأدب\" باب: (بر الوالدين)، وقال البوصيري في \"زوائد ابن ماجه\" مما نقله محقق \"السنن\": (إسناده صحيح، رجاله ثقات) ولكن ضعفه الألباني في \"صحيح سنن ابن ماجه\" ٢/ ٤٩٤ برقم (٢٩٥٣)، وأخرجه الدارمي في \"السنن\" ٤/ ٢١٧٧ (٣٥٠٧) باب: (كم يكون القنطار). وأوقفه على أبي هريرة، وأخرجه ابن حبان في \"صحيحه\" انظر: \"الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان\" ٦/ ٣١١ برقم: ٢٥٧٣، وقال محققه، شعيب الأرنؤوط: (إسناده حسن)، وأخرجه البيهقي في \"السنن\" ٧/ ٢٣٣ وأورده الثعلبي في \"تفسيره\" ٣/ ١٥ ب، وابن كثير في \"تفسيره\" ١/ ٣٧٧، ونسب إخراجه لوكيع في \"تفسيره\" وأورده السيوطي في \"الدر\" ٢/ ١٨، والمتقي الهندي، في \"كنز العمال\" ٢/ ٥ برقم (٢٨٩٢).\n(٣) أخرجه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٢/ ٦٠٨، وقال محقق التفسير: إسناده ضعيف، ولم يصح رفعه. وأورده ابن كثير في \"تفسيره\" ١/ ٣٧٧ ونسب إخراجه للطبراني، وأخرجه الثعلبي في \"تفسيره\" ٣/ ١٥ ب، وأورده السيوطي في \"الدر\" ٢/ ١٨، ونسب إخراجه كذلك لابن مردويه.\nوقد ورد عن أنس ﵁ بلفظ آخر، يرفعه: (القنطار: ألفا أوقية). رواه الحاكم في \"المستدرك\" ٢/ ١٧٨ كتاب النكاح. وقال: صحيح الإسناد على شرط الشيخين، وأقرَّه الذهبيُّ، وأورده السيوطي في \"الدر\" ٢/ ١٨، والمتقي الهندي في \"كنز العمال\" ٢/ ٥ برقم (٢٨٩١).\n(٤) في (ج): (إن القنطار).\n(٥) أخرجه ابن جرير في \"تفسيره\" ٣/ ٢٠٠، وأورده ابن كثير في \"تفسيره\" ١/ ٣٧٧،=","vol":"5","page":92},{"text":"وهو قول ابن عمر (١)، ومعاذ بن جبل (٢) وابن عبَّاس في (٣) رواية عَطيَّة (٤).\nوقال في رواية الوالبي: القنطار: اثنا (٥) عشر ألفَ درهم، أو ألفُ دينار، دِيَةُ أحدِكم (٦).\n_________\n= وأورده السيوطي في \"الدر\" ٢/ ١٨، والمتقي الهندي في \"كنز العمال\" ٢/ ٥ برقم (٢٨٩٣)، وقال عنه ابن كثير: (وهذا حديث منكر أيضًا، والأقرب أن يكون موقوفًا على أبي بن كعب، كغيره من الصحابة).\n(١) الأثر عنه، في \"تفسير الطبري\" ٣/ ٢٠٠، \"تفسير الثعلبي\" ١٣/ ١٥ ب، \"المحرر الوجيز\" ٣/ ٤١، \"زاد المسير\" ١/ ٣٥٩. وورد عنه: أن القنطار سبعون ألفًا. انظر: \"تفسير الطبري\" ٣/ ٢٠١، \"تفسير ابن أبي حاتم\" ٢/ ٦٠٩.\n(٢) الأثر عنه، في \"سنن الدارمي\" ٤/ ٢١٧٨ (٣٥١٢) كتاب: فضائل القرآن، باب: (كم يكون القنطار)، \"تفسير الطبري\" ٣/ ٢٠٠، \"تفسير ابن أبي حاتم\" ٢/ ٦٠٨، \"غريب الحديث\" لأبي عبيد: ٢/ ٢٦٠، \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١٥ ب، \"سنن البيهقي\": ٧/ ٢٣٣، كتاب الصداق، باب: (لا وقت في الصداق)، \"تفسير البغوي\" ٢/ ١٥، \"المحرر الوجيز\" ٣/ ٤١، \"زاد المسير\" ١/ ٣٥٩، \"الدر المنثور\" ٢/ ١٨، ونسب إخراجه لعبد بن حميد.\nومعاذ بن جبل، هو: أبو عبد الرحمن، الأنصاري الخزرجي. من كبار الصحابة، شهد العقبة والمشاهد كلها، بعثه النبي - ﷺ - قاضيًا على منطقة (الجَنَدِ) من اليَمَن، وهو مُقَدَّمٌ في علم الحلال والحرام، وممن جمع القرآن على عهد النبي - ﷺ -، توفي بالطاعون سنة (١٧هـ). انظر: \"الاستيعاب\" ٣/ ٤٥٩، \"الإصابة\" ٣/ ٤٢٦.\n(٣) في (ج): (وفي).\n(٤) الأثر عنه، في \"تفسير الطبري\" ٣/ ٢٠، \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١٥ ب، \"سنن البيهقي\" ٧/ ٢٣٣، \"الدر المنثور\" ٢/ ١٨.\n(٥) في (ج): (د): (اثني).\n(٦) الأثر عنه، في \"تفسير الطبري\" ٣/ ٢٠٠، \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١٦ أ، \"سنن البيهقي\" ٧/ ٢٣٣، \"الدر المنثور\" ٢/ ١٨.","vol":"5","page":93},{"text":"وبه قال: الحسن (١) [وقتادة] (٢).\nوقال الكلبي (٣): القنطار بلسان الروم: مِلْءُ (٤) مَسْكِ ثَوْر (٥)، من ذهب أو فضة. وهو قول أبي نَضْرة (٦).\n_________\n(١) الأثر عنه، في \"سنن الدرامي\" ٤/ ٢١٧٤ (٣٥٠١) كتاب: فضائل القرآن، باب: من قرأ من مائة آية إلى الألف، رواه مرة مرسلًا عنه، ومرة موقوفًا عليه. وورد في \"تفسير ابن أبي حاتم\" ٢/ ٦٠٨، \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١٦ أ، \"تفسير البغوي\" ٢/ ١٥، \"المحرر الوجيز\" ٣/ ٤١، \"زاد المسير\" ١/ ٣٥٩.\n(٢) ما بين المعقوفين: زيادة من: د.\nولم أهتد إلى مصدر الأثر عنه، وإنما الوارد عنه في المعنى المذكور: روايته عن الحسن، وهي في \"تفسير الطبري\" ٣/ ٢٠٠. أما الوارد عنه من قوله هو: أن المثقال: ثمانون ألفًا من الورق، وهي الفضة، أو مائة رطل من ذهب. وقد ورد هذا الأثر في \"تفسير الطبري\" ٣/ ١٩٩، \"الزاهر\" ١/ ٤٣٢، \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١٦ أ، \"زاد المسير\" ١/ ٣٥٩، \"المحرر الوجيز\" ٣/ ٤٢، \"الدر المنثور\" ٢/ ١٨، ونسب روايته لعبد بن حميد.\n(٣) أورد قوله: أبو عبيدة في \"مجاز القرآن\" ١/ ٨٩، وأورده نقلًا عن النقَّاش ابن عطية، في \"المحرر الوجيز\" ٣/ ٤٢، والقرطبي في \"تفسيره\" ٤/ ٣١، وفي \"الزاهر\" ١/ ٤٣٢، ينقل عن الكلبي، أن القنطار: ألف مثقال، ذهب أو فضة، وكذا في \"زاد المسير\" ١/ ٣٥٩.\n(٤) في (ب): (ملاء)، وفي (ج): (ملو).\n(٥) المَسْكُ: هو الجلد. انظر: \"النهاية في غريب الحديث\" ٤/ ٣٣١.\n(٦) في (ج) في (د) أبي (نصرة).\nالأثر عنه، في \"سنن الدارمي\" ٤/ ٢١٧٧ (٣٥٠٨) كتاب: فضائل القرآن، باب: كم يكون القنطار، \"تفسير الطبري\" ٣/ ٢٠١، \"الزاهر\" ١/ ٤٣٢، \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١٦ أ، \"المحرر الوجيز\" ٣/ ٤٢، \"ابن كثير\" ١/ ٣٧٧. ولكن أبو منصور الثعلبي، في \"فقه اللغة\" ١/ ١٩٩، ذكر أن مقداره في لغة الروم: اثنا عشر ألف أوقية. وأبو نضرة هو: المنذر بن ملك بن قُطَعة العبدي، العَوَقي، البصري. عده ابن حجر من الطبقة الوسطى من التابعين، ثقة، توفي سنة (١٠٨هـ) أو (١٠٩هـ). انظر: \"سير أعلام النبلاء\" ٤/ ١٢٩، \"تقريب التهذيب\" (٦٨٩٠)، \"تهذيب التهذيب\" ٤/ ١٥٤.","vol":"5","page":94},{"text":"ويقال: إنَّه في التوراة كذا. وبلسان أفريقية، وأندلس: ثمانية ألف (١) مثقال من ذهب أو فضة (٢).\nقال الزجَّاج (٣): والذي يخرج من اللغة أن (القنطار) مأخوذ من عَقْدِ الشيء وإحكامه، و(القَنْطَرة) من ذلك؛ لتوثيقها بعَقْدِ الطَّاق (٤). وكأن القنطار (٥): هي الجملة التي تكُونُ عقْدَةً وثيقةً منه (٦).\nوهذا قول الربيع (٧)، وابن كيسان (٨)، وأبي عبيدة (٩)؛ فإنهم لم يحدُّوا القنطار، فقالوا: إنه المال (١٠) الكثير.\n_________\n(١) هكذا جاءت كتابتها في جميع النسخ. وهي كذلك في \"الزاهر\" ١/ ٤٣٢، \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١٦ أ، \"المهذب فيما وقع في القرآن من المعرب\" للسيوطي: ١٣٢.\n(٢) ممن قال بهذا القول أبو حمزة الثُّمالي. انظر المصادر السابقة، \"تفسير القرطبي\" ٤/ ٣١.\n(٣) في \"معاني القرآن\" ١/ ٣٨٣، نقله عنه بتضرف.\n(٤) الطَّاق: ما عُطِف من الأبنية، والجمع: طاقات، أو عقد البناء حيث كان، والجمع: أطواق وطيقان. انظر: \"اللسان\" ٥/ ٢٧٢٥ (طوق).\n(٥) (القنطار): ساقطة من: (د).\n(٦) يعني: أن القنطار: الجملة من المال.\n(٧) الأثر عنه، في \"تفسير الطبري\" ٣/ ٢٠٠، \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١٥ أ، \"زاد المسير\" ١/ ٣٥٩، \"الدر المنثور\" ٢/ ١٨.\n(٨) قوله في \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١٥ أ.\n(٩) في \"مجاز القرآن\" ١/ ٨٨.\n(١٠) في (ج): (مال).","vol":"5","page":95},{"text":"وحكى أبو عبيدة عن العرب: أنهم يقولون: هو وزن لا يُحَدُّ (١).\nوقوله تعالى: ﴿الْمُقَنْطَرَة﴾ قال أهل اللغة: (٢) هو (مُفَعْلَلَة)، من: (القنطار)؛ كما قالوا: (إبلٌ مُؤبَّلةٌ)؛ أي: مجموعة، و(ألفٌ مؤلَّفٌ).\nفمعنى: ﴿الْمُقَنْطَرَة﴾: أنها جُمعت حتى صارت قناطير؛ كما يقال: (دراهم مُدَرْهَمَة)؛ أي: مجعولة كذلك.\nوقال يَمَان (٣): قَنطر، أي: كَنَزَ (٤).\nوقال أبو العباس (٥): اختلف الناس في القنطار، والمعمول عليه عند\n_________\n(١) وقد رجح الطبري هذا في \"تفسيره\" ٣/ ٢٠٠.\n(٢) من قوله: (قال ..) إلى (.. القنطار): ساقط من: (د). والقائل هو أبو عبيدة، كما في \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١٦ب.\n(٣) لم أقف على مصدر قوله. ويمان، أكثر من واحد، إلا أن المؤلف قد صَرَّح باسمه في أكثر من موضع من تفسيره، وسماه: يَمَان بن رَبَاب. انظر: \"تفسير البسيط\" تحقيق: د. الفوزان ٩١، ٤٠٢، ٩٠٣، ١٠٨٤.\nوقد ورد في بعض النسخ (رياب)، وأثبَتَها المحققُ: (رباب)، وقال بأنه لم يقف على حاله، سوى ما ذكره عنه البغدادي في \"هداية العارفين\" ٢/ ٥٤٨، وقول البغدادي فيه: هو اليمان بن رباب البصري، من رؤساء الخوارج ... له \"إثبات إمامة أبي بكر الصديق\"، \"أحكام المؤمنين\"، \"الرد على المعتزلة في القدر\"، \"كتاب التوحيد\"، \"كتاب المخلوق\"، \"كتاب المقالات\". \"التفسير البسيط\" ٤٠٢. وقد وقفت عليه كذلك في \"المغني في الضعفاء\" للذهبي: ٢/ ٧٦٠، وسماه: (يَمَان بن رِئَاب)، وقال عنه: (خراساني. قال الدارقطني: ضعيفٌ، من الخوارج). وذكره ابن حجر في \"لسان الميزان\" ٧/ ٥٢١، وسماه: (يَمَان بن رَبَاب)، وقال عنه مثل القول السابق.\n(٤) في (د): (كثر).\n(٥) هو أحمد بن يحيى (ثعلب). وقد ورد قوله بأطول مما هنا في \"اللسان\" ٦/ ٣٧٥٢ (قنطر)، وقد اختصره الواحدي قليلًا.","vol":"5","page":96},{"text":"العرب: أنه أربعة آلاف (١) دينار [قال: وقوله ﴿الْمُقَنْطَرَة﴾، يقال: (قد قنطر فلان): إذا مَلَكَ أربعةَ آلاف دينار] (٢)، فإذا قالوا: مقنطرة؛ فمعناها: ثلاثة أدوار؛ دَوْرٌ، ودور، ودور. فمحصولها: اثنا عَشَرَ ألف دينار.\nوقوله تعالى: ﴿مِنَ اَلذَّهَبِ﴾ الذهب: التِّبْر. والقِطْعَةُ ذَهَبَة (٣). ﴿وَالْفِضَّةِ﴾ الفَضُّ في اللغة معناه: التفريق، والكسر (٤). ومنه: (لا يَفْضُض (٥) الله فاكَ) (٦)، فالفضة سُمِّيت؛ لأن من شأنها أن تُفَرَّق بضرب الدراهم.\n_________\n(١) في (ج): (د): (الألف).\n(٢) ما بين المعقوفين زيادة من: (د).\n(٣) في \"الصحاح\": (التِّبْر: ما كان من الذهب غير مضروب .. ولا يقال: (تِبْرٌ) إلَّا للذهب، وبعضهم بقوله للفظة، أيضًا) ص ٦٠٠ (تبر).\n(٤) انظر: \"كتاب العين\" ٧/ ١٣، \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٧٩٩.\n(٥) في (أ): يَفْضَضِ، بفتح الضاد الأولى. ولم تضبط بالشكل في بقية النسخ.\n(٦) فاك: ساقطة من: (ج). وهذه العبارة، دعاء؛ بمعنى: لا يسقط الله أسنانَك، وتقديره: لا يكسر الله أسنان فيك، فحذف المضاف. ويقال: لا يُفضِ الله ...، من: (أفضيت)، والإفضاء: سقوط الثنايا من تحت ومن فوق. انظر كتاب \"العين\" ٧/ ١٣، \"النهاية في غريب الحديث\" ٢/ ٤٥٣، \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٧٩٩، \"الفائق\" للزمخشري: ٢/ ٣٨٢.\nوقد رُوي أن النبي - ﷺ - قال: \"لا يفضض الله فاك\" للعباس؛ لَمَّا مدحه شعرًا، وللنابغة الجعدي؛ لما أنشده بعض شعره انظر المصادر السابقة، \"غريب الحديث\" للخطابي: ١/ ١٨٩، \"الاستيعاب\" لابن عبد البَر: ٢/ ٣٥٨، \"غريب الحديث\" لابن الجوزي: ٢/ ١٩٧، \"أسد الغابة\" لابن الأثير: ٤/ ١٦٤، \"الإصابة\" لابن حجر: ٢/ ٢٧١، وعزاه للبزَّار، والحسن بن سفيان، في مسنديهما، وأبي نعيم في \"تاريخ أصبهان\" والشيرازي في \"الألقاب\" \"المؤتلف =","vol":"5","page":97},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ﴾ الخيل: جَمْعٌ لا واحد له من لفظه، كـ (القَوْلِ)، و(النساءِ)، و(الرَّهْطِ) (١).\nسُمِّيت الأفراسُ (خيلًا)؛ لاختيالها في مِشْيتها بطول أذنابها؛ ألا ترى إلى قول امرئ القيس:\nلها ذَنَبٌ مِثْلُ ذيلِ العروسِ ... تَسُدُّ (٢) به فَرْجَها من دُبُرْ (٣).\nوالاختيال: مأخوذ من (التَّخَيُّل)، والتخيُّل: التَّشَبُّه بالشيء (٤)، ومنه يقال: (أخال عليه الأمرُ): إذا اشتبه، فالمختال (٥)، يَتَخيَّل في صورة من هو أعظم منه كِبْرًا، والخيال: صورة الشيء.\n_________\n= والمختلف\" للدارقطني، \"الصحابة\" لابن السكن، وغيرهم. وبَيَّن ابنُ حجر طرق روايتها عن النابغة. وأورده المتقي الهندي في \"كنز العمال\" ١٣/ ٦٠٠ برقم (٣٧٥٤١) ونسب إخراجه لابن عساكر، وابن النجار.\n(١) انظر: \"جمهرة اللغة\" ١٠٥٦ (خيل)، وكتاب \"فقه اللغة\" للثعالبي: ٢٥٢.\n(٢) في (د): (تشد).\n(٣) البيت، في: ديوانه: ١٦٤. وورد منسوبًا له في \"أدب الكاتب\" ١٥٥، وكتاب \"المعاني الكبير\" ١/ ١٤٩، \"شرح أدب الكاتب\" للجواليقي: ١٥١، \"الاقتضاب\" للبطليوسي:٣/ ١١١، \"خزانة الأدب\" ٩/ ١٧٦، ١٧٧. وجاء في \"الاقتضاب\" (هذا البيت يروى لامرئ القيس، ويروى لرجل من النمر بن قاسط) ٣/ ١١١. والشاعر هنا يصف فرسه ويذكر محاسن صفاتها، ومنها طول ذنبها ووفرته. وقال ابن قتيبة في \"أدب الكاتب\" ١٥٥: (لم يرد بالفرج هنا الرحم، وإنما أراد ما بين رجليها، تسدُّه بذنبها).\n(٤) في \"أدب الكاتب\" ٥٨، \"المجمل\" ١/ ٣٠٩: (أفعل ذلك على ما خيَّلت، أي: على ما شبَّهت)، وفي \"اللسان\" ٤/ ٢٢٩٩: (وتخيل الشيءُ له): تشبَّه. و(وتخيَّل له أنه كذا)، أي: تشبَّه وتخايل).\n(٥) في (د): (والمختال).","vol":"5","page":98},{"text":"والأخْيَلُ (١): الشِّقِرَّاقُ (٢)؛ لأنه يَتَخيَّلُ، مرةً أخضر، ومرةً أحمر.\nواختلفوا في معنى ﴿الْمُسَوَّمَةِ﴾: فقال ابن عباس في رواية عطية (٣): هي الراعية؛ يقال: (أَسَمْتُ الماشيةَ)، و(سوَّمتُها): إذا رَعَيتُها، فهي (مُسَامةٌ)، و(مُسَوَّمة) (٤)، ومنه ﴿فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ [النحل: ١٠].\nوقال في رواية الوالبي (٥): هي المُعْلَمَةُ. وأصلها من: (السِّيْما)، التي هي: العلامة.\nومعنى العلامة ههنا: (الكَيُّ) في قول المؤرِّج (٦)، والبَلَقُ (٧) في قول\n_________\n(١) في (أ): (الأخيَّل). والمثبت من كتب اللغة.\n(٢) في (ج): (السقراق)، في (د) الشفراق. والشِّقِرَّاق: طائر، وهو مشئوم عند العرب، ويقولون: أشأم من أخيَل. ونقل الأزهري عن الليث أنه طائر يكون في منابت النخيل، كقدر الهدهد، مرقَّط بحمرة وخضرة، وبمِاض وسواد. ويقال له: الشِّرقْراق، والشَّقِراق. ونقل صاحب \"اللسان\" عن ثعلب أنه يقع على دَبَر البعير، وينقُره، فيؤذي ظهره؛ ولهذا تشاءموا منه. انظر كتاب \"العين\" ٤/ ٣٠٥، \"أدب الكاتب\" ١٩١، \"جمهرة اللغة\" ١٠٥٦، \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٩٠٥، \"اللسان\" ٤/ ٢٢٩٩ (خيل).\n(٣) هذه الرواية، في \"تفسير الطبري\" ٦/ ٢٥٢، \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١٦ ب، \"زاد المسير\" ١/ ٣٦٠.\n(٤) انظر: \"تفسير غريب القرآن\" لابن قتيبة: ٩٨، \"نزهة القلوب\" للسجستاني: ٤١٩.\n(٥) هذه الرواية، في \"تفسير الطبري\" ٣/ ٢٠١، \"زاد المسير\" ١/ ٣٦٠.\n(٦) انظر: \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١٧ أ، \"زاد المسير\" ١/ ٣٦٠.\n(٧) البَلَقُ: سواد وبياض، وفي الفرس: أن يرتفع التحجيل وهو البياض في قوائمه إلى أن يتجاوز البطن، ويظهر في جسده دون رأسه وعنقه، ويكون في بياض بلقه استطالة وتَفَرُّق. انظر: \"المنتخب من غريب كلام العرب\" لكراع النمل: ١/ ٣١٢، \"القاموس\" (٨٦٩) (بلق).","vol":"5","page":99},{"text":"ابن كَيْسان (١)، والشِّيَةُ (٢)، في قول قتادة (٣).\nوقال مجاهد (٤)، وعكرمة (٥): الخيل المُسوَّمة: هي الحسان المُطَهَّمَةُ (٦)، يُراد: أنها ذات سيما؛ أي: ذات حُسن. يقال: (لفلان سِيما)، و(له شارةٌ حَسَنة) (٧).\n_________\n(١) انظر: قوله في \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١٧ أ، \"زاد المسير\" ١/ ٣٦٠.\n(٢) في (أ)، (ب): (المشبه)، في (ج): (السه). والتصويب من: (د). و(الشِّيَة)، هي: اللون المخالف للون سائر الجسد، وأصلها من: (وشَى الثوبَ، وشْيا، وشِيَةً): إذا نسجه على لونين. واستعير للحديث؛ فقيل: و(شَى كلامه)؛ أي: زَيَّنه ونمَّقه. انظر: (وشى) في \"مفردات ألفاظ القرآن\" للراغب: ٨٧٢، \"عمدة الحفاظ\" ٦٣٢.\n(٣) انظر: قوله في \"تفسير عبد الرزاق\" ١/ ١١٧، \"تفسير ابن أبي حاتم\" ٢/ ٦١٠، \"الطبري\" ٣/ ٢٠٢، \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١٧ أ، \"زاد المسير\" ١/ ٣٦٠.\n(٤) انظر قوله في \"تفسيره\" ١٢٣، \"تفسير سفيان الثوري\" ٧٥، \"تفسير عبد الرزاق\" ١/ ١١٧، ورواه البخاري تعليقًا في \"الصحيح\" ٦/ ١٦٥ كتاب التفسير، سورة آل عمران، وأخرجه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٢/ ٦١٠، والطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٢٥٣، وأورده السيوطي في \"الدر\" ٢/ ١٩، ونسب إخراجه كذلك لعبد بن حميد.\n(٥) انظر: قوله في \"تفسير ابن أبي حاتم\" ٢/ ٦١٠، \"تفسير الطبري\" ٣/ ٢٠١، \"زاد المسير\" ١/ ٣٦٠، \"الدر المنثور\" ٢/ ١٩، وزاد نسبة إخراجه كذلك لعبد بن حميد.\n(٦) (المُطَهَّم) هنا: الحَسَنُ، الذي تمَّ كل شيء منه على حدته، فهو بارع الجمال، ويقال للناس والخيل. انظر: (طهم) في \"أساس البلاغة\" ٢/ ٨٦، \"اللسان\" ٥/ ٢٧١٤.\n(٧) (السَّيما): العلامة. ويقال: (سيما فلان حسنةٌ)؛ أي: علامة. وهي مأخوذة من: (وسَمْتُ، أسِمُ)، والأصل فيها: (وِسْمى)، فَحُوِّلت الواوُ من موضع الفاء إلى موضع العين، فصارت: (سِوْمى)، وجُعلت الواو ياءً؛ لسكونها وانكسار ما قبلها، فصارت (سِيما). ويقال كذلك: (سِيماء)، و(سيمياء). انظر: \"الزاهر\" ٢/ ١٤٤، \"اللسان\" ٤/ ٢١٥٧ (سوم). قال الطبري في \"تفسيره\" ٣/ ٢٠٢: (وأولى هذه الأقوال بالصواب .. المعلَمة بالشِّيات، الحسان، الرائعة حسْنًا من رآها. لأن =","vol":"5","page":100},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَالْأَنْعَامِ﴾ جمع (نَعَم)، والنَّعَم: الإبل والبقر والغنم. ولا يُقال لجنس منها: (نَعَمٌ)، إلَّا للإبل خاصة؛ لأنه غلب عليها (١). ومضى فيما قبل اشتقاق (النَعَم).\nوقوله تعالى: ﴿حُسْنُ الْمَآبِ﴾ المآب في اللغة: المرجعُ. يقال: (آب الرَّجُلُ، إِيابًا)، و(أَوْبَةً)، و(أبيَةً) (٢)، و(مآبًا) (٣). قال الله تعالى: ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ﴾ [الغاشية: ٢٥].\nقال الفرَّاء (٤): ولا يجوز التشديد (٥) في (الإياب)، وقارِئُه (٦) لعله ذهب على الإفعال، والإفعال من (أُبْتُ)، إنما (٧) يأتي على مثل: (أقَمْتُه\n_________\n= (التسويم) في كلام العرب: هو الإعلام. فالخيل الحسان مُعلَمةٌ بإعلام الله إياها\nبالحسن، من ألوانها وشِياتها وهيئاتها، وهي (المُطَهمة) أيضًا).\n(١) انظر: كتاب \"العين\" ٢/ ١٦٢، \"معاني القرآن\" للزجّاج: ١/ ٣٨٤، \"المذكر والمؤنث\" لابن الأنباري: ١٤٢٨ - ٤٢٩.\n(٢) في (أ)، (ب): أبية، والمثبت من: (ج) د، وهو الصواب. ويقال: أيْبَةً، وإيبَةً. انظر: \"اللسان\" ١/ ١٦٦ (أوب).\n(٣) انظر: \"تفسير الطبري\" ٣/ ٢٠٥، \"تهذيب اللغة\" ١/ ٩٤.\n(٤) لم أهتد إلى مصدر قوله والذي في \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٥٩: (سُئل الفراء عن (إيَّابهم) فقال: لا يجوز [أي: تشديد الياء] على جهة من الجهات)، وفي \"تهذيب اللغة\" ١٥/ ٦٠٩ ينقل عن الفرَّاء، فيقول: (قال: هو بتخفيف الياء، والتشديد فيه خطأ).\n(٥) من قوله (التشديد ..) إلى (.. من أبت): ساقط من: (ج).\n(٦) يعني بقارئه: أبا جعفر، يزيد بن القعقاع المدني. أحد القراء العشرة، تابعي، توفي سنة (١٣٠ هـ). انظر: \"معرفة القراء الكبار\" ١/ ٧٢، \"النشر\" ١/ ١٨٧. وقد قرأها: ﴿إِيَابَهُمْ﴾ في سورة الغاشية: ٢٥. انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج: ٥/ ٣١٩، \"إعراب القرآن\" للنحاس: ٣/ ٦٩١، \"المحتسب\" ٢/ ٣٥٧.\n(٧) في (ج): (أن).","vol":"5","page":101},{"text":"إقامَةً)، و(أزَغتُه إزاغةً).\nفلو أردت ذلك، قلتَ: (أَأَبْتهُ إآبَةً) (١)، ولو أردت أن تُخرجَ المصدرَ (٢) تامًا، قلت: (إيوابًا). ثم أعلم الله ﷿ أن خيرًا من جميع ما في الدنيا ما أعدَّه الله لأوليائه، فقال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-519>١٥ </span>- ﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ﴾ الذي ذَكَرتُ (٣).\nقوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء (٤): يريد: المهاجرين والأنصار، أراد الله أن يعزِّيَهم، ويشوقهم إلى المعاد.\nقال العلماء: ويدخل تحت هذا الخطاب كلُّ (٥) من اتقى الشرك، بظاهر هذا الكلام (٦).\nوقوله تعالى: ﴿جَنَّاتٌ﴾ يرتفع على وجهين:\nأحدهما: بخبر الصفة، ويكون تمام الكلام عند قوله: ﴿بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ﴾.\nوالثاني: على تقدير الجواب، ويكون تمام الكلام عند قوله (٧):\n_________\n(١) في (ج): (ابته ابه).\n(٢) في (أ): (المصدرُ).\n(٣) (الذي ذكرت): ساقطة من: (د).\n(٤) لم أعثر على هذه الرواية فيما رجعت إليه من مراجع، إلَّا في \"تفسير الخازن\" ١/ ٢٧٥، وعبارته قريبة جدًا من عبارة الواحدي. وفي \"تنوير المقباس\" ٤٤: (يعني: أبا بكر وأصحابه).\n(٥) (كل): ساقطة من: (د).\n(٦) وممن ذهب للعموم فيها: الإمام الطبري في \"تفسيره\" ٣/ ٢٠٦، حيث قال عن معنى: ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ (للذين خافوا الله فأطاعوه بأداء فرائضه، واجتناب معاصيه).\n(٧) من قوله: (بخير ..) إلى: (.. تمام الكلام عند قوله): ساقط من: (ج)، (د).","vol":"5","page":102},{"text":"﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾، فكأنه قيل: ما ذلك الخير؟ فقيل: هو جنَّات، ومثله: ﴿قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ النَّارُ﴾ [الحج: ٧٢]؛ أي: هو النار.\nوقوله تعالى: ﴿وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ قد ذكرنا ما فيه عند قوله: ﴿وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ [البقرة: ٢٥].\nوقوله تعالى: ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ﴾. ويُقرأ (١) بضم الراء (٢)، وهو لغة قيس وتميم (٣).\nقال الفراء (٤): يقال: (رضيت رضًا)، منقوص، و(رِضوانًا، ورُضوانًا (٥)، ومَرْضاةً).\nومثل (الرِّضوانِ) بالكسر من المصادر: (الرِّئْمان) (٦)، و(الحِرْمان).\n_________\n(١) (ويُقرأ): ساقطة من: (ج).\n(٢) هي قراءة عاصم برواية أبي بكر بن عيَّاش عنه، أمَّا رواية حفص عن عاصم فهي بالكسر كبقية السبعة. انظر: \"السبعة\" ٢٠٢، \"الحجة\" للفارسي: ٣/ ٢١.\n(٣) (وتميم): ساقطة من: (ج). انظر: \"تفسير الطبري\" ٦/ ٢٠٦. وقيس: قبيلة عظيمة من قبائل العرب، تنتسب إلى قيس بن غيلان بن مضر بن نِزار بن معد بن عدنان. وغلب اسم قيس على سائر العدنانية. انظر حولها \"معجم قبائل العرب\" ٣/ ٩٧٢. وتميم: قبيلة عظيمة من العدنانية، تنتسب إلى تميم بن مُر بن أدّ بن طابخة بن إلياس ابن مضر بن نزار بن معد عدنان. وكانت منازلهم بنجد، دائرة من هنالك إلى البصرة واليمامة، حتى تتصل بالبحرين، وانتشروا في الكوفة، ثم تفرقوا في الحواضر. انظر المرجع السابق ١/ ١٢٦.\n(٤) لم أهتد إلى مصدر قوله، وقد يكون في كتابه (المصادر).\n(٥) (ورضوانًا): ساقطة من: (د).\n(٦) الرِّئْمان: الالتئام، يقال: (رَئِمَ الجُرْح رَأمًا، ورِئْمانًا حسنًا): التأم. انظر: \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٣٣٢ (ريم)، \"اللسان\" ٣/ ١٥٣٦ (رأم).","vol":"5","page":103},{"text":"وبالضمِّ: (الطُّغْيان)، و(الرُّجْحان)، و(الكُفْران). وقال (١) سيبويه (٢): (الشُّكْران).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-520>١٦ </span>- قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ﴾ موضع ﴿الَّذِينَ﴾ (٣): خفض؛ صفةً ﴿الَّذِينَ اتَّقَوا﴾. [و] (٤) المعنى: للمتقين القائلين (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-521>١٧ </span>- [و] (٦) قوله تعالى: ﴿الصَّابِرِينَ﴾ قال ابن عباس (٧): يريد: على دينهم، وعلى [ما] (٨) أصابهم.\n﴿وَالصَّادِقِيَن﴾: قال قتادة (٩): هم قوم صدقت نيَّاتهم، واستقامت قلوبُهم وألسنتهم، فصدقوا في السرِّ والعلانية.\n_________\n(١) في (ج): (قال).\n(٢) في \"الكتاب\" له: ٤/ ١١.\n(٣) في (د): (الذين).\n(٤) ما بين المعقوفين زيادة من: (د).\n(٥) ويجوز أن يكون كذلك في موضع جر، بدلًا من قوله: (للذين اتقوا). وجوَّز أبو البركات الأنباري كونه نعتًا لـ (العباد) في قوله: ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾، وضعَّف هذا الوجهَ العكبريُّ؛ لأن فيه تخصيصًا لعلم الله تعالى، ولكنه جوَّزه على ضعفه ويحتمل أن يكون في محل رفع؛ على أنه مبتدأ محذوف الخبر، أو خبرٌ لمتبدأ\nمحذوف. ويحتمل أن يكون في محل نصب بإضمار: (أعني) أو (أمدح). انظر: \"البيان\" لأبي البركات الأنباري: ١/ ١٩٤، \"التبيان\" للعكبري: ص ١٨٠، \"الدر المصون\" ٣/ ٦٩.\n(٦) ما بين المعقوفين زيادة من: (د).\n(٧) لم أقف على مصدر قوله.\n(٨) ما بين المعقوفين زيادة من: (ب)، (ج)، (د).\n(٩) قوله في \"تفسير الطبري\" ٣/ ٢٠٧ - ٢٠٨، و\"ابن أبي حاتم\" ٢/ ٦١٤، \"الثعلبي\" ٣/ ٢٠ أ، وأورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ٢/ ٢٠، ونسب إخراجه لعبد بن حميد.","vol":"5","page":104},{"text":"ومعنى الصدق: الإخبار بالشيء على ما هو به (١)، وذكرنا أصله في اللغة عند ذكر اشتقاق الصدقة في سورة البقرة.\n﴿وَالْقَانِتِينَ﴾ (٢) الطائعين لله، عن أكثر المفسرين (٣). ومضى الكلام في معنى القانتين.\n﴿وَالْمُنْفِقِينَ﴾ قال ابن عباس (٤): يريد: الذين ينفقون الحلال في طاعة الله [تعالى] (٥).\n_________\n(١) انظر: \"مفردات ألفاظ القرآن\" للراغب: ٤٧٨ (صدق)، و\"التوقيف على مهمات التعاريف\" ٤٥٠.\n(٢) في (د): (والقانتين).\n(٣) وبه قال: ابن عباس، وعكرمة، ومجاهد، وقتادة، والسدي، والشعبي، وجابر بن زيد، وعطاء، وابن جبير، والضحاك، والحسن البصري، وعطية، وطاوس، وغيرهم. انظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ٥٠٧ - ٥٠٨، ٢/ ٥٦٨ - ٥٧١.\nومن معاني (القنوت): السكوت، وبه فُسر قوله تعالى ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨].\nومنها: طول القيام، وبه فُسِّر قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ﴾ الزمر: ٩؛ أي: مصلٍّ، فسمى الصلاة قنوتًا؛ لأنها تكون بالقيام. وقيل للدعاء: (قُنُوت)؛ لأنه يُفْعَل أثناء القيام في الصلاة. ومن معانيه: الإقرار بالعبودية؛ كقوله: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ [الروم: ٢٦]. ولكن ابن قتيبة أرجع كل هذه الوجوه إلى معنى: (الطاعة)، وقال معللًا: الأن جميع هذه الخلال: من الصلاة، والقيام فيها، والدعاء، وغير ذلك يكون عنها). وإليه ذهب الطبري، وجعل الطاعة هي أصل القنوت، وكل المعاني راجعة إليها. انظر: \"تأويل مشكل القرآن\" ٤٥١ - ٤٥٢، \"تفسير الطبري\" ٥/ ٥٧١ - ٥٧٢، \"تحصيل نظائر القرآن\" للحكيم الترمذي: ٥٠، \"مفردات ألفاظ القرآن\" ٦٨٤ - ٦٨٥ (قنت)، \"نزهة الأعين النواظر\" لابن الجوزي: ٤٨٣.\n(٤) لم أقف على مصدر قوله.\n(٥) ما بين المعقوفين زيادة من: (د).","vol":"5","page":105},{"text":"﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾. السَّحَر: الوقت الذي قبيل (١) طلوع الفجر. و(تَسَحَّر): إذا أكل في ذلك الوقت. و(استَحَرَ)؛ أي (٢): سار فيه (٣).\nقال زهير (٤):\nبَكَرْنَ بُكورًا، واسْتَحَرْنَ بسُحْرَةٍ (٥)\nوالمُسْتَحِرُ من الطَّيْرِ: ما يَصيحُ (٦)، ويتحرك فيه (٧).\nقال امرؤ القيس:\nإذا طَرَّبَ الطائرُ المُسْتَحِرْ (٨)\n_________\n(١) في (د): (قبل). وهكذا وردت هذه العبارة في \"معاني القرآن\" للزجَّاج: ١/ ٣٨٥.\n(٢) في (د): (إذا).\n(٣) انظر: (سحر) في \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٦٤١، \"اللسان\" ٤/ ١٩٥٢ - ١٩٥٣.\n(٤) هو: زهير بن أبي سلمى (ربيعة) بن رباح. شاعر جاهلي، تقدمت ترجمته.\n(٥) تمامه:\nفَهُنَّ ووادي الرَّسِّ كاليد للفَمِ\nوهو، في \"ديوانه\" ص ١٠، \"شرح القصائد السبع\" لابن الأنباري: ٢٥٠، \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٦٤٠ (سحر)، \"شرح المعلقات السبع\" للزوزني: ص ٧٦، \"شرح القصائد العشر\" للتبريزي: ١٠٩.\n(٦) في (أ): (يُصبح). والمثبت من بقية النسخ، وهو ما استصوبته لموافقته للمعنى المساق.\n(٧) (فيه): ساقطة من: (ج). وانظر هذا المعنى في \"جمهرة اللغة\" ٥١١.\n(٨) عجز بيت، وصدره:\nيُعَلُّ به بَرْدُ أنيابها\nوهو في (ديوانه) ص ٦٩، \"جمهرة اللغة\" ٥١١، \"اللسان\" ٥/ ٢٦٤٩ (طرب)، ٤/ ١٩٥٣ (سحر)، ٦/ ٣٦٧٠ (قطر) \"خزانة الأدب\" ٩/ ٢٣١. وورد في \"الجمهرة\" (.. إذا غَرَّد ..) وفي \"اللسان\" ٥/ ٢٦٤٩ (كما طرَّبَ ..)، وفي: ٦/ ٣٦٧٠ (يُعَلُّ بها ..)، ويروى: (إذا صوت الطائر ..). وقوله: (يُعَلُّ)؛ من: (عَلَّه، يَعِلُّه، ويَعُلُّه، عَلَّا، وعلَلا)، وهو: السقيا بالخمر، مرةً بعد مرة. انظر: \"ديوانه\" ص ٦٩.","vol":"5","page":106},{"text":"وأسْحَرَ (١) دخل (٢) في وقت السَّحَر (٣).\nونذكر كلام النحويين في ترك إجراء (سحر) عند قوله: ﴿نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ﴾ [القمر: ٣٤] إن شاء الله.\nقال ابن عباس (٤) في قوله: ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾: يريد: المصلين صلاة الصبح (٥)، وهو قول زيد بن أسلم (٦)، وابن كيسان (٧).\n_________\n(١) في (أ): (داسحر)، (ب): (ذاسحر)، والمثبت من: (ج)، (د)، وهو الصواب.\n(٢) في (د): (رحل).\n(٣) انظر: \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٦٤٠. وفي \"جمهرة اللغة\" ٥١١ (وأسْحرَ القومُ إسْحارًا: إذا خرجوا في وقت السَّحر).\n(٤) لم أقف على مصدر قوله.\n(٥) ويريد هنا المصلين صلاة الصبح في جماعة.\n(٦) الأثر عنه في \"مصنف ابن أبي شيبة\" ٧/ ١٩٣ (٣٥١٧٦)، \"تفسير الطبري\" ٣/ ٢٠٩، \"تفسير ابن أبي حاتم\" ٢/ ٦١٥ - ٦١٦، \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٢٠ ب، \"النكت والعيون\" للماوردي: ١/ ٣٧٨، \"تفسير البغوي\" ٢/ ١٦. وهو: أبو عبد الله، أو أبو أسامة، زيد بن أسلم العَدوي المدني، مولى عمر ﵁، ثقة عالم كثير الحديث، كانت له حلقة علم في مسجد النبي - ﷺ -، وله تفسير يرويه ابنه عبد الرحمن، توفي سنة ١٣٦ هـ). انظر: \"الطبقات الكبرى\" (القسم المتمم لتابعي أهل المدينة. تحقيق د. زياد منصور) ٣١٤، \"تقريب التهذيب\" ص ٢٢٢ (٢١١٧)، \"طبقات المفسرين\" للداودي: ١/ ١٨٢.\n(٧) الأثر عنه في \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٢٠ ب. ولكن يرد على هذ القول: أن صلاة الصبح يبدأ وقتها بعد انتهاء وقت السَّحر، فكيف تدخل في المعنى؟! اللهم إلا أن يُراد أن التصاق وقت صلاة الصبح بوقت السحر وقربه المباشر له أدخل صلاة الصبح فيه استتباعًا، والعرب تقول: (لقيته بأعلى سَحرَين)، و(أعلى السَّحرَين)، لأنه أول تنفس الصبح. انظر: \"اللسان\" ٤/ ١٩٥٣. ولكن هذا التخريج أرى فيه تكلفًا، والله أعلم. ولذا استغربَ الكرمانيُّ إيرادَ الواحدي لهذا القول، فقال: والعجيب: قول الواحدي: ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾: المصلين صلاة الصبح، فإن =","vol":"5","page":107},{"text":"وقال مجاهد (١)، وقتادة (٢): يعني: المصلين بالأسحار (٣).\nقال الزجَّاج (٤): وصف الله - تعالى (٥) هؤلاء بما وصف، ثمَّ بيَّن أنهم مع ذلك لشدة خوفهم ووجلهم يستغفرون بالأسحار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-522>١٨ </span>- قوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ قال أبو إسحاق (٦)، وأبو العباس (٧): معنى ﴿شَهِدَ اللَّهُ﴾: بيَّن وأظهر (٨)؛ لأنَّ\n_________\n= الإجماع على أن الصائم يتناول الطعام في السحر، فكيف تصح صلاة الصبح فيه؟). \"غرائب التفسير\" ١/ ٢٤٧. ويقصد الكرماني: أن وقت السَّحر متميز ومختلف عن وقت صلاة الصبح، الذي يَحرُمُ فيه الأكلُ على الصائم، وتصح فيه صلاة الصبح، فجواز أكل الطعام للصائم في السحر، فيِه دلالة على عدم دخول وقت الصبح، فكيف تصح فيه صلاة الصبح؟! فافترق وقت الصبح عن السحر، لغة، واصطلاحًا؛ بما ميَّز الشرعُ كلَّ وقت بحكم. هذا والله أعلم.\n(١) الأثر عنه في \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٢٠ ب، \"زاد المسير\" ١/ ٣٦١.\n(٢) الأثر عنه في \"تفسير الطبري\" ٣/ ٢٠٨، \"تفسير ابن أبي حاتم\" ٢/ ٦١٥، \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٢٠ ب، \"النكت والعيون\" ١/ ٣٧٨، \"تفسير البغوي\" ٢/ ١٦.\n(٣) قال ابن عطية في \"المحرر الوجيز\" ٣/ ٥١ بعد أن ذكر بعض الوجوه في تفسير معنى الاستغفار هنا، ومنها ما سبق معنا: (وهذا كله يقترن به الاستغفار).\n(٤) في \"معاني القرآن\" له: ١/ ٣٨٥ نقله عنه بتصرف واختصار.\n(٥) في (ج): ﷿.\n(٦) هو الزجَّاج، في \"معاني القرآن\" له: ١/ ٣٨٥.\n(٧) هو أحمد بن يحيى (ثعلب): وقوله في \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٩٤٢ - ١٩٤٣، وبعضه في \"الزاهر\" ١/ ١٢٥.\n(٨) هذه العبارة بنصها في \"تهذيب اللغة\". ومما ذكره العلماء في معنى ﴿شَهِدَ اللَّهُ﴾ إضافة إلى ما ذكره المؤلف: قضى، وحكم، وأعلم، وأخبر. وقد ردَّ الطبريُّ في \"تفسيره\" ٣/ ٢٠٩، وابنُ عطية في \"المحرر الوجيز\" ٣/ ٥٢ من المعاني السابقة المذكورة، معنى (قضى) الذي قاله أبو عبيدة في \"مجاز القرآن\" ١/ ٨٩ ولكن شيخ الإسلام ابن تيمية بعد أن ذكر الأقوال السابقة في معنى (شهد) قال: (وكل هذه =","vol":"5","page":108},{"text":"الشاهد (١): هو العالم الذي يبين ما علمه. فالله ﷿ قد دلَّ على توحيده بجميع ما خلق، فبيِن أنه لا يقدر أحدٌ أن ينشيء شيئًا واحدًا مما أنشأ.\nقال أبو العباس (٢): ونظير هذا في القرآن مما أُريد فيه بالشهادةِ: التبيينُ، وإن لم يقارنه القولُ: قولُه ﷿: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ﴾ [التوبة: ١٧]، معناه: مبيِّنين على أنفسهم الكفر؛ وذلك أنهم يؤمنون بأنبياء (٣)، كلهم شاهد لمحمدٍ - ﷺ - بالصِّدق، فلما آمنوا بأنبياء (٤) بشَّروا بمحمد، وحثُّوا على اتباعه، ثم خالفوا عليه فكذبوه وحاربوه، بيَّنوا بذلك الكفر على أنفسهم، فوُصفوا بأنهم شَهِدوا به، وإنْ لم يكونوا قالوا: نحن كفار (٥).\n_________\n= الأقوال وما في معناها، صحيحة، وذلك أن الشهادة تتضمن كلامَ الشاهد وقولَه وخبرَه عمَّا شهد به، ... وإن لم يكن معْلِمًا به لغيره، ولا مُخْبِرًا به لسواه، فهذه أول مراتب الشهادة. ثم قد يخبره ويُعْلِمه بذلك، فتكون الشهادة إعلامًا لغيره وإخبارًا له ..)، وتابع: (.. فمن قال: (حكم) و(قضى) فهذا من باب اللازم، فإن الحكم والقضاء هو إلزام وأمر؛ ولا ريب أن الله ألزم الخلق التوحيد وأمرهم به وقضى وحكم)، وتابع: (فإذا شهد الله أنه لا إله إلا هو، فقد حكم وقضى أن لا يعبد إلا إيَّاه). \"المسير الكبير\" لابن تيمية: ٣/ ١٣٧ - ١٤٢. وانظر: \"التفسير القيم\" لابن القيم: ١٧٨.\n(١) من قوله: (لأن الشاهد ..) إلى (.. مما أنشأ): نقله بالنص عن الزجَّاج.\n(٢) قوله في \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٩٤٢ - ١٩٣٤ نقله المؤلف بالمعنى.\n(٣) في (ج): (بالأنبياء).\n(٤) في (ج): (بالأنبياء).\n(٥) هذا الوجه في تفسير شهادة المشركين على أنفسهم بالكفر المذكور في آية (١٧) من سورة التوبة، ذكره كذلك ابنُ الجوزي في \"زاد المسير\" ٣/ ٤٠٨، ونسبه لابن الأنباري. ومما قيل كذلك في تفسيرها: هو قول اليهودي: أنا يهودي، =","vol":"5","page":109},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ﴾ أي: وشهدت الملائكة، بمعنى: أقرَّت بتوحيد الله -تعالى-؛ لما عاينت من عظيم قدرته؛ كقوله: ﴿شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا﴾ [الأنعام: ١٣٠]؛ أي: أقررنا. فَنَسَق شهادة الملائكة وأولي العلم على شهادة الله سبحانه، والشهادتان مختلفتان معنًى لا لفظًا، كقوله ﷿: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٦]، والصلاة من الله: الرحمة، ومن الملائكة: الاستغفار والدعاء (١).\n_________\n= والنصراني: أنا نصراني، والصابئ: أنا صابئ، والمشرك: أنا مشرك. وقيل: إنَّ إظهار عبادتهم للأوثان، وتكذيب القرآن، وإنكار نبوة النبي محمد - ﷺ -، كل هذا كفر يمارسونه، وهو إقرار منهم على أنفسهم به، وإن أبوا ذلك بألسنتهم. وقيل: قولهم في الطواف: (لبيك لا شريك لك، إلا شريك هو لك، تملكه وما ملك). وقيل غير ذلك. فكيف يستقيم زعمُهم بعمارة المساجد وهي من صفات المؤمنين وشأنهم، والشهادة على أنفسهم بالكفر؟! وهما أمران متنافيان. انظر: \"تفسير الفخر الرازي\" ١٦/ ٩، \"تفسير أبي السعود\" ٤/ ٥١، \"فتح القدير\" ٢/ ٥٠٠.\n(١) عن أبي العالية ﵁ قال: (صلاة الله: ثناؤه عليه عند الملائكة، وصلاة الملائكة الدعاء). أخرجه البخاري في: \"الصحيح\" تعليقًا: \"الفتح\" ٨/ ٥٣٢ كتاب التفسير، سورة الأحزاب، وأخرجه إسماعيل القاضي في: \"فضل الصلاة على النبي - ﷺ -\": ٨٢، ٨٣، وقال عنه الألباني: (إسناده موقوف حسن)، وأورده السيوطي في \"الدر\" ٦/ ٦٤٦، ونسب إخراجه لعبد بن حميد، وابن أبي حاتم. وقال ابن عباس: (يصلون: يُبَرِّكون). أخرجه البخاري تعليقًا في: \"الصحيح\" في الموضع السابق، والطبري في \"تفسيره\" ٢٢/ ٤٣، وأورده السيوطي في \" الدر\" ٦/ ٦٤٧، ونسب إخراجه لابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردوية. وقال الضحاك: (صلاة الله: رحمته، وصلاة الملائكة: الدعاء)، وفي رواية: (صلاة الله: مغفرته ..) أخرجه إسماعيل القاضي في: \"فضل الصلاة على النبي\" ٨٢، ٨٣ وقال محققه الألباني عن الروايتين: (إسناده موقوف ضعيف جدًا).\nوعن ابن عباس قال: (صلاة الله على النبي: هي مغفرته ... وأما صلاة الناس على النبي - ﷺ - فهي الاستغفار) أورده السيوطي في \"الدر\" ٦/ ٦٤٦ ونسبه لابن مردويه. وقال الطبري: (وقد يحتمل أن يقال: إن معنى ذلك: أن الله يرحم النبي، وتدعو=","vol":"5","page":110},{"text":"وقال ابن الأنباري (١): إنما عَطَف الملائكةَ وأولي (٢) العلمِ على اسمه؛ لأن الشهادة معناها في اللغة: إظهارُ المعلوم وتبَيُّنُه. فلمَّا بيَّن أولوا العلم المعلومَ (٣) [عندهم؛ كما بيَّنه الله ﷿، عطفهم على اسمه؛ للاتفاق في إظهار المعلوم] (٤).\nوقوله تعالى: ﴿وَأُولُو الْعِلْمِ﴾ أي: وشهد بتوحيده أولوا العلم؛ بما ثبت عندهم. وشهادة أولي (٥) العلم: يجوز أن تكون بمعنى: الإقرار، ويجوز أن تكون بمعنى: التبيين (٦).\nواختلفوا في المعنيين بـ (أولي العلم) ههنا: فقيل (٧): هم الأنبياء، وقال مقاتل (٨): هم مؤمنو أهل الكتاب؛ لأن الله تعالى وصفهم بالعلم في\n_________\n= له ملائكته ويستغفرون؛ وذلك أن الصلاة في كلام العرب من غير الله إنما هو دعاء). \"تفسيره\" ٢٢/ ٤٣. وقال القاسمي: (وبالجملة، فالصلاة تكون بمعنى التمجيد والدعاء والرحمة، على حسب ما أضيفت إليه في التنزيل أو الأثر) \"محاسن التأويل\" ١٣/ ٤٩٠١. وانظر: \"تفسير ابن كثير\" ٣/ ٥٥٧، \"فتح الباري\" ٨/ ٥٣٣، \"فتح القدير\" للشوكاني ٤/ ٣١٠.\n(١) لم أهتد إلى مصدر قوله.\n(٢) في (ب): (وأولوا).\n(٣) (المعلوم): ساقط من (ج).\n(٤) زيادة من (ج)، (د).\n(٥) في ب، (د): (أولوا).\n(٦) قال ابن القيِّم ﵀ بعد أن ذكر الوجهين: (والصحيح، أنها تتضمن الأمرين. فشهادتهم إقرار وإظهار وإعلام، وهم شهداء الله على الناس إلى يوم القيامة ..). \"التفسير القيم\" ١٩٩.\n(٧) ورد هذا القول في \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٢٣ ب، \"تفسير البغوي\" ٢/ ١٩، \"فتح القدير\" ١/ ٤٩١، ولم ينسبوه لقائل.\n(٨) قوله في \"تفسيره\" ١/ ٢٧٦، والمصادر السابقة.","vol":"5","page":111},{"text":"مواضع من كتابه، كقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ﴾ [الإسراء: ١٠٧]، وقوله: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [العنكبوت: ٤٩].\nقال ابن كيسان (١): يعني: المهاجرين والأنصار، وهو قول ابن عباس فى رواية عطاء (٢).\nوقال السدي والكلبي (٣): يعني (٤): علماء المؤمنين كلهم (٥).\nوقوله تعالى: ﴿قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾. ينتصب على الحال من اسم الله جل وعز، على تقدير: شهد الله قائمًا بالقسط. ويجوز أن يكون حالًا من: هو؛ تقديره: لا إله إلَّا هو قائمًا بالقسط (٦).\nوقال الفراء (٧): هو نصب على القطع (٨)، لأنه نكرة نُعِت (٩) به معرفة،\n_________\n(١) قوله: في: المصادر السابقة\n(٢) لم أهتد إلى مصدر هذه الرواية.\n(٣) انظر قوليهما في المصادر السابقة، والأثر عن السدي ورد كذلك في \"تفسير الطبري\" ٣/ ٢١٠، \"تفسير ابن أبي حاتم\" ٢/ ٦١٧.\n(٤) في (أ)، (ب): (معنى). والمثبت من: (ج)، (د).\n(٥) قال الشوكاني عن هذا القول: (وهو الحق، إذ لا وجه للتخصيص). \"فتح القدير\" ١/ ٤٩١.\n(٦) وقد رجح هذا ابن تيمية. انظر: \"التفسير القيم\" لابن القيم ١٨٣.\n(٧) في \"معاني القرآن\" ١/ ٢٠٠.\n(٨) استعمل الفراءُ كثيرا مصطلح (القطع) في كتابه \"معاني القرآن\" وهو في الغالب يريد به الحال، وقد يستعمله ولا يقصد به الحال، ولا أن يكون في النصب فقط، وكأنه يريد به قطع الكلمة عما قبلها من الإعراب، أيا كان هذا الإعراب. انظر حول مذهبه في ذلك: \"النحو وكتب التفسير\" ١/ ١٩٥ - ١٩٧. وكذا استعمل الطبري هذا المصطلح في تفسيره كثيرًا. راجع فهرس المصطلحات من \"تفسيره\" (تحقيق محمود شاكر): (ج) ١، ٢، ٥، ٦، ٧، ٩. وانظر تعليق محمود شاكر على هذا المصطلح في هامش \"تفسير الطبري\" ٦/ ٢٧٠. وانظر هذا التفسير، في إعراب قوله تعالى: (.. وجيهًا في الدنيا والآخرة) [من آية: ٤٥ من آل عمران].\n(٩) في (ج): (نصب).","vol":"5","page":112},{"text":"كان (١) أصلها: (القائم بالقسط)؛ فلما (٢) قُطعت الألفُ واللامُ نصب (٣).\nومعنى قوله: ﴿قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾: قائمًا بالعدل (٤)، كما يقال: (فلان قائم بالتدبير)؛ أي: يُجْرِيه على الاستقامة. فالله (٥) تعالى يُجري التدبير على الاستقامة في جميع الأمور (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-523>١٩ </span>- قوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩]. القُرَّاءُ على كسرِ (إنَّ)، إلَّا الكسائي؛ فإنه فتح (أنَّ) (٧).\nوالوجه (٨)، الكسر (٩)؛ لأن الكلام الذي قبله قد تمَّ (١٠)، وهذا النحو من الكلام الذي يراد به التنزيه، أن يكون بجُمَلٍ متباينة أحسن؛ من حيث\n_________\n(١) من قوله (كان ..) إلى (.. نُصِب) ينقله عن الثعلبي: ٣/ ٢٤ ب، باختصار يسير.\n(٢) من قوله (فلما ..) إلى (.. قائمًا بالقسط): ساقط من: (ج).\n(٣) ومعنى كلام الفرَّاء: أنَّ الأصل أن تكون (القائم ..) معرفة مرفوعة؛ لكونها نعتا للفظ الجلالة المرفوع، وهو معرفة، لكن، لمّا نكرت (القائم)، انقطعت تبعية النعت للمنعوت، فتُرِك الرفعُ إلى النصب. وفي إعرابها وجوه أخر. انظر: \"معاني القرآن\" للأخفش: ١/ ١٩٩، \"تفسير الطبري\" ٣/ ٢١٠، \"إعراب القرآن\" للنحاس: ١/ ٣١٦، \"التفسير القيم\" ١٨٢ - ١٨٣، \"الدر المصون\" ٣/ ٧٥ وما بعدها.\n(٤) القِسْطُ بكسر القاف: العدل، والنصيب. ويقال: (أقسط، يُقْسِط، إقساطًا)، فـ (هو مُقْسِط). والقَسْطُ بفتح القاف: الجَوْر. ويقال قَسَطَ، يَقْسِطُ، قَسْطًا، وقُسوطًا، فهو قاسِط. انظر: (قسط) في \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٩٥٩، و\"المجمل\" ٧٥٢.\n(٥) قوله: (فالله تعالى يجري التدبير على الاستقامة): ساقط من: (ج).\n(٦) انظر: \"تفسير الرازي\" ٧/ ٢٢٢ - ٢٢٣.\n(٧) انظر: \"السبعة\" ٢٠٢ - ٢٠٣، \"الحجة\" للفارسي ٣/ ٢٢.\n(٨) من قوله: (الوجه ..) إلى نهاية قول الله تعالى: (.. والصابرين): نقله عن \"الحجة\" للفارسي: ٣/ ٢٢ بتصرف يسير جدًّا.\n(٩) (الكسر): ساقطة من (ج).\n(١٠) في (ج): (قديم).","vol":"5","page":113},{"text":"كان أبلغ في الثناء (١)، وأذهب في باب المدح؛ ومن ثمَّ جاء: ﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: ١٧٧].\nفأما وجه قراءة الكسائي، فإن النحويين ذكروا فيه ثلاثة أوجه:\nأحدها: أن تكون الشهادة واقعة على ﴿إِنَّ الدِّينَ﴾ (٢)، وفَتح ﴿أَن﴾ في قوله: ﴿أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ على تقدير: حذف حرف الجر؛ كأنه قيل: (شهد الله؛ لأنه (٣) لا إله إلَّا هو، أنَّ الدين عند الله الإسلام). وهذا معنى قول الفرَّاء، حيث يقول (٤) - في الاحتجاج للكسائي: إن شِئتَ جعلتَ (أنه) على الشرط (٥)، وجعلت الشهادة واقعة على قوله: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾. وتكون ﴿أَن﴾ (٦) الأولى يصلح فيها الخفض، كقولك: شهد الله بتوحيده، أنَّ الدين عند الله الإسلام.\nالوجه الثاني: أنه فتحهما على أن الواو تُراد (٧) في قوله: ﴿إِنَّ الدِّينَ﴾؛ كأنه قيل: (شهد الله أنه لا إله إلَّا هو: وأنَّ الدين عند الله الإسلام). فيكون قوله (٨): (أنَّ الدين عند الله الإسلام) جملةً استغني فيها\n_________\n(١) في (ج): (البناء).\n(٢) في (ب): (الذين).\n(٣) في (ج): (أنه).\n(٤) في \"معاني القرآن\": ١/ ١٩٩، نقله عنه بتصرف يسير جدًّا.\n(٥) ويعني بقوله (على الشرط)، أي: على العلة، وسماه شرطًا؛ لأن المشروط متوقف عليه، كتوقف المعلول على علته، إلا أنه خلاف اصطلاح النحويين، ولما كان (أنه) على الشرط لم يقع عليه الفعل، وإنما وقع على (أن الدين). انظر: \"الدر المصون\" ٣/ ٨٦.\n(٦) (أنَّ): ساقطة من: (ج).\n(٧) في (ج)، (د): (تزاد).\n(٨) (قوله): ساقطة من: (ج)، (د).","vol":"5","page":114},{"text":"عن حرف العطف؛ بما تضمنت من ذكر الأول المعطوف عليه، وهو التوحيد، كما استغني عنه بذلك في قوله: ﴿ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ [الكهف: ٢٢]، ولو كانت (الواو) لكان ذلك حسنًا (١)، كما قال: ﴿وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ (٢) [الكهف:٢٢].\nالوجه الثالث: وهو مذهب البصريين: أن تجعل (أنَّ) الثانية بدلًا من الأولى، فكأنَّ (٣) التقدير: (شهد الله أنَّه، أنَّ الدِّينَ عند الله الإسلام). فيكون هذا من الضرب الذي الشيء فيه، هو هو (٤)، نحو قولك: (ضربت زيدًا نفسَه). ألا ترى أنَّ الدين الذي هو الإسلام، يتضمنُ التوحيد، وهو هو في المعنى.\n_________\n(١) قول المؤلف: (ولو كانت (الواو) لكان ذلك حسنًا) قد يريد به: أن الواو لو كانت ظاهرة في الآية؛ لكان هذا الوجه والتخريج النحوي حسنًا، وقد يفهم كلام المؤلف أن الواو لو كانت في الآية لكان ذلك أفضل من حيث استقامة التركيب، وهذا لا يجوز لأنه يبدو كأنه اقتراح على الله، والقراءات الصحيحة المتواترة قرآن، ودورنا إزاءها أن نذكر الوجوه النحوية لها، لا أن نعترض أو نقترح أو نفضل أو نحبذ. ولذا فإني أرجح أن قصد المؤلف هو الأول، لأنه حاشاه أن يقصد الثاني.\n(٢) ما بين المعقوفين زيادة من: (د).\n(٣) ضعف ابن عطية هذا الوجه في \"المحرر الوجيز\" ٣/ ٥٣، وبين أبو حيان وجه الضعف في هذا التخريج، فقال: \"وجه ضعفه أنه متنافر التركيب مع إضمار حرف العطف، فيفصل بين المتعاطفين المرفوعين بالمنصوب المفعول، وبين المتعاطفين المنصوبين بالمرفوع المشارك الفاعل في الفاعلية، وبجملتي الاعتراض، وصار في التركيب دون مراعاه الفصل نحو: (أكل زيد خبزًا وعمرو سمكًا) وأصل التركيب: (أكل زيد وعمرو خبزا وسمكًا .. وإضمار حرف العطف لا يجوز على الأصح): \"البحر المحيط\" ٢/ ٤٠٨.\n(٤) وهو ما يسمى: البدل المطابق، أو بدل كلِّ من كل، وهو الذي يساوي المبدل منه في المعنى مساواة تامة.","vol":"5","page":115},{"text":"وإن (١) شئت، جعلته مِنْ بدل الاشتمال؛ لأن الإسلام يشتمل على التوحيد (٢)، فيكون كقولك: (ضربت زيدًا، رأسَه) (٣). فإن قيل: على هذه القراءة، لو جاز إيقاع الشهادة على (أنَّ الدين)، لم يحسن إعادة اسم الله، ولكان: (أنَّ الدين عنده (٤) الإسلام)؛ لأن الاسم قد سبق، فالوجه الكِنَايةُ عنه. قيل: إنَّ العرب ربما أعادت الاسم في موضع الكناية (٥)؛ كقول الشاعر:\nلا أرى الموتَ، يسبقُ الموتَ شيءٌ (٦)\n_________\n(١) في (ج): (فإن).\n(٢) من قوله: (فكأن ..) إلى (.. يشتمل على التوحيد): نقله عن \"الحجة\" للفارسي ٣/ ٢٣ بتصرف يسير.\n(٣) انظر هذه التوجيهات، وغيرها لقراءة الكسائي -إضافة إلى ما سبق من مراجع- في: \"إيضاح الوقف والابتداء\" لابن الأنباري ٢/ ٥٧٢، \"معاني القرآن\" للنحاس ١/ ٣٧٠، \"القطع والائتناف\" له:٢١٨، \"الحجة\" لابن خالويه:١٠٧، \"المشكل\" لمكي ١/ ١٥٢، \"الكشف\" له ١/ ٣٣٨، \"البيان\" للأنباري ١/ ١٩٥، \"الدر المصون\" ٣/ ٨٣ - ٨٨.\n(٤) في (ج): (عند الله).\n(٥) يعني بـ (الكناية): (الضمير).\n(٦) صدر بيت، وعجزه:\nنغَّص الموتُ ذا الغنى والفقيرا\nوهو لعدي بن زيد، في \"ديوانه\" ٦٥. وورد منسوبًا له في \"شرح ديوان الحماسة\" للمرزوقي: ١/ ٣٦، \"أمالي ابن الشجري\" ١/ ٣٧٩، ٢/ ٦، \"الأشباه والنظائر في النحو\" للسيوطي: ٨/ ٣٠، \"الخزانة\" ١/ ٣٧٨، ٣٧٩، ٦/ ٩٠، ١١/ ٣٦٦. وقيل: البيت لسوادة بن عدي، وورد منسوبًا له في \"كتاب سيبويه\" ١/ ٦٢، والنكت في تفسير \"كتاب سيبويه\" للشنتمري: ١/ ١٩٨، \"شرح شواهد المغني\" ٢/ ٨٧٦،=","vol":"5","page":116},{"text":"ومثله كثير (١).\nفأما المعنى: فقال ابن عباس (٢): افتخر المشركون بآبائهم، فقال كلُّ فريق منهم: لا دين إلَّا ديننا، وهو دين الله منذ بعث الله (٣) آدَم، فكذبهم الله -تعالى-، فقال: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾، يعني الذي جاء به محمد - ﷺ - (٤).\nوأصل الدين في اللغة: الجزاء. ثم الطاعة تسمى دينًا؛ لأنها (٥)\n_________\n= \"الاقتضاب\" ٣٦٨، وقال في \"لسان العرب\": (لعدي أو سوادة بن عدي). ٨/ ٤٤٨٨ (نغص). وصحح البغداديُّ في \"خزانة الأدب\" ١/ ٣٨١ أن البيت لعدي بن زيد. وورد غير منسوب في \"الخصائص\" ٣/ ٥٣، \"إيضاح الوقف والابتداء\" ١/ ٣٢٠، ٢/ ٦٩٤، \"شرح أبيات الكتاب\" للنحاس: ٦٧، \" القطع والائتناف\" له: ٢١٨، \"ضرورة الشعر\" للسيرافي ١٩٠، \"العمدة\" لابن رشيق: ٦٨٦، \"البيان\" للأنباري: ١/ ٦٣، ١٢٢، ١٤٤، ٣٧٩، ٢/ ٤٤، ١٠٧، \"مغني اللبيب\"٦٥٠. والبيت دليل على جواز إعادة الظاهر موضع المضمرة حيث كرر (الموت) في جملة واحدة. فـ (الموت) الأول مفعول لـ (أرى)، و(يسبق الموت) مفعول ثانٍ، وكان ينبغي أن يقول: يسبقه شيءٌ؛ لأن الاسم الظاهر متى احتيج إلى تكرير ذكره في جملة واحدة، كان الاختيار أن يُذكر ضميرُهُ، ولكن التكرير قد يراد به التعظيم والتفخيم. انظر في هذ المعنى \"القطع والائتناف\" ٢١٨، \"شرح ديوان الحماسة\" ١/ ١١٨، \"النكت\" للشنتمري: ١/ ١٩٧ - ١٩٨.\n(١) انظر: \"الكتاب\": ١/ ٦١ - ٦٢.\n(٢) لم أهتد إلى مصدر قوله.\n(٣) (الله): ليست في: (ج).\n(٤) (ﷺ): ساقطة من: (ب).\n(٥) (لأنها): ساقطة من: (د).","vol":"5","page":117},{"text":"للجزاء، وكل ما (١) يطاع الله تعالى به فهو دين (٢)، فاليهود يدَّعون أنهم يطيعون (٣) بما أتاهم به موسى، فذلك دين اليهودية، وكذلك النصارى، وكل فرقة. والمسلمون يطيعونه بما أتاهم به محمد - ﷺ -، فهو دين الإسلام (٤)، والله تعالى يقول: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ ومعنى (الإسلام) في اللغة: الدخول (٥) في السَّلَمِ؛ أي: في الانقياد والمتابعة. قال الله ﷿: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ﴾ (٦) [النساء: ٩٤]؛ أي: انقاد لكم وتابعكم (٧).\n_________\n(١) في (د): (كلما).\n(٢) انظر المعاني السابقة لـ (الدين) وغيرها، في \"تأويل مشكل القرآن\" ٤٥٥، \"الكامل\" للمبرد: ١/ ٣٢٨، \"تهذيب اللغة\" ١٤/ ١٨١، \"الأمالي\" للقالي: ٢/ ٢٩٥، \"والوجوه والنظائر في القرآن الكريم\" د. سليمان القرعاوي: ٣٢٣ - ٣٢٨. إلا أن ابن فارس جعل أصل (الدين): الانقياد والذل، وجعل كون الدين بمعنى (الطاعة)؛ أن مرد الطاعة إلى الانقياد. وهكذا خرج بقية المعاني الواردة لـ (الدين). انظر: \"معجم المقاييس\" ٢/ ٣١٩ (دين).\n(٣) في (ج): (د): (يطيعونه).\n(٤) في (د): (دين الله الإسلام).\n(٥) من قوله: (الدخول ..) إلى (.. وتابعكم): نقله بنصه عن \"تأويل مشكل القرآن\" ٤٧٩.\n(٦) وفي: نسخة (د)، وتأويل المشكل: ورد (السلام) بدلا من: (السلم)، وكذلك هي في مصاحفنا. وما أثبته، وردت به القراءة الصحيحة عن نافع، وابن عامر وحمزة، وكذلك وردت عن عاصم من رواية المفضل عنه، وعن ابن كثير من رواية عبيد عن شبل عنه، ويناسب مع إراده المؤلف من معنى بعده وقرأ بقية السبعة: السلام) بالألف الممدوة انظر: \"السبعة\" ٢٣٦، \"الكسف\" لمكي ١/ ٣٩٥، \"حجة القراءات\" لابن زنجلة ٢٠٩.\n(٧) انظر: \"تفسير الطبري\" ٥/ ٢٢٦. وقال الخطابي في \"غريب الحديث\" ٢/ ٤١١:\n(السَّلَمُ: الاستسلام) وقال بعد أن أورد آية ٩٤ من النساء بقرأءة (السَّلَم): (أي: من استسلم وأعطى المقادة، وكذلك (الإسلام)؛ إنما هو: الطاعة لله، والانقياد لأمره، وأحدهما مشتق من الآخر). وانظر: \"النهاية في غريب الحديث\" ٢/ ٣٩٤، \"اللسان\" ٤/ ٢٠٧٧ (سلم).","vol":"5","page":118},{"text":"وقيل: أصله: السِّلْم (١). فـ (أَسْلَمَ): دخل في السِّلْم؛ كقولهم: (أشْتى)، و(أَقْحَطَ)، و(أرْبَعَ) (٢). وأصل السِّلْم: السَّلامة؛ لأنه انقياد على السلامة.\nثم من (٣) الإسلام (٤) ما هو متابعة وانقياد باللسان دون القلب، وهو قوله: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ (٥) [الحجرات:\n_________\n(١) في \"اللسان\" ٤/ ٢٠٧٧ (سلم): (والسَّلْمُ والسِّلْمُ: الصلح. يُفتح ويكسَر وُيؤنَّث ... والسَّلْمُ، والسلام: كالسِّلْم؛ وقد سالمه مُسالَمَة وسلامًا ... والسِّلْم: المُسالِم ... وقوم سِلْمٌ، وسَلْمٌ: مسالمون).\n(٢) انظر: \"تأويل مشكل القرآن\" ٤٧٩، \"تفسير الطبري\" ٣/ ٢١٢. وقد يكون المؤلف نقله عنه مع اختصار وتصرف.\nوأشتى أي: دخل في الشتاء، وأقحط: دخل في القحط، وأربع: دخل في الربيع. انظر المرجع السابق.\n(٣) من قوله: (من الإسلام ..) إلى (قال أسلمت لرب العالمين): نقله بتصرف واختصار عن \"تأويل مشكل القرآن\" ٤٧٩.\n(٤) في (ب): (أسلم).\n(٥) الإسلام هنا: هو الإسلام بالمعنى اللغوي، وهو: الانقياد بالجوارح دون القلب. وانقياد اللسان والجوارح في الظاهر يُعد إسلامًا لغةً، وفي نفس الوقت يُكتَفى به شرعًا عن البحث عن خبايا القلوب. (وكل انقياد واستسلام واذعان، يسمى: إسلامًا لغةً) والأعراب المذكورون في الآية هم بعض الأعراب؛ لأنه تعالى قال: ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [التوبة: ٩٩] انظر: \"أضواء البيان\" ٧/ ٦٣٦، ٦٣٩.","vol":"5","page":119},{"text":"١٤]؛ أي: انقدنا (١)؛ من خوف السيف.\nومنه، ما هو متابعة وانقياد باللسان والقلب، وهو قوله: ﴿قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، فهذا معنى الإسلام.\nوذكر ابن الأنباري (٢) في المسلم قولًا آخر، وهو: أنَّ المسلم معناه: المُخْلِصُ لله العبادة. من قولهم: (سَلَّمَ الشيءَ لفلان)؛ أي: خلَّصه (٣) له، و(سَلِمَ له الشيءُ) (٤)؛ أي: خَلصَ له.\nفعلى هذا الإسلام معناه: إخلاص الدين والعقيدة لله تعالى، وهو التبريء عن الشرك.\nوأصله أيضًا من السلامة؛ لأنه يعود إلى أن يُسْلِم دينَه لله، حتى يكون له سالمًا من غير شريك.\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾.\nمعنى الاختلاف في اللغة، هو: ذهابُ أحدِ النَفسَيْنِ إلى نقيض ما ذهب إليه الآخر (٥).\n_________\n(١) في (د): (أنقذنا).\n(٢) في \"الزاهر\" ٢/ ٢٠٣. ولكن المؤلف ينقل قول ابن الأنباري عن \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٧٤٢ نظرًا لتطابق العبارة مع \"التهذيب\". وعبارة ابن الأنباري: (المسلم: المخلص لله العبادة، وقالوا: هو مأخوذ من قول العرب: (قد سَلم الشيءُ لفلان): إذا خلص له).\n(٣) في (أ)، (ب): (خلَّفته). والمثبت من: (ج)، (د). نظرًا لموافقته لما في \"الزاهر\" و\"التهذيب\" ولموافقته للمعنى المراد وهو الإخلاص.\n(٤) (الشيء): ساقطة من (ج).\n(٥) قال الراغب: (والاختلاف والمخالفةُ: أن يأخذ كلُّ واحدٍ طريقًا غير طريق=","vol":"5","page":120},{"text":"والاختلاف في الأجناس: امتناعُ أحدِ الشيئين أن يَسُدَّ مَسَدَّ الآخر.\nوأراد بـ ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾: اليهود (١). قال ابن عباس (٢): يعني: قريظة والنضير وأتباعهم. يقول: لم يختلف اليهود (٣) في صدق نبوَّةِ محمد - ﷺ - لما كانوا يجدونه في كتابهم من نعته وصفته.\n﴿إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ﴾ قال ابن عباس (٤): يريد: النبي - ﷺ -. وعلى هذا؛ سَمَّى النبي - ﷺ - (العِلْمَ)، وهو يريد المعلوم. والمصدر يقع على المفعول كثيرًا.\nوالمعنى: أنهم كانوا يصدقونه بنعته وصفته قبل بعثه (٥)، فلما جاءهم اختلفوا فآمن به بعضُهم، وكفر به الآخرون، فقالوا: لست الذي وُعِدْناهُ (٦)، كقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة: ٨٩].\nويجوز أن يريد بـ (العِلْم): بيان ما جاء في التوراة من نعت محمد - ﷺ -\n_________\n= الآخر، في حاله أو قوله) \"مفردات ألفاظ القرآن\" للراغب: ص ٢٩٤ (خلف). وانظر: \"التوقيف\" للمناوي ٣٢٢.\n(١) وممن قال بأنهم اليهود: الربيع بن أنس، وسعيد بن جبير. وقال محمد بن جعفر بن الزبير: إنهم النصارى. وقال ابن السائب: إنهم اليهود والنصارى. ولفظ ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ يعم الفريقين. انظر: \"تفسير الطبري\" ٣/ ٢١٢، \"تفسير ابن أبي حاتم\" ٨/ ٦١٢، \"النكت والعيون\" ١/ ٣٨٠، \"زاد المسير\" ١/ ٣٦٣، \"تفسير الفخر الرازي\" ٧/ ٢٢٦، \"تفسير القرطبي\" ٤/ ٤٤.\n(٢) لم أهتد إلى مصدر قوله.\n(٣) (اليهود): ساقطة من: (ب).\n(٤) لم أهتد على مصدر قوله.\n(٥) (قبل بعثه): ساقطة من: (د).\n(٦) في (ج) و(د): (وعدنا به).","vol":"5","page":121},{"text":"وصفته، وبيان ما جاء في شأنه.\nيعني: أنهم ما اختلفوا إلَّا بعد صحة علمهم بنبوَّتِه، وإذا كان الاختلاف بعد العِلْم، كان ذلك أبلغ في الكفر والعناد، ودليل هذا التأويل قوله في سورة البقرة: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ [البقرة: ٢١٣].\nوقوله تعالى: ﴿بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ معنى البغي: طَلَبٌ للاستعلاء (١) بالظلم. أخبر الله تعالى عن عِلَّةِ اختلافهم، فقال: فعلوا ذلك طلبًا للرئاسة، وحسدًا له على النُبُوَّةِ. فانتصب (٢) ﴿بَغْيًا﴾ في قول الأخفش (٣) على تقدير: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ (٤).\nوقال الزجَّاج (٥): والذي هو الأجود؛ أن يكون ﴿بَغْيًا﴾ منصوبًا بما دلَّ عليه: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ﴾. فيكون المعنى: اختلفوا بغيًا بينهم.\nقال أبو علي (٦): وجهُ قولِ الأخفش: أنَّ ﴿بَغْيًا﴾ انتصب (٧) على أنه\n_________\n(١) هكذا ورد (أ). وورد في: (ب)، (ج)، (د): (الاستعلاء). وأثبَتُّ ما في نسخة الأصل؛ نظرًا لِمُوافقته لما سيأتي بعده من طلبهم للرئاسة. وما ذكره المؤلف من معنى (البغي)، إنما هو في موضعه في هذه الآية؛ لأن لـ (البغي) معانٍ عدة، وأصله: مجاوزة الحد. ومن وجوهه: الحسد، والظلم. انظر: \"اللسان\" ١/ ٣٢١ (بغى)، \"الوجوه والنظائر في القرآن الكريم\" د. القرعاوي ٢٢٦.\n(٢) في (ج)، (د): (وانتصب).\n(٣) في \"معاني القرآن\" له:١/ ١٩٩.\n(٤) من قوله: (إلا ..) إلى (.. اختلفوا بغيًا بينهم): ساقط من: (د).\n(٥) في \"معاني القرآن\" له ١/ ٣٨٧، نقله عنه بنصه.\n(٦) في \"الإغفال فيما أغفله الزجاج من المعاني\"، له: ١/ ٥٧٣ - ٥٧٥. تَصَرّف في بعض عباراته، ونقل بعضَها بالمعنى.\n(٧) قوله: (وجه قول الأخفش: أن بغيًا انتصب): ساقط من: (ج).","vol":"5","page":122},{"text":"مفعول له؛ أي: للبغي؛ كقولك: (جئتُ مَخافةَ الشرِّ، وابتغاءَ الخير). [قال] (١):\nوأَغْفِرُ عَوْراءَ الكريمِ ادِّخارَهُ (٢)\n_________\n(١) ما بين المعقوفين زيادة من: (د).\n(٢) صدر بيت. وعجزه:\nوأصْفَح عن شتمِ اللئيمِ تَكَرُّما\nوهو لحاتم الطائي، وهو في: \"ديوانه\" (ن: دار مكتبة الهلال): ٧٢، وورد منسوبًا له، في \"كتاب سيبويه\" ١/ ٣٦٨، \"الإفصاح\" ٢٧٩، \"شرح المفصل\" ٢/ ٥٤، \"اللسان\" ٥/ ٣١٦٥ (عور)، \"التصريح بمضمون التوضيح\" للأزهري: ١/ ٣٩٢، \"شرح شواهد المغنى\" ٢/ ٩٥٢، \"الخزانة\" ٣/ ١١٥، ١٢٢. \"الجمل\" للخليل: ٩٥، \"معاني القرآن\" للفرَّاء: ٢/ ٥، \"معاني القرآن\" للأخفش: ١/ ١٦٧، \"الكامل\" ١/ ٢٩١، \"المقتضب\" ٢/ ٣٤٨، \"المحلى\" (وجوه النصب)، لابن شقير: ٦٩، \"وأسرار العربية\" للأنباري: ١٨٧، \"الاقتضاب\" ١٠٩.\nوورد في بعض المصادر بالروايات التالية: (.. اصطناعه وأعرض عن ذات ..) و(.. اصطناعه وأصفح عن ذات ..) و(.. وأصفح عن شتم ..). ومعنى (أغفر): استُر. و(العَوْراء): الكلمة، أو الفعلة القبيحة، و(الادِّخار)، افتعال من (الذُّخر)، بمعنى: الاتخاذ والحفظ، وأصلها: (اذتخار)، فقلبت التاء ذالًا، وأدْغِمَت فيها الذالُ الأصليةُ، فصارت ذالًا مشدوةً، ثم أبدِلَت الذالُ دالًا. انظر: \"اللسان\" ٣/ ١٤٩٠ (ذخر)، ٥/ ٣١٦٥ (عور)، ٦/ ٣٢٧٤ (غفر). ومعنى البيت: إذا جهل علي الكريمُ بكلمة أو فعلةٍ قبيحة، سترتها عليه، وسامحته، واحتملتها منه؛ للإبقاء على صداقته، ولادِّخاره ليوم احتاج إليه فيه. وإن شتمني اللئيمُ أعرضت عن شتمه والرد عليه؛ إكرامًا لنفسي. والشاهد في البيت: نصب (ادِّخارَه)، و(تكَرُّما) على المفعول لأجله، والأصل فيه: (لادخارِه)، و(للتكرمِ)، فلما حُذِف حرفُ الجرِّ، انتصب الاسمُ.","vol":"5","page":123},{"text":"ووجه قول الزجَّاج: أنَّه انتصب على المصدر؛ كأنه لمَّا قيل: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ دلَّ (١) على: (وما بغى (٢) الذين أوتوا الكتاب). فحُمِلَت ﴿بَغْيًا﴾ عليه (٣). فإن قيل: ما الفصل (٤) بين ما ينتصب على المصدرة نحو: ﴿صُنْعَ الله﴾ (٥)، وما ينتصب على أنَّه مفعول له؛ نحو: (ادِّخاره)، وبابه؟\nفالقول: إنَّ الجميع وإن كانا يجتمعان في أنهما ينتصبان عن تمام الكلام؛ فالمفعول له؛ معناه: الإخبارُ بالغرض الذي من أجله فُعِل الفعلُ، والسبب له. والعامل فيه؛ هو هذا الفعل (٦) الظاهر.\nوأما (٧) المصدر: فالنحويون يُسَّمونه مفعولًا مطلقًا؛ لأن الفاعل\n_________\n(١) (دل): ساقطة من: (ج).\n(٢) في (أ)، (ج): (بغا). والمثبت من: (ب)، (د).\n(٣) أي أنَّ (بغيًا) مصدر مؤكِّد (مفعول مطلق)، ويكون التقدير: (وما بغى الذين أوتوا الكتاب ... بغيًا). والمعنى بناء على رأي الأخفش: أن الاختلاف بينهم حاصل قبل مجيء العلم وبعده، ولكن سببه بعد مجيء العلم هو البغي، فهو المفعول لأجله. والمعنى على رأي الزجاج: أن الخلاف بينهم حصل بعد مجيء العلم فقط وسببه البغي. هذا والله أعلم.\n(٤) في (ب): (الفعل).\n(٥) وقد انتصبت (صُنْعَ) بفعلٍ مضمرٍ دلَّ عليه ما قبله؛ لأن معنى الجملة: (صَنَعَ اللهُ ذلك صُنْعًا)، أو (صنع صنعًا، الله). ثم أضاف المصدر إلى الفاعل. ويجوز نصبها على الإغراء؛ أي: (انظروا صنع اللهِ). ولكن ليس هذا الوجه محل الشاهد. انظر: \"إعراب القرآن\" المنسوب للزجاج: ٢/ ٧٦٨، \"إعراب القرآن\" للنحاس: ٢/ ٥٣٦، \"البيان\" للأنباري: ٢/ ٢٢٨.\n(٦) في (د): (السبب).\n(٧) في (د): (فأما).","vol":"5","page":124},{"text":"أحدثه.\nوقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾. هذا شرطٌ وجوابُ، يتضمن وعيدًا لليهود الذين كفروا بمحمد - ﷺ -. وذكرنا معنى ﴿سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ في سورة البقرة (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-524>٢٠ </span>- قوله تعالى: ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ﴾ [آل عمران: ٢٠]. قال ابنُ عباس (٢): نزلت في يهود المدينة، ونصارى نَجْرَان، والأمِّيِّين من العرب.\nقال الكلبي (٣): وذلك أن اليهود والنصارى قالت: لسنا على ما سميتنا به يا محمد، إنما اليهودية والنصرانية نَسَبٌ، والدِّين هو الإسلام، ونحن عليه.\nقال الزَّجَّاج (٤): فأمر الله تعالى نبيَّه بأن يحتجَّ عليهم؛ أنه اتَّبع أمرَ اللهِ، الذي هم مُجْمِعون (٥) مُقرُّون بأنه خالقُهم، وأمَرَه بقوله: ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ﴾ الآية بأن يدعوهم إلى ما هو عليه من الإسلام.\nقال أهل المعاني (٦): وإنما لزمتهم الحُجَّة من حيث إن النبي - ﷺ -\n_________\n(١) انظر تفسير آية: ٢٠٢ من سورة البقرة.\n(٢) لم أهتد إلى مصدر قوله إلا ما ورد في \"تنوير المقباس\" ٤٤، فقد قال بعد قوله تعالى: ﴿حَاجُّوكَ﴾ (يعني: اليهود والنصارى)، وقال بعد ﴿وَالْأُمِّيِّينَ﴾: (يعني: العرب).\n(٣) قوله في \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٢٥ أ.\n(٤) في \"معاني القرآن\" له ١/ ٣٨٨، نقله عنه بتصرف.\n(٥) في \"معاني القرآن\": (أجمعون).\n(٦) لم أعثر على من نصَّ على هذا القول، ممن سبق المؤلف.","vol":"5","page":125},{"text":"أراهم الدلالة على صدقه ونبوَّته، ثم دعاهم إلى اتباع أمر من أقروا بأنه خالقهم، فإذا لم يطيعوه، صاروا محجوجين.\nفهذا وجه الحجة للنبي - ﷺ - في قوله: ﴿فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ﴾. ومعنى ﴿أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ﴾: أي: انقدت له بقلبي ولساني وجوارحي.\nوذكرنا أن الإسلام معناه -في اللغة-: الانقياد (١). وذُكِرَ (الوجه) هاهنا؛ لأنه أكرم جوارح الإنسان، فإذا خضع وجهُهُ لشيء، فقد خضع له سائرُ جوارحه (٢).\nوقال ابن عباس في هذه الآية (٣): يريد: كما قال أبوك إبراهيم: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: ١٣١]. وقد ذكرنا هناك معنى (أسلم) و(أسلمْتُ).\nوقال الفرَّاء (٤): معنى [أسلمت وجهي لله: أخلصت عملي لله؛ يقال (٥)] (٦): (أسلمتُ الشيءَ لفلان)؛ أي: أخلصته لهُ، فسلم له الشيء، ولم يشاركه غيره (٧).\nقال: ومعنى (الوجه) ههنا: العمل، كقوله: ﴿يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾\n_________\n(١) انظر ما سبق عند تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ من آية ١٩ من هذه السورة.\n(٢) انظر: \"تفسير الطبري\" ٣/ ٢١٤، \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٢٥ ب.\n(٣) لم أهتد إلى مصدر قوله.\n(٤) لم أهتد إلى مصدر قوله وهو موجود في \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٢٥ ب.\n(٥) في (ج): (فقال).\n(٦) ما بين المعقوفين ساقط من: (ج)، (د).\n(٧) في (ج): (فيه).","vol":"5","page":126},{"text":"[الأنعام: ٥٢ - الكهف: ٢٨]، أي: قصده والعمل.\nوقول الشاعر:\n... إليه الوجهُ والعَمَلُ (١)\nنسق بالعمل على الوجه، وهما واحدٌ؛ لاختلاف اللفْظَيْن. ومضى الكلام في هذا عند قوله: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١١٢]، الآية.\nوقوله تعالى: ﴿وَمنِ اَتَّبَعَنِ﴾. ﴿مَنِ﴾ عطف على الضمير في ﴿أَسْلَمْتُ﴾ من غير أن يؤكده؛ لأن الكلام طال بقوله: ﴿وَجْهِىَ للهِ﴾، فصار عِوَضًا من تأكيد الضمير المُتَّصِل.\nولو قيل: (أسْلَمْتُ وزيدٌ)، لم يَحْسُن حتى يقول: (أسلمتُ أنا وزيدٌ).\n_________\n(١) عجز بيت، وتمامه:\nأستغفرُ الله ذنبًا لست مُحصِيَهُ ... رب العباد إليه الوجه والعمل\nلم أهتد إلى قائله، وقد ورد غير منسوب في المصادر التالية \"كتاب سيبويه\" ١/ ٣٧، \"معاني القرآن\" للفرَّاء: ٢/ ٣١٤، \"تأويل مشكل القرآن\" ١٧٧، \"أدب الكاتب\" ٥٢٤، \"المقتضب\" ٢/ ٣٢١، \"الأصول في النحو\" ١/ ١٧٨، \"المحلى\" لابن شقير: ٦٨، \"الخصائص\" ٣/ ٢٤٧، \"الصاحبي\" ٢٩١، ٣٣٩، \"أمالي المرتضى\" ١/ ٥٩١، \"تفسير الثعلبي\" ٢٥/ ٣ ب، \"المخصص\" ١٤/ ٧١، \"الاقتضاب\" ٣/ ٤٠٠، \"شرح المفصل\" ٧/ ٦٣، ٨/ ٥١، \"اللسان\" ٥/ ٢٦ (غفر)، \"شرح شذور الذهب\" ص ٤٤٥، \"المقاصد النحوية\" ٣/ ٢٢٦، \"منهج السالك\" (شرح الأشموني): ٢/ ١٩٤، \"التصريح\" للأزهري: ١/ ٣٩٤، \"الهمع\" ٥/ ١٧، ورد فيه الشطر الأول فقط. \"خزانة الأدب\" ٣/ ١١١، \"الدرر اللوامع\" ٢/ ١٠٦. ومعنى البيت: أطلب المغفرة؛ أي: الستر على ذنوبي، ويريد بـ (الذنب) هنا اسم الجنس؛ أي: جميع الذنوب؛ لأنه قال بعده: (لست محصِيَهُ)؛ أي: لا أحصي عدد ذنوبي التي عملتها، وأستغفر الله من جميعها. و(الوجه) هنا القصد، وهو بمعنى: التوجُّه؛ أي: إليه التوجه في الدعاء.","vol":"5","page":127},{"text":"فإن قال: (أسلمتُ اليوم (١) بانشراح صدرٍ ومن جاء معي)، جاز وحَسُنَ (٢).\n[قال أبو إسحاق (٣): حذفت الياء من (اتبعن)، وهذه الياء إذا وقعت في آخر آية، حسن] (٤) حذفها (٥)؛ لأن أواخر الآي تُشَبَّهُ (٦) بقوافي الشِّعْر، وأهل اللغة يسمونها الفواصل.\nقال الأعشى:\nومن شانئٍ كاسِفٍ بالُهُ ... إذا ما انتسَبْتُ له أنكَرَنْ (٧)\n_________\n(١) (اليوم): ساقطة من (د).\n(٢) وفي إعراب ﴿وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾، وجوهٌ أخرى، وهي: أنها مرفوعة على الابتداء، وخبره محذوف، والتقدير: (ومن اتَّبعني أسلم وجهه لله). أنها منصوبة على المعيَّة، والواو واو المعية؛ أي: (أسلمت وجهي لله مع من اتبعني)، أو (مصاحبًا لمن أسلم وجهه لله).\nأنها في محل جر عطفا على اسم الله تعالى، على تأويل: (جعلت مقصدي لله بالإيمان به والطاعة له، ولمن اتَّبعني بالحفظ له والاحتفاء بعمله وبرأيه وبصحبته). ويظهر على الوجه التكلف والتعسف. انظر هذه الوجوه، في \"الفريد في إعراب القرآن المجيد\" للمنتجب الهمداني ١/ ٥٥٥، \"البحر المحيط\" ٢/ ٤٢١، \"الدر المصون\" ٣/ ٩٠ - ٩٢، \"الفتوحات الإلهية\" ١/ ٢٥٣.\n(٣) في \"معاني القرآن\" له ١/ ٣٨٩، نقله عنه بتصرف واختصار قليل.\n(٤) ما بين المعقوفين زيادة من: (ج)، (د).\n(٥) (حذفها): ساقطة من: (د).\n(٦) (تشبه): مطموسة في (ج).\n(٧) البيت في \"ديوانه\" ص ٢٠٧. وورد منسوبًا له في \"الكتاب\" ٤/ ١٨٧، \"أمالي ابن الشجري\" ٢/ ٢٩١، و\"مجاز القرآن\" ٢/ ١٩٥، و\"الأمالي\" للقالي ٢/ ٢٦٣، و\"إيضاح الوقف والابتداء\" لابن الأنباري ٢٥٩، و\"فقه اللغة\" للثعالبي ٢١٨،=","vol":"5","page":128},{"text":"فإذا لم يكن آخر آيةٍ أو قافيةٍ، فالأكثر إثبات الياء، وحذفها جيد، خاصة مع النونات؛ لأن أصل (اتبعني) (١): (اتبعي) (٢)، فزيدت النونُ؛ لِتَسْلَم فتحةُ العيْن. فالكسرة (٣) من النون، تنوب عن الياء، فإذا لم تكن النون؛ نحو: (غلامي)، (وصاحبي)، فالأجود إثباتها، وحذفها قليل، إلا أنه جائز؛ لأن (٤) الكسْرَة دالة عليه.\nقال ابن عباس (٥): ﴿وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾: يريد: المهاجرين والأنصار.\nوقوله تعالى: ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ﴾. يعني: العرب (٦)\n_________\n= \"شرح المفصل\" ٩/ ٨٣، ٨٦. وورد غير منسوب في \"غريب الحديث\" للحربي: ٢/ ٨٧٤، \"وشرح أبيات سيبويه\" للنحاس: ١٨٩. وروايته في الديوان وبعض المصادر: (.. كاسف وجهه ..)، وورد في بعض المصادر: (.. ومن كاشح ظاهِرٍ غِمْرُهُ ..). و(الشانئ): المُبغِض، و(كاسف البال): سيِّء الحال، و(كاسف الوجه): عابِسُه؛ من سوء الحال، و(رجل كاسف): مهمومٌ، قد تغير لونه، وهزل من الحزن. و(أنكرن): أنكرني بادِّعائه أنه لا يعرفني؛ لكراهيته لي. أما في الرواية الثانية: فمعنى (كاشح)؛ أي عدو مبغض، وهو الذي يضمر لك العداوة في كَشْحه؛ أي: باطنه، أو يطوية عنك كشحُهُ وُيعرض عنك، و(الكشح): الخَصْر. و(الغَمْرُ) بفتح الغين وكسرها: الحقد والغِل. انظر: \"اللسان\" ٤/ ٢٣٣٥ (شنأ)، ٧/ ٣٨٧٧ (كسف)، ٧/ ٣٨٨٠ (كشح)، ٦/ ٣٢٩٤ - ٣٢٩٥ (غمر). والشاهد في البيت: حذف الياء من (أنكرن) في الوقف عليها في القافية، وأصلها: (أنكرني).\n(١) في (ب): (اتبعن).\n(٢) في (أ)، (ب): (اتَّبعنن). والمثبت من: (ج)، (د)، \"معاني القرآن\" للزجَّاج، \"زاد المسير\" ١/ ٣٦٤.\n(٣) في (د): (فالكسر).\n(٤) في (ج): (إلا أن).\n(٥) لم أعثر على مصدر قوله.\n(٦) أي: إن الأميِّين هم العرب. وسُمُّوا بذلك كما يقول ابن عطية: نسبة (على الأم،=","vol":"5","page":129},{"text":"﴿أَأَسْلَمْتُمْ﴾.\nقال الفرَّاء (١)، والزجَّاج (٢): معناه: الأمر؛ أي: أسلموا؛ لأنه استفهام في معنى التوقيف والتهديد، وفي ضمنه الأمر؛ كما تقول للإنسان، بعد أن تأمره وتُؤكِّد عليه: أقَبِلْتَ؟ فأنت تسأله متوعدًا، وفي مسألتك دليلٌ أنك تأمره أن يفعل، ومثله قوله (٣): ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١]؛ أي: انتهوا.\nقال النحويون: إنما جاء الأمر في سورة الاستفهام؛ لأنه بمنزلته في طلب الفعل، والاستدعاء إليه، فذكر ذلك؛ للدلالة على الأمر، من غير تصريح به؛ ليُقِرَّ المأمورُ بما يلزمه من الأمر.\nوقوله تعالى: ﴿عَلَيْكَ الْبَلَاغُ﴾. البلاغُ: اسمٌ (٤) للمصدر، بمنزلة\n_________\n= أو إلى الأمَّة ... أي: كما هي الأم، أو على حال خروج الإنسان عن الأم، أو على حال الأمة الساذجة قبل التعلم والتحذق) \"المحرر الوجيز\" ٣/ ٥٨؛ أي: سُمُّوا بذلك لعدم معرفتهم الكتابة والقراءة. وانظر: \"تهذيب اللغة\" ١/ ٢٠٤ - ٢٠٥ (أمم). وبهذا ورد الأثر عن ابن عباس، كما في \"تفسير الطبري\" ٣/ ٢١٥، \"تفسير ابن أبي حاتم\" ٢/ ٦٢٠. ويعزز هذا قول النبي - ﷺ -: \"إنَّا أمة أمية، لا نكتب ولا نحسب .. \". أخرجه البخاري في \"صحيحه\" ٢/ ٢٣٠ كتاب الصوم، باب: ١٣، ومسلم في: \"صحيحه\": ٢/ ٧٦١. كتاب الصيام، باب: وجوب صوم رمضان، رقم: ١٥. وقال محمد بن جعفر بن الزبير، ومحمد بن إسحاق: الذين لا كتاب لهم. انظر: \"تفسير الطبري\" ٣/ ٢١٥، \"تفسير ابن أبي حاتم\" ٢/ ٦١٩.\n(١) في \"معاني القرآن\" له: ١/ ٢٠٢.\n(٢) في \"معاني القرآن وإعرابه\" له ١/ ٣٩٠، وعنه نقل المؤلف العبارات التالية، بتصرف.\n(٣) (قوله): ساقط من: (ج).\n(٤) (اسم): ساقط من: (د).","vol":"5","page":130},{"text":"التبليغ؛ كـ (السَّراح) (١) و(الأداء)، أي: تبليغ الرسالة.\nوقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾. قال ابن عباس (٢): ممن (٣) آمن بك وصدَّقَكَ، ومن كفر بك وكذبك (٤). وفي هذه الآية تسلية للمصطفى - ﷺ - حين أُخبر أنه ليس عليه هداهم، إنما عليه التبليغ، فإذا بلَّغ فقد أدَّى ما عليه.\nوقال بعض المفسرين: حكم هذه الآية قبل أن يُؤمر النبي - ﷺ - بالسيف (٥).\n_________\n(١) (السَّراح) اسم للمصدر، بمعنى: التسريح، وأصل (التسريح): إرسال الإبل في المرعى، ثم جُعِل للمطلق الإرسال، ثم استعير في الطلاق، فـ (تسبح المرأة): تطليقها، والاسم: (السَّراح)، قال تعالى: ﴿وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ الأحزاب: ٤٩، وقال: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩]. ومن معاني (السَّراح): السهولة، والمصدر: (التسريح)؛ أي التسهيل. انظر: (سرح)، في \"اللسان\" ٤/ ١٩٨٤ - ١٩٨٥، \"عمدة الحفاظ\" ٢٣٧.\n(٢) لم أهتد إلى مصدر قوله.\n(٣) في (ج): (من)، (د): (بمن).\n(٤) والذي في: \"تنوير المقباس\" عنه: ٤٤: (بمن يؤمن، وبمن لا يؤمن).\n(٥) يعني أنها منسوخة، والمنسوخ منها عندهم هو قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾. وممن قال بذلك ممن سبق المؤلف بالوفاة: أبو عبد الله، محمد بن حزم الأنصاري، المتوفى سنة (٣٢٠ هـ) تقريبًا، في كتابه: \"الناسخ والمنسوخ في القرآن\": ٣٠، وهبة الله بن سلامة، المتوفى سنة (٤١٠ هـ) في كتابه: \"الناسخ والمنسوخ من كتاب الله ﷿\": ٦٠. والناسخ لها عندهم هي آية السيف، وهي في أصح أقوال العلماء: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ [التوبة: ٥]. ومنشأ دعواهم بأنها منسوخة، هو أنَّ الآية بما تضمنته من أسلوب القصر حصرت مهمة النبي - ﷺ -، في تبليغ الرسالة والموادعة دون قتال المخالفين، ثم جاءت آية =","vol":"5","page":131},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-525>٢١ </span>- قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ نزلت في اليهود (١)، ومعنى هذه الآية، قد ذكرنا في سورة البقرة، عند قوله: ﴿وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٦١].\n_________\n= السيف بالإذن بقتالهم، فنسخت الاقتصارَ على التبليغ، وصارت المهمةُ بعدها: التبليغ والقتال في سبيل ما كُلِّفَ بتبليغه، ولكن دعوى النسخ هذه لا تُسلَّم؛ لأمور منها: أن هذه الآية خبَر، والأخبار لا تقبل النسخ. أن القول بالنسخ يقتضي معرفة تاريخ نزول الآية؛ ليقال: إن اللاحق نسخ السابق، والتاريخ هنا غير معروف. إن القصر هنا إضافيٌّ، يُراد به تقرير أن الرسول ليس مكَلَّفًا بإيجاد الإيمان في القلوب، وهو ما يُسمَّى بهداية القبول، فذلك من حق الله تعالى، أمَّا هداية البيان والإرشاد والتبليغ فذلك من وظيفة النبي - ﷺ -، وهي المرادة في هذه الآية. أن الآية كما يقول د. مصطفى زيد: (لم تكن تقصد إلى إعفاء النبي - ﷺ - من واجب القتال في سبيل الدعوة، وإنما قصدت إلى تقرير أنه قد بَلَّغ عن الله فأدَّى ما عليه. وشَرْعُ القتال قبلها، ثم بعدها بآية السيف وغيرها لم يغير شيئًا من حقيقة الوظيفة التي كُلِّفَ القيام بها، وإن كان قد زاد الوسائل إليها وسيلة جديدة، هي: مشروعية القتال في سبيلها؛ لتأمين الدعوة، وحماية أرواحهم من عدوان الكفار عليهم، لا لحملهم على الدخول في الإسلام بقوة السلاح). \"النسخ في القرآن\" د. مصطفى زيد: ١/ ٤٢٥، وانظر: \"المحرر الوجيز\" ٣/ ٥٩.\n(١) وقال محمد بن جعفر، وقتادة، وأبو سليمان الدمشقي: إن المراد هنا هم اليهود والنصارى. انظر: \"تفسير الطبري\" ٣/ ٢١٥، \"تفسير ابن أبي حاتم\" ٢/ ٦٢١، \"تفسير البغوي\" ٢/ ٢٠، \"زاد المسير\" ١/ ٣٦٥، \"تفسير الخازن\" ١/ ٢٧٩، \"البحر المحيط\" ٢/ ٤١٣ وقال ابن عطية، عن الآية بعد أن ذكر قول محمد بن جعفر: وتعم كلَّ من كان بهذه الحال، والآية توبيخ للمعاصرين لرسول الله - ﷺ - بمساوئ أسلافهم، وببقائهم أنفسهم على فعل ما أمكنهم من تلك المساوئ؛ لأنهم كانوا حرصى على قتل محمد - ﷺ -. \"المحرر الوجيز\" ٣/ ٦٠.","vol":"5","page":132},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ﴾. روى أبو عبيدة بن الجرَّاح (١): أن النبي - ﷺ - قال: قَتَلَت بنو إسرائيل ثلاثة وأربعين (٢) نبيًا من أول النهار في ساعة واحدة، فقام مائة واثنا (٣) عَشَرَ رجلًا، من عبَّاد بني إسرائيل، فأمروا مَنْ قَتَلَهم بالمعروف، ونَهَوْهم عن المنكر، فقُتِلُوا جميعًا من آخر النهار، في ذلك اليوم، فهم الذين ذكر الله ﷿ في كتابه، وأنزل الآية فيهم (٤).\nوقرأ حمزةُ (٥): (ويُقاتِلون الذين)، لأنه (٦) اعتبر قراءةَ عبد الله (٧):\n_________\n(١) هو: عامر بن عبد الله الجَرَّاح، الفِهْري القرشي. من كبار الصحابة، والسابقين منهم، سماه رسول الله - ﷺ - (أمينَ هذه الأمة)، وأحد العشرة المبشرين بالجنة، شهد بدرًا وما بعدها من المشاهد، توفي بالأردن، سنة (١٨هـ). انظر: \"الاستيعاب\" ٢/ ٣٤١ - ٣٤٣، \"الإصابة\" ٢/ ٢٥٢ - ٢٥٤.\n(٢) في (ب): (وأربعون).\n(٣) في (د): (واثنى).\n(٤) الأثر عن أبي عبيدة، أخرجه: الطبري في \"تفسيره\" ٣/ ٢١٦، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٢/ ٦٢١ وفيه بلفظ (.. فقام مائة رجل وسبعون رجلًا ..)، والثعلبي في \"تفسيره\" ٣/ ٢٦ ب، وذكره (٨) الماوردي في \"النكت والعيون\" ١/ ٣٨١، والبغوي في \"تفسيره\" ١/ ٢٠ - ٢١، والديلمي في: \"مسند الفردوس\": ٥/ ٣٦١ رقم (٨٤٤١) وأورده القرطبي في \"تفسيره\" ٤/ ٤٦، ونسب إخرا جه للمهدوي، وذكره ابن كثير في \"تفسيره\" ١/ ٣٨١، والسيوطي في \"الدر المنثور\" ٢/ ٢٣. وأورده الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" ٧/ ٢٧٢، وقال: (رواه البزار، وفيه ممن لم أعرفه اثنان). وفيه عندهم جميعًا: أبو الحسن مولى بني أسد، وهو مجهول. انظر: \"الجرح والتعديل\" ٩/ ٣٥٧، \"ميزان الاعتدال\" ٦/ ١٨٨، \"المغني في الضعفاء\" للذهبي: ٢/ ٧٨٠.\n(٥) هو: أبو عمارة، حمزة بن حبيب الزيات، تقدمت ترجمته.\n(٦) من قوله: (لأنه ..) إلى (.. قتال المباين المشاق لهم): نقله عن \"الحجة\" للفارسي ٣/ ٢٤ بتصرف كثير.\n(٧) هو ابن مسعود ﵁. وانظر قراءته، في \"المصاحف\" لابن أبي داود: =","vol":"5","page":133},{"text":"(وقاتَلوا الذين يأمرون)، فقرأ (١): ﴿يُقَاتِلُونَ﴾، وهو يريد: (قاتَلُوا)، كما روي في حرف عبد الله.\nويجوز أن يكون المضارع، بمعنى الماضي؛ كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الحج: ٢٥]، وقال في أخرى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا﴾ (٢)، فالأول جاء على لفظ المضارع؛ حكاية للحال، كذلك (٣) قراءة حمزة: (ويقاتلون)، يجوز (٤) أن يكون مراده: (قد قاتَلوا)، إلا أنه جاء على لفظ المضارع، حكايةً للحال.\nوالمعنى في قراءة حمزة: أنهم لا يوالون الذي يأمرون بالقسط؛ ليقلَّ نهيُهم (٥) إيَّاهم عن العدوان عليهم، فيكونون متباينين لهم (٦) مُشاقِّينَ؛ لأمرهم بالقسط، وإن لم يقتلوهم (٧) كما قتلوا الأنبياء، ولكن يقاتلونهم (٨)\n_________\n= ٥٩، \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٢٦ أ، \"الحجة\" للفارسي ٣/ ٢٤، \"البحر المحيط\" ٢/ ٤١٤.\n(١) من قوله: (فقرأ ..) إلى (.. يريد قاتلوا): ساقط من: (ج).\n(٢) سورة النساء: ١٦٧، وورد هذا المقطع كذلك في: سورة النحل: ٨٨، وسورة محمد: ٣٢، ٣٤.\n(٣) من قوله: (كذلك ..) إلى (.. حكاية للحال): ساقط من: (د).\n(٤) في (ج): (ويجوز).\n(٥) في (أ)، (ب): (نبيهم)، والمثبت من: (ج)، (د)، ومن \"الحجة\" للفارسي. وورد في إحدى نسخ \"الحجة\" أشار إليها محققه: (لِثِقَلِ نَهْيِهِم).\n(٦) هكذا جاءت في جميع النسخ، وفي \"الحجة\" للفارسي: (مباينين)، وهي الأصْوَب، ولكني تركت ما في الأصل كما هو؛ لاتفاق جميع النسخ عليه.\n(٧) في (ج): (يقاتلوهم).\n(٨) فى (ج): (يقاتلوهم).","vol":"5","page":134},{"text":"قتال المُبايِنِ، المُشاقِّ لهم. والصحيح الموافق لتفسير الآية: قراءةُ العامَّةِ (١).\nوقوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾. ذكرنا معنى التبشير، وجواز إطلاقه فيما [لا] (٢) يَسُر، عند قوله: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ٢٥].\nوأما (٣) دخول الفاء في قوله: ﴿فَبَشِّرْهُمْ﴾ وهو خبر الابتداء، فقد (٤) ذكرنا ما فيه عند قوله: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٥٨].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-526>٢٢ </span>- قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ هو يريد بـ ﴿أَعْمَالُهُمْ﴾: ما هم عليه من ادِّعائهم التمسك بالتوراة، وإقامة شريعة موسى. وأراد ببطلانها في الدنيا: أنها لم تحقن دماءَهم، وأموالهم (٥)؛ وفي الآخرة: لم يستحقوا بها مثوبة، فصارت كأنها لم تكن ولم توجد.\n_________\n(١) قال النحاس في \"معاني القرآن\" ١/ ٣٧٥: (فإن قال قائل: الذين وُعظوا بهذا لم يقتلوا نبيًا. فالجواب عن هذا: أنهم رضوا فِعْلَ من قَتَل، فكانوا بمنزلته، وأيضًا فَإنهم قاتلوا النبي - ﷺ - وأصحابه وهمُّوا بقتلهم ..).\n(٢) ما بين المعقوفين زيادة من: (ج)، (د)؛ ليستقيم بها المعنى.\n(٣) من قوله: (وأما ..) إلى (.. ذكرنا ما فيه عند قوله): ساقط من (د).\n(٤) في (ج): (وقد).\n(٥) يعني المؤلف هنا والله أعلم: أنهم لم ينالوا بها محمدة الناس، وثناءَهم، ولم يرفع الله بها ذكرَهم؛ لأنهم كانوا على ضلال وباطل، ولعنهم وفضح ما كانوا يُخفُون من قبيح الأعمال على ألْسِنة رسله وأنبيائه في كتبه المنزلة، فأزال من قلوب الخلق محبَّتهم، وغرس فيها احتقارهم، وبقيت على مدى الدهر مذمَّتُهم؛ مما أدى لأن تُسفَك دماؤُهم، وتُسلَب أموالهم. انظر \"تفسير الطبري\" ٣/ ٢١٧، \"تفسير الفخر الرازي\" ٧/ ٢٣٣.","vol":"5","page":135},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-527>٢٣ </span>- قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾ الآية إنما قال: ﴿نَصِيبًا﴾؛ لأنهم كانوا يعلمون بعض ما في الكتاب (١). والمراد بهؤلاء: اليهود.\nوقوله تعالى: ﴿يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ﴾. قال ابن عباس في رواية الضحَّاك (٢): المرادبـ (كتاب الله) ههنا: القرآن، والله [تعالى] (٣) جعل القرآن حَكَمًا بينهم وبين رسول الله - ﷺ - (٤)، فَحَكمَ القرآن عليهم بالضلالة، فأعرضوا عنه.\nفإن قيل: كيف دُعوا إلى حكم كتابٍ لا يؤمنون به؟\nقيل: إنَّما دُعوا إليه بعد (٥) أن ثبت أنه (٦) من عند الله، بموافقته التوراة في الأنباء والقصص، ورصانته (٧)، بحيث لم يقدر بشرٌ أن يعارضَه، وهذا\n_________\n(١) وقال الشوكاني في \"فتح القدير\" ١/ ٤٩٥: (وتنكير النصيب؛ للتعظيم؛ أي: نصيبًا عظيمًا، كما يفيده مقام المبالغة. ومن قال: إنَّ التنكير للتحقير فلم يصب، فلم ينتفعوا بذلك؛ وذلك بأنهم يدعون إلى كتاب الله الذي أوتوا نصيبًا منه، وهو التوراة). وبهذا قال الزجَّاج في \"معاني القرآن\" ١/ ٣٩١، والنحاس في \"معاني القرآن\" ١/ ٣٧٦، والزمخشري في \"الكشاف\" ١/ ٤٢٠، وأبو السعود في \"تفسيره\" ٢/ ٢٠.\n(٢) هذا الأثر، في \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٢٧ أ، \"تفسير البغوي\" ٢/ ٢١. وهو كذلك من رواية أبي صالح عنه، وهو قول الحسن، وقتادة. انظر: \"النكت والعيون\" ١/ ٣٨٢، \"زاد المسير\" ١/ ٣٦٧.\n(٣) ما بين المعقوفين زيادة من: (ج)، (د).\n(٤) في (ج)، (د): (رسوله).\n(٥) (إليه بعد): ساقطة من (ج).\n(٦) في (ج): (أنهم).\n(٧) في (د): (ورصافته).","vol":"5","page":136},{"text":"قول قتادة (١)، وقال في رواية سعيد بن جُبَير، وعكرمة: إنَّ النبي - ﷺ - قال لليهود: \"أنا على ملَّة (٢) إبراهيم، وملَّته: الإسلام\"، فقالوا: إن إبراهيم كان يهوديًا، فقال لهم رسول الله - ﷺ -: \"فَهَلُمُّوا إلى التوراة\". فأبوا عليه. فأنزل الله هذه الآية (٣).\nوقال في رواية أبي صالح: أنكروا آية الرجْمِ من التوراة، وكان قد\nزنى منهم رجل (٤) وامرأة، فكرهوا (٥) رجمَهما (٦) وسألوا النبي - ﷺ - ما يلزمهما (٧)، فحكم بالرجْمِ. فقالوا: جُرْتَ (٨) يا محمد! فقال: \"بيني وبينكم التوراة\". ثم أتوا بابن صُورِيا (٩)، فقرأ التوراة، فلما أتى على آية الرجم سترها بكفِّهِ، فقام (١٠) ابنُ سَلام، فرفع كفه (١١) عنها، ثم قرأ على\n_________\n(١) يعني بـ (قول قتادة) والله أعلم: ما سبق أن ذكره من أن المراد بـ (الكتاب)، هو: القرآن.\n(٢) في (ج): (ما أنا على ملة)، (د): (ما علامكة).\n(٣) هذا الأثر في \"سيرة ابن هشام\" ٢/ ١٧٩ - ١٨٠ \"تفسير الطبري\" ٣/ ٢١٧، \"ابن أبي حاتم\" ٢/ ٦٢٢، \"الثعلبي\" ٣/ ٢٧ ب، \"أسباب النزول\" للواحدي: ١٠٢، \"تفسير البغوي\" ٢/ ٢١ - ٢٢، \"زاد المسير\" ١/ ٣٦٦، \"تفسير القرطبي\" ٤/ ٥٠، وأورده السيوطي في \"الدر\" ٢/ ٢٤، \"لباب النقول\" ٥٠، ونسب إخراجه لابن المنذر.\n(٤) في (ج): (د): (رجل منهم).\n(٥) في (ج): (وكرهوا).\n(٦) في (ج): (رجمها).\n(٧) في (أ): (يلزمها)، والمثبت من: (ب)، (ج) (ء).\n(٨) قوله: (فقالوا: جرت): ساقط من (ج).\n(٩) جاء في \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٢٧ (ب) أن رسول الله - ﷺ - سأل اليهود، فقال: \"فمن أعلمكم بالتوراة؟ \" فقالوا: رجل أعور يسكن فدك، يقال له: ابن صوريا. واسمه: عبد الله.\n(١٠) في (ج): (فقال).\n(١١) في (ج): (ارفع كفك).","vol":"5","page":137},{"text":"رسول الله - ﷺ - وعلى اليهود الرجْمَ، فغضب اليهودُ لذلك (١) غضبًا شديدًا، وانصرفوا؛ فأنزل الله هذه الآية (٢).\n_________\n(١) (لذلك): ساقطة من (ج).\n(٢) هذا الأثر في \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٢٧ ب من رواية الكلبي عن أبي صالح. كما ورد في \"تفسير البغوي\" ٢/ ٢٢، \"زاد المسير\" ١/ ٣٦٦، \"البحر المحيط\" ٢/ ٤١٦. وقد ذكره المؤلف هنا مختصرًا وأورد طرفًا منه في \"أسباب النزول\" ١٠٢، وأشار إلى أنه سيأتي بيان ذلك في سورة المائدة، ولكنه عند إيراده لأسباب نزول سورة المائدة، لم يورد هذا الأثر عن ابن عباس، وإنما أورد آثارًا أخرى في نفس المعنى. ولم أجد أحدًا من المفسرين ممن اطَّلعت على تفاسيرهم ذكر هذا السبب عند هذه الآية، إلَّا من سبق ذكره، وإنما أورد المفسرون هذا السبب عند الآية: ٤١، ٤٣ من سورة المائدة، ولكن بروايات أخرى عن ابن عباس وغيره، وأقرب هذه الروايات إلى ما ذكره المؤلف: ما أخرجه البخاري عن ابن عمر - ﵁ - أنه قال: (إنَّ اليهود جاءوا إلى رسول الله - ﷺ -، أن رجلًا منهم وامرأة زنيا، فقال لهم رسول الله - ﷺ - \"ما تجدون في التوراة في شأن الرجم؟ \" فقالوا: نفضحهم ويُجلدون. قال عبد الله بن سَلاَم: كذبتم! إن فيها الرجم. فأتوا بالتوراة فنشروها، فوضع أحدُهم يَدَه على آية الرجم، فقرأ ما قبلها وما بعدها، فقال عبد الله بن سلام: ارفع يدك. فرفع يده، فإذا فيها آية الرجم. قالوا: صدق يا محمد، فيها آية الرجم. فأمر بهما رسول الله - ﷺ - فَرُجِما، فرأيت الرجل يحني على المرأة يقيها الحجارة). \"صحيح البخاري\" (٦٨٤١). كتاب الحدود. باب: أحكام أهل الذمة. وأخرجه مسلم في \"صحيحه\" (١٦٩٩) كتاب الحدود، باب: رجم اليهود، أهل الذمة. وأخرجه أبو داود (٤٤٤٦). كتاب: الرجم. وليس في لفظ الحديث أنه سبب لنزول الآية. وأما الوارد عن ابن عباس مما هو قريب من هذه الرواية فهو من رواية معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، وأخرجها الطبري ٦/ ٢٣٢ عند آية ٤١ من المائدة، وليس فيها كذلك أنها سبب لنزول الآية. انظر بقية الروايات، في \"الدر المنثور\" ٢/ ٤٩٨ - ٥٠٠، \"أسباب النزول\" للواحدي: ١٩٧ - ٢٠٠، \"لباب النقول\" للسيوطي: ٩١ - ٩٢.","vol":"5","page":138},{"text":"وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾. إن قيل: كيف خصَّ بالتولِّي فريقًا، ثم جمعهم في الإعراض، فقال: ﴿وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾؟.\nفالجواب، ما قال ابن الأنباري (١)، وهو: أنَّ الفريق المتولِّي، هم: المعرضون. وأراد بـ (الفريق المتولي): الرؤساء الذين تدين السَّفَلَةُ لهم، فأفردهم الله تعالى بالذكر، وخصَّهم بالتولي، لأنهم سببٌ لإضلال أتبَّاعهم.\nقال (٢): ويحتمل أن يكونَ المتولُّون: العلماء والرؤساء، والمعرضون: الباقون منهم؛ كأنه قيل (٣): ثم يتولى العلماءُ. والتُبَّاعُ معرضون عن القبول من النبي - ﷺ - لتولي علمائهم. ويجوز أن يكون الفريق اختصه الله (٤)؛ لأن عبد الله بن سَلام، وغيره من مؤمني أهل الكتاب، كانوا ممن قبلوا حكم النبي - ﷺ - فكان (٥) المتولِّي بعض مَن أوتي (٦) الكتاب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-528>٢٤ </span>- قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ﴾. (٧) اختلف أهل المعاني في المُشارِ إليه بـ ﴿ذَلِكَ﴾، فقال بعضهم (٨): ﴿ذَلِكَ﴾ راجعة إلى قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ [آل عمران: ٢٢]؛ يعني: ذلك الحُبُوطُ؛ بكذبهم على\n_________\n(١) لم أهتد إلى مصدر قوله، وقد أورد طرفًا منه ابنُ الجوزي في \"زاد المسير\" ١/ ٣٦٧.\n(٢) (قال): ساقطة من (د).\n(٣) في (د): (كانو قبل).\n(٤) معنى عبارة المؤلف هنا: أن الله خصَّ بالتولي فريقًا منهم دون الكل، لأن منهم من لم يتولَّ، كابن سلام وغيره.\n(٥) في (ج)، (د): (وكان).\n(٦) في (ج): (أولى).\n(٧) (بأنهم): ساقطة من (د).\n(٨) لم أهتد إلى هذا القائل. ولم أقف فيما رجعت إليه من مصادر على من قال برجوع ﴿ذَلِكَ﴾ إلى (الحبوط).","vol":"5","page":139},{"text":"الله؛ وهو قولهم: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَات﴾.\nو(١) قال ابن الأنباري (٢): معنى قوله (٣): ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُم﴾ أي: ذلك الاجتراء عليك، وعلى الإعراض عن حكمك يا محمد بسبب اغترارهم، ومقالتهم؛ حيث قالوا: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَات﴾، وظنوا (٤) أنفسهم على قِلَّةِ العذاب وقِصَرِ مُدَّته (٥)، فتجاسروا على تكذيب الرسل (٦).\nوهذا معنى قول الزجَّاج (٧): أخبر الله تعالى عن اليهود، أنهم يُعرضون عن حكم كتاب الله، ثم أنبأ وبيّن ما حملهم على ذلك، وخبَّر بما غرَّهم، فقال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا﴾ (٨). قال: وموضع: ﴿ذَلِكَ﴾ رفعٌ. المعنى: شَأنُهُم ذلك، وأَمْرُهُم ذلك (٩). ومضى القول في تفسير قولهم:\n_________\n(١) الواو زيادة من: (ج)، (د).\n(٢) لم أعثر على مصدر قوله.\n(٣) (قوله): ساقطة من (ج).\n(٤) في (ب): (وطَّنوا)، وفي (د): (وطمنوا).\n(٥) أي: أنهم ظنوا أنهم لا يعذبون إلا قليلًا، ولمدة قصيرة، كما زعموا.\n(٦) وقد ذهب أكثر المفسرين إلى هذا الرأي، وهو أن ﴿ذَلِكَ﴾ تعود على التَّوَلِّي والإعراض المذكور في الآية قبلها. انظر: \"المحرر الوجيز\" ١/ ٣٥٥، \"الكشاف\" ١/ ٤٢١، \"تفسير الفخر الرازي\" ٧/ ٢٣٦، \"تفسير ابن كثير\" ١/ ٣٨١، \"تفسير أبي السعود\" ٢/ ٢١، \"الفتوحات الإلهية\" ١/ ٢٥٥، \"فتح القدير\" ١/ ٤٩٦، \"روح المعاني\" ٣/ ١١١.\n(٧) في \"معاني القرآن\" ١/ ٣٩١، نقله عنه بالمعنى.\n(٨) (قالوا): ساقطة من (ج).\n(٩) أي: أنها مرفوعة على أنها خبرُ مبتدأ محذوف؛ المعنى: شأنهم وأمرهم ذلك. ولكنِ هذا القول، ضعَّفه العكبري في \"التبيان\" ١/ ٢٥٠؛ لأنه سيجعل قوله: ﴿بِأَنَّهُمْ قَالُوا﴾ في موضع نصب على الحال، مما في (ذا) من معنى الإشارة؛ أي: ذلك الأمر مستحقًا بقولهم ..، وقال السمين الحلبي، في \"الدر المصون\" ٣/ ٩٥:=","vol":"5","page":140},{"text":"﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا﴾ في سورة البقرة.\nوقوله تعالى: ﴿وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ﴾ الغُرور: الإطماع (١) فيما لا يصح (٢). وقوله تعالى: ﴿مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾. يعني قولهم: لن تَمَسَّنا النار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-529>٢٥ </span>- قوله (٣) تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ﴾. الآية. (كيف): معناه: السؤال عن الحال. والحال المسئولة عنها محذوفة؛ وتقديره: فكيف حالهم إذا جمعناهم؟ وتحذف الحال كثيرًا مع كيف؛ لدلالته عليها؛ نحو قولك: (كنت أكْرِمُه وهو لم يزرني؛ فكيف إذا زارني؟)؛ أي: كيف حالُهُ إذا زارني في عِظَمِ الإكرام؟. ويُحذف أيضًا جوابُ هذا السؤال من الكلام؛ لأن في حذفه بلاغة تزيد على الإفصاح بذكره؛ لما فيه من تحريك النفس على استحضار كل نوع من أنواع الكرامة في قول القائل: فكيف إذا زارني؟ وكل نوع من أنواع العذاب في الآية.\nوتأويل الكلام: أي حالة تكون (٤) حال من اغتر بالدعاوى الباطلة، إذا جُمعوا ليوم الجزاء (٥)؟ وقوله ﴿لِيَوْمٍ﴾ (٦)، ولم يقل: (في يوم)؛ لأن\n_________\n= (بل هذا لا يجوز البتة). والقول الثاني: إن ﴿ذَلِكَ﴾ مبتدأ، وخبره: ﴿بِأَنَّهُمْ﴾ انظر المراجع السابقة، \"الفريد في إعراب القرآن المجيد\" للمنتجب الهمداني: ١/ ٥٥٧.\n(١) في (د): (الأطواع).\n(٢) انظر: \"تاج العروس\" ٧/ ٢٩٩ (غرر).\n(٣) في (د): (وقوله).\n(٤) في (ب): (يكون).\n(٥) قال أبو حيان في: \"البحر\": ١/ ٤١٧: (هذا تعجيب من حالهم واستعظام لعظم مقالتهم حين اختلفت مطامعهم، وظهر كذب دعواهم، إذ صاروا إلى عذابٍ مالهم حيلة في دفعه ..).\n(٦) في (ج): (ليوم لا ريب فيه).","vol":"5","page":141},{"text":"المراد: لجزاء يوم، أو لحساب يوم؛ فحذف المضاف، ودلت اللاَّمُ عليه. قاله الزجَّاج (١).\nوقال الفرَّاء (٢): اللاَّمُ، لفعل مُضْمَرٍ؛ إذا قلت: (جُمعوا ليوم الخميس)؛ كان المعنى: جُمعوا لما يكون يوم الخميس. وإذا قلت: (جُمعوا في يوم الخميس)، لم تُضْمِرْ فِعْلًا (٣).\nوقوله تعالى: ﴿لِيَوْمٍ﴾. أي: لما يكون في ذلك اليوم من الحساب والجزاء. وهذا قريب من القول الأول، بل هو تفسير له (٤).\nوقوله تعالى: ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ﴾. أي: جزاء ما كسبت (٥) من خيرٍ أو شرٍّ. فهذا يكون على حذف المضاف، ويجوز أن يكون المعنى: ووُفِّيَت كل نفس ما كسب من الثواب والعقاب، بالطاعة والمعصية، فلا يكون في الكلام مضافٌ محذوف، ويجوز أن يُسمَّى الثوابُ والعقابُ كسبًا للعبد؛ على معنى (٦): أنهما جزاء كسبه، وأنه اجتلبهما بأعماله (٧) الصالحة والطالحة (٨).\n_________\n(١) في \"معاني القرآن\" ١/ ٣٩٢، وعبارته: (أي: لحساب يوم لا شك فيه).\n(٢) في \"معاني القرآن\" له: ١/ ٢٠٢. نقله عنه بتصرف قليل.\n(٣) انظر كذلك \"تفسير الطبري\" ٣/ ٢٢٠.\n(٤) (له): ساقط من: (ب). وقد يكون هذا من تتمة كلام الفرَّاء، ولكن المؤلف نقله بالمعنى، ونص قول الفرَّاء: (أي: للحساب والجزاء).\n(٥) قوله: (أي جزاء ما كسبت): ساقط من (ج).\n(٦) (معنى): ساقط من (د).\n(٧) في (ج): (بأعمال).\n(٨) قال الطبري في \"تفسيره\" ١/ ٣٨٠: (وأصل (الكسب): العمل، فكل عامل عملًا، بمباشرة منه لما عمل، ومعاناة باحتراف، فهو كاسبٌ لما عمل ..).","vol":"5","page":142},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾. أي: لا يُنقص من حسناتهم، ولا يزاد على سيِّئاتهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-530>٢٦ </span>- وقوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ﴾ اختلف النحويون في إعراب (اللهمَّ)؛ فقال الخليل (١)، وسيبويه (٢): (اللهمَّ)، بمعنى: يا الله. والميم (٣) المشدَّدَة عِوَضٌ (٤) من (يا)؛ لأنهم لم يقولوا: (يا) مع هذه الميم في هذه الكلمة. والضمة التي في الهاء (٥): ضمة الاسم المنادى المفرد (٦)، والميم مفتوحة؛ لسكونها، وسكون الميم التي قبلها.\nوأنكر الفرَّاء هذا القول؛ فقال (٧): لم نجد العرب زادت مثل هذه الميم في نواقص الاسم إلَّا مخففة؛ مثل: (الفمُ)، و(هذا ابْنُمٌ)، و(سُتْهُمُ) (٨).\n_________\n(١) من قوله: (فقال الخليل ..) إلى (.. وسكون الميم التي قبلها): نقله بتصرف يسير جدًّا عن \"معاني القرآن\" للزجَّاج: ١/ ٣٩٤.\n(٢) في: (الكتاب)، له: ٢/ ١٩٦، وانظر مذهبه ومذهب الخليل كذلك في \"الأصول في النحو\" لابن السراج ١/ ٣٣٨.\n(٣) (الميم): ساقطة من (د).\n(٤) في (ب): (عوضًا).\n(٥) في (ج): (أولها)، وكذا هي في \"معاني القرآن\" للزجاج، ولا وجه لها، والصواب ما أثبته.\n(٦) ويبنى المنادى المفرد على ما كان يرفع به قبل النداء، في حالة كونه علمًا، أو نكرة مقصودة، على أن لا يكونا مضافين، أو شبيهين بالمضاف.\n(٧) في \"معاني القرآن\" له: ١/ ٢٠٣، نقله عنه بتصرف.\n(٨) قوله: (وهذا ابنم، وستهم): مطموسة في: (د). و(هذا) لم ترد في \"معاني القرآن\". و(ابنم): لغة في (ابن)، وتعرب إعرابها، وقيل إنَّ ميمها زائدة؛ للمبالغة، أو للعوض من لام الاسم المحذوفة، حيث إنَّ أصلها: (بَنَو)، وتعرب (ابنم) =","vol":"5","page":143},{"text":"فلو (١) كانت الميم بدلًا من (يا)، لم يُجمع بين الميم و(يا)، وقد أنشدني بعضهم:\nوما عليكِ أنْ تَقُولي كُلَّمَا\nصَلَّيتِ أو سَبَّحتِ: يا اللَّهما\nاردُدْ علينا شَيخَنا مُسَلَّما (٢)\nفقال: (يا اللهُمَّ). ثم قال: ونرى أنها كانت في الأصل كلمةً ضُمَّ\n_________\n= بحسب موقعها في الجملة، وحركة النون فيها تتبع حركة الميم في جميع حالات الإعراب، وبعضهم يبقيها مفتوحة دائمًا، ويجوز إبقاء الميم وحذفها عند إضافتها إلى ياء المتكلم. انظر: \"موسوعة النحو والصرف والإعراب\": ١٩، \"معجم الشوارد النحوية\" ٦٥. و(سُتْهُمُ)؛ غير موجودة في \"معاني القرآن\" المطبوع المتداول، وقد وردت في \"تفسير الطبري\" ٣/ ٢٢١. ومعنى (ستهم): هو الرجل الأسْتَهُ، إذا كان عظيم الاست، ويقال للمرأة: (سُتْهُم)، و(سَتْهاء). انظر كتاب \"خلق الإنسان\" لابن أبي ثابت: ٣٠٦، \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٦٢٥ (ستة).\n(١) في (د): (ولو).\n(٢) ثلاثة أبيات من الرجز لم يعرف قائلها، وردت في: \"المحلى\" لابن شقير: ٨٤ \"اللَّامات\" للزجاجي: ٩٠، \"تفسير الطبري\" ٣/ ٢٢١، \"الإنصاف\" للأنباري ص٢٩١، \"رصف المباني\" ٣٧٣، \"اللسان\" ١/ ١١٦ (أله) \"ارتشاف الضرب\" ٣/ ٢٨٥، ٢٨٩، \"الهمع\" ٥/ ٣٤٧، \"خزانة الأدب\" ٢/ ٢٩٦، \"الدرر اللوامع\" ٢/ ٢٢٠. وقد ورد في بعض المصادر: (.. صَلّيتِ أو هلَّلْت ..)، وفي الطبري: أو كبَّرتِ)، وفيه: (يا اللهُمَا)، وفي بعضها: تُفصَل (ما) عن (اللهُمَّ). والشاعر هنا يأمر بُنيَّته أو زوجته بالدعاء له، إذا ما سافر أو غاب عنهم: أن يرده عليهم سالمًا. و(التسبيح): تنزيه الله وتعظيمه وتقديسه، و(الصلاة) هنا قد تكون بمعنى الدعاء، أو الصلاة الشرعية، و(الشيخ) هنا الأب، أو الزوج. والشاهد فيه: قوله: (يا اللهمَّما)؛ حيث جمع بين حرف النداء، والميم المشددة، ولم يكتف بذلك، بل وزادها ميمًا مفردة بعد الميم المشددة، دلالة على أن الميم ليست بدلًا من حرف النداء.","vol":"5","page":144},{"text":"إليها (أُمَّ)؛ يريد: (يا الله؛ أُمَّنا بخير)، فكثرت في الكلام حتى اختلطت (١) به، فحذفت الهمزة استخفافًا، فقيل: (اللهمَّ) (٢)، ثم كثرت هذه اللفظة حتى قالوا: (لاهُمَّ)؛ بمعنى: اللهمَّ.\nقال الشاعر:\nلاهُمَّ إنَّ عامِرَ بن جَهْمِ ... أوْذَمَ (٣) حَجًّا في ثِيَابٍ (٤) دُسْمِ (٥)\nوقال آخر:\nلاهُمَّ إن جُرْهُمًا (٦) عِبادكا ... الناس طُرْفٌ (٧) وهمُ تِلادُكا (٨)\n_________\n(١) في (د): (اختلط). ويعني بذلك: أنها اندمجت مع لفظ الجلالة.\n(٢) (فقيل: اللهم): ساقط من (ج).\n(٣) في جميع النسخ: (أودم). والصواب ما أثبته، كما سيأتي في التعليق على البيت.\n(٤) في (أ)، (ب): (ثبات)، والمثبت من: (ج)، (د).\n(٥) بيت من الرجز، وقائله مجهول، ولم أقف عليه في \"معاني القرآن\" للفراء. وقد ورد غير منسوب في المصادر التالية: \"غريب الحديث\" لأبي عبيد: ١/ ٣٤٧، \"تأويل مشكل القرآن\" ١٤٢، \"كتاب المعاني الكبير\" ١/ ٤٨٠ \"الصحاح\" ٥/ ٢٠٥٠ (وذم)، \"أساس البلاغة\" ١/ ٢٧١ (دسم)، \"اللسان\" ٣/ ١٣٧٥ (دسم)، ٨/ ٤٨٠٦ (وذم)، \"البحر المحيط\" ٢/ ٤١٦ وورد فيه: (.. أحرم جحا). و(أوذم عليه الشيء)؛ أي: أوجبه وألزمه نفسه، و(ثيابٍ دُسْم)؛ أي: وَسِخة، و(الدَّسَمُ): الوَضَر والدَّنَس. ويقال للرجل من قبيل المجَاز إذا تدنَّس بمَذامِّ الأخلاق: (إنَّه لَدَسِمُ الثوب). ومعنى البيت: أنه أحرم بالحج وهو متدنِّسٌ بالذنوب. انظر: مادة (دسم) و(وذم) في \"أساس البلاغة\" ١/ ٢٧١، \"اللسان\" ٣/ ١٣٧٥، ٨/ ٤٨٠٦.\n(٦) في (ج): (أجرهما).\n(٧) في (د): (طرو).\n(٨) في (ج)، (د): (بلادكا). ولم أقف عليه في \"معاني القرآن\" للفراء، والبيت لعامر ابن الحارث بن مُضاض، سيِّد جُرْهم في مكة وقد ورد منسوبًا له في \"تاريخ الطبري\" ٢/ ٢٨٥، وذكر قصته ومناسبته. وتمامه كما عند الطبري: (.. بهم قديمًا =","vol":"5","page":145},{"text":"فحذفوا الألف واللاَّم، لَمَّا كَثُرَ في كلامهم.\nقال (١): وقد خُفِّفت ميمها في بعض اللغات. أنشدني بعضهم:\nكحَلْفَةٍ من ابن (٢) رباح ... يَسْمَعها اللهُمُ (٣) الكُبارُ (٤)\n_________\n= عَمِرَتْ بلادكْ). وقافيته عند الطبري كلها بالسكون. وورد في شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام: ١/ ٥٧٤. وروايته فيه: (اللهم إن جُرْهما عبادُك .. الناس طُرْفٌ وهم تلادك). وورد فيه برواية: (اللَّهم إن جرهما عبادكا .. القوم طرف وهم تلادكا). وقوله: (طرف): يعني به والله أعلم: أنها جمع (طارف) و(طريف)، وهو: المستحدث من المال. ونقيضه: التليد والتالد، وهو: المال القديم الأصلي الذي وُلد عندك. فيعني الشاعر هنا والله أعلم: أن جرهما هم أهل مكة وأهل الحرم، وأول من عمر بهم البلد الحرام، وأما الآخرون فهم حديثو عهد به. انظر: \"اللسان\" ١/ ٤٣٩ (تلد)، ٥/ ٢٦٥٧ - ٢٦٥٨ (طرف).\n(١) يعني: الفرَّاء كما سبق.\n(٢) هكذا في: (أ)، (ب)، (ج)، (د). وورد في الديوان وبقية مصادر البيت: (أبي).\n(٣) في (أ): اللهُمَّ. ولم تضبط بالشكل في بقية النسخ. وما أثبَتُّه هو الصواب؛ لوروده في مصادره بتخفيف الميم، ولأن تشديدها، خلاف ما أراده المؤلف من إيراده شاهدًا على التخفيف فيها.\n(٤) البيت مطموس في: (د). وهو للأعشى، في ديوانه: ٨٢، وقد ورد منسوبًا له، في \"سر صناعة الإعراب\" ١/ ٤٣٠، \"أمالي ابن الشجري\" ٢/ ١٩٧، \"اللسان\" ١/ ١١٦ (أله)، \"الهمع\" ٣/ ٦٤، \"الخزانة\" ٢/ ٢٦٦، ٢٦٩، \"الدرر اللوامع\" ١/ ١٥٤. وورد غير منسوب في: \"معاني القرآن\" للفرَّاء: ١/ ٢٠٤، ٢/ ٣٩٨، \"تفسير الطبري\" ٣/ ٢٢١، والجمهرة: ١/ ٣٢٧ (برك)، \"تهذيب اللغة\" ١/ ١٩١ (أله)، \"المسائل العضديات\" ٧٨، \"شرح المفصل\" ١/ ٣، \"شرح ما يقع فيه التصحيف\" ٣١٠، \"المقاصد النحوية\" ٤/ ٢٣٨.\nوقد وردت (أبي رياح) بدلا من: أبي رباح، في: الديوان، \"معاني القرآن\" والطبري، \"التهذيب\" \"سر صناعة الإعراب\" والجمهرة، \"أمالي ابن الشجري\" والخزانة، وقال صاحبها: (هو بمثناة تحتيَّة، لا بموحدة كما يزعم شُرَّاح الشواهد).=","vol":"5","page":146},{"text":"قال: والرفعة التي في الهاء من همزة (أُمَّ) لمَّا تركت، انتقلت إلى ما قبلها. قال: ونرى (١) أن قول العرب: (هَلُمَّ) مثلها؛ إنما كانت: (هل) فضُمَّ إليها (أُمَّ) (٢).\n_________\n= ووردت (لاهُهُ)، بدلًا من: (اللهُمُ) في: الديوان، والمسائل العضديات، \"أمالي ابن الشجري\" والخزانة. وورد في \"سر صناعة الإعراب\" \"اللسان\" (لاهُمُ). وورد في \"معاني القرآن\" ٢/ ٣٩٨ (.. الهمَّةُ الكبار)، وقال: (الهِمُّ، والهِمَّةُ: الشيخ الفاني)، وفي \"معاني القرآن\" ٢/ ٣٩٨ (.. الهمَّةُ الكبار)، وقال: (الهِمّ، والهِمَّةُ: الشيخ الفاني)، وفي: ١/ ٢٠٤: (وإنشاد العامة: \"لاهُهُ الكبار\"، وأنشدني الكسائي: (يسمعها الله والله كبار). وفي \"الخزانة\" ٢/ ٢٦٩ أن الأصمعي رواها: (يسمعها الواحد الكبار).\nو(الحَلْفةُ): المرَّة من الحَلِفِ؛ بمعنى: القسم. و(أبو رياح) وفق رواية المؤلف: رجل من بني ضُبَيعة، وكان قد قتل رجلا من بني سعد بن ثعلبة، فسألوه أن يحلف أو يعطي الدِّيَة، فحلف فقُتِل بعد حَلْفَته، فضربته العربُ مَثَلًا لِمَا لا يغني حِلفُه.\nو(الكُبارُ): صيغة مبالغة لـ (الكبير). والشاهد فيه هنا: تخفيف ميم (اللهم).\n(١) في (ج): (ويري).\n(٢) ومعنى: (هلُمَّ): أقبل، أو أعط. انظر: \"اللسان\" ٨/ ٤٦٩٤ - ٤٦٩٥ (هلم). ولكن لم يرتض ابنُ سيده رأيَ الفرَّاء هذا في (هلم)، وردَّه مستدلًا على ذلك: بأن رأي الفرَّاء لا يخلو من أحد أمرين: (إمَّا أن تكون (هل) بمعنى: (قد)، وهذا يدخل في الخبر، وإما تكون بمعنى الاستفهام، وليس لواحد متعلق بـ (هلم) ولا مدخل). \"المخصص\": ١٤/ ٨٨ ولكن هذا الردُّ لا يُسلَّم لابن سيده؛ حيث إن لـ (هل) استعمالات ومعاني أخرى غير ما ذكره ابن سيده، ومن ذلك: ما قاله ابنُ دريد في \"الجمهرة\" ٢/ ٩٨٨: (هلم) كلمتان جُعلتا كلمة واحدة؛ كأنهم أرادوا (هَلْ)، أي: أقبل، و(أمَّ)؛ أي: اقصد).\nوقال الزبيدي في \"التاج\" ١٧/ ٧٦٢ عن (هلم): (وقال الفراء: مركبة من (هل)، التي للزجر، و(أمَّ)، أي: اقصد، خفِّفت الهمزة بإلقاء حركتها على الساكن، وحذفت). وانظر في مجيء (هل) للزجر والتوبيخ والأمر والتنبيه وغيرها، في: \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٧٨٤ (هل)، \"اللسان\" ٨/ ٤٦٨٩ (هلل).","vol":"5","page":147},{"text":"وأنكر أبو إسحاق هذا القول إنكارًا شديدًا، فقال (١): لو كان الأمر على ما قال، لجاز أن يقال: (الله أُمَّ)، فيُتَكلم به على أصله، كما يقال: (ويلُ أمِّه)، ثم يُتَكلم به على الأصل، فيقال: (ويلُ أُمِّهِ) (٢)، ولجاز أيضًا: (الله أُؤمُمْ) (٣).\nفلمَّا لم (٤) يُسمع أحدٌ من العرب تكلم به على الأصل الذي [هو] (٥) ذَكَر (٦)، علم أنه ليس بأصل، وأيضًا لم يُسمع (٧) أحدٌ (٨) يقول: (يا اللهُمَّ)، والله ﷿ يقول: ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ﴾ [الأنفال: ٣٢]، وقال: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ﴾ [الزمر: ٤٦].\nوما احتجَّ به الفرَّاء من قوله: (أنشدني بعضهم) (٩)، فليس يعارض\n_________\n(١) في \"معاني القرآن\" له ١/ ٣٩٣، ينقله عنه بتصرف كثير.\n(٢) جاءت (ويل) في الموضعين برفع اللام، ولم تضبط في بقية النسخ بالشكل، وما أثبته هو الصواب؛ لأن (ويل) إذا أضيفت بغير اللام فالوجه فيها النصب؛ على أنها مفعول به لفعل محذوف، يقال: (ويل الظالمين)؛ أي: ألزمَ اللهُ الظالمين وَيلًا. أما إذا أضيفت باللام، فتُرْفَع؛ مثل: (ويلٌ لأمِّه)، فهي مرفوعة بالابتداء. و(ويل): بمعنى: عذاب. وقد تُركَّب لفظة (ويل) مع (أمِّه)، فيقال للرجل: (وْيلُمِّه)، أو (ويْلِمِّه) بكسر اللام، من (ويلٌ لأمه): وتعني: أنه داهية، وأصلها: الدعاء عليه، ثم استعملت في التعجب. انظر في أصلها وتركيبها: \"المسائل الحلبيات\" ٤٣، ٤٥، \"سر صناعة الإعراب\" ١١٣، ٢٣٥، ٧٤٥، \"معجم النحو\" ٤٣٧، \"معجم الشوارد النحوية\" ٦٤٠.\n(٣) في جميع النسخ: (أمم)، ولا وجه لها، والمثبت من \"معاني القرآن\" للفرَّاء: ١/ ٣٩٣.\n(٤) (لم): ساقطة من: (ب).\n(٥) ما بيِن المعقوفين زيادة من (د).\n(٦) في (ج): (ذكره).\n(٧) في (د): (نسمع).\n(٨) في (أ): (أحدا)، والمثبت من: (ب)، (ج)، (د).\n(٩) (بعضهم): ساقطة من (ج).","vol":"5","page":148},{"text":"الإجماعَ، وما أتى به كتابُ الله ﷿، ووُجد في ديوان العرب. يقول قائل: (أنشدني بعضهم)، وليس ذلك البعضُ بمعروفٍ ولا مُسمَّى.\nوقال غير أبي إسحاق مِمَّن نصر مذهبَ الخليل (١): لو كان الأمر على ما ذكره الفرَّاء، لما صحَّ أن يقال: (اللهُمَّ افعل كذا)، إلَّا بحرف العطف؛ لأن قوله: (اللهُمَّ) حصل عنده في ضمنه الدعاء؛ لأن تأويله: (الله (٢)؛ أُمَّنا بخير)، فالدعاء الثاني يجب أن يكون معطوفًا عليه بحرف العطف. ولم نجد أحدًا يقول: (اللهُمَّ اغفر).\nوأجابَ الفرَّاءَ عن قوله: (هذه الميم، إنما تُزاد مُخفَّفةً)؛ بأن قال: إنما شُدِّدت الميمُ في (اللهمَّ)؛ لأنها عِوضٌ من حرفين (٣) فشُدِّدت، كما قيل: (قُمتُنَّ) و(ضَربتُنَّ)؛ لمَّا كانت النون عِوضًا من حرفين في: (قُمتُموا) و(ضَربتُموا)، شُدِّدَت. فأما (قُمْنَ) و(ذَهبْنَ) فَعِوَضٌ من حرف واحد.\nوما ذَكَر من قوله: (فَمُ) (٤) و(سُتْهُمُ) و(ابْنُمُ) (٥)، فإنما خُفِّفت الميم؛ لأنها عِوَضٌ من حرف واحد.\nوليس حكمُ قولِكَ: (الله)، حكمَ (الفمُ) و(الابنُ)؛ لأنهما ناقصان أُتمَّا بالميم، و(اللهُمَّ) ليس زيادتها (٦) تتميما للاسم، إنما هي لمعنىً آخر\n_________\n(١) لم أهتد إلى هذا القائل، وقد يكون المبرد، كما في \"الأصول في النحو\" لابن السرَّاج: ١/ ٣٣٨، حيث ورد موجز لهذا الرأي نقله عنه.\n(٢) في (د): (اللهم).\n(٣) (حرفين): ساقطة من (د).\n(٤) في (د): (قم).\n(٥) في (د): (وانتم).\n(٦) أي: زيادة الميم في (اللهم).","vol":"5","page":149},{"text":"غير المعنى الذي في (الفمُ).\nوأمّا ما احتَجَّ به من البيت؛ فجاز إدخال (يا) مع الميم لضرورة الشعر (١).\nفأما (٢) احتجاجه بقوله: (هلُمَّ)، فعند الخليل (٣): أنَّ الأصل فيه: (ها) التي [هي] (٤) للتنبيه، دخلت (٥) على (لمَّ) (٦)، فلما كثر (٧)، حُذِفت الألف (٨).\nوأمَّا البيت الذي ذكر أنه جاء في (اللهُمُ)، بتخفيف الميم، فهو خطأ فاحشٌّ خصوصا عنده (٩)؛ لأن الميم في (اللهُمُ)، هو الميم الذي في (أُمَّنا)، وإنشاده بالتخفيف يفسد عليه مذهبه؛ لأنه لا يحتمل في البيت ذكر أن يكون (أُمَّنا)، إنما هو بمنزلة قولك: (يسمعهُ اللهُ الكبارُ)، فالرواية الصحيحة: يَسمعها لاهُهُ الكبارُ\n_________\n(١) (لضرورة الشعر): ساقط من (د).\n(٢) في (ج)، (د): (وأما).\n(٣) انظر رأيه في: \"الكتاب\" ٣/ ٣٣٢، \"تأويل مشكل القرآن\" ٥٥٧.\n(٤) ما بين المعقوفين زيادة من (ج).\n(٥) في (ج): (وحلت).\n(٦) وأصل (لَم)، من قولهم: (لَمَّ الله شعثه)؛ أي: جمعه. كأنه أراد: لَمَّ نفسك إلينا؛ أي: اقْرُبْ. انظر (هلم)، في \"الصحاح\" ٥/ ٢٠٦٠، \"اللسان\" ٨/ ٤٦٩٤.\n(٧) في (ج): (كثرت).\n(٨) انظر الأقوال في (هلم) في \"إصلاح المنطق\" ٢٩٠، \"الزاهر\" ١/ ٤٧٦، \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٧٨٨، \"المسائل العضديات\" للفارسي:٢٢١، \"الصاحبي\" لابن فارس: ٢٧٩، \"المسائل السفرية\" لابن هشام: ٣٤، \"تنوير الحوالك شرح موطأ مالك\" للسيوطي: ١/ ٢٢٤ - ٢٢٦، \"تاج العروس\" ١٧/ ٧٦٢.\n(٩) في (د): (عندهم).","vol":"5","page":150},{"text":"قال أبو إسحاق (١): وقوله: إنَّ الضمَّةَ [التي] (٢) في الهاء من قوله: (اللهُم)، ضمةُ الهمزِة التي كانت في (أُمَّ) محالٌ؛ لأنه لا يُترك الضمُ الذي هو دليل على النداء المفرَد (٣)، ويُجعل في اسم الله ضمةُ (أُمَّ) (٤).\nوقوله تعالى: ﴿مَالِكَ الْمُلْكِ﴾. في نصبه، وجهان: أحدهما: وهو قول سيبويه (٥): أنه منصوب على النداء، وكذلك قوله: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ﴾ [الزمر: ٤٦]، ولا يجوز عنده أن يكون ﴿مَالِكَ الْمُلْكِ﴾ نصبًا على النعت للنداء المفرد، الذي هو قوله: ﴿اللَّهُمَّ﴾؛ لأن هذا الاسم عنده لا يُوصَف.\nالوجه الثاني: وهو قول أبي العباس (٦): أنَّ (مالِكَ) وصف للمنادى المفرد. وهذا الوجه اختيار الزجَّاج؛ قال (٧): لأن هذا الاسم ومعه (٨) الميم، بمنزلته ومعه (يا) (٩)، فلا تمتنع الصفة مع الميم، كما لا تمتنع مع (١٠) (يا) (١١).\n_________\n(١) في \"معاني القرآن\" له ١/ ٣٩٣، نقله عنه بتصرف.\n(٢) ما بين المعقوفين من: (ج)، (د)، وكذا هي في \"معاني القرآن\".\n(٣) أي: المنادى المفرد: مثل: يا الله.\n(٤) (أم): ساقطة من (د).\n(٥) \"الكتاب\" ٢/ ١٩٦.\n(٦) هو المبرد، في \"المقتضب\" ٤/ ٢٣٩.\n(٧) في \"معاني القرآن\" ١/ ٣٩٤، نقله عنه بتصرف يسير.\n(٨) في (ب): (ومنه).\n(٩) (ومعه يا): ساقط من (د).\n(١٠) في (د): (ومعه).\n(١١) في (د) وردت هنا عبارة: (فلا تمتنع مع يا) مكررة.","vol":"5","page":151},{"text":"ونَصَر أبو علي الفارسي قولَ سيبويه، وقال (١): هو عندي أصح، وإن كان أغمض، وذلك (٢)، لأنه ليس في الأسماء الموصوفة شيء (٣) على حد (اللهُمَّ)، فإذا خالف ما عليه الأسماء الموصوفة، ودخل في حيّز ما لا يوصف من الأصوات، وجب أن لا يوصف.\nوالأسماء المناداة المفردة المعرَّفة، القياس فيها: أن لا توصف، كما ذهب إليه بعض الناس؛ لأنها واقعة موقع ما لا يوصف؛ وكما (٤) أنه لمَّا وقع موقع ما لا يُعرب لم يعرب، كذلك لمَّا وقع موقع ما لا يوصف، وجب أن لا يوصَف (٥).\nفأما قوله:\n_________\n(١) قوله، في \"الإغفال\" ٥٥٤ - ٥٥٧. نقله عنه باختصار وتصرف. وقوله ينتهي إلى عند: (بمنزلة صوت مضموم إلى صوتٍ، نحو: حي هل).\n(٢) في (ج): (ذلك).\n(٣) من قوله: (شيء ..) إلى (ما عليه الأسماء الموصوفة): ساقط من (ج).\n(٤) في (ج): (كما). ومن قوله: (وكما ..) إلى (.. موقع ما لا يوصف): ساقط من (د).\n(٥) في (د): (توصف).","vol":"5","page":152},{"text":"يا حَكَمُ الوارثُ عن عبد الملكْ (١).\n_________\n(١) بيت شعر من الرجز لرؤبة بن العجاج، في: \"ديوانه\": ١١٨. كما ورد منسوبًا له في المصادر التالية: \"المعاني الكبير\" ٢/ ٨٧٠، \"إعراب القرآن\" \"المنسوب\" للزجّاج: ١/ ٩٧، \"شرح الأبيات المشكلة\" للفارسي: ٤٤٨، \"أمالي ابن الشجري\" ٣/ ٤٤، \"شرح شواهد المغني\" ١/ ٥٢، ٥٣.\nوورد غير منسوب في \"المقتضب\" ٤/ ٢٠٨، \"الخصائص\" ٢/ ٣٨٩، ٣/ ٣٣١، ٣٣٢، \"الإنصاف\" للأنباري: ص ٤٩٩، \"مغني اللبيب\" ٢٨. وبعده وفق رواية الديوان: .. ميراثُ أحسابٍ وجُودٍ مُنسفِكْ. وورد في بعض المصادر بنصب لفظ (الوارثَ). والشاعر هنا يمدح الحكم بن عبد الملك بن بشر بن مروان. والشاهد هنا أن قوله: (الوارث) على رأي سيبويه وأبي علي الفارسي ليس نعتًا للمنادى، وإنما هو خبر لمبتدأ؛ تقديره: (أنت). بينما الوجه الآخر فيه أنه مرفوع؛ لأنه نعت للمنادى قبله، ونعت المنادى المفرد إذا كان مقترنا بـ (أل) يجوز رفعه تبعًا للفظ المنادى، ونصبه تبعًا لمحله، فإن المنادى المفرد العلم مبني على الضم في محل نصب. انظر: \"الانتصاف من الإنصاف\" للشيخ: محمد محي الدين عبد الحميد (مطبوع مع الإنصاف، لأبي البركات الأنباري): ٢/ ٦٣٠.","vol":"5","page":153},{"text":"يا حَكَمُ بن (١) المنذرِ بنَ (٢) الجارودْ (٣)\nو:\n....... يا عُمَرُ الجَوادَ (٤)\nفإن الأول، على: (أنت)، والثاني، على: نداء ثانٍ، والثالث، على: (أعني)، فلمَّا كان هذا الاسم، الأصل فيه: أن لا يُوصَف لِما\n_________\n(١) في (ج)، (د): (ابن).\n(٢) في (د): (ابن).\n(٣) بيت من الرجز، وتكملته: أنت الجوادُ ابنُ الجوادِ المحمودْ.\nقيل: هو لرؤبة بن العجاج، وقد ورد في: ملحق ديوانه: ١٧٢، وفيه أنه مما نُسب إليه، وقد نُسب إليه كذلك في \"مجاز القرآن\" ١/ ٣٩٩، \"الصحاح\" ٤/ ١٤٩٦ (سردق).\nوقيل: هو لعبد الله الأعور، المُسَمَّى بـ (الكذاب الحرمازي)، وقد ورد في: \"كتاب سيبويه\": ٢/ ٢٠٣، وفيه: (وقال الراجز من بني الحرماز). ونسبه له ابن قتيبة في \"الشعر والشعراء\" ٢/ ٦٨٩. كما ذكرته المصادر التالية، مع ذكر الاختلاف في نسبته إليهما \"اللسان\" ٤/ ١٩٨٨ (سردق)، \"المقاصد النحوية\" ٤/ ٢١٠، \"التصريح\" ٢/ ١٦٩، وورد غير منسوب، في \"المقتضب\" ٤/ ٢٣٢، \"الأصول في النحو\" ١/ ٣٤٥، \"شرح المفصل\" ٢/ ٥، \"أوضح المسالك\" ص ٢٠٠، \"منهج السالك\" ٣/ ١٤٢.\nوالشاعر يمدح الحكمَ بن المنذر بن الجارود العَبْدي، أمير البصرة على عهد هشام ابن عبد الملك. والشاهد فيه هنا: أن (ابن) تُعْرَب على أنها مُنادى مضاف، فحقها النصب، ولا تعرب على أنها تابعة للمنعوت، وهو (حكم). و(حكم) يجوز فيها: النصب والرفع؛ لأنه العلم المفرد الموصوف بـ (ابن) المتصلة به، والمضاف إلى علم، يجوز فيه الأمران، إمَّا النصب فعلى الاتباع لحركة الصفة؛ لأنها جُعلت مع (ابن) كأنها اسم واحد لكثرة استعمالها، وكما أضيفت (ابن) إلى ما بعدها، فكذلك جعلوا (حكم) كأنها أضيفت إلى ما بعدها، فكانت كالمنادى المفرد المضاف في هذا البيت. وإمَّا الرفع فعلى النداء؛ لأنها علم، مفرد، معرفة. انظر: \"شرح أبيات سيبويه\" للنحاس: ١٣٤، \"شرح المفصل\" ٢/ ٥، \"هداية السالك\" لمحمد محيي الدين عبد الحميد (مطبوع مع \"أوضح المسالك\" ٣/ ٨٠.\n(٤) جزء من عجز بيت، وتمامه:\nما كعبُ بنُ مامَةَ وابنُ سُعدى ... بأجودَ منك يا عمرُ الجواد\nهو لجرير، في: \"ديوانه\": ١٠٧. وقد ورد في المصادر التالية، ونسبه أكثرها إليه: \"الكامل\" ١/ ٢٣١، \"المقتضب\" ٤/ ٢٠٨، \"الأصول في النحو\" ١/ ٣٦٩، \"أمالي ابن الشجري\" ٢/ ٤٠، ٣/ ٤٤، \"أوضح المسالك\" ص ٢٠١، \"مغني اللبيب\" ٢٨، \"المقاصد النحوية\" ٤/ ٢٥٤، \"منهج السالك\" ٣/ ١٤٣، \"الهمع\" ٣/ ٥٤، \"شرح شواهد المغني\" ١/ ٥٦، \"التصريح\" ٢/ ١٦٩، \"الخزانة\" ٤/ ٤٢٢، ٩/ ٣٩٩، \"الدرر اللوامع\" ١/ ١٥٣.\nوالشاعر يمدح عمر بن عبد العزيز ﵀. و(كعب بن مامه) من إياد، يُضرب به المثلُ في الجود والإيثار، ومن ذلك: إيثاره رفيقه بالماء على نفسه، ومات هو عطشًا، و(ابن سُعدى): هو: أوس بن حارثة الطائي، يُضرب به المثلُ -كذلك- في الجود والشاهد في البيت -هنا-: أن (الجَوادَ) انتصبت على الاختصاص، بتقدير فعل: (أعني) أو (أخص). وفي الديوان وبعض المصارد وردت (عمرَ) بالفتح، على أنها منادى مبني على الفتح؛ لأنه منعوت بـ (الجواد) المَنصوب. أو مبني على ضم مقدر منع من ظهوره فتح الإتباع؛ أي: أن الموصوف هنا يتبع الصفة في فتح آخرها، وهو مما يجيز الكوفيون الفتح فيه، سواء أكان المنادى موصوفًا بلفظ (ابن) أم لم يكن. انظر: \"الأصول في النحو\" ١/ ٣٦٩، \"أوضح المسالك\" ص ٢٠١، \"الهمع\" ٣/ ٥٤. والأصل فيه أن يكون في المخطوط: (عُمَرَ) بالفتح؛ ليتحقق الشاهد؛ لأن الفارسي أراد أن يقول: إن (الجوادَ) نصبت؛ لا لكونها صفةً لـ (عمرَ) المنصوب، فتبعتها في الإعراب -لأن عنده: المنادَى المعرَّف المفرَد، لا يوصف-، وانما جعلها -في البيت- منصوبة بفعلٍ مُقَدَّرٍ، هو: (أعني).","vol":"5","page":154},{"text":"ذكرنا، كان (اللهم) أولى أن لا يوصف؛ لأنه قبل ضم الميم إليه، واقعٌ موقع ما لا يوصف، فلمَّا ضُمَّت الميمُ إليه، وصيغ معه صياغة مخصوصة، صار حكمُهُ حكمَ الأصوات، وحكم الأصوات: أن لا يوصف (١)؛ نحو: (غاقِ) (٢).\nقال (٣): وهذا المضموم إليه مع ما ضُمَّ إليه، بمنزلة صوتٍ مضموم إلى صوت؛ نحو: (حَيَّهَل) (٤)، فحقُّهُ أن لا يوصفَ؛ كما لا يوصف (حَيَّ هلْ).\nفأما التفسير: فقال ابن عباس (٥): لما فتح رسول الله - ﷺ - مكة، ووعد أمَّتَه مُلكَ فارسَ والرومَ، قالت المنافقون واليهودُ: هيهات، هيهات (٦)!\n_________\n(١) في (د): (لا توصف)، وفي (ج) غير منقوطة، وأثبتُّ ما في الأصل، ونسخة (ب) على تقدير: أن لا يوصف الصوت.\n(٢) غاق: حكاية صوت الغراب، فإن نكَرَ، نُوِّنَ يقال: سمعتُ (غاق غاق)، وسمعت (غاقٍ غاقٍ). وسُمِّي الغُرَابُ: (غاقًا)، فيقال: (سمعت صوت الغاق). انظر: \"سر صناعة الإعراب\" ١/ ٣١٠، ٢/ ٤٩٤، ٤٩٥، \"اللسان\" ٦/ ٣٣١٧ (غوق).\n(٣) في (د): (مال).\n(٤) في (ج): (جبهل). و(حيَّهَلْ) و(حيَّهَلا) و(حيَّهَلًا) -مُنَوَّنًا وغير مُنَوَّنٍ-: كلمة يستحثُّ بها. ويقال: (حَيَّ هَلْ بفلان)، و(حيَّ هَلَ)، و(حَيَّ هَلا). ومعنى (حيَّ على كذا ..): هلمَّ وأقبِلْ، و(هلا) -كذلك- تقال للاستعجال والحَثِّ. وبُنِيَت (حيَّ) مع (هل)، وجُعِلَتا اسمًا واحدًا، وسُمِّي به الفِعْلُ، ويستوي فيه الواحد والجمع المؤنث. انظر: \"الصحاح\" ٥/ ١٨٥٣ (هلل)، \"اللسان\" ٢/ ١٠٨٢ (حيا)، \"المسائل المشكلة\" للفارسي: ١٥٢، \"شرح الشافية\" ٢/ ٢٩٤، \"شرح المفصل\" ٩/ ٨٤.\n(٥) قوله، في \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٢٩ أ، \"أسباب النزول\" للواحدي: ١٠٢، \"تفسير البغوي\" ٢/ ٢٣، \"تفسير القرطبي\" ٤/ ٥٢، وعزوه -كذلك- لأنس بن مالك.\n(٦) (هيهات): ساقطة من (د).","vol":"5","page":155},{"text":"فأنزل اللهُ هذه الآية.\nوقيل: إنَّ الله ﷿ أمر النبي - ﷺ - في هذه الآية، أن يسأله نقل عزِّ فارس إلى العرب، وذلِّ العرب إلى فارس (١).\nوقوله تعالى: ﴿تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ﴾. قال ابن عباس (٢): تؤتي ملكَ قيصر أمةَ محمدٍ - ﷺ -، وتنزع الملكَ منه.\nالكلبي (٣): ﴿تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾: محمدًا وأصحابَه، ﴿وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ﴾: أبي جهل (٤)، وصناديدَ قريش.\nوقال بعضهم: ﴿تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾: العرب، ﴿وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ﴾: الروم، والعجمِ، وسائرَ الأمم (٥).\n_________\n(١) لم أهتد إلى قائل هذا القول، وقد ورد في \"معاني القرآن\" للزجَّاج: ١/ ٣٩٣ مصدرًا بلفظ (قيل)، وعقب عليه بقوله: (الله أعلم بحقيقة ذلك). والذي في كتب التفسير عن قتادة ﵀ أن نبي الله - ﷺ - سأل ربه جل ثناؤه أن يجعل ملك فارس والروم في أمته، فأنزل الله هذه الآية. انظر: \"تفسير الطبري\" ٣/ ٢٢٢، \"تفسير ابن أبي حاتم\" ٢/ ٦٢٤، \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٢٩/ أ، \"النكت والعيون\" ١/ ٣٨٤، \"أسباب النزول\" للواحدي: ١٠٢١٠٣، \"تفسير البغوي\" ٢/ ٢٣، \"زاد المسير\" ١/ ٣٦٨، وأورده السيوطي في \" الدر\" ٢/ ٢٥ ونسب إخراجه -كذلك- لعبد بن حميد.\n(٢) لم أهتد إلى مصدر قوله.\n(٣) قوله، في \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٣١ أ، \"تفسير البغوي\" ٢/ ٢٣.\n(٤) هو: عمرو بن هشام بن المغيرة المخزومي القرشي، تقدمت ترجمته.\n(٥) وردت هذه العبارة بنصها في \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٣٢ أ، وهو بنفس معنى قول مقاتل ﴿تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ يعني: محمدًا وأمته، ﴿وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ﴾؛ يعني الروم وفارس). تفسيره: ١/ ٢٦٩. وقد يكون الثعلبي حكاه بمعناه عن مقاتل ونقله المؤلف عن الثعلبي.","vol":"5","page":156},{"text":"وذكر أبو إسحاق (١) في ﴿الْمُلْكَ﴾ المذكور ههنا، قولين:\nأحدهما: أن المراد بـ ﴿الْمُلْكَ﴾ ههنا: المال، والعبيد، والحَفَدَة (٢). والله تعالى يؤتيها من يشاء، وينزعها ممن يشاء.\nالثاني: أن ﴿الْمُلْكَ﴾ ههنا: ظهور الدين، والغَلَبة. فمعنى ﴿تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ أي ترزق الغَلَبةَ والظَّفَرَ الذين يطيعونك، ويعبدونك. والله تعالى قد جعل كل ما (٣) في مملكة (٤) مَلِكٍ غير مسلم للمسلمين مُلكًا وغنيمة، ولهم أن يُطالِبُوا به حتى يَحُوزوه، كما يُطالِبُ المَسْلوبُ ثَوْبَهُ (٥) بِثَوْبِه، والمأخوذ مالُهُ بما غلب عليه منه (٦).\n_________\n(١) هو الزجَّاج، في \"معاني القرآن\" ١/ ٣٩٢، نقله عنه بالمعنى.\n(٢) في \"معاني القرآن\" (والحضرة)، وفسَّرها المحقق، بأنها: التَّحضر والثراء، وقد تكون (الحفدة) -هكذا- في نسخة أخرى لمعاني القرآن، والذي يؤكد ما نقله المؤلف -هنا- عن الزجاج، هو أن ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ١/ ٣٦٩ نقل هذا القول عن الزجاج وفيه (الحفَدَة) كما هي عند الواحدي. و(الحفَدَةُ) و(الحفَدُ): الخدم، والأعواد. والمفرد: حافد. وحفدة الرجل: بناته، وقيل: أولاد أولاده، ومفردها، حفيد، وقيل: الأصهار. وأصلها من: (حفَد، يَحفِدُ، حفْدًا، وحفَدانًا، واحتفد احتفادًا)؛ أي: خفَّ وأسرع في العمل. انظر (حفد) في \"اللسان\" ٢/ ٩٢٢، \"القاموس المحيط\" ص ٢٧٧.\n(٣) في (ج): (كلما).\n(٤) في (ج): (ملكه)، في (د): (مملكته).\n(٥) في (ب): (المغلوب لوبه).\n(٦) ولكن لفظ (الملك) -هنا- عام، ولا دليل على تخصصه، ولذا يقول ابن عطية في \"المحرر الوجيز\" ٣/ ٦٥: (والصحيح: أنَّه مالك الملك كله مطلقًا في جميع أنواعه)، وانظر: \"تفسير الفخر الرازي\" ٨/ ٧.","vol":"5","page":157},{"text":"وقال أهل المعاني (١): معنى قوله ﴿تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾؛ أي مَنْ تشاءُ أن تُؤْتِيَه، وكذلك (٢) ﴿وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ﴾ أي: ممن تشاء أن تنزعه، إلاَّ أنه حذف؛ لأن في الكلام ما يدل عليه.\nقال الفرَّاء (٣): ومثله: قولك: (خذْ ما شئت)؛ أي: ما شئت أن تأخذه. وكذلك (٤) قولك: (إن شئت؛ فَقُمْ، وإن (٥) شئت؛ فلا تَقُمْ) (٦)، وكذلك قوله: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩] [فهذا بيَّن أنَّ] (٧) المشيئة واقعة على الإيمان والكفر، وهما متروكان (٨).\nوقوله تعالى: ﴿وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ﴾ قال ابن عباس (٩): يريد: المهاجرين والأنصار، ﴿وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ﴾، يريد: الروم وفارس: وقيل (١٠): ﴿وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ﴾ (١١): محمدًا (١٢) وأصحابه، حتى دخلوا مكة ظاهرين عليها،\n_________\n(١) هذا قول الزجاج في \"معاني القرآن\" ١/ ٣٩٧، وانظر -في هذا المعنى-: \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٢٠٤، \"الطبري\" ٣/ ٢٢٢، \"معاني القرآن\" للنحاس: ١/ ٣٧٩.\n(٢) في (د): (كذلك).\n(٣) في \"معاني القرآن\" ١/ ٢٠٤. نقله عنه بتصرف واختصار.\n(٤) من قوله: (وكذلك ..) إلى (.. فلا تقم): ساقط من (ج).\n(٥) في (ب): (إن).\n(٦) أي: إن شئت أن تقوم فقم، وإن شئت أن لا تقوم فلا تقم.\n(٧) ما بين المعقوفين غير مقروء في: (أ). وفي (ب): (فهذا فيه). والمُثْبت من: (ج)، (د) \"معاني القرآن\".\n(٨) في (ج): (واقعان). والمعنى: أي: من شاء الإيمان، فلْيُؤمِنْ، ومن شاء الكفُرْ. فوقعت المشيئة على الإيمان والكفر، وتركا ولم يذكرا في الآية.\n(٩) لم أهتد إلى مصدر قوله، وقد ورد هذا القول عن عطاء، كما في \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٣٢ ب، \"تفسير البغوي\" ٢/ ٢٣.\n(١٠) لم أهتد إلى قائل هذا القول، وقد ورد في المصادر السابقة مصدرًا بلفظ: (قيل).\n(١١) شي (أ)، (ب)، (ج): (تعز) -بدون واو-. والمثبت من (د).\n(١٢) في (أ): (محمد). والمثبت من: (ب)، (د)، ومن المصادر السابقة.","vol":"5","page":158},{"text":"﴿وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ﴾: أبا جهل وأصحابه، حتى حُزَّت (١) رؤوسهم وأُلقوا في القليب. ويدخل تحت هذا كلُّ ما به يُعِزُّ اللهُ ويذل، من الإيمان والكفر، والتوفيق والخذلان وأشباهها (٢).\nوقوله تعالى: ﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ﴾ أي: الخير والشر، فاكتفى بالخير؛ لأن الرغبة إليه فعل الخير بالعبد دون الشر (٣)، وهذا كقوله: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النمل: ٨١] أي: [تقيكم] (٤) الحَرَّ والبرد.\nوقال ابن عباس في تفسير ﴿الْخَيْرُ﴾ ههنا (٥): إنه عِزُّ الدنيا والآخرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-531>٢٧ </span>- قوله تعالى: ﴿تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ﴾ الإيلاج في اللغة (٦): الإدخال. والوُلُوجُ: الدخول. يقال: (وَلَجَ)، (وُلُوجًا)، و(لِجَةً) [و] (٧)\n_________\n(١) في (د): (جرت).\n(٢) في (د): (وما أشبهها).\n(٣) قال الحدَّادي: (وهذا من باب الاقتصار على أحد طرفي الكلام، وهذا مطرد في كلام العرب) انظر \"المدخل لعلم تفسير كتاب الله\" للحدادي: ٣٠٦. وقال الزمخشري -مبيّنًا العِلَّة في ذلك-: (قلت: لأن الكلام إنما وقع في الخير الذي يسوقه إلى المؤمنين، وهو الذي أنكرته الكفرة، فقال: ﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ﴾ تؤتيه أولياءك على رغم أعدائك، ولأن كل أفعاله -تعالى- من نافع وضار، صادر عن الحكمة والمصلحة، فهو خير كله، كإيتاء الملك ونزعه) \"الكشاف\" ١/ ٤٢٢، وانظر: \"غرائب التفسير\" للكرماني ١/ ٢٤٩.\n(٤) ما بين المعقوفين زيادة من: (ج) و(د).\n(٥) لم أهتد على مصدر قوله: والذي في \"تنوير المقباس\" المنسوب إليه: ٤٥: (بيدك الخير: العز والذل والملك والغنيمة والنصرة والدولة).\n(٦) (في اللغة): ساقط من (د).\n(٧) ما بين المعقوفين زيادة من: (ج) و(د).","vol":"5","page":159},{"text":"(وَلْجًا)، و(اتَّلَجَ، اتِّلاجًا)، و(توَلَّجَ، تولُّجًا) (١).\nقال الشاعر:\nفإنَّ القوافي يَتَّلِجنَ موالِجًا ... تَضايَقُ عنه أن تَولَّجَهُ (٢) الإبَرْ (٣)\nوفي التنزيل: ﴿حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ﴾ [الأعراف: ٤٠]، والوُليجَةُ: الدَّخيلَةُ، والبطانة (٤)، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَم يَتخِذُوا من دوُنِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا\n_________\n(١) انظر (ولج) في \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٩٤٩، \"الصحاح\" ١/ ٣٤٧، \"اللسان\" ٨/ ٤٩١٣، \"تاج العروس\" ٣/ ٥٠٩. والمصدر الذي ذكره المؤلف، وهو: (وَلْجًا)، لم أعثر عليه فيما رجعت إليه من مصادر اللغة، وورد في \"تفسير الطبري\" ٣/ ٢٢٣.\n(٢) في (ب): (تلجه).\n(٣) في (أ)، (ب): (الأبرار). والمثبت من: (ج)، (د)؛ نظرًا لاتفاق مصادر البيت كلها عليه؛ ولاتفاقه مع الروي الذي قبله. والبيت، لطَرفة بن العبد، وهو في: ديوانه: ٤٧. وورد منسوبًا له في \"مجاز القرآن\" ١/ ٢٥٤، ٢/ ١٤٢، \"البيان والتبين\" ١/ ١٧٠، \"الخصائص\" ١/ ١٤، \"سر صناعة الإعراب\" ١/ ١٤٧، \"الممتع\" لابن عصفور: ١/ ٣٨٦، \"المقاصد النحوية\" ٤/ ٥٨١، \"التصريح\" ٢/ ٣٩٠. وورد غير منسوب في المصادر التالية: \"تفسير الطبري\" ٢٢/ ٥٩، \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٩٤٩ (ولج)، \"والمخصص\":١٤/ ١٨٣، \"شرح المفصل\" ١٠/ ٣٧، \"اللسان\" ٨/ ٤٩١٣ (ولج)، \"تاج العروس\" ٣/ ٥١٠ (ولج). وروايته في الديوان، \"تفسير الطبري\" (رأيت القوافي ..). وفي الديوان: (تَضَيَّقُ). وفي بعض المصادر: (تضايق عنها)، وفي \"تهذيب اللغة\" (أن تولجه الأمر). و(القوافي): جمع قافية، وهي آخر حرف في بيت الشعر، الذي تبنى عليه القصيدة، وأراد هنا القصيدة. و(تتَّلجْنَ)، أصلها: تَوْتِلجن، ثم قُلِبت الواوُ تاءً، وأدْغِمت في التاء التي بعدها، وهو صيغة افتعال من: (الولوج)، وهو: الدخول. و(الموالج): جمع (مَوْلَج)، وهو: المَدْخل، و(تَوَلَّجَه): أصلها: تتولجه؛ أي: تدخل إلى مكانه. والمعنى: أن قصائده وهي هنا، قصائد هجائه تبلغ من التأثير في نفس المهجوِّ، مواضِعَ عميقة ودقيقة، لدرجة أن رؤوس الإبر لا تستطيع أن تلجها، وتدخل إلى أماكنها. والشاهد هنا: ورود كلمات (يتلجن) و(تَولَّجه)، فالأولى دلالة على ما ذكره المؤلف من ورود فعل (اتَّلج) والثانية على ما ذكره من ورود المصدر (التَّولُّج) وفعله (تَولَّج).\n(٤) انظر (ولج)، في \"الصحاح\" ١/ ٣٤٨، \"القاموس\" ص ٢٠٩.","vol":"5","page":160},{"text":"﴿الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [التوبة: ١٦].\nومعنى الآية: تجعل ما نقص من أحدهما، زيادة في الآخر، في قول جميع المفسرين (١).\nوذكر ابن الأنباري (٢) قولًا آخر، وهو: أن المعنى: تدخل أحدهما في الآخرة بإتيانه به (٣) بدلًا (٤) منه. قال: وذلك أن الليل إذا (٥) دخلت ظلمتُهُ، وظهرت نجومُهُ وقمرُه، كان النهار داخلًا فيه، ومستترًا تحته، وكذلك (٦) والنهار، إذا دخل ضوؤه، وطلعت شمسُه، كان الليل داخلًا فيه، ومستترا تحته (٧).\nوقوله تعالى: ﴿وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾. أكثر المفسرين على أنَّ معناه: تخرج الحيوان من النطفة، وتخرج النطفة من\n_________\n(١) انظر: \"مجاز القرآن\" ١/ ٩٠، \"تفسير الطبري\" ٣/ ٢٢٣، \"تفسير البغوي\" ٢/ ٢٣.\n(٢) لم أهتد إلى مصدر قوله.\n(٣) (به): ساقطة من: (ج)، (د).\n(٤) في (ج): (وبدلًا).\n(٥) في (ج): (لما).\n(٦) من قوله: (وكذلك ..) إلى (.. ومستترا تحته): ساقط من (د).\n(٧) وورد عن ابن مسعود -﵁- قولًا آخر، وهو: أنه يأخذ الصيف من الشتاء، ويأخذ الشتاء من الصيف. انظر: \"تفسير ابن أبي حاتم\" ٢/ ٦٢٥، وأورده السيوطي في \"الدر\" ٢/ ٢٦، ونسب إخراجه لعبد بن حميد، وابن المنذر، وأبي الشيخ. وأورد عنه السيوطي في المصدر السابق رواية أخرى، هي: أنه قِصَر أيام الشتاء في طول ليله، وقِصَر ليل الصيف من طول نهاره ونسب السيوطي إخراجه كذلك لسعيد بن منصور، وابن المنذر. \"وانظر تفسير ابن مسعود\" إعداد: محمد العيسوي: ٢/ ١٥٨ - ١٥٩.","vol":"5","page":161},{"text":"الحيوان (١).\nوقال الكلبي (٢): تخرج الفرخ من البيضة، وتخرج البيضة من الطير، وهذا كالأول؛ لأن البيضة للطير بمنزلة النطفة لسائر الحيوانات (٣).\nوقال ابن عباس في رواية عطاء، والحسن (٤): تخرج المؤمن مِنَ الكافر، والكافر من المؤمن. والمؤمنُ حَيُّ الفؤاد، والكافرُ ميِّت الفؤاد. دليله: قوله: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ (٥) [الأنعام: ١٢٢].\n_________\n(١) انظر: \"تفسير الطبري\" ٣/ ٢٢٤ ورجَّحه، \"تفسير ابن أبي حاتم\" ٢/ ٦٢٦ - ٦٢٧، \"المحرر الوجيز\" ٣/ ٦٨.\n(٢) قوله، في \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٣٣ ب، \"تفسير البغوي\" ٢/ ٢٤، وقال به عكرمة، كما في \"تفسير الطبري\" ٣/ ٢٢٥، \"تفسير ابن أبي حاتم\" ٢/ ٦٢٨، والمصادر السابقة.\n(٣) في (د): (الحيوان).\n(٤) لم تذكر المصادر التي رجعت إليها هذه الرواية عن ابن عباس، وإنما عزت القول للحسن وعطاء، فالرواية عن الحسن وردت في \"تفسير عبد الرزاق\" ١/ ١١٧، \"تفسير الطبري\" ٣/ ٢٢٥، \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٣٣ ب. وعن الحسن وعطاء وردت في \"تفسير البغوي\" ٢/ ٢٤، \"زاد المسير\" ١/ ٣٧٠. وقال ابن الجوزي في \"الزاد\" بعد أن ذَكَر هذا القولَ: (رَوى نحو هذا الضحاك عن ابن عباس، وهو قول الحسن وعطاء).\n(٥) روى الزهري عن عبيد الله بن عبد الله: أنَّ خالدة بنت الأسود بن عبد يغوث دخلت على الرسول - ﷺ -، وهو عند بعض نسائه، فقال: \"من هذه؟ \" قيل: إحدى خالاتك يا رسول الله. قال: \"إن خالاتي بهذه البلدة لغرائب، فمن هي؟ \" قيل: خالدة بنت الأسود بن عبد يغوث. فقال: \"سبحان الله! يخرج الحيِّ مِن الميِّت\". أخرجه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ١/ ١١٧، والطبري ٣/ ٢٢٦، وابن أبي حاتم ٢/ ٦٢٦، وابن سعد في \"الطبقات\" ٨/ ٢٤٨ من رواية أبي سلمة بن عبد الرحمن عن عائشة ﵂، وأورده السيوطي في \"الدر\" ٢/ ٢٧، ونسب إخراجه لابن مردويه.","vol":"5","page":162},{"text":"وفي (الميِّت) قراءتان: التشديدُ، والتخفيفُ (١). والتشديد الأصل؛ لأنه في الأصل: (مَيْوِت)، فلما اجتمعت الواو والياء (٢)، وسبقت (٣) إحداهما بالسكون، قُلِبت الواوُ ياءً (٤)، وأُدغمت الياءُ فيه (٥). ومن خَفَّفَ: حَذَفَ الواوَ التي (٦) أُعِلَّت في التشديد بالقلب (٧)، فأعِلَّت (٨) الواوُ في التخفيف بالحذف، كما أعلَّت في التشديد بالقلب.\nوقول من قال: إن (المَيْت) بالتخفيف: الذي قد مات، وبالتشديد: الذي لم يمت بعدُ (٩)، ليس (١٠) بشيء؛ لأنه قد ورد في الشعر على عكس\n_________\n(١) القراءة بالتشديدة أي: ﴿الْمَيِّتِ﴾، قراءة: حفص عن عاصم، وحمزة، ونافع، والكسائي. والقراءة بالتخفيف؛ أي: ﴿الْمَيِّتِ﴾ قراءة: أبي بكر عن عاصم، وابن كثير، وأبي عمرو، وابن عامر. انظر: \"السبعة\" ٢٠٣، \"الحجة\" للفارسي: ٣/ ٢٥، \"التبصرة\" ٤٥٧.\n(٢) في (ج): (الياء والواو).\n(٣) في (ج): (سبقت).\n(٤) ياء: ساقطة من (ج).\n(٥) هذا مذهب البصريين، أما مذهب الكوفيين، فعندهم أن (ميت)، أصلها: (مَوِيت)، على وزن: (فَعِيل)، وذهب آخرون إلى أن أصلها: (فَيْعَل)، بفتح العين، وفي المسألة نقاش حول أصل هذه الكلمة. انظر كتاب العين: ٨/ ١٤٠، \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٣٢١ (مات)، \"الإنصاف\" للأنباري: ص ٦٣٩، \"الكشف\" لمكي: ١/ ٣٤٠.\n(٦) في (ج): (والتي).\n(٧) قوله: (أعِلَّت)، من: (الإعلال)؛ وهو: تغيير حرف العلة للتخفيف؛ بالقلب، أو الحذف، أو الإسكان. انظر: \"شرح الشافية\" ٣/ ٦٦.\n(٨) من قوله: (فأعلت ..) إلى (.. في التشديد بالقلب): ساقط من (ج).\n(٩) نُقِل هذا القول عن أبي حاتم السجستاني، كما في \"الخزانة\" ٦/ ٥٢٩، ولم أعثر على من قال به غيره، إلا ما نقله الجوهري عن الفراء: (يقال لمن لم يَمُت: (إنه مائت عن قليل)، و(ميِّت)، ولا يقولون لمن مات: (هذا مائت). \"الصحاح\" ١/ ٢٦٧ (موت).\n(١٠) في (ب): (وليس).","vol":"5","page":163},{"text":"قوله.\nأنشد أبو العباس (١) لابن (٢) الرَّعْلاء الغسَّاني (٣).\nليس من مات فاستراح بمَيْتٍ ... إنَّما المَيْتُ ميِّتُ الأحْياءِ\n_________\n(١) لم أهتد إلى مصدره، وهكذا ورد في \"النكت والعيون\" ١/ ٣٨٥.\n(٢) في جميع النسخ: (لأبي)، والمثبت هو الصواب.\n(٣) في (أ): غير واضحة. وفي (ب): (لأبي يعلى الفسافي). والمثبت من (ج)، (د). وهو الصواب. وهو: عَدِي بن الرَّعْلاء الغَسَّاني، والرَّعْلاء هي أُمَّهُ. وهو شاعر جاهلي. انظر: \"معجم الشعراء\" ٨٦، \"الخزانة\" ٩/ ٥٨٦، \"الأعلام\" ٤/ ٢٢٠.","vol":"5","page":164},{"text":"إنَّما المَيْتُ من يعيشُ كثيبا ... كاسفًا بالُهُ (١) قليلَ الرَّخاء (٢)\nفهذا بيَّن أنَّ الأمر فيهما سواء.\nوقوله تعالى: ﴿وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾. قال الزجَّاج (٣): أي: بغير تقتير. وهذا مستعمل في اللغة، يقال: (فلان ينفق بغير حساب)؛ أي: بُوسِّع في النفقة؛ فكأنه لا يحسب ما ينفقه.\nوقال الحسن (٤)، والربيع (٥): أي: بغير (٦) نقصان، وذلك؛ لأنه غير متناهي المقدور، فما يؤخذ منه (٧) لا ينقصه، ولا هو على حساب جزءٍ من كذا وكذا (٨) جزءا (٩)، فهو بغير حساب التجزئة.\nوقيل معناه (١٠): بغير حساب الاستحقاق؛ لأنه يرزق ويعطي تفضلًا لا استحقاقًا.\n_________\n(١) (باله): ساقط من (ج).\n(٢) ورد منسوبًا له في: المصادر التالية: \"الأصمعيات\" للأصمعي ١٥٢، \"معجم الشعراء\" للمرزباني (ط ٢، ١٩٨٢م، ن: مكتبة القدسي) ٢٥٢، \"النكت والعيون\" ١/ ٣٨٥، ولكن فيه: (لابن الرعلاء القلابي)، \"البيان\" للأنباري ١/ ١٩٨، \"اللسان\" ٧/ ٤٢٩٥ (موت)، \"شرح شواهد المغني\" ١/ ٤٠٥، ٢/ ٨٥٨ \"الخزانة\" ٦/ ٥٣٠، ٩/ ٥٨٣.\nكما ورد غير منسوب، في المصادر التالية: \"معاني القرآن\" للأخفش ١/ ١٥٥، \"البيان والتبيين\" للجاحظ ١/ ١٣٢، \"العقد الفريد\" ٥/ ٤٩١، \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٣٢١ (موت)، \"المنصف\" ٢/ ١٧، ٣/ ٦٢، \"الصحاح\" ١/ ٢٦٧ (موت)، \"أمالي ابن الشجري\" ١/ ٢٣٢، \"ورسالة الصاهل والشاحج\" ٥٢٢، \"شرح المفصل\" ١٠/ ٦٩، \"البحر المحيط\" ١/ ٤٨٦، \"والمغني\" ٦٠١، \"منهج السالك\" ٢/ ١٦٩. وقد نسبا لصالح بن عبد القدوس، في \"الحماسة\" للبحتري (ضبط وتعليق: كمال مصطفى، ط ١، ن: المكتبة التجارية) ٣٤٠، \"معجم الأدباء\" ٣/ ٤٢٠. وردت روايته في \"الأصمعيات\" (.. ذليلا سيِّئا ..) ووردت (الرجاء) بالجيم، بدلًا من: (الرخاء) بالخاء، في كل المصادر ما عدا \"معجم الشعراء\" \"خزانة الأدب\" ٩/ ٥٨٣، وهي موافقة لما أورده المؤلف هنا و(الرخاء): اسم من: (رَخِيَ العيشُ)، و(رَخوَ): إذا اتّسع. و(كاسِفًا بالُه)، من: (كسفت): إذا ساءت، والبال: الحال. والشاعر يقول: بأن من لا يموت في الحرب، فإنه يعيش في ذلٍّ، وسوءِ حال، وخزي، فحياته في الحقيقة ليست إلا موتا. والشاهد: استعمال (ميْت) و(ميِّت) بمعنى واحد.\n(٣) في \"معاني القرآن\" ١/ ٣٩٥، نقله عنه بتصرف يسير جدا. وانظر: \"تفسير غريب القرآن\" لابن قتيبة ١٠٣.\n(٤) لم أهتد إلى مصدر الأثر عنه.\n(٥) قوله في \"تفسير الطبري\" ٣/ ٢٢٧، \"تفسير ابن أبي حاتم\" ٢/ ٦٢٨.\n(٦) في (ج): (تغير).\n(٧) في (ج): (مثله).\n(٨) في (ب): (ولا كذا).\n(٩) (جزءًا): ساقطة من (ج).\n(١٠) لم أهتد إلى قائل هذا القول.","vol":"5","page":165},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-532>٢٨ </span>- قوله تعالى: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ﴾ قال ابن عباس (١): نزلت الآية في قوم من المؤمنين، كانوا (٢) يباطنون اليهود ويوالونهم (٣).\nوقال المُقاتِلان (٤): نزلت في حاطب بن أبي بَلْتَعَة (٥)، وغيره ممن كانوا يوالون كفار مكة.\n_________\n(١) قوله، في \"تفسير الطبري\" ٣/ ٢٢٨، \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٣٤ أ، \"أسباب النزول\" للواحدي ص١٠٤، \"تفسير البغوي\" ٢/ ٢٥، \"زاد المسير\" ١/ ٣٧١، \"لباب النقول\" للسيوطي ٥٢.\n(٢) (كانوا): ساقطة من (ج).\n(٣) في (أ)، (ب)، (ج): (يتوالونهم)، والمثبت من (د). وتفسير (الوسيط) للمؤلف (تح: بالطيور): ١٨٧.\n(٤) في (أ)، (ب)، (د): (مقاتلان). والمثبت من (ج) وهو الصواب؛ لموافقة لما في \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٣٤ أ، والمقاتلان؛ هما: مقاتل بن سليمان، ومقاتل بن حيان، وقد أخرج لهما الثعلبي في \"تفسيره\" وجعلهما من مصادره. انظر: \"تفسيره\" ١/ ٧ ب، وقول مقاتل بن سليمان في تفسيره ١/ ٢٧٠. ويبدو أن الواحدي نقل القول عنهما من \"تفيسر الثعلبي\" ٣٤ أ، وقد أورد البغوي في \"تفسيره\" ٢/ ٢٥ قولَ مقاتل، ولم يُعَيِّن مَنْ منهما. ونَصَّ على وروده عنهما ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ١/ ٣٧١، وقال: (هذا قول المقَاتِلَيْن: ابنِ سُليمان، وابن حَيان).\n(٥) هو: حاطب بن أبي بلتعة بن عمرو اللَّخمي، صحابي، أصله من اليمن، وكان حليفًا للزبير، شهد بدرًا، وهو الذي كاتب أهل مكة يخبرهم بتجهز رسول الله - ﷺ - لغزوهم، مُريدًا بذلك أن يتخذ عند الكفار يدا يحمي بها أهله الذين في مكة، حيث لا عشيرة له بها تحميهم، وقد قبل النبي - ﷺ - عذره. وقد أنزل الله فيه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾ [الممتحنة: ١]، توفي سنة (٣٠هـ). انظر: \"صحيح البخاري\" ٨/ ٦٣٣. كتاب التفسير. سورة الممتحنة، \"الاستيعاب\" ١/ ٣٧٤، \"الإصابة\" ١/ ٣٠٠.","vol":"5","page":166},{"text":"قال الفرَّاء (١): ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ﴾: نهيٌ؛ فجُزم على ذلك. ولو رُفِع على الخبر كقراءة من قرأ: ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾ (٢) [البقرة: ٢٣٣] جازَ.\nقال الزجَّاج (٣): ويكون المعنى على الرفع: أنه من كان مؤمنًا، فلا بنبغي أنْ يتَّخذَ الكافرَ وَلِيًّا؛ لأن وَلِيَّ الكافرِ راضٍ بِكُفْرِهِ، فهو كافر، وقد ذكرنا معنى (الوليَّ) و(المولى) فيما تقدم.\nومعنى (الأولياء) ههنا: الأنصار، والأعوان، أو (٤) الذين يوالونهم ويلاطفونهم بالمحبَّةِ والقُرْبَةِ.\nوقوله تعالى: ﴿مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾. (مِنْ) ههنا معناه: ابتداء الغاية،\n_________\n(١) في \"معاني القرآن\" له ١/ ٢٠٥ نقله عنه بالمعنى.\n(٢) وهي قراءة: ابن كثير، وأبي عمرو، وقرأ الباقون: ﴿تُضَارَّ﴾، بفتح الرَّاء المشددة. انظر: \"الحجة\" لابن زنجلة: ١٣٦، \"اتحاف فضلاء البشر\" ١/ ٤٤٠. والقراءة بجزم ﴿لاَ يَتَّخِذِ﴾، قراءة الجمهور، وقرأ المفضل الضبِّي برفع الذال، وأجاز الكسائي الرفعَ على الخبر، والمراد به النهي. انظر: \"إعراب القرآن\" للنحاس: ١/ ٣٢٠، \"التبيان\" للعكبري: ١/ ١٨٣، \"البحر المحيط\" ١/ ٤٢٢.\n(٣) في \"معاني القرآن\" له ١/ ٣٩٥، نقله عنه نصًّا.\n(٤) (أو): ساقطة من (ج). وفي (د)، (و).","vol":"5","page":167},{"text":"على تقدير (١): لا تجعلوا ابتداء الولاية مكانًا دون المؤمنين (٢). وهذا (٣) كلام جرى على المثل في المكان، وهو كما تقول: (زيدٌ دونك)؛ لست تريد: أنَّه في موضعٍ مُسْتَفِلٍ (٤)، وأنك في موضع مرتفع، ولكن جعلت الشَّرف بمنزلة الارتفاع في المكان، وجعلت الخِسَّةَ كالاستفال (٥) في المكان.\nوالمعنى (٦): أنَّ المكان المرتفع في باب الولاية: مكانُ المؤمنين، ومكان الكافرين الأدنى. فهذا معنى ﴿مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾، وتحقيق له.\nوالتأويل: أولياء من غير المؤمنين وسواهم؛ كقوله تعالى ﴿وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ٢٣] أي: غير الله. وقد مرَّ.\nوقد ثبت بهذه الآية تحريمُ موالاة الكافرين: والله تعالى قد قطع بيننا وبينهم أصلَ الموالاة.\nقال ابن عباس في هذه الآية (٧): نهى الله سبحانه المؤمنين أن يلاطفوا\n_________\n(١) (تقدير): ساقطة من (ب).\n(٢) والتقدير بعبارة أوضح: لا تجعلوا ابتداء الولاية من مكان دون مكان المؤمنين. وكون (مِن) لابتداء الغاية، هو الوجه الأظهر، والوجه الآخر: أن (مِن) في موضع نصب، صفة للأولياء. وقال سليمان الجمل: (إنها في محل الحال من الفاعل). انظر: \"التبيان\" للعكبري ١/ ١٨٣، \"البحر المحيط\" ٢/ ٤٢٣، \"الدر المصون\" ٣/ ١٠٧، \"الفتوحات الإلهية\" للجمل ١/ ٢٥٨.\n(٣) من قوله: (وهذا ..) إلى (.. مكان المؤمنين): نقله عن \"معاني القرآن\" للزجاج: ١/ ٣٩٦ مع اختلافٍ يسير جدًّا بين النصين.\n(٤) (مستفل): وردت في \"معاني القرآن\" مستقل، وما أورده المؤلف هنا هو الصواب؛ لمناسبتها لسياق الكلام. و(التَّسفُّلُ)، نقيض التَّعلِّي، انظر: \"التاج\" ١٤/ ٣٤٧ (سفل).\n(٥) كالاستفال: وردت في \"معاني القرآن\" (كالاستقبال)؛ ولا وجه لها، والصواب ما أثبته المؤلفُ.\n(٦) في (ج): (فالمعنى)، وفي (د): (والمكانى).\n(٧) قوله، في \"تفسير الطبري\" ٣/ ٢٢٧، \"تفسير ابن أبي حاتم\" ٢/ ٦٢٨، وأورده السيوطي في \"الدر\" ٢/ ٢٨ونسب إخراجه كذلك لابن المنذر. ونهاية قول ابن عباس إلى (.. الكفار)، أما الآيات القرآنية، فهي من إلحاق المؤلف الواحدي تفسيرًا لقول ابن عباس.","vol":"5","page":168},{"text":"الكفارَ في آيات كثيرة، منها قوله: ﴿لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾ [آل عمران: ١١٨] وقوله: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة: ٢٢]، وقوله: ﴿لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ﴾ (١) [المائدة: ٥١].\nوقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ أي: اتِّخاذ الأولياء منهم (٢).\n﴿فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ﴾. أي: من دين الله، فحذف الدينَ اكتفاءً بالمضاف إليه، والمعنى: أنه قد برئ من الله، وفارق دينه، ثمَّ استثنى، فقال: ﴿إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾. ذكرنا معنى الاتقاء وحقيقته في قوله: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢]. و(التُّقاة) ههنا مصدر، ووزنها: فُعَلَة، مثل:\n_________\n(١) وقال ابن عطية: (ولفظ الآية عام في جميع الأعصار)، وقال أبو حيان: (وظاهر الآية تقتضي النهي عن موالاتهم إلا ما فُسح لنا فيه من اتِّخاذهم عبيدًا، والاستعانة بهم استعانة العزيز بالذليل، والأرفع بالأوضع، والنكاح فيهم). \"المحرر الوجيز\" ٣/ ٧١. وذكر سلميان الجمل أن ترك موالاة المؤمنين يصدق بصورتين: إما أن تقصر الموالاة على الكافرين، أو أن يُشرك بينهم وبين المؤمنين في الموالة، وكلا الصورتين داخلتان في منطوق النهي، فموالاة الكافرين ممنوعة، استقلالًا أو اشتراكًا مع المؤمنين. انظر: \"الفتوحات الإلهية\" ١/ ٢٥٨. وانظر: \"البحر المحيط\" ٢/ ٤٢٢.\n(٢) (اتخاذ الأولياء منهم): ساقط من (د).","vol":"5","page":169},{"text":"(تُخَمَة)، و(تُؤَدَة)، و(تُكَأَة)، و(تُهمَة). والتَّاء في كل هذا مبدلة من الواو (١)، ويقال (٢): (تَقَيْتُهُ تُقاةً، وتُقىً، وتَقِيَّةً، وتَقْوى). وإذا قلت (٣): (اتَّقَيت)، كان مصدره (الإتقاء) (٤).\nوإنما قال: (تتَّقوا)؛ من: الاتِّقاء، ثم قال: (تُقاةً)، ولم يقل: اتِّقاءً: لأن العرب قد تَذْكُر المصدرَ من غير لفظ الفعل، إذا كان ما ذُكِر من المصدر يوافق (٥) مصدر الفعل المذكور، فيقول: (التقيت فلانًا لقاءً حسنًا)، قال القُطامي (٦):\n_________\n(١) انظر: \"تفسير البسيط\" (تح: د. الفوزان): ٢/ ٤٨، \"كتاب سيبويه\" ٤/ ٣٣٣، \"سر صناعة الإعراب\" ١/ ١٤٥ - ١٤٨، \"شرح الشافية\" ٣/ ٨٠ - ٨٣، \"الممتع في التصريف\" ١/ ٣٨٣. ومعنى (تُخمَة): ما يصيب الإنسان من الطعام، إذا استثقله ولم يستمرئه. وهي مأخوذة من: (الوَخامة). و(تُؤَدَة) بالتسكين والفتح: التأني والتمهل، واصلها: (وُأدَةٌ). و(تُكَأة): ما يُتَّكأ عليه، و(رجل تُكَأة): كثير الإتِّكاء، وأصلها: (وُكَأة). و(تُهَمَة): الظنُّ، أصلها: (الوُهَمَة)، من: الوهم، وهو: الظَّن. \"اللسان\" ٨/ ٤٧٩١ (وخم)، ٨/ ٤٧٤٥ (وأد)، ٨/ ٤٩٠٤ (وكأ)، ٨/ ٤٩٣٣ (وهم).\n(٢) من قوله: (ويقال ..) إلى نهاية بيت الشعر (.. احتقارًا): نقله بتصرف عن \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٣٤ ب.\n(٣) في (ج): (قلبت).\n(٤) انظر: \"إصلاح المنطق\" ٢٤، ومادة (وقى)، في \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٩٤١، \"الصحاح\" ٦/ ٢٥٢٧، \"اللسان\" ٨/ ٤٩٠١.\n(٥) في (ج): (موافق).\n(٦) هو: عمير بن شُيَيْم التَّغْلبي، تقدمت ترجمته.","vol":"5","page":170},{"text":"وليس بأنْ تتَّبعه اتِّباعا (١)\nوقال أيضًا:\nولاح بجانب (٢) الجبلين منه ... ركامٌ يَحْفِر التُّربَ (٣) احتفارا (٤)\nوقال بعض النحويين (٥): (تقاة) اسم وضع موضع المصدر (٦) كما يقال: (جَلَسَ جَلْسَةً)، و(رَكِبَ رِكْبَةً) (٧)، وكما قال:\n_________\n(١) عجز بيت، وصدره:\nوخير الأمر ما استقبلت منه\nوهو في: \"ديوانه\" ٣٥، \"كتاب سيبويه\" ٤/ ٨٢، \"أدب الكاتب\" ٦٣٠، \"الشعر والشعراء\" ٢/ ٧٢٨، \"المقتضب\" ٣/ ٢٠٥، \"الأصول في النحو\" ٣/ ١٣٤، \"شرح المفضليات\" لابن الأنباري ٣٥٢، \"الخصائص\" ٢/ ٣٠٩، \"الاقتضاب\" ٤٧٧، \"شرح أدب الكاتب\" ٣٠٥، \"أمالي ابن الشجري\" ٢/ ١٤١، \"وضح البرهان\" ١/ ٢٣٩، \"شرح المفصل\" ١/ ١١١، \"خزانة الأدب\" ٢/ ٣٦٩.\nومعنى البيت: أن خير الأمور ما تدبرته في أوله فعرفت إلام تنتهي عاقبته، وشر الأمور ما تُرك النظرُ في أوله، وتُتُبِّعت أواخرُه بالنظر. والشاهد فيه: أنه أتى بـ\"اتِّباعًا\" مصدرًا لـ\"تتبع\"، لأن معناهما واحد.\n(٢) (د): (من جانب).\n(٣) (د): (الثوب).\n(٤) لم أقف عليه في ديوان القطامي، وأورده الثعلبي في \"تفسيره\" ٣/ ٣٤ ب، ونسبه للقطامي، وبين أنه يصف غَيْثًا، وأورده أبو حيان في \"البحر المحيط\" ٢/ ٤٢٤.\n(٥) لم أهتد إلى القائل، وقد ذكره أبو حيان في \"البحر\" ٢/ ٤٢٤، والحلبي في \"الدر\" ٣/ ١١١ عند بيان نصب ﴿تقاه﴾ على الحال كما سيأتي.\n(٦) أي على تقدير: إلا أن تتقوا منهم اتقاءً، فيكون مفعولًا مطلقًا.\n(٧) \"جَلْسَة\": اسم للمرَّة، و\"جِلْسَة\": اسم للهيئة، وهكذا \"رِكْبة\" و\"رَكْبَة\". يقول ابن مالك - في صياغة اسم المرَّة والهيئة من الثلاثي:\nو\"فَعْلَةٌ\" لمرَّةٍ كجَلْسَهْ ... و\"فِعْلَةٌ\" لهيئة كجِلْسَهْ","vol":"5","page":171},{"text":"وبَعْدَ عطائِكَ المائةَ الرِّتاعا (١)\nفأجراه مجْرَى الإعطاء (٢).\nقال: ويجوز أن تجعل (تُقاة) ههنا مثل: (رُماة)، فتكون حالًا مؤكدة (٣).\nقال المفسرون (٤): هذا في المؤمن، إذا كان في قوم كفَّار، ليس فيهم\n_________\n(١) عجز بيت، وصدره:\nأكُفْرًا بعد ردِّ الموتِ عني\nوهو للقطامي، في \"ديوانه\" ٣٧، كما ورد في \"الشعر والشعراء\" ٢/ ٧٢٧، و\"الخصائص\" ٢/ ٢٢١، و\"الأصول في النحو\" ١/ ١٤٩، و\"أمالي ابن الشجري\" ٢/ ٣٩٦، و\"اللسان\" ٨/ ١٦٣ (سمع)، ٩/ ١٤١ (زهف)، ١٥/ ٦٩ (عطا)، ١٣٨ (غنا)، و\"شرح شذور الذهب\" ٤١٢، و\"المقاصد النحوية\" ٣/ ٥٠٥، ٤/ ٢٩٥، \"منهج السالك\" ٢/ ٢٨٨، و\"شرح شواهد المغني\" ٢/ ٨٤٩، و\"الهمع\" ٣/ ١٠٣، \"معاهد التنصيص\" ١/ ١٧٩، و\"التصريح\" ٢/ ٦٤، \"الخزانة\" ٨/ ١٣٦، ١٣٧، \"الدرر\" ١/ ١٦١. والشاعر يمدح في البيت زُفَر بن الحارث الكِلاَبي، بعد أن مَنَّ عليه بإطلاق أساره من قبيلة قيس، التي كانت تنوي قتله، وأعطاه مائة من الإبل. وقوله: (أكفرًا) استفهام إنكاري؛ أي: لا أخونك بعد أن أنقذتني من الموت، وأعطيتني مائة من الإبل (الرِّتاع)؛ أي: الراعية. والشاهد فيه: إعمال اسم المصدر: وهو (عطاء) عملَ المصدر، وهو (إعطاء)، ولذا نصب به المفعول، وهو (المائة).\n(٢) اسم المصدر المأخوذ من حدث لغيره، كـ (الثواب، والكلام، والعطاء)، منع البصريون إعمالَه، إلَّا في الضرورة، وأجاز إعمالَه الكوفيُّون والبغداديُّون قياسًا؛ إلحاقًا له بالمصدر. واستثنى الكسائي إمام الكوفيين ثلاثةَ ألفاظ، هي: (الخبز) و(الدهن) و(القوت)، فإنها لا تعمل، فلا يقال: (عجبت من خبزكَ الخبزَ)، ولا (من دهنكَ رأسكَ)، ولا (من قوتِكَ عيالَكَ)، وأجاز ذلك الفرَّاءُ، لما حكاه عن العرب مثل: (أعجبني دهنَ زيدٍ لحيَتَه). انظر: \"همع الهوامع\" ٢/ ٩٤ - ٩٥.\n(٣) أي: إنَّ (تقاة) هنا جمعٌ، حالها حال (رُماة) التي مفردها: (رامٍ)، وإن لم يأت من (تقاة) لفظ (فاعل)؛ لأن (فُعَلَة) تأتي جمعًا لفاعل الوصف المعتل اللَّام. انظر: \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٩٤٠ (وقى)، \"البحر المحيط\" ٢/ ٤٢٤، \"الدر المصون\" ٣/ ١١١، \"التبيان\" للعكبري: (١٨٤).\n(٤) من قوله: (قال المفسرون ..) إلى (.. عورة المسلمين): نقله بتصرف عن \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٣٥ أ.","vol":"5","page":172},{"text":"غيره، وخافهم على نفسه وماله، فله أن يخالفهم (١)، ويُداريهم باللسان، وقلبه مطمئنٌ بالإيمان دفعا عن نفسه (٢)، من غير أن يَستحِلَّ مُحرَّمًا؛ من: دمٍ، أو مالٍ، أو إطْلاع للكافرين على عَوْرة (٣) المسلمين.\nقال ابن عباس في هذه الآية (٤): يريد: مُدَاراةً ظاهرةً. والتقيَّة لا تحل إلاَّ مع خوف القتل. وهي رخصة من الله تعالى. ولو أفصح بالإيمان؛ حيث يجوز له التَقِيَّة، [فيُقْتَل لأجلِ إيمانِهِ] (٥)، كان ذلك فضيلةً له (٦).\nوظاهر الآية يدل على أن التقيَّة إنما تَحلُّ مع الكفار الغالبين، غير أن مذهب الشافعي ﵀: [أنَّ الحالةَ بين] (٧) المسلمين (٨)، إذا شاكلت (٩) الحالةَ بين المسلمين والمشركين، حَلَّت التقِيَّةُ، محاماةً عن\n_________\n(١) في (د): (يحالفهم)، وفي \"تفسير الثعلبي\" (يتحالفهم)، وقد أثبَتُّ (يخالفهم)؛ لورودها في النسخ الثلاث، ولأنها تحتمل المخالفة القلبية، وإلا فإني أرجِّح أن تكون (يخالقهم)، بمعنى: يصانعهم، ويعاشرهم على أخلاقهم، وهكذا وردت عن مجاهد في تفسير الآية، حيث قال: (إلَّا مصانعة في الدنيا، ومُخالقة). انظر: \"تفسير الطبري\" ٣/ ٢٢٩، \"تفسير ابن أبي حاتم\" ٢/ ٦٢٩.\n(٢) (دفعا عن نفسه): ساقط من: (ب).\n(٣) في (د): (عورات).\n(٤) الوارد عن ابن عباس في المصادر التي بين يدي ما يفيد هذا المعنى، وليس بهذا اللفظ. انظر: \"تفسير الطبري\" ٣/ ٢٢٨، \"تفسير ابن أبي حاتم\" ٢/ ٢٢٩، \"المستدرك\" للحاكم ٢/ ٢٩١، \"الدر المنثور\" ٢/ ٢٩.\n(٥) ما بين المعقوفين غير مقروء في: (أ)، وهو مثبت من: (ب)، (ج)، (د).\n(٦) قال ابن العربي: (لا خلاف في ذلك) \"أحكام القرآن\" ٣/ ١١٧٩، وانظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص: ١/ ٩، ٣/ ١٩٢، \"تفسير القرطبي\" ١٠/ ١٨٨.\n(٧) ما بين المعقوفين غير مقروء في (أ)، وهو بياض في (ب)، والمثبت من (ج)، (د).\n(٨) (المسلمين): مكانها بياض في: (ب).\n(٩) (شاكلت): أي: شابهت، ووافقت. انظر: \"القاموس\" (١٠١٩) (شكل).","vol":"5","page":173},{"text":"المُهْجَةِ (١).\n[وأمال] (٢) الكسائي، وحمزة ﴿تُقَاةً﴾ ههنا (٣). والقافُ حرفٌ مُسْتَعْلٍ (٤)، فالأحسن ترْكُ الإمالة مع القاف، كما لم يُميلوا (قادم). و(قاة) من (تقاة)، بمنزلة: (قادم).\nوحُجَّة (٥) من أمالَ: أنَّ سيبويه ذكر (٦): أنَّ قومًا قد أمالوا مع المستعلي، ما لا ينبغي أن يُمال في القياس؛ وذلك قولهم: (رأيت غَرْقى) (٧). قال: وهو قليل. وأيضًا فإنهم قد أمالوا: (سَقى)، (وصَغى) (٨)؛ طلبًا للياء التي الألِفُ في موضعها، فلمَّا أُميلت هذه الألِفُ مع المستعلي،\n_________\n(١) انظر: \"أحكام القرآن\" للكيا الهراسي: ٢/ ٢٨٥، ٤/ ٢٤٦، \"الأشباه والنظائر في قواعد وفروع فقه الشافعية\" للسيوطي: ٢٠٦، \"حاشية الشرقاوي على تحفة الطلاب\" ٢/ ٣٩٠.\n(٢) ما بين المعقوفين غير مقروء في: (أ). وفي (ب)، (ج)، وأما المثبت من (د).\n(٣) انظر: \"الحجة\" للفارسي: ٣/ ٢٧، وقال: (وأمال حمزة منهم (تقاة) إشمامًا من غير مبالغة)، \"حجة القراءات\" لابن زنجلة: ١٥٩.\n(٤) الحروف المستعلية، هي: الخاء، والطاء، والظاء، والصاد، والضاد، والغين، والقاف. انظر: \"الرعاية\" لمكي ١٢٣، \"التمهيد\" لابن الجزري ٩٠.\n(٥) من قوله: (وحجة ..) إلى (.. أميلت التي في تقاة): نقله عن \"الحجة\" للفارسي: ٣/ ٣٠ - ٣١ بتصرف واختصار.\n(٦) انظر: \"كتاب سيبويه\" ٤/ ١٣٢، و٤/ ١٣٤.\n(٧) هكذا جاءت في جميع النسخ. والذي في \"الحجة\" للفارسي، \"كتاب سيبويه\" (عِرْقا) بالعين المكسورة، من: العِرقاة، وهي: أصل الشيء، وما يقوم عليه. وهي في الشَّجَر: أرُومُه الأوسط الذي تتشعب منه العروق. انظر: \"اللسان\" ٥/ ٢٩٠٣ (عرق). أما (غَرقى)، فهي جمع: غريق. ويلاحظ أن سيبويه قد ذكر أن العلة في إمالة (عِرقا) هي وجود الكسرة في أولها، وليس ذاك في (غرقى). انظر: \"كتاب سيبويه\" ٤/ ١٣٤، \"الدر المصون\" ٣/ ١١٢ - ١١٣.\n(٨) (سقى)، (وصغى): ساقطتان من (د).","vol":"5","page":174},{"text":"كذلك أميلت (١) التي في (تقاة).\nوقوله تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾. أي: يخوفكم الله على موالاة الكفار عذابَ نَفْسِهِ، وعقوبَتَه، فحذف المضاف، وهو قول ابن عباس (٢) و(النفس) عند العرب، عبارة عن: ذات الشيء ووجوده. يقولون: هذا نفس كلامك (٣). وإلى هذا ذهب أهل المعاني.\nقال الزجَّاج (٤): معنى ﴿نَفْسَهُ﴾: إيَّاه، كأنه قال: ويحذركم الله إيَّاه. وقال بعضهم (٥): النفس ههنا: تعود إلى اتِّخاذ الأولياء من الكفار؛ [أي] (٦): ينهاكم الله عن نفس هذا الفعل (٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-533>٢٩ </span>- قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ﴾. أي: مِن مودة الكفار، وموالاتهم. هذا قول أكثر المفسرين (٨).\nوقال الكلبي (٩): يعني: تكذيب محمد - ﷺ -، يقول: إن أخفيتموه أو\n_________\n(١) (أميلت): ساقطة من (ج).\n(٢) لم أهتد إلى مصدر قوله، اللهم إلا ما ورد في \"المحرر الوجيز\" ٣/ ٧٧ من قوله هو والحسَنَ: (ويحذركم الله عقابه)، وانظر: \"البحر المحيط\" ٢/ ٤٢٥.\n(٣) انظر (نفس) في \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٦٢٩.\n(٤) في \"معاني القرآن\" له ١/ ٣٩٧، وانظر: \"معاني القرآن\" للنحاس ١/ ٣٨٤، \"المحرر الوجيز\" ٣/ ٧٦، \"القاموس المحيط\" (٥٧٧).\n(٥) لم أهتد إلى هذا القائل.\n(٦) ما بين المعقوفين في (أ): غير واضح، وفي (ب): (أن)، والمثبت من (ج)، (د).\n(٧) والآية من الأدلة على أن لله تعالى نفسًا، وهي صفة من صفاته العلية، تليق بكماله وجلاله سبحانه. انظر: \"قطف الثمر في عقيدة أهل الأثر\" لصديق خان: ٦٥.\n(٨) انظر: \"تفسير الطبري\" ٣/ ٢٣٠، \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٣٦ أ، \"تفسير البغوي\" ٢/ ٢٦، \"زاد المسير\" ١/ ٣٧٢.\n(٩) قوله، في \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٣٦ أ، \"تفسير البغوي\" ٢/ ٢٦.","vol":"5","page":175},{"text":"أظهرتم تكذيبه، بحربه وقتاله، يعلمه الله.\nوقال عطاء (١): يريد: الضمير، وهذا يعم كل ما في قلب الإنسان.\nقال أهل المعاني: لَمّا نَهَى اللهُ في الآية الأولى عن موالاة الكفار، خوَّفَ وحذَّر في هذه الآية (٢) عن إبطان (٣) موالاتهم؛ بأنه يعلم الإسرار، كما يعلم الإعلان.\n[فإن قيل: لِمَ جاء] (٤) ﴿يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ بالجَزْم؛ على جواب (٥) الشرط، ولا يَفْتَقِرُ في علمه إلى وجود (٦) شرطٍ متقدمٍ؛ كقول القائل: (إنْ تأتِني؛ أُكْرِمْكَ!)، فالإتيان سببٌ للإكرام، ولا يجوز أنْ يكون الإخفاء ولا الإبداء سببًا لعلمه. فالقول في ذلك إنَّ المعنى: يعلمه كائنًا، [ولا يعلمُهُ اللهُ تعالى (٧) كائنًا، إلا بعد كَوْنِهِ، وقبل (٨) الكَوْنِ لا يُوصَفُ بأنه (٩): يعلَمُه كائنا] (١٠)، والتأويل: إنْ تبدوا ما في صدوركم، يعْلَمْهُ مبدىً، أو تُخْفوه يَعْلَمْهُ مُخْفىً.\n_________\n(١) لم اهتد إلى مصدر قوله.\n(٢) (في هذه الآية): ساقطة من (ج).\n(٣) في (ج): (انظار).\n(٤) ما بين المعقوفين غير مقروء في: (أ). والمثبت من: (ب)، (ج)، (د).\n(٥) في (ج): (جواز).\n(٦) في (ج): (وجوب).\n(٧) (الله تعالى): ليس في (أ)، (ب)، (د). والمثبت من (ج).\n(٨) في (د): (وقيل)، والمثبت من (ج).\n(٩) في (ج): (لأنه)، والمثبت من (د).\n(١٠) ما بين المعقوفين زيادة من: (ج)، (د).","vol":"5","page":176},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾. رفع (١)؛ على الاستئناف؛ كقوله: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ﴾ [التوبة: ١٤]، جزم الأفاعيل (٢)، ثم قال: ﴿وَيَتُوُبُ اَللَّهُ﴾ [التوبة: ١٥]، فرفع. ومثله، قوله: ﴿فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ﴾ [الشورى: ٢٤]، ورفعًا (٣).\nوفي قوله: ﴿يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾، إتمامٌ؛ للتحذير؛ لأنه إذا كان لا يخفى عليه شيءٌ منهما، فكيف يخفى عليه الضميرُ؟.\nوقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. تحذيرٌ مِنْ عِقَابِ مَن لا يعْجِزَهُ شىءٌ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-534>٣٠ </span>- قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ﴾ اختلفوا في العامل في ﴿يَوْمَ﴾، فقال ابن الأنباري (٤): اليوم معلق بـ ﴿الْمَصِيرُ﴾ (٥)، والتقدير: (وإلى اللهِ المصير، يومَ تَجِدُ).\nوقال الزجَّاج (٦): العامل: قوله: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾، في الآية (٧)\n_________\n(١) من قوله: (رفع ..) إلى (.. رفعا): نقله بتصرف عن \"معاني القرآن\" للفراء: ١/ ٢٠٦.\n(٢) (الأفاعيل): ساقطة من (د). ومعناه: جُزِمت الأفعال التالية في الآية: (يُعذِّبْهمْ)، (يُخزِهِمْ)، (يَشْفِ)، (يُذْهِبْ).\n(٣) أي: هي في نيَّةِ رفع، مستأنفةٌ، غير داخلة في جزاء الشرط؛ لأنه تعالى يمحو الباطل مطلقًا. وسقوط الواو لفظًا، لالتقاء الساكنين في الدرج، وسقوطها خطًّا، حملًا للخطِّ على اللفظ. انظر: \"منار الهدى في بيان الوقف والابتداء\" للأشموني: ٢٤٩.\n(٤) لم أهتد إلى مصدر قوله.\n(٥) في (د): (متعلق بالضمير). يعني بـ ﴿الْمَصِيرُ﴾: ما ورد في قوله تعالى: ﴿وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ آية: ٢٨ من نفس السورة.\n(٦) في \"معاني القرآن\" له: ١/ ٣٩٧.\n(٧) من قوله: (في الآية ..) إلى (.. نفسه): ساقط من (ج).","vol":"5","page":177},{"text":"السابقة؛ كأنه قال: ويحذِّرُكُم اللهُ نفسَهُ في ذلك اليوم (١).\nقال أبو بكر: ولا يجوز أن يكون (اليوم) منصوبًا بـ ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ﴾، المذكور في هذه الآية، لأن واو النَّسَقِ (٢) لا يعمل ما بعدها فيما قبلها.\nقال: ويجوز أن يكون (اليوم) متَصلًا بـ ﴿قَدِيرٌ﴾ (٣) منصوبًا به، والتأويل: (والله على كلِّ شيءٍ قديرٌ في هذا اليوم).\nوخصَّ هذا [اليوم] (٤)، وإنْ كان غيرُه من الأيام بمنزلته في قدرة الله تعالى؛ تفضيلًا له؛ لِعِظَمِ شأنِه؛ كقوله: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ (٥).\nوقوله تعالى: ﴿مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا﴾. يريد: بيان ما عملت؛ بما يرى من صحائف الحسنات. ويجوز أن يكون المعنى: جزاء ما عملت؛ بما يرى من الثواب.\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ﴾. الأظهر: أن تجعل ﴿مَا﴾ ههنا بمنزلة (الذي)، فيكون معطوفًا على ﴿مَا﴾ الأولى، ويكون ﴿عَمِلَتْ﴾ صلةً لها. ويصلح أن تكون بمعنى: الجزاء فتكون مُسْتَأنَفَةً. وكان الأجود؛ إذا\n_________\n(١) ضعَّف أبو حيان نصب ﴿يَوْمَ﴾ بـ ﴿الْمَصِيرُ﴾، وبـ ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ﴾ في الآية التي قبلها؛ وذلك لأن الفاصل قد طال بين العامل والمعمول، ويضاف إليه في النصب بـ ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ﴾، أن التحذير موجود، واليوم موعود، فلا يلتقيان، فلا يصح عمل الفعل هنا. انظر: \"البحر المحيط\" ٢/ ٤٢٦، \"التبيان\" للعكبري: ١/ ٢٥٢.\n(٢) أي: واو العطف.\n(٣) في (ج): (تقديره). ويعني بـ ﴿قَدِيرٌ﴾ الواردة في قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ آية: ٢٩.\n(٤) ما بين المعقوفين زيادة من (ج)، (د).\n(٥) وقيل إنَّ ﴿يَوْمَ﴾ في آية سورة آل عمران، منصوب بفعل مضمرٍ، هو (اذكر) أو (اتَّقوا)، وقال الزمخشري: إنَّ ناصبه هو فعل ﴿تَوَدُّ﴾ الآتي بعده. وحول هذه الوجوه نقاش، انظره في \"تفسير الطبري\" ٣/ ٢٣١، \"الكشاف\" ١/ ٤٢٣، \"الفريد في إعراب القرآن المجيد\" ١/ ٥٦٠، \"البحر المحيط\" ٢/ ٤٢٦، \"الدر المصون\" ١/ ١١٤.","vol":"5","page":178},{"text":"جعلت ﴿مَا﴾ بمعنى الجزاء، أن تنصب ﴿تَوَدُّ﴾، أو تخفضه، ولَمْ يقرأ أحدٌ إلا رفعًا، فكان هذا دليلًا [على] (١) أنَّ ﴿مَا﴾ بمعنى (الذي) (٢).\nوقوله تعالى: ﴿أَمَدًا بَعِيدًا﴾. معنى (الأمد): الغاية التي يُنتَهى إليها (٣).\nقال مقاتل (٤): أي: كما بين المشرق والمغرب.\nوقال الحسن (٥): يَسُر أحدَهم أن لا يلقى عملَهُ أبدا.\nوقوله تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾. قد ذكرنا ما فيه (٦).\nوقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾. قال الحسن (٧): مِن رأفته بهم أن حذَّرهم نفسه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-535>٣١ </span>- قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ﴾ قال ابن عباس في رواية الضحاك (٨): وقف النبي - ﷺ - على قريش وهم في المسجد الحرام يسجدون\n_________\n(١) ما بين المعقوفين زيادة من: (ب)، (ج).\n(٢) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء: ١/ ٢٠٦،\"إعراب القرآن\" للنحاس: ١/ ٣٢١، \"مشكل إعراب القرآن\" ١/ ١٥٥، \"الفريد في إعراب القرآن المجيد\" ١/ ٥٦١.\n(٣) انظر: \"تفسير الطبري\" ٣/ ٢٣١، \"القاموس المحيط\" ٣٣٩ (أمد).\n(٤) قوله في \"تفسيره\" ١/ ٢٧٠. ونصه عنده: (يعني: أجلًا بعيدًا بين المشرق والمغرب).\n(٥) قوله في \"تفسير الطبري\" ٣/ ٢٣١، \"تفسير ابن أبي حاتم\" ٢/ ٦٣١، \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٣٦ ب، وأورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ٢/ ٢٩، ونسب إخراجه لابن المنذر كذلك.\n(٦) ذكر ذلك عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ من آية: ٢٨.\n(٧) قوله في \"تفسير عبد الرزاق\": ١/ ١١٨، \"تفسير الطبري\" ٣/ ٢٣١، \"تفسير ابن أبي حاتم\" ٢/ ٦٣١، وأورده ابن كثير في \"تفسيره\" ١/ ٣٨٤.\n(٨) قول ابن عباس، في \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٣٦ أ، \"أسباب النزول\" للواحدي: ١٠٥، \"تفسير البغوي\" ٢/ ٢٧، \"زاد المسير\" ١/ ٣٧٣.","vol":"5","page":179},{"text":"للأصنام، فقال: \"يا معشرَ قريش: والله لقد خالفتم ملَّة أبيكم إبراهيم! \". فقالت قريش: إنما نعبد هَّذه حبًا لله؛ ليقربونا إلى الله. فقال الله: قل يا محمد: إن كنتم تُحبُّون الله وتعبدون الأصنامَ لِتُقَرِّبكم إلى الله فاتَّبعوني، يُحْبِبْكم اللهُ، فأنا رسوله إليكم، وحجَّتُه عليكم، وأنا أولى بالتعظيم من أصنامكم (١).\nوقال في رواية أبي صالح (٢): إنَّ اليهود لمَّا قالت: نحن أبناءُ اللهِ وأحبَّاؤه، أنزل الله تعالى هذه الآية، فعرضها عليهم رسول الله - ﷺ - فأَبَوا أن\n_________\n(١) هذه الرواية عن ابن عباس، من طريق جُويبر عن الضحاك عنه، كما في \"تفسير الثعلبي\" \"أسباب النزول\" للواحدي وجُويبر، هو: ابن سعيد، أبو القاسم البلخي: ضعيف جدًّا. انظر: \"المجروحين\" لابن حبان: ١/ ٢١٧، \"الجرح والتعديل\" لابن أبي حاتم ٢/ ٥٤٠، \"تقريب التهذيب\" (٩٨٧).\n(٢) هذه الرواية في \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٣٧ أ \"أسباب النزول\" للواحدي ١٠٥.","vol":"5","page":180},{"text":"يقبلوها (١).\nقال أهل العلم: معنى (مَحبَّة العبدِ لله): إرادته طاعته، وإيثاره أمره، ورضاه بشرائعه. ومعنى (مَحبَّة الله للعبد): إرادته لِثَوَابِهِ، وعفوه عنه،\n_________\n(١) هذه الرواية من طريق الكلبي عن أبي صالح. والكلبي -كما سبق- متَّهم بالكذب، وقد رُمي بالرفض، وقد قال لسفيان الثوري (كل ما حدثتك عن أبي صالح فهو كذب). انظر: \"ميزان الاعتدال\" ٥/ ٢ (٧٥٧٤)، \"تقريب التهذيب\" (٥٩٠١)، وقد ورد في سبب نزول الآية سببان آخران:\nالأول: ادِّعاء أقوام في عهد النبي - ﷺ - أنهم يحبون الله تعالى، فأنزل الله هذه الآية؛ ليبين لهم أن علامة حُبِّه هي: اتباع النبي - ﷺ -. وهو قول الحسن، وابن جريج.\nالثاني: أنها نزلت رَدًّا على مزاعم النصارى في ادِّعائهم: أنَّ ما يقولونه عن عيسى ﵇ إنما هو محبة لله وتعظيم له. فأخبرهم أن محبة الله تكون باتباع النبي - ﷺ - وهو قول محمد بن جعفر بن الزبير.\nورجَّح الطبري هذا القول، قائلًا: (لأنه لم يجر لغير وفد نجران في هذه السورة، ولا قبل هذه الآية ذكْرُ قوم ادَّعوا أنهم يحبُّون الله، ولا أنهم يُعَظِّمُونه)، ولم يجزم الطبري بصحة قول الحسن السابق، وبيَّن أنه ليس في السورة ما يدل عليه، إلا أن يراد بالقوم الذين ادَّعوا ذلك هم وفد نصارى نجران، فيكون القولان متَّفقين. انظر: \"تفسير الطبري\" ٣/ ٢٣٢.\nوقال ابن عطية: (وُيحتمل أن تكون الآية عامة لأهل الكتاب: اليهود والنصارى؛ لأنهم كانو يدَّعون أنهم يحبون الله، ويُحبهم، ألا ترى أنهم جميعًا قالوا: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨]، ولفظ ﴿وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ إنما يعطي أن الله يحبهم، لكن يعلم أن مراده \"ويحبوه\"). انظر: \"المحرر الوجيز\" ٣/ ٨٠.","vol":"5","page":181},{"text":"وانعامه عليه (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-536>٣٢ </span>- قوله تعالى ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ قيل: لمّا نزل (٢) قوله: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ﴾، الآية، قال عبد الله بن أُبَي (٣): إنَّ محمدًا يجعل طاعتَه كطاعة الله، ويأمرنا أن نحبه كما أحبَّت النصارى عيسى، فنزلت هذه الآية (٤) وبين فيها أنَّ طاعة الله معلقةٌ بطاعة الرسول، ولا يتمُّ لأحد طاعةُ الله، مع عصيان الرسول؛ ولهذا قال الشافعي - ﵁ -: كل أمرٍ أو نهيِ، ثبت عن رسول الله - ﷺ -، جرى ذلك في الفريضة واللزوم، مجرى ما أمر الله به\n_________\n(١) نقل القرطبي في تفسيره قريبًا من هذا القول عن الأزهري. انظر: \"تفسير القرطبي\" ٤/ ٦٠، \"فتح القدير\" ١/ ٥٠١، \"فتح البيان\" ٢/ ٤٢.\nوما ذكره المؤلف هنا في محبة الله تعالى هو ما عليه مذهب الأشاعرة؛ حيث ينفون هذه الصفة، وغيرها من الصفات، عن الله تعالى ويعطلونها، ويفسِّرونها إذا وردت في القرآن والسنَّة بلوازمها ومقتضياتها، من إرادة الثواب للعبد والعفو عنه والإنعام عليه كما فعل المؤلف، فينفون حقيقة صفة الله، ويحرفونها ويؤوِّلونها، بدعوى أنها توهم النقص في الذات العلية؛ لأن المحبة عندهم، هي: ميل القلب إلى ما يلائم الطبع، وهذا من صفات المخلوق، والله منزَّه عن ذلك الأمر الذي دعاهم إلى تأويل صفة المحبة، وحملها على الإرادة كما فعل المؤلف.\nوالذي أوقع الأشاعرة في هذا الخطأ العقدي، هو قياسهم صفات الخالق على صفات المخلوق. ومن قواعد منهج السلف الصالح: أن الكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات، فكما أن ذات الحق لا تشبه ذوات الخلق، فكذلك صفاته. ومن قواعدهم: أن القول في بعض الصفات كالقول في بعضها الآخر، فيثبت السلف جميع صفات الله، ويمرُّونها كما جاءت بما يليق بذاته العلِيَّة، ولا يُؤوِّلونها، ومنها: صفة المحبة. ويثبتون كذلك لوازمها من إرادة الله إكرام من يحبه وإثابته، فالله تعالى يُحِبُّ، ويُحَبُّ لذاته، وليس فقط لثوابه، كما قال: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤].\nوتأويل الأشاعرة ومنهم المؤلف لصفة المحبة بالإرادة، إنما هو حرْفٌ لحقيقة الصفة، وصرف لها عن وجهها الصحيح، ويقال لهم: إنَّ المعنى الذي صرفتم اللفظ إليه، هو نفس المعنى الذي صرفتموه عنه، فالإرادة، هي: ميل الإنسان إلى ما يلائمه، أو إلى ما ينفعه، ودفع ما يضره، وهي من صفات المخلوقين، والله منزَّه عن ذلك، فإن قال الأشاعرة: إرادة تليق به، قيل لهم: وكذلك له محبة، وصفات تليق به، فالسلامة والحكمة في منهج السلف.\nانظر: \"لوامع الأنوار البهية\" للسفاريني ١/ ٢٢١ وما بعدها، \"شرح العقيدة الواسطية\" محمد هراس ٤٥، \"التحفة المهدية شرح الرسالة التدمرية\" لفالح آل مهدي: ١/ ٤٧، \"الكواشف الجلية عن معاني الواسطية\" للسلمان ١٨٣.\n(٢) في (ب): (نزلت).\n(٣) هو: عبد الله بن أبَيِّ بن سَلُول، العَوْفي الخزرجي. رأس المنافقين بالمدينة، وكان سَيِّد أهل المدينة قبل هجرة النبي - ﷺ - إليها، وقد اجتمعت الأوس والخزرج على أن يُتَوِّجوه عليهم مَلِكًا، فجاء الإسلامُ وهدى الله الحَيِّيْن له، ففَرَطَ منه هذا الشرفُ، فدخل في الإسلام مُكرَها، وأبطن النفاق والضَّغينة. انظر أخباره في \"سيرة ابن هشام\" ٢/ ١٧٣، ٢٣٤، ٢٣٦ - ٢٣٨، ٣/ ٥١ - ٥٣، ٦٨، ٢٠٠، ٣٠٣.\n(٤) ورد هذا الأثر في \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٣٧ ب، \"تفسير البغوي\" ٢/ ٢٧، \"زاد المسير\" ١/ ٣٧٣ - ٣٧٤، وقال: (هذا قول ابن عباس)، كما ذكره الرازي ٨/ ٢٠.","vol":"5","page":182},{"text":"في كتابه، ونهى عنه (١).\nقال عطاء، عن ابن عباس، في قوله: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾، يريد: محمدًا - ﷺ - فإن طاعتكم [لمحمدٍ طاعةٌ (٢)] (٣) لي، فأما أن تطيعوني وتعصوا محمدًا، فلن أقبل طاعتكم (٤).\nوقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾. قال الزجَّاج (٥): أي (٦): فإنَّ الله لا يحبهم (٧)؛ لأن من تَوَلَّى عن النبي - ﷺ -، فقد تَوَلَّى عن الله ﷿. ومعنى ﴿لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾: لا يغفر لهم، ولا يُثْنِي عليهم خيرًا (٨).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-537>٣٣ </span>- قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا﴾ معنى (اصطفى) في اللغة: اختار. وتأويله: جعلهم صفوة خَلْقِه (٩).\n_________\n(١) لم أجد نصَّ قول الشافعي، فيما اطلعت عليه من مصادر، ولكن وردت أقوال كثيرة له تدل على هذا المعنى. انظر: \"الرسالة\" للشافعي ٧٣، ٧٦، ٧٨، ٨٤، ٨٥، ٨٨، \"أحكام القرآن\" للشافعي، (جامع البيهقي): ١/ ٢٨.\n(٢) في (ج): (طاعتكم).\n(٣) ما بين المعقوفين زيادة من: (ج)، (د).\n(٤) لم أهتد إلى مصدر هذه الرواية\n(٥) في \"معاني القرآن\" له ١/ ٣٩٨.\n(٦) (أي): ساقطة من (د).\n(٧) في (ج): (لا يحبكم).\n(٨) هذا من تمام قول الزجاج، وقد سبق أن بيَّنت أن عدم المغفرة، وعدم الثناء بالخير عليهم، إنَّما هو من لوازم، ومُقتضيات عدم المحبة، وليس هو حقيقة عدم المحبة، وحقيقة ذلك وكنهه وكيفيَّته، لا تحيط بها عقولنا، ونكلها إلى الحق ﷿.\n(٩) نقله عن \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٣٩٩، وأنظر: \"تهذيب اللغة\" ١٢/ ٢٤٩ (صفو).","vol":"5","page":183},{"text":"قال أهل المعاني (١): هذا تمثيل المعلومِ بالمرئيِّ، والعرب تفعل ذلك، فإذا سمع السامع ذلك المعلوم، كان عنده بمنزلة ما يشاهده عَيانًا؛ وذلك أن الصافي هو: النَّقيُّ من شائب الكَدَر فيما يُشاهَد. فمُثِّلَ به خُلُوص هؤلاء القوم من الدنس؛ لأنهم خلصوا كخلوص (٢) الصافي من شائب الأدناس. وقيل في معنى (اصطفائه إيَّاهم)، قولان:\nأحدهما: اصطفى دينهم على سائر الأديان؛ لأن دين الجماعة الإسلامُ، وقد قال الله ﷿: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩]، وهذا اختيار الفرَّاء، قال (٣): وهو من باب حذف المضاف، كقوله: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢].\nالقول الثاني: أنه اصطفاهم بالنبوَّة والرسالة، على عالمي زمانهم. وأراد بـ ﴿آلَ إِبْرَاهِيمَ﴾ إسماعيل، وإسحاق، ويعقوب، والأسباط (٤).\n_________\n(١) ممن قال بذلك الزجاج في المصدر السابق. ومن قوله: (هذا تمثيل ..) إلى (.. والرسالة على عالمي زمانهم): نقله بالمعنى من \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٣٩٩.\n(٢) في (ج) و(د): (الخلوص).\n(٣) في \"معاني القرآن\" ٢/ ٢٠٧، وهو اختيار الطبري كذلك في \"تفسيره\" ٣/ ٢٣٢.\n(٤) هذا قول ابن عباس ومقاتل، وفي روايةٍ عن ابن عباس والحسن: أنه من كان على دينه. قال البخاري: (قال ابن عباس: ﴿وَآلَ عِمْرَانَ﴾ المؤمنين من آل إبراهيم وآل عمران وآل ياسين وآل محمد - ﷺ -، يقول: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾ [آل عمران: ٦٨]، وهم المؤمنون). \"الصحيح\" ٤/ ١٣٨ كتاب الأنبياء. باب: ٤٤. وقيل: هو نفسه. انظر: \"وضح البرهان\" للنيسابوري: ١/ ٢٣٨، \"زاد المسير\" ١/ ٣٧٤، \"تفسير القرطبي\" ٤/ ٦٢، \"كشف المعاني\" لابن جماعة: ١٢٧، \"الدر المنثور\" ٢/ ٣٠، وتفسير ابن عباس ومروياته من كتب السنة: ١/ ١٦٥. ومردُّ الخلاف: في ذلك إلى الـ (آل)، وهل هي تعني: الأهل والقرابة؟ أم الأتباع سواءً كانوا قرابة أو غيرهم؟ أم تعني: الرجل نفسه؟ والمسألة فيها خلاف، ولكلِّ قولٍ دليله. انظر: \"اللسان\" ١/ ١٧١ (أول).","vol":"5","page":184},{"text":"وبـ ﴿وَآلَ عِمْرَانَ﴾: موسى وهارون (١). قالوا: وإنما خصَّ هؤلاء بالذكر؛ لأنَّ الأنبياء بأسرهم من نسلهم.\nوقوله تعالى: ﴿عَلَى الْعَالَمِينَ﴾. قال صاحب \"النَّظْمِ\": ظاهر هذا اللفظ على العموم، وتأويله على الخصوص؛ لأنه يتضمَّنُ أخبارًا منفصلًا بعضها من بعض، وأُجْمِلَت في الإخبار عنها؛ لأنه ﷿ إنْ كان عنى بالاصطفاء: أولادَ آدم، فمن سواه من العالمين الذين فُضِّل عليهم قد خرجوا من أن يكون لهم على العالمين فضل؛ لأن آدم من جملة العالمين، وكذلك نوحٌ، وإبراهيم، وآل عمران، إذا دخل أحد هؤلاء في التفضيل خرج الآخرون منه (٢)؛ لأن كلًا من (العالَمين).\nفتأويل ذلك: أنَّ الله اصطفى كلًا منهم على عالَم لا يدخله من قد فُضِّل منهم على عالَم آخر، كما جاء في التفسير: على عالَمي زمانهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-538>٣٤ </span>- قوله تعالى: ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ﴾ قال أبو إسحاق (٣): المعنى\n_________\n(١) وهو قول ابن عباس ومقاتل، وممن ذهب إليه الكرماني وابن جماعة وقيل: عيسى وأمه. و(عمران) والد مريم أم عيسى ﵇، وقال به الحسن وابن وهب. وقيل: هو نفسه، ورجَّح ابن جزي أن المعنيَّ بـ (عمران) هو: والد مريم؛ لِذِكْر قصَّتِها بعد ذلك في السورة، وممن ذهب إلى ذلك: أبو حيان، والسهيلي، والبلنسي، وابن كثير، والآلوسي، والقاسمي. انظر: \"تفسير القرطبي\" ٤/ ٦٣، \"تفسير ابن جزي\" ٧٨، \"غرائب التفسير\" للكرماني ١/ ٢٥١، \"وضح البرهان\" ١/ ٢٣٨، \"كشف المعاني\" ١٢٧، \"تفسير مبهمات القرآن\" للبلنسي ١/ ٢٧٩، \"البحر المحيط\" لأبي حيان ٢/ ٤٣٤، \"تفسير ابن كثير\" ١/ ٣٨٤، \"روح المعاني\" ٣/ ١٣١، \"محاسن التأويل\" ٤/ ٢٨٩.\n(٢) في (ب): (منهم).\n(٣) في \"معاني القرآن\" له ١/ ٣٩٩.","vol":"5","page":185},{"text":"اصطفى ذرِّيَةً بعضها من بعض؛ فيكون نصب (ذريةً) على البدل (١)، وجائز (٢) أن ينتصب (٣) على الحال، المعنى: اصطفاهم في حال كون بعضهم مِن بعض (٤).\nوقوله: ﴿بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ﴾ فيه قولان: أحدهما: بعضها من ولد بعض؛ لأنَّ الجميع (٥) ذُرِّية آدمَ ثم ذُرِّية نوح (٦).\nالثاني: (بعضها [من بعض)] (٧)، أي: في التناصر (٨) في الدين (٩)، فيكون المعنى: أنَّ بعضها يوالي (١٠) بعضًا، ولا يَتَبَرَّأُ بعضهم من بعض، كما يتبرأ الكافرون؛ ألا تراه (١١) قال: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ\n_________\n(١) والمُبدَل منه، فيه ثلاثة أقوال: قيل: مُبدَل من (آدم). ولم يرتض هذا العكبري، قائلا: (لأنه ليس بذرية). وقيل: مبدل من (نوح). وإليه ذهب العكبري. وقيل: مبدل من (آل إبراهيم وآل عمران). وبه قال الزمخشري. انظر: \"الكشاف\" ١/ ٤٢٤، \"التبيان\" للعكبري: ١/ ١٨٤.\n(٢) في (ب): (وجاز)، وفي \"معاني القرآن\" (وجائزًا).\n(٣) في (ج): (ينصب)، وهكذا هي في \"معاني القرآن\".\n(٤) وجوز الهمداني رفعها، على تقدير: تلك ذرية. انظر: \"الفريد في إعراب القرآن المجيد\" ١/ ٥٦٣.\n(٥) في (ب): (الأول).\n(٦) أورد هذا القول الماوردي في \"النكت والعيون\" ١/ ٣٨٦، وعزاه لبعض المتأخرين دون أن يُعيِّنْ، وأورده ابن الجوزي في \"الزاد\" ١/ ٣٧٥ وقال: (ذكره بعض أهل التفسير).\n(٧) ما بين المعقوفين زيادة يقتضيها السياق.\n(٨) في (ب): (التباصر).\n(٩) وهو قول ابن عباس، والحسن، وقتادة. انظر المصادر السابقة\n(١٠) في (ب): (توافي).\n(١١) (ألا تراه): ساقط من (ج).","vol":"5","page":186},{"text":"اتَّبَعُوا﴾ [البقرة:١٦٦].\nفقوله: ﴿بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ﴾، أي: هم على غير صفة الكافرين؛ لأنهم إخوان متوالون (١)، وهذا كقوله: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٦٧]؛ أي: بعضهم يُلابس (٢) بعضًا، ويوالي بعضًا وليس المعنى: على النسل والولادة، [لأنه قد يكون من نَسْلِ] (٣) المنافقِ مُؤمنٌ، ومِنْ نَسْلِ المؤمنِ مُنافقٌ. قال عُبَيْد الرَّاعي (٤):\nفَقلتُ ما أنا مِمَّن لا يُواصِلُنِي ... ولا ثَوائِيَ (٥) إلا رَيْثَ أحْتَمِلُ (٦).\nأي: لا [أُلابس مَنْ لا] (٧) يواصلني، ولا أُواليهِ.\nوالعرب تقول: (هو مِنْ بني فلان)؛ إذا كان يواليهم ويُلابسهم، وإن\n_________\n(١) في (ب): (لما يتوالون)، بدلًا من إخوان متوالون.\n(٢) أي: يخالط، وقد سبق بيانها.\n(٣) ما بين المعقوفين غير مقروء في: (أ)، والمثبت من بقية النسخ.\n(٤) هو: أبو جندل، عبيد بن حُصين بن معاوية النُّمَيْري، تقدم ٢/ ٣١٨. انظر: \"طبقات فحول الشعراء\" ٢/ ٥٠٢، \"الشعر والشعراء\" ص ٢٦٥، \"شرح شواهد المغني\" ١/ ٣٣٦.\n(٥) في (ب): (رأي). (أ)، (ج) ثواي. والمثبت من: الديوان، ومصادر البيت.\n(٦) الييت في: \"ديوانه\" ١٩٧. وقد ورد منسوبًا له في \"الحجة\" للفارسي ١/ ١٧٣، إلا أنه لم يجزم بنسبته إليه، بل قال: (أظنه الراعي). و\"أساس البلاغة\" ١/ ٣٨٨، و\"المقاصد النحوية\" للعيني ٢/ ٣٣٦. وورد في \"المقاصد النحوية\" (يوافقني) بدلًا من: (يواصلني)، وورد في \"أساس البلاغة\" (وما) بدلًا من: (ولا). وورد في الديوان، وبقية المصادر: (أرتحل) بدلًا من: (أحتمل).\n(٧) ما بين المعقوفين غير مقروء في: (أ)، وفي (ب): (أنا ممن لا)، والمثبت من: (ج)، (د)، لأنها أقرب لما ذكره المؤلف من قبل.","vol":"5","page":187},{"text":"لم يكن من نسلهم. وهذا القول يُحكى معناه عن أبي رَوْق (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. قال عطاء عن ابن عباس (٢): هذا مخاطبة لليهود الذين قالوا: نحن أبناءُ الله وأحبَّاؤه، وأبناء (٣) الأنبياء الذين اصطفاهم. فأنزل فيهم قوله: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ﴾، الآيات إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾، ويريد: ﴿سَمِيعٌ﴾ لقولكم الذي تقولون: إنكم من ولد إبراهيم، وإسحاق، ويعقوب، ومن آل عمران. وإنَّما فضَّلت أولئك، ورفعتهم واصطفيتهم؛ بطاعتهم، ولو عصوني، لأنزلتهم منازل العاصين. ﴿عَلِيمٌ﴾ بما في قلوبكم من تكذيب محمد، وعصيانه، بعد إقراركم بالتوراة، وتصديقكم بما فيها من صفته.\nوذكر أهل المعاني في هذا قولين آخرين:\nأحدهما: أنَّ المعنى: ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ﴾ لما تقوله (الذرية) المصطفاة ﴿عَلِيمٌ﴾ بما تضمره (٤)؛ فلذلك فضلها على غيرها، لما في معلومه من استقامتها في فعلها وقولها (٥).\nالقول الثاني: أنَّ هذه الآية تتصل بما بعدها، تقديرها: ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ﴾ لما تقوله امرأة عمران، ﴿عَلِيُمٌ﴾ بما تضمره، إذْ قالتْ: ﴿رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ﴾\n_________\n(١) الذي في \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٣٨ أ: (وقال أبو روق: بعضها على دين بعض). وأبو رَوْق، هو: عَطِيّة بن الحارث الهَمْداني الكوفي تقدم.\n(٢) لم أهتد إلى مصدر هذه الرواية عنه من طريق عطاء، والذي عثرت عليه هو ما سبق من رواية أبي صالح عنه في هذا المعنى عند قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ﴾، آية: ٣١، وقد سبق الكلام على هذه الرواية.\n(٣) في (ب): (وأما).\n(٤) والذُرِّيَّة: تأتي مذكرًا ومؤنثًا ومفردًا وجمعًا، ولذا جاء هنا تذكير الضمائر. انظر تفسير قوله تعالى: ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا﴾ من آية: ٣٨. من هذه السورة.\n(٥) لم أهتد إلى قائل هذا القول ولكن ورد مثل هذا القول في \"تفسير ابن أبي حاتم\" ٢/ ٦٣٦ عن ابن إسحاق، حيث قال: (أي: سميع لما يقولون، .. عليم بما يخفون).","vol":"5","page":188},{"text":"[آل عمران:<span data-type=\"title\" id=toc-539> ٣٥]</span>، الآية، وفيه إشارة إلى أنه لا يضيع لها شيء من جزاء عملها (١).\n٣٥ - قوله تعالى (٢): ﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ﴾. اختلف النحويون في وجه ﴿إِذْ﴾ ههنا: فزعم أبو عبيدة (٣) أنها زائدة، لَغْوٌ؛ والمَعنى: (قالت امرأة عمران)، ولا موضع لها من الإعراب (٤).\nقال الزَّجاج (٥): ولم يصنع أبو عبيدة في هذا شيئًا، لأن (إذ) تدل على ما مضى من الزمان، وكيف يكون الدليل على ما مضى من الوقت لغوًا.\nوقال ابن الأنباري (٦) منكرًا لهذا القول أيضًا (٧): إنَّا لا نُلغي حرفًا من\n_________\n(١) وهذا قول الطبري في \"تفسيره\" ٣/ ٢٣٥.\n(٢) في (د): (﷿).\n(٣) في \"مجاز القرآن\" ١/ ٩٠.\n(٤) وكذا قال ابن قتيبة بأنها زائدة. انظر: \"تفسير غريب القرآن\" له ١٠٣.\n(٥) في \"معاني القرآن\" له ١/ ٤٠٠، نقله عنه بتصرف يسير.\n(٦) لم أهتد إلى مصدر قوله.\n(٧) (أيضًا): ساقطة من (د).","vol":"5","page":189},{"text":"كتاب الله ﷿ إذا وجدنا سبيلًا إلى أن لا يكون مُلغىً (١).\nقال الأخفش، والمبرِّد (٢): المعنى: (اذكر إذ قالت امرأة عمران). وقد (٣) مضى مثل هذا كثيرًا.\nوقال أبو إسحاق (٤): المعنى عندي: (واصطفى آل عمران ﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ﴾) (٥). فالعامل في ﴿إِذْ﴾: معنى الاصطفاء (٦).\nوأنكر أبو بكر هذا، وقال: الله تعالى قَرَنَ اصطفاءه [آل عمران] (٧) باصطفائه آدم ونوحًا، واصطفاؤه آدم ونوحًا قبل قول إمرأة عمران. وأيضًا فإن (عمران) هذا غير عمران المذكور في قوله: ﴿وَآلَ عِمْرَانَ﴾، لأنه (٨)\n_________\n(١) اختلف أهل النحو والتفسير في وقوع الزوائد في القرآن؛ بين مانع لذلك، وبين مُجوِّز. فمن (٨) المانعين: المبرد، وثعلب، وداود الظاهري، وابن السَّرّاج، الذي رفض أن يكون في لغة العرب زوائد. وهناك من جوز ذلك، فرأى أن وجود هذه الزوائد كعدمها، وقال الزركشي عن هذا الرأي: (وهذا أفسد الطرق) \"البرهان\" ٣/ ٧٣. وأكثر النحويين على أن في القرآن حروفًا زوائد، ولكن من جهة الإعراب، لا من جهة المعنى؛ حيث إن لهذه الزوائد فوائد كثيرة منها: فصاحة اللفظ وحسنه، وتوكيد المعنى، وتمييز مدلوله عن غيره، إلى غير ذلك. وهذا ما تميل إليه النفس. قال السمين الحلبي عن القائلين بزيادة بعض الحروف: (لا يعنون أنه يجوز سقوطه، ولا أنه مُهْمَل لا معنى له. بل يقولون: زائد للتوكيد. فله أسوة بسائر ألفاظ التوكيد الواقعة في القرآن). \"الدر المصون\" ٣/ ٤٦٢.\nولقد تَحرَّجَ كثيرٌ من العلماء من القائلين بوقوع الزيادة في القرآن من إطلاق لفظ (زائد) أو (مكرر)، لما له من مدلول لا يتفق وإحكام كتاب الله، واستخدموا محله لفظ (الصلة) و(الإقحام) و(التأكيد). انظر للتوسع في معرفة آراء العلماء في ذلك \"البرهان\" ٢/ ١٧٨، ٣/ ٧٢ - ٧٣، ١/ ٣٠٥، \"التأويل النحوي في القرآن\" د. عبد الفتاح الحموز:٢/ ١٢٧٧ - ١٢٧٩، \"لطائف المنان وروائع البيان في دعوى الزيادة في القرآن\" د. فضل عباس: ٥٧ وما بعدها.\n(٢) قولهما، في \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٤٠٠، \"الإغفال\" للفارسي ٥٦٦.\n(٣) من قوله: (وقد ..) إلى: (.. إذ قالت امرأة عمران): ساقط من (د).\n(٤) هو الزجاج، في: المصدر السابق: نقله عنه باختصار.\n(٥) (إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ): ساقط من (ج).\n(٦) يعني: أنَّ قولها ذلك، ونذرها ما في بطنها لله، وقبول الله لنذرها، كل هذا يُعَدُّ اصطفاءً وتفضيلًا لآل عمران.\n(٧) ما بين المعقوفين مطموس في: (أ). والمثبت من بقية النُّسخ.\n(٨) في (ج) و(د): (لأن).","vol":"5","page":190},{"text":"عمران أبو موسى وهارون، وهذا عمران بن ماتان (١)، وبينهما ألف وثمانمائة سنة. كذلك ذكره ابن عبّاس (٢)، ومقاتل (٣).\nوذكرنا أيضًا عن بعض أهل المعاني أن هذه الآية متصلة بما قبلها، فيكون العاملُ في ﴿إِذْ﴾ على هذا القول: معنى قوله ﴿سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.\nوقوله: ﴿امْرَأَتُ عِمْرَانَ﴾ هي: حَنَّةُ (٤)، أمُّ مريمَ، جَدَّةُ عيسى ﵇، دعت الله أنْ يَهَبَ لها ولدًا، وقالت: الَّلهم لك عَلَيَّ إن رزقتني ولدًا، أن أتصدق به على بيت المقدس، فيكون من (٥) سَدَنَتِه (٦) وخَدَمِه، شكرًا لك. وكان على أولادهم فرضًا أن يطيعوهم في نذورهم، وكان الرجل ينذُرُ في ولده أن يكون خادمًا في مُتعّبَّدِهم (٧).\nوقوله تعالى: ﴿نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾ معنى ﴿نَذَرْتُ﴾:\n_________\n(١) في (ب)، (ج): (مانان). وفي (د): (ماثان). وكذا ورد في \"المعارف\" لابن قتيبة: ٥٢، وفي \"تاريخ الطبري\" ١/ ٧٨٥. وينقل الطبري في \"تفسيره\" ٣/ ٢٣٥، و\"تاريخه\" ١/ ٥٨٥ عن ابن إسحاق أن اسمه: (عمران بن ياشهم)، وفي \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٣٨ (أ)، (ب) (عمران بن أشهم)، ينقله عن الحسن وابن وهب وابن إسحاق، وكذا في \"تفسير البغوي\" ٢/ ٢٨.\n(٢) قوله، في \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٣٨ ب، \"زاد المسير\" ١/ ٣٧٦، \"الدر المنثور\" ٢/ ٣٢، ونسب إخراجه لإسحاق بن بشر، وابن عساكر.\n(٣) قوله، في \"تفسيره\" ١/ ٢٧١.\n(٤) بنت فاقود وقيل: فاقوذ بن قبيل. انظر: \"تاريخ الطبري\" ١/ ٥٨٥، وتفسير مبهات القرآن، للبلنسي ١/ ٢٧٩.\n(٥) في (ج): (عن).\n(٦) السَّدَنة، جمع: سادِن، وهو: الذي يقوم على خدمة بيت العبادة. انظر: \"القاموس\" ١٥٥٥ (سدن).\n(٧) انظر قصتها في: \"تفسير الطبري\" ٣/ ٢٣٥، \"تفسير الفخر الرازي\" ٨/ ٢٥، \"الدر المنثور\" ٢/ ٣٢.","vol":"5","page":191},{"text":"[أَوْجَبتُ] (١).\nوالنذر: ما يوجبه الإنسان على نفسه بِشَرِيطة كان، أو بغير شَرِيطة (٢).\nقال أهل اللغة: معنى النَّذْر: استدفاع المَخُوفِ، بما يُعقَد على النفس\n_________\n(١) ما بين المعقوفين في جميع النسخ: (أوفيت)، ولم أر لها وجهًا، وما أثبته هو ما رجَّحتُ صوابه؛ لدلالة المعنى اللغوي للكلمة، كما ذكره المؤلف بعدها، وهو: ما يوجبه الإنسان على نفسه ..، وفي \"تهذيب اللغة\" (إنما قيل له نذر؛ لأنه نُذِر فيه؛ أي: أوجِبَ، من قولك: (نذرت على نفسي)؛ أي: أوْجَبْتُ) ٤/ ٣٥٤٦ (نذر). وكذا في \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٣٩ أ؛ حيث فسرها بـ (أوجبت)، وكذا في بقية كتب اللغة. انظر (نذر) في \"مفردات ألفاظ القرآن\" ٧٩٧، والتعريفات، للجرجاني: ٤٢٠، \"اللسان\" (نذر) ٧/ ٤٣٩٠، \"عمدة الحفاظ\" ٥٦٩، \"التوقيف على مهمات التعارف\" ٦٩٤ - ٦٩٥. وقد يكون مرد الخطأ، إلى اللبس في قراءة الأصل الذي انتُسِخت منه النسخ؛ نظرًا لتقارب الكلمتين في الرسم.\n(٢) هذا التعريف ذكره الثعلبي في: \"تفسيره\": ٣/ ٣٩ أ. وقوله: (بشَريطة)؛ أي: أنْ يكون النذرُ مُعلَّقًا على شرط؛ كأن يقول: (إن شفى الله مريضي، فعلي أن أتصدق). وأما قوله: (بغير شَرِيطة)، فيعني به النذرَ المُطلَق غير المشروط، كأن يقول: (لله علي أن أتصدق بدينار).\nوبهذين النَّوْعَيْن من النذر، قال الشافعيةُ والمؤلف منهم، والحنابلة، وأهل العراق، وأكثر أهل العلم، وأوجبوا الكفارة عند عدم الالتزام. انظر: \"فتح الوهاب\" للنووي: ٢٠٤، \"مغني المحتاج\" للشربيني ٤/ ٣٥٦، \"المغني\" لابن قدامة: ١٣/ ٦٢٢ - ٦٢٣.\nويرى ابن عرفة أن النذر: هو ما كان وعدًا بِشرْط، وما ليس وعدًا بشرطٍ، فليس بنذر. وهو قولُ أبي عمرو (غلام ثعلب)، وبه قال: أبو البقاء، وفي (الكليات)، وإليه ذهب بعض أصحاب الشافعي. إلا أن الراجح هو الأول. انظر: \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٥٤٦ - ٣٥٤٧ (نذر)، \"الكليات\" لأبي البقاء (نذر): ٩١٢، \"المغني\" لابن قدامة ١٣/ ٦٢٣.","vol":"5","page":192},{"text":"من عمل البِّر. وأصله، من: الإنذار، وهو: الإعلام بموضع المخافة (١).\nوانتصب ﴿مُحَرَّرًا﴾ على الحال من ﴿مَا﴾ تقديره: نذرت لك الذي في بطني محررًا (٢).\nوقال ابن قتيبة (٣): أرادت نذرت لك أن أجعل (٤) ما في بطني محررًا، أي: عتيقًا (٥) خالصًا لله، خادمًا للكنيسة، مفرغًا للعبادة ولخدمة الكنيسة. وكل ما أُخْلِصَ فهو مُحَرَّر. يقال: (حرَّرتُ العبدَ). إذا أعتقته، و(حَرَّرْتُ الكتابَ) إذا أصلحته، وأخلصته، فلم يبق فيه ما يحتاج إلى إصلاحه (٦).\nو(رجل حُرٌّ): إذا كان خالصًا لنفسه، ليس لأحد عليه مُتَعَلَّق. و(الطينُ الحُرُّ): الذي خَلَصَ من الرملِ والحَمْأَةِ (٧) والعيوب.\n_________\n(١) وفي \"مقاييس اللغة\" ٥/ ٤١٤ ويقول عن (نذر): (.. كلمة تدل على تخويف، أو تخوُّف، ومنه الإنذار: الإبلاغ، ولا يكاد يكون إلا في التخويف).\nوفي \"تهذيب اللغة\" (الإنذار: الإعلام بالشيء الذي يُحذر منه) ٤/ ٣٥٤٧ (نذر).\n(٢) وقيل في علة النصب: إنه حال من الضمير المستكن في الجار والمجرور، ﴿فِي بَطْنِي﴾، والعامل فيه، هو: (استقر)، وبه قال الطبري. وقيل: انتصب على المصدر، ويكون فيه حينها حذفُ مضاف، تقديره: (نذرت .. نذرَ تحرير)، أو انتصابه على ما تضمنه ﴿نَذَرْتُ لَكَ﴾ من معنًى، وهو: (حرَّرْتُ لك ما في بطني تحريرًا). وقيل: نصب على أنه نعت مفعول محذوف؛ أي: (.. غلامًا محررًا). انظر: \"تفسير الطبري\" ٣/ ٢٣٥، \"الدر المصون\" ٣/ ١٣٠، \"الفريد في إعراب القرآن\" ١/ ٥٦٤، \"روح المعاني\" ٣/ ١٣٤.\n(٣) في \"تفسير غريب القرآن\" له: ١٠٣.\n(٤) في (د): (نجعل).\n(٥) من قوله: (عتيقا ..) إلى (.. والحمأة والعيوب): نقله مع اختصار قليل عن \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٣٩ أ.\n(٦) في (ج)، (د) (إصلاح).\n(٧) في (د): الحمأ. والحَمْأة، والحَمَأ: الطين الأسود المنتن. انظر (حمأ) في \"الصحاح\" ٤٥، \"اللسان\" ٢/ ٩٨٦.","vol":"5","page":193},{"text":"وقوله تعالى: ﴿فَتَقَبَّلْ مِنِّي﴾. معنى التَّقَبُّلِ (١): أخذُ الشيءِ على الرِضى (٢) به (٣). وأصله، من: المقابلة؛ لأنه يقابل بالجزاء ما يؤخذ.\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ﴾. أي: لدعاي (٤). ﴿الْعَلِيمُ﴾ بما في قلبي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-540>٣٦ </span>- قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا وَضَعَتهَا﴾. قال المفسرون (٥): هلك عمرانُ أبو مريمَ، وامرأته (حَنَّة) حاملٌ (٦) بمريمَ، ﴿فَلَمَّا وَضَعَتهَا﴾ أي: ولدتها. و(الهاء): راجعة إلى ﴿مَا﴾، في قوله: ﴿نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي﴾، و(ما)\n_________\n(١) (معنى التقبل): ساقط من (ج).\n(٢) في (ج)، (د): (الرضا). والأصل في كتابتها أن ترسم بالألف الممدودة؛ لأنها اسم ثلاثي منقلب ألفه عن واو، وهو مذهب البصريين، وما أثْبَتُّه صحيح على رأي الكوفيين الذين يكتبون ما كان على وزن (فعَل) بالياء، سواء كان أصل الألف ياءً أم واوًا. قال الفراء: (الحِمَا والرِّضَا، يكتبان بالألف والياء؛ لأن الكسائي سمع العرب تقول: حِمَوان ورِضَوان، وحِمَيان، ورِضَيان). انظر: \"المنقوص والممدود\" للفراء (تح: عبد العزيز الميمني): ٣٣. وفي \"إصلاح المنطق\" ١٣٩: (ويقال: كان مَرضِيًا ومَرضُوَّا). وانظر: \"باب الهجاء\" لابن الدهان: ٢٩.\n(٣) انظر: \"اللسان\" ٦/ ٣٥١٦ (قبل).\n(٤) في (د): (دعائي).\n(٥) ممن ذكر ذلك: الطبري في \"تفسيره\" ٣/ ٢٣٥ يرويه عن ابن إسحاق، والثعلبي في \"تفسيره\" ٣/ ٣٩ ب، والبغوي في \"تفسيره\" ١/ ٣٠، ونسبه للكلبي عن ابن إسحاق.\n(٦) في (ب): (كامل).","vol":"5","page":194},{"text":"يقع على المؤنث، وقوعُهُ على المُذَكَّر (١)، وكان ما في بطنها، أُنْثى.\nوقوله تعالى: ﴿قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى﴾. اعتذار منها إلى الله حين فعلت ما لا يجوز من تحرير الأنثى للكنيسة (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾. قُرئ بإسكان التَّاء وضمها (٣):فمن (٤) ضم التاء؛ جعل هذا من كلام أمِّ مريم، وهو كقول القائل: (ربِّ قد كان كذا وكذا، وأنت أعلم بما كان). ليس يريد بقوله: (ربِّ قد كان كذا)، إعلام الله سبحانه [وتعالى] (٥)، ولكنه كالخضوع منه، والاستسلام لله تعالى، لذلك قالت: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾ (٦)، لأنها لم\n_________\n(١) وقيل: إن (الهاء) تعود على: النذيرة، أو النسمة، أو النفس، وهي ألفاظ مؤنثة، ولذا أنَّث الضمير. وهو رأي الطبري في \"تفسيره\" ٣/ ٢٣٧، والثعلبي: ٣/ ٣٩ ب، وانظر: \"الكشاف\" ١/ ٤٢٥.\n(٢) هذا قول السدي؛ كما في \"تفسير الطبري\" ٣/ ٢٣٨، \"تفسير ابن أبي حاتم\" ٢/ ٦٣٧، \"زاد المسير\" ١/ ٣٧٧. وقيل: إنها قالته على سبيل التَّحسُّر، والتلهف على ما فاتها من رجائها وتقديرها. انظر: \"المحرر الوجيز\" ٣/ ٨٨، \"الكشاف\" ١/ ٤٢٥، \"البحر\" ٢/ ٤٣٨. وإليه مال الطبري في \"تفسيره\" ٣/ ٢٣٧، والثعلبي في \"تفسيره\" ٣/ ٣٩ ب، والبغوي في \"تفسيره\" ٢/ ٣٠.\n(٣) وردت القراءة بإسكان التاء وفتح العين في (وَضَعَتْ)، عن: عاصم برواية حفص والمفضل عنه، وابن كثير، ونافع، وأبي عمرو، وحمزة، والكسائي. أما القراءة بضم التاء وإسكان العين: (وَضَعْتُ)، فقد وردت عن: عاصم برواية أبي بكر، وعن ابن عامر، ويعقوب، وأبي رجاء، وإبراهيم النخعي. انظر: \"السبعة\" ٢٠٤، \"إيضاح الوقف والابتداء\" ٢/ ٥٧٥، \"القطع والائتناف\" للنحاس: ٢٢١، \"التيسير\" ٨٧، \"النشر\" ٢/ ٢٣٩.\n(٤) من قوله: (فمن ..) إلى: (.. بما وضعت): نقله بتصرف واختصار عن \"الحجة\" للفارسي: ٣/ ٣٤.\n(٥) ما بين المعقوفين زيادة من: (ب).\n(٦) في (أ): وضَعَتْ، وفي بقية النسخ، غير مضبوطة بالشكل، والصواب ما أثبته لتناسبها مع سياق الكلام.","vol":"5","page":195},{"text":"ترد بقولها: ﴿رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى﴾، إخبارًا لله تعالى.\nومن قرأ بإسكان التَّاء وهو أَجْوَدُ القراءتين، كان قوله: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾، مِن (١) كلام الله تعالى، ولو كان من قول أمِّ مريم، لكان: (وأنت أعلم بما وَضَعْتُ)؛ لأنها تخاطب الله سبحانه [وتعالى] (٢)؛ ولأنها قد قالت: ﴿رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى﴾، [فليست] (٣) تحتاج (٤) بعد هذا [القول] (٥) أن تقول: والله أعلم بما وضعْتُ (٦).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى﴾. أي: في خِدْمَة الكنيسة والعِبِّادِ الذين فيها؛ لما يلحقها من الحَيْضِ والنفاس، والصيانة عن التَّبَرُّجِ [للناس] (٧).\nقال عبد الله بن مُسْلِم (٨): قوله: ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى﴾، مؤخَّرٌ، معناه التقديم على قراءة العامة كأنه قال: إنِّي وضَعتها أُنثى وليس الذكر كالأنثى؛ لأنه من قول أمِّ مريم (٩).\nقوله تعالى: ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ﴾. يقال: (عاذ فلانٌ بالله)؛ أي: التجأ\n_________\n(١) من قوله: (كلام ..) إلى (وأنت أعلم بما وضعتُ): ساقط من: (ج)، (د).\n(٢) ما بين المعقوفين زيادة من: (ب).\n(٣) ما بين المعقوفين زيادة من: (ج)، (د)، \"الحجة\" للفارسي.\n(٤) في (ب): (يحتاج).\n(٥) ما بين المعقوفين زيادة من: (د)، وليست موجودة في \"الحجة\" للفارسي.\n(٦) انظر: \"الحجة\" لابن خالويه ١٠٨، \"الكشف\" لمكي ١/ ٣٤٠.\n(٧) ما بين المعقوفين من: (ج)، (د).\n(٨) هو ابن قتيبة، في \"تفسير غريب القرآن\" ١٠٤، نقله المؤلف عنه بالمعنى.\n(٩) أما على القراءة الأخرى (.. وضَعْتُ) بضم التاء، فليس فيه تقديم ولا تأخير. انظر: \"معاني القرآن\" للنحاس ١/ ٣٨٧.","vol":"5","page":196},{"text":"إليه، وامتنع به، فأعاذه؛ أي: أجارَهُ، ومنعه (١). فمعنى: ﴿أُعِيذُهَا بِكَ﴾ أي: أمنعها، وأجيرها بك.\nوذكرنا معنى (العوذ) في قوله: ﴿قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ (٢) (٣) [البقرة: ٦٧].\nوقوله تعالى: ﴿مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾. أي: المطرود، المَرْمِيِّ (٤) بالشُّهُبِ. وقال ابن عباس: ﴿الرَّجِيمِ﴾: الملعون (٥). ويجوز أن يكون ﴿الرَّجِيمِ﴾ بمعنى: المسبوب المشتوم (٦). وذكرنا معاني (الرَّجْمِ) في سورة الحِجْر عند قوله: ﴿مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ﴾ [الحجر: ١٧]. ومعنى هذه الإعاذة، وإجابة الله تعالى إيَّاها إلى ما سألت؛ هو: ما رواه أبو هريرة: أنَّ النبي - ﷺ - قال: \"ما من مولود، إلاَّ والشيطان يَمَسُّهُ حين يُولَد، فيستَهِلُ صارخًا من مَسِّ الشيطان إيَّاه، إلا مريمَ وابنَها\"، ثمَّ يقول أبو هريرة: (اقرأوا\n_________\n(١) انظر (عوذ) في: \"العين \" ٢٢٩، \"الصحاح\" ٢/ ٥٦٦، \"مقاييس اللغة\" ٤/ ١٨٣، ١٨٤.\n(٢) (قال): ساقطة من (د)\n(٣) وانظر: \"تفسير البسيط\" ٣/ ١٠.\n(٤) في (ب): (الرمي).\n(٥) لم أهتد إلى مصدر هذا القول عن ابن عباس، والذي عثرت عليه، أنه من قول قتادة، كما في \"زاد المسير\" ١/ ٣٣٧، \"الدر المنثور\" ٥/ ٦٩ ونسب إخراجه لعبد ابن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.\n(٦) من معاني الرَّجْمِ في اللغة: الرمي بالحجارة، والقتل، والسب والشتم، واللعن. وينقل الأزهري عن ابن الأنباري، قوله: (والرجيم في نعت الشيطان: المرجوم بالنجوم، فصُرِف إلى (فَعِيل) من (مفعول). قال: ويكون الرجيم، بمعنى: المشتوم المسبوب، من قوله: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ﴾ [٤٦ سورة مريم]؛ أي: لأسبنَّك. قال: ويكون الرجيم، بمعنى: المطرود. قال: وهو قول أهل التفسير). \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٣٧٥ (رجم)، وانظر: \"القاموس المحيط\" ١١١١ (رجم).","vol":"5","page":197},{"text":"إنْ شِئْتُم: ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-541>٣٧ </span>- قوله تعالى: ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ﴾ التَّقَبلُ، والقَبُولُ، معناهما سواء، وهو: أن ترضى بالشيء، وتأخذه؛ ولهذا قال: ﴿بِقَبُولٍ﴾، ولم يقل: (بتَقَبُّلٍ)؛ لأن معناهما واحدٌ.\nقال الفراء (٢): والعرب قد تترك المصدر للفعل المذكور، وتأتي بمصدر آخر في معنى الأول، وإن اختلف بالزيادة والنقصان؛ كقولك: (تكلَّمْتُ كلاما). وهذا النوع يقال له المصدر على غير المصدر.\nوذكرنا هذا عند قوله: ﴿إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ [آل عمران: ٢٨]. والقَبُول: مصدر قولهم: (قَبِلَ فلانٌ الشيءَ): إذا رضِيَهُ.\nقال أبو عمرو بن العَلاء (٣): وليس في المصادر (فَعُولٌ) بفتح الفاء،\n_________\n(١) الحديث، أخرجه البخاري في: الصحيح: ٥/ ١٦٦ كتاب التفسير سورة آل عمران، ٤/ ١٣٨ كتاب الأنبياء، باب:٤٤. ومسلم في \"الصحيح\" ٤/ ١٨٣٨رقمه (٢٣٦٦) كتاب الفضائل، باب: فضائل عيسى ﵇. وأحمد في \"المسند\" ٢/ ٢٧٤ (وانظر: \"الفتح الرباني\" ٢٠/ ١٣٢، وعبد الرزاق في \"تفسيره\" ١/ ١١٩، والطبري في \"تفسيره\" ٣/ ٢٤٠، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٢/ ٦٣٨، والبغوي في \"تفسيره\" ٢/ ٣٠، وأورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ٢/ ٣٢. وورد الحديثُ بألفاظ أخرى من طرق أخرى عن أبي هريرة -﵁-، انظر: \"تفسير الطبري\" ٦/ ٣٣٦ - ٣٤٠، \" الدر المنثور\" ٢/ ٣٢. واستهلال الصبي: رفع صوته بالبكاء عند ولادته. انظر: \"النهاية في غريب الحديث\" ٥/ ٢٧١، \"القاموس\" (١٠٧٢) (هلل).\n(٢) لم أهتد إلى مصدر قوله.\n(٣) قوله في \"تفسير الطبري\" ٣/ ٢٤١، وفي مادة (قبل) في \"الصحاح\" ٥/ ١٧٩٥، \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٤٠ ب، \"اللسان\" ١١/ ٥٤٠، ونصه كما في \"الصحاح\": (وحكى اليزيدي عن أبي عمرو بن العلاء: (القَبُول) بالفتح مصدر، ولم أسمع غيره.","vol":"5","page":198},{"text":"إلَّا هذا، قال: ولم أسمع فيه الضَّمَّ.\nوقال سيبويه (١):\nخمسة (٢) مصادر، جاءت على (فَعُول): (قَبُولٌ)، و(وَضُوءٌ) (٣)، و(طَهُورٌ)، و(وَلُوعٌ)، و(وَقُود)، إلاَّ أنَّ الأكثر في (وَقُود) (٤) إذا كان مصدرًا (٥) الضَّم. وأجاز الفرَّاء (٦)، والزجَّاج (٧) (قُبُولا) بالضَّمِّ.\nثَعْلَب، عن ابن الأعرابي (٨): يقال: قَبِلْتُهُ (قَبُولًا)، و(قُبُولًا) (٩)، و(على وجهِهِ قَبُولٌ)، لا غير (١٠)، قال الشاعر:\n_________\n(١) في \"الكتاب\" ٤/ ٤٢ نقله عنه بالمعنى، وقد ذكرها سيبويه في باب ما جاء من المصادر على فعول، ونصه: (.. توضَّأت وَضُوءًا حسنًا، وأولِعْتُ به وَلُوعًا، وسمعنا من العرب من يقول: وَقَدَت النارُ وَقُودًا عاليًا، وقَبِلَه قَبولًا، والوُقُود أكثر، والوَقود: الحطب). وفي نسخة أخرى لـ\"كتاب سيبويه\" أشار إليها محققُ الكتاب في الهامش: (وتطهَّر طَهورًا حسنًا، وَأُولِعت وَلوعا).\n(٢) في (د): (خمس).\n(٣) في (ج): (ووضو)، وفي (د): (ووصول).\n(٤) في (ب): قود.\n(٥) في (د): مصدر.\n(٦) لم أهتد إلى مصدر قوله، وقد يكون في كتابه (المصادر) وهو مفقود.\n(٧) في \"معاني القرآن وإعرابه\" ١/ ٤٠١، قال: (ويجوز قُبولًا: إذا رضيته.).\n(٨) أورد قولَه الأزهري في \"تهذيب اللغة\" ٩/ ١٦٩. وابن الأعرابي، هو: أبو عبد الله، محمد بن زياد. كوفيٌّ، تقدمت ترجمته.\n(٩) (وقبولًا): ساقطة من (ج).\n(١٠) هكذا جاءت (قَبول) بالفتح في مصدرها في \"التهذيب\" وكذا ضبطها في \"لسان العرب\" ٦/ ٣٥١٦ بالفتح، وفي \"القاموس المحيط\" (١٠٤٥) (قبل) أجاز فيها الأمرين، قال: (والقَبُول، وقد يُضم: الحُسْنُ والشَّارَةُ)، وانظر: \"التاج\" =","vol":"5","page":199},{"text":"قد يُجهدُ (١) المرء إنْ لم يُنل (٢) ... بالبشر والوجه عليه القَبُول (٣).\nقال المفسِّرون (٤): معنى قوله: ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ﴾ أي: رَضِيَها مكان المُحَرَّرِ الذي نذَرتْه (حَنَّةُ)، ولم يقبل قبلها أنثى في ذلك المعنى.\nوقال ابن عباس في رواية الضحَّاك: معناه: سَلَك بها طريقَ السُّعداء. وقوله تعالى: ﴿وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا﴾.\n_________\n= ١٥/ ٥٩٥ (قبل).\nوأما (وَضوء) بالفتح، فقيل: الماء الذي يُتوضأ به، وقيل: هو المصدر، من: (توضأت للصلاة)، وقيل: إنَّ المصدر هو: (الوُضوء) بالضم. انظر: \"معاني القرآن\" للأخفش: ١/ ٥١، \"اللسان\" ٨/ ٤٨٥٤ (وضأ). أما (طَهور) بالفتح، فقيل: هو الماء الطاهر، المُطَهِّر، وهو أعم من الطاهر، حيث إنَّ كل طَهور طاهر، وليس كل طاهر طَهور، وقيل إنَّ (طُهور) بالضم مصدر، بمعنى: التَّطَهُّر. انظر: \"النهاية في غريب الحديث\" ٣/ ١٤٧، \"اللسان\" ٥/ ٢٧١٢ (طهر). أما (وَلُوع) بالفتح، فهي: العلاقة، وهو اسم أقيم مقام المصدر الحقيقي، يقال: (وَلعَ به وَلَعًا، و(وَلُوعا)، و(أولِعَ به إيلاعًا)، و(أوْلَعَه به): إذا أغراه، و(مُولَعٌ به): مُغْرًى به. انظر: \"اللسان\" ٨/ ٤١٠. أما الـ (وَقود) بالفتح، فقيل: الحطب، والـ (وُقود) بالضم: المصدر. انظر: \"معاني القرآن\" للأخفش: ١/ ٥١، \"اللسان\" ٨/ ٤٨٨٨.\n(١) في (ج)، (د): (يحمد).\n(٢) في (د): (يبل).\n(٣) لم أهتد إلى قائله.\n(٤) انظر: \"تفسير الطبري\" ٣/ ٢٤١، يرويه عن ابن جريج، وقال به، \"تفسير ابن أبي حاتم\" ٢/ ٦٣٨، يرويه عن شرحبيل بن سعد، \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٤٠ ب، \"النكت والعيون\" ١/ ٣٨٨، \"تفسير البغوي\" ٢/ ٣١، \"الدر المنثور\" ٢/ ٣٥.","vol":"5","page":200},{"text":"قال الزجَّاج (١): جاء لفظُ (٢) ﴿نَبَاتًا﴾ على غير لفظِ (أَنْبَتَ)، على معنى: نبتت نباتًا حَسنًَا.\nوقال ابن الأنباري (٣): لمَّا كان (أَنْبَتَ) يدل على [نَبَتَت] (٤) حمل (٥) الفعل على المعنى؛ كأنه قال: (وأنبتها، فَنبَتَتْ هي نباتًا حَسَنًا)؛ كقول امريء القيس:\n[ورُضْتُ] (٦) فَذَلَّت (٧) صعبةً أيَّ إذْلالِ (٨)\n_________\n(١) في \"معاني القرآن وإعرابه\" له ١/ ٤٠٣، نقله عنه بالنص.\n(٢) (لفظ): ساقط من (د).\n(٣) لم أقف على مصدره، وقد ورد في \"زاد المسير\" ١/ ٣٧٧.\n(٤) ما بين المعقوفين مطموس في: (أ)، ومثبت من بقية النسخ.\n(٥) في (ب): (عمل).\n(٦) ما بين المعقوفين غير مقروء في: (أ)، وفي (ب): (ونبتت)، والمثبت من: (ج)، (د)؛ نظرًا لموافقتها \"الديوان\" وللسياق.\n(٧) في (د): (فدلت).\n(٨) في (د): (إدلال). عجز بيت، وصدره:\nفَصِرْنا إلى الحسْنى ورَقَّ كلامُنا\nوهو في \"ديوانه\" ٣٢، كما ورد في \"المقتضب\" ١/ ٧٤، \"معاني القرآن\" للزجاج: ٢/ ٣٦ ولم ينسبه، \"إعراب القرآن\" للنحاس: ١/ ٣٢٦، \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٨٧٥، \"وليس في كلام العرب\" لابن خالويه: ٢٢٧، \"المحتسب\" ٢/ ٢٦٠، \"والمخصص\": ١٤/ ١٨٧، \"زاد المسير\" ١/ ٣٧٨، \"اللسان\" ٣/ ١٧٧٥ (روض)، \"شرح شواهد المغني\" ١/ ٣٤١، \"خزانة الأدب\" ٩/ ١٨٧. ورد في بعض المصادر: (.. فَذَلَّتْ صَعْبَةٌ) بالضَمِّ. ومعنى (فَصِرنا): فَرَجعنا وانتقلنا، على أن (صار) هنا تامة. و(الحسْنى): قد تكون اسم مصدر، بمعنى: الإحسان، أو تكون صيغة مؤنث (أحسن)؛ أي: الحالة الحسنة. و(رَقَّ): لطُف. و(رُضْتُ)؛ أي: سَهلت وانقادت، فهي (ذلُول)، ويقال لتعدية الفعل: (ذلَّلْتها وأذْلَلْتها). و(صعبة)؛ أي: غير ذلول. والشاهد فيه: أنَّ (رُضت) تتضمن معنى: (أذللت)؛ ولذا جاء المصدر بعدها: (إذلالًا)؛ أي: أذلَلْت .. إذلالًا، وأقام (الإذلال) مقام (الرياضة). انظر: \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٣١٩ (راض)، \"اللسان\" ٣/ ١٧٧٥ (روض)، \"الخزانة\" ٩/ ١٨٧.","vol":"5","page":201},{"text":"أراد: أيَّ رياضة. فلمَّا دلَّ (رُضْتُ) على (أذْلَلْت) (١)، حمله (٢) على المعنى، وخلَّى (٣) اللفظَ.\nقال ابن عباس في رواية عطاء (٤)، في قوله: ﴿وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا﴾؛ يريد: في صلاحٍ ومعرفةٍ بالله، وطاعةٍ له، وخدمةٍ للمسجد.\nوقال في رواية الضحَّاك (٥): يعنى: سوَّى خَلْقَها من غير زيادة، ولا نقصان، فكانت تنبت في اليوم ما ينبت المولود في عام واحد.\nوقوله تعالى: ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ (٦) أي:\n_________\n(١) في (د): (دللت).\n(٢) في (ب): (جاء).\n(٣) في (أ)، (ب)، (د): (وخلا)، وفي (ج): (وحلى)، وما أثبَتُه يوافق القاعدة الإملائية؛ حيث إنه فعل يزيد على ثلاثة أحرف، ولم يكن قبل الألف ياءٌ، كما إنه يوافق ما جاء في نسخة (ج) وإن خلت الكلمة فيها من النقط. ومعنى (خلَّى الأمرَ): تركه. انظر: \"اللسان\" ٢/ ١٢٥٤ (خلا).\n(٤) لم أهتد إلى مصدر هذه الرواية.\n(٥) الرواية في \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٤١ أ، \"تفسير البغوي\" ١/ ٣١، وهذه الرواية من طريق جويبر بن سعيد، وسبق أنه ضعيف جدًا.\n(٦) حديث المؤلف التالي عن هذا المقطع، بالنظر إلى قراءة من قرأ: (وَكَفَلَهَا) بتخفيف الفاء وفتحها، و﴿زَكَرِيَّا﴾ بالمد والرفع. هي قراءة ابن كثير، ونافع، وأبي عمرو، وابن عامر. وقد أثبتُّ رسم الآية كما جاء في جميع النسخ، وهي مطابقة لقراءة حفص عن عاصم. أما بقية قراءات \"السبعة\" فهي: قراءة عاصم في رواية أبي=","vol":"5","page":202},{"text":"ضَمَّها (١) إلى نَفْسِهِ وقام بأمرها.\nقال الزجَّاج (٢): ومعناه في هذا: ضَمِنَ القيامَ بأمرها، يقال (٣): (كَفَلَ (٤)، يَكْفُلُ، كَفالة، وكَفْلًا) (٥)، فهو كافِل؛ وهو: الذي قد كَفَلَ إنسانًا يَعُولُه (٦) ويُنفِقُ عليه.\nو﴿زَكَرِيَّا﴾، رُفعَ بفعله (٧)، لأن الكفالة نُسِبت إليه. وفيه قراءتان: القَصر، والمَدُّ، وهما لغتان فيه، كقولهم: (الهَيْجاء)، و(الهَيْجا)، والألِفُ فيه أَلِفُ تأنيثٍ؛ ولهذا لا ينصرف في معرفة ولا نَكِرة؛ لأن (زكريا) (٨)؛ بالمَدِّ، مثل: (حمراءَ)، و(سوداءَ) (٩)؛ وبالقصر، مثل:\n_________\n= بكر: (وكَفَّلَها) بتشديد الفاء، و﴿زَكَرِيَّا﴾ ممدودة منصوبة، وكان يمدها في جميع القرآن. أما قراءة عاصم برواية حفص، وقراءة حمزة والكسائي، فهي: ﴿وَكَفَّلَهَا﴾ بتشديد الفاء، و﴿زَكَرِيَّا﴾ مقصورة في جميع القرآن. انظر: \"السبعة\" ٢٠٤، \"الحجة\" للفارسي: ٣/ ٣٣، \"حجة القراءات\" لابن زنجلة: ١٦١. \"إعراب القرآن\" المنسوب للزجاج: ٣/ ٨٦٩.\n(١) في (ب): (ضمنها).\n(٢) في \"معاني القرآن\" له ١/ ٤٠٣.\n(٣) من قوله: (يقال ..) إلى (.. وينفق عليه): نقله عن \"تهذيب اللغة\" للأزهري: ٤/ ٣١٦٦ (كفل)، وانظر: \"اللسان\" ٧/ ٣٩٠٥ (كفل).\n(٤) في \"التهذيب\" (كفل به).\n(٥) (وكفلا): غير موجودة في \"التهذيب\".\n(٦) في (ب): (يقول من).\n(٧) على أن (زكرياءُ) هنا ممدودة مرفوعة، وهي فاعل لـ (كَفَلَ) المتعدي لمفعول واحد، بناء على قراءة من قرأ بالتخفيف فيها.\n(٨) في (ب)، (د) (زكريا).\n(٩) في (ج)، (د): (حمرا، وسودا).","vol":"5","page":203},{"text":"(حُبْلى) (١)، و(سَكْرى) (٢)، و(ذِفْرى) (٣) وهذا النوعُ لا ينصرفُ في مَعْرفة ولا نَكِرَة؛ لأن الاسم (٤) بُني على أَلِفِ التأنيث، وحقُّ التأنيثِ أن يكون داخلًا على لفظ المُذَكَّر؛ نحو: (قائم)، و(قائمةٌ)؛ فلما بُنِي الاسمُ على علامة التأنيث، ولَزِمَت (٥) الاسمَ حتى صارت كبعض حروفه، صار كأن التأنيثَ قد تكرر فيه، فقامت العِلَّةُ مَقامَ العِّلَّتين (٦)، فلم ينصرف (٧) في النَّكرة والمعرفة.\nوقرأ حمزةُ والكسائيُ: (وكَفَّلَها) مشَدَّدا، ومصدره: التَّكْفِيلُ، والتَّكْفِلةُ (٨)\n_________\n(١) في (ب): (حتى). و(الحُبْلى): المرأة الحامل، وجمعها: (حَبَالى) و(حُبْلَيات). انظر: \"القاموس\" ١٢٦٩ (حبل).\n(٢) يقال: (هي سَكِرَة، وسَكْرَى، وسَكْرانة) للمؤنث. انظر: \"القاموس\" ٥٢٤ (سكر).\n(٣) في (ب): (دفري). و(الذِفْرى)، هو: العظم الشاخص خلف الأذن. وهما ذِفريَان. والجمع: ذِفرَيات، وذَفارى. انظر: \"خلق الإنسان\" لابن أبي ثابت: ٥٤، \"القاموس\" ٣٩٦ (ذفر)، \"المعجم الوسيط\" ١/ ٣١٢ (ذفر).\n(٤) في (ج): (اللام).\n(٥) في (ب): (لزمت).\n(٦) يعني: قامت ألفُ التأنيث، مقامَ العلميةِ والعجمةِ في المنع من الصرف. انظر في علَّة منعها من الصرف \"الحجة\" للفارسي: ٣/ ٣٤، \"مشكل إعراب القرآن\" ١/ ١٥٧، \"البيان\" للأنباري: ١/ ٢٠١.\n(٧) في (د): (تنصرف).\n(٨) لم أقف في معاجم اللغة التي رجعت إليها، على أنَّ (التكفلة) مصدر لـ (كَفَّل). وهي على خلاف القياس في مصدر (فَعَّلَ) الرباعي المضاعف العين؛ الصحيح اللام. وتأتي (تفْعِلَة) مصدرًا للرُّباعي المعتل اللام، المُضاعَف العين؛ مثل: (رضَّى تَرْضيَةً)، و(ورَّى تورِيَةً). وأشار الشيخ محمد محي الدين عبد الحميد إلى مجيء (تفْعِلَة) مصدرًا لـ (فَعَّلَ) الصحيح اللام، وذلك في النادر، ومَثَّلَ لها بـ (قَدَّمَ=","vol":"5","page":204},{"text":"و﴿زَكَرِيَّا﴾ (١) على هذه القراءة منصوب؛ لأنه المفعول الثاني للتَّكفيل، ومعناه: ضَمَّنها الله زكريا (٢)، وضَمَّها إليه؛ وذلك أنَّ (حَنَّةَ) لمَّا ولدت مريمَ، أتت بها سَدنَةَ بيت المقدس، وقالت لهم: دونكم هذه النذيرة (٣). فتنافس فيها الأَحْبارُ (٤)، حتى اقترعوا عليها، فخرجت القُرعة لزكرياءَ (٥) ﵇. ونذكر ما فيه عند قوله: ﴿إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ﴾ [آل عمران: ٤٤]. فمعنى قوله: ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ (٦): أنَّ الله تعالى (٧) ضمَّها (٨) إلى زكريا (٩) بالقُرْعَة التي قَرعها (١٠).\n_________\n= تَقْدِمَةً جَرَّبَ تَجْرِبَةً). انظر: \"منحة الجليل بتحقيق شرح ابن عقيل\" مطبوع بهامش \"شرح ابن عقيل\": ٣/ ١٢٨، \"النحو الوافي\" ٣/ ١٩٨. وانظر (كفل) في \"الصحاح\" ٥/ ١٨١١، \"اللسان\" ٧/ ٣٩٠٥ - ٣٩٠٦، \"التاج\" ١٥/ ٦٥٨.\n(١) في (ج)، (د): (وزكريا).\n(٢) (أ)، (ب): (وزكريا)، والمثبت من: (ج)، (د)، وهو الصواب؛ لأنه لا وجه لحرف العطف هنا.\n(٣) النذيرة هنا: الابن الذي يجعله أبواه قَيِّما أو خادمًا للكنيسة أو للمُتَعَبَّد؛ من ذكر أو أنثى. انظر: \"اللسان\" ٧/ ٤٣٩٠ (نذر).\n(٤) الأحبار: جمعُ (حَبْر) أو (حِبْر)، وهو: واحد أحبار اليهود، وهو: العالم أو الرجل الصالح، وُيجمع كذلك على (حُبُور). انظر: \"الصحاح\" ٢/ ٦٢٠، \"اللسان\" ٢/ ٧٤٨ (حبر).\n(٥) في (ج): زكريا.\n(٦) في (ب)، (ج)، (د): (وكفلها زكريا).\n(٧) في (أ)، (ب) (إن شاء الله تعالى)، والمثبت من: (ج)، (د)؛ نظرًا لمناسبته لسياق الكلام، ولا وجه لما في (أ)، (ب).\n(٨) في (ب): (ضمنها).\n(٩) في (د): (زكرياء).\n(١٠) في (ب): اقترعها. ومعنى (قرعها): أصابته القرعةُ دونهم. يقال: (كانت له =","vol":"5","page":205},{"text":"وقوله تعالى: ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا﴾. قال المفسرون (١): لمَّا ضمَّ زكريا مريمَ إلى نفسه، بنى لها مِحْرابا في المسجد، وبابه في وسطها، لا يُرقى إليها إلا بسُلَّم، ولا يَصعَد إليها غيره.\nو(المِحْرابُ) في اللغة: أشرف المجالس. وكانت محاريب بني إسرائيل مساجدَهم (٢).\nو(المِحْراب): الغُرْفَة أيضًا، قال عمر (٣) بن أبي ربيعة (٤):\nرَبَّةُ مِحْرابٍ إذا جِئْتها ... لم أَدْنُ حتى أرْتَقي سُلَّما (٥).\n_________\n= القرعة): إذا قَرَع أصحابه، و(قارعه فَقَرَعَه، يَقرَعه): إذا أصابته القرعة دونه. \"اللسان\" ٦/ ٣٥٩٦ (قرع)، وانظر: \"المعجم الوسيط\" ٧٣٥ (قرع). وانظر القصة في \"تفسير الطبري\" ٣/ ٢٣٩ - ٢٤٠، \"وسنن البيهقي\": ١٠/ ٢٨٦، \"الدر المنثور\" ٢/ ٣٥.\n(١) من قوله: (قال ..) إلى (.. أي: ربة غرفة): نقله مع الاختصار والتصرف من \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٤٢ أ، وانظر: \"تفسير البغوي\" ٢/ ٣١.\n(٢) قوله: (وكانت محاريب بني إسرائيل مساجدهم): ليسست عند الثعلبي، وإنما هي في \"تهذيب اللغة\" ١/ ٧٧٢.\n(٣) في (د): (عمرو).\n(٤) هو: أبو الخطاب، عمر بن عبد الله بن أبي ربيعة المُغِيري المخزومي تقدمت ترجمته.\n(٥) البيت ليس لعمر بن أبي ربيعة، ولم أقف عليه في \"ديوانه\" وإنما نسبته المصادر لوضَّاح اليمن، والمؤلف تبع الثعلبي في نسبته لعمر. وقد ورد منسوبًا لوضَّاح، في \"مجاز القرآن\" ٢/ ١٤٤، ١٨٠، \"جمهرة اللغة\" ٢٧٦ (حرب)، \"الصحاح\" ١/ ١٠٩ (حرب)، \"والأغاني\" (نسخة مصورة من طبعة دار الكتب مصر): ٦/ ٢٣٧، \"تفسير القرطبي\" ٤/ ٧١، \"اللسان\" ٢/ ٨١٧ (حرب). كما ورد غير منسوب، في \"معاني القرآن\" للزجاج: ١/ ٤٠٣، ٤/ ٣٢٥،=","vol":"5","page":206},{"text":"أي: رَبَّة غُرفةٍ. وقال الأصمعي (١): (المِحْراب): الغُرْفة؛ ألا تراه يقول: ﴿إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ﴾ [سورة ص: ٢١].\nوقال الزجاج (٢): (المحراب): أرفع بيت في الدار، وأرفع مكان في المسجد، قال: و(المحراب) ههنا كالغرفة، وأنشد بيت عمر (٣).\nوقال أبو عبيدة (٤): (المحراب) عند العرب سيِّدُ المجالس، ومُقَدَّمُها، وأشرفها، وإنما قيل للقبلة: محرابٌ؛ لأنها أشرف موضع في المسجد. ويقال للقصر محرابٌ؛ لأنه سيِّد المنازل (٥).\nقال امرؤ (٦) القيس:\nكغزلان وَحْشٍ في محاريبِ أَقْوال (٧)\n_________\n= \"الاشتقاق\" لابن دريد: ٧٥، \"الزاهر\" ١/ ٥٤١، \"التهذيب\" ١/ ٧٧٢، \"مقاييس اللغة\" ٢/ ٤٩. وهذه الرواية للبيت وردت في: الجمهرة، \"الزاهر\" \"تفسير الثعلبي\" وورد في بقية المصادر: (... لم ألقها أو أرتقى سلما).\n(١) نقل المؤلف قوله باختصار عن \"الزاهر\" ١/ ٥٤١. كما ورد هذا القول عن الأصمعي في: الاشتقاق: ٧٥، قال: (وقال أبو حاتم وعبد الرحمن، عن الأصمعي) وذكره.\n(٢) في \"معاني القرآن\" له ٤/ ٣٢٥.\n(٣) قوله: (وأنشد بيت عمر) ساقط من (د).\n(٤) في قوله: (وقال أبو عبيدة ..) إلى (.. أراد بالمحاريب القصور) نقله بنصه عن \"الزاهر\" ١/ ٥٤٠. أما قول أبي عبيدة في \"مجاز القرآن\" ١/ ٩١ عن المحاريب، فنصه: (سيد المجالس، ومقدمها وأشرفها، وكذلك هو من المساجد)، وفي ٢/ ١٤٤، ١٨٠ ورد عنه هذا المعنى بألفاظ مختلفة قليلًا، أما بقية الكلام فهو من قول ابن الأنباري.\n(٥) في \"الزاهر\" (أشرف المنازل).\n(٦) في (أ): (امرئ)، والمثبت من بقة النسخ.\n(٧) عجز بيت، وصدره: =","vol":"5","page":207},{"text":"أراد بـ (المحاريب): القصور (١). قال ابن عباس في رواية عطاء (٢): صارت عنده لها غرفة تصعد إليها تصلي فيها الليل والنهار.\nوقوله تعالى: ﴿وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا﴾.\nقال (٣) ابن عباس (٤)، والربيع (٥): كان زكريَّا كلما دخل عليها غرفتها وجد عندها رزقًا؛ أي: فاكهة الشتاء في الصيف، وفاكهة الصيف في\n_________\n= وماذا عليه أنْ ذكرتُ أوانسًا\nوقد ورد البيت في \"ديوانه\": ٣٤، \"مجاز القرآن\" ٢/ ١٨٠، حيث ورد في هامش إحدى نسخ المجاز، كما أشار إلى ذلك المحقق، وفي \"الزاهر\": ١/ ٥٤٠، \"اللسان\" ٢/ ٨١٧ (حرب). وورد غير منسوب في \"تهذيب اللغة\" ١/ ٧٧٢، \"والمخصص\": ٣/ ١٣٥، \"البحر المحيط\" ٣/ ٢٤٩.\nوورد في كل المصادر السابقة: (كغزلان رَمْلٍ ..)، وورد في الديوان، وبعض المصادر: (.. محاريب أقيال)، وفي \"الزاهر\" (وماذا عليه أن أروضَ نجائبًا ..). و(الأقوال) و(الأقيال): ملوك اليمن، وقيل: هم مَنْ دون الملك الأعظم. ومفردها: (قَيْل). انظر: \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٨٥٩ (قال). وقوله: (كغزلان وَحشٍ)، الوَحشُ: حيوان البَرِّ؛ مثل: حمارُ وَحشٍ، وحمارٌ وحشِيٌّ. انظر: \"القاموس\" ٦٠٩ (وحش).\n(١) انظر معاني الـ (محراب) السابقة، في: مادة (حرب)، في \"التهذيب\" ١/ ٧٧٢، \"الصحاح\" ١/ ١٠٨، \"اللسان\" ٢/ ٨١٧.\n(٢) لم أقف على مصدر هذه الرواية.\n(٣) من قوله: (قال ..) إلى (.. غرفتها، وجد عندها رزقًا): ساقط من: (ج)، (د).\n(٤) قوله، في \"تفسير الطبري\" ٣/ ٢٤٤، \"تفسير ابن أبي حاتم\" ٢/ ٢٢٩، \"المحرر الوجيز\" ٣/ ٩٤، \"زاد المسير\" لابن الجوزي ١/ ٣٨٠. قال ابن الجوزي: (وهذا قول الجماعة).\n(٥) قوله، في \"تفسير الطبري\" ٣/ ٢٤٥، \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٤٢ ب. وهو قول مجاهد، وعكرمة، وابن جبير، وأبي الشعثاء، والنخعي، والضحاك، وقتادة، وعطيَّة العوفي، والسُّدِّي. انظر: \"تفسير ابن كثير\" ١/ ٣٨٦.","vol":"5","page":208},{"text":"الشتاء، تأتيها به الملائكة من الجَنَّةِ.\nقال محمد بن إسحاق (١): كان هذا كله، بعد أن بلغت مريمُ مبلغ النساء.\nوقال الحَسَنُ (٢): كان هذا في صغرها، ولم ترضع ثديًا قط، بل (٣) كان يأتيها رزقها من الجَنَّة، وتكلَّمت وهي صغيرة، حين أجابت زكريا بقولها: ﴿هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ (٤).\nقال أبو إسحاق (٥): ونصب ﴿كُلَّمَا﴾ بقوله: ﴿وَجَدَ﴾ (٦)؛ أي: يَجِدُ عندها الرزقَ في كل وقت يدخل عليها المحرابَ، فيكون (ما) مع (دَخَلَ)، بمنزلة: الدخول (٧)، أي: في كل وقت دخول (٨).\n_________\n(١) قوله، في \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٤٢ أ.\n(٢) لم أقف على مصدر قوله. وقد ورد في \"تفسير البغوي\" ٢/ ٣٢، وفيه: (قال أبو الحسن)، وهو خطأ، والصواب: الحسن. كما ورد في \"زاد المسير\" ١/ ٣٨٠.\n(٣) (بل): ساقطة من (د).\n(٤) انظر حول الذين تكلموا في المهد صغارًا: \"مصنف ابن أبي شيبة\": ٦/ ٣٤٢ (٣١٨٦٤)، \"المستدرك\" للحاكم ٢/ ٥٩٥، \"تفسير ابن أبي حاتم\" ٢/ ٦٥٢، \"القرطبي\" ٤/ ٩١، \"البحر المحيط\" ٢/ ٤٤٢ - ٤٤٣، \"روح المعاني\" ٣/ ١٤٠.\n(٥) في \"معاني القرآن\" له ١/ ٤٠٣، نقله عنه بنصه.\n(٦) لأن (كلَّ) عندما تضاف إلى (ما) المصدرية الظرفية، تصبح ظرفًا متضمنًا معنى الشرط، ويكون لها فعل وجواب، وتتعلق بجوابها، وتنتصب به، وجوابها هنا (وَجَدَ). أمَّا (ما) فهي حرف مصدري ظرفي، مبني على السكون، لا محل لها من الإعراب.\n(٧) لأن (ما) وما بعدها تُؤَؤَّل بمصدر، وهو هنا: الدخول.\n(٨) انظر في إعرابها \"مشكل إعراب القرآن\" ١/ ١٥٧، \"التبيان\" للعكبري ص ٣٤، \"الفريد\" للهمداني ١/ ٥٦٦.","vol":"5","page":209},{"text":"وقوله تعالى: ﴿أَنَّى لَكِ هَذَا﴾. قال ابن عباس (١): يريد: من أين لك هذا؟ وانما سألها؛ لأنه خاف أن يأتيها الرزقُ من غير جهته، فتبيَّن أنه من عند الله، لا من عند الناس (٢).\nوقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾. قد فَسَّرنا هذا في موضعين: من (٣) سورة البقرة، ومن هذه السورة (٤). وهذا يحتمل أن يكون من كلام مريمَ، ويحتمل أنَّه على (٥) الابتداء، والأَوْلى به الاستئناف (٦)؛ لأنه ليست (٧) من معنى الجواب عمَّا سئلت في شيء.\n_________\n(١) لم أقف على مصدر هذه الرواية عنه.\n(٢) ممن قال بأن (أنَّى) بمعنى (أين): أبو عبيدة في \"مجاز القرآن\" ١/ ٩١، وابن قتيبة في \"تفسير غريب القرآن\" ص ٩٩. بينما يرى الإمام الطبري في تفسيره: ١/ ٣٩٧ - ٣٩٨: أنَّ هناك اختلافًا بين (أنى) و(أين) و(كيف)، ويرى أنه نظرا لتقارب معنى (أنَّى) من هذه الحروف فقد تداخلت معانيها وحصل اللَّبْسُ، فتُؤُؤِّلت بـ (أين) و(كيف) و(متى) مع مخالفة معناها لهذه الحروف، ومخالفة هذه الحروف لها، ويرى أنَّ (أين) سؤال عن الأماكن، و(كيف) سؤال عن الأحوال، أمَّا (أنَّى) فهي سؤال عن المذاهب والوجوه، وقد بيَّن الطبري هذا الأمر بإسهاب مستدلًّا عليه بأمثلة من القرآن وشعر العرب. وبهذا قال النحاس كذلك، رادًا على أبي عبيدة في \"معاني القرآن\" ١/ ٣٨٩. وانظر حول هذا الموضوع: \"إعراب الحديث النبوي\" للعكبري: ٩٦، \"البحر المحيط\" ٢/ ٤٤٣، \"الدر المصون\" ٢/ ٤٢٣.\n(٣) في (د): (في).\n(٤) عند آية: ٢٧.\n(٥) في (ب): (أن يكون على).\n(٦) وبه قال الطبري في \"تفسيره\" ٣/ ٢٤٧.\n(٧) في (ج): (ليس).","vol":"5","page":210},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-542>٣٨ </span>- قوله تعالى: ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ﴾ قال أهل اللغة (١): (ههنا) و(هنا) تقريب (ثَمَّ) (٢).\nومعنى (هنالك)؛ أي: عند ذلك. و(وهنالك): مَحَلٌّ ومَوْضِعٌّ؛ كما أنَّ (حيث): مَحَلٌّ، و(عِنْدَ)، و(حِينَ): وقتان.\nفلو قال ﷿: (عند ذلك دعا زكريا) لكان جائزًا (٣)، بمثل (٤) معنى (هنالك). ولكن العرب تضع المحل موضع اسم الوقت في مثل هذا، فيقولون: (كان ذلك حيث وَليَ زيدٌ) بمعنى حين وَليَ، وكذلك (هنالك): مَحَلٌ يوضع (٥) موضع (عند)، وقد يكون مجاز (هنالك) في هذا الموضع\n_________\n(١) انظر مادة: (هنا) في \"الصحاح\" ٦/ ٢٥٦١، \"اللسان\" ٨/ ٤٧١٥، \"تاج العروس\" ٢٠/ ٤٣٢.\n(٢) (ثَمَّ) بفتح الثاء، وتشديد الميم: اسم إشارة إلى المكان البعيد، وهو ظرف مكان، لا يتصرف، مبني على الفتح، في محل نصب على الظرفية، ويقال: (ثَمَّةَ) والتاء فيه لتأنيث اللفظ فقط. انظر: \"معجم الشوارد النحوية\" لمحمد شراب ٢٢٧، \"معجم النحو\" للدقر: ١٢٤. أما (هنا) و(هناك) فيقول عنهما الجوهري: (للتقريب، إذا أشرت إلى مكان، و(هناك) و(هنالك): للتبعيد). \"الصحاح\" ٦/ ٢٥٦١ (هنا).\n(٣) قول المؤلف: (فلو قال .. لكان جائزًا)، أقول: غفر الله للمؤلف، ليته لم يقل هذه العبارة، فإنها كلمةٌ فيما أرى عظيمةٌ، يجب أن لا تقال في حق الله تعالى، وهل يجوز أن نقترح على الله تعالى.؟! ومتى كان الحق ﷿ لا يقول الأفضل من القول، والأبلغ من الكلام، والفَصْلَ في الخطاب، حتى نقول نحن البشر القاصرون مثل تلك المقولة العظيمة.؟! فالله تعالى يضع الكَلِمَ وفق حكمته وعلمه، وهو الأحكم الأعلم.\n(٤) في (د): (مثل).\n(٥) في (ج): (موضع).","vol":"5","page":211},{"text":"مَحَلًاّ؛ لأن ما ذَكَرَه ﷿ من هذه القصة، يكون مضمنًا لوقت (١) ومحل؛ لأنه لا يكون إلا في محل؛ كما لا يكون إلا في وقت؛ فلما لم يجز أن يكون (٢) إلا (٣) في محل؛ احتمل أن يومئ إلى ذلك المحل بقوله: ﴿هُنَالِكَ﴾، و(هناك)، و(هنالك) لأصلُ فيهما: [هنا] (٤)، ثم (٥) زيدت الكاف؛ للخطاب، كما قالوا في (ذا) (٦): (ذاك).\nومن قال: (هنالك) فتقديره تقدير (ذلك)، والكاف فيهما للخطاب (٧). وقول زهير:\nهنالك إنْ تُسْتَخبَلُوا (٨) المالَ تُخبِلُوا (٩)\n_________\n(١) في (ج)، (د): (بوقت).\n(٢) (ب): (إلا أن يكون).\n(٣) إلا: ساقطة من (ب)، (ج).\n(٤) ما بين المعقوفين زيادة يقتضيها السياق، وهي غير موجودة في جميع النسخ.\n(٥) (ثم): ساقطة من (ج).\n(٦) (ذا): ساقطة من (ج).\n(٧) انظر في زيادة الكاف في هذه الأسماء \"المسائل العسكرية\" للفارسي: ١٤٠، \"المسائل الحلبيات\" له: ٧٥٧٦، \"سر صناعة الإعراب\" ١/ ٣٠٩، ٣٢١ - ٣٢٢، ٢/ ٥٧١، \"مغني اللبيب\" ٢٤٠.\n(٨) في (د): (يستجلبوا).\n(٩) صدر بيت، وقد وردت روايته في \"الديوان\" بضمير الغائب، كالتالي:\nهنالك إنْ يُسْتَخْبَلوا المالَ يُخبِلوا ... وإنْ يُسألوا يُعْطوا وإن يَيْسِروا يُغْلُوا\nانظر: \"ديوانه\" ص ١١٢. كما ورد منسوبًا له في \"الخصائص\" ١/ ١٠٩٧، \"اللسان\" ٢/ ١٠٩ (خبل)، و٣/ ١٢٩٣ (خول). وروايته في \"الخصائص\" \"اللسان\" ٣/ ١٢٩٣ (خول) (هنالك إن يُسْتَخوَلوا المال يُخوِلوا ..). وفي \"اللسان\" ٣/ ١٢٩٣ (خول: (.. وإن يُسألُوا يُعْصوا ..). و(يُستَخبَلوا)؛ من قولهم: (أخبَلْتُ الرجلَ، أُخبِلُه، إخبالًا)،=","vol":"5","page":212},{"text":"يحتمل (هنالك) أن يكون (١) لمحل، وأن يكون لوقت.\nو(هنالك)، و(هناك) و(هنا) (٢)، و(ههنا)، شيء واحد، إلا أن (هنا)، و(ههنا)، لم يُذكرا في شيء من الأوقات، وإنما ذُكرا في المحالِّ (٣) القريبة منك.\n_________\n= و(اسْتَخبَلَه إبِلًا وغنمًا، فأخبله)، و(يُسْتَخوَلُوا) بمعناها؛ أي: إن تُطلَب منهم إبلُهم أو غنمُهم على سبيل الاستعارة؛ ليُنتفَعَ بألبانها وأوبارها، أو تستعار منهم خيلهم للغزو، فإنهم (يُخبلوا)؛ أي: يتكرموا ويتفضلوا بإعارتها. ومعنى (يَيْسَروا): من (يَسَر، يَيْسَر، يَسْرًا)، وهو: المقامر بالمَيْسر، أو هو: تجزئة الجَزُور، واقتسام أعضائها؛ يقال: (يَسَرَ القومُ الجزورَ)، وهو المراد في البيت هنا -والله أعلم- نظرًا لمناسبته لما سبقه من أبيات يمدح فيها الشاعرُ سنان بن أبي حارثة المُرِّي، والمعنى: إنهم يأخذون سِمان الجزُرِ والغاليَة منها وينحرونها، ويقسمونها على ذوي الحاجات.\nومعنى: (يعْصوا) كما في رواية \"اللسان\" -: أي- والله أعلم-: يجمعونهم، من قولهم؛ (عصوت القومَ): إذا جمعتهم على الخير أو الشر؛ أي: إنهم إذا سُئلوا الخيرَ، جمعوا الناس على خيرهم وزادهم. وقبله: إذا السنةُ الشهباءُ بالناس أجحفت\nرأيت ذوي الحاجات حول بيوتهم ... قطينًا بها حتى إذا نبت البقل\nوالذي دعاني لسوق الأبيات، أن المُعَلِّق على الديوان، فسَّر (ييسروا) بقوله: (يقامروا بالميسر)، وإن كان المعنى صحيحًا لغة، إلا أن المعنى الآخر الذي ذكرته أصح في رأيي لمناسبته لسياق الأبيات.\nانظر: \"اللسان\" ٢/ ١٠٩٧ (خبل)، ٣/ ١٢٩٣ (خول)، ٥/ ٢٩٨٠ (عصا)، ٨/ ٤٩٥٩ - ٤٩٦٠ (يسر). والشاهد في البيت: قوله: (هنالك) المحتملة أن تكون لوقت ومكان.\n(١) في (ب): (يحتمل أن يكون هنالك).\n(٢) (وهنا): ساقطة من (ج).\n(٣) (ج): (المحل).","vol":"5","page":213},{"text":"قال الزجَّاج (١): و(هنالك) في موضع نصب، لأنه ظرف؛ ويقع في المكان من الزمان والحال (٢).\n[ومعنى قوله: ﴿هُنَاِلكَ دَعَا﴾؛ أي: في ذلك المكان من الزمان والحال] (٣) دعا.\nقال أهل التفسير: لمَّا رأى زكريا ما أوتي (٤) مريم من فاكهة الصيف في الشتاء، وفاكهة الشتاء في الصيف على خلاف مجرى العادة، طمع في رزق الولد من العاقر، على خلاف مجرى العادة، فدعا الله ﷿، فقال: ﴿هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ﴾. أي: من عندك (٥). و(لَدُن) اسمٌ غير متمكن (٦)، ونذكر حقيقته، وما قيل فيه، في سورة الكهف إن شاء الله.\n_________\n(١) في \"معاني القرآن\" له: ١/ ٤٠٤، نقله بتصرف يسير جدًّا.\n(٢) (ج) (وأحوال الزمان)، بدلًا من: (من الزمان والحال).\n(٣) ما بين المعقوفين زيادة من: (ج)، (د) ومن \"معاني القرآن\" للزجاج.\n(٤) في (د): (أولي).\n(٥) ممن قال بذلك: ابن عباس، والسُّدِّي، وابن جبير، والحسن. انظر: \"تفسير الطبري\" ٣/ ٢٤٩، \"تفسير ابن أبي حاتم\" ٢/ ٦٤١، \"الدر المنثور\" ٢/ ٣٧.\n(٦) الاسم غير المتمكن، هو الاسم المبني، الذي لا يتغير آخره بتغير العوامل في أوله؛ أي: لا يتمكن من تحمل الحركات المختلفة. انظر: \"معجم المصطلحات النحوية والصرفية\" د. محمد اللبدي: ٢١٣. و(لَدُنْ): اسم جامد يُعرب ظرفًا للمكان أو الزمان، مبني على السكون، في محل نصب مفعول فيه، وهي تلازم الإضافة الاسم، أو الضمير، أو الجملة، وإذا أضيفت إلى ياء المتكلم اتصلت بها نون الوقاية، فيقال: (لَدُنِّي) ويقل تجريدها منها، فيقال: (لَدُنِي) وهي في المعنى والإضافة كـ (عند)، إلا أنها أقرب مكانًا من (عند) وأخصُّ منها. انظر: \"معجم الأدوات النحوية\" د. محمد التونجي: (١٠١)، \"معجم النحو\" د. الدقر: ٣٠٩، \"موسوعة النحو والصرف\" د. أميل يعقوب: ٥٧٦.","vol":"5","page":214},{"text":"وقوله تعالى: ﴿ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾. أي (١): نسلًا مباركًا تقيًا (٢). والذُّرِّية)؛ يكون (٣) واحدًا وجمعًا، وذكرًا وانثى (٤).\nوالمراد بـ (الذُّرِّيَّة) ههنا: ولدٌ واحدٌ؛ لقوله: ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا﴾ [مريم: ٥].\nقال الفرَّاء (٥): وأنَّث الـ (طَيِّبَة)؛ لتأنيث لفظ الذرية؛ كما قال الشاعر:\nأبوك خليفةُ وَلَدَتْهُ أخرى ... وأنت خليفةٌ، ذاك الكمال (٦)\nفأنَّثَ فعل الخليفة؛ لتأنيث لفظهِ (٧). وقال آخرُ:\n_________\n(١) من قوله: (أي ..) إلى (فهب لي من لدنك وليا): نقله بتصرف يسير عن \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٤٤ أ.\n(٢) عند الثعلبي: (نقيا).\n(٣) في (ب)، (د)، وعند الثعلبي: (تكون)، وفي: (ج) غير منقوطة.\n(٤) انظر: \"معاني القرآن\" للفرَّاء: ١/ ٢٠٨، \"تفسير الطبري\" ٣/ ٢٤٩، \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٢٧٤.\n(٥) في \"معاني القرآن\" له ١/ ٢٠٨. نقله عنه بالمعنى.\n(٦) البيت نسبه ابن الأنباري لنُصَيْب بن رباح. انظر: \"المذكر والمؤنث\" ٢/ ١٦٣. وقال محقق الكتاب: بأن البيت ليس في مجموع شعره. وقد ورد غير منسوب، في \"معاني القرآن\" للفراء: ١/ ٢٠٨، \"تفسير الطبري\" ٣/ ٢٤٨، \"الزاهر\" ٢/ ٢٤٢، \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٤٤ أ، \"المحرر الوجيز\" ٣/ ٩٦، \"اللسان\" ٦/ ٣٤٥٩ (فلح)، ٢/ ١٢٣٥ (خلف).\n(٧) أي: قال: (ولدته أخرى)؛ نظرًا لأن لفظ الخليفة مؤنث، والوجه: أن يقول: ولده آخر. قال ابن الأنباري: (ويقال: (قال الخليفة)، و(قالت الخليفة)، ويقال: (قال الخليفة الآخر)، و(الخليفة الأخرى)؛ فمن ذكَّر، قال: (الخليفة)، معناه: فلان؛ ومن أنَّثَ، قال: هو وصف قد دخلته علامة التأنيث، فحمل الفعل على لفظ المؤنث .. ومن استعمل لفظ المؤنث، قال في الجمع: (خلائف)، ومن استعمل =","vol":"5","page":215},{"text":"فَمَا تَزْدَري مِنْ حَيَّةٍ جَبَلِيَّةٍ ... سُكاتٍ (١) إذا ما عَضَّ ليس بِأَدْرَدا (٢)\nفجمع التأنيث، والتذكير: مرَّة على اللفظ، ومرةً على المعنى.\nقال: وهذا يجوز في أسماء الأجناس، دون التي معناها: فلانٌ؛ نحو: (طَلْحَة)، و(حَمْزَة)، و(مُغِيرَة). لا يجوز (جاءت طلحة)؛ من قِبَل أنَّ التذكيرَ الحقيقي يغلب على تأنيث اللفظ.\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾. قيل (٣): مجيب الدعاء في\n_________\n= المعنى المذكَّر، قال في الجمع: (خلفاء ..). \"الزاهر\" ٢/ ٢٤٢، وانظر: \"المذكر والمؤنث\" له ٢/ ١٦٣.\n(١) في جميع النسخ: سُكابٌ، ولم أر لها وجهًا، والتصويب من المصادر التي أوردت البيت، وسيأتي بيانها.\n(٢) لم أهتد إلى قائله، وقد ورد غير منسوب، في \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٢٠٨، \"تفسير الطبري\" ٣/ ٢٤٨، \"المذكر والمؤنث\" لابن الأنباري ١/ ١٢٥، \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٧١٨ (سكت)، \"الصحاح\" ١/ ٢٥٣ (سكت)، \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٤٤ أ، \"المحرر الوجيز\" ٣/ ٩٦، \"اللسان\" ٤/ ٢٠٤٦ (سكت). وقوله: (سُكاتٌ): وصف للحيَّة، يقال: (حيَّة سُكاتٌ، وسَكُوتٌ)،: إذا لم يشعر بها الملسوع حتى تلسعه وقوله: (أدردا)؛ أي: ليس في فمه سِنٌ، و(الدَّرَدُ): هو ذهاب الأسنان، والأنثى: دَرْداء.\nانظر: \"الصحاح\" ٢/ ٤٧٠ (درد)، \"اللسان\" ٤/ ٢٠٤٦ (سكت)، \"القاموس\" ص ١٥٣ (سكت).\nوالبيت في وصف رجل داهية يقول عنه: كيف تستخف به، وهو كالحية الجبلية الفاتكة، التي لا يشعر الملسوع بعضها حتى تعضه بناب لم يسقط، ولم يذهب سُمُّه. والشاهد فيه كونه أنَّث (جبلية)؛ نظرًا لورود الموصوف مؤنثًا في اللفظ، وهو (حيَّة)، وذكَّرَ (عضَّ)؛ لأنه أراد المعنى؛ أي: حيَّة ذكَرًا.\n(٣) لم أقف على صاحب هذا القول، وقد حكاه الثعلبي في \"تفسيره\" ٣/ ٤٤أ، والبغوي في \"تفسيره\" ٢/ ٣٣، وابن الجوزي، في \"الزاد\" ١/ ٣٨٠.","vol":"5","page":216},{"text":"التفسير؛ وذلك أن مَنْ لا يُجابُ (١) كلامه، صار بمنزلة من لم يُسمع (٢)، فقيل لمن أجيب في سؤاله: سُمع دعاؤه. وعلى هذا دلَّ كلام ابن عباس في تفسير هذه الآية؛ لأنه قال في قوله (٣): ﴿إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ يريد: لأنبيائك، وأهل طاعتك (٤).\nوهذا يدل على أنه أراد بالسمع: الإجابة؛ لأن دعاء غير هؤلاء مسموع لله تعالى على الحقيقة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-543>٣٩ </span>- قوله تعالى: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ﴾ يقال: نادى، مُناداةً، ونِداءً. فالكسر: مصدرٌ (٥)، والضم اسمٌ (٦). وأكثر ما جاءت الأصوات على ضَمِّ أولها؛ نحو: (الرُّغاء) (٧)، و(البُكاء)، و(الصُّراخ)، و(الهُتاف) (٨).\n_________\n(١) في (أ)، (ب): (الإيجاب)، والمثبت من: (ج)، (د).\n(٢) في (أ)، (ب): (يَسمع)، والمثبت من: (ج)، (د).\n(٣) في (أ): قولك، والمثبت من: (ب)، (ج)، (د).\n(٤) لم أقف على مصدر قول ابن عباس هذا.\n(٥) انظر: \"جمهرة اللغة\" ٢/ ١٠٦١ (ندى).\n(٦) ويردُ الاسمُ منه كذلك بالكسر؛ فيقال: (نِداء)، و(نُداء). وجعل الجوهريُّ الكسرَ هو الأصل، فقال: (النِّداء: الصوت، وقد يُضم). \"الصحاح\" ٦/ ٢٥٠٥. وانظر (ندى) في \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٥٤٥، \"اللسان\" ٧/ ٤٣٨٨، \"التاج\" ٢٠/ ٢٣٣.\n(٧) في (ج)، (د): (الدعا). والرُّغاء: صوت البعير، والضبع، والنَّعام. انظر: \"القاموس\" ص ١٢٨٩ (رغى).\n(٨) في جميع النسخ: (والهتات)، ولم أجدها في معاجم اللغة التي رجعت إليها، ولم أر لها وجهَا، وما أثبته هو ما رجَّحتُه؛ لأن (الهُتاف)، و(الهَتْف): هو الصوت الجافي العالي، أو الصوت الشديد. انظر: \"المنتخب من غريب كلام العرب\" لكراع النمل: ١/ ٢٩٤، \"اللسان\" ٨/ ٤٦١٢ (هتف).","vol":"5","page":217},{"text":"وفي قوله: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلاَئِكَةُ﴾، قراءتان: التذكير، والتأنيث (١).\nقال الفرَّاء (٢): (الملائكة)، وما أشبههم من الجمع، يُذَكَّر وُيؤَنَّث.\nوقرأت القُرَّاءُ: ﴿يَعرُجُ الملائكة﴾، و﴿تَعرُجُ﴾ (٣) [المعارج: ٤]، و﴿تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ و﴿ويَتَوفَّاهم الملائكة﴾ (٤) (٥) [النحل: ٢٨]، فمن ذكَّر؛ ذهب إلى معنى التذكير، ومن أنَّث؛ فلِتأنيث الاسم.\nقال الزجَّاج (٦): الجماعة، يلحقها التأنيث؛ للفظ الجماعة، ويجوز أن يُعبَّر عنها بلفظ التذكير؛ لأنه يقال: جَمْعُ الملائكة، وهذا كقوله: ﴿وَقَالَ نِسْوُةُ﴾ [يوسف: ٣٠].\nوقال أهل المعاني (٧): أراد بالملائكة (٨) ههنا: جبريل، وحده (٩)،\n_________\n(١) قرأ حمزة والكسائي من السبعة وخلف من العشرة (فناداه)، بإمالة الدال، وتروى هذه القراءة عن (علي بن أبي طالب، وابن مسعود، وابن عباس، وعلي بن الحسين، ومحمد بن زيد وابنيه، وجعفر بن محمد). \"القطع والائتناف\" ص ٢٢٢. والباقون: (فنادته). انظر: \"السبعة\" ٢٠٥، و\"الحجة\" للفارسي ٣/ ٣٧، و\"النشر\" ٢/ ٢٣٩.\n(٢) في \"معاني القرآن\" له: ١/ ٢٠٩، نقله بنصه.\n(٣) والقراءة بالياء: للكسائي، وبالتاء: للباقين. انظر كتاب \"الإقناع\"، لابن مهران: ٢٩٧، \"حجة القراءات\"، لابن زنجلة ٧٢١، \"التبصرة\" ٧٠٨.\n(٤) الملائكة: ليست في: (ج) و(د).\n(٥) القراءة في الموضعين بالياء: لحمزة، وبالتاء: للباقين. انظر: \"الكشف\" ٢/ ٣٦، \"حجة القراءات\" ٣٨٨.\n(٦) في \"معاني القرآن\" له ١/ ٤٠٥. نقله عنه بتصرف يسير.\n(٧) نقل المؤلف هنا عبارة الفراء باختصار عن \"معاني القرآن\" ١/ ٢١٠، وممن قال بذلك: الطبري في \"تفسيره\" ٣/ ٢٥٠، والزجاج في \"المعاني\" ١/ ٤٠٥، والنحاس في \"المعاني\" ١/ ٣٩٠، والثعلبي في \"تفسيره\" ٣/ ٤٥ أ.\n(٨) قوله: (المعاني أراد بالملائكة): مكانها بياض في: (د).\n(٩) ممن قال بأن المنادي: جبريل وحده: عبد الله بن مسعود -﵁-، والسدي، ومقاتل.=","vol":"5","page":218},{"text":"وذلك جائز في العربية أن تخبر عن الواحد بمذهب الجمع؛ كما تقول في الكلام: (ركب السفنَ)، و(خرجَ على البِغالِ)، وإنما ركب بغلًا واحدًا. وهذا (١) جائز فيما لم يُقْصد فيه قَصْد (٢) واحدٍ بعينه.\nقال الزجَّاج (٣): المعنى: أتاه النداءُ من هذا الجنس، الذين هم الملائكة (٤)، كما تقول: (ركب فلانٌ في السُّفُن) وإنما ركب في سفينةٍ واحدةٍ؛ تريد بذلك: جَعْلَ ركوبه في هذا الجنس.\nومثل (٥) هذا مما في القرآن قوله: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ﴾ [آل عمران: ١٧٣]، وهو نعيْمُ بن مَسعود (٦)، ﴿إِنَّ النَّاسَ﴾، يعني: أبا سُفيان (٧).\nقال المفضَّل: إذا كان القائل رئيسًا، فيجوز الإخبار عنه بالجمعِ؛\n_________\n= انظر: \"تفسير مقاتل\" ١/ ٢٧٤، \"تفسير الطبري\" ٢/ ٤٤٩ - ٤٥٠، \"تفسير ابن أبي حاتم\" ٢/ ٦٤١، \"القطع والائتناف\" للنحاس ٢٢٢، \"زاد المسير\" ١/ ٣٨١، \"الدر المنثور\" ٢/ ٣٧.\n(١) (ج) (وهو).\n(٢) في (أ)، (ب): (وقصد)، والمثبت من: (ج) (د)، ومن \"معاني القرآن\".\n(٣) في \"معاني القرآن\" له ١/ ٤٠٥، نقله عنه بتصرف يسير جدًّا.\n(٤) في (ج): (ملائكة). وقوله: (الذين هم ملائكة): ليس في \"معاني القرآن\".\n(٥) من قوله: (ومثل ..) إلى (.. جرى على هذا): نقله بتصرف يسير عن \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٤٥ أ.\n(٦) هو أبو سلمة، نُعَيم بن مسعود بن عامر الأشجعي. صحابي مشهور، هاجر إلى الرسول يوم الخندق، وهو الذي خذَل المشركين واليهود حتى صرف الله المشركين، سكن المدينة، قتل في وقعة الجمل في أوّلِ خلافة علي، وقيل: مات في خلافة عثمان - ﵁ -. انظر: \"الاسيعاب\" ٤/ ٧٠ (٢٦٥٨)، \"الإصابة\" ٣/ ٥٦٨ (٨٧٧٩).\n(٧) سيأتي بيان قصة الآية في موضعها من هذه السورة، عند تفسير آية: ١٧٣ إن شاء الله تعالى.","vol":"5","page":219},{"text":"لاجتماع أصحابه معه، فلمَّا كان جبريل ﵇ رئيس الملائكة، وقلَّما يُبْعثُ إلاَّ ومعه جَمعٌ منهم، جُرِيَ على هذا. وهذا قول ابن عباس (١)، والأكثرين (٢): إنَّ المنادى جبريل وحده.\nوقال غيره: ناداه جماعةٌ من الملائكة (٣).\nوقوله تعالى: ﴿أَنَّ اللهَ يُبَشِرُكَ﴾ يُقْرأ بـ ﴿إِنَّ﴾ (٤): مكسورًا ومفتوحًا (٥)؛ فمن فتح (٦)، كان المعنى: (فنادته بِأَنَّ اللهَ)، فلمَّا حذف الجارّ منها (٧)، وصل الفعلُ إليها فنصبها؛ فـ (أَن) (٨) في موضع\n_________\n(١) لم أقف على مصدر قوله.\n(٢) قوله: (والأكثرين)، سبق أن بينت أنه لم يقل بهذا القول غير ابن مسعود - ﵁ - والسدي، ومقاتل، بناءً على المصادر التي رجعت إليها.\n(٣) ورَجَّح هذا الطبري؛ حملًا لتأويل القرآن على الأظهر الأكثر من كلام العرب، دون الأقل، ما وُجِد إلى ذلك سبيل. وبيَّن أنَّه لا حاجة هنا لصرفه إلا أنه بمعنى واحد. وبيَّن أنَّ هذا قول جماعة من أهل العلم، ومنهم: قتادة، والربيع، وعكرمة، ومجاهد، وغيرهم. \"تفسير الطبري\" ٣/ ٢٥٠، وانظر: \"تفسير عبد الرزاق\" ١/ ١٢٠، \"تفسير ابن أبي حاتم\" ٢/ ٦٤١، \"الدر المنثور\" ٢/ ٣٧، ورجحه كذلك النحاس في \"القطع والائتناف\" (٢٢٣).\n(٤) في (ج)، (د): (إن). وفي (د) بدلًا من: (بإن).\n(٥) قرأ ابن عامر، وحمزة: ﴿إِنَّ﴾ بالكسر، وقرأ الباقون: ﴿أَن﴾ بالفتح. انظر: \"السبعة\" ٢٠٥، \"الحجة\" للفارسي: ٣/ ٣٨، \"الكشف\" لمكي: ١/ ٣٤٣.\n(٦) من قوله: (فمن ..) إلى (.. فأضمر القول في ذلك كله): نقله باختصار وتصرف يسير عن \"الحجة\" للفارسي: ٣/ ٣٩، ٣٨\n(٧) (منها): ساقطة من (ج).\n(٨) في (ج): (بأن).","vol":"5","page":220},{"text":"[نصب] (١). وعلى قياس قول الخليل: في موضع (٢) [جَرٍّ] (٣). وقد ذكرنا هذه المسألة فيما تقدم.\nومن كَسَرَ، أضمر القولَ؛ كأنه: (ناداه، فقال: إنَّ الله) فحذف القولَ. وإضمار القول كثير في هذا النحو، كما قال: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الرعد:٢٣ - ٢٤]، ﴿وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا﴾ [الأنعام: ٩٣]، ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ﴾ [آل عمران: ١٠٦]، فأضمر القول في ذلك كلِّه (٤).\nوقوله تعالى: ﴿يُبَشِّرُكَ﴾ قد (٥) ذكرنا معنى التبشير في قوله: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ٢٥].\nوقرأ حمزةُ والكسائيُّ (٦):\n_________\n(١) ما بين المعقوفين زيادة من: (د)، ومن \"الحجة\". ويقتضيها السياق.\n(٢) (في موضع): مكانها بياض في: (د).\n(٣) ما بين المعقوفين زيادة من \"الحجة\" للفارسي، يقتضيها السياق. وانظر: \"كتاب سيبويه\" ٣/ ١٢٦ - ١٢٩، ١/ ٩٢، ٣٧ - ٣٩، \"المحلى ووجوه النصب\" لابن شقير: ٧٦، \"سر صناعة الإعراب\" ١٣٠، \"الكشف\" لمكي ١/ ٣٤٣. وانظر تفسير آية١٩ من هذه السورة، وما سيذكره عند تفسير ﴿أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ﴾ آية: ٧٣ من هذه السورة.\n(٤) هذا على مذهب البصريين القائلين بإضمار القول، أما على مذهب الكوفيين، فإنهم أجروا النداء مُجرى القول. انظر: \"البحر المحيط\" ٢/ ٤٤٦، \"الدر المصون\" ٣/ ١٥٢، \"إتحاف فضلاء البشر\" للبنا ص ١٧٤.\n(٥) من قوله: (قد ..) إلى (.. وقرأ حمزة والكسائي: يبشرك): ساقط من (د).\n(٦) انظر: \"السبعة\" ٥٠٢، \"الحجة\" للفارسي: ٣/ ٤١. وقد قرأ حمزة: (يَبْشُرُ) بالتخفيف في كل القرآن، إلا في قوله: ﴿قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾ [آية ٥٤ من سورة الحجر]، فقرأها بالتشديد (يُبَشِّرون). أما الكسائي: فقد قرأها بالتخفيف في خمسة مواضع: (آل عمران: ٣٩، ٤٥) و(الإسراء: ٩) =","vol":"5","page":221},{"text":"﴿يُبَشِّرُكَ﴾ (١)، مُخَفَّفًا، من (البَشْرِ) (٢) وهو بمعنى: التبشير (٣).\nقال أبو زيد: يقال: (بَشَّرَ، يُبَشِّرُ)، [و(أبْشَرَ يُبْشِرُ] (٤) إبْشارا)، و(بَشَرَ، يَبْشُرُ، بَشْرا)، ثلاث لغات (٥). ونحو هذا قال ابن الأعرابي فيما روى عنه ثَعْلَب (٦).\n_________\n= و(الكهف: ٢) و(الشورى: ٢٣). أمَّا نافع، وابن عامر، وعاصم، فقد قرأوها بالتشديد في كل القرآن. وكذا قرأها ابن كثير، وأبو عمرو في كل المواضع، إلا في آية (٢٣ من الشورى). انظر: \"السبعة\" ٢٠٥، \"الحجة\" للفارسي: ٣/ ٢٣٩، \"الغاية\" لابن مهران:١٢٥، \"التيسير\" للداني: ٨٧، \"النشر\" ٢/ ٢٣٩، \"اتحاف فضلاء البشر\" ص ١٧٤.\n(١) وردت في: (أ) يَبْشِرُكَ بكسر الشين المخففة، وأهملت حركاتها في بقية النسخ، ولم ترد بها قراءة، والصواب من قراءتها ما أثبته، وما سبق الإشارة إليه، وقد ورد في قراءة مجاهد، وحميد بن قيس الأعرج: (يُبْشِرُكَ) بضم الياء، وتسكين الباء، وكسر الشين المخففة. انظر: \"معاني القرآن\" للزجَّاج: ١/ ٤٠٥، \"المحتسب\" ١/ ١٦١، \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٤٥ ب. انظر ترجمة حميد بن قيس في \"غاية النهاية\" ١/ ٢٦٥ برقم (١٢٠٠).\n(٢) في (أ): البَشرَ، ولم أر لها وجهًا، وأهملت حركاتها في بقية النسخ، وما أثبته، هو ما استصوبته. قال في \"اللسان\" ٤/ ٦١ (بشر): (وقد بَشَرَه بالأمر، يَبْشُرُه بالضم بَشْرًا، وبُشُورا، وبِشْرًا، وبَشَرَهُ به بَشْرًا .. وبَشرَ يَبْشُرُ بَشْرًا وبُشُورًا) وانظر: \"الصحاح\" ٢/ ٥٩٠ (بشر).\n(٣) قال الفرَّاء في \"معاني القرآن\" ١/ ٢١٢: (وكأن المشَدَّد على: بِشارات البُشَراء، وكأن التخفيف من وجهة الإفراح والسرور، وهذا شيء كان المشيخة يقولونه).\n(٤) ما بين المعقوفين زيادة من (ج)، (د)، ومن \"الحجة\" للفارسي.\n(٥) لم أقف على قول ابن زيد فيما رجعت إليه من مصادر، ويبدو أن هذا قول أبي الحسن (الأخفش)، كما في \"الحجة\" للفارسي ٣/ ٣٧، ونصه: (قال أبو الحسن: في (يبشر) ثلاث لغات: ..) وذكر ما دُوِّنَ أعلاه، ثم بعدها نقل الفارسي قولًا آخر لأبي زيد مغاير لما هنا، فقال: (قال أبو زيد ..).\n(٦) انظر: \"تهذيب اللغة\" ١/ ٣٣٨ (بشر).","vol":"5","page":222},{"text":"وقال أهل اللغة (١): أصل معنى (البَشْرِ): إصابة البَشَرَةِ يقال: (بَشَرتُ الأديمَ) (٢): إذا أخذتُ بَشَرَتَه بشَفْرةٍ، و(بَشَرَ الجرادُ الأرض): إذا أكلَ ما عليها، [فأخذ بَشَرَتها (٣)، فاستُعمِلَ هذا في إيراد الخبرِ (٤) السَّارِّ؛ لأنه يصيب البَشَرَة بالهَشاشَةِ (٥)] (٦).\nوقال الزجَّاج (٧):\nمعنى ﴿يُبَشِّرُكَ﴾ (٨) بالتخفيف: يسُرُّكَ، ويُفرِحُكَ، يقال: (بَشَرْتُ\n_________\n(١) انظر (بشر) في \"إصلاح المنطق\" ص٢١ - ٢٢، ٤١، ٢٧٧، و\"الجمهرة\" ص٣١٠، \"تهذيب اللغة\" ١/ ٣٣٨، \"الصحاح\" ٢/ ٥٩٠، \"مقاييس اللغة\" ١/ ٢٥١.\n(٢) الأديم هنا: الجلد. انظر القاموس (أدم) ص ١٠٧٤.\n(٣) أخذ بشرتها؛ أي: أكل ما ظهر من نباتها، فجعل ظاهر الأرض كأنه بشرة لها.\n(٤) في (د): هذا إيراد في الخبر.\n(٥) الهَشَاشة والهَشَاشُ: الارتياح، والخفَّةُ، والنشاط، يقال: (هَشِشْتُ إليه، أهَشُ، هَشاشة): إذا خففت إليه، وارتحت له. انظر: \"إصلاح المنطق\" ٢٠٠، \"القاموس المحيط\" ٦١٠ (هش).\n(٦) ما بين المعقوفين زياد من: (ج) (د).\n(٧) في \"معاني القرآن\" له ١/ ٤٠٥. ولكن النصَّ في \"معاني القرآن\" المطبوع المتداول يختلف بعض اختلافٍ في ضبط الكلمات عمَّا أورده الواحدي، ونصه في \"معاني القرآن\" (ومعنى: يُبْشرك: يسرك ويفرحك، يقال: بَشَّرتُ الرجلَ أبَشِّرُه، وأبْشُرُه: إذا أفرحته، ويقال: بَشُرَ الرجل يَبْشرُ)، وما أورده المؤلف مطابق لما فى \"تهذيب اللغة\" ١/ ٣٣٨ (بشر)، وأورده كذلك ابن الجوزي في \"الزاد\" ١/ ٣٨٢، وصاحب \"اللسان\" ١/ ٢٨٧ (بشر) مما يعني أن يكون الأزهري، والواحدي، قد نقلا من نسخة أخرى غير المعتمدة في المطبوعة، أو يكون الواحدي، نقل النص عن الأزهري، وهو ما أرجحه؛ نظرًا لأن \"التهذيب\" من مصادره الأساسية، التي اعتمد عليها كثيرًا.\n(٨) في (أ): يَبْشِرُكَ أما بقية النسخ فقد أهملت حركاتها. وفي \"معاني القرآن\" المطبوع =","vol":"5","page":223},{"text":"الرَّجُلَ، أبْشُره): إذا أفرحته، فـ (بَشِرَ (١)، يَبْشَرُ): إذا فرِحَ.\nوقال ابن الأعرابي (٢): (بَشِرتُ بكذا، وأبْشَرْتُ به) أي: فرحت (٣)، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ﴾ [فصلت: ٣٠].\nوقوله تعالى: ﴿بِيَحْيَى﴾. (يحيى) (٤)، لا ينصرف، عَربيًّا كان، أو عجمِيًّا (٥): لأنه إن كان عجميَّا: فقد اجتمع فيه العُجْمةُ والتعريف، وإن كان عربيًّا: لا (٦) ينصرف؛ لِشِبهه (٧) بالفعل، وأنه معرفة.\nقال المفسرون: سمَّاه الله تعالى بهذا الاسم قبل مولده (٨).\nقال الحسين (٩) بن الفضل (١٠): إنَّما سُمِّيَ\n_________\n= يُبشرك. وما أثبتُه هو ما استصوبته، وهو موافق لما في \"زاد المسير\" حيث ضبط الحركات بالحروف، \"اللسان\"؛ لأن الواحدي أراد أن يبين معنى القراءة بالتخفيف (يَبْشُرُكَ)، وما في \"معاني القرآن\" المطبوع لا استبعد الخطأ المطبعي في ضبط حركتها.\n(١) في (أ): (فبَشُرَ) وهو موافق لما في \"معاني القرآن\". وما أثبتُّه يوافق ما في \"تهذيب اللغة\"، \"اللسان\" وبقية مصادر اللغة، ولم أعثر على (بَشُرَ) في معاجم اللغة.\n(٢) قوله في \"تهذيب اللغة\" ١/ ٣٣٨، وهو ما أشار إليه المؤلف سابقًا.\n(٣) نقله المؤلف باختصار، ونصه: (يقال: (بَشَرْتُهُ، وبَشَّرْتُهُ، وبَشِرْتُهُ، وأبْشَرته). قال: (وبَشِرْتُ بكذا، وبَشرْت وأبشرْت): إذا فرحتَ به.\n(٤) من قوله: (يحيى ..) إلى (.. وأنه معرفة): نقله بتصرف عن \"معاني القرآن\" للزجَّاج ١/ ٤٠٦.\n(٥) في (ج)، و\"معاني القرآن\": (أعجميا).\n(٦) في (ج)، \"معاني القرآن\": (لم).\n(٧) في (د): لتشبيهه.\n(٨) انظر: \"تفسير الطبري\" ٣/ ٢٥٢، \"تفسير ابن أبي حاتم\" ٢/ ٦٤٢، \"النكت والعيون\" ١/ ٣٨٩ - ٣٩٠.\n(٩) في (ج): (الحسن).\n(١٠) قوله في \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٤٦ أ، وانظر: \"مفردات ألفاظ القرآن\" للراغب ٢٦٩ - ٢٧٠. وهو: أبو علي، الحسين بن الفضل بن عمير بن كَيْسان البجَلِي، تقدم.","vol":"5","page":224},{"text":"(يَحْيى) (١)، لأن الله [تعالى] (٢) أحياه بالطاعة، حتى لم يَعْصِ، ولم يَهم بمعصية. فمعنى (يحيى): أنه يعيش مطيعًا لله عمره، ألا ترى أنَّ الكافر يُسمَّى (مَيْتًا)؛ قال الله تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ [الأنعام: ١٢٢]، قيل في تفسيره: ضالًا فهديناه (٣).\nوقوله تعالى: ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾. نصب على الحال؛ لأنه نكرة، و(يَحيى) معرفة.\nقال ابن عباس (٤): يريد: مُصدِّقًا بعيسى أنه روح الله، وكلمته.\nوسُمِّيَ (عيسى) كلمةُ الله؛ لأنه حدث عند قوله: ﴿كُن﴾، فوقع عليه اسم (الكلمة)؛ لأنه بها كان.\nقال المفسرون: وكان (يحيى) أول من آمن بـ (عيسى) ﵉، وصدَّقه، وكان (يحيى) أكبر من (عيسى) (٥).\n_________\n(١) في (د): (بيحيى).\n(٢) ما بين المعقوفين زيادة من (د).\n(٣) وهذا قول: ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، والسدِّي، وابن زيد، وعكرمة، وغيرهم. انظر: \"تفسير الطبري\" ٨/ ٢١ - ٢٤، \"الدر المنثور\" ٣/ ٨١.\n(٤) الأثر عنه في \"تفسير الطبري\" ٣/ ٢٥٣، \"تفسير ابن أبي حاتم\" ٢/ ٦٥١، \"تفسير ابن كثير\" ١/ ٣٨٧، \"الدر المنثور\" ٢/ ٣٨، ونسب إخراجه كذلك للفريابي، وعبد بن حميد، وابن المنذر. وهو قول مجاهد، والرقاشي، وقتادة، والربيع، والسدي، والضحاك. انظر المصادر السابقة.\nوذهب أبو عبيدة في \"مجاز القرآن\" ١/ ٩١ إلى أن (كلمة الله): كتاب الله، كما تقول العرب للرجل: (أنشدني كلمة كذا وكذا)؛ أي: قصيدة فلان، وإن طالت. وأنكر عليه الطبري ذلك إنكارًا شديدًا، وردَّه انظر: \"تفسير الطبري\" ٣/ ٢٥٤.\n(٥) قال به ابن عباس، والربيع، والضحاك. انظر: \"تفسير الطبري\" ٣/ ٢٥٠ - ٢٥٣، \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٤٦ ب.","vol":"5","page":225},{"text":"قوله تعالى: ﴿وَسَيِّدًا﴾. (السَّيِّد) من باب: (الصَّيِّب)، و(المَيِّت). وقد ذكرنا ما فيهما (١). ويقال (٢): (سادَ فلانٌ قومَه، يَسُودُهم، سُؤْدَدًا، وسِيادَةً): إذا صار رئيسهم (٣).\nقال أبو (٤) إسحاق (٥): (السيِّد): الذي يفوق في الخير قومَه.\nوقال بعض أهل اللغة: (السيد): المالك الذي (٦) يجب (٧) طاعته؛ ولهذا يقال: (سيِّد الغلام)، ولا يقال: سيِّد الثوب.\nسَلَمَة (٨) عن الفرَّاء (٩): (السيِّد): المالك (١٠)، و(السيِّد): الرئيس، و(السيِّد): الحليم، و(السيِّد): السَّخي، و(السيِّد): الزوج، ومنه قوله:\n_________\n(١) في (ج): فيها. وانظر: \"تفسير البسيط\" تح: د. الفوزان، عند آية: ١٩ من سورة البقرة وانظر ما سبق عند تفسير آية: ٢٧ من سورة آل عمران. ويعني: أن (سَيِّد)، أصلها: (سَيْوِد)، مثل: (صَيِّب)، و(مَيّيت) حيث إنَّا أصلهما: (صيْوِب) و(مَيْوِت). انظر بيان هذه المسألة، والخلاف فيها، في \"كتاب سيبويه\" ٤/ ٣٦٥، \"سر صناعة الإعراب\" ١٥٣، ٥٨٥، \"الإنصاف\" ص ٦٢٤ - ٦٢٥، وقد سبق الإشارة إلى ذلك عند تفسير آية: ٢٧ من سورة آل عمران.\n(٢) (ويقال): ساقطة من (ج).\n(٣) وفي لغة طيىء: (سُؤْود) بضم الدال، وورد من مصادره: (سَيْدُودَة). انظر (سود) في: العين، للخليل: ٧/ ٢٨١، \"الصحاح\" ٢/ ٤٩٠، \"اللسان\" ٤/ ٢١٤٤.\n(٤) في (ب): ابن.\n(٥) في \"معاني القرآن\" له: ١/ ٤٠٦.\n(٦) من قوله: (الذي ..) إلى (.. والسيد الرئيس): ساقط من (د).\n(٧) في (ج): (تجب).\n(٨) هو: أبو محمد، سَلَمَة بن عاصم. تقدم.\n(٩) قوله في \"تهذيب اللغة\" ١٣/ ٣٥.\n(١٠) في \"التهذيب\" \"اللسان\" (سود): الملك.","vol":"5","page":226},{"text":"﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا﴾ [يوسف: ٢٥]، [أي: زوجها] (١).\nوقال أبو خيرة (٢): سُمِّيَ (سَيِّدا)، لأنه يَسُودُ سَوادَ الناسِ، أي: عُظْمَهم (٣). هذا قول أهل اللغة في معنى (السيِّد).\nفأما أهل (٤) التفسير: فقال ابن عباس (٥): السَّيِّد: الكريم على رَبِّهِ ﷿. وقال قتادة (٦): السيِّد، هو: العابد، الورع، الحليم. وقال عِكرمَة (٧): السيد: الذي لا يغلبه غضبُهْ.\n_________\n(١) ما بين المعقوفين زيادة من (ج) (د)، ومن \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٥٩٠. وانظر في تفسير (سيِّدها) بـ (زوجها) \"تفسير البيضاوي\" ص ٢٤٣، \"تفسير أبي السعود\" ٤/ ٢٦٧، \"فتح القدير\" ٣/ ٢٧.\n(٢) في (د): أبو حيوة. وقوله في \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٥٩٠، \"اللسان\" ٤/ ٢١٤٤ - ٢١٤٥. وأبو خيرة، هو: نهشل بن زيد البصري. أعرابي بَدَوي من بني عَدِيّ، دخل الحاضرة، وأخذ عنه الناس، وصنف في الغريب كتبا. انظر: \"الفهرست\" ص ٧٢، \"إنباه الرواة\" ٤/ ١١٧، \"معجم الأدباء\" ١٩/ ٢٤٣، \"بغية الوعاة\" ٢/ ٣١٧.\n(٣) في \"تهذيب اللغة\" معظمهم. و(عُظْمهم): أكثرهم، ومعظمهم. انظر: \"الصحاح\" ٥/ ١٩٨٧ (عظم).\n(٤) (أهل): ساقطة من: (ب).\n(٥) لم أهتد إلى مصدر قوله، وقد أورده ابن الجوزي في \"الزاد\" ١/ ٣٨٣، وهو قول مجاهد، والرقاشي. انظر: \"تفسير الطبري\" ٣/ ٢٥٤، \"ابن أبي حاتم\" ٢/ ٦٤٣، \"البغوي\" ٢/ ٣٤، \"الدر المنثور\" ٢/ ٣٨ أورده عن مجاهد ونسب إخراجه كذلك إلى عبد بن حميد. والوارد عن ابن عباس، تفسيره بـ (الحليم النقي)؛ كما في \"تفسير الطبري\" ٣/ ٢٥٤، \"ابن أبي حاتم\" ٢/ ٦٤٢، \"زاد المسير\" ١/ ٣٨٣، \"الدر المنثور\" ٢/ ٣٩، ونسب إخراجه كذلك لعبد الرزاق، وابن المنذر، وابن عساكر.\n(٦) قوله في \"تفسير الطبري\" ٣/ ٢٥٤، \"تفسير ابن أبي حاتم\" ٢/ ٦٤٢، \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٥٩٠، \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٤٧ أ، \"تفسير البغوي\" ٢/ ٣٤.\n(٧) قوله في \"تفسير الطبري\" ٣/ ٢٥٥، \"ابن أبي حاتم\" ٢/ ٦٤٢، \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٥٩٠، \"الدر المنثور\" ٢/ ٣٩، وزاد نسبته لابن أبي الدنيا في \"ذم الغضب\".","vol":"5","page":227},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَحَصُورًا﴾ (الحَصْرُ) في اللغة: الحَبْسُ (١). يقال: (حَصَرَه، يَحْصُرُه، حَصْرًا). و(حُصِرَ الرجلُ): إذا اعتُقِل بطنه (٢)، و(حَصرَ (٣) الرجلُ عن النساء)، فهو (حَصُورٌ).\nوالحَصُورُ: الضَّيِّقُ (٤)، البخيل، الذي يمنع مالَهُ، فلا يُخرِجُ مع النَّدامى (٥) شيئًا للشراب (٦)، ومنه:\nلا بالحَصُورِ ولا فيها بِسَوَّارِ (٧)\n_________\n(١) قال ابن فارس في \"مقاييس اللغة\": (الحاء، والصاد، والراء؛ أصل واحدة وهو: الجمع والحبس والمنع ٢/ ٧٢ (حصر). وانظر: \"غريب القرآن\" لليزيدي: ٣٤، \"الصحاح\" ٢/ ٦٣٠ - ٦٣٢، وما سيأتي من مراجع.\n(٢) في \"الصحاح\" (والحُصْرُ بالضم: اعتقال البطن، تقول فيه: (حُصِرَ الرجل)، وَ(أُحْصِرَ)، على ما لم يُسمَّ فاعِلُه) ٢/ ٣٦٢ (حصر).\n(٣) ورد ضبطها في \"تهذيب اللغة\" (حُصِرَ)، حيث قال: (ورجل حَصُورٌ: إذا حُصِرَ عن النساء ..) ١/ ٨٣٨، وانظر ١/ ٨٣٩، وكذا ورد في \"اللسان\" ٢/ ٨٩٦ (حصر). ولكن ورد في \"الصحاح\" (وكل من امتنع عن شيء، فلم يقدر عليه، فقد حَصِرَ عنه، ولهذا قيِل: (حَصِرَ في القراءة)، و(حَصِرَ عن أهله) ٢/ ٦٣١ (حصر).\n(٤) من قوله: (الضيق ..) إلى (.. ولا فيها بسوار): ساقط من: (ب).\n(٥) النَّدامى هنا: هم الذي يجتمعون على الشراب، وهذا هو الأصل فيها، ثم استعملت في كل اجتماع للمسامرة. يقال: (نادمه على الشراب، مُنادمة، ونِدامًا). والمفرد: نَدِيم، ونَدْمان. والجمع: نَدامى، ونُدَماء، ونِدام. انظر (ندم) في \"أساس البلاغة\" ٢/ ٤٣٢، \"التاج\" ١٧/ ٦٨٣.\n(٦) انظر: \"التهذيب\" ١/ ٨٣٨ (حصر). وقال ابن سيده في: \"المخصص\": ١٤/ ٢٥: (والحَصير .. الذي لا يشرب مع القوم لبخله، وهو الحَصور)، وكذا ورد في \"مجالس ثعلب\" ٥٠٩.\n(٧) قوله: (فيها بسوار): بياض في: (د). وهذا عجز بيت وصدره:\nوشاربٍ مُربح بالكأس نادمني","vol":"5","page":228},{"text":"و(الحَصور)، و(الحَصِرُ) أيضًا: الذي يكتم السِّرَّ، ويحبسه في نفسه.\nقال جرير:\nولقَدْ تَسَقَطني الوُشاةُ فصادفوا ... حَصِرًا بِسِرِّكِ (١) يا أمَيْمَ ضَنينا (٢)\n_________\n= وهو للأخطل، في شعره ١٦٨، كما ورد منسوبًا له في أغلب المصادر التالية: \"مجاز القرآن\" ١/ ٩٢، \"طبقات فحول الشعراء\" ٥٠١، \"مجالس ثعلب\" ٣١٥، ٥٠٩، \"معاني القرآن\" للزجاج: ١/ ٤٠٧، \"تفسير الطبري\" ٣/ ٢٥٥، \"القطع والاستئناف\" للنحاس: ٢٢٣، \"جمهرة أشعار العرب\" ص ٣٢٨، \"تهذيب اللغة\" ١/ ٨٣٨ (حصر)، \"المحتسب\" ٢/ ٢٤١، \"الصحاح\" ٢/ ٦٣١ (حصر)، \"مقاييس اللغة\" ٣/ ١١٥ (حصر)، \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٤٨ أ، \"والمخصص\": ١٤/ ٢٥، \"تفسير القرطبي\" ٣/ ١٥٨، \"اللسان\" ٢/ ٨٩٦ (حصر)، ٤/ ٢١٤٧ (سور). وورد في \"مجالس ثعلب\" برواية أخرى، وذكرها ابن جني في \"المحتسب\" (.. ولا فيها بسآر) بتشديد الألف الممدودة، وقال ابن جني: (وأجود الروايتين: (بسَوَّار)؛ أي: بمعربد)، وفي \"القطع والائتناف\" (وصاحب مربح ..). ومعنى (مُرْبح)؛ أي: يصف نديمه في الشراب، بأنه يُربح بائعها، ولا يبالي بأن يشتريها بثمن غالٍ، وهو هنا يمدحه بحب اللهْو والكرم، أو تكون (مربح) من: أرْبَح الرجلُ: إذا نحر لأضيافه (الرَّبَح)، وهي الفصلان الصغار. وقوله: (لا بالحصور)؛ أي: ليس بخيلا ممسكا. ومعنى: (ولا فيها بسوَّار)؛ السَّوَّار: الذي تَسُورُ وتدبُّ الخمرُ في رأسه سريعًا، فتثب به وثْبَ المُعَرْبِد على من يُشارِبُه. أما الرواية الثانية (ولا فيها بسآر)؛ أي: لا يبقى في الإناء سُؤْرًا، أي: بقية، بل يشتفُّهُ كلَّه. انظر: \"اللسان\" ٣/ ١٥٥٣ (ربح)، ٢/ ٨٩٦ (حصر)، ٤/ ٢١٤٧ (سور).\n(١) في (ج)، (د): (يسرك).\n(٢) في نسخة (ب) دمج بيت الأخطل مع بيت جرير، كالتالي:\nلا بالحصر ولا عنها بسوار ... بسرك يا أميم ضنينا\nوقد ورد بيت جرير، في \"ديوانه\": ٤٧٦. كما ورد منسوبًا له في: \"مجاز القرآن\" ١/ ٩٢، \"تفسير الطبري\" ٣/ ٢٥٥، \"معاني القرآن\" للزجَّاج١/ ٤٠٧، \"تهذيب اللغة\" ١/ ٨٣٩، \"معجم مقاييس اللغة\" ٢/ ٧٣، \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٤٨ أ، =","vol":"5","page":229},{"text":"قال ابن قتيبة (١): الحَصُور: الذي لا يأتي النساء، وهو (فَعُولٌ) بمعنى: (مفعول)؛ كأنه (٢) محصور عنهن، أي: مأخوذ (٣)، محبوس (٤)، ومثله: (رَكوب)، بمعنى: مَرْكُوب (٥)، و(حَلوب)، بمعنى: مَحْلُوب (٦). ويجوز أن يكون (فَعُولًا) بمعنى: (فاعل)؛ يعني: أنه حَصَرَ نفسه عن الشهوات.\nوجميع المفسرين: على أن (الحَصُور) ههنا: الذي لا يأتي النساءَ، ولا يقربهن (٧).\n_________\n= \"والمخصص\": ٣/ ٢٠، \"اللسان\" ٢/ ٨٩٦ (حصر)، ٤/ ٢٠٣٨ (سقط). وورد عند الطبري: (تَساقَطَني)، وفي \"اللسان\" ٤/ ٢٠٣٨: (.. حَجِئًا بسِرِّك). و(تَسَقَّطه)، و(استسقطه)، و(تساقطه)؛ بمعنى: طلب سَقَطَه، أي: خطأه وعثرته، وعالجه على أن يخطئ، وفي البيت: عالجه على أن يسقط فيخطئ أو يبوح بما عنده. أما في الرواية الثانية: (.. حجئا بسرك)؛ أي: مستمسكًا به، من قولهم: (حَجِئَ بالشيء، وحَجَأ به، حَجْأ)؛ أي: تمسك به ولزمه. ومعنى (الضَّنِين): البخيل، الحريص على الشيء. انظر: \"اللسان\" ٤/ ٢٠٣٨ (سقط)، ٢/ ٧٧٧ (حجأ)، \"القاموس\" ١٢١٢ (ضنن).\n(١) في \"تفسير غريب القرآن\" له ٩٩، نقله مع اختصار قليل.\n(٢) في (ج): (فكأنه)، وفي (د): (وكأنه).\n(٣) في (د): (أحود).\n(٤) قال ابن قتيبة بعدها: (وأصل الحصر: الحبس).\n(٥) (بمعنى مركوب): ساقط من: (ج) (د).\n(٦) انظر: \"معاني القرآن\" للنحاس ١/ ٣٩٤.\n(٧) وهو قول: ابن مسعود، وابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، وابن جبير، وقتادة، وعطاء، وأبي الشعثاء، والحسن، والسدي، وابن زيد، وعطية العوفي انظر: \"تفسير ابن أبي حاتم\" ٢/ ٦٤٣، ٦٤٤، \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٤٨ أ، \"تفسير ابن كثير\" ١/ ٣٨٧، \"تفسير القرطبي\" ٤/ ٧٨.","vol":"5","page":230},{"text":"قال ابن عباس: هو الذي لا يجامع النساءَ، إنما له فَرْجٌ كفَرْجِ الصَّبِيِّ الصغير (١) وقال سعيد بن المُسَيِّب (٢): هو العِنِّين.\nوروي عن النبي - ﷺ -، أنه ذكر يحيى بن زكريا ثم أهوى بيده إلى قَذَاةٍ (٣) من الأرض فأخذها، وقال: \"كان ذَكَرُهُ مثلَ هذه القذاةِ\" (٤).\n_________\n(١) الذي في \"تفسير ابن أبي حاتم\" ٢/ ٦٤٣: (عن ابن عباس، قال: الحصور: الذي لا يأتي النساء.)، وأورده السيوطي في \"الدر\" ٢/ ٣٩، ونسب إخراجه إلى عبد الرزاق، وابن المنذر، وابن عساكر.\n(٢) قوله في \"تفسير الطبري\" ٣/ ٢٥٥، \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٤٨ أ. وقد تقدمت ترجمته.\n(٣) القذاة: هي الشيء الصغير جدًّا، مما يقع على العين والماء والشراب؛ من تراب، أو تُبْن، أو وسخ، أو غير ذلك. وجمعها: (قَذُى)، وجمع الجمع: (أقْذاء). انظر: \"اللسان\" ٦/ ٣٥٦٢ (قذى).\n(٤) الحديث: أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٣/ ٢٥٥، بسنده عن سعيد بن المسيب، عن ابن العاص إما عبد الله أو أبيه، من طرق مختلفة، مرفوعًا وموقوفًا، وأخرجه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٢/ ٦٤٣ عن ابن المسيب عن ابن العاص مرفوعًا وموقوفًا، وأخرجه الحاكم في \"المستدرك\" ٢/ ٣٧٣، وقال: (صحيح على شرط مسلم)، ووافقه الذهبي، وأورد ابن كثير في \"تفسيره\" ١/ ٣٨٧ رواية ابن أبي حاتم المرفوعة والموقوفة، وقال عن المرفوعة: إنها غريبة جدًّا، وقال عن الموقوفة: (فهذا موقوف، أصح إسنادًا من المرفوع)، وقال: (رواه ابن المنذر في \"تفسيره\" من طريق آخر عن سعيد بن المسيب، عن عبد الله بن عمرو بن العاص). وأخرجه ابن أبي حاتم والثعلبي في تفسيريهما عن أبي هريرة مرفوعًا. انظر: \"تفسير ابن أبي حاتم\" ٢/ ٦٤٣، \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٤٨ أ. وأورده السيوطي في \"الدر\" ٢/ ٣٩، ونسب إخراجه كذلك إلى ابن المنذر وابن عساكر، وقال: (وأخرجه ابن أبي شيبة، وأحمد في: \"الزهد\" وابن أبي حاتم، وابن عساكر، عن أبي هريرة من وجه آخر عن ابن عمرو، موقوفًا، وهو أقوى إسنادًا من المرفوع). وقد نقل ابن كثير بعد أن أورد بعضًا من هذه الآثار قولَ القاضي عياض حولها، ونصه كما في (الشفاء): (فاعلم أن ثناء الله تعالى على يحيى بأنه حصُورٌ، ليس كما قال بعضهم: إنه كان =","vol":"5","page":231},{"text":"فعلى هذا القول: (الحَصور)، بمعنى: (المحصور)، وهو الذي حُصر عنهن، على (١) قول الجمهور، وهو (فَعُول) بمعنى (فاعل)؛ لأنه حَبَس نفسه عنهن. وقد استقصينا هذا الحرف عند قوله: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-544>٤٠ </span>- قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ﴾ ذهب كثير من\n_________\n= هَيُوبا [أي: يهاب الفعل المعروف]، أو لا ذَكَر له، بل قد أنكر هذا حذَّاق المفسرين، ونقَّاد العلماء، وقالوا: هذه نَقيصةٌ وعيب، ولا يليق بالأنبياء ﵈، وإنما معناه: أنه معصوم من الذنوب؛ أي: لا يأتيها، كأنه حُصِر عنها، وقيل: مانعا نفسه من الشهوات، وقيل: ليست له شهوة في النساء. فقد بان لك من هذا؛ أنَّ عدم القدرة على النكاح، نقص، وإنما الفضل في كونها موجودة، ثمَّ قمْعُها؛ إمَّا بمجاهدة، كـ (عيسى) ﵇، أو بكفاية من الله تعالى كـ (يحيى) ﵇ فضيلة زائدة؛ لكونها مُشْغلةً في كثير من الأوقات، حاطَّةً إلى الدنيا؛ ثم هي في حقِّ من أقْدِر عليها، ومُلِّكَها، وقام بالواجب فيها، ولم يشغله عن ربه درجةٌ علياء، وهي درجة نبينا - ﷺ - الذي لم تشغله كثرتُهُنَّ عن عبادة ربِّه؛ بل زاده ذلك عبادة؛ لتحصينهنَّ، وقيامه بحقوقهنَّ، واكتسابه لهنَّ، وهدايته إيَّاهن؛ بل صرَّح أنها ليست من حظوظ دنياه هو، وإن كانت من حظوظ دنيا غيره) ثم ساق القاضي عياض الأدلة على ذلك. انظر: \"الشفا بتعريف حقوق المصطفى\" للقاضي عياض: ص ٨٨. ثم يقول ابن كثير: (والمقصود، أنه مَدْح ليحيى بأنه حَصُورٌ، ليس أنه لا يأتي النساء؛ بل معناه: .. أنه حصور عن الفواحش والقاذورات، ولا يمنع ذلك من تزويجه بالنساء الحلال، وغشيانهنَّ، وإيلادهنَّ، بل قد يفهم وجود النسل له من دعاء زكريا المتقدم، حيث قال: ﴿هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾ كأنه قال: ولدا لهُ ذرية ونسل وعَقِب. والله ﷾ أعلم). \"تفسير ابن كثير\" ١/ ٣٨٨. وانظر: \"تفسير الفخر الرازي\" ٨/ ٤٠ وقال بأنه (اختيار المحققين)، \"غرائب القرآن\" للنيسابوري ٣/ ١٨٣، \"تفسير الخازن\" ١/ ٢٨٩.\n(١) في (ج): (وعلى).","vol":"5","page":232},{"text":"المفسرين إلى أن زكريَّا خاطب بهذا جبريل ﵇، فقال: (رَبِّ)؛ أي: يا سيِّدي (١). وذهب جماعة إلى أنه خاطب الله تعالى (٢).\nوقوله: ﴿أَنَّى يَكُونُ﴾ إنْ قيل: كيف أنكر زكريَّا الولدَ مع تبشير الملائكة إيَّاه به؟ وما معنى هذه المراجعة؟ ولِمَ عجب (٣) من ذلك بعد إخبار الله تعالى بأنه يكون، إذ يقول ﷿: ﴿أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى﴾؟ فالقول في ذلك: ﴿أَنَّى يَكُونُ لِي﴾ (٤) أن معنى قوله ﴿أَنَّى يَكُونُ﴾ على أيِّ حالٍ يكون ذلك؛ أيَرُدُّني إلى حال الشباب، وامرأتي؟ أم من حال الكِبَرِ؟. فقال ما قال من هذا مستثْبِتًا، ومستعْلِمًا، لا متعجبًا، ولا منكِرًا (٥).\nوالغُلامُ: الشابُّ من الناس. وأصله من (الغُلْمَةِ). و(الاغتلام)؛ وهو: شِدَّة طَلبِ النِّكاح. ويقال: (غُلامٌ بّيِّن (٦) الغُلُومِيَّةِ، والغُلُومَةِ، والغُلامِيَّةِ) (٧).\n_________\n(١) وهذا قول الكلبي، كما في \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٤٨ ب، وقال الثعلبي بأنه قول أكثر المفسرين، \"تفسير القرطبي\" ٤/ ٧٩، وانظر: \"الخازن\" ١/ ٢٩٠.\n(٢) وهو الظاهر من الآية.\n(٣) في (ج): (اعجب).\n(٤) (لي): ساقطة من (ج)، (د).\n(٥) وممن قال بهذا: الحسن، وابن كيسان، وابن الأنباري. انظر: \"زاد المسير\" ١/ ٣٨٤. وقيل: بأي منزلة أستَوْجِبُ هذا؟ قاله على سبيل التواضع لله، والشكر له، والاستعظام لقدرته تعالى التي لا يعجزها شيء. انظر: \"معاني القرآن\" للنحاس ١/ ٣٩٥، \"النكت والعيون\" ١/ ٣٩١، \"غرائب القرآن\" ٣/ ١٨٤، و\"أنموذج جليل في أسئلة وأجوبة من غرائب آي التنزيل\" للرازي ٦١.\n(٦) في (د): (من).\n(٧) انظر كتاب \"خلق الإنسان\" ١١، \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٦٩١ (غلم)، \"الصحاح\" ٥/ ١٧٩٧ (غلم).","vol":"5","page":233},{"text":"قال الفرَّاء (١): والعرب تجعل مصدرَ كلِّ اسمٍ ليس له فعلٌ (٢) معروف على هذا المثال. فتقول: (هذا [عبدٌ] (٣) بَيِّن (٤) العبودية، والعبدِيَّةِ (٥)، والعبودَةِ).\nوقوله تعالى: ﴿وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ﴾. (الكِبَرُ)، مصدرُ: (كَبِرَ الرجلُ، يَكْبَرُ): إذا أسَنَّ (٦).\nقال أهل المعاني (٧): معنى ﴿وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ﴾: وقد بَلَغتُ الكِبَرَ؛ وذلك أن كلَّ (٨) شيءٍ صادَفْته وبلغته، فقد صادفك وبلغك. وكان نسبةُ الفعلِ إلى الكبر، كنسبته (٩) إلى الرجل؛ يدل على هذا قولُ العرب: (تلقَّيْتُ الحائطَ)، و(تلقَّاني (١٠) الحائطُ).\n_________\n(١) لم أهتد إلى مصدر قوله، وقد ورد بعضه في \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٣٠١ (عبد) ونصُّه: (وقال الفرَّاء: يقال: فلان عبدٌ بيِّن العبودة، والعبودية، والعبدية).\n(٢) (فعل): ساقط من: (ب).\n(٣) ما بين المعقوفين زيادة من: (ج)، (د).\n(٤) في (أ)، (ب): (من)، والمثبت من: (ج)، (د)، ومن \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٣٠١.\n(٥) (والعبدية): ساقط من: (ج)، (د).\n(٦) انظر: \"تفسير الطبري\" ٣/ ٢٥٧، \"القاموس المحيط\" ص ٤٦٨ (كبر). والقياس أنَّ (فَعِلَ) من الثلاثي المجرد، يأتي مضارعها على (يَفْعَلُ). انظر: \"المزهر\" ٢/ ٣٧. أما (كَبُرَ، يَكْبُرُ)، فهي إذا ما أردت عِظَمَ الشيءِ والأمرِ، فهي مثل: (عَظُمَ، يعظُمُ). انظر: \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٠٩٠ - ٣٠٩١ (كبر).\n(٧) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٤٠٨، \"مجاز القرآن\" ١/ ٩٢، \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٤٨ ب.\n(٨) من قوله: (كل ..) إلى (.. وبلغك): نقله بنصه عن \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٤٠٨.\n(٩) في (أ): (كنسبة)، والمثبت من بقية النسخ.\n(١٠) في (ج): (فتلقاني).","vol":"5","page":234},{"text":"فإن قيل: أيجوز (١) (بلغني البلدُ) في موضع (بلغْتُ البلدَ)؟ قيل: إنما جاز في الكِبَرِ؛ لأن الكبَر بمنزلة الطالب، فهو يأتيه بحدوثه (٢) فيه، والإنسان (٣) أيضًا يأتيه بمرور السنين عليه، ولا يجوز مثل ذلك في البلد، وليس الكبَر بمنزلة البلد، إنما هو بمنزلة: القول، والعطاء، والإفضال (٤)، والعقاب؛ فكما يجوز: (بلغني عطاؤك)، و(بلَغَتْ زيدًا (٥) جائزتُكَ)، (وبلغ عبدَ اللهِ عقابُكَ)، جاز أن يكون (٦) البلوغُ منسوبًا (٧) إلى الكِبَر (٨).\nقال ابن عباس في رواية الضحاك (٩): كان زكريا يوم بُشِّر بالولد ابن عشرين ومائة سنة، وكانت امرأته بنت ثمانٍ وتسعين سنةً.\nوقوله تعالى: ﴿وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ﴾. العاقِر (١٠) من النساء: التي لا تلد. يقال: (عَقُرَت، تعْقُرُ، عُقْرًا، وعَقارةً) (١١).\nأنشد الفراء:\n_________\n(١) في (ج): (تحوز)، وفي: (د) (لا يجوز).\n(٢) من قوله: (بحدوثه ..) على: (.. أيضًا يأتيه): ساقط من (ج).\n(٣) في (د): (والإنصاف).\n(٤) في (د): (والاتصال).\n(٥) في (ج): (زيد).\n(٦) (أن يكون): ساقط من (ج).\n(٧) في (أ)، (ب): (منصوبًا)، والمثبت من: (ج)، (د).\n(٨) انظر: \"تأويل مشكل القرآن\" ١٩٣ - ١٩٨، فقد جعل هذا من المقلوب، وهو أن يقدم ما يوضحه التأخير، ويؤخر ما يوضحه التقديم.\n(٩) الأثر في \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٤٨ ب، \"تفسير البغوي\" ٢/ ٣٥، \"زاد المسير\" ١/ ٣٨٥.\n(١٠) (العاقر): ساقطة من (د).\n(١١) في (ب): (وعقارا).","vol":"5","page":235},{"text":"إرْزامَ نابٍ عقُرت أعوامًا ... فَعَلِقَتْ بُنَيَّها (١) تَشْماما (٢)\nويقال أيضًا: (عَقُرَ الرجلُ، وعَقَرَ، وعَقِرَ) (٣): إذا لم يُحمل له. و(رجلٌ عاقرٌ) (٤).\nقال عامرُ بن الطُّفَيْل (٥):\n_________\n(١) في (د): (فعقرت بنتها).\n(٢) في (ج): (تسماما). لم أقف على قائله، وقد أورد الثعلبي في \"تفسيره\" ٣/ ٤٨ ب، قائلًا: (وأنشد الفراء) وذكره، وأورده السمين الحلبي في \"الدر المصون\" وقال: (وأنشد الفراء) وذكره. وروايته في \"الدر المصون\".\nأرزامُ باب عقُرت أعواما ... فعلقت بُنَيَّها تسماما\nومعنى (الإرزام): الصوت الذي لا يُفْتَح به الفمُ، ومنه: (الرَّزَمة)، وهو: ضرب من حنِين الناقة على ولدها حين تَرأمُهُ، يقولون: (أرْزَمَت الناقةُ إرْزامًا). وقيل: هو دون الحنِين، والحنِينُ أشدُّ من الرَّزَمَةِ. و(النابُ)، و(النَّيُوب): الناقة المسنة، سُمِّيت بذلك حين طال نابها وعظُمَ.\nانظر: \"اللسان\" ٣/ ١٦٣٧ (رزم)، ٨/ ٤٥٩١ (نيب).\nأي: أنَّ هذه الناقة المسنَّة، والتي نُتِجَتْ بعد أن كان عاقرًا لمدة أعوام، فإنها تحن على وليدها، مصدرة صوتًا يدل على رحمتها، وشغفها وتعلقِّها به، ولا تنشب تَشَمُّ هذا الوليد تَشْماما المرة بعد الأخرى.\n(٣) (وعقر): ساقط من (د).\n(٤) انظر (عقر)، في \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٥١٤، \"اللسان\" ٥/ ٣٠٣٤. والقياس في (فَعُلَ) الثلاثي المجرد، أن يكون مضارعه (يَفْعُل). أما (فَعَلَ) من المجرد الثلاثي الصحيح، الذي عينه أو لامه ليست من حروف الحلق، فمضارعه يأتي على (يَفْعِل) و(يَفْعُل). انظر: \"المزهر\" ٢/ ٣٧ - ٣٨.\n(٥) هو: عامر بن الطفيل بن مالك العامري. أحد فرسان العرب المشهورين، وابن عم لَبِيد الشاعر، أدرك النبي - ﷺ -، ولم يُسْلِم، وهو الذي غدر بالصحابة عند بئر معونة سنة (٤هـ)، وحاول قتل النبي فعصمه الله منه، ودعا عليه النبي - ﷺ -، فأهلكه الله. انظر: \"الشعر والشعراء\" ص٢٠٧، \"معجم الشعراء\" ٣٧، \"الأعلام\" ٣/ ٢٥٢.","vol":"5","page":236},{"text":"لبئس الفتى إنْ كنتُ أعورَ عاقرًا ... جبانًا فما عذري لدى كلِّ مَحْضَرِ (١)\nقال أبو إسحاق (٢): قوله: ﴿وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ﴾، في هذا دليل على أن (عاقرًا) (٣) وقع على جهة النَّسَب (٤)؛ لأنَّ (فَعُلَت) أسماء (٥) الفاعلين فيه على (فَعِيلَة) نحو: (ظَريفة) (٦)، و(كَريمة)؛ وإنما (عاقر) على: (ذات عُقْرٍ) (٧)،\n_________\n(١) البيت في: \"ديوانه\": ٦٤، كما ورد منسوبًا له في \"مجاز القرآن\" ٢/ ٩٢، \"تفسير الطبري\" ٣/ ٢٥٧، \"المذكر والمؤنث\" لابن الأنباري: ١/ ٢٠٣، \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٤٨ب، \"المحرر الوجيز\" ٣/ ١٠٧، \"تفسير القرطبي\" ١١/ ٧٩، \"الدر المصون\" ٣/ ١٦٢. وورد غير منسوب في \"الزاهر\" ٢/ ٥٨٢. وروايته في الديوان: (فبئس ..)، وفي \"الزاهر\" (.. فما أغني لدي كل مشهد)، وفي \"المذكر والمؤنث\" (.. فما أغني لدي كل محضر). قال الشاعر هذا البيت ضمن أبيات في وقْعَةٍ دارت في موضع يُسمَّى (فَيْفَ الريح)، وقد ذهبت عَيْنُه في هذه المعركة، فاجتمع له العَورُ والعُقْمُ، فيقول هنا: إنه بئس الفتى إن كان يجمع إلى العور والعقم، الجُبنَ، والمهابَةَ من العدو، حيث لا يُعذَر بعدها.\n(٢) في \"معاني القرآن\" له ١/ ٤٠٨، نقله عنه بنصه.\n(٣) في (ب): (عاقر).\n(٤) أي مما جاءت النسبة فيه على صيغة (فاعل)، مثل: تامِر، ولا بِن، وحائِك، وكاسٍ؛ بمعنى: صاحب تمْرٍ، وصاحب لبنٍ، وصاحب حياكة، وصاحب كساء. فعاقر، بمعنى: ذات عُقْر.\n(٥) في (ج): (اسما)، وفي (د): (اسم).\n(٦) في (أ)، (ب): (طريقة)، والمثبت من: (ج)، (د)، ومن \"معاني القرآن\" للزجاج؛ لأن (طريقة) من: (طَرَقَ) وليست من. (طَرُقَ)، كما أن (طريقة) تأتي على (مفعولة) بمعنى (مطروقة).\n(٧) في (أ): (عُقَر). وفي بقية النسخ، مهملة من الشكل. وما أثبَتُّه هو ما استصوبته. والعُقْر: العُقْم. يقول السمين الحلبي بعد أن نقل كلام الزجاج السابق: (وهذا نصٌّ من أن الفعل =","vol":"5","page":237},{"text":"و(رجالٌ ونساءٌ عُقُرٌ) (١) وفي الحديث: (عُجُزٌ عُقُرٌ) (٢).\nويقال: (أعقَر اللهُ [رحِمَها]) (٣)، فهي (مُعْقَرَةٌ). و(رملٌ (٤) عاقِر): لا يُنبِت شيئًا (٥).\n_________\n= المسند للمرأة، لا يقال فيه إلّا (عقرت) بضمِّ القاف، إذ لو جاز فتحها أو كسرها لجاز منها (فاعِل) من غير تأويل على النسب). \"الدر المصون\" ٣/ ١٦٢. ولكن ورد في \"اللسان\" (وقد عَقُرَت المرأة عَقارةً، وعِقارة، وعَقَرت تَعْقِر عَقْرا، وعُقْرا، وعَقِرت عَقارًا، وهي عاقر) ٥/ ٣٠٣٣ (عقر). وعليه فإنه يصح أن يأتي منها صفة مشبهة باسم الفاعل.\n(١) عقر: ساقطة من (ج). و(عُقُر)، و(عُقَّر) و(عواقر)، جمع: عاقر. انظر العين: ١/ ١٥٠، \"النهاية في \"غريب الحديث\" ٣/ ١٨٦، \"اللسان\" ٥/ ٣٠٣٣ (عقر).\n(٢) العُجُز: جمع (عَجوز). ولم أهتد إلى مصدر الحديث بهذا اللفظ في كتب السنة. وقد أورده الخليل في: \"كتاب العين\" ١/ ١٥٠، وقال: وفي الحديث: \"عُجْزٌ عُقُرٌ\" بتسكين العَيْن في (عجز)، وورد في \"النهاية في \"غريب الحديث\" ٣/ ١٨٦، بلفظ: \"إيَّاكم والعُجُز والعُقُر\"، ولم يخرِّجه. وقد وقفت على حديث آخر قريب من معنى هذا الحديث، وهو: عن عياض بن غنم الفهري، عن النبي - ﷺ -، قال: \"يا عياض لا تَزَوَجَّن عجوزًا ولا عاقرا، فإني مكاثر بكم الأمم\". أخرجه الحاكم في \"المستدرك\" ٣/ ٢٩٠ - ٢٩١. كتاب معرفة الصحابة، وصححه، وتعقبه الذهبي بأن في سنده معاوية بن يحيى الصدفي، وهو ضعيف، وأخرجه الطبراني في \"المعجم الكبير\" ١٧/ ٣٦٨ رقم (١٠٠٨). قال الهيثمي: (وفيه معاوية بن يحيى الصدفي، وهو ضعيف) \"مجمع الزوائد\" ٤/ ٢٥٨، وأورده ابن حجر في \"الإصابة\" ٣/ ٥٠ وضعَّفه؛ لأن في سنده عمرو بن الوليد الأغضف، وزاد نسبة إخراجه لأبي نعيم، وأورده ابن حجر الهيثمي المكي في كتاب \"الإفصاح\" عن أحاديث النكاح): ١٦٠.\n(٣) ما بين المعقوفين غير مقروء في: (أ)، وفي (ب): (امرأته)، والمثبت من: (ج)، (د)، ومن \"اللسان\" ٥/ ٣٠٣٤ (عقر). والعبارة في (ج): (أعقرها الله رحمها)، وفي (د): (أعقر رحمها).\n(٤) في (ج): (ورجل).\n(٥) انظر: \"اللسان\" (عقر) ٥/ ٣٠٣٤.","vol":"5","page":238},{"text":"وذَكر (١) زكريا ﵇ عُقْرَ زوجته مع كِبَر نفسه؛ لزيادة ترجيحٍ في الاستبعاد، فلمَّا استفهم عن (٢) كيفيَّة حال الولادة؛ قيل له: ﴿كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾؛ أي: مثل ذلك من الأمر، وهو: هبة الله الولدَ على الكِبَر، يفعل الله (٣) الذي يشاؤه، فسبحان من لا يعجزه شيء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-545>٤١ </span>- قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً﴾ قال المفسرون: إنَّ زكريا ﵇ لمَّا بُشِّر بالولد، سأل الله تعالى علامةً يعرف بها وقت حمل امرأته؛ ليزيد في العبادة؛ شكرًا (٤) على هبة الولد (٥)، فقال الله تعالى: ﴿آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾. أي (٦): علامة ذلك أن تمسك (٧) لسانك عن الكلام، وأنت صحيح سَوِيٌ، لأنه قال في موضع آخر: ﴿أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾ [مريم: ١٠]؛ أي: وأنت سَوِي.\n_________\n(١) في (ج): (وذكرنا).\n(٢) في (أ): غير مقروء، وفي (ب): (استبعد من). والمثبت من: (ج)، (د).\n(٣) (الله): ليس في: (ج).\n(٤) في (ب): (ذكرا).\n(٥) انظر: \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٤٩ أ، \"تفسير البغوي\" ٢/ ٣٦، \"زاد المسير\" ١/ ٣٨٦.\n(٦) من قوله: (أي ..) إلى: (أي: وأنت سوي): نقله عن \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٤٠٩.\n(٧) في \"معاني القرآن\" للزجاج: (يُمْسَك لسانُك)، وهي الأصوب؛ لأن قوله بعدها: (وأنت صحيح سوي) لا تتناسب مع فعل (تمسك)، المبني للمعلوم، كما أن الآثار بعدها تدل على ذلك، وكذلك ما رواه الحاكم عن ابن عباس قال: (يُعتقَلُ لسانُك من غير مرض وأنت سوي) \"المستدرك\" ٢/ ٢٩١ كتاب التفسير. وصححه، ووافقه الذهبي. وروى عن نوف البكالي: (فختم على لسانه ثلاثة أيام ولياليهن، وهو صحيح لا يتكلم). المرجع السابق: ٢/ ٥٩١ كتاب التاريخ، وانظر: \"تفسير ابن كثير\" ١/ ٣٨٨.","vol":"5","page":239},{"text":"قال الحسنُ (١)، وقتادة (٢)، والربيع (٣): أُمسِك لسانُه ثلاثةَ أيام، فلم يقدر أن يكلم الناس إلاَّ إيماءً، وجعل ذلك علامةَ حملِ امرأتِه.\nو(الرَّمْزُ): الإيماء بالشَّفَتين، والحاجِبَيْن، والعينين؛ يقال: (رَمَزَ، يَرمُزُ، وَيرْمِزُ)، ومنه قيل للفاجرة: (رامِزَةٌ)، و(رمَّازَةٌ) (٤)؛ لأنها تَرمُز وتُومِئ (٥)، ومنه الحديث: أنه (نهى عن كسب الرَّمَّازة) (٦).\n_________\n(١) لم أقف على مصدر قوله.\n(٢) قوله في \"تفسير عبد الرزاق\" ١/ ١٢، \"تفسير الطبري\" ٣/ ٢٥٩، \"تفسير ابن أبي حاتم\" ٢/ ٦٤٦، \"تفسير البغوي\" ٢/ ٣٤، وأورده السيوطي في \"الدر\" ٢/ ٤٠، ونسب إخراجه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.\n(٣) قوله، في \"تفسير الطبري\" ٣/ ٢٥٩، \"المحرر الوجيز\" ٣/ ١٠٨.\n(٤) (ورمازة): ساقطة من (د).\n(٥) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء: ١/ ٢١٣، \"تأويل مشكل القرآن\" ٤٨٩، \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٤٠٩، \"تفسير الطبري\" ٣/ ٢٦٠، \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٤٦٧ (رمز)، \"الصحاح\" ٣/ ٨٨٠ (رمز).\n(٦) الحديث ورد بلفظ آخر، أخرجه البيهقي في \"السنن\" ٦/ ١٢٦. ولفظه عنده: (عن أبي هريرة - ﵁ - قال: نهى رسول الله - ﷺ - عن ثمن الكلب، ومهر الزَّمّارة). وأخرجه البغوي في \"شرح السنة\" ٨/ ٢٢ - ٢٣ رقم (٢٠٣٨)، عن أبي هريرة بنحوه إلا أنه فيه (.. وكسب الزمّارة). وأخرجه أبو عبيد في \"غريب الحديث\" ١/ ٢٠٤ بنحوه وذكر محقِّقُ الكتاب في الهامش سندَ الحديث، من نسخة أخرى لكتاب \"الغريب\". وأورده اليزيدي في \"ما اتفق لفظه واختلف معناه\": ١٥٥، والأزهري في \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٤٦٨ (زمر)، وابن الأثير في \"النهاية في غريب الحديث\" ٢٠/ ٣١٢. وفي كل المصادر السابقة ورد (الزَّمّارة) بدلا من: الرَّمّازة). وأشار البغوي، وأبو عبيد، وابن الأثير، والأزهري إلى أن الحديث رواه البعض بلفظ: (الرمّازة). وقال أبو عبيد: (قال الحجاج: (الزمّارة): الزانية .. وقال بعضهم: (الرمّازة). وهو عندي خطأ في هذا الموضع. =","vol":"5","page":240},{"text":"قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا﴾. إن (١) قيل: إذا مُنع من (٢) الكلام، واضطُرَّ إلى الإشارة، كيف يقدر على التسبيح؟ قيل (٣): إنَّ الله تعالى حبس لسانه عن التَّكلم بأمور (٤) الدنيا، وما يدور بين الناس، ولم يُحبس لسانه عن التسبيح. فكانت هذه أبلغ في الأعجوبة من أن يُمنع من (٥) كلِّ ما يجري\n_________\n= أما (الرَّمَازة) في حديث آخر؛ وذلك أن معناها مأخوذ من (الرَّمْز)، وهي التي تومئ بشفتيها أو عينيها، فأي كسب لها ههنا ينهى عنه؟ ولا وجه للحديث إلا ما قال الحجاج: (الزمارة). وعقب ابنُ قتيبة على هذا الكلام بقوله: (الصواب (الرَّمازة)؛ لأن من شأن البَغِيَّ أن ترمز بعينها أو حاجبها). \"تهذيب اللغة\" ١٣/ ٢٠٧. وصوب الأزهريُّ قول أبي عبيد، وكذا قال البغوي: (والأصح تقديم الزاي). \"شرح السنة\": ٨/ ٢٣. ومن الناحية اللغوية، فإن (الزمارة) و(الرمازة) كلامها هنا بمعنى الفاجرة، إلا أن (الزَّمّارة) يُحتمل أن تكون كذلك بمعنى المرأة المُغَنِّيَة. انظر: \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٤٦٧، ١٥٥٥ (رمز، زمر)، وانظر قول ابن قتيبة في هامش \"غريب الحديث\" لأبي عبيد ١/ ٣٤٢ نقله المحقق عن كتابه \"إصلاح الغلط\" مخطوط: ص ٣، فقد أسهب في بيان هذا المعنى.\nوورد الحديث بلفظ: (الزمارة) في كتاب \"أحاديث ذم الغناء في الميزان\" لعبد الله الجديع: ٥٠ - ٥١ وعزا تخريجه للمحاملي في \"الأمالي\" وابن عدي، وابن طاهر في: كتاب السماع. وأورده في ص: ١٥٥ بلفظ: (أخبث الكسب كسب الزمارة)، وعزا إخراجه لابن أبي الدنيا في: \"ذم الملاهي\". وذكر الجديعُ إسنادَه، وحكم عليه بأنه ضعيف جدًّا.\n(١) في (ج): (أي).\n(٢) (من): ساقطة من: (ب).\n(٣) في (ج)، (د) (فيقال).\n(٤) في (ب): (بكلام).\n(٥) في (د): (عن).","vol":"5","page":241},{"text":"به اللسانُ (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾ أي: صَلِّ لله تعالى. والصلاة تُسَمَّى تسبيحا (٢)، لأن الصلاة يُوَحَّد فيها الله تعالى، وُينَزَّه، ويُوصف بكلِّ ما يُبَرِّئه من السوء (٣).\nو(العَشيُّ): آخر النهار، جمع (عَشِيَّة) (٤). و(الإبكار) مصدر: (أَبْكَرَ:\n_________\n(١) انظر: \"تفسير الفخر الرازي\" ٨/ ٤٤، ٢١/ ١٩١، \"غرائب القرآن\" ٣/ ١٨٥، \"أضواء البيان\" ١/ ٣٤١.\n(٢) في (ج)، (د): (سبحة).\n(٣) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٤٠٩، فقد نقل عنه المؤلفُ بعض العبارات في تفسيرالتسبيح.\nقال الراغبُ: (والتسبيح تنزيه الله تعالى. وأصله: المرُّ السريع في عبادة الله تعالى .. وجُعِل التسبيح عامًّا في العبادات، قولًا كان، أو فعلًا، أو نِيَّة). \"مفردات ألفاظ القرآن\" ٣٩٢ (سبح). وتفسير التسبيح هنا بالصلاة، قال به مجاهد، ومقاتل. انظر: \"تفسير ابن أبي حاتم\" ٢/ ٦٤٦، \"زاد المسير\" ١/ ٣٨٦.\n(٤) قال الخليل: (العَشيُّ: آخر النهار. فإذا قلت: (عَشيَّة) فهي ليوم واحد، تقول: (لقيته عَشِيَّة يوم كذا)، و(عشِيَّة من العشيَّات\". كتاب \"العين\": ٢/ ١٨٨ (عشى). وفي \"القاموس\" (والعشيُّ، والعَشيَّة: آخر النهار، والجمع: عَشايا، وعَشِيَّات) ص ١٣١١ (عشا). وعند الراغب: أنَّ العشي من زوال الشمس إلى الصباح. وعند الطبري: أن العشي من زوال الشمس إلى المغيب. وقال السمين الحلبي عن هذا القول: (هو المعروف). وعند الجوهري: أن العشي (من صلاة المغرب إلى العتمة، تقول: أتيته عشيَّ أمس، وعشيَّة أمس). انظر: \"تفسير الطبري\" ٣/ ٢٦٢، \"الصحاح\" للجوهري ٦/ ٢٤٢٦ (عشا)، \"مفردات ألفاظ القرآن\" للراغب ٥٦٧ (عشا)، \"الدر المصون\" ٣/ ١٦٧، \"تاج العروس\" ١٩/ ٦٧٧ (عشا).","vol":"5","page":242},{"text":"إذا صار في وقت البُكرة (١)، أو سار (٢) فيه، ومثله: (بَكَر)،و(ابتَكَر) (٣)، و(بَكَّر)، قال عمر بن (٤) أبي ربيعة:\nأمِنْ آل نُعْمٍ أنت غادٍ (٥) فَمُبْكِرُ (٦)\nوقال أيضًا:\nأيُّها الرائِحُ المُجِدُّ ابتكارا (٧)\n_________\n(١) البكرة: هي أول النهار. انظر: \"عمدة الحفاظ\" للحلبي ٥٩ (بكر) وقال: (وقد اشتُق منها لفظ الفعل، فقيل: (بكر فلان في حاجته)؛ أي: خرج بُكرَة والبُكور: الخروج بُكرة، والبَكور بالفتح: المبالغ في البكور. ولتَقَدُّمِها على سائر أوقات النهار؛ استعمل منها كلّ متعجل، وإن لم يكن في ذلك الوقت، فقيل: بَكر فلان في حاجته، وابتكر، وباكر مُباكرةً).\n(٢) في (ب): (صار).\n(٣) في (د): (فابتكر).\n(٤) في (د): (عمرو ابن).\n(٥) في (أ)، (ب): (حا)، في (د): (عاد). والمثبت من: (ج) لموافقته للديوان، وبقية المصادر.\n(٦) في (ج): (فمنكر)، وفي (د): (فمسكر). البيت في: \"ديوانه\" ٩٢. وورد في \"تفسير الطبري\" ٣/ ٢٦٢، \"المحرر الوجيز\" ٣/ ١١١. وتمامه:\nغَداةَ غدٍ أمْ رائحٌ فَمُهَجِّرُ\nو(نُعْم): امرأة من قريش من بني جمَح. و(غادٍ)؛ أي: سائر في وقت الغَداة، وهو ما بين صلاة الفجر وطلوع الشمس، وأراد أول النهار. و(مُبْكِر)، من (التبكير)، وهو: الخروج بُكرةً، وهو: أول النهار. و(مُهَجِّرُ)، من التهجيِر؛ أي: السير في وقت الهاجرة، وهو: نصف النهار، عند زوال الشمس، حال اشتداد الحرِّ. انظر: \"القاموس\" ص ٣٥٢ (بكر)، ص ١٣١٧ (غدو)، ص ٤٩٥ (هجر).\n(٧) من الشعر المنسوب لعمر بن أبي ربيعة. انظر: \"ديوانه\" ٤٩٣ وتمامه:\nقَدْ قَضى مِن تِهامة الأوطارا","vol":"5","page":243},{"text":"وقال زُهير:\nبَكَرَنَ بُكورًا واسْتحَرْنَ بِسُحْرةٍ (١)\nو(باكرت الشيء): إذا بكَّرت له، قال لَبيد:\n[باكرْتُ حاجَتَها الدجاجَ بسُحرةٍ (٢)\nهذا معنى (الإبكار)، ثمَّ يُسَمَّى ما بين طُلوعِ] (٣) الفجر إلى الضحى:\nإبكارًا، كما يُسَمَّى: إصباحًا (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-546>٤٢ </span>- قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ﴾. هذا عطف على قوله: ﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ﴾ (٥)، وذكرنا العامل في ﴿إذْ﴾ هناك. وأراد\n_________\n(١) في (أ): حرة (بدلا من بسحرة)، والمثبت من بقية النسخ، ومن \"ديوانه\": ص ١٠، وقد سبق ورود البيت عند قوله تعالى: ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾ [آل عمران: ١٧].\n(٢) (باكرت حاجتها الدجاج بسحرة): ساقط من (د). وهذا شطر بيت، وتمامه:\nلأُعِلَّ منها حين هبَّ نيامُها\nوهو في: \"ديوانه\": ٣١٥. وقد ورد البيت منسوبا له، في \"شرح القصائد السبع\" لابن الأنباري ٥٧٧، \"تهذيب اللغة\" ١/ ٣٧٦ (بكر)، \"شرح القصائد العشر\" للتبريزي ١٦٣، \"شرح المعلقات السبع\" للزوزني: ٢٤٤، \"اللسان\" ٣/ ١٣٢٨ (دجج)، ١/ ٣٣٢ (بكر)، ٣/ ١٨٧٩ (زهف). وروايته في \"الديوان\": (بادرت حاجتها)، ويروى: (بادرت لذتها)، و(أن يهب نيامها).\nقال الأزهري في معناه: (أي: بادرت صقيع الديك سحرًا إلى حاجتي)، أي: حاجتي في الخمر، وأضاف الحاجة إلى الخمر اتِّساعًا؛ أي: بادرت بشربها صياح الدَّيَكة. و(لأعِلَّ منها)؛ أي: أشرب مرَّة بعد مرَّة، من (العَلَل)، وهو: الشرب مرَّة ثانية. و(حين هبَّ نيامها)؛ أي: وقت استيقاظ النيام بالسَّحَرِ، يعني: أنه ذهب بليل.\n(٣) ما بين المعقوفين زيادة من: (ج)، (د).\n(٤) انظر المعاني السابقة، في \"تفسير الطبري\" ٣/ ٢٦٢، \"اللسان\" ١/ ٣٣٢.\n(٥) فيكون العامل في ﴿إِذْ﴾، هو: ﴿سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ من آية ٣٤، وإليه ذهب الطبري في \"تفسيره\" ٣/ ٢٦٣. =","vol":"5","page":244},{"text":"بـ ﴿الْمَلَائِكَةِ﴾: جبريل وحده كما ذكرنا (١). وهذا كقوله: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ﴾ [النحل: ٢]، يعني: جبريل وحده (٢).\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ﴾. أي: بما لطف لكِ [حتى] (٣) انقطعتِ إلى طاعته، وصرت متوفرة (٤) على اتباع مرضاته.\n﴿وَطَهَّرَكِ﴾. قال ابن عباس (٥): أي: من ملامسة الرجال. وقيل: من الحيض، والنفاس، كانت مريم لا تحيض (٦). ﴿وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾.\nقال الأكثرون (٧):\n_________\n= وقيل العامل فيها: فعلٌ مُضْمَرٌ تقديره: (واذكر) ورجَّح هذا ابن عطية. انظر: \"المحرر الوجيز\" ٣/ ١١٢، \"التبيان\" للعكبري ص ١٨٨.\n(١) (ذكرنا): ساقط من (د)، وانظر تفسير قوله تعالى: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ﴾ من آية ٣٩ من سورة آل عمران.\n(٢) وهذا قول ابن عباس -﵁-، كما في \"المحرر الوجيز\" ٨/ ٣٦٧، \"غرائب القرآن\" ٣/ ١٩٠، \"تفسير أبي السعود\" ٥/ ٩٥.\n(٣) ما بين المعقوفين زيادة من: (ج)، (د).\n(٤) في (ب): (متفرغة).\n(٥) لم أهتد إلى مصدر قوله، وهو مذكور في \"زاد المسير\" ١/ ٣٨٧.\n(٦) هذا قول السدي، وعكرمة، وهو في \"تفسير ابن أبي حاتم\" ٢/ ٦٤٧، \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٤٩ب. وفي \"زاد المسير\" ١/ ٣٨٧ أنه قولٌ لابن عباس. وقال مجاهد: (جعلك طيبة إيمانًا)؛ أي: طهَّرَ دينك من الرّيَب والدَّنَسِ. انظر: \"تفسير مجاهد\" ١/ ١٢٧، \"تفسير الطبري\" ٣/ ٢٦٤، \"تفسير ابن أبي حاتم\" ٢/ ٦٤٧، وأورده السيوطي في \"الدر\" ٢/ ٤٢ وعزا إخراجه كذلك لعبد بن حميد، وابن المنذر. قال الآلوسي: (والأوْلى: الحمْلُ على العموم؛ أي: طهَّرك من الأقذار الحسِّيَّة والمعنوية والقَلْبِيَّة والقالبية). \"روح المعاني\" ٣/ ١٥٥.\n(٧) ممن قال بذلك ابن عباس، والحسن، وابن جريج، والسدِّي، واختاره ابن جرير في \"تفسيره\" ٣/ ٢٦٢، وانظر: \"تفسيره\" كذلك ٣/ ٢٦٣، \"زاد المسير\" ١/ ٣٨٧،=","vol":"5","page":245},{"text":"معناه: على عالَمي زمانها؛ بأن فضلت عليهن (١).\nقال أبو إسحاق (٢): وجائز أن يكون على نساء العالمين كلِّهم؛ لأنه ليس في النساء امرأة وَلَدت من غير أبٍ (٣) غير مريم؛ ولأنها (٤) قُبِلت في التحرير للمسجد (٥)، ولم يكن التحرير في الإناث، فهي مختارة على النسوان كلِّهنَّ، بما لها من الخصائص (٦). وكرَّر الاصطفاء (٧)، لأن كلا (٨) الاصطفائين مختلفٌ (٩) معناهما: فالاصطفاء الأول: عمومٌ يدخل فيه صوالحُ النساء، والثاني: اصطفاء بما اختُصَّت به من خصائصها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-547>٤٣ </span>- قوله تعالى: ﴿يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ﴾. ذكرنا معنى القنوت فيما تقدم (١٠). قال مجاهد: معناه: أطيلي القيام في الصلاة (١١).\n_________\n= وقال: (قال ابن الأنباري: وهذا قول الأكثرين)، وقال الشوكاني عن هذا القول: (وهذا هو الحق). \"فتح القدير\" ١/ ٥١٠.\n(١) في (ج): (عليهم).\n(٢) في \"معاني القرآن\" له ١/ ٤١٠.\n(٣) في (د) شطب على كلمة (أب) وكتب عليها: (زوج). وُيراد هنا: أنها ولدت عيسى من غير أبٍ.\n(٤) في (ج): (لأنها).\n(٥) في (ج)، (د): (في التحرير للمسجد).\n(٦) وقد رجَّح هذا الفخر الرازي في \"تفسيره\" ٨/ ٤٨، والقرطبي في \"تفسيره\" ٤/ ٨٢.\n(٧) في (د): (وذكر الاصطفاء عموم).\n(٨) في (أ)، (ب)، (د): (كلي)، والمثبت من: (ج) ومن \"الدر المصون\" ٣/ ١٧٠ حيث نقل عبارة الواحدي.\n(٩) في (ج)، (د): (يختلف).\n(١٠) انظر تفسير آية:١١٦، ٢٣٨ من سورة البقرة، و١٧ من سورة آل عمران.\n(١١) قوله، في \"تفسير الطبري\" ٣/ ٢٦٥، ولكن لفظه: (قال: أطيلي الرُّكود؛ يعني:=","vol":"5","page":246},{"text":"وقال ابن عباس: يريد: قومي للصلاة بين يدي ربِّكِ (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَاسْجُدِي وَارْكَعِي﴾. يقال: لم قدَّم الأمرَ بالسجود على الركوع، وهو قبل السجود؟ قيل: (الواو) عند النحويين للجمع لا للترتيب (٢)، وليس فيه دليل على المبدوء به.\n_________\n= القنوت). وأورد الأثر عنه السيوطي في \"الدر\" ٢/ ١٩٥ ونسب إخراجه كذلك إلى عبد بن حميد. ومعنى الرُّكود: السكون والثبات. انظر: \"القاموس المحيط\" ٢٨٣ (ركد). وعند الطبري، عن الربيع: (قال القنوت: الركود. يقول: قومي لربك في الصلاة، يقول: اركدي لربك؛ أي انتصبي له في الصلاة) \"تفسير الطبري\" ٣/ ٢٦٥، وكذا رواه الربيع عن أبي العالية كما في \"تفسير ابن أبي حاتم\" ٢/ ٦٤٨. وقال ابن عطية: (معناه: أطيلي القيام في الصلاة وهذا هو قول الجمهور .. وبه قال مجاهد وابن جريج والربيع). \"المحرر الوجيز\" ٣/ ١١٥.\n(١) الذي وقفت عليه عن ابن عباس، قوله في الآية: (يعني: صلِّي لربِك) من رواية إسحاق بن بشر، وابن عساكر، أوردها السيوطي في \"الدر\" ٢/ ٤٣. وقد ورد عن سعيد بن جبير في معنى ﴿اقْنُتِي﴾: قوله: (أخلصي لربك). وعن قتادة، والسدِّي، وابن زيد: (أطيعي ربَّكِ)، وعن الحسن: (اعبدي ربكِ). انظر: \"تفسير الطبري\" ٣/ ٢٦٥، \"زاد المسير\" ١/ ٣٨٧. وقد جمع بينهما الطبري، فقال: (فتأويل الآية، إذًا: يا مريم أخلصي عبادةَ ربِّكِ لوجهه خالصًا، واخشعي لطاعته وعبادته مع من خشع له مِن خلقه؛ شكرًا له على ما أَكرَمَكِ به من الاصطفاء والتطهير من الأدناس، والتفضيل على نساء عالَم دهرِكِ) تفسيره: ٣/ ٢٦٦. وانظر ما سبق من تعليق على قوله تعالى: ﴿وَالْقَانِتِينَ﴾ في آية ١٧.\n(٢) هذا هو مذهب جمهور النحويين وأئمة الأصول والفقه. وذهب آخرون إلى إفادتها للترتيب، ومن هؤلاء: قطرب (ت: ٢٠٩ هـ)، وهشام بن معاوية الضرير (ت: ٢٠٩ هـ)، وأبو جعفر الدينوري (ت: ٢٨٩ هـ)، والرَّبعي (ت: ٤٢٠ هـ)، وقد عزاه بعض المؤلفين إلى الإمام الشافعي. إلا أن صلاح الدين العلائي قال: (والحق أن ذلك ليس قولًا له، بل هو وجه في المذهب، قال به جماعة من الأصحاب). \"الفصول المفيدة في الواو المزيدة\" للعلائي ٦٩. انظر بيان هذا الأمر في =","vol":"5","page":247},{"text":"قال أبو الفتح الموصلي (١):\nواوُ العطفِ (٢)، ليس فيها دليل على المبدوء به في المعنى؛ لأنها ليست مُرَتِّبةً، يدلُّ على ذلك قولُ لَبيد:\nأُغْلي السِّباءَ (٣) بكلِّ أدكنَ عاتقٍ (٤) ... أو جَوْنَةٍ قُدِحتْ وفُضَّ خِتامُها (٥).\n_________\n= \"المقتضب\" للمبرد ١/ ١٠، \"الكامل\" له ٢/ ١٨، ٣/ ١٨٥، \"الأصول في النحو\" لابن السراج: ٢/ ٥٥، وكتاب \"المعاني الحروف\" للرماني ٦٠٥٩، \"البسيط في شرح جمل الزجاجي\" ٣٣٤ - ٣٣٥، \"رصف المباني\" ٤٧٤ - ٤٧٥، \"ارتشاف الضرب\" لأبي حيان: ٢/ ٦٣٣، \"الجنى الداني\" للمرادي: ١٦٠١٥٨، \"مغني اللبيب\" ٤٦٣ - ٤٦٤، \"البرهان\" للزركشي ٤/ ٤٣٦، \"همع الهوامع\" ٢/ ١٢٩.\n(١) في \"سر صناعة الإعراب\" ٦٣٢، نقله عنه باختصار وتصرف. وأبو الفتح الموصلي، هو: عثمان بن جِنِّي. من أئمة النحو والأدب والتصريف، تتلمذ على أبي علي الفارسي وصحبه أربعين سنة، استوطن بغداد، ودرّس بها إلى أن مات، من كتبه \"الخصائص\"، \"المنصف\" وغيرها. توفي ببغداد سنة (٣٩٢ هـ). انظر: \"نزهة الألباء\" ٢٤٤، \"إنباه الرواة\" ٢/ ٣٣٥، \"معجم الأدباء\" ٣/ ٤٦١.\n(٢) في (ج): (الفتح).\n(٣) في (أ)، (ب): (أعلى السب). (ج): (أعلى النسا). والمثبت من: (د)، ومن \"سر صناعة الإعراب\" والديوان.\n(٤) في (ج): (عايق).\n(٥) البيت في: \"ديوان لبيد\" ٣١٤. وقد ورد في \"سر صناعة الإعراب\" ٦٣٢، \"شرح القصائد العشر\" للتبريزي ١٦٢، \"شرح المفصل\" ٨/ ٩٢، \"شرح المعلقات السبع\" للزوزني ص١٠٩، \"رصف المباني\" ٤٧٤، \" الفصول المفيدة\" للعلائي ٧٧، \"اللسان\" ٦/ ٣٥٤٥٢ (قدح)، ٥/ ٢٨٠٠ (عتق)، ٣/ ١٤٠٦ (دكن).\nومعنى قوله: (السِّباء): شراء الخمر، من: (سَبَأ الخمرَ): إذا اشتراها للشرب. ومعنى قوله: (أغْلِي)؛ أي: أشتريها غالية. =","vol":"5","page":248},{"text":"وإنما يُفتح ويفض: الختم قبل الغَرْف (١)، فقد علمت أن (قُدِحت) مُقَدَّم في اللفظ، مُؤَخَّرٌ في المعنى، كذلك ههنا بدأ بالسجود لفظًا، وهو مؤَخَّرٌ معنى، والكلام في هذه المسألة يُذكر (٢) عند قوله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا﴾ [المائدة: ٦] الآية.\nقال (٣) ابن الأنباري (٤): أمَرها أمرًا عامًا، وحضَّها على أفعال الخير، فكأنه قال: استعملي السجود في حال، واستعملي الركوع في حال، ولم يذهب إلى أنهما يجتمعان، ثمَّ يُقدَّم السجودُ على الركوع؛ بل أراد العموم بالأمر على اختلاف الحالين (٥).\nوقوله تعالى: ﴿مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾. ولم يقل مع الراكعات؛ لأن الراكعين\n_________\n= وقوله: (أدْكَنَ عاتِقٍ): العاتق: زِقُّ الخمر الواسع. والأدْكَن: الأغبر اللون بين الحمْرَةِ والسَّوادِ، أو أراد: بكلِّ أدكنَ عاتقٍ خمرُهُ التي فيه.\nو(الجَوْنَة): الزِّقُّ الأسود المَطْلِيُّ بالقار.\nوقوله: (قُدِحت): (غُرِفَت).\nوقوله: (فُضَّ ختامُها)؛ أي: كُسِرَ خاتَمُها، وهو الطينُ الذي خُتِمَ به فوهُها. والشاهد فيه قوله: (قُدِحت وفُضَّ ختامُها)، على أنَّ واو العطف هنا لا تعني ترتيب الفضّ بعد القدح وهو الغرف، حيث إنها تُفَضُّ أولًا ثمَّ تُغرَف.\n(١) في (ج): (الغرق).\n(٢) في (ب): (نذكر). وفي (ج): (نذكره).\n(٣) في (ج)، (د): (وقال).\n(٤) لم أهتد إلى مصدر قوله. وقد أورده ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ١/ ٣٨٨.\n(٥) وقال أبو سليمان الدمشقي: إنه كذلك كان في شريعتهم، يُقدَّمُ السجود على الركوع. ويرى الفخر الرازي أنه قُدِّم لرتبته وفضيلته؛ حيث إنَّ غاية قرب العبد من الله أن يكون ساجدًّا. انظر: \"زاد المسير\" ١/ ٣٨٨، \"تفسير الفخر الرازي\" ٤/ ٤٨.","vol":"5","page":249},{"text":"أعمُّ؛ لوقوعه على الرجال والنساء إذا اجتمعوا، والراكعات يختصُّ بالنساء، فكان (١) الأعم أولى.\nومعنى قوله: ﴿مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ أي: افعلي كفعلهم. وقيل: المراد به: الصلاة في الجماعة (٢).\nقال المفسرون (٣): كلَّمت الملائكةُ بهذا مريَم شفاها، فقامت مريمُ في الصلاة حتى ورمت قدماها، وسالتا دمًا، وقيحًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-548>٤٤ </span>- قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ﴾. أشار إلى ما قصَّ من حديث زكريا، ومريم، ويحيى.\nوقوله تعالى: ﴿نُوحِيهِ إِلَيْكَ﴾ [أي] (٤): نلقيه إليكَ (٥). و(الإيحاء) في اللغة: إلقاء معنى الكلام إلى من تريد إعلامه؛ إما بإرسال رسول، أو بإلهام، أو بكتابة، أو بإشارة (٦). فمن الإرسال: قوله ﷿: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ﴾ (٧) [النساء: ١٦٣].\n_________\n(١) في (ج): (وكان).\n(٢) وهو قول ابن عباس ومقاتل. ولفظ ابن عباس: (مع المصلِّين، مع قرَّاء بيت المقدس). أورده السيوطي في \"الدر\" ٢/ ٤٣ - ٤٤ ونسب إخراجه لإسحاق بن بشر وابن عساكر. ولفظ مقاتل: (يعني مع المصلين في بيت المقدس). \"تفسير مقاتل\" ١/ ٢٧٦.\n(٣) هو قول ابن إسحاق، والأوزاعي. انظر: \"تفسير الطبري\" ٣/ ٢٦٥، \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٤٩ ب، \"تفسير القرطبي\" ٤/ ٨٤.\n(٤) ما بين المعقوفين زيادة من: (ج)، (د).\n(٥) (إليك): ساقطة من (د).\n(٦) انظر: \"مقاييس اللغة\": ٦/ ٩٣ (وحى)، \"اللسان\" ٨/ ٤٧٨٧ (وحى).\n(٧) في (ج) ورد بدلًا من هذه الآية، قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾.","vol":"5","page":250},{"text":"ومن الإلهام: قوله: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ [النحل: ٦٨]، وقوله: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ [القصص: ٧]، ومن الإشارة: قوله: ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا﴾ [مريم: ١١]، أي: أشار إليهم، وقوله: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ﴾ [الأنعام: ١٢١]، أي: يُلْقون إليهم بالوَسْوَسَة (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ﴾. الأقلام: جمع (القَلَم)، و(القَلَم) (٢) أصله من: (القَلْمِ)، وهو: قطع للطَّرَفِ (٣)، يقال منه: (قَلَمْتُ الظُفُرَ) (٤). والقَلَمُ: الذي يُكْتب به؛ بمعنى: مَقْلُوم؛ لأنه يُبْرى طرفُهُ. والقَلَمُ: القِدْحُ (٥)، لانه يُسَوَّى بأن يُقْطع طرفاه (٦).\n_________\n(١) جعل ابن قتيبة والثعلبي، وابن الجوزي (الإعلام بالوسوسة من الشيطان) وجهًا مستقلًّا من وجوه الوحي، وأوردوا هذه الآية دليلًا عليه، ويشهد لقولهم: أن الوحي لغة هو: إعلام في خفاء، كما أن إيحاء الجن والشياطين يكون عن طريق الوسوسة، كما قال تعالى: ﴿الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ﴾ [الناس: ٥]. أما مقاتل، وهارون بن موسى، وابن العماد فجعلوا هذه الآية شاهدا على أنَّ الوحي هنا يعني: الأمر.\nانظر: \"تأويل مشكل القرآن\" ٤٨٩ - ٤٩٠، \"الوجوه والنظائر\" لهارون بن موسى: ١٦٦. \"الزاهر\" ٢/ ٣٥٣، \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٨٥٢ (وحى)، \"الأشباه والنظائر\" للثعلبي: ٢٦٧، \"ونزهة الأعين النواظر\" لابن الجوزي: ٦٢٢، \"والوجوه والنظائر في القرآن\" د. القرعاوي: ٦٤٩ - ٦٥١.\n(٢) (والقلم): ساقطة من (ب).\n(٣) في (ب): (الظفر).\n(٤) ويقال كذلك: قَلَّمْتُ الظُفُر. انظر: \"القاموس\" ١١٥١ (قلم).\n(٥) القِدْح بالكسر: السهم قبل أن يُراش ويُنصل، والجمع: قِدَاح، وأقْدَاح، وأقْدُح، وأقاديح، وهي جمع الجمع. انظر: \"تاج العروس\" ٤/ ١٦٤ (قدح).\n(٦) انظر (قلم) في \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٣٠٣٧، \"مقاييس اللغة\" ٥/ ١٥.","vol":"5","page":251},{"text":"قال ابن عباس في رواية عطاء (١): هؤلاء كانوا جماعة من الأنبياء، اختلفوا واختصموا في مريم، كل واحد يقول: أنا أَوْلى بها، فقال زكريا: هي بنت عمِّي، وخالتها عندي. قالوا: فتعالوا حتى نَسْتَهِم (٢). فجمعوا سهامهم، ثم أَتَوا بها إلى العَيْنِ، وقالوا: اللَّهمَّ، مَنْ كان أَوْلى بها فَلْتقُم سَهْمُهُ، ويغرق (٣) البقيَّة. وأَلْقَوا سهامَهم، فارتَزَّ (٤) قلَمُ زكريا، وانحدرت (٥) أقلامُ الآخرين (٦)، فقرعهم زكريا (٧).\nوقال الزجَّاج (٨): هي قِداحٌ جعلوا عليها علامات، يعرفون بها مَنْ يَكْفل مريمَ على جهة القرعة.\n_________\n(١) لم أقف على مصدر هذه الرواية عنه.\n(٢) في (أ)، (ب): (فتغالوا حتى نسيتهم)، والمثبت من: (ج)، (د).\n(٣) في (ج): (وتغرق).\n(٤) في (ب): (فارتد). وفي (ج): (فأدبر). وفي (د) مكانها بياض.\n(٥) في (ب): (واتحدرت).\n(٦) في (ب): (الباقين).\n(٧) وقد وردت رواية قريبة من هذه الرواية عن ابن عباس، من طريق أبي مالك، وأبي صالح عنه، أخرجها البيهقي، وفيها: أنَّ هؤلاء المستهمين كانوا ممن يكتبون التوراة، ولم يرد فيها أنهم كانوا جماعة من الأنبياء. وورد فيها أنهم ألقوا أقلامهم التي يكتبون فيها في نهر الأردن، فجَرَت أقلامهم، وقام قلم زكريا كأنه مرتزُّ في طين. انظر: \"سنن البيهقي\": ١٠/ ٢٨٦ - ٢٨٧. كما ورد عن ابن عباس من طريق عطية العوفي، أنه: (اقترع عليها أهل المُصلَّى، وهم يكتبون الوحي، فاقترعوا بأقلامهم أيُّهم يكفلها). انظر: \"تفسير الطبري\" ٣/ ٢٦٨، \"تفسير ابن أبي حاتم\" ٢/ ٦٤٩.\n(٨) في \"معاني القرآن\" ١/ ٤١٠، نقله بنصه.","vol":"5","page":252},{"text":"وقوله تعالى: ﴿أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾. مختصر (١)؛ أي: لينظروا أيُّهم تجب له كفالة مريم (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-549>٤٥ </span>- قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ﴾ قال ابن عباس: يريد: جبريل (٣).\n﴿يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ﴾. يعني: عيسى، لأنه في ابتداء أمره كان كلِمَةً من الله ألقاها إلى مريم، ثمَّ كوَّن تلك الكلمة بَشَرًا. قال الحسنُ (٤)، وقتادةُ (٥): لأنه كان بكلمة الله [تعالى] (٦)، وهو: ﴿كُنْ﴾، ومعنى هذا: أنه أوجده بالكلمة، وكونه بها، وهي قوله: ﴿كُنْ﴾ من غير توليد من فَحْلٍ، أو تنسيل من ذَكَرٍ، وهو معنى قوله: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ﴾ [آل عمران: ٥٩]، ولم يُردْ -والله أعلم- أنَّ عيسى هو الكلمة نفسها، ألا تراه يقول: ﴿اسمُهُ المَسِيحُ﴾، ولو أراد الكلمة لقال (٧): (اسمها المسيح) (٨).\n_________\n(١) في (د): (مختص).\n(٢) نقله بنصه عن \"معاني القرآن\" للزجاج: ١/ ٤١١. وانظر: \"تفسير الطبري\" ٣/ ٢٦٩، \"معاني القرآن\" للنحاس ١/ ٤٠٠.\n(٣) لم أقف على مصدر قوله، وقد ورد في \"زاد المسير\" ٤/ ٤٢٨، \"غرائب القرآن\" ٣/ ١٩٠، ٤/ ٤٤، وانظر: \"المحرر الوجيز\" ٨/ ٣٦٧.\n(٤) لم أقف على مصدر قوله.\n(٥) قوله في \"تفسير الطبري\" ٣/ ٢٦٩ - ٢٧٠، وأورده ابن الجوزي في \"الزاد\" ١/ ٣٨٩.\n(٦) ما بين المعقوفين زيادة من: (ب).\n(٧) في (أ)، (ب): (يقال). والمثبت من: (ج)، (د).\n(٨) وهذا ما رجحه في \"تفسيره\" ٣/ ٢٧٠، ثم قال بعده: (ومعنى ذلك: أنَّ الله يبشِّركِ ببشْرى، ثم بيَّن عن البشرى أنها ولد اسمه المسيح).","vol":"5","page":253},{"text":"وقيل: إنما سمَّاه كلمةً؛ لأن الله تعالى بشَّر به في الكتب السالفة، فلمَّا أوجده سمَّاه كلمة، كما يقول الذي يُخْبِرُنا بأمر كائن -إذا وُجِدَ ذلك الأمر-: (قد جاء قولي (١) وكلامي)، وقيل: لأن الله ﷿ يهدي به كما يهدي (٢) بكلمته.\nوقيل: لأنه كان (يُكلِّم) (٣) عن الله تعالى فيُبشِّر، ويُنْذر (٤).\nوقوله تعالى: ﴿اسْمُهُ الْمَسِيحُ﴾. ذَكَر (٥) الكنايةَ (٦)؛ لأنه عنى بـ (الكلمة): عيسى، أو الولد، فرجعت الكناية إلى معنى الكلمة، لا إلى اللفظ.\nفإن قيل: كيف أخبر أن اسمه المسيح، وقدمه على اسمه المعروف، وهو: عيسى، وإنما لُقِّب بـ (المسيح) بعد نفاذ التسمية له بـ (عيسى)؟\nقيل: إنَّ الأسماء ألقاب عُلِّقت على المُسمَّيات؛ للفصل بين الأعيان فإذا عُلِّق الاسم على المولود في وقت ولادته، ثمَّ شُهر بعد عُلُوِّ سنِّه (٧) بلقب، كان اللقبُ أغلبَ عليه من الاسم، لأن من يعرفه به أكثر ممن يعرفه باسمه الحقيقي، فلهذه العلَّة قُدِّم المسيح على عيسى، ألا ترى أنَّ ألقاب\n_________\n(١) في (أ)، (ب): (في قولي). والمثبت من: (ج)، (د). وهو الصواب؛ لأن المؤلف يريد أنَّ الأمر الكائن المتحقق هو نفس الكلام والقول الذي قاله.\n(٢) كما يهدي: ساقط من (د).\n(٣) في (ج): (تكلم).\n(٤) لم أهتد إلى أصحاب الأقوال السابقة المصدر بقوله: (قيل)، ولا إلى مصادرها.\n(٥) (ذكر): ساقطة من (د).\n(٦) الكناية: الضمير.\n(٧) في (أ)، (ب): (سته). والمثبت من: (ج)، (د).","vol":"5","page":254},{"text":"الخلفاء أشهر وألزم لهم من أسمائهم (١).\nفأما معنى المسيح؛ فقال أبو عبيد (٢) والليث (٣): المسيح أصله بالعبرانية: [(مشيحا). فعرَّبته العربُ وغيرت لفظه، وكما قالوا (٤): موسى، وأصله: (موشى)، أو (ميشى) بالعبرانية] (٥)، فلمَّا أعربوه (٦) غيَّروه (٧)، فعلى هذا لا اشتقاق (٨) له، وأكثر العلماء على أنه مشتق.\nقال ابن عباس في رواية عطاء والضحاك (٩): وإنما (١٠) سُمِّيَ عيسى ﵇ مسيحًا؛ لأنه كان لا يمسح بيده ذا عاهة إلا برئ (١١).\nوقال أحمد بن يحيى (١٢): سمي مسيحًا؛ لأنه كان يمسح الأرض؛ أي: يقطعها.\nفعلى قول هؤلاء، هو: (فعيل) بمعنى: (فاعل)، وقيل: إنه (١٣)\n_________\n(١) نقل هذا القول ابن الجوزي في \"الزاد\" ١/ ٣٨٩، ونسبه لابن الأنباري.\n(٢) قوله في \"الزاهر\" ١/ ٤٩٣، \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٣٨٩ (مسح).\n(٣) قوله في \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٣٨٨ (مسح).\n(٤) في (د): (قال). والمثبت من (ج).\n(٥) ما بين المعقوفين زيادة من: (ج)، (د).\n(٦) في (ج)، (د): (عرُّبوه). ويجوز لغة: عربوه، وأعربوه. انظر: \"اللسان\" ٥/ ٢٨٦٥ (عرب).\n(٧) في (د): (وغيَّروه).\n(٨) في (ج): (الاشتقاق).\n(٩) ورد قوله هذا في \"الزاهر\" ١/ ٣٩٤، \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٣٨٨ (مسح)، \"تفسير البغوي\" ٢/ ٣٨، \"زاد المسير\" ١/ ٣٨٩، قال: (رواه الضحاك عن ابن عباس).\n(١٠) في (د): (إنما).\n(١١) في (ج): (برأ).\n(١٢) هو ثعلب، وقوله في \"الزاهر\" ١/ ٤٩٣، \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٣٨٨، \"زاد المسير\" ١/ ٣٨٩.\n(١٣) (إنه): ساقطة من (د).","vol":"5","page":255},{"text":"(فعيل) بمعنى: (مفعول) (١)، على أنه مُسِح من الأوزار، وطُهِّر (٢).\nوقيل: لأنه خرج من بطن أمِّه ممسوحًا بالدهن (٣).\nوقال الحسن (٤)، وسعيد (٥): لأنه مُسح بالبركة. وبهذا (٦) قال مِنْ (٧) أهل اللغة: شَمِر (٨). وقال ابن الأعرابي (٩)، وأبو الهيثم (١٠): المسيح بن مريم: الصدِّيق.\nقال أبو الهيثم (١١): وضدُّ الصديق: المسيحُ الدجال؛ أي: الضلِّيل، الكذاب؛ خلق الله المسيحين، أحدهما ضد الآخر، فكان (١٢) المسيح بن مريم يُبْرِئ الأَكْمَهَ، والأبْرَصَ (١٣)، ويحيى الموتى بإذن الله، وكذلك\n_________\n(١) في (أ) وردت عبارة مكرَّرة هي: (وقيل: إنه فعيل بمعنى فاعل).\n(٢) ممن قال بذلك الطبري في \"تفسيره\" ٣/ ٢٧٠ ونص قوله: (إنما هو ممسوح؛ يعني: مسحه الله فطهَّره من الذنوب؛ ولذلك قال إبراهيم: المسيح: الصدِّيق) فجعل الطبري من لوازم معنى الصدِّيق. ويعني بـ (إبراهيم)، هو: النخعي كما سيأتي معنا.\n(٣) قال ابن الجوزي عن هذا القول: (قاله أبو سليمان الدمشقي، وحكاه ابن القاسم). \"زاد المسير\" ١/ ٣٨٩.\n(٤) لم أقف على مصدر قوله، وهو مذكور في \"النكت والعيون\" ١/ ٣٩٤، \"زاد المسير\" ١/ ٣٨٩.\n(٥) \"تفسير الطبري\" ٣/ ٢٧٠، وذكره ابن الجوزي في \"الزاد\" ١/ ٣٨٩.\n(٦) في (ب): (بهذا).\n(٧) (من): ساقطة من (د).\n(٨) \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٣٨٩.\n(٩) في (د): الأعرابي. قوله، في \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٣٨٨٩ (مسح).\n(١٠) في (ج): أبو الهيثم، بدون واو العطف. وقوله في: المصدر السابق. وأبو الهيثم، هو خالد بن يزيد الرازي.\n(١١) قوله في \"التهذيب\" ٤/ ٣٤٨.\n(١٢) في (ج): (وكان).\n(١٣) الأكْمَه: هو الذي يولد أعمى. وقد يقال لمن لم تذهب عينه. انظر: \"معجم المفردات\" للراغب: ٤٥٩ (كمه).","vol":"5","page":256},{"text":"الدجال، يحيي الميتَ، ويميت الحيَّ، وينشئ السحائب (١) [وينبت] (٢) النبات، فهم المسيحان (٣): مسيح الهدى، ومسيح الضلالة.\nقال [المنذري] (٤): فقلت (٥) له: بلغني أن عيسى [﵇] (٦)، إنما سُمِّي مسيحًا، لأنه [مُسح بالبركة، وسُمِّيَ الدجال مسيحا؛ لأنه] (٧) ممسوح العين. فأنكره، وقال: إنما المسيح ضدَّ المسيح، يقال: مَسَحَه الله؛ أي: خلقه حَسنًا مباركًا، ومَسَحَه (٨)، أي: خلقه قبيحًا ملعونًا.\nوكان إبراهيم النخعي يذهب أيضًا (٩) إلى أن المسيح، معناه: الصِّدِّيق (١٠).\nقال ابن الأنباري (١١): وهذا القول لا يعرف (١٢) اللغويون مذهبه؛\n_________\n= والبَرَصُ: مرض جلدي معروف، يصيب الجلد ببياض. انظر: \"القاموس\" ٦١٣ (برص).\n(١) في (د)، \"تهذيب اللغة\" السحاب.\n(٢) ما بين المعقوفين مطموس في: (أ) ومثبت من بقية النسخ، ومن \"تهذيب اللغة\".\n(٣) في (ج)، (د)، \"التهذيب\": فهما مسيحان.\n(٤) ما بين المعقوفين غير مقروء في: (أ). ومثبت من بقية النسخ، ومن \"تهذيب اللغة\". وقول المنذري في \"التهذيب\" ٤/ ٣٣٨٩. وقد تقدمت ترجمته.\n(٥) في (ب): (قلت).\n(٦) ما بين المعقوفين زيادة من (د).\n(٧) ما بين المعقوفين زيادة من: (ج)، (د)، ومن \"التهذيب\". وقول المنذري في \"التهذيب\" ٤/ ٣٤٨.\n(٨) في (ب): (ومسخه).\n(٩) (أيضًا): ساقطة من (ج).\n(١٠) \"تفسير الطبري\" ٣/ ٢٧٠، \"تفسير ابن أبي حاتم\" ٢/ ٦٥١، \"الزاهر\" ١/ ٤٩٣، \"التهذيب\" ٤/ ٣٣٨٩ (مسح)، \"الدر المنثور\" ٢/ ٤٥، وعزاه كذلك لابن المنذر.\n(١١) قوله، في \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٣٨٩ (مسح).\n(١٢) في (ج): (لا يعرفه).","vol":"5","page":257},{"text":"إذ (١) كانت لا تصف كلَّ صِدِّيق بـ (المسيح)، ولعل كان هذا مستعملًا (٢) في بعض الأوقات في وصف الصدِّيقين، فدَرَسَ مع ما دَرَسَ من الكلام؛ لأن الكسائي قال (٣): قد درس من كلام العرب شيء كثير. ثمَّ فسَّر المسيح وبيَّنه من هو، فقال: ﴿عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾. معنى (الوجيه): ذو الجاه والشرف والقدْر، يقال: (وجُهَ الرجلُ، يَوْجُهُ، وَجاهةً)، فـ (هو وَجِيْهٌ): إذا صارت له منزلة رفيعة عند السلطان والناس (٤).\nوقال بعض أهل اللغة (٥): الوجيه: الكريم، عند من لا يسأله؛ لأنه لا يردُّه لكرم (٦) وجهه عنده (٧)، خلاف من يبذل وجهه للمسألة (٨)، فيرده (٩).\nقال الزجَّاج (١٠): ﴿وَجِيهًا﴾، منصوب على الحال، المعنى: إنَّ الله\n_________\n(١) في (أ)، (ب): (إذا). والمثبت من: (ج)، (د).\n(٢) في (ج): \"التهذيب\" ولعل هذا كان مستعملًا، (د) ولعل هذا مستعملًا.\n(٣) قوله، في \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٣٨٩ (مسح)، وقوله من تتمة كلام ابن الأنباري.\n(٤) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج: ١/ ٤١٢، \"اللسان\" ٨/ ٣٧٧٦ (وجه).\n(٥) لم أقف على هذا القائل.\n(٦) في (أ)، (ب): (الكرم). والمثبت من: (ج)، (د)، ومن \"البحر المحيط\" ٢/ ٤٦١، وهو أنسب لسياق الكلام.\n(٧) في (ج): عند. قال الفخر الرازي: (الوجيه، هو: الكريم؛ لأن أشرف أعضاء الإنسان وجهه، فجعل الوجه استعارة عن الكرم والكمال). تفسيره: ٨/ ٥٥. وقال الطبري عن قوله تعالى عن موسى ﵇: ﴿وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ [الأحزاب: ٦٩]: (الوجيه في كلام العرب: المُحَبُّ المقبول). تفسيره ٢٢/ ٥١.\n(٨) في (ج): (للمسلمة).\n(٩) في (ج)، (د): (فيرد). ولم أقف على هذا الذي ذكره المؤلف في معنى (الوجيه) فيما رجعت إليه من مراجع.\n(١٠) في \"معاني القرآن\" ١/ ٤١٢.","vol":"5","page":258},{"text":"يبشِّرك بهذا الولد، وجيهًا في الدنيا والآخرة. والفرَّاء (١) يسمي هذا قطْعًا، كأنه: كان (٢) عيسى بن مريم الوجيه، قُطِع منه التعريف (٣).\nوقوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾. أي: إلى ثواب الله وكرامته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-550>٤٦ </span>- قوله تعالى: ﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ﴾ موضع ﴿وَيُكَلِّمُ﴾ منصوب؛ في التأويل بالنَّسَقِ (٤) على (وجيه)، كأنه قال: (وجيها، ومُكَلِّمًا الناسَ)، ولا يُنكَرُ وضعُ (٥) المستقبل موضعَ الحال. ومثله قوله: ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي﴾ [مريم: ٥ - ٦]، في قراءة مَنْ رَفَعَ (٦). وهذا أحدُ ما يضارعُ به الفعلُ المستقبلُ الاسمَ.\nوأنشد النحويُّون على هذا:\n_________\n(١) في \"معاني القرآن\" ١/ ٢١٣.\n(٢) في (ج): (قال). وكذا في \"الدر المصون\" ٣/ ١٧٩، حيث نقل عبارة الواحدي هذه.\n(٣) وقد علَّق السمينُ على قول الفراء هذا، بعد أن نقله عن الواحدي، بقوله: (فظاهر هذا يُوذِن بأن (وجيها) من صفة عيسى في الأصل، فقُطِعَ عنه، والحالُ وصْفٌ في المعنى). \"الدر المصون\" ٣/ ١٧٩. وانظر ما سبق من تعليق على إعراب قوله تعالى ﴿قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ من آية ١٨ من سورة آل عمران.\n(٤) النسق، هو عطف اللفظ على نسقِ الأول وطريقته. ويسمَّى في النحو بـ (عطف النسق)، وهو: التابع الذي يتوسط بينه وبين متبوعه أحدُ حروف العطف. انظر: \"معجم المصطلحات النحوية\" د. اللبدي: ٢٢٤.\n(٥) (ولا ينكر وضع): ساقط من (ج).\n(٦) قرأ ابن كثير، ونافع، وعاصم، وابن عامر، وحمزة: ﴿يَرِثُنِى وَيَرِثُ﴾ برفعهما. والتقدير: (وليًّا وارثًا)، على أنَ (يرِثُني) صفة لـ (وليًّا). قال مكي: (وهو الاختيار؛ لأنَّ الجماعة عليه، ويقوِّي الرفع: أنَّ (وليًّا) رأس آية، فاستغنى الكلام عن الجواب). \"الكشف\" ٢/ ٨٤. وقرأ أبو عمرو، والكسائي: (يَرِثْنِي وَيَرِثْ) بجزمهما؛ على أنها جواب للأمر، والتقدير: (هب لي من لدنك وليًّا فإنك إنْ وهبته لي ورثَني). انظر: \"الحجة\" لابن خالويه: ٢٣٤، \"حجة القراءات\" لابن زنجلة: ٤٣٨.","vol":"5","page":259},{"text":"بتُ أُعَشِّيها (١) بَعضْبٍ باتِرِ ... يَقْصِدُ (٢) في أَسْوُقِها وجائِرِ (٣)\n_________\n(١) في (ج): (أغسيها)، وفي (د): (أغشيها).\n(٢) يعصله.\n(٣) البيت في نسخة (ب) ورد هكذا:\nسبت اميتها بقضيب باتر ... بقصد في اسوفها وجاير\nولم أقف على قائل هذا البيت. وقد ورد في: \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٢١٣، ٢/ ١٩٨، \"تفسير الطبري\" ٦/ ٤١٦، \"معاني القرآن\" للزجاج: ١/ ٤١٤، \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣١٩٩ (كهل)، \"شرح الأبيات المشكلة\" للفارسي ٤٦٥، \" المحرر الوجيز\" ٣/ ١٢١، \"أمالي ابن الشجري\" ٢/ ٤٣٧، ٣/ ٢٠٥، \"وضح البرهان\" للنيسابوري: ٢٤٣، \"اللسان\" ٥/ ٢٩٦٣ (عشا)، \"وشرح ابن عقيل\" ٣/ ٢٤٥، \"المقاصد النحوية\" للعيني ٤/ ١٧٤، \"منهج السالك\" للأشموني ٣/ ١٢٠، \"خزانة الأدب\" ٥/ ١٤٠ - ١٤٣. وقد ورد البيت بألفاظ أخرى، هي: (بات يعشِّيها)، و(بات يغشِّيها) و(بات يعيَشها)، و(أسؤقها)، و(أسواقها). ومعنى (أعشِّيها)؛ أي: أطعمها العشاءَ، وأما رواية (يغشِّيها) بالغين المعجمة، فهي من الغشاء، كالغطاء؛ أي: يشْملها ويعمُّها. و(عَضْب باتر)؛ (العَضْب) هنا: السَّيف. والكلمة، أصلها: صفة، بمعنى: قاطع؛ من: عضَبَه؛ أي: قطعه. و(باتر): قاطع. و(يَقْصِد): يتوسط، ولا يتجاوز الحد في القطع. و(أسْوُقِها) جمع: ساق، وتجمع كذلك على (سُوْق) و(سِيْقان) (وأسْؤُق)، والساق: ما بين الكعب والركبة. و(جائر): ظالم، مجاوز للْحدِّ.\nوالشاعر هنا على هذه الرواية: يمدح نفسه بأنه رجل كريم مضياف، يقول: بأنه بات يعشِّي إبِلَه عقْرًا لها بسيف قاطع، فأقام الشاعرُ السيفَ مقام العشاء، وعلى الرواية الثانية (يغَشِّيها)؛ أي: يشْملها بسيفه القاطع؛ أي: يضربها به، فهو يقصد ويتوسط في عقر سيقان إبِل تستحق العقر، ويجور ويتجاوز الحدَّ في عقر سيقان إبِل لا تستحق العقر، كالحوامل، وذوات الفصال. وعلى رواية (بات يعشِّيها) يصف به رجلًا آخر بالكرم. انظر: \"القاموس\" (١١٦) (عضب)، (٣٤٥) (بتر)، (٨٩٥) (سوق)، \"الخزانة\" ١٤٥١٤١، \"ومنحة الجليل\" لمحمد محيي الدين عبد الحميد (مطبوع مع شرح ابن عقيل): ٢٤٥ - ٢٤٦. والشاهد فيه كما قال الأزهري: (والعرب تجعل (يفعل) في موضع (فاعل)، إذا كان في عُطوف مجتَمِعيْنِ). \"التهذيب\" (٣١٩٩).","vol":"5","page":260},{"text":"على معنى: قاصدٌ (١)، وجائزٌ.\nوقوله تعالى: ﴿فِي الْمَهْدِ﴾. أي: صغيرًا. والمَهْدُ: الموضع الذي مُهِّدَ لنوم الصبي (٢).\nقال ابن عباس في رواية عطاء (٣): يريد: الحَجْرَ (٤). ويعني بكلامه ﴿فِي الْمَهْدِ﴾: تبرئة أمِّهِ ممَّا قُرِفَت (٥) به (٦).\nوقوله تعالى: ﴿وَكَهْلًا﴾. هو عطف على الظرف من قوله: ﴿فِي الْمَهْدِ﴾، كأنه قيل: (ويكلِّم الناس صغيرًا وكهلًا) (٧).\n_________\n(١) في (د): (قصد).\n(٢) سبق بيان معاني (المهد) في التعليق على قوله تعالى: ﴿وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ آية ١٢ من هذه السورة وانظر (مهد) في: \"الجمهرة\" لابن دريد ٦٨٥، \"القاموس\" (٣٢٠).\n(٣) لم أقف على مصدر هذه الرواية عنه من طريق عطاء. والذي في \"تفسير الطبري\" ٣/ ٢٧١ من طريق ابن جرير عن ابن عباس، قال: (مضجع الصبي في رَضاعه). وأوردها السيوطي في \"الدر\" ٢/ ٤٥ ونسب إخراجها كذلك لابن المنذر.\n(٤) الحَجْر بفتح الحاء وقد يقال بكسرها، وهو: الحضن، وما بين يديك من ثوبك. والجمع: حُجُور. انظر (حجر) في \"اللسان\" ٢/ ٧٨٢، \"القاموس\" (٣٧١)، \"عمدة الحفاظ\" للسمين (١١١).\n(٥) في (ب)، (ج): (قذفت). وفي (د): مكانها بياض. ومعنى (قُرِفَت به)، أي: قُذِفت به واتُّهِمت، من: (قرَفَه بكذا)، أي: اتَّهمه به وأضافه إليه. انظر (قرف) في \"اللسان\" ٦/ ٣٦٠٠، \"القاموس\" ٨٤٤، \"تفسير الطبري\" ٣/ ٢٧٢.\n(٦) انظر: \"تفسير الطبري\" ٣/ ٢٧٢.\n(٧) أي: أنه حال من الضمير في ﴿وَيُكَلِّمُ﴾. وقد يكون معطوفًا على ﴿وَجِيهًا﴾، فيكون في الآية خمسة أحوال، هي: ﴿وَجِيهًا﴾ و﴿وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ و﴿وَيُكَلِّمُ﴾ و﴿وَكَهْلًا﴾ و﴿مِنَ الصَّالِحِينَ﴾. انظر: \"البيان\" للأنباري: ١/ ٢٠٣ - ٢٠٤، \"التبيان\" للعكبري: ص ١٨٩.","vol":"5","page":261},{"text":"و(الكَهْلُ) في اللغة: الذي اجتمع [فيه] (١) قوَّتُه، وتَمَّ (٢) شبابُه، وهو من قول العرب: (اكْتَهَلَ النَّباتُ): إذا قَوِيَ وتَمَّ (٣).\nقال الأعشى:\nيُضاحكُ الشمسَ منها كوكبٌ شَرِقٌ ... مُؤَزَّرٌ، بعَميمِ النَبْتِ مُكْتَهِلُ (٤)\nأراد بـ (المكْتَهِل): المتناهي في الحسن والكمال.\nواختلفوا في كهولة عيسى ﵇، فقال بعضهم: إنه رفع إلى السماء حين (٥) دخل في الكهُولة؛ وذلك، أنه كان قد أرْبى (٦) على الثلاثين، ومن أَرْبى (٧) عليها فقد دخل في الكُهُولة، وتقَضَّى أكثرُ شبابه (٨). وعلى هذا\n_________\n(١) ما بين المعقوفين زيادة من (ج).\n(٢) في (ج): (وثَم).\n(٣) في (ج): (وعم). انظر: \"خلق الإنسان\" ٢١، \"الزاهر\" ٢/ ٢٦٩ - ٢٧٠.\n(٤) البيت في: \"ديوانه\" ص١٤٥. وقد ورد منسوبا له في: \"العين\" للخليل ٣/ ٢٧٨ (كهل)، وتأويل المشكل، لابن قتيبة ١٣٦، \"الزاهر\" ٢/ ٢٧٠، \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣١٩٩ (كهل)، \"أمالي الزجاجي\" ١٣٥، \"شرح القصائد العشر\" للتبريزي: ٢٩٢، \"اللسان\" ٧/ ٣٩٥٧ (كوكب)، ١/ ٧٢ (أزر)، ٤/ ٢٢٤٤ (شرق)، ٧/ ٣٩٤٨ (كهل)، ٥/ ٣١١٢ (عمم). والشاعر هنا يصف روضةً. وقوله: (يضاحكُ الشمسَ)؛ أي: يدور معها، ومضاحكته إيَّاها: حسنٌ لها نَضْرَةٌ. و(كوكبٌ شَرِقٌ): (الكوكب): معظم النبات، و(الشَّرِقُ): الريَّانُ الممتليءُ ماءً. و(مؤَزَّر)؛ أي: صار النبات كالإزار للكوكب، فهو يغطِّيه. و(عَمِيم النبت): النبات الكثير الحسَنُ، ويقال: (نبات عَمِيم، ومُعتَمٌ، وعَمَمٌ): إذا كان بالغًا حسنًا كثيرًا. و(المكتهل): التامُّ الحسَنُ. انظر: \"الزاهر\" ٢/ ٢٧٠، \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣١٩٩ (كهل).\n(٥) في (ج): (أنه).\n(٦) في (ج): (أرمى).\nومن قوله: (أربى ..) إلى (.. ومن أربى): ساقط من (د).\n(٧) في (ج): (أرمى).\n(٨) وردت عن علماء اللغة أقوال في بيان عُمُرِ الكَهْلِ: فقيل: إنَّه من وَخطَهُ الشيبُ، ورأيت له بَجَالَة. قاله الخليل، والليث بن المظفر. وقيل: هو ما بين الأربعين إلى الخمسين. قاله ابن أبي ثابت. وقيل: إذا بلغ الخمسين. قاله الأزهري. وقيل: ابن ثلاث وثلاثين سنة. قاله ابن الأعرابي. وقيل: هو من جاوز الثلاثين. قاله ابن الأنباري. وقيل: منتهى الحُلُم؛ أي: منتهى سن البلوغ. قاله يزيد بن أبي حبيب. انظر: \"العين\" ٣/ ٣٧٨ (كهل)، \"خلق الإنسان\" لابن أبي ثابت: ٢٩، \"معاني القرآن\" للنحاس ١/ ٤٠١، \"تهذيب اللغة\" ٦/ ١٩ (كهل)، \"الصحاح\" ٥/ ١٨١٣ (كهل)، \"اللسان\" ٧/ ٣٩٤٧ (كهل).","vol":"5","page":262},{"text":"القول: يكلِّم الناس كهلًا، قبل أن يرُفع إلى السماء. وهذا معنى قولِ مقاتل (١)، وابن عباس في رواية عطاء (٢)، لأنه قال (٣) في قوله: (وكهلًا) (٤)؛ يريد: أنه يتكلم بكلام النبَّوة.\nوقال بعضهم: المراد بقوله: ﴿وَكَهْلًا﴾ (٥): بعد أن ينزل من السماء يكلِّم الناس بعد نزوله إلى الأرض، كهلًا (٦). وهذا اختيار الحسين بن الفضْل (٧)، قال (٨): وفي هذا بيان نزوله في نصِّ القرآن (٩).\n_________\n(١) قوله: في \"تفسيره\" ١/ ٢٧٦. وما نقله المؤلف هو نص كلام مقاتل.\n(٢) لم أقف على مصدر هذه الرواية والذي في \"زاد المسير\" ١/ ٣٩٠ خلاف هذه الرواية، قال: (وقد روي عن ابن عباس، أنه قال: ﴿وَكَهْلًا﴾، قال: ذلك بعد نزوله من السماء).\n(٣) في (ب): (وقال).\n(٤) الواو زيادة من: (ج)، (د).\n(٥) في (ب): (كهلا).\n(٦) في (ب): (من السماء كهلًا إلى الأرض كهلا).\n(٧) انظر قوله في \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٥٠، \"تفسير البغوي\" ٢/ ٣٨.\n(٨) (قال): ساقطة من (د).\n(٩) وهذا كذلك قول ابن زيد، كما في \"تفسير الطبري\" ٣/ ٢٧٣، \"المحرر الوجيز\" ٣/ ١٢٢، وقول أحمد بن يحيى، ثعلب، كما في \"تهذيب اللغة\" ٦/ ١٨ (كهل). وقال محمد بن جعفر بن الزبير، وقتادة، والربيع، والحسن، وابن إسحاق: إنه =","vol":"5","page":263},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ اَلصَّالِحِينَ﴾. قال عطاء (١): يريد: مثل: موسى، وإسرائيل (٢)، وإسحاق، وإبراهيم (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-551>٤٧ </span>- قوله تعالى (٤): ﴿قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ قال أهل المعاني (٥): إنَ مريم لا تستنكر في قدرة الله تعالى خلقَ الولد من غير مَسِيس بَشَرٍ (٦)، وإنَّما قالت هذا؛ لأنَّ في البشرية التعجب مما خرج عن العادة، كما يقول الإنسان: (كيف تَهَبُ ضيعتَك، وهي أنفَس أملاكك.؟!) ليس يشك في هبته، وإنما يتعجب من وجوده. و(البَشَر): الخَلْق. واحدُهُ وجمعُه سواء؛ لأنه بمنزلة المصدر (٧)، نحو (٨): الخَلْق، يقال (٩): هذا\n_________\n= يكلِّمهم صغيرًا أو كبيرًا، وهو إخبارٌ لِمريمَ ﵍ أنه يعيش إلى سِنِّ الكهولة. وبيَّن الطبري ﵀ أن كلام هؤلاء الأئمة يعني: أن عيسى ﵇ كسائر بني آدم، يتقلب في الأحداث، ويتغير بمرور الأزمنة عليه، من صِغَرٍ إلى كِبَر، ومن حال إلى حال، وفي هذا احتجاج على النصارى القائلين بألوهية عيسى ﵇. انظر: \"تفسير الطبري\" ٣/ ٢٧٢، \"ابن أبي حاتم\" ٢/ ٦٥٣، \"القطع والائتناف\" للنحاس ٢٢٤.\n(١) لم أقف على مصدر قوله.\n(٢) إسرائيل، هو: يعقوب ﵇. انظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ٢٤٨، \"فتح القدير\" ١/ ١١٧.\n(٣) في (ج): (ويعقوب). قال الطبري في تفسير هذه الآية: (يعني: من عدادهم وأوليائهم؛ لأن أهل الصلاح بعضهم من بعض في الدين والفضل) تفسيره: ٣/ ٢٧٣.\n(٤) في (د): (﷿).\n(٥) لم أقف عليه. وقد أورد هذا القول ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ١/ ٣٩٠، ونسبه للجمهور.\n(٦) (بشر): ساقطة من (ج).\n(٧) انظر (بشر) في \"تهذيب اللغة\" ١/ ٣٣٨.\n(٨) من قوله: (نحو ..) إلى (.. في المصدر): ساقط من (د).\n(٩) في (ج): (يقول).","vol":"5","page":264},{"text":"خَلْق، وهؤلاء خَلْق (١). وإنما وجب في المصدر ذلك؛ لأنه جنس في الفعل، كما وجب في الماء والرمل، وما هو من أسماء الأجناس.\nوأصله من (البَشَرَة) التي هي ظاهر الجِلْدِ؛ لأنه الذي من شأنه أن يَظْهَرَ الفرحُ والغمُّ في بشَرَته (٢).\nوقوله تعالى: ﴿كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾. أي: يخلق الله (٣) ما يشاء مثل ذلك من الأمر، وهو: خَلْق الولد من غير مَسِيس.\nوقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قَضَى أَمْرًا﴾. إلى آخر الآية. ذكرنا ما فيه في سورة البقرة، عند قوله: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا﴾ [البقرة: ١١٧]. الآية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-552>٤٨ </span>- قوله (٤) تعالى: ﴿وَيعَلِمُهُ الكِتَابَ﴾. الآية. قال ابن جُرَيج، وغيره: أراد: الكتابة والخط (٥). وقيل: أراد كتابًا آخر غير التوراة والإنجيل، من نحو: الزَّبُور وغيره (٦).\n_________\n(١) (وهؤلا خلق): ساقط من (ج).\n(٢) انظر (مادة: بشر) في: \"التهذيب\" ١/ ٣٣٨، \"اللسان\" ١/ ٢٨٦.\n(٣) لفظ الجلالة (الله): ليس في: (ج)، (د).\n(٤) في (د): (وقوله).\n(٥) قول ابن جريج، في \"تفسير الطبري\" ٣/ ٢٧٤، ولفظه: (قال: بيده). وقد ورد هذا التفسير عن عكرمة، يرويه عن ابن عباس، ولفظه: (الخطُّ بالقَلَم)، وقد ورد كذلك عن: يحيى بن أبي كثير، ومقاتل، وعثمان بن عطاء. انظر: \"تفسير ابن أبي حاتم\" ٢/ ٦٥٣، وممن رجَّح هذا: البغويُ في \"تفسيره\" ٢/ ٣٩، والفخر الرازي في \"تفسيره\" ٨/ ٥٩، واستظهره ابن كثير في \"تفسيره\" ١/ ٣٩١.\n(٦) لم أهتد إلى قائل هذا القول. وقد أخرج ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٢/ ٦٥٣ عن الحسن قوله: (الكتاب: القرآن). وفي \"زاد المسير\" ١/ ٣٩١ ذكر في المراد بـ ﴿الْكِتَابَ﴾ قولَ ابن جريج، وقولًا آخر، وهو: (أنه كُتُب النَّبِيِّين، وعلمُهم)، وقال: (قاله ابن عباس). وذكرَ ابنُ عَطِيَّةَ هذا القولَ الذي أورده الواحديُّ، وقال عنه: (وهو دَعْوًى لا حُجّةَ عليها). \"المحرر الوجيز\" ٣/ ١٢٥.","vol":"5","page":265},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-553>٤٩ </span>- [و] (١) قوله تعالى: ﴿وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾. قال أبو إسحاق (٢): ينتصب على وجهين: أحدهما: (ويجعلُهُ (٣) رسولًا). قال: والاختيار عندي: أنه (ويكَلِّمُ الناسَ رسولًا)؛ لقوله: ﴿أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ﴾؛ والمعنى: يكلِّمُهم رسولًا بأني (٤) قدْ جئتكم (٥).\nوقال الأخفش (٦): إن شئت جعلت الواو في ﴿وَرَسُولًا﴾ مُقْحَمَةً (٧)، و(الرسولا) (٨) حالًا للهاء (٩)، تقديره: ونُعَلِّمُهُ الكتابَ رسولا (١٠).\nوقوله تعالى: ﴿أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ هو ذكر آية واحدة، وإنما\n_________\n(١) ما بين المعقوفين زيادة من: (ب.)\n(٢) في \"معاني القرآن\" له: ١/ ٤١٣، نقله عنه بتصرف واختصار.\n(٣) في (د): (ونجعله).\n(٤) في (د): (أني).\n(٥) أي: أنَّ الوجه الأول، تقديره: (ويجعلهُ رسولًا) فـ ﴿رَسُولًا﴾ منصوب على المفعولية. والتقدير الثاني وهو اختيار الزجاج: (ويكلمُ الناسَ رَسُولًا)، على أنَّ ﴿رَسُولًا﴾ حالٌ.\n(٦) من قوله: (قال الأخفش ..) إلى (.. ونعلِّمه الكتاب رسولًا): نقله بنصه عن \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٥١ ب. والوارد في \"معاني القرآن\" للأخفش: ١/ ٢٠٥ في قوله تعالى: ﴿ونعلَّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾، كالتالي: (موضع نصب على ﴿وَجِيهًا﴾. و﴿رَسُولًا﴾ معطوف على ﴿وَجِيهًا﴾؛ أي: أنها عنده حال منتصبة عن قوله تعالى: ﴿بِكَلِمَةٍ﴾ في آية: ٤٥. انظر: \"معاني القرآن\" للأخفش ١/ ٢٠٤.\n(٧) أي: (زائدة أو (لغو)، وهي عبارة البصريين، وتسمى (صلة) أو (حشو) عند الكوفيين. انظر: \"البرهان\" ٣/ ٧٢.\n(٨) في (ج): (ورسولًا).\n(٩) في (ب): (لها). وقوله: (للهاء)؛ أي: في ﴿ونعلِّمُهُ﴾.\n(١٠) وللآية توجيهات نحوية أخرى، انظرها: في \"البحر المحيط\" ٢/ ٤٦٤، \"الدر المصون\" ٣/ ١٨٦ - ١٨٩.","vol":"5","page":266},{"text":"جاءهم (١) بآيات، وهي: خلق الطير، وإبراء الأكْمَه والأبرص، وإحياء الموتى، وإنباء (٢) بما يأكلونَ؛ وذلك، أنه أراد بالآية: خلق الطير، ثم عطف عليه إبراء (٣) الأكمه والأبرص على جهة الاستئناف.\nوقوله تعالى: ﴿أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ﴾ مَنْ (٤) فتح ﴿أَنِّي﴾ (٥)، جعلها بدلًا من ﴿آيَةٍ﴾ (٦)، كأنه قال: (وجئتكم بأني أخلق لكم من الطين)، ويكون موضع ﴿أَنِّي﴾ خفضًا على البدل من ﴿آيَةٍ﴾ (٧)، ويجوز أن يكون رَفعًا على معنى: الآيةُ أنِّي أخلق لكم) (٨). ومَنْ كَسَرَ (٩)، فله وجهان: أحدهما: الاستئناف، وقَطْع الكلامِ مما قبله.\nوالوجه الآخر: أنه (١٠) فسر الآية بقوله: ﴿إنِّي أخلق [لكم من\n_________\n(١) في (د): (جاههم).\n(٢) في (ج)، (د): (والأنباء).\n(٣) في (ج): (وإبراء).\n(٤) من قوله: (من ..) إلى (أني أخلق لكم من الطين): نقله بتصرف يسير جدًّا عن \"الحجة\" للفارسي ٣/ ٤٣. وقد قرأ الجميع بفتح الهمزة في ﴿أَنِّي﴾، إلَّا نافعًا وأبا جعفر، فقد كسرا ﴿أَنِّي﴾. انظر \"النشر\" ٢/ ٢٤٠، \"إتحاف فضلاء البشر\" ١٧٤ - ١٧٥.\n(٥) في (ج): (أنا).\n(٦) (من آية): ساقط من (د).\n(٧) في (ج): (أنه).\n(٨) أي هي خبر لمبتدأ مضمر، تقديره: (هي أنِّي أخلق)؛ أي: الآية التي جئت بها أني أخلق. انظر \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ٣٣٤.\n(٩) من قوله: (ومن كسر ..) إلى (.. وأبدل من آية): نقله بتصرف عن \"الحجة\" للفارسي ٣/ ٤٣٤٤.\n(١٠) (أنه): ساقط من: (ج).","vol":"5","page":267},{"text":"الطين] (١)﴾، ويجوز أن يفسِّر الجملة المقدمة بما يكون على وجه الابتداء، كقوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [المائدة: ٩]، ثمَّ فسَّر الموعود بقوله: ﴿لَهُم مَّغفِرَةٌ﴾ (٢)، وكقوله: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ﴾ (٣) [آل عمران: ٥٩]، ثمَّ فسَّر المَثَلَ بقوله: ﴿خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ﴾. وهذا الوجه أحسن؛ لأنه في المعنى كقراءة مَنْ فتح (أنِّي)، وأبدل من آية (٤).\nوقوله تعالى: ﴿أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ﴾ أي: أقَدِّر، وأصوِّر. والخلْقُ، معناه: التقدير في اللغة (٥).\nوقوله تعالى: ﴿كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ﴾ الهيئةُ: الصورة المُهَيَّأة؛ من قولهم:\n_________\n(١) ما بين المعقوفين زيادة من: (ج) ومن \"الحجة\".\n(٢) ومن قوله: (لهم مغفرة ..) إلى (.. فسَّر المثل بقوله): ساقط من: (ج).\n(٣) (كمثل آدم): ساقط من: (ب).\n(٤) وهناك وجه ثالث، وهو: كسْرُها على إضمار القول؛ أي: فقلت: إنِّي أخلق. انظر هذه الوجوه في: \"البحر المحيط\" ٢/ ٤٦٥، \"الدر المصون\" ٣/ ١٩١.\n(٥) وقد قال ابن قتيبة أنَّ الأصل في (الخَلْق)، هو: التقدير. وفي \"تهذيب اللغة\" أنَّ (الخَلْقَ) في كلام العرب على ضربين: الأول: ابتداع الشيء على مثال لم يُسبَق إليه. والآخر: التقدير. وقد ذكر أصحاب الوجوه والنظائر أنَّ من وجوه (الخلق) في القرآن: الإيجاد، والبعث، والتصوير، وذكروا هذه الآية (٤٩ من آل عمران) شاهدًا على هذا المعنى، والكذب، والجعل، والنطق، والدين، والموت، والبناء. وهذان الوجهان الأخيران، ذكرهما الثعلبي، وابن الجوزي. انظر \"تأويل مشكل القرآن\" ٥٠٧، \"تهذيب اللغة\" ١/ ١٠٩٣ (خلق)، \"الوجوه والنظائر\" لهارون بن موسى ٢٨١، \"قاموس القرآن\" للدامغاني ١٦٢، \"الأشباه والنظائر\" للثعلبي: ١٣١.","vol":"5","page":268},{"text":"(هيَّأتُ الشيءَ): إذا قدَّرُته (١).\nوقوله تعالى: ﴿فَأَنْفُخُ فِيهِ﴾ أي: في الطَّيْر. و(الطَّيْر): يجوز تذكيره، على معنى الجمع، وتأنيثه، على معنى الجماعة.\nولا يجوز أن تعود (٢) الكناية (٣) إلى الطين؛ لأن النفخ إنَّما يكون في طِينٍ مخصوص، وهو: ما كان مُهَيَّأ منه، والطينُ المتقدِّمُ ذكرهُ، عامٌ، فلا تعود إليه الكناية؛ ألا ترى أنه لا يَنْفخ في جميع الطِّينِ (٤)؟. ويجوز أن تعود الكناية على ذي الهيئة. وأريد بـ (الهيئة): ذو الهيئة، كما أريد بـ (القسمة): المقسوم، في قوله: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ﴾ [النساء: ٨] لأنه قال: ﴿فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾ (٥) (٦).\n_________\n(١) قال الثعلبي: (هيأت الشيء: إذا قدَّرته، وأصلحته). تفسيره: ٣/ ٥٢ أ، وانظر (هيأ) في \"الصحاح\" ١/ ٨٥، \"اللسان\" ٨/ ٤٧٣٠.\n(٢) في (ج): (يعود).\n(٣) يعني بـ (الكناية) هنا: الضمير؛ لأنه يُكْنى به أي: يرمز عن الظاهر، اختصارا، وتسميته بـ (الكناية) من إلطلاقات الكوفيين عليه. انظر \"النحو الوافي\" ١/ ٢١٧، \"معجم المصطلحات النحوية\" د. اللبدي: ٧٤.\n(٤) قال السمين الحلبي، بعد أن ذكر قول الواحدي هذا: (وفي هذا الردِّ نَظَرٌ؛ إذ لقائل أن يقول: لا نسلِّم عموم الطِّينِ المتقدِّم، بل المراد بعضه؛ ولذلك أدخل عليه (مِنْ) التي تقْتضي التبعيض. وإذا صار المعنى: (أني أخلق بعض الطين) عاد الضمير عليه من غير إشكال، ولكن الواحدي جعل (مِن) في ﴿مِنَ الطِّينِ﴾ لابتداء الغاية، وهو الظاهر). \"الدر المصون\" ٣/ ١٩٤.\n(٥) (منه): ساقط من: (ج).\n(٦) [سورة النساء: ٨]. والشاهد هنا: أنَّ الضمير في ﴿مِنْهُ﴾ يعود على القسمة. ولمَّا كان الضمير مذَكَّرا، والقسمة مؤنثة، دلَّ على أن المراد بالقسمة هنا المقسوم =","vol":"5","page":269},{"text":"كذلك أراد بـ (الهيئة): المُهيَّأ، وذا (١) الهيئة.\nو(٢) يجوز أن تعود الكناية إلى ما وقعت الدلالة (٣) عليه في اللفظ، وهو (٤): أنَّ (يَخْلُق) يدل على الخَلْقِ، فيكون قوله: ﴿فَأَنْفُخُ فِيهِ﴾؛ أي: في الخَلْقِ، ويكون الخلق بمنزلة المخلوق.\nويجوز أن تعود إلى ما دلَّ عليه الكافُ من معنى المِثْل؛ لأن المعنى: أخلق من الطين مِثْلَ هيئة الطير، ويكون الكافُ في موضع نصب على أنه صفة (٥) للمصدر المُرادِ، تقديره: (أنِّي أخلق لكم من الطينِ خَلْقًا مثلَ هيئةِ الطَّيْرِ). وهذه الوجوه ذكرها أبو علي الفارسي (٦).\nوقوله تعالى: ﴿فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ وقرأ (٧) نافع (٨): ﴿طائرًا﴾ (٩)،\n_________\n= وهذا رأي في مرجع الضمير هنا. وقيل: إنه يعود على المال؛ لأن القسمة تدلُّ عليه بطريق الالتزام. وقيل: إنه يعود على (ما) في قوله: ﴿مِّمَّا تَرَكَ﴾ من آية ٧ في سورة النساء. انظر \"مشكل إعراب القرآن\" ١/ ١٩٠، \"تفسير البيضاوي\" ١/ ٨٥، \"البحر المحيط\" ٣/ ١٧٦، \"الدر المصون\" ٣/ ٥٨٩.\n(١) في (د): (وذو).\n(٢) الواو زيادة من: (ج).\n(٣) في (ب): (الكناية الدلالة).\n(٤) من قوله: (هو ..) إلى (.. أي: في الخلق): ساقط من (د).\n(٥) (صفة): ساقطة من (ج).\n(٦) لم أقف على مصدر قوله.\n(٧) في (ج): (وقرئ).\n(٨) هو: أبو رُوَيم، نافع بن عبد الرحمن بن أبي نُعيم، تقدمت ترجمته.\n(٩) وقرأ بها كذلك: أبو جعفر، ويعقوب. وقرأ باقي القرَّاء العشرة: (طَيْرًا). انظر \"المبسوط في القراءات العشر\" ١٤٣.","vol":"5","page":270},{"text":"على معنى: يكون (١) ما أنفخ فيه طائرًا، أو (٢) ما أخلُقُهُ طائرًا، أو أراد أن (٣) يكون كلَّ واحد من ذلك طائرًا، كما قال تعالى: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤] أي: كلَّ واحد منهم.\nوقال بعضهم (٤): ذهب نافع (٥) إلى نوع واحد من الطير؛ لأنه لم يَخْلُق غير الخَفَّاش. وإنَّما خصَّ الخفَّاش (٦)؛ لأنه أكمل الطير خَلْقًا. وقد زدنا بيانا على هذا في سورة المائدة (٧).\n_________\n(١) من قوله: (يكون ..) إلى (.. أي: كل واحد منهم): نقله بتصرف يسير عن \"الحجة\" للفارسي: ٣/ ٤٤.\n(٢) في (د): (و).\n(٣) ساقطة من (د).\n(٤) هو الثعلبي في \"تفسيره\" ٣/ ٥٢ أ.\n(٥) عبارة الثعلبي: (وقرأ أهل المدينة (طائرا) بالألف على الواحدة ذهبوا إلى نوع ..)، وبقية العبارة كما هي عند الواحدي.\n(٦) وإنما خص الخفاش: ساقط من: ج. ورد خَلْقُه للخفاش، عن ابن جريج، كما في \"تفسير الطبري\" ٣/ ٢٧٦. وعن ابن عباس، وأبي سعيد الخدري، كما في \"زاد المسير\" ١/ ٣٩٢. وأورده السيوطي في الدر: ٢/ ٥٧٥ عن ابن عباس، ونسب إخراجه لأبي الشيخ.\n(٧) قول المؤلف فيما سبق عن توجيه قراءة نافع: (أو أراد أن يكون ..)، وقوله: (ذهب نافع ..)، قد تشعر هذه العبارات أن قراءة نافع، وغيرها من القراءات الصحيحة، إنَّما هي مذهب اجتهادي في القراءة يذهبه القارئُ بناء على موازنات ذوقية، ومقاييس منهجية، لا علاقة لها بالتلقي عن طريق الرواية الصحيحة. وليس الأمر كذلك؛ فالذي يعرفه الجميع أن القراءات القرآنية إنَّما هي متلقّاة عن النبي - ﷺ - عن طريق التواتر، فهي موقوفة لا مجال فيها للاجتهاد، وإنما للإمام القارئ فقط أن يختار مما رُوي، وعُلم وجهه من القراءات.\nولذا يقول ابن الجزري عن نسبة القراءة إلى القارئ، بأنها: (إضافة اختيار ودوام =","vol":"5","page":271},{"text":"قال وَهْبٌ: كان يطير ما دامَ الناسُ ينظرون، فإذا غاب عن أعينهم سقط ميتا (١).\nقوله تعالى: ﴿وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ﴾. قال الأصمعي (٢): بَرِئْتُ من المرض: لغةُ تميم، وبَرَأْتُ: لغةُ أهل الحِجاز (٣).\nوقال أبو زيد (٤): بَرَأْتُ من المرض: لغة أهل الحجاز. وسائرُ العرب: بَرِئْتُ (٥).\n_________\n= ولزوم، لا إضافة اختراع ورأي واجتهاد). أي: إنَّ إضافة القراءات إلى أئمة القراءة ورُواتِهم، يُرادُ بها فقط أن الإمام اختار القراءة بذلك الوجه من اللغة، حسبما قرأ به، فآثره على غيره ودوام عليه، ولزمه حتى اشتهر وعرف به. فللإمام أن يختار من القراءات ما وافق العربية، سواء أكان ذلك الوجه فصيحًا أم أفْصَح، حسبما يترجح عنده، إذا تحققت بقية الشروط، وهي: صحة السند، وموافقة المصحف الإمام ولو احتمالًا. وهذا المجال الاختياري فيما يبدو لي، والله أعلم، هو الذي يعنيه الواحدي، ومَنْ نقلَ عنهم عباراته السابقة. انظر \"النشر\" ١/ ٥٢، \"القراءت القرآنية\". د. عبد الهادي الفضلي: ١٠٥ - ١٠٦، \"دفاع عن القراءات المتواترة\". د. لبيب السعيد: ١٣ - ١٤.\n(١) ورد هذا الأثر في \"تفسير الثعلبى\" ٣/ ٥٢ أ، \"زاد المسير\" ١/ ٣٩٢، \"تفسير القرطبي\" ٤/ ٩٤.\n(٢) قوله في \"تهذيب اللغة\" ١/ ٣٢٤ (برأ).\n(٣) في \"تهذيب اللغة\" (وقال الأصمعي: (بَرَأت من المرض بُروءًا)، لغة تميم، وأهل الحجاز يقولون: (بَرْأت من المرض بَرْءًا)، و(أبرأه الله من مرضه إبراءً). ويبدو أن هذا النص من النسخة المطبوعة من \"التهذيب\" فيها خطأ مطبعي؛ لأنها لم تفرِّق بين برأ وبرئ. وقد أورد السمين الحلبي نفس النص في \"الدر المصون\" ٣/ ١٩٨ موافقًا لما أورده الواحدي.\n(٤) قوله في \"تهذيب اللغة\" ١/ ٣٢٤ (برأ).\n(٥) قال في \"اللسان\" ١/ ٢٤٠ (برأ): (وبَرِئت من المرض، وبَرَأ المريض، يَبْرأ، ويبرُؤ، بَرءًا، وبُروءًا .. وأصبح بارئًا من مرضه، وبريئًا، من قومٍ بِراءٍ). وانظر: \"العين\" ٨/ ٢٨٩ (برأ)، \"المقاييس\" ١/ ٢٣٦ (برأ).","vol":"5","page":272},{"text":"والأكمَهُ (١)، قال ابن عباس، وقتادة (٢): هو الذي وُلِد أعمى، لم يبصر ضوءًا قط (٣).\nيقال: كَمِهَ الرجلُ، يَكْمَهُ، كَمَهًا (٤). والأبْرَصُ: الذي به وَضَحٌ (٥).\nوقوله تعالى: ﴿وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ قال الكلبي (٦): كان (٧) عيسى ﵇ يحيي الأموات بـ (يا حيُّ يا قَيُّوم)، أحيا عازَرَ (٨)، وكان صديقًا له، ودعا سام بن نوح من قبره، فخرج حيًّا، ومُرَّ عليه بابن عجوز على سريرٍ مَيْتًا، فدعا\n_________\n(١) في (ج): الأكمه (بدون واو).\n(٢) قولهما في \"تفسير الطبري\" ٣/ ٢٧٦، \"تفسير ابن أبي حاتم\" ٢/ ٦٥٥، وأخرجه في ٢/ ٦٥٥ بلفظ: (الأعمى: الممسوح العين)، \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٥٢ أ. وأخرج عبد الرزاق في \"تفسيره\" ١/ ١٢١ عن مقاتل قوله: (الأكمه: الأعمى). وأورد السيوطي في \"الدر\" ٢/ ٥٧ قول ابن عباس، وعزاه كذلك لابن المنذر.\n(٣) وفي معنى (الأكمه) أقوال أخرى، وهي: إن الأكمه هو: الأعمى، أو الأعمش، أو الأعش الذي يبصر بالنهار لا بالليل. ولكن المعنى الذي ذكره الواحدي هو الأرجح، وقد قال به أبو عبيدة، والطبري، وغيرهم، وهو الذي عليه الجمهور، كما يقول ابن حجر في فتح الباري؛ لأن إبراء الذي يولد أعمى هو الذي فيه المعجزة، أما من يُصيب عينيه مرض عارض، فهذا قد يُعالجه الطب البشري. انظر: \"صحيح البخاري\" ٤/ ١٣٨ كتاب الأنبياء، باب قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ﴾ \"تفسير الطبري\" ٣/ ٢٧٦ - ٢٧٨، \"فتح الباري\" ٦/ ٤٧٢، \"الدر المنثور\" ٢/ ٥٧.\n(٤) انظر: \"تفسير الطبري\" ٣/ ٢٧٦، \"الصحاح\" ٦/ ٢٢٤٧ (كمه).\n(٥) الوَضَح، هو: البياض من كلِّ شيء، والضوء، ويكنى بالوضح عن البرص، وهو المرض الجلدي المعروف؛ لأنه يصيب الجلدَ ببياض. انظر \"اللسان\" ٨/ ٤٨٥٥.\n(٦) ورد قوله في \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٥٣ أ، ونهاية قوله إلى: (بيا حي يا قيوم).\n(٧) في (ب): (إن).\n(٨) هكذا ضُبطت في \"القاموس المحيط\" ٤٣٩ (عزر)، وورد في \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٥٢ ب (عازِر).","vol":"5","page":273},{"text":"اللهَ عيسى، فنزل عن سريره حيًَّا، ورجع إلى أهله، وبقي ووُلدَ له (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ﴾. (ما) بمعنى: الذي؛ أي: بالذي تأكلونه، والذي تدَّخِرونه (٢).\nوجاء (٣) في التفسير: بما تأكلون في غُدُوِّكم [وتدَّخرون لباقي يومكم] (٤). و(تدَّخِرون): (تفتعلون)، من (الذُّخْر) (٥).\nيقال: (ذَخَر، يَذْخَر، ذُخْرًا)، و(اذَّخَرَ اذِّخِارا): وأصله: (اذْتَخَرَ) (٦)، فأُبْدِل (٧) التَّاءُ دالًا (٨)؛ لأن الذَّالَ حَرْفٌ مَجْهُورٌ (٩) والتَّاءَ مهموسٌ (١٠)،\n_________\n(١) أورد هذا الثعلبيّ في \"تفسيره\" ٣/ ٥٢ أ، وذكره البغوي ٢/ ٤٠ عن ابن عباس. وانظر روايات أخرى في هذا المعنى، في \"الدر المنثور\" ٢/ ٥٨. وهذه الأخبار بصرف النظر عن إمكان وقوع ما ورد فيها، فإنها لا تعدو أن تكون من الإسرائيليات، التي وإن لم يكن عندنا ما ينفيها، فليس عندنا ما يصدقها من خبر صحيح عن الصادق المعصوم - ﷺ -. والاكتفاء بإجمال القرآن في مثل هذه المواطن، أولى من السير وراء تفصيلات أخبار، الله أعلم بصحتها ووقوعها.\n(٢) وقد استحسن هذا الوجه الزجَّاج، وقال: (ويجوز أن يكون (ما)، وما وقع بعدها، بمنزلة المصدر، المعنى: (أنبِّئكم بأكلِكم، وادِّخاركم). \"معاني القرآن\" ١/ ٤١٤.\n(٣) من قوله: (جاء) إلى (غدُوِّكم): نقله بنصه عن \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٤١٤.\n(٤) ما بين المعقوفين زيادة من: (ج)، (د). وقوله: (في غُدُوِّكم)؛ أي: في وقت البكرة، أو ما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس. انظر: \"القاموس\" ١٣١٧ (غدا).\n(٥) أي: أن أصل (تدَّخرونَ): تذْتَخرون.\n(٦) في (ب): (اتدخر).\n(٧) في (ب): فأبدلت.\n(٨) في (أ)، (ب): (ذالا). والمثبت من: (ج)، (د)، وهو الصواب. انظر: \"اللسان\" ٣/ ١٤٩٠ (ذخر).\n(٩) في (ج): (مجهورة).\n(١٠) الحروف المهموسة، عشرة أحرف، هي: الهاء، والحاء، والخاء، والكاف،=","vol":"5","page":274},{"text":"فأُبدِلَ بحرفٍ يُشْبِهُ الذَّالَ (١) في الجَهْرِ، وهو الدَّال، ثم أُدْغِمتْ الذَّالُ (٢) في الدَّال فصار: (تَدَّخِرونَ) (٣)، وهذا أصل الإدغامِ؛ وهو: أن يدغم (٤) الأولى في الثانية، ومثل (٥) هذا في التعديل بين الحروف (٦): (ازدُجِر) (٧)، و(اضطُرَّ)، و(اصْطَبِر) (٨).\n_________\n= والشين، والصاد، والتاء، والسين، والثاء، والفاء. ويجمعها قولك: (سَتَشْحثُك خصَفَه). وباقي الحروف مجهورة.\nانظر: \"سر صناعة الإعراب\" ١/ ٦٠، وقد ذكر كذلك سبب تسْمِيتها بذلك، \"الممتع\" لابن عصفور ٢/ ٦٧١.\n(١) في (ج): (الدال). وفي (د): (الجهر).\n(٢) في (أ)، (ب): (الدال). والمثبت من: (ج)، (د). وهو الصواب.\n(٣) ويرى العكبري أن أصل الكلمة: (تذتَخرون)، إلا أن التاء أبدلت دالًا لتقارب مخرجها مع الذال، ثم أبدلت الذال دالًا، ثم أدْغِمت الدال في الدال. انظر \"التبيان في إعراب القرآن\" ١/ ١٩١.\n(٤) في (ج) و(د): (تدغم).\n(٥) في (د): (ومثال).\n(٦) في (ج): (الحرفين). وقوله: (التعديل بين الحروف)، يعني به: الإبدال الصرفي، وهو جعل حرف مكان حرف غيره؛ لتسهيل اللفظ، وتيسيره. انظر \"شرح الشافية\" ٣/ ١٩٧، \"موسوعة النحو والصرف\" د. أميل يعقوب ١٧.\n(٧) (ازدجر): ساقط من (د).\n(٨) (ازدُجِر) وردت في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ﴾ [القمر: ٩]، وأصلها: (ازتجر)، فقلبت فيها التاءُ دالًا. و(اضطُرَّ) وردت في قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٧٣]، وانظر آية ٣ من سورة المائدة وأصلها: (اضتُرَّ). و(اصطَبِر) وردت في قوله تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ [طه: ١٣٢]، وأصلها: (اصتَبِر) فقلبت التاءُ طاءً في الكلمتين. انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٢١٥٢١٦، \"سر صناعة الإعراب\" ١/ ١٨٥، ٢١٧، و\"الوجيز في علم التصريف\" للأنباري ٥٥، \"الممتع في التصريف\" ١/ ٣٥٦، ٣٦٠، و\"شرح شافية ابن الحاجب\" ٣/ ٢٢٦، ٢٢٧.","vol":"5","page":275},{"text":"قال الخليل (١): الحرف (٢) المجهور: الذي أُشبع (٣) الاعتمادُ (٤) عليه في موضعه، ومَنَعَ (٥) النَّفَسَ أن يخرج معه، والمهموس: حرف أُضْعِفَ الاعتماد عليه في موضعه، وجرى معه النفس (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-554>٥٠ </span>- قوله تعالى: ﴿وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ﴾. [قال الفرَّاءُ (٧)، والزجَّاج (٨): نصب ﴿مُصَدِّقًا﴾ على الحال، المعنى: (وجئتكم مصدِّقًا لِما بين يَدَيَّ)] (٩). وجاز إضمارُ (جئتكم)؛ لأن أول الكلام يدلُّ عليه، وهو قوله: ﴿أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران: ٤٩]. ومثله في الكلام: (جئتُه بما يُحِب، ومُكْرِمًا لهُ) (١٠).\nقال الفرَّاء (١١): ولا يجوز أن يكون ﴿مُصَدِّقًا﴾ عطفًا على ﴿وَجِيهًا﴾؛\n_________\n(١) قوله في \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٤١٤، وقد ورد: هذا النص في \"كتاب سيبويه\" ٤/ ٤٣٤، ولم يعزه للخليل، كما ورد في \"سر صناعة الإعراب\" ١/ ٦٠ ولم يعزه كذلك للخيل.\n(٢) في (ج): (والحرف).\n(٣) في (ب): (اتسع).\n(٤) في (ب): (للإعتماد).\n(٥) من قوله: (ومنع ..) إلى (.. في موضعه): ساقط من: (ج).\n(٦) وقد شرح ذلك سيبويه، وابن جني، وبيَّنَا أن المهموس يعرف بترديد الحرف مع جَرْي النفس، ويصعب ذلك في المجهور، فيمكن تكرير المهموس مع جري الصوت، نحو: (سَسَسَسَ، كَكَكَكَ، هَهَهَهَ)، ولو تكلفت ذلك في المجهور لما أمكن. انظر: \"كتاب سيبويه\" ٤/ ٤٣٤، \"سر صناعة الإعراب\" ١/ ٦٠.\n(٧) في \"معاني القرآن\" له ١/ ٢١٦. ونسب النحاسُ كذلك القول بهذا لأحمد بن يحيى (ثعلب). انظر: \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ٣٣٥.\n(٨) في \"معاني القرآن\" له ١/ ٤١٥.\n(٩) ما بين المعقوفين زيادة من: (ج)، (د).\n(١٠) في (ب): (ومكر حاله).\n(١١) في \"معاني القرآن\" له ١/ ٢١٦، نقله عنه بتصرف.","vol":"5","page":276},{"text":"لأنه لو كان كذلك، لقال: (ومُصدِّقًا لِمَا بين يَدَيْهِ) (١)، ولا يحسن أيضًا أن يتابع قوله: ﴿وَرَسُولًا﴾ (٢)؛ لأنه لو كان مردودًا عليه؛ لقال: (ومُصَدِّقًا لما بين يديكِ)، لأنه خاطب بذلك مريمَ، أو قال: (بين يديهِ) (٣).\nومعنى ﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ﴾: أي: للكتاب (٤) الذي أُنزِلَ قَبْلِي (٥). وإذا كان يُصَدِّقُ التوراةَ، كان أحرى أن يُتَّبع.\nوقوله تعالى: ﴿وَلِأحِلَّ لَكُمْ﴾ قال الفرَّاء (٦): الواوُ ههنا زائدةٌ مُقْحَمةٌ، كهي في قوله: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ [مِنَ الْمُوقِنِينَ]﴾ (٧)، المعنى: يُرِيهِ (٨) لِيَكونَ (٩).\n_________\n(١) (أي): إنه لو كان معطوفًا على ﴿وَجِيهًا﴾ لجاء بضمير الغيبة، لا بضمير المتكلِّم.\n(٢) (أي): يمتنع أن يتبع ﴿وَرَسُولًا﴾ في الإعراب.\n(٣) قال أبو حيان في \"البحر\" ١/ ٤٦٨: (وقد ذكرنا أنه يجوز في قوله ﴿وَرَسُولًا﴾، أن يكون منصوبًا بإضمار فعل؛ أي: (وأرسلت رسولا)، فعلى هذا التقدير، يكون ﴿وَمُصَدِّقًا﴾ معطوفًا على ﴿وَرَسُولًا﴾).\n(٤) في (ج): الكتاب.\n(٥) في (ب): قيل. في (ج): قيل. (د) من قبلي.\n(٦) في \"معاني القرآن\" له: ١/ ٢١٦. نقله عنه بالمعنى.\n(٧) سورة الأنعام: ٧٥. وما بين المعقوفين زيادة من: (ب)، وكذا وردت في \"معاني القرآن\". وانظر مذهب الفراء في زيادة الواو، في \"معاني القرآن\" ١/ ١٠٧، ٢٣٨، ٢/ ٥٠، ٢١١، ٣٩٠، ٣/ ٢٤٩.\n(٨) في (ج): نريد. ب، (د) نريه.\n(٩) قيل في قوله تعالى: ﴿وَلِيَكُونَ﴾ ثلاثة أقوال: الأول: إن الواو زائدة. الثاني: إنها عِلَّةٌ لمحذوف؛ أي: ولِيكون .. أريناه ذلك. الثالث: إنها عطف على عِلَّةٍ محذوفة؛ أي: ليستدل وليكون، أو ليقيم الحجة على قومه. وقال صلاح الدين العلائي: (تقديره: لِنبصِّره أو لِنُرْشده. ونحو ذلك. ثم عطف عليه ﴿وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾. الفصول المفيدة في الواو المزيدة، للعلائي: ١٤٧. وانظر: \"التبيان\" للعكبري ١/ ٣٤٢، \"الفريد\" للهمداني ٢/ ١٧٧، \"الدر المصون\" ٥/ ٧.","vol":"5","page":277},{"text":"وأهل التحقيق من النحويين قالوا: الواو لا تُقْحَمُ إلا معَ (حتى إذا)، ومع (لَمَّا) (١).\n_________\n(١) قال الفراء في \"معاني القرآن\" ١/ ٢٣٨ عن الواو في قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ ...﴾ آل عمران: ١٥٢: (وهو في (حتى إذا) و(فَلَمَّا أن) مقول، لم يأتِ في غير هذين). وقال في ٢/ ٣٩٠: (والعرب تدخل الواو في جواب (فلما) و(حتى إذا)، وتلقيها). وفي ٣/ ٢٤٩ بَيَّنَ أن العرب لم تجاوز هذين الموضعين. وانظر: \"تفسير الطبري\" ٣/ ٢٨٢. وبيان هذا الأمر: إن مذهب الكوفيِّيِنَ هو: جواز وقوع الواوِ زائدةً لغير معنى. وشاركهم من البصريين في هذا المذهب: الأخفشُ، وأبو القاسم بن بَرهان، وتبعهم ابنُ مالك. ونَسَب الرمَّانيُّ في كتابه \"معاني الحروف\" ٦٣، وأبو البركات الأنباري في كتابه \"الإنصاف\" ص ٣٦٦ القولَ بهذا الرأي للمبرد وهو من البصريين. ولكن المبرد في كتابه \"المقتضب\" ٢/ ٨٠ قال عن مذهب القائلين بزيادة الواو لغير معنى: (وهو أبدع الأقاويل؛ أعني زيادة الواو) مما يؤكد أنه لم يشذ عن مذهب البصريين. واستدل الكوفيُّون على مذهبهم هذا بأدلة من القرآن ولغة العرب، منها: زيادة الواو في ﴿وَفُتِحَتْ﴾ في قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ [الزمر: ٧٣] وزيادتها في ﴿وَاقْتَرَبَ﴾ في قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾ الأنبياء: ٩٧. وزيادته في ﴿وَنَادَيْنَاهُ﴾ في قوله: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ﴾ سورة الصافات: ١٠٣، وغيرها من الآيات. ومن شعر العرب، قول امريء القيس:\nفلَمَّا أجَزنا ساحةَ الحيِّ وانْتَحى ... بنا بَطْنُ خَبْتٍ ذي قِفافٍ عَقَنْقَل\nوغيرها من الأدلة. أمَّا البصريون فلا يُجيزون وقوع الواو مزيدةً، لأن الحروف عندهم (وضعت للمعاني، فذكرها بدون معنى يقتضي مخالفة الوضع، ويورثُ اللَّبْسَ. وأيضًا فإن الحروف وضعت للاختصار نائبة عن الجمل، كالهمزة فإنها نائبة عن (أستَفْهِم)، وزيادتها يُنقِصُ المعنى). الفصول المفيدة، للعلائي: ١٤٧. وتأول البصريون أدلة الكوفيين، وقالوا بأن الواو فيها عاطفة، وأن الجواب محذوفٌ مقدَّرٌ. يقول ابن جني: (فأما أصحابنا فيدفعون هذا التأويل البتَّة، ولا يجِيزون زيادةَ هذه الواو، ويرون أن أجوبة هذه الأشياء محذوفة للعلم بها =","vol":"5","page":278},{"text":"قالوا: أو، والواو ههنا للعطف على معنى الكلام الأول (١)، لأن معناه: (وجئْتُكم لأُصَدِّقَ ما بين يديَّ من التوراة، ولأُحِلَّ لكم). ومثله من الكلام: (جئتُ مُعتذِرًا إليه، لأجتَلِبَ رِضاه)؛ أي: لأعتذر، ولأجتلب (٢).\nوقال ابن الأنباري (٣): الَّلام في قوله: ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ﴾ (٤) صِلَةٌ لفعلِ مضمرٍ؛ كأنه قال: (ولأحلَّ لكم جئتكم)، وكذلك قوله: ﴿وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾، تقديره: ولِيكون من الموقنين نُرِيهِ (٥) ذلكَ (٦).\n_________\n= والاعتياد في مثلها). \"سر صناعة الإعراب\" ٢/ ٦٤٦. فمثلًا قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ قال البصريون: إن الواو فيها عاطفة، وجواب (إذا) محذوف، والتقدير فيه: حتى إذا جاؤوها وفتحت أبوابها، فازوا ونَعِموا. وهكذا ردُّوا على بقية الأدلة. انظر هذه المسألة، إضافة إلى المراجع التي ذكرت في \"معاني القرآن\" للأخفش: ١/ ١٢٤ - ١٢٥، \"تأويل مشكل القرآن\" ٢٥٢٢٥٤، \"شرح القصائد السبع\" لابن الأنباري: ٥٥، \"الإنصاف\" للأنباري ص ٣٦٦، \"شرح المفصل\" ٨/ ٩٣، \"رصف المباني\" ٤٨٧، و\"الجني الداني\" ١٦٤، \"المغني\" ٤٧٣، \"الحروف\" لأبي الحسين المزني ١١٠.\n(١) أي: للعطف على معنى ﴿مُصَدِّقًا﴾.\n(٢) في (ج): لاجتلب (بدون واو).\n(٣) لم أقف على مصدر قوله.\n(٤) (لكم): ساقطة من (د).\n(٥) في (ج): (بربه).\n(٦) وفي التوجيه الإعرابي لقوله ﴿وَلِأُحِلَّ﴾ أقوال أخرى، هي: إنها مردودة على قوله: ﴿بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ من آية ٤٩؛ أي: جئتكم بآية من ربكم، ولأحل لكم. أو معطوفة على عِلَّةٍ مقدَّرةٍ؛ أي: جئتكم بآية لأوسِّعَ عليكم ولأحل لكم، أو نحوها. أو إنها متعلقة بقوله: ﴿وَأَطِيعُونِ﴾ في آخر آية ٥٠؛ أي. اتَّبِعوني لأحلَّ لكم. وقد استبعد هذا الوجهَ السمينُ الحلبيُّ وجعله ممتنعًا. أو إنها معمولة لفعل مضمر بعد الواو؛ أي: وجئتكم لأحل .. انظر هذه الوجوه، في \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ٣٣٥، \"الكشاف\" ١/ ٤٣١، \"التبيان\" للعكبري: ١/ ١٩١، \"البحر المحيط\" ٢/ ٢٦٨ - ٢٦٩، \"الدر المصون\" ٣/ ٢٠٢ - ٢٠٣، \"روح المعاني\" ٣/ ١٧١.","vol":"5","page":279},{"text":"- قوله تعالى: ﴿بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾. قال المفسرون (١): أُحِلَّ لهم على لسان المسيح: لحومُ الإبل، والثُّرُوبُ (٢)، وأشياءُ مِنَ الطَّيْر، والحيتان، مما كان مُحرَّما في شريعة موسى ﵇. قال الله تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ (٣). وإنَّما قال (٤): ﴿بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾؛ لأن عيسى لم يأتهم بتحليل الفواحش من: القتل، والسَّرِقِ، والزِّنا.\nوذهب أبو عبيدة (٥) إلى أنَّ (بعضَ) ههنا بمَعنى: الكُلِّ، واحتجَّ ببيت لَبِيد:\nأو يعتَلِقْ (٦) بعضَ النفُوسِ حِمامُها (٧)\n_________\n(١) ممن قال بذلك: قتادة، والربيع، وابن جريج. انظر: \"تفسير الطبري\" ٣/ ٢٨٢، \"تفسير ابن أبي حاتم\" ٢/ ٦٥٧، \"زاد المسير\" ١/ ٣٩٣، \" الدر المنثور\" ٢/ ٦٢.\n(٢) في (ب): الشروب. و(الثُّروب): شحم رقيق يُغَشِّي الكرشَ والأمعاء، والمفرد: ثَرْب. انظر: \"القاموس المحيط\" ص ٦٢ (ثرب).\n(٣) سورة النساء:١٦٠. وبقيتها: ﴿وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا﴾.\n(٤) في (ج): (قيل).\n(٥) في \"مجاز القرآن\" ١/ ٩٤.\n(٦) في (د): (وتعليق).\n(٧) عجز بيت، وأوله:\nتَرَّاكُ أمْكِنَةٍ إذا لم أرضها\nوهو من معلقته، وقد ورد في \"ديوانه\" ٣١٣. كما ورد في \"مجاز القرآن\" ١/ ٩٤، \"معاني القرآن\" للزجاج: ١/ ٤١٥، \"الزاهر\" ٢/ ٢٣٧، ولم ينسبه، \"شرح القصائد السبع\" لابن الأنباري: ٥٧٣، \"معاني القرآن\" للنحاس ١/ ٤٠٣، \"تهذيب اللغة\" ١/ ٣٦٠، \"الخصائص\" ١/ ٧٤، \"المحتسب\" ١/ ١١١، \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٥٢ ب، \"شرح المعلقات السبع\" للزوزني: ص ١٠٩، \"شرح القصائد العشر\" للتبريزي: ١٦٠، \"تفسير البغوي\" ٢/ ٤١، \"اللسان\" ١/ ٣١٢ (بعض). =","vol":"5","page":280},{"text":"وأنكر عليه الآخرون أشدَّ (١) الإنكارِ (٢).\nوسنستقصي الكلام في (بعض) عند قوله: ﴿وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾ [غافر: ٢٨]، وأنه هل يجوز أن يكون بمعنى الكلِّ، أم لا؟. إنْ شاء الله.\n_________\n= وورد غير منسوب في \"الموضح في التفسير\" للحدادي: ٣٧، \"المخصص\" ١٧/ ١٣١. ويروي (منزلةٍ) بدلًا من: (أمكنةٍ)، و(أو يَرْتَبِط)، و(أو يَعْتَقِي) بدلًا من: (أو يعتلق). و(يرتبط)، و(يعتقي)، معناهما: يَحتَبِس. و(يعتلق): من (اعتلقه)؛ أي: أحبَّهُ، ويقال: (عَلِقَ بقلبه): أي: تشبَّث به. وعليه يكون معناها هنا معنى: يرتبط، ويعتقي. و(والحِمَام): الموت. انظر: \"شرح القصائد السبع\" ٥٧٣، \"اللسان\" ٥/ ٣٠٥٣ (عقا).\nومعنى البيت: إني أترك الأماكن التي أجتويها، إذا رأيت فيها ما أكره إلا أن يربط الموتُ نفسي فلا يمكنها البراح. وتحرير المعنى: إني لا أترك الأماكن التي أجتويها إلا أن أموت. انظر: \"شرح المعلقات السبع\" ٢٤٢، \"شرح القصائد العشر\" ١٦٠. والشاهد فيه عند أبي عبيدة: أنَّ (بعض) هنا تعني (كلَّ). وقد خالفه آخرون كما ذكر المؤلف، حيث إنَّه في هذا البيت لا داعي لإخراج لفظ (بعض) عن مدلوله مع إمكان صحةِ معناه؛ لأن لبيد يريد بـ (بعض) هنا نفسَهُ هُوَ، من بين نفوس الناس.\n(١) في (ج): (ابتدا).\n(٢) وممن أنكر عليه ذلك الزجاجُ، حيث قال: (وأنشد أبو عبيدة في ذلك بيتًا غلط في معناه) ثم قال: (وهذا كلام تستعمله الناس، يقول القائل: (بعضنا يعرفك)؛ يريد: أنا أعرفك، فهذا إنما هو تبعيض صحيح) \"معاني القرآن\" ١/ ٤١٥. أي: إن (بعض) هنا مستعملة في موضعها. لأن المتكلم بعض الناس. وقال ثعلب: (أجمع أهل النحو على أنَّ البعض شيء من أشياء، أو شيء من شيء) ثم ردَّ على من زعم أن المراد بـ (بعض) في بيت لبيد تعني: (كل) فقال عنه: (فادَّعى وأخطأ أنَّ (البعض) ههنا جمعٌ .. وانما أراد لبيد بـ (بعض النفوس): نفسَه). \"تهذيب اللغة\" ١/ ٣٦٠. وكذا ردَّه النحاس، في \"معاني القرآن\" ١/ ٤٠٣، وابن سيده، كما في \"اللسان\" ١/ ٣١٢، والزوزني في \"شرح المعلقات السبع\" ص ١٠٩.","vol":"5","page":281},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ قال أبو إسحاق (١): أي: لم أُحلَ لكم شيئًا بغير برهان، فهو حقيق (٢) عليكم اتِّباعي؛ لأنَّني أتيتكم (٣) ببرهان، وتحليل طيِّباتٍ كانت (٤) حُرِّمَتْ عليكم.\nوإنَّما وحَّد (٥) الآية، وكان قد أتاهم بآيات؛ لأنها كلُّها جنسٌ واحدٌ في الدلالة على رسالته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-555>٥١ </span>- وقوله تعالى: ﴿هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾. أي: طريق من طرق الدين مستوي. ومضى الكلام في معنى (الصراط المستقيم) (٦).\n<span data-type=\"title\" id=toc-556>٥٢ </span>- قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ﴾. معنى (الإحْساس) في اللغة: وُجودُ الشيء بالحاسة، من جهة المُلابَسة. هذا أصله ثم يختلف في الفرع، والأصل واحد (٧).\nقال الفرَّاء (٨): معنى ﴿أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ﴾ (٩)؛ أي: وجد.\n_________\n(١) في \"معاني القرآن\" له: ١/ ٤١٥، نقله عنه بنصه.\n(٢) في \"معاني القرآن\" (حق).\n(٣) في \"معاني القرآن\" (أنبئكم).\n(٤) (كانت): ساقطة من (د).\n(٥) من قوله: (وحد ..) إلى (.. رسالة): نقله بتصرف عن \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٥٤ أ.\n(٦) انظر تفسير آية: ٦ من الفاتحة، في \"تفسير البسيط\" (تح د/ الفوزان).\n(٧) قال السمين الحلبي: (وأصله من (الحاسة)، وهي: القوة التي تُدرك الأعراض الحسِّيَّة. و(الحواس): المشاعر .. ويقال: (حَسَسْتُ)، بمعنى: فهمت وعلمت، ولكن لا يقال إلا فيما كان من جهة الحاسة، وأما (أحسَسْت)، فحقيقته: أدركته بحاستي. قوله: ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ﴾، تنبيه: أنه قد ظهر منهم الكفر، ظهورًا بأن للحسِّ، فضلًا عن التفهم ..) \"عمدة الحفاظ\" ١٢٣ (حسس).\n(٨) في \"معاني القرآن\" له: ١/ ٢١٦.\n(٩) (منهم الكفر): ساقطة من (د).","vol":"5","page":282},{"text":"والإحساس (١): الوجود.\nوقال ابن المُظَفَّر (٢): ﴿أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ﴾: أي رأى. يقال: أحسَسْتُ من فلان أمرًا؛ أي: رأيت.\nوقال معْمَر (٣): أحسَّ؛ أي: عرفَ.\nوقال الزجَّاج (٤): أحسَّ في اللغة: عَلِمَ، ووجَدَ، ورأى (٥). يقال (٦): (هل أحسَسْتَ صاحبَكَ)؟؛ أي: هل رأيته. هذا كلام أهل اللغة.\nوقال ابن عباس في رواية عطاء: أحسَّ: عَلِمَ (٧).\nوقال مقاتل (٨): رأى، نَظِير (٩) قوله (١٠): ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ﴾ [مريم: ٩٨].\n_________\n(١) في (د): الإحساس (بدون واو).\n(٢) هو الليث بن المظفر، وقد سبقت ترجمته. ولم أقف على مصدر قوله هذا.\n(٣) هو أبو عبيدة، مَعْمر بن المُثَنَّى. وقوله في \"مجاز القرآن\" ١/ ٩٤.\n(٤) في \"معاني القرآن\" له: ١/ ٤١٦.\n(٥) (ورأى) غير مذكورة في \"معاني القرآن\" للزجاج. وقد أورد الأزهري في \"التهذيب\" ١/ ٨١٧ قولَ الزجاج هذا، ولم يذكر فيه (رأى).\n(٦) من قوله: (يقال ..) إلى (.. رأيته): غير موجود في \"معاني القرآن\" للزجاج، ولكن ذكره الأزهري في \"التهذيب\" ١/ ٨١٧ وعزاه للزجاج، مما يعني أن قولَ الزجاجِ هذا نقله المؤلف إما عن \"تهذيب اللغة\" أو عن نسخة أخرى لمعاني القرآن، لم يعتَمدها محقق الكتاب.\n(٧) لم أقف على مصدر هذه الرواية عن أبي عباس.\n(٨) قوله في \"تفسيره\" ١/ ٢٧٨. ويبدو أن المؤلف نقل قوله عن \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٥٤ أ؛ نظرًا لاتفاق عبارته معه.\n(٩) في (ب)، (ج)، (د)، \"تفسير الثعلبي\": نظيره.\n(١٠) في (ج): (وقوله). وعن ثعلب، قال في معنى هذه الآية: (معناه: هل تبصر، هل ترى؟). \"تهذيب اللغة\" ١/ ٨١٧ (حسس). =","vol":"5","page":283},{"text":"وقوله تعالى: ﴿مِنْهُمُ الْكُفْرَ﴾. يريد: القتل؛ وذلك أنَّهم أرادوا قتلَهُ حين دعاهم إلى الله (١) [تعالى] (٢)، فاستنصر عليهم، وقال:\n﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾. و(الأنصارُ): جمع (نَصِير)، مثل: (شَرِيف)، و(أشراف) (٣).\nقال الحسن (٤)، ومجاهد (٥): إنَّما استنصر طلبًا للحماية من الكافرين، الذين أرادوا قتله عند إظهار الدعوة، ولم يستنصر للقتال؛ لأنه لم يُبْعث بالحرب.\nوقوله تعالى: ﴿إِلَى اللَّهِ﴾. أكثر أهل التفسير على أن المعنى: مع الله (٦).\n_________\n= وقال ابن الأنباري في \"الزاهر\" ١/ ٣٣١: (معناه: هل تجد منهم من أحد.).\n(١) الكفر هنا بمعناه الأصلي الحقيقي، وإنما قال المؤلف: القتل؛ لأنهم أرادوا قتله، نظرًا لكفرهم وجحودهم دعوته، فكانت إرادة القتل من دوافع كفرهم وتكذيبهم به. هذا، والله تعالى أعلم. انظر: \"تفسير ابن أبي حاتم\" ٢/ ٦٥٩، \"تفسير الطبري\" ٣/ ٢٨٣، \"تفسير القرطبي\" ٤/ ٩٧.\n(٢) ما بين المعقوفين زيادة من (د).\n(٣) انظر: \"تفسير الطبري\" ٣/ ٩٢، ٢٨٦، \"الصحاح\" ٢/ ٨٢٩ (نصر).\n(٤) قوله في \"تفسير الطبري\" ٣/ ٢٨٦، \"تفسير ابن أبي حاتم\" ٢/ ٦٥٩، ولفظه عندهما: (استنصر، فنصره الحواريون، وظهر عليهم.)، وورد قوله كذلك في \"النكت والعيون\" ١/ ٣٩٦.\n(٥) قوله في \"تفسير الطبري\" ٣/ ٢٨٦، \"النكت والعيون\" ١/ ٣٩٦، \"زاد المسير\" ١/ ٣٩٤، ولفظه عند الطبري: (قال: كفروا وأرادوا قتله؛ فذلك استنصر قومه).\n(٦) هو قول: السدِّي، ومقاتل، وابن جريج، وسفيان بن عيينه، والكسائي، وابن قتيبة، والطبري، ومكِّي بن أبي طالب. انظر: \"تفسير مقاتل\" ١/ ٢٧٨، \"تأويل مشكل القرآن\" ٥٧١، \"تفسير غريب القرآن\" لابن قتيبة: ١٠٦، \"تفسير الطبري\" ٣/ ٢٨٤، \"معاني القرآن\" للنحاس ١/ ٤٠٥، \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٥٥ أ، وتفسير=","vol":"5","page":284},{"text":"قال الفرَّاء (١): وهو وجه حسن، وإنَّما يجوز أن تجعل (إلى) في موضع (مع)؛ إذا ضممت الشيءَ إلى الشيءِ (٢)، مما لم يكن معه؛ كقول العرب: (الذَّوْدُ إلى الذَّودِ؛ إبِل) (٣)؛ أي (٤): إذا ضممت الذَّوْدَ إلى الذَّودِ (٥)، صارت إبِلًا. فإذا كان الشيءُ مع الشيءِ، لم يصلح مكان (مع) (إلى) (٦)، ألا ترى أنَّك تقول: قَدِمَ فلانٌ ومعه مالٌ كثيرٌ، ولا تقول في هذا الموضع: وإليه مالٌ كثير (٧). وكذلك تقول: قَدِمَ فلانٌ إلى أهله، ولا\n_________\n= المشكل من غريب القرآن: ٤٩. ويبدو أن المؤلف نقل هذه العبارة عن \"معاني القرآن\" للفراء: ١/ ٢١٨، ونصُّها عند الفراء: (المفسرون يقولون: من أنصاري مع الله).\n(١) في \"معاني القرآن\" له: ١/ ٢١٨. نقله عنه مع تصرف يسير جدًّا.\n(٢) (إلى الشيء): ساقطة من: (ج).\n(٣) في (ج): الدود إلى الدود. وفي \"معاني القرآن\" إنَّ الذود إلى الذود. و(الذَّوْدُ) من الإبل من الثلاثة إلى العشرة، أو من الثلاثة إلى التسع، وقيل غير ذلك. ولفظ (الذود) مؤنث. انظر: \"المذكر والمؤنث\" للفراء: ٧٧، \"المنتخب\" لكراع النمل: ١/ ٢٩١، \"المذكر والمؤنث\" لابن الأنباري: ١/ ٥٢٢، \"المجمل\" ٣٦٢ (ذود)، \"اللسان\" ٣/ ١٥٢٥ (ذود). وهذا القول مَثَلٌ من أمثال العرب، وهو في كتاب الأمثال، لأبي عبيد بن سلام: ١٩٠، \"تأويل مشكل القرآن\" ٥٧١، وجمهرة الأمثال، لأبي هلال العسكري: ١/ ٤٥٨، ٤٦٢، ٢/ ٢٢٦، ٢٨٩، والمخصص: ٧/ ١٢٩، ١٤/ ٦٧، ١٧/ ٩، وفصل المقال في شرح كتاب الأمثال، لأبي عبيد البكري: ٢٨٢، ومجمع الأمثال، للميداني: ١/ ٢٨٨. والمستقصى من أمثال العرب، للزمخشري: ١/ ٤٢٢، \"اللسان\" ٣/ ١٥٢٥ (ذود).\n(٤) من قوله: (أي ..) إلى (.. الذود): ساقط من (د).\n(٥) في (ج): (الدود إلى الدود).\n(٦) (إلى): ساقطة من (د).\n(٧) في \"معاني القرآن\": قدم فلان وإليه مال كثير.","vol":"5","page":285},{"text":"تقول: مع أهله، ومنه قوله (١): ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢] معناه: لا (٢) تُضيفوا (٣) أموالهم إلى أموالكم في الأكل (٤).\nوقال أبو إسحاق (٥): (إلى) ههنا إنما قاربت معنى (مع)، بأن صار اللفظ لو (٦) عُبِّرَ عنه بـ (مع) (٧) أفاد مثل هذا المعنى، لا أنَّ (إلى) في معنى (مع) (٨). لو قلت: (ذهب زيد إلى عمرو)، لم يجز أن تقول: (مع عمرو) في (٩) هذا الموضع؛ لأن (إلى) غاية، و(مع) تضمُّ الشيءَ إلى الشيءِ، والمعنى في الآية: من يضيف نُصْرَته إيَّايَ إلى نُصْرةِ الله. والحروف (١٠)، إنما يقع بعضها مكان بعض؛ لنوع تقارب في المعنى؛ لا أنَّ (١١) أحدهما يقوم مقام الآخر، كقوله: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١]؛ أي: على. وأصل (في): إنما هو للوعاء (١٢)، وأصل (على): لما علا [على] (١٣)\n_________\n(١) في (أ): (قولهم). والمثبت من بقية النسخ، ومن \"معاني القرآن\".\n(٢) في (ج)، (د)، \"معاني القرآن\": (ولا).\n(٣) في (ب): (لا تضيعوا).\n(٤) في الأكل: غير موجودة في \"معاني القرآن\".\n(٥) في \"معاني القرآن\" له: ١/ ٤١٦ نقله عنه بالمعنى.\n(٦) في (د): (إذ).\n(٧) في (ب): (مع)، بدون الباء.\n(٨) (مع): ساقطة من: (ج).\n(٩) في (ج)، (د): (وفي).\n(١٠) في (ج): (والحروف).\n(١١) في (ج): (لأن) بدلًا من (: لا أن).\n(١٢) في (ب): (الدعاء).\n(١٣) ما بين المعقوفين زيادة من (د). وفي \"معاني القرآن\" ١/ ٤١٧: (وأصل (على) لما مع الشيء).","vol":"5","page":286},{"text":"الشيء، تقول: (التمرُ في الجِراب)؛ المعنى فيه: أنَّ الجِراب مشتمل عليه، ولو (١) قلت: (التمرُ على الجِرابِ)، لم يصلح (٢) في هذا المعنى.\nوجاز ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾، بمعنى: على، لأن الجِذْع مشتمل على المصلوب، ولو قلت: (زيدٌ في الجبل)، و(على الجبل). [يصلح] (٣)؛ لأن (٤) الجبل قد اشتمل على زيد، فعلى هذا مَجاز هذه الحروف (٥).\nوقوله تعالى: ﴿قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ﴾ اختلفوا في (الحواريِّين): فقال ابن عباس في رواية سعيد بن جبير (٦): كانوا\n_________\n(١) في (ج): (لو بدون واو).\n(٢) (لم يصلح): ساقطة من: (ج).\n(٣) ما بين المعقوفين: زيادة من \"معاني القرآن\" ليتم بها المعنى.\n(٤) في (ج): (أن).\n(٥) انظر: \"تفسير الطبري\" ٣/ ٢٨٤، \"معاني القرآن\" للنحاس ١/ ٤٠٥. وقد سبق الحديث عن تناوب حروف الجر في التعليق على تفسير المؤلف لقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾، آية: ٩ من آل عمران. وانظر كذلك في هذا المعنى \"إعراب القرآن\" المنسوب للزجاج: ٨٠٦، \"الخصائص\" لابن جني: ٢/ ٣٠٦٣١٥.\nوقد قال ابن الأنباري كما نقل عنه ابن الجوزي في \"زاد المسير\": ١/ ٣٩٣: (ويجوز أن يكون المعنى: من أنصاري إلى أن أبين أمر الله). وذكر الماوردي في \"النكت والعيون\" ١/ ٣٩٥ بقية الأقوال في الآية إضافة إلى ما سبق، وهي: من أنصاري في السبيل إلى الله. وقيل: من ينصرني إلى نصر الله. وقيل: من ينقطع معي إلى الله.\n(٦) هذه الرواية في \"تفسير ابن أبي حاتم\" ٢/ ٦٥٩، \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٥٥ أ، \"النكت والعيون\" ١/ ٣٩٥، \"زاد المسير\" ١/ ٣٩٤، وأوردها السيوطي في \"الدر\" ٢/ ٦٢، وزاد نسبة إخراجها للفريابي، وعبد بن حميد، وابن المنذر. وأخرجها البخاري تعليقًا، فقال: (وقال ابن عباس: .. وسُمَّيَ الحواريُّون لبياض ثيابهم) ٧/ ٧٩ \"الفتح\" كتاب فضائل أصحاب النبي، باب: مناقب الزبير بن العوام.","vol":"5","page":287},{"text":"صيَّادين، سُمُّوا حواريين؛ لبياض ثيابهم.\nقال السُدِّي (١): وذلك أنَّ عيسى [﵇] (٢) مرَّ بهم وهم يصطادون السمكَ، فقال: ما تصنعون؟ فقالوا (٣): نصطاد السمك. قال: أفلا تمشون حتى نصطاد الناس؟ قالوا: وكيف ذاك؟ قال: من أنصاري إلى الله؟ قالوا: ومن أنت؟ قال: أنا عيسى بن مريم، عبد الله ورسوله، فآمنوا به، وانطلقوا، فهم الحواريُّون.\nقال ابن الأنباري (٤): وهذا قول بعض اللُّغَويِّين (٥)، يقول: الحواريُّون: النِظَافُ الثِّياب؛ من قول العرب: (قد حُرْت الثوبَ): إذا غسلته، ونَظَّفته، قال: وإنما يراد بنظافة الثياب: نظافةُ الأديان والأعمال. يقال: (فلانٌ نظيف الثياب): إذا كان صالحًا، و(دَنِسُ الثياب): إذا كان غادرًا و(٦) فاجرًا. قال امرؤ القيس:\nثِيابُ بني عَوْفٍ طَهارى نقِيَّةٌ (٧)\n_________\n(١) قوله هذا جزء من أثر طويل أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٣/ ٢٨٤ - ٢٨٦.\n(٢) ما بين المعقوفين زيادة من (د).\n(٣) في (ج): (قالوا بدون فاء).\n(٤) في \" الزاهر\" ١/ ١٢١ - ١٢٢، ونقله عنه بالمعنى، ولكن قوله: (وإنما يراد ..) وما بعده، غير موجود في كتابه \"الزاهر\" في هذا الموضع، وإنما ورد معناه في نفس الكتاب في ١/ ٥٣٩، فإما أن يكون المؤلف نقل بالمعنى من الموضعين ولَفَّق بينهما، أو يكون نقله من كتاب آخر لابن الأنباري.\n(٥) في (ج): (الكوفيين). وقد عزا ابن الأنباري هذا القول لقطرب، وهو محمد بن المستنير.\n(٦) في (ج)، (د): (أو).\n(٧) في (ج): (نظيفة). وهذا صدر بيت، وعجزه:\nوأوْجهُهُم عند المشاهد غُرَّانُ","vol":"5","page":288},{"text":"أراد بـ (الثياب): الأفعال.\nوقال [ابن عباس] (١) في رواية عَطَاء (٢): كانوا قَصَّارين (٣)، وكانوا يُحَوِّرُون الثياب؛ أي: يُبَيِّضونَها (٤).\n_________\n= وقد ورد في ديوانه: ص ١٦٧، كما ورد منسوبًا له، في \"الزاهر\" ١/ ٥٣٩، \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٢٢٦ (طهر)، ٣/ ٢٦٥٢ (غرر)، \"الصحاح\" ٢/ ٧٦٧ (غرر)، \"اللسان\" ٥/ ٢٧١٢ (طهر)، ٦/ ٣٢٣٤ غرر)، \"التاج\" ٧/ ٣٠١. وترويه بعض المصادر السابقة: (.. وأوجُهُهُم بِيضُ المَسافِرِ غُرَّان). و(طَهارى) و(أطهار): جمع طاهر، وترد (طهارى) نادرة. و(غُرَّان): جمعٌ، ومفردها: (أغَرُّ). و(رجل أغرُّ الوجه): إذا كان أبيض الوجه، و(هو من قومٍ غُرِّ، وغُرَّان). و(مَسَافِر الوجه): ما يظهر منه. انظر: \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٦٥٢ (غرر)، \"اللسان\" ٥/ ٢٧١٢ (طهر)، و٤/ ٢٠٢٤ (سفر). قال ابن الأنباري: (وهم يكنون بالثياب عن النفس والقلب ..)، ثم قال عن البيت: (معناه: هم في أنفسهم طاهرون). \"الزاهر\" ١/ ٥٣٩. وقال عنه الزبيدي: (أي: إذا اجتمعوا لغرْم حَمَالةٍ، أو لإدارة حرب، وجدت وجوههم مستبشرة، غير منكرة). \"التاج\" ٧/ ٣٠١.\n(١) ما بين المعقوفين زيادة من (د).\n(٢) ورد معنى هذه الرواية عن عطاء دون رفع إلى ابن عباس في \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٥٥ أ، وفي \"تفسير البغوي\" ٢/ ٤٢. وورد هذا القول عن أبي أرطأة يرويه عن ابن أبي نجيح، كما في \"تفسير الطبري\" ٣/ ٢٨٧، \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٥٥ أ. وورد عن الضحاك ومقاتل، كما في \"زاد المسير\" ١/ ٤٩٤، \"غرائب القرآن\" ٣/ ٥٠١، \"البحر المحيط\" ٢/ ٤٧١.\n(٣) قَصَرَ الثوبَ قِصَارةً: حَوَّره ودقَّهُ. وقصَّره تقصيرًا، مثله. والقصَّار، والمُقَصِّرُ: المُحَوِّرُ للثياب، لأنه يدُقُّها بالقَصَرَةِ، وهي قطعة من الخشب، وحرفته: القِصارَةُ. والمِقْصَرَةُ: خشبة القصَّار. انظر: \"اللسان\" ٦/ ٣٦٤٩ (قصر).\n(٤) انظر: \"غريب الحديث\" لأبي عبيد: ١/ ٢١٧، \"تهذيب اللغة\" ١/ ٦٩٦ (حور)، \"مقاييس اللغة\" ٢/ ١١٦ (حور)، \"اللسان\" ٢/ ١٠٤٤ (حور).","vol":"5","page":289},{"text":"وهو قول مصعب (١)، قال (٢): كانوا مع عيسى، اتَّبعوه وصدَّقوه (٣)، وكانوا إذا احتاجوا إلى الطعام أو (٤) الشراب، دعا الله تعالى، فيخرج (٥) من الأرض ما يأكلون، وما يشربون، أينما كانوا. فقالوا له (٦): من (٧) أفضل منَّا؟ إذا شئنا أطعمتنا، وإذا شئنا سقيتنا، وقد آمنَّا بك!؟ فقال: أفضل (٨) منكم من يعمل بيده، ويأكل من [كسبه] (٩). قال: فصاروا يغسلون الثياب بالكراء، ثمَّ صار هذا الاسم مُستعمَلا فيمن أشبههم (١٠) من المُصدِّقين بأنبيائهم (١١)؛ تشبيهًا بهم.\nوروى جُوَيْبِر (١٢) عن الضحَّاك، قال (١٣): مرَّ عيسى ﵇ بغسَّالين،\n_________\n(١) هو: مصعب بن سعد بن أبي وقاص الزهري، أبو زرارة المدني، تابعي، ثقة كثير الحديث. توفي سنة (١٠٣هـ). انظر: \"الجرح والتعديل\" ٨/ ٣٠٣، \"المراسيل\" ٢٠٦، \"تهذيب التهذيب\" ٤/ ٨٤.\n(٢) قوله في \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٥٥ ب.\n(٣) في (ب): (وصل وقوه).\n(٤) في (ب)، (د): (و).\n(٥) في (ج): (ليخرج).\n(٦) في (ب): (أيا الـ) بدلًا من: (له).\n(٧) (من): ساقطة من: (ب).\n(٨) في (أ)، (ب): (يال)، والمثبت من: (ج)، (د).\n(٩) ما بين المعقوفين غير مقروءة في (أ). والمثبت من: بقية النسخ، ومن \"تفسير الثعلبي\".\n(١٠) في (ب): (أشباههم).\n(١١) (بانبيائهم): ساقطة من (ج)، (د).\n(١٢) هو: أبو القاسم، جويبر بن سعيد الأزدي البلخي. تقدمت ترجمته.\n(١٣) الأثر في \"تفسير ابن أبي حاتم\" ٢/ ٦٥٩، \"الدر المنثور\" ٢/ ٦٣، وزاد نسبته إلى عبد بن حميد.","vol":"5","page":290},{"text":"يغسلون الثياب، فدعاهم إلى عبادة الله ﷿، فآمنوا، فسمَّاهم الله: حواريين. قال: وهي (١) بلغة النَّبَط (٢): هواري (٣).\nقال أبو بكر (٤): فمن أخذ بهذا القول، قال: هذا حرفٌ اشتركت فيه لغة العرب ولغة (٥) النَّبَطٍ. وهذا قول مقاتل بن سليمان: إنَّ الحواريِّين القصَّارون (٦). قال أبو بكر (٧):\n_________\n(١) (وهي): ساقطة من (د).\n(٢) في (ب): (وهي بلغة القيطي).\nو(النَّبَطُ): جِيْل ينزلون سواد العراق، ويقال: النَّبيط، والأنباط. والمفرد: نَبَطي، ونُباطي، ونَباط، ويقال كذلك: بَناطي. انظر (نبط) في \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٤٩٧، \"التاج\" ١٠/ ٤٢٥. وفي الموسوعة العربية الميسرة: أنهم قبائل بدوية كانت تعيش في الصحراء في شرق الأردن، وقامت لهم دولة قديمًا، سنة (١٦٩ ق. م)، وعاصمتهم البتراء، ولغتهم العربية. ص: ٢٣١ - ٢٣٢.\n(٣) انظر: \"المهذب فيما وقع في القرآن من المعرب\" للسيوطي: ٨٦، وقد أورد هذا الأثر عن الضحاك، وأورد عن ابن جريج فيما يرويه عنه ابن المنذر: (الحواريون: الغسَّالون للثياب، وهي بالنبطية: الحوار)، وأشار محقق الكتاب الدكتور التهامي الهاشمي إلى أن هذه اللفظة في اللغة الحبشية تعني: (رسول)، ولها أصل في الآرامية، وتعني عندهم: (الأبيض).\n(٤) هو ابن الأنباري، وقد ورد التصريح باسمه في \"الدر المصون\" ٣/ ٢١٠. ولم أقف على مصدر قوله.\n(٥) في (ب): (واللغة).\n(٦) قوله في \"تفسيره\" ١/ ٢٧٨. قال: (فمرَّ عيسى ﵇ على الحواريين، يعني: على القصارين. غسَّالي الثياب).\n(٧) في (ج): قال أبو بكر ومقاتل.\nولكن لم أجد هذا القول لمقاتل في تفسيره، ولا في بقية المصادر التي رجعت إليها، ولم يعزه أحد منها إليه، ولم تذكره بقية النسخ؛ لذا أهملته، ولم أثبته في الأصل؛ لما ترجح عندي أنه سبق قلم من الناسخ. وقول أبي بكر بن الأنباري، في \"الزاهر\" ١/ ١٢١، ونصُّه: (وقال آخرون: الحواريون: المجاهدون، واحتجوا بقول الشاعر: ..)، ثم ذكر الشعر، وبقية العبارات غير موجودة في \"الزاهر\" فقد يكون المؤلف نقل قوله هذا عن كتاب آخر له، أو أنه أضاف هذه العبارات من عنده، توضيحًا وشرحًا. والله أعلم.","vol":"5","page":291},{"text":"ويقال (١): الحوارُّيون: المجاهدون، وسُمِّيَ أصحابُ عيسى\nحواريين؛ لمجاهدتهم معه، وصبرهم على منازعة أهل الكفر، وأنشد:\nونحن أناسٌ يملأُ البَيْضَ هامُنا ... ونحنُ حَواريُّون حينَ نُزاحِفُ.\nجماجمُنا يومَ اللقاءِ تِراسُنا ... إلى الموت نمشي (٢) ليس فيها تَجانُفُ (٣)\n_________\n(١) في (ج): (يقال بدون واو).\n(٢) في (ج): (تمشي).\n(٣) لم أهتد إلى قائله. وهما في \"الزاهر\" ١/ ١٢١، \"زاد المسير\" ١/ ٣٩٤ وقد ورد البيت الثاني فيهما برواية: (.. ليس فينا ..).\nومعنى (البَيْضَ) هنا: الحديد الذي يوضع على الرأس لحمايته في العرب، وهي: الخُوذَة، ومفردها: بَيْضَة.\nوقوله: (هامُنا): جمع (هامة)، وهي: الرأس. وقوله: (نزاحف) من (الزَّحْفِ)، وهو: المشي قليلًا، قليلًا. ويراد به هنا الزحف لقتال العدو. و(الجماجم)، جمع: جُمْجُمَة، وقد يريد بها هنا جمجمة الرأس، أو يريد: جماجم القوم؛ أي: ساداتهم ورؤساؤهم، ويكون معنى البيت في هذه الحال: أن سادتهم يتقدمونهم للحرب، ويكونون لهم كالترس الواقي. و(التِراسُ)، جمع: (تُرْس)، وتجمع كذلك على (أتراس) و(تِرَسة) و(تُروس)، وهو: ما يُتَوقَّى به في الحرب. و(تَجانُف): تمايل. وهي مصدر: (تَجانَفَ)، أي: مال. وقد وردت في المخطوطة (تجانف) بكسر النون، وأثْبَثُّ ما رأيته صوابًا؛ لأن (تَفاعَلَ) يأتي مصدرها على (تَفاعُل) بضم العين. انظر: \"المزهر\" للسيوطي: ٢/ ٨١ وانظر: \"اللسان\" ٨/ ٤٧٢٣ (هوم)، ٣/ ١٨١٦ (زحف)، ٢/ ٦٨٦ (جمم)، ١/ ٤٢٨ (ترس)، ٢/ ٧٠٠ (جنف)، \"المعجم الوسيط\" ١/ ٧٨ (بيض)، (١٠١١) (هوم).","vol":"5","page":292},{"text":"والمختار من هذه الأقوال عند أهل اللغة: أنَّ هذا الاسم لزمهم للبياض. قال (١) أبو عبيد (٢): سُمَّي أصحاب عيسى الحواريين، للبياض، وكانوا قصَّارين.\nقال الفرزدق (٣):\nفقلت إنَّ الحوارِيَّات مَعْطَبَةٌ ... إذا تَفَتَّلْنَ (٤) من تَحْتِ الجَلابِيبِ (٥)\nيعني: النساء (٦).\nورُوي عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"الزُّبَير (٧) ابنُ (٨) عمَّتي، وحَواريَّ من\n_________\n(١) من قوله: (قال ..) إلى (.. هم خاصة الصحابة): نقله بتصرف قليل واختصار في بعض المواضع عن \"تهذيب اللغة\" ١/ ٦٩٦.\n(٢) قوله في \"غريب الحديث\" ١/ ٢١٧، وقد نقله عنه الأزهري بمعناه، ونقله الواحدي عن الأزهري.\n(٣) هو: أبو فراس، هَمَّام بن غالب بن صعصعة التميمي. تقدمت ترجمته.\n(٤) في (د): (تقتلن).\n(٥) البيت، في ديوانه: ٢٥. كما ورد في \"تهذيب اللغة\" ١/ ٦٩٦ (حور)، \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٥٦ أ، \"اللسان\" ٢/ ١٠٤٣ (حور)، \"الدر المصون\" ٣/ ٢٠٩. ومعنى (مَعْطَبَة): مَهْلَكَة؛ من: (عَطِبَ)، أي: هلك. و(تفَتَّلْنَ): تمايلن، وتلَوَّيْنَ، وأصلها من: (فَتَلَ الحبلَ، وفتَّله): إذا لواه و(الجلابيب): جمع (جِلْباب): القميص أو الثوب الواسع. انظر (عطب) في \"القاموس\" ص ١١٦، و(فتل) في \"اللسان\" ٦/ ٣٣٤٤، \"القاموس\" ص١٠٤١، و(جلب) في \"القاموس\" ص ٦٨.\n(٦) انظر هذا المعنى في: \"جمهرة اللغة\" لابن دريد: ٢٥٨ (حور)، \"تهذيب اللغة\" ١/ ٦٩٦ (حور). قال ابن دريد: (الحَواريَّات: النساء الحَضَرِيَّات؛ سُمِّين بذلك لنقائهن، وبياضهنَّ).\n(٧) في (ب): (النصر).\n(٨) في (ب): (بين بن).","vol":"5","page":293},{"text":"أمَّتي\" (١).\nقال أبو عبيد (٢): أصل هذا إنما كان (٣) بُدُوَّهُ (٤) الحواريُّون (٥)،\n_________\n(١) الحديث بهذا اللفظ: أخرجه الإمام أحمد في \"المسند\" ٣/ ٣١٤ (وانظر: \"الفتح الرباني\" للبنا: ٢٢/ ٢٤٠)، وأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف: ٦/ ٣٧٩ (٣٢١٥٤). وورد في \"غريب الحديث\" ١/ ٢١٧، وأورده المتقي الهندي في \"كنز العمال\" ١١/ ٦٨٢، وعزاه لأحمد.\nوورد بلفظ: \"إن لكل نبي حواريَّ، وإن حواريَّ الزبير بن العوام\". أخرجه البخاري (٣٧١٩)، كتاب: فضائل أصحاب النبي - ﷺ -، باب: مناقب الزبير بن العوام (٤١١٣) كتاب: المغازي، باب، غزوة الخندق (٢٨٤٦) باب: فضل الطيعة، (٢٨٤٧) باب: هل يبعث الطليعة وحده، (٢٩٩٧) باب: السير وحده من كتاب: الجهاد. وأخرجته الكتب التالية بنصه أو قريبًا منه: صحيح مسلم: (٢٤١٥) كتاب فضائل الصحابة، باب (من فضائل طلحة والزبير). وسنن الترمذي: (٣٧٤٤)، (٣٧٤٥) كتاب المناقب، باب، ٢٤، ٢٥، \"مسند أحمد\" ١/ ٨٩، ٣/ ٣٠٧. (وانظر: \"المسند\" بشرح: أحمد شاكر: ٢/ ٧٩). \"سنن ابن ماجه\" (١٢٢)، المقدمة، باب: فضل الزبير. وانظر: \"صحيح سنن ابن ماجه\" للألباني: ١/ ٢٧). \"المستدرك\" ٣/ ٣٦٢ كتاب معرفة الصحابة، \"الحلية\" لأبي نعيم: ٤/ ١٨٦، وأورده الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" ٩/ ١٥١، والمتقي الهندي في \"كنز العمال\" ١١/ ٦٨٢. والزبير، هو: ابن العوّام بن خويلد الأسدي القرشي، تقدمت ترجمته.\n(٢) قوله في \"غريب الحديث\" ١/ ٢١٧، وقد نقله عنه الأزهري في \"تهذيب اللغة\" ١/ ٦٩٦ بمعناه، ونقله الواحدي عن الأزهري.\n(٣) في (د): (يكون).\n(٤) في (ب): (بد). وفي \"تهذيب اللغة\" بَدْؤُهُ، وليس موجودة في \"غريب الحديث\" وأثبتُّها كما هي أعلاه؛ لاتفاق النسخ عليها، ولصحة معناها؛ لأن (البُدُوَّ)، يعني: الظهور، من: (بدا)؛ أي: ظهر، (يبدو، بَدْوًّا، وبَدًا). أما (بَدْؤُهُ)، فهي من: (بَدَأ، يبدَأ، بَدْأ)، و(البَدْءُ): فعلُ الشيءِ أوَّلُ. انظر: \"اللسان\" ١/ ٢٣٤ (بدا)، و١/ ٢٢٣ (بدأ).\n(٥) في (ب): (الحواريين).","vol":"5","page":294},{"text":"أصحاب عيسى؛ سُمُّوا بذلك لأنهم كانوا يحوِّرون الثياب، وهو (١): التبييض، فلما كانوا هؤلاء أنصار عيسى دون الناس، قيل لكلِّ ناصرٍ نَبِيَّهُ: (حواريٌ)، تشبيها بأولئك.\nوروى (٢) ثَعْلَب عن ابن الأعرابي: الحوارُّيون: الأنصار، وهم خاصَّة الصحابة (٣)، وهذا معنى قول قتادة (٤)، والكلبي (٥)، وأبي رَوْق (٦)، قالوا: الحواريُّون: خَواصُّ عيسى، وأصفياؤه (٧). واختاره الفرَّاء (٨).\nوروى شَمِر عن ابن الأعرابي، أنه قال (٩): الحواري: الناصح، وأصله: الشيء الخالص. وكلُّ شيءٍ خَلَصَ لونُهُ، فهو: حَواري. والحواريَّات من النساء: النَّقِيَّاتُ الألوان والجلود.\nقال أبو عبيدة (١٠): يقال لنساء الأمصار: حواريات؛ لأنهنَّ تباعدن\n_________\n(١) في (ج): (وهي).\n(٢) في (ج): (روي بدون واو).\n(٣) في \"تهذيب اللغة\" أصحابه. وأشار محققه في الهامش إلى ورود (الصحابة) في نسخة أخرى للتهذيب.\n(٤) قوله في \"تفسير الطبري\" ٦/ ٤٥٠، \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٥٦ ب، \"تفسير البغوي\" ٢/ ٤٣.\n(٥) قوله في \"تفسير البغوي\" ٢/ ٤٣.\n(٦) قوله في \"تفسير الطبري\" ٣/ ٢٨٧، يروي عن الضحاك.\n(٧) في (ج): (وأصفيائه).\n(٨) في \"معاني القرآن\" له: ١/ ٢١٨.\n(٩) لم أهتد إلى مصدر رواية شمر عن ابن الأعرابي.\n(١٠) من قوله: (قال أبو عبيدة ..) إلى نهاية بيت الشعر. نقله عن \"تهذيب اللغة\" ١/ ٦٩٧، والأزهري في \"التهذيب\" ذكر معنى قول أبي عبيدة.\nونص قوله كما في \"مجاز القرآن\" ١/ ٩٥: (و(الحواريات) من النساء: الاتي لا ينزلن البادية، وينزلن القرى. قال الحادي: (لمَّا تضمَّنت الحواريات). وقال أبو جلدة اليشكري: ..) وذكر بيت الشعر.","vol":"5","page":295},{"text":"عن قَشَفِ الأعرابيات، وأنشد:\nفَقُلْ للحواريَّات يَبكِينَ غيرَنا ... ولا يبْكِينا إلاَّ الكلابُ النَّوابِحُ (١)\nواختار الزجَّاج هذا القول، وقال (٢): الحُذَّاقُ باللغة يقولون: الحواريون: صفوة الأنبياء، الذين خَلَصوا (٣)، وأخْلصوا في التصديق بهم، ونُصرتهم (٤).\n_________\n(١) البيت لأبي جِلْدة بن عبيد اليشكري. وقد ورد منسوبًا له، في \"مجاز القرآن\" ١/ ٩٥، \"تفسير الطبري\" ٣/ ٢٧٨، \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٤١٨،\"معاني القرآن\" للنحاس ١/ ٤٠٧، \"المؤتلف والمختلف\" للآمدي: ١٠٦، ١٠٧، \"الصحاح\" ٢/ ٦٤٠ (حور)، \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٥٦ أ، وفيه (ابن حلزة)، \"المحرر الوجيز\" ٣/ ١٣٩، \"اللسان\" ٢/ ١٠٤٤ (حور)، \" البحر المحيط\" ٢/ ٤٧٠. وورد غير منسوب، في غريب لحديث، لأبي عبيد: ١/ ٢١٧، \"الجمهرة\" لابن دريد: ٢٨٥ (نبح)، \"الزاهر\" ١/ ١٢١، \"تهذيب اللغة\" ١/ ٦٩٧ (حور)، \"معجم مقاييس اللغة\" ٢/ ١١٦ (حور)، \"أساس البلاغة\" ١/ ٢٠٥ (حور)، \"تفسير القرطبي\" ٤/ ٩٨. وقد ورد البيت في أكثر المصادر بلفظ: (.. ولا تبكنا.)، وفي \"التهذيب\". (ولا يَبكِينَ)، وفي المؤتلف والمختلف: (فقل لنساء المصر ..). ومعنى البيت: قل للنساء الحضريات، المترفهات، البيضاوات، يبكين غيرنا، أما نحن، فغير مترفين ولا مرفهين، بل من أهل البدو، فلا تبكي علينا إلا الكلاب النوابح التي تخرج معنا للصيد.\n(٢) \"معاني القرآن\" له: ١/ ٤١٧، نقله عنه بتصرف يسير.\n(٣) في (د): (أخلصوا).\n(٤) هذا الذي قاله الزجاج، إنما هو من إطرادات كلمة (حواري)، وتقرير حال أولئك الذي أطلِقت عليهم هذه الكلمة، وليس تفسيرًا لفظيًا لها، لأن أصل كلمة (حَوَرَ) هو: شدة البياض، وكما بيَّن المؤلف أن أصحاب عيسى ﵇ وخاصته، سُمُّوا بذلك؛ لتبييضهم الثياب، فجرى هذا الاسم لهم، ثم أطلق على خاصَّة الأنبياء وناصريهم. انظر: \"تفسير الطبري\" ٣/ ٢٨٧، \"المحرر الوجيز\" ٣/ ١٣٨.","vol":"5","page":296},{"text":"وقوله تعالى: ﴿نَحْنُ أَنصَارُ الله﴾. أي: أنصار دين الله، آمنَّا بالله، واشهد يا عيسى بأنَّا مسلمون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-557>٥٣ </span>- وقوله تعالى: ﴿فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ قال عطاء، عن ابن عبَّاس (١): يريد: مِن النبيِّين (٢)؛ لأن كل نبي شاهدُ أمتِّهِ.\nقال: فنبَّأهم الله -تعالى- أجمعين، إجابة (٣) لهم، فأحيوا الموتى، وصنعوا كل ما صنع عيسى (٤).\nوقال أكثر أهل التفسير (٥): (اكتبنا [مع الشاهدين] (٦»: مع الذين شهدوا للأنبياء بالصدق. ومعنى (اكتبنا معهم): أَثبِت أسماءَنا مع أسمائهم؛\n_________\n(١) ورد الأثر عن عطاء دون أن يُرفع إلى ابن عباس، في \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٥٧أ، \"تفسير البغوي\" ٢/ ٤٣، \"زاد المسير\" ١/ ٣٩٥. وورد من رواية عكرمة من ابن عباس: (قال: مع محمد وأمَّتِهِ، فإنهم قد شهدوا أنه قد بلغ، وشهدوا للرسل على أنهم قد بَلَّغوا) أخرجه الطبراني في \"المعجم الكبير\" ١١/ ٢٧٩، رقم (١١٧٣٢).\n(٢) هكذا جاءت في جميع النسخ (من النبيين)، وعند الثعلبي: (مع النبيين). وقد ورد عن ابن عباس في هذا المعنى قولَه: (من محمد - ﷺ - وأمته أنهم قد شهدوا له أنه قد بلغ، وشهدوا للرسل أنهم قد بلَّغوا). انظر: \"تفسير ابن أبي حاتم\" ٢/ ٦٦٠، \"معاني القرآن\" للنحاس ١/ ٤٠٧، \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٥٧ أ، \"تفسير البغوي\" ٢/ ٤٣، \"تفسير ابن كثير\" ١/ ٣٩٢، \"الدر المنثور\" ٢/ ٦٣، وزاد نسبة إخراجه للفريابي، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وأبي الشيخ، وابن مردوية.\n(٣) في (ج): (أجابهم).\n(٤) من قوله: (قال: فنبأهم ..) إلى (.. ما صنع عيسى): هذه الزيادة لم أقف عليها فيما رجعت إليه من مصادر.\n(٥) ممن قال بهذا الطبري، في تفسيره: ٣/ ٢٨٨، والزجاج، في \"معاني القرآن\" ١/ ٤١٨، والنحاس، في \"معاني القرآن\" ١/ ٤٠٧.\n(٦) ما بين المعقوفين: زيادة من: (د).","vol":"5","page":297},{"text":"لنفوز بمثل (١) ما فازوا، وننال مِن الكرامة مثل ما نالوا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-558>٥٤ </span>- [و] (٢) - قوله تعالى: ﴿وَمَكَرُواْ﴾. أصل (المَكْر) في اللغة: السعي في الفساد (٣) في خفية، ومُداجاة (٤).\nقال الزجاج (٥): يقال: (مَكَرَ الليلُ، وأمْكَر): إذا أظلم (٦).\nقال ابن عباس (٧): يريد: أنَّ عامَّة بني إسرائيل كفروا به، وهَمَّوا بقتله، وتواطئُوا على الفتك به، فذلك مكرهم به.\nوقوله تعالى: ﴿وَمَكَرَ اللَّهُ﴾. قال أهل المعاني (٨): المَكْرُ مِنَ (٩)\n_________\n(١) في (د): (مثل).\n(٢) ما بين المعقوفين: زيادة من (د).\n(٣) في (ج)، (د): (بالفساد).\n(٤) انظر (مادة: مكر) في \"كتاب العين\" ٥/ ٣٧٠، \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٤٣٤، \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٥٧ أ، \"اللسان\" ٧/ ٤٢٤٧، \"التاج\" ٧/ ٤٩٣٤٩٤. و(المُداجاة): من: (داجى الرجلَ): ساتره بالعداوة، وأخفاها عنه، فكأنه أتاه في الظلمة. و(المداجاة): المداراة، و(داجَيتة): داريته، وكأنك ساترته العداوة انظر: \"اللسان\" ٣/ ١٣٣٢ (دجا).\n(٥) لم أقف على مصدر قوله وقد ذكره كذلك السمين الحلبي في \"الدر المصون\" ٣/ ٢١٢، ولم يبين مصدره.\n(٦) لم أعثر على هذا المعنى فيما رجعت إليه من مصادر اللغة، وقد ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ٣/ ٥٧ أقائلًا: (قال أهل المعاني: المكر: السعي بالفساد في سَتر ومُداجاة، وأصله من قول العرب: (مكَرَ الليلُ): إذا أظلم).\n(٧) لم أقف على مصدر قوله وقد أورد معناه ابنُ الجوزي في \"زاد المسير\" ١/ ٣٩٥.\n(٨) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٢١٨، \"معاني القرآن\" للزجاج، ١/ ٤١٩، \"معاني القرآن\" للنحاس ١/ ٤٠٨، \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٥٧ أ.\n(٩) في (د): (في).","vol":"5","page":298},{"text":"المخلوقين: خِبٌّ (١) وخِداعٌ، وهو مِنَ الله: استدراجه العِبادَ. قال الله تعالى: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٢).\nقال ابن عباس في تفسيره (٣): كلَّما أحدثوا خطيئةً، جدَّدْنا (٤) لهم نعمةً. وليس المراد بـ (مَكْرِ اللهِ) في هذه الآية، هذا الوجه. ووجه (مكرِ اللهِ) بهم في هذه القصَّة، ما قال الزجاج، وهو أنه قال (٥): المكر من الله ﷿: المجازاة على ذلك، فسُمِّي باسمه، كقوله: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾، وقد مرَّ (٦)\n_________\n(١) في (د): (خبث). (الخِبُّ) بكسر الخاء: الخِداع، والخُبْثُ، والغِشُّ. و(الخَبُّ) بفتح الخاء، وقد تكسر: الخدَّاع، الذي يسعى بين الناس بالفساد، والفعل منه: (خَبَّ)؛ أي: خَدَعَ وغشَّ غشًا منكرًا، و(خبَّبَهُ تخبيبًا): خدعه وأفسده. انظر (مادة: خبب) في \"المجموع المغيث في غريبي القرآن والحديث\": ١/ ٥٤١، \"القاموس\" ٧٧.\n(٢) سورة الأعراف: ١٨٢، والقلم: ٤٤.\n(٣) في (ج): (تفسير). وقوله أورده الثعلبي في \"تفسيره\" ٣/ ٥٧ أ، وذكره المؤلف في تفسيره \"البسيط\"، تح (د). الفوزان) ٢/ ٥٤١، والقرطبي في \"تفسيره\" ٤/ ٩٨.\n(٤) في (ج): (حددنا).\n(٥) في \"معاني القرآن\" له: ١/ ٤١٩، نقله عنه باختصار.\n(٦) انظر: \"تفسير البسيط\" للمؤلف: [البقرة: ١٥]. والواحديُّ عند تفسيره لهذه الآية أوَّلَ الاستهزاء الوارد في الآية بالمجازاة؛ أي: يجازيهم جزاء استهزائهم، وأجراه على المجاز، لا على الحقيقة، وما ذكره المؤلف حول معنى الاستهزاء، والمكر الوارد في هذه الآيات إنما هو من لوازم معانيها، والواجب في مثل هذه الألفاظ الاستهزاء، والمكر، والخديعة، والسخرية الواجب فيها أن تُثبت على الحقيقة، كما أثبتها الله لنفسه، دون تأويل. وتُجرى وفق ما يليق به تعالى ولكن لا يُشتَق من هذه الأفعال التي أطلقها الله على نفسه أسماءٌ منها، فلا يقال: ماكر، ولا مستهزيء، حاشاه عن ذلك؛ وذلك أن هذه الأفعال في إطلاقاتها، أوسع من=","vol":"5","page":299},{"text":"قال المفسرون: ومكْرُ اللهِ بهم في هذه القصَّه: إلقاءُ شَبَهِ عيسى على (١) من دَلَّ عليه، حتى صُلِب بَدَلَه. قال ابن عباس: وذلك أن أحد الإنجيلية (٢) ممن آمن به، نافَقَ، فدلَّ (٣) عليه، فجعله (٤) الله تعالى في سورة عيسى، فأُخِذ فَصلِبَ (٥).\n_________\n= إطلاقات الأسماء. انظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ١٣٢ - ١٣٣، \"مجموع فتاوى ابن تيمية\" ٧/ ١١١ - ١١٢، \"إعلام الموقعين\" لابن القيم: ٣/ ٢١٧ - ٢١٨، \"مدارج السالكين\" ٣/ ٤١٥.\n(١) من قوله: (على ..) إلى (.. في سورة عيسى): ساقط من: (ج).\n(٢) في (د): (أصحابه).\n(٣) في (ج): (يدل).\n(٤) (أ)، (ب): (جعل)، وهي ساقطة من: (ج). والمثبت من (د).\n(٥) الذي وقفت عليه مما ورد عن ابن عباس: أن اليهود لمَّا أرادوا قتل عيسى ﵇ حاصروه، وحوارييه، ثم بعث رأسُ اليهود رجلًا خبيثًا ليدخل ويقتل عيسى ﵇، فرفع اللهُ عيسى، وألقى شبهَهُ على هذا الرجل، فلمَّا خرج الرجلُ إلى أصحابه بعد أن لم يرَ عيسى، ظنَّه أصحابُه أنه عيسى، فقتلوه وصلبوه. وقد أورد هذه القصة عن ابن عباس: الثعلبيُّ في \"تفسيره\" ٣/ ٥٧ ب، والبغوي في \"تفسيره\" ٢/ ٤٤٤٥، وابن الجوزي في \"الزاد\" ١/ ٣٩٥، وأوردها القرطبي في \"تفسيره\" ولم يعزها إلى ابن عباس. وكذا ورد عن السدِّي بمعناه كما في \"تفسير البغوي\" ٢/ ٤٥، وعن مقاتل في \"تفسيره\" ١/ ٢٧٨.\nوأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عباس من طريق سعيد بن جُبير قصَّةً، مُلَخصها: أن عيسى ﵇ لما خرج على أصحابه، وهم اثنا عشر رجلًا، قال لهم: (أيُّكم سيُلقى عليه شَبَهي، فيُقتَل مكاني، فيكون معي في الجنة؟) فتطوع أحدهم، فألقِيَ عليه شَبَه عيسى ﵇، ثم رفع عيسى إلى السماء، ولما جاء طلبُ اليهود، أخذوا الشبيه، فقتلوه وصلبوه.\nانظر: \"مصنف ابن أبي شيبة\": ٦/ ٣٤٢. وكذا ورد بهذا المعنى عن السُدِّي، كما في \"تفسير الطبري\" ٣/ ٢٨٩، وورد مثله عن قتادة في \"تفسير البغوي\" ٢/ ٤٥ =","vol":"5","page":300},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾. أي: أفضل المُجازين بالسيِّئَة العقوبة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-559>٥٥ </span>- قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى﴾. الآية. العامل في (إذ): قوله: ﴿وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ (١).\nواختلف أهل التأويل في هذه الآية على طريقين: أحدهما: إجراء الآية (٢) على سياقها من غير تقديم ولا تأخير. وهو قول الحسن (٣)، والكلبي (٤)، وابن جُريج (٥)، وابن زيد (٦)، ومَطَر (٧)، قالوا: معنى\n_________\n= فليس في هذه الروايات عن ابن عباس وغيره، أن الذي دلَّ عليه كان ممن نافق من أصحابه، ولكن ورد ذلك عن وهب، وهو: أن الذي دلَّ اليهود عليه أحدُ الحواريين من أصحاب عيسى ﵇ بعد أن أخذ رشْوَةً من اليهود، فلما دخل هذا الرجل إلى البيت الذي فيه عيسى، رفع اللهُ عيسى ﵇، وألقي شبَهَهُ على الرجل، فأخذه بعدها اليهود وقتلوه وصلبوه، ظنًا منهم أنه عيسى ﵇. انظر هذه الرواية عن وهب في \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٥٧ ب، \"تفسير البغوي\" ٢/ ٤٦.\n(١) أي إنها منصوبة بقوله: ﴿وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ أي ت ومكر الله بهم في هذا الوقت. وقيِل: إن الناصب لها، قوله: ﴿خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾. وقيل: إن الناصب لها، فعل مقدَّر، هو: (اذكر). انظر تفسير \"الكشاف\" ١/ ٤٣٢، \"غرائب القرآن\" ٣/ ٢٠٣، \"الدر المصون\" ٣/ ٢١٣.\n(٢) في (ج): (الإجراء).\n(٣) قوله في \"تفسير الطبري\" ٣/ ٢٨٩ - ٢٩٠، \"تفسير ابن أبي حاتم\" ٢/ ٦٦١، \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٥٨ ب، \"النكت والعيون\" ١/ ٣٩٧، \"تفسير البغوي\" ٢/ ٤٥، \"زاد المسير\" ١/ ٣٩٦، وأورده السيوطي في \"الدر\" ٢/ ٦٤.\n(٤) قوله في \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٥٨ ب، \"تفسير البغوي\" ٢/ ٤٥.\n(٥) قوله في \"تفسير الطبري\" ٣/ ٢٩٠، \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٥٨ ب، \"النكت والعيون\" ١/ ٣٩٧، \"تفسير البغوي\" ٢/ ٤٥، \"زاد المسير\" ١/ ٣٩٦.\n(٦) قوله في \"تفسير الطبري\" ٣/ ٢٩٠، \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٥٨ ب، \"النكت والعيون\" ١/ ٣٩٧.\n(٧) قوله في \"تفسير الطبري\" ٣/ ٢٩٠، \"معاني القرآن\" للنحاس ١/ ٤١٠، \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٥٨ ب، \"تفسير ابن كثير\" ١/ ٣٩٣. ومطر، هو: ابن طَهْمان الوَرّاق،=","vol":"5","page":301},{"text":"﴿مُتَوَفِّيكَ﴾: قابضك من غير موت. و(التَّوَفِّي): أخذُ الشيء وافيًا (١). وقد ذكرنا هذا فيما تقدم (٢).\nيدل على هذا القول: قوله: ﴿فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي﴾ [المائدة: ١١٧]، أي: قبضتني إلى السماء (٣).\nفعلى هذا، معنى قوله: ﴿مُتَوَفِّيكَ﴾: قابضك وافيا، لم ينالوا منك شيئًا (٤).\nوقال (٥) الربيع (٦): معناه: متوفيك وفاة نومٍ (٧)، للرفع (٨) إلى السماء،\n_________\n= أبو رجاء، السّلمي مولاهم، الخراساني، سكن البصرة، قال ابن حجر: (صدوق كثير الخطأ، وحديثه عن عطاء ضعيف). مات سنة (١٢٥هـ)، وقيل: (١٢٩هـ). انظر: \"ميزان الاعتدال\" ٥/ ٢٥١ - ٢٥٢، \"تقريب التهذيب\" ٥٣٤ (٦٦٩٩).\n(١) انظر (مادة: وفى) في \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٩٢٤ - ٣٩٢٥، \"مفردات ألفاظ القرآن\" للراغب: ٨٧٨، \"التاج\" ٢٠/ ٣٠٠.\n(٢) انظر: \"تفسير البسيط\" للمؤلف: ٣/ ٨٠٤ - ٨٠٥، وانظر في موضع آخر عند تفسير آية: ٢٨١ من البقرة.\n(٣) انظر: \"تفسير الطبري\" ٧/ ١٣٩، \"أبي السعود\" ٣/ ١٠١، \"البيضاوي\" (٦٨).\n(٤) وهذا الذي رجحه الطبري في \"تفسيره\" ٣/ ٢٨٩ - ٢٩٠، حيث قال: (وأولى هذه الأقوال بالصحة عندنا، قول من قال: (معنى ذلك: أني قابضك من الأرض، ورافعك إليَّ)؛ لتواتر الأخبار عن رسول الله - ﷺ -، أنه قال: (ينزل عيسى بن مريم فيقتل الدجال، ثم يمكث في الأرض مدَّة ذكرها، اختلفت الرواية في مبلغها، ثم يموت، فيصلي عليه المسلمون ويدفنونه\" ثم ذكر ابن جرير روايات في ذلك.\n(٥) في (ج): (قال).\n(٦) قوله في \"تفسير الطبري\" ٣/ ٢٨٩، \"معاني القرآن\" للنحاس ١/ ٤٠٩، والنكت العيون: ١/ ٣٩٧، \"تفسير البغوي\" ٢/ ٤٥، \"تفسير ابن كثير\" ١/ ٣٩٣.\n(٧) (نوم): ساقطة من: (ج). وقد وردت في جميع النسخ (يوم) بدلًا من: (نوم)، وما أثبتُّه هو الصواب؛ لأن المقصود بها أن الله رفعه إليه بعد أن نام، وقد سمَّى الله النوم وفاة، كما جاء في الدليل بعدها، وهو ما تدل عليه روايات الأثر في مصادره المذكورة سابقًا.\n(٨) في (د): (الرفع).","vol":"5","page":302},{"text":"يدلُّ عليه: قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ﴾ [الأنعام: ٦٠]. قال ابن عباس في رواية الوالبي (١): معناه: إنِّي مميتك. ووجه هذا القول؛ ما قال وهبٌ (٢): توفَّى اللهُ عيسى ثلاثَ ساعات من النهار، ثمَّ أحياه، ورفعه إليه (٣).\nوقال الواسطي (٤): معناه: إنِّي متوفيك عن شهواتك و[عن] (٥) حظوظ\n_________\n(١) هذه الرواية أخرجها البخاري في صحيحه تعليقًا: ٦/ ١٩٠ كتاب \"تفسير القرآن\" سورة المائدة، باب: ١٣. وهي كذلك في \"تفسير الطبري\" ٣/ ٢٩٠، \"تفسير ابن أبي حاتم\" ٢/ ٦٦١، \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٥٨ ب، \"تفسير البغوي\" ٢/ ٤٥، \"تفسير ابن كثير\" ١/ ٣٩٣. وأورَدَها السيوطى في \"الدر المنثور\" ٢/ ٦٤، وزاد نسبت إخراجها لابن المنذر. وانظر: \"تفسير ابن عباس ومروياته في التفسير\" ١/ ١٦٩.\n(٢) قوله في \"تفسير الطبري\" ٣/ ٢٩٠، \"تفسير ابن أبي حاتم\" ٢/ ٦٦١، \"مستدرك الحاكم\" ٢/ ٥٩٦، \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٥٨ ب، \"تفسير البغوي\" ٢/ ٤٥، \"المحرر الوجيز\" ٣/ ١٤٣، \"تفسير ابن كثير\" ١/ ٣٩٣.\n(٣) أخرج الحاكم عن وهب، قوله: (توفى الله عيسى ثلاث ساعات من نهار، ثم رفعه إليه، والنصارى تزعم أنه توفاه سبع ساعات من النهار، ثم أحياه ..). وقال الذهبي عن هذه الرواية: (رواه عبد المنعم بن إدريس عن أبيه عنه، قلت: وعبد المنعم، ساقط). \"المستدرك\" ٢/ ٥٩٦، كتاب: تواريخ المتقدمين. وأورد السيوطي عن وَهْب، قوله: (أماته الله ثلاثة أيام، ثم بعثه ورفعه). \"الدر المنثور\" ٢/ ٦٤، ونسب إخراجه لابن عساكر. قال الطبري رادًا على من قال بأن الله أماته في الدنيا ثم رفعه: (ومعلوم أنه لو كان قد أماته الله ﷿، لم يكن بالذي يميته مِيتةً أخرى، فيجمع عليه ميتتين، لأن الله ﷿ إنما أخبر عباده أنه يخلقهم ثم يميتهم ثم يحيهم ..). تفسيره: ٣/ ٢٩٢.\n(٤) قوله في \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٥٩ ب. وسماه الثعلبي: (أبو بكر الواسطي). وهو: أبو بكر، يوسف بن يعقوب بن الحسين الأصم، الواسطي. الإمام المُجوِّد، مقرئ واسط، وإمام جامعها، إمام جليل القدر، ثقة، محقق كبير، توفي سنة (٣١٣ هـ)، وقيل: (٣١٤ هـ). انظر: \"تاريخ بغداد\" ١٤/ ٣١٩، \"معرفة القراء الكبار\" ١/ ٢٥٠، \"سير أعلام النبلاء\" ١٥/ ٢١٨، \"غاية النهاية\" ٢/ ٤٠٤.\n(٥) ما بين المعقوفين زيادة من: (ج).","vol":"5","page":303},{"text":"نفسك؛ وذلك (١) أن عيسى لمَّا رُفع إلى السماء، صارت حالُهُ (٢) كحالِ الملائكةِ (٣) والطريق (٤) الآخر في هذه الآية: أنها على التقديم والتأخير.\nقال ابن عباس في رواية عطاء (٥): هذا مقدَّمٌ ومؤخَّرٌ، يريد: إني رافعك إليَّ، ومتوفيك بعد أن أُهبِطك إلى الأرض حتى تكون فيها، وتتزوج، وُيولَد لك، وتكون في أمَّة محمد، ومعهم حتى تموت. (٦) وفي حديث أبي هريرة: أنه يُدفن في حجرة النبي - ﷺ -، فيقوم أبو بكر وعمر يوم القيامة بين رسولين: محمد وعيسى ﵉ (٧).\n_________\n(١) من قوله: (وذلك ..) إلى (.. كحال الملائكة)، هذا التعليل ذكره الثعلبي تعليقًا على قول الواسطي، ولفظ الثعلبي في \"تفسيره\" ٣/ ٥٩ب، بعد أن ذكر قول الواسطي: (ولقد أحسن فيما قال؛ لأن عيسى ..)، ثم ذكره\n(٢) في (ج): (حالته).\n(٣) ورد هذا في \"تفسير البغوي\" ٢/ ٤٥، عن قتادة بدون سند قال: (ورفعه إليه، وكساه الريش، وألبسه النور، وقطع عنه لذَّة المطعم والمشرب، وطار مع الملائكة، فهو معهم حول العرش ..) وقد أورده القرطبي في \"تفسيره\" ٤/ ١٠٠، عن الضحاك ولم يسنده.\n(٤) في (ج): (الطريق) بدون واو.\n(٥) لم أقف على مصدر هذه الرواية\n(٦) ورد هذا القول عن الضحاك. انظر: \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٥٩ أ.\n(٧) حديث أبي هريرة ﵁ في نزول عيسى ﵇، ورد عنه من طرق وألفاظ مختلفة، فقد أخرجه البخاري في \"الصحيح\" (٣٤٤٨) كتاب الأنبياء، باب: ٤٩، و(٢٤٧٦) كتاب المظالم، باب: ٣١. ومسلم في الصحيح: (انظر: \"صحيح مسلم\" (١٥٥) كتاب: الإيمان، باب: نزول عيسى بن مريم حاكمًا). والترمذي (٢٢٣٣) كتاب الفتن، باب: ٥٤. وأحمد في \"المسند\" انظر: \"الفتح الرباني\" للبنا: ٢٤/ ٨٧، ٨٨ كتاب الفتن أبواب ظهور العلامات الكبرى)، والحاكم في \"المستدرك\" ٢/ ٥٩٥ كتاب التواريخ، والطبري في \"تفسيره\" ٣/ ٢٩٢. وقد ورد =","vol":"5","page":304},{"text":"قال الفرَّاء (١): يقال: إنَّ هذا مقَدَّمٌ ومؤَخرٌ؛ المعنى (٢): إني رافعك إليَّ، ومُطَهِّرُكَ من الذين كفروا، ومتوفيك بعد إنزالي إيَّاك إلى (٣) الدنيا.\nومثله من المقدَّم والمؤخر، قوله: ﴿أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾ [الكهف: ١] (٤)\n_________\n= فيها أنه يُتَوفَّى ويصلي عليه المسلمون ويدفنونه، ولكن لم أقف فيها على كونه يتزوج، ويولد له، أو كونه يُدفن في حجرة النبي - ﷺ - .. إلخ، إلا في رواية أوردها الثعلبي في \"تفسيره\" ٣/ ٥٩ ب، عن أبي هريرة، ولم يسندها، قال: (.. ثم يتزوج ويولد له، ثم يتوفى، ويصلي المسلمون عليه، ويدفنونه في حجرة النبي - ﷺ -. وفي سنن الترمذي، عن عبد الله بن سلام: (مكتوب في التوراة صفة محمد وصفة عيسى بن مريم يدفن معه، قال: فقال أبو داود [أحد الرواة في السند]: وقد بقي في البيت موضع قبر) وقال الترمذي: (هذا حديث حسن غريب). \"السنن\" (٣٦١١) كتاب المناقب، باب: ١. وفي \"الدر المنثور\" ٢/ ٦٥ قال: (وأخرج البخاري في تاريخه، والطبراني، عن عبد الله بن سلام، قال: (يدفن عيسى بن مريم مع رسول الله - ﷺ - وصاحبيه، فيكون قبره رابعا). وقد جمع ابن كثير والسيوطي روايات كثيرة في نزول عيسى ﵇ آخر الزمان، انظر: \"تفسير ابن كثير\" ١/ ٣٩٣، \"الدر المنثور\" ٢/ ٦٥.\n(١) في \"معاني القرآن\" له: ١/ ٢١٩. نقله عنه بنصه\n(٢) في \"معاني القرآن\": المعنى فيه.\n(٣) في \"معاني القرآن\": في.\n(٤) ويعني المؤلف بالتقديم والتأخير في الآية، على أن معناها. الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب قَيِّما، ولم يجعل له عِوَجًا. وهو مروي عن ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، واليه ذهب الطبري، والفراء، والزجاج. وقيل: ليس فيه تقديم ولا تأخير، والمعنى: ولم يجعل له عوجا، ولكن جعله قيِّما. وهو مروي عن قتادة. وكذلك ذهب إليه الفخر الرازي، وقال: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾ يدل على كونه كاملًا في ذاته، وقوله ﴿قِيَمًا﴾ يدل على كونه مكملا لغيره، وكونه كاملًا في ذاته، متقدم بالطبع على كونه مكملًا لغيره، فثبت بالبرهان العقلي أن الترتيب الصحيح =","vol":"5","page":305},{"text":"[الآية] (١)، وقوله: ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى﴾ (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [أي] (٣): و(٤) إلى سمائي ومحل كرامتي. فجعل ذلك رَفْعًا إليه؛ للتفخيم (٥) والتعظيم، ومثله، قوله: ﴿إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي﴾ [الصافات: ٩٩]، وإنما ذهب إبراهيم ﵇ من العراق إلى الشام، والتقدير: إلى أمر ربي، لأنه أمره بذلك المكان.\nوقوله تعالى: ﴿وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. أي: مُخرِجُك مِن بينهم؛ لأن كونه في جملتهم، بمنزلة التنجيس له بهم.\nوقوله تعالى: ﴿وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾.\n_________\n= هو: الذي ذكره الله تعالى، وهو قوله ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١) قِيَمًا﴾، فظهر أن ما ذكروه من التقديم والتأخير فاسد، يمتنع العقل من الذهاب إليه) \"تفسير الفخر الرازي\" ٢١/ ٧٦ انظر: \"تفسير الطبري\" (ط: دار الفكر): ١٥/ ١٩٠١٩١، \"معاني القرآن\" للفراء: ٢/ ١٣٣، \"معاني القرآن\" للزجاج: ٣/ ٢٦٧، \"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ٢١١٢١٢، \"تفسير القرطبي\" ١٠/ ٣٥١.\n(١) ما بين المعقوفين زيادة من (د).\n(٢) سورة طه: ١٢٩. والمعنى على التقديم والتأخير فيها: ولولا كلمة سبقت من ربك وأجل مسَمَّى لكان لزاما .. وهو قول قتادة، وأبي زيد، وأهل التفسير. انظر: \"تفسير الطبري\" (ط. دار الفكر): ٢٢/ ٢٣٢، \"تفسير الفخر الرازي\" ٢٢/ ١٣٣، \"تفسير البيضاوي\" ٢/ ٦٥.\n(٣) ما بين المعقوفين زيادة من: (ج، (د).\n(٤) الواو: ساقطة من: (ج)، (د).\n(٥) في (ب): (إلى التفخيم).","vol":"5","page":306},{"text":"قال ابن عباس في رواية عطاء (١): يعني بـ (الذين اتَّبعوه): الحواريّين ومن كان على دينهم.\nوقال قتادة (٢)، والربيع (٣)، والكلبي (٤)، ومقاتل (٥): هم أهل الإسلام من أمَّة محمد - ﷺ -، اتَّبعوا دين المسيح، وصدَّقوه بأنَّه (٦) رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم، وروح منه. فوالله ما (٧) اتَّبعه من دعاه (٨) ربًّا.\nوقوله تعالى: ﴿فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. يحتمل أن يكونوا فوقهم بالبرهان والحُجَّة، ويحتمل بالعِزِّ والغَلَبَةِ.\nوقال ابن زيد (٩): وجاعل النصارى فوق اليهود، فاليهود: مُسْتذلُّون\n_________\n(١) لم أقف على مصدر هذه الرواية. وورد في \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٦٠ أ، \"تفسير البغوي\" ٢/ ٤٦: أن الضحاك، ومحمد بن أبَّان، قالا: (يعني: الحواريون فوق الذين كفروا).\n(٢) قوله في \"تفسير الطبري\" ٣/ ٢٩٢، \"تفسير ابن أبي حاتم\" ٢/ ٦٦١، \"معاني القرآن\" للنحاس: ١/ ٤١١، \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٦٠ أ، \"النكت والعيون\" ١/ ٣٩٨، \"تفسير البغوي\" ٢/ ٤٦، \"زاد المسير\" ١/ ٣٩٧، \"الدر المنثور\" ٢/ ٦٤ وزاد نسبة إخراجه لعبد بن حميد.\n(٣) قوله في \"تفسير الطبري\" ٣/ ٢٩٢، \"تفسير ابن أبي حاتم\" ٢/ ٦٦١، \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٦٠ أ، \"النكت والعيون\" ١/ ٣٩٨، \"تفسير البغوي\" ٢/ ٤٦، \"زاد المسير\" ١/ ٣٧٩.\n(٤) قوله في \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٦٠ أ، \"تفسير البغوي\" ٢/ ٤٦، \"زاد المسير\" ١/ ٣٧٩.\n(٥) قوله في \"تفسيره\" ١/ ٢٧٩، \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٦٠ أ، \"تفسير البغوي\" ٢/ ٤٦.\n(٦) في (ب): (أنه).\n(٧) في (ب): (وربما).\n(٨) في (د): (ادعاه).\n(٩) قوله في \"تفسير الطبري\" ٣/ ٢٩٢، \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٦٠ أ، \"تفسير ابن عطية\" ٣/ ١٤٤، \"زاد المسير\" ١/ ٣٧٩.","vol":"5","page":307},{"text":"مقهورون، والنصارى وأهل الروم: لهم الملك والبسطة.\nو(الاتِّباعُ) على هذا القول، بمعنى: الادِّعاءُ والمحبَّة، لا بمعنى: اتِّباع الدين والمِلِّة (١). والاختيار: ما سبق من القولين.\nوقوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ﴾. عَدَل عن الغَيْبَة إلى الخطاب؛ لتَغليب الحاضر على الغائب، لمَّا دخل معه في المعنى، وهو محمد - ﷺ -. ووجه اتصال هذا الكلام بما قبله من المعنى: كأنَّه قيل: أمَّا الدنيا: فالحال فيها ما ذكرنا، وأما الآخرة: فيقع فيها الحكم في (٢) اختلافكم في الدين وأمر عيسى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-560>٥٦ </span>- قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ﴾ الآية. العذاب (٣) في الدنيا: القتل الذي نالهم (٤)، وينالهم (٥)، وسَبْي الذراري، وأخذ الجزية. ﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾. أي: مالهم مَن يمنعهم مِن عذاب الله.\n<span data-type=\"title\" id=toc-561>٥٧ </span>- قوله تعالى: ﴿فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ التَوْفِيَةُ: التكميلُ (٦) في الأداء.\nوقوله: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾. أي (٧): يعذِّبهم، ولا يرحمهم، ولا\n_________\n(١) يعني: أنه بناء على قول ابن زيد، يكون معنى اتباع النصارى لعيسى الوارد في الآية إنَّما هو: ادِّعاؤهم اتِّباعه ومحبته، وليس المراد به الالتزام الحقيقي باتباع دينه وملته؛ لأن واقع النصارى يخالف ذلك.\n(٢) في (ج): (على).\n(٣) من قوله: (العذاب ..) إلى (.. الجزية): نقله بنصه عن \"معاني القرآن\" للزجاج: ١/ ٤٢٠.\n(٤) في (ب): (أصابهم).\n(٥) في (ب): (ونالهم).\n(٦) في (ج): (التمليك).\n(٧) من قوله: (أي ..) إلى (.. ولا يثني عليهم): نقله بتصرف يسير عن \"معاني القرآن\" للزجاج: ١/ ٤٢١.","vol":"5","page":308},{"text":"يُثْنِي عليهم (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-562>٥٨ </span>- قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ﴾ ﴿ذَلِكَ﴾: إشارة إلى ما تقدَّم من النبأ عن (٢) عيسى ومريم والحواريِّين.\nوقوله تعالى: ﴿نَتْلُوهُ عَلَيْكَ﴾. قال ابن عباس (٣): يريد: نخبرك به. جَعَلَ إخبارَه به (٤)، وإظهارَهُ له (٥): تِلاوَةً، لأن التلاوة: إظهار وإخبار (٦).\n_________\n(١) المحبة هنا وفي غيرها من الآيات، صفة من صفات الله تعالى، وصف بها نفسه، ووصفه بها رسوله الكريم - ﷺ - وهي من صفاته تعالى الاختيارية المتعلقة بمشيئته. ومنهج السلف الكرام: وجوب اثبات ما أثبته الله لنفسه من صفات، وفق ما يليق به تعالى، دون تأويل، ولا تكييف، ولا تمثيل، ويُنفى عنه ما نفاه عن نفسه منها. وقد وردت صفة المحبة في آيات كثيرة منها ما ورد بالإيجاب، كقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [١٩٥من سورة البقرة] ومنها ما ورد بالسلب، كالآية السابقة في الأصل، والتي هي موضوع هذا التعليق. والمؤلف هنا أثبت لازم الصفة، وثمرتها وفق مذهب الأشاعرة، وإثبات الَّازم غير إثبات الصفة، فالله تعالى لا يحب الظالمين على الحقيقة، ومن نتيجةِ ولازِمِ وعدم محبتهم: أن يعذبهم، ولا يرحمهم، ولا يثني عليهم. والأشاعرة والمعتزلة ينفون هذه الصفة بدعوى إيهامها النقص في الخلق؛ لأنها عندهم: مَيْلُ المخلوق إلى ما يناسبه أو يستلذه، ويرجعها الأشاعرة إلى صفة الإرادة، فيقولون بأن محبَّة اللهِ للعبد: هي إرادة إكرامه ومثوبته. والمعتزلة بما أنهم لا يثبتون إرادة قائمة، به فإنهم يفسرون المحبة بأنها نفس الثواب الواجب عندهم على الله. وكلا المذهبين خالف الحقَّ وجانب الصواب والعدل. والصراط السوي، هو: مذهب السلف الكرام الذي أثبت هذه الصفة وغيرها من الصفات الواردة في الكتاب والسنة لله، على الحقيقة ويثبت معها نتائجها ولوازمها. انظر: \"مجموعة فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية\" ٢/ ٣٥٤، \"شرح العقيدة الواسطية\" ٤٤ - ٤٦، \"المفسرون بين التأويل والإثبات في آيات الصفات\" ١/ ٣٩٦ - ٣٩٩.\n(٢) في (د): من.\n(٣) لم أقف على مصدر قوله.\n(٤) (به): ساقطة من (د).\n(٥) (له): ساقطة من: (ج).\n(٦) وإخبار: ساقطة من (د). قال ابن فارس: (التاء، واللام، والواو، أصل واحد،=","vol":"5","page":309},{"text":"ويجوز أيضًا أن تكون (١) التلاوة (٢) لجبريل ﵇، والله تعالى يضيفها إلى نفسه (٣)؛ لأن تلاوة جبريل بأمر الله [تعالى] (٤).\nومثله: ﴿نَحْنُ (٥) نَقُصُّ عَلَيْكَ﴾ (٦)، وأمثاله كثيرة. ومعنى ﴿مِنَ الْآيَاتِ﴾: أي (٧): من العلامات الدالة على تثبيت رسالتك (٨)؛ لأنها أخبار لا يعلمها إلا قارئ كتاب أو من يوحى إليه، وقد علموا أنك أمِّيٌّ لا تقرأ.\nوقوله تعالى: ﴿وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ﴾. يعني: القرآن. ولـ ﴿الْحَكِيمِ﴾ (٩) ههنا\n_________\n= وهو: الاتباع. يقال: (تَلَوته)؛ إذا تَبِعْتَه. ومنه: تلاوة القرآن؛ لأنه يُتبع آية بعد آية). \"معجم مقاييس اللغة\" ١/ ٣٥١ (تلو). وقال الراغب: والتلاوة تختص باتباع كتب الله المنزلة؛ تارة بالقرآن، وتارة بالارتسام لما فيها من أمر ونهي وترغيب وترهيب، أو ما يتوهم فيه ذلك، وهو أخصُّ من القراءة، فكل تلاوة قراءة، وليس كل قراءة تلاوة. ولا يقال: (تلوت رُقْعتك)، وإنما يقال في القرآن، في شيء إذا قرأته وجب عليك اتِّباعه). \"مفردات ألفاظ القرآن\" للراغب: ١٦٧ (تلو)، وانظر: \"اللسان\" ١/ ٤٤٤ (تلو).\n(١) في (ب): (يكون).\n(٢) (التلاوة): ساقطة من: (ب).\n(٣) (إلى نفسه): ساقطة من: (ب).\n(٤) ما بين المعقوفين زيادة من (د).\n(٥) (نحن): ساقطة من: (ج).\n(٦) مقطع من آية ٣ في سورة يوسف، وأية ١٣ من الكهف. وسياقها في سورة يوسف: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾.\n(٧) من قوله: (أي ..) إلى (.. لا تقرأ): نقله بتصرف واختصار عن \"معاني القرآن\" للزجاج: ١/ ٤٢١.\n(٨) انظر هذا المعنى لـ ﴿الْآيَاتِ﴾، في \"الصحاح\" ٦/ ٢٢٧٥ (أيا)، \"اللسان\" ١/ ١٨٢ (أيا).\n(٩) في (ج): (والحكيم).","vol":"5","page":310},{"text":"معنيان:\nأحدهما: أنه بمعنى: الحاكم، مثل: القدير، والعليم، ومعناه: ذو الحِكْمَةِ (١) في تأليفه ونظمه، وإبانة (٢) الفوائد فيه. [والحِكْمَة: أصله في اللغة: المنع عن الفساد. والقرآنُ حاكمٌ، على معنى: أنه بما فيه] (٣) من العِبَرِ والدِّلالات، مانع عن الكفر والفساد. وهذا كما وُصِفت الدِّلالةُ بأنَّها الدليلُ؛ لأنها بمنزلة الناطق بما فيها من البيان. وهذا الوجه، اختيار الزجَّاج (٤).\nالثاني: أنَّه بمعنى: المُحكَم، (فَعِيل) بمعنى: (مُفعَل).\nقال الأزهري (٥): وهو سائغ (٦) في اللغة؛ لأن (حَكَمتُ) يجري مجرى (أَحْكَمت) في المعنى، فَرُدَّ إلى الأصل.\nومعنى (المُحْكَم) في القرآن: أنه أُحكِم بالأمر والنهي، وبيان الحلال والحرام. قال الله تعالى: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾ [هود: ١]. وهذا قول مقاتل (٧). قال: الحكيم: هو المُحكَمُ من الباطل. قال الليثُ (٨):\n_________\n(١) في (ج): (ذو القدرة).\n(٢) في (ج): (وآياته).\n(٣) ما بين المعقوفين زيادة من (ج)، (د). قال الزجاج: (وأصل (ح، ك، م) في الكلام: المَنْعُ. وسُمِّيَ الحاكمُ حاكمًا؛ لأنه يمنع الخصمين من التظالم. و(حَكَمَة الدابَّة)، سُمِّيت (حَكَمَةً)؛ لأنها تمنعه من الجِماح. وفي كتب السلاطين القديمة: (واحكُم فلانًا عن ذلك الأمر)؛ بمعنى: امنعهُ). تفسير أسماء الله الحسنى، للزجاج: ٤٣. وانظر: \"مقاييس اللغة\" ٢/ ٩١ (حكم)، \"الزاهر\" ١/ ٢٠٧.\n(٤) في \"معاني القرآن\" له: ١/ ٤٢١. وانظر: \"معاني القرآن\" للنحاس ١/ ٤١٣.\n(٥) في \"تهذيب اللغة\"١/ ٨٨٥ (حكم)، نقله عنه بالمعنى.\n(٦) في (د): (شائع).\n(٧) في \"تفسيره\" ١/ ٢٧٩.\n(٨) قوله في \"تهذيب اللغة\" ١/ ٨٨٥ (حكم).","vol":"5","page":311},{"text":"وسمَّى الأعشى القصيدَةَ المحكَمةَ: (حكيمةً)؛ فقال (١):\nوغَرِيبَةٍ تأتي المُلوكَ حكيمةٍ ... قد قُلتُها ليُقالَ مَنْ ذا قالَها (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-563>٥٩ </span>- و(٣) قوله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ﴾ (٤) الآية.\nنزلت في وَفْدِ نجران، حين قالوا للنبي - ﷺ -: (وهل رأيت ولدًا من غير ذكرٍ؟)؛ فأنزل الله تعالى هذه الآية (٥). وقد ذكرنا معنى (المَثَل) فيما تقدم (٦)، وأن المراد به بيان أنَّ سبيلَ الثاني سبيلُ الأول.\nفالله تعالى قد ذكر في القرآن قصَّهَ آدَمَ، وإنشاءه إيَّاه من غير والدٍ، ثم دلَّ في هذه الآية على أنَّ سبيلَ الثاني (٧) وهو عيسى، في إنشائِه، وخَلْقِهِ من غير ذَكَرٍ سبيلُ الأول، وهو آدَم.\n_________\n(١) في (ج): (وقال).\n(٢) البيت، في ديوانه: ١٤٤، \"تهذيب اللغة\" ١/ ٨٨٥ (حكم)، \"اللسان\" ٢/ ٩٥١ (حكم). وأراد بـ (الغريبة): القصيدة.\n(٣) الواو: زيادة من (د).\n(٤) (كمثل آدم): ليست في (ب)، (د).\n(٥) ورد هذا السبب بألفاظ مختلفة في \"تفسير الطبري\" ٣/ ٢٩٥، ٤٧١، يرويه عن قتادة، والسدِّي، وابن زيد، ولفظه عن قتادة: (ذُكِر لنا أن سيِّديْ أهل نجران وأسْقُفَّيهم: السيد، والعاقب، لقيا نبي الله - ﷺ - فسألاه عن عيسى، فقالا: كل آدمي له أب، فما شأن عيسى لا أب له؟ فأنزل الله ﷿ فيه الآية (إنَّ مثل عيسى ..). وأورده السيوطي في \"الدر\" ٢/ ٦٦ وزاد في نسبته إلى عبد بن حميد. ووردت روايات أخرى من طرق أخرى في سبب نزول هذه الآية، قريبة من السابقة، انظرها في \"تفسير الطبري\" ٦/ ٤٦٨ - ٤٧١، \"تفسير ابن أبي حاتم\" ٢/ ٦٦٥، \"أسباب النزول\" للواحدي: ٩٩، \"لباب النقول\" للسيوطي ٥٢، \"الدر المنثور\" ٢/ ٦٧.\n(٦) انظر: \"تفسير البسيط\" [البقرة: ٢٦] تحقيق د. الفوزان.\n(٧) (الثاني): ساقطة من: (ج).","vol":"5","page":312},{"text":"وفي هذه الآية حجةٌ على من أنكر القياس؛ لأن الله تعالى احتجَّ فيها على المشركين، ولا يجوز أن يدلَّهم إلاَّ بما فيه دليلٌ. فقياس (١) خَلْقِ عيسى من غير ذَكَرٍ، كقياسِ خَلْقِ آدم، بل الشأن فيه أعجب؛ لأنه خُلِقَ من غير ذَكَرٍ ولا أنثى.\nوقوله تعالى: ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾. أي: في الخَلْق والإنشاء. خَلَقَ عيسى من غير أب، كما خَلَقَ آدمَ من غير أبٍ ولا أُمٍ. وتمَّ الكلام عند قوله: ﴿كَمَثَلِ آدَمَ﴾ (٢)، وهو جملةُ تامَّةٌ، وتشبيهٌ كاملٌ. ولو اقتصر عليه حصل المراد. قال: ﴿خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ﴾ وهذا ليس بِصِلَه لـ ﴿آدَمَ﴾، ولا صِفَةٍ، لأن الصلة للمبهمات (٣)، والصفة للنكرات (٤)، ولكنَّهُ خبرٌ مستأنَفٌ على جهة التفسير لحال آدم (٥).\n_________\n(١) في (ب): (فيقاس).\n(٢) ممن قال بأن الوقف تامٌّ: يعقوب، وقال أبو بكر بن الأنباري: إن الوقف هنا: حسنٌ، وليس بتامٍّ ولا كافٍ. انظر كتاب \"إيضاح الوقف والابتداء\" لابن الأنباري: ٢/ ٥٧٨، \"القطع والائتناف\" للنحاس ٢٢٦، \"منار الهدى\" للأشموني: ٦٣.\n(٣) لأن (آدم) معرفة، والمعارف لا تُوصل، وإنما الصلات للنكرات. انظر: \"معاني القرآن\" للفراء: ١/ ٢١٩، \"تفسير الطبري\" ٣/ ٢٩٦.\n(٤) لأن الجُمَل بعد النكرات صفات، و(آدم) مَعْرِفة، ولذا لا تكون الجملة بعده صفة له، لأن الجمل لا تكون إلا نكرة، فلا توصف بها معرفة.\n(٥) أي: إنها جملة مفسرة لوجه التشبيه، فلا وجه لها من الإعراب، وهذا الوجه هو الأظهر.\nوقيل: إنها في محل نصب على الحال من (آدم)، مع تقدير (قَدْ) معها لتقربه من الحال؛ لأن الفعل الماضي لا تصل بالأعلام إلا إذا أضمر معه (قَدْ)، والعامل فيها معنى التشبيه. وقال أبو البركات بن الأنباري في كتابه \"البيان\": إنها جملة مفسرة للمَثَلِ، وهي في موضع رفع؛ لأنها خبر لمبتدأ محذوفٍ؛ كأنه قيل: ما =","vol":"5","page":313},{"text":"قال الزجَّاج (١): وهذا كما تقول في الكلام: (مَثَلُك، مَثلُ زيدٍ). تريد: أنك تشبهه في فِعْلٍ، ثم تخبر بقصَّة زيد، فتقول: كذا وكذا.\nوقوله تعالى: ﴿ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾. اختلفوا في المَقُولِ له ﴿كُنْ﴾: فالأكثرون (٢): على أنه (آدَمُ)، وعلى هذا يقع الإشكال في لفظ الآية؛ لأنه إنما يقول له: (كُنْ) قبل أن يخلقه لا بعده، وههنا يقول: ﴿خَلَقَهُ﴾، ﴿ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ﴾. والجواب:\nإنَّ الله تعالى أخبرنا أوَّلًا أنه خلق آدم من غير ذَكَر ولا أنثى، ثم ابتدأ خبرًا آخَرَ، أراد أَنْ يُخبرنا به، فقال: ثم (٣) إني أخبركم أيضًا بعد خبري الأول: أني قلت له ﴿كُنْ﴾، فكان، [فجاء] (٤) [(ثم)] (٥) لمعنى (٦) الخبر الذي تقدم، والخبر الذي تأخر في الذِّكْر، لا أن (٧)\n_________\n= المثل؟ فقال: خلقه من تراب. أي: المَثَلُ خلَقَهُ من تراب ..). انظر: \"معاني القرآن\" للفراء: ١/ ٢١٩، \"تفسير الطبري\" ٣/ ٢٩٦، \"البيان\" للأنباري: ١/ ٢٠٦، \"الدر المصون\" ٣/ ٢١٨، \"منار الهدى\" ٦٣.\n(١) في \"معاني القرآن\" له: ١/ ٤٢٢، نقله عنه بتصرف يسير. والزجَّاج هنا يوضح كيف كانت ﴿خَلَقَهُ﴾ جملة مفسرة.\n(٢) انظر: \"تفسير الطبري\" ٣/ ٩٦، \"تفسير ابن أبي حاتم\" ٢/ ٦٦٥ وقد رواه عن ابن إسحاق، \"المحرر الوجيز\" ٣/ ١٤٨.\n(٣) (ثم): ساقطة من: (ج) و(د).\n(٤) ما بين المعقوفين زيادة من: (د)، وهي كذلك في \"الدر المصون\" ٣/ ٢٢٠؛ حيث نقل السمينُ الحلبيُّ قولَ الواحدي كاملًا.\n(٥) ما بين المعقوفين زيادة من: (ج)، (د)، وكذلك هي في \"الدر المصون\" ٣/ ٢٢٠، ولكن وردت فيه: (بثم).\n(٦) في (ج)، (د): (بمعنى).\n(٧) في (ب)، (ج)، (د): (لأن) بدلًا من: (لا أن) وكذلك وردت في \"الدر المصون\" =","vol":"5","page":314},{"text":"الخَلْقَ تقدم على قوله: ﴿كُنْ﴾، وهذا كما تقول للرجل: أخبرك أني أعطيتك اليوم ألفا، ثم إني أخبرك [أني] (١) قد أعطيتك (٢) أمس قبلَ هذا ألفا، فـ (أمس) متقدم (٣) لـ (اليوم)، وإنما جاء (ثم)؛ لأن خبَرَ اليومِ متقدمٌ خبرَ (٤) أمس، وجاء خبرُ أمس بعد مُضِيِّ (٥) خبرِ اليوم، ومثله قوله: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ [الزمر: ٦]، وقد خُلِقت (٦) بعد خلق زوجها، ولكن هذا واقع على الخبر دون الخلق؛ لأن التأويل: أخبركم أني قد خلقتكم من نفس واحدة؛ لأن حوَّاء أيضًا خُلِقت من ضلعه، ثم إني أخبركم أني (٧) خلقت زوجها منها، ومثل هذا مما جاء في الشعر، قوله:\nقُلْ لِمَن سادَ ثمَّ سادَ أبوهُ ... ثم قد سادَ قبلَ ذلك جدُّهْ (٨)\n_________\n= ٣/ ٢٢٠: (لأن). وما في هذه النسخ له وجاهته؛ حيث يعني أنه جيء بـ (ثم) لأن الإخبار عن قوله (كن) تأخر عن الإخبار عن الخلق. وما أثبته في الأصل من نسخة (أ)، يتناسب كذلك مع الكلام السابق واللاحق.\n(١) ما بين المعقوفين زيادة من: (ب)، (ج)، (د)، \"الدر المصون\".\n(٢) أعطيتك: ساقطة من (د).\n(٣) في (د): (متقدما).\n(٤) (خبر): ساقطة من: ب.\n(٥) في (ب): (فأخبر أمس بفعل مضى).\n(٦) في (ج)، (د): (خلقتا).\n(٧) في (ب): (أني قد).\n(٨) البيت لأبي نواس، وهو في ديوانه: ٤٩٣. وورد البيت غير منسوب، في \"غرائب التفسير\" للكرماني: ١/ ٢٦٠، \"رصف المباني\" ٢٥٠، والجني الداني: ٤٢٨، \"مغني اللبيب\" ١٥٩، \"منهج السالك\" ٣/ ٩٤، \"همع الهوامع\" ٥/ ٢٣٦ (١٦٠٥)، \"خزانة الأدب\" ١١/ ٣٧، ٤٠، \"الدرر اللوامع\" ٢/ ١٧٣. وقد وردت روايته في =","vol":"5","page":315},{"text":"ومعلوم أن الأبَ متقدم له، والجدَّ متقدم للأب، ولكنه أخبر عن سيادته أولًا، ثم عن سيادة أبيه، ثم عن سيادة جدِّه؛ فالترتيب يعود إلى الخبر، لا إلى الوجود. ويجوز أن يكون المراد: أنه خلقه قالَبًا من تراب، ثم قال له: (كن بَشَرًا)، فيصح النظم (١). وقال بعضهم: المقول له ﴿كُنْ﴾: عيسى ﵇ (٢)، ولا إشكال على هذا.\nوفي قوله: ﴿ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ﴾، وجهان من التأويل: أحدهما: أن هذا دلالة على أنه تعالى يخلق الشيء من غير نصب ولا تعب؛ لا أنَّه يختلقه بقوله ﴿كُنْ﴾؛ لأنه لو أراد خلق شيء وُجد ذلك الشيء، وإن لم يقل له: (كن).\n_________\n= المصادر السابقة: (إنَّ من ساد ..).\nوروايته في الديوان:\nقل لمن ساد ثم ساد أبوه ... قبلَهُ ثم قبل ذلك جدُّه\nوقال البغدادي في \"خزانة الأدب\" ١١/ ٤٠: (وهذا البيت من شعرٍ مولَّدٍ لا يوثق به، وأوله مغيَّر اشتهر به، وهو أول أبيات سبعة مدح بها العباس بن عبيد الله بن أبي جعفر) وهو عم هارون الرشيد.\n(١) يعني المؤلف بقوله (فيصح النظم) والله أعلى: أن الذهاب في تفسير الآية إلى هذا الوجه الأخير الذي ذكره يغني عن تمحل إجابة كالتي سبقت في تفسيرها بالوجه الأول، وأنه لا إشكال في لفظ الآية.\n(٢) روى أسباط عن السدِّي عن أبي مالك (غزوان الغفاري) أنه قال عن المَعنِيِّ بالآية: (فهو أمر عيسى والقيامة). انظر: \"تفسير ابن أبي حاتم\" ٢/ ٦٦٦، وبه قال البغوي في \"تفسيره\" ٢/ ٤٧، وهذا القول مذكور في \"تنوير المقباس\" ٤٨. قال الآلوسي: (والضمير المجرور عائد على ما عاد عليه الضمير المنصوب، والقول بأنه عائد على عيسى، ليس بشيء؛ لما فيه من التفكيك الذي لا داعي إليه، ولا قرينة تدل عليه). \"روح المعاني\" ٣/ ١٨٧. ويعني بـ (الضمير المجرور): الضميرَ في ﴿لَهُ﴾، ويعني بـ (الضمير المنصوب): الضميرَ في ﴿خَلَقَهُ﴾. وانظر: \"البحر المحيط\" ٢/ ٤٧٨.","vol":"5","page":316},{"text":"والثاني: أن قولَه: ﴿كُنْ﴾، علامةٌ لما يريد خلقه وإنشاءه.\nوقوله تعالى: ﴿فَيَكُونُ﴾. قال بعض النحويين (١): هو بمعنى: كان. وكذا فسَّره ابن عباس، فقال (٢): ﴿ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ﴾، فَكانَ، فجرى عليه (٣) الروح. وقد ذكرنا أنه يجوز أن يراد بمثال المستَقبَلِ الماضي، مستقصىً عند قوله: ﴿تَتْلُواْ الشَّيَاطِينُ﴾ (٤).\nوقال آخرون (٥): المعنى: ﴿ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ﴾، فيكون كما يأمر الله تعالى. وقوله: ﴿فَيَكوُنُ﴾، حكاية لتلك الحالة التي يكون فيها آدمُ كما شاءَ اللهُ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-564>٦٠ </span>- قوله تعالى: ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ ارتفع ﴿الْحَقُّ﴾ عند الفراء (٦) والزجاج (٧) بخبر ابتداءٍ محذوف. المعنى: [(الذي أنبأناك من قصة] (٨)\n_________\n(١) ومنهم الأخفش في \"معاني القرآن\" له: ١/ ٢٠٦، وقال: (ومعناه: (كن فكان)، كأنه قال: فإذا هو كائن). والنحاس، في \"إعراب القرآن\" ١/ ٣٣٨.\n(٢) لم أقف على مصدر قولة، وأورده الخازن في \"تفسيره\" ١/ ٣٠٢.\n(٣) في (ج)، (د): (فيه).\n(٤) سورة البقرة: ١٠٢. ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾. قال النحاس: (والمستقبل يكون في موضع الماضي إذا عُرفَ المعنى) \"إعراب القرآن\" له: ١/ ٣٣٨. وذكر الحدَّاديُّ أنَّ الماضي يذكر بلفظ المستقبل في موضعين:\nأحدهما: إذا كان حالًا.\nوالثاني: إذا كان الفاعل يدوم على الفعل، وكان من سبيله إتيان ذلك الفعل. انظر: \"المدخل لعلم تفسير كتاب الله\" له: ٢٢٨.\n(٥) لم أقف عليهم.\n(٦) انظر: \"معاني القرآن\" له: ١/ ٢٢٠.\n(٧) انظر: \"معاني القرآن\" له: ١/ ٤٢٢.\n(٨) ما بين المعقوفين غير مقروء في (أ). ومُثْبت من بقية النسخ.","vol":"5","page":317},{"text":"عيسى، الحَقُّ). أو: (ذلك النبأ في أمر عيسى، الحقُّ). فحُذِفَ؛ لتقدم ذِكْره، وأغنى حضورُ المعنى للنفس عن الإشارة إليه.\nوقال أبو عبيدة (١): هو استئنافٌ بعد انقضاء الكلام، وخبره: في قولك (٢): ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾ [و] (٣) هذا كما تقول: الحقُّ من الله تعالى (٤)، والباطل من الشيطان (٥).\nوقوله تعالى: ﴿فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ الخطاب للنبي - ﷺ -، والمراد: نهي غيره عن الشكِّ، كما قال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ (٦) ويحتمل أن يكون المعنى: فلا تكن من الممترين أيُّها السامع للبرهان، من المكلفين كائنًا مَنْ كان.\nوالامْتِراءُ: الشكُّ (٧). قال ابن الأنباري (٨): وهو مأخوذ من قول العرب: (مَرَيْتُ الناقةَ والشاةَ): إذا حَلَبْتهما (٩). فكأنَّ الشاكَّ يجتذب\n_________\n(١) في \"مجاز القرآن\" له: ١/ ٩٥. نقله عنه.\n(٢) في (ب)، (ج)، (د): (قوله).\n(٣) ما بين المعقوفين: زيادة من: (ج)، (د).\n(٤) تعالى: ساقطة من: (ج)، (د).\n(٥) وقيل: هو فاعل؛ أي: جاءك الحقُّ. انظر: \"تفسير القرطبي\" ٤/ ١٠٣.\n(٦) سورة الطلاق: ١. ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ قال الزجاج: (والخطاب للنبي خطاب للخلق؛ لأن النبي لم يشكك في قصَّة عيسى) \"معاني القرآن\" له: ١/ ٤٢٢.\n(٧) في (ب): (الشاك).\n(٨) في \"الزاهر\" ١/ ٤٥٥ نقله عنه بالمعنى.\n(٩) في (ج): (حلبتها).","vol":"5","page":318},{"text":"بِشَكِّه (١) سِرًّا، كاللبن (٢) الذي يُجتذَب (٣) عند الحلب. ويقال: (قد مارى فلانٌ فلانا): إذا جادله واستخرج غضبه (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-565>٦١ </span>- قوله تعالى: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ﴾ أي: في عيسى ﵇. وقيل (٥): الهاء تعود إلى ﴿الْحَقُّ﴾، في قوله: ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾. ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾. أنَّ عيسى عبد الله ورسوله. ﴿فَقُل تَعَالَواْ﴾. أصله: (تعالَيُوا)؛ لأنه (تَفاعَلُوا)؛ من: (العُلُوِّ)، فاستُثْقِلت الضمة على الياء، فسُكِّنت، ثم حُذِفَت لاجتماع الساكِنَيْن. وأصله: العُلُوُّ والارتفاع.\nفمعنى (تعالَ): ارتفع. إلاَّ أنه أكثر (٦) في الاستعمال حتى صار لكل مجيء، وصار بمنزلة (هَلُمَّ) (٧).\nوقوله تعالى: ﴿نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ﴾. فقال المفسرون (٨): لمَّا احتجَّ الله تعالى على النصارى من طريق القياس بقوله: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى﴾ [آل\n_________\n(١) من قوله: (بشكه ..) إلى (يجتذب): ساقط من (د).\n(٢) في (أ): (كاللين). والمثبت من بقية النسخ.\n(٣) في (ج): (يجتلب).\n(٤) ونصُّ قول ابن الأنباري: (وقولهم: \"قد مارى فلان فلانًا\"، قال أبو بكر: معناه: قد استخرج ما عنده من الكلام \"الحجة\" وهو مأخوذ من قولهم: \"مَرَيْتُ الناقةَ والشاة، أمْريهما مَرْيًا\": إذا مسحت ضروعهما لتَدُرّا).\n(٥) لم أقف على القائل، وقد حكى المفسرون القولين دون بيان الذاهب إلى القول الثاني. وقد ذهب الطبري إلى الأول، وأجاز الثاني. انظر: \"تفسيره\" ٣/ ٢٩٨، \"تفسير البغوي\" ١/ ٤٨، \"زاد المسير\" ١/ ٣٩٩.\n(٦) في (ب)، (د): (كثر).\n(٧) انظر: \"الزاهر\" ٣/ ٢٧٧، \"مفردات ألفاظ القرآن\" ٥٨٤ (علا).\n(٨) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٤٢٣.","vol":"5","page":319},{"text":"عمران: ٥٩]، الآية؛ أمر (١) النبي - ﷺ -، أن يحتجَّ عليهم من طريق الإعجاز وهو: المباهلة.\nومعنى المباهلة: الدعاء على الظالم من الفريقين (٢). فلما نزلت هذه الآية، دعا رسول - ﷺ - وفد نجران إلى المباهلة، وخرج رسول الله - ﷺ - محتضنًا الحسينَ (٣)، آخذًا بيد الحَسَن (٤)، وفاطمة (٥) تمشي خلفه، وعَلِيٌّ خلفها، وهو يقول لهم: إذا أنا دعوت فَأَمِّنوا. فقال: أُسْقُفُّ (٦) نَجْران: يا\n_________\n(١) (أمر): ساقطة من (د).\n(٢) انظر: \"تأويل مشكل القرآن\" ٥٥٦، \"الزاهر\" ١/ ٢١٩، \"مقاييس اللغة\" ١/ ٣١١ (بهل). وقد ذكر ابن فارس أن (بهل) أصل لثلاثة معانٍ: الابتهال، والتضرع، والدعاء، ثم قال: (والمباهلة يرجع إلى هذه، فإن المتباهِلَيْن يدعو كل واحد منهما على صاحبه، قال تعالى: ﴿ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ [آل عمران: ٦١].\n(٣) هو: أبو عبد الله، الحسين بن علي بن أبي طالب ﵄، حفيد رسول الله - ﷺ - ابن بنته فاطمة ﵂، اختلف في سنة ولادته ما بين سنة (٤ هـ - ٦ هـ)، وكان ﵀ دَيِّنا فاضِلا كثيرَ الصيام والصلاة والحج، وقُتِل ﵁ بكربلاء من الكوفة سنة (٦١ هـ)، إثر خروجه على بني أمية ﵁. انظر: \"الاستيعاب\" ١/ ٤٤٢، \"الإصابة\" ١/ ٣٣٢.\n(٤) هو: أبو محمد، الحسن بن علي بن أبي طالب ﵄، حفيد رسول الله - ﷺ -، ابن بنته فاطمة ﵂ وُلِد سنة (٣ هـ)، كان حليمًا ورعًا فاضلًا، ترك المُلْك والدنيا حرصًا على دماء المسلمين، ورغبة فيما عند الله، اختلف في سنة وفاته ما بين (٤٩ هـ - ٥١ هـ)، ودفن بالبقيع. ﵁. انظر: \"الاستيعاب\" ١/ ٤٣٦، \"الإصابة\" ١/ ٣٢٨.\n(٥) هي: الزهراء، بنت رسول الله - ﷺ -، وزوج علي بن أبي طالب ﵁ ابن عم رسول الله - ﷺ -، وأم الحسن والحسين ﵄. انظر: \"الاستيعاب\" ٤/ ٤٤٧، \"الإصابة\" ٤/ ٣٧٧.\n(٦) الأُسقُفُّ بتشديد الفاء، وتخفيفها: لقب ديني لأحبار النصارى، فوق القسِّيس، =","vol":"5","page":320},{"text":"معشر النصارى: إني لأرى وجوهًا لو سألوا الله أن يزيل جبلًا عن مكانه لأزاله، فلا تبتهلوا فتهلكوا، ولا يبقى على وجه الأرض نصراني إلى يوم القيامة. ثمَّ قبلوا الجِزْيَةَ وانصرفوا. فقال رسول الله - ﷺ -: \"والذي نفسي بيده، إنَّ العذاب قد تدلَّى على أهل نجران، ولو تلاعنوا، لمُسِخوا قِرَدَةً وخنازيرَ، ولا ضطَرَبَ عليهم الوادي نارًا، ولاستأصل الله نجرانَ وأهلَهُ، حتى الطيرَ على الشجر، ولَمَا حالَ الحولُ على النصارى حتى هلكوا\" (١).\n_________\n= ودون المطران. ويقال: سُقْفٌ. والجمع: أساقفة، وأساقف. انظر (سقف) في \"القاموس المحيط\" ص ٨٢٠، \"المصباح المنير\" ١٠٦، \"المعجم الوسيط\" ص ٤٣٨. وقد سَمَّى ابنُ إسحاق هذا الأسقُفَّ، وهو: أبو حارثة بن عَلْقَمة، أحد بني بكر بن وائل، ووصفه بأنه أسقفُّهم وحَبْرُهم وإمامُهم، وصاحبُ مِدْرَاسِهم. وذكر في موضع آخر أن الذي قال ذلك هو العاقب، واسمه عبد المسيح، ووصفه بأنه أميرُهم، وذو رأيهم وصاحب مشورتهم، والذي لا يصدرون إلا عن رأيه. وفي \"دلائل النبوة\" لأبي نُعيم: أن الذي نصحهم، هو: السَّيِّد، واسمه: الأيهم، وهو صاحب رحلهم ومجتمعهم والذي يقوم بأمورهم. انظر: \"السيرة\" لابن هشام: ٢/ ٢١٥، \"دلائل النبوة\" ٣٥٥.\n(١) وردت قصة المباهلة في كتب السنة، والتفسير بالمأثور، بروايات وألفاظ مختلفة تتفق في مضمونها مع ما ذكره المؤلف، ولكن لم أجد الرواية بهذا اللفظ الذي ساقه المؤلف إلا عند البغوي في \"تفسيره\" ٢/ ٤٨، وذكرها الزمخشري في \"الكشاف\" ١/ ٤٣٤. وتتفق بعض ألفاظ رواية المؤلف مع بعض الروايات الواردة في كتب السنة، وتقرب من بعضها، كما أن بعض ألفاظها بالمعنى. انظر: \"روايات المباهلة\" في \"صحيح البخاري\" (٤٣٨٠) كتاب: المغازي، باب: (قصة أهل نجران). \"صحيح مسلم\" (٢٤٠٤) كتاب: فضائل الصحابة، باب (من فضائل علي)، \"سنن الترمذي\" (٢٩٩٩)، كتاب: التفسير، باب: من سورة آل عمران، وقال عنه: (حسن صحيح). \"مسند أحمد\" ١/ ٢٤٨، \"مستدرك الحاكم\" ٢/ ٥٩٤ وصححه، ووافقه الذهبي. \"مصنَّف ابن أبي شيبة\" ٦/ ٣٨١ رقم الحديث (٣٢١٧٥)، \"سيرة ابن هشام\" ٢/ ٢١٥، \"تفسير الطبري\" ٣/ ٢٩٩ - ٣٠١، \"تفسير =","vol":"5","page":321},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ﴾. قال أهل المعاني: يعني بـ (الأنفس): بني العم. والعرب لا تستنكر أن تخبر عن ابن العم بأنه نفسُ ابن عمِّهِ، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ (١)؛ أراد: إخوانكم من الدين (٢)، فأجرى (٣) الأخوَّةَ في (٤) الدين، مجرى الأخوَّةِ في (٥) القرابةِ (٦). وإذا (٧) وقعت النفس على البعيد في النسب، كان أجدر أن تقع على القريب في النسب والدين؛ وإنَّما قلنا هذا؛ لأن المتكلم لا يقول ادعوا فلانا وفلانا ونفسي؛ لأنه يكون حاضرًا.\n_________\n= ابن أبي حاتم\" ٢/ ٦٦٧ - ٦٦٨، \"دلائل النبوة\" لأبي نعيم: ٣٥٣ - ٣٥٤، \"أسباب النزول\" للواحدي: ١٠٧ - ١٠٨. وأوردها السيوطي في \"الدر\" ٢/ ٦٧ - ٧٠، ونسب إخراج بعض رواياتها للبيهقي في الدلائل، وابن مردويه، وعبد بن حميد، وسعيد ابن منصور. وأوردها ابن كثير في \"تفسيره\" ١/ ٣٩٥ من لفظ ابن إسحاق في \"سيرة ابن هشام\" ومن رواية البيهقي في الدلائل، ومن غيرها من كتب السنة.\n(١) سورة الحجرات: ١١ وبعدها: ﴿وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾.\n(٢) في (ج)، (د): (من المؤمين).\n(٣) في (ج): (وأجرى).\n(٤) في (ب): (من).\n(٥) في (ب): (من).\n(٦) وقد ذكر ابن خالويه أن من معاني (النفس): الأخ. ثم استدل له بقوله تعالى في آية ٢٩ من النساء: ﴿وَلَا تَقتُلُوا أَنفُسَكُم﴾، وقال: (أي: إخوانكم). وقد نقل صاحب \"اللسان\" قوله ابن خالويه، واستدل له بقوله تعالى: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ آية: ٦١ سورة النور. انظر ليس في كلام العرب، لابن خالويه: ١٩٦، \"لسان العرب\" ٦/ ٢٣٤ (نفس). وكذا فسرها ابن قتيبة، فقال: (أي: إخواننا وإخوانكم). \"تفسير غريب القرآن\" ١٠٦.\n(٧) في (ج): (إذا) بدون واو.","vol":"5","page":322},{"text":"وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ نَبْتَهِلْ﴾ الابتهال في اللغة يكون على معنيين:\nأحدهما: التضرع إلى الله.\nوالثاني: الالتعان، والدعاء بـ (البَهْلَةِ)، وهي: اللَّعْنَةُ. يقال: (عليه بَهْلَةُ اللهِ)؛ وبَهلتهُ؛ أي: لعنته (١).\nقال لَبِيد:\nفي قُرومٍ سادةٍ مِن قومِهم ... نَظَرَ الدهرُ إليهم فابْتَهَلْ (٢).\n_________\n(١) ما ذكره المؤلف من معاني الابتهال، ترجع إلى (البَهْل)، وهو: اللعن. والبَهْلَهُ بفتح الباء وبضمها تعني: اللغنة. و(باهَلَ القَومُ بعضهم بعضا)، و(تباهلوا، وابتهلوا)؛ أي: تلاعنوا، وذلك أن جتمعوا ويقولوا: لعنة الله على الظالم مِنَّا؛ وذلك إذا ما اختلفوا في شيء. ومن معاني (بَهَلَ): التخلية. ويقولون: (بَهَلْتُه)؛ إذا خلَّيته وإرادَته، و(أبهل الراعي إبِلَهُ): إذا تركها ترعى، أو تركها من الحلب. و(الباهل من الإبل): التي لا صِرَارَ على ضَرْعِها. و(أبْهَلَ الوالي رعيَّتَه): إذا أهملها. والمعنيان من وادٍ واحد؛ لأن اللعن في حقيقته: إهمال وإبعاد، فـ (بهَلَه اللهُ): لعنه وأبعده من رحمته. وهذا هو أصل الابتهال، ثم استعمل في كل دعاء يُجتهد فيه، وُيستَرسَل، وُيتضرع، وإن لم يكن التعانا. و(البَهْلُ) كذلك: الشيء الحقير اليسير، ومنه المال القليل، والماء القليل. و(التَّبَهُّلُ): العناء في الطلب. انظر: \"مجاز القرآن\" ١/ ٩٦، وغريب القرآن، لليزيدي: ٤٢، \"الزاهر\" ١/ ٢١٩، \"الصحاح\" ٤/ ١٦٤٢ - ١٦٤٣ (بهل)، \"مقاييس اللغة\" ١/ ٣١٠ - ٣١١ (بهل)، \"الفائق\" للزمخشري: ١/ ١٤٠، \"الكشاف\" ١/ ٤٣٤، \"اللسان\" ١/ ٣٧٥ (بهل).\n(٢) البيت، في ديوانه: ١٩٧، وقد ورد منسوبًا له، في \"تفسير الطبري\" ٣/ ٢٩٨، \"الزاهر\" ١/ ٢١٩، \"معاني القرآن\" للنحاس ١/ ٤١٥، \"النكت والعيون\" للماوردي: ١/ ٣٩٨، \"أساس البلاغة\" ١/ ٧١ (بهل)، \"تفسير القرطبي\" ٤/ ١٠٤. وقد وردت روايته في بعض المصادر السابقة: (في كهول سادة)، وورد في كل المصادر السابقة: (.. من قومه) بدلًا من: (.. من قومهم). و(قُروم) مفردها: (قَرْم)، وهو: السيِّد المقدَّم في الرأي والمعرفة وتجارب الأمور. ويقال كذلك للسيد الرئيس: (مُقرَم). انظر: \"أساس البلاغة\" ٢/ ٢٤٨ =","vol":"5","page":323},{"text":"أي: دعا عليهم بالهلاك، وكلا (١) المعنيين مروي عن ابن عباس.\nقال (٢) في رواية الكلبي (٣): قوله ﴿نَبْتَهِلْ﴾ أي: نجتهد في الدعاء.\nوقال في رواية عطاء (٤): ندعُ (٥) الله باللَّعنة على الكاذبين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-566>٦٢ </span>- وقوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ﴾ الآية. أي (٦): هذا الذي أوحيناه إليك من الآيات والحُجَجِ.\nفـ ﴿هُوَ﴾ (٧) ههنا يصلح أن يكون فَصْلًا وعِمادًا (٨)، ويكون ﴿الْقَصَصُ﴾\n_________\n= (قرم)، \"النهاية في غريب الحديث\" ٤/ ٤٩، ٥٠ (قرم). وقد فسر الزمخشري في \"أساس البلاغة\" (ابتهل) الواردة في البيت، فقال: فاجتهد في إهلاكهم. وفسرها د. إحسان عباس محقق الديوان: (سبح، أوقف متضرعًا؛ أي أنه وقف معجبًا وهو ينظر إليهم، أو استشعر ذلة حاله بالنسبة إليهم ..).\n(١) في (ب): (وكان)، وفي (ج)، (د): (وكلي).\n(٢) (قال): ساقطة من: (ج).\n(٣) أخرج هذه الرواية: أبو نعيم في \"دلائل النبوة\" ٣٥٤، وهي في \"تفسير البغوي\" ٢/ ٤٨ من قول الكلبي دون أن يرفعها لابن عباس، وأوردها السيوطي في \"الدر\" ٢/ ٦٩ ونسب إخراجها لأبي نعيم.\nوأخرج ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٢/ ٦٦٨ عن ابن عباس من رواية ابن جربج عنه: (﴿ثُمَّ نَبْتَهِلْ﴾: نجتهد).\n(٤) أوردها السيوطي في \"الدر\" ٢/ ٦٩ من طريق الكلبي عن ابن عباس، وعزاها لأبي نعيم في الدلائل، ولم أجدها فيه، وقال البغوي في \"تفسيره\" ٢/ ٤٨ (قال إبن عباس ﵄: أي: يتضرع في الدعاء).\n(٥) في (د): (ندعوا).\n(٦) من قوله: (أي ..) إلى (.. وهما جميعا خبر إنَّ): نقله بتصرف عن \"معاني القرآن\" للزجاج: ١/ ٤٢٤.\n(٧) في (ب)، (ج): (وهو). وفي (د): (هو) بدون واو.\n(٨) أي: ضمير زائد لا محل له من الإعراب، وضمير الفصل ويسمِّيه الكوفيُّون: =","vol":"5","page":324},{"text":"خَبَرَ ﴿إِنَّ﴾. ويصلح أن يكون ﴿هُوَ﴾ ابتداءً، وخَبرُه: ﴿الْقَصَصُ﴾. وهما جميعًا خبرُ إنَّ (١).\nوالقَصَصُ: مصدر قولهم: (قَصَّ فلانٌ الحديثَ، يقصُّه قَصًّا، وقَصَصًا) (٢). وأصله (٣): اتِّباعُ الأثر؛ يقال: (خرج فلانٌ قَصَصًا في أثر فلان)، و(قَصًّا) (٤)؛ وذلك إذا اقتصَّ أثَره، ومنه قوله تعالى: [﴿وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ﴾ [القصص: ١١]. وقيل للقاصِّ يقصُّ (٥) لأتباعه خبرًا بعد خبر] (٦)، وسَوقه الكلامَ سَوقًا.\nفمعنى (٧) (القَصَص): الخبر الذي تَتَابَعُ (٨) فيه المعاني.\n_________\n= (العماد)، ويُسمَّى كذلك (الدعامة) هو: أحد ضمائر الرفع المنفصلة، يأتي لإزالة اللبس في الكلام، فيفصل بين ما أصله مبتدأ وخبر؛ ليُعلم أن ما بعده خبر عمَّا قبله، وليس نعتا له، وهو يفيد الكلام ضربًا من التوكيد، ويغلب على الاسم الواقع بعده أن يكون معرفة. انظر: \"النحو الوافي\" ١/ ٢٤٢ - ٢٥٠، \"معجم الشوارد النحوية\" ٣٥٥، \"معجم المصطلحات النحوية\" ١٧٣.\n(١) انظر: \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ٣٣٩، \"التبيان\" للعكبري: (١٩٤)، \"الفريد في إعراب القرآن\" ١/ ٥٨٣.\n(٢) قال في \"اللسان\" ٦/ ٣٦٥٠ (قصص): (والقِصَّهُ: الخبر، وهو (القَصَصُ). و(قصَّ عليَّ خبره، يقصُّهُ قَصَّا، وقصَصًا): أورده. و(القَصَص): الخبر المقصوص بالفتح وضع موضع المصدر، حتى صار أغلب عليه. و(القِصَصُ) بكسر القاف: جمع (القِصَّة) التي تكتب).\n(٣) من قوله: (وأصله) إلى (سوقا): نقله بتصرف عن \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٩٧٧ (قصَّ).\n(٤) في (د): (وقصصا).\n(٥) في (د): (يقص). والمثبت من: (ج). وفي (تهذيب الغة): (يقُصُّ القَصَصَ).\n(٦) ما بين المعقوفين: زيادة لازمة لتمام المعنى، من: (ج)، (د)، \"تهذيب اللغة\".\n(٧) في (ب): (لمعنى).\n(٨) في (ب): (شايع).","vol":"5","page":325},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ﴾. (مِن) (١) دخلت توكيدا (٢) لنفي جميع من ادَّعى المشركون أنَّهم آلهة (٣)، أي: أن عيسى ليس بإلهٍ كما زعموا، وإنَّما اقتضت (مِن) توكيد النفي؛ لأن أصلها لابتداء الغاية، فدلت (٤) على استغراق النفي لابتداء الغاية إلى انتهائها (٥).\nوقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. معناه ههنا (٦): أنه لا أحد يستحقُّ إطلاق هذه الصفة (٧) له إلا هو.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-567>٦٣ </span>- قوله تعالى: ﴿فَإِن تَوَلَّوْاْ﴾ الآية. أي (٨): فإن أعرضوا عمَّا أتيت به من البيان، فإنَّ الله يعلم من يُفسِد (٩) خلقه فيجازيه على إفساده.\n<span data-type=\"title\" id=toc-568>٦٤ </span>- قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا﴾ الآية (١٠). الخطاب\n_________\n(١) من قوله: (من ..) إلى (.. كما زعموا): نقله باختصار وتصرف من \"معاني القرآن\" للزجاج: ١/ ٤٢٤.\n(٢) في (ب): توكيد.\n(٣) في (د):إله.\n(٤) (فدلت على استغراق النفي لابتداء الغاية): ساقط من (د).\n(٥) فـ (من) هنا جارَّةٌ، صلةٌ (أي: زائدة) تفيد استغراق نفي الجنس، أو توكيد العموم، انظر: كتاب \"حروف المعاني\" للزجاجي: ٥٦، \"الجنى الداني\" ٣١٦٣١٧.\n(٦) في (ب): هنا.\n(٧) في (ج): القصة.\n(٨) من قوله: (أي ..) إلى (.. على إفساده): نقله بنصه عن \"معاني القرآن\" للزجاج: ١/ ٤٢٤.\n(٩) في \"معاني القرآن\": (يفسد من خلقه).\n(١٠) الآية: ساقطة من (د).","vol":"5","page":326},{"text":"لنصارى نجران؛ عند الحسن (١)، والسُدِّي (٢)، وابن زيد (٣)، ومحمد بن جعفر بن الزبير (٤).\nوليهود المدينة؛ عند قتادة (٥)، والربيع (٦)، وابن جُرَيج (٧). وعند بعضهم (٨): الخطاب لهما جميعًا (٩).\n_________\n(١) قوله في \"النكت والعيون\" ١/ ٣٩٩، \"تفسير القرطبي\" ٤/ ١٠٥.\n(٢) قوله: في \"تفسير الطبري\" ٣/ ٣٠٢، \"النكت والعيون\" ١/ ٣٩٩، \"المحرر الوجيز\" ٣/ ١٥٤، \"زاد المسير\" ١/ ٤٠٠، \"القرطبي\" ٤/ ١٠٥، \"الدر المنثور\" ٢/ ٧١.\n(٣) قوله في \"تفسير الطبري\" ٣/ ٣٠٢، \"النكت والعيون\" ١/ ٣٩٩، \"المحرر الوجيز\" ٣/ ١٥٤، \"تفسير القرطبي\" ٤/ ١٠٥.\n(٤) قوله في \"سيرة ابن هشام\" ٢/ ٢١٥ من رواية ابن إسحاق عنه، \"تفسير الطبري\" ٣/ ٣٠٢، \"المحرر الوجيز\" ٣/ ١٥٤، \"الدر المنثور\" ٢/ ٧١.\n(٥) قوله في \"تفسير الطبري\" ٣/ ٣٠٢، \"النكت والعيون\" ١/ ٣٩٩، \"المحرر الوجيز\" ٣/ ١٥٤، \"زاد المسير\" ١/ ٤٠٠، \"تفسير القرطبي\" ٤/ ١٠٥، \"الدر المنثور\" ٢/ ٧١ وزاد نسبة إخراجه لعبد بن حميد.\n(٦) قوله في \"تفسير الطبري\" ٣/ ٣٠٢، \"النكت والعيون\" ١/ ٣٩٩، \"المحرر الوجيز\" ٣/ ١٥٤، \"زاد المسير\" ١/ ٤٠٠، \"الدر المنثور\" ٢/ ٧١.\n(٧) قوله في \"تفسير الطبري\" ٣/ ٣٠٢، \"ابن أبي حاتم\" ٢/ ٦٦٩، \"النكت والعيون\" ١/ ٣٩٩، \"المحرر الوجيز\" ٣/ ١٥٤، \"زاد المسير\" ١/ ٤٠٠، \" الدر المنثور\" ٢/ ٧١.\n(٨) ومنهم: عمر بن عبد العزيز، كما في \"تفسير ابن أبي حاتم\" ٢/ ٦٦٩، ونُسِب القولُ به إلى الحسن، كما في \"زاد المسير\" ١/ ٤٠٠، وكذلك جعلها الطبري عامَّةً لأهل الكتابين. انظر: \"تفسيره\" ٣/ ٣٠٢ - ٣٠٣، وإليه ذهب المؤلف الواحدي في تفسيره (الوجيز) (مطبوع بهامش تفسير مراح لبيد): ١/ ١٠٢.\n(٩) رجح الطبري هذا الرأي، مستدلًّا بعدم مخصص من أثر صحيح لأحد الفريقين دون الآخر، وليس أحدهما أولى بأن يُقصَد دون الآخر، وقال: (فالواجب أن يكون كل كتابي معنيًا به لأن إفراد العبادة لله وحده وإخلاص التوحيد له، واجب على كل مأمور منهي من خلق الله، واسم أهل الكتاب يلزم أهل التوراة والإِنجيل، فكان معلومًا بذلك أنه عني به الفريقان جميعًا). \"تفسيره\" ٣/ ٣٠٢ - ٣٠٣. وإليه ذهب ابن كثير في \"تفسيره\" ١/ ٣٩٨، والشوكاني في \"فتح القدير\" ١/ ٥٢٥. واستظهر ابن عطية أن الآية نزلت في وفد نجران إلا أن لفظ (أهل الكتاب) =","vol":"5","page":327},{"text":"وقوله تعالى: ﴿إِلَى كَلِمَةٍ﴾. معنى (١) الكلمة: كلامٌ فيه شرح قِصَّة، وإن طال؛ ولذلك يقول (٢) العرب للقصيدة: (الكلمة) (٣).\nوقوله تعالى: ﴿سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾. [يريد بـ (السواء): العدل، وكذلك في قراءة عبد الله (إلى كلمة عدل بيننا وبينكم)] (٤).\nقال ابن قتيبة (٥): ﴿سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾؛ أي: نَصَفٍ. يقال: (دعا إلى\n_________\n= يعمهم، ويعم سواهم من النصارى واليهود. انظر: \"المحرر الوجيز\" ٣/ ١٥٤.\n(١) من قوله: (معنى) إلى (الكلمة): نقله بنصه عن \"معاني القرآن\" للزجاج: ١/ ٤٢٤.\n(٢) في (ج)، (د): تقول.\n(٣) وهو من باب إطلاق الجزء، ويراد به الكُلُّ، وسُمِّيت القصيدةُ بذلك؛ لأنها بمجموعها وارتباط بعضها ببعض، صارت في قوة الكلمة الواحدة. وقد تطلق الكلمة وهي واحد (الكَلِم)، ويراد بها الكلام، وذلك على سبيل المجاز. يقول ابن مالك:\nكلامنا لفظٌ مفيدٌ كاستقم ... اسمٌ وفعلٌ ثم حرف الكَلِم\nواحدُه كَلِمَةٌ والقَوْلُ عَم ... وكِلْمَةٌ بها كلام قد يُؤم\nفالكلمة قد يُؤَمُّ بها الكلام؛ أي: قد تطلق على الكلام، وهو اللفظ المفيد المتركب من كلمتين أو أكثر. انظر: \"شرح ابن عقيل\" ١/ ١٦، \"النحو الوافي\" ١/ ١٧. ومن ذلك قول النبي - ﷺ -: \"أصدق كلمة قالها الشاعر؛ كلمة لَبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل\". أخرجه: البخاري في \"صحيحه\" (٣٨٤١)، كتاب: مناقب الأنصار، باب: أيام الجاهلية، وأخرجه ابن ماجه في سننه: (٣٧٥٧)، كتاب: الأدب، باب: الشعر.\n(٤) ما بين المعقوفين زيادة من (د). وانظر قراءة عبد الله بن مسعود وهي قراءة تفسيرية في \"معاني القرآن\" للفراء: ١/ ٢٢٠، \"تفسير الطبري\" ٣/ ٣٠٣، \"المحرر الوجيز\" ٣/ ١٥٥، \"البحر المحيط\" ٢/ ٤٨٣.\n(٥) في \"تفسير غريب القرآن\" له: ١٠٦، نقله عنه بتصرف واختصار.","vol":"5","page":328},{"text":"السواء)؛ أي: إلى النَّصَفَةِ؛ وإنَّما قيل و(النَّصَفَة): (سواءٌ)؛ لأنَّ أعدل الأمور أوساطها (١).\nوقال الزجاج (٢): ﴿سَوَاءٍ﴾: نعتٌ للكلمة، يريد: ذات سواء. وذكرنا الكلام في معنى ﴿سَوَاءٌ﴾ في ابتداء سورة البقرة.\nوالمعنى: إلى كلمة عادلة مستقيمة مستوية، إذا أتيناها نحن وأنتم كنَّا على السواء والاستقامة. ثمَّ قال: ﴿أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ﴾. موضع (٣) ﴿أَنْ﴾: خَفْضٌ على البدل من ﴿كَلِمَةٍ﴾ المعنى: تعالوا إلى أن لا نعبد إلاَّ الله. وهذا تفسير للكلمة (٤).\nقال الزجاج (٥): وجائز أن تكون في موضع (رفع)؛ كأن قائلًا قال: ما الكلمة؟ فأجيب، فقيل: هي: ﴿أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ﴾ (٦).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا﴾. أي: لا نعبد معه غيره. يقال: أشرك معه فلانًا: أي: جعله شريكه، وأشرك باللهِ غيره؛ أي: عبده معه عبادة الله؛ فمعنى الباء، معنى (مع) (٧)، وفي الباء وجه آخر،\n_________\n(١) وعبارة ابن قتيبة أوضح، وهي: (وسواء كل شيء): وسطه. ومنه يقال للنَّصَفَة: (سَواء)؛ لأنها عَدْلٌ. وأعدل الأمور: أوساطها. والنَّصَفَة، والنَّصَفُ: العدل. والمصدر: الإنصاف. انظر: \"القاموس\" (٨٥٦) (نصف).\n(٢) في \"معاني القرآن\" له: ١/ ٤٢٥، نقله عنه بالمعنى.\n(٣) من قوله: (موضع ..) إلى (.. فقيل. هي أن لا نعبد إلا الله): نقله بنصه مع تصرف يسير عن \"معاني القرآن\" للزجاج: ١/ ٤٢٥.\n(٤) قوله: (وهذا تفسير للكلمة): من قول المؤلف وليس من قول الزجاج.\n(٥) في المصدر السابق.\n(٦) وهناك توجيهات إعرابية أخرى لها، انظرها في \"الدر المصون\" ٣/ ٢٣٣ - ٢٣٤.\n(٧) انظر في إتيان الباء بمعنى (مع) \"رصف المباني\" ٢٢٢، \"مغني اللبيب\" ١٤٠، \"تناوب حروف الجر\" ٩٤.","vol":"5","page":329},{"text":"ذكرنا (١) عند قوله: ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥١].\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾. قال عطاء عن ابن عباس (٢): يريد: كما اتخذت النصارى عيسى، واتخذت بنو إسرائيلَ عُزَيْرًا.\nقال الزَّجاج (٣): أي: نرجع إلى أنَّ (٤) معبودَنا الله ﷿، وأن عيسى بشر، كما أننا بشر، فلا نتَّخذه (٥) ربًّا.\nوقال بعضهم (٦): معناه: لا نطيع في المعاصي أحدًا. والله تعالى أخبر عن اليهود والنصارى لمَّا (٧) أطاعوا في معصيته (٨) علماءَهم، فإنهم اتخذوا (٩) من دونه آلهةً، فقال: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ (١٠). وفي الخبر: (من أطاع مخلوقًا في معصية الله، فكأنما\n_________\n(١) في (د): (ذكرناه).\n(٢) لم أقف على مصدر هذه الرواية عنه.\n(٣) في \"معاني القرآن\" له: ١/ ٤٢٦. نقله عنه بنصه.\n(٤) أن: ساقطة من (د).\n(٥) في (ج): تتخذوه.\n(٦) ومنهم ابن جريج، كما في \"تفسير الطبري\" ٣/ ٣٠٤ وإليه ذهب الطبري، \"تفسير ابن أبي حاتم\" ٢/ ٦٧٠، \"النكت والعيون\" ١/ ٣٩٩، \"زاد المسير\" ١/ ٤٠٢، \"الدر المنثور\" ٢/ ٧١، وزاد نسبة إخراجه لابن المنذر.\n(٧) في (د): (بما).\n(٨) في (ج): (في معصية الله).\n(٩) اتخذوا: غير مقروءة في (أ)، ومثبتة من: بقية النسخ.\n(١٠) [سورة التوبة: ٣١] ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. انظر في تفسيرها \"تفسير الطبري\" ١٠/ ١١٤.","vol":"5","page":330},{"text":"سجد سجدة لغير الله) (١).\nوقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾. أي: إنْ أعرضوا عن الإجابة (٢)، فقابلوا أنتم إعراضَهم عن الحقِّ بِخِلافِهِ؛ للإنكار عليهم، وقولوا: ﴿اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾. أي: مقرون بالتوحيد مستسلمون لما أتتنا به الأنبياءُ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-569>٦٥ </span>- قوله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ﴾. الآية (٣).\nقال ابن عباس (٤)، والسدِّي (٥)، وقتادة (٦): اجتمعت اليهود،\nونصارى نجران عند رسول الله - ﷺ -، فتنازعوا في إبراهيم، فقالت اليهود: ما كان إلا يهوديا، وقالت النصارى: ما كان إلا نصرانيًّا، فنزلت هذه الآية.\nوقوله (٧) تعالى: ﴿وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ﴾. يريد: إنَّ اليهودية حدثت بعد نزول التوراة، والنصرانية، بعد نزول الإنجيل.\n_________\n(١) لم أقف على مصادر هذا الخبر.\n(٢) في (أ): (عن الآية). وفي (ب): (عن الحق)، والمثبت من: (ج)، (د): \"التفسير الوسيط\" للمؤلف.\n(٣) الآية: ساقطة من (د).\n(٤) قوله في \"سيرة ابن هشام\" ٢/ ١٧٥، \"تفسير الطبري\" ٣/ ٣٠٥، \"زاد المسير\" ١/ ٤٠٢، \"تفسير ابن كثير\" ١/ ٣٩٩، \"الدر المنثور\" ٢/ ٧٢، وزاد نسبة إخراجه إلى البيهقي في الدلائل، وأورده السيوطي في \"لباب النقول\" ٥٣.\n(٥) قوله في \"تفسير ابن أبي حاتم\" ٢/ ٦٧١، \"زاد المسير\" ١/ ٤٠٢، \"الدر المنثور\" ٢/ ٧٢.\n(٦) قوله في \"تفسير الطبري\" ٣/ ٣٠٥، \"تفسير ابن أبي حاتم\" ٢/ ٦٧١.\n(٧) (قوله): ساقطة من: (ج).","vol":"5","page":331},{"text":"وإنما أنزلت التوراة والإنجليل بعد مهلك إبراهيم بزمان طويل، وليس في الكتابين اسمه بواحد من [دين] (١) اليهود والنصارى.\nوقوله تعالى: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾. أي: فساد هذه الدعوى؛ إذ العقل يزجر عن الإقامة على دعوى بغير حُجَّة، فكيف بما ظهر فساده بالمناقضة؟.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-570>٦٦ </span>- وقوله تعالى: ﴿هَا أَنْتُمْ﴾. اختلفوا فيه: فقرأ ابن كثير (٢) من طريق قُنْبُل (٣): ﴿هَا أَنْتُمْ﴾ (٤)، بِوَزْنِ (هَعَنْتُم) (٥)، أُبْدِلَ (٦) من همزة الاستفهام الهاءُ؛ أراد: أأنتم (٧). والهمزة قد تُبدل هاءً (٨)، كقولهم: (أرقت الماء) و(هرقته) (٩)، و(إبرِيَة) و(هِبرِيَة) (١٠).\n_________\n(١) ما بين المعقوفين زيادة من: (ج)، (د).\n(٢) هو: أبو معبد، عبد الله بن كثير الداري المكي. إمام المكِّيِّين في القراءة، وأحد القُرّاء السبعة المشهورين، توفي سنة (١٢٠هـ). انظر: \"الفهرست\" ٤٨، \"معرفة القراء الكبار\" ١/ ٨٦، \"النشر\" ١/ ١٢٠.\n(٣) في (أ): (قتيل). والمُثبَت من بقية النسخ.\nوقُنْبُل، هو: أبو عمر، محمد بن عبد الرحمن، المخزومي مولاهم، المكي. ولد سنة (١٩٥هـ)، انتهت إليه رئاسة الإقراء بالحجاز، أحد رواة قراءة ابن كثير، توفي سنة (٢٩١ هـ). انظر: \"معرفة القراء الكبار\" ١/ ٢٣٠، \"النشر\" ١/ ١٢٠ - ١٢١، \"البدور الزاهرة\" ٨.\n(٤) في (ج)، (د): (هانتم).\n(٥) انظر: \"الحجة\" للفارسي: ٣/ ٤٦، \"الكشف\" لمكي: ١/ ٣٤٦.\n(٦) من قوله: (أبدل ..) إلى (.. الاستفام في أنتم تقرير): نقله عن \"الحجة\" للفارسي ١/ ٤٦٤٧، نقل بعض عباراته بالنص، وبعضها بالمعنى، وتصرف وزاد في بعضها.\n(٧) في (د): (أنتم).\n(٨) في (ج): (نبدلها).\n(٩) في (ج): (وأهرقته).\n(١٠) (أ)، (ب): (إيريه، وهيريه). وفي (ج): (ابره وهبره)، وفي (د): (اره وهيريه). وما أثبته هو ما استصوبته، نظرًا لقربه من رسم الكلمتين في نسخة ج. أما (إيريه =","vol":"5","page":332},{"text":"وهذا كإبدالهم من الباء (١)، الواوَ، في قولهم: (والله)، ومن الواوِ التَّاءَ في (تالله) (٢)، فهذه حروف مفردة قد وقع الإبدال منها.\nولا (٣) يجوز أن يكون أراد ﴿هَا أَنْتُمْ﴾، و(ها) للتنبيه، ثم حَذَف الألفَ، فصار: (هأنتم)، كما حذف الألف من (ها) في (هَلُمَّ)؛ لأن\n_________\n= وهيريه) فلم أقف عليها في كتب اللغة التي رجعت إليها، ولم ترد مثالًا فيما رجعت إليه من كتب الاختصاص في باب الإبدال، إلا ما ورد في \"سر صناعة الإعراب\" لابن جني: ٥٥٣، من تمثيله لهذا الإبدال بـ (هيْر، وهِيْر) و(أيْر وإيْر) وهي من أسماء الصَّبا، وقيل: من أسماء ريح الشمال. ولكني استبعدتُها، وأثبتُّ ما هو أقرب إلى رسم الكلمة المثبتة، وهي: الـ (إبْرِيَة) والـ (هبْرِيَة)، وهي: ما تعلق بأسفل الشعر مثل النخالة من وسخ الرأس، أو ما طار من الريش ونحوه. وقد تكون الكلمة المرادة، هي: (أبرْتُهُ)، و(هبَرْتُهُ)، فكتب الناسخ النقط تحت التاء فكانت ياءً. ومعناها: قطعتُهُ، من (هَبر، يَهْبُرُ، هَبْرًا): قطع قِطَعا كبارا. والهَبْرُ: قطْعُ اللحم، و(هَبرتُ له من اللحم هَبْرَةً): قطعت له قِطعَةً ومنه: (هَبَره بالسيف)؛ أي: ضربه وقطعه. انظر: \"اللسان\" ٨/ ٤٦٠٣ (هبر)، ٨/ ٤٧٣٥ (هير)، \"الممتع\" ١/ ٣٩٩، \"ارتشاف الضرب\" ١/ ١٣٠، \"نزهة الطرف\" لابن هشام: ١٥٨.\n(١) في (ب)، (د): (التاء).\n(٢) الأصل فيها (بالله) ثم أبدلت الواو من الباء، ثم أبدلت التاء من الواو، ويدل على ذلك:\nأولا: أن الباء توصل القسم إلى المقسم به؛ كقولنا: (أحلف بالله).\nثانيًا: أن الباء تدخل على المُضمَر كما تدخل على المُظهَر، كقولنا: (بالله لأقومَنَّ)، و(به لأقعدنَّ). والواو لا تدخل على المضمر البتة، فقتول: (والله لأضربنَّك). فإذا رجعنا إلى المضمر قلنا: (به لأضربنَّك). وهذا هو رأي الجمهور. ونقل ابن هشام عن قطرب وغيره أن التاء غير مبدلة من الواو، وإنما هي حرف مستقل. انظر: \"سر صناعة الإعراب\"١٢١، ١٤٣، ١٤٤، ٦٤٥، \"الممتع في التصريف\" ١/ ٣٨٤، \"ارتشاف الضرب\" ١/ ١٥٦، \"نزهة الطرف\" لابن هشام: ١٦١.\n(٣) في (ج): (لا) بدون واو.","vol":"5","page":333},{"text":"الحروف لا يحذف منها إلَّا إذا كان فيها تضعيف، وليس ذلك في (ها)، وإنَّما حُذِف من (هَلُمَّ)؛ لأن الَّلام التي هي فاءٌ، في تقدير السكون، لأن (تَلُمَّ)؛ (١) كان في الأصل: (تلْمُمْ) (٢)، و(لَمَّ) أصله (٣): (الْمُم)، فهي (٤) متحركة بحركة منقولة إليها، والحرف المتحرك بالحركة المنقولة، قد تكون في نيَّة السكون؛ كقولهم: (اَلَحْمَرْ) (٥)، فالَّلام (٦) في تقدير (٧) سكون؛ بدلالة تقدير الهمزة التي للوصل معها، فكذلك الَّلام في (هَلُمَّ)، وإذا كان في نية سكون، استقام حذف الألف من (ها) كما يُحذف لالتقاء الساكِنَيْنِ، وليس ذلك في (هأنتم) (٨)؛ فإذا كان كذلك لم يستقم الحذف فيه، كما جاء في (هَلُمَّ).\nومعنى الاستفهام في (أنتم) (٩): تقرير (١٠).\nوقرأ نافع وأبو عمرو (ها انتم) (١١) استفهامًا من غير همزٍ ولا مَدٍّ (١٢).\n_________\n(١) في (د): (لم).\n(٢) في (د): (لمم).\n(٣) في (ج): (بصله).\n(٤) يعني: اللام. الذي هو فاءُ الكلمة (لمَّ).\n(٥) (الحمر): ساقطة من (د). وضبطها في \"الحجة\" بضم الراء.\n(٦) في (د): (اللام) بدون واو.\n(٧) (تقدير): ساقطة من (د).\n(٨) في (ب): (ها أنتم).\n(٩) هكذا وردت في جميع السنخ. وفي \"الحجة\": (أأنتم)، وهي الأصوب.\n(١٠) (أ)، (ب)، (ج): (تقدير). وفي (د): (تقديره). والمثبت من \"الحجة\" وهو الصواب.\n(١١) في (ج): (هانتم).\n(١٢) الذي أوردته كتب القراءات من قراءة نافع وأبي عمرو: أنهما كانا يقرآنها ممدودة، من غير همز، على الاستفهام. وقول المؤلف: (بلا مدٍّ)؛ يعني: بلا مدٍّ كثير. فقد =","vol":"5","page":334},{"text":"و(ها) (١) في هذه القراءة للتنبيه، دخلت على (أنتم)، وخُفِّفت (٢) الهمزةُ في (أنتم)؛ لوقوعها بعد أَلِفٍ، كما تقول في (هَبَاءَةٍ): (هَبَايَة) (٣) مليَّنة الهمزة، وفي (المسائل) (٤): (المسايل). ويجوز أيضًا على (٥) هذه القراءة: أن يكون (٦) الهاءُ بدلًا من همزة الاستفهام، كما ذكرنا في قراءة ابن كثير، ودخلت الأَلِفُ التي تدخل للفصل بين الهمزتين في مثل قولك: ﴿أَأَنْتُمْ﴾ (٧)، و﴿قُلْ آلذَّكَرَيْنِ﴾ (٨) [الأنعام ١٤٣] في قراءة أبي\n_________\n= كانا يمدان قليلًا بقدر خروج الألف الساكنة. فهذا هو توجيه قول المؤلف والله أعلم. انظر: \"السبعة\" ٢٠٧، \"الحجة\" للفارسي: ٣/ ٤٦، \"حجة القراءات\" ١٦٥، \"الكشف\" لمكي: ١/ ٣٤٦، \"تفسير الفخر الرازي\" ٤/ ٩٨.\nوقال ابن مجاهد في \"السبعة\" ٢٠٧: (وروى علي بن نصر عن أبي عمرو استفهامًا مُخفَّفًا بلا همز. وقال أحمد بن صالح عن ورش وقالون عن نافع: ممدودًا غير مهموز).\n(١) من قوله (و(ها) ..) إلى (وكذلك في كثير من المواضع البدل يكون في حكم المبدل منه): نقله عن \"الحجة\" للفارسي: ١/ ٤٧ - ٥٠ نقل بعض عباراته بالنص وبعضها بالمعنى، وتصرف في بعضها بالاختصار والزيادة.\n(٢) في (ج): (فخففت).\n(٣) (هباية): مطموسة في (أ). وفي \"الحجة\": (هباةٌ). والمثبت من بقية النسخ. والهباءة: القطعة من الهباء. والهباء: التراب الذي تطيره الريح ويلزق على الأشياء، ويرى في ضوء الشمس. انظر: \"اللسان\" ٨/ ٤٦٠٩ (هبا)، \"المعجم الوسيط\" ٩٨٠ (هبأ).\n(٤) (المسائل): ساقطة من: (ج).\n(٥) في (ج): (من).\n(٦) في (د): (تكون). وفي (ج): مهملة في النقط.\n(٧) في (د): (اانتم). وقد وردت هذه المفردة في الآية ١٤٠ من سورة البقرة، و١٧ من الفرقان، و٥٩، ٦٤، ٦٩، ٧٢، من الواقعة، و٢٧ من النازعات.\n(٨) في (ب): (آاالذكرين)، (د): (الذكرين). وهي مقطع من الآيتين ١٤٣، ١٤٤ من سورة الأنعام.","vol":"5","page":335},{"text":"عمرو (١).\nفإن قيل: إن الألف إنما تدخل للفصل بين المِثْلين، واجتماع المِثْلين قد زال ههنا بإبدال الهاء من الهمزة (٢)، فلا يُحتاج إلى الألف؛ ألا ترى أنَّ من قال: (هَراقَ)، قال: (أُهْرِيق)، ولم يحذف (٣) الهاء مع الهمزة، كما يحذف (٤) إذا قال: (أُرِيق)؛ لزوال اجتماع المثلين؟ قيل: إن البدل قد يكون في حكم المُبدَل عنه، ألا ترى أنَّك لو سميت رجلًا: بـ (هَرِق)، لم تصْرفْهُ كما لا تصرفُ مع الهمزة؛ لأن حكم الهاء حكم الهمزة، وكذلك في كثير من المواضع، البَدَلُ يكون في حكم المُبدَلِ عنه.\nوقرأ أهل الكوفة (٥): (ها أنتم) (٦) بالمدِّ في (ها)، وتحقيق الهمزة في (أنتم)، ويكون (٧) (ها) في قولهم، حرف التنبيه، ولا يكون الهاءُ بدلًا من همزة الاستفهام، كما يجوز (٨) أن يكون بدلًا منها في قراءة أبي عمرو؛ ولأنهم (٩) لا يرون إدخال الألف بين الهمزتين.\n_________\n(١) انظر: \"حجة القراءات\" ١٦٥، \"الكشف\" ١/ ٣٤٦، \"النشر\" ١/ ٣٦٤.\n(٢) في (د): (الهمز).\n(٣) (ب)، (ج): (تحذف).\n(٤) في (ب): (تحذف).\n(٥) يعني بهم: عاصم، وحمزة، والكسائي، وهم من أهل الكوفة، وقرأ بها كذلك ابن عامر. انظر: \"السبعة\" ٢٠٧، \"الحجة\" للفارسي: ٣/ ٤٦.\n(٦) في (د): (هانتم).\n(٧) من قوله: (ويكون ..) إلى (.. إدخال الألف بين الهمزتين): نقله مع التصرف عن \"الحجة\" للفارسي: ٣/ ٥١.\n(٨) في (ج): (لا يجوز).\n(٩) في (ج): (لأنهم) بدون واو.","vol":"5","page":336},{"text":"فإن قيل: ما وجه التنبيه (١) بـ ﴿هَا أَنْتُمْ﴾ مع أنه لا يُنبَّهُ الإنسان على نفسه، وإنما يُنبَّه على ما أغفله؟. قيل: إنَّ التنبيه (٢) وإن كان على ما أغفله من حاله فإنه يُنبَّه بذكر ما يعلم على ما لا يعلم، فلذلك خرج التنبيه على النفس؛ والمعنى: على حال النفس.\nوقوله تعالى: ﴿هَؤُلَاءِ﴾. في موضع النداء؛ يعني: يا هؤلاء (٣). وقد ذكرنا زيادة بيان عند قوله ﴿هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ﴾ [آل عمران: ١١٩].\nوقوله تعالى: ﴿حَاجَجْتُمْ﴾. أي: جادلتم، وخاصمتم (٤). ويُسَمَّى الجدال بِحُجَّةٍ أو شبهة: حِجاجًا؛ لأن صاحب الشبهة (٥) يُوهِم أن معه حُجَّة.\nوقوله تعالى: ﴿فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾. قال السدِّي (٦): هو ما وجدوه في كتبهم، وأنزل عليهم [بيانه] (٧) وقصته (٨).\n_________\n(١) في (د): (التثنية).\n(٢) في (ج): (قيل خرج التنبيه).\n(٣) لا يجوز عند البصريين حذف حرف النداء من أسماء الإشارة، وأجازه الكوفيون. انظر: \"كتاب سيبويه\" ٢/ ٢٢٩، \"المقتضب\" ١/ ٢٥٨، \"شرح المفصل\" ٢/ ١٥، \"التبيان\" (١٩٥)، في الآية وجوه أخرى من الإعراب، استوعبها السمين الحلبي في \"الدر المصون\" ٣/ ٢٤٠ - ٢٤٢، وانظر نفس المرجع: ١/ ٤٧٤ - ٤٧٨.\n(٤) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١/ ٢٨٣، \"تفسير الطبري\" ٣/ ٣٠٦.\n(٥) في (ب): (المشبهة).\n(٦) قوله في \"تفسير الطبري\" ٦/ ٣٠٣ \"تفسير ابن أبي حاتم\" ٢/ ٦٧٢.\n(٧) ما بين المعقوفين غير مقروء في: (أ)، وفي (ب): (خبره). والمثبت من: (ج)، (د).\n(٨) ونص قول السدي، كما في \"تفسير الطبري\" (أما الذي لهم به علم: فما حُرِّم عليهم، وما أمروا به، وأما الذي ليس لهم به علم: فشأن إبراهيم). ولعل المؤلف ساقه هنا بمعناه؛ أي: ما وجدوه محرما، وما أمروا له في كتبهم ... الخ.","vol":"5","page":337},{"text":"وقال آخرون (١): يعني: في أمر محمد ﵇ (٢)؛ لأنهم كانوا يعلمونه بما يجدون من نعته في كتابهم، وحاجُّوا (٣) فيه بالباطل.\nوقوله تعالى: ﴿فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾. أي: لِمَ تجادلون في شأن إبراهيم، وليس في كتابكم أنَّه كان يهوديًّا أو نصرانيًّا، والله يعلم شأن إبراهيم، وأنه لم يكن يهوديًّا ولا نصرانيًّا، وأنتم لا تعلمون. فينبغي أن [تلتمسوا] (٤) حقَّهُ من باطله؛ إذ لا تعلمون أنه كان يهوديًّا ونصرانيًّا. ثم بيَّن حال إبراهيم، فقال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-571>٦٧ </span>- ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا﴾ الآية. نزَّهه وبرأه من الدِّينَينِ، ووصفه بدين الإسلام.\nواليهودية والنصرانية صفتا ذَمِّ، ما تعبَّد (٥) بهما قط؛ [لأنَّ موسى لم يكن يهوديا (٦)] (٧)، وعيسى لم يكن نصرانيًا، مع قوله: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩].\nفاليهودية (٨) مِلَّةٌ محرَّفة عن شريعة موسى، والنصرانية مِلَّةٌ مُحرَّفةٌ عن\n_________\n(١) قد يعني بهم: قتادة، وأبي العالية، والربيع، فقد ورد عنهم في معناها: (فبما شهدتم ورأيتم وعاينتم). انظر: \"تفسير الطبري\" ٣/ ٣٠٦، \"تفسير ابن أبي حاتم\" ٢/ ٦٧٢، والذي شهدوه ورأوه وعاينوه هو أمر النبي - ﷺ - ورسالته.\n(٢) في (د): (ﷺ).\n(٣) في (ج)، (د): (فحاجوا).\n(٤) ما بين المعقوفين: غير مقروء في (أ). ومثبت من بقية النسخ.\n(٥) في (ج): (لم يتعبد).\n(٦) (لم يكن يهوديا): ساقطة من (ب).\n(٧) ما بين المعقوفين: مطموس في (أ)، ومثبت من بقية النسخ.\n(٨) في (ج): (واليهودية).","vol":"5","page":338},{"text":"شريعة عيسى ﵉.\nفإن قيل: الله تعالى أخبر (١) أن (٢) إبراهيم كان (٣) مُسْلِمًا، فهل كان إبراهيم على جميع ما نحن عليه من شريعة الإسلام؟ قيل: إنه كان مسلما، وإن كان على بعض شريعتنا؛ لأنَّ تلاوة القرآن واجبة في صلاتنا، ولم ينزل القرآن إلاَّ على نبينا - ﷺ - (٤)، والدليل على أنه كان مسلما بإقامة بعض الشريعة: أن أصحاب النبي - ﷺ - كانوا مسلمين في الابتداء قبل استكمال الشريعة (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-572>٦٨ </span>- قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾. أَوْلَى: أفْعَل؛ من (الوَلْي)؛ الذي هو: القُرْبُ (٦)؛ أي: أقرب الناس إلى إبراهيم، وأحقهم به: الذين (٧) اتَّبعوه على دينه ومِلَّتِه. ﴿وَهَذَا النَّبِيُّ﴾. يعني: محمدًا - ﷺ -. ﴿وَالَّذِينَءَامَنُوا﴾ يعني: بمحمد (٨) - ﷺ -. من المهاجرين والأنصار والتابعين.\nقال الزجاج (٩): أي: فهم الذين ينبغي أن يقولوا: إنَّا على دين\n_________\n(١) في (ب): (أخبر الله تعالى).\n(٢) في (ج): (عن).\n(٣) في (ج): (أنه كان).\n(٤) يعني المؤلف بقوله هذا: أن إبراهيم ﵇ كان مسلما، وإن لم توافق فروع شريعته جميع فروع شريعتنا، حيث لا يمكن ذلك بوجه أصلا، فَمِنْ فروع شريعتنا: وجوب تلاوة القرآن في صلاتنا، ولم يكن ذلك من فروع شريعته؛ لأن معروف بديهة أن القرآن نزل على النبي محمد - ﷺ -، ولم ينزل على نبي غيره.\n(٥) انظر بيان ذلك في \"روح المعاني\" ٣/ ١٩٦.\n(٦) انظر: \"تهذيب اللغة\" ١٥/ ٤٤٨ (ولي)، \"المجمل\" ٩٣٦ (ولي).\n(٧) في (ب)، (ج)، (د): (للذين).\n(٨) في (ج)، (د): (لمحمد).\n(٩) في \"معاني القرآن\" له ١/ ٤٢٧، نقله عنه بنصه.","vol":"5","page":339},{"text":"إبراهيم.\nوفي هذا بيان أنَّ (١) الأَوْلَى بالإنسان: المُوافق له في دينه، دون ولده، ومن يرجع إليه في نسبه، ممن يخالفه في مذهبه، ولا يُعتَدُّ (٢) بالولادة أو نحوها من القرابة في عقد الولاية.\nوقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾. ذكرنا ما فيه عند قوله: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (٣) الآية (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-573>٦٩ </span>- قوله تعالى: ﴿وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾. أي: تَمَنَّت (٥). وذكرنا الكلام فيه عند قوله: ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُم﴾ (٦) الآية (٧).\n﴿طَائِفَةٌ﴾؛ الطائفةُ، معناها في اللغة: القطعة من كل شيء. يقال: (طائفةٌ من الناس)، (وطائفة من الليل) (٨).\n_________\n(١) أن: ساقطة من: (ج).\n(٢) في (ج) (د): (لئلا يعتبر).\n(٣) سورة البقرة: ٢٥٧. ﴿... يخرجهم من ...﴾\n(٤) (الآية): ساقطة من (د).\n(٥) انظر: \"تفسير الطبري\" ٦/ ٥٠٠، \"مفردات ألفاظ القرآن\" ٨٦٠ (ودد).\n(٦) سورة البقرة: ٩٦. ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾.\n(٧) (الآية): ساقطة من: (ج)، (د).\n(٨) انظر (مادة: طوف) في \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢١٥٤، \"اللسان\" ٥/ ٢٧٢٢. قال الراغب: (والطائفة من الناس: جماعة منهم، ومن الشيء: القطعة منه .. وقال بعضهم: قد يقع ذلك على واحدٍ فصاعدا). \"مفردات ألفاظ القرآن\" ٥٣٢ (طوف). وبيَّن ابن فارس (أن كل جماعة يمكن أن تحفَّ بشيء فهي عندهم طائفة. ولا يكاد هذا يكون إلا في اليسير ثم يتوسعون في ذلك من طريق المجاز، فيقولون: أخذتُ=","vol":"5","page":340},{"text":"قال بعض أهل اللغة: الطائفة: الفِرْقَة؛ سُمِّيَت بها لتصرفها في الإقبال والإدبار؛ كأنها تطوف (١)؛ كقولهم: (الإنسان (٢)، دَيُّور وديَّار)؛ لكثرة دورانه (٣).\nوقوله تعالى: ﴿لَوْ يُضِلُّونَكُمْ﴾. ولم يقل: أنْ يُضِلُّونكم، لأن (لو) (٤) أوفق مع التمني (٥)، فإنَّ (٦) قولك: (لو كان كذا)، تَمَنٍّ [منك] (٧) تمنيته (٨) لِكَوْنِه (٩). ومثله: قوله: ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ﴾ [البقرة: ٩٦]، وقد مرَّ.\n_________\n= طائفةً من الثوب؛ أي: قطعة منه. وهذا على معنى المجاز؛ لأن الطائفة من الناس، كالفرقة والقطعة منهم) \"مقاييس اللغة\" ٣/ ٤٣٣ (طوف).\n(١) لم أقف على من قال بهذا القول، ولكن معناه صحيح، قال ابن فارس: (الطاء والواو والفاء، أصلٌ واحدٌ صحيح، يدل على دوران الشيء على الشيء وأن يحفَّ به) ثم قال: (فأما الطائفة من الناس، فكأنها جماعة تطيف بالواحد أو بالشيء). \"المقاييس\" ٣/ ٤٣٢ (طرف).\n(٢) في (ج)، (د): (للإنسان).\n(٣) في (ب): (مداراته). وفي \"اللسان\" (.. وما بالدَّار دُوريٌّ ولا ديَّار، ولا دَيُّورٌ على إبدال الواو من الياء، أي: ما بها أحدٌ، لا يُستعمل إلا في النفي، وجمع الدَّيَّار، والدَّيُّور لو كُسِّرَ: دواويرُ) ٣/ ١٤٥٠ (دور). وانظر: \"الزاهر\" ١/ ٣٦٦، \"الصحاح\" ٢/ ٦٦٠ (دور). ومنه قوله تعالى: ﴿وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [سورة نوح: ٢٦]. وانظر: \"تفسير أبي السعود\" ٩/ ٤١.\n(٤) في (ج): (أو).\n(٥) في (ج): (المتمني).\n(٦) في (ب): (وإن).\n(٧) ما بين المعقوفين: زيادة من: (ج)، (د).\n(٨) (تمنيته): ساقطة من: (ج)، (د).\n(٩) انظر: \"رصف المباني\" ٣٦٠، \"الجنى الداني\" ٢٨٨.","vol":"5","page":341},{"text":"والإضلال (١) في كلام العرب ضد الهداية والإرشاد. يقال: (أضللتُ فلانا): إذا وجَّهته للضلال عن الطريق فلم ترشده.\nنزلت هذه الآية في نَفَرٍ من اليهود. قال ابن عباس (٢): هم قُرَيظَة والنَّضير وبنو قَيْنُقاع؛ أرادوا أن يَسْتَنزِلوا (٣) المسلمين عن دينهم ويردوهم إلى الكفر (٤).\n_________\n(١) من قوله: (والإضلال ..) إلى (.. عن الطريق): نقله بنصه عن \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢١٢٨ (ضلل).\nوقال الطبري: (والإضلال في هذا الموضع: الإهلاك)، ولم يختلف المعنى؛ لأن الإهلاك من نتائج الإضلال ولوازمه. وقد بيَّن الطبري نفسه هذا الأمر فقال في نفس الصفحة: (.. لو يصدُّونكم أيها المؤمنون عن الإسلام، ويصدونكم عنه إلى ما هم عليه من الكفر، فيهلونكم بذلك). \"تفسيره\" ٣/ ٣٠٤.\nولذا قال ابن عطية عن تفسير الطبري لهذه اللفظة بـ (الهلاك): (وهذا تفسير غير خاص باللفظة، وإنما اطَّرد له؛ لأن هذا الضلال في الآية اقترن به الهلاك، وأما أن تفسر لفظة الضلال بالهلاك فغير قويم). \"المحرر الوجيز\" ٣/ ١٦٣.\n(٢) لم أقف على مصدر هذه الرواية عنه.\nوقد أورد ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ١/ ٤٠٤، وأبو حيان في \"البحر المحيط\" ١/ ٤٨٨ عن ابن عباس أنَّ المقصود بالطائفة هم اليهود حين دعوا معاذ بن جبل، وعمار بن ياسر إلى دينهم.\n(٣) في (د): (يستزلوا).\n(٤) قيل: إن المقصود بـ ﴿طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾: هم النصارى، وبه قال سفيان بن عيينة، فقد ورد عنه قوله: (كل شيء في آل عمران من ذكر أهل الكتاب، فهو في النصارى).\nأخرجه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٢/ ٦٧١، وأورده السيوطي في \" الدر\" ٢/ ٢٣٩، وزاد في نسبته إلى ابن المنذر.\nودفع هذا القول الشوكاني في \"الفتح\" ١/ ٣٥٢، وقال: (ويدفع هذا أن كثيرًا من خطابات أهل الكتاب المذكورة في هذه السورة، لا يصح حملها على النصارى =","vol":"5","page":342},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾ (١) لأن المؤمنين لا يقبلون فولهم، وما يدعونهم إليه فيحصل عليهم الإثم بتمنيهم إضلال المؤمنين.\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ أي: وما يعلمون أن هذا يضرهم، وما يضر المؤمنين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-574>٧٠ </span>- قوله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ﴾ الخطاب لليهود (٢). وقوله: ﴿لِمَ﴾ أصلها: (لِمَا)؛ لأنها (٣) (ما) التي للاستفهام، دخلت عليها الَّلام فحُذِفت الألِفُ استخفافًا؛ لأن حرف الجرِّ صار عِوَضًا منها، مع وقوعها طَرَفًا (٤)، تدل (٥) عليها الفتحةُ (٦)، وعلى هذا قوله: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾ [النبأ:١]، و﴿فَبِمَ\n_________\n= البتة، ومن ذلك هذه الآيات)، ثم بين أن المقصود بالطائفة هم: اليهود خاصة. وقيل: هم اليهود كما سبق أن رُوي عن ابن عباس، وهو قول مقاتل في \"تفسيره\" ١/ ٢٨٣. وذكر هذا القول بعض المفسرين دون عزو إلى قائل، ومنهم: البغوي في \"تفسيره\" ٢/ ٥٠، والواحدي في \"أسباب النزول\" (١١٠). وقال أبو حيان: بأن عليه إجماع المفسرين. انظر: \"البحر المحيط\" ٢/ ٤٨٨. وعلى هذين القولين تكون ﴿مِّن﴾ في الآية تبعيضية.\nوقيل: هم اليهود والنصارى، ولفظ ﴿أَهْلِ الكِتَابِ﴾ يعمهم، وتكون حينها ﴿مِّن﴾ في الآية لبيان الجنس. وبه قال أبو سليمان الدمشقي، كما في \"زاد المسير\" ١/ ٤٠٤. وإليه ذهب الطبري في \"تفسيره\" ٣/ ٣٠٤، والنحاس في \"معاني القرآن\" ١/ ٤١٩. ونقل ابن عطية عن مكي: أنهم يهود بني قريظة وبنو النضير وبنو قينقاع، ونصارى نجران. انظر: \"المحرر الوجيز\" ٣/ ١٦٤.\n(١) إلى هنا انتهى ما وقفت عليه من نسخة (د).\n(٢) وذهب الطبري: إلى أن الخطاب لليهود والنصارى. انظر: \"تفسيره\" ٣/ ٣٠٩، \"المحرر الوجيز\" ٣/ ١٦٤.\n(٣) في (ج): (أنها).\n(٤) في (ب): (ظرفا).\n(٥) في (ج): (يدل).\n(٦) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج: ١/ ٤٢٧ - ٤٢٨.=","vol":"5","page":343},{"text":"تُبَشِّرُونَ﴾ [الحجر: ٥٤].\nوالوقف على هذه الحروفِ يكون بالهاء (١)، نحو: (فِبْمَهْ)، و(لِمَهْ). ولا يجوز حذفُ الأَلِفِ [من (ما)، إذا كانت موصولة] (٢)؛ لأن [الألِفَ في] (٣) الموصولةِ [بِمَنْزِلَة حرفٍ في وسط الاسم؛ لأن الموصولة] (٤) لا تتم (٥) إلا بِصِلَتِها، والطَّرَف (٦) أقوى على التغيير من وسط الاسم، كما قوي على التغيير بالإعراب (٧) والتنوين (٨).\nوزعم الكسائيُّ (٩)، أن أصل (كَمْ) (١٠) كما، وهذا غلط منه عند\n_________\n= ويجب حذفُ ألف (ما) بعد دخول حرف الجر عليها، مع إبقاء الفتحة دليلا عليها، إلا في الشعر، حال الضرورة الشعرية. انظر: \"المغني\" لابن هشام: ٣٩٣.\nوذكر أبو حيَّان أن قوما يحذفون الألف من (ما) الاستفهامية في الوصل، فيقولون: (مَ صنعت؟). وذكر كذلك أن من العرب من يثبت الألف إذا دخل عليها حرف الجر، وقال: (وذلك قليل وقبيح). \"ارتشاف الضرب\" ١/ ٥٤٤، وانظر: \"شرح المفصل\" ٤/ ٨.\n(١) في (ج): (كأنها). انظر في هذا المعنى: \"شرح المفصل\" ٤/ ٦، \"ارتشاف الضرب\" ١/ ٥٤٤.\n(٢) ما بين المعقوفين زيادة لازمة من (ج).\n(٣) ما بين المعقوفين زيادة لازمة من (ج).\n(٤) ما بين المعقوفين زيادة لازمة من (ج).\n(٥) (لا تم) ساقطة من: (ج).\n(٦) في (ب): (والظرف).\n(٧) بالإعراب: في (أ) غير واضحة، وفي (ب): (للإقراب). والمثبت من: (ج).\n(٨) في (ب): (وللتنوين). انظر في هذا المعنى \"شرح المفصل\" ٤/ ٩.\n(٩) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج: ١/ ٤٢٨، \"الجنى الداني\" ٢٦١ ونسب هذا الرأي للكسائي والفراء.\n(١٠) أي: إن (كم) مركبة من: كاف التشبيه، و(ما) الاستفهامية محذوفة الألف، وسُكِّنت ميمُها لكثرة الاستعمال.","vol":"5","page":344},{"text":"البصريين؛ لمخالفة (١) (كَمْ) (ما) في اللفظ، والمعنى؛ أما في اللفظ: فكان يجب أن تبقى الفتحة (٢) لتدل على الألِفِ، كما باقيت في (لِمَ) ونحوه. وأما في المعنى: فإن (كم) سؤالٌ عن العدد، و(ما) سؤال عن الجنس، فليس بينهما مشابهة، ولا لكاف التشبيه في (كَمْ) معنًى.\nوقوله تعالى: ﴿بِآيَاتِ اللَّهِ﴾. يعني: القرآن (٣).\n﴿وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾، قال قتادة (٤)، والربيع (٥)، والسُّدِّي (٦): أي: تشهدون بما يدل على صحة القرآن من كتابكم؛ لأن فيه نعت محمد وذكره.\nوقيل (٧): ﴿وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ بمثلها من آيات الأنبياء التي تقرون بها. فحذف من الكلام ما يشهدون به ويقرون؛ لأن الكلام كان توبيخًا، فَدَلَّ على: (وأنتم تشهدون بما عليكم فيه الحجة)، فحُذِف؛ للإيجاز، مع الإستغناء عنه بالتوبيخ.\nوالحجة عليهم: إقرارهم بالبشارة لمحمد ثم الكفر به، والإقرار بمثل\n_________\n(١) (لمخالفة): غير واضحة كاملًا في (أ)، وفي (ب): (لمحل أداة). والمثبت من: (ج).\n(٢) في (ج): (العدد الفتحة).\n(٣) ممن قال بهذا: مقاتل بن سليمان في \"تفسيره\" ١/ ٢٨٣. وفسر السدي (آيات الله) بـ (محمد - ﷺ -). وفسرها مقاتل بن حيان بالحجج. أما الطبري، فقد فسرها بما أنزِل عليهم من كتب الله على ألسن أنبيائه. انظر: \"تفسير الطبري\" ٦/ ٥٠٣، \"تفسير ابن أبي حاتم\" ٢/ ٦٧٦.\n(٤) قوله في \"الطبري\" ٣/ ٣٠٩، \"ابن أبي حاتم\" ٢/ ٦٧٦.\n(٥) السابق.\n(٦) السابق.\n(٧) لم أقف على هذا القائل. وقد أورده الماوردي في \"النكت والعيون\" ٢/ ٨٥٤، ولم يعزه إلى قائل.","vol":"5","page":345},{"text":"آياته للأنبياء، ثم كفرهم بما جاء به محمد وجحدهم؛ فكان (١) ذلك مناقَضَةً منهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-575>٧١ </span>- قوله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾ ذكرنا معنى (اللَّبْس) فيما تقدم (٢).\nو(الحَق) ههنا: التوراة التي أنزل على موسى، و(الباطِلُ): ما كتبوه بأيديهم وغيروه وحرفوه من نعت محمد - ﷺ -، وخبره (٣)، في قول: الحسن (٤)، وابن زيد (٥).\nوقال قتادة (٦): لِمَ تخلطون (٧) الإسلام باليهودية والنصرانية؛ وذلك أنهم تداعوا إلى إظهار الإسلام في صدر النهار، والرجوع عنه في آخره؛ لتشكيك الناس فيه.\nوقوله تعالى: ﴿وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ﴾ يعني أمر محمد - ﷺ -. قاله [قتادة] (٨)،\n_________\n(١) في (ج): (وكان).\n(٢) عند تفسير الآية ٤٢ من سورة البقرة.\n(٣) في (ب)، (ج): (وغيره).\n(٤) قوله في \"تفسير ابن أبي حاتم\" ٢/ ٦٧٧، \"النكت والعيون\" ٢/ ٤٠١ \"زاد المسير\" ١/ ٤٠٥، \"البحر المحيط\" ١/ ٤٩١.\n(٥) قوله في \"تفسير الطبري\" ٣/ ٣١٠، \"النكت والعيون\" ٢/ ٤٠١، \"زاد المسير\" ١/ ٤٠٥، \"البحر المحيط\" ١/ ٤٩١.\n(٦) قوله في \"تفسير ابن أبي حاتم\" ٢/ ٦٧٧، \"زاد المسير\" ١/ ٤٠٥، \"البحر المحيط\" ١/ ٤٩١.\n(٧) في (ب): (تختلطون).\n(٨) ما بين المعقوفين: غير مقروء في (أ). والمثبت من (ب)، (ج). وقوله في \"تفسير الطبري\" ٣/ ٣١٠، \"تفسير ابن أبي حاتم\" ٢/ ٦٧٧، \"زاد المسير\" ١/ ٤٠٥.","vol":"5","page":346},{"text":"ومقاتل (١).\nوقال عطاء (٢): يريد بـ ﴿الْحَقَّ﴾: النبي - ﷺ -.\nوقوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ يعني: تعلمون الحق، وأنه رسول الله، وأن الإسلام دين الله. ونظير هذه الآية: قوله في البقرة: ﴿وَلَا تَلبِسُواْ اَلحَقَّ بِالبَاطِلِ﴾ (٣) الآية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-576>٧٢ </span>- قوله تعالى: ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ الآية، قال الحسنُ (٤)، والسدِّيُّ (٥): تواطأ اثنا عشرَ حَبْرًا من اليهود، وقال بعضهم لبعض: أظهروا الإيمان بمحمد - ﷺ -، في أول النهار، وارجعوا عنه في آخر النهار؛ فإنه أحرى أن ينقلب أصحابه عن دينهم ويشكوا فيه؛ إذا قلتم: نظرنا في كتبنا فوجدنا محمدًا ليس بذاك، وقال مجاهد (٦)، ومقاتل (٧)،\n_________\n(١) قوله في \"تفسيره\" ١/ ٢٨٤. وهو مروي كذلك عن: الحسن والربيع ومقاتل بن حيان انظر: \"تفسير الطبري\" ٣/ ٣١٠ \"تفسير ابن أبي حاتم\" ٢/ ٦٧٧.\n(٢) لم أقف على مصدر قوله. وهو مروي كذلك عن: مجاهد والسدي، كما في \"تفسير الطبري\" ٣/ ٣٠٩، \"تفسير ابن أبي حاتم\" ٢/ ٦٧٦، ولا أرى فرقًا بين القولين، وقد جعلهما ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" بمعنًى واحدٍ.\n(٣) سورة البقرة: ٤٢ ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.\n(٤) قوله في \"تفسير البغوي\" ٢/ ٥٣، \"زاد المسير\" ١/ ٤٠٥ \"البحر المحيط\" ١/ ٤٩٣.\n(٥) قوله في \"تفسير الطبري\" ٣/ ٣١١، \"تفسير ابن أبي حاتم\" ٢/ ٦٧٨، \"تفسير البغوي\" ٢/ ٥٣، \"زاد المسير\" ١/ ٤٠٥، \"البحر المحيط\" ١/ ٤٩٣.\n(٦) قوله في \"تفسير الطبري\" ٢/ ٣١٣، \"تفسير ابن أبي حاتم\" ٢/ ٦٧٩، \"تفسير البغوي\" ٢/ ٥٣، \"البحر المحيط\" ١/ ٤٩٣، \"الدر المنثور\" ٢/ ٧٥ وزاد انسبة إخراجه لعبد بن حميد وابن المنذر.\n(٧) قوله في \"تفسيره\" ١/ ٢٨٤، ولكن ليس فيه أن مرادهم بفعلهم هذا: التشكيك في أمر القبلة، بل جعله للتشكيك في نعت النبي - ﷺ - في التوراة، فقال: (وإذا كان العشى: قولوا لهم: نظرنا في التوراة فإذا النعت الذي في التوراة ليس بنعت محمد - ﷺ - ..). وفي \"تفسير البغوي\" ٢/ ٥٤، \"البحر المحيط\" ١/ ٤٩٣ بنحو الذي عند المؤلف.","vol":"5","page":347},{"text":"والكلبي (١): قال بعض اليهود لبعض: أظهروا الإيمان بالذي (٢) [أنزل] (٣) على محمد في أمر الكعبة، والصلاة إليها، أولَ النهار، ثم اكفروا به آخرَ النهار (٤)، وارجعوا إلى قبلتكم؛ لعلهم يَشُكُونَ فيرجعون إلى قبلتكم؛ فأطلع اللهُ نبيَّه على سرِّ اليهود ومكرهم.\nوقوله تعالى: ﴿وَجْهَ النَّهَارِ﴾ قال ابن عباس (٥): أول النهار. والوَجْهُ في اللغة: مُسْتَقْبَلُ كلِّ شيء؛ لأنه أول ما يُواجَهُ منه، كما يقال لأول الثَّوْبِ: (وَجْهُ الثوب) (٦).\nروى (٧) ثعلب عن ابن الأعرابي: (أتيته بوجهِ نَهارٍ)، و(صدر نهار)،\n_________\n(١) أخرج عبد الرزاق في \"تفسيره\" ١/ ١٢٣عن قتادة والكلبي، أنهما قالا: (قال بعضهم لبعض: أعطوهم الرضى بدينهم أول النهار، واكفروا آخره، فإنه أجدر أن يصدقوكم ويعلموا أن قد رأيتم فيهم ما تكرهون، وهو أجدر أن يرجعوا عن دينهم). فليس في هذا الأثر ما يتعلق بأمر القبلة، وفي \"تفسير البغوي\" ٢/ ٥٤، \"البحر المحيط\" ١/ ٤٩٣، بنحو الذي عند المؤلف.\n(٢) في (ب): (الذي).\n(٣) ما بين المعقوفين غير مقروء في (أ). والمثبت من: (ب، ج).\n(٤) (ثم اكفروا به آخر النهار): ساقطة من: (ج).\n(٥) أخرج قوله ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٢/ ٦٧٩ بمعناه، ولفظه عنده: (قال: يكونون معهم أول النهار يمارونهم ويكلمونهم). وأورده السيوطي في \"الدر\" ٢/ ٧٦ وزاد نسبة إخراجه إلى ابن المنذر، وابن مردويه، والضياء في \"المختارة\".\nوكذا ورد عنه في حديث آخر أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٣/ ٣١٢ حيث ورد ضمنًا تفسيره لـ (وجه النهار): بأوله، وقد فسره بذلك قتادة، والربيع، ومجاهد.\n(٦) انظر: \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٨٤٢ (وجه).\n(٧) في (ج): (وروي). ومن قوله: (روي ..) إلى نهاية بيت الشعر: نقله باختصار وتصرف عن \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٨٤٢ (وجه).","vol":"5","page":348},{"text":"و(شباب نهار)؛ أي: أول النهار؛ وأنشد للربيع بن زياد (١):\nمَنْ كان مسرورًا بِمَقتَلِ مالِكٍ ... فَلْيَأتِ نِسْوَتَنا بِوَجْهِ نهارِ (٢).\nوقوله تعالى: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ أي: عن دينهم (٣). وقال الكلبي (٤): إلى القبلة الأولى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-577>٧٣ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ الآية.\n_________\n(١) هو: الربيع بن زياد بن عبد الله بن سفيان العَبْسي، شاعر جاهلي، وفارسٌ، وسيد من سادات قومه، يقال له الكامل، مات سنة (٣٠) قبل الهجرة. انظر: \"العمدة\" لابن رشيق: ١/ ١٢٨، ٢/ ٨٨١، ٨٩١، \"الأعلام\" ٣/ ١٤.\n(٢) ورد البيت منسوبًا له في \"مجاز القرآن\" ١/ ٩٧، \"الحماسة\" لأبي تمام: ١/ ٤٩٤، \"الفاخر\" للمفضل الضبي: ٢٢٣، \"الطبري\" ٣/ ٣١٢، \"الدر المصون\" ٣/ ٢٤٨، \"خزانة الأدب\" ٨/ ٣٦٩.\nوورد غير منسوب في \"معاني القرآن\" للزجاج: ١/ ٢٤٩، \"مجالس العلماء\" ٢٣٤، \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٨٤٢ (وجه)، \"الموضح في التفسير\" ٣٨، \"تذكرة النحاة\" ١٣٩، \"اللسان\" ١٣/ ٥٥٦ (وجه)، \"التاج\" ٩/ ٤١٨ (وجه).\nوالبيت ضمن أبيات قالها في مالك بن زهير العبسي الذي قتلته بنو فزارة، وبعده:\nيَجِدِ النساءَ حواسِرًا يندُبُنَه ... يَلْطمْنَ أوجُهَهُنَّ بالأسحارِ.\nومعناه: إن من سرَّه قتل مالك، فلْيأت لنا في أول النهار، ليَجدنا قد أخذنا بثأره مباشرة، وعلامة ذلك أن يجد النساء حواسرًا يندُبنه ويلطمن وجوههن بالأسحار، وذلك أن العرب لا تندب قتلاها إلا بعد أن تأخذ ثأرها.\n(٣) وهو قول قتادة، والربيع، وابن عباس ومجاهد، وغيرهم. انظر: \"تفسير الطبري\" ٣/ ٣١٣، \"تفسير ابن أبي حاتم\" ٢/ ٦٨٠.\n(٤) لم أقف على مصدره. وقد ورد في \"البغوي\" ٢/ ٥٤، \"البحر المحيط\" ١/ ٤٩٣. والذي في \"تفسير عبد الرزاق\": ١/ ١٢٣ عنه وعن قتادة قالا: (.. وهو أن يرجعوا عن دينهم).","vol":"5","page":349},{"text":"قتادةُ (١)، والرَّبيعُ (٢)، والسُّدي (٣)، والحسنُ (٤)، وابن زيد (٥)، وأكثرهم: على أن هذا من كلام اليهود بعضهم لبعض؛ والمعنى: لا تصدِّقوا إلا لِمَن تبع دينكم اليهودية، وقام بشرائعكم.\n﴿أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ﴾ من: العلم، والحكمة، والكتاب، والحجة، والمَنِّ والسَّلْوَى، والفضائل والكرامات. والتقدير: (٦) لا تُصَدِّقوا بأن يؤتى أحدٌ مثل ما أوتيتم، إلا لِمَنْ تبع دينكم.\nوقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ﴾ اعتراضٌ بين المفعول وفعله، وهو من كلام الله تعالى.\nقال ابن عباس (٧): ومعناه: إنَّ الدينَ دينُ اللهِ. ومثله في سورة البقرة: ﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى﴾ (٨) [البقرة: ١٢٠].\nوقوله تعالى: ﴿أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ﴾ التقدير: (بأن يُؤتى)؛ لأن الإيمان\n_________\n(١) قوله في \"تفسير الطبري\" ٣/ ٣١٣.\n(٢) قوله في \"تفسير الطبري\" ٣/ ٣١٤.\n(٣) قوله في \"تفسير الطبري\" ٣/ ٣١٤، \"تفسير ابن أبي حاتم\" ٢/ ٦٨١ \"النكت والعيون\" ١/ ٤٠٠.\n(٤) لم أقف على مصدر قوله وهو في \"زاد المسير\" ٤٠٦/ ١، \"النكت والعيون\" ١/ ٤٠٠.\n(٥) قوله في \"تفسير الطبري\" ٣/ ٣١٤، \"النكت والعيون\" ١/ ٤٠١.\n(٦) في (ج): (ولا).\n(٧) لم أقف على مصدر قوله، وفي \"تنوير المقباس\" ١/ ٥٠ (إنَّ دينَ الله هو الإسلام، وقبلة الله هي الكعبة).\n(٨) في (ج): (قل إن الهدى هدى الله).","vol":"5","page":350},{"text":"يتعدَّى بالجارِّ، فلمَّا حذفَ الجار من ﴿أَنْ﴾، كان موضع ﴿أَنْ﴾ على ما ذكرنا من الخلاف؛ في قول الخليل: يكون جَرًّا (١)، وفي قول سيبويه: يكون نصبًا (٢). وقد ذكرنا هذا الخلاف في مواضع.\nفأما الَّلام في ﴿لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ﴾، فقال أكثر النحويين (٣): إنها دخلت صِلَةً وتأكيدًا (٤)؛ كهي في قوله: ﴿رَدِفَ لَكُمْ﴾ (٥)؛ والمعنى: رَدِفَكم. وأنشد ابن الأنباري (٦) على هذا:\nما كنتُ أَخدَعُ للخليلِ بِخُلَّةٍ ... حتى يكونَ ليَ الخليلُ خَدوعا (٧)\nقال: أراد: ما كنت أَخدَعُ الخليلَ، فزاد الَّلام.\n_________\n(١) في (ج): (خبرا).\n(٢) انظر ما ذكره عند تفسير: ﴿أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ﴾ آية: ٣٩ من آل عمران.\n(٣) منهم: الفراء في \"معاني القرآن\" ١/ ٢٢٢، وابن شقير في \"المحلى\" ٢٣٨، والزجاجي، في \"اللامات\" ١٤٧.\n(٤) حروف الصلة، هي حروف الزيادة، وأشهرها: الباء، الكاف، اللام، مِن. وتستعمل هذه الحروف أصلية، وأحيانًا زائدة؛ وهي لا تجلب معنى جديدًا، وإنَّما تؤكد وتقوي المعنى العام في الجملة كلها، سواء أكان المعنى العام إيجابًا أم سلبًا. انظر: \"النحو الوافي\" ٢/ ٤٤٩ - ٤٥٠، وانظر للتوسع في نقاش هذا الأمر في \"سر صناعة الإعراب\"١٢٠ وما بعدها، \"شرح المفصل\" ٨/ ١٢٨.\n(٥) [سورة النمل: ٧٢]. ﴿قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾. وممن قال بزيادتها: الفراء في \"معاني القرآن\" ١/ ٢٢٢، والطبري في \"تفسيره\" ٣/ ٣١٤، وابن شقير في \"المحلى\" ٢٣٨، والزجاجي في \"اللامات\" ١٤٧.\n(٦) لم أقف على مصدره. وقد أورده ابنُ الجوزي في \"الزاد\" ١/ ٤٠٧.\n(٧) لم أقف على قائله فيما رجعت إليه من مصادر. وقد ورد في \"زاد المسير\" ١/ ٤٠٧، \"البحر المحيط\" ١/ ٤٩٤.","vol":"5","page":351},{"text":"وقال الآخر:\nيَذمُّونَ للدنيا (١) وهم يَحْلِبونها ... أَفَاوِيقَ (٢) حتى ما يَدُرُّ لها ثُعْلُ (٣)\nأراد: يذمون [الدنيا. فأكَّدَ الكلامَ بالَّلام. وُيروى: (يَذُمُّونَ لِي الدنيا) بالياء.\nوقال] (٤) أبو علي الفارسي (٥): (الإيمان) لا يتعدَّى إلى مفعولين،\n_________\n(١) في (ج): (لي الدنيا).\n(٢) في (أ)، (ب): فاويق. والمثبت من: (ج)، ومصادر البيت.\n(٣) في (أ): (نَعل). وفي (ب): (حتى لا يدرها نعل)، والمثبت من: (ج) ومصادر البيت. والبيت لعبد الله بن همام السلُولي. وقد ورد منسوبًا له، في \"إصلاح المنطق\" ٢١٣، \" الكامل\" ١/ ٥٥، \"الصحاح\" ١٦٤٦ (ثعل)، والمخصص: ١٥/ ٥٩، \"اللسان\" ٨/ ٤٨٥٧ (وضع)، ٦/ ٣٤٨٧ (فوق)، ١/ ٤٨٤ (ثعل).\nوورد في \"المخصص\" ١/ ٢٥ ونسبه لهمام بن مرة.\nوورد غير منسوب، في \"مجالس ثعلب\" ٤٤٧، \"جمهرة اللغة\" ٧٤٦ (وضع)، \"التهذيب\" ٢/ ١٤١٨ (رضع)، ١/ ٤٨٢ (ثعل)، \"معجم المقاييس\" ٢/ ٤٠١ (رضع)، و\"المجمل\" ٣٨٠ (رضع)، \"زاد المسير\" ١/ ٤٠٧، \"الدر المصون\" ٣/ ٢٥٠.\nوفي كل المصادر السابقة ما عدا \"زاد المسير\" ورد: (وذمُّوا لنا الدنيا وهم يرضِعُونها ..)، وفي \"معجم المقاييس\" (.. الثُّعْلُ)، وفي \"الدر المصون\" (ويروى: (بالدنيا) بالباء.\nو(الثُعْل)، و(الثَّعْل)، و(الثَّعَل): زيادة في حَلَمات الناقة والشاء والبقر. وقيل: هو خِلْفٌ زائد في أخلاف الناقة وضرِع الشاة. انظر: \"اللسان\" ٦/ ٣٤٨٧ (فوق)، ١/ ٤٨٤ (ثعل).\n(٤) ما بين المعقوفين زيادة من: (ج).\n(٥) في \"الحجة\" له: ٣/ ٥٣. نقله عنه بالمعنى.","vol":"5","page":352},{"text":"فلا يجوز أيضًا أن يَتعَلَّقَ (١) بجارَّيْنِ، وقد تعلق بالجارِّ المحذوف من قوله: ﴿أَنْ يُؤْتَى﴾ فلا يتعلق بالَّلام من (٢) قوله: ﴿لَمَنْ﴾، إلا أن يُحمَل (الإيمان) على معناه، فيَتَعدَّى إلى مفعولين، ويكون المعنى: ولا تقرُّوا بأنْ يؤتَى أحدٌ مثلَ ما أوتيتم، إلا لِمَن تبع دينكم؛ كما تقول: (أقررت لِزيدٍ بألف)، فيكون اللامُ متعلقًا بالمعنى، ولا تكون زائدةً (٣) على حَدِّ ﴿رَدِفَ لَكُمْ﴾ (٤)، و﴿إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾ (٥).\nوقوله تعالى: ﴿أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ﴾ (أحَدٌ) (٦) إنَّما يُستعمل (٧) لتعميم النفي؛ كقولك: (ما رأيت أحدًا مِنَ الناس) (٨). وههنا دخل (أَحَدٌ) للنفي الواقع في\n_________\n(١) في (ج): (تعلق).\n(٢) في (ج): (في).\n(٣) في (ج): (زيادة).\nقال أبو حيان في \"البحر المحيط\" ١/ ٤٩٤: (والأجود أن لا تكون اللام زائدة، بل ضُمِّن (آمَن) معنى أقَرَّ، واعترف، فتعدى باللام).\n(٤) سورة النمل: ٧٢ ﴿قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾.\n(٥) سورة يوسف: ٤٣. وقبلها: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾.\nقال العكبري: في \"التبيان\" (٤٧٢) (للرؤيا): اللام فيه زائدة، تقوية للفعل لمَّا تقدم مفعوله عليه، ويجوز حذفها في غير القرآن؛ لأنه يقال: عبَّرت الرؤيا).\n(٦) (أحد): ساقطة من: (ج). وفي (أ)، (ب): (أحدًا بما).\nومن قوله: (أحد ..) إلى (.. لدخول النفي في أول الكلام): نقله بتصرف من \"الحجة\" للفارسي: ٣/ ٥٤ - ٥٥.\n(٧) في (ج): (استعمل).\n(٨) (أحدٌ) الذي يلازم النفي، تكون همزته أصلية، وهو وإن كان لفظه مفردا، إلا أنه يدل على الجمع ويفيد العموم. أما (أحد) الذي بمعنى واحد، فهمزته بدل من واو.","vol":"5","page":353},{"text":"أول الكلام، وهو قوله: ﴿وَلَا تُؤْمِنُوا﴾؛ كما دخلت (١) (مِنْ) في صِلَةِ (أنْ يُنَزَّلَ) في قوله: ﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ﴾ [البقرة: ١٠٥]. فكما دخلت (مِنْ) في صلة (أنْ يُنَزَّلَ)؛ لأنه مفعول للنَّفي الَّلاحق لأوَّلِ الكلام (٢)، كذلك دخل (أحدٌ) في [صِلَةِ (أنْ) في] (٣) قوله: ﴿أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ﴾؛ لدخول النفي في أول الكلام. والكلام في معنى (أحد)، قد تقدم عند قوله: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ﴾ [البقرة: ١٠٢].\nوقوله تعالى: ﴿أَوْ يُحَاجُّوكُمْ﴾ عطف على قوله: ﴿أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ﴾؛ المعنى: ولا تؤمنوا بأن يحاجُّوكم عند ربكم؛ لأنكم أصح دينًا منهم، فلا يكون لهم الحجة عليكم عند الله.\nقوله: ﴿يُحَاجُوكُمْ﴾، الضمير (٤) فيه ضمير الجماعة، وهو خبر عن ﴿أحدٌ﴾ في قوله: ﴿أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ﴾، وجاز ذلك؛ لأن الأسماء المنفردة قد تقع للشياع (٥) في المواضع التي يراد بها الكثرة؛ كقوله: ﴿يُخرِجُكم طِفْلًا﴾ (٦)، وقوله: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ (٧) [الفرقان: ٧٤]، وقوله:\n_________\n(١) (دخلت): ساقطة من: (ج).\n(٢) (الكلام): ساقطة من: (ج).\n(٣) ما بين المعقوفين زيادة من: (ج).\n(٤) من قوله: (الضمير ..) إلى: (.. للمتَّقين إماما): نقله بالمعنى من \"الحجة\" للفارسي: ٣/ ٥٧.\n(٥) يريد بالشياع: الجمع والعموم، وشمول اللفظ المفرد لأكثر من فرد.\n(٦) سورة غافر: ٦٧. وقد وردت في (أ)، (ب)، (ج): (ويخرجكم). والشاهد في الآية: أن (طفلا) بمعنى أطفال، وأفرد اللفظ وأراد به الجنس. انظر: \"تفسير أبي السعود\" ٧/ ٢٨٣، \"تفسير البيضاوي\" ٢/ ٣٤٥.\n(٧) الشاهد هنا إفراد لفظ (إمام) ليدل على الجنس. انظر: \"تفسير أبي السعود\" ٦/ ٢٣١، \"تفسير البيضاوي\" ٢/ ٧٥.","vol":"5","page":354},{"text":"﴿فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ (١).\nوقد مضى مثل هذا في قوله: ﴿لَا نُفَرقُ بَينَ أَحَدٍ﴾ (٢).\nوقرأ ابن كثير: ﴿أَنْ يُؤْتَى﴾ (٣) بالمدِّ (٤). وعلى هذه القراءة يحتاج أن يستأنف الآية في بيان المعنى والنظم. فقوله: ﴿وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ﴾؛ معناه على هذه القراءة: ما ذكره الزجَّاجُ، قال (٥):\nقالت اليهود بعضهم لبعض: لا تجعلوا تصديقكم للنبي - ﷺ - في شيء مما جاء به، إلا لليهود؛ أي: لا تخبروا أحدًا بصدق ما أتى به، إلا أن يكونَ منكم؛ فإنكم (٦) إن قلتم ذلك للمشركين كان (٧) عونًا لهم على تصديقه، ويكون معنى (الإيمان): الإقرار، كما ذكرنا، وأحد مفعوليه محذوف، والتقدير: لا تقروا إلا لليهود (٨) بصدق محمد.\nوقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ﴾ هو من كلام الله، معترض من كلام اليهود على ما ذكرنا.\nوقوله تعالى: ﴿أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ﴾ ﴿أَنْ﴾ (٩) في موضع رفع\n_________\n(١) سورة الحاقة: ٤٧. والشاهد هنا: أن حاجزين جمع، وهو وصف لـ (أحد) الذي يدل على جماعة. انظر: \"الكشاف\" ٤/ ٥٥.\n(٢) مقطع من آية ١٣٦ ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾، وآية ٢٨٥ ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾. سورة البقرة.\n(٣) في (ج): (أن يؤتى).\n(٤) أي على الاستفهام. انظر: \"السبعة\" ٢٠٧، \"الحجة\" ٣/ ٥٢، \"التيسير\" ٨٩.\n(٥) في \"معاني القرآن\" له: ١/ ٤٣٠. نقله عنه بتصرف.\n(٦) في (ج): (وإنكم).\n(٧) في (ج): (كانوا).\n(٨) في (ج): (اليهود).\n(٩) من قوله: (أن في موضع ..) إلى (.. إن أحدًا ووحدا وواحدا بمعنى): نقله عن=","vol":"5","page":355},{"text":"بالابتداء (١)، ولا يجوز أن يُحمل على ما قبله؛ لقطع الاستفهام بينهما، وخبره محذوف؛ والمعنى: أأنْ (٢) يُؤتَى أحَدٌ، يا معشر اليهود، مثل ما أوتيتم من الكتاب والعلم، تصدقون به، أو تعترفون، أو تذكرونه لغيركم، أو تشيعونه في الناس؟ أو نحو هذا مما دلَّ عليه قوله: ﴿وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ﴾. وهذا في قول من قال: (أزيدٌ ضربته) (٣)؟\nومن قال: (أزيدًا ضربته؟)، كان (أنْ) عنده في موضع نصب (٤).\nومِثْلُ حَذْفِ خبر المبتدأ لدلالة ما قبل الاستفهام عليه: حَذْفُ الفعل في قوله: ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ﴾ [يونس: ٩١] التقدير (٥): آلآن أسلمتَ حين لا ينفعك الإيمانُ من أجل المعاينة؟. فحذف الفعل لدلالة ما قبل الاستفهام عليه. ومثل هذه الآية في المعنى: قوله: ﴿أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ٧٦]، وبَّخ بعضهم بعضًا بالحديث بما علموه من أمر النبي - ﷺ -، وعرفوه من صفته.\n_________\n= \"الحجة\" للفارسي: ٣/ ٥٥ - ٥٧، نقل بعض عباراته بالنص، وتصرف في بعضها، واختصر في بعض المواضع.\n(١) هذا التوجيه النحوي بناء على قراءة ابن كثير.\n(٢) في (أ)، (ب): (آأن). وفي (ج): (ان). وما أثبتُّهُ هو الصواب.\n(٣) فالاسم هنا واقع بعد همزة الاستفهام، وقد قال عنه السمين الحلبي: (وهو وجه مرجوح). \"الدر المصون\" ٣/ ٢٥٧.\n(٤) فالفعل هنا مضمر بعد حرف الاستفهام، وقد استحسن هذا، وقال بوجوب اختياره، مكيُّ في \"الكشف\" ١/ ٣٤٨ وقال: (فهو أقوى في العربية؛ لأن الاستفهام بالفعل أولى؛ لأنك عنه تستفهم، لست تستفهم عن شخص زيد، إنما تستفهم عن الفعل، هل وقع بزيد). وانظر: \"الدر المصون\" ٣/ ٢٥٧ - ٢٥٨.\n(٥) (التقدير): ساقط م: (ج).","vol":"5","page":356},{"text":"ولعل ابن كثير اعتبر هذه الآية في قراءته (١).\nفإن قيل: فكيف وجْهُ دخول ﴿أحدٌ﴾ في هذه القراءة، وقد انقطع من النفي [بِلحاقِ] (٢) الاستفهام (٣)، وإذا انقطع، كان (٤) الكلام إيجابًا وتقريرًا، فلا يجوز دخول ﴿أحدٌ﴾؟\nقيل: يجوز أن يكون ﴿أحدٌ﴾ في هذا الموضع (أحدًا) الذي في نحو: (أحدٌ وعشرون)، وهذا يقع في الإيجاب، ألا ترى أنه بمعنى واحد؟.\nوقال أبو العباس (٥): إن (أحدًا)، و(وَحَدًا)، و(واحدًا) بمعنىً.\nوقوله تعالى: ﴿أَوْ يُحَاجُوكُمْ﴾ (أو) في هذه القراءة (٦) بمعنى: حتىَّ (٧)؛ ومعنى الكلام: أأن (٨) يُؤتَى أحدٌ مثل ما أوتيتم، تذكرونه لغيركم؛ حتى\n_________\n(١) أي: اعتبر الآية السالفة ٧٦ من البقرة، حيث إنها في معنى قراءة ابن كثير. وقد سبق أن بينت أن القراءات المتواترة، لا تقوم على مقايسات ذوقية، ولا على اعتبارات لغوية، أو نظر عقلي، إنما هي سنَّةٌ متَّبعة، متلقاة بالسند الصحيح عن النبي - ﷺ -. وابن كثير أحد أئمة القراء، الذين تلقت الأمة قراءتهم بالقبول، بعد أن تلقاها هو بالسند الصحيح عمن قبله من القراء المعتبرين، إلى النبي - ﷺ -. فهم اعتبروا السند الصحيح للقراءة قبل كل شيء؛ لأن الإسناد الصحيح في القراءات هو (الأصل الأعظم والركن الأقوم) كما قال ابن الجزري في \"النشر\" ١/ ١٠.\n(٢) ما بين المعقوفين زيادة من \"الحجة\" للفارسي: ٣/ ٥٦ ليتم ويصح بها المعنى.\n(٣) في (ج): (والاستفهام).\n(٤) (كان): ساقطة من: (ج).\n(٥) هو أحمد بن يحيى، ثعلب. كما في \"الحجة\" للفارسي: ٣/ ٥٧.\n(٦) أي: في قراءة ابن كثير.\n(٧) قال الرماني: (وتضمر مع (أو) (أن)؛ وذلك إذا كان معناها معنى \"حتى\". كتاب \"معاني الحروف\" له: ٧٩. وانظر: \"كتاب سيبويه\" ٣/ ٤٧، \"المقتضب\" ٢/ ٢٨، و\"حروف المعاني والصفات\" للزجاجي: ٥٨.\n(٨) في (ج): (أن).","vol":"5","page":357},{"text":"يحاجُّوكم عند ربكم؟.\nقال الفرَّاء (١): ومثله في الكلام: قولك: (تعلَّقْ به، أو يُعْطِيَكَ حقَّكَ)؛ أي: حتى. وقال امرؤ القيس:\nفقلتُ له لا تَبْكِ عينُكَ إنَّما ... نُحاوِلُ (٢) مُلْكًا أو تَموتَ فنُعْذَرا (٣)\nأي: حتى تموت. ومن هذا قوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ [آل عمران: ١٢٨]، وسنذكره إن شاء الله.\nفهذا (٤) وجهٌ، وأجود منه: أن نجعله عطفًا على الاستفهام؛\n_________\n(١) في \"معاني القرآن\" له: ١/ ٢٢٣. نقله عنه بالمعنى. وانظر نفس المصدر ٢/ ٧٠ - ٧١.\n(٢) في (ب): نجادل.\n(٣) البيت في ديوانه: ٦٦. وقد نسبته إليه أكثر المصادر التالية: \"كتاب سيبويه\" ٣/ ٤٨، \"معاني القرآن\" للفراء: ٢/ ٧١، \"المقتضب\" ٢/ ٢٨، \"الزاهر\" ٢/ ١٨٣، \"إيضاح الوقف والابتداء\" ٢/ ٥٨٤، \"القطع والائتناف\" للنحاس ٢٣٣، \"معاني القرآن\" له: ١/ ٢٤٣، وكتاب \"حروف المعاني\" للزجاجي: ٥٨، \"اللامات\" للزجاجي: ٦٨، \"معاني الحروف\" للرماني: ٧٩، \"الخصائص\" ١/ ٢٦٣، \"الموضح في التفسير\" ٣٨، \"أمالي ابن الشجري\" ٣/ ٧٨، \"شرح المفصل\" ٧/ ٢٢، ٣٣، \"تفسير القرطبي\" ٤/ ١١٣، \"رصف المباني\" ٢١٢، \"منهج السالك\" ٥٥٨، \"الخزانة\" ٨/ ٥٤٣. وقد ورد في كل المصادر السابقة: (.. أو نموتَ فنُعذَرا).\nوالبيت من قصيدة له، وقبله:\nبَكَى صاحبي لمَّا رأى الدربَ دونه ... وأيقن أنَّا لاحقان بقيصرا\nوصاحبه هو عمرو بن قميئة الذي استصحبه معه في ذهابه إلى القيصر، لاستنصاره على قتلة أبيه واستعادة ملكه، فلما توسطوا الدرب بين بلاد العرب وبلاد الروم، وأيقن صاحبه أنهما لاحقان بقيصر، حنَّ إلى بلاده فبكى، فقال له الشاعر هذا القول.\nوالشاهد فيه: قوله: (أو نموت ..)؛ بمعنى: حتى نموت.\n(٤) في (ب): (وهذا).","vol":"5","page":358},{"text":"والمعنى: أنْ يؤتى أحدٌ مثلَ ما أوتيتم، أو يُحاجَّكم (١) أحدٌ عند الله، تصدِّقون به؟. وهذه الآية من مشكلات القرآن، وأصعبه تفسيرًا، ولقد تدبَّرت أقوال أهل التفسير والمعاني في هذه الآية، فلم أجدْ قولًا يطرد في الآية من أولها إلى آخرها مع بيان المعنى، وصحة النظم. وقد يسر الله تعالى بفضله ههنا سوق الآية في القراءتين على تفسيرٍ بيِّن، ونظمٍ صحيحٍ، وله المِّنة في ذلك.\nوقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ﴾ قال ابن عباس (٢): يريد: ما تفضَّل به عليك، وعلى أمَّتك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-578>٧٤ </span>- قوله تعالى: ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ﴾ قال الحسن (٣)، ومجاهد (٤)، والربيع (٥): بنُبُوَّتِه. وقال (٦) ابن عباس: بدينه (٧).\n_________\n(١) في (ب): (يحاجوكم).\n(٢) لم أقف على مصدره وفي \"زاد المسير\" ١/ ٤٠٨: (قال ابن عباس: يعني النبوَّة، والكتاب، والهدى). وهو بمعنى ما ذكره المؤلف عنه.\n(٣) لم أقف على مصدر قوله. وقد ورد في \"النكت والعيون\" ٢/ ٨٥٧، \"تفسير القرطبي\" ٤/ ١١٥، \"البحر المحيط\" ٢/ ٤٩٧. والذي أخرجه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٢/ ٣٤٥ عن الحسن قوله: (برحمته: الإسلام، يختص بها من يشاء).\n(٤) قوله في \"تفسيره\" ١٢٩، \"تفسير الطبري\" ٦/ ٥١٧، ٥١٨، \"ابن أبي حاتم\" ٢/ ٣٤٥، \"النكت والعيون\" ٢/ ٨٥٧، \"معاني القرآن\" للنحاس ١/ ٤٢٣، \"زاد المسير\" ١/ ٤٠٨، \"الدر المنثور\" ٢/ ٧٦ وزاد نسبته إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(٥) قوله في \"تفسير الطبري\" ٣/ ٣١٦، \"تفسير ابن أبي حاتم\" ٢/ ٦٨٢، \"النكت والعيون\" ١/ ٤٠٢.\n(٦) في (ج): (قال).\n(٧) لم أقف على مصدر هذه الرواية عنه. والذي في \"زاد المسير\" ١/ ٤٠٨، \"البحر المحيط\" ٢/ ٤٩٧ قوله: (إنها الإسلام).","vol":"5","page":359},{"text":"وقال ابن جريج (١): بالقرآن والإسلام.\n[و] (٢) قال عطاء (٣): يريد: اختصَّك وتفضل عليك وعلى أمَّتِك، بدينه ورحمته.\n﴿وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ﴾. (٤) على أوليائه وأهل طاعته.\n﴿الْعَظِيمِ﴾. لأنه لا شيء أعظم عند الله من الإسلام.\nوالفَضْلُ في اللغة: الزيادة. وأكثر ما يُستعمل في زيادة الإحسان (٥).\nوالفاضل: الزائد على غيره في خصال الخير. ثم كثر استعمال الفضل حتى صار لكل نفعٍ قَصَد به فاعلُهُ أن ينفع صاحبَهُ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-579>٧٥ </span>- قوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ﴾ الآية.\nقال عُظْمُ (٦) أهلِ التفسير: أخبر الله تعالى في هذه الآية اختلاف أحوال أهل الكتاب، في الأمانة والخيانة؛ ليكون المؤمنون على بصيرة في ترك الركون إليهم؛ لاستحلال أموالهم (٧).\nقال (٨) مقاتل (٩): يعني بـ (الذي يُؤَدِّي): مؤمني أهل الكتاب؛\n_________\n(١) قوله في \"تفسير الطبري\" ٣/ ٣١٦، \"النكت والعيون\" ١/ ٤٠٢، \"زاد المسير\" ١/ ٤٠٨، \"تفسير القرطبي\" ٤/ ١١٥، \"البحر المحيط\" ١/ ٤٩٧.\n(٢) ما بين المعقوفين زيادة من: (ج).\n(٣) لم أقف على مصدر قوله.\n(٤) (والله): ليس في (ج).\n(٥) انظر (فضل) في \"مقاييس اللغة\" ٤/ ١٠٨، \"اللسان\" ٦/ ٣٤٢٨.\n(٦) (عُظْمُ الشيء، ومُعْظمهُ): جُلُهُ وأكثرُه. انظر: \"اللسان\" ٥/ ٣٠٤ (عظم).\n(٧) انظر: \"تفسير الطبري\" ٣/ ٣١٧.\n(٨) في (ج): (وقال).\n(٩) في \"تفسيره\" ١/ ٢٨٥ نقله عنه بالمعنى.","vol":"5","page":360},{"text":"وبـ (الذي لا يُؤَدِّي): كُفَّارَهم.\nوقال ابن عباس في رواية الضحاك (١): أودع رجلٌ عبدَ الله بن سَلامَ ألفًا ومائتي أوقية من ذهب، فأدَّاهُ إليه، فمدحه الله ﷿. وأودع رجلٌ فنحاصَ (٢) بن عازورا (٣) دينارًا فخانه.\nوقوله تعالى: ﴿تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ﴾.\nيقال: (أمنتهُ بكذا، وعلى كذا)، كما يقال: (مررت به، وعليه) (٤). فمعنى الباءِ: إلصاقُ الأمانة (٥). ومعنى (على): استعلاء الأمانة (٦). وهما يتعاقبان (٧) ههنا لتقارب المعنى.\nوفي قوله: ﴿يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ وجوه من القراءة:\nتسكين الهاء (٨)، وهو رديء عند أهل النحو، خطأ عند\n_________\n(١) لم أقف على مصدر هذه الرواية عنه. وقد وردت في \"تفسير البغوي\" ٢/ ٥٦، \"زاد المسير\" ١/ ٤٠٨، \"الخازن\" ١/ ٣٠٩.\n(٢) في (ب): (فيحاص).\n(٣) وردت في المصادر التي رجعت إليها: (عازوراء) بمد وهمز. انظر: \"تفسير البغوي\" ٢/ ٥٦، \"زاد المسير\" ١/ ٤٠٨، \"تفسير القرطبي\" ٤/ ١١٥. وفنحاص، سَيِّد بني قَيْنُقاع اليهود، ومن أحبارهم، وعلمائهم. انظر: \"سيرة ابن هشام\" ١٣٧، ١٨٧، ٢٠١، \"تفسير الطبري\" ٧/ ٤٥٥.\n(٤) انظر: \"تفسير الطبري\" (٥٢٠).\n(٥) انظر: \"سر صناعة الإعراب\" ١/ ١٢٣، \"مغني اللبيب\" ١٣٧.\n(٦) انظر: كتاب \"معاني الحروف\" للرماني: ١٠٨، \"مغني اللبيب\" ١٩٠.\n(٧) في (ج): (متعاقبان).\n(٨) وهي قراءة أبي عمرو من رواية عبد الوارث واليزيدي عنه، وقراعة حمزة، وعاصم من رواية أبي بكر عنه. انظر: \"السبعة\" ٢٠٧ - ٢١٢، \"التبصرة\" ٤٦١، \"اتحاف فضلاء البشر\" ص ١٧٦. والخلاف هنا في حال الوصل، أما في حال الوقف فلا خلاف على الإسكان.","vol":"5","page":361},{"text":"الزجاج (١)؛ لأن الجزم (٢) ليس في الهاء وإنما هو فيما قبل الهاء، والهاء اسم (٣) المَكْنِي (٤)، والأسماء لا تجزم في الوصل (٥).\n_________\n(١) انظر: \"معاني القرآن\" له: ١/ ٢٣٤.\n(٢) في (ج): (الحرفر).\n(٣) في (ج): (الاسم).\n(٤) (المكني): ساقطة من: (ج).\n(٥) ما ذكره المؤلف من كون هذه القراءة غير مرضية عند أهل النحو، وخطَّأوها، فإنه لا يؤثر في صحة هذه القراءة، لأن القراءات المعتمدة قرآنٌ، فهي حجة على النحو واللغة، وليس النحو واللغة حجة عليها. وما النحو واللغة إلا أدوات خادمة لكتاب الله تعالى. يقول أبو عمرو الداني: (وأئمة القرَّاء لا تعمل في شيء من حروف القرآن على الأفشى في اللغة، والأقيس في العربية، بل على الأثبت في الأثر والأصح في النقل. والرواية إذا ثبتت عنهم لم يردها قياسُ عربية ولا فشوُّ لغة؛ لأن القراءة سنَّة متَّبعة، يلزم قبولها والمصير إليها). \"النشر\" ١/ ١٠ - ١١.\nويقول الفرَّاء: (والقُّرَّاء لا تقرأ بكل ما يجوز في العربية، فلا يقبحنَّ عندك تشنيعُ مشَنِّع مما لم يقرأه القراء مما يجوز). \"معاني القرآن\" ١/ ٢٤٥.\nفالقراءات (ما دام سندها الرواية، ودعامتها السماع، فهي من أجل هذا أقوى من المصادر الأخرى كالشعر وغيره؛ لأن رواة القراءات يتحرجُّون من عدم الدقة فيها، على حين لا يبالون بالحرج في غيرها؛ حينما تخون الحافظة، أو يستبد النسيان، أو يقع على الألسنة التحريف). \"أثر القراءات القرآنية في الدراسات النحوية\" ٥٨.\nأما ما يتعلق بهذه القراءة، وتخطئة الزجاج لها، فقد دفع هذا أبو حيَّان، فقال: (وما ذهب إليه أبو إسحاق من أن الإسكان غلط، ليس بشيءٍ؛ إذ هي قراءة في \"السبعة\" وهي متواترة. وكفى أنها منقولة عن إمام البصريين أبي عمرو بن العلاء، فإنه عربي صريح، وسامع لغة، وإمام في النحو، ولم يكن ليذهب عنه جوازُ مثل هذا، وقد أجاز ذلك الفرَّاء، وهو إمام في النحو واللغة، وحكى ذلك لغةً لبعض العرب، تجزِمُ في الوصل والقطع. وقد روى الكسائي أن لغة عقيل وكلاب أنهم =","vol":"5","page":362},{"text":"وقال الفراء (١): من العرب من يجزم الهاء، إذا تحرك ما قبلها، فيقول: (ضربتُهْ ضربًا شديدًا)، كما يسكنون ميم (أنتمْ) و(قمتمْ)، وأصلها الرفع، وأنشد:\nلمَّا رَأَى أَنْ لا دَعَهْ ولا شِبَعْ (٢)\n_________\n= يختلسون الحركة في هذه الهاء، إذا كانت بعد متحرك، وأنهم يسكنون أيضًا ..). \"البحر المحيط\" ٢/ ٤٩٩، وانظر: \"الكشف\" ١/ ٣٤٩.\nوانظر ما سبق بيانه عند التعليق على توجيه المؤلف لقراءة نافع الواردة في قوله تعالى: ﴿فيكون طائرًا بإذن الله﴾ من آية: ٤٩، وعن تعليقي على توجيه المؤلف لقراءة ابن كثير لقوله تعالى: ﴿آن يؤتى﴾ من آية: ٧٣، والتعليق على كلام المؤلف حول القراءة الواردة بتسكين الهاء في قوله: ﴿يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ من آية: ٧٥.\n(١) في \"معاني القرآن\" له: ١/ ٢٢٣، نقله عنه بتصرف.\nوليس في هذا الموضع من كتابه بيتُ الشعر الآتي، وإنما ذكره الفراء في ١/ ٣٨٨ عند قوله: ﴿أَرْجِهْ وَأَخَاهُ﴾. الأعراف: ١١١.\n(٢) صدر بيت من الرجز لمنظور بن حبة الأسدي، وقبله:\nيا رُبَّ أبَّازٍ مِنَ العُفْرِ صَدَعْ ... تقَبَّضَ الذِئبُ إليهِ فاجتَمعْ.\nلما رأى أنْ لا دعه ولا شبع ... مالَ إلى أرْطاةِ حِقْفٍ فاضطجعْ.\nوقد ورد في \"معاني القرآن\" للفراء: ١/ ٣٨٨، \"إصلاح المنطق\" ٩٥، \"المحتسب\" ١/ ١٠٧، \"الخصائص\" ١/ ٦٣، ٢٦٣، ٣/ ١٦٣، \"المنصف\" ٢/ ٣٢٩، والمخصص: ٨/ ٢٤، \"شرح المفصل\" ٩/ ٨٢، ١٠/ ٤٦، \"اللسان\" ١/ ٦ (أبز)، ١/ ٦٣ (أرط)، ٥/ ٢٥٥٤ (ضجع)، ٣/ ١٦٦٤ (رطا)، \"أوضح المسالك\" ٣/ ٣١٣، \"المقاصد النحوية\" ٤/ ٨٥٤، \"التصريح\" ٢/ ٣٦٧، \"منهج السالك\" ٤/ ٢٨٠، ٣٣٢، \"الأشباه والنظائر\" للسيوطي: ٢/ ٣٤٠، و\"شرح شواهد الشافية\"، للبغدادي (مطبوع في آخر \"شرح الشافية\"): ٤/ ٢٧٤.\nوالأبَّاز: القفَّاز، مِنَ (القَفْزِ). و(العُفر)، جمع: (عفْراء) أو (أعْفَر)، وهي مِن الظباء: التي يعلو بياضها حُمرة.\nو(الصَّدَعُ): الوسط من الوعول، ليس بالعظيم ولا الصغير. وقيل: هو الشيء بين =","vol":"5","page":363},{"text":"وقرئ باختلاس (١) حركة الهاء، اكتفاءً بالكسرة من الياء (٢)، وأنشدوا على هذا:\nأنا ابنُ كلابٍ (٣) وابنُ أوْسٍ فمَنْ يَكُنْ ... قِنَاعُهُ مَغْطِيًا فإنِّي لَمُجْتَلِي (٤)\n_________\n= الشيئين من أي نوع كان.\nيصف الذئب بأنَّهُ تقَبَّضَ؛ أي: جمع قوائمه ليثب على الظبي. فلمَّا رأى الذئبُ أن لا مجال لإدراك الظبي والشبع منه ولا مجال للدَّعةِ -وهي الخفض ولين العيش-، فحينها مال إلى أرْطاةِ حِقْفٍ فاضطجع. و(الأرطاة): شجر ينبت في الرمل وجمعها: (أرْطَى). و(الحِقْف) بكسر الحاء وسكون القاف، وهو: المعوجُّ من الرمل، وجمعه: (أحقاف)، و(حُقوف)، و(حِقاف)، و(حِقَفَة).\nانظر: \"اللسان\" ١/ ٦ (أبز)، ٤/ ٢٤١٤ (صدع)، ٢/ ٩٣٩ (حقف)، \"شرح شواهد الشافية\" ٤/ ٢٧٥ - ٢٧٦.\nوالشاهد فيه هنا: إبدال تاء التأنيث في (دعه) هاءً، ومعاملة الكلمة في الوصل كما تعامل في الوقف. واعترض السمين الحلبي على الفراء في إيراده هذا البيت شاهدًا في هذا الموضع؛ لأن الهاء في البيت هي هاء التأنيث، والكلام هنا عن هاء الضمير، وهاء التأنيث لاحظ لها من الحركة البتةَ. انظر: \"الدر المصون\" ٣/ ٢٦٤.\n(١) اختلاس الحركة: الإسراع بها إسراعًا يحكم السامع له أن الحركة قد ذهبت، وهي كاملة في الوزن. انظر: \"التمهيد\" لابن الجزري: ٥٩. فالقارئ لا يكمل الحركة، بل يأتي بثلثيها فقط.\n(٢) وهي قراءة نافع برواية الحلواني عن قالون عنه، وقراءة يعقوب وأبي جعفر من العشرة. انظر: \"المبسوط\" لابن مهران: ١٤٥، \"حجة القراءات\" ١٦٧، \"إتحاف فضلاء البشر\" ص ١٧٦.\n(٣) جاءت في (أ)، (ب)، (ج): (حلاب). والمثبت من مصادر البيت.\n(٤) لم أقف على قائله، وقد ورد في \"معاني القرآن\" للفراء: ١/ ٢٢٣، \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٦٧٨ (غطى)، \"الصحاح\" ٢٤٤٧ (غطا)، \"الإنصاف\" ٤٠٧، \"اللسان\" =","vol":"5","page":364},{"text":"وقُرئ بإشباع الكسرة في الهاء، وهو الأصل (١).\nوقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾.\nأي: بالإلحاح (٢) والخصومة والتقاضي والمطالبة. عن ابن عباس (٣) وقتادة (٤) ومجاهد (٥).\nقال ابن قتيبة (٦): أصله: أن المطالب للشيء، يقوم فيه ويتصرف، والتارك له يقعد عنه. دليله: قوله [﷿] (٧): ﴿أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾ [آل\n_________\n= ٦/ ٣٢٧٣ (غطى)، \"الدر المصون\" ٣/ ٢٦٤.\nوقوله: (لمجتلي) وردت في \"الإنصاف\"، \"اللسان\": (مجتَلى)، وفي \"معاني القرآن\": (لمجتلَى) بفتح اللام وفي \"الإنصاف\" \"اللسان\" لم تضبط اللام وما بعدها بالشكل. وما في المخطوط موافق لما في \"التهذيب\"، \"الصحاح\"، \"الدر المصون\". وقوله: (مَغْطِيًا)؛ من: (غَطَيتُ الشيءَ): سترته، (أغْطِيهِ غَطْيًا)، فـ (هو مُغْطِيٌّ)، وهي بمعنى: (غطَّى يُغَطِّي). ويقال: (فلانٌ مَغْطيُّ القِناعِ): إذا كان خامل الذِّكرِ. وقوله: (مُجتلي)؛ أي: نابه الذكْرِ محمود الأثر. انظر: \"اللسان\" ٦/ ٣٢٧٣ (غِطى). والشاهد في البيت: اختلاس ضمةِ الهاء في (قناعُهُ)، وعدم إشباعها حتى تنشأ عنها واو.\n(١) وهي قراءة عاصم برواية حفص، وقراءة ابن كثير، والكسائي، ونافع من رواية ورش عنه، ورواية الكسائي عن إسماعيل بن جعفر عنه، وقراءة ابن عامر. انظر: \"السبعة\" ٢٠٧ - ٢١٢، \"المبسوط\" لابن مهران: ١٤٥.\n(٢) في (ج): (باالالجاج).\n(٣) لم أقف على مصدر قوله. وقد ورد في \"تفسير البغوي\" ٢/ ٩٢.\n(٤) قوله في \"تفسير عبد الرزاق\" ١/ ١٢٣، \"الطبري\" ٣/ ٣١٧، \"ابن أبي حاتم\" ٢/ ٦٨٣، \"زاد المسير\" ١/ ٤٠٩.\n(٥) قوله في \"تفسيره\" ١٢٩، \"تفسير الطبري\" ٣/ ٣١٧، \"ابن أبي حاتم\" ٢/ ٦٨٣، \"زاد المسير\" ١/ ٤٠٩.\n(٦) في \"تأويل مشكل القرآن\" ١٨١. نقله عنه بتصرف واختصار.\n(٧) ما بين المعقوفين زيادة من: (ج).","vol":"5","page":365},{"text":"عمران:١١٣]؛ أي: عاملة بأمر الله، غير تاركة. ثم قيل لكل من واظب على مطالبة أمر: (قامَ به)، وإن لم يكن ثَمَّ (١) قيامٌ. ومثله قال ابن الأنباري (٢) وأنشد (٣) للأعشى:\nيقومُ (٤) على الوَغْمِ في قومِهِ ... فَيَعْفُو إذا شاءَ أوْ يَنْتَقِمْ (٥)\nأراد: يحققه ويتمسك بالمطالبة به، وليس ثَمَّ قيامٌ على الرِّجْل.\nوقال أبو علي الفارسي (٦): (القيام) في اللغة بمعنى: الدوام والثبات. وذكرنا ذلك في قوله: ﴿يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: ٣]. ومِنْ هذا قولُه: ﴿دِينًا قِيَمًا﴾ (٧)؛ أي: دائمًا ثابتًا، لا يُنسَخ كما نُسِخت الشرائعُ التي قبله. فمعنى\n_________\n(١) في (ج): (تم).\n(٢) لم أقف على مصدر قوله.\n(٣) قد يكون الضمير في (أنشد) يعود على ابن الأنباري. لأنه أقرب متَحَدَّث عنه، وقد يرجع إلى ابن قيبة؛ لأن المؤلف هنا ينقل كلامه، وابن قتيبة قد أنشد هذا البيت في هذا الموضع استدلالًا على المعنى الذي ذهب إليه، وحينها يكون قول المؤلف: (ومثله قال ابن الأنباري) جملةً معترِضَةً، وهو الذي أرَجِّحه.\n(٤) في (ج): (نقوم).\n(٥) البيت في ديوانه: ١٩٨، \"تأويل مشكل القرآن\" ١٨١، \"النكت والعيون\" ٢/ ٨٥٩. وقد ورد في \"النكت\": (على الرَّغْمِ).\nوالشاعر يمدح قيس بن معد يكرب. و(الوَغْم): الحقد الثابت في الصدر، والثأر، والقهر. انظر (وغم) في \"العين\" ٤/ ٤٥٦، \"اللسان\" ٨/ ٤٨٨٠، \"القاموس\" (١١٦٧).\nومعناه: يقوم مطالبًا بالثأر لقومه، ولا يقعد ولا يتوانى عن ذلك.\n(٦) لم أقف على مصدر قوله.\n(٧) سورة الأنعام: ٦١. فُسِّر (قِيَما)، بمعنى: مستقيمًا. ولا منافاة بين التفسيرين. قال الآلوسي: (ولا فرق بين (القيم) و(المستقيم) في أصل المعنى، عند الكثير. وفسروا (القِيَم) بالثابت المقوم لأمر المعاش والمعاد، وجعلوا المستقيم) من:=","vol":"5","page":366},{"text":"قوله: ﴿إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾؛ أي: دائمًا ثابتًا في اقتضائك له، ومطالبتك إياه.\nومن المفسرين من يجعل القيام ههنا حقيقةً. قال السدِّي (١): يعني: إلا ما دمت قائمًا على رأسهِ (٢)، بالاجتماع معه، والملازمةِ له. وهو اختيار أبي رَوْق؛ قال (٣): [يعترِف بما] (٤) دفعت إليه، ما دمت قائمًا على رأسه، [فإنْ أنظرته وأخَّرت] (٥)، أنكر وذهب به. والقول الأول: اختيار الفراء (٦) والزجاج (٧).\nوقوله (٨) تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ أي: ذلك الاستحلال والخيانة، بأنهم يقولون: ليس علينا فيما اؤتُمِنَّا (٩) من أموال العرب سبيل؛ [لأنهم مشركون. فـ (الأميُّون) على هذا القول: العرب كلهم] (١٠). وهو (١١) قول قتادة (١٢) والسدِّي (١٣).\n_________\n= استقام الأمر؛ بمعنى: ثبت .. وقيل: (المستقيم) مقابل (المعوج). والقِيَم: الثابت الذي لا ينسخ). \"روح المعاني\" ٨/ ٧٠. وانظر: \"تفسير الطبري\" ٨/ ١١١، \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٨٦٢ (قام).\n(١) قوله في \"تفسير الطبري\" ٣/ ١١٧، \"تفسير ابن أبي حاتم\" ٢/ ٦٨٣.\n(٢) في (ب): (على مطالبته).\n(٣) لم أقف على مصدر قوله.\n(٤) ما بين المعقوفين غير مقروء في (أ). وفي (ب): (بعته ما). والمثبت من (ج).\n(٥) ما بين المعقوفين غير مقروء في (أ). وساقط من (ب). والمثبت من (ج).\n(٦) انظر: \"معاني القرآن\" له ١/ ٢٢٤.\n(٧) انظر: \"معاني القرآن\" له ١/ ٤٣٣.\n(٨) في (ب): (قوله).\n(٩) في (ج): (أصبنا).\n(١٠) ما بين المعقوفين: غير مقروء في (أ). وساقط من: (ب). والمثبت من: (ج).\n(١١) في (ب): (وهذا).\n(١٢) قوله في \"تفسير الطبري\" ٣/ ١١٧، و\"ابن أبي حاتم\" ٢/ ٦٨٣، \"الدر المنثور\" ٢/ ٧٧ وزاد نسبة إخراجه إلى عبد بن حميد.\n(١٣) قوله في \"تفسير الطبري\" ٣/ ١١٧، \"ابن أبي حاتم\" ٢/ ٦٨٣.","vol":"5","page":367},{"text":"وكانت اليهود تستحل ظلم من خالفهم في دينهم، وتقول (١): لا حرج علينا في جنس (٢) أموال العرب، قد (٣) أحلها الله لنا؛ لأنهم ليسوا على ديننا (٤).\nو(٥) روي في الخبر: أنَّه (٦) لَمَّا نزلت هذه الآية، قال النبي - ﷺ -: \" [كذَّب اللهُ أعداءَ اللهِ] (٧)، ما من شيء كان في الجاهلية، إلاَّ وهو [تحت] (٨) قَدَمَيَّ، إلاَّ الأمانة. فإنها مُؤَدَّاةٌ إلى البَرِّ والفاجر\" (٩).\nوقال ابن عباس في رواية عطاء (١٠): الأمِيُّون ههنا: أصحاب\n_________\n(١) في (ب): (فتقول).\n(٢) في (ب): (أخذ).\n(٣) قد: ساقطة من (ب).\n(٤) في (ب): (دين).\n(٥) في (ب): (لما).\n(٦) (أنه): ساقطة من: (ج).\n(٧) ما بين المعقوفين غير مقروء في (أ)، وبياض في (ب). والمثبت من (ج). إلا أن الحديث في كل مصادره التالية، ورد بلفظ: (كذب أعداء الله).\n(٨) ما بين المعقوفين: غير مقروء تمامًا في (أ)، وبياض في (ب)، والمثبت من: (ج) ومصادر الخبر.\n(٩) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٣/ ١١٧، وابن أبي حاتم ٢/ ٦٨٣، والثعلبي ٣/ ٦٠ ب، وابن كثير ١/ ٤٠١، وأورده السيوطي في \"الدر\" ٢/ ٧٧ وزاد نسبة إخراجه إلى عبد بن حميد وابن المنذر. وقد أخرجه كلهم عن سعيد بن جبير مرسلا. وقال الشيخ أحمد شاكر عن إسناده إلى سعيد بن جبير: (وإسناده إليه إسناد جيد). هامش \"تفسير الطبري\" ١/ ٤٧٣.\n(١٠) لم أقف على مصدر هذه الرواية.","vol":"5","page":368},{"text":"النبي - ﷺ -، والمسلمون.\nوهو قول: الحسن (١) ومقاتل (٢) وابن جريج (٣)، قالوا: إن اليهود كانوا استدانوا من العرب وبايعوهم، ولزمتهم الأثمانُ، فلمَّا أسلم أصحابُ الحقوق، [قالت] (٤) اليهودُ حين تقاضوهم (٥) ليس لكم علينا شيءٌ، لأنكم تركتم دينَكم، وتحولتم، فسقطت عنَّا ديونُكم، وادَّعوا أنَّ ذلك في التوراةِ، فكذبهم الله ﷿، فقال: ﴿وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾. أنهم يكذبون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-580>٧٦ </span>- قوله تعالى: ﴿بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ﴾ في ﴿بَلَى﴾ وجهان: أحدهما: أنه جواب متصل بالجَحْدِ المتقدم، وهو قوله: ﴿لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾، فقال الله ﷿ رادًّا عليهم (٦): ﴿بَلَى﴾، [أي: بَلَى] (٧) عليهم سبيل في ذلك. وهذا اختيار الزجاج؛ قال (٨): وعندي وقف التمام على ﴿بَلَى﴾. وما بعده استئناف (٩).\n_________\n(١) قوله في \"النكت والعيون\" ١/ ٤٠٣، \"تفسير البغوي\" ٢/ ٥٦.\n(٢) قوله في \"تفسيره\" ١/ ٢٨٥.\n(٣) قوله في \"الطبري\" ٣/ ١١٧، \"ابن أبي حاتم\" ٢/ ٦٨٣، \"النكت والعيون\" ١/ ٤٠٣.\n(٤) ما بين المعقوفين: زيادة من: (ج).\n(٥) في (ب): (نقضوهم).\n(٦) عليهم: ساقطة من (ج).\n(٧) ما بين المعقوفين زيادة من: (ج).\n(٨) في \"معاني القرآن\" له ١/ ٤٣٤. نقله عنه بالمعنى.\n(٩) في (ب): (وما بعدها مستأنف).","vol":"5","page":369},{"text":"والوجه الثاني: أن ﴿بَلَى﴾ ابتداء كلامٍ، أتى به بيانا [وتصديقًا لما بعده] (١)، وهي (٢) كلمة مصححة لحب اللهِ ﷿، من اتَّقاهُ وعبدَه وخاف عقابه. وعلى هذا الوجه لا يحسن الوقف على ﴿بَلَى﴾.\nوقوله تعالى: ﴿مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ﴾. مضى الكلام في معنى (الوفاء)، و(العهد) (٣).\nقال المفسرون: أي: بما (٤) عهد (٥) اللهُ إليه في التوراة، مِنَ الإيمان بمحمد، والقرآن، وأداء الأمانةِ (٦).\nوالهاء (٧) في (عهده)، تعود على اسم الله، في قوله: ﴿وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾. ويجوز أن تعود على ﴿مِّن﴾ لأن العهد مصدر يضاف إلى الفاعل وإلى المفعول (٨).\nوقوله تعالى: ﴿وَاَتَّقَى﴾ أي: الكفر (٩)، والخيانة، ونقض العهد. ﴿فَإِنَ اَللَّهَ يُحِبُّ اَلمُتَّقِينَ﴾. يريد: مَن كانت هذه صفته.\n_________\n(١) ما بين المعقوفين غير مقروء في (أ)، وفي (ب): (وفيت لما بعده). والمثبت من (ج).\n(٢) في (ج): (هو).\n(٣) انظر: \"تفسير البسيط\" البقرة: ٤٠.\n(٤) في (ج): إنما. ومن قوله: (أي بما) إلى (.. الأمانة): نقله بنصه عن \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٦٠ ب.\n(٥) في (أ)، (ب): (عاهد)، والمثبت من: (ج)، \"تفسير الثعلبي\".\n(٦) انظر: \"تفسير الطبري\" ٣/ ٣٢٠.\n(٧) في (ج): (والفاء).\n(٨) انظر: \"تفسير الثعلبى\" ٣/ ٦٠ ب، \"الدر المصون\" ٣/ ٢٧٠٢٧١.\n(٩) من قوله: (الكفر ..) إلى (.. هذه صفته): نقله بتصرف يسير جدًّا عن \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٦٠ ب.","vol":"5","page":370},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-581>٧٧ </span>- قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ الآية. أكثر أهل التفسير على أن هذه الآية نزلت في اليهود (١).\nقال عكرمة (٢): إن جماعة من علمائهم (٣) كتموا ما عهد الله إليهم في التوراة من شأن محمد - ﷺ -، وبدَّلُوه، وكتبوا غيره بأيديهم من عندهم، فيما ادَّعوه أنه ليس عليهم في الأميين سبيل، وحلفوا أنه من عند الله؛ لئلا تفوتهم الرِّشَى (٤) والمآكل.\nودليل هذا: قوله في سورة البقرة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ (٥) الآية.\n_________\n(١) ممن قال بذلك: عكرمة كما سيأتي، ومقاتل، والكلبي، والحسن. انظر: \"تفسير مقاتل\" ١/ ٢٨٥، \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٦١ ب، \"أسباب النزول\" للمؤلف (١١٢)، \"النكت والعيون\" ١/ ٤٠٤. ولم أقف على غيرهم قال بهذا القول. وفي الآية روايات أخرى صحيحة، تخالف هذا القول ذكرها المفسرون، وسيأتي بيان ذلك إن شاء الله. انظر: \"تفسير الطبري\" ٣/ ٣٢٠، \"تفسير ابن أبي حاتم\" ٢/ ٦٨٦، \"ابن كثير\" ١/ ٤٠١، \"الدر المنثور\" ٢/ ٧٧.\n(٢) قوله في \"تفسير الطبري\" ٣/ ٣٢١، ٦/ ٥٢٨، \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٦١ ب، \"أسباب النزول\" للمؤلف (١١٢)، \"تفسير البغوي\" ٢/ ٥٦، \"زاد المسير\" ١/ ٤١١.\n(٣) هم: أبو رافع، وكنانة بن أبي الحُقَيق، وكعب بن الأشرف، وحُيي بن أخطب. كما في المراجع السابقة.\n(٤) الرِّشى بكسر الراء، وبضمها: جمع رَشْوة بفتح الراء وبضمها وبكسرها: وهي الجُعْل الذي يُتوصل به إلى الحاجة، وأصلها من الرِّشاء، وهو: الحبل الذي يتوصل به إلى الماء، والمصدر: الرَّشْوُ. انظر: \"النهاية في غريب الحديث\" ٢/ ٢٢٦، \"اللسان\" ٣/ ١٦٤٨ (رشا).\n(٥) سورة البقرة: ١٧٤. وهذه الآية نزلت في اليهود. انظر: \"تفسير الطبري\" ٢/ ٨٩.","vol":"5","page":371},{"text":"وقال ابن عباس في رواية باذان (١): نزلت في رجلين اختصما إلى النبي - ﷺ - في ضَيْعَةٍ، فَهَمَّ المدَّعَى عليه أن يحلف، فنزلت هذه الآية، فَنَكَلَ المدَّعَى عليه عن اليمين، وأقر للمدَّعِي بحقه، ودفعه إليه (٢).\n_________\n(١) في (ب): بانوان. ولم أقف على مصدر هذه الرواية. وباذان، هو: أبو صالح، مولى أم هانئ، يقال: باذان، وباذام. وقد سبق، ورواية باذان عن ابن عباس وردت في \"تفسير الثعلبي\" من طرق كلها عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس.\n(٢) ورد عن ابن جربج أثر قريب من هذا القول أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٣/ ٣٢٢: (قال [يعني أن جريج]: قال آخرون ..) ثم ذكره. وملخصه: أن الأشعث بن قيس اختصم مع رجل في أرض، فطلب الرسول - ﷺ - من الرجل البيِّنة، فقال: ليس يشهد لي أحدٌ على الأشعث، قال: فلك يمينه فقام الأشعث ليحلف، فأنزل الله هذه الآية، فنكل الأشعثُ، وقال: إني أشهد الله وأشهدكم أن خصمي صادق. فردَّ إليه أرضه، وزاده من نفسه زيادة كثيرة .. قال الشيخ أحمد شاكر: (هذا حديث مرسل، لم يذكر ابن جريج من حدَّثه به، فهو ضعيف الإسناد). المرجع السابق. وورد في نزول هذه الآية أسباب أخرى، أصح من هذا الأثر، فقد ورد أنها نزلت في السبب التالي: (قال رسول الله - ﷺ -: \"من حلف يمين صبر؛ ليقتطع بها مال امريء مسلم، لقيَ الله وهو عليه غضبان\". فأنزل الله تصديق ذلك ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ ...﴾ إلى آخر الآية. قال فدخل الأشعث بن قيس، وقال: فيَّ أنزِلَت، كانت لي بئر في أرض ابن عمِّ لي، قال النبي - ﷺ -: \"بيِّنَتك أو يمينه\". فقلت إذًا يحلفُ يا رسول الله! فقال النبي - ﷺ - من حلف على يمين صبر ..). إلى آخره.\nأخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير، سورة آل عمران، باب ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ ...﴾، واللفظ له، انظر: \"فتح الباري\" ٨/ ٢١٢. وأخرجه مسلم في \"صحيحه\" (١٣٨) كتاب الإيمان، باب: (وعيد من اقتطع حق مسلم). وأبو داود في \"السنن\" (٣٢٤٣) كتاب الأيمان والنذور، باب: (فيمن حلف يمينًا ليقتطع بها مالًا). والترمذي في \"السنن\" (٢٦٦٩) كتاب التفسير، باب: (ومن سورة آل عمران). وابن ماجه في \"السنن\" (٢٣٢٢) كتاب الأحكام، باب: (البيِّنة على المدعي). وأحمد في \"المسند\" ٥/ ٢١١، ٢١٢ وانظر: \"المسند\" شرح شاكر =","vol":"5","page":372},{"text":"ومعنى ﴿يَشْتَرُونَ﴾: يستبدلون (١). وذكرنا هذا في قوله: ﴿اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ﴾ (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ﴾. جاز (٣) أن يكون (٤) إسماع الله جلَّ وعز أولياءَهُ كلامَهُ بغير سفير، خصوصيةً يَخُصُّ بها أولياءَه، فهو لا [يكلم هؤلاء أصلا. ويكون المحاسبة معهم بكلام الملائكة.\n_________\n=٥/ ٢١٠ رقم (٣٥٩٧)، ٦/ ٥٨ رقم (٤٠٤٩). والبيهقي في \"السنن\" ١٠/ ١٧٨، وأبو داود الطيالسي في مسنده: ٣٥ رقم (٢٦٢)، ١٤١ رقم (١٠٥٠، ١٠٥١)، والطبراني في \"المعجم الكبير\" ١/ ٢٣٤، والحميدي في مسنده: ١/ ٥٣ رقم (٩٥)، والنسائي في \"تفسيره\" ١/ ٢٩٩، والطبري في \"تفسيره\" ٣/ ٢٢٠ وفيه أن الخصومة كانت بين الأشعث وبين رجل من اليهود، وأخرجه ابن أبي حاتم في ٢/ ٦٨٦. وأخرجه البخاري في صحيحه كتاب التفسير، سورة آل عمران، باب: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ ...﴾ سببًا آخر عن عبد الله بن أبي أوفى ﵄: (أن رجلًا أقام سلعة في السوق، فحلف فيها: لقد أعطِيَ بها ما لم يُعطَه؛ ليوقع فيها رجلًا من المسلين. فنزلت ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ ...﴾). انظر: \"فتح الباري\" ٨/ ٢١٣، وأخرجه كذلك الطبري ٦/ ٥٣٣، وابن أبي حاتم ٢/ ٦٨٦. وقد وردت روايات أخرى، ولكنْ هاتان الروايتان أصح ما ورد، وعليهما الاعتماد، وهما نصَّان في السببيَّة، ولا يمتنع أن يتعدد السبب والنازل واحد. وقال الكرماني: (لعل الآية لم تبلغ ابن أبي أوفى إلا عند إقامته السلعة، فظنَّ أنها نزلت في ذلك، أو أن القصتين وقعتا في وقت واحد، فنزلت الآية). \"فتح الباري\" ١١/ ٥٦٠. ولكن هذا لا يمنع أن يدخل اليهود فيها؛ لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب كما هو معروف. وانظر بقية الروايات في \"تفسير الطبري\" ٦/ ٥٣٠ - ٥٣٤.\n(١) في (ب): يسترون: يستدلون.\n(٢) في (ج): (واشتروا). سورة البقرة: ١٦.\n(٣) في (ب): (فإما).\n(٤) من قوله: (أن يكون) إلى (لم ينقض ذلك) نقله عن \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٤٣٤ نقل بعض عباراته بالنص، وتصرف في بعض عباراته بالزيادة والاختصار.","vol":"5","page":373},{"text":"وجائز أن يكون معنى] (١) ﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ﴾ أي: لا يكلمهم بكلامٍ يَسُرُّهم. ونفى الكلامَ أصلًا لأنه يتضمن (٢) معنى الغضب؛ كما يقال: (فلان لا يكلم فلانًا)، تأويله: أنه غضبان عليه، وإنْ كلمه بكلام سوء، لم ينقض ذلك.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ﴾. أراد: نظر الرحمة؛ كما يقال: (نظر فلان لفلان)، و(نظر الأمير لرعيته): إذا رحمهم، وبهذا فسره ابن عباس، فقال (٣): يريد: لا (٤) يرحمهم.\nوروى جعفر بن سليمان الضُّبَعِي (٥) عن أبي عِمْران (٦) الجَوْني (٧)، أنه قال (٨): ما نظر الله ﷿ إلى شيء إلاَّ رَحِمَه، ولو قضى أن ينظر إلى أهل النار لرحِمَهُم؛ ولكن قضى أن لا ينظرَ إليهم. ومضى الكلام في معنى تزكية الله.\n_________\n(١) ما بين المعقوفين: زيادة من: (ج).\n(٢) في (ج): (يضمن).\n(٣) لم أقف على مصدر قوله.\n(٤) في (ب): (ولا).\n(٥) هو: أبو سليمان الحرشي البصري. قال عنه ابن حجر: (صدوق زاهد، لكنه كان يَتَشيَّع)، وعَدَّه من الطبقة الوسطى من أتباع التابعين، توفي سنة (١٧٨ هـ). انظر الجرح والتعديل: ٢/ ٤٨١، \"ميزان الاعتدال\" ١/ ٤٠٨، \"تقريب التهذيب\" (٩٤٢).\n(٦) في (ج): (أبي عمر).\n(٧) في (ب): الجرني. وهو: أبو عمران، عبد الملك بن حبيب، البصري، الأزدي، الجَوْني. ثقةٌ، من التابعين، توفي سنة (١٢٨هـ) وقيل: بعدها. انظر: \"الأنساب\" ٢/ ١٢٥، \"تقريب التهذيب\" (٤١٧٢).\n(٨) قوله في \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٦٣ أ، وقد أورده بسنده عنه.","vol":"5","page":374},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-582>٧٨ </span>- قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا﴾. يعني: من اليهود (١). وفي هذا دليل: أن الآية المتقدمة نازلةٌ (٢) في اليهود، حيث عطف عليها بهذه [الآية] (٣) التي هي (٤) نازلة فيهم بلا خلاف.\nوقوله تعالى: ﴿يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ﴾. قال مجاهد (٥)، وقتادة (٦)، والربيع (٧)، وابن جريج (٨): يحرفونه (٩) بالتغيير والتبديل.\nوأصل (اللَّيِّ): [الفَتْلُ؛ من قولك: (لَوَيْتُ يدَهُ): إذا فتلتها (١٠)، و] (١١) تحريف الكلام [وتقليبه] (١٢) عن وجهه، [و] (١٣) لَيُّ اللِّسانِ به؛ لأن\n_________\n(١) وهذا قول ابن عباس في رواية عطية، والربيع، وقتادة، وإليه ذهب الطبري، وابن كثير. وذهب الحسن، وابن عباس في رواية الضحاك: إلى أنهم أهل الكتاب كلهم. انظر: \"تفسير الطبري\" ٣/ ٣٢٣، \"تفسير ابن أبي حاتم\" ٢/ ٦٨٨، \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٦٤ ب، \"تفسير البغوي\" ٢/ ٥٩، \"زاد المسير\" ١/ ٤١١، \"تفسير ابن كثير\" ١/ ٤٠٤.\n(٢) في (ب): (أولا).\n(٣) ما بين المعقوفين زيادة من (ب).\n(٤) في (ب): (أنها).\n(٥) قوله في \"تفسيره\" ١٢٩، \"تفسير الطبري\" ٣/ ٣٢٣، \"تفسير ابن أبي حاتم\" ٢/ ٦٨٩.\n(٦) قوله في \"تفسير الطبري\" ٣/ ٣٢٣، \"تفسير ابن أبي حاتم\" ٢/ ٦٨٩.\n(٧) قوله في \"تفسير الطبري\" ٣/ ٣٢٤، \"تفسير ابن أبي حاتم\" ٢/ ٦٨٩.\n(٨) قوله في \"تفسير الطبري\" ٣/ ٣٢٤.\n(٩) في (ب): (يحرفون).\n(١٠) انظر: \"تفسير الطبري\" ٣/ ٣٢٤، قال: (وأصل (الليِّ): الفَتْل، والقلب، من قول القائل: لوى فلانٌ يدَ فلان: إذا فتلها وقلبها).\n(١١) ما بين المعقوفين غير مقروء في (أ). وساقط من: (ب). والمثبت من: (ج).\n(١٢) في (ب): وتقلبه. وقد جاءت في النسخ الثلاث: (وتقلبه). وما أثبتُّه من \"تفسير الخازن\" ١/ ٣١١؛ حيث نقل عبارة الواحدي، وفيها: (تقليبه) وهي الأليق بسياق الكلام.\n(١٣) ما بين المعقوفين زيادة لازمة ليستقيم بها الكلام.","vol":"5","page":375},{"text":"المُحرِّفَ (١) لَوَى لسانَهُ (٢) عن سَنَنِ (٣) الصواب، بما يأتي به من عند نفسه (٤).\nويحتمل أن يكون المعنى: يَلْوُونَ بألسنتهم الكتابَ (٥)؛ لأنهم (٦) يحرفون الكتاب عما هو عليه، بألسنتهم، فأتى به على القلْب. والقَلْبُ سائغٌ في كلام العرب. ولهذا نظائر وأشباه.\nوقوله تعالى: ﴿لِتَحْسَبُوهُ﴾. أي: لتحسبوا ما لَوَوا ألسنتَهم به، وما حرفوه من الكتاب.\nفرجعت (٧) الكناية (٨) إلى مفعول ﴿يَلْوُونَ﴾، وهو غير مذكور (٩) ولكن الفعل يدل عليه (١٠).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-583>٧٩ </span>- قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ﴾ الآية. لمَّا ادعت اليهود والنصارى أنهم على دين إبراهيم، أخبرهم النبي - ﷺ - أنهم ليسوا على دينه، غضبوا، وقالوا: ما يرضيك منا يا محمد إلا أن نتخذك ربًّا ونعبدَك؟. فقال رسول الله - ﷺ -: \"معاذ الله أن نعبد غير الله، أو نأمر بعبادة غير\n_________\n(١) في (ب): (الحرف).\n(٢) (لسانه): ساقطة من (ج).\n(٣) في (ب): (حسن).\n(٤) بما يأتي به من عند نفسه: ساقط من (ب).\n(٥) (بألسنتهم الكتاب): الكتاب: غير مقروء في (أ). وفي (ب)، (ج): (السنتهم بالكتاب)، ولا يستقيم بها المعنى. وما أثبتُّه من \"تفسير الخازن\" ١/ ٣١١؛ حيث نقل عبارة الواحدي هذه، وهي الأصح والأليق بسياق الكلام.\n(٦) في (ب): (أي).\n(٧) في (ب): (ورجعت).\n(٨) الكناية، هي: الضمير؛ لأنه يكنى به أي: يرمز به عن الظاهر.\n(٩) في (ج): (منكور).\n(١٠) (وهو غير مذكور ولكن الفعل يدل عليه): ساقط من (ب).","vol":"5","page":376},{"text":"الله، ما بذلك بعثني ربي\". فأنزل الله ﷿ هذه الآية. هذا قول ابن عباس (١).\nوقال الضحاك (٢)، ومقاتل (٣): كانت النصارى تقول: إن عيسى إلهٌ معبودٌ، وزعموا أن عيسى قال لهم ذلك، فنزلت الآية فيهم.\nفقوله (٤): ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ﴾ (٥)؛ يعني: محمدًا ﵇ على قول ابن عباس. وعلى قول مقاتل، يعني: عيسى.\nو(الحُكْم) (٦) في اللغة وفي التفسير: العلم والفقه؛ قال الله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ [مريم: ١٢]، يعني: العلم والفقه.\nو(الحُكْم): القضاء بالعدل (٧) أيضًا؛ ومنه قول النابغة:\nواحْكُم كحُكْمِ فتاةِ (٨) الحَيِّ. (٩) .. البيت.\n_________\n(١) قوله في \"تفسير الطبري\" ٣/ ٣٢٥، \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٦٤ ب، \"أسباب النزول\" للواحدي: (١١٦)، \"تفسير ابن كثير\" ١/ ٤٠٤، \"لباب النقول\" ٥٤، \"الدر المنثور\" ٢/ ٨٢ وزاد نسبة إخراجه إلى ابن إسحاق، وابن المنذر، والبيهقي في \"الدلائل\".\n(٢) قوله في \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٦٤ ب، \"أسباب النزول\" للواحدي: ١١٦، \"تفسير البغوي\" ٢/ ٥٩، \"زاد المسير\" ١/ ٤١٣.\n(٣) قوله في \"تفسيره\" ١/ ٢٨٦، \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٦٤ ب، \"تفسير البغوي\" ٢/ ٥٩ \"زاد المسير\" ١/ ٤١٣.\n(٤) (فقوله): ساقط من: (ج).\n(٥) في (أ): (وما).\n(٦) من قوله: (والحكم ..) إلى نهاية بيت الشعر: من قول الليث بن المظفر، نقله المؤلف بتصرف من \"تهذيب اللغة\" ٤/ ١١١.\n(٧) في (ب): والعدل. في (ج): (بالعذاب).\n(٨) في (ب): قناة. في (ج): (فتادة).\n(٩) صدر بيت، وتمامه: =","vol":"5","page":377},{"text":"وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَقُولَ للِنَّاسِ﴾. عطف على قوله: ﴿أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ﴾ أي: ما كان لبشرٍ أن يجمع بين هذين: بين النُّبُوَّة، وبين دعاء الخلق إلى عبادة غير الله.\nقال الزجاج (١): أي: الله ﷿ لا يصطفي لنبوته الكَذَبَةَ (٢)، ولو فعل ذلك بشَرٌ، لَسَلَبَهُ الله ﷿ آياتِ النُّبُوّة، و(٣) علاماتها. ونصب ﴿ثُمَّ يَقُولُ﴾ على الاشتراك (٤) بين أن يُؤتِيَه وبين أن يقولَ (٥)؛ أي: لا يجتمع لنبي إتيانُ (٦)\n_________\n= واحكم كحكم فتاةِ الحي إذْ نَظَرَتْ ... إلى حَمامٍ شِراع واردِ الثَّمَدِ\nوهو في ديوانه: ٣٤، وورد منسوبًا له، في \"كتاب سيويه\" ١/ ١٦٨، والحيوان، للجاحظ: ٣/ ٢٢١، \"تهذيب اللغة\" ١/ ٨٨٥ (حكم)، \"الصحاح\" ٥/ ١٩٠٢ (حكم)، \"أمالي ابن الشجري\" ٣/ ٢٩، \"اللسان\" ٢/ ٩٥١ (حكم)، (١٠٠٦) (حمم)، \"التصريح\" ١/ ٢٢٥، \"شرح شواهد المغني\" ١/ ٧٥.\nويروى: (.. سِراع) بدلًا من (شراع).\nوالشاعر هنا يخاطب النعمان بن المنذر، ويعتذر إليه، ويطلب منه أن يحكم بالعدل في أمره، كما حكمت فتاةُ الحيِّ، وهي زرقاء اليمامة، المشهورة بحدَّةِ النظر، حيث نظرت إلى سرب حمام في الجو، فأحصتها، ولم تخطيء في عددها. و(شِراع): مقبلة على شِرعةِ الماء؛ أي: مَوْرِدهِ. و(الثَّمَدِ): الماء القليل. انظر: \"اللسان\" ٤/ ٢٢٣٨ (شرع)، \"القاموس\" ٢٧٠ (ثمد)، \"شرح شواهد المغني\" ١/ ٧٦ - ٧٧. وقيل: إن معنى قوله: (احكم كحكم ..)؛ أي: كن حكيمًا كفتاة الحي؛ أي: إذا قلت فأصِبْ كما أصابت هذه المرأة في حكمها. انظر: \"التهذيب\" ١/ ٨٨٥.\n(١) في \"معاني القرآن\" له: ١/ ٤٣٥، نقله عنه بتصرف.\n(٢) في (ب): (مثل ذ) ابدلا من (الكذبة).\n(٣) الواو ساقطة من: (أ)، (ب). والمثبت من (ج)، و\"معاني القرآن\".\n(٤) في (ج): (الإشراك).\n(٥) في \"معاني القرآن\": (يقول) بدون واو.\n(٦) الأوْلى أن تكون (إيتاء النبوة) بدلًا من (إتيان)؛ لأن الإتيان: المجيء، وهو =","vol":"5","page":378},{"text":"النُّبوَّةِ والقولُ للناس: ﴿كُونُوا عِبَادًا لِي﴾.\nوقال صاحبُ النَّظْمِ: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ﴾: نفيٌ، والنفي واقع غير موقعه؛ لأن التأويل ما كان لبشر يُؤتِيَه الله الكتابَ والحكمَ والنبوةَ. وقوله تعالى (١): ﴿يُؤتِيَهُ اَللَّهُ﴾ (٢) صفة للنكرة (٣)؛ على تأويل: (ما كان لِبَشَرٍ يكون بهذه الحال، أن يقول للناس: كونوا عبادًا لي من دون الله).\nفالمنفي (٤): قوله: (أن يقول الناس). فلمَّا (٥) وقع ﴿أَنْ﴾ في غير موقعه، نسق (٦) عليه بـ ﴿ثُمَّ﴾. ففي الآية تقديم حرف حقُّهُ أن يُؤَخَّرَ، ومثله من تقديم ما وجب أن يؤخر في النظم: قوله تعالى (٧): ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ (٨)﴾ [الفتح: ٢٥]، التأويلُ: ولولا أن تطؤوا رجالًا مؤمنين ونساءً مؤمناتٍ لم تعلموهم؛ أي: لم تعرفوهم.\nوقوله تعالى: ﴿كُونُوا عِبَادًا لِي﴾. قال ابن عباس (٩): هذه لغة\n_________\n= مصدر: (أتى يأتي)، ومن مصادره أيضًا: (أتْيًا، وأُتِيَّا، وإتِياَّ، ومأتاة). أما قوله تعالى: ﴿يُؤْتِيَهُ﴾، فهو من: (آتاه، يُؤْتيه)؛ أي: أعطاه، يعطيه. والمصدر: إيتاء. انظر: \"تهذيب اللغة\" ١/ ١١٥ (أتى)، والسان: ١/ ٢١ (أتي).\n(١) (تعالى): ساقطة من: (ج).\n(٢) في (ب): ﴿يَقُولَ للِنَّاسِ﴾.\n(٣) (صفة للنكرة): ساقطة من (ب).\n(٤) في (ب): (والمنفي).\n(٥) في (ب): (وإنما).\n(٦) أي: عطف. وحروف النسق، هي: حروف العطف.\n(٧) (تعالى): ساقطة من: (ج).\n(٨) (أن تطؤوهم): ساقطة من: (ج).\n(٩) قوله في \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٦٥ أ.","vol":"5","page":379},{"text":"مُزَيْنَة (١)، تقول للعبيد: (عِبَاد) (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾. أي: ولكن تقول: كُونُوا، فحذف القول؛ لدلالة الأولى عليه.\nو(الرَّبّانِي): العالم، في قول كلهم.\nأخبرني العَرُوضِيُّ، عن الأزهري، قال (٣): أخبرني المُنْذِري، عن أبي طالب (٤)، قال: الرَّبّاني: العالم. والجماعة (٥): الربّانِيُّون. وقال أبو\n_________\n(١) قبيلة عربية مُضَرية عدنانية، كانت مساكنهم بين المدينة ووادي القرى. وقد قاتلت مُزينة مع النبي - ﷺ - في غزوة حنين، واشتركوا في فتح مكة مع خالد بن الوليد ﵁. انظر: \"معجم قبائل العرب\" ٣/ ١٠٨٣.\n(٢) فرق الراغب بينهما، فجعل (العبد) بمعنى (العابد)، وجعل (العبيد) جمع (العبد) الذي هو مسترقٌّ. أي: أن (العباد) من العبادة، و(العبيد) من العبودية، وهي لا تمتنع أن تكون لغير الله. ثم قال: (فـ (العبيد) إذا أضيف إلى الله، أعم من (العباد)؛ ولهذا قال: ﴿وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [ق: ٢٩]، فنبه إلى أنه لا يظلم من يختص بعبادته، ومن انتسب إلى غيره من الذي تسموا بـ (عبد الشمس)، و(عبد اللات)، ونحو ذلك). \"المفردات\" ٥٤٣ (عبد). ويرى ابن عطية أن (العباد) (جمع (عبد)؛ متى سيقت اللفظةُ في مضمار الترفيع والدلالة على الطاعة، دون أن يقترن بها معنى التحقير وتصغير الشأن)، وضرب لذلك أمثلة، منها: ﴿وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ [البقرة: ٢٧]، و﴿عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٦]. \"المحرر الوجيز\" ٣/ ١٨٧، وانظر: \"روح المعاني\" ٣/ ٢٠٧.\n(٣) قوله هذا في \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٣٣٦. ومن قوله: (قال ..) إلى (.. بصغار العلوم قبل كبارها): موجود مع اختلاف يسير في \"التهذيب\" ١٥/ ١٧٩.\n(٤) هو: المفضَّل بن سَلمة بن عاصم، أبو طالب الضَّبِّي، تقدمت ترجمته.\n(٥) في (ب): (للجماعة).","vol":"5","page":380},{"text":"العباس (١): الربَّانِيُّون: العلماء.\nوقال سيبويه: زادوا ألِفًا ونونًا في (الرَّبّاني)، إذا (٢) أرادوا تخصيصًا بعلم الرَّبِّ، دون غيره من العلوم، وهذا كما قالوا: (شَعْراني)، و(لِحْيانِي)، و(رَقَباني): إذا خُصَّ بكثرة الشَّعْر، وطول اللِّحْيَة، وغِلظ الرَّقَبَة. فإذا نسبوا إلى الشَّعْر، قالوا: (شَعْرِي)، وإلى الرَّقَبَة: (رَقَبِي)، وإلى اللِّحْيَة: (لِحْيِي) (٣).\nوقال ابنُ الأعرابي: الرباني: العالم المُعَلِّم، الذي يَغْدُوا الناسَ (٤) بصِغار العلوم قبل كبارها.\nوقال المبرد (٥): الربّانِيُّون: أرباب العلم، وأحدهما: رَبّاني، وهو: الذي يَرُبُّ العِلم، ويَرُبُّ الناسَ؛ أي: يعلمهم ويصلحهم، ويقوم بأمورهم (٦).\nوالأَلِف والنُّونُ: للمبالغة؛ كما قالوا: (رَيّان) (٧)، و(عطشان)، و(شبعان)، و(عُرْيان) (٨)، و(نَعْسان)، و(وَسْنان) (٩)، ثم ضمَّت إليه ياءُ\n_________\n(١) هو ثعلب كما في \"تهذيب اللغة\" قوله: (الربّاني: العالم. والجماعة: الربَّانيون).\n(٢) (إذا): ساقطة من (ج).\n(٣) انظر: \"كتاب سيبويه\" ٣/ ٣٨٠. \"المقتضب\" ٣/ ١٤٤.\n(٤) في (ج): (للناس).\n(٥) قوله بنصه، في \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٦٥ ب، \"تفسير القرطبي\" ٤/ ١٢٢.\n(٦) انظر: \"الزاهر\" ١/ ٥٧٦، \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٣٣٦ (ربَّ)، \"تاج\" ٢/ ١٠ (ربب).\n(٧) في (أ)، (ب)، (ج): (ربَّان). والمثبت من \"تفسير الثعلبي\".\n(٨) في (ب): (وعرقان)، في (ج): (وعرثان).\n(٩) يقال: (وَسِنَ، يَوْسَنُ، وَسَنًا)، و(سِنَةً)، و(وَسْنَةً)، أي: أخذ في النُّعاس، فهو: (وَسِنٌ)، و(وَسْنان)، و(مِيْسان). والاسم: (الوَسَن)، وهو: النعاس. انظر (وسن) في \"المجمل\" ٩٢٥، \"القاموس\" (١٢٣٨)، \"المعجم الوسيط\" ١٠٣٣.","vol":"5","page":381},{"text":"النسبة، كما قيل: (لِحياني)، و(رَقَبانِي).\nفعلى قول سيبويه؛ الرَّبّاني: منسوب إلى الرَّبِّ؛ على معنى التخصيص بعلم الرَّبِّ، أي: يَعْلَم الشريعة، وصفات الرب. وعلى قول ابن الأعرابي، والمبرد؛ الرّبّانِي: من الرَّبِّ، الذي هو بمعنى: التربية، على البيان الذي ذكر.\nوقال أبو عبيدة (١): لم تعرف العرب (رَبّانِيِّين) (٢). هذا قول أهل اللغة في معنى (٣) هذا (٤) الحرف.\nقال ابن عباس في رواية سعيد بن جبير (٥): ربانيين؛ أي: معلِّمِين (٦). وهو قول مُرَّة الهَمْداني (٧)، واختيار عبد الله بن مُسْلِم (٨)، ويقوى هذا قول\n_________\n(١) قوله في \"مجاز القرآن\" ١/ ٩٧.\n(٢) ونص قول أبي عبيدة كما في \"مجاز القرآن\" (لم يعرفوا ربّانيِّين). وفي \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٣٣٦: (قال أبو عبيدة: وأحسب الكلمة ليست بعربية، وإنما هي عبرانية أو سريانية: وذلك أن أبا عبيدة زعم أن العرب لا تعرف الربّانيين. قال أبو عبيد: وإنما عرفها الفقهاء وأهل العلم).\n(٣) (معنى): ساقطة من: (ب).\n(٤) (هذا): مطموسة في (أ). ومثبتة من: (ب)، (ج).\n(٥) الرواية في \"تفسير الطبري\" ٣/ ٣٢٥، \"تفسير ابن أبي حاتم\" ٢/ ٦٩١، \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٦٥ أ.\n(٦) في (ب): (مسلمين). واختلفت ألفاظ هذه الرواية عن ابن عباس في مصادرها، فعند الطبري، ورد: (حكماء فقهاء)، وعند ابن أبي حاتم: (الفقهاء المعلمون)، ومثله عند الثعلبي. وورد عن ابن عباس من رواية عطية العوفي: (حكماء فقهاء)، هكذا عند الطبري. وعند الثعلبي: (حكماء علماء). ومن رواية الضحاك عنه: (الفقهاء العلماء). انظر المراجع السابقة.\n(٧) هو: أبو إسماعيل، مُرَّة بن شَرَاحِيل، الكوفي، البكيلي الهَمْداني، تقدم ٢/ ٧٧\n(٨) هو ابن قتيبة وقوله في \"تفسير غريب القرآن\" له: ١٠٧.","vol":"5","page":382},{"text":"ابن الأعرابي والمبرد (١).\nوقوله تعالى: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ﴾ (٢). ويُقرأ: ﴿تُعَلِّمُونَ﴾ (٣)، من: العلم. والباء (٤) في ﴿بِمَا﴾، متعلقة بقوله: ﴿كُونُوا﴾. و(ما) في القراءتين، هي التي بمعنى المصدر مع الفعل، والتقدير: كونوا رَبَّانِيِّين،\n_________\n(١) قال الطبري: (وأولى الأقوال عندي بالصواب في (الرَّبانيِّين): أنهم جمع (رَبّاني)، وأن (الرَّبّاني): المنسوب إلى (الرَّبَّان) الذي يربُّ الناسَ، وهو الذي يُصْلح أمورهم، و(ويربُّها)، ويقوم بها ..). ثم قال: (يقال منه: (رَبَّ أمري فلان، فهو يُربُّه رَبًّا، وهو رَابُّه). فإذا أريد به المبالغة في مدحه، قيل: (هو ربّان) ..). ثم تابع قائلًا جامعًا بين الأقوال المختلفة: (فإذا كان الأمر في ذلك على ما وصفنا وكان (الربَّان) ما ذكرنا، و(الربّاني) هو المنسوب إلى من كان بالصفة التي وصفتُ وكان العالم بالفقه والحكمة من المصلحين يَرُبّ أمورَ الناس، بتعليمه إياهم الخيرَ، ودعائهم إلى ما فيه مصلحتهم وكان كذلك الحكيمُ التقيُّ لله، والوالي الذي يلي أمورَ الناس على المنهاج الذي وَليَهُ المقسطون من المصلحين أمورَ الخلق، بالقيام فيهم بما فيه صلاح عاجلهم وآجلهم، وعائدةُ النفع عليهم في دينهم، ودنياهم، كانوا جميعًا يستحقون أن [يكونوا] مِمّن دَخل في قوله: ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾. فـ (الرَّبّانيُّون) إذًا، هم عمادُ الناس في الفقه والعلم وأمور الدين والدنيا. ولذلك قال مجاهد: (وهم فوق الأحبار)؛ لأن (الأحبار): هم العلماء، و(الرَّبّانِي): الجامع إلى العلم والفقه، البصرَ بالسياسة والتدبير والقيام بأمور الرعية، وما يصلحهم في دنياهم ودينهم). تفسيره: ٣/ ٢٩٦.\n(٢) (الكتاب): ساقطة من (ج).\n(٣) في (أ): (تُعَلمون). وفي (ب)، (ج) مهمل، لم يضبط بالشكل. وما أثبته هو الصواب. وهذه القراءة بفتح التاء، وإسكان العين وفتح اللّام، قراءة نافع، وابن كثير، وأبي عمرو. وقرأ عاصم، وابن عامر، وحمزة، والكسائي: ﴿تُعَلِّمُونَ﴾ بضم التاء وتشديد اللام المكسورة. انظر: \"السبعة\" ٢١٣، \"الكشف\" ١/ ٣٥١.\n(٤) من قوله: (الباء ..) إلى (.. أبلغ في هذا الوضع): نقله باختصار وتصرف من \"الحجة\" للفارسي: ٣/ ٥٩ - ٦١.","vol":"5","page":383},{"text":"بكونكم عالمين؛ [أو: معلِّمين] (١).\nوعلى هذا التقدير أيضًا قوله تعالى (٢): ﴿وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾. ومثل هذا مِنْ كَوْن (٣) (ما) مع الفعل بمنزلة (٤) المصدر؛ قوله [تعالى] (٥): ﴿فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ [الأعراف: ٥١]؛ أي: كنسيانهم لقاء يومهم، وككونهم (٦) بآياتنا جاحدين.\nفأما قوله: ﴿تُعَلِّمُونَ الكِتَابَ﴾، من قرأه (٧) بالتخفيف؛ فهو من (العِلم) الذي يراد (٨) به: المعرفة، فيتعدى إلى مفعول واحد؛ كقوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ﴾ [البقرة: ٦٥]، وقوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ [البقرة: ٢٢٠]، وحجته: ما رُوي عن عمرو (٩) أنه\n_________\n(١) ما بين المعقوفين: غير مقروء في (أ)، وساقط من (ب). ومثبت من (ج). إلّا أنه ورد في (ج): (أي: معلمين)، بدلًا من: (أو معلمين)، ولم أرَ لها وجهًا. والصواب ما أثبته؛ لأن المؤلف هنا يذكر التقدير في القراءتين باعتبار أنَّ (ما) مصدرية فيهما. ففي القراءة الأولى ﴿تَعلمون﴾، يكون التقدير: (بكونكم عالمين)، أو يكون التقدير: (بكونكم مُعَلِّمين) على اعتبار القراءة الثانية ﴿تُعَلِّمُونَ﴾.\nويعزز هذا ما ورد في \"التفسير الوسيط\" للمؤلف؛ حيث أورد في هذا الموضع القراءتين، فقال عن قراءة: ﴿تُعَلِّمُونَ﴾ (أي: بكونكم عالمين). وقال عن قراءة ﴿تُعَلِّمُونَ﴾ بالتشديد: (بكونكم معلمين). \"الوسيط\" تحقيق بالطيور: ٢٥٥.\n(٢) لفظة (تعالى): ساقطة من: (ج).\n(٣) في (ب): (ممن تكون فيه).\n(٤) في (ب): (بمعنى).\n(٥) ما بين المعقوفين زيادة من: ب.\n(٦) في (ج): (ولكونهم).\n(٧) في (ج): (قرأ).\n(٨) في (ج): (يريد).\n(٩) هو أبو عمرو بن العلاء، ممن قرأ ﴿تَعْلَمون﴾.","vol":"5","page":384},{"text":"احتج بقوله: ﴿تَدْرُسُونَ﴾ ولم يقل: (تُدَرِّسُون)، وأيضًا فإن التشديد يقتضي مفعولين، والمفعول ههنا واحد، فالتخفيف أولى.\nومن قرأ بالتشديد: فالمفعول الثاني محذوف، تقديره: بماكنتم تُعَلِّمونَ الناسَ الكتابَ، أو غيرَكم الكتابَ. وحُذِف؛ لأن المفعول به قد يُحذَف من الكلام كثيرًا.\nوحجته في التشديد: أن التعليم (١) يَدُل على العِلْم؛ لأن الذي يُعَلِّم لا يكون إلا عالمًا بما يُعَلِّم، والعِلْم لا يدل على التعليم، فالتشديد أبلغ في هذا الموضع. وأيضًا فإن الرَّبّانِيّين لا يقتصرون على أن يَعْلَموا لأنفسهم حتى يتقربوا إلى الله بالتعليم، يدل عليه: قول مُرَّة بن شَراحيل (٢): كان عَلْقَمَةُ من الربّانيين الذي يُعَلِّمون الناسَ القرآن.\nقال الزجاج (٣): معنى قوله: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ﴾: كونوا معلِّمِي الناس بعِلْمِكم ودَرْسِكم، عَلِّموا الناسَ وبَيِّنوا لهم؛ كما تقول: انفعوهم بمالِكم. وقيل (٤): كونوا ممن يستحق أن يُطلق (٥) له صفة عالم بعلمه؛ لإخلاصه وقيامه بحقه.\nوقوله تعالى: ﴿وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾. أي: تقرأون (٦). ومنه قوله تعالى: ﴿وَدَرَسُوا مَا فِيهِ﴾ [الأعراف: ١٦٩]. وشَرْحُ معنى الدَّرسِ والدراسة،\n_________\n(١) في (ج): (العلم).\n(٢) قوله في \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٦٥ أ، \"حلية الأولياء\" ٢/ ٩٨، \"صفة الصفوة\" ٢/ ١٦.\n(٣) في \"معاني القرآن\" له: ١/ ٤٣٥. نقله عنه بالمعنى.\n(٤) هذا القول يدخل ضمن معنى قول الزجاج في المصدر السابق.\n(٥) في (ب): (تطلق).\n(٦) في (ج): (تقرون).","vol":"5","page":385},{"text":"يُذكر عند قوله: ﴿وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ﴾ [الأنعام: ١٠٥].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-584>٨٠ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْمُرَكُمْ﴾. الآية. أكثر القراء على رفع ﴿ولا يأمُرُكُم﴾ (١).\nقال سيبويه (٢): ﴿وَلَا يَأَمُرُكم﴾: منقطعة مما قبلها؛ لأن المعنى: ولا (٣) يأمُرُكم الله.\nوقال ابن جريج (٤)، وجماعة (٥): ولا يأمُرُكم محمدٌ. ومما يدل على الانقطاع من الأول: ما روي عن ابن مسعود، أنه قرأ: (ولن يأمُرَكم) (٦).\nقال الفراء (٧): فهذا دليل على انقطاعها من النَّسَقِ، وأنها مستأنفة؛ فلما وقعت (لا) موقع (لن) رفعت، كما قال: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا\n_________\n(١) القراءة برفع الراء، هي لابن كثير، ونافع، وأبي عمرو، والكسائي، وأبي جعفر، وعاصم برواية الأعشى والبرجمي عن أبي بكر. وكان أبو عمرو يختلس حركة الراء تخفيفًا. والقراءة بالفتح، لعاصم برواية حفص وحماد ويحيى عن أبي بكر، وهي كذلك قراءة ابن عامر، وحمزة، ويعقوب، وخلف. انظر: \"السبعة\" ٢١٣، \"المبسوط\" لابن مهران: ١٤٥ - ١٤٦، \"حجة القراءات\" ١٦٨، \"الإقناع\" ٦٢١، \"إتحاف فضلاء البشر\" (١٧٧).\n(٢) في \"الكتاب\" ٣/ ٥٢.\n(٣) من قوله: (ولا ..) إلى (.. ابن جريج وجماعة): ساقط من: (ج).\n(٤) قوله في \"تفسير الطبري\" ٣/ ٣٢٩.\n(٥) لم أقف على المراد بهم. وقد وردت هذه العبارة بنصها في \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٦٦ أ. قال: (وقال ابن جريج وجماعة).\n(٦) ذكر هذه القراءة: الطبري في \"تفسيره\" ٣/ ٣٢٩، والفارسي في \"الحجة\" ٣/ ٥٨، والثعلبي في \"تفسيره\" ٣/ ٦٦ أ. وقال الطبري: عن سند هذه القراءة: (فذلك خبر غير صحيح سنده). \"تفسيره\" ٣/ ٣٢٩.\n(٧) في \"معاني القرآن\" له: ١/ ٢٢٥. نقله عنه بنصه.","vol":"5","page":386},{"text":"وَنَذِيرًا وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾ [البقرة: ١١٩]، وفي قراءة عبد الله: (ولن تُسأَلَ) (١).\nومَن نَصَبَ ﴿وَلَا يَأْمُرَكُمْ﴾ كان (٢) وجهه ما قال سيبويه: إن المعنى: وما كان لِبَشَرٍ أن يأمرَكم أن تتخذوا الملائكة. فيكون نصبًا بالنَّسَقِ على قوله: ﴿أَنْ يُؤْتِيَهُ﴾. ويقوي هذا الوجه ما ذكرنا: أن اليهود قالت للنبي - ﷺ -: أتريد يا محمدُ أن نتخذك ربًّا؟! فقال الله سبحانه: ما كان لِبَشَرٍ أن يأمر بذلك (٣).\nقال الزجاج (٤): معنى الآية (٥): ولا يأمركم أن تعبدوا الملائكة والنبيين؛ لأن الذي قالوا: إن عيسى إلهٌ، عبدوهُ واتخذوهُ ربًّا. وقال قوم من الكفار: إن الملائكة أربابُنا (٦)؛ يقال (٧): إنهم الصابئون (٨).\n_________\n(١) انظر هذه القراءة في \"تفسير الطبري\" ١/ ٥١٦، \"المحرر الوجيز\" ١/ ٤٦٩.\n(٢) من قوله: (كان ..) على (.. لبشر أن يأمركم): ساقط من: (ج).\n(٣) سبق تخريج هذا الأثر في التعليق على تفسير آية ٧٩ من هذه السورة.\n(٤) في \"معاني القرآن\" له: ١/ ٤٣٦، نقل عنه بنصه.\n(٥) في \"معاني القرآن\": أي.\n(٦) في (ج): (أربابا).\n(٧) في \"المعاني\": (ويقال).\n(٨) (الصابئ) هو الذي خرج من دينه ودخل في دين آخر. ولذا سَمَّ كفارُ قريش النبيَ - ﷺ - وصحابته بذلك -بزعمهم- لأنهم تركوا دينهم ودخلوا في دين آخر. و(الصابئة) هنا لفظة قديمة من لغة عرب ما بين النهرين من العراق، وهو دين قديم ظهر في بلاد الكلدانيين في العراق، واشتهر في (حرّان) من بلاد الجزيرة الفراتية، ويُسَمَّون لذلك بـ (الحرْنانِيّة) على غير قياس. ودينهم من أقدم الأديان، ولما بعث الله إبراهيم ﵇ كان الناس على دين الصابئة. وقد ترك هؤلاء دين التوحيد وعبدوا النجوم والكواكب وعظموها، مدعين أن البشر عاجزون عن الوصول إلى جلال الخالق =","vol":"5","page":387},{"text":"وقوله تعالى: ﴿أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ﴾. استفهام معناه: الإنكار؛ أي: لا يفعل (١) ذلك، وإنما جاز أن يُنقَلَ إلى الإنكار؛ لأنه مما أقَرَّ بِهِ المخاطَبُ، [و] (٢) ظهر افتضاحه، وبان سقوطه؛ لأنه مما لا يَخفى فسادُه؛ فلذلك (٣) جاء الكلام على السؤال، وإنْ لم يكن معناه تَعَرُّف الجواب.\nوقوله تعالى: ﴿بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. أي: بعد إسلامكم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-585>٨١ </span>- قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ﴾ قال أبو إسحاق (٤): موضع (إذْ): نَصبٌ؛ المعنى: واذكر في أقاصيصك: إذ أخذ اللهُ ميثاقَ النَّبِيِّين.\nوقوله تعالى: ﴿لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ﴾ قرأ (٥) حمزة: ﴿لِمَا﴾ بكسر اللاَّم (٦). ووجهُ (٧) هذه القراءة: أنَّ اللاَّم في ﴿لِمَا﴾ متعلق\n_________\n= فلزم التقرب إليه بواسطة مخلوقات مقربة لديه، وهي الأرواح الطاهرة المقدسة، وزعموا أن هذه الأرواح تسكن الكواكب، وأنها تنزل إلى النفوس الإنسانية بمقدار تقرب النفوس إليها، فعبدوا الكواكب بقصد الاتجاه إلى رُوحانياتها. وبنوا للكواكب هياكل وجعلوا لها تماثيل. انظر حول تفصيل معتقدهم \"الملل والنحل\" للشهرستاني: ٢/ ٥ وما بعدها، واعتقادات فرق المسلمين والمشركين، للفخر الرازي:١٤٣، \"لسان العرب\" ٤/ ٢٣٩٨ (صبأ)، \"المختصر في أخبار البشر\" ١/ ٨١، \"التحرير والتنوير\" لابن عاشور: ١/ ٥٣٣.\n(١) في (ج): (نفعل).\n(٢) الواو: زيادة لازمة ليستقيم بها المعنى.\n(٣) في (ج): (فكذلك).\n(٤) في \"معاني القرآن\" لم: ١/ ٤٣٦. نقله عنه بنصه.\n(٥) في (ج): (وقرأ).\n(٦) انظر: \"السبعة\" ٢١٣، \"حجة القراءات\" ٣/ ٦٢، \"المبسوط\" لابن مهران: ١٤٦.\n(٧) من قوله: (ووجه ..) إلى (.. والمفعول لا يحتاج إلى عائد ذكر): نقله باختصار وتصرف عن \"الحجة\" للفارسي: ٣/ ٦٢.","vol":"5","page":388},{"text":"بالأخذ؛ كأنَّ (١) المعنى: أخذ ميثاقهم لهذا؛ لأن من يؤتَى الكتابَ والحكمة، يُؤخَذُ عليهم الميثاقُ؛ لِما أوتوهُ (٢) من الحكمة، وأنهم الأفاضل، وأماثل (٣) الناس. و(ما) على هذه القراءة تكون موصولةً؛ بمعنى: الذي. والراجع إلى (ما) مِن صِلَتِها محذوفٌ؛ تقديره: لِما آتيتكموه. فَحُذِفَ الراجعُ، كما حُدفَ من قوله: ﴿أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ [الفرقان: ٤١]. ونحو ذلك.\nفإن قيل] (٤): إذا كانت (ما) موصولةً، لزم أن يرجع من الجملة المعطوفة (٥) على الصلة، ذِكرٌ إلى الموصول، وإلاّ لم يَجُز. ألا ترى أنك لو قلت: (الذي قام أبوه (٦) ثم انطلق زَيْدٌ، ذاهبٌ) (٧)؛ لم يَجُز إذ لم يكن [راجعٌ مذكورٌ] (٨).\nوقوله تعالى: ﴿ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ [لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ] (٩)﴾ ليس فيه (١٠) راجعٌ إلى الموصول. قيل: يجوز (١١) أن يكون المُظهرُ بمنزلة\n_________\n(١) (أ)، (ب)، (ج): (كان). والمثبت من \"الحجة\".\n(٢) (أ)، (ب)، (ج): (أتوه). والمثبت من \"الحجة\".\n(٣) في (ب): (وأفاضل).\n(٤) ما بين المعقوفين مطموس في (أ). والمثبت من: (ب)، (ج).\n(٥) في (ب): (الموصولة).\n(٦) في (ب): (أثره بدلًا من أبوه).\n(٧) (إليك) بدلًا من (ذاهب).\n(٨) ما بين المعقوفين: مطموس في (أ). والمثبت من: (ب)، (ج) \"الحجة\".\n(٩) ما بين المعقوفين زيادة من: (ب).\n(١٠) ليس فيه: ساقط من: (ب).\n(١١) في (ب): ورجوعه بدلا من: (قيل يجوز).","vol":"5","page":389},{"text":"المُضْمَر. فقوله: ﴿لِمَا مَعَكُمْ﴾، هو في المعنى: ما أُوتوهُ (١) مِنَ الكتاب والحكمة؛ فكأنه (٢) قال: ثم جاءكم رسولٌ مُصدِّقٌ له؛ أي (٣): لِمَا آتيتكم مِنْ كتابٍ وحِكْمَةٍ، وهو ما معكم.\nوالصلة المُظهَرَة تقوم مقام المُضمَرَة (٤)، عند أبي الحسن الأخفش؛ ومثل هذا: قوله: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: ٩٠]، المعنى: كأنه قال: لا يضيع أجرهم؛ لأن الذي يتقي (٥) ويصبر يكون من المحسنين، وكذلك قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ (٦) [الكهف: ٣٠]، المعنى عنده: إنا لا نضيع أجرهم؛ لأن مَنْ أحسن عملًا، هم: الذين آمنوا وعملوا الصالحات (٧).\nووجه آخر، وهو: أنَّ الراجعَ ههنا محذوفٌ، وحَسُن الحذف للطول، كما حكاه الخليل (٨) من قولهم: (ما أنا بالذي قائل لك شيئًا)، والتقدير: بالذي هو قائل.\nكذلك ههنا يكون التقدير: ثم جاءكم رسولٌ به؛ أي: بتصديقه، أي: بتصديق ما أتيتكم.\n_________\n(١) (أ)، (ب): (أتوه). والمثبت من: (ج)، و\"الحجة\".\n(٢) في (ج): (وكأنه).\n(٣) له أي: ساقط من: (ج).\n(٤) في (ج): (المضمر).\n(٥) في (ب): (يتق).\n(٦) من (إنا لا نضيع ..) إلى (الذين آمنوا وعملوا الصالحات): ساقط من: (ج).\n(٧) انظر: \"معاني القرآن\" للأخفش ٢/ ٣٩٦.\n(٨) انظر قوله في \"كتاب سيبويه\" ٢/ ٤٠٤.","vol":"5","page":390},{"text":"وأما من قرأ ﴿لَمَا﴾ بفتح اللام (١)؛ فـ (ما) (٢) في هذه القراءة، يحتمل (٣) تأويلين:\nأحدهما: أن تكون موصولة. والآخر: أن تكون للجزاء (٤). فمن قدَّرها موصولةً: كان القول فيها كما ذكرنا في قراءة حمزة.\nواللاّم في (لَمَا)، لام الابتداء، وهي المتلقية (٥) لِما أُجري مجْرى القَسَم، لأن قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ﴾، بمنزلة القَسَم، كأنَّ المعنى: استحلفهم.\nوموضع (ما) رفع بالابتداء. والخَبَرُ: ﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ﴾. و﴿لَتُؤْمِنُنَّ﴾ (٦)، متعلق بِقَسَم محذوف؛ المعنى: والله لتؤمنن به. فإن قدرت (ما) للجزاء، كانت (ما) في موضع نصب بـ ﴿آتَيْتُكُمْ﴾. و﴿جَاءَكُمْ﴾ في موضع جزمٍ بالعطف على ﴿آتَيْتُكُمْ﴾، واللاّم الداخلةُ على (ما) لا تكون المتلقية (٧) للقسم، ولكن تكون بمنزلة اللّام في قوله: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ﴾ [الأحزاب: ٦٠] [والمتلقية للقسم؛ قوله (٨): ﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ﴾، كما أنها في\n_________\n(١) هم باقي القراء، ما عدا حمزة الذي قرأ بكسرها كما سبق. انظر: \"السبعة\" ٢١٣، \"المبسوط\" لابن مهران: ١٤٦، \"الكشف\" ١/ ٣٥١.\n(٢) في (أ)، (ب): (فيما). والمثبت من: (ج). وفي \"الحجة\": فإن ما.\n(٣) في (ب)، (ج)، \"الحجة\": (تحتمل).\n(٤) الجزاء: هو الجواب في أسلوب الشرط؛ لأنه جزاء مترتب على حصول الشرط.\n(٥) في (ب)، (ج): (المنقلبة).\n(٦) ولتؤمنن: ساقط من: (ج).\n(٧) في (ج): (المنقلبة).\n(٨) (قوله): ساقط من: (أ)، (ب). وفي (ج): (وقوله). والمثبت من \"الحجة\" للفارسي.","vol":"5","page":391},{"text":"قوله ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ﴾] (١)، قوله (٢) ﴿لَنُغْرِيَنَّكَ﴾ [الأحزاب: ٦٠].\nوهذه اللاّم الداخلة على (إنْ) في ﴿لَئِنْ﴾، لا يعتمد القَسَمُ عليها؛ فلذلك جاء حذفها تارةً، وإثباتها تارة؛ كما قال (٣): ﴿وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ﴾ [المائدة: ٧٣]، فَتَلْحَقُ هذه اللاّم مرة [(إنْ)] (٤)، ولا تَلْحَقُ أخرى، كما أنّ (أنْ) كذلك في قولهم: (واللهِ أَنْ لو فعلتَ لفعلتُ)، [و] (٥) (واللهِ لو فعلتَ لفعلتُ) (٦). وهذه اللاّم بمنزلة (أَنْ) الواقعة مع (لو). وهذا مذهب سيبويه (٧)، وهو يُقدِّر (ما) ههنا للجزاء (٨)، وانما لم يحمله على أن (ما)\n_________\n(١) ما بين المعقوفين زيادة من: (ج) ومن \"الحجة\" للفارسي.\n(٢) في (ب): (وقوله).\n(٣) قال: ساقطة من (ج).\n(٤) ما بين المعقوفين زيادة من \"الحجة\" للفارسي؛ ليتضح بها المعنى.\n(٥) ما بين المعقوفين زيادة من \"الحجة\".\n(٦) (والله لو فعلت لفعلت): ساقطة من: (ج).\n(٧) انظر: \"كتاب سيبويه\" ٣/ ١٠٧.\n(٨) بالرجوع إلى \"كتاب سيبويه\" يظهر ابتداء خلاف ما ذكره المؤلف هنا، ونص عباره سيبويه: (وسألته [يعني الخليل] عن قوله ﷿: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ﴾. فقال: (ما) ههنا بمنزلة (الذي)، ودخلتها اللام؛ كما دخلت على (إنْ) حين قلت: (واللهِ لئن فعلتَ لأفعلن)، واللام التي في (ما) كهذه التي في (إنْ)، واللام التي في الفعل، كهذه التي في الفعل هنا ..). وذكر الفارسي في \"الحجة\" ٣/ ٦٦ أنَّ المازني قال: (زعم سيبويه أن (ما) بمنزلة (الذي)، ثم فسّر تفسير الجزاء). ثم بيَّن الفارسي وجه قول سيبويه، فقال: (والقول فيما قاله من أن (لَما) بمنزلة (الذي): أنه أراد أنه اسم، كما أن (الذي) اسم، وليس بحرف، كما كان حرفًا في قوله: ﴿وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ﴾ [هود: ١١١]، ﴿وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الزخرف: ٣٥]، فهذا المعنى أراد بقوله: أنه بمنزلة الذي، ولم =","vol":"5","page":392},{"text":"موصولة، بمنزلة الذي؛ لأنه لو حمله على ذلك، للزم أن يكون في الجملة المعطوفة على الصلة، ذِكرٌ يعود على الموصول، فلما لم ير (١) ذلك، ولم ير أن يضع المُظْهَر موضع المُضْمَر كما يراه أبو الحسن عَدَلَ عن القول: بأن (ما) موصولة، إلى أنها للجزاء، ولم يحملها على الحذف من المعطوف على الصلة؛ لأنه ليس بالكثير، ولا بموضع (٢) يليق به الحذف. و(ما) إذا كانت للجزاء، لا تحتاج إلى عائدِ ذِكرٍ، كما تحتاج إليه (ما) التي بمنزلة (الذي)؛ لأن (ما)، إذا كانت جزاءً، مفعولٌ بها، والمفعولُ لا يحتاج إلى عائدِ ذكرٍ. وهذا الوجه اختيار الزجاج؛ لأنه قال (٣): أجوَد الوجهين: أن يكون (٤) (ما) للشرط والجزاء؛ لأن الشرط يوجب أن كل ما وقع من أمر الرسول (٥) فهذه طريقته.\nوأبو عثمان المازني أيضًا اختار هذا الوجه، فقال (٦): الوجه عندي: أن يكون (٧) (ما) للجزاء؛ لأن الفعل الماضي إنما يكون في معنى\n_________\n= يرد أنها موصولة كـ (الذي). وبهذا يتضح كلامَ المؤلف الذي اختصره من \"الحجة\" للفارسي. انظر في هذا كذلك \"الإغفال\" لفارسي: ١/ ٥٧٩ - ٥٨٦ فقد نقل هنا قول سيبويه والمازني، وناقش هذه المسألة.\n(١) في (ج): (نر).\n(٢) في (ب): (موضع)، (ج): (لموضع).\n(٣) في \"معاني القرآن\" له: ١/ ٤٣٦. نقله عنه بتصرف.\n(٤) في (ب)، (ج): (تكون).\n(٥) في (ج): \"معاني القرآن\" الرسل. أما (الرسول) فقد وردت في كتاب \"الإغفال\" للفارسي: ١/ ٥٧٩ حيث نقل قول الزجاج هذا. ويبدو أن المؤلف نقل العبارة عن \"الإغفال\" أو عن نسخة أخرى لـ \"معاني القرآن\" ورد فيها لفظ (الرسول).\n(٦) قوله في \"الإغفال\" ١/ ٥٨٥. وقد نقله المؤلف بنصه.\n(٧) في (ب)، (ج): \"الإغفال\" تكون.","vol":"5","page":393},{"text":"المستقبل، في الجزاء لا في غيره، والمعنى: أنه أخذ ميثاقهم على أن ينصروه ويؤمنوا بما يأتيهم فيما يستقبل من كتاب وغيره.\nوالدليل على أن ﴿آتَيْتُكُمْ﴾، ﴿ثُمَّ جَاءَكُمْ﴾، معناه مستقبل: قوله: ﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ﴾، وإذا كان جزاءً كانت اللاّمُ توكيدا.\nوقد قال سيبويه (١): ومثل هذه الآية؛ قوله: ﴿لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ﴾ [الأعراف: ١٨]، فهذا جزاء، والفعل (٢) الماضي في معنى المستقبل، ولام القسم التي تعتمد عليها اللاّم في ﴿لَأَمْلَأَنَّ﴾ وهي وإن كانت مؤخرة فمعناها التقديم.\nوقوله تعالى: ﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ﴾ تقديره (٣): أول الكلام في قول من قدّر (ما) جزاء، والتمثيل: (وإذ أخذ اللهُ ميثاق النبيين لتؤمنن به)، وجواب الشرط، محذوف مستغنى عنه؛ لدلالة لتؤمنن به، الذي هو جواب القسم عليه، كما أن قولك: (لآتِيَنَّك إنْ أتيتني)، كذلك؛ والمعنى: (واللهِ، لآتِيَنَّك إنْ أتيتني). فيكفي جوابُ القسم من جواب الجزاء، وإذا كانت بمعنى الجزاء على ما (٤) وصفنا فيكون تقدير المعنى: لأَنْ آتيتكم شيئًا من كتاب وحكمة، -ومهما آتيتكم- ثم جاءكم رسول، لتؤمنُنَّ به.\n_________\n(١) في \"الكتاب\" له: ٣/ ١٠٨. ونص قوله: (ومثل ذلك: ﴿لَّمَن تَبِعَكَ مِنهُمْ لَأَمْلَأَنَّ﴾، إنما دخلت اللام على نِيَّة اليمين). وقول سيبويه هنا من تتمة نقل المؤلف لكلام المازني من \"الإغفال\".\n(٢) من قوله (والفعل ..) إلى (.. فمعناها التقديم): نقل المؤلف هذه العبارات بالمعنى، وهي من تتمة كلامِ المازني في \"الإغفال\".\n(٣) من قوله: (وتقديره ..) إلى (.. لآتينك إن أتيتني كذلك): نقله بتصرف عن \"الإغفال\" للفارسي: ١/ ٥٨٧.\n(٤) في (ب): (كما) بدلًا من: (على ما).","vol":"5","page":394},{"text":"فإن قيل: ميثاق الإيمان بمحمد - ﷺ -، وسائر الرسل، مأخوذ على جميع النبيين ما (١) أوتوا الكتاب، وانما أوتي (٢) بعضهم؟.\nقيل: هذا على التغليب؛ فالذكر ذكر الأنبياء الذين أوتوا الكتاب، والمراد: هم، وغيرهم ممن لم يُؤتَ الكتاب، ودخلوا في جملتهم؛ لأنهم بمنزلة من أوتى الكتاب بما أوتوا من الحُكْم والنبوة، وأيضًا فإن الذين لم ينزل عليهم الكتاب أمروا بأن يأخذوا بكتاب نَبِيٍّ (٣) قبلهم، ورُزِقوا علمَ ذلك الكتاب، فدخلوا تحت صفةِ أبناء الكتاب.\nوقرأ (٤) نافع: ﴿آتَيْنَاكُم﴾ (٥)، وحجته قوله: ﴿وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ [الإسراء:٥٥]، ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ [مريم: ١٢]، ﴿وَآتَيْنَاهُمَا الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ﴾ [الصافات: ١١٧].\nومن قرأ: ﴿آتَيْتُكُم﴾، فحجته قوله: ﴿هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ [الحديد: ٩]، و﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ [آل عمران: ٣]، و﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾ [الكهف: ١].\nوالقراءة الأولى: أشبه بكلام البلغاء والملوك، ومن الفصاحة تغيير العبارة عن الواحد إلى الجمع، وعن الجمع إلى الواحد، كقوله: ﴿وَجَعَلْنَاهُ\n_________\n(١) في (ج): (مما).\n(٢) في (ج): (أولى).\n(٣) (بأن يأخذوا بكتاب نبي): مطموس في (أ). والمثبت من (ب)، (ج).\n(٤) من قوله: (وقرأ ..) إلى نهاية قوله: ﴿أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾: نقله بتصرف عن \"الحجة\" للفارسي: ٣/ ٦٩.\n(٥) في (ب): (أتيتكم).\nوهذه القراءة لجعفر -كذلك-، وقرأ الباقون ﴿آتَيْتُكُم﴾. انظر: \"المبسوط\" لابن مهران: ١٤٦، \"الكشف\" لمكي ١/ ٣٥١.","vol":"5","page":395},{"text":"هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا﴾ (١) [الإسراء: ٢] ولم يقل: من دوننا، كما قال: ﴿وَجَعَلْنَاهُ﴾.\nوالقراءة الثانية: أشبه بما قبله مِنْ قولِهِ: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ﴾، وبما بعده من قوله: ﴿إِصْرِى﴾.\nوقوله تعالى: ﴿وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ قال ابن الأنباري (٢): وإنّما خاطب، فقال: ﴿آتَيْتُكُمْ﴾ بعد أن ذكر النبيين وهم غيب؛ لأن في الكلام معنى قول وحكاية، يراد: واذ أخذ الله ميثاق النبيين، فقال مخاطبًا لهم: ﴿لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ﴾.\nقال (٣): ونظائر هذا كثيرة (٤).\nوقوله تعالى: ﴿مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ﴾.\nدخلت ﴿مِنْ﴾ تبيينًا لـ (ما)؛ كقولك: (ما عندي من الوَرِقِ (٥) والعَيْنِ) (٦).\n_________\n(١) كُتِبت ﴿ألّا يَتّخذوا﴾ -بضمير الغائب- وهي قراءة أبي عمرو. وقرأ الباقون: ﴿الَّا تَتَّخِذُوا﴾ -بضمير الخطاب- على الالتفات. انظر: \"إتحاف فضلاء البشر\": (٢٨١).\n(٢) لم أقف على مصدر قوله.\n(٣) في (ج): (وقال).\n(٤) في (ج): (وتظاهر هذا كثرة).\n(٥) الوَرِق، والوِرْق، والوَرْق، والرِّقَة: الدراهم المضروبة وقيل: الفضة، أكانت مضروبة أم لا. وقيل: المال بعمومه. وجمع الورق: أوراق. وجمع الرِّقَة: رِقُون. انظر (ورق)، في \"الصحاح\" ٤/ ١٥٦٤، \"اللسان\" ٨/ ٤٨١٦، \"التاج\" ١٣/ ٤٧٦.\n(٦) في (ج): (والحبر).\nو(العين): من معانيها في اللغة -مما يصلح في هذا الموضع-: المال العتيد: الحاضر، والنّقد، والدينار، والذهب عامّة. انظر (عين)، في \"اللسان\" ٦/ ٣١٩٨، \"القاموس\" (١٢١٨).","vol":"5","page":396},{"text":"وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ﴾.\nيقال: ما وَجْه (١) قوله: ﴿ثُمَّ جَاءَكُمْ﴾، والنَّبِيُّون لم يأتهم الرسولُ، وإنما يُبْعَثُ الرُّسُلُ إلى الأمم، لا إلى الرُّسُلِ؟.\nقيل: يجوز أن يُعْنى بذلك أهل الكتاب في المعنى (٢)؛ لأن الميثاق إذا أُخذ على النبيين، فقد أُخذ على الذين أوتوا (٣) كُتُبَهُمْ من أممهم.\nوعامَّة ما يُشْرع للأنبياء (٤)، قد (٥) شُرعَ لأممهم وأتباعهم؛ يبين ذلك: أن الفروض التي تلزمنا تلزمُ نبينا (٦) ﵇؛ وإذا كان كذلك؛ فأخذ (٧) الميثاق على النبيين، كأَخْذ الميثاق على الذين أوتوا كتبهم من أممهم، ومن ثَم جاء ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [الطلاق: ١]، فجُمع النبي - ﷺ - ومن تبعه في الخطاب الواحد، وهذا من جهة المعنى.\nقال ابن الأنباري (٨): إنما أخذ الله ميثاق النبيين (٩)، بأن يؤمنوا برسل\n_________\n(١) من قوله: (ما وجه ..) إلى (وهذا من جهة المعنى): نقله -بتصرف- عن \"الحجة\" للفارسي: ٣/ ٦٧ - ٦٨.\n(٢) ممن قال بذلك: طاوس، وقتادة. انظر: \"تفسير عبد الرزاق\" ١/ ١٢٤، \"تفسير الطبري\" ٣/ ٣٣٣، \"تفسير ابن أبي حاتم\" ٢/ ٦٩٤.\n(٣) في (ب): أتوا. والمثبت من: (ج)، \"الحجة\".\n(٤) في (أ)، (ب): الأنبياء. والمثبت من: (ج)، \"الحجة\".\n(٥) في (ب)، (ج): (فقد).\n(٦) في (ج): (نبيهم).\n(٧) في (أ)، (ب)، (ج): (وأخذ). والمثبت من \"الحجة\" للفارسي؛ لأنه الأليق بالعبارة، ودخول الواو يخل بالمعنى.\n(٨) لم أقف على مصدر قوله.\n(٩) في (ج): (الميثاق على النبيين).","vol":"5","page":397},{"text":"الله جل وعز بعدهم، فإذا آمنوا بهم، لزم أُمَمَهم الاقتداءُ بهم، والسلوكُ لمنهاجهم.\nوجواب آخر من طريق اللفظ (١)، وهو: أن يكون المراد: وإذ أخذ ميثاق أممِ النَّبِيِّين وأتباع النَّبِيِّين، شَرط عليهم أنبياؤُهم أن يؤمنوا بكل نَبِيٍّ يبعثه الله ﷿ ولا يكذبوه، ولا يدخلوا في جملة أعدائه، وأخذوا بذلك عهودهم، فقال الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ﴾، وهو يريد: ميثاقَ تُبّاع النَّبيين، فحَذَف المضاف.\nوقال صاحب النظم: معنى النَّبِيِّين ههنا: معنى أُمَمِهم، وصار ذكرهم كالقبيلة للأمم، كما يقال: قَيْس، وتَمِيم، وبَكْر، وهي أسماء رجال بأعيانهم، نُسِب أولادهم إليهم، فصاروا قبائل.\nومنه قول الشاعر:\nأتَسأَلُني السويَّةَ وَسْطَ زَيْدٍ ... ألا إنَّ السَّوِيَّةَ أنْ تُضامُوا (٢)\nفـ (زيد) ههنا قبيلة لأصحابه؛ لذلك قال: (وَسْطَ زيد).\nوقوله تعالى: ﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ﴾.\nإن قيل: ما معنى: أخْذَ ميثاق النبيين بِنُصْرَةِ مَن لم يَلْقَوْهُ، ولم يدركوا زمانَه؟.\nقلنا: قد بَيَّنّا (٣) أن المراد بـ ﴿النَّبِيِّينَ﴾: أتباعهم وأممهم. فعلى هذا؛\n_________\n(١) وهذا الجواب قد ذكره الفارسي في \"الحجة\" ٣/ ٦٨، وإنما ذكر المؤلف معناه هنا.\n(٢) البيت ورد في \"اللسان\" ٤/ ٢١٦٢ (سوا)، ونسبه إلى البراء بن عازب الضَّبِّي. و(السَّويِّة، والسواء): العدل، والنَّصفَة. وقوله: (تُضامُوا) من: (ضامَهُ حقَّهُ)، (يَضيمُه، ضَيْما)؛ أي: انتقصه حقه، وظلمه. انظر: \"اللسان\" ٤/ ٢١٦٢ (سوا)، ٥/ ٢٦٢٩ (ضيم).\n(٣) (قد بينا): ساقط من: (ج).","vol":"5","page":398},{"text":"لا كلام.\nوإن (١) قلنا: المراد: هُم، ثم (٢) تتبعهم الأُممُ؛ فمعنى النصر ههنا: أن ينصروه بتصديقه عند قومهم.\nقال المفسرون في هذه الآية: إن الله تعالى أخذ الميثاق على الأنبياء بتصديق بعضهم بعضًا. وهذا قول: سعيد بن جبير (٣)، وقتادة (٤)، وطاوس (٥)، والحسن (٦)، والسدّي (٧).\nوقال علي بن أبي طالب ﵁ (٨): لم يبعث الله ﷿؛ (٩) نَبِيًّا، آدَمَ ومَن بَعده، إلا أَخَذَ (١٠) عليه العهد في محمد وأمره (١١)، وأخذ العهدَ\n_________\n(١) في (ج): (فإن).\n(٢) (ثم): ساقط من: (ج).\n(٣) قوله في \"تفسير الطبري\" ٣/ ٣٣١ - يرويه عن ابن عباس- وفي \"الثعلبي\" ٣/ ٦٧ أ.\n(٤) قوله في \"تفسير الطبري\" ٣/ ٣٣٢، \"تفسير الثعلبى\" ٣/ ٦٧ أ، \"الدر المنثور\" ٢/ ٨٤، وزاد نسبة إخراجه إلى عبد بن حميد.\n(٥) قوله في \"تفسير عبد الرزاق\" ١/ ١٢٤، \"تفسير الطبري\" ٣/ ٣٣١، \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٦٧ أ.\n(٦) قوله في \"تفسير الطبري\" ٣/ ٣٣١، \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٦٧ أ، \"تفسير ابن كثير\" ١/ ٤٠٥، وانظر: \"تفسيره\" ١/ ٢١٩.\n(٧) قوله في \"تفسير الطبري\" ٣/ ٣٣٢، \"تفسير ابن أبي حاتم\" ٢/ ٦٩٤، \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٦٧ أ.\n(٨) قوله في \"تفسير الطبري\" ٣/ ٣٣٢، \"تفسير الثعلبى\" ٣/ ٦٧ أ.\n(٩): ساقطة من: (ج).\n(١٠) في (أ): (خذ). والمثبت من: (ب)، (ج)، و\"تفسير الطبري\" و\"الثعلبي\".\n(١١) في (ب): وإمره. وهكذا جاءت العبارة: (... وأمره، وأخذ العهد ...) عند المؤلف، والثعلبي، الذي نقل قول الإمام علي، ومن سبق من التابعين، عن كتاب \"نظم القرآن\" - كما أشار هو إلى ذلك. ولكن عبارة الطبري أصح في المعنى وهي: (ويأمره فيأخذ العهد على قومه).","vol":"5","page":399},{"text":"على قومه لَيُؤمِنُنَّ به، ولَئِن بُعث وهم أحياء لَيُنْصُرُنَّهُ.\nوقال ابن عباس: يريد بـ ﴿مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ﴾: عَهْدَهُم؛ ليشهدوا بمحمد - ﷺ -، بأنه رسول الله.\nوقوله تعالى: ﴿ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ﴾. يريد: محمدًا - ﷺ -.\n﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ﴾، يريد: إن أدركتموه. فالآية (١) عامة في جميع النبيين؛ على قول: سعيد بن جبير ومَن تابَعَهُ، وخاصَّة في النبي - ﷺ -، على قول: عَلِيٍّ، وابن عباس ﵄. وهذا هو الأصح؛ لأن المراد بالآية: التَنْوِيه بذكر محمد - ﷺ - بما أُخِذ على النبيين مِن التصديق به، واعتماد النصرة له، مع الاحتجاج على أهل الكتاب باتِّبَاع سبيلِ النبيبن فيه (٢).\nوقوله تعالى: ﴿قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ﴾ أي: قال الله تعالى للنبيين: أأقررتم بالإيمان به والنصرة له.\nو(الإقرار) في اللغة منقول بالألف (٣)، من: (قَرّ الشيءُ، يَقِرُّ) (٤): إذا ثبت، ولزم مكانه، و(أَقَرَّهُ غيرهُ). والمُقِرُّ بالشيء: يُقِرُّهُ على نفسه؛ أي: يُثْبِتُهُ (٥).\n_________\n(١) في (أ)، (ب): بالآية. والمثبت من: (ج).\n(٢) وقد رجح الطبري القول الآخر؛ أن الآية عامَّة في جميع النبيين بأن يصدِّق بعضهم بعضًا، وأخذ على الأنبياء الميثاق على أممهم وأتباعهم بنحو الذي أخذ عليهم ربهم بتصديق أنبيائه ورسله. انظر: \"تفسيره\" ٣/ ٣٣٣.\n(٣) أي: منقول بالهمزة؛ للتعدية.\n(٤) في (أ)، (ب): (يقرو). في (ج): (يفرا). وما أثبته هو ما رجحت صوابه. يقال: (قَرَّ بالمكان، يَقَرُّ، ويَقِرُّ) -بالكسر والفتح- وبالكسر أكثر. انظر المصادر التالية.\n(٥) انظر (مادة: قرر) في \"اللسان\" ٦/ ٣٥٧٩، و\"التاج\" ٧/ ٣٨٠.","vol":"5","page":400},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي﴾ أي: قبلتم عهدي (١). والأخذ؛ بمعنى (القَبُول) (٢)، كثيرٌ في الكلام؛ كقوله: ﴿وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾ [البقرة: ٤٨]؛ أي: لا يُقبل فِدْيَةٌ (٣). وقال: ﴿وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ﴾ [التوبة: ١٠٤]، أي: يقبلها.\nومضى الكلام في معنى (الإصْر) (٤).\nوقوله تعالى: ﴿قَالَ فَاشْهَدُوا﴾ أي (٥): قال الله ﷿ للنبيين: فاشهدوا (٦) أنتم على أنفسكم، وعلى أتباعكم، وأنا معكم من الشاهدين عليكم وعليهم. وهذا القول، يُروى عن عَلِي - ﵁ - (٧).\nوقال الزجاج (٨): ﴿فَاَشْهَدُوا﴾ أي: فبينوا (٩)؛ لأن الشاهد هو الذي يصحح دعوى المدعي، ولبينها، وشهادة الله ﷿ للنبيين: تبيينه (١٠) أمر\n_________\n(١) تفسير (الإصر) بـ (العهد)، قال به ابن عباس، ومحمد بن إسحاق، ومجاهد، والربيع، والسدي، وابن جريج، وقتادة. انظر: \"تفسير الطبري\" ٣/ ٣٣٤، \"تفسير ابن أبي حاتم\" ٢/ ٦٩٥.\n(٢) انظر: \"تفسير الطبري\" ٣/ ٣٣٤.\n(٣) انظر: \"تفسير البسيط\" ٨٦٣، \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٦٧ أ. انظر: \"تفسير غريب القرآن\" لابن قتيبة: ١٩٢، ٨٣، \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٧٦ ب.\n(٤) انظر: \"تفسير البسيط\" للمؤلف: عند تفسير آية: ٢٨٦ من سورة البقرة\n(٥) من قوله: (أي: ..) إلى (عليكم وعليهم): نقله بنصه عن \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٧٦ ب.\n(٦) (أي قال الله ﷿ للنبيين فاشهدوا): ساقط من: (ج).\n(٧) قوله في \"تفسير الطبري\" ٣/ ٣٣٤، \"زاد المسير\" ١/ ٤١٦.\n(٨) في \"معاني القرآن\" له، ٤٣٧. نقله عنه بتصرف يسير.\n(٩) في \"معاني القرآن\" فتبينوا. وما كتبه المؤلف أصح من ناحية المعنى، وأنسب لما بعده من كلام.\n(١٠) في (ب)، (ج): (تبينه).","vol":"5","page":401},{"text":"نبوتهم بالآيات المعجزات (١).\nوحكي عن سعيد بن المُسَيّب أنه قال (٢): هذا الخطاب للملائكة، قال الله تعالى للملائكة) (٣): اشهدوا عليهم بإقرارهم؛ فيكون خطابًا لمن لم يتقدم ذِكْرُهُ (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-586>٨٢ </span>- قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ﴾ هذا شرط (٥)؛ وقد ذكرنا أن الفعل الماضي معناه: الاستقبال في الشرط والجزاء، وإنما جاز وقوع الماضي موقع المستقبل في الجزاء؛ لأن حرف (٦) الجزاء لمّا كان يعمل في الفعل، قوي على نقله من معنى المضي إلى الاسقبال، وذلك إشارة إلى أخذ الميثاق.\nقال ابن عباس (٧): يريد: فمن أعرض عما جئت به، وأنكر ما عاهد الله عليه.\nوقال الزجاج (٨): فمن تولى؛ أي: أعرض عن الإيمان بعد أخذ الميثاق، وظهور آيات النبي - ﷺ -.\n_________\n(١) في (ب): (والمعجزات).\n(٢) قوله في \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٧٦ب، \"تفسير البغوي\" ٣/ ٦٢، \"زاد المسير\" ١/ ٤١٦، \"تفسير القرطبي\" ٤/ ١٢٦.\n(٣) (قال الله -تعالى- للملائكة): ساقط من: (ج).\n(٤) في (ج): (لم يتقدم).\n(٥) ويجوز أن تكون ﴿مَنْ﴾ موصولة، وتكون ﴿تَوَلَّى﴾: صلة، لا محل لها. ويكون ﴿فَأُولَئِكَ﴾ -في هذه الحالة-: في محل رفع؛ لوقوعها خبرًا. انظر: \"الدار المصون\" ٣/ ٣٩٥.\n(٦) في (ج): (حروف).\n(٧) لم أقف على مصدر قوله.\n(٨) في \"معاني القرآن\" له ١/ ٤٣٨. نقله عنه بتصرف","vol":"5","page":402},{"text":"وقوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ دخلت الفاء في (أولئك)؛ لأنه جواب الشرط؛ وإنما تدخل (١) الفاءُ في جواب الشرط؛ لأن الثاني يجب بوجود الأول بلا فصل؛ كقولك: (إنْ تأتِنِي فَلَكَ درهمٌ)، فوجوب الدرهم، بالإتيان عقيبَه بلا فصل؛ فلذلك جاء بالفاء.\nو﴿أُولَئِكَ﴾: ابتداء؛ و(٢) ﴿هُمُ﴾: ابتداءً ثانٍ، و﴿الْفَاسِقُونَ﴾: خبره، و﴿هُمُ﴾ (٣) مع خبره: خَبَرُ ﴿أُولَئِكَ﴾، ويصلح أن يكون ﴿أُولَئِكَ﴾: ابتداء؛ و﴿الْفَاسِقُونَ﴾: خبرَهُ، و﴿هُمُ﴾: عِمَاد وفَصْلٌ؛ لا موضع له. ومعنى (الفاسقين) ههنا؛ أي: الذين خرجوا عن القصد، وعن جملة الإيمان. قاله الزجاج (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-587>٨٣ </span>- قوله تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ﴾ دخلت الفاءُ في ﴿أَفَغَيْرَ﴾ لأنه عطف جملة على جملة (٥)، وكذلك (٦) لو قيل: (أَوَغَير)، إلّا أَنَّ الفَاءَ تُرتِّبُ (٧)؛ كأنه قيل: أَبَعد أَخْذِ الميثاق، غَيرَ دينِ الله يبغون؟.\nواختلفوا في الياءِ والتّاءِ، من قوله: ﴿تَبغُون﴾:\nفمن قرأ بالتاء (٨)؛ فلأن ما قبله خطاب؛ كقوله: ﴿أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ﴾.\n_________\n(١) في (ج): (يدخل).\n(٢) (الوا) و: زيادة من (ج).\n(٣) من قوله: (وهم ..) إلى (والفاسقون خبره): ساقط من (ج).\n(٤) في \"معاني القرآن\" له: ١/ ٤٣٨.\n(٥) على جملة: ساقط من: (ج).\n(٦) في (ج): (ولذلك).\n(٧) في (ج): (نزلت).\n(٨) القراءة بالتاء في ﴿تبغون﴾، لابن كثير، ونافع، وابن عامر، وعاصم -في رواية أبي بكر عنه-، وحمزة، والكسائي.=","vol":"5","page":403},{"text":"ومن قرأ بالياء (١)؛ فوجهه: أن الله تعالى أخبر في الآية السابقة، عن أخذ الميثاق على اليهود والنصارى وغيرهم، فلما كفروا، أخبر عنهم على جهة الاستنكار، فقال (٢): ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ﴾.\nوقرأ أبو عمرو: ﴿يَبْغُونَ﴾ بالياء، و﴿تُرجَعُونَ﴾ بالتاء (٣)؛ لأن الأول: خاص لليهود (٤) وغيرهم (٥)، والثاني: عامٌّ لجميع المكلفين (٦).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾.\nروى (٧) أنس بن مالك أن رسول الله - ﷺ -، قال في هذه الآية: \"الملائكة، أطاعوه في السماء؛ وعبد القيس في الأرض\" (٨).\n_________\n= انظر: \"علل القراءات\" للأزهري: ١/ ١٢٢ - ١٢٣، \"الحجة\" للفارسي: ٣/ ٦٩، \"التيسير\" ٨٩، \"التبصرة\" ٤٦٢.\n(١) القراءة بالياء في ﴿يَبْغُونَ﴾، لأبي عمرو، وعاصم -برواية حفص-، ويعقوب. انظر المصادر السابقة.\n(٢) في (ج): (قال).\n(٣) قرأ عاصم -برواية حفص-: ﴿يُرجَعُونَ﴾ -بالياء المضمومة-، وقرأ الباقون: ﴿تُرجَعُونَ﴾ -بالتاء المضمومة-. انظر المصادر السابقة.\n(٤) في (ب): (باليهود).\n(٥) (باليهود وغيرهم): ساقط من: (ج).\n(٦) انظر توجيه هذه القراءة في \"علل القراءات\" للأزهري: ١/ ١٢٣، \"الحجة\" للفارسي: ٣/ ٦٩ - ٧٠، \"حجة القراءات\" لابن زنجلة: ١٧٠، \"الكشف\" لمكي: ١/ ٣٥٣.\n(٧) في (ج): (وروي).\n(٨) الحديث: أخرجه الديلمي في \"مسند الفردوس\": ٤/ ٤٠٧، والثعلبي في \"تفسيره\" ٣/ ٦٨ أ، وأورده -بدون سند- القرطبيُّ في \"تفسيره\" ٤/ ١٢٨. وفيه زيادة عندهم \"والأنصار وعبد القيس أطاعوه في الأرض\". وفي سنده عند الديلمي والثعلبي: =","vol":"5","page":404},{"text":"وبهذا (١)؛ قال ابن عباس في رواية عطاء (٢): قال: يريد بأهل السموات: الملائكة. وبأهل الأرض: المهاجرين والأنصار وعبد القيس، طوعًا، والناس كرهًا. وهذا قول الحسن (٣).\nوقال قتادة (٤): المؤمن، أسلم طائعًا فنفعه (٥) ذلك، وقبل منه، والكافر، أسلم كَرْهًا في وقت البأس والمعاينة، حين (٦) لا ينفعه ذلك، ولا\n_________\n= الكُدَيْمي، وهو: محمد بن يونس القرشي.\nقال عنه ابن حبان: (كان يضع على الثقات الحديث وضعًا، ولعله قد وضع أكثر من ألف حديث).\nوقال عنه الذهبي في \"الميزان\": (أحد المتروكين)، وقال عنه -في \"المغني في الضعفاء\"-: (هالك). وعند ابن حجر -في \"التقريب\"-: (ضعيف).\nانظر: \"المجروحين\" لابن حبان: ٢/ ٣١٣، \"ميزان الاعتدال\" ٥/ ١٩٩، \"المغني في الضعفاء\" له: ٢/ ٢٨٣، \"تقريب التهذيب\" ص ٥١٥ (٦٤١٩).\nوعبد القيس، قبيلة عربية كبيرة، تنسب إلى عبد القيس بن أفصى بن دُعْمي بن جَديلة بن أسد بن ربيعة بن نِزار بن مَعَدّ بن عدنان. وكان موطنهم بتهامة، ثم خرجوا إلى البحرين واستوطنوها، وقدم وفدهم على النبي - ﷺ - عام (٩ هـ)، وثبتت عبد القيس على إسلامها عندما ارتدت قبائل البحرين عام (١١ هـ).\nانظر: \"جمهرة أنساب العرب\" ٢٩٥ - ٢٩٦، ٤٦٩، و\"صبح الأعشى\" ١/ ٣٣٧، \"معجم قبائل العرب\" لكحالة: ٢/ ٢٧٦.\n(١) في (ب): (وعلى هذا).\n(٢) لم أقف على مصدر هذه الرواية.\n(٣) قوله في \"تفسير ابن أبي حاتم\" ٢/ ٦٩٦١، وورد نفس المعنى عن مطر الوراق، أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٣/ ٣٣٧.\n(٤) قوله في \"تفسير الطبري\" ٣/ ٣٣٧، \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٦٩ أ.\n(٥) في (ب): ففقه.\n(٦) (حين): ساقطة من: (ج).","vol":"5","page":405},{"text":"يُقبَل منه، يدل عليه قولُه: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ [غافر: ٨٥].\nوقال ابن كَيْسان (١)، والزجاج (٢): أي: خضعوا وانقادوا من جهة ما فطرهم عليه، ودَبَّرَهُم به، لا يمتنعُ مُمْتَنِعٌ مِن جِبِلَّةٍ جُبِلَ (٣) عليها، ولا يَقدِرُ على تغييرها، أحب تلكَ الجِبِلَّةِ أو كرهها؛ يدل على تصديق هذا القول: قوله تعالى: ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ لأن المعنى: أنه بدأكم على إرادته، شئتم أو أبيتم، وهو يبعثكم كما بدأكم، والتأويل: أتبغون دينا غير دين (٤)؛ الذي هذه صفته.\nوفي قوله: ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ وعيد لهم؛ أي: أتبغون غير دين الله، وتزيغون عن الله، مع أن مرجعهم إليه، فيجازيهم على رفضهم دينه، وأخذهم سواه.\nوقوله: ﴿طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ الطَّوْعُ: الانقياد؛ يقال: (طاعَهُ، يَطُوعُه، طوعًا) (٥): إذا انقاد له، وخضع. فإذا مضى لأمره (فقد أطاعَهُ)، وإذا وافقه، (فقد طاوَعَهُ) (٦).\n_________\n(١) قوله في \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٦٩ أ، \"البحر المحيط\" ٢/ ٥١٥.\n(٢) في \"معاني القرآن\"، له: ١/ ٤٣٨. وهذا النص -هنا- له، من: (أي خضعوا ..) إلى (الذي هذه صفته).\n(٣) الجِبِلَّةُ: الخليقة، والطبيعة، والغريزة ويقال للخلق: (الجِبِلّة، والجِبِلّ، والجِبُلّ، والجُبُلُ، والجُبُلّ، والجِبْلُ). و(جَبَلَه الله على كذا)؛ أي: فطره عليه. انظر: \"الزاهر\" ١/ ٣٢١، \"المجمل\" ٢٠٦ (جبل)، \"المصباح المنير\" ٣٥ (جبل).\n(٤) في \"معاني القرآن\": الدين.\n(٥) (طوعا): ساقطة من: (ج).\n(٦) انظر: (طوع) في \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢١٥٣، \"الصحاح\" ٣/ ١٢٥٥، \"المقاييس\" ٣/ ٤٣١.","vol":"5","page":406},{"text":"وقال ابنُ السِّكِّيت (١): يقال: (طاعَ لهُ، وأطاعَهُ)، سواء، فَمَن قال: (طاعَ)، قال: (يَطَاعُ)، ومن قال: (أطاعَ)، قال: (يُطيعُ). فحصل في (الطَّوْع) لغتان: (طاعً يَطُوعُ)، و(طاعَ يَطاعُ).\nوانتصب ﴿طَوْعًا وَكَرْهًا﴾؛ على أنه مصدرٌ وقع موقع الحال؛ وتقديره: طائعًا (٢) أو كارهًا (٣)؛ كقولك: (أتاني رَكضًا)؛ أي: راكضا؛ ولا يجوز: (أتاني كلاما)؛ أي: متكلمًا؛ لأن الكلام ليس بِضَرْبٍ للإتْيَانِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-588>٨٤ </span>- قوله تعالى ﴿قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ الآية. في هذه الآية إنكارٌ (٤) على الكفار من اليهود والنصارى، فيما ذهبوا إليه (٥) من الإيمان ببعض النبيين دون بعض، وأمْرٌ للنبي - ﷺ -، وأمته، أن يقول: آمنا بالله وبجميع الرسل، وما أنزل عليهم: لا نفرق بين جميع الرسل في الإيمان (٦) بهم، كما فعلت اليهود والنصارى.\nوأجرى أوَّلَ الآية على التوحيد، وآخِرَها على الجمع، في قوله: ﴿لَا نُفَرِّقُ﴾، ﴿وَنَحْنُ﴾ لدخول أمة محمد - ﷺ - في هذا الإقرار معه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-589>٨٥ </span>- قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا﴾ الآية.\n_________\n(١) في \"إصلاح المنطق\" ٢٥٧ - ٢٥٨ مع اختلاف في العبارة. والعبارة -هنا- تتفق مع ما في \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢١٥٢ عن ابن السكيت؛ مما يدل على أن المؤلف نقل النص عن \"التهذيب\".\n(٢) (طائعًا): ساقطة من: (ب).\n(٣) انظر: \"إعراب القرآن\" للنحاس: ٣/ ٢٩، \"مشكل إعراب القرآن\" ١/ ١٦٧.\n(٤) في (ج): (ان كان).\n(٥) إليه: ساقطة من: (ب).\n(٦) في (ب): (بالإيمان).","vol":"5","page":407},{"text":"قال ابن عباس (١): يريد: خَسِرَ (٢) ثوابَ الله، وصارَ إلى عذابِهِ؛ وخَسِرَ الحُورَ العِيْنِ.\nوقال الزجاج (٣): يعني: خَسِرَ عَمَلَهُ؛ حيث لم يُجازَ بِهِ (٤) الجنَّة والثوابَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-590>٨٦ </span>- قوله تعالى: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾.\nقال ابن عباس (٥): نزلت في اليهود (٦): قَرَيظة والنَّضِير، ومَن دانَ بدينهم؛ كفروا بالنبي - ﷺ - بعد أن كانوا قبل مَبْعَثِهِ مؤمنين، وكانوا يَشهَدُون له بالنبوة، فلما بُعِثَ، وجاءهم بالآيات المعجزات، كفروا بغيًا وحَسَدًا (٧).\n_________\n(١) من قوله: (قال ابن عباس ..) إلى نهاية (كفروا بعد إيمانهم): ساقطة من: (ج). ولم أقف على مصدر قول ابن عباس.\n(٢) في (ب): (حسن).\n(٣) في \"معاني القرآن\" له ١/ ٤٣٩.\n(٤) في (أ)، (ب): (يجازيه). وأثبتُّ ما رأيته صوابًا.\n(٥) ورد قوله في \"تفسير الطبري\" ٣/ ٣٤١، \"تفسير ابن أبي حاتم\" ٢/ ٦٩٩، \"زاد المسير\" ١/ ٤١٨.\n(٦) الذي وقفت عليه عنه: أنها نزلت في أهل الكتاب، ولم يجعل نزولها في اليهود فقط.\n(٧) وقد ورد في سبب نزولها -إضافة إلى ما ذكره المؤلف-: أن رجلًا من الأنصار، أسلم، ثم ارتَدَّ ولحق بالمشركين، ثم ندم فأرسل إلى قومه؛ ليسألوا رسول الله - ﷺ -، هل له من توبة؟ فلما سألوا الرسول - ﷺ -، نزلت هذه الآية إلى قوله: ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، فأرسل إليه فأسلم.\nوقد ورد هذا الأثر بسندٍ صحيح عن ابن عباس -من رواية عكرمة عنه-، قد أخرجه: النسائي في سننه: ٧/ ١٠٧. كتاب تحريم الدم. باب: (توبة المرتد)، وأخرجه -كذلك- النسائي في \"تفسيره\" ١/ ٣٠٨.\nوأحمد في \"المسند\" ١/ ٢٤٧، وابن حبان في \"صحيحه\" (انظر: \"الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان\"): ١٠/ ٣٢٩، (٤٤٧٧)، \"موارد الظمآن\" ٤٢٧،=","vol":"5","page":408},{"text":"وأصل (كيف): أنها للاستفهام والاستخبار عن الحال. ودخلت ههنا للإنكار؛ وذلك أن المسئول يُسألُ لأغراضٍ مختلفة، فقد يُسأل للتعجيز عن إقامة البرهان، وقد يُسأل لتوبيخ، بما يظهر من معنى الجواب.\nوقد ذكرنا فيما مضى (١): لِمَ جازَ أن يَقَعَ الاستفهام موقعَ الإنكار؟ ومثل هذا قول ابن الرُّقَيّات (٢):\n_________\n= والحاكم في \"المستدرك\" ٢/ ١٤٢، ٤/ ٣٦٦، وقال: (صحيح)، ووافقه الذهبي. وأخرجه البيهقيُّ في \"السنن\" ٨/ ١٩٧. والطبري في \"تفسيره\" ٣/ ٣٤٠، وابن أبي حاتم ٢/ ٦٩٩، والواحدي في \"أسباب النزول\" ص١١٦ - ١١٧.\nوقد ذكر مجاهد والسدي أن المرتد هو الحارث بن سويد.\nوعن عكرمة أنهم أثنا عشر رجلًا، منهم أبو عامر الراهب، والحارث بن سويد، وَوضحْوَح بن الأسلت.\nوقيل: إنها نزلت في أهل الكتاب، عرفوا نعت النبي - ﷺ - في كتبهم، ثم كفروا به بعد بعثته. وقد روي هذا عن ابن عباس والحسن.\nانظر: \"تفسير عبد الرزاق\" ١/ ١٢٥، \"تفسير الطبري\" ٣/ ٣٤٠، \"تفسير ابن أبي حاتم\" ٢/ ٦٩٩، \"أسباب النزول\" للمؤلف (١١٨)، \"تفسير الحسن\" ١/ ٢٢١، \"الدر المنثور\" ٢/ ٨٨.\nومما سبق تبين أن الأثر الأول في كونها نزلت في الحارث بن سويد أصح؛ ولذا يُقَدم ويُعتَمد سببًا لنزول الآية، مع عموم حكمها لكل من عَرفَ الحقَّ وارتد عنه، ثم تاب ورجع إليه، فيدخل في حكمها أهل الكتاب الذين شهدوا بأن النبي - ﷺ - حق، ثم كفروا به بعد بعثته؛ حسدًا منهم.\n(١) من هذه المواضع: ما ذكره عند تفسيره لقوله -تعالى-: ﴿أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آية: ٨٠ من سورة آل عمران].\n(٢) هو: عبيد الله بن قيس الرُّقَيَّات. أحد بني عامر بن لؤي، من الشعراء الإسلاميين، كان يوالي مصعب بن الزبير، ضد بني أمية. انظر: \"الشعر والشعراء\" ص ٣٦١، \"خزانة الأدب\" ٧/ ٢٨٠.","vol":"5","page":409},{"text":"كيفَ نَوْمِي عَلَى الفِراشِ وَلَمّا ... يَشْمَلِ الشامَ غارَةٌ شَعْوَاءُ. (١).\nأي: لا نوم لي، ولا أنام. ومثله قوله: ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٧] أي: لا يكون لهم عهد.\nقال (٢) الزجاج (٣): أعلم الله ﷿ أنه لا جهة لهدايتهم؛ لأنهم قد استحقوا أن يُضلُّوا بكفرهم؛ لأنهم قد كفروا بعد البَيِّنات.\nوقوله تعالى: ﴿وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ﴾.\n_________\n(١) البيت في \"ديوانه\" ٩٥. وورد منسوبًا له، في أكثر المصادر التالية: \"إصلاح المنطق\" ٢١١، \"المنصف\" ٢/ ٢٣١، \"العقد الفريد\" ٤/ ٤٠٦، \"الأمالي\" للقالي: ١/ ٩٥، \"اللسان\" ٤/ ٢٢٨٢، \"مقاييس المقاييس\" ٣/ ١٩٠ (شعى)، \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٦٩ أ، \"أساس البلاغة\" ١/ ٤٩٥ (شعو)، \"أمالي ابن الشجري\" ٢/ ١٦٣، \"شرح المفصل\" ٩/ ٣٦، \"اللسان\" ١١/ ٣٦٨ (شامل)، ١٤/ ٤٣٥ (شعا)، \"خزانة الأدب\" ٧/ ٢٨٧، ١١/ ٣٧٧.\nونسبه في \"معجم الشعراء\" (تحقيق: عبد الستار فراج): ٤٠٦ إلى محمد بن الجهم بن هارون السمري، صاحب الفراء.\nوالشعواء، الفاشية المتفرقة يقال: (أشعى القومُ الغارةَ إشعاءً): إذا أشعلوها. و(شَعِيَت الغارةُ، تَشْعَى شَعًا): إذ انتشرت. انظر: \"معجم المقاييس\" ٣/ ١٩٠ (شعى)، \"اللسان\" ٤/ ٢٢٨٢ (شعا).\nوالبيت من قصيدة يمدح فيها الشاعر مصعبَ بن الزبير، ويعرِّض ببني أمية أعداء ابن الزبير، ويقول بأنه لا يمكن أن ينام، ولن يأتيه النوم حتى تَعُمَّ الشامَ -وهي معقل بني أمية- غارةٌ فاشية مكتسحة. وبعد هذا البيت:\nتُذهِلُ الشيخ عن بنيه وتُبْدِي ... عن بُراها العَقيلَةُ العذراءُ\nو(بُراها)؛ أي: خلاخيلها. يريد: أن النساء يكشفن عن خلاخيلهن وسيقانهن، حال الهروب من شدة الفزع من الغارة.\n(٢) في (ج): (وقال).\n(٣) في \"معاني القرآن\" له: ١/ ٤٣٩. نقله عنه بنصه.","vol":"5","page":410},{"text":"عطف بالفعل على المصدر؛ لأنه أراد بالمصدر الفعل؛ تقديره: (كفروا بالله بعد أن آمنوا). فهو عطفٌ على المعنى؛ كما قال:\nلَلُبْسُ عَبَاءَةٍ وَتَقَرَّ عَيْنِي ... أَحَبُّ إليَّ مِن لُبْسِ الشُّفُوفِ (١)\nمعناه: لأن ألبس عباءة، وتَقَرَّ عيني (٢).\n_________\n(١) البيت لميسون بنت بحدل الكلبية. زوج معاوية بن أبي سفيان، وأم ولده يزيد. وقد ورد في \"كتاب سيبويه\" ٣/ ٤٥، \"المقتضب\" ٢/ ٢٧، \"الأصول في النحو\" ٢/ ١٥٠، \"المحتسب\" ١/ ٣٢٦، \"سر صناعة الإعراب\" ١/ ٢٧٣، \"الإيضاح العضدي\" ٣٢١، \"الصاحبي\" ١٤٦، \"شرح المفصل\" ٧/ ٢٥، \"البسيط في شرح جمل الزجاجي\" ١/ ٢٣٣، \"شرح شذور الذهب\" ص ٣٨١، \"شرح بن عقيل\" ٤/ ٢٠، \"المقاصد النحوية\" ٤/ ٣٩٧، \"منهج السالك\" ٣/ ٣١٣، \"التصريح\" ٢/ ٢٤٢، \"شرح شواهد المغني\" ٦٥٣، ٧٧٨، \"همع الهوامع\" ٤/ ١٤١، \"الخزانة\" ٨/ ٥٠٣، ٥٧٤، \"الدرر اللوامع\" ٢/ ١٠.\nالشفوف: الثياب الرِّقاق. وسميت بذلك؛ لأنها تشف عما تحتها، وواحدها: (شَفَّ) - بفتح الشين وبكسرها.\nوقد قالته ميسون ضمن أبيات، تحنُّ فيها إلى وطنها البادية، وتُفَضِّل فيها حياةَ البداوة وشَظَفَ العيش، على نعيم المدينة وعيشَةِ القصور.\n(٢) ذكر النحويون البيت السابق شاهدا على انتصاب الفعل المضارع بـ (أنْ) المضمرة جوازا، بعد واو عاطفة على اسم صريح؛ أي: (وأنْ تقرَّ عيني) بمعنى: قرة عيني. فهذا المصدر، معطوف على المصدر الأول، فيكون: (ولبس عباءة وقرة عيني) وهذا خلاف ما ذكره المؤلف حيث أوَّلَ الاسم الوارد في الآية: ﴿إِيمَانِهِمْ﴾، وفي البيت: (لبس)، من أجل الفعل، فقال: (أن آمنوا)، و(أن ألبس) والأوْلَى أن نتأول الفعل باسم ليصح عطفه على الاسم الصريح قبله، فيكون التقدير في الآية: (بعد إيمانهم، وأن شهدوا ..)؛ أي: وشهادتهم. فعطف الشهادة على الإيمان. وكذا في البيت، يكون التقدير: (ولبس عباءة وأن تقر عيني) أي: وقرة عيني. انظر المصادر النحوية السابقة التي أوردت البيت، \"الدر المصون\" ٣/ ٣٠٣.","vol":"5","page":411},{"text":"وزاد (١) صاحبُ النظم لهذا بيانا، فقال (٢):\nقوله: ﴿وَشَهِدُوا﴾ منسوق على ما يمكن في التقدير؛ وذلك أن قوله: ﴿بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾ يمكن أن يكون: (بعد أن آمنوا)، و(أَنْ) الخفيفة مع الفعل، بمنزلة المصدر، كقوله: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٤]، أي: والصوم.\nومثل هذا ممّا حُمِلَ عَلَى الإمكان (٣) قوله: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ﴾ (٤)، فهو (٥) عطف على قوله: ﴿إِلَّا وَحْيًا﴾، ويمكن فيه: إلا أَنْ يوحى إليه. فلمّا كان قوله (٦): ﴿إِلَّا وَحْيًا﴾ بمعنى: يوحى إليه، حمله على ذلك. ومثله من الشعر، قوله:\nفَظَلَّ طُهاةُ اللَّحْمِ مِنْ بَيْنِ مُنْضِجٍ ... صَفِيفَ (٧) شِواءٍ أو [قَدِيرٍ مُعَجَّلِ] (٨)\n_________\n(١) في (ج): (وأراد).\n(٢) أورد هذا النص عنه السمين الحلبي في \"الدر المصون\" ٣/ ٣٠٣.\n(٣) في \"الدر المصون\": (المعنى).\n(٤) [سورة الشورى:٥١]. وبقيتها: ﴿أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾.\n(٥) من قوله: (فهو ..) إلى (إلا وحيا): ساقط من: (ج).\n(٦) في (ب): ما كان يوحى. بدلًا من: (فلما كان قوله).\n(٧) في (أ)، (ب): (ضعيف). والمثبت من: (ج)، ومصادر البيت.\n(٨) ما بين المعقوفين مطموس في (أ). وساقط من: (ب). ومثبت من: (ج)، ومصادر البيت.\nوالبيت لامرئ القيس، من معلقته، وقد ورد في \"ديوانه\" ١٢٠، \"شرح القصائد السبع\" لابن الأنباري: ٩٧، \"شرح المعلقات السبع\" للزوزني: ٣٦، \"شرح\nالقصائد العشر\" للتبريزي: ٤٦، \"اللسان\" ٤/ ٢٤٦٣ (صفف)، ٤/ ٢٧١٥ (طها)، \"مغني اللبيب\" ٦٠٠، ٦١٧، \"المقاصد النحوية\" ٤/ ١٤٦، \"منهج السالك\" ٣/ ١٠٧، \"همع الهوامع\" ٥/ ٢٧٨، \"شرح شواهد المغني\" ٨٥٧.=","vol":"5","page":412},{"text":"خَفَضَ قولَه: (قَدِيرٍ) (١)؛ لأنه عَطْفٌ على ما يمكن في قوله: (مُنْضِجٍ)، لأنه أمكن أن يكون مضافًا إلى الصَّفِيفِ (٢)، فحمله على ذلك (٣).\nوقوله (٤) تعالى: ﴿وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾.\nيجوز أن يريد بـ ﴿الْبَيِّنَاتُ﴾: ما بُينَ في التوراة والإنجيل. وهو قول ابن عباس (٥).\nويجوز أن يريد: ما أتى به (٦) النبي - ﷺ - من الكتاب والآيات المعجزات. وفي هذا تبعيد لهم من حال الهداية، وبيان لاستحقاقهم الكفر بفعلهم.\nوقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ قال ابن عباس (٧). يريد: لا يرشد من نقض عهود (٨) الله، وظلم نفسه.\n_________\n= الصفيف: هو اللحم المصفوف على الجمر على شكل شرائح مُرَقَّقَة؛ ليُشوَى. وقدير: أي: المطبوخ في القدور، فصرفه من (مفعول) إلى (فعيل). ومعنى البيت: أنه نظرًا لكثرة الصيد، فقد ظل الطبَّاخون ما بين من يقوم بإنضاج اللحم بشوائه على الجمر، وما بين من يقوم بطبخه في القدور. وقوله: (معجل)؛ لأنهم كانوا يستحبون تعجيل كل ما كان من الصيد يُستظرف.\n(١) (خفض قوله قدير) غير مقروء في (أ). وساقط من: (ب). ومثبت من: (ج)، و\"الدر المصون\".\n(٢) في (ب): (الخفيف).\n(٣) أي: حَمَلَ (قدير) على (صفيف)؛ لأنه أمكن أن يكون (صفيف) مجرورًا بالإضافة إلى (منضج).\n(٤) من قوله: (وقوله ..) إلى (الكفر بفعلهم): ساقط من: (ب).\n(٥) لم أقف على مصدر قوله.\n(٦) (أتى به): غير مقروء في (أ). ومثبت من (ج).\n(٧) لم أقف على مصدر قوله.\n(٨) في (ج): (عهد).","vol":"5","page":413},{"text":"وهذا خاص فيمن (١) علم الله ﷿ منهم أنهم لا يؤمنون، وأراد ذلك منهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-591>٨٧ </span>- قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [آل عمران: ٨٧].\nقال ابن عباس (٢): يريد: المؤمنين (٣). فعلى هذا؛ ﴿النَّاسِ﴾، خاصٌ؛ ولكنَّه لمَّا ذكر الثلاثة، قيل: ﴿أَجْمَعِينَ﴾.\nوقال الزجاج (٤): معنى (لَعْن الناسِ أجمعين لهم): أن بعضَهم يوم القيامةِ يَلعَنُ بعضًا، ومَن خالَفَهم؛ يلعنهم في الدنيا. فقد استقرَّت عليهم لعنةُ الجميع، وإن كان على التفريق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-592>٨٨ </span>- قوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ نصبٌ على الحال مما قبله، وهو قوله: ﴿عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ﴾ (٥).\n_________\n(١) في (ب): (بمن).\n(٢) لم أقف على مصدر قوله.\n(٣) ورد هذا -كذلك- عن قتادة، والربيع.\nوقيل: اللفظ على إطلاقه، وأن الكافرَ يلعنه الناسُ جميعًا يوم القيامة. وهو قول أبي العالية. وكذا قال مقاتل بالعموم.\nوقيل: هي قول القائل: (لعنة الله على الظالم)، فتجب تلك اللعنة للكافر؛ لأنه ظالم، فكل أحد من الخلق يلعنه. وهو مروي عن السدي.\nورجح هذا الطبري، وجعل بمعناه قول أبي العالية السابق. واستدل له بقوله -تعالى-: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨].\nانظر: \"تفسير مقاتل\" ١/ ٢٨٨، \"تفسير الطبري\" ٣/ ٣٤٣، \"معاني القرآن\" للنحاس: ١/ ٤٣٤، \"المحرر الوجيز\" ٣/ ٢٠٦، \"الدر المنثور\" ٢/ ٨٧، \"روح المعاني\" ٢/ ٢٩، عند تفسير آية: ١٦١ من سورة البقرة، وهي نظير هذه الآية.\n(٤) في \"معاني القرآن\" له ١/ ٤٤٠. نقله عنه بنصه.\n(٥) انظر: \"المشكل\" لمكي ١/ ١٦٩، \"التبيان\" للعكبري: ٢٠٠.","vol":"5","page":414},{"text":"وقوله تعالى: ﴿فِيهَا﴾ قال ابن عباس (١): في جهنم.\nفعلى هذا؛ الكنايةُ (٢) عن (٣) غيرِ مَذْكورٍ (٤).\nوقال الزجاج (٥): أي: فيما توجبه اللعنة؛ [أي: في عذاب اللعنة] (٦).\nوقال بعضهم (٧): الكناية راجعة إلى اللعنة.\nومعنى (خلودهم في اللعنة): استحقاقهم دائمًا لها، مع ما (٨) توجبه من أليم العقاب، بدوامها.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ معنى (الإنظار): تأخير العبد، ليُنظَرَ في أمره (٩)؛ أي: لا (١٠) يُؤخرون عن وقتهم المؤقت (١١) لعذابهم.\n_________\n(١) لم أقف على مصدر قوله، وقد ذكره الفخر الرازي في \"تفسيره\" ٨/ ١٤٢.\n(٢) الكناية؛ هي: الضمير.\n(٣) في (ج): (من).\n(٤) قال ابن عطية: (وقرائن الآية تقتضي أن هذه اللعنة مخلدة لهم في جهنم، فالضمير عائد على النار، وإن كان لم يجر لها ذكر؛ لأن المعنى يفهمها في هذا الموضع.). \"المحرر الوجيز\" ٣/ ٢٠٧.\n(٥) في \"معاني القرآن\" له: ١/ ٤٤٠. نقله عنه بتصرف.\n(٦) ما بين المعقوفين زيادة من: (ج).\n(٧) ممن قال بذلك: مقاتل، في \"تفسيره\" ١/ ٢٨٨.\n(٨) في (أ)، (ب)، (ج): (معما). وما أثبتُّه هو الموافق للرسم الإملائي؛ لأن (ما) اسمية موصولة، ولا توصل بـ (مع)، وإنما قيل: إن (ما) الحرفية الزائدة توصل بـ (مع). انظر: \"كتاب الإملاء\". لحسين والي: ١٠٦، ١١٠.\n(٩) الإنظار -لغة-: التأخير والإمهال. يقال: (أنْظَرتُه، أُنْظِرُه). وتقول: (أنْظِرْني): أمهلني. انظر: \"نزهة القلوب\" للسجستاني: ٧٢، \"العمدة في غريب القرآن\" لمكي: ٨١، \"اللسان\" ٧/ ٤٤٦٧ (نظر).\nقال ابن عطية: (ولا يجوز أن يكون ﴿يُنْظَرون﴾ -هنا- نظر العين، إلا على توجيه غير فصيح، لا يليق بكتاب الله -تعالى-). \"المحرر الوجيز\" ٣/ ٢٠٧.\n(١٠) في (ب): (ما).\n(١١) في (ب): (الوقت).","vol":"5","page":415},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-593>٨٩ </span>- قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ موضع ﴿الَّذِينَ﴾: نصبٌ، استثناء من قوله: ﴿عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ﴾، ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾.\nوقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ والتوبةُ لا تكون إلا بعد الذنْبِ، ولكنْ فيه دلالةٌ على معنًى تابوا منه؛ وذلك أن التوبة مِن غير الرِّدَّةِ لا ينفع (١) في التَّخَلُّصِ منها (٢)، كما أن التوبةَ من ذَنْبٍ لا ينفعُ في التخلص من ذَنْب آخر (٣).\nوقوله تعالى: ﴿وَأَصْلَحُوا﴾ قال ابن عباس (٤): يريد: راجعوا الإيمان بالله، والتصديق بِنَبِيِّهِ، وأَصلَحُوا أعمالَهم.\nوقال الزجاج (٥): معنى ﴿وَأَصْلَحُوا﴾: أظهروا للناس أنهم كانوا على ضلال، وأصلحوا ما كانوا أفسدوهُ مِن تَغْرِيرِهم مَن تَبِعَهم (٦)، مِمَّن لا علم عنده. وشَرَطَ مع (٧) التوبةِ الإصلاحَ؛ لإزالة الإيهام أنهم إذا تابوا من الارتداد، [لم] (٨) يضرهم غيرُهُ مِنَ الفساد؛ وعلى ذلك، قال (٩): ﴿إِلَّا الَّذِينَ\n_________\n(١) في (ب)، (ج): (لا تنفع).\n(٢) أي: من الردة. ومن قوله: (منها ..) إلى (من ذنب آخر): ساقط من: (ج).\n(٣) انظر: \"لوامع الأنوار\" ١/ ٣٨٤.\n(٤) لم أقف على مصدر قوله.\n(٥) في \"معاني القرآن\" له: ١/ ٤٤٠. نقله عنه بتصرف.\n(٦) (تبعهم): غير مقروء في (أ). وفي (ب): (بعدهم). وفي \"معاني القرآن\": (اتَّبعهم). والمثبت من: (ج).\n(٧) في (ب): (شرائع). بدلًا من: (شرط مع).\n(٨) زيادة لازمة من (ج).\n(٩) (قال): ساقطة من (ب).","vol":"5","page":416},{"text":"آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ (١)؛ لإزالة الإيهام: أنَّ مَن كان مؤمنًا (٢)، لم (٣) يضره ما عمل بعد ذلك مِن الجُرْمِ.\nوقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ﴾ دخلت الفاءُ في: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ﴾؛ لِشَبَهِ الجزاء، إذ (٤) كان الكلامُ قد تضمن معنى: (إنْ تابوا؛ فإنَّ الله يغفر لهم).\nوقوله تعالى: ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وقال الزجاج (٥): أعلم الله أنَّ مِن سَعَةِ (٦) رحمته وتفضله، أنْ يغفرَ لِمَن اجترأ عليه هذا الاجتراء؛ وذلك أنَّ الذي (٧) فعلوا، لا غايةَ وَرَاءَهُ فِي الكفر، وهو: أنَّهم كفروا بعد (٨) تبَيُّنِ الحقِّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-594>٩٠ </span>- قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾ قال ابن عباس (٩): نزلت في اليهود؛ كفروا بعد إيمانهم بمحمد، وتصديقِهم إيّاهُ قَبْلَ (١٠) بِعثتِهِ (١١).\n_________\n(١) مقطع من: سورة الشعراء: ٢٢٧، وص: ٢٤، والانشقاق: ٢٥، والبروج: ١١، والتين: ٦، والبينة: ٧، والعصر: ٣.\n(٢) (مؤمنا): غير مقروء في (ج).\n(٣) في (ب): (لا).\n(٤) في (ج): (إذا).\n(٥) في \"معاني القرآن\" له: ١/ ٤٤٠. نقله عنه بتصرف.\n(٦) في (ب): (منه).\n(٧) (الذي): غير مقروء في (أ). وفي (ب): (الذين). والمثبت من: (ج).\n(٨) (بعد): ساقطة من: (ج).\n(٩) لم أقف على مصدر قوله.\n(١٠) في (ج): (وقيل).\n(١١) أورد ابن كثير عن ابن عباس -من رواية الكلبي- أن سبب نزول الآية، هو: أن=","vol":"5","page":417},{"text":"﴿ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا﴾ بالإقامة على كفرهم حتى هلكوا عليه. قاله مجاهد (١).\nوقال الحسن (٢): ﴿ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا﴾ أي: كلَّما نزلت آية على محمد - ﷺ -، كفروا بها.\nوقال قتادة (٣): إنَّ اليهود كفروا بعيسى والإنجيل، بعد إيمانهم بأنبيائهم وكتبهم، ثم ازدادوا كفرًا، بكفرهم بمحمد والقرآن.\n﴿لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾.\n_________\n= قومًا أسلموا ثم ارتدُّوا عن الإسلام، فأرسلوا إلى قومهم يسألون إن كان لهم من توبة، فذكروا ذلك لرسول الله - ﷺ -، فنزلت هذه الآية\nونسب ابنُ كثير إخراجَه إلى البزار -مسندا-، وقال: (هكذا رواه، واسناده جيد). \"تفسيره\" ١/ ٤٠٨.\nولكن السيوطي قال -بعد أن أورد هذه الرواية عن البزار-: (هذا خطأ من البزار)؛ وذلك أن ابن عباس ورد عنه بنفس السند الذي عند البزار: أن هذا كان سببًا لنزول قوله -تعالى-: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا﴾ آية: ٨٦. وقد مر بيانه عند تفسيرها.\nوورد عن الحسن وأبي العالية أنها نزلت في اليهود والنصارى؛ كفروا بعد إيمانهم. ثم ازدادوا كفرًا بذنوب عملوها، ثم يتوبون من تلك الذنوب بعد كفرهم. وفي أثر لأبي العالية أضاف لهم المجوس.\nانظر: \"تفسير الطبري\" ٣/ ٣٤٣، \"ابن أبي حاتم\" ٢/ ٧٠١، \"أسباب النزول\" للواحدي: ص ١١٨، \"الدر المنثور\" ٢/ ٨٨.\n(١) قوله في \"تفسير ابن أبي حاتم\" ٢/ ٧٠١، \"الثعلبي\" ٣/ ٧٠ أ، \"البغوي\" ٢/ ٦٥، وأورده السيوطي في \"الدر\" ٢/ ٨٨، ونسب إخراجه إلى عبد بن حميد والطبري.\n(٢) قوله في \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٧٠ أ، \"تفسير البغوي\" ١/ ٦٥، \"زاد المسير\" ١/ ٤١٩.\n(٣) قوله في \"تفسير الطبري\" ٣/ ٣٤٣، \"ابن أبي حاتم\" ١/ ٧٠١، \"الثعلبي\" ٣/ ٧٠ أ، \"النكت والعيون\" ١/ ٤٠٨، \"تفسير البغوي\" ٢/ ٦٥، \"زاد المسير\" ١/ ٤١٩.","vol":"5","page":418},{"text":"قال الحسن (١)، وقتادة (٢)، وعطاء (٣): لأنهم لا يتوبون إلا عند حضور الموت، والله تعالى يقول: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾ (٤)، الآية.\nوقال ابن الأنباري (٥): لن تُقبل توبتهم التي تقدمت في حال إيمانهم وتصديقهم محمدًا - ﷺ - لأن الله ﷿ لا يَقبَلُ مع الإقامة على الشرك توبَةً متقادمةً (٦)، ولا عَمَلًا حَسَنًا ماضيًا مرجوعًا عنه إلى ضدِّه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-595>٩١ </span>- قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا﴾ إلى قوله: ﴿مِلْءُ الْأَرْضِ﴾ (مِلْءُ (٧) الشيء): قدر ما يَمْلؤه، وهو اسمٌ يُثَنَّى وُيجمع؛ يقال:\n_________\n(١) قوله في \"تفسير الطبري\" ٣/ ٣٤٤، \"ابن أبي حاتم\" ١/ ٧٠٢، \" الثعلبي\" ٣/ ٧٠ ب، \"زاد المسير\" ١/ ٤١٩، و\"تفسير الحسن البصري\" ١/ ٢٢٢.\n(٢) قوله في \"تفسير عبد الرزاق\" ١/ ١٢٥، \"تفسير الطبري\" ٣/ ٣٤٣، \"تفسير ابن أبي حاتم\" ٢/ ٧٠٢، \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٧٠ أ، \"النكت والعيون\" ١/ ٤٠٨، \"زاد المسير\" ١/ ٤١٩.\n(٣) قوله في \"تفسير عبد الرزاق\" ١/ ١٢٥، \"تفسير الطبري\" ٣/ ٣٤٣، \"تفسير ابن أبي حاتم\" ٢/ ٧٠٢، \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٧٠ ب، \"زاد المسير\" ١/ ٤١٩.\nوعطاء -هنا- هو: أبو عثمان، عطاء بن أبي مسلم - (اسمه: مَيْسرة) -، البَلْخي الخراساني. تابعي، مشهور بالعبادة والفتوى والجهاد، والتفسير، صاحب رِحْلَة، قال ابن حجر: (صَدوق، يَهم كثيرا، ويرسل ويدلس). مات سنة (١٣٥ هـ).\nانظر: \"الجرح والتعديل\" ٦/ ٣٣٤، \"حلية الأولياء\" ٥/ ١٩٣، \"الميزان\" ٣/ ٤٧٠، \"تقريب التهذيب\" ٣٩٢ (٤٦٠٠).\n(٤) [سورة النساء: ١٨]، وتمامها: ﴿حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾.\n(٥) لم أقف على مصدر قوله.\n(٦) في (ب): (مقادمة).\n(٧) في (ب): (بمثل).","vol":"5","page":419},{"text":"(مِلْءُ القَدَح)، و(مِلآهُ)، و(ثلاثة أملائِهِ) (١). والفرق بين (المِلْءِ) و(المَلْءِ) (٢)، كالفرق بين (الرِّعْي) و(الرَّعْي) (٣).\nوانتصب ﴿ذَهَبًا﴾ على التفسير (٤).\nقال المُفضَّل (٥): ومعنى التفسير: أن يكون الكلامُ تامًّا وهو مُبْهَم؛ كقولك: (عندي عشرون)؛ فالعدد (٦) معلوم، والمعدود (٧) مبْهَم.\nفإذا قلت: (درهمًا) (٨)، فَسَّرت العددَ. وكذلك إذا قلت: (هو أَحْسَنُ\n_________\n(١) انظر: \"مفردات ألفاظ القرآن\" للراغب: ٧٧٦ (ملأ)، \"اللسان\" ٧/ ٤٢٥٢ (ملأ).\n(٢) في (ب): الملاء والملاء. وهكذا رسمت (مل) في نسخة (ب) فيما سيأتي.\nالمِلْءُ -بالكسر-: اسم ما يأخذه الإناء إذا امتلأ.\nوالمَلْءُ -بالفتح-: المصدر. (ملأ الشيء، يملؤه مَلْأً).\nانظر: (ملأ) في \"اللسان\" ٧/ ٤٢٥٢، \"القاموس\" (١٣٣٥).\n(٣) في (ب): (والري).\nالرِّعي -بالكسر-: الكلأ، والجمع: أرْعاء. والرعي -بالفتح-: المصدر. انظر: (رعى) في \"اللسان\" ٣/ ١٦٧٦ - ١٦٧٧، \"القاموس\" (١٢٨٩).\n(٤) التفسير -هنا- بمعنى: التمييز، ويقال له - كذلك: التبيين. وكونه منصوبًا على التمييز، هو قول عامة أهل النحو. انظر: \"معاني القرآن\" للفراء: ١/ ٢٢٥، \"معاني القرآن\" للزجاج: ١/ ٤٤٢. وذهب الكسائي إلى انه منصوب بنزع الخافض. انظر: \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٧١ أ، \"تفسير القرطبي\" ٤/ ١٣١. وقال السمين الحلبي -عن هذا القول-: (وهذا كالأول؛ لأن التمييز مقدر بـ\"مِن\"). \"الدر المصون\" ٣/ ٢٠٦.\n(٥) من قوله: (قال المفضل ..) إلى (ما لا عامل فيه): نقله -بنصه- عن \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٧٠ ب. وأورده القرطبي في \"تفسيره\" ٤/ ١٣١.\n(٦) في (ب): (العدد)، وفي (ج): (والعدد).\n(٧) في (ج): (والمعدوم).\n(٨) في (ج): (درهم). وعند الثعلبي: (عشرون درهما).","vol":"5","page":420},{"text":"الناسِ)، فقد أخبرت عن حُسْنِه، ولم يبين (١) في أي شيء هو، فإذا قلت: (وَجْهًا)، أو [(فِعْلًا)] (٢)، فقد بينته، ونصبته [على التفسير، وإنما نصبته] (٣)، لأنه ليس له ما يخفضه ولا ما يرفعه، فلما خلا من هذين، نُصِبَ؛ لأن النصب أخفُّ (٤) الحركات، فجعِل لكل ما لا عامل فيه.\nوقال سيبويه (٥): انتصب (ذهبًا)؛ لأن الاسم المخفوض قد حال بين الذهب وبين المِلْءِ أن يكون جَرًّا (٦)؛ ومعنى هذا: أنَّ العاملَ (٧) اشتغل بالإضافة في ﴿مِلْءُ الْأَرْضِ﴾ (٨)، وبما يعاقِبُ الإضافة من النون الزائدةِ في (عشرون درهمًا)، فجرى ذلك مجرى الحالِ في اشتغال العامل بصاحبها (٩)، ومجرى المفعول في اشتغال العامل عنه بالفاعل.\n_________\n(١) في (ب)، (ج)، \"تفسير الثعلبي\": (تبين).\n(٢) ما بين المعقوفين: غير مقروءة في (أ). وفي (ب): فضلًا. والمثبت من: (ج)، \"تفسير الثعلبي\".\n(٣) ما بين المعقوفين: زيادة من: (ج)، \"تفسير الثعلبي\".\n(٤) في (ب): (أحد).\n(٥) لم أقف على موضع قوله في كتابه، وقد ذكره الزجاج في \"معانيه\" ١/ ٤٤٢.\n(٦) في (ب): (خبرا).\n(٧) في (ب): (الملاء).\n(٨) أي: إننا شغلنا الإضافة بالاسم الذي قبل ﴿ذَهَبًا﴾، وهو ﴿الأَرْضِ﴾، فانجرت ﴿الأَرْضِ﴾ بالإضافة، ثم جاء ﴿ذَهَبًا﴾ فانتصب كما ينتصب الحالُ، أو المفعول إذا جاء من بعد الفاعل.\n(٩) في (ج): (لصاحبها). أي: بصاحب الحال، كقولنا: (جاء عبدُ الله راكبًا) فشغلنا الفعل بـ (عبد الله) وهو صاحب الحال فرفعه، فبقيت (راكبًا) ليس لها ما يرفعها ولا ما يجرها، فانتصبت.","vol":"5","page":421},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَلَوِ افْتَدَى بِهِ﴾.\nقال الفرّاء (١): الواو زائدةٌ، كهي في قوله: ﴿وَلِيَكوُنَ مِنَ المُوقِنِينَ﴾ [الأنعام: ٧٥]؛ المعنى: لن يُقَبلَ مِن أحَدِهم مِلْءُ الأرضِ ذهبًا، لو افتدى به.\nوغَلّطَهُ الزجاجُ وغيرُه (٢)، وقالوا: الواو ههنا للعطف؛ لأن المعنى: لو (٣) عمل مِنَ الخَيْرِ، وقَدَّمَ مِلْءَ الأرضِ ذهبًا؛ يتقرب به الله ﷿، لم ينفعه ذلك مع كفره، ولو افتدى من العذابِ بِمِلْءِ الأرضِ ذهبًا، لم يُقْبَل منه. فالواو دخلت لفعلٍ مُضْمَرٍ، وهو (٤): (القَبُولُ)؛ أي: ولا يُقبل منه لو افتدى به (٥).\nقال ابن الأنباري: وهذا آكَدُ في التغليظ عليهم، إذْ كانوا لا يُقبل منهم [مِلْء الأرضِ ذَهَبًا، على جهة الصَّدَقَةِ والتَّقْرُّبِ إلى الله جل وعز، ولا يُقبل منهم] (٦) أيضًا على جهة فِدْيَةٍ (٧).\n_________\n(١) في \"معاني القرآن\" له: ١/ ٢٢٦.\n(٢) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج:١/ ٤٤١، \"معاني القرآن\" للنحاس: ١/ ٤٣٧.\n(٣) في (ب): (ولو).\n(٤) هو: بياض في (ج).\n(٥) انظر: \"الكامل\" للمبرد: ١/ ٢٧٧، \"تفسير الطبري\" ٣/ ٣٤٦، \"المحرر الوجيز\" ٣/ ٢١١.\n(٦) ما بين المعقوفين زيادة من: (ج).\n(٧) قال رسول الله - ﷺ -: \"يجاء بالكافر يوم القيامة فيقال له: أرأيت لو كان لك ملء الأرض ذهبًا، أكنت تفتدي به؟ فيقول: نعم. فيقال له: قد كنت سُئلت ما هو أيسر من ذلك\". رواه البخاري في \"صحيحه\" (٦٥٣٨). كتاب الرقاق، باب: من نوقش الحساب فقد عُذب، ومسلم في \"صحيحه\" (٢٨٠٥) كتاب: صفات المنافقين، باب: طلب الكافر الفداء بملء الأرض ذهبًا، رقم (٢٨٠٥) وفي لفظه عنده: \"قد =","vol":"5","page":422},{"text":"وقد أشار الفراء إلى هذا القول أيضًا، فقال (١): والواو [ههنا كأنَّ لها فِعْلًا] (٢) مُضْمَرًا بعدها.\nوقال بعض النحويين (٣): الواو ههنا دخلت لتفصيل نفي القَبول بعد الإجمال؛ وذلك (٤) أنَّ ﴿فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا﴾ [قد عمَّ وجوهَ القَبول] (٥) بالنفي، ثم أتى بالتفصيل، لِئَلّا يتَطَرَّق عليه سوءُ التأويل (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-596>٩٢ </span>- قوله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ﴾ قال شَمِر (٧): اختلف العلماء في تفسير ﴿الْبِرَّ﴾: فقال بعضهم: البِرُّ: الصلاح. وقال بعضهم: الخير، ولا أعلم تفسيرًا [أجمع منه؛ لأنه] (٨) يُحيط بجميع ما قالوا.\nقال: وجعل لَبِيد (٩) (البِرَّ): التُّقَى؛ حيث يقول:\n_________\n= أردت منك أهون من هذا وأنت في صُلْبِ آدم: أن لا تشركَ -وأحسبه قال- ولا أدخِلكَ النار، فأبيت إلا الشرك\".\n(١) في \"معاني القرآن\" له: ١/ ٢٢٦.\n(٢) ما بين المعقوفين غير مقروء في (أ). ومثبت من: (ب)، (ج)، \"معاني القرآن\".\n(٣) لم أقف عليهم.\n(٤) (وذلك): ساقطة من: (ج).\n(٥) ما بين المعقوفين: غير مقروء تمامًا في (أ). وفي (ب): قد أجمل القبول. والمثبت من: (ج).\n(٦) أي: أنه نفى جميع وجوه القبول، ثم خص من تلك الوجوه: أليقها وأحراها بالقبول، وهو: الافتداء، فنفاه كذلك.\n(٧) من قوله (قال شمر) إلى (في غير طاعة وخير): نقله عن \"تهذيب اللغة\" ١/ ٣٠٧ (برر).\n(٨) ما بين المعقوفين غير مقروء في (أ). وفي (ب): أجمع سيرة لأنه. والمثبت من\n(ج)، \"تهذيب اللغة\".\n(٩) في (ب): (لنيل).","vol":"5","page":423},{"text":"وما البِرُّ إلا مُضْمَراتٌ مِنَ التُّقى (١)\nوقول الشاعر:\nتُحَزُّ رُؤوسُهم في غَيْرِ بِرِّ (٢)\nمعناه: في غير طاعة وخير. وعلى هذا دار كلام المفسرين.\nقال عطاء (٣) ومقاتل (٤): البِرُّ: التقوى، في هذه الآية. وقال أبو رَوْق (٥): الخير.\n_________\n(١) صدر بيت، وبقيته:\nوما المال إلا مُعْمَراتٌ ودائِع\nوهو في ديوانه: ١٦٩. وورد في \"تهذيب اللغة\" ١/ ٣٠٧ (بر)، \"اللسان\" ١/ ٢٥٢ (برر). والمُضْمَر: الهزيل. من: (ضَمَرَ، يضمُرُ، ضمورًا)، و(الضُمْرُ، والضُمُرُ): الهزال. والمعمرات: من قول العرب: (هذه الدار لك عُمْرَى)؛ أي: لك ما عمرت، فإذا مت، فلا شيء. (ضمر) \"التهذيب\" ٣/ ٢١٣٣، \"القاموس\" (٤٢٩).\n(٢) صدر بيت، وبقيته:\nفما يدرون ماذا يَتَّقونا\nوهو لعمرو بن كلثوم، من معلقته. انظر: \"شرح القصائد السبع\" لابن الأنباري: ٣٩٧، \"شرح المعلقات السبع\" للزوزني: ص ١٢٦، \"شرح القصائد العشر\" للتبريزي:٢٣٠.\nوورد غير منسوب في \"تهذيب اللغة\" ١/ ٣٠٧ (برر)، \"اللسان\" ١/ ٢٥٢ (برر). وورد (تَحُزُّ)، و(نَجُذُّ)، و(نَحُذُّ)، و(تَخر).\n(٣) قوله في \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٧١ أ، \"زاد المسير\" ١/ ٤٢٠، \"تفسير القرطبي\" ٤/ ١٣٣. ونص قوله: (لن تنالوا شرف الدين والتقوى، حتى تتصدقوا، وأنتم أصحاء أشحَّاء، تأملون العيش، وتخشون الفقر).\n(٤) ورد هذا القول عن مقاتل بن سليمان، وهو في \"تفسيره\" ١/ ٢٩٠. وورد عن مقاتل بن حيان، وهو في \"تفسير ابن أبي حاتم\" ٣/ ٧٠٣، \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٧١ أ، \"تفسير البغوي\" ٢/ ٦٦، \"زاد المسير\" ١/ ٤٢٠.\n(٥) قوله في \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٧١ أ، \"زاد المسير\" ١/ ٤٢٠.","vol":"5","page":424},{"text":"ورُوِيَ عن ابن عباس، ومجاهد، والسدِّي، أنهم قالوا (١): [البِرُّ؛ المرادُ به ههنا: الجنة. وقال بعض أهل المعاني (٢): معنى الآية: لَنْ تَنالوا] (٣) البِرَّ من الله ﷿ بالثواب في الجنة.\nوقوله تعالى: ﴿حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ قال ابن عباس في رواية الضحاك (٤): أراد بهذه الآية: الزكاةَ؛ يعني: حتى تُخرجوا زكاةَ أموالكم.\nوقال الحسن (٥): كل شيء أنفقهُ المُسْلِمُ مِن مالِهِ؛ يبتغي به وجْهَ الله ﷿، فإنّه من الذي عَنَى الله سبحانه بقوله: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾، حتى التَّمْرَةَ.\nوقال مجاهد، والكلبي (٦): هذه الآية منسوخة، نسختها آيةُ الزَّكاةِ (٧).\n_________\n(١) قول ابن عباس، ومجاهد، في \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٧١ أ، \"تفسير البغوي\" ٣/ ٦٦، \"تفسير القرطبي\" ٤/ ١٣٣.\nوقول السدي، في \"تفسير الطبري\" ٣/ ٣٤٧، \"ابن أبي حاتم\" ٣/ ٧٠٣، \"الثعلبي\" ٣/ ٧١أ، \"البغوي\" ٣/ ٦٦، \"القرطبي\" ٤/ ١٣٣.\n(٢) لم أقف عليهم.\n(٣) ما بين المعقوفين زيادة من (ج).\n(٤) هذه الرواية عنه، في \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٧١ أ، \"تفسير البغوي\" ٣/ ٦٦، \"زاد المسير\" ١/ ٤٢١.\n(٥) قوله في \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٧١ أ، \"تفسير البغوي\" ٢/ ٦٦.\n(٦) انظر المصادر السابقة.\n(٧) آية الزكاة، هي: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [آية: ٦٠ من سورة التوبة].\nقال الفخر الرازي -رادًّا على من قال إن هذه الآية منسوخة-: (وهذا في غاية البعدة لأن إيجاب الزكاة؛ كيف ينافي الترغيب في بذل المحبوب لوجه الله ﷾؟). \"تفسيره\" ٨/ ١٤٨.","vol":"5","page":425},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾.\n[تأويلها (١) تأويل الشرط والجزاء، وموضعها نَصْبٌ بـ ﴿تُنْفِقُوا﴾، والفاء في ﴿فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾] (٢)، جوابُ المجازاة.\nوتأويل الآية: وما تنفقوا من شيء فإنَّ اللهَ يجازيكم به قَلَّ أو كَثُرَ، فإنه عليم به، لا يخفى عليه شيء منه.\nنَظِير هذه الآية (٣) في المعنى: قوله: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٧]، وقوله تعالى (٤): ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ [البقرة: ٢٧٠] (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-597>٩٣ </span>- قوله تعالى: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ الآية.\nقال أهل التفسير: لما ادَّعى النبي - ﷺ - أنه على مِلَّةِ إبراهيم؛ قالت اليهود: كيف وأنت تأكل لُحومَ الإبِلِ وألبانها؟ فقال النبي - ﷺ -: \"كان ذلك حلالًا (٦) لإبراهيم، فنحن نحله\".\nفقالت اليهود: كلُّ شيءٍ أصبحنا اليوم نُحرِّمُهُ، فإنه كان مُحرَّمًا على نوح وإبراهيم؛ فأنزل الله ﷿ تكذيبًا لهم: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ (٧)\n_________\n(١) من قوله: (تأويلها ..) إلى (جواب المجازاة): نقله بتصرف عن: \"معاني القرآن\" للزجاج: ١/ ٤٤٣.\n(٢) ما بين المعقوفين زيادة من: (ج).\n(٣) في (ج): (وهذا) - بدلًا من: (وهذه الآية).\n(٤) (تعالى): ساقطة من (ج).\n(٥) [سورة البقرة: ٢٧٠] وبقيتها: ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾.\n(٦) (حلالًا): ساقطة من: (ج).\n(٧) ورد هذا القول عن أبي رَوْق، والكلبي -بدون سند- كما في \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٧٣ أ، \"أسباب النزول\" للواحدي: ص١١٨، \"زاد المسير\" ١/ ٣٢٦، وأورده البغوي -كذلك - دون عزوٍ لقائل-، في \"تفسيره\" ٢/ ٦٧.","vol":"5","page":426},{"text":"[الآية] (١) و(الحِلُّ)، و(الحَلالُ)، و(المُحَلَّلُ): واحد. قال ابن عباس في زمزم (٢): (هي حِلٌّ وَبِلّ) (٣). رواه سُفْيَان بن عُيَيْنَة (٤)، عن عَمْرو بن دينار عنه، فسُئِل سفيانُ: ما (حِلٌّ) (٥)؟ فقال: مُحَلَّلٌ.\nوروى ابن عباس (٦): أن النبي - ﷺ - قال: \"إنَّ يعقوبَ مرض مرضًا شديدًا (٧)، فنذر لَئِن عافاه الله؛ ليُحرِّمَنّ أحبَّ الطعام والشراب إليه. وكان أحب الطعام إليه: لُحْمان الإبل، وأحب الشراب إليه: ألبانها\".\n_________\n(١) ما بين المعقوفين: زيادة من (ج).\n(٢) هذه الرواية عنه، في \"تهذيب اللغة\" ١/ ٩٠٥ (حل).\n(٣) قال في \"اللسان\" ١/ ٣٤٩ (بلل): (والبِلَّة: الخير والرزق. والبِلّ: الشفاء والبِلَّة: العافية والبِلّ: المباح. وقالوا: (هو لك حلٌّ وبِلٌّ)، فـ (بل): شفاء ويقال: (بِلٌّ): مباحٌ مُطلقٌ، يمانِيَّة حِميَرِيَّة).\n(٤) تقدمت ترجمته.\n(٥) في \"التهذيب\": ما حل وبل.\n(٦) هذه رواية شهر بن حوشب عنه، أخرجها: أحمد في \"المسند\" ١/ ٢٤٧. والطيالسي في \"المسند\" ٤/ ٤٥٠ (٢٨٥٤)، والطبري في \"تفسيره\" ١/ ٤٣١، ٤/ ٥، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٣/ ٧٠٤، والطبراني في \"المعجم الكبير\" ١٢/ ٢٤٦ برقم (١٣٠١٢)، وأوردها الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" ٨/ ٢٤٢، وقال: (رواه أحمد والطبراني، ورجالهما ثقات).\nوورد بنحوه من رواية سعيد بن جبير عن ابن عباس، أخرجها: أحمد في \"المسند\" ١/ ٢٧٤، والبخاري في \"التاريخ الكبير\" ٢/ ١١٤، والترمذي في \"سننه\" (٣١١٧) كتاب التفسير، باب: سورة الرعد، والحاكم في \"المستدرك\" ٢/ ٢٩٢، وصححه ووافقه الذهبي. والطبري ٤/ ٤، وابن أبي حاتم ٣/ ٧٠٥، وأبو نعيم في \"الحلية\" ٤/ ٣٠٤، وقال: غريب من حديث سعيد، تفرد به بكير [بن شهاب].\n(٧) وفي المروي عن ابن عباس في المراجع السابقة: أن الألم الشديد هو: عِرْق النَسَّا.","vol":"5","page":427},{"text":"وهذا قول: أبي العالية (١)، وعطاء (٢)، ومقاتل (٣)، والكلبي (٤): أن الذي حرَّم إسرائيلُ (٥) على نفسه كان (٦) لحومَ الإبلِ وألبانَها (٧).\nقالت العلماء (٨): إنما حرَّمَ إسرائيلُ ذلك على نفسه بإذن الله ﷿ (٩) له (١٠) [فيه] (١١)، كما جاز (١٢) الاجتهاد في الأحكام لما أَذِنَ اللهُ فيه (١٣).\n_________\n(١) قوله في \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٧٣ ب، \"البغوي\" ٢/ ٦٨، \"زاد المسير\" ١/ ٤٢٢.\n(٢) قوله في \"تفسير الطبري\" ٤/ ٤، والمصادر السابقة.\n(٣) قوله في \"تفسيره\" ١/ ٢٦٠، \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٧٣ب، \"تفسير البغوي\" ٢/ ٦٨.\n(٤) قوله في \"بحر العلوم\" ٢/ ١٠٩، \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٧٣ ب، \"البغوي\" ٢/ ٦٨.\n(٥) إسرائيل، هو: يعقوب ﵇.\n(٦) من قوله: (كان ..) إلى (ذلك على نفسه): ساقط من (ج).\n(٧) وورد -كذلك- أنه حرم عروق اللحم. وهذا مروي -كذلك- عن ابن عباس وقتادة ومجاهد والسدي والضحاك وأبي مجلز. انظر: \"تفسير الطبري\" ٤/ ٢ - ٤. وعن ابن عباس: أنه حرم زائدتي الكبد والكليتين والشحم، إلا ما كان على الظهر. وعن مجاهد: أنه حرم الأنعام. انظر: \"تفسير ابن أبي حاتم\" ٣/ ٧٠٥. ورجح الطبريُ أنه حرم العروق ولحوم الإبل، وقال: (لأن اليهود مجمعة إلى اليوم على ذلك من تحريمهما، كما كان عليه أوائلها). \"تفسيره\" ٤/ ٥.\n(٨) لم أقف على من قال ذلك ممن سبق المؤلف.\n(٩) (﷿): ليس في (ج).\n(١٠) (له): ساقطة من: (ب).\n(١١) ما بين المعقوفين غير مقروء تمامًا في (أ). وساقط من (ب)، (ج). والمثبت هو ما رجحته.\n(١٢) (كما جاز): ساقطة من: (ب).\n(١٣) يَرِدُ على كلام المؤلف -هنا- التالي: إذا كان التحريمُ بإذن الله، فأين مجال الاجتهاد هنا؟. ولذا عَرَضَ الماورديُّ تحريمَ إسرائيل ذلك على نفسه، كالتالي: (هل كان بإذن الله -تعالى- أم لا؟ على اختلافهم في اجتهاد الأنبياء على قولين: أحدهما: لم يكن إلا بإذنه، وهو قول مَن زعم أنه ليس لِنَبِي أن يجتهد. =","vol":"5","page":428},{"text":"وللنبي (١) أن يجتهد في الأحكام؛ لأنه إذا كان بالدين أعلم، ورأيُه أفضل، كان بالاجتهاد أحق، ولا (٢) يجوز لأمته أن يخالفوه في اجتهاده، كما لا يجوز مخالفة الإجماع (٣).\nوإن (٤) كان من طريق الاجتهاد. فعلى هذا؛ لم تكن لحومُ الإِبِل محرمة عليهم في التوراة، وإنما لزمهم ذلك التحريم من جهة يعقوب.\nوقال الحَسَنُ (٥): حَرَّم إسرائيلُ على نفسه لحم الجَزُور، تَعَبُّدًا لله ﷿، فسأل ربه أن يجيز ذلك له، فحرَّمَه اللهُ على ولده.\n_________\n= الثاني: بغير إذنٍ، بل باجتهاده، وهو قول مَن قال إنَ للنبِيِّ أن يجتهد). \"النكت والعيون\" ١/ ٤٠٩ - ٤١٠.\n(١) في (ج): (للنبي) بدون واو.\n(٢) في (ج): (ثم لا).\n(٣) وهذه مسألة وقع فيها خلاف بين الأصوليين: هل كان النبي - ﷺ - مُتَعبَّدًا بالاجتهاد فيما لا نَصَّ فيه؟ قال بذلك الإمام أحمد وأبو يوسف، وجوزه الشافعي من غير قطع، وبه قال بعضُ أصحابه، واختاره الآمديُّ.\nانظر: \"المحصول\" للرازي: ٢/ ٤٣/ ١٨٤ وما بعدها، وأفعال الرسول - ﷺ -، د. محمد الأشقر: ١/ ١١٨ وما بعدها.\nوهناك مسألة أخرى، هي: هل يجوز أن يَكِلَ الله (يفوض) إلى نَبِيِّه أن يَحْكُمَ في بعض الأمور بما يَرَاه، دون نَصٍّ ولا قياسٍ على منصوص، وُيعَدُّ ذلك شَرْعَ الله، ويكون مُكَلَّفًا به؟ ترددت هذه المسألة عند الأصوليين بين المنع والجواز؛ فمنعها أكثر المعتزلة، والجَصَّاص من الحنفية. وممن أجازها الآمديُّ، وابنُ السمعاني، والشيرازي. وكانت هذه الآية من أدلتهم على الجواز. ولم يَقطَعْ بذلك الشافعيُّ. انظر: \"أفعال الرسول - ﷺ -\" ١/ ١٢٣ - ١٢٦.\n(٤) في (أ)، (ب): فإن \"بالفاء\". ولم أر لها وجهًا، ولا يستقيم بها المعنى المراد. والمثبت من: (ج)، لاستقامة المعنى وصحة السياق.\n(٥) قوله في \"تفسير الطبري\" ٤/ ٤ بمعناه. وبنصه في \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٧٤ أ.","vol":"5","page":429},{"text":"وقال عَطِيَّةُ (١): إنما كان ذلك حرامًا عليهم، بتحريم إسرائيل ذلك عليهم؛ وذلك أنَّه (٢) قال: لئن عافاني الله؛ لا يأكل لي ولدٌ لحم الجزور (٣). ولم يكن ذلك محرمًا عليهم في التوراة.\nوقال الضَّحّاك (٤): لم يكن شيءٌ من ذلك عليه (٥) حرامًا، ولا حَرّمَهُ اللهُ عليهم في التوراة، وإنما هو شيء حرموه على أنفسهم؛ اتِّباعًا لأبيهم، ثم أضافوا تحريمَهُ إلى الله ﷿، فكذبهم الله ﷿، فقال: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا﴾.\nوقال السُدِّي (٦): إنَّ الله تعالى (٧) لما أنزل التوراة، حرَّم عليهم ما كانوا يُحرِّمونه قبل نزولها؛ اقتداءً بأبيهم يعقوب ﵇.\nفالمفسرون مختلفون كما ترى في أن هذا التحريم: هل ثبت عليهم من الله تعالى في التوراة، أم لا؟.\n_________\n(١) قوله في \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٧٤ أ، كما ورد في \"تفسير الطبري\" ٤/ ٢ من رواية عطية عن ابن عباس.\n(٢) في (ب): (لأنه).\n(٣) نص قوله عند الثعلبي والطبري، يفيد أن يعقوب ﵇ حرم على نفسه العروق؛ حيث قال عطيّةُ -كما عند الثعلبي-: (وذلك أن إسرائيل قال حين أصابه عرق النسا: والله! لئن عافاني الله منه لا يأكله لي ولدٌ، ولم يكن ذلك محرمًا عليهم في التوراة). أي: أصابه عرق النسا، والضمير في (لا يأكله) يعود على العرق.\n(٤) قوله بمعناه، في \"تفسير الطبري\" ٤/ ٢، \"بحر العلوم\" ٢/ ١١٠.\n(٥) (عليهم): ساقطة من: (ج).\n(٦) قوله بمعناه، في \"تفسير الطبري\" ٤/ ١. وبهذا النص في \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٧٤ أ.\n(٧) لفظة (تعالى): ساقطة من: (ب).","vol":"5","page":430},{"text":"وكيفما (١) كان، ففي التوراة بيان أن ابتداء هذا التحريم من جهة يعقوب، وقبله كان حلالًا لإبراهيم ﵇. والنبي - ﷺ - كان يَدَّعي دين إبراهيم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-598>٩٤ </span>- قوله تعالى: ﴿فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ الافتراء: اختلاق الكذب (٢). والفِرْيَةُ: الكذِبُ والقَذْفُ (٣). وأصلُهُ مِنْ: (فَرْيِ الأديم)، وهو: قَطْعُهُ (٤)، فقيل للكَذِبِ: افتراء؛ لأن الكاذب يقطع به على التقدير، من غير تحقيق.\nوقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ أي: من بعد ظهور الحُجَّة: بأنَّ التحريم إنما كان من جهة يعقوب، ولم يكن محرمًا قبله.\n﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ أنفسهم ومن يدعونهم إلى مذهبهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-599>٩٥ </span>- قوله تعالى: ﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ﴾ أي: في جميع ما أخبر به، وفيما أخبر (٥) مِنْ أنَّ ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾. [الآية] (٦).\n<span data-type=\"title\" id=toc-600>٩٦ </span>- قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ﴾. الآية. قال أبو إسحاق (٧): معنى (الأول) في اللغة: ابتداء الشيء. ثم جائزٌ أن يكون له ثانٍ، وجائزٌ أن لا يكون؛ كما تقول: (هذا أوَّلُ مالٍ (٨) كَسَبْتُهُ). جائزٌ أن\n_________\n(١) في (أ)، (ب)، (ج): (كيف ما). وأثبتها وفق الرسم الإملائي الحديث.\n(٢) انظر: \"تفسير غريب القرآن\" لابن قتيبة: ١٠٣، \"غريب القرآن\" لليزيدي: ٤٠، \"نزهة القلوب\" للسجستاني ١٢٤، ١٢٥، \"التاج\" ٢٠/ ٤٧ (فري).\n(٣) انظر: \"الصحاح\" ٦/ ٢٤٥٤ (فرا)، \"التاج\" ٢٠/ ٤٧ (فري).\n(٤) وهو قطعة: ساقطة من: (ب). انظر هذا المعنى، في \"جمهرة اللغة\" ٨٧٩ (فري)، \"المقاييس\" ٤٩٦ (فرى).\n(٥) (به وفيما أخبر): ساقط من (ج).\n(٦) ما بين المعقوفين زيادة من (ج).\n(٧) في \"معاني القرآن\" له: ١/ ٤٤٥. نقله عنه بتصرف واختصار.\n(٨) في (ج): (ما).","vol":"5","page":431},{"text":"يكون بعده كسبٌ، وجائزٌ أن لا يكون، ولكن إرادتك: (هذا ابتداءُ كَسْبِي).\nومضى الكلامُ في معنى (الأول) واشتقاقه، عند قوله: ﴿وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ﴾ [البقرة: ٤١].\nواختلفوا في تأويل قوله: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ﴾ فقرأت على الشيخ أبي حسَّان، محمد بن أحمد بن جعفر، فقلت: أخبركم أبو سَهْل، هارون بن محمد (١) بن هارون الإسْتَرَاباذي (٢) أبنا (٣) أبو محمد، إسحاق بن أحمد الخزاعي (٤)، أبنا (٥) أبو الوليد، محمد بن عبد الله الأَزْرَقي (٦)، حدثنى\n_________\n(١) في مصادر ترجمته التالية: (هارون بن أحمد) بدلا من: (محمد).\n(٢) هو: أبو سهل، هارون بن أحمد بن هارون بن بندار بن حريش -أو خداش- بن الحكم، والإستراباذي. شيخ فاضل، مكثر من الحديث، ارتحل إلى العراق والحجاز، وحدث سنين في نيسابور وبخاري ونسف وسمرقند، مات سنة (٣٦٤ ص). انظر: \"الأنساب\" ١/ ٢١٦، \"تاريخ الإسلام\" للذهبي: ٢٦/ ٣٣١ وفيات (٣٥١ - ٣٨٠ ص).\n(٣) في (ج): (أخبرنا). قال السيوطي: (ويكتبون مِن (أخبرنا): (أنا)؛ أي: الهمزة والضمير. ولا تحسن زيادة الباء قبل النون؛ وإن فعله البيهقي وغيره؛ لئلا يلتبس برمز حدَّثنا). \"تدريب الراوي\" ٢/ ٨٧.\n(٤) في (ب): أبو محمد إسحاق بن محمد بن أحمد. وهو: أبو محمد، إسحاق بن أحمد بن إسحاق بن نافع الخزاعي، شيخ الحرم، من كبار أهل القرآن، وأحد فصحاء مكة، ثقة حجة، توفى سنة (٣٠٧ هـ). انظر: \"سير أعلام النبلاء\" ١٤/ ٢٨٩، ومقدمة محقق \"أخبار مكة\" للأزرقي: ١/ ١٦ - ١٧.\n(٥) في (ج): (أخبرنا).\n(٦) مؤرِّخ، من أهل مكة، أصله من اليمن، له كتاب: \"أخبار مكة\"، اختلف في سنة وفاته، ورجح محقق \"أخبار مكة\" القولَ بأنه كان حَيًّا في عهد الخليفة العباسي، المنتصر، الذي حكم سنة (٢٤٧ - ٢٤٨ هـ). انظر: \"الفهرست\" (١٥٨)، ومقدمة محقق \"أخبار مكة\": ١/ ١٣ - ١٥، \"الأعلام\" ٦/ ٢٢٢، \"معجم المؤلفين\" ٣/ ٤٢٩.","vol":"5","page":432},{"text":"مهدي بن أبي المهدي (١)، ثنا أبو أيوب البصري (٢)، ثنا هشام (٣)، عن حميد (٤)، قال: سمعت مجاهدًا يقول: (خلق الله هذا البيت قبل أن يخلق شيئًا من الأرضين) (٥).\nوبه عن الأزرقي، قال: حدثني يحيى بن سعيد (٦)، عن محمد بن عمر بن إبراهيم (٧)، عن عثمان بن عبد الرحمن (٨)، عن هشام، عن مجاهد، قال: (لقد خلق الله موضع هذا البيت، قبل أن يخلق شيئًا من الأرض بألفي سنة، وإنَّ قواعده لفي الأرض السابعة السفلى) (٩).\n_________\n(١) هو: مهدي بن حرب العبدي، الهَجَري، قال أبو حاتم: (شيخ ليس بمنكر الحديث). وقال ابن حجر: (مقبول).\nانظر: \"الجرح والتعديل\" ٨/ ٣٣٥، \"تقريب التهذيب\" ٥٤٨ (٦٩٢٨).\n(٢) لم أقف على ترجمته.\n(٣) هو: أبو عبد الله، هشام بن حسان القُرْدُوسي البصري. ثقة، إمام كبير الشأن، توفي سنة (١٤٧ هـ)، أو (١٤٨ هـ).\nانظر: \"الجرح والتعديل\" ٩/ ٥٤، \"تهذيب الكمال\" ٣٠/ ١٨١، \"ميزان الأعتدال\" ٥/ ٤٢٠، \"تقريب التهذيب\" ٥٧٢ (٧٢٨٩).\n(٤) هو: أبو صفوان، حميد بن قيس الأعرج، المكي، القارئ، تقدمت ترجمته.\n(٥) أخرجه الأزرقي، في \"أخبار مكة\": ١/ ٣١ - ٣٢، وانظر معناه، في \"تفسير الطبري\" ٧/ ٢٠ - ٢١، \"تفسير البغوي\" ١/ ٣٢٨، \"زاد المسير\" ١/ ٤٢٤.\n(٦) لم أقف على ترجمته.\n(٧) في \"أخبار مكة\": (محمد بن عمر بن إبراهيم الجبيري). ولم أقف على ترجمته.\n(٨) لم أقف على ترجمته.\n(٩) أخرجه الأزرقي، في \"أخبار مكة\" ١/ ٣٢، والطبري في \"تفسيره\" ١/ ٥٤٨، وأورده السيوطي في \"الدر\" ١/ ٢٣٦، وزاد نسبة إخراجه إلى الحميدي، وعبد الرزاق - ولم أقف عليه في مُصنَّفِه، ولا في تفسيره.","vol":"5","page":433},{"text":"وبه عن الأزرقي، ثنا علي بن هارون العجلي (١)، ثنا [عن أبيه] (٢)، [قال] (٣): ثنا [القَاسم] (٤) بن عبد الرحمن الأنصاري (٥)، حدثني محمد بن علي بن علي بن أبي طالب (٦)، عن أبيه (٧)، قال: (إنَّ الله بعث ملائكته، فقال: ابنوا لي في الأرض بيتًا بمثال البيت المعمور وقَدْرِهِ، وأمر الله مَنْ في الأرض مِنْ خَلْقِه، أن يطوفوا به، كما يطوف أهل السماء بالبيت المعمور، وهذا كان قبل خَلْق آدم) (٨).\n_________\n(١) لم أقف على ترجمته.\n(٢) ما بين المعقوفين زيادة من \"أخبار مكة\" ١/ ٣٢. وهو: هارون بن مسلم بن هُرْمُز العجْلي، أبو الحسين البصري، صاحب الحِنّاء. من أتباع التابعين، قال ابن حجر: (صدوق)، وقال أبو حاتم: (فيه لين)، ووثقه الحاكم، وابن حبان، مات بعد المائتين. انظر: \"ميزان الاعتدال\" ٥/ ٤١١، \"لسان الميزان\" ٧/ ٢٤١، \"تقريب التهذيب\" ٥٦٩ (٧٢٤٠).\n(٣) ما بين المعقوفين زيادة من (ج).\n(٤) ما بين المعقوفين غير مقروء في (أ). والمثبت من: (ب)، (ج)، وأخبار مكة.\n(٥) قال عنه ابن معين: (ضعيف جدًا)، وقال أبو حاتم: (ضعيف الحديث، مضطرب الحديث). انظر: \"الجرح والتعديل\" ٧/ ١٤ - ١٥، \"لسان الميزان\" ٥/ ٥٠٠ - ٥٠١.\n(٦) هو: أبو جعفر الباقر، ثقة فاضل، من فقهاء المدينة، وكان يتولى الشيخين: أبا بكر وعمر، ويبرأ من عدوهما، ويقول: (فإنهما كانا إمامي هدى) وقال: (ما أدركت أحدًا من أهل بيتي، إلا وهو يتولاهما)، توفي سنة مائة وبضع عشرة. انظر: \"تهذيب التهذيب\" ٣/ ٦٥٠، \"التقريب\" ٤٩٧ (٦١٥١).\n(٧) هو: الملقب بـ (زين العابدين)، الثقة الثبت العابد الفاضل، المتفق على جلالته. قال الزهري: ما رأيت قرشيًّا أفضل منه، توفي سنة (١٩٣هـ). انظر: \"الجرح والتعديل\" ٦/ ١٧٨، \"التقريب\"٤٠٠ (٤٧١٥).\n(٨) جزء من أثر طويل، أخرجه الأزرقي في \"أخبار مكة\" ١/ ٣٢ - ٣٤، وورد في \"تفسير البغوي\" ٢/ ٧٠.","vol":"5","page":434},{"text":"وقال ابن عباس (١): هو أول بيتٍ بناه آدمُ في الأرض.\nوقال علي بن أبي طالب ﵁ (٢): هو أول بيت مبارك وهدى وُضِع (٣) للناس. وهو قول الضحاك (٤).\nوروي عن ابن عباس أيضًا قال (٥): هو أول بيت وُضِع للناس يُحَجُّ إليه. واختاره الزجاج (٦).\nوأخبرنا أبو الحسين بن أبي عبد الله الفَسَوي (٧)، أبنا أحمد (٨) بن\n_________\n(١) قوله، في \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٧٥ ب، \"البغوي\" ٢/ ٧٠، \"زاد المسير\" ١/ ٤٢٤.\n(٢) قوله: في \"أخبار مكة\" ١/ ٦١، \"تفسير الطبري\" ٤/ ٧، \"الثعلبي\" ٣/ ٧٥ ب، و\"المطالب العالية\" ١٤/ ٥٣٩ (٣٥٥٦) - ونسب إخراجه لابن راهويه في مسنده.\n(٣) وضع: ساقطة من: (ب).\n(٤) قوله في \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٧٥ ب، \"تفسير البغوي\" ٢/ ٧٠.\n(٥) قوله في \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٧٥ ب.\n(٦) في \"معاني القرآن\" له: ١/ ٤٤٦، وهو قوله: (فجائز أن يكون أول بيت، هو البيت الذي لم يكن الحج إلى غيره).\n(٧) هو: أبو الحسين، عبد الغافر بن محمد (أبي عبد الله) بن عبد الغافر بن أحمد الفارسي، الفسوي. أحد رواة صحيح مسلم، وأحد رواة \"غريب الحديث\" للخطابي، يرويه عن مؤلفه. كان عَدْلا جليلَ القَدْر. قال عنه حفيدُه عبد الغافر الفارسي صاحب كتاب (السياق لتاريخ نيسابور): (الثقة الأمين الصالح الديِّن). توفي سنة (٤٤٨ هـ). انظر: \"المنتخب من السياق\" ٣٦١، \"سير أعلام النبلاء\" ١٨/ ١٩، \"شذرات الذهب\" ٣/ ٢٧٧.\nوقد أثبت محقق تفسير (الوسيط، من أول آل عمران- على آخر المائدة) اسمه كالتالي: (أبو الحسن الفسوي)، وأشار إلى وروده في نسخة أخرى لـ (الوسيط): (أبو الحسين القشيري)، وقد وهم المحققُ فَعَرَّف الفَسَوِيَ -هذا- بأنه: (أبو الحسن علي بن محمد بن عبد الله الفارسي)، وهو خطأ ظاهر. انظر: \"تفسير الوسيط\" من أول آل عمران إلى آخر المائدة: ٢٧٥.\n(٨) في (ج): (حمد). وهو الأصوب في اسم هذا الإمام؛ فقد قال -﵀-:=","vol":"5","page":435},{"text":"محمد البُسْتي، ثنا (١) إسماعيل بن محمد الصفّار (٢)،ثنا (٣) سعدان (٤)، ثنا (٥) أبو معاوية (٦)، ثنا الأعمش عن إبراهيم التَيْمي (٧) عن\n_________\n= (اسمي الذي سُمِّيت به: (حمْد) -[بتسكين الدال]-، ولكن الناس كتبوا (أحمد)، فتركته عليه). \"وفيات الأعيان\": ٢/ ٢١٥. وهو: الإمام أبو سليمان، حمْد بن محمد بن إبراهيم بن الخطاب البُسْتي، الخَطّابي.\n(١) في (ب): (أبنا).\n(٢) نقل الحافظ العراقي قول ابن حزم فيه: إنه (مجهول)، ودفع هذا ابن حجر، وسَمَّاه: (الثقة، الإمام النحوي المشهور)، وذكر أنه حدَّث عن الكبار، وانتهى إليه عُلُوُّ الإسناد، وأنه روى عنه الدارقطني، وابنِ مَنْدَه، والحاكم، ووثقوه، صَحب المبرِّد وأخذ عنه. قال الدارقطني: (وكان متعصبًا للسُّنَّة)، مات سنة (٣٤١ هـ)، وله ٩٤ سنة. انظر: \"تاريخ بغداد\" ٦/ ٣٠٢، و\"إنباه الرواة\" ١/ ٢٤٦، وذيل \"ميزان الاعتدال\" ١٤٠، \"لسان الميزان\" ١/ ٦٦٦.\n(٣) في (ب): (أبنا).\n(٤) هو: أبو عثمان، سعدان بن نصر بن منصور البغدادي، الثقفي، البزار. ثقة صدوق، توفي سنة (٢٦٥ ص)، وقد جاوز التسعين. انظر: \"الجرح والتعديل\" ٤/ ٢٩٠، \"تاريخ بغداد\" ٩/ ٢٠٥، \"سير أعلام النبلاء\" ١٢/ ٣٥٧.\n(٥) في (ب): (أبنا).\n(٦) هو: محمد بن خازم التميمي السعدي مولاهم، الضرير، الكوفي. ثقة، أحفظ الناس لحديث الأعمش، وحديثه عنه فيه اضطراب، اتهم بالإرجاء، والتدليس، مات سنة (١٩٥هـ). انظر: \"الجرح والتعديل\" ٧/ ٢٤٦، \"سير أعلام النبلاء\" ٩/ ٧٣، \"تهذيب التهذيب\" ٣/ ٥٥١.\n(٧) هو: إبراهيم بن يزيد بن شَرِيك التيمي الكوفي، أبو أسماء. ثقة عابد، ولكنه يرسل ويدلس، قتله الحجاج سنة (٩٢ هـ)، وله أربعون سنة. انظر: \"الجرح والتعديل\" ٢/ ١٤٥، \"الميزان\" ١/ ٧٤، \"التقريب\" ٩٥ (٢٦٩).","vol":"5","page":436},{"text":"أبيه (١)، عن أبي ذر (٢)، قال: قلت: يا رسول الله - ﷺ - (٣)؛ايُّ مسجد وُضِعَ في الأرض أوَّلا؟ قال: \"المسجد الحرام\". قال: قلت (٤): ثم أي؟ قال: \"المسجد الأقصى\". قال: قلت كم بينهما؟ قال: \"أربعون سنة\". قال: \"فأينما (٥) أدركتك الصلاةُ فَصَلِّ (٦)، فهو مسجدٌ\" (٧).\nوقوله تعالى: ﴿لَلَّذِي بِبَكَّةَ﴾.\n_________\n(١) هو: يزيد بن شَريك بن طارق التَيْمي الكوفي. ثقة، عَدَّه ابنُ حجر مِن طبقة كبار التابعين، وكان عريف قومه، يقال: إنه أدرك الجاهلية، مات في خلافة عبد الملك. انظر: \"الجرح والتعديل\" ٩/ ٢٧١، \"التهذيب\" ٤/ ٤١٧، \"التقريب\" ٦٠٢ (٧٧٢٩).\n(٢) اختلف في اسمه، وأصح ما قيل فيه: جُنْدُب بن جُنادة، الغِفَاري. من كبار الصحابة، قديم الإسلام، يقال: أسلم بعد أربعة، وتوفي بـ (الرَّبَذة) سنة (٣١ هـ) أو (٣٢ هـ) وليس له عقب. انظر: \"المعارف\" لابن قتيبة: ٢٥٢، \"الاستيعاب\" ٤/ ٢١٦، \"صفة الصفوة\" ١/ ٢٩٨، \"الإصابة\" ٤/ ٦٢.\n(٣) (ﷺ): ليس في (ج).\n(٤) في (ج): (ثم قلت).\n(٥) فأينما: كتبت في (أ)، (ب)، (ج): (فأين ما). وكذا رسمت في صحيح البخاري: ٤/ ١١٧، وأثبَتُّها وفق الرسم الإملائي الحديث.\n(٦) في (ب): (فصلي).\n(٧) أخرجه البخاري في \"الصحيح\" (٣٣٦٦)، كتاب: الأنبياء باب: (١٠)، ومسلم في \"الصحيح\" (٥٢٠). كتاب: المساجد ومواضع الصلاة. وأحمد في \"المسند\" ٥/ ١٥٠، ١٥٦، ١٥٧، ١٦٠، ١٦١، والطبري في \"تفسيره\" ٤/ ٨ - ٩، والبغوي في \"تفسيره\" ٢/ ٧٠، والثعلبي في \"تفسيره\" ٣/ ٧٦ أ، وأورده السيوطي في \"الدر\" ٢/ ٩٣، وزاد نسبة إخراجه لابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، والبيهقي في \"الشعب\".","vol":"5","page":437},{"text":"بَكّة: هي (١) مكة، في قول الضحاك (٢)، ومجاهد (٣)، والمُؤَرّج (٤). فأبدِلَت الميمُ باءً، كقوله (٥): (سَبَّدَ (٦) رأسَهُ)، و(سَمَّدَ رأسَه) (٧)، و(أَغْبَطَت\n_________\n(١) في (ج): (قال هي).\n(٢) قوله في \"تفسير الطبري\" ٤/ ١٠، \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٧٦ أ، \"زاد المسير\" ٣/ ٤٢٥.\n(٣) قوله في مصنف ابن أبي شيبة ٣/ ٢٦٢ (١٤١٢٥)، \"تفسير الطبري\" ٤/ ٨، \"تفسير ابن أبي حاتم\" ٣/ ٧٠٩، \"النكت والعيون\" ١/ ٤١٠، \"تفسير القرطبي\" ٤/ ٣١٨، \"الدر المنثور\" ٢/ ٩٤، وزاد نسبة إخراجه إلى سعيد بن منصور، والبيهقي في \"الشعب\" وعبد بن حميد.\nوأورد السيوطي في \"الدر المنثور\" ٢/ ٩٤ عن مجاهد، أن (بكة) هي: الكعبة، ومكة: ما حولها. ونسبة إخراجه إلى عبد بن حميد.\nونَصُّ قولِ مجاهد -كما في الطبري-: (إنما سميت (بكة)؛ لأن الناس يتباكُونَ فيها، الرجال والنساء)؛ أي: يزدحمون. إلّا أن الطبري أتى بقول مجاهد شاهدًا على أن المراد بـ (بكة) موضع مُزدَحَمِ الناس للطواف، وأن ما كان خارج المسجد فـ (مكة) لا (بكة)؛ لأن ما كان خارج المسجد لا يوجب على الناس التّباك فيه؛ أي: التزاحم.\n(٤) قوله في \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٧٦ أ.\n(٥) في (ج): (كقولك).\n(٦) في (ب): (وشهد).\n(٧) (رأسه، وسمد رأسه): ساقط من: (ب).\nالتسبيد أو التسميد -هنا-: ترك التدهن، وغسل الرأس، وقيل: هو الحلق واستئصال الشعر حتى يلصق بالجلد، وقيل: تطويل الشعر وتكثيره. فهو حرف من الأضداد. ويقال: (سَبَدَ شعرَه وسَبَتَه) -بالتخفيف-: إذا حلقه، ويقال: (سبَّد شعرُهُ): إذا نبت بعد الحلق، أول ما يظهر.\nانظر: \"الأضداد\" لقطرب: ١٤٤، \"الأضداد\" للسجستاني: ٩١، \"غريب الحديث\" لأبي عبيد: ١/ ١٦٢، \"الأضداد\" لابن الأنباري: ٣٠٩، \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٦١٢، \"ذيل كتاب الأضداد\" للصغاني: ٢٣٢.","vol":"5","page":438},{"text":"الحُمَّى)، و(أَغْمَطَت) (١)، و(ضَرْبة لازِمٍ)، و(لازِبٍ) (٢). ومَكَّة سُمِّيَت بذلك؛ لقلة مائها، وعدم الزرع والضَرْع بها، من قولهم (٣): (مَكَّ الفَصِيلُ ضرْعَ (٤) أُمِّهِ)، و(امْتَكَّهُ) (٥): إذا امتص كلَّ ما فيه.\nوقال [ابن الأنباري (٦): سُمِّيَت مكة، لاجتذابها الناس إليها من كل أُفُقٍ وفجٍّ، من قولهم] (٧): (وقال تَمَكَّكْتُ المُخَّ من العَظْم): إذا استقصيت عليه في جِذْيه (٨)، وكذلك (تَمَكُّك (٩) الفَصِيلِ ما في\n_________\n(١) في (ب): (وأغطش).\nومعنى: (أغْبَطَت الحمَّى وأغْمَطَت)؛ أي: لزمته الحُمَّى ولم تفارقه. وهو مأخوذ من وَضْع (الغَبِيط) على الجَمَلِ، و(الغَبيط): ما يوطَّأ للمرأة من هودج وغيره، ويقال: (أغْبَطْتُ الرَّحْلَ على الدابة إقباطا): إذأ ألزمته إيّاه.\nانظر: \"غريب الحديث\" لابن سلام: ١/ ٩٩، \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٦٣١ (غبط)، \"الفائق\" ٣/ ٤٧، \"النهاية في غريب الحديث\" ٣/ ٣٤١.\n(٢) اللُّزوب: اللصوق، والثبوت. و(طين لازب)؛ أي: لاصق وثابت. و(الَّلازب واللاتب واللاصق)، واحد. وتقول العرب: (صار الأمر ضربة لازب)؛ أي: شديدًا لازمًا ثابتًا. ويقولون: (ليس هذا بضربة لازب) و(لازم)؛ بمعنى: ما هذا بواجب لازم؛ أي: (ما هذا بضربة سيف لازب)، وهو مَثَل. انظر: \"إصلاح المنطق\" ٢٨٨، \"التاج\" ٢/ ٤٠٢ (لزب).\n(٣) (من قولهم): ساقط من: (ج).\n(٤) في (ج): (زرع).\n(٥) (وامتكه): ساقطة من: (ج).\n(٦) قوله في \"الزاهر\" ٢/ ١١٢. نقله عنه بالمعنى.\n(٧) ما بين المعقوفين زيادة من: (ج).\n(٨) في (ب): (حديه)، في (ج): (حذبه). وفي \"الزاهر\": (تمككت العظمَ: إذا أجديت ما عليه من اللحم). وما أثبته صواب لغة؛ لأن (جِذْي كلِّ شيءٍ، وجِذْمهُ): أصله. انظر: \"اللسان\" ١/ ٥٨١ (جذا).\n(٩) في (ج): (امتكاك).=","vol":"5","page":439},{"text":"الضرع) (١).\nوقال الآخرون (٢): (مكَّة): اسم البلد كله (٣)، و(بَكَّة): موضع البيت والمطاف. سميت بكّة؛ لازدحام الناس بها، يَبُكُّ بعضهم بعضًا، أي: يدفع ويصلي بعضهم بين يدي بعض، وَيمُرُّ بعضهم بين يدي بعض، لا يصلح ذلك إلا هناك.\nوقال الليث (٤): سميت مكَّةُ: بَكَّةَ (٥)؛ لأنها تَبُكُّ أعناقَ الجبابرة، إذا ألحدوا فيها؛ أي: تَدُقُّ. و(البَكُّ): دَقُّ العُنُقِ (٦).\n_________\n= والتَّمَكُّك، مصدر (تَمَكُّك)؛ أي: امتصَّ ما في الضرع. أما (مَكَّ)، فمصدرها: (المَكُّ). انظر: \"اللسان\" ٧/ ٤٢٤٨ (مك).\n(١) في (ب): (الدرع). انظر المعاني السابقة، في \"غريب الحديث\" لابن سلام: ١/ ٤٣٢، \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٤٣٥ (مك)، \"معجم البلدان\" ٥/ ١٨١، \"اللسان\" ٧/ ٤٢٤٨ - ٤٢٤٩ (مكك).\n(٢) في (ب)، (ج)، \"تفسير الثعلبي\" (آخرون). ومن قوله: (وقال الآخرون ..) إلى (لا يصلح ذلك إلا هناك): نقله -بتصرف يسير- عن \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٦٧ أ.\nومن هؤلاء الآخرين القائلين بهذا القول: مالك بن أنس، وعكرمة، وزيد بن أسلم، وعطية الحوفي، وضمرة بن ربيعة، وإبراهيم النخعي، ومقاتل بن حيان، والطبري.\nانظر: \"مصنف ابن أبي شيبة\" ٣/ ٢٦١ - ٢٦٢ \"تفسير الطبري\" ٤/ ٧ - ١٠، \"تفسير ابن أبي حاتم\" ٣/ ٧٠٨ - ٧٠٩، \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٧٦ أ، \"تفسير القرطبي\" ٤/ ١٣٨، \"معجم البلدان\" ٥/ ١٨١.\n(٣) في (ب): (اسم البيت).\n(٤) قوله في \"تهذيب اللغة\" ١/ ٣٧٧.\n(٥) (بكة): ساقطة من: (ج).\n(٦) انظر: \"مجاز القرآن\" ٩٧، \"تفسير الطبري\" ٤/ ٩، \"الصحاح\" ٤/ ١٥٧٦ (بكك)، \"معجم البلدان\" ١/ ٤٧٥، \"اللسان\" ١/ ٣٣٥ (بكك).","vol":"5","page":440},{"text":"وقوله تعالى: ﴿مُبَارَكًا﴾ معناه (١): كثير الخير؛ أنْ جعل فيه وعنده البَرَكَة، ومعنى البَرَكَةِ: الكثرة في كل خير.\nوقال بعض أهل المعاني: أصل البَرَكَة: الثُّبُوت، من قولك: (بَرَكَ بَرْكًا، وبُرُوكًا): إذا ثبت على حاله (٢). فالبَرَكَة: ثُبُوت الخير؛ بِنُمُوِّهِ وتَزَيُّدِه.\nومنه: (البَراكاء) في القتال (٣)، ومنه: (البِرْكة)، شِبْهُ الحوض؛ لثبوت الماء فيها. و(تبارك الله)، لثبوته، لم يزل ولا يزال (٤).\nوقال اللِّحْياني (٥): (باركت على التجارة، وغيرها)، أي: داومت وواظبت عليها (٦).\n_________\n(١) (معناه): ساقطة من: (ج).\n(٢) قال ابن فارس: (الباء، والراء، والكاف، أصل واحد، وهو: ثبات الشيء ثم يتفرع فروعًا يقارب بعضها بعضا). \"مقاييس اللغة\" ١/ ٢٢٧ (برك).\n(٣) البراكاء: الثبات في العرب، والجدّ، ويقال -كذلك- لساحة العرب، وأصله من البُرُوك. انظر: (برك) في \"الصحاح\" ٤/ ١٥٧٥، \"اللسان\" ١/ ٢٦٧.\n(٤) قال ابن الأنباري: (قال قوم: معنى (تبارك): تَقَدَّس؛ أي: تطهر وقال قوم: معنى (تبارك اسمك): تفاعل من (البَرَكة)؛ أي: البركة تُكتسب وتنال بذكر اسمك). \"الزاهر\" ١/ ١٤٨.\nوفي \"تهذيب اللغة\" ١/ ٣١٨ أن (تبارك): ارتفع. والمتبارك: المرتفع. وينقل عن الزجاج: أنه (تفاعل) من (البركة).\nانظر المعاني السابقة لـ (البركة)، في مادة (برك) في \"تهذيب اللغة\" ١/ ٣١٩، \"الصحاح\" ٤/ ١٥٧٤، ١٥٧٥، \"اللسان\" ١/ ٢٦٦.\n(٥) قوله في \"تهذيب اللغة\" ١/ ٣١٩.\n(٦) وفي \"مقاييس اللغة\" ١/ ٢٢٩، ينقل عن ابن السكيت قوله: (بَرَك فلانٌ على الأمر، وبارك، جميعًا: إذا واظب عليه).","vol":"5","page":441},{"text":"وانتصب ﴿مُبَارَكًا﴾ على الحال. قال الزجاج (١): المعنى: لَلَّذي (٢) استقر بمكة في حال بَرَكَتِه، وقال (٣): هو حال مِنْ ﴿وُضِعَ﴾، أي: وُضِعَ مباركًا.\nوقوله تعالى: ﴿وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ﴾ قال أبو إسحاق (٤): المعنى: وذا هُدَى (٥). قال: ويجوز أن يكون ﴿وَهُدًى﴾ في موضع رفع، على معنى: وهو هُدَى.\nومعنى كونه ﴿وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ﴾: أنه قِبْلةُ صلاتهم، ودلالة على الله تعالى من حيث هو المدبر له (٦) بما لا يقدر عليه غيره، مِن أَمْنِ الوحوش فيه، حتى يجتمع الكلبُ والظَبْي (٧) فلا يعدوا عليه، وحتى يأنَسَ الطيرُ فلا يمتنع كما يمتنع في غيره، إلى غير ذلك من الآثار البينة فيه، مع البَرَكة التي يجدها من حج البيت.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-601>٩٧ </span>- قوله تعالى: ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ﴾ قال ابن عباس (٨): يريد:\n_________\n(١) في \"معاني القرآن\" له: ١/ ٤٤٥.\n(٢) في (ج)، \"معاني القرآن\" الذي.\n(٣) هذا القول ليس في \"معاني القرآن\" عند الموضع السابق، وقد يكون نقله المؤلف من موضع آخر في كتاب المعاني، لم أقف عليه، وقد يكون المؤلف حكى معنى قول الزجاج.\n(٤) في \"معاني القرآن\" له ١/ ٤٤٥. نقله عنه بتصرف قليل.\n(٥) هذه العبارة غير موجودة في \"معاني القرآن\" في الموضع السابق.\n(٦) في (ب): (الذي) بدلًا من: (له بما).\n(٧) في (ج): (والصبي).\n(٨) الذي وقفت عليه عن ابن عباس -من رواية عطية- أنه فسره بمقام إبراهيم والمشعر. إلا أنه ورد عنه -من رواية عطاء بن أبي رباح، عنه- أنه قرأ ﴿فيه آيةٌ بيِّنَةٌ﴾، وفسره بـ (مقام إبراهيم)، وفسر مقام إبراهيم بأنه الحج كله.=","vol":"5","page":442},{"text":"المناسك والمشاعر كلها. وقال آخرون (١): الآيات التي فيها: أَمْنُ الخائف، وإمحاقُ الجِمَارِ (٢) على كثْرةِ الرَّامي، وامتناع الطَيْرِ مِنَ العُلُوِّ عليه (٣)، واستشفاءُ المريض به، وتعجيلُ العقوبة لمن انتهك فيه حُرْمة (٤)، وإهلاكُ أصحاب الفِيل لَمَّا قصدوا [لإحْراقِه] (٥).\nفعلى (٦) هذا؛ تفسير الآيات (٧) وبيانها (٨)، غير مذكور (٩) في الآية. ومذهب جماعة من المفسرين (١٠): أنَّ تفسير الآيات مذكورة، وهي قوله: ﴿مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾ أي: هي: مقامُ إبراهيم؛ يعني: الآيات. وقال بعضهم (١١): المعنى: منها مقام إبراهيم.\n_________\n= انظر: \"الطبري\" ١/ ٥٣٥، ٤/ ١٠، \"ابن أبي حاتم\" ٣/ ٧١٠، \"الدر المنثور\" ٢/ ٩٦.\n(١) انظر: \"معاني القرآن\" للنحاس: ١/ ٤٤٤ - ٤٤٥، \"النكت والعيون\" ١/ ٤١١، \"تفسير البغوي\" ٢/ ٧١.\n(٢) في (ب): الجبار.\n(٣) قال ابن عطية: (وهذا كله عندي ضعيف، والطير تُعايَن تعلوه). \"المحرر الوجيز\" ٣/ ٢٢٨.\n(٤) في (ب): (حرمة فيه).\n(٥) ما بين المعقوفين: غير مقروء في (أ)، وفي (ج): (الإحراقه)، والمثبت من: (ب).\n(٦) في (ب): (وعلى).\n(٧) في (ج): (الآية).\n(٨) من قوله: (وبيانها ..) إلى (الآيات مذكورة): ساقط من (ج).\n(٩) في (أ)، (ب): (منكور). وفي (ج): ساقطة وما أثبتُّه هو الصواب.\n(١٠) ومنهم: مجاهد، والسدي، ومقاتل، وقول ابنِ عباس على حسب القراءة المروية عنه ﴿فيه آية بيِّنة﴾؛ حيث فسرها بـ ﴿مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾. انظر: \"تفسير الطبري\" ٤/ ١١، \"ابن أبي حاتم\" ٣/ ٧١٠، \"تفسير مقاتل\" ١/ ٢٩١.\n(١١) منهم: مجاهد، وقتادة، والطبري. انظر: \"تفسير عبد الرزاق\" ١/ ١٢٧، \"تفسير الطبري\" ٤/ ١١، \"الدر المنثور\" ٢/ ٩٦.","vol":"5","page":443},{"text":"فإن قيل: (الآيات) جماعة، ولا يصح تفسيرُها بشيء واحد. قلنا: يجوز ذلك؛ كما يقول القائل: (في بلدة كذا، لي أصدقاء وقرابات)، ثم يقتصر على ذكر واحدٍ منهم، على معنى تخصيص له.\nوعند الزجاج: أن قوله: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾، مِن تفسير الآيات؛ لأنه قال (١): ومن الآيات (٢) أيضًا: أَمْنُ مَنْ دَخَلَه. قال: ومعنى (أَمْن مَن دخله): أن إبراهيم ﵇ سأل الله ﷿ أَنْ يُؤَمِّنَ سكانَ مكةَ، قال: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا﴾ [البقرة: ١٢٦]، فجعل [﷿] (٣) أَمْنَ مكةَ آيةً لإبراهيم، فلم يطمع في أهلها جبَّار، فكان فيما (٤) عطف الله تعالى من قلوب العرب في الجاهلية على مَنْ لاذَ بالحَرَمِ حتى يُؤْمَّنوا (٥)، آيةً بَيِّنَةً، يدل على هذه الجملة قولُ قتادة في قوله: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾، قال (٦): كان ذلك في الجاهلية، فأما اليوم، فإنْ سرقَ فيه [أحدٌ] (٧) قُطِعَ، وإن قَتَلَ فيه قُتِلَ.\nوقد ذكرنا الحُكمَ في هذا عند قوله: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا﴾ [البقرة: ١٢٥].\n_________\n(١) في \"معاني القرآن\" له: ١/ ٤٤٦.\n(٢) في (ج): (ومن تفسير الآيات). وكلمة (تفسير) غير موجودة في \"معاني القرآن\".\n(٣) ما بين المعقوفين غير مقروء في (أ). وساقط من (ب). والمثبت من (ج)، \"معاني القرآن\".\n(٤) في (ج): (فيها).\n(٥) في (ج): (يؤمنوه).\n(٦) قوله في \"تفسير عبد الرزاق\" ١/ ١٢٧، \"تفسير الطبري\" ٤/ ١١، \"تفسير ابن أبي حاتم\" ٣/ ٧١٢، والأزرقي، في \"أخبار مكة\" ٢/ ١٣٩، \"الدر المنثور\" ٢/ ٩٣ وزاد نسبة إخراجه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.\n(٧) ما بين المعقوفين زيادة من: (ج). وهي موجودة في رواية الأثر في المصادر السابقة، وورد في \"تفسير عبد الرزاق\": (وأخذَ قطِع).","vol":"5","page":444},{"text":"وقال الضحاك في قوله: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ قال (١): مَن حَجَّهُ فدخله كان آمنا من الذنوب التي اكتسبها قَبْلَ ذلك.\nوعن يحيى بن جعدة (٢) في قوله: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ قال: مِنَ النَّارِ.\nوقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [ويقرأ ﴿حِج البيت﴾] (٣) بالكسر (٤). فالمَفتوح: مصدرٌ، وهو لغة أهل الحجاز. والمكسور: اسم العَمَلِ (٥).\n_________\n(١) قوله في \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٧٧ ب.\nوقوله: (من حجه فدخله كان آمنا): ساقط من: (ج).\n(٢) قوله في \"تفسير الطبري\" ٤/ ١٤، و\"ابن أبي حاتم\" ٣/ ٧١٢، \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٧٧ ب، \"النكت والعيون\" ١/ ٤١١، وأورده السيوطي في \"الدر\" ٢/ ٩٨، وزاد نسبة إخراجه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.\nويحى بن جَعْدة بن هُبَيرة، بن أبي وَهْب المخزومي القرشي. تابعي، ابن أخت علي ابن أبي طالب ﵁، قال عنه أبو حاتم: (حجازي ثقة)، روى عن بعض الصحابة، وأرسل عن ابن مسعود وأبي بكر. انظر: \"الجرح والتعديل\" ٩/ ١٣٣، \"المراسيل\" ٢٤٥، \"تقريب التهذيب\" ص ٥٨٨ (٧٥٢٠).\n(٣) ما بين المعقوفين زيادة من (ج).\n(٤) قرأ حمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم: ﴿حِجَّ﴾ -بالكسر-، وقرأ الباقون: ﴿حَجَّ﴾ -بالفتح-. انظر: \"علل القراءات\" للأزهري ١/ ١٢٣، \"الحجة\" للفارسي ٣/ ٦٩، \"الكشف\" لمكي ١/ ٣٥٣.\n(٥) في (ج): (للعمل). قال أبو زرعة بن زنجلة. (الفتح، لأهل الحجاز، وبني أسد، والكسر، لغة أهل نجد وقيل: إن الفتح مصدر، والكسر اسم). \"حجة القراءات\" ١٧٠. انظر: \"تفسير الطبري\" ٤/ ١٨، \"الصحاح\" ١/ ٣٠٣ (حجج)، \"القاموس\" (١٨٣) (حج).","vol":"5","page":445},{"text":"قال سيبويه (١): ويجوز أن يكون مصدرًا كـ (الذِكْرِ) و(العِلْم).\nوقوله تعالى: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾.\nقال الزجّاج (٢): موضع ﴿مَنِ﴾: خفض على البدل من ﴿النَّاسِ﴾؛ المعنى هو (٣): [و] (٤) لله على من استطاع [إليه سبيلا] (٥) مِنَ الناس، حِجُّ البيت (٦).\nقال الفرّاء (٧): وإنْ نويت الاستئناف بـ ﴿مَن﴾، كان جزاء، وكان الفعل به بعدها جزمًا، واكتفيتَ بما جاء قبله من جوابه، [والتأويل] (٨) فيه: [من استطاع] (٩) إلى الحج سبيلًا، فلِلّهِ (١٠) عليه حِجُّ البيت (١١). فقدم الجوابَ وهو مؤخر في المعنى، على مذهب العرب في التقديم والتأخير.\n_________\n(١) في \"الكتاب\" له ٤/ ١٠، نقله عنه بمعناه. ونصُّ سيبويه: (وقالوا: حجَّ حِجَّا، كما قالوا: ذكر ذِكرا).\n(٢) في \"معاني القرآن\" له ١/ ٤٤٧، نقله عنه بنصه. وانظر: \"الكامل\" للمبرد ٣/ ١٨.\n(٣) (هو): ساقطة من (ج). وليست في \"معاني القرآن\".\n(٤) ما بين المعقوفين زيادة من (ج)، \"معاني القرآن\".\n(٥) ما بين المعقوفين زيادة من (ج). وهي ليست في \"معاني القرآن\".\n(٦) من الناس حج البيت: ساقطة من: (ج). وهذا التوجيه النحوي، هو قول أكثر النحويين. انظر: \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ٣٥٣.\n(٧) لم أقف على مصدر قوله، وقد أورده الفخر الرازي في \"تفسيره\" ٨/ ١٦٦، ونصه عنده: (إن نويت الاستئناف بـ (مَنْ) كانت شرطًا، وأسقط الجزاء؛ لدلالة ما قبله عليه). وبقية العبارة كما هي عند المؤلف.\n(٨) ما بين المعقوفين مطموس في (أ). وساقط من: (ب). والمثبت من (ج).\n(٩) ما بين المعقوفين مطموس في (أ). وفي (ب): (كالمستطاع). والمثبت من (ج).\n(١٠) في (ج): (ولله).\n(١١) ونسب هذا الرأي للكسائي، كما في \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ٣٥٣ - ٢٥٤، \"مشكل إعراب القرآن\" ١/ ١٦٩.","vol":"5","page":446},{"text":"وقال ابن الأنباري (١): ويجوز أن يكون في موضع رَفْعٍ؛ على الترجمة للناس؛ على معنى: (هُمْ (٢): مَن استطاع إليه سبيلا).\nوأما معنى الاستطاعة في اللغة:\nفالاستطاعة مأخوذة مِن: (طاع له (٣) الشيءُ يَطُوعُ)، و(طاع يُطيع): إذا انقاد له (٤). يقال: (فَرَس طَوْعُ العِنَانِ) (٥): إذا انقاد لك. و(تطاوع لي الأمرُ)؛ أي: سهل حتى تمكنت منه. فمعنى قولهم: (استطعت): استمكنت منه ووجدت السبيلَ إلى فعله؛ لمطاوعته لي وسهولته عَلَيّ (٦). وكلّ من\n_________\n(١) لم أقف على مصدر قوله وقد أورده الفخر الرازي في \"تفسيره\" ٨/ ١٦٦.\n(٢) في (أ)، (ب): (بهم). والمثبت من (ج).\n(٣) (له): ساقط من (ج).\n(٤) وردت في معاجم اللغة التي رجعت إليها: (طاعَ له يطوع طوْعًا): إذا انقاد. أما (طاع يُطيع)، فلم أجدها. وإنما الذي وقفت عليه، ما ورد في \"تهذيب اللغة\" عن ابن السكيت: (يقال: (طاع له وأطاع)، سواء. فمن قال: (طاع)، قال: (يَطاع). ومن قال: (أطاع)، قال: (يُطيع). \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢١٥٢ (طوع). وكذا نقله ابن دريد عن أبي زيد.\nانظر: \"الجمهرة\" (طوع): ٩١٧، ١٣١٠. وانظر مادة (طوع) في \"العين\" ٢/ ٢٠٩، \"الصحاح\" ٣/ ١٢٥٥، \"المقاييس\" ٣/ ٤٣١. وانظر تفسير قوله تعالى: ﴿طَوعًا وَكَرهًا﴾ من الآية: ٨٣ من هذه السورة.\n(٥) في (ب): (القتال).\nوعِنان اللجام: السير الذي تمسك به الدابة. وجمعه: (أعِّنة). انظر: \"اللسان\" ٥/ ٣١٤١ (عنن).\nيقال: و(طَوْعة العنان). ويقال: (ناقةٌ طَوْع القِياد، وطَيِّعة القياد، وطَوْعة القياد)، أي: ليِّنة لا تنازع قائدها. انظر: (طوع)، في \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢١٥٣، \"اللسان\" ٥/ ٢٧٢٠.\n(٦) في (ب): (له).","vol":"5","page":447},{"text":"تَوصَّلَ إلى مُرامِهِ، وتمكَّنَ من مطلبه، قالوا: (قد استطاعة، واسْطاعَه) (١)؛ لانقياد ذلك المطلوب له. والعرب تستعمل لفظ الاستطاعة (٢) فيمن يصل إلى مرادهِ مِن غير مباشرة لذلك الفعل؛ كما يقولون: استطاع الأمير فتحَ بلدِ كذا، وإنْ لم يَتَوَلَّ بنفسه، وإنما توصل إليه برجاله وأمواله، فليس كل الاستطاعة بالمباشرة بالأعضاء.\nوأما التفسير: فقال ابن عباس في رواية عطاء (٣): يريد بـ (الاستطاعة) القوة. واختلف الناس في الاستطاعة الموجبة للحج: [فالذي عليه الجمهور أن معنى (الاستطاعة) ههنا، هو: القوة. والمستطيع للحج] (٤): هو القوي الذي لا يلحقه مشقة غير محتملة في الكَوْنِ على الراحلة، فهذا إذا ملك الزاد والراحلة، لزمه فرضُ الحج بنفسه. وإن (٥) عدم الزاد والراحلة أو أحدَهما سقط فرضُ الحج عنه، فوجودُهُ (٦) الزادَ والراحلةَ شرطٌ في\n_________\n(١) في (ج): (وأطاعه). والعرب تحذف التاءَ مِن (استطاع)، فتقول: (اسطاع)، ومن (يستطيع)، فتقول: (يسطيع)؛ لأن التاء والطاء من مخرج واحد، فيحذفون التاء استثقالًا لها مع الطاء. وبعض العرب يقول: (استاع يَسْتيع)؛ أي: (استطاع يستطيع). وبعضهم يقول: (أسْطاع يُسْطِيع) -بهمزة قطع-، يريدون: أطاع يُطيع، فيزيدون السين. انظر: (طوع) في \"التهذيب\" ٣/ ٢١٥٣، \"الصحاح\" ٣/ ١٢٥٥.\n(٢) في (ج): (الإطاعة).\n(٣) لم أقف على مصدر، هذه الرواية، وفي \"المحلى\" لابن حزم: ٧/ ٥٤: (قد روينا من طريق عبد الرزاق عن ابن جريج عن عطاء الخراساني عن ابن عباس، قال في الحج: (سبيله: من وجد له سعة، ولم يُحَلْ بينه وبينه).\n(٤) ما بين المعقوفين زيادة من: (ج).\n(٥) في (ب): (وإذا).\n(٦) في (ج): (فوجود).","vol":"5","page":448},{"text":"وجوب الحج (١). وهذا قول عمر بن الخطاب (٢)، وابنه (٣)، وابن عباس (٤)،\n_________\n= والوجود: مصدر (وَجِدَ) -بفتح الجيم وكسرها-. ومن مصادرها -كذلك-: (جِدَة، و(وُجْد)، و(وِجْدان)، و(إجْدان). انظر: \"القاموس\" (٣٢٤) (وجد).\n(١) هذا مع مراعاة انتفاء عوائق أخرى من مرض مقعد، أو خوف طريق، أو غيره من الأعذار التي تُعد مانعًا من الاستطاعة ذكرها وفصَّلها الفقهاء في كتبهم. انظر: \"تفسير القرطبي\" ٤/ ١٤٩.\n(٢) في (ج): (وعلى قول ابن عباس، وعمر بن الخطاب). وقول عمر -﵁-، في \"تفسير الطبري\" ٤/ ١٥، \"المحلى\" لابن حزم: ٧/ ٥٤، \"سنن البيهقي\" ٤/ ٣٣١، وأورده السيوطي في \"الدر\" ٢/ ٩٩، وزاد نسبة إخراجه لابن أبي شيبة.\n(٣) قول ابن عمر هذا أورده ابنُ حزم في \"المحلى\" ٧/ ٥٤، من طريق إسرائيل عن مجاهد عن ابن عمر، قال: (﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾، قال: ملء بطنه، وراحلة يركبها). وقد أخرج عنه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٣/ ٧١٥، قوله: (من كان يَجِد -وهو موسرٌ صحيح- لم يَحج، كان سيماه بين عَيْنَيه: كافر، ثم تلا هذه الآية: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾. وأورده السيوطي في \"الدر\" ٢/ ٩٩ وزاد نسبة إخراجه لابن أبي شيبة، وعبد بن حميد. وفيه بيان أنَّ الغِنَى، والسَّعَة مِن موجبات الحج عنده.\nكما وردت روايته المشهورة لحديث النبي - ﷺ -، الذي فَسَّر فيه (السبيل) بالزاد والراحلة، وسيأتي التنبيه عليها.\n(٤) (ابن عباس): ساقط من: (ج). وقوله في \"تفسير الطبري\" ٤/ ١٥، \"المحلى\" ٧/ ٥٤، \"سنن البيهقي\" ٤/ ٣٣١، \"تفسير ابن كثير\" ١/ ٤١٤، \"الدر المنثور\" ٢/ ١٠٠، وزاد نسبة إخراجه لابن أبي شيبة.\nوورد من رواية علي بن أبي طلحة عنه: (السيبل: أن يصح بدن العبد، ويكون له ثمن زاد وراحلة من غير أن يجحف به). انظر: \"تفسير الطبري\" ٤/ ١٥، \"سنن البيهقي\" ٤/ ٣٣١، \"الدر المنثور\" ٢/ ١٠٠ وزاد نسبة إخراجه لابن المنذر. وفي رواية سعيد بن جبير عنه: (من ملك ثلاثمائة درهم فهو السبيل). \"الطبري\" ٤/ ١٦.","vol":"5","page":449},{"text":"وسعيد بن جبير (١)، ومجاهد (٢)، ومذهب الشافعي (٣)، وابي حنيفة (٤)، وأحمد بن حَنْبل (٥)، وإسحاق (٦).\n[وروى جماعة من الصحابة] (٧) عن النبي - ﷺ - أنه فسَّر استطاعة السبيل إلى الحَجِّ، بوجود الزاد والراحلة (٨).\n_________\n(١) قوله في \"تفسير سفيان الثوري\" ٧٩، \"تفسير الطبري\" ٤/ ١٦، \"ابن أبي حاتم\" ٣/ ٧١٣، \"المحلى\" ٧/ ٥٤، \"الدر المنثور\" ٢/ ١٠٠ ونسب إخراجه لابن أبي شيبة.\n(٢) قوله في \"تفسير ابن أبي حاتم\" ٣/ ٧١٣، \"المحلى\" ٧/ ٥٤، \" الدر المنثور\" ٢/ ١٠٠ ونسب إخراجه لابن أبي شيبة.\n(٣) انظر: \"أحكام القرآن\" للشافعي (جمع البيهقي): ١/ ١١٣، \"الأم\" ٢/ ١٢٦، ١٢٧،١٣٢ - ١٣٣، \"الرسالة\" ١٩٧، \"المجموع\" للنووي: ٧/ ٦٣، \"أحكام القرآن\" للهراسي: ١/ ٢٩٤، \"مغني المحتاج\" للشربيني: ١/ ٤٦٣.\n(٤) انظر: \"فتح القدير\" لابن الهمام: ٢/ ٤١٥ وما بعدها، \"تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق\" للزيلعى: ٣/ ٣.\n(٥) انظر: \"مسائل الإمام أحمد\" لأبي داود: ٩٧، ١٠٦، \"المغني\" لابن قدامة: ٣/ ١٦٩، \"المقنع\" لابن قدامة: ١/ ٣٨٩، \"حاشية الروض المربع\" (جمع: عبد الرحمن العاصمي): ٣/ ٥١٤.\n(٦) انظر: \"تفسير القرطبي\" ٤/ ١٤٧، \"المغني\" لابن قدامة: ٣/ ١٦٩.\n(٧) ما بين المعقوفين غير مقروء في (أ). وفي (ب): (وروى بعض الصحابة). والمثبت من: (ج).\n(٨) ورد في ذلك أحاديث رواها ابن عمر، وعلي بن أبي طالب، وابن عباس، وغيرهم. فحديث عبد الله بن عمر -﵄- وهو أشهرها-: أن رجلًا سأل النبي - ﷺ -، فقال: ما السبيل؟ فقال - ﷺ -: \"الزادُ والراحلة\".\nأخرجه الترمذي في \"السنن\" (٢٩٩٨) كتاب: التفسير، باب: (٤) من سورة آل عمران (٨١٣)، كتاب: الحج، باب: (٤)، وقال فيه: (هذا حديث حسن، والعمل عليه عند أهل العلم، أن الرجل إذا ملك زادًا وراحلة وجب عليه الحج). وأخرجه الإمام الشافعي في \"الأم\" ٢/ ١٢٦ - ١٢٧، وفي مسنده (بترتيب =","vol":"5","page":450},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= السندي): ١/ ٢٨٤، وسفيان الثوري في \"تفسيره\" ٧٨، وابن ماجه في \"السنن\" (٢٨٩٦) كتاب: المناسك، باب: (٦)، والدارقطني في \"السنن\" ٢/ ٢١٨، والطبري في \"تفسيره\" ٧/ ٣٩، ٤٠، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٢/ ٤٢٢، والبغوي في \"شرح السنة\" ٧/ ١٤، والبيهقي في \"السنن\" ٤/ ٣٢٧.\nوأورده السيوطي في \"الدر\" ٢/ ٩٩، وزاد نسبة إخراجه لابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن عدي، وابن مردويه.\nإلا أن الحديث في سنده إبراهيم بن يزيد الحوزي، وقد تكلم فيه أهل العلم. انظر سنن الترمذي في المواضع السابقة، و\"نصب الراية\" ٨/ ٣، و\"التلخيص الحبير\" ٢/ ٢٢١، \"تفسير ابن كثير\" ١/ ٤١٥.\nكما ورد من رواية الإمام علي - ﵁ -، عن رسول الله - ﷺ -: (من ملك زادا وراحلة، حتى تبلغه إلى بيت الله؛ فلم يحج، فلا عليه أن يموت يهوديًا أو نصرانيًا، إن الله يقول في كتابه: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾).\nأخرجه الترمذي في \"سننه\" (٨١٢) كتاب المناسك، باب (٣).\nوفي سنده هلال بن عبد الله، والحارث الأعور. قال الترمذي: (هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وفي إسناده مقال). وقال عن هلال: (مجهول)، وعن الحارث: (يُضَعَّف في الحديث). وانظر: \"تقريب التهذيب\" ١/ ٣٤٥، ٢/ ٣٢٤. وأخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٤/ ١٦، وابن أبي حاتم ٣/ ٧١٣، وأورده ابن الجوزي في \"الموضوعات\" ٢/ ٢٠٩، والسيوطي، في \"الدر\" ٢/ ١٠٠ وزاد نسبة إخراجه للبيهقي في \"الشعب\" وابن مردويه.\nكما ورد الحديث من رواية الحسن البصري، أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٤/ ١٥ - ١٦، والدارقطني في \"السنن\" ٢/ ٢١٨، والبيهقي في \"السنن\" ٤/ ٣٣٠، وأورده السيوطي في \"الدر\" ٢/ ٩٩، وزاد نسبة إخراجه لسعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر.\nقال عنه ابن حجر: (وسنده صحيح إلى الحسن، ولا أرى الموصول إلا وهْمًا). \"التلخيص الحبير\" ٢/ ٢٢١.\nأي: أن سند الحديث إلى الحسن صحيح، إلا أنه منقطعٌ وليس موصولًا.\nكما ورد الحديث من رواية ابن عباس ﵄، عند ابن ماجه في \"سننه\" =","vol":"5","page":451},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ٢/ ٩٦٧ رقم (٢٨٩٧) كتاب المناسك، باب (٦)، والدراقطني في \"سننه\" ٢/ ٢١٨، وقال عنه ابن حجر: (وسنده ضعيف أيضًا). و\"التلخيص الحبير\" ٢/ ٢٢١.\nكما ورد عن عائشة، وأنس﵄-. انظر: \"سنن الدارقطني\" ٢/ ٢١٦، ٢١٧، \"سنن البيهقي\" ٤/ ٣٣٠.\nولكن أكثر روايات الأحاديث -في هذا المعنى- فيها مقال. انظر نصب الراية: ٣/ ٧ - ١٠. قال ابن حجر: (ورواه ابن المنذر من قول ابن عباس، ورواه الدارقطني. من حديث جابر، وحديث علي بن أبي طالب، ومن حديث ابن مسعود، ومن حديث عائشة، ومن حديث محمد بن شعيب عن أبيه عن جده، وطرقها كلها ضعيفة. وقال عبد الحق: إن طرقها ضعيفة، وقال أبو بكر بن المنذر: لا يثبت في ذلك مسندًا، والصحيح من الروايات: رواية الحسن المرسلة). التلخيص الحبير: ٢/ ٢٢١. أي: أن سندها صحيح إلى الحسن، مع إرساله.\nوقال البيهقي: (وروي فيه أحاديث أخرى لا يصح شيء منها، وحديث إبراهيم بن يزيد أشهرها، وقد أكدناه برواية الحسن البصري، وإنْ كان منقطعًا). \"السنن الكبرى\" ٤/ ٣٣٠.\nإلا أن الشوكاني قال: (ولا يخفى أن هذه الطرق يقوي بعضها بعضًا، فتصلع للاحتجاج بها، وبذلك استدلَّ مَن قال: إن الاستطاعة المذكورة في القرآن هي: الزاد والراحلة). \"نيل الأوطار\" ٤/ ٣٢٢.\nوقد قال ابن تيمية في (شرح العمدة) عن الأحاديث السابقة -كما نقله عنه الصنعاني في \"سبل السلام\"-: (فهذه الأحاديث مسندة من طرق حسان ومرسلة وموقوفة، تدل على أن مناط الوجوب: الزاد والراحلة، مع علم النبي - ﷺ - أنَّ كثيرًا من الناس يقدرون على المشي، و-أيضًا- فإن الله قال في الحج: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ إما أن يعني القدرة المعتبرة في جميع العبادات، وهو مطلق المُكْنة، أو قدرًا زائدًا على ذلك؛ فإن كان المعتبر هو الأول، لم يحتج إلى هذا التقييد، كما لم يحتج إليه في آية الصوم والصلاة، فعلم أن المعتبر قدرٌ زائد في ذلك، وليس هو إلا المال، وأيضًا: فإن الحج عبادة مفتقرة إلى مسافة فافتقر وجوبها إلى ملك الزاد والراحلة كالجهاد. ودليل الأصل قوله: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ﴾ [٩١ - ٩٢ سورة التوبة]). \"سبل السلام\" ٢/ ١٨٠.","vol":"5","page":452},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾ قال ابن عباس (١)، والحسن (٢)، وعطاء (٣): جَحَد فرضَ الحَجِّ.\nوقال الضحّاك (٤): لمّا نزلت آية الحج، جمع رسول الله - ﷺ -، أهلَ الأديان كلَّهم، فخطبهم، وقال: \"إن الله ﷿ كتب عليكم الحجَّ فحُجُّوا\". فآمَنَ بِهِ المسلمون، وكفر [بِهِ] (٥) الباقون، فأنزل الله قولَه: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-602>٩٨ </span>- قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ﴾.\nوقال في هذه السورة: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ] (٦) وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ (٧) [آل عمران: ٧٠].\nهناك خاطبهم تَلَطُّفًا في استدعائهم (٨) إلى الحق؛ بأن وجه الخطاب\n_________\n(١) قوله في \"تفسير الطبري\" ٤/ ١٩، \"تفسير ابن أبي حاتم\" ٣/ ٧١٥، \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٨٢ ب، \"النكت والعيون\" ١/ ٤١١، \"الدر المنثور\" ٤/ ١٠١ وزاد نسبة إخراجه لابن المنذر، والبيهقي.\n(٢) قوله في \"تفسير الطبري\" ٤/ ١٩، \"ابن أبي حاتم\" ٣/ ٧١٥، \"الثعلبي\" ٣/ ٨٢ ب.\n(٣) قوله في \"تفسير الطبري\" ٤/ ١٩، \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٨٢ ب، وعنه رواية أخرى، قال: (قال: ومن كفر بالبيت). في \"الطبري\" ٤/ ٢١، \"الثعلبي\" ٣/ ٨٣ أ.\n(٤) قوله في \"تفسير الطبري\" ٤/ ٢٠، \"تفسير الثعلبي\" ٨٢ ب، \"الدر المنثور\" ٢/ ١٠١ وزاد نسبة إخراجه لسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن المنذر.\n(٥) ما بين المعقوفين زيادة من (ج).\n(٦) ما بين المعقوفين زيادة من (ج).\n(٧) (وأنتم تشهدون): ساقطة من (ب).\n(٨) في (ب): (اسم تداعيهم).","vol":"5","page":453},{"text":"إليهم، وههنا وجَّهَ الخطابَ إلى غيرهم إهانة لهم لصدهم عن الحق.\nفإن قيل: لم جاز أن يقال لليهود والنصارى (أهل الكتاب)، وهم لا يعملون (١) به، ولم يجز (٢) مثلُ ذلك في أهل القرآن؟\nقيل: إن القرآن [اسمٌ] (٣) خاصٌ لِما أَنزل الله على محمد - ﷺ -، فأما الكِتاب فيجوز أن يذهب به إلى معنى: يا أهل الكتاب المحرف عن جهته!.\nوأيضًا فإنهم نُسبوا إلى الكتاب، احتجاجًا عليهم بالكتاب لإقرارهم به كأنه قيل يا من يُقِرُّ بأنه من أهل الكتاب لم تكفرونَ بآيات الله؟.\nوقوله تعالى: ﴿لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ توبيخٌ (٤) لهم، على لفظ الاستفهام، لأنه كسؤال التعجيز عن إقامة البرهان. وقد ذكرنا مثل هذا (٥).\nوالمراد بـ (الآيات) ههنا: الآياتُ التي أنزلها على نبيه محمد - ﷺ -، والمعجزات التي كانت له، والعلامات التي وافقت في صفته ما تقدمت البشارة به (٦)\n_________\n(١) في (أ)، (ب): (يعلمون). والمثبت من (ج).\n(٢) في (ج): (نجز).\n(٣) ما بين المعقوفين في (أ)، (ب): (انتم). والمثبت من (ج).\n(٤) في (ب): (توبيخًا).\n(٥) انظر: \"تفسير البسيط\" آية: ٢٨ من سورة البقرة. وانظر تفسير الآية: ٧٥ من سورة آل عمران: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾، والآية: ٨٠ ﴿أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، والآية: ٨٦ ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾.\n(٦) ورد عن ابن عباس، تفسيره لـ (الآيات) بأنها القرآن، ومحمد - ﷺ -. انظر: \"زاد المسير\" ١/ ٤٢٩. وجعلها ابن عطية محتملة للقرائن وللعلامات الظاهرة على يدي النبي - ﷺ -. انظر: \"المحرر الوجيز\" ٣/ ٢٤٠.","vol":"5","page":454},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ﴾ قال ابن عباس (١): يريد: حاضرٌ لأعمالكم.\nومعنى الآية يؤول إلى أن (٢) الله وبخهم على الكفر (٣)، وأخبر أنَّه لا ينفع [الاستسرارُ به] (٤)؛ لأن الله شهيدٌ عليه، مع أن شهادته توجب ردعهم عن الكفر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-603>٩٩ </span>- قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾.\nقال الفرّاء (٥): [يقال] (٦): (صَدَدْتُهُ، أصده صَدًّا)، و(أَصْدَدْتُه، إصْدادًا) (٧)، وأنشد:\nأُناسٌ أَصَدُّوا الناسَ بالسيف عنهمُ ... صُدُودَ السَّواقِي عن أُنُوفَ الحَوائِمِ (٨)\n_________\n(١) لم أقف على مصدر قوله.\n(٢) أن: ساقطة من: (ج).\n(٣) في (ج): الكافرين.\n(٤) ما بين المعقوفين غير مقروء في (أ). وفي (ب): (الأخرابية). والمثبت من: (ج).\n(٥) لم أقف على مصدر قوله.\n(٦) ما بين المعقوفين زيادة من: (ج).\n(٧) قال الجوهري: (صدَّ عنه، يَصِدُّ، صُدُودًا): أعرض و(صده عن الأمر صدًّا): منعه وصرف عنه. و(أصَدَّهُ)، لُغة). \"الصحاح\" ٢/ ٤٩٥ (صدد)، وانظر: \"اللسان\" ٤/ ٢٤٠٩ (صدد)، \"البحر المحيط\" ٣/ ١٤.\nوقال الزمخشري عن قوله تعالى: ﴿وَلَا يَصُدُّنَّكَ﴾ القصص: ٨٧: (وقرئ (يُصِدُّنَّك) من: أصَدَّه بمعنى: صَدَّه، وهي لُغة كلب). \"الكشاف\" ٣/ ١٩٤.\n(٨) البيت لذي الرُمَّة، وهو في ديوانه: ٧٧١. وورد في \"الصحاح\" ٢/ ٤٩٥ (صدد)، \"الكشاف\" ٢/ ٣٦٦، ٣/ ١٩٤، \"الفريد في إعراب القرآن المجيد\" ١/ ٦٠٨، \"اللسان\" ٤/ ٢٤١٠ (صدد)، \"البحر المحيط\" ٣/ ١٤. وروايته في \"الديوان\": =","vol":"5","page":455},{"text":"وقرأ الحَسَنُ: (تُصِدُّون) بضم التاء، مِن: أَصَدَّ (١).\nقال المفسرون (٢): وكان صدهم عن سبيل اللهِ بالتكذيب بالنبي - ﷺ -، وأنَّ صفَتَهُ ليست في كتابهم، ولا البِشَارَة به متقدِّمَةٌ عندهم.\nوقوله تعالى: ﴿تَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ قال اللِّحْيانِي (٣): (بَغَى الرجلُ في كل\n_________\n= أناس أصدوا الناس بالضرب عنهم ... صدودَ السواقي عن رؤوس المخارِم\nويروى: (السوافي) -بالفاء- وهي الرياح التي تسفي، التراب.\nو(الحوائم)، جمع: (حائم). من: (حام حول الشيء، يَحُوم حَوْما وَحَوَمانا): دار. وكلُّ مَن رام أمرًا فقد (حام عليه حَوْمًا، وحِياما، وحُؤُوما، وحَوَمانا). وكلُّ عطشان: (حائم). و(إبِلٌ حوائم وحُوَّمٌ): عطاش جدا، وهي: التي تحوم حول الماء من شدَّة العطش. انظر: (حوم) في \"اللسان\" ٢/ ١٠٦١، \"القاموس\" (١٠٩٨).\nوقيل: الحوائم: الإبل الغرائب، انظر: \"شرح شواهد الكشاف\" لمحب الدين أفندي ٤/ ٥٢٨. وعليه يكون معنى البيت: أنهم صدوا أعداءهم كما يصد السقاةُ الإبلَ الغرائبَ عن إبِلهم.\nأما على رواية \"الديوان\"، فقد قال في \"اللسان\" ٤/ ٢٤١٠ (صدد): (قال ابن برِّي، وصواب إنشاده: (صدود السواقي عن رؤوس المخارم).\nو(السواقي): مجاري الماء. و(المَخرِم)، منقطع أنف الجبل. يقول: صدُّوا الناسَ عنهم بالسيف، كما صُدَّت هذه الأنهار عن المخارم، فلم تستطع أن ترتفع إليها). قال الزمخشري -مبينًا الشاهد في البيت-: (والهمزة فيه داخلة على (صد صدودًا)؛ لتنقله من غير التعدِّي إلى التعدِّي). \"الكشاف\" ٢/ ٣٦٦.\n(١) انظر: \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٨٣ ب، \"تفسير القرطبي\" ٤/ ١٥٤، \"البحر المحيط\" ٣/ ١٤، \"فتح القدير\" ١/ ٥٥٣.\n(٢) منهم: السدي، وقتادة، والربيع. انظر: \"تفسير الطبري\" ٤/ ٢٢، \"تفسير ابن أبي حاتم\" ٣/ ٧١٧، \"فتح القدير\" ١/ ٥٥٥.\n(٣) قوله في \"تهذيب اللغة\" ١/ ٣٦٧. وفيه (وبِغْيةً، وبِغًى مصدر). وقد نقله المؤلف عنه بتصرف.","vol":"5","page":456},{"text":"ما يطلبه من خير وشر، يَبْغِي، بُغاءً وبِغْيَة) (١).\nوقال الفرّاء (٢): العرب تقول: (ابغني كذا)؛ يريدون: ابتغه لي. فإذا أرادوا: ابْتَغ معي، وأَعِنِّي على طلبه، قالوا: (أَبْغِنِي)، ففتحوا الألف، وكذلك يقولون: (أُحْلُبْنِي وأَحْلِبني) (٣)، و(احْمِلْنِي وأَحْمِلْنِي)، و(اعْكُمْنِي وأَعْكِمْنِي) (٤)، على هذا القياس.\nو(العِوَجُ) (٥) بكسر العين، في الأَمْرِ، وفي الدين والقول: المَيْلُ عن الاستواء في الطريق، وفي كلِّ ما لا يُرى. وكلُّ قائمٍ مُنْتصِبٍ يُرَى عَوَجُهُ، يقال: (فيه عَوَج)، بالفتح؛ كالحائط، والقَنَاة (٦)، والشجرة.\nيقال: (عَوِجَ الشيءُ، يَعوَجُ، عَوَجًا)، فهو (أَعْوَجُ) لكل ما يُرى،\n_________\n(١) ويقال: (بِغْيَة، وبُغْيَة، وبَغَى، وبُغايَة). انظر: \"اللسان\" ١/ ٣٢١ - ٣٢٢ (بغا).\n(٢) في \"معاني القرآن\" له: ١/ ٢٢٧. نقله عنه بتصرف واختصار.\n(٣) فسَّرها الفراء في سوقه لهذا القول فقال: (فقوله: احلبني؛ يريد: احلب لي، أي: اكفني الحَلَب. وأحلِبني: أعني عليه. وأتبعها قائلا: (وبقيته مثل هذا). أي: بقية الكلمات التي ذكرها. \"معاني القرآن\" ١/ ٢٢٨. وانظر: \"معاني القرآن\" للزجاج: ١/ ٤٤٧.\n(٤) في (ب)، (ج): (واعلمني، وأعلمني). وقوله: اعكُمني -بضم الكاف-، ويجوز بسكرها. يقال: (عَكَم المتاعَ، يعْكِمُه عَكْمًا): وهو أن يبسط ثوبًا ويجعل فيه المتاعَ، ويشدَّه، ويسمى بعدها: (العِكْمُ)، والجمع: (أعكام) و(عُكوم). انظر: (عكم) في \"المجمل\" ٦٢٣، \"اللسان\" ٥/ ٣٠٦٠ - ٣٠٦١.\n(٥) من قوله: (العوج ..) إلى (فهو أعوج لكل ما يرى): نقله بتصرف واختصار من \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٢٦٤ - ٢٢٦٥.\n(٦) القناة -هنا-: الرمح، وكل عصا مستوية، وقيل: ولو مُعْوَجَّة. انظر: \"القاموس\" ١٧١٠ (قنى).","vol":"5","page":457},{"text":"[و(عِوَجًا)] (١) لما لا يرى.\nوأما المعنى، فقال ابن الأنباري (٢): قوله تعالى: ﴿تَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾، (البَغْيُ): يُقتَصَرُ (٣) له على مفعول واحد، إذا لم يكن معه اللَّام، كقولك: (بَغَيْتُ المالَ والأجرَ والثوابَ). [وأريد ههنا] (٤): تَبغون لها عِوَجًا. فلما سقطت اللّامُ، عمل الفعلُ فيما بعدها، كما قالوا: (وَهَبْتُك (٥) درهمًا)، وأصله: وهبت (٦) لك درهما، ومثله: (صدْتُكَ ظَبْيًا)، يعنون: صدْتُ لك. وكذلك: (جئْتُكَ)، كما قد (٧) (وَرَّثْتُكَ من المال جملة)، وأنشد:\nفَتَولَّى غلامُهم ثُمّ نادَى (٨) ... [أَظَلِيمًا أَصِيدُكُم] (٩) أم حِمَارا (١٠)\n_________\n(١) ما بين المعقوفين: غير مقروء في (أ). وفي (ب): وهوجًا. والمثبت من: (ج). وهذه الكلمة ليست في \"تهذيب اللغة\" وإنما فيه: (والأنثى: عوجاء).\nوقيل: إن الكسر يقال في الأمرين: الأجسام المرئية وغير المرئية، كالرأي والقول. انظر: \"مجاز القرآن\" ١/ ٩٨، \"النهاية\" لابن الأثير: ٣/ ٣١٥. \"اللسان\" ٥/ ٣١٥٤ - ٣١٥٥ (عوج).\nولكن الراغب ذكر أن (العِوَج) -بالكسر- (يقال: فيما يدرك بالفكر والبصيرة كما يكون في أرضٍ بسيطٍ يُعرف تفاوتُه بالبصيرة، والدين والمعاش). انظر: \"مفردات ألفاظ القرآن\" ٥٩٢ (عوج).\n(٢) لم أقف على مصدر قوله. وقد أورده -كذلك- الفخر الرازي في \"تفسيره\" ٨/ ١٧٢.\n(٣) في (ب): (يقتدر).\n(٤) ما بين المعقوفين غير مقروء في (أ). وفي (ب): (وارى أصله). والمثبت من (ج)، و\"تفسير الفخر الرازي\".\n(٥) في (ب): (أوهبتك).\n(٦) في (ب): (أوهبتك.)\n(٧) (قد): ساقطة من: (ج).\n(٨) في (ب): (الذي).\n(٩) ما بين المعقوفين غير مقروء في (أ). وفي (ب): (أظبيا صيدكم). والمثبت من (ج).\n(١٠) لم أقف على قائله. وقد ورد في \"زاد المسير\" ١/ ٤٣٠، \"تفسير الفخر الرازي\" ٨/ ١٧٢، \"مغني اللبيب\" ٢٩١، \"شرح شواهد المغني\" ٥٩٦، \"الدر المصون\" للسمين الحلبي: ٣/ ٤٢٦. (الظَّليم): ذَكَرُ النَّعَام.","vol":"5","page":458},{"text":"أراد: أصيد لكم.\nوالهاء في قوله: ﴿تَبْغُونَهَا﴾ عائدةٌ على السبيل؛ لأن السبيلَ يُؤَنَّثُ ويُذَكَّرُ (١). و(العِوَجُ)، يعنى به: الزَيْغ والتحريف (٢)؛ أي: تَلتمسون لسبيله الزيغ والتحريف بالشبه التي تُلَبِّسون بها، وتُوهِمون أنها تقدح فيها، وأنها مُعوَجَّة بتناقضها (٣).\nويجوز أن يكون ﴿عِوَجًا﴾ في موضع الحال؛ والمعنى: تبغونها ضالِّين؛ وذلك (٤) أنهم كانوا يَدَّعون أنهم على دين اللهِ وسبيلِه، فقال الله: إنكم تبغون سبيلَ اللهِ ضالِّين عنها. وهذا قول أبي إسحاق (٥)، ذكر ذلك في سورة إبراهيم، عند قوله: ﴿وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ﴾ (٦). وعلى هذا القول، لا يحتاج إلى إضمار اللّام في ﴿تَبْغُونَهَا﴾.\n_________\n(١) انظر: \"مجاز القرآن\" ١/ ٣١٩، \"تفسير الطبري\" ٤/ ٢٢، \"الزاهر\" لابن الأنباري: ٢/ ١٠٨، \"المذكر والمؤنث\" له: ١/ ٣٩٤.\n(٢) انظر: \"تفسير الطبري\" ٤/ ٢٢.\n(٣) فإعراب ﴿عِوَجًا﴾ على هذا القول: مفعول به. انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج: ١/ ٤٧، \"تفسير الطبري\" ٤/ ٢٢.\n(٤) في (ب): (والمعنى).\n(٥) في \"معاني القرآن\" له: ٣/ ١٥٤.\n(٦) [سورة إبراهيم: ٣]. ﴿الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ﴾. وفي حالة إعرابها حالًا يكون معنى (تبغون): تتَعدَّوْن. و(البغي): التعدي. انظر: \"الدر المصون\" ٣/ ٣٢٦، \"اللسان\" ١/ ٣٢٣.","vol":"5","page":459},{"text":"وقال بعض أهل المعاني (١): تأويل (٢) الآية: يطلبون أن يُعْوِجُوا (٣) سبيل الله، وأن يكون فيها عِوَج؛ لأن معنى (سبيل الله): الطريق التي هي الوُصْلَة (٤) إلى رضا الله، فهم يطلبون أن يُعْوِجوا هذا الطريق؛ حتى لا يصل إلى رضا الله من سلكها بدلالة اليهود.\nوقوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ﴾ قال ابن عباس (٥): يريد بها: في التوراة. [قال المفسرون] (٦): يعني: أنتم شُهداء أنَّ في التوراة مكتوبًا أنَّ دينَ اللهِ الذي لا يقبل غيره، هو الإسلام. وهذا معنى قول ابن عباس.\nوقال الزجاج (٧): أي: أنتم تشهدون بما قد ثبت في نفوسكم أن أمر النبي - ﷺ - حقٌ.\nوقيل (٨): معناه: وأنتم شهداء أن لا يجوز الصَدُّ عن سبيل الله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-604>١٠٠ </span>- قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا﴾ الآية.\nقال المفسرون: نزلت في الأوس والخزرج، حين أَغْرَى قومٌ من\n_________\n(١) لم أقف عليهم.\n(٢) في (ب): (أصل).\n(٣) في (ج): (تطلبون أن تعوجوا).\n(٤) في (ب): (الموصلة).\n(٥) لم أقف على مصدر قوله. وقد أورده الفخر الرازي في \"تفسيره\" ٨/ ١٧٢.\n(٦) ما بين المعقوفين: غير مقروء في (أ) وساقط من: (ب). والمثبت من (ج). وممن قال بهذا: قتادة، والربيع، وابو جعفر الرازي، وقريبًا منه قال مقاتل. انظر: \"تفسير الطبري\" ٤/ ٢٤، \"تفسير ابن أبي حاتم\" ٣/ ٧١٨، \"تفسير مقاتل\" ١/ ٢٩٢، \"الدر المنثور\" ٢/ ١٠٤.\n(٧) في \"معاني القرآن\" له: ١/ ٤٤٧. نقله عنه بنصه.\n(٨) لم أقف على القائل. وأورده الفخر الرازي في \"تفسيره\" ٨/ ١٧٣.","vol":"5","page":460},{"text":"اليهود بينهم؛ ليفتنوهم (١) عن دينهم (٢).\n_________\n(١) في (ب): (ليغشوهم).\n(٢) ورد ذلك في روايات عدة تتفق في مضمونها، وأكثرها تفصيلًا، ما أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٤/ ٢٤ - ٢٥، عن زيد بن أسلم، وخلاصتها: أن شاس بن قيس اليهودي -وكان عظيم الكفر، شديد الضغن على المسلمين والحسد لهم، وقد كبر في الجاهلية وأسَنَّ -مرَّ يومًا على نفر من المسلمين- من الأوس والخزرج-، فغاظه ما رآهم عليه من الألفة وصلاح ذات البين، فأوعز إلى شاب من اليهود أن يجلس بينهم، ويُذَكِّرهم يوم بُعاث - وقد اقتتل فيه الأوس والخزرج في الجاهلية، وكان الظفر فيه للأوس، وما كان قبله من معارك بين الحيِّيْنِ، وينشدهم بعض ما قالوا فيه من أشعار، ففعل الشاب، فتنازع الحيَّان، ووثب كلٌّ مِن أوْس بن قيظى، من الأوس، وجبَّار بن صخر من الخزرج، فتقاولا، وغضب الفريقان، وأخذتهم حميَّةُ الجاهلية، ورَبَا الأمرُ بينهم وتداعوا إلى حمل السلاح وتواعدوا للقتال، وخرجوا إلى ظاهر المدينة، وانحاز الأوس إلى بعضهم، وكذلك الخزرج، فبلغ ذلك رسول الله - ﷺ -، فخرج إليهم فيمن معه من المهاجرين، ووعظهم، فعرف القوم أنها نَزْغةٌ من الشيطان، وكَيْدٌ من عدوهم، فألقوا السلاح، وبكوا، وتعانقوا، وانصرفوا مع الرسول - ﷺ - سامعين مطيعين، فأنزل الله قوله: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾.\nوانظر: \"سيرة ابن هشام\" ٢/ ١٨٣ - ١٨٤، \"أسباب النزول\" للواحدي: ١١٩ - ١٢٠، \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٨٣ - ب، وأورده السيوطي في \"الدر\" ٢/ ١٠٢ - ١٠٣ وزاد نسبة إخراجه لابن المنذر، وأبي الشيخ. وأورده السيوطي في لباب النقول: ٥٥. وقد روى الواحدي بسنده إلى عكرمة نحو هذه الحادثة مع الاختصار. انظر: \"أسباب النزول\" له: (١٢٠)، وأوردها عنه -كذلك- السيوطي في \"الدر\" ٢/ ١٠٣ ونسب إخراجها لابن المنذر.\nكما ورد عن ابن عباس ومجاهد نحو ذلك. انظر: \"تفسير عبد الرزاق\" ١/ ١٢٨، \"تفسير الطبري\" ٤/ ٢٤ - ٢٥، \"تفسير ابن أبي حاتم\" ٣/ ٧١٩، \"مجمع الزوائد\" ٦/ ٣٢٦، \"الدر المنثور\" ٢/ ١٠٣.","vol":"5","page":461},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-605>١٠١ </span>- وقوله تعالى: ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ هذا خطاب للمسلمين (١)، من الأوس والخزرج، في قول ابن عباس، وأكثر المفسرين (٢).\n﴿وَكَيْفَ﴾ ههنا [استفهام في معنى] (٣) التعجب، وإنِّما [تَضَمَّنَت صيغةُ الاستفهام معنى] (٤) التعجب؛ لأنها طلبٌ للجواب عَمَّا حَمَلَ على الفساد مما لا يصح فيه اعتذار.\nقال الزجاج (٥): أي: على أي حال يقع منكم الكفر، وآياتُ الله التي تدل على توحيده ونُبُوَّة نَبِيِّه (٦) محمد - ﷺ - تتلى عليكم.\nوقوله تعالى: ﴿وَفِيكُمْ رَسُولُه﴾ قال الزجاج (٧): جائزٌ أن يقال: [فيكم رسوله، والنبي - ﷺ - شاهد، وهذا مختصٌّ بأيَّامه. وجائزٌ أن يقال لنا] (٨) الآن: فيكم رسول الله؛ لأن آثاره، ومعجزته القرآن الذي أتى به، فِينا. فعلى هذا، كونُه فينا، لا يختص بزمان دون زمان.\n_________\n(١) في (ب): (للمؤمنين).\n(٢) انظر قول ابن عباس في \"تفسير الطبري\" ٤/ ٢٤ - ٢٥، \"تفسير ابن أبي حاتم\" ٣/ ٧١٩. وانظر أقوال بقية المفسرين في المصادر السابقة.\n(٣) ما بين المعقوفين: غير مقروء في (أ). وفي (ب): (استفهام بمعنى)، والمثبت من (ج).\n(٤) ما بين المعقوفين غير مقروء في (أ). وفي (ب): (تضمنت كيف الاستفهام ومعنى). والمثبت من: (ج).\n(٥) في \"معاني القرآن\" له ١/ ٤٤٨. نقله عنه بتصرف.\n(٦) (نبيه): ساقطة من: (ب).\n(٧) في \"معاني القرآن\" له: ١/ ٤٤٨. نقله عنه بتصرف.\n(٨) ما بين المعقوفين زيادة من (ج).","vol":"5","page":462},{"text":"وقال الحسن (١): نزلت الآية في مشركي العرب.\nوقوله تعالى: ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ﴾ خطاب لهم، وهو توبيخٌ لهم على الكفر بعد نصب الحُجَّةِ، وبعثة الرسول.\nوقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ﴾ الاعتصام في اللغة: الاستمساك بالشيء، وأَصله مِن: (العِصمة). و(العِصْمَةُ): المَنْع في كلام العَرب. و(العاصِمُ): المانع. و(اعتصم فلانٌ بالشيء): إذا امتنع به (٢).\nقال ابن عباس (٣) في قوله: ﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ﴾، يريد (٤): يمتنع بسبيل الله. وقال الزجاج (٥): يستمسك بحبل الله.\nوقال ابن جريج (٦): ﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ﴾؛ أي: يؤمن بالله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-606>١٠٢ </span>- قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ قد ذكرنا ما في (التُقاة) عند قوله: ﴿إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ [آل عمران: ٢٨].\nومعنى ﴿حَقَّ تُقَاتِهِ﴾، هو: أنْ يُطاعَ فلا يُعصى، ويذكَرَ فلا يُنْسى، ويُشْكَرَ فلا يُكْفَر. وهذا يروى عن عبد الله مرفوعًا، ورُوي موقوفًا عليه (٧).\n_________\n(١) لم أقف على مصدر قوله.\n(٢) (العِصْمة) الاسم. أما المصدر، فهو: (العَصْمُ). واعتصم، قد يتعدّى بالباء، فيقال: (اعتصمت به)، وهي الأفصح، وقد يقال: (اعتصمته). انظر مادة (عصم) في \"تفسير غريب القرآن\" لابن قتيبة: ١٠٨، \"معاني القرآن\" للفراء: ١/ ٢٢٨، \"تفسير الطبري\" ٤/ ٢٦ - ٢٧، \"الزاهر\" ١/ ٥٧٩، \"مفردات ألفاظ القرآن\" للراغب: ٥٦٩، \"اللسان\" ٥/ ٢٩٧٦.\n(٣) لم أقف على مصدر قوله.\n(٤) من قوله: (يريد ..) إلى (ومن يعتصم بالله): ساقط من: (ج).\n(٥) في \"معاني القرآن\" له: ١/ ٤٤٨. نقله عنه بنصه.\n(٦) قوله في \"تفسير الطبري\" ٤/ ٢٦، \"تفسير ابن أبي حاتم\" ٣/ ٧٢٠، \"تفسير البغوي\" ٢/ ٧٧، \"الدر المنثور\" ٢/ ١٠٤ وزاد نسبة إخراجه لابن المنذر.\n(٧) أكثر الذين رووا الأثر عن عبد الله بن مسعود، رووه موقوفًا. انظر: \"الزهد\" لابن المبارك ٨، \"الناسخ والمنسوخ\" لأبي عبيد ٢٦٥، \"تفسير سفيان الثوري\" ٧٩، \"تفسير عبد الرزاق\" ١/ ١٢٩، \"تفسير الطبري\" ٤/ ٢٧ \"تفسير ابن أبي حاتم\" ٣/ ٧٢٢، \"الناسخ والمنسوخ\" للنحاس ص ٨٤ - ٨٥، \"المعجم الكبير\" للطبراني ٩/ ٩٣ رقم (٨٥٠١)، \"المستدرك\" للحاكم ٢/ ٢٩٤، وقال: (صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه)، ووافقه الذهبي.\nوأورد البغويُّ طرفا منه -موقوفًا- في \"تفسيره\" ٢/ ٧٧، وأورده ابن كثير ١/ ٤١٦ من رواية ابن أبي حاتم موقوفًا، وقال: (وهذا إسناد صحيح موقوف).\nوأورده السيوطي في \"الدر\" ٢/ ١٠٥ وزاد نسبة إخراجه إلى الفريابي، وعبد بن حميد، وابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن مردويه.\nأما المرفوع، فقد أخرجه: الثعلبي في \"تفسيره\" ٣/ ٨٦ أبسنده إلى عبد الله بن مسعود مرفوعًا إلى النبي - ﷺ -.\nكما أورده القرطبي ٤/ ١٥٧ مرفوعًا، ونسب إخراجه للبخاري، وهو تصحيف؛ لأن البخاري لم يرو هذا الأثر، والصواب نسبته للنحاس، حيث ورد ذلك في نسخة أخرى لـ \"تفسير القرطبي\" أشار إليها محقق التفسير.\nوأورده ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ١/ ٤٣١، وقال رواه ابن مسعود عن النبي - ﷺ -. وأورده ابن كثير في \"تفسيره\" ١/ ٤١٦ مرفوعًا من رواية ابن مردويه، وذكر أن الحاكم رواه مرفوعًا في \"المستدرك\" -كذلك-، وعَقَّب ابنُ كثير قائلًا: (والأظهر أنه موقوف. والله أعلم).\nوأورده السيوطي في \"الدر\" ٢/ ١٠٥ ونسب إخراجه للحاكم، وابن مردويه. ولم أقف على المرفوع في مستدرك الحاكم.\nوورد من رواية ابن عباس، أخرجها البيهقي في كتاب \"الزهد الكبير\" ٣٤٤ رقم (٨٧٣).","vol":"5","page":463},{"text":"واختلفوا في هذه الآية: فقال ابن عباس في رواية الوالِبي (١): لَمْ تُنسَخ هذه الآيةُ، ولكن ﴿حَقَّ تُقَاتِهِ﴾: أن يجاهدوا في الله حق جهاده، ولا\n_________\n(١) هذه الرواية، في \"الناسخ والمنسوخ\" لأبي عبيد: ٢٦٠، \"تفسير الطبري\" ٤/ ٢٩، \"تفسير ابن أبي حاتم\" ٣/ ٧٢٢، \"الناسخ والمنسوخ\" للنحاس: (٨٥) \"الدر المنثور\" ٢/ ١٠٦ وزاد نسبة إخراجه لابن المنذر.","vol":"5","page":464},{"text":"تأخذهم (١) في الله لومةُ لائم، ويقوموا (٢) بالقسط ولو على أنفسهم وآبائهم (٣).\nواختار الزجاج هذا الوجه، وهو أن الآية مُحكَمَةٌ غير منسوخة؛ لأنه قال (٤) في قوله: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾: أي: اتَّقُوهُ فيما يحقُّ عليكم أن تتَّقُوهُ فيه.\nوقال (٥) في رواية عطاء (٦): هذا منسوخٌ؛ لانهم قالوا: يا رسولَ الله! وما حَقُّ تُقاتِهِ؟ قال: \"يُذكر فلا ينسى، ويُطاع فلا يُعصى\" قالوا: ومَن يَقوَى على هذا؟ وشَقَّ (٧) عليهم؛ فأنزل الله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦].\nوإلى هذا القول، ذهب: قتادة (٨) والرَّبِيع (٩) والسُّدِّي (١٠) وابن\n_________\n(١) في (ج): (يأخذهم).\n(٢) في (ب): (ويفرحوا).\n(٣) ورد في الأثر عند أبي عبيد، والطبري، وابن أبي حاتم، زيادة في آخره: (وأبنائهم). ولا توجد لفظة (أنفسهم) عند النحاس. وفي \"الدر\": (وأمهاتهم) بدلًا من: (أبنائهم).\n(٤) في \"معاني القرآن\" له ١/ ٤٤٨. نقله بنصه.\n(٥) أي: ابن عباس.\n(٦) لم أقف على مصدر هذه الرواية. ولكن ورد عن ابن عباس بنحوه، أخرجه ابن مردويه، كما ورد عنه من طريق عكرمة، أخرجه عبد بن حميد. انظر: \"الدر المنثور\" ٢/ ١٠٦.\n(٧) في (ب): (وحتى).\n(٨) قوله في كتاب \"الناسخ والمنسوخ\" له: ٣٨، \"تفسير الطبري\" ٤/ ٢٩، ٢٨/ ٢٢٧، \"تفسير ابن أبي حاتم\" ٣/ ٧٢٢ \"الناسخ والمنسوخ\" للنحاس: (٨٥)، وأورده السيوطي في \"الدر\" ٢/ ١٠٥، ونسب إخراجه إلى عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وأبي داود في ناسخه.\n(٩) قوله في \"تفسير الطبري\" ٤/ ٢٩، \"تفسير ابن أبي حاتم\" ٣/ ٧٢٢.\n(١٠) قوله في المصادر السابقة.","vol":"5","page":465},{"text":"زيد (١)، وقال مقاتل (٢): ليس (٣) في آل عمران من المنسوخ إلا هذا (٤).\n_________\n(١) قوله في \"الطبري\" ٤/ ٢٩، \"زاد المسير\" ١/ ٤٣٢، \"المحرر الوجيز\" ٣/ ٢٤٦.\n(٢) لم أقف على نص قوله هذا في تفسيره، وقد أورده الثعلبي في \"تفسيره\" ٣/ ٨٦ أ. وقد نص مقاتل في تفسيره على نسخها بآية التغابن. انظر: \"تفسيره\" ١/ ٢٩٢.\n(٣) في (ب): (آيتين). بدلًا من: (ليس).\n(٤) ممن قال بنسخها من الذين كتبوا في النسخ: هبة الله بن سلامة في \"الناسخ والمنسوخ\" له: ٦٢، ١٨١، وأبو عبد الله محمد بن حزم في \"الناسخ والمنسوخ\" له: ٣١، والبازري في \"ناسخ القرآن ومنسوخه\" له: ٢٨، وعبد القاهر البغدادي في \"الناسخ والمنسوخ\" له: ٩٢. والكرمي في \"قلائد المرجان\" ٨١.\nولكن ذهب آخرون إلى إحكام هذه الآية وعدم نسخها -وهو الراجح-؛ لأنه لا تعارض بين الآيتين؛ حيث إن آية سورة التغابن من قبيل المفسِّر والمبيِّن للمُبْهَم الوارد في آية سورة آل عمران؛ وذلك أنَّ (حقّ تُقاته) إنما هو بقدر الاستطاعة؛ لأنه ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ -٢٨٦ البقرة-، فمعنى الآية: أن نتَّقي اللهَ حقَّ تقاته، ما استطعنا، وُيبَين النَّحاسُ هذا بقوله:\n(محال أن يقع في هذا ناسخ ولا منسوخ، إلا على حيلة؛ وذلك أن معنى (نسخ الشيء): إزالته بضدِّه، فمحال أن يقال: ﴿اتَّقُوا اللهَ﴾ منسوخ، ولا سيما مع قول رسول الله - ﷺ -، مما فيه بيان الآية) ثم ذكر رواية معاذ بن جبل عن رسول الله - ﷺ -: (قال لي رسول الله - ﷺ -: (يا معاذ أتدري ما حق الله -﷿- على العباد؟) قلت: الله ورسوله أعلم. قال: (أن يعبدوه، فلا يشركوا به شيئًا). أفلا ترى أنه محال أن يقع في هذا نسخ؟).\nثم ذكر رواية ابن عباس من طريق الوالبي التي أوردها المؤلف سابقًا، وقال: (فكل ما ذكر في الآية، واجب على المسلمين أن يستعملوه، ولا يقع فيه نسخ. وهذا هو قول النبي - ﷺ -: أن تعبدوه لا تشركوا به شيئًا، وكذا على المسلمين، كما قال ابن مسعود: أن تطيعوه فلا تعصوه، وتذكروه فلا تنسوه، وتشكروه ولا تكفروه، وأن تجاهدوا فيه حق جهاده فأما قول قتادة -مع محله من العلم-: إنها نسخت.=","vol":"5","page":466},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= فيجوز أن يكون معناه نزلت ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ بنسخ: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾، وأنها مثلها؛ لأنه لا يُكلَّفُ أحدٌ إلا طاقته). \"الناسخ والمنسوخ\" له: ٢٨٢ - ٢٨٤. وقال مكي بن أبي طالب -مؤكدًا القول بإحكام الآية وعدم نسخها-:\n(وهذا القول حسن؛ لأن معنى ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾: اتَّقوه بغاية الطاقة، فهو قوله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ إذ لا جائز أن يكلِّفَ اللهُ أحدًا ما لا يطيق، وتقوى الله بغاية الطاقة واجب فرض لا يجوز نسخه؛ لأن في نسخه إجاة التقصير من الطاقة في التقوى، وهذا لا يجوز). \"الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه\" ١٧١. ويؤكد هذا ما ورد عن طاوس بن كيسان في تفسير هذه الآية، وهو قوله: (وهو أن يُطاع فلا يُعصَى، فإن لم تفعلوا، ولن تستطيعوا، ﴿فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، قال: على الإسلام، وعلى حرمة الإسلام). أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٤/ ٣٠، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٣/ ٧٢٣ واللفظ له.\nويرجح هذا المعنى: أن معنى النسخ عند السلف أعم وأشمل من المعنى الإصطلاحي، وهو: (رفع حكم شرعي متقدم بدليل شرعي متأخر عنه)، بل يشمله ويشمل غيره، وقد بين الشاطبي هذا الأمر فقال:\n(الذي يظهر من كلام المتقدمين، أن النسخ عندهم في الإطلاق، أعم منه في كلام الأصولين: فقد يطلقون على تقييد المطلق نسخًا، وعلى تخصيص العموم بدليل متصل أو منفصل نسخًا، كما يطلقون على رفع الحكم الشرعي بدليل متأخر نسخا؛ لأن جميع ذلك مشترك في معنى واحد، وهو أن النسخ في الإصطلاح المتأخر اقتضى أن الأمر المتقدم غير مراد في التكليف، وإنما المراد: ما جيء به آخرًا، فالأول غير معمول به، والثاني هو المعمول به). الموافقات: ٣/ ١٠٨.\nوبمثله قال ابن القيم في إعلام الموقعين: ١/ ٣٥.\nوممن رجح كون الآية محكمة غير منسوخة، وأن المراد بها هو: تقوى الله قدر الاستطاعة: الطبري في \"تفسيره\" ٤/ ٢٩، وابن عطية في \"المحرر الوجيز\" ٣/ ٢٤٦، وابن الجوزي في المصفى بأكف أهل الرسوخ من علم \"الناسخ والمنسوخ\" ١٢٢، والكيا الهراسي في \"أحكام القرآن\" ١/ ٢٩٨، والفخر الرازي في \"تفسيره\" ٨/ ١٦٧. ومن المعاصرين: د. مصطفى زيد في \"النسخ في القرآن\" ٢/ ٦١٤ - ٦١٥.","vol":"5","page":467},{"text":"وقوله تعالى: ﴿ولَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ لفظ (١) النَّهْي واقعٌ على الموت، والمعنى واقعٌ على الأمر بالإقامة (٢) على الإسلام.\nالمعنى: كونوا على الإسلام فإذا أورد (٣) عليكم الموت، صادفكم على ذلك (٤).\nوقال بعض أهل المعاني (٥): هذا في الحقيقة، نَهْيٌ عن ترك الإسلام؛ المعنى: لا تتركوا الإسلام فإن الموت لابد منه، فمتى (٦) صادفكم، [صادفكم] (٧) عليه، إلّا أنه وضع كلامًا موضع كلام؛ لِحُسْنِ الاستعارة؛ لأنه لَمَّا كان يمكنهم الثبات على الإسلام، حتى إذا أتاهم الموت، لاقاهم وهم على الإسلام، صار الموت على الإسلام، بمنزلة ما (٨) قد [دَخَلَ] (٩) في إمكانهم. وقد مضى الكلام في هذا عند قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّين﴾ [البقرة: ١٣٢]، الآية.\n_________\n(١) من قوله: (لفظ ..) إلى (صادفكم على ذلك): نقله -بنصه- عن: \"معاني القرآن\" للزجاج: ١/ ٤٤٩.\n(٢) في (ب): (والإقامة).\n(٣) في (ب): (اود). وفي \"معاني القرآن\": (ورد).\n(٤) في (ب): (الإسلام): بدلًا من (ذلك).\n(٥) لم أقف عليهم. وقد نقل هذا القول، بتصرف: الفخر الرازي في \"تفسيره\" ٨/ ١٧٧. ونقله -بنصه- الخازن في \"تفسيره\" ١/ ٣٢٨ دون أن ينسباه لقائل.\n(٦) في (ب): (التي).\n(٧) ما بين المعقوفين زيادة من (ج). و\"تفسير الفخر الرازي\"، و\"تفسير الخازن\".\n(٨) في (ب): (من).\n(٩) ما بين المعقوفين في (أ)، (ب)، (ج): (دخله). ولكن لم أر لها وجهًا، وأثبتُّها من تفسير الفخر الرازي، وتفسير الخازن.","vol":"5","page":468},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-607>١٠٣ </span>- وقوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ﴾. الآية. ذكرنا معنى (الاعتصام) (١). وأما (الحَبْل)؛ فقال أبو عبيد (٢): أصل الحَبْل في كلام العرب، ينصرف على وجوهٍ منها: (العَهْدُ) وهو الأمان (٣)، وذلك أن العرب كانت تخفيف بعضها بعضًا في الجاهلية، فكان (٤) الرجل إذا أراد سفرًا أخذ عهدًا مِن (٥) سيِّد القبيلة (٦)، فَيَأمَن به ما دام في تلك القبيلة، حتى ينتهي إلى الأخرى، فيأخذ مثلَ ذلك أيضًا، يريد به الأمان. وربما أعطاه حَبْلًا أو سَهْمًا (٧).\nو(٨) هذا المعنى ذَكَرَهُ الأعشى في قوله يذكر مَسِيرا له (٩):\nوإذا تُجَوِّزُها حِبَالُ قَبِيلةٍ ... أَخَذَتْ مِنَ الأخْرَى إليكَ حِبَالَها (١٠)\n_________\n(١) عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ﴾. الآية: ١٠١ من هذه السورة.\n(٢) في \"غريب الحديث\" له: ٢/ ٢١٩ نقله عنه بتصرف. وانظر: \"تهذيب اللغة\" ١/ ٧٣٠ (حبل).\n(٣) انظر: \"ما اتفق لفظه واختلف معناه\" لليزيدي: ١٢١ - ١٢٢.\n(٤) في (ج): (وكان).\n(٥) في (ب): (على).\n(٦) في (ب)، (ج): (القبيل).\n(٧) في (ب): (أن سهل). بدلًا من: (حبلًا أو سهامًا). وقوله: (وربما أو سهما): غير موجودة في \"غريب الحديث\". وقال السمين الحلبي معلقًا على هذا القول: (وهذا معنى غير طائل، بل سُمِّي العهد حبلًا للتوصل به إلى الغرض). \"الدر المصون\" ٣/ ٣٣٢.\n(٨) في (ب): (في).\n(٩) في \"غريب الحديث\": (يذكر مسيرًا له، وأنه كان يأخذ الأمان من قبيلة إلى قبيلة، فقال لرجل يمتدحه) وذَكَرَ البيتَ.\n(١٠) البيت، في ديوانه: (١٥١). كما ورد منسوبًا له، في \"غريب الحديث\" لأبي عبيد:=","vol":"5","page":469},{"text":"قال أبو عبيد: (١) فالاعتصام بحبل الله؛ هو: ترك الفرقة، واتباعُ القرآن؛ لأن المؤمن إذا اتبع القرآن، أَمِنَ العذابَ (٢)، كما أن الآخذ [عهد] (٣) سيِّد القبيلة يأمَنُ به.\nقال ابن الأنباري (٤): لمَّا ذَكَرَ اللهُ ﷿ الاعتصامَ، ذكر الحبلَ، إذ كان العهد في التمسك به والتوصل، يجري مجرى الحبل، فأقامه الله تعالى مقامه، وأجراه مُجراهُ، ولم تزل العربُ تُشَبِّهُ العهودَ بالحبالِ.\nقال الشاعر:\n_________\n= ٢/ ٢١٩، \"تأويل مشكل القرآن\" ٤٦٥، \"المعاني الكبير\" ١١٢٠، \"تفسير الطبري\" ٤/ ٣٠، \"معاني القرآن\" للزجاج: ١/ ٤٥٠، \"الزاهر\" ٢/ ٣٠٧، \"تهذيب اللغة\" ١/ ٧٣٠ (حبل)، \"معاني القرآن\" للنحاس: ١/ ٤٥٣، \"مقاييس اللغة\" ٢/ ١٣١، \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٨٦ ب، \"المجموع المغيث في غريبي القرآن والحديث\" لأبي موسى المديني: ١/ ٣٩٤، \"اللسان\" ٢/ ٧٦٠ (حبل)، \"التاج\" ١٤/ ١٣٤ (حبل)، وغيرها. وورد غير منسوب في الموضع في \" التفسير\" ٣٨.\nوروايته في الديوان: (فإذا تجوزها ..)، وعند الزجاج: (وإذا أجوز بها ..). وهذا بيت من قصيدة يمدح فيها الشاعر قيس بن معد يكرب، ويقول فيها مخاطبًا له، وذاكرًا ناقته -أي: ناقة الشاعر-: إنها -وهي تمر في أراضي القبائل، قاصدةً إليك-، لا يُسَوِّغ لها هذا المرور، ولا يُسَهِّل لها قطعَ هذه الطرق، إلا ما تأخذه من عهود الأمان من هذه القبائل، وهكذا من قبيلة إلى قبيلة حتى تصل إليك. انظر: \"المعاني الكبير\" ١١٢٠، \"المقاييس\" ٢/ ١٣١.\n(١) في \"غريب الحديث\" له ٢/ ٢١٩. نقله عنه بالمعنى.\n(٢) في (ب): (العرب).\n(٣) ما بين المعقوفين: غير مقروء في (أ). وفي (ب): (عن). والمثبت من (ج).\n(٤) لم أقف على مصدر قوله.","vol":"5","page":470},{"text":"مازلتُ معتَصِمًا بِحَبْلٍ منكُمُ ... مَن حَلَّ ساحَتَكم بأسبابٍ نَجَا (١)\nأي: بعهد وذِمَّةٍ.\nفَسُمَي عهدُ الله حبلًا؛ لأنه سبب النجاة، كالحبل الذي يُتمسك به للنجاة من [سبي] (٢). ونحوها (٣).\nقال ابن عباس (٤): أي: تمسكوا بدين الله (٥). وقال قتادة (٦)، والسدي (٧)، والضحاك (٨): حبل الله، هو: القرآن (٩).\n_________\n(١) لم أقف على قائله. وقد ورد في مادة (حبل) في \"تهذيب اللغة\" ١/ ٧٣١، \"اللسان\" ٢/ ٧٥٩.\n(٢) هنا كلمة غير مقروءة في (أ)، (ج). وفي (ب): (شيء)، ولم أر لها وجهًا.\n(٣) في (ب): (ونحوهما).\nقال ابن الأنباري: (والحبل توقعه العرب على السبب تشبيهًا له بالحبل المعروف والسبب المذكور في القرآن هو الحبل، سمَّاه الله -﷿- سببًا؛ لأنه يوصل من تمسك به إلى الأمر الذي يَؤُمُّهُ. وكذلك الأسباب المعروفة هي وُصلات وأسباب تصل شيئًا بشيء ..). \"الزاهر\" ٢/ ٣٠٧، وانظر: \"تأويل مشكل القرآن\" ٤٦٤ - ٤٦٩، \"تفسير الطبري\" ٤/ ٣٠.\n(٤) قوله في \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٨٦ ب، \"زاد المسير\" ١/ ٤٣٣.\n(٥) وقد ورد نفى هذا المعنى عن ابن زيد، في \"تفسير الطبري\" ٤/ ٣٠، \"النكت والعيون\" ١/ ٤١٤، \"زاد المسير\" ١/ ٤٣٣.\n(٦) قوله في \"تفسير الطبري\" ٤/ ٣١، \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٨٦ - ب، \"النكت والعيون\" ١/ ٤١٣، \"زاد المسير\" ١/ ٣٣. وفي رواية أخرى عنه، فسره بـ (عهد الله وأمره). انظر: \"تفسير الطبري\" ٤/ ٣١، \"تفسير ابن أبي حاتم\" ٣/ ٧٢٤.\n(٧) قوله في \"تفسير الطبري\" ٤/ ٣١، والمصادر السابقة.\n(٨) قوله في \"تفسير الطبري\" ٤/ ٣١، \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٨٦ ب.\n(٩) ورد عنه - ﷺ - تفسير (حبل الله)، بقوله: (كتاب الله، حبل الله ممدود من السماء إلى الأرض). ورد ذلك من رواية أبي سعيد الخدري، أخرجها: أحمد، في \"المسند\" =","vol":"5","page":471},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ٣/ ١٤، ١٧، ٢٦، ٥٩. والترمذي، في \"السنن\" ٥/ ٦٦٣ رقم (٣٧٨٨) كتاب المناقب، باب: (مناقب أهل البيت). وأورده من طريقين: الأعمش، عن عطية، عن أبي سعيد. والأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن زيد بن أرقم. وقال: (هذا حديث حسن غريب).\nوأخرجه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" ٦/ ١٣٤ (٣٠٠٧٢)، والطبري في \"تفسيره\" ٤/ ٣١، والثعلبي في \"تفسيره\" ٣/ ٨٧ ب، وابن أبي عاصم في \"السنة\"٦٣٠ (١٥٥٤). وأورده الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" ٩/ ١٦٣ ونسب إخراجه إلى الطبراني في \"الأوسط\" وقال: (وفي سنده رجال مختلف فيهم)، وأورده السيوطي في \"الدر\" ٢/ ١٠٧. ومدار سنده عندهم على عطية العوفي، وهو ضعيف، ويخطئ كثيرًا، وكان شيعيًّا مدلِّسًا.\nانظر: \"ميزان الاعتدال\" ٣/ ٤٧٦، \"تقريب التهذيب\" ٣٩٣ (٤٦١٦).\nوورد بلفظ: (إني تارك فيكم كتاب الله، هو حبل الله ..)، من رواية يزيد بن حبان، عن زيد بن أرقم. أخرجه: ابن أبي شيبة في \"المصنف\" ٦/ ١٣٤ (٣٠٠٦٩)، وابن حبان في \"صحيحه\" ١/ ٣٣٠ - ٣٣١ (١٢٣)، والثعلبي في \"تفسيره\" ٣/ ٨٧ ب.\nوورد بنفس السند وبنحو لفظه، إلا أنه ليس فيه تفسيره بأنه حبل الله، وإنما ورد فيه: (وأنا تارك فيكم ثَقَلَيْن: أولهما كتاب الله ..). أخرجه:\nمسلم في \"الصحيح\" (٢٤٠٨) كتاب: فضائل الصحابة، باب: من فضائل علي بن أبي طالب. وأحمد في \"المسند\" ٤/ ٣٦٦ - ٣٦٧، وابن أبي عاصم في \"السنة\" ٦٢٩ (١٥٥١)، والبيهقي في \"السنن\" ٤/ ٢٠٩٠ (٣٣٥٩)، والدارمي في \"السنن\" ٢/ ٤٣١ كتاب: فضائل القرآن، باب: فضل من قرأ القرآن.\nووردت تفسيراتٌ أخرى لـ (حبل الله) عن بعض السلف، منها: أنه: طاعة الله، وقيل: إخلاص التوحيد، وقيل: الجماعة، وقيل: عهد الله.\nانظر: \"تفسير الطبري\" ٤/ ٣١، \"تفسير ابن أبي حاتم\" ٣/ ٧٢٣، ٧٢٤.\nوالاختلاف -هنا- من قبيل اختلاف التّنَوُّع، وليس التَّضاد، فإن من التزم القرآن فقد التزم الإسلام -أصلا-، وبالتالي، فقد أطاع الله، واستقام على عهده، وهو ما عليه جماعة المسلمين.","vol":"5","page":472},{"text":"والخطاب في هذه الآية للأوس والخزرج (١).\nوقوله تعالى: ﴿جَمِيعًا﴾ منصوب (٢) على الحال؛ المعنى: اعتصموا بحبل الله، مجتمعين على الاعتصام به.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ قال ابن عباس (٣): أي: كما كنتم في الجاهلية مقتتلين على غير دين الله.\nوقال قتادة (٤): لا تفرقوا عن دين الله الذي أمر فيه بلزوم الجماعة، والائتلاف على الطاعة.\nوقال الزجاج (٥): أي: تناصروا على دين الله، ولا تتفرقوا (٦).\nوقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ قال ابن عباس (٧): يريد: دين الإسلام.\n﴿إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً﴾ يريد: ما كان بين الأوس والخزرج من الحرب التي (٨) تطاولت عشرين (٩) ومائة سنة، إلى أن ألَّفَ اللهُ ﷿ بين قلوبهم\n_________\n(١) ويدخل فيه المسلمون عمومًا؛ لأن العبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب، كما هو مقرر فى أصول هذا الفن.\n(٢) من قوله: (منصوب ..) إلى (الاعتصام به): نقله بنصه عن \"معاني القرآن\" للزجاج: ١/ ٤٥٠.\n(٣) لم أقف على مصدر قوله.\n(٤) قوله في \"تفسير الطبري\" ٤/ ٣٢ بنحوه، \"النكت والعيون\" ١/ ٤١٤.\n(٥) في \"معاني القرآن\" له: ١/ ٤٥٠ نقله عنه بنصه. وقد فسره الزجاج بلازمه؛ لأن التناصر من لوازم الوحدة وعدم التفرق.\n(٦) (ولا تتفرقوا): غير موجودة في \"معاني القرآن\".\n(٧) لم أقف على مصدر قوله.\n(٨) في (ج): (الذي).\n(٩) في (ج): (عشرون).","vol":"5","page":473},{"text":"بالإسلام، فزالت تلك الأحقاد، وصاروا إخوانًا في الإسلام، مُتَوادِّينَ على ذلك (١).\nقال الزجاج (٢): وأصل (الأخ) في اللغة [مِن] (٣) [(التَّوَخِّي)، وهو] (٤): الطَّلَبُ. فالأخ [مقصده مقصد] (٥) أخيهِ، وكذلك هو في الصداقة: أن تكون إرادةُ كلِّ واحدٍ من الأَخَوَيْنِ موافقةً (٦) لِمَا يُريد صاحِبُه (٧).\n_________\n(١) انظر حول ذلك: \"تفسير الطبري\" ٤/ ٣٣، \"الكامل\" لابن الأثير ١/ ٤٠٢ - ٤٢٠.\n(٢) في \"معاني القرآن\" له: ١/ ٤٥١. نقله عنه بتصرف.\n(٣) ما بين المعقوفين غير مقروء في (أ). ولكنه بعد التمعن والتدقيق قد يقرأ (من) كما\nأثبتُه. وقد وجدته كذلك في تفسير الفخر الرازي:٨/ ١٧٩؛ حيث نقل عبارة\nالزجاج كما هي عند المؤلف- هنا-.\n(٤) ما بين المعقوفين زيادة من (ج).\nوقوله: (من التوخي، وهو الطلب) ليس في \"معاني القرآن\" وإنما حكى المؤلف المعنى، ونصها عند الزجاج -في آخر كلامه-، كالتالي: (والعرب تقول: (فلان يَتَوَخَّى مَسَارَّ فلانٍ)؛ أي: يقصد ما يسره).\n(٥) ما بين المعقوفين غير مقروء في (أ). وفي (ب): (مقصد فمقصد). والمثبت من (ج).\n(٦) في (ج): (مفارقة).\n(٧) قال الأزهري: (وأصله من: (وَخَى، يَخِي): إذا قصد. فقلبت الواو همزة). \"تهذيب اللغة\" ١/ ١٢٨ (أخو). ونقل عن أبي عمرو: (وَخى فلان يَخي وخيْا: إذا توجه لأمر). المصدر السابق: ٤/ ٣٨٥٦ (وخى). وانظر: \"معجم مقاييس اللغة\" ٦/ ٩٥ (وخى)، ١/ ٧٠ (أخو). وجمع (أخ): (أخُون، وإخْوان، وإخْوَة، وأخْوَة، وآخاء). ويرى سيبويه أن (إخوة) اسم جمع. انظر: \"كتاب سيبويه\" ٣/ ٦٢٥، \"الصحاح\" ٦/ ٢٢٦٤ (أخا)، \"اللسان\" ١/ ٤٠ (أخا).","vol":"5","page":474},{"text":"قال أبو حاتم (١): قال أهل البصرة: (الإخوَةُ؛ في النَّسَبِ، و(الإخوان)؛ في الصَّداقة. قال: وهذا غلط (٢). يقال (٣) للأصدقاء، و[الأنسباء] (٤): (إخوةٌ) و(إخوانٌ). قال الله سبحانه: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠]، ولم يعْنِ (٥) النَّسَبَ.\nوقال ﷿: ﴿أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ﴾ [النور: ٦١]، وهذا في النَّسَبِ. وقوله تعالى: ﴿وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ﴾ (شَفَا الشيءِ): حَرْفُهُ، مقصورٌ (٦)، مثل: شَفَا البئر. والجمع: (الأشفاء). ويقال لِمَا بين الليل والنهار، عِند غُروب الشَّمس، إذا غاب بعضها: (شَفَا).\nقال الراجز:\nأدركتُهُ قَبْلَ شَفًا أو بِشَفَا ... والشمسُ (٧) قدكادت تَكُونُ دَنَفَا (٨).\n_________\n(١) قوله في \"تهذيب اللغة\" ١/ ١٢٨ (أخ)، نقله باختصار وتصرف يسير. وقد تقدمت ترجمته.\n(٢) في \"التهذيب\"، وهذا خطأ وتخليط.\n(٣) في (ج): (فقال).\n(٤) ما بين المعقوفين: مطموس في (أ). وفي \"تهذيب اللغة\" وغير الأصدقاء. والمثبت من (ب)، (ج).\n(٥) في (ب): (يقل).\n(٦) في (ج): (مقصورة).\n(٧) في (ج): (فالشمس).\n(٨) البيت، للعجاج، وهو في ديوانه (تح: د. عزة حسن): ٤٩٣. كما ورد في \"مجاز القرآن\" ١/ ٣٨٨، \"العين\" ٦/ ٢٨٨، ٨/ ٤٨، \"غريب الحديث\" لأبي عبيد: ٢/ ٤٢٧، \"إصلاح المنطق\" ٤٠٩، \"الجمهرة\" ٢٧٤، ٦٧٩، \"الخصائص\" ٢/ ١١٩، \"المخصص\" ٩/ ٢٥، ١٧/ ٣١، \"المقاييس\" ٢/ ٣٠٤، \"اللسان\" ٣/ ١٤٣٢ - ١٤٣٣ (دنف)،١٤/ ٤٣٧ (شفى). =","vol":"5","page":475},{"text":"ومِن هذا، يقال: (أشفى على الشيء): إذا أشرف عليه؛ كأنه بلغ شَفَاهُ؛ أي: حَدَّهُ وَحَرْفَه (١).\nقال ابن عباس (٢): يريد: لو مُتُّمْ على ما كنتم عليه في الجاهلية، لكنتم من أهل النار.\nوقوله تعالى: ﴿فَأَنْقَذَكُمْ﴾ قال الأزهري (٣): يقال: (نَقَذْتُهُ)، و(أنقَذتُه)، و(استَنْقذتُه)، و(تَنَقّذتُه)؛ أي: خلَّصته ونجَّيته. ومنه يقال (٤):\n_________\n= وورد في الديوان: (أشرفته قبل شفا). وفي \"إصلاح المنطق\"، \"المخصص\"، \"اللسان\": (أشرفته بلا شفى).\nوقال في \"اللسان\" -في تفسير البيت-: (بلا شفى)؛ أي: وقد غابت الشمس، (أو بشفى)؛ أي: وقد بقيت منها بقية) ٤/ ٢٢٩٤ (شفى).\nيقال: (شَفَت الشمسُ، تشفو، وتشفي)، و(شفيت شَفًى)، فالكلمة واوية ويائية. انظر المصدر السابق: ٤/ ٢٢٩٤ (شفى).\nو(الدَّنَف): هو المرض اللازم، وقيل: مطلق المرض. ويقال: (رجلٌ دَنَفٌ، ودنِف، ومُدْنَف، ومدْنِف)؛ أي: براه المرضُ حتى أشفى على الموت. ويقال: (دِنفَت الشمس وأدْنَفَت): إذا دنت للمغيب أو أصفَّرَتْ.\nوأراد في البيت: مداناة الشمس للغروب، فكأنها حينئذ كالشخص الدَّنِفِ، وهو استعارة انظر: \"اللسان\" ٣/ ١٤٣٢ - ١٤٣٣ (دنف).\n(١) انظر المعاني السابقة في مادة (شفا)، في \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٩٠٢، \"تفسير الطبري\" ٤/ ٣٦ - ٣٧، \"المخصص\" ٩/ ٢٥، \"اللسان\" ٤/ ٢٢٩٤ - ٢٢٩٥.\n(٢) لم أقف على مصدر قوله. وقد ورد بنحوه عن السدي، في \"تفسير الطبري\" ٤/ ٣٨، \"تفسير ابن أبي حاتم\" ٣/ ٧٢٦.\n(٣) في \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٤٦٤٣ (نقذ). نقله عنه بنصه.\n(٤) هذا قول أبي عبيد، كما في المصدر السابق: ٤/ ٤٦٤٣ (نقذ).","vol":"5","page":476},{"text":"(النقائِذ)، للخيل التي (١) تُنُقِّذَت مِن أيدي الناس (٢) وقوله تعالى: ﴿مِنْهَا﴾.\nالكناية (٣) راجعةٌ إلى النار، لا إلى الشَّفا؛ لأن القصد: الإنجاء مِن النَّارِ لا مِن شَفَا الحفرة. هذا قول الزجاج (٤).\nوقال غيره (٥): الكِناية تعود إلى الحفرة، فإذا أنقذهم الله من الحفرة، فقد أنقذهم من شَفَاها؛ لأن شفاها منها. على أنه يجوز أن يُذكَر المضافُ، والمضافُ إليه، ثم تعود الكنايةُ إلى المضاف إليه دون المضاف، فذكر الشفا، وعادت الكناية إلى الحفرة. كقول (٦) جرير:\n[أَرَى مَرَّ] (٧) السِّنِين أَخَذْنَ مِني ... كما أخَذَ السِّرَارُ مِنَ الهِلالِ (٨)\n_________\n(١) في (ب): (الذي)\n(٢) قال ابن دريد: (وكل شيء استرجعته من عدوك من بعير أو فرس، فهو: (نقِيذ)، والجمع: (نقائذ). \"الجمهرة\" ٧٠٠.\n(٣) أي: الضمير.\n(٤) في \"معاني القرآن\" له: ١/ ٤٥١. وهو معنى قوله.\n(٥) ممن قال بذلك: أبو عبيد، في \"مجاز القرآن\" ١/ ٩٨، والطبري، في \"تفسيره\" ٤/ ٣٧ - ٣٨.\n(٦) من قوله: (كقول ..) إلى (وكذلك شفا الحفرة): ساقط من: (ب).\n(٧) ما بين المعقوفين غير مقروء في (أ). والمثبت من (ج)، ومصادر البيت.\n(٨) البيت في ديوانه: ٣٤١. وقد ورد منسوبًا له، في \"مجاز القرآن\" ١/ ٩٨، ٢/ ٨٣، \"الكامل\" للمبرد: ٢/ ١٤١، \"تفسير الطبري\" ٤/ ٣٧، \"الأصول في النحو\" ٣/ ٤٧٨، \"البحر المحيط\" ٣/ ١٩، \"الدر المصون\" ٣/ ٣٣٧، \"الدر اللوامع\" ١/ ٢٠.\nوورد غير منسوب، في \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٣٧، \"المقتضب\" ٤/ ٢٠٠، \"تهذيب اللغة\" ١/ ١٠٤٩، \"الصاحبي\" ٤٢٣، \"اللسان\" ٢/ ١١٨٧ (خضع)، \"همع الهوامع\" ١/ ٤٧. =","vol":"5","page":477},{"text":"فَذَكَرَ (مَرَّ السِّنِين)، ثم أخبر عن السنين.\nوكذلك قول العَجَّاج:\nطُولُ اللَّيالي أسرعت في نَقْضِي ... طَوَيْنَ طُولِي وطَوَيْنَ عَرْضِي (١)\n_________\n= وروايته في الديوان وأكثر المصادر: (رأت مرَّ السنين ..).\nوالسِّرَارُ: هي آخر ليلة من الشهر. ويقال: (سَرَرُ الشهر، وسَرارُه، وسِراره)، وهو مشتق من: (استسر القمرُ)؛ أي: خفي ليلة السرار، وقد يكون ذلك ليلةً، أو ليلتين. انظر: \"الصحاح\" ٦٨٢ (سرر).\nقال الأستاذ محمود شاكر: (وأراد جرير بـ (السرار) -في هذا البيت-: نقصان القمر حتى يبلغ آخر ما يكون هلالًا، حتى يخفى في آخر ليلة، فهذا النقصان هو الذي يأخذ منه ليلة بعد ليلة، أما (السِّرَار) الذي شرحه أصحاب اللغة، فهو ليلة اختفاء القمر، وذلك لا يتفق في معنى هذا البيت). هامش \"تفسير الطبري\" ٧/ ٨٦ (ط. شاكر).\nقال ابن السراج: (فقال (أخَذْنَ)، فردَه إلى السنين، ولم يرده إلى (مَرّ)؛ لأنه لا معنى للسنين إلّا مرُّها). \"الأصول في النحو\" ٣/ ٤٧٨.\n(١) البيت من الرجز، في ملحق ديوانه (بعناية: وليم بن الورد، نشر ليبسك ١٩٠٣ م): ٨٠، مما نسب له.\nوقد ورد منسوبًا له، في \"كتاب سيبويه\" ١/ ٥٣، \"مجاز القرآن\" ١/ ٩٩، \"تفسير الطبري\" ٤/ ٣٧، \"المخصص\" ١٧/ ٧٨.\nوقد نسبته بعض المصادر للأغلب العجلي، ومنها: \"المُعمِّرون\" لأبي حاتم السجستاني (تح: عبد المنعم عامر، ط: البابي الحلبي - مصر ١٩٦١م) ١٠٨، و\"الأغاني\" ٢١/ ٢٨، \"المقاصد النحوية\" ٣/ ٣٩٥، \"التصريح\" للأزهري ٢/ ٣١، \"خزانة الأدب\" ٤/ ٢٢٤ - ٢٢٦.\nوورد غير منسوب، في \"البيان والتبيين\" للجاحظ: ٤/ ٦٠، وقال فيه: (ورأى معاويةُ هُزالَه وهو مُتَعر، فقال: ..) وذَكَرَه. ولا يدلُّ هذا على أنه لمعاوية، بل قد يكون مما استشهد به من حفظه، وورده في \"المقتضب\" ٤/ ١٩٩، \"الخصائص\" ٢/ ٤١٨، \"الأصول في النحو\" ٣/ ٤٨٠، \"الصاحبي\" ٤٢٣، \"مغني اللبيب\" ٦٦٦=","vol":"5","page":478},{"text":"وهذا إذا كان المضاف من جنس المضاف إليه (١). فإن (مَرَّ السنين)، هو السنون. وكذلك (شَفَا الحفرة). فَذَكَرَ الشَّفَا وعادت الكناية إلى الحفرة (٢).\nوقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ﴾ الكاف (٣) في موضع نصب (٤)؛ أي: مِثْلَ البَيَانِ الذي يُتلى عليكم، يُبَيِّنُ اللهُ لكم آياته لعلكم تهتدون؛ أي: لتكونوا على رجاء هدايته.\n_________\n= (وانظر:\"شرح شواهد المغني\" ٨٨١)، \"منهج السالك\" ٢/ ٢٨٤.\nوقد ورد برواية: (إن الليالي ..) و(أرى الليالي ..)، ولا شاهد فيه -هنا- على هاتين الروايتين. وورد: (مرُّ الليالي ..).\nوورد الشطر الثاني برواية: (نَقَّضن كلِّي ونقضن بعضي)، و(أخَذْنَ بعضي وتَرَكْنَ بعضي). والشاهد فيه: أنه تكلم عن (طول الليالي)، ولكن أخبر عن الليالي، حيث أنَّثَ (أسرعت)، و(طَوَيْنَ) مع أنه يعود على (طول) وهو مذكر؛ وذلك لاكتسابه التأنيث من المضاف إليه، وهو (الليالي)، وليس الطول شيئًا غيرها، فأخبر عنها، دون الطول.\n(١) (إليه): ساقطة من: (ج).\n(٢) وذهب أبو حيان إلى عَوْد الضمير على (الشفا)، وعلَّلَ قائلًا: (لأن كينونتهم على الشفا، هو أحد جزئي الإسناد، فالضمير لا يعود إلا عليه، وأما ذكر الحفرة فإنما جاءت على سبيل الإضافة إليها ..) ثم أضاف: (وأما ذكر النار فإنما جيء بها لتخصيص الحفرة، وليست -ايضًا- أحد جزئي الإسناد [و] لا محَدّثا عنها، و-أيضًا- فالإنقاذ من الشفا أبلغ من الإنقاذ منها لا يستلزم الإنقاذ من الشفا، فعَوْدهُ على الشفا هو الظاهر من حيث اللفظ ومن حيث المعنى). \"البحر المحيط\" ٣/ ١٩.\n(٣) من قوله: (الكاف) إلى (هدايته): نقله بنصه عن \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٤٥١.\n(٤) وفي هذه الحالة إما أن تكون نعتًا لمصدر محذوف، أو تكون حالًا؛ أي: (يبيِّن بيانًا مثل ذلك البيان). أو: (يبيِّن لكم تبيينًا مثل تبيينه لكم الآيات الواضحة). انظر: \"الفريد في إعراب القرآن\" ١/ ٦١٢، \"الدر المصون\" ٣/ ٣٣٨.","vol":"5","page":479},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-608>١٠٤ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ﴾. الآية. (مِنْ) دخلت لتخص المُخاطَبِين مِن سائر الأجناس، و[ليس المُراد] (١) به التبعيض (٢)، [وهذا] (٣) كما تقول: (لِفُلان من أولادِهِ جُهْدٌ)، و(للأمير مِن غِلْمانِهِ عِدَّةٌ)؛ تريد بذلك: جميعَ أولاد وغلمانه، لا بعضهم. وقد قال الله تعالى (٤): ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ [الحج: ٣٠]، ليس (٥) يأمرهم باجتناب بعضِ الأوثان، ولكن المعنى: اجتنبوا الأوثان، فإنها رِجْسٌ (٦). ومثله من الشعر، قولُ الأعشى (٧):\nأخُو رغائِبَ يُعْطِيها ويُسْأَلُها ... يأبَى الظُّلامَةَ مِنْهُ النّوْفَلُ الزُّفَرُ (٨)\n_________\n(١) ما بين المعقوفين غير مقروء في (أ). وفي (ب): (ومن يراد). والمثبت من (ج).\n(٢) قال المالقي: (وكثيرًا ما تَقْرُب التي للتبعيض من التي لبيان الجنس، حتى لا يُفرق بينهما إلا بمعنى خفي؛ وهو: أن التي للتبعيض تُقَدَّرُ بـ (بعض)، والتي لبيان الجنس تُقدَّر بتخصيص الشيء دون غيره). \"رصف المباني\" ٣٨٩.\n(٣) ما بين المعقوفين زيادة من: (ج).\n(٤) (تعالى): ساقطة من: (ج).\n(٥) من قوله: (ليس ..) إلى (اجتنبوا الأوثان): ساقط من: (ج).\n(٦) ذكر ابن هشام أن بعض العلماء ذهب إلى أن (من) في قوله -تعالى-: ﴿مِنَ اَلأوْثَانِ﴾ للابتداء، والمعنى: فاجتنبوا من الأوثان الرجس؛ أي: عبادتها. وقال -معقِّبًّا على هذا القول-: (وهذا تكلف). \"مغني اللبيب\" ٤٢٠ - ٤٢١.\n(٧) هو: أعشى باهلة، أبو القُحفان، عامر، وقيل: عمر بن الحارث بن رياح الباهلي، من همدان، شاعر جاهلي. انظر: \"المزهر\" ٢/ ٤٥٧، \"الخزانة\" ١/ ١٨٧، \"الأعلام\" ١/ ٢٥٠.\n(٨) ورد البيت منسوبًا له في أكثر المصادر التالية: \"الأصمعيات\" ٩٠، \"الكامل\" للمبرد: ١/ ٥٧، \"معاني القرآن\" للزجاج: ١/ ٤٥٢، \"جمهرة أشعار العرب\" ص٢٥٥، \"الأضداد\" لابن الأنباري:٢٥٢، \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٦٣٧ (نفل)،=","vol":"5","page":480},{"text":"وهو النَّوْفَلُ الزُّفَرُ لا بعضه (١).\n_________\n= \"شرح الأبيات المشكلة\" ٥٢١، \"أمالي المرتضى\" ٢/ ٢١، \"إعراب القرآن\" المنسوب للزجاج: ٢/ ٦٦٥، ٦٦٦، \"التنبيه والإيضاح\" لابن بري: ٢/ ١٩٢، \"زاد المسير\" ١/ ٤٣٤، \"اللسان\" ٣/ ١٨٤٢ (زفر)، ٦/ ٣٧٠١ (قفر)، ٨/ ٤٥١٠ (نفل)، \"خزانة الأدب\" ١/ ١٨٥، ١٨٦، ١١٩٥ وردت روايته في \"الأضداد\": (يعطاها) بدلًا من: (يعطيها)، كما وردت روايته كذلك: (ويَسْلُبُها) -بالبناء للمعلوم-، من: (السلب) بدلًا من: (وُيسألُها).\nوالبيت من قصيدة قالها الشاعر في رثاء أخيه من أمه: المنتشر بن وهب الباهلي. والرغائب: هي العطايا الكثيرة. والمفرد: (رَغِيبة)، وهي: ما يُرغَب فيه من أشياء. والظُّلامَة: هي ما تطلبه عند الظالم، وهي: اسمٌ لما أُخِذَ من الإنسان ظلما. ويقال -كذلك-: (الظليمة)، و(المظلِمة) - بكسر اللام وضمها.\nوالنوفل: السيد من الرجال الكثير الإعطاء للنوافل، وهي: العطايا. وفي \"اللسان\" ٨/ ٤٥١٠ (نفل) ينقل عن ابن الأعرابي: (للنوافل: من ينفي عنه الظلم من قومه؛ أي: يدفعه)؛ من (انتفل من الشيء): انتفى وتبرأ منه، و(انتفل)، و(انتفى) بمعنى واحد، كأنه إبدال منه. انظر المرجع السابق.\nوالزُّفَر: السيد الذي يتحمل بالأموال في الحَمَالات من دَيْن، أو دِيَة، مطيقًا لها. وأصلها من: (ازْدَفَر)؛ أي: حَمَل. والزَّفْرُ: الحَمْل من قولك: (زفَرَ الحِمل، يزفِرُهُ، زفْرا)، و(ازدفَرَهُ) -أيضًا-؛ أي: حمله.\nويقال -كذلك- (زُفَر) للأسد، والجمل الضخم، والرجل الشجاع، والجواد. انظر: (زفر) في \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٥٣٨، \"اللسان\" ٣/ ١٨٤١.\n(١) قال ابن الأنباري: (ومستحيل أن تكون (مِن) -ههنا- تبعيضًا، إذ دخلت على ما لا يتبعض، والعرب تقول: قطعت من الثوب قميصًا، وهم لا ينوون أن القميص قطع من بعض الثوب دون بعض، إنما يدُلُّون بـ (مِن) على التجنيس ..). \"الأضداد\" ٢٥٢ - ٢٥٣. وانظر: \"التنبيه والإيضاح\" لابن بري: ٢/ ١٩٢. وممن ذهب إلى ذلك: الزجاج، في \"معاني القرآن\" ١/ ٤٥٢، ولكنه جوَّز أن تكون (مِن) في الآية تبعيضية. وممن ذهب إلى أنها لبيان الجنس: النحاس، في \"معاني القرآن\" ١/ ٤٥٦. وانظر في هذا الموضوع: \"إعراب القرآن\" المنسوب للزجاج ٢/ ٦٤٤.=","vol":"5","page":481},{"text":"وفيه قول آخر، وهو: إنَّ المراد: تخصيص للعلماء والأمراء، والذين هم أعلامٌ، في الأمر بالمعروف، فهو أمر لجماعة من جملة المسلمين، على الكفاية؛ كأنه قيل: لِيَقُمْ بذلك بعضكم، فأيُّ بعضٍ قام به سقط عن الآخر. ولو كان الأمر للجميع على غير الكفاية لم (١) [تسقط] (٢) الفريضةُ بقيام البعض به (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-609>١٠٥ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا﴾ يعني: اليهود والنصارى في قول أكثر المفسرين (٤). ومعنى ﴿تَفَرَّقُوا﴾، أي: بالعداوة\nوقوله تعالى: ﴿وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ يعني: اختلفوا في الديانة. ولاختلافهم وجوهٌ:\n_________\n= وممن ذهب -كذلك- إلى أن الأمر في هذه الآية عام لكل الأمة: أبو بكر الجصاص، في \"أحكام القرآن\" ٢/ ٢٩ - ٣٤، وأطال النفس في بيان ذلك والاستدلال له، وانتصر لهذا الرأي الشيخ محمد عبده، وأسهب في بيان ذلك. انظر: \"تفسير المنار\" ٤/ ٢٣ وما بعدها.\n(١) في (ب): (ثم).\n(٢) ما بين المعقوفين غير مقروء في (أ). وفي (ب): (تكون). والمثبت من (ج).\n(٣) ممن قال بأن المراد -هنا- بعض الأمة، وهم العلماء: الضحاك، كما في \"تفسير الطبري\" ٤/ ٣٨، ومقاتل بن حيان، كما في \"تفسير ابن أبي حاتم\" ٣/ ٧٢٦، وبكفائية هذا الفرض قال: الطبري، والماوردي، وأبو يعلى الفراء، والزمخشري، والقرطبي، وأبو حيان، وابن تيمية، وابن كثير، وهو رأي جمهور العلماء.\nوانظر: \"الأحكام السلطانية\" للماوردي: ٢٤٠، \"الأحكام السلطانية\" لأبي يعلى: ٢٨٤، \"الكشف\" ١/ ٤٥٢، \"تفسير القرطبي\" ٤/ ١٦٥، \"الحسبة في الإسلام\" لابن تيمية ٦، ٢٠، \"تفسير ابن كثير\" ١/ ٤١٩، \"البحر المحيط\" ٣/ ٢٠.\nقال ابن تيمية: (ويصير فرضَ عَيْن على القادرة إذا لم يقم به غيره). الحسبة: ٦.\n(٤) منهم: ابن عباس، الربيع، والحسن، ومقاتل بن حيان، ومقاتل بن سليمان، =","vol":"5","page":482},{"text":"أحدها: أن اليهود اختلفوا مِن بعد موسى، فصاروا فِرَقًا، والنصارى اختلفوا من بعد عيسى، فصارت (١) فِرَقًا، فأمر الله ﷿ بالاجتماع على كتابه، وأعلَمَ أنَّ التَّفَرُّقَ (٢) فيه، يُفضي بأهله إلى مثل ما أفضى بأهل الكتاب إليه من الكفر.\n_________\n= والطبري، والزجاج.\nانظر: \"تفسير مقاتل\" ١/ ٢٩٣، \"معاني القرآن\" للزجاج: ١/ ٤٥٣، \"تفسير الطبري\" ٧/ ٩٢ - ٩٣، \"تفسير ابن أبي حاتم\" ٣/ ٧٢٨، \"زاد المسير\" ٤٣٥.\nوقد روى أبو هريرة ﵁، قائلًا: قال النبي - ﷺ -: (افترقت اليهود على إحدى أو اثنتين وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على إحدى أو اثنتين وسبعين فرقة، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة).\nأخرجه: أبو داود كتاب: السنة (٤٥٩٦)، باب شرح السنة، والترمذي (٢٦٤٠) كتاب الإيمان، باب ما جاء في افتراق هذه الأمة، وقال: (حديث حسن صحيح). وابن ماجه (٣٩٩١) كتاب الفتن، باب افتراق الأمم، وقال عنه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه: ٢/ ٣٦٤ (حسن صحيح). والحاكم في \"المستدرك\" ١/ ٦، ١/ ١٢٨، وصححه ووافقه الذهبي. وأخرجه أحمد في \"المسند\" ٢/ ٣٣٢، وابن حبان في صحيحه \"الإحسان\" ١٤/ ١٤٠ رقم (٦٢٤٧)، والآجري في الشريعة: ١٥.\nوأورده السخاوي في \"المقاصد الحسنة\" (١٩٠)، وذكره الألباني في \"سلسلة الأحاديث الصحيحة\" رقم الحديث (٢٠٣).\nوورد بنحوه بروايات أخرى فيها زيادات، أخرجها: أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، والآجري، والحاكم، كلهم في المواضع السابقة\nوانظر: \"الدر المنثور\" ٢/ ١١٠ - ١١١، \"كشف الخفاء\" للعجلوني: ١/ ٣٦٩، \"الفوائد المجموعة\" للشوكاني: ٥٠٢، \"فتح القدير\" له: ١/ ٥٥٩، \"سلسلة الأحاديث الصحيحة\" (٢٠٣، ٢٠٤).\n(١) في (ب): (فصاروا).\n(٢) في (ب): (التفريق).","vol":"5","page":483},{"text":"والثاني: أن المراد بالاختلاف ههنا: اختلاف (١) أهل الكتاب في الإيمان (٢) بمحمد ﷺ (٣): فبعضهم آمَنَ، وبعضهم كفر.\nوالثالث: أنَّ الاختلاف ههنا: اختلاف اليهود والنصارى، و(٤) كتابهم جميعًا (٥) التوراة، وهم يختلفون، كل فرقة (٦) منهم ليست على شريعة الأخرى.\nفإن قيل (٧): إذا (٨) كان الاختلاف في الدِّين مذمومًا منهيًا عنه، فَلِمَ اختلفت هذه الأُمَّةُ في المذاهب والدِّيانات؟.\nقلنا: ذاك اختلافٌ في المُجْتَهَدَاتِ، وجميع ذلك مدلولٌ على صحته، فيصير كاختلاف الأحكام المنصوص عليها، مثل: حُكْم المقيم والمسافر، في الصلاة والصيام، ونحو ذلك من الأحكام، في أنَّ كلًّا منها مأذون فيه بالشرع.\nوقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ ولم يقل (جاءت)؛ لجوازِ حذفِ علامَةِ التأنيث من الفعل في التقديم؛ تشبيهًا بعلامة التثنية والجمع (٩).\n_________\n(١) في (ب): (اختلفوا).\n(٢) في الإيمان: ساقطة من: (ج).\n(٣) في (ج): (﵇).\n(٤) في (ب): (في).\n(٥) جميعًا: ساقطة من: (ب).\n(٦) في (ب): (حرفة).\n(٧) فإن قيل: ساقطة من: (ب).\n(٨) في (ب): (إذا).\n(٩) وقال العكبري: (إنما حذف التاء؛ لأن تأنيث البيِّنةِ غير حقيقي، ولأنها بمعنى الدليل). \"التبيان\" ص ٢٠٣.","vol":"5","page":484},{"text":"وقد فسَّرنا ﴿الْبَيِّنَاتُ﴾ في مواضع (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-610>١٠٦ </span>- قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ﴾ انتصاب اليوم على الظرف، والعامل فيه معنى قوله: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ أي: يثبت لهم العذاب يوم تبيض وجوه، و(٢) يعذبون يوم تبيض وجوه (٣).\nومعنى ابيضاض الوجوه: إشراقها (٤) واستنارتها وسرورها واستبشارها (٥)؛ لما تصير إليه من ثواب الله ورحمته؛ كقوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢]، وقوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (٣٨) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ [عبس:٣٨ - ٣٩].\nومعنى اسْوِدادِها: حزنها، وكآبتها، وكسوفها؛ لما تصير إليه من العذاب؛ كقوله: ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ﴾ [عبس: ٤٠]، وقوله تعالى: ﴿وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ﴾ [يونس: ٢٧].\nقال ابن عباس في رواية عطاء (٦): تبيض وجوه المهاجرين\n_________\n(١) انظر تفسير قوله تعالى: ﴿وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ من الآية: ٨٦.\n(٢) في (ج): (أو). بدلا من: (و). و(أو) أولى هنا من (و)؛ لما تتضمنه من معنى المغايرة.\n(٣) أو يكون منصوبًا بفعل محذوف، تقديره: اذكر يوم ... انظر: \"البيان\" للأنباري ١/ ٢١٤، \"التبيان\" (٢٠٣)، \"محاسن التأويل\" للقاسمي ٤/ ٩٣٣.\n(٤) في (ج): (وإشراقها). ومن قوله: (إشراقها ..) إلى (عليها غبرة): موجود بمعناه في \"معاني القرآن\" للزجاج: ١/ ٤٥٢.\n(٥) (سرورها واستبشارها): ساقط من (ج).\n(٦) لم أقف على مصدر هذه الرواية وقد أورد الثعلبي والقرطبي هذا القول وعزواه لعطاء دون رفع لابن عباس. انظر: \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٩٦ ب، \"تفسير القرطبي\" ٤/ ١٦٧.","vol":"5","page":485},{"text":"والأنصار، وتسود وجوه بني قريظة والنضير والذين كذبوا بمحمد - ﷺ -.\nوقال في رواية سعيد بن جبير (١): تَبْيَضُّ وجوهُ أهل السُنَّة، وتَسْوَدُّ (٢) وجوهُ أهل البدعة.\nوقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ﴾ قال الفرَّاء (٣) والزجاج (٤): جواب (أمَّا) محذوفٌ مع القول، وهو: [الفاء] (٥) مع قولٍ مُضمَرٍ، فلما سقط القول، [سقط] (٦) الفاء معه (٧)، والمعنى:\n(فيقال لهم: اكفرتم بعد إيمانكم؟)، وحَذَف القولَ؛ لأن في الكلام دليلًا عليه.\nومثله كثير في التنزيل؛ كقوله: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ (٨)، وقوله: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ\n_________\n(١) أخرجها ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٣/ ٧٢٩، والثعلبي -بسنده- في \"تفسيره\" ٣/ ٩٦ ب. وأوردها البغوي في \"تفسيره\" ٢/ ٨٧، والسيوطي في \"الدر\" ٢/ ١١١ - ١١٢ ونسب إخراجها لأبي نصر في الإبانة، والخطيب في تاريخه، واللالكائي في \"السنة\".\n(٢) في (ج): (وتبيض).\n(٣) في \"معاني القرآن\" له:١/ ٢٢٨.\n(٤) في \"معاني القرآن\" له: ١/ ٤٥٤.\nوانظر: \"معاني القرآن\" للأخفش ١/ ٢١١، \"تفسير الطبري\" ٤/ ٤٠، \"إعراب القرآن\" المنسوب للزجاج: ١/ ٣٨، \"معاني القرآن\" للنحاس: ١/ ٤٥٧. \"الصاحبي\" ٣٩٠، \"الإكسير في علم التفسير\" للطوفي ١٨٥،١٩٣، \"ارتشاف الضرب\" ٢/ ٦٣، ٥٧٠، ٣/ ١٥١.\n(٥) ما بين المعقوفين مطموس في (أ). وفي (ب): ساقط. والمثبت من: (ج).\n(٦) ما بين المعقوفين زيادة من (ج). وفي \"معاني القرآن\" للفراء: سقطت.\n(٧) انظر: \"البسيط في شرح جمل الزجاجي\" ٢/ ٨٣٤.\n(٨) سورة الرعد: ٢٤. وتمامها: ﴿بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾. والمعنى: يقولون: سلامٌ عليكم.","vol":"5","page":486},{"text":"رَبَّنَا﴾ (١)، وقوله: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا﴾ (٢) الآية.\nوقوله تعالى ﴿أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء (٣): يعني: اليهود؛ شهدوا لمحمد ﵇ (٤) بالنُّبُوَّةِ، فَلمَّا قَدِمَ عليهم كذَّبوه وكفروا به. وهذا قول عكرمة (٥) واختيار الزجاج (٦).\nوقال قتادة: هم أهل البدع كلهم (٧).\nوقد روي عن النبي - ﷺ - مرفوعًا في قوله: ﴿أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾؛ أي:\n_________\n(١) سورة البقرة: ١٢٧. وتمامها: ﴿تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾. والمعنى: يقولان: ربَّنا ..\n(٢) سورة السجدة: ١٢. وتمامها: ﴿أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾. والمعنى: يقولون: ربنا ..\n(٣) لم أقف على مصدر هذه الرواية.\n(٤) في (ب): (ﷺ).\n(٥) قوله في \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٩٧ - ب، \"تفسير القرطبي\" ٤/ ١٦٧، وأروده السيوطي في \"الدر\" ٢/ ١١٢ ونسب إخراجه للفريابي، وابن المنذر.\n(٦) في \"معاني القرآن\" له ١/ ٤٥٥.\n(٧) أورده بهذا النص الثعلبي في \"تفسيره\" ٣/ ٩٧ ب. وهو معنى قول قتادة الذي أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٤/ ٤٠، ونصه عنه -بعد أن قرأ الآية-: (لقد كفر أقوام بعد إيمانهم كما تسمعون، ولقد ذكر لنا أن النبي - ﷺ - كان يقول: \"والذي نفس محمد بيده، لَيَرِدنَّ عليَّ الحوض ممن صحبني أقوام، حتى إذا رُفِعوا إليَّ ورأيتهم، اختُلِجوا مِن دوني، فلأقولن: ربِّ! أصحابي! أصحابي! فليقالنَّ: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك\".\nوقد ذكر الثعلبي هذا النص الذي أخرجه الطبري مستدلًا به على معنى قول قتادة الذي ذكره، قائلًا: (ودليل هذه التأويلات) ثم أورد الخبر السابق.\nوأورد -كذلك- قول قتادة -كما هو عند المؤلف-: البغوي في \"تفسيره\" ٢/ ٨٨ وابن الجوزي في الزاد: ١/ ٤٣٦. وانظر هذا الخبر وأحاديث أخرى نحوه في \"لوامع الأنوار\" للسفاريني: ٢/ ١٩٧.","vol":"5","page":487},{"text":"بعد الإقرار بالميثاق الأول (١).\nأخبرنا أبو علي ابن أبي القاسم المذكِّر (٢)، أبنا محمد بن حمدوية النيسابوري (٣)، [حدَّثنا علي بن حَمْشَاذ (٤)، ثنا حُمَيد بن حَكيم الدقَّاق (٥)، ثنا عباس بن الوليد الخلَّال (٦) (٧)، ثنا] (٨) أبو صفوان، القاسم بن [يزيد\n_________\n(١) أي المذكور في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ [سورة الأعراف. آية: ١٧٢].\n(٢) لم أقف على ترجمته.\n(٣) هو: أبو عبد الله، محمد بن عبد الله بن محمد بن حمدويه بن نُعَيم الضَّبِّي الطهماني، الحاكم النيسابوري، المعروف بـ (ابن البَيِّع). ولد سنة (٣٢١ هـ)، الإمام الجليل الحافظ المتفق على جلالة قدره، صاحب \"المستدرك على الصحيحين\"، و\"معرفة علوم الحديث\" وغيرها من التصانيف الكثيرة. توفي سنة (٤٠٥ هـ). انظر: \"تاريخ بغداد\" ٥/ ٤٧٣، \"سير أعلام النبلاء\" ١٧/ ١٦٢، \"طبقات الفقهاء الشافعية\" ١/ ١٩٨، \"لسان الميزان\" ٦/ ٢٥٠.\n(٤) هو: أبو الحسن، علي بن حمشاذ بن سختويه بن نصر النيسابوري. ولد سنة (٢٨٥ هـ)، إمام عدل ثقة حافظ عابد. قال عنه الحاكم: (ما رأيت في مشايخنا أثبت في الرواية والتصنيف من علي بن حمشاذ). توفي سنة (٣٣٨ هـ). انظر: \"تاريخ الإسلام\" ٢٥/ ١٦٥وفيات (٣٣١ - ٣٥٠ هـ)، \"سير أعلام النبلاء\" ١٥/ ٣٩٨، \"تذكرة الحفاظ\" ٣/ ٨٥٥، \"شذرات الذهب\" ٢/ ٣٤٨.\n(٥) لم أقف له على ترجمة، إلّا ما ورد في (ذيل ميزان الاعتدال)، للحافظ العراقي، حيث قال: (حُمَيد بن حَكِيم. حديثه في سنن الدارقطني، قال ابن القطان: لا تُعرف حاله). الذيل: ٢٠٣.\n(٦) هو: أبو الفضل، عباس بن الوليد بن صُبْح الخلال السُلَمي الدمشقي. قال ابن حجر: (صدوق)، ووثقه ابن حبان، قال أبو داود: كان عالما بالرجال والأخبار، لكنه لم يحدث عنه. توفي سنة (٢٤٨ هـ). انظر: \"الجرح والتعديل\" ٦/ ٢١٥، \"الميزان\" ٣/ ١٠٠، \"تهذيب التهذيب\" ٢/ ٢٩٥،\n(٧) ما بين المعقوفين زيادة من: (ج).\n(٨) ما بين المعقوفين ليس في (أ)، وجاء فيه: (ثنا أبو صفوان القاسم بن يزيد العامري، ثنا يحيى بن كثير أبو النضر، ثنا عاصم.","vol":"5","page":488},{"text":"العامري] (١)، ثنا يحيى بن كثير، أبو النضر (٢)، ثنا عاصم الأحول (٣) وداود بن أبي هند (٤)، عن أبي العالية الرِّيَاحِي، قال:\nقال أُبَيُّ بن كعب (٥):\n_________\n(١) ما بين المعقوفين: غير مقروء في (أ). وساقط من: (ب). ومثبت من: (ج). وقد وردت رواية القاسم -هذا- عن يحيى بن كثير، في \"تفسير ابن أبي حاتم\" ١/ ٧٧، ١٠٩ باسم أبي صفوان، القاسم بن يزيد بن عوانة. ولم أقف له على ترجمة.\n(٢) في (ب): ثنا أبو النصر. في (ج): أبو النصر. عَدّه ابنُ حجر مِن الطبقة الصغرى من أتباع التابعين، شيعي، قال ابن حجر: (ضعيف)، وقال أبو حاتم: (ضعيف ذاهب الحديث جدًا)، وقال الدارقطني: (متروك).\nانظر: \"المجروحين\" لابن حبان:٣/ ١٣٠، \"ميزان الاعتدال\" ٦/ ٧٧، \"المغني في الضعفاء\" ٢/ ٤١٠\"التقريب\" ص٥٩٥ (٧٦٣١).\n(٣) هو: أبو عبد الرحمن، عاصم بن سليمان الأحول، البصري. تابعي، ثقة حافظ، توفي بعد سنة (١٤٠ هـ). انظر: \"الجرح والتعديل\" ٦/ ٣٤٣، \"تهذيب التهذيب\" ٢/ ٢٥٢.\n(٤) هو: أبو بكر أو أبو محمد، داود بن أبي هند - (دينار) - القُشَيري بالولاء، البصري- تابعي، ثقة متقن، إلا أنه يهم إذا حدّث مِن حِفْظِه، توفي سنة (١٤٠هـ). انظر: \"الجرح والتعديل\" ٣/ ٤١١، \"ميزان الاعتدال\" ٢/ ٢٠١، \"تهذيب التهذيب\" ١/ ٥٧٢، \"التقريب\" ص٢٠٠ (١٨١٧).\n(٥) هو: أبو المنذر، أبَيُّ بن كعب بن قيس، الأنصاري الخزرجي. ويكنى بـ (أبي الطفيل) -أيضًا-، من فضلاء الصحابة، شهد العقبة وبدرًا والمشاهد كلها، سيد القراء، وأحد كتَّاب النبي - ﷺ -، توفي سنة (٢٢ هـ)، وقيل: (٣٠ هـ) ورجحه ابن الأثير.\nانظر: \"المعارف\" لابن قتيبة: ٢٦١، و\"أسد الغابة\" ١/ ٦١، \"صفة الصفوة\" ١/ ٢٤٥، \"الإصابة\" ١/ ١٩.","vol":"5","page":489},{"text":"(قال) (١) النبي (٢) - ﷺ - في قوله، فذكره (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-611>١٠٧ </span>- قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ قال ابن عباس (٤): يريد: ففي جنة الله.\nقال أهل المعاني (٥): وإنما قيل [لـ (الجَنَّةِ): رحمةُ] (٦) الله؛ إعلامًا أنً العبدَ لا يدخلها إلا برحمته (٧)، وإنْ اجتهد في طاعته.\n_________\n(١) في (أ): (قال قال).\n(٢) في (ج): (رسول الله).\n(٣) الأثر: أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٤/ ٤٠، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٣/ ٧٣٠، وأورده الثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ٨٨ أ، والبغوي في \"تفسيره\" ١/ ٣٤٠، والماوردي في \"النكت والعيون\" ١/ ٤١٥، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ١/ ٤٣٦، والسيوطي في \"الدر\" ٢/ ١١٢ وزاد نسبة إخراجه لابن المنذر.\nوقد أوردوه كلهم موقوفًا على أبي بن كعب - ﵁ - (ولم أر من رفعه سوى المؤلف. ونصه كما عند الطبري: (قال صاروا يوم القيامة فريقين: فقال لمن أسوَدَّ وجهُه، وعيَّرَهم: ﴿أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾، قال: هو الإيمان الذي كان قبل الاختلاف في زمان آدم، حين أخذ منهم عهدهم وميثاقهم، وأقرُّوا كلهم بالعبودية، وفطرهم على الإسلام، فكانوا أمة واحدة مسلمين. يقول: ﴿أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾، يقول: بعد ذلك الذي كان في زمان آدم ..). وعلى هذا فالآية عامَّةٌ في جميع الكفار، ورجَّح هذا الطبري.\n(٤) لم أقف على مصدر قوله وقد أورده ابن الجوزي في الزاد:١/ ٤٣٧.\n(٥) ممن قال ذلك: ابن قتيبة، في \"تأويل مشكل القرآن\" ١٤٥. وانظر: \"الوجوه والنظائر\" لهارون بن موسى: ٥٣، \"تفسير الطبري\" ٤/ ٤٠، \"الأشباه والنظائر\" للثعلبي: ١٦٢، \"قاموس القرآن\" للدامغاني: ١٩٩، \"نزهة الأعين النواظر\" لابن الجوزي: ٣٣١، \"تفسير الكريم المنان\" للسعدي: ١/ ١٩٤، \"محاسن التأويل\" ٤/ ٩٣٢. حيث فسروها جميعًا بالجنة.\n(٦) ما بين المعقوفين مطموس في (أ). والمثبت من (ب)، (ج).\n(٧) في (ج): (رحمة الله).","vol":"5","page":490},{"text":"وقال آخرون (١): رحمة الله ههنا: ثوابهُ لأهل طاعته.\nوقوله تعالى: ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ قال أبو إسحاق (٢): كرَّر (في)؛ للتأكيد، الذي هو تمكين المعنى في النفس.\nوقال غيره (٣): كرَّر (في)؛ للبيان عن الصفتين (٤)؛ المعنى: أنهم في رحمة الله، وأنهم خالدون فيها، فكل واحدةٍ منهما قائمةٌ بنفسها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-612>١٠٨ </span>- قوله تعالى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ﴾ أي (٥): تلك التي جرى ذكرها، حُجَجُ اللهِ وعلاماتُه.\nوصَلح ﴿تِلْكَ﴾ ههنا في موضع (هذه)؛ لانقضاء الآيات؛ فلمَّا انقضت، صارت كأنها بَعُدَت، فقيل فيها: ﴿تِلْكَ﴾ (٦).\nوقال ابن عباس (٧): ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ﴾، يعنى: القرآن (٨).\nوقوله تعالى: ﴿نَتْلُوهَا عَلَيْكَ﴾ أي: نُعرِّفُك إيَّاها. قال ابن\n_________\n(١) ممن قال بذلك: الزجاج، في \"معاني القرآن\" ١/ ٤٥٥، والنحاس، في \"معاني القرآن\" ١/ ٤٥٨.\n(٢) في \"معاني القرآن\" له ١/ ٤٥٥. وعبارته -هنا- بالمعنى.\n(٣) لم أقف على هذا القائل.\n(٤) في (ج): (البيان عن الصفين).\n(٥) من قوله: (أي ..) إلى (وعلاماته): نقله بنصه عن: \"معاني القرآن\" للزجاج: ١/ ٤٥٤.\n(٦) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء: ١/ ١٠، ٢٢٩، \"تفسير الطبري\" ١/ ٩٦.\n(٧) لم أقف على مصدر قوله. وهو مذكور في (تنوير المقباس)، المنسوب له: ٥٣. وقد قال بهذا القول: قتادة انظر: \"تفسير ابن أبي حاتم\" ٢/ ٤٦٨.\n(٨) (القرآن): مطموسة في (ج).\nوقد اختار المؤلف هذا القول في تفسيره (الوجيز) (المطبوع بهامش (مراح لبيد): ١/ ١١٣). وذهب إليه القرطبي. انظر: \"تفسيره\" ٤/ ١٦٩.","vol":"5","page":491},{"text":"عباس (١): نُبَيّنها.\nوقوله تعالى: ﴿بِالْحَقّ﴾ أي: بأنَّها (٢) حقٌ؛ كما تقول: أعامِلُك بالحَقِّ؛ أي: معاملتي حقٌّ.\nويجوز أنْ يكون المعنى: نتلوها بالمعنى الحق؛ لأن معنى المَتْلُوِّ حقٌّ.\n﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ﴾ فيعاقبهم بلا جُرْمٍ. (قاله) (٣) ابنُ عبَّاس. وقال أبو إسحاق (٤): أعلم الله جل وعزَّ أنَّهُ (٥) يُعذِّبُ مَن يُعذِّبُهُ باستحقاقٍ.\n[وحَسُنَ] (٦) ههنا نفيُ إرادةِ الظلم للعالمين؛ لأن ذِكْرَ العقوبةِ قد تقدم، فبيَّنَ أنَّه لا يُعاقِب أحدًا (٧) ظالمًا إيَّاهُ.\nفإنْ قيل: أليس لو فعل ذلك، لم يكن ظالمًا عندكم؟ فلِمَ (٨) قال: ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ﴾ [غافر: ٣١]؟ ولو أراده لم يكن ظُلمًا؟ (٩).\nقلنا: سمَّاه ظلمًا؛ لأنه في سورة الظُّلْم (١٠)، ولو عَذَّبَ غير (١١)\n_________\n(١) لم أقف على مصدر قوله. واختاره المؤلف في تفسيره (الوجيز) (المطبوع بهامش (مراح لبيد): ١/ ١١٣).\n(٢) في (ب): (بيانها).\n(٣) من (أ)، وفي باقي النسخ: (قال).\n(٤) في \"معاني القرآن\" له: ١/ ٤٥٥. نقله عنه بمعناه\n(٥) في (ج): (أنَّ).\n(٦) ما بين المعقوفين زيادة من (ج).\n(٧) في (أ)، (ب): أحد. والمثبت من: (ج). وهي أليق بالعبارة -هنا- وأوجه.\n(٨) في (ج): فلما.\n(٩) في (ب): (ظالمًا).\n(١٠) انظر حول هذا الموضوع: \"شرح العقيدة الطحاوية\" ٤٥٣ - ٤٥٥.\n(١١) في (ج): (غيره).","vol":"5","page":492},{"text":"مُستَحِقٍّ (١) للعذاب، لم يكن منه ظلمًا حقيقيًّا، ولكنه يكون في صورة الظلم، وقد يُسمَّى الشيءُ بالشيء، إذا أشبهه، وكان في صورته؛ كجزاء السيِّئة، يُسَمَّى: (سيئةً) (٢)، وجزاء الاستهزاء، يُسمَّى (٣): (استهزاءً) في التنزيل (٤)، ومثله كثير.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-613>١١٠ </span>- قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ اختلف قول أهل المعاني في هذا:\nفقال الفرَّاء (٥) والزجاجُ (٦)، وغيرُهما (٧): كنتم خير أُمَّةٍ عند الله، في اللَّوْح المحفوظ. وقالا (٨) أيضًا: معنى ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾: أنتم خير أمة؛\n_________\n(١) في (ج): (مستحقًا).\n(٢) كقوله تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [الشورى: ٤٠].\n(٣) في (ج): (سمي).\n(٤) يعني المؤلف قولَه -تعالى-: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (١٤) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [البقرة:١٤ - ١٥].\nوقد ذكر الطبريُّ هذا المعنى في تفسيره، ورَدَّهُ، فـ (الاستهزاء) في هذه الآية صفة من صفات الله على الحقيقة، تليق بجلال الله -تعالى-، وليس المقصود بـ (الاستهزاء) هنا مجازاتهم في الآخرة على استهزائهم بأوليائه في الدنيا، فهذا صرفٌ للصفة عن حقيقتها. انظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ١٣٢ - ١٣٤. وانظر ما سبق من تعليق على تفسير المؤلف لقول الله -تعالى-: ﴿وَمَكَرَ اَللهُ﴾ من الآية: ٥٤.\n(٥) في \"معاني القرآن\" له: ١/ ٢٢٩.\n(٦) في \"معاني القرآن\" له: ١/ ٤٥٦. وقد أورده الزجاج بلفظ (قيل: ..).\n(٧) ممن جوز هذا القول: النحاس، في \"إعراب القرآن\" ١/ ٣٥٧.\n(٨) قائل هذا القول، هو: الفراء، في المرجع السابق. والعبارات التالية له نقلها =","vol":"5","page":493},{"text":"كقوله: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ﴾ [الأعراف: ٨٦]، وقال في موضع آخر: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ﴾ [الأنفال: ٢٦]. وإضمارُ (كان) (١) وإظهارُها في مثل هذا، سواءٌ، إلّا أنها إذا ذُكِرت كانت للتأكيد، ووقوع الأمرِ لا مَحالة.\nقال ابن الأنباري (٢): وهذا القول ظاهرُ الاختلال؛ لأن (كان) يُلغى (٣) مُوسَّطًا ومُؤَخَّرًا، ولا يُلغَى (٤) مُقدَّما؛ تقول العرب: (عبدُ الله كان قائمٌ) و(عبدُ الله قائمٌ، كان)؛ على أنَّ (كان) مطروحة، ولا يقولون: (كانَ عبدُ الله قائمٌ)، على إلغائها، لأنَّ سبيلهم أن يبدأوا بما [تنصرف الغايةُ إليه، والمُلْغَى غير معني به، على أنَّه لا يجوز] (٥) إلغاءُ الكَوْنِ في الآية؛ لانتصاب خبره، وإذا (أُعْمِلَ) (٦) الكَوْنُ في الخَبَرِ، فنصبه، لم يكن مُلغًى.\nوقال بعضُ النحويين (٧): إنما قال: ﴿كُنْتُمْ﴾، ولم يقل: (أنتم)؛\n_________\n= المؤلف بتصرف يسير. أما الزجاج فلم يذكر هذا المعنى في هذا الموضع.\nوممن قال بهذا: ابن قتيبة في \"تأويل مشكل القرآن\" ٢٩٥. وجعله من باب مخالفة ظاهر اللفظ معناه، قال: (ومنه أن يأتي الفعلُ على بِنْيَةِ الماضي وهو دائمٌ أو مُستَقبَل) وذكره. وقال به الطبري، في \"تفسيره\" ٤/ ٤٥ - ٤٦، وابن فارس، في \"الصاحبي\" ٣٦٤، ويرويه أبو العباس عن ابن الأعرابي، كما في \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٠٨٤ (كون)، وجوزه النحاس في \"إعراب القرآن\" ١/ ٣٥٧.\n(١) في (ج): (كل).\n(٢) لم أقف على مصدر قوله.\n(٣) في (ب)، (ج): (تلغى).\n(٤) في (ب)، (ج): (تلغى).\n(٥) ما بين المعقوفين غير مقروء في (أ). والمثبت من: (ب)، (ج).\n(٦) في (أ): (عمل).\n(٧) لم أقف عليهم.","vol":"5","page":494},{"text":"لتَقَدُّمِ (١) البِشَارَةِ بهذه الأُمَّة، ولِمَا قد (٢) كان يُسمَعُ مِنَ الخير في هذه الأمَّةِ؛ فكأنَّه (٣) قيل: كنتم خير أُمَّةٍ بُشِّرَت بها. وهذا القول، يُروى معناه عن الحَسَنِ (٤).\nوقال بعضهم (٥): الكَوْنُ ههنا بمعنى: الوقوع والحُدُوث، وهي التَّامَّةُ التي لا تحتاج إلى خبر، فمعنى ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾: حَدَثْتم خَيْرَ أُمَّةٍ، ووُجِدْتُم وخُلِقْتُم خَيرَ أمَةٍ، فيكون ﴿خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ حينئذ بمعنى الحَالِ. وهذا معنى قولِ [ابن] (٦) جَرِير (٧).\nوحكى الزجاجُ (٨) عن بعضهم: كنتم [منذ] (٩) آمنتم خيرَ أُمَّةٍ (١٠).\nفأمَّا المُخاطَبون بهذا: فقال ابن عباس في رواية سعيد بن جبير (١١):\n_________\n(١) في (ج): (فتقدم).\n(٢) في (أ)، (ب): (قدم). والمثبت من (ج).\n(٣) في (ج): (وكأنه).\n(٤) قوله في \"تفسير الطبري\" ٤/ ٤٥، \"النكت والعيون\" ١/ ٤١٦.\n(٥) منهم الطبري، كما سيأتي.\n(٦) ما بين المعقوفين: زيادة من: (ج).\n(٧) في \"تفسيره\" ٧/ ١٠٦.\n(٨) في \"معاني القرآن\" له ١/ ٤٥٦. أورد هذا القول وصدَّره بلفظ (قيل ..).\n(٩) في (أ)، (ب)، (ج): (قد). ولم أر لها وجهًا. وأثبتُّها من: \"معاني القرآن\" للزجاج. وقد تكون (مُذ) فحرِّفت إلى (قد).\n(١٠) قد يكون القائل ابن الأنباري؛ حيث أورد ابن الجوزي في الزاد نحو هذا القول، وقال: (ذكره ابن الأنباري) ونصه: (مذ كنتم). انظر: \"زاد المسير\" ١/ ٤٣٩.\n(١١) هذه الرواية، في \"مصنف ابن أبي شيبة\" ٦/ ٣٩٨ رقم (٣٢٣٤٩)، و\"مسند أحمد\" (شرح الشيخ أحمد شاكر): ٤/ ١٥٣ رقم (٢٤٦٣)، ٣٣٥ (١٩٢٨)، ٣٥٥ (٣٩٨٩)، ٥/ ١١٢ (٣٣٢١)، وصححه الشيخ شاكر، وتفسير النسائي: ١/ ٣١٩، \"تفسير الطبري\" ٤/ ٤٥، \"تفسير عبد الرزاق\" ١٣٠، \"تفسير ابن أبي حاتم\" =","vol":"5","page":495},{"text":"هم الذين هاجروا مع النبي - ﷺ - إلى المدينة. وعلى هذا (١): عِكْرِمة (٢)، ومقاتل (٣)، والضَّحَّاك (٤): أن هذا خاصة لأصحاب محمد (٥) - ﷺ -. يدل على هذا القول:\nما روي عن عمر ﵁، أنه قال في هذه الآية (٦): هي\n_________\n= ٣/ ٧٣٢، \"المعجم الكبير\" للطبراني: ١٢/ ٦ رقم (١٢٣٠٣)، ومستدرك الحاكم: ٢/ ٢٩٤. وصححه ووافقه الذهبي، \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٩٨ أ، وذكرها ابن حجر في \"المطالب العالية\" ٣/ ٣١٥ رقم (٣٥٧٠) وعزاها للحارث بن أبي أسامة في مسنده عن ابن عباس، وذكرها الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" ٦/ ٣٢٧ وقال: (رواه أحمد والطبراني ورجال أحمد رجال الصحيح)، وأوردها ابن حجر في \"فتح الباري\" ٨/ ٢٢٥ وعزاها لمن سبق وقال عن إسنادها: (جيد)، وأوردها السيوطي في \"الدر\" ٢/ ١١٣، وزاد نسبة إخراجها لعبد بن حميد، والفريابي، وابن المنذر، عن ابن عباس موقوفًا.\n(١) في (ج): (ذلك).\n(٢) قوله في \"تفسير الطبري\" ٤/ ٤٣، \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٩٨ أ، \"أسباب النزول\" للواحدي: (١٢١)، \"تفسير البغوي\" ٢/ ٨٩، \"زاد المسير\" ١/ ٤٣٨، \"الدر المنثور\" ٢/ ١١٣ وزاد نسبة إخراجه لابن المنذر.\n(٣) قوله في \"تفسيره\" ١/ ٢٩٥، والمصادر السابقة ما عدا الطبري.\nوقد ورد قول مقاتل وعكرمة في معرض بيانهما لسبب نزول الآية، فقد قال مقاتل في تفسيره (وذلك أن مالك بن الصَّيف، ووهب بن يهوذا، قالا لعبد الله بن مسعود، ومعاذ بن جبل، وسالم مولى أبي حذيفة: إن ديننا خيرٌ مِمَّا تدعوننا إليه فأنزل الله ﷿ - فيهم: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ في زمانكم، كما فضل بني إسرائيل في زمانهم). وانظر المصادر السابقة.\n(٤) قوله في \"تفسير الطبري\" ٤/ ٤٤، \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٩٨ أ، ولكنه فيه: (عن الضحاك عن ابن عباس)، \"تفسير البغوي\" ٢/ ٨٩\n(٥) في (ب): (النبي).\n(٦) قوله في \"تفسير الطبري\" ٤/ ٤٣، وابن أبي حاتم: ٣/ ٧٣٢، \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٩٨ أ، \"تفسير البغوي\" ٢/ ٨٩.","vol":"5","page":496},{"text":"لأوَّلِنا، ولا تكون لآخرنا.\nوقال (١) في رواية عطاء (٢): يريد: أُمَّةَ محمد - ﷺ -. فعلى هذا: هم جميع المؤمنين من هذه الأمَّة.\nقال الزجاج (٣): هذا الخطاب، أصلُه: أنه خوطب به أصحابُ رسول الله - ﷺ -، وهو يَعُمُّ سائرَ أُمَّتِهِ.\nوقوله تعالى: ﴿أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ يُحتَمَلُ أنْ يكون ﴿للِنَّاسِ﴾، مِنْ صِلَةِ ﴿أُمَّةٍ﴾، أي: كنتم خير أمةٍ للنَّاسِ أُخْرِجَت، يعني: أفهم (٤) خير أمَّة للنَّاس، تجيئون بهم في السلاسل، فتُدْخِلُونَهم في الإسلام. وهذا المعنى يُروى عن أبي هريرة (٥).\n_________\n(١) أي: ابن عباس - ﵁ -.\n(٢) لم أقف على مصدر هذه الرواية.\n(٣) في \"معاني القرآن\" له: ١/ ٤٥٦، نقله عنه بتصرف يسير جدًّا.\n(٤) في (ج): (أنتم).\n(٥) ورد هذا عنه مرفوعا وموقوفًا، أما المرفوع فقد أخرجه: البخاري في \"الصحيح\" (٣٠١٠) في الجهاد، باب الأسارى في السلاسل، ولفظه عنده من رواية أبي هريرة ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: \"عجب ربنا من قوم يدخلون الجنة في السلاسل\". وأخرجه أحمد مرفوعًا بنحو لفظ البخاري. انظر: \"المسند\" (شرح الشيخ شاكر): ١٥/ ١٦٨ (٨٠٠٠)، ١٨/ ٤٨ (٩٢٦٠)، ١٩/ ٣٣ (٩٧٨١)، ٦٦ (٩٨٩٠)، وأبو داود في \"السنن\" (٢٦٧٧) كتاب الجهاد، باب: (في الأسير يوثق). وابن حبان في \"صحيحه\" \"الإحسان\" ١/ ٣٤٣ رقم (١٣٤).\nأما الموقوف، فقد أخرجه: البخاري (٤٥٥٧) في التفسير، سورة آل عمران، باب (٧) ولفظه: (﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ قال: خير الناس للناس، تأتون بهم في السلاسل في أعناقهم حتى يدخلوا في الإسلام).\nوأخرجه عنه كذلك: النسائي في \"تفسيره\" ١/ ٣١٨، والطبري في \"تفسيره\" =","vol":"5","page":497},{"text":"وقال قتادة (١): لم يُؤْمَرْ نَبِيٌّ وأمَّتُهُ بالقتال، إلّا هذه الأمَّة ونَبِيها، يُقاتِلُونَ، فَيَسْبُونَ الرُّومَ والتُّرْكَ والعَجَمَ، فَيُدْخِلونهم في دينهم، فهم خير أمَّة للنَّاس.\nويُحتَمَلُ (٢) أن يكون ﴿للِنَّاسِ﴾ (٣) مِن (٤) صِلَةِ ﴿أُخْرِجَتْ﴾؛ ومعناه: ما أَخرَجَ (٥) [اللهُ] (٦) للنَّاسِ أمَّةً، خيرًا (٧) مِنْ أمَّةِ أحمد (٨)؛ فهم (٩) خير أمَّةٍ أُظْهِرَت (١٠) وأُخْرِجَت للنَّاس.\n_________\n٤/ ٤٤، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٣/ ٧٣٢، والثعلبي في \"تفسيره\" ٣/ ٩٨ب، وأورده البغوي في \"تفسيره\" ٢/ ٩٠، والسيوطي في \"الدر\" ٢/ ١١٣ وزاد نسبة إخراجه للفريابي، وعبد بن حميد، وابن المنذر، والحاكم. ولكنيِّ لم أجده في مستدركه.\nقال ابن حبان في معناه: (والقصد في هذا الخبر: السَّبْيُ الذين يسبيهم المسلمون من دار الشرك مكتَّفِين في السلاسل يُقادون بها إلى دور الإسلام، حتى يُسْلِمُوا، فيدخلوا الجنة). \"الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان\" ١/ ٣٤٣ - ٣٤٤. وقد نقل ابنُ حجر أقوال أهل العلم في شرحه. انظر: \"فتح الباري\" ٦/ ١٤٥، ٨/ ٢٢٥.\n(١) قوله في \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٩٩ أ، \"تفسير البغوي\" ٢/ ٨٩.\n(٢) من قوله: (ويحتمل ..) إلى- (أخرجت للناس): نقله بتصرف يسير عن \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٩٩ أ.\n(٣) في (ج): (من الناس).\n(٤) من: ساقطة من (ج).\n(٥) في (ب): (فلا تخرج).\n(٦) ما بين المعقوفين: في في (أ)، (ب): إليه. وهي ساقطة من: (ج). وليست في \"تفسير الثعلبي\". ورجَّحتُ أن أصلها كما أثبتُّه، وقد حُرِّفت إلى (إليه).\n(٧) في (ج): (خير).\n(٨) في (ج): (محمد).\n(٩) (من أمة أحمد فهم): ساقطة من: (ب).\n(١٠) في (ج): (ظهرت).","vol":"5","page":498},{"text":"وقوله تعالى: ﴿تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ الظاهرُ أنَّ (١) هذا مَدْحٌ لهذه الأمَّة بهذه الخصال، وإخبارٌ عنهم بهذه الجملة، وحُكِي عن مجاهد أنه قال (٢): الخَيْرِيَّةُ في هذه الأمَّةِ على هذه الشَّرِيطَةِ (٣)؛ يعني: كنتم خيرَ أُمَّةٍ، ما أَمَرْتُم بالمعروف، ونَهَيْتُم عن المنكر، وآمنتم بالله، وهذا أيضًا اختيار الزجاج (٤).\nوالمَعْرُوفُ: كلُّ حَسَنٍ جميل، يُعرَفُ بجلالته، وعُلُوِّ قَدْرهِ (٥). ولا يجوز إطلاق هذه الصفة على القبيح، وإنْ كان يُعرَف، لأنه بمنزلة ما لا يُعْرَف؛ لخُمُولِهِ وسُقُوطِهِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-614>١١١ </span>- قوله تعالى: ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى﴾ هذا وعْد مِنَ الله تعالى (٦) للمؤمنين، في أهل الكتاب، أنَّهم منصورون عليهم، وأنَّه لا ينالهم منهم غَلَبَةٌ. ومعنى ﴿إِلَّا أَذًى﴾؛ أي: أذًى باللِّسانِ، مثل (٧): الوعيد، والبُهْت (٨).\n_________\n(١) في (ج): (من).\n(٢) قوله في \"الطبري\" ٤/ ٤٤، \"الدر المنثور\" ٢/ ١١٣ وزاد نسبة إخراجه لابن المنذر.\n(٣) في (ب): (الطريقة).\n(٤) في \"معاني القرآن\" له: ١/ ٤٥٦.\n(٥) انظر: \"تفسير الطبري\" ٤/ ٤٤، \"اللسان\" ٥/ ٢٨٩٩ - ٢٩٠٠ (عرف)، و\"التعريفات\" للجرجاني: ٢٢١، و\"التوقيف على مهمات التعاريف\" ٦٦٦.\n(٦) تعالى: ساقطة من: (ب)، (ج).\n(٧) في (ج): (ثم).\n(٨) البُهْت -بضم الباء-، والبَهِيتة، والبهتان: الكذب والافتراء.\nوالبَهت -بفتح الباء-: أن يقول المرء في غيره ما لم يفعله. يقال: (بَهَته، يَبهَتُه، بَهْتًا، وبَهَتا، وبُهْتانًا).\nوالبَهْتُ: الانقطاع والحَيْرة، يقال: (بَهَتَ، وبَهِتَ، وبُهِتَ): إذا تَحيَرّ. وهو أصل=","vol":"5","page":499},{"text":"وقال الحسن (١) وقتادة (٢): أي: دعاء إلى الضلالة.\nوموضع ﴿إِلَّا أَذًى﴾ نصبٌ بالاستثناء المتصل؛ المعنى: لن يضروكم إلا ضَرَرًا يسيرًا. فـ (الأذى) وقع موقع الضَّرَر (٣).\nوالأذى: مصدر (أَذِيْتُ بالشيء أذًى) (٤).\nوقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ﴾ قال أبو على (٥): (وَلَّى) منقول مِن (فَعل)؛ تقول: (داري تَلِي دارَهْ)، وَ(وَلِيَتْ (٦) داري دارَه)،\n_________\n= معنى الكلمة. فـ (البُهتان): هو الباطل الذي يُتحير من بطلانه. انظر: (بهت) في. \"مقاييس اللغة\" ١/ ٣٠٨، والنهاية في \"غريب الحديث\" ١/ ١٦٥، \"اللسان\" ١/ ٣٦٧ - ٣٦٨.\n(١) قوله في \"تفسير الطبري\" ٤/ ٤٧، \"تفسير ابن أبي حاتم\" ٣/ ٧٣٤، \"زاد المسير\" ١/ ٢٤٠.\n(٢) قوله في \"تفسير الطبري\" ٤/ ٤٦ ونصه عنده: (لن يضروكم إلا أذى تسمعونه منهم). \"تفسير ابن أبي حاتم\" ٣/ ٧٣٤.\n(٣) وقيل: هو استثناء منقطع؛ أي: لن يضروكم بقتال أو غلبة، ولكن بكلمة أذى أو نحوها. وممن قال بهذا: الأخفش، والطبري، والنحاس، ومكي، وأبو بكر الأنباري.\nانظر: \"معاني القرآن\" للأخفش: ١/ ٢١٣، \"تفسير الطبري\" ٤/ ٤١، \"إعراب القرآن\" للنحاس: ١/ ٣٥٨، \"البيان\" للأنباري: ١/ ٢٨٥، \"الدر المصون\" للسمين الحلبي: ٣/ ٣٥٢، \"مشكل إعراب القرآن\" لمكي: ١/ ١٧٠.\n(٤) الأذى: هو ما تسمعه من مكروه. يقال: (أذِيتُ بالشيء، آذَى أذًى وأذاة وأذِيَّة)، فـ (أنا أذٍ). أمَّا (آذى)، فمصدرها: إيذاء، وأذيّة. وتأذَّيْت به تأذِّيا.\nانظر: \"تهذيب اللغة\" ١/ ١٤٠ (أذا)، \"الصحاح\" ٦/ ٢٢٦٦ (أذا)، \"اللسان\" ١/ ٥٤.\n(٥) هو: الفارسي، ولم أقف على مصدر قوله فيما رجحت إليه من مؤلفاته، وقد وجدته -مع اختلاف يسير جدًا- في \"إعراب القرآن\" المنسوب للزجاج: ٢/ ٤٤٧ في كلام طويل نقله عن أبي علي في تعليقه على قوله -تعالى-: ﴿فَلَنُوَليَنَّكَ قِبْلَة تَرضَاهَا﴾ [الآية: ١٤٤ من سورة البقرة].\n(٦) في (ب): (ووليته).","vol":"5","page":500},{"text":"فإذا (١) نَقَلْتَ (٢) إلى (فَعَّلَ)، قلت: (ولّاني مآخيرَهُ) (٣)، و(ولّاني مَيَامِنَه) (٤)، فهو مثل: (فَرِحَ) و(فَرّحْتُه) (٥)، ومثل هذا: قوله: ﴿لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ﴾ [الحشر: ١٢]، وقوله: ﴿وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ [القمر: ٤٥]، إلّا أنّ المفعول الثاني الزائِد في نَقل (فَعِلَ) (٦) إلى (فَعَلَ) محذوفٌ من الآيتين، ولو لم يُحذَفْ لكان كقوله: ﴿يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ﴾ (٧).\nوقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ﴾ محمول (٨) على الاستئناف، لا على\n_________\n(١) في (ج): (وإذا).\n(٢) في \"إعراب القرآن\" المنسوب للزجاج: نقلته.\n(٣) في (أ)، (ب): (ما آخيره). والمثبت من: (ب)، (ج)، \"إعراب القرآن\". وفي \"إعراب القرآن\": (قلت: وَلِيتُ مآخيره، وولّاني مآخيره).\nوالمآخير: لم أقف على المراد بها في معاجم اللغة التي رجعت إليها، وقد ورد فيها (المئخار)، وهي النخلة التي يبقى حملها إلى آخر الصِّرام، أو يبقى إلى آخر الشتاء، وجمعها: مآخير.\nانظر: \"كتاب النخل\"، لأبي حاتم السجستاني: ٩٢، وانظر مادة (أخر) في \"اللسان\" ١/ ٤٥، \"التاج\" ٦/ ١٧.\nولكن هذا المعنى ليس هو - المراد هنا، وإنما يراد بها هنا -والله أعلم- جهة الخلف من الإنسان: الظهر وما يليه. ويعزز هذا قوله بعده: (وولاني ميامنه).\n(٤) ورد في \"إعراب القرآن\" المنسوب للزجاج: (ووليت ميامنه، وولاني ميامنه). والميامن: جمع (مَيمَنه)، وهي خلاف الميسرة في الإنسان. انظر: \"اللسان\" ٨/ ٤٩٦٧ (يمن).\n(٥) في \"إعراب القرآن\" السابق، أضاف بعدها: (وليس مثل: لقي وألقيته ولقَّيْته).\n(٦) في (أ): (فعِّل). وفي (ب)، (ج): (غير مشكولة). وما أثبته هو الصواب.\n(٧) فـ (الأدبار) مفعول ثانٍ. انظر: \"التبيان\" للعكبري: ص ٢٠٤، \"الدر المصون\" ٣/ ٣٥٢.\n(٨) من قوله: (محمول ..) إلى (ثم لا ينصرون): ساقط من (ج).","vol":"5","page":501},{"text":"العطف (١). والتقدير: ثم هم لا ينصرون.\nوإنَّما لم يُحتملْ (٢) على العطف؛ لأنه غير مشاكل للمعطوف عليه؛ وذلك أن سبب التولية: القتال، وليس كذلك منعُ النصر؛ لأن (٣) سببه: الكفر (٤). وأيضًا فإنه آخر آية، فكان الرفعُ فيه أقوى؛ ليشاكل (٥) سائرَ الفواصل بالنُّون (٦)، كما قال: ﴿وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المرسلات: ٣٦] (٧).\nقال المفسرون: صدق الله وعْدَه بالنصر، فلم يقاتل يهودُ (٨) المدينة رسولَ الله - ﷺ - والمسلمين (٩)، إلّا ولَوا منهزمين، وكانت الدَّبْرَةُ (١٠) عليهم،\n_________\n(١) انظر: \"إعراب الحديث النبوي\" للعكبري: ١٧٢.\n(٢) في (ج): (يحمل).\n(٣) في (ج): (لأنه).\n(٤) أي: لو قلنا بعطفه على جواب الشرط، للزم تقييد عدم نصرهم في حالة مقاتلتهم لنا فقط. ولكن -في الحقيقة- هم غير منصورين مطلقًا؛ لكفرهم، سواءً أقاتلوا أم لم يقاتلوا.\n(٥) في (ج): (لتشاكل).\n(٦) في (ب): (والنون).\n(٧) في رفع ﴿فَيَعْتَذِرُونَ﴾ -هنا- وجهان:\nأ- أنها معطوفة على ما قبلها ﴿وَلَا يُؤْذَنُ﴾ فهي نفي؛ أي: فلا يعتذرون فلم يجعل الاعتذار متسببًا عن الإذن؛ إذ لو كان كذلك لنُصب وحذف النون. وذهب الفرَّاء إلى أن الرفع فيها لمراعاة الفواصل.\nب- أنها مستأنفة؛ أي: فهم يعتذرونه ومعناها: أنهم ينطقون في مواقف دون أخرى. انظر: \"معاني القرآن\" للفراء: ١/ ٢٢٩، ٣/ ٢٢٦، \"التبيان\" للعكبري: ص ٢٠٤، \"البيان\" للأنباري: ٢/ ٤٨٨، \"البحر المحيط\" ٨/ ٤٠٨.\n(٨) في (ب): (بعد) بدلًا من (يهود).\n(٩) (والمسلمين): ساقطة من: (ج).\n(١٠) في (ج): (الدائرة).","vol":"5","page":502},{"text":"ففيه أعظم دلالة على (صحة) (١) نبوة محمد - ﷺ -.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-615>١١٢ </span>- قوله تعالى: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ﴾ قد مضى الكلام في معنى ضَرْبِ الذِّلَّةِ والمَسْكَنَةِ على اليهود، في سورة البقرة (٢).\nوقوله تعالى: ﴿أَيْنَ مَا ثُقِفُوا﴾ أي: وُجِدوا، وصُودِفوا (٣). ومضى الكلام في هذا عند قوله: ﴿حَيثُ ثَقفتُمُوهُم﴾ [البقرة: ١٩١].\nوقوله تعالى: ﴿إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ﴾ قال الفرّاء (٤): يقول: (إلَّا أنْ يَعتَصموا بحبل من الله)، فأضمر ذلك، وأنشد:\nرأتني بحَبْلَيْها فَصدّتْ مَخَافَةً ... وفي الحَبْلِ رْوْعاءُ الفُؤادِ فَرُوقُ (٥)\n_________\n= الدَّبْرَة: العاقبة، والهزيمة في القتال. أمَّا الدِّبْرة -بكسر الدال المشددة- فهي خلاف القِبلة. انظر: \"القاموس المحيط\" ص ٣٨٩ (دبر).\n(١) زيادة من (أ).\n(٢) انظر: \"تفسير البسيط\" عند تفسير آية: ٦١ من سورة البقرة.\n(٣) انظر: (ثقف) في \"اللسان\" ١/ ٤٩٢، \"القاموس\" ص ٧٩٥.\n(٤) في \"معاني القرآن\" له: ١/ ٢٣٠. نقله عنه بنصه.\n(٥) البيت لحميد بن ثور، وهو في ديوانه: ٣٥. وورد في \"معاني القرآن\" للفراء: ١/ ٢٣٠، \"تفسير الطبري\" (٤٩)، \"تهذيب اللغة\" ١/ ٧٣١، \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١٠١ أ، \"أساس البلاغة\" ١/ ٣٨١، \"اللسان\" ٢/ ٧٦١، ٧/ ٤٤١٠، ٦/ ٣٤٠١. \"البحر المحيط\" ٣/ ٣٢.\nوروايته في الديوان:\nفجئت بحبليها فردَّت مخافةً ... إلى النفس روعاءُ الجَنان فَرُوق\nووردت روايته في \"اللسان\" ٧/ ٤٤١٠\nرأتني بنِسْعَيها فردت مخافتي ... إلى الصدر روْعاءُ الفؤادِ فَرُوق\nوفي \"اللسان\" ٦/ ٣٤٠١:\nرأتني مُجَلِّيها فصدت مخافةً ... وفي الخيل روعاء الفؤاد فروق\nو(الروعاء): الناقة الحديدة الفؤاد. \"القاموس\" ٧٢٤ (روع). و(الفَرُوق): =","vol":"5","page":503},{"text":"قال أراد: أقْبَلْتُ (١) بحبليها (٢).\nوقد نُعي هذا عليه، فقيل: لا يجوز حذف الموصول وإبقاء صلته (٣)؛ وذلك أن الموصول لمّا احتاج إلى الصِّلَةِ للبيان عنه، فالحاجة إلى ذِكْرِهِ أشدُّ (٤)، وإنَّما يجوز حذفُ الشيء للاستغناء بدلالة غيره عليه، فلو دَلّ دليل عليه لحُذف مع صلته؛ لأنه معها بمنزلِةِ شيءٍ واحد. ويجوز حذف الصلة دون الموصول؛ لأن الموصول [هو المعتمد عليه، والصلة تبع له؛ لأنها للبيان عنه، فإذا حُذِفَ الموصول] (٥) وجب حذفُ الصلة معه؛ [لأنها تَبَعٌ] (٦) له.\nوقد أخبرني العَرُوضي ﵀، عن الأزهري، قال (٧): أخبرني\n_________\n= الشديدة الفزع. من (الفَرَق): وهو الخوف. \"اللسان\" ٦/ ٣٣٩٧ (فرق). قال الأستاذ محمود شاكر في تعليقه على البيت في هامش \"تفسير الطبري\" ٧/ ١١٣ (ط. شاكر): (مدح ناقته بحدة الفؤاد، تفزع لكل نبأة؛ من يقظتها؛ كما قالوا: (مجنونة)، يقول ذلك في ناقته: رأتني أقبلت بالحبلين لأشد عليها راحلي، فصدَّت خائفة. يصفها بأنها كريمة لم تبتذلها الأسفار. ثم قال: فلما شددت عليها الرحل، كانت في الحبل ذكية شهمة، تتوجس لكل نبأة؛ من يقظتها وتوقدها).\n(١) في (ب): (قبلت).\n(٢) في (ج): (بحبلها).\n(٣) وهي -هنا- الجار والمجرور. ففي الآية ﴿بِحَبْلٍ﴾، وفي البيت (بحبليها).\n(٤) في (ج): (ذكر ما شد).\n(٥) ما بين المعقوفين: زيادة من: (ج).\n(٦) ما بين المعقوفين: في (أ)، (ب): (لا يتبع). والمثبت من (ج).\n(٧) قوله في \"تهذيب اللغة\" ١/ ٧٣١ - ٧٣٢ (حبل) إلى نهاية: (ومعنى (ألا): (لكن). وقد نقله عنه بتصرف واختصار يسيرين.","vol":"5","page":504},{"text":"المُنْذِريُّ، عن ثعلب، أنه قال: هذا الذي قاله الفرّاء (١)، بعيدٌ (٢)، ولكن المعنى إن شاءَ الله: ضربت عليهم الذِّلَّة أينما ثُقِفُوا؛ أي: بكلِّ مَكان إلّا بموضِع حَبْلٍ مِنَ الله، وهو استثناء مُتَّصل، كما تقول: (ضُرِبت عليهم الذِّلَّة في الأمكنة، إلّا في هذا المكان)، ثمّ حذف المضافُ (٣).\nقال: وقول الشاعر: (رأتني بحبليها)؛ هو كما تقول: (أنا بالله، وبك) (٤)؛ أي: مُتَمَسِّك. فتكون الباءُ مِن صِلَة (رأتني متمسكًا\n_________\n(١) (الفراء): ساقطة من: (ج).\n(٢) وفي \"تهذيب اللغة\": (بعيد أن تحذف (أن) وتُبقِي صلتها).\n(٣) ثم حذف المضاف: ليس في \"تهذيب اللغة\". وقد ذهب إلى هذا الزمخشري، وأيَّد كون الاستثناء متصلًا هنا، وقال: (وهو استثناء من أتم الأحوال؛ المعنى: ضربت عليهم الذلة في عامة الأحوال إلا في حالة اعتصامهم بحبل الله وحبل الناس ..). \"الكشاف\" ١/ ٤٥٥.\n(٤) وبك: ليس في \"تهذيب اللغة\".\nبالنسبة لهذه الألفاظ مثل (أنا بالله، وبك) وأمثالها، وبغض النظر عن مجال الاستدلال النحوي بها، فإن الآثار الشرعية قد وردت بالنهي عن استعمالها بهذه الصورة. فقد قال - ﷺ -: \"إذا حلف أحدكم فلا يقل: ما شاء الله وشئت، ولكن ليقل: ما شاء الله، ثم شئت\". أخرجه ابن ماجه (٢١١٧) كتاب الكفارات، باب (١٣)، وصححه الألباني في \"صحيح سنن ابن ماجه\":١/ ٣٦٢.\nوورد في الحديث عنه - ﷺ -: \"لا تقولوا ما شاء الله وشاء فلان، ولكن قولوا: ما شاء الله، ثم شاء فلان\". رواه أبو داود في \"السنن\" (٤٩٨٠)، كتاب الأدب، والبيهقي في \"السنن\" ٣/ ٢١٦، وأحمد في \"المسند\" ٥/ ٣٨٤، ٣٩٤، ٣٩٨.\nوعن ابن عباس: جاء رجل إلى النبي - ﷺ -، فراجعه في بعض الكلام، فقال: ما شاء الله وشئت. فقال - ﷺ -: \"أجعلتني والله عِدْلًا، بل ما شاء الله وحده\".\nأخرجه البيهقي في \"السنن\" ٣/ ٢١٧، والبخاري في الأدب المفرد: ٣٤٤ رقم (٧٨٣)، وغيرهما. انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة: ١/ حديث رقم (١٣٦ - ١٣٩). وقد ذكر العلماء أن قول الإنسان (ما لى غير الله وأنت)، و(توكلت على الله =","vol":"5","page":505},{"text":"بحبليها) (١)، فاكتفى بالرُّؤيَةِ (٢) مِن التمسك.\nقال الأزهري: والقول، ما قال أبو العباس (٣).\nوقال الأخفش (٤): قوله: ﴿إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ﴾ استثناء خارج عن (٥) أول الكلام (٦)، ومعنى (إلّا): لكِنْ (٧).\nواختار الزَّجَّاج هذا الوجه، فقال (٨): ما بعد الاستثناء (٩) ليس من الأول؛ المعنى (١٠): أنهم أذلَّاءُ، إلَّا أنهم يعتصمون بالعهد إذا أُعطوه.\nونَصَرَ محمدُ بن جَرِير هذه الطريقة أيضًا، فقال (١١): إن أهل الكتاب (قد) (١٢) ضربت عليهم الذلة، سواء كانوا على عهد من الله، أو لم يكونوا\n_________\n= وعليك)، وأنا بالله وبك) وأمثالها من عبارات، تعد من ألفاظ الشرك التي يجب أن تُجتَنَب، كما دلت على ذلك الآثار السابقة. انظر تيسير العزيز الحميد: ٥٩٨ - ٦٠٢\n(١) في (ج): (بحبلها).\n(٢) في (ب): (بالراية).\n(٣) هو ثعلب.\n(٤) قوله في \"معاني القرآن\" له ١/ ٢١٣، ولكنه هنا من، تتمة قول الأزهري السابق في \"التهذيب\".\n(٥) في (ب)، \"معاني القرآن\"، \"تهذيب اللغة\": (من).\n(٦) أي إنه استثناء منقطع.\n(٧) في \"معاني القرآن\"، \"تهذيب اللغة\": (في معنى لكن).\n(٨) في \"معاني القرآن\" له ١/ ٤٥٧ نقله عنه بنصه.\n(٩) في (ج): (الا استثناء).\n(١٠) المعنى: ليست في \"معاني القرآن\".\n(١١) في \"تفسيره\" ٤/ ٥٠. نقله عنه بالمعنى.\n(١٢) زيادة من (أ).","vol":"5","page":506},{"text":"على عهد، فلا يخرجون بالاستثناء (١) عن الذِّلة إلى العِزَّة.\nقال (٢): وتمام الكلام عند قوله: ﴿أَيْنَ مَا ثُقِفُوا﴾، ثم قال: ﴿إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ﴾ أراد (٣): لكن قد يعتصمون بحبل من الله، أو قد يُثْقَفُونَ بحبل من الله، وحَبْلٍ مِنَ الناس كما قال: ﴿وَمَا كاَنَ لِمُؤمِنٍ أَن يَقتُلَ مُؤْمَنًا إِلا خَطأ﴾ [النساء:٩٢]، فـ (الخَطَأ) وإن كان منصوبًا بما عمل فيِه ما قبل الاستثناء، فليس باستثناء مُتَّصل حتى يَدُلَّ على أنَّ قتلَه خطأ مباحٌ (٤)، ولكن معناه: قد يقتله خطأ (٥).\nومَن نَصرَ طريقة أبي العباس، قال (٦): إنَّ عِزَّ (٧) المسلمين عِزٌّ لأهلِ الذِّمَةِ؛ لأنَّ أخْذَهم عَهْدَ المسلمين يَحقِنُ دماءَهم، ويمنع فُرُوجَهم وأموالهم عن الاغتنام بالسَّبْي، ثم هذا [العِزُّ] (٨) لا يخرجهم عن الذِّلَّة في أنفسهم، فهم على ما وصفهم الله من الذِّلَّة أينما ثقفوا، وإنْ اعتصموا بالذِّمَة (٩).\nوأما التفسير: فقد ذكرنا معضى (الحبل) عند قوله: ﴿وَاعتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٠٣] وبعض المفسرين يذهب إلى أن حبلَ الله ههنا\n_________\n(١) في (ج): (بالاستغناء).\n(٢) في المرجع السابق. نقله بالمعنى.\n(٣) من قوله: (أراد ..) إلى (بحبل من الله): مكرر في (أ).\n(٤) في (ج): (ماح).\n(٥) (خطأ): ساقطة من: (ب).\n(٦) لم أقف على هذا القائل. وممن ذهب إلى أن الاستثناء منقطع ونصر هذا الرأي: ابن عطية في \"المحرر الوجيز\" ٣/ ٢٧٠.\n(٧) في (ج): (إن الله عز).\n(٨) ما بين المعقوفين: زيادة من (ج).\n(٩) وهو اختيار ابن عطية في \"المحرر الوجيز\" ٣/ ٢٧٠ - ٢٧١.","vol":"5","page":507},{"text":"الإسلام (١)؛ يعني [إلّا] (٢) أنْ يُسْلِمُوا. وهذا بعيدة لعطف (حبل الناس) عليه، وإذا أسلموا، استغنوا عن حَبْلِ الناس، ولو أرادَ الله تعالى بالحبلَ الأوَّل: الإسلام، وبالثاني: الذِّمَّة؛ لقالَ: (أو حبل من الناس)، ولكن الصحيح: أن كلا (٣) الحبلين؛ المراد به العهد، والذِّمَّة، والأمان، كما قال ابن عباس (٤) يريد: بعهد مِنَ الله، وعهد مِنَ المؤمنين، وانما ذكر الله تعالى حبلَ الله مع حبل المؤمنين؛ لأن الأمان الذي يأخذونه (٥) من المؤمنين، هو بإذن الله تعالى، فهو أمانٌ مِن جهته.\nوباقي الآية مشروح في سورة البقرة (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-616>١١٣ </span>- قوله تعالى: ﴿لَيْسُوا سَوَآءً﴾ قال أبو الهيثم (٧): يقال: (فلانٌ وفلانٌ سَواء) (٨)؛ أي: متساويان، و(قوم سَواء)؛ لأنه مصدر لا يُثَنّى ولا يُجمع. ومضى الكلام في (سواء) في أول سورة البقرة (٩).\n_________\n(١) ممن قال بذلك: ابن زيد، ومقاتل. انظر: \"تفسير مقاتل\" ١/ ٢٩٣، \"تفسير الطبري\" ٧/ ٧٣.\n(٢) ما بين المعقوفين: زيادة من: (ج).\n(٣) في (أ)، (ب)، (ج): كلي.\n(٤) قوله في \"تفسير الطبري\" ٤/ ٤٨، \"تفسير ابن أبي حاتم\" ٣/ ٧٣٥، وأورده السيوطي في \" الدر\" ٢/ ١١٥ وزاد نسبة إخراجه لابن المنذر.\n(٥) في (ج): أخذونه.\n(٦) انظر: \"تفسير البسيط\" [البقرة: ٦١].\n(٧) قوله في \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٧٩٤ (سوى).\n(٨) في \"تهذيب اللغة\": (سواعد) -بدلًا من: (سوى) - ويبدو أنها تصحيف.\n(٩) عند آية ٦ من سورة البقرة.\nانظر حول (سواء): \"الوجوه والنظائر\" لهارون بن موسى ٣٦، و\"تحصيل نظائر =","vol":"5","page":508},{"text":"قال ابن الأنباري (١): يريد: ليس أهل الكتاب الذين سبق ذكرُهم وتقدم وصفُهم، سواءً؛ أي: متساوين في دينهم ومذهبهم. ثمّ ابتدأ فقال (٢):\n﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾ إنقطع الكلامُ عند (سواءً)، ورفع (الأُمة) بـ (مِنْ) (٣)، وأضمر (٤) (الأمَّة) المذمومة؛ لأن القائمة تكفي من التي ليست بقائمة، على مذهب العرب من الاكتفاء بالشيء من ضده، كما قال أبو ذؤيب (٥):\nعَصاني إليها القَلْبُ إِنّي لأمرها ... مطيعٌ فما أدري أَرُشْدٌ طِلابُها؟ (٦)\n_________\n= القرآن\" للحكيم الترمذي ٢٧، \"الأضداد\" لابن الأنباري ٤٠، \"الحجة\" للفارسي ١/ ٢٤٥، \"الصحاح\" ٦/ ٢٣٨٤ (سواء)، و\"قاموس القرآن\" للدامغاني ص ٢٥٢، و\"التصاريف\" لمكي ١١١، و\"نزهة الأعين النواظر\" ٣٥٩، \"المغني\" لابن هشام ١٨٧ - ١٨٩.\n(١) لم أقف على مصدر قوله. وقد ورد بعضُ قوله في \"إيضاح الوقف والابتداء\" له: ٢/ ٥٨٢.\n(٢) فقال: ساقطة من: (ب).\n(٣) ممن قال بالوقف التام -هنا- أكثر أهل العلم، ومنهم: نافع، ويعقوب، والأخفش، والزجاج، وأبو حاتم.\nانظر: \"القطع والائتناف\" للنحاس: ٢٣٢، \"معاني القرآن\" للأخفش ١/ ٢١٣، \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٤٥٨، و\"منار الهدى\" للأشموني ٦٨ وقال: (وهو الأصح).\nوإعراب ﴿أُمَّةٌ﴾ على هذا الوجه: مبتدأ مؤخر، و﴿مِن أَهلِ الكِتَابِ﴾ خبر مقدم. انظر: \"التبيان\" للعكبري: ص ٢٠٥.\n(٤) في (ج): (فأضمر).\n(٥) في (ج): (ذيب). وهو: خويلد بن خالد بن مُحرِّث الهُذَلي. تقدم.\n(٦) ورد البيت منسوبًا له في \"شرح أشعار الهذليين\" ١/ ٤٣، \"تأويل مشكل القرآن\" =","vol":"5","page":509},{"text":"أراد: أم غيٌّ؟. فاكتفى بالرُّشد مِن غيره (١).\nوقال آخر:\nوما أدري إذا يَمَّمْتُ أرضًا ... أُريدُ الخيرَ أيُّهُما يَلِيني (٢)\n_________\n=٢١٥، \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١٠١ - ب، \"مغني اللبيب\" ١٨، ٥٩، ٨٢٠، وانظر: \"شرح شواهد المغني\" ٢٧، ١٤٢، ٦٧٢)، \"الدرر اللوامع\" ٢/ ١٧٢.\nكما ورد غير منسوب في \"معاني القرآن\" للفراء: ١/ ٢٣٠، \"منهج السالك\" ٣/ ١١٦، \"همع الهوامع\" ٥/ ٢٤١.\nوقد ورد في بعض المصادر: (دعاني إليها القلب) وفي معاني الفراء، وتأويل المشكل، وتفسير الثعلبي: (عصيت إليها القلب) كما ورد في جميع المصادر المذكورة: (إني لأمره * سميع ..).\nقال الأصمعي: (عصاني القلب): جعل لا يقبل مني؛ أي: ذهب إليها قلبي سفها، فأنا أتبع ما يأمرني به، فما أدري أرُشدٌ الذي وقع فيه أم غيٌّ). \"شرح أشعار الهذليين\" ١/ ٤٣.\n(١) وقد تطرق المؤلف لهذا المعنى عند الآية: ٦ من سورة البقرة.\n(٢) في (ج): (أيهما أريد).\nوالبيت للمثقب العبدي، وهو في ديوانه: ٢١٢. وورد منسوبًا له، في \"المفضليات\" ٥٧٤، \"الشعر والشعراء\" ١/ ٤٠٣، و\"الصناعتين\" ٢٠٥، و\"الحماسة البصرية\" ١/ ٤٠، \"شرح شواهد المغني\" ١٩١، \"خزانة الأدب\" ١١/ ٨٠\nوورد غير منسوب في \"معاني القرآن\" للفراء: ٢٣١.\nوروايته في \"المفضليات\": (يممت أمرًا ..)، وعند الفراء: (يممت وجها ..) وفي \"الحماسة البصرية\" كما عند المؤلف، وفي \"شرح شواهد المغني\" \"الخزانة\": (وجهت وجهًا ..).\nوبعد هذا البيت:\nأألخير الذي أنا أبتغيه ... أم الشر الذي هو يبتغيني\nومعنى (يميت): قصدت، و(يليني): من (الوَلْي)، وهو: القرب.","vol":"5","page":510},{"text":"أراد (١): أريد الخير والشر، فاكتفى بالخير من الشر (٢).\nويجوز أن يرتفع (الأُمَّة) (٣) بـ (سواء)، ويكون المعنى: لا يستوي من أهل الكتاب أمَّةٌ قائمةٌ، وأخرى غيرُ قائمةٍ.\nوهذا الذي ذكر (٤) ابنُ الأنباري، كُلُّهُ مذهبُ الفرّاء في هذه الآية (٥).\nقال [أبو إسحاق] (٦): هذا الذي قاله (٧)، خطأ فاحش في هذا المكان (٨)؛ لأن ذِكْرَ أهلِ الكتابِ قد جرى في هذه القصة، وأنهم كانوا يكفرون بآيات الله، ويقتلون [الأنبياء] (٩)، فأعلمَ اللهُ ﷿ أنَّ منهم المؤمنين، الذين هم (١٠) أمةٌ قائمةٌ، فما الحاجَةُ إلى أن يقال: غير قائمة؟ وإنما [المبدوء] (١١) به ما (١٢) كان مِن فِعْلِ أكثرِهم؛ من الكفر والمُشَاقَّةِ للنبي - ﷺ -.\n_________\n(١) في (ج): (المعنى: لا يستوي أراد). ولم أثبت هذه الزيادة؛ لأنه لا وجه لها، ويبدو أنها سبق قلم من الناسخ.\n(٢) انظر المصادر السابقة التي أوردت البيتين؛ حيث تطرقت إلى موضوع الحذف الوارد في الآية.\n(٣) في (ج): (الأمر).\n(٤) في (ج): (ذكره).\n(٥) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٢٣٠.\n(٦) ما بين المعقوفين غير مقروء في (أ). والمثبت من: (ب)، (ج). وقوله في \"معاني القرآن\" له: ١/ ٤٦٠. نقله عنه بنصه.\n(٧) في (ج): (قال).\n(٨) في \"معاني القرآن\" في مثل هذا المكان.\n(٩) ما بين المعقوفين: مطموس في (أ). ومثبت من (ب)، (ج)، \"معاني القرآن\".\n(١٠) هم: ساقطة من (ب).\n(١١) ما بين المعقوفين: في (أ): البدو. والمثبت من (ب)، (ج)، \"معاني القرآن\".\n(١٢) في (ب): (مما).","vol":"5","page":511},{"text":"فّذَكَرَ مَنْ كان منهم مباينًا لهؤلاء.\nفعند الزجّاج: لا يحتاج إلى إضمار الأمَّةِ المذمومة؛ لأن ذِكْرَ أهلِ الكتاب قد جرى، ثُمّ أخبر الله تعالى أنهم غير متساوين، بقوله: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً﴾، وههنا وقف التمام. ثُمّ أنبأ بافتراقهم، فقال: ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾ (١)\nقال أبو بكر (٢): وقول الفرّاء هو الحق، واحتجاج الزّجاج عليه مُخْتَلٌّ (٣) فاسد، لأنه لو اكتفى بقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ﴾ [آل عمران: ١١٢] من إضمار الأُمَّة الكافرة بعد ذِكْرِ الأُمَّة المؤمنة، لاكتفى بقوله ﷿: ﴿مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [آل عمران: ١١٠]، مِن ذِكْر الأُمَّتين جميعًا؛ فلما لم يكتفِ بالمؤمنين من الأُمَّة القائمة، لم يكتفِ بالفاسقين من الأُمَّة الكافرة، إذْ كان الله جل وعلا أتى بإخبار بعد إخبار، وَوَصْفٍ لهم إثْرَ وَصْفٍ؛ للزيادة (٤) في الإفهام، والمبالغة في الإيضاح والبيان. والله أعلم.\nوكان أبو عبيدة يذهب مذهب الفرّاء: من إضمار الأُمَّة المذمومة، إلّا أنه لا يجعل تمامَ الوقف عند قوله: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً﴾، ويقول (٥): (الأُمَّة) رُفِع\n_________\n(١) في (أ)، (ب): ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾. وما أثبته من: (ج)؛ لأنه الأولى والأنسب بسياق الكلام. وما ورد في (أ)، (ب) مما سبق به الفكر والقلب عادة في مثل هذه المواطن.\n(٢) هو ابن الأنباري، كما سبق، ولم أقف على مصدر قوله وهو من تتمة النقل السابق عنه.\n(٣) في (ج): (محتمل).\n(٤) في (ج): (الزيادة).\n(٥) لم أقف على مصدر قوله وليس موجودًا في \"مجاز القرآن\" بهذا النص؛ ونَصُّهُ =","vol":"5","page":512},{"text":"بـ ﴿لَيْسُوا﴾.\nقال: وجُمِعت (ليس) وهي مُقَدَّمة، على لغة مَن يجمع الفعلَ وإن يقدم، كقولهم: (أكلوني البراغيثُ) (١)، واحتج بقول الفرزدق:\nولكنْ دِيافِيٌّ أَبُوهُ وأُمُّهُ ... بِحَوْرانَ (٢) يَعْصِرْنَ السَّلِيطَ أقارِبُهُ (٣)\n_________\n= في (المجاز) هو: (العرب تُجوِّزُ في كلامهم مثل هذا أن يقولوا: (أكلوني البراغيثُ)، قال أبو عبيدة: سمعتها من أبي عمرو الهذلي في منطقه، وكان وجه الكلام أن يقول: (أكلني البراغيث). وفي القرآن: ﴿عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٧١]، وقد يجوز أن يجعله كلامين، فكأنك قلت: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾، ثم قلت: ﴿أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾.) \"المجاز\" ١/ ١٠١ - ١٠٢.\n(١) هذا مثل وضع عَلَما على لغة (طيئ)، وقيل لغة (أزد شنوءة)، أو (بلحارث)، وكما ورد في الهامش السابق عن أبي عبيدة أنه نطق بها بعض (هذيل).\nوقد ألحقوا في هذه اللغة علامة الجمع أو التثنية بالفعل، مع ظهور الفاعل، فجمع في (أكلوني البراغيث) واو الجماعة والاسم الظاهر. والأصل المتبع أن يقال: (أكلني البراغيث).\nانظر الكلام عن هذه اللغة في \"كتاب سيبويه\" ٢/ ٤٠ - ٤١، \"معاني القرآن\" للفراء: ١/ ٣١٦، \"المسائل المشكلة\" للفارسي: ١٠٩، \"سر صناعة الإعراب\" ٦٢٩، \"نتائج الفكر\" للسهيلي:١٦٦، \"إعراب الحديث النبوي\" للعكبري: ١٢٥، ١٣٧ - ١٣٨، \"رصف المباني\" ١١١، \"الجنى الداني\" ١٥٠، ١٧٠، \"البحر المحيط\" ٣/ ٢٤، \"مغني اللبيب\" ٤٧٨، \"أوضح المسالك\" ص ٨٢، \"همع الهوامع\" ٢/ ٢٥٦، \"الاقتراح في علم أصول النحو\" للسيوطي: ٤٣، \"معجم الشوارد النحوية\" ١٠٨.\n(٢) في (أ)، (ب)، (ج): (بحوزان). والمثبت من: الديوان ومصادر البيت.\n(٣) البيت في ديوانه: ٤٤. وقد ورد منسوبًا له في \"كتاب سيبويه\" ٢/ ٤٠ (وانظر شرح أبيات سيبويه، للنحاس: ١١٣)، \"أمالي بن الشجري\" ١/ ٢٠١، \"شرح المفصل\" ٣/ ٨٩، ٧/ ٧، \"معجم البلدان\" ٢/ ٤٩٤، \"خزانة الأدب\" ٥/ ٦٣، ٢٣٤، ٧/ ٣٤٦، ٤٤٦، ١١/ ٣٧٢، \"اللسان\" ٢/ ١١٩٣ (خطأ)، ٤/ ٢٠٦٥ (سلط)،=","vol":"5","page":513},{"text":"ولم يرتض هذا القولَ أحدٌ مِن النحويين، وقالوا: هذا الذي قاله، لغة رديئة في القياس والاستعمال.\nأما القياس؛ فلأن الجمعَ عارِضٌ، والعارِضُ لا تُؤكَّد عَلامَتُه؛ لأنه بمنزلة ما لا يُعتَدُّ بِه، وليس كالتأنيث؛ للزومه، فَتُقَدَّم [له] (١) العَلامَةُ؛ لِتُؤذِنَ به قبل ذِكْرِهِ. ومع (٢) [هذا؛ فجائز] (٣) تركها فيه، فكيف (٤) بالعارض (٥)؟ ولزوم (٦) الفعل للفاعل يغني عن التثنية والجمع فيه، فلا\n_________\n= ٣/ ١٤٥٥ (دوف)، \"الدر اللوامع\" ١/ ١٤٢.\nوورد غير منسوب في \"الحجة\" للفارسي: ١/ ١٣٢، \"الخصائص\" ٢/ ١٩٤، و\"إعراب الحديث النبوي\" ١٢٥، ١٣٨، \"رصف المباني\" ١١٢، \"الجنى الداني\" ١٥٠، \"همع الهوامع\" ٢/ ٢٥٦.\nوالبيت من قصيدة قالها في هجاء عمرو بن عفراء الضبِّي.\nو(دِيافيّ) نسبة إلى (دِياف) وهي من قرى الشام، وأهلها نَبَط، و(حوران): من قرى الشام. انظر: \"معجم البلدان\" ٢/ ٤٩٤، \"الخزانة\" ٥/ ٢٣٥.\nو(السليط): الزيت. وقيل: كل دهن عصر من حب. انظر: \"اللسان\" ٤/ ٢٠٦٥ (سلط). يقول الشاعر -هنا- عن المهجو: إنَّ أهله من النَّبطِ، وليسوا من العرب الخلَّص، أصحاب الانتجاع والشجاعة والحروب، بل هم من أهل (دِياف)، ممن يعيشون على عصر الزيت. وزاده هجاءً بقوله: (يعصرن) -بنون النسوة- يشبههم بالنساء ذوات الخدمة والتبذل، وليسوا كالرجال ممن شأنهم الحروب.\nوالشاهد فيه: قوله: (يعصرن السليط أقاربه) ولم يقل (يعصر)، على الأصل، حيث إنه فعل مقدمة، وفاعله (أقاربه)، والنون في الفعل علامة لكون الفاعل جمعًا.\n(١) ما بين المعقوفين زيادة من: (ج).\n(٢) في (ج): مع.\n(٣) ما بين المعقوفين: غير مقروء في (أ). وفي (ب): هذا الحيز. والمثبت من: (ج).\n(٤) في (ج): (وكيف).\n(٥) في (ب): (العارض).\n(٦) في (ب): ولزومه. في (ج): (ولزم).","vol":"5","page":514},{"text":"يدخل جمعٌ على جمع، كما لا يدخل تعريفٌ على تعريف.\nوأما الاستعمال؛ فإن أكثر العرب تَرَك هذه اللغة، وهي من لغة من لا يُرتَضى لغتُه، ولم ينزل الله ﷿ كتابَه إلا بأعرب اللغات، وأقربها من البيان. ومتى جُمع الفعلُ مُقدَّمًا [أوْهَمَ] (١) أسماءً (٢) قبله، ولم يَقِفْ المخاطَبُ على معنى الكلام، إلّا بعد تفكر [من التَّوَهُّم] (٣).\nومعنى ﴿أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾: قال ابن عباس (٤): يريد: قائمة على الحَقِّ، وعلى أمر الله، لم تتركه كما تركه الآخرون.\nوقال مجاهد (٥): عادلة. وقال السُدِّي (٦): قائمة بطاعة الله. وقال ابن قتيبة (٧): مواظبة على أمر الله.\nوقوله تعالى: ﴿يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ﴾. أي: يقرأون كتاب الله.\n_________\n(١) في (أ)، (ب)، (ج): وهم. وما أثبته هو كما رجحت صوابه؛ لأني لم أجد في معاجم اللغة التي رجعت إليها، أن (وهم) يتعدى بدون الهمزة، أو بالتضعيف. وما يؤكد هذا أن الواو في (وهم) لصقت بالألف في (مقدما) في (أ)، (ج).\n(٢) في (ب): (إنهاء).\n(٣) ما بين المعقوفين زيادة من: (ج).\n(٤) قوله في \"تفسير الطبري\" ٤/ ٥٤، \"ابن أبي حاتم\" ٣/ ٧٣٨، \"معاني القرآن\" للنحاس: ١/ ٤٦٢، \"تفسير البغوي\" ٢/ ٩٣، وقد رجح هذا الطبري في تفسيره في الموضع السابق، وابن كثير في \"تفسيره\" ١/ ٤٢٧.\n(٥) قوله في \"تفسيره\" ١٣٣، \"تفسير الطبري\" ٤/ ٥٣، \"تفسير ابن أبي حاتم\" ٣/ ٧٣٨، \"معاني القرآن\" للنحاس: ١/ ٤٦٢، \"تفسير البغوي\" ٢/ ٩٣، \"الدر المنثور\" ٢/ ١١٦ وزاد نسبته لعبد بن حميد.\n(٦) قوله في \"تفسير الطبري\" ٤/ ٥٣، \"ابن أبي حاتم\" ٣/ ٧٣٧، \"البغوي\" ٢/ ٩٣.\n(٧) في \"تفسير غريب القرآن\" له ١٠٨.","vol":"5","page":515},{"text":"﴿آنَاءَ اللَّيْلِ﴾. ساعاته. والواحد: (إنًى)، مقصورٌ؛ مثل: (مِعًى) (١). قال الراجز:\nلله درُّ جعفرٍ أيَّ فتًى ... مُشَمِّرٍ عن ساقه كُلَّ إنًى (٢)\nويجوز: (إنْيٌ)، مثل: (نِحْيٌ) (٣)، و(حِسْيٌ) (٤).\nقال الأعشى:\nفي كلِّ إنْيٍ حَذَاهُ الليلُ يَنْتَعِلُ (٥)\n_________\n(١) في (أ)، (ب)، (ج): (معًا). والمثبت من كتب اللغة. انظر: \"تهذيب اللغة\" ١/ ٢٢٥ (أنى).\n(٢) في (ب): (أنى). ولم أقف على قائله، وقد أورده الثعلبي في \"تفسيره\" ٣/ ١٠٢ أ، ولم يعزه لقائل، ولم أقف على مصادر أخرى له.\n(٣) في (ب): (محي).\nوالنِحْيُ: الزِّقُّ -وهو السقاء الذي يُتَّخذ للشراب، أو ما كان للسمن خاصة-، أو نوع من الرُّطَب، أو سهم عريض النصل. ويقال -كذلك-: (النِّحْي، والنَّحَى). والجمع: (أنحاء، ونُحِيٌّ، ونِحاءٌ).\nانظر: (نحا) في \"اللسان\" ٧/ ٤٣٧٢، \"القاموس\" ص ١٣٣٧.\n(٤) الحِسْيُ: سهل من الأرض يستنقع فيه الماء. وقيل: غِلَظٌ فوقه رمل يجتمع فيه ماء المطر، فكلما نَزحتَ دلوا جمَّت أخرى. والجمع: أحساء.\nانظر: \"الصحاح\" ١٣١٣ (حسا)، \"المجمل\" ٢٣٣ (حسو)، \"اللسان\" ٢/ ٨٨٠ (حسا)، \"القاموس\" ص ١٢٧٤ (حسا).\n(٥) في (أ)، (ب)، (ج): ورد البيت كالتالي: (في كل إنيٌ جداه الليل شغل). وما أثبته فمن مصادر البيت.\nوالبيت ليس للأعشى كما ذكر المؤلف، بل هو لأبي أُثَيْلَة، المُتَنَخِّل، مالك بن عويمر بن عثمان الهُذَلي. وقد ورد منسوبًا له في \"سيرة بن هشام\" ٢/ ١٨٦، \"مجاز القرآن\" ١/ ١٠٢، ٢/ ٣٣، \"شرح أشعار الهذليين\" ٣/ ١٢٨٣، \"الشعر والشعراء\" ص ٤٣٩، \"الصحاح\" ٢٢٧٣ (أنا)، \"اللسان\" ١/ ١٦٢ (أنى).","vol":"5","page":516},{"text":"قال المفسرون: يعني بـ (الأُمَّة القائمة) ههنا: عبد الله بن سلام، ومن آمَنَ معه من أهل الكتاب. هذا قول ابن عباس (١)، وقتادة (٢)، وابن\n_________\n= وورد غير منسوب في \"تفسير الطبري\" ٤/ ٥٤، \"معاني القرآن\" للزجاج: ١/ ٤٥٩، \"المنتخب\" لكراع النمل: ٢/ ٦٠٨، \"معاني القرآن\" للأخفش: ١/ ٢١٤، وكتاب \"حروف الممدود والمقصور\" للكسائي: ٦٤، \"المنصف\" ٢/ ١٠٧، \"تهذيب اللغة\" ١/ ٣٦١٤ (نعل)، ١/ ٢٢٥ (أنى)، \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١٠٢ أ.\nوأول البيت:\nحلْوٌ ومُرٌّ كَعَطْفِ القِدْح مِرَّتُهُ\nوقد ورد في بعض المصادر: (بكل إني ..)، وورد: (قضاه الله ..)، و(قضاه الليل ..) بدلًا من: (حذاه الليل)، وفي المنتخب، لكراع النمل: (حَدَاهُ الليل)، وورد: (كعطف القدح شيمتُهُ ..).\nالشاعر -هنا- يرثي ابنه أثَيْلَة، ويصفه بأنه (حلو ومر)؛ أي: حلو وسهل لمن يستحق المعاملة الحسنة، ومرٌّ وشديد على من يستحق الشدة والخشونة. وقوله: (كعطف القدح)، (القِدْح): السهم قبل أن يُراش ويُنْصل. و(المِرَّة): الشِّدّة، والقوة. يريد: أنه يُطوَى كما يُطوَى القِدح، ثم يعود إلى شدَّته واستقامته. قوله: (حذاه الليل): أي: قطعة اليل حِذاءً. و(ينتعل)، أي: يتخذه نعلًا. أي: إنه يسري في كل ساعة من ساعات الليل، لا يتأَخر ولا يهاب.\nانظر: \"شرح أشعار الهذليين\" ٢/ ١٢٨٣، وتعليق الأستاذ محمود شاكر على البيت في هامش \"تفسير الطبري\" ٧/ ١٢٥ - ١٢٦.\nوفسر كراع النمل: (حداه الليل)؛ أي: ساقه وقال: (أي: ينتعل كل إنيٍ حداه؛ أي: ساقه، و(في) زائدة) المنتخب: ٦٠٨.\n(١) قوله في \"تفسير الطبري\" ٤/ ٥٢، \"تفسير ابن أبي حاتم\" ٣/ ٧٣٧، \"الدر المنثور\" ٢/ ١١٥، وزاد نسبة إخراجه لابن إسحاق، وابن المنذر، والطبراني، والبيهقي في الدلائل، وابن عساكر.\n(٢) لم أقف على مصدر قوله وقد أورده ابن الجوزي في الزاد: ١/ ٤٤٢. والذي في تفسير الطبري عنه: (ليس كل القوم هلك، قد كان لله فيهم بقية) ٤/ ٥٢.","vol":"5","page":517},{"text":"جريج (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ قال الفرَّاء (٢)، والزجاج (٣): أي: يُصلُّون؛ لأن التلاوة لا تكون في السجود ولا في الركوع. فالمراد بـ (السجود) (هنا) (٤): الصلاة، وإنَّما ذكرت بلفظ السجود؛ لأن السجود نهاية ما فيها من التواضع.\nفعلى ما ذكروا (٥)؛ الواو في (وهم) واو الحال؛ أي: يقرأون القرآن مُصَلِّينَ.\nوقال غيرهما (٦): يجوز أن يكون المراد: حقيقة السجود، لا الصلاة؛ فيكون التأويل: يتلون آيات الله آناء الليل (٧)، وهم مع ذلك يَسجدون. فليست الواوُ حالًا، وإنَّما هي عطف جملةٍ على جملة (٨). وعلى هذا؛ لم يعدل بالسجود عن ظاهره.\nوقال ابن مسعود (٩): هذه في صلاة العَتَمَة؛ يصلونها، ومن سواهم\n_________\n(١) قوله في \"تفسير الطبري\" ٤/ ٥٢.\n(٢) في \"معاني القرآن\" له ١/ ٢٣١.\n(٣) في \"معاني القرآن\" له ١/ ٤٥٩. المؤلف -هنا- دمج بين عبارات الفراء والزجاج، ولفَّقَ بينها.\n(٤) زيادة من (أ).\n(٥) في (أ) و(ج): (ذكر).\n(٦) ممن قال ذلك: الطبري في \"تفسيره\" ٤/ ٥٦، رادًّا على الفراء رأيَه السابق. والعبارة التالية قريبة من عبارته في تفسيره.\n(٧) (آناء الليل): ساقطة من: (ج).\n(٨) أي: أنها معطوفة على قوله تعالى ﴿يَتْلُونَ﴾، في موضع رفع نعت لـ ﴿أُمَّةٌ﴾. وقد تكون مستأنفة لا محل لها من الإعراب. واستحسن هذا مكِّي بن أبي طالب.\n(٩) قوله في \"تفسير الطبري\" ٤/ ٥٥، \"تفسير ابن أبي حاتم\" ٢/ ٧٣٩، \"التاريخ =","vol":"5","page":518},{"text":"من أهل الكتاب لا يصليها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-617>١١٤ </span>- قوله تعالى ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ قال ابن عباس (١): يريد: بتوحيد الله. ﴿وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾: يريد: عن الشرك بالله.\nوقال الزجاج (٢): أي: يأمرون باتِّباع (٣) النبي - ﷺ -، وينهون عن\n_________\n= الكبير\" للبخاري ١/ ٢/ ٣٠٨، وأورده السيوطي في \"الدر\" ٢/ ١١٦ وزاد نسبة إخراجه للفريابي، وعبد بن حميد، وابن المنذر.\nوقد وردت في رواية أخرى للطبري عن ابن مسعود عبارةٌ مُدرَجة، تبيِّن أن صلاة العتمة هي صلاة العشاء، ونصها: (خرج علينا رسول الله - ﷺونحن ننتظر العشاء- يريد: العتمة- فقال لنا: ما على الأرض أحدٌ من أهل الأديان ينتظر هذه الصلاة في هذا الوقت غيركم. قال: فنزلت: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً﴾). وقد يكون الإدراج من الطبري أو من أحد رواة الأثر عن ابن مسعود.\nأخرج هذه الرواية: أحمد ١/ ٣٩٦، والطبري في \"تفسيره\" ٤/ ٥٥، وابن أبي حاتم ٣/ ٧٣٨، والنسائي في \"تفسيره\" ١/ ٣٢٠، وابن حبان (الإحسان) ٤/ ٣٩٧ رقم: ١٥٣٠)، والبزار (انظر: \"كشف الأستار\" ١/ ١٩٠ رقم: ٣٧٥)، والواحدي في \"أسباب النزول\" ص١٢٣، وانظر: \"تفسير ابن مسعود\" ١/ ١٧٦ - ١٧٨.\nوقد ورد عن ابن عباس، والسُدِّي تفسير ﴿آنَاءَ اللَّيْلِ﴾ بجوف الليل. وعن الثوري، عن منصور بن المعتمر السلمي: أنها بين المغرب والعشاء.\nوهي معان متقاربة، لأن كلًّا منها يصدق عليه أنه من آناء الليل.\nإلا أن الطبري يرى أن أَوْلاها، هو قول من قال: هي تلاوة القرآن في صلاة العشاء، لأنه صلاة لا يصليها أحد من أهل الكتاب.\nانظر: \"تفسير الطبري\" ٤/ ٥٤ - ٥٦، \"تفسير ابن أبي حاتم\" ٣/ ٧٣٨ - ٧٣٩.\n(١) لم أقف على مصدر قوله. وفي \"النكت والعيون\" ٢/ ٨٨١ أورد عن ابن عباس، أن (المعروف: اتباع الرسول. والمنكر: عبادة الأصنام).\n(٢) في \"معاني القرآن\" له ١/ ٤٦٠. نقله عنه بنصه.\n(٣) في (ب): (يأمرون بتوحيد الله باتباع النبي).","vol":"5","page":519},{"text":"الإقامة على مُشَاقَّتِه.\nوقوله تعالى: ﴿وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ فيه وجهان لأصحاب المعاني:\nأحدهما: أنهم يبادرونها خوف الفَوْتِ بالموت (١). والآخر: [يعملونها] (٢) غير متثاقلين (٣) فيها (٤).\nوالسُّرْعة محمودةٌ، بخلاف العَجَلَة؛ وذلك أنَّ (السرعة): التقدم فيما ينبغي أن تتقدم (٥) فيه. ونقيضها مذموم، وهو: (الإبطاء) (٦).\nو(العَجَلَة) مذمومة، وهي: التقدم فيما لا ينبغي أن تتقدم (٧) فيه (٨). ونقيضها: (الأَنَاة) (٩)، وهي محمودة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-618>١١٥ </span>- قوله تعالى: ﴿وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ﴾ موضع ﴿يَفْعَلُوا﴾: جزم بالشرط، وجوابه: ﴿فَلَنْ يُكْفَرُوهُ﴾.\nوفيهما قراءتان (١٠):\n_________\n(١) ممن قال بذلك: الطبري في \"تفسيره\" ٤/ ٥٦. وهو المتبادر من معنى الآية.\n(٢) ما بين المعقوفين في (أ)، (ب): (يعلمونها). والمثبت من: (ج).\n(٣) في (ب): (متشاقين).\n(٤) لم أقف على من قال بهذا القول، ممن سبق المؤلف.\n(٥) في (ب): (يتقدم).\n(٦) انظر: \"اللسان\" ٤/ ١٩٩٤ (سرع)، \"بصائر ذوي التمييز\" ٣/ ٢١٤.\n(٧) في (ب): يتقدم.\n(٨) قال الفيروز آبادي: (والعجلة من مقتضيات الشهوة؛ فلذلك ذُمَّت في جميع القرآن، حتى قيل: إن العجلة من الشيطان. وقوله -تعالى-: ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾ [طه: ٨٤]، ذُكر أن عجلته -وإن كانت مذمومة- فالذي دعا إليها أمرٌ محمود، وهو: طلب رضا الله). \"بصائر ذوي التمييز\" ٤/ ٢٣.\n(٩) في (ب): (الإناء).\n(١٠) قرأ حمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم بالياء في ﴿يَفعَلُوا﴾ و﴿يُكفَرُوهُ﴾.\nوقرأ ابن كثير، ونافع، وأبي بكر عن عاصم، وابن عامر، بالتاء فيهما. وورد عن أبي عمرو القراءة بالياء، والتاء.\nانظر: \"السبعة\" ٢١٥، \"الحجة\" للفارسي: ٣/ ٧٣، \"النشر\" ٢/ ٢٤١.","vol":"5","page":520},{"text":"الياءُ؛ للكناية عن الأُمَّةِ القائمة، ثم سائر الخلق داخل في هذا الشرط.\nومن قرأ بالتَّاء؛ فلأن نظائره جاءت بالتَّاء؛ مخاطبة لجميع الخلائق، من غير تخصيص قوم دون قوم؛ كقوله: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٧]، ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ﴾ (١) [البقرة: ٢٧٢].\nومعنى ﴿فَلَنْ يُكْفَرُوهُ﴾: فلن تعدموا (٢) ثوابه، ولن تُجحَدوا جزاءَه (٣) وسُمِّيَ منعُ الجزاء على عمل الخير كفرًا؛ لأنه بمنزلة الجَحْدِ له، والسَّتْر (٤)؛ لئلا يقع الجزاء عليه. ولمَّا جعل ثواب الطاعة من الله تعالى\n_________\n(١) ورد في (أ)، (ب)، (ج): (وما تفعلوا من خير يوف غليكم) وليست هذه آية قرآنية. والصواب ما أثبته.\nوقد أورد هذه الآية في هذا الموضع -في سياق بيان وجه القراءة بالتاء- الفارسيُّ في \"الحجة\" ٣/ ٧٣ - وهو من مصادر المؤلف في كتابه هذا-، وكذا أوردها مكيُّ في \"الكشف\" ١/ ٣٥٤.\n(٢) في (ب): (تقدموا).\nوقوله: (ولن تعدموا ثوابه ولن تجحدوا جزاءه): بنصها في \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١٠٣أ.\n(٣) في (ج): (جزاه). انظر: \"تفسير الطبري\" ٤/ ٥٧.\n(٤) أصل معنى كلمة (كفر): السَّتْر والتغطية. انظر: (كفر) في \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣١٦٠. \"مقاييس اللغة\" ٥/ ١٩١.\nوعبارة الطبري في بيان معنى الآية: (فلن يغطي على ما فعلوا من خير، فيتركوا بغير مجازاة، ولكنهم يشكرون على ما فعلوا من ذلك فيجزل لهم الثواب). \"تفسيره\" ٤/ ٥٧، وانظر: \"المحرر الوجيز\" ٣/ ٢٨٠.","vol":"5","page":521},{"text":"شُكْرًا لأن معنى الشاكر في (١) صفته: أنَّه يُثِيب (٢) على الطاعة (٣) جعل منع الثواب كفرًا.\nومعنى (٤) قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ﴾ أي: لا يُضيع شيئًا من أعمالهم (٥)؛ لأن المُجازي به عليمٌ بهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-619>١١٦ </span>- قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قال ابن عباس (٦): يريد: قريظة والنضير (٧).\n﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ﴾ أي: لن تدفع عنهم الضَّررَ إذا نزل بهم أموالُهم ولا أولادُهم. خُصَّا بالذكر؛ لأنهما مُعتَمَد ما يقع به الاغترارُ، فإذا لم يغنيا، فغناء مَن دونهما أبعد.\nوقال الزجّاج (٨): لأن رؤوساء اليهود مالوا إلى الأموال في معاندتهم\n_________\n(١) في (ج): (مع).\n(٢) في (ج): (يثبت).\n(٣) قال الزجاج: (فكأن الشكر من الله -تعالى- هو: إثابتة الشاكر على شكره، وقبوله للطاعة شكرا على طريقة المقابلة؛ كما قال عز اسمه: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُم﴾ [البقرة: ١٩٤]). \"تفسير أسماء الله الحسنى\" ٤٨. ونقل الأزهري عن الزجاج -كذلك- قوله: (والشكور من أسماء الله -جل وعز- معناه: أنه يزكو عنده القليل من أعمال العباد، فيضاعف لهم به الجزاء). \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٩١٣.\n(٤) ومعنى: ساقطة من: (ج).\n(٥) في (أ) و(ج): (عملهم).\n(٦) لم أقف على مصدر قوله.\n(٧) قال الطبري: (وهذا وعيد من الله ﷿ للأمَّة الأخرى الفاسقة من أهل الكتاب ... ولمن كان من نظرائهم من أهل الكفر بالله ورسوله ..). \"تفسيره\" ٤/ ٥٨.\n(٨) في \"معاني القرآن\" له ١/ ٤٦٠. نقله عنه بالمعنى.","vol":"5","page":522},{"text":"النبي - ﷺ -، وإنما قامت لهم الرياسة، واكتسبوا الأموالَ بمعاندته.\nوالدليل على ذلك: قوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ﴾ [البقرة: ٧٩] الآية.\nوخص الأولاد؛ لأنهم أقرب أنسبائهم (١) إليهم.\nوقال بعض المفسرين (٢): لن تغني عنهم أموالُهم في الصدقات، ولا أولادُهم في الشفاعات، بخلاف المؤمن، فإنَّ المؤمنَ ينفعه مالُه في الكَفَّارات والصدقات؛ وأولاده في الشفاعة. والدليل على صحة هذا التفسير: ما ذكر مِن بُطلان نفقاتهم عقيب هذه الآية في:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-620>١١٧ </span>- قوله تعالى: ﴿مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ الآية.\nقال يَمَان (٣): نزلت في إنفاق أبي سفيان والمشركين في بدر وأحد، على عداوة النبي - ﷺ -.\nوقال مقاتل (٤): يعني: نفقة سَفَلَة اليهود على علمائهم (٥).\nوقال مجاهد (٦): يعني جميع نفقات الكفار في الدنيا، وصدقاتهم.\n_________\n(١) في (ب)، (ج): أنسابهم.\n(٢) لم أقف عليه.\n(٣) قوله في \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١٠٣ ب، وقد أورد الماوردي هذا القول في \"النكت والعيون\" ١/ ٤١٨ ولم يعزه لقائل.\n(٤) قوله في \"تفسيره\" ١/ ٢٩٦، \"تفسير بحر العلوم\" ٢/ ١٣٥، \"الثعلبي\" ٣/ ١٠٣ ب.\n(٥) بيَّن مقاتل أن نفقة سفلة اليهود على علمائهم، يبتغون بها الآخرة، ثم أردف مقاتل قائلًا: (فكذلك أهلك الله نفقات سفلة اليهود ومنهم كفار مكة التي أرادوا بها الآخرة، فلم تنفعهم نفقاتهم). \"تفسيره\" ٢٩٧.\n(٦) قوله في \"تفسير الطبري\" ٤/ ٥٩، \"تفسير ابن أبي حاتم\" ٣/ ٧٤١، وتفسير مسلم بن خالد الزنجي: ٧٧ (ضمن الجزء الذي فيه تفسير القرآن ليحيى بن اليمان وغيره =","vol":"5","page":523},{"text":"الزجّاج (١): كل ما أُنفق في التظاهر على عداوة الدين.\nومعنى (المَثَل): الشَّبَهُ الذي يصير كالعَلَمِ؛ لكثرة استعماله فيما يُشَبَّه به (٢). ولا بُدَّ من تقدير محذوفٍ من الكلام، حتى يتقابل المثلان في التشبيه (٣)، وهو: مَثَل إهلاك ما ينفقون، كَمَثَل إهلاك ريح. فحذف الإهلاك؛ لدلالة آخر الكلام عليه (٤).\n_________\n= رواية أبي جعفر الرملي). وأورده السيوطي في \"الدر\" ٢/ ١١٧ وزاد نسبة إخراجه لعبد بن حميد، وابن المنذر.\n(١) في \"معاني القرآن\" له: ١/ ٤٦١.\n(٢) انظر: (مثل) في \"مفردات ألفاظ القرآن\" للراغب: ٧٥٩، \"اللسان\" ٧/ ٤١٣٢. وانظر الوجوه المختلفة لكلمة (مثل) في القرآن، في \"التصاريف\" ٢٥٣، \"الوجوه والنظائر\" في القرآن، د. القرعاوي: ٥٨٨.\n(٣) وذلك أن الظاهر -هنا-: تشبيه الشيء المُنفَق بالريح، وفي ذلك إشكال؛ لأنه ليس هو المقصود من معنى المثل هنا، لذا لزم التقدير.\n(٤) وقيل: هو من باب التشبيه المركب، شبَّه هيئة حاصلة من أشياء، بهيئة أخرى. وبه قال الزمخشري في \"الكشاف\" ١/ ٤٥٧.\nوقيل: هو من باب التشبيه بين شيئين وشيئين، فذكر الله أحد الشيئين المشبَّهين وترك الآخر، وذكر أحد الشيئين المشبَّه بهما -وليس هو مما يقابل المذكور الأول- وترك ذكر الآخر، ودلَّ المذكوران على المتروكَيْنِ.\nوبه قال ابن عطية في \"المحرر الوجيز\" ٣/ ٢٨١ وقال: (وهذا غاية البلاغة والإعجاز). وانظر: \"البحر المحيط\" ٣/ ٣٧، \"الدر المصون\" ٣/ ٣٥٨ - ٣٥٩.\nقال ناصر الدين بن المنير: (أصل الكلام-والله أعلم-: مثل ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا، كمثل حرث قوم ظلموا أنفسهم، فأصابته ريح فيها صِرٌّ فأهلكته، ولكن خولف هذا النظم في المثل المذكور؛ لفائدة جليلة، وهو: تقديم ما هو أهم؛ لأن الريح التي هي مثل العذاب، ذِكْرها في سياق الوعيد والتهديد أهم من ذكر الحرث، فقدمت عناية بذكرها، واعتمادًا على أن الأفهام الصحيحة تستخرج المطابقة بردِّ الكلام إلى أصله على أيسر وجه ..). الإنصاف فيما تضمنه الكشاف من الاعتزال (مطبوع مع \"الكشاف\" (١/ ٤٥٨).","vol":"5","page":524},{"text":"وقوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ﴾ اختلفوا في (الصّر): فقال أكثر المفسرين، وأهل اللغة (١): الصِّرُّ: البَرْد الشديد.\nوهو قول ابن عباس في رواية عطاء (٢)، وقتادة (٣)، والربيع (٤)، والسدّي (٥)، وابن زيد (٦).\nومعنى الآية: أن إنفاقهم في الدنيا على عداوة الدين، أفسد عليهم أعمالَهم في الآخرة، كما أفسدت هذه الريحُ -التي فيها الصِّرُّ- الزرعَ الذي وقعت به (٧).\n_________\n(١) (أهل اللغة) ساقط من: (ج).\n(٢) لم أقف على مصدر هذه الرواية عنه من طريق عطاء، ولكن ورد عنه ذلك من طرق أخرى أخرجها الطبري ٤/ ٥٩، وابن أبي حاتم ٣/ ٧٤١، وذكر هذا القول عنه الماوردي في \"النكت والعيون\" ١/ ٤١٨، وأورده السيوطي في \"الدر\" ٢/ ١١٧ وزاد نسبة إخراجه لسعيد بن منصور، والفريابي، وعبد بن حميد، وابن المنذر.\n(٣) قوله في \"تفسير الطبري\" ٤/ ٥٩، \"تفسير ابن أبي حاتم\" ٣/ ٧٤١، \"النكت والعيون\" ١/ ٤١٨.\n(٤) قوله في \"تفسير الطبري\" ٤/ ٥٩، \"تفسير ابن أبي حاتم\" ٣/ ٧٤١.\n(٥) قوله في المراجع السابقة، \"النكت والعيون\" ١/ ٤١٨.\n(٦) قوله في \"تفسير الطبري\" ٤/ ٦٠، ونصه: (قال: (صر): باردة، أهلكت حرثهم، وقال: والعرب تدعوها (الضريب)، تأتي الريح باردة فتصبح ضريبا قد أحرق الزرع). و(الضريب) هنا معناها: الثلج والجليد والصقيع. انظر: \"القاموس\" ص ١٠٧ (ضرب).\nوممن فسر (الصر) بـ (الريح الباردة): أبو عبيدة، وأبو عبيد بن سلام، وابن السكيت، والمبرد، والطبري، والزجاج، والنحاس.\nانظر: \"مجاز القرآن\" ١/ ١٠٢، \"غريب الحديث\" لأبي عبيد: ٤/ ٤٧٢، \"إصلاح المنطق\" ٢١، \"الكامل\" للمبرد: ١/ ٢٥، \"تفسير الطبري\" ٤/ ٦٠، \"معاني القرآن\" للزجاج: ١/ ٤٦١، \"معاني القرآن\" للنحاس: ١/ ٤٦٤.\n(٧) قال ابن القيم: (هذا مثل ضربه الله -تعالى- لمن أنفق ماله في غير طاعته =","vol":"5","page":525},{"text":"وقال الزّجاج (١): أعلم الله -تعالى-: أن ضَرَرَ نفقتهم عليهم، كضَرَرِ هذه الريح على (٢) هذا الزرع.\nوقال ابن عباس (٣): الصِّرُّ: السَّمُومُ الحارَّةُ التي تقتل (٤).\nوإلى قريبٍ من هذا القول ذهب ابنُ كيسان، وابن الأنباري (٥) (فقالا) (٦): الصِّرُّ: النار. وهو قول مجاهد -في رواية ابن أبي نَجِيح- (٧).\n_________\n= ومرضاته، فشبَّه سبحانه ما ينفقه هؤلاء من أموالهم في المكارم والمفاخر، وكسب الثناء، وحسن الذكر، لا يبتغون به وجه [الآخرة]، وما ينفقونه ليصدوا به عن سبيل الله واتباع رسله -عليهم الصلاة والسلام-، بالزرع الذي زرعه صاحبه يرجو نفعه وخيره، فأصابه ريح شديدة البرد جدًا، يحرق بردها ما يمر عليه من الزرع والثمار، فأهلكت ذلك الزرع وأيبسته). أمثال القرآن: ٥٢.\n(١) في: \"معاني القرآن\"، له ١/ ٤٦١. نقله بنصه.\n(٢) في \"معاني القرآن\": في.\n(٣) لم أقف على مصدر قوله. وقد أورده البغوي ٢/ ٩٤، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ١/ ٤٤٤. وذكر هذا القول عنه: ابن القيم في \"أمثال القرآن\": ٥٣، وابن كثير في: \"تفسيره\": ١/ ٤٢٧.\n(٤) في (ج): (تقبل).\nوالسَّمُوم: ريح حارَّة تكون غالبًا في النهار. والجمع: سمائم. انظر: \"القاموس\": ص ١١٢٤ (سمم).\n(٥) لم أقف على مصدر قوليهما.\nوفي تفسير الفخر الرازي: (الصِّر: هو السموم الحارة، والنار التي تغلي، وهو اختيار أبي بكر الأصم، وأبي بكر بن الأنباري) ٨/ ٢١٣. ثم ذكر بقية قول ابن الأنباري الآتي.\n(٦) من (أ) وفي باقي النسخ: (فقال).\n(٧) أخرج عنه ذلك ابن أبي حاتم في: \"تفسيره\": ٣/ ٧٤١ قائلًا: (وروي عن مجاهد في إحدى الروايات نحو ذلك)؛ أي: نحو قول ابن عباس في تفسير (الصِّرِّ) =","vol":"5","page":526},{"text":"قال ابن الأنباري (١): وإنما وُصِفت النارُ أنها صِرٌّ؛ لتَصْرِيَتِها (٢) عند الالتهاب.\nقال الزجاج (٣): وهذا غير ممتنع. وصوت لهيب النار يُسمَّى صِرًّا (٤)، ومن هذا: (صرير الباب). ويقال: (صَرْصَرَ الأخطَبُ (٥)\n_________\n= بـ (النار)، ولم يُبَيِّن ابنُ أبي حاتم السندَ إلى مجاهد.\nوابنُ أبي نَجِيح، هو: أبو يَسَار، عبد الله، بن أبي نجيح - (يسار) -، المَكِّي، الثقفي بالولاء. من الأئمة الثقات، إلا أنه رُمي بالقدر والاعتزال، وربَّما دَلَّس. قال ابن تيمية: (تفسير ابن أبي نجيح عن مجاهد، من أصح التفاسير، وليس بأيدي أهل التفسير كتاب في التفسير، أصح من تفسير ابن أبي نجيح عن مجاهد، إلا أن يكون نظيره في الصحة)، مات (١٣١ هـ)، وقيل: بعدها.\nانظر: \"تفسير سورة الإخلاص\"، لابن تيمية: ٢٠١، و\"ميزان الاعتدال\": ٣/ ٢٢٩، و\"تقريب التهذيب\": ص ٣٢٦ (٣٦٦٢).\n(١) لم أقف على مصدره. وقد أورد قوله هذا ابن الجوزي في: الزاد: ١/ ٤٤٥، وابن القيم في: أمثال القرآن: ٥٣، والفخر الرازي في: \"تفسيره\": ٨/ ٢١٣. وكذا نقل صاحب \"اللسان\" هذا المعنى، فقال: (وقال ابن الأنباري في قوله -تعالى-: ﴿كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ﴾، قال: فيها ثلاثة أقوال: أحدها: فيها برد، والثاني: فيها تصويت وحركة، وروي عن ابن عباس قوله آخر: ﴿فِيهَا صِرٌّ﴾، قال: فيها نار) ٤/ ٢٤٢٩ (صرر).\n(٢) في \"زاد المسير\"، و\"تفسير الفخر الرازي\" لتصويتها. وورد في \"أمثال القرآن\" لابن القيم: (لتصريتها) -كما هي عند المؤلف-.\n(٣) في: \"معاني القرآن\"، له: ١/ ٤٦١.\n(٤) ونص عبارة الزجاج: (وجعل فيها صِر؛ أي: صوت، وهذا يخرج في اللغة، وإنما جعل فيها صوتًا؛ لأنه جعل فيها نارًا، كأنها نار أحرقت الزرع. فالصر -على هذا القول-: صوت لهيب النار، وهذا كله غير ممتنع).\n(٥) الأخطب: من نوع الطيور، قيل: هو الشِّقِرَّاق، وهو طائرٌ مُرَقَّط، وقيل: هو الصُّرَد. وسُمِّيا بذلك، لأن فيهما سوادًا وبياضًا. انظر: \"تاج العروس\": ١/ ٤٦٩ (خطب).","vol":"5","page":527},{"text":"صَرْصَرَةً) (١). و(الصَّرَّةُ): الصَّيْحة (٢)، ومنه قوله تعالى: ﴿فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ﴾ (٣) [الذاريات: ٢٩]. وقول ابن عباس على هذا يتوجه، فإن السموم الحارة لها صوت، ألا ترى إلى قول الراعي:\nفَعُجْنَا على رَبْعٍ بِرَبْعٍ تَعُودُهُ ... مِنْ الصَّيفِ جَشَّاءُ الحَنِينِ نَؤُوجُ (٤)\n_________\n(١) تقول العرب: (صَرَّ الجُنْدبُ صَرِيرًا)، و(صرصر الأخطبُ صَرْصَرَةً)، و(صَرَّ البابُ يَصِرُّ). (وكل صوت شِبْه ذلك فهو صرير؛ إذا امتد، فإذا كان فيه تخفيف وترجيع في إعادة ضُوعِف). \"العين\": ٧/ ٨٢ (صرّ)، وانظر: \"الصحاح\":٧١٢ (صرر).\n(٢) انظر: \"اللسان\": ٤/ ٢٤٢٩ (صرر).\n(٣) تفسير (الصرَّة) بـ (الصيحة) هو ما عليه أكثر أهل التفسير. انظر: \"تفسير الطبري\" ٢٦/ ٢٠٩، و\"العمدة في غريب القرآن\" لمكي ٢٨٢، و\"تفسير أبي المسعود\" ٨/ ١٤٠، و\"الدر المنثور\": ٢/ ١١٧.\nوقال السمين الحلبي في تفسيرها: (قيل: جماعة من النساء. سميت صرة؛ لانضمام بعضها إلى بعض، كأنهم جُمِعوا وصُرُّوا في وعاء واحد ..). \"عمدة الحفاظ\" ٢٩٢ (صرر)، ثم ذكر المعنى الآخر.\nوما ذكره الحلبي صحيح من ناحية اللغة. انظر هذا المعنى في: \"الصحاح\": ٢/ ١٧٠ (صرر)، و\"اللسان\": ٤/ ٢٤٢٩.\n(٤) البيت في: ديوانه: ٢٢. وورد منسوبًا له في: \"تهذيب اللغة\": ٢/ ١٣٤٧ (ربع)، و\"اللسان\": ٣/ ١٥٦٣.\nوروايته في الديوان:\nفعجنا على رَسْمٍ بربْعٍ تَجُرُّهُ\nوفي \"اللسان\": (تُؤَرِّجُ) بدلًا من: (نَؤُوُج).\nوقوله: (فعُجْنا)، من (عاج بالمكان، وعاج عليه، عَوْجًا)؛ أي: عَطَفَ عليه، ومالَ، وألَمَّ به، ومرَّ عليه.\nوالرَّبْع: هو المنزل، وأهل المنزل. والرَّبع الثاني الذي ذكره في البيت، يريد به: طَرَف الجَبَل. =","vol":"5","page":528},{"text":"فعلى هذا، قوله: ﴿رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ﴾ أي: سَمُوم؛ كالنار أحرقت الزرع، أو نارٌ لها صوت (١).\nوروى ابن الأنباري -بإسناده- عن السُّدِّيّ، عن أبي مالك (٢)، عن ابن عباس، في قوله: ﴿فِيهَا صِرٌّ﴾، قال: فيها نار (٣).\nوقوله تعالى: ﴿ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ قال ابن عباس (٤): جحدوا نعمة الله عندهم. وقال آخرون (٥): ظلموا أنفسهم بالكفر والمعصية.\n_________\n= وقوله: (جشَّاء الحنين): (الأجش): الغليظ الصوت، والمؤنث: (جَشَّاء)؛ أي: لها صوت أجش. يقال للريح التي لها حنين يشبه حنين الإبل: (الحَنُون).\nوقوله: (نؤوج) من (نَأجَ، ينأجُ، نأجًا) وهو من الإنسان أحزن ما يكون من الدعاء وأضرعه وأخشعه. و(النَّأج، والنئيج)، بمعنى: الصوت والسرعة، ويقال عن الريح: (نَأجَتْ، تَنْأجُ، نَئِيجًا): تحركت، فهي (ريح نؤوج)، و(لها نَئيج)؛ أي: مَرٌّ سريع مع صوت.\nانظر: \"تهذيب اللغة\": ٢/ ١٣٤٧ (ربع)، و\"اللسان\": ٥/ ٣١٥٦ (عوج)، ٧/ ٤٣١٢ (نأج)، ٢/ ١٠٢٩ (حنن)، ٢/ ٦٢٨ (جشش).\n(١) قال ابن القيم: (وأقوال الثلاثة متلازمة، فهو برد شديد محرق بِيبُسْه للحرث، كما تحرق النار، وفيه صوت شديد). \"أمثال القرآن\": ٥٣. وانظر: \"تفسير ابن كثير\": ١/ ٤٢٧.\n(٢) هو: غَزْوان الغِفاري الكوفي، مشهور بكنيته (أبي مالك). ثقة، عده ابن حجر من الطبقة الوسطى من التابعين، توفي بعد المائة.\nانظر: \"الجرح والتعديل\": ٧/ ٥٥، و\"التقريب\": ص ٤٤٢ (٥٣٥٤).\n(٣) وقد أخرج هذا القول عنه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\": ٣/ ٧٤١ من رواية عنترة بن عبد الرحمن الكوفي عنه.\n(٤) لم أقف على مصدر قوله.\n(٥) منهم السدي، وهو ما يفهم من قوله في الآية: (فكذلك أنفقوا، فأهلكهم شركهم). \"تفسير الطبري\": ٤/ ٦٠. و\"تفسير ابن أبي حاتم\": ٣/ ٧٤٢. وهو قول الطبري في \"تفسيره\".\nوهو قول الكلبي. انظر: \"بحر العلوم\" ٢/ ١٣٥، وقول الثعلبي في \"تفسيره\" ٣/ ١٠٣ ب.","vol":"5","page":529},{"text":"﴿وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ﴾ لأنَّ كلَّ ما فعله بخلقه فهو منه عدلٌ، ومَن تَصَرَّف في حقيقة مُلْكِهِ، لا يُوصَفُ تصرفُهُ بأنه ظلم.\n﴿وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ لأنَّ الإنسان -بالكفر والعصيان- هو الذي يَظلِمُ نفْسَه.\nقال أهل المعاني: وفي هذا حسرة شديدة لهؤلاء المنفقين، ومصيبة عظيمة؛ لأنهم رجوا (١) فائدة نفقاتهم، وعائدتها، فعادت عليهم بالمَضَرَّة (٢)، كما رجا أصحابُ الزرع عائدةَ زرعِهم، فضربته (٣) الريحُ وأهلكته (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-621>١١٨ </span>- قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾ الآية. قال المفسرون: نزلت في النهي عن مداخلة اليهود والمنافقين (٥).\n_________\n(١) في (أ)، (ب): ربحوا. ولا وجه لها. والمثبت من: ج؛ نظرًا لمناسبته لما بعده من قوله: (كما رجا أصحاب الزرع ..)، ولمناسبته للمعنى المراد. وقد وردت هذه الكلمة في: \"تفسير الطبري\": ٤/ ٦٠ عند تفسير هذه الآية.\n(٢) في (ب): (المضرة).\n(٣) في (ج): (فضربتها).\n(٤) انظر معنى هذا القول في: \"تفسير الطبري\" ٤/ ٦٠.\n(٥) ورد ذلك عن ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، والربيع، وغيرهم. انظر: \"سيرة ابن هشام\": ٢/ ١٨٦، و\"تفسير الطبري\":٤/ ٦١، و\"تفسير ابن أبي حاتم\": ٣/ ٧٤٢ - ٧٤٣، و\"تفسير الثعلبي\": ٣/ ١٠٤ أ، و\"أسباب النزول\" للواحدي: ص ١٢٤، و\"الدر المنثور\": ٢/ ١١٨.\nولا يمنع كونها نازلة في اليهود والمنافقين، أن يدخل في النهي اتِّخاذ جميع أصناف الكافرين بطانة؛ لأن العبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب، وقد قال الله -تعالى-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ﴾. [سورة الممتحنة:١]. =","vol":"5","page":530},{"text":"و(البِطَانَة): قال أبو حاتم، عن الأصمعي (١): (بَطَن فلانٌ بفلان، يَبْطُنُ به بُطُونًا، وبِطَانَةً) (٢): إذا كان خاصًّا به، داخلًا في أمره. فـ (البِطانة) (٣) مصدرٌ يُسَمَّى به الواحد والجمع.\nقال الشاعر:\nأولئك خُلْصاني نَعَمْ وبِطانَتِي ... وهُمْ عَيْبَتِي (٤) مِن دونِ كلِّ قَرِيبِ (٥)\n_________\n= وقد قيل لعمر بن الخطاب -﵁ -: (إن ههنا غلامًا من أهل الحيرة، حافظًا كاتبًا، فلو اتّخذته كاتبًا. قال: قد اتّخذت إذًا بطانة من دون المؤمنين). أخرجه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٣/ ٧٤٣، وأورده ابن كثير ١/ ٤٢٨، والسيوطي في \"الدر\": ٢/ ١١٨، وزاد عزوه لعبد بن حميد، وابن أبي شيبة.\nقال ابن كثير -معلقًا في هذا الموضع-: (ففي هذا الأثر مع هذه الآية [أي: آية سورة آل عمران ١١٨] دليل على أن أهل الذمة لا يجوز استعمالهم في الكتابة التي فيها استطالة على المسلمين، وإطلاع على دواخل أمورهم، التي يخشى أن يفشوها إلى الأعداء من أهل العرب؛ ولهذا قال: ﴿وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ﴾). \"تفسيره\": ١/ ٤٢٨. وانظر: \"تفسير الفخر الرازي\" ٨/ ٢١٥.\n(١) قوله، في: \"تهذيب اللغة\": ١/ ٣٥٠ (بطن). وهو من قوله: (أبو حاتم ..) إلى (في أمره). نقله عنه بنصه.\n(٢) وبطانة: ليست في: \"تهذيب اللغة\". وهي في: \"اللسان\": ١/ ٣٠٤ (بطن) حيث أورد نفس النص، ولكن دون عزو.\n(٣) في (أ): (بالبطانة). وفي (ب): (في البطانة). والمثبت من (ج).\n(٤) في (ب): (عينتي).\n(٥) لم أقف على قائله. وقد ورد غير منسوب في: \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١٠٤ أ، و\"البحر المحيط\" ٣/ ٣٣، و\"الدر المصون\" ٣/ ٣٦٣، و\"فتح القدير\" للشوكاني ١/ ٥٦٦. وفي \"فتح القدير\": (وهم خلصاني كلهم وبطانتي). وقوله: (خُلْصاني)؛ أي: خُلَصائي. ويستوي فيه الواحد والجماعة. =","vol":"5","page":531},{"text":"وبِطَانة الرجل: خاصَّتُه الذين يَسْتَبْطنون (١) أمْرَهُ. وأصله من: (البَطْنِ) خلاف الظهر، ومنه (٢): (بِطانَة الثوب)، خلاف (ظهارته) (٣).\nوقوله تعالى: ﴿مِنْ دُونِكُمْ﴾ أي: مِن دون المسلمين، ومِن غير أهل ملَّتكم، وظاهر هذا للمخاطَبِين، وهو يريد: جميع المسلمين. يعني لا تتخذوا بطانة مِن دون (٤) المسلمين (٥).\nوصلح أن يُعَبَرَ ﴿مِنْ دُونِكُمْ﴾ عن هذا. كما يقول الرجل: (قد قتلتمونا [وهزمتُمُونا] (٦)؛ وهو يريد قتلتم إخواننا. وقد تقدم لهذا نظائر (٧).\nوقوله تعالى: ﴿لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾ يقال (٨): (أَلَوْتُ في الشيء،\n_________\n= و(عَيْبَة الرجل): موضعُ سِرِّه والجمع: (عِيَبٌ)، و(عِياب)، و(عَيْبات). انظر: \"اللسان\": ٥/ ٣١٨٤ (عيب)، ٢/ ١٢٢٨ (خلص).\n(١) في (أ)، (ب): (يستنبطون). ولا وجه لها. والمثبت من (ج)، ومصادر اللغة.\n(٢) منه: ساقطة من (ج).\n(٣) انظر: (بطن) في: \"الصحاح\" ٢٠٧٩ - ٢٠٨٠، و\"مقاييس اللغة\" ١/ ٢٥٩.\n(٤) في (ب): من دونكم من دون المسلمين.\n(٥) انظر: \"تفسير غريب القرآن\"، لابن قتيبة ١/ ١٠٣، و\"تفسير الطبري\" ٤/ ٦١، و\"تفسير أبي السعود\" ٢/ ٧٦، و\"فتح القدير\" ١/ ٥٦٦.\n(٦) ما بين المعقوفين زيادة من (ج).\n(٧) ومن ذلك قوله -تعالى- عن بني إسرائيل: ﴿فَأقتُلُوَا أَنفُسَكُم﴾ [من سورة البقرة: ٥٤]. لا يعني بها أن يقتل كل واحد منهم نفسه بيده، بل يعني ليقتل بعضكم بعضًا، أو ليقتل البريء منكم المجرم.\nومنها قوله: ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ [من سورة البقرة: ٦١]. والمعنِيِّين في الآية لم يقتلوا النبيين، وإنما الذي قتل النبيين آباؤهم، وإنما هم تولوا القتلة.\nوانظر: الآية: ٢١ من سورة آل عمران، والآية: ٦١ من سورة النور. وانظر: \"معاني القرآن\"، للنحاس: ١/ ٤٦٥، و\"تفسير الفخر الرازي\": ٨/ ٢١٦.\n(٨) في (أ)، (ب): (لا يقال). وهو خطأ واضح. والمثبت من (ج).","vol":"5","page":532},{"text":"أَلْوًا (١)؛ أي: قَصَّرت.\nقال امرؤ (٢) القيس:\nوما المَرْءُ ما دامت حُشَاشَةُ (٣) نَفْسِهِ ... بِمُدْرِكِ أطرافِ الخُطُوبِ ولا آلِي (٤)\nقال أبو الهيثم (٥):\nيقال: (أَلاَ، يَألُوا): إذا فَتَرَ (٦)، وضعُف، وقَصَّر (٧)، ومثله: (أَلَّى (٨)، وائْتَلَى)، وأنشد:\n_________\n(١) في (أ): (آلوا). وهي خطأ. والمثبت من: (ب)، (ج)، ومصادر اللغة.\n(٢) في (ب): (امرئ).\n(٣) في (أ): (حَشاشة) -بفتح الحاء-. ولم أرها في معاجم اللغة التي رجعت إليها. وأهملت حركاتها في: (ب)، (ج). وما أثبتُّه، فمن مصادر البيت وكتب اللغة.\n(٤) في (ج): (ولا ألي).\nوالبيت في: ديوانه: ص ١٢٩. كما ورد منسوبًا له في: كتاب \"المعاني الكبير\": ٣/ ١٢٥٥، و\"الزاهر\": ١/ ٢٦٨.\nوورد غير منسوب في: \"اللسان\": ٢/ ٨٨٦ (حشش)، ١/ ١٧٦ (ألا).\nوالحُشاشة: الروح ورمق الحياة، وبقية الروح في المريض، وكل بَقِيَّة: (حشاشة). انظر: \"اللسان\": ٢/ ٨٨٦ (حشش).\nومعناه: إن المرء ما بقيت فيه بقية من روح، فإنه يبذل قصارى جهده في سبيل تحقيق ما يريد، ومع هذا فإنه لن يحصل على كل شيء، ولن يدر أواخر الأمور.\n(٥) قوله، في: \"تهذيب اللغة\": ١/ ١٧٩، و\"اللسان\": ١/ ١١٧.\n(٦) في (أ)، (ب): (أفتر). والمثبت من: (ج)، و\"تهذيب اللغة\"، و\"اللسان\".\n(٧) وقصَّر: غير موجودة في (التهذيب)، \"اللسان\".\n(٨) في (أ)، (ب): (آلى). وفي (ج): (الا). وقد أثبتُها (ألَّى)؛ لأنه بدا لي -والله أعلم- أن المؤلف هكذا أرادها؛ والدليل على ذلك: أنها جاءت بهذه الصورة في: \"التهذيب\" و\"اللسان\"، وبقية مصادر اللغة التي رجعت إليها. إضافة إلى أن =","vol":"5","page":533},{"text":"فما أَلَّى بَنِيَّ ولا أساؤوا (١)\nأي: ما قصَّروا (٢).\n_________\n= المؤلف أورد الشاهد الشعري بعدها دليلًا على ورودها في اللغة بهذه الصورة، وقد وردت فيه (ألَّى) كما سيأتي.\nمع ملاحظة أن (آلى) صحيحةٌ لغةً، وقد أوردها ابنُ فارس في: \"مقاييس اللغة\": ١/ ١٢٨ (ألوى)، وأورد بعدها الشاهد الشعري الآتي دليلًا عليها، وفيه (آلى) بدلًا من (ألَّى).\nومن معاني (آلى): حَلَفَ. يقال: (آلَى، يُؤلي، إيلاءً). وتأتي: (يَتَألَّى تألِّيًا)، و(ائْتَلَى يأتَلي ائْتِلاءً). كلها بمعنى: اليمين. انظر: \"مقاييس اللغة\": ١/ ١٢٨ (ألوى)، و\"اللسان\": ١/ ١١٧ (ألا).\n(١) في (ب)، (ج): وردت (ألَّى) في البيت مهملة بدون همز ولا تشكيل.\nوهذا شطر بيت للرَّبيع بن ضبُع الفَزَاري. وأول البيت:\nوإنَّ كَنَائِني لَنِساءُ صِدْقٍ\nوقد ورد منسوبًا له في: كتاب \" المعاني الكبير\" ١/ ٥٣٢، و\"تهذيب اللغة\" ١/ ١٧٩ (ألى)، و\"غريب الحديث\"، للخطابي ١/ ٥٨، و\"الصحاح\" ٦/ ٢٢٧٠ (ألا)، و\"أمالي المرتضى\" ١/ ٢٥٥، و\"الإفصاح\" للفارقي ٢٧٠ و\"الفائق\" للزمخشري ١/ ٦٥، و\"اللسان\" ١/ ١١٧ (ألا)، و\"خزانة الأدب\" ٧/ ٣٨١، ٣٨٢.\nوورد غير منسوب في: \"مقاييس اللغة\" ١/ ١٢٨ (ألوى).\nوقد ورد في كل المصادر السابقة -إلا في: \"المقاييس\"، و\"أمالي المرتضى\" كالتالي: (وما ألَّى بَنِيَّ). أما في: \"المقاييس\"، و\"الأمالي\"، فورد: (.. آلَى ..)، وورد في بعض المصادر: (وما أساؤوا).\nالكَنائن: جمع: كَنَّة. وهي امرأة الابن والأخ. انظر: \"القاموس\": ١٥٨٥ (كنن).\nو(ألَّى) فعَّلَ، من: (ألَوت)؛ أي: أبطأت. أو من: (الألُوِّ)؛ أي: التقصير.\nانظر: كتاب \"المعاني الكبير\": ١/ ٥٣٢، و\"التهذيب\": ١/ ١٧٩ (ألى).\nويعني الشاعر: أن كنائنه نِعْم النساء، وأن بنيه ما أبطؤوا عن فعل المكارم، وما يجب عليهم من القيام بأمره، وما قصَّروا في ذلك.\n(٢) نقل في \"خزانة الأدب\" قول أبي حاتم السجستاني، معلقًا على البيت: (والتألية: =","vol":"5","page":534},{"text":"قال امرؤ القيس:\nأَلاَ رُبَّ خَصْمٍ فيكِ أَلْوَى رَدَدْتُهُ ... نَصِيحٍ على تَعْذالِهِ غيرِ مُؤْتَلِي (١)\nأي: غير مقصر.\nو(الخَبَالُ) -في اللغة-: الفساد والشر. ومنه قوله تعالى: ﴿مَّا زَادُوكُم إِلَّا خَبَالًا﴾ (٢)؛ أي (٣): يريد (٤): [إلَّا] (٥) شرًّا (٦).\n_________\n= التقصير، ومن قال: (وما آلى) بالمد؛ فمعناه ما أقسموا؛ أي لا يَبرُّوني) ٧/ ٣٨٢. وذكر محقق \"أمالي المرتضى\" ١/ ٢٥٥: أنه في حاشية نسخة أخرى للأمالي، ورد التالي: (ألّى) - بتشديد اللام. قال: وهو الصحيح، ومعنى (ألّى): قصر، في قول بعضهم. واللغة الأخرى: (ألا) -مخففًا-؛ يقال: (ألا الرجلُ)، (يألوا): إذا قصر وفَتَر. فأما (آلى) في البيت، فلا وجه له؛ لأنه بمعنى: حلف، ولا معنى له -ههنا-). وانظر: \"الخزانة\"، في الموضع السابق.\n(١) البيت في: ديوانه: (١١٦). و\"شرح القصائد السبع\"، لابن الأنباري: ٧٣، و\"شرح المعلقات السبع\"، للزوزني: ٢٥، و\"شرح القصائد العشر\"، للتبريزي: ٣٥. (الألوى): الشديد الخصومة، الجَدِل. و(النصيح): الناصح. و(التَّعْذال): هو العَذْل؛ أي: اللوم. و(غير مؤتلي): غير مقصر.\nومعنى البيت: ألا رُبَّ خصم؛ شديد في خصومته؛ جَدِلٍ في كلامه، كان ينصحني، غير مقصر في نصيحته لي، ولومه إيّاي على حبي لكِ، قد رددته، ولم أرجع عن هواك بلومه ونصحه.\nأي: إنه بلغ من شدة حبه لها الغاية القصوى، لدرجة أنه لا يؤثر فيه، ولا يثنيه عن ذلك نصح ناصح، ولا لومُ لائم. انظر: المراجع السابقة.\n(٢) [سورة التوبة: ٤٧]، وتمامها: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾.\n(٣) (أي): ساقطة من (ب)، (ج).\n(٤) في (أ): (لا يريد).\n(٥) ما بين المعقوفين زيادة من (ب).\n(٦) انظر: \"مجاز القرآن\": ١/ ١٠٣، ٢٦١ و\"تفسير غريب القرآن\" لابن قتيبة ١٨٧،=","vol":"5","page":535},{"text":"ويقال: (في قوائم الدابَّة خَبَالٌ)، و(في عَقْلِهِ خبالٌ)؛ أي: و(رجلٌ مُخَبَّلُ الرأي): فاسدُهُ، [و] (١) مُضْطَرِبُهُ. و(خَبَلَهُ (٢) الحُبَّ)؛ أي: أفسده (٣).\nومعنى قوله: ﴿لَا يَأْلُونَكُم خَبَالًا﴾ أي: لا يَدَعُونَ جهدَهم في مضرَّتِكم، وفسادكم (٤).\nيقال: (ما أَلَوْتُهُ نُصْحًا)؛ ما قصَّرت في نصيحته (٥)، و(ما أَلَوْتُه شَرًّا)، مثله. قال الزجَّاج (٦): ﴿لَا يألُونَكُم خَبَالًا﴾ أي: لا يُبْقون (٧) غايةً في إلقائكم فيما يضركم (٨).\nومحل قوله: ﴿لَا يأْلُونَكُمْ﴾: النَّصْبُ، لأنه صفة البطانة (٩).\n_________\n= و\"نزهة القلوب\" للسجستاني ٢١٧، و\"بحر العلوم\" لأبي الليث ١/ ٢٩٤، و\"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١٠٤ ب، و\"تحفة الأريب\" لأبي حيان ١١٣.\n(١) ما بين المعقوفين: زيادة من (ب).\n(٢) في (ج): (ختله).\n(٣) انظر: (خبل) في: \"إصلاح المنطق\": ٥٢، و\"تهذيب اللغة\": ١/ ٩٨١، و\"مقاييس اللغة\": ٢/ ٢٤٢.\n(٤) انظر: \"بحر العلوم\" لأبي الليث: ١/ ٢٩٤.\n(٥) في (ج): (نصيحة).\n(٦) في: \"معاني القرآن\"، له: ١/ ٤٦٢.\n(٧) في (ج): (لا يتقون).\n(٨) في \"معاني القرآن\": في إلقائهم فيما يضرهم.\n(٩) انظر: \"البيان\"، للأنباري ١/ ٢١٧، و\"التبيان\" للعكبري (٢٠٦).\nوقيل: هي حال من الضمير في قوله تعالى: ﴿مِنْ دُونِكُمْ﴾ على أن يكون الجارُّ صفة لـ (بطانة). وقد جوز كونها -والجمل التي بعدها- صفة، الزمخشريُّ، ولكنه جعل الأَوْلَى من ذلك أن تكون مستأنفة على وجه التحليل للنهي عن اتِّخاذهم بطانة. وأيد ذلك ابن هشام. =","vol":"5","page":536},{"text":"وانتصب (١) (الخَبَالُ) بـ (الأَلْوِ)؛ لأنه يتعدى إلى مفعولين، كما ذكرنا (٢). وإن شئت نصبته (٣) على المصدر؛ لأن معنى قوله: ﴿لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾: يُخبلونكم خَبَالًا (٤).\n_________\n= انظر: \"الكشف\": ١/ ٤٥٨، و\"المغني\"، لابن هشام: ٥٠٣ - ٥٠٤.\nأما أبو حيان فلا يرى أن تكون هذه الجمل صفة للبطانة أو حالًا، ولا يجيز ذلك، ويرى لها وجهًا واحدًا فقط، هى أن تكون استئنافية، لا محل لها من الإعراب (جاءت بيانًا لحال البطانة الكافرة؛ لتنفير المؤمنين عن اتخاذهم بطانة).\nويرى أن من قال عنها أنها صفة للبطانة أو حال مما تعلقت به (مِن) (فبعيد عن فهم الكلام الفصيح؛ لأنهم نُهوا عن اتخاذ بطانة كافرة، ثم نبَّه على أشياء مما هم عليه من ابتغاء الغوائل للمؤمنين، ووداد مشقتهم، وظهور بغضهم، والتقييد بالوصف أو بالحال يؤذن بجواز الاتخاذ عند انتفائهما). \"البحر المحيط\": ٣/ ٣٨.\n(١) من قوله: (وانتصب) إلى (يخبلونكم خبالًا): نقله بتصرف عن \"الثعلبي\" ٣/ ١٠٤ ب.\n(٢) أي هو مفعول ثانٍ.\nقال الزمخشري عن تعدِّي فِعْلِ (ألا) الذي بمعنى قصَّر: (يقال: (ألاَ في الأمر، يألو): إذا قَصَّرَ فيه، ثم استعمل فعدِّيَ إلى مفعولين في قولهم: (لا آلُوكَ نُصْحًا)، و(لا آلوك جهدًا)؛ على التضمين؛ والمعنى: لا أمنعك نصحًا، ولا أنقصكه). \"الكشاف\": ١/ ٤٥٨.\n(٣) في (ج): (نصبت).\n(٤) في (أ): لا يختلونكم خبالًا. ب: لا يخبلونكم خبالًا. والجملة ساقطة من (ج). وأثبتُّها بحذف حرف النفي (لا) كما جاءت في: \"تفسير الثعلبي\"، ولأنها لا وجه لها بوجود حرف النفي. وأثبتُ (يخبلونكم) من: ب، و\"تفسير الثعلبي\". وقد ذُكر في نصب (خبالًا) أقوالٌ أخرى، منها:\n- إنها منصوبة على إسقاط حرف الجر، والتقدير: لا يألونكم في خبال؛ أي: في تخبيلكم، ويكون حينها فعل (ألاَ) يتعدى إلى مفعول واحد بغير حرف الجر.\n- وقيل: إنها مصدر في موضع الحال. أي: مُتَخبلين. انظر: \"التبيان\" للعكبري (٢٠٦)، و\"الفريد في إعراب القرآن المجيد\" ١/ ٦٢٠.","vol":"5","page":537},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ﴾.\nقال المفسرون (١): ودُّوا عَنَتَكم (٢). والعَنَت (٣): دخول المشقة على الإنسان، ووقوعه فيما لا يستطيع الخروج منه. يقال: (عَنِتَ الرجل): إذا صار إلى هذه الحالة. و(عَنِتَ) -أيضًا-: إذا أثم (٤).\nو(ما) (٥) -ههنا- (ما) المصدر، كقوله: ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ﴾ (٦)؛ أي (٧): عزيز عليه عنَتُكم (٨)، وهو: لقاء الشِّدَّةِ والمَشَقَّةِ (٩).\nوقيل (١٠) في قوله: ﴿وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ﴾، أي: ما أعنتكم من مكروه،\n_________\n(١) منهم: ابن قتيبة في: \"تفسير غريب القرآن\": ١٠٩، والزجاج في: \"معاني القرآن\" ١/ ٤٦٢، والطبري في: \"تفسيره\": ٤/ ٦١.\n(٢) في (ج): (ودُّوا ما عنتم).\n(٣) في (ج): (فالعنت).\n(٤) انظر هذا المعنى في: كتاب \"العين\": ٢/ ٧٢، و\"مجاز القرآن\": ١/ ٧٣،١٢٣، و\"تفسير الطبري\": ٢/ ٣٧٥، و\"معاني القرآن\"، للزجاج: ١/ ٣٦٢، و\"جمهرة اللغة\": ١/ ٤٠٣ (عنت)، و\"الزاهر\": ١/ ٤٣٦، و\"تهذيب اللغة\": ٣/ ٢٥٨٤، و\"مقاييس اللغة\" ٢/ ١٥٠ (عنت).\n(٥) (ما): ساقطة من (ج).\n(٦) [سورة التوبة: ١٢٨]. ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾.\n(٧) (عزيز عليه ما عنتم أي): ساقط من (ج).\n(٨) انظر: \"المغني\" لابن هشام ٣٩٩.\n(٩) قوله: (لقاء الشدة والمشقة): هو نص قول الأزهري في: \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٥٨٤ (عنت).\n(١٠) القائل هو ابن قتيبة في: \"تفسير غريب القرآن\" ١٠٩.","vol":"5","page":538},{"text":"وضُرٍّ (١). وهو معنًى وليس بتفسير.\nوقال السُّدِّي (٢): ودُّوا ضلالكم عن دينكم؛ وذلك أن الحَيْرَة بالضلال مشقة.\nومضى الكلام في (العَنَتِ)، و(الإعْنَاتِ) عند قوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٠].\nولا محل لقوله: ﴿وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ﴾؛ لأنه استئنافٌ بالجملة. وقيل (٣): إنَّه من صِفَةِ البِطَانَةِ، ولا يصح هذا؛ لأن البطانة قد وصفت بقوله: ﴿لَا يألُونَكُم خَبَالًا﴾.\nفلو رجع هذا إلى البطانة، لأدخل حرف العطف؛ لأنك لا تقول في الكلام: (لا تَتَّخذ صاحبًا يَشْتِمُكَ، أحبَّ مُفارقَتَكَ) (٤).\nوقوله تعالى: ﴿قَد بَدَتِ اَلبغضَاَءُ مِن أَفوَاهِهِم﴾ البَغْضاءُ: شِدَّةُ البُغْضِ (٥) قال الفراءُ (٦): البغضاء: مصدرٌ مؤنثٌ.\n_________\n(١) ونصه قول ابن قتيبة: (أي: ودُّوا عنتكم وهو ما نزل بكم من مكروه وضر). وبه قال مكي في: \"تفسير المشكل\" ٥١، وأبو الليث في: \"بحر العلوم\" ١/ ٢٩٤.\n(٢) قوله، في: \"تفسير الطبري\" ٤/ ٦٢، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" ٢/ ٧٤٣ و\"النكت والعيون\" ١/ ٤١٩.\n(٣) ممن قال ذلك: الأخفش في: \"معاني القرآن\"، له: ١/ ٢١٤، والطبري في: \"تفسيره\": ٤/ ٦٢.\n(٤) أورد قولَ الواحديِّ -هذا- ابنُ هشام في: \"المغني\": ٥٠٤، وفيه: (يؤذيك) بدلًا من (يشتمك) وقد علق ابن هشام على قول الواحدي هذا بقوله: (الذي يظهر، أنَّ الصفةَ تتعدد بغير عاطف، وإن كانت جملة، كما في الخبر، نحو: ﴿الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (٤)﴾ [الرحمن:١ - ٤]).\n(٥) انظر: \"القاموس المحيط\" (٦٣٧) (بغض).\n(٦) قوله، في: \"معاني القرآن\" له: ١/ ٢٣١، نقله عنه بالمعنى.","vol":"5","page":539},{"text":"ومعنى الآية: قد ظهرت العداوةُ من أفواههم، بالشتِيمَةِ والوَقِيعَةِ في المسلمين، وإطلاع المشركين على أسرارهم (١).\nوواحد (الأفواه): فَمٌ. وأصله (٢): (فَوْهٌ)، بوزن: (سَوْطٍ)، فحُذِفت الهاءُ تخفيفًا، كما حذفت من (سَنَةٍ)، فيمن قال:\nلَيْسَتْ (٣) بِسَنْهاء ... (٤).\n_________\n(١) قال القرطبي: (وخص الله -تعالى- الأفواهَ بالذكر، دون الألسنة؛ إشارة إلى تشدُّقهم، وثرثرتهم في أقوالهم هذه، فهم فوق المتستر الذي تبدو البغضاء في عينيه). \"تفسيره\": ٤/ ١٨٠.\n(٢) من قوله: (وأصله ..) إلى (كالحات وبسل): نقله بتصرف واختصار عن: \"سر صناعة الإعراب\": ١/ ٤١٤.\n(٣) في (ب): (لست).\n(٤) قطعة من بيت، لِسُوَيد بن الصامت الأنصاري. وتمامه:\nليست بِسَنْهاءٍ ولا رُجَبيَّةٍ ... ولكنْ عَرَايا في السِّنينَ الجَوائِح\nوقد ورد منسوبًا له في: \"كتاب النخل\" لأبي حاتم السجستاني: ٨٨، ٩٣، و\"اللسان\": ٣/ ١٥٨٣ (رجب)، ٦/ ٣٥٧١ (قرح)، ٢/ ٧١٩ (جوح)، ٤/ ٢١٢٧ (سنة)، (عرا). وأورده أبو عبيد بن سلام في: \"غريب الحديث\": ١/ ١٤١، وابن فارس في: \"المقاييس\": ٤/ ٢٩٩، ونسباه لشاعر الأنصار، ولم يصرحا باسمه. وورد غير منسوب في: \"مجالس ثعلب\": ٧٦، و\"جمهرة اللغة\": ١/ ٢٦٦، و\"الأمالي\"، للقالي: ١/ ١٢١، و\"تهذيب اللغة\": ٦/ ١٢٩ (سنه)، و\"المخصص\": ١٦/ ٥٤.\nوقد وردت (سنهاء) في مصادر البيت بفتح الهمزة، وبكسرها مُنوُّنَةً، ووردت (رُجَبِيَّةٍ) بفتح الجيم مع التشديد فيها وبدونه.\nيصف الشاعر -هنا- نخلةً بالجودة و(السنهاء): إما هي التي تحمل سنة ولا تحمل أخرى، أو تلك التي أصابتها السنة المجدبة فأضرت بها.\nو(الرُّجَبِيَّة): هي النخلة التي تكون كريمة على صاحبها، فتميل، فيسندها =","vol":"5","page":540},{"text":"و(عملت (١) معه مُسَانَهَةً) (٢)، ومن: (شاةٍ) (٣)، و(شَفَةٍ) (٤)، فصار التقدير: (فَوْ) (٥). فلما صار الاسم على حرفين، لا ثاني منهما (٦) حرف لين، كرهوا حذفه للتنوين، فَيُجْحِفُوا به، فأبدلوا من الواوِ مِيْمًا لقرب الميم\n_________\n= بِـ (رُجْبة)، أي: بخشبة ذات شعبتين، وقيل: الترجيب، هو: أن يُجعَل حولها شوكٌ حتى لا يرقى لها راقٍ فيجني ثمرها. وأرى -والله أعلم- أن القول الثاني هو المراد في البيت؛ لأنه يصفها أنها ليست من تلك التي يُمنع ثمرها من الناس، بل هي مبذولة لهم، لأنه قال بعدها: (عرايا)، أي: التي يوهب ثمرها لناس، ومفردها (عَرِيَّة). و(الجوائح): هي السنون الشداد التي تجتاح المال. انظر: \"غريب الحديث\" لأبي عبيد ١/ ١٤١، و\"اللسان\" ٣/ ١٥٨٣ (رجب)، ٤/ ٢١٢٧ (سنه).\n(١) في (ج): (علمت).\n(٢) المسانهة: أن يعامله إلى مدَّة سنة يقال: (سانَهَهُ مسانهةً وسِناهًا). انظر (سنه) في: \"اللسان\":٤/ ٢١٢٧، و\"المعجم الوسيط\" ١/ ٤٥٩. ويجوز أن يكون المحذوف من (سنة) واوًا أو هاءً؛ لأنها في الجمع: (سنوات)، و(سنهات). انظر حولها: \"كتاب سيبويه\" ٣/ ٣٦٠، ٤٥٢، و\"اللسان\" ٤/ ٢٨٧ (سنة)، و\"نزهة الطرف\" ١٧٢.\n(٣) أصل (شاة): (شَوْهَةٌ) ويقال في تصغيرها: (شُوَيهة)، وفي جمعها تكسيرًا: (شياه)، ويقولون: (شَوَّهتُ شاةً)، أي: اصطدتها.\nانظر: \"الممتع في التصريف\" ٢/ ٦٢٦.\n(٤) أصل (شَفَة): (شَفَهَة) فيقال في تصغيرها: (شُفَيهة)، وفي جمعها: (شِفاه) والفعل منها: (شافهتُ فلانا)، والمصدر: (المُشافهة).\nانظر: \"كتاب سيبويه\": ٣/ ٣٥٨ - ٣٥٩، ٤٥١، و\"الوجيز في علم التصريف\" ٤١، و\"الممتع\" ٢/ ٦٢٥، و\"نزهة الطرف\" ١٧٣.\n(٥) في (أ)، (ب)، (ج): (فوه). والمثبت من: \"سر صناعة الإعراب\"، وهي الصواب.\n(٦) في (ج): (منها).","vol":"5","page":541},{"text":"من الواو؛ لأنهما (١) شفويتان (٢)، وفي الميم هُوِىٌّ في الفَمِ يضارع امتداد الواو.\nوالدليل على أن أصله (فَوْه): جمعه على (أفواه)، نحو: (سَوْطٍ، وأسواط)، و(حَوْضٍ، وأحواض)، و(طَوْقٍ، وأطواق).\nوقال أُمَيَّةُ (٣):\nوما فَاهُوا بِهِ أبدًا مُقِيمُ (٤).\nوقالوا: (رجلٌ مُفَوَّهٌ): إذا أجادَ (٥) القولَ، و(أَفْوَهُ): إذا كان واسع الفَمِ. وجمعه: (فُوْهٌ) (٦).\n_________\n(١) في (ب): (ولأنهما).\n(٢) في: \"سر صناعة الإعراب\": شفهيتان.\n(٣) تقدمت ترجمته.\n(٤) شطر بيت، وتمامه - كما في الديوان:\nوفيها لحم ساهرة وبَحرٍ ... وما فاهوا به لهم مقيمُ\nوهو في \"ديوانه\" ٦٨. وورد منسوبا له في \"معاني القرآن\"، للفراء ١/ ١٢١، و\"اللسان\": ١/ ٢٩ (أثم)، ٦/ ٣٤٩٢ (فوه)، و\"المقاصد النحوية\" ٢/ ٣٤٦، و\"شرح التصريح\" ١/ ٢٤١، و\"الدرر اللوامع\" ٢/ ١٩٩.\nوورد غير منسوب في: \"اللسان\" ٤/ ٢١٣٢ (سهر)، ٦/ ٣٤٩٢ (فوه)، و\"شرح شذور الذهب\" (١٢٣)، و\"شرح ابن عقيل\" ٢/ ١٥، و\"منهج السالك\" للأشموني ٢/ ١١. وأكثر المصادر -ومنها \"سر صناعة الإعراب\"- تورد الشطر الأول كالتالي: (فلا لغوٌ ولا تأثيم فيها ..) وهذا إنما هو صدر بيت آخر وعجزه: (ولا غَوْلٌ ولا فيها ملُيِمُ). وهو في القصيدة بعد البيت المستشهد به بأبيات.\nو(الساهرة): الأرض. و(مقيم): ثابت. انظر: \"اللسان\" ٤/ ٢١٣٢ (سهر).\n(٥) في (ب): (جاد).\n(٦) انظر: \"كتاب سيبويه\" ٣/ ٢٦٤، ٣٦٥ - ٣٦٦، و\"المسائل المشكلة\"، للفارسي ١٤٩ - ١٦٣،٥٠٤، و\"المخصص\" ١/ ١٣٤ - ١٣٧، و\"شرح المفصل\" =","vol":"5","page":542},{"text":"قال الشَّنْفَرَى (١):\nمُهَرَّتَةٌ (٢) فُوْهٌ كأنَّ شُدُوقَها ... شُقُوقُ العِصِيِّ (٣) كالِحاتٌ (٤) وبُسَّلُ (٥)\nذكر ذلك أبو الفتح الموصلي (٦).\n_________\n= ١٠/ ٣٣، و\"الوجيز في علم التصريف\" ٥٠، و\"الممتع\" ٣٩١، ٦٢٥، و\"نزهة الطرف\" ١٧٣، و\"أوضح المسالك\" ٣/ ٣٤١.\nويرى الأخفش أن الميم في (فم) بدل من الهاء؛ حيث إن أصله عنده (فَوْه)، ثم قلب، فصار (فَهْو)، ثم حذفت الواو، وجعلت الهاء ميما. انظر \"شرح الشافية\" ٣/ ٢١٥.\n(١) هو: ثابت بن أوس الأزدي. شاعر جاهلي، من عَدّائي العرب المعدودين، وصعاليكهم، وأكثرهم جرأة ودهاءً، أَسَرَتْه بنو سَلامَان صغيرًا، ونشأ فيهم، فلما شبَّ وعرف بقصة أسره، قَتَل منهم كثيرًا، فقتلوه ثأرا وانتقامًا. انظر: \"خزانة الأدب\": ٣/ ٣٤٣، و\"الأعلام\": ٣/ ١٧٧.\n(٢) (أ)، (ب): (مبوته). وفي (ج): (مهونه). والمثبت من: سر الصناعة، ومصادر البيت.\n(٣) في (ب): (العصا).\n(٤) (أ)، (ب): (الحاق). والمثبت من (ج)، وسر الصناعة، ومصادر البيت.\n(٥) البيت من لامِيَّتِهِ المسماة بـ (لامية العرب). انظر: \"بلوغ الأرب في شرح لامية العرب\" ١٥٢. المُهَرَّتَة: الواسعة الأشداق. و(فُوْهٌ): جمع: (أفْوَه) و(فوهاء)، يقال للواسع الفم، أو من تخرج أسنانه من شفتيه من طولها.\nو(الشدوق): جمع كثرة، وأما جمع القلة، فـ (أشداق)، والمفرد: شِدْق، وهو جانب الفم. و(الكالحات): المكشرات في عُبوس. و(بُسَّل): الكريهة المنظر، المفرد: باسل. ويقال للأسد، وللرجل الشجاع.\nالشاعر -هنا- يعين بهذه الأوصاف: الذئابَ وقوله: (كالحات وبسل) نعت لـ (فُوُهٌ). انظر: المرجع السابق ١٥٢ - ١٥٤.\n(٦) في \"سر صناعة الإعراب\" ١/ ٤١٣ - ٤١٦.","vol":"5","page":543},{"text":"قوله تعالى: ﴿وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ (١) أي: من العداوة والخيانة (٢). وقيل (٣): من الكفر بالله ومحمد - ﷺ -.\nوقوله تعالى: ﴿قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ﴾ قال عَطَاء (٤): يريد: ما أمرهم به مِن طاعته، وما نهاهم عنه من معصيته.\nوقال السُّدِّي (٥): قد بيَّنَّا آياتهم؛ لتعرفوهم بها.\nوقوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُون﴾ قيل (٦): إن كنتم تعقلون موقعَ يقع (٧) البيان، ومبلغَ عائدتِهِ عليكم (٨).\nوقيل (٩): إن كنتم تعقلون الفَصْلَ بينَ ما يستحقه العدوُّ، والوَلِيُّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-622>١١٩ </span>- قوله تعالى: ﴿هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ﴾ الآية. مضى الكلام في (ها) مع (أنتم) عند قوله: ﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ﴾ [آل عمران: ٦٦].\nقال الفراء (١٠): العرب إذا جاءت إلى اسمٍ مَكنيٍّ قد وُصِفَ بـ (هذا) و(هذان) و(هؤلاء)، فَرَّقوا بينَ (ها) وبين (ذا)، المَكنِيَّ بينهما، وذلك في\n_________\n(١) في (ج): (وما تخفي الصدور).\n(٢) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١/ ٢٩٧، و\"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١٠٤ب.\n(٣) لم أهتد إلى القائل، ولا فرق بين القولين لأنهما متلازمان.\n(٤) لم أقف على مصدر قوله.\n(٥) لم أقف على مصدر قوله.\n(٦) قاله -بمعناه- الطبري في \"تفسيره\" ٤/ ٦٤.\n(٧) هكذا في: (أ)، (ب). وفي (ج): مهملة من النقط وأرى أن الأصوب أن تقرأ (نفع)؛ لأنها تتناسب مع عبارة الطّبَري التالية.\n(٨) ونص قول الطبري: (إن كنتم تعقلون عن الله مواعظه وأمره ونهيه، وتعرفون مواقع نفع ذلك منكم، ومبلغ عائدته عليكم).\n(٩) لم أهتد للقائل.\n(١٠) في: \"معاني القرآن\"، له ١/ ٢٣١. نقله عنه بنصه.","vol":"5","page":544},{"text":"جهة التقريب (١)، فيقولون: (أين أنت؟) فيقول القائلُ:\n(ها أنا ذا) (٢). ولا يكادون يقولون: (هذا أنا) (٣). و-كذلك-: التثنية والجمع، ومنه (٤): ﴿هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ﴾، وربَّما أعادوا (ها) فوصلوها بـ (ذا)، و(ذان)، و(أولاء) (٥)، فيقولون: (ها أنت هذا)، و(ها أنتم هؤلاء). قال الله -تعالى-: ﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ﴾ [النساء: ١٠٩].\n_________\n(١) \"التقريب\" هو: أن تجعل (هذا)، و(هذه) بمثابة الأفعال الناقصة كـ (كان) وأخواتها التي تحتاج إلى تمام الخبر، وهذا من اصطلاحات الكوفيين، وقد بَيَّنَه السيوطي في: \"همع الهوامع\": ١/ ٢٦٤ فقال: ذهب الكوفيون إلى أن (هذا) و(هذه)، إذا أريد بهما التقريب، كانا من أخوات (كان)، في احتياجهما إلى اسمٍ مرفوعٍ وخبر منصوب، نحو: (كيف أخاف من الظلم، وهذا الخليفة قادمًا؟)، و(كيف أخاف البرد، وهذه الشمس طالعة؟)، وكذلك كل ما كان فيه الاسم الواقع بعد أسماء الإشارة لا ثاني له في الوجود، نحو: (هذا ابنُ صياد أشقى الناس)، فيعربون (هذا): (تَقْريبا)، والمرفوع اسم التقريب، والمنصوب خبر التقريب؛ لأن المعنى إنما هو عن الخليفة بالقدوم، وعن الشمس بالطلوع، وأتى باسم الإشارة تقريبًا للقدوم والطلوع. ألا ترى أنك لم تشر إليهم وهما حاضران؟ و-أيضا-، فالخليفة والشمس معلومان، فلا يحتاج تبيينهما بالإشارة إليهما. وتبين أن المرفوع بعد اسم الإشارة يخبر عنه بالمنصوب؛ لأنك لو أسقطت الإشارة لم يختل المعنى، كما لو أسقطت (كان) من: (كان زيدٌ قادمًا).\nوانظر في هذا المعنى: \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ١٢، و\"تفسير الطبري\" ٤/ ٦٤ - ٦٦، ١٥/ ٤١٦، و\"دراسة في النحو الكوفي\" ٢٣٧، و\"النحو وكتب التفسير\" ١/ ١٨٥.\n(٢) هكذا جاء رسمها في (أ)، (ب)، وكذا وردت في \"تفسير الطبري\" ٤/ ٦٥، ووردت في (ج): (هاناذا). أما في الرسم الإملائي فقد اصطلح على كتابتها كالتالي: هأنذا.\n(٣) في (ج): (ها أنا).\n(٤) في (ج): (منه) بدون واو.\n(٥) في \"معاني القرآن\": فوصلوها بذا وهذا وهذان وهؤلاء.","vol":"5","page":545},{"text":"قال (١): وإنَّما فعلوا ذلك؛ ليفصلوا بين (التقريب) وغيره. ومعنى (التقريب) عنده: أنك لا تقصد أن تخبر (٢) عن (هذا) بالاسم (٣)، فيقولون (٤): (هذا زيد).\nوإذا (٥) كان الكلام على غير تقريبٍ، وكان (٦) مع اسم ظاهر، جعلوا (ها) موصولةً بـ (ذا)؛ فقالوا (٧): (هذا زيد)، و(هذان الزيدان) (٨)، إذا كان على خَبَرٍ يكتفي كلُّ واحدٍ بصاحبه بلا [فِعْلٍ] (٩). فقد (١٠) أنشد ابنُ الأنباري (١١) على هذا قولَ أُمَيَّة بن أبي الصَّلْت:\nلَبَّيْكُما لَبَّيْكُما ها (١٢) أنا ذا لَدَيْكُما (١٣)\n_________\n(١) من قوله: (قال ..) إلى (فيقولون هذا زيد): هو نص قول الزجاج في \"معاني القرآن\" له ١/ ٤٦٣، يحكي به معنى قول الفراء في \"معاني القرآن\" له ١/ ٢٣١ - ٢٣٢.\n(٢) في \"معاني القرآن\"، للزجاج الخبر. بدلًا من: (أن تخبر).\n(٣) في \"معاني القرآن\"، للزجاج (الخبر عن هذا الاسم). وقوله: (بالاسم)؛ أي: بالاسم الظاهر، غير المكنيِّ عنه.\n(٤) في (ج) و\"معاني القرآن\" للزجاج: (فتقول).\n(٥) من قوله: (وإذا ..) إلى (بلا فعل): من تتمة كلام الفراء في \"معاني القرآن\" ١/ ٢٣٢ نقله عنه ببعض التصرف.\n(٦) في \"معاني الفراء\": أو كان.\n(٧) في (ب) و\"معاني الفراء\": (فيقولون).\n(٨) في \"معاني القرآن\": هذا هو، وهذان هما.\n(٩) ما بين المعقوفين زيادة من (ج)، و\"معاني القرآن\". وبقية عبارة الفراء: (والتقريب لابد فيه من فعل؛ لنقصانه، وأحبوا أن يفرقوا بذلك بين معنى التقريب وبين معنى الاسم الصحيح).\n(١٠) (فقد): ساقطة من (ج).\n(١١) في: \"الزاهر\" ١/ ٢٧٩.\n(١٢): ساقطة من (ج).\n(١٣) بيت من الرجز، ورد منسوبًا لأمية في \"طبقات فحول الشعراء\" ١/ ٢٦٦، و\"الزاهر\" ٢/ ٢٧٩.","vol":"5","page":546},{"text":"فَجَعَل (أنا) بين (ها) و(ذا)؛ لتقريبه طاعتهما، والانقياد لأمرهما.\nوقال الزَّجاجُ (١): (ها) -ههنا- تَنْبيهٌ (٢) دَخَلَ على (أنتم) و(٣) (أولاء) في معنى: (الذين)، كأنه قيل: (ها أنتم الذين تُحِبُّونَهم ولا يُحِبُّونَكم). فيكون ﴿تُحِبُّونَهُمْ﴾ صِلَةً (٤).\nقال (٥): وكُسِرت (أولاء)؛ لأن أصلها السكون، لكن الهمزة كُسِرت؛ لسكونها وسكون الألف. وإنما كان أصلُها السكون؛ لأنها بمنزلة حَرْفِ الإشارة، والحروفُ أصلها السكون.\nوسنذكر الفرقَ بين (أولاء) و(أولئك) عند قوله: ﴿فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ﴾ [النساء: ٩٩].\nقال المفسرون: هذا خطاب للمؤمنين، أُعلِموا فيه أن منافقي أهلِ الكتابِ (٦) لا يُحِبُّونَهم، وأنهم يَصْحَبونَ هؤلاء المنافقين بالبِرِّ، والنصيحة\n_________\n(١) في: \"معاني القرآن\" ١/ ٤٦٣. نقله عنه بمعناه\n(٢) في (ج): (ها تنبيه ههنا).\n(٣) (و): ساقطة من (ب).\n(٤) وفي \"البسيط في شرح جمل الزجاجي\": ١/ ٣١٠ قال عن هذه الآية: (فيحتمل أن يكون الأصل: (أنتم هؤلاء)، فاعْتُني بحرف التنبيه فقُدِّم، وأن تكون (ها) التنبيه، ولا تكون المقرونة بالإشارة؛ كما تقول: (ها زيد قائمٌ) ولكون هذا بمنزلة قوله سبحانه ﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ﴾ [آل عمران: ٦٦]).\n(٥) أي: الزجاج، في المصدر السابق. نقله عنه معناه.\n(٦) لم أقف على من خص المراد هنا بمنافقي أهل الكتاب، وإنما قيل في المراد: هم المنافقون، أو اليهود. وقد سبق أن ذكر المؤلف أن المعنِيَّ في هذه الآيات: اليهود والمنافقون معًا، وهو قول لابن عباس ومجاهد، وغيرهم. وقد سبق بيان مصادر هذا القول عند التعليق على شرح المؤلف لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾ [آية: ١١٨]. =","vol":"5","page":547},{"text":"التي يفعلها المُحِبُّ.\nقال المُفَضَّلُ (١): معنى ﴿تُحِبُّونَهُمْ﴾: تريدون لهم الإسلام، وهو خير الأشياء. ﴿وَلَا يُحِبُّونَكُمْ﴾؛ لأنهم يريدونكم على الكفر، وهو الهلاك.\nقوله تعالى: ﴿وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ﴾ أي: بالكتب كلها، وهو اسم جنس؛ كقولهم: كثر الدرهم في أيدي الناس، أو لأن الكتاب مصدر، فيجوز أن يسمى (٢) به الجمع.\nقال ابن عباس (٣): يريد: الذي أُنزل على محمد، والذي أنزل على عيسى، والذي أنزل على موسى، وهم لا يؤمنون بشيء منه؛ لأنهم (٤) يَنتحِلون (٥) التوراةَ، ولم يعلموا بما (٦) فيها.\n_________\n= وممن قال بأنهم اليهود: ابن عباس -في رواية عنه- والحسن، وقتادة، ومجاهد، وابن جريج، والنحاس، والقرطبي، وابن كثير.\nانظر: \"تفسير مجاهد\" ١٣٤، و\"تفسير مقاتل\" ١/ ٢٩٨، و\"تفسير الطبري\" ٤/ ٦٠ - ٦٤، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" ٣/ ٧٤٢، و\"معاني القرآن\"، للنحاس ١/ ٤٦٦، و\"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١٠٥ أ، و\"تفسير البغوي\": ٢/ ٩٥، و\"تفسير القرطبي\" ٤/ ١٨١، و\"تفسير ابن كثير\" ١/ ٤٢٨، و\"الدر المنثور\" ٢/ ١١٨ - ١١٩.\n(١) قوله، في: \"تفسير الثعلبي\": ٣/ ١٠٥ ب.\n(٢) في (ج): (نسمي).\n(٣) لم أقف عليه بهذا اللفظ عنه، والذي في: \"تفسير الطبري\" ٤/ ٦٥ قوله: (أي: بكتابكم وكتابهم، وبما مضى من الكتب قبل ذلك، وهم يكفرون بكتابكم، فأنتم أحق بالبغضاء منهم لكم).\nوأورده السيوطي في: \"الدر المنثور\" ٢/ ١٢٠ وزاد نسبة إخراجه لابن إسحاق،\nوابن المنذر. وانظر: \"سيرة ابن هشام\" ٢/ ١٨٦.\n(٤) (لأنهم): ساقطة من (ب).\n(٥) يقال: (انتحل كذا): أي: دان به. و(انتحل فلانٌ شِعْرَ غيره): ادَّعاه ونسبه لنفسه. و(انتحل مذهبا): انتسب إليه. انظر: \"لسان العرب\" ٧/ ٤٣٦٩ - ٤٣٧٠ (نحل).\n(٦) في (ج): (ما).","vol":"5","page":548},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ﴾ يقال: عَضَّ، يَعَضُّ، عَضًّا، وعَضِيضًا) (١).\nقال امرؤ القَيس:\nكَفَحْلِ الهِجَانِ يَنْتَحِي لِلعَضِيض (٢)\nوالأنامِل: جمع أَنْمُلَة (٣)؛ وهي: أطراف الأصابع (٤).\n[والغَيْظُ: الإغضابُ (٥)، يقال؛ (غاظَهُ الشيءُ)؛ أي: أغضبه (٦).\n_________\n(١) في (ج): (يغض غضًا وغضضا).\n(٢) في (ج): (العضيض).\nوهذا عجز بيت، وأوله:\nله قُصْرَيا عَيْرٍ وساقا نعامةٍ\nوهو في \"ديوانه\" ٩٧.\nوالقُصْرَيان: مفردهما: (قُصْرى). وهما الضلعان اللذان يليان الخصر بين الجنب والبطن، وهما آخر الضلوع. و(العَيْر): الحمار، ويغلب إطلاقه على الوحشي منه. و(فحل الهجان)؛ أي: فَحل الإبل الكريمة البيضاء، ولا يكون فحلها إلا كريمًا مثلها. و(الانتحاء): القصد، والاعتماد، والجد، وقوله: (ينتحي للعضيض)؛ أي: يعتمد ويعترض للعض.\nانظر: \"تهذيب اللغة\" (٢٩٧٤) (قصر)، و\"القاموس\" (١٣٣٧ - ١٣٣٨) (نحا).\n(٣) يقال: (أنْمُلَة) -بفتح الهمزة وضم الميم-، و(أنمَلَة) -بفتح الهمزة وفتح الميم-.\nانظر: (نمل) في \"الصحاح\" ١٨٣٦، و\"القاموس\" (١٠٦٥)، و\"المجمل\" ٨٨٦، و\"اللسان\" ٨/ ٤٥٥٠.\n(٤) انظر المصادر السابقة\n(٥) (الإغضاب): ساقطة من (أ)، (ب). وفي (ج): (الأعصاب). وما أثبَتُّهُ هو الصواب.\n(٦) يقال: (غاظه، وأغاظه، وغيَّظه): بمعنى واحد، والمصدر: الغيظ. انظر: \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٦٢٢ (غيظ).\nقال الراغب: (الغيظ: أشد الغضب، وهو: الحرارة التي يجدها الإنسان من فوران دم قلبه). \"مفردات ألفاظ القرآن\": ٦١٩ (غيظ).","vol":"5","page":549},{"text":"وعَضُّ الأصابع] (١)، والأنامِل، واليد (٢): مِن فِعْلِ المُغضَبِ (٣)، الذي فاته ما لا يقدر [على] (٤) أن يتداركه، أو يرى شيئًا يكرهه، ولا يقدر على أن يُغيِّره. ثم كثر استعمال (٥) [هذا] (٦) فيه، حتى استُعمِلَ مَثَلًا، مجازًا، فيقال للمُغضبِ: (هو يَعَضُّ يدَهُ غَضَبًا وحَنَقًا) (٧)، وإنْ لم يكن هناك عَضٌ. قال الشاعر:\nقَدَ أَفْنَى أنامِلَهُ أَزْمُهُ ... فأَضْحى يَعَضُّ عَلَيَّ الوَظِيفا (٨)\n_________\n(١) ما بين المعقوفين زيادة من (ج).\n(٢) في (ب): (ولليد).\n(٣) في (ج): (الغضب).\n(٤) ما بين المعقوفين زيادة من (ج).\n(٥) في (ج): (استعماله).\n(٦) ما بين المعقوفين زيادة من (ج).\n(٧) قال -تعالى- عن حال من يعض على يديه ندمًا وأسفًا يوم القيامة: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٧].\n(٨) البيت لصخر الغَيّ بن عبد الله الخُثَمِي الهذلي. وقد ورد منسوبًا له في: \"شرح أشعار الهذليين\" ١/ ٢٩٩، وورد في \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٩٧٧ (يدي)، و\"اللسان\" ٨/ ٤٩٥٣ (يدي)، وقالا فيه: (قال الهذلى). وروايته في هذه المصادر: (فأمسى يَعَضُّ ..). وقوله: (أزْمُهُ): عَضُّهُ. من: (أزَمَ يأزِم أزْما) و(أُزوما)، فهو (آزم وأزُوم): إذا عَضَّ بالفم كلِّه عَضًّا شديدًا. و(الوظيفة): أصل استعمالها لذوات الأربع من الخيل والإبل، وهي ما استدَقَّ من الذراع أو الساقين، ففي البعير هي: ما بين الرسغ والذراع، أو بين الرسغ والساق، وجعلها الشاعر هنا للإنسان.\nانظر: \"الصحاح\" ١٤٣٩ (وظف)، و\"الفرق\" لابن فارس ٦١، و\"زينة الفضلاء\" للأنباري ٩١، و\"القاموس المحيط\" (١٠٧٥) (أزم).\nقال الأزهري عن معنى البيت: (أكل أصابعه حتى أفناها بالعض، فصار يعض وظيف الذراع). \"تهذيب اللغة\" ١/ ١٥٦ (أزم).","vol":"5","page":550},{"text":"وقال أبو طالب (١):\nيَعَضُّونَ غَيْظًا خلفَنا بالأَنَامِلِ (٢)\nقال المفسرون (٣): وإنما ذلك لِما يَرَوْنَ من ائتلاف المؤمنين، واجتماع كلمتهم، وصَلاح ذات بَيْنِهم.\nوفي الآية تقديم وتأخير؛ لأن التقدير: وإذا خَلَوْا عَضُّوا الأنامِلَ مِنَ الغَيْظِ عليكم.\nوقوله تعالى: ﴿قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ﴾ خرج هذا مخرج الأمر، وليس معناه الأمرَ، لكنَّه دعاء عليهم، أمر اللهُ نَبِيَّهُ - ﷺ - بأن يَدْعُوَ عليهم بهذا (٤).\n_________\n(١) واسمه: عبد مَناف -بن عبد المُطَّلِب بن هاشم، عَمُّ النبي - ﷺ -، الذي كفله بعد موت جده عبد المطلب، وكان حدِبًا على أمر النبي - ﷺ -، عطوفًا عليه، منع عنه أذى قريش، إلا اْنه لم يُسْلِم، ومات على الشرك، قبل الهجرة بثلاث سنين. انظر: \"سيرة ابن هشام\" ١/ ١٩٣ - ١٩٤، ٢/ ٢٥ - ٢٦.\n(٢) عجز بيت، وصدره:\nوقد حالفوا قوما علينا أظنَّةً\nوقد ورد منسوبًا له في: \"سيرة ابن هشام\" ١/ ٢٨٦، و\"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١٠٥ ب، و\"البحر المحيط\" ٣/ ٤١، و\"الدر المصون\" ٣/ ٣٧٠.\nوأول البيت في: \"تفسير الثعلبي\"، والبحر: (وقد صالحوا قومًا عليهم أشحة)، ولكن في: \"البحر المحيط\": (علينا أشحة).\nوالبيت من قصيدة طويلة يخاطب فيها أشراف قومه لَمّا خافهم على النبي - ﷺ -، بعد أن علا ذِكرُه وظهر أمرُه، ووقفوا منه موقف العداء، وفيها كذلك مدح للنبي - ﷺ -. انظر حول هذه القصيدة: \"طبقات فحول الشعراء\" ١/ ٢٤٤.\n(٣) ممن قال ذلك: قتادة، والربيع، والطبري. والعبارة -هنا- عبارة الطبري. انظر: \"تفسير الطبري\" ٤/ ٦٦ - ٦٧، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" ٣/ ٧٤٦.\n(٤) انظر: \"تفسير الطبري\" ٤/ ٦٧.\nوقال أبو الليث: (يقول: موتوا بحنقكم على وجه الدعاء والطرد واللعن، لا على وجه الأمر والإيجاب؛ لأنه لو كان على وجه الإيجاب لماتوا من ساعتهم. كما =","vol":"5","page":551},{"text":"ومعنى موتِهم بِغَيْظِهم: هو أن يَدُوم غيظُهم إلى أن يموتوا، أو (١) يصير الغيظُ قاتِلَهم، وسببَ موتهم (٢).\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ أي: بما فيها من خير وشر. قال (٣) النحويون (٤): (ذات) تأنيث (ذو). وإذا وقَفْتَ (٥) على (ذات): فمنهم مَن يَدَعُ التَّاء على حالها؛ لكثرة ما جرى على اللسان بالتَّاء، ومنهم من يردها إلى هاء (٦) التأنيث. وهو القياس.\nوقال ابن الأنباري (٧): ﴿عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾، أي: بما فيها (٨) من خير وشر (٩). معناه: بحقيقة القلوب من المضمرات. فتأنيث (ذات) (١٠)\n_________\n= قال في موضع آخر: ﴿فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا﴾ [البقرة: ٢٤٣]، فماتوا من ساعتهم، وههنا لم يرد به الإيجاب). \"بحر العلوم\": ١/ ٢٩٤ - ٢٩٥.\nوذهب الضحاك إلى أن هذا يراد به الخبَر؛ أي: يخبر عنهم أنهم يخرجون من الدنيا بالموت وهم بهذه الحسرة والغيظ. انظر: المرجع السابق.\n(١) في (ب): (و).\n(٢) أي: أن الباء -هنا- في ﴿بِغَيْظِكُمْ﴾، إما للحال، أو للسببية.\n(٣) من قوله (قال ..) إلى (عليم بذات الصدور): مكرر مرتين في (أ).\n(٤) هذا قول الليث في: \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٢٩٩ (ذو)، نقله عنه المؤلف بتصرف يسير. وانظر: \"اللسان\" ٣/ ١٤٧٧ - ١٤٧٨ (ذو).\n(٥) في (ب)، (ج): (وقعت).\n(٦) في (ب): (تاء).\n(٧) قوله، في: \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٣٠٠. نقله عنه بتصرف يسير وانظر: \"المذكر والمؤنث\" لابن الإنباري ٢/ ٣٦٧ - ٣٦٨، و\"اللسان\" ٣/ ١٤٧٨ (ذو).\n(٨) (أي بما فيها): ساقط من (ج).\n(٩) (من خير وشر): ساقط من (ج).\n(١٠) في (ج): (ذا).","vol":"5","page":552},{"text":"لهذا المعنى؛ كما قال: ﴿وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾ [الأنفال: ٧]، فَأَنَّثَ؛ لمعنى (الطائفة)؛ كما يقال: (لقيته ذات يوم)، فيؤنثون؛ لأن مقصدهم: لقيته مرَّةً في يوم. وقد ذكرنا زيادة في الشرح والبيان عند قوله ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾ [آل عمران: ١٥٥].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-623>١٢٠ </span>- قوله تعالى: ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ﴾ الآية. (المَسُّ)، أصله باليد، ثم يُسَمَّى المُقارِبُ والمخالِطُ: (ماسًّا)؛ تشبيهًا بالمتناوِلِ للشيء، فيقال: (أمْرُكَ يَمَسُّنِي)؛ أي: يَكْرِثُني (١)، ويهمني، ويَقْرُبُ مِن قلبي. فأشبه بذلك المَسَّ بالأصابع (٢).\nومعنى (الحسنة) -ههنا-: النصر (٣)، والغنيمة، والخِصْب (٤).\n_________\n(١) يقال: (كَرَثَه، وأكرَثَه الغَمُّ)، (يكرِثُهْ ويَكرُثه): اشتد عليه، وأقلقه، وحرَّكَه. و(الاكتراث): الاعتناء. و(لا تكترث بالأمر): لا تعبأ به، ولا تبالي. وذكر ابن الأثير أنها لا تستعمل إلا في النفي، وقد جاءت في الإثبات وهو شاذ.\nانظر: (كرث) في: \"أساس البلاغة\" ٢/ ٣٠٢، و\"النهاية في غريب الحديث\" لابن الأثير ٤/ ١٦١، و\"التاج\" ٣/ ٢٥٢.\n(٢) يقال: (مَسَسْتُ) -بفتح السين الأولى وبكسرها-، (أمَسُّ مَسًّا ومَسِيسا، ومِسِّيسَى): وهو ما كان باليد. و(المَسُّ، والمَسِيس) يُكنى به عن النكاح -كذلك-. ويقال: (مِسْتُ) - يحذفون السين الأولى، ويحولون كسرتها إلى الميم، أو تترك الميمُ مفتوحة. انظر: \"العين\"، للخليل ٧/ ٢٠٨، ٢٠٩ (مسس)، و\"إصلاح المنطق\" ٢١١، و\"المقاييس\" ٥/ ٢٧١، و\"الفرق بين الحروف الخمسة\" ٤٠٨، ٤٠٩، و\"بصائر ذوي التمييز\" ٤/ ٤٩٨.\n(٣) في (ج): (النصرة).\n(٤) انظر: \"تفسير غريب القرآن\" لابن قتيبة ١/ ١٠٣، و\"تفسير الطبري\" ٤/ ٦٧، و\"بحر العلوم\" ١/ ٢٩٥، و\"تفسير ابن كثير\" ١/ ٤٢٩.\nلفظ الآية في (الحسنة) و(السيئة) عامٌّ، لم يخصص نوعًا منها دون نوع، فيدخل فيها كل ما يحسن ويسوء. وما ذكره المؤلف من النصر والغنيمة والخصب، إنما هو على سبيل التمثيل لها. انظر: \"المحرر الوجيز\" ٣/ ٢٩٢.","vol":"5","page":553},{"text":"و(تسؤْهم)، أي: تُخْزِيْهم، يقال: (ساءَهُ، يَسُوءُهُ، مَسَاءَةً (١)، ومَسَائِيَةً) (٢)، فـ (استاءَ) (٣)؛ أي: اهتم (٤).\nوقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ﴾ أي: نالكم ضد ذلك.\nويقال: (ساء (٥) الشيءُ)، (يسوء (٦)، فهو سيِّء)، والأنثى: (سيِّئةٌ)؛ أي: قَبُحَ (٧). ومنه قوله: ﴿سَاَءَ مَا يَعمَلُونَ﴾ [المائدة: ٦٦]. و(سَوَّأتُ على الرجل (٨) فعلَهُ)؛ أي: قَبَّحْتُهُ عليه، وعِبْتُهُ به. و(السُّوْءَى) (٩): ضد الحُسْنَى، و(السَّوْءاءُ) (١٠): المرأةُ القبيحة (١١).\n_________\n(١) في (ج): (ساه يسوه مساه).\n(٢) في (أ)، (ب)، (ج): مسايبة والمثبت من كتب اللغة. وفي \"القاموس المحيط\" ٤٣ (سوء): قال: (ومسائية مقلوبًا، وأصله: مساوِئة).\n(٣) في (أ): فاستَاءً، والمثبت من: (ب)، (ج)، وكتب اللغة.\n(٤) انظر: (سوء) في: \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٧٩٥ - ١٧٩٦، و\"القاموس\" ٤٣.\n(٥) في (ج): (أسى).\n(٦) يسوء: ساقطة من (ج).\n(٧) في (ب): (قبح).\n(٨) في (ب): (الوجه).\n(٩) في (ج): (السوى).\n(١٠) في (ب): (السؤا). وفي (ج): (السوا).\n(١١) انظر: المصادر السابقة.\nقال ابن عطية: (وذكر تعالى المسَّ في (الحسنة)؛ ليُبَيِّن أن بأدنى طروء الحسنة تقع المساءةُ بنفوس المبغِضِين، ثم عادل ذلك بالسيئة بلفظ الإصابة، وهي: عبارة عن التمكن؛ لأن الشيء المصيب لشيء، فهو متمكن منه أو فيه، فدلَّ هذا المنزعُ البليغُ على شدة العداوة، إذ هو حقد لا يذهب عند الشدائد، بل يفرحون بنزول الشدائد بالمؤمنين، وهكذا هي عداوة الحسد في الأغلب، ولا سيما في هذا الأمر الجسيم الذي هو ملاك الدنيا والآخرة). \"المحرر الوجيز\" ٣/ ٢٩٢ - ٢٩٣.","vol":"5","page":554},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا﴾. أي: على ما تسمعون منهم، وعلى أذاهم.\n﴿وَتَتَّقُوا﴾. قال ابنُ عباس (١): وتخافوا ربَّكم، في سِرِّكم وعلانِيَتِكم. وقال غيره (٢): وتتقوا مقاربتهم في دينهم، والمحبة لهم.\n﴿لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾ يقال: (ضارَهْ، يَضِيرُهُ، ضَيْرًا)، و(يَضُورُهْ ضَوْرا): إذا ضرَّهُ (٣).\nوقرئ: ﴿لَا يَضُرُّكُمْ﴾ مُشَدَّدا (٤) من: الضَّرِّ (٥). وأصله: (يَضْرُرْكُمْ) -جَزْمًا-، وأُدغِمَت (٦) الرَّاءُ في الرَّاءِ، ونقلت ضَمَّةُ الرَّاء الأولى إلى\n_________\n(١) لم أقف على مصدر قوله. والذي في: \"زاد المسير\" ١/ ٤٤٨ من قول ابن عباس: (الشرك).\n(٢) لم أهتد لقائل هذا القول. وقد يفهم ذلك من عبارة الطبري في \"تفسيره\" ٤/ ٦٨، حيث قال: (وإن تصبروا -أيها المؤمنون- على طاعة الله، واتباع أمره فيما أمركم به، واجتناب ما نهاكم عنه: من اتخاذ بطانة لأنفسكم من هؤلاء اليهود -الذين وصف الله صفتهم- من دون المؤمنين وغير ذلك من سائر ما نهاكم ..).\n(٣) انظر: \"الزاهر\" ٢/ ١٧٤، و\"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٠٧٨ (ضور)، و\"اللسان\" ٥/ ٢٦١٩ (ضور)، ٥/ ٢٦٢٣ (ضير).\n(٤) هي قراءة عاصم، وابن عامر، وحمزة، والكسائي -بضم الصاد، وتشديد الراء المرفوعة-. انظر: \"السبعة\" ٢١٥، و\"الحجة\" للفارسي ٣/ ٧٤.\n(٥) انظر: \"الحجة\"، لابن خالويه ١١٣. وورد في: \"اللسان\": (الضَّرُّ، والضَّرُّ): ضد النفع. و(الضَّرُّ): المصدر، و(الضُّرُّ): الاسم. وقيل: إذا جمعت بين الضَّرِّ والنفع: فتحتَ الضاد، وإذا أفردت الضُّرَّ: ضممت الضاد: إذا لم تجعله مصدرًا.\nوقال: (وضَرَّه يضُرُّه ضَرًّا)، و(ضَرَّ به وأضَرَّ به)، و(ضارَّه مُضَارَّة، وضِرَارًا) والاسم: (الضَّرر). \"اللسان\" ٥/ ٢٥٧٣ (ضرر)، وانظر: \"تفسير الطبري\" ٤/ ٦٨.\n(٦) في (ج): (فأدغمت).","vol":"5","page":555},{"text":"الضاد، وضُمَّت الرَّاءُ الأخيرةُ؛ إتْباعًا لأقرب الحركات إليها، وهي: حركة الضادُ، كقولهم: (مُدُّ يا هذا) (١).\nواعلم أنه إذا كان قبل الحرف المُدْغم (٢)، حرفٌ مضمومٌ، فلك في تحريك الأخير ثلاثة أوجه: الضمُّ؛ للإتْباع، والكسرُ؛ على أصل ما يجب (٣) في التقاء الساكنين، والفتحُ؛ للخفة.\nقال جرير:\nفَغُضّ الطَرْفَ إنك مِن نُمَيْرٍ (٤)\nيُنشَد باللغات الثلاث (٥). ولا يجوز في القراءة إلّا الرفع، على ما قرأته القُرَّاءُ المُتَّبَعون (٦).\n_________\n(١) انظر: \"المغني\" لابن هشام ٧١٧ - ٧١٨؛ حيث لم ير في إعرابها إلا أنها مجزومة، وأن الضم اتباع، كالضمة في قولك: (لم يَشُذُّ ولم يَرُدُّ).\n(٢) (المدغم): ساقطة من (ب).\n(٣) في (ب): (التأنيث). بدلًا من: (ما يجب).\n(٤) صدر بيت، وتمامه:\nفلا كَعْبَا بَلَغتَ ولا كِلابا\nوهو في: ديوانه: ٦٣، وورد في: \"كتاب سيبويه\" ٣/ ٥٣٣، و\"المقتضب\" ١/ ١٥٨، و\"المصون في الأدب\" ١٩، و\"العمدة\" ١٢٦، ١٢٧، ٨٤٤، ١٠٥٣، و\"شرح المفصل\" ٩/ ١٢٨، و\"المقاصد النحوية\" ٤/ ٤٩٤، و\"منهج السالك\" ١/ ٢٥٢، و\"التصريح\" ٢/ ٤٠١، و\"همع الهوامع\" ٦/ ٢٨٨، و\"خزانة الأدب\" ١/ ٧٢، ٦/ ٥٣١، ٩/ ٣٠٦، ٥٤٢، و\"شرح شواهد شرح الشافية\" ٤/ ١٦٣. والبيت من قصيدة طويلة له، يهجو فيها الراعي النميري، وُيعَرِّض بقومه.\n(٥) أي يقال: (فَغُضَّ) -بضم الضاد المشددة، وفتحها، وكسرها. انظر فيما ذكره المؤلف سابقًا: \"معاني القرآن\"، للفراء ١/ ٢٣٢، و\"الطبري\" ٤/ ٦٨.\n(٦) أي: لا يجوز في قراءة: ﴿لَا يَضُرُّكُمْ﴾ إلا الرفع في الراء، من ناحية القراءة القرآنية، مع صحة قراءتها بالفتح والكسر من ناحية اللغة كما ذكر المؤلف؛ لأن =","vol":"5","page":556},{"text":"قال أبو إسحاق (١): ضمن الله -﷿- للمؤمنين النصرَ إن صَبَروا، وأَعلَمَهم أَنَّ عَدَاوَتَهم (٢) وكَيْدَهُم غَيْرُ ضَارٍّ لهم.\nوالكَيْدُ -في اللغة-: الاحتيال بغير ما يبدي (٣)، وهو: أن يحتال ليَغْتَالَ صاحِبَهُ، ويوقِعَهُ في مكروه (٤)، وابن عباس فَسَّرَ الكيْدَ بالعداوة (٥).\n_________\n= الراء الثانية مُدغَمَة في الراء الأولى، مع سبقها بحرف مضموم. وقد وردت قراءة أخرى صحيحة، متواترة، وهي: ﴿لَا يَضُرُّكُمْ﴾ على التخفيف -بتسكين الراء وكسر الضاد المخففة- وقد قرأ بها: ابن كثير، ونافع، وأبي عمرو، ويعقوب، ورواية أخرى عن حمزة. انظر: \"السبعة\" ٢١٥.\nقال الفارسي: (فكلتا القراءتين حسنة؛ لمجيئهما جميعًا في التنزيل). \"الحجة\" ٣/ ٧٥. وانظر: \"المحلى\" لابن شغير ١٧.\nووردت قراءات أخرى شاذة، وهي: قراءة عاصم برواية أبي زيد عن المفضل عنه: (لا يَضُرَّكم) بضم الضاد وفتح الراء المشددة. وقرأ الضحاك: (يَضُرِّكم) -بضم الضاد، وكسر الراء المشددة-.\nانظر: \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ٣٦١، و\"تفسير القرطبي\" ٤/ ١٨٤، و\"البحر المحيط\" ٣/ ٤٣.\n(١) في \"معاني القرآن\" له ١/ ٤٦٥. نقله عنه بنصه.\n(٢) في \"معاني القرآن\": عدوانهم.\n(٣) في (ج): (ما مدى).\n(٤) أصل (كَيَدَ) -في اللغة- يدل على معالجة شيء بشدة، ثم يتسع بابه ويدخل فيه المعنى المراد -هنا- الذي ذكره المؤلف وهو: الاحتيال لإيقاع مكروه بالغير؛ لأنه فيه معالجة وبذل وُسْع، واجتهاد للمكر والإضرار بالآخرين. انظر: \"المقاييس\" ٥/ ١٤٩ (كيد). وعَرَّف الجرجانيُّ (الكيد)، فقال: (إرادة مضرة الغير خفية، وهو من الخلق: الحيلة السيئة). التعريفات: ١٨٩. وانظر: \"اللسان\": ٧/ ٣٩٦٦ (كيد)، و\"التوقيف على مهمات التعاريف\" ٦١٤.\n(٥) لم أقف على مصدر قوله.","vol":"5","page":557},{"text":"[ورُدَّ على الفرَّاء] (١) [في هذه الآية شيئان:\nأحدهما: أنه قال (٢): ولو] (٣) قرئ: (لا يَضُرْكم) -بضم الضاد-، جازَ؛ فقد سمع الكسائيُّ بعضَ أهل العالِيَةِ (٤) يقول: [(لا ينْفَعُني ذاك (٥) ولا يَضُورُني) (٦).\nقال الزجاج (٧): وهذا غير جائز، لا يُقرأ حرفٌ من كتاب الله -﷿- بخلاف الإجماع، على قول رجل من أهل العالية. وهذا كما قاله؛ لأن القراءةَ بالسَّمَاع والتَّوْقِيف، لا بالجَوَازِ في اللغة.\nوالآخر: أنه قال (٨) في قوله: ﴿لَا يَضُرُّكُمْ﴾ -على قراءة من قرأ بالتشديد-: يجوز أن يكون جواب الشرط: فَاء مُضْمَرَة (٩)، ويكون (لا)\n_________\n(١) ما بين المعقوفين مطموس في (أ)، وساقط من (ب)، والمثبت من (ج).\n(٢) في: \"معاني القرآن\" له ١/ ٢٣٢. نقله عنه بمعناه.\n(٣) ما بين المعقوفين مطموس في: (أ)، والمثبت من (ب)، (ج).\n(٤) العالية: اسم لكل ما كان من جهة نجد من المدينة إلى تهامة، وهي عالية الحجاز، وما كان دون ذلك من جهة تهامة فهي السافلة. وقيل: هي ما جاوز الرُّمَّة -وهي أرض واسعة بنجد تنصب فيها عدَّة أودية- إلى مكة. انظر: \"معجم البلدان\" ٤/ ٧١.\n(٥) (ذاك) مطموس في (أ). وساقط من (ب). ومثبت من (ج)، و\"تهذيب اللغة\": ٣/ ٢٠٧٨. وفي \"معاني القرآن\": ذلك.\n(٦) (يضورني): مطموسة في (أ). وفي (ب): (يضرني). والمثبت من (ج)، و\"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٠٧٨، و\"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٢٣٢، و\"تفسير الطبري\" ٤/ ٦٨.\n(٧) في: \"معاني القرآن\" له ١/ ٤٦٥. نقله عنه بتصرف يسير.\n(٨) في: \"معاني القرآن\" له ١/ ٢٣٢. نقله عنه بمعناه\n(٩) (فاء مضمرة): مطموس في (أ)، وساقط من (ب). والمثبت من (ج).","vol":"5","page":558},{"text":"بمعنى (ليس) والتقدير: (فليس يَضُرُّكُمْ كيدُهم شيئا).\nوأنشد (١) على هذا بيتًا (٢).\nقال النحويون: وهذا غلطٌ، مَن حَذَفَ الفاءَ، إنما (٣) يجوز لِضرُورة الشعر (٤)، والقرآن لا يُحْتَمل (٥) على ضرورة الشعر (٦)، سِيَّما إذا كان لرفع\n_________\n(١) من قوله: (وأنشد ..) إلى (من حذف الفاء): مطموس في (أ). وساقط من (ب). والمثبت من (ج).\n(٢) البيت هو:\nفإن كان لا يُرضيكَ حتى تَرُدُّني ... إلى قَطَريِّ لا إخالُكَ راضيا.\nوقائله، هو: سوَّار بن المُضَرِّب السعدي التميمي.\nوقد ورد البيت في: \"النوادر\" لأبي زيد ٥٤، و\"الكامل\" للمبرد ٢/ ١٠٢، و\"الطبري\" ٤/ ٦٨، و\"القراءات\" للأزهري ١/ ١٢٤، و\"الخصائص\" ٢/ ٤٣٣، و\"المحتسب\" ٢/ ١٩٢، و\"أمالي ابن الشجري\" ١/ ١٨٥، و\"شرح المفصل\" ١/ ٨٠، و\"المقاصد النحوية\" ٢/ ٤٥١، و\"منهج السالك\" ٢/ ٤٥، و\"التصريح\" ١/ ٢٧٢.\nوالشاعر يخاطب الحجاجَ لمَّا أراد بعثَه وقومَه بني تميم لقتال الخوارج وزعيمِهم قَطَرِي بن الفجاءة. ويعبر الشاعر عن رفضه لهذا الأمر.\nوالشاهد في البيت قوله: (لا إخالُك)، أي: فلست إخالُك) -برفعها-.\n(٣) في (ب): وإنما. والمثبت من (ج). وهو الصواب.\n(٤) انظر: \"كتاب سيبويه\" ٣/ ٦٤ - ٦٥، و\"المقتضب\" ٢/ ٧١، و\"المغني\" لابن هشام: ٨٠، ١٣٣، ٢١٨، ٣١١، ٨٣٢. وذكر ابن هشام أن المبرّدَ منع حذف الفاء حتى في الشعر. انظر: \"المغني\" ٢١٩. إلا أن الظاهر من كلام المبرّد في كتابه \"المقتضب\": ٢/ ٧٢ خلاف ما ذكره ابن هشام. وانظر تعليق محقق \"المقتضب\" في هامش ٢/ ٧٢ - ٧٣.\nوأجاز الأخفشُ حذفَ الفاء في جواب الشرط في القرآن. انظر: \"معاني القرآن\" له ١/ ١٥٨ عند تفسيره لآية (١٨٠) من سورة البقرة ﴿إِن تَرَكَ خَيرًا الوَصِيَّةُ﴾. ورُدّ بأن ﴿الوَصِيَّةُ﴾ نائب فاعل لـ ﴿كُتِبَ﴾، وجواب الشرط محذوف، وهو (فَلْيُوصِ). انظر: \"المغني\" ١٣٣، ٢١٩.\n(٥) في (ج): (لا يحمل).\n(٦) في (ب): (الشاعر).","vol":"5","page":559},{"text":"الراء في ﴿يَضُرُّكُمْ﴾ وجهٌ حسن.\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ أي: عالم به؛ على معنى: أنه باقتداره عليه، وعلمه به (١)، قد (٢) حَصَرَه مِن (٣) جميع جهاته، كما حَصَرَه (٤) المحيطُ به. هذا معناه وحقيقته؛ لأن المحيط بالشيء، هو المحيط به من حواليه، وهذا من صفة الإحكام (٥)] (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-624>١٢١ </span>- قوله تعالى (٧): ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ (٨) الآية. مضى (٩) الكلام [في (إذ) في مواضع؛ (١٠) والعامل فيه -ههنا- محذوف، وهو: اذكر. وحُذِفَ؛ لأن الحال تدل على أن (١١)] (١٢) المعنى تذكير لتلك الحال.\nقال ابن عباس (١٣)، وقتادة (١٤)، والربيع (١٥)، والسدي (١٦)، وأكثر\n_________\n(١) أنه باقتداره عليه وعلمه به: مطموس في (أ). وساقط من (ب). ومثبت من (ج).\n(٢) في (ج): (ود). والمثبت من (ب).\n(٣) في (ج): (في). والمثبت من (ب).\n(٤) في (ج): (يحصره)، والمثبت من (ب).\n(٥) في (ج): (الأجسام)، والمثبت من (ب).\n(٦) ما بين المعقوفين مطموس في (أ). والمثبت من (ب)، (ج).\n(٧) (قوله تعالى): ساقط من (ج).\n(٨) ﴿مِن أَهلِكَ﴾: ليس في (ب).\n(٩) (مضى): مطموسة في (ج).\n(١٠) منها: عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ﴾ [آل عمران: ٣٥].\n(١١) ليست في (أ)، (ج). ومثبتة من (ب).\n(١٢) ما بين المعقوفين: مطموس في (أ)، ومثبت من (ب)، (ج).\n(١٣) قوله في: \"تفسير الطبري\" ٤/ ٧٠، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" ٣/ ٧٤٨، و\"النكت والعيون\" ١/ ٤٢٠.\n(١٤) انظر المصادر السابقة.\n(١٥) انظر المصادر السابقة.\n(١٦) انظر المصادر السابقة.","vol":"5","page":560},{"text":"المفسرين (١): هذا كان يوم أُحُد، غدا رسول الله - ﷺ - من منزل عائشة إلى أُحُد (٢)، فجعل يصف أصحابَه للقتال.\nقال ابن عباس (٣): ﴿مِنْ أَهْلِكَ﴾؛ يريد: مِن (٤) منزل عائشة (٥).\nوقوله تعالى: ﴿تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ يقال: (بَوَّأتُه مَنْزِلًا)، و(بَوَّأتُ له منزلًا)؛ أي: أنزلته إيَّاهُ (٦).\nقال ابن هَرْمَة (٧):\nوبُوِّئَتْ في صَميمِ مَعْشَرِها ... فَتَمَّ في قومِها مُبَوَّؤُها (٨)\n_________\n(١) ممن قال بذلك: ابن مسعود - ﵁ -، ومجاهد، والكلبي، والزهري، وابن إسحاق، والطبري. انظر: المراجع السابقة، و\"سيرة ابن هشام\" ٣/ ٥٨، و\"بحر العلوم\" ١/ ٢٩٥، و\"زاد المسير\" ١/ ٨٨٤ و\"الدر المنثور\" ٢/ ١٢٠ وما بعدها.\n(٢) المصادر التي أشرت إليها، وقد ذكرت أقوال من سبق ذكره، ولكن لم تذكر أنه - ﷺ - خرج من منزل عائشة ﵂.\n(٣) لم أقف على مصدر قوله.\n(٤) (من): ساقطة من (ج).\n(٥) وممن ذكر أن المنزل الذي خرج منه - ﷺ - هو منزل عائشة: أبو الليث في \"بحر العلوم\" ١/ ٢٩٥، والثعلبي في \"تفسيره\" ٣/ ١٠٧ أ، والبغوي في \"تفسيره\" ٤/ ٩٦، وقد نسباه لمجاهد والكلبي والواقدي، وابن الجوزي في \"الزاد\" ١/ ٤٤٩، وابن الديبع في \"حدائق الأنوار\" ٥٢١.\n(٦) انظر: \"تفسير الطبري\" ٤/ ٧٢، و\"الصحاح\" ١/ ٣٧ (بوأ)، و\"اللسان\" ١/ ٣٨٢.\n(٧) هو: أبو إسحاق، إبراهيم بن علي بن سَلَمَة بن عامر بن هَرْمَة القرشي، من الخُلْج، وهم من قيس بن الحارث بن فِهْر. سكن المدينة، وهو من آخر الشعراء الذين يُحتَجُّ بشعرهم، قال الأصمعي: (خُتِم الشعرُ بابن هَرْمة)، عاصر الدولة الأموية والعباسية، مات بعد سنة (١٥٠هـ) تقريبا. انظر: \"طبقات الشعراء\" لابن المعتز ٢٠، و\"تاريخ بغداد\" ٦/ ١٢٧، و\"خزانة الأدب\" ١/ ٤٢٤.\n(٨) البيت ورد منسوبًا له في: \"مقاييس اللغة\" ١/ ٣١٢ (بوأ)، وورد غير منسوب في: \"اللسان\" ١/ ٣٨٢ (بوأ).","vol":"5","page":561},{"text":"وفي قراءة عبد الله: (تبوِّئُ للمؤمنين) (١). و(المَبَاءَة) (٢)، و(البَاءَة) (٣): المنزل (٤).\nقال أبو علي (٥): (بَوَّأتُ فُلانًا (٦) منزلًا)، تُعدِّيْهِ إلى مفعولين، وكأنه منقول من قولك: (باءَ فلانٌ منزِلَهُ)؛ أي: لَزِمَه. وإن كنّا لا نرى ذلك؛ ولكن يدل على ذلك قولهم: (المَبَاءَة) (٧) - وهي: المُرَاحُ (٨) الذي تبيت فيه النَّعَم (٩) -: [اسمٌ] (١٠) للمكان (١١).\n_________\n(١) انظر: \"معاني القرآن\"، للفراء ١/ ٢٣٣، و\"تفسير الطبري\" ٤/ ٧٢، و\"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ٣٦٢.\n(٢) في (ج): (والمباه).\n(٣) في (ج): (والمباه).\n(٤) انظر: \"تهذيب اللغة\": ١/ ٢٤٦ (بوأ).\n(٥) لم أقف على مصدر قوله.\n(٦) في (ب): (لفلان).\n(٧) في (ج): (المباه).\n(٨) تضبط (المُراح) بضم الميم، إذا كانت من (أراح) الرباعي، وهو: حيث تأوي الماشية بالليل. أما (المَراح) بفتح الميم، إذا كانت من (راح) الثلاثي. وقد ضبطت بالضم في: \"تفسير الطبري\" ٤/ ٧٢، و\"التهذيب\" ٢/ ١٣٠٩ (راح)، و\"القاموس\": ٢٧٢ (روح)، و\"اللسان\" ٣/ ١٧٦٩ (روح)، و\"المصباح المنير\" ٩٣ (روح).\n(٩) في (ج): (الغنم).\n(١٠) ما بين المعقوفين زيادة من (ج).\n(١١) انظر: \"تهذيب اللغة\" ١/ ٢٤٦ (بوأ)، و\"مقاييس اللغة\" ١/ ٣١٢ (بوأ)، و\"المصباح المنير\" ٩٣ (روح).\nولم أعثر في كتب اللغة -التي رجعت إليها- على: (باء فلان منزله) بمعنى: لزمه، وإنما تأتي (باء) بمعنى الرجوع، واللزوم، والإقرار إذا عُدِّيت بالباء أو بـ (إلى) ومنه. (باء بإثمه، يَبُوء بَوْءا) و(أبوء بذنبي)؛ أي: ألتزم وأرجع وأقر. و(باء بالشيء): رجع. ويقا- كذلك: باء فلانٌ لفلان، بَوْءا، وبَوَاءً): إذا كان مكافئًا له، يقتل به. =","vol":"5","page":562},{"text":"وقوله تعالى: ﴿مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾ أي (١): مواطن. قال ابن عباس (٢): كل رجل لِمَقعَدِه الذي يصلح له.\nوقد بيّنّا أن معنى القُعُود -في أصل اللغة-: الثُّبُوت، على أي حال كانت، عند قوله: ﴿الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ﴾ [البقرة: ١٢٧].\nفمعنى: ﴿مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾ مراكز (٣)، ومَثابِتَ، لا مَجَالِس (٤).\nوقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. قال ابن عباس (٥): يريد: سميعٌ لقولكم، عليمٌ بما في قلوبكم؛ وذلك أن رسول الله - ﷺ - استشار أصحابه في ذلك الحرب (٦)، فمنهم من أشار عليه بأن يقيم في المدينة، ومنهم من أشار عليه بالخروج إليهم، فقال الله -تعالى-: أنا ﴿سَمِيعٌ﴾ لِمَا يقوله المُشيرون عليك (٧)، ﴿عَلِيُمٌ﴾ (٨) بما يُضْمِرُون.\n_________\n= أما (المَباءة) فهي من: (أبَأتُ الإبلَ مَباءَةً): أنخت بعضها إلى بعض. فيتعدى الفعل هنا بالهمزة. انظر: (بوأ) في: \"تهذيب اللغة\" ١٥/ ٥٩٤، و\"الصحاح\" ١/ ٣٧، و\"اللسان\" ١/ ٣٨٢.\n(١) من قوله: (أي ..) إلى (.. مقاعد للقتال): ساقط من (ج).\n(٢) لم أقف على مصدر قوله.\n(٣) في (ج): (مراكب).\n(٤) قال ابن دريد: والمقاعد: موضع القعود في الحرب وغيرها. \"الجمهرة\" ٢/ ٦٦١ (قعد).\n(٥) لم أقف على مصدر قوله.\n(٦) هكذا جاءت (ذلك الحرب) على التذكير. والمعروف أن الحرب مؤنثة، لكن حكى ابن الأعرابي والمبرد فيها التذكير، ولكنها نادرة، وقد تُذكَّر إذا ضُمِّنت معنى القتال. انظر: (حرب) في: \"الصحاح\" ١/ ١٠٨، و\"اللسان\" ٢/ ٨١٥.\n(٧) في (ج): (عليكم).\n(٨) (عليم): ساقطة من (ج).","vol":"5","page":563},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-625>١٢٢ </span>- قوله تعالى: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا﴾ قال الزّجاج (١): العامل في (إذ) (٢): التَّبْوِئَة؛ المعنى: كانت التَّبْوِئَةُ في ذلك الوقت. و﴿هَمَّتْ﴾؛ أي: قَصَدَت وأرادت. يقال: (هَمَمْتَ بالشيء)، (أَهَمُّ به هَمًّا) (٣). والطائفتان -في قول ابن عباس وأكثر المفسرين- (٤): بَنُو سَلِمَة (٥) مِن الخزرج، وبنو حَارِثَة من الأنصار (٦).\n_________\n(١) في \"معاني القرآن\" له ١/ ٤٦٥. نقله عنه بنصه.\n(٢) في (ب): (إذا).\n(٣) انظر: \"اللسان\": ٨/ ٤٧٠٢ (همم).\n(٤) قول ابن عباس في: \"تفسير الطبري\": ٤/ ٧٢، و\"تفسير ابن أبي حاتم\": ٣/ ٧٤٩. وهو قول جابر بن عبد الله - ﵁ -، ومجاهد، وقتادة، والربيع، والسدي، والشعبي. انظر: \"صحيح البخاري\": (٤٠٥١)، كتاب: المغازي، باب: (إذ همت طائفتان ...)، (٤٥٥٨) كتاب التفسير. سورة آل عمران. باب: (إذ همت طائفتان ..)، و\"تفسير الطبري\" ٤/ ٧٢، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" ٣/ ٧٤٩.\n(٥) في (ب): (بنو أسلمة). و(سَلِمة) -بفتح السين وكسر اللام-، وترد في بعض المراجع بفتح اللام، وهو خطأ.\nقال الأستاذ محمود شاكر: (بنو سَلِمة -بفتح السين وكسر اللام- وليس في العرب (سَلِمة) -بكسر اللام- غيرها، وسائرها بفتح اللام. وهم: بنو سلمة بن سعد بن علي بن أسد بن سادرة بن تزيد بن جشم بن الخزرج). هامش \"تفسير الطبري\" ٧/ ١٦١. (ط. شاكر).\nويذكر ابن الأثير أن النسبة إلى سَلِمة بن سعد المذكور سابقًا: (السَّلَمي) عند النحويين، وينطقونها بفتح اللام، وأما المُحدِّثون فينطقونها (السَّلِمي) بكسر اللام. انظر: اللباب في \"تهذيب الأنساب\" ٢/ ١٢٩.\nوقد ورد ضبطها بالكسر في: \"المغازي\" للواقدي ١/ ٣١٩، و\"المعارف\" لابن قتيبة ١٠٩، ١٥٩، و\"تاريخ الطبري\" ٢/ ٣٥٤، ٣٥٦، و\"الاشتقاق\"، لابن دريد ٥٦٦، و\"عيون الأثر\" ٢/ ٩، و\"فتح الباري\" ٧/ ٣٥٧.\n(٦) هم بنو حارثة بن النَّبت، أو النبيت، من الأوس. انظر: \"سيرة ابن هشام\": ٣/ ٥٨، و\"المعارف\" ١١٠، ١٥٩، و\"تفسير الطبري\" ٤/ ٧٢، و\"معاني القرآن\" للنحاس ١/ ٤٦٩، و\"التعريف والإعلام\" للسهيلي ٧٧.","vol":"5","page":564},{"text":"وكان سبب ذلك أن (١) عبد الله بن أُبَيٍّ انْخَزَلَ (٢)، فرجع عن الطريق في ثلاثمائةٍ، وهمت الطائفتان بالانصراف معه، فعصمهم الله، فلم ينصرفوا ومضوا مع رسول الله - ﷺ - (٣).\nوالفَشَل: الجُبْنُ، والخَوَرُ (٤).\nوقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾ قال ابن عباس (٥): يريد: ناصِرُهما، ومُوَالٍ لهما على مَنْ عاداهما (٦).\n_________\n(١) أن: ساقطة من (ج).\n(٢) انخزل؛ أي: انفرد وانقطع. و(الخَزْلُ، والاختزال، والانخزال): القطع والتقطع. انظر: \"المجموع المغيث في غريب القرآن والحديث\" ١/ ٥٧٤، و\"النهاية في غريب الحديث\": ٢/ ٢٩ (خزل).\n(٣) وبقي من المجاهدين مع رسول الله - ﷺ - سبعمائة - ﵁ - أجمعين- بعد رجوع ابنِ أُبَي ومن معه من الثلاثمائة، وكان عدد المشركين: ثلاثة آلاف.\nانظر خبر هذه الغزوة في \"سيرة ابن هشام\" ٣/ ٣ وما بعدها، \"طبقات ابن سعد\" ٢/ ٣٦، و\"تاريخ الطبري\" ٢/ ٤٩٩ وما بعدها، و\"المنتظم\" لابن الجوزي ٣/ ١٦١، و\"الكامل في التاريخ\" ٢/ ١٠٣، و\"عيون الأثر\" ٢/ ٥، و\"البداية والنهاية\" ٣/ ١٠، و\"حدائق الأنوار\" لابن الديبع: ٢/ ٥١٨.\n(٤) انظر: \"تفسير الطبري\" ٤/ ٧٤، و\"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٤٦٥، و\"تفسير المشكل من غريب القرآن\" لمكي ٥١، و\"تذكرة الأريب\" لابن الجوزي ١/ ٩٨، و\"تحفة الأريب\" لأبي حيان ٢٤٧.\nقال ابن عباس: ﴿أَنْ تَفْشَلَا﴾ يعني: أن تَجْبُنا، بلغة حِمْيَر). \"اللغات في القرآن\": ٢٠.\n(٥) لم أقف على مصدر قوله.\n(٦) وقد فسرها ابن إسحاق بقوله: (المدافع عنهما ما همَّتا به من فشلهما؛ وذلك أنه إنما كان ذلك منهما عن ضعف ووهن أصابهما، غير شك في دينهما، فتَولَّى دفع ذلك عنهما برحمته وعائدته، حتى سلمتا من وهونهما وضعفهما، ولحقتا بالنبي - ﷺ -). \"سيرة ابن هشام\": ٣/ ٥٨. وانظر: \"تفسير الطبري\" ٤/ ٧٤، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" ٣/ ٧٤٩.","vol":"5","page":565},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ التَوَكُّل: تَفَعُّل، مِن: (وَكَلَ أمْرَهُ إلى فلان): إذا اعتمد في كفايته عليه، ولم يَتَوَلَّهُ بنفسه (١). وفي الآية إشارة إلى أنَّه ينبغي أن يستدفع (٢) الإنسان ما يعرض له مِن حَرْفٍ (٣) ومكروهٍ بالتوكل على الله، وأن (٤) يَصْرِفَ الجَزَعَ (٥) عن نفسه بالتوكل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-626>١٢٣ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ﴾. الآية (٦).\nالنَّصْرُ: حُسْنُ المَعُونة (٧). وبَدْرٌ: بِئْرٌ (٨) لرجل [يقال] (٩) له: بَدْر (١٠)،\n_________\n(١) (والتوكل: إظهار العجز، والاعتماد على الغير، والاسم: التُّكلان). \"القاموس\": (١٠٦٩) (وكل). وانظر: \"مقاييس اللغة\": ٦/ ١٣٦ (وكل).\n(٢) في (ب): (يدفع).\n(٣) في (ج): (حرب). وما في نسخة (ج) له وجاهته، ومناسبته التامة هنا؛ لأن المقام هنا مقام حديث عن الحرب، إلا أن ما أثبته وهو في نسخة الأصل (أ)، (ب)، له وجهه كذلك؛ لأن (الحرف) من (حَرَفَ الشيء، يحرف حَرْفا)، و(انحرف، وتَحرَّف): عَدَلَ. ومال عن الشيء، و(حَرَف الشيءَ عن وجهه): صرفه. فيكون معناها في هذا الموضع هو الصرف والميل والعدول عن الأمر السوي. وهو ما كان من أمر الطائفتين اللتين همَّتا بالميل والانصراف عن القتال مع النبي - ﷺ -، مما يستدعي أن يدفع الإنسان هذا الوهم الشيطاني عن نفسه بالتوكل.\nانظر: (حرف) في: \"اللسان\" ٢/ ٨٣٩، و\"القاموس\" (٧٩٩).\n(٤) في (ج): (أن).\n(٥) في (ب): (الجذع). الجَزَع: نقيض الصبر. وهو أبلغ الحزن، الذي يصرف الإنسان عما هو بصدده، ويقطعه عنه. يقال: (جَزع جَزَعًا، وجُزُوعا). انظر: (جزع) في: \"مفردات ألفاظ القرآن\" ١٩٤، و\"القاموس\" (٧٠٩).\n(٦) (الآية): ساقطة من (ب).\n(٧) انظر: (نصر) في: \"المجمل\" ٨٧٠، و\"مفردات ألفاظ القرآن\" ٨٠٨\n(٨) (بئر): ساقطة من (ب)، (ج).\n(٩) ما بين المعقوفين: غير واضح في (أ). وفي (ب): اسمه -بدلًا من: (يقال له) -. وأثبَتُّه من (ج). وهكذا جاءت العبارة في \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١٠٨ - ب. ويبدو أن المؤلف نقلها عنه.\n(١٠) في (ب): وبدر كان رجل اسمه بدر.","vol":"5","page":566},{"text":"سُمِّيَت باسم صاحبها، في قول الشعبي (١).\nيدل على هذا قولُ حَسَّان (٢):\nوبِبِئْرٍ إذْ يَرُدُّ وجوهَهُم ... جبريلُ تحت لِوائِنا ومُحَمَّدُّ (٣)\nوقال الواقِدِيُّ (٤) -عن شيوخه- (٥): (بدر) (٦)، هو اسمٌ لِمَوضِعٍ (٧).\n_________\n(١) بيَّن الشعبي أن هذا الرجل من جهينة. انظر قوله في: \"مصنف ابن أبي شيبة\" ٧/ ٣٥٣ رقم (٣٦٦٤٦)، و\"الطبقات الكبرى\" ٢/ ٢٧، و\"المعارف\" ١٥٢، \"تفسير الطبري\" ٤/ ٧٤ - ٧٥، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" ٣/ ٧٥٠، و\"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١٠٨ ب، و\"معجم ما استعجم\" ١/ ٢٣١، وأورده السيوطي في \"الدر\" ٢/ ١٢٣ وزاد نسبة إخراجه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.\nوذكر ابن قتيبة والسهيلي أن بدرًا -هذا- رجل من غفار، من بطن يقال لهم: بنو النار. وقيل: إن بدرا -هذا- هو ابن قريش بن الحارث بن يخلد بن النضر بن كنانة.\nانظر: \"المعارف\":١٥٢، و\"التعريف والإعلام\"، للسهيلي ٧٧ - ٧٨.\n(٢) تقدمت ترجمته.\n(٣) البيت لكعب بن مالك الأنصاري، وليس لحسّان، ولم أقف عليه في ديوانه، ولم أجد من نسبه له. ﵄.\nوهو في: \"ديوان كعب\" ١٩١، وورد منسوبًا له في: \"العمدة\" لابن رشيق ٧٩٩، و\"معجم ما استعجم\" ٢٣٢.\nوفي المعجم: (.. نَرُدُّ ..) بدلًا من: (.. يَرُدُّ ..).\nوالبيت من قصيدة يرثي فيها حمزة بن عبد المطلب - ﵁ - عم النبي - ﷺ -.\nوالضمير في (وجوههم) يعود على المشركين الذين قُتِلوا وغيِّبوا في قليب بدر بعد المعركة.\n(٤) لم أهتد إلى قوله هذا في كتابه \"المغازي\"، وقد ورد في: \"الطبقات الكبرى\" ٢/ ٢٧، و\"تفسير الطبري\" ٤/ ٧٥، و\"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١٠٨ ب، و\"معجم ما استعجم\" ١/ ٢٣١.\nوالواقدي، هو: محمد بن عمر بن واقد السَّهْمي، تقدمت ترجمته.\n(٥) عن شيوخه: ساقطة من (ب).\n(٦) بدر: زيادة من (ب).\n(٧) وفي هذا الخبر عنه، أن الواقدي ذكر قول شيوخه -هذا- ليحيى بن النعمان =","vol":"5","page":567},{"text":"وقيل: هو ماءٌ (١) لبني غِفَار (٢)، بين مكة والمدينة (٣).\nوقوله تعالى: ﴿وَأَنتُم أَذِلَّةٌ﴾ في موضع الحالِ، وإنّما كانوا أذلةً؛ لقلة العَدَدِ، وضعف الحال (٤)؛ لقلة (٥) السلاح والمال عن مقاومة العدو (٦).\n_________\n= الغفاري، فقال: (سمعت شيوخنا من بني غفار يقولون: هو ماؤنا ومنزلنا، وما مكه أحدٌ قطُّ يقال له بدر، وما هو من بلاد جهينة، إنما هو من بلاد غفار. قال الواقدي: وهو المعروف عندنا) \"معجم ما استعجم\" ١/ ٢٣١.\n(١) (ماء): ساقط من (ب).\n(٢) في (ب): (لبني عفان).\n(٣) ورد عن الربيع، والضحاك، وقتادة أنه ماء بين مكة والمدينة. وليس فيه أن هذا الماء لبني غفار. انظر: \"تفسير الطبري\" ٤/ ٧٥، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" ٣/ ٧٥٠، و\"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١٠٧ ب، و\"معجم ما استعجم\" ١/ ٣٠٧، و\"الدر المنثور\" ٢/ ١٢٣.\n(٤) وهذا قول ابن عباس، وقتادة، والحسن، والربيع، وابن إسحاق. انظر: \"تفسير الطبري\" ٤/ ٧٥، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" ٣/ ٧٥١.\n(٥) في (ب): ولقلة.\n(٦) بلغ عدد المسلمين في هذه المعركة: ثلاثمائة وبضعة عشر رجلًا، وهذا قول عامة السلف، كما يقول الطبري في تاريخه: ٢/ ٤٣٢. على اختلاف الأقوال في العدد بعد الثلاثمائة: فقيل: (٣٠٥)، وقيل: (٣٠٧)، وقيل: (٣١٣)، وقيل: (٣١٤)، وقيل: (٣١٨)، وقيل: (٣١٩). ومعهم: فرسان، وستون درعًا، وسبعون بعيرا. أما المشركون: فقيل: عددهم: تسعمائة وخمسون رجلًا، وقيل: ألف رجل. ومعهم: ستمائة درع، ومائتا فرس، وقيل: مائة، وقيل: ثمانون، وقيل: ستون. انظر: \"صحيح البخاري\": كتاب: المغازي. باب: عدة أصحاب بدر، و\"صحيح مسلم\": كتاب: الجهاد والسير، باب: الامداد بالملائكة في غزوة بدر، و\"طبقات ابن سعد\" ٢/ ٢١ - ٢٢، و\"سيرة ابن هشام\" ٢/ ٣٥٤، و\"تاريخ الطبري\" ٢/ ٤٢٣، ٤٣١ - ٤٣٢، و\"المنتظم\" ٣/ ٩٨، ١٠٠، ١٠٢، و\"البداية والنهاية\": ٣/ ٢٥٩،=","vol":"5","page":568},{"text":"ومعنى الذلِّ: الضَّعْف عن المقاومة. ونقيضه: العِزُّ، وهو: القوة والغَلَبَة (١).\nو﴿أَذِلَّةٌ﴾ (٢): جمع ذليل. والأصل في (فَعِيل) إذا كان صفةً، أن يجمع على (فُعَلاَء، نحو: (ظَرِيف وظُرَفَاء)، و(شَرِيك وشُرَكَاء)، ولكن لفظ (٣) (فُعَلاَء) [اجتُنِبَ] (٤) في التضعيف؛ لأنه [لو قيل: (خُلَلاَء) (٥)، و(قُلَلاَء)، في جمع: خَلِيل (٦) وقَلِيل، لا جتمع حرفان من جنسٍ واحد، فَعُدِل به] (٧) إلى (أفْعِلَة)؛ لأن (أفْعِلَة) مِن جمْع الأسماء في (فَعِيل) (٨)، [نحو: جَرِيب] (٩) وأَجْرِبَة) (١٠)، و(قَفِيز (١١) وأَقْفِزَة) (١٢).\n_________\n=٢٦٠، و\"حدائق الأنوار\" ٢/ ٤٩٨، ٤٩٩، و\"عيون الأثر\" ١/ ٣٨١، ٣٨٣، وانظر: تفسير المصنف لقوله تعالى: ﴿يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ﴾ من آية ١٣ سورة آل عمران.\n(١) انظر: \"مفردات ألفاظ القرآن\" (٣٣٠) (ذلل)، \"اللسان\" ٥/ ٢٩٢٥ (عزز) ٣/ ١٥١٣ (ذلل)، \"القاموس\" ٥١٧ (عزز).\n(٢) من قوله: (وأذلة ..) إلى (.. وأقفزة): نقله بتصرف يسير من \"معاني القرآن\"، للزجاج ١/ ٤٦٦، وانظر: \"معاني القرآن\" للنحاس ١/ ٤٠٥.\n(٣) (لفظ): في (أ) غير واضحة وفي (ب): (لفظت)، وليست في \"معاني القرآن\". والمثبت من (ج).\n(٤) ما بين المعقوفين غير مقروء في (أ). وفي (ب): (خففت). وفي \"معاني القرآن\" (اجتنب). والمثبت من (ج).\n(٥) في \"معاني القرآن\": (جللاء).\n(٦) في \"معاني القرآن\": (جليل).\n(٧) ما بين المعقوفين زيادة لازمة من (ج) ومن \"معاني القرآن\".\n(٨) في (ب): (فعل).\n(٩) ما بين المعقوفين مطموس في (أ). وفي (ب): (نحو جريت). والمثبت من (ج) و\"معاني القرآن\".\n(١٠) في (ب): (أجريت).\n(١١) في (ب): (وقفز).\n(١٢) الجريب: من الأرض والطعام، مقدار معلوم الذراع والمساحة. وهو عشرة =","vol":"5","page":569},{"text":"قال أبو إسحاق (١) في هذه الآية (٢): أعلم الله -جَلَّ وعَزَّ- أنَّهم حين لَزِمُوا الطاعةَ، نصرهم اللهُ، وهم قليل، ويوم أُحُد نَزَلَ بهم ما نزل؛ بمخالفة أمرِ النبي - ﷺ -، فجعل ذلك عقوبة.\nوقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ أي: اتقوا معاصي الله بالعمل بطاعته، أو اتَّقوا عقابَ اللهِ بالعمل بطاعته؛ لتقوموا بشكر نعمته. وهذا (٣) معنى قول محمد بن إسحاق بن يَسَار في هذه الآية (٤): اتَّقُونِي فإنَّه شكر نعمتي (٥).\n_________\n= أقفزة وقيل: قدر أربعة أقفزة. وقيل: يختلف باختلاف البلدان، كالاختلاف في الرطل والمد والذراع وغير ذلك. وقيل: ثلاثمائة وستون ذراعًا.\nويطلق -كذلك- على المزرعة، والوادي. وجمعه: أجربة وجُربان.\nوالقفيز: مكيال، وهو ثمانية مكاكيك عند أهل العراق - والمكّوك: مكيال يسع صاعًا ونصف، وقيل: غير ذلك.\nوقيل: القفيز: مقدار مساحة من الأرض. وقيل: مكيال يتواضع الناس عليه.\nويجمع على أقفزة، وقُفْزان -بكسر القاف وضمها-. انظر: \"التاج\": ١/ ٣٦١ (جرب)، ٨/ ١٢٩ (قفز)، و\"القاموس\": ص ٩٥٤ (مكك).\n(١) في \"معاني القرآن\"، له: ١/ ٤٦٦. نقله عنه باختصار قليل وتصرف.\n(٢) (في هذه الآية): ساقط من (ج).\n(٣) في (ج): (هذا) بدون واو.\n(٤) قوله في: \"سيرة ابن هشام\" ٣/ ٥٩، و\"تفسير الطبري\" ٤/ ٧٤، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" ٣/ ٧٥١.\n(٥) في (ب): (لنعمتي).","vol":"5","page":570},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-627>١٢٤ </span>- قوله تعالى: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ الآية. قال الشَّعْبيُّ (١): حُدِّثَ المسلمون أن كُرْز بن جابر المُحَارِبي (٢) يريد أن يُمِدَّ (٣) المشركين، فَشَقَّ ذلك عليهم، فقيل لهم: ﴿أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ﴾.\nومعنى الكِفَايَةِ، هو: سَدُّ الخَلَّةِ (٤)، والقيام بالأمر، يقال: (كفاهُ أمْرَ كذا): إذا قامَ (٥) بِهِ دونه، وسَدَّ خَلَّتَهُ (٦).\nومعنى الإمْدَاد: إعطاء الشيء حالًا بعد حال (٧).\nقال المُفَضَّلُ (٨): ما كان على جهة القوة والإعانة، قيل فيه: (أَمَدَّهُ،\n_________\n(١) قوله في: \"مصنف ابن أبي شيبة\" رقم (٣٦٦٥٩) كتاب: المغازي. غزوة بدر الكبرى، و\"تفسير الطبري\" ٤/ ٧٦، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" ٣/ ٧٥٢، و\"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١١٠ ب، و\"تفسير ابن كثير\" ١/ ٤٣٢، و\"الدر المنثور\" ٢/ ١٢٣، وزاد نسبته إلى ابن المنذر.\n(٢) هو كرز بن جابر بن حُسيل بن لاحب بن حبيب بن عمرو بن شيبان بن محارب بن فِهْر القُرَشي الفهري. كان من رؤساء المشركين قبل أن يسلم، وهو الذي أغار على سَرْح المدينة مرَّةً، وفات النبي - ﷺ -، ولم يدركه، وهي المسماة: (غزوة بدر الأولى)، ثم أسلم وحسن إسلامه، ولاه رسول الله - ﷺ - الجيش الذي بعثهم في أثر العرنيين الذين قتلوا راعيه، واستشهد يوم في فتح مكة سنة (٨ هـ). انظر: \"أسد الغابة\" ٤/ ٤٦٨، و\"الإصابة\" ٣/ ٢٩٠.\n(٣) في (ب): (أن هذا). بدلًا من (أن يمد).\n(٤) الخَلَّةُ -هنا-: الحاجة، والفقر. انظر: \"القاموس\" (٩٩٤) (خلل).\n(٥) في (أ)، (ب): (أقام). والمثبت من (ج).\n(٦) انظر: \"النكت والعيون\" ١/ ٤٢١، و\"اللسان\" ١٥/ ٢٢٥ (كفي)، و\"بصائر ذوي التمييز\" ٤/ ٣٦٨.\n(٧) انظر: \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٣٦١ (مدد)، و\"النكت والعيون\" ١/ ٤٢١.\n(٨) قوله في: \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١١١ ب.","vol":"5","page":571},{"text":"يُمِدُّهُ) (١)، وما كان على جهة الزيادة، قيل فيه: (مَدَّةُ، يَمُدُّهُ، مَدًّا) (٢)، ومنه قوله: ﴿وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ﴾ (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-628>١٢٥ </span>- قوله تعالى: ﴿بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا﴾ الآية. ﴿بَلَى﴾: تصديق لوعد الله. ومضى الكلامُ فيه (٤) إذا وقع في ابتداء الآية.\nوقوله تعالى: ﴿إِنْ تَصْبِرُوا﴾ (٥). أي: على لقاء العدو.\n_________\n(١) في (ب): (المد مده). وفي \"تفسير الثعلبي\": أمدَّه يُمِدُّه إمدادًا.\n(٢) في \"تفسير الثعلبي\": (مدَّه يمده مدادًا).\nذكر الرَّاغبُ أن أكثر ما جاء (الإمداد) في المحبوب، و(المد) في المكروه. فمن (الإمداد) قوله تعالى: ﴿وَأَمْدَدْنَاهُمْ بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ [الطور: ٢٢]، و﴿وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ﴾ [نوح: ١٢].\nومن (المد) قوله تعالى: ﴿وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [البقرة: ١٥]، وقوله: ﴿وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّ﴾ [مريم: ٧٩].\nوقد نقل الطبري عن يونس الجرْمي ذلك، وبيَّن أن ما كان منها متعلقًا بالشر وبمعنى أنك تركته، فهو: (مددت)، وما كان في الخير، وبمعنى أنك أعطيته، فهو: (أمددت). ونقل عن بعض نحوي الكوفة -ولم يسم أحدا منهم-: أنَّ كل زيادة أحدثت في الشيء من نفسه، فهي: (مَدَدت)؛ كقولنا: (مدَّ النهر، ومدَّه نهرٌ آخر غيرُه) حيث يتصل به، فيصير منه.\nوكل زيادة أحدثت في الشيء من غيره، فهي: (أمدَدْت)؛ كقولنا: (أمددت الجيش بمدد).\nانظر: \"تفسيرالطبري\" ١/ ١٣٥، و\"مفردات ألفاظ القرآن\" ٧٦٣ (مدد)، و\"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١١١ ب، و\"بصائر ذوي التمييز\" ٤/ ٤٨٩.\n(٣) سورة لقمان: ٢٧. وتمامها: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾.\n(٤) في (ج): (في).\n(٥) في (ج): ﴿إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا﴾.","vol":"5","page":572},{"text":"﴿وَتَتَّقُوا﴾ معصية الله، ومخالفة النبي - ﷺ - (١).\n﴿وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا﴾ قال ابنُ عبَّاس -في رواية العَوْفي- (٢): مِن وجههم هذا. وهو قول: الحسن (٣)، وقتادة (٤)، والربيع (٥)، والسّدِّي (٦)، وابن زيد (٧).\nوقال (٨) في رواية باذان: من غَضَبِهم هذا (٩). وهو قول: مجاهد (١٠)، والضَّحَّاك (١١).\nوأصل الفَوْرِ: غَلَيانُ القِدْرِ. يقال: (فارت القِدْرُ، تَفُورُ فَوْرًا)، وهو\n_________\n(١) انظر: \"بحر العلوم\": ١/ ٢٩٦، و\"تفسير ابن أبي حاتم\": ٣/ ٧٥٣ ولفظه عندهما: (من سفرهم هذا)، و\"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١١٢ أ، و\"تفسير البغوي\" ٢/ ١٠٠، و\"زاد المسير\" ١/ ٤٥١.\n(٢) قوله في: \"تفسير الطبري\" ٤/ ٨٠، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" ٣/ ٧٥٣، و\"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١١٢ أ، و\"تفسير البغوي\" ٢/ ١٠٠، و\"زاد المسير\" ١/ ٤٥١.\n(٣) قوله في المصادر السابقة.\n(٤) قوله في المصادر السابقة.\n(٥) قوله في: \"الطبري\" ٤/ ٨٠، و\"ابن أبي حاتم\" ٣/ ٧٥٣، و\"الثعلبي\" ٣/ ١١٢ ب.\n(٦) قوله في المصادر السابقة.\n(٧) قوله في: \"تفسير الطبري\" ٤/ ٨٠، و\"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١١٢ب.\n(٨) أي: ابن عباس.\n(٩) ورد هذا القول في \"تفسير الطبري\" ٤/ ٨٠، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" ٣/ ٧٥٣، و\"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١١٢ أ، و\"النكت والعيون\" ١/ ٤٢١، ولكن هذه المصادر نسبت هذا القول لأبي صالح باذان، وليس في الأثر أنه رفعه لابن عباس.\n(١٠) قوله، في \"تفسيره\" ١٣٥، و\"تفسير الطبري\" ٤/ ٨١، و\"ابن أبي حاتم\" ٣/ ٧٥٣، و\"الثعلبي\" ٣/ ١١٢ أ، و\"البغوي\" ٢/ ١٠٠، و\"زاد المسير\" ١/ ٤٥١.\n(١١) قوله في المصادر السابقة، عدا الأول.","vol":"5","page":573},{"text":"غليانها عند شدة الحَمْي (١). ومنه: فَوْرُ الغَضَبِ؛ لأنه كَفَوْرِ القِدْرِ بالحَمْي. ومنه، يقال: (جاء على الفَوْر)؛ أي: على ابتداء الحَمْي، قبل أن تَبْرُدَ نَفْسُه عنه (٢).\nوقوله تعالى: ﴿مُسَوِّمِينَ﴾ مَنْ فَتَحَ الواو (٣)، معناه: مُعْلَمِين، قد سُوِّمُوا، فهم مُسَوَّمِين.\nوالسُّوْمَة: العَلاَمَةُ يُفْرَقُ بها الشيءُ مِن غَيْرِه. ومضى شيءٌ من هذا في قوله: ﴿وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ﴾ (٤).\nوهذه (٥) العَلامَةُ يُعْلِمُها الفارسُ يوم اللقاء؛ ليُعْرَفَ بها.\nقال عنترة (٦):\nفَتَعَرَّفوني إنَّنِي أنا ذِلكُم ... شاكٍ سِلاحي في الحوادِثِ مُعْلَمُ (٧)\n_________\n(١) انظر: (فور) في: \"مقاييس اللغة\" ٤/ ٤٥٨، و\"مفردات ألفاظ القرآن\" ٦٤٧.\n(٢) انظر: المصادر السابقة، و\"تفسير الطبري\" ٤/ ٨١، و\"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١١٢ أ.\n(٣) هي قراءة: نافع، وابن عامر، وحمزة، والكسائي: ﴿مُسَوِّمِينَ﴾. انظر: \"السبعة\": ٢١٦، و\"حجة القراءات\": ١٧٣.\n(٤) [سورة آل عمران: ١٤]. وانظر: \"تهذيب اللغة\": ٢/ ١٦٠١ (سوم).\n(٥) من قوله: (هذه) إلى نهاية بيت الشعر الآتي: نقله بنصه عن \"الحجة\" للفارسي ٣/ ٧٦. غير أنه ليس في \"الحجة\": (قال عنترة) وإنما: (قال) فقط دون نسبة لقائل.\n(٦) تقدمت ترجمته.\n(٧) البيت: ليس لعنترة، وإنما هو لطريف بن تميم العنبري. وقد ورد منسوبًا له في: \"كتاب سيبويه\" ٣/ ٤٦٦، ٤/ ٣٧٨، و\"الأصمعيات\" ١٢٨، و\"البيان والتبيين\" ٣/ ٩٣، و\"الاختيارين\" ١٨٩، و\"العقد الفريد\" ٣/ ٢٠٨، و\"الاقتضاب في شرح أدب الكتاب\" ٣/ ٤٠٨، و\"شرح أدب الكاتب\"، للجواليقي ٢٨٤، و\"الكامل\" لابن الأثير ١/ ٣٦٧، و\"معاهد التنصيص\" ١/ ٢٠٤، و\"شرح شواهد شرح الشافية\" (مطبوع مع شرح الشافية) ٤/ ٣٦٨. =","vol":"5","page":574},{"text":"ومَن كَسَرَ الواو (١)، نَسَبَ الفِعْلَ إليهم؛ لِمَا جاء في الخبر: أن النبي - ﷺ - قال يوم بدر: \"سَوَمُوا، فإن الملائكة قد سَوَّمَتْ\" (٢).\n_________\n= كما ورد غير منسوب في: \"المقتضب\" ١/ ١١٦، و\"المنصف\" ٢/ ٥٣، ٣/ ٦٦، و\"الحجة\" للفارسي ٣/ ٧٧.\nوقد روي البيت في بعض المصادر بـ (فتوسَّموني) بدلا من: (فتعرفوني)، و(ذاكم) بدلًا من (ذلكم) وفي بعضها: (شاكي السلاح)، وفي \"الكامل\"، لابن الأثير: (لا تنكروني إنني داء لكم ..). وقبل هذا البيت:\nأوَ كلما وردت عكاظ قبيلةٌ ... بعثوا إليَّ عريفهم يَتَوَسَّمُ\nلقد كان من عادة الفرسان في الجاهلية -نظرا لما عليهم من ثارات كثيرة- أنهم إذا ما وردوا عكاظ في الموسم، يتقنعون لئلا يُعرَفوا، فيُقصدوا في الحروب؛ لأخذِ الثأرِ منهم، إلا الشاعر، فإنه لشجاعته يلقي القناع عن وجهه على خلاف العادة، فكان بعضُ من لهم ثأر عنده يمر به ويتفرس في وجهه، فخاطبهم الشاعرُ بقوله: تعرفوا عليَّ جيدًا، وتفرسوا فيَّ، فإنني لا أخشاكم، ولا أهابكم.\nوقوله: (شاك سلاحي)؛ أي: لسلاحي شوكة وله حد. وأصله: (شائك)، فقُلِب إلى: شاكٍ وقيل: أصله: (شاككٌ) من: الشكَّة، وهي: السلاح. وقيل غير ذلك. وينطق (شاكٍ) -في البيت- بالضم، أو بالكسر، مع التنوين. وقوله: (مُعْلَم)، أي: يُعلِم نفسه بعلامة في الحرب؛ ليُعرَف بها. انظر: \"الاقتضاب\": ٣/ ٤٠٩.\n(١) هي قراءة: ابن كثير، وأبي عمرو، وعاصم، ﴿مُسَوِّمِينَ﴾. انظر: \"السبعة\" ٢١٦، و\"حجة القراءات\" ١٧٣.\n(٢) الحديث أخرجه: ابن أبي شيبة في: \"المصنف\" ٧/ ٣٥٥ رقم (٣٦٦٥٧) وأبو عمرو الدوري في \"جزء فيه قراءات النبي - ﷺ -\" ٨٠، وأخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٤/ ٨٢.\nوأوردته الكتب التالية، غير مسند: \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١١٢ ب، و\"تفسير البغوي\" ٢/ ٩٩، ١٠٠، و\"زاد المسير\" ١/ ٤٥٢، و\"الدر المنثور\" ٢/ ١٢٥. والحديث مرسل؛ لأنه من رواية عمير بن إسحاق، قال: (.. قال رسول الله - ﷺ -) وذكره. =","vol":"5","page":575},{"text":"قال ابن عباس: كانت الملائكة قد سَوَّمت يوم بدر بالصُّوف الأبيض في نواصي الخيل، وأذنابها (١).\nوقال الربيعُ (٢)، وهشامُ بن عُرْوة (٣): كانت عليهم عمائم صُفْرٌ،\n_________\n= قال الشيخ أحمد شاكر: (وعمير بن إسحاق، أبو محمد مولى بني هاشم، روى عن المقداد بن الأسود، وعمرو بن العاص، وأبي هريرة، كان قليل الحديث. قال أبو حاتم: لا نعلم روى عنه غير ابن عون. قال ابن معين: ثقة. وقال -ايضًا-: لا يساوي حديثه شيئًا، ولكن يكتب حديثه) ثم تابع الشيخ شاكر قائلًا: (فهذا الحديث مرسل -كما ترى-، وعن رجل يكتب حديثه ولا يحتج به). هامش \"تفسير الطبري\" ٧/ ١٨٦. (ط. شاكر). وانظر: \"ميزان الاعتدال\" ٤/ ٢١٦.\nوأخرج الواقدي في \"المغازي\": ١/ ٧٥ - ٧٦ عن محمود بن لبيد، قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"إن الملائكة قد سَوَّمت فسَوِّموا، فأعْلَموا بالصوت في مغافرهم وقلانسهم\".\nوأخرجه ابن سعد في \"الطبقات\" ٢/ ١٦ ولم يسنده، وأورده المتقي الهندي في: \"كنز العمال\": ١٠/ ٤٠٣ رقم (٢٩٩٦٤) وزاد نسبة إخراجه لابن النجار.\nومحمود بن لييد بن عقبة بن رافع الأوسي الأشهلي، أبو نعيم المدني. قال عنه ابن حجر: (صحابي صغير، وجل روايته عن الصحابة، مات سنة ٩٦، وقيل: ٩٧، وله تسع وتسعون سنة). \"تقريب التهذيب\": ٥٢٢ (٦٥١٧).\n(١) في (ب): (وأذناها). وفي (ج): (وأذانها).\nولم أقف على قول ابن عباس بهذا اللفظ، وإنما الذي ورد عنه، قوله: (فإنهم [أي: الملائكة] أتوا محمدًا النبي - ﷺ - مسومين بالصوف، فسوَّم محمد وأصحابه أنفسهم وخيلهم على سيماهم بالصوف).\nأخرجه الطبري ٤/ ٨٣، وابن أبي حاتم ٣/ ٧٥٤، وانظر: \"النكت والعيون\" ١/ ٤٢٢.\n(٢) لم أقف على مصدر قوله هذا. والذي في \"تفسير الطبري\" ٤/ ٨٣ قوله: (كانوا يومئذ على خيل بُلْق) وكذا ورد في \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١١٢ ب.\n(٣) قوله في: \"مصنف ابن أبي شيبة\" ٧/ ٣٦١ رقم (٣٦٦٩٢)، و\"تفسير الطبري\" ٤/ ٨٣، و\"ابن أبي حاتم\" ٣/ ٧٥٥، و\"المستدرك\" ٣/ ٣٦١، و\"تفسير الثعلبي\" =","vol":"5","page":576},{"text":"وروي عن علي (١) وابن عباس (٢): كانت عليهم عمائمُ بِيضٌ، قد أرسلوها بين أكتافهم.\nقال المفسرون: فصبر المسلمون يوم بَدْرٍ، واتَّقوا اللهَ، فأَمَدَّهم (٣) الله\n_________\n= ٣/ ١١٢ب، و\"النكت والعيون\" ١/ ٤٢٢، و\"تفسير البغوي\" ٢/ ١٠١، و\"زاد المسير\" ١/ ٤٥٢، و\"تفسير ابن كثير\" ١/ ٤٣٢، وقال: (رواه ابن مردويه من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد الله بن الزبير).\nوهشام، هو: أبو المنذر، ابن عُرْوة بن الزبير بن العوام الأسدي. إمام ثقة حافظ حجة، مشهور بالورع والصلاح. توفي بغداد سنة (١٤٥هـ) أو (١٤٦هـ).\nانظر: \"الجرح والتعديل\" ٩/ ٦٣، و\"الميزان\" ٥/ ٤٢٦، ٤٢٧، و\"التهذيب\" ٤/ ٢٧٥، و\"شذرات الذهب\" ١/ ٢١٨.\n(١) قوله في \"سيرة ابن هشام\" ٢/ ٢٧٤ ولفظه عنده: (العمائم تيجان العرب، وكانت سيما الملائكة يوم بدر عمائم بيضاء، أرخوها على ظهورهم، إلا جبريل فإنه كانت عليه عمامة صفراء).\nوأخرج ابن أبي حاتم عنه قوله: (كان سيما الملائكة يوم بدر الصوف الأبيض)، وفي رواية أخرى عنده: (كان سيما الملائكة أهل بدر الصوف الأبيض، وكان سيما الملائكة -أيضًا- في نواصي الخيل). \"تفسيره\" ٢/ ٥٢٥.\nوورد في \"مصنف ابن أبي شيبة\" بنفس السند الذي عند ابن أبي حاتم، ولكن لفظه: (كان سيما أصحاب رسول الله - ﷺ - ..) وذكره\nوأورده الثعلبي في \"تفسيره\" ٣/ ١١٢ ب، بنفس لفظ المؤلف، حيث قال: (وقال علي ابن أبي طالب وابن عباس ..) وذكره، وكذا أورده البغوي في \"تفسيره\": ٢/ ١٠١، وأورده المتقي الهندي في \"كنز العمال\" ٢/ ٣٧٨ رقم (٤٢٩٩) بنفس لفظ ابن أبي حاتم، وزاد نسبته لابن المنذر.\n(٢) قوله في: \"سيرة ابن هشام\" ٢/ ٢٧٤، و\"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١١٢ ب، و\"تفسير البغوي\" ٢/ ١٠١، و\"تفسير ابن كثير\" ١/ ٤٣٢، وورد في \"الدر المنثور\" ٢/ ١٢٥، وزاد نسبة إخراجه للطبراني.\n(٣) في (ب): (فأيديهم).","vol":"5","page":577},{"text":"بخمسة آلافٍ من ملائكته (١) على ما [وَعَدَهم] (٢). قال الحسن (٣): فهؤلاء الخمسة آلاف رِدْءٌ (٤) للمؤمنين إلى يوم القيامة.\nوقال ابن عباس (٥)، ومجاهد (٦): لم تقاتل الملائكة إلا يوم بدر، وفيما سوى ذلك، يشهدون القتال ولا يُقاتِلُون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-629>١٢٦ </span>- قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى﴾ الكناية (٧) تعود على المَصْدَرِ؛ كأنه قال: وما جعل الله المَدَدَ والإمْدادَ إلّا بُشْرى. فَدَلَّ ﴿يُمْدِدْكُمْ﴾ على الإمداد، فَكَنَى عنه (٨)، كما قال: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: ١٢١]؛ معناه (٩): وإن أكلَهُ لَفِسْقٌ. فَدَلَّ ﴿تَأْكُلُوا﴾ على الأكل، فكنى عنه، والعرب تقول: (مَنْ صَدَقَ؛ كان خيرًا له، ومَن كَذَبَ؛ كان شرًا له). فدل الفعلان على المَصْدَرَيْنِ (١٠). هذا كلام\n_________\n(١) في (ج): الملائكة.\n(٢) ما بين المعقوفين في (أ)، (ب): (وهم). والمثبت من (ج). وممن قال بهذا: ابن عباس، وقتادة، والربيع. انظر: \"تفسير الطبري\" ٤/ ٧٧.\n(٣) لم أقف على مصدر قوله.\n(٤) الرِّدْءُ -هنا-: العَوْنُ. انظر: \"القاموس المحيط\" ٤١ (ردأ).\n(٥) قوله في \"المغازي\" ١/ ٧٩، و\"سيرة ابن هشام\" ٢/ ٢٧٤، \"تفسير الطبري\" ٤/ ٧٧، \"النكت والعيون\" ١/ ٤٢٢، و\"ابن كثير\" ١/ ٤٣٢، ونسب إخراجه إلى ابن مردويه.\n(٦) قوله في \"تفسيره\" ١٣٥، و\"تفسير الطبري\" ٤/ ٧٨.\n(٧) سبق بيان أن الكناية يُراد بها: الضمير.\n(٨) وقيل: الضمير يعود على النصر، وقيل: يعود على التسويم، وقيل: على التنزيل، وقيل: على العدد، وقيل: على الوعد.\nانظر: \"غرائب التفسير\" للكرماني ١/ ٢٦٨، و\"الدر المصون\" ٣/ ٣٨٩ - ٣٩٠.\n(٩) (معناه وان أكله لفسق): ساقط من (ج).\n(١٠) وهما الصدق والكذب.","vol":"5","page":578},{"text":"ابن الأنباري (١). وكذلك قال الزجاج (٢)؛ أي: وما جَعَلَ اللهُ ذِكْرَ المَدَدِ إلّا بُشْرَى (٣).\nوالبُشْرى: اسم من (الإبشار)، و(التبشير) (٤).\nومضى الكلام في معنى التبشير (٥)، وسيأتي الكلام في (بُشْرى) في سورة يوسف إن شاء الله (٦).\nوقوله تعالى: ﴿وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ﴾ فلا تجزع من كثرة العَدُوِّ (٧)، وقِلَّةِ عَدَدِكم. وإنما قال: ﴿وَلِتَطْمَئِنَّ﴾، ولم يقل: واطْمِئْنانًا، كما قال ﴿بُشْرَى﴾، لأن ذِكْر المَدَدِ سببٌ لاطمئنان القلوب، ولم يكن نفس الاطمئنان، وكان ذكر المَدَدِ نفس البُشْرَى.\nوقال صاحب النظم (٨): هذا على تأويل: وما جعله الله إلّا لِيُبَشِّركم (٩)، ولِتَطمئنَّ به قلوبُكم.\nومن أجاز إقحام الواو -وهو مذهب الكوفيِّين (١٠) - جعلها مقحمةً في\n_________\n(١) لم أقف على مصدر قوله.\n(٢) في \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٤٦٧.\n(٣) ومن قال بهذا: أبو الليث في \"بحر العلوم\" ١/ ٢٩٦، والنحاس في \"معاني القرآن\" ١/ ٤٧١، وابن الجوزي في \"الزاد\" ١/ ٤٥٤.\n(٤) انظر: \"القاموس المحيط\" ٧٤٤ (بشر).\n(٥) انظر: \"تفسير البسيط\" عند تفسير ﴿إِنَ اَللَّهَ يُبَشِرُكِ﴾ الآية: ٣٩.\n(٦) وردت لفظة (بشرى) في سورة يوسف: ١٩ ﴿قَالَ يَابُشرَى هَذَا غُلاَمٌ﴾.\n(٧) في (ج): (العدد).\n(٨) قد أورد قوله هذا بنصه السمينُ الحلبي في \"الدر المصون\" ٣/ ٣٨٩.\n(٩) في (ب): (إلا بشرى لكم).\n(١٠) سبق بيان مذهب الكوفيين والبصريين في موضوع زيادة الواو العاطفة. انظر: التعليق على تفسير قوله تعالى: ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ﴾ [الآية ٥٠ من سورة آل عمران].","vol":"5","page":579},{"text":"﴿وَلِتَطْمَئِنَّ﴾ فيكون التقدير: وما جعله الله إلا بُشْرَى لكم؛ لِتَطمئنَّ قلوبكم به.\nقال: وزعم بعضهم أنَّ الواو لإضمارٍ بعده، على تأويل: (ولتطمئن قلوبكم به، جَعَل ذلك). واحتج بقوله: ﴿وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا﴾ [فصلت: ١٢]، على تأويل: (وحفظًا لها، جَعَل ذلك). ومثله: قوله: ﴿وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾ [الأنفال: ٤٢]، على (١) تأويل: ليقضي اللهُ أمرًا كان مفعولًا، فَعَلَ ذلك.\nونحو هذا قوله: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (٧٥)﴾ (٢) [الأنعام: ٧٥].\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ قال المفسرون: أرادَ الله تعالى: أنْ لا يَرْكَن المؤمنون إلى الملائكة، وأَعْلَمَ أنهم وإنْ (٣) حضروا وقاتلوا، فما النصر إلا من عند الله؛ ليستعينوا به [و] (٤) يَتَوَكَّلوا عليه. والإمداد بالملائكة؛ بُشرَى لهم [وطُمَأنِينة] (٥) لقلوبهم (٦)؛ لما في البَشَرِ من الضَّعْف، فأما حقيقة النصرِ والاستعلاءِ في العرب، فهو من عند الله العزيز الحكيم (٧).\n_________\n(١) من قوله: (على ..) إلى (.. مفعولًا): ساقط من (ج).\n(٢) والتأويل هنا، على هذا الرأي: أي: وليكون من الموقنين أريناه انظر: \"الدر المصون\" ٥/ ٧.\n(٣) في (ج): (إن) بدون واو.\n(٤) ما بين المعقوفين زيادة من (ج).\n(٥) ما بين المعقوفين في (أ)، (ب): (بطمأنينة). والمثبت من (ج).\n(٦) في (ب): (قلوبهم) بدون اللام.\n(٧) انظر هذا المعنى في: \"تفسير الطبري\" ٤/ ٨٤","vol":"5","page":580},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-630>١٢٧ </span>- قوله تعالى: ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ اللّام تعود إلى قوله: ﴿وَلَقَد نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدرٍ﴾ (١).\n﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا﴾؛ أي: لِيُهلك طائفةً، ولِيَقْتُلَ قِطْعَةً. قال السُّدِّي (٢): معناه: لِيَهدِمَ رُكْنًا مِن أركان الشرك، بالقتل والأَسْرِ، فقُتِلَ من قادتهم وسادتهم يومَ بَدْرٍ، سبعون، وأُسِرَ سبعون (٣).\nوقال بعضهم (٤): المعنى: وما النصر إلا من عند الله، ليقطع طرفًا (٥). وقيل (٦): إنَّ هذا راجعٌ إلى [معنى قوله] (٧): ﴿وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ﴾،\n_________\n(١) انظر: \"تفسير الطبري\" ٤/ ٨٥، و\"الثعلبي\" ٣/ ١١٣ أ، و\"البغوي\" ٢/ ١٠١. وعزا السمين الحلبي هذا القول -كذلك- للحوفي. انظر: \"الدر المصون\" ٣/ ٣٩٠، واستبعده السمين؛ لطول الفصل بين اللام ومتعلقه.\n(٢) قوله هذا -بنصه- في: \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١١٣ أ، و\"تفسير البغوي\" ٢/ ١٠١.\n(٣) الذي وقفت عليه من قول السدي: أن المَعني بالآية: مَن قُتِل من الكفار يوم أحد، وهم ثمانية عشر رجلًا. وقد ورد قوله هذا في: \"تفسير الطبري\" ٤/ ٨٥، و\"النكت والعيون\" ١/ ٤٢٢، و\"زاد المسير\" ١/ ٤٥٤.\nوممن قال بأن المراد بها مَن قتل يوم بدر: قتادة، والربيع، والحسن، وابن إسحاق، والجمهور. انظر: \"تفسير الطبري\" ٤/ ٨٥، و\"زاد المسير\" ١/ ٤٥٤.\nأما ما ذكره المؤلف من عدد قتلى وأسرى المشركين في معركة بدر، فانظر: \"سيرة ابن هشام\" ٢/ ٣٦٢، و\"تاريخ الطبري\" ٢/ ٤٧٤.\n(٤) لم أقف على القائل.\n(٥) قال السمين: (وفيه نظر من حيث إنه قد فُصل بين المصدر ومُتَعَلَّقه بأجنبي، وهو: الخبر). \"الدر المصون\" ٣/ ٣٩٠.\n(٦) ممن قال بهذا: أبو الليث في \"بحر العلوم\" ١/ ٢٩٧.\n(٧) ما بين المعقوفين زيادة من (ج).\nوعلى هذا الوجه يكون قوله تعالى: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ جملة معترضة بين المعطوف والمعطوف عليه. =","vol":"5","page":581},{"text":"و﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا﴾، ولكنه ذُكِر بغير حرفِ العطف؛ لأنَّ الكلامَ إذا كان بعضُه ملتبسًا ببعضٍ، جاز حذفُ العاطف؛ كقوله: ﴿ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ [الكهف: ٢٢].\nوإنما قال: ﴿طَرَفًا﴾ ولم يقل: (وَسَطًا)؛ لأنه لا يُوصَلُ إلى الوَسَطِ الا بعد قطع الطَّرَفِ، وهذا القَطْعُ إنما هو بأيدي المؤمنين، وإنما يقطعون الطَّرَفَ الذي يليهم مَنَ الكافرين، وهذا يوافق قوله: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ﴾ [التوبة: ١٢٣]، وعلى هذا -أيضًا- قولُه: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ [الرعد: ٤١].\nوقوله تعالى: ﴿أَوْ يَكْبِتَهُمْ﴾ الكَبْتُ -في اللغة-: صَرْعُ الشيء على وجهه؛ يُقال: (كَبَتَهُ، فانْكَبَتَ) (١). هذا تفسيره، ثم قد (٢) يُذكرُ (٣) المرادُ به: الإخزَاءُ، والإهلاكُ، واللَّعْنُ، والهَزِيمَةُ، والغَيْظُ، والإذلالُ. وكلُّ هذا ذكره المفسرون في تفسير (الكَبْتِ) (٤).\n_________\n= وهناك أقوال أخرى في عود الللام في ﴿لِيَقْطَعَ﴾. انظر: \"تفسير ابن عطية\" ٣/ ٣١٣، و\"الدر المصون\" ٣/ ٣٩٠.\n(١) انظر: كتاب \"العين\" ٥/ ٣٤٢ (كبت)، و\"مجاز القرآن\" ١/ ١٠٣، و\"تهذيب اللغة\" ١٠/ ١٥٢ (كبت).\n(٢) (قد): ساقطة من (ب).\n(٣) (يُذْكَرُ): وردت في (أ)، (ج): (يذكرو). وفي (ب): (يذكروا). وما أثبتُّهُ هو ما استصوبته، لأن في (أ)، (ج) قد تكون الضمة التي على الواو كتبها الناسخ بحجم أكبر من حجمها الطبيعي، وتزحلقت قليلًا إلى ما بعد الرَّاء. أما الذي في نسخة (ب) فلا وجه له، لأن الفعل كُتِب فيها في حالة الجمع، وحذفت منه النون التي هي علامة رفعه، والصواب إثباتها، لأنه من الأفعال الخمسة.\n(٤) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١/ ٢٩٩، و\"سيرة ابن هشام\" ٣/ ٦١، و\"غريب القرآن\" لابن اليزيدي ٤٤، و\"تفسير غريب القرآن\" لابن قتيبة ١١٠، و\"تفسير الطبري\" ٤/ ٨٦، =","vol":"5","page":582},{"text":"وقوله تعالى: ﴿خَائِبِينَ﴾ الخَيْبَةُ: حِرْمانُ البُغْيَة (١)، ولا تكون إلّا بعد الأَمَلِ. واليَأْسُ قد يكون قبل الأَمَلِ، وقد يكون بعده. فنقيض اليَأْسِ: الرَّجَاءُ، ونقيض الخَيْبَةِ: الظَّفَرُ.\nوقد أنجز الله وَعْدَهُ يوم بَدْرٍ؛ بِقَطْع (٢) طَرَفٍ مِن الكفار بالقتال والأسر، وَرَدَّ الباقين منهزمين، خائبين مِمّا أَمَّلُوا مِن الظَّفَرِ، فتحقق نصرُه، وعَلَت كلمَتُهُ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-631>١٢٨ </span>- قوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ الآية.\nذَكَرَ النحويون -الفرّاء (٣)، والزّجاج (٤)، وغيرُهما (٥) - في هذه الآية قولين:\n_________\n= و\"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٤٦٧، و\"ابن أبي حاتم\" ٣/ ٧٥٦، و\"نزهة القلوب\" للسجستاني ٤٨٥، و\"بحر العلوم\" ١/ ٢٩٧، و\"زاد المسير\" ١/ ٤٥٤.\nقال ابن قتيبة: (لأن أهل النظر يَرَوْن أن التاء فيه منقلبة عن دال؛ كأن الأصل فيه: (يكبدُهُم)، أي: يصيبهم في أكبادهم بالحزن والغيظ وشدة العداوة. ومنه يقال: (فلان قد أحرق الحزنُ كبِدَهُ). و(أحرقت العداوة كبده). والعرب تقول للعدو: (أسود الكبد) ..) ثم أتبع قائلًا: (والتاء والدال متقاربتان المَخرَجَيْن. والعرب تدغم إحداهما في الأخرى، وتبدل إحداهما من الأخرى). \"تفسير غريب القرآن\" ١١٠. وانظر (كبت) في \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٠٨٨، \"اللسان\" ٦/ ٣٨٠٥، \"عمدة الحفاظ\" ٤٧٧.\n(١) انظر: \"تهذيب اللغة\" ١/ ٩٥٧ (خاب)، و\"معاني القرآن\" للنحاس ١/ ٤٧٢، و\"اللسان\" ٣/ ١٢٩٧ (خيب).\n(٢) في (ج): (فقطع).\n(٣) في \"معاني القرآن\" له ١/ ٢٣٤.\n(٤) في \"معاني القرآن\" له ١/ ٤٦٨.\n(٥) انظر: \"معاني القرآن\" للأخفش ١/ ٢١٥، و\"تفسير الطبري\" ٤/ ٨٦، و\"إيضاح الوقف والابتداء\" لابن الأنباري ٢/ ٥٨٣، و\"القطع والائتناف\" للنحاس ٢٣٣، و\"معاني القرآن\" له ١/ ٤٧٤. واستحسنه الثعلبي في \"تفسيره\" ٣/ ١١٥ ب.","vol":"5","page":583},{"text":"أحدهما: أنَّ قوله: ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ عَطْفٌ عَلَى قوله: ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ﴾، ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾، ويكون قولُه: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ اعتراضًا بين المعطوف والمعطوف عليه؛ كما تقول: (ضَرَبْتُ زيدًا -فاعْلَمْ ذلك- وعَمْرًا) (١). فعلى هذا القول: هذه الآية متصلة بما قبلها.\nالقول الثاني: وهو أنَّ الموافق لِمَا ذُكِرَ في تفسير هذه الآية: أنَّ معنى (أو) -ههنا- معنى (حتَّى) و(إلّا أنْ)؛ وذلك أنَّ أكثر المُفَسِّرِين -ابنَ عباس (٢)، والحسنَ (٣)، وقتادةَ (٤)، والربيع (٥) - قالوا: لَمّا كان من المشركين يوم أحد ما كان (٦)، مِنْ كَسْرِ رَبَاعِيّةِ (٧) النبي - ﷺ -، وشَجِّهِ حتَّى\n_________\n(١) وقد رجح الطبري هذا الرأي في \"تفسيره\" ٤/ ٨٦، وقال معلَّلًا: (لأنه لا شيء من أمرالخلق إلى أحد سوى خالقهم، قبل توبة الكفار وعقابهم، وبعد ذلك).\n(٢) لم أقف على مصدر قوله. وقد ذكره الماوردي في \"النكت\" (٤٢٣)، وابن الجوزي في \"الزاد\" ١/ ٤٥٦.\n(٣) قوله، في: \"تفسير الطبري\" ٤/ ٨٧، ٨٨، و\"النكت والعيون\" ٢/ ٤٢٣، و\"زاد المسير\" ٤٥٦.\n(٤) قوله في المصادر السابقة.\n(٥) قوله في المصادر السابقة.\n(٦) (ما كان): ساقطة من (ج).\n(٧) الرَّبَاعِيَّة: هي السن بين الثَّنِيَّة والناب. وجمعها: رباعيات. وهن أربع رباعيات: ثنتان من فوق، وثنتان من أسفل. انظر: كتاب \"خلق الإنسان\"، لابن أبي ثابت ١٦٦، و\"القاموس\" (٧١٩) (ربع).\nقال ابن حجر: (والمراد بكسر الرَّباعية .. أنها كسرت فذهب منها فلقة، ولم تقلع من أصلها). \"فتح الباري\" ٧/ ٣٦٦.\nوفي \"سيرة ابن هشام\" عن ابن إسحاق أن الذي فعل ذلك هو: عقبة بن أبي وقاص. =","vol":"5","page":584},{"text":"جَرَت الدِّماءُ على وجهه، قال: \"كيف يُفْلِحُ قومٌ خَضَبُوا وَجْهَ نَبِيِّهم، وهو يدعوهم إلى ربهم؟! \" (١)، فأنزل اللهُ هذه الآية، لِعِلْمِهِ أنَّ كثيرًا منهم سيؤمِنُونَ، فَكَفَّ عن ذلك (٢).\nوقوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ مختَصَرُ معناه: ليس لَكَ مِنَ الأمْرِ في عقابهم، أو (٣) استصلاحهم شيءٌ، حتى تقَعَ إنابَتُهم (٤) أو\n_________\n= حيث رمى النبي - ﷺ - فكسر رباعيته اليمنى السفلى، وجرح شفته العليا وشَجَّه في وجهه.\nويذكر ابن هشام، عن أبي سعيد الخدري، أن عبد الله بن شهاب الزهري شجَّه في وجهه، وأن ابن قَميئة جرح وجنته، فدخل حلقتان من حِلَق المِغْفَر في وجنته. انظر: \"سيرة ابن هشام\" ٣/ ٢٧، و\"تاريخ الطبري\" ٢/ ٥١٤.\n(١) الحديث -كذلك- ورد من رواية أنس، وقد أخرجته الكتب التالية بألفاظ مختلفة، بنحو الذي ذكره المؤلف. فقد أخرجه البخاري -معلقًا- ٥/ ٣٥. كتاب المغازي. باب (ليس لك من الأمر شيء)، وأخرجه مسلم في (١٧٩١) كتاب الجهاد. باب غزوة أحد، وأحمد ٣/ ٢٠٦، ٣/ ٩٩، ٢٥٣، ٢٨٨، والترمذي (٣٠٠٢ - ٣٠٠٣) كتاب التفسير. (سورة آل عمران) وقال: (حسن صحيح). وابن ماجه (٤٠٢٧) كتاب الفتن: باب الصبر على البلاء. والنسائي في \"تفسيره\" ١/ ٣٢٩، والبغوي في \"شرح السنة\" ١٣/ ٣٣٣ رقم (٣٧٤٨) وقال عنه: (صحيح)، وابن سعد في \"الطبقات\" ٢/ ٤٤، والطبري في \"تفسيره\" ٤/ ٨٧، وفي \"تاريخه\" ٢/ ٥١٥، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٣/ ٧٥٦، والنحاس في \"الناسخ والمنسوخ\" ١/ ٢١٣، والثعلبي في \"تفسيره\" ٣/ ١١٤ أ، والبغوي في \"تفسيره\" ٢/ ١٠٢، والمؤلف في \"أسباب النزول\" (١٢٤).\n(٢) وهناك أسباب أخرى لنزول هذه الآية ذكرها المفسرون. انظر: \"تفسير الطبري\" ٤/ ٨٦ - ٨٩، و\"ابن أبي حاتم\" ٣/ ٧٥٦ - ٧٥٨، و\"أسباب النزول\" للمؤلف ١٢٤ - ١٢٦، و\"لباب النقول\" ٥٧ - ٥٨، و\"الصحيح المسند من أسبالب النزول\" ٥٣ - ٥٦.\n(٣) في (ج): (و) بدلًا من: (أو).\n(٤) وهكذا وردت في \"تفسير الوسيط\" للمؤلف (تح: بالطيور): ٣٢٦. وورد في \"تفسير الوجيز\" له ١/ ١١٨ (إثابتهم).","vol":"5","page":585},{"text":"تعذيبهم. فيكون أمْرُكَ -حينئذٍ - تابعًا لأمْرِ اللهِ، بِرِضَاكَ بتدبيره\nقال الفرّاء (١): ومِثْلُ هذا مِن الكلام: (لأَذُمَّنَّكَ (٢) أو تُعْطِيَنِي)؛ على معنى: (إلّا أنْ تُعْطِيَني)، و(حتى تُعْطِيَنِي) (٣).\nوأنشد ابن الأنباري (٤) على هذا:\nفَقُلْتُ لَهُ لا تَبْكِ عيْنُكَ إنَّما ... نُحاوِلُ مُلْكًا أو نَمُوتَ فَنُعْذَرَا (٥)\nأراد: (حتَّى)، و(إلّا أنْ نموت) (٦).\n_________\n(١) في \"معاني القرآن\" له ١/ ٢٣٤. نقله بمعناه وانظر: \"معاني القرآن\" ٢/ ٧٠.\n(٢) في (أ)، (ب): (لا أذمنك). وهي خطأ. والمثبت من (ج).\n(٣) الذي في \"معاني القرآن\" -في هذا الموضع-: (وإن شئت جعلت نصبه على مذهب (حتى)؛ كما تقول: (لا أزال ملازمك أو تعطيني)، أو (إلا ان تعطيني حقي).\nوقال في موضع آخر ٢/ ٧٠: (والله لأضربَنك أوْ تُقِرَّ لي). فيكون معناه معنى (حتى) أو (إلا).\n(٤) في \"إيضاح الوقف والابتداء\" له ٢/ ٥٨٤.\n(٥) في (ج): (فنعذرا). والبيت لامرئ القيس، في \"ديوانه\" ٦٤. وقد سبق إيراده وبيان مصادره عند تفسير قوله تعالى: ﴿أَو يُحَاجُّوكُمْ﴾ [الآية: ٧٣ من سورة آل عمران].\n(٦) الذي في كتاب \"إيضاح الوقف والابتداء\"، قوله -بعد أن ذكر البيت-: (أراد: حتى نموت).\nوهناك قولان آخران في نصب ﴿يَتُوبَ﴾، وهما: -النصب بإضمار (أنْ) عطفًا على (الأمر)، والتقدير: (ليس لك من الأمر لك من الأمر شيء، أو من أن يتوب عليهم، أو يعذبهم)؛ أي: ليس لك من الأمر أو من توبته عليهم، أو من تعذيبهم شيء. وهو قول أبي حاتم، كما في \"تفسير الثعلبي\"- إنها معطوفة بالتأويل على ﴿شَئءٍ﴾ وتقديرها: ليس لك من الأمر شيءٌ، أو توبةُ الله عليهم، أو تعذيبهم؛ أي: ليس لك أيضًا توبتهم ولا تعذيبهم، إنما مرد ذلك إلى الحقِّ تعالى.\nانظر: كتاب \"إيضاح الوقف والابتداء\" ٢/ ٥٨٤، وكتاب \"القطع والائتناف\" ٢٣٣، و\"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١١٥ ب، و\"الدر المصون\" ٣/ ٣٩٣.","vol":"5","page":586},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-632>١٢٩ </span>- وقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ قال أهلُ المعاني (١): لَمَّا نَفَى [اللهُ] (٢) الأمرَ عَنْ نَبِيِّهِ - ﷺ -، ذَكَرَ أنَّ جميع الأمر له؛ كأنه قال: الأمر ليس لك منه شيءٌ، فمن شاء عَذَّبَهُ، ومَن شاءَ غَفَرَ له.\nوقوله تعالى: ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ ولم يقل: (مَنْ)؛ لأنه ذهب به مَذْهَب الجنس، فَدَخَلَ فيه الجميع (٣).\nوقوله تعالى: ﴿يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ قال ابنُ عَبَّاس، في رواية عطاء (٤): الذنْبَ العظيمَ للمُوَحِّدِينَ (٥).\n﴿وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ يريد: المشركين (٦)، على الذنب الصغير (٧).\n﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ﴾ لأوليائه، ﴿رَحِيمٌ﴾ بهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-633>١٣٠ </span>- قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ قال ابن عباس (٨)، وسعيد بن جبير (٩) هو أنهم كانو يزيدون على\n_________\n(١) لم أقف عليهم.\n(٢) ما بين المعقوفين: زيادة من (ب).\n(٣) قال البقاعي: (وعُبِّر بـ (ما)؛ لأن غير العاقل أكثر، وهي به أجدر). \"نظم الدرر\" ٥/ ٦١.\n(٤) لم أقف على مصدر هذه الرواية\n(٥) وقد أورد أبو الليث عن الضحاك مثل هذا القول: انظر: \"بحر العلوم\" ١/ ٢٩٧.\n(٦) في (ج): (للمشركين).\n(٧) في (ج): (الصغير). وفي \"تفسير ابن أبي حاتم\" عن ابن عباس من رواية علي بن أبي طلحة في قوله تعالى: ﴿وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ﴾ قال: (وأما أهل الشكِّ والرَّيْب فيخبرهم بما أخفوا من تكذيب) ٣/ ٧٥٨.\n(٨) لم أقف على مصدر قوله.\n(٩) قوله في \"تفسير ابن أبي حاتم\" ٣/ ٧٥٩، و\"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١١٥ ب، و\"زاد المسير\" ١/ ٤٥٨.","vol":"5","page":587},{"text":"المال، وُيؤَخِّرُونَ الأَجَلَ، كلَّما أخّر عن أَجَلٍ إلى غيره، زِيد زيادة.\nوانتصب ﴿أَضْعَافًا﴾ على الحال.\nوقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ قال عطاء (١): يريد: كي تسعدوا، وتبقوا في الجنة. وقال الزّجاج (٢): المُفْلِحُ: الذي أدرك ما أمَّلَ مِنَ الخير. وذكرنا معنى (الإفلاح) فيما تقدم (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-634>١٣١ </span>- قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُواْ النَّارَ﴾ الآية. قال أبو إسحاق (٤): أي: اتَّقُوا أن تُحِلُّوا ما حَرَّمَ اللهُ، فإنَّ مَنْ أَحَلَّ شيئًا مِمَّا حَرَّمَ اللهُ، فهو [كافرٌ] (٥) بإجماع.\nوهذا معنى قول ابن عبَّاس، قال (٦): يُهَدِّدُ المؤمنين إن استحلوا ما حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِم مِنَ الرِّبَا وغيره، مِمَّا أوجَبَ الله فيه النَّارَ؛ والتقدير: واتَّقُوا النَّارَ التي أُعِدَّت للكافرين، أن تستحلوا الرِّبا، فتستحقوها (٧).\nوفي الآية تَقْويَةٌ لِرَجاءِ المؤمنين، رحمةً من الله -تعالى-؛ لأنه قال: ﴿أُعِدَّت لِلكَافِرِينَ﴾. فَجَعلها مُعَدَّةً للكفار، دونَ أهلِ الإيمان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-635>١٣٢ </span>- قوله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اَللَّهَ وَاَلرَّسُولَ﴾ لَمَّا نَهَى عن أكل الرِّبَا، أمَرَ بطاعة الرسولِ فيما يأمرهم به، وينهاهم عنه، مِن أكلِ الرِّبَا وغيره.\n_________\n(١) لم أقف على مصدر قوله.\n(٢) في \"معاني القرآن\" له ١/ ٤٦٨. نقله عنه بنصه.\n(٣) انظر: \"تفسير البسيط\" عند تفسير قوله تعالى ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: ٥].\n(٤) في \"معاني القرآن\" له ١/ ٤٦٨. نقله عنه بنصه.\n(٥) ما بين المعقوفين زيادة من (ج) و\"معاني القرآن\".\n(٦) لم أقف على مصدر قوله. وقد ذكره ابن الجوزي في: \"زاد المسير\" ١/ ٤٥٩.\n(٧) في (ج): (فيستحقوها).","vol":"5","page":588},{"text":"وذُكِر عن محمد بن إسحاق بن يَسَار، أنَّه قال (١): [في] (٢) هذه الآية معاتَبة للذين عَصَوا رسولَ الله - ﷺ - حين أمرهم بما أمرهم به يوم أُحُد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-636>١٣٣ </span>- قوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ قُرِئ بالواو، وبغير الواو (٣). فَمَن (٤) قرأ بالواو؛ فلأنه عَطَفَ الجملة على الجملة، والمعطوف عليها قوله: ﴿وَأَطِيعوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾، ﴿وَسَارِعُوَاْ﴾.\nومَن تَرَكَ الواو؛ فلأن الجملة الثانيةَ مُلْتَبسَةٌ بالأولى (٥)، مستغنية بالتباسها عن عطفها بالواو (٦).\nوقد جاء الأمران في التنزيل، في قوله: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ [الكهف: ٢٢] الآية (٧)، وقوله -تعالى-: ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ\n_________\n(١) قوله، في: \"سيرة ابن هشام\" ٣/ ٦١ - ٦٢، و\"تفسير الطبري\" ٤/ ٩١، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" ٣/ ٧٦١.\n(٢) ما بين المعقوفين زيادة من (ج).\n(٣) قرأ نافع وابن عامر وأبو جعفر: ﴿سَارِعُوا﴾ بغير الواو. وهي في مصاحف المدينة والشام.\nوقرأ باقي القرّاء: ﴿وَسَارِعُوا﴾ بإثبات الواو. وعليه مصاحف مكة والعراق.\nانظر: \"القراءات\" للأزهري ١/ ١٢٦، و\"الحجة\" للفارسي ٣/ ٧٨، و\"المبسوط\" لابن مهران ١٤٧، و\"النشر\" ١/ ٢٤٢، و\"كتاب المصاحف\" للسجستاني (٣٨).\n(٤) من قوله: (فمن ..) إلى (.. فكذلك المكسورة تجلبها): نقله عن \"الحجة\"، للفارسي ٣/ ٧٨. نقل بعض العبارات بالنص، وبعضها تَصرَّف فيها.\n(٥) وذلك لأن الضمائر فيها وفي التي قبلها متحدة، وكذلك المأمورين غير مختلفين. انظر: \"الكشاف\" ١/ ٣٥٦.\n(٦) وهي كذلك مستأنفة. انظر: المرجع السابق، و\"التبيان\" ص ٢٠٨.\n(٧) وجه الدلالة فيها أن قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ يجوز فيه من الناحية النحوية دخول واو العطف على ﴿رَابِعُهُمْ﴾، وكذا دخولها على ﴿سَادِسُهُم﴾،=","vol":"5","page":589},{"text":"هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٣٩] (١).\nورُوِي عن الكِسائي الإمالة في (٢) ﴿وَسَارِعُواْ﴾ و﴿أُولَئِكَ يسُارِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٦١] و﴿نُسَارِعُ﴾ (٣) [المؤمنون: ٥٦]. وذلك مُستَحسَنٌ لِمَكان الرَّاءِ المكسورة؛ فكما تمنع المفتوحةُ الإمالةَ، فكذلك المكسورةُ تَجلِبُها (٤).\nوفي الكلام محذوف، والمعنى على: وسارعوا إلى مُوجِبِ (٥) مغفرة مِن رَبِّكم.\nواختلفوا في ذلك الذي إذا سارع إليه، فقد سارع إلى مغفرة: فقال عطاء عن ابن عباس (٦): يريد: لا تُصِرُّوا على الذنب. إذا أذنب أحدٌ فلْيُسْرع الرجوع، يغفر الله له.\nوقال ابن عباس -أيضًا- (٧): سارعوا إلى الإسلام. وروي عن\n_________\n= كما يجوز حذفها من ﴿وَثَامُنهُم﴾؛ لأن الضمير العائد يكفي عن الواو.\nانظر: \"إعراب مشكل القرآن\" ١/ ٤٣٩، و\"التبيان\" ص ٥٣٥.\n(١) قال أبو علي في \"الحجة\" ٣/ ٧٨ بعد أن أورد هذه الآية: (فهذا على قياس قراءة نافع وابن عامر). فقوله تعالى: ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ لم تحتج لعطف بالواو؛ لأنها حال من ﴿أَصْحَابُ﴾، فالجملة ملتبسة بما قبلها متحدة معها، فاستغنت عن العطف بالواو.\n(٢) (في): ساقطة من (ج).\n(٣) والإمالة -هنا- هي رواية أبي عمرو الدوري عن الكسائي. ورواية غيره عن الكسائي ترك الإمالة. انظر: \"السبعة\" (٢١٦)، و\"إتحاف فضلاء البشر\": ص ٣١٩.\n(٤) انظر: \"الإقناع\" لابن الباذش ١/ ٢٧١ - ٢٧٧، و\"النشر\" ٢/ ٥٤.\n(٥) في (ج): (لما موجب).\n(٦) لم أقف على مصدر قوله. وقال البغوي: (وروي عنه: إلى التوبة، وبه قال عكرمة). \"تفسيره\" ٢/ ١٠٤.\n(٧) قوله في: \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١١٦أ، و\"البغوي\" ٢/ ١٠٤، و\"زاد المسير\" ١/ ٤٦٠.","vol":"5","page":590},{"text":"علي - ﵁ -، أنه قال (١): إلى أداء الفرائض. وعن أنس بن مالك، قال (٢): هو التكبيرة الأولى (٣).\nوقوله تعالى: ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ أي: عرضها عَرْضُ السَّموات والأرض، فحذف المضاف، كقوله: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ (٤). يدل على هذا قوله في سورة الحديد: ﴿عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الحديد:٢٨].\nقال ابن عباس (٥): تُقرَنُ السَّمواتُ السبعُ والأرَضُونَ السَّبْعُ، كما يُقرن (٦) الثيابُ بعضها إلى بعض، فذلك عَرْضُ الجنَّةِ.\n_________\n(١) قوله في المصادر السابقة.\n(٢) قوله في المصادر السابقة، و\"معاني القرآن\" للنحاس ١/ ٤٧٦، و\"تفسير البغوي\" ٢/ ١٠٤.\n(٣) وهناك أقوال أخرى، منها:\n- وسارعوا بالأعمال الصالحة. وهو قول أبي سعيد الخدري، ومقاتل.\n- وسارعوا إلى أداء الطاعة. وهو قول الكلبي.\n- وسارعوا إلى الجهاد الأكبر. وهو قول الضحاك.\n- وسارعوا إلى الإخلاص. وهو قول عثمان ﵁. وقيل غير ذلك.\nانظر: \"تفسير مقاتل\" ١/ ٣٠١، و\"بحر العلوم\" ١/ ٢٩٨، و\"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١١٦ أ. ويلاحظ أن القول الأول وهو تفسيرها بالمسارعة بالأعمال الصالحة، أو تفسيرها بالمسارعة بالطاعة هو أعم الأقوال، وتدخل تحته كل الأعمال التي ذكرت في الأقوال الأخرى، حيث إنها مفردات للعمل الصالح، وطاعة الله تعالى، ومن أنواعه. فليس بينها تعارض، وإنما اختلاف تنوع.\n(٤) [سورة لقمان: ٢٨ وبقيتها ﴿وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾].\nوالتقدير: ولا بعثكم إلا كبعث نفس واحدة فحذف المضاف، وهو (بَعْث).\n(٥) قوله، في: \"تفسير الطبري\" ٤/ ٩١، و\"تفسير القرطبي\" ٤/ ٢٠٤.\n(٦) هكذا في (أ)، (ب): (يقرن). وفي (ج): غير منقوطة. وفي \"تفسير الطبري\": تُقرن.","vol":"5","page":591},{"text":"قال أهل المعاني (١): إنَّمَا خَصَّ العَرْضَ دون الطول، لأن طولَ كلِّ شيءٍ في الأغلب أكثر من عَرْضِه. يقول: هذه صفة عرضها، فكيف طولُها؟. كما قال الزُّهْري (٢): إنما وصف عرضها، فأما طولها فلا يعلمه إلَّا الله. وهكذا قوله: ﴿بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾ [الرحمن: ٥٤]، وصَفَ (٣) البِطَانَةَ وتَرَكَ الظِّهارَةَ؛ إذ مِنَ المعلوم (٤) أنها (٥) أحسن وأنفس من البطائن.\nوقال عطاء عن ابن عباس (٦) - في قوله: ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾، يريد: لِرَجُلٍ واحدٍ مِن أوليائه.\n[و] (٧) قال جماعة من أهل المعاني (٨): لم يُرِدْ العَرْضَ الذي هو ضِد الطُوْلِ، وإنما أراد بالعرض: السَّعَةَ. والعرب تقول: (بلاد عَرِيضةٌ)، أي:\n_________\n(١) انظر: \"بحر العلوم\" ١/ ٢٩٨، و\"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١١٦ب، و\"تفسير القرطبي\" ٤/ ٢٠٩، والعبارات التي ذكرها المؤلف متطابقة مع ما في \"تفسير الثعلبي\"، وهي من قوله: (إنما خص ..) إلى (.. من البطائن).\n(٢) هو: محمد بن مسلم بن عبد الله بن شهاب. تقدمت ترجمته.\n(٣) في (أ)، (ب): (وصفةُ). والمثبت من (ج)، و\"تفسير الثعلبي\" و\"تفسير القرطبي\".\n(٤) في (أ): (العلوم). والمثبت من (ب)، (ج).\n(٥) أنها: ساقطة من (ب).\n(٦) لم أقف على مصدر قوله.\n(٧) ما بين المعقوفين زيادة من (ج).\n(٨) قال ذلك ابن قتيبة في \"تفسير غريب القرآن\" ١١١. وقد نقله عنه المؤلف بتصرف مع اختصار قليل. وقد ورد بعض هذا القول في تفسير \"بحر العلوم\" ١/ ٢٩٨، نقله عن ابن قتيبة، وورد في: \"غريب الحديث\" للخطابي ١/ ٧٠٥، و\"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١١٦ ب.","vol":"5","page":592},{"text":"واسعة. (وفي الأرض العريضة مذهبٌ) (١) [و] (٢) قال:\nكأنَّ بِلادَ اللهِ وَهْيَ عَرِيضةٌ ... على الخائفِ المَطْلُوبِ كِفَّةُ حابِلِ (٣)\nوإنما يقال للشيءِ الواسع: (عَرِيض)؛ لأن الشيء إذا عَرُضَ اتَّسَعَ، وإذا لم يَعْرُضْ، ضاقَ وَرَقَّ.\nقالوا (٤): وتشبيه عرض الجنة بعرض السَّموات والأرض على التمثيل لا على التحقيق؛ معناه: عرضها كعَرْضِ السموات والأرض عند ظَنِّكم؛ لأنه لا شيء عندنا أعرض منها، فهو كقوله: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ (٥)؛ يعني: عند ظنكم؛ لأنَّهما لابد زائلتان. فَلمَّا كانَ قوله: ﴿مَا\n_________\n(١) في \"تفسير غريب القرآن\": ضبطها المحقق: (مذهبُ) بدون تنوين. وهذه العبارة أشبه لأن تكون مقطعًا من بيت شِعْرٍ، ولكني لم أقف عليه.\n(٢) ما بين المعقوفين زيادة من (ج).\n(٣) البيت لم أهتد إلى قائله، وقد ورد غير منسوب في: \"تفسير غريب القرآن\" ١١١، و\"الكامل\" للمبرد ٣/ ١٣١، و\"غريب الحديث\" للخطابي ١/ ٧٠٥، و\"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١١٦ب، و\"زاد المسير\" ١/ ٤٦٠، و\"تفسير القرطبي\" ٤/ ٢٠٥، و\"لسان العرب\" ٧/ ٣٩٠٤ (كفف)، و\"البحر المحيط\" ٣/ ٥٧.\nوقد ورد في \"الكامل\" و\"اللسان\": (كأن فجاج الأرض ..).\nوالكِفَّةُ -بكسر الكاف-: كل شيء مستدير، وهي هنا: حِبالة الصائد، لاستدارتها، أما إذا كانت مستطيلة فهي: (كُفَّة) -بضم الكاف-، وجمعها: (كِفَف)، و(كِفاف). والحابل: الصائد الذي ينصب الحِبَالة، وهي المصيَدة. انظر: \"الكامل\" ٣/ ١٣١، و\"اللسان\" ٧/ ٣٩٠٤ (كفف)، و\"القاموس\" ص ٩٨١ (حبل).\n(٤) ممن قال ذلك: الثعلبي في \"تفسيره\" ٣/ ١١٦ ب. ويبدو أن المؤلف نقل هذا القول عنه بتصرف.\n(٥) سورة هود: من آية ١٠٧، وآية: ١٠٨. وتمام الآيات ليتضح المعنى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (١٠٦) خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (١٠٧) وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾.","vol":"5","page":593},{"text":"دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَاَلأَرضُ﴾ عندنا -في عادة الاستعمال- من ألفاظ التأبيد، خُوطِبْنا على ما نَعْرِف (١)؛ كذلك في هذه الآية.\nوسُئِل أنسُ بن مالك عن الجَنَّة: أفي الأرض أم في السماء؟ فقال: وأيُ أرضٍ وسماءٍ تَسَعُ الجَنَّة؟! قيل: فأين هي؟ فقال: فوق السَّموات السَبْع، تحت العَرْش (٢) (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-637>١٣٤ </span>- قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ قال ابن عباس (٤): يعني: في اليُسْرِ والعُسْر. كأنه يريد: السَّرَّاء؛ بكثرة المال، والضَّراء، بِقِلَّتِهِ.\nوهذه الآية من صفة المُتَّقِين الذين أعِدت لهم الجَنَّة. وأول ما وصفهم الله تعالى به: الإنفاق في كل حال. وهو من أقسام السَّخَاء.\nوقوله تعالى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ يقال: (كَظَمَ غَيْظَه): إذا سكت\n_________\n(١) هذا القول هو ما ذهب إليه الطبري في \"تفسيره\" ١٢/ ١١٧. وهناك قول آخر، وهو: إن المراد: سموات الدار الآخرة، وأرضها، وهي دائمة بدوام الدار الآخرة؛ حيث إنه لابد لهم من أرض تقلهم وسماء تظلمهم. وقد ورد عن ابن عباس قوله: (لكل جنة أرضٌ وسماء) وروي نحوه عن السدي والحسن.\nانظر: \"المحرر الوجيز\" ٧/ ٤٠١، و\"تفسير النسفي\" ٢/ ١٧٣، و\"تفسير أبي السعود\" ٤/ ٢٤١، و\"تفسير ابن كثير\" ٢/ ٥٠٤، و\"فتح البيان\" ٤/ ٤٠٣، و\"منهج صديق حسن خان في تفسيره\" ٥٢٦ - ٥٢٧.\n(٢) أورد قوله هذا بنصه: الثعلبي في \"تفسيره\" ٣/ ١١٧ أ، والبغوي في \"تفسيره\" ٢/ ١٠٤. ولم أقف على مصدر آخر له.\n(٣) انظر حول مكان الجنة روايات أخرى بنفس ما روي عن أنس بن مالك في: حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح: ٦٥ - ٦٧.\n(٤) قوله في: \"تفسير الطبري\" ٤/ ٩٣، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" ٣/ ٧٦٢.","vol":"5","page":594},{"text":"عليه، ولم يُظْهِرْهُ بقول أو فِعْلٍ (١).\nقال المُبَرِّد (٢): تأويله: أنه كتمه على امتلائه منه. ويقال: (كظَمتُ [السِّقَاءَ): إذا ملأتُه] (٣)، وَشَدَدْتُ عليه. ويقال: ما يَكْظِمُ فلانُ على (جِرَّةٍ) (٤): إذا كان لا يحتمل شيئًا.\nقال أبو زيد (٥): وكل ما سددت (٦) من مجرى ماءٍ أو طريق؛ فهو (كَظْمٌ). ويُدعَى الذي تَسُدُّه (٧) به: (الكاظِمَة) و(السَّدَادَة).\nو(فلانٌ كَظِيْمٌ)، و(مَكْظُومٌ): إذا كان ممتلئا (٨) حُزْنًا، مُمْسِكًا عليه. وهما في التنزيل (٩).\n_________\n(١) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٤٦٩، و\"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣١٥١ (كظم)، و\"الزاهر\" ٢/ ٣٤٤.\n(٢) لم أقف على مصدر قوله.\n(٣) ما بين المعقوفين غير مقروء في (أ). والمثبت من (ب)، (ج).\n(٤) في (أ)، (ب)، (ج): (حره). وما أثبتُّ هو الصواب.\n(الجِرَّةُ): هي ما يخرجه البعير من كرشه، ويَجْترّه؛ أي: يردده في حلقه. انظر: (جر) في: \"تهذيب اللغة\": ١/ ٥٧٨، و\"اللسان\": ١/ ٥٩٤ (جرر).\nوقولهم: (ما يَكظِمُ فلانٌ على جِرَّةٍ)، مَثَلٌ يُضرَب لِمن لا يَكتِمُ سِرًا. ومثله: (ما يَخنُق فلان على جِرَّةٍ) كما في: النوادر لأبي زيد. وفي: \"اللسان\": (ما يَحْنَق ..). انظر: \"النوادر\" لأبي زيد ١٣٢، و\"جمهرة الأمثال\" للعسكري ٢/ ٢٣٤، و\"مجمع الأمثال\" للميداني ٣/ ٢٨٨، و\"اللسان\" ١/ ٥٩٤.\n(٥) لم أقف على مصدر قوله.\n(٦) في (أ)، (ب): (شددت). والمثبت من (ج)، ومن \"تفسير الفخر الرازي\" ٩/ ٧؛ حيث أورد هذا النص بتمامه.\n(٧) في (ج): (تشده).\n(٨) في (ج): (ممكا).\n(٩) ورد ذلك في قوله تعالى: ﴿وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾. يوسف: ٨٤. وقوله: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [النحل: ٥٨]، [الزخرف: ١٧]. وقوله: ﴿وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾ [القلم: ٤٨].","vol":"5","page":595},{"text":"ويقال للقناة (١) التي تجري في بطن الأرض: [كِظَامَة] (٢)؛ لامتلائها بالماء كامتلاء القِرْبَةِ المكظومة. ومنه الحديث: (كيف بك إذا بُعِجَتْ مَكَّةُ كظَائِمَ) (٣).\n_________\n(١) في (أ): (الفتاة). والمثبت من (ب)، (ج) وكتب اللغة.\n(٢) ما بين المعقوفين غير مقروء تماما في (أ). والمثبت من: (ب)، (ج)، وكتب اللغة.\n(٣) الأثر ورد في: \"غريب الحديث\" لأبي عبيد ١/ ٢٦٩ (ط. السلفية)، و\"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣١٥ (كظم)، و\"الفائق\" للزمخشري ٣/ ٢٦٣، و\"المجموع المغيث في غريبي القرآن والحديث\" ٣/ ٥٠، و\"غريب الحديث\" لابن الجوزي ٢/ ٢٩١، و\"النهاية في غريب الحديث\" ٤/ ١٧٨. ولم أقف عليه في غيرها من مصادر الحديث.\nوكل المراجع السابقة أوردته غير مسند وصرحت بأنه حديث، إلا في \"المجموع المغيث\" حيث قال: (ومنه قول عبد الله بن عمرو ..). وفي (الفائق)، للزمخشري، و\"غريب الحديث\"، لأبي عبيد أورداه من حديث عبد الله بن عُمَر ﵄. وفي \"المجموع المغيث\"، و\"النهاية\" عبد الله بن عَمْرو ﵄. ولكن أشار محقق \"غريب الحديث\" لأبي عبيد، إلى أنه في نسخة أخرى للكتاب، ورد: (ومنه حديث عبد الله بن عَمرو). ثم ذكرت هذه النسخةُ السندَ، وهو: (حدثنيه هشيم، عن يعلى بن عطاء، عن أبيه عن عبد الله بن عَمْرو، قال: ..).\nأقول: وهذا هو الصواب؛ لأن عطاء والد يَعْلى، وهو عطاء العامري الطائفي روى عن ابن عمرو بن العاص وروى عنه ابنه يعلى، كما في \"تهذيب التهذيب\" ٣/ ١١١. ونصه عند أبي عبيد: (إذا رأيت مكة قد بُعِجت كظائم، وساوى بناؤها رؤوس الجبال، فاعلم أن الأمر قد أظللك، فخذ حذرك). \"غريب الحديث\": ١/ ١٦٩، وانظر: المصادر السابقة التي أوردت الأثر.\nو(الكظائم)، جمع: كِظَامَة، وهي: آبارٌ تُحفَر، ويُباعَد ما بينها، ثم يُحفَر ما بين كل بئرين بقناة مِن تحت الأرض، توصِل الماءَ مِن الأولى إلى التي تليها، حتى يجتمع الماءُ في أخراهن.\nانظر: \"غريب الحديث\" لأبي عبيد ١/ ١٦٣، والمصادر السابقة التي أوردت الأثر.","vol":"5","page":596},{"text":"ومنه يقال: (أَخَذَ بكَظْمِهِ): إذا أخذ بمجرى نَفَسِهِ؛ لأنه موضع الامتلاء بالنَّفَسِ. و(كَظَمَ البعِيرُ والنَّاقَةُ، كُظُومًا): إذا أَمْسَكا على ما في جَوْفِهما ولم يَجْتَرَّا (١).\nقال الراعي:\nفَأَفَضْنَ (٢) بعد كُظُومِهِنَّ بِجِرَّةٍ ... مِن ذِي الأَبَاطِح إذْ رَعَيْنَ حَقِيلاَ (٣)\n_________\n(١) انظر المعاني السابقة و(كظم) في: \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣١٥١، و\"المقاييس\" ٥/ ١٨٤ - ١٨٥، و\"اللسان\" ٧/ ٣٨٨٦ وما بعدها.\n(٢) في (أ)، (ب)، (ج): (فأفرضن). والمثبت من مصادر البيت التالية.\n(٣) البيت في \"ديوانه\" ٢٢٤. وقد ورد منسوبًا له في: \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٤٦٩، و\"جمهرة أشعار العرب\" (٣٣٣)، و\"الزاهر\" ٢/ ٣٤٤، و\"مجالس العلماء\" ٣٩، ٨٠، و\"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣١٥١ (كظم)، و\"الفهرست\" ٨٦، و\"مقاييس اللغة\" ١/ ٢٢٦ (برق)، ٢/ ٨٨ (حقل)، ٤/ ٤٦٥ (فيض)، و\"المجمل\" ٢٤٥ (حقل)، و\"معجم ما استعجم\" ٢/ ٤٦٠، و\"أساس البلاغة\" ٢/ ٢٢٢ (فيض)، و\"المحرر الوجيز\" ٣/ ٣٢٦، و\"إنباه الرواة\" ٢/ ٣٢١، و\"معجم البلدان\" ٢/ ٢٧٩ (حقيل)، و\"تفسير القرطبي\" ٤/ ٢٠٦، و\"اللسان\" ٦/ ٣٥٠٠ وما بعدها (فيض)، و٢/ ٩٤٧ (حقل)، و٧/ ٣٨٨٦ وما بعدها (كظم).\nوورد غير منسوب في: \"جمهرة اللغة\" ٥٥٨، و\"الصحاح\" ٣/ ١١٠٠ (فيض). وقد ورد في كل المصادر السابقة: (من ذي الأبارق). وقال البكري: (ورواه أبو حاتم: (من ذي الأباطح)، قال: وهو واد في بني عامر). \"معجم ما استعجم\" ٢/ ٤٦٠. وورد في \"جمهرة أشعار العرب\": (أو رَعَيْن ..).\nومعنى البيت: أي: دفعن بالجِرَّةِ من كروشهن، فاجتررنها بعد أن كُنَّ كُظُومًا لا يجتررن.\nو(ذي الأبارق) -على الرواية الأخرى-: موضع. أي: أن هذه الجِرَّة التي اجتررنها أصلها مما رعينه من هذه الموضع.\nو(حقيل): موضع. وقيل: نبت. وقيل: جبل في (ذي الأبارق).\nانظر: \"الزاهر\" ٢/ ٣٤٤، و\"اللسان\" ٢/ ٩٤٧ (حقل)، ٧/ ٣٨٨٦ (كظم)، و\"معجم البلدان\" ٢/ ٢٧٩ (حقيل).","vol":"5","page":597},{"text":"وإنَّما تفعل ذلك الإِبِلُ مِنَ الفَزَع أو الجهد. قال الأعشى (١) -ووصف رجلًا نَحَّارًا للإبل، وهي (٢) تفزع منه-:\nقَد تَكْظِمُ البُزْلُ مِنه حين تُبْصِرهُ ... حتَّى تَقَطَّعَ في أجوافها الجِرَرُ (٣)\nومعنى ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾: الكافِّينَ غَضَبَهم (٤) عن إمضائه، يَردُّون غيظهم في أجوافهم، ويصبرون فلا يُظِهرون (٥). وهذا الوصف من أقسام\n_________\n(١) هو أعشى باهلة (عامر بن الحرث)، وليس الأعشى الكبير (ميمون بن قيس).\n(٢) في (ج): (فهي).\n(٣) البيت ورد منسوبًا له في: \"الأصمعيات\" ٨٩، و\"الكامل\" للمبرد ٤/ ٦٥، و\"جمهرة أشعار العرب\" (٢٥٥)، و\"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١١٨ أ، و\"تفسير القرطبي\" ٤/ ٢٠٦، و\"خزانة الأدب\" ١/ ١٩٤. وقد اختلفت روايات البيت، فقد ورد في بعض المصادر:\n(وتفزع الشَّوْلُ منه حين تبصره ... حتى تقطع في أعناقها الجرر).\nوورد: (وتفزع الشول منه حين يفجؤها)، وورد: (قد تكظم البَرْك منها حين يفجؤها).\nوالبيت من قصيدة يرثي بها أخاه المنتشِر بن وهب الباهلي. انظر خَبَرَة في: \"الكامل\": ٤/ ٦٤ - ٦٥.\nو(البُزْل): جمع: بازِل. وهو -من الإبل-: الداخل في السنة التاسعة، وفطر نابه. وتُجمَع -كذلك- على: (بُزَّل)، و(بوازل). ومعناه: أن الإبل قد تعودت على أن يَعقِرَ منها، فإذا رأته كظمت على جِرَّتها فزعا منه.\nو(البَرْك): -على الرواية الأخرى-: جمع بارك. و(الشَوْل): جمع: شائلة، وهي -من الإبل-: ما أتى عليها من حملها أو وضعها سبعة أشهر، فجف لبنها. انظر: \"المصباح المنير\" ١٩ (بزل)، و\"القاموس\" (١٠٢١) (شول).\n(٤) في (ب)، (ج): (غضبهم).\n(٥) قال ابن عطية: (و(الغيظ) أصل الغضب، وكثيرًا ما يتلازمان، ولذلك فسر بعض الناس (الغيظ) بـ (الغضب)، وليس تحرير الأمر كذلك، بل الغيظ فعل النفس، لا يظهر على الجوارح، والغضب حال بها معه ظهور في الجوارح، وفعل ما ولا بد). \"المحرر الوجيز\" ٣/ ٣٢٧، وانظر: \"تفسير القرطبي\" ٤/ ٢٠٧، و\"البحر المحيط\" ٣/ ٥٨.","vol":"5","page":598},{"text":"الصبر والحِلْم (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ قال ابن عباس (٢): يريد: المَمَالِيك؛ إذا أذنب واحد منهم ذنبًا، عفوت عنه؛ لما يرجو من ثواب الله.\nوقال زيد بن أسلم (٣)، ومقاتل (٤): أي: عمَّن ظَلَمَهم وأساء إليهم.\nوقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ قال ابن عباس (٥): يريد: المُوَحِّدِين، الذين هذه الخِصَال فيهم.\nقال الثَّوْرِي في هذه الآية (٦): الإحسان: أن تُحْسِن إلى مَن أساء\n_________\n(١) قال الإمام ابن حِبَّان البُسْتي: (الحِلْم: اسم يقع على زَمِّ النفس عن الخروج - عند الورود عليها ضد ما تحب- إلى ما نُهِي عنه). \"روضة العقلاء\" ٢٥٢.\n(٢) لم أقف على مصدر قوله. وقد ورد في \"تنوير المقباس\" ٥٦، و\"زاد المسير\" ١/ ٤٦١. وبهذا قال: الربيع، والكلبي، ومكحول، وأبي العالية.\nانظر: \"تفسير ابن أبي حاتم\" ٣/ ٧٦٣، و\"بحر العلوم\" ١/ ٢٩٩، و\"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١١٨ ب، و\"زاد المسير\" ١/ ٤٦١.\nوقد ورد عن ابن عباس حول هذه الآية قوله: ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ كقوله: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ﴾ إلى ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [النور: ٢٢]، يقول: لا تقسموا على أن لا تعطوهم من النفقة شيئًا واعفوا واصفحوا). \"تفسير الطبري\" ٤/ ٩٤، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" ٣/ ٧٦٣.\n(٣) قوله في \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١١٨ ب، و\"البغوي\" ٢/ ١٠٥، و\"زاد المسير\" ١/ ٤٦١.\n(٤) (ومقاتل): ساقطة من (ج). ولم أقف على مصدر قوله. وقد ورد في: \"زاد المسير\" ١/ ٤٦١، و\"تفسير البغوي\" ٢/ ١٠٥.\n(٥) لم أقف على مصدر قوله.\n(٦) قوله في \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١١٩ أ.\nوالثوري، هو: أبو عبد الله، سفيان بن سعيد بن مسروق. أمير المؤمنين في الحديث، ولد في الكوفة سنة (٩٧ هـ)، ونشأ بها، مشهور بالورع والعلم، مُجْمَع على إمامته، مات بالبصرة سنة (١٦١ هـ). انظر: \"تاريخ بغداد\" ٩/ ١٥١، و\"وفيات الأعيان\" ٢/ ٣٨٦، و\"تهذيب التهذيب\" ٢/ ٥٦.","vol":"5","page":599},{"text":"إليك؛ فإنَّ الإحسانَ إلى المُحسِنِ مُتَاجَرَةٌ (١)، كَنَقْدِ السُّوقِ: خذْ مِنِّي وهات (٢).\nوصدَقَ؛ فإنَّ الله -تعالى- عقَّبَ وَصْفَ هؤلاء بالكَظْمِ والعَفْوِ، بِحُبِّهِ المحسنين. وفي ذلك دليل على أن هؤلاء محسنون، والأوصاف التى وُصِفوا بها، كلُّها إحسانٌ إلى مَن أساء إليهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-638>١٣٥ </span>- قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً﴾ الآية. الظاهر أنَّ هذا عطفٌ على ﴿المُتَّقِينَ﴾ (٣). فيكون موضع (الذين): جَرًّا (٤). ويُحتمل أنْ يكون موضِعُه: رفْعًا على الاستئناف؛ بعطف جملة على جملة. وهو قول أكثر المفسرين.\nقال ابن عباس -في رواية عطاء- (٥): نزلت الآيةُ في نَبْهان التَّمَّار؛ أتته امرأة حسناء، تَبْتَاعُ منه تَمْرًا، فَضمَّها إلى نَفْسِه وقَبَّلَها، ثم ندمَ على\n_________\n(١) في (أ)، (ب): (متأخره). وفي (ج): (مناحرة). والمثبت من:\"تفسير الثعلبي\".\n(٢) يعني ﵀: أن الإحسان إلى من أحسن إليك لا يُسَمَّى إحسانًا، بل يُعَد من قبيل المكافأة؛ لأنَّ ذلك بمثابة أن تعطي من سبق له أن أعطاك؛ وترد الفضلَ له؛ لما سبق أن أولاك من فضل. ويسميه الثوري -هنا- متاجرة، لأنه كالمقايضة، والأخذ والعطاء.\nقال ابن حِبان: وما الفضل إلا للمحسن إلى المسيء، فأما من أحسن إلى المحسن وحلُمَ عمن لم يؤذه؛ فليس ذلك بحِلْم ولا إحسان. \"روضة العقلاء\" ص ٢٥٤.\n(٣) في (ج): (المنفقين).\n(٤) الجَرُّ؛ على النعت لـ ﴿المُتَّقِينَ﴾ في الآية: ١٣٣، أو البدل منه أو البيان.\n(٥) هذه الرواية في: \"بحر العلوم\" ١/ ٣٠٠، ولم يعزها إلى ابن عباس. وأوردها الثعلبي في: \"تفسيره\" ٣/ ١١٩ ب قائلًا: (قال عطاء: نزلت هذه الآية في نبهان التَّمَّار، وكنيته: أبو مقبل). وأوردها المؤلف في \"أسباب النزول\" ص ١٢٧، وابن الجوزي في \"الزاد\" ١/ ٤٦١.","vol":"5","page":600},{"text":"ذلك، فأتى النبي - ﷺ -، وذَكَر له ذلك، فنزلت هذه الآية (١).\n_________\n(١) قال ابن حجر: ذكر مقاتل بن سليمان في تفسيره عن الضحاك عن ابن عباس، في قوله: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً﴾. الآية، قال: هو نبهان التمار، أتته امرأة حسناء ..) ثم ذكر نحو ما ذكر المؤلف، وأضاف ابن حجر: إن المرأة قالت له: (والله ما حفظت غيبة أخيك، ولا نلت حاجتك، فسقط في يده، فذهب إلى النبي - ﷺ - فأعلمه، فقال له: إيَّاك أن تكون امرأة غاز! فذهب يبكي ثلاثة أيام يصوم النهار ويقوم الليل، فأنزل الله في اليوم الرابع هذه الآية، فأرسل إليه فأخبره، فحمد الله وأثنى عليه وشكره، وقال: يا رسول الله هذه توبتي، فكيف بأن يقبل شكري؟ فأنزل الله ﷿: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤]، ثم قال ابن حجر بعده:\n(وهكذا أخرجه عبد الغني بن سعيد الثقفي في: تفسيره، عن موسى بن عبد الرحمن، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس مطوَّلًا. ومقاتل متروك، والضحاك، لم يسمع من ابن عباس، وعبد الغني وموسى هالكان. وأورد هذه القصة: الثعلبي، والمهدوي، ومكي، والماوردي، في تفاسيرهم بغير سند). \"الإصابة\": ٣/ ٥٥٠. وهذه القصة لم يذكرها مقاتل في تفسيره المطبوع، ولا الماوردي في \"النكت والعيون\" خلاف ما ذَكَرَه ابنُ حجر.\nوهناك سبب آخر ذكره العلماء لهذه الآية، وهو: أن رجلين؛ أنصاريا وثَقَفِيًّا، آخى بينهما رسول الله - ﷺ -، فكانا لا يفترقان، فخرج الثقفي مع رسول الله - ﷺ -، في إحدى غزواته، وخلَّفَ الأنصاريَّ على أهلِهِ، وحاجته، فكان يتعاهد أهل الثقفي، فرأى يومًا امرأة أخيه الثقفي بارزة، فوقعت في نفسه، فراودها عن نفسها فأبت، وسترت وجهها منه بكفِّها، فقَبَّلَ كفَّها، ثم خرج بعدها، سائحا في الجبال، نادِمًا خائِفًا من ذنبه، إلى أن أتاه أخوه الثقفي فأخذ بيده إلى رسول الله - ﷺ -، بعد أن علم بحاله، فأنزل الله هذه الآية.\nوقد ذكر هذا السبب -مع اختلاف في التفاصيل-: مقاتل في \"تفسيره\" ١/ ٣٠١، والثعلبي في \"تفسيره\" ٣/ ١١٩ ب، وعزاها للكلبي عن ابن عباس، وابن الجوزي في \"الزاد\" ١/ ٤٦٢ وقال: (رواه أبو صالح عن ابن عباس).","vol":"5","page":601},{"text":"وقال ابنُ مسعود (١): قال المؤمنون للنبي - ﷺ -: كانت بنو إسرائيلَ أكرَمَ على اللهِ مِنَّا؛ كان أحدُهم إذا أذنب ذَنْبًا، أصبحت كفَّارةُ ذَنْبِهِ مكتوبةً (٢) في عَتَبَةِ بابِهِ (٣): (اجْدَعْ أنفَكَ)، (افعل كذا)! فأنزل اللهُ هذه الآيةَ، وبَيَّنَ أنَّهم أكرم على اللهِ منهم؛ حيث جعل كفّارةَ ذنوبهم الاستغفار.\nوقوله تعالى: ﴿فَعَلُواْ فَاحِشَةً﴾ يعني: الزِّنَا -ههنا- (٤). وهي-في اللغة-: كلُّ قَبِيحةٍ خارِجَةٍ عَمَّا أذِنَ اللهُ فيه (٥). وذكرنا معنى (الفُحْش) و(الفحشاء) فيما تقدم.\nوالفاحشة -ههنا- نعتُ محذوفٍ؛ التقدير: فعلوا فِعْلَةً فاحشةً (٦).\nوقوله تعالى: ﴿أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ قال ابنُ عباس (٧)، ومقاتل (٨)،\n_________\n(١) قوله في \"تفسير الطبري\" ٤/ ٩٦، و\"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١١٩ أ، و\"النكت والعيون\" ١/ ٤٢٤. وسياق المؤلف للخبر قريب جدًا من سياق الثعلبي له.\nإلا أن لفظ الأثر هنا أقرب إلى لفظ الأثر الوارد عن عطاء بن أبي رباح، الذي أخرجه الطبري في: \"تفسيره\" ٤/ ٩٦، والمؤلِّف في: \"أسباب النزول\" ص ١٢٨، وابن الجوزي في \"الزاد\" ١/ ٤٦٢.\n(٢) (مكتوبة): ساقطة من (ج).\n(٣) في (أ)، (ب): (بأنَّه). وهي تصحيف. والمثبت من: (ج)، ومصادر الخبر.\n(٤) وممن قال ذلك: جابر بن زيد، والسدي، ومقاتل بن حيان. انظر: \"تفسير الطبري\" ٤/ ٩٥ - ٩٦، و\"ابن أبي حاتم\" (٧٦٤)، و\"زاد المسير\" ١/ ٤٦٢.\n(٥) انظر: \"تفسير الطبري\" ٤/ ٩٥، و\"المقاييس\" ٤/ ٤٧٨ (فحش).\n(٦) انظر: \"تفسير الطبري\" ٤/ ٩٥، و\"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١٢٠ أ.\n(٧) لم أقف على مصدر قوله. وقد ورد في \"تنوير المقباس\" ٥٦.\n(٨) قول مقاتل بن سليمان في: \"تفسيره\" ٣٠٢، و\"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١٢٠ أ، وورد عن مقاتل بن حيان: (أصابوا ذنوبًا). \"تفسير ابن أبي حاتم\" ٣/ ٧٦٤.","vol":"5","page":602},{"text":"والكلبي (١): هو ما دون الزِّنَا، مِن قُبْلَةٍ أو لَمْسَةٍ، أو نَظَرٍ فيما [لا يَحِلُّ؛ مثل الذي (٢) فَعَلَ نَبْهانُ التَّمَّار.\nوقوله تعالى: ﴿ذَكَرُوا اللَّهَ﴾ فيه وجهان: أحدهما: أن المعنى: ذكروا وعيد الله. فيكون من باب حَذْفِ المضاف.\nوالذِّكْرُ -ههنا- يكون: هو الذي ضد النسيان. وهذا معنى قول: الضحاك، ومقاتل، والواقدي. فإن الضَّخَاكَ قال (٣): ذكروا العَرْضَ الأكبر على الله. ومقاتل والواقدي قالا (٤): تَفكَّرُوا أنَّ اللهَ سائِلُهُم عنه.\nالوجه الثاني: ذكروا الله بأن قالوا: اللهُمَّ اغفر ذنوبنا، فإنَّا تُبْنا إليك، ونَدِمْنا. وهذا معنى قولِ مُقاتل بن حَيَّان (٥). والذكْر -ههنا- ليس الأول\nوقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ قال الفَرَّاءُ (٦) هذا محمولٌ على المعنى؛ تأويله: ما يَغْفِرُ الذنوبَ أحَدٌ إلّا اللهُ؛ فلذلك رفعت\n_________\n(١) قوله في \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١٢٠ أ.\n(٢) ما بين المعقوفين غير مقروء في (أ). والمثبت من (ب)، (ج).\n(٣) قوله في \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١٢٥ أ، و\"زاد المسير\" ١/ ٤٦٣، و\"القرطبي\" ٤/ ٢١٠.\n(٤) قوله مقاتل في: \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١٢٥ أ، و\"تفسير القرطبي\" ٤/ ٢١٠. وقول الواقدي في: \"تفسير ابن أبي حاتم\" ٣/ ٧٦٤، و\"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١٢٠ أ، و\"زاد المسير\" ١/ ٤٦٣، و\"تفسير القرطبي\" ٤/ ٢١٠.\n(٥) قوله في \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١٢٠ أ، و\"تفسير البغوي\" ٢/ ١٠٧.\nوفي \"تفسير ابن أبي حاتم\" ٣/ ٧٦٤ عن مقاتل بن حيان: (ذكروا الله عن تلك الذنوب الفاحشة). وليس فيه بيان نوع الذكر هنا. وفي \"تفسير القرطبي\" ٤/ ٢١٠ ذكره عن مقاتل، ولم يبِّن أيَّ المُقاتِلَيْن، ابن سليمان أو ابن حيَّان.\n(٦) في \"معاني القرآن\" له ١/ ٢٣٤. نقله عنه بمعناه. وانظر: \"معاني القرآن\"، للزجاج ١/ ٤٦٩، و\"تفسير الطبري\" ٤/ ٩٧.","vol":"5","page":603},{"text":"ما بعد (إلّا) (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا﴾ يقال: (أصَرَّ (٢) على الشيء): [إذا قام عليه] (٣)، ودام. ومِن هذا يقال للعَزِيمَةِ (٤) التي لا تُنْقَضُ: (صِرِّي) (٥).\nقال المفسرون (٦): معناه: لم يُقِيموا، ولَمْ يَدُومُوا، [بل تابوا، وأَقَرُّوا] (٧)، واستغفروا. والذي يُؤَكِّد هذا القول (٨):\n_________\n(١) ونص قول الفراء -ليتضح المعنى-: (يقال ما قبل (إلّا) معرفة، وإنما يُرفَع ما بعد (إلّا) باتْباعِهِ ما قَبْلَهُ، إذا كان نكرة، ومعه جحد؛ كقولك: (ما عندي أحدٌ إلّا أبوك)، فإن معنى قوله: ﴿وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾: ما يغفر الذنوب أحدٌ إلّا اللهُ، فجعل على المعنى).\nوقال أبو حيان عن رفع اسم الجلالة: (فهو على البدل مِن ﴿مَنْ﴾، أو مِن الضمير الفاعل في ﴿يَغْفِرُ﴾ العائد عليها، وجاز هذا؛ لأن في الكلام معنى نفي، وتقديره: لا يغفر أحدٌ الذنوبَ إلا اللهُ). \"تذكرة النحاة\": ٢٩٦.\n(٢) في (ب): (صر).\n(٣) ما بين المعقوفين غير مقروء في (أ). والمثبت من (ب)، (ج).\n(٤) في (ج): (العزيمة).\n(٥) يقال: (هذا منِّي صِرِّي، وأصِرِّي، وصِرَّى، وأصِرَّى، وصُرِّي، وصُرَّى): أي: عزيمةٌ وجِدٌّ و(إنها مني لأصِرِّي)؛ أي: لحقيقة.\nوهي مشتقة من: (أصررت على الشيء): إذا أقمت ودمت عليه. انظر: (صرر)\nفي: \"إصلاح المنطق\" ٣١٩، و\"تهذيب اللغة\" ٢/ ٢٠٠٣، و\"المجمل\" ٥٣٢، و\"مفردات ألفاظ القرآن\" ٤٨٢، و\"الفرق بين الحروف الخمسة\" ٣٨٦.\n(٦) ممن قال ذلك: مجاهد، وقتادة، وابن إسحاق، ومقاتل، والزجاج، والطبري، وأبو الليث. انظر: \"تفسير مجاهد\" ١٣٦، و\"تفسير مقاتل\" ١/ ٣٠٢، و\"الجزء الذي فيه تفسير القرآن\" ٧٨، و\"تفسير الطبري\" ٤/ ٩٧ - ٩٨، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" ٣/ ٧٦٦، و\"معاني القرآن\" للزجاج / ٤٦٩، و\"بحر العلوم\" ١/ ٣٠٠.\n(٧) ما بين المعقوفين غير مقروء في (أ). وفي (ب): (تابوا وأنابوا). والمثبت من (ج).\n(٨) حيث إن هناك أقوال أخرى منها:\nلم يواقعوا الذنب إذا همُّوا به. قاله الحسن، ونُسب لمجاهد، وليس هو في تفسيره.\n- وقيل: السكوت على المعصية، وترك الاستغفار منها. قاله السدي، وعطاء الخراساني.\nانظر: \"الجزء الذي فيه تفسير القرآن\" ١٠٢، و\"تفسير الطبري\" ٤/ ٩٧، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" ٣/ ٧٦٦، و\"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١٢٠ب، و\"النكت والعيون\" ١/ ٤٢٤.","vol":"5","page":604},{"text":"أنه تعقب (١) قوله: ﴿ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ فوَصَفَ الذَّاكرَ بأنه غير مُصِرٍّ (٢). ورُوِيَ عن [النبي] (٣) - ﷺ - أنه قال: \"ما أصَرَّ مَن استَغْفَرَ، وإنْ عادَ في اليوم سبعينَ مَرَّةً\" (٤).\n_________\n(١) في (ج): (يعقب).\n(٢) انظر توجيه هذا الترجيح في: \"تفسير الطبري\" ٤/ ٩٨.\n(٣) ما بين المعقوفين غير مقروء في (أ). والمثبت من (ج).\n(٤) الحديث من رواية أبي بكر الصدِّيق (أخرجه: أبو داود في \"السنن\" رقم (١٥١٤). كتاب الصلاة. باب في الاستغفار، والترمذي في \"السنن\" رقم (٣٥٥٩). كتاب الدعوات. باب: ١٠٧. وقال: (هذا حديث غريب، إنما نعرفه من حديث أبي نُصَيْرة، ليس إسناده بالقوي).\nوأخرجه أبو بكر المروزي في \"مسند أبي بكر\" ١٨٦ رقم (١٢١)، (١٢٢)، والشهاب القضاعي في \"مسنده\" ٢/ ١٣رقم (٧٨٨)، والطبري في \"تفسيره\" ٤/ ٩٨، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٣/ ٧٦٦. والبيهقي في \"السنن\" ١٠/ ١٨٨، والبغوي في \"شرح السنة\" ٥/ ٨٠ (١٢٩٧)، وفي \"تفسيره\" ٢/ ١٠٧.\nوأورده الغزالي في \"الإحياء\" ١/ ٣١٢. وذكر الحافظ العراقي في \"تخريج الإحياء\" نَفْسَ قول الترمذي السابق في الحديث، مما يدل على موافقة الحافظ العراقي للترمذي في تضعيف الحديث.\nوأورده التبريزي في \"مشكاة المصابيح\" ٢/ ٧٢٣ رقم (٢٣٤٠)، وابن كثير في \"تفسيره\" ١/ ٤٣٩ وزاد نسبة إخراجه إلى أبي يعلى، والبزار.\nوأورده السيوطي في \"الدر\" ٢/ ١٣٩ وزاد نسبة إخراجه إلى عبد بن حميد، والبيهقي في \"الشعب\". وأورده في: \"الجامع الكبير\" ١٥/ ١٩٦٣ رقم (١١١٧)\nوزاد نسبة إخراجه إلى ابن السني في \"عمل اليوم والليلة\" وأورده في: \"الجامع الصغير\" (انظر: \"فيض القدير\" ٥/ ٥٣٨) ورمز له بالضعف، وكذا ضعفه الألباني في ضعيف \"الجامع الصغير\" ٥/ ٨٢ (٥٠٠٤).\nوفي سند الحديث: (.. عثمان بن واقد، عن أبي نصيره، عن مولى لأبي بكر عن أبي بكر ..).\nقال الغَماري: (وقال البزَّار: لا نحفظه إلا من حديث أبي بكر بهذا الطريق، وأبي نصيرة وشيخه لا يعرفان. انتهى. قلت: أما أبو نصيرة، فمعروف، اسمه: مسلم بن عبيد. قال أبو طالب عن أحمد: ثقة وقال ابن مَعِين: صالح. وذكره ابن حِبَّان في: الثقات، وقال: الأزدي: ضعيف. ومولى أبي بكر، اسمه: أبو رجاء، ولم اقف فيه على جرح ولا تعديل، إلا قول البزار المتقدم: إنه مجهول. وقد قال الزيلعي: إن جهالته لا تضر، إذ يكفيه نسبته إلى الصديق. وعثمان بن واقد، وثقه ابن معين ..). \"فتح الوهاب بتخريج أحاديث الشهاب\" ٢/ ٥٤ - ٥٥.\nوقال ابن كثير -بعد أن ذكر نحو القول السابق-: (فهو حديث حسن). \"تفسيره\" ١/ ٤٣٩.","vol":"5","page":605},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ قال عطاء (١): يعلمون أنَّ اللهَ يُعذِّب على الإصْرارِ.\nوقال ابن عباس (٢)، والحسن (٣)، ومقاتل (٤)، والكلبي (٥): وهم\n_________\n(١) لم أقف على مصدر قوله.\n(٢) قوله، في: \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١٢٠ ب، و\"تفسير البغوي\" ٢/ ١٠٧. وورد في \"زاد المسير\" ١/ ٤٦٤ و\"تفسير القرطبي\" ٤/ ٢١٢، عنه وعن الحسن: (وهم يعلمون أن الإصرار يضر، وأن تركه أولى من التمادي).\n(٣) قوله في \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١٢٠ ب، و\"البغوي\" ٢/ ١٠٧، و\"القرطبي\" ٤/ ٢١٢.\n(٤) قوله في \"تفسيره\" ١/ ٣٠٢، و\"زاد المسير\" ١/ ٤٦٤.\n(٥) قوله في \"تفسير الكلبي\" ٣/ ١٢٠ ب، و\"البغوي\" ٢/ ١٠٧، و\"القرطبي\" ٤/ ٢١٢.","vol":"5","page":606},{"text":"يعلمون أن الذي أَتَوْهُ معصية.\nوقال الحسين بن الفَضْل (١): وهم يعلمون أنَّ لهم رَبًّا يغفر الذنوب، وكان هذا من قوله﵇-: \"من أذنب ذَنْبًا، وعَلِمَ أنَّ له رَبًّا يغفر الذنوبَ، غُفِرَ له وإنْ لم يَستَغْفِر\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-639>١٣٦ </span>- قوله تعالى: ﴿وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ مختصر المعنى (٣): ونِعْمَ أجْرُ العاملين؛ المغْفِرَةُ. فحُذِفَ؛ لدلالة ما قبله عليه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-640>١٣٧ </span>- قوله تعالى: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ﴾ أصل (٤) (الخُلُوِّ) -في\n_________\n(١) قوله في \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١٢١ أ، و\"البغوي\" ٢/ ١٠٧، و\"القرطبي\" ٤/ ٢١٢.\n(٢) الحديث: لم أقف على من أخرجه بهذا اللفظ، وقد أورده الثعلبي في \"تفسيره\" ٣/ ١٢١ أ. ولم يسنده.\nوقد ورد حديث آخر بنفس معنى هذا الحديث، ولفظه: \"من أذنب ذنبًا، فعلم أن الله قد أطَّلَعَ عليه، غفر له وإن لم يستغفر\". أورده الغزالي في \"إحياء علوم الدين\" ١/ ٣١٢. قال الحافظ العراقي في \"تخريج أحاديث الإحياء\" (أخرجه الطبراني من حديث ابن مسعود، بسند ضعيف).\nوهناك حديث آخر قريب منه، من رواية أنس ﵁، ولفظه: \"من أذنب ذَنْبًا، فعلم أن له رَبًّا إن شاء أن يغفر له غفر له، وإن شاء أن يعذِّبَه عذبه، كان حقًا على الله أن يغفر له\".\nأخرجه الحاكم في \"المستدرك\" ٤/ ٢٤٢، وقال: (حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه)، وأخرجه أبو نعيم في \"حِلية الأولياء\" ٨/ ٨٢٦.\nوفي سنده عندهما: جابر بن مرزوق المكي. قال الذهبي في تعليقه على تصحيح الحاكم له: (قلت: لا والله، ومَنْ جابر؛ حتى يكون حُجَّة؟ بل هو نَكِرة، وحديثه مُنْكَر).\n(٣) في (ب): (معناه).\n(٤) (أصل): ساقطة من (ج).","vol":"5","page":607},{"text":"اللغة-: الانفراد. والمكان الخالي (١): المنفرد عن الساكن. والخَلِيَّةُ من النُوْقِ: التي ذُبح ولَدُها، فَخَلَت عن الوَلَدِ (٢).\nويستعمل في الزمان، والقُرُون، بمعنى: المُضِيِّ، لأن ما مضى انفرد عمَّا يأتي بعده. فالأيَّام الماضية: التي انفردت بالمُضِيِّ عن غيرها، كذلك الأمَم الخالية (٣).\nوالسُّنَنُ: جمع: سُنَّة (٤). والسُّنَّة (٥): الطريقة المستقيمة (٦). ويقال للخط الأسود على مَتْنِ الحِمَار: سُنَّة.\nو(سَنَّ اللهُ سُنَّةً)؛ أي: بَيَّنَ طريقًا قويمًا. ويقال: (هذه سُنَّةْ اللهِ)؛ أي: أمْرُهُ ونَهْيُهُ وحُكْمُهُ. و(سُنَّةُ النبي - ﷺ -): طريقته.\n_________\n(١) في (ج): (الخال).\n(٢) في كتاب \"العين\": (والخَلِيَّة: الناقة التي خلت من ولدها، ورَعَت ولدَ غيرها. ويقال: هي التي ليس معها ولد) ٤/ ٣٠٨ (خلو). وذكر الأزهري أنها التي ينحر ولدها عمدًا؛ ليدوم لبَنُها، فتُستَدَرَّ بِخُوارِ غيرها، أو التي يُجَرُّ ولدُها مِن تحتها، ويُجعَل تحت أخرى، وتُخلى هي للحلب. انظر: \"التهذيب\" ١/ ١٠٧٤ (خلو). وانظر المعاني السابقة لـ (خلو) في المصدر السابق ١/ ١٠٧٤، و\"المقاييس\" ٢/ ٢٠٤.\n(٣) انظر: (خلو) في \"التهذيب\" ١/ ١٠٧٤، و\"مفردات ألفاظ القرآن\" ٢٩٧.\n(٤) انظر: \"تفسير الطبري\" ٤/ ٩٩.\n(٥) من قوله: (والسنة ..) إلى (.. قويما): نقله بنصه عن \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٧٨٠ (سنن). وانظر: \"الزاهر\" ٢/ ٣٥٢، و\"اللسان\" ٤/ ٢١٢٥ (سنن).\n(٦) قال ابن الأنباري في: \"الزاهر\" ٢/ ٣٥٢: (وهي مأخوذة من: (السَّنَن)، وهو: الطريق. يقال: (خذ على سَنَنِ الطريق، وسُننَهِ، وسُنُنه) .. أي: وسطه وجادته). وقال: (ثم تستعمل السن في كل شيء يراد به القصد).","vol":"5","page":608},{"text":"والسُّنَّةُ (١): المِثالُ المُتَّبَعُ، والإمام المُؤتَمُّ به. يقال: (سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً، و[سَنَّ] (٢) سُنَّةً سيِّئَةً): إذا عمل عملًا اقتُدِيَ به (٣)، مِن خيْرٍ أو شَرٍّ.\nقال لَبِيد:\nمِنْ مَعْشَرٍ سَنَّت لهمْ آباؤُهُمْ (٤) ... ولِكلِّ قَوْمٍ سُنَّةٌ وإمَامُها (٥)\nواختلفوا في اشتقاق (السُّنَّةِ):\nفقال بعضهم: هي (فُعْلَة)، من: (سَنَّ الماءَ، يَسُنُّهُ): إذا والَى صَبَّهُ. والسَّنُّ: صَبُّ الماءِ، والعَرَقِ، وغيره (٦). قال زُهَيْر:\n_________\n(١) من قوله: (والسنة ..) على نهاية بيت الشعر (.. وإمامها): نقله -بتصرف يسير- عن: \"تفسير الطبري\" ٤/ ١٠٠.\n(٢) ما بين المعقوفين زيادة من (ج)، و\"تفسير الطبري\" ٤/ ١٠٠.\n(٣) في \"تفسير الطبري\" اتبع عليه.\n(٤) في (أ): (آبائهم)، وفي (ب): (آبائهم). والمثبت من (ج)، ومن مصادر البيت.\n(٥) البيت في: ديوانه: ٣٢٠، وورد منسوبًا له في: \"تفسير الطبري\" ٤/ ١٠٠، و\"جمهرة أشعار العرب\" (١٣٧)، و\"الزاهر\" ٢/ ٣٥٢، و\"شرح القصائد السبع\" لابن الأنباري ٥٩٣، و\"تهذيب اللغة\" ١/ ٢٠٦، و\"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١٢١ ب، و\"شرح المعلقات السبع\" للزوزني ٢٥١، و\"شرح القصائد العشر\" للتبريزي ١٧٣، و\"اللسان\" ١/ ١٣٤ (أمم)، و\"الدر المصون\" ٣/ ٣٩٩.\nوالبيت من معلقته. وقد تقدم هذا البيت أبياتٌ يذكر فيها قومه، ويذكر أنَّ مِن قومه مَن لهم فضائل متعددة، ومكارم وجلائل من الأعمال متنوعة. وفي هذا البيت يقول: إن هؤلاء الذين ذكرتهم وأشرت إليهم هم من معشر فيهم هذه العادات والفضائل سنة قديمة متَّبعة، سنَّها لهم آباؤهم فتوارثوا عنهم، ولكل قوم سنة، وإمامها؛ أي: مِثَال يُحتَذى ويُسَارُ على طريقته.\n(٦) قال ابن السكيت: (وكل صبٍّ سهل، فهو: سَنّ). \"إصلاح المنطق\": ٣٧٨. وانظر هذا المعنى في: \"ما اتفق لفظه واختلف معناه\" لليزيدي:٢٧٠، و\"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٧٧٧ (سنن)، و\"غريب الحديث\" للخطابي ١/ ٤٣٨ - ٤٣٩، و\"مجالس ثعلب\" ٢/ ٣٥٢، و\"الصحاح\" ٢١٤١ (سنن)، و\"المقاييس\" ٣/ ٦٠، و\"اللسان\": ٤/ ٢١٢٦ (سنن).","vol":"5","page":609},{"text":"تعودها الطرادَ (١) فَكلَّ (٢) يومٍ ... يُسَنُّ على سَنَابِكِها قُرُونُ (٣)\nأي: يُصَبُّ عليها دُفَعٌ (٤) من العَرَقِ. يريد: أنهم يُضَمِّرُونها.\nشُبِّهَ فِعْلُ النبي - ﷺ -، الذي كان يأتيه مَرَّةً بعد أخرى، بالماءِ المَسْنُون؛ وهو (٥): المصبوب صَبًّا مُتَوَالِيًا. فهي (فُعْلَة) بمعنى: (مفعول)،\n_________\n(١) في (ب): مطرد.\n(٢) في (ج): وكل.\n(٣) البيت في: \"شرح ديوانه\" ص١٨٧، ورد منسوبا له في: \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٧٨٠ (سنن)، و\"مقاييس اللغة\" ٥/ ٧٧ (قرن)، و\"الدر المصون\" ٣/ ٤٤٠، و\"اللسان\" ٤/ ٢٥٢٢ (صوح)، ٤/ ٢١٢٥ (سنن)، ٦/ ٣٦٠٩ (قرن).\nورد في كل المصادر السابقة: (نُعَوِّدُها) -بالنون-. وورد الشطر الأول في الديوان، و\"اللسان\" ٦/ ٣٦٠٩ (قرن): (تُضَمَّر بالأصائل كل يوم ..). وورد في الديوان و\"اللسان\" (تُسَنُّ) -بالتاء-.\nالطِّرَاد: هو عَدْوُ الخيل، وتتابعها. انظر: \"اللسان\" ٥/ ٢٦٥٣ (طرد).\nالسَّنابِك: جمع: سُنْبُك، وهو: طرف الحافر في الفرس. انظر: \"كتاب الفرق\" لابن فارس ٦٣، و\"القاموس\" ٩٤٤.\nوالقُرُون: جمع: قَرْن، وهو: الدُّفْعَة من العَرَق. وقال أبو عمرو الشيباني: (القرن: العرق). كتاب الجيم، له: ٧٠. وانظر: \"اللسان\" ٦/ ٣٦٠٩ (قرن).\nيقول: إننا نعوِّدها الجري في كل يوم، حتى يسيل عرقها، ويصل إلى سنابكها؛ مبتغين بذلك أن تكون ضامرة، خفيفة الجسم.\n(٤) في (أ)، (ب)، (ج): رسمت الدالُ فيها قريبًا من الراء. والمثبت من كتب اللغة وهو الصواب. والدُّفَع: جمع: دُفْعَة. وهي: الدَّفْقَة المنصبة بمرَّة انظر: \"القاموس\" ٧١٥ (دفع).\n(٥) (أ)، (ب): (وهي)، والمثبت من (ج). وهو الصواب؛ لأن الضمير يعود على الماء المسنون.","vol":"5","page":610},{"text":"كـ (الغُرْفَة) (١) من الماء وأشباهها. فَمَا رَسَمَهُ النبي - ﷺ -: (سُنَّة)، و(مسنون).\nويجوز أن يكون من قولهم: (سَنَنْتُ النَّصْلَ والسِّنَانَ، أسُنُّهُ سَنًّا)، فهو (مَسْنُون): إذا أحْدَدْتُهُ على المِسَنِّ (٢). فالفعل (٣) الذي كان تهذيبُه منسوبًا إليه، سُمِّيَ (سُنَّة)؛ على معنى: أنه (مَسْنُون).\nويجوز أن يكون من قولهم: (سَنَّ الإِبِلَ): إذا أحْسَنَ رِعْيَتَها (٤). فالفعل الذي كان النبي - ﷺ - يتولَّى رِعايَتَه وإدامَتَه مِن العبادات سُمِّيَ: (سُنَّةً ومسنونًا)؛ ذهابًا إلى أنَّه كان يَتَوَفَّرُ عليها بإقامةِ شروطِها، تَوَفُّرَ الرَّاعِي على الإِبِلِ بإِحْسانِ رَعْيَها. هذا كلامُ أهلِ اللغة في (السُّنَةِ).\nفأما معنى الآية وتفسيرها؛ فقال أكثر المفسِّرين (٥):\nمعنى الآية: قد مضت منِّي-فيمن (٦) [قد] (٧) كان قبلكم، من الأمم\n_________\n(١) في أ: قد تُقرأ: (الغَرْفة) -لقرب رسم الفتحة كالضمة-. وفي (ب)، (ج): مهملة من الشكل. وما أثبته هو الصواب؛ لأن (الغَرْفة) لا دليل فيها على ما أراد المؤلف. أما (الغُرْفَة) فهي من: (غَرَفَ الماء يَغرِفُه، وَيغرُفه). و(اغترَفَهُ): أخذه بيده. واسم المَرَّة منه: (غَرْفَة). و(الغِرْفة) -بكسر الغين-: هيئة الغَرْفِ. و(الغُرفَة) بضم \"العين\": بمعنى: المغروف. وهي المراد بالتمثيل هنا. انظر: \"القاموس\" (٨٤١) (غرف).\n(٢) انظر: (سنن) في: \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٧٧٦، و\"اللسان\" ٤/ ٢١٢٣.\n(٣) في (ج): (والفعل).\n(٤) قال ابن السكيت: (ويقال: (سَنَّ الإبل، يَسُنُّها، سَنًّا): إذا أحسن رِعْيَتها، حتَّى كأنه صَقَلَها). \"إصلاح المنطق\" ٥٤. وانظر: (سنن) في: \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٧٧٧، و\"الصحاح\" ٢١٣٩، و\"اللسان\" ٤/ ٢١٢٣.\n(٥) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١/ ٣٠٣، و\"تفسير الطبري\" ٤/ ٩٩، ١٠٠، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" ٣/ ٧٦٨، و\"بحر العلوم\" ١/ ٣٠٠، و\"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١٢١ ب.\n(٦) في (ج): (في من).\n(٧) ما بين المعقوفين: زيادة من (ج).","vol":"5","page":611},{"text":"الماضية المكذِّبَةِ الكافرة-، سُنَنٌ؛ بإمهالي واستدراجي إيَّاهم، حَتَّى يبلغَ الكتابُ فيهم أجَلِي الذي أجلته، في إهلاكهم واستئصالهم، وبَقِيَت لهم آثارٌ في الدنيا، فيها (١) أعظمُ الاتِّعاظِ والاعتبار، فَسِيرُوا في الأرض فانظروا كيف كان [آخِرُ أمْرِ] (٢) المكذِّبِين منهم.\nوالمعنى: أنكم إذا سِرْتُم في أسفاركم، عرفتم أخبارَ قومٍ أُهْلِكُوا؛ بتكذيبهم، ورأيتم مصارِعَهم، وما بقي بعدَهم مِن آثارِ مساكنهم، التي [خربت] (٣)، فاعتبرتم، وكنتم على حَذَرٍ بما تَرَون (٤) في غيرِكم مِن المَثُلاتِ (٥) التي نزلت بهم على قبيحِ فِعْلِهم. وهذا في يوم أُحُد، يقول الله: فأنا أمهلهم (٦) [حتى يبلغ أجلي الذي] (٧) أجَّلْتُ في نُصْرَةِ النبي وأوليائِه، وهلاكِ أعدائِهِ.\nفـ (السُّنَنُ) -على هذا- جمع: (سُنَّة)، وهي سُنَّة الله ﷿ في [إهلاكِ الأُمَمِ الضالَّةِ] (٨). وهذا تفسير الآية من غير إضمار.\n_________\n(١) في (ج): فهم.\n(٢) ما بين المعقوفين في (أ)، (ب): (احزا من). والمثبت من (ج).\n(٣) ما بين المعقوفين غير مقروء في (أ). والمثبت من (ب)، (ج).\n(٤) في (أ): (يرون)، والمثبت من (ب)، (ج).\n(٥) المَثُلات، والمُثُلات: جمع: مَثُلَة؛ وهي: النقمة والعقوبة التي تنزل بالإنسان، فيجعل مثالًا يرتدع به غيره.\nانظر: \"مفردات ألفاظ القرآن\" ٧٦٠ (مثل)، و\"تذكرة الأريب\" لابن الجوزي ١/ ٢٧١، و\"تحفة الأريب\" لأبي حيان ٢٨٤.\n(٦) في (ج): (مهلكهم).\n(٧) ما بين المعقوفين غير مقروء في (أ). والمثبت من (ب)، (ج).\n(٨) ما بين المعقوفين غير مقروء في (أ). والمثبت من (ب)، (ج).","vol":"5","page":612},{"text":"وقال (١) ابن عباس -في رواية عطاء- (٢): قد خلت سُنَنٌ مِن قبلِكُم؛ يريد: شرائعُ.\nقال ابن الأنباري (٣): يعني: شرائع مذمومة؛ لأن باقي الآية يدل على ذَمِّها، وإنَّ المُعَاقَبِينَ بالتكذيب كانوا مُسْتَعْمِلِينَ لها، وجارِينَ (٤) على منهاجها، فأقامَ المذكورَ في آخرِ الآيةِ، مقامَ النَّعْتِ لها.\nوتلخيص الآية: قد خَلَت مِن قبلكم طرائقُ سَلَكها (٥) قومٌ، فأهْلِكُوا بِمَعاصيهم وخِلافِهم على أنبيائهم.\nوقالَ أبو إسحاق (٦): معنى الآية: قد خَلَت [مِن قَبْلِكم] (٧) أهلُ سُنَنٍ، وأصحاب سُنَن في الشَّرِّ، [فحذف المضاف] (٨)، ولم يذكر (في الشَّرِّ) (٩)؛ لأن في الآية دليلًا عليه، فهو (١٠) إهلاك من اتَّبَعَها.\nو(العاقبة): آخر الأمر (١١). يقال: (عَقَبَهُ، يَعْقُبُهُ، عَقْبًا، وعُقُوبًا)،\n_________\n(١) في (ج): (قال) بدون واو.\n(٢) أورد هذا القول الثعلبي في: \"تفسيره\" ٣/ ١٢١ ب، وعزاه لعطاء دون ابن عباس. وأورده ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ١/ ٤٦٥.\n(٣) لم أقف على مصدر قوله.\n(٤) في (أ): (وجازين). وفي (ب): (وجازبن). والمثبت من (ج).\n(٥) في (ب): (سنها).\n(٦) في: \"معاني القرآن\" له ١/ ٤٧٠. نقله عنه بمعناه.\n(٧) ما بين المعقوفين زيادة من (ج).\n(٨) ما بين المعقوفين غير مقروء في (أ). والمثبت من (ب)، (ج).\n(٩) في \"معاني القرآن\" (وقول الناس: فلان على السنة؛ معناه: على الطريقة، ولم يحتاجوا أن يقولوا على السنة المستقيمة؛ لأن في الكلام دليلًا على ذلك).\n(١٠) في (ج): (وهو).\n(١١) انظر: \"القاموس\" ص ١١٦ - ١١٧ (عقب).","vol":"5","page":613},{"text":"وعاقَبَهُ: إذا (١) جاءَ بعده (٢). فالعاقب (٣): الذي يَخْلُف مَن كان قَبْلَهُ (٤).\nومنه قيل للنبي - ﷺ -: (العاقب) (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-641>١٣٨ </span>- قوله تعالى: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ﴾ أي: هذا القرآن. عن أكثر المفسِّرِين (٦).\n_________\n(١) في (ج): (وإذا).\n(٢) انظر: \"غريب الحديث\" لأبي عبيد ١/ ١٤٧، و\"اللسان\" ٥/ ٣٠٢٢ (عقب).\n(٣) في (ب): (كالعاقب). وفي (ج): (والعاقب).\n(٤) العاقب: الآخر، والذي هو دون السيد، وقيل: الذي يخلفه، وقيل: الذي يخلف من كان قبله في الخير، وهو -كذلك-: العَقُوب. انظر: (عقب) في: \"اللسان\" ٥/ ٣٠٢٢، و\"القاموس\" ص ١١٦.\n(٥) ورد ذلك في الحديث الذي رواه جبير بن مطعم ﵁، عن النبي - ﷺ -، قال: \"إن لي أسماء: أنا محمد: وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يُحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب\".\nأخرجه: البخاري في \"الصحيح\" (٣٥٣٢). كتاب التفسير. سورة الصف (٦١).\nومسلم في \" الصحيح\" رقم (٢٣٥٤) كتاب الفضائل. باب في أسمائه - ﷺ -، وفيه: \"وأنا العاقب الذي ليس بعده أحد\"، وفي لفظ: \"ليس بعده نبي\".\nوأخرجه الترمذي في \"السنن\" (٢٨٤٠). كتاب الأدب باب ما جاء في أسماء النبي - ﷺ -. والدارمي في \"السنن\" (٢٨١٧). وأحمد في \"المسند\" ٤/ ٨١، ٨٤ (وانظر: \"الفتح الرباني\" ٢/ ١٨٧ - ١٨٨).\nوأخرجه عبد الرزاق في: \"المصنف\": ١٠/ ٤٤٦ رقم ١٦٩٥٧) وفيه: (قال معمر: قلت للزهري: وما العاقب؟ قال: الذي ليس بعده نبي).\nوأخرجه مالك في: \"الموطأ\" (انظر: \"تنوير الحوالك\" ٣/ ١٦٢ - ١٦٣). وقال السيوطي عن عبارة (والعاقب: الذي ليس بعده نبي): (وهو مدرج من تفسير الزهري). \"تنوير الحوالك\" ٣/ ١٦٣.\n(٦) ممن قال بذلك: الحسن، وقتادة، والربيع، ومقاتل. انظر: \"تفسير مقاتل \" ١/ ٣٠٣، و\"تفسير الطبري\" ٤/ ١٠١، و\"زاد المسير\" ١/ ٤٦٥.","vol":"5","page":614},{"text":"وقال ابن (١) إسحاق (٢): ﴿هَذَا﴾؛ أي: ما ذَكَرْت؛ يعني قولَه: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ﴾ [آل عمران: ١٣٧]، أي: هذا (٣) الذي (٤) عَرَّفْتُكم، بيانٌ للناس. قال ابن عباس (٥): يريد: لجميع الخَلْقِ.\n﴿وَهُدًى﴾. ذَكَرَهُ بعد ذِكْرِ البَيَان؛ لأن البَيَان: ظُهور المعنى للنَفْسِ (٦)، كائنًا ما كان (٧). والهُدَى: بَيَانٌ لِطَريق الرُّشْد؛ لِيُسْلَكَ دُونَ (٨) طَرِيق الغَيِّ (٩).\nوقوله تعالى: ﴿وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ عَمَّ في أَوَّلِ (١٠) الآية، عند ذِكْرِ البَيَان؛ لِيَدُلَّ [على] (١١) أنَّ الخِطَابَ في التكليف، شَامِلٌ لِلمُشْرِكِ والمُسْلِم. وخَصَّ بـ (الهدى)؛ لأنه يهدي بالقرآن مَن يشاء مِن عِبَادِهِ بفضله.\n_________\n(١) في (أ): (أبي)، وفي (ب)، (ج): (أبو). والصواب ما أثبته.\n(٢) قوله، في: \"تفسير الطبري\" ٤/ ١٠١، و\"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١٢١ب، و\"زاد المسير\" ١/ ٤٦٥.\n(٣) في (ج): (هذا القرآن). ولفظة (القرآن) -هنا- مقحمة.\n(٤) (الذي): ساقطة من (ج).\n(٥) لم أقف على مصدر قوله.\n(٦) في (ب): (لليقين).\n(٧) انظر: \"التوقيف على مهمات التعاريف\": ١٤٩.\n(٨) في (ب): (بعد).\n(٩) انظر: \"تفسير الفخر الرازي\" ٢/ ٢٢، ٩/ ١٣، و\"تفسير الخازن\" ١/ ٣٥٥، و\"غرائب القرآن\" للنيسابوري ٤/ ٧٢.\n(١٠) في (أ)، (ب): (تأويل). والمثبت من (ج).\n(١١) ما بين المعقوفين زيادة من (ج).","vol":"5","page":615},{"text":"المملكة العربية السعودية\nوزارة التعليم العالي\nجامعة الإِمام محمد بن سعود الإسلامية\nعماد البحث العلمي\nسلسلة الرسائل الجامعية\nالتَّفْسِيرُ البَسِيْط\nلأبي الحسن علي بن أحمد بن محمد الواحدي\n(ت ٤٦٨ هـ)\nسورة آل عمران من آية (١٣٩) إلى آخر السورة\nتحقيق\nد. أحمد بن صالح الحمادي\nسورة النساء من أول السورة إلى آية (٨٣)\nتحقيق\nد. محمد بن حمد بن عبد الله المحيميد\nأشرف على طباعته وإخراجه\nد. عبد العزيز بن سطام آل سعود ... أ. د. تركى بن سهو العتيبي\nالجزء السادس","vol":"6","page":1},{"text":"المملكة العربية السعودية\nوزارة التعليم العالي\nجامعة الإِمام محمد بن سعود الإسلامية\nعماد البحث العلمي\nسلسلة الرسائل الجامعية\nالتَّفْسِيرُ البَسِيْط\nلأبي الحسن علي بن أحمد بن محمد الواحدي\n(ت ٤٦٨ هـ)\nسورة آل عمران من آية (١٣٩) إلى آخر السورة\nتحقيق\nد. أحمد بن صالح الحمادي\nسورة النساء من أول السورة إلى آية (٨٣)\nتحقيق\nد. محمد بن حمد بن عبد الله المحيميد\nأشرف على طباعته وإخراجه\nد. عبد العزيز بن سطام آل سعود ... أ. د. تركى بن سهو العتيبي\nالجزء السادس","vol":"6","page":2},{"text":"جامعة الإِمام محمد بن سعود الإسلامية ١٤٣٠ هـ\nفهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية أثناء النشر\nالواحدي، علي بن أحمد\nالتفسير البسيط لأبي الحسن علي بن أحمد بن محمد الواحدي\n(ت٤٦٨هـ)./ علي بن أحمد الواحدي، محمد بن صالح بن\nعبد الله الفوزان، الرياض١٤٣٠ هـ.\n٢٥مج. (سلسلة الرسائل الجامعية)\nردمك: ٤ - ٨٥٧ - ٠٤ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (مجموعة)\n٥ - ٨٦٣ - ٠٤ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (ج٦)\n١ - القرآن تفسير ... ٢ - الواحدي، علي بن أحمد\nأ- العنوان ... ب- السلسة\nديوي ٢٢٧.٣ ... ٨٦٨/ ١٤٣٠\nرقم الإيداع: ٨٦٨/ ١٤٣٠ هـ\nردمك: ٤ - ٨٥٧ - ٠٤ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (مجموعة)\n٥ - ٨٦٣ - ٠٤ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (ج٦)","vol":"6","page":3},{"text":"التَّفْسِيرُ البَسِيْط\nلأبي الحسن علي بن أحمد بن محمد الواحدي\n(ت ٤٦٨ هـ)\n[٦]","vol":"6","page":4},{"text":"بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحيمِ","vol":"6","page":5},{"text":"التَّفْسِيرُ البَسِيْط\nلأبي الحسن علي بن أحمد بن محمد الواحدي\n(ت ٤٦٨ هـ)\nسورة آل عمران من آية (١٣٩) إلى آخر السورة\nتحقيق\nد. أحمد بن صالح الحمادي","vol":"6","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-642>١٣٩ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا﴾ الآية.\nقالَ الزُهْرِيُّ (١)، وقتادة (٢)، وابن أبي نَجِيح (٣): هذه الآية تَسْلِيَةٌ مِن الله -تعالى- للمسلمين، لِمَا نالَهُمْ يومَ أُحُد مِنَ القتل والجَرْح.\nومعنى ﴿وَلَا تَهِنُوا﴾: لا تضْعُفُوا. والوَهْنُ (٤): الضَعْفُ في العَمَلِ، وفي العَظْمِ. يقال: (وَهِنَ (٥)، يَهِن، وَهْنًا)، فهو (واهِنٌ): إذا ضَعُفَ في العمل. و(مَوْهُونٌ) في العَظمِ والبَدَنِ، و(وهِنَ وَهَنًا)، لُغَةٌ (٦). و(أَوْهَنَهُ اللهُ) (٧)، فهو (مَوْهُونٌ)؛ مثل: (أَحَمَّهُ)، فهو (مَحْمُوم)، و(أزْكَمَه) فهو (مَزْكُوم) (٨). ومنه قول طَرَفَة:\n_________\n(١) في (ج): (الأزهري).\nوقول الزهري، في \"تفسير الطبري\" ٤/ ١٠٢.\n(٢) قوله، في: \"تفسير الطبري\" ٤/ ١٠٢، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" ٣/ ٧٧٠.\n(٣) قوله هذا يرويه عن مجاهد، وهو في: \"تفسير مجاهد\" ١٣٦، و\"تفسير الطبري\" ٤/ ١٠٢، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" ٣/ ٧٧٠.\n(٤) من قوله: (والوهن ..) إلى (.. وهَنا لغة): نقله -بتصرف واختصار- عن: \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٩٦٦ (وهن).\n(٥) هكذا جاءت في (أ): (وَهِنَ) -بكسر الهاء-. وفي (ب)، (ج): مهملة من الشكل. وفي \"التهذيب\" (وَهَنَ) -بفتح الهاء- وقد وردت الكلمة في مصادر اللغة بالحركات الثلاث (فتح الهاء وكسرها وضمها). انظر مادة (وهن) في: \"الصحاح\" ٢٢١٥، و\"التاج\" ١٨/ ٥٧٩.\n(٦) في (أ): (وَهْنًا) بتسكين الهاء وفي (ب)، (ج): مهملةٌ غير مشكولة. والمثبت هو الصواب. انظر: \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٩٦٦ (وهن).\n(٧) من قوله: (وأوهنه الله ..) إلى نهاية شطر بيت الشعر: (.. فقر): نقله -بتصرف يسير- عن \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٩٦٧ (وهن).\n(٨) انظر (وهن) في: \"جمهرة اللغة\" ٩٩٦، و\"الصحاح\" ٢٢١٥ - ٢٢١٦، و\"التاج\" ١٨/ ٥٧٩.","vol":"6","page":5},{"text":"إنَّنِي لَسْتُ بِمَوْهُونٍ فَقِرْ (١)\nقال المفسِّرُون: ﴿وَلَا تَهِنُواْ﴾ عن جهاد عدوِّكم، بما نالَكُم مِنَ الهزيمة (٢)، ﴿وَلَا تَحْزَنُوا﴾ على ما فاتكم من الغَنِيمَةِ (٣)؛ فإنَّكم ﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾؛ أي: لكم تكون العاقِبَةُ بالنَصْرِ والظَّفَرِ.\n_________\n(١) عجز بيت، وصدره:\nوإذا تَلْسُنُنِي ألسُنُها\nوهو في: ديوانه: ٥٣، وورد منسوبًا له في: \"التهذيب\" ٤/ ٣٩٦٧ (وهن)، و\"الصحاح\" ٢٢١٥ (وهن)، و\"اللسان\" ٦/ ٤٤٥ (فقر)، ٧/ ٤٠٣٠ (لسن)، ٨/ ٤٩٣٥ (وهن).\nومعنى (تلسُنُني)؛ أي: تأخذني بلسانها، يقال: (لَسَنَه لَسْنًا): إذا أخذه بلسانه. انظر: \"اللسان\" ٧/ ٤٠٣٠ (لسن).\nوالمَوْهون: هو الذي أصابه وَجَعُ (الواهنة)، وهو وَجَعٌ يصيب العِرْق المستبطن حبْل العاتق إلى الكتف. انظر: \"التهذيب\" ٤/ ٣٩٦٧ (وهن).\nوالفَقِر: الذي يشتكي من فَقَارِهِ. انظر: \"اللسان\" ٦/ ٤٤٥ (فقر).\n(٢) انظر: \"تفسير الطبري\" ٤/ ١٠٢ - ١٠٣، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" ٣/ ٧٧١.\n(٣) في (ج): (القسمة). لم أقف على من قال بأنهم نُهُوا عن الحزن على ما فاتهم من الغنيمة. وقد ذكر هذا القول الثعلبي في \"تفسيره\" ٣/ ١٢٢ ب. وصدَّره -مع القول السابق- بقوله: (وقيل: ..). ولم يبين القائل.\nوأورده ابن الجوزي في \"الزاد\" ١/ ٤٦٦ وقال: (ذكره علي بن أحمد النيسابوري) يعني: المؤلف (الواحدي).\nويرى مقاتل أنهم نُهوا عن الحزن على ما أصابهم من هزيمة يوم أحد. انظر: \"تفسيره\" ١/ ٣٠٣. ويرى الماوردي أنهم نهوا عن الحزن على ما أصاب النبي - ﷺ - من شَجِّه، وكَسْرِ رَبَاعِيَتِهِ. انظر: \"النكت والعيون\" ١/ ٤٦٦.\nوقيل: نُهُوا عن الحزن على مَن قُتِل من إخوانهم من المسلمين. ونسبه ابن الجوزي لابن عباس. انظر: \"زاد المسير\" ١/ ٤٦٦.","vol":"6","page":6},{"text":"قال ابن عباس (١): يريد: في الدنيا والآخرة.\nوقوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ يعني: أَنَّ الإيمانَ يُوجِب ما ذكر مِن تَرْكِ الوَهْنِ والحُزْن. فقيلَ: إنْ كُنتم مؤمنين؛ فَلا تَهِنوا ولا تحزنوا؛ أي (٢): من كان مؤمنًا فيجب ألّا (٣) يَهِنَ، ولا يَحْزَن؛ لثقته باللهِ -جل وعَزَّ-. وإلى هذا أَشَار ابنُ عبَّاس، فقال (٤) في قوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ يريد: مُصَدِّقِينَ؛ تحريضًا مِنَ اللهِ تعالى لهم.\nوفيه وجْه آخر، وهو: أن (٥) المعنى: إنْ كنتم مؤمنين بِصِدْق (٦) وَعْدِي إيَّاكُمْ بالنَصر؛ حتى تَسْتَعْلُوا على عَدُوِّكُم، وتَظْفَرُوا بِبُغْيَتِكُم.\nوفي قوله: ﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾ وجهان:\nأحدهما: أنه في موضعُ الحَال؛ كأنَّهُ قيل: لا تَحْزَنوا عَالِينَ؛ أي: منصورين على عَدُوِّكُم (٧) بالحُجَّةِ (٨).\nالثاني: أنه اعتراضٌ بِوَعْدٍ مؤكد؛ كأنه قيل: ولا تَهِنُوا ولا تَحْزَنُوا إنْ كُنْتُم مؤمنين، وأنتم الأَعْلَوْن (٩).\n_________\n(١) لم أقف على مصدر قوله.\n(٢) في (ج): (إلى).\n(٣) في (ب): (أن لا).\n(٤) لم أقف على مصدر قوله.\n(٥) (أن): ساقطة من (ج).\n(٦) في (ج): (لصدق).\n(٧) (على عدوكم): ساقطة من (ج).\n(٨) انظر: \"البيان\"، للأنباري ١/ ٢٢٢، و\"الدر المصون\" ٣/ ٤٠١.\n(٩) انظر: \"الفريد في إعراب القرآن المجيد\" ١/ ٦٣٣.","vol":"6","page":7},{"text":"وفي هذه الآية إشارَهٌ إلى أنَّ (١) مَنْ كان مؤمنًا، لا يَنْبَغِي له أن يَضْعُفَ لِمَا يَنَاله مِن مُصِيبَةٍ في الدُّنْيَا، بل يجب أن يسكن نفسُهُ، وينتفي حزْنُهُ بما هو عليه مِن الاستعلاء، والفوز بالأُمْنِيَةِ في العاقِبة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-643>١٤٠ </span>- قوله تعالى: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ﴾ الآية.\nمَعْنَى ﴿يَمْسَسْكُمْ﴾: يُصِبْكم (٢). يقال: (مَسَّهُ أَمْرُ كذا)، [أو] (٣) (مَسَّتْهُ الحَاجَة)؛ أي: أصابته. وتأويله: لَصِقَ بِهِ، وأصابَهُ في ذاته (٤).\nو(القَرْحُ): قُرِئ بِضَمِّ القَافِ، وفَتْحِه (٥).\nقال أهل اللغة (٦): هُمَا لُغَتَانِ في عَضِّ السِّلاح ونَحْوِهِ، مِمَّا يَجْرَحُ [الجَسَدَ] (٧)، مثل: (الوَجْد، والوُجْد) (٨)، و(الضَّعْف، والضُّعْف)، وبابه (٩).\n_________\n(١) أن: ساقطة من (ج).\n(٢) انظر: \"تفسير الطبري\" ٤/ ١٠٤.\n(٣) (أو): في (أ)، (ب): و. والمثبت من (ج).\n(٤) أصل (المَسِّ): لمس الشيء باليد. ثم تُوُسِّعَ فيه، واستعير للتعبير عن معانٍ عدَّة. انظر: (مسس) في: \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٣٩٤، و\"اللسان\" ٧/ ٤٢٠١.\n(٥) القراءة بضم القاف في (قُرْح)، هي من رواية أبي بكر عن عاصم، وقراءة حمزة، الكسائي. والقراءة بفتحها (قَرْح)، من رواية حفص عن عاصم، وابن كثير، ونافع، وأبي عمرو، وابن عامر.\nانظر: \"علل القراءات\" ١/ ١٢٦، و\"الحجة\" للفارسي ٣/ ٧٩، و\"التبصرة\" ٤٦٤.\n(٦) هو قول الليث. ذكره الأزهري في: \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٩١٨ (قرح).\n(٧) ما بين المعقوفين غير مقروء في (أ)، والمثبت من (ب)، (ج).\n(٨) يقال: (وَجَدَ الشيءَ، يجِدُه، جِدَةً، ووُجْدًا، ووَجْدًا، ووجودا؛ ووُجْدانًا، وإجْدانًا). وتأتي (الوُجْدُ) و(الوَجْدُ)، بمعنى: اليَسَار، والسَّعَة. انظر: \"اللسان\" ٨/ ٤٧٧٠ (وجد).\n(٩) ومنها: (الكَرْه والكُرْه)، و(الفَقر والفُقْر)، و(الدَّف والدُّفُّ)، و(الشَّهْد والشُّهْد)،=","vol":"6","page":8},{"text":"قال الفراء (١): وكأن (القُرْح): أَلَمُ الجِرَاحات، وكأن (القَرْح): الجراحات (٢) بأعيانها.\nوقال الزجاج (٣): هما عند أهل اللغة بمعنى واحد؛ ومعناهما: الجراح وألَمُهَا. يقال: (قَرَحَهُ): إذا جَرَّحهُ (٤).\nقال الشاعر:\nلا يُسلِمُونَ قَرِيحًا حَلَّ وَسْطَهُمُ ... يَوْمَ اللِّقَاءِ ولا يُشْوُونَ مَنْ قَرَحُوا (٥)\n_________\n= و(الجَهْد والجُهْد)، و(الوَسْع والوُسْع).\nانظر: \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٢٣٤، و\"الحجة\" للفارسي ٣/ ٧٩.\n(١) في \"معاني القرآن\" له ١/ ٢٣٤. نقله عنه بنصه.\n(٢) (وكأن القرح الجراحات): ساقط من (ج).\nوفي \"معاني القرآن\" الجرح -بدلًا من: الجراحات-.\n(٣) في \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٤٧٠. نقله عنه بنصه.\n(٤) هكذا جاءت في (أ): (جَرَّحَه). وفي (ب)، (ج): مهملة من علامات الشكْل. والأصوب: (جَرَحَه) بدون تشديد في الرَّاء. وهكذا وردت في مصادر اللغة.\nقال ابن السكيت: (قَرَحَه، يَقْرَحُهُ، قَرْحًا: إذا جَرَحَه). \"إصلاح المنطق\" ص ٨٠، ١٩٥. وانظر: \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٩١٨ (قرح)، و\"مفردات ألفاظ القرآن\" ٦٦٥ (قرح)، و\"الدر المصون\" ٣/ ٤٠٣.\n(٥) البيت للمتنخل الهذلي. وقد ورد منسوبًا له في: \"إصلاح المنطق\" ٨١، ١٩٥، و\"شرح أشعار الهذليين\" ١٢٧٩، و\"الأمالي\" للقالي ١/ ٢٨، و\"الصحاح\" ٣٩٥ (قرح)، و\"اللسان\" ٦/ ٣٥٧١ (قرح).\nوورد غير منسوب في: كتاب \"المعاني الكبير\" ٩٠١، و\"جمهرة اللغة\" ٥٢٠ (قرح). وقد وردت روايته في \"الجمهرة\":\nلا يُسْلِمون قَرِيحا كان وسْطَهُمُ ... تحت العَجَاج ولا يشوون من قرحوا\nالقريح: الجريح. و(لا يُشْوُون مَن قَرَحُوا): يقال: (أشواه): إذا أصاب (شَوَاهُ)، وهي: أطرافه، وأخطأ مقتله. ومعنى البيت: أن من جُرِح منهم حاموا عليه حتى يستنقذوه، ولا يخطِئون مقتل من جرحوه. انظر: \"المعاني الكبير\" ٩٠١، و\"الجمهرة\" ٥٢٠ (قرح)، و\"اللسان\" ٦/ ٣٥٧١ (قرح).","vol":"6","page":9},{"text":"و(قَرِحَ الرَّجُلُ، يَقْرَحُ): إذا صَارَ قَرِيحا (١).\nقال المفسِّرُون (٢): يقول: إنْ أصابكم جُرْحٌ يوم أُحُد، فقد أصابَ المشركين (٣) مثْلُهُ يومَ بَدْر.\nوقوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ﴾.\nقال ابنُ عبَّاس (٤): يعني: أيَّام الدُّنْيَا، نُداوِلُها [بَيْنَ النَّاس] (٥). [قال الحَسَنُ] (٦)، وقَتادة (٧)، والرَّبِيع (٨)، والسُّدِّي (٩): نصرفها مَرَّةً\n_________\n(١) انظر: المعاني السابقة لـ (قرح) في: \"إصلاح المنطق\" ٨١، ١٩٥، و\"جمهرة اللغة\" ٥٢٠ (قرح)، و\"التهذيب\" ٣٧ (قرح)، و\"المخصص\" ٥/ ٩٠.\n(٢) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١/ ٣٠٣، و\"الطبري\" ٤/ ١٠٤، و\"بحر العلوم\" ١/ ٣٠٤، و\"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١٢٢ ب، و\"النكت والعيون\" ١/ ٤٢٦.\nوقد رجح هذا القول: البغوي، والقرطبي، والنسفي، والشوكاني، وصديق خان.\nانظر: \"تفسير البغوي\" ٢/ ١١٠، و\"تفسير القرطبي\" ٤/ ٢١٧، و\"تفسير النسفي\" ١/ ٨٤، و\"فتح القدير\" ١/ ٥٨٤، و\"فتح البيان\" ٢/ ١٣٧.\n(٣) في (ب)، (ج): (المشركون).\n(٤) لم أقف على مصدر قوله هذا. وُيفهم من قوله -هنا- عموم أيام الدنيا، وما فيها من مداولة بين الناس، من عُسْر وُيسْر، وفَرَح وغَمِّ، بينما وردت آثار أخرى عنه، تخصص هذه الأيامَ بما حدث يوم بدر واحد، حيث كانت الدولة للمسلمين على المشركين يوم بدر، وللمشركين على المسلمين يوم أحد. انظر: \"تفسير الطبري\" ٤/ ١٠٥، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" ٣/ ٧٧٢.\n(٥) ما بين المعقوفين غير مقروء في (أ). والمثبت من (ب)، (ج).\n(٦) ما بين المعقوفين غير مقروء في (أ). والمثبت من (ب)، (ج).\nوقول الحسن، في: \"تفسير الطبري\" ٤/ ١٠٤ - ١٠٥، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" ٣/ ٧٧٣، و\"النكت والعيون\" ١/ ٤٢٦.\n(٧) قوله في: \"تفسير الطبري\" ٤/ ١٠٥، و\"النكت والعيون\" ١/ ٤٢٦.\n(٨) قوله في: \"تفسير الطبري\" ٤/ ١٠٥، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" ٣/ ٧٧٣.\n(٩) قوله في: \"تفسير الطبري\" ٤/ ١٠٥.","vol":"6","page":10},{"text":"لِفِرْقَةٍ ومَرَّةً عليها.\nوالدَوْلَةُ: الكَرَّةُ (١). و(أَدَالَ اللهُ فُلانًا مِن [فُلان): إذا جَعَلَ الكَرَّةَ لَهُ عليه؛ يريد] (٢): أَنَّهُ أدالَ المسلمينَ مِنَ المُشْرِكين يَوْمَ بَدْر، وأدال المشركين مِنَ المسلمين يوم أُحُد.\nوقوله تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾. اختلفوا في العامل في اللام، فذكروا فيه وجهين:\nأحدهما: أن اللام صِلَةٌ لِفِعْلٍ مُضْمَر (٣)، يدل عليه أولُ الكلام،\n_________\n(١) (الدَّوْلَة) -بفتح الدال-، أو (الدُّوْلَة) -بضم الدال-: أصل معناهما: تَحَوُّل شيء من مكان إلى مكان. يقال: (تداولوا الشيء بينهم): إذا صار مِن بعضهم إلى بعض. وتستعمل (الدوْلَة) -بفتح الدال وبضمها-: لانقلاب الزمان من حال البؤس، إلى حال السرور. وكذلك في العُقْبَة في المال، أي: النَّوبة فيه.\nويرى بعضُ أهل اللغة أن بينهما فرقًا، فقالوا: الدَّولة -بالفتح-: تستعمل في العرب خاصة، وهو أن تدال إحدى الفئتين على الأخرى. وبالضم: في المال خاصة. يقال: (صار الفيءُ دوْلة بينهم)؛ أي: يتداولونه مرَّة لهذا ومرة لهذا. وقيل: بالفتح: للفعل، وهو الانتقال من حال إلى حال. وبالضم: اسمٌ للشيء المتداول بعينه. وقيل: بالفتح: أن ترجع الكرة للجيش المهزوم، فينتصر على من هزمه، فتكون له الدَّوْلة. وبالضم: في الملْك والسنن التي تُغير وتُبدل عن الدهر. انظر (دول) في: \"التهذيب\" ٢/ ١٢٤٨، و\"المقاييس\" ٢/ ٣١٤، و\"اللسان\" ٣/ ١٤٥٥، و\"التاج\" ١٤/ ٢٤٥.\n(٢) ما بين المعقوفين ورد مكانه في سورة الأصل: العبارةُ التالية: (عن خلق وتأتي مثله). وهي عِبَارَةٌ مكانها في الصفحة التي تليها في الأصل، ولكن نظْرًا لوجود خرم في الأصل في هذا الموضع، فقد ظهرت هذه العبارة في المصورة في هذه الصفحة. وقد أثبتها من (ب)، (ج).\n(٣) في (ب): (لمضمر). -بدلًا من: لفعل مضمر-.","vol":"6","page":11},{"text":"بتقدير: ولِيَعلم اللهُ الذين آمنوا؛ نُدَاولها (١).\nالوجه الثاني: أن العامل فيه: ﴿نُدَاوِلُهَا﴾ (٢) المذكور؛ بتقدير: نداولها بين الناس؛ ليظهر أمرهم، وليَتَبَيَّنَ (٣) أعمالَهم، وليعلم الله الذين آمنوا.\nفَلَمَّا انكشف معنى اللّامِ المُضمَرة في (لِيظهر)، و(لِيَتبيَّن)، جرت مجرى الظاهرة؛ فأمكن (٤) العطْفُ عليها. [و] (٥) الوجهان، ذكرهما ابنُ الأنباري (٦)، وغيرُهُ مِن أهلِ النَّحْو.\nو(العِلْمُ) إذا لم يتعلق بالذَّاتِ، اقتَضَى مَعْلُومَيْنِ؛ كما تقول: (عَلِمْتُ زَيْدًا عاقلًا، وَجَوادا). فلا (٧) تقول: (عَلِمْتُ زَيْدًا) فقط؛ إلّا أن تريد به: عَرَفْتَهُ، وعَلِمْتَ مَنْ هُوَ (٨).\n_________\n(١) انظر: \"تفسير الطبري\" ٤/ ١٠٦.\n(٢) في (ج): (تداولها).\n(٣) ورد هذا النص في: \"الدر المصون\" ٣/ ٤٠٥ ينقله عن ابن الأنباري، وفيه: (ولِيُظْهِرَ أمرَهم، ولِنبيِّن أعمالهم).\n(٤) في (ب): (وليكن).\n(٥) غير واضحة في (أ)، وفي (ب): (بـ). والمثبت من (ج).\n(٦) لم أقف على مصدر قوله. وقد أورده السمين الحلبي في \"الدر\" ٣/ ٤٠٥.\n(٧) في (ج): (ولا).\n(٨) أي: أن العِلْمَ -هنا- متعلق بذاته. ويجوز أن يتعدى (عَلِمَ) إلى مفعول واحد؛ وذلك إذا كان بمعنى (عَرَف)، أو أن يكون العِلْمُ متعلقًا بالذوات دون الأحوال. فأما إذا كان بمعنى (عرف) فيرى السمينُ الحلبيُّ أنه يُشْكِلُ في هذا الموضع؛ لأن الله -تعالى- لا يجوز أن يوصف بذلك، وإنما يوصف بالعلم؛ لأن المعرفة هي: إدراك الشيء على ما هو عليه، وهي مسبوقة بجهل، أو نسيان حاصل بعد العلم.=","vol":"6","page":12},{"text":"والمفعول الثاني -ههنا- محذوف. والتقدير: وَلِيَعلمَ اللهُ الذين آمنوا [مُمَيَّزينَ] (١) بالإيمان مِنْ غيرهم؛ أي: إنما يجعل الدَّولةَ للكفارِ على المسلمين، لِيُميِّزَ (٢) [المؤمن] (٣) المخلص (٤)، مِمَّن يرتد عن الدين إذا أصابته نكبةٌ.\nويحتمل أن يكون (العِلْمُ) -ههنا- بمعنى: معرفة الذات؛ والتأويل: وَلِيَعلمَ اللهُ الذين آمنوا بما يظهر من صبرهم على جهاد عدوِّهم؛ أي: لِيَعرِفَهم بأعيانهم. إلَّا أنَّ سَبَبَ العِلْم، -وهو: ظهور الصبر -حذف ههنا-.\nوقال الفراء (٥): هذا في مذهب [(أيّ)] (٦) و(مَنْ)؛ التأويل: ليعلم الله مَن المؤمن، وأيّهُم المؤمن؛ كما قال: ﴿لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى﴾. وجاز ذلك؛ لأنَّ في (الذي)، وفي الأَلِفِ واللَّامِ تأويل (مَن) و(أيّ)؛ كما قال: ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: ٣].\n_________\n= أما العِلْم، فهو: الاعتقاد الجازم الثابت المطابق للواقع، إذ هو صفة توجب تمييزًا لا يحتمل النقيض. انظر: كتاب \"التعريفات\" للجرجاني ١٥٥، ٢٢١، و\"التوقيف على مهمات التعاريف\" ٥٢٣، ٦٦٦، و\"الدر المصون\" ٣/ ٤٠٦، و\"الكليّات\"، لأبي البقاء: ٨٦٨.\n(١) ما بين المعقوفين غير مقروء في (أ)، وساقط من (ب). والمثبت من (ج).\n(٢) في (ب): (ليتميز).\n(٣) ما بين المعقوفين غير مقروء في (أ)، وساقط من (ب). والمثبت من (ج).\n(٤) في (ب): (الملخص).\n(٥) في \"معاني القرآن\" له ١/ ٢٣٤. نقله عنه باختصار، وتصرف يسير. وانظر: \"تفسير الطبري\" ٤/ ١٠٦.\n(٦) ما بين المعقوفين في (أ) غير مقروء. وفي (ب): (أين). والمثبت من (ج).","vol":"6","page":13},{"text":"وتأويل قوله: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾، واللهُ تعالى يعلم الشيءَ قبلَ وُجُودهِ، ولا يحتاج إلى سَبَبٍ حَتى يعلم؛ وإنما المعنى: وَلِيَعْلَمَ ذلك واقِعًا منهم.\nأي: لِيَقَعَ ما عَلِمَهُ غَيْبًا، مُشَاهَدَةً للناس. والمُجَازاة إنَّمَا تَقَع بِما يعلمه موجودًا كائِنًا، لا (١) بِمَا عَلِمَهُ غَيْبًا (٢). وهذا كقوله: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ﴾ [محمد: ٣١]. وقد استقصينا ما في هذا عند قوله: ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ﴾ [البقرة: ١٤٣].\nوقوله تعالى: ﴿وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ﴾ أي: وَلِيُكْرِمَ قَوْمًا بالشَّهَادةِ؛ وذلك أنَّ المسلمين تَمَنَّوْا لِقَاءَ العَدُوَّ، وأنْ يَكُونَ لهم يومٌ كيوم بَدْر، يقاتِلُوا فيه العَدُوَّ، ويَلْتَمِسُوا الشهادة (٣).\nوالشُّهَدَاء: جمع شَهِيد؛ كـ (الكُرَمَاء)، و(الظُّرَفَاء). والمقتول مِنَ المسلمين بِسَيْفِ الكُفَّار، يُسَمَّى: شهيدًا.\nواختلفوا فيه: لِمَ سُمِّيَ شهيدًا؟:\nفقال النَضْرُ بن شُمَيْل (٤): الشَّهِيد: الحَيُّ. قال الأزهري (٥): أراه تَأَؤَّلَ قولَ اللهِ جلَّ وَعَزَّ: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ\n_________\n(١) (لا): ساقطة من (ج).\n(٢) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٤٧٠ - ٤٧١، و\"معاني القرآن\" للنحاس ١/ ٤٨٢، و\"المحرر الوجيز\" ٣/ ٣٤١، و\"البحر المحيط\" ٣/ ٦٣.\n(٣) من قال ذلك: ابن عباس، ومجاهد، وابن جريج، والضحاك، وقتادة، والربيع، والسدي، وابن إسحاق. انظر: \"تفسير الطبري\" ٤/ ١٠٦ - ١٠٧.\n(٤) قوله، في: \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٩٤٣ (شهد)، و\"اللسان\" ٤/ ٢٣٤٨ (شهد).\n(٥) قوله، في \"التهذيب\" ٢/ ١٩٤٣ (شهد). نقل أكثر قوله بنصِّه وتصرف قليلًا في آخره.","vol":"6","page":14},{"text":"عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ (١)، كأنَ أرواحَهُم أُحْضرَت (٢) دارَ السَّلام [أحياءً، و] (٣) أرواحَ غيرهم لا يَشهَدها (٤). وهذا قولٌ حَسَنٌ.\nوقال ابنُ الأنباري (٥): سُمَّي شهيدا، لأن الله وملائكته شُهُودٌ له. فهو (فَعِيل)، بمعنى: (مَفْعُول له).\nوقال قومٌ (٦): سُمُّوا شُهَداء؛ لأنهم يُسْتَشْهَدُونَ يومَ البَعثِ (٧)، مع الأنبياء والصِّدِّيقِينَ على الأمم؛ كما ذَكَرَهُ اللهُ تعالى في قوله: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣].\nقالَ أبو منصور (٨): والشهادة -يومئذ- تكون للأفضل (٩) فالأفضل مِنَ الأُمَّةِ. فأفضلهم مَن قُتِلَ في سبيل الله؛ أَبَانَهم اللهُ من غيرهم -بالفضل الذي يميَّزوا به- مِن جَمَاعَةِ المؤمنين. (١٠) وبَيَّن أنَّهم ﴿أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٩]، الآية. ثم يتلوهم في الفضل مَنْ عَدَّه النبيُّ - ﷺ - مِنَ\n_________\n(١) سورة آل عمران ١٦٩. وبقيتها: ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾.\n(٢) في (ج): (حضرت).\n(٣) ما بين المعقوفين زيادة لازمة من: \"تهذيب اللغة\".\n(٤) وفي \"التهذيب\": وأرواح غيرهم أخِّرَتْ إلى يوم البَعْث.\n(٥) قوله، في: المصدر السابق. نقله عنه بمعناه.\n(٦) أورد هذا القول الأزهريُّ في المصدر السابق، ولم ينسبه لقائل.\n(٧) في (ب): (بالبعث). بدلًا من: (يوم البعث).\n(٨) هو الأزهري، وقوله في: \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٩٤٣. نقله عنه بتصرف واختصار.\n(٩) في (أ)، (ب): الأفضل. والمثبت من (ج)، و\"تهذيب اللغة\".\n(١٠) وعبارة \"التهذيب\": ميّزت هذه الطبقة عن الأمة بالفضل الذيَ حازوه.- بدلًا من عبارة المؤلف: (أبانهم .. المؤمنين).","vol":"6","page":15},{"text":"المسلمين شهيدا؛ فإنه قال: \"المَبْطْونُ شَهِيد (١)، والغرِيق شَهيد (٢) \" (٣).\nوذَكَرَ -أيضًا- غيرَ هذين. ويدل على هذا ما رُوي أنَّ النَبِيَّ - ﷺ - قال:\n_________\n(١) في (أ): (شهيدا). والمثبت من: (ب)، (ج)، و\"التهذيب\"، ومصادر الخبر.\n(٢) في (ب): (شهيدا).\n(٣) الحديث ورد من رواية جابر بن عتيك، ونصه: (.. فقال رسول الله - ﷺ -: \"وما تعدُّون الشهادة؟.\" قالوا: القتل في سبيل الله. فقال رسول الله - ﷺ -: \"الشهداء سَبْعَةٌ، سوى القَتْل في سبيل الله: المَطْعُونُ شهيد، والغَرِقُ شهيد، وصاحبُ ذات الجَنْب شهيد، والمَبْطُونُ شهيد، والحَرِقُ شهيد، والذي يموت تحت الهَدْمِ شهيد، والمرأَة تموت بِجُمْعٍ شهيد\".\nوقد أخرجه مالك في: \"الموطأ\" ١٦١ رقم (٣٦) كتاب الجنائز. باب النهي عن البكاء على الميت. واللفظ له.\nوأخرجه أحمد في \"المسند\" ٥/ ٤٤٦ انظر: \"الفتح الرباني\" ١٤/ ٣٩)، وأبو داود في \"السنن\" رقم (٣١١١). كتاب الجنائز. باب في فضل من مات في الطاعون. وأخرجها النسائي في \"السنن\" رقم (١٨٤٦) كتاب الجنائز. باب النهي عن البكاء على الميت. رقم (٣١٩٤) كتاب الجهاد. باب من خان غازيا ..\nوأخرجه ابن ماجه في \"السنن\" رقم (٢٨٠٣) كتاب الجهاد. ما يرجى فيه الشهادة، وصححه الألباني في \"صحيح سنن ابن ماجه\" رقم (٢٢٦١).\nوأخرجه عبد الرزاق في \"المصنف\" ٣/ ٥٦٢ رقم (٦٦٩٥).\nوابن حبان في صحيحه ٧/ ٤٦١ رقم (٣١٨٩)، ٤٦٣ رقم (٣١٩٠).\nوأخرجه الحاكم في \"المستدرك\" ١/ ٣٥١ كتاب الجنائز، وصححه ووافقه الذهبي،\nوالطبراني في \"المعجم الكبير\" ٢/ ١٩١ رقم (١٧٧٩)، ١٩٢ رقم (١٧٨٠)، و\"الأوسط\" ٢/ ١٤٢ (١٢٦٥)، والبغوي في \"شرح السنة\" ٥/ ٤٣٣ رقم ١٥٣٢.\nوأخرج الشافعى أوَّلَه في \"المسند\" ١/ ١٩٩ رقم (٥٥٦)، وكذا البيهقي في \"السنن\" ٤/ ٦٩ واقتصر على أوَّله.\nوقد ورد حديث آخر بنحو هذا الحديث عن أبي هريرة: (الشهداء خمسة: ..) وذكر بعضر الأنواع التي وردت في الحديث السابق. =","vol":"6","page":16},{"text":"\"مالَكُمْ إذا رَأَيتم الرَّجلَ يُخَرِّقُ (١) أغرَاَض الناس، ألآ تُعَرِّبُوا عليه (٢) \"؟\n_________\n= أخرجه البخاري في \"الصحيح\" (٢٨٢٩). كتاب الجهاد: باب الشهادة سبع سوى القتل، ومسلم في \"الصحيح\" رقم (١٩١٤) كتاب الإمارة. باب بيان الشهداء. وأحمد في \"المسند\" ٢/ ٤٤١، ٣١٠، وابن ماجة في \"السنن\" رقم (٢٨٠٤)، والطيالسي ٣١٦ رقم (٢٤٠٧)، وعبد الرزاق في \"المصنف\" ٥/ ٢٧٠ رقم (٩٥٧٤).\nوانظر أحاديث، وآثارًا أخرى في: \"صحيح البخاري\" (٥٧٣٣) كتاب الطب. باب ما يذكر في الطاعون، و\"مصنف عبد الرزاق\" ٥/ ٢٦٩ رقم (٩٥٧٢)، ٢٧١ رقم (٩٥٧٥، ٩٥٧٦، ٩٥٧٧)، و\"سنن سعيد بن منصور\" ٢/ ٢٣٥ - ٢٣٦ رقم (٢٦١٥، ٢٦١٦، ٢٦١٧)، و\"فتح الباري\" ٦/ ٤٣ - ٤٤، و\"كنز العمال\" ٤/ ٤٢١ - ٤٢٤ رقم (١١٢١٣ - ١١٢٣١)، و\"الفتح الرباني\" ١٤/ ٣٤ - ٣٩.\nو(المبطون): الذي مات بداء البطن، كالاستسقاء، ونحوه من العلل. و(المطعون): الذي مات من إصابته بالطاعون. و(المرأة تموت بجُمْع): التي تموت وولدها في بطنها. وقيل: التي تموت بكرًا. و(ذات الجنب): التهاب يصيب غلاف الرئة، ينتج عنه سُعال وحمى، ونخس في الجنب، ويسمى- كذلك (الجُناب).\n(١) (يُخرِّق) جاءت في: (أ)، (ب)، (ج) مهملة من الشكل، وفي \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٩٤٤: (يَخرِق)، خلاف ما جاء في مخطوط التهذيب، كما أشار إلى ذلك محقق التهذيب. وكذا ورد ضبطها في: \"اللسان\" ٤/ ٢٣٤٨ (شهد)، وما أثبتُّه هو ما استصوبته؛ لأنها وردت في مصادر الخبر (يُخرِّق)، ومن هذه المصادر: أصل مخطوط \"تهذيب اللغة\"؛ حيث أشار إلى ذلك محقق التهذيب في هامش نفس الصفحة قائلًا: (ضُبط في مُصوَّرة التهذيب بضم أوَّلِه؛ فكأنه يُراد فيها مشدَّد الراء من (التخريق). ولكن المحقق أثبتها (يَخرِق) إما باجتهاد منه، أو اعتمادًا على ما في \"اللسان\".\nوكذا وردت (يُخرَق) في: \"غريب الحديث\" لابن سلّام ١/ ١٠٢، ٢/ ٢٨، و\"الفائق\" للزمخشري ٢/ ٤١٤، و\"غريب الحديث\" لابن الجوزي ٢/ ٧٨، و\"النهاية\" لابن الأثير ٣/ ٢٠١.\n(٢) (تُعَرِّبوا) وردت في (أ)، (ب)، (ج) مهملة من الشكل. ووردت في \"تهذيب اللغة\" (تُعرِبوا)، وهو خلاف ما ورد في أصل التهذيب كما أشار إلى ذلك =","vol":"6","page":17},{"text":"فقالوا: نَخَاف لِسَانَهُ يا رَسُولَ الله. فقال: \"ذلك [أدْنَى] (١) أنْ لا تَكُونوا شُهَداء\" (٢) معناه: أنكم إذا لَمْ تُعَرِّبُوا على مَن يتناول أعراضَ المسلمين؛ مَخَافَة لِسَانِهِ، لم تَدْخُلُوا في جُمْلَةِ المُسْتَشْهَدِين يومَ القيامة على الأمم التي كَذَّبَتْ أنبياءَها.\n_________\n= محققه؛ حيث قال: (ضُبطت بتشديد الراء في المصورة).\nوكذا وردت بتشديد الراء في مصادر الخبر المشار إليها سابقًا. وهي ما اعتمدت عليه في ضبط الكلمة.\nأما في \"لسان العرب\" ٤/ ٢٣٤٨ (شهد) فقد نقل هذا النص عن الأزهري وفيه: (أنْ لا تَعْزِمُوا عليه).\n(١) ما بين المعقوفين زيادة من \"تهذيب اللغة\"، وبقية مصادر الأثر التالية.\n(٢) الأثر، لم أهتد إليه في كتب السنة، وقد أورده: أبو عبيد بن سلّام في: \"غريب الحديث\" ١/ ١٠٢ من قول عمر - ﵁ -، حيث قال: (وقد روي عن عمر أنه قال: ..) وذكره، وفي: ٢/ ٢٨ قال: (وفي حديث عمر: ما يمنعكم إذا رأيتم الرجل ..) وذكره وأشار محقق \"غريب الحديث\" في هامش: ٢/ ٢٥٢ إلى أنه وردت زيادة في بعض نسخ الغريب فيها سند هذا الأثر، وهو: (.. قال: حدثناه أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن زيد بن صوحان، عن عمر ..).\nوفي \"التهذيب\" ٦/ ٧٤: جعله من قول عمر، حيث قال: القوله (..)، وقد أورده الزمخشري في \"الفائق\" ٢/ ٤١٤، وابن الجوزي في \"غريب الحديث\" ٢/ ٧٨ وقال: (قال عمر: مالكم ..) وذكره، وابن الأثير في \"النهاية\" ٣/ ٢٠١.\nوفي جميع المصادر السابقة التي أوردت الأثر لم يرد فيها قولهم: (.. يا رسول الله ..). وقوله: (تُعَرِّبوا عليه)؛ أي: تقبِّحوا قولَه، وتعيبوه، وتَرَدُّوه عليه، وتُفسِدوا عليه كلامَه، وتهجِّنوه.\nانظر: \"الفائق\" ٢/ ٤١٤، و\"اللسان\" ٥/ ٢٨٦٦ (عرب)، في كتاب \"النخل\" لأبي حاتم السجستاني ١٠١: (وفي الحديث: (فما عرَّبتم عليه)، أيَ: فما غيَّرتم).","vol":"6","page":18},{"text":"وقيل في الشَّهِيد: إنَّه سُمِّيَ (شَهِيدا) (١): لأنه شَهِد الجَنَّة؛ أي: حَضَرَها حين استشهد. فهو على هذا التأويل، بمعنى (٢): (شاهد)، وهو: الحاضر؛ كما يقال: (سميع وسامع)، و(عليمٌ وعالِم) (٣). وهذا قريب مِمَّا قاله ابنُ شميل (٤).\nوقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ قال ابن عباس (٥): أي: المشركين.\nوفي هذا [إشارة] (٦) إلى أنه إنَّما [يُدِيل] (٧) الكافرين على المؤمنين؛ لِمَا ذَكَرَ (٨)، لا (٩) لأنَّهُ يُحِبُّهم. وإذْ (١٠) أَدَالَ المؤمنين، أدَالَهُمْ نُصْرَةً لهم، ومَحَبَّةً منه إيَّاهم.\nوجملة معنى الآية: أنها [تَسْلِيَة] (١١) للمؤمنين [عَمَّا نالَهُم مِنَ\n_________\n(١) لم أقف على من قال بهذا القول.\n(٢) في (أ)، (ب): (معنى). والمثبت من (ج).\n(٣) وردت -هنا- عبارة مكررة في (ج)، وهي: (فهو على هذا التأويل).\n(٤) أورد ابن حجر في \"فتح الباري\" هذه الأقوال في سبب تسمية الشهيد بهذا الاسم، وزاد عليها أقوالًا أخرى، ثم قال: (وبعض هذه يختص بمن قتل في سبيل الله، وبعضها يعم غيره، وبعضها قد ينازع فيه). \"فتح الباري\" ٦/ ٤٣.\n(٥) قوله، في \"تفسير ابن أبي حاتم\" ٣/ ٧٧٤.\n(٦) ما بين المعقوفين غير مقروء في (أ). والمثبت من (ب)، (ج).\n(٧) ما بين المعقوفين في (أ)، (ب): (يريد). والمثبت من (ج). وهو الصواب.\n(٨) أي في قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ﴾\n(٩) لا: ساقطة من (ج).\n(١٠) في (ب)، (ج): (وإذا).\n(١١) ما بين المعقوفين غير مقروء في (أ). والمثبت من (ب)، (ج).","vol":"6","page":19},{"text":"الجِرَاح] (١) بِأَنَّ عَدُوَّهم قد نَالَ مِثْلَهُ، وأَنَّ سُنَّةً لَهُ في عِبَادِهِ أنْ يَبْلُوهم مَرَّةً بالخير، ومَرَّةً بالشَّرِّ [كما قال] (٢): ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ (٣)] (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-644>١٤١ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي: لِيُظْهِرَهم (٥) مِن ذنوبهم، وُيسْقِطَها عنهم. وتأويل (المَحْص) [-في اللغة-: التَّنْقِيَةُ والتَّخْلِيص (٦)] (٧).\nقرأت على سَعِيد بن محمد الحِيري، فقلت: أَخْبَرَكم أبو علي الفارسي، عن الزجَّاج، قال: سمعت المبَرِّد يقول: (مَحَصَ (٨) الحبْلُ،\n_________\n(١) ما بين المعقوفين غير مقروء في (أ). والمثبت من (ب)، (ج).\n(٢) ما بين المعقوفين غير مقروء في (أ). والمثبت من (ب)، (ج).\n(٣) سورة الأنبياء: ٣٥. وتمامها: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾.\n(٤) ما بين المعقوفين غير مقروء في (أ). والمثبت من (ب)، (ج).\n(٥) هكذا في (أ)، (ب): (لِيُظْهرهم) -بالظاء-. وفي (ج): (ليطهِّرهم) -بالطاء-. وهي أوْلى. إلّا أنَّ الأولَى، وهي (لِيظْهِرَهم) تدخل في المعنى المراد من التمحيص. جاء في \"اللسان\" (.. وقد أمْحَصَت الشمسُ؛ أي: ظهرت من الكسوف وانجلت) ٧/ ٤١٤٥ (محص).\nوقد قال المؤلف -فيما سيأتي- عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [آية: ١٥٤]: (قد ذكرنا للتمحيص ثلاثة معانٍ، عند قوله تعالى: ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾: التطهير، والكشف، والابتلاء.\nوهذا القول يعزز ما جاء في نسخة (ج)؛ لأن التطهير مصدر لـ (طهَّر)، إلا أنِّي آثرت أن أبقِيَ ما في نسختي (أ)، (ب)؛ لأن الكلمة وردت فيهما مضبوطة بالشكل، واضحة، فكأن الناسخ أراد بشَكْلها أن يُنَبِّهنا إلى رسمها.\n(٦) في (ب): (والتلخيص).\n(٧) ما بين المعقوفين مطموس في (أ)، والمثبت من: (ب)، (ج) و\"معاني القرآن\"، للزجاج، حيث وردت العبارة فيه.\n(٨) هكذا ضبطت في (أ): (مَحَصَ) -بفتح الحاء-. وكذا وردت في \"معاني =","vol":"6","page":20},{"text":"يَمْحَصُ، مَحْصًا) (١): إذا ذهب زِئْبِرُهُ (٢) حتَّى [يَمَّلِصَ] (٣)\nو(حبْلٌ مَحِصٌ، ومَلِصٌ)، بمعنًى واحدٍ (٤).\n_________\n= القرآن\"، للزجاج ١/ ٤٧١. أمّا في (ب)، (ج) فأهمِلَت من الشَّكْل. وفي \"التهذيب\" ٤/ ٣٣٥٠، و\"اللسان\" ٧/ ٤١٤٥ فقد وردت فيهما: (مَحِصَ) -بكسر الحاء-.\n(١) (أ)، (ب)، (ج): (محصا) مُهْمَلة من الشَّكْل. وضَبَطْتُها من: \"معاني القرآن\"، للزجاج ١/ ٤٧١، و\"التهذيب\" ٤/ ٣٣٥٠ حيث نقل نَصَّ الزجاج، و\"الدر المصون\" ٣/ ٤٠٧ حيث نقل هذا النص عن الواحدي. أمّا في: \"الزاهر\" ١/ ١٠٨، و\"اللسان\" ٧/ ٤١٤٥ فقد وردت فيها: (مَحَصًا) -بفتح الحاء-.\n(٢) (أ)، (ب)، (ج): زبيره وفي \"معاني القرآن\" للزجاج: (إذا ذهب منه الوبَرُ). وقد وردت (زبيره) في: \"عمدة الحفاظ\" للسمين الحلبي: ٥٣٦ إلا أني لم أجدها في كتب اللغة الأخرى التي رجعت إليها. وقد ذكرها السمين الحلبي -نفسه- في: \"الدر المصون\" ٣/ ٤٠٧ (زئبره) وفق ما أثبَتُّهُ.\nوالمثبت من كتب اللغة. انظر: \"مقاييس اللغة\" ٥/ ٣٠٠ (محص)، و\"اللسان\" ٧/ ٤١٤٥، و\"الدر المصون\" ٣/ ٤٠٧.\nالزِّئْبِرُ -بكسر الباء، وقد يضمها بعضُهم-: هو ما يظهر من درز الثوب. وهو الزَّغَب والوَبَر الذي يعلو المنسوجات. انظر: \"التاج\" ٦/ ٤٤٩ (زأبر)، و\"المعجم الوسيط\" ١/ ٣٨٨ (زأبر).\n(٣) ما بين المعقوفين مطموس في (أ). والمثبت من (ب)، (ج). وهي فيهما غير مشكولة.\nوفي \"معاني القرآن\"، للزجاج وردت: (يَمْلَصَ). وقد ضبطْتُها بالشكل من: \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٣٥٠ (محص)، و\"اللسان\" ٧/ ٤١٤٥ (محص). وهي الصواب.\nويَمَّلص: يَنْزَلِقُ من اليد. والمَلَص: الزَّلَق. يقال: (مَلِصَ مَلَصًا)، (فهو أمْلَصُ، ومَلِصٌ، ومَلِيصٌ).\nقال في: \"اللسان\" (و(امَّلَصَ، وتَمَلَّص): زَلَّ انسلالًا لِمَلاسَتِهِ. وخصَّ اللِّحيانيُّ به الرِّشاءَ، والعِنان، والحبل، قال: و(انمَلَص الشيءُ): أفْلَتَ. وتُدْغمُ النون في المِيمِ) ٧/ ٤٢٦٢ (ملص).\n(٤) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٤٧١، و\"الزاهر\" ١/ ١٠٨، و\"تهذيب اللغة\" =","vol":"6","page":21},{"text":"قال (١): ويُسْتَحَبُّ مِن الفَرسِ أنْ تَمْحَصَ (٢) قوائِمُهُ؛ أي (٣): تَخْلُصَ من الرَّهَلِ (٤). وأنشد (٥) ابنُ الأنباريِّ (٦) -على هذا- لأبي دُوَاد (٧)، يَصِف قوائمَ الفرس:\nصُمِّ النُّسُورِ صِحاحٌ غيرُ عاثِرَةٍ ... رُكِّبْنَ في مَحِصَاتٍ مُلْتَقَى العَصَبِ (٨)\n_________\n= ٤/ ٣٣٥٠ (محص)، و\"اللسان\" ٧/ ٤١٤٥، و\"الدر المصون\" ٣/ ٤٠٧.\n(١) القائل هو الزجاج، ويروي المؤلفُ قولَه هذا بسنده السابق، وقول الزجاج -بنصه- في: \"معاني القرآن\" له ١/ ٤٧٢. قال الزجاج: (ويقال: ..) وذكره.\n(٢) في (ب): (يملص). وفي \"معاني القرآن\" (تُمَحَّصَ). وما أثبتُّه ورد كذلك في: \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٣٥٠ (محص) حيث نقل نَصَّ الزجاج. و\"الدر المصون\" ٣/ ٤٠٧ حيث نقل نَصَّ المؤلف (الواحدي). وورد في \"اللسان\" ٧/ ٤١٤٥ (محص) قوله: (أنْ تُمْحَصَ) -بضم التاء-.\n(٣) في (ب)، (ج): (أن).\n(٤) في (ب): (الرها). والرَّهل -هنا-: استرخاء اللحم مِنْ سِمَنٍ. يقال: (رَهِلَ اللحم، يَرْهَلُ، رَهَلًا)، فهو (رَهِلٌ): إذا استرخى واضطرب.\nانظر (رهل) في: \"جمهرة اللغة\" ٨٠٢، و\"المجمل\" ٤٠٣، و\"اللسان\" ٣/ ١٧٥٦.\n(٥) في (ج): (أنشد) -بدون واو-.\n(٦) في \"الزاهر\" ١/ ١٠٧.\n(٧) قال البغدادي: (وأبو دُوَاد، بدالين مهملتين، أوْلاهما مضموم، بعدها واو). \"خزانة الأدب\" ٩/ ٥٩٠. وكذا كُتِب في \"الأصمعيات\" ١٨٥. أما في المصادر التالية، فقد ورد (دُؤاد).\nوهو: أبو دؤاد الإيادي، جارية بن الحجَّاج، وقيل: جُوَيْرِية بن الحجاج، وقيل: حنظلة بن الشَّرْفي.\n(٨) البيت في \"ديوانه\" ٢٨٥. وورد منسوبًا له في \"الزاهر\" ١/ ١٠٧، وورد غير منسوب في \"الدر المصون\" ٣/ ٤٠٨. وقد وردت روايته في المصادر السابقة: (.. صِحاحٍ غيرِ عاثرةٍ ..) - بكسمِ (صِحاحٍ)، و(غيرِ).\nقال ابن الأنباري: (النُّسْور: اللحم الذي في باطن الحافر، يشبه النوى، واحدها: نَسْر). \"الزاهر\" ١/ ١٠٧.","vol":"6","page":22},{"text":"قوله: (في مَحِصَات)؛ معناه: في قوائمَ مُتَجَرِّداتٍ عن اللحم، ليس فيها إلا العَظْمُ، والعَصَبُ، والجِلْدُ (١).\nقال المُبرِّد (٢): وتأويل قول الناس: (مَحِّصْ عنَّا ذُنُوبَنا)؛ أي: أذهب (٣) ما تَعَلَّقَ بنا مِنَ الذُّنُوب.\nوهذا الذي ذكره المبرِّدُ، تأويل (المَحَصِ) -بفتح الحاء-، وهو واقعٌ (٤)، و(المَحْص) -بسكون الحاء- مطاوع (٥).\nقال الخليل (٦): يقال: (مَحَصْتُ الشيءَ، أَمْحَصُه، مَحْصًا): إذا\n_________\n(١) انظر: المصدر السابق. وورد فيه: (.. من العظم، والجلد، والعصب).\n(٢) قوله في \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٤٧١.\n(٣) في \"معاني القرآن\" أذهب هنا.\n(٤) الفعل الواقع هو الفعل المتعدي إلى مفعول أو أكثر. وسمي بـ (الواقع)؛ لوقوعه على المفعول بِه، ويسمى كذلك بالفعل المجاوز، لمجاوزته الفاعل إلى المفعول به. انظر: \"معجم المصطلحات النحوية والصرفية\" ٢٤٥، و\"موسوعة النحو والصرف\" ٤٩٨.\n(٥) في \"الدر المصون\" ٣/ ٤٠٨ - وقد نقل نَصَّ الواحدي هذا-: (.. والمحص-بسكون الحاء- مصنوعٌ).\nالمطاوع من (محص) هو: انْمَحَص، وتُدغم النونُ في الميم فيصير: (امَّحَص) قال في \"اللسان\" (وقَدْ أَمْحَصَت الشمسُ: أي: ظهرت من الكسوف وانجلت. وُيروَى: امَّحَصت على المطاوعة، وهو قليل في الرباعي). ٧/ ٤١٤٥ (محص).\n(٦) قوله في: كتاب \"العين\" له ٣/ ١٢٧. ولكن المؤلف نقل قوله عن \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٤٧٢ نظرًا لتطابق النص معه.\nونص قول الخليل: (المحْصُ: خُلُوص الشيء. (مَحَصْتُهُ محْصًا): خلَّصْته من كل عيب).\nوفي \"معاني القرآن\" للنحاس: (قال أبو إسحاق: قرأت على أبي العباسِ، محمد =","vol":"6","page":23},{"text":"خَلَّصته من كلِّ عَيبٍ. قال رُؤبَةُ -يصف فَرَسا (١) -:\n[شَدِيدُ] (٢) جَلْزِ الصُّلْبِ مَمْحُوصُ الشَّوَى (٣)\n_________\n= ابن يزيد، عن الخليل: أن التمحيص: التخليص؛ يقال: (مَحَصَه، يَمْحَص، مَحْصًا): إذا خلَّصه) ١/ ٤٨٣.\n(١) في (ب): (ذئبا).\n(٢) (شديد) غير مقروء في (أ). وفي (ب): (فيديد). والمثبت من (ج)، ومصادر البيت.\n(٣) في (ج): السوى. -غير معجمة-.\nوالبيت من الرجز، وتمامه:\nكالكَرِّ لا شَخْتٌ ولا فيه لَوَى\nوقد ورد منسوبًا لرؤبة، في: \"تهذب اللغة\" ٤/ ٣٣٥٠ (محص)، و\"اللسان\" ٧/ ٤١٤٥ (محص)، و\"الدر المصون\" ٣/ ٤٠٨، و\"التاج\" ٩/ ٣٥٩ (محص).\nوفي \"اللسان\" ٧/ ٣٨٥١ (كرر) نقله عن الأزهري، ولم ينسبه.\nوالبيت ليس في ديوان رؤبة، وإنما في ديوان العجاج (بعناية وليم بن الورد) ص ٧٣. وقد ورد منسوبًا له في \"اللسان\" ٧/ ٤١٠٩، وقد أورد الأزهري شطره الثاني، ونسبه للعَجَّاج في \"التهذيب\" ٤/ ٣٣١٤ (لوى).\nوورد في \"اللسان\" ٧/ ٣٨٥١ (كرر): (.. لا سَخْتٌ ..) وهي تصحيف -والله أعلم-، وفي \"الدر المصون\" (.. السوى ..).\n(الجَلْز): الطيُّ، واللَّيُّ. وكل شيء يُلوى على شيء، ففعله: الجَلْز. يقال: (جَلَزْته، أجْلُزُه، جَلْزًا). انظر: \"اللسان\" ٢/ ٦٥٦ (جلز).\nو(الصُّلْب): الظهر. انظر: \"المجمل\" ٥٣٨ (صلب) و(الشَّوَى): الأطراف، و(شَوَى الفَرَسِ): قوائمه. انظر: \"اللسان\" ٤/ ٢٣٦٨ (شوى).\nيصف الفرس بأنه شديد طَيِّ الظهر؛ أي: وثيق الخلْق، أطرافه وقوائمه نَقِيِّة من العيوب المشينة.\nأما (السَّوَى) -على الرواية الثانية التي أوردها السمين الحلبي-، فقد فسَّرَهُ السمين بأنه: الظَّهْر. جعله مقصورًا للضرورة. وأصله: (السواء).\nو(الكَرُّ): الحبل الذي يصعد به على النخل. وجمعه (كرور). و(الشخت): =","vol":"6","page":24},{"text":"ومِن هذا؛ يُقال للسِّنَانِ المَجْلُوِّ: (مَمْحُوص) (١). قال أُسَامَةُ الهُذَلِيُّ (٢):\nوَشَقّوا (٣) بمَمْحُوصِ القِطَاعِ (٤) فُؤَادهُ (٥)\nيعني: بِمَجْلُوِّ النِّصَالِ (٦).\n_________\n= الدقِيق، الضامر. و(اللَّوَى): العِوَج.\nانظر: \"التهذيب\" ٤/ ٣١٢٣ (كرر)، ٤/ ٣٣٥٠ (محص)، و\"القاموس\" ١٩٨ (شخت).\n(١) انظر (محص) في: \"التهذيب\" ٤/ ٣٣٥٠، و\"اللسان\" ٧/ ٤١٤٥.\n(٢) هو: أسامة بن الحارث الهذلي. وقيل: أسامة بن حبيب. شاعرٌ مُخَضْرَم (جاهلي، إسلامي). انظر: \"الشعر والشعراء\" ٢/ ٦٧٠، و\"شرح أشعر الهذليين\" ٣/ ١٢٨٩، و\"الإصابة\" لابن حجر ١/ ٣١.\n(٣) في (ج): (شقوا) - بدون واو-.\n(٤) في (ج): (القطاة).\n(٥) صدر بيت، وتمامه:\nلَهُمْ قُتَرَاتٌ قد بُنِينَ مَحاتِدُ\nوقد ورد منسوبًا له في: \"شرح أشعار الهذليين\" ٣/ ١٣٠٠، و\"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٣٥٠ (محص)، و\"اللسان\" ٧/ ٤١٤٥ (محص)، و\"التاج\" ٤/ ٤١٠ (حتد). وورد غير منسوب في: \"اللسان\" ٢/ ٧٦٨ (حتد).\nولكنه ورد في \"شرح أشعار الهذليين\" بالرواية التالية: (.. بِمَنْحُوضِ القِطَاع ..) وليس في هذه الرواية شاهد على ما ذهب إليه المؤلف. وفي \"التهذيب\" (أشَفُّوا ..)، وفي \"اللسان\" ٢/ ٧٦٨: (.. له قُتُرات ..)، وفي ٧/ ٤١٤٥: (أشْفَوْا ..). يصف الشاعر حِمَارًا رُمي بالنِّصال، حتى رَقَّ فؤادُه من الفزع، فيقول: شَقُّوا فؤادَه. بـ (مَنْحوض القِطَاع)، وهو النَّصْل الدَّقيق المُرْهف. يقال: (سِنان نَحِيض)، أي: رقيق. و(نَحَّضَه): رقَّقَه. و(القطاع): جمع: قِطْع، وهو نصلٌ قَصِير عَرِيض.\nو(القُترات) واحدها: (قِتْر)، و(قِتْرَة)، وهي: نوع من النصال حاد الطَّرف.\nو(محاتد): أي: قديمة ورثوها عن آبائهم فهي لهم أصل، و(المحتِدُ): الأصل.\nانظر: المصادر السابقة. و\"الصحاح\" ١١٠٧ (نحض)، و\"اللسان\" ٦/ ٣٥٢٦ (قتر).\n(٦) النِّصَال، والأنْصُل، والنُّصُول)، واحدها: (نصْل)، وهي حديدة السَّهم، =","vol":"6","page":25},{"text":"فمعنى قوله: ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي: لِيُخَلِّصهم مِن ذُنوبهم. وإلى هذا ذَهَب أكثرُ أهلِ المعاني والتفسير.\nوقال (١) ابن عباس (٢): يريد (٣): يُمَحِّصَ ذنوبَهم حتى يَلْقَوْهُ؛ وليس لهم قَبْلَهُ سَيِّئَةٌ يعذبهم عليها. ووجه هذا القول: ما قاله أبو عَمْرُو الشيباني (٤): معنى التمحيص في اللغة: الكشف. و(مَحِّصْ عنَّا ذنوبَنا)؛ معناه: واكشف (٥) عنَّا ذنوبَنا. و(تَمَحَّصَ الشيءُ): إذا تَكَشَّفَ. وأنشد:\nحتى بَدَتْ قَمْرَاؤُهُ وتَمَحَّصَتْ ظَلْمَـ ... ـاؤُهُ (٦) ورَأَىَ الطريقَ المُبْصِرُ (٧)\nوهذا اختيار الفرَّاء؛ لأنه قال (٨): يريد: لِيُمَحِّصَ (٩) اللهُ الذنوبَ عن الذين آمنوا.\n_________\n= والرُّمْح، والسَّيف ما لم يكن له مِقْبَض، فإذا كان له مقبض، فهو سيف. انظر: \"التاج\" ١٥/ ٧٣٨ (نصل).\n(١) في (ج): (قال) -بدون واو-.\n(٢) لم أقف على مصدر قوله.\n(٣) (يريد): ساقطة من (ب).\n(٤) لم أقف على مصدر قوله، وليس في كتابه (الجيم). نقله عنه القالي في \"أماليه\" ٢/ ٢٧٥.\n(٥) في (ب): (اكشف) -بدون واو-.\n(٦) في (أ): (ظلماه)، والمثبت من (ب)، (ج). و(القَمْرَاء): ضوء القَمَر. و(ليلة قمراء): مضيئة. و(الظَّلْمَاء): الظُلْمة. و(ليلة ظلماء): شديدة الظلمة. انظر: \"اللسان\" ٧/ ٣٧٣٦ (قمر)، ٥/ ٢٧٥٩ (ظلم).\n(٧) ينظر: \"أمالي القالي\" ٢/ ٢٧٥، و\"الفاخر\" ١٣٥، و\"اللآلئ\" ٩١٦، و\"أساس البلاغة\" (محص)، والزاهر ١/ ١٥.\n(٨) في \"معاني القرآن\" له ١/ ٢٣٥. نقله بنصه.\n(٩) في \"معاني القرآن\" يمحص.","vol":"6","page":26},{"text":"وعلى هذا القول؛ تقدير الآية: وَلِيُمَحِّصَ الله ذنوبَ الذين آمنوا. فحذف المضاف (١).\nوروى أبو عُبَيْد (٢)، عن أبي عَمْرو، قال (٣): التَّمْحِيص: الابتلاء والاختبار (٤). وإلى هذا القول ذهب جماعة من المفسرين: السُّدِّي (٥)، ومجاهد (٦)، وروي ذلك عن ابن عباس -في بعض الروايات- (٧)، قالوا: ﴿وَلِيُمَحِّصَ﴾ أي: لِيَبْتَلِي. وهذا اختيار القُتَيْبِيِّ (٨).\nوقوله تعالى: ﴿وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾.\n(المَحْقُ) في اللغة معناه: النُّقْصَان.\nيقال: (مَحَقَهُ اللهُ، فامْتَحَقَ، وامَّحَقَ) (٩).\n_________\n(١) انظر: \"مجالس ثعلب\" ١/ ٢٦٦، فقد حكى هذا القول.\n(٢) (أبو عبيد): في (أ) تُقرأ: (أبو عبيدة) -فيشتبه السكون على الدال بالتاء المربوطة-. وفي (ج): أبو عبيدة. وما أثبتُّه من (ب)، و\"تهذيب اللغة\"، وهو الصواب؛ لأن أبا عبيد هو المعروف بالرواية عن أبي عمرو الشيباني. انظر: مقدمة تحقيق كتاب \"الجيم\" ١/ ٢٥.\n(٣) انظر قوله في \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٣٥٠ (محص).\n(٤) في (ج): (والاختيار) وفي \"التهذيب\" الاختبار والابتلاء.\n(٥) قوله، في \"تفسير الطبري\" ٤/ ١٠٧، و\"زاد المسير\" ١/ ٤٦٧.\n(٦) قوله، في \"تفسيره\" ١٣٧، و\"تفسير الطبري\" ٤/ ١٠٧ - ١٠٨، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" ٣/ ٧٧٤.\n(٧) في \"تفسير الطبري\" ٤/ ١٠٨، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" ٣/ ٧٧٥ - من رواية ابن جريج عنه-، وانظر: \"النكت والعيون\" ١/ ٤٢٦. وهو قول: الحسن، وابن إسحاق، وقتادة انظر: المصادر السابقة.\n(٨) هو ابن قتيبة، واختياره هذا في: \"تفسير غريب القرآن\" له ١/ ١٠٦، وهو -كذلك- قول المبرد في \"الكامل\" ١/ ٢١٣.\n(٩) انظر: (محق) في: \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٣٥١، و\"اللسان\" ٧/ ٤١٤٦.","vol":"6","page":27},{"text":"وقال أبو زيد (١): (مَحَقَهُ اللهُ)، و(أَمْحَقَهُ). والأصمعي يأبى إلّا (محَقَه) (٢). وأما (أَمْحَق) (٣)، فقال أبو عمرو (٤): هو أن يَنْقُصَ ويَدِقَّ (٥)، كَمُحَاقِ (٦) الهِلالِ.\nوأنشد ابن السِّكِّيت (٧):\n... حتى أنسَّ وأَمْحَقَا (٨)\n_________\n(١) قوله، في: \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٣٥٢ (محق)، و\"اللسان\" ٧/ ٤١٤٦ (محق).\n(٢) قول الأصمعي هذا، مِن تتمة كلام أبي زيد. قال: (وأبَى الأصمعيُّ إلا (محقه». وفي \"الصحاح\" (و(مَحقَه الله)؛ أي: ذهب ببركته. و(أمحقه) لغة رديئة) ١٥٥٣ (محق). وانظر: \"اللسان\" ٧/ ٤١٤٦ (محق).\n(٣) نلاحظ هنا أن الفعل (أمحق) لازم، وأما (أمحقه) السابق، فمتعدٍّ.\n(٤) قوله في: \"إصلاح المنطق\" ٢٧٨، و\"التهذيب\" ٤/ ٣٣٥٢ (محق)، و\"الصحاح\" ١٥٥٣ (محق).\n(٥) في (ب): (يرق).\n(٦) مُحَاق، ومَحاق، ومِحاق. بضم الميم، وفتحها، وكسرها-. انظر: \"اللسان\" ٧/ ٤١٤٧ (محق).\n(٧) ولفظ أبي عمرو كما في \"إصلاح المنطق\" (قال أبو عمرو: الإمحاق: أن يَهلِك؛ كمُحاق الهلال، وأنشد ..). وفي \"التهذيب\" (عن ابن السكيت عن أبي عمرو: الإمحاق: أن يهلك الشيء ..).\n(٨) في (ج): (وامَّحقا).\nوهذا مقطع من بيت وتمامه -حسب روايته في \"إصلاح المنطق\" ٢٧٨ -:\nأبوك الذي يَطْوِي أُنُوفَ عُنُوقهِ ... بأظفاره حتى أنَسَّ وأمْحَقا\nوقد نسبه في \"اللسان\" ٧/ ٤١٤٧ (محق) لسَبْرة بن عمرو الأسدي، يهجو به خالد بن قيس، وقد ورد غير منسوب في: \"إصلاح المنطق\" ٢٧٨، و\"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٣٥٢ (محق)، و\"الصحاح\" ١٥٥٣ (محق)، و\"اللسان\" ٧/ ٤١٤٧ (محق). وقد وردت روايته في هذه المصادر -عدا \"إصلاح المنطق\"-: (يَكْوي أنوث عنوقه).\nو(العُنُوق): مفردها: (عَنَاق)، وهي: الأنثى من أولاد المِعْزى، إذا أتت عليها =","vol":"6","page":28},{"text":"وقال ابن الأعْرَابي -عن المفَضَّل- (١): (المَحْقُ) -عند العرب (٢) -: أن يذهب الشيءُ كلُّهُ، حتى لا يُرَى مِنْهُ شيءٌ. ومنه ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا﴾ (٣)، أي: يستأصله.\nقال أبو إسحاق (٤): ومعنى الآية: جَعَلَ اللهُ الأيَّامَ مُدَاوَلَةً بين الناس؛\nلِيُمَحِّصَ اللهُ المُؤْمنينَ، إذا أدَالَ عليهم، بما يقع عليهم (٥) مِنْ قَتْلٍ وَجُرْحٍ وذَهابِ مَالٍ. و﴿وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾: يستأصلهم، إذا أدال عليهم، ويهلكهم بذنوبهم.\nفَقَابَلَ (٦) تَمْحِيصَ المؤمنين بِمَحْقِ الكافرين، لأن تمحيص هؤلاء، بإهلاك ذنوبهم، نَظِير مَحْقِ أولئك، بإهلاك أنْفُسِهِمْ. وهذا مُتقابِلٌ في المعنى، حَسَنٌ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-645>١٤٢ </span>- قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾ الآية (٧).\n_________\n= سنة. وتُجمع -كذلك- على: (أعْنُق، وعُنُق). و(العُنوق) جمعٌ نادرٌ.\nو(أنَسَّ)؛ أي: بلغ نَسِيسَهُ، ونَسِيسَتَهُ؛ وهو: بقية روحه، أو غاية جهده. انظر: \"التهذيب\" ٣/ ٢٥٩٧ (عنق)، و\"القاموس\" ٤/ ٥٧٧ (نسس).\n(١) قول ابن الأعرابي في: \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٣٥٣ (محق)، وفيه: (أبو العباس عن ابن الأعرابي، قال: المحق: ..) وليس فيه (عن المفضل). وكذا أورده صاحب \"اللسان\" في: ٧/ ٤١٤٦ (محق).\n(٢) (عند العرب): ليس في \"تهذيب اللغة\"، ولا في \"اللسان\".\n(٣) سورة البقرة: ٢٧٦. وتمامها: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾.\n(٤) في \"معاني القرآن\" له ١/ ٤٧٠. نقله عنه بتصرف.\n(٥) (بما يقع عليهم): ساقط من (ج).\n(٦) في (ب): (مقابل).\n(٧) (الآية): ساقطة من (ج).","vol":"6","page":29},{"text":"معنى ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ﴾: (بَلْ حَسِبْتُم)، على جهة الإنكار (١)، أي: لا تحسبوا ذلك. ومضى الكلام في هذا، في مواضع (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ﴾.\nقال أبو إسحاق (٣): (لَمَّا) جوابٌ لقولِ القائل: (قَدْ فَعَلَ فُلان). فجوابه: (لَمَّا (٤) يَفْعَل)؛ لأن (لَمَّا) مُؤَكَّدٌ بِحَرْفٍ؛ كما أُكِّدَ الابتداءُ بـ (قد).\nوإذا قال: (فَعَلَ فلان)، فجوابه: (لَمْ يَفْعَل). وإذا قال: (لَقَد فَعَل)، فجوابه: (ما فَعَل) (٥) كأنه قال: (واللهِ لَقَد فَعَل) (٦)، وقال المُجِيبُ: (واللهِ ما فَعَل) وإذا قال هو يفعل فجوابه و(لا يَفْعَل) (٧) وإذا قال سيفعل\n_________\n(١) (أم) هذه، هي المنقطعة، التي تقدر بـ (بل) -التي للإضراب-، وهمزة الاستفهام التي تفيد الإنكار. والتقدير: (بل أحسبتم؟). وانظر أقوالًا أخرى فيها، في: \"المغني\" لابن هشام ٨٢١، و\"البحر المحيط\" ٣/ ٦٥ - ٦٦، و\"الدر المصون\" ٢/ ٣٨٠، ٣/ ٤٠٨ - ٤٠٩، و\"دراسات لأسلوب القرآن الكريم\" القسم الأول ١/ ٣١٣ - ٣١٥.\n(٢) انظر: \"البسيط\" عند تفسير الآيات: ١٠٨، ١٣٣، ٢١٤ من سورة البقرة.\n(٣) في \"معاني القرآن\" ١/ ٤٧٢. نقله عنه بتصرف.\n(٤) (لما): ساقطة من (ج).\n(٥) في \"المعاني\": ما يفعل.\n(٦) في \"المعاني\" (والله هو يفعل). وقد أورد هذا سيبويه في \"الكتاب\" ٣/ ١١٧ وفيه: (والله لقد فعل) كما هي عند المؤلف.\n(٧) انظر: \"كتاب سيبويه\" ٣/ ١١٧ فقد وردت نفس العبارات التي أوردها الزجاج، ويبدو أنه نقلها عن سيبويه.\nقال الزمخشري: (و(لَمَّا) بمعنى (لم)، إلا أن فيها ضربًا من التوقع، فدل على نفي الجهاد فيما مضى، وعلى توقعه فيما يُستقبل. وتقول: (وعدني أن يفعل كذا، ولَمَّا)، تريد: ولم يفعل، وأنا أتوقع فعله). \"الكشاف\" ١/ ٤٦٧.\nقال أبو حيان -معلقًا على قول الزمخشري السابق-: (وهذا الذي قاله في (لَمَّا) =","vol":"6","page":30},{"text":"فجوابه (لن يفعل) و(لا يفعل).\nوالنَفْيُ في الآية، واقِعٌ على العِلْمِ. والمعنى: على نَفْي الجِهَادِ دونَ العِلْم؛ وذلك لِمَا فِيهِ مِنَ الإيجاز في انتفاءِ جهادٍ؛ لَوْ كانَ؛ لَعَلِمَهُ.\nوالتقدير: (ولَمَّا لم (١) يكن المعلوم من الجهاد الذي أَوْجَبَ عليكم). فجرى النفيُ على العِلْمِ؛ للإيجاز؛ على سبيل التوسع في الكلام؛ إذ المعنى مفهومٌ مِن غير إخلال.\nوقال الزجاج (٢): المعنى: وَلَمَّا يقع العِلْمُ بالجهاد، والعِلْمُ بِصَبْرِ الصابرين؛ أي (٣): وَلمَا يَعْلَمِ اللهُ ذلك واقِعًا منكم (٤)؛ لأنه يَعْلَمُه غَيْبًا (٥)، وإنما يجازيهم على عَمَلِهِم.\nوقوله تعالى: ﴿وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ انتصب على الصَّرْفِ (٦) عن\n_________\n= أنها تدل على توقع الفعل المنهي بها، فيما يُستَقبَل؛ لا أعلم أحدًا من النحويِن ذكره، بل ذكروا: أنك إذا قلت: (لمَّا يخرج زيد)، دَلَّ ذلك على انتفاء الخروج فيما مضى، متصلًا نفيُهُ إلى وقت الإخبار، أمَّا أنها تدل على توقعه في المستقبل، فلا، لكني وجدت في كلام الفراء شيئًا يقارب ما قاله الزمخشري، قال: (لَمَّا) لتعريض الوجود، بخلاف (لم»\n\"البحر المحيط\" ٣/ ٦٦. وانظر: \"دراسات لأسلوب القرآن الكريم\" القسم الأول ٢/ ٦٢٠ - ٦٢٢.\n(١) لم: ساقطة من (ج).\n(٢) في \"معاني القرآن\" له ١/ ٤٧٢. نقله عنه بنصه.\n(٣) أي: ليست في \"معاني القرآن\".\n(٤) في \"معاني القرآن\": منهم.\n(٥) في (أ): (غنيا). والمثبت من: (ب)، (ج)، و\"معاني القرآن\".\n(٦) (الصرف) اصطلاح للكوفيين، يعني: أن الفعل كان من حقه أن يُعرَبَ بإعراب ما =","vol":"6","page":31},{"text":"العطف (١). إذ ليس المعنى على نفي الثاني والأول، وإنما هو على نفي اجتماع الثاني والأول؛ على نحو: (لا يَسَعُنِي (٢) شيءٌ، وَيعْجَزَ (٣) عنك). ومثله:\nلاَ تَنْهَ عَنْ خُلُقٍ وَتَأتِيَ مِثْلَهُ (٤)\n_________\n= قبله، ولكن صَرَفَتْهُ الواو إلى وجهٍ آخر من الإعراب. انظر: \"المحلى\" لابن شقير ٤٢، و\"مغني اللبيب\" ٤٧٢، و\"الدر المصون\" ٣/ ٤١١، و\"النحو وكتب التفسير\" ١/ ١٨٧. وسيفسر الفراءُ هذا المصطلح، كما سيأتي.\n(١) والرأي الثاني، -وهو للبصريين-: أن النصب في هذه الآية وأمثالها، بإضمار (أن) وجوبًا بعد الواو، إذا قصد بها المصاحبة.\nوالرأي الثالث، -وهو لأبي عمرو الجَرْمي، من البصريين-: أنها نصبت بالواو نفسها؛ لأنها خرجت عن باب العطف.\nوقد عرض هذه الآراء وناقشها أبو البركات الأنباري في \"الإنصاف\" ص ٤٤٢. وانظر: \"شرح ابن عقيل\" ٤/ ١٤.\n(٢) (أ)، (ب): (يستعني). والمثبت من (ج). وهو الصواب.\n(٣) في (ب)، (ج): (ولا يعجز). وهو خطأ؛ لأنه خلاف ما يريد المؤلف في هذه المسألة النحوية، وسيأتي بيان ذلك في قول الفراء.\n(٤) صدر بيت، وعجزه:\nعار عليك إذا فعلت عظيمُ\nوقد اختلف في قائله، فنُسِب للشعراء التالين: أبي الأسود الدُؤَلي، والمتوكل الليثي، وسابق البربري، وحسان بن ثابت، والطرماح. وقد ورد في الكتب التالية: \"ديوان أبي الأسود الدؤلي\" ٢٣١، و\"كتاب سيبويه\" ٣/ ٤٢، و\"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٣٤، و\"المقتضب\" ٢/ ٢٦، و\"تفسير الطبري\" ١/ ٢٥٥، ٢/ ١٨٥، و\"الأصول في النحو\" ٢/ ١٥٤، و\"المحلى\" لابن شقير ٤٢، و\"اللمع\" لابن جني ١٨٩، و\"الإيضاح العضدي\" ١/ ٣٢٣، و\"جامع بيان العلم\" لابن عبد البر ١/ ٢٤٠، و\"فصل المقال\" للبكري ٩٣/ و\"شرح المفصل\" ٧/ ٢٤، و\"البسيط في =","vol":"6","page":32},{"text":"قال الفراء (١): ومعنى (الصرف): أن يجتمع فِعْلان ببعض حروف النَّسَقِ (٢)، وفي أوَّلِهِ ما لا يَحْسُنُ إعادَتُه في حروف النَّسَقِ (٣)، فتنصب الذي بعد حرف العطف، لأنه مَصرُوفٌ عن معنى الأول. وذلك يكون مع جْحدٍ أو استفهامٍ أو نَهْيٍ في أول الكلام. كقولهم: (لا يَسَعُنِي مكانٌ، ويَضِيقَ عنك) بفتح (ويضيقَ)، لأن (لا) التي مع (يَسَعُنِي)، لا يَحْسُن أن يذكرها مع (يضيقَ عنك) (٤).\nوقال ابن الأنباري (٥): قوله تعالى: ﴿وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ معناه:\n_________\n= شرح جمل الزجاجي\" ١/ ٢٣٢، و\"المغني\" لابن هشام ٤٧٢، و\"شرح شذور الذهب\" ٢٩٦، ٣٦٠، و\"شرح ابن عقيل\" ٤/ ١٥، و\"خزانة الأدب\" ٨/ ٥٦٤ وقد ذكر البيت، والاختلاف في قائله.\nوالشاهد في البيت: نصب الفعل المضارع (وتأتي) بعد الواو في جواب النهي. وهي الواو التي يسميها الكوفيون: واو الصرف. أما عند البصريين: فالنصب بـ (أن) المضمرة وجوبًا، بعد واو المعية التي تقتضي الجمع.\nانظر: \"شرح ابن عقيل\" ٤/ ١٤ والمصادر النحوية السابقة.\n(١) في \"معاني القرآن\" له ١/ ٢٣٥. نقله عنه بالمعنى. وعبارة المؤلف قريبة جدًا من عبارة الطبري في \"تفسيره\" ٧/ ٢٤٧، وقد يكون المؤلف نقل قول الفراء عن الطبري. وعبارة الفراء في المعاني أوضح وأجلى.\n(٢) في المعاني: بالواو، أو (ثُمَّ)، أو الفاء، أو (أو).\n(٣) في المعاني: (وفي أوله جحد، أو استفهام، ثم ترى ذلك الجحد، أو الاستفهام، ممتنعًا أن يُكَرَّر في العطف، فذلك الصرف ..).\n(٤) انظر -لبيان معنى الصرف-: \"تفسير البسيط\" فقد تناول هذه المسألة عند تفسير آية ٤٢ من سورة البقرة، و\"معاني القرآن\"، للفراء: ١/ ٣٣ - ٣٤، و\"تفسير الطبري\" ١/ ٢٥٥، ٤/ ١٠٨، و\"الإنصاف\" ٥٥٥ - ٥٥٦.\n(٥) لم أقف على مصدر قوله.","vol":"6","page":33},{"text":"الحال لِمَا قبله. وهذه الواو، يُسَمُّون (١) النحويون: (واو الصرف)، والذي بعدها يُنْصَبُ (٢) على خلافِ ما قبلها. كما تقول العربُ: (لا تأكل السَّمَكَ، وتَشْرَبَ اللَّبَنَ (٣»؛ أي: لا تجمع بينهما، ولا تأكلِ السَّمَكَ، في حال شُرْبِكَ اللَّبَنَ.\nقال: وقَرَأ الحَسَنُ: ﴿وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ -بالكسر- (٤)، وهو جزمٌ بالعطف على الأول، وليس بحالٍ لما قبله.\nوهذه الآية خطابٌ للذين انهزموا يوم أحد، فقيل لهم: أَحَسِبتم أنْ تدخلوا الجَنَّةَ، كما دَخَلَ الذين قُتِلوا، وبَذَلُوا مُهَجَهُم (٥) لِرَبِّهم، وثَبَتُوا على أَلَمِ الجِرَاح والضَّرْبِ، مِن غير أنْ تَسْلُكُوا (٦) طَرِيقهم، وتصبروا صَبْرَهُمْ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-646>١٤٣ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ﴾ الآية.\nقال الحسن (٧)، ومجاهد (٨)، ..................\n_________\n(١) هكذا جاءت في: (أ)، (ب). وفي (ج): (تسميها).\n(٢) في (ب): (نصب).\n(٣) في (ب): (الماين).\n(٤) انظر قراءة الحسن في: \"معاني القرآن\"، للفراء ١/ ٢٣٥، \"تفسير الطبري\" ٤/ ١٠٨، وهي -كذلك- قراءة: يحيى بن يعمر، وابن حيوة، وعمرو بن عبيد، انظر: \"المحرر الوجيز\" ٣/ ٤١.\nوقرأها عبدُ الوارث عن أبي عمرو بن العلاء بالرفع: (ويعلمُ)، وهي إما على الاستئناف، وهو الأظهر، أو على أن الواو للحال.\nانظر: \"الكشاف\" ١/ ٤٦٧، و\"المحرر الوجيز\" ٣/ ٣٤٤، و\"الدر المصون\" ٣/ ٤١١.\n(٥) في (ب): (جهدهم).\n(٦) في (ج): (يسلكوا).\n(٧) قوله، في: \"تفسير الطبري\" ٤/ ١٠٩، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" ٣/ ٧٧٦.\n(٨) قوله، في: \"تفسيره\" ١٣٧، و\"تفسير الطبري\" ٤/ ١٠٩، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" =","vol":"6","page":34},{"text":"وقتادة (١)، والرَّبِيع (٢)، والسُدِّي (٣)، ومحمد بن إسحاق (٤): كانوا يَتَأسَّفُون (٥) على ما فاتهم مِن [بَدْر] (٦)، ويَتَمَنَّون يوما مع رسول الله - ﷺ -، ويقولون: لَنَفْعَلَنَّ ولَنَفْعَلَنَّ، ثم انهزموا يوم أُحُد، واستحقوا العِتَاب (٧).\nوقوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ﴾. يعني: مِن قَبْلِ يوم أُحُد.\nوقوله تعالى: ﴿فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ﴾ أي: رأيتم أسبابَهُ، وما يتولَّدُ منه الموتُ (٨)؛ كالسَّيْفِ، والأَسِنَّةِ، ونحوِها (٩).\nوقوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾.\nقال الأخفش (١٠): هو تَوْكيدٌ (١١) لقوله: ﴿فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ﴾.\nوقال أبو إسحاق (١٢): المعنى: فقد رأيتموه، وأنتم بُصَرَاء؛ كما\n_________\n= ٣/ ٧٧٦، و\"معاني القرآن\"، للنحاس ٤٨٥، وأورده السيوطي في \"الدر\" ٢/ ١٤١ وزاد نسبة إخراجه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.\n(١) قوله، في: \"تفسير عبد الرزاق\" ١/ ١٣٤، و\"الطبري\" ٤/ ١٠٩، و\"ابن أبي حاتم\" ٣/ ٧٧٦، وأورده السيوطي فى \"الدر\" ٢/ ١٤١ وزاد نسبته إلى عبد بن حميد.\n(٢) قوله، في: المصادر السابقة.\n(٣) قوله، في: \"تفسير الطبري\" ٤/ ١١٠، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" ٣/ ٧٧٦.\n(٤) قوله في: \"سيرة ابن هشام\" ٣/ ٦٤، والمصادر السابقة.\n(٥) في (ج): (يأسفون).\n(٦) ما بين المعقوفين مطموس في (أ)، والمثبت من (ب)، (ج).\n(٧) في (ج): (العقاب).\n(٨) في (أ): (وما يتولد منه الموت منه)، وفي (ب): (وما يتولد الموت منه)، والمثبت من (ج).\n(٩) انظر: \"معاني القرآن\"، للفراء ١/ ٢٣٦، و\"تفسير غريب القرآن\" لابن قتيبة ١/ ١٠٦، و\"تفسير الطبري\" ٤/ ١٠٨.\n(١٠) قوله في \"معاني القرآن\" له ١/ ٢٣٦، وهو معنى قوله.\n(١١) في (ب): (تأكيد).\n(١٢) في \"معاني القرآن\"، له ١/ ٤٧٣. نقله عنه بنصه.","vol":"6","page":35},{"text":"تقول: (رأيت كذا وكذا)، وليس في عينيك (١) عِلَّة (٢)؛ أي: قد رأيته رؤيةً حقيقية، وهو راجع إلى معنى التوكيد.\nوقال غيره (٣): لِئَلَّا يُتَوَهَّم رؤية القَلْبِ؛ كما يقال: (رأيته عِيَانًا)، و(سمعته بأذني)؛ لئلا يتوهم سَمْع العِلْمِ.\nوقيل (٤): ﴿وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾؛ أي: تَتَأَمَّلُون الحالَ في ذلك، كيف هي؟ (٥)\n_________\n(١) في (ج): (عينك).\n(٢) ورد في مخطوطات \"معاني القرآن\" -كما ذكر محققه-: (علمه)، ورأى المحقق أنها لا تناسب ما بعدها؛ ولذا أثبَتَها (عَمَه)، وفسرها في الحاشية بـ (العَمَى). وليس كما قال؛ لأن (العَمَه) هو: التَّحَيُّرُ في منازعة أو طريق، والتردد في الضلال. انظر: (عمه) في: \"اللسان\" ٥/ ٣١١٤، و\"القاموس\" ١٢٥٠.\nوأرى أن صوابها كما أثْبَتَ المؤلف هنا، وإنما صُحِّفت في أصول مخطوطات \"معاني القرآن\". وقد وردت (عِلَّة) في \"بحر العلوم\" ١/ ٣٠٥ حيث نقل قول الزجاج.\n(٣) لم أهتد إلى القائل.\n(٤) لم أهتد إلى القائل.\n(٥) قال الطبري: ﴿فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ﴾ يعني: فقد رأيتموه بمرأى منكم ومنظر؛ أي: بقرب منكم). \"تفسيره\" ٤/ ١٠٩. وحكى الزجاجُ قولًا، ولم يعزه لقائل، فقال: (وقال بعضهم: وأنتم تنظرون إلى محمد - ﷺ -). \"معاني القرآن\" ١/ ٤٧٣، وانظر: \"غرائب التفسير\" للكرماني ١/ ٢٧١. وقد أورده ابنُ عطيَّة، وضَعَّفَه. انظر: \"المحرر\" ٣/ ٣٤٦.\nوقال أبو الليث: (وأنتم تنظرون إلى السيوف التي فيها الموت). \"بحر العلوم\" ١/ ٣٠٥ وأورد هذا القولَ ابنُ الجوزي في \"زاد المسير\" ١/ ٤٦٨، وعزاه إلى أبن عباس. وعن ابن إسحاق: (تنظرون إليهم). \"سيرة أبن هشام\" ٣/ ٦٤، و\"تفسير الطبري\" ٤/ ١١٠، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" ٣/ ٧٧٧.","vol":"6","page":36},{"text":"وفي الآية محذوفٌ، لأن المعنى: (فقد رأيتموه، وأنتم تنظرون، فَلِمَ انهزمتم)؟ وهذا موضعُ العِتَاب. وهو قول ابن عباس (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-647>١٤٤ </span>- وقوله (٢) تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ﴾ الآية.\nقال أهل التفسير (٣): لَمَّا نُعِيَ رَسُولُ الله - ﷺ - يومَ أُحُد، وأُشِيعَ أنه قد قُتِل، قال بعضُ المسلمين: لَيْتَ لَنَا رَسُولًا إلى عبد الله بن أُبَيّ، فيأخذ لنا أَمَانًا مِنْ أَبِي سُفْيان!\nوقال أناسٌ مِنْ أهل النِّفَاق: إنْ كان محمدٌ قد قُتِلَ، فالْحَقُوا بدينكم (٤) الأَوَّل؛ فأنزلَ الله هذه الآية (٥).\nو(مُحَمَد) (٦) هو المُسْتَغْرِقُ لجميع المَحَامِدِ؛ لأن الحَمْدَ لا يَسْتَوْجِبُهُ إلَّا الكامِلُ. و(التَحْمِيد) فوق (٧) (الحَمْدِ) (٨)، فلا يستحقه إلا المستولي على\n_________\n(١) لم أقف على مصدر قوله.\n(٢) في (ج): (قوله) -بدون واو-.\n(٣) ممن قال بذلك: السدِّي، وقد ورد معناه عن ابن عباس، من رواية عطية العوفي. انظر: \"تفسير الطبري\" ٤/ ١١٣، و\"تاريخ الطبري\" ٢/ ٥٢٠، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" ٣/ ٧٧٧، و\"أسباب النزول\" للواحدي ١٢٩.\n(٤) في (ج): (لدينكم).\n(٥) ورد ذلك عن الضحاك، وابن جريج. انظر: \"تفسير الطبري\" ٤/ ١١٣، ١١٤، و\"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١٢٥ ب.\n(٦) من قوله: (ومحمد) إلى (في الكمال): نقله بنصه عن \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١٢٦ أ.\n(٧) في \"تفسير الثعلبي\" (قول). وما أثبتهُ موجود -كذلك- في \"تفسير البغوي\" ٢/ ١١٥ حيث نقل هذا النص.\n(٨) لأن التحميد أبلغ من الحمد؛ يقال: (فلان محمود: إذا حُمِدَ، ومُحَمَّد: إذا كثرت خصاله المحمودة). انظر: \"مفردات ألفاظ القرآن\" ٢٥٦ (حمد).\nقال ابن فارس: (فإذا بلغ النهاية في ذلك، وتكاملت فيه المحاسِنُ والمناقِبُ، =","vol":"6","page":37},{"text":"الأَمَدِ (١) في الكمال.\nو(الرَّسُول) -قال ابن الأنباري، فيما حكى عنه الأزهري- (٢): معناه في اللغة: الذي يُتَابع أخبار مَنْ (٣) بَعَثَهُ (٤)؛ أُخِذَ مِنْ قولهم: (جاءت (٥) الإِبِلُ رَسَلًا) (٦)؛ أي: متتابعة (٧).\nفمعنى (٨): ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ﴾ أي: إلَّا مُتَابع للأخبار عن الله.\nوقال الأخفش (٩): (الرسول): هو (١٠) الرِّسَالة، وهو اسمٌ مِنْ (أَرْسَلْتُ) (١١).\n_________\n= فهو (محمد) .. وهذا البناء أبدًا يدل على الكثرة، وبلوغ النهاية .. وكذلك بناء اسم محمد - ﷺ -، دليل على كثرة المحامد وبلوغ النهاية في الحمد ..). \"أسماء رسول الله - ﷺ - ومعانيها\" ٣٠.\n(١) في \"تفسير الثعلبي\": على الأمة وفي \"تفسير البغوي\": على الأمر.\n(٢) في \"التهذيب\" ٢/ ١٤٠٧ (رسل)، وقول ابن الأنباري في كتابه \"الزاهر\" ١/ ١٢٧.\n(٣) في \" التهذيب\"، و\"الزاهر\" الذي.\n(٤) (بعثه): مطموس في (ج).\n(٥) في \"الزاهر\" قد جاءت.\n(٦) في (ج): (رحلا).\n(٧) الرَّسَلُ: القطيع من كل شيء، أو هو: القطيع من الإبل والغنم، وقيل: قطيع من الإبل، قدر عشر، يُرسل بعد قطيع، وقيل: ما بين عشر إلى خمس وعشرين. والجمع: أرسال. فإذا أوْرَدَ الرجل إبِلَهُ متقطعةً، قيل: أوردها أرسالًا. انظر: \"اللسان\" ٣/ ١٦٤٣ (رسل).\n(٨) من قوله: (فمعنى ..) إلى (.. الرسول هو): ساقط من (ج).\n(٩) لم أهتد إلى قوله في كتابه \"المعاني\"، وهو في \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٤٠٧ (رسل).\n(١٠) في (ب): (من) بدلا من: (هو)، وساقطة من (ج).\n(١١) وممن فسره بذلك: يونس بن حبيب البصري، وأبو عبيدة، والزجاج. فقالوا عن قوله تعالى: ﴿إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٦]: إنه في معنى الرسالة؛ كأنه =","vol":"6","page":38},{"text":"وقال أبو علي (١): (الرسول)، جاء على ضربين: أحدهما: يراد به المُرْسَلُ، والآخر: الرِّسَالة.\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ﴾، يريد: المُرْسَل. يُقَوِّي ذلك قوله: ﴿إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [يس: ٣]. ومثل (٢) هذا في (فعُول)، يراد به (المفعول): (الرَّكُوب)، و(الحَلُوُب): لِمَا يُحْلَبُ، ويُرْكَبُ (٣).\nوالرسول بمعنى الرسالة كقوله:\nلَقَدَ كَذَبَ الواشُوُنَ مَا (٤) بُحْتُ عِنْدَهُمْ ... بِسِرٍّ وَلاَ أَرْسَلْتُهُمْ بِرَسُولِ (٥)\nأي: برسالة. ومِنْ هذا قولُهُ تعالى: ﴿أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ﴾ [مريم: ١٩] (٦).\n_________\n= قال: إنا رِسَالة رَبِّ العالمين.\nانظر: \"مجاز القرآن\" ٢/ ٨٤، و\"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٨٥، و\"الزاهر\" ١/ ١٢٨.\n(١) لم أقف على مصدر قوله.\n(٢) في (ج): (وقيل).\n(٣) في (ج): (لما يركب ويحلب).\n(٤) في (ب): (بما).\n(٥) البيت لكثير عَزَّة. وهو في \"ديوانه\" ١١٠. وورد منسوبًا له في \"مجاز القرآن\" ٢/ ٨٤، و\"الصحاح\" ١٧٠٩ (رسل)، و\"اللسان\" ٣/ ١٦٤٥ (رسل).\nوورد غير منسوب في: \"معاني القرآن\"، للزجاج ٢/ ٨٥، و\"الزاهر\" ١/ ١٢٥، و\"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٤٠٧، و\"المسائل العضديات\" ٣٦، و\"البيان\" للأنباري ٢/ ٢٠٦، ٢١٢، و\"اللسان\" ٣/ ١٦٤٤، و\"تخليص الشواهد\" لابن هشام ١٧٦، و\"المقاصد النحوية\" ١/ ٥٠٦، و\"خزانة الأدب\" ١٠/ ٢٧٨.\nوقد وردت روايته في بعض المصادر: (ما فُهْتُ) بدلًا من: (ما بُحت)، وفي بعضها: (بسوء)، وفي أخرىَ: (بِلَيْلَى)، بدلًا من: (بِسِرٍّ).\n(٦) في (ج): ﴿إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ﴾ [طه: ٤٧]. وكذا وردت في تفسير الفخر الرازي ٩/ ٢٢، حيث نقل هذا النص.","vol":"6","page":39},{"text":"وسنذكره (١) في موضعه إن شاء الله.\nوقوله تعالى: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ معناه: أنه يموت كما ماتت الرُّسُلُ قَبْلَهُ. وقوله تعالى: ﴿أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ﴾ ألِفُ (٢) الاستفهام دخلت على حرف الشرط؛ ومعناها: الدخول على الجزاء. المعنى: (أتنقلبون على أعقابكم؛ إن مات محمَّدٌ (٣) أو قُتِلَ)، إلّا أنَّ الشرط والجزاء مُعَلَّقٌ أحدُهُما بالآخَرِ، فانعقدا جملةً واحدةً، وخَبَرًا واحدًا؛ فدخلت أَلِفُ الاستفهام على الشرط، وأَنْبَأَت عن معنى الدخول على الجزاء؛ كما أنك إذا قلت: (هل زيدٌ قائمٌ؟)؛ فإنما تستفهم عن قيامِهِ، إلّا أنك أَدْخَلْتَ (هَلْ) على الاسم؛ لِيُعْلَمَ الذي استفهمتَ عن قيامه، مَنْ هُوَ؟ وكذلك قولك (٤): (ما زيدٌ قائما)، إنما نَفَيْتَ القيامَ، ولم تَنْفِ زيدًا، ولكنك أدخلت (ما) على (زيد)؛ ليُعْلَمَ مَن الذي نُفِيَ عنه القيامُ. يوضح هذا: أن هذا الاستفهام للإنكار، ولم ينكر عليهم الموت، وإنما أنكر عليهم الانقلاب.\nوقوله تعالى: ﴿انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ أي: ارْتدَدْتُم كُفَّارًا بعد إيمانكم؛ وذلك؛ لأن الرجوع عن الحق إلى الباطل، بمنزلة رجوع القَهْقَرَى (٥)، في القُبْح والتنكيل بالنفس.\n_________\n(١) في (أ): (سنذكر). والمثبت من (ب)، (ج).\n(٢) من قوله: (ألف ..) إلى (.. نفي عنه القيام): نقله -بتصرف- عن \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٤٧٤. وانظر: \"الصاحبي\" ٢٩٥ - ٢٩٦.\n(٣) في (أ): (محمدً). وفي (ج): (محمدا). والمثبت من (ب)، وهو الصواب.\n(٤) في (ج): (قول).\n(٥) القَهقَرَىَ: الرجوع إلى خَلْفٍ. والفعل: (قهْقَرَ)، و(تَقَهْقَرَ): إذا رجع على عقبيه. انظر: (قهر) في: \"اللسان\" ٦/ ٣٧٤٦، و\"القاموس\" ٤٦٧.","vol":"6","page":40},{"text":"ويقال لكلِّ مَن عادَ إلى ما كان عليه، ورَجَعَ ورَاءَهُ (١): انقَلَبَ على عَقِبِهِ (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا﴾ فيه معنى الوعيد؛ أي: فإنما يَضُرُّ نَفْسَهُ؛ باستحقاق العِقَاب.\n﴿وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ بِمَا يستحقونه مِنَ الثَّوَاب. قال ابن عباس (٣): يريد: الطائعين لله من المهاجرين والأنصار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-648>١٤٥ </span>- وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ الآية.\nقال الأخفش (٤)، والزجَاجُ (٥): اللَّام في (لِنَفْسٍ) (٦)؛ معناها: النقل؛ بتقدير: وما كانت نفسٌ لِتَموتَ إلّا بِإذْنِ اللهِ (٧).\nقال ابن عباس (٨): يريد: بقضائه وَقَدَرِهِ. وفي هذا رَدٌّ على القَدَريَّةِ؛ حيث قالوا: إنَّ المقتول لا يكون مَيتًا بِأَجَلِهِ (٩).\n_________\n(١) في (ج): (وراه).\n(٢) انظر: \"تفسير غريب القرآن\" لابن قتيبة ١١٣. ومن قوله: (على عقبه ..) إلى (.. فلن يضر الله): ساقط من (ج).\n(٣) لم أقف على مصدر قوله.\n(٤) لم أهتد إلى قوله في كتاب \"المعاني\" له، وقد ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ٣/ ١٢٨أ.\n(٥) في \"معاني القرآن\" له ١/ ٤٧٤. وهو قول أبي عبيدة في \"مجاز القرآن\" ١/ ١٠٤.\n(٦) في (ج): النفس.\n(٧) أي: أنَّ قوله: ﴿أَنْ تَمُوتَ﴾ جُعِل خبَرًا لـ ﴿كَانَ﴾، بعد أن كان اسمًا لها. وجُعِلَ ﴿لِنَفْسٍ﴾ اسمًا لـ ﴿كَانَ﴾ بعد أن كان خبرًا لها. انظر: \"الدر المصون\" ٣/ ٤٠٨.\n(٨) لم أقف على مصدر قوله.\n(٩) انظر رأيهم حول هذه المسألة في \"كتاب الرد والاحتجاج على الحسن بن محمد بن الحنفية\" ليحيى بن الحسين ١٥٣ وما بعدها، و\"شرح جوهرة التوحيد\" ١٦٠ - ١٦٢، =","vol":"6","page":41},{"text":"واختلفوا في المراد بهذا: فقال بعض (١) أهل المعاني (٢): المراد به التَّسْلِيَةُ عَمَّا يلحق النفسَ بموت النبي - ﷺ - إذا (٣) وَقعَ. من جهة أنه إذا وَقَعَ كان بإذن الله.\nوقال بعضهم (٤): المراد به: الحَضُّ على الجهاد، من حيث لا يموت أحدٌ فيه إلّا بإذن الله. وقال ابن الأنباري (٥): عاتب اللهُ تعالى (٦) بهذا المُنْهَزِمينَ يوم أُحُد؛ رَغْبَةً في الدنيا، وَضَنًّا بالحياة، وأخبرهم أن الحياة [لا تزيد] (٧) ولا تنقص، وأنَّ الموتَ بِأَجَلٍ عنده، لا يتقدم ولا يتأخر.\nوقوله تعالى: ﴿كتَابًا مُؤَجَّلًا﴾ إنتصب ﴿كِتَابًا﴾ بالفعل الذي دلّ عليه ما قبله، وذلك أن قوله: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾، يدل على: (كَتَبَ). وكذلك قوله: ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، لأن في قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، دِلاَلَةً على: (كَتَبَ هذا التحريمَ\n_________\n= فقد ذكر آراء المعتزلة المختلفة في هذا الأمر، وذكر رأي أهل السنة، وانظر: \"بحر العلوم\" ١/ ٣٠٥، و\"المحرر الوجيز\" ٣/ ٣٥١، و\"تفسير القرطبي\" ٧/ ٢٠٢، و\"روح المعاني\" ٤/ ٧٦.\n(١) (بعض): ساقطة من (ج).\n(٢) ممن قال بذلك: ابن فورك. انظر: \"المحرر الوجيز\" ٣/ ٣٥١.\n(٣) في (ج): (وإذا).\n(٤) لم أقف عليهم. وقد ذكر هذا القولَ ابنُ عطية في \"المحرر\" ٣/ ٣٥١، ولم يعزه لقائل.\n(٥) لم أقف على مصدر قوله.\n(٦) كلمة (تعالى): ساقطة من (ج).\n(٧) ما بين المعقوفين مطموس في (أ). والمثبت من (ب). (ج).","vol":"6","page":42},{"text":"عليكم). ومثله: ﴿صُنْعَ اللَّهِ﴾ [النمل: ٨٨]، و﴿وَعَدَ اللَّهُ﴾ [النساء: ١٢٢].\nو(المُؤَجَّلُ): ذو الأَجَلِ. و(الأَجَلُ): الوقت المعلوم (١).\n[و] (٢) قال عطاء (٣)، ومقاتل (٤): يريد مُؤَجَّلًا إلى أجله الذي هو في اللوح المحفوظ.\nوقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾ قال المفسرون (٥): أي: من يُرِدْ بطاعته وعمله زينةَ الدنيا، وزُخْرُفَهَا؛ نُؤْتِهِ منها.\nقال أهل المعاني (٦): هو مُجْمَلٌ (٧)، ومعناه: نؤته منها ما نشاء، مِمَّا قَدَّرناه له (٨) كقوله: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ﴾ [الإسراء: ١٨].\nيعني بهذا: الذين تركوا المَرْكَزَ يوم أُحُد طلبًا للغنيمة، ورَغْبَةً في الدنيا (٩).\n_________\n(١) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٤٧٤.\n(٢) ما بين المعقوفين زيادة من (ج).\n(٣) لم أقف على مصدر قوله.\n(٤) في \"تفسيره\" ١/ ٣٠٥.\n(٥) انظر: \"تفسير الطبري\" ٤/ ١١٥ - ١١٦، و\"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٤٧٥، و\"بحر العلوم\" ١/ ٣٠٦، و\"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١٢٨ أ.\n(٦) من قوله: (قال ..) إلى (.. طلبًا للغنيمة): نقله -بتصرف يسير- عن \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١٢٨ أ.\n(٧) (هو مجمل): ساقط من (ج).\n(٨) وممن قال بهذا: ابن إسحاق. انظر: \"سيرة ابن هشام\" ٣/ ٦٤، و\"تفسير الطبري\" ٤/ ١١٥ - ١١٦، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" ٣/ ٧٧٩، و\"الدر المنثور\" ٢/ ١٤٥ وزاد نسبة إخراجه لابن المنذر. وهو قول الطبري. انظر: \"تفسيره\" ٤/ ١١٥ - ١١٦.\n(٩) ممن قال هذا: مقاتل في \"تفسيره\" ١/ ٣٠٥.","vol":"6","page":43},{"text":"﴿وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ﴾ أي: مَنْ كانَ قَصْدُهُ بِعِمْلِهِ ثَوَابَ الآخرة. قال عطاء (١): يعنى: زينَتَها ومُلْكَها وسُرُورَهَا.\n﴿نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾. يعني بهذا: أولئك الذين ثَبَتُوا يومَ أُحُد حتى قُتِلُوا (٢).\nأعْلَمَ الله -تعالى- أنَّهُ يُجازي كُلًّا على قَصْدِهِ وإرادته، فَمَنْ نَصِبَ للدنيا، و(٣) عمل لها، أُعْطِيَ منها حظًّا على قَدْرِما قُسِمَ له، ومَن عَمِلَ للآخرة فاز بها (٤)، كما رُوِيَ عن (٥) النبي - ﷺ - في قوله: \"الأعمال بالنيَّاتِ\" (٦)، الحديث المعروف.\n_________\n(١) لم أقف على مصدر قوله.\n(٢) هذا قول مقاتل في: \"تفسيره\" ١/ ٣٠٥، والثعلبي في \"تفسيره\" ٣/ ١٢٨ ب.\n(٣) في (ج): (أو).\n(٤) قال الزجاج: (وليس في هذا دليل أنه يحرمه خير الدنيا؛ لأنه لم يقل: (ومن يرد ثواب الآخرة، لم نؤته إلا منها)، والله -﷿- ذو الفضل العظيم). \"معاني القرآن\" ١/ ٤٧٥.\n(٥) في (ج): (قال النبي) بدلًا من: روي عن.\n(٦) الحديث أخرجه البخاري في \"صحيحه\" -في مواضع منها-: (١) كتاب بدء الوحي. باب كيف كان بدء الوحي، و(٥٤) كتاب الإيمان: باب ما جاء من الأعمال بالنية، و(٢٥٢٩) كتاب العتق. باب الخطأ والنسيان في العتاق والطلاق، و(٣٨٩٨) كتاب مناقب الأنصار. باب هجرة النبي إلى المدينة.\nوأخرجه مسلم في \"صحيحه\" رقم (١٩٠٧) كتاب الإمارة. باب إنما الأعمال بالنيات. وأبو داود في \"السنن\" رقم (٢٢٠١) كتاب الطلاق. باب فيما عني به الطلاق والنيات. والترمذي رقم (١٦٤٧) كتاب فضائل الجهاد، باب ما جاء فيمن يقاتل رياء وللدنيا. والنسائي ١/ ٥٨ كتاب الطهارة. باب النية في الوضوء، و٦/ ١٥٨ كتاب الطلاق. باب الكلام إذا قصد به فيما يحتمل معناه، و٧/ ١٣ في الأيمان. باب النية في اليمين. وابن ماجة في \"السنن\" رقم (٤٢٢٧) كتاب \"الزهد\". باب النية. وأحمد في \"المسند\" ١/ ٢٥، ٤٣، والدارقطني في \"السنن\" ١/ ٥٠،=","vol":"6","page":44},{"text":"وأَنَّثَ الكِنَاية (١) في ﴿مِنْهَا﴾، -وهي (٢) في المعنى راجعةٌ إلى الثواب-؛ لأن ثوابَ الدنيا، هو: الدنيا، وثوابَ الآخرة، هو: الآخرة. فرجوع الكِنَايَةِ إليها، كرجوعها (٣) إلى الثواب. ويقول القائل: (اللهم ارزقني الآخرة)؛ وهو يريد: ثوابَها.\nوقوله تعالى: ﴿وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ﴾ قيل (٤): إنَّه تكريرٌ للتأكيد الذي يُوجِبُ تمكين المعنى في النَّفْسِ؛ لأنه قد قال في الآية الأولى: ﴿وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾.\nوقال محمد بن إسحاق (٥): فيه إشارةٌ إلى أنَّ مَنْ أرادَ بِعَملِهِ الآخرةَ،\n_________\n= وابن خزيمة في \"الصحيح\" ١/ ٧٣ رقم (١٤٢، ٢٤٣)، ١/ ٢٣٢ رقم (٤٥٥). وابن حبان في \"الصحيح\". انظر: \"الإحسان\" ٢/ ١١٣رقم: (٣٨٨)، (٣٨٩)، و١١/ ٢١٠رقم: (٤٨٦٨)، والبيهقي في \"السنن\" ١/ ٤١، ٢٩٨، و٢/ ١٤، و٤/ ١١٢، و٥/ ٣٩، و٧/ ٣٤١، والحميدي في مسنده ١/ ١٧ رقم (٢٨)، وأبو داود الطيالسي ١/ ٤١ - ٤٢ (٣٧)، وابن المبارك في \"الزهد\" ٦٢ رقم (١٨٨)، وهناد بن السري في \"الزهد\" ٢/ ٢٨٦ رقم (٨٨٣)، والخطيب في \"تاريخ بغداد\" ٩/ ٣٤٦، ٤/ ٢٤٤. وابن الجارود في: \"المنتقى\" انظر: \"غوث المكدود\" ١/ ٦٥ رقم (٦٤).\nوقد وردت معظم روايات الحديث بلفظ: (إنما الأعمال بالنِّيَّة)، ووردت بعض الروايات: (الأعمال بالنية)، وفي رواية: (العمل بالنية)، والرواية التي أوردها المؤلف موافِقَةٌ لِما أورده ابن حبان في: \"صحيحه\"، ولفظه: \"الأعمال بالنيات، ولكل امرئٍ ما نَوَى، فمن كانت هجرتُه إلى الله ورسوله، فهجرتُه إلى الله ورسوله، ومَنْ كانت هجرتُه لدنيا يصيبُها أو امرأةٍ يتزوجها، فهجرته إلى ما هاجر إليه\".\n(١) أي: الضمير.\n(٢) في (ج): (وهو).\n(٣) في (ج): (لرجوعهما).\n(٤) لم أقف على من قال بهذا القول.\n(٥) قوله، في: \"تفسير الطبري\" ٤/ ١١٥، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" ٣/ ٧٧٩.","vol":"6","page":45},{"text":"أُعْطِيَ ثوابَها، ولَمْ يُحْرَمْ مِن الدنيا ما يُعطَاه مِنْ عَمَلِ الدنيا (١)، مِمَّا قُسِمَ له.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-649>١٤٦ </span>- قوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ﴾.\nاجتمعوا (٢) على أنَّ معنى (كَأَيِّنْ): كم (٣)؛ وتأويلها: التكثير لعدد الأنبياء الذين هذه صفتهم. والكاف (٤) في (كَأَيِّنْ) كافُ التَّشْبِيه، دخلت على (أيٍّ)، التي هي الاستفهام-، كما دخلت على (ذا) مِن (كَذَا (٥)، و(أَنَّ) مِن (كَأَنَّ)، ولا معنى للتشبيه فيه، كما أنه لا معنى للتشبيه في (كَذَا)؛ لأنك تقول: (لي عليه كَذَا وكَذَا)؛ معناه: لي عليه عددٌ مَّا. فلا معنى للتشبيه. إلا أنها زيادةٌ لازمةٌ، لا يجوز حذفُها.\nولم يقع للتنوين صورةٌ في الخط، إلا في هذا الحرف خاصَّةً.\nوكَثُرَ استعمالُ هذه الكلمة، فصارت كَكَلِمَةٍ واحدةٍ، موضوعة\n_________\n(١) في \"تفسير الطبري\" مع ما يجري عليه من الرزق في الدنيا.\n(٢) في (ج): (أجمعوا). وكذا ورد في \"تفسير الفخر الرازي\" ٩/ ٢٧ حيث نقل هذا النص عن المؤلف.\n(٣) هي (كم) الخبرية التي يُكنى بها عن معدود كثير، ولكنه مجهول الجنس والكمية. و(كأين تشترك مع (كم) -هنا- في إفادة التكثير للمعدود، وهو الغالب من استعمالها، وتستعمل في الأكثر مع (مِنْ)، ولا تأتي استفهامًا إلا في النادر، وهو رأي الجمهور، وأثبت وقوعها استفهامًا: ابن قتيبة وابن عصفور وابن مالك؛ كما أفاد ذلك ابن هشام. ويرى سيبويه أن معنى (كأين) معنى: (رُبَّ).\nانظر: \"كتاب سيبويه\" ٢/ ١٧٠، و\"تأويل مشكل القرآن\" ٥١٩، و\"الإيضاح العضدي\" ١/ ١٤٣، و\"المغني\" لابن هشام ٢٤٦، و\"النحو الوافي\" ٤/ ٥٧٧ - ٥٨٠.\n(٤) من هنا إلى نهاية: (.. لدن غدوة): نقل معناه عن \"الحجة\"، للفارسي ٣/ ٨٠ - ٨٢، مع إضافات أخرى لم أقف على مصادرها.\n(٥) (كذا) من كنايات العدد المبهمة التي يكنى بها عن معدود؛ سواء كان كثيرًا أو قليلًا.","vol":"6","page":46},{"text":"للتكثير؛ كقول الشاعر:\nكأيِّنْ في المَعَاشِرِ مِنْ أُنَاسٍ ... أخُوهُم فوقَهْمْ وهُمُ كِرَامُ (١)\nأي: كَم مِن أُنَاسٍ.\nوقرأ ابنُ كَثِير (٢): ﴿وَكَائِنْ﴾ (٣)، في وزن: (كاعِنْ).\nووجه هذه القِرَاءةِ: أن (٤) (كأيِّنْ) لَمَّا جُعِلَت كلمةً واحدةً، قُلِبت قَلْبَ الكلمة الواحدة؛ كما فُعلَ ذلك، فيما حكاه أحمد بن يحيى (٥) مِن قولهم: (لَعَمْري)، و(رَعَمْلِي)، فصارت بالقَلْبِ (كَيَّإن). فَحُذِفت (٦) الياءُ الثانيةُ تخفيفًا؛ كما حُذِفَت مِن (مَيْت) و(هَيْن) و(لَيْن) (٧)، فصارت: (كَيْإنْ) (٨) بعد\n_________\n(١) للكميت بن زيد الأسدي في ديوانه، وأخبار أبي تمام، بلفظ (أخوهم منهم) والوساطة للجرجاني ص ٣٢٩.\nوقد ورد في: \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٤٧٦، و\"حجة القراءات\" ١٧٥، و\"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١٢٩ أ، و\"المحرر الوجيز\" ٣/ ٣٥٤، و\"تفسير القرطبي\" ٤/ ٢٢٨، و\"البحر المحيط\" ٣/ ٧٢، و\"الدر المصون\" ٣/ ٤٢٢. وروايته عند الثعلبي:\n(وكأين من أناس لم يزالوا ... ................).\nالمَعَاشِر: جماعات الناس. والمَعْشَرُ: كلُّ جماعةٍ أمرُهُم واحد، نحو: مَعْشَر المسلمين، ومَعْشَر المشركين. انظر: \"اللسان\" ٤/ ٧٥٤ (عشر).\n(٢) انظر: \"السبعة\" ٢١٦، و\"الحجة\" للفارسي ٣/ ٨٠، و\"الكشف\" ١/ ٣٥٧.\n(٣) (أ)، (ب)، (ج): (وكاين). والمُثْبَت هو الموافق للقراءة.\n(٤) (أن): ساقطة من (ج).\n(٥) هو ثَعْلب. وقوله في: \"الحجة\"، للفارسي ٣/ ٨١، و\"المسائل المشكلة\" له ٣٩٤، و\"سر صناعة الإعراب\" ١/ ٣٠٨.\n(٦) من قوله: (فحذفت ..) إلى (.. فصارت كَيْإن): ساقط من (ج).\n(٧) الأصل فيها: (مَيِّت، وهَيِّن، ولَيِّن). انظر: \"المنصف\" ٢/ ١٥.\n(٨) في (أ)، (ب): (كَيْأن). والمثبت من: \"الحجة\" ٣/ ٨١، و\"سر صناعة الإعراب\" ١/ ٣٠٧، و\"المحتسب\" ١/ ١٧١. ورسِمَت الكلمةُ فيها: (كَيْءٍ).","vol":"6","page":47},{"text":"الحذف، ثم أبْدِلت من الياء الألف؛ كما أبدلت في (طَائِيٍّ) (١)، وكما أبدلت في (آيَةٍ) عند سيبويه (٢)، وكانت (أَيَّةً) (٣)، وقد حُذِفَت الياءُ مِن (أَيٍّ) في قول الفرزدق:\nتَنَظَّرْتُ نَضرًا والسِّماكَيْنِ أيْهُمَا (٤) ... عَلَيَّ مِنَ الغَيثِ اسْتَهَلَّتْ مَواطِرُهْ (٥)\n_________\n(١) في (أ)، (ب)، (ج): (طاي). والمثبت من المصادر السابقة، و\"المسائل المشكلة\" ٣٩٤.\nوالأصل في كلمة (طائي): (طَيِّئيّ)، ثم حذفوا الياء المتحركة من الياء المشددة الأولى، فصارت: (طَيْئيّ)، ثم قلبوا الياءَ الساكنةَ ألِفًا، فصارت (طائي). انظر: \"الدر المصون\" ٣/ ٤٢٣، و\"روح المعاني\" ٤/ ٢٧، ويرى مَكيُّ بن أبي طالب أنَّ أصل (طائي): (طيِّيّ) -بياءين مشددتين-؛ لأنه ينسب إلى (طَيّ)، لكن أبدلوا من الياء الأولى الساكنةِ ألِفًا، فوقعت الياء الثانية بعد ألف زائدة، فأبدلوا منها همزة.). \"الكشف\"١/ ٣٥٧. وانظر: \"سر صناعة الإعراب\" ١/ ٢٣، ٣٠٧، ٢/ ٦٦٩.\n(٢) انظر: \"الكتاب\" له ٤/ ٣٩٨، و\"الحجة\" للفارسي ١/ ٨٥، و\"سر صناعة الإعراب\" ١/ ٢٣، ٢/ ٦٦٩، و\"الكشف\" ١/ ٣٥٧.\n(٣) في (ب): (أبيه).\n(٤) في (ج): (الهما).\n(٥) في (ب): (مواطر). والبيت في: ديوانه: ٢٤٦. وقد ورد منسوبًا له في: \"الحجة\" للفارسي ١/ ٩٢، ٣/ ٨١، و\"المحتسب\"١/ ٤١، ١٠٨، ٢/ ١٥٢، و\"المحرر الوجيز\" ٣/ ٣٥٥، و\"اللسان\" ٢/ ١٠٦٨ (حير). وقد ورد في: \"اللسان\" (تنظرت نَسْرا ..).\nوقوله: (نصرا) يعني: نَصْرَ بن سَيَّار، الذي قال القصيدة في مدحه.\nوالسِّمَاكان: نجمان نَيِّران، أحدهما: السماك الرامح، والآخر: السماك الأعزل. و(الرامح) لا نَوْء له، وهو في جهة الشمال. و(الأعزل): من منازل القمر، وهو من كواكب الأنوار، وجهتة الجنوب. انظر: (سمك) في: \"التهذيب\" ٢/ ١٧٥٩، و\"اللسان\" ٤/ ٢٠٩٩.\nوالشاهد فيه: تخفيفه لـ (أيِّهما)؛ بأن حذف الياءَ الثانِية.","vol":"6","page":48},{"text":"فَلَمَّا أُبْدِلَت الألفُ مِن الياء، صارت: (كَائِنْ)، على وزن: (كاعِنْ). وأكثر ما جاء في الشعر، على هذه اللغة.\nقال جرير:\nوكايِنْ في الأَبَاطِحِ مِن صَدِيقٍ ... يَرَانِي لَوْ أُصِيبَ (١) هو المُصَابَا (٢)\n_________\n(١) هكذا جاءت في كل (أ)، (ب)، (ج): (أصيبَ). وهي خلاف ما جاء في كل المصادر التي أوردت البيت. وقد أثْبَتها كذلك؛ لاتفاق النسخ عليها، ولأني وجدت ابن الحاجب أوردها كذلك. انظر: \"أمَالِيه\" ٢/ ٦٦٢.\nوجاء في جميع نسخ تفسير (الوسيط) للمؤلف: (لو أصِيب)، ولكن المحقق جعلها (لو أصِبْتُ)، وقال: (في جميع النسخ: (لو أصيب) وما أَثبته هو \"الصحيح\". \"الوسيط\" (تحقيق: بالطيور) ٣٤٦.\n(٢) البيت في \"ديوانه\" ٢١. وقد ورد منسوبًا له في أكثر المصادر التالية: \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٤٧٥، و\"الإيضاح العضدي\"، للفارسي ١/ ١٤٣، و\"شرح الأبيات المشكلة\" له ٢٤٤، و\"الحجة\" له ٣/ ٨٠، و\"حجة القراءات\" ١٧٤، و\"أمالي ابن الشجري\" ١/ ١٠٦، و\"غرائب التفسير\" للكرماني ١/ ٢٧٢، و\"المحرر الوجيز\" ٣/ ٣٥٢، و\"شرح المفصل\" ٣/ ١١٠، ٤/ ١٣٥، و\"أمالي ابن الحاجب\" ٢/ ٦٦٢، و\"تفسير القرطبي\" ٤/ ٢٢٨، و\"المغني\" ٦٤٣، و\"منهج السالك\" ٤/ ٨٧، و\"همع الهوامع\" ١/ ٦٨، ٢٥٦، و\"شرح شواهد المغني\" ٨٧٥، و\"الدرر اللوامع\" ١/ ٤٦، ٢١٣، ٢/ ٩٢، و\"خزانة الأدب\" ٥/ ٣٩٧.\nورد البيت في جميع المصادر السابقة: (بالأباطح ..). وورد في الديوان وجميع المصادر السابقة -عدا أمالي ابن الحاجب-: (.. يراني لو أصِبْتُ هو المصابا). وأشار في: \"خزانة الأدب\" ٥/ ٤٠١ إلى أن الأخفش رواه: (وكم في الأباطح ..)، وليس فيه موضع الشاهد.\nالأباطح، جمع: أبطح، وهو: مَسِيل واسعٌ فيه دقاق الحصى. ويجمع -كذلك- على: (بِطَاح)، و(بَطَائِح). انظر: \"القاموس\" ص ٢١٣ (بطح).\nومعنى (يراني لو أصيبَ هو المصابا) -على الرواية التي أوردها المؤلف-: يراني أننى المصاب فيما أصِيب هو. -والله أعلم-.","vol":"6","page":49},{"text":"وأنْشَدَ المُفَضّل (١):\nوكائِنْ (٢) تَرَى (٣) في الحَيِّ مِنْ ذِي قَرَابَةٍ ... وغَيْرَان يَدْعُو ويلَهُ مِنْ حِذَارِيَا (٤)\nفإنْ وقفت على هذه الكلمة؛ فَلَكَ في الوَقْفِ على قِرَاءةِ ابن كثير، ثلاثة أوجه:\nأحدها: أنْ تحذف التنوين الدَّاخِلَ الكلمة مع الجرِّ، فيقول (٥): (كاءْ). فَتُسَكِّنْ (٦) الهمزةَ المجرورةَ للوقف.\nالثاني: أن يقول: (كائِي) (٧)؛ على لغة من يقول: (مَرَرْتُ بِزَيْدِيْ)، في الوقف، فَيُبْدِل (٨) مِنَ التَّنْوِين الياءَ.\n_________\n(١) قوله: (وأنشد ..) إلى نهاية بيت الشعر: (.. حذاريا): ورد بنصه في \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١٢٩ أ. ويبدو أن المؤلف نقله عنه.\n(٢) في (أ)، (ب)، (ج): (وكاين).\n(٣) في (ب): (يرى). وفي (ج): (نرى).\n(٤) لم أقف على قائله. وقد ورد في المصدر السابق، وأورد شطره الأول الفخرُ الرازي في \"تفسيره\" ٩/ ٢٧. والحِذار: المحاذرة، والتحرز، والتأهب. انظر: \"اللسان\" ٢/ ٨٠٩ (حذر).\n(٥) هكذا في: (أ)، (ب). وفي (ج): مهملة من النقط. وقد تكون على تقدير: فيقول الواقف، أو القارئ.\n(٦) في (ب): (كائنتسكن). وفي (ج): (كافتسكن).\n(٧) (أ)، (ب)، (ج): (كايَ). وما أثبَتُّه من \"الحجة\"، للفارسي ٣/ ٨٢، وهو الصواب؛ لأن الإبدال من التنوين، وليس من الهمز.\n(٨) في (ج): (فتبدل).","vol":"6","page":50},{"text":"الوجه الثالث: أنْ تَقِفَ على التنوين، وتترك الحركة (١)؛ فتقول: (كَائِنْ) (٢)؛ وذلك أنَّ التنوين -بالقَلْبِ الذي حدث في هذه الكلمة-، صارت بمنزلة النون التي من نَفْسِ الكلمة [فَتُقِرُّهُ نُونًا في الوَقْفِ] (٣)، بمنزلة [ما هو من نفس الكلمة؛ كما أنهم جعلوا ما هو من نفس الكلمة] (٤)، [التنوينَ] (٥) الزائدَ (٦)، في قول من قال: (لَدُنْ غُدْوَةً) (٧).\nفأما الوقف في القراءة (٨) الأولى، فتقف على الياء، وتترك التنوين، ولا\n_________\n(١) في (ب): أن تترك الحركة، وتقف على التنوين.\n(٢) في (ب)، (ج): (كاين).\n(٣) ما بين المعقوفين زيادة من (ج).\n(٤) ما بين المعقوفين زيادة من (ج).\n(٥) ما بين المعقوفين زيادة أضفتها ليتضح الكلام. انظر: \"الحجة\" ٣/ ٨٢.\n(٦) في (ج): (الزائدة).\n(٧) لَدُنْ: ظرف زمان ومكان، على حسب إضافتها، وهي مبنية على السكون، وتعني: (عند)، وهي تلازم الإضافة؛ إما إلى الاسم، أو الضمير. ويقال: (لُدْن، ولَدْن، ولَدِن، ولَدُ، ولَدَى). أما (لَدُنْ غُدْوَة)، فقال الأزهري عنها: (وَرَوَى أبو عمرو عن الإمامين: المبرد، وثعلب، قالا: العرب تقول: (لَدُنْ غُدوةً) و(لَدُنْ غُدْوةٌ)، و(لَدُنْ غُدْوَةٍ). قالا: فمن رَفَع؛ أراد: لدن كانت غُدْوةٌ [أي: (كان) -هنا- التَّامَّة. ومَن نَصَب؛ أراد: لدن كان الوقت غُدْوَةً. ومن خفض؛ أراد: مِن عِنْد غُدْوةٍ). \"التهذيب\" ٣/ ٢٦٣٦ (غدا)، وانظر: \"شرح المفصل\" ٢/ ١٢٧، و\"اللسان\" ٧/ ٤٠٢٢ (لدن)، و\"معجم الشوارد النحوية\" ٥١١ - ٥١٢.\nوالغُدْوَةُ: البُكْرَةُ ما بين صلاة الفجر، وطلوع الشمس. فإذا كانت مِن يَومٍ بعينه، فهي عَلَمٌ للوقت، غير مَصْروفَةٍ، فلا يدخلها التَنْوِينُ؛ لأنها مَعْرِفَة، أما إذا كانت نَكِرَةً، فإنها تُنَوَّنُ. انظر. \"اللسان\" ١٥/ ١١٦.\n(٨) في (ب)، (ج): (القراة).","vol":"6","page":51},{"text":"تقف على النون؛ لأنه لم يُقْلَبْ، كما ذكرنا من القَلْبِ في قراءة ابن كثير (١).\nوقوله تعالى: ﴿قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾. ﴿قُتِلَ﴾، و﴿قَاتَلَ﴾ (٢). فمن قرأ: ﴿قُتِلَ﴾ (٣)، احتمل وجهين:\nأحدهما: أن يكون القَتْلُ مُسْنَدًا إلى ﴿نَبِيٍّ﴾. [وقوله: ﴿مَعَهُ رِبِّيُّونَ﴾]، (٤) صِفَة لـ ﴿نَبِيٍّ﴾. و(الرِّبِّيُّون) -على هذا- مرتَفِعٌ بالظَّرْفِ (٥).\nوالثاني: أنْ يُسْنَدَ القَتْلُ إلى قوله: ﴿رِبِّيُّونَ﴾. ويكون معنى قوله: ﴿فَمَا وَهَنُوا﴾ أي: مَا وَهَنَ باقِيهم بَعْدُ، بِمَنْ (٦) قُتِلَ منهم في سبيل الله. فَحُذِفَ المُضَافُ، وأقُيِمَ المضافُ إليه مقامه؛ والمعنى: ما وَهَنَ مَنْ بَقِيَ\n_________\n(١) انظر: الكلام حول (كائن) في: \"كتاب سيبويه\" ٣/ ١٥١، ٢/ ١٧٠ - ١٧١، و\"الحجة\" للفارسي ٣/ ٨٠ - ٨٢، و\"المسائل المشكلة\" ٣٩٣ - ٣٩٤، و\"سر صناعة الإعراب\" ١/ ٣٠٦ - ٣٠٨، و\"المحتسب\" ١/ ١٧٠ - ١٧٣، و\"الكشف\" لمكي ١/ ٣٥٧، ٣٥٨، و\"مشكل إعراب القرآن\" له ١/ ١٧٥.\n(٢) قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، ونافع -من السبعة-، ويعقوب: ﴿قُتِلَ﴾. وقرأ باقي القراء: ﴿قَاتَلَ﴾.\nانظر: \"السبعة\" ٢١٧، و\"الحجة\"، للفارسي ٣/ ٨٢، و\"النشر\" ٢/ ٢٤٢، و\"إتحاف فضلاء البشر\" ص ١٨٠.\n(٣) من قوله: (فمن قرأ ..) إلى (.. وتضمر للمبتدأ خبرا): نقله -بتصرف واختصار- عن \"الحجة\"، للفارسي ٣/ ٨٣\n(٤) ما بين المعقوفين زيادة من (ج).\n(٥) ويكون الضمير الذي في ﴿مَعَهُ﴾ يعود لـ ﴿نَبِيٍّ﴾. ويجوز أن يكون ﴿قُتِلَ﴾ في محل جَرٍّ، صِفَةً لـ ﴿نَبِيٍّ﴾، و﴿مَعَهُ رَبِّيُّونَ﴾. صِفَةً ثانية. أو يكون ﴿مَعَهُ رَبِّيُّونَ﴾ في حالة إسناد القتل إلى ﴿نَبِيٍّ﴾ -: حالًا مِن الضَمِير الذيَ في ﴿قُتِلَ﴾. انظر: \"الحجة\" ٣/ ٨٣، و\"الدر المصون\" ٣/ ٤٢٧.\n(٦) في \"الحجة\" بعْدَ مَنْ.","vol":"6","page":52},{"text":"منهم لِقَتْلِ (١) مَن قُتِلَ مِنَ الرِّبَيِّينَ، لأن مَنْ قُتِلُوا لا يُوصَفُونَ بِأَنَّهُمْ (ما وَهَنُوا).\nوحُجّة هذه القراءة: أنَّ هذا الكلامَ، اقتصاصُ ما جرى عليه سَيْرُ (٢) أُمَمِ الأنبياء -﵈- قبلهم؛ لِيَتَأَسَّوا بهم. وقد قال: ﴿أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٤٤].\nومَنْ قَرَأَ: ﴿قَاتَلَ﴾، جاز فيه الوجهان اللذان ذكرنا في ﴿قُتِلَ﴾، مِن إسناد القِتَالِ إلى ﴿نَّبيٍّ﴾، أو إلى ﴿الرِّبِّيِّينَ﴾.\nوحُجَّةُ هذه القراءة: أنَّ المُراد بهذه الآية مدح الطائفة الذين مع النَّبِيِّ، بالقتال والثَّبَاتِ على ما كان عليه نَبِيُّهُمْ. والقتال أَلْيَقُ بهذا المعنى مِنَ القَتْلِ، فَحَصلَ مِن هذا أنَّ قوله: ﴿وَكَأَيِّنْ﴾، موضع الكاف الجَارَّةِ مع المجرور، رَفْعٌ بالابتداء، كما أنَّ موضع (لَهُ كَذَا وَكَذَا)، رَفْعٌ. وخَبَرُهُ: ﴿قُتِلَ﴾؛ إذا أسندت القَتْلَ إلى ﴿نَبِيٍّ﴾. وإذا لم يُسنَدْ القَتلُ إليه، كان قولُه: ﴿قُتِلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ﴾: صِفَةً لـ ﴿نَبِيٍّ﴾، وتُضمِرُ للمبتدإ خَبَرًا؛ بتقدير: (كَأيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قُتِلَ معه رِبِّيُّونَ كثيرٌ قبلكم أو مضى). وما أشبهه من التقدير.\nوهذا الذي ذكرنا في هذه الآية: قولُ الفَرَّاء (٣)، والزجَّاج (٤)، وأبي علي (٥)، وجميع مَن يُوثَقُ بِعِلْمِهِ في النحو (٦).\n_________\n(١) في (ج): (بقتل).\n(٢) في \"الحجة\"، ضُبِطت: سِيَرُ.\n(٣) في \"معاني القرآن\" له ١/ ٢٣٧.\n(٤) في \"معاني القرآن\" له / ٤٧٦.\n(٥) في \"الحجة للقراء السبعة\" ٣/ ٨٣ - ٨٤\n(٦) انظر: \"تفسير الطبري\" ٤/ ١١٧، و\"إيضاح الوقف والابتداء\" ٢/ ٥٨٥ - ٥٨٧،=","vol":"6","page":53},{"text":"وقوله تعالى: ﴿رِبِّيُّونَ﴾.\nقال الفَرّاء (١): الرِّبِّيُّون: الأُلُوف. وهو قول ابن مسعود (٢)، والضحاك (٣)، والكلبي (٤).\nوقال الزّجاج (٥): هم الجماعة الكثيرة.\nأخبرنا العَرُوضي (٦)، عن الأزهري، عن المنذري، عن أبي طالب، قال (٧): الرِّبِّيُّونَ: الجماعات الكثيرة. الواحد: (رِبِّيٌّ).\n_________\n= وكتاب \"القطع والائتناف\" ٢٣٦ - ٢٣٧، و\"حجة القراءات\" ١٧٥ - ١٧٦، و\"التبيان\"، للعكبري ص ٢١٢ - ٢١٣.\n(١) في \"معاني القرآن\"، له ١/ ٢٣٧.\n(٢) قوله في \"تفسير عبد الرزاق\" ١/ ١٣٤، و\"تفسير الطبري\" ٤/ ١١٨، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" ٣/ ٧٨٠، و\"معاني القرآن\" للنحاس ١/ ٤٩٠، و\"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١٢٩ب، و\"تفسير البغوي\" ٢/ ١١٦، و\"زاد المسير\" ١/ ٤٧٢، وأورده السيوطي في \"الدر\" ٢/ ١٤٦ وزاد نسبة إخراجه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.\n(٣) قوله في \"تفسير الطبري\"٤/ ١١٩ونصه عنده: (جموع كثيرة، قتل نبيهم). وفي \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١٢٩ ب، ونصه عند: (الرِّبِّيَّة الواحدة: ألف)، وكذا في: \"تفسير البغوي\" ٢/ ١١٦.\nوأورده السيوطي في \"الدر\" ٢/ ١٤٦ ونسب إخراجه إلى سعيد بن منصور، ولفظه: (الرِّبَّة الواحدة: ألف).\n(٤) قوله، في: \"بحر العلوم\" ١/ ٣٠٦، و\"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١٢٩ ب، و\"تفسير البغوي\" ٢/ ١١٦، ونصه: (الرِّبِّيَّة الواحدة: عشرة آلاف)\n(٥) في \"معاني القرآن\" له ١/ ٤٧٦، وأوره بلفظ: (قيل: .. إنهم الجماعات الكثيرة) واستحسنه.\n(٦) هو: أحمد بن محمد، أبو الفضل. تقدمت ترجمته.\n(٧) انظر: \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٣٣٦ - ١٣٣٧ (ربّ)","vol":"6","page":54},{"text":"وهو قول ابن عباس (١)، ومجاهد (٢)، وقتادة (٣)، والرَّبِيع (٤)، والسُّدِّي (٥).\n[و] (٦) قال ابن قتيبة (٧) وأصله مِن (الرِّبَّةِ)، وهي: الجَمَاعة، يقال (٨): (رِبِّيّ)؛ كأنه نُسِبَ (٩) إلى (الرِّبَّةِ) (١٠)، ثم يُجمَع (رِبِّيّ) بالواو (١١).\nوقال الأخفش (١٢): الرِّبَيُّونَ: الذين (١٣) يعبدون الرَّبَّ، واحِدُهم: (رِبِّيُّ).\n_________\n(١) قوله في: \"تفسير الطبري\" ٤/ ١١٧ - ١١٨، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" ٣/ ٧٨٠، وأورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ٢/ ١٤٦ - ١٤٧ وزاد نسبة إخراجه إلى ابن المنذر.\nوفي رواية أخرى عنه فَسرها بـ (علماء كثير). انظر: \"تفسير الطبري\" ٤/ ١١٧.\n(٢) قوله، في: \"تفسير الطبري\" ٤/ ١١٨، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" ٣/ ٧٨٠، و\"معاني القرآن\"، للنحاس: ٤٩٠، و\"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١٢٩ ب، و\"النكت والعيون\" ١/ ٤٢٨، و\"زاد المسير\" ١/ ٤٧٢.\n(٣) قوله، في: \"تفسير عبد الرزاق\" ١/ ١٣٤، و\"تفسير الطبري\" ٤/ ١١٨، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" ٣/ ٧٨٠، و\"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١٢٩ ب، و\"زاد المسير\" ١/ ٤٧٢.\n(٤) قوله، في: \"تفسير الطبري\" ٤/ ١١٨، و\"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١٢٩ ب، و\"زاد المسير\" ١/ ٤٧٢.\n(٥) قوله، في: المصادر السابقة، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" ٣/ ٧٨٠.\n(٦) ما بين المعقوفين زيادة من (ج).\n(٧) في \"تفسير غريب القرآن\" له ص ١٠٦.\n(٨) في \"تفسير الغريب\" يقال للجمع.\n(٩) في (ج): (ينسب).\n(١٠) (الربة): مطموس في (ج).\n(١١) في \"تفسير غريب القرآن\" فيُقال: رِبَّيُّون.\n(١٢) في \"معاني القرآن\"، له ١/ ٢١٧.\n(١٣) (أ)، (ب): (الذي). والمثبت من (ج)، و\"معاني القرآن\".","vol":"6","page":55},{"text":"قال أحمد بن يحيى (١): ينبغي أن يُفتَحَ [الرَّاءُ] (٢) على قول الأخفش، فيقال: (رَبِّي) (٣)؛ لِيَكونَ منسوبًا إلى الرَّبِّ.\nفقال مَنْ نَصَرَ الأخفشَ (٤): العرب تنسب الشيءَ إلى الشيء، فتغيِّر حَرَكَتَهُ؛ كما قالوا: (بِصْرِي)، في النسبة إلى البَصْرَةِ.\nوقوله تعالى: ﴿فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا﴾ جَمَعَ بين الوَهْنِ والضَّعْفِ؛ لأن (الوَهْنَ): انكسارُ الحَدِّ بالخوف (٥).\nو(الضَّعْفُ): نُقْصانِ القوة. أي: لم يَهِنْوا بالخوف، ولا ضَعُفُوا بنُقْصان القُوَّة. هذا معنى قول أبي إسحاق (٦): ما جَبُنُوا عن قِتَال عَدُوِّهم،\n_________\n(١) قوله، في: \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٣٣٦ (ربّ)، و\"اللسان\" ٣/ ١٥٤٨ - ١٥٤٩ (ربب).\n(٢) ما بين المعقوفين في (أ)، (ب)، (ج): (إلّا). وهي تخل بالمعنى، وأراها تصحيفًا من النساخ. والمثبت من: المصادر السابقة.\n(٣) في (أ): رِبِّي -بكسر الراء-. وفي (ب)، (ج): مهمل من النقط. وما أثبَتُّهُ -بفتح الراء- هو الصواب.\n(٤) هو الثعلبي، في: \"تفسيره\" ٣/ ١٢٩ ب.\n(٥) في (ج): (بالحذف).\nلم أرَ في مصادر اللغة والتفسير التي رجعت إليها، مَن فسَّر (الوَهْن) بهذا المعنى الدقيق، وإنما فَسَّروه جميعًا بـ (الضَّعْف)، وجعلوهما مترادفين، وهما من عطف الشيء على نفسه. ومنهم من قال بأنه الضعف في الخَلْق والخُلُق، ومنهم من فَسَّره بالضعف في العمل والأمر.\nانظر: \"غريب القرآن\"، لابن اليزيدي ٤٤، و\"تفسير غريب القرآن\" لابن قتيبة ص ١٠٦، و\"غريب الحديث\" للحربي ١٠٥٦، وانظر مادة (وهن) في: \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٩٦٦، و\"الصحاح\" ٢٢١٥، و\"المقاييس\" ٦/ ١٤٩، و\"اللسان\" ٨/ ٤٩٣٥، و\"تخليص الشواهد\" لابن هشام ٤٥٢، و\"عمدة الحفاظ\" ٦٤٥.\n(٦) في \"معاني القرآن\" له ١/ ٤٧٦.","vol":"6","page":56},{"text":"وَمَا فَتَرُوا (١)\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا اسْتَكَانُوا﴾ الاسْتِكَانَةُ: الخُضُوعُ. وهو أنْ يَسْكنُ لصاحِبِهِ، لِيَفْعَلَ (٢) بِهِ ما يريد؛ أي: وما خضعوا لِعَدُوِّهم (٣).\nقال المفسرون: هذه الآية احتجاجٌ على المنهزِمِينَ يومَ أُحُد، وذلك أنَّ صائِحًا صاحَ: قد قُتِلَ مُحمَد! فاضْطَرَبَ أمرُ المسلمينَ؛ كما ذكرنا القصة في قوله: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ﴾ [آل عمران: ١٤٤]، الآية.\nواختلفوا فيما بينهم، فأنزل الله هذه الآية، يعاتبهم على ما كان مِن فِعْلِهم، وَيحَضُّهم على الجهاد في سبيل الله؛ لِسُلُوك طريقة العلماء مِن صَحَابَةِ الأنبياء، لِيَقْتَدِيَ الخَلَفُ بالسَّلَفِ في الصَّبْرِ، حتى يأتي اللهُ ﷿\n_________\n(١) نص عبارة الزجاج: (﴿فَمَا وَهَنُوا﴾: فما فَتَروا، ﴿وَمَا ضَعُفُواْ﴾: وما جبنوا عن قتال عدوهم).\nأفهم من عبارة المؤلف -والله أعلم- أن (الوَهْنَ): أقرب إلى أن يكون نقصان القوة المعنوية، ومنها خَوَر العزيمة، ودبيب اليأس إلى النفس، وحُلُول الخوف. وأما (الضعف)؛ فهو: نقصان القوى البدنية، والفشل في المقاومة. ومن الطبيعي أنه إذا عمل الخوفُ عَمَلَه في النفس، خارت العزيمةُ، وضعفت القُوَى البدنيةُ، وقلّ إثرَها اندفاعُ الإنسان، وكُسِرت حدَّتُه، فيتضعضع حينها، ويذل، ويستكين. فالوهْنُ يكون أوَّلًا ثم الضعف، ثم الاستكانة.\nانظر حول هذا المعنى: \"التحرير والتنوير\" لابن عاشور ٤/ ١١٨، و\"تفسير الفخر الرازي\" ٩/ ٢٨.\n(٢) من قوله: (ليفعل ..) إلى نهاية قوله: (.. وقال في موضع آخر: السلطان في اللغة: الحجة): سقط من: (ج) من هذا الموضع من المخطوط، ثم عاد الناسخ وكتبه بعد تفسير قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ﴾ آية: ١٥٢، بحيث تداخل مع تفسير هذه الآية.\n(٣) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٤٧٦.","vol":"6","page":57},{"text":"بالفتح (١).\nوقال ابنُ الأنباري (٢) في هذه الآية: أي: وقد كان واجبًا عليكم، أن تُقاتلوا على أَمْرِ نَبِيِّكُمْ لو قُتِلَ؛ كما قَاتَلَ أُمَمُ الأنبياء بعد قَتْلِهِم، وَلَمْ يَرْجِعُوا عَنْ دِينِهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-650>١٤٧ </span>- قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا﴾ قال ابن عباس (٣): يريد: عند لِقَاء العدو. وهذا بعد أنْ قُتِلَ نَبِيُّهُم.\nوقوله (٤) تعالى: ﴿وَإِسْرَافَنَا﴾ الإسْرَافُ -في اللغة-: مُجَاوَزَةُ الحَدِّ. ومثله: السَّرَفُ (٥).\nقال ابن الأعرابي (٦): هو تَجَاوُزُ ما حُدَّ لك. قال ابن عباس (٧) -في قوله: ﴿وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا﴾ -: يريد: في المَعَاصِي.\nوقوله تعالى: ﴿وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا﴾ قال ابن عباس (٨): يريد: بالقُوَّةِ مِن عِندك، والنُّصرَةِ. وعلى هذا أكثر المفسرين؛ أَنَّ المراد بهذا: سؤال\n_________\n(١) (بالفتح): ساقط من (ج).\nوانظر: التعليق على تفسير المؤلف لقوله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ﴾ من آية: ١٤٤ سورة آل عمران، فقد وردت مصادر هذه الأقوال هناك.\n(٢) لم أقف على مصدر قوله.\n(٣) لم أقف على مصدر قوله.\n(٤) في (ج): قوله. -بدون واو-.\n(٥) انظر: (سرف) في: \"مقاييس اللغة\" ٣/ ١٥٣، و\"مفردات ألفاظ القرآن\" ٤٠٧، و\"بصائر ذوي التمييز\" ٢/ ١٠٥.\n(٦) قوله في \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٦٧٥ (سرف).\n(٧) قوله في: \"تفسير الطبري\" ٤/ ١٢٠، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" ٣/ ٧٨٣.\n(٨) لم أقف على مصدر قوله.","vol":"6","page":58},{"text":"[القوة و] (١) المعونة التي تَقَوَّى (٢) بها قُلُوبُهم على جهاد عدوهم، حتى يقع معها ثُبُوت (٣) أقدامهم (٤).\nوقال (٥) أبو إسحاق (٦): معنى ﴿وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا﴾ أي: ثَبِّتْنَا على دينك. قال: فإذا (٧) ثَبَّتَهُمْ على دينهم، ثَبَتُوا في حربهم. واحتج بقوله: ﴿فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا﴾ [النحل: ٩٤]، قال: المعنى: تَزِلَّ عن الدِّينِ.\nوهذا تعليم لدعاء الاستفتاح والاستنصار على الكُفَّار، وتعريضٌ بالعِتابِ معهم، حين أخبر عن غيرهم من الأمم بهذا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-651>١٤٨ </span>- قوله تعالى: ﴿فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا﴾ قال ابن عباس (٨): يريد: النَّصْر (٩) والظَّفَر والغنيمة.\n﴿وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ﴾ يعنى: الأجر والمغفرة، وما يَلْقَوْنَه مِنَ النَّعِيم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-652>١٤٩ </span>- قوله تعالى: ﴿إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يعني: اليهود؛\n_________\n(١) ما بين المعقوفين زيادة من (ب).\n(٢) في (ب): (تقوي).\n(٣) في (ب): (ثبات).\n(٤) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١/ ٣٠٧، و\"تفسير الطبري\" ٤/ ١٢١، و\"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١٣٠ ب. وهو قول ابن عباس؛ كما في: \"زاد المسير\" ١/ ٤٧٣.\n(٥) في (ج): (قال).\n(٦) في \"معاني القرآن\" له ١/ ٤٧٧.\n(٧) في (ج): (وإذا).\n(٨) لم أقف على مصدر قوله. وهو قول: الحسن، وقتادة، والربيع، وابن جريج، وابن إسحاق. انظر: \"تفسير الطبري\" ٤/ ١٢٢، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" ٣/ ٧٨٣ - ٧٨٤.\n(٩) في (ب): (بالنصر).","vol":"6","page":59},{"text":"في قول ابن عباس (١)، والأكثرين.\nوقال السُّدِّي (٢): يعني: أبا سفيان، وأصحابه.\nوقال علي (٣): يعني: المنافقين؛ في قولهم للمؤمنين عند الهزيمة: ارجِعُوا إلى دِينِ آبائكم.\nوقوله تعالى: ﴿يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ أي: يُرْجعوكم إلى أَوَّلِ أمْرِكم؛ الشركِ بالله (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-653>١٥٠ </span>- وقوله تعالى: ﴿بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ﴾ أي: ناصِرُكُم ومُعِينُكم. والمعني في هذه الآية: يقول: أنا مولاكم؛ فاسْتَغْنُوا عن مُوَالاةِ الكفَّار، وناصِرُكُمْ؛ فلا تَسْتَنْصِرُوهم.\n<span data-type=\"title\" id=toc-654>١٥١ </span>- [و] (٥) قوله تعالى: ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾.\nقال المفسرون: هذا وَعْدٌ مِنَ الله تعالى للمؤمنين، بِخذلان أعدائِهم بالرُّعْب (٦).\n_________\n(١) لم أقف على مصدر قوله. وقد ورد عن ابن جريج: أنهم اليهود والنصارى، وممن قال بذلك: الطبري، والثعلبي.\nانظر: \"تفسير الطبري\" ٤/ ١٢٣، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" ٣/ ٧٨٥، و\"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١٣٠ ب.\n(٢) قوله في: \"تفسير الطبري\" ٤/ ١٢٣، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" ٣/ ٧٨٤.\n(٣) قوله في: \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١٣٠ب، و\"زاد المسير\" ١/ ٤٧٤، و\"تفسير القرطبي\" ٤/ ٢٣٢.\nوبه قال مقاتل في \"تفسيره\" ١/ ٣٠٦، وأبو الليث في \"بحر العلوم\" ١/ ٣٠٧.\n(٤) انظر: \"بحر العلوم\" ١/ ٣٠٧، و\"زاد المسير\" ١/ ٤٧٤، و\"تفسير القرطبي\" ٤/ ٢٣٢.\n(٥) زيادة من (ب).\n(٦) انظر: \"تفسير الثعلبي\" ٧/ ٢٧٩.","vol":"6","page":60},{"text":"وقال السُّدِّي (١): لَمَّا انصرَفَ أبو سفيان وأصحابه مِن أُحُد إلى مَكَّةَ، هَمُّوا بالرجوع لاستئصال المسلمين، فألقى اللهُ في قلوبهم الرُّعْبَ، فَمَضوا ولم يرجعوا.\nو(الإلقاء) (٢): أصلُهُ في الأعيان؛ كقوله: ﴿وَأَلقَى اَلأَلوَاحَ﴾ [الأعراف: ١٥٠]، ﴿فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ﴾ [الشعراء: ٤٤]، ﴿إِذْ يُلْقُونَ﴾ [آل عمران: ٤٤].\nويُسْتَعْمَلُ في غير الأعيان؛ تَوَسُّعًا؛ كقوله: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ [طه: ٣٩]، ويقال: ألقَى عليه مَسْئلةً).\nومِثْلُ (الإلقاء) -في أنه يُسْتَعْمَلُ في الأعيان حقيقةً، وفي غير الأعيان تَوَسُّعًا-: (القَذْفُ)، و(الرَّجْمُ)، و(الرَّمْيُ)؛ يقال: (رَمَاهُ بالزِّنَا)؛ قال الله -﷿-: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [النور: ٦] أي: بالزِّنَا. وهذا اتِّسَاعٌ؛ لأن هذا ليس بِعَيْنٍ، وكذلك: (القَذْفُ).\nقال الشاعر:\nقَذَفُوا سَيِّدَهُم في وَرْطَةٍ ... قَذْفَكَ المَقْلَةَ وَسْطَ المُعْتَرَكْ (٣)\n_________\n(١) قوله، في: \"تفسير الطبري\" ٤/ ١٢٤، و\"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١٣٠ ب، و\"زاد المسير\" ١/ ٤٧٤.\n(٢) من قوله: (والإلقاء ..) إلى (.. والعنق): نقله -بتصرف واختصار- عن \"الحجة\" للفارسي ٣/ ٨٥ - ٨٨\n(٣) البيت ليزيد بن طُعْمَة الخَطْمِيِّ. وقد ورد منسوبًا له في: كتاب \"المعاني الكبير\" ١/ ٣٠٩، و\"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٤٣٠ (مقل)، و\"اللسان\" ٨/ ٤٨١٣ (ورط)، ٧/ ٤٢٤٥ (مقل).\nوورد غير منسوب في: \"مجالس ثعلب\" ٢/ ٥٤٢، و\"الحجة\" للفارسي ٣/ ٨٧. وقد ورد في \"المعاني الكبير\" (قذفوا جارهم في هُوَّةٍ ..). =","vol":"6","page":61},{"text":"فالأوَّل: على الاتِّسَاع، والثاني: على الأصل؛ ألا تَرَى أنَّ المَقلَةَ تُلقَى للتَّصَافُنِ (١).\nوقوله تعالى: ﴿الرُّعْبَ﴾ يُقرأ (٢) بالتَّثْقِيلِ، والتخفيف (٣)، وهما لُغَتَانِ، كـ (الطُّنْبِ (٤) والطُّنُبِ)، و(العُنْقِ والعُنُقِ)، ومثله كثير (٥).\n_________\n= والوَرْطَةُ: الهَلَكَةُ، أو كلُّ غامض. وأصلها: الأرض التي لا طريق فيها. و(أوْرَطَهُ)، وَ(وَرَّطَهُ): أوقعه فيما لا خلاص له منه.\nوالمَقْلَةُ: هى حصاة القَسْمِ، التي توضع في الإناء، ويصب فيه الماء حتى يغمرها، فيعرف بها قَدْرُ ما يسقى كلُّ واحد؛ وذلك إذا قل الماء، وكانوا في سفر. وفي \"مجالس ثعلب\": ٢/ ٥٤٢: أنها الحجر الذي يُلقى في البئر، يُقدر به الماء انظر: \"اللسان\" ٨/ ٤٨١٢ (ورط)، ٧/ ٤٢٤٥ (مقل).\n(١) يقال: (تَصَافَنَ القومُ، تَصَافُنًا): إذا اقتسموا الماء بينهم على طريقة إلقاء المَقْلَةِ في الإناء. وذلك عند قلة الماء. كما سبق بيانه في الهامش السابق. انظر: \"اللسان\" ١٣/ ٢٤٩ (صفن).\n(٢) في (ج): (يقرى).\n(٣) قرأ ابن كثير، ونافع، وعاصم، وأبو عمرو، وحمزة: (الرُّعْبَ) مخففة؛ أي: ساكنة العين.\nوقرأ ابن عامر، والكسائي: (الرُّعُبَ) بالتثقيل؛ أي: مضمومة العين.\nانظر: كتاب \"السبعة\" ٢١٧، و\"الحجة\" للفارسي ٣/ ٨٥، و\"حجة القراءات\" لابن زنجلة ١٧٦.\n(٤) في (أ): كالطِّنْبِ. وهى خطأ، وفي (ب): مهملة من غير شكل. والصواب ما أثبته. الطُّنْب: الحبلَ الذي يُشَدُّ به الخِبَاء والسُّرَادق. أو هو -أيضا-: عِرْق الشجر، وعَصَبُ الجَسَد، وَسَيْرٌ يُوصَلُ بِوَتَرِ القَوْسِ، ثم يدار على مَحزِّهَا الذي تقع فيه حلقة الوَتَر. ويُسمَّى -كذلك-: (الإطنابة). وجمع الطُّنْب: (أطْنَابٌ)، و(طِنَبَةٌ).\nانظر: (طنب) في \"الصحاح\" ١/ ١٧٢، و\"اللسان\" ٥/ ٢٧٠٨، و\"التاج\" ٢/ ١٨٦ - ١٨٨.\n(٥) انظر: \"أدب الكاتب\" ٥٣٦ - ٥٣٧","vol":"6","page":62},{"text":"والرُّعْبُ، بمعنى: الرَّوْع (١). يقال: (رَعَّبْتُهُ (٢) رَعْبًا، وَرُعْبًا) (٣) -لغتان-، فهو (مَرْعُوبٌ)، وَ(رَعِيبٌ) (٤). ويَجوز أنْ يكون (الرَّعْبُ) (٥) مصدرًا، و(الرُّعْبُ) اسم منه (٦). وهو: الخوف الذي يحصل [في القلب.\n_________\n(١) الرَّوْع: الفزع. يقال: (رُعْتُه، أرُوعُهُ، رَوْعا). انظر: \"إصلاح المنطق\" ١٢٣ (روع).\n(٢) هكذا جاءت في أ -بتشديد العين المفتوحة-. وأهملت من الشكل في (ب)، (ج). أكثر مصادر اللغة التي بين يدي، أوردتها: (رَعَبه) -بفتح العين من غير تشديد- والمصدر منها: (رُعْبًا ورُعُبا). أما (رَعَّبه) فمصدرها: (الترعيب).\nانظر: (رعب) في: \"اللسان\" ٣/ ١٦٦٧، و\"القاموس\" ص ٩٠، و\"التاج\" ٢/ ٢٥ - ٢٦. وفي \"الجمهرة\" لابن دريد: \"رُعِبَ الرجل، يُرْعَبُ رُعْبًا، فهو (مرعوب)، و(رَعَبْتُه أنا، أرْعَبُه)، فـ (أنا راعِبٌ له. ١/ ٣١٨ (رعب).\n(٣) وهكذا ورد ضبطها -بفتح الراء في الأولى، وضمها في الثانية، مع تسكين العين في الحالتين في: \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٤٢٢، و\"المقاييس\" ٢/ ٤١٠، و\"المجمل\" ١/ ٣٨٤.\nوورد ضَبْطُها في أكثر المصادر اللغوية التي بين يدي، كالتالي: (رُعْبًا، ورُعُبًا). انظر: (رعب) في: كتاب \"العين\" ٢/ ١٣٠، و\"اللسان\" ٣/ ١٦٦٧، و\"القاموس\" ص ٩٠، و\"المصباح المنير\" ٨٨، و\"عمدة الحفاظ\" ٢٠٥، و\"التاج\" ٢/ ٢٥ - ٢٦. وانظر: \"تفسير القرطبي\" ٤/ ٢٣٢.\n(٤) و-كذلك-: (رَعِبٌ). انظر: \"عمدة الحفاظ\" ٢٠٥.\n(٥) في (أ): (الرَعَب). وفي (ب): (غير مشكولة). وفي (ج): ساقطة. والمثبت من: مصادر اللغة. ولتتناسب مع ما قبلها من قوله: (رَعْبا ورُعْبا).\n(٦) انظر: \"مقاييس اللغة\" ٢/ ٤١٠.\nوقال في \"تاج العروس\" عن الحالة الثانية، وهي: (الرُّعْب، والرُّعُب): (هما لغتان. وقيل: الأصل الضم، ولا سكون تخفيف. وقيل: العكس، والضم إتباع. وقيل: الأول مصدر، والثاني: اسم. وقيل: كلاهما اسم. وقيل: كلاهما مصدر). ١/ ٣٧١ (رعب).\nوانظر: \"تفسير القرطبي\" ٤/ ٢٣٢، و\"تفسير الفخر الرازي\" ٩/ ٣٣.","vol":"6","page":63},{"text":"(رَعَبْتُ] (١) الشيءَ، أَرْعَبُهُ رَعْبًا). و(سَيْلٌ راعِبٌ): يملأ الأوديةَ والأنْهَارَ (٢). ثم قالوا: (رَعَبْتُهُ فارْتَعَبَ)؛ أي: أفْزَعْتُهُ فَفَزعَ؛ كأنك قلت: ملأتُ قَلْبَهُ فَزَعًا. ومعنى الآية: يملأ قلوبَهُم فَزَعًا.\nوقوله تعالى: ﴿بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ﴾ (ما) ليست بموصولة؛ لأنها للمصدر؛ أي: بإشراكهم بالله.\nوالباء في ﴿بِاللَّهِ﴾، مِنْ صِلَةِ معنى الإشراك، لا لَفْظه؛ لأن لفظَ الإشراك لا يقتضي الباء.\nقال الأزهري (٣): إنَّمَا دَخَلَتْ البَاءُ في قوله: ﴿لَا تُشرِك بِاَللَّهِ﴾ [لقمان:١٣]؛ لأن معناه: لا تَعْدِلْ به غَيْرَه، فتجعله شريكًا له، وذلك (٤) قوله -تعالى-: ﴿بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ﴾؛ أي: بِمَا عَدَلُوا باللهِ، ومَنْ عَدَلَ بالله شيئًا مِنْ خَلْقِهِ، فهو كافرٌ (٥).\nوقوله تعالى: ﴿مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾.\nأي: حُجَّةً، وَبَيَانًا. و(السُّلْطَانُ)؛ معناه: الحُجَّةُ، في قول أكثر المفسِّرينَ، وأهلِ اللغة (٦).\n_________\n(١) ما بين المعقوفين مطموس في (أ). وساقط من (ج). والمثبت من (ب).\n(٢) ويقال: (رعَبَ الحوضَ)، (يَرْعَبُهُ رَعْبا): مَلأه و(رَعَبَ السيلُ الوادي): ملأه. انظر: (رعب) في: \"المقاييس\" ٢/ ٤١٠، و\"اللسان\" ٣/ ١٦٦٧.\n(٣) في \"تهذيب اللغة\"١٠/ ١٦ (شرك). نقله عنه بتصرف يسير.\n(٤) في \"التهذيب\" وكذلك.\n(٥) في \"التهذيب\" فهو مشرك. وفي نسخ أخرى منه أشار إليها محقِّقُهُ: فهو كافر مشرك.\n(٦) انظر: \"تفسير غريب القرآن\" لابن قتيبة ص ١٠٦، و\"تأويل المشكل\" له ٥٠٤، و\"تفسير الطبري\" ٧/ ٢٧٩، و\"نزهة القلوب\" للسجستاني ٢٧٦، و\"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٧٣٢ (سلط)، و\"المجمل\" ٢/ ٤٧١ (سلط)، و\"مفردات ألفاظ القرآن\"٤٢٠ (سلط).","vol":"6","page":64},{"text":"قال الزَّجَّاجُ (١): واشتقاق (السُّلْطانِ) مِنَ (السَّلِيط)، وهو: ما يُضَاءُ به (٢) السِّرَاجُ (٣). وقيل (٤) للأمراء: سلاطين؛ لأنهم الذين يُقامُ (٥) بهم الحُجَجُ، والحُقُوقُ.\nوقال في موضع آخر (٦): السُّلْطانُ -في اللغة-: الحُجَّةُ. وإنَّمَا قيل للخليفة والأمير: (سُلْطان)؛ لأن معناه: أنه ذو الحُجَّةِ. والعَرَبُ تُؤنِّثُ (السلطان) وتُذَكِّرُ (٧)؛ فتقول: (قَضَتْ (٨) بِهِ عَلَيْكَ السُّلْطَانُ (٩»، و(أمَرَتْكَ السُّلْطَانُ)؛ أي: قَضَتْ بِهِ عليك الحُجَّةُ، وَقَضَتْ به عليك حُجَّةُ الوَالِي.\nومَنْ قال: (قَضَى به عليك السُّلطانُ)؛ ذَهَبَ إلى معنى: (صاحبُ السُّلطانِ)؛ أي: صاحب الحُجَّةِ. وجائزٌ أنْ يذهب بـ (السُّلطان) إلى معنى: الاحتجاج والبرهان.\n_________\n(١) في \"معاني القرآن\" له ٣/ ٧٦ عند تفسير آية ٩٦ من سورة هود.\n(٢) السَّلِيطُ -عند عامَّةِ العرب-: الزَّيْتُ، وعند أهل اليمن: دهن السِّمْسِم، وقيل: هو كل دهن عُصِر من حَبِّ. انظر: \"اللسان\" ٤/ ٢٠٦٥ (سلط).\n(٣) السراج: ليست في: \"معاني القرآن\".\n(٤) من قوله: (وقيل ..) على (.. الحقوق): في \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ١٢٧ عند تفسير آية ٢٩ من سورة الحاقة.\n(٥) في (ج)، و\"معاني القرآن\": (تقام).\n(٦) في \"معاني القرآن\" له ٢/ ١٢٣ - ١٢٤ عند تفسير آية ١٤٤ من سورة النساء. نقله عنه باختصار، وتصرف ببعض عباراته. وانظر: \"المذكر والمؤنث\" له ٧٤.\n(٧) في (ج)، و\"معاني القرآن\" (وتُذَكِّره).\n(٨) في (ج): (قضيت).\n(٩) من قوله: (السلطان ..) إلى (.. قضت به عيك): ساقط من (ج).","vol":"6","page":65},{"text":"قال ابن السِّكِّيت (١): السُّلْطان: مؤنَّثَةٌ (٢)؛ يُقَال: (قَضَت (٣) به عليهم (٤) السُّلْطانُ)، وقد (آمَنَتْهُ (٥) السُّلْطَانُ).\nقال الأزهريُّ (٦): ورُبمَا ذُكِّرَ (السُّلْطانُ)، لأن لفظه (٧) مُذَكَّرٌ؛ قال الله تعالى: ﴿وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ (٨).\nوقال اللَّيْثُ (٩): السُّلْطان: القُدْرَةُ. يقال: (جعلت لِفُلانٍ سُلْطانا على كذا). والنُّونُ فيه زيادة؛ لأن أصل بِنَائِهِ (١٠) مِنَ (التَّسْلِيط). وعلى هذا: (سُلْطان المَلِكِ): قُوَّتُهُ وقُدْرَتُهُ.\nوالسُّلْطانُ: البُرْهان، لِقُوَّتِهِ على دفع الباطل. والتَّسْلِيطُ على الشيء:\n_________\n(١) في \"إصلاح المنطق\" ٣٦٢. نقله عنه بتصرف يسير.\n(٢) في (ج): (مؤنث).\n(٣) في (ج): (قضيت).\n(٤) في \"إصلاح المنطق\" علينا. وفي بعض النسخ منه أشار إليها محققه: (عليك)، و(عليه).\n(٥) في (ج): (أمنه).\n(٦) في \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٧٣٢ (سلط). نقله عنه بنصه.\n(٧) في (ج): (لأنه لفظا).\n(٨) سورة هود: ٩٦، والمؤمنون: ٤٥، وغافر: ٢٣.\nوورد في: \"تهذيب اللغة\" ﴿بِسُلطَانٍ مُبِينٍ﴾. وهي من سورة إبراهيم: ١٠، والنمل: ٢١، والدخان: ١٩، والذاريات: ٣٨، والطور: ٣٨.\nانظر حول تذكير وتأنيث (السلطان): \"المذكر والمؤنث\" للفراء ٧٤، و\"المذكر والمؤنث\" لابن الأنباري ١/ ٣٨١، و\"الزاهر\" لابن الأنباري ٢/ ٢٩ - ٣٠، و\"المذكر والمؤنث\" لابن التستري ٥١، ٨٣، و\"اللسان\" ٤/ ٢٠٦٥ (سلط).\n(٩) قوله: في \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٧٣٣ (سلط). نقله عنه بمعناه.\n(١٠) في (أ): (بنايه)، وفي (ج): (بيانه)، والمثبت من: (ب)، و\"التهذيب\".","vol":"6","page":66},{"text":"التَّقْوِية عليه.\nوقال ابن دُرَيد (١): سلْطان كلِّ شيء: حِدَّتُه. مِن (٢) اللِّسَان السَّلِيط الحدِيد. و(السَّلاَطَةُ)، بمعنى: الحِدَّة، قد جَاءَ، ومنه قول الشاعر -يَصِفُ نَصْلًا (٣) مُحَدَّدَة (٤) -:\nسلاَطٌ حِدَادٌ أَرْهَقَتْهَا المَوَاقِعُ (٥)\nهذا كلام أهل اللغة في معنى (السلطان) واشتقاقه.\nقال أهل التفسير: لم [يُنْزل] (٦) اللهُ حُجَّةً ولا بَيَانًا في عِبَادَةِ غَيْرِهِ،\n_________\n(١) في \"الجمهرة\" ٢/ ٨٣٦ (سلط). قال: (حِدَّته وسطوته). ويبدو أن المؤلف نقله عن الأزهري، نظرا لتوافق عبارة المؤلف مع عبارة التهذيب. انظر: \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٧٢٣ (سلط).\n(٢) من قوله: (من ..) إلى (.. أرهقتها المواقع): بنصه في: \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٧٣٢ (سلط).\n(٣) في \"التهذيب\" نصالا.\nالنَّصْل: الحديدة التي توضع في رأس المهم أو الرمح، أو حديدة السيف ما لم يكن له مقبض. والجمع: أنْصُل، ونِصَال، ونُصُول. انظر: \"القاموس\" ١٠٦٢ - ١٠٦٣ (نصل).\n(٤) في (أ)، (ب): (محدودة). والمثبت من: (ج)، و\"تهذيب اللغة\"، وهو ما استصوبته؛ لأنه يقال: (حَدَّده، فهو مُحدَّد). \"التاج\" ٢/ ٣٣٢ (حدد).\nأما (المحدود) -في اللغة-، فهو: المَمْنوع من الخير وغيره، أو كلُّ مَصْروفٍ عن خير أو شر.\nانظر: (حدد) في: \"اللسان\" ٢/ ٧٩٩، و\"القاموس\" ص ٢٧٦.\n(٥) لم أهتد إلى قائله. وقد ورد غير منسوب في: \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٧٣٢ (سلط)؛ و\"اللسان\" ٤/ ٢٠٦٥ (سلط).\n(٦) ما بين المعقوفين غير مقروء في (أ). والمثبت من (ب)، (ج).","vol":"6","page":67},{"text":"والإشْرَاكِ به؛ فهم يُشْرِكون بالله الأوثانَ مِنْ غيْرِ حُجَّةً ولا بُرْهان (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ﴾. أي مرجعهم ومصيرهم.\n﴿وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ﴾ المَثْوَى: المكان الذي (٢) يُقِيم به؛ مِن قولهم: (ثَوَى، يَثْوِي، ثَوَاءً) (٣).\nويقال للمقتول: (ثَوَى) (٤)؛ لإقامته حيث قُتِل. وجَمْعُ الـ (مَثْوَى) (٥): مَثَاوِي (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-655>١٥٢ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ الآية.\nقال القُرَظِيُّ (٧): لَمَّا رَجَعَ رسولُ الله - ﷺ -، وأصحابُه إلى المدينة، وقد\n_________\n(١) انظر: \"تفسير الطبري\" ٤/ ١٢٤، و\"بحر العلوم\" ١/ ٣٠٧، و\"تفسير القرطبي\" ٤/ ٢٣٣.\n(٢) (الذي): ساقطة من (ب).\n(٣) يقال: (ثَوَى المكانَ)، و(ثَوَى به)، (يَثوي، ثَواءً، وثُوِيًّا). ويقال -كذلك-: (أثْوَى)؛ بمعنى: أقام. و(أثْوَيْتُه، وثَوَّيْته): ألزمته الثَّواءَ فيه. انظر (ثوى) في: \"التهذيب\" ١/ ٥١٠، و\"اللسان\" ١/ ٥٢٤، و\"التاج\" ١٩/ ٢٦٢.\n(٤) في \"التهذيب\" ١/ ٥١٠ (ثوى)، و\"اللسان\" ١/ ٥٢٥ (ثوى): (ويقال للمقتول: قد ثَوَى).\n(٥) في (ج): (الثوى).\n(٦) انظر: المصادر السابقة، و\"القاموس\" (١٢٦٨) (ثوى).\n(٧) قوله في: \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١٣١ أ. وقد نقله المؤلف بنصه عنه، من قوله: (لما رجع ..) إلى (.. ولقد صدقكم الله وعده).\nوانظر قوله -كذلك- في: \"أسباب النزول\" للمؤلف (١٢٩)، و\"زاد المسير\" ١/ ٤٧٥، و\"تفسير القرطبي\" ٤/ ٢٣٣.\nوالقُرَظي، هو: أبو حمزة، محمد بن كعب بن سليم بن أسد القُرَظي. تقدمت ترجمته.","vol":"6","page":68},{"text":"أصابهم ما أصابهم بِأُحُد، قال ناسٌ مِن أصحابه: مِنْ أين أصابَنَا هذا، وقد وَعَدَنا اللهُ النصرَ؟ [فأنزل اللهُ] (١): ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾؟.\nوقال بعضهم: كان رسولُ اللهِ - ﷺ -، رَأَى في المنام أنَّه (٢) يذبح كَبْشًا، فصدَق رُؤياهُ بقتل (٣) طَلْحَةَ بن عثمان (٤)، صاحبِ لِوَاءِ المشركين، يوم أُحُد، وقَتْلِ تِسْعَة نَفَرٍ بعده على اللواء (٥)، فذلك قوله: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾؛ يريد: تصديق رؤيا رسول الله - ﷺ -.\nوالصِّدق يتعدى إلى مفعولين؛ تقول: صَدَقْتُهُ الوَعْدَ، والوَعِيدَ (٦).\n_________\n(١) ما بين المعقوفين مطموس في (أ)، والمثبت من: (ب)، (ج)، و\"تفسير الثعلبي\".\n(٢) (أ)، (ب)، (ج): (أن). وما أثبَتُه هو ما استصوبته.\n(٣) في (ب): (فقتل).\n(٤) انظر: \"تفسير الطبري\" ٤/ ١٢٥ - ١٢٦.\nوعند الواقدي: هو طلحة بن أبي طلحة، وأبو طلحة هو: عبد الله بن عبد العُزَّى بن عثمان بن عبد الدار بن قُصَي. انظر: \"المغازي\" ١/ ٢٢٠.\nوالذي ورد في كتب السِّيَر عن رؤيا رسول الله - ﷺ -: أنه رأى في منامه كأنه في دِرْعٍ حَصِينة، ورأى كأن سيفه ذا الفقار انفصم من عند ظُبَتِه، ورأى بقرا تُذبح، ورأى كأنه مردفٌ كَبْشًا. فأولَّ النبي - ﷺ - الدرعَ الحصينة بالمدينة، وأما انفصام سيفه من عند ظُبَته: فمصيبة في نفسه؛ بأن يُقتل رجلٌ من أهل بيته، وأما البقر المذبوح: فقتلى في أصحابه، وأما أنه مُرْدف كَبشا: فكبش كتيبة العدو الذي سيقتلونه، أي: حامل لواء المشركين. وفي رواية عن الواقدي: (ورأيت في سيفي فَلًّا فكرهته)، فهو الذي أصاب وجهه الشريف - ﷺ -.\nانظر: \"المغازي\" ١/ ٢٠٩، و\"سيرة ابن هشام\" ٣/ ٦٦ - ٦٧، و\"طبقات ابن سعد\" ٢/ ٣٧ - ٣٨، و\"تاريخ الطبري\" ٢/ ٥٠٢، و\"إمتاع الأسماع\" للمقريزي ١/ ١١٦.\n(٥) انظر: \"المغازي\" ١/ ٢٢٦ - ٢٢٨، و\"الطبقات الكبرى\" ٢/ ٤٠ - ٤١، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" ٣/ ٧٨٧.\n(٦) وقد يتعدى للثاني بالحرف، تقول: (صَدَقتك في القول).","vol":"6","page":69},{"text":"قوله تعالى: ﴿إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾.\nقال اللَيْثُ (١): الحَسُّ: القَتْلُ الذَرِيع. قال: و﴿تَحُسُّونَهُمْ﴾، أي: تقتلونهم قَتْلًا شديدًا كثيرًا.\nوروى الحَرَّانيُّ (٢) عن ابن السِّكِّيت (٣): الحَسُّ: مصدرُ (حَسَسْتُ القومَ، أَحُسُّهُمْ، حَسًّا): إذا قتلتهم.\nوقال أبو عبيدة (٤)، والزَّجَّاجُ (٥)، وابنُ قُتَيْبَة (٦): الحَسُّ: الاستئصال بالقتل؛ يقال: (جَرَادٌ مَحْسُوسٌ): إذا قَتَلَه البَرْدُ. و(سَنَةٌ حَسُوسٌ): إذا أتَتْ على كلِّ شيء (٧) ومعنى ﴿تَحُسُّونَهُمْ﴾: تستأصلونهم قَتْلًا (٨).\nوقال أصحاب الاشتقاق: (حَسَّهُ، يَحُسُّهُ): إذا قَتَلَه؛ لأنه أبطل حِسَّهُ بالقتل، وأصابَهُ (٩)؛ كما يقال: (بَطَنَهُ): إذا أصاب بَطْنَهُ (١٠)، و(رَأَسَهُ): إذا\n_________\n(١) قوله في: \"تهذيب اللغة\" ١/ ٨١٦ (حسس). نقله عنه ببعض التصرف.\n(٢) هو: أبو شعيب، عبد الله بن الحسن الحَرّاني. تقدمت ترجمته.\n(٣) في \"تهذيب اللغة\" ١/ ٨١٦ (حسس). وانظر قول ابن السكيت في \"إصلاح المنطق\" ٢٦.\n(٤) في \"مجاز القرآن\" ١/ ١٠٤.\n(٥) في \"معاني القرآن\" ٤٧٨.\n(٦) في \"تفسير غريب القرآن\" له ١١٣.\n(٧) هذا قول ابن قتيبة المصدر السابق، تصرف فيه المؤلف بالتقديم والتأخير.\n(٨) انظر: \"تفسير الطبري\" ٤/ ١٢٧، \"نزهة القلوب\"، للسجستاني ١٥٥، و\"الموضع في تفسير القرآن\" للحدادي ٣٩.\n(٩) انظر: \"مقاييس اللغة\" ٢/ ٩ (حسس)، و\"النكت والعيون\" ١/ ٤٢٩، و\"تفسير القرطبي\" ٤/ ٢٣٥.\n(١٠) (إذا أصاب بطنه): ساقط من (ج).","vol":"6","page":70},{"text":"أصاب رَأسَهُ (١). والتَّحَسُّسُ: طَلَبُ الأخبار بحَاسَّةِ السَمْعِ (٢).\nوقوله تعالى: ﴿بِإِذْنِهِ﴾ أي: بِعِلْمِهِ (٣)\nقال المفسرون (٤): كان المسلمون يوم أُحُد، يقتلون المشركين قتلا ذريعًا حتى وَلَّوْا هاربين، وانكشفوا منهزمين؛ فذلك قوله: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾.\nثم أَخَلَّ الرُّمَاةُ (٥) بالمكان الذي ألزمهم رسولُ الله - ﷺ - إيَّاهُ، فَحَمَلَ -حينئذ- خالدُ بنُ الوَلِيد (٦)، مِن وَرَاء المسلمين، وتَرَاجَعَ المشركون، وقُتِلَ\n_________\n(١) يقال: (بَطَنَه)، و(بَطَنَ له)، و(بَطَّنَه): ضرب بَطْنَه. انظر: \"القاموس المحيط\" ص ١١٨٠ (بطن).\nو(رَأسَه، يرْأسَه، رَأسًا): أصاب رأسه. انظر: \"اللسان\" ٣/ ١٥٣٣ (رأس).\n(٢) انظر: \"الزاهر\" ١/ ٤٧٣.\n(٣) هذا قول الزجاج في \"معاني القرآن\" ١/ ٤٧٨.\nوقيل: بأمره وحكمة وقضائه. وهو قول ابن عباس، والطبري، وأبو سليمان الدمشقي، وأبو الليث.\nانظر: \"تفسير الطبري\" ٤/ ١٢٧، و\"بحر العلوم\" ١/ ٣٠٨، و\"زاد المسير\" ١/ ٤٧٦، و\"تفسير القرطبي\" ٤/ ٢٣٥.\nوقيل: بلطفه، وقيل: بمعونته، وقيل: بصدق وعده. وهذه الأقوال الثلاثة ذكرها الماوردي في: \"النكت والعيون\" ٢/ ٩٠٦.\n(٤) انظر: \"تفسير البغوي\" ٢/ ١١٨، و\"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١٣١ ب، و\"تفسير ابن كثير\" ١/ ٤٤٤.\n(٥) في (ب): (أجل الزمان).\n(٦) هو: أبو سليمان، خالد بن الوليد بن المغيرة المخزومي. سماه الرسول - ﷺ -: (سيف الله)، كان أحد أشراف قريش في الجاهلية، وقائد خيلهم، وشهد مع الكفار حروبهم ضد المسلمين إلى عمرة الحديبية، وأسلم سنة سبع بعد خيبر، وقيل: قبلها. وهو من أشهر قادة الجيوشَ عند المسلمين. توفي سنة (٢١ هـ). انظر: \"الاستيعاب\" ٢/ ١١، و\"الإصابة\" ١/ ٤١٣.","vol":"6","page":71},{"text":"مِن المسلمين سبعونَ رجلًا، ثم هُزِمُوا (١).\nوقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ﴾ أي: جَبنْتُم عن عَدُوِّكم (٢).\nقال الليث (٣): يقال: (فَشِلَ الرَّجُلُ، يَفْشَلُ) - عند الحَرْبِ والشِّدَّةِ: إذا ضَعُفَ، وذهبَتْ قُوَاهُ (٤). ويقال: (إنه لفَشْلٌ)، و(فَشِلٌ) (٥).\nواختلفوا في جواب ﴿حَتَّى إِذَا﴾ (٦):\nفقال الفراء (٧): جوابه: ﴿وَتَنَازَعْتُمْ﴾، والواو فيه مُقْحَمَةٌ، معناها السقوط؛ كما قال: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣) وَنَادَيْنَاهُ﴾ (٨)؛ المعنى: نَادَيْنَاه. واحتج بقول الشاعر:\nحَتَّى إذا قَمِلَتْ بُطُونُكُمُ ... ورَأَيْتُمُ أبْنَاءَكُمْ شَبُّوا\n_________\n(١) انظر: أخبار غزوة أحد في: \"صحيح البخاري\" (٤٠٤٣) كتاب المغازي. باب غزوة أحد، و\"سيرة ابن هشام\" ٣/ ٣، و\"الطبقات الكبرى\" ٢/ ٣٦، و\"إمتاع الأسماع\" ١/ ١١٦ وما بعدها، و\"البداية والنهاية\" ٤/ ١٠ وما بعدها.\n(٢) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٤٧٨، و\"تفسير الطبري\" ٤/ ١٢٨، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" ٣/ ٧٨٦.\n(٣) قوله في: \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٧٩٢ (فشل). نقله عنه بتصرف يسير.\n(٤) في (ب)، (ج): (قوته).\n(٥) (فشل): ساقطة من (ج).\nوفي \"التهذيب\" ويقال: (وإنه لَخَشْلٌ فَشْل، وإنه لَخَشلٌ فَشِلٌ).\nوالفَشِلُ: الرجل الضعيف الجبان، وجمعه: أفشال. يقال: فَشِلَ فَشلا. أما الخَشل والخَشلُ: فهو -هنا-: الرديء من كل شيء. والله أعلم. انظر: \"الصحاح\" ٤/ ١٦٨٥ (خشل)، و\"اللسان\" ٦/ ٣٤١٨ (فشل)، ٢/ ١١٦٧ (خشل).\n(٦) (إذا): ساقطة من (ج).\n(٧) في \"معاني القرآن\" له ١/ ٢٣٨. نقله عنه باختصار، وتصرف.\n(٨) سورة الصافات: ١٠٣، ١٠٤. وبقيتها: ﴿وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ﴾. آية: ١٠٤.","vol":"6","page":72},{"text":"وقلبتمُ ظَهْرَ المِجَنِّ لَنَا ... إنَّ اللَّئِيمَ العاجِزُ الخَبُّ (١)\nقال: يريد: قَلَبْتُم. هذا مذهب الكوفيين.\nوعند البصريين: لا يجوز زيادةُ الواو. ويتأولون هذه الآيةَ وأمثالَها،\n_________\n(١) البيتان للأسود بن يَعْفُر النهشلي. وهما في \"ديوانه\" ١٩.\nوأورد البكريُّ في \"معجم ما استعجم\" ٢/ ٣٧٩ البيت الأول ضمن أبيات نسبها للأسود قالها في هجاء بني نَجيح من بني مجاشع بن دارم.\nوقد أورَدتْهما المصادر التالية، بدون نسبة \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٥١، و\"تأويل مشكل القرآن\" ٢٥٤، وكتاب \"المعاني الكبير\" ١/ ٥٣٣، و\"المقتضب\" ٢/ ٨١، و\"مجالس ثعلب\" ١/ ٥٩، و\"شرح القصائد السبع\" لابن الأنباري ٥٥، و\"تهذيب اللغة\" ٣/ ٣٠٤٧ (قمل)، ١/ ٨٤ (باب الواوات)، و\"سر صناعة الإعراب\" ٢/ ٦٤٦، ٦٤٧، و\"أمالي ابن الشجري\" ٢/ ١٢١، و\"الإنصاف\" للأنباري ص ٣٦٧، ٣٦٨، و\"شرح المفصل\" ٨/ ٩٤، و\"رصف المباني\" ٤٨٧، و\"لسان العرب\" ٦/ ٣٧٤٢ (قمل)، و\"الجنى الداني\" ١٦٥، و\"تذكرة النحاة\" ٤٥، و\"خزانة الأدب\" ١١/ ٤٤، ٤٥.\nورد في: \"شرح القصائد السبع\" (وقلبتم بطن المجن). وورد في بعض المصادر: (إن الغَدُورَ الفاحشُ الخب)، وفي بعضها: (إن اللئيم الفاجر)، وفي \"سر صناعة الإعراب\" (حتى إذا امتلأت بطونكم).\nقَمِلَت: من (قَمِلَ القومُ): كثروا، و(قَمِل الرجلُ): سَمِنَ بعد هُزَال. ويريد -هنا-: كثرت قبائلكم.\nوالمِجَنُّ: التُّرْس. وقوله: (وقلبتم ظهر المجن): كناية عن إسقاط الحياء والتنكر للمعروف، وإبداء العداوة\nوالخِبُّ -بفتح الخاء وكسرها-: الخدّاع الذي يسعى بين الناس بالفساد. أما بكسر الخاء فقط - (الخِبُّ) -، فهو: الغَدْر.\nوالشاهد فيه عنده: أن الواو في (قلبتم) زائدة، وحقها أن تسقط. و(قلبتم): جواب (إذا).","vol":"6","page":73},{"text":"على حذف الجواب، والتقدير عندهم: (حتى إذا فَشِلْتُمْ، وتَنَازَعْتُم في الأمر، وعَصَيْتُم، امْتُحِنْتُمْ (١)؛ بأن نِيلَ منكم، وعُوقِبْتُم بِظَفَرِ أعدائكم بكم)، فحذف الجواب؛ لبيان (٢) معناه؛ كما حذف في قوله -﷿-: ﴿فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام: ٣٥]؛ معناه: فافْعَلْ. فأسقط الجواب؛ إذْ أُمِنَ (٣) اللَّبْسُ (٤).\nوالآية -عند الفراء- على التقديم والتأخير؛ لأنه يذهب إلى أن الفَشَلَ مُؤَخَّرٌ بعد التَّنازُع؛ والمعنى عنده: (حتى إذا تنازعتم في الأمر وعَصَيْتُم؛ فَشِلتم). فقدم المؤخر وأخر المقدم؛ كقوله: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ (٥).\nوغيره يقول: الفَشَل في موضعه، غَيْرُ مَنْوِيٍّ به التأخير. والتنازع والعصيان كانا بعد الفَشَلِ (٦).\nوالتنازع (٧): الاختلاف. وأصله مِنْ: (نَزَعَ القومُ الشيءَ، بعضُهُم مِن\n_________\n(١) في (أ): (امتَحَنْتم) -بالبناء للمعلوم-. وفي: (ب)، (ج): مهملة من الشكل. والصواب ما أثبتُّه.\n(٢) (لبيان): ساقطة من (ج).\n(٣) (أ)، (ب): (أمَرَّ). والمثبت من (ج).\n(٤) وقد بينَّا مذهبي البصريين، والكوفيين في زيادة الواو من عدمه، مع ذكر طرف من أدلة الفريقين على ذلك. انظر التعليق على تفسير قوله تعالى: ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ آية: ٥٠ من سورة آل عمران. والتعليق على زيادة الواو في قوله تعالى: ﴿وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ آية: ٤٩، والتعليق على زيادة (إذ) في قوله: ﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ﴾ آية: ٣٥.\n(٥) سورة آل عمران: ٥٥.\n(٦) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٤٧٨، و\"تفسير الطبري\" ٤/ ١٢٨ - ١٢٩.\n(٧) من قوله: (والتنازع ..) إلى (.. من بعض): نقله بنصه عن \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١٣١ ب.","vol":"6","page":74},{"text":"بَعْضٍ). وسنذكر شرحه عند قوله: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ﴾ [النساء: ٥٩]، إن شاء الله.\nوكان اختلاف القوم (١): أن المشركين لَمَّا انكشفوا؛ قال بعضُ الرُّمَاةِ: ما مُقَامُنا هاهنا، قد انْهَزَمَ القومَ. وقال بعضُهم: لا نُجَاوِزُ أمْرَ رَسُولِ الله - ﷺ - (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَعَصَيْتُمْ﴾. أي (٣): بِتَرْكِ المَرْكَزِ (٤).\nوقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ﴾ يعني: الظَّفَرَ والنَّصْرَ والفَتْحَ، حين كان الدَّبْرَةُ (٥) على المشركين (٦).\nوقوله تعالى: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا﴾ يعني (٧): الذين تَرَكُوا المَرْكَزَ، وأقْبَلُوا إلى النَّهْبِ.\n_________\n(١) (القوم): ساقط من (ج).\n(٢) انظر: \"صحيح البخاري\" (٤٠٤٣) كتاب المغازي. باب غزوة أحد، و\"سنن أبي داود\" رقم (٢٦٦٢)، و\"تفسير النسائي\" ١/ ٣٣٤، و\"مسند الطيالسي\" ٢/ ٩٥ - ٩٦ رقم (٧٦١)، و\"الطبقات الكبرى\" ٢/ ٤١، و\"تفسير الطبري\" ٤/ ١٢٨ - ١٢٩، و\"تاريخه\" ٢/ ٥٠٧، و\"إمتاع الأسماع\" ١/ ١٢٧، و\"البداية والنهاية\" ٤/ ٢٦.\n(٣) من قوله: (أي ..) إلى (.. تحبون) ساقط من (ج).\n(٤) يعني ترك الرماة لموقعهم الذي عينه لهم رسول الله - ﷺ - وأمرهم ألّا يبرحوه انظر: \"تفسير الطبري\" ٤/ ١٢٨ - ١٢٩.\n(٥) الدَّبْرَةُ -بفتح الدال-: الهزيمة في القتال. أما الدِّبرة -بكسر الدال-: فهي خلاف القبلة. انظر: \"القاموس\" ص ٣٩٠ (دبر).\n(٦) وهذا قول عامة المفسرين، منهم: ابن عباس، وقتادة، ومجاهد، والسدي، وابن إسحاق.\nانظر: \"تفسير الطبري\" ٤/ ١٢٨ - ١٢٩، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" ٣/ ٧٨٨.\n(٧) من قوله: (يعني ..) إلى (.. بالهزيمة) بنصه في: \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١٣٢ أ.","vol":"6","page":75},{"text":"﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ يعني: الذين ثَبَتُوا مَعَ عبد الله بن جُبَيْر -وهو أمير الرُّمَاةِ (١) - حتى قُتِلُوا.\nوقوله تعالى: ﴿ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ﴾ [أي] (٢): بالهزيمة؛ على معنى: صَرَفَ وجوهَكُم عنهم (٣).\nوقال عَطَاء (٤): يريد: صرف حدكم (٥) عنهم. وهذا صريح في أن [المعصيةَ مَخْلُوقَةٌ لله] (٦) ﷿؛ حيث أضاف انهزامهم وتَوَلِّيهم إلى نفسه؛ فقال: ﴿صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ﴾، ولم يقل: (انْصَرَفْتُمْ) (٧).\nوقوله تعالى: ﴿لِيَبْتَلِيَكُمْ﴾. أي: لِيَخْتَبِرَكُمْ بِمَا جَعَلَ عليكم مِنَ الدَّبْرَةِ والهزيمةِ، فَيَتَبَيَّنَ الصابرُ (٨) مِنَ الجازع، والمُخْلِصُ مِنَ المنافق (٩).\n_________\n(١) وهو أمير الرماة: ليس في \"تفسير الثعلبي\". وفي (ب): (الرملة). انظر: \"تفسير الطبري\" ٤/ ١٢٩ - ١٣٠، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" ٣/ ٧٨٩، و\"المستدرك\" ٢/ ٢٩٦ كتاب التفسير. سورة آل عمران.\nوعبد الله بن جُبَيْر بن النعمان الأوسي الأنصاري. شهد العقبة وبدرًا، واستشهد يوم أحد -﵁- انظر: \"الاستيعاب\" ٣/ ١٤، و\"أسد الغابة\" ٣/ ١٩٤.\n(٢) ما بين المعقوفين في (أ): (إلى). والمثبت من: (ب)، (ج)، و\"تفسير الثعلبي\".\n(٣) في (ج): (وههم).\n(٤) لم أقف على مصدر قوله.\n(٥) هكذا في: (أ)، (ب)، (ج).\nومعناها -والله أعلم-: صرف بأسكم وقوتكم عنهم، لأن (حَدّ الرَّجُلِ): بأسه ونفاذُهُ. في نجدته. يقال: (إنه لذو حَدٍّ). انظر: \"اللسان\" ٢/ ٨٠١ (حدد).\n(٦) ما بين المعقوفين مطموس في (أ). والمثبت من (ب)، (ج).\n(٧) انظر تأويل المعتزلة لها في: \"تنزيه القرآن عن المطاعن\" ٨٢.\n(٨) (أ)، (ب): (الصابرين). والمثبت من (ج).\n(٩) في (ب): (الشاك).","vol":"6","page":76},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ﴾ أي: ذَنْبَكُمْ (١)؛ حيث عصيتم رسولَ اللهِ - ﷺ - وحيث (٢) انهزمتم، فَلَمْ يُؤاخِذْكُمْ بذَنْبِكُمْ.\nوقال بعضُ المُفَسِّرِينَ (٣): ولقد عفا عنكم، فَلَمْ يَسْتَأصِلْكُم بعد المعصية والمخالفة، نظيره: ﴿ثُمَ عَفَوْنَا عَنْكُمْ﴾ (٤).\nوقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ قال ابن عباس (٥): يريد: بالمَغْفِرَةِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-656>١٥٣ </span>- قوله تعالى: ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ﴾ (إذْ) مُتَعَلِّق بـ (عَفَا)؛ يعني: ولقد عَفَا عنكم إذْ تُصْعِدُونَ.\nو(الإصْعَادُ)، قال الفَرَّاءُ (٦) والزَّجَّاجُ (٧): هو الابتداء في كلِّ سَفَرٍ؛ يقال: (أَصْعَدْنَا مِن بَغْدادَ إلى خُرَاسانَ وإلى مَكَّةَ): إذا خرجنا إليها، وأَخَذْنا (٨) في السَّفَرِ نحوها (٩).\n_________\n(١) في (ج): (دينكم).\n(٢) في (ج): (فحيث).\n(٣) ممن قال ذلك: مقاتل، والحسن، وابن جريج، وابن إسحاق، والطبري، وأبو الليث، والثعلبي.\nانظر: \"تفسير الطبري\" ٤/ ١٣١ - ١٣٢، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" ٣/ ٧٨٩ - ٧٩٠، و\"بحر العلوم\" ١/ ٣٠٨، و\"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١٣٢ أ. والعبارة له.\n(٤) سورة البقرة: ٥٢. ﴿ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.\n(٥) لم أقف على مصدر قوله بهذا النص. وقد أورد ابن الجوزي في \"الزاد\" ١/ ٤٧٧، عنه قولَه: (إذ عفا عنهم جميعًا).\n(٦) في \"معاني القرآن\" له ١/ ٢٣٩.\n(٧) في \"معاني القرآن\" له ١/ ٤٧٨ - ٤٧٩.\n(٨) في (ب): (وابتدأنا).\n(٩) في (ب): (يوما).","vol":"6","page":77},{"text":"وأَقْرَأَني العَرُوضِيُّ، عن الأزهري، عن المُنْذِري، عن الحَرَّانِيِّ، عن ابن السِّكِّيت، قال (١): يقال: (صَعِدَ في الجَبَلِ)، و(أَصْعَدَ في البلاد).\nوقال الأخفش (٢): (أَصْعَدَ في البلاد): سار ومَضَى (٣).\nأبو عُبَيْد، عن أبي زيد، وأبي عمروٍ: يقال: (أَصْعَدَ الرجلُ في البلاد): حيث تَوَجَّهَ. (٤) قال الأعشى:\nألا أيُّهذا السَّائِلِي أينَ أَصْعَدَتْ ... فإنَّ لَهَا في أهلِ يَثْرِبَ مَوْعِدَا (٥)\n_________\n(١) قوله في \"إصلاح المنطق\" ٢٥٦. ونصه: (قد أصْعَد في الأرض إصعادًا، وقد صَعِدَ في الجبل، وعلى الجبل). وأورده الأزهري في \"تهذيب اللغة\" ٢/ ٢٠١٣ (صعد)، والنص له.\n(٢) في \"معاني القرآن\" له ١/ ٢١٨.\n(٣) ونصه عنده: \"أصعد\"؛ أي: مضى وسار. و(أصعد في الوادي)؛ أي: انحدر فيه. وأما (صَعِد)، فإنه ارتَقَى).\nوأورده الازهريُّ -كما هو عند المؤلف-. ويبدو أن المؤلف نقله عنه. انظر: \"التهذيب\" ٢/ ٢٠١٣ (صعد).\n(٤) نقله -بنصه- عن \"تهذيب اللغة\" ٢/ ٢٠١٣ (صعد).\n(٥) البيت في: ديوانه: ٤٥. وقد ورد منسوبًا له في المصادر التالية: \"السيرة النبوية\" لابن هشام ١/ ٤١٢، و\"المقتضب\" ٤/ ٢٥٩، و\"الأضداد\" لابن الأنباري ٣١٥، و\"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١٣٢ب، و\"تفسير القرطبي\" ٤/ ٢٣٩، و\"المقاصد النحوية\" ٣/ ٦٠، ٣٢٦، و\"الدرر اللوامع\" ١/ ١٥٣، وأورده السيوطي في \"همع الهوامع\" ٣/ ٥١ ولم ينسبه.\nوقد ورد البيت في الديوان، وكل المصادر السابقة -ما عدا \"الأضداد\" وتفسيري الثعلبي، والقرطبي-: (أين يَمَّمَتَ) بدلًا من: (أين أصْعَدَتْ) وليس فيها موضع الشاهد. وورد عند القرطبي: (فإن لها من بطن يثربَ موعدا).\nوالبيت من قصيدة طويلة يمدح فيها النبي - ﷺ - وهو متوجه إلى المدينة المنورة؛ لِيُسْلِمَ، إلا أن قريشًا صرفته عن ذلك، فرجع ولم يُسْلِمْ. انظر خبره في: \"سيرة ابن هشام\" ١/ ٤١١.","vol":"6","page":78},{"text":"وقال ابن قُتَيبة (١): ﴿تُصْعِدُونَ﴾: تُبْعِدُونَ في الهَزِيمَةِ؛ يقال: أَصعَدَ في الأرض: إذا أَمْعَنَ فيها (٢) في الذَّهَاب (٣).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ﴾ أي: لا تُعَرِّجُونَ ولا تُقِيمون ولا تَلْتَفِتون هَرَبًا. يقال: (مَضَى ولم يَلْوِ على شيءٍ)؛ أي: لم يُعَرِّجْ. وأصله: أنَّ المُعَرِّجَ على الشيء، يَلْوِي إليه عُنُقَهُ، أو عِنَانَ (٤) دابَّتِهِ. فإذا مضى، ولمْ يُعَرِّج، قيل: (لم يَلْوِ). ثم استُعْمِلَ في تَرْكِ التَّعْرِيج على الشيء.\nفإن قيل: أليس اللهُ قد أخبَرَ أنَّه عَفَا عنهم -إذْ هُزِمُوا-، فكيف ذلك العَفْو، مع ما ابتلاهم به مِنَ القَتْلِ والجَرْح، وإدَالَةِ العَدُوِّ عليهم؟.\nقيل: لولا عَفْوُ اللهِ، ما نَجَا منهم أحدٌ (٥)، ولَصَارُوا في الآخرةِ من الخاسرين؛ حين عَصَوا رسولَهُ في تَرْكِ المَرْكَزِ والهزيمة، وهو يناديهم مِن وَرَائِهم: (إلَيَّ عِبَادَ اللهِ! إلَيَّ عِبَادَ الله!) وهم لا يَلْتَفِتُون إليهِ. وذلك قوله:\n_________\n(١) في \"تفسير غريب القرآن\" له ١١٤، وانظر: \"أدب الكاتب\" له ٢٧٨.\n(٢) (فيها): ليست في (ج)، ولا في \"تفسير غريب القرآن\".\n(٣) وبقية عبارة ابن قتيبة: (وصعِد الجبل والسطح).\nقال الطبري: (قالوا: فالهرب في مستوى الأرض، وبطون الأودية والشِّعاب: (إصعاد) لا صعود. قالوا: وإنما يكون (الصُّعُود) على الجبال والسلاليم والدَّرج؛ لأن معنى (الصعود): الارتقاء، والارتفاع على الشيء عُلُوًّا). \"تفسيره\" ٤/ ١٣٢ - ١٣٣. وانظر: \"مجاز القرآن\" ١/ ١٠٥، و\"الأضداد\" لابن الأنباري ٣١٥.\nونقل الثعلبي عن المفضل، أن: (صَعِد، وأصْعَدَ، وصَعَدَ، بمعنى واحد). \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٣٢ ب.\nوكذا فسر ابنُ اليزيدي (الإصعاد) بالصعود على الجبل. انظر: \"غريب القرآن\" لابن اليزيدي ٤٤.\n(٤) (أ)، (ب): (عيْنان). والمُثبت من (ج).\n(٥) في (ج): (أحدا).","vol":"6","page":79},{"text":"﴿وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ﴾.\nقال ابن عباس (١): يريد: مِن خَلْفِكُم. يقال (٢): (جاءَ فلانٌ في آخِرِ النَّاسِ)، و(آخِرَةِ (٣) النَّاس)، و(أُخْرَى الناس)، و(أُخْرَاة الناس) (٤).\nوقوله تعالى: ﴿فَأَثَابَكُمْ﴾ الإثَابَةُ: أكثر ما تُسْتَعمل (٥) في الخير، ويجوز استعمالُه في الشَّرِّ، لأن أصله: ما يَرْجِعُ مِنَ الجَزَاء على الفِعْل، طاعةً كان أو معصيةً، ولكنه كَثُرَ في جَزَاء الطاعة (٦)، كما تقول في (الطَّرَب)، فإنَّ أصْلَهُ: خِفَّةٌ تأخذ الإنسانَ، مِنْ فَرَحٍ أو حُزْنٍ (٧)، كما قال (٨):\n_________\n(١) لم أقف على مصدر قوله بهذا النص. والذي في \"تفسير الطبري\" ٤/ ١٣٣من قوله -في تفسيرها-: (إليَّ عبادَ الله!) وقد يفهم من هذا القول أنه يناديهم مِن خَلْفهم، وهو ما فهمه الطبريُّ، حيث فسرها بذلك، ثم أورد قول ابن عباس -السابق- دليلًا على ذلك. انظر: \"تفسيره\" ٤/ ١٣٣.\n(٢) من قوله: (يقال ..) إلى (.. وأخراة الناس): بنصه في: \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١٣٣ أ. وأورده القرطبي في \"تفسيره\" ٤/ ٢٤٠. وعندهما زيادة: (.. وأخرَيَات الناس).\n(٣) في (ج): (احرة). وفي \"تفسير الثعلبي\" (أَخَرَةِ) وعند القرطبي: (أُخْرَةِ). وما ورد في (أ)، (ب) مِمّا أثبَتُّه، قد ورد في مصادر اللغة. يقال: (جاء أَخَرَة، وبأخَرَةٍ، وَأُخَرَةً، وبأخَرَةٍ)؛ أي: جاء آخر كل شيء. ويقال: (جاء أُخُرًا، وبآخِرَةٍ)، ويقال: (وآخِرَةِ السَّرْج، أو الرَّحل).\nانظر: (أخر) في: \"اللسان\" ١/ ٣٩، و\"التاج\" ٦/ ١٧.\n(٤) (وأخرى الناس وأخراة الناس): ساقط من (ج). وقوله: (وأخراة الناس) ليس في \"تفسير القرطبي\".\nو(أخراة) مثل (أخرى)؛ مؤنث (الآخر). انظر: \"التاج\" ٦/ ١٧ (أخر).\n(٥) في (ج): (يستعمل).\n(٦) انظر: (ثوب) في: \"تهذيب اللغة\" ١/ ٤٦٥، و\"اللسان\" ١/ ٥١٩.\n(٧) انظر: (طرب) في: \"التهذيب\" ٣/ ٢١٧٤، و\"اللسان\" ٥/ ٢٦٤٩.\n(٨) في (ب): (يقال).","vol":"6","page":80},{"text":"طَرَبَ الوَالِهِ أوْ كالمُخْتَبَلْ (١)\nإلا أنَّه كَثُرَ استعمالُهُ في خِفَّةِ الفَرَحِ، وَنَشَاطِ السُّرُورِ (٢).\nوقال أصحابُ المعاني (٣): معنى قوله: ﴿فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ﴾؛ أي: جَعَلَ مكانَ مَا تَرْجُونَ مِنَ الثَّوَابِ، الغَمَّ؛ كما تقول: (تَحِيَّتُكَ الضَّرْبُ)، و(عِتَابُكَ السَّيْفُ) (٤)؛ أي: تجعل هذا مكانَ ذاك. قال عَمْرو بن مَعْد يكَرِب (٥):\nوَخَيْلٍ قَدْ دَلَفْتُ لَهَا بِخَيْلٍ ... تَحِيَّةُ بَيْنهمْ ضرْبٌ وَجِيعُ (٦)\n_________\n(١) شطر بيت للنابغة الجعدي. وصدره:\nوَأرَانِي طَرِبًا في إثْرِهِمْ\nوقد ورد في: شعره: ٩٣. وورد منسوبًا له في: \"أدب الكاتب\" ١٨، و\"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢١٧٤ (طرب)، و\"الاقتضاب\" ٣/ ١٤، و\"اللسان\" ٥/ ٢٦٤٩ (طرب). وروايته في شعره: (فأراني ..).\n(الوالهُ): الذي ذهب عقله، أو قارب الذهاب؛ لفقد حبيبه، أو ولده، وهو (الثاكل).\nو(المُختَبَل): الذي خَبَلَهُ الحُزْنُ فَجَنَّنَهُ وأفقده عقله، أو هو الذي قُطِع عضوٌ من أعضائه. وهذا التفسير الثاني، قال في: \"الاقتضاب\" إنه (أجود في هذا الموضع؛ ليختلف المعنيان).\nانظر: \"الاقتضاب\" ٤/ ١٣٤، و\"القاموس\" ٩٧٢ (ثكل)، ٩٩٠ (خبل).\n(٢) انظر: (مادة: طرب) في المصادر السابقة\n(٣) انظر: \"تفسيرِ الطبري\" ٤/ ١٣٤، و\"معاني القرآن\" للنحاس ١/ ٤٩٧، و\"بحر العلوم\" ١/ ٣٠٨، و\"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١٣٣ ب.\n(٤) وهذا من كلام العرب السائر. كما يقول أبو زيد في: النوادر: ١٤٩.\n(٥) أبو ثور الزُّبَيْديَ، تقدم.\n(٦) ورد البيت في: شعره ١٤٩. وقد ورد منسوبًا له في:\n\"كتاب سيبويه\" ٣/ ٥٠، و\"النوادر\" لأبي زيد ١٥٠، و\"العمدة\" لابن رشيق ٢/ ١٠٥٦، و\"الممتع في صنعة الشعر\" ١٥٩. =","vol":"6","page":81},{"text":"أي: جَعَلُوا الضربَ الوجِيعَ، مَكَانَ التَّحِيَّةَ بين القَوْمِ.\nوقال الفَرّاء (١): الإثابة -ههنا- في معنى: (عِقَاب)، ولكنه كما قال الشاعر:\nأَخَافُ زِيَادًا أنْ يَكُونَ عَطَاؤُهُ (٢) ... أدَاهِمَ سُودًا أوْ مُحَدْرَجَةً فُتْلا (٣)\n_________\n= وأوردته المصادر التالية غير منسوب: \"كتاب سيبويه\" ٢/ ٢٣٢، و\"المقتضب\" ٢/ ٢٠، ٤/ ٤١٣، و\"الخصائص\" ١/ ٣٦٨، و\"مفردات ألفاظ القرآن\" ١٢٦، ٨٣٥، و\"المحرر الوجيز\" ٣/ ٣٧٥، و\"شرح المفصل\" ٢/ ٨٠، و\"التصريح\" ١/ ٣٥٣، و\"خزانة الأدب\" ٩/ ٢٥٧، ٢٦٣؛ حيث ذكر نسبته للشاعر ولم يجزم بذلك.\nأراد الشاعرُ بـ (الخيل) الأولى: خيل الأعداء، وبالثانية: خيلَه. والخيل -هنا-، يعني بها: الفُرسان. و(دَلَفْتُ): دَنَوْتُ وزَخفْتُ؛ يقال: (دَلَفَ الشيخ): إذا مَشى مَشْيًا لَيِّنًا. انظر: \"خزانة الأدب\" ٩/ ٢٦٤.\n(١) في \"معاني القرآن\" له ١/ ٢٣٩. نقله بنصه إلى نهاية بيت الشعر (فتلا).\n(٢) (أ)، (ب): (عطآه). والمثبت من: (ج)، ومصادر البيت.\n(٣) في (ج): (قتلا).\nالبيت، للفرزدق، وهو في: ديوانه: ١٦٩. وقد ورد منسوبًا له في. \"طبقات فحول الشعراء\" ٢/ ٣٠٤، و\"تاريخ الطبري\" ٥/ ٢٤٧، و\"الصحاح\" ١/ ٣٠٥ (حدرج)، و\"اللسان\" ٢/ ٨٠٤ (حدرج). وورد غير منسوب في: \"معاني القرآن\"، للفراء ١/ ٢٣٩، و\"تفسير الطبري\" ٤/ ١٣٤، و\"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١٣٣ أ، و\"المدخل\" للحدادي ٣٥٧، و\"المحرر الوجيز\" ٣/ ٣٧٦، و\"زاد المسير\" ١/ ٤٧٨، و\"البحر المحيط\" ٣/ ٨٣.\nورواية البيت في الديوان، و\"تاريخ الطبري\":\nفلمَّا خشِيتُ أن يكون عطاؤه ... أداهم سودا أو محدرجة سُمْرا\nوفي \"طبقات فحول الشعراء\" (فلما خشينا ..). وورد في كل المصادر -ما عدا \"تفسير الثعلبي\"-: (سُمْرا) بدلا من: (فُتلا) التي لا تستقيم مع قافية القصيدة الرائية. واتفقت رواية المؤلف للبيت مع الثعلبي، مما يدل على أن المؤلف أخذ البِيت عنه.=","vol":"6","page":82},{"text":"يعني بـ (السُّودِ): القيود (١)، وبـ (المحَدْرَجَة): السِّيَاط. وأرادَ: أخافُ أنْ يَجْعَلَ (٢) مَكانَ عَطائِهِ، القُيُودَ والسِّيَاطَ.\nقال (٣): وقد يقول الرَّجُلُ [لـ] (٤) الذي اجترم (٥) إليه (٦): [(لَئِنْ] (٧) أتَيتَنِي (٨)؛ لأُثِيبنَّك ثَوَابَكَ)، معناه: لأعاقبنَّكَ. وهذا راجعٌ إلى ما ذكرنا مِن قَوْلِ أصحابِ المعاني.\nوقوله تعالى: ﴿غَمًّا بِغَمٍّ﴾ أي: أثَابَكم غَمًّا، وهو: الهَزِيمَة، وظَفَر\n_________\n= (الأداهم): جمع: (أدْهَم)، وهو: الأسْوَد. وتُطلَقُ (الأداهمُ) على القيِود -وهي المرادة -هنا- في البيت-، وسميت بذلك؛ لِسَوَادها.\nو(المُحَدْرَجة): السِّياط، وأصل المُحَدْرَج: المفتول، والأملس. ويقال -كذلك-: (الحُدرُج)، و(الحُدرُوج). انظر: \"اللسان\" ٤/ ١٤٤٣ (دهم)، ٢/ ٨٠٤ (حدرج). والبيت ضمن قصيدة طويلة قالها الشاعر في زِيَاد بن أبِيهِ، وكان قد تَوَعَّد الفرزدقَ، ثم أظهر عفوَهُ عنه، وأنه سيُؤَمِّنه وَيمُنُّ عليه، فلم يثق الشاعرُ في أمانه، وقال القصيدة في ذلك.\n(١) في (ج): (القيود والسياط).\n(٢) في (ج): (تجعل).\n(٣) الفراء في: \"معاني القرآن\" ١/ ٢٣٩. نقله عنه بنصه.\n(٤) ما بين المعقوفين زيادة لازمة لتستقيم العبارة.\n(٥) في (ج): (احترم). اجْتَرَمَ، بمعنى: (جَرَم، وأجرم): تَعَدَّى، وارتكب جُرْما؛ أي: ذنبًا. يقال: (جرم إليهم، وعليهم جريمة)، و(فلان يَتَجَرَّم علينا)؛ أي: يَتَجَنَّى علينا ما لم نجْنِه. انظر: \"اللسان\" ١/ ٦٠٤ (جرم).\n(٦) في \"معاني القرآن\" عليك.\n(٧) ما بين المعقوفين في (أ)، (ج): (أي). وساقط من (ب). والمثبت من \"معاني القرآن\".\n(٨) في (أ): (أثييني)، وفي (ب): (أيثبتني)، وفي (ج): مهملة من النقط. والمثبت من \"معاني القرآن\".","vol":"6","page":83},{"text":"المشركين بكم. ﴿بِغَمٍّ﴾، يعني: بِغَمِّكمْ رَسول الله - ﷺ -؛ إذْ عَصَيْتموهُ وَضَيَّعتم أمرَهُ. فالغَمُّ الأوّل لهم، والغَمُّ الثاني للنبي - ﷺ -. وهذا القول، اختيار الزجاج (١).\nوقال الحسن (٢): غَمّ يومِ أحُد للمسلمين، بغَمِّ يومِ بَدْرٍ للمشركين (٣).\nوقيل: الغَمُّ الأَوَّل: ما أصابهم مِنَ الهزيمة والقتل. والغَم الثاني: إشْرافُ خالد بن الوَلِيد عليهم، في خَيْلِهِ، فَرَعَبَهم ذلك، وزَادَ مِنْ قَلَقِهم. وهذا قول أكثر المفسرين (٤)، واختيار الفراء (٥).\nوقيل: الغَمّ الأوَّل: ما أصابهم مِنَ القتل والجرح. والغَمّ الثاني: ما سَمِعوا أنَّ مُحَمَّدًا قد قُتِلَ. وهذا قول: قَتَادة (٦)، والرَّبِيع (٧)، وابنِ عبَّاس -في رواية عطاء- (٨) فإنَّه قال في قوله: ﴿غَمَّا بِغَمٍّ﴾؛ يريد: الهزيمة، وحيث قال ابنُ قَمِيئَةُ (٩): قد قتلتُ محمدا.\n_________\n(١) في \"معانى القرآن\" له ١/ ٤٧٩.\n(٢) قوله في: \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١٣٣ أ، و\"النكت والعيون\" ١/ ٤٣٠، و\"زاد المسير\" ١/ ٤٧٩، و\"تفسير القرطبي\" ٤/ ٢٤٠.\n(٣) وأخرج عنه ابن أبي حاتم قولَه في تفسيرها: (قال غَمَّا -والله- شديد، على غَمٍّ شديد، ما منهم إنسان إلا وقد همته نفسه). \"تفسيره\" ٣/ ٧٩١.\n(٤) ممن قال ذلك: ابن عباس. انظر: \"زاد المسير\" ١/ ٤٧٨، ومقاتل. انظر: \"تفسيره\" ١/ ٣٠٧. ولم أقف على غيرهما قال به.\n(٥) في \"معاني القرآن\" له ١/ ٢٤٠.\n(٦) قوله في: \"تفسير الطبري\" ٤/ ١٣٥، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" ٣/ ٧٩١، و\"زاد المسير\" ١/ ٤٧٨، وأورده السيوطي في \"الدر\" ٢/ ١٥٤، وزاد نسبة إخراجه لابن المنذر.\n(٧) قوله في: \"تفسير الطبري\" ٤/ ١٣٥.\n(٨) لم أقف على مصدر هذه الرواية عنه.\n(٩) في (ج): (قتيبة). =","vol":"6","page":84},{"text":"والباء في قوله: ﴿بِغَمٍّ﴾ -في القولين المتأخرين-؛ بمعنى: [(مع)] (١) أو بمعنى: (عَلَى)؛ كما يقال (٢): (نزلتُ بِبَنِي (٣) فلان)، و(على بَنِي فلان)، و(ما زِلْتُ به حتى فَعَلَ)، و(ما زِلْتُ معه حتى فَعَل) (٤).\nقوله تعالى: ﴿لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ﴾.\nاختلفوا (٥) في اللّام في قوله: ﴿لِكَيْلَا﴾:\nفقال بعضَ النحويِّين (٦): إنها مُتَّصِلَة بقوله: ﴿وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ﴾ [كأنه قال: ﴿وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ﴾] (٧)، ﴿لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا\n_________\n= ابن قَمِيئة: اسمه عمرو، وقيل: عبد الله. وهو الذي قَتَلَ مُصْعَب ابن عُمَيْر (وكان يَظُنُّه رسولَ الله - ﷺ -، وكان بِيَدِ مُصْعب اللِّواء.\nانظر: \"المغازي\" ١/ ٢٤٤ - ٢٤٦، و\"تاريخ الطبري\" ٢/ ٥١٦، و\"إمتاع الأسماع\" ١/ ١٢٩، ١٣٠، ١٣١.\n(١) ما بين المعقوفين زيادة لازمة من (ج).\n(٢) في (ب): (قال).\n(٣) في (ج): (بني).\n(٤) انظر: \"معاني القرآن\" للأخفش ١/ ٨١٢، و\"تفسير الطبري\" ٤/ ١٣٤، و\"رصف المباني\" ٢٢٢، و\"الجنى الداني\" ٤٠، ٤٢.\nو(الباء) في القول -وهو قول الحسن-: للسببية؛ أي: فأثابكم غمًّا؛ بسبب الغم الذي حلَّ بالكفار -على أيديكم- يوم بدر.\nوابن عطية يسمي هذه الباء: (باء معادلة).\nانظر: \"المحرر الوجيز\" ٣/ ٣٧٦، و\"البحر المحيط\" ٣/ ٨٤، و\"الدر المصون\" ٣/ ٤٤٢.\n(٥) في (ب): (واختلفوا).\n(٦) لم أهتد إليهم.\n(٧) ما بين المعقوفين زيادة من (ج).","vol":"6","page":85},{"text":"فَاتَكُمْ﴾، [لأن] (١) في (٢) عَفوِهِ -جلَّ وعَزَّ-، ما يُذْهِبُ كُلَّ غَمٍّ وَحُزْنٍ (٣). وقال آخرون: إنها مُتَّصِلَةٌ بقوله: ﴿فَأَثَابَكُمْ﴾.\nثُمْ اختلفوا:\nفَقَالَ [أبو إسحاق] (٤): المعنى: أثابكم غَمَّ الهزيمة، بِغَمِّكُمْ النبيَ - ﷺ - بِمُخَالَفتِهِ (٥)، ليكون غَمُّكُمْ، بأن خالفتموه فقط، لا على ما فاتكم مِنْ غَنِيمة، ولا ما أصابكم من هزيمة وجِرَاحٍ؛ وذلك أنَّ غَمَّ مُخَالَفَةِ الرَّسُولِ، يُنْسيهم غَمَّ فَوْتِ الغَنِيمَةِ.\nوقال غيره: كان أصحاب رسول الله - ﷺ -، يَتَأَسَّفُونَ على ما فاتهم مِنْ غَنائم المشركين، وعلى ما حَلَّ بهم مِنَ القَتْلِ والجراح، فأنزلَ اللهُ بقلوبهم غَمَّ قَتْلِ الرسول - ﷺ -، ثمّ أزال ذلك الغم عنهم؛ لِيَفرحوا ببقائه، ولا يحزنوا مع بقائه على شَيءٍ (٦) فَاتَهُمْ (٧).\nوقولُ أبي إسحاق ألْيَقُ بَظَاهِرِ الآية؛ لأنه ليس في الآية ذِكْرُ إزَالَةِ غَمِّ\n_________\n(١) ما بين المعقوفين مطموس في (أ)، وساقط من (ب)، والمثبت من (ج).\n(٢) في (ب): (من).\n(٣) وقد استحسن هذا الوجه: القرطبي، واستبعده أبو حيان، والسمين الحلبي؛ وذلك لطول الفصل، ولأنه -في الظاهر- يتعلق بمجاوره، وهو: ﴿فَأَثَابَكُمْ﴾. انظر: \"تفسير القرطبي\" ٤/ ٢٤١، و\"البحر المحيط\" ٣/ ٨٥، و\"الدر المصون\" ٣/ ٤٤٣.\n(٤) ما بين المعقوفين مطموس في (أ)، والمثبت من (ب)، (ج). وقول أبي إسحاق في \"معاني القرآن\" له ١/ ٤٧٩. نقله عنه بمعناه.\n(٥) في (ج): (مخالفة).\n(٦) في (ج): (ما) بدلا من (شيء).\n(٧) لم أقف على من قال هذا القول بتمامه، إلا أن بعضه، وهو: أن الغم الأول: ما أصابهم من قتل وجراح، والغم الثاني: سماعهم قتل النبي - ﷺ -. قد سبق وروده عند تفسير قوله تعالى: ﴿غَمًّا بِغَمٍّ﴾ آية: ١٥٣.","vol":"6","page":86},{"text":"قتلِ النبيِّ - ﷺ -، إلّا بأنْ (١) يُقال: إنَّ ذلك الغَمَّ، لَمْ يتحققْ؛ لأنَّهُ لَم يَصْدُقْ نعْيُ الرسول.\nوحُكي عن المُفَضَّلِ (٢) أنه كان يَجْعَلُ (لا) -في هذه الآية- صِلَةً (٣)، ويقول: المعنى: لِكَيْ تَحْزَنُوا على ما فاتكم وما أصابكم؛ عُقُوبَةً لكم في خِلافِكُمْ إيَّاهُ؛ كقوله: ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ﴾ (٤) [الحديد: ٢٩].\nوقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾. تذكيرٌ؛ للتَّحْذِير (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-657>١٥٤ </span>- قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا﴾ الآية.\nقال المُفسِّرون (٦): إنَّ المشركين لَمَّا انصرفوا يوم أُحُد، كانوا يتوَعَّدُون المسلمينَ بالرجوع، ولم يَأمَن المسلمون (٧) كَرَّتَهم، وكانوا تحت الحَجَفِ (٨)؛ مُتَأَهِّبِينَ للقتال، فأنزَل اللهُ -تعالى-[عليهم] (٩) -دونَ المنافقين- أمَنَةً؛ فأخذهم النُّعَاسُ.\n_________\n(١) في (ج): (أن).\n(٢) حكى قولَ المُفضَّل: الثعلبيُّ في \"تفسيره\" ٣/ ١٣٣ ب، والقرطبى في \"تفسيره\" ٤/ ٢٤١.\n(٣) بمعنى: (زيادة).\n(٤) انظر: \"تفسير البيضاوي\" ٢/ ٢٥٠، و\"تفسير النسفي\" ٤/ ٢٢١.\n(٥) في (أ)، (ب): (التحذير)، والمثبت من (ج).\n(٦) انظر: \"تفسير الطبري\" ٤/ ١٤٠، ١٤١، و\"النكت والعيون\" ١/ ٤٣٠.\n(٧) في (ج): (المسلمين).\n(٨) (الحَجَفُ)، جمعٌ، ومفردُها: (حَجَفَةٌ)، وهي: التُّرُوسُ الصغيرة، والمُتَّخَذَةُ من الجلود، وليس فيها خَشب، يُطَارَقُ بين جِلْدين، ويُجعل منها حَجَفة.\nانظر: (حجف) في: \"المجمل\" ١/ ٢٦٥، و\"القاموس\" (٧٩٨)، و\"المعجم الوسيط\" ١/ ١٠٨.\n(٩) ما بين المعقوفين زيادة من (ج).","vol":"6","page":87},{"text":"قال ابن عباس (١): آمَنَهُم (٢) -يومئذ- بِنُعَاس يَغْشاهم بعد خوف، وإنَّمَا يَنْعُسُ مَنْ يَأمَنُ، والخائف لا ينام.\nقال أبو طَلْحَة (٣): رَفَعْتُ رَاسِي يوم أُحُد، فَجَعَلْتُ (٤) ما (٥) أرى أحَدًا مِنَ القوم، إلّا وَهُوَ يَمِيد تحت حَجَفَتِهِ؛ مِنَ النُّعَاس. قال (٦): وكنت مِمَّن\n_________\n(١) قوله، في: \"تفسير الطبري\" ٤/ ١٤٠، و\"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١٣٤ أ.\n(٢) عند الطبري: أمَّنهم. وعند الثعلبي: أمَنَهم.\n(٣) أخرج قوله: ابن أبي شيبة في: \"المصنف\" ٧/ ٣٧٢ رقم (٣٦٧٨٠). والترمذي في: \"السنن\" رقم (٢٠٠٧) كتاب التفسير. باب سورة آل عمران. وقال: (حسن صحيح).\nوالطبري في: \"تفسيره\" ٤/ ١٤٠، والحاكم في \"المستدرك\" ٢/ ٢٩٧. وقال: (صحيح على شرط مسلم)، ووافقه الذهبيُّ.\nوالطبراني في: \"المعجم الكبير\" ٥/ ٩٨ رقم (٤٧٠٧)، وأبو نعيم في \"دلائل النبوة\" ٤٨٧ رقم (٤٢١)، والثعلبي في \"تفسيره\" ٣/ ١٣٤ أ، والبغوي في \"تفسيره\" ٢/ ١٢١. وأبو طلحة، هو: زيد بن سهل بن الأسود، النَجَّاري الأنصاري. من فضلاء الصحابة، اشتهر بكُنْيَتِه، شهد العَقَبة، وبدرا، وأحدًا، وهو زوج أم سُلَيم بنت مِلْحان، أم أنس بن مالك، -﵃-، اختلف في تاريخ وفاته على السنوات التالية: (٣٢، ٣٣، ٣٤، هـ)، وقيل: (٥١ هـ). انظر: \"أسد الغابة\" ٢/ ٢٨٩، و\"الإصابة\" ٤/ ١١٣.\n(٤) (فجعلت): ساقطة من (ج).\n(٥) في (ج): (فما).\n(٦) أخرج قوله هذا: البخاري في: \"صحيحه\" (٤٠٦٨) كتاب المغازي. باب (ثم أنزل عليكم ..)، كتاب التفسير. سورة آل عمران. باب قوله: أمنة نعاسا ..\nوالنسائي في \"تفسيره\" ١/ ٣٣٧،٥١٦، والترمذي في \"السنن\" رقم (٣٠٠٨) كتاب التفسير. باب: (سورة آل عمران). وأحمد في \"المسند\" ٤/ ٢٩، والطبراني في \"المعجم الكبير\" ٥/ ٩٦ رقم (٤٧٠٠)، والطبري في \"تفسيره\" ٤/ ١٤١، وابن أبي حاتم ٣/ ٧٩٣، والثعلبي ٣/ ١٣٤ أ، والبغوي ٢/ ١٢١.","vol":"6","page":88},{"text":"أُلْقيَ عليه النُّعَاس -يومئذٍ -، فكان السَّيْفُ سقُطُ مِن يدِي فَآخُذُهُ، ثم يَسْقُطُ السَّوْطُ من يدي فَآخُذُه.\nوقال أبو إسحاق (١) -في قوله: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا﴾: أي: أعْقَبَكم- بما نالكم (٢) مِنَ الرُّعْب-؛ أنْ آمَنَكم (٣) أمْنًا تنامون معه؛ لأنَّ الشَّدِيدَ الخوفِ لا يكاد يَنَام.\nوالأَمَنَةُ: مصدرٌ، كـ (الأمْنِ). ومثله من المصادر: (العَظَمَةُ)، و(الغَلَبَةُ).\nوقال اللِّحْيانيُّ (٤): يُقال: (أَمِنَ فلانٌ، يَأمَنُ، أَمْنًا، وأَمَنَةً، وأَمْنَةً (٥)،\n_________\n(١) في \"معاني القرآن\"، له ١/ ٤٧٩. نقله عنه بنصه.\n(٢) في (ج): (أنالكم).\n(٣) في \"معاني القرآن\" (أمنَكم).\n(٤) قوله، في \"تهذيب اللغة\" ١/ ٢٠٩ (أمن).\n(٥) (وأمْنَةً): ساقطة من (ج). وليست في \"تهذيب اللغة\".\nويبدو أنَّ إثبات هذه الكلمة، سبق قلم من الناسخ؛ حيث أبدلها بـ (أمَنًا) التي وردت في قول اللحياني في (التهذيب)، ولم يذكرها المؤلفُ هنا، ولم أقف في مصادر اللغة التي رجعت إليها، على مجيء (أمْنةً) مصدرًا لـ (أمِنَ)، إلا أنها وردت في قراءة ابن محيصن، ورُويت عن يحيى، وإبراهيم من القُرَّاء. وقال ابن جِنِّي: (روينا عن قطرب أنه قال: (الأمْنَةُ): الأمْنُ. و(الأمَنَة) -بفتح الميم-، أشبه بمعاقبة الأمْن). \"المحتسب\" ١/ ١٧٤.\nوانظر: \"تفسير القرطبي\" ٤/ ٢٤١، و\"فتح القدير\" ١/ ٥٨٩، و\"القراءات الشاذة\" لعبد الفتاح القاضي: ٣٠.\nوورد من مصادرها: (.. إمْنًا) -بالكسر-. انظر: \"القاموس\" ١١٧٦. وفي \"اللسان\" \"ما أحسن أمَنَتَك، وإمْنَتَك\"؛ أي: دينك وخلقك. ١/ ١٤١ (أمن). و(أَمَنَةً) -إضافةً إلى مجيئها مصدرًا- فإنها تأتي صفة، بمعنى: الذي يثق بكلِّ أحد، أما (الأُمَنَة) -بضم الهمزة، وفتح الميم والنون-، فإنها صفهَ فقط، كـ (الأمَنَة)، ولا تأتي مصدرًا.","vol":"6","page":89},{"text":"وأمَانًا). والنعاس: بَدَلٌ مِنَ (الأمَنَة) (١).\nوقوله تعالى: ﴿يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ﴾ قُرِئ بالياء والتَّاءِ (٢). فَمَن قرأ بالياء؛ فلأن النُّعَاسَ هو الغاشي، والعرب تقول: (غَشِيَنِي النُّعاسُ)، وقلّما تقول: (غَشِيَني الأمْنُ).\nو-أيضًا- فإنَّ النعاسَ مذكورٌ بالغِشْيَانِ في قوله: ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ﴾ [الأنفال: ١١] ولأن النعاسَ يَلِي الفِعْلَ، وهو أقرب في اللفظ إلى ذِكْرِ الغِشْيانِ مِنَ الأمَنَة. فالتذكير أولى.\nومن قرأ بالتَّاءِ: جعل الأمَنَةَ هي الغاشِيَةَ.\nوالأَمَنَةُ والنُّعاسُ، أحدهما بَدَلٌ عن الثاني، فيجوز وَيحْسُن رَدُّ الكِنَايَةِ (٣) إلى أيِّهما شئت؛ كقوله: ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ (٤٣) طَعَامُ الْأَثِيمِ (٤٤) كَالْمُهْلِ يَغْلِي﴾ [الدخان:٤٣ - ٤٥]، وَ﴿وتَغْلِي﴾ (٤).\n_________\n= انظر (أمن) في: \"الصحاح\" ٥/ ٢٠٧١، و\"اللسان\" ١/ ١٤٠، و\"التاج\" ١٨/ ٢٣ وما بعدها.\n(١) وهو بدل اشتمال، ويكون بدلًا في حالة إعراب ﴿أَمَنَةً﴾ مفعولًا به لـ ﴿أَنزَلَ﴾. وقيل: هو عطف بيان، ويجوز أن يكون ﴿نُّعَاسًا﴾ مفعولًا، و﴿أَمَنَةً﴾ حال منه. وقيل غير ذلك.\nانظر: \"معاني القرآن\"، للزجاج ١/ ٤٧٨، و\"البيان\" للأنباري ١/ ٢٢٦، و\"التبيان\" للعكبري (٢١٥)، و\"الدر المصون\" ٣/ ٤٤٤، و\"فتح القدير\" ١/ ٥٨٩.\n(٢) قرأ ابنُ كثير، ونافع، وأبو عمرو، وعاصم، وابن عامر ﴿يَغْشَى﴾ -بالياء-. وقرأ حمزة، والكسائي ﴿وَتَغشَى﴾ بالتاء.\nانظر: \"القراءات\" للأزهري ١/ ١٢٨، و\"الحجة\" ٨٨، و\"الكشف\" ١/ ٣٦٠.\n(٣) الكناية: الضمير.\n(٤) قرأ ابن كثير، وحفص عن عاصم: ﴿يَغْلِي﴾. وقرأ أبو عمرو، وابن عامر، ونافع، وحمزة، والكسائي، وعاصم -في رواية أبي بكر-: ﴿تَغْلِي﴾.=","vol":"6","page":90},{"text":"ومِمَّا يُقَوِّي القراءة بالتَّاء: أنَّ الأصل: الأَمَنَةُ، و(النُّعَاس): بَدَلٌ. وَرَدُّ الكناَيَةِ إلى الأصْلِ أحْسَنُ. والأَمَنةُ هي المقصودة، فإذا حَصَلَتْ (١) الأمَنَةُ، حَصلَ (٢) النُّعَاسُ، لأنها سَبَبُهُ، فإنَّ الخائفَ لا يكادُ يَنْعُسُ.\nوقوله تعالى: ﴿طَائِفَةً مِنْكُمْ﴾ قال ابن عباس (٣): هم المهاجرون، وعامَّةُ الأنْصَارِ (٤).\nوقوله تعالى: ﴿وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ هؤلاء هم المنافقون: عبد الله بن أُبَي، ومُعَتِّبُ بن قُشَيْر (٥)، وأصحابُهُما، كان هَمُّهُم خَلاَصَ أنفسِهِم (٦). يقال: (أهَمَّنِي الشيءُ): إذا كان مِنْ هِمَّتِي وقَصْدِي.\nوالواو في قوله ﴿وَطَاَئِفَةٌ﴾، واو الحال.\n_________\nقال الفراء: (إذا كانت ﴿تغلي﴾، فهي الشجرة، وإذا كانت ﴿يَغلِى﴾، فهو المُهْل). \"معاني القرآن\" ١/ ٢٤٠. وانظر: \"السبعة\" ٥٩٢، و\"تفسير الطبري\" ٤/ ١٣٩، و\"المدخل\" للحدادي ١٤٧ - ١٤٩، و\"المسائل العضديات\" ١٦٦.\n(١) في (ج): (حصل).\n(٢) في (ج): (وحصل).\n(٣) لم أقف على مصدر قوله.\n(٤) انظر: \"تفسير البغوي\" ٢/ ١٢١، و\"زاد المسير\" ١/ ٤٨٠، و\"تفسير ابن كثير\" ١/ ٤٥١، و\"فتح القدير\" ١/ ٥٩٠.\n(٥) ويقال: مُعتِّب بن بشير الأوسي الأنصاري. شهد العقبة وبدرًا وأُحدًا، وقال ابن هشام بأنه ليس من المنافقين، وقيل: إنه تاب مما قاله يوم أحد.\nانظر: \"سيرة ابن هشام\" ٣/ ٢٣٨،٣٤٤، و\"الاستيعاب\" ٣/ ٤٨٢، و\"أسد الغابة\" ٥/ ٢٢٥، و\"الإصابة\" ٣/ ٤٤٣.\n(٦) انظر: \"تفسير الطبري\" ٤/ ١٤١، و\"النكت والعيون\" ١/ ٤٣٠، و\"تفسير البغوي\" ٢/ ١٢٢.","vol":"6","page":91},{"text":"قال سيبويه (١): المعنئ: إذْ طائِفةٌ قد أهَمَّتْهُم أنفُسُهم، وهو (٢) رَفْعٌ بالابتداء، وخبرُهُ: ﴿قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾. وجائزٌ أن يكون الخَبَرُ: ﴿يَظُنُّونَ﴾، ويكون ﴿قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾: مِنْ صِفَةِ النَّكِرَةِ، ويكون المعنى: وطائفةٌ مُهِمَّتُهُمْ أنفُسُهم، يَظنُّونَ.\nقال أبو الفَتْحِ المَوصِلِيُّ (٣): هذه الواو للحال، وهي وما بعدها في مَوْضِعٍ نَصْب، على تقدير: يَغْشَى طائفَةً منكم، مُهِمَّةً (٤) طائفةً أخرى منكم أنفُسُهم، في وقت غِشْيَانِهِ تلكَ الطائفة (٥) الأولى. ولا بُدَّ مِن هذا التقدير؛ كما أنَّ قولك: (جاءت هند، وعمرٌو ضاحكٌ)، في تقدير: (جاءت هند ضاحكًا (٦) عمرو في وقت مجيئها)، حتى يعود من الجملة التي هي حالٌ، ضميرٌ على صاحب الحال، ولهذا شبَّهَهَا سيبويه بـ (إذ) (٧).\n_________\n(١) في \"الكتاب\" ١/ ٩٠. نقله عنه بمعناه.\nوانظر: \"الكامل\" للمبرد ١/ ٣٢٧، ٣٢٨، وكتاب \"معاني الحروف\" للرماني ٦٠، و\"الصاحبي\" ١٥٧، و\"أمالي ابن الشجري\" ٣/ ١١، و\"تذكرة النحاة\" ٦٤٨.\n(٢) من قوله: (وهو ..) إلى (.. وطائفة مهمتهم أنفسهم): ساقط من (ج).\n(٣) هو ابن جِنِّي في: \"سر صناعة الإعراب\" ٢/ ٦٤٤ - ٦٤٥. نقله عنه بعضه بتصرف، ونقل أكثره بنصه.\n(٤) في (أ): مهمةٌ -بضم التاء المربوطة المُنوَّنة-. وفي (ب)، (ج): مهملة من الشكل. والمثبت من: \"سر صناعة الإعراب\"؛ وهو الصواب؛ لأن موقعها في الجملة حال منصوب.\n(٥) في (ب): (النعاس) بدلًا من: الطائفة.\n(٦) في (أ)، (ب)، (ج): (ضاحك)، والمثبت من: سر الصناعة، لأن ابن جِنِّي أراد أنها حال منصوبة.\n(٧) بـ (إذ): ساقط من (ج).","vol":"6","page":92},{"text":"قال أبو علي (١): إنما فَعَلَ ذلك من حيث كانت (إذْ) منتصبةَ المَوْضعِ في الحال (٢)، وأنَّ ما بعد (إذْ) لا يكون إلّا جملةً، كما أنّ ما بعد واو الحال لا يكون إلّا جملةً مرَكَّبَةً مِن مبتدأ وخَبَر، كقولك: (مَرَرْتُ بزَيْد، وعمرٌو قائمٌ) (٣).\nوقوله تعالى: ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ﴾ أي: يظنون أنَّ أمرَ النبي - ﷺ - مضمَحِلٌّ، وأنّه لا يُنْصر (٤).\nوقوله تعالى: ﴿ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾. الجاهلية: زَمَان الفَتْرَةِ، قبل الإسلام (٥). والمعنى: إنهم على جاهليتهم في ظنهم هذا. وتقدير الكلام: يَظنُّونَ ظَنَّ أهلِ الجاهلية (٦).\nوقوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ﴾ أي: ما لنا. استفهام يتضمن الجَحْدَ.\nقال الحَسَنُ (٧): يقولون: أُخْرِجْنَا كَرْهًا، ولو كان الأمرُ إلينا ما\n_________\n(١) قول أبي الفارسي -هنا- من تتمة كلام ابن جني في: المصدر السابق: ٢/ ٦٤٥ نقله المؤلف عنه بمعناه\nوانظر رأي أبي علي الفارسي حول هذه المسألة في كتابيه: \"المسائل المشكلة\" ٥٩٣، و\"المسائل الحلبيات\" ١٥١.\n(٢) عبارة أبي علي -كما نقلها ابن جني-، هي: (.. من حيث كانت (إذ) منتصبة الموضع بما قبلها، أو بعدها، كما أن (أو) منتصبة الموضع في الحال ..).\n(٣) في (ب): (قائما).\n(٤) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٤٧٩، و\"زاد المسير\" ١/ ٤٨١.\n(٥) قال النووي: (سموا بذلك؛ لكثرة جهالاتهم). \"صحيح مسلم بشرح النووي\" ٣/ ٨٧، وانظر: \"المزهر\" للسيوطي ٢/ ٢٠٢.\n(٦) انظر: \"تفسير الطبري\" ٤/ ١٤٢، و\"معاني القرآن\"، للزجاج ١/ ٤٣١.\n(٧) قوله، في: \"تفسير ابن أبي حاتم\" ٣/ ٧٩٥، و\"النكت والعيون\" ٢/ ٩٠٩، و\"زاد المسير\" ١/ ٤٨١.","vol":"6","page":93},{"text":"خَرَجْنَا (١) وقال الأكثرون (٢): أي: ليس لَنا مِنَ النَّصْرِ والظَّفَرِ شيءٌ كما وعدنا، بل هو للمشركين. يقولون ذلك (٣) على جهة التكذيب. فقال الله: ﴿إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾، أي: النَّصْرُ بيد الله ﷿.\nوقال عطاء، عن ابن عباس (٤): يريد: القضاء والقدر، والنُّصْرَةُ والشَّهادة. واختلف القرّاء (٥) في قوله: ﴿كُلَّهُ﴾:\nفَنَصَبَهُ [أكثرُهُم] (٦)؛ لأن (٧) الكُلَّ بمنزلة (أجمعين)، وجُمَعَ؛ في أنه للإحَاطَةِ والعُمُوم.\n_________\n(١) لفظه عند ابن أبي حاتم: (.. ذلك المنافق، لما قُتِل مِن أصحاب محمد، أتَوا عبد اللهَ بن أبَي، فقالوا له: ما تَرَى؟ فقال: إنَّا والله ما نُؤامَر، لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ههنا). وما أورده المؤلف هو معنى هذا اللفظ.\n(٢) في (ب): (وقال الآخرون الأكثرون).\nولم أقف على من قال بهذا القول، وقد أوردته بعض كتب التفسير ولم تعزه انظر: \"النكت والعيون\" ١/ ٤٣١، و\"زاد المسير\" ١/ ٤٨١، و\"تفسير القرطبي\" ٤/ ٢٤٢، و\"فتح القدير\" ١/ ٥٩٠.\n(٣) (ذلك): ساقطة من (ج).\n(٤) لم أقف على مصدر هذ الرواية. وأورد الثعلبي، والقرطبي -من رواية جويبر عن الضحاك عن ابن عباس- ما نصه: (يعني: القدر خيره وشره من الله). وهي بمعنى رواية عطاء عنه.\nانظر: \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١٣٤ ب، و\"تفسير القرطبي\" ٤/ ٢٤٢.\n(٥) في (ب): (واختلفوا القراء).\n(٦) ما بين المعقوفين في (أ): غير واضح. والمثبت من (ب)، (ج). انظر هذه القراءة في: \"السبعة\" ٢١٨٧، و\"الحجة\" للفارسي ٣/ ٩٠.\n(٧) من قوله: (لأن ..) إلى (.. إذا قال كله): نقله -بتصرف يسير- عن \"الحجة\" للفارسي ٣/ ٩٠.","vol":"6","page":94},{"text":"ولو قيل: (إن الأمرَ أجْمَعَ)، لم يكن إلّا النَّصبُ، -كذلك- إذا (١) قال ﴿كُلَّهُ﴾ (٢).\nوقرأ أبو عمروٍ بالرَّفْعِ (٣)، وذلك أنه لم يُجْرِهِ على ما قَبْلَهُ، ورَفَعَهُ على الابتداء، و﴿لِلَّهِ﴾: الخَبَر.\nقال الفَرّاءُ (٤): ومثله مِمَّا قُطِعَ مِمَّا (٥) قبلَهُ: قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ﴾ (٦) [الزمر: ٦٠]، ومِنْ هذا -أيضًا-: ما أجازه سيبويه مِن قولِهِم: (أينَ تَظُنُّ زيدٌ ذاهِبٌ).\nوقوله تعالى: ﴿يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ﴾ أي: مِنَ الشَّكِّ والنِّفَاقِ، وتكذيب الوَعْدِ بالاستعلاء على أهل الشرك.\nوقوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾\nرُوي (٧) عن الزُّبَيْر بن العَوَام -﵁ -، أنَّه قال (٨): أَرْسَلَ اللهُ علينا النَّوْمَ،\n_________\n(١) (أ)، (ب): (إذ). والمثبت من: (ج)، و\"الحجة\".\n(٢) فنصب ﴿كُلَّهُ﴾ إما على التوكيد، أو النعت، أو البدل.\nانظر: \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٢٤٣، و\"معاني القرآن\" للأخفش ١/ ٢١٨، و\"الأصول في النحو\" لابن السراج ٢/ ٢٣، و\"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ٣٧١، و\"التبيان\" للعكبري ص ٢١٦.\n(٣) أي: ﴿كُلَّهُ﴾ انظر: المصادر السابقة.\n(٤) في \"معاني القرآن\"، له ١/ ٢٤٣. نقله عنه بمعناه.\n(٥) في (ج): (من).\n(٦) قوله تعالى: ﴿وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ﴾، جملة مكونة من: مبتدإ، وهو: ﴿وُجُوهُهُمْ﴾، وخبر، وهو: ﴿مُّسْوَدَّةٌ﴾. والجملة في محل نصب على الحال. ويجوز من الناحية النحوية أن تُنْصبَ ﴿وُجُوهُهُمْ﴾ على أنها بدل من ﴿الَّذِينَ﴾. انظر: \"البيان\" للأنباري ٢/ ٣٢٥\n(٧) في (أ): (رَوَي). والمثبت من: (ب)، (ج).\n(٨) أخرج قوله: الواقدي في \"المغازي\" ١/ ٣٢٣، والطبري في \"تفسيره\" ٤/ ١٤٣،=","vol":"6","page":95},{"text":"وإنِّي لأَسْمَعُ قولَ مُعَتِّب بن قُشَيْر -والنُّعَاس يغشاني-، ما أسمعه إلّا كالحُلم (١)، يقول: لو كان لنا من الأمر شىِءٌ، ما قُتلنا ههنا (٢). يَعْنُونَ أنهم أُخْرِجُوا كُرْهًا، ولو كان الأمر بيدهم لم يخرجوا.\nوقال المفسرون (٣): إنَّ المُنافِقِينَ قال بعضُهم لِبَعضٍ: لَوْ كانَ لنا عُقُولٌ، لم نخرجْ مع محمد لِقِتال أهل مكة، وَلَمَا قُتِلَ رُؤَساؤُنا. وهذا منهم تكذيبٌ بالقَدَرِ؛ حين ظَنُّوا أنهم لو لم يخرجوا لم يُقْتَلوا. فَرَدَّ اللهُ -تعالى- عليهم هذا الكلام بقوله: ﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ﴾ أيها المُنافِقُونَ، وَلم تَخْرُجوا إلى أُحُد.\n﴿لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾ يعني: لو تَخلَّفتم عن القتال؛ لَخَرَج منكم الذين كُتِب عليهم القَتْل، ولم يكن لِيُنْجِيهم قُعُودهم.\nومعنى (بَرَزَ): صار إلى (بَرَاز)؛ وهو المكان المنكشف (٤).\nوالمضاجع: جمعُ (المَضْجَع)؛ وهو الموضع الذي يَضْجَعُ عليه الإنسانُ. ومنه قوله تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ [السجدة: ١٦].\n_________\n= وابن أبي حاتم ٣/ ٧٩٥، وأبو نعيم في \"دلائل النبوة\" ٤٨٧ فصل ٢٥. رقم (٤٢٣)، وأورده السيوطي في \"لباب النقول\" ٥٩، و\"الدر المنثور\" ٢/ ١٥٦، وزاد نسبة إخراجه إلى ابن إسحاق، وابن راهويه، وعبد بن حميد، وابن المنذر، والبيهقي في \"الدلائل\". وانظر: \"سيرة ابن هشام\" ٣/ ٦٨.\n(١) في (أ): (كالحِكم). والمثبت من: (ب)، (ج)، ومصادر الخبر.\n(٢) في (أ): (هنا). والمثبت من: (ب)، (ج)، ومصادر الأثر.\n(٣) انظر: \"تفسير الطبري\" ٤/ ١٤٢، و\"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١٣٤ ب، والنَّصُّ له.\n(٤) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٤٨٠، و\"نزهة القلوب\" للسجستاني ١٤٤، و\"المقاييس\" ١/ ٢١٨ (برز).","vol":"6","page":96},{"text":"قال الهُذَلِيُّ (١):\nأَم ما لجنْبِكَ لا يُلائِمُ مَضْجَعًا ... إلّا أَقَضَّ عليكَ ذاكَ المَضْجَعُ (٢)\nوقال: (أضْجَعْتُ فُلانا): إذا وَضَعْت جَنْبَهُ بالأرض. و(ضَجَعَ)، فهو يَضْجَعُ بنَفْسِهِ. ويريد بـ ﴿المَضَاجِعِ﴾ ههنا: مَصارِعَهم للقتل؛ أي: حيث يَسْقُطُون (٣) -هناك- قتلى.\nوقوله تعالى: ﴿وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ﴾ قال الكسائيُّ وغيرُهُ (٤): وليَبْتَلِيَ اللهُ ما في صدوركم، فَعَلَ ما فَعَلَ يومَ أُحُد. فَحُذِفَ واختُصِرَ؛ لِبَيَان المعنى.\nومعنى ﴿لِيَبْتَلِيَكُمْ﴾: ليعاملكم معامَلَة المُبْتَلِي، المُخْتَبِرِ لكم.\n_________\n(١) هو أبو ذؤيب، خويلد بن خالد الهذلي.\n(٢) البيت ورد منسوبًا له في: \"المفضليات\" ٤٢١، و\"الزاهر\" ١/ ٤٧٣، و\"الأمالي\" ١/ ١٨٢، و\"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٩٨٢ (قضض)، و\"شرح أشعار الهذليين\" ١/ ٥، و\"مقاييس اللغة\" ٥/ ٢١ (قضض)، و\"جمهرة أشعار العرب\" ص ٢٤١، و\"اللسان\" ٦/ ٣٦٦٢ (قضض).\nورد في (التهذيب): (.. أقضَّ عليه ذاك ..)، وفي \"المقاييس\" (أم ما لجسمك). البيت من مرثيته التي يرثي بها أبناءه الخمسة الذين ماتوا في عام واحد. وقبل هذا البيت:\nقالتْ أُمَيْمَةُ ما لجسمك شاحبا ... منذ ابْتُلِيتَ ومثل مالِكَ يَنفَع\n(أم) في البيت هي المنقطعة، بمعنى: (بل) والاستفهام. وقوله: (لا يُلائِم): لا يوافق، (أقضَّ عليك ذاك المضجع)؛ أي: لم يطمئن بك النوم، كأن تحت جنبك (قَضِيضا)، وهو: الحصى الصغار.\nانظر: \"الزاهر\" ١/ ٤٧٣، و\"التهذيب\" ٣/ ٢٩٨٢، و\"شرح أشعار الهذليين\" ١/ ٦.\n(٣) (يسقطون): مطموسة في (ج).\n(٤) لم أقف على مصدر قول الكسائي، ولا على مصدر قول غيره ممن قال هذا القول.","vol":"6","page":97},{"text":"وقال أبو إسحاق (١): أي: لِيَخْتَبِرَ ما في صدوركم، لِيَعلَمَهُ مُشَاهدَةً، كما يعلمه غَيْبًا؛ لأن المُجَازَاةَ تَقَعُ على ما عَلِمَهُ مُشَاهَدَةً.\nوقيل (٢): لِيَبتلي أولياءُ اللهِ ما في صدوركم. إلّا أنه أُضِيفَ الابتلاءُ إلى\nاللهِ -تعالى-، تفخيما لشأنهم؛ كقوله: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا﴾ (٣).\n_________\n(١) في \"معاني القرآن\" له ١/ ٤٨٠. نقله عن بتصرف.\n(٢) ممن قال ذلك: الطبري في \"تفسيره\" ٤/ ١٤٣، وقد أورد هذا القول الماورديُّ في: \"النكت والعيون\" ١/ ٤٣١ ولم يعزه\n(٣) الزخرف: ٥٥. ومعنى ﴿آسَفُونَا﴾: أغضبونا. وهو قول: ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير، ومحمد بن كعب القرظي، وقتادة، والسدي، وغيرهم من المفسرين. انظر: \"تفسير الطبري\" ٢٥/ ٨٤، و\"تفسير ابن كثير\" ٤/ ١٣٧.\nوالمؤلف يقصد -هنا- أن معنى الآية: فلما أغضبوا موسى ﵇ ومن معه من أولياء الله، ولكن نُسِب الغضبُ إلى الله تعالى؛ تفخيمًا لشأن أولياء الله.\nولا مانع من قبول هذا التأويل الذي يراه المؤلف، مع إثبات صفة الغضب لله تعالى، ولكن قد يكون الدافع لهذا التأويل هو الهرب من نسبة هذه الصفة إليه تعالى، وحينها، فإن هذا التأويل لا يُسَلَّم؛ وذلك أنَّ الأشاعرة -والمؤلف منهم- يرون أن الغضب من صفات المخلوقين التي يجب أن لا تنسب إلى الله على الحقيقة؛ حيث إن الغضبَ عندهم هو: غَلَيَانُ دَمِ القَلْب؛ لإرادة الانتقام، وذاك محال على الله، وانما يُنْسَب إلى الله -﷿- على سبيل المجاز، ويراد به -حينها-: إرادة العقوبة، فيكون صفة ذات، أو يُراد به العقوبة ذاتها، فيكون صفة فعل.\nولكنْ سَلَفُ الأُمَّةِ -وقد شق بيان مذهبهم الحق في صفات الباري تعالى- يرون أن الغضب من صفات الله، يُنْسبُ إليه -تعالى- على الحقيقة، بما يليق بذاته، والشأن في الصفات أن تُمَرَّ كما جاءت، دون تعطيل ولا تشبيه ولا تحريف ولا تأويل، ولا بيان لكيفيَّتها، كما أن صفة الغضب تنسب إلى المخلوق على الحقيقة، بما يتناسب مع خَلْقِهِ، وطبيعته، ومن توابع هذه الصفة، ولوازمها في المخلوق: هو ما ذكره المُؤَوِّلُونَ مِنْ غَلَيَان دَمِ القلب، وبذا تفترق صفة الخالق عن المخلوق. انظر: \"النكت والعيون\" ٥/ ٢٣١ - ٢٣٢، و\"تفسير الفخر الرازي\" ٢٧/ ٢٢٠،=","vol":"6","page":98},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ﴾ قد ذكرنا للتَّمْحِيصِ ثلاث مَعَانٍ، عند قوله -تعالى-: ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [آل عمران: ١٤١]: التَّطْهِير، والكَشْف، والابْتِلاء. وهذ كلها مُحْتَمَلَةٌ في هذه الآية.\nقال قتادة (١) - في قوله: ﴿وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ﴾، أي: يُظْهِرها (٢) مِنَ الشَّكِّ والارْتِيَاب؛ بما يُرِيكم من عجائب صُنعه في إلقاء الأَمَنَةِ، وصَرْفِ العدُوِّ، وإعلانِ سَرَائِرِ المنافقين. وهذا (٣) التمحيص خاصٌّ للمؤمنين؛ فابن عباس قال (٤): يريد: يُمَحِّص قلوب أوليائه من الخطأ.\nوقال الكَلْبِيُّ (٥): ﴿وَلِيُمَحِّصَ﴾: يُبَيِّن ما في قلوبكم. يعني: أن المؤمن يُظْهِر الرِّضَا بِقَدَرِ الله، والمنافق يُظْهر مثلَ ما أظهرَ مُعَتِّب بن قُشَيْر وأصحابُه. فَعَلَ اللهُ ما فَعَلَ يومَ أُحُد؛ لِيُبَيِّنَ ما في قلوب الفريقين.\nويَحْتَمِلُ التَّمْحِيصُ -ههنا- معنى الابتلاء، غير أن القولين الأَوَّلَيْن أجودُ؛ لِزِيَادَةِ الفائدة؛ فإنَّ الابتلاءَ قد ذُكِرَ في قوله: ﴿وَلِيَبْتَلىَ اللَّهُ﴾.\nوقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ (ذاتُ الصدور)، تحتمل معنيين: أحدهما: أن (ذات الصدور) هي: الصدور؛ لأن ذاتَ الشيء\n_________\n= ولوامع الأنوار\" للسفاريني ١/ ٢٢١ - ٢٢٣، و\"روح المعاني\" ٢٥/ ٩١، و\"أضواء البيان\" ٧/ ٢٥٦، و\"العقائد السلفية\" لأحمد بن حجر ١/ ٨٦\n(١) لم أقف على مصدر قوله. وقد أورده ابن الجوزي في: \"الزاد\" ١/ ٤٨٢.\n(٢) في (ب)، (ج): (يطهرها) بالطاء.\nانظر:\"بحر العلوم\" ١/ ٣٠٩، و\"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١٣٤ ب، و\"تفسير البغوي\" ٢/ ١٢٢، و\"زاد المسير\" ١/ ٤٨٢.\n(٣) من قوله: (وهذا ..) إلى (.. يمحص قلوب): ساقط من (ج).\n(٤) لم أقف على مصدر قوله.\n(٥) لم أقف على مصدر قوله.","vol":"6","page":99},{"text":"نَفْسُهُ، وعَيْنهُ. يقال: (فَهَمتُ ذاتَ كلامك)، كما يقال: (نَفْسَ كلامك). قال الشاعر:\nنَطُوفُ بِذَاتِ البيتِ والخَيْرُ ظاهِرُ (١)\nأي: البيت نفسه. وفيه معنى التأكيد. فيكون المعنى: واللهُ عليمٌ بالصدور.\nوالثاني: أنَّ (ذاتَ الصدور): الأشياء التي في الصدور، وهي الأسرار والضمائر، وهي (ذات الصدور)؛ لأنها فيها، تَحُلُّها (٢) وتصاحبها وصاحب الشيء: (ذُوهُ)، وصاحبته: (ذاته) (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-658>١٥٥ </span>- قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾ هذا الخطاب للمؤمنين خاصَّةً، يعني: الذين انهزموا يوم أحد (٤).\n﴿إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ﴾ أي: حَمَلَهُمْ على الزَّلَّةِ، وَكَسَبَهُمْ الزَّلَّةَ (٥).\n_________\n(١) هو عمرو بن الحارث بن مضاض كما في \"الأغاني\" ١٥/ ١٧بلفظ (نمشّى به والخير إذ ذاك) وفي \"نهاية الأرب\" للنويري بلفظ (نطوف بذاك). وصدره:\nفنحن ولاة البيت من بعد نابت\nوينظر: \"السيرة الحلبية\" (١/ ١٥)، و\"البدء والتاريخ\" ٤/ ١٢٦، و\"أخبار مكة\" للأزرقي ١/ ٩٧، و\"الاكتفاء\" للكلاعي ١/ ٥٩، و\"البداية والنهاية\" ٢/ ١٨٦، و\"المنتظم\" ٢/ ٣٢١، و\"تاريخ الطبري\" ١/ ٥٢٣، و\"الأنساب\" ٥/ ٤٤٠، و\"معجم البلدان\" ٥/ ٣٦، ١٨٦.\n(٢) في (ب): (وتحلها).\n(٣) انظر: \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٢٩٩ - ١٣٠١ (ذو)، و\"اللسان\" ٣/ ١٤٧٦ - ١٤٧٧ (ذو) وانظر: تفسير قوله تعالى: ﴿إنَّ اللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾. آية: ١١٩.\n(٤) انظر: \"تفسير الطبري\" ٤/ ١٤٤.\n(٥) (وكسبهم الزلة): ساقط من (ج).","vol":"6","page":100},{"text":"و(أَزَلَّ)، و(اسْتَزَلَّ)، بمعنى واحد. ذكرنا ذلك في قوله: ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ﴾ [البقرة: ٣٦] (١).\nوقال ابن قُتَيْبَة (٢): ﴿اسْتَزَلَّهُمُ﴾: طَلَبَ زَلَّتَهم؛ كما يقال: (استعجلته)؛ أي: طَلَبْتُ عَجَلَتَهُ، و(استعملته): طَلَبْتُ عَمَلَهُ.\nوقول تعالى: ﴿بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا﴾ قال مقاتل (٣): يعني: معصيتهم النبيَّ - ﷺ -، وتركهم المَرْكَزَ.\nوقيل: استزَلَّهم الشيطانُ بِتَذْكِيرِ خَطَايَا سَلَفَتْ لهم، فكرهوا أن يُقْتَلُوا قبلَ إخلاصِ التَّوْبَةِ. وهذا اختيار الزَّجَّاج؛ لأنه قال (٤): لَمْ يَتَوَلَّوا على جهة المُعَانَدَةِ، ولا على الفِرَارِ مِنَ الزَّحْفِ؛ رَغْبَةً في الدنيا، وإنَّمَا ذَكَّرَهُم الشيطانُ خَطَايَا كانت لهم، فكرهوا لقاءَ اللهِ، إلا على حَالَةٍ يَرْضَوْنَهَا (٥).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ﴾.\n_________\n= يقال: (كَسَبَ هو)؛ بمعنى: أصاب. ويقال: (كَسَبْتُ زيدًا مالًا)، و(أكْسَبْتُ زيدًا مالًا)؛ أي: أعنته على كَسْبِه، أو جعلته يَكْسِبُهُ. انظر: \"اللسان\" ٧/ ٣٨٧٠ (كسب)، و\"القاموس\" ١٣١ (كسب).\nوالزَّلَّة: الخطيئة. انظر: \"تفسير الطبري\" ٤/ ١٤٥، و\"القاموس\" ص ١٠١٠ (زلل).\n(١) انظر: \"تفسير البسيط\" عند تفسير هذه الآية\n(٢) في \"تفسير غريب القرآن\" له ١٠٧. نقله عنه بتصرف.\n(٣) في \"تفسيره\" ١/ ٣٠٩.\n(٤) في \"معاني القرآن\" له ١/ ٤٨١. نقله عنه بتصرف يسير جدًّا. وانظر: \"معاني القرآن\" للنحاس ١/ ٥٠٠.\n(٥) قال أبو حسان عن قول الزّجاج -هذا-: (ولا يَظْهَرُ هذا القول، لأنهم كانوا قادرين على التوبة قبل القتال، وفي حالة القتال، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له.). \"البحر المحيط\" ٣/ ٩١.","vol":"6","page":101},{"text":"قال الكلبيُّ (١)، ومقاتلُ (٢): عَفَا عنهم إذْ لَمْ يُقْتَلوا جميعًا، ولم يَسْتَأصِلْهم (٣).\nوقيل (٤): عَفا عنهم؛ أي: غفر لهم تلك الخطيئة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-659>١٥٦ </span>- قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآية\nقال ابن عباس -في رواية عطاء (٥) -: يريد قومًا من المنافقين قالوا فيمن بعثه رسولُ الله - ﷺ -، مِنَ السَّرَايَا إلى بِئْرِ مَعُونَة (٦)، وإلى\n_________\n(١) لم أقف عليه\n(٢) في \"تفسيره\" ١/ ٣٠٩.\n(٣) وممن قال بهذا القول: الحسن البصري، وسعيد بن جبير، وأبو الليث. انظر: \"تفسير ابن أبي حاتم\" ٣/ ٧٩٧ - ٧٩٨، و\"بحر العلوم\" ١/ ٣١٠.\n(٤) هذا قول الجمهور، ومنهم: عثمان بن عفان ﵁، وابن عمر -﵄-، وقتادة، والربيع، والطبري.\nانظر: \"صحيح البخاري\" (٤٠٦٦) كتاب المغازي. باب: قول الله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾، و\"تفسير الطبري\" ٤/ ١٤٤ - ١٤٦، و\"بحر العلوم\" ١/ ٣١٠، و\"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١٣٥ أ، و\"المحرر الوجيز\" ٣/ ٢٨٧، و\"تفسير القرطبي\" ٤/ ٢٤٤ - ٣٤٥، و\"البحر المحيط\" ٣/ ٩١، و\"مجمع الزوائد\" ٩/ ٨٣ - ٨٤.\n(٥) لم أقف على مصدر هذه الرواية.\n(٦) بَعَث النبي - ﷺ -، سبعينَ رَجُلا؛ لِحاجَةٍ، يُقال لهم القُرَّاء، فَعَرَضَ لهم حَيَّانِ من بني سُلَيْمِ: رِعْلٌ وذَكْوانُ، عند بِئْر يُقال لها بئرُ مَعُونَةَ، فقال القوم: والله ما إيَّاكم أرَدْنَا، إنَّمَا نحنُ مُجْتازُون في حاجة للنبي - ﷺ -، فقَتَلُوهم، فَدَعَا النبي - ﷺ -، عليهم شهرا، في صلاة الغَدَاةِ).\n\"صحيح البخاري\" (٤٠٨٨)، كتاب: المغازي. باب: غزوة الرجيع. وهذ إحدى الروايات التي أوردها البخاري حول هذه السَّرِية، وهناك روايات أخرى عنده. انظرها في الباب نفسه. =","vol":"6","page":102},{"text":"الرَّجيع (١)، فأُصِيبوا: ﴿لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا﴾.\nوقال مجاهد (٢)، ومحمد بن إسحاق (٣): يعني بـ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: جميعَ المنافقين.\nوقوله تعالى:\n﴿وَقَالُواْ لِإِخوَانِهِم﴾. أي: في النِّفَاق. وقيل: في النَّسَبِ (٤).\n_________\n= وانظر روايات أخرى لهذه السَّرِيَّة في كتب السيرة، منها: \"المغازي\" ١/ ٣٤٦، و\"سيرة ابن هشام\" ٣/ ١٨٤، و\"الطبقات الكبرى\" ٢/ ٥١، و\"تاريخ الطبري\" ٢/ ٥٤٥.\n(١) بعث النبي - ﷺ -، سَرِيَّةً؛ عَيْنًا له، وقيل بعثهم استجابة لطلب عَضَل والقَارَة أن يبعث معهم من يُفَقِّههم في الإسلام ويقرؤهم القرآن، -وكان ذلك خدعة منهم، اتفقوا فيه مع بني لِحيان-، وأمَّرَ على السرِية عاصمَ بن ثابت، وقيل: مَرْثَد بن أبي مرثد الغَنَوِي، فخرجوا حتى إذا كانوا عند ماءٍ لهذيل، يقال له: الرَّجِيع، بناحية الحجاز، هجم عليهم بنو لِحيان، حيٌّ من هذيل، فاستل الصحابة سيوفهم، فقال لهم الأعداء: لكم العهد والميثاق ألا نقتل منكم رجلًا، فرفض عاصم، وقاتل حتى قتل، مع نَفَرٍ من أصحابه، وأسِرَ البقيَّةُ، وانطلق الأعداء بِخبَيْب بن عَدي، وزيد بن الدِّثِنَّةِ، وباعوهما بمكة، فقتلهما أهل مكة ثأرا لقتلاهم في بدر.\nانظر تفصيل أخبار هذه السرِيَّة في: \"صحيح البخاري\" (٤٠٨٦). كتاب: المغازي، باب: غزوة الرجيع، و\"المغازي\" ١/ ٣٥٤، و\"سيرة ابن هشام\" ٣/ ١٦٠، و\"الطبقات الكبرى\" ٢/ ٥٥، و\"تاريخ الطبري\" ٢/ ٥٣٨.\n(٢) الذي وقفت عليه عنه: قوله: (قول المنافق؛ عبد الله بن أبي بن سلول) \"تفسير الطبري\" ٤/ ١٤٦، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" ٣/ ٧٩٩.\nوقد أورده السيوطي في \"الدر\" ٢/ ١٥٨، إلا أن لفظه عنده: (هذا قول عبد الله بن أبي بن سلول، والمنافقين). ونسبه السيوطي إخراجه لهما، وزاد نسبته للفريابي، وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(٣) قوله في: \"سيرة ابن هشام\" ٣/ ٦٩، و\"تفسير الطبري\" ٤/ ١٤٦، و\"تفسير أبن أبي حاتم\" ٣/ ٧٩٨.\n(٤) ذكر القولِين: الثعلبي في: \"تفسيره\" ٣/ ١٣٥ ب، ولم يعزهما لقائل. ورجح ابن =","vol":"6","page":103},{"text":"﴿إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ﴾ أي: ساروا وسافروا فيها. وكان (١) ينبغي في العَرَبِيَّةِ أنْ يُقَال: (وقالوا لإخوانهم إذْ (٢) ضَرَبُوا في الأرض)؛ لأنه ماضٍ، كما تقول: (ضربتك إذْ قُمْتَ)، ولا تقول (٣): (ضربتك إذا قُمْتَ). والذي في كتاب الله عَرَبِيٌّ حَسَنٌ، لأن القَوْلَ -وإن كان ماضيًا في اللفظ- فهو في معنى (٤) الاستقبال؛ لأن (الذين) يُذْهَبُ بها إلى معنى الجزاء، وكذلك: (مَنْ)، و(ما). فإذا وقع الماضي صِلَةً لِمُبْهَمٍ مِنْ (مَنْ) و(ما) و(الذين)، جازَ أنْ يكون بمعنى الاستقبال (٥).\nفقوله (٦): ﴿كَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾، في معنى: يَكْفُرُونَ، فدخلت (إذا) لِمَعْنى الاستقبال؛ والتقدير: (لا تكونوا كالذين يكفرون (٧)، ويقولون لإخوانهم\n_________\n= عطية القولَ بأنها أخُوَّةُ النَسَبِ، قائلا: (لأن قَتْلَى أُحُد كانوا من الأنصار، أكثرهم من الخزرج، ولم يكن فيهم من المهاجرين إلا أربعة). \"المحرر\" ٣/ ٣٨٩.\n(١) من قوله: (وكان ..) إلى نهاية بيت الشعر: (.. ما كان في غد): نقله -بتصرف- عن \"معاني القرآن\"، للفراء ١/ ٢٤٣ - ٢٤٤، وأضاف إليه -مُلَفِّقا- بعضًا مِن كلام ابن الأنباري الذي أورده الأزهري في \"التهذيب\" ١/ ١٣٧ (إذ). وانظر: \"الأضداد\" لابن الأنباري ١٢١.\n(٢) (أ)، (ب)، (ج): (إذا). وهي خطأ. والمثبت من \"معاني القرآن\". وهي الصواب.\n(٣) (ضربتك إذ قمت ولا تقول): ساقطة من (ج).\n(٤) في (ج): (بمعنى) بدلًا من: (في معنى).\n(٥) يقول ابن عطية: (ودخلت (إذا) في هذه الآية -وهي حرف استقبال-؛ من حيث (الذين) اسمٌ فيه إبهام، ويعمُّ مَنْ قال في الماضي ومَنْ يقول في المستقبل، ومن حيث هذه النازلة تتصور في مستقبل الزمان). المحرر ٣/ ٣٨٩.\n(٦) في (أ)، (ب): (بقوله). وساقطة من (ج). وليست في \"معاني القرآن\"، والمثبت هو ما اسْتَصْوَبْتُه.\nومن قوله: (بقوله ..) إلى (.. بمعنى الاستقبال): ساقط من (ج).\n(٧) في (ج): (كفروا).","vol":"6","page":104},{"text":"إذا ضربوا في الأرض (ومثله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الحج: ٢٥]؛ معناه: إنَّ الذين يكفرون. وكذلك قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا﴾ [المائدة: ٣٤]؛ معناه: يَتُوبُون. ومثله: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ [مريم: ٦٠]؛ معناه: إلّا مَن يَتُوب.\nومشهورٌ في كلامهم، أنْ يقول الرجلُ للرجلِ: (لا تضربْ إلّا الذي ضَرَبَكَ؛ إذا سَلَّمْتَ عليه). فيجيء بـ (إذا)؛ لأن (الذي) غير مُؤَقَّت، فلو وَقَّته، لَقَالَ: (اضربْ هذا الذي ضَرَبَكَ؛ إذْ (١) سَلَّمْتَ عليه). ولا يجوز: (إذا سَلَّمْتَ) -ههنا-؛ لأنَّ توقيت (الذي) أبْطَلَ أنْ يكونَ الماضي في معنى المستَقبَلِ. وتقول: (ما هَلَكَ امرُؤٌ عَرَفَ قَدْرَهُ)؛ لأن الفعل حديثٌ عن مَنْكُورٍ؛ يُراد به الجنس؛ كأنَّ المتكلمَ يريد: (ما يهلك كُلُّ امرئٍ إذا عرف قدره)، أو الرَّجُل وما أشبهها (٢).\nهذا مذهب الفراء (٣)، وأنشد:\nوإنِّي لآتِيكمْ تَشَكُّرُ ما مَضَى ... مِنَ الأمرِ واستيجابَ ماكان في غَدِ (٤)\n_________\n(١) في (أ)، (ب): (إذا). والمثبت من (ج). وهو الصواب.\n(٢) في (ج): (أشبههما).\n(٣) في \"معاني القرآن\" له ١/ ٢٤٤.\n(٤) البيت للطِّرِمّاح بن حكيم الطائي، وهو في: ذيل ديوانه ٥٧٢، وورد منسوبًا له، في: \"أمالي بن الشجري\" ١/ ٦٧، ٢/ ٥٣، ٤٥٣، و\"اللسان\" ٧/ ٣٩٦٢ (كون). وورد غير منسوب في: \"معاني الفراء\" ١/ ١٨٠، و\"تفسير الطبري\" ٤/ ١٤٨، و\"الخصائص\" ٣/ ٣٣١، و\"سر صناعة الإعراب\" ١/ ٣٩٨، و\"المحرر الوجيز\" ٣/ ٣٩٠.\nوردت روايته عند ابن الشجري: (من الود)، و(من البر)، و(من الأمس) بدلًا من: (من الأمر). كما وردت روايته: (.. في الغد). وفي \"اللسان\" (واستنجاز ما كان =","vol":"6","page":105},{"text":"أي: ما يكون.\nوأجاز (١) قُطْرُب (٢) أنْ تُوقَعَ (إذْ) على معنى (إذا)، و(إذا) على معنى (إذ)، واحتج بقول الشاعر:\nثمَّ جَزَاهُ اللهُ عَنِّي إذ جَزَى ... جَنَّاتِ عَدْنٍ في العَلالِيِّ العُلى (٣)\nمعناه: إذا يجزي (٤).\nقال ابن الأنباري (٥): والاختيار: مذهب الفراء؛ لأنه لا يصلح في كلِّ موضعٍ وَضْعُ (٦) (إذ) في موضع (إذا)، ولا وَضْعُ (إذا) في موضع (إذ).\n_________\n= في غد). وفي جميع المصادر السابقة -ما عدا \"معاني القرآن\"- ورد: (وإني)، والصواب ما ورد في الديوان، و\"معاني الفراء\" (فإني)؛ لأن جوابٌ للشرط الوارد في البيت الذي قبله، وهو:\nمَنْ كان لا يأتيك إلا لحاجة ... يروح بها فيما يروح ويغتدي\n(١) في (ج): (وأجاب).\n(٢) في كتاب \"الأضداد\" له ١٥٠ - ١٥٢. وانظر: \"الأضداد\" لابن الأنباري ١١٩، فقد ناقش هذا الأمر، وأورد قول الأخفش هذا.\n(٣) البيت لأبي النجم العجلي. وقد ورد منسوبًا له في: المصادر السابقة، و\"تفسير الطبري\" ٧/ ١٣٧، و\"الصاحبي\" ١٩٦، و\"أمالي ابن الشجري\" ١/ ٦٧، ١٥٣، و\"اللسان\" ٥/ ٢٧١٦ (طها)، ١/ ٥٠ (إذ) ولم يشبه هنا. وورد غير منسوب في: \"تهذيب اللغة\" ١/ ١٣٨. وقد ورد في كل المصادر السابقة: (.. جزاه الله عنا). (العلالي)، جمع: عُلِّيَّة -بكسر العين وضمها-، وهي الغُرْفة العالية في البيت. وأراد هنا (عِلِّيِّينَ) الواردة في القرآن. و(العُلَى)، جمع: عُلْيا. انظر: \"عمدة الحفاظ\" ٣٧٩، ٣٨٠ (علو).\n(٤) في (ج): (إذ يجزي). وفي \"الأضداد\"، لقطرب، وابن الأنباري: إذا جزى.\n(٥) لم أقف على مصدر قوله، وليس هو في كتابه \"الأضداد\" الذي تعرض فيه لهذه المسألة.\n(٦) في (أ): (وضُعَ). وفي (ب)، (ج): مهملة من الشكل. وما أثبته هو ما استصوبته.","vol":"6","page":106},{"text":"والذي احْتَجَّ به من قولِ الراجز، فإن معناه: (ثم جزاه الله عني، إذْ حَكَمَ بالجزاء وأوجبه). فـ (إذ) في بابها، غير منقولة إلى معنى غيرها (١).\nوقوله تعالى: ﴿أَوْ كَانُوا غُزًّى﴾ (الغُزَّى) (٢): جمع (غازٍ)؛ مثل: (شاهِدٍ، وشُهَّد)، و(نائِم ونُوَّم)، و(صائِمٍ وصُوَّم)، و(قائلٍ وقُوَّل). ومثله من الناقص: (عَافٍ وعُفًّى (٣). ويجوز (غُزَاة)؛ مثل: (قُضَاة)، و(دُعَاة)، و(رُمَاة). ويجوز (غُزَّاء) مثل: (حُرَّاب) (٤)، و(ضُرَّاب) (٥).\nومعنى (الغَزْوِ) -في كلام العرب-: قَصْدُ العَدُوِّ. و(المَغْزَى): المَقْصد.\nروى عَمْرُو (٦) عن أبيه: (الغَزْوُ): القَصْد. و-كذلك- (الغَوْزُ). و(قد غَزَاه، وغَازَه، غَزْوًا، وغَوْزًا): إذا قَصَدَه.\n_________\n(١) انظر هذه المسألة في: \"تفسير الطبري\" ٤/ ١٤٧ - ١٤٨، و\"تهذيب اللغة\" ١/ ١٣٨ (إذ)، و\"اللسان\" ١/ ٥٠ (تفسير إذ).\n(٢) في (ب): (الغز).\n(٣) (العُفَّى، والعافِيَةِ والعُفَاة)؛ كلها جمعُ (عافٍ) و(مُعْتَفٍ)، وهو: كلُّ مَن جاءك يطلب رزقًا أو معروفًا، ويقال: (وفلان تَعْتَفِيه الأضيافُ) أو (هو كثير العُفَّى أو العافية)؛ أي: كثير الأضياف. انظر: \"اللسان\" ٥/ ٣٠١٩ (عفا).\n(٤) في (أ): (خراب) بالخاء. والمثبت من: (ب)، (ج)، و\"معاني القرآن\" للزجاج.\n(٥) انظر: \"تفسير غريب القرآن\" لابن قتيبة (١٠٧)، \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٤٨١ - ٤٨٢، و\"تفسير الطبري\" ٤/ ١٤٧، و\"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ٣٧٢ - ٣٧٣، و\"الدر المصون\" ٣/ ٤٥٤، وقال: (ويقال: غُزَّاء -بالمد، أيضًا-، وهو شاذ).\n(٦) في (أ)، (ب): (عمر). والمثبت من (ج)، و\"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٦٦١ - ٢٦٦٢؛ حيث نقل قول عمرو عنه بنصه. وعمرو هو: ابن أبي عمرو الشيباني (إسحاق بن مرار).","vol":"6","page":107},{"text":"قال الأزهري (١): ويقال لِجَمْعٍ (الغَازِي): (غَزِيٌّ)؛ مثل: (نَاجٍ، ونَجِيٍّ)؛ للقوم يَتَناجَوْنَ، وأنشد لِزِياد (٢) الأعجم:\nقُلْ لِلْقَوافِلِ والغَزِيِّ إذا غَزَوْا ... والباكِرِينَ ولِلْمُجِدِّ الرَائحِ (٣)\n_________\n(١) قوله في: المصدر السابق ٣/ ٢٦٦٢.\n(٢) في (أ)، (ب): (الزياد). والمثبت من (ج)، وهو الصواب؛ لأن اسمه (زياد) في المصادر التي تَرْجَمَت له، وليس (الزياد). وفي \"التهذيب\" (وقال زياد الأعجم). وهو: زياد بن سَلْمَى، وقيل: زياد بن جابر بن عمرو بن عامر، من عبد القيس، وقيل له الأعجم، لِلُكْنَة كانت فيه، شاعر إسلامي، شهد فتح إصطخر، وتوفي في حدود المائة للهجرة.\nانظر: \"الشعر والشعراء\" ص ٢٧٩، و\"معجم الأدباء\" ٣/ ٣٥٢.\n(٣) البيت، ورد في: \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٦٦٢ (غزا)، و\"إعراب القرآن\"، للنحاس ص ٣٧٣، و\"الأمالي\" لأبي عبد الله اليزيدي ١، و\"ذيل الأمالي\" للقالي ٣/ ٨، و\"أمالي المرتضى\" ٢/ ١٩٩، و\"اللسان\" ٦/ ٣٢٥٣ (غزا)، و\"المقاصد النحوية\" ٢/ ٥٠٢.\nوقد اختلف في نسبته، فقال اليزيدي في \"الأمالي\" (وقد قال لي الأصمعي، يرويها للصلتان العبدي). وقال القالي: (وكان في كتابي للصَّلتان، فقال [يعني ابن دريد]: هي لزياد الأعجم؛ وكان ينزل إصْطَخر، ورثى بهذه القصيدة المغيرة بن المهلب بن أبي صفرة. قال: وأنشدنا هذه القصيدة أبو الحسن الأخفش لزياد الأعجم). \"ذيل الأمالي\" ٣/ ٨.\nوقال ابن منظور: (رأيت في حواشي ابن برِّي أن هذا البيت للصليان [هكذا في \"اللسان\"، بالياء] العبدي، لا لزياد. قال: وقد غلط أيضًا في نسبتها لزياد، أبو الفرج الأصبهاني، صاحب الأغاني، وتبعه الناس على ذلك). \"اللسان\" ٦/ ٣٢٥٣. والصَّلَتَان، هو: قُثَم بن خبيئة، من عبد القيس.\nانظر: \"الشعر والشعراء\" (٣٣١)، و\"معاهد التنصيص\" ١/ ٧٤.\nوقد ورد في بعض المصادر: (والغزاة إذا غزو) وليس فيها موضع للشاهد. وورد: (للباكرين).\nو(القوافل): جمع (قافِلَةٍ)، وهي: الرُّفْقَة الراجعة من سفرها إلى وطنها.\nو(الباكِرِين): المُسْرِعين في الذهاب من أوَّلِ النهار. و(المُجِدّ الرائح): المجتهد في رجوعه آخر النهار، أو المجتهد في السير في وقت الرواح، وهو: من الزوال إلى الليل. والشاهد في البيت قوله: (الغَزِيِّ)، وهي جمعُ (غازٍ).\nانظر: \"اللسان\" ٣/ ١٧٦٣ (روح)، و\"الخزانة\" ١٠/ ٥.","vol":"6","page":108},{"text":"وفي الآية محذوفٌ، يَدُلُّ عليه الكلامُ؛ والتقدير: إذا ضَرَبُوا في الأرض، فَمَاتُوا أو كانوا غُزًّى فَقُتِلُوا، ﴿لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا﴾ (١).\nفقوله: ﴿مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا﴾؛ يَدُلُّ على موتِهم وقَتْلِهم.\nوقوله تعالى: ﴿لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ﴾ أي: لِيَجْعَلَ ظَنَّهُمْ -أَنَهم لو [لم]، (٢) يَحْضُروا (٣) الحربَ؛ لاندفع عنهم القتلُ- حَسْرَةً في قلوبهم. وحَسْرَتُهُم -في مَقَالَتِهم، التي كانوا كاذبين فيها على القضاء والقدر-؛ أشَدُّ (٤) عليهم مما (٥) نالهم في قَتْلِ إخوانهم ومَوْتِهم.\nوتقدير الآية: لا تكونوا كهؤلاء الكفار في هذا القول منهم؛ لِيَجْعَلَ اللهُ ذلك حسرةً في قلوبهم دونكم. فـ (اللام) في ﴿لِيَجْعَلَ﴾ متعلقة بـ ﴿لاَ تَكُونُوا﴾.\nوقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ أي (٦): ليس يمنع الإنسانَ تَحَرُّزُهُ مِن إتْيَان أجَلِهِ على ما سَبَقَ في عِلْمِ الله -﷿-. فهو إنكارٌ على مَن خالفَ أمْرَ اللهِ في الجهاد؛ طَلَبًا (٧) للحياة، وهَرَبًا من الموت. هذا قول أكثر\n_________\n(١) (وما قتلوا): ليس في (ج).\n(٢) ما بين المعقوفين ساقط من (أ)، (ب)، والمُثبت من (ج).\n(٣) في (ب): (حضروا).\n(٤) في (أ): (اشتد). وفي (ب): (واشتد). والمثبت من (ج).\n(٥) في (ب): (فيما).\n(٦) من: (أي ..) إلى (.. في علم الله): نقله -بتصرف يسير جدًا- عن \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٨٢٤.\n(٧) في (أ)، (ب)، (ج): (وطلبًا). ولم أر للواو وجهًا -هنا- فحذفتها.","vol":"6","page":109},{"text":"المفسرين في هذه الآية (١).\nوقال ابن عباس -في رواية عطاء (٢) - في قوله: ﴿لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ﴾، يريد: يومَ القِيَامَةِ؛ لِمَا هم فيه من الخِزْيِ والهَوَان، ولما فيه أولياء (٣) الله مِنَ الكَرَامَةِ والنَّعِيم. ﴿حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ﴾؛ يريد: الندامة على ترك الإسلام.\n﴿وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾؛ يريد: يحيى قلوبَ أوليائه وأهلِ طاعته، وُيرْشِدُهم للعمل بطاعته، وُيميت قلوبَ أعدائِهِ من المنافقين والكُفَّار. واللَّام (٤) -على هذا التفسير- في قوله ﴿لِيَجْعَلَ اَللَّهُ﴾ متعلق (٥) بقوله ﴿كَفَرُوا﴾؛ على [أنها] (٦) لام العاقبة (٧)؛ مثل قوله: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ (٨).\n_________\n(١) انظر: المصدر السابق، و\"تفسير الطبري\" ٤/ ١٤٨.\n(٢) لم أقف على مصدر هذه الرواية.\n(٣) في (ج): (لأولياء).\n(٤) في (ج): (فاللام).\n(٥) في (ب): (تتعلق).\n(٦) ما بين المعقوفين زيادة أضفتها لتستقيم بها العبارة\n(٧) وتُسمَّى لام الصيرورة، ولام المآل.\n(٨) سورة القصص: ٨. وبقيتها: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ﴾. وينسب القول بأن اللام -هنا- لام الصيرورة، للأخفش، وليس هو رأي أكثر النحويين. قال ابن هشام: (وأنكر البصريون ومن تابعهم، لامَ العاقبة. قال الزمخشري: والتحقيق أنها لام العلة، وأن التعليل فيها وارد على طريق المجاز، دون الحقيقة، وبيانه: أنه لم يكن داعيهم إلى الالتقاط أن يكون لهم عَدُوًّا وحَزَنا، بل المحبةَ والتَّبنِّي، غير أن ذلك لما كان نتيجة التقاطهم له وثمرته، شُبِّه بالداعي الذي يُفعَلُ الفعل لأجله. فاللام مستعارة لما يشبه التعليل، كما استعير الأسدُ لمن =","vol":"6","page":110},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ بالياء والتاء (١). فمن قرأ بالتاء؛ فلأن الآية خطاب، وهو قوله: ﴿وَلَا تَكُونُوا﴾. ومن قرأ [الياء] (٢)، فلِلْغَيْبَةِ التي قبلها؛ وهو قوله: ﴿وَقَالُوا لِإخوَانِهِم﴾، فحمل الكلام على الغَيْبَةِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-660>١٥٧ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾.\nاللام في ﴿لَئِنْ﴾ لام القَسَم؛ بتقدير: والله لَئِنْ قُتِلتُمْ في سبيل الله -أيها المؤمنونَ- ﴿أَوْ مُتُّمْ﴾؛ يريد: في سبيل الله؛ كقوله: ﴿وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥]؛ يعني: فُرُوجَهم. وقال الكَلْبِيُّ (٣): أوْ مُتُّمْ في إقامتكم، وأنتم مؤمنون.\nوقرأ بعضهم: ﴿مِتُّمْ﴾ بكسر الميم (٤).\n_________\n= يشبه الأسدَ). \"مغني اللبيب\" ٢٨٣.\nوانظر: كتاب \"معاني الحروف\" للرماني ٥٦، و\"الدر المصون\" ٣/ ٤٥٤ - ٤٥٦، و\"همع الهوامع\" ٤/ ٢٠٠.\n(١) قرأ ﴿يَعْمَلُونَ﴾ بالياء: ابن كثير، وحمزة، والكسائي، وخلف. وقرأ الباقون: نافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وعاصم، وأبو جعفر، ويعقوب: ﴿تَعْمَلُونَ﴾ بالتاء.\nانظر: \"السبعة\" ٢١٧، و\"الحجة\" للفارسي ٣/ ٩١، و\"المبسوط\" لابن مهران ١٤٨، و\"إتحاف فضلاء البشر\" ص ١٨١.\n(٢) ما بين المعقوفين ساقط من: (أ). والمثبت من (ب)، (ج).\n(٣) لم أقف على مصدر قوله. وانظر: \"بحر العلوم\" ١/ ٣١٠، و\"زاد المسير\" ١/ ٤٨٥.\n(٤) هي قراءة: نافع، وحمزة، والكسائي، وخلف. وقد كسروا الميم في: ﴿مِتَّ﴾، و﴿مِتْنَا﴾، و﴿مِتُّمْ﴾ في كل القرآن. وقد كسر عاصم -في رواية حفص- هذه الكلمات في كل القرآن، ما عدا ما ورد في سورة آل عمران ﴿مُتُّمْ﴾: الآية ١٥٧، ١٥٨ فقد رفعهما.\nورفع الميم فيها في كل القرآن: ابن كثير، وعاصم -في رواية أبي بكر-، وأبو =","vol":"6","page":111},{"text":"قال أهل اللغة (١): الأشهر الأقْيَس: (مُتَّ، تَمُوتُ)، مثل: (قُلْتَ، تقول). والكسر شادٌّ (٢). ونظيره في الصحيح (٣): (فَضِلَ يَفْضُلُ) (٤).\nهذا مذهب الخليل (٥).\nوحكى المُبرِّد (٦): أنَّ (مَاتَ يَمَاتُ)، لغة، مثل: (هَابَ يَهَابُ)،\n_________\n= عمرو، وابن عامر، وأبو جعفر، ويعقوب.\nانظر: \"الحجة\"، للفارسي ٣/ ٩٢، و\"المبسوط\" لابن مهران ١٤٨، و\"إتحاف فضلاء البشر\" ص ١٨١.\n(١) نقله باختصار عن \"الحجة\" للفارسي ٣/ ٩٣، وانظر: \"كتاب سيبويه\" ٤/ ٣٤٣.\n(٢) الشذوذ -هنا- هو الشذوذ في القياس، لا في الاستعمال. انظر: \"الكشف\" لمكي ١/ ٣٦٢، و\"شرح الشافية\" ١/ ١٣٥.\n(٣) يعني بـ\"الصحيح\" الفعل الصحيح الذي سلمت حروفه الأصلية من حرف العلة.\n(٤) (يفضل): ساقطة من (ج).\nوفي (أ)، (ب): فصل، يفصل -بالصاد-. والمثبت من \"الحجة\" للفارسي، و\"كتاب سيبويه\"، و\"كتاب العين\"، للخليل ٧/ ٤٤ (فصل)، وهي التي وردت في كتب اللغة والتصريف، مِثالًا على الشذوذ عن القياس؛ لأن القياس في مضارع (فَعِلَ)، هو: (يَفعَل) -بفتح العين-.\nونقل ابنُ السكيت عن أبي عبيدة، أنه (ليس في الكلام حرفٌ من السالم يشبه هذا). \"إصلاح المنطق\" ٢١٢.\nقال في \"اللسان\" (وفَضَلَ الشيءُ يَفْضُلُ، مثال: (دَخَلَ يدخُلُ). وفَضِلَ يَفضلُ، كـ (حَذِر يحذَرُ). وفيه لغة ثالثة مركبة منهما: فَضِلَ -بالكسر-، يَفضُل -بالضم-، وهو شاذ لا نظير له. قال ابن سيدهْ: هو نادر) ١١/ ٥٢٥ (فضل).\n(٥) انظر: \"كتاب سيبويه\" ٤/ ٣٤٣ - ٣٤٥، و\"التكملة\" للفارسي ٩٧٩، و\"حجة القراءات\" ١٧٨، و\"الكشف\" ١/ ٣٦٢، و\"الدر المصون\" ٣/ ٤٥٨ - ٤٥٩، و\"شرح الشافية\" ١/ ١٣٥ - ١٣٧.\nونسب الخليل (فضِل يفضُل) لأهل الحجاز. انظر: \"العين\" ٧/ ٤٤.\n(٦) لم أقف على مصدر قوله. =","vol":"6","page":112},{"text":"و(خافَ يَخَافُ)، وأنشد:\nعِيشِي ولا يَوْمِي بِأنْ تَمَاتِي (١)\nفإن ثَبَتَ هذا، فهو لُغَةٌ.\nقالَ ابنُ عباس (٢): هذه الآية رَدٌّ على المنافقين؛ حيث اختاروا الدنيا على الآخرة، وتركوا الجهاد؛ مَحَبَّةً للدنيا. فقيل للمؤمنين: ﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ﴾ في الجهاد ﴿أَوْ مُتُّمْ﴾ ليغفرن لكم، وهو ﴿خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾.\nوقوله تعالى: ﴿لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ﴾.\n﴿لَمَغْفِرَةٌ﴾ (٣): جواب القسم. وقد قام مقام جواب الجزاء.\nوقوله تعالى: ﴿خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ أي: من أعراض الدنيا، التي\n_________\n= وقول المؤلف: (هذا مذهب الخليل، وحكى المبرد): ليس في \"الحجة\"، للفارسي. وما بعده إلى نهاية بيت الشعر، في \"الحجة\".\n(١) شطر بيت من الرجز، لم أقف على قائله.\nوقد ورد غير منسوب في: الجمهرة، لابن دريد ٣/ ١٣٠٨، و\"الحجة\" للفارسي ٣/ ٩٣، و\"الصحاح\" ١/ ٢٦٧ (موت)، و\"تفسير القرطبي\" ١/ ٢٢٠، و\"شرح الشافية\" ١/ ١٣٧، و\"اللسان\" ٧/ ٤٢٩٥ (موت)، و\"الدر المصون\" ١/ ١٧٤، ٣/ ٤٥٨، و\"شرح شواهد الشافية\" ٥٧.\nوتمام البيت:\nبنيتي سيدة البنات ... عيشي ولا يومي بأن تماتي\nوقد ورد في بعض المصادر: (بُنيَّ يا سيدة ..)، وورد: (ولا نأمن أن ..)، و(لا يُؤمَنُ أن ..). أما (يَوْمي) فقد وردت في (الجمهرة)، و\"الحجة\" فقط من المصادر السابقة. وورد: (بنيتي يا خِيرَة البنات). قال ابن دريد عن (مِتَّ تمات): (وأكثر ما يتكلم بها طيِّئ، وقد تكلم بها سائر العرب). \"الجمهرة\" ٣/ ١٣٠٨.\n(٢) لم أقف على مصدر قوله.\n(٣) ما بين المعقوفين مطموس في (أ). والمثبت من (ب)، (ج).","vol":"6","page":113},{"text":"يتركون القتال (١) في سبيل الله؛ للاشتغال بجمعها.\nوروي عن ابن عباس، أنه قال (٢): ﴿تَجمَعون﴾ (٣): خطاب المنافقين؛ لأنه قال: ﴿خَيْرٌ مِمَّا تَجْمَعُون﴾ (٤) يا معشرَ المنافقين. ومثله، قال الكَلْبِيُّ (٥).\nوقرأ حَفْص، عن عاصم: ﴿يَجمَعُونَ﴾ -بالياء-. ويكون المعنى: لَمَغْفِرةٌ مِن اللهِ ورَحْمَةٌ، خيرٌ مِمَّا يجمعُهُ غَيْرُكُم، مِمَّا تَرَكوا القِتَال لِجَمْعِهِ (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-661>١٥٨ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ مُتُّمْ﴾ قال المفسرون: يريد: مقيمين عن الجهاد. ﴿أَوْ قُتِلْتُمْ﴾؛ يريد: مجاهدين (٧).\n﴿لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ﴾؛ يعني: في الحالين. وهذا تهديد بالحشر، وتحذير من القيامة.\nواللام في ﴿لَئِنْ﴾ خلف من القسم. والثانية (٨): جواب، على معنى: والله إن متم، أو قتلتم لتحشرون إلى الله.\n_________\n(١) في (أ)، (ج): (للقتال). والمثبت من (ب). وهي الصواب انظر: \"الحجة\"، للفارسي ٣/ ٩٤، فقد وردت العبارة فيه.\n(٢) لم أقف على مصدر قوله. وقد ورد في \"زاد المسير\" ١/ ٤٨٥.\n(٣) قرأ ﴿تَجمَعُونَ﴾ -بالتاء- كلُّ القرَّاءِ، ما عدا عاصم في رواية حفص؛ حيث قرأها: ﴿يَجمَعُونَ﴾ بالياء. انظر: \"الحجة\" للفارسي ٣/ ٩٤، و\"الكشف\" ١/ ٣٦٢.\n(٤) في (ج): (يجمعها).\n(٥) لم أقف على مصدر قوله.\n(٦) انظر: \"الحجة\" للفارسي ٣/ ٩٣.\n(٧) انظر: \"بحر العلوم\" ١/ ٣١٠، و\"زاد المسير\" ١/ ٤٨٥.\n(٨) أي (اللام) التي في قوله: ﴿لَإِلَى اللَّهِ﴾.","vol":"6","page":114},{"text":"قال أبو عبيد: وتقول في الكلام: (لَئِن أحسنتَ إِليَّ؛ لأحْسِنَنَّ إليك) -بالنُّونِ-. فإذا حُلْت بينهما بالصفة (١)، قلت: (لَئِن أحسنتَ إليَّ، لإليكَ أُحْسِن) -بغير نُونِ-. كما في الآية-، لأن اللام قد تحولت إلى الصفة (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-662>١٥٩ </span>- قوله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾.\nأكثر النحويِّينَ على أنَّ (ما) -ههنا- صِلَةٌ (٣)، لا تمنع الباءَ مِن عَمَلِها فيما عملت فيه، وهي مع كونها صلةً، تُحْدِثُ معنى التأكيد (٤) وحُسْن النَّظْم. وهي كثيرةٌ في القرآن؛ كقوله: ﴿عَمَّا قَلِيلٍ﴾ [المؤمنون: ٤٠]، و﴿جُندٌ مَّا﴾ [ص: ١١]، ﴿فبَمَا نَقضِهِم﴾ [النساء: ١٥٥]، ﴿مِمَّا خَطَايَاهُمْ﴾ (٥) [نوح: ٢٥].\n_________\n(١) (بالصفة): ساقطة من (ج). ويعني بـ (الصفة): حرف الجَرِّ.\n(٢) انظر: \"الأصول في النحو\" ٢/ ١٦٦، و\"البسيط في شرح جمل الزجاجي\" ٢/ ٩١٩.\n(٣) (صلة)؛ بمعنى زيادة.\n(٤) في (ب): (التوكيد).\n(٥) المؤلف -هنا- أوردها على قراءة أبي عمرو: ﴿خَطَايَاهُم﴾. وقرأ الباقون: ﴿خَطِيئَاتِهِمْ﴾. انظر: \"الكشف\" لمكي ٢/ ٣٣٧، و\"إتحاف فضلاء البشر\" (٤٢٥). وممن ذهب إلى كون (ما) -هنا- (صِلَة):\nالفراء في: \"معاني القرآن\" ١١٤، والمبرد في \"الكامل\" ١/ ٣٤٢، والطبري في \"تفسيره\" ٤/ ١٥٠، وكراع النمل في \"المنتخب\" ٢/ ٦٨٧، والزجاج في \"معاني القرآن\" ١/ ٤٨٢، وابن شقير في \"المحلى ووجوه النصب\" ٢٩٠، وابن جني في \"سر صناعة الإعراب\" ١/ ٢٦١، والثعلبي في \"تفسيره\" ٣/ ١٣٦ أ، والسفاريني في \"لباب الإعراب\" ٤٦٣.\nقال الزجاج في \"معاني القرآن\" ١/ ٤٨٢: \"ما\" بإجماع النحويين -هنا- صِلَةٌ، لا تمنع الباء من عملها فيما عملت.","vol":"6","page":115},{"text":"[وتكثر] (١) -أيضًا- في الشعر؛ قال امرؤ القيس:\nوقاهم جَدُّهُمْ بِبَني أبِيهم ... وبالأشْقَيْنَ ما كانَ العِقَابُ (٢)\nأراد: (وبالأشْقَيْنَ (٣) كان العِقَابُ) (٤).\nوقال النابغة:\nالمرءُ يَهْوَى أنْ يَعِيـ ... ـشَ وطُولُ عَيْشٍ ما يَضُرُّهْ (٥)\n_________\n(١) ما بين المعقوفين مطموس في (أ). والمثبت من (ب)، (ج).\n(٢) البيت في \"ديوانه\" ٤٥. وورد منسوبًا له في \"الأصمعيات\" ١٣١، و\"الشعر والشعراء\" ٥٤، وكتاب \"المعاني الكبير\" ٢/ ٨٨٦، و\"فصل المقال\" للبكري ٣٨٥. البيت من قصيدة قالها الشاعر حين غزا بني أسد فأخطأهم، وأصاب بني كنانة بدلًا منهم، وهو لا يدري. و(الجَدُّ) -هنا-: الحظ والبخت.\nأي: أن بني أسد وقاهم حظهم من سطوته، بقتل بني عمهم -بني كنانة- لأن أسد وكنانة أخوان.\nوالشاهد في البيت زيادة (ما) في قوله: (وبالأشقين ما كان العقاب). ويجوز كون (ما) مع الفعل بتأويل المصدر؛ أي: وبالأشقَيْن كون العقاب.\n(٣) في (ج): (بالأشقين). بدون واو.\n(٤) (العقاب): ساقطة من (ج).\n(٥) البيت نسب للنابغة الذبياني، وقد ورد في ديوانه ١٢٢. ونسبته له المصادر التالية: \"الشعر والشعراء\" ٨٥، و\"جمهرة أشعار العرب\" (٦٣)، و\"الأضداد\" لابن الأنباري ١٩٦. ونسب للنابغة الجعدي، وقد ورد منسوبًا له في \"ديوانه\" ١٩١.\nونسبته إليه المصادر التالية: \"الأمالي\" للقالي ٢/ ٨، و\"الأمالي\" للمرتضى ١/ ٢٦٦، و\"الأشباه والنظائر في النحو\" للسيوطي ٥/ ١٦٣، و\"خزانة الأدب\" ٣/ ١٧٢.\nوقد ورد في الشعر المنسوب لِلَبِيد. انظر \"ديوانه\" ٣٥٦.\nوأورده ابن الشجري في \"أماليه\" ٢/ ٣٦٥، ونسبه لبعض المُعمِّرِين.\nوورد في: \"المدخل\" للحدادي ١٤٦، و\"زاد المسير\" ١/ ٤٨٥ ونسباه للنابغة ولم يحددا مَن مِنهما. =","vol":"6","page":116},{"text":"أراد: (وطول عيش يَضُرُّهْ). فأكد الكلام بـ (ما).\nوالعرب قد تزيد في الكلام ما يُسْتغنى عنه؛ للتأكيد؛ كقوله: (أنت فعلت كذا وكذا؛ يا هذا!) فأدخلوا (يا هذا)؛ للتأكيد؛ إذ كانت (أنت) دالًاّ على الخطاب. وكذلك قولهم: (لَمَّا أنْ زارني عبد الله، زُرْتُه). معناه: لَمَّا زارني (١).\nقال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ﴾ [يوسف: ٩٦]، أراد: فلَمَّا جاء. فأكّد بـ (أنْ) (٢). وكذلك قولهم:\nيا تَيْمَ تَيْمَ عَدِيٍّ (٣)\n_________\n= وورد غير منسوب في: \"أمالي الزجاجي\" ١١١، و\"النكت والعيون\" ٢/ ٩١١. وورد البيت بروايات عدة منها: (المرء يرغب في الحياة)، و(المرء يأمل أن يعيش). و(المرء يهوى ما يعيش). وورد: (وطول عيش ..)، و(وطول عمر ..). وورد: (قد يضره) بدلًا من: (ما يضره) وليس فيها موضع الشاهد.\nويجوز أن تكون (ما) في البيت بمعنى (الذي)، والتأويل: وطول عيش الذي يضره. انظر: \"الأضداد\"، لابن الأنباري ١٩٦.\n(١) انظر: \"مغني اللبيب\" ٥٠.\n(٢) في (ج): (أن). بدلًا من: بأن.\n(٣) في (أ)، (ب): (يتم يتم)، والمثبت من (ج)، ومصادر الشاهد. وهذا جزء من بيت شعر لجرير، وهو في \"ديوانه\" ٢١٩، وتمامه:\nيا تيمَ تيمَ عَدِيٍّ لا أبا لكُمُ ... لا يُوقِعَنَّكمُ في سَوْأةٍ عُمَرُ\nوقد ورد منسوبًا له في: \"كتاب سيبويه\" ١/ ٥٣، ٢/ ٢٠٥، و\"الكامل\" ٣/ ٢١٧، و\"المقتضب\" ٤/ ٢٢٩، و\"اللامات\" ١٠١، و\"الخصائص\" ١/ ٣٤٥، و\"العمدة\" ٢/ ٨٤١، و\"شرح المفصل\" ٢/ ١٠، ١٠٥، و\"اللسان\" ١/ ١٨ (أبي)، و\"المقاصد النحوية\" ٤/ ٢٤٠، و\"شرح شواهد المغني\" ٢/ ٨٥٥، و\"خزانة الأدب\" ٢/ ٢٩٨، ٣٠١، ٤/ ٩٩، ١٠٧، ٨/ ٣١٧، ١٠/ ١٩١.","vol":"6","page":117},{"text":"أكد الكلام بـ (تَيْم) (١) الثاني. هذا قول أكثر أهل التأويل.\nوقال بعضهم (٢): يجوز أن تكون (ما) استفهامًا للتعجب (٣)، تقديره: (فَبِأَيِّ رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ لِنْتَ لهم؟!)؛ أي: سَهُلَتْ لهم أخلاقُكَ، وكثر\n_________\n= وورد غير منسوب في: \"الأصول في النحو\" ١/ ٣٤٣، و\"أمالي ابن الشجري\" ٢/ ٣٠٧، و\"شرح ابن عقيل\" ٣/ ١٧، و\"ارتشاف الضرب\" ٣/ ٣١٥، و\"منهج السالك\". ٣/ ١٥٣، و\"همع الهوامع\" ٥/ ١٩٦، ٢/ ١٢٢، و\"الدرر اللوامع\" ٢/ ١٥٤.\nوورد في أكثر المصادر: (لا يُلْقِيَنَّكُمُ في سوأة ..).\nوالبيت من قصيدة قالها الشاعر في هجاء عمر بن لَجَأ التَيْمِي. ويعني بـ (تيم): تيم بن عبد مناة بن أدّ. و(عدي) أخو (تيم). وأضاف (تيم) إلى (عدي) تخصيصًا، وتمييزًا لهم عن بطون عدة كلها تُدْعَى تَيْمًا. وقوله: (لا أبا لكم)، أصلها: أن يُنسب المخاطبُ إلى غير أب معلوم؛ شتمًا له، ثم كثرت في الاستعمال حتى جُعلت في كل خطاب يغلظ فيه على المخاطب. و(السوأة): الفعلة القبيحة.\nيريد الشاعر تحذير بني تيم، وهي قبيلة عمر بن لجأ، بأن يمنعوا عمر من التعرض للشاعر بهجاء؛ وإلّا فإن الشاعر سيتعرض لِتَيْم في شعره، ويلقيهم في بلِيَّة، هم في غنى عنها.\nويجوز في (تيم) الأولى الضمُّ، على أنه منادى مفرد عَلَم، ويحوز النصبُ على تقدير إضافته إلى ما بعد (تيم) الثانية، أو بتقدير إضافته إلى محذوف وهو: (عدي). (وتيم) الثاني لا يجوز فيه إلا النصب على أنه منادى مضاف، أو مفعول بإضمار (أعني)، أو عطف بيان، أو توكيد، أو بدل. انظر: \"ارتشاف الضرب\" ٣/ ١٣٥. والشاهد فيه: تكرير (تيم) للتأكيد.\n(١) في (أ)، (ب): يتم. والمثبت من (ج).\n(٢) لم أقف على القائل. وممن أورد هذا القول ممن سبق المؤلف: الثعلبيُّ في \"تفسيره\" ٣/ ١٣٦ أ، قائلًا: (وقال بعضهم: ..) ولم يعين.\n(٣) ورد في: (ج) في هذا الموضع كلمة زائدة، لا وجه لها، وهي: (قوله).","vol":"6","page":118},{"text":"احتمالك (١).\nوقوله تعالى: ﴿لِنْتَ لَهُمْ﴾ (لانَ، يَلِينُ، لِينًا) (٢)، و(لَيَانًا) -بالفتح: إذا رَقَّ، وحَسُنَ [خُلُقُهُ] (٣)، وانْقادَ (٤).\nقال الشاعر:\nوإنْ هي أعطتك اللَّيانَ كأنها ... لِغَيرك مِن خُلّانِها سَتَلِينُ (٥)\n_________\n(١) وقد جوز هذا الرأي الفخر الرازي في \"تفسيره\" ٩/ ٦٤ قائلًا: (وقال المحققون: دخول اللفظ المهمل الضائع في كلام أحكم الحاكمين، غير جائز)، ثم ذكر هذا الرأي واستصوبه.\nوالذي دفع لهذا الرأي هو تنزيه كتاب الله من أن يكون فيه حرف زائد مهمل، لا معنى له. وهذا فيه نظر؛ لأن القائلين بزيادة (ما) ويغرها من الحروف، لا يقصدون جواز سقوطها، وأنها مهملة لا معنى لها، بل يقولون: إنها مَزيدة لمعنًى مقصود، وهو -هنا- في (ما): التوكيد؛ أسوة بسائر ألفاظ التوكيد الواردة في القرآن. وكون (ما) للاستفهام التعجبي، قد رَدَّه علماءُ النحو، من ناحية الصناعة النحوية، ومنهم: ابن هشام في \"المغني\" ٣٩٤، وأبو حيان في \"البحر المحيط\" ٣/ ٩٨، والسمين الحلبي في \"الدر المصون\" ٣/ ٣٦٢.\n(٢) ضُبطت: (لَيْنًا) بفتح اللام، في \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٣١٤ (لين)، و\"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١٣٦ أ، وضبطت في بقية المصادر اللغوية التالية: (لينا) بكسر اللام.\n(٣) ما بين المعقوفين زيادة من (ج).\n(٤) ورد في مصادر اللغة: اللِّين: ضد الخشونة، قال الراغب: (ويستعمل ذلك في الأجسام، ثم يستعار للخُلُق وغيره من المعاني). \"مفردات ألفاظ القرآن\" ٧٥٢ (لين). أما (اللِّيان) بكسر اللام فمصدر الملاينة، يقال: (لايَنْته مُلايَنْة)، و(لِيَانا). انظر (لين) في: \"جمهرة اللغة\" ٢/ ٩٨٩، و\"الصحاح\" ٦/ ٢١٩٨، و\"المقاييس\" ٥/ ٢٢٥، و\"اللسان\" ٧/ ٤١١٧، و\"القاموس\" (١٢٣٢).\n(٥) البيت، لكُثَيِّر عَزَّة وقد ورد منسوبًا له في: \"زهر الآداب\" ١/ ١٧. وليس في ديوانه، وأورده محقق ديوانه وجعله مما نُسِب له، وأحال على المصدر السابقة =","vol":"6","page":119},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا﴾ الفظُّ (١): الغليظ الجانب، السَّيّءُ الخُلُق (٢). يقال: (فَظِظْتَ، تَفَظُّ، فَظَاظَةً، وَفِظَاظًا)، فأنت فَظٌّ (٣)، وأصله. (فَظِظٌ)؛ كقولك: (حَذِرٌ) (٤)؛ من: (حَذِرْتَ) (٥)، و(فَرِقٌ) (٦)؛ مِن: (فَرِقْتَ). إلّا أنَّ ما كان مِن المضاعف على هذا الوزن، يُدْغَم؛ نحو: (رَجُلٌ صَبٌّ) (٧). وأصله: صَبِبٌ) (٨).\n_________\n= انظر \"ديوانه\" ١٧٦.\nورواية البيت في المصدر السابق:\nوإن هي أعطتك الليان فإنها ... لآخر من خلانها ستلين\n(١) من قوله: (الفظ ..) إلى (.. وأصله صبب): نقله -بتصرف- عن \"معاني القرآن\"، للزجاج: ١/ ٤٨٣.\n(٢) انظر: \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٨٠٦ (فظظ)، و\"الفرق بين الحروف الخمسة\" ١٥٥، و\"زينة الفضلاء\" للأنباري ٩٨.\n(٣) انظر: \"اللسان\" ٦/ ٣٤٣٧ (فظظ). قال الراغب: (الفظُّ: الكريه الخُلُق؛ مستعار من: (الفظِّ)؛ أي: ماء الكرش، وذلك مكروه شربه، لا يتناول إلا في أشدّ ضرورة). \"مفردات ألفاظ القرآن\" ٦٤٠ (فظظ).\n(٤) في (أ): (حَذِرَ) بفتح الراء، وفي (ب)، (ج): مهملة من الشكل، والصواب ما أثبت.\n(٥) في (أ): (حَذَرت) بفتح الذال، وفي (ب)، (ج): مهملة من الشكل، والصواب ما أثبت، وهي بكسر الذال. انظر: (حذر) في: \"التهذيب\" ١/ ٧٦٧، و\"القاموس\" ٣٧٣.\n(٦) في (أ): (فَرِق) بفتح القاف. وفي (ب)، (ج): مهملة من الشكل. والصواب ما أثبت. يقال: (رجلٌ فَرقٌ): شديد الفزع. انظر: \"القاموس\" ٩١٧ (فرق).\n(٧) في (أ): (صبِّ)، وفي (ب)، (ج): مهملة من الشكل. والصواب ما أثبت. يقال: (رجلٌ صبُّ): بيِّنُ الصَّبَابَة. والصبابة: رِقّة الشَّوْق. انظر: \"جمهرة اللغة\" ١/ ٧١ (صب)، و\"المخصص\" ٤/ ٦١.\n(٨) في (أ): (صبَبٌ) بفتح الباء الأولى، وفي (ب)، (ج): مهملة من الشكل، =","vol":"6","page":120},{"text":"قال الكلبي (١): ولو كنت فظًّا في القول، غليظ القَلْبِ في الفعل (٢). ﴿لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ أي: لَتَفَرَّقوا وَنَفَرُوا منك؛ كما تتطاير شظايا الشيء المتكَسِّر.\nوالفَضُّ: الكسر والتفريق (٣). يقال: (فَضضْتَ القومَ، فانْفَضُّوا). ومنه يقال: (لا يَفْضُضِ اللهُ فاكَ) (٤).\nقال الزّجاج (٥): المعنى: إنَّ لِينَكَ لهم، يُوجِبُ (٦) دخولهم في الإسلام (٧)؛ لأنك تأتيهم بالحُجَجِ والبراهين، مع لِينٍ وخُلُقٍ عظيم.\n_________\n= والصواب ما أثبت.\nقال سيبويه عن (صَبِّ): (زعم الخليل أنها (فَعِلٌ)؛ لأنك تقول: (صَبِبْتُ صبابة)، كما تقول: (قَنِعْتُ قَناعةً)، و\"قَنِعٌ\". \"كتاب سيبويه\" ٤/ ٤١٩. وانظر: \"المخصص\" ٤/ ٦١.\n(١) قوله في: \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١٣٦ ب.\n(٢) قال السمين الحلبي: (وعن الغِلْظَةِ تنشأ الفظاظة، فلم قُدِّمت؟ فقيل: قدِّم ما هو ظاهر للحسِّ، على ما هو خافٍ في القلب؛ لأنه كما تقدم أن الفظاظة: الجفوة في العشرة قولًا وفعلًا. والغِلْظُ: قساوة القلب، وهذا أحسن من قَوْلِ من جعلهما بمعنًى، وجمع بينهما). \"الدر المصون\" ٣/ ٤٦٣.\n(٣) انظر: \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٧٩٩ (فض)، و\"الفرق بين الحروف الخمسة\" ١٥٦، و\"زينة الفضلاء\" ٩٨.\n(٤) معناه لا يكسر الله أسنانك، ويفرِّقها. والفم يقوم مقام الأسنان. وقد يقال: (لا يُفْضِ الله فاك)، ومعناه حينها: لا يجعل الله فاك فضاءً، لا أسنان فيه.\nانظر: \"الزاهر\" ١/ ٢٧٤ - ٢٧٧، و\"تهذيب اللغة\" (فض) ٣/ ٢٧٩٩، و\"الفائق\" ٣/ ١٢٣، و\"النهاية في غريب الحديث\" ٣/ ٤٥٣.\n(٥) في \"معاني القرآن\" له ١/ ٤٨٢. نقله عنه بنصه.\n(٦) في \"المعاني\" مما يوجب.\n(٧) في \"المعاني\" في الدين.","vol":"6","page":121},{"text":"وقوله تعالى: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ﴾. أي: ما فعلوا يومَ أُحُد حتى أشفعك فيهم. وقال الكلبي: فاعف عنهم أي الشيء يكون منهم و﴿وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾. مِنْ ذلك الذَنْب.\nوقوله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ يقال: (شَاوَرَ مُشَاوَرَةً)، و(شِوارا) (١)، و(مَشُورَةً) (٢)، و(مَشْوَرَةً) (٣). و(القوم شُورى). وهي مصدرٌ، سُمِّي القومُ بها، كقوله: ﴿وَإِذْ هُمْ نَجْوَى﴾ (٤) [الإسراء: ٤٧].\nوقد ذَكَرْنا أمْرَ هذه الكلمة وما فيها، عند قوله: ﴿عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ﴾ [البقرة: ٢٣٣].\nقال أصحاب المعاني (٥): هذه عامَّةٌ في اللفظ، خاصَّةٌ في المعنى؛ لأن المعنى: وشاورهم فيما ليس عندك فيه من الله (٦) أَمْرٌ وَوَحْيٌ (٧) وعَهْد. يدل عليه: قراءةُ ابن عباس: (وشاورهم في بعض الأمر) (٨).\n_________\n(١) في (ج): (سوارا).\n(٢) قال في (لسان العرب): (والمَشُورَة بضم السين (مَفْعَلة) ولا تكون (مفعولة)؛ لأنها مصدر، والمصادر لا تجيء على مثال (مفعولة)، وإن جاءت على مثال (مفعول)، وكذلك المَشْوَرَة) ٤/ ٢٣٥٨ (شور).\n(٣) (ومَشْوَرة): ساقطة من (ج). انظر (شور) في: \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٨٠٣، و\"اللسان\" ٤/ ٢٣٥٨.\n(٤) في (ج): (فإذا).\n(٥) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٤٨٣. ومن قوله: (قال أصحاب المعاني ..) إلى نهاية تفسير هذا المقطع: موجود في \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١٣٧أ. نقله عنه بالمعنى.\n(٦) في (ب): (من الله فيه) بدلًا من (فيه من الله).\n(٧) في (ج): (ورحى).\n(٨) أخرج هذه القراءة عنه البخاري في \"الأدب المفرد\" رقم (٢٥٧)؛ وابن أبي =","vol":"6","page":122},{"text":"وقال الكلبي (١): إنما أُمِرَ بالمُشَاوَرَةِ معهم في لِقَاءِ العدُوِّ، والحربِ ومكايِدِها (٢). فالأمر -عنده- بالمشاورة، خاصٌّ في الحرب.\nوروى عَمرو بن دينار، عن ابن عباس، أنه قال (٣): الذي أُمِرَ النبيُّ - ﷺ -، بمشاورته في هذه الآية: أبو بكر وعمر﵄-.\nوقال قتادة (٤)، والربيع (٥)، ومقاتل (٦): إنما أُمِرَ بالمشاورة مع استغنائه بوحي الله وجَزَالَةِ رأيه؛ تَطْيِيبًا لِنُفُوسِ القوم، ورَفْعًا (٧) مِن أقدارهم؛ إذْ كانت العربُ إذا لم يُشَاوروا في الأمر، شَقَّ عليهم.\n_________\n= حاتم في \"تفسيره\" ٣/ ٨٠٢، وذكرها ابن جني في \"المحتسب\" ١/ ١٧٥، وأبو الليث في \"بحر العلوم\" ١/ ٣١١، والثعلبي في \"تفسيره\" ٣/ ١٣٧أ، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ١/ ٤٨٩، ونسبها -كذلك- إلى ابن مسعود، وذكرها السيوطي في \"الدر المنثور\" ٢/ ١٦٠ وقال: (بسند حسن)، وزاد نسبة إخراجها إلى سعيد بن منصور، وابن المنذر.\n(١) قوله في: \"تفسير الثعلبي\" / ١٣٧ أ.\n(٢) من قوله: (ومكايدها ..) إلى (.. خاص في العرب): ساقط من (ج).\n(٣) أخرج قوله: الحاكم في \"المستدرك\" ٣/ ٧٠ كتاب معرفة الصحابة. وقال: (صحيح على شرط الشيخين) ووافقه الذهبي، وأخرجه البيهقي في \"السنن الكبرى\" ١٠/ ١٠٩ كتاب أدب القاضي. باب: (مشاورة الوالي ..)، والنحاس في \"معاني القرآن\" ١/ ٥٠٢.\n(٤) قوله في: \"تفسير الطبري\" ٤/ ١٥٢، و\"ابن أبي حاتم\" ٣/ ٨٠٢، و\"الثعلبي\" ٣/ ١٣٧أ، وأورده السيوطى في \"الدر\" ٢/ ١٥٩وزاد نسبة إخراجه إلى ابن المنذر.\n(٥) قوله في \"تفسير الطبري\" ٤/ ١٥٢، والمصادر السابقة.\n(٦) قوله في: \"تفسيره\" ١/ ٣١٠، و\"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١٣٧ أ.\n(٧) في (ب): (ورخصا).","vol":"6","page":123},{"text":"قال الشافعي «١): وهذا كقوله - ﷺ -: \"والبِكْرُ تُسْتَأمَر\" (٢)، ولو أكرهها (٣) الأبُ على النِّكاح، جَازَ، لكنَّها تُسْتَأمر؛ تطييبا لِنَفْسِها.\nوقال الحَسَنُ (٤)، وسُفْيانُ بن عُيَيْنَة (٥): إنما ذلك؛ لِيَقْتَدِيَ به غيرُهُ في المُشَاوَرَةِ، ويَصِير سُنَّة.\nوقوله تعالى: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ﴾؛ أي: على ما تريد إمضاءَهُ (٦).\n﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾، لا على المشاورة. ومعنى التَّوَكُّلِ: تفويضُ الأَمْرِ إلى الله؛ لِلثِّقَةِ بِحُسْنِ تدبيره.\n_________\n(١) قوله معناه في كتاب \"الأم\" ٥/ ١٩.\n(٢) الحديث: أخرجه مسلم في \"صحيحه\" رقم (١٤٢١) كتاب النكاح. باب: (استئذان الثيب في النكاح). ونصه عنده:\n(الثَّيِّبُ أحق بنفسها من وليها، والبكر تُستَأمَر، وإذنها سكوتها). وورد عنده بلفظ: \"الأيِّم أحق .. والبكر تستأذن في نفسها، وإذنها صُمَاتُها).\nوأخرجه الشافعي بلفظ (تستأمر) في \"الأم\" ٧/ ١٦٥، وبلفظ (تستأذن) في \"الأم\" ٢/ ١٩، وأخرجه أحمد في \"المسند\" ١/ ٢١٩، وانظر: \"الدراية\" لابن حجر ٢/ ٥٩، ٦١، ٦٢.\n(٣) في (ب): أكرمها.\n(٤) قوله في: كتاب \"الأم\" للشافعي ٧/ ١٠٠، و\"أحكام القرآن\" له ٢/ ١١٩، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" ٦٣٢، و\"معاني القرآن\" للنحاس ٥٠٢، و\"سنن البيهقي\" ١٠/ ١٠٩، كتاب \"آداب القاضي\"، و\"زاد المسير\" ١/ ٤٨٨. وأورده السيوطي في: \"الدر\" ٢/ ١٥٩ وزاد نسبة إخراجه إلى سعيد بن منصور، وابن المنذر.\n(٥) قوله، في: \"تفسير الطبري\" ٤/ ١٥٣، و\"زاد المسير\" ١/ ٤٨٨.\n(٦) في (أ)، (ب)، (ج): إمضاؤه. وما أثبت هو الصواب.","vol":"6","page":124},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-663>١٦٠ </span>- قوله تعالى: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ﴾ الآية.\nمعنى (الخِذْلان): القعود عن النُّصرَةِ وقت الحاجة إليها، والإسلامُ للهَلَكَةِ.\nيقال: (خَذَلَ، يَخْذُلُ، خِذْلانًا، وخَذْلًا). ويقال للبقرة والظَّبْيَة، إذا تخلفت مع ولدها في المرعى، وتركت صواحباتها: (خَذُول) (١).\nقال (٢) طَرَفَة:\nخَذُولٌ تُرَاعِي رَبْرَبًا بِخَمِيلَةٍ ... تَنَاوَلُ أطرافَ البَرِيرِ وترتدي (٣)\n_________\n(١) وتُسمَّى كذلك: خاذِل.\nانظر هذه المعاني لـ (خذل) في: \"ما اتفق لفظه واختلف معناه\" لليزيدي ١٢١، و\"التهذيب\" ١/ ٩٩٨، و\"معاني القرآن\"، للنحاس ١/ ٥٠٣، و\"المقاييس\" ٢/ ١٦٥، و\"الكليات\" لأبي البقاء ٣١٠، و\"اللسان\" ٢/ ١١١٨.\n(٢) في (ج): (وقال).\n(٣) البيت من معلقته، وهو في: \"ديوانه\" ٢١، و\"شرح القصائد السبع\" لابن الأنباري ١٤١، و\"جمهرة أشعار العرب\" ص ١٤٩، و\"تهذيب اللغة\" ١/ ٩٩٩ (خذل)، و\"المقاييس\" ٢/ ١٦٥، و\"شرح المعلقات السبع\" للزوزني ٤٧، و\"شرح القصائد العشر\" للتبريزي ٥٨، و\"اللسان\" ٢/ ١١١٨ ولم ينسبه.\nقوله: (تراعي ربربا)؛ أي: ترعى مع (الرَّبْرَب)، وهو: قطيع الظباء وبقر الوحش، وقيل: أولاد البقرة.\nو(الخميلة): الأرض السهلة اللينة، التي فيها شجر. والجمع: (خَمائل).\nو(البَرِير): ثمر الإراك البالغ، ومفردها: (بَرِيرة).\nوخَصَّ الخذول -هنا-؛ لأنها فَزِعةٌ بانفرادها، وَلِهَةٌ على وليدها، فهي تمد عنقها مرتاعة، فيظهر -حينها- جمالها، وحسنها، ولو كانت في قطيعها، لم يَبِنْ حسنُها، ثم وصفها بأنها ترعى أطراف شجر الأراك، وتمد عنقها، وتتطاول؛ لتنال ما علا من أغصان الشجر، فتتهَدَّل عليها الأغصان حتى تصبح كأنها رداءٌ لها.\nانظر: \"شرح القصائد\" لابن الأنباري ١٤١ - ١٤٢، والتبريزي ٥٨ - ٥٩.","vol":"6","page":125},{"text":"وقال ذو الرُّمَّةِ (١):\nدَعَتْ مَيَّةَ الأعدادُ واستَبدَلت بها ... خَنَاطِيلَ آجَالٍ (٢) مِنَ العِينِ (٣) خُذَّلِ (٤)\nأي: متخلفات من الأولاد.\nوالخَنَاطِيل (٥): جماعاتٌ في تَفْرِقَةٍ، لا واحد لها مِنْ لَفْظِها. وقيل: واحدها (خُنْطُول) (٦).\n_________\n(١) هو: أبو الحارث، غَيْلان بن عُقْبَة بن بُهَيْش. شاعر إسلامي، في الطبقة الثانية من فحول شعراء الإسلام، مات سنة (١١٧هـ).\nانظر: \"الشعر والشعراء\" ص ٣٥٠، و\"طبقات فحول الشعراء\" ٢/ ٥٤٩، و\"وفيات الأعيان\" ٤/ ١١.\n(٢) في (أ)، (ب)، (ج): مهملة من الشكل. والمثبت من مصادر البيت.\n(٣) في (أ): (العَيْن). في (ب)، (ج): مهملة من الشكل. والمثبت من مصادر البيت.\n(٤) البيت في: ديوانه: ١٤٥٥.\nوورد منسوبًا له في: \"الصحاح\" ٤/ ١٦٨٦ (خطل)، و\"اللسان\" ٥/ ٢٨٣٥ (عدد)، و\"التاج\" ١٤/ ٢١٥ (خنطل).\n(الأعداد): جمع (عِدٍّ)، وهو الماء الدائم الذي لا ينقطع. و(الخناطيل): القطعان من الإبل والبقر، وهي -هنا في البيت- بقر الوحش. و(آجال): جمع: (إجْل) -بكسر الهمزة، وتسكين الجيم- وهو: القطيع من بقر الوحش والظباء. و(العِين): بقر الوحش. والثور منها: (أَعْيَن)، والبقرة: (عَيْناء). و(خُذل): أي: أقامت على ولدها، وتركت صواحبها.\nالشاعر -هنا- يذكر امرأة تسمى (ميّة)، وهي التي كان يشبب بها ويعشقها، يقول: تركت منازلَها وظعنت عنها، بعدما نضبت الغدرانُ في القيظ، وحضرت ماءً عِدًّا؛ واستبدلت الدارُ بها بقرَ الوحش، التي خالفتها إلى منازلها وأقامت فيها.\nانظر: \"اللسان\" ٥/ ٢٨٣٥ (عدد)، ٣/ ١٢٧٨ (خنطل)، ١/ ٣٢ - ٣٣ (أجل)، و\"القاموس\" ص ١٢١٨ (عين).\n(٥) في (أ)، (ب)، (ج): والخناظيل -بالظاء-. والمثبت من: مصادر اللغة.\n(٦) في (أ)، (ب)، (ج): (خنظول) بالظاء. =","vol":"6","page":126},{"text":"قال محمد بن إسحاق بن يَسَار -في هذه الآية- (١): أي: إنْ يَنْصُرْكَ (٢) اللهُ؛ فَلاَ غالبَ لك مِنَ النَّاس، ولن يَضُرَّكَ خِذْلانُ مَنْ خَذَلَكَ، وإنْ يَخْذلْكَ؛ فَلَنْ يَنْصُرَكَ الناسُ؛ أي: لا تترك أمري للناس، وارفض الناسَ (٣) لأمري.\nوقوله تعالى: ﴿فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ﴾.\n(مَنْ) -ههنا-: تقريرٌ لِلنَّفْي؛ أي: لا يَنْصُرُكُمْ أحدٌ (٤) مِنْ بَعْدِهِ. وإنما تضمن حرفُ الاستفهام معنى النفي؛ لأن جوابَهُ يجب أن يكون بالنفي، فصار ذِكْرُهُ يغني عن ذِكْرِ جوابه، وكان أبلغ لتقرير المخاطَبِ فيه، بما لا يتهيأ له إنكاره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-664>١٦١ </span>- قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ الآية.\nاختلفوا في سبب نزول هذه الآية:\nفرَوَى عكرمةُ، ومِقْسَم (٥)، وسعيد بن جبير، عن ابن عباس: أنَّ الآية\n_________\n= الوارد في كتب اللغة التي رجعت إليها، أن واحد الخناطيل: (خِنْطيلة)، و(خُنْطُولة). أما (الخنطول)، فهو يطلق على: القرن الطويل.\nانظر: \"التهذيب\" ١/ ١١١٣ (خنطل)، و\"الصحاح\" ٤/ ١٦٨٦ (خطل)، و\"اللسان\" ٣/ ١٢٧٨ (خنطل)، و\"التاج\": ١٤/ ٢١٥ (خنطل).\n(١) قوله، في:\"سيرة ابن هشام\" ٣/ ٧٠، و\"تفسير الطبري\" ٤/ ١٥٤، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" ٣/ ٨٠٣.\n(٢) في (ج): (ينصركم).\n(٣) في \"سيرة ابن هشام\": (وارفض أمر الناس ..).\n(٤) (أحد): مطموسة في: (ب).\n(٥) هو: أبو القاسم، مِقْسم بن بُجْرة، ويقال: نَجْدة الكِنْدي، ثم التُّجيبي النخعي. يقال له: مولى ابن عباس، من مشاهير التابعين، أسلم في حياة النبي - ﷺ -، وبايع =","vol":"6","page":127},{"text":"نزلت في قَطِيفَةٍ (١) حمراءَ، فُقِدَت يوم بَدْر، قال بعض الناس: لَعَلَّ النبي - ﷺ - أخذها (٢).\nوقال -في رواية الضحّاك- (٣): إن رسول الله - ﷺ -، لَمَّا وَقَعَ في يده غنائمُ هَوَازِنَ يوم حُنَيْنٍ، غَلَّهُ رجلٌ بِمِخْيَط، فأنزل الله هذه الآية.\nوقال قتادة -في نزول هذه الآية- (٤): نزلت وقد غَلَّ طوائفُ مِن أصحابه. ورُوي عن ابن عباس -من طريقٍ آخرَ-: أنَّ أشراف الناس\n_________\n= معاذًا في اليمن، ويقال: إن له صُحبة، صَدوق وكان يُرْسل، مات سنة (١٠١هـ). انظر: \"ميزان الاعتدال\" ٥/ ٣٠١، و\"الإصابة\" ٣/ ٤٥٥، و\"تقريب التهذيب\" ٥٤٥ (٦٨٧٣).\n(١) القطيفة: دِثَارٌ أو كِسَاءٌ مُخَمَّلٌ؛ أي: له أهداب. وجمعها: قطائف، وقُطُف. انظر (قطف) في: \"القاموس\" ٨٤٥، و\"المعجم الوسيط\" ٢/ ٧٥٣.\n(٢) الأثر عن ابن عباس -من رواية مقسم-، أخرجه: أبو داود (٣٩٧١) كتاب الحروف والقراءات، والترمذي (٣٠٠٩) كتاب التفسير. باب: (٤) من سورة آل عمران. وقال: (حديث حسن غريب)، والطبري في \"تفسيره\" ٧/ ٣٤٨، ٣٤٩، وأورده السيوطي في \"الدر\" ٢/ ٣٦١ وزاد نسبة إخراجه إلى عبد بن حميد. ومن رواية عكرمة، أخرجه: الطبري في \"تفسيره\" ٤/ ١٥٥، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٣/ ٨٠٣، والطبراني في \"المعجم الكبير\" ١١/ ٣٦٤ رقم (١٢٠٢٨، ١٢٠٢٩)، والواحدي في \"أسباب النزول\" (١٣٠). ومن رواية سعيد بن جبير، أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٤/ ١٥٥.\n(٣) من رواية جويبر عن الضحاك، عن ابن عباس، أوردها الثعلبي ٣/ ١٤٠ ب، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ١/ ٤٩٠.\n(٤) قوله في: \"تفسير الطبري\" ٤/ ١٥٧، و\"زاد المسير\" ١/ ٤٩٠. وهذا القول من قتادة تفسير للآية على القراءة الثانية ﴿يَغُلَّ﴾.","vol":"6","page":128},{"text":"استدعوا رسول الله - ﷺ -، [وطلبوا] (١) تخصيصهم (٢) بشيءٍ مِنَ المغانم؛ فنزلت هذه الآيةُ (٣)\nوقال الكلبي (٤)، ومقاتل (٥): نزلت حين ترك الرُّمَاةُ المَرْكَزَ يومَ أحُد؛ طلبا للغنيمة، وقالوا: نخشى أنْ يقول النبي - ﷺ -: مَن (٦) أخَذَ شيئًا فهو له، وأنْ لا يقسِم الغنائمَ، كما لم يَقْسِمْ (٧) يومَ بَدْر. فقال النبي - ﷺ -: ظننتم أنَّا نَغُلُّ، ولا نَقْسِم لكم. فأنزل الله هذه الآية.\nوفي قوله ﴿يَغُلَّ﴾ قراءتان: أحدهما: فتح الياء، وضم الغَيْن (٨)؛ ومعناه: ما كان لِنَبِيٍّ أن يَخُونَ. مِنَ (الغُلُول)، وهو: الخِيَانَةِ. يُقال: (غَلَّ، يَغُلُّ، غُلُولًا): إذا خَانَ، وأصلُهُ: أخْذُ الشيء في خُفْيَةٍ (٩).\n_________\n(١) ما بين المعقوفين زيادة يقتضيها السياق.\n(٢) ويجوز أن تكون: لتخصيصهم. بدلًا من الكلمة التي أضفتها قبلها.\n(٣) لم أقف على مصدر هذه الرواية، وقد ذكرها ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ١/ ٤٩٠.\n(٤) قوله في \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١٤٠ ب.\n(٥) قوله في \"تفسيره\" ١/ ٣١٠، والمصدر السابق. وبه قال الفراء في \"معاني القرآن\" ١/ ٢٤٦.\n(٦) من قوله: (من ..) إلى (فقال النبي - ﷺ -): ساقط من (ج).\n(٧) في (أ): (يُقْسَم). وفي: (ب)، (ج): مهملة من الشكل. وأثبَتُّ ضبطَها من \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١٤٠ ب؛ نظرًا لتقارب سياق المؤلف لهذا القول، مع سياق الثعلبي، وهي الأليق بسياق الكلام.\n(٨) القراءة بفتح الياء، وضم الغَين: ﴿يَغُلَّ﴾، قرأ بها: ابن كثير، وأبو عمرو، وعاصم. وقرأ الباقون: ﴿يَغُلَّ﴾ -بضم الياء، وفتح الغين-. انظر: \"الحجة\" للفارسي ٣/ ٩٤، و\"النشر\" ٢/ ٢٤٣، و\"إتحاف فضلاء البشر\" ١٨١.\n(٩) انظر: \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٦٨٩.","vol":"6","page":129},{"text":"قال الزّجاج (١): وما (٢) كان مِنْ هذا الباب، فهو راجعٌ إلى هذا، مِنْ ذلك: (الغَالُّ): وهو الوادي الذي (٣) يُنْبِتُ الشجرَ، في مُطْمَئِن مِنَ الأرض (٤)، وجمعه: (غُلّان)، ومن ذلك: (الغِلّ): الحقد في الصدر؛ لأنه كامن (٥)، و(الغِلاَلَة): الثوب الذي يلبس تحت الثياب (٦). و(الغَلَلُ) (٧): الماء الذي يجري في أصول الشجر؛ لأنه مستَتِرٌ بالأشجار.\nفمعنى قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾، أي: أن يَخُونَ فيكم (٨)\n_________\n(١) في \"معاني القرآن\" له ١/ ٤٨٤، وقد نقله عنه بتصرف، واختصار. وقد ورد نص قول الزجاج في \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٦٨٩، مع اختلاف يسير عما في \"معاني القرآن\"، ووافق نقل المؤلف -هنا- عن الزجاج، بعضًا مما في نسخة \"المعاني\" المطبوعة، ووافق بعضًا مما في \"التهذيب\"، وليس في \"المعاني\". مما يدل على أن المؤلف نقل عن نسخةٍ من المعاني فيها بعض اختلاف عن النسخة المطبوعة المتداولة، أو نقل قولَ الزجاج عن كتابٍ آخر تصرف في عبارة الزجاج.\n(٢) في \"المعاني\": فكل ما.\n(٣) في (ب): (التي).\n(٤) (في مطمئن من الأرض): ليست في \"معاني القرآن\". والعبارة في \"التهذيب\" (وهو الوادي المطمئن الكثير الشجر). وانظر: \"المنتخب\" لكراع النمل ١/ ٤٢٤.\n(٥) في \"المعاني\": وهو الحقد. وفي \"التهذيب\": وهو الحقد الكامن.\n(٦) قوله: (والغلالة: الثوب الذي يلبس تحت الثياب): أورده في \"التهذيب\" من قول أبي زيد، وليس من قول الزجاج.\n(٧) في (أ)، (ب)، (ج): (الغال). وفي \"المعاني\": الغل. وما أثبت من مصادر اللغة. انظر (غلل) في: \"إصلاح المنطق\" ٢٦، و\"غريب الحديث\" لأبي عبيد ١/ ٤٩؛ و\"جمهرة اللغة\" لابن دريد ٢/ ٢٠١٢، و\"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٦٨٩، و\"المقاييس\" ٤/ ٣٧٦، و\"اللسان\" ٦/ ٣٢٨٧.\n(٨) هكذا وردت (فيكم) في (أ)، (ب)، (ج)، و\"تفسير الوسيط\" المؤلف ٣٧١. وأرى أن الأصوب أن تكون: (فيكتم)؛ لأنه أنسب للسياق الذي أراد المؤلف من خلاله أن يُدلِّل على أن معنى (الغل) -هنا- فيه كتمان وكمون وستر، وهو أنسب بسبب النزول الذي أورده المؤلف سابقًا، وأشار إليها هنا. ويعزز هذا ما قاله في تفسيره \"الوجيز\": (أي: يخون بكتمان شيء من الغنيمة عن أصحابه) ١/ ٢٤٠.","vol":"6","page":130},{"text":"الغنيمةَ مِن أصحابه. أو أنْ يَخُونَ بأن يعطيَ البعضَ دون البعضِ، على ما روي في سبب النزول.\nفإن قيل: ما معنى تخصيص النبي - ﷺ - ههنا-، وغيرُهُ يساويه في أنه ليس له ذلك؟.\nقلنا: (أَنْ) مع المستقبل، تكون بمعنى المصدر؛ كأنه قيل: (ما كان لِنَبي الغُلُول)؛ أراد: ما غَلَّ نَبِيٌّ. ينفي عن الأنبياء الغُلُولَ، لا أنه (١) ينهاهم بهذا اللفْظَ.\nوقال (٢) بعض أهلِ المعاني: اللّام فيه منقولة؛ معناه: ما كان نَبِيٌّ (٣) ليَغُل، كقوله -﷿-: ﴿مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ﴾ [مريم: ٣٥]، أي: ما كان الله لِيَتّخِذَ [ولدا] (٤)، على نفي الاتخاذ، -كذلك- الآيةُ على نفي الغُلُول عن الأنبياء.\nوحجة هذه القراءة: ما روي عن ابن عباسٍ -في أكثر الروايات- في سبب نزول الآية، وعن الكلبي ومقاتل، وذلك يدل على نَسَبِ الغُلُول إلى\n_________\n(١) في (ج): لأنه -. بدلًا من: (لا أنه).\n(٢) من قوله: (وقال ..) إلى (.. ليتخذ ولدا): نقله بنصه عن \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١٤١ أ. ولم أقف على من قال بهذا القول، من أصحاب المعاني.\n(٣) (في) (ج): (لنبي).\n(٤) ما بين المعقوفين زيادة من (ج).","vol":"6","page":131},{"text":"النبي - ﷺ -، فَنَفى ذلك عنه. و-أيضًا- فإنَّ ما هو مِن هذا (١) القبيل في التنزيل، أُسنِدَ الفعلُ فيه إلى الفاعل، نحو: ﴿مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ﴾ [يوسف: ٣٨]، و﴿مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ﴾ [يوسف: ٧٦]، و﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ﴾ [آل عمران: ١٤٥]، و﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا﴾ [التوبة: ١١٥]، و﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٩].\nولا يكاد يجيء منه: (ما كان زيدٌ ليُضْرَبَ)، فيُسنَد الفعلُ فيه إلى المفعول به، فكذلك: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ يُسندُ (٢) فيه الفعلُ إلى الفاعل. يُؤكِّدُ (٣) هذا الفصل، ما حكى أبو عبيد (٤) عن يونس (٥) أنه اختار (يَغُلّ) -بفتح الياء-، وقال: لا يكون في الكلام: (ما كان لك أن تُضْرَب) بضم التاء.\n_________\n(١) من قوله: (من هذا ..) إلى (يُسند فيه الفعل إلى الفاعل): نقله -بتصرف يسير- عن \"الحجة\" للفارسي ٣/ ٩٦.\n(٢) من قوله: (يسند ..) إلى (.. عن يونس أنه): ساقط من (ج).\n(٣) في (أ): (بمؤكد). والمثبت من (ب)، (ج).\n(٤) (أ)، (ب)، (ج): (أبو عبيدة). وما أثبَتُّه فمن \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٦٨٨. فقد ورد فيه: (وأخبرني المنذري، عن الحسين بن فهم، عن ابن سلام، قال: كان أبو عمرو بن العلاء، ويونس يختاران ..) وذكره. وابن سَلّام، هو: أبو عبيد. والمؤلف، كثيرًا ما ينقل عن \"تهذيب اللغة\" بتصرف. وانظر: \"اللسان\" ٦/ ٣٢٨٦ (غلل).\n(٥) هو: أبو عبد الرحمن، يونس بن حبيب الضَبِّي بالولاء نحوي بصري، أخذ عن أبي عمرو بن العلاء، وحماد بن سلمة، وكانت له حلقة بالبصرة يحضرها أهل العلم، والأدباء وفصحاء الأعراب، توفي سنة (١٨٣هـ). انظر: \"أخبار النحويين البصريين\" ٥١، و\"طبقات النحويين\" للزبيدي ٥١، و\"إنباه الرواة\" ٤/ ٧٤.","vol":"6","page":132},{"text":"وهذه القراءة اختيار ابن عباس، كان (١) يقرأ (يَغُلّ) بفتح الياء، فقيل له: إنَّ ابن مسعود يقرأ: ﴿يُغَلّ﴾، فقال ابن عباس: قد كان النبي يُقتَل، فكيف (٢) لا يُخَوَّنُ؟ (٣).\nوالقراءة الثانية: ﴿يُغَلّ﴾ بضم الياء، وفتح الغين.\nوهذه القراءة تحتملُ وجهين (٤): أحدهما: أن يكون من (الغُلُول). والثاني: أن يكون من (الإغلال).\nفإن جعلتها من (الغُلُول) احتملت معنيين: أحدهما: أن معنى قوله: ﴿وَمَا كاَنَ لِنبيٍّ أَن يُغَلّ﴾ (٥)؛ أي: ليس لأحدٍ أن يَغُلَّهُ، فيأخذ مِنَ الغنيمة التي حازها (٦) على طريق الخيانة، وإن كان لا يجوز أن يُغَلّ غيرُ النبيِّ، مِن إمام المسلمين وأميرٍ لهم (٧).\nوفائدة تخصيص النبي - ﷺ - بالذِّكْر: أن الغُلُول يَعْظُمُ بحضرته، ويكبر كِبَرًا لا يكبر عند غيره؛ لأن المعاصي بحضرته أعظم.\nالمعنى (٨) الثاني: أن تكون (أَنْ) مع الفعل، بمنزلة المصدر؛ كما\n_________\n(١) من هنا، وإلى: (.. لأن المعاصي بحضرته أعظم): نقله -بتصرف- عن \"الحجة\" للفارسي ٣/ ٩٦ - ٩٧. وهو من تتمة النقل السابق.\n(٢) في (ج): (كيف).\n(٣) انظر هذا الأثر عن ابن عباس في: \"تفسير الطبري\" ٤/ ١٥٥، وانظر قراءة ابن عباس في \"تفسير سفيان الثوري\" ٨١، و\"المعجم الكبير\" للطبراني ١١/ ١٠١ (١١١٧٤).\n(٤) انظر: \"غريب الحديث\" لأبي عبيد ١/ ١٢٤، و\"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١٤١ ب.\n(٥) (أ)، (ب): (يَغُلّ) -بفتح الياء، وضم الغين، والمثبت من (ج)، وهو الصواب.\n(٦) في (أ): (جازها). والمثبت من (ب)، (ج).\n(٧) في (ب): (وأميرهم).\n(٨) (المعنى): ساقط من (ب).","vol":"6","page":133},{"text":"ذَكَرْنا في القراءة الأولى. ويكون المعنى: ما كان لِنَبيٍّ غُلولٌ من المُتَحقِّقِينَ بِنُبُوَّتِهِ؛ أي: لم يَخُنْهُ أصحابُهُ وأنصارُهُ، ويكون في هذا ذَمٌّ لِمَن خانَه.\nيُؤكِّد هذا المعنى ما روى عطاءٌ عن ابن عباس (١)، في قوله: ﴿وَمَا كاَنَ لِنبيٍّ أَن يَغُلَّ﴾؛ يريد: أن يكون ممن يَصْحَبُهُ، أحدٌ يَغُلُّ ويَسْتَحلُّ الغُلُولَ.\nوإن أخذت بهذه القراءةِ مِنَ (الإغْلال)، احتَمَلَتْ -أيضا- معنيين:\nأحدهما: أن يكون (الإغلال) بمعنى (الغُلول). يقال: (غَلّ الرجلُ مِنَ الغنيمة، يَغل غَلًّا، وغلولًا)، و(أَغَلّ إغلالًا): إذا سَرَق منها (٢). ذكره الزّجاج في باب الوفاق (٣) ومِن هذا يقال: (أغَلّ الجازِر، والسَّالِخُ): إذا أبْقَى في الجِلْدِ شيئًا مِنَ اللَّحْمِ؛ على طريقِ السَّرِقَةِ والخيانة (٤).\nقال النَّمْر بن تَوْلَب (٥):\n_________\n(١) لم أقف على مصدر هذه الرواية.\n(٢) يقال: (غَلَّ، يَغُلُّ، غُلولًا): للخيانة في المغنم خاصة. و(أغَلَّ، يُغِلُّ، إغلالًا): للخيانة في المغانم، وغيرها. و(غَلَّ، يَغِلُّ، غِلًّا): للحقد والضِّغْنِ والشحناء. انظر: \"غريب الحديث\" لأبي عبيد ١/ ١٢٤، و\"إصلاح المنطق\" ٢٦٥ - ٢٦٦، و\"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٦٨٨ (غلل)، و\"ما جاء على فعلت وأفعلت\" للجواليقي ٥٧، و\"اللسان\" ٦/ ٣٢٨٥ (غلل).\n(٣) لم أقف على مصدر قول الزجاج هذا.\n(٤) انظر (غلل) في: \"إصلاح المنطق\" ٦٥، و\"التهذيب\" ٣/ ٢٦٩٠، و\"اللسان\" ٦/ ٣٢٨٦.\n(٥) من بداية بيت الشعر، وإلى (.. أي: لا يقال له: غللت): نقله المؤلف -بتصرف؛ واختصار- عن: \"الحجة\" للفارسي ٣/ ٩٥ - ٩٧.\nوالنَّمْر، هو: ابن تَوْلَب بن أقَيْش العُكْلي، وكُنْيَته: أبو قيس، وأبو ربيعة. شاعر مُخضْرَم، أدرك الجاهلية والإسلام، وَفَدَ على النبي - ﷺ -، وأسلم وحسن إسلامه. انظر. \"الشعر والشعراء\" ص ١٩١، و\"الإصابة\" ٣/ ٥٧٢، و\"الأعلام\" ٨/ ٤٨.","vol":"6","page":134},{"text":"جَزَى اللهُ عنَا جَمْرَةَ ابْنَةَ نَوْفَلٍ ... جَزاءَ مُغِلٍّ (١) بالأمانَةِ كاذبِ (٢)\nوقال آخر:\nحَدَّثْتَ (٣) نفْسَكَ بالوَفَاءِ ولم تَكُنْ ... للْغَدْر خائنَةً مُغلَّ الإصْبَع (٤)\nقوله: (لِلْغَدْرِ) (٥)؛ أي: لِكَراهَةِ الغَدرِ. و(الخائِنَة): يحتمل أن تكَون مصدرا؛ كـ (العافِيَةِ)، و(العَاقِبَةِ).\n_________\n(١) في (أ): (مُغَلٍّ). وفي (ب)، (ج): مهملة من الشكل. والمثبت من مصادر البيت.\n(٢) البيت ورد في \"شعره\" ص ٣٨، وورد منسوبا له في: \"غريب الحديث\" لأبي عبيد ١/ ١٢٣، و\"إصلاح المنطق\" ٢٦٦، و\"الزاهر\" ١/ ٤٦٩، و\"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٦٨٩ (غلل)، و\"الصحاح\" ٥/ ١٧٨٤ (غلل)، و\"المقاييس\" ٤/ ٣٧٦ (غلل)، و\"المحرر الوجيز\" ٣/ ٤٠١، و\"اللسان\" ٦/ ٣٢٨٥ (غلل).\nوقد ورد في \"التهذيب\"، و\"الصحاح\": (حمزة) بدلًا من (جمرة).\nومعنى (المُغِلِّ): الخائن.\nورد في إحدى نسخ \"إصلاح المنطق\" أشار إليها محقق الكتاب: (جَمرة، كانت أخيذة عنده، فسألته أن يزيرها قومها، ففعل، فلما أتتهم منعوها الرجوع ..). ص ٢٦٦.\n(٣) في (ب): (حدثته).\n(٤) نسبته المصادر التالية لرجل من بني أبي بكر بن كلاب:\n\"مجاز القرآن\" ١/ ١٥٨، و\"الكامل\" للمبرد ١/ ٣٥٩، و\"اللسان\" ٣/ ١٢٩٤ (خون). وورد غير منسوب في: \"إصلاح المنطق\" ٢٦٦، و\"تفسير الطبري\" ٦/ ١٥٦، و\"الجمهرة\" لابن دريد ١/ ٣٤٧، و\"المخصص\" ٢/ ٤، و\"اللسان\" ٤/ ٢٣٩٥ (صبع)، ٦/ ٣٢٨٦ (غلل).\nيقال: (فلانٌ مُغِلُّ الإصبع): إذا كان خائنًا. انظر: \"اللسان\" ٤/ ٢٣٩٥ (صبع).\nيخاطب الشاعرُ رجلًا يُسمَّى (قرين بن سُلْميّ الحنفي) قتل أخاه، وقبل هذا البيت:\nأقَرِينُ إشك لو رأيت فوارسي ... بعَمَايَتَيْنِ إلى جوانب ضَلْفَعِ\nو(عمايتين)، و(ضلفع): مواضع في نجد. انظر مناسبة البيت في \"الكامل\" ١/ ٣٥٨ - ٣٥٩.\n(٥) في (ج): (الغدر).","vol":"6","page":135},{"text":"و-حينئذٍ - يُقَدَّرُ حذفُ المضاف؛ أي: لم يكنَ صاحبَ خائِنَةٍ؛ أي: خيانَة. وإنْ شئتَ جعلته مثل: (راوِيَة).\nونَسَبَ (١) الإغْلالَ إلى الإصْبَع، كَمَا نَسَبَ (٢) الآخرُ الخيانةَ إلى اليَدِ، في قوله:\nأَحَذَّ (٣) يَدِ القَمِيصِ (٤)\n_________\n(١) في (أ): (نُسِبَ)، وفي (ب)، (ج) مهملة من الشكل. والمثبت من \"الحجة\" للفارسي. وهو الصواب؛ حتى تتناسب مع الكلمة المنصوبة المعمولة لها بعدها.\n(٢) في (أ): نُسِبَ. وفي (ب)، (ج) مهملة من الشكل. والمثبت من \"الحجة\" للفارسي، ويقال فيها ما قيل في التي قبلها.\n(٣) في (أ)، (ب): أحد. والمثبت من (ج)، ومصادر البيت.\n(٤) جزء من بيت شعر، للفرزدق. وتمامه:\nأأطعَمْتَ العراقَ ورافِدَيْه ... فَزَاريَّا أحَذَّ يَدِ القميصِ\nوهو في \"ديوانه\" ٣٣٨، وورد منسوبًا له في: \"الحيوان\" للجاحظ ٥/ ١٩٧، ٦/ ٥١٠، و\"الشعر والشعراء\" ١/ ٩٤، و\"المعارف\" ٤٠٨، و\"الكامل\" ٣/ ٨٣، و\"اللسان\" ٣/ ١٦٨٨ (رفد)، ٢/ ٨٠٩ (حذذ).\nوورد غير منسوب في: \"المخصص\" ٢/ ٤، و\"همع الهوامع\" ١/ ١٧٢، و\"الدرر اللوامع\" ٢٥.\nجاء في بعض المصادر: (أوَلَّيْت العراق)، وورد: (فَوَلَّيت)، وورد: (بَعَثت إلى العراق)، وفي الهمع: (لأطعمت ..) وهي خطأ بلا شك.\nومعنى (أحذَّ يدِ القميص)، أي: خفيف اليد. يصفه بالغلول والسرقة، وأراد: أحذ اليد، وأضاف اليد إلى القميص؛ لحاجته.\nو(الحَذَذ): السرعة، وقيل: السرعة والخفة، و-كذلك-: خفة الذنَب، واللحية. و(فرسٌ أحَذّ): خفيف شعر الذنب، و(رجل أَحَذّ): سريع اليد خفيفها، وهذا التفسير هو الذي أراده المؤلف أعلاه. وقيل: (الأحَذّ): المقطوع؛ أي: أنه قصير اليد عن نيل المعالي، فجعله كالأحذ، الذي لا شعر لذنبه. انظر: \"اللسان\" ٢/ ٨٠٨ (حذذ).","vol":"6","page":136},{"text":"قال: جعلت (الإغلالَ) بمعنى (الغُلول). فقد ذكرنا للغُلُول معنيين في هذه القراءة.\nالمعنى الثاني: أنْ يكون (الإغلالُ) بمعنى النسبة إلى الغُلُول. وقد يَردُ (١) (الإفْعَال) بمعنى النسمة، شاذًّا، وإن كان الأكثر فيه التَفْعيل؛ كقولهم: (أسْقاهُ)، أي: قال له: سَقَاكَ اللهُ (٢).\nومنه قول ذي الرُّمَّة:\nوأُسْقِيهِ حتى كاد (٣) ... البيت.\n_________\n= والبيت، ضمن أبيات، يهجو بها الشاعرُ عمرَ بن هبيرة الفزاري، ويخاطب -معاتبًا- يزيدَ بن عبد الملك، الذي ولَّى ابنَ هبيرة العراقَ.\n(١) في (ج): (ترد).\n(٢) في \"الحجة\" للفارسي ٣/ ٩٧: (.. كقولك: أسقيْتُهُ؛ أي: قلت له: سقاك الله).\n(٣) وتمامه:\nوأسقِيهِ حتى كاد مما أبُثُّهُ ... تكلِّمني أحجارُه ومَلاعبُه\nوقبل هذا البيت:\nوقفت على رَبْعٍ لِمَيَّة ناقتي ... فما زلت أبكي عنده وأخاطبه\nوهو في \"ديوانه\" ٨٢١. وورد البيتُ -الشاهد- منسوبًا له، في: \"كتاب سيبويه\" ٤/ ٥٩، و\"النوادر\" ٢١٣، و\"مجاز القرآن\" ١/ ٣٥٠، و\"طبقات فحول الشعراء\" ٢/ ٥٥٧، و\"تهذيب اللغة\"١٠/ ٢٩٧، و\"المحرر الوجيز\" ٣/ ٤٠٤، و\"لسان العرب\" ٤/ ٢٠٤٢ (سقى)، ٤/ ٢٣١٤ (شكا)، و\"المقاصد النحوية\" ٢/ ١٧٦، و\"التصريح\" للأزهري ١/ ٢٠٤، و\"شرح شواهد الشافية\" ٤١، و\"الدرر اللوامع\" ١/ ١٠٨.\nوورد غير منسوب في: \"منهج السالك\" ١/ ٢٦٣، و\"همع الهوامع\" ٢/ ١٤٤. ورد في بعض الروايات: (وَأُشْكِيهِ ..)، وورد: (.. أبِثُّهُ) -بضم الهمزة، وكسر الباء-. ومعنى (أبُثُّه): أظهر له البَثَّ، وهو: الحزن والغم. انظر: \"اللسان\" ١/ ٢٠٨ (بثث). يخاطب الشاعرُ -هنا- منزلَ معشوقته (مية). و(أسقيه): أدعوِ له بالسُّقْيا. والماضي: أسْقاهُ.","vol":"6","page":137},{"text":"ويقال (أَكْفَرَهُ): إذا نَسَبَهُ إلى الكفر.\nقال الكُمَيْت (١):\nفَطَائِفَةٌ قَدْ أكفَرُوني بِحُبِّكُمْ (٢)\nفيكون المعنى: وما كان لِنَبِيٍّ أن يُنْسَبَ إلى الغُلُول؛ أي: لا يُقَال له غَلَلْتَ.\nقال الفرّاءُ، في (٣) هذه الآية (٤): وقرأ (٥) أصحاب عبد الله (٦): ﴿يُغَلّ﴾؛ يريدون: أنْ يُسَرَّقَ ويُخَوَّنَ (٧)، وذلك جائزٌ، وإنْ لم يَقُل: (يُغلَّل)، فيكون مثل قوله: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ﴾، و﴿ويُكَذِّبُونَكَ﴾ (٨) [الأنعام: ٣٣].\n_________\n(١) هو: أبو المُسْتَهِلّ، الكُمَيت بن زيد بن حُبَيْش، من بني أسد. شاعر إسلامي، عاش في أيام الدولة الأموية، ولم يدرك الدولة العباسية، وكان متشيعًا لبني هاشم، وُلِد سنة (٦٠ هـ)، ومات سنة (١٢٦هـ).\nانظر: \"الشعر والشعراء\" ٢/ ٣٨٥، و\"جمهرة أشعار العرب\" ٣٥١، و\"أمالي الزجاجي\" ١٣٧، و\"الخزانة\" ١/ ١٤٤.\n(٢) صدر بيت، وعجزه:\nوطائفةٌ قالوا مسيءٌ ومذنب\nورد في: \"شرح هاشميات الكميت\" ٥٣، وورد منسوبًا له في \"خزانة الأدب\" ٤/ ٣١٤.\nوورد فيه: (.. قد أكفرتني بحبهم ..).\nقال في \"شرح الهاشميات\": (و(طائفة)؛ يريد: الحرورية. (وطائفة)؛ يريد: المرجئة).\n(٣) في (ج): (وفي).\n(٤) في \"معاني القرآن\" له ١/ ٢٤٦، نقله عنه بتصرف يسير.\n(٥) في (ج): (وقال).\n(٦) أي: ابن مسعود - ﵁ -. وقال الطبري: (وهي قراءة عُظْم قَرَأة أهل المدينة والكوفة) \"تفسيره\" ٤/ ١٥٧.\n(٧) أي: ينسب إلى السرقة والخيانة.\n(٨) القراءة الأولى: ﴿يُكَذِّبُونَكَ﴾، لابن كثير، وعاصم، وأبي عمرو، وابن عامر =","vol":"6","page":138},{"text":"ومِن حُجَّةِ هذه القراءة: ما رُوي عن ابن عبّاس، من طريق الضّحاك، وما روي عن قتادة، في سبب نزول هذه الآية (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾.\nأي: يأتي به حاملًا له على ظهره، كما روي أن النبي - ﷺ -، خَطَبَ يومًا، فذَكَرَ الغُلُولَ، وعَظَّمَه، وعَظَّمَ أَمْرَهُ، فقال: \"لا أُلْفِيَنَّ (٢) أحدَكمْ يجيء على رقبته يوم القيامة بَعِيرٌ له رُغَاء (٣)، يقول: يا رسولَ الله! أعِنِّي (٤).\n_________\n= والقراءة الثانية: ﴿يُكْذِبُونَكَ﴾، لنافع، والكسائي.\nانظر:\"السبعة\" ٢٥٧، و\"الحجة\" للفارسي ٣/ ٣٠٢، و\"المبسوط\" لابن مهران ٦١٨. أي: أن (كَذَّبه، وأكْذَبه)، بمعنًى واحد، وهو: نسبته إلى الكذب، وكذلك: (غَلَّ، وأغَلَّ) تتواردان على معنى واحد، وهو: النسبة إلى الغلول. انظر: \"كتاب سيبويه\" ٤/ ٥٨، و\"الحجة\" للفارسي ٣/ ٣٠٢. وحول رأي الفراء -هذا-، قال الأزهري: (وقال أبو العباس: جَعَلَ (يَغُل)، بمعنى: (يُغَلَّل)، وكلام العرب على غير ذلك في (فعَّلت)، و(أفْعَلْت). و(أفعلته): أدخلت ذاك فيه، و(فعَّلتُ): كثرت ذاك فيه). \"التهذيب\" ٣/ ٢٦٨٨. وانظر: \"الحجة\" للفارسي ٣٠٢ - ٣٠٤.\n(١) انظر ما سبق ص ١٢٨ - ١٢٩.\n(٢) في (ج): (لألفين). وهذه توافق رواية الإمام أحمد في \"المسند\": (لألفِيَنَّ يجيء أحدكم يوم القيامة ..) وسيأتي تخريجه.\nوفي بعض الروايات: (لا ألفِينَّ ..) انظر: \"فتح الباري\" ٦/ ١٨٦. ألفى الشيء: وجده. يقال: (ألْفَيْتُ الشيء، أُلْفِيهِ، إِلفاءً): إذا وجدته وصادفته ولقيته. انظر: \"اللسان\": ٧/ ٤٠٥٦ (لفا).\n(٣) الرُّغاء: صوت البعير. قال: (رَغَا البعيرُ، والضَّبُعُ، والنَّعامُ، رُغاءً): صوَّتَت فَضَجَّت. انظر: \"القاموس\" (١٢٨٩) (رغا).\n(٤) في مصادر الحديث التالية: أغثني.","vol":"6","page":139},{"text":"فأقول: لا أملك لك مِنَ الله شيئًا، قد أَبْلَغْتُكَ\". وذَكَر في الحديث: الشاةَ والفرَسَ والصَّامِتَ (١).\nوهذا قول: ابن عباس (٢)، وأبي هريرة (٣)، وأبي حُمَيْد الساعدي (٤)،\n_________\n(١) في (ج): (والفَرَسَ الصامِتَ).\nوالصامت من المال: الذهب، والفضة، خلاف الناطق منه، وهو: الحيوان. انظر: \"النهاية في غريب الحديث\" ٣/ ٥٢، و\"القاموس\" ١٥٥ (صمت)، و\"فتح الباري\" ٦/ ١٨٦.\nوالحديث من رواية أبي هريرة، أخرجه: البخاري في \"الصحيح\" (٣٠٧٣) كتاب الجهاد. باب الغلول وقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ﴾.\nومسلم في \"الصحيح\" رقم (١٨٣١) كتاب الإمارة. باب غلظ تحريم الغلول. وأحمد في \"المسند\" ٢/ ٤٢٦، وابن أبي شيبة في \"المصنف\" ٦/ ٥٢٩، رقم (٣٣٥١٩). والطبري في \"تفسيره\" ٤/ ١٥٨، والبيهقي في \"السنن\" ٩/ ١٠١، والثعلبي في \"تفسيره\" ٣/ ١٤١ ب. وأورده السيوطي في \"الدر\" ٢/ ١٦٣ وزاد نسبة إخراجه إلى البيهقي في \"الشُّعَب\".\n(٢) قول ابن عباس - ﵁ - ومن بعده، هي آثار رواها المذكورون عن النبي - ﷺ -، بالمعنى نفسه. وقول ابن عباس ﵄ في \"تفسير الطبري\" ٤/ ١٥٩، وأورد الأثر ابن كثير في \"تفسيره\" ١/ ٤٥٥ ونسب أخراجه إلى ابن جرير، وقال: (لم يروه أحد من أهل الكتب الستة).\n(٣) قوله في \"تفسير الطبري\" ٤/ ١٥٨، ١٦٠، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" ٣/ ٨٠٥.\n(٤) قوله في: \"صحيح مسلم\" رقم (١٨٣٢) كتاب الإمارة، باب تحريم هدايا العمال، والطبري في \"تفسيره\" ٤/ ١٥٩، والبغوي في \"تفسيره\" ٢/ ١٢٧، وابن كثير في \"تفسيره\" ١/ ٤٥٥.\nوأبو حميد الساعدي، اختلف في اسمه كثيرًا، المنذر بن سعد، وقيل: عبد الرحمن بن سعد بن المنذر، وقيل غير ذلك. أنصاري، صحابي مشهور، شهد أحدًا وما بعدها، تُوفي في آخر خلافة معاوية، وأول خلافة يزيد بن معاوية. انظر: \"الاستيعاب\" ٤/ ١٩٩، و\"الإصابة\" ٤/ ٤٦.","vol":"6","page":140},{"text":"وابن عمر (١)، وقتادة (٢).\nوقوله تعالى: ﴿ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ﴾.\nقال ابن عباس (٣): يريد: تجازى ثوابَ عَمَلِها.\n﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾. قال (٤): وهم لا يُنقَصُونَ مِنْ ثوابِ أعمالهم شيئًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-665>١٦٢ </span>- قوله تعالى: ﴿أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ﴾.\nيعني: بترك الغُلُولِ -في قول: الكلبي (٥)، والضحاك (٦) -.\n﴿كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ﴾، في فِعْلِ الغُلول.\nوقيل: ﴿أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ﴾ بالعمل بطاعته والإيمان، ﴿كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ﴾ في العملِ بمعصيته، والكفر به. وهذا القولُ يُحكَى عن محمد بن إسحاق (٧).\nوعلى هذا المعنى دلّ كلامُ ابن عباس -في رواية عطاء-؛ لأنه قال (٨): ﴿أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ﴾؛ يريد: المهاجرين والأنصار، ﴿كَمَنْ بَاءَ\n_________\n(١) قوله في: \"تفسير الطبري\" ٤/ ١٦٠، وأورده الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" ٣/ ٨٦، وقال: رواه البزار، ورجاله رجال الصحيح.\n(٢) قوله في: \"المصنف\" لعبد الرزاق ٥/ ٢٤٢ (٩٤٩٣)، و\"تفسير الطبري\" ٤/ ١٦١.\n(٣) لم أقف على مصدر قوله.\n(٤) لم أقف على مصدر قوله.\n(٥) قوله في \"بحر العلوم\" ١/ ٣١٢.\n(٦) قوله في: \"المصنف\" لعبد الرزاق ٥/ ٢٤٦ رقم (٩٥٠٧)، و\"تفسير الطبري\" ٤/ ١٦١، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" ٣/ ٨٠٦. وأورده السيوطي في \"الدر\" ٢/ ١٦٥ وزاد نسبة إخراجه إلى ابن المنذر.\n(٧) قوله في: \"سيرة ابن هشام\" ٣/ ٧٠، و\"تفسير الطبري\" ٤/ ١٦١، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" ٣/ ٨٠٧.\n(٨) لم أقف على مصدر قوله.","vol":"6","page":141},{"text":"بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ﴾؛ يريد: المنافقين.\nوقال الزجاج (١): يروى أن النبي - ﷺ -، حين أمر المسلمين يوم أحد بالحرب، اتَّبَعَهُ المؤمنون، وتَخَلَّفَ عنه جماعةٌ مِنَ المنافقين (٢).\nفأعلم الله ﷿: أنّ مَنْ اتَّبَعَ نَبِيَّهُ، اتَّبَعَ رِضوانَهُ، وأنَّ مَن تَخَلّف عنه فقد باء بِسَخَطٍ مِنَ الله.\nومعنى (باءَ به)؛ أي: احتمله، ورَجَع به. وقد ذكرنا هذا في سورة البقرة (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-666>١٦٣ </span>- قوله تعالى: ﴿هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ﴾ أي: ذَوُو (٤) درجات. فحذف المضاف. وحَسُن ذلك ههنا؛ لأن اختلاف أعمالهم، قد صيَّرَهم بمنزلة المختلفي الذوات، كاختلاف مراتب الدرجات؛ لتبعيدهم من استواء الأحوال، فجاء على هذا المَجَاز.\nوالمجاز في موضعه، أحسنُ مِنَ الحقيقة، لِمَا فيه [مِنَ] (٥) الإيجاز مِن غيرِ إخلال، ومِنَ المُبالغة التي لا ينوبُ مَنَابها الحقيقة، إذْ (٦) قولك: (هو الشمسُ ضياءً)، أبْلَغُ في النفس مِن: (هو كالشمس ضياءً). فكذلك: ﴿هُمْ دَرَجَاتٌ﴾ (٧)، أبلغ مِنْ: (هم أهلُ درجاتٍ) (٨).\n_________\n(١) في \"معاني القرآن\" له ١/ ٤٨٦. نقله عنه بتصرف.\n(٢) انظر: تفسير ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا﴾ آية: ١٢٢ من سورة آل عمران.\n(٣) انظر: \"تفسير البسيط\" عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ البقرة: ٦١.\n(٤) في (ب): (ذو).\n(٥) ما بين المعقوفين: زيادة من (ج).\n(٦) في (أ)، (ب): إذا. والمثبت من (ج).\n(٧) في (أ): (بدرجات درجات).\n(٨) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٤٨٦، و\"معاني القرآن\" للنحاس ١/ ٥٠٦. =","vol":"6","page":142},{"text":"وأصل الدَّرَجَةِ: الرُّتْبَةُ (١)، ومِنْهُ: (الدَّرْجُ)، لأنه يُطوَى رُتْبةً بعد رُتْبةٍ؛ قال: (أدْرَجَني إدْرَاجًا) (٢) و(الدَّرَجَانُ) (٣): تَقارُبُ الخَطْوِ؛ كَمِشْيَة الشَّيْخ، والصَّبِيِّ؛ لتقارُبِ الرُّتَبِ (٤).\nفأما التفسير: فالآيةُ تحتملُ ثلاثةَ أوجه:\nأحدها: أن يكون المراد بقولهم: دَرَجاتُ المؤمنين والكافرين جميعًا. والمعنى: أن المؤمنين ذَوُو (٥) دَرَجةٍ رفيعةٍ، والكافرين ذَوُو\n_________\n= قيل في تأويل الآية: إنهم جعلوا نفس الدرجات؛ للمبالغة؛ أي: إنهم متفاوتون في الجزاء على كسبهم، كما أن الدرجات تتفاوت. والأصل فيه: هم مثل الدرجات في التفاوت. انظر: \"الدر المصون\" ٣/ ٤٦٩ - ٤٧٠.\n(١) انظر (درج) في: \"جمهرة اللغة\" ١/ ٤٤٦، و\"التهذيب\" ٢/ ١١٦٧، و\"اللسان\" ٣/ ١٣٥١، وانظر: \"تفسير الطبري\" ٤/ ١٦٢.\nقال الراغب: (الدرجة، نحو المنزلة، لكن يقال للمنزلة: (درجة)، إذا اعتُبِرت بالصعود، دون الامتداد على البسيط؛ كدرجة السطع والسلَّم، ويعبر بها عن المنزلة الرفيعة ..). \"مفردات ألفاظ القرآن\": ٣١٠ (درج).\n(٢) قال ابن دريد: (والدَّرْج: مصدر (دَرَجْتُ الشيء دَرْجًا)، و(أدرجته إدراجًا): إذا طويته). \"جمهرة اللغة\" ١/ ٤٤٦.\nوأراد المؤلف، هنا والله أعلم: الدَّرْج -أو الدَّرَج-: الذي يُكتَبُ فيه. يقال: (أنفذته في دَرْج الكتاب)؛ أي: في طَيِّه. انظر: \"الصحاح\" ٣١٤ (درج).\nوفي \"مفردات ألفاظ القرآن\": ٣١١ (درج): (والدرْج: طيُّ الكتاب والثوب. ويقال للمطوي: دَرْج).\n(٣) في (أ)، (ب): (والدرجات). والمثبت من: (ج)، ومصادر اللغةُ.\n(٤) انظر: (درج) في: \"التهذيب\" ٢/ ١١٦٧، و\"مفردات ألفاظ القرآن\" ٣١١، و\"اللسان\" ٣/ ١٣٥١.\n(٥) في (ب): (ذو). وكذا في الموضع التالي.","vol":"6","page":143},{"text":"درجةٍ (١) خَسِيسَةٍ.\nوهذا الوجه مروي عن ابن عباسٍ، قال (٢): يعني أنَّ مَن اتَّبَعَ رِضْوانَ الله، ومَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ الله، مختلِفُو (٣) المَنَازِلِ عند الله فَلِمَن اتبع رِضْوانه الكرامةُ والثواب، ولِمَن باء بسخطٍ منه المَهَانةُ والعذاب.\nوهذا قول الكلبي -أيضًا-، فإنه قال (٤): هم درجاتُ، بعضهم أشدُّ عذابًا مِنْ بعضٍ، وكلٌّ في عذابٍ وهَوَانٍ، وأهل الجَنَّةِ بعضهم أفضلَ من بعض، وكلٌّ (٥) في فَضْلٍ وكَرَامَةٍ (٦).\nالوجه الثاني: أن تكون الآيةُ خاصَّةً في المؤمنين؛ يريد: أنَّ بعضهم أرفع درجة عند الله مِنْ بعض.\nوهذا قول ابن عباس -في رواية عطاء-، قال (٧): يريد: أصحاب النبي - ﷺ -، بعضهم أفضل من بعض، وهذا أيضًا اختيارُ الفرّاء، قال (٨): يقول: هم في الفضل مختلفون، بعضهم أرفع من بعض.\nالوجه الثالث: أن تكون الآية خاصة في الكافرين (٩). وهذا قول\n_________\n(١) (ذوو درجة): بياض في (ج).\n(٢) قوله في: \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١٤٣ ب، و\"تفسير البغوي\" ٢/ ١٢٩، و\"زاد المسير\" ١/ ٤٩٣.\n(٣) في (ب): (يختلفوا).\n(٤) لم أقف على مصدر قوله.\n(٥) من قوله: (وكل ..) إلى (.. بعضهم أفضل من بعض): ساقط من (ج).\n(٦) وهو قول ابن إسحاق، واختيار الطبري. انظر: \"تفسيره\" ٤/ ١٦٢.\n(٧) لم أقف على مصدر هذه الرواية عنه.\n(٨) في \"معاني القرآن\" له ١/ ٢٤٦. نقله عنه بتصرف.\n(٩) في (ج): (المنافقين).","vol":"6","page":144},{"text":"الحسن، يقول (١): بعض أهل النار أشدُّ عذابًا مِنْ بعضٍ؛ ألا تَرَاهُ (٢) يقول: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾ [الأنعام: ١٣٢].\nقال: وبلغني أن النبي - ﷺ - قال: (إنَّ منها (٣) ضحْضاحًا (٤)، وإنَّ منها غَمْرًا (٥)، وإني لأرجو أنْ يكون أبو طالب في ضحْضَاحِها) (٦).\n_________\n(١) لم أقف على مصدر قوله. والذي وقفت عليه من قوله، الآتي:\nأ- يعني أهل الخير وأهل الشر درجات.\nب- إنها درجات الجنة.\nج- للناس درجات بأعمالهم، في الخير والشر. انظر: \"تفسير الحسن البصري\" ٢٤٦، ٢٤٧.\n(٢) في (ج): (تسمعه) بدلًا من: (تراه).\n(٣) الضمير يعود على النار.\n(٤) أصل الضحْضَاح: الماء القليل، الرقيق، أو الذي يصل إلى الكعبين. فشَبَّه قِلَّةَ النار به. انظر: \"غريب الحديث\" لأبي عبيد ٢/ ٤٠٠، و\"الفائق\" ٢/ ٣٣٢.\n(٥) الغَمْر: الماء الكثير. وجمعه: غِمَار، وغُمُور. انظر: \"القاموس\" ٤٥٢ (غمر).\n(٦) هذا الجزء من قول الحسن (والمتضمن حديث النبي - ﷺ -، المرسل عن الحسن (إن منها ضحضاحا ..)، قد ورد بألفاظ مختلفة من طريق أخرى صحيحة، في بيان حال أبي طالب عم النبي - ﷺ -، يوم القيامة.\nفقد أخرج البخاريُّ عن عبد الله بن الحارث بن نوفل، أن العباس بن عبد المطلب، قال للنبي - ﷺ -: ما أغنيت عن عمك؟ فوالله كان يحيطك ويغضب لك. قال: \"هو في ضحضاح من نار، ولولا أنا، لكان في الدرك الأسفل من النار\". \"الصحيح\" (٣٨٨٣). كتاب مناقب الأنصار. باب قصة أبى طالب، (٦٢٠٨) كتاب الأدب. باب كنية المشرك.\nوأخرجه مسلم في \"الصحيح\" رقم (٢٠٩) كتاب الإيمان رقم (٣٥٧) باب شفاعة النبي - ﷺ - لأبي طالب، وورد في لفظٍ لمسلم: \"نعم وجدته في غمرات من النار، فأخرجته إلى ضحضاح\".\nوعن أبي سعيد الخدري ﵁: أنه سمع رسول الله - ﷺ - وذُكِرَ عنده عَمُّهُ أبو طالب، فقال -واللفظ للبخاري-: \"لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة، فيجعل في ضحضاح من النار، يبلغ كعبيه، يغلي منه أم دماغه\". =","vol":"6","page":145},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ (١).\nفيه تحريضٌ على العمل بطاعته؛ لأن ثوابه لا يضيع؛ إذا عَمِلَه (٢) مَنْ يعمل له، وتحذيرٌ مِنَ العملِ بمعصيته؛ لأن جزاءه لا يفوتُ إذا كان عالِمًا به. فهو تهديد ووعيدٌ للكافرين، وتبشيرٌ ووَعْدٌ للمؤمنين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-667>١٦٤ </span>- قوله تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ الآية.\nلـ (المَنِّ) (٣) -في كلام العرب- مَعَانٍ:\nأحدها: الذي يسقط من السماء، وقد مرّ ذكره في قوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى﴾ [البقرة: ٥٧]. والمَنُّ: الاعتداد بالصنَّيعَةِ (٤)، وهو: أنْ تَمُنَّ بما أعطيت، وذلك في قوله: ﴿لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ﴾ [البقرة: ٢٦٤].\nوالمَنُّ: القَطْعُ. ومنه قوله: ﴿أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [فصلت: ٨]؛ أي: غيرُ مَقْطُوع (٥).\n_________\n= \"صحيح البخاري\": (٦٥٦٤) كتاب الرقاق. باب صفة الجنة والنار. و\"صحيح مسلم\" رقم (١٢٠) كتاب الإيمان، رقم (٣٦٠) باب شفاعة النبي - ﷺ - لأبي طالب.\nوانظر روايات أخرى بألفاظ أخرى في: \"فتح الباري\" ٧/ ١٩٣ - ١٩٤، و\"الفائق\" للزمخشري ٢/ ٣٣٢.\n(١) في (أ)، (ب)، (ج): تعملون. والمثبت من رسم المصحف.\n(٢) في (ج): (علمه).\n(٣) في (ج): (المن) بدلا من: (للمن).\n(٤) الصَّنِيعة: العَطِيَّة، والكرامة، والإحسان. والجمع: صَنائِع. انظر: (صنع) في: \"اللسان\" ٤/ ٢٥١٠، و\"القاموس\" ٧٣٩.\n(٥) وهذا قول ابن عباس، ومجاهد، والضحاك، وغيرهم. وحكى السُدِّي عن بعضهم، =","vol":"6","page":146},{"text":"والمَنُّ: الإعطاء والإنعام، والإحسان إلى مَنْ لا تَسْتَثِيبه. منه قوله تعالى: ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ﴾ [ص: ٣٩]، وقوله: ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ [المدثر: ٦] (١). و(المَنَّانُ) -في صفة الله- تعالى-؛ معناه: المُعْطِي ابتداءً (٢).\nفمعنى قوله: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾؛ أي: أنعَمَ عليهم، وأحسَنَ\n_________\n= أن معناه: غيرُ ممنونٍ عليهم. ورُدَّ عليه؛ لأن المِنَّة لله تعالى على أهل الجنة؛ لأنهم دخلوها برحمته تعالى وفضله، لا بأعمالهم. انظر: \"تفسير ابن كثير\" ٤/ ٥١٩.\n(١) معنى الآية -على هذا الوجه-: لا تُعْطِ العطيَّةَ تلتمس أكثر منها. وهذا قول ابن عباس، وعكرمة، ومجاهد، وعطاء، وطاوس، وأبي الأحوص، وإبراهيم النخعي، والضحاك، وقتادة، والسدي، وغيرهم، واستظهره ابن كثير. ويرى الضحاك أن هذا خاص بالنبي - ﷺ -، مباح للناس عامة.\nوقيل: لا تعط عطاءً وتستكثره؛ لأن الكريم يستقل ما يعطي، وإن كان كثيرًا. ذكره ابن جُزي.\nوهناك أقوال أخرى في الآية، هي:\n- لا تمنن بعملك على ربك تستكثره وهو قول الحسن، والربيع، واختيار الطبري.\n- وقيل: لا تضعف أن تستكثر من الخير؛ على أنَّ (تَمْنُنْ) -في كلام العرب-: تضعف. وهي رواية خصيف عن مجاهد. أو لا تضعف عن تبليغ الرسالة، وتستكثر ما حملناك من ذلك. ذكره ابن جُزَي.\n- وقيل: لا تمنن بالنبوة والقرآن على الناس، تستكثرهم به، تأخذ عليه عوضًا من الدنيا. وهو قول ابن زيد.\nانظر: \"تفسير الطبري\" ٢٩/ ١٤٨ - ١٥٠، \"وتفسير ابن جزي\" ٨٠٦، و\"تفسير ابن كثير\" ٤/ ٤٦٦.\n(٢) انظر هذه المعاني لـ (المن) في: \"الزاهر\" ٢/ ٣٥٥ - ٣٥٧، و\"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٤٥٩ - ٣٤٦٠، و\"مفردات ألفاظ القرآن\" ٧٧٧، و\"قاموس القرآن\" للدامغاني ٤٤٤، و\"بصائر ذوي التمييز\" ٤/ ٥٢٧ - ٥٢٨.","vol":"6","page":147},{"text":"إليهم، إذ بَعَثَ فيهم رَسُولًا.\nواختلفوا في المراد بـ (المؤمنين) في قوله: ﴿عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾.\nفقال بعضهم (١): هذا خاصٌّ في العرب، لأن النبي - ﷺ -، كانَ مِنَ العَرَبِ، ولم يكُنْ حَيٌّ مِن أحياء العرب، إلّا [و] (٢) قد وَلَدَهُ، وله فيهم نَسَبٌ، غير بني تَغْلِب؛ لأنهم كانوا نَصَارَى (٣)، فطَهَّرَهُ (٤) اللهُ منهم؛ لأنهم ثَبَتوا على النصرانية (٥). وعلى هذا دلّ كلام ابن عباس -في رواية عطاء- (٦)، فإنه قال: يعنى المهاجرين والأنصار.\nوعلى هذا التفسير، معنى قوله: ﴿مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾؛ أي: مِنْ نَسَبِهم. قال ابن عباس (٧): يريد: نَسَبه نَسَبهم، هو مِن وَلَدِ إسماعيل. وبه قال الكلبيُّ (٨).\n_________\n(١) من قوله: (قال بعضهم ..) إلى (.. على النصرانية): نقله -بتصرف- عن \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١٤٣ - ب.\n(٢) ما بين المعقوفين زيادة من (ج)، و\"تفسير الثعلبي\".\n(٣) هم بنو تَغْلب بن وائل بن قاسط. ينتهي نسبهم إلى مَعَدّ بن عدنان. ومساكنهم بالجزيرة الفُرَاتية، وتعرف بديار بكر. وبينهم وبين بني بكر بن وائل دارت حرب (البَسُوس) المشهورة التي استمرت (٤٠) سنة.\nانظر: \"جمهرة أنساب العرب\" ٣٠٣، ٤٦٩، و\"صبح الأعشى\" ١/ ٣٣٨، و\"معجم القبائل العربية\" ١/ ١٢٠.\n(٤) في (أ)، (ب): (فظهره). والمثبت من (ج)، و\"تفسير الثعلبي\"، وكذا جاءت في \"تفسير القرطبي\" ٤/ ٢٦٤، ١٨/ ٩٢. وهي الصواب.\n(٥) أورد هذا القول القرطبيُّ في \"تفسيره\" ١٨/ ٩٢ ونسبه لابن إسحاق، وكذا أورده أبنُ عطية في \"المحرر\" ٣/ ٤٠٩ ونسبه للنقاش.\n(٦) لم أقف على مصدر هذه الرواية عنه.\n(٧) لم أقف على مصدر قوله؛ وقد ذكره ابن الجوزي في \"الزاد\" ١/ ٤٩٤.\n(٨) لم أقف على مصدر قوله.","vol":"6","page":148},{"text":"ومعنى (المِنَّة) -على هذا التفسير-: أنه بُعِثَ واحدًا منهم؛ ليكونَ ذلك شَرَفًا لهم (١). ففيه إنعامٌ مِنْ وجهين:\nأحدهما: أنه أنقذهم به من النار، وهداهم. والثاني: أنْ جعله منهم. ودليل هذا التأويل، قولُه: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ [الجمعة: ٢].\nوقال آخرون (٢): أراد المؤمنين كلَّهم، وعلى هذا معنى قوله: ﴿مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾؛ أي: إنه واحدٌ منهم، يعرفونه، ويعرفون نَسَبَهُ، ليس بِمَلَكٍ، ولا أحد مِن غيرِ بني آدم.\nومعنى (المِنّة) -على هذا القول-: أنّه (٣) مَنَّ على المؤمنين، بإرساله واحدًا منهم، عُرِفَ أمرُهُ، وخُبِرَ صِدْقُهُ وأمانَتُهُ، فكانَ تَنَاوُلُ (٤) الحُجّةِ والبرهانِ (٥) سَهْلًا مِنْ قِبَلِهِ (٦).\n_________\n= وممن ورد عنه أن هذا خاصٌّ في العرب: عائشةُ -﵂-. فقد أخرج عنها ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٣/ ٨٠٨ أنها قالت -بعد أن قرأت هذه الآية-: (هذه للعرب خاصة). وأورده القرطبي في: \"تفسيره\" ٤/ ٢٦٤، ونسب إخراجه لأبي محمد عبد الغني، بسنده عنها.\nوأورده السيوطي في \"الدر\" ٢/ ١٦٥ وزاد نسبة إخراجه إلى ابن المنذر، والبيهقي في \"الشعب\".\nوهو اختيار الطبري في \"تفسيره\" ٤/ ١٦٣حيث قال: (﴿مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ نبيًا من أهل لسانهم، ولم يجعله من غير أهل لسانهم، فلا يفقهوا عنه ما يقول).\n(١) انظر: \"بحر العلوم\" لأبي الليث ١/ ٣١٣، و\"النكت والعيون\" ١/ ٤٣٤.\n(٢) ممن قال هذا: الزجاج -كما سيأتي-، وذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ٣/ ١٤٣ ب، ولم يعزه لقائل.\n(٣) من قوله: (أنه) إلى (من قبله) نقله -بتصرف- عن \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٤٨٧.\n(٤) في (أ)، (ب): (يتأول). والمثبت من (ج)، و\"معاني القرآن\".\n(٥) في (أ): (البرهانُ) بضم النون. وفي (ب)، (ج): مهملة، وما أثبته هو الصواب.\n(٦) في (ب): (قبل).","vol":"6","page":149},{"text":"وهذا القول اختيار الزجّاج؛ لأنه قال (١): لو كانت المنّةُ فيه [أنه] (٢) مِنَ العرب، لكانَ (٣) العَجَمُ لا مِنَّة عليهم فيهِ، ولكن المِنَّة (٤) فيه: أنَّهُ قد خُبِرَ أمْرُه، وشأنُه، وعُلِمَ صدقُهُ، بعد أنْ عَلِمُوا أنه كان واحدًا منهم، وإذا كان واحدًا منهم، كانَ أيْسَرَ عليهم معرِفةُ أحوالِهِ مِنَ الصِّدقِ والأمانة.\nوعلى هذا التفسير: خُصّ المؤمنون بالذكر، وإنْ كانَ جميعُ المُكَلَّفِينَ في هذا سواء؛ لأن المِنّة على المُؤْمِنِ في هذا أعظمُ منها على الكافر؛ لانتفاع المؤمن ببعثته، فصار كقوله: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا﴾ [النازعات: ٤٥]، وهو كان منذرًا لجميع البَشَرِ، ولكنْ لَمَّا كان المؤمنُ يخشَى الساعةَ دون الكافرين، وكان للمؤمن الانتفاعُ بإنذاره، أُضِيفَ إليه.\nوباقي الآية مفسَّرَةٌ في سورة البقرة (٥).\nوقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ قيل: معناه: وقد كانوا (٦).\nوقيل: معناه: وما كانوا مِنْ قَبْلِهِ؛ أي (٧): مِنْ قبل محمد، إلَّا في\n_________\n(١) في \"معاني القرآن\" له ١/ ٤٨٧. نقله عنه بتصرف يسير.\n(٢) ما بين المعقوفين زيادة ليستقيم بها السياق.\n(٣) في (ب): (لكانت).\n(٤) في (ب): (أمانته).\n(٥) انظر: تفسير الآية ١٢٩، والآية ١٥١ من سورة البقرة.\n(٦) لم أقف على من قال بهذا القول، إلا أنه يُخَرَّج على قول الكسائي -من الكوفيين- أنَّ (إنْ) إنْ دخلت على جملة فعلية، تكون بمعنى (قد)، واللام زائدة للتوكيد، وإن دخلت على جملة اسمية، فتكون (إنْ) هي النافية، واللام بمعنى (إلَّا).\nانظر: \"تفسير الطبري\" ٤/ ١٦٣، و\"اللامات\" للزجاجي ١١٥، و\"الجنى الداني\" ٢١٤، و\"الدر المصون\" ٢/ ٣٣٤.\n(٧) (من قبله أي): ساقط من (ج).","vol":"6","page":150},{"text":"ضلال مبين. ومثله قوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ﴾ (١) [البقرة: ١٩٨].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-668>١٦٥ </span>- قوله تعالى: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ﴾ الآية.\nالواوُ في ﴿أَوَلَمَّا﴾، لِعَطْفِ جملةٍ على جملة. ودخل أَلِفُ الاستفهام على واو النَّسَقِ (٢)؛ لأنَّ له صدر الكلام.\nقال الزجّاج (٣): ومثله من الكلام قولُ القائل: (تكَلّمَ فلانٌ بكذا وكذا) فيقول مجيبًا له: (أوَ هُوَ مِمَّن يقول ذلك؟).\nوالمعنى: أَوَ حين أصابتكم مُصيبةٌ. ويعنى بالمصيبة: ما أصابتهم يوم أحد.\nوقوله تعالى: ﴿قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا﴾.\nهو مِنْ صفة النَّكِرَةِ (٤). ومعناه: قد أصبتم مثليها يوم بدر؛ وذلك [أنَّ] (٥) المشركين قتلوا من المسلمين يوم أُحُد سبعين، [وقَتَلَ المسلمونَ منهم يوم بدر، سبعين] (٦) وأسروا سبعين. هذا قول أكثرِ المفسرين: ابن\n_________\n(١) هذا رأي الكوفيين، ومنهم: الفراء، أنَّ (إنْ) -هنا- نافية، بمعنى (ما)، واللام بمعنى: (إلا)، بينما مذهب أهل البصرة أنَّ (إنْ) هي المخففة من الثقيلة، واللام هي الفارقة بينها وبين (إنْ) النافية.\nانظر: المصادر السابقة، و\"الفريد في إعراب القرآن المجيد\" ١/ ٦٥٦، و\"الجنى الداني\" ٢٠٩، و\"المغني\" لابن هشام ٣٠٦.\n(٢) النَّسَق، هو: العطف.\n(٣) في \"معاني القرآن\" له ١/ ٤٨٧. نقله عنه بتصرف يسير.\n(٤) أي: في موضع رفع؛ صفة لـ (مصيبة).\n(٥) ما بين المعقوفين زيادة من (ج).\n(٦) ما بين المعقوفين زيادة من (ج).","vol":"6","page":151},{"text":"عباس (١)، وقتادة (٢)، وعكرمة (٣)، والربيع (٤)، والسُدِّي (٥).\nوقال بعضهم (٦): أي: أَصبتم في يوم أحد مثلها (٧)، وفي يوم بدر مثلها (٨). فقد أصَبتم مِثْلَيْ ما أصابكم، وقتلوا منكم في يوم أُحُد، وقتلتم منهم في يومين. وهذا اختيار الزجّاج (٩).\nوالأول أصح؛ لأن الكفار يوم بدر، نالوا مِنَ المسلمين -أيضًا- (١٠)؛ بقتل بعضهم (١١).\n_________\n(١) قوله في \"تفسير الطبري\" ٤/ ١٦٥، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" ٣/ ٨١٠.\n(٢) قوله في المصدرين السابقين.\n(٣) قوله في المصدرين السابقين.\n(٤) قوله في المصدرين السابقين.\n(٥) قوله في المصدرين السابقين.\nوانظر: \"سيرة ابن هشام\" ٣/ ٧١، و\"عيون الأثر\" ١/ ٤٣٢، ٢/ ٤٧ - ٤٨، و\"فتح الباري\" ٧/ ٣٠٧، كتاب المغازي. باب ١٠ رقم الحديث: (٣٩٨٦).\nقال ابن حجر: (واتفق أهل العلم بالتفسير على أن المخاطبين بذلك أهل أحُد، وأنَّ المراد بـ ﴿أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا﴾ يوم بدر، وعلى أن عدة من استشهد من المسلمين بأحد سبعون نفسًا). \"الفتح\" ٧/ ٣٠٧ وقد عدَّه الطبري إجماعًا. انظر \"تفسيره\" ٤/ ١٦٤.\n(٦) لم أقف على من قال بهذا القول. إلا ما ورد عن الزجاج كما سيأتي.\n(٧) حيث قتل من الكفار يوم أحد ثلاثة وعشرون رجلًا. انظر: \"عيون الأثر\" ٢/ ٤٨.\n(٨) (وفي يوم بدر مثلها): ساقط من (ج).\nحيث قَتَلَ المسلمون من الكفار سبعينَ -كما سبق-، ولا مَدْخَلَ للأسرى -هنا- على هذا القول؛ لأنهم قد تم فداؤهم، فلا تتم المماثلة بهم.\n(٩) في \"معاني القرآن\" له ١/ ٤٨٨.\n(١٠) في (ب): (تعبا).\n(١١) في (أ): (بعضُهم) برفع الضاد. وفي (ب)، (ج): مهملة. والصواب ما أثبت. واستشهد من المسلمين في بدر: أربعة عشر رجلًا؛ ستة من المهاجرين، وثمانية من الأنصار. انظر: \"عيون الآثر\" ١/ ٤٣٢.","vol":"6","page":152},{"text":"وقوله تعالى: ﴿قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا﴾.\nجواب الاستفهام. ومعناه: قلتم: مِنْ أينَ أصابَنَا هذا القتلُ والهزيمة، وقد تقدم الوَعْدُ بالنُّصْرَةِ، ونحن مسلمون، ورسول الله فينا، والوحي ينزل عليه [فينا] (١)؟.\nوقوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾.\nفيه ثلاثة أوْجُه:\nأحدهما -وهو قول أكثر أهل التأويل-: أن (٢) معناه: أنّكم تركتم ما أمِرْتُم به، وطلبتم الغنيمةَ وتركتم مراكزكم، فَمِنْ قِبَلِكُمْ جاء الشَّرُّ. وهذا قول: الكلبي (٣)، وعطاء (٤)، واختيار: الفرّاء (٥)، والزجّاج (٦).\nوعلى هذا القول: أضاف إليهم المعصيةَ والهزيمةَ، وإنْ كانت مخلوقة لله -تعالى- مُرَادةً، لأن المعصيةَ تضاف إلى العاصي من حيث المباشرة والكَسْب (٧).\n_________\n(١) ما بين المعقوفين مطموس في (أ)، والمثبت من (ب)، (ج).\n(٢) (أن): ساقطة من (ج).\n(٣) لم أقف على مصدر قوله.\n(٤) لم أقف على مصدر قوله. وقد يكون قوله هو قول ابن عباس الذي أورده ابن الجوزي في: \"الزاد\" ١/ ٤٩٦؛ حيث إن أغلب أقوال عطاء التي يوردها المؤلف هي روايته عن ابن عباس.\n(٥) في \"معاني القرآن\" له ١/ ٢٤٦، وقد نقل المؤلف هذا القول عنه بنصه، وهو من قوله (تركتم ما أمرتم) إلى (.. جاء الشر).\n(٦) في \"معاني القرآن\" له ١/ ٤٨٨. وهو قول مقاتل في \"تفسيره\" ١/ ٣١١، وأبي الليث في \"بحر العلوم\" ١/ ٣١٣.\n(٧) (الكسب هو الفعل الذي يعود على فاعله بنفع، أو خير، كما قال تعالى: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦]. \"مجموع فتاوى ابن تيمية\" ٨/ ٣٨٧ =","vol":"6","page":153},{"text":"والثاني: أن معنى قوله: ﴿مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾؛ أي: بخرُوجِكُم مِنَ المدينة، وخلافكم على رسولكم؛ وذلك أنه دعاهم إلى التَحَصُّنِ بالمدينة، وكان (١) قد رأى في المنام أنَّ عليه درْعًا حَصِينَةً، فأوَّلَها: المدينة. فقالوا: كنا نَمْتَنِع في الجاهلية، ونحن اليوم أحقُّ بالامتناع، فأكرهوا رسولَ الله على الخروج. وهذا قول: قتادة (٢)، والربيع (٣)، وابن عباس -في رواية عطاء- (٤)؛ لأنه قال: يريد: حيث اختلفوا على النبي - ﷺ - (٥).\nالوجه الثالث (٦): ما روي عن علي - ﵁ -، أنه قال: جاء جبريلُ إلى النبي - ﷺ -، يوم بَدْر، فقال (٧): يا محمدُ: إنَّ الله -تعالى- قد كَرِهَ ما صَنَعَ\n_________\n= وانظر:\"شرح العقيدة الطحاوية\" ص ٤٤٨.\nوقد نقل السفاريني بعض اصطلاحات المتكلمين حول الكسب، فقال: (الكسب في اصطلاح المتكلمين: ما وقع من الفاعل مقارنًا لقدرة محدثة واختيار، وقيل: هو ما وجد بقدرة محدثة في المكتسب.\nوقال العلَّامَةُ ابنُ حمدان -من علمائنا-: الكسب هو ما خلقه الله في محل قدرة المكتسب على وفق إرادته في كسبه ..). \"لوامع الأنوار\" ١/ ٢٩١. وانظر ما بعدها. وانظر للتوسع في موضوع الكسب: \"شفاء العليل\" ١٢١ وما بعدها، و\"شرح العقيدة الطحاوية\" ص ٤٣٨ وما بعدها، و\"المعتزلة وأصولهم الخمسة\" ١٦٩ - ١٨٤، و\"أفعال العباد في القرآن الكريم\" لعبد العزيز المجذوب ٣٢٥ وما بعدها، و\"الكليات\"، لأبي البقاء ١٦١.\n(١) (وكان): ساقطة من (ج).\n(٢) قوله في: \"تفسير الطبري\" ٤/ ١٦٤، و\"زاد المسير\" ١/ ٤٩٦، و\"الدر المنثور\" ٢/ ١٦٦، وزاد السيوطي نسبته إلى عبد بن حميد.\n(٣) قوله في: \"تفسير الطبري\" ٤/ ١٦٥، و\"زاد المسير\" ١/ ٤٩٦.\n(٤) لم أقف على مصدر قوله.\n(٥) انظر ما سبق عند تفسير الآية: ١٥٢ ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾.\n(٦) في (ج): (الثاني).\n(٧) في (ج): (وقال).","vol":"6","page":154},{"text":"قومُكَ في أخذهم الفداءَ من الأُسارى، وقد أمرك أن تُخَيِّرَهم بين أن يُقَدِّمُوا الأُسارى فَيَضْرِبُوا أعناقَهم، وبين أن يأخذوا الفداء، على أن يُقْتَلَ منهم عِدَّتُهُم. فَذَكَرَ ذلك رسولُ الله - ﷺ - لقَومِهِ، فقالوا: يا رسول الله: عشائرُنا وإخواننا، لا؛ بل نأخذ فِدَاهم (١)، فنقوى (٢) به على قتال العدوِّ، ويُستشهد منّا بعددهم (٣).\nفقُتِلَ منهم يوم أحد سبعون رجلًا، عدد (٤) أُسارى أهلِ بَدْر. فهو معنى قوله: ﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾؛ أي: بأخْذِكُم الفداء، واختياركم القَتْلَ (٥).\n_________\n(١) هكذا جاءت في: (أ)، (ب)، (ج). على التخفيف. والأصل فيها أن تكون: (فداءهم). كما هي في \"تفسير الطبري\". وقد وردت في بعض ألفاظ الحديث: (.. بل نفاديهم)، ووردت: (قالوا الفداء).\n(٢) هكذا في: (أ)، (ب)، (ج). وجاءت في المصادر التالية: (فنتقوّى).\n(٣) الحديث أخرجه: الترمذي في \"السنن\" رقم (١٥٦٧. كتاب السير. باب ١٨ (ما جاء في قتل الأسارى والفداء) وقال الترمذي: (حديث حسن غريب)، وأخرجه الطبري في \"تفسيره\" ١/ ١٦٦، وذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ٣/ ١٤٤ أ، والبغوي في \"تفسيره\" ٢/ ١٢٩، وابن كثير في \"تفسيره\" ١/ ٤٥٩ وزاد نسبة إخراجه للنسائي، ولم أهتد إليه في (سننه) المطبوعة.\nوأورده السيوطي في \"الدر\" ٢/ ٣٦٨ وزاد نسبة إخراجه لابن أبي شيبة، وابن مردوية.\n(٤) في (ج): (بعدد).\n(٥) قال الشوكاني -بعد إيراده لهذا الأثر عن علي - ﵁ -: (ولكنه يشكل على حديث التخيير السابق؛ ما نزل من المعاتبة منه ﷾ لمن أخذ الفداء، بقوله: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ [الأنفال: ٦٧]، وما رُوي من بكائه - ﷺ -، هو وأبو بكر؛ ندمًا على أخذ الفداء. ولو كان أخذ ذلك بعد التخيير لهم من الله -سبحانه-، لم يعاتبهم عليه، ولا حصل ما حصل من النبي - ﷺ -، ومن معه من الندم والحزن، ولا صوَّب النبي - ﷺ - رأي عمر - ﵁ -، حيث أشار بقتل الأسرى، وقال ما معناه: لو نزلت عقوبة لم ينج منها إلا عمر). \"فتح القدير\" ١/ ٥٩٨ - ٥٩٩.","vol":"6","page":155},{"text":"وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ يعنى: مِنَ النَّصْرِ؛ مع طاعتكم النبي - ﷺ -، وترك النصر؛ مع مخالفتكم ما أُمرتم به. وقال ابن عباس (١): يريد: على نَصرِكُم، وعلى اتِّخاذِ الشهداءِ منكم، وتعجيلِ أوليائهِ إلى الجَنَّةِ، قديرٌ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-669>١٦٦ </span>- قوله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾ دَخَلَتْ الفاءُ في ﴿فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾ (٢)؛ لأن خبر (ما) التي بمعنى (الذي)، يشبه جواب الجزاء؛ مِنْ جهة أنه مُعَلَّقٌ (٣) بالفعل الذي في الصِّلَةِ، كتعلُّقِهِ بالفعل الذي في الشَّرْط. وقد شرحنا هذه المسألة عند قوله: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٥٨].\nومعنى قوله: ﴿فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾: قيل: بِعِلْمِ الله (٤). وقال ابن عباس (٥): يريد: فبقضاء الله. وهذا أوْلَى؛ لأن الآية تَسْلِيَةٌ للمؤمنينَ مما أصابهم (٦)، ولا تَقَعُ التسليةُ إذا كان واقعًا بِعِلْمِهِ، وإنما تقع؛ إذا كان واقعًا بقضاء الله وقدره، فحينئذٍ يرضون بما قضى عليهم. وفي هذا دليلٌ على أن الكائنات كلَّها تقع على ما قضاه الله في الأزَلِ.\nوقوله تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-670>١٦٧ </span>- ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا﴾ أي: لِيظْهرَ إيمان [المؤمنين] (٧)،\n_________\n(١) لم أقف على مصدر قوله.\n(٢) في (ج): (بإذن).\n(٣) في (ج): (متعلق).\n(٤) ممن قال ذلك الزجاج، في \"معاني القرآن\" ١/ ٤٨٨.\n(٥) لم أقف على مصدر قوله. وقد أورده ابن الجوزي في: \"زاد المسير\" ١/ ٤٩٧.\n(٦) في (أ): (أصابكم). والمثبت من: (ب)، (ج).\n(٧) ما بين المعقوفين زيادة من (ج).","vol":"6","page":156},{"text":"بِثُبُوتِهِمْ (١) على ما نالَهم، ويظْهرَ نفاق المنافقين، بِفَشَلِهم، وقِلَّةِ صبرِهِمْ على ما ينزلُ بهم.\nوقد مضت نظائرُ لهذه الآية، وذكرنا معنى عِلْمِهِ فيما لا يزال، مع سبقِ عِلْمِهِ بالكائنات فيما لم يزل (٢).\nوقوله تعالى: ﴿نَافَقُواْ﴾.\nيقال: (نافق الرجلُ)، فـ (هو منافقٌ): إذا أظهر كلمةَ الإيمانِ، وأضْمَرَ (٣) خِلاَفَهَا. و(النِّفَاق): اسمٌ إسْلامِيٌّ (٤).\nواختلفوا في اشتقاقه:\n_________\n(١) في (ب): (ثبوتهم).\n(٢) انظر: \"تفسير البسيط\"، عند تفسير قوله تعالى: ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ﴾ [البقرة: ١٤٣]، وانظر تفسير قوله تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [آل عمران: ١٤٠]، وتفسير: ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا﴾ [آل عمران: ١٤٢].\n(٣) في (ج): (وأظهر).\n(٤) يعني أن (النفاق) اصطلاح جاءت به الشريعة الإسلامية، ولم يكن معروفًا من قبل، وإن كان أصله في اللغةِ معروفًا. انظر: \"اللسان\" ٨/ ٤٥٠٨ (نفق)، و\"المزهر\" ١/ ٣٠١.\nوقد ذكر د. عودة أبو عودة في كتابه \"التطور الدلالي بين لغة الشعر ولغة القرآن\" ٢٦٦ أن (النفاق) بمعنى التَّلَوُّنِ والمخادعة قد عرف في الجاهلية، واستدل ببيت شعرٍ منسوب إلى طرفة، وهو:\nوأما رِجَالٌ نافَقُوا في إخائِهِم ... ولستُ إذا أحبَبْتُ حُرًّا أنَافِقُه\nويفيد د. عودة أنَّ هذا البيت لم تتأكد نسبتُه لطرفة، كما يفيد شارح ديوانه، وإنْ ثَبَتَ فيدل على استخدام مصطلح (النفاق) في الجاهلية، ولكن لا على سبيل الشيوع والانتشار، ولا ينفي ذلك إسلامية هذا المصطلح.","vol":"6","page":157},{"text":"قال أبو عبيد (١): يقال (نافق اليَرْبُوعُ) (٢)، و(نَفَقَ) (٣). وَ(نَافِقاءُ اليربوع): أحَدُ جُحْرَيْهِ. وله جُحْرٌ آخر يقال له: (القاصِعَاء)، فإذا طُلِبَ مِنَ النافقاء، خرج (٤) من القاصعاء، وإذا طُلِبَ مِنَ القاصعاء، خَرَجَ (٥) مِنَ النافقاء، فقيل للمنافق: (مُنافِقٌ)، لأن يخرجُ مِنَ الإسلامِ مِنْ غير الوجه الذي دَخَلَ فيه؛ وذلك أنه دَخَلَ عَلاَنِيَةً وخرج سِرًّا.\nوَحَكَى ابنُ الأنباري (٦) عن بعضهم: أن المنافقَ مِنَ (النَّفَق)، وهو: السَّرَبُ. ومعناه: أنَّه يَتَستَّرُ بالإسلام، كما يتستر (٧) الرجلُ في السَّرَبِ.\nوقال قوم (٨): هو مأخوذ من (النافقاء)، على غير الوجه الذي ذكره أبو عبيد، وهو: أن [النافقاء] (٩) جُحْرٌ يَحْفِرُه اليَّرْبُوعُ مِن داخلِ الأرض، فإذا بَلَغَ إلى جِلْدَةِ (١٠) الأرض، رَقَّقَ التُّرَابَ، ولم يُتِم الحَفْرَ، حتى إذا رَابَهُ\n_________\n(١) في \"غريب الحديث\" له ١/ ٣٨٢. نقله عنه بتصرف.\n(٢) اليَرْبُوع: حيوان صغير على هيئة الجُرَذِ الصغير، وله ذنب طويل ينتهي بِخُصْلة من الشعر، وهو قصير اليدين، طويل الرجلين. والجمع: يَرَابيع. انظر (ربع) في: \"الصحاح\" ٢/ ١٢١٥، و\"المعجم الوسيط\" ١/ ٣٢٥.\n(٣) يقال: (نَفَقَ، ونفَّق، وانتفق). انظر: \"اللسان\" ٨/ ٤٥٠٧ (نفق).\n(٤) في (ب): أخرج. وفي \"غريب الحديث\" قَصَّعَ فخرج من القاصعاء.\n(٥) في (ب): (أخرج).\n(٦) في \"الزاهر\": ١/ ٢٣٠. نقله عنه بتصرف.\n(٧) (بالإسلام كما يتستر): ساقط من (ج).\n(٨) ذكر هذا ابن الأنباري في: \"الزاهر\" ١/ ٢٣٠ ونقله عنه المؤلف بتصرف. وقائل هذا القول هو ابن الأعرابي، وقد نقل معنى قوله هذا الأزهري، في: \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٦٣٥ (نفق).\n(٩) ما بين المعقوفين في (أ) (النا)، والمثبت من: (ب)، (ج)، ومصادر القول.\n(١٠) في (ج): (جلد).","vol":"6","page":158},{"text":"رَيْبٌ، دفَعَ الترابَ بِرَأسِهِ، فَخَرَجَ.\nفقيل للمنافق: منافقٌ؛ لأنه يُضمر غير ما يُظهر؛ بمنزلة النافقاء، ظاهِرُهُ (١) غير بَيِّن، وباطِنُه محفور في الأرض.\nقال ابن عباس (٢): ويريد (٣) بـ ﴿الَّذِينَ نَافَقُوا﴾: عبد الله بن أُبَي وأصحابه.\nوقوله تعالى: ﴿وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾.\nقال السدّيُّ (٤)، ومحمدُ بن إسحاق (٥): هذا حين انصرف عبد الله بن أُبَي، قبل أن يبلغ أُحُد، بثلاثمائة مِنْ جُمْلَةِ الأَلْفِ الذين خرج بهم رسولُ الله - ﷺ -، فقال لهم عبد الله بن عَمْرِو بن حرام -أبو جابر بن عبد الله- (٦): أذَكِّرُكُم اللهَ أنْ تَخْذلوا نبيَّكم وقومَكم، عندما حضر (٧) عَدُوُّهُم (٨)! ودعاهم إلى القتال في سبيل الله، فذلك قوله: ﴿وَقِيلَ لَهُمْ﴾، يعنى: قولَ عبد الله بن عمرو: تَعَالوا قاتلوا في سبيل الله.\n_________\n(١) (ظاهره): ساقط من (ج).\n(٢) لم أقف على مصدر قوله.\n(٣) في (ج): (يريد) بدون واو.\n(٤) قوله في \"تفسير الطبري\" ٤/ ١٦٨.\n(٥) قوله في: \"سيرة ابن هشام\" ٣/ ٧١ - ٨٢، والمصدر السابق: ٤/ ١٦٧ - ١٦٨.\n(٦) الأنصاري. الصحابي الجليل، شهد العقبة وكان نقيبًا، وشهد بدرًا، واستشهد في أحد، وصلى عليه النبي - ﷺ -. انظر: \"الاستيعاب\" ٣/ ٢٦ (١٦٣٣)، و\"الإصابة\" ٢/ ٣٥٠ (٤٨٣٨).\n(٧) في (ب): (خبر).\n(٨) في (ج): (عدوكم).\nانظر خبر انصراف ابن أبَيّ بمن معه في: \"المغازي\" للواقدي ١/ ٢١٩، ٣٢٥، و\"الطبقات الكبرى\" ٢/ ٣٩، و\"تاريخ الطبري\" ٢/ ٥٠٤، و\"حدائق الأنوار\" ٢/ ٥٢١.","vol":"6","page":159},{"text":"وقوله تعالى: ﴿أَوِ ادْفَعُوا﴾.\nقال السدّي (١)، وابنُ جُرَيْج (٢): ادفعوا عنّا العدُوَّ (٣)، بِتَكثير (٤) سَوَادِنَا، إنْ لمْ تُقَاتِلُوا معنا. وهذا اختيار الفرّاء، لأنه قال (٥): لأنهم إذا كثروا دفعوا القومَ عنهم بكثرتهم.\nوقال جماعةٌ من المفسرين (٦): معناه: أو ادفعوا عن أهلكم وبلدكم وحرِيمكم. يعنى: إنْ لم تقاتلوا في سبيل الله، لأجلِ ديِنِهِ (٧)، فقاتِلُوا للدَّفْع عن الأهل والمال. يقول: فافعلوا هذا، أو ذلك.\nوقوله تعالى: ﴿قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ﴾.\nهذا جواب المنافقيِن لعبد الله بن عَمرو بن حَرَام.\nقال محمد بن إسحاق (٨): لَمَّا قال لهم عبد الله ما قال، قالوا: لو\n_________\n(١) قوله في: \"تفسير الطبري\" ٤/ ١٦٨، و\"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١٤٤ب، و\"زاد المسير\" لابن الجوزي ١/ ٤٩٧.\n(٢) قوله في المصادر السابقة.\nوزاد ابن الجوزي نسبة هذا القول لابن عباس، والحسن، وعكرمة، والضحاك، وهو قول ابن قتيبة في: \"تفسير غريب القرآن\" ص ١٠٨، والنحاس في: \"معاني القرآن\": ١/ ٥٠٨.\n(٣) في (ج): (العذاب).\n(٤) في (ج): (وبتكثير).\n(٥) في \"معاني القرآن\" له ١/ ٢٤٦. نقله عنه بتصرف.\n(٦) منهم مقاتل في: \"تفسيره\" ١/ ٣١٢، ونسبه ابن الجوزي لابن عباس، من رواية أبي صالح عنه. انظر: \"زاد المسير\" ١/ ٤٩٨، و\"المحرر الوجيز\" ٣/ ٤٧٤، والقرطبي ٤/ ٢٦٦.\n(٧) في (ج): (دينكم).\n(٨) قوله، في: \"سيرة ابن هشام\" ٣/ ٨٢. نقله عنه بتصرف.","vol":"6","page":160},{"text":"ونعلم أنكم تقاتلون ما أسلمناكم، ولكِنَّا لا نَرَى أنْ يكون قتال؛ يعنون: لا يكون اليوم قتالٌ؛ ولو نعلم أنه يكون لاتَّبعناكم؛ وأرادوا: أن انصرافنا؛ لِعِلْمِنَا بِأَنَّ (١) الفريقين لا يقْتَتِلان. ونافقوا بهذا القول؛ لأنه كان في قلوبهم خلاف ما تكلموا به.\nقالَ الله تعالى: ﴿هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ﴾ يريد: أنَّهم [بما] (٢) أظهروا من خذلان المؤمنين عند الحرب، صاروا أقرب إلى الكفر منهم إلى الإيمان؛ وذلك (٣) أنهم قبل هذا، كانوا -بظاهر حالهم- أقرب إلى الإيمان، حتى هتكوا أنفسَهم عند مَنْ تخفى عليه حالُهم مِنَ المؤمنين، الذين كانوا يحسنون الظنَّ بهم. وفي هذا دليلٌ على أنَّ مَنْ أتَى بكلمة التوحيد لم يكفر، ولم يُطْلَق القولُ بتكفيره؛ لأن الله تعالى لم يُطْلق القول بتكفيرهم، مع أنهم كانوا كافرين؛ لإظهارهم القولَ بـ (لا إله إلا الله، محمد رسول الله).\nوقوله تعالى (٤): ﴿يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ قال المفسِّرون (٥): يعنى: بإظهار الإيمانِ وإضمار الكفر.\nوقال بعضهم (٦): يعنى (٧) قولَهم: ﴿لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ﴾، ولو\n_________\n(١) في (ج): (أن).\n(٢) ما بين المعقوفين ساقط من: (أ)، (ب). والمثبت من (ج).\n(٣) من قوله: (وذلك ..) إلى (.. إلى الإيمان): ساقط من (ج).\n(٤) (وقيل): بدلًا من: (وقوله تعالى).\n(٥) لم أقف على من قال بهذا القول. وقد أورده الماوردي في \"النكت والعيون\" ١/ ٤٣٥.\n(٦) ممن قال ذلك الطبريُّ في \"تفسيره\" ٤/ ١٦٩.\n(٧) في (ب) وردت هنا عبارة وهي: (إظهار الإيمان). وهي زيادة لا وجه لها.","vol":"6","page":161},{"text":"عَلِمُوا ما اتَّبعوهم.\nوذِكْرُ الأفواه -ههنا- زيادة للتوْكيد (١)، لأن القولَ قد يضاف إلى الإنسان، إذا كَتَبَ أو أشار به.\nفأعْلَمَ اللهُ أنهم يقولون بألسنتهم؛ لِيُفَرِّقَ بين قول (٢) اللسان وقول الكتابة (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-671>١٦٨ </span>- قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ﴾.\nفي محل ﴿الَّذِينَ﴾ ثلاثةُ أوْجُهٍ:\nأحدها: النصب على البدل من ﴿الَّذِينَ نَافَقُوا﴾ (٤).\nو(٥) الثاني: الرفع على البدلِ من الضمير في ﴿يَكْتُمُونَ﴾ (٦).\nالثالث: الرفع على خبر الابتداء، بتقدير: (هم الذين) (٧).\n_________\n(١) في (ب): (للتأكيد).\n(٢) قول: ساقط من (ج).\n(٣) وذكر الماوردي فائدة للتقييد -هنا- بـ (أفواههم)، وهي: أنه (رُبما نُسِب القولُ للساكت مجازًا؛ إذا كان به راضيًا). \"النكت\" ١/ ٤٣٦.\nوقال الزمخشريُّ: (وذكر الأفواه مع القلوب؛ تصوير لنفاقهم، وأن إيمانهم موجود في أفواههم، معدوم في قلوبهم). \"الكشاف\": ١/ ٤٧٨.\nوقال السمين الحلبي -معلقًا على قول الزمخشري-: (وبهذا الذي قاله الزمخشري، ينتفي كونه للتأكيد؛ لتحصيله هذه الفائدة). \"الدر المصون\" ٣/ ٧٨.\n(٤) وهناك وجهان آخران للنصب، هما: النصب على الذمِّ؛ إي: أذم الذين قالوا ..؛ أو بإضمار (أعني)، أو النصب على الصفة ﴿الَّذِينَ نَافَقُوا﴾.\n(٥) الواو زيادة من (ج).\n(٦) في (ج): (بلتون).\n(٧) وهناك وجه ثالث، للرفع، وهو: أنه مبتدأ. والخبر: ﴿قُلْ فَادْرَءُوا﴾. على تقدير: قل لهم فادرءوا.","vol":"6","page":162},{"text":"والمراد بـ ﴿الَّذِينَ قَالُوا﴾: عبد الله بن أُبَيّ، وأصحابه (١).\nوقوله: ﴿لِإِخْوَانِهِمْ﴾، أكثر المفَسِّرينَ (٢) على أنَّ المرادَ بِهِ شهداءُ أُحُد، قالوا فيهم: لو أطاعونا في القعود بالمدينة، والانصراف عن رسول الله - ﷺ -، بعد الخروج، ما قُتِلوا. وعلى هذا؛ المراد بـ (الأخُوَّةِ) -ههُنا-: أخُوَّةُ النَّسَبِ، لا أخوَّةُ الدِّين (٣).\nأو نقول: يجوز هذا في إطلاق اللفظ، من حيث إنهم كانوا يظهرون المَوَدّةَ والمؤاخَاةَ للمؤمنين.\nفالمراد (٤) بقوله: ﴿قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ﴾ (٥): قالوا في إخوانهم الذين قُتِلوا،\n_________\n= ويجوز -كذلك- الجرُّ في موضع ﴿الَّذِينَ﴾، إما على أنه بدل من الضمير في ﴿بِأَفْوَاهِهِمْ﴾، أو من الضمير في ﴿قُلُوبِهِمْ﴾.\nانظر هذه الوجوه في: \"إعراب القرآن\" للنحاس ٣٧٧، و\"مشكل إعراب القرآن\"، لمكي ١/ ١٧٨، و\"البيان\" للأنباري ١/ ٢٣٠ - ٢٣١، و\"التبيان\" للعكبري ص ٢١٩، و\"الفريد في إعراب القرآن المجيد\" ١/ ٦٥٨، و\"الدر المصون\" ٣/ ٤٧٩.\n(١) هذا قول: جابر بن عبد الله، وابن عباس، وقتادة، والسدي، وابن جريج، والربيع، ومقاتل، والماوردي.\nانظر: \"تفسير مقاتل\" ١/ ٣١٢، و\"تفسير الطبري\" ٤/ ١٦٩ - ١٧٠، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" ٣/ ٨١١، و\"زاد المسير\" ١/ ٤٩٨، و\"الدر المنثور\" ٢/ ١٦٧.\n(٢) منهم: مقاتل، وابن إسحاق، والطبري، والثعلبي.\nانظر: \"تفسير مقاتل\" ١/ ٣١٢، و\"سيرة ابن هشام\" ٣/ ٧٢، و\"تفسير الطبري\" ٤/ ١٦٩، و\"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١٤٤ ب.\n(٣) قال مقاتل: (كقوله سبحانه: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾ [هود: ٦١]، ليس بأخِيهم في الدين ولا في الولاية، ولكن آخوهم في النسب والقرابة). \"تفسيره\" ١/ ٣١٣.\n(٤) في (ج): (والمراد).\n(٥) (قالوا): ساقطة من (ج).","vol":"6","page":163},{"text":"لَوْ أطاعونا؛ لأنهم بعد أن قُتِلوا لا يخاطَبُون. ومثل هذا، قولُه: ﴿لَا (١) تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [آل عمران: ١٥٦] الآية. وقال الكلبي (٢): ﴿الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ﴾، (٣)؛ يعني: من (٤) المنافقين (٥).\nوعلى هذا التفسير: لا إشكال؛ فإن أصحابَ عبد الله بن أُبَي قالوا لقرنائهم مَنَ المنافقين: لو أطاعنا (٦) هؤلاء -الذين خرجوا مع محمد- في القعود؛ ما قُتِلوا.\nوقوله تعالى: ﴿وَقَعَدُوا﴾ يعني: المنافقين، قعدوا عن الجهاد. والواو للحال (٧).\n﴿لَوْ أَطَاعُونَا﴾؛ يعنون: شهداء أُحُد. ﴿مَا قتلُوا﴾.\nفَرَدَّ الله عليهم، وقال: قل لهم يا محمد: ﴿فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ﴾ إنْ صَدَقْتُم أنَّ الحَذَرَ ينفع مِنَ القَدَرِ.\n_________\n(١) في (أ)، (ب)، (ج): (ولا). والمثبت من رسم المصحف.\n(٢) لم أقف على مصدر قوله.\n(٣) ما بين المعقوفين زيادة من (ج).\n(٤) (من): ساقطة من (ج).\n(٥) ممن قال بهذا: ابن عباس، كما في \"زاد المسير\" ١/ ٤٩٨، وإليه ذهب أبو الليث في \"بحر العلوم\" ١/ ٣١٤.\n(٦) في (ج): (أطاعونا).\n(٧) قال السمين الحلبي: (و(قد) مرادة؛ أي: (وقد قعدوا). ومجيء الماضي حالًا بالواو و(قد)، أو بأحدهما، أو بدونهما، ثابت من لسان العرب)، ثم ذكر وجهًا آخر لإعراب جملة ﴿وَقَعَدُوا﴾ وهي أنها معطوفة على ﴿قَالُوا﴾، فتكون جملة اعتراضية بين ﴿قَالُوا﴾ ومعمولها ﴿أَطَاعُونَا﴾. \"الدر المصون\" ٣/ ٤٨٠.","vol":"6","page":164},{"text":"وفي هذا دليل على أن المقتول يُقْتَلُ بِأَجَلِهِ، وأنَّ (١) المُنَافِقِينَ كَذَبُوا في أنَّهم لو قعدوا ما قُتِلُوا.\nومعنى (الدَرْء) -في اللغة-: الدَفْعُ. ومنه قوله: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ﴾ [النور: ٨] أي: يدفع (٢) وقوله - ﷺ -: \"ادرَءُوا الحُدُودَ بالشُّبُهاتِ\" (٣).\n_________\n(١) في (ج): (فإن).\n(٢) انظر: \"تفسير غريب القرآن\" لابن قتيبة ص ١٠٨، و\"تفسير الطبري\" ٤/ ١٦٩.\n(٣) الحديث من الأحاديث المشهورة، وقد أورده السيوطي في \"جمع الجوامع\" ١/ ٢٨٤ رقم (٨٧٤) (٨٧٥)، وفي \"الجامع الصغير\" انظر: \"فيض القدير\" ١/ ٢٩٣ (٣١٤) ونسب إخراجه إلى ابن عدي في جزء له من حديث أهل مصر والجزيرة، من رواية ابن لهيعة عن ابن عباس، ونسب إخراجه كذلك إلى أبي سعد، عبد الكريم السمعاني، في \"ذيل تاريخ بغداد\"، بسنده عن عمر بن عبد العزيز، عن النبي - ﷺ -، مُرسلًا، ونسبه -كذلك- لأبي مسلم الكجِّي في سننه، عن عمر بن عبد العزيز مرسلًا.\nوأورده الزركشي في: \"المعتبر في تخريج أحاديث المنهاج والمختصر\" ٣٦ رقم (٧٦)، وابن حجر في \"التلخيص الحبير\" ٤/ ٥٦ رقم (١٧٥٥)، والسخاوي في \"المقاصد الحسنة\" ٥٠ رقم (٤٦) ونسبوا إخراجه للحارثيِّ، في \"مسند أبي حنيفة\" له، بسنده عن مِقْسم، عن ابن عباس، مرفوعًا.\nونقل المُناوي -في \"فيض القدير\"- قولَ الحافظ ابن حجر، عن رواية ابن عدي: (إن كان بين ابن عدي وابن لهيعة مقبولٌ، فهو حسن).\nوقال الزركشي عن رواية أبي مسلم الكجي: إنها معضلة. ونقل السخاوي عن شيخه ابن حجر، أن في سنده من لا يعرف. وضعفه الألباني في: ضعيف \"الجامع الصغير\" ١/ ١١٧ رقم (٢٥٨).\nوقد ورد الأثر موقوفًا على ابن مسعود من رواية سفيان الثوري، عن عصام، عن أبي وائل عنه، وكذا رواه مسدد في مسنده موقوفًا عليه، بلفظ: (ادرءوا الحدود بالشبهة). وقال عنه ابن حجر: (وهو موقوف حسن الإسناد). انظر: \"فيض القدير\": ١/ ٢٩٤. =","vol":"6","page":165},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-672>١٦٩ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا﴾.\nأكثر أهل التفسير على أن هذه الآية نزلت في شهداء أحد (١).\n_________\n= وورد بلفظ: (ادرءوا الحدودَ عن المسلمين ما استطعتم ..) أخرجه -من رواية يزيد بن زياد الدمشقي عن الزهري عن عروة عائشة-:\nالترمذيُّ في \"السنن\" رقم (١٤٢٤) كتاب الحدود. باب: (ما جاء في درء الحدود)، وصحح الترمذيُّ وقفَهُ على عائشة، من رواية وكيع عن يزيد بن زياد، وقال: (وقد روي عن غير واحد من أصحاب النبي - ﷺ -، أنهم قالوا مثل ذلك، ويزيد بن زياد الدمشقي ضعيف في الحديث).\nوأخرجه الحاكم في \"المستدرك\" ٤/ ٣٨٤. وحكم عليه بالصحة. وتعقبه الذهبيُّ بأن فيه يزيد بن زياد، شامي متروك.\nوأخرجه الدارقطني في \"السنن\" ٣/ ٨٤، والبيهقي في \"السنن\" ٨/ ٢٣٨، والخطيب في \"تاريخ بغداد\" ٥/ ٣٣١، والديلمي في \"مسند الفردوس\" ٨٢ رقم (٢٥٦).\nوورد عن علي، بلفظ: (ادرءوا الحدود ..)، أخرجه الدارقطني في: \"السنن\": ٣/ ٨٤، والبيهقي في \"السنن\" ٨/ ٢٣٨ وفيه المختار بن نافع منكر الحديث.\nوورد عن أبي هريرة، بلفظ: (ادرءوا الحدود ما استطعتم ..) أخرجه: أبو يعلى في: مسنده. انظر: \"نصب الراقي\" للزيلعي ٣/ ٣٠٩، و\"الدراية\" لابن حجر ٢/ ٩٥. قال الغماري: (وفيه إبراهيم بن الفضل، ضعيف). \"الابتهاج بتخريج أحاديث المنهاج\" للغماري ٢٥٦.\nوانظر في الكلام على هذا الحديث بألفاظه المختلفة -إضافة إلى ما ورد من مصادر-: \"كشف الخفاء\"، للعجلوني ١/ ٧٣ رقم ١٦٦.\n(١) ممن قال ذلك: ابن عباس، وابن مسعود، وجابر بن عبد الله، وقتادة، وسعيد بن جبير، والضحاك، وأبو الضحى، والربيع.\nانظر: \"تفسير الطبري\" ٤/ ١٧٠ - ١٧٥، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" ٣/ ٨١٢ - ٨١٣؛ و\"زاد المسير\" ١/ ٤٩٩، و\"تفسير القرطبي\" ٤/ ٢٦٨ - ٢٦٩، و\"تفسير ابن كثير\" ١/ ٤٦٠ - ٤٦٣.\nوقيل: نزلت في شهداء بدر. وهو قول مقاتل في \"تفسيره\" ١/ ٣١٣.\nوقيل: نزلت في شهداء بئر معونة. روى ذلك عكرمة عن إسحاق بن أبي طلحة عن =","vol":"6","page":166},{"text":"روى ابن عباس عن النبي - ﷺ -، قال: \"لَمَّا أُصِيبَ إخْوانكم يومَ أُحُد، جَعَلَ اللهُ أرواحَهم في أجواف طَيْر خُضرٍ، تَرِدُ أنهارَ الجَنَّة، وتأكل مِنْ ثمارِها، وتَسْرَحُ مِنَ الجنة حيث شاءت، وتأوي إلى قناديل من ذهب تحت العرش، فَلَمَّا رأوا طِيبَ مَقِيلِهم (١) ومطعمهم ومشربهم، قالوا: يا ليت قومنا يعلمون مما نحن فيه من النعيم، وما صنع الله ﷿ بنا؛ كي يرغبوا في الجهاد، وقال الله ﷿: أنا مخْبِرٌ عنكم، ومُبَلغ إخوانكم، فَفَرحوا بذلك واستبشروا؛ فأنزل الله هذه الآية\" (٢).\n_________\n= أنس بن مالك. انظر: \"سيرة ابن هشام\" ٣/ ١٨٤ - ١٨٧، و\"تفسير الطبري\" ٤/ ١٧٣، و\"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١٤٦ أ، و\"أسباب النزول\"، للواحدي ص ١٣٤، و\"زاد المسير\" ١/ ٥٠٠، و\"تفسير القرطبي\" ٤/ ٢٦٩.\nوقيل: إن أولياء الشهداء كانوا إذا أصابتهم نعمة أو سرور، تحسروا على الشهداء\nوقالوا: نحن في النعمة والسرور، وآباؤنا وأبناؤنا وإخواننا في القبور. فأنزل الله تعالى هذه الآية؛ تنفيسًا عنهم، وإخبارًا عن حال قتلاهم. ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ٣/ ١٤٧ ب، والواحدي في \"أسباب النزول\" ص ١٣٤ ولم يعزواه لقائل. وانظر الروايات في أسبابها في: \"الدر المنثور\" ٢/ ١٦٩، و\"فتح القدير\" ١/ ٦٠٠ - ٦٠١، و\"تفسير ابن كثير\" ١/ ٤٦٣.\n(١) المقيل: هو النوم وقت القائلة، وهو: نصف النهار. يقال: (قال قَيْلا، وقائلة، وقَيْلُولة، ومَقَالا، ومَقِيلا) انظر: \"القاموس\" ١٣٥٩ (قيل).\n(٢) الحديث، أخرجه: أبو داود في \"السنن\" رقم (٢٥٢٠) كتاب الجهاد. باب فضل الشهادة، وأحمد في \"المسند\" (شرح الشيخ شاكر) ٤/ ١٢٣، ١٢٤رقم (٢٣٨٨، ٢٣٨٩)، وهنّاد بن السري في \"الزهد\" ١/ ٢٣٤ رقم (١٥٦)، والطبري في \"تفسيره\" ٤/ ١٧٠ - ١٧١، والحاكم في \"المستدرك\" ٢/ ٢٩٧ - ٢٩٨. وقال: (صحيح على شرط مسلم) ووافقه الذهبي، والثعلبي في \"تفسيره\" ٣/ ١٤٥ أ، والواحدي في \"أساب النزول\" ص١٣٢، والبيهقي في \"السنن\" ٩/ ١٦٣، وأورده التبريزي في \"مشكاة المصابيح\" ٢/ ١١٣١ رقم (٣٨٥٣)، وابن كثير في \"تفسيره\" =","vol":"6","page":167},{"text":"وقوله تعالى: ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ﴾، أي: (بل هم أحياءٌ)، فهو رَفعٌ بالابتداء. وخبره: قوله (١): ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ (٢). قال أبو إسحاق (٣): ولو قُرِئ: (أحياءً) (٤) -بالنصب-، لجاز (٥)، على معنى: بل احسبهم أحياءً (٦).\nقال أبو علي الفارسي (٧): لا يجوز ذلك؛ لأنه أَمْرٌ بالشَّكِّ، ولا يجوز أنْ يَأْمُرَ (٨) الله (٩) بالشك، ولا يجوز أن نتأول (١٠) في (الحِسْبَانِ)\n_________\n= ١/ ٤٢٧ وزاد نسبة إخراجه لسفيان الثوري، وأورده السيوطي في \"الجامع الصغير\" (انظر: \"صحيح الجامع الصغير\" للألباني ٢/ ٩٢٤ رقم (٥٢٠٥) وصححه)، وأورده في \"الدر المنثور\" ٢/ ١٦٨ وزاد نسبة إخراجه إلى عبد بن حميد، وابن أبي شيبة، وابن المنذر، والبيهقي في \"الدلائل\".\n(١) (قوله): ساقط من (ب).\n(٢) فـ ﴿أَحْيَاءٌ﴾ خبر لمبتدأ مقدر هو (هم)، وجملة ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ خبر ثانٍ للمبتدأ المقدر. وقيل: إنها في محل رفع صفة لـ ﴿أَحْيَاءٌ﴾، وقيل في إعرابها غير ذلك. انظر: \"الدر المصون\": ٣/ ٤٨٣، و\"روح المعاني\" ٤/ ١٢٢.\n(٣) في \"معاني القرآن\"، له ١/ ٤٨٨. نقله عنه بمعناه.\n(٤) في (ج): (أحيا). وهكذا رسمت في (ج) فيما بعدها مما سيأتي منها. وقد قرأها بالنصب ابن أبي عبلة. انظر: \"البحر المحيط\" ٣/ ١١٣، و\"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١٤٨ أ، و\"المحرر الوجيز\" ٣/ ٤١٧.\n(٥) أي: لجاز من الناحية النحوية، لا من ناحية جواز القراءة بها.\n(٦) وإليه ذهب الزمخشري في \"الكشاف\" ١/ ٤٧٩. وهناك توجيه آخر للنصب، وهو: العطف على ﴿أَمْوَاتًا﴾، كما تقول: (ما ظننت زيدًا قائمًا بل قاعدًا). انظر: \"التبيان\" للعكبري ١/ ٣٠٩.\n(٧) في \"الإغفال\" ١/ ٥٠٩. نقله عنه بمعناه\n(٨) في (ج): (يأمرك).\n(٩) (لفظ الجلالة): ليس في (ج).\n(١٠) ورد في (ب) بعد قوله: (نتأول) عبارة: (هذا أن). وهي زيادة لا وجه لها.","vol":"6","page":168},{"text":"معنى العِلْم، على أن يكون معنى (احسبهم أحياء): اعلمهم؛ لأن ذلك لم يذهب إليه [أحدٌ من أهل] (١) اللغة (٢)\nواختلفوا في كيفية حياة الشهداء: فالأصح ما ذكرنا عن النبي - ﷺ -، أن أرواحهم في أجواف طير خضر، وأنهم يُرزقون ويأكلون ويتنعمون.\nوقال جماعة من أهل العلم (٣): معنى قوله: ﴿أَحْيَاءٌ﴾: أن أرواحهم أُحْضِرَتْ دارَ السَّلام، وأرواح غيرهم لا تشهدها (٤) إلى يوم البعث.\nوقال آخرون (٥): لا تحبسهم أمواتًا في الدين والإيمان؛ بل هم (٦) أحياء، كما قال الله تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ [الأنعام: ١٢٢]. [وهذا الوجه] (٧) اختيار أبي إسحاق (٨).\n_________\n(١) ما بين المعقوفين مطموس في (أ). والمثبت من: (ب)، (ج).\n(٢) قال أبو حيان -بعد أن ذكر قول الفارسي-: (وهذا الذي ذكره هو الأكثر، وقد يقع (حسب) لليقين؛ كما تقع (ظن)، لكنه في (ظن) كثير، وفي (حسب) قليل). ثم ذكر شواهد شعرية على ذلك. \"البحر المحيط\" ٣/ ١١٣، وانظر: \"الدر المصون\" ٣/ ٤٨٢.\n(٣) لم أقف عليهم.\n(٤) في (ج): (يشهدها).\n(٥) ممن قال ذلك: الأصم البَلْخي، كما في \"تفسير الفخر الرازي\" ٩/ ٩٥. والأصم، هو: حاتم بن عنوان الأصم، زاهد اشتهر بالورع والتقشف، من أهل بَلْخ، زار بغداد واجتمع بأحمد بن حنبل، توفي ٢٣٧ هـ. انظر: \"الأعلام\" للزركلي ٢/ ١٥٢. وقد ذكر هذا القول الزجاج في \"المعاني\" ١/ ٤٨٨، والثعلبي في \"تفسيره\" ٣/ ١٤٨ أ، ولم يعزواه لقائل.\n(٦) (هم): ساقط من (ج).\n(٧) ما بين المعقوفين: مطموس في (أ). وفي (ج): (في هذا). والمثبت من (ب).\n(٨) سياق أبي إسحاق لهذا القول لا يدل على اختياره له؛ حيث أورده مصدِّرًا له بقوله. (قال بعضهم: ..) ولم يعقب عليه. وأتبعه بأقوال أخر في الآية.","vol":"6","page":169},{"text":"وقيل (١): لأن أرواحهم تركع وتسجد كل ليلة تحت العرش، إلى يوم القيامة، كأرواح الأحياء من المؤمنين الذين باتوا على الوضوء (٢).\nوقوله تعالى: ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ فيه وجهان: أحدهما: بحيث لا يملك لهم أحدٌ نفعًا ولا ضرًّا، إلّا (٣) الله ﷿.\n_________\n(١) لم أقف على القائل. وقد أورده الثعلبي في \"تفسيره\" ٣/ ١٤٨ أ، وأورد الأقوال السابقة وغيرها، ولم يعزها لقائل. وانظر: \"تفسير القرطبي\" ٤/ ٢٧٠.\n(٢) (أ)، (ب): (تابوا على الوضو)، وفي (ج): (ماتوا على الوضو). والمثبت من: \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١٤٨ أ، و\"تفسير القرطبي\" ٤/ ٢٧٠، حيث ورد فيهما هذا القول.\nوالأثر في هذا المعنى أخرجه عبد الله بن المبارك في \"الزهد\" ٤٤١ رقم (١٢٤٥) بسنده المتصل من طريق ابن لهيعة (قال: حدثنا عثمان بن نعيم الرعيني، عن أبي عثمان الأصبحي، عن أبي الدرداء، قال: إذا نام الإنسان عرج بروحه حتى يؤتى بها إلى العرش، فإن كان طاهرًا أذن لها بالسجود، وإن كانت جنبًا لم يؤذن لها بالسجود).\nوأورد هذا الأثر الحكيمُ الترمذي في \"نوادر الأصول\" ٢/ ٣٥٦، موقوفًا على أبي الدرداء، ولفظه: (إن النفوس تعرج إلى الله -تعالى- في منامها، فما كان طاهرًا سجد تحت العرش، وما كان غير طاهر تباعد في سجوده، وما كان جنبًا لم يؤذن لها في السجود).\nوأورده ابن القيِّم في كتاب \"الروح\" ٤٤ موقوفًا على أبي الدرداء من طريق ابن لهيعة. وأورد الحكيم الترمذي في \"نوادر الأصول\" ٢/ ٣٥٥ عن عبد الله بن عمرو؛ قال: (تعرج الأرواح إلى الله -تعالى- في منامها، فما كان طاهرًا يسجد تحت العرش، وما لم يكن طاهرًا يسجد قاصيًا، فلذلك يستحب أن لا ينام الرجل إلا وهو طاهر).\nوذكر المعنى الغزاليُّ في \"الإحياء\" ١/ ٣٤٣ وزاد العراقي في \"تخريج الإحياء\" نسبته إلى البيهقي في \"الشُّعَب\" موقوفًا على عبد الله بن عمرو بن العاص.\n(٣) في (ج): (لأن).","vol":"6","page":170},{"text":"والثاني: هم أحياء عند ربهم؛ أي: في عِلْمِهِ بِعَمَلِهِم، -كذلك- كما تقول: (هذا عند الشافعي كذا)؛ أي: في عِلْمِهِ وقولِه.\nوقل (١): معنى ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾: أنهم أحياء في دار كرامته، فمعنى (عند): معنى القرب والإكرام، بحضور دار السلام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-673>١٧٠ </span>- وقوله تعالى: ﴿وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ﴾ الاستبشار: السرور بالبِشَارَةِ (٢) يُبَشَّرُ بها. وأصل الاستفعال: طَلَبُ الفعل.\nفالمستَبْشِر بمنزلة الذي طَلَبَ السُّرُورَ فوجده بالبِشَارَةِ (٣).\nوفي هذا ثلاثة أقوال:\nأحدها: أنهم يفرحون بإخوانهم الذين فارقوهم وهم أحياء، يقولون: إخواننا يُقْتَلُونَ كما قُتِلْنَا، فَيُصِيبونَ مِنْ كَرَامَةِ الله ما أَصبْنَا. وهذا قول:\n_________\n(١) لم أقف على القائل.\n(٢) في (ج): (بمنزلة البشارة). بدلًا من (السرور بالبشارة).\n(٣) يرى ابن عطية أن (استفعل) -هنا- ليس بمعنى: طلب البشارة، بل بمعنى الفعل المجرد، مثل: (استغنى الله) أي: غَنيَ.\nوقد ورد في اللغة: (بَشِرَ، واستبشر)، بمعنى واحد، وهو: فَرِح.\nإلا أن أبا حيان يرى أن هذا المعنى لا يتعين، وأجاز أن يكون (استبشر) فعلًا مطاوعًا لـ (أبشر)؛ أي: أبشره الله، فاستَبْشَر؛ كقولهم: (أكانه الله فاستكان)، و(أراحه فاستراح). واستظهر أبو حيان هذا؛ لأن المطاوعة تدل على الانفعال عن الغير، فحصلت له البشرى بإبشار الله له بذلك، ولا يلزم المعنى إذا كان بمعنى الفعل المجرد لعدم دلالته على المطاوعة.\nانظر: \"المحرر الوجيز\" ٣/ ٢٢١، و\"لسان العرب\" ١/ ٢٨٧ (بشر)، و\"البحر المحيط\" ٣/ ١١٥.","vol":"6","page":171},{"text":"الحَسَن (١)، وابن جريج (٢)، وقتادة (٣)، واختيار الفرّاء (٤)، فإنَّهُ قال: وَيَسْتَبْشَرُونَ بإخوانهم الذين يرجون لهم الشهادة، للذي (٥) رَأَوا مِنْ ثواب الله، فهم يستبشرون بهم.\nوالثاني: يستبشرون بإخوانهم الذين لم يلحقوا بهم في الفضل؛ لأنهم لم يُقْتَلُوا في سبيل الله، إلا أنّ لهم فضلًا عظيمًا بتصديقهم النبي [- ﷺ -] (٦)، وإيمانهم بالله، عَلِمُوا ذلك بإعلام الله إيَّاهم، [أن] (٧) أولئك الإخوان الذين خَلَّفُوهم في الدنيا، هم مرحومون عند الله، لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. فالشهداء يفرحون بذلك ويستبشرون. وهذا القول، اختيار أبي إسحاق (٨).\nالقول الثالث: ما قاله السُّدِّي (٩): وهو أن الشهيد يؤتى بكتاب فيه\n_________\n(١) لم أقف على مصدر قوله.\n(٢) قوله في: \"تفسير الطبري\" ٤/ ١٧٤، و\" النكت والعيون\" ١/ ٤٣٧.\n(٣) قوله في: \"تفسير الطبري\" ٤/ ١٧٤، و\"زاد المسير\" ١/ ٥٠٢.\n(٤) في \"معاني القرآن\" له ١/ ٢٤٧. نقله عنه بتصرف يسير. وهو -كذلك- قول: الربيع، وابن إسحاق، وابن زيد. أخرجه عنه الطبري وذهب إليه. انظر: \"تفسيره\" ٤/ ١٧٤ - ١٧٥، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" ٣/ ٨١٤ - ٨١٥.\n(٥) في (ج): للذين.\n(٦) ما بين المعقوفين زيادة من (ج).\n(٧) ما بين المعقوفين زيادة من (ج).\n(٨) في \"معاني القرآن\" له ١/ ٤٨٩. ونسبه الفخر الرازي -كذلك- لأبي مسلم الأصفهاني. انظر: \"تفسير الفخر الرازي\" ٩/ ٩٧.\n(٩) قوله في: \"تفسير الطبري\" ٤/ ١٧٥، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" ٣/ ٨١٤، و\"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١٤٩أ، و\"النكت والعيون\" ١/ ٤٣٧، و\"زاد المسير\" ١/ ٥٠٢.","vol":"6","page":172},{"text":"ذِكْرُ (١) مَنْ يَقْدَمُ (٢) عليه من إخوانه، فَيُقَال: يَقدَمُ (٣) عليك فلانٌ يومَ كذا، وفلانٌ يوم كذا، فَيَسْتَبْشِرُ (٤) بهم حين يقدمون عليه، كما يستبشر أهلُ الغائب بقدومه في الدنيا.\nوقوله تعالى: ﴿أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ (٥) موضع (أنْ): خفض، لأن المعنى: بأنْ لا خوف عليهم. هذا قول الخليل (٦)، والكسائي (٧)، والزجاج (٨).\n_________\n(١) من قوله: (فيه ذكر ..) إلى (.. عليك فلان): ساقط من (ج).\n(٢) في (ب): (تقدم).\n(٣) في (ب): (تقدم).\n(٤) في (ج): (فيستبشرون).\n(٥) (ألا): كتب في (أ)، (ب)، (ج): (أن لا). وأثبتُّها وفق رسم المصحف.\n(٦) انظر مذهبه في \"معاني القرآن\"، للزجاج ١/ ٣٠٩ عند تفسير ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا﴾ [البقرة: ٢٣].\n(٧) انظر مذهبه في \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ١٤٨، و\"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٣٠٩.\n(٨) في \"معاني القرآن\" له ١/ ٤٨٩.\nوقد ذكر الزجاج -موضحًا مذهب الكسائي والخليل- عند قوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا﴾ [البقرة: ٢٣٠]، أن موضع ﴿أَنْ يَتَرَاجَعَا﴾ خفض على إسقاط (في)، ومعنى إرادتها في الكلام .. ثم قال: والحذف مع (أن) سائغ؛ فلهذا أجاز الخليل وغيره أن يكون موضع جر على إرادة (في). \"المعاني\" ١/ ٣٠٩.\nوعلى غرار هذا المثال يأتي قوله تعالى: ﴿أَلَّا خَوْفٌ﴾ على إرادة الباء، فتصير: (بأن لا خوف ..) كما ذكر المؤلف.\nوتعرب -كذلك- بدل اشتمال من (الذين)؛ أي: يستبشرون بعدم خوفهم وحزنهم، لأنه هو المستبشر به في الحقيقة، أما الذوات فلا يستبشر بها.\nانظر: \"إعراب القرآن\" المنسوب للزجاج ٢/ ٥٨١، و\"البحر المحيط\" ٣/ ١١٥، و\"الدر المصون\" ٣/ ٤٨٦.","vol":"6","page":173},{"text":"ويجوز أن يكون نصبًا، على أنه لَمَّا حُذف الجارُّ، نُصبَ بالفعل، كما قال:\nأمرتك الخيرَ ......... (١).\nأي: بالخير. وهذا هو القياس (٢). وقد مضت هذه المسألة فيما تقدم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-674>١٧١ </span>- قوله تعالى: ﴿يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ﴾ الآية.\n_________\n(١) مقطع من بيت شعر، وتمامه:\nأمَرْتُكَ الخيرَ فافعلْ ما أمِرْتَ به ... فقد تَرَكْتُك ذا مَالٍ وذا نَشَبِ\nوقد اختلف في نسبته، فنسب لعمرو بن معديكرب، ولخُفاف بن نُدْبة، ولزرَعة بن خفاف، وللعباس بن مرداس، ولأعشى طرود. فقد ورد في: \"شعر عمرو بن معد يكرب\" ٦٣. ونسبته له المصادر التالية: \"كتاب سيبويه\" ١/ ٣٧، و\"الأصول في النحو\" ١/ ١٧٨، و\"المخصص\" ١٤/ ٧١، و\"أمالي ابن الشجري\" ٢/ ٥٥٨، و\"شرح شواهد المغني\" ٢/ ٧٢٧، و\"الخزانة\" ٩/ ١٢٤.\nوورد في: \"شعر خفاف بن ندبة السُّلمي\" ١٢٦.\nونسب لزرعة بن خفاف انظر: \"خزانة الأدب\" ١/ ٣٣٩، ٣٤٢، ٣٤٣.\nوورد في \"ديوان العباس بن مرداس\" ١٣١.\nونسب لأعشى طرود في: \"المؤتلف والمختلف\" للآمدي ١٧، و\"الخزانة\" ١/ ٣٤٢، ٣٤٣.\nوروايته عند الآمدي: (أمرتك الرُّشْد ..) وقال الآمدي: (ويروى: بالسين المهملة)؛ أي: (وذا نسب).\nوورد غير منسوب في: \"الكامل\" للمبرد ١/ ٣٣، و\"المقتضب\" ٢/ ٣٦، ٨٦؛ ٣٢١، و\"اللامات\" ١٣٩، و\"المحتسب\" ١/ ٥١، ٢٧٢، و\"الإفصاح\" للفارقي ١٢٧، ٢٧٠، و\"أمالي ابن الشجري\" ٢/ ١٣٣، و\"شرح المفصل\" ٢/ ٤٤، ٨/ ٥٠، و\"البسيط في شرح جمل الزجاجي\" ٤٢٦، و\"شرح شذور الذهب\" ٤٤٣. والنشب: المال الأصيل، المنقول منه والثابت. انظر (نشب) في: \"القاموس\" ١٣٧، و\"المعجم الوسيط\" ٩٢٨.\n(٢) أو إنها مفعول لأجله، بتقديرِ: لأنهم لا خوف عليهم. انظر: \"التبيان\" ص ٢٢٠.","vol":"6","page":174},{"text":"يُقرأ: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ﴾ بالفتح والكسر (١). فمن فتحها (٢): جعلها خفضًا، على معنى: (وَبِأَنَّ الله)، فـ (أَنَّ) معطوفة على الباء في ﴿بِنِعْمَةٍ﴾؛ والمعنى: يستبشرون بتوفير نِعْمَةِ الله عليهم، ووصول أجرهم إليهم؛ لأنه إذا لم يُضِعْهُ (٣)، وَصَلَ إليهم.\nومَنْ (٤) كَسَرَها: استأنف، وهو يَؤُولُ إلى معنى القراءةِ الأولى؛ لأنه إذا لم يُضِعْهُ وَصَلَ إليهم. والأول أشد إبانة لهذا المعنى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-675>١٧٢ </span>- قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ الآية.\n[قال المفسرون (٥): لما انصرف أبو سفيان] (٦) وأصحابه من أحد، ندموا على انصرافهم، وتلاوموا فيما بينهم، وقالوا: قتلتموهم حتى إذا [لم يَبْقَ إلا الشَّرِيدَ تركتموهم؟] (٧) ارجعوا فاستأصِلُوهم. فَبَلَغَ ذلك رسول الله - ﷺ -، فأراد أن يرهب العَدُوَّ، ويريهم من نفسه وأصحابه [قُوَّةً؛ فَنَدَبَ] (٨) أصحابَهُ للخروج\n_________\n(١) قراءة ﴿وَإِنَّ﴾ -بكسر الهمزة- للكسائي. وقرأ الباقون: بفتحها ﴿وَأَنَّ﴾. انظر: كتاب \"القطع والائتناف\" للنحاس ٢٤٠، و\"الحجة\" للفارسي ٣/ ٩٨، و\"النشر\" ٢/ ٢٤٤، و\"إتحاف فضلاء البشر\" ص ١٨٢.\n(٢) قوله: (فمن فتحها ..) إلى (.. لهذا المعنى): نقله بتصرف واختصار عن \"الحجة\" للفارسي ٣/ ٩٨ - ٩٩.\n(٣) (يضعه): غير واضحة في (أ). والمثبت من: (ب)، (ج)، و\"الحجة\".\n(٤) من قوله: (ومن ..) على (.. وصل إليهم): ساقط من (ج).\n(٥) منهم: عكرمة، وابن إسحاق، وقتادة، والسدي، وابن جريج، والحسن. انظر: \"تفسير الطبري\" ٤/ ١٧٦ - ١٧٨، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" ٣/ ٨١٥ - ٨١٧، و\"أسباب النزول\"، للواحدي: ص ١٧٢ - ١٧٣.\n(٦) ما بين المعقوفين: بياض في (أ). والمثبت من (ب)، (ج).\n(٧) ما بين المعقوفين: بياض في (أ). والمثبت من (ب)، (ج).\n(٨) ما بين المعقوفين: بياض في (أ). والمثبت من (ب)، (ج).","vol":"6","page":175},{"text":"في طلب أبي سفيان، فانتدب عِصَابَةٌ منهم، مع ما (١) بهم من الجرح الذي أصابهم يوم أحد، فخرج رسول الله - ﷺ - في أصحابه، حتى بلغوا حَمرَاءَ الأسد -وهي مِنَ المدينة على ثمانية أميال (٢) -، وألقى (٣) الله ﷿ الرعبَ في قلوب المشركين، فانهزموا من غير حَرْبٍ، فذلك قولُه: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ (٤).\nومحل ﴿الَّذِينَ﴾: خَفْضٌ، على النعت للمؤمنين (٥). قال الزجّاج (٦): والأحسن أن يكون في موضع رَفْعٍ، على الابتداء، و(٧) يكون خبر الابتداء (٨) ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا﴾ على آخر الآية (٩).\nو﴿اسْتَجَابُوا﴾، بمعنى: أجابوا (١٠). وقد مَرَّ (١١).\n_________\n(١) في (ج): (معما).\n(٢) قال ابن سعد في: \"الطبقات الكبرى\" ٢/ ٤٩: (وهي من المدينة على عشرة أميال، طريق العقيق، متياسرة عن ذي الحُليفة، إذا أخذتها من الوادي).\n(٣) في (ج): (فألقى).\n(٤) انظر: \"المغازي\" للواقدي ١/ ٣٣٤ - ٣٤٠، و\"سيرة ابن هشام\" ٣/ ٧٤ - ٧٥، و\"الطبقات الكبرى\" لابن سعد ٢/ ٤٨ - ٤٩، و\"تاريخ الطبري\" ٢/ ٥٣٤، و\"البداية والنهاية\" ٤/ ٥٠٤.\n(٥) في (ب): (من للمؤمنين).\n(٦) في \"معاني القرآن\" له ١/ ٤٨٩، نقله عنه بتصرف.\n(٧) (أ)، (ب): (أو). وساقط من (ج). والمثبت من: \"معاني القرآن\".\n(٨) (ويكون خبر الابتداء): ساقط من (ج).\n(٩) وفيه وجوه أخرى من الإعراب:\nأنه خبر لمبتدأ مضمر، تقديره: (هم الذين)، أو إنه منصوب بإضمار أعني، أو أنه بدل من ﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾، أو من ﴿الَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾. انظر: \"الدر المصون\": ٣/ ٤٨٨.\n(١٠) في (أ)، (ب): (جابوا). والمثبت من (ج). وهو الصواب؛ لأن (جابوا) لا وجه لها -هنا- لأنها بمعنى: خرقوا. يقال: (جاب الشيء جَوْبا)، و(اجتابه): خرقه. و(جاب يجوب جَوْبا): قطع وخرق انظر: \"اللسان\" ٢/ ٧١٧ (جوب).\n(١١) انظر: تفسير الآية ١٨٦ سورة البقرة.","vol":"6","page":176},{"text":"وقوله: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ﴾ أي: بطاعة رسول الله، وإجابته إلى ما دعاهم إليه، واتَّقَوا معصيتَهُ ومخالفته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-676>١٧٣ </span>- قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ﴾ الآية.\nقال المفسِّرُون: إنَّ أبا سفيان يوم أحد، حين أراد أن ينصرف، قال: يا محمد! موعِدُ ما بيننا وبينك موسمُ بَدْرٍ الصُّغْرَى (١)، لِقابِل، إنْ شِئْتَ.\nفقال (٢) رسول الله - ﷺ - (٣)، (ذلك بيننا [وبينك] (٤)، إن شاءَ الله). فَلَمَّا كان العام المقبل، خرج أبو سُفيان في أهل مَكَّةَ، حتى نزل [مَجَنَّة] (٥)، ثم ألقى اللهُ الرُّعْبَ في قَلْبِهِ. فَبَدَا له الرجوع، فلقي نُعَيْمَ بنَ مَسْعُود الأشجَعِي (٦)، فبعثه أبو سفيان، وقال: ثَبِّطْ (٧) عنّا مُحَمَدًا، وخَوِّفْهُ حتى\n_________\n(١) وتسمى هذه الغزوة -كذلك- بغزوة بدر الثانية، والآخرة، والموعد. و(بدر) هو نفسه المكان الذي وقعت فيه معركة بدر الكبرى، أو الأولى. وقد حدد المشركون هذا المكان للقاء رسول الله - ﷺ -؛ انتقامًا لقتلاهم الذين قتلهم المسلمون في هذا الموضع في معركة بدر الأولى.\nانظر أخبار هذه الغزوة في: \"سيرة ابن هشام\" ٣/ ٢٢١ - ٢٢٢، و\"المغازي\" ١/ ٣٨٤.\n(٢) في (ج): (وقال).\n(٣) (رسول الله - ﷺ -): ليس في: (ج).\n(٤) ما بين المعقوفين زيادة من (ج).\n(٥) ما بين المعقوفين غير مقروء في (أ). وفي (ب): (جنة). والمثبت من (ج)، ومصادر الخبر.\nومَجَنَّة: موضعٌ، كان سوقًا للجاهلية، يقع بناحية مرِّ الظهران، قرب جبل يقال له الأصفر، على بعد مسافة من مكة. وقيل في تحديد موقع مجنة غير ذلك. انظر: \"معجم ما استعجم\" ٤/ ١١٨٧، و\"معحم البلدان\" ٥/ ٥٨.\n(٦) تقدمت ترجمته.\n(٧) في (ج): (نسط).","vol":"6","page":177},{"text":"لا (١) يلقانا ببدر الصغرى. ولأن يكونَ الخُلْفُ مِنْ قِبَلِهِم، أحبّ إليّ مِنْ أنْ يكون مِنْ قِبَلي. فأتاهم نعَيْم [وخَوَّفَهم] (٢)، فوجدهم يتجهزون لميعاد أبي سفيان، فقال: قد أَتَوْكُم في بلدكم، وصنعوا بكم ما صنعوا، فكيف بكم إذا وَرَدْتُم عليهم في بَلْدَتِهِم، وهم أكثر، وأنتم أقل؟\nوهذا قول: مجاهد (٣)، ومقاتل (٤)، وعكرمة (٥)، والواقدي (٦)، والكلبي (٧).\nفـ ﴿النَّاسُ﴾ على قول هؤلاء، في قوله: ﴿قَالَ لَهُمُ النَّاسُ﴾: هو نُعَيم ابن مسعود. وهو من العَامِّ الذي أريد به الخاصُّ. وهذا (٨) اختيار الفرّاء (٩) والزجّاج (١٠) أن ﴿النَّاسُ﴾ -في هذا الموضع (١١) -: واحدٌ. وجاز ذلك؛\n_________\n(١) (لا): ساقطة من (ج).\n(٢) ما بين المعقوفين زيادة من (ج).\n(٣) قوله، في: \"تفسير الطبري\" ٤/ ١٨١، و\"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١٥٣ أ، و\"الدر المنثور\" ٢/ ١٨١ وزاد نسبة إخراجه لعبد بن حميد، وابن المنذر.\n(٤) قوله في \"تفسيره\" ١/ ٣١٥.\n(٥) قوله في: \"تفسير سفيان بن عيينة\" ٢٣٠، و\"تفسير عبد الرزاق\" ١/ ١٤٠، و\"سنن سعيد بن منصور\" ٢/ ٣٢٧ رقم (٢٩١٤)، و\"تفسير الطبري\" ٤/ ١٨١، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" ٣/ ٨١٦، و\"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١٥٣ أ، و\"الدر المنثور\" ٢/ ١٨١ وزاد نسبته إلى ابن المنذر.\n(٦) قوله في \"المغازي\" ١/ ٣٢٧.\n(٧) لم أقف على مصدر قوله. وقد ذكره القرطبي في \"تفسيره\" ٤/ ٢٧٩.\n(٨) من قوله: (وهذا ..) إلى (.. وجاز ذلك): ساقط من (ب).\n(٩) في \"معاني القرآن\" له ١/ ٢٤٧.\n(١٠) في \"معاني القرآن\" له ١/ ٤٨٩. وبه قال ابن قتيبة في \"تأويل مشكل القرآن\" ٢٨٢.\n(١١) في (ج): (القول).","vol":"6","page":178},{"text":"لأن هذا القول (١) جاء من قِبَل الناس، فوُضِعَ كلامٌ موْضِعَ كلامٍ؛ للإيجاز (٢)؛ وذلك أن نُعَيْمًا (٣) ابتدأ بقوله: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾، ثم انتشر هذا القولُ؛ وخاضَ فيه الناسُ، وتكلم به كلُّ (٤) أَحَدٍ، و-أيضًا- فقد يُطْلَقُ لفظُ (الناس) على الواحد، كما تقول -إذا انتظرت قومًا، فجاء واحدٌ منهم-: (قد جاءَ الناسُ)؛ إمَّا لتفخيمِ الشَأْنِ، وإمَّا لابتداء الإتيان.\nوقال ابن عباس (٥)، ومحمد بن إسحاق (٦) -في قوله: ﴿قَالَ لَهُمُ اَلنَّاسُ﴾ -: هم (٧) رَكْبٌ مِنْ عَبْد القيس، مَرُّوا بِأبِي سفيان، فَدَسَّهم (٨) على المسلمين لِيُجَبِّنُوهم (٩) عنه، وَضَمن على ذلك لهم جُعْلًا (١٠).\n_________\n(١) (واحد وجاز ذلك لأن هذا القول): ساقط من (ج).\n(٢) في (أ)، (ب)، (ج): الإيجاز. والمثبت هو ما استصوبته.\n(٣) في (ب): (فيهما).\n(٤) كل: ساقطة من (ج).\n(٥) قوله في \"تفسير الطبري\" ٤/ ١٨٠.\n(٦) قوله في: \"سيرة ابن هشام\" ٣/ ٧٥، و\"تفسير الطبري\" ٤/ ١٨٠، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" ٣/ ٨١٨.\n(٧) هم: ساقطة من (ج).\n(٨) هكذا في (أ)، (ب)، (ج). وقد تكون (فندبهم)، وهي أولى وأنسب للمعنى.\n(٩) في (ب): (ليجيبوهم).\n(١٠) الجُعْل، والجِعال، والجُعالة، والجَعالة، والجعيلة: هو ما جُعل من عطاءٍ على عملٍ، وهو أعم من الأجرة والثواب والجمع: جُعُل، وجعائل. انظر: (جعل) في: \"اللسان\" ٢/ ٦٣٧، و\"التاج\" ١٤/ ١٠٩.\nوما ذكره ابن عباس، وابن إسحاق -هنا- يعنيان به ما حدث عند خروج النبي - ﷺ - وأصحابه في طلب أبي سفيان والمشركين، بعد انصرافهم من أحد إلى حمراء الأسد، وكان المشركون قد عزموا على الكَرَّة على المسلمين لاستئصالهم، فلما أن علموا بخروج رسول الله - ﷺ -، في إثرهم، فَتَّ ذلك في عَضُدِهم، وحينها =","vol":"6","page":179},{"text":"وقال السُّدِّي (١): ﴿النَّاسُ﴾ ههنا هم: المنافقون، قالوا للمسلمين حين تجهزوا للمسير إلى بدر، لميعاد أبي سفيان: قد أتوكم في دياركم، فقاتلوكم (٢) وظَفَرِوا (٣) فإنْ أتيتموهم في ديارهم لا يَرْجِعُ منكم أَحَدٌ.\nومحل ﴿الَّذِينَ﴾: رَفْعٌ أو خفْضٌ، على ما ذكرنا في قوله: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا﴾ [آل عمران: ١٧٢] لأن هذا بدل منه.\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ يعني: أبا سفيان وأصحابَه.\nوقوله (٤): ﴿فَزَادَهُمْ إِيمَانًا﴾ أي: زادهم قولُ الناس لهم إيمانًا. أضمر المصدر، وأسند الفعل إليه. ومثله: قوله: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا﴾ [فاطر: ٤٢]؛ أي: ما زادهم (٥) مجيءُ النذيرِ. ومثله: قوله: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا﴾ [الأحزاب: ٢٢]؛ أي: ما زادهم رؤيتُهم لهم.\n_________\n= طلبوا من الركب من (عبد القيس) الذين مروا بهم مبتغين المدينة للمِيرَة أن يهوِّلوا من أمر جيش المشركين، ويثَبِّطوا المسلمين عن لقائهم.\nوهذا ما رجحه الطبري في \"تفسيره\" ٤/ ١٨٢، وقال ابن عطية: (وهذا هو تفسير الجمهور لهذه الآية، وأنها في غزوة أحد في الخرجة إلى حمراء الأسد)، واستصوبه \"المحرر الوجيز\" ٣/ ٤٢٦. ورجحه ابن كثير في \"تفسيره\" ١/ ٤٦٣. وانظر: \"أسباب النزول\" للواحدي ١٣٤ - ١٣٥.\n(١) قوله في: \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١٥٤ ب، و\"تفسير القرطبي\" ٤/ ٢٧٩، و\"زاد المسير\" ١/ ٥٠٥.\n(٢) (فقاتلواكم): ساقطة من (ج).\n(٣) في (ج): (فطفروا).\n(٤) (أ)، (ب): (وقولهم)، والمثبت من (ج).\n(٥) في (ج). (ما جاهم).","vol":"6","page":180},{"text":"ومثله مِنْ إضمار المصدر لِدِلالَةِ الفعلِ عليه كثيرٌ.\nومعنى قوله: ﴿إِيمَانًا﴾: قال ابن عباس (١): أي: تصديقًا ويقينًا.\nوقال أبو إسحاق (٢): أي: فزادهم ذلك التخويف ثبوتًا في دينهم، وإقامة على نُصْرة نبيهم.\n﴿وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ﴾ [أي: الذي (٣) يكفينا أمرَهم: اللهُ.\nقال ابن الأنباري (٤): معنى قوله: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ﴾] (٥): كافينا الله، وأنشد:\nإذا كانت الهيجاءُ وانْشَقَّتِ العَصَا ... فَحَسْبُكَ والضَّحَّاكَ سَيْفٌ مُهَنَّدُ (٦)\nقال: معناه: يكفيك ويكفي الضحاكَ (٧).\n_________\n(١) لم أقف على مصدر قوله.\n(٢) في \"معاني القرآن\" له ١/ ٤٩٠، نقله عنه بنصِّه.\n(٣) (الذي): ساقطة من (أ)، (ب). وفي (ج): الذي. والمثبت هو ما استصوبته.\n(٤) في \"الزاهر\" ١/ ٩٦. نقله عنه باختصار.\n(٥) ما بين المعقوفين زيادة من (ج).\n(٦) البيت، نُسِب لجرير في \"ذيل الأمالي\" ١٤٠. ولم أقف عليه في ديوانه.\nونُسِب لِلَبِيد في: \"إعراب القرآن\" المنسوب للزجاج ٣/ ٨٧٠، ولم أقف عليه في ديوانه. وورد غير منسوب في: \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٤١٧، و\"الأصول في النحو\" ٢/ ٣٧ و\"جمهرة اللغة\" ٢/ ١٠٤٧، و\"الزاهر\" ١/ ٩٦، و\"التهذيب\" ١/ ٨١٠، و\"التكملة\" للفارسي ٣٢٤، و\"الصحاح\" ٦/ ٢٤٢٩ (عصا)، و\"المخصص\" ١٦/ ١٤، و\"سمط الآلىء\" ٨٩٩، و\"شرح المفصل\" ٢/ ٥١، و\"اللسان\" ٢/ ٨٦٥ (حسب)، ٨/ ٤٧٣٢ (هيج)، ٥/ ٢٩٨١ (عصا)، و\"مغني اللبيب\" ٧٣١، و\"المقاصد النحوية\" ٣/ ٨٤، ٢/ ١٣٦.\nالهَيْجاء، والهَيْجا، والهَيْج، والهِياج: الحرب. انظر: \"اللسان\" ٨/ ٤٧٣٢ (هيج). (انشقت العصا): أي: وقع الخلاف. انظر: \"الصحاح\" ٦/ ٢٤٢٨ (عصا).\n(٧) ناقل في \"لسان العرب\" عن ابن بَرْي معنًى آخر، فقال: (الواو في قوله: =","vol":"6","page":181},{"text":"ومثله (١) قول امرىء القَيْسِ:\nوحَسْبُكَ مِنْ غِنًى شِبَعٌ ورِيُّ (٢)\nأي: يكفيك الشِبَعُ والرِيُّ.\nويقال: (أَحْسَبَني الشيءُ، إحْسابًا): إذا كفاني (٣). فـ (حَسْبُ) مأخوذٌ من (الإحْساب)، وهو: الكِفَايَة. وهو اسمٌ فيه معنى الفعل؛ ألا ترى أنه يُعْطَفُ على المَكْني المتصل به بالنصب، كقوله: (فَحَسْبُكَ والضَّحَّاكَ)، على معنى: يكفيك. ومثله: ﴿إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ﴾ [العنكبوت: ٣٣].\nوقوله تعالى: ﴿وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ أي: الموكول إليه الأمور. (فَعِيل)\n_________\n= (والضحاك) بمعنى الباءَ، وإن كانت معطوفة على المفعول، كما تقول: (بعت الشاءَ شاةً ودرهمًا)؛ لأن المعنى: أن الضحاك نفسه هو السيف المُهنَّد، وليس المعنى: يكفيك ويكفي الضحاك سيفٌ مهنَّدٌ كما ذكر). \"اللسان\" ٥/ ٢٩٨١ (عصا). ولكن المعنى الأوَّل الذي ذكره المؤلفُ هو الأوضح والأشهر.\n(١) في (ج): ومنه. وفي \"الزاهر\": (ومن ذلك).\n(٢) عجز بيت، وصدره:\nفَتُوسِعُ أهلَها أقِطًا وَسَمْنًا\nوهو في \"ديوانه\" ص ١٧١. وقد نسب له -كذلك- في: \"الزاهر\" ١/ ٩٦، و\"الأمالي\" للقالي ٢/ ٢٦٢، و\"اللسان\" ٨/ ٤٨٣٥ (وسع)، ٤/ ٢١٠٤ (سمن). وورد غير منسوب في: \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١٥٧أ، و\"تفسير القرطبي\" ٤/ ٢٨٢. وقد ورد في بعض المصادر: (فتملأ بيتنا أقطًا ..). والأقِط: شيء يصنع من اللبَن المخيض، على هيئة الجبن. والشاعر -هنا- يتحدث عن (مِعْزى)، تَدُرُّ الحليب، وتوسع أهلها بالأقط، والسَّمِن.\n(٣) يقال: (أحسبني الشيءُ إحسابًا)، وهو (مُحسِبٌ): إذا كفاني. انظر: \"تفسير أسماء الله الحسنى\" للزجاج ٤٩، و\"الزاهر\" ١/ ٩٦، و\"الأمالي\" للقالي ٢/ ٢٦٢. انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٤١٧.","vol":"6","page":182},{"text":"بمعنى: (مَفْعُول) (١).\nقال ابن الأنباري (٢): والعرب تتكلم بالوكيل، بمعنى: الكَفِيل. فتقول: (هو وكيلٌ بكذا وكذا)؛ يريدون: كفالته به. قال الشاعر:\nذَكَرْتُ أبا أرْوَى فَبِتُّ كَأنَنِي ... بِرَدِّ (٣) الأُمورِ الماضيات وَكِيلُ (٤)\nأراد: كأنني برد الأمور كفيلُ.\nوقال الفرّاء (٥): الوكيل: الكافي. قال الله -﷿-: ﴿أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا﴾ [الإسراء: ٢]، أي: كافيا.\nقال أبو بكر (٦): والذي أختاره: مذهب الفرّاء؛ لأن (نِعْمَ) سبيلها أن يكون الذي بعدها موافقًا للذي قبلها؛ كما تقول: (رازقُنا اللهُ، ونِعْمَ الرّازق). و(خالقُنا الله؛ ونعم الخالق). فيكون أحسنَ مِنْ قولك: (رازقنا الله؛ ونعْمَ الخالق)، وكذلك الآية: يكفينا (٧) الله، ونِعْمَ الكافي.\nوأصلُه في اللغة: ما ذكرنا؛ أنه الموكول إليه، ثم الكافي (٨).\n_________\n(١) انظر: \"تفسير أسماء الله الحسنى\" للزجاج ٥٤.\n(٢) في \"الزاهر\" ١/ ١٠٠، نقله عنه بتصرف.\n(٣) في (أ)، (ب): (بود). والمثبت من (ج)، ومصادر البيت.\n(٤) البيت، ورد منسوبًا لشقران السلامي، في \"بهجة المجالس\" ٣/ ١١٢. وورد غير منسوب في: \"البيان والتبيين\" ٣/ ١٦٤، و\"الزاهر\" ١/ ١٠٠. وقد ورد في المصادر السابقة: (.. برد أمورِ الماضيات).\n(٥) في \"معاني القرآن\" له ٢/ ١١٦. وقول الفراء -هنا-، هو من تتمة نقل المؤلف عن \"الزاهر\" ١/ ٩٩ - ١٠٠.\n(٦) هو ابن الأنباري، في \"الزاهر\" ١/ ١٠٠. نقله عنه بالمعنى.\n(٧) في (ج): (ويكفينا).\n(٨) أنكر الزجاج أن يكون (الوكيل) بمعنى (الكافي)؛ فقال -بعد أن ذكر رأي =","vol":"6","page":183},{"text":"والكفيل؛ يجوز أنْ يُسَمَّى: وكَيلًا؛ لأن الوكيل يكفي الأمور والكفيلُ -أيضًا- موكولٌ إليها الأمر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-677>١٧٤ </span>- قوله تعالى: ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ﴾ وذلك أنَّ رسولَ الله - ﷺ -، خرج في أصحابه حتى وافوْا بدرَ الصُّغْرَى، وهي ماءٌ لِبَني كِنَانَة (١)، وكانت موضع سُوقٍ لهم، يجتمعون إليها في كل عام ثمانية أيام. فلم يلْقَ رسولُ الله - ﷺ -، وأصحابُه، أحدًا من المشركين، ووافقوا السُّوقَ، وكانت معهم نفقاتٌ وتجارات، فباعُوا واشتَرَوْا أُدمًا (٢) وزَبِيبًا، وربحوا وأصابوا للدرهم درهمَيْنِ، وانصرفوا إلى المدينة سالمين غانمين (٣)؛ فذلك قوله: ﴿فَانْقَلَبُوا﴾، أي: وخرجوا فانقلبوا. فحذف الخروجَ؛ لأن الانقلابَ يَدُلُّ عليه؛ كقوله: ﴿أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ﴾ [الشعراء: ٦٣]؛ أي: فَضَرَبَه (٤) فانْفَلَقَ.\nوقوله تعالى: ﴿بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ﴾ قال السُّدِّي (٥)، ومجاهد:\n_________\n= الفراء-: (ونحن لا نعرف في الكلام: (وَكَلْتُ) ولا (وكَلْتُ إليه): إذا كَفَيْت. فلا ندري من أين له هذا القول). \"تفسير أسماء الله الحسنى\" ٥٤.\n(١) انظر: \"معجم البلدان\" ١/ ٣٥٧، وانظر تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ [آية: ١٢٣].\n(٢) الأُدُم: جمعٌ، ومفردها: (أُدْم)، و(إدام)، وهو: ما يُستمرأ به الخبز؛ من سائل: كالخل، والزيت، واللبن، وما أشبهه؛ أو من جامد. انظر: \"غريب الحديث\" لأبي عبيد ١/ ٢٨٦، و\"المصباح المنير\" ٤ (أدم)، و\"المعجم الوسيط\" ١/ ١٠ (أدم).\n(٣) انظر: \"تفسير الطبري\" ٤/ ١٨٢ - ١٨٣، و\"تفسير النسائي\" ١/ ٣٤٣ - ٣٤٥.\n(٤) في (ج): (فضرب).\n(٥) قوله في: \"تفسير الطبري\" ٤/ ١٨٣، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" ٣/ ٨١٩، و\"زاد المسير\" ١/ ٥٠٥ - ٥٠٦.","vol":"6","page":184},{"text":"النِّعمةُ -ههنا-: العافية. والفَضْلُ: التجارة (١).\nوقوله تعالى: ﴿لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ﴾. لم يُصِبْهُم قَتْلٌ وَلاَ جِراحٌ. في قول الجميع.\n﴿وَاَتَّبَعُواْ رِضْوَانَ اَللَّهِ﴾ في طاعةِ رَسُولِه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-678>١٧٥ </span>- قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ﴾ (ذلك) إشارةٌ إلى التخويف؛\nأي (٢): ذلك التخويفُ الذي كان، فِعْلُ الشيطان؛ لأنه سَوَّلَهُ للمُخَوَّفِين. قاله (٣) الزجاج (٤).\nوعلى هذا (٥)؛ الآيةُ مِنْ باب حذف المضاف، على تقدير: إنما ذلكم فِعْلُ الشيطان (٦)، أو كَيْدُ الشيطان، أو تخويفُ الشيطان؛ لأنَّه سبب ذلك؛ بالدعاء (٧) إليه والإغواء فيه.\nوقوله تعالى: ﴿يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾ مذهب النحويين في هذا (٨): أنَّ ﴿يُخَوِّفُ﴾ قد حُذِف معه مفعولٌ (٩) يقتضيه؛ تقديره: يخوفكم (١٠)، أو:\n_________\n(١) ورد قولُه في المصادر السابقة، ولكنه فسر فيها (النعمة) و(الفضل) بما أصابوا من التجارة والأجر، ولم يَرِدْ فيها أنه فسَّرَها بالعافية.\n(٢) في (ج): (إلى).\n(٣) في (ج): (قال).\n(٤) في: \"معاني القرآن\" له ١/ ٤٩٠. نقله عنه بنصه.\n(٥) في (ج): (هذه).\n(٦) في (ج): (الشيد).\n(٧) في (ب): (الدعاء).\n(٨) في (ب): (في هذه الآية).\n(٩) من قوله: (يقتضيه ..) إلى (.. حذف منه): ساقط من (ج).\n(١٠) في (ب): (خوفكم).","vol":"6","page":185},{"text":"يخوفُ المؤمنينَ.\nوقوله تعالى ﴿أَوْلِيَاءَهُ﴾ حُذِف منه الجارُّ، أي: بأوليائهِ، أو: مِن أوليائه، فَلَمَّا حُذِفَ الجار، وَصَلَ الفعلُ إلى المفعول الثاني فَنَصَبَهُ.\nومثله -مِن حذفِ المفعول منه-، قولُه: ﴿فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ﴾ [القصص: ٧] المعنى: إذا خِفْتِ عليه فِرْعَونَ أو الهلاكَ.\nوالجارُّ المُظْهَرُ في قوله: ﴿فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ﴾، بمنزلة المحذوف مِن قوله: ﴿أَوْلِيَاءَهُ﴾.\nوالتقديرُ عندهم: يُخَوِّفُكم بأوليائِهِ.\nقال الفَرّاءُ (١): ومِثْلُهُ، قولُهُ: ﴿لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ﴾ [غافر: ١٥]؛ معناه: لِيُنْذِرَكُمْ بِيَومِ التَّلاقِ. وقوله: ﴿لِيُنْذِرَ بَأْسًا﴾ [الكهف: ٢]؛ معناه: لِيُنْذِرَكُمْ بِبِأسٍ.\nهذا الذي ذَكَرْنَا: مذهب الفرّاء، والزّجاج (٢)، وأبي علي (٣).\nوالذي يدلّ عل هذا: قراءةُ أُبَيِّ بن كعب: (يُخوِّفُكُمْ بِأَوْلِيَائِهِ) (٤). وللمفسِّرِينَ في هذه الآية مذهبان، سِوَى ما ذكرنا:\nأحدهما: أنَّ هذا، على قول القائل: (خَوَّفْتُ زَيْدًا عَمْرًا). ومعنى الآية: يُخَوِّفكم أولياءَهُ. فحذف المفعول الأول؛ كما تقول: (أعطيتُ\n_________\n(١) في \"معاني القرآن\" له ١/ ٢٤٨، نقله عنه بمعناه\n(٢) في \"معاني القرآن\" له ١/ ٤٩٠.\n(٣) لم أقف على مصدر مذهبه.\nانظر: \"معاني القرآن\" للأخفش ١/ ٢٢١، و\"تفسير غريب القرآن\" لابن قتيبة ص ١٠٨، و\"تأويل المشكل\" له ٢٢٢، و\"معاني القرآن\" للنحاس ١/ ٥١٢.\n(٤) أخرج القراءة عنه بسنده: الثعلبيُّ في \"تفسيره\" ٣/ ١٥٨ أ، وذكرها البغوي في \"تفسيره\" ٢/ ١٣٩، وأبن عطية في \"المحرر الوجيز\" ٣/ ٤٢٩، وأبو حيان في \"البحر\" ٣/ ١٢٠.","vol":"6","page":186},{"text":"الأموالَ)؛ أي: أعطيتُ القومَ، أو الناسَ الأموالَ.\nقال ابن الأنباري (١): وهذا أشْبَه مِن ادِّعاءِ جارٍّ (٢) ما عليه دليلٌ.\nقال: وقوله: ﴿لِيُنْذِرَ بَأْسًا﴾ [الكهف ٢٠]، معناه: لِيُنْذِرَكمْ بأسًا. وكذلك قوله: ﴿لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ﴾ [غافر: ١٥] [معناه: لِيُنْذِرَكُم يومَ التَّلاقِ] (٣).\nوالتخويفُ يتعدَّى إلى مفعولين، من غير حرف جَرٍّ؛ تقول (٤): (خافَ زَيْدٌ القِتَالَ)، و(خَوّفْتُهُ القتالَ)؛ كما تقول: (عَرَفَ زيدٌ أخاكَ)، و(عَرَّفْتُهُ أخاكَ).\nوهذا مذهب ابن عباس (٥)، ومجاهد (٦)، وقتادة (٧). ويَدلُّ على هذا\n_________\n(١) لم أقف على مصدر قوله. وقد ورد -بنصه- في \"زاد المسير\" ١/ ٥٠٧، وورد -كما هو عند المؤلف- في: \"تفسير الفخر الرازي\" ٩/ ١٠٥.\n(٢) في (ج): (جاز). وفي \"زاد المسير\": (وهذا أشبه من ادِّعاء (باء) ما عليها دليل، ولا تدعو إليها ضرورة).\n(٣) ما بين المعقوفين زيادة من (ج).\n(٤) (تقول): ساقطة من (ب).\n(٥) انظر: \"تفسير الطبري\" ٤/ ١٨٣ - ١٨٤، و\"النكت والعيون\" ١/ ٤٣٨، وقد ورد عنه من رواية عطاء، أنه كان يقرأها: (يخوفكم أولياءه). انظر: \"المصاحف\" لابن أبي داود ٧٤، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" ٣/ ٨٢٠، و\"المحتسب\" ١/ ١٧٧، و\"المحرر الوجيز\" ٣/ ٣٢٨، وأوردها عنه السيوطي في \"الدر المنثور\" ٢/ ١٨٢ وزاد نسبة إخراجها إلى الفريابي: وعبد بن حميد، وابن الأنباري في \"المصاحف\".\nوأورد عنه ابن عطية في \"المحرر\" ٣/ ٤٢٨ أنه قرأ: (يخوفكم أولياؤُه)، أي: يخوفكم قريش ومن معهم.\n(٦) انظر: \"تفسيره\" ١٣٩، و\"تفسير الطبري\" ٤/ ١٨٣، و\"ابن أي حاتم\" ٣/ ٨٢٠، و\"النكت والعيون\" ١/ ٤٣٨، و\"الدر المنثور\" ٢/ ١٨٢ وزاد نسبة إخراجه إلى عبد ابن حميد، وابن المنذر.\n(٧) انظر: \"الطبري\" ٤/ ١٨٣، و\"ابن ابي حاتم\" ٣/ ٨٢١، و\"النكت والعيون\" ١/ ٤٣٨.","vol":"6","page":187},{"text":"قراءةُ ابن مسعود: (يخوِّفُكُم أولياءَهُ) (١).\nالمذهب الثاني: أنَّ معنى الآية: يُخَوَفُ أولياءَهُ [المنافقين (٢)؛ ليقعدوا عن قتال المشركين. كأنَّ المعنى: يُخَوِّف أولياءَه] (٣) الذين يُطيعونَهُ، وُيؤْثِرُونَ أمرَهُ، وَيعْصون رَبَّهم، ويُقِيمونَ على خِلافِهِ. فأمَّا أولياءُ اللهِ، فَإنَّهُمْ لا يَخَافُونَهُ إذا خَوَّفَهم، ولا يَنْقادُون لِمُرَادهِ منهم. وهذا قولُ: الحَسَن (٤)، والسدِّي (٥)، وابنِ عباس في رواية عطاء (٦).\nفالمذهب الأول: فيه محذوفان، والثاني: فيه محذوفٌ واحد، والثالث: لا حَذْفَ فيه.\nومعنى (الأوْلِيَاء) -في القولين الأوَّلَيْنِ-: المشركون والكفار.\nوقوله تعالى: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ﴾ الكناية (٧) تعود إلى الأولياء في القولين الأوَّلَيْنِ. وفي الثالث: تعود إلى المشركين؛ وهم قد ذُكِروا في قوله: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٣].\n_________\n(١) ذكر الثعلبي القراءة -بسنده عن عطاء- في \"تفسيره\" ٣/ ١٥٨ أ، وأوردها أبو حيان في \"البحر\" ٣/ ١٢٠.\n(٢) أي: أولياءه من المنافقين. فالمنافقين -هنا- بدل من (أولياءه).\n(٣) ما بين المعقوفين زيادة من (ج).\n(٤) لم أقف على مصدر قوله. وقد ورد في: \"النكت والعيون\" ١/ ٤٣٨، و\"زاد المسير\" ١/ ٥٠٧، و\"تفسير القرطبي\" ٤/ ٢٨٢.\n(٥) قوله في: \"تفسير الطبري\" ٤/ ١٨٣، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" ٣/ ٨٢٠، و\"النكت والعيون\" ١/ ٤٣٨، و\"زاد المسير\" ١/ ٥٠٧، و\"تفسير القرطبي\" ٤/ ٢٨٢.\n(٦) لم أقف على مصدر هذه الرواية عنه.\n(٧) الكناية: هي الضمير.","vol":"6","page":188},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أي: خافونِ (١) في تركِ أمري؛ إنْ كنتم مصدِّقِينَ بوعدي، وقد أعلمتكم أنِّي أنصركم عليهم (٢)، فقد سقط عنكم (٣) الخوف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-679>١٧٦ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾.\nأكثر القُرّاءِ على ﴿يَحْزُنْكَ﴾ -مِنَ الثلاثي-. وقرأ نافع: ﴿يَحْزُنْكَ﴾ -بضمِّ الياء- (٤).\nواختلف أهل اللغة في هذا: فقال قومٌ: (حَزَنَ، وأحْزَنَ)، بمعنى واحد (٥).\nقال الزّجاج -في باب الوفاق- (٦): (حزَنَني الأمْرُ، وأَحْزَنَنِي).\n_________\n(١) في (أ)، (ج): (خافوني)، والمثبت من (ب).\n(٢) في (ج): (عليكم).\n(٣) في (ج): (عنهم).\n(٤) وقد قرأ نافع هذه الآية، وقرأ ﴿ولِيُحْزِن﴾ في الآية ١٠ من سورة المجادلة، و﴿ليُحْزِنني﴾ في الآية ١٣ من سورة يوسف، بضم الياء وكسر الزاي في كل القرآن، إلا قوله تعالى: ﴿لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ﴾ [آية: ١٠٣] من سورة الأنبياء، فقد قرأها كباقي القراء الذين فتحوا الياءَ وضمُّوا الزايَ في كل القرآن.\nانظر: \"السبعة\" ٢١٩، و\"القراءات\"، للأزهري ١/ ١٣١، و\"الحجة\" للفارسي ٣/ ٩٩.\n(٥) انظر: \"تهذيب اللغة\" ١/ ٨٠٧ (حزن)، و\"المقاييس\" ٢/ ٥٤ (حزن)، و\"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١٥٨ أ، و\"ما جاء على فعلت وأفعلت\" للجواليقي ٣٤.\nقال ابن دريد: (و(حَزَنني الأمر)، و(أحْزَنَنِي)، لغتان فصيحتان، أجازهما أبو زيد وغيره. وقال الأصمعي: لا أعرف إلا حزنني يحزنني، والرجل (محزون) و(حزين)، ولم يقولوا: (مُحْزَن). \"الجمهرة\" ١/ ٥٢٩.\nوفي \"الصحاح\" للجوهري، ينقل عن اليزيدي قوله: (حزَنه)، لغة قريش، و(أحْزَنَه) لغة تميم. ٥/ ٢٠٩٨ (حزن)\n(٦) لم أقف على هذا المصدر.","vol":"6","page":189},{"text":"و(أمرٌ حازِنٌ ومُحزِنٌ).\nوقال ابن المُظَفَّر (١): تقول (٢): (حَزَنَنِي)، و(هو يَحزُنُني حُزْنًا)، (فأَنَا مَحْزُونٌ)، و(هو حازِنٌ) (٣) و(أحْزَنَنِي، فأنا مَحْزون) (٤)، و(هو مُحزِنٌ).\nوحكى -أيضًا- سيبويه (٥) -عن بعض العرب-: أنهم يقولون: (أحْزَنْت الرجلَ): إذا جعلته حزينًا.\nوحكى أبو زيد -في كتاب (خُبَأة) (٦): (أحْزَنَنِي الأمرُ إحزانًا)، و(هو\n_________\n(١) ورد القول التالي -مع اختلاف يسير- في: \"تهذيب اللغة\": ١/ ٨٠٧ (حزن)، من قول أبي عمرو، برواية يونس عنه، وليس من قول الليث بن المظفر، فالمؤلف ينقل هنا عن \"العين\" للخليل وينسب الكلام لابن المظفر.\nوانظر هذا المعنى في \"العين\" للخليل ٣/ ١٦٠ (حزن).\n(٢) في (ج): (يقول).\n(٣) (وهو حازن): لم ترد في \"تهذيب اللغة\".\n(٤) في \"التهذيب\": (وأنا مُحْزَن)، وكلا الكلمتين واردتان في اللغة. انظر: \"اللسان\" ٢/ ٨٥١ (حزن).\n(٥) في \"الكتاب\" ٤/ ٥٧.\n(٦) لم أقف على هذا المصدر، ولم أعثر في ترجمة أبي زيد فيما رجعت إلي من مصادر على كتابٍ له بهذا الاسم. انظر: \"معجم الأدباء\" ٣/ ٣٧٨.\nوالخُبَأة -في اللغة-: هي المرأة التي تلزم بيتها، وتستتر. والتي تَطَّلِع ثم تختبئ. انظر: \"اللسان\" ٢/ ١٠٨٥ (خبأ).\nوكأن الكتاب في الكلمة الغريبة المهمة، وهو ما يتناسب مع المعنى اللغوي له.\nوقد يكون الاسم محرفًا عن كتاب آخر له، يحتمل رسمُ اسمِهِ التحريفَ في الخط، وهو: كتاب (حِيلَة ومَحالة)؛ حيث أن رسم (حيلة) قريب من (خبأة)، فحصل فيه التحريف. والله أعلم. انظر: المصدر السابق.\nومعنى (حيلة) و(مَحالة): الحِذْق وجودة النظر، والقدرة على التصرف. انظر: \"القاموس\" ص ٩٨٩ (حول).","vol":"6","page":190},{"text":"يُحْزِنُنِي) بضم الياء.\nوقال الخليل (١): إذا أردت تغيير (٢) (حَزِنَ)، قلت: (أحزنته). فهذا قولُ مَن سَوَّى بينهما، وجعلهما لُغَتَيْن. وهو حُجَّةٌ لِقِرَاءةِ نافع.\nوروى أبو عُبَيد، عن أبي زيد، قال (٣): لا يقولون: (حَزَنه الأمرُ). ويقولون: (يَحْزُنُه). فإذا صاروا (٤) على (٨) الماضي، قالوا: [أحْزَنَهُ] (٥).\nيستعمل الماضي مِنَ الرُّبَاعي، والمضارع مِنَ الثلاثي. وهذا شاذٌّ؛ لأنه استعمل (أحزَنَ)، وأهمل (يُحْزِن)، واستعمل (يَحْزُنُ)، وأهمل (حَزَنَ). فمن قرأ بقراءة العامَّة، فَحُجَّته: أنه أشهر اللغَتَيْنِ، وأكثرهما استعمالًا.\nقال الأزهري (٦): اللغة الجَيِّدة: (حَزَنَهُ، يَحْزُنُه)، على ما قرأ به أكثر القرّاء.\nوحجّة نافع: قولُ مَن زَعم أنهما لُغَتَان، وما حكاه سيبويه (٧) عن الخليل، أنَّك حيث قلت: (حَزَنْتُه)، لم تُرِدْ أن تقول: [جعلتُه حزينًا، كما\n_________\n(١) انظر: \"كتاب سيبويه\" ٤/ ٥٦.\n(٢) في (ب): (تعيين).\n(٣) قوله، في: \"تهذيب اللغة\" ١/ ٨٠٧ (حزن). نقله عنه بتصرف.\n(٤) في (ب): (صيروا).\n(٥) ما بين المعقوفين في (أ)، (ب)، (ج): (حزنه) والمثبت هو الصواب. وقد جاء في \"التهذيب\": (.. ويقولون: يَحْزُنُهُ. فإذا قالوا أفْعَلَهُ الله؛ فهو بالألف). وهو يتناسب مع ذكره المؤلف بعده من استعمال الماضي من الرباعي.\n(٦) في \"تهذيب اللغة\" ١/ ٨٠٧ (حزن). نقله عنه بتصرف. وانظر: قريبًا من عبارة الأزهري هذه في كتابه: \"القراءات\" ١٣١.\n(٧) في \"الكتاب\" له ٤/ ٥٦. نقله عنه بتصرف واختصار يسيرين.","vol":"6","page":191},{"text":"أنك حيث قلت: (أدْخَلته)، أردت: (جعلته داخلًا). ولكنك أردت أن تقول:] (١) جعلت فيه حُزْنًا.\nكما تقول: (كحَلْتُهُ)؛ أي: جعلت فيه كُحْلًا، و(دَهَنْته)؛ جعلت (٢) في دُهنًا، و(فَتَنْتُه): جعلت فيه فِتْنة. فجئت بـ (فَعَلْتُهُ) على حَدِّهِ (٣)، ولم (٤) تُرِد بـ (فَعَلْتُهُ) -ههنا- تغيير قوله: (حَزِنَ)، و(فَتِنَ) (٥). ولو أردت ذلك، لقلت: (أحزنته)، و(أفتنته).\nوهذا الذي حكاهُ، حُجَّةُ نافع؛ لأنه أرادَ تغيير (حَزِنَ)، فنقله بالهمز.\nقال الخليل (٦): ومثله: (شَتِرَ (٧) الرجلُ)، و(شَتَرْتُ عَيْنَه). فإذا أردت\n_________\n(١) ما بين المعقوفين زيادة من (ج). وهي في المصادر السابقة.\n(٢) في (ب): (أي جعلت). ولم أثبت (أي)؛ لأنها لم ترد في بقية النسخ، ولا في مصادر النص.\n(٣) ضبطت في \"كتاب سيبويه\": (حِدَةٍ). وقد ورد النص في كتاب \"الحجة\" للفارسي ٣/ ١٠٠، وضبطت فيه كالتالي: (حَدِّه) كما هي مثبتة أعلاه.\n(٤) في (ج): (لم) بدون واو.\n(٥) هكذا ضُبِطت -هنا- بكسر التاء، وكذا عند الفارسي في \"الحجة\". وضَبطت في (كتاب سيبويه): (فَتَنَ) -بفتح التاء-. وأكثر مصادر اللغة التي رجعت إليها لم تشر إلى (فَتِن) بالكسر، وإنما ذَكَرَتْها بفتح التاء، إلا ما وجدته في \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٧٣٩ (فتن)، حيث نقل عن أبي زيد قوله: (فَتِنَ الرجلُ، يفْتَنُ، فُتُونًا: إذا وقع في الفتنة، أو تحول من حال حسنة إلى حال سيئة).\n(٦) قوله في \"كتاب سيبويه\" ٤/ ٥٧. نقله عنه بمعناه.\n(٧) في (ج): (شتر) مهملة من النقط والشكل. وهذا جاءت في بعدها مهملة من النقط والشكل.\nوالشَّتْرُ: القطع. و(شَتَرَ ثَوْبَه): مزَّقه. و(الشَّتَرُ): الانقطاع، وانقلابٌ في جَفْنِ العين، وانشقاقُهُ، وانشقاقُ الشَّفَةِ السفلى. يقال: (شَترت عينهُ شَتَرًا)، و(شَتَرها يشْتُرُها شَتْرا)، و(أشْتَرها وشَتَّرها)، و(شَتِرَ يَشْتَر شَتَرًا).\nانظر (شتر) في: \"اللسان\" ٤/ ٢١٩٣، و\"القاموس\" ٤١٣.","vol":"6","page":192},{"text":"تغيير (شَتِرَ الرجلُ)، قلت: (أشْتَرْتُ، كما تقول: (فَزعَ) (١) [و] (٢) (أفزَعْتُهُ).\nوأراد بـ ﴿الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾: المنافقين، وقُرَيْظَة والنّضير -في قول ابن عباس- (٣).\nومعنى مسارعتهم في الكفر: مُظَاهَرَتُهُم (٤) الكفَّارَ على محمد - ﷺ -. وتأويله: يُسارِعُون في نُصْرةِ الكفر. وقال الضَّحَّاكُ (٥): يعني: كفّار قريش.\nفإذا قيل: معنى قوله: ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾: لا تحزن لِكفرِهم. والحزن على كفر الكافر، ومعصيةِ العاصي، طاعةٌ، فكيف نهى عنهُ؟.\nقيل: إنما نهى عنه النبيَّ - ﷺ -، لأنه كان يُفرطُ وُيسْرِفُ في الحُزْنِ على كُفْر قومِهِ، حتى كان يؤدّي ذلك إلى أن يَضُرّ (٦) به، فنُهِي (٧) [عن] (٨) الإسراف فيه؛ ألا ترى إلى قوله -﷿-: ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ [فاطر: ٨].\n_________\n(١) في (ج): (فزع) -مهملة من النقط ولاشكل-. وكذا التي بعدها.\n(٢) ما بين المعقوفين زيادة من: كتاب سيبويه.\n(٣) لم أقف على مصدر قوله. وقد ورد هذا القول عن الكلبي. انظر: \"بحر العلوم\" ١/ ٣١٧.\nوورد عن مجاهد، وابن إسحاق: أنهم المنافقون. انظر: \"تفسير مجاهد\" ١/ ١٣٩، و\"تفسير الطبري\" ٤/ ١٨٥.\n(٤) المُظاهَرَةُ: المُعَاوَنَة. و(ظاهَرَ فلانٌ فلانًا): عاوَنَه. انظر: \"اللسان\" ٥/ ٢٧٦٨ (ظهر).\n(٥) قوله في: \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١٥٨ أ، و\"زاد المسير\" ١/ ٥٠٨.\n(٦) في (ج): (نصر).\n(٧) في (ج): (نهى).\n(٨) ما بين المعقوفين زيادة من (ج)","vol":"6","page":193},{"text":"وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا﴾ يعنى: أنَّ عائِدَ الوَبَالِ في ذلك عليهم، لا على غيرهم. وقال عطاء (١): يريد: لن يضروا أولياءَ اللهِ شيئا.\nوقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ﴾ يعنى: نصيبًا في المجنة. وفي هذا رَدٌّ على القَدَرِيّة، وبيان أنَ الخيرَ والشرَّ بإرادة الله -جلَّ وعزَّ- (٢).\n_________\n(١) لم أقف على مصدر قوله. وقد ذكره ابن الجوزي في \"الزاد\" ١/ ٥٠٨.\n(٢) إنَّ الله -تعالى- خالق الخير والشر، ولكنَّ الشرَّ في بعض مخلوقاته، وليس في خلق الله وفعله؛ لأن خلقَ الله وفعلَه، وقضاءَهُ وقَدَرَه، خيرٌ كلُّه؛ لأنه -تعالى- وضع الأمور في مواضعها، وذلك هو الخير والعدل، أما الشر؛ فهو: وضع الأمور في غير مواضعها، وذلك هو الظُّلْم، واللهُ مُنَزّهٌ عن الظلم. فأفعاله كلها تدور بين العدل والفضل والحكمة والمصلحة، ولا تخرج عن ذلك، فالله -تعالى- لا ينسب إليه الشرُّ، بل ينسب إليه الخير، وإنما صار الشرُّ شرًا، لانقطاع نسبته واضافته إلى الله تعالى، وفي الحديث: (.. والخير كله في يديك، والشر ليس إليك ..).\nأخرجه النسائي في \"السنن\" ٢/ ١٣٠ كتاب الصلاة. باب: الدعاء بين التكبيرة والقراءة.\nفلو أضيف إليه، لم يكن شرًّا. انظر: \"شفاء العليل\" لابن القيم ١٧٩. وقال: (فإن قلت: لِمَ خَلَقَه وهو شر؟ قلت: خَلْقُهُ له وفِعْلُه، خيرٌ لا شرٌّ، فإن الخلق والفعل قائمٌ به -سبحانه-، والشر يستحيل قيامه به واتصافه به. وما كان في المخلوق من شر، فلعدم إضافته ونسبته إليه، والفعل والخَلْق يضاف إليه، فكان خيرًا، والذي شاءه كله خير، والذي لم يشأ وجوده بقي على العدم الأصلي، وهو الشر، فإن الشر كلَّه عَدَمٌ، وإنْ سبّبَه جهل وهو: عدم العِلْم، وظلمٌ وهو: عدم العدل. وما يترتب على ذلك من الآلام فهو من عدم استعداد المحل، وقبوله لأسباب الخيرات واللذات) ١٨١ المصدر السابق، وانظر: \"شرح العقيدة الطحاوية\" (٤٥٣) وما بعدها.","vol":"6","page":194},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-680>١٧٨ </span>- وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ﴾ الآية.\n﴿الَّذِينَ﴾ (١) -في قراءة من قرأ: ﴿يَحْسَبَنَّ﴾ بالياء (٢) -، رَفْعٌ؛ بأنه فاعل (يَحْسَبُ) (٣).\nوإذا كان ﴿الَّذِينَ﴾ فاعلًا؛ اقتضى (يَحْسَبُ) مفعولين؛ لأنّه يتعدى إلى مفعولين، أو إلى مفعولٍ يَسُدُّ مَسَدَّ مفعولين، وذلك إذا جَرَى - في صلة\n_________\n(١) من قوله: (الذين ..) إلى (.. اللذين يقتضيهما ﴿يَحْسَبَنَّ﴾: نقله -بتصرف- عن: \"الحجة\"، للفارسي: ٣/ ١٠١ - ١٠٢.\n(٢) القراءة الواردة في قوله: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ﴾ في الآية: ١٧٨، ١٨٠ و﴿لَا تَحْسَبَنَّ﴾، و﴿فَلَا تَحْسَبَنَّهُم﴾ في آية: ١٨٨ كالتالي:\nقرأها ابن كثير، وأبو عمرو، كلَّها بالياء، في كل القرآن.\nوقرأها نافع، وابن عامر (لا تحسبن) و(فلا تحسبنهم).\nوقرأ عاصم، والكسائي، ويعقوب: ﴿يَحْسَبَنَّ﴾ في الآية: ١٧٨، ١٨٠ بالياء. وقرأوا ﴿تَحْسَبَنَّ﴾ و﴿تَحْسَبَنَّهُم﴾ في الآية: ١٨٨، بالتاء. وكَسَرَ الكسائيُّ السينَ، وفتحها عاصم. وقرأها حمزة كلَّها بالتاء.\nومن قرأ ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّهُم﴾ بالتاء، فتح الباءَ، ومن قرأها بالياء، ضم الباء.\nانظر: \"السبعة\" ٢١٩، ٢٢٠، و\"القراءات\" للأزهري ١/ ١٣١، و\"الحجة\" للفارسي ٣/ ١٠٠ - ١٠١، و\"الكشف\" ١/ ٣٦٤ - ٣٦٨.\n(٣) يقال: (حَسِبْتُ الشيءَ): ظَنَنْتُه، (أحْسِبُه، وأحْسَبُه)، والكسر أجْوَدُ اللغتين). \"تهذيب اللغة\" ١/ ٨١٠ (حسب).\nقال الجوهري: (ويقال: (أحْسِبُه) -بالكسر-، وهو شاذٌّ؛ لأن كلَّ فِعْلٍ كان ماضيه مكسورًا، فإن مستقبله يأتي مفتوح العَيْنِ، نحو: (عَلِمَ، يَعْلَمُ)، إلا أربعة أحرف جاءت نوادر، قالوا: (حسِب يحسِب ويحسَبُ)، و(بَئِس يبأس ويَبْئِسُ)، و(يَئِس يَيْأسُ وَييئسُ)، و(نَعِمَ يَنعَمُ ويَنْعِم) فإنها جاءت من السالم بالكسر والفتح. ومن المعتَلِّ ما جاء ماضيه ومستقبله جميعًا بالكسر، نحو: (ومِقَ يمِق)، و(وفِقَ يَفِق)، و(وثِقَ يَثِق)، و(وَرع يَرعُ)، و(ورِمَ يَرِمْ)، و(ورث يرث)، و(وريَ الزندُ يَرِي)، و(وَلي يَلي). \"الصحاح\" ١/ ١١٢ (حسب).","vol":"6","page":195},{"text":"ما يتعدى إليه الحِسْبانُ-، ذِكْرُ الحديثِ والمُحَدَّث عنه، نحو: (حَسِبْتُ أن زيدًا منطلقٌ)، و(حَسِبتُ أنْ يقومَ عمرٌو) (١).\nفجرى (٢) فيما تَعَدَّى إليه (حَسِبْتُ) الحديثُ، وهو: الانطلاقُ والقيامُ. والمُحَدَّثُ عنه، وهو: زيدٌ أو عَمْرُو. فقام المفعولُ الواحدُ مقامَ المفعولين. وفقوله: ﴿أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ﴾ قد سَدَّ مسَدَّ المفعولين اللَّذَيْن يقتضيهما ﴿يَحْسَبَنَّ﴾.\nوقرأ حمزة: ﴿ولا تَحْسَبَنَّ الذين كفروا﴾ بالتاء. و﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ -في هذه القراءة- في موضع نَصْبٍ، بأنّه المفعول الأول.\nواختلفوا في وجه هذه القراءة:\nفقال الفرّاء (٣): هو على التكرير. المعنى: ولا تَحْسَبَنَّ يا محمدُ الذين كفروا، ولا تَحْسَبَنَّ أنَمَا نمْلِي لهم خيرٌ (٤) لأنفسهم. قال: وهذا كقوله -تعالى-: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً﴾ (٥) [محمد: ١٨]؛ يعنى: فهل ينظرون إلا الساعة، هل يَنْظُرُونَ (٦) إلا أنْ تأتيهم بَغْتةً؟.\nوقال الزّجاج (٧): هذه القراءة عندي، يجوز على البدل من\n_________\n(١) في (ج): (أن عمرو يقوم) وفي \"الحجة\": وحسبت أن تقومَ.\n(٢) في (أ)، (ب): (جرت). والمثبت من (ج).\n(٣) في \"معاني القرآن\" له ١/ ٤٤٨. نقله عنه بالمعنى. وهو رأي الكسائي -كذلك-. انظر: \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ٣٨٠، و\"تفسير القرطبي\" ٤/ ٢٨٧.\n(٤) في (ج): (خيرا).\n(٥) في (ج)، و\"معاني القرآن\": (هل).\n(٦) في (ج): (ينتظرون).\n(٧) في \"معاني القرآن\" له ١/ ٤٩١. ناقله عنه بتصرف يسير.","vol":"6","page":196},{"text":"﴿الَّذِينَ﴾؛ المعنى: ولا تَحسَبَنَّ ﴿أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ﴾ (١). وأنشد:\nفَمَا كانَ قَيْسٌ هُلْكُهُ هُلْكَ واحدٍ (٢)\nجعل (هُلكُهُ) بدلًا من (قَيس)؛ المعنى: فما كان هُلْكَ قيسٍ هُلكَ واحدٍ.\n_________\n(١) في \"معاني القرآن\": (لا تحسبن إملاءنا للذين كفروا خيرًا لهم).\n(٢) صدر بيت، وعجزه:\nولكنَّه بنيانُ قومٍ تَهَدَّما\nوهو لعبدة بن الطبيب السعدي التميمي، وهو في \"شعره\" ٨٨. وورد منسوبًا له في: \"كتاب سيبويه\" ١/ ١٥٦، و\"البيان والتبيين\" ٢/ ٣٦٣، و\"الشعر والشعراء\" (٤٨٧)، و\"عيون الأخبار\" ١/ ٢٨٧، و\"الأصول في النحو\" ٢/ ٥١، و\"الأغاني\" ٢١/ ٢٥، ٢٦، و\"شرح القصائد السبع\"، لابن الأنباري ٩، و\"ديوان المعاني\" لأبي هلال العسكري (تصحيح: كرنكو، ن: مطبعة القدسي، القاهرة، ١٣٤٢ هـ): ٢/ ١٧٥، و\"أمالي المرتضى\" ١/ ١١٤، و\"بهجة المجالس\" ١/ ٥١٤، و\"شرح ديوان الحماسة\" للتبريزي (ن: دار القلم) ١/ ٣٢٨، و\"شرح المفصل\" ٣/ ٦٥. ونسبه في \"الأغاني\" ١٤/ ٨٦ لمرداس بن عبدة.\nوورد غبر منسوب في: \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١٥٨ ب، و\"شرح المفصل\" ٨/ ٥٥، و\"البسيط في شرح جمل الزجاجي\" ٢/ ١٩٨، و\"إعراب القرآن\" لنحاس ١/ ٣٨٠، و\"الإغفال\" للفارسي ١/ ٥٩٣.\nوقد ورد في بعض المصادر: (فلم يك قيس ..).\nقال الشاعر البيت في رثاء قيس بن عاصم المنقري، سيد بني تميم.\nوالشاهد في البيت: رفع (هلكُه) على أنه بدل من (قيس) اسم (كان) ويكون حينها (هلكَ) منصوبًا على أنه خبر (كان). ويجوز أن يكون (هلكُه) مرفوعًا على الابتداء، وحينها تكون (هلك) مرفوعة على أنها خبر المبتدأ.\nقال ابن الأنباري: (والرواية الجيدة: (هلكُه هلكُ واحد) برفعهما جميعًا). \"شرح القصائد السبع\": ٩.","vol":"6","page":197},{"text":"ومثلُه -مما جُعِلَ (أنَّ) مع الفعل بدلًا من المفعول-، قولُه: ﴿وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾ (١) [الكهف: ٦٣]، وقوله -تعالى-: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ﴾ (٢) [الأنفال: ٧]، بَدَلًا مِنْ إحْدَى الطائفتين.\nقال أبو علي الفارسي (٣): هذه القراءة على تقدير البدل، لا يصح إلا بنصب (خيْر) (٤)؛ لأن (أنّ) تصير بدلًا من ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وإذا صار بدلًا منه، فكأنه قال: لا تَحْسَبَنَّ إملاءَ الذين كفروا خيرًا. فيلزم انتصاب (خير) (٥) من حيثُ كان المفعول الثاني لـ (حَسِبْتُ).\nألا ترى أنه أبدل (٦) ﴿أَنَّمَا﴾ كما (٧) أبدل الشاعرُ (هلكُهُ) من (قيس)، فصار التقدير: وما كان هُلْك قَيْسٍ هُلْكَ واحدٍ، انتصب (هلكَ واحدٍ) (٨) على أنه خبرُ (كان)، ولو (٩) لم يبدل (هلكُه) من (قيس)؛ لارتفع بالابتداء، وصار (هُلْكُ واحدٍ) خَبَرَه. والجملة في موضع نصب على خبر (كان). كما أَنه لو لم يُبْدِلْ (أنّ) من ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ لكسرها ولم يَفْتَحْها، ولو كسرها لصارت (أنّ) واسمها وخبرها، في موضع نصب؛ لأنه مفعول ثانٍ لـ ﴿تَحْسَبَنَّ﴾.\n_________\n(١) انظر: \"الحجة\" للفارسي ٣/ ١٠٧، و\"التبيان\" للعكبري (٥٤٢).\n(٢) انظر: \"الحجة\" للفارسي ٣/ ١٠٧، و\"التبيان\" للعكبري ٢/ ٤٠٤.\n(٣) في: \"الإغفال\" ١/ ٥٩٣. نقله عنه بتصرف. وانظر: \"الحجة\" له ٣/ ١٠٧.\n(٤) في (ج): (خبر).\n(٥) في (ج): (خبر).\n(٦) (أبدل): ساقطة من (ج).\n(٧) في (ج): (كان).\n(٨) (انتصب هلك واحد): ساقط من (ج).\n(٩) (ولو): ساقطة من (ج).","vol":"6","page":198},{"text":"وكما انتصب (هُلْكَ واحد) في البيت، لَمّا أبدل الأول مِنْ (قيس) بأنه خَبَرُ (كان)؛ كذلك ينتصبُ ﴿خيرٌ لهم﴾ في الآية، إذا أبدل الإملاء من ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بأنه مفعول ثانٍ لـ ﴿تَحْسَبَنَّ﴾.\nفإذًا، قد جاء أنه لا يجوز أن يُقرأ ﴿تَحْسَبَنَّ﴾ بالتاء، إلّا أن يُكسر (إنَّ) في ﴿أَنَّمَا نُمْلِي﴾، أو يُنصب ﴿خَيْرٌ﴾ (١)، مع فتح ﴿أَنَّمَا﴾، فيقرأ: (أنَّمَا نُمْلي لهم خيرًا لأنفسهم).\nولم يُرْوَ عن حمزةَ كسْرُ (أنّ)، ولا نَصْبُ (خَيْرٌ)، فلا تصح القراءة بالتاء، على ما قرأ به حمزةُ، عند أبي عليّ (٢).\nقال ابن عباس (٣): أراد بـ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: المنافقين، وقُرَيْظَةَ والنَّضِير. وقال مقاتل (٤): يعنى: مشركي مكة.\nوقوله: ﴿أَنَّمَا﴾، (ما) تحتمل وجهين:\nأحدهما: أن يَكون بمعنى (الذي) (٥)، فيكون التقدير: لا يحسبن\n_________\n(١) في (ج): (خبر).\nوقد جاء في (ج) بعد (خير) العبارةُ التالية: (فلا يصح بالياء إنما). وهي عبارة\nمقحمة لا وجه لها.\n(٢) قال النحاس، عن قراءة حمزة لقوله تعالى ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ﴾ [الآيتان: ١٧٨، ١٨٠] (وزعم أبو حاتم أنه لحنٌ لا يجوز، وتابعه على ذلك جماعةٌ). \"إعراب القرآن\" ١/ ٣٧٩.\nوعَقَّب القرطبيُّ على زعم أبي حاتم، قائلًا: (قلت: وهذا ليس بشيء؛ لما تقدم بيانه من الإعراب، ولصحة القراءة وثبوتها نقلًا). \"تفسيره\" ٤/ ٢٨٨.\n(٣) لم أقف على مصدر قوله. وقد ورد في: \"زاد المسير\" ١/ ٨٠٥\n(٤) في \"تفسيره\" ١/ ٣١٧. نصه عنده -بعد أن ذكر الآية-: (أبا سفيان وأصحابه، يوم أحد).\n(٥) انظر: \"مجاز القرآن\" ١/ ١٠٨.","vol":"6","page":199},{"text":"الذين كفروا أن الذي نمليه خيرٌ لأنفسهم، وحَذَفَ (الهاء) مِنْ ﴿نُمْلِي﴾؛ لأنه يجوز حذفُ الهاء مِنْ صِلَةِ (الذي)؛ كقولك: (الذي رأيتُ زيدٌ).\nوالآخر: أن يَكون (ما) بمنزلة الإملاء، فيكون مصدرًا، وإذا كان مصدرًا (١)، لم تقتض راجعًا إليها (٢).\nوقوله تعالى: ﴿نُمْلِي لَهُمْ﴾.\nمعنى ﴿نُمْلِي﴾ -في اللغة-: نُطِيل، ونُؤَخِّر. والإملاء: الإمهال والتأخير. واشتقاقه (٣) من (المِلْوَة)، وهي: المُدَّة من الزمان. يقال: (مِلْوَةٌ مِنَ الدَّهْرِ)، و(مُلْوَةٌ، ومَلْوَةٌ، ومِلاَوَةٌ (٤)، ومَلاَوَةٌ (٥)، ومُلاَوَةٌ)، بمعنًى (٦).\nقال العَجَّاج:\nوقد أُرَانِي لِلغَوَانِي (٧) مِصْيَدا ... مُلاوَةً كأنَّ فَوْقِي جَلَدا (٨)\n_________\n(١) (وإذا كان مصدرًا): ساقط من (ج).\n(٢) في (ج): (إليهما).\n(٣) من قوله: (واشتقاقه ..) إلى نهاية بيت الشعر: (.. من طريف وتالد): هو من قول ابن الأنباري؛ حيث ورد بعض النص في: \"زاد المسير\" ١/ ٥٠٩، و\"اللسان\" ٧/ ٤٢٧٢ (ملا). ونسباه لابن الأنباري، ولم يبينا المصدر.\n(٤) (أ)، (ب): وملاؤة. والمثبت من: (ج)، ومصادر اللغة.\n(٥) في (ج): (ومَلاوة، ومِلاوة).\n(٦) انظر: \"مجاز القرآن\" ١/ ٢٣٤، و\"غريب القرآن\" لابن اليزيدي ٤٥، و\"تفسير غريب القرآن\" لابن قتيبة ١١٦، و\"غريب الحديث\" للحربي ١/ ٣٤١، و\"تحفة الأريب\" ٣٨٨، وانظر مادة (ملا) في: \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٤٣٨، و\"الصحاح\" ٦/ ٢٤٩٦، و\"اللسان\" ٧/ ٤٢٧٢.\n(٧) في (ج): (الغواني).\n(٨) البيت في \"ديوانه\" (تح: د. عزة حسن): ٣٤٠. وورد منسوبًا له في: \"إصلاح المنطق\" ٤٧، ومادة (جلد) في: \"تهذيب اللغة\" ١/ ٦٣٤، و\"الصحاح\" ٢/ ٤٥٨.=","vol":"6","page":200},{"text":"ومنه قولُ العَرَبِ: (الْبَسْ جَدِيدا، وتَمَلَّ حبيبًا) (١)؛ أي: لِتطل أيَّامك معه. وقال مُتَمِّم (٢):\nبِودَّيَ أَنّي لو تَمَلَّيْتُ عُمْرَهُ ... بِمَالِيَ مِنْ مالٍ طَريفٍ وتَالدِ (٣)\n_________\n= و\"المقاييس\" ١/ ٤٧١، و\"اللسان\" ٢/ ٦٥٤.\nوورد غير منسوب في: \"جمهرة اللغة\" ١/ ٤٤٩، و\"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١٥٩ أ. وروايته في الديوان والجمهرة: (فقد أكونُ ..).\nو(الغواني): جمع غانية، وقيل في معناها: التي غَنِت بالزوج. وقيل: التي غَنِيت بحُسْنها عن الزينة وقيل: التي تُطلَب، ولا تَطلُب. وقيل: الشابَّة العفيفة؛ كان لها زوجٌ أو لم يكن. وقيل: كلُّ امرأة، فإنها تُسمَّى غانية. وقيل غير ذلك. انظر: \"اللسان\" ٦/ ٣٣٠٩ (غنا).\nو(المِصْيَد) -بكسر الميم، وفتحها-: ما يُصاد به. \"اللسان\" ٤/ ٢٥٣٤ (صيد). و(الجَلَد)، فيه قولان: أحدهما: أن يُسلخ جِلْدُ البعيرِ وغيره، وُيلْبَس غيرَه من الدواب، وُيسمَّى هذا (جَلَدا). والقول الثاني: أن يُسلخ جِلْدُ الحُوار، ثم يُحشى ثُمامًا، أو غيره من الشجر، ثم يُعطف عليه أمُّه، فترأمه. انظر: (جلد) في: \"تهذيب اللغة\" ١/ ٦٣٤، و\"المقاييس\" ١/ ٤٧١.\nومعنى البيت: إنَّهنَّ يَرأمْنَنِي ويَعْطِفْنَ عليَّ، كما ترأم الناقةُ الجَلَدَ.\n(١) انظر: \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٣٤، و\"الصحاح\" ٦/ ٢٤٩٧ (ملا)، و\"اللسان\" ٧/ ٤٢٧٢ (ملا). وقد ورد المثل فيه: (أبليت جَدِيدًا، وتَمَلَّيتَ حبيبًا). أي: عشت معه ملاوتَكَ من دهرك، وتمتعت به.\n(٢) تقدمت ترجمته.\n(٣) البيت في \"شعره\" ٨٦.\nوقد ورد منسوبًا له، في: \"الزاهر\" ١/ ٢٥٦. وورد غير منسوب في: \"اللسان\" ٧/ ٤٢٧٢ (ملا) وردت روايته في المصادر السابقة: (بودي لو أني ..).\nقال في \"الزاهر\": (الطريف، والطارف)، وهما: المال المستحدث الذي كَسَبه الرجلُ، وجَمَعَهُ. و(التَّليد، والتالِدُ): ما ورثه عن آبائه ولم يكتسبه) ١/ ٢٥٦.","vol":"6","page":201},{"text":"وقال الأصمعي (١): (أمْلَى عليه الزمانُ) (٢)؛ أي: طال عليه. و(أملَى له)؛ أي: طَوَّل له، وأمهله.\nقال أبو عبيدة: ومنه: (المَلاَ) (٣): الأرض الواسعة الطويلة (٤).\nقال ابن عباس (٥) -في قوله: ﴿أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ﴾ -: يريد (٦): تماديهم في معاصي الله.\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا﴾ قال ابن الأنباري (٧): قال جماعة من أهل العلم (٨): أنزل الله ﷿ هذه الآية في قوم يعاندون الحق، سَبَقَ في علمه أنهم لا يؤمنون، فقال: ﴿إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا﴾ بمعاندتهم الحقَّ، وخِلاَفِهِم الرسولَ.\nوقد قال رسول الله - ﷺ -: (إذا رأيتَ اللهَ يُعْطِي على المعاصي، فإنَّ\n_________\n(١) قوله -بنصه-، في: \"تهذيب اللغة\" (٣٤٣٨) (ملو).\n(٢) في \"التهذيب\": الزمن.\n(٣) وهي غير مهموزة، وتكتب بالألف والياء، والبصريون يكتبونها بالألف. وقال الفراء: (والألف أجود). وكذا قال ابن الأنباري.\nانظر: \"المقصور والممدود\" للفراء ٤٣،٦١، و\"المنتخب\" لكراع ٢/ ٤٣٨؛ و\"شرح القصائد السبع\" لابن الأنباري ٤٦٥، ومادة (ملا) في: \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٤٣٨، و\"الصحاح\" ٦/ ٢٤٩٧، و\"اللسان\" ٧/ ٤٢٧٢.\n(٤) لم أقف على مصدر قول أبي عبيدة، والذي ورد في \"مجاز القرآن \": (ويقال للخرق الواسع في الأرض: مَلًا، مقصور) ١/ ٣٣٣.\n(٥) لم أقف على مصدر قوله.\n(٦) في (ج): (مريد).\n(٧) لم أقف على مصدر قوله.\n(٨) لم أقف عليهم.","vol":"6","page":202},{"text":"ذلك استدراجٌ مِنَ اللهِ لِخَلْقِهِ)، ثم تلا هذه الآية (١).\nونحو هذا، قال الزّجاج (٢): إن هؤلاء قومٌ، أعلَمَ اللهُ نبيَّه أنهم لا يؤمنون أبدًا، وأن بقاءهم يزيدهم كفرًا وإثما.\nوالآية حجّة ظاهرة على القَدَريّة (٣)؛ حيث أخبر الله -تعالى-، أنه يطيل أعمارَ قومٍ وُيمْهِلُهُم؛ لِيَزدادوا غَيًّا وكُفْرا.\n_________\n(١) الحديث أخرجه: أحمد في \"المسند\" ٤/ ١٤٥، وابن أبي الدنيا في \"كتاب الشكر\" ٨٠ رقم (٣٢)، والطبراني في \"المعجم الكبير\" ١٧/ ١٣٣، والطبري في \"تفسيره\" ٧/ ١٩٥.\nوأورده الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" ٧/ ٢٠، ١٠/ ٢٤٥، وقال: (رواه الطبراني في الأوسط عن شيخه، الوليد بن العباس المصري، وهو ضعيف).\nوأورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ٣/ ٢٢ وزاد نسبة إخراجه إلى ابن أبي حاتم، وابن المنذر، وأبي الشيخ، وابن مردويه، والبيهقي في \"الشعب\".\nوأورده في \"الجامع الصغير\" ورمز له بالحسن. انظر: \"فيض القدير\" ١/ ٤٥٥. وأورده الخطيب التبريزي في: \"مشكاة المصابيح\" ٣/ ١٤٣٥ رقم (٥٢٠١).\nوحَسَّن الحافظ العراقي سنده (انظر: \"تخريج الإحياء\" بهامش \"إحياء علوم الدين\" ٤/ ١٣٢).\nوصححه الألباني في: صحيح \"الجامع الصغير\" ١/ ١٥٨ رقم (٥٦١)، وفي \"سلسلة الأحاديث الصحيحة\" رقم (٤١٤).\nولفظ الحديث -كما عند أحمد، من رواية عقبة بن عامر، عن النبي - ﷺ -: \"إذا رأيت الله -﷿- يعطي العبد من الدنيا على معاصيه ما يُحب، فإنما هو استدراج\"، ثم تلا رسولُ الله - ﷺ -: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ [الأنعام: ٤٤]. فليس في الأثر -عند من رواه- أنه - ﷺ - قرأ هذه الآية من سورة آل عمران.\n(٢) في \"معاني القرآن\" له ١/ ٤٩١. نقله عنه بتصرف يسيِر.\n(٣) سبق بيان أن المراد بـ (القدَريَّة) هم المعتزلة، الذين وافقوا القَدَرية القُدامى في نفي القدر.","vol":"6","page":203},{"text":"والقَدَرِيّة، تأولوا الآية على وجهين:\nأحدهما: على التقديم والتأخير؛ فقالوا: التقدير: (ولا يحْسَبَنَّ الذين كفروا إنما نُملي لهم لِيَزدادوا إثما؛ إنَّما نُملي لهم خيرٌ لأنفسهم). وهذا (١) إنما كان يُحتمل لو قُرِئ بِكَسْرِ ﴿أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ﴾، ﴿إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا﴾. ولم يقرأ به أحدٌ يُعرَف. ولا يجوز حملُ الآية على وجهٍ لا يجوز أن يُقرأ به (٢).\nوالوجه الثاني: قالوا (٣): معنى قوله: ﴿إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا﴾: إنما نُمْلي لهم، على أنَّ عاقبةَ أمْرِهم ازديادُ الإثم. وهذه لام العاقبة؛ كقوله: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص: ٨]. وهذا (٤) الذي قالوه، خِلافُ ما ذَكَرَهُ المفسرون وأهل العلم، وعُدُولٌ عن ظاهرِ الخِطَاب، فلا يُقْبَلُ.\nعلى أن لام العاقبة يشَاكِل ما قبله؛ كقوله: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ﴾، الآية، وهم ما التقطُوهُ لِهذا؛ ولكنْ كان الالتقاطُ سبَبَ كونِهِ عَدُوًّا لهم، كذلك في الآية، يجب أنْ يكونَ إمْلاءُ اللهِ إيَّاهم، سَبَبَ ازديادهم الإثم (٥)،\n_________\n(١) من قوله: (وهذا ..) إلى (.. خير لأنفسهم): ساقط من (ج).\n(٢) قال النحاس في \"إعراب القرآن\" ١/ ٣٨٠ (قال أبو حاتم: سمعت الأخفش يذكر كسر (إنَّ) يحتج لأهل القَدَر؛ لأنه كان منهم، ويجعله على التقديم والتأخير .. قال: ورأيت في مصحفٍ في المسجد الجامع، قد زادوا فيه حرفًا؛ فصار: (إنما نملي لهم ليزدادوا إيمانًا)، فنظر إليه يعقوب القارئ، فتَبيَّنَ اللَّحَقَ، فحكَّه). وانظر: \"تفسير القرطبي\" ٤/ ٢٨٨.\n(٣) انظر: \"تنزيه القرآن عن المطاعن\" للقاضي عبد الجبار ٨٣\n(٤) (أ)، (ب): (وهو)، والمثبت من: (ج)، وهو أولى وأصوب.\n(٥) في (ج): (الكفر).","vol":"6","page":204},{"text":"وهو ما نقول: إن الله -تعالى- يُملِي لهم، لِيَزدادوا إثمًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-681>١٧٩ </span>- قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ الآية.\nاختلفوا في سبب نزول هذه الآية:\nفقال الكَلْبيُّ (١): قال المشركون للنبي - ﷺ -: ما بَالُكَ تَزْعُمُ أن الرَّجلَ مِنْ أهلِ النار، حتى يَدْخُلَ في دِينِكَ، فإذا انتقل إلى دينك، ادَّعَيْتَ أنه من أهل الجَنَّةِ، فينبغي أنْ تُعَرِّفَنَا الذي يَنتَقِلُ، قبل أن ينتَقِلَ.\nفأنزل الله -تعالى- مجيبًا لهم-: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ أي: ما كانَ اللهُ لِيَدَعَ المؤمِنَ (٢)، على ما عليه الكافرُ (٣). وأَعْلَمَ أنَّ حُكْمَ مَنْ كَفَر، أن يقال: أنه مِن أهل النار، ومَنْ آمَنَ: فهو من أهل الجَنَّة.\nومعنى: ﴿حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ -على هذا التفسير-: حتى يُفَرِّقَ بين المؤمن والكافر؛ بالحُكْمِ لِلْمُؤْمِنِ بالجَنَّةِ، ولِلكافر بالنار.\nوالخِطاب في قوله: ﴿أَنتُمْ﴾ -على هذا الوجْهِ-، للمشركين.\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ﴾ أي (٤): وما كان اللهُ لِيُخْبِركم بإسلامِ مَنْ يُسْلِم قبل أن يُسْلِم؛ فَيَدُلكم على غَيْبِهِ؛ وذلك أنهم\n_________\n(١) قوله في: \"بحر العلوم\" ١/ ٣١٨، و\"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١٥٩ أ، و\"أسباب النزول\" للمؤلف ١٣٦، و\"تفسير البغوي\" ٢/ ١٤٠، و\"تفسير القرطبي\" ٤/ ٢٨٨.\nوأورد هذا القول ابنُ الجوزي في \"الزاد\" ١/ ٥١٠ ونسبه لابن عباس.\nونحو هذا القول، قال السُّدِّي. انظر: \"تفسير الطبري\" ٤/ ١٨٨، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" ٣/ ٨٢٤.\n(٢) في (ج): (المؤمنين).\n(٣) في (ج): (الكافرين).\n(٤) أي: ساقطة من (ج).","vol":"6","page":205},{"text":"سألوا أن يُعرَّفوا ذلك.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾: أي: يختارُ مِنَ الرُّسُل مَن يشاء بالغيب، فيُطْلِعُه على بعض عِلْمِ الغيب؛ كقوله: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ [الجن:٢٦ - ٢٧]، الآية.\nقال الزّجاج (١): وإنما يُطْلِعُ الرسلَ على الغيب؛ لإقامة البرهان في أنهم رُسُلٌ، وأنَ ما أتَوا به مِن عند الله.\nومعنى قوله: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾؛ أي: بالغيب. فَحذف ذلك للعلم به؛ وذلك لاستثناء الرسولِ مِمَّن لا يُطلَعُ على الغيب.\nوهذا (٢) قول جماعةٍ مِنَ المفسرين (٣)، واختيار الفرّاء (٤) والزّجاج (٥). والآية مطَّرِدَة على هذا التفسير.\nوقال مجاهد (٦)، ومحمد بن إسحاق (٧): نزلت الآية في المنافقين، وتمييزهم عن المؤمنين، و-على هذا التفسير- الخطابُ للمؤمنين في قوله: ﴿أَنْتُمْ﴾، رَجَعَ من الخَبَر عن المؤمنين إلى مخاطبتهم.\n_________\n(١) في \"معاني القرآن\" له ١/ ٤٩٢. نقله عنه بتصرف يسير.\n(٢) يعني بـ (هذا): ما قاله الكلبيُّ في سبب نزول الآية، وما يترتب عليه في كون الخطاب فيها للمشركين.\n(٣) منهم: مقاتل، في \"تفسيره\" ١/ ٣١٧ - ٣١٨.\n(٤) في \"معاني القرآن\" له ١/ ٢٤٨.\n(٥) في \"معاني القرآن\" له ١/ ٤٩٢.\n(٦) قوله في: \"تفسير الطبري\" ٤/ ١٨٧، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" ٣/ ٨٢٤، و\"النكت والعيون\" ١/ ٤٣٩.\n(٧) قوله في: \"سيرة ابن هشام\" ٣/ ٧٥، و\"تفسير الطبري\" ٤/ ١٨٧.","vol":"6","page":206},{"text":"ومعنى الآية: ما كان الله ليذركم يا معشر المؤمنين، على ما أنتم عليه مِن التباسِ المنافقِ بالمؤمنِ، والمؤمن بالمنافق، حتى يُمَيِّزَ الخبيثَ من الطَّيِّب، أي: المنافقَ مِنَ المُؤمِنِ.\nقال مجاهد (١): فَمَيّزَ الله المؤمنين يومَ أحد مِنَ المنافقين؛ حيث أظهروا النفاقَ، وتَخَلَّوا عن رسول الله - ﷺ -.\n﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ﴾ فتعرفوا المنافقَ من المؤمنِ قبل التمييز، ولكنَّ اللهَ يختار بمعرفة (٢) ذلك مَنْ يَشَاء مِنَ الرُّسُلِ.\nقال ابن عباس (٣): يريد: أنت يا محمد ممن اصطفيتُهُ وأطلعته على هذا الغيب.\nوهذا معنى قول السُّدِّي في هذه الآية، فإنه قال في سبب نزولهما ما يُشاكِل هذا التفسير، وهو أنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"أُعْلِمْتُ مَنْ يُؤْمِنُ بي وَمَنْ لا يُؤمِنُ\" فَبَلَغَ ذلك المنافقينَ، فاستهزؤوا، وقالوا: كيف، ونحن معه لا يعرفنا؟! فأنزل الله هذه الآية (٤).\n_________\n(١) قوله في: \"تفسير الطبري\" ٤/ ١٨٧، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" ٣/ ٨٢٤، و\"النكت والعيون\" ١/ ٤٣٩.\n(٢) في (ج): (بمعرفته).\n(٣) لم أقف على مصدر قوله.\n(٤) الحديث أورده -غير مسند-: الثعلبي في \"تفسيره\" ٣/ ١٥٩ ب. ونَصُّه عن الثعلبي: (قال السدي: قال رسول الله - ﷺ -: \"عُرِضت علي أمتي في صورها، كما عُرِضت على آدم، وأعْلِمتُ مَن يُؤْمِنُ بي ومن يكفر\". فبلغ ذلك المنافقين، فاستهزؤوا، وقالوا: زعم محمد أنه يعلم من يؤمن به ومن يكفر، ممن لم يُخلَق بعد، ونحن معه ولا يعرفنا. فبلغ ذلك رسول الله - ﷺ -، فقام على المنبر خطيبًا، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: \"ما بال أقوام جهَلوني، وطعنوا في علمي، لا =","vol":"6","page":207},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= تسألوني عن شيء فيما بينكم وبين الساعة إلا أنبأتكم به\" فقام عبد الله بن حذافة السهمي، فقال: يا رسول الله. من أبي؟ قال: \"حذافة\". فقام عمر بن الخطاب، فقال: يا رسول الله - ﷺ -، رضينا بالله ربا وبالإسلام دينًا وبالقرآن إمامًا وبك نبيًا فاعف عنا، عفا الله عنك. فقال النبي - ﷺ -: \"فهل أنتم منتهون؟ هل أنتم منتهون؟ \" ثم نزل عن المنبر. فأنزل الله -تعالى- هذه الآية ..).\nوالأثر طويل، وله عنده بقية، وأورده -كذلك- المؤلف في \"أسباب النزول\" ١٣٦، والبغوي في \"تفسيره\" ٢/ ١٤١، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ١/ ٥١٠، وكلهم نسبه للسدي، عن رسول الله - ﷺ -.\nولم أقف عليه في مصادر أخرى بهذا النص، وإنما ورد بنص آخر -من رواية حذيفة بن أسيد- \"عُرضت علي أمتي البارحة، لَدُنْ هذه الحجرة، حتى إني لأعْرفُ بالرجل منهم، من أحدكم بصاحبه\". فقال رجل من القوم: يا رسول الله، هذا عُرِض عليك مَنْ خُلِق منهم، أرأيت من لم يُخلَق؟. فقال: \"صُوِّروا لي، فوالذي نفسي بيده، لأنا أعْرَفُ بالإنسان منهم بصاحبه\".\nأخرجه الطبراني في \"المعجم الكبير\" ٣/ ١٨١ رقم (٣٠٥٤، ٣٠٥٥)، والديلمي في \"مسند الفردوس\" ٣/ ٦٦ رقم (٤١٨٥)، وأورده السيوطي في \"الجامع الصغير\" وزاد نسبته للضياء المقدسي، ورمز له بالصحة. (انظر: \"فيض القدير\" ٤/ ٤١٤). وقال الهيثمي: (رواه الطبراني، وفيه زياد بن المنذر، وهو كذاب). \"مجمع الزوائد\"١٠/ ٦٩. وحكم عليه الألباني بالضعف في ضعيف \"الجامع الصغير\" ٤/ ٢٩ رقم (٣٧٠٣).\nوهذه الرواية تختلف عما أورده الثعلبي في تفسيره، وليس فيه أنه سبب نزول الآية، ولا متعلق له بهذه الآية.\nكما أخرج البخاريُ حديثًا آخر من رواية أنس، نحو ما أورده المؤلف، ونصه: \"سألوا النبي - ﷺ - حتى أحفَوْهُ بالمسألة، فصعد النبي - ﷺ - ذات يوم المنبرَ، فقال: لا تسألوني عن شيء إلا بينت لكم، فجعلت أنظر يمينًا وشمالًا فإذا كل رجل رأسه في ثوبه يبكي، فأنشأ رجل كان إذا لاحى يُدعى إلى غير أبيه، ومَال: يا نبي الله من أبي؟ فقال: أبوك حذافة. ثم أنشأ عمرُ فقال: رضينا بالله ربا وبالإسلام دينًا وبمحمد رسولًا. نعوذ بالله من سوء الفتن، فقال النبي - ﷺ -: ما رأيت في الخير والشر كاليوم قطّ، إنما صورت لى الجنة والنار حتى رأيتهما دون الحائط). قال =","vol":"6","page":208},{"text":"وهذا (١) وجهان من التفسير لهذه الآية.\nوقيل فيه وجه ثالث من التفسير، وهو: إن الخطاب للمشركين والمنافقين واليهود (٢) في قوله: ﴿أَنْتُمْ﴾ (٣)؛ والمراد بـ (المؤمنين) (٤) في قوله: ﴿لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾: الذين هم (٥) في أصلاب الرجال من المشركين، وأرحام النساء من المشركات، ممن يؤمنون.\nومعنى الآية: ما كان الله لِيَدَعَ أولادَكُمْ الذين جرى لهم الحكمُ بالإيمان، على ما أنتم عليه من الشِّرْك، حتى يُفَرِّق بينكم وبين مَن في أصلابكم، وأرحام نسائِكم من المؤمنين.\nوهذا قول الضّحاك (٦)، وابن عباس في رواية عطاء (٧).\n_________\n= قتادةُ: يُذكر هذا الحديث عند هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [سورة المائدة: ١٠١]). \"فتح الباري\" ١٣/ ٤٣، كتاب الفتن. باب التعوذ من الفتن، ١٣/ ٢٦٥، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب ما يكره من كثرة السؤال.\n(١) هكذا في (أ)، (ب)، (ج). والأصوب أن يكون (هذان) إلا أني أبقيت (هذا) لاحتمال أن يريد بـ (هذا): ما سبق من قول في الآية.\n(٢) في (ج): (ولليهود).\n(٣) (أنتم): ساقطة من (ج).\n(٤) (المؤمنين): ساقطة من (ج).\n(٥) (هم): ساقطة من (ج).\n(٦) قوله، في \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١٦٠ ب، و\"تفسير البغوي\" ٢/ ١٤١. وورد في \"بحر العلوم\"، عنه: (إن المنافقين أعلنوا الإسلام، وأسروا الكفر، وصلوا وجاهدوا مع المؤمنين، فأحب أن يُمَيِّز بين الفريقين، وأن يَدُلَّ رسول الله على سرائر المنافقين، فقال: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾. يعني: المنافق من المؤمن) ١/ ٣١٩.\nورد في: \"زاد المسير\" ١/ ٥١٠ عن الضحاك، أن المخاطب في هذه الآية: الكفار والمنافقون.\n(٧) لم أقف على مصدر قوله وفق سياق المؤلف. والذي ورد عن ابن عباس -من =","vol":"6","page":209},{"text":"وقوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ﴾، لا يتعلق بأوَّلِ الآية في المعنى -على هذا التفسير-، ولكن معناه: إنه أَخْبَرَ ابتداءً، أنه لا يُطلِعُ أحدًا على عِلْمِ الغيب؛ لأنه لا يعلمه أحدٌ غيرُه، ولكن يجتبي مِن رُسُلِهِ مَنْ يَشاء، فَيُطْلَعَ على بعض عِلْمِ الغَيْب.\nوقيل في سبب نزول قوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ﴾: إنّ المشركين أنكروا نُبُوَّةَ محمد - ﷺ -، وقالوا: ما بالنا نحن لا نكون أنبياء، فإنَّا أكثرُ أموالًا وأولادًا؟ فأنزل الله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ﴾؛ أي: لم يكن ليوحي إليكم فيجعلكم بمنزلة الرُّسُل، بظنِّكُم عند أنفسكم أنكم مستحقون ذاك (١)، بل يُنَبِّئ (٢) مَنْ يَراهُ أهلًا للخصوصية والتشريف.\nوهذا معنى قولِ أبي إسحاق (٣)، وابن الأنباري (٤). قال ابن\n_________\n= رواية علي بن أبي طلحة-، قال: (يقول للكفار: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ من الكفر، ﴿حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ فيميز أهل السعادة من أهل الشقاوة). \"تفسير ابن أبي حاتم\": ٣/ ٨٢٤ - ٨٢٥.\nوكون الخطاب في الآية للكفار والمنافقين -وفق المعنى الذي ذكرته عن ابن عباس سابقًا-، قال عنه الثعلبي: (هو قول: ابن عباس والضحاك ومقاتل والكلبي، وأكثر المفسرين). \"تفسيره\" ٣/ ١٦٠ أ.\n(١) في (ج): (ذلك).\n(٢) في (ج): (ينبأ).\n(٣) في: \"معاني القرآن\" له ١/ ٤٩٢. ولكن هذا القول، ليس مما تبناه الزجاج، وإنما أورده بصيغة (قيل). فقد ذكر أولا قول الكلبي -الذي ذكره المؤلف-، وصدره بقوله: (يروى في التفسير)، ثم ذكر هذا القول، قائلًا: (وقد قيل في التفسير ..) وذَكَره.\n(٤) لم أقف على مصدر قوله.","vol":"6","page":210},{"text":"الأنباري: وأوَّلُ الآية يدل على هذا، ويمكن حمله على هذا التفسير؛ وهو: أنهم أنكروا نُبُوَّةَ محمد، وما يدعوا إليه مِنْ تَرْكِ دينِ الآباءِ والأجداد. فأعلم الله -تعالى- أنه لم يكن لِيَدَعَ المؤمنين على ما عليه الكفارُ مِنَ العَمَى والحَيْرة، حتى يَنْتاشَهم (١) ويستنقذهم من المهالك، بإرساله محمدًا - ﷺ -، وإعطائه (٢) إيَّاه مِنَ الدَّلائِلِ ما يكَون عَلَما لِصِدْقِهِ، وسببًا لانقياد (٣)، [الناس] (٤) إلى متابعته.\nفهذه أربعة أوجُهٍ مِنَ التفسير، في هذه الآية.\nفقوله: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ﴾، هذه اللام يُسمِّيها بعضُ أهل النحو، لامَ الجَحْد؛ كما تقول: (ما كنت لأفعل ذلك) (٥). وهي في تأويل (كي)؛ ولذلك نَصَبَتْ ما بعدها.\nوذكرنا الكلام في (يَذَر) عند قوله: ﴿وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ (٦).\n_________\n(١) ينتاشهم؛ أي: يستخرجهم. وأصلها من: (النَتْش)، وهو: نتف اللحم، وجذبه قرصًا، واستخراج الشوكة ونحوها. ويقال للمنتاش: استخرجه.\nانظر (نتش) في: \"اللسان\" ٧/ ٤٣٣٦، و\"القاموس\" (٦٠٦).\n(٢) في (أ)، (ب)، (ج): وأعطاه. والمُثبَت هو ما استصوبته.\n(٣) في (ب): (للانقياد).\n(٤) ما بين المعقوقين زيادة من (ج).\n(٥) انظر: \"اللامات\"، للزجاجي ٦٨، و\"المحلى\" لابن شقير ٢٢٨. وهي عند الكوفيين حرف زائد، يدخل لتقوية النفي، ويرى النحاس أن الصواب تسميتها (لام النفي)؛ لأن الجحد في اللغة إنكار ما تعرفه، لا مطلق الإنكار. انظر: \"المغني\" لابن هشام ٢٧٨.\n(٦) سورة البقرة: من الآية: ٢٣٤ ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾، والآية:٢٤٠ ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾","vol":"6","page":211},{"text":"قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَمِيزَ﴾.\nفيه (١) قراءتان: التشديد والتخفيف (٢). وهما لغتان. يقال: (مِزْتُ الشيءَ بَعْضَهُ عن بَعْض)، فأنا (أمِيزُهُ مَيْزًا)، و(مَيّزْتُهُ تمييزًا) (٣). ومنه الحديث: \"مَن مَازَ أذًى عن طريق، فهو له صدقة\" (٤).\n_________\n(١) (فيه): ساقطة من (ج).\n(٢) قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وعاصم، وأبو جعفر: ﴿يَمِيزَ﴾ بفتح الياء الأولى، وكسر الميم مع التخفيف.\nوقرأ حمزة، والكسائي، ويعقوب، وخلف: ﴿يُمَيز﴾ -بضم الياء الأولى، وفتح الميم مع التشديد.\nانظر: \"السبعة\" ٢٢٠، و\"الحجة\"، للفارسي ٣/ ١١٠، و\"المبسوط\" لابن مهران ١٤٩ - ١٥٠.\n(٣) أي: عزلته، وفرزته، وخلصته\nانظر: \"علل القراءات\" للأزهري ١/ ١٣٣، و\"المجموع المغيث\" ٣/ ٢٤٨، و\"اللسان\" ٧/ ٤٣٠٧ (ميز).\n(٤) الحديث من رواية أبي عبيدة بن الجراح، أخرجه: أحمد في \"المسند\" ١/ ١٥٩ -\n١٩٦، والخطابي في \"غريب الحديث\" ٣/ ١٢٧.\nوأورده ابن الأثير في \"النهاية في غريب الحديث\" ٤/ ٣٨٠، وأورده الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" ٢/ ٣٠٠، وزاد نسبة إخراجه لأبي يعلى، والبزار، وقال: (وفيه يسار بن أبي سيف، ولم أر من وَثَّقه، ولا من جرحه، وبقية رجاله ثقات).\nقال البنا في: \"الفتح الرباني\" ١٩/ ١٩٧ - معلقًا على كلام الهيثمي-: (الظاهر أن النسخة التي وقعت للحافظ الهيثمي فيها يسار -بالياء التحتية، والسين المهملة-، وهو خطأ؛ ولذلك لم يجد له ترجمة، والصواب بشار بالباء الموحدة، والشين المعجمة-، كما جاء في نسختنا. وفي \"تقريب التهذيب\": بشار بن أبي سيف الجَرمي -بفتح الجيم- الشامي، نزل البصرة، مقبول).\nولفظه -عند أحمد-: (مَن أنفق نَفَقَة فاضلة في سبيل الله، فبسبعمائة، ومن أنفق على نفسه وأهله، أو عاد مريضًا، أو مَازَ أذًى، فالحسنة بعشر أمثالها، الصوم =","vol":"6","page":212},{"text":"وقال الشاعر:\nتنفِي رُضَاضَ الحَصَا مَنَاسِمُها ... كَمَا يَمِيزَ الزُّيُوفَ مُنْتَقِدُ (١)\nو(التمييز) (٢) ليس بمنقول بالتشديد عن (المَيْز)؛ كـ (التَّغْرِيم) مِنَ (الغرْم)؛ لأنه لو كان منقولًا لَتَعدَّى إلى مفعولين؛ كـ (التغريم)؛ فإنه [يقال] (٣): غَرَّمْتُ زيدًا مالًا. و(التمييز) لا يتعدّى إلى مفعولين إلّا بحرف جرٍّ؛ نحو قولك: (مَيَّزت مَتَاعَكَ بعضَه من بعض).\nومثل (٤) (مَيَّز) -في أنّ التضعيف فيه ليس للنقل والتعدّي- قولُهم: (عَوَّض)، فهو بمعنى (عاض). ولو كان التضعيف فيه للنقل؛ لَتَعدّى إلى ثلاثة مَفْعولِينَ (٥)؛ لأن (عاض) يَتَعدَّى إلى مَفْعولَيْنِ، فـ (عَوّضَ) و(عاض) لُغَتَان.\nوحجّة مَن قَرَأ بالتخفيف: أنَّه يَصْلُح للقليل والكثير؛ لأن (المَيْز) كـ (التميِيز)، سَوَاء، وهو -مع ذلك- خفيف في اللفظ. وإذا اجتمعت خِفَّةُ اللفظ مع استيعاب المعنى، كان المصير إليه أَوْلى.\n_________\n= جُنَّة ما لم يَخرْقها، ومَن ابتلاه ببلاءٍ في جَسَدِهِ فَهو له حِطَّة).\nومعنى (مَازَ): نحَّى وأزال.\n(١) لم أهتد إلى قائله.\nرُضَاض الحصا: فُتَاتُه. انظر: \"اللسان\" ٣/ ١٦٥٩ (رضض).\nالمناسم: جمع (مَنْسِم)، وهو: طرف الخُفِّ من: البعير والنعامة والفيل والحافر. انظر: \"اللسان\" ٧/ ٤٤١٥ (نسم).\nوالمُنْتَقِد: الصيرفي الحاذق، الذي يميز الدراهم الصحيحة من الزائفة.\n(٢) من قوله: (والتمييز ..) إلى (.. فعوض وعاض لغتان): نقله -بمعناه- عن \"الحجة\" للفارسي ٣/ ١١١ - ١١٣.\n(٣) ما بين المعقوفين غير مقروء في (أ). وساقط من (ب). والمثبت من (ج).\n(٤) في (ج): (ومثلى).\n(٥) في (ب): (مفاعيل).","vol":"6","page":213},{"text":"وحكى أبو زيد، عن أبي عمرٍو، أنه كان يقول (١):\nالتشديد للكثرة، فأما واحدٌ مِن واحدٍ فـ (يَمِيز) -بالتخفيف-. والله -تعالى- يقول: ﴿حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾، فَذَكَر شيئين. و-هذا- كما قال بعضهم (٢) في (الفَرْق) و(التَّفرِيق) (٣).\nوحجّة من قرأ بالتشديد: أن التشديد للتكثير والمبالغة، ويِكثر المؤمنون والمنافقون. فالتمييز -ههنا- أَوْلى، والله -تعالى- ذَكَرَ الجِنْسَيْنِ بلفظ ﴿الْخَبِيثَ﴾ و﴿الطَّيِّبِ﴾ وهما للجِنْس؛ فالمراد بهما: جميع المؤمنين والمنافقين، لا اثنان منهما. وقد قال الله -تعالى-: ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ﴾ [الملك: ٨]. وهذا مُطَاوع [(التَّميِيِز). والذي يدل على (٤) أن التخفيف أولى، قولُه: ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ﴾ [يس: ٥٩]، وهو مُطاوع] (٥) (المَيْز).\nوقوله تعالى: ﴿لِيُطْلِعَكُمْ﴾.\nالإطْلاعُ: أن تُطلِعَ إنسانًا على أمرٍ، لم يكن عَلِمَ (٦) به. فيقال (٧):\n_________\n(١) لم أقف على مصدر قوله. وقد ذكره -بمعناه- ابنُ زنجلة في: \"حجة القراءات\" ١٨٢.\n(٢) ذكر الثعلبي والقرطبي هذا القائل، وهو: أبو معاذ، الفضل بن خالد المروزي، أحد كبار علماء النحو، قال السيوطي: (وذكره ابن حبان في الثقات، وصنف كتابًا في القرآن). توفي سنة (٢١١ هـ). انظر: \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١٦٠ أ - ب، و\"تفسير القرطبي\" ٤/ ٢٨٩، و\"بغية الوعاة\"، للسيوطي ٢/ ٢٤٥.\n(٣) في \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١٦٠ أ، (ومثله، إذا جَعلتَ الواحدَ شيئين، قلت: (فَرَقْتُ بينهما)، ومنه: (فَرْقُ الشَّعْرِ). فإن جعلته أشياء، قلت: (فَرَّقتْه تفريقًا). وانظر: \"تفسير القرطبي\" ٤/ ٢٨٩.\n(٤) وردت العبارة في (ج): (والذي يدل من التميين على ..). ولم أر لها وجهًا. والعبارة ساقطة من: (أ)، (ب). وما أثبتُّه هو ما استصوبته.\n(٥) ما بين المعقوفين: زيادة من (ج).\n(٦) في (ج): (يعلم).\n(٧) في (ج): (فيقال).","vol":"6","page":214},{"text":"(أطلعته على كذا)؛ أي: أعلمته. ويقال: (أطْلِعْنِى طِلْعَ أمْرِكَ)؛ أي: أعلمني بما خَفِيَ منه عَلَيَّ (١).\nويقال: (طَلَعْتُ على كذا)، و(اطَّلَعتُ)، و(أطْلَعْتُ عليه) (٢)، و(أطْلَعْتُ غيري) (٣). فـ (الاطلاع)، واقعٌ ومُطاوع (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-682>١٨٠ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ الآية.\nقُرِئ: ﴿يَحْسَبَنَّ﴾ بالياء والتاء (٥).\nفمن قَرَأ بالياء؛ فـ ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾: فاعل ﴿يَحْسَبَنَّ﴾]، (٦)، والمفعول الأول محذوفٌ؛ لدلالة اللفظ عليه؛ معناه: لا يَحسَبَنَّ الذين يبخلون بما آتاهم الله مِنْ فَضْلِهِ، البُخْلَ خيرًا لهم. فدلّ ﴿يَبْخَلُونَ﴾ على البخل، فَحُذِفَ؛ كقولهم: (مَنْ كَذَبَ كان شَرًّا له)؛ أي: الكذب (٧). ومثلُه:\nإذا نهِيَ السَّفِيهُ جَرَى إليه (٨)\n_________\n(١) في (ج): (خفي علي منه).\n(٢) (وأطلعت عليه): ساقطة من (ج).\n(٣) انظر (طلع) في: \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٢٠٦، و\"اللسان\" ٥/ ٢٦٨٩.\n(٤) سبق بيان أن الفعل الواقع، هو: المتعدِّي إلى مفعول به أو أكثر. وسُمِّي بذلك؛ لأنه يقع على المفعول به.\nأما الفعل المُطَاوع، فيعني به -هنا- الفعل اللازم؛ لأن المطاوعة سبب من أسباب لزوم الفعل المتعدي لواحد.\nانظر: \"معجم المصطلحات النحوية والصرفية\" د. أحمد اللبدي ١٤١.\n(٥) قرأ حمزةُ ﴿تَحْسَبَنَّ﴾ بالتاء. وقرأ الباقون بالياء.\nانظر: \"حجة القراءات\"، لابن زنجلة: ١٨٣، و\"التبصرة\" لمكي ٤٦٨.\n(٦) ما يبن المعقوفين: زيادة من (ج).\n(٧) انظر: \"الأصول في النحو\" لابن السراج ١/ ٧٩، ٢/ ١٦٧.\n(٨) صدر بيت، وعجزه:\nوخَالَفَ والسَّفِيهُ إلى خلِافِ","vol":"6","page":215},{"text":"أي: إلى السَّفَةِ. وأنشد الفَرّاء (١):\nهُمُ المُلوكُ وأبناءُ المُلوكِ هُمُ ... والآخِذُونَ بِهِ والسَّاسَةُ الأُوَل (٢)\nقوله: (به)؛ يريد: بالمُلْكِ. فاكتَفَى منه بِذِكْرِ (المُلُوك).\nوقوله تعالى: ﴿هُوَ خَيْرًا لَهُمْ﴾.\n﴿هُوَ﴾ -ههنا- فَصْلٌ (٣)، وهو الذي يُسَمِّيه الكوفيون:\n_________\n= وقد نُسب في \"إعراب القرآن\"، المنسوب للزجاج ٣/ ٩٠٢ إلى أبي قير الأسلت الأنصاري. وورد غير منسوب في: \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ١٠٤، ٤٢٩، و\"تأويل مشكل القرآن\" ٢٢٧، و\"مجالس ثعلب\" ١/ ٦٠، و\"تفسير الطبري\" ٧/ ٤٣١، و\"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ٣٤٨، ٤٢٢، و\"الخصائص\" ٣/ ٤٩، و\"المحتسب\" ١/ ٧٠، ٢/ ٣٧٠، و\"شرح الحماسة\"، للمرزوقي ٢٤٤، و\"أمالي المرتضى\" ١/ ٢٠٣، و\"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١٦١ أ، و\"العمدة\" لابن رشيق ٢/ ١٠٣٤، و\"أمالي ابن الشجري\" ١/ ١٠٣، ١٦٩، ٢/ ٣٦، ٣٨٥، ٥٠٧، و\"البيان\" للأنباري ١/ ١٢٩، ٢٨٥، و\"الأشباه والنظائر\" للسيوطي ٥/ ١٧٩، و\"خزانة الأدب\" ٤/ ٣٦٤، ٥/ ٢٢٦.\nوروايته في \"شرح الحماسة\": (.. إذا زُجِرَ السفيهُ ..).\n(١) في \"معاني القرآن\" له ١/ ١٠٤.\n(٢) البيت للقطامي. وقد ورد في \"ديوانه\" ٣٠.\nوورد منسوبًا له في: \"جمهرة أشعار العرب\" ٨١١، و\"أمالي المرتضى\" ١/ ٢٠٣، و\"أمالي ابن الشجري\" ١/ ١٠٣، ٢/ ٣٦، ٣/ ١٠٣، و\"خزانة الأدب\" ٥/ ٢٢٧، ٢٢٨، ٦/ ٤٨٣، ٤٨٥.\nوقد ورد في المصادر السابقة -عدا ديوانه-: (.. وأبناء الملوك لهم ..). ويعني بها. وأبناء الملوك منهم.\nالبيت من قصيدة قالها في مدح عبد الواحد بن الحارث بن الحكم بن أبي العاص، وقيل: هو عبد الواحد بن سليمان بن عبد الملك، وكان يكنى أبا عثمان. وقد ورد اسمُ عبد الواحد وكنيتُه في القصيدة.\n(٣) في (ج): (فضل). وضمير الفَصْل، تَسْمِيَةٌ بَصْرِيَّةٌ، (لأنه فَصَل بين المبتدإ والخبر. وقيل: لأنه فصل بين الخبر والنعت. وقيل: لأنه فصل بين الخبر والتابع؛ لآن الفصل به يوضح كون الثاني خبرًا تابعًا). \"همع الهوامع\" ١/ ٢٣٦. وانظر: \"دراسة في النحو الكوفي\" ٢٣٩.","vol":"6","page":216},{"text":"عمادًا (١)؛ وذلك أنّ تَقَدمَ ﴿يَبْخَلُونَ﴾ بمنزلة تقدم (البُخْل)؛ فَكَأنَّه قيل: ولا يَحْسَبَنَّ الذين يَبخَلُونَ البُخْلَ -هو- خَيْرًا لهم.\nومَن قَرَأ بالتَّاء فَقَال الزّجَّاجُ (٢). معناه: ولا تَحْسَبَنَّ بُخْلَ الذين يبخلون، فَحذف المُضَاف؛ كأنه قيل: ولا تَحسَبَنَّ بُخْلَ الباخلين [هو] (٣) خيرًا.\nوأمَّا التفسير فقال ابنُ عباس -في رواية عطاء- (٤)، وأكثر أهل التفسير -ابن مسعود (٥)، والشعبي (٦)، والسُّدِّي (٧)، وغيرهم (٨) -: نزلت\n_________\n(١) لأنه يعتمد عليه في الفائدة. وبعض الكوفيين يسميه: دِعَامة؛ لأنه يُدعَم به الكلام؛ أي: يُقوى به ويؤكد. وبعضهم سماه: صفة. انظر: المراجع السابقة، و\"شرح المفصل\" ٣/ ١١٠، و\"الإنصاف\" للأنباري ص ٥٦٧.\n(٢) في \"معاني القرآن\" له ١/ ٤٩٣. نقله عنه بمعناه.\n(٣) ما بين المعقوفين زيادة من (ج).\n(٤) قوله، في: \"بحر العلوم\" ١/ ٣١٩، و\"تفسير الثعلبي\": ٣/ ١٦١ ب. إلا أنهما أطلقا العزو إليه، ولم يقيداه برواية عطاء.\nوفي \"زاد المسير\" ١/ ٥١٢ أنه من رواية أبي صالح.\nوورد عنه قول آخر -من رواية عطية العوفي-: إن المراد بالآية: أهل \"الكتاب\"، بخلوا أن يبينوه للناس. وهو قول مجاهد.\nانظر: \"تفسير الطبري\" ٤/ ١٩٠، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" ٣/ ٨٢٦.\n(٥) ورد قوله هذا في أثر يرفعه النبي - ﷺ -، في: \"سنن الترمذي\" رقم (٣٠١٢). كتاب التفسير. ومن سورة آل عمران. وقال: (حسن صحيح)، وأخرجه ابن خزيمة في \"صحيحه\" ٤/ ١٢ رقم (٢٢٥٦)، والنسائي في \"تفسيره\" ١/ ٣٤٧ رقم (١٠٤)، والطبري في \"تفسيره\" ٤/ ١٩٢، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٣/ ٨٢٦.\n(٦) قوله في: \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١٦١ ب.\n(٧) قوله في: \"تفسير الطبري\" ٤/ ١٩٠، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" ٣/ ٨٢٦، و\"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١٦١ ب، و\"النكت والعيون\" ١/ ٤٤٠.\n(٨) انظر: المصادر السابقة.","vol":"6","page":217},{"text":"الآية في الباخلين بالزكاة الواجبة (١) عليهم.\nوقوله تعالى: ﴿بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ قال ابن عباس (٢): يريدون: الذهبَ والفِضَّةَ والحيوان والثِّمَارَ. فَفَسَّرَهُ (٣) بالأشياء التي تَجِبُ فيها الزكاة\nوقوله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ﴾ قال الحَسَن (٤): لأنهم نالوا بهِ عذَابَ الله.\nوقوله تعالى: ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ أكثرُ المفسِّرينَ على أنَّ معناه: يُجْعَلُ ما بَخِلَ به مِنَ المَالِ حَيَّةً، يُطَوَّقها يومَ القيامة (٥) في عُنُقِهِ، تَنْهَسُهُ (٦) مِنْ قَرْنِهِ (٧) إلى قَدَمِهِ (٨).\nيَدُلُّ على هذا ما روى ابن مسعود عن النبي - ﷺ -، [قال] (٩): \"ما مِن\n_________\n(١) انظر: (الموجبة).\n(٢) لم أقف على مصدر قوله.\n(٣) في (ج): (يفسره).\n(٤) لم أقف على مصدر قوله.\n(٥) (يوم القيامة): ساقط من (ج).\n(٦) في (ب)، (ج): (تنهشه). (تَنْهَسُهُ، وتَنْهَشُه)، بمعنى واحد. ولكن (النَّهْسَ): أن يأخذه بمقدم الأسنان، و(النَّهْش): أن يأخذه بأضراسه. انظر: \"القاموس المحيط\" ٥٧٩ (نهس)، ٦٠٨ (نهش).\n(٧) (القَرْنُ) من الإنسان: الجانب الأعلى منه. انظر (قرن) في: \"القاموس\" ١٢٢٣، و\"المعجم الوسيط\" ٢/ ٧٣٧.\n(٨) من قال ذلك: أبو مالك العبدي، وابن مسعود، وأبو وائل، والسُّدِّي، ومقاتل. انظر: \"تفسير مقاتل\" ١/ ٣١٨، و\"تفسير الطبري\" ٤/ ١٩١ - ١٩٣.\n(٩) ما بين المعقوفين: زيادة من (ج).","vol":"6","page":218},{"text":"رَجُلِ لا يُؤدِّي زكاةَ مالِهِ إلاّ جُعِلَ (١) له شُجاعٌ (٢) في عنقِه يومَ القيامة\"، ثُمَّ قَرَأ علينا رسول الله - ﷺ -، مِصْدَاقَهُ مِنْ كتاب الله ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ (٣) وقال إبراهيم النَّخَعِي: معناه: يُجعَل يوم القيامة في أعناقهم، طَوْقٌ مِن نارٍ.\nأخبرنا إسماعِيل بن أبي القَاسِم الصوفي (٤)، أَبَنَا (٥) أبو عبد الرحمن، عبد الله بن عمر بن علَّك الجَوْهري (٦)، بِمَرْو (٧)، ثنا عبد الله بن محمود\n_________\n(١) في (ج): (جعل الله).\n(٢) الشجاع -بضم الشين وكسرها-: الحَيَّةُ الذَّكَر. وقيل: الحيةُ مطلقًا. انظر: \"الفائق في غريب الحديث\" ٢/ ٢٢٢، و\"النهاية في غريب الحديث\"٢/ ٤٤٧.\n(٣) الحديث أورده المؤلف بالمعنى، وقد أخرجه: الترمذي في \"سننه\" رقم (٣٠١٢). وقال: (حسن صحيح). والنسائي في \"سننه\" ٥/ ١١ رقم (٢٤٤١). وأخرجه في \"تفسيره\" ١/ ٣٤٦ - ٣٤٧. وابن ماجه في \"سننه\" رقم (١٧٨٤)، وأحمد في \"المسند\" (شرح شاكر): رقم (٣٥٧٧) وقال شاكر: (إسناده صحيح). والحاكم في \"المستدرك\" ٢/ ٢٩٨، ٢٩٩ كتاب التفسير. باب: سورة آل عمران. وابن خزيمة ٢/ ١٢ رقم (٢٢٥٦)، والطبراني في \"المعجم الكبير\" ٩/ ٢٦٢ رقم (٩١٢٣ - ٩١٢٦). والطبري في \"تفسيره\" ٤/ ١٩٢، وابن أبي حاتم ٣/ ٢٧٨.\n(٤) تقدمت ترجمته.\n(٥) (أبنا): اختصار لـ (أخبرنا). وفي \"تدريب الراوي\": (ويكتبون من (أخبرنا): (أنا)؛ أي: الهمزة والضمير. ولا تحسن زيادة الباء قبل النون، وإن فعله البيهقيُّ وغيره؛ لأنها تلتبس برمز (حدثنا» ٢/ ٨٧.\n(٦) ويقال المروزي. أحد الحفاظ المتفق على جلالتهم، ويعد من نقاد أئمة الحديث بـ (مرو). توفي سنة (٣٦٠ هـ).\nانظر: \"سير أعلام النبلاء\" ١٦/ ١٦٨، و\"تذكرة الحفاظ\" ٣/ ٩٢٩، و\"شذرات الذهب\" ٣/ ٣٧.\n(٧) مَرْوُ، وتسمى: (مرو الشاهِجَان). وهي أشهر مدن خراسان، وقصبتها. والنسبة =","vol":"6","page":219},{"text":"السَّعْدِي (١)، ثنا موسى بن بحر (٢)، ثنا عَبِيدة بن (٣) حُمَيْد (٤)، حدّثَنِي منصور (٥)، عن إبراهيم (٦) -في قوله: ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ -، قال: (يُطَوَّقون بِطَوْقٍ (٧) منْ نار) (٨).\n_________\n= إليها: (مرْوَزي) على غير قياس. ويقال عن الثوب (مَرْوِي) على القياس. وهناك مدينة أخرى تسمى (مرو الرُّوذ). والنسب إليها: (مرْوَرُوذي) و(مرُّوذي). وهي أصغر من (مرو الشاهِجان). انظر: \"معجم البلدان\" ٥/ ١١٢.\n(١) هو: أبو عبد الرحمن، السعدي المروزي. الشيخ العالم الحافظ الثقة المأمون. توفي سنة (٣١١ هـ).\nانظر: \"سير أعلام النبلاء\" ١٤/ ٤٩٩، و\"تذكرة الحفاظ\" ٢/ ٧١٨، و\"شذرات الذهب\" ٢/ ٢٦٢.\n(٢) أبو عِمْران، المروذي، أصله عراقي، مقبول، عده ابن حجر من الطبقة العاشرة، ممن لم يَلْقَوا التابعين، وإنما رَوَوْا عن أتباع التابعين، مات سنة (٢٣٠ هـ). انظر: الثقات، لابن حبان: ٩/ ١٦٢، و\"الجرح والتعديل\" ٨/ ١٣٧، و\"تقريب التهذيب\" ص ٥٥٠ (٦٩٥٠).\n(٣) في (ج): (عن) بدلًا من (بن).\n(٤) هو: عَبِيدة بن حُمَيد التيمي، وقيل: الليثي، وقيل: الضبِّي، أبو عبد الرحمن الحذَّاء. قال ابن المديني: ما رأيت أصح حديثًا منه، وأحسن الإمام أحمد الثناء عليه جِدًا، ورفع أمره. وكان صاحب نحو وعربية وقراءة للقرآن. مات سنة: ١٩٠ هـ انظر: \"الجرح والتعديل\": ٦/ ٩٢، و\"تاريخ بغداد\" ١١/ ١٢٠، و\"ميزان الاعتدال\" ٣/ ٤٢٢، و\"تهذيب التهذيب\" ٣/ ٤٣.\n(٥) تقدمت ترجمته.\n(٦) هو النخعي.\n(٧) في (ج): (يطوق).\n(٨) أخرج الأثر عنه -كذلك-: سفيان الثوري في \"تفسيره\" ٨٢، وعبد الرزاق في \"تفسيره\" ١/ ١٤١، والطبري في \"تفسيره\" ٤/ ١٩٢ - ١٩٣، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٣/ ٨٢٨، وأورده السيوطي في \"الدر\" ٢/ ١٨٥ وزاد نسبة إخراجه لسعيد ابن منصور، وعبد بن حميد، وابن المنذر.","vol":"6","page":220},{"text":"وعلى هذا التَّفْسِير، يجعَل ما بَخِلُوا به مِنْ المال، طَوْقًا مِنْ نارٍ، كما جُعِلَ في التفسير الأوَّلِ حَيَّة.\nوقال المُؤَرج (١): معناه (٢): يُلزَمُون أعمالَهم، مِثْل ما يَلْزم الطوقُ العنقَ. والعربُ تكني بالتطويق (٣) عن الإلْزام؛ ومنه قراءة مَن قرأ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ [البقرة: ١٨٤]، (٤)؛ أي: يَتَكَلَّفُونَه، وُيلْزَمُونَه. يُقال: (طُوِّقَ فلانٌ عَمَلَهُ، مثلَ طَوْقِ الحَمَامَةِ).\nقال ابنُ الأنباري (٥): معناه -على هذا التفسير-: سَيُطَوّقُونَ جَزَاءَ ما بخلُوا به. وذِكْرُ التَّطْوِيق -ههنا- على جهة المَثَلِ، كِنَايَةً عن الإلزام، لا على أنَّ ثَمَّ أطواقًا.\nوقال ابن عباس -في رواية العَوْفي- (٦): نزلت هذه الآية في اليهود الذين كتموا صِفَةَ محمد - ﷺ -، وأراد بـ (البخل): كِتْمان العِلْم الذي آتاهم الله.\n_________\n(١) لم أقف على مصدر قوله.\n(٢) (معناه): ساقط من (ج).\n(٣) في (ج): (بالطريق).\n(٤) القراءة التي ذكرها المؤلف: ﴿يُطَوَّقونه﴾، هي قراءة: عائشة، وابن عباس، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وعكرمة، وطاوس، وعطاء.\nانظر: \"صحيح البخاري\" (٤٥٠٥) كتاب التفسير. باب: ٢٥ فقد رواها عن ابن عباس. و\"مصنف عبد الرزاق\" ٤/ ٢٢٠، ٢٢١، ٢٢٣ رقم (٧٥٧٣ - ٧٥٧٥)، (٧٥٧٧) رواها عن ابن عباس، ورقم (٧٥٧٦) عن عائشة، ورقم (٧٥٨٣) رواها عن ابن جبير. و\" الناسخ والمنسوخ\" لأبي عبيد بن سلام ٤٦، ٤٧، و\"تفسير الطبري\" ٢/ ١٣٢، و\"الدر المنثور\" ١/ ٣٢٦، فقد أخرجوها عمن سبق.\n(٥) لم أقف على مصدر قوله.\n(٦) هذه الرواية في: \"تفسير الطبري\" ٤/ ١٩٠، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" ٣/ ٨٢٦، و\"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١٦٢ - ب، و\"أسباب النزول\" للمؤلف ١٣٦ - ١٣٧.","vol":"6","page":221},{"text":"يَدُلُّ على هذا التفسير: قولُه -تعالى-: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٣٧].\nوعلى هذا، معنى قوله: ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ﴾ أي: يُحَمَّلُون وِزْرَهُ وإثْمَهُ. وهذا القول اختيار: ابنِ كَيْسان (١)، وأبي إسحاق (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾.\nقال المفسرون كلُّهم (٣): يعني أنه يَفْنى أهلُها، وتبقى الأملاكُ والأموالُ، ولا مالكَ لها إلا اللهُ. فجرى هذا مجْرى الوِراثَةِ؛ إذْ كانَ الخلْقُ قبل ذلك يَدّعُونَ المُلْكَ، فَلَمَّا ماتُوا عنها، ولم يُخَلِّفُوا أحدًا، كانَ هو الوارث لها -جل وعَزَّ-.\nقال أبو إسحاق (٤): خُوطِبَ القومُ بِمَا يَعْقِلُون؛ لأنهم يَجْعَلُون ما رَجَعَ إلى الإنسانِ ميراثًا، [إذا كان ملكًا له.\nوتأويله: بُطلانُ مُلْكِ جميع المَالِكين، إلّا مُلْك الله -جَلَّ وعَزَّ-] (٥)، فيصير كالميراث.\nقال ابن الأنباري (٦): والعرب تقول: (وَرِثَ فلانٌ عِلْمَ فلانٍ): إذا\n_________\n(١) لم أقف على مصدر قوله.\n(٢) هو الزجاج، في \"معاني القرآن\" له ١/ ٤٩٢.\n(٣) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٢٤٩، و\"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٤٩٣، و\"تفسير الطبري\" ٧/ ٤٤٠، و\"بحر العلوم\" ١/ ٣١٩، و\"تفسير البغوي\" ٢/ ١٤٣، و\"تفسير القرطبي\" ٤/ ٢٩٣.\n(٤) في \"معاني القرآن\" له ١/ ٤٩٣. نقله عنه بنصه.\n(٥) ما بين المعقوفين زيادة من (ج).\n(٦) لم أقف على مصدر قوله. وقد أورده الفخرُ الرازي في \"تفسيره\" ٩/ ١١٩ والنيسابوري في: \"غرائب القرآن ورغائب الفرقان\" ٤/ ١٣٧.","vol":"6","page":222},{"text":"تَفَرَّد به (١) بعد أن كان مشاركًا فيه (٢).\nوقد قال الله -تعالى- (٣): ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ﴾ [النمل: ١٦]، [فَذَهَبَ إلى وِراثَتِهِ عِلْمَهُ، بعد أنْ كانَ داودُ] (٤) مشاركًا فيه (٥)، أو (٦) غالبًا عليه.\nوقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾.\nمَنْ قَرَأَ بالياءِ (٧)، فلأنَّ ما قَبْلَهُ على الغَيْبَةِ، وذلك قوله: ﴿سَيطَوَّقُونَهُ﴾ (٨)، ﴿والله بِمَا يَعملون (٩) خبير﴾ مِنْ مَنْعِهِم الحقوقَ، فَيُجَازِيهم عليه.\nومَن قرأ بالتاء؛ فَلأنَّ قبل هذه الآية خِطابًا، وهو قوله: ﴿وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٧٩]، ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾، فَيُجازِيكم عليه.\n_________\n(١) في (ب): (انفرد). وكذا وردت في \"تفسير الفخر الرازي\".\n(٢) في \"غرائب القرآن\": (مشاركًا له فيه).\n(٣) في \"غرائب القرآن\": (ومثله). بدلًا من (وقد قال الله تعالى).\n(٤) ما بين المعقوفين: زيادة من (ج). والعبارة في \"تفسير الفخر الرازي\": (وكان المعنى: انفراده بذلك الأمر، بعد أن كان داود ..).\n(٥) في \"غرائب القرآن\": (مشاركًا له فيه).\n(٦) في (ج) و\"تفسير الفخر الرازي\": (و) بدلًا من (أو).\n(٧) قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، ويعقوب: بالياء في ﴿يَعْمَلُونَ﴾. وقرأ الباقون: بالتاء ﴿تَعْمَلُونَ﴾. انظر: \"السبعة\" ٣٢٠، و\"القراءات\" للأزهري ١/ ١٣٣، و\"الحجة\"، للفارسي ٣/ ١١٣.\nومن قوله: (من قرأ ..) إلى (.. أقرب إلى الصواب): نقله -بتصرف- عن: \"الحجة\" للفارسي ٣/ ١١٣.\n(٨) هكذا في (أ)، (ب)، (ج). وفي \"الحجة\": (سيطوقون).\n(٩) في (ج): (تعملون).","vol":"6","page":223},{"text":"والغَيْبَةُ أقرب إليه مِنَ الخطاب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-683>١٨١ </span>- وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا﴾ الآية.\nقال ابن عباس (١) والمفسرون (٢): نزلت هذه الآية في اليهود، حين قالوا -لَمَّا نَزَلَ قولُه: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ﴾ (٣) -: إنَّ اللهَ فقيرٌ يَسْتَقرِضُنا، ونحن أغنياء.\nوُيروى أن قائل هذا رجلٌ من اليهود، يقال له فِنْحاص، قال: لو كان الله غنيَّا ما استَقْرَضَنَا أموالَنَا (٤)، وأنه (٥) يَنهَى عن الرِّبَا، ويعطينا، ولو كان غنيًا ما أعطانا الرِّبا. وقيل: إن قائِلَه: حُييُّ بن أخْطَب (٦).\nوقوله تعالى: ﴿سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا﴾ أي: نأمر (٧) الحَفَظَةَ بإثبات قولهم\n_________\n(١) قوله، في: \"تفسير الطبري\" ٤/ ١٩٤، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" ٣/ ٨٢٨.\nوأورده السيوطي في: \"الدر\" ٢/ ١٨٦ وزاد نسبة إخراجه إلى ابن إسحاق، وابن المنذر. وذكره الحافظ ابن حجر في \"فتح الباري\" ٨/ ٢٣١، والسيوطي في \"لباب النقول\" ٦١، ٦٢ وحسَّنا إسناده.\n(٢) منهم: السُّدِّي، ومجاهد، وابن جريج، والحسن، وقتادة، وعكرمة، وابن إسحاق. انظر: \"تفسير الطبري\" ٤/ ١٩٤ - ١٩٥، و\"أسباب النزول\"، للواحدي ص ١٣٧ - ١٣٨.\n(٣) في (أ): (ذي). والمثبت من رسم المصحف، وبقية النسخ.\n(٤) انظر: المصادر السابقة.\n(٥) في (ج): (فإنه).\n(٦) قال بذلك: قتادة انظر: \"تفسير الطبري\" ٤/ ١٩٥، وأورده السيوطي في \"الدر\" ٢/ ١٨٧وزاد نسبة إخراجه إلى ابن المنذر. ونُسِب القولُ بهذا للحَسَن. انظر: \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١٦٣ أ، و\"زاد المسير\" ١/ ٥١٥. ويرى ابنُ عطيَّة أنَّ هذا القول (صدر أولا عن فنحاص، وحُيَي، وأشباههما من الأحبار، ثم تقاولها اليهود ..)، ويستدل ابن عطية بقوله تعالى: ﴿قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا﴾، حيث إنهم جماعة. انظر: \"المحرر الوجيز\" ٣/ ٤٤١.\n(٧) في (ب): (نأمن).","vol":"6","page":224},{"text":"في صحائف أعمالهم؛ وذلك أظهر في الحجَّة عليهم. وهذا كقوله: ﴿وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ﴾ [آل عمران:١٨١]\nوقرأ (١) حمزة (٢): ﴿سيُكتَبُ ما قالوا﴾ اعتبارًا بقراءة عبد الله (٣): (وَيُقالُ ذُوقوا عذابَ الحَرِيق) (٤)؛ ولأنَّه مِنَ التَّصَرُّف في وجوه الكلام.\nوقراءة العامَّة أحسنُ؛ لِجَرْيِ الكلامِ فيها على تَشَاكل (٥).\nو﴿الْحَرِيقِ﴾: اسمٌ للنار الملتهبة، وهو بمعنى المُحْرِق (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-684>١٨٢ </span>- قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾.\nأي: ذلك (٧) العذاب بما سلف من الإجرام، وأضيف التقديم إلى أيديهم -وهو لهم في الحقيقة-؛ لِيَكون أدَلّ على تَوَلِّي الفِعْلِ؛ لأنه قد يُضافُ الفِعْلُ إلى الإنسان على أنه أَمَرَ به، وَدَعَا إليه؛ نحو قوله: ﴿يُذَبِّحُ\n_________\n(١) في (ج): (وقال). وانظر: \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٢٤٩ فقد ورد فيه معنى ما ذكره المؤلف.\n(٢) وقد قرأ حمزة: ﴿سيُكتَبُ﴾ -بالياء-، و﴿قَتْلُهُم﴾ -بضم اللام-، و﴿يَقُولُ﴾ -بالياء-. وقرأ الباقون: ﴿سَنَكتُبُ﴾ -بالنون-، و﴿قَتْلُهُم﴾ -بفتح اللام-، و﴿نَقُولُ﴾ -بالنون-.\nانظر: \"القراءات\" للأزهري ١/ ١٣٤، و\"الحجة\" للفارسي ٣/ ١١٥، و\"إتحاف فضلاء البشر\" ص ١٨٣.\n(٣) هو ابن مسعود - ﵁ -.\n(٤) انظر: قراءته، في \"المصاحف\" لابن أبي داود ٦٠، وهي فيه: (ويقال لهم ذوقوا)، و\"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٢٤٩، و\"تفسير الطبري\" ٤/ ١٩٦، و\"زاد المسير\" ١/ ٥١٥، و\"تفسير القرطبي\" ٤/ ٢٩٥.\n(٥) في (ب): (مشاكل).\n(٦) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٤٩٤.\n(٧) (ذلك): ساقطة من (ج).","vol":"6","page":225},{"text":"أَبْنَاءَهُمْ﴾ [القصص: ٤]، فإذا ذُكِرَت اليد، دَلَّ على تَوَلِّي الفعل؛ نحو قوله -تعالى-: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ [يس: ٧١].\nوقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ﴾ ابتداءٌ. وخَبَرُهُ: ﴿بِمَا قَدَّمَتْ﴾.\nوقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ اَللهَ﴾. أي: وبأن الله ﴿لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ وموضع (أنَّ) (١): جَرٌّ (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-685>١٨٣ </span>- قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا﴾ الآية.\nقال أبو إسحاق (٣): هذا مِن نَعْتِ (العبيد) (٤).\nويجوز أن يكون رفعًا بالابتداء؛ على معنى: هم الذين قالوا. ويجوز أن يكون بدلًا مِنَ ﴿الَّذِينَ﴾ الأوَّل (٥).\nقال السدِّي (٦): إن الله أمَرَ بني إسرائيلَ في التوراة: مَن جاءَكم (٧) يَزْعُمُ أنه رسول الله، فلا تُصَدِّقوه حتى يأتيكم بِقُرْبانٍ تأكله النار، حتى يأتيكم المسيحُ ومحمد، فإذا أتَيَاكم، فآمنوا بهما، فإنهما يأتيان بغير قُرْبان.\nوقوله تعالى: ﴿بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ﴾.\n_________\n(١) في (ج): (أجر) بدلًا من: (أن).\n(٢) لأنها معطوفة على (ما) المجرورة بالياء، من قوله: ﴿مِّمَّا عَمِلَتْ﴾.\n(٣) في \"معاني القرآن\" له ١/ ٤٩٤. نقله عنه بنصه.\n(٤) قال ابن عطية عن هذا الإعراب: (وهذا مفسد للمعنى والرصف). \"المحرر الوجيز\" ٣/ ٤٤٣.\n(٥) ويجوز أن يكون صفة لـ ﴿الَّذِينَ﴾ في قوله: ﴿قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا﴾. ويجوز فيها النصب بإضمار فعل، مثل: (أذُمُّ)، أي: أذم الذين. انظر: \"الدر المصون\" ٣/ ٥١٦.\n(٦) قوله -بنصه- في: \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١٦٤ ب.\n(٧) في المصدر السابق: (من جاءكم من أحد يزعم).","vol":"6","page":226},{"text":"القُرْبان: البِرُّ الذي تتقرب به إلى الله (١). وأصلُهُ المَصْدَر، من قولك: قَرُبَ قُرْبانًا (٢). كالكُفْران والرُّجْحان، والخُسْران، ثم يُسَمَّى (٣) به نفْسُ المُتَقَرَّب به. ومنه قوله - ﷺ -، لكَعْبِ بن عُجْرَة (٤): \"يا كعبُ: الصوم جُنَّة، والصلاة قُرْبان\" (٥)؛ أي: بها يُتَقَرَّبُ إلى الله، ويُسْتشفَعُ في الحاجة\n_________\n(١) انظر: \"جمهرة اللغة\" ١/ ٣٢٥، و\"الكُليات\" ٧٠٢، ٧٣٣، و\"التوقيف على مُهِمَّات التعاريف\" ٥٧٨.\n(٢) قُرْبانًا، وقِرْبانا، وقُرْبًا. انظر: \"اللسان\" ٦/ ٣٠٦٦ (قرب).\n(٣) في (ج): (سمي).\n(٤) كعب بن عجرة القُضاعي، حليف الأنصار، صحابي، مدني، شهد عمرة الحديبية، وسكن الكوفة، مات بالمدينة سنة (٥١ أو ٥٢، أو ٥٣هـ).\nانظر: \"الاستيعاب\" ٣/ ٣٧٩، و\"الإصابة\" ٣/ ٢٩٧.\n(٥) مقطع من حديث طويل، أخرجه: عبد الرزاق في مصنفه ١١/ ٣٤٥ رقم (٢٠٧١٩). وابن حبان في صحيحه (انظر: الإحسان: ٥/ ٩ رقم (١٧٢٣)، و١٠/ ٣٧٢ رقم (٤٥١٤). والحاكم في \"المستدرك\" ٤/ ٤٢٢. وقال: (صحيح الإسناد) ووافقه الذهبي. والبزار (انظر: \"كشف الأستار\" ٢/ ٢٤١ رقم ١٦٠٩، وفيه: \" .. الصلاة برهان، والصوم جنة\").\nوورد من طريق أبي بكر بن أبي شيبة، عن كعب، أخرجه: ابن حبان في صحيحه (انظر: الإحسان: ١٢/ ٣٧٨ رقم ٥٥٦٧).\nوالطبراني في \"المعجم الكبير\" ١٩/ ١٦٢ رقم (٣٦١)، ولفظه عنده: (الصلاة برهان، والصوم جنة)، وأخرجه من طرق أخرى عن كعب، في: ١٩/ ١٠٥ رقم (٢١٢)، ١٣٥ رقم (٢٩٨)، و١٤١ رقم (٣٠٩)، و١٤٥رقم (٣١٨)، ولفظ بعضها: (الصلاة نور)، وبعضها: (الصلاة برهان).\nوأخرجه الإمام أحمد في: المسند، عن جابر: ٣/ ٣١٢، انظر: \"الفتح الرباني\" ٢٣/ ٢٦ - ٢٧)، واقتصر على بعفر ألفاظه، وليس فيه هذا المقطع، وأورده الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" عن جابر ٥/ ٢٤٧، وقال: (رواه أحمد والبزار، =","vol":"6","page":227},{"text":"لَديْهِ\" (١)\nقال عَطَاءَ (٢): كانت بنو إسرائيل يَذْبَحون لله، فيأخذون الثُّرُوبَ (٣) وأطايِبَ اللَّحْم، يضعونها في وسْطِ بَيْتٍ، والسَّقْفُ مكشوفٌ، فيقومَ النبيُّ في البيت، ويُناجي رَبَّهُ، وبنو إسرائيل خارجون حول البيت، فتنزل نارٌ (٤) بيضاء لها دَويٌّ وحَفِيفٌ، ولا دُخانَ لها، فتأكل ذلك القربان، فقال الله -تعالى- إقامةً للحُجَّةِ عليهم:\n﴿قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ﴾، إلى آخرها.\nوخُوطِب [بهذا] (٥) اليهودُ الذين كانوا في عهد النبي - ﷺ - لأنهم يجرون مجرَى أسلافهم؛ لِرِضاهم بمذاهبهم، وكونهم على طريقتهم.\nوقد مضى مثل هذا في أوائل سورة البقرة (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-686>١٨٤ </span>- قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ﴾ الآية.\n_________\n= ورجالهما رجال الصحيح ..)، وفي: ١٠/ ٢٣٠ وقال: (رواه أبو يَعلى، ورجاله رجال الصحيح، غير أبي إسحاق بن أبي إسرائيل، وهو ثقة مأمون).\nوأورده المتقي الهندي في: \"كنز العمال\": ٦/ ٧١ - ٧٢ رقم (١٤٨٩٣)، وزاد نسبة إخراجه لعبد بن حميد، والدارمي، وابن زنجويه، وسعيد بن منصور، والطبري، والطبراني، وأبي نعيم في: الحلية، والبيهقي في: الشعب.\n(١) في (ج): (إليه).\n(٢) قوله، في: \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١٦٥ أ، و\"زاد المسير\" ١/ ٥١٦.\n(٣) الثُّرُوب، جمع: ثَرْب، وهو: شحم رقيق يغشى الكرش والأمعاء. انظر: \"القاموس\" ٨٠ (ثرب).\n(٤) في (ج)، و\"تفسير الثعلبي\": (نارا).\n(٥) ما بين المعقوفين زيادة من (ج).\n(٦) انظر: تفسير قوله تعالى: ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾. من الآية: ٦١ من سورة البقرة، في \"تفسير البسيط\".","vol":"6","page":228},{"text":"قال ابن عباس (١)، والحسن (٢)، والضحّاك (٣)، وابن جريج (٤): هذه\nالآية تعزِيَةٌ للنبي - ﷺ -، في تكذيب اليهود إيَّاه، وجوابٌ لقائلٍ يقول: لو كان\nما جاء به حقًّا لَصَدّق به مَن أتاه من العقلاء، وبيان أنهم إن كَذَّبوهُ،\nفالتكذيب عادة للأمم، وسائر الرُّسُل قد كُذّبوا كما كُذِّب.\nوقوله تعالى: ﴿وَالزُّبُرِ﴾.\nمعناه: الكُتُب. وهو جَمْعُ (زَبُور). والزَّبُور: الكتاب؛ بمعنى: المَزْبُور؛ أي: المكتوب. يقال: (زَبَرْتُ الكِتَابَ)؛ أي: كتبته. وكُلُّ كِتَابٍ زَبُورٌ (٥).\nقال امرؤ القيس:\nلِمَنْ طَلَلٌ أبْصَرْتُهُ فَشَجانِي ... كَخَطِّ زَبُورٍ في عَسِيبِ يَمَانِ (٦)\n_________\n(١) لم أقف على مصدر قوله.\n(٢) لم أقف على مصدر قوله.\n(٣) قوله في \"تفسير الطبري\" ٤/ ١٩٨.\n(٤) قوله في المصدر السابق.\n(٥) انظر: \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٥٠٦ (زبر)، و\"تفسير الطبري\" ٤/ ١٩٨.\n(٦) قوله: (عسيب) في (أ)، (ب)، (ج) لم تضبط بالشكل. البيت في \"ديوانه\" ص ١٦٥. وورد منسوبًا له في: \"تفسير الطبري\" ٤/ ١٩٨، و\"اللامات\" ٦٣، و\"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١٦٤ب، و\"تفسير القرطبي\" ٤/ ٢٩٦، و\"المحرر الوجيز\" ٣/ ٤٤٥، و\"اللسان\" ٤/ ٢٤٣٤ (صرع).\nالطَّلَل: ما بقي من آثار الدار. وجمعها: (أطلال)، و(طُلُول).\nوقوله: (فشجاني) -هنا-: أحزنني، وترد بمعنى: أطربني؛ لأنها من الأضداد.\nوالعَسيب: جريدة من النخل مستقيمة دقيقة، يُكْشَطُ خوصُها.\nويريد الشاعر: أنه نظر إلى هذا الطَّلَل، فأحْزَنَه، حيث خفيت آثارُه واندَرَست، فأصبحت في خفائِها كخط كتابِ في عَسِيب النخلة. =","vol":"6","page":229},{"text":"وقال الزّجاج (١): الزَّبُور: كلُّ كِتَابٍ ذي (٢) حِكْمَةٍ. وعلى هذا، يُشْبِهُ أنْ يكونَ معنى الزَّبُورِ، مِنَ: (الزَّبْرِ)، الذي هو: الزَّجْر. يقال: (زَبَرْتُ الرجلَ، أزْبُرُهُ زَبْرًا): إذا زَجَرْتُه مِنَ (٣) الباطل (٤). وسمّي الكتاب: (زَبُورًا)؛ لما فيه من الزَّبْر عن خلاف الحق. وبه سُمِّي زَبُورُ داود؛ لِكثرة ما فيه من المَزَاجِرِ، والمواعظ.\nوقرأ (٥) ابنُ عامر (٦):\n﴿وَبِاَلزُّبُرِ﴾ (٧)، ووجهه أنه أعاد الباءَ، وإنْ كانَ مُسْتَغْنًى عنه؛ لِضَرْبٍ\n_________\n= قال شارح ديوانه عن البيت: (وقوله في (عسيب يَمَان): كان أهل اليمن يكتبون في عسيب النخلة، عهودهم وصِكاكَهِم).\nوقيل أيضًا (في عسيبِ يَمان): فهي بمعنى: في عسيب رجلٍ يَمَانِ. انظر: \"المجمل\" لابن فارس ٥٢٢ (شجو)، و\"اللسان\" ٥/ ٢٩٣٥ (عسب).\n(١) في: \"معاني القرآن\" له ١/ ٤٩٥.\n(٢) في \"معاني القرآن\": ذو.\n(٣) في (ج): (عن).\n(٤) انظر: (زبر) في: \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٥٠٦، و\"اللسان\" ٣/ ١٨٠٤.\nوقال الأزهري -ناقلًا عن أبي الهيثم-: (وأصل (الزَّبْر): طيُّ البئر؛ إذا طُوِيت تماسكت واستحكمت. والزَّبْرُ: الزجر؛ لأن من زبرته عن الغَيِّ، فقد أحكمته؛ كَزَبْرِ البِئْرِ بالطِّين).\n(٥) من قوله: (وقرأ ..) إلى (.. حَسَن عربي): نقله -بمعناه- عن \"الحجة\" للفارسي ٣/ ١١٤.\n(٦) هو: أبو عمران، عبد الله بن عامر بن تميم اليَحْصَبي. إمام أهل الشام في القراءة، أحد القراء السبعة، توفي سنة (١١٨ هـ).\nانظر: \"الفهرست\" ص ٤٩، و\"معرفة القراء الكبار\" ١/ ٨٢، و\"النشر\" ١/ ١٤٤.\n(٧) انظر قراءة ابن عامر في: \"إعراب القراءت السبع\" لابن خالويه ١/ ١٢٥، و\"الحجة\" للفارسي ٣/ ١١٣.","vol":"6","page":230},{"text":"من التأكيد. ومما جاء على قياس هذه القراءة، قولُ رُؤبَة:\nيا دارَ عَفْراءَ وَدارَ البَخْدَنِ (١)\nفَكَرَّرَ الدارَ، والدار واحدةٌ لهما (٢). يدلك (٣) على ذلك: قوله:\nفيكِ المَهَا مِنْ مُطْفِلٍ ومُشْدِنِ (٤)\n_________\n(١) في (أ): (النجدو). وفي (ب): (النجدر). والمثبت من (ج)، ومصادر البيت. وهذا شطر بيت من الرجز، وقد ورد في: ديوانه (ضمن مجموعة أشعار العرب: ١٦١).\nتصحيح: وليم بن الورد. ط ليبسغ سنة: ١٩٠٣م). وقد ورد منسوبًا له، في: \"كتاب سيبويه\" ٢/ ١٨٨، و\"شرح أبيات سيبويه\" للنحاس (تح: زهير غازي) ١٣١، و\"المخصص\" ٣/ ٢٩، و\"إعراب القرآن\" المنسوب للزجاج ٤٥٣.\nوورد غير منسوب، في \"اللسان\" ١/ ٢٢٠ (بخدن). وقال في \"اللسان\": (وبَخْدَن، وبِخْدِن، كل ذلك اسم امراة)، ثم ذكر البيت، وضَبَطَها فيه: (البِخْدِنِ).\n(٢) (لهما): ساقطة من (ج).\n(٣) في (ج): (يدل).\n(٤) في (ج): (ومشدّن) بتشديد الدال. وهي خطأ. والبيت تكملة للبيت السابق. انظر: ديوانه (ضمن مجموعة أشعار العرب: ١٦٠)، و\"شرح أبيات سيبويه\" للنحاس ١٣١.\nالمَها: بقر الوحش. وتجمع على (مَهَوَات)، و(مَهَيَات)، ومفردها: مَهَاة. انظر: \"القاموس المحيط\" ص ١٣٣٦ (مهو).\nو(المَهَا المُطْفِل): التي لها أولادٌ صِغار. و(المها المُشْدِن): التي شَدَن ولدها، أي: قوي جسمُه وترَعْرَعَ، وطَلَع قرناه، واستغنى عن أمِّه. يقال: (شَدَنَ، يَشْدُن، شُدُونًا)، فـ (هو شَادِن). انظر: \"اللسان\" ٤/ ٢٢١٧ (شدن)، و\"القاموس\" ص ١٣٣٦ (مهو)، ص١٠٢٥ (طفل).\nولم يورد الفارسي، في \"الحجة\" هذا المقطع من البيت، وإنما أورد بدلًا منه بيتًا آخر من نفس القصيدة، وهو:\nأمَا جَزَاءُ العارف المُسْتَيْقِنِ ... عندكِ إلّا حاجة التَّفَكُّنِ","vol":"6","page":231},{"text":"ولم يقل: فيكما. فكذلك كرَّرَ ابنُ عامر الباءَ، وكلا (١) الوجهين -مِن تكرير الباءِ وحَذْفِهِ- حَسَنٌ عربيٌّ.\nومعنى (٢) قوله: ﴿جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ﴾ إلى آخرها؛ أي: بالمعجزات، وكتب المَزَاجِرِ، و﴿الْكِتَابِ﴾ الهادي إلى الحق.\nو﴿الْمُنِيرِ﴾؛ مِنْ قولك: (أَنَرْتُ الشيءَ، أُنِيرُه، إنَارَةً)؛ أي: بَيَّنتُه، وأوضحته، وفي الحديث: (فَرَض عمرُ بن الخطاب لِلجَدِّ، ثم أنارهما زيدُ ابن ثابت) (٣)؛ أي: أوضحها. ويقال (٤): (نارَ الشيءُ وأنَارَ، ونَوَّرَ، واستنار) بمعنى واحد. كما (٥) يقال: (أبَانَ الشيءُ (٦)، وبَيَّنَ، وتَبَيَّنَ، واستَبَان) بمعنى واحدٍ. وعلى ما ذكرنا؛ (أنَارَ) يكون واقعًا ومُطاوعًا (٧).\n_________\n(١) في (أ)، (ب)، (ج): (وكلي). والمثبت من: \"الحجة\"، للفارسي، وهو الصواب.\n(٢) (معنى): ساقط من (ج).\n(٣) ورد الأثر بهذا النص في: \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٤٧٩ (نور)، و\"غريب الحديث\"، لابن الجوزي ٢/ ٤٤٠، و\"النهاية\" لابن الأثير ٢/ ١٢٥، و\"اللسان\" ٨/ ٤٥٧١ (نور). وأخرج نحوه عبد الرزاق، عن الزهري، قال: (إنما هذه فرائض عمر، ولكن زيد أثارها بعده، وفشت في الناس). \"المصنف\" ١٠/ ٢٦٦، رقم (١٩٠٦٠)، وانظر رقم (١٩٠٦١). وهكذا جاءت في \"المصنف\" (أثارها)، وأشار محققُه إلى ورودها في نسخة أخرى (أنارها).\n(٤) من قوله: (ويقال ..) إلى (.. واستبان بمعى واحد): نقله -بنصه- عن \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٤٨٢ (نور). وانظر: \"اللسان\" ٨/ ٤٥٧١ (نور).\n(٥) من قوله: (كما ..) إلى (بمعنى واحد): ساقط من (ج).\n(٦) في \"التهذيب\" و\"اللسان\": (بان الشيء، وأبان ..).\n(٧) يعني بـ (الواقع): الفعل المتعدي، و(المطاوع): الفعل اللازم. انظر تفسير قوله تعالى: ﴿لِيُطْلِعَكُمْ﴾ من الآية: ١٧٩ من هذه السورة.","vol":"6","page":232},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-687>١٨٥ </span>- قوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ الآية.\n﴿ذَائِقَةُ﴾: فاعِلَة، مِنَ: (الذَّوْقِ). واسم الفاعِلِ إذا أضيف إلى اسمٍ، وأُريِدَ (١) بِهِ المُضِيّ، لم يَجُزْ إلّا الجَرُّ، نحو:\n(زيْدٌ ضارِبُ عمروٍ أمسِ)، فإنْ أردت به الحالَ والاستقبالَ، جازَ الجَرُّ والنَصْبُ؛ تقول: (هو ضاربُ زيدٍ غدًا)، و(ضاربٌ زيدًا (٢) غدًا). قال الله -تعالى-: ﴿هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ﴾ [الزمر: ٣٨]. و﴿كاشفات ضُرَّه﴾ (٣)، قُرِئ بالوجهين (٤)، لأنه الاستقبال.\nوروي عن الحسن أنه قرأ: (ذائقةٌ الموتَ) (٥) -بالتنوين، ونصب الموت-، واستقصاء الكلام في هذه المسألة يأتي عند قوله: ﴿ظَالِمِي أِنْفُسِهِمْ﴾ في سورة النساء.\n_________\n(١) في (ج): (أريد) بدون واو.\n(٢) في (أ)، (ب): (زيد). والمثبت من (ج)، وهو الصواب.\n(٣) ﴿كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ﴾: ليس في: (ج).\n(٤) ﴿كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ﴾ -بالتنوين، ونصب الراء المشددة من ﴿ضُرِّهِ﴾ - هي قراءة أبي عمرو، ورواية الكسائي عن أبي بكر عن عاصم. وقرأ الباقون: ﴿كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ﴾ على الإضافة.\nانظر: \"السبعة\" ٥٦٢، و\"التبصرة\" لمكي ٦٦٠، و\"الكشف\" له ٢/ ٢٣٩، وكتاب \"الإقناع\" ٢/ ٧٥٠.\n(٥) لم أقف على مصدر قراءة الحسن. وقد قرأ بها: الأعمشُ، واليَزِيدي، وأبو حَيْوَة، ويحيى، وأبي إسحاق.\nانظر: \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١٦٥أ، و\"تفسير القرطبي\" ٤/ ٢٩٧، و\"البحر المحيط\" ٣/ ١٣٣.\nوذكر الزمخشريُّ، عن الأعمش، أنه قرأ: ﴿ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ -بدون التنوين، مع النصب- أنظر: \"الكشاف\" ١/ ٤٨٥.","vol":"6","page":233},{"text":"وقوله تعالى: ﴿فَقَدْ فَازَ﴾. الفَوْزُ؛ معناه: الظَّفَرُ بالخير، والنجاةُ من الشَّرِّ (١). ألا ترى أن الله -تعالى- حَكَمَ بالفوز لِمَن أُبْعِدَ مِنَ النار، فَنَجَا مِنْ شَرِّها، وأدْخِلَ الجَنَّةَ، فَظَفِرَ بنعيمها؟.\nقال الزّجاج (٢): يقال لِكُلِّ مَنْ نَجَا من هَلَكَةٍ، ولَقِيَ ما يَغْتَبِطُ به (٣): (فازَ). فتأويل (٤) ﴿فَازَ﴾: تَبَاعَدَ مِنَ المكروه، ولَقِيَ ما يُحِب.\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ يريد: العيش في هذه الدار الفانية، تَغُرُّ الإنسان بما تُمَنِّيهِ مِنْ طولِ البقاء، وسينقطع عن قريب. فَوُصِفت بأنها متاعُ الغرُوُر؛ لأنها بمنزلة مَنْ يَغُرّ ببذل المحبوب، والتخييل [إليك] (٥) أنه يَدُوم.\nو﴿المَتَاع﴾ قد ذكرنا أنه كل ما يُنْتَفَع به، وُيسْتَمتَعُ (٦). وأضافَهُ إلى ﴿الْغُرُورِ﴾ لأنه يَغُرّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-688>١٨٦ </span>- قوله تعالى: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾ الآية.\nاللَّام، لام القَسَمِ. والنونُ دخلت مُؤَّكِدَةً. وضُمَّت الواوُ لِسُكُونها وسكون النون. ولم تكسر لالتقاء الساكنين؛ لأنها واو جمع، فحركت بما\n_________\n(١) ورد هذا التعريف بنصه عن الليث بن المظفر، في \"تهذيب اللغة\" ١٣/ ٢٦٤ (فوز).\n(٢) في: \"معاني القرآن\" له ١/ ٤٩٥. نقله عنه بتصرف.\n(٣) الغِبْطَة: حسن الحال، والنعمة والسرور؛ يقال: (فلانٌ مُغْتَبِطٌ)؛ أي: في غِبْطَةٍ. وجائز أن تقول: (مُغتَبَط) -بفتح الباء-، و(قد اغْتَبَطَ، فهو مُغْتَبِط)، و(اغْتُبط، فهو مغتَبَطٌ). انظر: \"اللسان\" ٦/ ٣٢٠٨ (غبط).\n(٤) في (ج): (وتأويل)، وفي \"معاني القرآن\": فتأويله.\n(٥) ما بين المعقوفين زيادة من (ج).\n(٦) انظر: \"تفسير البسيط\" تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ [البقرة: ٣٦].","vol":"6","page":234},{"text":"كان يَجِبُ لِمَا قبلها مِنَ الضَمِّ. ومثله: ﴿اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ﴾ [البقرة: ١٦]. وقد مَرّ مستقصًى فيه.\nومعنى ﴿لَتُبْلَوُنَّ﴾: لَتُخْتَبَرُنَّ. ولا يجوز في وصف الله تعالى الاختبار؛ لأنه طلب المعرفة، لِيُعْرَفَ الجَيِّدُ مِنَ الرَّديء، ولكنَّ معناه -في وصف الله-: أنه يُعامِلُ العبدَ مُعامَلَةَ المُخْتَبِرِ.\nواختلفوا في معنى هذا الابتلاء:\nفقال ابن عباس -في رواية عطاء- (١): الخطاب للمهاجرين؛ أَخَذَ المشركون أموالَهم، وباعوا رِبَاعَهم، وعَذَّبوهم.\nوقال الحَسَنُ (٢): يعنى: بالفرائض التي أوْجَبَها في الأموال، وعلى الأنفس؛ كالصوم والصلاةِ والزكاةِ والحجِّ والجهاد (٣).\nوقال مقاتل (٤):\nيعنى: بالحوائِجِ (٥)، والخسران في الأموال، والأمراض في الأنفس.\nقال (٦): ونزلت الآية في النبي - ﷺ -، وأبي بكر ﵁.\n_________\n(١) أورد هذا القولَ الثعلبيُّ، في: \"تفسيره\" ٣/ ١٦٧ ب، قائلًا: (قال عطاء ..).\n(٢) قوله، في: \"تفسير ابن أبي حاتم\" ٣/ ٨٣٣، و\"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١٦٧ - ب.\n(٣) ولفظه عند ابن أبي حاتم: (قال نُبْتلى -والله- في أموالنا وأنفسنا).\n(٤) لم أقف على مصدر قوله، وليس هو في تفسيره. وقد أورد هذا القول -مع اختلاف يسير- الثعلبي، في \"تفسيره\" ٣/ ١٦٧ ب، ولم يعزه لقائل.\n(٥) هكذا في (أ)، (ب). وفي (ج): (بالحوائح) بدون إعجام. وفي \"تفسير الثعلبي\": (بالجوائح). وهي أولى بسياق الكلام والمعنى المراد؛ لأن الجوائح، هي: الشدائد التي تجتاح المال. ومفردها: جائحة. انظر: \"القاموس المحيط\" ٢٧٦ (جوح).\n(٦) في: \"تفسيره\" ١/ ٣٢٠.","vol":"6","page":235},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا﴾.\nقال عكرمة (١)، ومقاتل (٢)، والكلبي (٣)، وابن جريجِ (٤): بعث رسولُ اللهِ أبا بكرٍ الصدِّيقَ إلى فِنْحاص، يَسْتَمِدُّه. فقالَ فِنْحاصُ: قد احتاجَ رَبُّكُم إلى أن نُمِدَّه؟ فَهَمَّ أبو بكر أنْ يضرِبَهُ بالسيف، وقد كان رسول الله قال له -حين بَعَثَهُ-: لا تَفْتَاتَنَّ (٥) عليّ بشيء حتى ترجع. فتذكر أبو بكرٍ ذلك، فَكَفَّ عن الضرب، ونزلت هذه الآية (٦).\n_________\n(١) من قوله: (قال عكرمة ..) إلى (.. ونزلت هذه الآية): نقله -باختصار وتصرف- عن \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١٦٥ ب. وقول عكرمة في \"تفسير الطبري\" ٤/ ٢٠٠، و\"النكت والعيون\" ١/ ٤٤١.\n(٢) في \"تفسيره\" ١/ ٣١٩.\n(٣) لم أقف على مصدرٍ آخر لقوله، سوى \"تفسير الثعلبي\".\n(٤) لم أقف على مصدر قوله.\nوقد ورد عنه في الآية قولُه: (يعني اليهود والنصارى، ﴿وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا﴾، فكان المسلمون يسمعون مِنَ اليهود قولَهم. ﴿عُزَيْرُ ابْنُ الله﴾، ومِنَ النصارَى قولَهم: ﴿المَسِيحُ ابْنُ الله﴾، فكان المسلمون ينصبون لهم الحربَ إذْ يَسْمَعُون إشراكَهم ..). أخرجه: الطبريُّ في: \"تفسيره\": ٤/ ٢٠٠ - ٢٠١، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٨٣٥، وأورده الماوردي في \"النكت والعيون\" ١/ ٤٤١، والسيوطي في \"الدر المنثور\" ٢/ ١٨٩ وزاد نسبة إخراجه إلى ابن المنذر.\n(٥) يقال: (افْتَاتَ عليكَ فِيهِ، وفَاتَكَ بِهِ)؛ أي: أحدث شيئا دون أمرك. والمصدر: (الافتِيَات)، وهو من: (الفَوْت)، وهو: السبق إلى الشيء دون ائتمار مَنْ يُؤْتَمَر. انظر: \"اللسان\" ٦/ ٣٤٨١ (فوت).\n(٦) انظر تفسير الآية: ١٨١ والتعليق على قول ابن عباس في الهامش. وقد ورد في سبب نزولها، ما رواه الزهري، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن أبيه: (أن كعب بن الأشرف اليهودي، كان شاعرًا، وكان يهجو النبي - ﷺ -، =","vol":"6","page":236},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وُيحرِّض كفارَ قريش في شعره، وكان النبي - ﷺ -، قدم المدينة، وأهلها أخلاطٌ: منهم المسلمون، ومنهم المشركون، ومنهم اليهود، فأراد النبي - ﷺ -، أن يستصلحهم كلَّهم، وكان المشركون واليهود يؤذونه ويؤذون أصحابه أشد الأذى، فأمر اللهُ النبى - ﷺ -، بالصبر على ذلك، وفيهم أنزل الله: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ الآية.). \"أسباب النزول\"، للمؤلف: ص ١٣٨ - ١٣٩.\nوقد أخرجه: أبو داود في \"السنن\" رقم (٣٠٠٠) كتاب الخراج، باب: كيف كان إخراج اليهود من المدينة، وعبد الرزاق في \"تفسيره\" ١/ ١٤٢، وابن سعد في \"الطبقات الكبرى\" ٢/ ٣٣، والطبري في \"تفسيره\" ٤/ ٢٠١ عن الزهري مرسلا، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٣/ ٨٣٤ أخرجه متصلًا.\nوأورده الثعلبيُّ في \"تفسيره\" ٣/ ١٦٦ أ، والسيوطي في \"لباب النقول\" ٦٢. وانظر: الصحيح المسند من \"أسباب النزول\" ص ٦٥.\nوورد -كذلك- في سبب نزولها: أن رسول الله - ﷺ -، مرَّ -وهو على حمار- على مجلس فيه عبد الله بن أبَيّ -وذلك قبل إسلامه- وفي المجلس أخلاط من المسلمين والمشركين واليهود، وفي المجلس عبد الله بن رواحة، فلما غشيت المجلس عَجَاجة الدابَّةِ، خَمَّرَ ابن أبَيّ أنفَهُ بردائه، ثم قال: لا تُغَبِّروا علينا. فسلم رسول الله ثم وقف، فنزل، ودعاهم إلى الله، وقرأ عليهم القرآن، فقال ابن أبَيّ: أيها المرء إنه لا أحسن مما تقول، إن كان حقًا فلا تؤذنا به في مجالسنا، ارجع إلى رحلك فمن جاءك فاقصص عليه. فقال ابن رواحة: بلى يا رسول الله فاغشنا به في مجالسنا فإنا نحب ذلك. واستب المسلمون والمشركون واليهود، حتى كادوا يتساورون، فلم يزل - ﷺ -، يخفضهم حتى سكتوا. ففي فِعْل ابن أبَيّ نَزَلَ قولُه تعالى ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾. انظر: السبب بالتفصيل في: \"أسباب النزول\" للمؤلف: ص ١٣٩ - ١٤٠. وقد أخرج هذه القصة: البخاريُ في \"صحيحه\" (٤٥٦٦) كتاب التفسير، باب: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾، ولكن ليس فيه النص على أن هذه القصة سبب لنزول الآية. وإنما ذكر البخاريُّ القصةَ، ثم ذكر عقبها: (قال الله -﷿-: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ﴾، وقال: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا﴾ [البقرة: ١٠٩]. =","vol":"6","page":237},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا﴾ أي: على الأذى الذي ينالكم (١) منهم، كترك المفارضة. وكان هذا قبل نزول آية السَّيْفِ (٢).\nقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾.\nقال ابن عباس (٣): مِنْ حقيقة الإيمان. ومعنى العَزم: تَوْطِينُ النفس على الأمر. ومعنى ﴿مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾؛ أي: ذلك مِمَّا يُعْزَم عليه مِنَ الأمْرِ (٤)؛\n_________\n= ومسلمٌ في \"صحيحه\" رقم (١٧٩٨). كتاب الجهاد باب في دعاء النبي - ﷺ -، وصبره على أذى المنافقين. وليس فيه ذكر الآية، وأن القصة سبب لنزولها.\n(١) في (ج): (الذين أنا لكم) بدلا من: (الأذى الذي ينالكم).\n(٢) آية السيف، هي-في أصح الأقوال-: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥)﴾ [التوبة: ٥].\nودعوى النسخ على هذه الآية، لا يسلم؛ حيث إننا مأمورون بالصبر على أذى أعداء الله على كل حال، قبل القتال وأثناءه وبعده، بل إن الصَّبرَ أثناء القتال أحوج ما نكون إليه، فكيف ينسخه الأمر بالقتال؟\nكما أن الآية ذكرت البلاء في الأموال والأنفس، قبل ذكر أذى أعداء الله للمسلمين، فنحن مأمورون بالصبر على جميع أنواع البلاء، فلا يعقل أن يُنسَخ فعل الصبر، ويبقى فعله محكما غير منسوخ.\nكما أن الآية أمرت بالتقوى مع الصبر، فقالت: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا﴾، وجُعِل الأمران فعلين للشرط، وأشارت الآية إليهما في جواب الشرط باسم الإشارة، فقالت: ﴿فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ فلا يعقل أن ينسخ فعل الشرط، ويَبقَى الآخرمحكما غير منسوخ.\nانظر: \"النسخ في القرآن\" د. مصطفى زيد ٢/ ٥١٦.\n(٣) أورده هذا القول، الثعلبي في \"تفسيره\" ٣/ ١٦٧ ب، وعزاه لعطاء. ويبدو أنه من رواية عطاء عن ابن عباس.\n(٤) في (ج): (الأمور).","vol":"6","page":238},{"text":"لظُهُورِ رُشدِهِ، وموضع الحظِّ (١) فيه، فيجب التَّمَسُّكُ به (٢).\nومعنى قول ابن عباس: (مِنْ حقيقة الإيمان)؛ أي: مِمَّا عَزَمْتم عليه مِنَ الأمر، وهو الإيمانُ والتصديق لِوَعْدِ الله بالنُّصْرِةِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-689>١٨٧ </span>- قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ الآية.\nقال ابن عباس (٣)، والسدّي (٤)، والكلبي (٥)، والمفسِّرون (٦): نَزَلت في يهود المدينة، أخَذَ اللهُ ميثاقهم في التوراة، لَيُبَيِّنُنَّ شأن محمد - ﷺ -، ونَعْتِهِ، وَمَبْعَثِهِ، ولا يُخْفُونَه، فَنَبَذوا الميثاقَ، ولم يَعْمَلُوا به (٧).\n_________\n(١) في (ج): (الخط).\n(٢) العَزْمُ -في اللغة-: الجِدُّ، وما عَقَد عليه قلْبُك مِنْ أنك فاعله. و(عَزَمَ الأمْرُ): جَدَّ الأمر. و(عزائم الأمور، وعَوازِمُها): فرائضها التي عَزَمَ اللهُ علينا بفعلها، أو التي يُؤَكَد الرأي أو النية والعزم عليها. و(عزائم الله): فرائضه التي أوجبها علينا.\nانظر (عزم) في: \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٤٢٥، و\"اللسان\" ٥/ ٢٩٣٢، و\"الكُلِّيَّات\" لأبي البقاء ٦٥٠، و\"المصباح المنير\" ١٥٥.\n(٣) قوله في: \"تفسير الطبري\" ٤/ ٢٠٢، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" ٣/ ٨٣٥، و\"النكت والعيون\" ١/ ٤٤١، و\"زاد المسير\" ١/ ٥٢١، و\"الدر المنثور\" ٢/ ١٨٩.\n(٤) قوله في: \"تفسير الطبري\" ٤/ ٢٠٢، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" ٣/ ٨٣٦، و\"النكت والعيون\" ١/ ٤٤١، و\"زاد المسير\" ١/ ٥٢١.\n(٥) لم أقف على مصدر قوله.\n(٦) منهم: سعيد بن جبير، وابن جريج، ومقاتل.\nانظر: \"تفسير مقاتل\" ١/ ٣٢٠، و\"تفسير الطبري\" ٤/ ٢٠٢، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" ٣/ ٨٣٥ - ٨٣٦، و\"زاد المسير\" ١/ ٥٢١، و\"الدر المنثور\" ٢/ ١٩٠.\n(٧) وذهب قتادة إلى أن الآية مَعنِيٌّ بها كل من أوتي علمًا بأمر الدين. انظر: \"تفسير الطبري\" ٧/ ٤٦١، و\"ابن أبي حاتم\" ٩٤٨، و\"الثعلبي\" ٣/ ١٦٨أ، و\"الدر المنثور\" ٢/ ٤٠٢، وزاد نسبة إخراجه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر. وهو قول محمد بن كعب، والحسن. انظر: \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١٦٨ أ، و\"تفسير =","vol":"6","page":239},{"text":"قوله تعالى: ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ (١) يُقرأ بالياء والتاء (٢). فَمَن قرأ بالياء؛ فلأنهم غَيْبٌ. ومن قرأ بالتاء؛ حَكَى المخاطبةَ التي كانت في وقت أخذ الميثاق.\nومثل (٣) هذه الآية: قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ﴾ [البقرة: ٨٣]، بالياء والتاء (٤). وقد تقدم القول في ذلك.\n_________\n= القرطبي\" ٤/ ٣٠٤.\nولا تعارض بين القولين؛ لأن الآية وإن كانت خاصة في اليهود، إلا أنَّ العِبْرَة بعموم لفظها، فيدخل فيها هم وغيرُهم مِنْ أصحابِ العِلْمِ، ولذا قال ابن عَطِيَّة: (الآية توبيخ لِمُعاصِرِي النبي - ﷺ -، ثم هو مع ذلك خبر عامٌّ لهم ولغيرهم)، ثم تابع قائلًا: (وقال جمهورٌ من العلماء: الآية عامَّةٌ في كلِّ مَنْ عَلَّمه اللَهُ عِلْما، وعلماءُ الأمَّةِ داخلون في هذا الميثاق).\n\"المحرر الوجيز\" ٣/ ٤٤٩ - ٤٥٠، وانظر: \"تفسير القرطبي\" ٤/ ٣٠٤، و\"تفسير ابن كثير\" ١/ ٤٧٢.\n(١) (أ)، (ب)، (ج): ﴿ولا يكتمونه﴾. والمثبت وفق رسم المصحف الشريف.\n(٢) قرأ بالياء فيهما -على الغيبة-: ﴿لَيُبَيِّنُنَّهُ﴾، ﴿ولا يَكتُمُونَه﴾: ابنُ كثير، وأبو عمرو، وعاصم -في رواية أبي بكر عنه-.\nوقرأ الباقون -نافع، وابن عامر، وحمزة، والكسائي، وعاصم، في رواية حفص- بالتاء فيهما -على الخطاب-.\nانظر: \"السبعة\" ٢٢١، و\"القراءات\"، للأزهري ١/ ١٣٤، و\"إعراب القراءات السبع\" لابن خالويه ١/ ١٢٥، و\"الحجة\" للفارسي ٣/ ١٠٦، و\"الإقناع\" ٢/ ٦٢٥.\n(٣) في (ج): (وميث) بدلًا من: (ومثل).\n(٤) قرأ ابن كثير، وحمزة، والكسائي: ﴿لا يَعبدون﴾ -بالياء-. وقرأ أبو عمرو، ونافع، وعاصم، وابن عامر: ﴿لَا تَعْبُدُونَ﴾ -بالتاء-.\nانظر: \"الحجة\" للفارسي ٢/ ١٢١، و\"الكشف\" لمكي ١/ ٢٤٩.","vol":"6","page":240},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ (١) ولم (٢) يقل: ولا تكتُمُنَّهُ (٣)؛ كما قال: ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ﴾ (٤)؛ لأنه في معنى الحال (٥)، لا في معنى الاستقبال المعطوفِ على ما قبله.\nكأن المعنى: لَتُبَيِّنُنَّه للناس غيرَ كاتِمِينَ (٦). و(الهاء) في ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ﴾، يعود (٧) على محمد - ﷺ -، في قول أكثر المفسرين (٨). فهو عائدٌ على معلوم، ليس بمذكور.\nوفي قول الحسن، وقَتَادة (٩): يعود على الكتاب، في قوله: ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾، [ويدخُلُ فيه بَيانُ أمرِ النبي - ﷺ -؛ لأنه في الكتاب] (١٠).\n_________\n(١) في (أ)، (ب)، (ج): ﴿ولا يكتمونه﴾. والمثبت وفق رسم المصحف الشريف.\n(٢) في (ج): (فلم).\n(٣) في (ج): (ولاي كتمنه).\n(٤) في (أ): (ليبيننه)، والمثبت من (ب)، ورسم المصحف الشريف. ومن قوله: (لتبيننه ..) إلى (.. كأن المعنى): ساقط من (ج).\n(٥) أي: أن الواوَ واوُ الحال. والفعل بعدها منصوب على الحال.\n(٦) واستحسن أبو حيان أن تكون الواو للعطف، وأن الفعل بعدها من جملة المقسم عليه، ولكنه لم يُؤَكَّد؛ لأنه منفيٌّ؛ كما تقول: (والله لا يقوم زيد). وقال: (وهذا الوجه -عندي- أعْرَب وأفصح). \"البحر المحيط\" ٣/ ١٣٦.\n(٧) في (ج): (تعود).\n(٨) منهم: السدي، وسعيد بن جبير، ومقاتل. وإليه ذهب الطبري. وقال ابن الجوزي: (وهذا قول من قال: هم اليهود)، أي: المَعْنِيِّينَ بالآية.\nانظر: \"تفسير مقاتل\" ١/ ٣٢٠، و\"تفسير الطبري\" ٤/ ٢٠٢، و\"زاد المسير\" لابن الجوزي ١/ ٥٢١، و\"الدر المنثور\" ٢/ ١٩٠.\n(٩) انظر قولهما في: \"النكت والعيون\" ١/ ٤٤٢، و\"زاد المسير\" ١/ ٥٣١، و\"تفسير القرطبي\" ٤/ ٣٠٤.\n(١٠) ما بين المعقوفين زيادة من (ج).","vol":"6","page":241},{"text":"قال الحسن (١): هذا ميثاق الله على علماء أهل الكتاب، أن يُبَيِّنوا للناس ما في كتابهم، وفيه ذكر رسول الله - ﷺ -، والإسلام، فَنَبَذُوه وَرَاءَ ظُهورهم.\nوقال قتادة (٢)، والقُرَظِيُّ (٣): كلّ مَنْ أوتي عِلْمَ شيءٍ مِنْ كُتُبِ (٤) الله -جل وعز- (٥)، فقد أخذَ ميثاقُهُ: أنْ يُبَيِّنَه للناس ولا يكتُمَه.\nوقوله تعالى: ﴿فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ﴾.\nقال (٦) ابن عباس (٧): يريد: ألقوا ذلك الميثاقَ خَلْفَ ظهورهم.\nوقال أهل المعاني (٨): تركوا العَمَلَ (٩) به (١٠)، وقد كانوا\n_________\n= قال ابن الجوزي عن هذا الرأي: (وهو أصح؛ لأن الكتاب أقرب المذكورين، ولأن مِنْ ضرورة تَبْيِينِهم ما فيه، إظهار صفة محمد - ﷺ -). \"زاد المسير\" ١/ ٥٢١.\n(١) لم أقف على مصدر قوله.\n(٢) قوله في: \"تفسير الطبري\" ٤/ ٢٠٣، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" ٣/ ٨٣٦، و\"معاني القرآن\"، للنحاس ١/ ٥٢٠، و\"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١٦٨ أ، وأورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ٢/ ١٩٠ وزاد نسبة إخراجه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.\n(٣) قوله في: \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١٦٨ أ، و\"تفسير القرطبي\" ٤/ ٣٠٤.\n(٤) في (ب): (كتاب).\n(٥) (جل وعز): ليس في (ج).\n(٦) من قوله: (قل ..) إلى (.. خلف ظهورهم): ساقط من (ج).\n(٧) لم أقف على مصدر قوله.\n(٨) ممن قال بذلك: الشعبي. انظر: \"تفسير الطبري\" ٤/ ٢٠٤، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" ٣/ ٨٣٧. وقال به أبو عبيدة في \"مجاز القرآن\" ١/ ١١١، وأبو الليث في \"بحر العلوم\" ١/ ٣٢٢.\n(٩) في (ج): (العلم).\n(١٠) (به): ساقطة من (ج).","vol":"6","page":242},{"text":"يقرأونَهُ (١)، فصاروا بترك العمل به، كأنهم قد ألقوه وراء ظهورهم.\nقال الزجّاج (٢): يقال للذي يطرح الشيء، لا (٣) يَعْبَأ به: قد جعلت هذا الأمر بِظَهْرٍ (٤).\nوأنشد للفرزدق (٥): تميم بن قيس:\nلا يكونن حاجتي بظهر ... فلا يعبأ على جوابها\nأي لا يتركنها تعبأ بها.\nوقوله تعالى ﴿وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ يعني ما كان يأخذونه من سفلتهم من المآكل التي كانوا يصيبونها منهم برياستهم في العلم.\nوقوله تعالى: ﴿فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ قال ابنُ عبَّاس (٦): يريد: قَبُحَ شراؤُهم وخَسِروا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-690>١٨٨ </span>- قوله تعالى: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ﴾ الآية.\nقال أبو سعيد الخُدْرِي (٧): نزلت في رجالٍ من المنافقين، كانوا\n_________\n(١) في (أ)، (ب)، (ج): (يقرونه). وأثبَتُّها وفق الرسم الإملائي الحديث.\n(٢) في \"معاني القرآن\" له ١/ ٤٩٧. نقله عنه بنصه.\n(٣) في (المعاني): (ولا).\n(٤) في (ج): (يظهر).\n(٥) في (ج): (الفرزدق).\n(٦) لم أقف على مصدر قوله.\n(٧) أخرج قوله -في هذا المعنى-: البخاري في \"الصحيِح\" (٤٥٦٧) كتاب: تفسير القرآن. سورة آل عمران. باب: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا﴾.\nومسلم في \"الصحيح\" ٤/ ٢٠٥ رقم (٢٧٧٧) كتاب: صفات المنافقين.\nوالطبري في \"تفسيره\" ٤/ ٢٠٥، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٣/ ٨٣٩، والمؤلف في \"أسباب النزول\" ١٤٠.\nوأورده الثعلبي في \"تفسيره\" ٣/ ١٦٨ ب، والسيوطي في: \"الدر المنثور\" ٢/ ١٩١ وزاد نسبة إخراجه إلى ابن المنذر، والبيهقي في \"الشعب\".","vol":"6","page":243},{"text":"يتخلفون عن رسول الله في الغَزْوِ، ويفرحون بقعودهم عنه. فإذا قدم اعتذروا إليه، فيقبل عذْرَهم (١)، وأحَبُّوا أنْ يُحْمَدوا بما ليسوا عليه مِنَ الإيمان.\nوقال عكرمة (٢): هم اليهود، فرحوا بإضلال الناس، وبنسبة الناس إيَّاهم إلى العِلْمِ؛ وليسوا كذلك.\nوقال بعضُهم: نزلت في الذين ذَمَّهم الله -تعالى-: بِكِتْمان الحَقِّ، كتموه وفَرِحوا بذلك، وأحَبُّوا أنْ يُحْمدوا بالتمسك بالحق، وقالوا: نحن أصحاب التوراة، وأولوا العِلْمِ القديم، وكلُّ ما (٣) قلناه واجبٌ على الناس قَبُولُهُ، واتِّباعنا فيه. وهذا يُروَى عن ابن عباس (٤).\n_________\n(١) (فيقبل عذرهم): ساقطة من (ج).\n(٢) قوله في \"تفسير الطبري\" ٤/ ٢٠٥ - ٢٠٦، وقد ورد فيه: (عن مولى زيد بن ثابت، عن عكرمة، مولى ابن عباس، وسعيد بن جبير)، وذكره بمعناه، وأخرجه من طريق آخر، وفيه: (عن مولى زيد بن ثابت، عن عكرمة، أنه حدثه عن ابن عباس بنحو ذلك ..). وأخرجه -منسوبًا إليه-: ابنُ أبي حاتم في \"تفسيره\" ٣/ ٨٣٨\n(٣) في (ج): (كلما) بدلًا من: (كل ما).\n(٤) أخرج قوله -بهذا المعنى-: البخاري في \"صحيحه\" (٤٥٦٨) كتاب التفسير. تفسير سورة آل عمران. باب: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا﴾.\nومسلم في \"صحيحه\" رقم (٢٧٧٨) كتاب صفات المنافقين. والترمذي في \"سننه\" رقم (٣٠١٤) كتاب تفسير القرآن. باب: من سورة آل عمران. وقال: (حسن صحيح غريب).\nوالحاكم في \"المستدرك\" ٢/ ٢٩٩ وصححه، ووافقه الذهبي.\nوالنسائي في \"تفسيره\" ١/ ٣٥٢، والطبراني في \"المعجم الكبير\" ١٠/ ٣٦٤ رقم (١٠٧٣٠)، وعبد الرزاق في \"تفسيره\" ١/ ١٤١، والطبري في \"تفسيره\" ٤/ ٢٠٦، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٣/ ٨٣٨، والبغوى في \"تفسيره\" ٢/ ١٥٠، والمؤلف في \"أسباب النزول\" ١٤١.\nوأورده السيوطى فى \"الدر المنثور\" ٢/ ١٩١ وزاد نسبه اخراجه إلى عبد بن حميد =","vol":"6","page":244},{"text":"واختلف القرّاء في هذه الآية:\nفقرأ ابن كثير، وأبو عمرو -كلاهما-: بالياء وضمِّ الباء، مِنْ ﴿يَحْسِبُنَّهم﴾ (١).\nووجه (٢) هذه القراءة: أنهما لم يُعَدِّيا (حَسِبْتُ) إلى مفعوليه اللذين (٣) يقتضيهما؛ لأنهما جعلا قولَهُ -تعالى- (٤): ﴿فَلا يَحْسِبُنَّهُم﴾ (٥) بدلًا مِنَ\n_________\n= وابن المنذر، والبيهقي في \"الشعب\".\nوقد ورد حول سبب النزول أقوال أخرى. انظرها في: \"تفسير الطبري\" ٤/ ٢٠٥ - ٢٠٨، و\"تفسير البغوي\" ٢/ ١٥٠، و\"أسباب النزول\" للمؤلف ١٤٠ - ١٤٢، و\"الدر المنثور\" ٢/ ١٩١ - ١٩٣.\nقال ابن حجر عن الأثر الوارد عن أبي سعيد وابن عباس والآخرين: (ويمكن الجمع بأن تكون الآية نزلت في الفريقين معًا، وبهذا أجاب القرطبيًّ وغيره). وقال -عن هذين الأثرين، وعن بقية الآثار الواردة في سبب نزولها-: (ولا مانع أن تكون نزلت في كل ذلك، أو نزلت في أشياء خاصة، وعمومها يتناول كل من أتى بحسنة ففرح بها فرح إعجاب، أحب أن يحمده الناس، ويثنوا عليه بما ليس فيه. والله أعلم).\n\"فتح الباري\" ٨/ ٢٣٣، وانظر: \"تفسير القرطبي\" ٤/ ٣٠٦ - ٣٠٧، و\"تفسير ابن كثير\" ١/ ٤٧٣.\n(١) أي: قرآ: ﴿وَلَا يَحْسِبَنَّ﴾، و﴿فلا يَحْسِبُنَّهم﴾ بكسر السين فيهما. انظر: \"السبعة\" ٢١٩، و\"الحجة \" للفارسي ٣/ ١٠٠ - ١٠١، و\"حجة القراءات\" ١٨٦ - ١٨٧. وضبطت الكلمتان بفتح السين في: \"إعراب القراءات السبع\" لابن خالويه ١/ ١٢٥.\n(٢) من قوله: (ووجه ..) إلى (.. فيستقيم فيه تقدير العطف): نقله -بتصرف- عن \"الحجة\" للفارسي ٣/ ١٠٤ - ١٠٥.\n(٣) في (ج): (الذين).\n(٤) (تعالى): ليست في: (ج).\n(٥) (أ)، (ب): (تحسِبنَهم) -بالتاء وكسر السين-. ولم ترد قراءة بهذه الصورة. وفي (ب): (تَحسَبَنَهم). وفي (ج): مهملة من النقط والشكل. ولكنَّ المؤلف -هنا- يتحدث عن توجيه قراءة ابن كثير وأبي عمرو، فالصواب ما أثبَتُه، والله أعلم.","vol":"6","page":245},{"text":"الأوَّلِ. ولَمَّا جعلاه بَدَلًا، وعُدِّي إلى مفعوليه، استُغنِيَ عن تَعْدِيَة الأولى إليهما، كما استغنى في قوله:\nبِأيِّ كتابٍ أم بِأيِّة سُنَّةٍ ... تَرىَ حُبَّهُمْ عارًا عليَّ وتَحْسَبُ (١)\nبتعدية أحد الفعلين إلى مفعوليه، عن تعدية الآخر إليهما.\nفإن قيل: لا (٢) يستقيم تقدير البَدَلِ في قوله: ﴿لا يَحْسِبَن (٣) الذيِن يَفْرَحُون بِمَا أتَوْا فَلا يَحْسِبُنَّهم (٤) بِمَفَازَةٍ﴾، وقد دخلت الفاءُ بينهما، ولا يدخل بين البدل والمُبْدَلِ منه، الفاءُ (٥).\nقيل: إن الفاء زائدة (٦)؛ يَدُلُّك (٧) على ذلك: أنها لا يجوز أن تكون\n_________\n(١) البيت للكُمَيت. وقد ورد منسوبًا له في: \"شرح هاشميات الكميت\" ٤٩، و\"المحتسب\" ١/ ١٨٣، و\"شرح ديوان الحماسة\" للمرزوقي ٦٩٢، و\"المقاصد النحوية\" ٢/ ٤١٣، ٣/ ١١٢، و\"منهج السالك\" ٢/ ٣٥، و\"التصريح\"، للأزهري ١/ ٢٥٩، و\"خزانة الأدب\" ٤/ ٣١٤، ٩/ ١٣٧.\nوورد غير منسوب في: \"إعراب القرآن\"، المنسوب للزجاج ٢/ ٤٣٢، و\"أوضح المسالك\" ص ٧٧، و\"شرح ابن عقيل\" ٢/ ٥٥.\nوالشاهد فيه: أنه لم يذكر مفعوليْ (تحسبُ)، اكتفاءً بدلالة الفعل السابق عليهما، وهو: (ترى).\n(٢) في (ج)، و\"الحجة\": (كيف) بدلًا من (لأن).\n(٣) (يحسبن) في (أ)، (ج): الياء غير منقوطة، والكلمة غير مشكولة. وفي (ب): (تحسبن)، والمثبت من: \"الحجة\" للفارسى، لأن المؤلف -هنا- يتحدث عن توجيه قراءة ابن كثير وأبي عمرو.\n(٤) في (أ)، (ب): (تَحْسِبُنَّهم). ولم ترد قراءة بهذه الصورة وفي (ج): مهملة من النقط والشكل. والمثبت من \"الحجة\" للفارسي.\n(٥) (الفاء): ساقطة من (ج).\n(٦) انظر: \"معاني القرآن\"، للأخفش: ١/ ٢٢٢.\n(٧) في (ج): (بذلك).","vol":"6","page":246},{"text":"عاطفة؛ لأن المعنى: لا يَحْسِبَنَّ الذين يفرحون بما أتوا، أَنْفُسَهم بمفازةٍ مِنَ العَذَابِ.\nوإذا كان كذلك، لَمْ يَجُزْ تقديرُ العطف؛ لأن الكلام لم يستقل بعدُ، فيستقيم فيه تقديرُ العَطْفِ. ولا يجوز (١) -أيضًا- أن تكون للجزاء، كالتي في قوله: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ (٢)، ونحوها؛ لأن هذا ليس من مواضع الجزاء. وإذا لم يجز أن تكون للعطف [و] (٣) لا لِلْجَزَاء، ثَبَتَ أنها زائدة؛ كقوله:\nوإذا هَلَكْتُ (٤) فَعِنْدَ ذلك فاجْزَعِي (٥)\n_________\n(١) من قوله: (ولا يجوز ..) إلى نهاية بيت الشعر (.. فاجزعي): نقله -بتصرف واختصار- عن: \"الحجة\"، للفارسي ٣/ ١٠٨ - ١٠٩.\n(٢) سورة النحل: ٥٣ وبقيتها: ﴿ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾.\n(٣) ما بين المعقوفين زيادة من (ج)، و\"الحجة\".\n(٤) في (ب): (جزعت).\n(٥) عجز بيت للنَّمِر بن تَوْلَب. وصدره:\nلا تَجْزعي إنْ مُنْفِسا أهلكته\nوهو في \"شعره\" ٧٢. وورد منسوبا له في: \"كتاب سيبويه\" ١/ ١٣٤، و\"الكامل\"، للمبرد ٣/ ٣٠٠، و\"شرح الأبيات المشكلة\" ٩٠، ٣٦١، و\"سمط اللآلئ\" ٤٦٨، و\"أمالي ابن الشجري\" ١/ ٤٨، ٣/ ١٢٩، و\"اللسان\" ٨/ ٤٥٠٣ (نفس)، ٢/ ١٢٤٨ (خلل)، و\"المقاصد النحوية\" ٢/ ٥٣٥، و\"شرح شواهد المغني\" ١/ ٤٧٢، ٢/ ٨٢٩، و\"خزانة الأدب\" ١/ ٣١٤، ٣٢١، ٣/ ٣٢، ٩/ ٤١، ٤٣، ٤٤، ١١/ ٣٦. وورد غير منسوب في: \"المقتضب\" ٢/ ٧٦، و\"الحجة\" للفارسي ١/ ٤٤، ٣/ ١٠٩، و\"شرح المفصل\" ٢/ ٣٨، و\"شرح ابن عقيل\" ٢/ ١٣٣، و\"الأزهية\" ٢٤٨، و\"منهج السالك\" ٢/ ٧٥، و\"الأشباه والنظائر\" للسيوطي ٢/ ١٨١. ويروى: (لا تجزعي إنْ منفسٌ ..). انظر توجيه هذه الراوية في \"خزانة الأدب\" ١/ ٣١٤.\nالبيت ضمن أبيات يخاطب فيها الشاعرُ زوجَه التي لامته على إسرافه وتبذيره في =","vol":"6","page":247},{"text":"وكما أنشد (١) قُطْرُب (٢):\nوحِينَ تَركتُ العائداتِ يَعدْنَهُ ... يَقُلْن فلا تَبْعَدْ وقلتُ لَه ابْعَدِ (٣)\nوذكرنا وجْهَ زيادة الفاء في الكلام، فيما تقدم.\nوقوله تعالى: ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ﴾ قد (٤) تَعَدّى فيه فعلُ الفاعل إلى ضميرِهِ. وفِعْلُ الفاعل في هذا الباب، يَتَعدَّى إلى ضمير نفسه؛ نحوَ (ظَنَنْتُنىِ أخاه)، و(حَسِبْتُني ذاهبًا).\n_________\n= إكرامه لأضيافه.\nالجَزَع: نقيض الصبر. و(المُنْفِسُ): المال النفيس الذي له قدر. ومعنى (أهلكتُه): أفنَيتُه، وأذهبتُه. انظر: \"اللسان\" ١/ ٦١٦ (جزع)، ٨/ ٤٥٠٣ (نفس).\nوالشاهد في البيت: زيادة الفاء. قال الفارسي: (ألا ترى أن إحدى الفاءين لا تكون إلا زائدة؛ لأن (إذا) إنما يقتضي جوابًا واحدًا).\nوانظر حول زيادة إحدى الفاءين -هنا-: \"الخزانة\" ١/ ٣١٥.\n(١) في (ج): (أنشده).\n(٢) انظر: \"سر صناعة الإعراب\" ١/ ٢٦٨ - ٢٦٩\n(٣) البيت لحاتم الطائي. وهو في \"ديوانه\" ٣٠.\nوقد ورد منسوبًا له، في: \"سر صناعة الإعراب\" ١/ ٢٦٩، و\"الأزهية\" ٢٤٧. وورد في المصادر السابقة: (حتى تركت ..). وفي الديوان: (وحتى .. * ينادين لا تبعد). يتحدث عن شخص طعنه الشاعرُ طعنةً، تركه بين الحياة والموت. و(العائدات): اللاتي يَزُرْن المريض. انظر: \"القاموس\" ٣٠٣ (عود).\nو(لا تَبْعَد): لا تهلك؛ من: (البُعْد)، وهو: الهلاك والموت؛ يقال: (بَعِدَ، بَعَدًا)، و(بَعُدَ): هلك. ومن العرب من يقول: (بَعُدَ) -في المكان-، و(بَعِد) -في الهلاك-. وقيل: (بَعِد)، و(بَعُد) فيكون مضارعها: (يَبْعَدُ) -بفتح العين-، وهكذا ضَبطتُها في البيت. انظر: \"المزهر\" ١/ ٢٠٨ - ٢٠٩. والشاهد فيه: زيادة الفاء في (فلا ..).\n(٤) من قوله: (قد ..) على (.. لا يحسبن زيدًا ذاهبًا): نقله -بتصرف واختصار- عن: \"الحجة\" للفارسي ٣/ ١٠٥ - ١٠٦.","vol":"6","page":248},{"text":"يدل على ذلك: قُبْحُ دخولِ النَفْسِ عليها. ولو قلت: (حَسِبتُ نفسي تفعل كذا). لم يَحْسُنْ، كما يَحْسنُ: (حَسِبْتُنِي)، و(أَحْسِبُنِي) (١).\nوحُذِفَتْ واوُ الضميرِ في ﴿يَحْسِبُنَّهم﴾ (٢)؛ لِدُخول النون الثقيلة، واجتماع الساكنين (٣). و-كذلك- يُحذف عند دخول النونِ الخفيفة؛ كما تقول: (لا يَحْسِبُنْ زيدًا ذاهبًا).\nوقوله تعالى: ﴿بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ﴾.\nفي موضع المفعول الثاني. وقرأ حمزة، وعاصم والكسائي -كلاهما- (٤): بالتَّاء، وفتحوا الباءَ من ﴿تَحْسَبَنَّهُمْ﴾ (٥).\nووجه هذه القراءة: أنه حذف (٦) المفعولَ الثاني الذي يقتضيه ﴿تَحْسَبَنَّ﴾ الأول؛ لأن ما يجيء بَعدُ من قوله: ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ﴾، يدل عليه.\n_________\n(١) يجوز في مضارع (حَسِبَ) كسر السين وفتحها. انظر: \"المزهر\" ١/ ٢٠٩.\n(٢) في (أ): (تَحْسُبُنهم) بالتاء وضم السين. وهي خطأ واضح. وفي (ب): (تحسبنهم)، وفي (ج): مهملة من النقط والشكل. والمثبت هو ما استصوبته؛ لاتساقه مع ما سبق.\n(٣) أي: سكون الواو، وأول النون المشددة.\n(٤) هكذا جاءت في: (أ)، (ب)، (ج): (كلاهما) -على الرفع للمثنى-، والأصل فيها أن تكون: (كلهم)، وتعود على القراء الثلاثة. أو (كليهما) -بالنصب بالياء-، وتعود على القراءتين القرآنيتين ﴿تَحْسَبَنَّ﴾، و﴿تَحسَبَنَّهُم﴾، وقد ترجع (كلاهما) على عاصم والكسائي.\n(٥) أي: ﴿تَحسَبَنَّهُم﴾ -بالتاء وفتح الباء والسين-. إلا أن الكسائي كَسَر السين. انظر: \"السبعة\" ٢٢٠، و\"الحجة\" للفارسي ٣/ ١٠١، و\"حجة القراءات\" ١٨٦، و\"إتحاف فضلاء البشر\" ص ١٨٣.\n(٦) من قوله: (حذف ..) إلى (.. لاتفاق الفعلين): نقله -بتصرف- عن: \"الحجة\" للفارسي ٣/ ١٠٨.","vol":"6","page":249},{"text":"ويجوز أن تجعل (١) ﴿تَحْسَبَنَّهُمْ﴾ بدلًا من ﴿تَحْسَبَنَّ﴾، كما جاز أن تجعل (يَحسِبُنَّهم (٢» بدلًا من (يَحْسِبَنَّ (٣» في قراءة ابن كثير وأبي عمرو، لاتِّفاق (٤) الفعلين.\nقال أبو إسحاق (٥): ووقعت (فَلا (٦) تَحسَبَنَّهم) مُكَرَّرةً؛ لِطُول القصَّة.\nوالعربُ تُعيد إذا طالت القصّة (حَسبت) وما أشبهها؛ إعلامًا أن الذي جرى متصل بالأوَّل، وتوكيد (٧) له، فتقول: (لا تظنَنَّ زيدًا إذا جاءك وَكلَّمَكَ في كذا وكذا، فَلاَ تظُننَّه صادقًا)، فتكرره إيضاحًا للقصة.\nوهذا -الذي ذكره أبو إسحاق- سائغٌ في القراءتين: قراءةِ أبي عمرو، وقراءةِ حمزة.\nوقرأ نافعٌ وابنُ عامر: الأوَّل بالياء، والثاني بالتاء وفتح الباء (٨).\nووجه هذه القراءة: أن المفعولَيْن (٩) اللَّذَيْن يقتضيهما الحِسْبانُ في\n_________\n(١) في (ب): (يجعل).\n(٢) (أ)، (ب): (تحسبنهم)، وفي (ج): غير معجمة. والمثبت من \"الحجة\" للفارسي.\n(٣) (أ)، (ب): (تحسبن)، وفي (ج): غير معجمة. والمثبت من \"الحجة\".\n(٤) (أ)، (ب): (ولاتفاق)، ولا وجه للواو -هنا-. والمثبت من (ج)، و\"الحجة\"، للفارسي.\n(٥) في \"معاني القرآن\" له ١/ ٤٩٨. نقله عنه بتصرف واختصار يسيرين.\n(٦) في (أ)، (ب)، (ج): (لا). والمثبت وفق رسم المصحف الشريف. وكذا جاءت في \"معاني القرآن\".\n(٧) في (ج): (وتأكيد)، وفي المعاني؛ وتوكيدًا.\n(٨) أي: ﴿يَحْسَبَنَّ﴾ و﴿تَحْسَبَنَّهُمْ﴾، وكسرَ نافعٌ السينَ وفتحها ابنُ عامر. انظر: \"السبعة\" ٢١٩ - ٢٢٠، و\"علل القراءات\" ١/ ١٣١، و\"الحجة\" للفارسي ٣/ ١٠١\n(٩) من قوله: (المفعولين ..) إلى (.. من بعد عليهما): نقله -بتصرف- عن \"الحجة\" للفارسي ٣/ ١٠٧.","vol":"6","page":250},{"text":"قوله: ﴿لَا يَحْسَبَنَّ الذين يفرحون﴾ محذوفان (١)؛ لِدَلالَةِ ما ذكِرَ من بَعْدُ عليهما (٢). فَلمَّا كان قوله: ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ﴾ متَّصلًا بمفعولَيْن ظاهِرَيْنِ، جُعِلا مفعولَي قولِهِ (٣): ﴿لا يَحْسَبَنَّ (٤) الذين يَفْرَحُون﴾، بتقدير: لا يَحْسَبَنَّ (٥) الذين يفرحون أنْفُسَهُمْ، بمفازةٍ من العذاب، ولا تَحْسَبَنَّهم أنت -أيضًا- كذلك.\nوقوله تعالى: ﴿بِمَا أَتَوْا﴾ قال الفرّاء (٦): يريد: [ما] (٧) فعلوه؛ كما قال ﴿لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا﴾ [مريم: ٢٧] أي: فَعَلْتِ. وكقوله: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ﴾ [النساء: ١٦].\nوقوله تعالى: ﴿بِمَفَازَةٍ﴾ أي (٨): بِمَنْجَاةٍ؛ مِنْ قولهم: (فَازَ فلانٌ): إذا (٩) نَجَا. وقال الفرّاء (١٠): أي: بِبُعْدٍ (١١) من العذاب؛ لأن الفَوْزَ معناه:\n_________\n(١) في (ج): (محذوفًا).\n(٢) في (ج): (عليها).\n(٣) في (ج): (لقوله).\n(٤) (أ)، (ب): ﴿تَحْسَبَنَّ﴾ -بالتاء-. وفي (ج): غير معجمة. والمُثبَت يتناسب مع السياق؛ لأن المؤلف يوجِّهُ قراءةَ نافع وابن عامر وهي بالياء.\n(٥) في (أ)، (ب): ﴿تَحْسَبَنَّ﴾ -بالتاء-. وفي (ج): غير معجمة والمثبت يتناسب مع السياق.\n(٦) في \"معاني القرآن\" له ١/ ٢٥٠. نقله عنه بتصرف.\n(٧) ما بين المعقوفين زيادة من (ج). وفي \"معاني القرآن\": بما فعلوا.\n(٨) من قوله: (أي ..) إلى (.. نجا): نقله -بنصه- عن \"تفسير غريب القرآن\"، لابن قتيبة ١/ ١٠٩.\n(٩) في \"تفسير الغريب\" أي.\n(١٠) في \"معاني القرآن\" له ١/ ٢٥٠.\n(١١) في (أ): (يبعد)، وفي (ب)، (ج): رسمت كالتي في (أ)، إلا أنَّ النقط غير =","vol":"6","page":251},{"text":"التباعد من المكروه (١).\nوذكرنا ذلك في قوله: (﴿فَقَدْ فَازَ﴾ [آل عمران: ١٨٥].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-691>١٨٩ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: بِمُلْكِ تدْبيرِهما (٢)، وتصريفهما (٣) على ما يشاء. وهذا تكذيبٌ لِلَّذِين قالوا: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-692>١٩١ </span>- قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا﴾ الآية.\nرُوي عن علي، وابن عباس، وقتادة (٥): أنهم قالوا: يعني (٦) [أنهم] (٧) يُصَلُّون على هذه الأحوال: قِيَامًا، فإن لم يستطيعوا فقُعُودا، فإن لم يستطيعوا فَعَلَى جُنُوبِهم.\nوهذا اختيار الزجاج، قال (٨): يصلون في (٩) جميع هذه الأحوال،\n_________\n= واضحة. والمثبت هو ما استظهرت صوابه. وهي أقرب إلى رسمها في \"معاني القرآن\" (ببعيد)، وكذا وردت في: \"إعراب القراءات السبع\" لابن خالويه ١/ ١٢٥ (ببعد من النار).\n(١) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٤٩٥.\n(٢) في (ج): (سرها).\n(٣) في (ج): (وتصريفها).\n(٤) سورة آل عمران: ١٨١. وانظر: \"تفسير الطبري\" ٤/ ٢٠٩.\n(٥) ذكر قولهم الثعلبي في \"تفسير\" ٣/ ١٧٠ ب، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ١/ ٥٢٧.\n(٦) في (ج): (معنى).\n(٧) ما بين المعقوفين زيادة من (ج).\n(٨) في \"معاني القرآن\"، له: ١/ ٤٩٩. نقله عنه بنصه. ولكن ليس هذا اختيار الزجاج، وإنما أورده وعزاه لبعض المفسرين، فقال: (وقال بعضهم ..) ثم ذكره، وأعقبه بقوله: (وحقيقته عندي -والله أعلم-: أنهم موحدون الله على كل حال). وقال قبلها: (.. وإنهم يذكرون الله في جميع أحوالهم) ١/ ٤٩٨. وهذا هو اختياره.\n(٩) في \"معاني القرآن\": على.","vol":"6","page":252},{"text":"على قَدْرِ إمْكانِهِم، في صحتهم وسَقَمِهم.\nوقال آخرون (١): يريد: أنهم يذكرون الله على كل حال.\nوجاز (٢) أن يعطف بـ (على) على ﴿قِيَامًا﴾ و﴿وَقُعُودًا﴾، لأن معناه يُنْبِئ عن حالٍ مِنْ أحوال تَصَرُّفِ الإنسان؛ كما تقول: (أنا أصِيرُ إلى زيدٍ ماشِيًا، وعلى الخيل). المعنى: ماشِيًا ورَاكِبًا (٣).\nوقوله تعالى: ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾.\nليَكُون (٤) ذلك أزيد في بَصِيرتهم؛ لأن فكرهم يُرِيهم عِظَمَ شأنهما، فيكون تعظيمُهم للهِ ﷿ على حسب ما يقفون عليه من آثار حكمته.\nوقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾.\nأي: و(٥) يقولون: رَبَّنا ما خلقت هذا (٦). الإشارة بـ ﴿هَذَا﴾ راجعةٌ إلى\n_________\n(١) ممن قال به: قتادة، وابن جريج، ومجاهد. انظر. \"تفسير الطبري\" ٤/ ٢١٠، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" ٣/ ٨٤٢\n(٢) من قوله: (وجاز ..) على (.. وراكبًا): نقله -بتصرف- عن: \"معاني القرآن\"، للزجاج: ١/ ٤٩٨.\n(٣) أي أنَّ ﴿وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ في معنى الاسم؛ أي: (ونيَامًا)، أو (مُضْطجِعين على جنوبهم). فحسن حينها عطفها على ﴿قِيَامًا وَقُعُودًا﴾، كما قال في موضع آخر: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا﴾ [سورة يونس: ١٢] فقوله: ﴿لِجَنْبِهِ﴾، أي: (مضطجعا)، فعطف على الأسماء بعدها.\nانظر: \"معاني القرآن\"، للفراء ١/ ٢٥٠، و\"تفسير الطبري\" ٤/ ٢١٠.\n(٤) من قوله: (ليكون ..) إلى (.. آثار حكمته): نقله -بتصرف- عن \"معاني القرآن\"، للزجاج: ١/ ٤٩٩.\n(٥) (الواو): زيادة من (ج).\n(٦) في (ج): (هذه).","vol":"6","page":253},{"text":"الخَلْقِ. و﴿خَلَقْتَ﴾ يدل على الخَلْقِ (١).\nوقوله تعالى: ﴿بَاطِلًا﴾.\nأي: خلقته دليلًا على حكمتك، وكَمَالِ قُدرتِك.\nومعنى الباطل: الزائِل الذاهب، الذي لا يَثْبُتُ (٢). ولَمَّا كان خَلْقُ السَّموات والأرض خَلْقًا مُتْقَنًا، وصُنْعًا مُحْكمًا دالًا على قدرة الصانع، لم يكن باطلًا.\nوكثير من المفسرين يذهبون إلى أن المعنى: (ما خلقتهما لغَيرِ شيءٍ) (٣)؛ لأنه خلقهما لِيَبْلُوَ العِبَادَ بينهما بالأمر والنهي، فيثيب المطيع، ويعاقب العاصي (٤)، وانتصب قولُه ﴿بَاطِلًا﴾ على أنه نَعْتُ مصدرٍ محذوفٍ؛ أي: خَلْقًا باطلًا (٥).\n_________\n(١) انظر: \"تفسير الطبري\" ٤/ ٢١٠. وقال مُعلِّلًا ذلك: (يدل على ذلك قوله: ﴿سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ ورغبتهم إلى ربِّهم أنْ يُقِيهم عذابَ الجحيم. ولو كان المعنِيَّ بقوله: ﴿فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾، معنًى مفهومٌ؛ لأن السمواتِ والأرضَ أدلةٌ على بارئها، لا على الثواب والعقاب، وإنما الدليل على الثواب والعقاب الأمر والنهي).\n(٢) قال ابن فارس (الباء والطاء واللام، أصلٌ واحدٌ، وهو: ذهاب الشيء، وقِلَّةُ مُكْثِهِ ولُبْثِه؛ يقال: (بَطَلَ الشيءُ، يَبْطُلُ بُطْلًا وبُطُولًا\". \"مقاييس اللغة\" ١/ ٢٥٨ (بطل).\n(٣) وممن قال بهذا المعنى: مقاتل، والطبري، وأبو الليث السمرقندي، والثعلبي، والعز بن عبد السلام.\nانظر: \"تفسير مقاتل\" ١/ ٣٢١، و\"تفسير الطبري\" ٤/ ٢١٠، و\"بحر العلوم\" ١/ ٣٢٤، و\"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١٧١ أ، و\"فوائد في مشكل القرآن\" لابن عبد السلام ١٠٩.\n(٤) قال تعالى: ﴿وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [الجاثية: ٢٢].\n(٥) وهذا وجه واحد من وجوه نصبه، وفيه وجوه أخرى، ذكرها أبو حيان في \"البحر =","vol":"6","page":254},{"text":"وقوله تعالى: ﴿سُبْحَانَكَ﴾.\nأي: تنزيهًا لك، ببراءتك عما لا يجوز في وصفك (١).\n﴿فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾.\nأي: قد اعترفنا بوحدانيَّتِك، وصدَّقنا أنَّ لك جَنّةً ونارًا، فقِنا عذابَ النار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-693>١٩٢ </span>- قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾.\nالإخزاء -في اللغة- يَرِدُ على معانٍ، يَقْرُبُ بعضُها مِنْ بَعْضٍ.\nقال الزجاج (٢): (أخزى اللهُ العَدُوَّ)؛ أي: أبْعَدَهُ. وقال غيرُه (٣): الخِزْي: الهَوَانُ، و(أخزاهُ الله)؛ أي: أهانه.\nوقال شَمِر (٤): أخزيته: فضحته. وفي القرآن: ﴿وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي﴾ [هود: ٧٨].\n_________\n= المحيط\" ٣/ ١٤٠، والسمين الحلبي في \"الدر المصون\" ٣/ ٥٣٢ - ٥٣٣ واستحسنا كونها حالًا من ﴿هَذَا﴾.\n(١) التسبيح: تنزيه الله -تعالى- من كلِّ سُوء والتنزيه: التبعيد. فقولهم: (سبحانك)؛ أي: تنزيهًا لك يا ربنا .. أي: نَزَّهناك.\nانظر: \"الزاهر\" ١/ ١٤٤، و\"مقاييس اللغة\" ٣/ ١٢٥ (سبح)، و\"اللسان\" ٤/ ١٩١٤ (سبح).\n(٢) لم أقف على مصدر قوله. وورد عنه في: \"معاني القرآن\" -عند هذه الآية-: (والمَخْزِيُّ -في اللغة-: المُذَلُّ المَحقور بأمرٍ قد لَزمَهُ بِحُجَّة، وكذلك (أخزيته)؛ أي: ألزمته حجة أذْلَلْتهُ معها).\n(٣) أورد هذا القول الأزهري في: \"التهذيب\" ١/ ١٠٢٧ (خزى) ولم ينسبه لقائل؛ حيث أورد قولَ الليث بن المظفر أولًا، ثم قال: (وقال غيره ..) وذكر القول.\n(٤) قوله في: \"تهذيب اللغة\" ١/ ١٠٢٧ (خزى). ونصه في \"التهذيب\": (قال شمر: قال بعضهم ..) ثم ذكره.","vol":"6","page":255},{"text":"وقال (١) المُفَضَّلُ (٢) -في قوله: ﴿أَخْزَيْتَهُ﴾ -: أي: أهْلَكته.\nوقال ابن الأنباري (٣): معنى الخِزْي -في اللغة-: الهلاك بتَلفٍ أو انقطاع حُجّةٍ، أو بوقوعٍ في بلاء (٤). قال جرير:\nتَمَّتْ تَمِيمٌ يا أُخَيْطِلُ فانْجَحِرْ ... خَزِيَ الأُخَيْطِلُ حين قُلتُ وقالا (٥)\nأي: هَلَكَ بانقطاع حُجّتِهِ. ويحتمل: استحيا بانقطاعه. يقال (٦): (خَزِيَ، يَخْزَى، خِزْيًا): إذا هلك. و(خَزِي، يَخْزى (٧)، خَزَايةً): إذا استحيا (٨).\nوتعلقت الوَعِيدِيَّةُ بهذه الآية، وقالوا: قد أخبر الله -تعالى-: أنه لا يُخزي النبيَّ والذين آمنوا معه، فوجب أن كلّ مَنْ يدخل النارَ لا يكون مؤمنًا؛ لِقَولِه: ﴿أَخْزَيْتَهُ﴾. والجواب عن هذا، من وجوه:\n_________\n(١) في (ج): (قال) بدون واو.\n(٢) قوله في \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١٧٢ أ.\n(٣) لم أقف على مصدر قوله.\n(٤) تعرض ابن الأنباري لهذه الكلمة في \"الزاهر\" ١/ ٣٧٤ فقال عن قولهم (أخزى الله فلانًا): (معناه: أذله الله وكسَره وأهلكه. قال أبو العباس: الأصل فيه: أن يفعل الرجل فَعْلَةً، يستحي منها وينكسر لها، ويذل من أجلها ..).\n(٥) البيت في: ديوانه: ٣٦٢. وهو من قصيدة يهجو فيها الأخطل، الشاعر النصراني.\nوروايته في الديوان: (تمت تميمي يا أخيطل فاحتجز ..).\nومعنى (فانْجَحِرْ): ادخل جُحرك. من: (جَحَرَ الضبُّ): دخل جُحره و(جَحَرَ فلانٌ الضَبَّ): أدخله في جحره. انظر: \"القاموس\" ص ٣٦٢ (جحر).\n(٦) من قوله: (يقال ..) إلى (.. إذا استحيا): موجود في: \"الزاهر\" لابن الأنباري ١/ ٣٧٤.\n(٧) قوله: (خزيًا: إذا هلك وخزي يخزى) ساقط من (ج).\n(٨) ونصه عند ابن الأنباري: (يقال: (خَزِي يخزَى خزايَةً): إذا استحيا. و(خزِي يخزَى خِزْيا): إذا انكسر وهلك وذل).","vol":"6","page":256},{"text":"أحدها: ما رَوَى قتادة، عن أنسٍ (١) -في قوله: ﴿إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ -، قال: إنك مَنْ تُخَلِّدْ في النار.\nوقال الثَوْريُّ: بَلَغَنِي عن سعيد بن المسيب (٢)، أنه قال في هذه الآية: هي خاصَّةٌ في قومٍ لا يخرُجونَ مِنَ النَّارِ بعد دُخُولِهم إيَّاها.\nورُوي هذا المعنى -أيضًا- عن قتادة (٣) نفسِهِ. فمذهب هؤلاء الثلاثة: أنَّ الآية خاصَّةٌ فيمن يدخلها للخلود فيها. يدل عليه آخرُ الآية، وهو قوله تعالى: ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ يريد: الكفار.\nوالثاني: أن المُدخَل في النار مَخْزِيٌّ في حال دُخُولِهِ، وإن كانت عاقبتُهُ أن يخرج منها، فإن الدخول لا يقع إلّا بخزيٍ في ذلك الوقت. وهذا مذهب جابر بن عبد الله، واختيار ابن الأنباري.\nيَدُلُّ عليه ما روي عن عَمْرُو بن دينار، أنه قال: قَدِم علينا جابر -في عُمْرةٍ -، فسألته عن هذه الآية، فقال: وما أخزاهُ (٤) حين أحرقه بالنار! إنّ دون ذا (٥) لَخِزْيًا (٦).\n_________\n(١) قوله في: \"تفسير الطبري\" ٤/ ٢١١، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" ٣/ ٨٤٢، و\"معاني القرآن\" للنحاس ١/ ٥٢٦، و\"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١٧٢ أ.\n(٢) قوله في \"تفسير عبد الرزاق\" ١/ ١٤٢، و\"تفسير الطبري\" ٤/ ٢١١، و\"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١٧٢ أ، وفيها: (أخبرنا الثوري، عن رجل، عن ابن المسيب ..). وأورده ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٩٦٤ بدون إسناد.\n(٣) قوله في \"تفسير ابن أبي حاتم\" ٤/ ٨٤٢، و\"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١٧٢ أ. وهو قول: سعيد بن جبير، وابن جريج، ومقاتل. انظر: \"زاد المسير\" ١/ ٥٢٨.\n(٤) (أ)، (ب): (اخزاؤه). ولا وجه لها -هنا-. والمثبت من (ج)، ومصادر الخبر التالية.\nوقوله: (وما أخزاه) أي: ما أشد وأكثر خزيه! أو: يا لخزيه!.\n(٥) في (ب): (ذلك) وكذا وردت في مصادر الخبر.\n(٦) أخرج الخبر: الحاكم في \"المستدرك\" ٢/ ٣٠٠، والطبرى في \"تفسيره\" ٤/ ٢١١،=","vol":"6","page":257},{"text":"قال ابن الأنباري (١): وحَمْل الآية على العموم أولى من نقلها إلى خصوصٍ لا دليل عليه.\nوالجواب الثالث: ما قال أهلُ المعاني، وهو: أنّ الإخزاءَ يحتمل معنيين: أحدهما: الإهانة والإهلاك والإبعاد، كما ذكرنا. وهذا للكفّار والثاني: الإخجال؛ يقال: (خَزِيَ خَزَايَةً): إذا استحيا، و(أخزاه غَيْرُهْ): إذا عَمِلَ بِهِ عَمَلًا يُخْجِلُه، ويستحيي منه.\nومنه حديث يزيد بن شَجَرَة (٢): (ولا تُخزُوا الحورَ العِين) (٣)؛ كأنهن\n_________\n= وأورده السيوطي في \"الدر\" ٢/ ١٩٦.\nوقد رجح الطبريُّ هذا القول. انظر: \"تفسيره\" ٤/ ٢١١.\n(١) لم أقف على مصدر قوله.\n(٢) هو: يزيد بن شَجَرة بن أبي شجرة الرُّهاوي. شامي من مذحج، مُخْتَلَفٌ في صُحبته، وكان معاوية (يستعمله على الجيوش، وكان أميرًا حازمًا، قتل في إحدى الغزوات سنة (٥٥ هـ)، وقيل: (٥٨ هـ).\nانظر: \"الاستيعاب\" ٤/ ١٣٨، و\"الكامل\" ٣/ ١٩٠، ٢٢٧، و\"أسد الغابة\" ٥/ ٤٩٥، و\"الإصابة\" ٣/ ٦٥٨.\n(٣) الأثر، مِنْ خُطبة ليَزيد بن شجرة، أخرجه ابن المبارك في \"الزهد\" ٤٣ رقم (١٣٣)، موقوفًا على يزيد، قال: (أخبرنا زائدة عن منصور عن مجاهد، قال: كان يزيد بن شجرة مما يُذَاكرنا فيبكي ..) وذكره.\nوأخرجه أبو عبيد بن سلام في \"غريب الحديث\" ٤/ ٣٥٨ - ٣٥٩، موقوفًا.\nوأورده الأزهريُّ في \"تهذيب اللغة\" ١/ ١٠٢٧ نقلًا عن أبي عبيد، وأورده الزمخشري في \"الفائق\" ١/ ٣١٧، وابن الجوزي في \"غريب الحديث\" ١/ ٢٧٧.\nوقد أورده -كذلك-: ابنُ الأثير في \"أسد الغابة\" ٥/ ٤٩٥، بنحوه، مرفوعًا عن يزيد، وكذا أورده ابن حجر في \"الإصابة\": ٣/ ٦٥٨، مرفوعًا عن يزيد. وعزاه، ابن حجر للخرائطي في: مكارم الأخلاق، وابن أبي شيبة، وعزاه للبغوي من طريق خالد الواسطي، ولأبي نعيم من طريق مسعود بن سعد، عن يزيد، ونسب ابن =","vol":"6","page":258},{"text":"يَتَطلَّعنَ مَن يَصيرُ إليهن بالشهادة؛ يقول: فلا تُخْجِلُوهُنَّ بِفِرَارِكُم.\nفعلى هذا، خِزْيُ المؤمنين: الحياءُ مِنْ سائِرِ أهلِ الإيمان، بدخول النار إلى أن يخرجوا منها، وخِزْيُ الكافرين: الهلاكُ بالخلود (١) فيها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-694>١٩٣ </span>قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا﴾ الآية.\nالمنادي: محمد - ﷺ -، في قول ابن عباس (٢)، وابن مسعود (٣)، وابن جريج (٤)، وابن زيد (٥)، والأكثرين (٦).\nوقيل: عين (٧) المُنادِي: القرآنُ؛ حِكايَةً عن مؤمني الإنس، كما حكى عن مؤمني الجنَّ: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا﴾ [الجن: ١] الآية.\nوهذا قول القُرَظِيِّ (٨)، قال: لأنه ليس كلُّ أحدٍ لَقِيَ النبي - ﷺ -. والذين\n_________\n= حجر إخراجه لآخرين غيرهم من طرق مختلفة، ونقل عن البغوي أنه موقوف، وقال ابن حجر: (وهو الصواب).\n(١) في (ب): (في الخلود).\n(٢) قوله في: \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١٧٢ ب، و\"تفسير البغوي\" ٢/ ١٥٣، و\"زاد المسير\" ١/ ٥٢٨.\n(٣) قوله في: المصادر السابقة، ما عدا \"زاد المسير\".\n(٤) قوله في: \"تفسير الطبري\" ٤/ ٢١٢، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" ٣/ ٨٤٣، و\"النكت والعيون\" ١/ ٤٤٣، و\"زاد المسير\" ١/ ٥٢٨، و\"الدر المنثور\" ٢/ ١٩٦ وزاد نسبة إخراجه إلى ابن المنذر.\n(٥) قوله في: \"تفسير الطبري\" ٤/ ٢١٢، و\"النكت والعيون\" ١/ ٤٤٣، و\"زاد المسير\" ١/ ٥٢٨.\n(٦) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١/ ٣٢١، و\"تفسير القرطبي\" ٤/ ٣١٧، وقال: (وهذا صحيح معنى)، و\"تفسير ابن جزي\" ١٠٤، و\"تفسير ابن كثير\" ١/ ٤٧٦.\n(٧) هكذا في: (أ)، (ب). وفي (ج): (عنى).\n(٨) قوله في: \"تفسير سفيان الثوري\" ٨٣، و\"تفسير الطبري\" ٤/ ٢١٢، و\"ابن أبي حاتم\" ٣/ ٨٤٣، و\"معانى القرآن\" للنحاس ١/ ٥٢٧، و\"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١٧٢ ب، =","vol":"6","page":259},{"text":"قالوا: إنه النبي؛ قالوا: إن من سَمِع القرآنَ، فكأنه رأى النبي وأدركه وسمع منه؛ لأن القرآن معجزته، لم يأت به غيره، فهو دليل عليه، وكل مَن بَلَغه القرآنُ، فقد أنذره رسول (١) الله - ﷺ -.\nوقال تعالى: ﴿يُنَادِي لِلْإِيمَانِ﴾ قال أبو عبيدة (٢): هذا على التقديم والتأخير، أي: سمعنا مناديًا للإيمان ينادي. وقيل (٣): اللام؛ بمعنى: (إلى)؛ كقوله: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [المجادلة: ٨]، ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ [المجادلة: ٣] ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ [الزلزلة: ٥]، و﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا﴾ [الأعراف: ٤٣]، ومثله كثير. وهذا قول أكثر النحويين (٤).\nوقيل: هي (٥) لام (أَجْل) (٦).\nوقوله تعالى: ﴿وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا﴾ معنى (التكفير) في اللغة: التغطية. و(رجلٌ مُكَفَّرٌ بالسلاح)؛ أي: مُغَطَّى (٧).\n_________\n= و\"النكت والعيون\" ١/ ٤٤٢، و\"تفسير البغوي\" ٢/ ١٥٣، و\"زاد المسير\" ٢/ ١٩٦، و\"الدر المنثور\" ٢/ ٤١١ وزاد نسبة إخراجه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، والخطيب في \"المتفق والمفترق\".\nوهو قول قتادة انظر: \"تفسير الطبري\" ٤/ ٢١٢، ورجحه الطبري، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" ٣/ ٨٤٢.\n(١) في (ب): (النبي)\n(٢) في \"مجاز القرآن\" له ١/ ١١. نقله عنه بمعناه.\n(٣) قال بذلك: الفرّاءُ في \"معاني القرآن\" ١/ ٢٥٠، والطبري في \"تفسيره\" ٤/ ٢١٣.\n(٤) انظر -إضافةً على ما سبق-: \"تأويل مشكل القرآن\" ٥٧٢، و\"اللامات\" ١٤٣، و\"النكت والعيون\" ١/ ٤٤٣.\n(٥) في (ج): (هو).\n(٦) ذكره الثعلبي بلفظ (قيل: ..) ولم ينسبه لقائل.\n(٧) (كَفَر) و(كَفَّر) بِمَعنى، وأصله يدل على التغطية والستر. ويقال: (فارسٌ مُكَفَّرٌ) و(مُتَكَفِّرٌ بالسلاح).","vol":"6","page":260},{"text":"والكُفْر، منه (١) -أيضًا-، وقد (٢) ذكرناه.\nومعنى ﴿كَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا﴾، أي: غَطِّها عَنّا (٣)، حتَّى لا نراها (٤)؛ كما تقول: (اغفر لي خطيئتي).\nو(الغَفْرُ) -في اللغة-: السَّتْر (٥). وجَمَعَ بين غُفْران الذنوب، وتكفير السَّيئات؛ لأن غفرانَ الذنوبِ، تَفَضُّلُه ورحمتُه؛ وتكفيرَ السيئات بالطاعات؛ كما تقول في الأشياء الموجبة للكفَّارة، فإنها إذا كُفِّرت، صارت مُكفَّرةً بتلك الطاعةِ التي هي كفَّارةٌ لها، كالصوم في الظِّهار، وإعتاق الرَّقبة في القتل الخطأ، والإطعام في الحِنْث (٦). فالمغفرة بفضله من غير سبب، والتكفير، بسبب (٧) طاعة.\nوالسَّيَئات جَمْعُ: سَيِّئَة. قال الليث (٨): يقال: (ساءَ الشَيءُ، يَسُوءُ)، فهو (سَيِّئٌ): إذا قَبُحَ.\n_________\n= انظر: (كفر) في: \"إصلاح المنطق\" ١٢٦، ١٢٧، ٢٤٠، و\"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣١٦١، و\"المقاييس\" ٥/ ١٩١، و\"بصائر ذوي التمييز\" ٤/ ٣٦١.\n(١) منه: ساقط من (ج).\n(٢) في (ج): (قد) بدون واو.\n(٣) (عنا): ساقطة من (ج).\n(٤) في (ج): (نريها).\n(٥) انظر: (غفر) في: \"جمهرة اللغة\" ١/ ٧٧٨، و\"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٦٧٩، و\"الزاهر\" ١/ ١٩٢، و\"معجم المقاييس\" ٤/ ٣٨٥، و\"بصائر ذوي التمييز\" ٤/ ١٣٦.\n(٦) الحِنْثُ -هنا-: الخُلْف في اليمين.\n(٧) في (ج): (سبب).\n(٨) قوله في: \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٥٨٣ (سوأ)، وقد دمج المؤلف -هنا- بين قول أبي زيد، وقول الليث. فمن قوله: (السيء ..) إلى (.. للأنثى): هو نص قول الليث. ومن قوله: (سوأت ..) إلى (.. بما صنع): من قول أبي زيد، تصرف فيه المؤلف.","vol":"6","page":261},{"text":"وقال أبو زيد: (السَّيِّىُء)، و(السَّيِّئة)، عملان قبيحان. يصير (السيِّىءُ) (١) نعتًا للذَّكَرِ مِنَ الأفعال (٢)، و(السَّيِّئَةُ) للأنثى؛ ومِنْ هذا يقال: (سَوَّأتُ على فلان فعلَه)، أي: قَبَّحْتُهُ عليه، وعِبْتُهُ بما صَنَع.\nوقوله تعالى: ﴿وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾.\nقال ابن عباس (٣): يريد: مع (٤) الأنبياء؛ والمعنى: تَوَفَّنا في جُمْلَتِهم. وكلُّ مَنْ أُخِذَ في جُمْلَةِ قومٍ صار معهم؛ فلذلك قال: ﴿مَعَ الْأَبْرَارِ﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-695>١٩٤ </span>- قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ﴾ الآية.\nقالوا: معناه: على ألسُنِ رُسُلِك. فهو من باب حذف المضاف (٥).\nوقال الكَلْبيُّ -عن ابن عباس- (٦): يقولون: على لِسان رُسُلِك.\nومعنى الدعاء -ههنا- مع العِلْم أنه مُنْجِزٌ وَعْدَهُ لا محالة-: التَّعَبُدُ؛ لمَا في ذلك من الخُضُوع لله، وإظهار الحاجة إليه؛ وذلك أن (الدعاء مُخُّ العِبَادةِ) (٧).\n_________\n(١) في (ج): (الشيء).\n(٢) في \"التهذيب\": الأعمال.\n(٣) لم أقف على مصدر قوله. وقد ورد في \"زاد المسير\" ١/ ٥٢٩.\n(٤) (مع): ساقطة من (ج).\n(٥) انظر: \"تفسير الطبري\" ٤/ ٢١٣، و\"بحر العلوم\" ١/ ٣٢٤، و\"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١٧٣ أ، و\"زاد المسير\" ١/ ٥٢٩.\n(٦) لم أقف على مصدر قوله.\n(٧) هذا نص حديث، أخرجه بهذا اللفظ: الترمذي في \"السنن\" ٥/ ٤٥٦ رقم (٣٣٧١). كتاب: الدعاء. باب: (من فضل الدعاء)، عن أنس بن مالك، من طريق ابن لهيعة، وقال الترمذي: (حديث غريب من هذا الوجه، لا نعرفه إلا من حديث ابن لهيعة).\nوورد بلفظ: (الدعاء هو العبادة)، أخرجه: الترمذي في \"السنن\" رقم (٢٩٦٩) =","vol":"6","page":262},{"text":"ومثلُهُ -مِمَّا لا يجوز غيرُه، وقد تعبدنا بالدعاء به-: قولُهُ (١) -تعالى- (٢): ﴿قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ﴾ [الأنبياء: ١١٢]، وقوله: ﴿فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ﴾ [غافر: ٧] (٣) الآية\nوقيل (٤): معناه: اجعلنا مِمَّن وَعَدته بالثواب، دون الخِزْي والعِقَاب.\nفمعنى (آتِنَا ذلك): اجعلنا مِنْ أهلِهِ. وقيل (٥): معناه: و(٦) آتِنا ما\n_________\n= كتاب: \"التفسير\": باب (من سورة البقرة). وقال: (حسن صحيح)، رقم (٣٢٤٧) كتاب: التفسير. باب (ومن سورة المؤمن)، رقم (٣٣٧٢) كتاب: الدعاء. باب: (ما جاء في فضل الدعاء).\nوأحمد في \"المسند\" ٤/ ٢٧١، والحاكم في \"المستدرك\" ١/ ٤٩١. وقال: (صحيح الإسناد)، ووافقه الذهبي.\nوابن ماجه في \"السنن\" رقم (٣٨٢٨) كتاب: الدعاء باب (فضل الدعاء).\nوأبو داود في \"السنن\" رقم (١٤٧٩) كتاب: الصلاة باب (الدعاء).\nوابن حبان في صحيحه - انظر: \"الإحسان\" ٣/ ١٧٢ رقم: (٨٩٠).\nوابن أبي شيبة في \"مصنفه\" ٦/ ٢١ - ٢٢ رقم (٢٩١٥٨).\nوالبخاري في \"الأدب المفرد\" رقم (٧١٤)، والطيالسي في \"مسنده\" ٢/ ١٤٦ (٨٣٨)، والبغوي في \"شرح السنة\" ٥/ ١٨٤ رقم (١٣٨٤).\n(١) في (ج): (وقوله).\n(٢) (تعالى): ليست في (ج).\n(٣) وانظر: \"روح المعاني\" ٤/ ١٦٧.\n(٤) ذكر معنى هذا القول: الطبري في \"تفسيره\" ٤/ ٢١٤، والثعلبيُّ في \"تفسيره\" ٣/ ١٧٣ أ، ولم ينسباه لقائل.\n(٥) ممن قال به: ابن جريج. انظر: \"تفسير الطبري\" ٤/ ٢١٣، ٢١٤، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" ٣/ ٨٤٣.\nواختاره الطبري في: \"تفسيره\" ٤/ ٢١٤. وقال الآلوسي: (وكلام أبي القاسم البلخي يشير إلى هذا أيضًا) \"روح المعاني\" ٤/ ١٦٧.\n(٦) (الواو): زيادة من (ج).","vol":"6","page":263},{"text":"وعدتنا مِنَ النصْرِ لنا، والخِذْلان لِعَدُونَّا، عاجِلًا. فهم سألوا تعجيل ما وُعِدوا.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا تُخْزِنَا﴾ قد ذكرنا معاني (الإخزاء)، عند قوله: ﴿مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ [آل عمران: ١٩٢].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-696>١٩٥ </span>- قوله تعالى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي﴾ أي: بِأنِّي.\nوقوله تعالى: ﴿بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ أي: في الدِّينِ والنُصْرَةِ، والمُوَالاة. معناه: بعضكم يوالي بعضًا؛ كما ذكرنا في قوله: ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ﴾ [آل عمران: ٣٤]. هذا قولُ الكَلبِيِّ (١) وغيرِه (٢).\nوقيل (٣): معناه: حُكْمُ جَمِيعِكم حُكْمُ واحِدٍ منكم؛ فيما أفْعَلُ بكم؛ مِنْ مُجازاتِكم على أعمالكم، وتَرْكِ تضييعها لكم. يستوي في ذلك ذُكْرانُكم وإناثكم.\nوقوله تعالى: ﴿وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا﴾. أحسنُ (٤) وجوهِ القِراءَةِ: تقديمُ ﴿قَاتَلُوا﴾ على ﴿قُتِلُوا﴾ (٥)، لأن القتال قبل القتل. وقرأ ابنُ عامر، وابنُ\n_________\n(١) قوله، في: تفسير \"بحر العلوم\" ١/ ٣٢٤، و\"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١٧٤أ.\n(٢) وهو قول: ابن عباس، والحسن، وقتادة، واختيار الطبري. انظر: \"تفسير الطبري\" ٤/ ٢١٦، و\"النكت والعيون\" ١/ ٤٤٣، و\"زاد المسير\" ١/ ٣٧٥.\n(٣) هذا القول، أورده الطبري في تفسيره؛ مِن تتمة القول الأول، ولم يفصل بينهما. انظر: \"تفسيره\" ٤/ ٢١٦. وأورده الثعلبي في \"تفسيره\" ٣/ ١٧٤ أ، وصَدّره بـ (قيل) ولم ينسبه لقائل.\n(٤) من قوله: (أحسن ..) إلى (.. للقتل الذي وقع بهم): نقله -بالمعنى- من \"الحجة\" للفارسي ٣/ ١١٧.\n(٥) هي قراءة نافع، وعاصم، وأبي عمرو.\nانظر: \"السبعة\" ٢٢١، و\"القراءات\" للأزهري ١/ ١٣٥، و\"الحجة\" للفارسي ٣/ ١١٧، و\"الكشف\" لمكي ١/ ٣٧٣، و\"التيسير\" للداني ٩٣.","vol":"6","page":264},{"text":"كَثير: ﴿وَقُتِّلُواْ﴾ -مُشَدَّدَة- (١)؛ لِتَكَرُّرِ القتلِ فيهم، فهو مثل: ﴿مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ﴾ [ص: ٥٠]، ومَنْ خَفَّفَ؛ فإن التخفيف يقع على القليل والكثير.\nوقرأ حمزة، والكسائيُّ (٢): ﴿وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا﴾، ولها وجهان:\nأحدهما: أن المعطوف بالواو، هو الأوَّلُ في المعنى، وإنْ كان مُؤَخَّرًا في اللفظ؛ لأن (٣) الواوَ لا يُوجِبُ (٤) ترتيبًا.\nوالثاني: أن المُرادَ بقوله: ﴿وَقتُلُواْ﴾، أي: قُتِلَ بعضُهم، ثم قاتل مَنْ بَقِيَ منهم، ولم يَهِنُوا، ولم يَضْعُفوا، لِلْقَتْلِ الذي وَقَعَ بهم (٥).\nوقوله تعالى: ﴿ثَوَابًا مِّن عِندِ اَللَّهِ﴾ قال الزجاجُ (٦): هو مصدرٌ مؤكِّدٌ لِمَا قبله (٧)، لأن معنى ﴿وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ﴾: لأُثِيبَنَّهُمْ.\nقال: ومثله: ﴿كِتَابَ اللهِ﴾ (٨)، و﴿صُنْعَ اللهِ﴾ (٩)؛ لأن ما قبله\n_________\n(١) انظر: المصادر السابقة.\n(٢) انظر: المصادر السابقة، و\"النشر\" ٢/ ٢٤٦.\n(٣) في (ج): (فإن).\n(٤) في (ج): (لا توجب).\n(٥) استشهد الفارسي في هذا الموضع بقوله تعالى: ﴿فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الآية: ١٤٦. سورة آل عمران].\n(٦) في \"معاني القرآن\" له ١/ ٥٠٠. نقله عنه بتصرف واختصار.\n(٧) المصدر المؤكِّد، هو المفعول المطلق. وفي نصبه وجوه أخرى؛ منها: أنه منصوب على التمييز، الذي يسميه الفراء (التفسير). وقيل: منصوب على القطع؛ أي: الحال. وقيل غير ذلك.\nانظر: \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٢٥١، و\"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ٣٨٧، و\"مشكل إعراب القرآن\" ١/ ١٨٥، و\"الدر المصون\" ٣/ ٥٤٣ - ٥٤٤.\n(٨) سورة النساء: ٢٤. ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾، لأن قبلها جاء قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ﴾ إلى آخر الآية ٢٣ من سورة النساء.\n(٩) سورة النمل: ٨٨. ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾.","vol":"6","page":265},{"text":"بمنزلة: (كَتَبَ اللهُ)، و(صَنَعَ اللهُ) (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-697>١٩٦ </span>- قوله تعالى: ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ﴾\nقال المفسرون: نزلت (٢) في مشركي مَكَّة، وذلك أنهم كانوا يَتَجَبَّرُون (٣) وَيتَنَعَّمُون. فقال بعض المؤمنين: إن (٤) أعداء الله فيما نرى من الخير، وقد هَلَكْنَا من الجُوعِ والجَهْدِ، فنزلت هذه الآية.\nوقال الفراء (٥): كانت اليهود تضرب في الأرض فَتُصِيبُ الأموالَ، فأنزل (٦) الله: ﴿لَا يَغُرَّنَكَ﴾ (٧).\n_________\n(١) انظر: \"كتاب سيبويه\" ١/ ٣٨١، و\"المسائل الحلبيات\" ٣٠٣، وانظر: تفسير قوله تعالى: ﴿كِتَابًا مُّؤَجَّلًا﴾ [الآية: ١٤٥].\n(٢) من قوله: (نزلت ..) إلى (.. فأنزل الله ﴿لَا يَغُرَّنَّك﴾): نقله -بتصرف يسير- عن \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١٧٥أ.\nوممن قال بذلك: مقاتل في \"تفسيره\" ١/ ٣٢٣، وذكره أبو الليث في \"بحر العلوم\" ١/ ٣٢٥ على أنه معنى الآية، ولم ينص على كونه سببًا في نزولها.\nوذكره المؤلف في \"أسباب النزول\" ١٤٣، والبغوي في \"تفسيره\" ٢/ ١٥٤، ولم ينسباه لقائل. وذكره الآلوسي، واستظهره. انظر: \"روح المعاني\" ٤/ ١٧٢.\n(٣) في (ج)، و\"تفسير الثعلبي\": (يتَّجرون)، وكذا هي في: \"روح المعاني\"، حيث نقل الآلوسيُّ نَصَّ هذه العبارة عن الواحدي، وفيها (يتجرون). وهي أصوب وأليق بالمعنى المراد. والمثبت من (أ)، (ب)، وله وجه كذلك.\n(٤) (إن): ساقطة من (ج).\n(٥) في \"معاني القرآن \" له ١/ ٢٥١.\n(٦) في \"معاني القرآن\": (فقال الله ﷿).\n(٧) ذكر هذا السببَ ابنُ الجوزي في \"زاد المسير\" ١/ ٥٣١، ونسبه لابن عباس.\nوذكر ابن الجوزي عن أبي سليمان الدمشقي، أن النبي - ﷺ -، أراد أن يستلف من بعض اليهود شعيرًا، فأبى إلا على رَهْنٍ، فقال النبي - ﷺ -: \"لو أعطاني لأوفيته، إني لأمينٌ في السماء، أمينٌ في الأرض\" فنزلت هذه الآية.","vol":"6","page":266},{"text":"قال الزجاج (١): خطاب النبي - ﷺ -، خطاب الخَلْقِ في هذا الموضع؛ المعنى: لا يَغُرَّنَّكم أيها المؤمنون. وهذا قول قتادة (٢). قال: والله ما غَرُّوا نَبِيَّ اللهِ، حتى قبضه الله. والخطاب له، والمراد غيره (٣).\nوقال بعض النَحْوِيِّين (٤): هذا خطابٌ لكل من سمعه من المكلفين؛ كأنه قيل: لا يَغُرَّنك أيُّها السامِعُ.\nوُيبْنى المضارعُ مع النون الشديدة؛ لأن النون لحقت حرفَ الإعراب، على جهة التأكيد، فصار بمنزلة ضمِّ الاسم إلى الاسم في (خَمْسَةَ عَشَرَ)، ونحوه.\nوقوله تعالى: ﴿تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ﴾.\nيعني: تَصَرُّفهم للتجارات (٥).\nأعلَمَ (٦) اللهُ أن ذلك مما لا ينبغي أن يُغْبَطوا به؛ لأن مصيرهم -بكفرهم- إلى النار، ولا خير (٧) في نَعِيمٍ (٨) بعده النار.\n_________\n(١) في \"معاني القرآن\" له ١/ ٥٠٠. نقله عنه بنصه.\n(٢) قوله في: \"تفسير الطبري\" ٤/ ٢١٧، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" ٣/ ٨٤٥.\n(٣) (الخطاب له والمراد غيره): العبارة للثعلبي في \"تفسيره\" ٣/ ١٧٥ أ.\n(٤) لم أقف عليهم.\n(٥) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٢٥١، و\"تفسير غريب القرآن\" لابن قتيبة ١١٧، و\"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٥٠٠، و\"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١٧٥ أ، و\"زاد المسير\" ١/ ٥٣٢.\n(٦) من قوله: (أعلم ..) إلى (.. نعيم بعده النار): نقله -بتصرف يسير- عن: \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٥٠٠ - ٥٠١.\n(٧) في (ج): (وأخبر).\n(٨) في \"معاني القرآن\": (بخير) بدلًا من (في نعيم).","vol":"6","page":267},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-698>١٩٧ </span>- فقال: ﴿مَتَاعٌ قَلِيلٌ﴾ أي: تَقَلُّبُهُم مَتَاعٌ قَلِيلٌ. وقال الفراء (١): ذلك متاعٌ قليل.\nوقال الزجاج (٢): ذلك الكَسْبُ والرِّبْحُ الذي يربحونه، مَتَاعٌ قليل. وإنما وصفه (٣) بالقِلَّةِ؛ لأنه فانٍ مُنْقَطِعٌ؛ ولأنَّهُ (٤) -بالإضافة إلى نعيم الآخرة- قليلٌ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-699>١٩٨ </span>- قوله تعالى: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ﴾ الآية. قد ذكرنا التخفيفَ والتشديد في ﴿لَكِنِ﴾ (٥) عند قوله: ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾ (٦)، ومعناه (٧) -ههنا-: الاستدراك بها، خلاف المعنى المتقدم؛ وذلك أن (٨) قوله: ﴿مَتَاعٌ قَلِيلٌ﴾ تَضَمَّنَ: ما لَهُم كثيرُ انتفاع؛ فجاء على ذلك: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ﴾ لَهُمْ (٩) الخلود في النعيم المقيم.\n_________\n(١) قد يُفْهم قولُ الفراء هذا، من عباراته التي يقول فيها: (كانت اليهود تضرب في الأرض فتصيب الأموال، فقال الله ﷿: لا يغرنك ذلك. وقوله: ﴿مَتَعٌ قَلِيلٌ﴾ في الدنيا). \"معاني القرآن\" ١/ ٢٥١. معنى قوله: (ذلك)، أي: ضَرْبُ اليهود في الأرض، متاع قليل.\n(٢) في \"معاني القرآن\" له ١/ ٥٠١. نقله عنه بنصه.\n(٣) في (ب): (وصف).\n(٤) في (ج): (وإنه).\n(٥) قرأ أبو جعفر بتشديد النون المفتوحة. وقرأ الباقون بالتخفيف. انظر: \"المبسوط\" لابن مهران ١٥١، و\"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١٧٥ب، و\"زاد المسير\" ١/ ٥٣٢، و\"النشر\" ٢/ ٢٤٧.\n(٦) سورة البقرة:١٠٢. وانظر: \"الحجة\" للفارسى ٢/ ١٦٩ - ١٨٠.\n(٧) في (ج): (معناه) بدون واو.\n(٨) (أن): ساقطة من (ج).\n(٩) (لهم): زيادة من (ب).","vol":"6","page":268},{"text":"وقوله تعالى: ﴿مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾. المعنى: مِنْ تحتِ أشجارِهَا وقصورها وأبْنِيَتِها.\nوقوله تعالى: ﴿نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ النُّزُلُ (١): ما يُهيّأ لضيف أو لقوم إذا نزلوا موضعًا.\nويقال: (أقمت لهم نُزُلَهم)، أي: أقمت لهم غذاءَهم (٢)، وما يصلح معه أن ينزلوا (٣) عليه. هذا معناه في اللغة (٤).\nوقال الكَلْبيُّ في تفسيره (٥): جزاءً وثوابًا (٦). وانتصابه على المصدر (٧)، في قول الزجاج، قال (٨): هو مصدرٌ مُؤَكِّدٌ (٩)؛ لأن خلودهم فيها: إنزالهم فيها أو نزولهم (١٠).\n_________\n(١) النُّزُل، والنُّزْل -بضم الزاي وتسكينها. انظر: \"القاموس المحيط\" (١٠٦٢) (نزل).\n(٢) في (ج): (عداوهم).\n(٣) من قوله: (أقمت ..) إلى (.. ينزلوا عليه): هو نص قول الزجاج في: \"معاني القرآن\" له ٤/ ٣٠٦ عند تفسير الآية ٦٢ من سورة الصافات ﴿أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا﴾.\n(٤) انظر هذا المعنى، وبقية المعاني و(نزل) في: \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٥٥٥، و\"المقاييس\" ٥/ ٤١٧، و\"مفردات ألفاظ القرآن\" ٨٠٠، و\"اللسان\" ٧/ ٤٤٠٠.\n(٥) في (أ)، (ب): (تفسير)، والمثبت من (ج). وقد أورد قوله هذا: الثعلبي في: \"تفسيره\": ٣/ ١٧٥ ب وورد في: \"زاد المسير\" ١/ ٥٣٢، ونسبه إلى ابن عباس. ويبدو أنه من رواية الكلبي عنه.\n(٦) انظر: \"بحر العلوم\" ١/ ٣٢٥، و\"تفسير البغوي\" ٢/ ١٥٤.\n(٧) أي: المفعول المطلق.\n(٨) في \"معاني القرآن\" له ١/ ٥٠١. نقله عنه بنصه.\n(٩) مؤكد: ليس في \"معاني القرآن\".\n(١٠) (أو نزولهم): ليس في \"معاني القرآن\".","vol":"6","page":269},{"text":"وقال الفرّاء (١): هو نصبٌ على التفسير (٢)، كما تقول: (هو لك: هِبَةً وبَيْعًا وَصَدَقَة).\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ﴾ أي: مما يَتَقَلَّبُ (٣) فيه الكفّار في دار الدنيا. و(الأبرار) (٤) يجوز أن يكون واحده (بارٌّ)، مثل: صاحِبٌ وأصحاب. ويجوز أن يكون واحده (بَرٌّ)، وأصلُهُ: (بَرَرٌ) (٥)، فأدْغِمَ (٦) للتضعيف (٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-700>١٩٩ </span>- وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ الآية.\n_________\n(١) في \"معاني القرآن\" له ١/ ٢٥١. نقله عنه بتصرف.\n(٢) (التفسير) من مصطلحات الكوفيين. وهو (التمييز) عند البصريين، ويقال له كذلك: التبيين. وقد يُطلِقُ الفراءُ (التفسير) على المفعول لأجله، أو على بدل المطابقة. ولكنهما ليسا مرادان في هذا الموضع.\nانظر: \"همع الهوامع\" ٣/ ٦٢. و\"دراسة في النحو الكوفي\" ٢٦٦ - ٢٢٨، و\"النحو وكتب التفسير\" ١/ ١٨٩، ١٩٠.\n(٣) في (أ): (ينقلب). وفي (ج): غير معجمة. والمثبت من (ب)؛ لأنها أولى وأليق بالمعنى. وكذا وردت في: \"الكشاف\" ١/ ٤٩١، و\"تفسير القرطبي\" ٤/ ٣٢٢، و\"تفسير البيضاوي\" ١/ ٨٣\n(٤) من قوله: (والأبرار ..) إلى (للتضعيف) نقله عن \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٥٠١.\n(٥) (وأصله برر): ساقط من (ج).\n(٦) في (ج): (وأدغم).\n(٧) في \"الصحاح\"، و\"اللسان\"، و\"المصباح المنير\"، و\"التاج\": أن (الأبرار) جمع (بَرٍّ). و(بَرَرَة) جمع (بارٍّ). انظر: (بر) في: \"الصحاح\" ٢/ ٥٨٨، و\"اللسان\" ١/ ٢٥٣، و\"المصباح\" ١٧، و\"التاج\" ٦/ ٧٠١.\nوعند الراغب: أن (أبرار) جمع (بار). و(بَرَرَة) جمع (بَرٍّ). انظر: \"مفردات ألفاظ القرآن\": ١١٥. وتبعه الفيروزآبادى في \"بصائر ذوي التمييز\" ٢/ ٢١٣. وانظر: \"البرهان\" للزركشي ٤/ ١٨، و\"عمدة الحفاظ\" ٤٥.","vol":"6","page":270},{"text":"اختلفوا في نزولها؛ فقال ابن عباس (١)، وجابر (٢)، وقتادة (٣): نزلت في النَّجَاشيِّ (٤) حينَ مات، وصلّى عليه النبيُّ - ﷺ - بالمدينة. فقال المنافقون: إنه يُصَلِّي على نصرانِيٍّ لم يَرَهُ قَطُّ (٥).\n_________\n(١) قوله في: \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١١٧٦، و\"أسباب النزول\" للمؤلف ١٤٣.\n(٢) قوله في: \"تفسير الطبري\" ٤/ ٢١٨، و\"تفسير الثعلبي\" ١٧٦ أ، و\"أسباب النزول\" للمؤلف ١٤٣، ١٤٤.\n(٣) قوله، في: \"تفسير عبد الرزاق\" ١/ ١٤٤، و\"تفسير الطبري\" ٤/ ٢١٨ - ٢١٩، و\"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١٧٦ أ، و\"أسباب النزول\" للمؤلف ١٤٣، ١٤٤.\n(٤) هو: أصحمة بن أبحر، والنجاشي، لقبه. قال ابن عيينة عن (أصحمة)، (هو بالعربية: عطية). وهو ملك الحبشة، وقد أكرم المسلمين الذين هاجروا إلى بلاده من مكة المكرمة، وأحسن استقبالهم، وأسلم ولم يهاجر. انظر: \"تفسير عبد الرزاق\" ١/ ١٤٤، و\"الإصابة\" ١/ ١٠٩.\n(٥) وبه قال ابن جريج في رواية عنه أخرجها الطبري في \"تفسيره\" ٤/ ٢١٩١. وقال به أنس بن مالك، أخرجه عنه النسائي في \"تفسيره\" ٣٥٦ رقم (١٠٨)، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٣/ ٨٤٦، والمؤلف في: \"أسباب النزول\" ١٤٤، والبزار\n(انظر: \"كشف الأستار عن زوائد البزار\" ١/ ٣٩٢ رقم: ٨٣٢).\nوذكره الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" ٣/ ٣٨وزاد نسبة إخراجه للطبراني في \"الأوسط\"، وقال: (ورجال الطبراني ثقات)، وذكره ابن حجر في \"الإصابة\" ١/ ١٠٩، وزاد نسبة إخراجه لابن شاهين والدارقطني في: الأفراد.\nوانظر: \"تفسير ابن كثير\" ١/ ٤٨١، و\"الدر المنثور\" ٢/ ٢٠٠.\nوبه قال الحسن البصري. ذكر ذلك ابن كثير في \"تفسيره\" ١/ ٤٨١، ونسب إخراج الأثر عنه إلى عبد بن حميد، وابن أبي حاتم.\nوصلاة الرسول على النجاشي، أخرجها الشيخان، ولكن ليس فيها اعتراض المنافقين، ولا أنه سبب نزول الآية.\nانظر: \"صحيح البخاري\" (٣٨٧٧) كتاب: مناقب الأنصار. باب: موت النجاشي، و\"صحيح مسلم\" رقم (٩٥١ - ٩٥٣) كتاب الجنائز. باب: في التكبير على الجنارة. وانظر: \"جمع الزوائد\" ٣/ ٣٨ - ٣٩.","vol":"6","page":271},{"text":"وقال ابن جُرَيْج (١)، وابن زيد (٢): نزلت في عبد الله بن سَلامٍ وأصحابه.\nوقال مجاهد (٣): نزلت في مؤمِنِي أهلِ الكتابِ، كلِّهم.\nو(٤) قال الزجاج (٥): لَمَّا ذكر الذين كفروا من أهل الكتاب في قوله: ﴿فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [آل عمران: ١٨٧] ذكر حال مَنْ آمَنَ مِنْ أهلِ الكتاب، وأخبر أنهم صَدَقُوا في حال خُشُوعٍ.\nوقوله تعالى: ﴿لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ أي: عَرَضًا مِنَ الدُّنياَ، كفعل اليهود الذين غَيَّروا التوراة بِثَمَن.\nومعنى: ﴿سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ -ههنا-: أنه لا يُؤخِّرُ الجزاءَ عَمَّن استحقه؛ لِطُول الحِسَابِ والاشتغال به؛ كما يتأخر (٦) لذلك الحقوقُ في الدنيا. ومضى الكلام في معنى سرعة حساب الله (٧).\n_________\n(١) قوله في: \"تفسير الطبري\" ٤/ ٢١٩، و\"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١٧٦ ب، و\"أسباب النزول\" للمؤلف ١٤٤.\n(٢) قوله في: المصادر السابقة وبه قال مقاتل في \"تفسيره\" ١/ ٣٢٣.\n(٣) قوله في: \"تفسير الطبري\" ٤/ ٢١٩، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" ٣/ ٨٤٦، و\"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١٧٦ب، و\"أسباب النزول\" للمؤلف١٧٣، وهو قول ابن عباس من رواية أبي صالح عنه. انظر:\"زاد المسير\" ١/ ٥٣٣. وإلى هذا القول، ذهب الطبري في تفسيره، في الموضع السابق.\n(٤) (الواو): زيادة من (ج).\n(٥) في \"معاني القرآن\" له ١/ ٥٠١. نقله عنه بالمعنى.\n(٦) في (أ)، (ب)، (ج): (يتأخر). والأصل أن يقول: تتأخر. إلا أن المُثبَتَ على معنى: يتأخر قضاء الحقوق.\n(٧) انظر: تفسير الآية: ٢٠٢ من سورة البقرة.","vol":"6","page":272},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-701>٢٠٠ </span>- وقوله (١) تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا﴾\nقال الحسن (٢): اصبروا على دينكم فلا تَدَعُوه لِشِدّةٍ. وهذا اختيار الزجّاج (٣).\nوقال زيد بن أسلم (٤): أي: على الجهاد. وهو اختيار ابن الأنباري (٥).\nوقال الفرّاء (٦): ﴿اصْبِرُوا﴾ مع نَبِيِّكم (٧)، ﴿وَصَابِرُوا﴾ عدُوَّكم، فلا\n_________\n(١) في (ج): (قوله) بدون واو.\n(٢) قوله في: \"تفسيرالطبري\" ٤/ ٢٢١، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" ٣/ ٨٤٩، و\"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١٧٦ ب، و\"زاد المسير\" ١/ ٥٣٤.\n(٣) في \"معانى القرآن\" له ١/ ٥٠١.\nوهو قول محمد بن كعب القرظي. انظر: \"تفسير الطبري\" ٤/ ٢٢١، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" ٣/ ٨٤٧.\nوهو اختيار الطبري في \"تفسيره\" ٤/ ٢٢٢ وعلله بقوله: (وذلك أن الله لم يخصص من معاني الصبر على الدين والطاعة شيئًا، فيجوز إخراجه من ظاهر التنزيل، فلذلك قلنا: إنه عنى بقوله: ﴿اصْبِرُوا﴾: الأمر بالصبر على جميع معاني طاعة الله، فيما أمر ونهى، صعبها وشديدها، وسهلها وخفيفها).\n(٤) قوله في: \"تفسير الطبري\" ٤/ ٢٢٢، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" ٣/ ٨٤٨، وأورده السيوطي في \"الدر\" ٢/ ٢٠١، ٢٠٢. وزاد نسبة إخراجه لعبد بن حميد، والبيهقي في \"الشعب\".\nوأخرجه الحاكم بنفس سند الطبري وابن أبي حاتم، إلا أنه زاد فقال: (.. عن زيد ابن أسلم عن أبيه عن عمر بن الخطاب - ﵁ -) وفيه أن عمر بلغه أن أبا عبيدة حضر بالشام، وتألب عليه الأعداء، فكتب إليه يُصبِّره، وأنهى كتابه لهذه الآية. انظر: \"المستدرك\" ٢/ ٣٠٠. وصححه، ووافقه الذهبي.\n(٥) لم أقف على مصدر قوله.\n(٦) في \"معاني القرآن\" له ١/ ٢٥١. نقله عنه بنصه.\n(٧) في المعاني: (مع نبيكم على الجهاد).","vol":"6","page":273},{"text":"يكونن (١) أصْبَرَ منكم.\n﴿وَرَابِطُوا﴾، أي: أقيموا على جهاد عدوكم بالحرب والحُجَّةِ. قاله الزجّاج (٢). وأصلُهُ -عند أهل اللغة-: مِن (مُرابَطَةِ الخَيْل)، وهو ارتباطها بإيزاء العَدُوِّ في بعض الثُّغُور (٣).\nقال ابن قتيبة (٤): أصل (المُرَابَطَةِ) و(الرِّباط): أن يَرْبِطَ هؤلاء خيولَهم في الثَّغْرِ، وَيربط الكفارُ خيولَهم، كلٌّ يُعِدُّ لِصَاحبه، ثم سُمِّيَ المُقامُ بالثغور (رِباطًا)؛ لوجود هذا المعنى (٥).\nوكلام ابن عباس -في رواية عطاء- يَدُلُّ على هذه الجملة، فإنه قال في قوله: ﴿وَرَابِطُوا﴾ يريد: عَدُوِّي وعدوَّكم. حتى يرجع عن دينه إلى دينكم (٦).\nوهذا اللفظ يتضمن معنى (٧) ملازمة الجهاد. وهذا قول أكثر أهل\n_________\n(١) في (ج): (فلا يكون).\n(٢) في: \"معاني القرآن\"، له: ١/ ٥٠١ - ٥٠٢. نقله عنه بنصه.\n(٣) هذا نص قول الأزهري في: \"تهذيب اللغة\": ٢/ ١٣٤٦ (ربط).\n(٤) في: \"تفسير غريب القرآن\"، له: ١/ ١٠٩. نقله عنه بتصرف.\n(٥) قال ابن فارس عن الرباط: هو (ملازمة ثَغْرِ العدو، كأنهم رُبطوا هناك، فثبتوا به، ولازموه). \"المقاييس\" ٢/ ٤٧٨ (ربط). وانظر: \"تفسير الطبري\" ٤/ ٢٢٢، و\"معاني القرآن\" للنحاس ١/ ٥٣٠، و\"مفردات ألفاظ القرآن\" ٣٣٨ - ٣٣٩ (ربط)، و\"أساس البلاغة\" (٣١٦) (ربط).\n(٦) ورد معنى قول ابن عباس في: \"زاد المسير\" ١/ ٥٣٤، وأورد الثعلبي في \"تفسيره\" ٣/ ١٧٧ أقول عطاء، دون أن يرفعه لابن عباس، وفيه: (﴿وَرَابِطُوا﴾: يعني. المشركين).\n(٧) (معنى): ساقط من (ج).","vol":"6","page":274},{"text":"التفسير (١).\nوقال أبو سَلَمَة بن عبد الرحمن (٢): معنى ﴿وَرَابِطُوا﴾: انتظروا الصلاة بعد الصلاة. واحتج (٣) بقوله - ﷺ - في حديث أبي هريرة، حيث ذكر انتظار الصلاة بعد الصلاة- قال: (فَذلِكُمُ الرِّبَاط)، ثلاث مرّات (٤).\nوأصل هذا من الرَّبْط، وهو: الشَّدُّ (٥). ويقال لِكُلِّ مَنْ صَبَرَ على أمْرٍ: (رَبَطَ قَلْبَه عليه)، و(ربط نفسه) (٦).\nقال لَبِيد:\n_________\n(١) هو قول: قتادة، وابن جريج، والضحاك، ومحمد بن كعب القُرَظي، ومقاتل. انظر: \"تفسير الطبري\" ٤/ ٢٢١، ٢٢٢، و\"تفسير مقاتل\" ١/ ٣٢٤.\nوهو الذي رجحه الطبري في \"تفسيره\" ٤/ ٢٢٣؛ مُعَلِّلًا بأنه: (هو المعنى المعروف من معاني (الرباط)، وإنما يوجه الكلام إلى الأغلب المعروف في استعمال الناس من معانيه، دون الخفي، حتى يأتي بخلاف ذلك -مما يوجب صرفه إلى الخفي من معانيه- حُجةٌ يجب التسليم لها، مِن كتاب، أو خبر من الرسول - ﷺ -، أو إجماع من أهل التأويل) ٤/ ٢٢٣.\n(٢) قوله في: \"المستدرك\" للحاكم ٢/ ٣٠١، و\"تفسير الطبري\" ٤/ ٢٢٢، وانظر: \"تفسير ابن كثير\" ١/ ٤٨١.\n(٣) من قوله: (واحتج ..) إلى (.. الصلاة بعد الصلاة): ساقط من (ج).\n(٤) الحديث من رواية أبي هريرة. أخرجه مسلم في \"الصحيح\" رقم (٢٥١). كتاب الطهارة، باب فضل إسباغ الوضوء، والترمذي رقم (٥١، ٥٢) أبواب الطهارة. باب ما جاء في إسباغ الوضوء، وقال: (حسن صحيح)، ومالك في \"الموطأ\" ص ١١٨ (٥٨) كتاب قصر الصلاة في السفر، باب انتظار الصلاة والمشي إليها.\n(٥) في (ج): (الشدة).\n(٦) انظر: (ربط): \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٣٤٦، و\"مقاييس اللغة\" ٢/ ٧٨، و\"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١٧٧ أ.","vol":"6","page":275},{"text":"رابطُ الجَأْشِ على كُلِّ وَجَلْ (١)\nأي: صابرٌ ثابت. فقيل للصبر على الصلاة وربط النفس عليها: (رِبَاط).\nوقال أبو عبيدة (٢)، وابنُ الأنباري (٣): معنى ﴿وَرَابِطُوا﴾؛ أي: اثْبُتُوا، وداوموا (٤).\nوأنشد ابنُ الأنباري قولَ الأخْطَل (٥):\n_________\n(١) في (ب): (رجل).\nوهذا عجز بيت، وصدره:\nيُسْئِدُ السَّيْرَ عليها راكبٌ\nالبيت في: \"ديوانه\" ١٧٦. وورد منسوبًا له في: \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٥٩١ (سأد)، و\"الصحاح\" ٢/ ٤٨٢ (سأد)، و\"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١٧٧ أ، و\"اللسان\" ٣/ ١٩٠٥.\nومعنى (يُسْئِد): يُغذُّ ويسرع السَّيْرَ. يقال: (أسْأدَ الرجلُ السَّيْرَ): أدْأبَهُ. و(الإسآد): الإسراع والإغذاذُ في السير، وأكثر ما يستعمل ذلك في سير الليل. وعن أبي عمرو: الإسآد: أن تسير الإبلُ الليل مع النهار. و(الوَجَلُ): الخوف.\nانظر (سأد) في: \"الصحاح\" ٢/ ٤٨٢، و\"اللسان\" ٣/ ١٩٠٥، و\"القاموس\" (١٠٦٧) (وجل).\n(٢) في: \"مجاز القرآن\" ١/ ١١٢.\n(٣) لم أقف على مصدر قوله.\n(٤) في \"مجاز القرآن\": ودوموا. وورد قول أبي عبيدة في: \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١٧٧ أ، وفيه: (داوموا)، كما هي عند المؤلف.\n(٥) هو: غياث بن غوث بن الصلت، أبو مالك التغلبي. شاعر نَصْراني، ومات على نَصْرانِيَّتِه، كان مُقَدَّمًا عند خلفاء بني أمية، لكثرة مدحه لهم وانقطاعه إليهم. توفي سنة (٩٠ هـ).\nانظر. \"شرح شواهد المغني\" ١/ ١٢٣، \"الأعلام\" ٥/ ١٢٣.","vol":"6","page":276},{"text":"ما زال فينا رِباطُ الخيْل معْلِمَةً ... وفي كُلَيْبٍ رِباطُ اللُّؤْمِ والعَارِ (١)\nقال: إنما (٢) أراد بـ (الرِّبَاط): اللزوم والثبات. وهذا المعنى راجع إلى ما ذكرنا من الصبر ورَبْطِ النفس.\nثم هذا الثبات والدوام يجوز أن يكون على جهاد العدو، ويجوز أن يكون على الصلاة (٣).\n_________\n(١) البيت في \"شعره\" ٦٣٥. وورد منسوبًا له في: \"الصحاح\" ٥/ ١٩٩٠ (علم)،\nو\"اللسان\" ٥/ ٣٠٨٤ (علم).\nوورد غير منسوب في: \"أساس البلاغة\" ١/ ٣١٦.\nقوله: (مُعْلِمة) -بكسر اللام، وهكذا ضبطت في شعره، والصحاح، و\"اللسان\"-: هي من قولهم: (أعْلَمَ الفارِسُ): جعل لنفسه علامة الشجعان. فهو مُعْلِم. والخيل المُعلِمة: المشهورة التي لها علامة في الحرب.\nوفي \"مجاز القرآن\": (مُعْلَمَة) -بفتح اللام-: وهي للبناء للمجهول، من قولهم: (أعْلَمَ الفَرَسَ): عَلَّق عليه صوفًا أحمر أو أبيض في العرب. انظر: \"اللسان\" ٥/ ٣٠٨٤ (علم).\nوكُلَيب: هم رهط جرير، الذي يهجوه الأخطلُ في هذا البيت.\n(٢) (إنما): ساقط من (ج).\n(٣) والراجح أن (الرباط) -المذكور في الآية- معنيٌّ به المرابطة في الجهاد. وهو ما رجحه ابن جرير، وأكثر المفسرين. وقول رسول الله - ﷺ -: (فذلكم الرباط ..) إنما هو تشبيه المحافظة على الصلاة؛ بملازمتها والدوام عليها، والرباط في سبيل الله؛ بجامع ما في الأمرين من دوام ولزوم وانتظار. انظر: \"المحرر الوجيز\" ٣/ ٤٧٧.","vol":"6","page":277},{"text":"التَّفْسِيرُ البَسِيْط\nلأبي الحسن على بن أحمد بن محمد الواحدي\n(ت ٤٦٨ هـ)\nسورة النساء من أول السورة إلى آية (٨٣)\nتحقيق\nد. محمد بن حمد بن عبد الله المحيميد","vol":"6","page":279},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-702>تفسير سورة النساء</span>\nبسم الله الرحمن الرحيم\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-703>١ </span>- ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ﴾ قال ابن عباس: الخطاب لأهل مكة (١).\nوقوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ أنثها على لفظ النفس وإن عَنَى به مُذَكَّرا كما قال:\nأبُوكَ خَلِيفةٌ وَلَدَتْه أُخْرى ... وأَنْت خَلِيفةٌ ذاكَ الكَماَل (٢)\nوعنى بالنفس الواحدة آدم (٣).\n_________\n(١) لم أجد هذا القول بنصه لابن عباس في تفسير هذه الآية، لكن قال ابن الجوزي: اختلفوا في نزولها على قولين: أحدهما: أنها مكية، رواه عطية عن ابن عباس. والثاني: أنها مدنية، رواه عطاء عن ابن عباس. \"زاد المسير\" ٢/ ١، وقد ذهب كثير من العلماء والمفسرين -ومنهم ابن عباس- إلى أن كل شيء نزل فيه ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ فهو بمكة، وكل شيء نزل فيه ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فهو بالمدينة. انظر \"البرهان\" ١/ ١٨٩، ١٩٠. فلعل المؤلف ساق هذا الرأي لابن عباس بمعناه. هذا وقد رجح المحققون من العلماء أن سورة النساء مدنية. انظر \"الجامع لأحكام القرآن\" ٥/ ١، \"الإتقان\" ١/ ١٦، ٢٢. قال القرطبي: ومن تبين أحكامها علم أنها مدنية لا شك فيها. وأما من قال: إن قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ مكي حيث وقع فليس بصحيح فإن البقرة مدنية وفيها قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ في موضعين، والله أعلم.\n(٢) لم أعرف قائله، وهو غير منسوب في \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٢٠٨، \"تفسير الطبري\" ٤/ ٢٢٤، \"لسان العرب\" (خلف) ٢/ ١٢٣٥. والشاهد من البيت أن التأنيث يقع على اللفظ. قال الفراء: فقال (أخرى) لتأنيث اسم الخليفة، والوجه أن يقول: ولده آخر. \"معاني القرآن\" ١/ ٢٠٨.\n(٣) هذا تفسير ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي، وهو ظاهر. انظر: \"تفسير الطبري\" ٤/ ٢٢٤، \"تفسير البغوي\" ٢/ ١٥٩، \"الدر المنثور\" ٢/ ٢٠٦.","vol":"6","page":281},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ حواء (١)، خلقت من (ضلع (٢) من أضلاع آدم، ولذلك قال النبي - ﷺ -: \"إن المرأة خلقت من ضلع، فإن ذهبت تقيمها كسرتها، وإن تركتها وفيها عوج استمتعت بها\" (٣).\nوقوله تعالى: ﴿وَبَثَّ مِنْهُمَا﴾ يريد فرّق ونشر (٤). قال ابن المُظَفَّر (٥): البث تفريقك الأشياء، يقال بثّوا الخيلَ في الغارة، وبثّ الصياد كِلابه، وخلق الله الخلق فبثّهم في الأرض، بثث البسط إذا نشرتها (٦)، قال الله تعالى: ﴿وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾ (٧) [الغاشية: ١٦].\nقال الفراء، والزجاج: وبعض العرب يقول أَبَثّ (٨) الله الخلق. وبثّ الحديث إذا نشره وأفشاه، وكذلك أبثه (٩)، قال ذو الرمّة:\n_________\n(١) عن مجاهد وقتادة والسدي وغيرهم. انظر: \"تفسير الطبري\" ٤/ ٢٢٤، والبغوي ٢/ ١٥٩، و\"ابن كثير\" ١/ ٤٨٧، و\"الدر المنثور\" ٢/ ٢٠٦.\n(٢) ما بين القوسين ساقط من (د).\n(٣) أخرجه البخاري (٣٣٣١) بنحوه من حديث أبي هريرة - ﵁ - في كتاب الأنبياء، باب: خلق آدم وذريته (٦٣٥)، ولفظه: \"استوصوا بالنساء فإن المرأة خُلِقت من ضلع، وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه كسرته، وإن تركته لم يزل أعوج، فاستوصوا بالنساء\". ومسلم (١٤٦٨) كتاب الرضاع، باب الوصية بالنساء.\n(٤) انظر: \"غريب القرآن\" لابن قتيبة (١١١)، \"تفسير الطبري\" ٤/ ٢٢٥.\n(٥) يعني الليث كما في \"تهذيب اللغة\" ١/ ٢٧٣ (بثث). وكلما أتى بهذه الكنية فأنما يعني: الليث. وتقدمت ترجمته ضمن مصادر الواحدي.\n(٦) في \"التهذيب\" ومثبت البسط إذا بسطت.\n(٧) انتهى من \"تهذيب اللغة\" ١/ ٢٧٣ بتصرف، وانظر: \"مقاييس اللغة\" ٨٦ - ٨٧ (بث).\n(٨) عند الفراء والزجاج: (بث).\n(٩) \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٢٥٢ بنصه، \"معاني الزجاج\" ٣/ ٥ بتصرف.","vol":"6","page":282},{"text":"وأُسْقيِه حتَّى كَادَ مما أَبثُّه ... تُكَلِّمُني أَحْجَارُه وَملاعِبُه (١)\nوقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ قُرئ (تساءلون) بالتخفيف والتشديد (٢)؛ فمن شدّد أراد: تتساءلون، فأدغَم التاء في السين لاجتماعهما في أنهما من حروف طرفِ اللسان وأصول الثنايا واجتماعِهما في الهمس.\nومن خفف، حذف تاء تتفاعلون لاجتماع حروف متقاربة فأعلَّها بالحَذْف، كما أعلَّ الأول بالإدغام (٣)، وإذا اجتمعت المتقاربة خففت بالحذف أو بالإدغام أو بالإبدال (٤)، (فالحذف والإدغام، كالقراءتين في\n_________\n(١) البيت في \"ديوان ذي الرمة\" بشرح الباهلي ٢/ ٨٢١، \"الكتاب\" ٤/ ٥٩، \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٩٠٨ (شكا)، \"اللسان\" ٤/ ٢٣١٤، وفيهما: وأشكيه بدل: وأسقيه. انظر \"معجم شواهد العربية\" ص ٤٢٣. وهذا البيت ثاني بيت في القصيدة هو كما في الديوان والكتاب:\nوقفتُ على رَبعٍ لمَيَّة ناقتي ... فما زِلتُ أبكي عنده وأخاطبُه\nقال الباهلي: قوله: أبثه أي أُخْبِره بكل ما في نفسي، وقوله: وأسقِيه أي أدعو له بالسقيا، وملاعبُه مواضيع يلعب بها. واستشهد به المؤلف على أن أبث يأتي بمعنى: أفشى ونشر.\n(٢) قراءة التخفيف (تساءلون) خفيفة السين لعاصم وحمزة والكسائي وخلف، وقراءة التشديد (تساءلون) مشددة السين لأبي عمرو ونافع وابن كثيرِ وابن عامر وأبي جعفر ويعقوب. انظر: \"السبعة\" ص ٢٢٦، \"الحجة\" ٣/ ١١٨، \"المبسوط\" ص ١٥٣، \"النشر\" ٢/ ٢٤٧، \"البدور الزاهرة\" (٩٣). وتوجيه المؤلف للقراءة بعد ذلك من \"الحجة\" لأبي علي الفارسي.\n(٣) انظر: \"الحجة في القراءات السبعة\" لابن خالويه ص ١١٨، \"حجة القراءات\" ص ١٨٨، \"الكشف عن وجوه القراءات السبع\" لمكي ١/ ٣٧٥.\n(٤) في \"الحجة\": أو الإدغام والإبدال.","vol":"6","page":283},{"text":"هذا الحرف) (١). والإبدال كقولهم: طست (للطس) (٢) أُبدِلَ من السين الثانية التاء لتقاربهما، قال العجَّاج:\nأَإِنْ رأيتِ (هَامَتِي) (٣) كالطَّسْتِ (٤)\nوأنشد المازني في الطسّ:\nلو عَرَضَت لأَيْبُلِي قَسّ ... أشعثَ في هيكلِه مُنْدَسّ\nحَنَّ إِلَيهَا كحَنِين الطَّسّ (٥)\nومعنى: ﴿تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ أي تتساءلون فيما بينكم حوائجكم\n_________\n(١) ما بين القوسين ليس في \"الحجة\".\n(٢) هذه الكلمات ليست في \"الحجة\"، ويبدو أنها ساقطة.\n(٣) في (ب): (متى) ولعله تحريف.\n(٤) نسبه المؤلف للعجاج تبعًا لأبي علي في \"الحجة\" ٣/ ١٢٠، والواقع أنه ليس له وإنما هو لابنه رؤبة كما في ديوانه في \"مجمع أشعار العرب\" ص ٢٣، وهو عجز بيت صدره:\nويحكِ إن أسلم فأنتِ أنتِ\nوالطست: من آنية الصفر. \"اللسان\" ٥/ ٢٦٧٠ (طست).\n(٥) إلى هنا انتهى أخذ المؤلف من \"الحجة\" ٣/ ١١٨ - ١٢٠. والرجز في \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢١٩١ (طس)، \"سر صناعة الإعراب\" ١/ ١٥٦، \"اللسان\" ٥/ ٢٦٧١ (طس) بدون نسبة، ونسبه أبو حيان للعجاج في \"البحر المحيط\" ٣/ ١٥٦، لكن في \"البحر\": لأسقُفي بدل: لأيبُلي، ولم أجده في \"ديوانه\". والأيبلي والأيبل هو الراهب عند النصارى أو صاحب الناقوس الذي يدعوهم به إلى الصلاة. والقس هو القسيس رئيس من رؤساء النصارى، والهيكل معبدٌ للنصارى فيه صنم على سورة مريم وعيسى -﵉- فيما يزعمون، ومُنَدسّ أي داخلٌ ومختفي، والحنين الشديد من البكاء والطرب، والطس والطسة لغة في الطست. انظر \"اللسان\" ٣/ ١٣٧٢ - ١٣٧٣، ٥/ ٢٦٧١ (طسس)، ١/ ١١ (أبل)، ٨/ ١٦٨١ (هكل)،٢/ ١٠٢٩ (حنن).","vol":"6","page":284},{"text":"وحقوقكم به فتقولون: أسألُك بالله والرحِم، وأنشدك اللهَ والرحم (١).\nقال ابن عباس: يريدون أن أهل مكة لم يكونوا يؤمنون بالبَعْث، وكانوا يتواصلون بالأرحام، فإذا ناشد الرجلُ الرجلَ، قال: أنشدك الله والرحم، وكذلك كان يكتب المشركون إلى رسول الله - ﷺ -: نناشدك الله والرحم (إلَّا) (٢) بعثت إلينا فلانًا وفلانًا (٣).\nوعلى هذا التفسير انتصب ﴿وَالْأَرْحَامَ﴾ بالعطف على موضع ﴿بِهِ﴾، كأنه قيل: وتذكرون الأرحامَ؛ لأن معنى ﴿تَسَاءَلُونَ بِهِ﴾: تذكرونه في سؤالكم ومناشدتكم، فالأرحام عطف على موضع الجار والمجرور.\nقال أبو علي (٤) وعلي بن عيسى (٥): ويكون كقوله:\n_________\n(١) انظر: \"تفسير الطبري\" ٤/ ٢٢٦، \"معاني القرآن\" للزجاج ٢/ ٦.\n(٢) في (د): (أن لا).\n(٣) لم أقف له على تخريجٍ في تفسير هذه الآية عن ابن عباس.\n(٤) ما نسبه المؤلف إلى أبي علي أحد الوجهين الذين ذكرهما في نصب الأرحام، والوجه الآخر أن يكون معطوفًا على قوله: ﴿وَاتَّقُوا﴾، التقدير: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ﴾، واتقوا الأرحام أي اتقوا حقَّ الأرحام فصلوها ولا تقطعوها. \"الحجة\" ٣/ ١٢١. وسيأتي نحوه عند المصنف قريبًا.\n(٥) لعله أبو الحسن علي بن عيسى بن علي بن عبد الله الرماني النحوي، وهو إمام في اللغة والنحو، صنف كتبًا كثيرة منها: \"شرح كتاب سيبويه\"، \"معاني الحروف\". وكان متهمًا بالاعتزال. توفي سنة ٣٨٤ هـ\nانظر: \"سير أعلام النبلاء\" ١٦/ ٣٥٥، \"البلغة\" ص ١٥٤، \"بغية الوعاة\" ٢/ ١٨٠، ولم أقف على قوله.","vol":"6","page":285},{"text":"فَلَسْنَا بِالجِبَالِ وَلا الحَديدَا (١)\nوقال أكثر المفسرين: معنى ﴿وَالْأَرْحَامَ﴾ أي: واتقوا الأرحام أن تقطعوها. قاله: قتادة (٢)، ومجاهد، والسدي، والضحاك، وابن زيد (٣) والربيع (٤) (٥)، والفراء (٦)، والزجاج (٧).\n_________\n(١) عجز بيتٍ صدره:\nمعاويَ إننا بشرٌ فأسجِحْ\nومعنى أسجح: سهل علينا حتى نصبر، \"شرح أبيات سيبويه\" للسيرافي ١/ ٣٠١.\nوقد نسب هذا البيت إلى عُقَيبة بن هبيرة الأسدي كما نسب إلى عبد الله ابن الزبير وهو من \"شواهد الكتاب\" ١/ ٦٧، ٢/ ٢٩٢، ٣٤٤، ٣/ ٩١٢، \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٣٤٨، \"المقتضب\" ٢/ ٣٣٧، ٤/ ١١٢، ٣٧١، \"الجمل\" للزجاجي ص ٥٥، \"الإنصاف\" للأنباري ص ٢٨٤. وقد استشهد به المؤلف عند تفسير البسملة في أول الكتاب.\nوالشاهد منه نصبه الحديدا عطفًا على موضع المجرور بالجبال، وقد أنكر بعضهم على سيبويه استشهاده بهذا البيت لأنه من قصيدة القافية فيها مجرورة، لكن رد ذلك السيرافي بأن البيت له روايتان النصب والبحر، وكل رواية في قصيدةٍ مشاكلةٍ لها. انظر \"شرح السيرافي\" ١/ ٣٠٠ - ٣٠٣.\n(٢) هو أبو الخطاب، قَتادة بن دِعَامة السّدوسِي الشيباني، ولد سنة ٦٠ وهو أعمى، وعني بالعلم حتى صار من حفاظ التابعين وأعلمهم بالقرآن والسنة وهو من أخص تلامذة ابن عباس، توفي -﵀- سنة ١١٧ هـ، وقيل بعدها. انظر: \"مشاهير علماء الأمصار\" ص ٩٦، \"وفيات الأعيان\" ٤/ ٨٥.\n(٣) هو عبد الرحمن بن زَيد بن أَسْلم العَمري.\n(٤) هو الرَّبِيع بن أنس البّكري، تقدم.\n(٥) أخرج أقوالهم: ابن جرير ٤/ ٢٢٧ - ٢٢٨ انظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٣، و\"ابن كثير\" ١/ ٤٨٧.\n(٦) \"معاني القرآن\" ١/ ٢٥٢.\n(٧) \"معاني القرآن\" ٢/ ٦.","vol":"6","page":286},{"text":"وعلى هذا التفسير انتصب الأرحام بالعطف على قوله أي: اتقوا اللهَ واتقوا الأرحامَ، أي: اتقوا حقَّ الأرحام فصلوها ولا تقطعوها (١).\nويجوز على هذا التفسير أنْ يكون منصوبًا بالإغراء، أي: والأرحام فاحفظوها وصلوها، كقولك: الأسدَ الأسدَ (٢)\nوهذا التفسير يدل على تحريم قطيعة الرحم، وينبئ بوجوب صلتها. وقرأ حمزة ﴿والأرحامِ﴾ جرًا (٣) بالعطف على المَكْنِيّ في ﴿بِهِ﴾ كما يقال: سألتك باللهِ والرحمِ، ونشدتك باللهِ والرحم، وإنما حَملَه على هذه القراءة ما ورد في التفسير أن المشركين كانوا يقولون: نناشدك بالله والرحم، ونسألك بالله والرحم إلّا فعلت كذا (٤).\nوضعف النحويون كلُّهم هذه القراءة واستقبحوها (٥)، فقال أبو علي (٦): هذا ضعيف في القياس قليل في الاستعمال، وما كان كذلك فَتركُ الأخذ به أحسن (٧)؛ وضعفه أنَّ المشاكلة تُراعَى في باب العطف حتى\n_________\n(١) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٢٥٢، \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ٣٩٠، \"الحجة\" ٣/ ١٢١.\n(٢) القول بنصب ﴿الأرحامَ﴾ على الإغراء لم أره عند غير المؤلف.\n(٣) هذه القراءة لحمزة وحده من العشرة، انظر \"السبعة\" ص ٢٢٦، \"المبسوط\" ص ١٥٣، \"الحجة\" ٣/ ١٢١، \"النشر\" ٢/ ٢٤٧، \"البدور الزاهرة\" ص ٩٣.\n(٤) انظر:\"معاني القرآن\" ١/ ٢٥٢.\n(٥) انظر: \"معاني الفراء\" ١/ ٢٥٢، \"معاني الأخفش\" ١/ ٤٣٠، \"تفسير الطبري\" ٤/ ٢٢٦، \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ٣٩١، \"معاني الزجاج\" ٢/ ٦، \"الإنصاف\" ٣٧٣ - ٣٧٩، \"إملاء ما من به الرحمن\" بهامش الفتوحات الإلهية ٢/ ١٨٢، \"البحر المحيط\" ٣/ ١٥٨، \"الدر المصون\" ٣/ ٥٥٤.\n(٦) في \"الحجة\" ٣/ ١٢١.\n(٧) إلى هنا نص كلامه أبي علي، وما بعده إلى قوله: قال: ويدلك .. بمعناه. انظر \"الحجة\" ٣/ ١٢١،١٢٢.","vol":"6","page":287},{"text":"يعطف الشك على الشكلِ، والمعطوف ينبغي أنْ يكون مُشاكلًا للمعطوف عليه، والمضمرُ المجرور قد خرج عن شبه الاسم وصار بمنزلة الحرف بدلالة أنه لا ينفصل، وذلك أن الكاف والهاء في قولك: (بِهِ وبِكَ) (١) (ألا) (٢) ترى واحدًا منهما منفصلًا عن الجار، فصار كالتنوين؛ فلأن المضمر المجرور أيضا قد صار عِوَضًا من التنوين إذا اتصل باسمٍ، نحو: غلامك، وغلامه، وغلامي، وأيضًا فإنه على حرف كما أن التنوين على حرف.\nقال (٣): ويدلك على أنه قد جرى عندهم مجرى التنوين حذفهم الياء من المُنَادَى المضاف (٤) (في الاختيار) (٥) كحذفهم التنوين (من المفرد) (٦) وذلك قولهم: يا غلام، وهو أكثر في الاستعمال (٧) من: يا غلامي، فشابه المضمرُ المجرور التنوينُ من هذه الوجوه. وإذا كان كذلك خرج عن حدّ الاسم وصار بمنزلة الحرف، فلم يعطف على المضمر المجرور لخروج المعطوف عليه عن شَبَه الاسم إلى شبَه الحرف، وقد ذكرنا شأن التشاكل، يُرَاعى في باب العطف فلا يُعطف الاسم على الحرف.\nوقال الزجاج (٨): إجماع النحويين أنه يقبح أن يُنْسقَ باسمٍ ظاهر على اسم مُضمَر في حال الخفض إلا بإظهار الخافض (٩)، كقوله تعالى: ﴿فَخَسَفْنَا\n_________\n(١) في (د): (بك وبه).\n(٢) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: لا وليس ألا.\n(٣) أي: أبو على.\n(٤) في \"الحجة\" المضاف إليه.\n(٥) ليس في \"الحجة\".\n(٦) ليس في \"الحجة\".\n(٧) انتهى كلام أبي علي من \"الحجة\" ٣/ ١٢١، ١٢٢.\n(٨) في \"معاني القرآن\" ٢/ ٦.\n(٩) دعوى الإجماع فيها نظر، لأن ذلك رأي البصريين وأنه لا يجوز إلا في الشعر، =","vol":"6","page":288},{"text":"بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ﴾ [القصص: ٨١] (١)، ويستقبح النحويون: مررت به وزيد (٢)، لأن المكني المخفوض حرف متصل غير منفصل، فكأنه كالتنوين في الاسم، فقبح أن (يعطف) (٣) باسم يقوم بنفسه على اسم لا يقوم بنفسه. هذا كلامه (٤). وقد ذكر أبو علي وجه الشبه بينهما كما حكينا.\nوقال علي بن عيسى (٥): ومما يزيد هذا الفصل بيانًا أنهم لم يستحسنوا عطف الظاهر المرفوع على المضمر المرفوع حتى يؤكد، فينفع (٦) العطف في اللفظ على المضمر المنفصل الذي يجري مَجرى الأجنبي، وذلك نحو: اذهب وزيد، وذهبت وزيد، لا يستحسنون ذلك حتى يؤكدوه، فيقولوا: اذهب أنت وزيد، وذهبت أنا وزيد (٧)؛ لأنه لما اختلط الاسم بالفعل حتى صار كبعض أجزائه لوقوع إعرابه بعده في نحو: تفعلين، وتفعلان، وتفعلون، ولإسكانهم الآخر منه إذا اتصل بالضمير مع تحريكهم نحو:\n_________\n= وأما الكوفيون فقد أجازوا ذلك. انظر \"المقتضب\" ٤/ ١٥٢، \"الأصول في النحو\" ٢/ ٧٩، \"الإنصاف\" ص٣٧١، \"شذور الذهب\" ص ٥٣٣.\n(١) هذا الشاهد القرآني ليس في \"معاني الزجاج\".\n(٢) بعد هذا المقال كلام للزجاج هو: وبك وزيد، إلا مع إظهار الخافض، حتى يقولوا: بك وبزيد، فقال بعضهم: لأن المخفوض ... \"معاني الزجاج\" ٢/ ٦.\n(٣) ليس في (د).\n(٤) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٦ بتصرف.\n(٥) هذا الكلام في \"الحجة\" ٣/ ١٢٥، لكن دون نسبة إلى علي بن عيسى هذا، وعلي هذا لعله الرماني وقد تقدمت ترجمته.\n(٦) في \"الحجة\": فيقع.\n(٧) هذا عند البصريين، لكن إذا طال الكلام حسن حذف التوكيد، أما الكوفيون فلا قُبْح في الحالين. انظر \"المقتضب\" ٣/ ٢١٠، ٢٧٩، \"الإنصاف\" ص٣٨٠ - ٣٨١، \"شذور الذهب\" ص ٥٣١ - ٥٣٢.","vol":"6","page":289},{"text":"(عَلَيْطٍ) (١)، (لم يستجيزوا العطف عليه إلا بالتأكيد) (٢) ليقع العطف عليه في اللفظ، فلا يكون كأنه عطف اسمًا على فِعل (٣)، كما يصير في المجرور، كأنه عطف اسمًا على تنوين (٤). وإذا ضَعُف في المرفوع مع أن له ضميرًا منفصلًا نحو: أنت وهو، امتنع في المجرور؛ لأن المضمَر المجرور لا منفصل له، وليس بعد الضعف إلا الامتناع.\nفأما الضمير المنصوب نحو: ضربته، لا يستقبح العطف عليه؛ لأنه ظاهر لم يختلط بالفعل حتى صار كبعض أجزائه، كضمير المرفوع، ولا يقوم مقام التنوين في موضع ما كضمير المجرور، وذلك أن ضمير المنصوب لا يتصل إلا بالفعل نحو: منعته وقتلته، ولا ينون الفعل قط.\nوضمير المجرور إما أن يَتَّصل باسمٍ فيقوم فيه مقام التنوين، أو بحرفٍ نحو: به وبك، واتصالُه بالحرف كاتصالهِ بالاسم، ألا ترى أنه لا ينفصل من الاسم، ولا يفصل بينهما كما يفصل بين الجار والمجرور الظاهر في باب المضاف والمضاف إليه نحو:\nكأن أصواتَ -مِن إِيغالِهِنَّ بنا- ... أَوَاخِرِ المَيْس إِنْقَاض الفَراريجِ (٥)\nوإِذا اتّصلَ بالحرف لم ينفَصِل منه ولم يُفصل أيضًا بينهما بشيء، فلا فصل إذًا بين اتصاله بالاسم وبين اتصاله بالحرف.\n_________\n(١) في (د): (غليط)، بإعجام الغين.\n(٢) في \"الحجة\" لم يستجيزوا العطف عليه في حال السعة إلا بالتأكيد.\n(٣) انظر: \"الإنصاف\" ص ٣٨١.\n(٤) إلى هنا نفس الكلام في \"الحجة\" ٣/ ١٢٥، وما بعده يحتمل أن يكون من زيادة المؤلف.\n(٥) البيت لذي الرمة: \"ديوانه\" ص ٧٦، وهو من شواهد سيبويه ١/ ١٧٩، ٢/ ١٦٦، ٢٨٠، \"المقتضب\" ٤/ ٣٧٦، والأزهري في \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٦٤٨ (نقض)،=","vol":"6","page":290},{"text":"ولأبي عثمان المازني (١) تفسير لهذا الفصل مُقنع، وهو أنه قال: الثاني في العطف شريكٌ للأول، فإنْ كان الأول يصلح أَنْ يكون شريكًا الثاني وإلا لم يصلح أَنْ يكون الثاني شريكًا له. (بيان هذا أنك لا تقول) (٢): مررت بزيدٍ وبك كذلك لا تقول: مررت بك وزيد.\nوقال سيبويه: لا يجوز عطف الظاهر على المكني المخفوض من غير إعادة الخافض إلا في ضرورة الشعر (٣)، وأنشد:\nفاليَومَ قرَّبت تهجُونا وتشتُمُنا ... فاذْهَب فَمَا بِكَ والأيامِ من عَجَبِ (٤)\nوأنشد الفراء أيضًا:\n_________\n= \"سر صناعة الإعراب\" ١/ ١٠، \"اللسان\" ٨/ ٤٥٢٥ (نفض).\nقال الأزهري: وفي تقديم وتأخير، أراد كأن أصوات أواخر الميس إنقاض الفراريج من إيغال الرواحل بنا، أي من إسراعها السير بنا. والفراريج جمع فروج وهو الفتيّ من ولد الدجاج. \"اللسان\" ٦/ ٣٣٧١ (فرج)، وإنقاضها أصواتها، ففي \"سر صناعة الإعراب\" أصوات الفراريج وبين ابن جني فيه أن الميس خشب الرحل. والشاهد منه أنه فصل بين المضاف أصوات والمضاف إليه أواخر.\n(١) من \"معاني القرآن\" للزجاج ٢/ ٦.\n(٢) في \"معاني الزجاج\" قال: فكما لا تقول ....\n(٣) معنى كلام سيبويه. انظر \"الكتاب\" ٢/ ٣٨٢ - ٣٨٣.\n(٤) الظاهر أن هذا البيت من الأبيات الخمسين عند سيبويه التي لم يُعرف لها قائل. انظر: \"الكتاب\" ٢/ ٣٨٣، \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ٣٩٠، \"الإنصاف\" ص ٣٧٧. وقد استشهد بالبيت الزجاج في \"معاني القرآن\" ٢/ ٧، وقال محققه: البيت للأعشى وينسب لعمرو بن معد يكرب، ولم أجده في ديوان الأعشى. قال عبد السلام هارون في تحقيقه للكتاب: قرَّبت: أخذت وشرهت. يقول: إن هِجاءك الناس وشتمَهم صار أمرًا معروفًا لا يتعجب منه. كما لا يتعجب الناس من فعل الدهر. والشاهد فيه أنه عطف الأيام على الكاف الخطاب دون إعادة حرف الجر.","vol":"6","page":291},{"text":"نُعَلِّقُ في مثلِ السَّواري سيوفَنَا ... وما بَينَها والكَعْبِ غَوطٌ نَفَانِفُ (١)\nقال أبو إسحاق (٢): وقراءة حمزة مع ضَعفِها وقُبحِها في العربية خطأ في أمر الدين عظيم؛ لأن النبي - ﷺ - قال: \"لا تحلفوا بآبائكم (٣) فكيف يكون: تتساءلون بالله (والرحم)؟ (٤) (٥).\nيعني أن الحَلِفَ بغير الله لا يجوز، وإذا عطفت الأرحام (كالمَكْنِيّ) (٦) عن اسم الله أوجب جواز الحَلِف بالأرحامِ، وذلك غير جائز.\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٢٥٣. والبيت نسبه الجاحظ في \"الحيوان\" ٦/ ٤٩٤ لمسكين الدارمي، وانظر \"الإنصاف\" ص ٣٧٨، \"معجم شواهد العربية\" ص ٢٣٧. واختلفت الروايات لأول البيت بين نُعَلِّق بالنون والبناء للمعلوم فيكون سيوفَنا منصوبًا على أنه مفعول به، وبين تُعَلَّق بالتاء والبناء للمفعول ويكون سيوفُنا مرفوعًا على أنه نائب فاعل. كما أن قافيته جاءت على روايتين: نفانف، وتنائف. قال عبد السلام هارون في شرحه للحيوان: مثل السواري، عنى بها أعناق الرجال. والسارية: الأسطوانة من أساطين البيوت ونحوها. التنائف جمع تنوفة وهي المفازة، وهذه مبالغة ظاهرة أن يجعل ما بين أعناقهم وكعوبهم تنائف. والشاهد منه أنه عطف الكعب على الضمير في بينها دون إعادة الخافض.\n(٢) أي الزجاج في \"معاني القرآن\" ٢/ ٦.\n(٣) طرف حديث أخرجه ابن ماجه من حديث ابن عمر -﵄- رقم (٢١٠١) كتاب الكفارات، باب: من حُلِف له بالله فليرض ١/ ٦٧٩، والحاكم في كتاب الأيمان من \"مستدركه\" ١/ ٥٢، وصححه الألباني في \"صحيح الجامع الصغير\" ٦/ ١٣٦ (٧٢٤٧). كما أخرجه من حديث أبي هريرة - ﵁ - أبو داود (٣٢٤٧) في الأيمان والنذور، باب: في كراهية الحلف بالآباء، والنسائي ٧/ ٥ في الأيمان والنذور، باب: الحلف بالأمهات ٧/ ٥، وابن حبان ١٠/ ١٩٩ رقم (٤٣٥٧)\n(٤) في (أ): (والأرحام)، وما أثبته هو الموافق لما في \"معاني الزجاج\" إلا أن فيه: وبالرحم.\n(٥) انتهى من \"معاني القرآن\" للزجاج ٢/ ٦.\n(٦) هكذا فى (أ)، و(د)، ولعل الصواب: على المكنى.","vol":"6","page":292},{"text":"وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١]. الرقيب: الحافظ، يقال: رَقَبَ يرقُبُ رِقْبَةً وُرقُوبا (١). ومعناه: أنه يرقُب عليكم أعمالكم فاتقوه فيما نهاكم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-704>٢ </span>- قوله تعالى: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ﴾. قال المفسرون: الخطاب للأوصياء وأولياء اليتامى (٢). أي أعطوهم أموالهم. وإنما يُعطى إذا بلغ، ولا يُتْمَ بعد البلوغ (٣)، ولكن قد يُستَصحب الاسم وإن زال معناه، كقوله: ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (٤٦)﴾ [الشعراء: ٤٦]، أي: الذين كانوا سحرة قبل السجود. وقد كان يقال للنبي - ﷺ - يتيمُ أبي طَالِب (٤).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾.\nيقال: تبدل الشيء بالشيء إذا أخذه مكانَه (٥)، قال العجّاج:\nمَن إِنْ تَبَدَّلتُ بِلادِي آدُر (٦)\nقال أكثر المفسرين: كان ولي اليتيم يأخذ الجيّد من ماله ويجعل\n_________\n(١) انظر: \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٤٤٨ (رقب)، \"مقاييس اللغة\" ٢/ ٤٢٧ (رقب) والمصدر فيهما: رُقْبانًا.\n(٢) انظر: \"تفسير الطبري\" ٤/ ٢٢٨، \"تفسير البغوي\" ٢/ ١٥٩.\n(٣) اليتيم هو الذي مات أبوه ويسمى بذلك حتى يبلغ فإذا بلغ زال عنه اسم اليتيم. هذا من ناحية الأحكام الشرعية، أما من الناحية اللغوية فيبقى الاسم لمن مات أبوه وإن كان بالغًا، لأن اليتيم لغة مأخوذ من الانفراد ومنه الدرة اليتيمة: أي المنفردة. انظر \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٩٧٣، ٣٤٠ (يتم).\n(٤) انظر: \"معاني الزجاج\" ٢/ ٧، \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٩٧٣ (يتم)، \"تفسير القرطبي\" ٥/ ٨،٩، والمقصود أنه كان يقال ذلك بعدما كبر - ﷺ -.\n(٥) انظر: \"تهذيب اللغة\" ١/ ٢٩٤ (بدل).\n(٦) لم أجده في \"ديوان العجاج\" برواية الأصمعي وشرحه.","vol":"6","page":293},{"text":"مكانَه الرديء، بجعل الزائف بدل الجيد، والمهزول بدل السمين، فنهى الله تعالى عن ذلك (١).\nقال مجاهد وبَاذَان (٢): أي: لا تجعل بدل رِزقك الحلال حرامًا تتعجّله، فتأخذه عن مال اليتيم (٣).\nومعنى هذا ما قال الفراء والزجاج: يقول: لا تأكلوا أموالَ اليتامى بدل أموالكم، وأموالهُم عليكم حرام، وأموالكم حلال (٤).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾. قال أكثر المفسرين: لا (تضيفوا) (٥) أموالهم في الأكل إلى أموالكم، إن احتجتم إليها فليس لكم أن تأكلوها مع أموالكم (٦).\nقال عطاء: يريد تَربَح على يتيمك، بأن يَهوَى دابة عندك أو ثوبًا فتبيعه منه بأكثر من ثمنه، وهو غِرّ (٧) صغير السن (٨).\n_________\n(١) انظر: \"تفسير الطبري\" ٤/ ٢٢٩ - ٢٣٠، \"زاد المسير\" ٢/ ٥، \"تفسير ابن كثير\" ١/ ٤٨٧، \"الدر المنثور\" ٢/ ٢٠٧ - ٢٠٨.\n(٢) باذان ويقال: باذام -بالميم- هو أبو صالح مولى أم هانىء، تقدمت ترجمته.\n(٣) في \"تفسير مجاهد\" ١/ ١٤٣ يقول: لا تتبدلوا الحرام من أموال اليتامى بالحال من أموالكم.\nوأخرج الأثر عن مجاهد وباذان (أبي صالح) ابن جرير في \"تفسيره\" ٤/ ٢٣١ بنحوه، انظر \"الكشف والبيان\" ٤/ ٤ ب، \"تفسير القرطبي\" ٥/ ٩، \"الدر المنثور\" ٢/ ٢٠٨.\n(٤) هذا نص كلام الفراء في \"معاني القرآن\" ١/ ٢٥٣، ونحو كلام الزجاج في \"معانيه\" ٢/ ٧.\n(٥) في (د): (تضيعوا) بالعين.\n(٦) نص كلام الزجاج في \"معانيه\" ٢/ ٧، وانظر: \"غريب القرآن\" لابن قتيبة ص ١١١، \"تفسير الطبري\" ٤/ ٢٣٠.\n(٧) كأنها في النسختين: (عن) والمُرجَّح ما أثبته لما عند الثعلبي في الحاشية التالية.\n(٨) من \"الكشف والبيان\" ٤/ ٤ ب بتصرف، وانظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٥، \"القرطبي\" ٥/ ١٠.","vol":"6","page":294},{"text":"وهذا الذي ذكره عطاء هو نوع من أكل مال اليتيِم، ولا يجوز ذلك بأي وجهٍ كان.\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾ [النساء: ٢] الكناية تعود إلى الأكل، ودل (تأكلوا) على المصدر (١). والحُوب الإثم الكبير، وكذلك الحَوب والحَاب، ثلاث لغات في الاسم والمصدر، يقال: حَاب يحُوب حُوبا، وحَوبا وحَابًا وحيابًة، إذا أَثِم (٢).\nقال الفراء: الحُوب لأهل الحجاز، والحَوب لتميم، ومعناهما الإثم (٣).\nوقال أمية بن الأسكر الليثي (٤) -وكان ابنه قد هاجر بغير إذنه (٥) -:\nوإنَّ مُهَاجِرَينِ تَكنَّفَاهُ ... غَدَاتَئِذٍ لَقَد خَطِئَا وَحَابَا (٦)\n_________\n(١) انظر: \"تفسير الطبري\" ٤/ ٢٣٠، \"الدر المصون\" ٣/ ٥٥٧.\n(٢) انظر: \"معاني الفراء\" ١/ ٢٥٣، \"غريب القرآن\" لابن قتيبة ص ١١٣، \"تفسير ابن جرير\" ٤/ ٢٣٠، \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ٣٩٢، \"مقاييس اللغة\" ٢/ ١١٣، \"اللسان\" ٢/ ١٠٣٦ (حوب).\n(٣) ليس في \"المعاني\"، فقد يكون في كتابه المصادر، وهو مفقود.\n(٤) أمية بن حُرثان بن الأسْكَر -بالسين المهملة على الصحيح- الكناني الليثي، شاعر مخضرم، له صحبة، كان سيدًا في قومه، توفي - ﵁ - سنة ٢٠ هـ. انظر: \"طبقات فحول الشعراء\" ١/ ١٩٠، \"الإصابة\" ١/ ٦٤ - ٦٥، \"الأعلام\" ٢/ ٢٢.\n(٥) ابن أمية هو كلاب، وقصته أنه خرج وأخٌ له في زمن عمر بن الخطاب - ﵁ - وتركا أباهما أمية وهو شيخ كبير وكان لا يصبر عن كلاب، فاشتكى أمية إلى عمر وأنشده قصيدةً كان البيت التالي منها، فكتب عمر إلي سعد بن أبي وقاص أن رحل كلاب ابن أمية فرحله، فلما قدم المدينة جمعه عمر بأبيه فجعل أميهَ يشَمُّ ابنَه ويبكي. انظر: \"ذيل الأمالي والنوادر\" للقالي ص ١٠٨، ١٠٩، \"الإصابة\" ١/ ٦٤ - ٦٥.\n(٦) البيت في \"مجار القرآن\" ١/ ١١٣، \"تفسير الطبري\" ٤/ ٢٣٠، ٧/ ٥٢٩ لكن عجزه في الموضع الأول: لعمر الله قد خطئا وحابا، \"ذيل الآمالي والنوادر\" ص ١٠٩،=","vol":"6","page":295},{"text":"وحكى الفراء، عن بني أسد أنهم يقولون للقتال: حَائِب (١). وقال النبي - ﷺ -: \"رب تقبل توبتي، واغسل حوبتي\" (٢)، قال أبو عبيد (٣): حَوْبتي يعني: المآثم، قال: وكل مأثم حُوب وحَوب، والواحدة حَوبة، ومِن هذا قوله: ألك حوبة؟ قال: نعم (٤).\nوهو عندي: كل حرمة تأثم الإنسان بتركها وتضييعها من أُمّ أو أُخت أو بِنت أو غيرهن (٥).\nويقال (٦): تَحوَّب فلان إذا تعبّد، كأنه يُلقي الحُوب عن نفسه بالعبادة، مثل: تأثم (٧).\n_________\n= وعجزه فيه:\nليترك شيخه خطئا وخابا\n\"الإصابة\" ١/ ٦٥ وجل ألفاظه مغايرة، حيث إنه جاء:\nأتاه مهاجران فرنَّخاه ... عباد الله قد عَقَّا وخَابا\nوالشاهد: حابا أي أثما.\n(١) في \"معاني القرآن\" ١/ ٢٥٣.\n(٢) جزء من دعاء للنبي - ﷺ - في حديث أخرجه أحمد من حديث ابن عباس -﵄- ١/ ٢٢٧، وأبو داود (١٥١٠) كتاب الوتر، باب: ما يقول الرجل إذا سَلَّم، والترمذي (٣٥٥١) كتاب الدعوات، باب: في دعاء النبي - ﷺ -\n(٣) في \"غريب الحديث\" ١/ ٢٢٠ وقد أخذ عنه المؤلف بتصرف.\n(٤) جزء من حديث اختصره المؤلف وسياق أبي عبيد: أن رجلًا أتى إلى النبي - ﷺ - فقال: إني أتيتك لأجاهد معك. فقال: \"ألك حوبة؟ \" فقال: نعم. قال: \"ففيها فجاهد\". يُروى عن أشعث ابن عبد الرحمن عن الحسن يرفعه. \"غريب الحديث\" ١/ ٢٢٠. ولم أقف على هذا الحديث في دواوين السنة.\n(٥) \"غريب الحديث\" ١/ ٢٢٠، ٢٢١ بتصرف.\n(٦) الظاهر أنه من قول أبي عبيد، وليس في \"غريب الحديث\" وإنما في \"تهذيب اللغة\" ١/ ٦٩٠ (حاب)، وفي \"الغريب\" ١/ ٢٢١: وقد يكون التحوب التعبد والتجنب للمأثم.\n(٧) انتهى أخذه عن أبي عبيد، وانظر \"تهذيب اللغة\" ١/ ٦٩٠ - ٦٩١ (حاب).","vol":"6","page":296},{"text":"قال الكُميت:\nوصُبَّ له شَولٌ من الماء غَائرٌ (١) ... به كَفَّ عنه الحِيبَةَ المتَحَوِّبُ (٢)\nوالحِيبَة ما يُتأثم منه، يصف ذِئبًا سقاه وأطعمه (٣).\nقوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ الآية.\nالإقساط: العَدل، يقال أَقسط الرجل إذا عدل (٤)، قال تعالى: ﴿وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات: ٩].\nوالقسط: العدل والنصفة (٥)، قال الله تعالى: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ﴾ [النساء: ١٣٥].\nقال الزجاجي: وأصل قَسَط وأَقْسَط جميعًا من القِسط، وهو النصيب، فإذا قالوا: قسط بمعنى: جار، أرادوا أنه ظلم صاحبه في قِسطه الذي يصيبه. ألا ترى أنهم قالوا: قاسطته فقسطتُه إذا غلبته على قِسطه، فبني قَسَط على بناء ظلم وجار وعسف وغلب، وإذا قالوا: أقسط، فالمراد به أنه صار ذا قسط وعدل، فبُني على بناء أنصف، إذا أتى بالنَّصف والعدل في قوله، وفعله، وقسمه (٦).\n_________\n(١) في النسختين: (عابر) بالباء، ولعلها تصحفت عن: غابر.\n(٢) البيت في \"تهذيب اللغة\" ١/ ٦٩١ (حاب)، \"اللسان\" ٢/ ١٠٣٦. والشَّول: هو الماء القليل. انظر \"مقاييس اللغة\" ٣/ ٢٣٠. والشاهد: المُتَحوَّب أي المتعبَّد.\n(٣) من \"تهذيب اللغة\" ١٣/ ٦٩١ (حاب).\n(٤) انظر: \"تفسير الطبري\" ٧/ ٥٤١، \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٩٥٩ (قسط).\n(٥) انظر: \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٩٥٩، \"مقاييس اللغة\" ٥/ ٨٥ (قسط).\n(٦) الظاهر أن هذا نهاية كلام الزجاجي، ولم أعثر عليه فيما بين يديَ من مصنفاته. انظر \"جمهرة اللغة\" ٢/ ٨٣٦، \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٩٥٩ (قسط).","vol":"6","page":297},{"text":"واختلف أقوال أهل التأويل في هذه الآية، فرُوي عن عروة أنه قال: قلت لعائشة: قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾؟ فقالت يا ابن أختي هي اليتيمة تكون في حَجرِ وليّها فيرغب في مالها وجمالها ويريد أن ينكحها بأدنى من صداقها، فنُهوا أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا لهن في إكمال الصداق، وأُمِروا أن يَنكحوا ما سِواهن من النساء (١).\nوعلى هذا التفسير تقدير الآية: وإن خفتم ألا تُقسطوا في نكاح اليتامى، أي: الإناث منهم، فحذف المضاف؛ لأن قوله بعد: ﴿فَانْكِحُوا﴾ يدل على النكاح (٢).\nوقوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ﴾ أي: من غيرهن، وذلك أن قوله: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ﴾ بعد ذكر خوف الحَرج مِن نِكاح اليتامى، يدل على أن المراد به من غيرهن (٣).\nهذا وجه ما رُوي عن عائشة ﵂ في هذه الآية.\nوقال ابن عباس في رواية الوالبي (٤) وعطاء، يقول: فكما خِفتم ألا تُقسطوا في اليتامى وَهمَّكم ذلك، فكذلك فخافوا في النساء ألا تعدلوا فيهن ولا تتزوجوا أكثر مما يمكنكم إمساكهن والقيام بحقهن؛ لأن النساء كاليتامى في الضعف، والعجز (٥).\n_________\n(١) أخرجه البخاري بنحوه (٢٤٩٤) كتاب الشركة، باب: شركة اليتيم وأهل الميراث، ومسلم (٣٠١٣) كتاب التفسير، وعبد الرزاق في \"تفسيره\" ١/ ١٤٥، والنسائي في \"تفسيره\" ١/ ٣٦٠، ٣٦١، والطبري ٧/ ٥٣١، وغيرهم.\n(٢) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٢/ ٨\n(٣) انظر: \"تفسير الطبري\" ٤/ ٢٣٢، \"تفسير البغوي\" ٢/ ١٦٠.\n(٤) هو أبو الحسن علي بن أبي طلحة، تقدمت ترجمته.\n(٥) من \"الكشف والبيان\" ٤/ ٥ ب، ٦ أ، وأشار الثعلبي إلى أن هذه رواية الوالبي عن =","vol":"6","page":298},{"text":"وهذا قول سعيد بن جبير، وقتادة، والربيع، والضحاك، والسدي (١)، واختيار الفراء (٢).\nوشرح ابن قتيبة هذا القول، فقال: المعنى: أن الله -جل وعز- قال لنا: فكما تخافون أن لا تعدلوا بين اليتامى إذا أكلفتموهم (٣)، فخافوا أيضًا أنْ لا تعدلوا بين النساء إذا نكحتموهن، فانكحوا اثنتين، وثلاثًا، وأربعًا، ولا تتجاوزوا ذلك فتعجزوا عن العدل (٤).\nوقال ابن عباس: قُصِر الرجالُ على أربع، مِنْ أجل اليتامى (٥).\n_________\n= ابن عباس، ولم أجد رواية عطاء، وقد أخرجه ابن جرير بمعناه من رواية علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في \"تفسير الطبري\" ٤/ ٢٣٣، وانظر \"أسباب النزول\" للمؤلف ١٤٦ - ١٤٧، \"زاد المسير\" ٢/ ٦، \"الدر المنثور\" ٢/ ٢٠٩.\n(١) انظر: \"تفسير الطبري\" ٤/ ٢٣٣، \"الكشف والبيان\" ٤/ ٥ ب، ٦ أ، \"أسباب النزول\" ١٤٦ - ١٤٧، \"زاد المسير\" ٢/ ٦، \"الدر المنثور\" ٢/ ٢٠٩.\n(٢) انظر: \"معاني القرآن\" ١/ ٢٥٣، واختار القول أيضًا ابن جرير في \"تفسيره\" ٤/ ٢٣٣.\n(٣) هكذا في (أ)، (د) والظاهر أن هذه الكلمة مُصحّفة من (كفلتموهم) بتقديم الفاء على اللام كما عند ابن قتيبة في \"مشكل القرآن\" ص ٧٢ على أن المعنى يصح على ما هو مذكور في المتن، أي: كلفتم أمرهن والقيام على مصالحهن.\n(٤) انتهى من \"مشكل القرآن\" ص ٧٢، والواقع أن المؤلف حذف جملة مهمة من صدر الكلام وذلك أن ابن قتيبة قال: والمعنى: أن الله تعالى قصر الرجال على أربع نسوة وحرّم عليهم أن ينكحوا أكثر منهن، لأنه لو أباح لهم أن ينكحوا من الحرائر ما أباح من ملك اليمين لم يستطيعوا العدل عليهن بالتسوية بينهن، فقال لنا: فكما تخافون .. إلى آخر ما نقله المؤلف.\n(٥) أخرجه ابن جرير في \"تفسيره\" من رواية طاوس ٤/ ٢٣٣، وفيه: من أجل أموال اليتامى، والثعلبي ٤/ ٥ ب، وانظر \"الدر المنثور\" ٢/ ٢٠٩.","vol":"6","page":299},{"text":"وكان (١) العدل في اليتامى شديدًا على كافِلِهم، قصر الرجال على ما بين الواحدة إلى الأربع من النساء، ولم يُطلَق لهم ما فوق ذلك لئلا يميلوا.\nوقال مجاهد: معنى الآية: إن تحرجتم من ولاية اليتامى وأموالهم إيمانًا وتصديقًا فكذلك تحرجوا مِن الزنا، فانكحوا النساء الحلال نكاحًا طيبًا ثم بين لهم عددًا محصورًا، وكانوا يتزوجون ما شاءوا من غير عدد (٢)، وهذا القول اختيار الزجاج (٣).\nوهذه أوجهٌ صحيحةٌ من التأويل لهذه الآية (٤).\n_________\n(١) هكذا العبارة، ولعل الصواب: ولما كان العدل ..\n(٢) الأثر بنحوه في \"تفسير مجاهد\" ١/ ١٤٤.\nوأخرجه ابن جرير ٤/ ٢٣٦، والأثر عنده إلى (نكاحًا طيبًا) وقد أخذه المؤلف من الثعلبي ٤/ ٦ أ، وانظره في: \"معاني الزجاج\" ٢/ ٨، \"معالم التنزيل\" ٢/ ١٦١، وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم وابن المنذر كما في \"الدر المنثور\" ٢/ ٢١٠.\n(٣) لم أر اختيارًا للزجاج لهذا القول الأخير الذي ذهب إليه مجاهد، وإنما ساق أقوالًا، وذكر هذا القول في مقدمتها. انظر: \"معاني الزجاج\" ٢/ ٨\n(٤) هذا رأي المؤلف، وبعض المفسرين ساق هذه الأقوال دون ترجيح كالزجاج في المصدر السابق، والبغوي في \"معالم التنزيل\" ١/ ٣٩١، والقرطبي في \"الجامع لأحكام القرآن\" ٥/ ١٢، مما يؤيد احتمال الآية لهذه الأوجه. لكن ابن جرير -كما تقدم- اختار القول الثاني حيث قال: وأولى الأقوال التي ذكرناها في ذلك بتأويل الآية قول من قال: تأويلها: وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى، فكذلك فخافوا في النساء فلا تنكحوا منهن إلا ما لا تخافون أن تجوروا فيه منهن ..\n\"تفسير الطبري\" ٤/ ٢٣٥، وقد علل لاختياره كعادته.","vol":"6","page":300},{"text":"وقوله تعالى: ﴿مَا طَابَ﴾ ولم يقل: (من) الأصل أن (من) لما يعقل، و(ما) لما لا يعقل (١).\nولأهل العربية في هذا قولان: أحدهما: أن (ما) ههنا عبارة عن المصدر، فقال الفراء: معناه فانكحوا الطيب لكم من النساء (٢).\nوقال مجاهد: فانكحوا النكاح الذي طاب لكم من النساء (٣).\nقال الفراء: وهذا كما تقول في الكلام: خُذ من عبيدي ما شئت، أي: مشيئتك فإن قلت: مَن شئت، فمعناه: خذ الذي شئت (٤).\nفعلى هذا (ما طاب) بمنزلة الطيب.\nوالقول الثاني: أن (ما) و(من) ربما يتعاقبان، قال الله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا﴾ [الشمس: ٥]، وقال: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ﴾ (٥) [النور: ٤٥].\n_________\n(١) انظر: \"المقتضب\" ٣/ ٦٣، ٤/ ٢١٧، \"معاني الزجاج\" ٢/ ٨، \"حروف المعاني\" للزجاجي ٥٤، ٥٥، \"شرح شذور الذهب\" ١٨٩ - ١٩٠.\n(٢) هذا مُؤدَّى رأي الفراء، وليس بنصه. انظر: \"معاني الفراء\" ١/ ٢٥٣، ٢٥٤.\n(٣) الذي ظهر لي أن هذا معنى كلام مجاهد في الأثر المتقدم عنه قريبًا ص ٨٨ من قوله: (فانكحوا النساء الحلال نكاحا طيبا) لأني لم أجد له هذا الكلام الذي أورده المؤلف هنا بنصه، وانظر: \"تفسير الطبري\" ٤/ ٢٣٦ - ٢٣٧ ففيه ما يؤيد أن هذا معنى كلامه.\n(٤) \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٢٥٤ - بتصرف-، وانظر: \"تفسير الطبري\" ٤/ ٢٣٦ - ٢٣٧، \"معاني القرآن\" للزجاج ٢/ ٨، \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ٤٣٤.\n(٥) انظر: \"المقتضب\" ٤/ ١٨٥، ٢١٨، \"معالم التنزيل\" ١/ ١٦١، \"الإملاء بهامش الفتوحات\" ٢/ ١٨٥، \"الجامع لأحكام القرآن\" ٥/ ١٢، \"الدر المصون\" ٣/ ٥٦١. وقال أبو حيان في \"البحر المحيط\" ٣/ ١٦٢: وقرأ ابن أبي عبلة (من طاب) وقرأ الجمهور (ما طاب) فقيل (ما) بمعنى من، وهذا مذهب من يُجَوَّز وقوعَ ما على أحاد العقلاء، وهو مرجوح.","vol":"6","page":301},{"text":"وحكى أبو عَمْرو بن العلاء (١)، عن العرب: سبحان ما سبح له الرعد (٢).\nومعنى قوله (طاب) أي: حلّ (٣)، وإنما أباح النكاح من اللاتي تحل دون المحرمات اللواتي ذُكِرن في قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] إلى آخر الآية (٤).\nوقوله تعالى: ﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾. بدل مما طاب، ومعناه: اثنتَين، وثلاثًا (ثلاثًا (٥» وأربعًا (أربعًا) (٦).\nقال أبو إسحاق (٧): إلا أنه لم ينصرف لجهتين لا أعلم أحدًا من النحويين ذكرهما؛ وهي أنه اجتمع فيه علتان: أنه معدول عن اثنتين اثنتين (٨) وثلاث ثلاث، وأنه عُدِل عن تأنيث.\nقال أصحابنا (٩): إنه اجتمع علتان: أنه عَدْل (١٠)، وأنه نكرة، والنكرة أصل الأشياء (١١)، وهذا (١٢) كان ينبغي أن يخفّفه (١٣)؛ لأنّ النكرة\n_________\n(١) هو زبان بن العلاء بن عمار التميمي البصري أحد القراء السبعة، تقدمت ترجمته.\n(٢) من \"الكشف والبيان\" ٤/ ٦ ب. وقد نسب المبرد فى \"المقتضب\" ٤/ ٢٨٥ هذا القول لأبي زيد. وانظر: \"تفسير القرطبي\" ٥/ ١٣.\n(٣) انظر: \"الطبري\" ٤/ ٢٣٦، \"معاني القرآن\" للزجاج ٢/ ٨، \"معالم التنزيل\" ٢/ ١٦١.\n(٤) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٢/ ٨، ٩، \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ٣٩٣.\n(٥) هذا التكرير ليس في (د). والكلام من أوله للزجاج في \"معاني القرآن\" ٢/ ٩.\n(٦) هذا التكرير ليس في (د). والكلام من أوله للزجاج في \"معاني القرآن\" ٢/ ٩.\n(٧) أي الزجاج في \"معانيه\" ٢/ ٩.\n(٨) عند الزجاج في \"المعاني\": اثنين اثنين بالتذكير.\n(٩) لا يزال الكلام لأبي إسحاق الزجاج، والظاهر أنه يقصد البصريين من النحاة.\n(١٠) في \"معاني الزجاج\" أنه عُدِل عن تأنيث.\n(١١) عند الزجاج: الأسماء.\n(١٢) عند الزجاج: بهذا.\n(١٣) عند الزجاج: نخففه وهو أولى.","vol":"6","page":302},{"text":"تخفف ولا تعد (فرعًا (١» هذا كلام أبي إسحاق (٢).\nوقد أخطا لي (٣) في موضعين من هذا الفصل أصلحهما أبو علي وذكر معنى العدل فقال (٤): اعلم أنّ العدل ضرب من الاشتقاق، فكل معدول مشتق، وليس كل مشتق معدولًا، وإنما صار العدل ثقلًا.\nوثانيًا: لأنك تلفظ بكلمة وتريد بها كلمة على لفظ آخر، ألا ترى أنك تريد بعُمَر وزُفَر (عَامِرًا وَزافِرًا) (٥)، فأنت تلفظ بكلمة وتريد أخرى، وليس كذلك سائر المشتقات، لأنك تريد بها نفس اللفظ المسموع، ولست تُحيل بها على لفظ آخر، نحو: ضارب ومضروب؛ فإنهما اشتقا من الضرب، ولا تريد بلفظ واحد منهما لفظًا غيره، كما تريد بُعمَر عامرًا، وبزُفَر زَافِرًا، وبمثنى اثنين اثنين، فصار المعدول بمخالفته سائر المشتقات ثقيِلًا؛ إذ ليس في جنس الاشتقاق شيءٌ على حِدِّهِ.\nوقول أبي إسحاق: إن مثنى لا ينصرف لجهتين: وهو أنه معدول عن اثنتين اثنتين، وأنه عُدِل عن تأنيث، مراده بهذا أنه لما عدل عن التأنيث كان ذلك ثقلًا آخر لما لم يكن المعدول عنه هو الأول المذكر، فزاد بذلك ثقلًا انضم إلى المعنى الأول فلم ينصرف.\nإلى هذا الوجه ذهب أبو إسحاق، ولو سُلِّم له أنه عُدِل عن تانيث لم يكن ثقلًا مانعًا من الصرف يدل على ذلك أن التعريف ثانٍ، كما أن التأنيث\n_________\n(١) في (د): (نوعًا)، وما أثبته هو الموافق لما في \"معاني الزجاج\".\n(٢) في \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٩.\n(٣) قد تكون: (لي) زيادة من الناسخ.\n(٤) كلام أبي علي من كتابه \"الإغفال\" فيما أغفله الزجاج ٢/ ل ٦٣.\n(٥) فى (د): (زافرًا وعامرًا).","vol":"6","page":303},{"text":"كذلك، ولم يكن العدل عن التعريف ثقلًا معتدًا في منع الصرف، ألا ترى أنه لو كان مُعتَدًا به لوجب أن لا ينصرف (عُمر) في النكرة في قول جميع الناس، دلالة على أن العدل عن التعريف غير معتد به ثقلًا، على أنا لا نسلم أنه معدول عن تأنيث.\nوقوله في ذلك دعوى لا دلالة عليها، ألا ترى أنه لا يجد فصلًا بينه وبين من قَلَب هذا عليه، فقال: إنه معدول عن التذكير هو أقرب إلى الصواب؛ لأن الأصل التذكير حتى يُعلم التأنيث، ولم نعلم التأنيث هنا. فإن قال: عَلِمنا التأنيث بقوله: ﴿مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى﴾ فجرى على النساء وهي مؤنثة، قيل: لا يدل هذا على أنّ العدل عن التأنيث، بل العدل يكون عن التذكير، وإنما جرى على النساء، من حيث كان تأنيثها تأنيث الجمع، وهذا الضرب من التأنيث ليس بحقيقي، ألا ترى أنك تقول: هي الرجال، كما تقول: هي النساء، فلما كان تأنيث النساء تأنيث الجمع جرى عليه هذه الأسماء كما جرى على غير النساء مما تأنيثه تأنيث جمع؛ لأنّ تأنيث الجمع ليس بحقيقي، إنما هي من أجل اللفظ، فهو مثل: الدار، والنار، وما أشبه ذلك.\nولو جاز لقائل أن يقول: مثنى وبابُه معدول عن مؤنث لما جرى على النساء وواحدتهن مؤنثة، لجاز لآخر أن يقول: إنه مذكر؛ لأنه جرى صفة على الأجنحة في قوله: ﴿أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى﴾ [فاطر: ١]، وواحدها مُذكّر.\nوهذا هو القول والوجه لما بينّا أنّ تأنيث الجمع ليس بحقيقي، على أن هذه الأسماء قد جرت المذكر الحقيقي، قال:","vol":"6","page":304},{"text":"ولقد قتلتكم (١) ثناءَ وَموحَدًا ... وتركتُ مُرَّة مثل أمسِ الدَّابِرِ (٢)\nفأما ذكره في قول: قال: إنه اجتمع فيه علتان، أنه عَدْل وأنه نكرة، الفصل إلى آخره، فاعلم أنه غلط بين في الحكاية عنهم، وإنما يذهبون في امتناعه من الانصراف إلى أنه معدول، وأنه صفة. وهذا لفظ سيبويه، قال (٣) عن الخليل في (أحاد، ومثنى): إنما كان حده واحدا واحدا، واثنين واثنين، فجاء (معدولًا (٤» عن وجهه فتُرِك صرفه. قلت: أتصرفه في النكرة؟ قال: لا، لأنه نكرة يوصف به نكرة.\nوحكى الخليل، عن أبي عمرو أنه قال في قوله: ﴿أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [فاطر: ١]: أنها صفة (٥).\nفقد نصوا على الصفة كما ترى، ونحو هذا قال أبو الحسن (٦) وغيره من أصحابنا. انقضى كلام أبي علي (٧).\n_________\n(١) في النسختين: (قبلتكم) بالموحدة التحتية، وما أثبته حسب \"الإغفال\" والمصادر الآتية.\n(٢) البيت لصَخر بن عمرو بن الشّريد السُلمي.\nانظر: \"مجاز القرآن\" ١/ ١١٥، \"أدب الكاتب\" ص ٤٥٨، \"تفسير الطبري\" ٤/ ٢٣٧، لكن عند أبي عبيدة وابن جرير قافيته: كأمس المدبر، ومال إلى ذلك محمود شاكر في حاشيته على ابن جرير. والشاهد منه كما في \"مجاز القرآن\" أنه اخرج اثني مخرج ثلاث.\n(٣) أي سيبويه في \"الكتاب\" ٣/ ٢٢٥.\n(٤) في \"الكتاب\" محدودًا.\n(٥) انتهى أخذ أبي علي من سيبويه في \"الكتاب\" ٢/ ٢٢٥، وانظر: \"الطبري\" ٤/ ٢٣٧.\n(٦) إن كان يريد الأخفش -وهو الظاهر- فإن رأيه مغاير لما ذكر كما سيأتي.\n(٧) من \"الإغفال\" ٢/ ل ٦٣ - ٦٧ بتصرف.","vol":"6","page":305},{"text":"ومن النحويين (١) من يذهب إلى أن العلّة المانعة للصرف في (مثنى) وبابه، أن العدل تكرر فيه؛ لأنه عُدِل لفظ (اثنين)، وعُدِل عن معناه أيضًا، وذلك لا يستعمل في موضع يستعمل (٢) فيه الأعداد غير المعدولة. ألا ترى أنك تقول: جاءني اثنان وثلاثة، ولا يجوز أن تقول: جاءني مثنى وثلاث، حتى يتقدم قبله جمع؛ لأن هذا الباب جُعِل بيانًا لترتيب الفعل، فإذا قال القائل: جاءني القوم مثنى مثنى، أفاد أن ترتيب مجيئهم وقع اثنين اثنين.\nوأما الأعداد غير المعدولة، فإنما الغرض فيها الإخبار عن مقدار المعدود (دون (٣» غيره، فقد بان بما ذكرنا اختلافهما في المعنى، فلذلك جاز أن تقوم العلة مقام العلتين، لإيجابها حكمين مختلفين (٤).\nوالواو في قوله: ﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ دالة على تفرّق الأنواع، وتجنيس المُباح من الزوجات، فمن تزوج مثنى لم يضم إليهما ثلاثًا، وكذلك من تزوج ثلاثًا لم يضم إليهن أربعًا.\nقال الشاعر:\nولَكِنَّمَا أَهْلِي بوادٍ أَنيسُه ... ذئابٌ تَبَغَّى الناس مثْنَى وَموْحَدا (٥)\n_________\n(١) كالأخفش في \"معاني القرآن\" ١/ ٤٣١، والنحاس في \"إعراب القرآن\" ١/ ٣٩٣ - ٣٩٤، وقد تبعهم في ذلك أبو حيان في \"البحر المحيط\" ٣/ ١٥١، والسمين الحلبي في \"الدر المصون\" ٣/ ٥٦٣، وعبارة الأخيرين لا تختلف عن عبارة المؤلف إلا يسيرًا فيحتمل إفادتهما منه.\n(٢) في \"البحر\"، و\"الدر\" (تستعمل) بالتاء.\n(٣) في (د): (عن)، وما أثبته مطابق لـ\"البحر\"، و\"الدر\".\n(٤) انظر: \"معاني القرآن\" للأخفش ١/ ٤٣١، ٤٣٢، \"البحر المحيط\" ٣/ ١٥١، \"الدر المصون\" ٣/ ٥٦٣.\n(٥) البيت لساعدة بن جُؤيّة الهذلي كما في \"ديوان الهذليين\" ١/ ٢٣٧، \"الكتاب\" =","vol":"6","page":306},{"text":"فعَنى مثنى في حال، وموحد في حال أخرى، وليس (موحد) مضمومًا إلى (مثنى) في المعنى.\nوقال ابن الأنباري: الواو هنا معناها التفرّق، وليست واوًا جامعة، فإذا كانت بهذه الصفة قُدِّر الفعل بعدها، وكان التأويل: فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى، وانكحوا ثلاثًا في غير الحال الأول، وانكحوا رباع في غير الحالين (١).\nوهذا معنى قول النحويين: أن الواو ههنا للبدل (٢)، كأنه قيل: وثلاث بدلا من مثنى، ورُباع بدلًا من ثلاث (٣).\n_________\n= ٣/ ٢٢٦، \"اللسان\" ١/ ٣٢١ (بغا). وهو من شواهد \"مجاز القرآن\" ١/ ١١٤، \"معاني القرآن\" للأخفش ١/ ٤٣٢، \"المقتضب\"، \"معاني القرآن\" للزجاج ٢/ ١٠. وقد اختلفت الرواية في قافية البيت بين الرفع والنصب، فجاءت: موحدا كما عند المؤلف في \"مجاز القرآن\" \"معاني القرآن\" للأخفش، \"اللسان\". وجاءت موحد في \"الديوان\"، \"الكتاب\"، \"المقتضب\"، \"معاني القرآن\" للزجاج، ولعل هذه أرجح لموافقتها قوافي القصيدة، انظر \"ديوان الهذليين\" ١/ ٢٣٦ - ٢٤٢. أما معنى البيت فجاء في شرحه في \"الديوان\": يقول: أهلي بواد ليس به أنيس: هم مع السباع والوحش في بلد مقفر. مثنى: اثنان اثنان. وموحدت واحد واحد، ومعنى تبغّى: تطلب. كما في \"اللسان\".\n(١) لم أقف على كلام ابن الأنباري فيما بين يديّ من مصنفاته.\n(٢) إذا كان المؤلف -وهو الظاهر- يقصد أن (مثنى وثلاث ورباع) بدل مما قبلها، فهي في موضع نصب على البدل من (ما) في (ما طاب) عند بعض النحاة. انظر \"إعراب القرآن\" للنحاس (٣٩٣)، \"مشكل إعراب القرآن\" ١/ ١٨٩، \"غرائب التفسير\" للكرماني ١/ ٢٨١، \"الدر المصون\" ٣/ ٥٦٢. وإن كان غير ذلك فإني لم أجد -فيما اطلعت عليه من كتب التفسير وإعراب القرآن ومعاني الحروف- أن الواو تأتي بمعنى البدل، والله أعلم.\n(٣) انظر: \"القرطبي\" ٥/ ١٧.","vol":"6","page":307},{"text":"وقال صاحب النظم (١): الواو في هذا الفصل بمنزلة (أو)؛ لأنه لما كانت (أو) بمنزلة واو النسق جاز أن تكون الواو بمنزلة (أو) (٢).\nولا تدل هذه الآية على إباحة التسع (٣)؛ لأن الله تعالى خاطب العرب بأفصح اللغات وأبلغها، وليس من شأن الخطيب البليغ أَنْ يُفرِّق العدد في مثل هذه الحال، يقول: أعط زيدًا درهمين وثلاثة وأربعة؛ لأنه يصير أعيا كلام (٤).\nوقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا﴾، أي: في الأربع، بالحب والجماع (٥).\n_________\n(١) أي مصنف كتاب \"نظم القرآن\" وهو أبو علي الجرجاني.\n(٢) انظر: الطبري ٤/ ٢٣٨، \"الكشف والبيان\" للثعلبي ٤/ ٦ ب، \"معالم التنزيل\" ٢/ ١٦١، \"غرائب التفسير\" ١/ ٢٨٢، واستبعد أبو حيان أن تكون أو بمنزلة الواو، لأن أو لأحد الشيئين أو الأشياء، والواو لمطلق الجمع فيأخذ الناكحون من أرادوا نكاحها على طريق الجمع. انظر: \"البحر\" ٣/ ١٦٣. وما ذكره المؤلف حول الواو هنا أقوال متقاربة من حيث المعنى.\n(٣) يشير المؤلف إلى بطلان رأي الشيعة الرافضة في ذلك. وانظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٢/ ١٠، والبغوي ٢/ ١٦١، والقرطبي ٥/ ١٧، و\"البحر المحيط\" ٣/ ١٦٣، وابن كثير ١/ ٤٨٨.\n(٤) من \"معاني القرآن\" للزجاج ٢/ ١٠ بتصرف. وانظر: \"غرائب التفسير\" للكرماني ١/ ٢٨٢.\n(٥) هذا رأي الضحاك كما عند الطبري ٤/ ٢٣٩، والفراء في \"معاني القرآن\" ١/ ٢٥٥. انظر: القرطبي ٥/ ٢٠. والظاهر أن العدل إنما هو بالنفقة والقسمة ونحوهما، وليس الزوج مُطالبًا بالعدل في الأمور القلبية والنفسية كالحب، ويدل على ذلك أن الله -﷿- يقول: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ [النساء: ١٢٩]، قال الطبري ٥/ ٣١٣ في معناه: لن تطيقوا أيها الرجال أن تسووا بين نسائكم وأزواجكم في حبهن بقلوبكم حتى تعدلوا بينهن في ذلك، فلا يكون في قلوبكم لبعضهن من المحبة إلا مثل ما لصواحبها؛ لأن ذلك مما لا تملكونه وليس إليكم.=","vol":"6","page":308},{"text":"﴿فَوَاحِدَةً﴾ أي: فلينكح كل واحد منكم واحدة (١).\nومن قرأ بالرفع (٢) أراد: فواحدةٌ مقنَع، أو فواحدةٌ رضا (٣).\nوقوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾. يريد من الجواري (٤)؛ لأنه لا يلزم فيهن من الحقوق كالذي يلزم في الحرائر، ولا قسمة فيهن باليوم والليلة (٥).\nومعنى الأيمان ههنا بيان، تقديره: أو ما ملكتم (٦).\n_________\n= وعن عائشة -﵂- قالت: كان رسول الله - ﷺ - يقسم فيعدل، ويقول: اللهم هذا قسمي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك. قال أبو داود: يعني القلب أخرجه أبو داود (٢١٣٤) كتاب: النكاح، باب: في القسم بين النساء، والنسائي ٧/ ٦٤ كتاب: عشرة النساء، باب: ميل الرجل إلى بعض نسائه، والترمذي (١١٤٠) كتاب النكاح، باب: ما جاء في التسوية بين الضرائر، وابن ماجه (١٩٧١) كتاب النكاح، باب: القسمة بين النساء، وابن حبان في \"صحيحه\" ١٠/ ٥ (٤٢٠٥).\nوأشار ابن حجر إلى أن فيه مقالًا، انظر: \"التلخيص الحبير\" ٣/ ١٣٩.\n(١) هذا التقدير على قراءة النصب وهي قراءة الجمهور من العشرة انظر: \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ٣٩٤، \"المبسوط\" / ١٥٣، \"النشر\" ٢/ ٢٤٧، \"إتحاف فضلاء البشر\" ص ١٨٦.\n(٢) وهو أبو جعفر وحده من العشرة. انظر: \"المبسوط\" / ١٥٣، \"النشر\" ٢/ ٢٤٧، \"الإتحاف\" / ١٨٦.\n(٣) \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٢٥٥، وانظر: \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ٣٩٤، \"الإتحاف\" ص ١٨٦.\n(٤) أخرج الطبري ٤/ ٢٣٩ عن السدي أنه قال: السراري، وانظر: القرطبي ٥/ ٢٠.\n(٥) من \"الكشف والبيان\" ٤/ ٧ أبتصرف. وهذا ما دلت عليه الآية أنه لا يجب للإماء ما يجب للحرائر، ولكن الظاهر أنه يستحب. انظر: البغوي ٢/ ١٦٢، القرطبي ٥/ ٢٠، ابن كثير ١/ ٤٩٠.\n(٦) \"الكشف والبيان\" ٤/ ٧ أ، وانظر: \"تفسير البغوي\" ٢/ ١٦٢.","vol":"6","page":309},{"text":"وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ [النساء: ٣] الإشارة في ﴿ذَلِك﴾ تعود إلى قوله: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ﴾ (١) أي: نكاحكم هؤلاء النسوة على قلة عددهن أقرب إلى العدل وأبعد من الظلم والجور.\nومعنى ﴿تَعُولُوا﴾: تميلوا (وتجورا) (٢)، عن جميع أهل التفسير واللغة (٣)، وروي ذلك مرفوعًا.\nروت عائشة، عن النبي - ﷺ - في قوله: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ قال: \"لا تجوروا\". ورُوي: \"أن لا تميلوا\" (٤). كلا (٥) اللفظين مرويّ.\nقال ابن المظفر: العَول المَيل في الحكم إلى الجور (٦).\nوقال أبو عبيدة، عن الأصمعي: وعال الميزان إذا مال، وإنما هو مأخوذ من الجور (٧)، وأنشد لأبي طالب (٨):\n_________\n(١) لعل هذا وهم من المؤلف، فالذي يظهر أنّ اسم الإشارة يعود إلى قوله: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾، يؤيد هذا بقية كلامه. وانظر: الطبري ٤/ ٢٣٨.\n(٢) هكذا في (أ)، (د). والصواب: (تجوروا).\n(٣) سيأتي تفصيلٌ وتعدادٌ لمن ذهب إلى ذلك من أهل التفسير والعربية قريبًا عند المؤلف، وارجع إلى مظانه هناك.\n(٤) أخرج الحديث بالروايتين الثعلبي في \"الكشف والبيان\" ٤/ ٢٧، قال ابن أبي حاتم: قال أبي: هذا حديث خطأ، الصحيح، عن عائشة موقوف، \"تفسير القرآن العظيم\" لابن أبي حاتم ٣/ ٨٦٠ بتحقيق حكمت بشير بابين (رسالة دكتوراه في أم القرى)، وانظر \"تفسير ابن كثير\" ١/ ٤٩٠.\n(٥) في (أ): (كلى).\n(٦) \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٢٨٨ (عال)، وابن المظفر هو المعروف بالليث، وتقدمت ترجمته.\n(٧) من \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٢٨٨ (عال)، وانظر: \"مجاز القرآن\" ١/ ١١٧.\n(٨) هو عبد مناف بن قصي بن هاشم القرشي، أبن عم النبي - ﷺ - تقدمت ترجمته.","vol":"6","page":310},{"text":"بِميزانِ قسط لا يُعِلّ شَعيرةً ... ووزَّانُ صدقٍ وزنُه غيرُ عائلِ (١)\nوقال الفراء: عال الرجل يعول عَولًا وعِيالةً، إذا مال وجار (٢).\nوعلى هذا القول ابن عباس، والحسن، وإبراهيم، وقتادة، والربيع، والسدي، وأبو مالك (٣)،\nوعكرمة (٤)، والفراء (٥)، والزجاج (٦)، وابن قتيبة (٧)، وابن الأنباري (٨).\n_________\n(١) البيت من قصيدة طويلة مشهورة بيّن فيها أبو طالب وقوفه مع النبي - ﷺ - لما خشي قومه ودهماء العرب كما في \"سيرة ابن هشام\" ١/ ٢٨٦ - ٢٩٨، وهو في الطبري ٤/ ٢٤٠، \"الزاهر\" لابن الأنباري ١/ ١٤١، \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٢٨٨ (عال)، وابن كثير ١/ ٤٩٠. وقوله: \"لا يعل\" يبدو أنه بالغين (يغل) كما عند الطبري، وفي \"السيرة\": يخس بدل يغل، والمعنى كما في حاشية الطبري: أي: لا ينقص. و(وزان) عند الطبري وابن الأنباري بلفظ (ووازن). وعجز هذا البيت في \"السيرة\"، \"تهذيب اللغة\"، و\"ابن كثير\":\nله شاهد من نفسه غير عائل\nقال ابن الأنباري: معناه: غير مائل، وهذا هو الشاهد من البيت هنا.\n(٢) ليس في \"معاني القرآن\"، وإنما الذي فيه: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾: ألا تميلوا، وهو أيضًا في كلام العرب: قد عال يعول.\n(٣) هو: غَزوان الغِفاري الكوفي، تقدمت ترجمته.\n(٤) انظر: \"تفسير الطبري\" ٤/ ٢٤٠، و\"البغوي\" ١/ ١٦٣، و\"ابن كثير\" ١/ ٤٩٠، و\"الدر المنثور\" ٢/ ٢١١.\n(٥) في \"معاني القرآن\" ١/ ٢٥٥.\n(٦) في \"معاني القرآن\" وإعرابه ٢/ ١.\n(٧) في \"غريب القرآن\" ص ١١٩.\n(٨) انظر: \"غريب القرآن\" لابن عزيز ص ٣٣.","vol":"6","page":311},{"text":"وأخبرني العروضي قراءةً، وسعيد بن العباس القرشي كتابةً، عن الأزهري، قال: أخبرني عبد الملك (١)، عن الربيع (٢)، عن الشافعي - ﵁ - (٣) أنه قال: معناه ألّا يكثر عيالكم (٤).\nوإلى هذا القول ذهب من المفسرين عبد الرحمن بن زيد بن أسلم (٥)، وليس قول من خطّأ الشافعي في هذا بشيءٍ، فقد روى لنا الفسوي أبو الحسين، عن حَمْد بن محمد الفقيه، عن أبي عمر (٦) محمد بن عبد الواحد، عن أحمد بن يحيى، عن سَلَمة (٧)، عن الفراء، عن الكسائي (٨)، أنه قال: ومن العرب الفُصَحاء من يقول: عال يعول، إذا كثر عياله (٩).\nقال الكسائي: وهي لغة فصيحة سمعتُها من العرب (١٠).\n_________\n(١) لم أعرفه.\n(٢) هو أبو محمد الربيع بن سليمان بن عبد الجبار المُرادي المَصري المُؤَذَّن، صاحب الشافعي وراوي كتبه، ثقة، أخرج له أصحاب السنن، توفي -﵀- سنة ٢٧٠ هـ. انظر: \"طبقات الفقهاء\" للشيرازي ص ١٠٩، \"سير أعلام النبلاء\" ١٢/ ٥٨٧، \"التقريب\" ص ٢٠٦ رقم (١٨٩٤).\n(٣) السند من الأزهري إلى الشافعي في \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٢٨٧ (عال).\n(٤) \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٢٨٧ (عال)، وانظر: \"تفسير البغوي\" ٢/ ١٦٢، \"تفسير القرطبي\" ٥/ ٢١.\n(٥) أخرجه الطبري ١/ ٢٤١ بلفظ: أهون عليك في العيال. وانظر: \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٢٨٧ (عال)، \"زاد المسير\" ٢/ ١٠، \"الدر المنثور\" ٢/ ٢١١.\n(٦) السند من أبي عمر إلى آخره في \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٢٨٧ (عال).\n(٧) أبو محمد سلمة بن عاصم النحوي، تقدمت ترجمته عند تفسير [البقرة: ١٠٢].\n(٨) هو أبو الحسن علي بن حمزة بن عبد الله الأسدي.\n(٩) \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٢٨٧ (عال).\n(١٠) هذا القول للكسائي ليس في \"تهذيب اللغة\".","vol":"6","page":312},{"text":"قال الأزهري (١): وهذا يدل على أن الشافعي لم يخطئ من جهة اللغة؛ لأن الكسائي ثقة مأمون (٢).\nقال (٣): والمعروف من كلام العرب: عال الرجل يعول، إذا جار ومال (٤)، وأعال (٥)، إذا كثر عياله (٦).\nوقال ابن الأنباري: وهذا القول -على قلة القائلين به- له مخرج في اللغة، وهو أن العرب تقول: قد عالت الفريضة، إذا زادت سهامها، وأعلتها أنا (إذ أردت (٧» في سهامها (٨). فكذلك قوله: ﴿أَلَّا تَعُولُوا﴾ معناه ألا يزداد عيالكم فتضيعوا الواجب والمفترض لهم (٩).\nوهذا القول وإن صح، فالاختيار القول الأول (١٠)، لقوله: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ فأطلق الآية من ملك اليمين، والأقل والأكثر منها (١١)، وهن كلهن عيال تتصل بهن المؤونة، وسواء كثر العيال من الحرائر أو الإماء،\n_________\n(١) في \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٢٨٧ (عال).\n(٢) معنى كلام الأزهري وليس نصه.\n(٣) أي الأزهري، وهو في \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٢٨٧ (عال) متقدم على قوله السابق.\n(٤) ومال ليس في \"التهذيب\".\n(٥) في \"التهذيب\": وأعال يعيل.\n(٦) انتهى من \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٢٨٧ (عال). وانظر: \"الزاهر\" ١/ ١٤٠، ١٤١.\n(٧) هكذا في (أ)، (د). ولعل الصواب: إذا زدت.\n(٨) انظر: \"غريب الحديث\" لأبي عبيد ٢/ ٣٩٦، \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٢٧٨ (عال).\n(٩) لم أقف على قول ابن الأنباري هذا، لكن قال في \"الزاهر\" ١/ ١٤٠: ويقال: قد أعال الرجل يعيل فهو معيل: إذا كثر عياله.\n(١٠) هذا الأسلوب من الترجيح حسن من المؤلف، لما فيه من التأديب مع أئمة علم الشريعة والعربية، كالشافعي والكسائي، عكس ما نهج الزجاج -﵀- في هذا، حيث رد هذا القول بشدهَ، بل وتجاهل القائلين به فلم يصرح بأسمائهم. انظر \"معاني القرآن\" وإعرابه ٢/ ١١.\n(١١) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٢/ ١١.","vol":"6","page":313},{"text":"فلا معنى إذًا أن يقول: ذلك أدنى أن لا يكثر عليكم (١) بعد إباحة الكثير من السراري.\nودليل آخر، وهو أنه قال: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا﴾ ولم يقل: أن تفتقروا، فكان الجواب معطوفًا على هذا الشرط، ولا يكون جوابه إلا بضد العدل وهو الجور، لا لكثرة العيال. ذكر هذا صاحب النظم (٢).\nورُوي عن مجاهد أنه قال: معنى قوله: ﴿أَلَّا تَعْدِلُوا﴾ ألا تضلوا (٣). وهذا راجع إلى الأول (٤)، لأن الميل عن الحق ضلال.\nقوله تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ فيه قولان:\nأحدهما: أن هذا خطاب لأولياء النساء، وذلك أنّ العرب كانت في الجاهلية لا تُعطي النساء من مهورها شيئًا، ولذلك كانوا يقولون لمن وُلدت له ابنة: هنيئًا لك النافجة. ومعناه أنك تأخذ مهرها إبلًا فتضمها إلى إبلك فتنفج مالك، أي تعظمه (٥).\nوقال ابن الأعرابي: النافجة ما يأخذه الرجل إذا زَوّج ابنته من الحُلوان فنهى الله ﷿ عن ذلك، وأمر بدفع الحق إلى أهله (٦).\n_________\n(١) هكذا ولعل الصواب: عيالكم.\n(٢) أي \"نظم القرآن\" وهو الجرجاني، تقدمت ترجمته.\n(٣) رواه الثوري في \"تفسيره\" ص ٨٧ بسنده عن مجاهد، وأورده الثعلبي في \"الكشف والبيان\" ٤/ ٧ ب. انظر: \"تفسير البغوي\" ٢/ ١٦٢، \"زاد المسير\" ٢/ ١٠.\n(٤) أي: تميلوا وتجوروا، قال الهواري لما ذكر القولين: وهو واحد، \"تفسير كتاب الله العزيز\" للهواري ١/ ٣٤٧.\n(٥) انظر: \"غريب القرآن\" لابن قتيبة ص ١١٥، ١٢٠، \"تهذيب اللغة\" (نفج) ٤/ ٣٦٢٤، \"الكشف والبيان\" ٤/ ٨ أ.\n(٦) لم أقف عليه.","vol":"6","page":314},{"text":"وهذا قول الكلبي (١)، وأبي صالح (٢)، واختيار الفراء (٣)، وابن قتيبة (٤).\nالقول الثاني: أن الخطاب للأزواج، أُمِروا بإيفاء النساء مهورهن.\nوهذا قول إبراهيم (٥)، وعلقمة، وقتادة (٦)، وابن زيد (٧)، واختيار الزجاج؛ قال: لأنه لا ذكر للأولياء ههنا، وما قبل هذا خطاب للناكحين وهم الأزواج (٨).\nوالصدقات والمهور، واحدتها صَدُقَة، وفيها لغات هذه أعلاها وهي لغة أهل الحجاز (٩).\nوذكرنا أن موضوع (ص د ق) على هذا الترتيب، للإكمال والصحة في قوله: ﴿لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ﴾ (١٠) [البقرة: ٢٦٤]، وعلى هذا الأصل سُمي المهر: صداقًا وصَدُقة؛ لأن عقد النكاح يتم ويكمل.\n_________\n(١) انظر: \"الكشف والبيان\" ٤/ ٨ أ، \"معالم التنزيل\" ٢/ ١٦٢.\n(٢) أخرج قوله ابن جرير ٤/ ٢٤١.\n(٣) في \"معاني القرآن\" ١/ ٢٥٦.\n(٤) في \"غريب القرآن\" ص ١١٥.\n(٥) لم أقف على قول إبراهيم وهو النخعي.\n(٦) انظر: \"الدر المنثور\" ٢/ ٢١٣.\n(٧) أخرج ابن جرير في \"تفسيره\" ٤/ ٢٤١، عن قتادة في معنى (نخلة): يقول فريضة، يعني على الزواج.\n(٨) أخرجه ابن جرير ٤/ ٢٤١ بنحو قول قتادة.\n(٩) انظر: \"معاني الزجاج\" ٢/ ١٢. وهذا ما اختاره ابن جرير -﵀- كما في \"تفسيره\" ٤/ ٢٤٢، والبغوي ٢/ ١٦٣، وهناك قول ثالث: وهو أن المراد النهي عن نكاح الشَّغار وهو رأي الحضرمي. انظر: \"تفسير الطبري\" ٤/ ٢٤٢، \"الكشف والبيان\" ٤/ ٨ أ، \"معالم التنزيل\" ٢/ ١٦٣.\n(١٠) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج، ٢/ ١٢، \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ٤٩٤، \"الكشف والبيان\" ٤/ ٨ ب.","vol":"6","page":315},{"text":"وقوله تعالى: ﴿نِحْلَةً﴾. قال ابن عباس (١)، وقتادة، وابن جريج، (وأبي زيد) (٢): فريضة (٣). وإنما فسروا النحلة بالفريضة؛ لأن النحلة معناها في اللغة: الديانة والمِلّة والشِرعة والمَذهب.\nقال الزجاج، عن بعضهم في قوله: ﴿نِحْلَةً﴾ أي: ديانة (٤)، ومثله رُوي (٥) عن ابن الأعرابي: نحلة: أي: دينًا وتدينًا (٦). يقال: فلان ينتحل كذا، إذا كان يتدين به، ونِحْلَتُه كذا أي: دينه ومذهبه (٧).\nفقوله: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ﴾ أي آتوهن مهورهن، فإنها نِحلة، أي دين وشريعة ومذهب في الدين، وما هو ديانة فهو فريضة.\nقال ابن الأنباري: يقال: فلان (مُنْتَحِلٌ (٨» كذا، إذا كان يتدين به ويجعله فَرضًا على نفسه (٩).\nوقال الكلبي: أي: عطية وهبة (١٠)، يقال نحلت فلانًا شيئًا أنحله\n_________\n(١) أخرجه ابن جرير بسنده من طريق ابن أبي طلحة ٤/ ٢٤١. وانظر: \"الدر المنثور\" ٢/ ٢١٢.\n(٢) هكذا في (أ)، (د) وقد يكون تصحيفًا كما هو ظاهر، والصواب: وابن زيد.\n(٣) أخرج أقوالهم الطبري ٤/ ٢٤١، وانظر: \"الكشف والبيان\" ٤/ ٨ ب، والبغوي ٢/ ١٦٣، و\"الدر المنثور\" ٢/ ٢١٢.\n(٤) \"معاني القرآن\" ٢/ ١٢.\n(٥) الراوي الأزهري، عن ثعلب، عن ابن الأعرابي. انظر: \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٥٣٢ (نحل).\n(٦) \"تهذيب اللغة\" ٥/ ٦٥ (نحل).\n(٧) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٢/ ١٢، \"تهذيب اللغة\" ٥/ ٦٤ (نحل).\n(٨) في (د): (ينتحل).\n(٩) انظر: \"الزاهر\" ٢/ ٢٥٤.\n(١٠) \"الكشف والبيان\" ٤/ ٨ ب، وانظر: \"معالم التنزيل\" ٢/ ١٦٣، \"البحر المحيط\" ٣/ ١٦٦، \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف الشريف ص ٧٧.","vol":"6","page":316},{"text":"نِحلة ونُحلًا. قال الفراء، والنحلة العطية (١).\nومعنى هذا القول: أن الله تعالى جعل الصداق نِحلةً للنساء، بأن جعل على الرجال الصداق، ولم يجعل على المرأة شيئًا من الغُرم، فتلك نحلة من الله -﷿- للنساء. وهذا القول اختيار الفراء (٢).\nوقال أبو عبيدة: معنى قوله: ﴿نِحْلَةً﴾ أي: عن طيب نفس (٣)، وذلك أن النحلة في اللغة العطية من غير أخذ عوض، كما يَنحَل الرجلُ ولدَه شيئًا من ماله، وما أعطي من غير طلب عوض لا يكون إلا عن النفس، فأمر الله تعالى بإعطاء مهور النساء من غير مُطالبة منهن ولا مُخاصمة فيه؛ لأن ما يؤخذ بالمحاكمة لا يقال له نِحلة (٤).\nقال ابن الأنباري: وهذا القول هو المختارة لأن النَّحلة بالهبة أشهر منها بالفريضة، وحمل الشيء على الأشهر والأعرف فيه أولى (٥).\nوانتصابها على المصدر في قوله (٦) من جعلها مصدرًا بمعنى: الهبة (٧)، وفي قول الآخرين على أنه مفعول له (٨)، كما تقول: افعل هذا أجرًا واحتسابًا.\n_________\n(١) انظر: \"معاني القرآن\" ١/ ٢٥٦.\n(٢) في \"معاني القرآن\" ١/ ٢٥٦، وقد حكى الفراء هذا القول ولم يذكر غيره.\n(٣) \"مجاز القرآن\" ١/ ١١٧، وانظر: \"غريب القرآن\" لابن قتيبة ص ١١٥.\n(٤) انظر: \"غريب القرآن\" لابن قتيبة ص ١١٥ \"الزاهر\" ٢/ ٢٥٤.\n(٥) هذا الترجيح من ابن الأنباري لم أقف عليه، بل وقفت على خلافه حيث قال -بعد أن أشار إلى القولين-: والقولان متقاربان، \"الزاهر\" ٢/ ٢٥٤.\n(٦) هكذا ولعل الصواب: (قول).\n(٧) انظر: \"مشكل إعراب القرآن\" ١/ ١٨٨، \"البيان في غريب إعراب القرآن\" ١/ ٢٤٢، \"البحر المحيط\" ٣/ ١٦٦، \"الدر المصون\" ٣/ ٥٧١.\n(٨) انظر: \"البحر المحيط\" ٣/ ١٦٦، \"الدر المصون\" ٣/ ٥٧١.","vol":"6","page":317},{"text":"وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا﴾. قال الفراء (١) والزجاج: المعنى فإن طابت أنفُسهن لكم عن شيء من الصداق (٢)، فنقل الفعل من الأنفس إليهن، فخرجت النفس مُفسّرة كما قالوا: أنت حسنٌ وجهًا، والفعل في الأصل للوجه، فلما حُوّل إلى صاحب الوجه خرج الوجه مفسّرًا لموقع الفعل. (ومثله: قررتُ به عينًا، وضقتُ به ذرعًا) (٣)\nووحد النفس (٤)؛ (لأن المراد به بيان موقع الفعل وتفسير له، وذلك يعرف بالواحد دون الجميع. ومثله: عشرون درهما) (٥).\nقال الفراء: ولو جمعت كان صوابًا (٦)، كقوله: ﴿بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا﴾ [الكهف: ١٠٣]، وقوله تعالى: ﴿مِنْهُ﴾ (مِن) ليست ههنا للتبعيض، بل هي للتجنيس، والتقدير: عن شيء من هذا الجنس الذي هو مهر، كقوله: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ [الحج: ٣٠]، وذلك أن المرأة لو طابت نفسُها عن جميع المهر حل للزوج أخذه كله.\nوالخطاب في: ﴿لَكُمْ﴾ يجوز أن يكون للأولياء، ويجوز أن يكون للأزواج، على ما ذكرنا من القولين في قوله: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ﴾ (٧).\n_________\n(١) في \"معاني القرآن\" ١/ ٢٥٦.\n(٢) من الصدقات زيادة على الفراء.\n(٣) ما بين القوسين زيادة على ما عند الفراء.\n(٤) عبارة الفراء: ووحد النفس، ولو جمعتَ لكان صوابًا، وقد جاء بقية العبارة عند المؤلف في آخر كلامه كما سيأتي.\n(٥) ما بين القوسين زيادة على ما عند الفراء.\n(٦) انتهى من \"معاني الفراء\" ١/ ٢٥٦، وانظر: \"معاني الزجاج\" ٢/ ١٢، والشاهد بعد ذلك إضافة من المؤلف، والله أعلم. وانظر \"الكف والبيان\" ٤/ ٢٩.\n(٧) من \"معاني القرآن\" للزجاج ٢/ ١٣ بمعناه.","vol":"6","page":318},{"text":"وقوله تعالى: ﴿فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾. قال الفراء (١): يقال هَنَأني الطعام، ومَرأَني (يهيئني (٢» ويمرئني هَنأً وَمرءًا. ومنهم من يقول: هنئني ومرئني -بالكسر- وهي قليلة، يَهْنَأني وَيْمَرأني فإذا أفردوا قالوا: أمرأني هذا الطعام (٣)، ولا يقولون: أهنأني. وقد مَرُؤ هذا الطعام مَرْأاة، وهنؤ هُنْأة. الليث (٤): ما كان مريئًا، ولقد مرؤ، واستمرأته، وهذا يُمرئ الطعام.\nوقيل: إن أصل الهنيء من الهناء وهو معالجة الجَرَب بالقَطران (٥)، فالهنيء شفاء من المرض كالهناء شفاء من الجرب (٦).\nقال المفسرون: معنى الهنيء: الطيب المَساغ الذي لا يُنغِّصه شيء، والمريء: المحمود العاقبة التامّ الهضم الذي لا يضر ولا يُؤذي. يقول: لا تخافون في الدنيا به مطالبة، ولا في الآخرة تبعة (٧).\nورُوي عن ابن عباس، عن النبي - ﷺ -: أنه سئل عن هذه الآية، فقال: \"إذا جادت لزوجها بالمهر طائعة، غير مُكرَهة لا يَقْضي به عليه سلطان، ولا يؤاخذه الله به في الآخرة\" (٨).\n_________\n(١) ليس في \"معاني القرآن\".\n(٢) هكذا ويبدو أن الصواب: يهنئني.\n(٣) انظر: \"تفسير الطبري\" للطبري ٤/ ٢٤٤، \"معاني القرآن\" للزجاج ٢/ ١٢، \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٨٠٣ (هنا)، \"الكشف والبيان\" ٤/ ٩ أ.\n(٤) انظر: \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٨٠٣ (هنأ).\n(٥) انظر: \"تفسير الطبري\" ٤/ ٢٤٤، \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٨٠٣ (هنأ)، \"مقاييس اللغة\" ٦/ ٦٨ (هنأ)، \"الكشف والبيان\" ٤/ ٩ أ.\n(٦) انظر: \"تفسير الطبري\" ٤/ ٢٤٤، \"النكت والعيون\" للماوردي ١/ ٤٥١.\n(٧) ما نسبه للمفسرين هو ما حكاه شيخه الثعلبي في \"الكشف والبيان\" ٤/ ٩أ، ب.\n(٨) من \"الكشف والبيان\" ٤/ ٩ ب، وقد أورده الثعلبي بسنده، ولم أقف عليه عند غيره.","vol":"6","page":319},{"text":"قال الحضرمي (١): إن ناسًا كانوا يتأثَّمون أَنْ يرجع أحدهم في شىِء مما ساق إلى امرأته، فقال الله تعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-705>٥ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ الآية قال ابن عباس في هذه الآية: لا تَعمَد إلى مالك الذي خَوَّلك الله وجعله لك معيشةً؛ فتعطيه امرأتك وبنيك، فيكونوا هم الذين يقومون عليك ثم تنظر إلى ما في أيديهم، ولكن أَمْسِك مالك وأَصْلِحه وكن أنت الذي تنفق عليهم في كِسوتهم ورِزقهم ومؤنتهم (٣).\nوالسفهاء: هم النساء والصبيان في قول ابن عباس (٤)، والحسن وقتادة، وسعيد بن جبير، والسدي (٥)، واختيار الفراء (٦)، وابن قتيبة (٧).\nوقال الكلبي: إذا علم الرجل أنّ امرأته سفيهةٌ مُفْسِدةٌ، وأن ولدَه سفيهٌ مُفسِد فلا ينبغي له أن يُسلِّط واحدًا منهما على ماله فيفسد (٨).\n_________\n(١) لعله أبو بحر عبد الله بن زيد الحضرمي، انظر التعليق الآتي ص ٣٤٧.\n(٢) أخرجه ابن جرير ٤/ ٢٤٣، وانظر: \"الكشف والبيان\" ٤/ ٩ أ.\n(٣) هذا الأثر ثابت، عن ابن عباس فهو من طريق ابن أبي طلحة كما في تفسير ابن عباس ص ١٣٤.\nوقد أخرجه منها ابن جرير في \"تفسيره\" ٤/ ٢٤٩ انظر: \"معالم التنزيل\" ٢/ ١٦٤، \"تفسير ابن كثير\" ٢/ ٤٩١، \"الدر المنثور\" ٢/ ٢١٣.\n(٤) يدل عليه الأثر المتقدم عنه، وأثر آخر أخرجه ابن جرير ٤/ ٢٤٦.\n(٥) أخرج أقوال هؤلاء ابن جرير في \"تفسيره\" ٤/ ٢٤٥، وانظر: \"ابن كثير\" ٢/ ٤٩١، \"الدر المنثور\" ٢/ ٢١٣ - ٢١٤.\n(٦) \"معاني القرآن\" ١/ ٢٥٦.\n(٧) \"غريب القرآن\" ص ١٢٠.\n(٨) من \"الكشف والبيان\" ٤/ ١٠ ب، وانظر: \"معالم التنزيل\" ٢/ ١٦٤.","vol":"6","page":320},{"text":"وقال مجاهد، وجويبر، عن الضحاك: أراد بالسفهاء ههنا النساء فقط (١).\nوقال مجاهد: من سفهاء من كُنّ، أزواجًا أو بناتٍ أو أمهاتٍ (٢). وهذا مذهب ابن عمر (٣).\nويدل على هذا ما رَوى أبو أمامة (٤) أن النبي - ﷺ - قال: \"ألا إنّما خُلِقت النار للسفهاء، -يقولها ثلاثًا- ألا وإن السفهاء النساء إلا امرأة أطاعت قيّمها\" (٥). فإن قيل: لو كان المراد بالسفهاء النساء لقال: السفائه أو السفيهات في جميع السفيه (٦)، نحو غرائب وغريبات في جمع: الغريبة. فالجواب ما قال الزجاج، وهو أن السفهاء يجوز في جمع السفيهة نحو: فقيرة وفقراء (٧).\n_________\n(١) أخرج الأثر، عن مجاهد بن جبير من عدة طرق، وأخرجه عن الضحاك من طريق جويبر. \"تفسير الطبري\" ٤/ ٢٤٧.\n(٢) \"تفسير مجاهد\" ١/ ١٤٤، وأخرجه ابن جرير ٤/ ٢٤٧، والثعلبي في \"الكشف والبيان\" ٤/ ٩ ب.\n(٣) أخرج ابن جرير، عن مُوَرَّق قال: مرت امرأة بعبد الله بن عمر لها شارة وهيئة، فقال لها ابن عمر: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾. \"تفسير الطبري\" ٤/ ٢٤٧، وانظر: \"الكشف والبيان\" ٤/ ١٠ ب، \"الدر المنثور\" ٢/ ٢١٤.\n(٤) هو صُدَيّ بن عَجْلان بن الحارث الباهلي -مشهور بكنيته- صحابي جليل يُروى أنه شهد أحدًا، وصفين مع علي بن أبي طالب -﵄- سكن الشام ومات بها سنة ٨٦ هـ. انظر: \"الاستيعاب\" ٢/ ٢٩٨، \"أسد الغابة\" ٣/ ١٦، \"الإصابة\" ٢/ ١٨٢، \"التقريب\" ص ٢٧٦ رقم (٢٩٢٣).\n(٥) من \"الكشف والبيان\" ٤/ ٢١٠، وقد أورده الثعلبي بسنده، وأخرج آخره ابن أبي حاتم كما ذكره ابن كثير في \"تفسيره\" ٢/ ٤٩١، والسيوطي في \"الدر\" ٢/ ٢١٣.\n(٦) هكذا في (أ)، (د)، ولعل الصواب: جمع السفيهة.\n(٧) \"معاني الزجاج\" ٢/ ١٣.","vol":"6","page":321},{"text":"وقال الزُّهري، وأبو مالك، وابن زيد: عَنى بالسفهاء ههنا السفهاء من الأولاد، يقول: لا تُعط مالك الذي هو قيامك ولدَك السفيه فيفسده (١)\nوفي الآية قول رابع، وهو أن السفهاء: الأيتام وكل من يستحق صفة سفيه من محجور عليه في المال. وهو مذهب الشافعي (٢)، وعكرمة (٣)، واختيار الزجاج (٤).\nقال عكرمة: هو مال اليتيم يكون عندك، يقول: لا تُؤتِه إيّاه وأنفِق عليه حتى يبلُغ (٥).\nفإن قيل على هذا القول: كيف أضاف الأموال إلى الأولياء وهي للسفهاء؟ قلنا: إنما أضاف إليهم؛ لأنها الجنس الذي جعله الله أموالًا للناس، فصار كقوله: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨]، وقوله: ﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤]، ردها إلى الجنس (٦).\n_________\n(١) هذا القول عن أبي مالك وابن زيد خاصة أخرجه بنحوه ابن جرير ٤/ ٢٤٧، وأورده الثعلبي عن الثلاثة في \"الكشف والبيان\" ٤/ ١٠ ب، وعن الزهري البغوي في \"معالم التنزيل\" ٢/ ١٦٤.\n(٢) مذهب الشافعي في جواز الحجر على الرجل البالغ إذا كان مُبَذَّرًا مفسدًا لماله، كما سيأتي عند المؤلف في الصفحة التالية، وانظر: \"الأم\" ٣/ ١٩٤ - ١٩٥.\n(٣) سيورد المؤلف أثرًا عنه، وهذا القول ورد عن سعيد بن جبير، انظر: \"الكشف والبيان\" ٤/ ١٠ ب، \"الدر المنثور\" ٢/ ٢١٣ - ٢١٤.\n(٤) انظر: \"معاني القرآن\" ٢/ ١٣، وهذا القول اختيار ابن جرير أيضًا، انظر: \"تفسير الطبري\" ٤/ ٢٤٧.\n(٥) \"الكشف والبيان\" ٤/ ١٠ ب، وأورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ٢/ ٢١٣.\n(٦) ما بين علامات التنصيص من قول: فإن قيل، إلى هنا: نقله المؤلف من الثعلبي في \"الكشف والبيان\" ٤/ ١٠ ب، ١١ أ، مع أنه لم يعزُه إليه!.","vol":"6","page":322},{"text":"قال أبو إسحاق (١): إنما قيل أموالكم؛ لأن معناها الشيء الذي به قِوام أمركم، كما قال: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٨٥]، ولم يكن الرجل منهم يقتل نفسه، ولكن كان بعضهم يقتل بعضًا، أي: تقتلون الجنس الذي هو جنسكم (٢).\nوقال بعض النحويين: إذا اختلط المخاطب مع الغائب غُلِّب المخاطب، لذلك أضاف الأموال إليهم وهي للسفهاء، وهذا التفسير دليل على ما ذهب إليه الشافعي ﵀ من جواز الحجر على الرجل البالغ إذا كان مُبذِّرًا مُفسدًا لماله (٣).\nوقوله تعالى: ﴿الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾. قال ابن عباس: يريد قيامًا لمعايشكم وصلاح دنياكم (٤).\nقال أبو عبيدة (٥): (قِيام) مصدر، ويجيء في معناه (قِوام)، وهو الذي يقيمك، وانما أذهبوا الواو لكسرة القاف كما قالوا: صِوار وصِيار (٦).\n_________\n(١) هو الزجاج في \"معانيه\" ٢/ ١٣.\n(٢) انتهى من \"معاني الزجاج\" ٢/ ١٣، ١٤.\n(٣) انظر: \"الأم\" ٣/ ١٩٤ - ١٩٥، \"تفسير ابن كثير\" ٢/ ٤٩١.\n(٤) ثابت عن ابن عباس من طريق علي بن أبي طلحة كما في \"تفسير ابن عباس\" ص ١٣٤، \"تفسير الطبري\" ٤/ ٢٤٩.\nوتحقيق المروي عن ابن عباس لسور النساء والمائدة والأنعام ١/ ١٥٣، ١٥٤، لكن بلفظ بمعنى قوامكم في معايشكم.\n(٥) في \"مجاز القرآن\" ١/ ١١٧.\n(٦) انتهى من \"مجاز القرآن\" ١/ ١١٧، ولعل فيه تصحيفًا في آخره، لأن آخر العبارة في \"المجاز\": كما قالوا: ضيًاء للناس وضوءًا للناس.","vol":"6","page":323},{"text":"وبنو ضبة (١) تقول في جمع طويل: طِيال، والعامّة على: طِوال (٢).\nوإنما أعل القيام؛ لأنه مصدر قد اعتل فعله، فاتّبع الفعل في الإعلال، ومثله من المصادر الصِّيام والعِياذ والحِياكة، ونحو ذلك فيما (٣) قلبت الواو فيه ياء؛ لأنها مصادر جارية على الفعل في الإعلال (٤).\nقال أبو علي: وأما القِوام الذي حكاه أبو عبيدة فإنه ينبغي أن يكون اسمًا غير مصدر، كالقَوام فيمن فَتح، ويجوز أن يكون مصدر قَاوم، كما أن (الغِوار مصدر غاور) (٥) (٦).\nوقرأ نافع، وابن عامر: (قِيَمًا) (٧).\nقال الأخفش: قِيامًا وقِوامًا وقِيمًا وقِومًا واحِد (٨).\n_________\n(١) ضبة: حي من العرب يشمل عدة قبائل كصُرَيم وعائذة وبجالة وغيرها، وهذا الاسم مشتق من الضبة أي الأنثى، أو من الضبة الحديث. انظر: \"الاشتقاق\" لابن دريد ص ١٨٩، \"اللسان\" ٤/ ٢٥٤٥ (ضبب).\n(٢) من \"الحجة\" لأبي علي ٣/ ١٣٠.\nوقال الأزهري: وجمع الطويل: طِوال وطِيال، وهما لغتان، \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢١٥٦ (طال). وانظر: \"مقاييس اللغة\" ٣/ ٤٣٤ (طول)، \"لسان العرب\" ٥/ ٢٧٢٥ (طول).\n(٣) في (د): (معًا).\n(٤) انظر: \"الحجة\" ٣/ ١٣٣، \"المُمتِع في التصريف\" ١/ ٦٤.\n(٥) كأنها في (أ) بالعين المهملة.\n(٦) \"الحجة\" ٣/ ١٣٣.\n(٧) \"السبعة\" ص ٢٢٦، \"الحجة\" لأبي علي ٢/ ١٢٩، \"الكشف\" ١/ ٧٦، \"النشر\" ٢/ ٢٤٧.\n(٨) لم أجدء في \"معاني القرآن\"، ولعله أخذه من \"الحجة\" لأبي علي ٣/ ١٣٠، ١٣٢، ١٣٣.","vol":"6","page":324},{"text":"فالقِيَم عنده مصدر في معنى القِيام، وفِعَل يجيء في المصادر كالشِّبَع والرِّضَا (١).\nفإن قيل (٢): كيف اعتلّ وهو على وزنٍ ينبغي أن يصح معه ولا يعتلّ، كما لم يعتلّ العِوض والحِول، ونحو ذلك؟\nوالجواب: أن هذا الوزن لما جاء في الجمع مُتَّبعًا واحدَه في الإعلال، نحو: دِيمَةٍ ودِيَم، وحِيلَةٍ وحيَل، جاء أيضًا في المصدر متّبعًا للفعل فأعِلّ كما يعل الفعل؛ لأن (المصادر (٣» أشد اتّباعًا لأفعالها في الإعلال (٤) من الجمع للواحد. ولا يلزم على هذا (الوعد) و(الوزن) وبابه، فإنه لم يعل الواو فيه كما أعل في (بعد)؛ لأنه على بناء فِعَل، ولا طريق للإعلال عليه، وليس كذلك فِعَل؛ لأن الكسرة توجب الإعلال في الواو، ولا سيما إذا انضم إليها الإعلال (٥) في الفعل. ويمكن أن يحمل القِيَم على الشذوذ كما قُلبت الواو في (ثِيَرَة (٦»، وكما قالوا: طويل وطيال. في لغة بني ضبة، وكما قالوا: جِياد في جمع جواد، وكان حكمه أن تصح عينُه في الجمع، فكما شذّت هذه الأشياء عما عليه الاستعمال كذلك شذ قولهم: قِيَما (٧).\n_________\n(١) انظر \"الحجة\" ٣/ ١٣٠، ١٣٢، ١٣٣.\n(٢) إيراد هذا الاستشكال والجواب عليه من \"الحجة\" لأبي علي ٣/ ١٣٢، ١٣٣ بتصرف.\n(٣) في (د): مصادر بدون (أل).\n(٤) في \"الحجة\": الاعتلال.\n(٥) في \"الحجة\": الاعتلال.\n(٦) الأصل (نيره) والتصحيح من \"الحجة\".\n(٧) انتهى جواب الإشكال من \"الحجة\" ٣/ ١٣٢، ١٣٣ بتصرف.","vol":"6","page":325},{"text":"وقول من قال إن (القِيَم) ههنا جمع (قِيمَة) لا وجه له (١).\nوالدليل على أن قِيَما ههنا مصدر بمعنى القِيام وليس بجمع قوله: ﴿دِينًا قِيَمًا﴾ [الأنعام: ١٦١]، ولا وجه لجمع القِيمة في وصف الدين به (٢)، ونبين ذلك إذا انتهينا إليه إن شاء الله (٣).\nوذهب الكسائي إلى أن القيام ههنا اسم بمعنى القِوام، وهو ما يقوم به الشيء، وجعلهما لغتين بمعنى (٤).\nواختاره ابن قتيبة، وقال: يقال: هذا (قِوام (٥» أمرك وقيام أمرك: أي ما يقوم به أمرك (٦).\nويقارب قول الزجاج هذا؛ فإنه قال: المعنى في هذه الآية: التي جعلها الله تقيمكم فتقومون بها قيامًا (٧).\nومن قرأ (قِيَما) فهو راجع إلى هذا، والمعنى: جعلها الله قيمةً للأشياء، فيها (تقوم أموركم (٨» (٩). ولم يرتض أبو علي هذا القول في القيم كما ذكرنا.\n_________\n(١) انظر: \"الحجة\" ٣/ ١٣٣.\n(٢) انظر: \"الحجة\" ٣/ ١٣١.\n(٣) انظر: \"البسيط\" نسخة شستربتي ٢/ ل، ١٣٨/ أ.\n(٤) انظر: \"الكشف والبيان\" ٤/ ١١ ب.\n(٥) في النسختين: (أقوام)، وهو تحريف ظاهر.\n(٦) \"غريب القرآن\" ص ١٢٠.\n(٧) \"معاني الزجاج\" ٢/ ١٤.\n(٨) في \"معاني الزجاج\": يقوم أمركم.\n(٩) انتهى من \"معاني الزجاج\" ٢/ ١٤ بتصرف.","vol":"6","page":326},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ﴾. قال ابن عباس: يريد أنفقوا عليهم منها (١).\nومعنى الرزق من العباد هو الإجراء الموظف لوقت معلوم، يقال: رَزَق فلانٌ عيالَه كذا وكذا، أي: أجرى عليهم. وإنما قال: (فيها) ولم يقل: منها؛ لأنه أراد (جعلوا (٢» لهم فيها رزقًا، كأنه أوجب ذلك لهم (٣).\nوقوله تعالى: ﴿وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ [النساء: ٥]. قال ابن جريج ومجاهد: أي: عِدةً جميلةً من البر والصلة (٤).\nوقال ابن عباس: يِريد عدة حسنة، يقول: إذا رَبحتُ في سفري هذه فعلت (٥) بك ما أنت أهله، وإن غنمتُ في غزاتي أعطيتُك (٦).\nقال ابن زيد: هو الدعاء. يقول: عافانا الله وإياك، بَارك الله فيك (٧).\n_________\n(١) أخرجه ابن جرير ٤/ ٢٥٠، من طريق ابن جريج واسناده ضعيف. انظر \"تحقيق المروي عن ابن عباس\" ١/ ١٥٤.\n(٢) هكذا في النسختين ولعله تصحيف، والصواب: اجعلوا كما في \"الكشف والبيان\" ٤/ ١١ ب.\n(٣) \"الكشف والبيان\" ٤/ ١١ ب، وانظر: \"معالم التنزيل\" ٢/ ١٦٤.\n(٤) هذا معنى ما أخرجه ابن جرير عن مجاهد وابن جريج، انظر: \"تفسير الطبري\" ٤/ ٢٥١، \"الدر المنثور\" ٢/ ٢١٤.\n(٥) في الأصل: (فقلت) وهو تصحيف ظاهر.\n(٦) لم أجده عن ابن عباس، لكن رُوي نحوه عن عطاء. انظر: \"الكشف والبيان\" ٤/ ١١ ب، \"معالم التزيل\" ٢/ ١٦٤٥.\n(٧) طرف أثر عن ابن زيد أخرجه ابن جرير ٤/ ٢٥١، وانظر: \"الكشف والبيان\" ٤/ ١١ ب، \"الدر المنثور\" ٢/ ٢١٤.","vol":"6","page":327},{"text":"وكل ما سكنت إليه النفوس وأحبته من دول أو عمل فهو معروف، وما أنكرته وكرهته ونفرت منه فهو منكر (١).\nوقال الزجاج: أي علموهم مع إطعامكم وكسوتكم إياهم أمر دينهم (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-706>٦ </span>- قوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾ الآية. قال المفسرون: نزلت في ثابت بن رفاعة (٣)، وفي عمه (٤)، وذلك أن رفاعة توفي وترك ابنه ثابتًا وهو صغير، فأتى عم ثابت إلى النبي - ﷺ - فقال: إن ابن أخي يتيم في حجري، فما يحل لي من ماله، ومتى أدفع إليه ماله؟ فأنزل الله﷿-: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾ (٥).\nقال الحسن، وقتادة، ومجاهد، والسدي، وابن زيد: اختبروهم في عقولهم وأديانهم (٦).\n_________\n(١) كأنّ هذا من المؤلف -﵀- جمع بين الأقوال وتفسير للآية بعمومها فإن العبرة بعموم اللفظ، وقد تَبع في ذلك شيخه الثعلبي كما في \"الكشف والبيان\" ٤/ ١٢أ.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١٤.\n(٣) هو ثابت بن رفاعة الأنصاري، ترجموه ضمن الصحابة -﵃- لهذه القصة. انظر: \"أسد الغابة\" ١/ ٢٦٨، \"الإصابة\" ١/ ١٩٢.\n(٤) لم أقف على ترجمته.\n(٥) أخرجه ابن جرير بسنده عن قتادة مطولًا، وليس فيه التصريح بأنه سبب نزول الآية. انظر: \"تفسير الطبري\" ٤/ ٢٥٩، وأورده الثعلبي في \"الكشف والبيان\" ٤/ ١٢ أ، والمؤلف في \"أسباب النزول\" ص ١٤٣، والبغوي في \"معالم التنزيل\" ٢/ ١٦٥، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٢/ ١٤، وانظر \"الدر المنثور\" ٢/ ٢١٤، وعزاه ابن حجر إلى ابن منده وقال: هذا مرسل رجاله ثقات. \"الإصابة\" ١/ ١٩٢.\n(٦) ذكر هذا القول عنهم ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٢/ ١٤، وانظر:=","vol":"6","page":328},{"text":"ومعنى هذا الابتلاء وكيفيته -على ما ذكره الفقهاء-: أن يُردّ إليه الأمر في نفقته عند مراهقة الحلم، ويعطى شيئًا نزرًا يتصرف فيه، ليعرف كيف تدبيره وتصرفه. وإن كانت جاريةً يرد إليها ما يرد إلى النساء من أمر البيت وتدبير الغزل والقطن (١).\nوقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾. قال ابن عباس ومجاهد والسدي وابن زيد: يريد الحلم (٢).\nوتقديره: حتى إذا بلغوا حال النكاح من الاحتلام.\nوقال آخرون: أي بلغوا مبلغ الرجال والنساء من القدرة على النكاح (٣). قال ابن قتيبة: أي بلغوا أن ينكحوا النساء (٤).\n_________\n= \"تفسير الحسن البصري\" جمع د. محمد عبد الرحيم ١/ ٢٥٩، \"الدر المنثور\" ٢/ ٢١٥. أما السدي وابن زيد فقد اقتصرا على العقول دون الأديان. كما أخرج ذلك عنهما ابن جرير في \"تفسيره\" ٤/ ٢٥١ - ٢٥٢، وأخرج عن مجاهد كقولهما، وانظر: \"الدر المنثور\" ٢/ ٢١٤.\n(١) انظر: \"الكشف والبيان\" ٤/ ١٢ب، \"معالم التنزيل\" ٢/ ١٦٥.\n(٢) هذه الرواية ثابتة عن ابن عباس من طريق علي بن أبي طلحة كما في \"تفسير ابن عباس\" ص ١٣٥، \"تفسير الطبري\" ٤/ ٢٥٢، \"الدر المنثور\" ٢/ ٢١٤ - ٢١٥، \"تحقيق المروي عن ابن عباس\" ١/ ١٥٤.\nأما عن مجاهد ففي \"تفسيره\" ١/ ١٤٥، وأخرجه الطبري عنه ٤/ ٢٥٢، وانظر: \"تفسير الهواري\" ١/ ٣٤٩، \"الدر المنثور\" ٤/ ٢١٤. وأما عن السدي فلم أقف عليه. وأما عن ابن زيد فقد أخرجه ابن جرير ٤/ ٢٥٢.\n(٣) هذا قول الثعلبي في \"الكشف والبيان\" ٤/ ١٢ أ، وابن قتيبة كما سيذكر المؤلف. والظاهر أن القولين متقاربان أو متلازمان في الأعم الأغلب من الناس، فإن من احتلم فقد قدر على النكاح من هذه الناحية، ومن قدر على النكاح فقد احتلم، ويؤيد ذلك ما ذكره المؤلف -﵀- من التقدير للقول الأول، والله أعلم.\n(٤) \"غريب القرآن\" ص ١٢٠.","vol":"6","page":329},{"text":"ومعنى النكاح هو إنزال الماء، فإذا أنزل الغلام أو الجارية فقد بلغ، سواءٌ كان عن جماع أو احتلام.\nوقوله تعالى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾. معنى (آنستم) قال ابن عباس: عرفتم (١)، وقال عطاء عنه: يريد رأيتم (٢).\nوقال الفراء: وجدتم (٣). وقال الزجاج: علمتم (٤).\nوأصل الإيناس في اللغة: الإبصار (٥)، ومنه قوله: ﴿آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا﴾ [القصص: ٢٩]، وقال ابن حلزة (٦):\nآنَست نَبأَةً وأفَزَعها القَـ ... ـنَّاص عَصرًا وقد دَنا الإمساءُ (٧)\nأي أحسَّت ووجدت.\n_________\n(١) هذه الرواية ثابتةٌ عن ابن عباس من طريق ابن أبي طلحة، كما في \"تفسير ابن عباس\" ص ١٣٥، وأخرج ذلك ابن جرير ٤/ ٢٥٢، وانظر: \"تحقيق المروي عن ابن عباس\" ١/ ١٥٥.\n(٢) لم أقف علي رواية عطاء هذه، وهي بمعنى الأولى الثابتة عن ابن عباس.\n(٣) \"معاني القرآن\" ١/ ٢٥٧.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١٤.\n(٥) انظر: \"تهذيب اللغة\" ١/ ٢١٦ (أنس)، \"الكشف والبيان\" ٤/ ١٢ أ، \"اللسان\" ١/ ١٥٠ (أنس).\n(٦) هو الحارث بن حلزة بن مكروه اليشكري الوائلي شاعر جاهلي وأحد أصحاب المعلقات السبع وقد ارتجلها ارتجالًا بين يدي ملك الحيرة، توفي سنة ٥٠ قبل الهجرة تقريبًا. انظر: \"الشعر والشعراء\" ص ١١١، \"طبقات الشعراء\" ١/ ١٥١، \"الأعلام\" ٢/ ١٥٤.\n(٧) هذا البيت من معلقة ابن حلزة -وهي المعلقة السابعة- كما في \"شرح المعلقات\" للزوزني ص ١٥٦. قال الزوزني في شرح البيت: النبأة الصوت الخفي يسمعه الإنسان أو يتخيله، والقناص جمع قانص، وهو الصائد.","vol":"6","page":330},{"text":"وقوله تعالى: ﴿رُشْدًا﴾ قال ابن عباس والسدي: هو الصلاح في العقل وحفظ المال (١). وقال عطاء عنه: يريد صلاحًا ومعرفة وعقلًا (٢).\nوقال الزجاج. معنى الرشد: الطريقة المستقيمة التي تثقون (٣) معها بأنهم يحفظون أموالهم (٤).\nوقال الشافعي -﵁-: الرشد: من يكون صالحًا في دينه، مصلحًا لماله (٥). ولا يجوز دفع مال اليتيم إليه إلا بعد البلوغ وتبين العفاف وإصلاح المال منه (٦).\n_________\n= يقول: أحست هذه النعامة بصوت الصيادين فأخافها ذلك. وقد استشهد بالبيت الثعلبي ٤/ ١٢ أ، والألوسي ٤/ ٢٠٥.\n(١) الأثر عن ابن عباس ثابت من طريق ابن أبي طلحة كما في \"تفسير ابن عباس\" ص ١٣٥، وأخرجه ابن جرير في \"تفسيره\" ٤/ ٢٥٢ لكن بلفظ: (رُشدًا) في حالهم والإصلاح في أقوالهم. وانظر \"تفسير ابن كثير\" ١/ ٤٩٢، \"تحقيق المروي\" عن ابن عباس ١/ ١٥٥. أما عن السدي فأخرجه ابن جرير ٤/ ٢٥٢ أيضًا، لكن بلفظ: عقولًا وصلاحًا.\n(٢) رواية عطاء هذه بمعنى رواية ابن أبي طلحة الثابتة، ولم أقف عليها.\n(٣) في النسختين: يثقون بالتحتية للغيبة، والأولى بالفوقية الخطاب؛ لأن في الآية الخطاب، ولموافقة ذلك ما في معاني الزجاج.\n(٤) \"معاني الزجاج\" ٢/ ١٤.\n(٥) من \"الكشف والبيان\" ٤/ ١٣ ب، وعبارة الشافعي: والرشد -والله أعلم- صلاح في الدين حتى تكون الشهادة جائزة وإصلاح المال. \"الأم\" ٣/ ٢١٥، وانظر \"معالم التنزيل\" ٢/ ١٦٥ - ١٦٦، \"تفسير ابن كثير\" ١/ ٤٩٢. قال الثعلبي: فالرشد عنده -أي: الشافعي- شيئان: جواز الشهادة واصلاح المال وهذا قول الحسن وربيعة ومالك، \"الكشف والبيان\" ٤/ ١٣ ب، وانظر \"تفسير الحسن البصري\" ١/ ٢٥٩.\n(٦) انظر: \"الأم\" ٣/ ٢١٨، \"الكشف والبيان\" ٤/ ١٢ب، \"معالم التنزيل\" ٢/ ١٦٥.","vol":"6","page":331},{"text":"وأبو حنيفة وأصحابه اعتبروا صلاح المال، ولم يعتبروا صلاح الدين (١).\nوهذا الاختلاف يعود إلى الاختلاف في معنى الرشد، فمن جعل معنى الرشد حفظ المال وإصلاحه يزيل الحجر عن اليتيم بالبلوغ وحفظ المال، دون الصلاح في الدين، ومن جعل معنى الرشد صلاح الدين وحفظ المال اعتبرهما في زوال الحجر عن اليتيم، وهذا هو الأولى (٢)؛ فإن أهل اللغة قالوا في معنى الرشد: إنه إصابة الخير (٣)، والمفسد في دينه لا يكون مصيبًا للخير. وأيضًا فإن الرشد نقيض الغي، قال الله تعالى: ﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ [البقرة: ٢٥٦]، والغي: هو الجهالة والبطالة والفساد. قال طرفة:\nأرى قبرَ نَحَّامٍ بَخيلٍ بمالِه ... كقبر غويٍّ في البَطَالة مُفْسدِ (٤)\nفجعل المفسد غويًا (٥)، فدل هذا على أن المفسد في دينه لم يبلغ الرشد.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا﴾.\n_________\n(١) انظر: \"الكشف والبيان\" ٤/ ١٣ ب، ١٤ أ، \"معالم التنزيل\" ٢/ ١٦٦، والقرطبي ٥/ ٣٧، ٣٨.\n(٢) انظر: \"البغوي\" ٢/ ١٦٧، \"القرطبي\" ٥/ ٣٧، ٣٨.\n(٣) انظر: \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٤١١ (رشد)، \"مقاييس اللغة\" ٢/ ٣٩٨ (رشد)، \"اللسان\" ٣/ ١٦٤٩ (رشد).\n(٤) \"ديوانه\" ص ٢٦، \"شرح المعلقات السبع\" للزوزني ص ٦٢. والنَحّام: البخيل.\n(٥) في (د): (غوي).","vol":"6","page":332},{"text":"قال ابن عباس: يريد لا تبادروا في أموال اليتامى بالسرف قبل أن يبلغ الحلم والرشد (١).\nوقال المفسرون: يريد (٢): لا تبادروا بأكل مالهم كبرهم ورشدهم حذرًا أن يبلغوا فيلزمكم تسليم المال إليهم (٣).\nو(أن) في محل النصب؛ لأنه مفعول المصدر، على تقدير: مبادرة كبرهم (٤). ثم بين ما يحل لهم فقال: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾. قال ابن عباس: يريد: من كان غنيًّا من الأوصياء فليستعفف عن مال اليتيم ولا يأكل منه شيئًا (٥).\nمعنى: ﴿فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ أي: ليترك ذلك ولا يأكل. يقال: استعفف عن الشيء وعف إذا امتنع منه وتركه (٦).\nوقوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾. اختلفوا في الأكل بالمعروف: ما هو؟ فقال قوم: هو أن يأخذ بقدر ما يحتاج إليه من\n_________\n(١) \"تفسير ابن عباس\" ص ١٣٥، وأخرجه ابن جرير من طريق ابن أبي طلحة أيضًا ٤/ ٢٥٤، لكن بلفظ: يعني أكل مال اليتيم مبادرًا أن يبلغ فيحول بينه وبين ماله. انظر \"تحقيق المروي\" عن ابن عباس ١/ ١٥٥.\n(٢) في (أ): (يقول).\n(٣) انظر: \"تفسير الطبري\" ٤/ ٢٥٤، \"الكشف والبيان\" ٤/ ١٥أ.\n(٤) انظر: \"تفسير الطبري\" ٤/ ٢٥٤، \"معاني الزجاج\" ٢/ ١٤، \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ٣٩٧، \"الكشف والبيان\" ٤/ ١٥ أ، \"مشكل إعراب القرآن\" ١/ ١٩٠.\n(٥) أخرجه ابن جرير بمعناه من أكثر من طريق كما في \"تفسيره\" ٤/ ٢٥٥، وانظر: \"تحقيق المروي\" عن ابن عباس ١/ ١٥٦ - ١٥٧، وقد صحح المحقق إسنادًا من أسانيد ابن جرير وحسن آخر.\n(٦) انظر: \"غريب القرآن\" لابن قتيبة ص ١١٥، \"الصحاح\" ٤/ ١٤٠٥ (عف)، \"تفسير الثعلبي\" ٤/ ١٥ أ، \"اللسان\" ٥/ ٣٠١٥ (عف).","vol":"6","page":333},{"text":"مال اليتيم قرضًا، ثم إذا أيسر قضاه، فإن مات ولم يقدر على القضاء فلا شيء عليه.\nوهذا قول سعيد بن جبير (١)، وعبيدة (٢) (٣)، ومجاهد (٤)، وأبي العالية (٥)، وأكثر الروايات عن ابن عباس (٦).\nوالدليل على صحة هذا التأويل قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ﴾ [النساء: ١١٤]، قالوا: يعني القرض (٧). وما روي عن عمر -﵁- أنه قال: (ألا) (٨) إني أنزلت نفسي من مال الله ﷿ بمنزلتي من مال اليتيم، إن\n_________\n(١) أخرجه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ١/ ١٤٧، والطبري ٤/ ٢٥٦ بأكثر من طريق، وانظر الثعلبي ٤/ ١٥ أ.\n(٢) هو أبو عمرو عبيدة بن عمرو السلماني المرادي الكوفي، مخضرم، ومن كبار أئمة التابعين فقيه مقرئ فاضل، وحديثه عند الجماعة. توفي -﵀- قبل السبعين من الهجرة. انظر: \"تاريخ الثقات\" ١٢٤ - ١٢٥، \"مشاهير علماء الأمصار\" ص ٩٩، \"التقريب\" ص ٣٧٩ رقم (٤٤١٢).\n(٣) أخرجه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ١/ ١٤٧، ١٤٨، والطبري ٤/ ٢٥٥، وانظر: الثعلبي ٤/ ١٥ أ.\n(٤) \"تفسيره\" ١/ ١٤٦، وأخرجه عبد الرزاق ١/ ١٤٧، والطبري ٤/ ٢٥٦ - ٢٥٧ من عدة طرق.\n(٥) أبو العالية هو رفيع بن مهران الرياحي، تقدمت ترجمته.\n(٦) ومنها رواية ابن أبي طلحة، انظر: \"تفسير ابن عباس\" ص ١٣٥، والطبري ٤/ ٢٥٥ والثعلبي٤/ ١٥ أ، و\"زاد المسير\" ٢/ ١٦، و\"تفسير ابن كثير\" ١/ ٤٩٣، و\"الدر المنثور\" ٢/ ٢١٥ - ٢١٦، و\"تحقيق المروي\" عن ابن عباس ١٥٨/ ١٥٩.\n(٧) رُوي عن ابن عباس ومقاتل بن حيان، وقيل إن المعروف في هذه الآية عام يشمل جميع أنواع البر. وهو أولى. انظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٢٠٠، \"معالم التنزيل\" ٢/ ٢٨٦، \"الدر المنثور\" ٢/ ٢١٦.\n(٨) ما بين القوسين غير موجود في (د).","vol":"6","page":334},{"text":"استغنيت استعففت، وإن افتقرت أكلت بالمعروف، فإذا أيسرتُ قضيت (١).\nوقال بعضهم: معنى الأكل بالمعروف هو أن يقتصد ولا يسرف، ثم لا قضاء عليه فيما يأكل. فهذا قول عطاء (٢)، وعكرمة (٣)، والسدي (٤).\nوقال إبراهيم: هو ما سد الجوعة ووارى العورة (٥).\nوذهبت عائشة وجماعة من العلماء (٦) إلى أن المعروف هو أن يأخذ من جميع المال إذا كان يلي ذلك بقدر قيامه وعمله وأجرته، وإن أتى على جميع المال، ولا قضاء عليه، وهذا طعمة من الله له (٧). ودليل صحة هذا ما روي عن ابن عباس، قال: جاء رجل إلى النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله إن في حجري يتيمًا أفاضربه؟ قال: \"مما كنت ضاربًا منه ولدك\"، قال: يا رسول الله أفآكل من ماله؟ قال: \"غير متأثل مالًا، ولا واقٍ مالك بماله\" (٨)\n_________\n(١) أخرجه ابن جرير ٤/ ٢٥٥، والثعلبي ٤/ ١٥ ب. انظر: \"زاد المسير\" ٢/ ١٦، \"معالم التنزيل\" ٢/ ١٦٨، \"تفسير ابن كثير\" ١/ ٤٩٣، \"الكافي الشاف\" ص ٣٩.\n(٢) هو ابن أبي رباح أخرج ذلك عنه الطبري ٤/ ٢٥٩.\n(٣) أخرجه الطبري ٤/ ٢٦٠.\n(٤) انظر الثعلبي ٤/ ١٥ ب، \"زاد المسير\" ٢/ ١٦.\n(٥) أخرجه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ١/ ١٤٧، والطبري من طرق ٤/ ٢٦٠ كلاهما بلفظ الجوع بدل الجوعة.\n(٦) منهم ابن عباس - ﵁ - والإمام أحمد -﵀- كما في \"زاد المسير\" ٢/ ١٦.\n(٧) أخرج البخاري عن عائشة - ﵁ - كتاب: التفسير، باب: (من كان غنيًا فليستعفف) رقيم (٤٥٧٥) أنها قالت في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾: أنها نزلت في مال اليتيم إذا كان فقيرًا أنه يأكل منه مكان قيامه عليه بالمعروف البخاري كتاب التفسير سورة النساء، باب: ٢ ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ ٥/ ١٧٧.\n(٨) أخرجه الثعلبي في \"الكشف والبيان\" ٤/ ١٦ أ، ب، وانظر \"الكافي الشاف\" ص ٣٨.","vol":"6","page":335},{"text":"وعلى هذا الحكم اليوم، فالقيم ممنوع من الإسراف، وإنما له أجر مثل عمله؛ لأنه أجير بالشرع. والغني يستعف كما أمره الله، وإن أخذ الأجرة حلت له في الحكم في مقابلة عمله (١).\nوقوله تعالى: ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾. هذا وصية من الله تعالى للأولياء بالإشهاد على دفع المال إذا دفعوه إلى الأيتام، لكن إن وقع اختلاف أمكن للولي أن يقيم البينة على أنه رد المال إليه (٢). وفي هذا دليل على أن القول قول اليتيم عند التنازع، وذلك أن القيّم خير (٣) مؤتمن من جهة اليتيم، وإنما هو مؤتمن من جهة الشرع، ولذلك أمر بالإشهاد (٤)، وليس بفريضة (٥).\nقوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ قال ابن الأنباري والأزهري: يكون بمعنى محاسبًا، ويكون بمعنى كافيًا (٦).\nفمن الأول قولهم للرجل عند التهدد: حسيبه الله. ومعناه: محاسبه الله\n_________\n(١) هذا يدل على أن ما ذهبت إليه عائشة -﵂- ومن وافقها هو المعمول به عند الشافعية.\n(٢) انظر: \"الكشف والبيان\" ٤/ ١٦ ب، \"معالم التنزيل\" ٢/ ١٦٩.\n(٣) المعنى يقتضي أنها: (غير) بالغين.\n(٤) انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" ٥/ ٤٤، ٤٥.\n(٥) \"الكشف والبيان\" ٤/ ١٦ ب، وانظر: \"معالم التنزيل\" ٢/ ١٦٩، \"زاد المسير\" ٢/ ١٧. وقصد المؤلف تبعًا للثعلبي بقوله: ليس بفريضة أي: الإشهاد ليس بفريضة. وقيل بفرضيته.\nانظر: \"المحرر الوجيز\" ٤/ ٥٠٢، \"الجامع لأحكام القرآن\" ٥/ ٤٤.\n(٦) هذا نص ما ذكره الأزهري عن أبي إسحاق النحوي في \"تهذيب اللغة\" ١/ ٨١٠ (حسب)، ونحو ما ذكره ابن الأنباري \"الزاهر\" ١/ ٦، وانظر: \"اشتقاق أسماء الله\" للزجاجي ص ١٢٩.","vol":"6","page":336},{"text":"على ما يفعل من الظلم (١).\nوأنشد ابن الأنباري (٢) قول قيس المجنون (٣):\nدعا المحرمون اللهَ يستغفرونه ... بمكةَ يومًا أن تُمَحَّا ذُنوبُها\nوناديتُ يا ربّاه أولُ سؤلتي ... لنفسي لَيلَى ثم أنت حسيبُها (٤)\nقال (٥) فمعناه: ثم أنت محاسبها على ظلمها.\nقالوا: فالحسيب هو المحاسب بمنزلة قول العرب: الشريب. للمشارب (٦).\nوأنشد (٧) أيضًا قول المخبل السعدي (٨):\nفلا تُدخِلنَّ الدهر قبرك حَوبَةً ... يقوُم بها يومًا عليك حسيبُ (٩)\nمعناه محاسبك عليه الله تعالى (١٠).\nومن الكفاية قولهم: حسيبك الله. ومعناه: كافي إياك الله (١١).\n_________\n(١) من \"الزاهر\" ١/ ٦ بتصرف.\n(٢) في \"الزاهر\" ١/ ٦.\n(٣) هو قيس بن الملوح العامري، شاعر غزل ويعرف بمجنون ليلى بسبب أنه حجب منها مع حبه لها فهام على وجهه ينشد الأشعار، وله ديوان وأخبار. توفي سنة ٦٥ أو ٦٨ هـ. انظر: \"ديوانه\" ص ٧ المقدمة، \"الأعلام\" ٥/ ٢٠٨.\n(٤) \"ديوانه\" ص ٣١، لكن في البيت الأول: شعثًا بدل يومًا، وفي الثاني: يا رحمن بدل يا رباه.\n(٥) أي ابن الأنباري في \"الزاهر\" ١/ ٦.\n(٦) \"الزاهر\" ١/ ٦، وانظر: \"اشتقاق أسماء الله\" للزجاجي ص ١٢٩.\n(٧) أي ابن الأنباري في \"الزاهر\" ١/ ٥.\n(٨) تقدم ترجمته.\n(٩) البيت في اللسان ٢/ ١٠٣٦ (حوب) لكنه فيه: يدخلن بالتحتية ورفع حوبة.\n(١٠) في \"الزاهر\" ١/ ٥: محاسب عليها عالم بها.\n(١١) من \"الزاهر\" ١/ ٦.","vol":"6","page":337},{"text":"وقد ذكرنا في اللغة في هذا (١) قوله: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣].\nوقال ابن عباس في قوله: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾: يريد مجازيًا للحسن والمسيء (٢)، وهذا يعود إلى المحاسب؛ لأن الحساب إنما هو للجزاء.\nوالباء في قوله: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ﴾، ﴿وَكَفَى بِرَبِكَ﴾ [الإسراء:١٧،٦٥]، [الفرقان:٣١] في جميع القرآن (٣) زائدة (٤).\nقال الزجاج: المعنى: كفى الله، كفى ربُك (٥). واستقصاء هذا مذكور في هذه السورة عند قوله: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾ [النساء: ٤٥] (٦).\n_________\n(١) هكذا في النسختين والعبارة ركيكة، ويحتمل أن الناسخ قدم حرف الجر.\n(٢) لم أقف عليه لا عند ابن جرير ولا الثعلبي ولا غيرهما، وذكره المؤلف في \"الوسيط\" بتحقيق بالطيور ٢/ ٤٥٠، وقد ذكر ابن الجوزي أن قول ابن عباس هو أن الحسيب بمعنى الشهيد كما في \"زاد المسير\" ٢/ ١٧.\n(٣) انظر: \"المعجم المفهرس لألفاظ القرآن\" ص ٦١٣، ٦١٤ (كفى).\n(٤) وتفيد التوكيد عند بعض العلماء. انظر \"الكتاب\" ١/ ٤١، ٩٢، ٢/ ٢٦، \"معاني الحروف\" للرماني ص ٣٧، \"الدر المصون\" ٣/ ٥٨٦. وتعبير المؤلف بقوله: زائدة غير مناسب؛ فإن المحققين من العلماء يتحاشون مثل ذلك. قال ابن هشام: وينبغي أن يتجنب المعرب أن يقول في حرف في كتاب الله تعالى إنه زائد، لأنه يسبق إلى الأذهان أن الزائد هو الذي لا معنى له، وكلام الله سبحانه منزّه عن ذلك، والزائد عند النحويين معناه الذي لم يؤت به إلا لمجرد التقوية والتوكيد، وكثير من المتقدمين يسمون الزائد صلة وبعضهم يسميه مؤكدا وبعضهم يسميه لغوًا، لكن اجتناب هذه العبارة في التنزيل واجب. \"الإعراب عن قواعد الإعراب\" ص ١٠٨، ١٠٩، وانظر: \"البرهان\" للزركشي ١/ ٣٠٥، \"تفسير ابن كثير\" ١/ ٤٩٨، \"الدر المصون\" ٥/ ٢٦٣.\n(٥) انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٥٧.\n(٦) تفسير هذه الآية من القسم المفقود.","vol":"6","page":338},{"text":"وحسيبًا منصوب على وجهين: أحدهما الحال. المعنى: وكفى بالله في حال الكفاية والحساب، الثاني: يكون منصوبًا على التمييز، على معنى: كفى الله من الكِفاء والمحاسبين (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-707>٧ </span>- قوله تعالى: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ﴾ الآية. قال المفسرون: كانت العرب في الجاهلية لا تورث النساء ولا الصغار شيئًا وإن كانوا ذكورًا، وإنما كانت تورث الكبار ومن طاعن بالرماح وحاز الغنيمة، فأبطل الله ﷿ ذلك، وأعلم أن حق الميراث على ما ذُكر من القرض (٢).\nوقوله تعالى: ﴿نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾. قد ذكرنا معنى الفرض فيما تقدم (٣). واختلفوا في انتصاب قوله: ﴿نَصِيبًا﴾، فقال الفراء (٤): لأنه اسم في موضع المصدر، كقولك: قسمًا واجبًا وحقًّا لازمًا (٥).\nولو كان اسمًا (ليس في معنى المصدر) (٦) لم ينصب (نحو: لك عندي حق درهمًا) (٧)، ومثله مما ينصب قولك: لك عندي درهمان هبة\n_________\n(١) انظر: \"البحر المحيط\" ٣/ ١٧٤، \"الدر المصون\" ٣/ ٥٨٧، ورجح السمين الوجه الثاني.\n(٢) ذكر السيوطي نحوه عن ابن عباس من طريق الكلبي في \"لباب النقول\" ص ٦٤، \"الدر المنثور\" ٢/ ٢١٧، وانظر: \"الطبري\" ٤/ ٢٦٢، و\"الثعلبي\" ٤/ ١٦ ب، \"الوسيط\" بتحقيق بالطيور ٢/ ٤٥١، و\"أسباب النزول\" للمؤلف ص ١٤٨، والبغوي ٢/ ١٦٩، و\"زاد المسير\" ٢/ ١٨، وابن كثير ٢/ ٤٩٤، و\"الدر المنثور\" ٢/ ٢١٨.\n(٣) انظر: \"البسيط\" النسخة الأزهرية ١/ ل١٢٢.\n(٤) في \"معاني القرآن\" ١/ ٢٥٧.\n(٥) هذا المثال ليس في معاني الفراء - حسب المطبوع.\n(٦) في \"معاني الفراء\" جاءت كلمة: (صحيحًا) بدل ما بين القوسين هنا.\n(٧) ما بين القوسين عند الفراء: ولكنه بمنزلة قولك: لك على حق حقًا، ولا تقول: لك علي حق درهمًا فكأن المؤلف تصرف في العبارة.","vol":"6","page":339},{"text":"مقبوضة. فالمفروض في هذا الموضع بمنزلة قولك: فريضة وفرضًا (١).\nوقال الزجاج: هذا منصوب على الحال، المعنى: لهؤلاء أنصبة على ما ذكرناها في حال الفرض (٢).\nوقال الأخفش: هو نصب على معنى: جعل لهم نصيبًا (٣). والآية تدل على [هذا؛ لأن قوله: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ﴾ ﴿وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ﴾ يدل على (٤)] معنى جعل لهم نصيبًا (٥)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-708>٨ </span>- قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ﴾ عنى قسمة المال بين الورثة، يقال: قسمت المال قسمًا و[قسَّمته] تقسيمًا، والقسم اسم للمقسوم، والقسيم الذي يقاسمك (...) (٦) المقسوم أيضًا، يقال: أخذ قسمه وقسيمه ومقسمه (٧). وهذا قد ذكره ثعلب عن ابن الأعرابي، وهو صحيح.\nقال الخليل: (القِسْم (٨» الحظّ والنصيب من الخير (٩)، ومنه سمي\n_________\n(١) انتهى من \"معانى الفراء\" ١/ ٢٥٧، وانظر: \"الكشاف\" ١/ ٢٤٩، \"الدر المصون\" ٣/ ٥٨٨.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١٥، وانظر \"مشكل إعراب القرآن\" ١/ ١٩٠، \"الدر المصون\" ٣/ ٥٨٩.\n(٣) \"معاني القرآن\" ١/ ٤٢٢، ٤٣٤، وانظر \"الدر المصون\" ٣/ ٥٨٩.\n(٤) ما بين القوسين ليس فى (أ).\n(٥) هذا ترجيح من المؤلف للوجه الأخير في إعراب (نصيبا) وأنه منصوب بفعل مقدر، وانظر \"الإملاء بهامش الفتوحات\" ١/ ٣٥٨.\n(٦) ما بين القوسين بياض في (أ)، (د). وهذه الكلمة جاءت في \"العين\" للخليل ٥/ ٨٦: القسم.\n(٧) انظر: \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٩٦١ (قسم).\n(٨) في (أ): المقسم بالميم، وما أثبته هو الموافق لما في \"العين\" ٥/ ٨٦ (قسم)، \"الجمهرة\" ٢/ ٨٥١ (قسم)، \"تهذب اللغة\" ٣/ ٢٩٦١ (قسم)، \"الصحاح\" ٥/ ٢٠١٠ (قسم)، \"اللسان\" ٦/ ٣٦٢٨ (قسم).\n(٩) \"العين\" ٥/ ٨٦ (قسم)، وانظر: \"التهذيب\" ٣/ ٢٩٦١، \"الصحاح\" ٥/ ٢٠١٠،=","vol":"6","page":340},{"text":"الرجل: مقسما. وأنشد النضر:\nفما لك إلا مِقسمٌ ليس فائتًا ... به أحدٌ فاستَأْخِرَن أو تَقَدَّمَ (١)\nويقال: قاسمت فلانًا المال مقاسمةً، وأقسمنا، وتقاسمنا المال فيما بيننا (٢).\nقال النابغة (٣):\nإنّا اقتَسَمْنا خُطَّتَينا بيَننا ... فحَمَلتُ بَرَّةَ واحتملتَ فَجَارِ (٤)\nو(القسمة) (٥) الاسم من الاقتسام، لا من القسم (٦)، كالخبرة من\n_________\n= \"اللسان\" ٦/ ٣٦٢٩.\n(١) لم أعرف قائله، وهو من شواهد \"أساس البلاغة\" ٢/ ٢٥١ (قسم) لكن عجزه:\nبه أحد فاعجل به أو تأخر\nوهو أيضًا في \"لسان العرب\" ٦/ ٣٦٢٩ (قسم) كما عند المؤلف، لكن قافيته: (تقدما) بألف مد بعد الميم.\n(٢) انظر: \"العين\" ٥/ ٨٦ (قسم)، \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٩٦٣ (قسم)، \"اللسان\" ٦/ ٣٦٢٩ (قسم).\n(٣) تقدمت ترجمته.\n(٤) \"ديوان النابغة الذبياني\" ٨٦، \"الكتاب\" ٣/ ٢٧٤، \"الكامل\" ٢/ ٧٠، \"الجمل\" للزجاجي ص ٢٢٩، \"الخصائص\" ٢/ ١٩٨. والنابغة يخاطب بهذا البيت زُرعة بن عمرو الكلابي، وكان قد عرض زُرعةُ على النابغة وعشيرته أن يغدروا ببني أسد فأبى، فجعل النابغة خطته في الوفاء برة من البر، وجعل خطة زرعة فجار من الفجور لأنه أراد نقض العهد.\n(٥) في (د): (القسيمة).\n(٦) انظر: \"الصحاح\" ٥/ ٢٠١١ (قسم)، \"اللسان\" ٦/ ٣٦٣٠ (قسم).","vol":"6","page":341},{"text":"الاختبار.\nولا يكاد الفصحاء يقولون: قَسمت بينهم قِسمة. وقد ذكر ذلك في كتاب الليث (١)، وليس ذلك بصحيح. وقسْمَتك ما أخذته من الأقسام، والجمع قِسَم.\nوقوله تعالى: ﴿أُولُو الْقُرْبَى﴾ (٢) يعني: الذين يحزنون ولا يرثون (٣).\n﴿وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ﴾ الآية. اختلفوا في حكمها، فقال ابن عباس في رواية عطاء وعطية (٤): هذه الآية منسوخة بآية المواريث، وإباحة الثلث للميت يجعله حيث يشاء من القرابات واليتامى والمساكين (٥).\n_________\n(١) في \"اللسان\" ٦/ ٣٦٣٠ (قسم): الليث: يقال: قسمت الشيء بينهم قسمًا وقسمة، والقسمة مصدر الاقتسام.\n(٢) في (أ)، (د): (أولي)، وهو خطأ ظاهر.\n(٣) انظر: \"الكشف والبيان\" ٤/ ١٧ ب، و\"معالم التنزيل\" ٢/ ١٧٠، و\"المحرر الوجيز\" ٣/ ٥٠٤.\n(٤) تقدمت ترجمته.\n(٥) أخرجه بنحو منه من طريق عطاء عن ابن عباس أبو داود في \"الناسخ والمنسوخ\"، وابن أبي حاتم. انظر: \"الدر المنثور\" ٢/ ٢١٩.\nومن طريق عطية العوفي -وهي طريق ضعيفه- أخرجه بمعناه ابن جرير ٤/ ٢٦٤، وابن أبي حاتم في \"الدر المنثور\" ٢/ ٢١٩.\nوقد أشار الحافظ ابن حجر في \"الفتح\" ٨/ ٢٤٢، إلى ضعف ما رُوي عن ابن عباس أن هذه الآية منسوخة.\nوسيأتي قريبًا ما يبين ثبوت الرواية عن ابن عباس بأنه محكمة، وانظر: \"الوسيط\" بتحقيق بالطيور ٢/ ٤٥٣.\nوورد عن ابن عباس من طريق مجاهد أن هذه الآية نسخت بقوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النساء: ١١]، لكنه ضعيف. انظر: \"الناسخ المنسوخ\" بتحقيق د. سليمان اللاحم ٢/ ١٥٦.","vol":"6","page":342},{"text":"وهذا مذهب سعيد بن المسيب (١)، وأبي مالك، والضحاك (٢).\nوقال في رواية عكرمة ومِقْسَم (٣): الآية محكمة غير منسوخة (٤).\nوهذا مذهب أبي موسى، وإبراهيم، والشعبي، والزهري، ومجاهد، والحسن، وسعيد بن جبير، وعبيدة، وقتادة (٥).\nثم اختلف هؤلاء، فذهب بعضهم إلى أنه يجب على الوارث أن يرضخ لمن حضر القسمة شيئًا من المال بقدر ما تطيب به نفسه.\n_________\n(١) تقدمت ترجمته.\n(٢) انظر \"الناسخ والمنسوخ في كتاب الله\" لقتادة ص ٣٨، والطبري ٤/ ٢٦٤ - ٢٦٥، \"الناسخ والمنسوخ\" للنحاس ٢/ ١٥٨، و\"الكشف والبيان\" ٤/ ١٧ ب، وابن كثير ١/ ٤٩٥، و\"زاد المسير\" ٢/ ٢١، و\"فتح الباري\" ٨/ ٢٤٢، و\"الدر المنثور\" ٢/ ٢١٩.\n(٣) هو أبو القاسم مِقسَم بن بجرة -وقيل نجدة- من الموالي، ولزم ابن عباس وهو من مشاهير التابعين وحُكم عليه بأنه صدوق يُرسل، مات -﵀- سنة ١٠١ هـ. انظر: \"ميزان الاعتدال\" ٥/ ١٠٣، \"التقريب\" ص ٥٤٥ رقم (٦٨٧٣).\n(٤) أخرجه من طريق عكرمة البخاري رقم (٤٥٧٦) في كتاب التفسير سورة النساء، باب: ٣ ﴿إذا حضر القسمة ....﴾، وقال البخاري: تابعه سعيد بن جبير عن ابن عباس. وكذلك أخرجه ابن جرير ٢/ ٢٦٣، وعن طريق مِقسَم أخرجه ابن جرير ٢/ ٢٦٤ بمعناه.\nوانظر \"الكشف والبيان\" ٤/ ١٧ ب، وابن كثير ١/ ٤٩٤، و\"الدر المنثور\" ٢/ ٢١٨.\nقال ابن حجر عن طريق عكرمة وسعيد: وهذان الإسنادان الصحيحان عن ابن عباس هما المعتمدان.\n(٥) انظر: \"الطبري\" ٤/ ٢٦٣ - ٢٦٤، و\"الناسخ والمنسوخ\" للنحاس ٢/ ١٥٨، و\"الكشف والبيان\" ٤/ ١٧ ب، ١٨ أ، وابن كثير ١/ ٤٩٩، و\"الدر المنثور\" ٢/ ٢١٨ - ٢١٩.","vol":"6","page":343},{"text":"هذا إذا كان الوارث كبيرًا، فإن كان صغيرًا تولى إعطاء هؤلاء وليه (١).\nقال الحسن والنخعي: أدركنا الناس وهم يقسمون على القرابات (٢)، والمساكين، واليتامى من العين، فإذا قُسِم الذهب والورق وصارت القسمة إلى الأرضين والرقيق وما أشبه ذلك قالوا لهم قولًا معروفًا، كانوا يقولون: بُورك فيهم (٣).\nوقال ابن عباس والسدي وغيرهما: إذا حضر القسمة هؤلاء؛ فإنْ كان الميت أوصى لهم بشيء أُنفِذ، وإن لم يوص (٤) وكان الورثة كِبارًا رَضَخُوا لهم، وإن كانوا صغارًا اعتذر إليهم الولي، ويقول: إني لا أملك هذا المال، وإنما هو لهؤلاء الضعفاء الذين لا يعقلون ما عليهم من الحق، وإن يكبروا فسيعرفون حقكم. فهذا هو القول المعروف (٥).\nوقال بعضهم: هذا على الندب والاستحباب، لا على الفرض والإيجاب؛ يستحب للوارث أن يقسم لهؤلاء شيئًا من التركة، فإن ترك ذلك لم يُحَرَّج (٦).\n_________\n(١) انظر: \"الطبري\" ٤/ ٢٦٥.\n(٢) في (أ): (القربات).\n(٣) من \"معاني القرآن\" للزجاج ٢/ ١٦. وذكره بنحوه عنهما ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٢/ ٢٠، وانظر \"تفسير الحسن\" ١/ ٢٦٣.\n(٤) في (د): يوص لهم.\n(٥) هذا معنى قول ابن عباس والسدي وغيرهما كسعيد بن جبير. انظر الطبري ٤/ ٢٦٧ - ٢٦٨، \"زاد المسير\" ٢/ ٢٠، وما ساقه المؤلف نص ما ذكره الثعلبي في \"الكشف والبيان\" ٤/ ١٧ ب، ١٨ أ.\n(٦) أشار ابن عطية إلى أن ممن ذهب إلى الندب الحسن وسعيد بن جبير. انظر \"المحرر الوجيز\" ٣/ ٥٠٤ - ٥٠٥. ولم أجد ذلك صريحًا عنهما.","vol":"6","page":344},{"text":"وهذا هو الذي عليه الناس اليوم (١).\nوقوله تعالى: ﴿فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾ أي: من الميراث، رَدّ الكناية إلى معنى القسمة لا إلى اللفظ، كقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ﴾ [يوسف: ٧٦]، والصُّواع مذكر لا يُكنى عنه بالتأنيث، لكن أريد به المَشْربة والسِّقاية، فعادت الكناية إلى المعنى لا إلى اللفظ (٢).\nوقال أبو علي: القسمة ههنا يراد بها المقسوم؛ لأنه إنما يُرزق من التركة المقسومة (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-709>٩ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ﴾ الآية. اختلفوا في هذه الآية على قولين:\nأحدهما: أن معنى الآية: وليخش من لو كان له ولد صغار خاف عليهم بعده الضيعة، أن يأمر الموصي بالإسراف فيما يعطيه اليتامى المساكين وأقاربه الذين لا يورثون، فيكون قد أمره بما لم يكن يفعله لو كان هو الميت.\nقال ابن عباس في رواية عطاء: كان الرجل إذا حضرته الوفاة قعد\n_________\n(١) قد رجح القول الأخير وهو القول بالاستحباب النحاس في \"الناسخ والمنسوخ\" ٢/ ١٥٩، وابن العربي في \"أحكام القرآن\" ١/ ٣٢٩، والقرطبي في \"الجامع لأحكام القرآن\" ٥/ ٤٩.\n(٢) انظر: \"معاني القرآن\" للأخفش ١/ ٤٣٤، \"البيان\" ١/ ٢٤٤، \"الدر المصون\" ٣/ ٥٨٩.\n(٣) قول أبي علي لم أقف عليه وهو بمعنى ما ذكر المؤلف قبله، وانظر -إضافة إلى ما سبق-: \"مشكل إعراب القرآن\" ١/ ١٩٠، \"غرائب التفسير\" ١/ ٢٨٥، \"الإملاء\" ١/ ٣٥٨.","vol":"6","page":345},{"text":"عنده أصحاب رسول الله - ﷺ - فقالوا: انظر لنفسك فإنّ ولدك لا يُغنون عنك من الله شيئًا، فيُقدِّم جل ماله وَيحجب ولده، وهذا قبل أن تكون الوصية في الثلث، فكره الله ذلك منهم وقال: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ﴾ يريد: من بعدهم. ﴿ذُرِّيَّةً ضِعَافًا﴾ يريد: صغارًا. ﴿خَافُوا عَلَيْهِمْ﴾ الفقر، ﴿فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ﴾ يريد: فليخافوا الله إذا تَعدَّوا عند أحد من إخوانهم وهو في الموت. ﴿وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ يريد بالسديد من القول العدل، وهو أن يأمره أن يُخَلِّف ماله لولده ويتصدق ما دون الثلث (١).\nوهذا قول أكثر المفسرين، سعيد بن جبير والحسن وقتادة والسدي والضحاك ومجاهد (٢).\nوالقول الثاني: أن هذا وعظ لولاة اليتامى، وعظوا في تَوِليَتِهم أمرهم بأن يفعلوا كما يحبون أن يُفعل بأولادهم من بعدهم. يقول: وليخش من لو ترك ولدًا صغارًا خاف عليهم الضَّيعة، فليُحسن إلى من كفله من اليتامى، وليفعل بهم ما يحب أن يفعل بولده من بعده.\nوهذا قول تحتمله الآية، ولم أر أحدًا من المفسرين ذكره (٣)، وبعض\n_________\n(١) أورده عن عطاء عن ابن عباس الهواري في \"تفسير كتاب الله العزيز\" ١/ ٣٥١، وأخرجه بمعناه عن ابن عباس الطبري ٤/ ٢٦٩ - ٢٧٠ لكن من طريق ابن أبي طلحة -وهي أصح- وعزاه السيوطي في \"الدر المنثور\" ٢/ ٢٢٠، أيضًا إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي. وانظر: \"تحقيق المروي عن ابن عباس\" ١/ ١٧٥.\n(٢) انظر: \"تفسير القرآن\" لعبد الرازق ١/ ١٥٠، والطبري ٢٧٠ - ٢٧١، و\"زاد المسير\" ٢/ ٢٢، وابن كثير (٤٩٥)، و\"الدر المنثور\" ٢/ ٢٢٠.\n(٣) بل ذكره غير واحد، وهو مروي عن ابن عباس وابن زيد، واستحسنه ابن كثير. انظر \"تأويل مشكل القرآن\" ص ٣٢٣، والطبري ٤/ ٢٧٠، و\"معاني الزجاج\" ٢/ ١٧، و\"زاد المسير\" ٢/ ٢٢، وابن كثير ٢/ ٢١٠.","vol":"6","page":346},{"text":"المتأخرين حكاه، وعزاه إلى الكلبي (١). وليس هو في تفسيره المعروف بطريق يوسف بن بلال (٢).\nوقرأ (٣) حمزة: ﴿ضِعَافًا خَافُوا﴾ بالإمالة فيهما (٤). ووجه إمالة (ضعاف) أنّ ما كان على وزن فِعال، وكان أوله حرفًا مستعليًا مكسورًا، نحو: صِفات (٥)، وقِفاف (٦)، وخِباث وغِلاب، يحسن فيه الإمالة، وذلك أنه تصعّد بالحرف المستعلي ثم انحدر بالكسر، فيستحب أن لا يتصعّد بالتفخيم بعد التصوّب (٧) بالكسر، فيجعل الصوت (٨) على طريقة واحدة فلا يتصعّد بالتفخيم بعد التصوّب بالكسرة (٩) التي في خفت فينحوا نحوها بالإمالة.\nقال سيبويه: بلغنا عن ابن أبي إسحاق (١٠) أنه سمع كثير عزة يقول: صار مكان كذا (١١)، بالإمالة (١٢).\n_________\n(١) يقصد بمن حكاه وعزاه شيخه الثعلبي كما في \"الكشف والبيان\" ٤/ ١٨ ب.\n(٢) لم أقف له على ترجمته.\n(٣) الكلام في القراءة من \"الحجة\" ٣/ ١٣٣.\n(٤) أي بإمالة العين والخاء. انظر: \"الحجة\" ٣/ ١٣٣.\n(٥) في \"الحجة\": ضعاف.\n(٦) في \"الحجة\": قباب.\n(٧) في \"الحجة\": التصويب.\n(٨) في (أ)، (ب): الصوب بالباء الموحدة، والتصحيح من \"الحجة\".\n(٩) في \"الحجة\": بالكسر.\n(١٠) لعله أبو بحر عبد الله بن زيد الحضرمي العلامة المقرئ النحوي المتوفى سنة ١١٤هـ. انظر: \"أخبار النحويين\" للسيرافي ص ٤٢، \"نزهة الألباء\" ص ٢٦، \"بغية الوعاة\" ١/ ٤٠١.\n(١١) في \"الكتاب\" ٤/ ١٢١ لكن فيه: صار بمكان كذا وكذا، وانظر: \"الحجة\" ٢/ ٣٠.\n(١٢) انتهى من \"الحجة\" ٣/ ١٣٣ - ١٣٥ بتصرف، وانظر: \"معاني القراءات\" للأزهري ١/ ٢٩٢، \"الكشف\" لمكي ١/ ٣٧٧، \"النشر\" ٢/ ٢٤٧.","vol":"6","page":347},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ السديد: العدل والصواب من القول (١). قال ابن المظّفر (٢): قال قل قولا سَدَدًا وسدَادًا وسدِيدًا (٣) والسدَد مقصور من السداد (٤)، وأنشد (٥) لكعب (٦):\nماذا عليها وماذا كان ينقصها ... يوم الترّحل لو قالت لنا سدَدَا (٧)\nقال الأزهري: وقرأت بخط شَمِر: يقال سدّ عليك الرجل يسدّ سدًّا إذا أتى السداد. وما كان هذا الشيء سديدًا. ولقد سد يسد سدادًا وسدودا. وقال أوس:\nفما جَبُنوا أنّا نَسُدّ عليهِمُ ... ولكِن لَقُوا نارًا تحُسُّ وتَسْفَعُ (٨)\n_________\n(١) \"الكشف والبيان\" ٤/ ١٩ أ.\n(٢) في \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٦٥٦ (سدد).\n(٣) في \"تهذيب اللغة\": ... وسديدًا أي: صوابًا.\n(٤) انتهى من \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٦٥٦ (سدد) بتقديم وتأخير لا يؤثر في المعنى. وانظر: \"العين\" ٧/ ١٨٤، \"اللسان\" ٤/ ١٩٧٠ (سدد).\n(٥) ليس في \"التهذيب\".\n(٦) لم أعرفه.\n(٧) نسبه إلى كعب -كالمؤلف- الزمخشري في \"أساس البلاغة\" ١/ ٤٣٠ (سدد) ولم أجده في \"ديوان كعب بن زهير\" غير أن الجوهري في \"الصحاح\" ٢/ ٤٨٥ (سدد) نسبه إلى الأعشى، وكذا في \"لسان العرب\" ٤/ ١٩٧٠ (سدد) ولم أجده في \"ديوان الأعشى الكبير\" -ميمون بن قيس-. والشاهد منه: أن السدد مقصور من السداد.\n(٨) البيت منسوب لأوس في \"التهذيب\" ٢/ ١٦٥٥ (سد)، \"اللسان\" (١٩٦٩) (سدد)، ٦/ ٥٢ (حسس). غير أنه نسب إلى فروة بن مسيك المرادي في \"مجالس العلماء\" للزجاجي ص ١٤٣، \"الخصائص\" ٣/ ٢٩٢، ولعل الراجح الأول. والشاهد منه: نسد بالسين المهملة، وهي كذلك في \"التهذيب\"، وبقية المراجع بالشين المعجمة، ومعنى تَحُسّ: تُحْرِق، وتَسفَع لعل المراد: تُسَوَّد من الإحراق. انظر: \"التهذيب\" ٢/ ١٧٠٤ - ١٧٠٥ (سفع)، ١/ ٨١٦ (حس)، \"اللسان\" ٤/ ٢٠٢٨ (سفع).","vol":"6","page":348},{"text":"يقول لم يجبنوا من الإنصاف في القتال، ولكنا جُرنا عليهم فلقونا ونحن كالنار التي لا تُبقي شيئًا (١).\nويقال: إنه لَيَسد في القول، إذا كان يأتي القول السديد، وقد أسددت ما شئت، أي: طلبت السداد، أصبته أو لم تصبه. ويقال: سدده الله، أي: وفقه للسداد (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-710>١٠ </span>- قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾.\nسماه بما يؤول إليه في العاقبة، والعرب تُسمي الشيء باسم ما يؤول إليه عاقبته، كقوله: ﴿أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ [يوسف: ٣٦]، يعني: العنب، فسماه خمرًا بما يؤول إليه (٣). ويقولون للأمر الشديد: هو الموت، ومنه قول ابن الدُّمَينة الخثعمي (٤):\nقليل قذى العينين نعلُم أنّه ... هو الموتُ إن لَم يلق عَنّا بوائقه (٥)\n_________\n(١) انتهى قول الأزهري من \"التهذيب\" ٤/ ١٩٦٩ (سد).\n(٢) انظر: \"التهذيب\" ٢/ ١٦٥٧ (سد)، \"مقاييس اللغة\" ٣/ ٦٦ (سد)، \"الصحاح\" ٢/ ٤٨٥ (سدد)، \"أساس البلاغة\" ١/ ٤٣٠ (سدد).\n(٣) انظر: \" الكشف والبيان\" ٤/ ١٩ أ، \"معالم التنزيل\" ٢/ ١٧١، \"غرائب التفسير\" ١/ ٢٨٥، \"زاد المسير\" ٢/ ٢٣.\n(٤) هو عبيد الله بن عبد الله -والدُّمَينة أمه- من خثعم، يعد من الشعراء المجيدين. انظر \"الشعر والشعراء\" ص ٤٨٩.\n(٥) في \"الشعر والشعراء\" ص ٤٨٩، ومن شواهد \"مغني اللبيب\" ص ٤٧١، ونسبه عبد السلام هارون إلى \"ديوانه\" ص ٥٣، انظر: \"معجم شواهد العربية\" ص ٢٤٧.","vol":"6","page":349},{"text":"أي: السبب المؤديِ إلى الموت، وعلى هذا قوله - ﷺ - في الشارب من آنية الذهب والفضة: \"إنما يُجرجِر في بطنه نار جهنم\" (١).\nقال السدي: يبعث آكل مال اليتيم ظُلمًا يوم القيامة ولَهَبُ النار ودُخانه يخرج من فيه وأذنيه وأنفه وعينيه، يعرفه من رآه بأكل مال اليتيم (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ وقرئ بضم الياء (٣).\nقال أبو زيد: يقال: صلي الرجل النارَ يصلاها صليً وصَلاءً، وهو صالي النار من قوم صالين وصِليّ (٤). قال الله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ١٦٣]. قال الشاعر:\nوالله لولا النار أن يصلاها (٥)\n_________\n(١) أخرجه البخاري من حديث أم سلمة -﵂- رقم (٥٦٣٤) في كتاب الأشربة، باب: ٢٨ آنية الفضة، ومسلم (٢٠٦٥) في كتاب اللباس والزينة، باب: آنية الذهب والفضة، وغيرهما.\n(٢) أخرجه ابن جرير ٤/ ٢٧٣، وذكره الثعلبي في \"الكشف والبيان\" ٤/ ١٩ ب، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٢/ ٢٣، وابن كثير ١/ ٤١١٩، والسيوطي في \"الدر المنثور\" ٢/ ٢٢١، وعزاه إلى ابن جرير وابن أبي حاتم.\n(٣) قراءة الضم لابن عامر وأبي بكر عن عاصم، وقراءة الفتح للباقين من العشرة. انظر: \"السبعة\" ص ٢٢٧، \"الحجة\" لأبي علي ٣/ ١٣٦، \"المبسوط\" ص ١٥٤، \"الكشف\" ١/ ٣٧٨، \"النشر\" ٢/ ٢٤٧.\n(٤) انتهى قول أبي زيد، وقد أخذه المؤلف من \"الحجة\" لأبي علي ٣/ ١٣٦، إلا أنه حذف جملة من أثناء الكلام وهي بعد قوله: صلاء حيث جاء في \"الحجة\" بعدها: وهما واحد، وأصلاه الله حر النار إصلاء، وهو صالي ... إلخ. وانظر: \"تهذيب اللغة\" ٢/ ٢٠٤٩ (صلى)، \"اللسان\" ٤/ ٢٤٩١ (صلا).\n(٥) هذا من الرجز. قال ابن منظور: وقال العجاج. قال ابن بري، وصوابه الزفيان:\nتالله لولا النار أن نصلاها ... أو يدعو الناس علينا الله\n\"اللسان\" ٤/ ٢٤٩١ (صلا)، ولم أجده في \"ديوان العجاج\" ولا في غير \"اللسان\".","vol":"6","page":350},{"text":"وقال تعالى: ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا﴾ [إبراهيم: ٢٩، ٥٦]، [المجادلة: ٨].\nقال الفراء: الصَّلاء اسم للوقود، وهو الصَّلا، إذا كسرت مددت، وإذا فتحت قصرت (١). قال ابن حلزة:\nفتنورت نارها (٢) من بعيدٍ ... بخَزازَى هيهات منك الصَّلاء (٣)\nومن ضم (٤) الياء فهو من قولهم: أصلاه الله حر النار إصلاءً، قال الله تعالى: ﴿فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا﴾ [النساء: ٥٦]، وقال تعالى: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ [المدثر: ٢٦].\nوأما السّعير فهو النار المُستعرة. يقال (سعرت (٥» النار أسعَرُها سَعرًا، وهي مسعورة وسعيرة، فالسعير معدول عن: مسعورة كما عُدِل: كف خضيب. عن: مخضوبة، وكذلك سعرت العرب سعرًا. واستعرت النار إذا استوقدت.\nوالسعير: النار نفسها. (وسُعار النار) (٦) حرّها (٧).\n_________\n(١) انظر: \"المقصور والممدود\" للفراء ص ٣٦، ٣٧، ٦٢، \"اللسان\" ٤/ ٢٤٩١ (صلا).\n(٢) في (د): (ناها)، وقد يكون وقع سهوًا من الناسخ.\n(٣) البيت من معلقة الحارث بن حلزة اليشكري كما في \"شرح القصائد المشهورات\" للنحاس: ٢/ ٥٥، \"شرح المعلقات\" للزوزني ص ١٥٦. قال النحاس: تنورتُ النار إذا نظرتها بالليل .. وخزازى اسم موضع. والشاهد منه: الصلاء كسرت الصاد فجاءت الكلمة ممدودة.\n(٤) من قوله: ومن ضم إلى آخر الكلام على القراءة من \"الحجة\" بلفظ مقارب، انظر \"الحجة\" ٣/ ١٣٧.\n(٥) في (د): (أسعرت)، وما أثبته هو الصواب. انظر: \"الجمهرة\" ٢/ ٣١٤ (رسع)، \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٦٩٣ (سعر).\n(٦) في (د): (وسعارها).\n(٧) انظر: \"جمهرة اللغة\" ٢/ ٧١٤ (رسع)، \"تفسير الطبري\" ٤/ ٢٧٣ - ٢٧٤، \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٦٩٣ (سعر)، \"مقاييس اللغة\" ٣/ ٧٥، ٧٦.","vol":"6","page":351},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-711>١١ </span>- قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ الآية. فقد ذكرنا معنى الإيصاء والتوصية في اللغة. ومعنى ﴿يُوصِيكُمُ﴾ ههنا: قال الزجاج: أي: يفرض (١) عليكم؛ لأن الوصية من الله ﷿ فرض، والدليل على ذلك: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ﴾ [الأنعام: ١٥١]، وهذا من الفرض المحكم علينا (٢).\nوقوله تعالى: ﴿فِي أَوْلَادِكُمْ﴾، اسم الولد يقع على ولد الصلب وعلى ولد الولد وإن سَفَل (٣)، ثم ثبتت على هذا ميراث ولد الولد بهذه الآية (٤).\nفإن قيل: بماذا يتعلق قوله: ﴿يُوصِيكُمُ﴾، ولا يقال في الكلام: أوصيك لزيد كذا؟ والجواب ما قال الفراء، وهو أن الوصية قول، فمعنى قوله ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ﴾ (٥): يقول الله لكم، وعلى هذا أيضًا: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ [المائدة: ٩]، أي: قال الله لهم مغفرة؛ لأن الوعد قول (٦).\n_________\n(١) في (أ): (نفرض)، وما أثبته هو الموافق لـ\"معاني الزجاج\".\n(٢) \"معاني الزجاج\" ٢/ ١٨، وانظر: \"غرائب التفسير\" ١/ ٢٨٥، \"الكشف والبيان\" ٤/ ٢٢ أ، \"المحرر الوجيز\" ٣/ ٥١١، \"الفتوحات الإلهية\" ١/ ٣٦٠.\n(٣) انظر: \"أحكام القرآن\" لابن العربي ١/ ٣٣٣، \"الجامع لأحكام القرآن\" ٥/ ٥٩، وبعض العلماء يفرق فيقول: إنه حقيقةٌ في ولد الصلب مجازٌ في غيره، وبعضهم لا يفرق. وعقب القرطبي -﵀- على مثل ذلك بقوله: ومعلوم أن الألفاظ لا تتغير بما قالوه.\n(٤) قوله: (ثم ثبتت)، وفي هذه الجملة اضطراب أو سقط.\n(٥) في (د) زيادة: (في أولادكم).\n(٦) لم أقف على رأي الفراء هذا في \"معاني القرآن\"، وقد أشار إليه أبو حيان في \"البحر\" ٣/ ١٨١، والسمين في \"الدر المصون\" ٣/ ٣٥٦.","vol":"6","page":352},{"text":"﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾، وقال الكسائي: قوله: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ بيان لما أوصى به وحكاية له، لأن الذي أوصاهم به هو هذا، ومثله قوله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [المائدة: ٩] ثم ذكر ما وعدهم فقال: ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ ولهم مغفرة هو الذي وعدهم به، وكذلك قوله: ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ﴾ [يوسف: ٣٥].\nويقول: بدا لي أن لعبد الله مالًا، فإذا (ألقيت) (١) أن قلت: بدا لي لعبد الله مالٌ (٢)، وأنشد الكسائي على ذلك:\nإني سأُبدِي لك فيما أُبدي ... لي شجَنَانِ شَجَنٌ بِنَجْدِ (٣)\nوقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً﴾، يعني: فإن كن (٤) المتروكات؛ وذلك أن اسم الولد يطلق على الإناث والذكور (٥)، فلما فرض فريضة الذكور\n_________\n(١) في الأصل بالفاء، والتصحيح من (د).\n(٢) لم أقف على قول الكسائي مفصلًا، وقد أشار إليه أبو حيان في \"البحر\" ٣/ ١٨١. انظر: \"مشكل إعراب القرآن\" ١/ ١٩٠، \"الدر المصون\" ٣/ ٥٩٧.\n(٣) هذا البيت من الرجز، ولم أعرف قائله، وهو من شواهد \"معجم مقاييس اللغة\" ٣/ ٢٤٩ (شجن)، \"الصحاح\" ٥/ ٢١٤٢ (سجن)، \"اللسان\" ٤/ ٢٢٠٢ (شجن)، والشجن: الحاجة. ولعل الشاهد منه أن: شجن بنجد تفسير وبيان لـ: لي شجنان، حيث جاء في \"الصحاح\"، \"اللسان\" بعد هذا: وشجن لي في بلاد السند، لكن في \"اللسان\": الهند بدل السند. والله أعلم.\n(٤) هكذا في (أ)، (د)، ولعل الصواب: فإن كان، انظر: الطبري ٤/ ٢٧٦، \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ٤٣٩، \"مشكل إعراب القرآن\" ١/ ١٩١.\n(٥) انظر: \"الطبري\" ٤/ ٢٧٦، \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٩٥١ (ولد)، \"المحرر الوجيز\" ٣/ ٥١٢.","vol":"6","page":353},{"text":"وأراد تبيين حال الإناث كنى عنهن بكناية جمع أسمائهن في الأولاد، وتقديره: الأولاد إن كن نساء فوت اثنتين فلهن ثلثا ما ترك (١).\nواجتمعت الأمة على أن للبنتين الثلثين (٢)، إلا ما روي عن ابن عباس أنه ذهب إلى ظاهر الآية، وقال: الثلثان فرض الثلاث من البنات؛ لأن الله تعالى قال: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ﴾ (٣):\n_________\n(١) قال الطبري ٤/ ٢٧٦: واختلف أهل العربية في المَعنِي بقوله: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً﴾ قال بعض نحويى البصرة بنحو الذي قلنا: فإن كان المتروكات نساء، وهو أيضًا قول بعض نحوي الكوفة وقال آخرون منهم: بل معنى ذلك، فإن كان الأولاد نساء، وقال: إنما ذكر الله الأولاد فقال: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ ثم قسم الوصية فقال: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً﴾، وإن كان الأولاد نساء، وإن كان الأولاد واحدة، ترجمة منه بذلك عن الأولاد. قال أبو جعفر: والقول الأول الذي حكيناه عمن حكيناه عنه من البصريين أولى بالصواب في ذلك عندي؛ لأن قوله: ﴿فَإِنْ كُنَّ﴾ لو كان معنيا به ﴿وَالْأَوْلَادِ﴾ لقيل: ﴿وَإِن كَانُوا﴾ لأن الأولاد تجمع الذكور والإناث، وإذا كان كذلك فإنما يقال: (كانوا)، لا (كن). هذا ما وضحه ابن جرير في تقدير اسم كان هنا، فالظاهر أن المؤلف قد خلط بين القولين، والله أعلم.\n(٢) انظر \"الإجماع\" لابن المنذر ص ٣٢، \"المغني\" لابن قدامة ٩/ ١١، \"مجموع فتاوى شيخ الإسلام\" ٣١/ ٣٥٠. هذا؛ وقد تعقب القرطبي الإجماع في هذه المسألة لخلاف ابن عباس منها. انظر \"الجامع لأحكام القرآن\" ٥/ ٦٣، لكن العلماء الذين حكوا الإجماع حكموا على ما روي عن ابن عباس بالشذوذ كما في \"المغني\"، \"الفتاوى\".\n(٣) لم أقف على من خرجه، لكنه قول مشتهر عن ابن عباس وصححه عنه النحاس في: \"إعراب القرآن\" ١/ ٤٣٩، والقرطبي في \"الجامع لأحكام القرآن\" ٥/ ٦٣، وانظر: \"تفسير الماوردي\" ١/ ٤٥٨، \"أحكام القرآن\" لابن العربي ١/ ٣٣٦، \"المغني\" ٩/ ١١، \"مجمع الفتاوى\" ٣١/ ٣٥٠، \"أضواء البيان\" ١/ ٣٧٢، \"التحقيقات المرضية في المباحث الفرضية\" للدكتور صالح الفوزان ص ٧٨. وقد قال الفوزان: وقيل: المشهور عنه مثل قول الجمهور.","vol":"6","page":354},{"text":"فجعل الثلثين للنساء إذا زده (١) على الثلثين (٢)، وعنده أن فرض البنتين النصف كفرض الواحدة\nوهذا غير مأخوذ به (٣).\nووجه الآية أن (فوق) ههنا صلة لا معنى له، أراد: فإن كن نساء اثنتين، كقوله: ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ﴾ [الأنفال: ١٢]، يريد: فاضربوا الأعناق (٤) وسمى البنتين نساء، لأن الابنين جماعة عند العرب. ونبين ذلك في آخر الآية (٥).\nوقال أكثر المفسرين: إنما أعطينا البنتين الثلثين بتأويل القرآن لا بنص فرض، وذلك أن الله تعالى [جعل للبنت الواحدة النصف في قوله: ﴿وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾، وجعل للأخت الواحدة النصف أيضًا في قوله: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ [النساء: ١٧٦]، ثم جعل للأختين الثلثين، علمنا أن للبنتين] (٦) الثلثين قياسًا على الأختين، كما\n_________\n(١) هكذا في (أ)، وفي (د): (رده)، ولعل الصواب: (زدن).\n(٢) هكذا في (أ)، (د) والظاهر أن الصواب: الثنتين.\n(٣) انظر: \"أحكام القرآن\" للكيا الهراسي ٢/ ١٤٠ - ١٤١، \"أحكام القرآن\" لابن العربي ١/ ٣٣٦، \"المغني\" ٩/ ١١، \"مجموع الفتاوى\" ٣١/ ٣٥٠، \"أضواء البيان\" ١/ ٣٧٢، \"التحقيقات المرضية\" ص ٨٢، ٨٣.\n(٤) هذا قول في إعراب الآية، لكن خطَّأه النحاس بقوله: وهو خطأ؛ لأن الظروف ليست مما يزاد لغير معنى \"إعراب القرآن\" ١/ ٣٤٩، كما ضعفه الكيا الهراسي في \"أحكام القرآن\" ٢/ ١٤٤، وابن عطية في \"المحرر\" ٣/ ٥١٣، وابن كثير في \"تفسيره\" ١/ ٤٩٨. قال ابن كثير: وهذا غير مسلم، لا هنا ولا هناك، فإنه ليس في القرآن شيء زائد لا فائدة فيه، وهذا ممتنع. وقد تقدم مثل ذلك.\n(٥) انظر ص ٣٦١.\n(٦) يحتمل أن في الكلام سقطًا، واستقامته: وذلك أن الله تعالى لما جعل للبنت الواحدة .. علمنا أن لبنتين فسقطت لما من الكلام قبل جعل.","vol":"6","page":355},{"text":"أن للأخوات الثلثين بما نص في البنات في قوله: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً﴾ الآية (١)\nوحرر الحسن بن يحيى (٢) هذا الفصل فقال: (إن الله تعالى) (٣) أمسك في هذه الآية عن ذكر البنتين، وذكر الواحدة والثلاث وما فوقها، وذكر فيِ (قوله (٣»: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾ في آخر النساء الأخت الواحدة والبنتين (٤)، وأمسك عن ذكر الثلاث وما فوقها، فتضمن كل واحدة من هاتين الآيتين ما كف عن ذكره في غيرها، ويحتمل كل واحد منهما فيما أمسك عنه فيها على ما ذكره في غيرها ليأتلف المعنى على (ما يجب (٥» إن شاء الله (٦).\nقال أبو إسحاق: جعل الله ﷿ كتابه يدل بعضه على بعض تفقيهًا للمسلمين وتعليمًا؛ ليعملوا فيما يحزبهم (٧) في الأمور على هذه الأدلة، وقال بعضهم (٨): في الآية دليل على أن للبنتين الثلثين؛ لأنه قال: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾، وكان أول العدد ذكرًا وأنثى، فللذكر الثلثان وللأنثى الثلث. فلما دل هذا على أن للذكر الثلثين وللبنت الواحدة الثلث، عُلم أن\n_________\n(١) انظر: \"تفسير الماوردي\" ١/ ٤٥٨، \"أحكام القرآن\" للهراسي ٢/ ١٤٠ - ١٤١، \"أحكام القرآن\" لابن العربي ١/ ٣٣٧، القرطبي ٥/ ٦٣، \"أضواء البيان\" ١/ ٣٧١، \"التحقيقات المرضية\" ص ٨٠.\n(٢) هو صاحب \"نظم القرآن\" وكثيرًا ما يأخذ عنه المؤلف، لكنه لم يصل إلينا.\n(٣) ما بين القوسين ليس في نسخة (د).\n(٤) هكذا في (أ)، (د) والظاهر: والثنتين.\n(٥) في (أ): (يحب) بالحاء المهملة.\n(٦) انتهى أخذ المؤلف من صاحب النظم، وانظر: \"أحكام القرآن\" للهراسي ٢/ ١٤١ - ١٤٢، \"أحكام القرآن\" لابن العربي ١/ ٣٣٧، القرطبي ٥/ ٦٣، \"فتح القدير\" ١/ ٤٣١.\n(٧) يحز بهم: ينزل بهم ويهمهم. انظر: \"اللسان\" ٢/ ٨٥٤ (حزب).\n(٨) صرح أبو إسحاق الزجاج بالقائل في \"معانيه\" ٢/ ١٩، وأنه: أبو عباس محمد بن يزيد [وهو المبرد]، وكذا قال اسماعيل بن إسحاق.","vol":"6","page":356},{"text":"للبنتين الثلثين من حيث علم أن للذكر الثلثين.\nوأما مذهب ابن عباس فهو محال في القياس، حيث يجعل البنتين كالواحدة. والبنتان كالجماعة؛ لأن منزلة الاثنين منزلة الجمع (١)، في كثير من الأحكام، فصلاة الاثنين جماعة، والأخوان كالإخوة في حجب الأم من الثلث إلى السدس، ويجيء ذلك في آخر الآية، فالجمع بالجمع أولى أن يقاس من الجمع بالواحد (٢). وأيضًا فإن الآية في قول مقاتل، والكلبي نازلة في أم كجّة (٣)، وكانت لها ثلاث بنات، فنزلت في جواب ما استفتت وأجيبت في بناتها خصوصًا، وكن ثلاثًا (٤)، ولذلك ما خصت الثلاث بالذكر في الآية دون الثنتين.\n_________\n(١) في (أ): (الجميع)، والى هنا انتهى أخذ المؤلف من الزجاج في \"معانيه\" ٢/ ١٩ بتصرف في العبارة، وما ذكر بعد ذلك من الأمثلة ونحوها زائد عليه.\n(٢) انظر: \"غرائب التفسير\" ١/ ٢٨٥.\n(٣) هي أم كجّة -بالجيم كما ضبطها ابن حجر- الأنصارية من الصحابيات -﵅- زوجة أوس بن ثابت الأنصاري، ولم تذكر سنة وفاتها. انظر: \"تجريد أسماء الصحابة\" ٢/ ٣٣٢، \"الإصابة\" ٤/ ٤٨٧.\n(٤) لم أجد من أخرجه بلفظ ثلاث في تفسير هذه الآية، وقد أشار إليه الثعلبي عن مقاتل والكلبي في تفسير هذه الآية، وذكره مطولًا في تفسير قوه تعالى: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ﴾ [النساء: ٧].\nانظر: \"الكشف والبيان\" ٤/ ١٦ ب، ١٧ أ، ٢٢ أ. وقد أخرجه الطبري عن السدي بلفظ: يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الانثيين، كان أهل الجاهلية لا يرثون الجواري ولا الصغار من الغلمان، لا يرث الرجل من ولده إلا من أطاق القتال، فمات عبد الرحمن أبو حسان الشاعر، وترك امرأة يقال لها: أم كجة، وترك خمس أخوات، فجاءت الورثة يأخذون ماله، فشكت أم كجة إلى النبي - ﷺ -، فأنزل الله هذه الآية: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ﴾ \"تفسير الطبري\" ٤/ ٢٧٥. وأورد السيوطي أثر السدي وعزاه إلى ابن جرير وابن أبي حاتم. انظر \"الدر المنثور\" ٢/ ٢٢٢.","vol":"6","page":357},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً﴾ وقرأ نافع (واحدةٌ) بالرفع (١) على معنى: إن وقعت واحدة، أي: إن حدث حكم واحدة، أو إرث واحدة؛ لأن (٢) المراد حكمها والقضاء في إرثها، لا ذاتها.\nوالاختيار قراءة العامة؛ لأن التي قبلها لها خبر منصوب، وهو قوله: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً﴾، وكما أن الضمير هناك: إن كن المتروكات أو الوارثات نساء، كذلك ههنا: وإن كانت المتروكة واحدة (٣).\nوقوله تعالى: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ﴾ يعني: ولأبوي الميت، كناية عن غير مذكور (٤)، وهما والداه. والأصل أن يقال: أبة (٥)، ولكن استغنى عنها بأم، فأبوان تثنية أب وأبة، وكذلك لو ثنيت ابنًا وابنًة ولم تخف اللبس لقلت: ابنان (٦).\nوقوله تعالى: ﴿لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾. أو ولد ابن، واسم الولد يقع على ولد الابن (٧).\n_________\n(١) انظر: \"السبعة\" ص ٢٢٧، \"الحجة\" ٣/ ١٣٥، \"الكشف\" ١/ ٣٧٨.\n(٢) في (د): (فان).\n(٣) انتهى من \"الحجة\" ٣/ ١٣٦ بتصرف، وانظر \"معاني الزجاج\" ٢/ ١٨، \"إعراب القراءات السبع\" ١/ ١٢٩، \"الكشف\" ١/ ٣٧٨. وممن اختار قراءة النصب ورجحها على الرفع الأزهري في \"معاني القراءات\" ١/ ٢٩٣، وابن خالوية في \"الحجة\" ص ١٢٠، وكثير من أئمة القراءات لم يتعرضوا للموازنة أو الترجيح بين القراءتين، فهما صحيحتان، وقد قرأ بالرفع اثنان من العشرة هما نافع وأبو جعفر. انظر: \"المبسوط\" ص ١٥٤، \"النشر\" ٢/ ٢٤٧.\n(٤) \"الكشف والبيان\" ٤/ ٢٢ أ.\n(٥) من \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٣، لكن فيه: والأصل في أم، أن يقال: أبة.\n(٦) انتهى من \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٣.\n(٧) انظر: \"الكشف\" ٤/ ٢٢ أ، \"أحكام القرآن\" لابن العربي ١/ ٣٣٥.","vol":"6","page":358},{"text":"والأب يرث من جهة التسمية السدس، ويرث بغير تسمية على جهة التعصيب.\nمثال ذلك: لو مات عن ابنة وأبوين، كان للابنة النصف وللأم السدس، وكذلك للأب بالتسمية لأن الله تعالى قال: ﴿لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾، وههنا ولد وهو البنت، والسدس الباقي للأب أيضًا بحق التعصيب (١).\nوقوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾.\nأكثر القراء على ضم الهمزة من (أم) في جميع المواضع. وقرأ حمزة والكسائي بكسر الألف إذا وليتها كسرة أو ياء (٢)، (نحو هذا) (٣) ونحو قوله: ﴿يَطُوفُونَ﴾ (٤)، ﴿أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ [النور: ٦١]، ﴿فِي أُمِّهَا رَسُولًا﴾ [القصص: ٥٩].\nفأما إذا كان ما قبل الهمزة غير كسر فالضم لا غير، مثل ﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ﴾ [المؤمنون: ٥٠] (٥).\nوإنما جاز كسر همزة (أم) لأن الهمزة حرف مستثقل، بدلالة تخفيفهم لها، فأتبعوها ما قبلها من الياء والكسرة، ليكون العمل فيها من\n_________\n(١) انظر: \"تفسير الطبري\" ٤/ ٢٧٧، \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢١، \"الجامع لأحكام القرآن\" ٥/ ٧١.\n(٢) في \"الحجة\" ٣/ ١٣٧: وقرأ حمزة والكسائي كل ذلك بالكسر إذا وصلا وما ذكره المؤلف أوضح وهو الموافق لما في \"السبعة\" ص ٢٢٨.\n(٣) ما بين القوسين ليس في (د).\n(٤) هكذا في (أ)، (د) وهو تحريف، والظاهر أن الصواب: ﴿فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ [الزمر: ٦]، كما في \"الحجة\" ٣/ ١٣٧.\n(٥) ما بين القوسين زائد على ما في \"الحجة\" لأبي علي وإن كان من لازم كلامه.","vol":"6","page":359},{"text":"وجه واحد (١).\nقال أبو إسحاق: إنهم استثقلوا الضمة بعد الكسرة في قوله: ﴿فَلِأُمِّهِ﴾، وليس في كلام العرب مثل: فِعُل بكسر الفاء وضم العين، فلما اختلطت اللام [بالاسم] (٢) شبه بالكلمة الواحدة، فأبدل من الضمة كسرة (٣).\nوأيضًا فإن الهمزة لما يتعاورها من القلب والتخفيف تشبه الياء والواو، فتتغير كما تتغير الياء والواو، وتقارب الهاء في المخرج، والهاء قد اتبع الكسرة في نحو: بهم، وبهي (٤). كذلك الهمزة.\nفإن قيل: وهلا فعلوا ذلك بغير هذا الحرف، مما فيه الهمزة، نحو: أتّ وأسّ وأدّ من أسماء الرجال؟\nقيل: إن هذا الحرف قد كثر في كلامهم، والتغيير إلى ما كثر أسرع، وقد يختص الشيء في الموضع بما لا يكون في أمثاله، كقولهم: أسطاع وأهراق، ولم يفعل ذلك بما أشبهه، كذلك هذا التغيير في الهمزة مع الكسرة والياء اختص به هذا الحرف، ولم يكن فيما أشبهه (٥).\n_________\n(١) من \"الحجة\" ٣/ ١٣٧ بتصرف يسير، وسيرجع المؤلف إلى الإفادة منه بعد أخذه من الزجاج. وانظر: \"السبعة\" ص ٢٢٨، \"المبسوط\" ص١٥٤، \"الكشف\" ١/ ٣٧٩.\n(٢) الزيادة من \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٣ لكي يستقيم الكلام.\n(٣) انتهى من \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٣، وانظر \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ٤٠٠، \"الكشف\" ١/ ٣٧٩.\nويرجع المؤلف بعده إلى أبي علي في \"الحجة\" فكان كلام الزجاج اعتراضًا أثناء كلام أبي علي، وانظر: \"الحجة\" ٣/ ١٣٧، ١٣٨.\n(٤) هكذا الكلمة في \"الحجة\" ٣/ ١٣٧، ولعل الأصل: به فأشبعت الكسرة في الهاء فأشبهت الياء.\n(٥) انتهى من \"الحجة\" ٣/ ١٣٧، ١٣٨.","vol":"6","page":360},{"text":"و(أما) (١) من ضم الهمزة فإنه أتى بها على الأصل، ألا ترى أن الهمزة في: أد وأف وبابه مضمومة على جميع أحوالها، ولا يؤدي إلى استعمال فِعُل، لأن اللام ليست من أصل الكلمة، واللام (٢) من (فلأمه) قديرها تقدير الانفصال (٣).\nوقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾. أجمعت الأمة على أن الأخوين يحجبان الأم من الثلث إلى السدس كرجل مات عن أبوين وأخوين، كان للأم السدس، والباقي للأب. فالأخوان فما فوقهما يحجبان الأم عن الثلث إلى السدس. والأخ الواحد لا يحجب.\nوابن عباس يخالف في هذه المسألة: فلا تحجب الأم عن الثلث إلى السدس بأقل من ثلاثة إخوة. وقال لعثمان (٤) -﵁-: بم (٥) صار الأخوان يردان الأم إلى السدس، وإنما قال الله ﷿: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾ والأخوان في لسان قومك ليسا بإخوة؟ فقال عثمان: يا بني إن قومك حجبوها\n_________\n(١) ليس في (د).\n(٢) في (أ) و\"الأم\"، وما أثبته هو الصواب.\n(٣) انظر \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٣، \"معاني القراءات\" ١/ ٢٩٥، \"الحجة\" ٣/ ١٣٧، \"الكشف\" ١/ ٣٨٠.\n(٤) هو أمير المؤمنين أبو عبد الله عثمان بن عفان بن أبي العاص القرشي الأموي سبق إلى الإسلام ولقب بذي النورين وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة، اتصف - ﵁ - بالحلم وصلة الرحم وكثرة العبادة والإحسان ولين الجانب، استثمهد على يد جماعة غاشمة ظالمة سنة ٣٥ هـ وهو ابن اثنتين وثمانين سنة وقد قضى في الخلافة أكثر من إحدى عشرة سنة ﵁ وأرضاه.\nانظر: \"تاريخ خليفة\" /١٦٨ - ١٨٠، \"الاستيعاب\" ٣/ ١٥٥ - ١٦٥، \"الإصابة\" ٢/ ٤٦٢ - ٤٦٣.\n(٥) في (أ)، (د): (ثم)، والصواب ما أثبته، انظر: الطبري ٤/ ٢٧٨.","vol":"6","page":361},{"text":"بأخوين، ولا أستطيع نقض أمر قد كان قبلي (١). مقابلة بالإجماع.\nقال علماء اللغة: قول ابن عباس: الأخوان في لسان قومك ليسا بإخوة غلط منه؛ لأن الأخوين جماعة كالإخوة، وذلك أنك إذا جمعت واحدًا إلى واحد فهما جماعة ويقال لهما إخوة (٢).\nوحكى سيبويه أن العرب تقول: قد وضعا رحالهما. يريدون: رحلي راحلتيها (٣).\nقال ابن الأنباري: التثنية عند العرب أول الجمع، ومشهور في كلامهم إيقاع الجمع على التثنية، من ذلك قوله تعالى: ﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٨]، وهو يريد داود وسليمان، ومنه قوله: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤] يريد قلبيكما (٤). والعرب تقول: لطمت أوجه الرجلين، وضربت أرؤسهما، وشققت بطونهما، فيجمعون في موضع التثنية (٥).\n_________\n(١) أخرجه بنحوه ابن جرير ٤/ ٢٧٨، وعزاه إلى البيهقي كل من ابن كثير في \"تفسيره\" ١/ ٤٩٩، والسيوطي في \"الدر المنثور\" ٢/ ٢٢٣، وضعفه ابن كثير وكذلك الشيخ ناصر العمار في \"تحقيق المروي عن ابن عباس\" ١/ ١٨١.\n(٢) من \"معاني القرآن\" للزجاج ٢/ ٢٢ بتصرف.\nوانظر: \"تفسير الطبري\" ٤/ ٢٧٨، \"الكشف والبيان\" ٤/ ٢٢ ب، \"الدر المصون\" ٣/ ٦٠٢ \"تفسير ابن كثير\" ١/ ٤٩٩.\n(٣) \"الكتاب\" ٣/ ٦٢٢، \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٢.\n(٤) في (د): (قلبكما).\n(٥) لم أقف على كلام ابن الأنباري، وانظر: \"معاني القرآن\" للأخفش ١/ ٤٣٦، \"مشكل إعراب القرآن\" لابن قتيبة ص ٢٨٣، الطبري ٤/ ٢٧٨ - ٢٧٩، \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٢، \"الكشف والبيان\" ٤/ ٢٢ ب، \"الدر المصون\" ٣/ ٦٠٢.","vol":"6","page":362},{"text":"قال قتادة: وإنما حجب الإخوة الأم من غير أن يرثوا مع الأب (لمعونة الأب) (١)؛ لأنه يقوم بشأنهم وينفق عليهم دون الأم (٢).\nوقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾، أي: هذه الأنصبة إنما تقسم بعد قضاء الدين وإنفاذ وصية الميت في ثلثه، وذكر الوصية مقدمةً على الدين، وذلك تقديم في اللفظ لا في الحكم؛ لأن (أو) لا توجب ترتيبًا، وإنما هي لأحد الشيئين؛ كأنه قيل: من بعد أحد هذين (٣) مفردًا أو مضمومًا إلى الآخر (٤).\nقوله تعالى: ﴿يُوصِي بِهَا﴾ قرئ بكسر الصاد وفتحها (٥).\nفمن كسر (٦) فلأنه تقدم ذكر الميت المفروض فيما ترك، يبين ذلك قوله: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ أي: لأم الميت ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ﴾ يوصيها الميت. ومن فتح الصاد فإنه يؤول في المعنى إلى يوصي، ألا ترى أن الموصي هو الميت، والذي (٧) حسن فتح الصاد أنه ليس\n_________\n(١) في (د): (معونة للأب).\n(٢) أخرجه ابن جرير ٤/ ٢٨٠ بمعناه، وقال ابن كثير في \"تفسيره\" ١/ ٤٩٩، عندما ساق هذا الأثر: وهذا كلام حسن وأورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ٢/ ٢٢٣، وعزاه إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم.\n(٣) في (د): (مدبن).\n(٤) انظر: \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٣، ٢٤، \"أحكام القرآن\" لابن العربي ١/ ٣٤٣، \"الدر المصون\" ٣/ ٦٠٣.\n(٥) بالفتح لابن كثير وعاصم -في رواية أبي بكر- وابن عامر، وبالكسر للباقين من العشرة. انظر: \"السبعة\" ص ٢٢٨، \"الحجة\" ٣/ ١٣٩، \"المبسوط\" ص ١٥٤، \"النشر\" ٢/ ٢٤٨.\n(٦) توجيه القراءتين من \"الحجة\" ٣/ ١٤٠\n(٧) في \"الحجة\": وكأن الذي.","vol":"6","page":363},{"text":"لميت (١) إنما هو شائع في الجميع، فلذلك حسن يوصى (٢) (٣).\nوقوله تعالى: ﴿أَوْ دَيْنٍ﴾ إن قيل: ما معنى (أو) هاهنا، وهلا كان من بعد وصية يوصي بها (ودين) (٤)؟. والجواب: ما قاله الزجاج، وهو أن معناه الإباحة، كما لو قال قائل: جالس الحسنَ أو الشعبي، المعنى: أن كل واحد منهما (٥) أهل أن يجالس، فإن جالست الحسن فأنت مصيب، (أو الشعبي فأنت مصيب، وإن جمعتهما فأنت مصيب) (٦)، ولو قال: جالس الرجلين، فجالست واحدًا منهما وتركت الآخر كنت غير متبع ما أمرت به. كذلك في الآية لو كان: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا (و) دَيْنٍ﴾ احتمل اللفظ أن يكون هذا (الحكم المذكور في الآية) (٦) إذا اجتمعت الوصية والدين، فإذا انفرد كان حكم آخر، فإذا كانت \"أو\" دلت على أن أحدهما إن كان فالميراث بعده، وكذلك إن كانا كلاهما (٧).\nوقوله تعالى: ﴿آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا﴾. في هذا قولان:\n_________\n(١) في \"الحجة\": ليس لميت معين.\n(٢) في (أ)، (د) يوصا بألف ممدودة، وهو مخالف لقواعد الإملاء المتبعة، وما أثبته هو الموافق لـ\"الحجة\".\n(٣) انتهى من \"الحجة\" ٣/ ١٤٠.\n(٤) في (أ)، (د): أو دين، والتصويب من \"معاني الزجاج\".\n(٥) في \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٤: هؤلاء.\n(٦) ما بين القوسين ليس في \"معاني الزجاج\".\n(٧) انتهى من \"معاني القرآن\" للزجاج ٢/ ٢٣، ٢٤ بتصرف يسير، وانظر: \"الأضداد\" لابن الأنباري ص ٢٨١، \"معاني الحروف\" للرماني ص ٧٧، \"رصف المباني\" ص ٢١٠، إيضاح الجملة الأخيرة عند المؤلف أنه عبر بأو هنا للدلالة على أن الحكم بالنسبة للدين والوصيه في الميراث واحد لا يتغير سواء وجدا منفردين أو مجتمعين.","vol":"6","page":364},{"text":"أحدهما: أن هذا فصل معترض بين ذكر الورّاث وأنصبائهم، وبين قوله: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾، ولا تعلق لمعناه بمعنى الآية، ومعنى هذا الفصل في قول ابن عباس والكلبي: أن الله تعالى يُشَفِّع المؤمنين بعضهم في بعض، فأطوعكم لله ﷿ من الآباء والأبناء أرفعكم درجة (١). فإن كان الوالد أرفع درجة في الجنة من ولده رفع الله إليه ولده بمسألته (٢)، ليقرّ بذلك عينه، وإن كان الولد أرفع درجة من والديه، رفع الله إليه والديه، فقال الله ﷿: ﴿لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا﴾، لأن أحدهما لا يعرف منفعة صاحبه له في الجنة، وسبقه إلى منزلة عالية تكون سببًا لرفعه إليها (٣).\nالقول الثاني: أن هذا فصل معترض بينهما، ومعناه متعلق بمعنى الآية.\nيقول: لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعًا في الدنيا فتعطونه من الميراث ما يستحق، ولكن الله تعالى قد فرض الفرائض على ما هو عنده حكمة، ولو وكل إليكم لم تعلموا أيهم أنفع لكم، فأفسدتم وضيعتم وأعطيتم من لا يستحق ومنعتم من يجب له الميراث، وهذا قول الزجاج (٤)، وابن الأنباري، وجماعة من أهل المعاني (٥)، وإليه أشار ابن عباس في\n_________\n(١) أخرجه عن ابن عباس ابن جرير بنحوه ٨/ ٤٩، وسنده حسن. انظر: \"تحقيق المروي\" عن ابن عباس ١/ ١٨٤، وذكره الثعلبي في \"الكشف والبيان\" ٤/ ٢٣ أ.\n(٢) في (أ): (بمسلته).\n(٣) ذكر الهواري معنى ذلك من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس، وقريبًا منه قولًا للكلبي. انظر \"تفسير كتاب الله العزيز\" ١/ ٣٥٥، \"الكشف والبيان\" ٤/ ٢٣ أ، \"معالم التنزيل\" ٢/ ١٧٨.\n(٤) ساق الزجاج القولين من دون اختيار لأحدهما. انظر: \"معاني القرآن\" ٢/ ٢٤.\n(٥) انظر: \"تفسير الطبري\" ٤/ ٢٨١ - ٢٨٢، \"إيضاح الوقف والابتداء\" ٢/ ٥٩٣، \"الدر المنثور\" ٢/ ٢٢٣، ٢٢٤.","vol":"6","page":365},{"text":"رواية عطاء (١).\nوقوله تعالى: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾ منصوب على التوكيد من قوله: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ﴾، أي لهؤلاء الورثة ما ذكرنا مفروضًا، (ففريضة) (٢) مؤكدة لقوله: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ﴾ (٣).\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾. قال الحسن: كان عليمًا بالأشياء قبل خلقها، حكيمًا فيما يقدر (٤).\nوقال عطاء: كان عليمًا بخلقه قبل أن يخلقهم، حكيمًا حيث فرض للصغار مع الكبار، ولم يخصّ الكبار بالميراث كما كانت العرب تفعل (٥).\nوحكى الزجاج عن سيبويه، قال: كأن القوم شاهدوا علمًا وحكمة ومغفرة وتفضلًا، فقيل لهم: إن الله كان كذلك، أي: لم يزل على ما شاهدتم (٦).\n_________\n(١) لم أقف على هذه الرواية.\n(٢) في (أ)، (د): بفريضة، والتصويب من \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٥.\n(٣) من \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٥، وتوضيح قول المؤلف -تبعًا للزجاج- بأن فريضة منصوب على التوكيد أي: أنها مصدر مؤكد لمضمون الجملة السابقة من الوصية، وقد أطلق كل من ابن جرير والنحاس ومكي أنها منصوبة على المصدرية. انظر: \"تفسير الطبري\" ٤/ ٢٨٢، \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ٣٩٨، \"مشكل إعراب القرآن\" لمكي ١/ ١٩٢، \"الدر المصون\" ٣/ ٦٠٦.\n(٤) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٥، وانظر: \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ٤٠٠، \"زاد المسير\" ٢/ ٢٩، \"تفسير الحسن\" ١/ ٢٦٤.\n(٥) لم أقف عليه عن عطاء، وانظر: الطبري ٤/ ٢٨٢، \"الوسيط\" ٢/ ٤٦٧.\n(٦) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٥، وانظر: \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ٤٠٠، \"زاد المسير\" ٢/ ٢٩، ولم أقف على قول سيبويه في كتابه.","vol":"6","page":366},{"text":"وقال الخليل: الخبر عن الله ﷿ بمثل هذه الأشياء، كالخبر بالاستقبال والحال؛ لأن صفات الله تعالى لا يجوز عليها الزوال والتقلب (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً﴾. قد أكثروا في الكلالة، والذي عليه الأكثرون وهو الصواب أن الكلالة ما عدا الوالد والولد (٢).\nوهو قول أبي بكر، وعمر، وابن عباس، وابن زيد، وقتادة، والزهري، وابن إسحاق (٣).\nوأخبرني موسى بن الفضل (٤)، حدثنا الأصم (٥)، عن محمد بن الجهم (٦)، عن الفراء، قال: الكلالة ما خلا الولد والوالد (٧).\nوأقرأني العروضي، عن الأزهري، قال: أخبرني المنذري (٨)، عن\n_________\n(١) من \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٥ بتصرف ودون نسبة للخليل، وانظر: \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ٤٠٠، \"زاد المسير\" ٢/ ٣٠.\n(٢) انظر: \"معاني الفراء\" ١/ ٢٥٧، \"مجاز القرآن\" ١/ ١١٨، \"غريب القرآن\" لابن قتيبة ص١١٦، \"تفسير الطبري\" ٤/ ٢٨٣، \"تفسير كتاب الله العزيز\" ١/ ٣٥٦، \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٦، \"الكشف والبيان\" ٤/ ٢٣ ب، \"زاد المسير\" ٢/ ٣٠، ٣١، \"تفسير ابن كثير\" ١/ ٥٠٠.\n(٣) انظر: \"الطبري\" ٨/ ٥٣ - ٧٥.\n(٤) لم أقف له على ترجمة.\n(٥) هو أبو العباس محمد بن يعقوب بن يوسف المعقلي النيسابوري، تقدمت ترجمته.\n(٦) هو أبو عبد الله محمد بن الجهم السمري، تقدمت ترجمته.\n(٧) قول الفراء في \"معاني القرآن\" ١/ ٢٥٧، وانظر: \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣١٧٦ - ٣١٧٧ (كل) حيث جاء بسند آخر.\n(٨) هو أبو الفضل محمد بن أبي جعفر المنذري الهروي، تقدمت ترجمته.","vol":"6","page":367},{"text":"الحسين ابن فهم (١)، عن سلمة، عن أبي عبيدة، أنه قال: الكلالة كل من لم يرثه (ولد أو أب) (٢). ونحو ذلك قال الأخفش (٣).\nقال المنذري: وسمعت أبا العباس (٤) يقول: الكلالة من القرابة ما خلا الوالد والولد. سموا كلالة لاستدارتهم بنسب الميت من تكلله النسب أي أحاط به واشتمل عليه (٥). فهم بمنزلة العصبة، كالإخوة والأخوات والأعمام وأبنائهم.\nقال: وسمعته (٦) مرة يقول: الكلالة من سقط عنه طرفاه، وهما أبواه (وولداه (٧»، فصار كلا وكلالة، أي: عيالًا على الأصل. يقول: سقط\n_________\n(١) في (أ) كأنها: (الجهين) أو: الجهز بن فهيم، ولعل ما أثبته من (د) هو الصواب لموافقته \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣١٧٦ - ٣١٧٧ (لكل). والحسين هذا هو أبو علي الحسين بن محمد بن عبد الرحمن بن فهم البغدادي، إمام علامة عالم بالحديث والتاريخ والأدب من الفصحاء، توفي -﵀- سنة ٢٨٩ هـ.\nانظر: \"سير أعلام النبلاء\" ٣/ ٤٢٧.\n(٢) في (د): (ولد ولا أب)، وما أثبته هو الموافق لـ\"التهذيب\"، أما \"المجاز\" لأبي عبيدة ١/ ١١٨ ففيه: (كلالة) كل من لم يرثه أب أو ابن أو أخ فهو عند العرب كلالة اهـ، وإدخال أبي عبيدة الأخ مع الأب والابن هنا لا يوافق عليه. انظر \"الجامع لأحكام القرآن\" ٥/ ٧٧.\n(٣) \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣١٧٦ (كل)، ولم أر الأخفش في \"معاني القرآن\" تعرض لتفسير الكلالة.\n(٤) هو أحمد بن يحيى المعروف بثعلب، تقدمت ترجمته.\n(٥) قول المنذري من \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣١٧٦ - ٣١٧٧ (كل) بتصرف يسير، وانظر: \"الصحاح\" ٥/ ١٨١١ (كلل)، \"اللسان\" ٧/ ٣٩١٨ (كلل).\n(٦) القائل المنذري والمسموع أبو العباس ثعلب.\n(٧) في \"التهذيب\": وولده.","vol":"6","page":368},{"text":"(من (١» الطرفين فصار عيالًا عليهم (٢). وقيل: لأن من لا يكون والدًا ولا ولدًا كلّت قرابته عن أن تكون قرابة ماسة. يقال: هو أكَلُّ من هذا، أي: أبعد نسبًا (٣).\nوحديث جابر يفسر الكلالة، وأنه الوارث (غير الوالد والولد)؛ لأنه يقول: مرضت مرضًا أشفيت منه على الموت، فأتيت النبي - ﷺ -، فقلت: إني رجل ليس يرثني إلا كلالة (٤).\nأراد أنه لا والد له ولا ولد، فكل من مات ولا ولد له ولا والد فهو كلالة ورثته، وكل وارث ليس بوالد للميت ولا ولد له فهو كلالة موروثه (٥).\nفالكلالة اسم يقع على الوارث والموروث إذا كانا بالصفة التي ذكرنا (٦).\nويقال: رجل كلالة وامرأة كلالة وقوم كلالة، لا يثنى ولا يجمع؛ لأنه مصدر كالدلالة والوكالة، يقال: كل الرجل يكل كلالة، أي صار\n_________\n(١) في (د): (عن)، وما أثبته هو الموافق لـ\"التهذيب\".\n(٢) \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣١٧٦ (كل)، وانظر \"اللسان\" ٧/ ٣٩١٩ (كلل).\n(٣) هذا القول في توجيه هذه الكلمة ليس في \"تهذيب اللغة\"، ولم أقف عليه، وانظر: \"العين\" ٥/ ٢٧٩ (كل) ..\n(٤) الكلام من قوله: وحديث جابر من \"تهذيب اللغة\" ٩/ ٢٤٧، أخرجه ابن جرير ٤/ ٢٨٦ بنحوه، وذكره -بنصه- السمين في \"عمدة الحفاظ\" ص ٥٠١ (كلل)، وعبارة (غير الوالد والولد) ليست في \"التهذيب\".\n(٥) انتهى من \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣١٧٦ (كل) بتصرف.\n(٦) هناك خلاف: هل الكلالة اسم يقع على الوارث؟ أو المورث؟ أو عليهما \"معاني الآثار\" للطحاوي، كما نص عليه المؤلف؟ انظر: \"تفسير الطبري\" ٤/ ٢٨٦، ولعل الراجح ما أشار إليه المؤلف. انظر: \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣١٧٧ (لكل)، \"اللسان\" ٧/ ٣٩١٨ - ٣٩١٩ (كلل)، \"عمدة الحافظ\" ص٥٠١ (كلل).","vol":"6","page":369},{"text":"كلًّا، وهو الذي لا ولد له ولا والد. ذكره الليث (١)، وهو صحيح.\nوالدليل على أن الوارث يُسمى كلالة حديث جابر أنه قال: ليس يرثني إلا كلالة، والدليل على أن الموروث الميت يُسمى كلالة قول الفرزدق:\nوَرِثتُم قَناةَ المُلك لا عن كَلالةٍ ... (عن ابنَي منافٍ: عبدِ شمسٍ وهاشم) (٢) (٣)\nوقول الشاعر:\nيهز سلاحًا لم يرِثه كلالةً ... يَشُكُّ بِه منهَا جلودَ المَغَابنِ (٤)\nيصف ثورًا وقرنه وأنه ورثه من أبيه، وجعل القرن له كالرمح من الأسلحة، وأنه يشق به مغابن الكلاب. فالكلالة في هذا البيت يحتمل أنه الوارث، ويحتمل أنه الموروث.\n_________\n(١) لم أقف على ما نسبه المؤلف لليث لا في \"العين\" ولا في \"تهذيب اللغة\" ولا غيرهما، وانظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" ٥/ ٧٨.\n(٢) هذا الشطر الثاني من البيت ليس في (د)، وإنما اكتفى الناسخ بقوله: البيت.\n(٣) البيت في \"الكشف والبيان\" ٤/ ٢٤ أ، \"اللسان\" ٧/ ٣٩١٨ (كلل) فيه الشطر الأول، \"عمدة الحفاظ\" ص ٥٠١ (كلل)، \"الدر المصون\" ٣/ ٦٠٧، وقد ذكر د. أحمد الخراط في تحقيقه للأخير أن البيت ليس في \"ديوان الفرزدق\"، هذا مع أني لم أجده في \"معجم شواهد العربية\" رغم اتفاق من عزوت إليهم على نسبته إلى الفرزدق، فقد يكون سقط من \"ديوان الفرزدق\" و\"منتهى الطلب\"، والله أعلم.\n(٤) البيت للطرماح كما في \"ديوانه\" ص١٣٣، و\"البحر المحيط\" ٣/ ٣٥٢، و\"أساس البلاغة\" (كلل) و\"الصحاح\" (سلح)، و\"المحكم\" (سلح) و\"اللسان\" (سلح): (بزغ). والمغابن جمع مَغبِن، وهو الإبط والرُّفغ (باطن الفخذ)، وتطلق المغابن على معاطف الجلد أيضًا. انظر: \"اللسان\" ٦/ ٣٢١١ (غبن).","vol":"6","page":370},{"text":"قال الأزهري: ودل قول الشاعر (١) أن الأب ليس بكلالة، وأن سائر الأولياء من العصبة بعد الولد كلالة، وهو قوله:\nفإنَّ أبا المرءِ أحمَى له ... وَمولى الكَلالةِ لا يَغْضَبُ (٢)\nأراد أن أبا المرء أغضب له إذا ظُلم، وموالي الكلالة وهم الإخوة والأعمام وبنو الأعمام وسائر القرابات لا يغضبون للمرء غضب الأب (٣).\nوقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً﴾ الكلالة في هذه الآية الميت، وهو الموروث، والمراد به الأخ للأم إذا مات. ويورث ههنا من: وُرِثَ يُورث، لا من: أُورِثَ يُورَث (٤).\nوانتصب كلالة من وجهين: أحدهما: أنه خبر كان (٥).\nوالثاني: على الحال. المعنى يورث في حالٍ مكللةٍ نسب ورثته، أي لا ولد له ولا والد. وهذا الوجه هو الاختيار، وهو قول الزجاج، والكلالة مصدر وقع موقع الحال، تقديره: يورث متكلل النسب (٦).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ﴾ إن قيل: قد سبق ذكر الرجل والمرأة\n_________\n(١) في البيت اللاحق لا السابق.\n(٢) لم أعرف قائله وهو من \"شواهد الزجاج في معانيه\" ٢/ ٢٦، \"الكشف والبيان\" ٤/ ٢٤ أ، \"اللسان\" ٧/ ٣٩١٨ (كلل) إضافة إلى الأزهري حيث أفاد المؤلف منه كما سيأتي العزو إليه.\n(٣) \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣١٧٧ (كلل)، وانظر \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٦، \"اللسان\" ٧/ ٣٩١٨ (كلل).\n(٤) \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣١٧٦ (كلل)، وانظر: \"اللسان\" ٧/ ٣٩١٨ (كلل).\n(٥) انظر: \"معاني القرآن\" للأخفش ١/ ٤٣٨، \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ٤٠٠، \"مشكل إعراب القرآن\" ١/ ١٩٢.\n(٦) انظر: \"معاني الأخفش\" ١/ ٤٣٨، \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٥، \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ٤٠٠، واقتصر الزجاج على ذكر هذا القول فقد يكون اختاره دون غيره.","vol":"6","page":371},{"text":"في قوله: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ﴾ ثم قال: ﴿وَلَهُ أَخٌ﴾ فأضاف إلى الرجل وكنى عنه دون المرأة؟\nقال الفراء: وذلك جائز، إذا جاء حرفان في معنى واحد بـ (أو) أسندت التفسير إلى أيهما شئت، وإن شئت أسندت إليهما (١)، تقول في الكلام: من كان له أخ أو أخت فليصله تذهب إلى الأخ، وفليصلها تذهب إلى الأخت، وإن قلت: فليصلهما، فذلك جائز، (وإن شئت قلت: فليصلهم) (٢)، كقراءة من قرأ ﴿إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهم﴾ [النساء: ١٣٥] (٣) ذهب إلى الجميع لأنهما اثنان غير مؤقتين (٤).\nوأجمع المفسرون على أن المراد (بالأخ والأخت ههنا من الأم) (٥) (٦)، وكذلك في قراءة سعد بن أبي وقاص (٧): (وله أخ أو أخت من أم) (٨).\n_________\n(١) في \"معاني الفراء\" ١/ ٢٥٧: وإن شئت ذكرتهما فيه جميعًا.\n(٢) ما بين القوسين ليس في \"معاني الفراء\".\n(٣) نُسبت هذه القراءة لأبيّ -﵁- وليست في المتواتر. انظر: \"البحر المحيط\" ٣/ ٣٧٠.\n(٤) انتهى من \"معاني القرآن\" ١/ ٢٥٧ - ٢٥٨، وانظر: الطبري ٤/ ٢٨٧ - ٢٨٨، \"الكشف والبيان\" ٤/ ٢٤ أ، \"الجامع لأحكام القرآن\" ٥/ ٧٨.\n(٥) في (د): (بالأخ والأخت أولاد الأم).\n(٦) انظر \"تفسير كتاب الله العزيز\" للهواري ١/ ٣٥٦، \"تفسير الطبري\" ٤/ ٢٨٧ - ٢٨٨، \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٦، \"الكشف والبيان\" ٤/ ٢٤ أ، \"معالم التنزيل\" ٢/ ١٨٠، \"أحكام القرآن\" لابن العربي ١/ ٣٤٩، \"تفسير ابن كثير\" ١/ ٥٠٠.\n(٧) هو أبو إسحاق سعد بن مالك بن أُهيب القرشي صحابي مشهور، أحد العشرة المبشرين بالجنة وآخرهم موتًا. روى عن النبي - ﷺ - كثيرًا. كان فارسًا شجاعًا، وهو أحد الستة أهل الشورى وعرف بإجابة الدعوة، توفي - ﵁ - على الأشهر سنة ٥٦ هـ. انظر: \"الاستيعاب\" ٢/ ١٧١ - ١٧٤، \"الإصابة\" ٢/ ٣٣ - ٣٤.\n(٨) أخرجِ أبن جرير بسنده عن سعد أنه كان يقرأ: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ﴾ قال سعد: لأمه وذكر هذه القراءة الثعلبي في \"الكشف =","vol":"6","page":372},{"text":"قال ابن عباس في رواية عطاء: وله أخ أو أخت من أمه (١).\n﴿فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ (وفرض) (٢) الواحد من ولد الأم السدس، فإن كانوا أكثر من واحد اشتركوا في الثلث، الذكر والأنثى فيه سواء. هذا لا خلاف فيه بين الأمة (٣).\nقال أبو إسحاق: وإنما استُدِل على أن المراد بالأخ والأخت ههنا أولاد الأم بأن ذكر في آخر هذه السورة في قوله: ﴿قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ [النساء: ١٧٦] (٤) أن للأختين الثلثين، وأن للإخوة كل المال، فعُلم ههنا لما جعل للواحد السدس وللاثنين الثلث، ولم يزادوا على الثلث شيئًا ما كانوا، أنه يعني بهم الإخوة لأم (٥).\nوقوله تعالى: ﴿غَيْرَ مُضَارٍّ﴾ أي: مدخل الضرر على الورثة (٦). قال المفسرون: هو أن يوصي الرجل بدين ليس عليه (٧)، يريد بذلك ضرر\n_________\n= والبيان\" ٤/ ٢٤ أ، والسيوطي في \"الدر المنثور\" ٢/ ٢٢٤.\n(١) لم أقف على هذا الأثر إلا عند المؤلف نفسه في \"الوسيط\" ٢/ ٤٧٢، وانظر: \"تنوير المقباس\" بهامش القرآن الكريم ص ٧٩.\n(٢) في (أ): (وفوّض).\n(٣) انظر: الطبري ٤/ ٢٧٧، \"الإجماع\" لابن المنذر ص ٣٤، \"الكشف والبيان\" ٤/ ٢٤ أ، \"معالم التنزيل\" ٢/ ١٨٠، \"أحكام القرآن\" لابن العربي ١/ ٣٤٩، \"الجامع لأحكام القرآن\" ٥/ ٧٩.\n(٤) سياق الآية ليس في \"معاني الزجاج\".\n(٥) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٦.\n(٦) \"الكشف والبيان\" ٤/ ٢٤ ب.\n(٧) ذكر ذلك الثعلبي عن الحسن في \"الكشف والبيان\" ٤/ ٢٤ ب؛ والبغوي في \"معالم التنزيل\" ٢/ ١٨٠، وانظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" ٥/ ٨٠، \"البحر المحيط\" ٣/ ١٩٠.","vol":"6","page":373},{"text":"الورثة، فمنع الله منه.\nوانتصب ﴿غَيْرَ مُضَارٍّ﴾ على الحال، المعنى. يُوصَى بها غير مضار (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ﴾ قال ابن عباس: يريد فريضة من الله (٢). وهذا مثل ما ذكرنا في قوله: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ﴾ [النساء: ١١].\nوانتصابه على المصدر من قوله: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ﴾ (٣).\nوقال الفراء: يريد: فلكل واحد منهما السدس وصية من الله، كما تقول: لك درهمان نفقة إلى أهلك (٤). وذكرنا هذا الوجه في قوله: ﴿نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ [النساء: ٧].\nوقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾ قال ابن عباس: بمن يجوز في وصيته (٥). وقال الزجاج: ﴿عَلِيمٌ﴾ (٦) بما دبّر من هذه الفرائض، حليم عمّن عصاه بأن أخَّره وقبل توبته (٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-712>١٣ </span>- وقوله تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ الآية.\nذكرنا معنى الحدود فيما تقدم. قال ابن عباس: يريد ما حد الله من\n_________\n(١) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٧، وانظر: \"مشكل إعراب القرآن\" ١/ ١٩٢، \"البيان\" لابن الأنباري ١/ ٢٤٦، القرطبي ٥/ ٨٠، \"البحر المحيط\" ٣/ ١٩١.\n(٢) لم أقف على من خرجه عنه، وانظر: \"تنوير المقباس\" ص ٧٩.\n(٣) انظر: \"تفسير الطبري\" ٤/ ٢٧٥، \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ٣٩٨، \"مشكل إعراب القرآن\" ١/ ١٩٢، \"البيان\" ١/ ٢٤٦.\n(٤) قول الفراء في \"معاني القرآن\" ١/ ٢٥٨، وانظر: \"تفسير الطبري\" ٤/ ٢٧٥.\n(٥) لم أقف له على تخريج.\n(٦) في (أ): (عليهم)، والصواب ما أثبته كما في \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٧.\n(٧) \"معانى الزجاج\" ٢/ ٢٧، وانظر: \"الوسيط\" ٢/ ٤٧٢.","vol":"6","page":374},{"text":"فرائضه (١). وقال ابن كيسان (٢)، والزجاج: أي: هذه التي تليت في أمر الفرائض وأمر اليتامى في أول السورة (٣).\nوقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ﴾ (٤).\nوقرأ نافع وابن عامر بالنون، والمعنى فيه كالمعنى في الياء، ومثله قوله: ﴿بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٠]، ثم قال: ﴿سَنُلْقِى﴾ بالنون [آل عمران: ١٥١] (٥).\nوقوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ قال أبو إسحاق: أي: ندخلهم مقدرين الخلود فيها، وهذا كما تقول في الكلام: مررت برجل معه صقرٌ صائدًا به غدًا، أي: مقدرًا الصيد غدًا، لأن الحال لا يكون إلا ما أنت فيه (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-713>١٤ </span>- وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾.\nقال الضحاك: المعصية ههنا الشرك (٧).\n_________\n(١) \"تفسير ابن عباس\" ص ١٣٨، وأخرجه ابن جرير بمعناه من طريق ابن أبي طلحة ٨/ ٦٩، ٧٢، وذكره ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٢/ ٣٣ بلفظ المؤلف. انظر: \"الدر المنثور\" ٢/ ٢٢٨، \"تحقيق المروي\" عن ابن عباس ١/ ١٩٧.\n(٢) هو أبو الحسن محمد بن أحمد بن إبراهيم بن كيسان، تقدمت ترجمته.\n(٣) الذي في \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٧: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ أي: الأمكنة التي لا ينبغي أن تُتجاوز، ولم أقف على قول ابن كيسان.\n(٤) (يدخله) ليست في (د).\n(٥) \"الحجة\" ٣/ ١٤٠، ١٤١، وانظر: \"السبعة\" ص ٢٢٨، وهذا القراءة عشرية قرأ بها أبو جعفر أيضًا من العشرة. انظر: \"المبسوط\" ص ١٥٤، \"النشر\" ٢/ ٢٤٨.\n(٦) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٧ بتصرف.\n(٧) لم أقف عليه، وهذا القول مرجوح؛ لأن الآية عامة ولا مخصص لها، وأصوب من هذا القول الثاني لابن عباس لموافقته السياق.","vol":"6","page":375},{"text":"وقال عكرمة عن ابن عباس: من لم يرض بقسم الله، ويتعدى ما قال الله يدخله نارًا (١)، وقال الكلبي: يعني: يكفر بقسمة المواريث ويتعد حدوده استحلالًا (٢).\nوقوله تعالى: ﴿يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [النساء: ١٤] (٣). في نصب خالد وجهان: أحدهما: أنه حال من الهاء في ﴿يُدْخِلْهُ﴾، على تقدير: يدخله خالدًا في النار، إلا أنه لما تقدم ذكر النار كنى عنها (٤).\nالثاني: أنه من نعت النار. في قول الزجاج (٥)، وهذا كما يقول زيد: مررت بدار ساكن فيها، ومثله: ﴿مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾ [النساء: ٧٥].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-714>١٥ </span>- قوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ﴾ الآية. اللاتي جمع التي، وللعرب في جمع التي لغات، يقال: اللاتي، واللات، واللواتي، واللوات، واللوا، واللائي، واللاء، واللآت، واللاآت (٦). قال الشاعر:\n_________\n(١) لم أجد قول ابن عباس هذا بنصه هذا ومن نفس الطريق إلا عند المؤلف هنا وفي \"الوسيط\" ٢/ ٤٧٣، لكن جاء عنه من طريق علي بن أبي طلحة أنه فسر هذه الآية بقوله: في شأن المواريث التي ذكر من قبل. \"تفسير ابن عباس\" ص ١٣٨، والطبري ٤/ ٢٩١ وانظر \"تحقيق المروي\" عن ابن عباس ١/ ١٩٧.\n(٢) انظر: \"تنوير المقباس بهامش القرآن الكريم\" ص ٧٩.\n(٣) قوله تعالى: ﴿وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ ليس في (أ).\n(٤) انظر \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٧، \"مشكل إعراب القرآن\" ١/ ١٩٢، \"البيان في غريب القرآن\" ١/ ٢٤٦، \"الكشاف\" ١/ ٢٥٦.\n(٥) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٧، وانظر: \"مشكل إعراب القرآن\" ١/ ١٩٢، وقد منع الزمخشري صحة هذا الوجه. انظر: \"الكشاف\" ١/ ١٩٢، \"الدر المصون\" ٣/ ٦١٥.\n(٦) انظر \"مجاز القرآن\" ١/ ١١٩، \"معانى الزجاج\" ٢/ ٢٨، \"الصحاح\" ٦/ ٢٤٧٩ (لتى)، \"اللسان\" ٧/ ٣٩٩٤ - ٣٩٩٥ (لتا)، \"الدر المصون\" ٣/ ٦١٦.","vol":"6","page":376},{"text":"من اللَّواتي والّتي واللاّتي ... زَعَمنَ أنَّي كَبِرَت لِداتي (١)\nفجمع بين ثلاثة أحرف للمبالغة في التوكيد، وكل واحد منها يكفي من الآخر.\nوالعرب قد تقول في جمع النساء: التي، فتقول: ما فعل الهندات التي أمرها كذا، وقال الآخر:\nاللَّات كالبِيض لَّما تَعْدُ أن دَرَسَتْ ... صُفرُ الأَنَامل من قَرع القَوَاقِيزِ (٢)\nوقال آخر:\nمن اللاء لم يَحجُجْن (٣) يَبغِين حِسبةً ... ولكنْ لِيَقْتُلن البَريء المُغَفَّلا (٤)\nوقال آخر:\nأولئك أخْدانِي وأخلال شِيمَتي ... وأخدانُك اللَّاآت زُّينَّ بالكَتمِ (٥)\n_________\n(١) قائله غير معروف، ومعنى لداتي أي: أسناني. انظر: \"مجاز القرآن\" ١/ ١١٩، \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٨، \"الصحاح\" ٦/ ٢٤٧٩، \"اللسان\" ٧/ ٣٩٩٥ (لتا).\n(٢) هذا البيت للأسود بن يعفر حسب ما في \"اللسان\" ٧/ ٣٩٩٥ (لتا). لكن فيه: اللأت كالبيض، قال: وُيروى: اللاء كالبيض، واللواتي، واللات بلا ياء، وقافيته في \"اللسان\": القوارير.\n(٣) في (أ)، (د): (يحجن).\n(٤) نسبه إلى عمر بن أبي ربيعة أبو عبيدة في \"مجاز القرآن\" ١/ ١١٩، ١٢٠، وهو في \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٨، \"تهذيب اللغة\" ١/ ٤١٥ (التى)، \"زاد المسير\" ٢/ ٣٤، بدون نسبة، ونسب في \"زهر الآداب\" ١/ ١٦٨، إلى الحارث المخزومي.\n(٥) البيت في \"اللسان\" ٧/ ٣٩٩٥، \"الدر المصون\" ٣/ ٦١٧ بدون نسبة.","vol":"6","page":377},{"text":"قال ابن الأنباري: العرب تقول في الجمع من غير الحيوان: التي، ومن الحيوان: اللاتي، كقوله: ﴿أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ [النساء: ٥]، وقال في هذه الآية: ﴿وَاللَّاتِي﴾. والعِلّة في ذلك أن الجمع من غير الحيوان سبيله سبيل الشيء الواحد. وتأويله قوله: ﴿أَمْوَالَكُمْ﴾ التي (عدتكم (١» التي جعل الله لكم قيامًا. وجمع الحيوان لا يُجرى مجرى الواحد، ألا ترى أنك تقول: الأموال أخذتها، والأثواب اشتريتها. وتقول في جميع الحيوان: ما فعلت الهندات اللاتي رأيتهن. فتنعتهن بالجمع (٢)؛ لأن كل واحدة منهن يقع على عين معروفة، ولا يجري مجرى شيء كما يجري الجمع من الموات مجرى شيء و(عدّه) (٣). ومن العرب من يُسَوِّي بين الموات وغيره في هذا المعنى، فيقول: ما فعلت الهندات التي من أمرها كذا، وما فعلت الأثواب اللاتي من قصتهن كذا وكذا. والأول هو المختار (٤). وأنشد في جمع النساء:\nمن اللَّواتي والّتي واللَّاتي (٥)\nوقوله تعالى: ﴿يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ﴾ أي: يفعلنها، يقال: أتيت أمرًا قبيحًا، أي فعلته. قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا﴾ [مريم: ٢٧]، وقال: ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا﴾ [مريم: ٨٩] (٦).\nوالفاحشة: الفِعلة القبيحة، وهي مصدر عند أهل اللغة؛ كالعافية\n_________\n(١) هكذا في (أ)، (د)، وقد تكون: من ربكم.\n(٢) في (أ): (بالجميع).\n(٣) هكذا في (أ)، وفي (د): (عدة)، ولم تظهر.\n(٤) لم أقف على كلام ابن الأنباري، وانظر: \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ٤٠١.\n(٥) سبق قريبًا.\n(٦) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٢٥٨، \"عمدة الحافظ\" ص ٧ (أتى).","vol":"6","page":378},{"text":"والعاقبة، يقال: فَحَش الرجل يفحش فحشًا وفاحشةً، وأفحش إذا جاء بالقبيح من القول أو الفعل (١). ذكره الزجاج في باب الوفاق (٢).\nوأجمعوا على أن الفاحشة ههنا الزنا (٣).\nوقوله تعالى: ﴿فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾. أي: من المسلمين (٤) ﴿فَإِنْ شَهِدُوا﴾ بالزنا (٥) ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ﴾: أي: فاحبسوهن في السجون (٦).\nقال المفسرون: هذا أمر كانوا يستعملونه في أول الإسلام إذا كان الزانيان ثيبين حبسا ومنعا من مخالطة الناس، وإذا كانا بِكْريَن أُوذِيا بالتعنيف والتوبيخ، فيقال لهما: انتهكتما حُرماتِ الله وعصيتماه، واستهدفتما لعقابه، هذا وما أشبهه من الكلام، ثم نَسخ الله الحبس والأذى بِرَجْم الثيِّبين وجلد البِكرين (٧).\n_________\n(١) انظر: \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٧٤٦، \"الصحاح\" ٣/ ١٠١٤ (فحش).\n(٢) ليس في \"معاني الزجاج\" حول تفسير الآية، ولم يتبين مقصود المؤلف في إحالته هذه.\n(٣) انظر: \"تفسير ابن عباس\" ص ١٣٨، \"غريب القرآن\" لابن قتيبة ص ١١٦، \"تفسير كتاب الله العزيز\" للهواري ١/ ٣٥٨، الطبري ٤/ ٢٩١ - ٢٩٢، \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٨، \"الكشف والبيان\" ٤/ ٢٤ ب، البغوي ٢/ ١٨١، القرطبي ٥/ ٨٣، ابن كثير ١/ ٥٠٣.\n(٤) \"تفسير الطبري\" ٤/ ٢٩٢، \"الكشف والبيان\" ٤/ ٢٤ ب.\n(٥) \"الكشف والبيان\" ٤/ ٢٤ ب.\n(٦) انظر: \"تفسير الطبري\" ٤/ ٢٩٢، \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٨، \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ٤٠١ - ٤٠٢، \"الكشف والبيان\" ٤/ ٢٤ ب، \"الدر المنثور\" ٢/ ٢٢٩ - ٢٣٠.\n(٧) هذا معنى قول ابن عباس وقتادة وابن زيد والحسن وغيرهم. انظر: \"تفسير ابن عباس\" ص ١٣٨، \"تفسير كتاب الله العزيز\" ١/ ٣٥٨، الطبري ٤/ ٢٩٢، \"الكشف والبيان\" ٤/ ٢٤ ب.","vol":"6","page":379},{"text":"أخبرنا أبو القاسم عبد الرحمن بن محمد السراج (١) ﵀، أخبرنا أبو الحسن محمد بن الحسن الكارزي (٢)، أخبرنا علي بن عبد العزيز (٣)، أخبرنا أبو عُبَيد، حدثنا حجاج بن محمد (٤)، عن ابن جريج، وعثمان بن عطاء (٥)، عن عطاء الخراساني (٦)، عن ابن عباس في هذه الآية قال: نسخها قوله: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا﴾ الآية [النور: ٢] (٧).\nقال أبو عبيد: وحدثنا عبد الله بن صالح (٨)، عن معاوية بن صالح (٩)،\n_________\n(١) هو عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله القرشي النيسابوري، انظر: \"العبر\" ١/ ١٨٨.\n(٢) هو محمد بن محمد بن الحسن. انظر: \"الإكمال\" ٧/ ١٤١\n(٣) هو أبو الحسن علي بن عبد العزيز بن المرزبان البغوي، حافظ صدوق، صنف \"المُسند الكبير\" وأخذا القراءات عن أبي عبيد وغيره، انتقل في آخر عمره إلى مكة حتى مات بها سنة ٢٨٦ هـ وقيل بعدها بسنة. انظر: \"سير أعلام النبلاء\" ١٣/ ٣٤٩، \"غاية المنتهى\" ١/ ٥٤٩.\n(٤) هو أبو محمد حجاج بن محمد المصيصي الأعور، أحد العلماء والرواة الثقات إلا أنه اختلط في آخر عمره لمّا قدم بغداد، وقد توفي -﵀- بها سنة ٢٠٦ هـ. انظر: \"ميزان الاعتدال\" ١/ ٤٦٤، \"التقريب\" ص ١٥٣ رقم (١١٣٥).\n(٥) هو أبو مسعود عثمان بن عطاء بن أبي مسلم الخراساني ضعيف في رواية الحديث. توفي -﵀- سنة ٥٥ هـ، وقيل قبلها. انظر: \"ميزان الاعتدال\" ٣/ ٤٨.\n(٦) عطاء بن أبي مسلم الخراساني، تقدمت ترجمته، وروايته عن ابن عباس مُرسلة.\n(٧) في \"الناسخ والمنسوخ في القرآن العزيز\" لأبي عبيد ص ١٣٢ بنحوه مطولًا.\n(٨) هو أبو صالح عبد الله بن صالح بن محمد بن مسلم الجهني، كاتب الليث بن سعد، صاحب حديث وعلم صدوق في الرواية ثبت في الكتابة توفي -﵀- سنة اثنتين أو ثلاث وعشرين ومائتين للهجرة انظر: \"ميزان الاعتدال\" ٢/ ٤٤٠ - ٤٤٥، \"التقريب\" ص ٣٠٨ رقم (٣٣٨٨).\n(٩) هو أبو عمرو معاوية بن صالح الحضرمي الحمصي، من مشاهير العلم والرواية، وقد وثقه غير واحد من الأئمة وحكم عليه ابن حجر بأنه صدوق. ولي القضاء =","vol":"6","page":380},{"text":"عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في هذه الآية، وفي قوله: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا﴾ قال: كانت المرأة إذا زنت حُبست في البيت حتى تموت، وكان الرجل إذا زنا أوذي بالتعيير (١)، والضرب بالنّعال، فنزلت: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢]، قال: وإن كانا محصنين رجما بسنة رسول الله - ﷺ - قال: فهو سبيلهما الذي جعله الله لهما يعني: قوله: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ (٢).\nقال أبو عبيد: حدثنا أبو النضر (٣)، عن شعبة (٤)، عن قتادة، عن الحسن (٥)، عن حِطَّان بن عبد الله الرقاشي (٦)، عن عُبادة بن\n_________\n= وتوفي -﵀- بمصر سنة ١٥٨ هـ، وقيل بعدها. انظر: \"تاريخ الثقات\" ٢/ ٢٨٤، \"مشاهير علماء الأمصار\" ص١٩٠، \"التقريب\" ص ٥٣٨ رقم (٦٧٦٢).\n(١) في (د): (بالتغيير)، بالغين المعجمة.\n(٢) من \"الناسخ والمنسوخ في القرآن العزيز\" لأبي عبيد ص ١٣٢، ١٣٣، والأثر في \"تفسير ابن عباس\" ص ١٣٨، وأخرجه الطبري ٤/ ٢٩٢ - ٢٩٣، والنحاس في \"الناسخ والمنسوخ\" ٢/ ١٦٧، وانظر: \"الدر المنثور\" ٢/ ٢٣٠.\n(٣) هو هاشم بن القاسم بن مسلم الليثي بالولاء، البغدادي -وكان من مفاخر بغداد- صاحب سنة ومتفق على توثيقه في الرواية وقد توفي -﵀- سنة ٢٠٧ هـ. انظر \"تاريخ الثقات\" ٢/ ٣٢٣، \"التقريب\" ص ٥٧٠ رقم (٧٢٥٦).\n(٤) هو أبو بسطام شعبة بن الحجاج بن الورد العتكي، الواسطي ثم البصري، ثقة حافظ قال عنه الثوري: أمير المؤمنين في الحديث من العلماء بالرجال ومن العباد الفضلاء، توفي -﵀- سنة ١٦٠هـ انظر: \"تاريخ الثقات\" ١/ ٤٥٦، \"مشاهير علماء الأمصار\" ص ١٧٧، \"التقريب\" ص ٢٦٦ رقم (٢٧٩٠).\n(٥) في النسختين: (الحسين)، والتصويب من الطبري ٤/ ٢٩٣ - ٢٩٤، والبغوي ٢/ ١٨١، وابن كثير ١/ ٥٠٣.\n(٦) هو حِطَّان بن عبد الله الرقاشي البصري، من التابعين الثقات وكان رجلًا صالحًا، توفي -﵀- بعد السبعين للهجرة في ولاية بشر على العراق. انظر \"تاريخ الثقات\" ١/ ٣٠٨،\"التقريب\" رقم (١٣٩٩).","vol":"6","page":381},{"text":"الصامت (١)، قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"خُذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلًا، البِكر يُجلد ويُنفى، والثيّب يُجلد ويُرجم\" (٢).\nوخص النساء بالذكر في هذه الآية، والحد في الزنا على النساء والرجال واحد؛ لأن المرأة أحرص على الزنا من الرجل، فخصها بالذكر، كما قدم اسمها في آية الزنا، وهو قوله: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ (٣) [النور: ٢]. وقدم اسم الرجل في آية السرقة في قوله: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ [المائدة: ٣٨] من حيث كان الرجل أحرص على السرقة من المرأة (٤).\nقال المفسرون: بعض الآية منسوخ، وهو الإمساك في البيوت، وبعضها ثابت، وهو استشهاد الأربعة (٥). واقترن بناسخ الوحي (٦) وحيٌ غير\n_________\n(١) هو أبو الوليد عُبادة بن الصامت بن قيس بن أصرم الأنصاري الخزرجي من الصحابة الفضلاء، وقد شهد بدرًا والمشاهد بعدها وهو من النقباء في البيعة ليلة العقبة، كان من علماء الصحابة وله مناقب وقد ولي القضاء، توفي -﵁- بالرملة سنة ٣٤هـ، وقيل بعدها. انظر: \"تاريخ خليفة\" ص ١٦٨، \"الاستيعاب\" ٢/ ٣٥٥، \"الإصابة\" ٢/ ٢٦٨.\n(٢) \"الناسخ والمنسوخ\" لأبي عبيد ص ١٣٣، وأخرجه الطبري ٤/ ٢٩٣ - ٢٩٤.\n(٣) الحكم على جنس المرأة بأنها أحرص على الزنا من الرجل فيه نظر، ولعل الأولى أن يقال إن تخصيص المرأة بالذكر هنا وتقديم اسمها في آية النور، لأن الزنا في حق المرآة أشد؛ إذ إن العار يلحقها مدى حياتها بخلاف الرجل، ولأن الفتنة في النساء أضر كما قال النبي - ﷺ -: \"ما تركت بعدي فتنة هي أضر على الرجال من النساء\" أخرجه مسلم (٢٧٤٠) كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب: ٢٦ أكثر أهل الجنة الفقراء ...، وباب: الفتنة بالنساء ٤/ ٢٠٩٧ (ح ٩٧).\n(٤) انظر \"غرائب التفسير\" للكرماني ١/ ٣٣١.\n(٥) انظر \"الكشف والبيان\" ٤/ ٢٥ ب.\n(٦) ناسخ الوحي هنا هو قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢].","vol":"6","page":382},{"text":"متلوّ على لسان الرسول وهو التغريب والرجم (١).\nوجلد الثيب منسوخ أيضًا، فعله رسول الله - ﷺ -، ثم تركه (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-715>١٦ </span>- قوله تعالى: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ﴾. قرأ ابن كثير (٣): (اللَّذَانّ)، (هَذَانّ)، (هاتَينّ)، (فَذَانِّك) مشددة النون، ووافقه أبو عمرو في: (فَذَانِّك). وإنما شدد نون التثنية لأنه جعل التشديد عِوضًا من الحذف الذي لحق الكلمة، ألا ترى أن قولهم: إذًا قد حذف لامها، وقد حذفت الياء من: (اللَّذَانِّ) في التثنية. فإن قلت: إنّ الحذف في: (اللَّذَانّ)، إنما هو لالتقاء الساكنين، وما حذف لالتقاء الساكنين فهو في تقدير الثبات بدلالة قوله:\nولا ذاكر الله إلا قليلًا (٤)\nألا ترى أنه نصب مع الحذف كما ينصب مع الإثبات؟ قيل: إن المحذوف (٥) في (اللَّذانّ) لمّا لم يظهر في التثنية التي كان يلزم أن يثبت فيها ويتحرك، أشبه ما حُذف حذفًا، لغير التقاء الساكنين، فاقتضى العوض،\n_________\n(١) لعله يشير إلى حديث عبادة المتقدم.\n(٢) حكى الطبري الإجماع على ذلك في \"تفسير الطبري\" ٤/ ٢٩٤، وقال البغوي: وعامة العلماء على أن الثيب لا يُجلد مع الرجم لأن النبي - ﷺ - رجم ماعزًا والغامدية ولم يجلدهما \"معالم التنزيل\" ٢/ ١٨٢، وانظر: \"تفسير ابن كثير\" ٢/ ٥٠٣.\n(٣) هو أبو مَعبَد عبد الله بن كثير بن المطلب، أحد القراء السبعة، تقدمت ترجمته.\n(٤) عجز بيت لأبي الأسود الدؤلي، وصدره:\nفألفيته غير مستعتب\n\"الكتاب\" ١/ ١٦٩، \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٠٢، \"المقتضب\" ٢/ ٣١٢، \"الحجة\" ٢/ ٤٥٤، \"سر صناعة الإعراب\" ٢/ ٥٣٤. والشاهد منه: ذاكر الله، حيث نصب لفظ الجلاله مع حذف التنوين من ذاكر.\n(٥) في \"الحجة\" ٣/ ١٤٢. إن اللام.","vol":"6","page":383},{"text":"وكذلك القول في: (هذان) التشديد فيه عوض من المحذوف عنه في التثنية وكان حقهما في التثنية: اللّذيان وهذيان. واتفقت هذه الأسماء من (اللذان وهذان) في هذا التعويض، كما اتفقتا في التحقير في فتح الأوائل منهما، مع ضمها في غيرهما، وفي إلحاق الألف أواخرها (١)، وذلك نحو: اللذيّا، واللتيّا، وهاتيّا، وهاذيّا (٢).\nفأما تخصيص أبي عمرو التعويض في المُبهمة ألزم (٣)، فبحسب لزومها الحذف ألزمها العوض، ألا ترى أن اللذين (٤) إذا قلت: اللذيّا، فحقّرت أظهرت اللام المحذوفة في التثنية في التحقير، وإذا حقّرت المُبهمة (٥) قلت: ذيّا (٦)، فالحذف قائم؛ لأنه كان ينبغي: ذَييّا (٧)، الياء الأولى عين الفعل، والثانية للتحقير، والثالثة لام الفعل، فُحذفت التي هي عين الفعل، ولم يجُز أنْ تحذف التي هي لام، لأنك لو حذفتها لتحركت ياء التحقير لمجاورتها الألف، وهذه الياء لا تُحّرك أبدًا، فلما لم يُتَم المُبهم في التحقير لمجاورتها الألف، وأُتِم الموصول، خص المبهم بالعوض دون الموصول. فإن قيل: هلا وجب العوض من المنقوص في التثنية نحو: دم، ويد، وغد؟\n_________\n(١) في \"الحجة\" ٣/ ١٤٢ - والكلام من أوله في الآية منه- هذه الكلمة: أواخرهما.\n(٢) لعل المراد التصغير.\n(٣) قد يكون هنا سقط أو اختصار، ففي \"الحجة\" ٣/ ١٤٢: فأما تخصيص أبي عمرو التعويض في المبهمة في نحو قوله: (فذانِّك) وتركه التعويض في اللذان، فيشبه أن يكون ذلك لما رآه من أن الحذف للمبهمة ألزم، فبحسب إلخ.\n(٤) في (أ)، (د): الذي، ولعل الصواب ما أثبته، كما في \"الحجة\" ٣/ ١٤٢.\n(٥) في \"الحجة\": المبهم.\n(٦) في \"الحجة\": هاذيا.\n(٧) فى \"الحجة\": هاذيبا.","vol":"6","page":384},{"text":"قيل: هذا لا يلزم، ألا تري أنهم عوضوا في: أسطاع، وأهراق، ولم يعوضوا في: أجاد، وأقام، ونحو ذلك. وأيضًا فإن الحذف لَمَّا لم يلزم هذه الأساء المتمكنة كان الحذف كلا حذف، ألا ترى أنّ منه ما يتم في الواحد نحو:\nإن مع اليوم أخاه غدوًا (١)\nومنه ما يتم في التثنية نحو: يديان بيضاوان (٢).\nونحو:\nجرى الدميان بالخبر اليقين (٣)\nوفي الجمع نحو: أيد، ودماء، وفي التحقير نحو: دُميّ، ويُديّة، وليست المبهمة كذلك.\nويمكن أن يكون أبو عمرو قَدّر (ذَانِّك) تثنية ذلك، فعوض الحرف في التثنية من الحرف الزائد الذي كان في الإفراد، والأول أشبه (٤).\n_________\n(١) صدره:\nلا تقلواها وادلواها دلوا\nوانظر: \"جمهرة الأمثال\" ٢/ ٢٨٤، و\"المستقصى في الأمثال\" ١/ ٤١٤، و\"مجمع الأمثال\" ١/ ٣٠٤، و\"الزاهر\" ١/ ٣٣٨، و\"اللسان\" (دلو)، و\"جمهرة اللغة\" (فلو- قلو- دغن- دمو).\n(٢) جزء من شطر بيت هو:\nيَدَيان بَيضَاوان عند مُحَلَّم ... قد تَمْنَعَانِك أَنْ تُضام وتُضهدا\nولم يعرف قائله. انظر \"الحاشية في تحقيق الحجة\" ٣/ ١٤٣.\n(٣) عجز بيت صدره:\nفَلَو أنّا عَلى حَجَرٍ ذُبِحنا\nوينسب لعلي بن بدال بن سليم وقيل لغيره. انظر: \"مجالس العلماء\" للزجاجي بتحقيق هارون ص ٢٥١، \"الإنصاف\" ص٣٠٠، \"معجم شواهد العرب\" ص ٤٠٨.\n(٤) الكلام من أوله \"القراءات\" لأبي علي الفارسي في \"الحجة\" ١/ ١٤١ - ١٤٤، =","vol":"6","page":385},{"text":"وقوله تعالى: ﴿يَأْتِيَانِهَا﴾ أي الفاحشة (١). قال المفسرون: هذا في البِكرين يزنيان (٢).\nوقوله تعالى: ﴿فَآذُوهُمَا﴾ قال عطاء وقتادة والسدي: يعني التَّعيير باللسان والتوبيخ، كما ذكرنا (٣).\nوقال ابن عباس: يؤذيان بالتعبير ويضربان بالنعال (٤).\n﴿فَإِنْ تَابَا﴾ من الفاحشة، ﴿وَأَصْلَحَا﴾ العمل فيما بعد، فاتركوا أذاهما (٥).\nوقد ذكرنا حكم هذه الآية في الآية التي قبلها.\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١٦]. معنى التَّواب أنه يعود على عبده بفضله ومغفرته إذا تاب إليه من ذنبه (٦).\nوذكرنا قول سيبويه والخليل في مثل قوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾، ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ وما أشبه هذا.\n_________\n= بتصرف في العبارة وحذف لا أثر لهما في المعنى. انظر: \"معاني القراءات\" ١/ ٢٩٦، \"الحجة في القراءات السبع\" لابن خالويه ص ١٢١، \"حجة القراءات\" ص ١٩٣.\n(١) \"غريب القرآن\" لابن قتيبة ص ١٢٢، والطبري ٤/ ٢٩٤.\n(٢) انظر: الطبري ٤/ ٢٩٤ - ٢٩٥، \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٩، \"الكشف والبيان\" ٤/ ٢٥ أ.\n(٣) قول قتادة والسدي عند الطبري ٤/ ٢٩٦، ونسبه لعطاء الثعلبي في \"الكشف والبيان\" ٤/ ٢٥ أ. انظر \"معالم التنزيل\" ٢/ ١٨٢، \"زاد المسير\" ٢/ ٣٥.\n(٤) هذا الأثر عن ابن عباس ثابت، فهو من طريق ابن أبي طلحة كما في \"تفسير ابن عباس\" ص ١٣٨، والطبري ٤/ ٢٩٦، وعزاه السيوطي أيضًا إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم في \"الدر المنثور\" ٢/ ٢٣١، وانظر: \"تحقيق المروي\" عن ابن عباس ١/ ٢٠١.\n(٥) انظر: \"الطبري\" ٤/ ٢٩٨، \"الكشف والبيان\" ٤/ ٢٥ أ، \"الدر المنثور ٢/ ٢٣١.\n(٦) انظر: \"الطبرى\" ٤/ ٢٩٨.","vol":"6","page":386},{"text":"وكان أبو عبيدة يتأول في كان معنيين: المُضِيّ والاستقبال، وينشد قول جرير:\nفأدركت من قَد كان قبلي ولم أَدَع ... لمَن كان بَعدي في القصائدِ مَصْنَعَا (١)\nوقال ابن الأنباري: معنى قوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا﴾ وأشباه هذا: وكان الله أبدًا ولم يزل كذلك، وصَلحَ وضعُ الماضي في موضع الدائم؛ لأن المعنى كان مفهومًا غير مُلبِس، كقوله: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّة﴾ [الأعراف: ٤٤]، وهو يريد: ويُنادي؛ لأن المعنى مفهوم، وإنما (عبرنا للماضي) (٢)؛ لأن الذي هو في علم الله كونه لا بد من وقوعه، فكأنه قد وقع، ولا يجوز: قام عبد الله، بمعنى: يقوم لأنه يُشكل.\nوذهب المبرد وابن قتيبة إلى أن (كان) في مثل هذا صلة في جميع القرآن (٣)، وأنشد المبرد:\nفكيف إذا مررتُ بدارِ قوم (٤) ... وجيرانٍ لَنا كانوا كِرام (٥)\nفألغى كان. قال ابن الأنباري: ولا وجه لهذا عندي؛ لأنه لا يُلغى (٦) الكونُ وهو عامل، والكون في البيت الذي أنشده المبرد غير عامل.\n_________\n(١) لم أقف على ما نسبه المؤلف لأبي عبيدة، لا في \"المجاز\" ولا في غيره، وأما البيت فهو في \"ديوان جرير\" ص ٢٦٣، لكن أوله: (وأدركت) بالواو. والشاهد منه: أن (كان) الأولى للمُضي، و(كان) الثانية للاستقبال.\n(٢) هكذا في (أ)، (د)، ولعل الصواب: عبر بالماضي.\n(٣) انظر: \"المقتضب\" ٤/ ١١٦وما بعدها.\n(٤) في \"المقتضب\": فكيف إذا رأيت ديار قوم.\n(٥) نسبه المبرد للفرزدق في \"المقتضب\" ٤/ ١١٦، وهو في \"ديوانه\" ٢/ ٢٩٠، وغير منسوب في \"مجاز القران\" ٢/ ٧،١٤٠، و\"اللسان\" ٧/ ٣٩٦١ (كون).\n(٦) في (أ): (يلقي).","vol":"6","page":387},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-716>١٧ </span>- قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ﴾. قال الحسن: يعني: التوبة التي يقبلها الله (١)، فتكون (على) بمعنى عند.\nوقال أهل المعاني: إن الله تعالى وعَد قبول التوبة من المؤمنين في قوله: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ الآية [الأنعام: ٥٤]، وإذا وعد الله تعالى شيئًا صدّق ميعاده ولم يجز الخلف فيه، فمعنى (على الله) أنه أوجب ذلك على نفسه بفضله (٢).\nوقوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ﴾. اتفقوا على أنه لم يُرِد بالجهالة ههنا أنهم يجهلون أنها ذنوب ومعاصي (٣)؛ لأن من عمل ذنبًا وهو لا يعلم أنه ذنب لم يستحق عقابًا؛ لأن الخطأ مرفوع عن هذه الأمة.\nقال الكلبي: لم يَجهل أنه ذنب، ولكنه جهل عقوبته (٤)، ومثل هذا قال الفراء (٥).\nوهذا لا يصح؛ لأنه يوجب أن من علم عقوبته وكان عالمًا بالتهديد فيه وكنه العقوبة لم تكن له توبة.\nوالصحيح في هذا ما قال المفسرون أن المعاصي كلها جهالة، ومن\n_________\n(١) \"الكشف والبيان\" ٤/ ٢٦ ب، وانظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٣٦، \"تفسير الحسن البصري\" ١/ ٢٦٦.\n(٢) انظر: \"غريب القرآن\" لابن قتيبة، \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٣١، ٢٥٤.\n(٣) أخرج ابن جرير بسنده عن قتادة -﵀- أنه قال في هذه الآية: اجتمع أصحاب رسول الله - ﷺ - فرأوا أن كل شيء عصي به فهو جهالة، عمدًا كان أو غيره، \"تفسير الطبري\" ٤/ ٢٩٨، وانظر: \"الكشف والبيان\" ٤/ ٢٦ ب، \"معالم التنزيل\" ٢/ ١٨٤.\n(٤) من \"الكشف والبيان\" ٤/ ٢٦ ب، وانظر: \"معالم التنزيل\" ٢/ ١٨٤.\n(٥) قال في \"معاني القرآن\" ١/ ٢٥٩: لا يجهلون أنه ذنب، ولكن لا يعلمون كنه ما فيه كعلم العالم.","vol":"6","page":388},{"text":"عصى ربه فهو جاهل (١)، يدل عليه قوله ﷿ إخبارًا عن يوسف: ﴿أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [يوسف: ٣٣]، أي من العاصين (٢).\nقال ابن عباس في هذه الآية: يريد أن ذنب المؤمن بجهل (٣) منه (٤).\nوقال الزجاج: معنى الجهالة ههنا، أنهم في اختيارهم اللذة الفانية على اللذة الباقية جُهّال (٥).\nوقوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾. قال ابن عباس: يريد ولو قبل موته بفواق (٦)، وهو قول أبي موسى الأشعري (٧) (٨).\n_________\n(١) كما تقدم عن قتادة ونقله الإجماع من الصحابة على ذلك.\n(٢) انظر: \"الدر المنثور\" ٢/ ٢٣٢.\n(٣) في (د): (جهل)، واللفظان متقاربان، وما أثبته يصح بتقدير: أن ذنب المؤمن يقع بجهل منه.\n(٤) أخرج الطبري من طريق الكلبي عن ابن عباس: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ﴾ قال: من عمل السوء فهو جاهل، من جهالته عمل السوء. \"تفسير الطبري\" ٤/ ٢٩٩، وانظر: \"الوسيط\" ٢/ ٤٧٨، ابن كثير ٢/ ٥٠٤، \"الدر المنثور\" ٢/ ٢٣٢.\n(٥) \"معاني القرآن\" ٢/ ٢٩.\n(٦) أورده المؤلف في \"الوسيط\" ٢/ ٤٧٩، ونسبه الثعلبي في \"الكشف والبيان\" ٤/ ٢٧ أبنصه إلى أبي موسى الأشعري، ولم أجده عن ابن عباس، لكن ثبت من طريق ابن أبي طلحة عنه أنه قال: القريب فيما بينه وبين أن ينظر إلى ملك الموت. \"تفسير ابن عباس\" ص ١٣٩، والطبري ٤/ ٣٠٠. والمراد بالفواق فواق الناقة وهو رُجوع اللبن في ضَرعها أو ما بين الحَلبتين. انظر: \"اللسان\" ٦/ ٣٤٨٨ (فوق).\n(٧) هو عبد الله بن قيس بن سليم بن حصار الأشعري، مشهور باسمه وكنيته أسلم مبكرًا واستعمله النبي - ﷺ - على اليمن، كان حسن الصوت بالقراءة فقيهًا مكثرًا من رواية الأحاديث مجاهدًا. توفي - ﵁ - سنة ٤٢ هـ، وقيل بعدها. انظر: \"تاريخ خليفة\" ص ٩٧، ١٣٥، ٢١١، \"أسد الغابة\" ٣/ ٣٦٧، \"الإصابة\" ٢/ ٣٥٩.\n(٨) انظر: \"الكشف والبيان\" ٤/ ٢٧ أ","vol":"6","page":389},{"text":"وقال عكرمة وابن زيد: ما قبل الموت فهو قريب (١)، وكذلك قال الزجاج، أي: يتوبون قبل الموت؛ لأن ما بين الإنسان والموت قريب، فالتوبة مقبولة قبل اليقين بالموت (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾. قال ابن عباس: يريد علم ما في قلوب المؤمنين من التصديق واليقين فحكم لهم بالتوبة قبل الموت بقدر فَوَاق ناقة (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-717>١٨ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾ الآية. تعلقت الوعيدية (٤) بهذه الآية، وقالت: أخبر الله تعالى أن عصاةَ أهل الصلاة إذا أهملوا أمرهم إلى انقضاء آجالهم حصلوا على عذاب الآخرة مع الكفار؛ لأنه جمعهم في قوله: ﴿أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ (٥).\nوالجواب: ليس الأمر على ما زعمتم، فقد قال ابن عباس في رواية عطاء: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾ يريد الشرك (٦).\n_________\n(١) أخرج قولهما بنحوه الطبري ٨/ ٣٠١، وبنصه من \"الكشف والبيان\" ٤/ ٢٧/ أ، وانظر: البغوي ٢/ ١٨٥، وابن كثير ١/ ٥٠٤.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٢٩.\n(٣) راجع ما سبق من التعليق على الأثر المتقدم عن ابن عباس.\n(٤) هم قوم من المعتزلة وغيرهم غلبوا جانب الوعيد في النصوص الشرعية وأغفلوا جانب الوعد. انظر \"مقالات الإسلاميين\" ص ٢٧٤، ٢٧٦.\n(٥) انظر: \"الكشاف\" ١/ ٢٥٧.\n(٦) لم أجده عن ابن عباس من رواية عطاء، لكن ثبت معناه عنه من طريق علي ابن أبي طلحة قال: قوله تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾ الآية قال: فأنزل الله ﵎ بعد ذلك: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]، فحرم الله تعالى المغفرة على من مات وهو كافر، وأرجأ أهل التوحيد إلى مشيئته فلم يؤيسهم من المغفرة. \"تفسير ابن عباس\" ص ١٣٩، =","vol":"6","page":390},{"text":"وقال عكرمة عنه في هذه الآية: هم أهل الشرك (١).\nأخبرناه أبو القاسم عبد الرحمن بن محمد، أخبرنا محمد بن الحسن الكارزي، أخبرنا على بن عبد العزيز، أخبرنا أبو عبيد (٢)، حدثنا مُحمد بن ربيعة (٣)، عن النّضر بن عمران (٤)، عن عكرمة، عن ابن عباس.\nوقال الربيع بن أنس: ﴿إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ هو المنافق، ألا ترى يتلوه الكافرون (٥).\nوقال سعيد بن جبير: نزلت الأولى في المؤمنين، يعني قوله: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ﴾ الآية، والوسطى في المنافقين، يعني قوله: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ﴾، والأخرى في الكافرين، يعني قوله: ﴿وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ﴾ (٦).\n_________\n= والطبري ٤/ ٣٠٤، وانظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٣٨، ابن كثير ١/ ٥٠٤ - ٥٠٥، \"الدر المنثور\" ٢/ ٢٣٣.\n(١) أورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ٢/ ٢٣٣، وعزاه إلى ابن المنذر.\n(٢) السند إلى أبي عبيد تقدم قريبًا.\n(٣) هو محمد بن ربيعة الكلابي بن وكيع، صدوق، توفي -﵀- بعد سنة ١٩٠هـ (هذا ما وجدته عنه مما يناسب المقام). انظر: \"ميزان الاعتدال\" ٣/ ٥٤٥، \"التقريب\" ص ٤٧٨ رقم (٥٨٧٧).\n(٤) لم أقف له على ترجمة.\n(٥) أخرج الطبري بإسناده عن الربيع: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾، قال: نزلت الأولى في المؤمنين، ونزلت الوسطى في المنافقين، يعني: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾، والأخرى في الكفار، يعني: ﴿وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾. \"تفسير الطبري\" ٤/ ٣٠٣.\n(٦) لم أقف على من أخرجه عن سعيد بن جبير، وقد تقدم قريبًا أن الطبري أخرجه عن الربيع بن أنس ٤/ ٣٠٣، وانظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٣٨.","vol":"6","page":391},{"text":"وإذا كانت الآية نازلة إما في الكفار أو المنافقين، على قول الصحابة والتابعين الذين شاهدوا التنزيل، وعرفوا التأويل، فلا وجه لحملها على أهل الصلاة.\nوبهذا الإسناد الذي ذكرنا عن أبي عبيد قال: حدثنا ابن صالح، -يعني: عبد الله-، عن معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، في قوله: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾ قال: ثم أنزل الله بعد ذلك: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] فحرم الله المغفرة على من مات وهو كافر، وأرجى أهل التوحيد إلى مشيئته، ولم يُؤيسهم من المغفرة (١).\nفإن قيل: هذا على ما رَوَيتم نسخٌ للأول، ونسخ الخبر لا يجوز. قلنا: لا نَدعي (٢) النسخ، ولفظ النسخ لم يُنقل عن ابن عباس، ولكن الآية الأولى اقتضت العموم بظاهرها، فلما نزلت الآية الثانية علمنا أن المراد بالأولى غير أهل التوحيد، من المنافقين والكافرين (٣).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾. الذين في موضع الخفض بالعطف على الأول (٤). ومعناه: لا توبة للكفار إذا ماتوا على كفرهم في الآخرة (٥)، وإنما لم تقبل التوبة في الآخرة لرفع التكليف ومعاينة\n_________\n(١) \"تفسير ابن عباس\" ص ١٣٩، وأخرجه الطبري بنفس الإسناد ٤/ ٣٠٤، وانظر: \"تحقيق المروي\" عن ابن عباس ١/ ٢٠٣.\n(٢) في (د): (يدعى) بالياء.\n(٣) أي: أن الآية الثانية مخصصة لعموم الأولى.\n(٤) انظر: \"معاني الفراء\" ١/ ٢٥٩، والطبري ٤/ ٣٠٤، \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ٤٠٢ - ٤٠٣، والثعلبي ٤/ ٢٨ أ.\n(٥) انظر: \"معاني الفراء\" ١/ ٢٥٩، والطبري ٤/ ٣٠٤.","vol":"6","page":392},{"text":"ما وعدوا في الدنيا من الثواب والعقاب، ولهذا لم تقبل توبة المُحتَضر لمعاينة أحكام الآخرة.\nقال الزجاج: ولأنه تاب في وقت (لا يُمكنه التصرف (١» فيما يُحقق التوبة (٢).\nوقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا﴾ أي: هيأنا وأعددنا. يقال: أعتدت الشيء فهو معتد وعتيد، وقد عتد الشيء عتادة وهو عتيد حاضر. قاله الليث، قال: ومن هنالك سميت العتيدة، التي فيها طيب الرجل وأدهانه، والعتاد ما أعده الرجل من السلاح والدواب والآلة للجهاد، ويُجمع: أعْتُدَةً، وأعتُدًا. ويقال: فرس عَتِدٌ وعَتَدٌ، وهو المُعَدّ للركوب (٣).\nواختلفوا في هذا الحرف، فقال قوم: عَتَد، بناء على حدة وأصل بنفسه (٤) ثم تُدغم التاء في الدال فيقال: أعدّ، والعدّة إنما هي العتدة ولكن أُدغمت التاء في الدال، الذي يدل على هذا قولهم: العدان، في جمع: عتود، وأصله عتدان، فعلى هذا الأصل أعتد، وأعدّ مدغم منه.\nوقال آخرون بناء أَعدّ من عين ودالين؛ لأنهم يقولون: أعددنا، فيظهرون الدالين، وأنشدوا قول امرئ القيس (٥):\n_________\n(١) في \"معاني الزجاج\": لا يمكن الإقلاع بالتصرف.\n(٢) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٩.\n(٣) انظر: \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٣١٦، \"الكشف والبيان\" ٤/ ٢٨ أ، \"اللسان\" ٥/ ٢٧٩٤ (عتد).\n(٤) لعلها هكذا.\n(٥) تقدمت ترجمته.","vol":"6","page":393},{"text":"أعددتُ للحرب صارمًا ذَكرًا ... مُجرَّب الوَقع غير ذي عَتَبِ (١)\nولم يقل أَعَتدْت (٢).\nقال الأزهري: جائز أن يكون الأصل أعددت، ثم قلبت إحدى الدالين تاء، فعلى هذا الأصل أعدّ، وأعتد مقلوب (٣) منه (٤).\nقال الأزهري: وجائز أن يكون عتد بناء على حدة، وأعدّ بناء مضاعفًا، وهذا هو الأصوب عندي (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-718>١٩ </span>- قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ الآية.\nقال المفسرون: كان الرجل في الجاهلية (٦) إذا مات جاء ابنه من غيرها أو قريبه من عصبته فألقى ثوبه على المرأة، فصار أحق بها من نفسها ومن غيره، فإن شاء تزوجها بغير صَداق، إلا الصَّداق الأول الذي أصدقها الميت، وإن شاء زوَّجها غيره وأخذ صَداقها، ولم يُعطِها منه شيئًا، فأنزل الله تعالى هذه الآية، وأعلم أن ذلك حرام، وأن الرجل لا يرث المرأة من الميت (٧).\n_________\n(١) البيت غير منسوب عند الأزهري في \"التهذيب\" ٣/ ٢٣١٦، ولا في \"اللسان\" ٥/ ٢٧٩٥ (عتد) ولم أجده في \"ديوان امرئ القيس\" الذي بين يدي.\n(٢) \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٣١٦ - ٢٣١٧ (عتد) بتصرف، وانظر: \"اللسان\" ٥/ ٢٧٩٤ المادة نفسها.\n(٣) في (د): (مقارب).\n(٤) \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٣١٦ (عتد) بتصرف، وانظر: \"اللسان\" ٥/ ٢٧٩٥ المادة نفسها.\n(٥) \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٣١٧ (عتد) بتصرف، وانظر \"اللسان\" ٥/ ٢٧٩٥ المادة نفسها.\n(٦) في \"أسباب النزول\" للمؤلف (١٥١)، كان أهل المدينة في الجاهلية، وكذلك عند الثعلبي ٤/ ٢٨أ.\n(٧) انظر: \"تفسير القرآن\" لعبد الرزاق ١/ ١٥١، والطبري ٤/ ٣٠٥ - ٣٠٨، \"معاني =","vol":"6","page":394},{"text":"وقال بعضهم: الوراثة تعود إلى المال، وذلك أن وارث الميت كان له أن يمنعها من الأزواج إلى أن تموت فيرثها ما ورثت من الميت، فقال الله تعالى: لا يحل لكم أن ترثوهن أموالهن وهن كارهات (١).\nوقوله تعالى: ﴿كَرْهًا﴾ قرئ بفتح الكاف وضمها (٢)، وهما لغتان، كالفَقْر والفُقر، والضَّعف والضعف، والشَّهد والشُّهد (٣). قال أحمد بن يحيى (٤): ولا أعلم بين الأحرف التي ضمها (بعض القراء (٥» وفتحها بعضهم من: الكَره والكُره فرقًا في العربية، ولا في سُنَّة تُتّبع، ولا أرى الناس اتفقوا على الحرف الذي في سورة البقرة خاصة، وهو قوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦]، إلا أنه اسم وبقية القرآن مصادر (٦).\n_________\n= الزجاج\" ٢/ ٣٠، \"الكشف والبيان\" ٤/ ٢٨ أ، \"أسباب النزول\" للمؤلف ص ١٥١، \"زاد المسير\" ٢/ ٣٩، ابن كثير ١/ ٥٠٦ - ٥٠٧، \"لباب النقول\" ص ٦٥، ٦٦.\n(١) ممن ذهب إلى ذلك ابن عباس والزهري. انظر: الطبري ٤/ ٣٠٦ - ٣٠٧، \"زاد المسير\" ٢/ ٣٩، \"الدر المنثور\" ٢/ ٢٣٤ - ٢٣٥.\nوقد اختار الطبري القول الأول وأن المراد بوراثة النساء وراثة نكاحهن. انظر: \"تفسير الطبري\" ٤/ ٣٠٥ - ٣٠٦.\n(٢) قراءة الضم لحمزة والكسائي، والفتح لبقية العشرة. انظر: \"السبعة\" ص ٢٢٩، \"الحجة\" ٣/ ١٤٤، \"المبسوط\" ص ١٥٥، \"النشر\" ٢/ ٢٤٩.\n(٣) \"الحجة\" ٣/ ١٤٤.\n(٤) هو ثعلب وقوله في \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣١٣٦.\n(٥) في (د): بدون (بعض).\n(٦) انتهى قول ثعلب من \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣١٣٦ (كره)، وانظر: \"اللسان\" ٧/ ٣٨٦٥ نفس المادة.","vol":"6","page":395},{"text":"قال الأزهري: وقد أجمع كثير من أهل اللغة أن الكَره والكُره لغتان، فبأي لغة قرئ فجائز، إلا الفراء (١).\nوقد ذكرنا قوله في سورة البقرة (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ ذكرنا معنى العضل في سورة البقرة (٣).\nقال ابن عباس وقتادة والسدي والضحاك: المَنهيّ عن العضل ههنا الأزواج، فهو أن يُمسكوهن إذا لم يكن لهم فيهن حاجة إضرارًا بهن حتى يَفتدين ببعض مُهورهن (٤).\nوهذا القول اختيار الزجاج، قال: هؤلاء المُخاطَبون غير أولئك.\nوكان الرجل منهم إذا تزوج امرأة ولم تكن من حاجته حبسها لتفتدي منه، فأَعلمَ الله ﷿ أنّ ذلك لا يَحلّ (٥).\nوقوله تعالى: ﴿تَعْضُلُوهُنَّ﴾ يَصلح أن يكون نصبًا وجزمًا (٦). أما النصب على أن المعنى: لا يحلّ لكم أن ترثوا النساء ولا أن تعضلوهن (٧)،\n_________\n(١) انتهى من \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣١٣٦ (كره)، ووجهة نظر الفراء كما في \"التهذيب\" بقول الأزهري: فإنه زعم أن الكَره ما أكرهت نفسك عليه، والكُره ما أكرهك غيرك عليه، جئتك كَرها، وأدخلتني كُرها، وانظر: الثعلبي ٤/ ٢٨ ب.\n(٢) انظر: \"البسيط\" [البقرة: ٢١٦].\n(٣) انظر: \"البسيط\" [البقرة: ٢٣٢].\n(٤) انظر: \"تفسير عبد الرزاق\" ١/ ١٥١، الطبري ٤/ ٣٠٥، \"الكشف والبيان\" ٤/ ٢٩ب، البغوي ٢/ ١٨٦، \"زاد المسير\" ٢/ ٤٠، ابن كثير ١/ ٥٠٧، \"تحقيق المروي\" عن ابن عباس ١/ ٢٠٥.\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٣٠.\n(٦) انظر: \"معاني الفراء\" ١/ ٢٥٩، و\"الطبري\" ٤/ ٣٠٩، و\"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٠.\n(٧) انظر: \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٦٠، و\"الطبري\" ٤/ ٣٠٩.","vol":"6","page":396},{"text":"قال الفراء: وكذا هو في قراءة عبد الله (١). وأما الجَزْم فعلى النهي (٢).\nقال الأزهري (٣): العَضل في هذه الآية من الزوج لامرأته، وهو أن يُضارّها ولا يُحسن معاشرتها، ليضطرها بذلك إلى الافتداء منه بمهرها الذي أمهرها، سماه الله عَضلًا؛ لأنه يمنعها حقها من النفقة وحسن العشرة، كما أن الولي إذا منع أَيِّمه (٤) من التزويج فقد منعها (الحق الذي يجب لها عليه) (٥) (٦).\nوقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾. قال ابن عباس في رواية عطاء، والحسن وأبو قلابة (٧) والسدي: الفاحشة ههنا الزنا (٨).\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" ١/ ٢٥٩، وانظر: \"الطبري\" ٤/ ٣٠٩، \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ٤٠٤.\n(٢) انظر: \"معاني الفراء\" ١/ ٢٥٩، \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٠.\n(٣) \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٤٧٥ (عضل).\n(٤) في \"تهذيب اللغة\": حريمته.\n(٥) في \"التهذيب\": الحق الذي أبيح لها من النكاح، ولعل تعبير الواحدي أدق.\n(٦) انتهى من \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٤٧٥ (عضل)، وانظر: \"اللسان\" ٥/ ٢٩٨٨ - ٢٩٨٩ المادة نفسها\n(٧) هو عبد الله بن زيد الجرمي البصري من مشاهير علماء التابعين وثقاتهم إلا أنه يدلس وفيه نصب يسير، وقد أخرج حديثه الجماعة توفي -﵀- سنة ١٠٤هـ وقيل بعدها. انظر: \"تاريخ الثقات\" ٢/ ٣٠، \"ميزان الاعتدال\" ٢/ ٤٢٥، \"التقريب\" ص٣٠٤رقم (٣٣٣٣).\n(٨) أخرج قول الحسن وأبي قلابة والسدي الطبري ٤/ ٣١٠، وأما ابن عباس فإن الثابت عنه من رواية علي بن أبي طلحة كالقول الثاني، أن المراد: هو البغض والنشوز. \"تفسير ابن عباس\" ص ١٤٠، وأخرجه الطبري ٤/ ٣١٠.\nوانظر في ذلك: \"تفسير الهواري\" ١/ ٣٦٠، ٣٦١، البغوي ٢/ ١٨٦، \"زاد المسير\" ٢/ ٤١، ابن كثير ١/ ٥٠٧، \"الدر المنثور\" ٢/ ٢٣٥.","vol":"6","page":397},{"text":"وهو اختيار الزجاج (١).\nوقال ابن مسعود وقتادة والضحاك: هي النشوز (٢).\nثم اختلفوا في حُكم الآية؛ فقال الأكثرون: إذا زنت امرأة تحتَ رجُلٍ، أو نَشزَت عليه، حلّ له أن يَسْأَلها الخُلع، وأن يُضارَّها ويُسيء معاشرتها لتفتدي منه بالمهر.\nقال أبو قلابة: إذا رأى الرجل من امرأته فاحشةً فلا بأس أنْ يضارّها حتى تَخَتلِع منه (٣). قال الأزهري: فجعل الله ﷿ اللواتي يأتين الفاحشة مُستَثنيات من جُملة النساء اللواتي نهى الله أزواجهن عن عضلهن ليذهبوا ببعض ما آتوهن من الصداق (٤).\nوذهب بعضهم إلى أن هذا كان يجوز ثم نُسخ.\nقال عطاء الخراساني: كان الرجل إذا أصابت امرأته فاحشةً أَخذ منها ما ساق إليها وأخرجها (٥)، فنَسخ ذلك الحدود (٦).\nوهذا الاختلاف على قول من يجعل الفاحشة الزنا، ومن جعلها النشوز فلا نَسخ عنده، وللزوج إذا نَشزت المرأة أن يُسيء (٧) عِشرتها لترغب في الفدية.\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" ٢/ ٣٠.\n(٢) نص قول قتادة والضحاك ومعنى قول ابن مسعود حسبما أخرج الطبري ذلك عنهم في \"تفسيره\" ٤/ ٣١١، وانظر: \"الكشف والبيان\" ٤/ ٢٩ أ، \"زاد المسير\" ٢/ ٤١، وابن كثير ١/ ٥٠٧، \"الدر المنثور\" ٢/ ٢٣٦.\n(٣) أخرجه الطبري ٤/ ٣١٠، وانظر: \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٤٧٥ (عضل).\n(٤) \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٤٧٥ (عضل).\n(٥) في (د): (ثم أخرجها).\n(٦) أخرجه الطبري ٤/ ٣١١، وانظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٤١، \"الدر المنثور\" ٢/ ٢٣٦.\n(٧) في (أ): (بشى) بالشين المعجمة، ولعله تصحيف.","vol":"6","page":398},{"text":"واختلف (١) القراء في المبيّنة والمبيّنات، فقرئت بفتح الياء وكسرها (٢).\nقال سيبويه: يقال: أبان الأمر وأبنته واستبان، واستبنته، وبيّن وبيّنته (٣)، وقد ذكرنا هذا فيما تقدم. فمن فتح الياء فالمعنى عنده: يُبيَّن فحشها فهي مبينة، ومن كسر فحجته ما جاء في التفسير: فاحشة ظاهرة، فظاهرة حجة لمبيِّنة (٤). ثم قال: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ قال ابن عباس: يريد احْجبها بما يَجِب لها عليك من الحق (٥). وقال الزجاج: هو النُّصفة في المبيت والنفقة، والإجمال في القول (٦). وهذا قبل أن يأتين بالفاحشة.\nوقوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ١٩]. قال ابن عباس (٧): يريد فيما كرهتم مما هو لله رضا. ﴿خَيْرًا كَثِيرًا﴾ (٨) يريد ثوابًا عظيمًا (٩).\n_________\n(١) في (د): (واختلاف).\n(٢) قراءة الفتح لابن كثير وأبي بكر عن عاصم، والكسر للباقين. انظر: \"السبعة\" ص٢٣٠، \"الحجة\" ٣/ ١٤٥، \"الكشف\" ١/ ٣٨٣، \"النشر\" ٢/ ٢٤٨.\n(٣) قول سيبويه في \"الكتاب\" ٤/ ٦٣، وقد أخذه المؤلف من \"الحجة\" ٣/ ١٤٥.\n(٤) انظر: الطبري ٤/ ٣١٢، \"الحجة\" ٣/ ١٤٦، \"حجة القراءات\" ص ١٩٦، \"الكشف\" ١/ ٣٨٣.\n(٥) لم أقف على من خرجه عن ابن عباس، وانظر: \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ٨٠.\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٣٠، وانظر \"معاني القرآن\" للنحاس ٢/ ٤٧.\n(٧) في \"الوسيط\" ٢/ ٤٨٤: قال عطاء.\n(٨) في (أ): (خيركثير).\n(٩) لم أقف عليه.","vol":"6","page":399},{"text":"قال المفسرون: الخير الكثير في المرأة المكروهة أن يرزقه الله منها ولدًا صالحًا ويعطفه عليه (١).\nوقوله تعالى: ﴿فِيهِ﴾ الكناية تعود إلى قوله: ﴿شَيْئًا﴾، ويجوز أن تعود إلى الكراههَ والكُره؛ لأن الفعل يدل على المصدر (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-719>٢٠ </span>- قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ﴾ الآية. قال المفسرون: لما ذكر الله تعالى في الآية الأولى مُضارّة الزوجات إذا أتين بفاحشة، بَيّن في هذه الآية تحريم المضُارة في غير حال الفاحشة، ونهى عن بَخس (٣) حقَّها من المهر إذا أراد الرجل طلاقها وأن يتزوج غيرها، فليس المهر للمرأة موقوفًا على التمسك بها، حتى إذا أراد الاستبدال جاز له أخذه، بل هو تَمليكٌ صحيح لا يجوز الرجوع فيه (٤).\nوقوله تعالى: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾. فيه دليل على جواز المُغالاة في المهر (٥)، فقد رُوي أنّ عمر - ﵁ - قال على المنبر: ألا لا تُغالوا في مُهور نسائكم. فقامت امرأة وقالت: يا ابنَ الخطاب: الله يُعطينا وأنت تمنع، وتلت هذه الآية، فقال عمر: كُلّ الناس أفقه من عمر، ورجع عن\n_________\n(١) روى نحوه عن ابن عباس، وقال به كثير من المفسرين. انظر: الطبري ٤/ ٣١٣، و\"تفسير الهواري\" ١/ ٣٦١، والثعلبي ٤/ ٢٩ أ، والبغوي ٢/ ١٨٦، و\"زاد المسير\" ٢/ ٤٢، وابن كثير ١/ ٥٠٨، \"الدر المنثور\" ٢/ ٢٣٦.\n(٢) انظر: الطبري ٤/ ٣١٣، \"مشكل إعراب القرآن\" ١/ ١٩٤، \"الدر المصون\" ٣/ ٦٣٢.\n(٣) في (د): (يحسن).\n(٤) هذا من اهتمام المؤلف -﵀- ببيان التناسب بين الآيات، وقليل من المتقدمين من اهتم بذلك. انظر: \"البحر المحيط\" ٣/ ٢٠٥.\n(٥) زيادة المهر وكثرته شيء، والمغالاة بمعنى التنافس في زيادته شيء آخر، والآية دلت على جواز الأول دون الثاني، والله أعلم.","vol":"6","page":400},{"text":"كراهة المُغالاة (١).\nوقوله تعالى: ﴿أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا﴾.\nالبهتان في اللغة الكذب الذي يواجه به صاحبه على جهة المُكابرة له، وأصله من قولهم: بُهِت الرجل، إذا تحيّر، فالبهتان كذب يُحيِّر الإنسان لعِظَمه، ثم جُعل كل باطل يتحيّر من بطلانه بهتانًا، وهو اسم من البَهت، يقال: بَهَته، أي (٢): استقبله بأمر يقذفه به وهو منه بريء (٣)، ومنه الحديث: إذا واجهت أخاك بما ليس فيه فقد بهته (٤).\nقال الزجاج: البهتان ههنا مصدر وضع موضع الحال، المعنى: أتأخذونه مباهتين وآثمين (٥).\nوقال ابن عباس في هذه الآية: يريد أن أخذك إياه بعدما دخلت بها بهتان وإثم عظيم (٦). وفُسر البهتان في هذه الآية بالظلم (٧).\n_________\n(١) أخرجه بنحوه أبو يعلى بإسناد جيد قوي، وابن المنذر، انظر: \"تفسير ابن كثير\"، ١/ ٥٠٨، \"الدر المنثور\" ٢/ ٢٣٧.\n(٢) في (د): (إذا).\n(٣) انظر: \"معاني القرآن\" للنحاس ٢/ ٤٨، \"تهذيب اللغة\" ١/ ٤٠٠، \"مقاييس اللغة\" ١/ ٣٠٧، \"الصحاح\" ١/ ٢٢٤، \"اللسان\" ١/ ٣٦٨ (بهت).\n(٤) لعله يريد حديث الغيبة، وفيه: \"وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته\". أخرجه الإمام أحمد ٢/ ٢٣٠، عن أبي هريرة -﵁- وكذلك مسلم (٢٥٨٩) كتاب البر، باب: تحريم الغيبة، وغيرهما، انظر: \"المعجم المفهرس\" ١/ ٢٢٦ (بهت)\n(٥) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣١ بتصرف، وانظر: \"تهذيب اللغة\" ١/ ٤٠٠ (بهت).\n(٦) أورده المؤلف في \"الوسيط\" ٢/ ٤١٥، ولم أقف على من خرّجه.\n(٧) ممن فسره بذلك ابن قتيبة في \"غريب القرآن\" ص ١٢٢، والهواري في \"تفسيره\" ١/ ٣٦١، والطبري في \"تفسيره\" ٤/ ٣١٤، وعزاه ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٢/ ٤٣، إلى ابن عباس ولم أقف عليه عنه.","vol":"6","page":401},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-720>٢١ </span>- وقوله تعالى: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ﴾. استفهام معناه التوبيخ والتعظيم لأخذ المهر بغير حِلّه (١). ومضت نظائره والكلام (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾. الإفضاء في اللغة معناه الوصول، يقال: أفضى إليه، أي: وَصل إليه بالملابسة معه قال الشاعر:\nبِلًى (٣) وَثأًى أَفضَى إلى كُل كُثْبَةٍ (٤) ... بَدا سَيرُها مِن ظَاهِرٍ بعد ظَاهِرِ (٥)\nأي: البلى والفساد وصل إلى الخرز (٦).\nوأصله من الفضاء، الذي هو السعة، يقال: فَضا يفضو، فُضُوّا وفَضاءً، إذا اتسع. والفاضي المكان الواسع. فالإفضاء الوصول باتساع المذهب (٧).\n_________\n(١) انظر الطبري ٤/ ٣١٤، والثعلبي ٤/ ٢٩ ب.\n(٢) الظاهر أنه في الكلام حذف وتصحيف، ولعل التمام والصواب: ومضى نظائره والكلام عليه.\n(٣) عند الطبري ٤/ ٣١٤: بلى، ولعله هو الصواب.\n(٤) عند الطبري ٤/ ٣١٤: كتبه بالتاء المثناة، ولعله هو الظاهر كما سيظهر في الحاشية التالية.\n(٥) البيت للطرماح كما في \"ديوانه\" ص ١٢٧، وآخره \"من ظاهر بعد باطن\"، و\"المحرر الوجيز\" ٢/ ٣٠. وقد أثبته محمود شاكر في تحقيقه للطبري كالتالي: [بلين] بِلًى أفضى إلى [كل] كُتبة، بدا سيرها من باطن بعد ظاهر، وقال محمود في حاشي: والكُتبة (بضم فسكون) هي الخَرَزَة المضمومة التي ضم السير كلا وجهيها من المزادة والسقاء والقربة، يقال: كتب القربة، خرزها بسيرين. وهذا بيت يصف مَزادًا أو قربًا قد بليت خرزها بلى شديدًا فقطر الماء منها، فلم تعد صالحة لحمل الماء. \"تفسير الطبري\" بتحقيق شاكر ٨/ ١٢٥.\n(٦) الطبري ٤/ ٣١٤ بتصرف\n(٧) انظر \"العين\" ٧/ ٦٣ (فضو)، \"جمهرة اللغة\" ٣/ ٢٦١، \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٧٩٦ - ٢٧٩٧، \"الصحاح\" ٦/ ٢٤٥٥ (فضا)، \"أساس البلاغة\" ٢/ ٢٠٥ (فضو)،=","vol":"6","page":402},{"text":"وقال ابن المظفر: أفضى فلان إلى فلان، أي: وصل إليه. وأصله أنه صار في فُرجته وفَضائه (١).\nوللمفسرين في الإفضاء في هذه الآية قولان: أحدهما: أن الإفضاء ههنا كناية عن الجماع. قال ابن عباس في رواية عطاء: ﴿وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ يريد الجماع (٢). وهو قول مجاهد والسدي (٣)، واختيار الزجاج (٤)، وابن قتيبة (٥)، ومذهب الشافعي؛ لأن عنده للزوج أن يرجع في نصف المهر إذا طلق قبل المسيس وإن خلا بها (٦).\nالقول الثاني: أن الإفضاء أن يخلو بها وإن لم يُجامعها.\n_________\n= \"اللسان\" ٦/ ٣٤٣٠ (فضا).\n(١) قول ابن المظفر في \"العين\" ٧/ ٦٣ (فضو)، \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٧٩٦ - ٢٧٩٧ (فضا). وانظر \"اللسان\" ٦/ ٣٤٣٠ - ٣٤٣١ (فضا).\n(٢) ثبت عن ابن عباس - ﵁ - أنه فسر الإفضاء ههنا بالجماع، لكن من طريق آخر، رواه عنه بكر بن عبد الله المزني، أخرجه ابن جرير في \"تفسير الطبري\" ٤/ ٣١٤، وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\nانظر: \"الدر المنثور\" ٢/ ٢٣٨، \"تحقيق المروي عن ابن عباس\" ١/ ٢٠٨. ولم أقف على رواية عطاء.\n(٣) أخرج ذلك عنهما الطبري ٤/ ٣١٥، والأثر عن مجاهد في \"تفسيره\" ١/ ١٥٠، ١٥١، وانظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٤٣، وابن كثير ١/ ٥٠٩، و\"الدر المنثور\" ٢/ ٢٣٨.\n(٤) ليس للزجاج تصريح باختيار هذا القول دون غيره. انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٣١.\n(٥) \"غريب القرآن\" ص ١١٧.\n(٦) انظر: \"الأم\" ٥/ ٢١٥.","vol":"6","page":403},{"text":"وهذا القول اختيار الفراء في الإفضاء (١)، ومذهب أبي حنيفة (٢)؛ لأن الخلوة عنده تمنع من الرجوع في شيء من المهر بالطلاق (٣).\nواللغة تحتمل المذهبين، روى ثعلب، عن ابن الأعرابي: أفضى الرجل: دخل على أهله، وأفضى: إذا جامعها (٤). قال (٥): والإفضاء في الحقيقة الانتهاء، ومنه قوله تعالى: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى﴾ أي: انتهى وأوى (٦).\nوابن عباس والأكثرون على القول الأول (٧).\nوقوله تعالى: ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [النساء: ٢١]. قال الحسن وابن سيرين (٨) والضحاك وقتادة والسدي وعكرمة والفراء: هو قولهم عند العقد: زَوجتُكها على ما أخذ الله للنساء على الرجال من إمساك\n_________\n(١) في \"معاني القرآن\" ١/ ٢٥٩.\n(٢) هو النعمان بن ثابت التيمي الكوفي، الإمام الكبير المشهور العلامة الثقة، إمام الرأي والمذهب الحنفي، ولد سنة ٨٠ هـ في حياة صغار الصحابة ورأى أنس بن مالك. توفي سنة ١٥٠هـ انظر: \"تاريخ الثقات\" ص ٣١٤، \"تاريخ خليفة\" ص ٤٢٥، \"سير أعلام النبلاء\" ٦/ ٣٩٠، \"التقريب\" ص ٥٦٣ رقم (٧١٥٣).\n(٣) انظر: \"الاختيار\" لابن مودود الحنفي ٣/ ١٠٣.\n(٤) \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٧٩٦ (فضا).\n(٥) أي ابن الأعرابي.\n(٦) \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٧٩٦ (فضا)، وانظر: \"اللسان\" ٦/ ٣٤٢٦ المادة نفسها.\n(٧) هذا يفيد بأن القول الأول قول الجمهور، ولعل هذا ترجيح من المؤلف له.\n(٨) هو أبو بكر محمد بن سيرين الأنصاري البصري التابعي، إمام ثقة ثبت في الحديث وكان لا يرى الرواية بالمعنى، عابد كبير القدر، وقد أخرج حديثه الجماعة. توفي -﵀- سنة ١١٠هـ انظر: \"تاريخ الثقات\" ص٢٤٠، \"مشاهير علماء الأمصار\" ص ٨٨، \"التقريب\" ص ٤٨٣ رقم (٥٩٤٧).","vol":"6","page":404},{"text":"بمعروف أو تسريح بإحسان (١).\nقال الزجاج: التسريح بإحسان لا يكون بأن يأخذ مهرها، هذا تسريح بإساءة لا تسريح بإحسان (٢).\nوقال مجاهد وابن زيد: الميثاق الغليظ كلمة النكاح التي يُستحل بها فروج النساء (٣)، وهو قول ابن عباس في رواية عطاء، قال: الميثاق الغليظ: يريد الشهادة والخُطبة التي فيها ذكر الله والصلاة على النبي - ﷺ - والنكاح (٤). وقد قال النبي - ﷺ -: \"اتقوا الله في النساء، فإنكم (أخذتموهن بأمان) (٥) الله، واستحللتم فُروجهن بكلمة الله\" (٦). والصحيح أن هذه الآية\n_________\n(١) أخرج أقوال المتقدمين إلى عكرمة ابن جرير في \"جامع البيان\" ٤/ ٣١٥. وقد ذكر السيوطي في \"الدر المنثور\" ٢/ ٢٣٨ أن قول عكرمة كقول مجاهد الآتي عند المؤلف، وعزاه إلى ابن أبي شيبة وقد أخرج عبد الرزاق في \"تفسيره\" ١/ ١٥٢ قول قتادة خاصة. وقد نسب نحو هذا القول لابن عباس. انظر في ذلك كله: الثعلبي ٤/ ٣٠ أ، \"زاد المسير\" ٢/ ٤٣، ابن كثير ١/ ٥٠٩، \"الدر المنثور\" ٢/ ٢٣٨. وأما قول الفراء ففي \"معانيه\" ١/ ٢٥٩.\n(٢) \"معاني القرآن\" ٢/ ٣٢.\n(٣) الأثر عن مجاهد بنحوه في \"تفسيره\" ١/ ١٥١، وأخرجه الطبري ٤/ ٣١٦، وأما عن ابن زيد فقد أخرجه الطبري بلفظ: الميثاق النكاح. \"جامع البيان\" ٤/ ٣١٦. وانظر: \"تفسير كتاب الله العزيز\" ١/ ٣٦١، والثعلبي ٤/ ٣٠ ب، و\"زاد المسير\" ٢/ ٤٤، وابن كثير ١/ ٥٠٩، و\"الدر المنثور\" ٢/ ٢٣٨.\n(٤) لم أقف عليه، لكن أورد السيوطي في \"الدر المنثور\" ٢/ ٢٣٨ أن ابن أبي حاتم أخرج عن ابن عباس: ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ قال: هو قول الرجل: ملكت.\n(٥) المثبت من صحيح مسلم، وورد في الأصل (أخذتم بأمانة).\n(٦) جزءٌ من حديث طويل صحيح أخرجه مسلم رقم (١٢١٨) كتاب الحج، باب. حجة النبي - ﷺ -، انظر: \"المعجم المفهرس\" (حل).","vol":"6","page":405},{"text":"غير ناسخة لجواز الخُلع (١)، وأن للزوج أن يأخذ من المُختلعة (٢)؛ (لأن النشوز منها، فهو في حكم المُكره، لا المريد للاستبدال (٣).\nوذهب بكر بن عبد الله (٤) إلى أنه ليس للزوج أن يأخذ من المُختلعة (٥» شيئًا بظاهر هذه الآية (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-721>٢٢ </span>- وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ﴾ الآية. قال ابن عباس وجميع المفسرين: كانت العرب يتزوج الرجل منهم امرأة أبيه من بعده التي ليست بأمه، وكان نكاحًا جائزًا في العرب، فنهى الله عنه وحرمه (٧).\n_________\n(١) انظر: الطبري ٤/ ٣١٦ - ٣١٧.\n(٢) يدل عليه قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، وانظر: الطبري ٤/ ٣١٦، وابن كثير ١/ ٢٩٢ - ٢٩٧.\n(٣) انظر: \"الطبري\" ٤/ ٣١٦.\n(٤) هو أبو عبد الله بكر بن عبد الله المُزني البصري، إمام تابعي ثقة ثبت جليل كان من المتعبدين وأهل الفضل والتواضع، توفي -﵀- سنة ١٠٦ هـ. انظر: \"تاريخ الثقات\" ص ٢٥١، \"مشاهير علماء الأمصار\" ص ٩٠، \"التقريب\" ص ١٢٧ (٧٤٣).\n(٥) ما بين القوسين ليس في (د).\n(٦) أخرج الطبري بسنده عن ابن عباس قال: سألت بكرًا عن المُختلعة، أيأخذ منها شيئًا؟ قال: لا، ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ \"جامع البيان\" ٤/ ٣١٧. وقد رد العلماء رأي بكر هذا. انظر: الطبري ٤/ ٣١٧، و\"المحرر الوجيز\" ٣/ ٥٤٩، والقرطبي ٥/ ١٠٢.\n(٧) أخرج الطبري بسند صحيح عن ابن عباس، قال: كان أهل الجاهلية يحرمون ما يحرم إلا امرأة الأب، والجمع بين الأختين. قال فأنزل الله: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾. \"جامع البيان\" ٤/ ٣١٨، وانظر: \"تحقيق المروي عن ابن عباس\" ١/ ٢٠٩. وبنحو هذا القول قال قتادة وعكرمة وعطاء، وغيرهم. انظر: \"الطبري\" ٤/ ٣١٨، \"الدر المنثور\" ٢/ ٢٣٩ - ٢٤٠.","vol":"6","page":406},{"text":"فقوله: ﴿مَا نَكَحَ﴾ يحتمل أن تكون (ما) بمعنى: مَن، فيكون المعنى: ولا تنكحوا مَن نكح. ويحتمل أن تكون (ما) بمعنى المصدر، فيكون المعنى: ولا تنكحوا نكاح آبائكم، أي: كنكاح آبائكم، يعني: أن آبائهم كانوا ينكحون أزواج آبائهم، فنهاهم الله أن يكون نكاحهم كنكاح آبائهم، فيكون في التقدير الأول النهي عن التزوج بمنكوحات الآباء، وفي التقدير الثاني النهي عن أن يكون نكاحهم كنكاح آبائهم في البطلان والفساد (١).\nوقوله تعالى: ﴿مِنَ النِّسَاءِ﴾ عام في الحرائر والإماء، أما الحرة فتحرم بنفس العقد (٢)، دخل بها الأب أو لم يدخل (٣)؛ لإطلاق النهي عن نكاحها من غير تقييد، والأمَة يحرم نكاحها بوطء الأب (٤).\nوقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾. سلف في اللغة معناه: تقدم ومضى، يقال: سَلَف يَسلُف سُلُوفا (٥) فهو سَالِف. وكل مال قدمته في ثمن سلعة اشتريتها بصفة معلومة فهو سَلَفٌ وسَلَم (٦).\n_________\n(١) انظر: \"الطبري\" ٤/ ٣١٨ - ٣١٩، \"الدر المصون\" ٣/ ٦٣٥.\n(٢) انظر: \"الكشف والبيان\" ٤/ ٣٣ أ.\n(٣) ثبت عن ابن عباس - ﵁ - أنه قال في هذه الآية: كل امرأة تزوجها أبوك وابنك دخل أو لم يدخل، فهي عليك حرام \"تفسيره\" ص ١٤١، وأخرجه الطبري ٤/ ٣١٨، وما ذكره المؤلف مُجمع عليه بين العلماء. انظر: \"الإجماع\" لابن المنذر ص ٤٠، و\"بداية المجتهد\" ٢/ ٣٤، \"المغني\" ٩/ ٥٢٤، ٥٢٥، والقرطبي ٥/ ١١٣، وابن كثير ١/ ٥٠٩.\n(٤) انظر \"الكشف والبيان\" ٤/ ٣٣ أ. وقيل تحرم الأَمَة بمجرد اللمس والتقبيل، وقيل: بالنظر دون اللمس. انظر: القرطبي ٥/ ١١٤، وابن كثير ١/ ٥١٠.\n(٥) جاء في \"الصحاح\" ٤/ ١٣٧٦ (سلف): سلف يسلف سلفًا أي: مضى. وانظر الطبري ٤/ ٣١٩، \"مقاييس اللغة\" ٣/ ٩٥ (سلف)، الثعلبي ٤/ ٣٣ ب، \"اللسان\" ٤/ ٢٠٦٨ (سلف) وفيه المصدر: سلوفًا كما عند المؤلف.\n(٦) \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٧٣٥ (سلف).","vol":"6","page":407},{"text":"ويقال: سَلَفَ له عمل صالح، أي: تقدم، والسلف أيضًا من تقدم من آبائك وذوي قرابتك.\nومنه قول طفيل (١):\nمضوا سلفًا قصدُ السَّبيلِ عليهمُ ... وصرفُ المنايا بالرجالِ تَقَلَّبُ (٢)\nأراد أنهم تقدمونا، وقصد سبيلنا عليهم (٣).\nواختلفوا في هذا الاستثناء بعد إجماعهم على أن هذا ليس بمُخرِجٍ من التحريم؛ لأنه لو كان استثناءً مُخرِجًا من التحريم لوجب أن يُقرّ ما قد مضى منه في النكاح قبل نزول الآية إذ كانوا أحياء (٤)، وأكثرهم على أنه استثناء منقطع؛ على معنى: لكن ما قد سلف فإن الله قد تجاوز عنه (٥).\nوهذا قول ابن عباس في رواية عطاء (٦)، والكلبي (٧)، وأبي عبيدة (٨)،\n_________\n(١) هو أبو محمد طُفَيل بن كَعْب الغَنَوي، من فحول الشعراء في الجاهلية ومن أحسنهم شعرًا وأكثرهم وصفًا للخيل. توفي نحو سنة ١٣ قبل الهجرة.\nانظر: \"الشعر والشعراء\" ص ٢٩٥، \"الأعلام\" ٣/ ٢٢٨، \"معجم الشعراء في لسان العرب\" ص ٢١٤.\n(٢) استشهد بالبيت -إضافة إلى الأزهري- ابن منظور في \"اللسان\" ٤/ ٢٠٦٩ (سلف).\n(٣) \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٧٣٥ (سلف) بتصرف، وانظر: \"الصحاح\" ٤/ ١٣٧٦، \"اللسان\" ٤/ ٢٠٦٩ نفس المادة.\n(٤) المؤلف يقصد الإجماع على حُرمة بقاء عقد الزوجية على من كان فعل ذلك في نزول هذه الآية. انظر: \"أحكام القرآن\" لابن العربي ١/ ٣٦٩.\n(٥) انظر: \"الطبري\" ٤/ ٣١٩، \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ٤٠٤، والثعلبي ٤/ ٣٣ ب، \"مشكل إعراب القرآن\" ١/ ١٩٤، \"أحكام القرآن\" لابن العربي ١/ ٣٦٩.\n(٦) لم أقف عليه.\n(٧) لم أقف عليه.\n(٨) انظر: \"مجاز القرآن\" ١/ ١٢٠.","vol":"6","page":408},{"text":"وقُطْرُب (١) (٢)، وابن الأنباري (٣)، إلا أن بعض هؤلاء قالوا: لكن ما قد سلف فدعوه واجتنبوه (٤).\nوقد ذكرنا معنى الاستثناء المنقطع عند قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ [البقرة: ١٥٠].\nوقال المفضل: إلا ههنا بمعنى بَعْد، يعني: بعدما قد سلف فإن ذلك معفو عنه (٥). وهذا اختيار الحسن بن يحيى الجرجاني، واحتج بقول الله ﷿: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾ [الدخان: ٥٦]، أي: بعد الموتة الأولى؛ لأن أحدًا لا يدخل الجنة إلا بعد أن يذوق الموت (٦).\nوقال الأخفش: في الآية محذوف استثني هذا عنه (٧)، كأنه قيل: لا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء؛ فإنكم تؤاخذون به إلا ما قد سلف، أي: فليس عليكم جناح فيما مضى قبل التحريم، وحُذفت المؤاخذة؛ لأن النهي يدل عليه (٨).\n_________\n(١) هو أبو علي محمد بن المُستنير بن أحمد، اشتهر بلقبه (قُطْرُب) تقدمت ترجمته.\n(٢) انظر: \"الكشف والبيان\" ٤/ ٣٣ ب، \"زاد المسير\" ٢/ ٤٥.\n(٣) انظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٤٥.\n(٤) \"الكشف والبيان\" ٤/ ٣٣ ب.\n(٥) انظر: \"الكشف والبيان\" ٤/ ٣٣ ب.\n(٦) اختيار الجرجاني قد يكون في \"نظم القرآن\" وهو مفقود.\n(٧) هكذا في (أ)، (د)، ولعل الصواب: منه بالميم.\n(٨) عبارة الأخفش في \"معاني القرآن\" ١/ ٤٤٠: وقال: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾؛ لأن معناه: فإنكم تؤخذون به، فلذلك قال: ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾، أي: فليس عليكم جناح، فكأن في كلامه سقطًا، أو أن المؤلف تصرف في العبارة.","vol":"6","page":409},{"text":"وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا﴾. الكناية تعود إلى النكاح، أي: ذلك النكاح، والفعل دلّ على المصدر (١).\nوالمقت أشد البُغض (٢)، مَقَته يمقُته مقتًا، فهو ممقوت ومقيت (٣).\nوفي هذا قولان:\nأحدهما: أن هذا إخبار عما كان في الجاهلية، أُعلِمُوا أن هذا الذي حُرّم عليهم لم يزل مُنكرًا في قلوبهم، ممقوتًا عندهم، وكانت العرب تقول لولد الرجل من امرأة أبيه مقيت ومقتي (٤)، والمقت عندهم بُغضٌ عن أمر قبيح ركبهُ صاحبه.\nوهذا الوجه اختيار الزجاج (٥)، وابن الأنباري، قال أبو بكر: يريد أنهم لم يزالوا يستسمجونه (٦)، وإن أتوه، ويسمونه المَقت؛ لبغضهم إياه فخبّر الله ﷿ بكان عما مضى من شنآنهم له قبل الإسلام الذي حَظَره.\nالقول الثاني: أن المعنى: أنه فاحشة في الإسلام، أي: زنًا ومقت من الله لمن فعله (٧).\n_________\n(١) انظر: \"الطبري\" ٨/ ١٣٨، \"زاد المسير\" ٢/ ٤٥، \"البحر المحيط\" ٣/ ٢٠٩.\n(٢) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٢، \"معاني القرآن\" للنحاس ٢/ ٥٣، \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٤٢٨ (مقت)، والثعلبي ٤/ ٣٣ ب.\n(٣) انظر: \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٤٢٨، \"الصحاح\" ١/ ٢٦٦ (مقت).\n(٤) انظر: \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٤٢٨ (مقت).\n(٥) في \"معاني القرآن\" ٢/ ٣٢، وانظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٤٥.\n(٦) أي يستقبحونه. قال الجوهري: سمُج الشيء بالضم سماجة: قبُح، فهو سمج، مثل ضخم فهو ضخم، وسمج، مثل خشن فهو خشن، واستسمجه عده سمجًا. \"الصحاح\" ١/ ٣٢٢ (سمج).\n(٧) انظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٤٦.","vol":"6","page":410},{"text":"وهو قول ابن عباس في رواية عطاء (١)، واختيار المبرد، ويذهب إلى أن (كان) زائدة، والمعنى: إنه فاحشة ومقت (٢).\nوأنكر ذلك عليه الزجاج وابن الأنباري (٣)، وقالا: كيف تكون زائدة وهي عاملة، وقد مر هذا، وبعض النحويين (٤) نصر أبا العباس (٥) وقال المعنى: هو فاحشة، وأدُخلت كان لِيَدُل أنه عند الله قبل هذه الحال كذا كان.\nوقوله تعالى: ﴿وَسَاَءَ سَبِيلًا﴾. قال الليث: سَاء يَسُوء فعلٌ للذم ومجاوز، يقال: ساء الشيء يسوء، فهو سيء، إذا قَبُح، ويقال: سَاء ما فعل صنيعًا، أي: قبح صنيعُه صنيعًا (٦).\nقال ابن قتيبة: أي: قبح هذا الفعل فعلًا وطريقًا، كما تقول: ساء هذا مذهبًا، وهو منصوب على التميز (٧)، كما قال: ﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩] (٨).\n_________\n(١) قال السيوطي وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء بن أبي رباح: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا﴾ قال: يمقت الله عليه. \"الدر المنثور\" ٢/ ٢٤٠، وذكره ابن كثير في \"تفسيره\" ١/ ٥١٠. هذا ما وجدته عن عطاء حول هذا القول.\n(٢) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٢، \"معاني النحاس\" ٢/ ٥١.\n(٣) انظر: \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٣.\n(٤) لعله النحاس، انظر: \"معاني القرآن\" ٢/ ٥١، ٥٢، \"إعراب القرآن\" ١/ ٤٠٤.\n(٥) في (د): (أبو)، وهو تصحيف.\n(٦) من \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٥٨٣، وانظر: \"العين\" ٧/ ٣٢٧ (سوء).\n(٧) عند ابن قتيبة: على التمييز.\n(٨) \"غريب القرآن\" ص ١١٧.","vol":"6","page":411},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-722>٢٣ </span>- قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ الآية. الأُمَّهات جمع أمّ، وأم في الأصل أُمَّهَة، مثل: قُبَّرة وحُمَّرة، وأسقطت الهاء في التوحيد (١)، قال الشاعر في اللغة الأصلية:\nأُمَّهَتي خِنْدِفُ (وإِليَاسُ (٢» أَبِي (٣)\nوقد يُجمع الأم: أمات (٤)، بغير هاء، وأكثر ما يُستعمل في الحيوان غير الآدمي (٥)، قال الراعي (٦):\nكانَتْ نَجَائِبَ مُنذِرٍ ومُحَرِّقٍ ... أُمَّاتُهُنّ وطَرْقُهُنّ فَحِيلا (٧)\nوقولهم أمهات، بالجمع، الهاء فيها زيادة، ووزنها فعلهات، وقول الشاعر:\n_________\n(١) انظر: \"تهذيب اللغة\" ١/ ٢٠٢ (أم).\n(٢) في (أ)، (د): والدَّوس، والتصويب من مصادر عدة ستأتي في عزو البيت وإيضاحه.\n(٣) البيت لقُصَيّ بن كِلاب جد النبي - ﷺ - كما في \"جمهرة اللغة\" ٣/ ١٣٠٨ (له)، وصدر هذا الرجز عنده:\nعِنَد تَنَاديهم بِهالٍ وهَبِيج\nوهال كلمة زجر للخيل. وإلياس هو ابن مضر أحد أجداد قُصَيّ، وخِنْدِفُ زوجته أم مُدركة، وهذا لقب لها من الخندفة، وهو المشي بسرعة، واسمها ليلى بنت حلوان ابن عمران ابن الحاف من قضاعة انظر \"الاشتقاق\" لابن دريد ص ٣٠، ٤٢.\nوقد استُشهِد بالبيِت دون نسبة في \"الأمالي\" للقالي ٢/ ٣٠١، \"تهذيب اللغة\" ١/ ٢٠٢ (أم)، \"المحتسب\" ٢/ ٢٢٤.\n(٤) في (د): (أمهات).\n(٥) انظر: \"تهذيب اللغة\" ١/ ٢٠٢ (أم)، \"الصحاح\" ٥/ ١٨٦٣ (أمم).\n(٦) هو أبو جَندل عُبيد بن حُصين النميري، والراعي لقبه.\n(٧) البيت في \"جمهرة اللغة\" ٢/ ١٧٦ (حفل). قال ابن دريد: أي الذي طرق أمهاتهن كان فحلًا نجيبًا، والطرق الفحل، وكذلك في \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٧٤٧ (فحل)، \"سر صناعة الإعراب\" ٢/ ٥٦٥.","vol":"6","page":412},{"text":"أُمّهَتيِ خِندِفُ وإِليَاسُ أَبِي (١)\nأي: أمي، والهاء زائدة (٢).\nوأجاز أبو بكر أن تكون الهاء أصلية، وتكون أمَّهة وزنها فُعَّلَة، وهو في هذا القول بمنزلة: تُرهَة، وأُبَّهَة، وعُلّفة، وقُبَّرة.\nويقول (٣) هذا القول ما رواه صاحب العين من قولهم: تأمّهت (٤) أمّا، فتأمهَت يبين أنه تفعّلت، بمنزلة: تفّوهت وتنبّهت، إلا أن قولهم في المصدر -الذي هو الأصل- أمومة يقوي زيادة الهاء؛ لأن العرب تقول: أمّ بينة الأمومة، فهذا يقوي أن وزنها فُعْلَهَة.\nويزيد في قوة ذلك قول الشاعر:\nإذا الأُمَّهاتُ قَبَحْنَ الوُجوهَ ... فَرجْتَ الظَّلامَ (٥) بِأُمَّاتِكَا (٦) (٧)\n_________\n(١) تقدم قريبًا.\n(٢) من \"سر صناعة الإعراب\" ٢/ ٥٦٣، ٥٦٤ بتصرف.\n(٣) هكذا في (أ)، (د)، ولعل الصواب: وُيقوّي كما في \"سر صناعة الإعراب\" ٢/ ٥٦٤.\n(٤) في (د) (أمهت) وما أثبته هو الموافق لـ\"سر صناعة الإعراب\"، ومعنى تأمهت: اتّخذت.\n(٥) في (أ)، (د) الكلام، والتصويب من \"العين\" ٨/ ٤٣٤، \"التهذيب\" ١/ ٢٠٢ (أم)، \"سر صناعة الإعراب\" ٢/ ٥٦٤ وهو الأصل.\n(٦) البيت منسوب لمروان بن الحكم كما ذكر في \"معجم شواهد العربية\"، \"شرح شواهد الشافعية\" ص ٣٠٨، وهو من \"شواهد العين\" ٨/ ٤٣٤، \"تهذيب اللغة\" ١/ ٢٠٢، \"اللسان\" ١/ ١٣٦ (أمم). معنى البيت: إذا قَبَحت الأمهات بفجورهن وجوه أولادهن عند الناس كشفت الظلام بضياء أفعال أمهاتك وطهارتهن.\n(٧) الكلام من قوله: وأجاز أبو بكر إلى هنا من \"سر صناعة الإعراب\" ٢/ ٥٦٤ بتصرف يسير، ولم أجد ما ذكره في \"العين\" سوى البيت كما مر في عزوه.","vol":"6","page":413},{"text":"إلا أن غالب الأمر يقال فيمن يَعقل بالهاء، وفيمن لا يعقل بغير هاء، أرادوا الفرق بينهما (١)، والقول بزيادة الهاء أولى من اعتقاد حذفها؛ لأن الهاء أحد الحروف العشرة التي تُسمى حروف الزيادة، لا حروف النقص، فلا ينبغي أن يعتقد أن الهاء هي الأصل، وأن أُمًّا محذوف من أُمَّهَة.\nفأما قول من قال: تأمّهت أمًّا، فيظهره مما يعارضه قولهم: أمّ بيّنة الأُمومة، بحذف الهاء، فرواية برواية، وبقي النظرة (٢) الذي قدمناه وهو أن الهاء كثيرًا ما تُزاد في الكلام، وقلّ ما يوجد حذفها، على أن قولهم: تأمّهت، إنما حكاها صاحب العين، وفي ذلك الكتاب من الخَطَل والاضطراب مالا يدفعه نظَّار (٣)، وذاكرت بكتاب العين يومًا شيخَنا أبا علي، فأعفى (٤) عنه ولم يرضه، لما فيه من القول المرذول والتصرف الفاسد (٥).\nوذهب ابن الأنباري إلى أن الأصل: أُمّ، ثم يقال في النداء: يا أُمّاه، فيدخلون هاء السكت. ثم إن بعض العرب يُسقط الألف وُيَشبَّه هاء السكتة بتاء التأنيث وتقدير بالإضافة بعدها، فيقول: يا أمّت كما قالوا: يا أَبَت، ثم قد تُستعمل التاء في أمّ في غير النداء، ولم يُستعمل ذلك في الأب، وهو قوله:\n_________\n(١) \"سر صناعة الإعراب\" ٢/ ٥٦٥، وانظر: \"تهذيب اللغة\" ١/ ٢٠٢، \"الصحاح\"\n٥/ ١٨٦٣ (أم).\n(٢) قد يكون الصواب: النظر بدون هاء كما في \"سر صناعة الإعراب\"٢/ ٥٦٨.\n(٣) في \"سر صناعة الإعراب\" نظار جلد.\n(٤) هكذا في (أ)، (د)، ولعل الصواب: فأعرض كما في \"سر صناعة الإعراب\" ٢/ ٥٦٨.\n(٥) انتهى من \"سر صناعة الإعراب\" ٢/ ٥٦٦ - ٥٦٨ بتصرف بالحذف لا باللفظ، وهذا من العجيب حيث أتى المؤلف بكلام أبي الفتح ابن جني الذي لقي أبا علي الفارسي وذاكره، وكأنه هو المذاكر حيث لم يعز الكلام لقائله!","vol":"6","page":414},{"text":"تَقَبّلتَها من أُمَّةٍ لك طَالَمَا ... (بت (١» في الأسْواق عَنها خِمَارُها (٢)\nوقالت العرب: هؤلاء أُمَّات زيد، وأُمّهات زيد، فأَجْرَوا الهاء الأصلية، وأصل زيادتها في باب النداء، وقد قال بعضهم: هذه أمّهتك، قال:\nأُمَّهَتِي خِنْدَفُ وإلياسُ أَبِي\nفزيدت ههنا دخولها للسكت، ثم شُبَّهت بالأصلية، وزيدت بعدها؛ لأنها شبهت بتاء التأنيث.\nوكل امرأة رجع نسبُك إليها بالولادة من جهة أبيك أو من جهة أمك بدرجة أو بدرجات، وبإناث رَجَعتَ إليها أو ذكور، فهن أمك (٣).\nوقوله تعالى: ﴿وَبَنَاتُكُمْ﴾. قد ذكرنا الكلام في أصل البنت والأخت عند قوله: ﴿يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ﴾ [البقرة: ٤٩] (٤). وُكلّ أنثى رجع نسبُها إليك بالولادة بدرجة أو درجات بإناث أو ذكور فهن بنتك.\nوتحريم هاتين مؤبد لم تَزالا، ولم تَحِلا قط لأحد.\nوقوله تعالى: ﴿وَأَخَوَاتُكُمْ﴾. كل أنثى وَلَدَها شخصٌ وَلَدَك في الدرجة الأولى فهي أُختُك.\n_________\n(١) هكذا في (أ)، (د)، ولعلها: تُنوزع، كما في \"التهذيب\" ١/ ٢٠٢، \"اللسان\" ١/ ١٣٦ (أم).\n(٢) لم أعرف قائله وهو من شواهد الأزهري في \"التهذيب\" ١/ ٢٠٢.\n(٣) لى أجد من ذكر هذه القاعدة من المفسرين أو اللغويين، ولعل هذا من براعة المؤلف في التقصيد والتعبير، فإن هذه قاعدة تبين وتحدد الأمهات.\n(٤) ذكر المؤلف فيما أشار إليه أصل اشتتاق لفظ بنت وأخت، ووزنهما وجمعهما، وعلامة التأنيث في كلام طويل.","vol":"6","page":415},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَعَمَّاتُكُمْ﴾. هي جمع العمَّة، وكل ذَكَرٍ رجع نسبُك إليه فأخته عمّتك، وقد تكون العمة من جهة الأم، وهي أخت أبي أمك.\nوقوله تعالى: ﴿وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ﴾. مضى الكلام في الأخ والأخت عند قوله: ﴿.يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ﴾ [البقرة: ٤٩]. والتحديد في بنات الأخ وبنات الأخت كالتحديد في بنت الصلب، وهؤلاء محرمات بالأنساب والأرحام.\nقال المفسرون وأهل العلم: كل امرأة حرّم الله نِكاحها للنسب والرحم فتحريمها مُبهم، والمُبهمة لا تحلّ بوجهٍ من الوجوه. والتي كانت تحلّ ثُمّ حُرمت بسبب حَدَث، وهن اللواتي ذكرن في باقي الآية، فليست مُبهمة (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾. هؤلاء سمين أمهات للحُرمة، كأزواج النبي - ﷺ - سماهن الله تعالى أمهات المؤمنين في قوله: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: ٦].\nوكل أنثى انتسبتَ باللبن إليها فهي أمك، فالتي أرضَعَتْكَ أو رجلًا (٢) أُرضِعت بِلبانه من زوجته أو أمّ ولده فهي أمك، وكذلك كل امرأة ولدت امرأة أرضعتك أو رجلًا أرضعك فهي أمك.\nوإنما يحرم الرضاع بشرطين: أحدهما: أن يكون خمس رضعات (٣).\n_________\n(١) انظر: \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٣، \"معاني النحاس\" ٢/ ٥٢، ولعل الإبهام هنا بمعنى: التأبيد، فالمُبهمة المحرمة على الأبد، وعكسها غير المبهمة.\n(٢) أي: أو أرضعت رجلًا.\n(٣) هذا مذهب الشافعي -﵀- وأصحابه، والصحيح في مذهب أحمد؛ يدل عليه ما ثبت عن عائشة -﵂- قالت: كان فيما أنُزل من القرآن: عشر رضعات معلومات يحرمن. ثم نُسخن بخمس معلومات، فتوفي النبي - ﷺ - وهن فيما يقرأ من القرآن. أخرجه مسلم (١٤٥٢) كتاب الرضاع، باب: التحريم بخمس =","vol":"6","page":416},{"text":"والثاني: أن يكون في الحولين (١)، وما بعد الحولين من الرضاع لا يُحَرِّم (٢)، لقوله - ﷺ -: \"لا رضاع بعد الحولين\" (٣).\nوقوله تعالى: ﴿وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾. وأخوات الرضاعة ثلاث الأولى: أختك لأبيك وأمك وهي الصغيرة الأجنبية التي أرضعتها أمك بلِبان أبيك، سواءٌ أرضعَتها معك أو مع ولدٍ قبلك أو بعدك. والثانية: أختك لأبيك دون أمك، وهي التي أرضعَتها زوجةُ أبيك بلِبان أبيك. والثالثة: أختك لأمك دون أبيك، وهي التي أرضَعَتها أمك بلبان رجل آخر.\nوهاتان المرأتان -أعني: أمَّ الرضاعة وأخت الرضاعة- لولا الرضاعة لم يَحرُما، وكان الرضاع تحريمها (٤) فصارتا في حكم المبهمات؛ إذ تأبّد تحريمها (٥) بعد الرضع.\n_________\n= رضعات وغيره انظر: \"المغني\" ٣١٠، ٣١١، \"مجموع فتاوى شيخ الإسلام\" ٣٤/ ٣٣، ٣٤، \"تفسير ابن كثير\" ٥١١ - ٥١٢.\n(١) هذا الشرط عند جمهور العلماء. انظر: \"مجموع الفتاوى\" ٣٤/ ٣٥، \"تفسير ابن كثير\" ٥١١ - ٥١٢.\n(٢) أفاد المؤلف هذين الشرطين من الثعلبي في \"الكشف والبيان\" ٤/ ٣٤ ب.\n(٣) لم أجده مرفوعًا، وإنما جاء نحوه موقوفًا على ابن عباس وابن مسعود - ﵁ - كما في \"موطأ مالك\" ص ٣٧٣ (٤) كتاب الرضاع، باب: رضاعة الصغير، وباب: الرضاعة عند الكبر ص ٣٧٥ (ح ١٤)، وقد جاء في معناه حديث مرفوع، فعن أم سلمة - ﵁ - قالت: قال رسول الله - ﷺ -: \"لا يحرم من الرضاعة إلا ما فتق الأمعاء في الثدي وكان قبل الفطام\". أخرجه الترمذي (١١٥٢) كتاب الرضاع، باب: ما جاء ما ذكر أن الرضاعة لا يحرم إلا في الصغَر دون الحولين، وقال الترمذي. هذا حديث حسن صحيح والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم. أن الرضاعة لا تُحَرِّم إلا ما كان دون الحولين وما كان بعد الحولين الكاملين فإنه لا يُحَرِّم شيئًا.\n(٤) هكذا في (أ)، (د)، ولعل الصواب: يحرمهما.\n(٥) هكذا في (أ)، (د)، ولعل الصواب: يحرمهما.","vol":"6","page":417},{"text":"وروت عائشة ﵂، عن النبي - ﷺ - قال: \"يحرمُ من الرضاعةِ ما يحرمُ من النسبِ\" (١).\nفعلمنا من هذا أن السبع المحرمات بالنسب على التفصيل والبيان الذي ذكرنا محرمات باللبن، وقال أولو التحقيق من ذوي العلم: إن الحد الذي ذكره رسول الله - ﷺ - في حديث عائشة معلوم من الآية ومستنبط عنها؛ وذلك أن الله تعالى لما ذكر حُرمة الرَّضاع ذكر طريقة الوِلادة بذكر الأمهات، وطريقة الأخُوّة بذكر الأخوات، وكل امرأة حُرمَت بالنَسَب حُرمَت بإحدى هاتين؛ لأن الأم والبنت حرمتا بالولادة، والخمس الباقيات من المحرمات بالنسب حَرُمْنَ بطريق الأخُوّة.\nوقوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾. حد أم امرأتك كحد أمك، سواءٌ كانت من اللبن أو من النسب، فهي حرام عليك بنفس العقد على ابنتها؛ لأن الله تعالى أطلقَ التحريم ولم يُقيِّده بالدخول. هذا إجماع الأمة اليوم (٢).\nوكان جماعة من الصحابة يذهبون إلى أن المرأة إنما تحرم بالدخول بالبنت، كالربيبة إنما تحرم بالدخول بأمها، وهو قول علي وزيد (٣) (٤) وابن\n_________\n(١) متفق عليه، أخرجه البخاري رقم (٢٦٤٤) كتاب الشهادات، باب: الشهادة على الأنساب والرضاع المستفيض، ومسلم بنحو رقم (١٤٤٤) كتاب الرضاع، باب: يحرم من الرضاعة ما يحرم من الولادة وغيرهما.\n(٢) انظر: \"الطبري\" ٤/ ٣٢٠ - ٣٢١.\n(٣) هو أبو سعيد أو أبو ثابت، زيد بن ثابت بن الضحاك بن زيد، استُصغر يوم بدر وشهد أحدًا، وكان رأسًا في القضاء والفتوى والقراءة والفرائض. توفي -﵁- سنة ٤٥هـ وقيل قبلها. انظر \"الاستيعاب\" ٢/ ١١١، \"أسد الغابة\" ٢/ ٢٧٨، \"الإصابة\" ١/ ٥٦١.\n(٤) انظِر: \"الطبري\" ٨/ ١٤٥، \"الكشف والبيان\" ٤/ ٣٥ ب، \"زاد المسير\" ٢/ ٤٧.","vol":"6","page":418},{"text":"عمر وابن الزُّبَير (١)، وجابر (٢) -﵁-، ورُوي ذلك عن ابن عباس (٣)، وقال علي -﵁-: الأمّ والابنة بمنزلة، إن لم يدخل بهذه تزوج هذه، وإن لم يدخل بهذه تزوج هذه (٤).\nوهؤلاء يجعلون قول: ﴿مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ منتظمًا للربائب وأمهات النساء، ويقول: أمهات النساء اللاتي لم يُدخَل بهن غيره (٥) محرمة.\nوالصحيح ما عليه الجماعة، روى عَمرو بن شُعَيب (٦)، عن أبيه، عن جده، عن النبي - ﷺ -، قال: \"إذا نكح الرجلُ المرأةَ فلا يَحلّ له أن يتزوج أمها، دخل بالبنت أو لم يدخل، وإذا تزوج الأم فلم يدخل بها ثم طلقها فإن شاء تزوج البنت\" (٧) ففصل بين الربيبة وأم المرأة.\n_________\n(١) هو أبو بكر أو أبو خبيب عبد الله بن الزُّبيرُ بن العوام القرشي الأسدي، أحد العبادلة، ومن كبار فقهاء الصحابة، ولي الخلافة تسع سنين إلى أن قتل -﵁- سنة ٧٣ هـ. انظر: \"الاستيعاب\" ٣/ ٣٩، \"أسد الغابة\" ٣/ ٢٤٢، \"الإصابة\" ٢/ ٣٠٨، \"التقريب\" ص٣٠٣ رقم (٣٣٢٠).\n(٢) \"الكشف والبيان\" ٤/ ٣٥ ب.\n(٣) انظر المرجع السابق.\n(٤) عند ابن جرير من طريق قتادة عن خلاس بن عمرو عن علي - ﵁ - في رجل تزوج امرأة فطلقها قبل أن يدخل بها، أيتزوج أمها؟ قال: هي بمنزلة الربيبة. \"جامع البيان\" ٤/ ٣٢١. لكن تكلم في ثبوت هذا القول عن علي، انظر تعليق أحمد شاكر على \"جامع البيان\"، \"تفسير القرطبي\" ٥/ ١١٢.\n(٥) هكذا في (أ)، (د)، ولعل الصواب: غير بدون الضمير.\n(٦) هو أبو إبراهيم عَمرو بن شُعَيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص، تقدمت ترجمته.\n(٧) أخرجه الطبري ٨/ ١٤٦، وقال عَقِبه: وهذا خبر وإن كان في إسناده ما فيه، فإن إجماع الحجة على صحة القول به، مُستغنى عن الاستشهاد على صحته بغيره، وحسن الحديث أحمد شاكر في تحقيقه للطبري. =","vol":"6","page":419},{"text":"وقال ابن جريج: قلت لعطاء: الرجل ينكح المرأة ثم (١) لا يراها ولا يجامعها حتى يطلقها، أتحل له أمها؟ قال: لا هي مُرسلة، دخل بها أو لم يدخل (٢).\nوكان عبد الله بن مسعود أفتى بنكاح أم المرأة إذا طلّق بنتها قبل المسيس، وهو يومئذ بالكوفة، فاتفق له دخول المدينة فصادفهم مجتمعين على خلاف فتواه، فلما رجع إلى الكوفة لم يدخُل داره حتى حضر ذلك الرجل وقرع عليه الباب، وأمره بالنزول عن تلك المرأة (٣).\nوقال صاحب النظم: في نظم هذه الآية دليل على أن الشرط بالدخول مختص به الربائب دون أمهات النساء؛ لأن قوله: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ لفظ قائم بنفسه في المعنى المعقود في ظاهره، وليس من نظم العرب في كلامها الجاري المستعمل بينهم أن يقال: أمهات نسائي من نسائي اللاتي دخلت بهن، كما لا يقال في واحدتها: أمّ امرأتي من امرأتي التي دخلت بها، وعادتهم الجارية بينهم في هذا أن يقولوا: أم امرأتي التي دخلت بها، وأمهات نسائي اللاتي دخلت بهن.\n_________\n= وقد أورد الحديث الثعلبي في \"الكشف والبيان\" ٤/ ٣٥، وابن كثير ١/ ٥١٣، والسيوطي في \"الدر المنثور\" ٢/ ٢٤٢، وعزاه أيضًا إلى عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر والبيهقي في \"سننه\".\n(١) في (د): بدون (ثم).\n(٢) أخرجه ابن جرير ٤/ ٣٢٢ إلى قوله: مرسلة، وذكره الثعلبي كاملًا في \"تفسيره\" ٤/ ٣٥، وانظر: \"الدر المنثور\" ٢/ ٢٤٢.\n(٣) أخرجه بنحوه مالك في كتاب النكاح، باب: مالا يجوز من نكاح الرجل امرأته ص ٣٣٠ (ح ٢٣)، وانظر: \"الدر المنثور\" ٢٤٢.","vol":"6","page":420},{"text":"فقولك في هذا: من نسائي ومن امرأتي زيادة لا حاجة بقيام المعنى إليها، فلما لم يَجُز أن يكون قوله: ﴿مِنْ نِسَائِكُمُ﴾ طِبقًا لقوله: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ لم يَجُز أن يكون شرطًا مُرصَدًا، ولا معطوفًا عليه، وصار هذا الشرط مخصوصًا بذكر الربائب ومقصورًا عليه، دون ذكر أمهات النساء.\nوقال محمد بن يزيد بن عبد الأكبر (١): قوله: ﴿اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ نعت للنساء اللواتي من أمهات الربائب لا غير، والدليل على ذلك إجماع الناس أن الربيبة تحلّ إذا لم يدخل بأمها، فمن أجاز أن يكون قوله تعالى: ﴿مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ نعتًا لقوله: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُم﴾ بقيت الربائب مطلقة، وخرج أن يكون ﴿اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِن﴾ لأمهات الربائب، وحينئذٍ لا يجوز تَزوُّج الربيبة إذا لم يدخل بأمها.\nقال الزجاج: والدليل على أن ما قال أبو العباس هو الصحيح أن الخبرين إذا اختلفا لم يكن نعتهما واحدًا. لا يجيز النحويون: مررت بنسائك وهربت من نساء زيد الظريفات. على أن يكون الظريفات نعتًا (للفريقين من النساء) (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾. الربائب جمع الربيبة، وهي بنت امرأة الرجل من غيره، ومعناها: مربوبة؛ لأن الرجل هو يربّيها. يقال: رَبَبْتُ فلانًا أربُّه، وربّبته أُرَبِّبُه، وربّيته أُربِّيه، وربته فأنا أربته. كله معنى واحد، قاله الأصمعي (٣). قال الشاعر:\n_________\n(١) هو المبرَّد تقدمت ترجمته ﵀، وكلامه هذا في \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٤.\n(٢) انتهى من \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٤، وما بين القوسين عند الزجاج: لهؤلاء النساء وهؤلاء النساء.\n(٣) لم أقف على قول الأصمعي بنصه كاملًا، وانظر: \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٣٣٨، \"الصحاح\" ١/ ١٣١، ١٣٢، \"اللسان\" ٣/ ١٥٤٩ (ربب).","vol":"6","page":421},{"text":"وذاكَ لَه إذا العنقَاءُ صارت ... مُربَّبَة وشبّ ابن الخَصِيّ (١)\nوقال الراجز:\nوالقبُر صهر ضَامنٌ زِمَّيتُ ... ليس لمنَ ضُمَّنَه تَربيتُ (٢)\nوقوله تعالى: ﴿اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾. قال المفسرون: يقول: اللاتي ربيتموهن في حجوركم. وهي جمع حِجر، وفيه لغتان، قال ابن السكيت: حَجْرُ الإنسان وحِجْرُه بالفتح والكسر (٣).\nقال أهل المعاني: المراد بقوله: ﴿فِي حُجُورِكُمْ﴾ أي في ضمانكم وتربيتكم، ويقال: فلان في حِجر فلان، إذا كان يلي تربيته (٤)، وذلك أن كل من ربّى صبيًّا أجلسه في حِجره، فصار الحِجر عبارةً عن التربية، كما يقال: فلان في حضانة فلان، وأصله من الحِضن الذي هو الإبط (٥).\nوقال أبو عبيدة: ﴿فِي حُجُورِكُمْ﴾ أي: في بيوتكم (٦). قال الأزهري: ويقال: فلان في حجر فلان، أي: في كنفه ومنعه (٧).\nوحد الربيبة في رجوعها إلى زوجتك مثل حد بنتك في رجوعها إليك، وهي لا تَحرُم بمجرد العقد على الأم، وإنما تحرم بالدخول،\n_________\n(١) البيت لأبي تمام: في \"ديوانه\" ص٤٠٥، و\"ثمار القلوب\" ص ٢٦٧، و\"دلائل الإعجاز\" ص ٣٠٩، و\"محاضرات الراغب\" ٢/ ٧٠٩ بلفظ \"مرتعة\".\n(٢) من \"شواهد الصحاح\" ١/ ٢٤٩ (ربت)، \"اللسان\" ٣/ ١٥٥٢ (ربت، زمت)، وزميت -في \"اللسان\"- بمعنى: الساكن، وتربيت من التربية.\n(٣) \"تهذيب اللغة\" ١/ ٧٤٧ (حجر).\n(٤) من الثعلبي في \"الكشف والبيان\" ٤/ ٣٥ب.\n(٥) انظر: \"تهذيب اللغة\" ١/ ٨٥٠ (حضن).\n(٦) \"مجاز القرآن\" ١/ ١٢١.\n(٧) \"تهذيب اللغة\" ١/ ٧٤٧ (حجر).","vol":"6","page":422},{"text":"والدخول هو الجماع ههنا بالإجماع (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ﴾. قال الليث: الحليل والحليلة الزوج والمرأة، سميا به (٢) لأنهما يحلان في موضع واحد، والجميع (٣) الحلائل (٤).\nوقال أبو عبيدة (٥): سميا بذلك؛ لأن كل واحد منهما يُحالّ صاحبه، قال: وكل من نَازَلك أو جاورك (٦) فهو حليلك، وأنشد:\nولستُ بأطلس الثوبين يُصبِي ... حليلتَه إذا هَدَأ النِّيَامُ (٧)\nقال: لم يُرِد بالحليلة ههنا امرأته، إنما أراد جارته؛ لأنها تُحالّه في المنزل. قال: ويقال: إنما سميت الزوجة حليلة؛ لأن كل واحد منهما يحل إزار صاحبه، على معنى أنه يَحِلُّ له (٨). يقال: حلّ فهو حليل، مثل: صح\n_________\n(١) دعوى الإجماع هنا لا تتم، فقد قيل: إن المراد بالدخول التجريد. انظر \"جامع البيان\" ٤/ ٣٢٢ - ٣٢٣.\n(٢) في (د): (بها).\n(٣) في (د): (والجمع)، وما أثبته هو الموافق لما في \"العين\".\n(٤) \"العين\" ٣/ ٢٧ (حل).\n(٥) في (أ): هكذا، والصواب: أبو عبيد. انظر: \"غريب الحديث\" ١/ ٣٤٣، \"اللسان\" ٢/ ٩٧٣ (حلل).\n(٦) في (د): (جاز لك).\n(٧) البيت لأوس بن حجر في \"ديوانه\" ص ٧٥، وبغير عزو في \"الزاهر\" ١/ ١٨٥، و\"غريب الحديث\" لأبي عبيد ٢/ ٢٤٧، و\"أمالي القالي\" ١/ ٢٠، و\"مقاييس اللغة\" (حل)، وهو من شواهد \"اللسان\" ٥/ ٢٦٨٩ (طلس). ومعنى أطلس الثوبين أي: وسخهما وهو كناية عن الفاحشة والقبح، ويُصبي حليلته أي: يريد جارته التي تُحالّه في حِلته بسوء.\n(٨) الظاهر أن هذا نهاية كلام أبي عبيد. انظر \"غريب الحديث\" ١/ ٣٤٤.","vol":"6","page":423},{"text":"فهو صحيح. وقال الزجاج: حليلة: يعني (١): محلة، من الحلال (٢).\nوقيل: لأن كل واحد منهما يحل إزاره صاحبه (٣).\nوقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾. فيه احتراز عن المُتبنَّى، وكان المتَبنّى في صدر الإسلام بمنزلة الابن.\nقال عطاء: وليس يحرم عليك حليلة ابن ادعيته وليس هو من صُلبِك، ونكح رسول الله - ﷺ - امرأة زيد بن حارثة (٤)، فقال في ذلك المشركون: إنه تزوج امرأة ابنه، فأنزل الله: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤]، وقال: ﴿لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٧] (٥).\nقال أهل العلم: وحليلة الابن من الرضاع ملحقةٌ في التحريم بحليلة\n_________\n(١) عند الزجاج: بمعنى.\n(٢) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٥.\n(٣) \"الكشف والبيان\" ٤/ ٣٦ أ.\n(٤) هو زيد بن حارثة بن شَراحيل الكَعْبي، كان مولى وَهَبته خديجة للنبي - ﷺ - وُيدعى زيد بن محمد حتى نزلت: ﴿ادعُوُهمْ لَأِبَائِهِمْ﴾ وكان حبّ رسول الله هو وابنه أسامة، وقد روى عنه الحديث جماعة من الصحابة. توفي - ﵁ - سنة ٨ هـ. انظر: \"أسد الغابة\" ٢/ ٢٨١، \"الإصابة\" ١/ ٥٦٣، \"الأعلام\" ٣/ ٥٧.\n(٥) عند الطبري من طريق حجاج، عن ابن جريج قال: قلت لعطاء: قوله: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ قال: كنا نحدث والله أعلم أنه نزلت في محمد - ﷺ - حين نكح امرأة زيد بن حارثة قال المشركون في ذلك، فنزلت ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ ونزلت: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤]، ونزلت: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤٠]، \"جامع البيان\" ٤/ ٣٢٣.\nوانظر: \"الكشف والبيان\" ٤/ ٣٦ أ.","vol":"6","page":424},{"text":"ابن الصلب بالسنة (١)، وهي قول رسول الله - ﷺ -: \"يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب\" (٢).\nوهذا التحريم يحصل بنفس العقد، كحليلة الأب لا خلاف في هذا (٣).\nفأما ما رُوي أن ابن عباس سئل عن قوله: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ ولم يبين أدخل بها الابن أم لا؟ فقال ابن عباس: أبهموا ما أبهم الله (٤)، فإن هذا ليس من إبهام الأمر، ولكن قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَبَنَاتُ الْأُخْتِ﴾ (٥) هذا كله يسمى التحريم المُبْهم؛ لأنه لا يحل بوجه ولا سبب، ولما سئل ابن عباس عن قوله: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ وعن قوله: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ﴾ ولم يبين أنهن مدخول بهن أم لا، أجاب فقال: هذا من المبهم، أي: مما لا وجه فيه غير التحريم، سواء دخل بهن أو لم يدخل بهن.\nوقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾. أن في محل الرفع؛ لأنه بمعنى: والجمع بين الأختين، عطف على ما قبله (٦).\n_________\n(١) انظر: \"أحكام القرآن\" لابن العربي ١/ ٣٧٩، والقرطبي ٥/ ١١٦، وقد حكى القرطبي الإجماع في هذه المسألة.\n(٢) تقدم تخريجه، وهو صحيح.\n(٣) انظر: \"الطبري\" ٤/ ٣٢٣، و\"البغوي\" ٢/ ١٩١، و\"القرطبي\" ٥/ ١١٣.\n(٤) لم أقف على شيء من ذلك عن ابن عباس، لكن قال السيوطي: وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم، عن الحسن ومحمد قالا: إن هؤلاء الآيات مبهمات ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ﴾، ﴿مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ﴾، ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾. \"الدر المنثور\" ٢/ ٢٤٣.\n(٥) في (د): ﴿وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ﴾.\n(٦) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٢٦٠، والطبري ٤/ ٣٢٣، \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٥، \"إعراب النحاس\" ١/ ٤٠٥.","vol":"6","page":425},{"text":"ويحرم على الرجل أن يجمع في النكاح أختين بالنسب أو باللبن. ويجوز الجمع بين أختين أمتين بملك اليمين، فإذا وطئ إحداهما حَرُمَت الثانية عليه، ولا يحل له ما لم يزل ملكه عن الأولى ببيع أو هبة أو عتق أو كتابة (١).\nوقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾. فيه قولان: قال عطاء: يريد إلا ما قد مضى في الأمم ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا﴾ لما مضى، ﴿رَحِيمًا﴾ بمن أطاعه. قال: ويذكرون أن يعقوب ﵇ جمع بين ليا أم يهوذا (٢) وراحيل أم يوسف (٣)، وكان فيما مضى حلالًا لجميع الأمم فحرمه (٤) الله على هذه الأمة رحمة منه عليهم لما علم من شدة غَيرةِ النَّساء، بعضهن على بعض (٥).\nوهذا قول السدي في رواية أسباط (٦) عنه (٧).\nوقال الكلبي: ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَف﴾ مضى منكم في الجاهلية فلا، تؤاخذون به بعد الإسلام (٨).\n_________\n(١) انظر: \"الكشف والبيان\" ٤/ ٣٦ أ، \"أحكام القرآن\" للهراسي ٢/ ٢٥٠، و\"البغوي\" ٢/ ١٩١.\n(٢) في (د): (يهود).\n(٣) في \"الكشف والبيان\" ٤/ ٣٦ أ: وكانتا أختين.\n(٤) في (أ): (فحرم).\n(٥) ذكره الثعلبي في \"الكشف والبيان\" ٤/ ٣٦ أمختصرًا، وكذلك البغوي ٢/ ١٩٢.\n(٦) هو أبو يوسف أو أبو نصر أسباط بن نصر الهمذاني، مفسر، واختلفوا في توثيقه،\nقال ابن حجر: صدوق، كثير الخطأ يغرب، من الثامنة، وحديثه عند مسلم والأربعة. انظر: \"ميزان الاعتدال\" ١/ ١٥٧، \"التقريب\" ص ٩٨ رقم (٣٢١) \"الأعلام\" ١/ ٢٩٢.\n(٧) انظر: \"الكشف والبيان\" ٤/ ٣٦ أ، \"معالم التنزيل\" ٢/ ١٩٢.\n(٨) لم أقف عليه.","vol":"6","page":426},{"text":"وهو قول مقاتل (١)، واختيار أبي إسحاق (٢). قال مقاتل في قوله: ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ قال: لأنهم كانوا يجمعون بينهما (٣).\nقال ابن عباس: كان أهل الجاهلية يحرمون ما حرم الله إلا امرأة الأب والجمع بين الأختين (٤).\nوقال أبو إسحاق: المعنى: سِوى ما سلف فإنه مغفور لكم (٥).\nقال أبو بكر: وهذا من الاستثناء المنقطع ﴿إِلَّا﴾ بمعنى: لكن، كأنه قيل: لكن ما قد سلف فأنتم غير مؤاخذين به (٦). وقد ذكرنا هذا عند قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [البقرة: ١٥٠].\nواعلم أن المحرمات بالنسب سبعة أصناف، ذُكِرت نسقًا في أول الآية. والمحرمات بالسبب صنفان: صنف يحرم بالرضاع، وهو الأمهات والأخوات، على ما ذكرنا من التفصيل، وصنف يحرم بسبب المصاهرة، وهو أم المرأة وحليلة الأب وحليلة الابن والربائب، على التفصيل الذي ذكرنا، وحليلة الأب لم تُذكر في هذه الآية، إنما ذكرت في قوله: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ﴾ [النساء: ٢٢].\n_________\n(١) هو مقاتل بن سليمان، ويأتي تخريج قوله بعد الحاشية التالية.\n(٢) الزجاج كما سيأتي.\n(٣) ذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٢/ ٢٤٥، مطولًا، وانظر: \"تفسير مقاتل\" ١/ ٣٦٦.\n(٤) انظر: \"تفسير ابن كثير\" ١/ ٥١٥، وذكر السمرقندي والقرطبي نحوه عن محمد بن الحسن. انظر: \"بحر العلوم\" ١/ ٣٤٤، \"الجامع لأحكام القرآن\" ٥/ ١١٩.\n(٥) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٥.\n(٦) الظاهر أنه يقصد أبا بكر بن الأنباري، ولم أقف على كلامه، وقد أشار غير واحد من الأئمة أنه من الاستثناء المنقطع. انظر: الطبري ٤/ ٣٢٣، \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ٤٠٥.","vol":"6","page":427},{"text":"فأما الجمع بين الأختين فإنه تحريم الجمع (١)، لأنه يجوز نكاح الثانية بعد طلاق الأولى، ويُلحق بهذا الصنف عمة المرأة وخالتها، فكما لا يجوز الجمع بين المرأة وأختها لا يجوز الجمع بين المرأة على عمتها، وخالتها (٢)؛ لما رُوى أن النبي - ﷺ - قال: \"لا تُنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها لا (٣) الصغرى على الكبرى، ولا الكبرى على الصغرى\" (٤)، أراد الدرجة في النسب لا صِغَرَ السن وكِبَرَه.\nوقال أهل العلم في حد ما يَحْرُم الجمع بينه: كل امرأتين بينهما قرابة أو لبن لو كان ذلك بينك وبين امرأة لم يَجُز لك نكاحُها لم يجز لك الجمع بينهما. فأما ملك اليمين فكل امرأة حَرُم عليك نكاحها بنسب أو لبن أو صهر، فإذا وجد ذلك المعنى في مملوكة حَرُم عليك وطؤها بملك اليمين، وكل امرأتين حرم عليك الجمع بينهما بقرابة موجودة بينهما أو بلبن، فإذا ملكت أمَتَين وبينهما مثل ذلك المعنى حَرُم عليك وطؤهما بملك اليمين، فإذا وَطِئت إحداهما لم يكن لك وطء الثانية ما لم تُحَرِّم الأولى على نفسك بإزالة الملك عنها بِبَيع أو عِتق أو هِبَة، أو بإزالة الملك عن بعضها (٥) بكتابة\n_________\n(١) انظر: الطبري ٤/ ٣٢٣.\n(٢) لفظ (د): (لا تنكح المرأة على خالتها أو عمتها ولا على خالتها لا) وفيه اضطراب.\n(٣) أخرجه البخاري (٥١٠٨) كتاب النكاح، باب: لا تنكح المرأة على عمتها؛ ومسلم (١٤٠٨) كتاب النكاح، باب تحريم الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها في النكاح.\n(٤) هذه رواية أبي داود (٢٠٦٥) والترمذي (١١٢٦)، وأحمد (٩٥٠٠) من حديث أبي هريرة، وقد علقه البخاري في الباب نفسه (٥١٠٨).\n(٥) في (أ): (بضعها).","vol":"6","page":428},{"text":"أو تزويج.\nواعلم أن التحريم الحاصل بالمُصاهرة يحصل بنكاح صحيح، فلو زنى بامرأة لم تحرم عليه أمها ولا بنتها، ولا تحرم المزنيّ بها على آباء الواطئ، ولا أبنائه، وإنما تتعلق هذه الحُرمة بنكاح صحيح، أو فاسد يجب به الصَّداق والعِدّة ويُلحق به الولد، ولا يتعلّق بالسفاح الصريح.\nوهذا قول عُروة، وسعيد، ومجاهد، والزهري، ومذهب مالك، والشافعي وفقهاء الحجاز (١).\nوقال أهل العراق: الزنا يتعلق به تحريم المصاهرة، حتى لو زنى الأب بامرأة ابنِه انفسخ نكاحها، وكذلك نكاح الأب إن زنى الابن بامرأته. وقالوا: لو قَبّل الأب امرأة الابن ولمسها بالشهوة انفسخ نكاح الابن، ولو قبل أجنبية أو لمسها أو وطئها فيما دون الفرج حصل تحريم المصاهرة. وهذا قول الشعبي والنخعي ومذهب أبي حنيفة (٢).\nوالآية حجة ظاهرة عليهم؛ لأن الله تعالى حرم أمهات النساء والربائب وحلائل الأبناء، وهذه الأسماء لا تثبت بوجود الزنا، فإنّ أم المزنيّ بها لا تكون أم امرأته، ولا بنتها ربيته، وإذا زنى الابن بامرأةٍ لم تَصِر حليلته حتى تحرم على الأب (٣).\nوقد قال ابن عباس: الحرام لا يحرم الحلال (٤).\n_________\n(١) انظر: \"الأم\" ٥/ ٢٥، والقرطبي ٥/ ١١٤، ١١٥.\n(٢) انظر: \"الكشف والبيان\" ٤/ ٣٥ أ، والقرطبي ٥/ ١١٤، ١١٥.\n(٣) انظر: \"الأم\" ٥/ ٢٦، والقرطبي ٥/ ١١٥.\n(٤) لم أجده عن ابن عباس، وانظر \"الكشف والبيان\" ٤/ ٣٥ أ.","vol":"6","page":429},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-723>٢٤ </span>- وقوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ الآية. الإحصان في اللغة أصله المَنع، وكذلك الحَصَانة، ولذلك قيل: مدينة حصينة، ودرعٌ حصينة، أي: مانعة صاحبها من الجَرح. قال الله تعالى: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ﴾ [الأنبياء: ٨٠] معناه: لتمنعكم وتُحرِزَكم (١)، والحصن الموضع الحَصين لمنعه من بغاه من الأعداء (٢). والحِصَان: الفرس لمنعه صاحبه من الهلاك، والحَصَان المرأة العفيفة لمنعها فرجها من الفساد، قال الله تعالى: ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾ [التحريم: ١٢]، أي: منعته من الزنا، ويقال: حَصَنَت المرأة تحصُن: إذا عفّت عن الريبة حُصنا وهي حَصان، مثل: جبنت جُبنًا وهي جبان (٣).\nقال سيبويه: وقالوا أيضًا: حِصنا كما قالوا: عِلما (٤).\nوقال أبو عبيد والزجاج والكسائي: حصانة أيضًا (٥).\nوقال شمر: امرأة حصان وحاصِن، وهي العفيفة، وأنشد:\nوحاصن من حاصِنات ملسِ ... من الأذى ومن قِراف الوَقْسِ (٦)\n_________\n(١) \"تهذيب اللغة\" ١/ ٨٤٣ - ٨٤٤ (حصن) بتصرف.\n(٢) انظر: \"الطبري\" ٥/ ٧.\n(٣) انظر: \"جمهرة اللغة\" ٢/ ٥٤٣ - ٥٤٤ (حصن)، والطبري ٥/ ٧، \"تهذيب اللغة\" ١/ ٨٤٤ (حصن).\n(٤) انظر: \"الحجة\" ٣/ ١٤٧.\n(٥) انظر: \"تهذيب اللغة\" ١/ ٨٤٤ (حصن).\n(٦) قول شمر وما أنشد في \"تهذيب اللغة\" ١/ ٨٤٤ (حصن)، وقال الأزهري: الوقس: الجرب. ملس: لا عيب بهن. وانظر \"اللسان\" ٢/ ٩٠٢، والرجز منسوب للعجاج في \"مجاز القرآن\" ١/ ١٢٢، \"جمهرة اللغة\" ٢/ ٥٤٣ - ٥٤٤ (حصن)، و\"تفسير الطبري\" ٥/ ٧.","vol":"6","page":430},{"text":"فقد حصل من هذا أنه امرأة حَاصِن وحَصَان بينة الحِصن والحَصَن والحَصانة، ثلاث مصادر.\nوأنشد ابن السكيت (١):\nالحِصن أدنى لو تأييته ... من حثيِك التُّرب على الراكِب (٢)\nوقال الزجاج: يقال: امرأة حصان بينّة الحصن، وفرس حصان: بيّن التحصن والتحصين، وبناء حصين: بيّن الحصانة، ولو قيل في كله: الحصانة، لجاز بإجماع (٣).\nوأما الإحصان فإنه يقع على معان كلها ترجع إلى معنى واحد، منها الحرية، يدل على ذلك قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النور: ٤] يعني: الحرائر (٤)، ألا ترى أنه إذا قذف غير حرة لم يُجلد ثمانين، وكذلك قوله: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النساء: ٢٥] يعني الحرائر، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النساء: ٢٥]، أي: الحرائر (٥).\nومنها (٦) العفاف، وهو قوله: ﴿مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ﴾ [النساء: ٢٥]، (٧)، وقوله تعالى: ﴿مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ [النساء:٢٤] [المائدة:٥]\n_________\n(١) هو أبو يوسف يعقوب بن إسحاق، تقدمت ترجمته.\n(٢) انظر: \"اللسان\" ٢/ ٩٠٢ (حصن).\n(٣) ليس في \"معاني الزجاج\" عند تفسيره لهذه الآية.\n(٤) انظر: \"الطبري\" ٥/ ٢٤.\n(٥) هذا رأي ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وابن زيد وغيرهم. انظر \"تفسير ابن عباس\" ص ١٤٣، والطبري ٥/ ١٧.\n(٦) أي من المعاني التي يقع عليها لفظ الإحصان.\n(٧) انظر \"تفسير ابن عباس\" ص ١٤٣، والطبري ٥/ ١٩.","vol":"6","page":431},{"text":"وقوله: ﴿الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾ [التحريم: ١٢]، أي: أعفته.\nومنها الإسلام، من ذلك قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾ [النساء: ٢٥] قيل في تفسيره: أسلمن (١).\nومنها كون المرأة ذات زوج، يقال: امرأة محصنة، إذا كانت ذات زوج، والمحصنات: المتزوجات، بدلالة قوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ يعني: ذوات الأزواج (٢). ونذكر ذلك عند التفسير.\nوليس تبعد هذه المعاني عما عليه موضوع اللغة، فإن الإحصان هو أن يُحمى الشيء وُيمنع، والحرّة تُحَصِّن نفسها وتَحصُن هي، وليست كالأمة. والعفة أيضًا مانعة من الزنا، والعفيفة تمنع نفسها، وكذلك الإسلام مانع من الفواحش، والمحصنة ذات الزوج؛ لأن الزوج أحصنها ومنع منها.\nواختلف القراء في: ﴿الْمُحْصَنَاتُ﴾ فقرأوا بفتح الصاد وكسرها في جميع القرآن (٣)، إلا التي في هذه الآية، فإنهم اجتمعوا على الفتح فيها (٤).\nفمن قرأ بالكسر جعل الفعل لهن، ومن قرأ بالفتح جعل الفعل لغيرهن (٥).\nقال أبو عبيد (٦): اجتمع القراء على نصب الصاد في الحرف الأول\n_________\n(١) ممن قال بذلك ابن مسعود والشعبي وإبراهيم التيمي والسدي. انظر: الطبري ٥/ ٢٠، \"الدر المنثور\" ٢/ ٢٥٥.\n(٢) انظر: الطبري ٥/ ١، \"الكشف والبيان\" ٤/ ٣٦ ب، \"الدر المنثور\" ٢/ ٢٤٦ - ٢٤٧.\n(٣) قراءة الكسر للكسائي، والفتح لبقية العشرة. انظر: \"السبعة\" ص ٢٣٠، \"الحجة\" ٣/ ١٤٦، \"المبسوط في القراءات العشر\" ص١٥٥، \"النشر\" ٢/ ٢٤٩.\n(٤) انظر المصادر السابقة.\n(٥) انظر: \"حجة القراءات\" ص ١٩٦، ١٩٧.\n(٦) أخذ قول أبي عبيد من \"تهذيب اللغة\" ١/ ٨٤٤ (حصن).","vol":"6","page":432},{"text":"من النساء؛ لأن تأويلها ذوات الأزواج يُسبَين فيُحلهن السِباء (١) تُوطأ بملك اليمين، ويَنتقض نكاحهن.\nفأما ما سوى الحرف الأول فالقراء مختلفون، فمنهم من يكسر الصاد، ومنهم من يفتحها، فمن نصب، ذهب إلى ذوات الأزواج، ومن كسر ذهب إلى أنهن أسلمن فأحصنّ أنفسهن فهن محصنات (٢).\nوقال الليث: أُحصِنت المرأة فهي محصنة، وهي التي أحصنها زوجها، وهن المُحصنات، والمعنى أنهن أحُصِنّ بأزواجهن (٣).\nأخبرني العروضي، عن الأزهري، قال: أخبرني المنذري، عن ثعلب عن ابن الأعرابي، قال: كلام العرب كله على: أفْعَل فهو مُفْعِل، إلا ثلاثة أحرف: أَحصَن فهو مُحصَن، وألفَج فهو ملفَج (٤)، وأَسهَب فهو مُسهَب (٥).\n_________\n(١) في (أ)، (د): النساء، والتصويب من \"تهذيب اللغة\".\n(٢) انتهى من \"تهذيب اللغة\" ١/ ٨٤٤ (حصن).\n(٣) انظر: \"العين\" ٣/ ١١٨، \"تهذيب اللغة\" ١/ ٨٤٤ (حصن).\n(٤) في النسخة (أ) وعند هذا اللفظ كتب هامش بغير خط النسخة وهو بحدود سطرين أو ثلاثة، بعضه غير واضح، وقد تبين لي منه ما يلي: ألفج بالجيم المعجمة أفلس قال رؤبة:\nأحسابكم في العسر والإلفاج ... شِيبت بعذبٍ طيّب المزاج\nوقال:\nجارية شبت شبابًا عَسلجا ... في حجر من لم يك عنها ملفجا\nيقال: عسلجت الشجرة: أخرجت عساليجها، وهي ما لان واخضر من قضبانها. وانظر: \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٧٨٣ (سهب)، ٤/ ٣٢٨٠ (لفج)، \"الصحاح\" ١/ ٣٢٩ (عسلج)، ٢/ ٣٣٩ (لفج)، \"اللسان\" ٧/ ٤٠٥٢ - ٤٠٥٣ (لفج).\n(٥) في \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٧٨٣ (سهب) لكن رواية الأزهري، عن طريق شمر، عن ابن الأعرابي، وفيه تقديم أسهب على أحصن.","vol":"6","page":433},{"text":"وأما التفسير فالمحصنات في هذه الآية ذوات الأزواج (١)، وهن محرمات على كل أحد إلا على أزواجهن، لذلك عُطِفن على المحرمات في الآية التي قبلها (٢).\nثم استثنى فقال: ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ يريد: إلا ما ملكتموهن بالسبي من دار الحرب، فإنها تحل لمالكها ولا عِدّة عليها، فتُستبرأ بحيضة وتوطأ.\nوهذا قول ابن مسعود (٣)، وابن عباس، وأبي قلابة، وابن زيد، وأبيه (٤)، ومكحول (٥)، والزهري (٦).\nقال أبو سعيد الخُدري: لما كان يوم أوْطَاس أَصَبْنا نساءً لهن أزواج في المشركين، فكرههنّ رجال منا، فأنزل الله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (٧).\n_________\n(١) انظر: \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ١/ ١٢٢، \"غريب القرآن\" لابن قتيبة ص ١١٧، والطبري ٥/ ١، \"الكشف والبيان\" ٤/ ٣٦/ ب، \"الدر المنثور\" ٢/ ٢٤٦ - ٢٤٧.\n(٢) انظر: \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ٤٠٥.\n(٣) قول ابن مسعود أن المراد بقوله: ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ هي المشتراة بالمال، لا المسبيّة. انظر: \"الطبري\" ٥/ ٣، \"الدر المنثور\" ٢/ ٢٤٧.\n(٤) هو الإمام أبو عبد الله زيد بن أسلم، له تفسير يرويه عنه ابنه عبد الرحمن هذا.\n(٥) هو أبو عبد الله مَكْحول الشامي، فقيه، كان مفتي دمشق وعالمها، من مشاهير علماء التابعين، وقد وثقه كثير من أهل العلم وأخرج له مسلم والأربعة. توفي -﵀- سنة ١١٣هـ. وقيل غير ذلك. انظر: \"مشاهير علماء الأمصار\" ص١١٤، \"ميزان الاعتدال\" ٤/ ١٧٧، \"تقريب التهذيب\" ٤/ ١٤٨.\n(٦) أخرج الآثار عن ابن عباس، وأبي قلابة، وابن زيد، وأبيه، ومكحول، والزهري، الطبري ٥/ ٦٠٢٠١، وانظر: \"الدر المنثور\" ٢/ ٢٤٧ - ٢٤٨.\n(٧) أخرجه مسلم بنحوه (١٤٥٦) كتاب الرضاع، باب: جواز وطء المسبية بعد =","vol":"6","page":434},{"text":"ولا يمكن حمل المحصنات في هذه الآية على الحرائر، ولا على المسلمات، ولا على العفائف؛ لأن التحريم مُحالٌ في هذه الأجناس، فتعين حملها على الوجه الرابع وهو المنكوحة.\nوإذا وقع السبا على الزوجين الحربيّين أو على أحدهما انقطع منادي رسول الله - ﷺ -: \"ألا لا تُوطأ حاملٌ حتى تضع، ولا حائلٌ حتى تحيض\" (١).\nفأباح وطأهن بعد الاستبراء، لانفساخ نكاحهن.\nوذهب جماعة من الصحابة -بظاهر هذه الآية- إلى أن الأَمَة المنكوحة إذا بيعت وقع عليها الطلاق، وبانت من الزوج بالبيع.\nواحتجوا بقوله: ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ قالوا: فإذا ملكها البائع وجب أن يحل له وطؤها.\nوهذا يحكى عن ابن عباس وابن مسعود وأُبَيّ (٢)، وجابر، وأنس، وسعيد بن المسيب، والحسن (٣).\n_________\n= الاستبراء ٢/ ١٠٧٩ (ح ٣٥) وغيره، وكذلك المؤلف في \"أسباب النزول\" ص ١٥٢ - ١٥٣ من طرق.\n(١) أخرجه الإمام أحمد ٣/ ٦٢، وأبو داود (٢١٥٥) كتاب النكاح، باب: في وطء السبايا، والحاكم ٢/ ١٩٥، وقال: هذا حديث صحيح على شرط البخاري ومسلم ولم يُخرجاه، ووافقه الذهبي، وعندهم أن هذا الحديث في سبي أوطاس.\n(٢) هو أبو المُنذِر أُبَيّ بن كعب بن قيس بن عبيد الخزرجي الأنصاري، من رواة الأحاديث وقُرَّاء الصحابة وكتاب الوحي ومن أصحاب العقبة الثانية وقد شهد بدرًا وما بعدها وتوفي - ﵁ - سنة ٣٠ هـ. انظر: \"الاستيعاب\" ١/ ١٦١ - ١٦٢، \"الإصابة\" ١/ ١٩، \"الأعلام\" ١/ ٨٢.\n(٣) أخرج الآثار عنهم الطبري ٥/ ٣ - ٤، وانظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٥٠، \"الدر المنثور\" ٢/ ٢٤٧.","vol":"6","page":435},{"text":"وليس الأمر على ما ذهبوا إليه؛ فإن هذه الآية مخصوصة بملك اليمن في الحربية إذا سبيت من دار العرب، بدليل حديث بريرة (١)، فإن عائشة اشترتها وأعتقتها، ثم خيّرها النبي - ﷺ -، وكانت مزوجة، فاختارت الفراق (٢)، ولو وقع الطلاق بالبيع ما خيرت.\nوهذا الذي ذكرنا من أن البيع لا يكون طلاقًا مذهب عمر (٣)، وعلي، وعبد الرحمن بن عوف (٤)، وإجماع الفقهاء اليوم.\nوقوله تعالى: ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾. قال ابن عباس: يريد: هذا ما حرم الله عليكم (٥). يعني: كتب تحريم ما ذكر من النساء عليكم.\nوانتصابه على مصدر جرى الفعل من غيره، كأنه قيل: حرمت هذه النساء كتابًا من الله عليكم، أي: كتابة (٦).\n_________\n(١) هي مولاة عائشة -﵄- كانت مولاة لقوم من الأنصار، وقيل لآل بني هلال، وقيل لآل عتبة بن أبي إسرائيل، وكانت تخدم عائشة قبل أن تشتريها، وقد عتقت تحت زوجها فخيرها النبي - ﷺ -، فكانت سنّة. انظر: \"الاستيعاب\" ٤/ ٣٥٧، \"أسد الغابة\" ٧/ ٣٩، \"الإصابة\" ٤/ ٢٥١ - ٢٥٢.\n(٢) أخرجه بمعناه البخاري (٢٥٣٦) كتاب العتق، باب: بيع الولاء وهبته، وانظر\n\"تفسير ابن كثير\" ٢/ ٥١٧.\n(٣) عند ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٢/ ٥٠: ابن عمر.\n(٤) انظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٥٠.\n(٥) لم أجده عن ابن عباس، وقد أخرجه الطبري، عن إبراهيم التيمي، \"جامع البيان\" ٥/ ٩، وأورده السيوطي في \"الدر المنثور\" عن إبراهيم وعزاه -إضافة إلى الطبري- إلى عبد الله بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم. انظر. \"الدر المنثور\" ٢/ ٢٤٩.\n(٦) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٢٦٠، و\"الطبري\" ٥/ ٩، \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ٤٠٦.","vol":"6","page":436},{"text":"ومعنى الكتابة ههنا التحريم؛ لأنه كتابة التحريم، أي: إثباته وتأكيده.\nومثله: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي﴾ [النمل: ٨٨]، وقد مر كثير من هذا، (وهذا) (١) معنى قول الفراء والزجاج (٢).\nوقد كشف أبو علي عن هذا فقال: ليس انتصابه على: عليكم كتاب الله، ولكن كتاب مصدر، دل ما تقدم على الفعل الناصب له، وذلك أن قوله: ﴿حُرِمَتْ عَلَيْكُمْ﴾ فيه دلالة على أن ذلك مكتوب عليهم فانتصب ﴿كِتَابَ اللَّهِ﴾ بهذا الفعل الذي دل عليه ما تقدمه من الكلام (٣). وعلى ذلك قول الشاعر:\n[ما (٤)] إِنْ يمسّ الأرض إلاَ منْكِبٌ ... مِنْه وحرفُ السّاقِ طَيَّ المِحْمَلِ (٥)\nقال الزجاج: ويجوز أن يكون منصوبًا على جهة الأمر، ويكون: ﴿عَلَيْكُمْ﴾ مُفسرًا له، فيكون المعنى: الزموا كتاب الله (٦).\n_________\n(١) ليس في (د).\n(٢) انظر: \"معاني الفراء\" ٢/ ٢٦٠، \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٦.\n(٣) انظر: \"الحجة\" ٢/ ٣٥٣، \"المسائل الحلبيات\" ص ٢٠٣.\n(٤) ما بين القوسين المعقوفين ليس في النسخ واستدركته من مصادر التوثيق الآتية.\n(٥) البيت لأبي كبير الهُذلي يصف شابًا جلْدًا خفيف الجسم إذا نام لا يمس الأرض إلا منكبه وحرف ساقه دون بطنه. والمقصود بالمِحمَل: محمل السيف.\nانظر: \"الكتاب\" ١/ ٣٥٩، \"الشعر والشعراء\" ص ٤٤٧، \"المقتضب\" ٣/ ٢٠٤، \"الخصائص\" ٢/ ٣٠٩، \"ديوان الهذليين\" ٢/ ١٣. والشاهد منه. أن طي نصب بفعل مقدر، تقديره: طويَ طيّ المِحْمَل.\n(٦) \"معاني القرآن\" ٢/ ٣٦.","vol":"6","page":437},{"text":"قال الفراء: وقد قال بعض النحويين: معناه: عليكم كتاب الله، واحتج بقول الشاعر:\nيا أيها المائح دلوى دونكا (١)\nفالدلو عِنْده في موضع نصب، كما يقال: دونك زيدًا، وهذا لا يصح عند النحويين، لأن الإغراء لا يجوز فيه تقديم المنصوب على حرف الإغراء، لا تقول العرب: زيدًا عليك، أو زيدًا دونك. إنما تقول: عليك زيدًا، ودونك زيدًا (٢).\nقال الزجاج (٣): لأن قولك: عليك زيدًا ليس له ناصب في اللفظ متصرف، فيجوز تقديم نصبه (٤)، وقول الشاعر:\n.......... دلوى دونكما (٥)\nالدلو في موضع رفع، على معنى: هذه دلوي دونك، كقولك: زيدٌ فاضربوه، وإن نصبت الدلوَ أضمرت في الكلام شيئًا، كأنك تقول: خذ دلوي، أو دونك دلوي دونك (٦). وعلى هذا يجوز أن تقول: زيدًا عليك،\n_________\n(١) حذف المؤلف عجز البيت، وهو عند الفراء:\nإني رأيت الناس يحمدونكا\n\"معاني القرآن\" ١/ ٦٠، ونسب في الحاشية إلى شاعر جاهلي من بني أسيد بن عمرو بن تميم، وقد ورد البيت في \"الأمالي للقالي\" ٢/ ٢٤٤، \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٣٢٢ (ماح)، \"الإنصاف\" للأنباري ص ١٨٧. والمائح: هو الذي ينزل في البئر إذا قلّ الماء فيملأ الدلو.\n(٢) \"معاني القرآن\" ١/ ٢٦٠.\n(٣) في \"معاني القرآن\" ٢/ ٣٦.\n(٤) في \"معاني الزجاج\": منصوبه، ولعله هو الصواب.\n(٥) تقدم البيت قريبًا.\n(٦) انظر: \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٦، ٣٧.","vol":"6","page":438},{"text":"فيكون منصوبًا بشيء مضمر قبله.\nوقوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾. وقرئ: ﴿وَأُحِلَّ﴾ بضم الألف (١)، والفتح (٢) أشبه بما قبله، لأن معنى ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾: كتب الله عليكم كتابًا وأحلّ لكم فبناء الفتح للفاعل ههنا أحسن.\nومن بين (٣) الفعل للمفعول به فقال: وأحل لكم، فهو في المعنى يؤول إلى الأول، وفي ذلك مراعاةُ مُشاكلةِ ما بعد بما قبل (٤)، وهو قوله: ﴿حُرِّمَت﴾، فلما كان التحريم مبنيًّا للمفعول به كذلك الإحلال.\nوقوله تعالى: ﴿مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ قال الفراء وغيره: يقول ما سوى ذلك، كقوله: ﴿وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ﴾ [البقرة: ٩١] يريد: سواه (٥).\nوقال الزجاج: ومعنى: ﴿مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾: أي: ما بعد هذه النساء التي حُرّمت حلال (٦).\nوهذا الإحلال مخصوص بالسنة، وهو ما ذكرنا من تحريم تَزَوُّج المرأة على عمتها وعلى خالتها (٧).\nقال أبو إسحاق: لم يقل الله ﷿: لا أحرم عليكم غير هؤلاء، وقال:\n_________\n(١) وكسر الحاء، وهذه القراءة لعاصم برواية حفص وحمزة والكسائي وأبي جعفر وخلف. انظر: \"المبسوط\" ص ١٥٦، \"الحجة\" ٣/ ١٥٠، \"النشر\" ٢/ ٥٤٩.\n(٢) أي فتح الألف والحاء (أَحَلّ) وهذه القراءة للباقين من العشرة. انظر المصادر السابقة.\n(٣) هكذا هذه الكلمة في (أ)، ولعل الصواب: بَنَى، لما في \"الحجة\" ٣/ ١٥٠.\n(٤) التعقيب على القراءتين من \"الحجة\" ٣/ ١٥٠.\n(٥) \"معاني القرآن\" ١/ ٢٦١.\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٣٧\n(٧) انظر: \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٧، وقد تقدم الحديث في ذلك.","vol":"6","page":439},{"text":"﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]، قال: وآتاهم أن الخالة كالوالدة، وأن العمة بمنزلة الوالد في وجوب الحق كالوالدة. (١) فإذًا العمة والخالة كالوالدة، وتَزّوج المرأة على عمتها وخالتها كتزوجها على أمها.\nوقوله تعالى: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾. محل ﴿أَنْ﴾ رفع على البدل من (ما) في قراءة من قرأ ﴿وأُحلَّ﴾ بضم الألف، ومن قرأ بالفتح كان محل (أن) نصبًا. قالوا: ويجوز أن يكون محلّه نصبً على القراءتين بفقد الخافض، كأنه قيل: لأن تبتغوا، ثم حذف الخافض (٢).\nوالمعنى: أحلّ لكم أن تطلبوا بأموالكم، إما بنكاح وصداق، أو بملك وثمن، وفي هذا دليل على أن الصداق لا يَتَقدّر بشيء؛ لإطلاق قوله: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾، فمن ابتغى بقدر جاز أن يكون ثمنًا في بيعٍ أو أجرة في إجارة فقد استحل.\nوقوله تعالى: ﴿مُحْصِنِينَ﴾. أي: متعففين عن الزنا، وهو قول ابن عباس (٣).\nوقال مجاهد: ناكحين (٤)، وهو اختيار الزجاج؛ لأنه (قال) (٥):\n_________\n(١) انتهى كلام أبي إسحاق الزجاج من \"معاني القرآن\" ٢/ ٣٧.\n(٢) انظر \"معاني الفراء\" ١/ ٢٦١، الطبري ٥/ ١١، \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٧، \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ٤٤٦، \"الكشف والبيان\" ٤/ ٣٧/ أ.\n(٣) لم أقف عليه عن ابن عباس، وقد ذكر المؤلف هذا القول دون نسبة لأحد في \"الوسيط\" ٢/ ٥٠١، وانظر الطبري ٥/ ١١.\n(٤) \"تفسير مجاهد\" ١/ ١٥٢، وأخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٥/ ١١، وهو فيهما بلفظ: متناكحين. وانظر: \"الدر المنثور\" ٢/ ٢٤٩.\n(٥) ما بين القوسين ليس في (أ).","vol":"6","page":440},{"text":"عاقدين التزويج (١).\nوقال الفراء: يقول: أن تبتغوا الحلال (٢).\nوقوله تعالى: ﴿غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾. أي: غير زانين. عن مجاهد (٣)، والسدي (٤).\nوقال ابن عباس: السفاح الزنا (٥).\nقال الليث: السفاح والمسافحة: أن تقيم امرأة مع رجل على فجور من غير تزويج صحيح، والمُسافِحة: الزانية (٦). وروي أن النبي - ﷺ - قال: قال لي جبريل: \"ما بينك وبين آدم نكاح لا سفاح فيه\" (٧).\nوأصله في اللغة: من السَّفح وهو الصَّبّ، يقال: سفح الدمع مسفوحًا، وسفح الدم: صبّه، وفلان سفّاحٌ للدماء: أي: سفّاك (٨).\nوسمي الزنا سِفاحًا، لأنه ليس ثم حرمةُ نكاح ولا عقد تزويج (٩)، وإنما يسفح كل واحد من الزانيين نطفته، أي: يصبها ويريقها، فسمي سفاحًا لهذا المعنى. كما سمي مِذًاء من المذي، وكان الرجل في الجاهلية\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٣٧.\n(٢) \"معاني القرآن\" ١/ ٢٦١.\n(٣) \"تفسيره\" ١/ ١٥٢، وأخرجه الطبري ٥/ ١١ بدون لفظ غير.\n(٤) أخرجه الطبري ٥/ ١١ بلفظ: غير زناة.\n(٥) لم أجده إلا في \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ٨٢ بلفظ مجاهد.\n(٦) من \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٧٠٠، وهو في \"العين\" ٣/ ١٤٧ (سفح).\n(٧) انظر: \"العين\" ٣/ ١٤٧، ولم أقف عليه في المصادر الحديثية.\n(٨) انظر: \"العين\" ٣/ ١٤٧، \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٨، \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٦٩٩ \"الصحاح\" ١/ ٣٧٥ (سفح).\n(٩) انظر: \"معاني القرآن\" ٢/ ٣٨، \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٧٠٠ (سفح).","vol":"6","page":441},{"text":"إذا أراد أن يفجر بالمرأة يقول لها: سافحيني، أو ماذيني (١).\nوقوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ﴾. قال الحسن ومجاهد وابن زيد وأكثر المفسرين: يعني: فما انتفعتم وتلذّذتم من النساء بالنكاح الصحيح (٢). قال أبو إسحاق: يريد فما استمتعتم به منهن على عقد التزويج الذي جرى ذكره (٣).\n﴿فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾. أي: مهورهن، فإن استمتع بالدخول بها آتى (٤) المهر تامًا، وإن استمتع بعقد النكاح آتى نصف المهر (٥).\nوالاستمتاع في اللغة: الانتفاع، وكل ما انتفع به فهو متاع (٦). هذا التفسير هو الذي عليه إجماع الفقهاء وعلماء الأمة (٧).\nوسُمي المهر في هذه الآية أجرًا لأنه أجر الاستمتاع (٨).\nوانتصاب الفريضة ههنا على الحال، أي: مفروضة (٩).\n_________\n(١) انظر: \"غريب القرآن\" لابن قتيبة ص ١١٧ - ١١٨، \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٢٦ (سفح).\n(٢) أخرج الآثار عن الحسن ومجاهد وابن زيد الطبري ٥/ ١١ - ١٢ بلفظ النكاح، وقد أفاد المؤلف لفظه من \"الكشف والبيان\" ٤/ ٣٧/ ب، وانظر: \"الوسيط\" ٢/ ٥٧.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٣٨ بتصرف.\n(٤) في (د): (إلى).\n(٥) من \"معاني الزجاج\" بنصه ٢/ ٣٨، وانظر: \"الطبري\" ٥/ ١٢، \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٤٥٩ (متع). \"الكشف والبيان\" ٤/ ٣٩/ أ.\n(٦) انظر: \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٨، \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٤٥٩ (متع).\n(٧) انظر: \"غريب القرآن\" لابن قتيبة ص ١١٨، و\"الطبري\" ٥/ ١٢، \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٨، \"الكشف والبيان\" ٤/ ٣٩ أ.\n(٨) انظر: \"الكشف والبيان\" للثعلبي ٤/ ٣٩ أ.\n(٩) وقيل: مصدر في موضع الحال. انظر \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ٤٠٦، \"مشكل إعراب القرآن\" ١/ ١٩٥.","vol":"6","page":442},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ﴾.\nقال عطاء: يريد: إذا سميت المهر بعدّة من الدنانير أو الحيوان، فلا حرج بعد ذلك أن تحطّ من عدة الدنانير أو الحيوان، إذا كان ذلك برضا المرأة (١). ففسر هذا التراضي بالحطّ من المهر والإبراء.\nوقال الزجاج: أي: لا إثم عليكم في أن تَهب المرأة للزوج مهرها، أو يهب الرجل للمرأة تمام المهر إذا طلقها قبل الدخول (٢).\nوقيل: هذا في الخُلع، يقول: لا جناح عليكم فيما تَفتدي به المرأة نفسها (٣).\nوذهب كثير من المفسرين إلى أن المراد بالاستمتاع في هذه الآية المُتعة (٤) التي كانت مُباحةً في ابتداء الإسلام، وهو ما رُوي أن النبي - ﷺ -، لما قدم مكة في عمرته، تزين نساء أهل مكة، فشكا أصحاب رسول الله - ﷺ -\n_________\n(١) لم أقف عليه، وقد ورد بمعناه عن ابن عباس وابن زيد. انظر: \"الطبري \" ٥/ ١٤، \"زاد المسير\" ٢/ ٥٤.\n(٢) العبارة في \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٩: أي لا إثم عليكم في أن تهب المرأة للرجل مهرها، أو يهب الرجل للمرأة التي لم يدخل بها نصف المهر الذي لا يجب إلا لمن دخل بها، وهذه العبارة مشكلة؛ لأن غير المدخول بها يجب لها نصف الصداق بلا هبة لقوله سبحانه: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، إلا أن يكون المراد بعبارة الزجاج هذه: نصف المهر الآخر، ويحتمل التصحيف من النساخ، وعلى كلٍّ فعبارة الزجاج عند المؤلف أوضح وأصوب وقد ذكرها في تفسيره الآخر \"الوسيط\" ٢/ ٥٠٢.\n(٣) نحوه مَرويّ عن ابن عباس. انظر: \"الطبري\" ٥/ ١٤، \"زاد المسير\" ٢/ ٥٢.\n(٤) هذا قول لابن عباس ومجاهد والسدي وغيرهم. انظر: الطبري ٥/ ١٢ - ١٣، \"الكشف والبيان\" ٤/ ٣٧ ب.","vol":"6","page":443},{"text":"إليه العُزبة (١)، فقال: \"استمتعوا من هذه النساء\"، وروي أنه قال: \"تمتعوا منهن\" (٢).\nوكان الرجل في صدر الإسلام يعطي المرأة دينارًا أو دراهم، أو ما كان، مما يتراضيان به، على أن يستمتع بها يومًا أو أسبوعًا، على ما يتراضيان عليه من الأجل، فإذا انقضى الأجل فليس له عليها سبيل، وهي منه بريئة، وعليه أن يستبرئ رحمها فإن قال لها: زيديني في الأيام وأزيدك في الأجر كانت المرأة بالخيار، إن شاءت فَعَلت ذلك، وإن شاءت لم تفعل (٣).\nقالوا: وذلك قوله: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ﴾ أي: من زيادة الأجل والأجر (٤). ثم أجمع أكثر هؤلاء على أن هذا الحكم منسوخ (٥)، إلا ابن عباس وعمران بن حصين (٦)، فإنهما كانا يريان جواز نِكاح المُتعة (٧). كان ابن عباس يُفتي بها.\n_________\n(١) العُزبة: من العُزوبة، أي البعد عن النكاح والتجرد عن النساء. انظر: \"النهاية في غريب الحديث والأثر\" ٣/ ٢٢٨.\n(٢) أخرجه بلفظه الأول أبو عبيد في \"الناسخ والمنسوخ\" ص ٧٣، وانظر: \"الكشف والبيان\" ٤/ ٣٨ ب.\n(٣) انظر: \"الطبري\" ٥/ ١٣ - ١٤، \"الكشف والبيان\" ٤/ ٣٨ ب، \"النكت والعيون\" ١/ ٤٧١.\n(٤) انظر: \"النكت والعيون\" ١/ ٤٧١، \"زاد المسير\" ٢/ ٥٥.\n(٥) انظر: \"الناسخ والمنسوخ\" لأبي عبيد ص ٨٠.\n(٦) هو أبو نُجيد عِمران بن حُصين بن عُبيد الخُزاعي أسلم عام خيبر وغزا مع النبي - ﷺ -، كان من فضلاء الصحابة ومجابَ الدعوة، مرض فكان على سريره ثلاثين عامًا حتى توفي - ﵁ - سنة ٥٢ هـ وكانت الملائكة تسلم عليه. انظر: \"الاستيعاب\" ٣/ ٢٨٤ - ٢٨٥، \"أسد الغابة\" ٤/ ٢٨١، \"الإصابة\" ٣/ ٢٦ - ٢٧.\n(٧) سيورد المؤلف ما يدل على ذلك عن ابن عباس وعمران بن حصين.","vol":"6","page":444},{"text":"قال عمارة (١) مولى الشريد (٢): سألت ابن عباس عن المُتعة، أسِفاح هي أم نكاح؟ قال: لا سفاح ولا نكاح. قلت: فما هي؟ قال: هي المُتعة كما قال الله. قلت: هل لها من عدة؟ قال نعم، عدتها حيضة. قلت: هل يتوارثان؟ قال: لا (٣).\nوروى عبيد الله بن عبد الله بن عتبة (٤): أن ابن عباس كان يُفتي بها،\nويغمصُ (٥) ذلك أهلُ العراق، وأَبَى أن ينكل عن ذلك، حتى طفق بعض الشعراء يقول:\nأقول للركب إذْ طَالَ الثَّواءُ بنا ... يا صَاحِ هَلْ لَك في فُتيا ابن عباسِ\nهل لك في رَخصة الأطرافِ ناعمة ... تكون مَثواك حتى رجعة الناس (٦)\n_________\n(١) هكذا في (أ)، وفي \"الدر المنثور\" ٢/ ٢٥٣: عمار، بدون تاء.\n(٢) تابعي ثقة كما في ثقات العجلي.\n(٣) أخرجه أبو عُبيد في \"الناسخ والمنسوخ في القرآن العزيز\" ص ٨٠، وأورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ٢/ ٢٥٣ بلفظه، وعزاه لابن المنذر.\n(٤) هو أبو عبد الله عبيد الله بن عبد الله بن عُتبة بن مسعود الهُذلي المدني تابعي ثقة ثبت أحد كبار فقهاء المدينة في عصره، جامع بين العلم والصلاح وهو معلم عمر بن عبد العزيز رحمهما الله كان ضرير البصر، وتوفي سنة ٩٤ هـ وقيل غير ذلك. انظر: \"تاريخ الثقات\" ٢/ ١١١، \"مشاهير علماء الأمصار\" ص ٦٤، \"التقريب\" ص ٣٧٢ رقم (٤٣٠٩).\n(٥) غَمِصَ-بفتح الميم وكسرها- يَغمِص غمصًا، وهو الاستصغار أو العيب، انظر \"الصحاح\" ٣/ ١٠٤٧ (غمص). وفي النسخة (أ) تعليق في الحاشية كلمتين أو ثلاث، لم يتبين، والظاهر أنه شرح لهذه الكلمة الغربية.\n(٦) انظر: \"عيون الأخبار\" ٤/ ٥٩، و\"تفسير القرطبي\" ٥/ ١٣٣، و\"الدر المنثور\"=","vol":"6","page":445},{"text":"قال: فازداد لها أهل العلم قَذرًا وبُغضًا، حين قيل فيها الأشعار (١)\nوقال عمران بن حُصين: نزلت آية المتعة في كتاب الله ﷿ ولم ينزل آية بعدها تنسخها، وأمرنا بها رسول الله - ﷺ - وتمتعنا معه، ومات ولم يَنهنا عنه. قال رجلٌ بَعْدُ برأيهِ ما شاء (٢).\nوجميع الصحابة على أن المتعة منسوخة حرام (٣).\nروى الربيع بن (سَبرة) (٤) الجهني (٥)، عن أبيه قال: غدوت على رسول الله - ﷺ - فإذا هو قائم بين الركن والمقام، مسندٌ ظهره إلى الكعبة، يقول: \"يا أيها الناس إني كنتُ أمرتُكم بالاستمتاع من هذه النساء، ألا وإن الله قد حرَّم عليكم إلى يوم القيامة، فمن كان عنده منهن شيء فليُخَلّ سبيلها، ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئًا\" (٦).\n_________\n=٢/ ٤٨٧، و\"السنن الكبرى\" للبيهقي ٧/ ٢٠٥، و\"التمهيد\" لابن عبد البر ١٠/ ١١٧، و\"أخبار مكة\" للفاكهي ٣/ ١٢.\n(١) أخرجه أبو عبيد في \"الناسخ والمنسوخ\" ص ٨١، ٨٢، وانظر: \"الكشف والبيان\" ٤/ ٣٨ أ، \"الدر المنثور\" ٢/ ٤٧١.\n(٢) أخرجه الثعلبي في \"الكشف والبيان\" ٤/ ٣٨ أ.\n(٣) انظر: \"الكشف والبيان\" ٤/ ٣٨ أ.\n(٤) في (د): (سبر) بالتذكير، والصواب ما أثبته. انظر: \"الناسخ والمنسوخ\" لأبي عبيد ص ٧٣.\n(٥) هو الربيع بن سبرة بن معبد الجهني المدني تابعي ثقة، وثقه النسائي وابن حبان وأخرج حديثه مسلم وأهل السنن، عده ابن حجر من الطبقة الثالثة. ولم تذكر سنة وفاته. انظر: \"تاريخ الثقات\" ١/ ٣٥٤، \"تهذيب التهذيب\" ١/ ٥٩٢، \"التقريب\" ص ٢٠٦ رقم (١٨٩١).\n(٦) أخرجه أبو عبيد في \"الناسخ والمنسوخ\" ص ٧٣، ومسلم في \"صحيحه\" كتاب النكاح، باب: ٣ نكاح المتعة ٢/ ١٠٢٥ (ح ٢١)، وفيهما: \" .. ألا وإن الله قد حرم عليكم ذلك .. \" بزيادة اسم الإشارة، وهو الأصوب.","vol":"6","page":446},{"text":"وروى الحارث بن غُزَيّة (١) أن رسول الله - ﷺ - قال: \"مُتعة النساء حرام\" (٢).\nوقال عمر - ﵁ -: لَنْ أُوتَى برجلٍ منكم نكح امرأة إلى أجل إلا رجمته بالحجارة (٣).\nوروي عن ابن الحَنفيّة (٤): أن عليًا - ﵁ - مر بابن عباس وهو يفتي بنكاح المتعة أنه لا بأس بها، فقال: إن رسول الله - ﷺ - نهى عنها وعن لحوم الحُمُر الأهلية يوم خيبر (٥).\nقال أبو عبيد: هذا التوقيت يرجع إلى النهي عن لحوم الحُمُر؛ لأن الرخصة في المتعة كانت في عمرة النبي - ﷺ -، وهي بعد خيبر، والنهي عن المتعةُ مطلق غير مُؤَقت (٦).\n_________\n(١) هو الحارث بن غزَيّة، وقيل: غزية بن الحارث الأنصاري المدني، صحابي جليل روى عن رسول الله - ﷺ -. انظر: \"الاستيعاب\" ٣/ ٣١٨، \"أسد الغابة\" ١/ ٤١٠، \"الإصابة\" ٣/ ١٨٥.\n(٢) أخرجه أبو عبيد في \"الناسخ والمنسوخ\" ص ٧٥.\n(٣) جزء من أثر أخرجه أبو عبيد في \"الناسخ والمنسوخ\" ص ٧٦، ومسلم (١٢١٧) كتاب الحج، باب: في المتعة بالحج والعمرة.\n(٤) هو أبو القاسم أو أبو عبد الله محمد بن علي بن أبي طالب القرشي الهاشمي من أفاضل أهل البيت، ومن العلماء الثقات، عرف بابن الحنفية نسبة إلى أمه من بني حنيفة. توفي - ﵁ - سنة ٧٣ هـ وقيل بعد الثمانين. انظر: \"مشاهير علماء الأمصار\" ص ٦٢، \"سير أعلام النبلاء\" ٤/ ١١٠، \"التقريب\" ص ٤٩٧ رقم (٦١٥٧).\n(٥) أخرجه أبو عبيد في \"الناسخ والمنسوخ\" ص ٧٥، والبخاري (٥١١٥) بنحوه في كتاب النكاح، باب: نهى رسول الله - ﷺ - عن نكاح المتعة آخرا ٦/ ١٢٩، ومسلم (١٤٠٧) كتاب النكاح، باب: نكاح المتعة.\n(٦) انظر: \"الناسخ والمنسوخ\" ص ٧٥.","vol":"6","page":447},{"text":"وكانت عائشة إذا ذُكِر لها المتعة قالت: والله ما نجد في كتاب الله إلا النكاح والاستِسرار، ثم تتلو هذه الآيات الثلاثة: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ [المؤمنون: ٥]، إلى آخرها (١).\nوقال ابن مسعود: المتعة منسوخة، نسخها الطلاق والصَّداق والعِدّة والميراث (٢).\nقال أبو عبيد: فالمسلمون اليوم مُجمعون على أن متعة النساء قد نُسخت بالتحريم، نسخها الكتاب والسنة (٣).\nهذا قول أهل العلم اليوم جميعًا من أهل العراق، وأهل الحجاز، وأهل الشام، وأصحاب الأثر، وأصحاب الرأي: أنه لا رُخصة فيها لمضطر ولا غيره.\nوقد رُوي عن ابن عباس شيء شبيه بالرجوع عنها، وهو ما روى عطاء الخرساني، عن ابن عباس في قوله: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ﴾ قال: نسختها: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] (٤).\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا﴾ أي: بما يُصْلِح أمر العباد (حكيمً) فيما بين (٥) لهم من عقد النكاح الذي به حُفظت الأموال والأنساب (٦).\n_________\n(١) أخرجه أبو عبيد في \"الناسخ والمنسوخ\" ص ٨٧، وذكره الثعلبي بمعناه في \"الكشف والبيان\" ٤/ ٣٩ أ.\n(٢) أخرجه أبو عبيد في \"الناسخ والمنسوخ\" ص ٧٩.\n(٣) \"الناسخ والمنسوخ\" ص ٨٠، وانظر: \"البغوي\" ٢/ ١٩٣.\n(٤) أخرجه أبو عبيد في \"الناسخ والمنسوخ\" ص ٨٣، والنحاس في \"الناسخ والمنسوخ\" ٢/ ١٩١، ١٩٢، وضعفه المحقق إسناده.\n(٥) في \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٩: فرض.\n(٦) انتهى من \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٩.","vol":"6","page":448},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-724>٢٥ </span>- قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا﴾ الآية. قال ابن عباس، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وقتادة، والسدي، وابن زيد: الطَّول: الغنى والسعة (١).\nوقال الفراء: الطّول: الفضل، يقال: طال عليه يطول طَولًا في الإفضال. ولفلان على فلان طَول، أي: فضل (٢).\nوقال ابن المظفر والزجاج: الطول: القُدرة (٣). يقال: فلان ذو طول، أي: ذو قدرة في ماله (٤)، وقيل في تفسير قوله: ﴿ذِي الطَّوْلِ﴾ [غافر: ٣] ذي القدرة. وهذه الأقوال كلها في المعنى واحد.\nوُيراد بالقدرة ههنا القدرة على المهر (٥)، وأصل الطَّول من الطُّول خِلاف القِصَر (٦)، وذلك أن الغني يُنال به معاني الأمور، كالطول في أنه يُنال به ما لا ينال بالقِصَر. واشتقاق الطائل من الطول، يقال للشيء إذا لم يكن ذا مَنٍّ يُرغب فيه: هذا شيء غير طائل (٧).\nومنه:\n_________\n(١) أخرج الآثار عنهم الطبري ٥/ ١٥. والأثر عن ابن عباس في \"تفسيره\" من طريق علي بن أبي طلحة ص ١٤٢، وعن مجاهد في \"تفسيره\" ١/ ١٥٢، وانظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٥٥، \"الدر المنثور\" ٢/ ٢٥٣ - ٢٥٤.\n(٢) لم أجده في \"معاني القرآن\" للفراء، فلعله في كتابه \"المصادر\" وهو مفقود، وانظر: \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢١٥٦.\n(٣) \"العين\" ٧/ ٤٥٠ (طول)، \"معاني الزجاج\" ٢/ ٤٠، وانظر: \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢١٥٦.\n(٤) في \"العين\" ٧/ ٤٥٠ دون لفظ: ماله.\n(٥) انظر: \"معاني الزجاج\" ٢/ ٤٠، و\"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢١٥٦.\n(٦) انظر: \"العين\" ٧/ ٤٥٠ (طول)، والطبري ٥/ ١٥ - ١٦.\n(٧) انظر: \"العين\" ٧/ ٤٥٠، و\"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢١٥٦.","vol":"6","page":449},{"text":"لقد زادني حبًّا لنفسيَ أَنَّني ... بغيضٌ إلى كُلِّ امرئ غيرِ طائلِ (١)\nوقوله تعالى:. ﴿أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ قال ابن عباس وغيره: يريد الحرائر (٢).\nفمن فتح الصاد (٣) أراد أنهن أُحصِنّ لحريتهن، ولم تُبتذل كالأَمَة، فهن محصَنات، ومن كسر الصاد (٤) أراد أنهن أحصن أنفسهن لحريتهن، ولم يبرُزن بروزَ الأمة، فهن مُحصِنات (٥).\nوتقييد المحصنات ههنا بالمؤمنات، ووصفهن بالإيمان يفيد عند من يقول بالمفهوم أن من وجد طول حرة كتابية لم يكن ممنوعًا عن نكاح الأمَة (٦)، وإنما يُمنع إذا وجد طَول حرة مؤمنة كما ذكر الله تعالى. هذا مذهب أكثر أصحابنا (٧).\nومنهم من يقول: إذا قدر على طَول حرّة كتابية منع من نكاح الأَمَة، كما لو قدر على طول حرة مؤمنة (٨).\n_________\n(١) البيت للطرماح في \"ديوانه\" ص ١٠٠، و\"الأغاني\" ١٢/ ٥٠، و\"الحيوان\" ٣/ ١١٢، و\"الشعر والشعراء\" ص ٥٨٥، و\"ديوان الحماسة\" ١/ ٧٦، و\"عيون الأخبار\" ٣/ ١١٢، و\"الوساطة\" ص ٢٤٧، و\"المثل السائر\" ٢/ ٣٥٣، و\"الكشاف\" ١/ ٥٣١، و\"البحر\" ٣/ ٢٠٤.\n(٢) \"تفسير ابن عباس\" ص ١٤٣، وأخرجه الطبري ٥/ ١٧.\n(٣) أي من: المحصنات، وهذه قراءة الجمهور.\n(٤) قراءة الكسائي.\n(٥) في توجيه القراءتين ينظر الطبري ٥/ ١٧ - ١٨.\n(٦) أي: المؤمنة.\n(٧) انظر \"المجموع شرح المهذب\" ١٧/ ٣٤٤، وقد رجح هذا القول ابن العربي من المالكية في تفسيره \"أحكام القرآن\" ١/ ٣٩٣، وانظر: القرطبي ٥/ ١٣٨.\n(٨) هذا ما رجحه الشيرازي، انظر: \"المجموع\" ١٧/ ٣٤٤، والقرطبي ٥/ ١٣٨.","vol":"6","page":450},{"text":"ويُحتمل هذا التقييد على غالب الحال؛ لأنّ الغالب من نكاح المسلمين مناكحة المسلمات، والخطاب ربما يأتي مقيدًا بغالب الحال، فلا يكون له مفهوم يُخالف المنظوم، كقوله: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ﴾ [النساء: ١٠١]، ثم لم يكن الخوف مشروطًا في جواز القصر، ولكنه نزل على الغالب، وكان الغالب من أسفارهم الخوف، ولهذا نظائر (١).\nوقوله تعالى: ﴿فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾. أي: فليتزوج مما ملكت أيمانكم. قال ابن عباس: يريد جارية أخيك في الإسلام (٢).\nولا يجوز للإنسان أن يتزوج جاريةَ نفسِه بالإجماع (٣)، ومعنى قوله: ﴿فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ هو أن يتزوج الرجل ما يملك غيره ممّن يكون على مثل حاله من الإسلام. فأباح أن ينكح بعضنا فتاة بعض، كما فسره ابن عباس.\nوقوله تعالى: ﴿مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾. الفتيات: المملوكات والإماء. جمع فتاة، تقول العرب للأَمَة: فتاة، وللعبد: فتى (٤).\nورُوي عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"لا يقولن أحُدكم: عبدي، ولكن لِيَقُل: فتاي وفتاتي\" (٥).\n_________\n(١) هذا الاحتمال يرجح القول الأول.\n(٢) بمعناه في \"تفسير ابن عباس\" ص١٤٣، وأخرجه الطبري ٥/ ١٩ - ٢٠، وانظر \"الدر المنثور\" ٢/ ٢٥٣.\n(٣) انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" ٥/ ١٣٩.\n(٤) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٤٠.\n(٥) أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة (٢٢٤٩) كتاب الألفاظ من الأدب وغيرها، باب، حكم إطلاق لفظة العبد.","vol":"6","page":451},{"text":"وقال ابن السكيت: يقال: (تفتّت) (١) الجارية، إذا راهقت فخُدِرت (٢) ومُنِعت من اللعب مع الصبيان. وقد فتيت تفتيةً.\nويقال للجارية الحَدثة: فتاة، وللغلام: فتى (٣).\nأبو عبيد: الفتاء ممدود مصدر الفِتيّ في السن. وأنشد:\nإذا عاش الفتى مائتين عامًا ... فقد ذهب اللذاذة والفَتَاء (٤)\nفالفتاة الشابة، والفتاة الأمَة، عجوزًا كانت أو شابة (٥)؛ لأنها كالشابة في أنه لا تُوقر توقير الكبير.\nوقوله تعالى: ﴿الْمُؤْمِنَاتِ﴾ أفاد هذا التقييد أنه لا يجوز التزوّج بالأَمَة الكِتابية، سواءٌ كان الزوج حرًا أو عبدًا. وهذا قول مجاهد (٦)، وسعيد (٧)، والحسن (٨)، ومذهب مالك (٩)، والشافعي (١٠).\n_________\n(١) في النسختين: لفتت، والتصويب من \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٧٣٠ (\"فتح الوهاب\" للأنصاري).\n(٢) أي: ألزمت الخِدر وسُتِرت في البيت. حاشية ٢ من \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٧٣٠ (فتا).\n(٣) \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٧٣٠ (فتا).\n(٤) \"غريب الحديث\" لأبي عبيد ٢/ ٣٣٣، \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٧٣٠ (فتا)، والبيت للربيع بن ضبع الفزاري كما عند سيبويه ١/ ٢٠٨، \"اللسان\" ٦/ ٣٣٤٧ (فتا)؛ ونسبه سيبويه مرة أخرى إلى يزيد بن ضبة. انظر: \"الكتاب\" ٢/ ١٦٢.\n(٥) انظر: الطبري ٥/ ١٨.\n(٦) \"تفسيره\" ١/ ١٥٢، والطبري ٥/ ١٨.\n(٧) لم أقف عليه.\n(٨) أورد الأثر عنه السيوطي في \"الدر المنثور\" ٢/ ٢٥٤، وعزاه لابن أبي شيبة.\n(٩) خرج قوله الطبري ٥/ ١٨، وانظر: \"أحكام القرآن\" لابن العربي ١/ ١٩٥، \"الجامع لأحكام القرآن\" ٥/ ١٤٠.\n(١٠) \"الأم\" ٥/ ٦، وانظر: \"أحكام القرآن\" للهراسي ٢/ ٢٨٩، \"الجامع لأحكام القرآن\" ٥/ ١٤٠.","vol":"6","page":452},{"text":"ومذهب أهل العراق أنه يجوز التزّوج بالأمَة الكِتابية (١). والآية حجة عليهم (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ﴾. قال الزجاج: أي: اعملوا على الظاهر في الإيمان فإنكم متعبدون بما ظهر، (والله يتولى السرائر والحقائق) (٣).\nوقوله تعالى: ﴿بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾. ذكر أهل المعاني الزجاج وابن الأنباري وغيرهما، فيه وجهين:\nأحدهما: كلكم بنو آدم وولده، فلا يتداخلنكم شموخ وأنفَة من تزّوج الإماء عند الضرورة، فإنكم تتساوون في أنكم بنو آدم. فعلى هذا قوله: ﴿بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ أي: في النسَب (٤).\nوالثاني: أن المعنى: بعضكم يوالي بعضًا، ويُلابس بعضًا في ظاهر الحكم، من حيث شملكم الإسلام، فاجتمعتم فيه، وصرتم متكافئين متماثلين بجمع الإسلام لكم، واستوائكم في حكمه. قال الراعي:\nفقُلت ما أنا مِمَّن لا يواصِلُني ... ولا ثَوائِي إلا ريثَ أَحْتَمِلَ (٥)\nأي: لا ألابس من لا يواصلني ولا أواليه. والمعنى: دينكم واحد فأنتم متساوون في هذه الجهة، فمتى وقع لأحدكم الضرورة جاز له تزّوج الأمَة (٦).\n_________\n(١) انظر: الطبري ٥/ ١٨، والقرطبي ٥/ ١٤٠.\n(٢) انظر: الطبري ٥/ ١٨ - ١٩.\n(٣) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٤٠، وما بين القوسين زيادة على ما فيه.\n(٤) انظر: \"معاني الزجاج\" ٢/ ٤١، \"زاد المسير\" ٢/ ٧٥.\n(٥) \"ديوانه\" ص ١٩٧، \"أساس البلاغة\" ص ١٨٦ (ريث)، وقافيته في الأساس: أرتحل. ومعنى يواصلني: يوافقنى.\n(٦) انظر: \"معانى الزجاج\" ٢/ ٤١","vol":"6","page":453},{"text":"قال الزجاج: ويُقَوِّي هذا الوجه أنه ذكر ههنا المؤمنات من العبيد (١)\nوالى هذا أشار ابن عباس في تفسير هذه الآية، فقال: يريد: المؤمنون بعضهم أكفاء لبعض (٢).\nقالوا: وإنما قيل لهم ذلك؛ لأن العرب كانت تطعن في الأنساب، وتفتخر بالأحساب، وتُعَيِّر بالهُجنة، وتُسمي ابن الأَمَة الهَجِين، فأعلمَ الله أن أمر العبيد وغيرهم مستوي (٣) في باب الإيمان.\nوإنما حرم التزّوج بالأمة إذا وُجد إلى الحرة سبيل لمعنيين:\nأحدهما: أن ولد الحُرّ من المملوك (٤) مملوك لسيدها، فلا يجوز له إرقاق ولده ما دام مستغنيًا.\nوالثاني: أنّ الأَمَة مُستَخدمةٌ في الحاجات، مُمتهنة بكثَرة عِشرة الرجال وذلك شاق على الزوج (٥).\nوقوله تعالى: ﴿وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾: أي: مهورهن (٦).\n﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾: من غير مَطْل وضِرَار (٧). والإجماع على أن المهر إنما يدفع إلى مولاها؛ لأنه ملكه، وإنما أضيف الإيتاء إليهن؛ لأنه ثمن بُضعهن، وإذا آتى المولى فقد آتاها؛ لأنه وإن آتاها كان لمولاها انتزاعه منها.\n_________\n(١) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٤١، دون لفظ: ويقوي هذا الوجه.\n(٢) لم أقف عليه.\n(٣) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: مستوٍ بحذف الياء.\n(٤) هكذا في (أ)، ولعل الصواب: المملوكة.\n(٥) من قوله: (قالوا: ..) من \"معاني الزجاج\" ٢/ ٤١ بتصرف يسير.\n(٦) الطبري ٥/ ١٩، \"الكشف والبيان\" ٤/ ٤٠ أ.\n(٧) \"الكشف والبيان\" ٤/ ٤٠ أ.","vol":"6","page":454},{"text":"وقوله تعالى: ﴿مُحْصَنَاتٍ﴾ قال ابن عباس وغيره: يريد عفائف (١).\nوهو الحال من قوله: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ﴾ (٢). وظاهر هذا يوجب أن نكاح الزواني من الإماء حرام.\nواختلف الناس في نكاح الزواني من الحرائر، وسنذكر ذلك عند قوله: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً﴾ [النور: ٣] والأكثرون على أنه يجوز نكاح الزانية، وأن قوله: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً﴾ [النور: ٣]، منسوخ بقوله. ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور: ٣٢] (٣). والذي في هذه الآية محمول على الندب والاستحباب.\nوقوله تعالى: ﴿غَيْرَ مُسَافِحَات﴾ أي: غير زواني (٤).\n﴿وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾ جمع خِدْن، والخِدنْ والخَدِين الذي يُخادنك يكون معك في كل أمر ظاهر وباطن، وخِدْن الجارية مُخَدَّنها (٥).\nقال قتادة والضحاك وأهل التفسير: المُسافِحة التي تؤاجر نفسها مُعلِنَةً بالزنا. يزنين بمن لقيهن من غير ميعاد، ويَسفحن (٦) مياههن. والتي تتخذ الخِدْن هي التي تزني سرًّا (٧).\n_________\n(١) من أثر في \"تفسير ابن عباس\" ص ١٤٣، وأخرجه الطبري ٥/ ٢٠.\n(٢) أي: من الهاء والنون هن. انظر: \"مشكل إعراب القرآن\" ١/ ١٩٥.\n(٣) ممن قال بالنسخ سعيد بن المسيب من التابعين. انظر: \"الناسخ والمنسوخ\" لأبي عبيد ص ١٠٠.\n(٤) انظر: الطبري ٥/ ١٩، \"الكشف والبيان\" ٤/ ٤٠ أ.\n(٥) \"العين\" ٤/ ٢٣٢، \"تهذيب اللغة\" ١/ ٩٩٦ (خدن)، وآخر كلمة جاءت فيهما: مُحدثها، ولعله هو الصواب.\n(٦) في (د): (يسفح).\n(٧) هذا نحو قول قتادة والضحاك، وقد أخرج الأثرين عنهما الطبري ٥/ ٢٠، وانظر: ابن كثير: ١/ ٥١٨ - ٩٩.","vol":"6","page":455},{"text":"وكانت العرب في الجاهلية يعيبون الزنا العلانية، ولا يكادون يعيبون اتخاذ الأخدان فجاء الله بالإسلام فهدم ذلك، وقال: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ (١) [الأعراف: ٣٣]، وقال: ﴿مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾.\nوقال الشعبي: الزنا على نحوين خبيثين، أحدهما أخبث من الآخر، فأما الذي هو أخبثهما فالسفاح، وهو الفجور بمن أتاها، والثاني: اتخاذ الخدن، وهو الزنا في السر (٢).\nقال قتادة: ونهى الله عن نكاح المُسَافِحة وذات الخِدْن (٣).\nوقوله تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾. قرئ بالوجهين؛ فمن ضم الألف (٤) فمعناه: أُحصنّ بالأزواج، على معنى: تَزوجْن (٥). قاله ابن عباس، وسعيد ابن جبير والحسن ومجاهد وقتادة (٦).\nومن فتح الألف (٧) فمعناه: أَسلَمْن (٨).\n_________\n(١) هذا معنى قول لابن عباس أخرجه الطبري ٥/ ١٩ - ٢٠، وانظر: \"الدر المنثور\" ٢/ ٢٥٤.\n(٢) أخرجه الطبري بنحوه ٥/ ٢٠، وانظر: ابن كثير ١/ ٥١٨.\n(٣) بمعناه عن قتادة، وهو جزء من الأثر المتقدم عنه، وقد أخرجه الطبري ٥/ ٢٠.\n(٤) هذه القراءة لابن كثير ونافع وأبي عمرو وابن عامر وحفص عن عاصم، وأبي جعفر ويعقوب. انظر \"السبعة\" ص ٢٣١، \"الحجة\" ٣/ ١٥١، \"المبسوط\" ص ١٥٦.\n(٥) انظر: الطبري ٥/ ٢١، \"الحجة\" ٣/ ١٤٨، ١٥١.\n(٦) أخرج أقوالهم الطبري ٥/ ٢٣ - ٢٤، وابن كثير ١/ ٥١٩، وقد رجح ابن كثير هذا المعنى.\n(٧) هذه القراءة لحمزة والكسائي وخلف. انظر: \"السبعة\" / ٢٣١، \"الحجة\" ٣/ ١٥١، \"المبسوط\" ص ١٥٦.\n(٨) انظر: الطبري ٥/ ٢١، \"الحجة\" ٣/ ١٤٨.","vol":"6","page":456},{"text":"كذلك قال عمر، وابن مسعود، والشعبي وإبراهيم والسدي (١).\nوقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ﴾ يريد: زنا (٢).\n﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ أي: عليهن نصف الحدّ (٣).\nوالمحصنات ههنا الأبكار اللاتي أحصنهن العفاف (٤)، وحَدُّهن مائة، ويتنصف ذلك في حق الأمَة إذا زنَت (٥). وإن حملنا المحصنات على فوات الزوج لم يَسْهُل؛ لأن حدّهن الرجم، ولا يتنصف الرجم، ولا مدخل له في هذا العبيد (٦). ويقال لم شرط الإحصان في حد الإماء، والإحصان في قوله: ﴿أُحْصِنَّ﴾، و﴿أَحصنَّ﴾ على اختلاف القراءتين فُسر بالتزوج والإسلام وليس واحد منهما شرطًا في وجوب الحد على الأَمَة إذا زنت؛ فإن الكافرة إذا زنت كان حدها خمسين جلدة، وكذلك الخالية عن الزوج؟\nوالجواب: أن من فسر الإحصان ههنا بالإسلام قال: إنها إذا كانت كافرة لم يكن عليها سبيل، إلا بأن ترضى بحكمنا. وإذا كانت مسلمة أقمنا عليها الحد، ففائدة ذكر الإسلام راجعة إلى أصل إقامة الحد مع بيان قَدرِه.\n_________\n(١) أخرج الآثار عنهم الطبري ٥/ ٢٢ - ٢٣.\n(٢) الطبري ٥/ ٢٤، \"الكشف والبيان\" ٤/ ٤٠ أ.\n(٣) انظر: \"مجاز القرآن\" ١/ ١٢٣، والطبري ٥/ ٢٤.\n(٤) لعل قصد المؤلف: الأبكار الحرائر. انظر: \"غريب القرآن\" لابن قتيبة ص ١٢٤، والطبري ٥/ ٢٤، \"معاني الزجاج\" ٢/ ٤١، والثعلبي ٤/ ٤٠ أ.\n(٥) انظر: الطبري ٥/ ٢٤، والثعلبي ٤/ ٤٠ أ.\n(٦) انظر \"معاني الزجاج\" ٢/ ٤١","vol":"6","page":457},{"text":"ومن فسر الإحصان بالتزوّج قال: فائدة ذكره ههنا أن الحرة المحصنة بالزوج حدها الرجم، فقيد الله تعالى حكم الأَمَة عند ذكر الحد بالإحصان، إذ لو نص على غير حالة الإحصان بالنكاح لم يبعد أن يَتوهّم مُتوهِّم وجوب الرجم عليها إذا زنت وهي متزوجة، من حيث لم يكن للرجم نصف، كما استوت الحُرّة والأَمَة في قطع السرقة لَمّا لم يكن للقطع نصف (١).\nوقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾. الإشارة تعود إلى نكاح الأمَة عند عدم الطول (٢).\nوذكرنا معنى العنت والإعنات في اللغة عند قوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٠] وقوله: ﴿وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ﴾ [آل عمران: ١١٨]. وفسر العنت ههنا: الزنا في قول ابن عباس وسعيد بن جبير وعطية والضحاك وابن زيد (٣). وبيان هذا ما ذكره المُبرَّد: ذلك لمن خاف أن يحمله شدة الشبَق، والغُلمة على الزنا، فيلقى العذاب العظيم في الآخرة، والحد في الدنيا (٤). وإنما سمي الزنا العَنَت من المشقة في الدنيا والآخرة.\n_________\n(١) انظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٥٨.\n(٢) انظر: الطبري ٥/ ٢٤، \"معاني الزجاج\" ٢/ ٤٢، والثعلبي ٤/ ٤٠ ب.\n(٣) الأثر عن ابن عباس في \"تفسيره\" ص ١٤٣، وأخرجه عنه وعن الباقين إلا ابن زيد الطبري ٥/ ٢٤ - ٢٥، وانظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٥٨، وقد ذكر أن هذا قول ابن زيد.\n(٤) الظاهر أن هذا الكلام ليس للمبرد، فقد قال الزجاج في \"معانيه\" ٢/ ٤٢: قال أبو العباس -وهو المبرد-: (العنت) ههنا الهلاك، وقال غيره: معناه: ذلك لمن خشى أن تحمله الشهوة .. إلخ نحو ما ذكره المؤلف هنا. والله أعلم. انظر. \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٥٨٥ (عنت).","vol":"6","page":458},{"text":"وقال عطاء: العَنَت المشقة في شدة الغُربة (١). وهذا اختيار الزجاج، قال: العنت في اللغة المشقة الشديدة، يقال: أَكَمةٌ عنوت، إذا كانت شاقّة المَصعد (٢).\nقال الأزهري: وهذا الذي قاله أبو إسحاق صحيح، فإذا شقّ على الرجل الغربة (٣) وغلبته الغُلمة، ولم يجد ما يتزوج به حرة، فله أن ينكح أَمَة؛ لأن غلبة الشهوة واجتماع الماء في صُلب الرجل ربما آذى (٤).\nوحكى أبو إسحاق، عن بعضهم: قال: معناه أن يعشق الأمَة. قال (٥): وليس في الآية ذكر العشق، ولكن ذا العشق يلقى عنتًا (٦).\nوقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾. أباح الله تعالى نكاح الأمَة بشرطين: أحدهما: في أول الآية، وهو عدم الطَّول.\nوالثاني: في آخرها، وهو خوف العنت. ثم قال مع ذلك: ﴿وَأَنْ تَصْبِرُوا﴾ يريد: عن تزوج الإماء. قاله ابن عباس، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وقتادة (٧).\n_________\n(١) هكذا هذه الكلمة في (أ)، (د) بالغين المعجمة والراء، وقد تكون: العُزبة، بالعين المهملة والزاي. انظر \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٥٨٥ (عنت).\n(٢) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٤٢، إلا أنه ليس فيه كلمة (المصعد)، وقد أثبتها الأزهري في \"التهذيب\" ٣/ ٢٥٨٥ (عنت)، فقد يكون الواحدي أخذ عن الأزهري، ويؤيده ما بعده.\n(٣) هكذا هذه الكلمة في (أ)، (د) بالغين المعجمة والراء، وقد تكون: العُزبة، بالحين المهملة والزاي. انظر: \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٥٨٥ (عنت).\n(٤) في (د) أدى. لعل في الكلام سقطًا أو حذفًا، فالظاهر أنه لم يتم الكلام، وفي \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٥٨٥ (عنت) -والكلام للأزهرى- ربما أدى إلى العلة الصعبة.\n(٥) أي: أبو إسحاق الزجاج.\n(٦) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٤٢.\n(٧) أخرج الآثار عنهم الطبري ٥/ ٢٥ - ٢٦، وانظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٥٩، \"الدر المنثور\" ٢/ ٢٥٦.","vol":"6","page":459},{"text":"﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ ألا يصير الولد عبدًا (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-725>٢٦ </span>- قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ الآية. اختلفت النحوية (٢) في وجه اللام في قوله: ﴿لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾.\nفقال الفراء: العرب تجعل اللام التي بمعنى (كي) في موضع (أن) في: أردت وأمرت، فتقول: أردت أن تذهب، وأردت لتذهب، وأمرتك أن تقوم، وأمرتك لتقوم. قال الله: ﴿وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ٧١]، وقال في موضع آخر: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ﴾ [الأنعام: ١٤]، وقال: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا﴾ [الصف: ٨]، و﴿أَنْ يُطْفِئُوا﴾ [التوبة: ٣٢].\nوإنما صلحت اللام في موضع أن في: أمرت وأردت؛ لأنهما يطلبان المستقبل، ولا يصلحان مع الماضي، ألا ترى أنك تقول: أمرتك أن تقوم، ولا يصلح: أمرتك أن قمت. (وكذلك: أردت أن تقوم، ولا يصلح: أردت أن قمت) (٣). فلما رأوا (أن) في غير هذين تكون للماضي وللمستقبل استوثقوا لمعنى الاستقبال بكَي وباللام التي على (٤) معنى كي، (وربما جمعوا بين اللام وكي) (٥) وربما جمعوا بين ثلاثتهن، وأنشد (٦):\n_________\n(١) انظر: \"معاني الزجاج\" ٢/ ٤٢.\n(٢) هكذا في (أ)، (د). ومراده النُّحاة.\n(٣) ما بين القوسين ليس في \"معاني القرآن\" المطبوع لديّ، فقد يكون ساقطًا منه، وهذا يدل على أهمية \"البسيط\" في تكميل لبعض الناقص من المصادر المتقدمة.\n(٤) في \"معاني الفراء\" ١/ ٢٦٢ بدل على: في.\n(٥) ما بين القوسين ليس في \"معاني الفراء\" المطبوع لديّ.\n(٦) عند الفراء: وأنشدني أبو ثروان.","vol":"6","page":460},{"text":"أردت لكيما لَا ترى لي عَثرة ... ومن ذا (١) الذي يُعطى الكَمال فيكمُلُ (٢)\nفجمع بين اللام و(بين) (٣) كي.\nوقال الله تعالى: ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ﴾ [الحديد: ٢٣].\nوقال الآخر (٤) في الجمع بينهن:\nأردتَ لِكَيمَا أنْ تَطِير بِقِربتي ... فتتركُها شنًّا ببَيْداءَ بَلْقَعِ (٥)\nوإنما جمعوا بينهما (٦) لاتفاقهما في المعنى، واختلاف لفظهما (٧).\nوأنكر الزجاج أن تقع اللام في معنى (أن)، واستشهد على ذلك بقول الشاعر:\n_________\n(١) في (أ)، (د): (ذى).\n(٢) ينظر: \"همع الهوامع\" ٢/ ٣٧١، و\"خزانة الأدب\" ٨/ ٤٨٦، و\"اللسان\" (أثل)، و\"الأمالي\" ٢/ ٤٦.\n(٣) ليس في (د).\n(٤) في (أ)، (د) الآ، فقد يكون سقط آخر الكلمة سهوًا من الناسخ.\n(٥) البيت غير منسوب في الطبري ٥/ ٢٧، \"الإنصاف\" للأنباري ص ٤٦٦. وجاء في حاشيته: .. وشنًا: أي يابسة متخرقة، والبيداء: الصحراء التي يبيد سالكها. أي يهلك، والبلقع الخالية. والشاهد منه أن الشاعر أظهر أن بعد: كي.\n(٦) في \"معاني الفراء\" (بينهن) بالجمع، وكذلك بقية الضمائر.\n(٧) \"معاني الفراء\" ١/ ٢٦١، ٢٦٢، وانظر: \"تفسير الطبري\" ٥/ ٢٦ - ٢٨، \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٢، ٤٣،، \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ٤٠٩، \"الكشف والبيان\" ٤/ ٤٠ ب.","vol":"6","page":461},{"text":"أردت لِكَيما يعلمُ الناس أنها ... سراويل سعدٍ (١) والوُفود شْهوُد (٢)\nفلو كانت بمعنى أن لم تدخل على كي، كما لا يدخل عليها أن.\n(ومذهب سيبويه وأصحابه أن اللام فى خلت في هذا وأشباهه على تقدير المصدر، أي: الإرادة للبيان) (٣)، كما قال: ﴿إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾ [يوسف: ٤٣]، أي: إن كانت عبارتكم للرؤيا، وكذلك قوله: ﴿لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٤] أي: الذين هم رهبتهم لربهم (٤).\nوأنشدوا لكُثَيّر:\nأُريد لأنّسى ذِكرَها فكأنما ... تَخَيَّل لي ليلى بكل سبيلِ (٥)\nأي: إرادتي لهذا.\nفأما التفسير، فقال ابن عباس: يريد الله ليبين لكم ما يبعدكم منه ويقربكم إلى طاعته (٦).\n_________\n(١) في \"معاني الزجاج\" ٢/ ٤٣: قيس بدل: سعد، وانظر: \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ٤٠٩. وهو الصواب كما سيأتي في الكلام على البيت.\n(٢) البيت لقيس بن سعد بن عُبادة في قصةٍ أوردها المُبَرِّد في \"الكامل\" ٢/ ١٥٢. خلاصتها: أن ملك الروم بعث رجلًا طويلا إلى معاوية - ﵁ - يتحداه أن يجد أطول منه، وكان قيس بن سعد آيةً في الطول، فبعث إليه معاوية، فلما حضر وعلم الخبر خلع سراويله وأمر الرومي بلبسها فبلغت ثندوته، فخجل الرومي وضحك القوم،\nلكن قيسًا ليم على ذلك، فقال أبياتًا هذا مطلعها.\n(٣) ما بين القوسين ليس في \"معاني الزجاج\".\n(٤) انتهى من \"معاني الزجاج\" ٢/ ٤٣ بتصرف.\n(٥) \"ديوانه\" ص ١٠٨، \"المحتسب\" ٢/ ٣٢، والبيت غير منسوب في \"الكشف والبيان\" ٤/ ٤١ أ.\n(٦) لم أقف عليه، وقد ذكر الثعلبي معناه عن عطاء. انظر: \"الكشف والبيان\" ٤/ ٤١ أ، \"معالم التنزيل\" ٢/ ١٩٨.","vol":"6","page":462},{"text":"وقال الكلبي: يريد الله ليبين لكم أن الصبر عن نكاح الإماء خير لكم (١).\nوقال غيره: يريد الله أن يبين لكم شرائع دينكم ومصالح أمركم (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾. قال ابن عباس: يريد دين إبراهيم وإسماعيل، دين الحنيفية (٣).\nوقال الزجاج: أي: يدلكم على طاعته، كما دل الأنبياء والذين اتبعوهم من قبلكم (٤).\nوقال مقاتل (٥): ويهديكم سنن الذين من قبلكم من تحريم الأمهات والبنات وكذلك كانت سنّة الذين من قبلكم (٦).\nوقال الكلبي: يقول: هكذا حرمت على مَن كان قبلكم من أهل التوراة، والإنجيل، و(الزبور) (٧)، وسائر الكتب (٨). فالبيان على قول هذين خاص في المحرمات وإن عم اللفظ؛ لأن الشرائع مختلفة.\n_________\n(١) من \"الكشف والبيان\"٤/ ٤١ أ، وانظر: \"بحر العلوم\" ١/ ٣٤٨، \"معالم التنزيل\" ٢/ ١٩٨، \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ٨٢\n(٢) قال ذلك الثعلبي في \"الكشف والبيان\" ٤/ ٤١ أ، لكن فيه: أموركم بدل: أمركم.\n(٣) لم أقف عليه\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٣.\n(٥) هو مقاتل بن حيان كما في \"الدر المنثور\" ٢/ ٢٥٦.\n(٦) ذكره بمعناه السمرقندي في \"بحر العلوم\" ١/ ٣٤٨، وأورده السيوطي بلفظه في \"الدر المنثور\" ٢/ ٢٥٦، وعزاه لابن أبي حاتم في تفسيره، وانظر: \"الكشف والبيان\" ٤/ ٤١ أ.\n(٧) في (أ) كأنها: (الربيون).\n(٨) انظر: \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص٨٢.","vol":"6","page":463},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾. قال ابن عباس: حتى لا تعرفوا غيره ولا تدعوا معه إلهًا آخر (١).\nوبيان هذا المعنى ما قاله محمد بن جرير: يعني: يرجع بكم من معصيته التي كنتم عليها (٢) قبل هذا إلى طاعته التي أمركم بها. وإذا فعل بهم ذلك لم يعرفوا غيره إلهًا (٣).\n﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾ بما يُصلحكم في تدبيره فيكم (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-726>٢٧ </span>- قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾. قال ابن عباس: يريد أن يخُرجكم من كل ما يكره إلى ما يُحِب ويرضى (٥).\nوقال ابن كيسان: والله يأمركم بما فيه المغفرة لذنوبكم. وقال الزجاج: أي: يدلكم على ما يكون سببًا لتوبتكم التي يغفر لكم بها ما سلف من ذنوبكم (٦).\nوقوله تعالى: ﴿وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ﴾. قال ابن عباس: يريد الزنا وما لم يحلّ لكم (٧). وكذلك قال مجاهد: هم الزناة، يريدون أن يزني أهل الإسلام، وهو قوله: ﴿أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾ (٨).\n_________\n(١) لم أقف عليه. وانظر: \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ٨٢\n(٢) في (أ): (عليه).\n(٣) انتهى من \"تفسير الطبري\" ٥/ ٢٧ بمعناه.\n(٤) انظر: الطبري ٥/ ٢٧، \"الكشف والبيان\" ٤/ ٤١ ب.\n(٥) لم أقف عليه، وقد أورد المؤلف هذا التفسير دون نسبة لابن عباس في كتابه \"الوسيط\" ٢/ ٥٠٨.\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٣.\n(٧) أخرجه ابن المنذر، انظر: \"الدر المنثور\" ٢/ ٢٥٧.\n(٨) الأثر في \"تفسير مجاهد\" ١/ ١٥٣ مختصرًا، وأخرجه الطبري بنحوه من طرق. \"جامع البيان\" ٥/ ٢٨، وانظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٦٠، \"الدر المنثور\" ٢/ ٢٥٧.","vol":"6","page":464},{"text":"وقال السدي: هم اليهود؛ تقول: نكاح الأخت من الأب حلال (١). وهو قول مقاتل (٢).\nوقال ابن زيد: هم جميع أهل الباطل في دينهم (٣). وهذا هو الأظهر من هذه الأقاويل؛ لأنه على معنى العموم الموافق لظاهر اللفظ (٤).\nوفي هذا دلالة على أن من اتبع شهوته فيما يحل لا يوصف باتباع الشهوة، ولا يُطلق عليه هذا الوصف؛ لأن الله تعالى أطلق على المُبطِلين ممن يتبعون شهواتهم (فيما) (٥) لا يحل.\nوالشهوات جمع شهوة، والشهوة في الأصل مصدر شهَيت الشيء أشهى شهوةً فهو شهيّ. ورجل شهوات (٦)، ورجال شَهاوى (٧).\nوقوله تعالى: ﴿أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٢٧]. أي: عن الحق وقصد السبيل بالمعصية مخصوصة (٨)، بشّرهم الله بأن إرادته فيهم التوبة. وليس فيها دليل على أنه لا يريد كفر الكافر (٩).\n_________\n(١) أخرجه الطبري ٥/ ٢٩ بلفظ: هم اليهود والنصارى. وكذلك ابن أبي حاتم، انظر: \"الدر المنثور\" ٢/ ٢٥٧.\n(٢) مقاتل بن سليمان في \"تفسيره\" ١/ ٣٦٨، وانظر \"زاد المسير\" ٢/ ٦٠.\n(٣) أخرجه الطبري ٥/ ٢٩، وانظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٦٠.\n(٤) هذا هو اختيار ابن جرير. انظر: \"تفسيره\" ٥/ ٢٩.\n(٥) في (أ): (فيها) بالهاء.\n(٦) هكذا في (أ)، (د): بالتاء، ولعل الصواب بالنون (شهوان)، انظر: \"تهذيب اللغة\" ٦/ ٣٥٥، \"اللسان\" ٤/ ٢٣٥٤ (شها).\n(٧) في (د): (شهاون)، والصواب ما أثبته. انظر المصادر السابقة.\n(٨) يبدو أن في الكلام سقطًا. والله أعلم.\n(٩) الله سبحانه يريد كفر الكافر قدرًا ولا يريده شرعًا. انظر \"مجموع الفتاوى\" ٨/ ١٥٩.","vol":"6","page":465},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-727>٢٨ </span>- قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾. خص بعضهم التخفيف في هذه الآية، فقال: المراد به نكاح الأمَة عند الضرورة. وهو قول مجاهد (١) ومقاتل (٢).\nوالباقون قالوا: هذا عام في كل أحكام الشرع، وفي جميع ما يَسّره لنا وسهّله علينا إحسانًا منه إلينا، ولم يُثَقِّل التكليف علينا كما ثَقّل على بني إسرائيل بفضله ولُطفه. وعلى العموم دل كلام ابن عباس في تفسيره هذا التخفيف فقال: يريد شدة المئونة يخففها عنكم (٣).\nوقوله تعالى: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٢٨]. قال ابن عباس. يَضعُف عن الصبر عن الجِماع (٤). وبهذا قال أكثرهم.\nقال الكلبي وطاوس: لا يصبر عن النساء (٥). وقال ابن كيسان والزجاج: أي: يستميله هواه وشهوته فهو ضعيف في ذلك (٦).\nوقال الحسن: هو أنه خلق من ماء مهين (٧).\n_________\n(١) \"تفسيره\" ١/ ١٥٣، وأخرج الأثر عنه الطبري ٥/ ٣٠، وعبد بن حميد، وابن المنذر وابن أبي حاتم، انظر \"الدر المنثور\" ٢/ ٢٥٧.\n(٢) انظر: \"تفسير مقاتل بن سليمان\" ١/ ٣٦٨.\n(٣) لم أقف عليه، وأنظر \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ٨٣.\n(٤) انظر: \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ٨٣.\n(٥) ذكر قول الكلبي الثعلبي في \"الكشف والبيان\" ٤/ ٤١ ب. وأخرج الأثر عن طاوس عبد الرزاق في \"تفسيره\" ١/ ١٥٤، والطبري ٥/ ٣٠، وابن المنذر وابن أبي حاتم؛ انظر: \"الدر المنثور\" ٢/ ٢٥٧.\n(٦) انظر \"معاني الزجاج\" ٢/ ٤٤، \"الكشف والبيان\" ٤/ ٤١ ب، ٤٢ أ، \"زاد المسير\" ٢/ ٦٠.\n(٧) من \"الكشف والبيان\" ٤/ ٤١ ب، وأورده ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٢/ ٦٠؛ وانظر: \"تفسير الحسن\" ١/ ٢٧١.","vol":"6","page":466},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-728>٢٩ </span>- قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾. قال أهل المعاني: خص الله تعالى الأكل بالنهي عنه تنبيهًا على غيره؛ لأنه أيضًا لا يجوز جمع المال من الباطل، ولا هِبتُه، ولا التصرف فيه. ولكن المعظم والمقصود من المال الأكل والإنفاق، فنص عليه تنبيهًا على غيره، كما قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى﴾ الآية [النساء: ١٠]، وكما يحرم أكل مال اليتيم بالظلم يحرم إنفاقه في غير الأكل.\nوقوله تعالى: ﴿بِالْبَاطِلِ﴾ قال ابن عباس: يريد بما لم يحله لكم (١).\nوقال الكلبي: يقول: لا تأكلوها إلا بحقها (٢).\nقال أصحاب المعاني: الباطل اسم جامع لكل ما لا يَحلّ في الشرع كالربا والغصب والسرقة والخيانة وكل محرم محظور.\nنهى بهذه الآية عن جميع المكاسب الباطلة بالشرع.\nقال الزجاج: حرم الله ﷿ المال، إلا أن يُؤخذ (٣) على السبيل (٤) الذي ذكر من الفرائض في المواريث والمهور والتسري (٥) والبيع والصدقات التي ذُكرت وجوهها (٦).\nثم قال: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ وأجمعوا على أن هذا\n_________\n(١) لم أقف عليه، وقد ذكر المؤلف نحوه في \"الوسيط\" ٢/ ٥١٠ دون نسبة لأحد.\n(٢) لم أقف عليه.\n(٣) في \"معاني الزجاج\" (يوجد) ولعل المثبت هنا أصوب.\n(٤) في \"معاني الزجاج\" (السبل) بالجمع.\n(٥) في (أ)، (د) والشرى، انظر: \"معاني الزجاج\" ٢/ ٤٤.\n(٦) انتهى من \"معاني الزجاج\" ٢/ ٤٤","vol":"6","page":467},{"text":"استثناء منقطع؛ لأن التجارة عن تراض ليست من أكل المال بالباطل (١).\nواختلف القراء في التجارة فرفعها بعضهم (٢)، على معنى إلا أن يقع تجارة (٣).\nومن نصب (٤) فعلى تقدير: إلا أن تكون التجارةُ تجارة (٥)، كما قال:\nأعينَيّ هَلّا تبكيان عِفاقًا (٦) ... إذا كان طَعنًا بينهم وعناقًا (٧)\nأو يكون على حذف المضاف بتقدير: إلا أن تكون الأموال أموال تجارة، ثم تحذف المضاف وتُقيم المضاف إليه مقامه (٨).\nوالاختيار الرفع لمعنيين: أحدهما: أن الرفع أدل على انقطاع الاستثناء، وأن الأول محرّم على الاطلاق، والثاني: أن من نصب أضمر التجارة، فقال: معناه: إلا أن تكون التجارة تجارة. والإضمار قبل الذكر ليس بقوي، وإن كان جائزًا (٩)، ومعنى قوله: ﴿عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ هو أن يكون عليه، فذلك باطل لم يدخل فيما أباحه الله من البيع (١٠).\n_________\n(١) انظر: \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ٥١٠، \"الحجة\" ٣/ ١٥٢، \"الكشف والبيان\" ٤/ ٤١ أ.\n(٢) هذه القراءة لأبي جعفر ونافع وابن كثير وأبي عمرو ابن عامر ويعقوب، انظر: \"الحجة\" ٣/ ١٥٢، \"المبسوط\" ص ١٥٦.\n(٣) انظر: \"الطبري\" ٥/ ٣١.\n(٤) قراءة عاصم وحمزة والكسائي وخلف، انظر \"الحجة\" ٣/ ١٥٢، \"المبسوط\" ص ١٥٦.\n(٥) \"الحجة\" ٣/ ١٥٢، والطبري ٥/ ٣١.\n(٦) في (د): (عباقا).\n(٧) انظر: \"جامع البيان\" ٣/ ١٣٢.\n(٨) \"الحجة\" ٣/ ١٥٢.\n(٩) هكذا في (أ).\n(١٠) انظر: \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ٥١٠. وابن جرير الطبري اختار خلاف رأي المؤلف ومال إلى قراءة النصب، هذا وإن كان كل من القراءتين صوابًا جائزًا القراءة بهما. انظر: الطبري ٥/ ٣١ - ٣٢.","vol":"6","page":468},{"text":"وقال عطاء في قوله: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ يعني: ليس فيها شيء من الربا (١)\nوذلك أن البيع إذا قُصد به الربا قلّ ما يقع التراضي به، وإذا لم يوجد التراضي لم يحلّ.\nوذهب كثير من أهل التأويل إلى أن التراضي في التجارة أن يكون خيار المتبايعين باقيًا إلى أن يتفرقا عن المجلس (٢).\nوهذا قول شريح (٣)\nوابن سيرين والشعبي (٤)، ومذهب الشافعي (٥)، ويدل على هذا ما روي أن النبي - ﷺ - قال: \"ألا لا يتفرقَنّ بيعان إلا عن رضى\" (٦).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾، أي: لا يقتل بعضكم بعضًا.\n_________\n(١) لم أقف عليه.\n(٢) انظر الطبري ٥/ ٣٢، \"الكشف والبيان\" ٤/ ٤٢ ب.\n(٣) هو أبو أمية شُرَيح بن الحارث بن قيس الكوفي القاضي الشهير، يقال إنه حكم سبعين سنة وهو ثقة، وقيل إن له صحبة، وكان قائفًا شاعرًا، مات سنة ٧٨ هـ وقيل بعدها. انظر \"مشاهير علماء الأمصار\" ص ٩٩، \"سير أعلام النبلاء\" ٤/ ١٠٠، \"التقريب\" ص ٢٦٥ رقم (٢٧٧٤).\n(٤) أخرج قول شريح والشعبي الطبري ٥/ ٣٢ - ٣٣، أما ابن سيرين فهو الراوي عن شريح كما في الطبري.\n(٥) انظر: \"الأم\" ٣/ ٤، \"سنن الترمذي\" ٣/ ٥٣٩.\n(٦) أخرجه الطبري من حديث أبي قلابة ٥/ ٣٤ وهو مرسل؛ لأن أبا قلابة تابعي كما نبه على ذلك أحمد شاكر -﵀- وعزاه أيضا للبيهقي في \"السنن الكبرى\" وقد أخرج أبو داود (٣٤٥٨) كتاب البيوع، باب: في خيار المتبايعين حديث أبي هريرة ولفظه: لا يفترقن اثنان إلا عن تراض ٣/ ٧٣٧، وأخرج الترمذي (١٢٤٨) كتاب البيوع، باب: ٢٧؛ وقال: حيث غريب، والطبري ٥/ ٣٤.","vol":"6","page":469},{"text":"وهذا قول عطاء (١)، والحسن (٢)، والكلبي (٣)، والزجاج (٤)، والأكثرين (٥)\nوإنما قال: (أنفسكم) لأنهم أهل دين واحد، فهم كالنفس الواحدة، فجرى على قول العرب: قتلنا وربّ الكعبة. إذا قتل بعضهم؛ لأن قتل بعضهم كالقتل لهم (٦).\nوذهب قوم إلى أن هذا نهي للإنسان عن قتل نفسه، فقال أبو عبيدة: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ لا تهلكوها (٧).\nويؤيد هذا حديث عمرو بن العاص (٨)، وهو أنه احتلم في بعض أسفاره، وخاف الهلاك على نفسه من الاغتسال، فتيمم وصلى بأصحابه، فلما رجع ذكر ذلك للنبي - ﷺ - فقال: أشفقت إن اغتسلت أن أهلك، وذكرت قول الله ﷿: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ فتيممت وصليت، فضحك رسول الله - ﷺ -، ولم يقل شيئًا (٩).\n_________\n(١) هو عطاء بن أبي رباح وقد أخرج الأثر عنه الطبري ٥/ ٣٥.\n(٢) من \"الكشف والبيان\" ٤/ ٤٢ ب، وانظر \"زاد المسير\" ٢/ ٦١، \"تفسير الحسن\" ١/ ٢٧٢.\n(٣) انظر: \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ٨٣\n(٤) في \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٤.\n(٥) انظر: \"غريب القرآن\" لابن قتيبة ص ١١٩، والطبري ٥/ ٣٥، و\"بحر العلوم\" ١/ ٢٤٩، والثعلبي ٤/ ٤٢ ب، و\"زاد المسير\" ٢/ ٦١.\n(٦) انظر: \"الطبري\" ٥/ ٣٥، \"بحر العلوم\" ١/ ٣٤٩.\n(٧) \"مجاز القرآن\" ١/ ١٢٤، وانظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٦١.\n(٨) هو أبو عبد الله عمرو بن العاص بن وائل السهمي القرشي، تقدمت ترجمتة\n(٩) أخرجه الإمام أحمد ٤/ ٢٠٣، والبخاري تعليقًا بصيغة التمريض ١/ ٤٥٤ كتاب التيمم، باب: ٧ إذا خاف الجنب على نفسه المرض أو الموت .....، وأبو داود =","vol":"6","page":470},{"text":"والقول الأول أظهر، وهذا الثاني يدخل تحت دلالة الأول؛ لأنه إذا حرم عليه قتل غيره من أهل دينه؛ لأنه بمنزلة نفسه، فقد حرم عليه قتل نفسه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-729>٣٠ </span>- وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا﴾ الآية. كان ابن عباس يقول: الإشارة تعود إلى كل ما نُهي عنه من أول سورة النساء إلى هذا الموضع (١). فعلى هذا الوعيد راجع إلى جميع المحرمات السابقة في هذه السورة.\nوقال ابن جريج: قلت لعطاء: أفي كل ذلك؟ قال: لا، ولكن في قتل النفس (٢). فالوعيد على قول عطاء خاص في قتل النفس المُحرمة، ووجهه أنه يرده إلى أقرب مذكور إليه (٣).\nوقال قوم: الوعيد راجع إلى أكل المال بالباطل وقتل النفس المحرمة، فالوعيد بكل واحدة من الخصلتين. وهذا اختيار الزجاج، قال: وعد الله ﷿ على أكل المال ظلمًا، وعلى القتل عدوانًا النار. قال: ومعنى العدوان أن يعدوا ما أُمِر به (٤).\nوالأظهر هذا القول؛ لاتصال الوعيد بذكر النهي عن الأمرين.\nوقوله تعالى: ﴿وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ يقال: يسر الشيء فهو\n_________\n= (٤٣٤) كتاب الطهارة، باب: إذا خاف الجنب البرد، أيتيمم؟ والثعلبي في \"الكشف والبيان\" ٤/ ٤٢/ ب، والمؤلف في \"الوسيط\" ٢/ ٥١٣.\n(١) انظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٦٢، \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ٨٣.\n(٢) أخرجه بمعناه الطبري ٥/ ٣٦، وابن المنذر كما في \"الدر المنثور\" ٢/ ٢٦٠.\n(٣) انظر: \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ٤١٠.\n(٤) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٤٤. لكن آخر كلام الزجاج: وعلى القتال النار.","vol":"6","page":471},{"text":"يسير، وهو ضد عسير (١). ومعناه أنه قادر على المتوعد لا يتهيأ له الامتناع منه ولا الهرب عنه فيتعذر الإيقاع به (٢).\n\n٣١ - قوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ الآية. الاجتناب والتجنّب والمجانبة المُباعدة عن الشيء وتركه جانبًا (٣)، قال:\nوقالت تَجَنَّبنا ولا تَقْرَبنَّنا ... فَكَيف وأنتم حاجَتِي أَتَجَنَّبُ (٤)\nوسنذكر هذا ملخصًا عند قوله: ﴿وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾ [النساء: ٣٦] إن شاء الله.\nواختلفوا في الكبائر ما هي؟ فروى عبد الله بن عمرو (٥) أن رسول الله - ﷺ - قال: \"الكبائر: الإشراك بالله، واليمين الغموس، وعقوق الوالدين، وقتال النفس\" (٦).\nوروى أبو هريرة عنه - ﷺ - أنه قال: \"الكبائر أولهن الإشراك بالله، وقتل النفس بغير حقها، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم بِدارًا أن يكبَروا، وفرارٌ يوم الزحف، ورمي المحصنة، والانقلاب إلى الأعراب بعد الهجرة\" (٧).\n_________\n(١) انظر: \"معاني الزجاج\" ٢/ ٤٥.\n(٢) انظر: \"الطبري\" ٥/ ٣٦.\n(٣) انظر: \"اللسان\" ٢/ ٦٩٢ (جنب).\n(٤) البيت ليزيد بن مفرغ الحميري في \"ديوانه\" ص ٤٤، وبلا نسبة في \"الأغاني\" ١٨/ ٢٧٨، و\"الحماسة\" ٢/ ١٠٣، ومنسوبًا في \"وفيات الأعيان\" ٦/ ٣٥٢.\n(٥) هو أبو محمد أو أبو عبد الرحمن عبد الله بن عمرو بن العاص بن وائل السهمي القرشي صحابي فاضل، أسلم قبل أبيه وكان عالمًا بالقرآن والكتب المتقدمة ومن كتاب رسول الله - ﷺ - ويعد من العبادلة الفقهاء، توفي -﵀- سنة ٦٥هـ.\nانظر: \"أسد الغابة\" ٢/ ٣٤٨، \"سير أعلام النبلاء\" ٣/ ٨٠، \"الإصابة\" ٢/ ٣٥١.\n(٦) أخرجه البخاري (٦٦٧٥) كتاب الإيمان والنذور، باب: اليمين الغموس.\n(٧) أخرجه بمعناه البخاري (٢٧٦٦) كتاب الوصايا، باب: ٢٣ قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ ٣/ ١٩٥، ومسلم (٨٩) كتاب الإيمان، باب: =","vol":"6","page":472},{"text":"وقال ابن عباس في رواية سعيد بن جبير: كل شيء عُصِي اللهُ فيه فهو كبيرة، فمن عمل منها شيئًا فليستغفر الله، فإن الله لا يُخلّد في النار من هذه الأمة إلا راجعًا عن الإسلام، أو جاحد فريضة، أو مكذبًا بقدر (١).\nوقال في رواية علي بن أبي طلحة: هي كل ذنب ختمه الله ﷿ بنار، أو غصب، أو لعنة، أو عذاب (٢).\nوهذا قول الحسين (٣) وسعيد بن جبير والضحاك. قالوا: كل مما جاء في القرآن مقرونًا بذكر الوعيد فهو كبير، نحو قتل النفس المحرمة، وقذف المحصنة، والربا، والزنا، وأكل مال اليتيم، والفرار من الزحف (٤).\nوروى السدي، عن أبي مالك، قال: ذكروا الكبائر عند عبد الله بن مسعود، فقال عبد الله بن مسعود: افتتحوا سورة النساء، فكل شيء نهى الله عنه حتى ثلاث وثلاثين آية (٥) فهو كبيرة.\n_________\n= بيان الكبائر ١/ ٩٢ (ح ١٤٥). وأخرجه بهذا اللفظ الثعلبي -شيخ المؤلف- في \"الكشف والبيان\" ٤/ ٤٤، ٤٥.\n(١) أخرجه من أوله إلى قوله: فهو كبيرة الطبري ٥/ ٤١. وقد ضعف هذا القول ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٢/ ٦٦.\n(٢) \"تفسير ابن عباس\" ص ١٤٤، وأخرجه ابن جرير ٥/ ٤١.\n(٣) هكذا والظاهر أن الصواب: الحسن. انظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٦٦، وابن كثير ١/ ٥٣١.\n(٤) أخرجه عن سعيد بن جبير والضحاك بمعناه دون التمثيل بقتل النفس وما بعده من الطبري ٥/ ٤٢، وانظر \"زاد المسير\" ٢/ ٦٢.\n(٥) في (أ): (أنه)؛ ولعله تصحيف، فهو مخالف للآثار الواردة.","vol":"6","page":473},{"text":"ثم قال: مصداق ذلك: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ الآية (١) وإلى هذا القول ذهب مقاتل (٢).\nوالصحيح أنه ليس لها حدّ يعرفه العباد وتتميّز به من الصغائر تميُّزَ إشارة، ولو عُرف ذلك لكانت الصغائر مباحة، ولكن الله تعالى يعلم ذلك وأخفاه عن العباد، ليجتهد كل أحد في اجتناب ما نهى عنه رجاء أن يكون مجتنب الكبائر. ونظير هذا في الشريعة إخفاء الصلاة الوسطى في الصلوات، وليلة القدر في ليالي رمضان، وساعة الإجابة في ساعات الجمعة.\nيؤكد هذا ما رُوي عن ابن جبير أنه قال: سأل رجل ابن عباس عن الكبائر أسبع هي؟ قال: هي إلى السّبعمائة أقرب، إلا أنه لا كبيرة مع الاستغفار ولا صغيرة مع الإصرار (٣).\nوقال السدي: الكبائر ما رآه الناس بينهم فاحشة قبيحة. وذهب في هذا إلى معنى اللفظ، وذلك أن حقيقة الكبائر ما كَبُر وعظُم من الذنوب. قاله الزجاج (٤).\nوقوله تعالى: ﴿نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾. السيئات المكفّرة باجتناب الكبائر هي ما دون الكبائر، والمعاصي مما يجتمع في عمله أهل الصلاح وأهل الفسق، مثل النظرة والكذبة واللمسة والقُبلة، وأشباه ذلك. وهذه تقع\n_________\n(١) أخرجه من طريق السدي الثعلبي في \"الكشف والبيان\" ٤/ ٤٥ أ، ب، وأخرجه من طرق أخرى بنحوه الطبري ٥/ ٣٧، وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد بلفظ قريب من هذا اللفظ. انظر \"الدر المنثور\" ٢/ ٢٦٠.\n(٢) انظر: \"تفسير مقاتل\" بن سليمان ١/ ٣٦٩، \"بحر العلوم\" ١/ ٣٤٩.\n(٣) أخرجه الطبري ٥/ ٤١، وابن المنذر وابن أبي حاتم، انظر: \"الدر المنثور\" ٢/ ٢٦١.\n(٤) \"معانى القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٥.","vol":"6","page":474},{"text":"مكفّرةً بالصلوات الخمس، فقد قال - ﷺ -: \"الخمس كفارات لما بينهن ما اجتنبت (١) الكبائر\" (٢) (٣).\nوقوله تعالى: ﴿وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾. وقرئ (مَدخلا) (٤) بفتح الميم. وهو بعد قوله: ﴿وَنُدْخِلْكُمْ﴾ محتمل أمرين: أحدهما: أن يكون مصدرًا وتضمر له فعلًا دلّ عليه الفعل المذكور، وانتصابه بذلك الفعل المضمر. والتقدير: وندخلكم فتدخلون مَدْخَلًا.\nوالثاني: أن يكون مكانًا، كأنه قال: وندخلكم مكانًا. وهو على هذا التقدير منتصب بهذا الفعل المذكور (٥).\nومن قرأ بضم الميم جاز أن يكون مكانًا، وأن يكون مصدرًا، فإن جعلته مصدرًا جاز أن تريد مفعولًا محذوفًا من الكلام، كأنه: وندخلكم الجنة مدخلًا كريمًا، أي إدخالًا كريمًا (٦).\nوالأشبه على القراءتين أن يكون مكانًا؛ لأن المفسرين قالوا في قوله: ﴿مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾: هو الجنة (٧)، ولأنا رأينا المكان وصف بالكريم،\n_________\n(١) في (أ): (ما اجتنب).\n(٢) هذه الكلمة ليست في (د).\n(٣) أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة بلفظ: \" الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مكفرات ما بينهن إذا اجتنب الكبائر\" (٢٣٣) كتاب الطهارة، باب: ٥ الصلوات الخمس.\n(٤) هذه القراءة لأبي جعفر ونافع. انظر: \"الحجة\" ٣/ ١٥٣، \"المبسوط\" ص ١٥٦، \"النشر\" ٢/ ٢٤٩.\n(٥) الوجهان لهذه القراءة من \"الحجة\" ٣/ ١٥٣، ١٥٤ بتصرف.\n(٦) انظر: \"الحجة\" ٣/ ١٥٤.\n(٧) انظر: \"الطبري\" ٥/ ٤٥ - ٤٦","vol":"6","page":475},{"text":"وهو قوله: ﴿وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾ [الدخان: ٢٦]، فوصف المكان بالكريم، فكذلك يكون قوله: ﴿مُدْخَلًا﴾ يراد به المكان مثل المقام.\nويجوز أن يكون المراد به الدخول أو الإدخال؛ فإن (١) كان قد وصف بالكريم، ويكون المعنى: دخولًا تكرمون فيه، خلاف من قيل فيهم: ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ﴾ [الفرقان: ٣٤] الآية (٢).\nومعنى الكريم: الشريف الفاضل، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الحجرات: ١٣] أي أفضلكم، وقال: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: ٧٠] أي شرفناهم وفضلناهم، ومنه قوله: ﴿أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾ [الإسراء: ٦٢] أي فضلت. وزدنا بيانًا لمعنى الكريم في سورة الأنفال، عند قوله: ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [الأنفال: ٤].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-730>٣٢ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾. التمني في اللغة: تقدير ما يحب على جهة الاستمتاع به. وقد مضى القول فيه عند قوله: ﴿إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ [البقرة: ٧٨].\nقال مجاهد: قالت أم سلمة: يا رسول الله: يغزو الرجال ولا نغزو، وإنما لنا نصف الميراث، فليتنا كنا رجالًا، فجاهدنا وغزونا، وكان لنا مثل أجر الرجال. فنزلت هذه الآية (٣).\n_________\n(١) في \"الحجة\" ٣/ ١٥٤ - والكلام من قوله: والأشبه- له وجاء هذا الحرف (وإن) وهو أصوب.\n(٢) انتهى من \"الحجة\" ٣/ ١٥٤.\n(٣) أخرجه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ١/ ١٥٦، والترمذي (٣٠٢٢) كتاب تفسير القرآن، باب: ٥ من سورة النساء، وقال: هذا حديث مرسل، والطبري ٥/ ٤٦ - ٤٧، والحاكم في \"المستدرك\" ٢/ ٣٠٥، والمؤلف في \"أسباب النزول\" ص ١٥٤.","vol":"6","page":476},{"text":"وهذا قول أكثر المفسرين. قالوا: وفي هذه الآية: أن يتمنى أحد مال غيره ومنزل غيره، فإن ذلك هو الحسد. وقد جاء: لا يتمنين أحدكم مال أخيه، ولكن ليقل: اللهم ارزقني، اللهم أعطني مثله (١).\nوهذا النهي نهي تحريم عند أكثر العلماء. وليس لأحد أن يقول: ليت مال فلان لي، وانما يجوز أن يقول: ليت مثله لي (٢).\nوقال الفراء: هذا نهي أدب وتنزيه، دون تحريم (٣).\nوالصحيح هو الأول؛ لأنه لا يُعدل بصيغة النهي عن معناه إلا بقرينة.\nوقوله تعالى: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ﴾. قال ابن عباس في رواية عطاء: ﴿مِمَّا اكْتَسَبُوا﴾ يريد الجهاد، وما لا يصلح للنساء. ﴿وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ﴾ يريد حفظ فروجهن، وطاعة (زوجهن) (٤)، وحفظه إذا غاب، وترقع وتصنع في بيتها، نظرًا منها لزوجها مثل العجين والطبيخ وما يصلح في معايشه، ولها في ذلك ثواب عظيم (٥). فالنصيب على هذا معناه الثواب، أي لكل واحد من الفريقين حظ من الثواب.\n_________\n(١) ذكر هذا الأثر الفراء في \"معاني القرآن\" ١/ ٢٦٥، وقد ورد بلفظ مقارب منسوبًا لابن عباس والكلبي. انظر: الطبري ٨/ ٢٦١، \"بحر العلوم\" ١/ ٣٥٠، \"الكشف والبيان\" ٤/ ٤٨ ب.\n(٢) انظر: \"الكشف والبيان\" ٤/ ٣٨ ب.\n(٣) انظر: \"معاني القرآن\" ١/ ٢٦٤.\n(٤) في (د): (أزواجهن) بالجمع.\n(٥) لم أقف عليه، وقد ذكره المؤلف في \"الوسيط\" ٢/ ٥٢٤ دون نسبة، وثبت عن ابن عباس في تفسير هذه الآية: يعني ما ترك الوالدان والأقربون: يقول: للذكر مثل حظ الأنثيين. \"تفسير ابن عباس\" ص ١٤٥، والطبري ٥/ ٤٩.","vol":"6","page":477},{"text":"وقال قتادة ومقاتل والسدي: قالت الرجال: إنا لنرجو أن نُفَضَّل على النساء بحسناتنا في الآخرة، كما فُضِّلنا عليهن في الميراث، فيكون أجرنا على الضعف من أجر النساء. وقالت النساء: إنا لنرجو أن يكون الوزر علينا نصف ما على الرجال في الآخرة، كما لنا الميراث على النصف من نصيبهم في الدنيا.\nفأنزل الله ﷿: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا﴾ من الثواب والعقاب ﴿وَلِلنِّسَاءِ﴾ كذلك (١). فسوى بين الفريقين في الثواب والعقاب، واستحقاقهم إياهما بالاكتساب.\nولأصحاب المعاني في هذا وجه آخر: يقول: لكل فريق من الرجال والنساء نصيب مما اكتسب من نعيم الدنيا، فينبغي أن يقنع به رضًى بما قسم الله له، ولا يتمنى مال غيره.\nوقوله تعالى: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾.\nأي إن احتجتم إلى ما لغيركم (وأجبكم) (٢) أن يكون لكم مثل ما له فاسألوا الله أن يعطيكم مثل ذلك من فضله (٣).\nوقال رسول الله - ﷺ -: \"سلوا الله من فضله، فإنه يحب أن يُسأل\" (٤).\n_________\n(١) أخرج الأثر عن قتادة الطبري ٤٧ - ٤٨ بنحوه وذكر الأثر عنه وعن السدي الثعلبى في \"الكشف والبيان\" ٤/ ٤٨ ب، وانظر: \"تفسير مقاتل بن سليمان\" ١/ ٣٦٩، \"الدر المنثور\" ٢/ ٢٦٧.\n(٢) ورد في الأصل، ولعله تصحيف من الناسخ والصواب (أحبيتم).\n(٣) انظر: \"النكت والعيون\" ١/ ٤٧٨.\n(٤) أخرجه الترمذي (٣٥٧١) كتاب الدعوات، باب: في انتظار الفرج وغير ذلك، وتكلم في إسناده، والطبري ٥/ ٤٩، وفيه ضعف وانظر: \"ضعيف الجامع\" ٣/ ٢٢١.","vol":"6","page":478},{"text":"قال أبو علي: (من) في قوله: ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾ في موضع المفعول الثاني في قول أبي الحسن، ويكون المفعول الثاني محذوفًا في قياس قول سيبويه، والصفة قائمة مقامه (١)؛ كأنه قيل: واسألوا الله نعمه وفضله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-731>٣٣ </span>- وقوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ الآية. أراد: ولكل واحد من الرجال والنساء، جعلنا موالي.\nقال ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن زيد: أي عصبة (٢).\nوقال السدي: أي ورثة (٣).\nومضى الكلام في المولى، واشتقاقه في اللغة.\nوقوله تعالى: ﴿مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ فيه قولان:\nأحدهما: أن (من) في قوله (مما) متعلق بمحذوف، ذلك المحذوف من صفة المولى، كأنه قيل: لكل جعلنا ورثة يرثون، أو يُعطَون مما ترك والداه وأقربوه من ميراثهم له. والوالدان والأقربون على هذا هم الذين ماتوا وورثهم المعني بقوله. ﴿وَلِكُلٍّ﴾، والألف واللام في الوالدان والأقربون بدل عن الكناية، كأنه قيل: مما ترك والداه وأقربوه، كقوله: ﴿فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: ٤١] أي مأواه.\n_________\n(١) \"الحجة\" ٢/ ٢١٤.\n(٢) أخرج الآثار عنهم الطبري ٥/ ٥٠ - ٥١، وأخرج قولًا لابن عباس كقول السدي الآتي وأن المراد الورثة، ونسب هذا القول لهم جميعًا الماوردي في \"النكت والعيون\" ١/ ٤٧٩، وانظر: \"الدر المنثور\" ٢/ ٥٠٩.\n(٣) أخرجه الطبري ٥/ ٥١ بلفظ: هم أهل الميراث، وورد نحوه عن ابن عباس انظر: الطبري ٥/ ٥٠، والقولان متقاربان، وقد رجح الماوردي الثاني، انظر: \"النكت والعيون\" ١/ ٤٧٩.","vol":"6","page":479},{"text":"الثاني: أن قوله: ﴿مِمَّا تَرَكَ﴾ في صفة (موالي) (١)، أي: موالي ممن تركهم وخلّفهم الميت، ثم فسر الموالي فقال: ﴿الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ أي هم هؤلاء. و(ما) على هذا القول بمنزلة (مَن)، والوالدان والأقربون هم الوارثون. وعلى هذا القول يحتمل أن يكون المعنى: ولكل شخص جعلنا ورثةً ممن تركهم والداه وأقربوه، أي: تشعبت العصبة والورثة عن الوالدين والأقربين (٢).\nوالوالدان والأقربون (٣) مرتفعة بالفعل الذي هو الترك.\nوعلى القولين اللذين ذكرنا يجوز أن يُعنى بقوله: (ولكل) المال والميراث فيكون المعنى على القول الأول: ولكل مال وميراث مما ترك الوالدان والأقربون جعلنا موالي، أي عصبة وورثة يرثونه، وعلى هذا يكون قد فصل بين الصفة والموصوف بقوله: ﴿جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾. وعلى القول الثاني يكون المعنى: ولكل مال مما ترك الميت جعلنا ورثة، ثم ابتدأ (فقال) (٤): ﴿الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ أي هم هؤلاء، وقوله تعالى: ﴿جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾ فاصل أيضًا، وجملة هذا أنك إذا فسرت الكل بالشخص كان (من) في قوله (مما) متعلقًا بمحذوف، أو صفة لموالي، وإن (فسرته) بالمال كان في صفة (لكل)، مفصولًا بينه وبين الموصوف بقوله: ﴿جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾، فتدبّره تفهم إن شاء الله.\n_________\n(١) في (أ): (موال).\n(٢) انظر \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ٤١٢، \"مشكل إعراب القرآن\" ١/ ١٩٦، \"الكشف والبيان\" ٤/ ٤٩ أ، \"غرائب التفسير\" ١/ ٢٩٤، \"البيان\" ١/ ٢٥٢.\n(٣) في (د): (والأقربين).\n(٤) ليس في (د).","vol":"6","page":480},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾. هم الحلفاء (١) في قول الجميع (٢). ويجوز أن يُعطف على: ﴿الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ (٣) فيكون حكم الحُلفاء كحكم الوالدين والأقربين، في كونهم وارثين أو موروثين، على ما بينّا.\nوقوله تعالى: ﴿فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾. الكناية تعود إما إلى الموالي، أو إلى الوالدان والأقربون والحلفاء إذا جعلناهم وارثين، إلا أن المفسرين يحملون قوله: ﴿والذين عاقدت أيمانكم﴾ على الابتداء، ولا يعطفونه (٤) على ما قبله.\nقالوا: وكان الرجل في الجاهلية يعاقد الرجل، ويقول له: دمي دمك، ويرثني وارثك، وثأري ثأرك، وحربي حربك، وسِلمي سِلمك فلما قام الإسلام جعل للحليف السدس (٥).\nواختلف القراء في قوله: ﴿عَاقَدَت﴾، فقرأ أهل الكوفة (عَقَدَتْ) (٦) بالتخفيف من غير ألف.\n_________\n(١) في (د): (الخلفاء)، وما أثبته هو الصواب.\n(٢) انظر \"غريب القرآن\" لابن قتيبة ص ١١٩، الطبري ٥/ ٥١ - ٥٢، \"معاني الزجاج\" ٢/ ٤٦، \"بحر العلوم\" ١/ ٣٥١، \"الكشف والبيان\" ٤/ ٤٩ ب.\n(٣) ممن قال بجواز العطف العكبري في \"إملاء ما من به الرحمن بهامش الفتوحات الإلهية\" ٢/ ٢٣٩، وقد استبعد أبو حيان هذا الوجه. انظر: \"البحر المحيط\" ٣/ ٢٣٨، \"الدر المصون\" ٣/ ٦٦٩.\n(٤) في (أ): (ولا يعطونه).\n(٥) انظر: \"جامع البيان\" ٥/ ٥١ - ٥٦، \"معاني الزجاج\" ٢/ ٤٦، \"بحر العلوم\" ١/ ٣٥١، \"الكشف والبيان\" ٤/ ٤٩ ب.\n(٦) لعاصم وحمزة والكسائي وخلف. انظر: \"الطبري\" ٥/ ٥١، \"الحجة\" ٣/ ١٥٦، \"المبسوط\" ص ١٥٦، \"النشر\" ٢/ ٢٤٩.","vol":"6","page":481},{"text":"والباقون (عَاقَدَت) بالألف (١). وهذا أشبه بهذا المعنى؛ لأن لكل نفر من المعاقدين يمينًا على المُخالفة (٢)، وجعل الأيمان في اللفظ هي المعاقدة، والمعنى على الحالفين الذين هم أصحاب الأيمان، فالمعنى: والذين عاقدت حلفهم أيمانُكم. حذف الذكر للعائد (٣) من الصلة إلى الموصول. وهؤلاء الذين قرأوا في المفاعلة حملوا الكلام على المعنى، حيث كان من كل واحد من الفريقين يمين.\nومن قرأ (عَقَدَتْ) كان المعنى: عقدت حلفَهم أيمانكم، كالأول، إلا أنهم حملوا على لفظ الأيمان، لأن الفعل لم يُسند إلى أصحاب الأيمان في اللفظ، إنما أُسنِد إلى الأيمان (٤).\nوالأيمان ههنا يحتمل أن يكون جمع يمين من اليد، ويحتمل أن يكون من القَسَم، وذلك أنهم كانوا يضربون صفقة البيعة بأيمانهم ويأخذ بعضهم بيد بعض على الوفاء والتمسك بالعهد، ويتحالفون عليه أيضًا (٥).\nوقوله تعالى: ﴿فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾. أي حظهم من الميراث. عن ابن عباس وسعيد بن جبير وقتادة وعامر والضحاك (٦). ثم نسخ ذلك بقوله: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٥].\n_________\n(١) انظر المصادر السابقة.\n(٢) في (د): (المحالفين).\n(٣) في (د): (العائد).\n(٤) انتهى توجيه القراءتين من \"الحجة\" ٣/ ١٥٦، ١٥٧ بتصرف، وانظر: الطبري ١/ ٥١.\n(٥) من \"الكشف والبيان\" ٤/ ٤٩ أ - ب بتصرف.\n(٦) أخرج الآثار عنهم إلا عامرًا الطبري ٥/ ٥٢ - ٥٣، وعامر هذا لعله الشعبي، وقد يكون تصحف عن عكرمة، فقد أخرج له الطبري أثرًا يدل على قوله بذلك. وانظر: ابن كثير ١/ ٥٣٤ - ٥٣٥.","vol":"6","page":482},{"text":"أخبرنا عبد الرحمن بن محمد السراج، أخبرنا أبو الحسن الكارزي، أخبرنا علي بن عبد العزيز، عن أبي عبيد، حدثنا حجاج، عن ابن جريج، وعثمان بن عطاء، عن عطاء الخرساني، عن ابن عباس: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُم﴾ قال: كان الرجل قبل الإسلام يعاقد الرجل، يقول: يرثني وارثك، نسختها ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٥] (١).\nوقال مجاهد في هذه الآية: كان حلف في الجاهلية، فأُمِروا أن يُعطوهم نصيبهم من المشورة والنصر والرفد، ولا ميراث (٢).\nوعلى هذا لا يكون في الآية نَسخٌ لقوله ﷿: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]، ولما رُوي أنه - ﷺ - قال يوم فتح مكة: \"ما كان من حِلف في الجاهلية فتمسّكوا به؛ فإنه لم يزده الإسلام إلا شِدّة. ولا تُحدثوا حلفًا في الإسلام\" (٣)، وقال - ﷺ -: \"شهدت حلف المطيبين (٤) وأنا غلام مع عمومتي،\n_________\n(١) أخرجه أبو عبيد في \"الناسخ والمنسوخ\" ص ٢٢٦، وجاء نحوه عن ابن عباس من طريق علي بن أبي طلحة في \"تفسيره\" ص ١٤٥، وأخرجه الطبري ٥/ ٥٢.\n(٢) بنحوه في \"تفسيره\" ١/ ١٥٤، وأخرجه أبو عبيد في \"الناسخ والمنسوخ\" ص ٢٢٥، والطبري ٥/ ٥٤ بلفظ قريب من هذا اللفظ، وذكره الثعلبي في \"الكشف والبيان\" ٤/ ٤٩ ب.\n(٣) هذا حديث مركب من حديثين أخرجهما الطبري، الأول -عن طريق قيس بن عاصم- قال - ﷺ -: \"ما كان من حلف في الجاهلية فتمسكوا به، ولا حلف في الإسلام\". والثاني -من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده- أن رسول الله - ﷺ - قال في خطبته يوم فتح مكة: \"فوا بحلف، فإنه لا يزيده الاسلام إلا شدة، ولا تحدثوا حِلفا في الاسلام\" \"جامع البيان\" ٥/ ٥٥ - ٥٦.\n(٤) هو حلف اجتمع فيه بنو هاشم وبنو زهرة وتيم في دار ابن جدعان وتحالفوا على التناصر والأخذ للمظلوم من الظالم. \"المستدرك\" ٢/ ٢٢٠ حاشية (١).","vol":"6","page":483},{"text":"فما أحب أن لي حُمر النَّعم وأني أنكثُه\" (١).\nوقال سعيد بن المسيب في هذه الآية: إنما أنزل الله ذلك في الذين كانوا يتبنّون أبناء غيرهم وُيوَرِّثونهم، فأنزل الله فيهم أن يُجعل لهم نصيب من الوصية، ورد الميراث إلى الموالي من ذوي الرحم والعصبة، وأبى الله أن يجعل للمدّعَين (٢) ميراثًا ممن (٣) ادعاهم، ولكن جعل لهم نصيبًا من الوصية مكان ما تعاقدوا عليه في الميراث الذي رد عليهم فيه أمرهم (٤).\nوبمثل هذا قال الحسن (٥)، واختار (٦) ابن كيسان، فقال في قوله: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾: هم (٧) الأدعياء، وكان لهم ميراث الأولاد، فلما نزلت المواريث لم يذكروا فيها، فأوصى الله بهم (٨).\nفقد حصل في قوله: ﴿فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ ثلاثة أقوال، الأول: من الميراث، ثم نُسخ. والثاني: من النصر، والثالث: من الوصية، ولم ينسخ على هذين.\n_________\n(١) الحديث من رواية عبد الرحمن بن عوف - ﵁ - أخرجه الإمام أحمد ١/ ١٩٠، والطبري ٥/ ٥٦، والحاكم في \"المستدرك\" ٢/ ٢٢٠، وصححه ووافقه الذهبي، وانظر: \"صحيح الجامع\" ٣/ ٢٣٠.\n(٢) في (د): (للموصين).\n(٣) في (د): (من).\n(٤) أخرجه أبو عبيد في \"الناسخ والمنسوخ\" ص ٢٢٧، والطبري ٥/ ٥٥، وأورده الثعلبي في \"الكشف والبيان\" ٤/ ٥٠ أ، وانظر: \"المسير\" ٢/ ٧٢.\n(٥) لم أقف عليه، وقد أخرج الطبري عن الحسن خِلافه وأن المراد بالآية الحُلفَاء الذين يتوارثون في الجاهلية فنسخ الله ذلك. انظر: الطبري ٥/ ٥٢.\n(٦) هكذا في (أ)، (د)، ولعل الصواب: واختاره.\n(٧) في (د): (هي).\n(٨) لم أقف على قول ابن كيسان هذا.","vol":"6","page":484},{"text":"وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾. قال عطاء: يريد: لم يغب عنه علم ما خلق وبرأ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-732>٣٤ </span>- قوله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾. قال المفسرون: لطم رجل امرأته فجاءت إلى النبي - ﷺ - تطلب القصاص فنزلت هذه الآية (٢).\nومعنى ﴿قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾: متسلطون (٣) على تأديبهن والأخذ فوق أيديهن (٤).\nقال ابن عباس: يعني أمِّروا عليهن، فعلى المرأة أن تطيع زوجها في طاعة الله (٥).\nوالقوّام المبالغ في القيام، يقال: هذا قَيِّم المرأة وقوّامها، الذي يقوم بأمرها ويحفظها (٦). أنشد الزجاج:\nالله بيني وبين قيِّمها ... يفرّ مني بِهَا وأتَّبِعُ (٧)\n_________\n(١) لم أقف عليه.\n(٢) ورد في ذلك آثار عن التابعين كالحسن وقتادة، ومن بعدهم كالسدي وابن جريج ومقاتل والكلبي. انظر: \"الطبري\" ٥/ ٨٥، \"بحر العلوم\" ١/ ٣٥١، \"الكشف والبيان\" ٤/ ٥٠، \"أسباب النزول\" للمؤلف ص ١٥٥ - ١٥٦، وذكر السيوطي بعض هذه الآثار في \"لباب النقول\" ص ٦٨، وقال عَقِبها: فهذه شواهد يقوي بعضها بعضًا. وانظر \"الدر المنثور\" ٢/ ٢٧٠.\n(٣) هذه الكلمة غير واضحة تمامًا، وكأنها: يُسَلّطون والمعنى واحد، وفي \"الوسيط\" للمؤلف ٢/ ٥٢٧، جاءت هذه الكلمة: مُسلطون.\n(٤) انظر: \"الطبري\" ٥/ ٥٧، \"الكشف والبيان\" ٤/ ٥٠ ب.\n(٥) بنحوه ثابت عن ابن عباس في \"تفسيره\" ص ١٤٦، وأخرجه الطبري ٥/ ٥٧، وابن أبي حاتم. انظر: \"الدر المنثور\" (٢٧١)، \"تحقيق المروي عن ابن عباس\" ١/ ٢٤٦.\n(٦) انظر: \"الكشف والبيان\" ٤/ ٥٠ ب\n(٧) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٤٧، والبيت للأحوص بن محمد الأنصاري كما في \"الشعر =","vol":"6","page":485},{"text":"قالوا: وليس بين الزوج والمرأة قصاص إلا في النفس والجرح.\nوقال الزهري: لا قصاص بينهما إلا في النفس، فأما في الجِراحة فالدية ولا قِصاص (١).\nوكان النبي - ﷺ - أوجب القصاص على الزوج باللّطْم، فلما نزلت هذه قال: \"أردنا أمرًا وأراد الله أمرًا، والذي أراد الله خير\" ورفع القصاص (٢).\nوقوله تعالى: ﴿بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾. قال ابن عباس: يريد الله بما فضل الله الرجال على النساء (٣).\nقالوا: بالعقل والعلم والعزم والقوة في التصرف والجهاد والشهادة والميراث (٤).\n_________\n= والشعراء\" لابن قتيبة ص ٣٤٥، وقد استشهد به ابن جني في \"الخصائص\" ٢/ ١٢٨ دون نسبة، والبيت في الغزل. وانظر: \"غرائب التفسير\" ١/ ٢٩٥.\n(١) معنى الأثر عنه أخرجه الطبري ٥/ ٥٨، وابن المنذر، انظر: \"الدر المنثور\" ٢/ ٢٧١.\n(٢) أخرجه بنحوه من حديث علي - ﵁ - ابن مردويه.\nانظر: \"الدر المنثور\" ٢/ ٢٧٠، وابن جرير عن الحسن مرسلًا ٥/ ٥٨، والفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه، انظر: \"الدر المنثور\" ٢/ ٢٧٠ - ٢٧١، وذكره بهذا اللفظ عن مقاتل الثعلبي في \"الكشف والبيان\" ٤/ ٥٠ أ، والمؤلف في \"أسباب النزول\" ص ١٥٥ - ١٥٦.\n(٣) الأثر الوارد عن ابن عباس: فضله عليها بنفقته وسعيه، أخرجه الطبري ٥/ ٥٩ من طِريق ابن أبي طلحة، أي فضل الرجل على المرأة، فلعل المؤلف أراد معنى قول ابن عباس. وأخرج هذا الأثر ابن أبي حاتم، انظر: \"الدر المنثور\" ٢/ ٢٧١.\n(٤) انظر: \"معاني الزجاج\" ٢/ ٤٧، \"بحر العلوم\" ١/ ٣٥١، \"الكشف والبيان\" ٤/ ٥٠ ب، \"زاد المسير\" ٢/ ٧٤.","vol":"6","page":486},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾. يريد المهور والإنفاق عليهن، فالرجل له الفضل على امرأته بما ساق إليها من المهر وبما أنفق عليها من ماله (١).\nوقوله تعالى: ﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ﴾. قال المفسرون: مطيعات لأزواجهن (٢). وأصل القنوت دوام الطاعة (٣).\nوقال الزجاج: قيمات بحقوق أزواجهن (٤).\nوظاهر هذا إخبار، وتأويله الأمر لها بأن تكون طائعة (٥). ولا تكون المرأة صالحة إلا إذا كانت مُطيعةً لزوجها؛ لأن الله تعالى قال: ﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ﴾ أي: الصالحات من اللواتي يُطِعن أزواجهن.\nوالقنوت لفظ الطاعة. وهو عام في طاعة الله، وطاعة الزوج (٦).\nوقوله تعالى: ﴿حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ﴾.\nقال ابن عباس: يعني لا تدخل منزله من يكره، ولا تُوطئ فراشه أحدًا غيره، وتحفظه في نفسها وفيما يحق له بما استودعها الله (٧).\nوقال قتادة وعطاء وسفيان (٨): أي حافظاتٌ لما غاب عنه أزواجهن\n_________\n(١) انظر: الطبري ٥/ ٥٧، \"معاني الزجاج\" ٢/ ٤٧.\n(٢) انظر: \"تفسير ابن عباس\" ص ١٤٦، \"تفسير مجاهد\" ١/ ١٥٥، الطبري ٥/ ٥٩، \"بحر العلوم\" ١/ ٣٥٢، \"الكشف والبيان\" ٤/ ٥١/ أ.\n(٣) انظر: الطبري ٥/ ٥٩، \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٣٠٥٤، \"مقاييس اللغة\" ٥/ ٣١ (قنت).\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٧.\n(٥) انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" ٥/ ١٧٠.\n(٦) انظر: \"الطبري\" ٥/ ٥٩، \"بحر العلوم\" ١/ ٣٥٢.\n(٧) لم أقف عليه.\n(٨) لم يتبين هل هو سفيان الثوري أو سفيان بن عيينة، والراوي عن سفيان هنا هو ابن المبارك كما عند الطبري ٥/ ٦٠، وابن المبارك يروي عن الرجلين، انظر \"سير أعلام النبلاء\" ٧/ ٢٣٥، ٨/ ٤٥٦.","vol":"6","page":487},{"text":"من المال، وما يجب من ضيافة (١) نفسها له (٢).\nوقال أبو روق (٣): يعني يحفظن فروجهن في غيبة أزواجهن (٤).\nوالغيب ههنا مصدر بمعنى المفعول، وهو المَغِيب عنه.\nوقوله تعالى: ﴿بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾. قال المفسرون: أي بما حفظهن الله في إيجاب المهر والنفقة لهن، وإيصاء الزوج بهن. ومعنى هذا أن الله راعاهن في حقوقهن وأوصى بهن إلى الأزواج، فعليهن في مقابله الحفظ للغيب وطاعة الله والزوج (٥).\nوما في قوله: ﴿بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾ يحتمل أن يكون بمعنى الذي، والعائد (إليه) (٦) من الصلة محذوف، على تقدير: بما حفظ الله لهن، ويكون (ما) عبارة عما راعى الله لهن من حقوقهن.\nويحتمل أن يكون (ما) غير موصول، بمعنى المصدر، أي بحفظ الله (٧)، وعلى هذا التقدير يحتمل معنيين آخرين: أحدهما: أنهن حافظات\n_________\n(١) هكذا في (أ)، (د) بالضاد المعجمة والفاء الموحدة، ولعل الصواب: صيانة (بالصاد والنون) كما في \"زاد المسير\" ٢/ ٧٥.\n(٢) أخرج أقوال الثلاثة بنحو ذلك الطبري ٥/ ٥٩ - ٦٠، وانظر \"زاد المسير\" ٢/ ٧٥، وابن كثير ١/ ٥٣٧، \"الدر المنثور\" ٢/ ٢٧٢.\n(٣) هو عطية بن الحارث الهمداني الكوفي، مفسر مشهور، تقدم.\n(٤) أورده المؤلف في \"الوسيط\" ٢/ ٥٣٠، ولم أقف عليه، وهو نحو قول السدى وغيره كما أخرج ذلك الطبري ٥/ ٦١، وانظر: \"معالم التنزيل\" ٢/ ٢٠٧.\n(٥) انظر: \"معاني الفراء\" ١/ ٢٦٥، \"معاني الزجاج\" ٢/ ٤٧، \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ٤١٣، \"بحر العلوم\" ١/ ٣٥٢، \"معالم التنزيل\" ٢/ ٢٠٧.\n(٦) في (د): (إلى الله).\n(٧) انظر: \"معاني الفراء\" ١/ ٢٦٥، \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ٤١٣ - ٤١٤،=","vol":"6","page":488},{"text":"للغيب بحفظ الله إياهن، أي لا يتيسر لهن حفظ الغيب إلا بتوفيق الله، وأن يحفظهن الله حتى لا يضيعن، فيكون هذا من باب إضافة المصدر إلى المفعول (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾. قال ابن عباس: يريد تعلمون نشوزهن (٢).\nقال الفراء: وهو كالظن؛ لأن الظانّ كالشاكّ والخائف قد يرجو، فلذلك ضارع الخوف الظن والعلم، ألا ترى أنك تقول للخبر يبلغك: أما والله لقد خِفت ذاك، وأنشد:\nأتاني كلامٌ عن نُصيبٍ يَقولُه ... وما خِفْت يا سلَّام أنك عائِبِي (٣)\nكأنه قال: وما ظننت أنك عائبي (٤).\nومضى الكلام في الخوف بمعنى العلم.\nويحتمل أن يكون الخوف ههنا الذي هو ضد الأمن، كأنه قيل: تخافون نشوزهن لعلمكم بالأحوال المؤذية (٥) به (٦).\n_________\n= \"مشكل إعراب القرآن\" ١/ ١٩٧، \"الكشف والبيان\" ٤/ ٥١ أ، \"الدر المصون\" ٣/ ٦٧١.\n(١) الوجه الثاني من قوله: وأن يحفظهن الله ..، وقد أشار إلى الوجهين السمين في \"الدر المصون\" ٣/ ٦٧١.\n(٢) أشار إلى قول ابن عباس هذا ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٢/ ٧٥. وانظر: \"معاني الفراء\" ١/ ٢٦٥، \"بحر العلوم\" ١/ ٣٥٢.\n(٣) البيت لأبي الغول -علباء بن جوشن من بني قطن بن نهشل- انظر: \"النوادر في اللغة\" لأبي زيد ص ٤٦، \"الشعر والشعراء\" ص ٢٧٨، وهو في \"الطبري\" ٥/ ٦١ غير منسوب.\n(٤) \"معاني القرآن\" ١/ ٢٦٥، ٢٦٦، وانظر: \"الطبري\" ٥/ ٦١، \"زاد المسير\" ٢/ ٧٥.\n(٥) هكذا في (أ)، وفي (د) بدون إعجام الياء، فتمد تكون: (المؤذنة)، وهو الأرجح.\n(٦) انظر: الطبري ٥/ ٦٢.","vol":"6","page":489},{"text":"قال محمد بن كعب (١) (٢): والنشوز ههنا معصية الزوج في قول الجميع (٣).\nقال عطاء: هو أن لا تتعطّر له وتمنعه من نفسها، وتتغيّر عن أشياء كانت تفعلها به وعما كان يستلذ منها (٤).\nوأصل النشوز الترفع على الزوج بالخلاف، من قولهم: نشز الشيء، أي ارتفع، ومنه يقال للمرتفع من الأرض نشز (٥).\nوقوله تعالى: ﴿فَعِظُوهُنَّ﴾. قال الكلبي: فعظوهن بكتاب، وذكروهن اللهَ وما أمرهن به (٦).\nوقوله تعالى: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾. قال أبو زيد: هَجر الرجل هجرًا إذا تباعد ونأى (٧).\nوقال ابن المظفر: الهَجْر من الهجران وهو ترك ما يلزمك تعاهدُه (٨).\n_________\n(١) هو أبو حمزة محمد بن كعب بن سليم بن أسد القُرَظي المدني من ثقات وعلماء التابعين، وهو من الصالحين والمشاهير في التفسير ومن المكثرين منه، وقد أخرج حديثه الجماعة، توفي -﵀- سنة ١٢٠هـ.\nانظر: \"تاريخ الثقات\" ٢/ ٢٥١، \"التقريب\" ص ٥٠٤ رقم (٦٢٥٧).\n(٢) أخرج الأثر عنه الطبري ٥/ ٦٤.\n(٣) انظر: \"الطبري\" ٥/ ٦٢ - ٦٣.\n(٤) الذي عند الطبري ٥/ ٦٣ عن عطاء: النشوز أن تحب فراقه، والرجل كذلك.\n(٥) انظر: \"غريب القرآن\" لابن قتيبة ص ١١٩، الطبري ٥/ ٦٢، \"معاني الزجاج\" ٢/ ٤٧، \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٥٧٢ (نشز).\n(٦) ذكره المؤلف في \"الوسيط\" ٢/ ٥٣١ دون نسبة للكلبي، وانظر: \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ٨٤.\n(٧) \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٧١٧ (هجر).\n(٨) انظر: \"التهذيب\" ٤/ ٣٧١٨ (هجر).","vol":"6","page":490},{"text":"قال ابن عباس وعكرمة والضحاك والسدي: المراد بالهجر ههنا أن يهجر كلامها، فلا يكلمها في المضجع (١).\nقال ابن عباس: الهَجر أن لا يجامعها، ويوليها ظهره على الفراش، (ولا يكلمها) (٢) (٣).\nوقال الشعبي ومجاهد وإبراهيم: المراد به هجر المضاجعة (٤)، يقول: فرِّقوا بينكم وبينهن في المضاجع.\nوهذا اختيار أبي إسحاق؛ لأنه قال في قوله: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾: أي في النوم معهن والقرب منهن، فإنهن إن كن يحببن أزواجهن شق عليهن الهجران في المضاجع، وإن كن مبغضات وافقهن ذلك، فكان ذلك دليلًا على أن النشوز منهن (٥).\nوروى أبو الضحى (٦) ومسروق عن ابن عباس، قال: هذا كله في\n_________\n(١) أخرج الآثار عنهم الطبري ٥/ ٦٣ - ٦٤، وانظر: \"معالم التنزيل\" ٢/ ٢٠٨، \"زاد المسير\" ٢/ ٧٦، \"الدر المنثور\" ٢/ ٢٧٧.\n(٢) تكررت هذه الكلمة في (د).\n(٣) أخرجه الطبري ٥/ ٦٣ بمعناه\n(٤) الأثر عن مجاهد في \"تفسيره\" ١/ ١٥٦، وأخرجه عن الثلاثة الطبري ٥/ ٦٤، وانظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٧٦.\n(٥) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٤٧.\n(٦) هو مسلم بن صبيح الهمداني الكوفي العطار، مشهور بكنيته، تابعي ثقة فاضل، أخرج له الجماعة، توفي -﵀- سنة مائة للهجرة. انظر: \"تاريخ الثقات\" ٢/ ٢٧٣ - ٢٧٤، \"سير أعلام النبلاء\" ٥/ ٧١، \"التقريب\" ص ٥٢٨ رقم (٦٦٠١).","vol":"6","page":491},{"text":"المضجع، إذا هي عصت أن تضطجع معه (١). والمعنى على هذا: واللاتي تخافون نشوزهن في المضاجع فعظوهن واهجروهن واضربوهن.\nوالمضاجع جمع المضجَع، وهو الموضع الذي يُضطجع عليه. وذكرنا ذلك فيما تقدم.\nوذهب الكلبي وسعيد بن جبير إلى أنّ قوله: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ﴾ من الهجر الذي هو بمعنى القبيح من الكلام، يريد عنّفوهن وغلّظوا في القول لهن (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَاضْرِبُوهُنَّ﴾. يعني ضربا غير مبرح بإجماع (٣).\nقال ابن عباس: أدبًا بمثل اللكزة (٤).\nقال القُرخي، عن علي - ﵁ -: يعظُها بلسانه، فإنْ انتهت فلا سبيل له عليها، وإن أَبَت هَجَر مضجعًا، فإن أَبَت ضربها، فإن أبت أن تتّعظ بالضرب بُعِثَ الحكمان (٥). فللزوج أن يتلافى نشوز امرأته بما أذِنَ الله له\n_________\n(١) الأثر عن أبي الضحى أخرجه الطبري ٥/ ٦٤، وسنده صحيح. انظر: \"تحقيق المروي عن ابن عباس\" ١/ ٢٧٠. لكن لفظه: أنها لا تترك في الكلام ولكن الهجران في أمر المضجع فكأنه مناقض لنص المؤلف، لا سيما عند النظر إلى ما وجه المؤلف المعنى بعد هذا الأثر. وأخرج الأثر أيضًا ابن أبي شيبة انظر: \"الدر المنثور\" ٢/ ٢٧٧، أما عن مسروق فلم أقف عليه.\n(٢) لم أقف عليه، وانظر: \"القرطبي\" ٥/ ١٧١.\n(٣) انظر: الطبري ٥/ ٦٧ - ٧٠، والقرطبي ٥/ ١٧٢، ١٧٣.\n(٤) أخرج ابن جرير ٥/ ٦٨ عن عطاء قال: قلت لابن عباس: ما الضرب غير المبرح؟ قال: السواك وشبهه يضربها به، وفي إسناده ضعف، انظر: \"تحقيق المروي\" عن ابن عباس، أما بهذا اللفظ عند المؤلف فلم أقف عليه. وانظر: القرطبي ٥/ ١٧٢.\n(٥) لم أقف عليه.","vol":"6","page":492},{"text":"فيه. وكان رسول الله - ﷺ - قال: \"لا تضربوا إماءَ الله\" (١).\nونهى عن ضرب النساء حتى ذَئِر النساء على أزواجهن (٢)، فشكوا إلى رسول الله - ﷺ -، ونزلت الآية في ضربهن (٣).\nوقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ﴾. أي فيما يُلتَمس منهن. وقال السدي: أتينَ فُرشَكم (٤).\nوقوله تعالى: ﴿فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾. قال ابن عباس: لا تتجنّوا عليهن العِلَل (٥).\nوقال عطاء: يريد ليس لك عليها سبيل في هجرها في المضجع، ولا في ضربها (٦).\nوقال الكلبي وسفيان بن عيينة: لا تُكلِّفوهن الحبّ لكم (٧).\nوقال الزجاج: لا يطلب عليهن طريق عنت (٨). وهذا جامع للأقوال\n_________\n(١) أخرجه الشافعي في \"الأم\" ٥/ ١٩٣، وأبو داود (٢١٤٦) كتاب النكاح، باب: في ضرب النساء، وابن ماجة (١٩٨٥) كتاب النكاح، باب: ضرب النساء.\n(٢) أي نَشزن ونَفرن وتغير خُلقهن واجْتَرأن عليهم. انظر \"اللسان\" ١٤٨١ (ذَئِر).\n(٣) هذا نحو كلام لعمر بن الخطاب عقب الحديث المرفوع المتقدم. انظر \"الأم\" ٥/ ١٩٣، \"سنن أبي داود\" (٢١٤٦)، \"سنن ابن ماجة\" (١٩٨٥).\n(٤) لم أقف عليه، وأخرج الطبري ٥/ ٧٠ نحوه عن الثوري.\n(٥) ذكره ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٢/ ٧٦، وأخرجه الطبري عن قتادة ٥/ ٧٠. والمعنى: لا تتعدوا عليهن بنسبة علل لهن ليست فيهن، فإن ذلك جناية.\n(٦) لم أقف عليه.\n(٧) عن الكلبي انظر: \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ٨٤، أما عن سفيان فأخرجه الطبري ٥/ ٧٠ بنحوه، وانظر: \"الكشف والبيان\" ٤/ ٥١ ب، والبغوي ٢/ ٢٠٨، و\"زاد المسير\" ٢/ ٧٦.\n(٨) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٤٨.","vol":"6","page":493},{"text":"كلها\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-733>٣٥ </span>- قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا﴾. قال ابن عباس: يريد علمتم (١). وذكرنا الخوف بمعنى العلم آنفًا.\nقال الزجاج: (خفتم) ههنا بمعنى: (أيقنتم) خطأ (٢)؛ لو علمنا الشقاق على الحقيقة لم يُحتج (٣) إلى الحكمين، وإنما يُخاف الشقاق (٤).\nوليس الأمر على ما قال أبو إسحاق؛ فإن الخوف ههنا بمعنى العلم صحيح، وكذلك يجب أن يكون؛ لأن بعثة الحكمين إنما تكون إذا علمنا شقاقًا بينهما، ولكن لا نعلم أيهما المتعدي الظالم، فيُبعث الحكمان ليتعرفا ذلك، وقبل وقوع الشقاق ليس حاله بعثة الحكمين. فقول أبي إسحاق: (لو علمنا الشقاق على الحقيقة لم يُحتج إلى الحكمين) وهم؛ لأنا نحتاج إلى الحكمين في هذه الحالة، وحيث نعلم المُشَاقّ بين الزوجين من هو لم يُحتج إلى الحكمين.\nولم يفصل الزجاج بين الحالتين، والذي في الآية إذا علمنا شقاقًا بينهما، ولم نعلم من أيهما ذلك الشقاق، وكلام ابن عباس شديد (٥)\n_________\n(١) لم أقف عليه، وذكره المؤلف في \"الوسيط\" ٢/ ٥٣٢، دون نسبة لابن عباس ونسبه ابن الجوزي إلى أبي سليمان الدمشقي. انظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٧٧.\n(٢) عبارة الزجاج في \"معانيه\" ٢/ ٤٨: قال بعضهم: (خفتم) ههنا في معنى: أيقنتم؛ وهذا خطأ.\n(٣) عند الزجاج في \"المعاني\": لم يجنح.\n(٤) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٤٨.\n(٥) هكذا في (أ)، (د)، ولعل الصواب: سديد بالسين المهملة.","vol":"6","page":494},{"text":"والمنِكر وَاهِم.\nوالشقاق: العداوة والخلاف، كالمشاقّة. واشتقاقه من أن المشاقين (١) كل واحد منهما في شق غير شق صاحبه (٢).\nوالمعنى: شقاقًا بينهما، فأضيف المصدر إلى الظرف، وإضافة المصادر إلى الظروف جائزة، لحصولها فيها، كقولك: يعجبني صوم يوم عرفة، وسير الليلة المقمرة (٣).\nوقوله تعالى: ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ﴾. قال سعيد بن جبير والضحاك: المأمور ببعث الحكمين السلطان الذي يترافع الزوجان فيما شجر بينهما إليه (٤).\nوالحكم بمعنى الحاكم، وهو المانع من الظلم (٥)، ومنه المثل السائر: في بيته يُؤتى الحكم (٦).\nقال ابن عباس: يريد من أهل الفضل (٧).\nيعني أن الحكم يجب أن يكون فاضلًا، يعرف ما لأحد الزوجين على\n_________\n(١) في \"معاني الزجاج\" ٢/ ٤٨ المتشاقين.\n(٢) من \"معاني الزجاج\" ٢/ ٤٨ بتصرف يسير، وانظر الطبري ٥/ ٧٠.\n(٣) انظر: \"الطبري\" ٥/ ٧٠، \"الدر المصون\" ٣/ ٦٧٣.\n(٤) أخرج الأثر عنهما الطبري ٥/ ٧١، وانظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٧٧، \"الدر المنثور\" ٢/ ٢٧٩ - ٢٨٠.\n(٥) انظر: \"تهذيب اللغة\" ١/ ٨٨٧ (حكم).\n(٦) \"الأمثال\" لأبي عبيد ص ٥٤، \"مجمع الأمثال\" للميداني ٢/ ٤٤٢.\n(٧) لم أقف عليه، وانظر: \"بحر العلوم\" ١/ ٣٥٢، و\"القرطبي\" ٥/ ١٧٥، و\"ابن كثير\" ٢/ ٥٣٩.","vol":"6","page":495},{"text":"الآخر، ويعرف أحكام العِشرة (١).\nوقوله تعالى: ﴿مِنْ أَهْلِهِ﴾، و﴿مِنْ أَهْلِهَا﴾. أي من أقارب هذا وأقارب تلك.\nقال ابن عباس: فإذا التقى الحكمان قال أحدهما للآخر: ادخل على قريبتك، فقل لها تخبرك الذي نقمت على زوجها، وقل لها: ألك فيه حاجة؟، وإلا فنحن ندخل فيما بينكما حتى يفارقك، وإن كان لك به حاجة فنحن نرده إلى ما تحبين.\nويقول الآخر لصاحبه: القَ قريبَك، فقل له: ألك في أهلك حاجة؟. فيخلو حَكَمُ الرجل بصاحبه، فيقول (٢): أخبرني ما في نفسكَ، أتهواها أم لا؟ فإني لا أدري ما أقول في أمركَ، حتى أستطلع رأيكَ. فإن كان الرجل كارهًا قال: لا حاجة لي فيها، خُذ لها مني ما استطعت وفرِّق بيني وبينها. فيعرف عند ذلك أن النشوز جاء من قبله. وإن قال: إني أهواها، فأرضِها من مالي بما أرادت، ولا تفرِّق بيني وبينها، علم أنه ليس بناشز.\nويخلو حكم المرأة بالمرأة، فيقول: أعلميني ما في نفسك، أتهوَين زوجكِ أم لا؟ فإني لا أدري ما أقول في أمركِ حتى أستَطلع رأيكِ فيه، فإن كانت هي الناشزة، قالت: أنشدك الله أنْ تُفرِّق بيني وبينه، أعطه ما أراد من مالى، فلا حاجة لي فيه. فإذا قالت ذلك علم أنها ناشزة. وإن لم تكن ناشزة، قالت: إني أهواه، ولكني أستزيده في نفقتي، فعِظه وحُثّه عليّ بخير، فإنه إليّ مسيء.\nفإذا كان النشوز من قبل المرأة أقبلا عليها، فقالا لها: يا عدو الله،\n_________\n(١) انظر المراجع السابقة.\n(٢) في (د): (فيقول له).","vol":"6","page":496},{"text":"أنتِ العاصية الظالمة لزوجك، المسيئة لنفسكِ، فوالله لا ينفق عليكِ أبدًا ولا يجامعك، حتى ترجعي عن فعلك وتفيئي إلى الله، فلا يأتيها زوجها ولا ينفق عليها حتى ترجع إلى الحق. وإن كان النشوز من قبل الرجل أقبلا عليه، فقالا: أنت العاصي لله المبغض لامرأتك، الظالم لنفسك، نفقتها عليك أبدًا ما دامت، ولا تدخل لها بيتًا، ولا ترى لها وجهًا، حتى تفيء إلى أمر الله وترجع عما أنت عليه. ثم يأخذانه بنفقتها ما دام على حاله حتى يرجع، فإذا رجع جَمَعَا بينه وبينها (١).\nوقوله تعالى: ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ﴾ بين الزوج والمرأة.\nفالكناية في ﴿بَيْنِهِمَا﴾ تعود على الزوجين. وأجاز بعضهم فيما حكاه ابن حبيب (٢) أن تعود الكناية على الحكمين (٣). فيكون المعنى: يوفق الله صلاحًا للزوجين بين الحكمين (٤).\nومذهب عمر - ﵁ - أيضًا هذا، وهو أن المعني بإرادة الإصلاح الحكمان.\nوقد رُوي أنه بعث حكمين بين زوجين فرجعا وأخبراه أن الزوجين لم يصطلحا، فعلاهما بالدرّة وقال: لو أردتما إصلاحًا وفق الله بينهما.\n_________\n(١) أخرجه بمعناه مختصرًا الطبري ٥/ ٧٣ من طريق ابن أبي طلحة وهو في \"تفسير ابن عباس\" / ١٤٧. وقد ذكره السمرقندي في \"بحر العلوم\" دون نسبة لابن عباس بلفظ مقارب. انظر: \"بحر العلوم\" ١/ ٣٥٢، القرطبي ٥/ ١٧٥. وقد جاء نحوه عن السدي. انظر: الطبري ٥/ ٧١.\n(٢) الماوردي في \"النكت والعيون\" ١/ ٤٨٤.\n(٣) هذا رأي جمهور المفسرين، انظر: الطبري ٥/ ٧٦ - ٧٧، \"زاد المسير\" ٢/ ٧٧.\n(٤) انظر: \"النكت والعيون\" ١/ ٤٨٤","vol":"6","page":497},{"text":"فرجعا وأخلصا، فإذا الزوجان قد أغلقا الباب دونهما واصطلحها (١)\nوهذه القصة تُقوي عود الكناية إلى الزوجين. هذا إذا أراد الحكمان إصلاحًا ورأيا ذلك.\nفإن أدى اجتهادهما إلى التفريق، فقد اختلف العلماء في ذلك:\nفمذهب عثمان وعلي ﵄ وسعيد بن جبير والشعبي والسدي وإبراهيم وشريح: أن لهما التفريق بينهما بالطلاق إن رأياه؛ لأن التحكيم توكيل (٢).\nقال عبيدة السلماني: شهدت عليًا - ﵁ - وجاءته امرأة وزوجها، مع كل واحد منهما فِئَامٌ من الناس، فقال: ما شأنهما؟ فأُخْبِرَ بالشقاق بينهما، فقال: ابعثوا حكمًا من أهله وحكمًا من أهلها، ثم قال للحكمين: أتدريان ما عليكما؟ إن عليكما إن رأيتما أن تفرقا فرقتما، وإن رأيتما أن تجمعا جمعتما. فقالت المرأة: رضيتُ بما في كتاب الله عليّ ولي (٣). وقال الزوج: أما الفُرقة فلا. فقال علي: كذبتَ حتى تُقِرّ بمثل الذي أقرت (٤) به (٥).\n_________\n(١) لم أقف عليه.\n(٢) انظر: \"الطبري\" ٥/ ٧٣ - ٧٥، و\"القرطبي\" ٥/ ١٧٦.\n(٣) هنا عبارة (وقال ولي) وهي زياجة من الناسخ على الأغلب.\n(٤) في (أ): أقرب بالباء الموحدة وهو تصحيف ظاهر. والصواب بالتاء المثناة كما في (د)، \"الكشف والبيان\" يأتي.\n(٥) أخرجه الشافعي في \"الأم\" ٥/ ١٩٥، وقال الشافعي -﵀-: حديث علي ثابت عندنا، والطبري ٥/ ٧١، وعبد الرزاق في \"تفسيره\" ١/ ١٥٨، والثعلبي ٤/ ٥١ ب، وعزاه السيوطى إلى عبد الرزاق في \"المصنف\" وسعيد بن جبير وعبد =","vol":"6","page":498},{"text":"والظاهر من هذا الكلام أن عليًا - ﵁ - رأى الفُرقة من غير رضا الزوج، ولذلك قال: كذبت، ولم يقل: فلا أبعث الحكمين حتى ترضى.\nوإذا تعذر تنفيذ العقد بأحكامه فالوجه رفعه، وهذا هو الظاهر الصحيح من مذهب الشافعي -﵀- الذي نص عليه في كتاب الطلاق من أحكام القرآن (١)، وهو اختيار المزني (٢) (٣).\nوقال الحسن: الحكمان يحكمان في الاجتماع ولا يحكمان في الفرقة إلا بأمرهما (٤). وهذا أحد قولي الشافعي، وقد نص عليه في \"المُختصر\"، وقال: لا بد من توكيل الزوج في الطلاق؛ لأنّ الطلاق إلى الأزواج (٥).\nقال الزجاج: وحقيقة أمر الحكمين أنهما (٦) يقصدان الإصلاح،\n_________\n= بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم. انظر: \"الدر المنثور\" ٢/ ٢٧٩.\n(١) انظر: \"الأم\" ٥/ ١٩٥، و\"أحكام القرآن\" للشافعي جمع البيهقي ١/ ٢١٢، و\"ابن كثير\" ١/ ٥٣٩.\n(٢) هو أبو إبراهيم إسماعيل بن يحيى بن إسماعيل بن عمرو المزني المصري، تلميذ الإمام الشافعي، إمام علامة رأس في الفقه الشافعي وله المختصر مشهور متداول، قال الشافعي: المزني ناصر مذهبي، توفي -﵀- سنة ٢٦٤ هـ. انظر \"طبقات الفقهاء\" للشيرازي ص١٠٩، \"سير أعلام النبلاء\" ١٢/ ٤٩٢، \"طبقات الشافعية\" للأسنوي ١/ ٢٨.\n(٣) \"مختصر المزني\" ص ١٨٦.\n(٤) أخرجه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ١/ ١٥٩، والطبري بمعناه ٥/ ٧٢، وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم، انظر: \"الدر المنثور\" ٢/ ٢٨.\n(٥) انظر: \"مختصر المزني\" ص ١٨٦.\n(٦) فى (د): (أن).","vol":"6","page":499},{"text":"وليس لهما طلاق، وإنما عليهما أن يُعَرِّفا الإمام حقيقة ما وقفا عليه؛ فإن رأى الإمام أن يُفرِّق فرّق، وإن رأى أنْ يجمع جمع، وإن وكّل الحكمين بتفريق أو جمع فهما بمنزلته.\nوالذي فعله عليّ ﵀ من قوله: وإن رأيتما أن تفرقا فرقتما، تولية منه إياهما ذلك (١).\nوقوله تعالى: ﴿يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ (٢) معنى التوفيق في اللغة هو تيسير وَفق الشيء، وهو ما يوافقه، أي يساوي حَالَته، ويقال: حَلوبَة فلان وَفق عياله، أي يخرج من لبنها ما يكفي عياله، على معنى أن ذلك مساوٍ لقدر حاجته (٣).\nقال الراعي:\nأما الفقير الذي كانت حَلُوبته ... وَفقَ العِيَال فلم يُترك له سَبَدُ (٤)\nفالموافقة المواساة (٥) في أمر من الأمور. والتوفيق بين النفسين إصلاحٌ بينهما لمساواة فيه. وقوله تعالى: ﴿جَزَاءً وِفَاقًا﴾ [النبأ: ٢٦]، أي: على وَفق أعمالهم.\n_________\n(١) انتهى من \"معاني الزجاج\" ٢/ ٤٩ بتصرف يسير.\n(٢) (بينهما) ليست في (أ).\n(٣) انظر: \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٩٢٧، \"اللسان\" ٨/ ٤٨٨٤ (وفق).\n(٤) \"ديوانه\" ص ٦٤، \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٩٢٧، \"اللسان\" ٨/ ٤٨٨٤ (وفق). ومعنى: حلوبته: قيل: معيشته وقيل حمولته، والسبَّدَ يطلق على المال وعلى ذوات الشعر من البهائم. انظر \"اللسان\" ٤/ ١٩١٨ (سبد). والشاهد أن وفق الشيء ما يساوي حالته أو يكفيه.\n(٥) لعلها المُساواة","vol":"6","page":500},{"text":"الليث يقول: لا يتوفق عبدٌ حتى يوفقه الله، وإن فلانًا موفّق رشيد (١).\nووَفق كل شيء ما يكون متفقًا معه، كقوله:\nيَهوِين شَتَّى ويقَعنَ وفْقًا (٢)\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا﴾. قال ابن عباس: يريد: عليمًا بما في قلوبهم من المودة، وخبيرًا بما يكون إذا هو طلّقها من وُجْدِه عليها، أو وُجدِها عليه (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-734>٣٦ </span>- وقوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾. قال الزجاج المعنى: أوصاكم الله بعبادته، وأوصاكم بالوالدين إحسانًا (٤).\nوقال الفراء: وأحسنوا بالوالدين إحسانًا. أمرهم بالإحسان (٥).\nقال ابن عباس: يريد البِرّ بهما مع اللطف ولين الجانب، ولا يُغلظ لهما الجواب، ولا يُحدّ إليهما النظر، ولا يرفع صوته عليهما، كما قال الله: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ [الإسراء: ٢٤] يكون بين أيديهما ذليلًا مثل العبد بين يدي السيد الفظّ الغليظ، تذلّلًا لهما مع المحبة (٦).\n_________\n(١) \"العين\" ٥/ ٢٢٦، \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٩٢٧ (وفق).\n(٢) \"العين\" ٥/ ٢٢٦، وانظر: \"لسان العرب\" ٨/ ٤٨٨٤ (وفق).\n(٣) لم أقف عليه، وانظر: \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ٨٤\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٩.\n(٥) \"معاني القرآن\" ١/ ٢٦٦، وعبارته: أمرهم بالإحسان إلى الوالدين. وفي \"زاد المسير\" ٢/ ٧٩: قال الفراء: أغراهم بالإحسان إلى الوالدين.\n(٦) لم أقف عليه.","vol":"6","page":501},{"text":"﴿وَبِذِي الْقُرْبَى﴾، القربى مصدر كالقرابة (١)، ومثله البُشرى والرُّجعى.\nقال ابن عباس: يصله ويعطف عليه (٢). وقال الزجاج: أمر الله: ﷿ بالإحسان إلى ذوي القرابة بعد الوالدين (٣).\n﴿وَالْيَتَامَى﴾، قال ابن عباس: يرفق بهم ويدنيهم ويمسح رأسهم.\n﴿وَالْمَسَاكِينِ﴾، قال: يريد: بَذْلُ يسر، أو ردّ جميل (٤).\n﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى﴾، قال عامة المفسرين: يعني القريب في النسب، الذي يبنك وبينه قرابة، وله حقوق؛ حق القرابة وحق الجوار وحق الإسلام (٥).\nودل كلام الزجاج على أنه أراد بالقُربى ههنا قرب الدار والمعرفة والاختلاط، لأنه قال: هو الذي يقاربك ويعرفك (٦). ويُقوي هذا أنه قابله بالجار الغريب في قوله: ﴿وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾، فكما أن الغريب لا يعرفك لبعد داره فالجار ذي القربى هو الذي يعرفك لقرب داره وأرضه من دارك وأرضك (٧).\n_________\n(١) انظر: الطبري ٥/ ٧٧.\n(٢) انظر: \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ٨٤\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٥٠.\n(٤) لم أقف عليه.\n(٥) انظر: الطبري ٥/ ٧٨، \"بحر العلوم\" ١/ ٣٥٣، \"الكشف والبيان\" ٤/ ٥٢/ أ، \"النكت والعيون\" ١/ ٤٨٥.\n(٦) \"معانى القرآن وإعرابه\" ٢/ ٥٠.\n(٧) عبارة الزجاج في \"معانيه\" ٢/ ٥٠: ﴿وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾ والجار القريب المتباعد. واستشهد على ذلك بيت من الشعر هو:\nفلا تحرمنّي نائلًا عن جَنَابة ... فإني امرؤٌ وسط القباب غريبُ\nوسيأتي.","vol":"6","page":502},{"text":"والذي عليه المفسرون هو الأول.\nوقوله تعالى: ﴿وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾.\nالجنب نعت على فعل، مثل: (أُحُد) في: ناقةٌ أُحُد، وبابٌ غُلُق (١)، وقارورةٌ فُتُح. وأصله من الجنابة ضدّ القرابة، وهو البُعد (٢).\nقال علقمة بن عبدة (٣):\nفَلا تَحْرمنِّى نَائِلًا عن جَنَابةٍ ... فإني امرؤٌ وَسْط القِبَاب غَريبُ (٤)\nوقال الأعشى (٥):\nأتيتُ حُريثًا زائرًا عن جنابةٍ ... وكان حُرَيثٌ عن عَطَائِيَ جَامِدًا (٦)\n_________\n(١) في (أ): (علق) بالعين المهملة.\n(٢) انظر: \"الطبري\" ٥/ ٨٠، \"الحجة\" ٣/ ١٥٨.\n(٣) هو علقمة بن عبدة بن ناشرة بن قيس التميمي، شاعر جاهلي مجيد، كان يلقب بالفحل لحادثة جرت بينه وبين امرئ القيس. توفي قبل الهجرة بنحو عشرين سنة. انظر: \"الشعر والشعراء\" ص ١٢٥، \"طبقات الشعراء\" ٥٨، \"الأعلام\" ٤/ ٢٤٧.\n(٤) \"ديوانه\" ص ٣١، \"الكامل\" ٣/ ١٦، والاختيارين للأخفش الأصغر ص ٦٥٦، وفيه: الديار بدل القباب، \"الزاهر\" ١/ ٤٣٠. والجَنابة: البعد والغربة وهو الشاهد. والمعنى: لا تحرمني بعد غربة وبعد عن دياري. والبيت من قصيدة في فكاك أسر أخ له.\n(٥) هو ميمون بن قيس بن جندل الوائلي -الأعشى الكبير- تقدمت ترجمته.\n(٦) \"ديوانه\" ٤٣، \"الكامل\" ٣/ ١٥، \"الطبري\" ٥/ ٨٠، \"معاني الزجاج\" ٢/ ٥٠، الثعلبي ٤/ ٢٥ ب.\nوجاء في حاشية \"ديوانه\": حُرَيث: تصغير لكلمة حارث، وهو ذم للحارث بن وعلة بن مجالد الى الرقاشي. الجنابَة: البعد. وانظر \"الكامل\" ٢/ ٩٠٢، ٩٠٣.","vol":"6","page":503},{"text":"وقال آخر:\nكِرامٌ إذا ما جئتَهم عن جنابةٍ ... أعفّاءُ عن جار الخليطِ المجاور (١)\nورجل جُنُب، إذا كان غريبًا متباعدًا عن أهله. وقوم أجناب، ورجل أجنَب وأجنبي، وهو البعيد منك في القرابة (٢). وأصل الجنب التنحية والإبعاد، ومنه قوله: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم: ٣٥]. والجانبان الناحيتان لتنحّي كل واحدة (٣) عن الأخرى (٤).\nوروى المفضَّل عن عَاصم (٥): ﴿وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾ بفتح الجيم وسكون النون (٦)، وهو يحتمل معنيين:\nأحدهما: أن يريد بالجنب الناحية، ويكون المعنى على هذا: ذي الجَنْب، فحذف المضاف؛ لأن المعنى مفهوم، ألا ترى أن الناحية لا يكون الجار إياها، والمعنى: ذي ناحية ليس هو الآن بها، أي: هو غريب (٧).\n_________\n(١) البيت للراعي النميري في \"ديوانه\" ص ١٠٨، و\"تاريخ دمشق\" ٣٨/ ١٩٠.\n(٢) انظر: \"تهذيب اللغة\" ١/ ٦٦٣، \"اللسان\" ٢/ ٦٩٢ (جنب).\n(٣) في (أ): (واحد) بالتذكير.\n(٤) انظر: \"معاني القرآن\" للأخفش ١/ ٤٤٦، \"الحجة\" ٣/ ١٥٨.\n(٥) هو أبو بكر عاصم بن أبي النجود -بهدلة- الأسدي الكوفي الإمام المقرئ وأحد القراء السبعة المشاهير الحجة، وقد أخرج حديثه الجماعة، توفي -﵀- سنة ١٢٠هـ. انظر: \"السبعة\" ص ٦٩، \"مشاهير علماء الأمصار\" ص ١٦٥، \"التقريب\" ص ٢٨٥ رقم (٣٠٥٤).\n(٦) \"السبعة\" ص ٢٣٣، \"الحجة\" ٣/ ١٥٧. وقال ابن مجاهد وأبو علي - رحمهما الله: ولم يآت بها غيره. وانظر: \"معاني القراءات\" ١/ ٣٠٧.\n(٧) في \"الحجة\" ٣/ ١٥٨: هو غريب عنها، والكلام في توجيه القراءتين لأبي علي.","vol":"6","page":504},{"text":"والآخر: أن يكون وصفًا، مثل: ضرب وندب وفسل (١)، فهذا وصف جري على الموصوف، كما أن الجنب كذلك (٢).\nقال ابن عباس وعامتهم: الجار الجنب هو الذي ليس بينك وبينه قرابة (٣). وله حق الجوار، فإن كان من أهل دينك فله حق الإيمان (٤).\nومعنى وصفه بالبُعد ههنا أنه ليس من قومك، ونَسبُه بعيد عنك، ألا ترى أن مجاهدًا وقتادة قالا: هو جارك من قوم آخرين (٥).\nويحتمل أن يُراد بهذا البُعد بُعد الدار، وهو الغريب من بلد غير بلدك يجاورك، فهو متباعد عن أهله وبلده.\nوإلى هذا ذهب الزجاج، فإنه قال: هو الجار الغريب (٦) المتباعد (٧).\nوحكى ابن جرير عن نَوفٍ البِكَالي (٨) أنه ذهب إلى أن المراد بهذا\n_________\n(١) هكذا بالفاء عند أبي علي في \"الحجة\"، وفي النسختين من المخطوط كأنها بالنون (نسل).\n(٢) انتهى من \"الحجة\" ٣/ ١٥٨.\n(٣) \"تفسير ابن عباس\" ص ١٤٨.\nوأخرجه الطبري ٥/ ٧٩ - ٨٠ عن ابن عباس، وهو قول قتادة والسدي ومجاهد وابن زيد والضحاك كما أخرجه الطبري، وانظر: \"الكشف والبيان\" ٤/ ٥٢ ب، \"زاد المسير\" ٢/ ٧٩.\n(٤) انظر: \"الطبري\" ٥/ ٧٩، \"بحر العلوم\" ١/ ٣٥٣.\n(٥) أخرجه عنهما عبد الرزاق في \"تفسيره\" ١/ ١٥٩، والطبري ٥/ ٧٩.\n(٦) في (د): (القريب)، وكذا في \"معاني الزجاج\"، ولعل ما أثبته هو الأولى.\n(٧) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٥٠.\n(٨) هو أبو عمرو نوف بن فضالة البكالي، تابعي صالح، شامي مستور، أخرج له البخاري ومسلم، وأما تكذيب ابن عباس له فلِمَا رواه عن أهل الكتاب، مات -﵀ - بعد سنة ٩٠ هـ. انظر: \"مشاهير علماء الأمصار\" ص ١٢١.","vol":"6","page":505},{"text":"البُعد بُعد الدين، فقال في الجمار الجنب: إنه الكافر (١). وقد قال النبي - ﷺ - في المشرك الجار: \"له حق الجِوَار وإن كان مشركًا\" (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ﴾. قال ابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد وقتادة والحسن والسدي والضحاك: هو الرفيق في السفر (٣).\nقال عطاء عن ابن عباس: يريد صاحبك في السفر، وهو جارك إلى جانبك، فله حق الجوار وحق الصحبة (٤).\nوهذا اختيار الفراء (٥) والزجاج (٦) وابن قتيبة (٧).\nوقال علي وابن مسعود وابن أبي ليلى (٨) وإبراهيم: هو زوجتك تكون معك إلى جنبك (٩).\n_________\n(١) أخرجه الطبري ٥/ ٨٠ بلفظ: اليهودي والنصراني، وانظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٧٩، و\"ابن كثير\" ١/ ٥٤٠.\n(٢) جزء من حديث أخرجه البزار بنحوه مطولًا، كما في \"كشف الأستار\" ٢/ ٣٨٠. وانظر: ابن كثير ١/ ٥٤١، والثعلبي في \"الكشف والبيان\" ٤/ ٥٣ أ، وهذا لفظه، وضعفه الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" ١/ ١٦٤ بقوله: رواه البزار عن شيخه عبد الله ابن محمد الحارثي وهو وضاع.\n(٣) قول ابن عباس في \"تفسيره\" ص ١٤٨ بلفظ: الرفيق فقط، وأخرجه عن جميعهم الطبري ٥/ ٨٠ - ٨١، إلا الحسن، فانظر: ابن كثير ١/ ٨٤٠.\n(٤) الذي وقفت عليه نحو ذلك من طريق علي ابن أبي طلحة عن ابن عباس في \"تفسيره\" ص ١٤٨، وأخرجه الطبري ٥/ ٨٠.\n(٥) في \"معاني القرآن\" ١/ ٢٦٧.\n(٦) في \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٥٠.\n(٧) في \"غريب القرآن\" ص ١١٩.\n(٨) هو عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري المدني، تقدمت ترجمته.\n(٩) أخرج الآثار عنهم الطبري ٥/ ٨١ - ٨٢، وانظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٨٠.","vol":"6","page":506},{"text":"وقال ابن جريج وابن زيد: هو الذي يلزمك ويصحبك رجاء خيرك ونفعك (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَابْنِ السَّبِيل﴾. هو الضيف، يجب قِراه إلى أن يبلغ حيث يريد.\nقال ابن عباس ومجاهد والربيع: يريد عابر السبيل، تُروِيه وتُطعِمه حتى يرحل عنك (٢).\n﴿وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ يعني المماليك.\nقال ابن عباس: يريد المملوك، تُحسن رزقَه وتحتمل مساوئه وتعفو عنه فيما يُخطئ، فإن لاءمك فاحسبه وأنت مُحسن، وإن خالفك في الملاءمة فبعه لعله يوافق غيرك وتبرأ من إثمه (٣).\nوروى عمر بن الخطاب أن رسول الله - ﷺ - قال: \"من ابتاع شيئًا من الخدم فلم يوافق شيمته شيمته فليبع ويشتر حتى يوافق شيمته شيمته، فإن الناس شِيمَ، ولا تعذبوا عباد الله\" (٤).\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾ [النساء: ٣٦] المختال: ذو الخيلاء والكبر (٥).\n_________\n(١) ابن جرير روى نحو ذلك عن ابن عباس، وهذا لفظ ابن زيد أخرج ذلك الطبري ٥/ ٨٢، وانظر \"زاد المسير\" ٢/ ٨٠.\n(٢) أخرجه عن مجاهد عبد الرزاق في \"تفسيره\" ١/ ١٥٩، وذلك عنه وعن الربيع، \"الطبري\" ٥/ ٨٣.\n(٣) لم أقف عليه.\n(٤) لم أقف عليه.\n(٥) \"غريب القرآن\" لابن قتيبة ص ١١٩، وانظر الطبري ٥/ ٨٤، \"بحر العلوم\" ١/ ٣٥٤.","vol":"6","page":507},{"text":"قال ابن عباس: يريد بالمختال العظيم في نفسه، الذي لا يقوم بحقوق الله (١).\nقال الزجاج: وإنما ذكر الاختيال ههنا، لأنَّ المختال يأنف من ذوي قراباته إذا كانوا فقراء، ومن جيرانه إذا كانوا كذلك، فلا يُحسن عشرتهم (٢).\nوذكرنا اشتقاقه في اللغة عند قوله: ﴿وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ﴾ [آل عمران: ١٤].\nومعنى الفخر في اللغة هو البذخ والتطاول، والفخور الذي يعدِّد مناقبه كبرًا وتطاولًا (٣).\nقال ابن عباس: هو الذي يفخر على عباد الله بما خوّله الله من كرامته وما أعطاه من نعمته (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-735>٣٧ </span>- قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ﴾. جائز أن يكون موضع (الذين) نصبًا على البدل (٥). المعنى: أنَّ الله لا يحب من كان مختالًا فخورًا، ولا يحب الذين يبخلون.\nوجائز أن يكون رفعه على الابتداء ويكون الخبر: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [النساء: ٤٠]، أي لا يظلمهم مثقال ذرة. قاله الزجاج (٦).\n_________\n(١) لم أقف عليه\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٥١، وانظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٨١.\n(٣) انظر: \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٧٥٠، \"أساس البلاغة\" ٢/ ١٨٩، \"اللسان\" ٦/ ٣٣٦١ (فخر).\n(٤) لم أقف عليه، وانظر: \"النكت والعيون\" ١/ ٤٨٩.\n(٥) على البدل من من قوله: (من كان مختالًا). انظر: \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ٤١٦.\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٥١، بتصرف، وانظر: الطبري ٥/ ٨٥، \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ٤١٦ - ٤١٧، \"الدر المصون\" ٣/ ٦٧٦.","vol":"6","page":508},{"text":"والأولى أن يكون مستأنفًا، لأنَّ الآية نازلة في اليهود (١). ومعنى البُخل في كلام العرب منع الإحسان، وفي الشريعة منع الواجب (٢).\nوفيه أربع لغات: البَخْل مثل الفَقْر، والبَخَل مثل الكَرَم، والبُخْل مثل الفُقر، والبُخُل بضمتين. ذكره المبِّرد، وقال: ونظيره أرض جرز، وفيه اللغات الأربع (٣).\nوأجمعوا على أن الآية نازلة في اليهود (٤).\nواختلفوا في معنى هذا البخل، فذكر فيه قولان: أحدهما: أن المراد به البخل بالعلم. وهو قول سعيد بن جبير والكلبي ومقاتل.\nقال سعيد: هذا في العلم ليس في الدنيا منه شيء (٥).\nوقال الكلبي: هم اليهود، بخلوا أن يصدقوا من أتاهم صفة محمد - ﷺ - ونعته، وأمروا قومهم بالبخل، وهو كتمان أمره (٦).\n_________\n(١) انظر: الطبري ٥/ ٨٥، \"النكت والعيون\" ٢/ ٥١، \"الكشف والبيان\" (٤/ ٥٤ أ)، \"النكت والعيون\" ١/ ٤٨٧.\n(٢) \"الكشف والبيان\" ٤/ ٥٤ أ، وانظر: \"المفردات\" ص (٣٨)، \"عمدة الحفاظ\" ص (٤٠)، (بخل).\n(٣) لم أقف على كلام المبرد فيما بين يدي من مصنفاته، وقد ذكر نحو كلامه الثعلبي في \"الكشف والبيان\" (٤/ ٥٤ ب)، وانظر: \"معاني الزجاج\" ٢/ ٥١، \"بحر العلوم\" ١/ ٣٥٤، \"عمدة الحفاظ\" ص (٤٠) (بخل).\n(٤) دعوى الإجماع غير مسلمة، فقد اختلف في نزولها، لكن كونها في اليهود هو قول الأكثر. انظر: \"الكشف والبيان\" ٤/ ٥٤ أ، \"النكت والعيون\" ١/ ٤٨٧.\n(٥) أخرج الأثر عنه: الطبري ٥/ ٨٦، والثعلبي (٤/ ٥٤ أ).\n(٦) أورده المؤلف بنحوه في \"أسباب النزول\" ص ١٥٦، وانظر: \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص (٨٤).","vol":"6","page":509},{"text":"وقال مقاتل: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ رؤوس اليهود، ﴿وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ﴾ كانوا يأمرون سفلتهم بكتمان نعت محمد - ﷺ - (١).\nواختار الزجاج هذا القول، فقال: هم اليهود بخلوا بعلم ما كان عندهم من مبعث النبي - ﷺ - (٢).\nالقول الثاني: أن هذا البخل معناه البخل بالمال. وهو قول ابن عباس وابن زيد (٣).\nقال ابن عباس في رواية عطاء: ثم ذكر اليهود فقال: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ﴾ يريد يبخلون بأموالهم عمن هو دونهم من المؤمنين في المال، وهو أكرم على الله منهم (٤).\nوقال في رواية غيره (٥): نزلت في رؤساء اليهود؛ كانوا يأتون رجالًا من الأنصار ينتصحونهم (٦)، ويقولون لهم: لا تُنفقوا أموالكم فإنا نخشى عليكم الفقر، ولا تدرون ما يكون (٧).\nوروي مثل هذا القول عن مجاهد والسدي، قالا: هم اليهود بخلوا\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ١/ ٣٧٢، وانظر: \"بحر العلوم\" ١/ ٣٥٤.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٥١.\n(٣) انظر: الطبري ٥/ ٨٦، \"زاد المسير\" ٢/ ٨٢.\n(٤) لم أقف على رواية عطاء، وانظر: \"الدر المنثور\" ٢/ ٢٨٩.\n(٥) رواية سعيد بن جبير عن ابن عباس. انظر: الطبري ٥/ ٨٦.\n(٦) عند الطبري ٥/ ٨٦: \"وينتصحون لهم\" وكذا في \"زاد المسير\" ٢/ ٨١، وفي \"الدر المنثور\" ٢/ ٢٨٩: \"وينتصحون لهم\".\n(٧) أخرجه الطبري ٥/ ٨٦ بأطول من ذلك، وكذا ابن إسحاق وابن المنذر وابن أبي حاتم. انظر: \"الدر المنثور\" ٢/ ٢٨٩، وذكره الثعلبي (٤/ ٥٤/ ب)، وابن الجوزي ٢/ ٨١.","vol":"6","page":510},{"text":"بما أعطوا من الرزق (١)\nوقوله تعالى: ﴿وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ قال ابن عباس: يريد العلم بما في التوراة مما عظم الله به أمر محمد - ﷺ - وأمته (٢).\nوقال مقاتل: يعني ما في التوراة من أمر محمد ونعته (٣).\nوهذا قول عامة المفسرين، فالفضل ههنا هو ما أوتوا من العلم، برسالة النبي - ﷺ -.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-736>٣٨ </span>- قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ﴾ الآية. إن شئت عطفت الذين في هذه الآية على الذين في الآية التي قبلها، وإن شئت جعلته في موضع الخفض عطفا على قوله: ﴿لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ (٤).\nقال السدي: نزلت في المنافقين (٥). واختاره الزجاج (٦)، وهو الوجه؛ لذكر الرياء ههنا، وهو ضرب من النفاق، وقال بعضهم: نزلت في مشركي مكة المتفقين على عداوة رسول الله - ﷺ - (٧).\n_________\n(١) المأثور عن مجاهد والسدي أن المراد كتمان صفة النبي - ﷺ - ونبوته. انظر: الطبري ٥/ ٨٥، \"النكت والعيون\" ١/ ٤٨٧، \"زاد المسير\" ٢/ ٨٢.\n(٢) أخرج معناه في الأثر المتقدم عن ابن عباس من رواية سعيد بن جبير: الطبري ٥/ ٨٦.\n(٣) انظر: \"بحر العلوم\" ١/ ٣٥٤.\n(٤) انظر: الطبري ٥/ ٨٧، \"معاني الزجاج\" ٢/ ٥١، \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ٤١٦ - ٤١٧، \"الكشف والبيان\" (٤/ ٥٤ ب)، \"معالم التنزيل\" ٢/ ٢١٤.\n(٥) \"الكشف والبيان\" (٤/ ٥٤ ب)، وانظر: \"معالم التنزيل\" ٢/ ٢١٤، \"زاد المسير\" ٢/ ٨٣.\n(٦) انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٥١.\n(٧) \"الكشف والبيان\" (٤/ ٥٤ ب)، وانظر: \"معالم التنزيل\" ٢/ ٢١٤، \"زاد المسير\" ٢/ ٨٣.","vol":"6","page":511},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا﴾\nمعنى القرين في اللغة هو الذي يقارنك ويُصاحبك (١)، من قولهم: قرنت الشيء بغيره إذا شددته إليه (٢).\nوقيل: إنما اتصل الكلام ههنا بذكر الشيطان تقريعًا لهم على طاعة الشيطان. وعلى هذا دل كلام أبي إسحاق؛ لأنه قال: أي من يكن عمله بما يُسول له الشيطان فبئس العمل عمله (٣).\nوقال الكلبي: هذا في الآخرة، يجعل الله الشياطين قرنائهم في النار، يقرن مع كل كافر شيطان في سلاسل النار (٤). يقول الله: ﴿وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا﴾ صاحبا ﴿فَسَاءَ قَرِينًا﴾ يقول: بئس الصاحب الشيطان.\nوقوله تعالى: ﴿فَسَاءَ قَرِينًا﴾ قد ذكرنا معنى ساء في هذه السورة. وانتصب (قرينًا) ههنا على التمييز والتفسير (٥)؛ لأن (ساء) معناه (بئس)، و(بئس) تنصب النكرة، كقولك: بئس رجلًا زيد، لأنك إذا قلت: بئس، جاز أن تذكر رجلًا أو حمارًا، فإذا ذكرت نوعًا ميزته من سائر الأنواع (٦)،\n_________\n(١) انظر الطبري ٥/ ٨٨، \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ٤١٧، \"النكت والعيون\" ١/ ٤٨٧، \"اللسان\" ٦/ ٣٦١١ (قرن).\n(٢) انظر: \"معجم مقاييس اللغة\" ٥/ ٧٦، \"أساس البلاغة\" ٢/ ٢٤٨، \"زاد المسير\" ٢/ ٨٣، \"اللسان\" ٦/ ٣٦١١ (قرن).\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٥١.\n(٤) انظر: \"بحر العلوم\" ١/ ٣٥٤، \"زاد المسير\" ٢/ ٨٣، \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ٨٥.\n(٥) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٢٦٧، \"معاني الزجاج\" ٢/ ٥٢، \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ٤١٧، \"الكشف والبيان\" (٤/ ٥٥ أ).\n(٦) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٢٦٧.","vol":"6","page":512},{"text":"وفيه ضمير فاعل لأنه فعل، والفعل لا يخلو من الفاعل، فصار المميِّز (١) كالمفعول فلهذا نصب. وقد استوفينا (القول) (٢) في (نعم، وبئس).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-737>٣٩ </span>- قوله تعالى: ﴿وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ﴾ الآية. هذا احتجاج على هؤلاء الذين ذكرهم الله بأنهم لا يؤمنون بالله، والمعنى أن الإنسان يُحاسب نفسه فيما عليه وله، فإذا ظهر له ما عليه في فعل شيء من استحقاق العقاب، وما له في تركه من استحقاق الثواب عمل على ذلك في تركه والانصراف عنه.\nومعنى الآية كأن الله تعالى يقول: ليتفكروا ولينظروا ماذا عليهم في الإيمان لو آمنوا؟ وهو استفهام في معنى الإنكار.\nويصلح أن يكون (ما) و(ذا) اسمًا واحدًا، فيكون المعنى: وأي شيء عليهم (٣)، ويجوز أن يكون (ذا) في معنى الذي، وتكون (ما) وحدها اسمًا، ويكون المعنى: وما الذي عليهم لو آمنوا (٤).\nوقد بسطنا الكلام في تفسير (ماذا) في موضعين في سورة البقرة (٥).\nوقوله تعالى: ﴿لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾.\nقال ابن عباس: يريد بنية صادقة، يصدِّق القلبُ اللسان، ويصدق اللسانُ القلب (٦).\n_________\n(١) في (أ): (المييز).\n(٢) ليس في (د).\n(٣) انظر: الطبري ٥/ ٨٨، \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ٤١٧.\n(٤) انظر: \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ٤١٧، \"الكشف والبيان\" (٤/ ٥٥ أ).\n(٥) انظر: \"البسيط\" بتحقيق د. الفوزان [البقرة: ٢١٥].\n(٦) لم أقف عليه.","vol":"6","page":513},{"text":"﴿وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ﴾ يريد: يصدقوا مما تفضل الله به عليهم (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا﴾. تأويله: لا ينفعهم ما ينفقونه على جهة الرياء؛ لأن الله بهم عليم مجاز لهم بما يسرون من قليل أو كثير (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-738>٤٠ </span>- قوله تعالى: ﴿﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ الآية. قد ذكرنا أن الظلم يستعمل في معان كثيرة. وهو ههنا بمعنى النقص.\nقال ابن عباس: يريد لا ينقص مثقال ذرة (٣).\nوالمثقال مقدار الشيء في الثِّقل. وهو مفعال من الثقل، يقال: هذا على مثقال هذا، أي وزن هذا. ومعنى ﴿مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾: أي ما يكون وزنه وزن الذرة (٤).\nوأما الذرة فهي النملة الحميراء الصغيرة في قول أهل اللغة (٥)، وهو قول ابن عباس (٦) وابن زيد (٧).\n_________\n(١) انظر: \"الوسيط\" ٢/ ٥٥٠، \"زاد المسير\" ٢/ ٨٣.\n(٢) انظر: الطبري ٥/ ٨٨. \"الوسيط\" ٢/ ٥٥٠، \"زاد المسير\" ٢/ ٨٣.\n(٣) أورده المصنف في \"الوسيط\" ٢/ ٥٥٠ من رواية عطاء ولم أقف عليه، وانظر: \"الكشف والبيان\" (٤/ ٥٥/ أ).\n(٤) انظر: \"غريب القرآن\" لابن قتيبة ص ١١٩، والطبري ٥/ ٨٨، \"معاني الزجاج\" ٢/ ٥٢، \"النكت والعيون\" ١/ ٤٨٨.\n(٥) انظر: \"اللسان\" ٣/ ١٤٩٤ (ذرر).\n(٦) أخرج الأثر عنه - الطبري ٥/ ٨٩، وذكره الثعلبي (٤/ ٥٥ أ)، وانظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٨٥، \"الدر المنثور\" ٢/ ٢٩٠.\n(٧) لم أقف على قوله، وقد خرج الطبري مثل هذا القول عن يزيد بن هارون كما في \"تفسير الطبري\" ٥/ ٨٩، فيحتمل أن \"يزيد\" تصحف من النساخ إلى \"ابن زيد\" والله أعلم.","vol":"6","page":514},{"text":"وروى يزيد بن الأصم (١) عن ابن عباس في هذه الآية قال: أدخل ابن عباس يده في التراب، ثم رفعها، ثم نفخ فيه فقال: كل واحدة من هؤلاء ذرَّة (٢).\nوالمراد من هذا: لا يظلم قليلًا ولا كثيرًا، ولكن الكلام خرج على أصغر ما يتعارفه الناس، يدل على هذا قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا﴾ [يونس: ٤٤].\nقال ابن عباس: نزل قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ في المنافقين، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً﴾ في المؤمنين. يقول: لا ينقص ﴿مِثْقَالَ﴾ (٣) ذرة من عمل منافق إلا جازاه بها رواه عطاء عنه (٤).\nوقال آخرون: هذا على العموم (٥). ثم اختلفوا؛ فذهب بعضهم في تأويله إلى ما رواه أنس أن النبي - ﷺ - قال: \"وإن الله لا يظلم حسنة، أما المؤمن فيثاب عليها الرزق في الدنيا، ويجزى بها في الآخرة. وأما الكافر فيُطعم بها في الدنيا، فإذا كان يوم القيامة لم تكن له حسنة\" (٦).\n_________\n(١) هو أبو عوف يزيد بن عمرو (الأصم) بن عبيد البكائي المدني، من ثقات التابعين، وهو ابن خالة ابن عباس ﵄ توفي -﵀- سنة ١٠٣هـ. انظر: \"تاريخ الثقات\" ٢/ ٣٦٠، \"التقريب\" رقم (٧٦٨٥).\n(٢) انظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٨٥.\n(٣) ليس في (د).\n(٤) لم أقف عليه، وانظر: \"تنوير المقياس\" بهامش المصحف ص ٨٥.\n(٥) أي عموم المؤمنين والكافرين.\n(٦) أخرجه مسلم (٢٨٠٨) كتاب صفات المنافقين باب: جزاء المؤمن بحسناته في الدنيا والآخرة وتعجيل حسنات الكافر في الدنيا.","vol":"6","page":515},{"text":"وذهب بعضهم إلى تأويل هذه الآية: إن الله لا يظلم مثقال ذرة للخصم على الخصم، بل يأخذ له ومنه، ولا يظلم مثقال ذرة تبقى للخصم، بل يثيبه عليها ويُضعفها له. واحتجوا بما روي عن ابن مسعود أنه قال: يُؤتى بالعبد يوم القيامة وينادي منادٍ على رؤوس الأولين والآخرين: هذا فلان بن فلان، من كان له عليه حق فليأت إلى حقه. ثم يقال له: آت هؤلاء حقوقهم. فيقول: يا رب من أين وقد ذهبت الدنيا. فيقول الله لملائكته في أعماله الصالحة: فأعطوهم منها، فإن بقي مثقال ذرة من حسنة ضعّفها الله تعالى لعبده وأدخله الجنة بفضل رحمته.\nومصداق ذلك في كتاب الله ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً﴾. الأصل: وإن تكن (بالنون) كقوله: ﴿إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا﴾ [النساء: ١٣٥]، وذلك أن النون إذا سكنت (٢) للجزم وسقطت الواو لسكونها وسكون النون فصار (تكن)، ويجوز حذف النون من تكن؛ لأنها ساكنة وهي تشبه حروف اللين، وحروف اللين إذا وقعت طرفًا سقطت، كقولك: لم أدر، وإن تدع. كذلك حُذفت هذه النون استخفافًا لكثرة الاستعمال كما قالوا: لا أدرِ ولم أبل، والأصل: لم أبال ولا أدري.\n_________\n(١) أخرجه بنحوه الطبري ٥/ ٨٩ - ٩٠ بأكثر من طريق، وابن أبي حاتم ونقله ابن كثير ١/ ٥٤٤ عنه بإسناده ثم قال: \"ولبعض هذا الأثر شاهد في الحديث الصحيح\" وصحح إسناد ابن أبي حاتم أحمد شاكر في تحقيقه للطبري، وقال عن هذا الأثر: \"والحديث أثر موقوف على ابن مسعود، ولكني أراه من المرفوع حكمًا، فإن ما ذكره ابن مسعود مما لا يعرف بالرأي، وما كان ابن مسعود ليقول هذا من عند نفسه، وليس هو ممن ينقل عن أهل الكتاب ولا يقبل الإسرائيليات\". وانظر: \"الدر المنثور\" ٢/ ٢٩٠.\n(٢) في (د): (سقطت).","vol":"6","page":516},{"text":"ووجه شبه النون بحروف اللين أنَّ الغنة التي في النون كاللين الذي في حروف اللين، وأيضًا فإنها تحذف لالتقاء الساكنين، كما حذفوهن كلذلك في نحو: غزا القوم، وتغطي ابنك وتصبو (١) المرأة. ألا ترى أنك لم تظهر الألف ولا الباء (٢) ولا الواو في اللفظ، بل حذفتهن لاجتماع الساكنين. وكذلك يفعلون في النون فيقولون: مِلآن، أي: من الآن (٣)، وأنشد سيبويه:\nفلست بآتيه ولا أستطيعه ... ولكِ اسقني إن كان ماؤك ذا فضل (٤)\nوأنشد قُطرب:\nلم يك الحق سوى أن هاجه ... رسم دار قد تعفى بالسِّرر (٥)\nيريد بالأول: ولكن، والثاني: لم يكن، فلم يحرِّكا وحذفا.\nجعلوا النون أيضًا علمًا للرفع في نحو: يقومان ويقومون وتقومين، كما جعلوا الواو والألف علمًا له، نحو: أخوك وأبوك، والزيدان،\n_________\n(١) هكذا في: (أ) ولعل الصواب بدون ألف.\n(٢) هكذا في: (أ) بالباء الموحدة، ولعل الصواب: \"ولا الياء\" بالمثناة التحتية، وهو كما في (د).\n(٣) انظر: \"سر صناعة الإعراب\" ٢/ ٥٤٠، ٥٤٠، \"الخصائص\" ١/ ٩٠، \"عمدة الحفاظ\" ص (٥٠٥) (كون).\n(٤) الكتاب ١/ ٢٧، وعزا البيت للنجاشي (قيس بن عمرو الحارثي) وهو يصف ذئبًا. انظر: \"الخصائص\" ١/ ٣١٠، \"سر صناعة الإعراب\" ٢/ ٤٤٠، ٥٤١ بتحقيق هنداوي \"الإنصاف\" ص ٥٤٦ بتحقيق عبد الحميد.\n(٥) البيت لحسيل بن عرفطة (شاعر جاهلي) والضمير في \"هاجه\" يعود على عائق في بيت قبله، \"السرر\" اسم موضع قرب مكة. انظر: \"النوادر\" لأبي زيد ص (٧٧)، \"سر صناعة الإعراب\" ٢/ ٤٤٠، ٥٤٠ بتحقيق هنداوي، \"الخصائص\" ١/ ٩٠.","vol":"6","page":517},{"text":"والزيدون، إلى غير ذلك مما يطول ذكره (١).\nوقرئ قوله: (حسنةٌ) بالرفع والنصب (٢)، فمن رفع فهي اسم كان ولا خبر لها ههنا، وهي في مذهب التمام. على معنى: وإن تحدث حسنة، أو إن تقع حسنة. ومن نصب كان المعنى: وإن لَكن فعلتُه حسنةً.\nوالنصب حسن، لتقدم ذكر (مثقال ذرة)، فتجعل الذرة اسمًا وحسنة الخبر، على تقدير: وإن تكن الذرة حسنةً يضاعفها الله (٣).\nقال ابن عباس: ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً﴾ يريد: من مؤمن ﴿يُضَاعِفْهَا﴾ يريد: عشرة أضعافها (٤).\nوقال السدي: هذا عند الحساب والقصاص (فمن بقي له من الحسنات شيء يضاعفه بسبع مائة، وإلى الأجر العظيم (٥).\nولهذا كان يقول بعض الصالحين: فُصَلت (٦) حسناتي سيئاتي بمثقال ذرة أحب إلي من الدنيا وما فيها (٧» (٨).\nوقوله تعالى: ﴿وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ قال عطاء: يريد من عنده\n_________\n(١) \"سر صناعة الإعراب\" ٢/ ٤٤٠، وانظر: \"الكتاب\" ١/ ١٩.\n(٢) بالرفع لأبي جعفر ونافع وابن كثير، وبالنصب لبقية العشرة انظر: \"السبعة\" ص ٢٣٣، \"الحجة\" ٣/ ١٦٠، \"المبسوط\" ص (١٥٦)، \"النشر\" ٢/ ٢٤٩.\n(٣) انظر: \"الحجة\" ٣/ ١٦٠، \"إعراب القراءات السبع\" ١/ ١٣٣، \"معاني القراءات\" ١/ ٣٠٨.\n(٤) أورده المؤلف في \"الوسيط\" ٢/ ٥٥١، وانظر: \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ٨٥.\n(٥) لم أقف عليه.\n(٦) هكذا، ولعل الصواب: \"لو فضلت\".\n(٧) هذا القول لقتادة، أخرجه عنه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ١/ ١٦٠، والطبري ٥/ ٨٨.\n(٨) ما بين القوسين لم يتضح كاملا في (أ) بسبب الطمس والتآكل في النسخة.","vol":"6","page":518},{"text":"أجرًا عظيمًا يتفضل عليه بأكثر من العشرة الأضعاف (١).\nوقال الكلبي: الأجر العظيم الجنة (٢).\nوقال الحسن: هذا أحب إلى العلماء؛ أن لو قال: الحسنة بمائة ألف وهو كقوله: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر: ٣]، ولم يقل مثل ألف شهر (٣).\nوقال أبو عثمان النهدي (٤): بلغني عن أبي هريرة (٥) أنه قال: إن الله ﷿ يُعطي عبده المؤمن بالحسنة الواحدة ألف ألف حسنة. فقضي أن انطلقت حاجًا أو معتمرًا، فلقيته فقلت: بلغني عنك أنك تقول: إن الله ﷿ يُعطي عبده المؤمن بالحسنة ألف ألف حسنة. قال أبو هريرة: لم أقل ذلك، ولكني قلت: إن الحسنة تضاعف ألفي ألف (٦) حسنة ثم تلا هذه الآية وقال: إذا قال الله عز جل: ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾ فمن يقدر قدره (٧).\nوسنذكر اللغات في لدن والكلام فيه في سورة الكهف إن شاء الله.\n_________\n(١) أورده المؤلف في \"الوسيط\" ٢/ ٥٥٢ دون نسبة لعطاء، ولم أقف عليه.\n(٢) انظر: \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ٨٥، وقد ورد هذا التفسير عن ابن مسعود، وسعيد بن جبير وابن زيد. أخرج ذلك عنهم الطبري ٥/ ٩١ - ٩٢.\n(٣) لم أقف عليه.\n(٤) هو عبد الرحمن بن مل -بميم مثلثة ولام ثقيلة- النهدي، مشهور بكنيته، من كبار الرواة الثقاة وهو من المخضرمين، وكان من العباد. توفي -﵀- سنة ٩٥ هـ. وله من العمر ١٣٠ سنة أو أكثر. انظر: \"سير أعلام النبلاء\" ٤/ ١٧٥، \"تقريب التهذيب\" ص (٣٥١) (٤٠١٧).\n(٥) تقدمت ترجمته.\n(٦) في (د): (ألف ألف).\n(٧) أخرجه بنحوه وآخره مرفوعًا الإمام أحمد ٢/ ٢٩٦، والطبري ٥/ ٩١، والثعلبي ٤/ ٥٧، وعزاه ابن كثير ١/ ٥٤٥ إلى ابن أبي حاتم والسيوطي في \"الدر المنثور\" ٢/ ٢٩١ إلى ابن أبي شيبة أيضًا.","vol":"6","page":519},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-739>٤١ </span>- قوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾. قال الزجاج والأكثرون: أي فكيف تكون حال هؤلاء القوم الذين ذكرهم الله من المنافقين والمشركين يوم القيامة، وحذف (تكون) لأنَّ في الكلام دليلًا على ما حذف.\nوكيف (لفظها) (١) لفظ الاستفهام، ومعناها ههنا التوبيخ (٢).\nوالاستفهام كثيرًا ما يرد بمعنى التوبيخ، وقد (ذكرنا) (٣) لم أجاز أن يتضمن الاستفهام التوبيخ والإنكار في مواضع مما مضى (٤).\nوقال صاحب النظم: هذا فصل منسوق فيه (على ما) (٥) قبل من قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ وتوكيدٌ لما تقدم من الخبر، وتحقيق لما بعده، على تأويل: إن الله لا يظلم مثقال ذرة، فكيف يظلمه إذا كان يوم القيامة؟ ففي قوله: (فكيف) طرف من الإنكار، أي أن ذلك لا يكون في وقت من الأوقات (٦).\nفعلى القول الأول (٧) في (كيف) توبيخ للقوم الذين مضى ذكرهم، وعلى القول الثاني (٨) فيه إنكار لظلم الله أحدًا.\n_________\n(١) ليس في (د).\n(٢) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٥٣، وانظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٨٥.\n(٣) ما بين القوسين ليس في (د).\n(٤) انظر مثلا [البقرة: ٢٨، ٧٥، ١٣٣].\n(٥) ما بين القوسين غير واضح في (أ).\n(٦) الظاهر أنه انتهى كلام صاحب النظم.\n(٧) الظاهر أنه يريد قول الزجاج.\n(٨) أي قول صاحب النظم.","vol":"6","page":520},{"text":"ومعنى قوله: ﴿وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ قال ابن عباس: يريد: أتيناهم (١).\nقال المفسرون: يُؤتى بنبي كل أمة يشهد عليها ولها (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾. أي على هؤلاء المنافقين والمشركين الذين ذكرهم يشهد عليهم بما فعلوا (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-740>٤٢ </span>- قوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآية. يوم في قوله: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ ظرف و\"يود\"، وهو مضاف إلى إذ، وذلك نحو قولهم: ليلتئذ، وساعتئذ، وحينئذ. ودخل التنوين في إذ بدلًا من الإضافة، وذلك أنَّ أصل هذا أن تكون إذ مضافة إلى جملة، إما من مبتدأ وخبر، نحو: جئتك إذ زيد أمير، وقصدتك إذ الخليفة عبد الملك، قال الله تعالى: ﴿إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ﴾ [غافر: ٧١]، وقال القطامي (٤):\nإذا الفوارسُ من قيس بشكَّتها ... حولي شهودٌ وما قومي بشهاد (٥)\nوإما من فعل وفاعل نحو: قمت إذ قام (٦) زيد، وجلست إذ سار محمد. قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ﴾ [البقرة: ٣٠]، ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا﴾ [البقرة: ٧٢]، ثم اقتطع المُضاف إليه إذ في مثل هذا، ومثله قوله: ﴿مِنْ عَذَابِ\n_________\n(١) لم أقف عليه، وعليه علامات الغرابة، لأن النص واضح.\n(٢) انظر: الطبري ٥/ ٩٢، \"معاني الزجاج\" ٢/ ٥٤.\n(٣) الأولى عدم تخصيص الإشارة، فشهادة الرسول - ﷺ - على أمته جميعًا. انظر الطبري ٥/ ٩٢، وابن كثير ١/ ٥٤٦ - ٥٤٧.\n(٤) هو أبو سعيد عُمير بن شيم بن عمر التغلبي، والقطامي لقبه؛ تقدمت ترجمته.\n(٥) \"ديوان القطامي\" ص (٨٦)، \"سر صناعة الإعراب\" ٢/ ٥٠٤ بتحقيق د. هنداوي، والشكة: السلاح.\n(٦) في (أ): (أقام) وما أثبته هو الموافق \"سر صناعة الإعراب\" ٢/ ٥٠٤.","vol":"6","page":521},{"text":"يَوْمِئِذ﴾ [المعارج:١١]، و﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ [الروم: ٤٣].\nوالتقدير في هذه الآية وفي غيرها: يوم إذ ذاك كذلك، فلما حذف المضاف إليه إذ عوّض منه التنوين، فدخل وهو ساكن على الذال وهي ساكنة، فكسرت الذال لالتقاء الساكنين فقيل: يومئذ. وليست هذه الكسرة في الذال كسرة إعراب، وإن كانت إذ في موضع جر بالإضافة ما قبلها إليها، وإنما الكسرة فيها لسكونها وسكون التنوين بعدها، كما كسرت الهاء في صهٍ ومهٍ لسكونها وسكون التنوين بعدها، وإن اختلفت جهتا التنوين فيهما، فكان في إذ عوضًا من المضاف إليه، وفي صه علمًا للتنكير، ويدل على أن الكسرة في ذال (إذ) إنما هي حركة التقاء ساكنين: (هي) (١) والتنوين قول الشاعر:\nنهيتُك عن طلابك أمَّ عمرو ... بعاقبة وأنت إذ صحيح (٢)\nألا ترى أن إذ في هذا البيت ليس قبلها شيء (٣).\nومضى القول في (يود) عند قوله: ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ﴾ (٤)\n_________\n(١) غير واضحة في (أ)، وفي \"سر صناعة الإعراب\" ٢/ ٥٠٤ \"وهما هي .. \".\n(٢) البيت لأبي ذؤيب الهذلي يخاطب قلبه وأنه نصحه عن حب هذه المرأة أم عمرو حتى لا يتورط فيصعب عليه الخلاص، وقوله: \"بعاقبة\" أي أن النصيحة كانت حتى آخر الكلام ولم يغفل عنها.\nانظر: \"ديوان الهذليين\" ١/ ٦٨، \"سر صناعة الإعراب\" بتحقيق هنداوي ٢/ ٥٠٤، \"الخصائص\" بتحقيق النجار ٢/ ٣٧٦.\n(٣) انتهى من \"سر صناعة الإعراب\" ٢/ ٥٠٤، ٥٠٥، والكلام من أول توجيه إعراب الظرف يوم وإضافته لإذ إلى هنا مستفاد منه. وانظر: \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ٤٢٥ - ٤٢٦.\n(٤) (لو يعمر): ليس في (د).","vol":"6","page":522},{"text":"[البقرة: ٩٦] (١).\nوأما النقير (٢) فقال ابن السكيت: النقير النكتة في ظهر النواة (٣).\nوقال أبو الهيثم: النقير نقرة في ظهر النواة، منها تنبت النخلة (٤).\nوذكرنا طرفًا منه عند ذكر الفتيل (٥). وأصله أنه فعيل من النقر وهو النكت، ومن هذا يقال للخشب الذي ينبذ (٦) فيه نقير لأنه ينقر (٧). والنقر ضرب الرحى (٨) والحجر وغيره بالمنقار. والمنقار حديدة كالفأس يُقطع بها الحجارة (٩). ومنه منقار الطائر؛ لأنه ينقر به (١٠).\nوقول أهل التفسير موافق لقول أهل اللغة في تفسير النقير، وقول أبي الهيثم مثل قول ابن عباس حرفًا بحرف (١١).\n_________\n(١) إلى هنا تنتهي نسخة (أ)، (د) وفي نهايتها كتب الناسخ ما يلي في (د): \"تم الجزء الثاني من \"تفسير البسيط\" للواحدي بحمد الله ومنِّه والصلاة على نبيه محمد وآله أجمعين، ويتلوه في الثاني قوله تعالى: ﴿وَعَصَوُا الرَّسُولَ﴾ [النساء: ٤٢] تم سنة ١٢٧٠\". أما النسخة (أ) فقد كتب في آخرها: \"كتب في مسلخ شهر ربيع الثاني من شهور سنة ست وثلاثين وستمائة\". ويبدو أن كاتبه رجل يُدعى: ابن القزويني.\n(٢) هذا بداية ما بعد السقط من أثناء الآية (٤٢) إلى أثناء الآية (٥٣) وهو بداية نسخة (ش) شستربتي.\n(٣) \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٦٤٤، وانظر: \"اللسان\" ٨/ ٤٥١٨ - ٤٥١٩ (نقر).\n(٤) \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٦٤٤، وانظر: \"اللسان\" ٨/ ٤٥١٩ (نقر).\n(٥) الظاهر أنه عند قوله: ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ [النساء: ٤٩]، وهذا من القسم الساقط والمفقود.\n(٦) في \"اللسان\" ٨/ ٤٥١٩ (نقر): \"ينتبذ\".\n(٧) انظر: \"اللسان\" ٨/ ٤٥١٨ (نقر).\n(٨) في \"ش\": \"بالألف الممدودة\".\n(٩) \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٦٤٤ (نقر).\n(١٠) انظر: \"اللسان\" ٨/ ٤٥١٧ (نقر).\n(١١) انظر \"تفسير ابن عباس\" ص ١٥٠، والطبري ٥/ ١٣٦.","vol":"6","page":523},{"text":"قال الزجاج: وذكر النقير ههنا تمثيل، المعنى: لضنُّوا بالقليل (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-741>٥٤ </span>- وقوله تعالى: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ الآية. (أم) ههنا كالتي في الآية التي قبلها.\nوالمراد بالناس هنا النبي - ﷺ - في قول ابن عباس والأكثرين (٢) وإنما جاز أن يقع عليه لفظ الناس وهو واحد لأنه اجتمع عنده من خلال (الخير) (٣) ما يكون مثله في جماعة، ومن هذا يقال: فلان أمَّة وحده، أي: هو يقوم مقام أمة، قال الله تعالى-: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ [النحل: ١٢٠] (٤).\nقال المفسرون: إن اليهود حسدت النبي - ﷺ - نكاح تسع نسوة، وقالوا: لو كان نبيًا لشغله أمر النبوة عن النساء، فأكذبهم الله تعالى وقال: ﴿فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ (٥) قال عطاء: يريد الفقه والعلم (٦).\nوقوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا﴾. قال ابن عباس في رواية العوفي: يعني ملك سليمان (٧).\nوالمعنى على هذا: يحسدون (محمدًا كثرة) (٨) نسائه ويعيبونه بهن بقولهم: لو كان نبيًا لشغله أمر النبوة. أو فليحسدوه إن كانوا حسدوا محمدًا.\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ص ٦٣، وانظر: \"زاد المسير\" ٢/ ١٠٩.\n(٢) انظر: \"زاد المسير\" ٢/ ١١٠.\n(٣) هنا كلمة غير واضحة، واستوضحتها من \"الوسيط\" ٢/ ٥٨٨.\n(٤) انظر: \"الوسيط\" ٢/ ٥٨٨.\n(٥) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٢٧٥، الطبري ٥/ ١٣٨، \"معاني الزجاج\" ٢/ ٦٤.\n(٦) لم أقف عليه عن عطاء، وانظر: \"زاد المسير\" ٢/ ١١١.\n(٧) أخرجه الطبري ٥/ ١٤٠، وإسناده ضعيف، انظر: \"زاد المسير\" ٢/ ١١١، وتحقيق المروي عن ابن عباس ١/ ٣٢٥. وقد رجح هذا القول على غيره الطبري ٥/ ١٤١.\n(٨) قد تكون العبارة: \"محمدًا لكثرة\".","vol":"6","page":524},{"text":"وقال السدي: يعني بالملك العظيم ما أحل لداود من النساء، وهن تسع وتسعون. ولسليمان ألف، بين حرة ومملوكة (١).\nوقال الحسن وابن جريج وقتادة: الفضل في هذه الآية النبوة وكانت اليهود حسدت محمدًا ما آتاه الله من النبوة، وقد علموا أنَّ النبوة في آل إبراهيم فقيل لهم: أتحسدون النبي - ﷺ - وقد كانت النبوة في آله، وهم آل إبراهيم (٢).\nوهذا الوجه اختيار أبي إسحاق (٣). والحكمة في هذا القول النبوة.\nوقال مجاهد في قوله: ﴿وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا﴾: النبوة (٤).\nلأن الملك لمن له الأمر والطاعة، والأنبياء لهم الطاعة والأمر.\nوليس يحتاج في تصحيح معنى الآية إلى إضمار، ومثله من الكلام أن نقول: أتحسدون زيدًا ما أعطاه الله من المال، فعند عمرو أكثر من ذلك، أو فقد آتى عمرًا أكثر من ذلك. وتأويل هذا: فلا تحسدوا زيدًا، ولتحسدوا عمرًا. وهذا مفهوم من فحوى الكلام وإن لم يذكر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-742>٥٥ </span>- وقوله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ﴾.\nقال ابن عباس والأكثرون: من أهل الكتاب من آمن بمحمد ﵇،\n_________\n(١) أخرجه الطبري ٥/ ١٤٠ بنحوه لكن فيه: \"وينكح سليمان مائة\"، وانظر: \"زاد المسير\" ٢/ ١١١، \"الدر المنثور\" ٢/ ٣٠٩.\n(٢) أخرجه عن قتادة بنحوه وعن ابن جريج مختصرًا: الطبري ٥/ ١٣٩ - ١٤٠، أما الحسن فقد فسر الملك بالنبوة، لا الفضل، كما أخرج ذلك ابن أبي حاتم. انظر: \"الدر المنثور\" ٢/ ٣٠٩، \"تفسير الحسن\" ١/ ٢٨٤.\n(٣) الزجاج في \"معانيه\" ٢/ ٦٤، وانظر: \"زاد المسير\" ٢/ ١١٠.\n(٤) \"تفسيره\" ١/ ١٦٢، وأخرجه الطبري ٥/ ١٤٠، وعبد بن حميد وابن المنذر. انظر: \"الدر المنثور\" ٢/ ٣٠٩، وهو قول الحسن كما تقدم.","vol":"6","page":525},{"text":"﴿وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ﴾ أعرض عنه ولم يؤمن (١).\nوتأويل الآية: أن اليهود مهما ذُكر منهم من البُخل والجهل والحسد، فقد آمن به بعضهم.\nومن قال: إن الوعيد المذكور في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا﴾ [النساء: ٤٧] (٢) إنما أوعدوا به في الدنيا، قال: ذلك الوعيد صرف عنهم بإيمان هذا الفريق الذين ذكرهم الله في قوله: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ﴾ ولذا قال: ﴿وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا﴾ أي: إن كان صرف بعض العقاب فكفى بجهنم عذابًا لمن لا يؤمن (٣).\nوقال السدي وجماعة: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ﴾ أي من أمة إبراهيم من آمن بإبراهيم، ومنهم من صدّ عنه كما أنكم في أمر محمد ﵇ كذلك (٤).\nوفائدة هذا الكلام ههنا أنَّ تأويله ليس في ترك بعضكم الإيمان بمحمد ﵇ توهين لأمره، كما لم يكن في ذلك توهين لأمر إبراهيم.\nوقال الفراء: لما تليت على اليهود قوله: ﴿فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [النساء: ٥٤] الآية كذب بذلك بعضهم وصدق بعضهم، وهو قوله: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ﴾ أي بالنبأ عن سليمان وداود ومما أبيح لهما من النساء ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ﴾ بالتكذيب والإعراض (٥).\n_________\n(١) هذا قول مجاهد ومقاتل والكلبي، انظر: \"تفسير مجاهد\" ١/ ١٦٢، الطبري ٥/ ١٤١، \"بحر العلوم\" ١/ ٣٦١، \"زاد المسير\" ٢/ ١١١، ولم أقف عليه عن ابن عباس.\n(٢) من القسم الساقط.\n(٣) انظر: الطبري ٥/ ١٤١.\n(٤) انظر: \"معالم التنزيل\" ٢/ ٢٣٦، \"زاد المسير\" ٢/ ١١٢، \"الدر المصون\" ٤/ ٧.\n(٥) \"معاني الفراء\" ١/ ٢٧٥ بتصرف.","vol":"6","page":526},{"text":"وحكى الزجاج هذا الوجه أيضًا (١).\n(...) (٢) ﴿وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا﴾ مضى الكلام في هذه الباء وفي انتصاب ما بعد كفى عند قوله: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾ [النساء: ٤٥] (٣). (.....) (٤) السعير في أول السورة (٥).\nوالسعير لا يدخله هاء التأنيث؛ لأنه مصروف من مسعورة، كما قالوا: كف خضيب ولحية (...) (٦)، وذلك أنَّ نقله عن لفظ المفعول المبني على الفعل إلى فعيل يأخذه عن حيّز الأفعال فيُقرّبه من الأسماء، وذلك يوجب حذف علامة التأنيث لتقدير الفعل، وقد ارتفع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-743>٥٦ </span>- قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا﴾.\nقال سيبويه: سوف أداة تنفيس وتهديد ووعيد، يقال: سوف أفعل وسو أفعل (بغير فاء) (٧).\nوقال غيره: هي أداة التسويف، كأنها مأخوذة منه، ألا ترى أنك تقول: سوف أعطيك، معناه أعطيك وقتًا آخر لا في هذا الوقت (٨)، وينوب\n_________\n(١) انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٦٤، ٦٥.\n(٢) بياض في (ش) يحتمل أن يكون أصله: وقوله تعالى.\n(٣) من القسم.\n(٤) بياض في (ش) بقدر كلمتين تقريبًا، يحتمل أن يكون: \"معنى تفسير ... \" أو نحوه.\n(٥) عند تفسيره للآية ١٠.\n(٦) كلمة غير واضحة وقد تكون \"دهين\" أو \"خضيب\" مثل كف.\n(٧) في \"الكتاب\" ٤/ ٢٣٣ \"وأما (سوف) فتنفيس فيما لم يكن بعد\" وانظر: \"عمدة الحفاظ\" ص (٢٥٥) (سوف)، والتنفيس هو التأخير، انظر: \"اللسان\" ٤/ ٢١٥٢ (سوف).\n(٨) انظر: \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٥٩٧ - ١٥٩٨ (ساف)، \"عمدة الحفاظ\" ص (٢٥٥) (سوف).","vol":"6","page":527},{"text":"عنها حرف السين، كقوله تعالى: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (٢٦)﴾ [المدثر: ٢٦]، وفي هذه الآية قال: ﴿سَوْفَ نُصْلِيهِمْ﴾، ويحقق ما ذكرنا قوله: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ﴾ [الضحى: ٥]، أي في الآخرة (١).\nوقال بعضهم: سوف كلمة تعليل، وهي أيضًا كلمة العقبى كهي في هذه الآية، وكلمة تحقيق أيضًا كقوله تعالى: ﴿قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي﴾ [يوسف: ٩٨] قيل أخَّرهم إلى وقت السحر تحقيقًا للدعاء (٢).\nوذكرنا ما في الإصلاء عند قوله: ﴿وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: ١٠] وقوله تعالى: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾.\nقال ابن عباس: يبدَّلون جلودًا بيضًا كأمثال القراطيس (٣).\nوقال معاذ بن جبل (٤): يبدل في ساعة مائة مرة. وروى ذلك مرفوعًا عمر عن النبي - ﷺ - (٥).\n_________\n(١) انظر: الطبري ط. دار الفكر ٣٠/ ٢٣٢.\n(٢) انظر: ابن كثير ٢/ ٥٣٧.\n(٣) انظر: \"معالم التنزيل\" ٢/ ٢٣٧، وأخرجه عن ابن عمر: الطبري ٥/ ١٤٢، وابن أبي حاتم، انظر: \"تفسير ابن كثير\" ١/ ٥٦٤، \"الدر المنثور\" ٢/ ٣١١. والقراطيس جمع قرطاس وهي الصحيفة التي يُكتب عليها. انظر: \"اللسان\" ٦/ ٣٥٩٢ (قرطس).\n(٤) هو أبو عبد الرحمن مُعاذ بن جبل بن عمرو الأنصاري الخزرجي، أحد السبعة الذين شهدوا العقبة من الأنصار وقد شهد بدرًا والمشاهد كلها، وكان من قراء الصحابة وعلمائهم وأمرائهم. توفي ﵁ سنة ١٧هـ أو بعدها. انظر: \"جمهرة أنساب العرب\" ص (٣٥٨)، \"أسد الغابة\" ٥/ ١٩٤، \"سير أعلام النبلاء\" ١/ ٤٤٣، \"الإصابة\" ٣/ ٤٢٦ - ٤٢٧.\n(٥) الأثر عن عمر ومعاذ ﵄ أخرجه ابن عدي والطبراني في \"الأوسط\" وابن أبي حاتم وابن مردويه، وسنده ضعيف، انظر البغوي ٢/ ٢٣٧، \"الكافي الشاف\" ص (٤٥)، \"الدر المنثور\" ٢/ ٣١١.","vol":"6","page":528},{"text":"وأما كيفية تبديل الجلود فقال جماعة من أهل المعاني: إن جلودهم إذا نضجت واحترقت جددت، بأن ترد إلى الحال التي كانت عليها غير محترقة. وذلك أن (غير) على ضربين: غير تضادٍ وتنافٍ، كقولك: الليل غير النهار والذكر غير الأنثى.\nوغير تبدل، كقولك للصائغ: صغ لي من هذا الخاتم خاتمًا غيره، فيكسره ويصوغ لك منه خاتمًا، فالخاتم المصوغ هو الأول، إلا أن الصياغة غير والفضة واحدة، وتقول للإنسان: جئتني بغير ذلك الوجه، إذا تغيرت حالتُه، وجاء بغير ذلك اللباس إذا غيّر قميصه بأن جعله (...) (١). وهذا الوجه ذكره الزجاج (٢) وابن كيسان وابن الأنباري.\nويزيدك بهذا تأنيسًا ما قال أبو العباس (٣) أحمد بن يحيى: قال الفراء: بدلت الخاتم بالحلقة إذا نحيت هذا وجعلت هذا مكانه، وبدلت الخاتم بالحلقة إذا أذبته وسويته حلقة، وبدلت الحلقة بالخاتم إذا أذبتها وجعلتها خاتمًا.\nقال أبو العباس: وحقيقته أن التبديل تغيير صورة إلى صورة أخرى، والجوهرة (٤) بعينها، والإبدال تنحية الجوهرة واستئناف جوهرة أخرى، ومنه قول أبي النجم:\n_________\n(١) بياض في (ش) ولعلها: بأن جعله (أبيض)، أو نحو ذلك.\n(٢) في \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٦٥، وانظر: الطبري ٥/ ١٤٣، \"زاد المسير\" ٢/ ١١٣، \"الجامع لأحكام القرآن\" ٥/ ٢٥٤.\n(٣) من \"تهذيب اللغة\" ١/ ٢٩٥ (بدل)، وقد نقل عن الأزهري نصًّا طويلًا، فيه أقوال.\n(٤) جوهرة الشيء أصله، قال ابن منظور: \"وجوهر كل شيء ما خلقت عليه جبلته\" \"اللسان\" ٢/ ٧١٢ (جهر).","vol":"6","page":529},{"text":"عزلُ الأمير للأمير المبدل (١)\nألا ترى أنه نحى جسمًا وجعل مكانه جسمًا غيره.\nقال أبو عمر (٢): فعرضت هذا على المبرِّد فاستحسنه، وزاد فيه فقال. قد جعلت العرب بدلت بمعنى أبدلت، وهو قوله تعالى-: ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [الفرقان: ٧٠] ألا ترى أنه قد أزال السيئات وجعل مكانها الحسنات. قال: وأما ما شرط أحمد بن يحيى فهو معنى قوله: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾، قال: وهذه هي الجوهرة بعينها باقية، وتبديلها تغيير صورتها إلى غيرها؛ لأنها كانت ناعمة فاسودت بالعذاب، فردت صورة جلودهم الأولى لمَّا نضجت تلك الصورة، فالجوهرة واحدة والصورة مختلفة. انتهى الحكاية (٣).\nويؤكد هذا البيان الذي ذكره المبرد (٤) وما حكينا من قول ابن عباس.\nوقال أبو علي الفارسي: ليس ينفصل (بَدَّل) من (أبدل) بشيء، فقد يقال: تبدل في الشيء، ويكون قائمًا وغير قائم، كقوله: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ﴾ [النحل: ١٠١]، فقد تكون الآية المبدلة قائمة التلاوة، وربما رفعت من التلاوة. وقال: ﴿وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ﴾ [سبأ: ١٦]، والجنتان قائمتان.\nومنهم من أجرى الآية على ظاهرها، وقال: إن الله ﷿ يجدد لهم\n_________\n(١) \"تهذيب اللغة\" ١/ ٢٩٤، \"اللسان\" ١١/ ٤٨ (بدل).\n(٢) قد يكون الزاهد، ومرت ترجمته.\n(٣) من \"تهذيب اللغة\" ١/ ٢٩٤، وانظر: \"الصحاح\" ٤/ ١٦٣٢، \"اللسان\" ١/ ٢٣١ (بدل).\n(٤) لعل هذِه الواو زائدة.","vol":"6","page":530},{"text":"جلودًا غير الجلود التي احترقت، ويعدم المحترقة، ولا يلزم (....) (١) كيف جاز أن يعذِّب جلدًا لم يعصه؟ لأن الجلد لا يألم وإنما الألم هو الإنسان، فالجلد وإن بدِّل (...) (٢) والألم واحد. والدليل على أن القصد تعذيب أصحاب الجلود لا الجلود قوله: ﴿لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [النساء:٥٦] ولم يقل: لتذوق (٣).\nو(غير) على هذا التأويل غير تنافٍ وتضادٍ.\nواعتمد أبو بكر (٤) هذا القول فقال: إن الله تعالى يُلبسهم جلودًا تؤلمهم ولا تألم هي في ذاتها، فتكون جلودًا توصل الآلام والأوجاع إلى أرواحهم وقلوبهم من غير أن يلحقها هي شيء من ذلك، كما قال: ﴿سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ﴾ [إبراهيم: ٥٠] أراد بالسرابيل القمص، وهي قولهم: ولا تجد ألمًا (٥).\nومنهم من أبعد في التأويل فقال: أراد بالجلود السرابيل في قوله: ﴿سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ﴾ [إبراهيم: ٥٠] سميت السرابيل جلودًا للزومها جلودهم على المجاورة، كما يسمى الشيء الخاص بالإنسان جلدة ما بين عينيه ووجهه (٦)، ومنه قوله:\n_________\n(١) بياض بقدر كلمتين أو ثلاث، وبمكن أن تقدر: [عليه أن يقال] كيف جاز ...\n(٢) بياض بقدر كلمتين أو ثلاث، ويمكن أن يقدر: [فالإنسان لم يتغير] ...\n(٣) انظر: \"الطبري\" ٥/ ١٤٢ - ١٤٣، \"معالم التنزيل\" ٢/ ٢٣٨، \"الجامع لأحكام القرآن\" ٥/ ٢٥٤.\n(٤) لعله يقصد ابن الأنباري.\n(٥) لم أقف عليه، وانظر: الطبري ٥/ ١٤٣.\n(٦) انظر: الطبري ٥/ ١٤٣، والقرطبي ٥/ ٢٥٤، وقد استبعد هذا القول كالمؤلف ابن كثير في \"تفسيره\" ١/ ٥٦٤.","vol":"6","page":531},{"text":"وجلدة بين العين والأنف سالم (١)\nفالتبديل للسرابيل، كلما احترقت السرابيل أعيدت، وينشد على هذا قول الشاعر:\nكسا اللؤم تيمًا خضرة في جلودها ... فويلٌ لتيمٍ من سرابيلها الخضر (٢)\nأراد بالسرابيل جلودهم.\nوللسدي في هذا مذهب آخر، هو أنه قال: تبدل الجلود جلودًا غيرها من لحم الكافر، يُعيد الجلد لحمًا وُيخرج من اللحم جلدًا آخر. لا يبدل بجلدٍ لم يعمل بخطيئة (٣).\nومعنى قوله: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ﴾ أي لانت، والنُّضج هو اللين بالحرارة، وهو دون الاحتراق (٤). ولفظ النضج ههنا أبلغ في التعذيب من لفظ الإحراق؛ لأنها إذا احترقت لم تحس بألم، ووقع بين فنائه وإنشاء غيره مهلة؛ إذ الجمع بين المحترق وغير المحترق محال، وفي تلك المهلة ترفيه للكافر، والله تعالى يقول: ﴿لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ [البقرة: ١٦٢] (٥).\n_________\n(١) هذا عجز بيت لعبد الله بن عمر -﵄- وصدره:\nيلومونني في سالم وألومهم\nولعله يقصد ابنه سالمًا. انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" ٥/ ٢٥٤.\n(٢) البيت لجرير في \"ديوانه\" ص١٦٢، والكتاب ١/ ٣٣٣، ودون نسبة في \"المقتضب\" ٣/ ٢٢٠، \"الجامع لأحكام القرآن\" ٥/ ٢٥٤. والسرابيل جمع سربال وهو القميص كما تقدم عند المؤلف.\n(٣) انظر: \"معالم التنزيل\" ٢/ ٢٣٨.\n(٤) الظاهر والذي عليه المفسرون أن معنى: (نضجت): احترقت. انظر: الطبري ٥/ ١٤٣، \"بحر العلوم\" ١/ ٣٦١، \"زاد المسير\" ٢/ ١١٣. وعلى ما ذكر المؤلف يلزم بأن يفسر تبديل الجلود بتغيير حالتها، لا تغييرها هي. والله أعلم.\n(٥) انظر: الطبري ٥/ ١٤٣، والقرطبي ٥/ ٢٥٤.","vol":"6","page":532},{"text":"وقوله تعالى: ﴿لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾. استعمل لفظ الذوق ههنا مع عظم ما نالوا من شدة العذاب إخبارًا بأن إحساسهم به في كل حال كإحساس الذائق في تجديد الوجدان من غير نقصان في الإحساس، كما يكون في الذي يستمر به الأكل فلا يجد الطعم (١).\nويقال: ذاق يذوق ذوقًا ومذاقًا وذواقًا، والذواق والمذاق يكونان مصدرين ويكونان طعمًا، كما تقول: ذواقه ومذاقه طيب (٢).\nوروى ثعلب عن ابن الأعرابي قال: الذوق يكون بالفم وبغير الفم (٣).\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ أي هو قوي لا يغلبه شيء، وهو مع ذلك حكيم فيما دبر (٤).\nوقوله تعالى: ﴿وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا﴾. أصل الظل الستر من الشمس، والليل يسمى ظلًا لأنه كالستر من الشمس (٥)، ومنه:\nفي ظل أخضر يدعو هامه البومُ (٦)\n_________\n(١) انظر: \"الكشاف\" ١/ ٢٧٥.\n(٢) \"العين\" ٥/ ٢٠١، \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٣٠٢ (ذوق).\n(٣) \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٣٠٢ (ذوق).\n(٤) انظر: الطبري ٥/ ١٤٣، \"بحر العلوم\" ١/ ٣٦٢.\n(٥) انظر: \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٢٤٥ - ٢٢٤٦، \"اللسان\" ٥/ ٢٧٥٤ (ظلل).\n(٦) عجز بيت لذي الرمة في ص (٥٧٤)، \"الأضداد\" لابن الأنباري ص (٣٤٨)، \"تهذيب اللغة\" ١/ ١٠٤٦ (خضر)، \"الصحاح\" ٥/ ١٧٥٥، \"معجم مقاييس اللغة\" ٣/ ٤٦١ (ظلل)، \"المفردات\" ص (١٥٠)، \"شرح العكبري لديوان المتنبي\" ٢/ ١٥٣، \"اللسان\" في أكثر من موضع منها: ٥/ ٢٧٥٤ (ظلل). وصدره: \"قد أعسف النازح المجهول معسفه\" وفي \"الديوان\": \"أغضف\" بدل \"أخضر\" في الشطر الثاني. وجاء في \"شرحه\": أعسف: أسير على غير هداية، والنازح: البعيد، والمجهول: الذى ليس له علم، أغضف: يعني الليل، وأغضف أي =","vol":"6","page":533},{"text":"ومضى القول في هذا عند قوله: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ﴾ [البقرة: ٥٧].\nواختلفوا في معنى الظليل، فقال ابن عباس: ﴿ظِلًّا ظَلِيلًا﴾ دائمًا (١).\nونحو ذلك قال الضحاك (٢). ومعنى قوله: دائمًا أنَّ الشمس لا تنسخه كما تنسخ ظلال الدنيا (٣). فهذا قول.\nوقال الحسن: ظل ظليل لا يدخله الحر والسمائم (٤). وهذا اختيار ابن كيسان والزجاج.\nقال ابن كيسان: ﴿ظِلًّا ظَلِيلًا﴾ من الرياح والحر (٥)، وكم من ظلٍّ لا يكون ظليلًا، ولذلك وصف ظل الجنة بأنه ظليل.\nوقال الزجاج: معنى ظليل: يظل من الريح والحر، وليس كل ظل كذلك. أعلم الله ﷿ أن ظل الجنة ظليل لا حر (معه) (٦) ولا برد (٧).\nوقال بعضهم: معنى الظليل أنه لا خلل فيه ولا فرجة، والمراد بهذا الظل هو الجنة وهو ظل لا حر فيه ولا برد (٨).\n_________\n= أسود، والهام: ذكر البوم [وهو نوع من الطيور] انتهى من الديوان بتصرف.\n(١) أورده المؤلف في \"الوسيط\" ٢/ ٥٩٢ دون نسبة إلى ابن عباس، ولم أقف عليه عنه، وروى ابن أبي حاتم معناه عن الربيع بن أنس، انظر: \"الدر المنثور\" ٢/ ٣١١.\n(٢) انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" ٥/ ٢٥٥.\n(٣) انظر: \"معالم التنزيل\" ٢/ ٢٣٨.\n(٤) انظر: \"الوسيط\" ٢/ ٥٩٢، \"الجامع لأحكام القرآن\" ٥/ ٢٥٥، \"البحر المحيط\" ٣/ ٢٧٥، وفيهما: \"السموم\" بدل \"السمائم\".\n(٥) انظر: \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٢٤٨ (ظلل).\n(٦) في المخطوط: \"معد\" والتصويب من \"معاني الزجاج\".\n(٧) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٦٦.\n(٨) انظر: \"معاني الزجاج\" ٢/ ٦٦، \"البحر المحيط\" ٣/ ٢٧٥.","vol":"6","page":534},{"text":"وقال مقاتل: ﴿وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا﴾ يعني أكنان القصور لا فرجة فيها (١).\nوهذا غير الأول لأنه خص الظل بأكنان القصور.\nوالظليل ليس بمبني على الفعل حتى يقال. إنه بمعنى فاعل أو مفعول، بل هو مبالغة في نعت الظل، ولم يسمع من الظل تصرف، وهذا كما يقال: رجل رجيل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-744>٥٨ </span>- وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ الآية.\nأجمعوا على أنها نازلة في شأن مفتاح الكعبة (٢) (.. (٣) ..) وذلك أن رسول الله - ﷺ - لما فتح مكة طلب المفتاح، فقيل له: إنه مع عثمان بن طلحة الحجبي (٤)، وكان من بني عبد الدار، وكان يلي سدانة الكعبة. فوجه إليه عليًا، فأبى دفعه إليه، وقال: لو علمت أنه رسول الله - ﷺ - لم أمنعه المفتاح. فلوى عليّ يده، وأخذ منه قسرًا، حتى دخل رسول الله - ﷺ - البيت وصلى فيه، فلما خرج قال له العباس: بأبي أنت اجمع لي السّدانة مع السقاية. وسأله أن يعطيه المفتاح. فأنزل الله تعالى هذه الآية، فأمر رسول الله عليًا أن يرده إليه، فرده إليه علي، وألطف له في القول، فقال: أخذته مني قهرًا. ورددته علي باللطف. فقال: لأن الله أمرنا برده عليك، وقرأ عليه الآية، فأتى النبي - ﷺ - وأسلم (٥).\n_________\n(١) \"تفسيره\" ١/ ٣٨١، وانظر: \"بحر العلوم\" ١/ ٣٦٢.\n(٢) انظر: ابن كثير ١/ ٥٦٥.\n(٣) هنا كلمة غير واضحة.\n(٤) هو عثمان بن طلحة بن أبي طلحة (عبد الله) العبدري، الحجبي (حاجب البيت) أسلم يوم الحديبية على الصحيح، وشهد الفتح مع النبي - ﷺ -، وقد سكن المدينة إلى أن مات بها ﵁ سنة ٤٢ هـ انظر: \"أسد الغابة\" ٣/ ٥٧٨، \"الإصابة\" ٢/ ٤٦٠.\n(٥) أخرجه الطبري بمعناه ٥/ ١٤٥، وابن المنذر، انظر: \"الدر المنثور\" ٢/ ٣١٢، كلاهما من طريق ابن جريج، وذكره المؤلف فى \"الوسيط\" ٢/ ٥٩٣، \"أسباب =","vol":"6","page":535},{"text":"وهذا قول محمد بن إسحاق (١) (٢) وسعيد بن المسيب (٣).\nوقال أبو روق: قال النبي - ﷺ - لعثمان: أعطني المفتاح فقال: هاك بأمانة الله، فلما أراد أن يتناوله ضمّ يده، فقال رسول الله - ﷺ -: إن كنت تؤمن بالله واليوم الاخر فأعطني المفتاح، فقال: هاك بأمانة الله. فلما أراد أنَّ يتناوله ضمَّ يده، فقال في الثالثة: هاك بأمانة الله. ودفعه إلى النبى - ﷺ - وقام النبي يطوف ومعه المفتاح، وأراد أن يدفعه إلى العباس.\nقال عطاء: فقال رسول الله - ﷺ -: يا عثمان، هذا المفتاح على أن للعباس معك نصيبًا فأنزل الله هذه الآية، فقال النبي - ﷺ - لعثمان: هاك خالدةً تالدةً، لا ينزعها عنك إلا ظالم (٤).\nقال ابن يسار: ثم إن عثمان هاجر ودفع إلى أخيه (٥) شيبة (٦)، فهو في ولده إلى اليوم (٧).\n_________\n= النزول\" ص ١٦٢ وأنكره ابن حجر لأن عثمان الحجبي أسلم قبل الفتح. انظر: \"الإصابة\" ٢/ ٤٦٠.\n(١) تقدمت ترجمته.\n(٢) انظر: ابن كثير ١/ ٥٦٥.\n(٣) لم أقف عليه.\n(٤) نحو هذا الأثر ورد من طريق الكلبي عن ابن عباس وهو سند واه، أخرجه ابن مردويه انظر: ابن كثير ١/ ٥٦٥، \"الدر المنثور\" ٢/ ٣١٢، \"لباب النقول\" ص ٧١، ولم أقف عليه عن أبي روق.\n(٥) قد يكون الصواب: ابن عمه كما سيأتي في الترجمة الآتية.\n(٦) هو أبو عثمان شيبة بن عثمان (الأوقص) بن أبي طلحة العبدري الحجبي، أسلم يوم الفتح وكان ممن ثبت يوم حنين، وقد ولي الحجابة بعد والده عثمان فاستمرت في ولده، توفي ﵁ سنة ٥٩ هـ. انظر: \"تاريخ خليفة\" ص ٢٢٦، \"أسد الغابة\" ٢/ ٥٣٤، \"الإصابة\" ٢/ ١٦١.\n(٧) انظر: \"معالم التنزيل\" ٢/ ٢٣٨، \"الإصابة\" ٢/ ١٦١.","vol":"6","page":536},{"text":"قال ابن عباس: هذه الآية عامة في كل أمانة، البر والفاجر يؤدِّي الأمانة إلى البر والفاجر، والرحم توصل برةً كانت أو فاجرةً (١).\nوقال الكلبي: نزلت هذه الآية يوم فتح مكة، ثم صارت عامة للناس (٢).\nوقال ابن عمر (٣): أول ما خلق اللهُ من الإنسان فرجه، ثم قال: هذه أمانة خبأتها عندك، فلا تسأل منها شيئًا إلا بحقها، فالفرج أمانة (والبصر) (٤) أمانة، واللسان أمانة، والقلب أمانة، ولا إيمان لمن لا أمانة له (٥).\nوقال ابن مسعود: إنَّ الأمانة في كل شيء؛ في الوضوء، والصلاة، والزكاة، والجنابة، والصوم، وفي الكيل والوزن، وأعظم من ذلك الودائع (٦).\nفالخطاب بأداء الأمانات إلى أهلها متوجهٌ على كل مؤتمن على شيء في قول ابن عباس، والكلبي، وأبي بن كعب، والحسن وقتادة (٧).\nوقال عبد الرحمن بن زيد: الخطاب بأداء الأمانات لولاة الأمر (٨).\n_________\n(١) ذكره بمعناه ابن كثير ١/ ٥٦٥، وأخرج البيهقي نحوه عن ميمون بن مهران، انظر: \"الدر المنثور\" ٢/ ٣١٤.\n(٢) لم أقف عليه، وانظر: \"بحر العلوم\" ١/ ٣٦٢.\n(٣) لعله ابن عمرو كما في \"مسند الفردوس\" ١/ ١٣.\n(٤) في \"مسند الفردوس \": \"والسمع\".\n(٥) أخرجه فى \"مسند الفردوس\" ١/ ١٣ بنحوه.\n(٦) ذكره ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٢/ ١١٤، وانظر القرطبي ٥/ ٢٥٦.\n(٧) انظر: \"النكت والعيون\" ١/ ٤٠٠، \"زاد المسير\" ٢/ ١١٤، والقرطبي ٥/ ٢٥٦.\n(٨) أخرجه الطبري ٥/ ١٤٥ - ١٤٦، عن ابن زيد عن أبيه وانظر \"زاد المسير\" ٢/ ١١٤.","vol":"6","page":537},{"text":"وقال ابن جريح: هذه الآية في رد مفاتيح الكعبة إلى عثمان (١).\nوالصحيح ما عليه الجمهور، أنها عامة في جميع الأمانات (٢)، فمن كانت عنده أمانة فعليه تأديتها إذا طالبه صاحبها. وليس عليه مؤونة نقلها إلى صاحبها؛ لأن الله تعالى لم يوجب عليه سوى التأدية.\nوالأمانة مصدر سمي به المفعول، ولذلك جُمع لأنه أخلص اسمًا (٣)، قال الشاعر:\nفأخلفن ميعادي وخن أمانتي ... وليس لمن خان الأمانة دينُ (٤)\nيريد ما أمنهن عليهن.\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ (٥). الكناية في (به) تعود إلى ما في (نعما) وهو اسم بمنزلة: نعم شيئًا يعظكم به، أو وعظًا يعظكم به. وذكرنا وجوه القراءات في (نعما) في سورة البقرة.\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء: ٥٨]. أي هو سميع لما تقولون في الأمانة والحكم، بصير بما تعملون فيها (٦)، فيكون بصير ههنا بمعنى: عليم، ويجوز أن يكون بمعنى راءٍ ذلك.\nوذكر فرق لطيف بين السامع والسميع، فقيل: لفظ السامع يدل على وجود المسموع؛ لأنه فاعل من قولك: سمعتُ كلام فلان فأنا سامعٌ له. ومعنى سميع أنه إذا وجد المسموع سمعه. وكذلك الفرق بين مُبصر وبصير.\n_________\n(١) تقدم الأثر عنه.\n(٢) انظر: الطبري ٥/ ١٤٦، و\"معاني الزجاج\" ٢/ ٦٦، و\"بحر العلوم\" ١/ ٣٦٢، و\"أحكام القرآن\" للهراسي ٢/ ٤٧١، والقرطبي ٥/ ٢٥٦.\n(٣) انظر: القرطبي ٥/ ٢٥٦.\n(٤) نسب إلى كثير عزة في \"العقد الفريد\" ٦/ ١٨٤، ينظر: \"ديوانه\" ص ٢٣٠، و\"الأغانى\" ٥/ ١٠٨.\n(٥) انظر: \"البحر المحيط\" ٣/ ٣٧٧.\n(٦) انظر: الطبري ٥/ ١٤٦.","vol":"6","page":538},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-745>٥٩ </span>- قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُم﴾. [النساء: ٥٩].\nاختلف الرواية عن ابن عباس في تفسير أولي الأمر، فقال في رواية عطاء: يريد الولاة من المهاجرين والأنصار والتابعين بإحسان (١).\nوقال في رواية الوالبي: هم الفقهاء والعلماء، أهل الدين الذين يعلِّمون الناس معالم دينهم أوجب الله طاعتهم (٢). وهذا قول مجاهد (٣) والحسن (٤) والضحاك (٥).\nوقال في رواية سعيد بن جبير: نزلت في عبد الله بن حذافة (٦) [بن قيس بن عدي] (٧)، بعثه النبي - ﷺ - في السرية (٨).\n_________\n(١) انظر: \"معالم التنزيل\" ٢/ ٢٤١. وقد أخرج الخطيب البغدادي في كتاب \"الفقيه والمتفقه\" ص ٢٧ من رواية عطاء عن ابن عباس قال: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ قال: \"العلماء حيث كانوا وأين كانوا\".\n(٢) \"تفسير ابن عباس\" ص ١٥١، وأخرجه الطبري ٥/ ١٤٩، لكنه فيهما بلفظ \"يعني أهل الفقه في الدين\".\n(٣) في \"تفسيره\" ١/ ١٦٢، وأخرجه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ١/ ١٦٦، والطبري ٥/ ١٤٩ والخطيب في الفقيه والمتفقه ص (٢٧، ٢٨).\n(٤) أخرجه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ١/ ١٦٦، والطبري ٥/ ١٤٩، والخطيب في \"الفقيه والمتفقه\" ص ٢٨، وانظر: \"زاد المسير\" ٢/ ١٧.\n(٥) أورده السمرقندي في \"بحر العلوم\" ١/ ٣٦٣، وانظر: \"زاد المسير\" ٢/ ١١٧.\n(٦) هو أبو حذافة أو أبو حذيفة عبد الله بن حذافة بن قيس بن عدي القرشي السهمي من قدماء المهاجرين ومن المهاجرين، وقد ثبت أمام فتنة ملك الروم لما أسر وصار سببًا في فكاك أسارى المسلمين، توفي ﵁ في خلافة عثمان. انظر: \"أسد الغابة\" ٣/ ٢١١، \"الإصابة\" ٢/ ٢٩٦، \"التقريب\" ص ٣٠٠ رقم (٣٢٧٢).\n(٧) بياض في (ش) والتسديد من البخاري ٨/ ٢٥٣، \"أسباب النزول\" للمؤلف ص١٦٣.\n(٨) أخرجه البخاري (٤٥٨٤) كتاب \"التفسير\" سورة النساء، باب: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ ومسلم (١٨٣٤) كتاب الإمارة، باب وجوب طاعة الأمراء، والطبري ٥/ ١٤٨، والمؤلف في \"أسباب النزول\" ص ١٦٣ - ١٦٤.","vol":"6","page":539},{"text":"وفي رواية باذان عن ابن عباس: أنها نزلت في خالد بن الوليد (١). بعثه رسول الله - ﷺ - أميرًا على سرية، وفيها عمار بن ياسر (٢)، فجرى بينهما اختلاف في شيء، فنزلت هذه الآية، وأمر بطاعة أولي الأمر (٣).\nوقال الكلبي ومقاتل والسدي: أولو الأمر أمراء السرايا (٤).\nوقال ابن زيد: هم الأمراء والسلاطين، أمروا بأداء الأمانة بقوله: بحسن الطاعة لهم (٥).\n_________\n(١) هو أبو سليمان خالد بن الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو القرشي المخزومي، سيف الله، كان أحد أشراف قريش في الجاهلية ومقدما في الحروب، أسلم سنة سبع وشهد الفتح وحنين والفتوحات وطلب الشهادة لكنه توفي ﵁ على فراشه سنة ٢١ هـ انظر: \"أسد الغابة\" ٢/ ١٠٩، \"الإصابة\" ١/ ٤١٣.\n(٢) هو أبو اليقظان عمار بن ياسر بن عامر بن مالك العنسي حليف بني مخزوم، من السابقين هو وأبوه وأمه إلى الإسلام وكانوا يعذبون فيحثهم النبي - ﷺ - على الصبر، من المهاجرين وشهد المشاهد، وقد قتلته الفئة الباغية كما أخبر النبي - ﷺ - يوم صفين سنة ٨٧ هـ انظر: \"مشاهير علماء الأمصار\" ص (٤٣)، \"سير أعلام النبلاء\" ١/ ٤٠٦، \"الإصابة\" ٢/ ٥١٢.\n(٣) أخرجه ابن مردويه كما ذكره ابن كثير في \"تفسيره\" ٢/ ٣٢٦، وانظر: \"زاد المسير\" ٢/ ١١٦.\n(٤) قول مقاتل في \"تفسيره\" ١/ ٣٨٣. وعن الكلبي انظر: \"بحر العلوم\" ١/ ٣٦٣، \"زاد المسير\" ٢/ ١١٦، والقرطبي ٥/ ٢٦٠. أما عن السدي فقد أخرج الأثر المتقدم عن ابن عباس عنه مرسلًا. الطبري ٥/ ١٤٨، وابن أبي حاتم. انظر: \"تفسير ابن كثير\" ١/ ٥٦٦ - ٥٦٧، \"الدر المنثور\" ٢/ ٣١٤.\n(٥) أخرج ابن جرير الطبري ٥/ ١٤٨ بسنده عن ابن زيد قال في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ قال: قال أبي: هم السلاطين. قال: وقال ابن زيد في قوله: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ \"قال أبي: قال رسول الله - ﷺ -: الطاعة الطاعة، وفي الطاعة بلاء ... \" الحديث.\nهذا ما وجدته عن ابن زيد، وانظر: \"زاد المسير\" ٢/ ١١٦.","vol":"6","page":540},{"text":"ولهذا قال يرعى. حقٌّ على الإمام أن يحكم بما أنزل الله، ويؤدي الأمانة، فإذا فعل ذلك فحق على الرعية أن يسمعوا ويطيعوا (١).\nوقال الزجاج: وجملة أولي الأمر من يقوم بشأن المسلمين في أمر دينهم وجميع ما أدى إلى صلاحهم (٢).\nقال العلماء: طاعة السلطان عن الكتاب والسنة فلا طاعة له، وإنما تجب طاعتهم فيما وافق الحق (٣).\nوروي أن مسلمة بن عبد الملك (٤) قال لأبي حازم (٥): ألستم أمرتم بطاعتنا حيث قيل: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾؟ فقال أبو\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي شيبة، انظر: \"الدر المنثور\" ٢/ ٣١٧، وذكره في \"معالم التنزيل\" ٢/ ٢٤٠.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٦٧.\n(٣) هكذا جاءت هذِه العبارة في (ش) ولعل في الكلام سقطا بعد كلمة السلطان، كما هو ظاهر. والصواب: طاعة السلطان [واجبة بالمعروف، فإن خرج أمره] عن الكتاب والسنة .. وانظر: نحو هذا الكلام في الطبري ٥/ ١٥٠، \"بحر العلوم\" ١/ ٣٦٣، \"النكت والعيون\" ١/ ٥٠٠، \"الدر المنثور\" ٢/ ٣١٦ - ٣١٧.\n(٤) هو أبو سعيد مسلمة بن عبد الملك بن مروان بن الحكم من أمراء بني أمية وقادتهم وكان شجاعًا من أبطال عصره، وله فتوحات كثيرة، كان أهلًا للخلافة ولم يتمكن منها. توفي ﵀ سنة ١٢٠هـ انظر: \"سير أعلام النبلاء\" ٥/ ٢٤١، \"التقريب\" ص (٥٣١) رقم (٦٦٦٠)، \"الأعلام\" ٧/ ٢٢٤.\n(٥) لعله سلمة بن دينار الأعرج التَّمار المدني المخزومي القاص الواعظ العابد الزاهد، من علماء التابعين وفضلائهم، وله كلمات مأثورة في الوعظ والحكمة، وهو ثقة أخرج حديثه الجماعة. مات في خلافة المنصور ﵀. انظر: \"تاريخ الثقات\" ١/ ٤٢٠، \"سير أعلام النبلاء\" ٦/ ٩٦، \"التقريب\" ص (٢٤٧) رقم (٢٤٨٩).","vol":"6","page":541},{"text":"حازم: أليس قد نزعت عنكم إذا خالفتم الحق بقوله: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ﴾؟ (١).\nقالوا: والإمام الأعظم الذي تجب طاعته على الرعية يجب أن يكون مستجمعًا لأوصاف أربعة: أحدها: العلم.\nوالثاني: الأمانة.\nوالثالث: الكفاية.\nوالرابع: النسب، وهو أن يكون قرشي النسب (٢).\nوالإمام في الدين الذي يقتدى به ويجب قبول قوله، على ما قاله مجاهد والحسن والضحاك كان أولي (٣) الأمر هم الفقهاء يجب أن يكون جامعًا لخلال؛ وهي العلم بكلام العرب، والعلم بكتاب الله، والعلم بسنة رسول الله - ﷺ - والعلم بأقاويل السلف، والعلم بالقياس، والورع في الدين.\nوأولو الأمر معناه: ذوو الأمر، وواحده (ذو) على غير قياس كالنساء والإبل والخيل، اسم للجمع لا واحد له من لفظه (٤).\nوقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ﴾. قال الزجاج: أي اختلفتم وتجادلتم، وقال كل فريق: القول قولي. قال: واشتقاق المنازعة من انتزاع الحجة، وهو أن كل واحد منهما ينتزع الحجة (٥).\n_________\n(١) لم أقف عليه.\n(٢) انظر: \"الأحكام السلطانية\" للماوردي ص ٦، \"الأحكام السلطانية\" للقاضي الفراء الحنبلي ص ٢٠.\n(٣) هكذا في المخطوط، والصواب \"أولو\".\n(٤) انظر: \"مجاز القرآن\" ١/ ١٣٠، \"مشكل إعراب القرآن\" ١/ ٢٠١، القرطبي ٥/ ٢٦١.\n(٥) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٦٨، وانظر: \"زاد المسير\" ٢/ ١١٧.","vol":"6","page":542},{"text":"وقال غيره: أصل المنازعة والتنازع في الخصومات من النزع الذي هو الجذب. والمنازعة في الخصومة مجاذبة الحجج فيما يتنازع فيه الخصمان (١).\nوقوله تعالى: ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾. قال ابن عباس في رواية باذان، حيث قال: إن هذه الآية نزلت في خالد بن الوليد وعمار بن ياسر، وقد حكينا ذلك، فقال في هذه الرواية في قوله: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ﴾ (وأمراؤكم) (٢) فردوا الأمر إلى الرسول، وهو بين أظهركم، فما أمركم به الرسول فافعلوا (٣).\nوقال المفسرون: معنى الآية قول (٤) مجاهد والكلبي وقتادة والسدي وميمون بن مهران (٥) (٦). قال سعيد بن جبير: ما بيَّن الله في الكتاب فذلك أمر الله وقضاؤه، والسنة ما سن النبي في الدين مما لم ينزل به كتاب، يقال: كتاب الله وسنة نبيه (٧).\n_________\n(١) انظر: \"معالم التنزيل\" ٢/ ٢٤٢، والقرطبي ٥/ ٢٦١.\n(٢) كأن هذِه الكلمة في المخطوط: \"وأمر لكم\"، وما أثبته هو الموافق للوسيط ٢/ ٦٠١.\n(٣) تقدم تخريجه.\n(٤) يبدو أن في الكلام سقطًا، ويحتمل: \"معنى الآية على قول مجاهد ... \". وقد ساق المؤلف أقوالهم بعد ذلك.\n(٥) هو أبو أيوب ميمون بن مهران الجزري الكوفي الأسدي بالولاء، من ثقات التابعين وكان فقيهًا فاضلًا دينًا، ولد سنة ٤٠ هـ، وولي الجزيرة لعمر بن عبد العزيز، ومات ﵀ سنة ١١٧هـ وقيل بعدها. انظر: \"مشاهير علماء الأمصار\" ص ١١٧، \"سير أعلام النبلاء\" ٢/ ٧١، \"التقريب\" ص ٥٥٦ رقم، (٧٠٤٩).\n(٦) انظر في ذلك: الطبري ٥/ ١٥١، \"النكت والعيون\" ١/ ٥٠٠، \"زاد المسير\" ٢/ ١١٧، وابن كثير ١/ ٥٦٨، \"الدر المنثور\" ٢/ ٣١٥.\n(٧) لم أقف عليه.","vol":"6","page":543},{"text":"وقال قتادة: ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ﴾ إلى كتاب الله ﴿وَالرَّسُولِ﴾ إلى سنة الرسول (١).\nوقال ميمون بن مهران: ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ﴾ إلى كتابه وإلى ﴿الرَّسُولِ﴾ ما دام حيًا، فإذا قُبض فإلى سنته (٢).\nوقال ابن مسلم (٣): ردُّه إلى الله أن يرده إلى كتابه، ورده إلى الرسول أن يرده إلى سنته (٤).\nقال علماء الأمة: هذه الآية دليل على أن من لا يعتقد وجوب متابعة السنة والحكم بالأخبار الواردة عن النبي - ﷺ - لا يعتقد الإيمان بالله ورسوله؛ لأن الله تعالى قال: ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النساء: ٥٩] (٥).\nوالمفسرون أجمعوا على أن رد المختلف فيه إلى الله والرسول رده إلى الكتاب والسنة (٦).\nولهذا كان علماء السلف يجعلون ما بين النبي - ﷺ - في سنته وما فعله خلفاؤه بعده مما لم ينكروا عليهم كالمنطوق به في القرآن؛ لأن الله أوجب طاعة الرسول كما أوجب طاعته، فمن أخذ بقول الرسول كان كالآخذ بما\n_________\n(١) أخرجه الطبري ٥/ ١٥١، وانظر: \"زاد المسير\" ٢/ ١١٧.\n(٢) أخرجه الطبري ٥/ ١٥١، وابن المنذر، انظر: \"الدر المنثور\" ٢/ ٣١٥.\n(٣) يعني ابن قتيبة.\n(٤) \"غريب القرآن\" ص ١٢٧.\n(٥) انظر: \"معاني الزجاج\" ٢/ ٦٨، وابن كثير ١/ ٥٦٨.\n(٦) انظر: \"أحكام القرآن\" للشافعي ١/ ٢٩، \"تفسير عبد الرزاق\" ١/ ١٦٧، \"غريب القرآن\" لابن قتيبة ص١٢٧، والطبري ٨/ ١٥٠ - ١٥١، \"معاني الزجاج\" ٢/ ٦٨ \"بحر العلوم\" ١/ ٣٦٣، \"الماوردي\" ١/ ٥٠٠.","vol":"6","page":544},{"text":"نص عليه الله تعالى في القرآن، ألا ترى أن ابن مسعود قال: إن الله تعالى لعن في كتابه المرأة التي تصلُ شعرها بشعر غيرها. فقال بعض من سمع ذلك منه بعد زمان: لقد تدبرت الكتاب فلم أجد لعنها في موضع من الكتاب. فقال: أما قرأت قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر: ٧] الآية، وقد قال رسول الله - ﷺ -: \"لعن الله الواصلة والمستوصلة\" (١).\nومثل هذا ما روي عن عكرمة أنه قال: أمهات الأولاد أحرار بالقرآن. قيل: أي القرآن؟ قال: أعتقهن عمر بن الخطاب. ألم تسمع قول الله: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ وإن عمر من أولي الأمر، وإن عمر قال: أعتقها ولدها وإن كان سقطًا (٢).\nفجعل ما حكم به عمركما حكم به الكتاب.\nوردُّ المختلف فيه إلى الكتاب والسنة إنما يجب إذا كان الاختلاف قائمًا. فأما إذا وقع عليه إجماع الصحابة، أو إجماعُ يؤثر في رفع الخلاف فذلك حق، ولا نحتاج بعد ذلك إلى نظر في الكتاب والسنة؛ لأن ذلك الإجماع مستند إلى الكتاب والسنة (٣).\nقال أبو إسحاق: ويحتمل أن يكون معنى قوله: ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ أي قولوا فيما لم تعلموه: الله ورسوله أعلم (٤).\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٤٨٨٦) كتاب التفسير سورة الحشر باب: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾، ومسلم بنحوه (٢١٢٥) كتاب اللباس - باب تحريم فعل الواصلة والمستوصلة، وغيرهما.\n(٢) أخرجه سعيد بن منصور، انظر: \"الدر المنثور\" ٢/ ٣١٦.\n(٣) انظر: \"الرسالة\" للإمام الشافعي ص ٣٢٢، ٤٧٠، ٤٧٢.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٦٨، وانظر: القرطبي ٥/ ٢٦١.","vol":"6","page":545},{"text":"قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ﴾. أي ردكم ما اختلفتم فيه إلى الكتاب والسنة وترككم التجادل خير (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾. التأويل تفعيل من آل يؤول إذا رجع وعاد. وقال أبو عبيد: التأويل: المرجع والمصير، مأخوذ من آل يؤول إلى كذا، أي: صار إليه، وأولته صيرته إليه (٢).\nوقال ابن المظفر: التأول والتأويل: تفسير الكلام الذي يختلف معانيه، ولا يصح إلا ببيان غير لفظه. وأنشد:\nنحنُ ضربناكم على تنزيله ... فاليوم نضربكم على تأويله (٣)\nوسئل أحمد بن يحيى عن التأويل، فقال: التأويل والتفسير المعنى واحد (٤).\nقال الأزهري: اشتقاق التأويل من ألت الشيء أؤوله: إذا جمعته وأصلحته. فكأن التأويل جمع معاني ألفاظ أشكلت بلفظ واضح لا إشكال فيه. تقول العرب: أوَّل الله عليك أمرك. أي: جمعه. وإذا دعوا عليه قالوا: لا أول الله عليك شملك (٥).\n_________\n(١) انظر: الطبري ٥/ ١٥١، \"معاني الزجاج\" ٢/ ٦٨.\n(٢) من \"تهذيب اللغة\" ١/ ٢٣٣.\n(٣) \"العين\" ٨/ ٣٦٩، \"تهذيب اللغة\" ١/ ٢٣٣، وانظر: \"اللسان\" ١/ ١٧٢ (أول) والبيت من الرجز، وهو لعبد الله بن رواحة ﵁، وقد قال بعده:\nضربا يزيل الهام عن مقيله ... ويذهل الخليل عن خليله\n\"أساس البلاغة\" ١/ ٢٥ (أول).\n(٤) \"تهذيب اللغة\" ١/ ٢٣٢، وانظر: \"اللسان\" ١/ ١٧٢ (أول).\n(٥) \"تهذيب اللغة\" ١/ ٢٣٢ (أول)، وانظر: \"اللسان\" ١/ ١٧٢ (أول)، والقرطبي ٥/ ٢٦٣.","vol":"6","page":546},{"text":"هذا كلام أهل اللغة في معنى التأويل. وقول المفسرين غير خارج عن معاني قول أهل اللغة.\nقال ابن عباس في قوله: ﴿وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾: يريد أصدق تفسيرا (١).\nوقال قتادة والسدي وابن زيد: وأحمد عاقبة (٢).\nوهذا على قول من يجعل التأويل مشتقًّا من الأَوْل بمعنى الرجوع. والعاقبة تسمى تأويلًا؛ لأنها مآل، بمنزلة ما تفرقت عنه الأشياء ثم رجعت إليه، يقال: إلى هذا مآل هذا الأمر: أي عاقبته (٣).\nوهذا القول اختيار الزجاج (٤) وابن قتيبة (٥). قال الزجاج: وجائز أن يكون المعنى: وأحسن من تأولكم أنتم، دون ردكم إياه إلى الكتاب والسنة (٦).\nوذكرنا طرفًا من الكلام في معنى التأويل في أول سورة آل عمران.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-746>٦٠ </span>- وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ﴾ الآية. الزَّعم والزُّعم لغتان. وأكثر ما يستعمل الزعم بمعنى القول فيما لا يتحقق (٧).\n_________\n(١) لم أقف عليه.\n(٢) أخرج ذلك عنهم الطبري ٥/ ١٥٢، وذكره الماوردي في \"النكت والعيون\" ١/ ٥٠٠، وانظر: \"بحر العلوم\" ١/ ٣٦٣، والبغوي ٢/ ٢٤٢، وابن كثير ١/ ٥٦٩، \"الدر المنثور\" ٢/ ٣١٨.\n(٣) انظر: \"مقاييس اللغة\" ١/ ١٦٢، \"أساس البلاغة\" ص ١/ ٢٥ (أول).\n(٤) انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٦٨.\n(٥) انظر: \"غريب القرآن\" ص ١٢٧.\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٦٨.\n(٧) انظر: \"العين\" ١/ ٣٦٤، \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٥٣٤ (زعم)، \"زاد المسير\" ٢/ ١٢٠.","vol":"6","page":547},{"text":"قال ابن المظفر: أهل العربية يقولون: زعم فلان. إذا (شك فيه) (١) فلم يدر لعله كذب أو باطل، وكذلك تفسير قوله: ﴿هَذَا الله بِزَعْمِهِمْ﴾ [الأنعام:١٣٦] أي بقولهم الكذب (٢).\nقال شمر: روي عن الأصمعي أنه قال: الزعم الكذب وأنشد للكميت:\nإذا الإكام اكتست مآليها ... وكان زعم اللوامع الكذب (٣)\nيريد السراب. قال شمر: والعرب تقول: أكذب من يلمع (٤).\nوقال شريح: زعموا كنية الكذب (٥). قال (٦) شمر: الزَّعم والتزاعم أكثر ما يقال فيما يشك فيه ولا يحقق (٧).\nأبو عبيد عن الأصمعي: الزعوم من الغنم التي لا يُدرى أبها شحم أم لا (٨). ثعلب عن ابن الأعرابي قال: الزعم القول يكون حقًا ويكون باطلًا (٩).\nوأنشد في الزعم الذي هو حق يذكر نوحًا:\nنودي قم واركبن بأهلك ... إن الله موف للنَّاس ما زعما (١٠)\n_________\n(١) في \"العين\" ١/ ٣٦٤ (زعم): \"شك في قوله\".\n(٢) \"العين\" ١/ ٣٦٤، \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٥٣٢ (زعم).\n(٣) في \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٥٣٣، \"اللسان\" ٣/ ١٨٣٤ (زعم).\n(٤) \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٥٣٣، وانظر: \"اللسان\" ٣/ ١٨٣٦ (زعم).\n(٥) \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٥٣٣ (زعم).\n(٦) في (ش): قاله، ولعله تصحيف، انظر: \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٥٣٣ (زعم).\n(٧) من \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٥٣٣، وانظر: \"اللسان\" ٣/ ١٨٣٦ (زعم).\n(٨) \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٥٣٣ (زعم).\n(٩) \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٥٣٢ (زعم).\n(١٠) البيت للجعدي. \"ديوانه\" ١٣٦. انظر: \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٥٣٣، \"اللسان\" ٣/ ١٨٣٥ (زعم)، \"خزانة الأدب\" ٩/ ١٣٣، \"الجمهرة\" ٢/ ٨١٦.","vol":"6","page":548},{"text":"وهذا بمعنى التحقيق (١).\nوالذي في هذه الآية المراد به الكذب؛ لأن الآية نزلت في المنافقين.\nقال الكلبي وغيره من المفسرين (٢): نازع رجل من المنافقين رجلًا من اليهود، فقال اليهودي: بيني وبينك أبو القاسم، وقال المنافق: بيني وبينك كعب بن الأشرف. وهو الذي يسمى الطاغوت. فأبى اليهودي أن يخاصمه إلا إلى رسول الله - ﷺ -، وصار إليه، فحكم لليهودي على المنافق، فقال المنافق: لا أرضى، انطلق بنا إلى أبي بكر، فحكم أبو بكر لليهودي، فلم يرض المنافق، وقال: بيني وبينك عمر، فصارا إلى عمر، فأخبره اليهودي أنَّ المنافق قد حكم عليه النبي - ﷺ - وأبو بكر، فلم يرض بحكمهما، فقال للمنافق: أكذلك؟ قال: نعم. فقال عمر: اصبرا، إن لي حاجة أدخل فأقضيها وأخرج إليكما فدخل فأخذ سيفه ثم خرج إليهما، فضرب به المنافق حتى برد، وهرب اليهودي. فجاء أهل المنافق، فشكا عمر إلى النبي - ﷺ -، فسأل عمر عن قصته، فقال عمر: إنه رد حكمك يا رسول الله. فقال - ﷺ -: أنت الفاروق (٣).\n_________\n(١) \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٥٣٣ (زعم).\n(٢) كابن عباس ومجاهد والربيع بن أنس. انظر الطبري ٥/ ١٥٤ - ١٥٥، والكلبي في هذا الأثر يروي عن أبي صالح عن ابن عباس وهو سند واه وانظر: \"أسباب النزول\" للمؤلف ص ١٦٦.\n(٣) ذكره الزجاج في \"معانيه\" ٢/ ٦٩، بصيغة التمريض، يُروى، بلفظ المؤلف وأخرجه الثعلبي في \"الكشف والبيان\" ٤/ ٨١ أ، من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس، وكذلك المؤلف في \"أسباب النزول\" ص ١٦٦، وهذا الطريق من الأسانيد الواهية كما هو مشتهر، وانظر: \"تفسير القرطبي\" ٥/ ٢٦٤، \"الدر المنثور\" ٢/ ٣٢٠. وأخرجه بنحوه ابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي الأسود، =","vol":"6","page":549},{"text":"وروي أن عمر لما قتل المنافق أتى جبريل رسول الله - ﷺ - فقال: إنَّ الفاروق فرق بين الحق والباطل فدعا رسول الله - ﷺ - عمر وقال: أنت الفاروق (١).\nوقال ابن عباس في رواية عطاء: الطاغوت ههنا حيي بن أخطب (٢)\nوقال السدي: الطاغوت ههنا كاهن يقال له أبو بردة هلال بن عويمر (٣)، وذلك أنه وقعت خصومة في دم بين أناس من قريظة والنضير، كانوا قد آمنوا ونافق بعضهم، واختصموا إلى النبي - ﷺ -، ولم يرضوا بحكمه، وقالوا: حتى يحكم بيننا أو بردة الكاهن، ونزلت الآية في شأنهم (٤).\nوسنذكر هذه القصة عند قوله: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ الآية [المائدة: ٤٥]، وعند قوله: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ [المائدة: ٥٠] إن شاء الله.\n_________\n= وسنده ضعيف. انظر: \"الكافي الشاف في تخريج أحاديث الكشاف\" ص ٤٥، \"لباب النقول\" ص ٧٣.\n(١) \"الكشف والبيان\" (٤/ ٨١/ ب)، وانظر: \"أسباب النزول\" للمؤلف ص ٦٦٦.\n(٢) ذكره النحاس في \"معاني القرآن\" ٢/ ١١١ مرويًا عن ابن عباس، وذكره بغير نسبة الأزهري في \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢١٩٦ (طغا)، والثعلبي في \"الكشف والبيان\" ٤/ ٨٢ أ. وقد أخرج الطبري من رواية عطية العوفي عن ابن عباس أن الطاغوت هنا هو كعب بن الأشرف. \"تفسير الطبري\" ٥/ ١٥٤، وأخرجه ابن أبي حاتم. انظر: \"الدر المنثور\" ٢/ ٣٢٠.\n(٣) هو أبو بردة الأسلمي، دعاه النبي - ﷺ - فأبى، ثم كلمه أبناؤه في ذلك فأجاب، وكان كاهنًا يقضي بين اليهود. انظر: \"الإصابة\" ٤/ ١٩.\n(٤) ذكر الكلام عن السدي بطوله الثعلبي في \"الكشف والبيان\" ٤/ ٨١ ب، ٨٢ أ، وأشار إليه ابن الجوزي ونسبه لابن عباس من طريق عكرمة. انظر: \"زاد المسير\" ٢/ ١١٩.","vol":"6","page":550},{"text":"والطاغوت ذو الطغيان على جهة المبالغة في الصفة. ومضى الكلام فيه.\nوقوله تعالى: ﴿وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ قال ابن عباس: أمروا أن لا يوالوا غير أهل دينهم (١). ﴿وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ قال: يريد ضلالًا لا يرجعون عنه إلى محبة الله أبدًا، وهو النفاق (٢).\nوجملة معنى الآية تعجيب النبي - ﷺ - من جهل من يعدل عن حكم الله إلى حكم الطاغوت، مع زعمه بأنه يؤمن بالله ورسوله وما أنزل إليه، تفحيشًا لفعله، وتحذيرًا من مثل حاله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-747>٦١ </span>- وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ قال ابن عباس: يريد في القرآن من الحكم (٣).\nوقوله تعالى: ﴿يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾. أي يعرضون عنك إلى غيرك.\nوذكر المصدر للتأكيد وبيان وقوع الصدود على الحقيقة، كما قال: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤] أي ليس ذلك على بيان كالكلام، بل كلمه في الحقيقة (٤).\nقال أهل العلم: وإنما صد المنافقون عن حكم رسول الله، لأنهم\n_________\n(١) انظر: \"تنوير المقباس\" بهامقش المصحف ص ٨٨\n(٢) لم أقف عليه، وانظر: \"زاد المسير\" ٢/ ١٢٠، \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ٨٨.\n(٣) ذكره المؤلف في \"الوسيط\" ٢/ ٦٠٤، دون نسبة إلى ابن عباس، وانظر: \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ٨٨.\n(٤) من \"الكشف والبيان\" ٤/ ٨٢ أ، ب بتصرف، وانظر: \"بحر العلوم\" ١/ ٣٦٤، والقرطبي ٥/ ٢٦٤.","vol":"6","page":551},{"text":"كانوا ظالمين وعلموا أنه لا يأخذ الرشا (١) على الحكم، وأنه يحكم بمُرِّ الحق (٢). وقيل: لعداوتهم للدين (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-748>٦٢ </span>- قوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ الآية في تأويل هذه ووجه نظمها طريقان: أحدهما: أن المراد بالمصيبة ههنا نقمة من الله تنالهم عقوبة لهم بصدودهم.\nوفي الكلام إضمار واختصار، معناه: فكيف يصنعون ويحتالون إذا أصابتهم مصيبةٌ مجازاةً لهم على ما صنعوا. ويتم الكلام عند قوله: ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ ثم عطف قوله: ﴿ثُمَّ جَاءُوكَ﴾ على معنى ما تقدم، لا على ظاهر اللفظ. وقد بينا في مواضع أنه يجوز العطف على ما يمكن في المعنى كقوله: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ﴾ [البقرة: ٢٥٩]، وقوله: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا﴾ [آل عمران: ٨٦]، وقد سبقت الآيتان بما فيهما من القول.\nوالتقدير في هذه الآية: أنه لما أخبر عنهم بالتحاكم إلى الطاغوت، (وصدُّوا عنك صدودًا) ﴿ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ﴾ وذلك أن المنافقين أتوا نبي الله ﵇ وحلفوا أنهم ما أرادوا بالعدول عنه في المحاكمة إلا توفيقًا بين الخصوم، أي جمعًا وتأليفًا وإحسانًا بالتقريب في الحكم، دون الحمل على مرِّ الحق. وكل ذلك كذب منهم وإفك؛ لأن الله تعالى قال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [النساء: ٦٣]، أي من الكذب والخيانة.\n_________\n(١) جمع رشوة، وجاءت في المخطوط هكذا بالممدودة، والصواب \"الرشى\" بالمقصورة. انظر: \"اللسان\" ٣/ ١٦٥٣ (رشا).\n(٢) انظر: الطبري ٥/ ١٥٥، \"النكت والعيون\" ١/ ٥٠١ - ٥٠٢.\n(٣) انظر: \"زاد المسير\" ٢/ ١٢١، \"التفسير الكبير\" للرازي ١٠/ ١٥٨.","vol":"6","page":552},{"text":"وعلى هذا يكون قوله: ﴿فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ كلام معترض. وقد يفعل ذلك العرب، يدخلون بين كلام متصل فصلًا يقرب منه في المعنى، وليس هو إياه، وهو كثير في الشعر، من ذلك قول الشاعر:\nوقد أدركتني والحوادث جمة ... أسنة قوم لا ضعافٍ ولا عزل (١)\nأراد: أدركتني أسنة قوم، فأدخل بينهما جملة معترضة، وهي من قبيل معنى كلامه؛ لأن إدراك الأسنة إياه من جملة الحوادث.\nويسمي الرواة مثل هذا التفاتًا. وهذه طريقة صحيحة (٢).\nالثاني: أن المراد بالمصيبة التي أصابتهم قتل عمر صاحبهم الذي أظهر أنه لا يرضى بحكم رسول الله - ﷺ -. ومعنى قوله: ﴿إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾ هو أنهم طالبوا عمر بدم صاحبهم، وحلفوا: ما أردنا (بهذه) (٣) المطالبة إلا إحسانًا وطلبًا لما يوافق الحق.\nوهذا المعنى الثاني اختيار أبي إسحاق (٤).\n_________\n(١) انظر: \"البحر المحيط\" ١/ ٥٧٥، و\"الخصائص\" ١/ ٣٣١، و\"المحكم\" و\"اللسان\" (فشل)، و\"سر الصناعة\" ١/ ١٤٠، و\"مغني اللبيب\" ٢/ ٣٨٧، ونسبه في \"الدرر اللوامع\" ٤/ ٢٥ لجويرية بن زيد ولرجل من بني عبد الدار في \"شرح شواهد المغني\" ٢/ ٨٠٧.\n(٢) الظاهر أن هذا الكلام من كتاب \"نظم القرآن\" وهو مفقود ويؤكد هذا كلام المؤلف، وانظر: \"تفسير الطبري\" ٥/ ١٥٦، \"بحر العلوم\" ١/ ٣٦٤، \"الكشف والبيان\" ٤/ ٨٢ ب، \"زاد المسير\" ٢/ ١٢٠، \"التفسير الكبير\" للرازي ١٠/ ١٥٨، والقرطبي ٥/ ٢٦٤.\n(٣) كلمه غير واضحه، ولا يبعد ما أثبته.\n(٤) الزجاج في \"معانيه\" ٢/ ٦٩، وقد أشار إليه بإيجاز. وانظر: \"الكشف والبيان\" ٨٢/ ب \"النكت والعيون\" ١/ ٥٠٢، \"زاد المسير\" ٢/ ١٢١، \"الرازي\" ١٠/ ١٥٨.","vol":"6","page":553},{"text":"وقيل: معناه ما أردنا بالترافع إلى عمر إلا إحسانًا وتوفيقًا (١). فيكون هذا كما ذكرنا في الوجه الأول.\nونظم الآية على هذا المعنى أن قوله: ﴿فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ﴾ فصل منسوق على ما قبله من قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ﴾ و﴿أَلَمْ تَرَ﴾ معناه ههنا تعجيب، و(كيف) أيضًا استفهام معناه التعجيب، كما تقول في الكلام: كيف رأيت فلانًا فعل كذا وكذا، إذا أردت أن تعجب المخاطب من فعله. والله تعالى عجب نبيه مما قد هم المنافقون (٢) من التحاكم إلى الطاغوت، ثم نسق عليه خبرًا آخر عجبه مما كان منهم عند قتل صاحبهم، وتهتك أستارهم بظهور نفاقهم.\nوالتقدير: ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك كَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ جَآؤُوكَ يَحْلِفُونَ بالله إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا. إلا أن الفاء دخلت في أول (كيف) لأنه نسق على ما قبله ومعطوف. وكذلك دخلت ثم في قوله: ﴿ثُمَّ جَآءُوكَ﴾ للنسق. وهذا الوجه ذكره الحسن بن يحيى الجرجاني (٣).\nوالطريقة الأولى أعجب إلي وأقوى في نفسي؛ لأنه ليس يظهر وجه دخول الفاء في (فكيف) ودخول ثم في قوله: ﴿ثُمَّ جآءُوكَ﴾ على ما ذكره صاحب النظم، وعلى ما ذكره المتعجب منه مجيئهم حالفين، ولا يحسن\n_________\n(١) \"الكشف والبيان\" ٤/ ٨٢ ب، وانظر: \"النكت والعيون\" ١/ ٥٠٢، \"زاد المسير\" ٢/ ١٢١.\n(٢) هكذا جاءت هذه العبارة. والمراد: مما قد همّ به المنافقون. وقد تكون \"به\" ساقطة من النسخ.\n(٣) صاحب كتاب \"نظم القرآن\".","vol":"6","page":554},{"text":"دخول ثم على المتعجب منه إذا لم يكن قبله ما ينسق عليه، كقولك: كيف رأيت زيدًا ثم ضربك. إلا أنه قد لاح لي أن قوله: ﴿ثُمَّ جَآءُوكَ﴾ منسوق على المتعجب منه في قوله: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾ ويكون ﴿جَآءُوكَ﴾ بمعنى: يجيئونك. ومثله في الكلام: ألم تر إلى زيد يهجوك ويشتمك فكيف إذا نزلت به نازلة ثم يأتيك؟ فيصح هذا الكلام على تقديم وتأخير كأنك قلت: يهجوك ويشتمك ثم إذا نزلت به نازلة فكيف ذلك. كذلك تقدير الآية: ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت، ويصدون عنك صدودًا، ثم يجيئونك يحلفون بالله ما أردنا إلا إحسانًا وتوفيقًا، إذا أصابتهم مصيبة فكيف؟ أي فكيف ذلك.\nوالتقديم والتأخير كثير في الكلام، وكل هذا من مذاهب العرب وافتنانهم في مخاطباتهم، وإيقاع الماضي موقع المستقبل كثير في كلامهم، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا﴾ [الروم: ٥١]. قال الخليل: معناه ليظلن. فأوقع الماضي موقع المستقبل (١)، ومنه قول الحطيئة (٢):\nشهد الحطيئة عند يلقى ربه ... أن الوليد أحقُّ بالعذر (٣)\n_________\n(١) \"سر صناعة الإعراب\" ١/ ٣٩٨.\n(٢) هو جرول بن أوس من بني قطيعة بن عبس، تقدمت ترجمته.\n(٣) \"ديوان الحطيئة بشرح ابن السكيت والسكري والسجستاني\" ص ٢٣٣، وجاء في شرحه أن المراد بالوليد هو الوليد بن عقبة بن معيط وذلك أنه لما كان واليًا على العراق شرب الخمر فصلى بالناس الغداة فلما فرغ قال: أأزيدكم؛ فعلم أمير المؤمنين عثمان ﵁ بذلك فضربه الحد.","vol":"6","page":555},{"text":"أي يشهد (١). فهذا ما يحضرني في هذه الآية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-749>٦٣ </span>- قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ الآية\nقال أبو إسحاق: الله ﷿ يعلم ما في قلوب أولئك وقلوب غيرهم، إلا أن تخصيصهم بالذكر هنا يفيد أن المعنى أولئك الذين قد علم الله أنهم منافقون، فكأنه قيل لنا: اعلموا أنهم منافقون (٢).\nوقال غيره: معنى قوله: ﴿يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ أي لا يُغني عنهم كتمان ما يضمرونه، ولا يدفع عنهم شيئًا من العقاب؛ لأن الله تعالى يعلم ما في قلوبهم (٣).\nفهذا كلام أهل المعاني، وقد عُلم النظم وظهرت الفائدة من غير إضمار.\nوأما أهل التفسير فقال الحسن ومقاتل: أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم من الشرك والنفاق (٤).\nوقال عطاء: كذبهم الله تعالى بهذه الآية. يريد أنهم يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم (٥).\n_________\n(١) \"سر صناعة الإعراب\" ١/ ٣٩٨.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٧٠، وانظر: \"بحر العلوم\" ١/ ٣٦٥، و\"تفسير القرطبي\" ٥/ ٢٦٥.\n(٣) انظر: \"النكت والعيون\" ١/ ٥٠٢، \"التفسير الكبير\" ١٠/ ١٥٨.\n(٤) انظر: \"تفسير مقاتل بن سليمان\" ١/ ٣٨٥، \"الكشف والبيان\" ٤/ ٨٢ ب، ولم أقف عليه عن الحسن.\n(٥) ذكر ابن الجوزي معناه عن ابن عباس في \"زاد المسير\" ٢/ ١٢٢، ولم أقف عليه عن عطاء.","vol":"6","page":556},{"text":"وقوله تعالى: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾. قال ابن عباس: يريد: فاصفح عنهم. قال: وهذا منسوخ يعني بآية السيف (١).\nوقال بعض أصحاب المعاني: معناه فأعرض عن قبول الاعتذار منهم (٢).\nوقال مقاتل: معنى ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ لا تعاقبهم (٣).\nوقوله تعالى: ﴿وَعِظْهُمْ﴾. قال ابن عباس: يريد ذكرهم (٤).\nوقال مقاتل: وعظهم بلسانك (٥).\nوقوله تعالى: ﴿وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ يقال: قول بليغ، وقد بلغ القول بلاغةً، أي صار بليغًا وجيدًا وكذلك: بلغ الرجل يبلغ بلاغة فهو بليغ، إذا كان يبلغ بعبارة [لسانه كنه ما في قلبه] (٦)، ويقال: أحمق بلغٌ\n_________\n(١) ذكر نحو ذلك غير منسوب لابن عباس كثير من المفسرين، وبعضهم ينسب القول بالنسخ إلى مقاتل.\nانظر: الطبري ٥/ ١٥٦، \"بحر العلوم\" ١/ ٣٦٥، \"الكشف والبيان\" ٤/ ٨٢ ب، \"الوسيط\" ٢/ ٦٠٥، \"معالم التنزيل\" ٢/ ٢٤٤، \"زاد المسير\" ٢/ ١٢٢.\n(٢) ذكره الماوردي في \"النكت والعيون\" ١/ ٥٠٣، والبغوي في \"معالم التنزيل\" ٢/ ٢٤٤، والقرطبي ٥/ ٢٦٥، وانظر: \"التفسير الكبير\" ١٠/ ١٥٨.\n(٣) انظر: \"بحر العلوم\" ١/ ٣٦٥، \"الكشف والبيان\" ٤/ ٨٢ ب، \"زاد المسير\" ٢/ ١٢٢.\n(٤) أورده المؤلف في \"الوسيط\" ٢/ ٦٠٥، بلفظ: \"خوفهم بالله\". وذكره بنحو ما في \"الوسيط\" البغوي غير منسوب لأحد. انظر: \"معالم التنزيل\" ٢/ ٢٤٤.\n(٥) \"تفسيره\" ١/ ٣٨٥، وذكره في \"بحر العلوم\" ١/ ٣٦٥، والبغوي في \"معالم التنزيل\" ٢/ ٢٤٤، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٢/ ١٢٢.\n(٦) بياض في (ش) بقدر أربع كلمات تقريبًا، والتسديد من \"معاني الزجاج\" ٢/ ٧٠ لأنه نقل الكلام منه. وانظر: \"إعراب النحاس\" ١/ ٤٣٠، \"زاد المسير\" ٢/ ١٢٢، والقرطبي ٢/ ٢٦٥.","vol":"6","page":557},{"text":"وبلغٌ (١)، ومعناه أنه يبلغ مع حمقه حاجته.\nوقيل: إنه الذي (بلغ النهاية في الحماقة) (٢).\nوأما التفسير فقال ابن عباس: يريد خوفهم بالله (٣).\nوقال الحسن: أي قل لهم: إن أظهرتم ما في قلوبكم من النفاق (قتلتم) (٤): فهذا القول البليغ؛ لأنه يبلغ من نفوسهم كل مبلغ (٥).\nوقال الزجاج: أعلمهم إن ظهر منهم رد لحكمك وكفر، فالقتل حقهم (٦).\nوقال بعضهم: أي قل لهم في أنفسهم من الغيب بما أطلعك الله عليه من غشهم قولًا بليغًا، شديدًا باللسان، يعني: فازجرهم عما هم عليه بأبلغ الزجر، كي لا (يستمروا) (٧) الكفر، وعظهم كي لا يغتروا بطول الإمهال (٨).\n_________\n(١) يحتمل أن تكون \"بلغ ملغ\" بالميم أي خبيث. انظر: \"الصحاح\" ٤/ ١٣١٦ (بلغ).\n(٢) ما بين القوسين غير واضح. ويبدو أن ذلك بسبب الرطوبة التي تصيب المخطوطات مع الزمن. وقد استوضحته وأثبته بالرجوع إلى \"معاني الزجاج\" ٢/ ٧٠، \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ٤٣٠، وانظر القرطبي ٥/ ٢٦٥.\n(٣) تقدم الكلام على أثر عن ابن عباس نحوه.\n(٤) هذِه الكلمة في المخطوط: \"قتلتكم\"، وكذا عند القرطبي ٥/ ٢٦٥، وعند الماوردي: \"قتلكم\"، وما أثبته هو الموافق \"للوسيط\" للمؤلف ٢/ ٦٠٥، \"معالم التنزيل\" ٢/ ٢٤٤.\n(٥) ذكره الماوردي في \"النكت والعيون\" ١/ ٥٠٣، والمؤلف في \"الوسيط\" ٢/ ٦٠٥، لكن محققه اعتبر كلام الحسن إلى قوله: \"قتلتم\"، ولا أراه صوابًا. وانظر: \"معالم التنزيل\" ٢/ ٢٤٤، والقرطبي ٥/ ٢٦٥، \"البحر المحيط\" ٣/ ٢٨١.\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٧٠.\n(٧) كأن هذِه الكلمة: \"يستيسروا\".\n(٨) انظر: \"النكت والعيون\" ١/ ٥٠٣، \"التفسير الكبير\" ١٠/ ١٥٩، \"البحر المحيط\" ٣/ ٢٨١.","vol":"6","page":558},{"text":"والأظهر أن قوله: (﴿فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ حقه) (١) التأخير؛ لأن المعنى: قولًا بليغًا في أنفسهم (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-750>٦٤ </span>- قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ الآية. (من) دخلت مؤكدة، المعنى: وما أرسلنا رسولًا. قاله الزجاج (٣).\nوقوله تعالى: ﴿إِلَّا لِيُطَاعَ﴾ الذي اقتضى ذكر طاعة الرسول ههنا إعراض المنافقين الذين تحاكموا إلى الطاغوت.\nومعنى: ﴿لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ قال الكلبي: بأمر الله (٤).\nيعني أن طاعة الرسول وجب (٥) بأمر الله الذي دل على وجوب طاعته. ونحو هذا قال الزجاج، أي إلا ليطاع؛ لأن الله قد أذن في ذلك وأمر (٦).\nوقال مجاهد: يطيعهم من شاء الله، ولا يطيعهم أحد إلا بإذن الله (٧).\nيريد أن الله قد بعث الرسل ليطاعوا، ولا يطيعهم إلا من شاء الله\n_________\n(١) ما بين القوسين غير واضح في المخطوط، وما أثبته هو الأقرب.\n(٢) انظر: \" التفسير الكبير\" ١٠/ ١٥٩، \"الدر المصون\" ٤/ ١٨.\n(٣) في \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٧٠، وانظر: \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ٤٣٠، \"معاني القرآن\" له ٢/ ١٢٨.\n(٤) انظر: \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ٨٨، وقد ذكره غير واحد من المفسرين غير منسوب للكلبي. انظر: \"بحر العلوم\" ١/ ٣٦٥، \"معالم التنزيل\" ٢/ ٢٤٤.\n(٥) لعل الصواب: \"وجبت\"، وانظر: \"معالم التنزيل\" ٢/ ٢٤٤.\n(٦) انظر.: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٧٠، \"معاني القرآن\" للنحاس ٢/ ١٢٨، \"معالم التنزيل\" ٢/ ٢٤٤.\n(٧) \"تفسيره\" ١/ ١٦٥، وأخرجه الطبري ٥/ ١٥٧، وابن المنذر. انظر: \"الدر المنثور\" ٢/ ٣٢١.","vol":"6","page":559},{"text":"وأراد ذلك منه، وهذا خلاف مذهب القدرية. ومحل قوله: ﴿لِيُطَاعَ﴾ نصب، لأن المعنى: وما أرسلنا رسولًا إلا مفروضًا له الطاعة (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ قال ابن عباس: يريد بعصيانهم إياك وموالاتهم الكفار حتى يُحكِّموهم ويتحاكموا إليهم (٢).\nوقوله تعالى: ﴿جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ﴾ قال: يريد نزعوا وتابوا إلى الله (٣).\nوقال الزجاج: المعنى في قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ إلى آخر الآية: ولو وقع مجيئهم في وقت ظلمهم أنفسهم مع استغفارهم ﴿لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-751>٦٥ </span>- قوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ الآية. دخول (لا) في أول الكلام يحتمل معنيين:\nأحدهما: أن (لا) ردّ لكلام سبق، كأنه قيل: ليس الأمر كما يزعمون أنهم آمنوا، وهم يخالفون حكمك. ثم استؤنف القسم بقوله: ﴿وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ﴾ (٥).\nالثانى: أن (لا) توطيدٌ للنفي الذي يأتي فيما بعد، لأنه إذا ذكر في أول الكلام وآخره كان أوكد وأحسن، لأن النفي يتصدر الكلام وقد اقتضى\n_________\n(١) انظر: \"الدر المصون\" ٤/ ١٨.\n(٢) ذكره المؤلف في \"الوسيط\" ٢/ ٦٠٦، دون نسبة لابن عباس، وذكره بمعناه ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٢/ ١٢٣.\n(٣) انظر: \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ٨٨\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٧٠.\n(٥) \"تفسير الطبري\" ٥/ ١٥٨، \"الكشف والبيان\" ٤/ ٨٣ ب، وانظر: \"الدر المصون\" ٤/ ١٩.","vol":"6","page":560},{"text":"القسم أن يذكر في الجواب (١).\nواختلفوا في هذه الآية، فذهب عطاء مجاهد والشعبي، أن هذه الآية نازلة في قصة اليهودي والمنافق، وأن هذه الآية متصلة بما قبلها (٢).\nوهو اختيار الزجاج (٣).\nوقال آخرون: هذه مستأنفة، نازلة في قصة أخرى، وهي ما روي عن عروة بن الزبير: أن رجلًا من الأنصار (٤) خاصم الزبير في شراج الحرّة (٥) التي يسقي بها (كلاهما) (٦)، فقال رسول الله - ﷺ - للزبير: \"اسق أرضك، ثم أرسل الماء إلى أرض جارك\" وقضى للزبير على الأنصاري، فقال الأنصاري: إنك تُحابي ابن عمتك. فتلون وجه رسول الله - ﷺ -، ثم قال\n_________\n(١) انظر: \"البحر المحيط\" ٣/ ٢٨٤، \"الدر المصون\" ٤/ ١٩.\n(٢) أخرج الأثر عن مجاهد والشعبي الطبري ٥/ ١٥٩ - ١٦٠، وابن المنذر عن مجاهد. انظر: \"الدر المنثور\" ٢/ ٣٢٢. وانظر: \"الكشف والبيان\" ٤/ ٨٣ ب، \"النكت والعيون\" ١/ ٥٠٣، \"معالم التنزيل\" ٢/ ٢٤٥، \"الرازي\" ١٠/ ١٦٣ ونسبه الرازي إلى عطاء. واختاره ورجحه الطبري ٥/ ١٦٠، وابن العربي في \"أحكام القرآن\" ١/ ٤٥٦.\n(٣) انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٧٠.\n(٤) قيل: هو: حاطب بن أبي بلتعة، وقيل: ثعلبة بن حاطب. انظر: \"أسباب النزول\" للمؤلف ص ١٥٥، \"معالم التنزيل\" ٢/ ٢٤٥.\n(٥) الشراج: جمع شرج وهو مجرى الماء، والحرة: موضع بالمدينة، أرض ذات حجارة سوداء. انظر: \"غريب الحديث\" لأبي عبيد ٢/ ١٦٠، \"اللسان\" ٢/ ٨٢٨ (حرر).\n(٦) غير واضحة في (ش)، وانظر: \"أسباب النزول\" للمؤلف ص ١٦٧ - ١٦٨. وقد رجح محمود شاكر في تحقيقه للطبري ٨/ ٥١٩ أن تكون هذِه الكلمة: \"كلاهما\" وهو العشب.","vol":"6","page":561},{"text":"للزبير: \"اسق، ثم احبس الماء حتى يبلغ الجدر\" (١). قال الزبير: والله إن هذه الآية نزلت في ذلك ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ الآية (٢).\nواعلم أن الحكم في هذا أن من كانت أرضه أقرب إلى فم الوادي فهو أولى بأول الماء، وحقه تمام السقي، وتمامه أن يبلغ الماء الجدر (٣) وأقل السقي ما سمي سقيًا. قال الزهري (...) (٤) ماء الأنهار قول النبي - ﷺ -: \"حتى يبلغ الماء الجذر\" فكان ذلك إلى الكعبين.\nوأمر رسول الله - ﷺ - الزبير (....) (٥) على المسامحة، فلما أساء خصمه الأدب، ولم يعرف حق ما أمره به النبي من المسامحة (لأجل) (٦) أمره النبي - ﷺ - باستيفاء حقه وحمل خصمه على مر الحق (٧).\nوقوله تعالى: ﴿شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾. يقال: شجر بينهما من خصومة (أي اختلف واختلط) (٨).\n_________\n(١) \"الجدر: بفتح الجيم وكسرها ... والمراد بالجدر أصل الحائط، وقيل أصول الشجر والصحيح الأول\".\n\"صحيح مسلم\" ٤/ ١٨٣٠ حاشية (٤)، وانظر: \"النهاية في غريب الحديث\" ١/ ٢٤٦.\n(٢) أخرجه البخاري (٤٥٨٥) في التفسير سورة: النساء، باب: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوك ..﴾ ٥/ ١٨٠، ومسلم (٢٣٥٧) في الفضائل، باب: وجوب اتباعه - ﷺ -، والمؤلف في \"الوسيط\" ٢/ ٦٠٧، \"أسباب النزول\" ص١٦٧ - ١٦٨.\n(٣) انظر: \"التفسير الكبير\" ١٠/ ١٦٣.\n(٤) كلمة غير واضحة في (ش) ويمكن أن تقدر بـ: [وذلك في] ماء الأنهار.\n(٥) غير واضح بقدر كلمتين، ويبدو أنها \"أن يسقي\" أو نحوها، انظر: \"التفسير الكبير\" ١٠/ ١٦٣.\n(٦) هكذا في المخطوط، وفي \"التفسير الكبير\" للرازي ١٠/ ١٦٣: \"لأجله\"، وهو أصوب.\n(٧) انظر: \"التفسير الكبير\" ١٠/ ١٦٣.\n(٨) ما بين القوسين غير واضح تمامًا، وانظر: \"الوسيط\" للمؤلف ٢/ ٦٠٩.","vol":"6","page":562},{"text":"قال الفراء: يشجر (١) شجورًا وشجرًا. وشاجره في الأمر إذا نازعه في الأمر مشاجرة وشجارًا. وتشاجروا تشاجرا واشتجروا، وكل ذلك لتداخل كلام بعضهم في بعض، (ومنه) (٢) يقال لخشبات الهودج شجارٌ لتداخل بعضها في بعض (٣).\nقال ابن عباس في هذه الآية: يريد بالمشاجرة: المنازعة (٤).\nوقال الضحاك و(...........) (٥). وقال الكلبي: فيما التبس بينهم (٦) وذلك أن الاختلاط والتداخل يؤدي إلى الالتباس.\nوقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ﴾.\nأصل الحرج في اللغة الضِّيق، ويقال للشجر الملتف الذي لا يكاد يوصل إليه: حرج، وجمعه حراج (٧)، ومنه قول العجاج:\nعاين حيًّا كالحراج نعمه (٨)\n_________\n(١) في \"الوسيط\" ٢/ ٦٠٩: (شجر يشجر).\n(٢) غير واضحة تمامًا، وانظر: \"التفسير الكبير\" ١٠/ ١٦٣.\n(٣) كلام الفراء ليس في \"معاني القرآن\"، فقد يكون في كتابه المفقود: \"المصادر\"، وانظر: الطبري ٥/ ١٥٨، \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٨٣٠، \"مقايس اللغة\" ٣/ ٢٤٦ (شجر)، \"الوسيط\" ٢/ ٦٠٩، \"التفسير الكبير\" ١٠/ ١٦٣.\n(٤) لم أقف عليه، وقد قال السيوطي: أخرج الطستي عن ابن عباس ... ﴿فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ قال: \"فيما أشكل عليهم\"، \"الدر المنثور\" ٢/ ٣٢٣.\n(٥) ما بين القوسين بياض في (ش)، ولم أقف على قول للضحاك في تفسير هذِه الآية.\n(٦) \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ٨٨.\n(٧) انظر: الطبري ٥/ ١٥٨، \"معاني القرآن\" للنحاس ٢/ ١٢٩، \"تهذيب اللغة\" ١/ ٧٥٥، \"الصحاح\" ١/ ٣٠٦ (حرج)، \"التفسير الكبير\" ١٠/ ١٦٤.\n(٨) نسبه في \"الصحاح\" ١/ ٣٠٦ (حرج) لرؤبة بن العجاج، وفي \"اللسان\" ٢/ ٨٢٢ (حرج). وهو صدر بيت من الرجز، عجزه:\nيكون أقصى شدِّه محر نجمه","vol":"6","page":563},{"text":"وسنذكر هذا بأبلغ من هذا الشرح عند قوله: ﴿ضَيِقًا حَرَجًا﴾ [الأنعام: ١٢٥] إن شاء الله.\nقال ابن عباس في قوله: ﴿ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ﴾: يريد ضيقًا مما قضيت، يريد: يرضوا بقضائك (١). وكذا قال أبو العالية: حرجًا أي ضيقًا (٢).\nوقال مجاهد: شكا (٣)، أي لا تضيق صدورهم عن قضيتك.\nوقوله تعالى: ﴿وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ التسليم تفعيل من السلامة، يقال: سلم فلان، أي: عوفي ولم تنشب به بلية. وسلم هذا الشيء لفلان، أي: خلص له من غير منازع ولا مشارك. فإذا ثقلته بالتشديد فقلت: سلّم له، فمعناه أنه خلصه له ولم يدع فيه (٤).\nهذا هو الأصل في اللغة. وجميع معاني التسليم راجع إلى هذا الأصل، فقولهم: سلّم عليه، أي دعا له بأن يسلم. وسلم إليه الوديعة، أي أخلصها له وخلى بينها وبينه. وسلم له، أي: بذل الرضا بحكمه، على معنى: ترك السخط والمنازعة. وكذلك: سلم لفلان ما قال، أي أخلصه له\n_________\n= والشاهد أن النعم وهي الإبل كالحراج وهي الشجر الملتفة الكثيرة.\n(١) في \"زاد المسير\" ٢/ ١٢٤ أن ابن عباس فسر الحرج هنا بالشك كقول مجاهد الآتي وانظر: \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ٨٨، وعنه أيضًا: (هما وحزنًا). انظر: \"البحر المحيط\" ٣/ ٢٨٤. وممن فسر الحرج بالضيق أبو عبيدة في \"مجازة\" ١/ ١٣١، والطبري ٥/ ١٥٨، والزجاج في \"معانيه\" ٢/ ٧٠.\n(٢) لم أقف عليه.\n(٣) \"تفسيره\" ١/ ١٦٤، وأخرجه الطبري ٥/ ١٥٨.\n(٤) انظر: \"مقاييس اللغة\" ٣/ ٩٠، \"المفردات\" للراغب ٢٣٩ - ٢٤٠.","vol":"6","page":564},{"text":"من غير معارضة فيه. وكذلك: سلم إلى الله أمره، أي فوض إليه على معنى أنه لم ير لنفسه في أمره أثرًا ولا شركة وعلم أن المدبر والصانع هو الله وحده لا شريك له. هذا معنى التسليم.\nوأما التفسير: قال ابن عباس: ويسلموا الأمر إلى الله وإلى رسوله (١).\nوقال الزجاج: أي يسلِّمون لما يأتي من حكمه (٢)، ولا يعارضونه بشيء (٣).\nو(تسليمًا) مصدر مؤكد، والمصادر المؤكدة بمنزلة ذكر الفعل ثانيًا فإذا قلت: سلمت تسليمًا، فكأنك قلت: سلمت سلمت. وحق التوكيد أن يكون محققًا لما تذكره في صدر كلامك، فإذا قلت: ضربت ضربًا، فكأنك قلت: أحدثت ضربًا أحقه ولا أشك فيه، فكذلك ﴿وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ أي: يسلِّمون لحكمك تسليمًا لا يدخلون على أنفسهم شكًا (٤).\nوقد أخبر الله تعالى أنه لا يتم إيمانهم حتى يعتقدوا وجوب المراجعة في خصوماتهم وتحكيمه والرضا بحكمه من غير ضيق صدر ولا كراهة، وأن من تسخط حكم النبي - ﷺ -، وارتاب (....) (٥) أو عدل إلى غيره رغبة عنه، غير مسلم له، فهو كافر (٦).\n_________\n(١) انظر: \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص (٨٨).\n(٢) في \"معاني الزجاج\" ٢/ ٧١: حكمك.\n(٣) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٧١.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" للزجاج ٢/ ٧١، وانظر: \"معاني القرآن\" للنحاس ٢/ ١٢٩، \"المحرر الوجيز\" ٤/ ١٢١، القرطبي ٥/ ٢٦٩، \"البحر المحيط\" ٣/ ٢٨٤.\n(٥) هنا بياض بقدر حرفين، فقد يكون الساقط: \"فيه\" والله اعلم.\n(٦) انظر: \"التفسير الكبير\" ١٠/ ١٦٥.","vol":"6","page":565},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-752>٦٦ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ﴾ قال ابن عباس والكلبي وغيرهما: يريد فرضنا وأوجبنا عليهم (١).\nقال مجاهد: يعني: على اليهود والعرب (٢).\nقال المفسرون: كتب الله على بني إسرائيل أن يقتلوا أنفسهم، وكتب على المهاجرين أن يخرجوا من ديارهم، فقال الله: ولو كتبنا على هؤلاء ما كتبنا على غيرهم لما فعله إلا قليل منهم (٣).\nوقوله تعالى: ﴿مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾. قال الحسن: أخبر عن علمه فيهم، كقوله عن نوح: ﴿لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾ [هود:٣٦] (٤). يعني: ما يفعل ذلك إلا من قد علم الله منه ذلك وهم قليل.\nوقال عطاء: ﴿إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾ يريد الأنصار (٥).\nوقال مقاتل: كان من القليل عمار بن ياسر، وابن مسعود، وثابت بن قيس بن شماس (٦). ونحو ذلك قال الكلبي، فقال: نزلت في ثابت بن قيس؛ لأنه قال: إن الله يعلم لو أمرني بأمرٍ أقتل نفسي لقتلت، فكان ثابت من القليل الذين استثنى (٧).\n_________\n(١) ذكره المؤلف في \"الوسيط\" ٢/ ٦١٠ دون نسبة لأحد وكذا السمرقندي في \"بحر العلوم\" ١/ ٣٦٦، وانظر: \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ٨٨.\n(٢) أخرج الطبري ٥/ ١٦٠، وعبد بن حميد وابن أبي حاتم، انظر: \"الدر المنثور\" ٢/ ٣٢٣.\n(٣) انظر: \"الكشف والبيان\" ٤/ ٨٤ أ، \"الوسيط\" ٢/ ٦١٠، \"الرازي\" ١٠/ ١٦٧.\n(٤) لم أقف عليه.\n(٥) لم أقف عليه.\n(٦) \"تفسيره\" ١/ ٣٨٧، وانظر: \"معالم التنزيل\" ٢/ ٢٤٦، والقرطبي ٥/ ٢٧٠.\n(٧) انظر: \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص (٨٨)، \"الكشف والبيان\" (٤/ ٨٤ أ \"معالم التنزيل\" ٢/ ٢٤٦.","vol":"6","page":566},{"text":"والظاهر في هذه الآية ما قال الحسن؛ لكون المستثنى من المكتوب عليهم، والمهاجرون والأنصار وهؤلاء الذين ذكرهم فقال: ﴿مِنْهُمْ﴾، وإنما أريد بقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ﴾ المنافقون والذين لم يستقر الإيمان في قلوبهم، وهم الذين ذكروا في قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ هذا هو ظاهر (....) (١) عطاء ومقاتل، فيمكن أن يحمل على وجهين: أحدهما: أن قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ﴾ يريد اليهود والمنافقين والمؤمنين جميعًا، ثم استثنى الصحابة الأنصار والمهاجرين والمؤمنين بقوله: ﴿مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾، ويكون قوله بعد هذا: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ﴾ اليهود والمنافقين.\nوقد ورد في التنزيل آي حمل بعضها على العموم وبعضها على الخصوص. وعليه (....) (٢) أن يُحمل على قراءة من قرأ ﴿إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾ بالنصب (٣)؛ لاختلاف جنسي المستثنى منه والمستثنى، وذلك أنه في هذه الآية قبيلان: مكتوب عليهم وهم المنافقون، ومستثنى وهم الأنصار، فصار كالجنسين المختلفين، وإذا اختلف الجنسان فالاختيار النصب (٤)، كقوله:\nوما بالرَّبع من أحدٍ إلا أواري (٥)\n_________\n(١) بياض في (ش) بقدر كلمتين أو ثلاث، ويمكن أن تقدر بـ: [ما قاله] أو [ما ذهب إليه].\n(٢) كلمة غير واضحة في (ش)، ويمكن أن تقدر بـ: [يحتمل].\n(٣) هذِه قراءة لابن عامر خاصة وكذا هي في المصحف الشامي. انظر: \"الحجة\" ٣/ ١٦٨، \"النشر\" ٢/ ٢٥٠.\n(٤) انظر: \"معاني الزجاج\" ٢/ ٧٠، \"شرح المعلقات العشر\" للنحاس ٢/ ١٥٨.\n(٥) جملة مستفادة من بيتين من الشعر للنابغة الذبياني هما:\nوقفت فيها أصيلا لا أسائلها ... عيت جوابًا وما بالربع من أحد\nإلا الأواري لأيًا ما أبينها ... والنؤيُ كالحوض بالمظلومة الجلد","vol":"6","page":567},{"text":"ويحتمل أن يكون هذا من الاستثناء المنقطع عن الأول، على أن تكون إلا بمعنى لكن، كأنه قيل: لكن قليلًا منهم، وهم الأنصار.\nوذكرنا معنى الاستثناء المنقطع بأبلغ الاستثناء عند قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ في سورة البقرة [الآية:١٥٠].\nوقوله: ﴿مِنْهُمْ﴾ على هذا الكنايةُ تعود إلى المنافقين، ويقال ذلك لأن القبيلين وإن اختلفا من حيث الإيمان والكفر، فقد اتفقا بالنسب والجوار والحلف واللغة، وكونهم أهل عصر (١) واحد، في زمن نبي واحد، وكل هذا من الملابسة بين الفريقين، ولأن المنافقين أيضًا ادعوا الإيمان وأظهروا شعاره، فقاسمُ الإيمان يشملهم.\nومثل هذا من التنزيل قوله: ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ﴾ [النساء: ٧٢] يعني المنافقين، وهو يخاطب المؤمنين، فجعلهم منهم. وسنذكر الوجه منه إذ انتهينا إليه.\nولهذا المعنى الذي ذكرنا أن القليل غير مستثنى من المنافقين اختار جماعة من القراء (....) (٢) الوقف على قوله: ﴿مَا فَعَلُوهُ﴾ إشعارًا أن هذا الاستثناء منقطع من الأول (٣).\n_________\n= \"معاني الزجاج\" ٢/ ٧٠، \"شرح القصائد المشهورات\" للنحاس ٢/ ١٥٨. والأواري التي يحبس بها الخيل من وتد أو حبل، الواحد: آري، واللأى: البطء، والنؤي: حاجز من تراب حول الخيمة يحول دون وصول الماء إليها. وقال: بالمظلومة الجلد، لأنهم مروا في برية فحفروا فيها حوضًا وليست موضع حوض فجعل الشيء في غير موضعه.\n(١) قد تكون هذِه الكلمة: \"مصر\".\n(٢) غير واضح في (ش)، ولعل الكلمة تكون: [ترجيح] الوقف ...\n(٣) ممن اختار هذا الوقف يعقوب. انظر: \"القطع والائتناف\" ص ٢٥٦.","vol":"6","page":568},{"text":"واختلف القراء في قوله: ﴿أَنِ اقْتُلُوا﴾ و﴿أَوِ اخْرُجُوا﴾ فكسرهما عاصم وحمزة (١) لالتقاء الساكنين (٢) ولم يضماهما وإن ضمت الهمزة لضم الحرف الثالث في الفعل، لأنهما (.. (٣) ..) المنفصل في حكم المتصل (٤).\nومن قرأ بالضم فيهما (٥) فلأنهما حلّا محل الهمزة المضمومة كما ضمت هي، وإن كانتا منفصلتين (٦).\nقال أبو إسحاق: للكسرة والضمة في هذه الحروف وجهان جيدان (٧).\nوأبو عمرو كان يختار الكسر في: ﴿أَنِ اقْتُلُوا﴾، والضم في: ﴿أَوِ اخْرُجُوا﴾. قال الزجاج: ولست أعرف لفصل أبي عمرو بين هذين الحرفين خاصية إلا أن يكون رواية (٨).\nوقال غيره (٩): فصل أبو عمرو بين النون والواو لأن الضمة في الواو أحسن لأنها تشبه واو الضمير، والجمهور في واو الضمير على الضم [نحو] (١٠) ﴿اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ﴾ [البقرة: ١٦، ١٧٥] ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ﴾ [البقرة: ٢٣٧]. وهذا قول أبي علي الفارسي (١١).\n_________\n(١) انظر: \"السبعة\" ص ٢٣٦، \"الحجة\" ٣/ ١٦٧.\n(٢) انظر: \"معاني الزجاج\" ٢/ ٧١، \"التفسير الكبير\" ١٠/ ١٦٦.\n(٣) بياض في (ش)، ولعله: مع كونهما من ... المنفصل ...\n(٤) انظر: \"الحجة\" ٣/ ١٦٨.\n(٥) هذِه القراءة لابن عامر وابن كثير ونافع والكسائي. انظر: \"السبعة\" ص ٢٣٤، \"الحجة\" ٣/ ١٦٧.\n(٦) انظر: \"الوسيط\" ٢/ ٦١٠.\n(٧) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٧٢.\n(٨) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٧٢.\n(٩) أبو علي في \"الحجة\" ٣/ ١٦٧.\n(١٠) بياض في (ش)، والتسديد من \"الحجة\" ٣/ ١٦٧.\n(١١) \"الحجة\" ٣/ ١٦٧.","vol":"6","page":569},{"text":"وقال الأخفش: الضم في هذه الحروف لغة حسنة، [وهي] (١) أكثر في الكلام وأقيس، لأن ما أجروه في كلامهم من المنفصل مجرى المتصل أكثر من أن يُقتص (٢).\nوقوله تعالى: ﴿مَا فَعَلُوهُ﴾ الكناية تعود إلى القتل والخروج كلاهما وذلك أن الفعل جنس واحد وإن اختلف ضروبه (٣).\nواختلف القراء في قوله: ﴿إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾ فمن ضم وهو الوجه جعله بدلًا من الواو في ﴿فَعَلُوُه﴾، وكذلك كل مستثنى من مجحود، كقولك: ما أتاني (٤) أحد إلا زيد، ترفع زيدًا على البدل من أحد، فتحمل إعراب ما بعد إلا على ما قبلها. وكذلك في النصب والجر، كقولك: ما رأيت أحدًا إلا زيدًا، وما مررت بأحد إلا زيد.\nقال أبو علي: الرفع هو الأكثر والأشيع في الاستعمال والأقيس، فقدته من جهة القياس أن معنى: ما أتاني أحد إلا زيد واحد (٥)، فكما اتفق (٦) على: ما أتاني إلا زيد، على الرفع، وكان: ما أتاني أحد إلا زيد، بمنزلته وبمعناه، اختاروا الرفع مع ذكر أحد.\nوأما من نصب فقال: ما جاءني أحد إلا زيدًا، فإنه جعل النفي بمنزلة\n_________\n(١) بياض في (ش)، والتسديد من \"الحجة\" ٣/ ١٦٧.\n(٢) من \"الحجة\" ٣/ ١٦٧، ١٦٨، وكلام الأخفش ليس في كتابه \"معاني القرآن\".\n(٣) من \"الكشف والبيان\" ٤/ ٨٤ ب بتصرف، وانظر: \"التفسير الكبير\" ١٠/ ١٦٧. وقد استبعد أبو حيان والسمين كون الضمير راجعًا إلى الأمرين، وإنما لأحدهما انظر: \"البحر المحيط\" ٣/ ٢٨٥، \"الدرالمصون\" ٤/ ٢٢.\n(٤) انظر: \"الحجة\" ٣/ ١٦٨.\n(٥) يبدو أن في الكلام حذفًا أو سقطًا، ففي \"الحجة\" ٣/ ١٦٨: \"فقوته من جهة القياس أن معنى: ما أتاني أحد إلا زيد، وما أتاني إلا زيد، واحد\".\n(٦) في \"الحجة\" ٣/ ١٦٨: \"اتفقوا\" وهو الأنسب بالسياق.","vol":"6","page":570},{"text":"الإيجاب، وذلك أن قوله: ما جاءني أحد، كلام تام، كما أن: جاءني القوم كذلك، فنصب مع النفي، كما نصب مع الإيجاب، من حيث اجتمعا في أن كل واحد منهما كلام تام (١). وذكرنا للنصب وجها آخر في معنى الآية.\nقال أصحاب المعاني: (....) (٢) تجهيل من خالف ما يلزمه من التكليف مع تسهيله، ولو شدد نهاية التشديد لم يجز إلا (......) (٣) من الحظ الجزيل. يقول الله تعالى: ولو كتبنا عليهم القتل والخروج ما فعلوه للمشقة فيه، مع أنه كان ينبغي أن يفعلوه (... (٤) ..) وقد سهلنا تكليفهم غاية التسهيل ويسرناه نهاية التيسير.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ﴾. قال مقاتل: ما يوعظون به من القرآن (٥). وقال الكلبي: ما يُؤمرون به (٦).\nوقوله تعالى: ﴿لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ في الآخرة (٧).\nوقال مقاتل: لكان خيرًا لهم في دينهم (٨).\nوقال الحسن: لكان خيرًا له في العصمة وأمنع من الشياطين (٩).\nوقوله تعالى: ﴿وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ [النساء:٦٦]. قال عطاء عن ابن عباس: أشد تثبيتًا في دينهم (١٠).\n_________\n(١) انتهى من \"الحجة\" ٣/ ١٦٨، ١٦٩، بتصرف. وانظر: \"الوسيط\" ٢/ ٦١١.\n(٢) غير واضح في (ش) بسبب طمس بعض الحروف.\n(٣) بياض في (ش).\n(٤) كلمة غير واضحة، ويمكن أن تكون الكلمة: (سيما) وقد سهلنا.\n(٥) \"تفسير\" ١/ ٣٨٧.\n(٦) \"تنويرالمقباس\" بهامش المصحف ص ٨٩.\n(٧) انظر: \"الوسيط\" ٢/ ٦١١، \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ٨٩.\n(٨) \"تفسيره\" ١/ ٣٨٧.\n(٩) لم أقف عليه.\n(١٠) لم أقف عليه، وانظر: \"الوسيط\" ٢/ ٦١١.","vol":"6","page":571},{"text":"وقال مقاتل: ﴿وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ تصديقًا بأمر الله (١). فمعنى قول عطاء أنهم لو أطاعوا الرسول كان ذلك أشد تثبيتًا منهم لأنفسهم في الدين.\nوقال أبو روق: ﴿تَثبِيتًا﴾ تحقيقًا (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-753>٦٧ </span>- قوله تعالى: ﴿وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا﴾ قد استوفينا الكلام في أحكام (إذن) في قوله: ﴿فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا﴾ [النساء:٥٣] (٣).\nومعنى ﴿مِنْ لَدُنَّا﴾ من عندنا (٤). وإنما ذكر من لدنا لتأكيد الاختصاص (٥)، بأنه ما لا يقدر عليه إلا الله؛ لأنه قد يؤتي ما يُجريه على يد بعض عباده، وقد يؤتي ما يختص بفعله، وذلك أشرف له وأعظم في النعمة به، ولأنه ينحتم (٦) بما لا يقدر عليه غيره (٧).\nيؤكد ما ذكرنا أن الأجر العظيم ههنا فُسر بالجنة في قول مقاتل وغيره (٨).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-754>٦٨ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ قال عطاء عن ابن عباس: يريد أرشدناهم إلى دين مستقيم (٩). يريد دين الحنيفية لا دين اليهودية.\n_________\n(١) \"تفسيره\" ١/ ٣٨٧.\n(٢) في \"الكشف والبيان\" ٤/ ٨٤ ب جاء هذا الوجه من التفسير بلفظ: \"تحقيقًا وتصديقا لإيمانهم\" دون نسبة لأحد، وانظر: \"معالم التنزيل\" ٢/ ٢٤٦.\n(٣) هنا جزء مفقود من الكتاب.\n(٤) انظر: \"بحر العلوم\" ١/ ٣٦٦.\n(٥) انظر: \"التفسير الكبير\" ١٠/ ١٦٩.\n(٦) هكذا في (ش)، وقد تكون: (تفخيم)، والله أعلم.\n(٧) انظر: \"الوسيط\" ٢/ ٦١٢.\n(٨) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١/ ٣٨٧، \"الوسيط\" ٢/ ٦١٢.\n(٩) انظر: \"بحر العلوم\" ١/ ٣٦٦، \"تنوير المقياس\" بهامش المصحف ص ٨٩.","vol":"6","page":572},{"text":"وقال غيره: ولأدمنا لهم اللطيفة التي يثبتون بها على الطاعة في لزوم الطريق المستقيم. كأنه يقول: ولأثبتناهم على الطريق المستقيم كقوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦]، (١). وقيل: ولهديناهم في الآخرة طريق الجنة (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-755>٦٩ </span>- قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ الآية. اختلفوا في سبب نزولها؛ فقال جماعة من أهل التفسير: إنها نزلت في ثوبان (٣) مولى رسول الله - ﷺ -، وكان بلغ من حبِّه لرسول الله ما شجاه وأثر فيه، فسأله رسول الله - ﷺ - عن حاله، فقال: إني لا أكاد أصبر عنك، وأذكر الآخرة وأنت تُرفع في درجة النبيين، وأنا مع العبيد، فلا ألقاك، فنزلت الآية. وهذا قول ابن عباس في رواية الكلبي (٤).\nوقال السدي: إن ناسًا من الأنصار قالوا: يا رسول الله إنك تسكن\n_________\n(١) لم أقف عليه.\n(٢) انظر: \"المحرر الوجيز\" ٤/ ١٢٥، \"التفسير الكبير\" ١٠/ ١٦٩.\n(٣) هو أبو عبد الله ثوبان بن بجدد، وقيل: ابن جحدر، من حمير اليمن، أصابه السِّباء فاشتراه الرسول - ﷺ - وأعتقه وخيره بين البقاء معه واللحاق بأهله فاختار البقاء معه وخدمته حتى توفي الرسول - ﷺ - فارتحل إلى مصر والشام ومات ﵁ بحمص سنة ٥٤ هـ. انظر: \"أسد الغابة\" ١/ ٢٩٦، \"سير أعلام النبلاء\" ٣/ ١٥، \"الإصابة\" ١/ ٢٠٤.\n(٤) ذكره أبو الليث السمرقندي في \"بحر العلوم\" ١/ ٣٦٧، وأورده غير منسوب لابن عباس الثعلبي في \"الكشف والبيان\" ٤/ ٨٤ ب، وذكره المؤلف في \"أسباب النزول\" ١٦٨ - ١٦٩، وقال الحافظ ابن حجر: \"حكي ذلك عن جماعة من الصحابة\" \"الكافي الشاف\" ص ٤٦، وانظر: \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ٨٩، وقد أخرج الطبراني وابن مردويه من طريق الشعبي عن ابن عباس: \"أن رجلًا أتي النبي - ﷺ - .. \" \"الحديث بمعناه. انظر: ابن كثير ٢/ ٣٣٤ ط \"الدر المنثور\" ٢/ ٣٢٥.","vol":"6","page":573},{"text":"الجنة في أعلاها، ونحن نشتاق إليك، فكيف نصنع؟ فنزلت الآية (١).\nوقال الشعبي: جاء رجل من الأنصار إلى رسول الله، فقال: لأنت أحب إليّ من نفسي وأهلي ومالي وولدي، ولولا أني آتيك فأراك، فظننت أني سأموت وبكى. فقال له النبي - ﷺ -: ما أبكاك؟ فقال: ذكرت أنك تُرفع مع النبيين، ونحن إن دخلنا الجنة كنا دونك، فلم يُخبره النبي - ﷺ - بشيءٍ، فأنزل الله: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ إلى قوله: ﴿عَلِيمًا﴾، فقال له النبي: أبشر (٢).\nوقال الحسن: إن المؤمنين قالوا للنبي: ما لنا منك إلا الدنيا، فإذا كانت الآخرة رُفعت في الأعلى (فحزن النبي - ﷺ -) (٣) وحزنوا، فنزلت هذه الآية إلى قوله: ﴿عَلِيمًا﴾ (٤).\nوقال مقاتل: نزلت في رجل من الأنصار، قال للنبي - ﷺ -: إذا خرجنا من عندك إلى أهالينا اشتقنا إليك، فما ينفعنا شيء حتى نرجع إليك، وذكرتُ درجتك في الجنة، فكيف لنا برؤيتك إن دخلنا الجنة؟ فأنزل هذه الآية، فلما توفي النبي - ﷺ - أتى الأنصاريَّ ابنه وهو في حديقة له، فأخبره بموت النبي - ﷺ -، فقال: اللهم أعمني فلا أرى شيئًا أبدًا بعد حبيبي، حتى\n_________\n(١) أخرجه الطبري ٥/ ١٦٤، وانظر: \"الدرالمنثور\" ٢/ ٣٢٥.\n(٢) أخرجه السمرقندي في \"بحرالعلوم\" ١/ ٣٦٧، وسعيد بن منصور وابن المنذر. انظر: \"الدر المنثور\" ٢/ ٣٢٥. وورد نحوه مرفوعًا من طريق الشعبي عن ابن عباس وعائشة وبعض التابعين. انظر: الطبري ٥/ ١٦٣ - ١٦٤ \"أسباب النزول\" للمؤلف ١٦٩ - ١٧٠، وابن كثير ١/ ٥٧٣ - ٥٧٤، \"الدرالمنثور\" ٢/ ٣٢٥، \"لباب النقول\" ص (٧٤).\n(٣) ما بين القوسين بياض في (ش)، والتسديد من \"التفسير الكبير\" ١٠/ ١٧٠.\n(٤) انظر: \"التفسير الكبير\" ١٠/ ١٧٠.","vol":"6","page":574},{"text":"ألقى حبيبي. فعمي مكانه، وكان يُحب النبي - ﷺ - حبًا شديدًا، فجعله الله معه في الجنة (١).\nقال الكلبي وغيره: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ﴾ في الفرائض ﴿وَالرَّسُولَ﴾ في السنن (٢).\nقوله: ﴿فَأُولَئِكَ﴾ أي المطيعون. قاله الزجاج (٣).\nوقوله تعالى: ﴿مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ﴾.\nأي أنه يستمتع برؤية النبيين وزيارتهم والحضور معهم، فلا يتوهمن من أجل أنهم في أعلى عليين أنه لا يراهم (٤).\nوقوله تعالى: ﴿وَالصِّدِّيقِين﴾. قال ابن (المظفر: هو من) (٥) صدّق بكل ما أمر الله، لا يتخالجه في شيء منه شك، وصدق الأنبياء، فهو صديق. وهو قول الله ﷿: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ﴾ [الحديد: ١٩] (٦).\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ١/ ٣٨٧، ٣٨٨، وانظر: \"التفسير الكبير\" ١٠/ ١٧٠، وهذا الأثر غريب لوروده من طريق مقاتل وهو مطعون فيه، ولأن سؤال الرجل العمى لا يتفق وورود النهي عن مثله والأمر بسؤال الله العافية، ولأن فيه ما يحتاج إلى توقف وقد انقطع الوحي.\n(٢) \"الكشف والبيان\" ٤/ ٨٥ أ، \"تنويرالمقباس\" بهامش المصحف ص ٨٩، ونسبه ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٢/ ١٢٦، إلى ابن عباس.\n(٣) في \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٧٣، وانظر: \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٤٤٣ (رفق).\n(٤) انظر: \"معالم التنزيل\" ٢/ ٢٤٧، \"التفسير الكبير\" ١٠/ ١٧١، والقرطبي ٥/ ٢٧٢.\n(٥) ما بين القوسين غير واضح في (ش)، وأثبته حسب الرجوع إلى \"العين\" ٥/ ٥٦، \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٩٩٠ - ١٩٩١ (صدق).\n(٦) \"العين\" ٥/ ٥٦، \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٩٩٠ - ١٩٩١ (صدق)، وانظر: \"التفسير الكبير\" ١٠/ ١٧٢.","vol":"6","page":575},{"text":"وقال الكلبي: الصديقون أفاضل أصحاب النبي ﵇ (١). وقال مقاتل: الصديقون [أول] (٢) من صدّق بالأنبياء (حين عاينوهم) (٣) (٤).\nوقال الزجاج: الصديقون أتباع الأنبياء (٥).\nقد ذكرنا مستقصى ما قيل في الشهيد عند قوله: ﴿وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ﴾ [آل عمران: ١٤٠]. وأما تفسير الشهداء ههنا فقال الكلبي ومقاتل: هم القتلى في سبيل الله (٦). وقال الزجاج: هم القائمون بالقسط (٧).\nوقوله تعالى: ﴿وَالصَّالِحِينَ﴾. قال الكلبي: هم سائر المسلمين (٨). وقال مقاتل: أهل الجنة (٩).\nوقوله تعالى: ﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾. قال الزجاج: أي حسن الأنبياء وهؤلاء رفيقًا (١٠).\n_________\n(١) انظر: \"الكشف والبيان\" ٤/ ٨٥ أ، \"التفسيرالكبير\" ١٠/ ١٧٢، \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ٨٩.\n(٢) بياض في (ش) والتسديد من \"الوسيط\" ٢/ ٦١٤.\n(٣) ما بين القوسين غير واضح، وما أثبته استعانة \"بالوسيط\" ٢/ ٦١٤.\n(٤) \"تفسيره\" ١/ ٣٨٨.\n(٥) انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٧٣، \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٤٤٣ (رفق).\n(٦) \"تفسير مقاتل\" ١/ ٣٨٨، وانظر: \"الكشف والبيان\" ٤/ ٨٥ أ، \"معالم التنزيل\" ٢/ ٢٤٧، \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ٨٩.\n(٧) ليس في \"معاني القرآن وإعرابه\".\n(٨) في \"تنوير المقباس\" ص ٨٩: \"صالحي أمة محمد\"، وانظر: \"بحر العلوم\" ١/ ٣٦٧، \"الكشف والبيان\" ٤/ ٨٥، \"الوسيط\" ٢/ ٦١٤.\n(٩) لم أقف عليه.\n(١٠) انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٧٣.","vol":"6","page":576},{"text":"ومعنى الرفيق (١) في اللغة: لين الجانب ولطافة الفعل، وصاحبه رفيق، وقد رفق يرفق (٢). هذا معناه في اللغة. والصاحب يسمى رفيقًا لارتفاقك به وبصحبته، ومن هذا قيل للجماعة في السفر رفقة، لارتفاق بعضهم ببعض (٣).\nقال الفراء: وإنما وحد الرفيق وهو حقه الجمع؛ لأن الرفيق والبريد والرسول تذهب به العرب إلى الواحد وإلى الجمع، ولا يجوز أن تقول: حسن أولئك رجلًا، وإنما يجوز ذلك إذا كان اسمًا مأخوذًا من فعل (٤)، ولم يكن اسمًا مصرحًا مثل: رجل وامرأة (٥)، ألا ترى أن الشاعر قال:\nوإذا هم طعموا فألأم طاعمُ (٦)\nقال أبو إسحاق: لا فرق بين رفيق ورجل؛ لأن الواحد في التمييز ينوب عن الجماعة، وكذلك في المواضع التي لا تكون إلا جماعة نحو:\n_________\n(١) هكذا في (ش) ولعل الصواب: الرفق (بدون ياء على المصدر) وسياق الكلام يدل عليه. وانظر: \"العين\" ٥/ ١٤٩، \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٤٤٣ (رفق)، \"التفسير الكبير\" ١٠/ ١٧٥.\n(٢) من \"العين\" ٥/ ١٤٩، \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٤٤٣ (رفق).\n(٣) انظر المصدرين السابقين.\n(٤) هكذا الحركة فوقية على الفاء، وقد تكون تحتية لاختلاف المصطلحات الإملائية عبر العصور.\n(٥) كلام الفراء ليس في \"معاني القرآن\"، وانظر: \"معاني الزجاج\" ٢/ ٧٣، \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٤٤٣ - ١٤٤٤، \"اللسان\" ٣/ ١٦٩٦ (رفق).\n(٦) صدر بيت وعجزه:\nوإذا هم جاعوا فشر جياع\nوانظر: \"نوادر أبي زيد\" ص ١٥٢، والطبري ١/ ٦٥٢، و\"البحر المحيط\" ١/ ٣٣٢، و\"معاني الفراء\" ١/ ٣٣، و\"المحرر الوجيز\" ١/ ١٣٤، و\"الاشتقاق\" لابن دريد ص ٤١٧.","vol":"6","page":577},{"text":"أجمل فتى وأحسنه، المعنى: هو أجمل الفتيان وأحسنهم. ولو قلت حسن القوم مجاهدًا في سبيل الله، وحسن القوم رجلًا، كان واحدًا. فقوله ﴿رَفِيقًا﴾ منصوب على التمييز، وينوب عن رفقاء (١).\nوعند الفراء لا يجوز أن ينوب الواحد عن الجميع إلا أن يكون من أسماء الفاعلين، لا يجوز حسن أولئك رجلًا (٢)، وأجازه الزجاج كما ذكرنا، قال: وهو مذهب سيبويه (٣).\nوقال بعضهم: معنى قوله: ﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ حسن كل واحد منهم رفيقًا، كما قال: ﴿يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾ [غافر: ٦٧] (٤).\nوانتصاب ﴿رَفِيقًا﴾ على الحال، معنى: حسن كل منهم مرافقًا (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-756>٧٠ </span>- قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ﴾. أي ذلك الثواب، وهو الكون مع النبيين والصديقين فضلٌ من الله، تفضل به على من أطاعه، وكل ما يفعله الله ﷿ من منافع العباد فهو فضل وتفضّل وإفضال؛ لأنه زائد على مقدار الاستحقاق؛ لأن العبد لا يستحق على مولاه بطاعته شيئًا (٦). بخلاف ما قالت القدرية (٧) أن ثواب المطيع فرض على الله، فلا فضل. وقد\n_________\n(١) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٧٣، ٧٤ بتصرف. وانظر: \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٤٤٣ (رفق).\n(٢) من \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٤٤٣، وانظر: \"اللسان\" ٣/ ١٦٩٦ (رفق).\n(٣) من \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٤٤٣، وانظر: \"اللسان\" ٣/ ١٦٩٦ (رفق)، \"التفسير الكبير\" ١٠/ ١٧٥. وفي رأي سيبويه، انظر: \"الكتاب\" ٣/ ٥٨٢، ٦٢٤.\n(٤) انظر: \"الكشف والبيان\" ٤/ ٨٥ أ، \"التفسير الكبير\" ١٠/ ١٧٥، والقرطبي ٥/ ٢٧٢.\n(٥) وقيل: على التمييز، ورجحه ابن جرير. انظر: \"تفسير الطبري\" ٥/ ١٦٣، \"معاني الزجاج\" ٢/ ٧٣، \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ٤٣٢.\n(٦) انظر: الطبري ٥/ ١٦٤، \"بحر العلوم\" ١/ ٣٦٧، \"الوسيط\" ٢/ ٦١٥ \"معالم التنزيل\" ٢/ ٢٤٨، \"التفسير الكبير\" ١٠/ ١٧٥.\n(٧) ومنهم المعتزلة. انظر: \"الكشف والبيان\" ٤/ ٨٥ ب، \"التفسير الكبير\" ١٠/ ١٧٦.","vol":"6","page":578},{"text":"صرحت الآية بتكذيبهم (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا﴾. قال ابن عباس: يريد بخلقه (٢).\nقال أهل المعاني: تأويل هذا يعود إلى أنه لا يضيعُ عنده عملُ عامل؛ لأنه عالم لا يخفى عليه شيء (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-757>٧١ </span>- قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ الآية. هذا حث من الله تعالى عباده المؤمنين على الجهاد.\nوالحذر في اللغة يعني الحذر، وهو كالمثل والمثَل والعدْل والعدَل (٤)، (والعرب تقول: فخذ حذر) (٥).\nقال أهل المعاني في هذا قولين: أحدهما: أن المراد بالحذر ههنا السلاح، والمعنى: خذوا سلاحكم (٦)، فيسمى السلاح حذرًا؛ لأنه يتقي به ويحذر.\nوالثاني: أن يكون ﴿خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ بمعنى احذروا عدوكم (٧)، إلا أن هذا الأمر بالحذر مضمن بأخذ السلاح؛ لأن أخذ السلاح هو الحذر من\n_________\n(١) انظر: \"الكشف والبيان\" ٤/ ٨٥ ب، والقرطبي ٥/ ٢٧٣.\n(٢) لم أقف عليه. وانظر: \"الطبري\" ٥/ ١٦٤.\n(٣) انظر: الطبري ٥/ ١٦٤.\n(٤) انظر: \"الصحاح\" ٢/ ٦٢٦ (حذر)، \"الكشف والبيان\" ٤/ ٨٥ ب، \"التفسير الكبير\" ١٠/ ١٧٦، \"اللسان\" ٢/ ٨٠٩ - ٨١٠ (حذر).\n(٥) هكذا في المخطوط، وفي \"الوسيط\" للمؤلف ٢/ ٦١٥: \"وتقول العرب: خُذ حذرك، أي أحذر\".\n(٦) \"بحر العلوم\" ١/ ٣٦٧، \"الكشف والبيان\" ٤/ ٨٥ ب، وانظر: \"معالم التنزيل\" ٢/ ٢٤٨، \"زاد المسير\" ٢/ ١٢٩، \"التفسير الكبير\" ١٠/ ١٧٦، ابن كثير ١/ ٥٧٥.\n(٧) انظر: \"الكشف والبيان\" ٤/ ٨٥ ب، \"معالم التنزيل\" ٢/ ٢٤٨، \"زاد المسير\" ٢/ ١٢٩ \"التفسير الكبير\" ١٠/ ١٧٧.","vol":"6","page":579},{"text":"العدو. فالتأويل يعود إلى الأول (١).\nفعلى القول الأول الأمر مصرح بأخذ السلاح، وعلى القول الثاني أخذ السلاح مدلول عليه بفحوى الكلام (٢).\nوأما التفسير فقال ابن عباس: ﴿خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ يريد عند لقاء العدو (٣). وهذا يقوي القول الأول. وقد صرح مقاتل (٤) بالقول الأول فقال: خذوا حذركم من السلاح (٥).\nوقال الكلبي: خذوا حذركم من عدوكم (٦).\nوهذا التفسير على القول الثاني، وكأنه اختيار أبي إسحاق؛ لأنه قال في هذه الآية: أمر الله أن لا يلقي المؤمنون بأيديهم إلى التهلكة، وأن يحذروا عدوهم، وأن يجاهدوا حق الجهاد (٧).\nوهذه الآية لا تدل على أن الحذر يرد شيئًا من القدر، ولكنا تعبِّدنا في الشريعة بالحذر من (.. (٨) ..) والتوقِّي من النشر، والقدر جارٍ على ما قضي. وكان رسول الله - ﷺ - إذا مر عدُّوا له أسرع المشي، وقد قال الله تعالى له: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة:\n_________\n(١) انظر:: \"التفسير الكبير\" ١٠/ ١٧٧، وابن كثير ١/ ٥٧٥.\n(٢) انظر: \"التفسير الكبير\" ١٠/ ١٧٧.\n(٣) انظر: \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ٨٩\n(٤) هو مقاتل بن حيان. انظر: \"الدر المنثور\" ٢/ ٣٢٦.\n(٥) أخرجه ابن المنذر وابن أبي حاتم بلفظ. \"عدتكم من السلاح\". انظر: \"الدر المنثور\" ٢/ ٥٩١.\n(٦) \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ٨٩.\n(٧) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٧٤.\n(٨) كلمة غير واضحة، ويمكن أن تكون: (الخطر)، أو (العدد).","vol":"6","page":580},{"text":"٥١] (١).\nوقوله تعالى: ﴿فَانْفِرُوا﴾. قال الفراء: يقال: نفر القوم ينفرون نفرًا ونفيرًا (٢) إذا هم نهضوا لقتال عدو وخرجوا لحرب (٣).\nواستنفر الإمام الناس لجهاد العدو فنفروا ينفرون، إذا حثهم على النفير ودعاهم إليه. ومنه قول النبي - ﷺ -: وإذا استنفرتم فانفروا (٤). والنفير اسم للقوم الذين ينفرون (٥)، ومنه فلان (لا في العير ولا في النفير) (٦).\nوقال أصحاب العربية: أصل هذا الحرف من النُّفور والنِّفار، وهو الفزع، نفر ينظر نفورًا إذا فزع إليه (٧). والمعنى انفروا إلى قتال عدوكم.\nوقوله تعالى: ﴿ثُبَاتٍ﴾. قال جميع أهل اللغة: الثُّبات جماعات متفرقة واحدها ثبة (٨)، وأنشدوا لزهير:\n_________\n(١) انظر: \"الكشف والبيان\" ٤/ ٨٦ أ، \"التفسير الكبير\" ١٠/ ١٧٧، القرطبي ٥/ ٢٧٤.\n(٢) من \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٦٢٨ (نفر).\n(٣) انظر: \"الوسيط\" ٢/ ٦١٦.\n(٤) من \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٦٢٨ (نفر). وحديث: \"إذا استنفرتم\" أخرجه البخاري من حديث ابن عباس (١٨٣٤) كتاب: جزاء الصيد، باب لا يحل القتال بمكة، ومسلم (١٣٥٣) كتاب: الحج، باب: تحريم مكة.\n(٥) انظر: \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٦٢٨، \"أساس البلاغة\" ٢/ ٤٦٣ - ٤٦٤ (نفر)، القرطبي ٥/ ٢٧٤.\n(٦) \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٦٢٨ (نفر)، \"جمهرة الأمثال\" للعسكري ٢/ ٣٩٩، \"مجمع الأمثال\" للميداني ٣/ ١٦٨.\n(٧) انظر: القرطبي ٥/ ٢٧٤.\n(٨) انظر: \"مجاز القرآن\" ١/ ١٣٢، \"غريب القرآن\" لابن قتيبة ص ١٢٧، الطبري ٨/ ٥٣٦، \"معاني الزجاج\" ٢/ ٧٥، \"تهذيب اللغة\" (٤٦٥) (ثاب)، \"اللسان\" ١/ ٥١٩، (ثوب)، \"عمدة الحفاظ\" ص ٨٥.","vol":"6","page":581},{"text":"وقد أغدو على ثبة كرامٍ ... نشاوى واجدين لما نشاء (١)\nوأما أصلها واشتقاقها فقال علماء اللغة والنحو: ثبة أصلها من ثبيت الشيء، أي جمعته. ويقال: ثبيت على الرجل، إذا أثنيت عليه في حياته، وتأويله: جمع محاسنه (٢). وأنشدوا للبيد:\nيُثَبِّي ثناءً من كريمٍ وقولُه ... ألا انعم على حسن التحيَّة واشربِ (٣)\nوقال آخر:\nكم لِيَ من ذي تُدْرأٍ مذبِّ ... أشوس أبَّاءٍ على المُثَبِّي (٤)\nأي الذي يعذله ويكثر لومه ويجمع له العذل من هنا وهنا. فقولهم: يثبِّي، يدل على أن اللام معتلة، وأن الثاء والباء فاء عين الفعل، وأصلها ثبوة. وثبيت لا يدل على أن المحذوف من ثبة الياء دون الواو، لقولهم: خليت، وعديت، من: خلا يخلو، وعدا يعدو، كما قالوا: قضيت وسقيت والقبيلان إذا صارا إلى هنا متساويان.\n_________\n(١) البيت في \"ديوان زهير\" ص ١٧، \"مجاز القرآن\" ١/ ١٣٢، والطبري ٥/ ١٦٤، \"معاني الزجاج\" ٢/ ٧٥، \"تهذيب اللغة\" ١/ ٤٦٥ (ثاب)، \"اللسان\" ١/ ٥١٨ - ٥١٩، \"عمدة الحفاظ\" ص ٨٥ (ثوب). ومعنى \"نشاوى\" جمع نشوان وهو السكران، \"واجدين\" أي قادرين على ما يريدون من طعام وشراب.\n(٢) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٧٥، \"معاني النحاس\" ٢/ ١٣١، \"تهذيب اللغة\" ١/ ٤٦٥ (ثاب)، \"سر صناعة الإعراب\" ٢/ ٦٠٢، وانظر: \"مقاييس اللغة\" ١/ ٤٠١ (ثبي)، \"التفسير الكبير\" ١٠/ ١٧٧.\n(٣) \"ديوانه\" ص ٨، \"تهذيب اللغة\" ١/ ٤٦٥ (ثاب)، \"سر صناعة الإعراب\" ٢/ ٦٠٢ \"مقاييس اللغة\" ١/ ٤٠١ (ثبي)، وانظر: \"معجم شواهد العربية\" ص ٥٥.\n(٤) البيت غير منسوب في \"سر صناعة الإعراب\" ٢/ ٦٠٢، \"اللسان\" ١/ ٥١٩ (ثوب) ومعنى \"ذي تدرأ\": ذي قوة وعدة على دفع أعدائه في نفسه، \"مذب\": من الذب وهو الدفع والمنع، \"أشوس\": جريء على القتال الشديد.","vol":"6","page":582},{"text":"والذي ينبغي أن يُقضى به في ثبة أن تكون من الواو، وذلك أن أكثر ما حذفت لامه إنما هو من الواو نحو: أبٍ وأخٍ وغدٍ وحمٍ (١).\nقال الزجاج: وتصغيرها ثبية، وتصغير ثبة الحوَض: ثوبية؛ لأن المحذوف من هذه عين الفعل، لأنه من ثاب، (وثبة الحوض حيث) (٢) يثوب الماء إليه، أي يرجع (٣).\nويجمع الثبة التي هي الجماعة ثبين (٤)، قال عمرو:\nوأما يوم خشيتنا عليهم ... فتُصبح خيلنا عصمًا (٥) ثبينا (٦)\nوسنذكر لم جمع بالياء والنون عند قوله: ﴿عِضِينَ﴾ [الحجر:٩١] لأن هذه نظرة عضة -إن شاء الله.\nوأما التفسير فقال المفسرون في الثبات نحو قول أهل اللغة، فقال مقاتل: عصبا متفرقين (٧).\nوقال ابن عباس: سرايا متفرقين (٨).\n_________\n(١) من الكلام على البيت الأخير إلى هنا أخذه المؤلف من \"سر صناعة الإعراب\" ٢/ ٦٠٢، ٦٠٣ بتصرف يسير، وانظر: \"الممتع في التصريف\" ٢/ ٦٢٣.\n(٢) في \"معاني الزجاج\" ٢/ ٧٥: \"وثبة الحوض وسطه\" وهذا أولى.\n(٣) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٧٥.\n(٤) \"مجاز القرآن\" ١/ ١٣٢، والطبري ٥/ ١٦٤، \"معاني الزجاج\" ٢/ ٧٥، وانظر: \"أحكام القرآن\" لابن العربي ١/ ٤٥٨، وابن كثير ١/ ٥٧٥.\n(٥) في القرطبي ٥/ ٢٧٤، \"الدر المنثور\" ٢/ ٣٢٧ \"عصبا\" ولعله أولى.\n(٦) أخرج الطستي عن ابن عباس عن مسائل نافع بن الأزرق المشهورة، وفيها هذا البيت. انظر: \"الدر المنثور\" ٢/ ٣٢٧، وأورده أبو عبيدة في \"مجاز القرآن\" ١/ ١٣٢، والقرطبي ٥/ ٢٧٤، وفيها نسبته لعمرو بن كلثوم.\n(٧) انظر: \"الوسيط\" ٢/ ٦١٦، ولعله مقاتل بن حيان. انظر ابن كثير ١/ ٥٧٥.\n(٨) \"تفسيره\" ص ١٥١، وأخرجه الطبري ٥/ ١٦٥، وابن المنذر وابن أبي حاتم. انظر: \"الدر المنثور\" ٢/ ٣٢٦.","vol":"6","page":583},{"text":"وقال قتادة: الثبات الفرق (١).\nوأما معنى الآية فقال العلماء: هذه الآية تدل على أن الجهاد من فروض الكفاية؛ لأن الله تعالى خيرهم بين أن يُقاتلوا جميعًا، وبين أن يقاتل بعضهم دون بعض بقوله: ﴿فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ فدل أنه ليس من فروض الأعيان (٢). وهذا مذهب جماعة من المفسرين في الآية.\nوقال قوم: الآية لا تدل على ذلك؛ لأن قوله: ﴿فَانْفِرُوا﴾ ﴿أَوِ انْفِرُوا﴾ محمول على حالين مختلفين، فقوله: ﴿انْفِرُوا ثُبَاتٍ﴾ إذا لم ينفر معهم رسول الله - ﷺ -، (أو انفروا جميعًا) مع الرسول. نظيره قوله: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١٢٠] إذا نفر رسول الله: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ [التوبة: ١٢٢] إذا لم ينفر رسول الله. وهذا قول عبد الرحمن بن زيد والكلبي (٣).\nوقد ذكرنا في سورة البقرة ابتداء وجوب الجهاد، ومذاهب العلماء في وجوبه اليوم عند قوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾ الآية [البقرة: ٢١٦].\nومنهم من قال: التخيير في قوله: ﴿فَانْفِرُوا﴾ (أو انفروا) يعود إلى صفة الخروج للقتال، يقول: انفروا جماعات متفرقة، أو انفروا جميعًا بعضكم إلى بعض، أي على أي صفة كانت من الاجتماع في النفر والوقوف ليتلاحق الآخر والأول والمبادرة وترك التفريج للتلاحق. ولهذا المعنى أراد الشاعر لما قاله:\n_________\n(١) أخرجه الطبري ٥/ ١٦٥، وانظر: \"معاني القرآن\" للنحاس ٢/ ١٣١، وابن كثير ١/ ٥٧٥.\n(٢) انظر: \"الوسيط\" ٢/ ٦١٧، والقرطبي ٥/ ٢٧٥.\n(٣) انظر: القرطبي ٥/ ٢٧٥، \"تنوير المقياس\" بهامش المصحف ص ٨٩.","vol":"6","page":584},{"text":"طاروا إليه زرافات ووحدانا (١)\nومثله قوله: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩] أي على أي الحال كنتم فصلوا (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-758>٧٢ </span>- قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ﴾. قال المفسرون: نزلت الآية في عبد الله بن أبيّ (٣) المنافق، كان يتخلف عن رسول الله - ﷺ - إذا خرج لغزو (٤). والخطاب في هذه الآية للمؤمنين، ومعنى ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ﴾ والمعنى كان من المنافقين يحتمل وجهين:\nأحدهما: أن هذا من باب حذف المضاف، والمراد: وإن من دخلائكم، أو من عدادكم، فحذف المضاف.\nوالثاني: أنه جعل المُبطِّئ منهم في الحال الظاهرة من حكم الشريعة\n_________\n(١) عجز بيت صدره:\nقوم إذا الشر أبدى ناجذيه لهم\nوهو لقريط بن أنيف كما في \"الحماسة\" ١/ ٤، وانظر: \"الصناعتين\" ص ٢٨٥، و\"خزانة الأدب\" ٧/ ٤١٣، و\"الخصائص\" ٢/ ٢٧٠، و\"بصائر ذوي التمييز\"، وهو في \"التفسير الكبير\" ١٠/ ١٧٧، و\"اللسان\" ٨/ ٤٧٧٩ (وحد).\n(٢) انظر: \"التفسير الكبير\" ١٠/ ١٧٧.\n(٣) هو أبو الحباب عبد الله بن أبي بن مالك الخزرجي المشهور بابن سلول (وهي جدته، نسب إليها، رأس المنافقين، وكان سيد الخزرج في آخر جاهليتهم، توفي قبحه الله سنة ٩ هـ.\nانظر: \"جمهرة أنساب العرب\" ص ٣٥٤، \"الأعلام\" ٤/ ٦٥.\n(٤) أخرجه ابن المنذر وابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان. انظر: \"الدر المنثور\" ٢/ ٣٢٧، وأورده الثعلبي ٤/ ٨٦ أ، والبغوي ٢/ ٢٤٨، وابن كثير ١/ ٥٧٥. والقول بأنها نازلة في المنافقين لعموم المفسرين. انظر: \"تفسير الطبري\" ١٦٥ - ١٦٦ \"بحر العلوم\" ١/ ٢٦٧، \"الكشف والبيان\" ٤/ ٨٦ أ، \"معالم التنزيل\" ٢/ ٢٤٨، \"زاد المسير\" ٢/ ١٣٠.","vol":"6","page":585},{"text":"وهو حقن الدم والموارثة والمواكلة ونحو ذلك، وجعله منهم من حين الجنس والنسب (١).\nوقال الزجاج: أي ممن أظهر الإيمان (٢). وقد ذكرنا مثل هذا في قوله: ﴿مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾ [النساء:٦٦] (٣).\nوقوله: ﴿لَمَن﴾ اللام فيه لام الابتداء، وإنما دخلت مكان إن، كما تقول: إن فيها لأخاك (٤).\nقال الفراء: دخلت اللام في: ﴿لَيُبَطِّئَنَّ﴾ وهي صلة لمن على إضمار شبيه باليمين، كما تقول في الكلام: هذا الذي ليقومن، وأرى رجلًا ليفعلن ما يريد (٥). فتدخل اللام في صلة النكرة، كما تدخلها في صلة الموصول.\nوقال الزجاج: (من) في هذه الآية موصولة بالجالب للقسم، كأن هذا لو كان كلامًا لقلت: إن منكم لمن أحلف والله ليبطئن (٦).\nوهذا الذي قاله الزجاج معنى قول الفراء: وهي صلة لمن على إضمار شبيه باليمين.\nقال (٧): والنحويون يُجمعون على أن: من وما والذي لا يوصلن\n_________\n(١) انظر: \"الوسيط\" ٢/ ٦١٧، \"المحرر الوجيز\" ٤/ ١٢٩، \"التفسير الكبير\" ١٠/ ١٧٨.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٧٥.\n(٣) انظر تفسير الآية.\n(٤) \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٢٧٥، وانظر: \"معاني القرآن\" للأخفش ١/ ٤٥٠، الطبري ٥/ ١٦٦، \"معاني الزجاج\" ٢/ ٧٥، \"الكشف والبيان\" ٤/ ٨٦ ب.\n(٥) \"معاني القرآن\" ١/ ٢٧٥.\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٧٥، وانظر: \"زاد المسير\" ٢/ ١٣٠، \"التفسير\" ١٠/ ١٧٩، \"الدر المصون\" ٤/ ٢٩.\n(٧) أي الزجاج.","vol":"6","page":586},{"text":"بالأمر والنهي إلا بما يضمر معها من ذكر الخبر، وأن لام القسم إذا جاءت مع هذه الحروف فلفظ القسم وما أشبه لفظه مضمر معها (١). هذا كلام الزجاج.\nوبيان هذا: أنه يجوز أن تقول: مررت بمن تضربه، ولا يجوز: مررت بمن أضربه؛ لأن الخبر يصح أن يكون صلة والأمر والنهي لا يكونان صلة لموصول، والفرق بينهما أن الخبر يوضح الموصول كما يوضح الموصوف في قولك: مررت برجل لتكرمنه؛ لأنه قد خصصه وقوع الإكرام به في المستقبل، وليس ذلك الأمر في قولك: مررت برجل اضربه؛ لأنه لا يتخصص بالضرب في الأمر كما يتخصص في الخبر، فلذلك جاز أن يعرف بالضرب في الخبر ولم يجز في الأمر.\nوأما معنى التبطئة في اللغة فقال الفراء في كتاب المصادر: بطؤ بطأ مثل قبح قبحًا، وأبطأ بطأ وأبطأ فيه يبطئ إبطاء، بمعنى واحد.\nوقال الليث: البطء الإبطاء (٢).\nفأما التَّبطئة فأكثرهم على أنه يعني الإبطاء أيضًا (٣).\nومعناها التأخر، والتشديد فيه على تكرار الفعل منه (٤).\nوحكى أهل اللغة أن العرب تقول: ما أبطأ بك يا فلان عنا (٥).\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٧٥، ٧٦.\n(٢) \" العين\" ٧/ ٤٦٢، \"تهذيب اللغة\" ١/ ٣٥٢.\n(٣) انظر: \"معاني الزجاج\" ٢/ ٧٥، و\"التفسير الكبير\" ١٠/ ١٧٨، والقرطبي ٥/ ٢٧٥.\n(٤) انظر: \"معاني الزجاج\" ٢/ ٧٥، و\"بحر العلوم\" ١/ ٣٦٧، و\"التفسير الكبير\" ١٠/ ١٧٨، والقرطبي ٥/ ٢٧٥.\n(٥) \"العين\" ٧/ ٤٦٢، \"تهذيب اللغة\" ١/ ٣٥٢، \"الصحاح\" ١/ ٣٦ (بطؤ).","vol":"6","page":587},{"text":"وإدخالهم الباء يدل على أنه مطاوع (١)، وأجاز بعضهم أن يكون التَّبطئة واقعًا (٢)، فتقول بطأت فلانًا عن كذا، أي أخرته عنه.\nوكلام المفسرين يدل على الوجهين فيه، فإن جعلته مطاوعًا لم يقتض مفعولًا وإن جعلته واقعًا اقتضى مفعولًا، وهو محذوف، والتقدير فيه: ليُبطئن غيره، أو ليبطئن بغيره، إن كان المعنى أنه يحبس غيره عن القتال (٣).\nوأكثر المفسرين على أن المراد أنه يحتبس بنفسه ويتأخر بقعوده عن الغزو (٤)، فقال مقاتل: ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ﴾ ليتخلفن عن الجهاد (٥).\nوقال الكلبي: وإن منكم لمن يتثاقل (٦).\nوقال قتادة: ﴿لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ﴾ عن الجهاد والغزو في سبيل الله (٧).\nوهذا يحتمل أن يكون معناه ليبطئن غيره عن الجهاد.\n_________\n(١) أي: لازم لا يتعدى إلى مفعول، كما سيأتي من كلام المؤلف، وانظر: \"التفسير الكبير\" ١٠/ ١٧٩، \"الدر المصون\" ٤/ ٢٩.\n(٢) أي: متعديًا إلى مفعول، كما سيأتي من كلام المؤلف، وانظر: \"التفسير الكبير\" ١٠/ ١٧٨، ١٧٩، \"الدر المصون\" ٤/ ٢٩.\n(٣) انظر: الطبري ٥/ ١٦٥، \"الكشف والبيان\" ٤/ ٨٦ أ، \"زاد المسير\" ٢/ ١٣٠، \"التفسير الكبير\" ١٠/ ١٧٩، القرطبي ٥/ ٢٧٥، \"الدر المصون\" ٤/ ٢٩.\n(٤) انظر: \"معاني الزجاج\" ٢/ ٧٥، \"بحر العلوم\" ١/ ٣٦٧، \"الكشف والبيان\" ٤/ ٨٦/ أ، \"معالم التنزيل\" ٢/ ٢٤٨، \"زاد المسير\" ٢/ ١٣٠.\n(٥) ابن حيان، وأخرج الأثر عنه ابن المنذر وابن أبي حاتم. انظر: \"الدر المنثور\" ٢/ ٣٢٧، وانظر: \"الوسيط\" ٢/ ٦١٧.\n(٦) \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص (٨٩)، انظر: \"الكشف والبيان\" ٤/ ٨٦ أ، \"معالم التنزيل\" ٢/ ٢٤٨.\n(٧) أخرجه الطبري ٥/ ١٦٦، وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، انظر: \"الدر المنثور\" ٢/ ٣٢٧.","vol":"6","page":588},{"text":"وجماعة من المفسرين فسروا التبطئة ههنا بالتثبيط، وذلك يدل على أنه واقع (١).\nوقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ﴾. قال ابن عباس: يريد من القتل (٢).\nوقال مقاتل (٣): ﴿فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ﴾ من العدو، وجهد من العيش. وقال الكلبي: نكبة (٤).\nوقوله تعالى: ﴿قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ﴾. أي قال هذا المبطئ قد أنعم الله علي بالقعود.\n﴿إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا﴾ يريد: حيث لم أحضر فيصيبني ما أصابهم من البلاء والشدة. قال (٥) ابن عباس (٦) ومقاتل (٧).\nوقال الزجاج: أي إذ لم أشركهم في مصيبتهم (٨).\n_________\n(١) انظر: \"التفسير الكبير\" ١٠/ ١٧٩.\n(٢) انظر: \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ٨٩، وأخرج الطبري ٥/ ١٦٦ نحوه عن ابن جريج.\n(٣) هو ابن حيان، وأخرج الأثر عنه ابن المنذر وابن أبي حاتم. انظر: \"الدر المنثور\" ٢/ ٣٢٧.\n(٤) لم أقف عليه عن الكلبي، وأورده ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٢/ ١٣٠، عن ابن عباس.\n(٥) هكذا، والصواب: \"قاله\". انظر: \"الدر المنثور\" ٢/ ٣٢٧.\n(٦) انظر: \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ٨٩.\n(٧) هو ابن حيان، وأخرج الأثر عنه ابن المنذر وابن أبي حاتم. انظر: \"الدر المنثور\" ٢/ ٣٢٧.\n(٨) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٧٦.","vol":"6","page":589},{"text":"وقال أهل المعاني: هذا القول من هذا المنافق على إظهار الشماتة بالمؤمنين، إذا أصابهم قتل وهزيمة (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-759>٧٣ </span>- وقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ﴾. قال ابن عباس: يريد إذا ظفرتم بعدوكم وغنمتم شيئًا. وقال الكلبي: فتح، أو غنيمة، أو نصر وظهور (٢).\nوقوله تعالى: ﴿لَيَقُولَنَ﴾ أي هذا المنافق، قول نادم حاسد (٣). ﴿يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ﴾؛ لأسعد مثل ما سعدوا به من الغنيمة (٤).\nوقوله تعالى: ﴿كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ﴾. قرئ (يكن) بالياء والتاء (٥)، وكلا القراءتين قد جاء التنزيل به، فمن التذكير قوله: ﴿وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾ [هود: ٦٧]، وقوله: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ [البقرة: ٢٧٥]. وقال في آية أخرى: ﴿قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [يونس: ٥٧]، فالتأنيث هو الأصل، والتذكير يحسن إذا كان التأنيث غير حقيقي، سيما إذا وقع فاصلٌ بين الفعل والفاعل (٦).\n_________\n(١) انظر: الطبري ٥/ ١٦٥ - ١٦٦، \"الدر المنثور\" ٢/ ٣٢٧. وكأن في كلام المؤلف سقطًا وذلك أن التعبير يحتاج إلى كلمة: \"يدل\" في أول كلام أهل المعاني، أو في أثنائه، قبل: \"على إظهار ... \".\n(٢) انظر: \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ٨٩\n(٣) \"الكشف والبيان\" ٤/ ٨٦ ب، وانظر: \"الوسيط\" ٢/ ٦١٨.\n(٤) انظر: الطبري ١٦٦ - ١٦٧، \"بحر العلوم\" ١/ ٣٦٧، والمصدرين السابقين.\n(٥) القراءة بالتاء: (تكن) لابن كثير وحفص عن عاصم ويعقوب، وبالياء (تكن) للباقين من العشرة. انظر: \"السبعة\" ص ٢٣٥، \"الحجة\" ٣/ ١٧٠، ١٧١، \"المبسوط\" ص ١٥٧.\n(٦) انظر: \"الحجة\" ٣/ ١٧١، \"حجة القراءات\" ص ٢٠٨، \"الكشف عن وجوه القراءات السبع\" ١/ ٣٩٢.","vol":"6","page":590},{"text":"واختلف أهل العربية في موضع قوله: ﴿كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ﴾؛ فالأكثرون على أن هذا اعتراض بين المفعول وفعله؛ لأن المعنى: ليقولن: يا ليتني كنت معهم، فكما أن قوله ﴿قَدْ أَنْعَمَ اللَّه﴾ ﴿لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا﴾ في موضع نصب، يقال كذلك قوله تعالى: ﴿يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ﴾ في موضع نصب بقوله: ﴿لَيَقُولَنَّ﴾، وقوله ﴿كَأَنْ لَمْ تَكُنْ﴾ متصل في النظم بقوله: ﴿قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ﴾ ﴿كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ﴾ (١).\nوعلى هذا الزجاج (٢) وابن الأنباري وأبو علي (٣) وصاحب النظم وكثير من أصحاب المعاني (٤).\nومعنى قوله: ﴿كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ﴾ قال الكلبي: أي معرفة وود في الدين (٥).\nوقال مقاتل (٦): يقول: كأنه ليس من أهل دينكم في المودة.\nهذا قولهما في تفسير هذه الآية. والله تعالى يعلم أنه لم يكن بين هذا المنافق وبين المؤمنين مودة خالصة، ولكن أراد بهذه المودة المذكورة ههنا\n_________\n(١) من \"الحجة\" ٣/ ١٧١ بتصرف يسير.\n(٢) في \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٧٦.\n(٣) في \"الحجة\" ٣/ ١٧١.\n(٤) انظر: \"الكشاف\" ١/ ٢٨٠، \"المحرر الوجيز\" ١٣٠ - ١٣٢، \"زاد المسير\" ٢/ ١٣١، \"التفسير الكبير\" ١٠/ ١٧٩، \"البحر المحيط\" ٣/ ٢٩٣، \"الدر المصون\" ٤/ ٣٢.\n(٥) \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ٨٩، وانظر: \"بحر العلوم\" ١/ ٣٦٧، \"الكشف والبيان\" ٤/ ٨٦ ب.\n(٦) ابن حيان، وذكره الثعلبي في \"الكشف والبيان\" ٤/ ٨٦ ب وانظر: \"بحر العلوم\" ١/ ٣٦٧، ٣٦٨، \"الدر المنثور\" ٢/ ٣٢٧.","vol":"6","page":591},{"text":"مودة في الظاهر؛ لأن المنافقين كانوا يظهرون المودة للمؤمنين.\nقال ابن الأنباري: أي كأن لم يُعاقدكم على الإسلام ويبايعكم على الصبر والثبات فيه، على ما ساء وسر و(....) (١).\nونحو هذا قال أبو علي: أي لا يعاضدكم قتال عدوكم، ولا يرعى الذِّمام الذي بينكم (٢).\nوقال الزجاج: أي كأنه لم يعاقدكم على أن يجاهد معكم، ولم يعاقدكم على الإيمان، أي كأنه لم يُظهر لكم المودة (٣).\nفهذه الأقوال عن أهل المعنى تبيِّن أن المودة المذكورة في الآية يراد بها ما أظهره من المودة.\nوأجاز ابن الأنباري وغيره أن يكون قوله: ﴿كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ﴾ مؤخرًا إلى آخر الآية، والتقدير: ولئن أصابكم فضل من الله ليقولن يَا لَيتَنِي كُنتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا، كأن لم تكن بينكم وبينه مودة.\nوالمعنى على هذا التقدير أن الله تعالى لما أخبر عن هذا المنافق أنه يشمت بمصيبة المؤمنين، فيقول: قد أنعم الله علي إذ لم أكن معهم شهيدًا، أو يحسدهم لما يصيبون من الغنيمة فيندم على التخلف، ويقول يا ليتني كنت معهم، قال بعد الإخبار عنه بهاتين الخلتين: ﴿كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ\n_________\n(١) غير واضح في المخطوط بقدر كلمتين، ولعلها (ونفع وضر) أو نحو ذلك.\n(٢) \"الحجة\" ٣/ ١٧١.\n(٣) هكذا هذِه العبارة وفيها ركاكة بالتكرار، وعبارة الزجاج في \"معانيه\" ٢/ ٧٦: \"ومعنى المودة ههنا، أي كأنه لم يعاقدكم على الإيمان، أي كأنه لم يظهر لكم المودة، وجائز أن يكون والله أعلم: ليقولن: يا ليتني كنت معهم كأن لم تكن بينكم وبينه مودة، أي كأنه لم يعاقدكم على أن يجاهد معكم\". وانظر: القرطبي ٥/ ٢٧٦.","vol":"6","page":592},{"text":"مَوَدَّةٌ﴾ أن يحسدكم ويشمت بكم (١).\nوأجاز آخرون أن يكون موضع قوله: ﴿كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ﴾ حيث ذكر في النظم والمعنى؛ لأن معنى هذا الفصل لائق بمعنى هاتين الآيتين فأينما ذكر حسن ولم يكن أجنبيًا، وعلى هذا التقدير يكون قوله: ﴿كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ﴾ في موضع الحال من القائل الذي قال: يَا لَيتَنِي كُنتُ مَعَهُمْ كما تقول: مررت بزيد، كأن لم يكن بينك وبينه معرفة، فتكون هذه جملة في موضع الحال، أي مررت به وهذه حالك (٢).\nوقال بعض أهل المعاني على هذا التقدير: يجوز أن يكون قوله: ﴿كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ﴾ من كلام المنافق بقوله للذين أقعدهم عن الجهاد: كأن لم تكن بينكم وبين محمد مودة فيخرجكم لتأخذوا من الغنيمة. وإنما يقول هذا ليبغض لهم رسول الله - ﷺ - (٣).\nوهذا وجه بعيد، وأصحاب العربية والنحو على الوجهين الأولين.\nوقوله تعالى: ﴿يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ قال مقاتل: أي فآخذ نصيبًا وافرًا (٤). وذكرنا معنى الفوز فيما تقدم.\nوهذا القول من هذا المنافق ليس على طلب المثوبة، وتمنيه الحضور\n_________\n(١) انظر: \"التفسير الكبير\" ١٠/ ١٧٩، ١٨٠، \"البحر المحيط\" ٣/ ٢٩٣، \"الدر المصون\" ٤/ ٣٣.\n(٢) انظر: \"إملاء ما من به الرحمن بهامش الفتوحات الإلهية\" ٢/ ٢٨٣، \"الدر المصون\" ٢/ ٣٤.\n(٣) نسب نحو هذا القول لمقاتل وأبي علي الفارسي في \"البحر المحيط\" ٣/ ٢٩٣، \"الدر المصون\" ٤/ ٣٣.\n(٤) هو ابن حيان، وأخرج الأثر عنه ابن المنذر وابن أبي حاتم. انظر: \"الدر المنثور\" ٢/ ٣٢٧.","vol":"6","page":593},{"text":"إنما هو على وجه الحسد للمؤمنين، عن قتادة وابن جريج (١).\nقال أبو بكر: لم يقله رغبةً في الجهاد ولا حرصًا على طاعة النبي - ﷺ - وإنما قاله حرصًا على فتنة الدنيا وميلًا إلى الازدياد منها، فلذلك نعى الله عليه هذا القول وليم به.\nوانتصب قوله: ﴿فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ لأنه جواب التمني بالفاء، والعلة في انتصابه عند أهل الكوفة أنَّ في التمني معنى: يسرني أن تفعل فافعل، فهذا نصب كأنه منسوق، كقولك في الكلام: وددت أن أقوم فيتبعني الناس. والتقدير في الآية: يسرني أن أكون معهم فأفوز. وهذا قول الفراء (٢).\nوعند أهل البصرة انتصبت هذه الجوابات بالفاء بإضمار أن، ولا يجوز إظهارها. قالوا: وجميع ما انتصب بالفاء في الجواب إنما انتصب لمخالفة الثاني الأول، فلم يمكن عطفه عليه، فجعلت الأول بتقديره مصدره، وأضمرت بعد الفاء أن فنصبت بها الفعل، لتكون قد عطفت مصدرًا على مصدر؛ لأن أن والفعل بتقدير مصدر، وذلك قولك: ما زرتني فأحسن إليك، تقديره: ما كانت منك زيارة فإحسانٌ مني، هذا تقدير جميعه وتمثيله.\nوالتقدير في الآية: ليت لي كونا معهم ففوزًا عظيمًا. قالوا: وإنما لم يجز إظهار أن لأن ما قبلها فيه تقدير المصدر من غير إظهار للفظه، فلما كان المعطوف عليه مقدرًا غير مظهر، اختاروا أن يكون مضمرًا بعد الفاء ليشاكل ما قبلها (٣).\n_________\n(١) أخرج الأثر عنهما الطبري ٥/ ١٦٦ - ١٦٧، وانظر: \"الدر المنثور\" ٢/ ٣٢٧.\n(٢) في \"معاني القرآن\" ١/ ٢٧٦، وانظر: \"معاني الزجاج\" ٢/ ٧٦، \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ٤٣٤، \"الحروف\" للمزني ص ٦٦.\n(٣) انظر: \"معانى الحروف\" للرماني ص ٤٣،٤٤، \"سر صناعه الإعراب\" ١/ ٢٧٢ \"رصف المباني\" ص ٣٦٨، ٤٤٣، ٤٤٦.","vol":"6","page":594},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-760>٧٤ </span>- قوله تعالى: ﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآية. لما ذم الله تعالى المنافق بالتثبيط عن الجهاد، أمر المؤمنين بالقتال في سبيل الله، فكأنه قال: فلا تلتفتوا إلى تثبيط المنافقين وقاتلوا في سبيل الله.\nوقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ﴾. معناه يبيعون (١). يقال:\nوشريت بردًا ليتني ... من بعد بردٍ كنت هامه (٢)\nوأصله الاستبدال والاختبار، فلذلك كان بالمعنيين.\nوقال الشماخ:\nفلما شراها فاضت العين عبرةً ... وفي الصدر حزاز من اللوم حامز (٣)\nوالشرى في البيتين بمعنى البيع.\nقال ابن عباس والحسن والسدي وابن زيد: ﴿يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ أي يبيعونها (٤).\n_________\n(١) الطبري ٥/ ١٦٧، \"معاني الزجاج\" ٢/ ٧٧، \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٨٦٩، (شرى)، \"الكشف والبيان\" ٤/ ٨٦ ب.\n(٢) البيت ليزيد بن مفرغ الحميري كما في: ديوانه ٢١٣، \"مجاز القرآن\" ١/ ٤٨، ٣٠٤، \" الكامل\" ١/ ٣٧٣، \"معاني الزجاج\" ٢/ ٧٧، \"اللسان\" ٤/ ٢٢٥٢ (شرى). و\"برد\" كان عبدًا ليزيد وكان يحبه، فباعه فندم على ذلك، وتمنى أن لو كان بعد برد ميتًا، والهامه: الصدى يسمع على قبر الميت. انظر: \"معاني الزجاج\" ١/ ٢٧٨ [حاشية٣].\n(٣) هو من \"ديوانه\" ص ١٩٠، و\"تفسير القرطبي\" ٩/ ١٥٥، و\"جمهرة أشعار العرب\" ص ٢٤٨، و\"الزاهر\" ١/ ٢٦٩، و\"غريب الحديث\" لأبي عبيد ٤/ ٢٣٣، و\"غريب الحديث\" للحربي ٢/ ٤٨٠، و\"العين\" و\"المحكم\" و\"اللسان\" و\"التهذيب\" و\"الجمهرة\" (حزز).\n(٤) عن ابن عباس. انظر: \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ٨٩. وعن السدي =","vol":"6","page":595},{"text":"وقوله تعالى: ﴿بِالْآخِرَةِ﴾ قال ابن عباس: يريد بالآخرة في هذا الموضع الجنة كأن المعنى يختارون الجنة على البقاء في الدنيا فيُجاهدون طلبًا للشهادة والقتل في سبيل الله (١).\nوقال أهل المعاني: تقدير الآية يشترون الحياة الدنيا بالحياة الآخرة. كأنه قيل: يبيعون الحياة الفانية بالحياة الباقية، فالآخرة صفة محذوفة الموصوف (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ﴾ فيستشهد ﴿أَوْ يَغْلِبْ﴾ فيظفر. قاله الكلبي (٣).\nوقال ابن عباس: يريد كلاهما سواء (٤).\nوقوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ قال ابن عباس: يريد ثوابًا لا صفة له (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-761>٧٥ </span>- قوله تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآية. قال المفسرون: هذا حض من الله تعالى على الجهاد في سبيله؛ لاستنقاذ المؤمنين من أيدي أعدائهم (٦)، والمعنى: أيُّ شيء لكم تاركين القتال (٧)؟\n_________\n= وابن زيد أخرجه الطبري ٥/ ١٦٧، وانظر: \"الدر المنثور\" ٢/ ٣٢٧. أما عن الحسن فلم أقف عليه، وانظر: \"تفسير الهواري\" ١/ ٣٩٨.\n(١) انظر: \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ٨٩\n(٢) لم أقف عليه.\n(٣) \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ٨٩.\n(٤) انظر: \"تنوير المقباس\" ص ٨٩\n(٥) انظر: \"تنوير المقباس\" ص ٨٩.\n(٦) انظر الطبري ٥/ ١٦٧ - ١٦٨، \"الكشف والبيان\" ٤/ ٨٦ ب، والقرطبي ٥/ ٢٧٩.\n(٧) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٧٧، وانظر: الطبري ٥/ ١٦٧.","vol":"6","page":596},{"text":"أي: أي شيء لكم في ما لو ترك القتال، مع هذه الأمور التي تقتضي الحرص على الجهاد؟ وهي قوله: ﴿وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ﴾ الآية (١)، أي لا عذر لكم فيه.\nقال أبو إسحاق: و﴿لَا تُقَاتِلُونَ﴾ في موضع نصب على الحال، كقوله: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ [المدثر: ٤٩] (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ﴾. قال ابن عباس: يريد قومًا بمكة استضعفوا، فحبسوا وعذبوا (٣).\nقال: وكنت أنا وأمي من المستضعفين من النساء والولدان (٤).\nوقال الكلبي: كان هؤلاء بمكة يلقون من المشركين أذًى شديدًا، وكان أهل مكة قد اجتهدوا أن يفتنوا قومًا من المؤمنين عن دينهم بالأذى لهم، وكانوا مستضعفين في أيديهم، لم يكن لهم بمكة قوة يمتنعون بها من المشركين، ولم يقدروا أن يهاجروا إلى المدينة (٥).\nواختلفوا في وجه خفض المستضعفين، فذكر المبرِّد فيه وجهين: أحدهما: أن يكون عطفًا على السبيل، المعنى: ما لكم لا تقاتلون في سبيل\n_________\n(١) هي الآية التي تليها هذِه الآية المفسرة.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٧٧، وانظر: \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ٤٣٤، \"مشكل إعراب القرآن\" ١/ ٢٠٢.\n(٣) أخرجه بنحوه من طريق العوفي: الطبري ٥/ ١٦٩، وابن أبي حاتم، انظر: \"الدر المنثور\" ٢/ ٣٢٨.\n(٤) أخرجه عن ابن عباس: البخاري (٤٥٨٧) كتاب التفسير، باب: قوله ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّه﴾ الآية، لكن بدون لفظ: \"من النساء والولدان\".\n(٥) هو بمعنى الأثر المتقدم عن ابن عباس، ومر تخريجه، وأخرج الطبري ٥/ ١٦٩ نحوه عن ابن زيد. وروي عن الضحاك، انظر: \"معاني القرآن\" للنحاس ٢/ ١٣٣، \"بحر العلوم\" ١/ ٣٦٨. ولم أقف عليه عن الكلبي.","vol":"6","page":597},{"text":"الله وسبيل المستضعفين (١). ثم اختار الوجه الأول، قال: لأنَّ القوم خرجوا إلى القتال في سبيل الله وخلاص المستضعفين، لا إلى القتال في سبيل المستضعفين؛ لأن القتال في سبيل الله أن يقاتل رجاء ثواب الله في طاعة الله، ولا يجوز القتال في سبيل المستضعفين على هذا المعنى، وإذا كان كذلك فالأولى أن يكون العطف على ما عملت فيه (في) (٢).\nوذكر أبو إسحاق هذا وأشار إلى نحو ما ذكرنا فقال: وقول أكثر النحويين كما اختار أبو العباس، لاختلاف السبيلين؛ لأن معنى سبيل المستضعفين كأنه: وخلاص المستضعفين، وإذا اختلف معنى السبيلين فالاختيار الأول. والوجه الثاني عند أبي إسحاق أشبه بالمعنى؛ لأن سبيل المستضعفين في سبيل الله، على معنى أن خلاصهم من سبيل الله (٣).\nوأما التفسير: فقال الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس: معناه عن المستضعفين (٤). وكذلك قاله مجاهد (٥) ومقاتل (٦).\n_________\n(١) الظاهر أن هنا سقطًا أو حذفًا، وكل منهما مخل بالكلام، لأنه لم يأت بالوجه الثاني. وقد ذكر الزجاج الوجه الثاني عند المبرد بقوله: \"قال: وجائز أن يكون عطفًا على اسم الله، أي في سبيل الله وسبيل المستضعفين\" \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٧٨.\n(٢) انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٧٧، ٧٨، \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ٤٣٤، \"بحر العلوم\" ١/ ٣٦٨، \"مشكل إعراب القرآن\" ١/ ٢٠٣، \"زاد المسير\" ٢/ ١٣٢.\n(٣) انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٧٨، \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ٤٧١.\n(٤) \"الكشف والبيان\" ٤/ ٨٧ أ. وأخرج الطبري ٥/ ١٦٨ من طريق عطية العوفي عن ابن عباس قال: \"وفي المستضعفين\".\n(٥) عن مجاهد أنه قال في تفسير هذه الآية: \"أمر الله المؤمنين أن يقاتلوا عن مستضعفي المؤمنين\" تفسيره ١/ ١٦٥، وأخرجه الطبري ٥/ ١٦٨ وهذا رأي الحسن أيضًا. انظر: \"تفسير الهواري\" ١/ ٣٩٩.\n(٦) \"تفسيره\" ١/ ٣٨٩.","vol":"6","page":598},{"text":"وقال أصحاب العربية: قولهم: (عن المستضعفين) معنى، وليس بتفسير للفظ، وذلك أن المراد بالقتال صرف الأذى عنهم، فيعود التأويل إلى ما ذكرنا أن التفسير: في سبيل الله وسبيل المستضعفين.\nوالولدان جمع الولد، ونظيره مما جاء على فعل وفعلان خرب وخربان (١) وورل وورلان (٢)، كذلك ولد وولدان (٣).\nوقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾ أخبر الله تعالى أن هؤلاء لما صدوا عن الهجرة كانوا يدعون الله تعالى ويقولون: ربنا أخرجنا.\nقال ابن عباس: يريد إلى دار الهجرة وهي المدينة (٤).\n﴿مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ﴾ يريدون مكة، في قول جميع المفسرين (٥).\n﴿الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾ قال ابن عباس: يريد أنهم جعلوا لله شركًا (٦) (٧).\nقال الفراء: وخفض الظالم لأنه نعت للأهل، فلما عاد الأهل على\n_________\n(١) \"الخرب\": ذكر الحُبارى، والجمع الخِرْبان \"الصحاح\" ١/ ١١٩ (خرب) وقد جاءت هذِه الكلمة عند الرازي في \"التفسير الكبير\" ١٠/ ١٨٢ \"حزب وحزبان\" بالزاي، ولعله تصحيف.\n(٢) \"الورل\": دابة مثل الضبّ، والجمع: ورلان \"الصحاح\" ٥/ ١٨٤١ (ورل) وجاءت في \"التفسير الكبير\" ١٠/ ١٨٢: \"ورك ووركان\" بالكاف، ولعله تصحيف.\n(٣) انظر: \"أساس البلاغة\" ص ٥٢٦ (ولد)، \"التفسير الكبير\" ١٠/ ١٨٢، \"الدر المصون\" ٤/ ٣٨.\n(٤) أورده المؤلف في \"الوسيط\" ٢/ ٦٢٠ دون نسبة لابن عباس، ولم أقف عليه.\n(٥) الطبري ٥/ ١٦٨، \"معاني الزجاج\" ٢/ ٧٧، \"النكت والعيون\" ٥٠٦، \"الكشف والبيان\" ٤/ ٨٧ أ، \"زاد المسير\" ٢/ ١٣٢.\n(٦) هكذا جاءت بالتنوين، وفي \"الوسيط\" ٢/ ٦٢٠: \"شركاء\" بالمد.\n(٧) انظر: \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ٩٠، وقد أورده المؤلف في \"الوسيط\" ٢/ ٦٢٠ دون نسبة لابن عباس.","vol":"6","page":599},{"text":"القرية كانت فعل ما أضيف إليها بمنزلة فعلها، كما تقول: مررت بالرجل الواسعة داره، ومررت برجل حسنة عينه (١).\nوقال أبو إسحاق: ﴿الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾ نعت للقرية، وحدد الظالم لأنه صفة تقع موقع الفعل، يقال: مررت بالقرية الصالح أهلها: أي التي صلح أهلها (٢).\nوهذه مسألة محتاج فيها إلى شرح وبيان، والنحويون يسمُّون ما كان من مثل هذا الصفة المشبهة باسم الفاعل، والأصل في هذا الباب أنك إذا أدخلت الألف واللام في الأخير أجريته على الأول في تذكيره وتأنيثه وعدده، نحو قولك: مررت بامرأة حسنة الزوج كريمة الأب، ومررت برجل جميل الجارية. وإذا لم تُدخل اللام في الأخير حملته على الثاني في التذكير والتأنيث والعدد، كقولك: مررت بامرأة كريم زوجها، ومن هذا قوله: ﴿مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾، ولو أدخلت الألف واللام على الأهل لقلت: من هذه القرية الظالمة الأهل (٣)، ومما أجري على الأول لما لم يكن في الثاني الألف واللام قول طرفة:\nومكان زَعِلٍ ظُلْمانه ... كالمخاض الجُرْب في اليوم المطر (٤)\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" ١/ ٢٧٧، وانظر: الطبري ٥/ ١٦٨، \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ٤٣٤، \"الكشف والبيان\" ٤/ ٨٧ أ، \"معالم التنزيل\" ٢/ ٢٥٠، \"زاد المسير\" ٢/ ١٣٢.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٧٧.\n(٣) انظر: \"الكتاب\" ١/ ١٩٤ - ٢١٠، \"التفسير الكبير\" ١٠/ ١٨٣، \"الدر المصون\" ٤/ ٣٩.\n(٤) ديوان طرفة ص ٤٢، و\"العين\" ١/ ٣٥٥، ٤/ ٢٢٩، و\"تهذيب اللغة\" (خدر) و\"مقاييس اللغة\" (زعل)، و\"أساس البلاغة\" (خدر)، و\"الشعر والشعراء\" ص ١٩٠، وأشعار الشعراء الستة الجاهليين اختيار الشنتمري ٢/ ٦٧. لكن قافيته فيهما: \"الخدر\" وأوله: \"وبلاد\" بدل: (ومكان) وجاء في شرحهما: \"بلاد\". رب بلاد، وزعل:=","vol":"6","page":600},{"text":"ولو كان في الثانية والألف واللام لقال: زعلة الظلمان.\nوإنما جاز أن يكون الظالم نعتًا للقرية، وهو من صفة أهلها، لأن الأهم قد يوصف بصفةٍ لسببه، كقولك: مررت برجل قائم أبوه، فالقيام للأب، وقد أجريته صفة للرجل، وكذلك: مررت برجل حسنة أمه، وإنما نعت بفعل سببه لأنه يخصه، ويُخرجه من إبهام إلى تخصيص، كما يُخرجه فعله المحض، فلما ساوى فعل سببه فعله نعت به، فقوله: من القرية الظالم نعت للقرية (١).\nوالهاء في ﴿أَهْلُهَا﴾ يرجع إلى القرية (٢)، والأهل فاعل الظلم (٣)، ولذلك ارتفع، فإن ثنيت القرية أو جمعته لم يتغير لفظ الظالم؛ لأن الأهل واحد في اللفظ، والظالم بمنزلة فعل مقدم، والفعل إذا كان مقدمًا على الفاعل لم يثنَّ ولم يُجمع (٤)، ولهذا لم يؤنث الظالم؛ لأن الفعل إنما يؤنث إذا كان فاعله مؤنثًا، ولما كان فاعل الظلم مذكرًا لم يلحقه علامة التأنيث (٥).\n_________\n= نشيط، وظلمان: جمع ظليم: وهو ذكر النعام، والمخاض: الحوامل النوق، أو ساعات الولادة، والجرب: جمع جرباء وهي الناقة المعيبة، واليوم الخدر: الشديد البرد أو المطر والريح، وخص اليوم الخدر لأن المخاض تنضم فيه وتجتمع. ولم أجد هذا البيت في كتب النحو والأدب، مما يدل على توسع المؤلف في العربية.\n(١) انظر: الطبري ٥/ ١٦٨، \"معاني الزجاج\" ٢/ ٧٧، \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ٤٤٣، \"الكشف والبيان\" ٤/ ٨٧ أ.\n(٢) انظر: الطبري ٥/ ١٦٨.\n(٣) انظر: \"معاني الزجاج\" ٢/ ٧٧، \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ٤٤٣، \"الدر المصون\" ٤/ ٣٨.\n(٤) انظر: \"مشكل إعراب القرآن\" ١/ ٢٠٣، \"الكشاف\" ١/ ٢٨١.\n(٥) انظر: \"الكشاف\" ١/ ٢٨١، \"التفسير الكيبر\" ١٠/ ١٨٢، \"الدر المصون\" ٤/ ٣٨.","vol":"6","page":601},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا﴾. قال ابن عباس: يريد ولّ علينا رجلًا من المؤمنين (يوالينا) (١) على عدونا ويقوم بشرائعك وحدودك (٢).\nوقال الكلبي: واجعل لنا من لدنك وليًا في ديننا، يعنون النبي - ﷺ - (٣)\nوقال بعضهم: الولي ههنا القيم بالأمر لهم حتى يستنقذهم من أيدي أعدائهم؛ لأنه يتولى الأمر بنفسه ولا يكله إلى غيره (٤).\nوقوله تعالى: ﴿وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾ [النساء: ٧٥]. قال ابن عباس: يريد ينصرنا على عدوك وعدونا (٥).\nوقال الكلبي: يريد مانعًا يمنعنا من المشركين (٦).\nوقال الزجاج: أي تولنا بنصرك (٧).\nقال الكلبي: فلما فتحت مكة جعل الله لهم النبي - ﷺ - وليًّا (٨).\nوقال ابن عباس: فاستجاب الله دعاءهم، وولى عليهم رسول الله عتَّاب بن أسيد (٩)، فكان عتاب يُنصف الضعيف من الشديد، والمظلوم من\n_________\n(١) الكلمة غير واضحة تمامًا، وما أثبته هو الموافق لما في \"الوسيط\" ٢/ ٦٢١، \"التفسير الكبير\" ١٠/ ١٨٣.\n(٢) لم أقف عليه.\n(٣) انظر: \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ٩٠.\n(٤) انظر القرطبي ٥/ ٢٨٠.\n(٥) لم أقف عليه.\n(٦) انظر: \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ٩٠.\n(٧) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٧٧.\n(٨) \"بحر العلوم\" ١/ ٣٦٨، وانظر: \"الكشف والبيان\" ٤/ ٨٧ ب، وتنوير المقباس بهامش المصحف ص ٩٠.\n(٩) هو أبو عبد الرحمن عتاب بن أسيد بن أبي العيمر الأموي. أسلم يوم الفتح، =","vol":"6","page":602},{"text":"الظالم، وأعانهم (...) (١). فكانوا أعز بها من الظلمة قبل ذلك (٢).\nقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النساء:٧٦]. قال ابن عباس: يريد في طاعة الله (٣) وتأويل ذلك أنها تُؤدي إلى ثواب الله في جنته التي أعدها لأوليائه، فلذلك سُميت طاعة الله: سبيل الله.\nوقيل: معنى ﴿في سَبِيلِ اَللَّهِ﴾: في دين الله الذي شرعه ليؤدي إلى ثوابه ورحمته، فيكون التقدير على هذا: في نصرة دين الله (٤).\nوقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾. قال ابن عباس: يعني المشركون واليهود والنصارى (٥).\n﴿يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ﴾ قال: يريد في طاعة الشيطان (٦).\n_________\n= واستعمله النبي - ﷺ - على مكة لما سار إلى حنين وكان ﵁ صالحًا فاضلًا، توفي يوم مات أبو بكر ﵄. انظر: \"أسد الغابة\" ٣/ ٥٥٦، \"الإصابة\" ٢/ ٤٥١.\n(١) كلمة غير واضحة.\n(٢) قال الحافظ ابن حجر في \"الإصابة\" ٢/ ٤٥١: أورده العقيلي في ترجمة هشام بن محمد بن السائب الكلبي بسنده إليه عن أميه عن أبي صالح عن ابن عباس. اهـ وأورده السمرقندي في \"بحر العلوم\" ١/ ٣٦٨ عن الكلبي، والثعلبي في \"الكشف والبيان\" ٤/ ٨٧ أدون نسبة، وذكره عن ابن عباس ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٢/ ١٣٣، والرازي في \"التفسير الكبير\" ١٠/ ١٨٣، والأثر في \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف\" ص (٩٠).\n(٣) ذكر في \"بحر العلوم\" ١/ ٣٦٨)، \"الكشف والبيان\" ٤/ ٨٧ أ، والقرطبي ٥/ ٢٨٠ غير منسوب لابن عباس، ولم أقف عليه عنه.\n(٤) انظر: الطبري ٥/ ١٦٩، \"الوسيط\" ٢/ ٦٢٢.\n(٥) في \"تنوير المقباس\": بهامش المصحف ص ٩٠: \" أبو سفيان وأصحابه\".\n(٦) \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ٩٠.","vol":"6","page":603},{"text":"والطاغوت ههنا الشيطان في قول ابن عباس والحسن والشعبي (١)، والدليل على صحة ذلك قوله في هذه الآية: ﴿فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ﴾.\nقال ابن عباس: يريد عبدة الأصنام (٢).\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ معنى الكيد السعي في فساد الحال على جهة الاحتيال، يقال: كاده يكيده كيدًا، إذا عمل في إيقاع الضرر به على جهة الحيلة عليه (٣).\nوأما معنى ضعف كيد الشيطان، فقال ابن عباس: يعني خذلانه إياهم يوم بدر، قتلوا ببدر (٤).\nوقال أصحاب المعاني: إنما وصف كيده بالضَّعف لضعف نُصرته لأوليائه بالإضافة إلى نصرة الله للمؤمنين (٥).\nوقال الحسن: لما أخبر الله عن ضعف كيد الشيطان دلَّ ذلك على أنه يُظهر المؤمنين على أولياء الشيطان. فكأنه قيل: فقاتلوا أولياء الشيطان فإنكم منصورون عليهم. هذا معنى قول الحسن (٦).\n_________\n(١) لم أقف على أثر عنهما أو نسبة لهذا القول إليهما. والقول بأن الطاغوت ههنا هو الشيطان قول عامة المفسرين، انظر: الطبري ٥/ ١٦٩، \"تفسير الهواري\" ١/ ٣٩٩، \"بحر العلوم\" ١/ ٣٦٨، \"الكشف والبيان\" ٤/ ٨٧ ب، \"معالم التنزيل\" ٢/ ٢٥٠، \"زاد المسير\" ٢/ ١٣٣.\n(٢) \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص (٩٠) بلفظ: \"جند الشيطان\". وانظر: \"بحر العلوم\" ١/ ٣٦٨، \"الكشف والبيان\" ٤/ ٨٧ ب، \"معالم التنزيل\" ٢/ ٢٥٠.\n(٣) انظر: الطبري ٥/ ١٦٩ - ١٧٠، \"الصحاح\" ٢/ ٥٣٣ (كيد)، \"بحر العلوم\" ١/ ٣٦٩ \"الكشف والبيان\" ٤/ ٨٧ ب.\n(٤) \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ٩٠.\n(٥) انظر: \"الكشاف\" ١/ ٢٨١، \" التفسير الكبير\" ١٠/ ١٨٤.\n(٦) انظر: \"تفسير كتاب الله العزيز\" للهواري ١/ ٤٠٠.","vol":"6","page":604},{"text":"وفائدة إدخال كان في قوله: ﴿كاَنَ ضَعِيفًا﴾ التأكيد لضعف كيده، وذلك أنَّ كان يدلُّ على لزوم الضعف كيده، خلاف العارض الذي لم يكن ثم كان، وكيده مما يلزمه صفة الضعف، وليس عارضة فيه، بدلالة كان على هذا المعنى (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-762>٧٧ </span>- قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ﴾ الآية.\nيقال: كففت فلانًا عن السوء فكف يكف كفًا، سواء لفظ اللازم والمجاوز (٢). وأكثر المفسرين على أنَّ هذه الآية نازلة في قوم من المؤمنين، استأذنوا النبي - ﷺ - وهم بمكة في قتال المشركين، فلم يأذن لهم، فلما كتب عليهم القتال بالمدينة قال فريق منهم ما أخبر الله عنهم. وهذا قول ابن عباس (٣) والحسن (٤) وعكرمة (٥) وقتادة (٦) والكلبي (٧) والسدي (٨).\nقال الكلبي: نزلت في عبد الرحمن بن عوف والمقداد (٩) وقُدامة بن\n_________\n(١) انظر: \"التفسير الكبير\" ١٠/ ١٨٤.\n(٢) \"العين\" ٥/ ٢٨٣، \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣١٦٦ (كف).\n(٣) أخرجه عنه من طريق عكرمة النسائي في \"تفسيره\" ١/ ٣٩٤، والطبري ٥/ ١٦٩ - ١٧٠، وابن أبي حاتم. انظر: \"الدر المنثور\" ٢/ ٣٢٨.\n(٤) انظر: \"تفسير الهواري\" ١/ ٤٠١.\n(٥) أخرجه الطبري ٥/ ١٦٩ - ١٧٠.\n(٦) أخرجه الطبري ٥/ ١٦٩ - ١٧٠، وعبد بن حميد وابن المنذر. انظر: \"الدر المنثور\" ٢/ ٥٩٤.\n(٧) انظر: \"تفسير الهواري\" ١/ ٤٠١، \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ٩٠.\n(٨) أخرجه الطبري ٥/ ١٦٩ - ١٧٠، وابن أبي حاتم، انظر: ابن كثير ١/ ٥٧٦، \"الدر المنثور\" ٢/ ٣٢٨.\n(٩) هو أبو الأسود أو أبو عمر المقداد بن عمرو بن ثعلبة البهراني، اشتهر بابن =","vol":"6","page":605},{"text":"مظعون (١) وسعد بن أبي وقاص، كانوا مع رسول الله - ﷺ - قبل أن يُهاجروا إلى المدينة، يلقون من المشركين الأذى، فيشكون ذلك إلى رسول الله ويقولون: ائذن لنا في قتالهم، ويقول لهم رسول الله: ﴿كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ﴾ فإني لم أؤمر بقتالهم، فلما هاجر رسول الله إلى المدينة وأمر بالقتال أمرهم أن يسيروا إلى بدر، فكرهه بعضهم، وهو طلحة (٢) بن عبيد الله، فأنزل الله هذه الآية (٣).\nوقال السدي: نزلت هذه الآية في أهل الإيمان بمكة (٤).\n_________\n= الأسود، لأن الأسود بن عبد يغوث قد تبناه، أسلم قديمًا وهاجر الهجرتين، وشهد بدرًا وما بعدها وكان من الشجعان ومن أول من أظهروا الإسلام، توفي ﵁ سنة ٣٣ هـ انظر: \"جمهرة أنساب العرب\" ص ٤٤١، \"أسد الغابة\" ٥/ ٢٥١، \"الإصابة\" ٣/ ٤٥٤.\n(١) هو أبو عمرو قدامة بن مظعون بن حبيب بن وهب القرشي الجُمحي، من السابقين إلى الإسلام، هاجر الهجرتين وشهد بدرًا وما بعدها، توفي ﵁ سنة ٣٦هـ، وقيل بعدها.\nانظر: \"أسد الغابة\" ٤/ ٢٩٤، \"سير أعلام النبلاء\" ١/ ١٦١، \"الإصابة\" ٣/ ٢٢٨.\n(٢) هو أبو محمد طلحة بن عبيد الله بن عثمان بن عمرو القرشي التيمي من السابقين إلى الإسلام، أحد أصحاب الشورى، ومن العشرة المشهود لهم بالجنة، شهد أحدًا وما بعدها وبايع بيعة الرضوان وأبلى يوم أحد بلاءً عظيمًا، واستشهد يوم الجمل سنة ٣٦هـ. ﵁. انظر: \"أسد الغابة\" ٣/ ٨٥، \"سير أعلام النبلاء\" ١/ ٢٣، \"الإصابة\" ٢/ ٢٢٩.\n(٣) بنحوه في \"تفسير الهواري\" ١/ ٤٠٠، \"الكشف والبيان\" ٤/ ٨٧ ب، \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ٩٠، وهو بمعنى الأثر عن ابن عباس ومن قال به من التابعين، وتقدم تخريج ذلك.\n(٤) أخرجه بمعناه الطبرى ٥/ ١٧٠، وابن أبي حاتم انظر: \"الدر المنثور\" ٢/ ٣٢٨.","vol":"6","page":606},{"text":"وقال عطاء: ﴿كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ﴾ عن قتال عبدة الأصنام؛ لأنَّ الله لم يأمر بقتالهم (١). وقال ابن إسحاق: كان المسلمون قبل أن يؤمروا بالقتال قالوا للنبي - ﷺ -: لو أذنت لنا أن نقاتل المشركين. فأمروا بالكف، وأداء ما افترض عليهم غير القتال، وهو قوله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ (٢).\nوقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ﴾. قال ابن عباس: فرض عليهم القتال بالمدينة.\nوقوله تعالى: ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ﴾. قال: يعني عذاب الناس القتل ﴿كَخَشْيَةِ اللَّهِ﴾ (٣). وهو مصدر مُضاف إلى المفعول (٤).\n﴿أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾. قال ابن عباس: أو أكثر خشية (٥).\nوقال الحسن: من صفة المؤمنين لما طُبع عليه البشر من المخافة، لا على كراهة أمر الله بالقتال (٦).\nودخلت ﴿أَوْ﴾ ههنا من غير شك، ومعناه الإبهام على المخاطب بمعنى أنهم على إحدى الأمرين من المساواة أو الشدَّة -وهذا أصل ﴿أَوْ﴾ (٧) - وهو بمعنى أحد الأمرين على الإبهام (٨).\n_________\n(١) لم أقف عليه.\n(٢) لم أقف عليه.\n(٣) بنحوه في الأثر المتقدم من طريق عكرمة عن ابن عباس، وانظر: \"الكشف والبيان\" ٤/ ٨٧ ب، \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ٩٠.\n(٤) انظر: \"التفسير الكبير\" ١٠/ ١٨٥.\n(٥) انظر:. \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ٩٠.\n(٦) انظر: \"تفسير الهواري\" ١/ ٤٠١، \"النكت والعيون\" ١/ ٥٠٧، \"الوسيط\" ٢/ ٦٢٤، القرطبي ٥/ ٢٨١.\n(٧) انظر: \"معاني الحروف\" للرماني ص ٨٠.\n(٨) انظر: \"المحرر الوجيز\" ٤/ ١٣٦، \"التفسير الكبير\" ١٠/ ١٨٦.","vol":"6","page":607},{"text":"وقيل: دخلت أو للإباحة، على معنى: أنك إن قلت: يخشون الناس كخشية الله، فأنت مُصيب، وإن قلت: يخشونهم أشدَّ من خشية الله، فأنت مصيب (١)؛ لأنه حصل لهم مثل تلك الخشية وزيادة (٢).\nوقال أهل العلم: في هذه الآية دلالة على أنَّ العبد إذا خاف غير الله استحق مذمة الله تعالى، ألا ترى أن هذا خرج مخرج المذمة لهؤلاء.\nوقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ﴾. إنما قالوا هذا جزعًا من الموت وحصرًا على الحياة، لا إنكارًا على الله سبحانه (٣) ﴿لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ﴾.\nقال ابن عباس: يريد: أفلا أخرتنا إلى الموت. أي هلَّا تركتنا حتى نموت بآجالنا وعافيتنا من القتل. قاله السدي (٤).\nثم أعلم الله ﷿ أنَّ متاع الدنيا قليل، فقال: ﴿قُلْ﴾ لهم يا محمد (٥) ﴿مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾ قال الكلبي: أجل الدنيا قريب (٦).\n_________\n(١) انظر: \"المحرر الوجيز\" ٤/ ١٣٦.\n(٢) خلاصة ما قيل -على ما ذكر المؤلف- في: (أو) هنا: أنها إما للإبهام أو للتخيير وهناك قول ثالث لم يذكره المؤلف -وهو للجمهور- أنها بمعنى (الواو) فتكون عاطفة. انظر: \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ٤٣٦، \"الكشف والبيان\" ٤/ ٨٧ ب، \"مشكل إعراب القرآن\" ١/ ٢٠٣، \"الكشاف\" ١/ ٢٨٢، \"المحرر الوجيز\" ٤/ ١٣٦، \"زاد المسير\" ٢/ ١٣٥.\n(٣) انظر: \"تفسير الهواري\" ١/ ٤٠١، \"التفسير الكبير\" ١٠/ ١٨٦.\n(٤) روى معناه عن السدي مقطوعًا الطبري ٥/ ١٧٠، وابن أبي حاتم. انظر: \"زاد المسير\" ٢/ ١٣٦، \"تنوير المقباس\" ص٩٠، \"الدر المنثور\" ٢/ ٣٢٩.\n(٥) انظر: الطبري ٥/ ١٧١، \"الكشف والبيان\" ٤/ ٨٨ أ.\n(٦) في \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ٩٠، بلفظ: \"منفعة الدنيا\". انظر: \"الكشف والبيان\" ٤/ ٨٨ أ.","vol":"6","page":608},{"text":"وقال الضحاك: عيش الدنيا قليل (١).\nوقال ابن زيد: يسير ينقطع (٢). وقيل: كل ما تمتعون به من الدنيا قليل.\n﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى﴾. قال عطاء عن ابن عباس: يريد الجنة خير لمن اتقى الله ولم يُشرك به شيئًا (٣).\n﴿وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ يريد لا ينقصون من ثواب أعمالهم مثل فتيل النواة.\nقال (٤) عطاء عن ابن عباس (٥)، ورُوي عنه أيضًا أنه قال: هو ما تفتله بيدك ثم تُلقيه احتقارًا (٦).\nومضى الكلام في هذا (٧)، هذا مذهب المفسرين في هذه الآية.\nوقال مجاهد: هذه الآية في اليهود، إلى قوله ﴿لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (٨) [النساء: ٨٣].\n_________\n(١) انظر: \"الوسيط\" ٢/ ٦٢٤.\n(٢) لم أقف عليه.\n(٣) انظر: \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ٩٠.\n(٤) هكذا في المخطوط، والظاهر الموافق للسياق: \"قاله\".\n(٥) أخرج نحوه عن عطاء مقطوعًا الطبري ٥/ ١٧٢، ٦/ ١٢٩، ومن طريق علي ابن أبي طلحة في \"تفسير ابن عباس\" ص ١٤٩، وأخرجه الطبري ٥/ ١٧٢، ٦/ ١٢٩، وأخرجه الطستي وابن الأنباري في الوقف والابتداء عن ابن عباس من مسائل نافع ابن الأزرق، انظر: \"الدر المنثور\" ٢/ ٣٢٩. وهذا قول مجاهد وقتادة والضحاك وابن زيد. انظر: \"تفسير عبد الرزاق\" ١/ ١٦٤، والطبري ٥/ ١٢٩، ٥/ ١٧٢.\n(٦) أخرجه الطبري ٥/ ١٧١، ٥/ ١٢٩ بنحوه من طرق، وكذا عبد بن حميد وابن المنذر. انظر: \"الدر المنثور\" ٢/ ٣٢٩. وهذا قول أبي مالك والسدي. انظر: الطبري ٥/ ١٧٢، ٥/ ١٢٩.\n(٧) عند قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ [النساء: ٤٩] وهذه الآية في القسم الساقط.\n(٨) أخرجه الطبري ٥/ ١٨٤ وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم. انظر: \"الدر المنثور\" ٢/ ٣٣٤.","vol":"6","page":609},{"text":"قال: وهؤلاء الذين قيل لهم: ﴿كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ﴾ هم الذين ذكروا في قوله ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى﴾ الآية [البقرة: ٢٤٦].\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ قرئ بالياء والتاء (١)، فمن قرأ بالياء فلما تقدم من ذكر الغيبة، وهو قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ﴾ ومن قرأ بالتاء فكأنه ضمَّ إليهم في الخطاب المسلمون (٢)، فغلِّب الخطاب على الغيبة، ويؤكد التاء قوله: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾، وما في ﴿قُلْ﴾ من الخطاب (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-763>٧٨ </span>- قوله تعالى: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ﴾. هذه الآية عند الزجاج متصلة بالأولى إلى قوله: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ﴾؛ لأنه قال: وأعلمهم أنَّ آجالهم لا تخطئهم ولو تحصنوا بأمنع الحصون، فقال: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَة﴾ (٤).\nوقال الكلبي: نزلت هذه الآية في المنافقين حين قالوا لما استشهد من المسلمين ممن استشهد بأحد: لو كان (إخواننا قتلوا) (٥) عندنا ما قتلوا، فأنزل الله هذه الآية (٦).\n_________\n(١) قرأ بالياء أبو جعفر وابن كثير وحمزة والكسائي وخلف، وقرأ الباقون بالتاء. انظر: \"الحجة\" ٣/ ١٧٢، \"المبسوط\" ص ١٥٦، \"البدور الزاهرة\" ص ٨٢.\n(٢) في \"الحجة\" ٣/ ١٧٢: \"النبي - ﷺ - والمسلمون\".\n(٣) من \"الحجة \" ٣/ ١٧٢، وانظر: \"حجة القراءات\" ص ٢٠٨، \"الكشف\" ١/ ٣٩٣.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٧٩.\n(٥) هكذا في (ش)، وفي \"أسباب النزول\" للمؤلف ص ١٧١: \"إخواننا الذين قتلوا\" وهو الصواب.\n(٦) ذكره المؤلف في \"أسباب النزول\" ص ١٧١ عن ابن عباس من رواية أبي صالح، وانظر: \"زاد المسير\" ٢/ ١٣٧، والقرطبي ٥/ ٢٨٢.","vol":"6","page":610},{"text":"وقال ابن عباس في رواية عطاء: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ﴾ يا معشر المنافقين ولو كنتم في بُروج مشيَّدة (١). والبروج في كلام العرب القصور والحصون.\nوقال ابن المظفر: البروج بيوتٌ تُبنى على سور المدينة (٢).\nوبروج الفلك اثنا عشر، كل برج فيها ثلاثون درجة (٣).\nوأصلها في اللغة من الظهور، ومنه يقال: تبرجت المرأة، إذا أظهرت محاسنها (٤). والبرج سعة العين لظهورها بالاتساع (٥).\nوأما قول أهل التفسير في البروج فقال ابن عباس في رواية عطاء ﴿بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ يريد الحصون، أي لا تُرام (٦). وقال في رواية الضحاك البروج الحصون والآطام والقلاع (٧).\nوقال مجاهد وابن جريج: هي القصور (٨).\nوقال الربيع والسدي وقتادة: يعني بروج السماء بأعيانها (٩).\n_________\n(١) انظر: \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ٩٠.\n(٢) ذكر ذلك عن الليث (ابن المظفر) ابن منظور في \"اللسان\" ١/ ٢٤٤ (برج).\n(٣) انظر: \"الصحاح\" ١/ ٢٩٩، \"اللسان\" ١/ ٢٤٤ (برج)، \"معاني القرآن\" لابن العربي ١/ ٤٦١.\n(٤) \"مقاييس اللغة\" ١/ ٢٣٨، \"الصحاح\" ١/ ٢٩٩ (برج).\n(٥) \"مقاييس اللغة\" ١/ ٢٣٨، وانظر: \"اللسان\" ١/ ٢٤٣ (برج).\n(٦) انظر: \"زاد المسير\" ٢/ ١٣٧، \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ٩٠.\n(٧) من الثعلبي في \"الكشف والبيان\" ٤/ ٨٨ ب.\n(٨) أخرج نحو ذلك عنهما الطبري ٥/ ١٧٢، ١٧٣.\n(٩) أخرج ذلك عن الربيع والسدي: الطبري ٥/ ١٧٣، وابن أبي حاتم عن السدي انظر: \"الدر المنثور\" ٢/ ٣٢٩. أما قول قتادة فأنه كالأقوال المتقدمة، فقد أخرج الطبري ٨/ ٥٥٢ عنه أنه قال: \"في قصور محصنة\" وانظر: \"الدر المنثور\" ٢/ ٣٢٩.","vol":"6","page":611},{"text":"وأما المشيَّدة فقال الفراء في المصادر: شاد بناءه يشيد شيدًا، وأشاد بناءه أيضًا إشادة، وشيد بناءه يشيده تشييدًا، إذا رفعه (١).\nوقال في المعاني (٢): ما كان من جمع مثل: بروج مشيدة، ومثل قولك: مررت بثياب مصبغة، وأكبش مذبحة، فجاز التشديد لأن الفعل متفوق في جمع، فإذا أفردت الواحد من ذلك، فإن كان الفعل يتردد في الواحد ويكثر جاز فيه التشديد والتخفيف مثل قولك: مررت برجل مشجج، وثوب مخرق (٣). جاز فيه التشديد لأن الفعل قد تردد فيه وكثر. وتقول: مررت بكبش مذبوح، ولا تقل: مذبح؛ لأن الذبح لا يتردد كتردد التخرق (٤).\nوقال الزجاج في المشيد والتشييد والإشادة مثل قول الفراء (٥).\nوقال أبو عبيدة وابن قتيبة: المشيدة المطولة (٦).\nوقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ﴾ قال المفسرون: هذا موقف اليهود والمنافقين عند مقدم النبي - ﷺ - المدينة، وكان قد بسط عليهم الرزق، فلما كفروا أمسك عنهم بعض الإمساك، كما مضت سنة الله في الأمم، قال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا﴾ [الأعراف: ٩٤]، فقالوا: ما رأينا أعظم\n_________\n(١) انظر: \"معاني القرآن\" ١/ ٢٧٧، \"معاني الزجاج\" ٢/ ٧٩،\"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٨٠٢ (شاد).\n(٢) أي الفراء في كتابه \"معاني القرآن\" ١/ ٢٧٧.\n(٣) في \"معاني القرآن\": \"ممزق\" والمعنى متقارب.\n(٤) \"معاني القرآن\" ١/ ٢٧٧ وانظر: الطبري ٥/ ١٧٣.\n(٥) انظر: \"معانى القرآن وإعرابه\" ٢/ ٧٩.\n(٦) \"مجاز القرآن\" ١/ ١٣٢، \"غريب القرآن\" لابن قتيبة ص ١٢٧.","vol":"6","page":612},{"text":"شؤمًا من هذا، نقصت أثمارنا وغلت أسعارنا منذ قدم علينا هذا الرجل وأصحابه. فقوله: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ﴾ يعني الخصب ورخص السعر وتتابع الأمطار، قالوا: هذا من عند الله، ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾: جدب وغلاء الأسعار، قالوا: هذا من شؤم محمد.\nوهذا كقوله: ﴿فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ﴾ [الأعراف: ١٣١]. هذا قول الكلبي (١) وأكثر المفسرين (٢)، واختيار الفراء (٣) والزجاج (٤).\nوقال ابن عباس في رواية عطاء: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ﴾ من النصر والغنيمة يقولوا هذه من عند الله ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾ من القتل والهزيمة (٥).\nوهذا قول الحسن (٦) وابن زيد (٧).\nوعلى هذا المعنى فقوله: ﴿يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ﴾ قال ابن زيد: بسوء تدبيرك (٨).\nوقال ابن الأنباري: إذا أصابهم الخصب ونالوا ما يحبون من الغنائم والأموال قالوا: هذا من عند الله، لم نزل نعرفه، لا شيء لمحمد فيهن،\n_________\n(١) انظر: \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ٩٠.\n(٢) انظر: الطبري ٥/ ١٧٤، \"تفسير الهواري\" ١/ ٤٠١، \"بحر العلوم\" ١/ ٣٧٠، \"الكشف والبيان\" ٤/ ٨٨ ب، \"النكت والعيون\" ١/ ٥٠٦ - ٥٠٧ \"زاد المسير\" ٢/ ١٣٧.\n(٣) في \"معاني القرآن\" ١/ ٢٧٨.\n(٤) في \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٧٩.\n(٥) انظر: \"زاد المسير\" ٢/ ١٣٨.\n(٦) انظر: \"تفسير الهواري\" ١/ ٤٠١، \"النكت والعيون\" ١/ ٥٠٦ - ٥٠٨.\n(٧) أخرجه الطبري ٥/ ١٧٤ - ١٧٥، وانظر: \"النكت والعيون\" ١/ ٥٠٦ - ٥٠٨؛ \"زاد المسير\" ٢/ ١٣٨، \"الدر المنثور\"٢/ ٣٣٠.\n(٨) المرجع السابق.","vol":"6","page":613},{"text":"وإذا أصابهم الجدب والبلاء والشر قالوا: هذا الشقاء بشؤم محمد - ﷺ -، فقال الله تعالى: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ أي النصر والهزيمة (١).\nوقال أهل المعاني: جملة المعنى الذي تضمنته هذه الآية الحض على الجهاد، بأن الموت لا بد منه، فلا تجزعوا من الموت جزع المُعرض عن ذكره، ولا تجهلوا بإضافة المصيبة فيه إلى غير الله (٢).\nوقال ابن عباس في بعض الروايات: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ أما الحسنة فأنعم الله بها عليك، وأما السيئة فابتلاك بها (٣).\nوقوله تعالى: ﴿فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء: يريد لا يفهمون القرآن (٤).\nوالفقه في اللغة: اللهم، يقال: أوتي فلان فقهًا في الدين، أي فهمًا (٥)، ومنه قوله - ﷺ - لابن عباس: \"وفقهه في التأويل\" (٦) أي فهمه تأويله.\n_________\n(١) مثل هذا مروي عن ابن زيد، انظر: \"الدر المنثور\" ٢/ ٣٣٠ - ٣٣١، ولم أقف عليه عن عطاء.\n(٢) انظر: \"بحر العلوم\" ١/ ٣٦٩، \"الكشف والبيان\" ٤/ ٨٨ ب.\n(٣) هذا الأثر من رواية علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في \"تفسيره\" ص١٥١، والطبري ٥/ ١٧٤ - ١٧٥، والبيهقي في \"الاعتقاد على مذهب السلف\" أهل السنة والجماعة ص (٦٧، ٦٨)، وعزاه السيوطي في \"الدر المنثور\" ٢/ ٣٣٠ - ٣٣١ أيضًا إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(٤) انظر: \"بحر العلوم\" ١/ ٣٧٠، \"زاد المسير\" ٢/ ١٣٦.\n(٥) انظر: \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٨٤٤، \"الصحاح\" ٦/ ٢٢٤٣ (فقه).\n(٦) أخرجه البخاري (١٤٣) كتاب: الوضوء، باب: (١٠) وضع الماء عند الخلاء ١/ ٤٥ بلفظ: \"اللهم فقهه في الدين\"، ومسلم (٢٤٧٧) في كتاب: فضائل الصحابة، باب: (٣٠) فضائل عبد الله بن عباس ﵄ ٤/ ١٩٢٧ (ح ١٣٨) بلفظ:\"اللهم فقهه\" وأحمد في \"مسنده\" ١/ ٢٩٩ بلفظ: \"اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل\".","vol":"6","page":614},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-764>٧٩ </span>- قوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ﴾ يوم بدر، من النصر والغنيمة، فمن الله، ﴿وَمَا أَصَابَكَ﴾ يوم أُحد من القتل والهزيمة، ﴿فَمِنْ نَفْسِكَ﴾، يريد: فبذنبك. وهذا من الله مخاطبة للنبي - ﷺ - والمراد به أصحابه، والشعبي من ذلك بريء، وذلك أن الله تعالى حين بعثه غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وعصمه فيما يستقبل حتى يموت، فهو معصوم. انتهى كلام ابن عباس (١).\nوهذا الذي ذكره مذهب أكثر أهل التفسير والمعاني (٢).\nقال أبو إسحاق: هذا خطاب للنبي - ﷺ - يُراد به الخلق، ومخاطبة النبي - ﷺ - قد يكون للناس جميعًا؛ لأنه - ﷺ - لسانهم، والدليل على ذلك قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] فنادى النبي - ﷺ - وحده، وصار الخطاب شاملًا له ولأمته، فمعنى ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ أي ما أصبتم من غنيمة، أو أتاكم من خصب فمن تفضل الله جل وعز، ﴿وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ﴾ أي من جدب وغلبةٍ في حرب ﴿فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ أي: أصابكم ذلك بما كسبت أيديكم (٣).\n_________\n(١) ورد نحوه من طريق علي بن أبي طلحة في تفسير ابن عباس ص ١٥٢، وأخرجه الطبري ٥/ ١٧٥ - ١٧٧، وانظر: \"زاد المسير\" ٢/ ١٣٨. ولم أقف على رواية عطاء، وانظر: \"تنوير المقباس\" ص ٩٠، وأخرج ابن أبي حاتم نحوه من طريق عطة العوفي عن ابن عباس. انظر: \"الدر المنثور\" ٢/ ٣٣١ - ٣٣١.\n(٢) انظر: الطبري ٥/ ١٧٥ - ١٧٧، \"بحر العلوم\" ١/ ٣٧٠، \"النكت والعيون\" ١/ ٥٠٦ - ٥٠٩.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٧٩، ٨٠، وانظر: \"تفسير غريب القرآن\" لابن قتيبة ص ١٢٧، \"معاني القرآن\" للنحاس ٢/ ١٣٥.","vol":"6","page":615},{"text":"وقال الكلبي: ما أصابك من خير فالله هداك له وأعانك عليه، وما أصابك من أمر تكرهه فبذنبك، عقوبة للذنب (١).\nوقال قتادة: ﴿فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ عقوبة لذنبك يا ابن آدم (٢). وكذلك قال الحسن (٣) والسدي وابن جريج (٤) والضحاك في تفسير قوله: ﴿فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ فبذنبك. ويدل على صحة هذا التفسير قوله تعالى ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠] وقوله: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ﴾ [الحج: ١٠]، وقوله: ﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٦٥]، وقوله: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ [الروم: ٤١].\nوقال أبو بكر بن الأنباري: ما أصابك من خصب فمن تفضل الله، وما أصابكم من جدب وغم فمن أجل ذنوبكم، فخوطب النبي - ﷺ - والمعني الأمة.\nوهذا القول هو اختيارنا لموافقته الآثار واللغة، ودلالة الآية الأولى على صحته، ولأن الحسنة معلوم أنها تكون بمعنى الخصب، والسيئة بمعنى الجدب، قال الله تعالى: ﴿وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٨] أراد: واختبرناهم بالخصب والجدب. ونحو هذا قال ابن قتيبة (٥).\n_________\n(١) لم أقف عليه، وانظر: \"بحر العلوم\" ١/ ٣٧٠.\n(٢) أخرجه الطبري ٥/ ١٧٥ - ١٧٦، وعبد بن حميد، انظر: \"الدر المنثور\" ٢/ ٣٣٠ - ٣٣١.\n(٣) انظر: \"تفسير الهواري\" ١/ ٤٠٢، \"النكت والعيون\" ١/ ٥٠٧ - ٥٠٩، \"زاد المسير\" ٢/ ١٣٩.\n(٤) أخرجه عن السدي وابن جريج: الطبري ٥/ ١٧٥ - ١٧٦.\n(٥) في \"تفسير غريب القرآن\" ص ١٢٧.","vol":"6","page":616},{"text":"ولا تعلق للقدرية بهذه الآية؛ لأن الحسنة والسيئة المذكورتين هنا لا ترجعان إلى الطاعة والمعصية وأكساب العباد بحالٍ، ولا يجوز ذلك (١) قال ابن الأنباري: لأن الحسنة التي يُراد بها الخير والطاعة لا يقال فيها: أصابتني، إنما يقال: أصبتها، وليس في كلام العرب: أصابت فلانًا حسنةٌ على معنى: عمل خير، وكذلك: أصابته سيئة، على معنى عمل معصية، غير موجود في كلامهم، إنما يقولون: أصاب سيئة، إذا عملها واكتسبها، واللغة تُروى، ولا تُعمل عملًا، فانفساخ قول القدرية واضح بين.\nوأكد الحسين بن الفضل هذا المعنى فقال: لو كانت الآية على ما يقول أهل القدر لقال: ما أصبت، ولم يقل: ما أصابك؛ لأن العادة جرت بقول الناس: أصابني بلاءً ومكروه، وأصابني فرح ومحبوب، ولا يكاد يسمع: أصابني الصلاة والزكاة، والطاعة والمعصية، فالحسنة والسيئة في هذه الآية ماستان مصيبتان، ولا ممسوستان مصابتان، وإذا كانتا بهذه الصفة لم يكن بيننا وبين أهل القدر خلاف أنهما تكونان من فعل الله تعالى وخلقه، كالخصب والجدب، والنصر والهزيمة.\nوإذا صح هذا كان معنى قوله: ﴿فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ على ما ذكره المفسرون وأرباب المعاني، وبطل تعلقهم بالآية.\nومن المفسرين من أضمر في الآية شيئًا، وهو ما يُروى عن أبي صالح أنه قال: ﴿وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ وأنا قدَّرتُها عليك (٢).\n_________\n(١) انظر: \"الكشف والبيان\" ٤/ ٨٩ ب، \"معالم التنزيل\" ٢/ ٢٥٢، ٢٥٣، \"التفسير الكبير\" ١٠/ ٩٠ - ١٩٢.\n(٢) أخرجه الطبري ٥/ ١٧٥ - ١٧٦؛ وعزاه السيوطي في \"الدر المنثور\" ٢/ ٣٣٠ - ٣٣١ أيضًا إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، وقد ورد =","vol":"6","page":617},{"text":"ونحو هذا روي عن زيد بن علي. وهذا لا يكاد يستقيم، لأنه إضمار ليس عليه دليل (١)، ولأنا قد بينا أنه لا يجوز حمل الحسنة والسيئة في هذه الآية على الطاعة والمعصية، فاستغنينا عن هذا التكلف.\nوقوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا﴾. قال ابن عباس: يريد أنك قد بلغت رسالاتي ونصحت عبيدي (٢). ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ على ما بلغت من رسالة ربك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-765>٨٠ </span>- قوله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾.\nقال ابن عباس: يريد أن طاعتكم لمحمد - ﷺ - طاعة لله (٣).\nوقال الزجاج: أي من قبل ما أتى به الرسول فإنما قبل ما أمر الله جل وعز (٤) به.\nوقال الحسن: جعل الله طاعة رسوله - ﷺ - طاعته، وقامت به الحجة على المسلمين (٥).\nوذكر الشافعي ﵀ في الرسالة في فرض طاعة الرسول (٦) هذه الآية، وقال: إن كل فريضة فرضها الله تعالى في كتابه، كالحج والصلاة\n_________\n= \"وأنا كتبتها عليك\" قراءة عن أبي بن كعب وابن مسعود وابن عباس ﵃ انظر: \"إعراب القرآن\" لنحاس ١/ ٤٧٤، \"معالم التنزيل\" ٢/ ٢٥٣، \"البحر المحيط\" ٣/ ٣٠١، \"الدر المنثور\" ٢/ ٣٣٠ - ٣٣١.\n(١) بل عليه دليل وهو القراءة الواردة عن الصحابة، وتعتبر تفسيرية. وتقدم قريبًا عزو ذلك عند الأثر عن أبي صالح.\n(٢) لم أقف عليه.\n(٣) لم أقف عليه.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٧٠.\n(٥) \"تفسير كتاب الله العزيز\" للهواري ١/ ٤٠٢.\n(٦) أي: في باب فرض الله طاعة رسول الله من \"الرسالة\" ص ٧٩.","vol":"6","page":618},{"text":"والزكاة، لولا بيان رسول الله - ﷺ - ما كنَّا نعرف كيف نأتيها، ولا يمكننا أداء شيء من العبادات، وإذا كان الرسول من الشريعة بهذه المنزلة، كانت طاعته على الحقيقة طاعةً الله. هذا معنى كلام الشافعي (١).\nوقال مقاتل في هذه الآية: إن النبي - ﷺ - كان يقول: \"من أحبني أحب الله، وما أطاعني فقد أطاع الله\" (٢) فقال المنافقون: لقد قارف هذا الرجل الشِّرك، وهو ينهى أن يُعبد غير الله، وما يريد إلا أن نتخذه (٣) ربًا كما اتخذت النصارى عيسى، فأنزل الله تصديقًا لقول نبيه: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ (٤).\nوقوله تعالى: ﴿وَمَنْ تَوَلَّى﴾. قال ابن عباس: يريد عن طاعة محمد (٥)، وقال مقاتل: ﴿وَمَنْ تَوَلَّى﴾ أعرض عن طاعته (٦).\nومعنى التولِّي في اللغة الإعراض، وقد أعطينا حقه عند قوله: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٦٤].\nمن المفسرين من يجعل التولِّي في هذه الآية إعراضًا جهارًا (٧)،\n_________\n(١) انظر: \"الرسالة\" ص ٧٩ - ١٠٤، \"التفسير الكبير\" ١٠/ ١٩٣.\n(٢) \"تفسيره\" ١/ ٣٩١، وآخره أخرجه البخاري (٢٩٥٧) في الجهاد، باب: يقاتل من وراء الإمام، ومسلم (١٨٣٥) في كتاب الإمارة، باب: وجوب طاعة الأمراء.\n(٣) في (ش): (يتخذه) بالياء، ولعل الصواب: (نتخذه) بالنون، انظر: \"بحر العلوم\" ١/ ٣٧٠، \"معالم التنزيل\" ٢/ ٢٥٣.\n(٤) انظر: \"بحر العلوم\" ١/ ٣٧٠، \"الكشف والبيان\" ٤/ ٩٠ أ، \"معالم التنزيل\" ٢/ ٢٥٣، \"زاد المسير\" ٢/ ١٤١.\n(٥) انظر: \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ٩١.\n(٦) \"تفسيره\" ١/ ٣٩٢ ولفظه: \"أعرض عن طاعتهما\".\n(٧) انظر: \"بحر العلوم\" ١/ ٣٧٠، \"المحرر الوجيز\" ٤/ ١٤٤، \"زاد المسير\" ٢/ ١٤٢، \"التفسير الكبير\"١٠/ ١٩٤.","vol":"6","page":619},{"text":"ويقول: هذا في أول ما بُعث، ويقول في معنى قوله: ﴿فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ أي حافظًا لهم من التولي والإعراض كما قال جل وعز: ﴿إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾ [الشورى: ٤٨] ثم أمر فيما بعد بالجهاد والإكراه بالسيف، ونُسخ هذا وأمثاله.\nوهذا معنى قول ابن زيد (١)، واختيار ابن قتيبة (٢).\nومنهم من يجعل التولي ههنا إضمار العداوة للرسول، والإعراض عنه في السر؛ كتولي المنافقين، ويقول في قوله: ﴿فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ أي حافظًا لهم من المعاصي حتى لا تقع، حافظًا لأعمالهم التي يقع الجزاء عليها؛ لأن الله هو المُجازي بها. وإلى هذه الطريقة مال أبو إسحاق؛ لأنه يقول في قوله: ﴿فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾: تأويله والله أعلم أنك لا تعلم غيبهم، وإنما لك ما ظهر منهم (٣).\nومعنى جواب الجزاء في قوله: ﴿وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ﴾ كأنه يقول: ومن تولى فليس عليك بأس لتوليه؛ لأنك لم ترسل عليهم حفيظًا من المعاصي حتى لا تقع، أو حفيظًا لأعمالهم التي يقع الجزاء عليها، فتخاف ألا تقوم بها على ما ذكرنا (٤). وعلى هذه الطريقة لا موضع للنسخ في الآية.\n_________\n(١) أخرجه الطبري ٥/ ١٧٧، وانظر: \"الدر المنثور\" ٢/ ٣٣١.\n(٢) انظر: \"تفسير غريب القرآن\" ص ١٢٧، و\"الكشف والبيان\" ٤/ ٩٠ ب، والقرطبي ٥/ ٢٨٨.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٨٠، وانظر: \"التفسير الكبير\" ١٠/ ١٩٤.\n(٤) انظر: الطبري ٥/ ١٧٧، \"تفسير الهواري\" ١/ ٤٠٢، \"الكشاف\" ١/ ٢٨٤، \"التفسير الكبير\" ١٠/ ١٩٤.","vol":"6","page":620},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-766>٨١ </span>- قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ﴾ يعني المنافقين، في قول الحسن (١) والسدي (٢)، والضحاك (٣)، وأكثر المفسرين (٤).\nقال ابن عباس: كانوا يقولون للنبي - ﷺ -: طاعة، يريدون أطعناك (٥).\nوقال الكلبي: كانوا يقولون للنبي - ﷺ -: طاعة، يريدون: أطعناك.\nوقال الكلبي: كانوا يقولون طاعة لأمرك (٦).\nوقال مقاتل: كانوا يقولون طاعةً لأمرك (٧).\nوقال مقاتل: كانوا إذا دخلوا على النبي - ﷺ - قالوا: مرنا بما شئت، فأمرك طاعة (٨).\nوقال النحويون: معناه: أمرُنا طاعة (٩)، أي أمرنا وشأننا أن نُطيعك.\n_________\n(١) انظر: \"تفسير الهواري\" ١/ ٤٠٢.\n(٢) أخرجه الطبري ٥/ ١٧٨، وعزاه السيوطي في \"الدر المنثور\" ٢/ ٣٣٢ أيضًا إلى ابن أبي حاتم.\n(٣) أخرجه الطبري ٥/ ١٧٩، وانظر: \"معاني القرآن\" للنحاس ٢/ ١٣٩.\n(٤) انظر: \"تفسير الهواري\" ١/ ٤٠٢، \"النكت والعيون\" ١/ ٥٠٩، \"الكشف والبيان\" (٤/ ٩٠ ب، \"معالم التنزيل\" ٢/ ٢٥٤، \"زاد المسير\" ٢/ ١٤٢.\n(٥) انظر: \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ٩١.\n(٦) هذان القولان للكلبي متقاربان، ويحتمل أنه تكرار في النسخ، وانظر: \"بحر العلوم\" ١/ ٣٧٠، \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ٩١.\n(٧) ليس في \"تفسير مقاتل\"، وإنما فيه قوله التالي، ويحتمل أن هذا تكرار لقول الكلبي السابق.\n(٨) \"تفسيره\" ١/ ٣٩٢، وانظر: \"بحر العلوم\" ١/ ٣٧٠، \"زاد المسير\" ٢/ ١٤٢.\n(٩) \"معاني القرآن\" للأخفش ١/ ٤٥١، \"معاني الزجاج\" ٢/ ٨١، \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ٤٣٧.","vol":"6","page":621},{"text":"وقال بعضهم: منا طاعة (١). وقال أبو إسحاق: والمعنى أنَّ إضمار أمرنا أجمع في القصة وأحسن (٢).\nوقال الفراء: الرفع على قولك: منا طاعة، وأمرك طاعة (٣). قال: والطاعة اسم من أطاع، يقال: أطعته إطاعة وطاعة، كقولك: أطقته إطاقه وطاقة، وأجبته إجابة وجابة. ذكر ذلك في المصادر (٤).\nوقوله تعالى: ﴿فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ﴾. قال الكلبي: خرجوا من عندك (٥).\nوقوله تعالى: ﴿بَيَّتَ طَائِفَةٌ﴾. قال الزجاج: كل أمر فكر فيه (أو خيض) (٦) فيه بليل فقد بيت، يقال: هذا أمر قد بيت بليل، ودبر بليل، بمعنى واحد. قاله في قوله: ﴿إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾ [النساء: ١٠٨]، (٧).\nوقال في هذه الآية: كل أمر قضي بليل قيل: بيت (٨)، وهو قول أبي عبيدة (٩) وأبي العباس (١٠) وجميع أهل اللغة، وأنشدوا:\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٢٧٨، الطبري ٥/ ١٧٧، \"معاني الزجاج\" ٢/ ٨١، \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ٤٣٧.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٨١.\n(٣) \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٢٧٨.\n(٤) أي الكلام على اشتقاق \"طاعة\" ووزنه، وقد أشار إلى أنه من ذوات الواو في \"معاني القرآن\" ١/ ٢٧٩.\n(٥) \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ٩١.\n(٦) في المخطوط: \"وأخيض\" والتصويب من \"معاني الزجاج\" ٢/ ١٠١.\n(٧) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١٠١، \"تهذيب اللغة\" ١/ ٢٥٠ (بيت)، وانظر: \"التفسير الكبير\" ١٠/ ١٩٥.\n(٨) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٨١.\n(٩) في \"مجاز القرآن\" ١/ ١٣٣.\n(١٠) أي المبرد في \"الكامل\" ٣/ ٣٠.","vol":"6","page":622},{"text":"أتوني فلم أرض ما بيتوا ... وكانوا أتوني لأمر نكر (١)\nوحُكي عن الأخفش أنه قال: العرب تقول للشيء إذا قدّر: قد بيت، يشبهونه بتقدير بيوت الشعر (٢).\nوقال أهل اللغة: إنما قيل للتدبير بالليل تبييت لأنه تدبير في البيوت وقت البيتوتة (٣)، وذلك الوقت أخلى للأفكار. هذا كلام أهل اللغة في هذا الحرف.\nفأما كلام المفسرين، فقال عطاء عن ابن عباس في قوله: بيت طائفة منهم غير الذي تقول: \"يريد أضمروا في قلوبهم غير الذي تقول\" (٤).\nوقوله راجع إلى معنى التقدير؛ لأن إضمارهم الشيء تقدير منهم مع أنفسهم.\nقال عبد الله بن مسلم (٥): (ويقولون طاعة) بحضرتك، (فإذا خرجوا من عندك بيت طائفة منهم غير الذي تقول) أي قالوا وقدروا ليلًا غير ما أعطوك نهارًا (٦).\n_________\n(١) البيت لعبيدة بن همام العدوي في \"مجاز القرآن\" ١/ ١٣٣، \"الكشف والبيان\" ٤/ ٩٠ ب، وغير منسوب في \"غريب القرآن\" لابن قتيبة ١/ ١٢٧، \"الكامل\" ٣/ ٣٠، \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٨١.\n(٢) \"الكشف والبيان\" ٤/ ٩١ أ، \"معالم التنزيل\" ٢/ ٢٥٤، \"التفسير الكبير\" ١٠/ ١٩٥. وينسب نحو هذا الكلام لأبي عبيدة، انظر: \"مقاييس اللغة\" ١/ ٣٢٥ (بيت) وقد تكون آخر كلمة: \"الشعر\" بكسر الشين وسكون العين.\n(٣) انظر: \"معجم مقاييس اللغة\" ١/ ٣٢٥ (بيت).\n(٤) انظر: \"الكشف والبيان\" ٤/ ٩١ أ، \"الوسيط\" ٢/ ٦٣٣، \"معالم التنزيل\" ٢/ ٢٥٤، \"زاد المسير\" ٢/ ١٤٣، \"البحر المحيط\" ٣/ ٣٠٤.\n(٥) أي: ابن قتيبة.\n(٦) \"غريب القرآن\" لابن قتيبة ١/ ١٢٧، وانظر: \"معالم التنزيل\" ٢/ ٢٥٤، \"زاد المسير\" ٢/ ١٤٢.","vol":"6","page":623},{"text":"وقال الكلبي: (بيت) غير طائفة منهم (١).\nوقال قتادة: ﴿بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ﴾ يغيرون ما عاهدوا عليه النبي - ﷺ - (٢). وكذلك قال الفراء في معنى التبييت، أنه بمعنى التغيير (٣).\nوهذا التفسير راجع أيضًا إلى معنى التقدير؛ لأن: من قدّر شيئًا غير الأول فقد غير وبدل، وإنما يكون التبييت بمعنى التغيير إذا استعمل مع غير، يقال: بيت فلان غير ما قال إذا غيره ورجع عنه بتدبير وتقدير في نفسه.\nوبعضهم يقول: إن التبييت في لغة طيّ يكون بمعنى التغيير (٤)، وينشدون:\nوبيت قولي عبد المليك ... قاتلك الله عبدًا كفورًا (٥)\nمعنى بدلت وغيرت. وهذا لا يستقيم في معنى الآية؛ لأنك لو حملت الآية عليه كان المعنى غير طائفة أو النبي، على ما تذكر في تفسير: ﴿تَقُولُ﴾، وليس كذلك معنى الآية، لأنهم غيروا ما قالوه أو قاله النبي - ﷺ - لا غير ذلك، فقد بان لك أن التبييت إنما يستعمل بمعنى التغيير إذا كان مع غير.\n_________\n(١) \"الكشف والبيان\" ٤/ ٩١ ب، \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ٩١، وانظر: \"تفسير الهواري\" ١/ ٤٠٢.\n(٢) أخرجه الطبري ٥/ ١٧٨، وانظر: \"الكشف والبيان\" ٤/ ٨٠ ب، وقد عزاه السيوطي في \"الدر المنثور\" ٢/ ٣٣٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(٣) انظر: \"معاني القرآن\" ١/ ٢٧٩.\n(٤) انظر: \"الكشف والبيان\" ٤/ ٩٠ ب.\n(٥) البيت للأسود بن عامر الطائي كما في \"تفسير الطبري\" ٥/ ٢٧١ وهو غير منسوب في \"غريب القرآن\" لابن قتيبة ١/ ١٢٨، \"الكشف والبيان\" ٤/ ٩٠ ب، \"زاد المسير\" ٢/ ١٤٣، القرطبي ٥/ ٢٨٩.","vol":"6","page":624},{"text":"وهذا ظاهر بحمد الله. والمفسرون فسروا ﴿بَيَّتَ﴾ بمعنى: غير، ذهابًا إلى المعنى، كما بينا.\nوأما قوله: ﴿غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ﴾ فيدل كلام بعض المفسرين على أن ﴿تَقُولُ﴾ من فعل الطائفة، ويدل كلام بعضهم على أنه مخاطبة للنبي - ﷺ - وأنه القول له.\nقال ابن عباس في رواية عطاء: يريد أضمروا في قلوبهم غير الذي تقول (١).\nوهذا التفسير محتمل لوجهين: أضمروا غير ما قلت لهم يا محمد. وأضمروا غير ما قالوا هم، على معنى أنهم أسروا غير ما أظهروا وأضمروا الخلاف عليك.\nوقال الكلبي في قوله: ﴿غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ﴾: غير ما أتيتهم به (٢).\nوهذا يدل على أن القول للنبي - ﷺ -.\nوقال الحسن في معنى قوله: ﴿بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُول﴾: على وجه التكذيب (٣). وهذا أيضًا يدل على أن القول للنبي - ﷺ -؛ لأن المعنى أنهم كذبوا ما يقول لهم.\nوقال قتادة في هذه الآية: يغيرون ما عاهدوا عليه النبي - ﷺ - (٤) وهذا يدل على أن القول للطائفة.\nوقال الفراء: غير ما قالوا وخالفوا (٥).\n_________\n(١) تقدم الأثر وعزوه، وانظر: \"زاد المسير\" ٢/ ١٤٣.\n(٢) انظر: \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ٩١.\n(٣) \"النكت والعيون\" ١/ ٥١٠.\n(٤) تقدم تخريجه.\n(٥) \"معانى القرآن\" ١/ ٢٧٩.","vol":"6","page":625},{"text":"وقال عبد الله بن مسلم (١): قدروا ليلًا غير ما أعطوك نهارًا (٢).\nوهذه الآية تقوي الطريقة الثانية في الآية الأولى، وهي أن معنى التولي في قوله: ﴿وَمَن تَوَلَّى﴾ إضمار العداوة والخلاف للنبي - ﷺ -.\nوقال أبو إسحاق: هذا ونظائره في كتاب الله جل وعز من أبين آيات النبي - ﷺ -؛ لأنهم ما كانوا يخفون عنه أمرًا إلا أظهره الله ﷿ (٣).\nوأكثر القراء قرأوا ﴿بَيَّتَ طَائِفَةٌ﴾ بفتح التاء والإظهار (٤)، لانفصال الحرفين واختلاف المخرجين (٥).\nوقرأ حمزة (بيت طائفة) جزمًا مُدغمًا (٦). قال الفراء: جزمها لكثرة الحركات، فلما سكنت التاء اندغمت في الطاء (٧).\nوقال غيره (٨): إن الطاء والتاء والدال من حيز واحد، فالتقارب الذي بينها يُجريها مجرى الأمثال (٩) في الإدغام (١٠) الأنقص صوتًا من الحروف\n_________\n(١) ابن قتيبة.\n(٢) \"غريب القرآن\" ص ١٢٧، وانظر: \"زاد المسير\" ٢/ ١٤٢.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٨١.\n(٤) هذه قراءة السبعة غير أبي عمرو وحمزة. انظر: \"السبعة\" ص ٢٣٥، \"الحجة\" ٣/ ١٧٣.\n(٥) \"الحجة\" ٣/ ١٧٣، وانظر: \"الكشف\" ١/ ٣٩٣، \"زاد المسير\" ٢/ ١٤٢.\n(٦) وقراءة أبي عمرو أيضًا. انظر: \"السبعة\" ص ٢٣٥، \"الحجة\" ٣/ ١٧٣.\n(٧) \"معاني القرآن\" ١/ ٢٧٩.\n(٨) أبو علي في \"الحجة\" ٣/ ١٧٣.\n(٩) في الحجة: \"المثلين\".\n(١٠) ذهب هنا كلام من الحجة حذفًا أو سقطًا، وهو: \"ومما يحسن الإدغام أن الطاء تزيد على التاء بالإطباق، فحسن إدغام الأنقص .. \" إلخ.","vol":"6","page":626},{"text":"في الأزيد بحسب قبح (١) إدغام الأزيد في الأنقص، ألا ترى أن الضاد لا تُدغم في مقاربها، ويدغم مقاربها فيها؟ وكذلك الصاد والسين والزاي لا يُدغمن في مقاربها، ويدغم مقاربها فيها، ويدغم بعضها في بعض (٢).\nوذُكر في تخصيص طائفة من جملة المنافقين بالتبييت وجهان: أحدهما: أنه ذكر من علم أنه يبقى على كفره ونفاقه، فأما من علم أنه يرجع عن ذلك فإنه لم يذكرهم.\nوالثاني: أن هذه الطائفة كانوا قد أسهروا ليلهم في التبييت وغيرهم سمعوا وسكتوا ولم يبيتوا، فلم يذكروا (٣).\nوقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ﴾. ذكر أبو إسحاق فيه وجهين: أحدهما أن معناه ويُنزله إليك في كتابه.\nوالثاني يحفظ عليهم ليُجازوا به (٤).\nوقوله تعالى: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾. قال ابن عباس: يريد فاصفح عنهم (٥) وذلك أن الله تعالى نهى عن قتل المنافقين (٦).\nوقال أبو إسحاق: أي لا تسم هؤلاء بأعيانهم، لما أحب الله من ستر\n_________\n(١) في المخطوط: \"فتح\" وما أثبته من الحجة، وهو أولى لمقابلته الحسن في إدغام الأنقص في الأزيد.\n(٢) \"الحجة\" ٣/ ١٧٣، وانظر: \"الكشف\" ١/ ٣٩٣، \"زاد المسير\" ٢/ ١٤٢.\n(٣) انظر: \"الكشف والبيان\" ٤/ ٩١ أ، \"زاد المسير\" ٢/ ١٤٣، \"التفسير الكبير\" ١٠/ ١٩٥.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٨١، وانظر: \"زاد المسير\" ٢/ ١٤٣.\n(٥) انظر: \"زاد المسير\" ٢/ ١٤٣، \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ٩١.\n(٦) وذلك في أول الإسلام ثم نسخ بالأمر بقتالهم وذكر ذلك عن ابن عباس. انظر \"زاد المسير\" ٢/ ١٤٣.","vol":"6","page":627},{"text":"أمر المنافقين إلى أن يستقيم أمر الإسلام (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ قال عطاء: يريد: واصبر على خلافهم (٢).\nوقال ابن كيسان: اعتمد بأمرك عليه (٣).\nوقال أهل اللغة: معنى (توكل على الله) أي علم أن الله كافل أمره فركن إليه وحده (٤).\nوقوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ الوكيل في اللغة معناه الموكول إليه، وهو فعيل بمعنى مفعول (٥).\nوقال ابن كيسان: وكفى باللهِ معتمدًا وملجأ.\nوقال عطاء: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ يريد لمن توكل عليه (٦).\nوقال بعضهم: الوكيل القائم بما يُفوض إليه من التدبير.\nقال المفسرون: كان الأمر والمعاني [...] (٧).\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٨١.\n(٢) لم أقف عليه.\n(٣) لم أقف عليه.\n(٤) انظر: \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٩٤٧ (وكل).\n(٥) انظر: \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٩٤٧، \"اللسان\" ٨/ ٤٩١٠ (وكل).\n(٦) لم أقف عليه.\n(٧) حصل سقط وخلط في المخطوط فقد بتر الكلام وأتي مباشرة بتفسير وسط الآية ٨٣ - ٨٦ من هذه السورة، وقد وجدت بعد ذلك بلوحة كثيرًا من تفسير الآية ٨٢ أو أكثره أو كله، فقدمت تفسير الآية ٨٢ في الصفحة هنا وأخرت ما قدم في المخطوط من تفسير الآية ٨٣ وما بعده.","vol":"6","page":628},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-767>٨٢ </span>- قوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ معنى التدبير والتدبر في اللغة النظر في العواقب (١)، ومنه قول الأكثم (٢) ألا (٣) تتدبروا أعجز (٤) الأمور قد ولت صدورها (٥).\nويقال لمن نظر في أمر قد أدبر: استدبر فلان أمره، ويقال: لو استقبلت من أمري ما استدبرت، أي: لو عرفت في صدره ما عرفت في عاقبته (٦).\nوقال الزجاج: معنى تدبرت الشيء: نظرت في عاقبته، وسمي النحل دبرًا لأنه يعقب ما ينتفع به. والمال الكثير دبر، لأنه يبقى للأعقاب والأدبار (٧).\nومعنى الآية: أفلا يتأملون القرآن ويتفكرون فيه.\n_________\n(١) انظر: \"معاني الزجاج\" ٢/ ٨٢، \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١١٤٣، \"مقاييس اللغة\" ٢/ ٣٢٤، \"الصحاح\" ٢/ ٦٥٥ (دبر).\n(٢) في المخطوط: \"الأكثر\" والتصويب من \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١١٤٣ (دبر) وأكثم هو بن صيفي بن رباح بن الحارث التميمي الحكيم المشهور، أحد المعمرين، أدرك الإسلام وقصد المدينة ليسلم فمات في الطريق في نحو سنة ٩ هـ. انظر: \"جمهرة أنساب العرب\" ص (٢١٠)، \"أسد الغابة\" ١/ ١٣٤، \"الإصابة\" ١/ ١١٠، \"الأعلام\" ٢/ ٦.\n(٣) في \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١١٤٣، \"اللسان\" ٣/ ١٣٢١ (دبر): \"لا\"، ولعله هو الصواب كما سيأتي من بيان لقول أكثم.\n(٤) في \"التهذيب\": \"أعجاز\".\n(٥) \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١١٤٣، \"اللسان\" ٣/ ١٣٢١ (دبر)، \"التفسير الكبير\" ١٠/ ١٩٦، وقال الأزهري مبينًا قول أكثم: \"يقول: إذا فاتكم الأمر لم ينفعكم الرأي، وإن كان محكمًا\".\n(٦) انظر: \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١١٤٣ (دبر)، \"التفسير الكبير\" ١٠/ ١٩٦، \"اللسان\" ٣/ ١٣٢١ (دبر).\n(٧) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٨٢، وانظر: \"زاد المسير\" ٢/ ١٤٤.","vol":"6","page":629},{"text":"قال ابن عباس: وما فيه من المواعظ والذكر والأمر والنهي (١).\nوقال الزجاج: يعني به المنافقون (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ قال ابن عباس: يريد لو كان من عند مخلوق لكان فيه كذب واختلاف وباطل (٣).\nوقد بين الزجاج وكشف عن هذا المعنى فقال: لو كان ما يُخبرون به مما بينوا وما يسرون فيوحى إلى النبي - ﷺ - لولا أنه من عند الله لكان الإخبار به مختلفًا؛ لأن الغيب لا يعلمه إلا الله ﷿ (٤). فالاختلاف على هذا التفسير معناه الكذب.\nوقال قتادة وابن زيد في قوله: ﴿اخْتِلَافًا﴾: أي تناقضًا من جهة حق وباطل (٥). وهذا القول معناه كالأول؛ لأنَّ تأويله: أنه لو كان من عند غير الله لكان ما فيه من الإخبار عن الغيب بعضه حقًا وبعضها باطلًا.\nوقال بعض أهل المعانى: قوله: ﴿لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا﴾ أي من جهة بليغ ومرذول (٦). يعني أنه لو كان من عند مخلوق لكان على قياس كلام\n_________\n(١) انظر: \"زاد المسير\" ٢/ ١٤٤، \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ٩١.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٨٢.\n(٣) انظر: \"الكشف والبيان\" ٤/ ٩١ ب، \"زاد المسير\" ٢/ ١٤٤، \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ٩١.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٨٢.\n(٥) هذا معنى قولهما، وقد أخرجه ابن جرير ٥/ ١٧٩ - ١٨٠، وانظر: \"معاني القرآن\" للنحاس ٢/ ١٤٠، \"النكت والعيون\" ١/ ٥١٠، \"الدر المنثور\" ٢/ ٣٣٢.\n(٦) \"النكت والعيون\" ١/ ٥١٠، ونسبه الماوردي لبعض البصريين، وانظر: \"زاد المسير\" ٢/ ١٤٥.","vol":"6","page":630},{"text":"العباد، بعضه بليغ حسن وبعضه مرذول فاسد، فلما كان جميع القرآن بليغًا عرف أنه من عند الله.\nومعنى الاختلاف في اللغة: أن يذهب أحد الشيئيين خلاف ما ذهب إليه الآخر، والأقوال المختلفة أن يذهب بعضها إلى الخطأ وبعضها إلى الصواب، أو بعضها إلى الحسن البليغ وبعضها إلى المرذول القبيح.\nوليس بحمد الله في القرآن اختلاف تناقض، ولا اختلاف تفاوت، بأن يكون بعضها حسنًا وبعضه قبيحًا.\nفأما اختلاف القراءات، واختلاف مقادير الآيات والسور، واختلاف الأحكام في الناسخ والمنسوخ فكلٌّ صواب وكله حق، وليس ذلك اختلافًا يؤدي إلى فساد وتناقض، بل هو اختلاف يوافق بعضه بعضًا في الحسن (١).\n_________\n(١) ولشيخ الإسلام ابن تيمية كلام جيد يوضح هذا المعنى ويؤكده، فمما قال حول ذلك: \"الخلاف بين السلف في التفسير قليل، وخلافهم في الأحكام أكثر من خلافهم في التفسير، وغالب ما يصح عنهم من الخلاف يرجع إلى اختلاف تنوع لا اختلاف تضاد، وذلك صنفان: أحدهما: أن يُعبر كل واحد منهم عن المراد بعبارة غير عبارة صاحبة تدل على معنى في المسمى غير المعنى الآخر مع اتحاد المسمَّى ... كما قيل في اسم السيف: الصارم والمهند، وذلك مثل أسماء الله الحسنى وأسماء رسوله - ﷺ - وأسماء القرآن.\nالصنف الثاني: أن يذكر كل منهم من الاسم العام بعض أنواعه على سيل التمثيل وتنبيه المستمع على النوع، لا على سبيل الحد المطابق للمحدود في عمومه وخصوصه ....\nومن التنازع الموجود عنهم ما يكون اللفظ فيه محتملًا للأمرين، إما لكونه مشتركًا في اللفظ كلفظ (قسورة) الذي يراد به الرامي ويراد به الأسد. ولفظ (عسعس) الذي يراد به إقبال الليل وإدباره ... \" \"مجموع الفتاوى\" ١٣/ ٣٣٣ - ٣٤٠، وانظر: \"البحر المحيط\" ٣/ ٣٠٥.","vol":"6","page":631},{"text":"وقال ابن عباس في رواية الكلبي عنه في هذه الآية: أفلا يتفكرون في القرآن فيرون بعضه يُشبه بعضًا، ويصدق بعضه بعضًا، وأن أحدًا من الخلائق لم يكن يقدر عليه، فيسلمون بذلك أنه من عند الله، إذ لو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافًا أي تفاوتًا وتناقضًا كثيرًا (١).\nفجعل الاختلاف في هذا القول اختلاف التناقض.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-768>٨٣ </span>- وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ﴾ الآية (٢) المفسرون وأرباب المعاني فوضى مختلفون في هذه الآية، ولا تكاد ترى لأحدهم متفق الصدر والعجز في معناها، وسأبين ما هو الأوفق والأليق إن شاء الله.\nقال أبو بكر محمد بن القاسم (٣): نزلت هذه الآية في قوم كانوا يُرجفون بسرايا رسول الله - ﷺ - وُيخبرون بما وقع بها وبما أدركت ولحقت، قبل أن يُخبر به النبي - ﷺ - فيضعفون قلوب المؤمنين ويؤذون النبي - ﷺ - سبقهم إياه بالأخبار، فأنزل الله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ﴾ أي أبدوه وأظهروه قبل إبداء الرسول إياه إلا قليلًا منهم ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ﴾ أي أولي أمر السرايا، حتى يكون النبي - ﷺ - والأمراء هم الذين يُخبرون به ﴿لَعَلِمَهُ﴾ كل طالب علمه، واستغنوا بذلك عن الإخبار بما يغم رسول الله - ﷺ - ويؤذي المسلمين (٤).\n_________\n(١) \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ٩١.\n(٢) جعلت هنا تفسير الآية (٨٣) الذي كان مقدمًا في المخطوط على تفسير الآية (٨٢).\n(٣) ابن الأنباري.\n(٤) لم أقف عليه عن ابن الأنباري.","vol":"6","page":632},{"text":"وهذا الذي قاله أبو بكر معنى صحيح عليه كثير من المفسرين (١)، وأذكر من أقوالهم ما وافق هذا المعنى.\nقال ابن عباس: هذا في الأخبار، إذا غزت السرية من المسلمين أخبروا الناس عنها، فقالوا: أصاب المسلمين من عدوهم كذا وكذا، فأفشوه بينهم (٢).\nوقال (السدي) (٣): نزل هذا في أصحاب الأخبار والأراجيف كانوا إذا سمعوا من النبي خبرًا أفشوه حتى يبلغ العدو فيأخذ حذره، وكذلك كانوا يصنعون إذا كانوا غزاةً في السرايا (٤).\nوقال الكلبي: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ﴾ يعني المناِفقين ﴿أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ﴾ حديث فيه أمن ﴿أَوِ الْخَوْفِ﴾ يعني الهزيمة ﴿أَذَاعُوا بِهِ﴾ أفشوه، ولو سكتوا عنه حتى يكون الرسول هو الذي يُفشيه، أو أولو الأمر مثل أبي بكر وعمر وعلي، ويقال أمراء السرايا ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ﴾ يتبعونه، ويقال: يطلبون علم ذلك (٥).\nقال: وكان رسول الله - ﷺ - إذا بعث سرية فغلبت أو غُلبت تحدثوا بذلك وأفشوه، ولم يقفوا في ذلك حتى يكون رسول الله يخبرهم، فأنزل\n_________\n(١) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٢٧٩، والطبري ٥/ ١٨٢، \"معاني الزجاج\" ٢/ ٨٣، \"بحر العلوم\" ١/ ٣٧١، \"الكشف والبيان\" ٤/ ٩٣ أ، \"زاد المسير\" ٢/ ١٤٥.\n(٢) أخرجه بمعناه من طريق العوفي ومن طريق ابن جريج الطبري ٥/ ١٨٢ - ١٨٣، وانظر: \"زاد المسير\" ٢/ ١٤٥، \"الدر المنثور\" ٢/ ٣٣٣ - ٣٣٤.\n(٣) الكلمة بين القوسين غير واضحة تمامًا في المخطوط، وما أثبته محتمل.\n(٤) أخرجه بمعناه الطبري ٥/ ١٨٢ - ١٨٣، وابن أبي حاتم، انظر: \"الدر المنثور\" ٢/ ٣٣٣ - ٣٣٤.\n(٥) بنحوه في \"بحر العلوم\" ١/ ٣٧١، \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ٩١.","vol":"6","page":633},{"text":"الله: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ﴾. ونحو هذا قال مقاتل (١).\nفهذه الأقوال التي ذكرنا توافق المعنى الذي ذكره أبو بكر وتقاربه.\nفأما سوق الألفاظ على هذا التفسير، فقوله: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ﴾ يعني المنافقين في قول أكثرهم (٢).\nقال الزجاج: وكان ضعفة من المسلمين يُشيعون ذلك معهم من غير علم منهم بالضرر في ذلك (٣). وهذا قول الحسن أيضًا (٤).\nوالسدي أبهم الأمر فقال: نزل في أصحاب الأخبار (٥).\nفاحتمل أن يكونوا من المنافقين وأن يكونوا من المسلمين.\nومعنى ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ﴾ إذا وقع إليهم وانتهى إليهم هذا الخبر الذي هو أمر ﴿مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ﴾ من جهة استخبار وتجسس في معنى قول المفسرين إلا في قول السدي، فإنه قال: كانوا إذا سمعوا من النبي - ﷺ - خبرًا (٦). فعلى قوله يجيئهم الخبر بالسماع عن النبي - ﷺ -، وعلى قوله لا يجوز أن يكونوا كاذبين بأن كان ما وقع إليهم من الخبر كذبًا، فقد قال ابن عباس: أفشوه بينهم من غير أن يكون شيء من ذلك (٧).\n_________\n(١) في \"تفسيره\" ١/ ٣٩٣.\n(٢) هذا قول ابن زيد والضحاك وغيرهما. انظر: الطبري ٥/ ١٨٢ - ١٨٣، \"بحر العلوم\" ١/ ٣٧١، \"الكشف والبيان\" ٤/ ٩٢ أ، و\"النكت والعيون\" ١/ ٥١١.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٨٣.\n(٤) \"النكت والعيون\" ١/ ٥١١.\n(٥) انظر: \"الدر المنثور\" ٢/ ٣٣٣ - ٣٣٤.\n(٦) انظر: \"الدر المنثور\" ٢/ ٣٣٣ - ٣٣٤.\n(٧) أخرجه الطبري ٥/ ١٨٢ - ١٨٣ من طريق ابن جريج، وانظر: \"الدر المنثور\" ٢/ ٣٣٣ - ٣٣٤.","vol":"6","page":634},{"text":"وقوله: ﴿أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ﴾. مضى فيه كلام المفسرين.\nوقال الحسن: من السلم أو الحرب (١).\nوقوله تعالى: ﴿أَذَاعُوا بِهِ﴾. الذيع أن يشيع الأمر (٢). قال الفراء: يقال: ذاع الشيء يذيع ذيعانًا وذيعًا وذيوعًا (٣).\nوقال أبو زيد: أذعتُ الأمر وأذعت به (٤). ونحو ذلك قال الكسائي وأبو عبيدة (٥) وأنشد.\nأذاع به في الناس حتى كأنه ... بعلياء نار أوقدت بثقوب (٦)\nقال قتادة: ﴿أَذَاعُوا بِهِ﴾ أظهروه (٧).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ﴾.\nأي ردوا الأمر من الأمن أو الخوف (٨). وتأويله: فوضوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر (٩).\n_________\n(١) انظر: \"تفسير كتاب الله العزيز\" للهواري ١/ ٤٠٤.\n(٢) \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٢٦٢ (ذاع)، وانظر: \"الصحاح\" ٣/ ١٢١١ (ذيع).\n(٣) ليس في \"معاني القرآن\"، ويحتمل وجوده في كتابه \"المصادر\"، وهو مفقود.\n(٤) \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٢٦٢ (ذاع).\n(٥) \"مجاز القرآن\" ١/ ١٣٣، وانظر: الطبري ٥/ ١٨٢ - ١٨٣.\n(٦) البيت لأبي الأسود الدؤلي كما في \"المجاز\" ١/ ١٣٣، والطبري ٥/ ١٨٢ - ١٨٣، وفي \"معاني الزجاج\" ٢/ ٨٣ دون نسبة.\nقال أبو عبيدة عقبه: \"يقال: أثقب نارك، أي أوقدها حتى تضيء\" ويقصد أبو الأسود بهذا البيت صديقًا له أفشى له سرًا، والمعنى: أشاع هذا السر وأظهره حتى صار كالنار الموقدة في مكان عال يراها كل مار.\n(٧) أخرجه الطبري ٥/ ١٨٢ - ١٨٣، لكن بلفظ: \"سارعوا به وأفشوه\".\n(٨) انظر: الطبري ٥/ ١٨٢ - ١٨٣، و\"زاد المسير\" ٢/ ١٤٦.\n(٩) انظر: الطبري ٥/ ١٨٢ - ١٨٣، و\"معاني الزجاج\" ٢/ ٨٣، و\"الكشف والبيان\" ٤/ ٩٢ أ.","vol":"6","page":635},{"text":"وفي أولي الأمر قولان ذكرتهما (١) في حكايته قول الكلبي، أحدهما اختيار الزجاج؛ لأنه قال: إلى ذوي العلم والرأي منهم (٢).\nوالثاني اختيار الفراء؛ لأنه قال: لو ردوه إلى أمراء السرايا (٣).\nوقوله تعالى: ﴿مِنْهُمْ﴾ يعني من هؤلاء المرجفين. وجعل أمراء السرايا وذوي العلم منهم من حيث الظاهر. وقد مضى مثل هذا في آيتين، وذكرنا الكلام هناك، إحدى الآيتين قوله: ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ﴾ [النساء:٧٢] والثانية قوله معنى (٤) ﴿مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾ [النساء:٦٦].\nوقوله تعالى: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾.\nمعنى الاستنباط في اللغة الاستخراج، يقال: استنبط الفقيه، إذا استخرج الفقه الباطن باجتهاده وفهمه. وأصله من النبط وهو الماء الذي يخرج من البئر أول ما يُحفر. يقال من ذلك: أنبط في غضراء (٥) أي استنبط الماء في طين حر.\nقال: والنبط (٦) إنما سموا نبطًا لاستنباطهم ما يخرج من الأرضين. هذا كلام الزجاج (٧).\n_________\n(١) كأن هذِه الكلمة في المخطوط: \"ذكرهما\".\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٨٣.\n(٣) \"معاني القرآن\" ١/ ٢٧٩.\n(٤) لعل الصواب: \"تعالى\".\n(٥) الغضراء: \"طينة خضراء علكة\" \"الصحاح\" ٢/ ٧٧٠ (غضر).\n(٦) \"النبط والنبيط: قوم ينزلون بالبطائح بين العراقين، والجمع أنباط\". \"الصحاح\" ٣/ ١١٦٢ (نبط).\n(٧) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٨٣، وانظر: الطبري ٥/ ١٨٢ - ١٨٣، و\"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ٤٣٨، و\"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٤٩٧، و\"الصحاح\" ٣/ ١١٦٢ (نبط) و\"زاد المسير\" ٢/ ١٤٧، و\"اللسان\" ٧/ ٤٣٢٥ (نبط).","vol":"6","page":636},{"text":"وقال الفراء: ينبطونه مثل يستنبطونه، ونبط الماء ينبط وينبط نبوطًا والأنباط الذين استنبطوا الماء من الأرض (١).\nوقال ابن الأعرابي: يقال للرجل إذا كان يعدُ ولا يُنجز: فلان قريب الثرى بعيد النبط (٢).\nوقال غيره: يقال ذلك إذا وصف بالعز والمنعة، حتى لا يجد عدوه سبيلًا إلى أن يهضمه (٣). قال كعب بن سعد الغنوي (٤):\nقريب ثراه ما ينال عدوُّه ... له نبطًا أبي الهوان قطوبُ (٥)\nوأنشده الفراء في المصادر. هذا كلام أهل اللغة.\nفأما قول أهل التأويل، فقال الضحاك: ﴿يَسْتَنْبِطُونَهُ﴾ يتبعونه (٦).\nوقال عكرمة: الذين يحرصون عليه ويسألون عنه (٧).\n_________\n(١) ليس في \"معاني القرآن\"، فيحتمل وجوده في كتابه المفقود: المصادر.\n(٢) \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٤٩٧ (نبط).\n(٣) \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٤٩٧ (نبط).\n(٤) هو كعب بن سعد بن عمرو بن عقبة الغنوي، شاعر جاهلي مجيد، وقيل: أدرك الإسلام، وهو من أصحاب المراثي. انظر: \"طبقات الشعراء\" ص ٤٨، و\"الأعلام\" ٥/ ٢٢٧.\n(٥) البيت في \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٤٩٧، و\"الصحاح\" ٣/ ١١٦٢ (نبط) دون نسبة. ونسب لكعب في \"أساس البلاغة\" ٢/ ٤١٦، و\"اللسان\" ٧/ ٤٣٢٥ (نبط)، و\"الصحاح\" و\"اللسان\": \"عند\" بدل قوله: \"أبي\".\nومعنى: قريب ثراه: أي قريب خبره، انظر: \"اللسان\" ١/ ٤٨٠ (ثرا).\nوقطوب: من القطوب وهو كناية عن الغضب والعبوس. انظر: \"اللسان\" ٦/ ٣٦٦٧ (قطب).\n(٦) أخرجه الطبري ٥/ ١٨٢ بلفظ: \"يتتبعونه\" وذكره في \"الكشف والبيان\" ٤/ ١٢ و\"معالم التنزيل\" ٢/ ٢٥٥.\n(٧) \"الكشف والبيان\" ٤/ ٩٢ أ، و\"معالم التنزيل\" ٢/ ٢٥٥.","vol":"6","page":637},{"text":"وقال مجاهد: هو قولهم: ماذا كان؟، وماذا سمعتم (١)؟.\nوقال أبو العالية: يتحسسونه (٢).\nوكل هذه أقوال في معاني الاستنباط.\nوقال عطاء: يريد يستيقنونه ويعلمونه (٣).\nوهذا مرتب على الاستنباط، أي يعلمونه بعد الاستنباط الذي هو السبب المؤدي إلى العلم.\nوقوله: ﴿مِنْهُمْ﴾ من صلة الاستنباط، يقال: استنبطت من فلان أمرًا. والكناية تعود على المرجفين، وهي كقوله: ﴿وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ﴾ (٤).\nوالمعنى: لو سكتوا وفوضوا ذلك إلى (نبي، ذكرهم الله تعالى) (٥) لعلم ذلك الخبر كل طالب من المسلمين من غير إذاعة المنافقين، ولم يكونوا قد آذوا رسول الله بإذاعة ما يكره إذاعته.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾.\nقال ابن عباس: فضل الله الإسلام ورحمته القرآن (٦).\nوقال أبو روق: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ بالإسلام ﴿وَرَحْمَتُهُ﴾\n_________\n(١) \"تفسيره\" ١/ ١٦٧، وأخرجه الطبري ٥/ ١٨٢ - ١٨٣، وعبد بن حميد وابن أبي حاتم، انظر: \"الدر المنثور\" ٢/ ٣٣٤.\n(٢) أخرجه الطبري ٥/ ١٨٢ - ١٨٣، وابن المنذر وابن أبي حاتم، انظر: \"الدر المنثور\" ٢/ ٣٣٤.\n(٣) لم أقف عليه.\n(٤) انظر: \"معاني الزجاج\" ٢/ ٨٣، و\"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ٤٣٨.\n(٥) هكذا في المخطوط وهو غير واضح.\n(٦) \"الكشف والبيان\" ٤/ ٩٢ ب، وانظر: \"معالم التنزيل\" ٢/ ٢٥٥، و\"زاد المسير\" ٢/ ١٤٨.","vol":"6","page":638},{"text":"بالقرآن ﴿لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (١)\nواختلفوا في وجه هذا الاستنباط:\nفقال ابن عباس في رواية الوالبي عنه: تَمَّ الكلام عند قوله ﴿لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ﴾ ثم استثنى القليل. قوله: ﴿أَذَاعُوا﴾ أي أذاعوا به إلا قليلًا، يعني بالقليل المؤمنين (٢). وهذا قول ابن زيد (٣) والكسائي (٤) والفراء (٥).\nوقال الحسن وقتادة: الاستثناء من قوله ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ﴾ ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ أجود (٦)؛ لأن ما علم بالاستنباط فليس الأكثر يعرفه، وإنما يستنبط القليل؛ لأن الفضائل والاستخراج في القليل من الناس (٧).\nقال الزجاج: وهذا في هذا الموضع غلط من النحويين؛ لأن هذا الاستنباط ليس من شيء (٨) يُستخرج بنظر وتفكر، وإنما هو استنباط خبر، فالأكثر يعرف الخبر إذا أخبر به، وإنما القليل ههنا المبالغ في البلادة، الذي لا يعلم ما يُخبر به. فاستثناء القليل من قوله: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ﴾\n_________\n(١) انظر: \"معالم التنزيل\" ٢/ ٢٥٥، و\"زاد المسير\" ٢/ ١٤٨.\n(٢) بنحوه في تفسير ابن عباس من رواية علي بن أبي طلحة وهو المراد بقول المؤلف: الوالبي. وأخرجه الطبري ٥/ ١٨٣، وابن المنذر وابن أبي حاتم، انظر: \"الدر المنثور\" ٢/ ٣٣٤.\n(٣) أخرجه الطبري ٥/ ١٨٣، وانظر: \"الدر المنثور\" ٢/ ٣٣٤.\n(٤) انظر: \"معاني القرآن\" للنحاس ٢/ ١٤٢.\n(٥) في \"معاني القرآن\" ١/ ٢٧٩. وهذا القول اختيار الطبري، انظر: \"تفسير الطبري\" ٥/ ١٨٣، و\"زاد المسير\" ٢/ ١٤٨.\n(٦) أخرجه بمعناه عن قتادة الطبري ٥/ ١٨٣، وابن المنذر وابن أبي حاتم، انظر: \"الدر المنثور\" ٢/ ٣٣٤.\nوذكره عنهما الماوردي ١/ ٥١١، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٢/ ١٤٨.\n(٧) هذا التعليل للنحويين، انظر: \"معاني الزجاج\" ٢/ ٨٤.\n(٨) في \"معاني الزجاج\" ٢/ ٨٤: \"ليس بشيء\" والصواب ما في المعاني، ويحتمل حصول تصحف هنا.","vol":"6","page":639},{"text":"صحيح (١).\nوقال الفراء: استثناء (قليل) مما في ﴿أَذَاعُوا﴾ أوضح وأبين معنى؛ لأنهم لا يجتمعون في الإذاعة كما يجتمعون في الاستنباط ومعرفة الخبر المظهر لهم. هذا معنى قوله. ولفظه أنه يقول: الاستثناء من ﴿أَذَاعُوا﴾ أجود لوجهين: لأن علم السرايا إذا ظهر علمه المستنبط وغيره، والإذاعة قد تكون في بعض دون بعض، فلذلك استحببت (٢) الاستثناء من الإذاعة (٣)؛ لأنه جعل القليل المستثنى البليد الذي لا يعلم ما يخبر به.\nوقال ابن عباس في رواية عطاء: يريد لاتبعتم الشيطان إلا قليلًا ممن (عصم) (٤) الله (٥).\nقال ابن الأنباري: قال أصحاب هذا القول: الذين وقع عليهم الاستثناء هم الذين اهتدوا بعقولهم لترك عبادة الأوثان والإشراك بالله ﷿ وأقاموا على التوحيد بغير رسول ولا كتاب، نحو زيد بن عمرو بن نفيل ورقة بن نوفل (٦)، وطلاب الدين (٧). قال: والقولان الأولان\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٨٤ - بتصرف-.\n(٢) عند الفراء: \"استحسنت\".\n(٣) \"معاني القرآن\" ١/ ٢٧٩، ٢٨٠، وانظر: \"الكشف والبيان\" ٤/ ٩٢ ب.\n(٤) هذِه الكلمة في المخطوط: \"عظم\" بالظاء، والتصويب من \"الوسيط\" ٢/ ٦٣٧.\n(٥) أورده المؤلف في \"الوسيط\" ٢/ ٦٣٧، ولم أقف عليه.\n(٦) هو ورقة بن نوفل بن عبد العزى القرشي، من الحكماء، اعتزل عبادة الأصنام، ولم يأكل مما ذبح عليها، واعتنق النصرانية، وقد أدرك أوائل عصر النبوة وقصته في بدء الوحي مشهورة في البخاري وغيره، وقد آمن وعد من الصحابة.\nانظر: \"أسد الغابة\" ٥/ ٤٤٧، و\"الإصابة\" ٣/ ٦٣٣، و\"الأعلام\" ٨/ ١١٤.\n(٧) انظر: \"معاني الزجاج\" ٢/ ٨٤، و\"النكت والعيون\" ١/ ٥١١، ٥١٢، و\"الوسيط\" ٢/ ٦٣٧، و\"زاد المسير\" ٢/ ١٤٨.","vol":"6","page":640},{"text":"(أثبت) (١) من هذا القول؛ لأن ورقة وزيدًا وغيرهما ممن ثبته (٢) بفضل الله ورحمته أدرك الدين (أدرك) (٣) فنعمة الله لازمة له.\nونصر الزجاج هذا القول الثالث، وأجاب عن ترجيح ابن الأنباري القولين الأولين، فقال: قبل أن ينزل القرآن على النبي - ﷺ - وقبل أن يُبعث قد كان في الناس القليل ممن لم يشاهد القرآن ولا النبي - ﷺ - مؤمنًا، فإن قال قائل: إن من كان قبل ذلك مؤمنًا فبفضل الله ورحمته آمن، قيل: إن المقصود بالفضل والرحمة في هذا الموضع النبي - ﷺ - والقرآن، وإيمان هؤلاء القليل كان قبلهما (٤).\nفيصح الاستثناء إذا خصصت الفضل والرحمة بالنبي - ﷺ - والقرآن.\nهذا الذي ذكرنا في هذا الآية قول أكثر المفسرين (٥).\nوفي الآية قول آخر، وهو ما قال ابن عباس في رواية الضحاك في قوله: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ﴾ يعني المنافقين، كانوا إذا أمروا بالقتال لم يطيعوا الله فيما أمرهم به، وإن نهاهم عن محارمه لم ينتهوا، وإن أفضى الرسول إليهم سرًا أذاعوا عند العدو، فأنزل الله ﷿\n_________\n(١) تكررت هذِه الكلمة في المخطوط.\n(٢) هكذا في المخطوط، ولعل الصواب: \"ثبت\".\n(٣) هكذا هذِه الكلمة في المخطوط، ولعل الصواب: \"أم لم يدركه\".\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٨٤.\n(٥) إلى هنا في المخطوط انتهى الكلام عن تفسير الآية ٨٣، وأتى الناسخ بتفسير للآية ٨٦ قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ﴾ الآية، وكان قد قدم في المخطوط تفسير للآية ٨٣ من أثنائها، ويحتمل أنه بعد هذا الكلام مباشرة فجعلته بعده في الصفحة التالية.","vol":"6","page":641},{"text":"﴿وَلَوْ رَدُّوهُ﴾ يعني أمورهم في الحلال والحرام، ﴿إِلَى الرَّسُولِ﴾ في التصديق به، ﴿وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ﴾ يعني حملة الفقه والحكمة، ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ يعني الذين يفحصون عن العلم (١).\nفعلى هذا القول قوله: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ﴾ معناه كما ذكرنا في القول الأول.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ﴾. الكناية لا تعود إلى الأمر كما عادت إليه في القول الأول، لكنها عائدة إلى غير مذكور، وهو ما يعرض لهم من أمر يحتاجون فيه إلى بيان الرسول وأولي العلم من الصحابة، كأنه قيل: ولو ردوا ذلك الذي عرض لهم إلى الرسول وإلى حملة الفقه لعلموه وأخبروا بما فيه من الصواب (٢).\nوالكناية عن غير مذكور كثيرة إذا كان في الكلام دليل على ما لم يذكر.\nونحو هذا قال الحسن وقتادة وابن جريج وابن أبي نجيح في ﴿أُولِي الْأَمْرِ﴾ أنهم أهل العلم والفقه (٣). وهذا اختيار ابن كيسان، فإنه يقول في قوله: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ﴾: أي لو طلبوا علمه من الرسول وعلمائهم الراسخين في العلم، لعلموا صواب ذلك وخطأه (٤).\n_________\n(١) أخرج طرفه الطبري ٥/ ١٨٣ من طريق العوفي عن ابن عباس، وابن أبي حاتم انظر: \"الدر المنثور\" ٢/ ٣٣٤.\n(٢) انظر: الطبري ٥/ ١٨١ - ١٨٢.\n(٣) أخرج الأثر عن ابن جريج وعن قتادة بمعناه الطبري ٥/ ١٨٢، وذكره عن الحسن الهواري في \"تفسيره\" ١/ ٤٠٣، وقد ذكره عن جميعهم الماوردي في \"النكت والعيون\" ١/ ٥١١، وانظر: \"زاد المسير\" ٢/ ١٤٧، و\"الدر المنثور\" ٢/ ٣٣٣.\n(٤) لم أقف عليه.","vol":"6","page":642},{"text":"وقوله تعالى: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ الاستنباط على هذا القول هو استخراج ما خفي من العلم، كما ذكره ابن عباس (١).\nوقال قتادة في قوله: ﴿يَسْتَنْبِطُونَهُ﴾ \"أي يفصحون (٢) عنه ويهمهم ذلك\" (٣).\nوقوله: ﴿مِنْهُمْ﴾ على هذا القول للتبعيض، وليس صلة للاستنباط خاصٍ لبعضهم.\nواستثناء قوله: ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ من قوله: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ﴾ صحيح سائغ حسن، ولا يرد عليه ما ورد من الاعتراض في القول الأول، ويكون أحسن من الاستثناء من ﴿أَذَاعُوا﴾ على هذا القول (٤).\nوالذي ذهب إليه الحسن وقتادة من استثناء القليل من قوله: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ﴾ (٥) إنما قالا ذلك لأنهما ذهبا إلى هذا القول الثاني.\nوهذا التفسير يدل على وجوب القول بالاجتهاد عند عدم النص؛ لأن\n_________\n(١) الأثر من طريق العوفي عن ابن عباس: \" ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ يقول: لعلمه الذين يتحسسونه منهم\" أخرجه الطبري ٥/ ١٨٢.\n(٢) هكذا في المخطوط الصاد قبل الحاء، وقد أثبتها محمود شاكر عند الطبري: \"يفحصون\" بتقديم الحاء على الصاد، واعتبر ما في المخطوط تصحيفًا، وهذا وجيه. وهكذا في \"الدر المنثور\". انظر: الطبري ٥/ ١٨٠، و\"الدر المنثور\" ٢/ ٣٣٣ - ٣٣٤.\n(٣) أخرجه الطبري ٥/ ١٨٠، وعبد بن حميد وابن المنذر. انظر: \"الدر المنثور\" ٢/ ٣٣٣ - ٣٣٤.\n(٤) انظر: \"معاني الزجاج\" ٢/ ٨٤، و\"معاني القرآن\" للنحاس ٢/ ١٤٢.\n(٥) قول الحسن ذكره الهواري في \"تفسيره\" ١/ ٤٠٤.\nأما قول قتادة فأخرجه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ١/ ١٦٦، والطبري ٥/ ١٨٠، وابن المنذر وابن أبي حاتم. انظر: \"الدر المنثور\" ٢/ ٣٣٣ - ٣٣٤، ونسبه لهما ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٢/ ١٤٨.","vol":"6","page":643},{"text":"الاستنباط ليس بتلاوة، بل هو اعتبار وقياس وحكم بالمعاني المودعة في النصوص (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ إلى آخرها. فيه تذكير للمؤمنين بنعمة الله ﷿ في لطفه لهم، حتى سَلِموا من النفاق وما ذُم به المنافقون.\nوذكر صاحب النظم وجهًا آخر في الاستثناء، فزعم أن الاستثناء متصل بقوله: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ دون قوله: ﴿لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ﴾ على تأويل: ولولا فضل الله عليكم ورحمته إلا قليلًا ممن لم يُدخله في رحمته وفضله، فاتبعوا الشيطان، لاتبعتم أنتم الشيطان، فيكون الممتنع من اتباع الشيطان بفضله ورحمته، وغير الممتنع منه من لم يصبه فضل الله ورحمته، وهذا هو الصواب إن شاء الله انتهى كلامه.\nفإن قيل على هذا: الذين اتبعوا الشيطان كانوا أكثر من الذين امتنعوا من اتباعه فكيف يجعلهم قليلًا؟ قيل: هذا خطاب للذين أظهروا الإيمان من المخلص والمنافق، والذين نافقوا واتبعوا الشيطان كانوا أقل من المخلصين، فلذلك جعلهم قليلًا.","vol":"6","page":644},{"text":"المملكة العربية السعودية\nوزارة التعليم العالي\nجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية\nعماد البحث العلمي\nسلسلة الرسائل الجامعية\nالتَّفْسِيرُ البَسِيْط\nلأبي الحسن على بن أحمد بن محمد الواحدي\n(ت ٤٦٨ هـ)\nسورة النساء من آية (٨٤) إلى آخر السورة\nوسورة المائدة\nتحقيق\nد. محمد بن حمد بن عبد الله المحيميد\nأشرف على طباعته وإخراجه\nد. عبد العزيز بن سطام آل سعود ... أ. د. تركى بن سهو العتيبي\nالجزء السابع","vol":"7","page":1},{"text":"المملكة العربية السعودية\nوزارة التعليم العالي\nجامعة الإِمام محمد بن سعود الإسلامية\nعماد البحث العلمي\nسلسلة الرسائل الجامعية\nالتَّفْسِيرُ البَسِيْط\nلأبي الحسن علي بن أحمد بن محمد الواحدي\n(ت ٤٦٨ هـ)\nسورة النساء من آية (٨٤) إلى آخر السورة\nوسورة المائدة\nتحقيق\nد. محمد بن حمد بن عبد الله المحيميد\nأشرف على طباعته وإخراجه\nد. عبد العزيز بن سطام آل سعود ... أ. د. تركى بن سهو العتيبي\nالجزء السابع","vol":"7","page":2},{"text":"جامعة الإِمام محمد بن سعود الإسلامية ١٤٣٠هـ\nفهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية أثناء النشر\nالواحدي، علي بن أحمد\nالتفسير البسيط لأبي الحسن علي بن أحمد بن محمد الواحدي\n(ت٤٦٨هـ)./ علي بن أحمد الواحدي، محمد بن صالح بن عبد الله\nالفوزان، الرياض١٤٣٠هـ.\n٢٥مج. (سلسلة الرسائل الجامعية)\nردمك:٤ - ٨٥٧ - ٠٤ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (مجموعة)\n٢ - ٨٦٤ - ٠٤ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (ج٧)\n١ - القرآن تفسير ... ٢ - الواحدي، علي بن أحمد\nأ- العنوان ... ب- السلسة\nديوي ٢٢٧.٣ ... ٨٦٨/ ١٤٣٠\nرقم الإيداع: ٨٦٨/ ١٤٣٠هـ\nردمك ٤ - ٨٥٧ - ٠٤ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (مجموعة)\n٢ - ٨٦٤ - ٠٤ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (ج٧)","vol":"7","page":3},{"text":"التَّفْسِيرُ البَسِيْط\nلأبي الحسن علي بن أحمد بن محمد الواحدي\n(ت ٤٦٨ هـ)\n[٧]","vol":"7","page":4},{"text":"بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ","vol":"7","page":5},{"text":"التَّفْسِيرُ البَسِيْط\nلأبي الحسن علي بن أحمد بن محمد الواحدي\n(ت ٤٦٨ هـ)\nسورة النساء من آية (٨٤) إلى آخر السورة\nوسورة المائدة\nتحقيق\nد. محمد بن حمد بن عبد الله المحيميد","vol":"7","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-769>٨٤ </span>- قوله تعالى: ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآية. ذكر أبو إسحاق (١) في الفاء في قوله: ﴿فَقَاتِلْ﴾ وجهين:\nأحدهما:- أنها جواب لقوله: ﴿وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٧٤] فقاتل (٢).\nقال علي بن عيسى النحوي: ووجه ذلك أنه محمول على المعنى، لأنه قد دل على معنى: إن أردت الفوز فقاتل (٣).\nالوجه الثاني:- أن يكون متصلًا بقوله: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النساء:٧٥] فقاتل في سبيل الله (٤).\nوقوله تعالى: ﴿لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ﴾.\nقال مقاتل: \"ليس عليك ذنب غيرك\" (٥).\nوقال الزجاج: أمره الله ﷿ بالجهاد ولو وحده؛ لأنه قد ضمن له النصر (٦).\nقال أصحاب المعاني: معناه لا تكلف إلا فعل نفسك، على معنى أنه لا ضرر عليك في فعل غيرك، ولا تهتم بتخلف من يتخلف عن الجهاد فعليهم ضرر ذلك (٧).\n_________\n(١) أي الزجاج في \"معانيه\" ٢/ ٨٤.\n(٢) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٨٤، ٨٥.\n(٣) كلام علي بن عيسى النحوي ليس في \"معاني الزجاج\" حسب المطبوع.\n(٤) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٨٥.\n(٥) \"تفسيره\" ١/ ٣٩٣، وانظر: \"بحر العلوم\" ١/ ٣٧٢.\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٨٥.\n(٧) انظر: الطبري ٥/ ١٨٥، و\"الكشف والبيان\" ٤/ ٩٣ ب.","vol":"7","page":5},{"text":"وانتصاب قوله: ﴿نَفْسَكَ﴾ على خبر ما لم يسم فاعله (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ﴾.\nقال الكلبي: حضض المؤمنين على القتال (٢).\nوقوله تعالى: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾.\n(عسى): حرف من حروف المقاربة، وفيه ترج وطمع، وهي من الله واجب، ومن العباد شك (٣).\nوقد قال ابن مقبل -فجعله يقينا- أنشده أبو عبيدة:\nظنِّي بهم كعسى وهم بِتنُوفَةٍ (٤) ... البيت.\nوقد تكلمنا في هذا الحرف في سورة البقرة.\nوقال الزجاج: (عسى) معناها معنى الإطماع، والإطماع من الله واجب (٥).\nوقال غيره: إطماع الكريم إيجاب.\n_________\n(١) \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ٤٣٩.\n(٢) انظر: \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ٩١.\n(٣) من \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٤٢٧ (عسا).\nوانظر: الطبري ٥/ ١٨٥، و\"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ٤٣٩، و\"معانيه\" ٢/ ١٤٣، و\"الكشف والبيان\" ٤/ ٩٣ أ، و\"معالم التنزيل\" ٢/ ٢٥٦.\n(٤) البيت في \"مجاز القرآن\" ١/ ١٣٤، و\"الأضداد\" لابن الأنباري ص ٢٣، و\"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٤٢٧، و\"اللسان\" ٥/ ٢٩٥٠ (عسا). وعجزه كما في \"المجاز\":\nيتنازعون جوائز الأمثال\nوالتنوفة: الصحراء، ومعنى \"يتنازعون جوائز الأمثال\": يتجاذبون الأمثال السائرة. والشاهد أن \"عسى\" بمعنى اليقين.\n(٥) انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٩٥، ١٨١.","vol":"7","page":6},{"text":"والبأس: الشدة في كل شيء (١).\nوقال ابن عباس في قوله: ﴿بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء:٨٤]: \"يريد شدة حربهم في القتال\" (٢) يسمى بأسًا لما فيه من الشدة.\nوالكلبي فسر البأس في قوله: ﴿بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: بالقتال (٣).\nوقد أنجز الله وعده بكف بأس هؤلاء الذين ذكرهم في قوله: ﴿بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾.\nقال الكلبي: إن أبا سفيان (٤) لما انصرف من أحد واعد رسول الله - ﷺ - موسم بدر الصغرى، فلما جاء الميعاد، خرج إليها رسول الله - ﷺ - في سبعين راكبًا، فلم يوافهم أبو سفيان، ولم يكن قتال، وكفاهم الله بأس عدوهم (٥).\nوقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا﴾.\nقال ابن عباس والكلبي: أشد عذابًا (٦).\nوالعذاب يسمى بأسًا لما فيه من الشدة، ومنه قوله: ﴿فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ﴾ [غافر: ٢٩]، وقوله: ﴿فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا﴾ [الأنبياء: ١٢]، وقوله: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ [غافر: ٨٤].\n_________\n(١) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٨٥، وانظر: \"تهذيب اللغة\" ١/ ٢٢٥، و\"الصحاح\" ٣/ ٩٠٦، ٩٠٧، و\"اللسان\" ١/ ١٩٩ (بأس).\n(٢) لم أقف عليه، ونحوه في \"الوسيط\" ٢/ ٦٣٨ دون نسبة لابن عباس.\n(٣) \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ٩١.\n(٤) تقدمت ترجمته.\n(٥) انظر: \"الكشف والبيان\" ٤/ ٩٣ أ، و\"معالم التنزيل\" ٢/ ٢٥٦، و\"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ٩١.\n(٦) انظر: \"زاد المسير\" ٢/ ١٤٩، و\"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ٩١. =","vol":"7","page":7},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا﴾ [النساء:٨٤].\nيقال: نكلت بفلان، إذا عاقبته في شر أتاه، عقوبةُ تنكل غيره عن ارتكاب مثله، من قولهم: نكل الرجل عن الشيء إذا جبن عنه وامتنع (١). وقد ذكرنا هذه الحرف في قوله: ﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا﴾ [البقرة: ٦٦].\nقال الحسن وقتادة في قوله: ﴿وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا﴾: عقوبة (٢). ونحو ذلك قال الكلبي (٣).\nوقال عطاء: أشد نقمة (٤). وقال ابن كيسان: أشد انتقامًا (٥).\nوذلك أن العقوبة نقمة وانتقام، فالانتقام معنى التنكيل لا تفسيره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-770>٨٥ </span>- قوله تعالى: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا﴾. اختلفوا في هذه الشفاعة، ما هي، وما معناها، فقال ابن عباس في رواية عطاء: \"يريد من يوحد الله مخلصًا يكن له نصيب منها، يريد الجنة\" (٦).\nوتفسير هذا القول ما قال الضحاك: من آمن بالتوحيد، وقاتل أهل الكفر، فقد شفع شفاعة حسنة. وقال: نزلت في أبي جهل (٧)، فإنه لم\n_________\n= وهذا القول لكثير من المفسرين، انظر: \"تفسير الهواري\" ١/ ٤٠٤ و\"بحر العلوم\" ١/ ٣٧٢، و\"الدر المنثور\" ٢/ ٣٣٥.\n(١) \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٦٦٥ (نكل)، وانظر: الطبري ٥/ ١٨٥، و\"البسيط\" بتحقيق الفوزان ٣/ ١٠٢٣، و\"اللسان\" ٨/ ٤٥٤٤ (نكل).\n(٢) قول الحسن في \"تفسير الهواري\" ١/ ٤٠٤.\nوأخرج قول قتادة: الطبري ٥/ ١٨٥، وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم انظر: \"الدر المنثور\" ٢/ ٣٣٥، وقد عزاه له ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٢/ ١٤٩.\n(٣) انظر: \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص٩١.\n(٤) لم أقف عليه.\n(٥) لم أقف عليه.\n(٦) لم أقف عليه. وانظر: \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ٩١.\n(٧) تقدمت ترجمته.","vol":"7","page":8},{"text":"يزل يُعين المشركين على المسلمين، وهو قوله: ﴿وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً﴾ (١).\nقال ابن عباس: يريد الشرك بالله (٢).\nقال الضحاك: يعني من آمن بالشرك، وكفر بالتوحيد، فقد شفع شفاعة سيئة (٣).\nفقول الضحاك تفسير لقول ابن عباس.\nوالأصل في الشفاعة الشفع الذي هو ضد الوتر، وقد ذكرنا هذا في سورة البقرة، فمعنى الشفاعة على ما ذكر الضحاك (٤) أن يشفع إيمانه بالله تعالى بقتال أهل الكفر، وهو الشفاعة الحسنة. والشفاعة السيئة أن يشفع إيمانه بالشرك بكفره بالتوحيد. وابن عباس ذكر في تفسيره أحد الشفعين في كل واحد من الجانبين، حتى ذكر الضحاك الشفع الثاني.\nويؤكد هذا التفسير أيضًا ما رواه المنذري عن أبي الهيثم في قوله:\n﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً﴾: أي يزيد عملًا إلى عمل. قال: والشفع الزيادة (٥). وذهب مقاتل إلى أن معنى الشفاعة ههنا الشفاعة إلى الله تعالى بالدعاء (٦).\n_________\n(١) لم أقف عليه، وقد فسر ابن جرير الآية بنحو ذلك. انظر: \"تفسير الطبري\" ٥/ ١٨٥، و\"زاد المسير\" ٢/ ١٥٠.\n(٢) انظر: \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ٩١.\n(٣) لم أقف عليه.\n(٤) في المخطوط: (للضحاك)، والظاهر أن لا مكان لحرف الجر.\n(٥) من \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٨٩٧ (شفع)، وانظر: \"اللسان\" ٤/ ٢٢٩٠ (شفع).\n(٦) انظر: \"النكت والعيون\" ١/ ٥١٢، و\"زاد المسير\" ٢/ ١٥٠، وفي \"تفسير مقاتل\" ١/ ٣٩٤ \" ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً﴾ [النساء: ٨٥] لأخيه بخير\" فليس فيه تخصيص الدعاء.","vol":"7","page":9},{"text":"واعتمد في ذلك على ما رواه أبو الدرداء (١)، عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"من دعا لأخيه المسلم بظهر الغيب استجيب له، وقال له الملك: ولك مثل ذلك\" (٢) فذلك النصيب، ﴿وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً﴾ هي الدعوة عليه بضد ذلك.\nويؤكد هذا التفسير ما روي عن بعضهم أنه قال: كانت اليهود تدعو على المسلمين، فتوعدهم الله تعالى بهذه الآية (٣).\nوقال الحسن ومجاهد والكلبي وابن زيد: هذه الشفاعة بين الناس بعضهم لبعض (٤).\nقال الكلبي: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً﴾ يصلح بين اثنين يكن له أجرٌ منها ﴿وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً﴾ يمشي بالنميمة وبالغيبة يكن له إثمٌ فيها (٥).\n_________\n(١) هو الصحابي الجليل عويمر بن عامر (وقيل: ابن مالك أو ثعلبة أو عبد الله أو زيد) ابن قيس بن أمية الأنصاري الخزرجي، شهد أحدًا وما بعدها، وآخى رسول الله - ﷺ - بينه وبين سلمان الفارسي. توفي سنة ٣٢ هـ أو ٣٣ هـ انظر: \"الاستيعاب\" ٣/ ٢٩٨، و\"أسد الغابة\" ٤/ ٣١٨، و\"سير أعلام النبلاء\" ٢/ ٢٣٥، و\"الإصابة\" ٣/ ٤٥.\n(٢) أخرجه مسلم في كتاب الذكر والدعاء رقم (٢٧٣٢)، باب: فضل الدعاء للمسلمين بظهر الغيب.\n(٣) انظر: \"النكت والعيون\" ١/ ٥١٠، و\"زاد المسير\" ٢/ ١٥٠، و\"التفسير الكبير\" ١٠/ ٢٠٧.\n(٤) أخرج الأثر عن الحسن، ومجاهد، وابن زيد، الطبري ٥/ ١٨٦. وأخرجه أيضًا عن الحسن، ومجاهد، ابن المنذر، وابن أبي حاتم. انظر: \"الدر المنثور\" ٢/ ٣٣٥، وهو في \"تفسير مجاهد\" ١/ ١٦٧.\nأما الكلبي فيرى أن المراد بالشفاعة: الإصلاح بين اثنين. كما سيأتي عند المؤلف.\n(٥) \"بحر العلوم\" ١/ ٣٧٢، و\"زاد المسير\" ٢/ ١٥٠، و\"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ٩١.","vol":"7","page":10},{"text":"وقال مجاهد: (شفاعة حسنة) و(شفاعة سيئة): شفاعة الناس بعضهم لبعض (١).\nقال الحسن: ويجوز في الدين أن يشفع فيه، فهو شفاعة حسنة كان له فيها أجران، وإن لم يشفع، لأن الله تعالى يقول: ﴿مَنْ يَشْفَعْ﴾ ولم يقل: (من يُشَفَّع) (٢).\nيؤيد (٣) هذا قوله - ﷺ -: \"اشفعوا تؤجروا\" (٤).\nوأما الكفل فقال أبو عبيدة والفراء وجميع أهل اللغة: الكفل الحظ، ومنه قوله: ﴿يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ [الحديد: ٢٨]، معناه: حظَّين (٥).\nوقال الزجاج. الكفل في اللغة النصيب، أخذ من قولهم. أكفلت البعير إذا أدرت على سنامه كساءً وركبتُ عليه، وإنما قيل له كفل، واكتفل البعير، لأنه لم يستعمل الظهر كله، إنما استعمل نصيبًا من الظهر (٦).\n_________\n(١) \"تفسيره\" ١/ ١٦٧، وأخرجه الطبري ٥/ ١٨٦، وابن المنذر، وابن أبي حاتم. انظر: \"الدر المنثور\" ٢/ ٣٣٥.\n(٢) أخرجه الطبري ٥/ ١٨٦، وابن المنذر، وابن أبي حاتم. انظر: \"الدر المنثور\" ٢/ ٣٣٥.\n(٣) كأن هذِه الكلمة في المخطوط: \"ويزيد\" والصواب ما أثبته. انظر: \"الوسيط\" ٢/ ٦٤٠.\n(٤) الحديث عن أبي موسى الأشعري ﵁ أخرجه البخاري في كتاب الأدب، باب: قول الله تعالى: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً﴾ الآية ٧/ ٨٠، ومسلم في كتاب: (٢٦٢٧) البر والصلة، باب: استحباب الشفاعة ولفظه: \"اشفعوا فلتؤجروا\" الحديث.\n(٥) \"مجاز القرآن\" ١/ ١٣٥، وفسر الكفل بالنصيب، و\"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٢٨٠.\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٨٥، و\"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣١٦٦ (كفل)، و\"زاد المسير\" ٢/ ١٥٠.","vol":"7","page":11},{"text":"وقال ابن المظفر: الكفل من الأجر والإثم الضِّعف، يقال: له كفلان من الأجر، ولا يقال: هذا كفل فلان، حتى تكون هيَّأت لغيره مثله، كالنصيب، فإذا أفردت فلا تقل: كفل ولا نصيب، ولكن: حظ (١).\nفأما المفسرون فقال مجاهد: الكفل: النصيب (٢). وهو قول السدي والربيع وابن زيد (٣).\nوقال الحسن والكلبي وقتادة ومقاتل: الكفل الوزر والإثم (٤).\nفالقول الأول مثل قول أهل اللغة، والقول الثاني معناه: حظ من الإثم والوزر، والحظ من الإثم والوزر وزر وإثم، فلذلك قيل في تفسير الكفل: الإثم والوزر.\nوقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا﴾ [النساء: ٨٥].\nاختلفوا في معنى المقيت، فقال الفراء: المقيت المقتدر، والمقدِّر أيضًا، كالذي يُعطي كل رجل قوته (٥).\nونحو ذلك قال عبد الله بن مسلم: المقيت المقتدر، أقات على الشيء، إذا اقتدر عليه، وأنشد:\n_________\n(١) \"العين\" ٥/ ٣٧٣، و\"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣١٦٦ (كفل).\n(٢) لم أقف عليه.\n(٣) أخرج الآثار عنهم الطبري ٥/ ١٨٦، ١٨٧، وانظر: \"النكت والعيون\" ١/ ٥١٢، و\"زاد المسير\" ٢/ ١٥٠، و\"الدر المنثور\" ٢/ ٣٣٦.\n(٤) أخرجه عن قتادة: الطبري ٥/ ١٨٦، ١٨٧، وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم. انظر: \"الدر المنثور\"، وعن الحسن انظر: \"تفسير الهواري\" ١/ ٤٠٤، و\"النكت والعيون\" ١/ ٥١٢، وعن الكلبي، انظر: \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ٩١، وعن مقاتل انظر \"تفسيره\" ١/ ٣٩٤.\n(٥) \"معاني القرآن\" ١/ ٢٨٠.","vol":"7","page":12},{"text":"وذي ضِغْنٍ كففتُ النفس عنهُ ... وكُنتُ على مساءتِه مُقِيتًا (١)\nقال أبو بكر: على هذا أهل اللغة، قال بعض فصحاء المعمرين:\nثم بعد الممات ينشر من ... على النشر يا بني مُقيتُ (٢)\nمعناه: من هو مقتدر.\nويقوي هذا القول ما قاله ابن عباس في رواية عطاء في قوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا﴾: \"يريد قادرًا\" (٣)، وهو قول السدي وابن زيد: المقيت: المقتدر (٤)، واختيار الكسائي (٥) والنضر بن شميل، وأنشد النضر:\nتجلَّد ولا تجزع وكن ذا حفيظةٍ ... فإني على (...) لمقيت (٦)\nأي: قادر.\nوقال آخرون: المُقيت الحفيظ. وهو قول ابن عباس (٧) وقتادة (٨).\n_________\n(١) \"غريب القرآن\" لابن قتيبة ص ١٢٩. ونسب البيت للزبير بن عبد المطلب كما في الطبري ٥/ ١٨٨، و\"النكت والعيون\" ١/ ٥١٣، والقرطبي ٥/ ٢٩٦، وجاء في \"زاد المسير\" ٢/ ١٥٠، و\"الدر المنثور\" ٢/ ٣٣٦ أنه لأحيحة الأنصاري، وفي \"اللسان\" ٦/ ٣٧٦٩ (قوت) نسب لأبي قبيس بن رفاعة.\nو\"ضغن\" من الضغن وهو الحقد. انظر: \"اللسان\" ٥/ ٢٥٩٢ (ضغن).\n(٢) في \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٣٠٦٩ (قوت) وفي الشطر الأول: \"ينشرني من\" وفي الشطر الثاني: \"هو على النشر ... \"، وكذا في \"اللسان\" ٦/ ٣٧٦٩ (فوت)، ولم أقف على قائله.\n(٣) انظر: \"زاد المسير\" ٢/ ١٥١، و\"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ٩١، و\"الدر المنثور\" ٢/ ٣٣٦.\n(٤) أخرج ذلك بنحوه: الطبري ٨/ ٥٨٤، وانظر: \"النكت والعيون\" ١/ ٥١٢، و\"زاد المسير\" ٢/ ١٥١، و\"الدر المنثور\" ٢/ ١٣٦.\n(٥) انظر: \"معاني القرآن\" للنحاس ٢/ ١٤٧.\n(٦) لم أقف عليه، وما بين القوسين غير واضح في المخطوط.\n(٧) \"تفسيره\" ص ١٥٢، وأخرجه الطبري ٥/ ١٨٧.\n(٨) انظر: \"زاد المسير\" ٢/ ١٥١.","vol":"7","page":13},{"text":"واختيار أبي إسحاق (١)، لأنه مشتق من القُوت، يقال: قُتُّ الرجل أقوتُه قَوْتًا، إذا حفظت نفسه بما تقوته. والقوت اسم للشيء الذي يحفظ نفسه ولا فضل فيه، على قدر الحفظ. فمعني المقيت -والله أعلم- الحفيظ الذي يُعطي للشيء قدر الحاجة من الحفظ (٢).\nوقال الكلبي في قوله: ﴿مُقِيتًا﴾ مجازيًا بالحسنة والسيئة (٣). وهذا أيضًا راجع إلى معنى الحفظ؛ لأنه إنما يحفظ أعمال العباد ليجازي عليها.\nوحُكي بعضهم أن هذا من القوت، ومعنى المقيت الذي عليه قوت كل دابة ورزقها (٤).\nقال الفراء: يقال: أقات الشيء إقاتة، وقات أهله يقوتهم قياتة وقوتًا، والقوت الاسم، وجاء في الحديث: \"كفى بالمرء إثمًا أن يضيع من يقوت\" و\"يقيت\" (٥).\nقال أبو بكر: وعلى هذا القول قوله: ﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾ علي زائدة للتوكيد، ومن شأنهم أن يزيدوا ﴿عَلَى﴾ للتوكيد، وأنشد لحميد (٦):\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٨٥.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٨٥، وانظر: \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٣٠٦٩ (قوت)، و\"زاد المسير\" ٢/ ١٥١.\n(٣) انظر: \"النكت والعيون\" ١/ ٥١٣، و\"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ٩١.\n(٤) انظر: \"بحر العلوم\" ١/ ٣٧٣.\n(٥) \"معاني القرآن\" ١/ ٢٨٠.\nوالحديث أخرجه أحمد في \"مسنده\" ٢/ ١٦٠، عن عبد الله بن عمرو ﵄ وكذا الحاكم في \"مستدركه\" ١/ ٤١٥، وصححه، ووافقه الذهبي.\n(٦) هو أبو المثنى حميد بن ثور بن حزن الهلالي، تقدمت ترجمته.","vol":"7","page":14},{"text":"أبى الله، إلاَّ أنَّ سَرْحَة مالكٍ ... على كُلِّ أفنانِ العِضَاهِ تَروقُ (١)\nقال: أراد كل أفنان العضاه تروق، وأكد الكلام بعلى. وقال: المقيت الشهيد وهذا عائد إلى معنى الحفيظ (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-771>٨٦ </span>- قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ﴾ الآية. التحية تفعلةٌ من حيَّيتُ (٣)، وكان في الأصل تَحيية، مثل التوصية والتسمية. والعرب تؤثر التفعلة على التفعيل في ذوات الأربعة، نحو قوله: ﴿وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ [الواقعة: ٩٤]، ولا يكاد يأتي على: تفعيل، إلا أن ينطق بجوازه شعر (٤)، كما قال (٥):\nفهي تُنَزي دلوها تَنزيًّا (٦)\nأي تنزية.\n_________\n(١) البيت في \"أدب الكاتب\" ص ٤١٨، و\"المسائل الحلبيات\" ص ٢٧٠، و\"أسد الغابة\" ٢/ ٦٠.\nو\"سرحة مالك\" امرأته. والسرحة في الأصل نوع من شجر العضاه، والأفنان: الأنواع، والعضاه: نوع من الشجر له شوك عظيم، وتروق: تفوق كل الأنواع.\n(٢) لم أقف على قول ابن الأنباري.\n(٣) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٨٦، وانظر: \"اللسان\" ٢/ ١٠٧٨ (حيا).\n(٤) انظر: \"الدر المصون\" ٤/ ٥٧.\n(٥) حصل في المخطوط نسخة شستربتي هنا خلط بالتقديم والتأخير، فقد بتر الكلام هنا من تفسير الآية ٨٦ وأتى بعده بتفسير الآية ٨٢ وذلك في لوحة ١٤ ب، وقد وجدت تتمة تفسير الآية ٨٦ في لوحة ١٦ أفأثبته هنا بعد قوله: \"كما قال:\".\n(٦) هذا صدر بيت، وعجزه: \"كما تنزي شهلةً صبيًّا\".\nولم أهتد إلى قائله، وهو في \"الخصائص\" ٢/ ٣٠٢، و\"الدر المصون\" ٤/ ٥٧ وفيها: \"باتت\" بدل \"فهي\".","vol":"7","page":15},{"text":"وكذلك التحية، كان: تحييه، فأدغموا الياء في الياء (١)، \"كما استحبوا ادغام: حيّ وعيّ (٢)، للحركة اللازمة في الياء الأخيرة، وإذا سكنت الياء الأخيرة لم يجز الإدغام بمثل: يحيي ويعيي، وقد جاء في بعض الشعر الإدغام، وليس بالوجه، وهو قوله:\nتمشي بسدة بيتها فتعيّ (٣)\nوهذا الإدغام منكر عند البصريين\" (٤). وسنذكر هذا مشروحًا عند قوله: ﴿وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ [الأنفال: ٤٢] إن شاء الله.\nوأما معنى التحية في اللغة: فهو السلام (٥)، وأشعار العرب ناطقة بهذا المعنى. قال عنترة (٦):\nحُييت من طلل تقادم عهده ... البيت (٧)\n_________\n(١) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٢/ ٨٦، و\"تهذيب اللغة\" ١/ ٩٥١، و\"اللسان\" ٢/ ١٠٧٨ (حيا)، و\"الدر المصون\" ٤/ ٥٧.\n(٢) من عيي يعيا عن حجته، انظر: \"اللسان\" ٦/ ٣٢٠١ (عيا).\n(٣) عجز بيت صدره:\nوكأنها بين النساء سبيكة\nأورده الأزهري في \"تهذيب اللغة\" ١/ ٦٥١ (حي) لكن بلفظ: \"فتحي\" بدل \"فتعي\" وهو أقرب للحرف هنا. وأورده كما عند المؤلف في \"اللسان\" ٢/ ١٠٧٦ (حيا).\nقال الأزهري: لا يعرف قائله. وسدة البيت: بابه، انظر: \"الصحاح\" ٢/ ٤٨٦ (سدد).\n(٤) من \"تهذيب اللغة\" ١/ ٩٥١ (حي) بتصرف يسير، وانظر: \"اللسان\" ٢/ ١٠٧٦ (حيا)، ٦/ ٣٢٠١ (عيا)، و\"الدر المصون\" ٤/ ٥٧.\n(٥) انظر: \"معاني القرآن\" للنحاس ٢/ ١٤٨، و\"بحر العلوم\" ١/ ٣٧٣، و\"اللسان\" ٢/ ١٠٧٩ (حيا).\n(٦) تقدمت ترجمته.\n(٧) صدر بيت، وعجزه:\nأقوى وأقفر بعد أم الهيثم","vol":"7","page":16},{"text":"وقال الآخر:\nإنا محيوك يا سلمى فحيينا (١)\nومعنى قول المصلي: \"التحيات لله\" أي السلام من الآفات لله (٢). ومن هذا قوله تعالى: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ﴾ [الأحزاب: ٤٤].\nهذا هو (.. (٣) ..) في التحية.\nويسمى الملك أيضًا تحية (٤)، لأن الملك يحيا بتحية الملك المعروفة للملوك التي يباينون فيها غيرهم، وهي قولهم في الجاهلية: أنعم صباحًا، وأبيت اللعن، وقول عمرو (٥):\n[.............] حتى ... أُنيخَ على تحيَّته بجُندي (٦)\nمعناه: على ملكه (٧).\n_________\n= ديوان عنترة ص ١٦. الطلل: ما شخص من آثار الديار، \"اللسان\" ٥/ ٢٦٩٧ (طلل).\n(١) لم أقف عليه.\n(٢) \"تهذيب اللغة\" ١/ ٩٥٥ (حي)، وانظر: \"اللسان\" ٢/ ١٠٧٩ (حيا)، والقرطبي ٥/ ٢٩٧.\n(٣) كلمة غير واضحة في المخطوط، وقد تكون: الكلام.\n(٤) انظر: \"تهذيب اللغة\" ١/ ٢٥٥ (حي)، و\"اللسان\" ٢/ ١٠٧٩ (حيا).\n(٥) هو أبو ثور عمرو بن معدي كرب بن عبد الله الزبيدي، تقدمت ترجمته.\n(٦) عجز بيت، وصدره:\nأسيرها إلى النعمان حتى\n\"غريب الحديث\" لأبي عبيد ١/ ٧٤، و\"تهذيب اللغة\" ١/ ٢٥٥ (حي)، و\"اللسان\" ٢/ ١٠٧٩ (حيا).\nوعند المؤلف في المخطوط القافية بدون ياء، وأثبتها لإجماع المصادر عليها.\n(٧) \"غريب الحديث\" لأبي عبيد ١/ ٧٥، و\"تهذيب اللغة\" ١/ ٢٥٥ (حي).","vol":"7","page":17},{"text":"وأما قول زهير بن جناب (١):\nمن كل ما نال الفتى ... قد نلتُه إلا التحيهْ (٢)\nفقيل فيه أنه المُلك (٣)، وقيل البقاء (٤)، والبقاء له تحية، لأن من سلم من الآفات بقي. وقال أبو الهيثم: يريد إلا السلام من المنية والآفات، فإن أحدًا لا يسلم من الموت على طول البقاء (٥).\nقال الأزهري: (والعرب تسمي) (٦) الشيء باسم غيره إذا كان منه أو من سببه.\nفالتحية بمعنى المُلك، وبمعنى البقاء صحيح. وقولهم: \"حياك الله\" أي أبقاك الله صحيح، من الحياة وهو البقاء (٧).\nنجد من هذا أن معنى التحية في الأصل الدعاء بالحياة، ثم صار بمعنى السلام، ثم صار أيضًا اسمًا للملك والبقاء، على ما بينا. هذا كلام أهل اللغة في معنى التحية.\nفأما التفسير: فقال ابن عباس في قوله: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ﴾ [النساء:٨٦]: \"يريد السلام\" (٨).\n_________\n(١) هو زهير بن جناب الكلبي الكناني، تقدمت ترجمته.\n(٢) البيت في \"غريب الحديث\" لأبي عبيد ١/ ٧٥، و\"الشعر والشعراء\" ص ٢٤٠، و\"طبقات الشعراء\" ص ٣٧، و\"تهذيب اللغة\" ١/ ٢٥٥ (حي)، و\"اللسان\" ٢/ ١٠٧٩ (حيا).\n(٣) \"غريب الحديث\" لأبي عبيد ١/ ٧٥، و\"تهذيب اللغة\" ١/ ٢٥٥.\n(٤) \"تهذيب اللغة\" ١/ ٩٥٥ (حي)، و\"اللسان\" ٢/ ١٠٧٨ (حيا).\n(٥) \"تهذيب اللغة\" ١/ ٩٥٥ بتصرف، و\"اللسان\" ٢/ ١٠٧٨ (حيا).\n(٦) ما بين القوسين ليس واضحًا في المخطوط، والتسديد من \"تهذيب اللغة\" ١/ ٩٥٦ (حى).\n(٧) \"تهذيب اللغة\" ١/ ٩٥٥ (حي) بتصرف، وانظر: \"اللسان\" ٢/ ١٠٧٨ (حيا)\n(٨) \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ٩١.","vol":"7","page":18},{"text":"﴿فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾\nاختلفوا في هذا: فمنهم من ذهب إلى أن هذا التخيير في أهل الإسلام خاصة، وليس لأهل الكفر مدخل في رد التحية عليهم (١).\nوالأكثرون والجمهور على أن قوله: ﴿فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا﴾ المراد بها المسلمون، ﴿أَوْ رُدُّوهَا﴾ إذا كان المسلم من غير أهل الإسلام (٢).\nقال الكلبي: أمر الله المسلمين برد السلام على من سلم عليهم بأحسن مما سلم عليهم، وهو الزيادة على التحية إن كان المسلم من أهل دينهم، أو بمثل الذي سلم إن كان من غير أهل دينهم، وهو أن يقول: عليكم. ولا يزيد على ذلك (٣).\nوقال أبو روق: أما (أحسن منها) فعلى أهل دينك، وأما ﴿رُدُّوهَا﴾ فعلى أهل الكتاب (٤).\nوقال الزجاج: عن عطاء: (أحسن منها) في أهل الإسلام ﴿رُدُّوهَا﴾ على أهل الشرك (٥).\nوقال ابن عباس: و(أحسن منها) أن يرد: ورحمة الله وبركاته، يرد\n_________\n(١) تفرد بهذا القول عطاء، أخرج قوله الطبري ٥/ ١٨٩، وانظر: \"النكت والعيون\" ١/ ٥١٣، والقرطبي ٥/ ٣٠٣، و\"الدر المنثور\" ٢/ ٣٣٧.\n(٢) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٢٨٠، والطبري ٥/ ١٨٩، و\"بحر العلوم\" ١/ ٣٧٣، و\"الكشف والبيان\" ٤/ ٩٤، و\"النكت والعيون\" ١/ ٥١٣.\n(٣) انظر: \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ٩١.\n(٤) لم أقف عليه، وورد نحوه عن قتادة والحسن، انظر: الطبري ٥/ ١٨٩ - ١٩٠، و\"الدر المنثور\" ٢/ ٣٣٧.\n(٥) ليس في \"معاني القرآن وإعرابه\"، وهو خلاف المعروف عن عطاء كما مر قريبًا حيث تفرد بأن هذه الآية في أهل الإسلام خاصة.","vol":"7","page":19},{"text":"على المؤمنين خاصة (١).\nوقال: (الضحاك) (٢): إذا قال: السلام عليكم، فقلت: عليكم السلام ورحمة الله، وإذا قال: السلام عليكم ورحمة الله، فقلت: عليكم السلام ورحمة الله وبركاته، فقد حييته بأحسن منها. وهذا منتهى السلام (٣).\nقال الحسن: دخل رجل على النبي - ﷺ - فقال: السلام عليك ورحمة الله وبركاته، فقال النبي - ﷺ -: وعليك. ودخل آخر فقال: السلام عليكم، فقال رسول الله - ﷺ - وعليكم السلام ورحمة الله، ودخل آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله، فقال رسول الله - ﷺ -: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، فقام الأول فقال: يا رسول الله: سلمت عليك فلم تزدني على: \"وعليك\" وقال هذا: السلام عليكم. فزدته، وقال هذا: السلام عليكم ورحمة الله، فزدته. فقال رسول الله - ﷺ -: إنك لم تترك من السلام فرددت عليك، وهذان تركا شيئًا منه فزدتهما (٤).\nفدل هذا الحديث على أن السلام انتهى إلى البركات (٥).\nثم أعلم أن السلام في الأصل سنة، والرد فريضة (٦) على الكفاية،\n_________\n(١) انظر: \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ٩١.\n(٢) غير واضح تماما في المخطوط.\n(٣) في \"الوسيط\" ٢/ ٦٤٣، وانظر: \"زاد المسير\" ٢/ ١٥٢.\n(٤) لم أجد هذا الحديث عن الحسن إلا في \"النكت والعيون\" ١/ ٥١٣، وقد أخرج نحوه من حديث سلمان الفارسي -﵁- الطبري ٥/ ١٩٠، وأحمد في \"الزهد\" وابن المنذر والطبراني وابن مردويه، وسنده حسن. انظر: ابن كثير ١/ ٥٨٣، و\"الدر المنثور\" ٢/ ٣٣٦.\n(٥) انظر: \"معاني الزجاج\" ٢/ ٨٦، والبغوي ٢/ ٢٥٧، وابن كثير ١/ ٥٨٣.\n(٦) قال ابن كثير ١/ ٥٨٤: \"هو قول العلماء قاطبة، أن الرد واجب\" وانظر: الطبري ٥/ ١٩١.","vol":"7","page":20},{"text":"فإذا سلم رجل على جماعة فالأحسن أن يرد جميعهم جوابه، فإن رد واحد منهم أسقط القرض عن الآخرين كسائر فروض الكفايات (١).\nوالسنة أن يستتبع شيئًا من كلمات السلام. والسنة في الجواب الزيادة (٢)، ولو رد كالابتداء سقط عنه القرض، لقوله تعالى: ﴿أَوْ رُدُّوهَا﴾.\nوالسنة أن يسلِّم الراكب على الماشي والقائم على القاعد، كذا قال رسول الله - ﷺ - (٣).\nوالسنة في السلام الجهر والإفشاء، وكذلك في الجواب (٤)، والاقتصار على الإشارة ليس من السنة (٥). والمصافحة عادة رسول الله - ﷺ - وإذا تصافح المسلمان عند السلام تحاتت ذنوبهما كما يتحات ورق الشجر، كذا في الخبر عن رسول الله - ﷺ - (٦).\n_________\n(١) هذا مذهب مالك والشافعي، أن الرد من فروض الكفاية، وذهب آخرون إلى أن الرد من الفروض المتعينة.\nانظر: \"التفسير الكبير\" ١٠/ ٢١٤، والقرطبي ٥/ ٢٩٨.\n(٢) كما دل عليه الحديث المتقدم.\n(٣) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"يسلم الراكب على الماشي، والماشي على القاعد، والقليل على الكثير\". أخرجه مسلم (٢١٦٠) كتاب: السلام، باب: يسلم الراكب ... (٤/ ١٧٠٣) ح ١.\n(٤) انظر: \"التفسير الكبير\" ١٠/ ٢١٣، والقرطبي ٥/ ٣٠٣.\n(٥) هذا مذهب الشافعية، وعند بعض العلماء تكفي الإشارة إذا كان على بعد. انظر: القرطبي ٥/ ٣٠٣.\n(٦) المأثور أن رسول الله - ﷺ - قال: \"ما من مسلمين يلتقيان فيتصافحان إلا غفر لهما قبل أن يفترقما\". أخرجه أبو داود من حديث البراء بن عازب ﵁ (٥٢١٢) كتاب: الأدب، باب: في المصافحة، والترمذي (٢٧٢٧) كتاب الاستئذان، باب: ما جاء في المصافحة وقال: \"هذا حديث حسن غريب\" وابن ماجه (٢٧٠٣) كتاب: الأدب، باب. المصافحة وحسنه الألباني في \"صحيح الجامع\" ٥/ ١٨٢.","vol":"7","page":21},{"text":"ومن ورد عليه سلام في كتاب فجوابه فرض عليه في الجواب (١).\nولو قال المبتدئ: عليكم السلام فقد سلم وتحتم الجواب وإن قلت العادة في اللفظ (٢).\nوإن قال المبتدئ: السلام عليكم، فقال المجيب: السلام عليكم، فقد أجاب. وأنت في اللفظ بالخيار، وكذلك في تعريف السلام وتنكيره، وعند التحلل من الصلاة لابد من الألف واللام.\nوإذا استقبلك رجلٌ واحد فقل: سلام عليكم، واقصد الرجل والملكين، فيردان عليك (٣).\nوإذا دخلت بيتًا خاليًا فسلِّم على نفسك من الله تعالى (٣).\nوليس للمسلم أن يسلِّم على الكافر، فإن سلَّم الكافر فليقل: وعليكم، ولا يزيد على هذا (٤)، وقد روي أن جماعة من اليهود دخلوا على رسول الله - ﷺ - فقالوا: السام عليك يا أبا القاسم -يعنون الموت-، فقال رسول الله - ﷺ -: وعليكم، ففطنت عائشة فقالت: وعليكم السام والذام (٥) والداء واللعنة، فقال رسول الله - ﷺ -: \"يا عائشة قد رددت عليهم، وإني استجاب فيهم ولا يُستجابون\" (٦).\n_________\n(١) انظر: \"التفسير الكبير\" ١٠/ ٢١٥. وورد عن ابن عباس ﵄ ما يؤيد هذا. انظر: \"الدر المنثور\" ٢/ ٣٣٩.\n(٢) انظر: القرطبي ٥/ ٣٠٠، ٣٠١، و\"المجموع شرح المهذب\" ٤/ ٤٦١.\n(٣) انظر: \"التفسير الكبير\" ١٠/ ٢١٣.\n(٤) انظر: الطبري ٥/ ١٩٠، و\"بحر العلوم\" ١/ ٣٧٣، و\"النكت والعيون\" ١/ ٥١٣، و\"التفسير الكبير\" ١٠/ ٢١٤.\n(٥) الذام: أي الذم والعيب. انظر: \"الفائق\" ٢/ ١٢٤، و\"اللسان\" ٣/ ١٥١٦ (ذمم).\n(٦) أخرجه بنحوه البخاري (٦٠٢٤) كتاب: الأدب، باب: الرفق، في الأمر كله =","vol":"7","page":22},{"text":"ومن وضع السلام غير موضعه لم يستحق جوابًا، مر رجل برسول الله - ﷺ - وهو يقضي حاجته، فسلم عليه، فقام رسول الله إلى جدارٍ فتيمم ورد الجواب ثم قال: لولا أني خشيت أن تقول: سلمت عليه فلم يرد علي، لما رددتُ عليك، إذا رأيتني على مثل هذه الحالة فلا تُسلِّم علي، فإنك إن سلمت علي لم أرد عليك (١).\nوفي هذا دليل على أن الطهارة مستحبة لجواب السلام والابتداء بالسلام وفي جميع الأحوال، ولهذا قال رسول الله - ﷺ -: \"ولن يحافظ على الوضوء إلا مؤمن\" (٢).\nوإذا دخل يوم الجمعة والإمام يخطب، فلا ينبغي أن يُسلِّم لاشتغال الناس بالاستماع، فإن سلَّم فرد بعضهم عليه فلا بأس، ولو اقتصروا على الإشارة كان أحسن (٣). لما روي أن رسول الله - ﷺ - كان يصلي في مسجد الخيف والناس يدخلون ويسلِّمون عليه فيرد عليهم، فقيل: كيف كان يرد عليهم؟ فقال: إشارة (٤).\n_________\n= ٧/ ٨٠، ومسلم (٢١٦٥) كتاب السلام، باب: النهي عن ابتداء أهل الكتاب بالسلام وكيف يرد عليهم.\n(١) هذا الحديث ذكره الرازي في \"التفسير الكبير\" ١٠/ ٢١٤، والقرطبي ٥/ ٣٠٤، دون عزوٍ لأحد، ولم أجد من خرجه.\nوقد جاء في كراهة السلام على من يقضي الحاجة: ما رواه ابن عمر ﵄ أن رجلًا سلم على النبي - ﷺ - وهو يبول، فلم يرد عليه \"يعني السلام\". أخرجه الترمذي (٢٧٢٠) كتاب: الاستئذان، باب ما جاء في كراهية التسليم على من يبول ٥/ ٧١، وقال الترمذي: \"هذا حديث حسن صحيح\".\n(٢) أخرجه ابن ماجه (٢٧٧) كتاب: الطهارة، باب المحافظة على الوضوء وغيره، وقال الألباني في \"صحيح الجامع\" ١/ ٣٢٢: \"صحيح\".\n(٣) انظر: \"التفسير الكبير\" ١٠/ ٢١٤.\n(٤) لم أقف عليه.","vol":"7","page":23},{"text":"وقال بعض السلف. من دخل الحمام فرأى الناس متَّزرين سلَّم عليهم، وإن لم يكونوا متزرين لم يُسلِّم عليهم (١).\nوالأولى ترك السلام على القارئ لاشتغاله بالتلاوة، فإن سلَّم عليه إنسان كفاه الإشارة، وإن أراد أن يرد الجواب رده ثم استأنف الاستعاذة وعاود التلاوة (٢).\nولا ينبغي أن يسلم على المؤذن عند اشتغاله بالأذان.\nورد السلام يكون على الفور، فإن أخر انقضى الوقت وأثم بترك القرض، فإذا أجاب بعد فوت الوقت كان ذلك ابتداء سلام لا جوابًا (٣).\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا﴾ [النساء: ٨٦] قال ابن عباس: \"يريد مجازيًا\" (٤) ومثله قال الحسن في الحسيب (٥).\nوقال مجاهد وقتادة وأبو العالية حفيظًا (٦). وذلك أنه يحصى العمل إحصاء الحافظ له الذي لا يشذ (٧) عنه شيء.\nويكون الحسيب بمعنى المُحاسب، وقد ذكرنا هذا في أول السورة.\n_________\n(١) انظر: \"التفسير الكبير\" ١٠/ ٢١٤.\n(٢) انظر: \"التفسير الكبير\" ١٠/ ٢١٤. وقال النووي: \"وهذا الذي قاله ضعيف، والمختار أن يُسلم عليه ويجب الرد باللفظ\". \"المجموع\" ٤/ ٤٧٠.\n(٣) انظر: \"التفسير الكبير\" ١٠/ ٢١٥، و\"الأذكار\" للنووي ص ٢٧٩.\n(٤) \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ٩١.\n(٥) لم أقف عليه.\n(٦) عن مجاهد في \"تفسيره\" ١/ ١٦٨ وأخرجه عنه الطبري ٥/ ١٩١، وانظر: \"النكت والعيون\" ١/ ٥١٢، و\"الدر المنثور\" ٦/ ٣٣٩. وأما عن قتادة، وأبي العالية، فلم أقف عليه.\n(٧) في المخطوط: \"يشد\" بالدال المهملة.","vol":"7","page":24},{"text":"وقال الزجاج: أي يعطي كل شيء من العلم والحفظ والجزاء مقدار مما يحسبه، أي يكفيه (١).\nوهذا الذي قاله جامع للأقوال، لأنه بمعنى يعلم كل شيء ويحفظ كل شيء ويجازى على كل شيء، علمًا كافيًا، وحفظًا كافيًا، وجزاء كافيًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-772>٨٧ </span>- قوله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ﴾ هذه لام القسم، كأنه قيل: والله ليجمعنكم (٢)، ومعنى ليجمعنكم: أي: في الموت، أو في النشور إلى يوم القيامة، أي: ليضمنكم إلى ذلك اليوم ويجمعن بينكم وبينه بأن يجمعكم فيه (٣).\nقال أبو إسحاق: جائز أن تكون سميت القيامة؛ لأن الناس يقومون من قبورهم، وجائز أن تكون سميت القيامة؛ لأنَّ الناس يقومون للحساب، قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين: ٦] (٤).\nوقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾.\nقال ابن عباس: \"يريد موعدًا\" (٥). أي: لا يخلف لوعده.\nوقال مقاتل: لا أحد أصدق من الله في أمر البعث (٦).\nوإنما جاء النفي ههنا بأداة الاستفهام؛ لأن جوابه يكون على معنى النفي فيما تقتضيه حجة العقل، فجاء هذا على المظاهرة برد الإنسان فيه إلى\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٨٦.\n(٢) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٨٧، وانظر: \"بحر العلوم\" ١/ ٣٧٣، و\"زاد المسير\" ٢/ ١٥٢.\n(٣) انظر: الطبري ٥/ ١٩١، و\"معاني الزجاج\" ٢/ ٨٧، و\"بحر العلوم\" ١/ ٣٧٣.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٨٧ بتصرف، وانظر: \"النكت والعيون\" ١/ ٥١٤، و\"زاد المسير\" ٢/ ١٥٢.\n(٥) أورده المؤلف في \"الوسيط\" ٢/ ٦٤٥، ولم أقف عليه.\n(٦) \"تفسيره\" ١/ ٣٩٤، وانظر: \"البحر المحيط\" ٣/ ٣١٢.","vol":"7","page":25},{"text":"حجة عقله، وكان ذلك أبلغ من إخباره به، وهذا كما يقول القائل: ومن أفضل منِّي؟ فيقول من يصدقه ويعرف صدقه في ذلك: لا أحد أفضل منك. فكان هذا أبلغ من أن يقول: أنا أفضل الناس. ومضى مثل هذا فيما تقدم.\nوالحديث ما يُحَدِّث به المحدث، والحديث الجديد من الأشياء (١) الذي لم يكن فحدث، وبه سمي حديثًا لأنه ذكرٌ لم يكن ثم حدث، وما يخبر الله تعالى به يجوز أن يسمى حديثًا على معنى حدوثه بالإخبار عنه، فقوله: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ كقولك: ومن أصدق من الله إخبارًا أو خبرًا وقلًا وقيلًا، كلها متقارب.\nومن هذا المعنى سمي القرآن حديثًا في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ﴾ [الزمر: ٢٣] لحدوث تلاوته فيما بيننا، فأما نفس كلام الله تعالى فقديم، لم يزل الباري تعالى ذكره متكلمًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-773>٨٨ </span>- قوله تعالى: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾.\nقال ابن عباس وأكثر المفسرين: نزلت في قوم قدموا على النبي - ﷺ - مسلمين، فأقاموا بالمدينة ما شاء الله، ثم قالوا: يا رسول الله إنا اجتوينا المدينة، فأذن لنا حتى نتبدا (٢). فإذن لهم رسول الله - ﷺ -، فلما خرجوا لم يزالوا يرحلون مرحلة مرحلة، حتى لحقوا بالمشركين، فتكلم المؤمنون فيهم، فقال بعضهم: لو كانوا مسلمين مثلنا لأقاموا معنا وصبروا كما نصبر، وقال قوم: هم مسلمون حتى نعلم أنهم بدَّلوا. فبين الله تعالى نفاقهم في هذه الآية. وهذا معنى قول الحسن ومجاهد (٣).\n_________\n(١) \"تهذيب اللغة\" ١/ ٧٥٦، وانظر: \"الصحاح\" ١/ ٢٧٨ (حدث).\n(٢) أي: نلحق بالبادية، انظر: \"معاني الزجاج\" ٢/ ٨٧.\n(٣) عن مجاهد بمعناه في \"تفسيره\" ١/ ١٦٨، وأخرجه الطبري ٦/ ١٩٣. =","vol":"7","page":26},{"text":"وإنما وصفوا بالنِّفاق وقد أظهروا الارتداد عن الإسلام واللحوق بالمشركين؛ لأنهم نُسبوا إلى ما كان عليه قبل من إضمار الكفر.\nوانتصاب فئتين على الحال عند البصريين (١). قال سيبويه: إذا قلت: ما لك قائمًا، فإنما معناه لم قمت، ونصبته على تأويل: أي شيء يستقر لك في هذه الحال (٢).\nوقال الفراء: نصبه على معنى خبر كان، إذا قلت: مالك قائمًا، كأنك قلت: لم كنت قائمًا. قال: ولا تبال أكان المنصوب معرفةً أو نكرة، يجوز في الكلام أن تقول: مالك الناظر في أمرنا. وعنده يجوز: مالك القائم (٣).\nقال الزجاج: مالك القائم. خطأ؛ لأن القائم معرفة، لا يجوز أن تقع حالًا، و\"ما\" حرف من حروف الاستفهام لا يعمل عمل كان. قال: ولو جاز: مالك القائم، لوجب أن يجوز: ما عندك القائم، وما بك لقائم، وبإجماع لا يجوز: ما بك القائم، فما لك القائم مثله لا فرق في ذلك (٤).\nومعنى الآية: ما لكم مختلفين في هؤلاء المنافقين.\n_________\n= وانظر: \"تفسير ابن كثير\" ١/ ٥٨٥، و\"الدر المنثور\" ٢/ ٣٤٠ - ٣٤١. وقد نسب هذا القول لكل من الحسن، ومجاهد: الماوردي في \"النكت والعيون\" ١/ ٥١٥، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٢/ ١٥٤.\n(١) انظر: \"معاني القرآن\" للأخفش ١/ ٤٥١، و\"معاني الزجاج\" ٢/ ٨٨، و\"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ٤٤٢.\n(٢) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٨٨.\n(٣) \"معاني القرآن\" ٢/ ٢٨١ بتصرف، وانظر: \"معاني الزجاج\" ٢/ ٨٨.\n(٤) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٨٨.","vol":"7","page":27},{"text":"قال الزجاج: أمر الله جل وعز أن يتَّفق المسلمون على تكفير من احتال على رسول الله - ﷺ - وخالفه فقال: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ [النساء:٨٨] أي: أيّ شيء لكم في الاختلاف في أمرهم (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا﴾.\nقال الفراء: يقول ردهم إلى الكفر (٢)، قال: وركسهم لغة (٣).\nقال أبو عبيد (٤): يقال: ركست الشيء وأركستُه لغتان، إذا رددته (٥).\nوالرَّكس قلب الشيء على رأسه، (أَوْرَدُّ) (٦) أوله إلى آخره، والارتكاس الارتداد (٧)، وقال أمية (٨):\nفاركسوا في حميم النار إنهم ... كانوا عصاةً وقالوا الإفك والزورا (٩)\nومن هذا يقال للرَّوث الركس، لأنه رد إلى حال النجاسة، ولهذا المعنى سمي رجيعًا (١٠).\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٨٧، ٨٨.\n(٢) \"معاني القرآن\" ١/ ٢٨١، وانظر: \"معاني القرآن\" للنحاس ١/ ١٥٣.\n(٣) في \"معاني القرآن\" ١/ ٢٨١: \"وهي في قراءة عبد الله وأبي ﴿وَاللَّهُ رَكَسَهم﴾ وانظر: \"معاني القرآن\" للنحاس ١/ ١٥٣.\n(٤) في المخطوط: \"أبو عبيدة\" وهو خطأ.\n(٥) \"غريب الحديث\" ١/ ١٦٦، و\"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٤٦٠ (ركس).\n(٦) في المخطوط: \"أورده\" والصواب ما أثبته لاستقامة الكلام، وكما في المصادر التالية.\n(٧) \"العين\" ٥/ ٣١٠، و\"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٤٦٠ - ١٤٦١ (ركس)، وانظر: \"الصحاح\" ٣/ ٩٣٦ (ركس)، و\"التفسير الكبير\" ١٠/ ٢١٩.\n(٨) تقدمت ترجمته.\n(٩) \"ديوانه\" ص ٤٠٨، والطبري ٥/ ١٩٢، و\"الدر المنثور\" ٢/ ٣٤٢.\n(١٠) انظر: \"التفسير الكبير\" ١٠/ ٢١٩.","vol":"7","page":28},{"text":"وإجماع أهل اللغة أن الركس والإركاس بمعنى، وأن تأويله النَّكس والرد، والمنكوس والمركوس واحد (١).\nقال الزجاج: تأويل ركسهم في اللغة (٢): نكسهم وردهم (٣)، والمعنى: أنه ردهم إلى حكم الكفار من الذل والصغار والسبي والقتل ﴿بِمَا كَسَبُوا﴾ أي بما أظهروا من الارتداد بعدما كانوا على النفاق، وذلك أن المنافق ما دام متمسكًا في الظاهر بالشهادتين لم يكن لنا سبيل إلى دمائهم، وكذلك فعل رسول الله - ﷺ -، وكان قد أعلم بنفاق المنافقين، وذكر عددهم لحذيفة (٤)، وعاش خلق بعد رسول الله - ﷺ -، فإذا أظهروا الارتداد عادوا إلى حكم الكفار، وهذا معنى قوله: ﴿وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا﴾.\nوقوله تعالى: ﴿أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ﴾.\nقال ابن عباس: \"يريد تُرشدوا من لم يرشده الله\" (٥).\nومعنى هذا أنه ليس إليكم هداية من أضل الله، وهؤلاء ممن ضلهم الله فلا يرشدهم أحد.\nوقال الزجاج: [أي أتقولون] (٦) إنَّ هؤلاء مهتدون والله جل وعز قد أضلهم (٧).\n_________\n(١) انظر: \"العين\" ٥/ ٣١٠، و\"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٤٦٠ - ١٤٦١، و\"الكشف والبيان\" ٤/ ٩٥ ب و\"التفسير الكبير\" ١٠/ ٢١٩.\n(٢) تكررت في (ش): (في اللغة) وهو سهو من الناسخ.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٨٨.\n(٤) تقدمت ترجمته.\n(٥) \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ٩٢.\n(٦) طمس هذا الموضع في (ش)، والتسديد من \"معاني الزجاج\" ٢/ ٨٨.\n(٧) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٨٨.","vol":"7","page":29},{"text":"فمعنى ﴿تَهْدُوا﴾ على هذا تسموا (١) مهتدين وتجعلوهم مهتدين (.. (٢) ..) وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ [النساء: ٨٨] قال ابن عباس: \"يريد دينا\" (٣). وقال الزجاج والسدي: أي (....) (٤).\nوالمعنى أنه لا ينفعه هداية هاد له.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-774>٨٩ </span>- قوله تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا﴾\nمعنى هذه الآية صرف المؤمنين الذين كانوا يُحسنون الظنَّ بهم عما هم عليه، واخبار بما يوجب العداوة لهم والبراءة منهم.\nوقوله تعالى: ﴿فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ رفع بالنسق على تكفرون، لأن المعنى: ودوا لو تكفرون وودوا لو تكونون، فالفاء عاطفة، ولم يقصد بها جواب التمني، ولو أراد أن تكون جوابًا، على تأويل إذا كفروا استووا، لكان نصبًا (٥).\nومثل هذا قوله: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم: ٩] (٦).\nولو قيل: فيدهنوا، على الجواب لكان صوابًا في العربية (٧)، ومثله قوله: ﴿وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً﴾ [النساء: ١٠٢] ونذكره في موضعه.\n_________\n(١) هكذا في المخطوط ولعل الصواب: \"تسموهم\".\n(٢) في المخطوط طمس يمثل كلمة أو كلمتين.\n(٣) \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ٩٢.\n(٤) بياض في (ش) وعند الزجاج في \"معانيه\" ٢/ ٨٨: \"أي طريقًا إلى الحجة\".\n(٥) \"الكشف والبيان\" ٤/ ٩٦ أبتصرف، وانظر: \"التفسير الكبير\" ١٠/ ٢٢١، و\"البحر المحيط\" ٣/ ٣١٤، و\"الدر المصون\" ٤/ ٦٢.\n(٦) \"الكشف والبيان\" ٤/ ٩٦ أ.\n(٧) انظر: \"الكشاف\" ١/ ٢٨٨، و\"الدر المصون\" ٤/ ٦٢، ٦٣.","vol":"7","page":30},{"text":"ومعنى قوله: ﴿فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ أي في الكفر، والمراد: فتكونون وهم سواءً (١)، فاكتفى بذكر المخاطبين عن غيرهم؛ لوضوح المعنى بتقدم ذكرهم.\nوقوله تعالى: ﴿فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ﴾. نهى عن مباطنة هؤلاء وموالاتهم، وهذا الحكم جارٍ في جميع المشركين، والمنافقين، والمستسرِّين الزندقة والإلحاد، لا يجوز نُسلِّم موالاة أحدٍ منهم.\nوحكم المستسر بنوع من أنواع الكفر حكم المنافق، لا يُقتل ما دام يُظهر كلمة الشهادتين. ولو ثبت إلحاد أحد بإقراره ثم تاب قبلت توبته وحقن دمه بظاهر الشهادة، ولا سبيل إلى ما في قلبه، كما قال رسول الله - ﷺ - للمقداد: \"هلا شققت عن قلبه\" (٢).\nوقوله تعالى: ﴿حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾.\nابن عباس والأكثرون قالوا: المراد بالهجرة ههنا الرجوع إلى المدينة ودار الهجرة ثانيًا، ومهاجرة دار الشرك (٣).\n_________\n(١) انظر: الطبري ٥/ ١٩٦.\n(٢) إنما قال الرسول - ﷺ - ذلك لأسامة بن زيد، حيث كان في سرية بعثه فيها رسول الله - ﷺ - يقول: \"فأدركت رجلًا. فقال: لا إله إلا الله فطعنته فوقع في نفسي من ذلك. فذكرته للنبي - ﷺ - فقال رسول الله - ﷺ -:- \"أقال: لا إله إلا الله وقتلته؟! قال: قلت: يا رسول الله! إنما قالها خوفا من السلاح. قال: \"أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا؟! \". الحديث أخرجه مسلم (٩٦) كتاب \"الإيمان\"، باب: تحريم قتال الكافر بعد أن قال: لا إله إلا الله، ح ١١٥٨/ ٩٦. أما عن المقداد فقد ورد عن مسلم في هذا الباب بمعناه.\n(٣) أخرج الأثر عن ابن عباس عن طريق العوفي عنه الطبري ٥/ ١٩٦، وانظر: \"بحر العلوم\" ١/ ٢٧٤، و\"الكشف والبيان\" ٤/ ٩٦ أ، و\"زاد المسير\" ٢/ ١٥٦، وابن كثير ١/ ٥٨٥.","vol":"7","page":31},{"text":"ونحو ذلك قال الزجاج: حتى يرجعوا إلى النبي - ﷺ - (١). وهذا هو الظاهر. وقال قوم: معناه حتى يخرجوا في سبيل الله مع رسول الله - ﷺ - صابرًا محتسبًا، وهو هجرة المنافقين (٢).\nوالهجرة أنواع: فأعلاها وأفضلها هجرة المهاجرين دورهم ومساكنهم بمكة إلى المدينة، وهم الذين ذكرهم الله في قوله: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾ [التوبة: ١٠٠]، وذكرهم في القرآن كثير (٣). وهجرة المنافقين ما ذكرنا.\nوهجرتان ثابتتان إلى يوم القيامة (٤)، وهي هجرة من أسلم من الكفار في دار الكفر، يلزمه أن يهاجر إلى المسلمين، ولا يحل له المساكنة بين أظهرهم والاستسرار بالدين (٥)، لقوله - ﷺ -: \"أنا بريء من كل مسلم مع مشرك\" (٦). وهجرة المسلم عما نهى الله عنه (٧)، لقوله - ﷺ -:\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٨٨، وانظر: \"زاد المسير\" ٢/ ١٥٥.\n(٢) من \"الكشف والبيان\" ٤/ ٩٦ أ، ولم ينسبه الثعلبي لأحد، وانظر: البغوي ٢/ ٢٦٠، والقرطبي ٥/ ٣٠٨.\n(٣) انظر: \"الكشف والبيان\" ٤/ ٩٦ أ، و\"البغوي\" ٢/ ٢٦٠، و\"التفسير الكبير\" ١٠/ ٢٢١، و\"القرطبي\" ٥/ ٣٠٨.\n(٤) انظر: القرطبي ٥/ ٣٠٨.\n(٥) انظر: \"الطبري\" ٥/ ١٩٦، و\"البغوي\" ٢/ ٢٦٠، و\"التفسير الكبير\" ١٠/ ٢٢١، والقرطبي ٥/ ٣٠٨.\n(٦) أخرج أبو داود (٢٦٤٥) كتاب: الجهاد، باب: النهي عن قتل من اعتصم بالسجود، والنسائي واللفظله (٤٧٨٠) كتاب: القسامة، باب القود بغير حديدة، وحسنه الألباني في \"صحيح الجامع\" ٢/ ١٦.\n(٧) \"الكشف والبيان\" ٤/ ٩٦ أ، وانظر: البغوي ٢/ ٢٦٠، و\"التفسير الكبير\" ١٠/ ٢٢١، والقرطبي ٥/ ٣٠٨.","vol":"7","page":32},{"text":"\"والمهاجر من هاجر ما نهى الله عنه\" (١).\nومعنى ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قال ابن عباس: \"في طاعة الله\" (٢).\nقال أهل المعاني: وسبيل الله هو الطريق الذي أمر بسلوكه، وهو العمل بطاعة الله (٣)، وإنما جُعل كالطريق لأنه يُستمر عليه في الطريق، ويؤدي إلى البغية كما يؤدي الطريق (٤).\nوقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾، أي: عن الهجرة ولزموا الإقامة على ما هم عليه (٥)، ﴿فَخُذُوهُمْ﴾ بالأسر (٦).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ قال ابن عباس: \"يريد لا تتولوهم ولا تستنصروا بهم على عدوكم\" (٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-775>٩٠ </span>- قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ﴾ الآية. الاستثناء راجع إلى القتل (٨)، لا إلى الموالاة، لأن موالاة المشركين والمنافقين حرام بكل حال.\n_________\n(١) أخرجه البخاري من حديث عبد الله بن عمرو ﵄ (١٠) كتاب: الإيمان، باب المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده بلفظ: \"والمهاجر من هجر\" الحديث.\n(٢) \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ٩٢.\n(٣) انظر: الطبري ٥/ ٨٣، ١٦٩.\n(٤) انظر: \"المفردات\" ص ٢٢٣.\n(٥) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٨٨، وانظر: الطبري ٥/ ١٩٧، و\"بحر العلوم\" ١/ ٣٧٤، و\"الكشف والبيان\" ٤/ ٩٦ أ.\n(٦) انظر: \"بحر العلوم\" ١/ ٣٧٤، و\"الكشف والبيان\" ٤/ ٩٦ أ، والبغوي ٢/ ٢٦٠، و\"زاد المسير\" ٢/ ١٥٦.\n(٧) \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ٩٢.\n(٨) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٢٨١، و\"مجاز القرآن\" ١/ ١٣٦، والطبري ٥/ ١٩٧، و\"معاني الزجاج\" ٢/ ٨٩.","vol":"7","page":33},{"text":"واختلفوا في معنى قوله: ﴿يَصِلُونَ﴾، فالأكثرون قالوا: معنى قوله: ﴿يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ﴾ أي يتصلون بهم ويدخلون فيما بينهم بالحِلْف والجوار والالتجاء.\nوبه قال الفراء (١) والزجاج (٢)، وعليه تفسير ابن عباس فإنه قال في رواية عطاء: \"يريد يلجؤون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق\" (٣).\nوقال أبو عبيدة: ﴿يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ﴾ أي ينتسبون، ووصل واتصل إذا انتسب (٤)، قال الأعشى:\nإذا اتصلتْ قالتْ: أبكرَ بنَ وائلٍ ... البيت (٥)\nوبه قال ابن الأعرابي (٦) وعبد الله بن مسلم (٧).\nوكلا القولين صحيح، وإن قال بعض الناس (٨) منكرًا قول أبي عبيدة\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" ١/ ٢٨١.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٨٩.\n(٣) ذكره البغوي ٢/ ٢٦٠، وأخرجه بمعناه من طريق عكرمة عن ابن عباس ابن أبي حاتم. انظر: \"الدر المنثور\" ٢/ ٣٤٢، وقد عزاه السيوطي أيضًا لابن جرير، ولم أجده عنده.\n(٤) من \"مجاز القرآن\" ١/ ١٣٦ كما يدل عليه مضمون سياقه لبيت الأعشى في تفسير هذِه الآية وكلامه عليهن وانظر: \"غريب القرآن\" لابن قتيبة ص ١٣٠، و\"الكشف والبيان\" ٤/ ٩٦/ ب.\n(٥) عجز هذا البيت هو:\nوبكرٌ سَبتها والأنوفُ رواغمُ\nوهو في ديوان الأعشى الكبير ص ١٨٠، و\"مجاز القرآن\" ١/ ١٣٦، و\"غريب القرآن\" لابن قتيبة ص١٣٠، والطبري ٥/ ١٩٨، و\"الكشف والبيان\" ٤/ ٩٦ ب. والشاهد منه قوله: \"إذا اتصلت\" أي: انتسبت.\n(٦) \"تهذيب اللغة\" ٢/ ٢٣٥ (وصل).\n(٧) ابن قتيبة في \"غريب القرآن\" ص١٣٠.\n(٨) لعله يريد الطبري كما في \"تفسيره\" ٦/ ١٩٨ فقد رد هذا القول بشدة وتبعه في ذلك ابن عطية في \"المحرر الوجيز\" ٤/ ١٦٤.","vol":"7","page":34},{"text":"إن الانتساب لا يحقن الدم؛ لأنَّ الميثاق إذا عقد لقوم دخل في ذلك العهد كل من عد منهم في النسبة وانتسب إلى أبيهم.\nواختلفوا في القوم الذين بينهم وبين (....) (١) فقال الحسن: هم بنو مُدْلِج (٢).\nوقال ابن عباس في رواية الضحاك: هم بنو بكر بن زيد مَناة (٣).\nوقال مقاتل: هم خزاعة وخزيمة بن عبد مناف، وبنو مُدلج (٤).\nوقال الكلبي: هم قوم هلال بن عويمر الأسلمي (٥).\nوزاد عكرمة: وسراقة بن مالك بن جُعْشُم (٦)، وكان سيد بني مُدلج (٧).\n_________\n(١) طمس في المخطوط بمقدار كلمتين تقريبًا، ولعله: \"وبينكم ميثاق\" أو \"المؤمنين ميثاق\".\n(٢) \"تفسير الهواري\" ١/ ٤٠٧، و\"النكت والعيون\" ١/ ٥١٦، وانظر: \"بحر العلوم\" ١/ ٣٧٤، و\"زاد المسير\" ٢/ ١٥٦، و\"تفسير ابن كثير\" ١/ ٥٨٥، و\"الدر المنثور\" ٢/ ٣٤٢.\n(٣) ذكره البغوي في \"معالم التنزيل\" ٢/ ٢٦١، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٢/ ١٥٨.\n(٤) \"تفسيره\" ١/ ٣٩٥، وانظر: \"زاد المسير\" ٢/ ١٥٨.\n(٥) انظر: \"الكشف والبيان\" ٤/ ٩٦ ب، و\"معالم التنزيل\" ٢/ ٢٦٠، و\"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ٩٢.\n(٦) هو أبو سفيان سراقة بن مالك بن جعشم بن مالك المدلجي الكناني، صحابي شاعر وكان قائفًا، وقصته حين أرسله أبو سفيان في طلب الرسول - ﷺ - مشهورة. توفي ﵁ سنة ٢٤ هـ.\nانظر: \"الاستيعاب\" ٢/ ١٤٨، و\"أسد الغابة\" ٢/ ٣٣١، و\"الإصابة\" ٢/ ١٩.\n(٧) أي: زاد عكرمة على قولي مقاتل والكلبي، والأثر أخرجه الطبري ٥/ ١٩٨، عن عكرمة بلفظ: \"قال: نزلت في هلال بن عويمر الأسلمي، وسراقة بن مالك بن جعشم، وخزيمة بن عمر بن عبد مناف\".","vol":"7","page":35},{"text":"وقوله تعالى: ﴿أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ هذا وصف ثان معطوف على الوصف الأول للنكرة، وهو قوله: ﴿قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ (١).\nوحصرت معناه: ضاقت (٢)، وكل من ضاق صدره بأمر فقد حصر ومنه قول لبيد:\nجَرداء يَحصُر دونَها جُرَّامُها (٣)\nيصف نخلة طويلة، يضيق قلبُ صارم ثمرها إذا نظر إلى أعلاها أن يرقى فيها لطولها (٤).\nوذكرنا ما في هذا الحرف عند قوله: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦] (٥).\nواختلفوا في موضع قوله: ﴿حَصِرَت﴾ فالأكثرون قالوا: إنه في موضع الحال بإضمار قد (٦)، وذلك أن قد تقرب الماضي من الحال حتى\n_________\n(١) انظر: \"الكشف والبيان\" ٤/ ٩٦ ب، و\"الكشاف\" ١/ ٢٨٨، و\"المحرر الوجيز\" ٤/ ١٦٣، و\"الدر المصون\" ٤/ ٦٤.\n(٢) \"مجاز القرآن\" ١/ ١٣٦، و\"غريب القرآن\" لابن قتيبة ص ١٣٠، والطبري ٥/ ١٩٨، و\"الكشف والبيان\" ٤/ ٩٦ ب.\n(٣) عجز بيت للبيد وصدره كما في شعره ص (٤٣)، و\"اللسان\" ٢/ ١٩٥:\nأعرضت وانتصبت كجذع منيفة\nوقافيته في \"اللسان\": \"صرامها\" بالصاد، ومعنى جرداء: انجرد عنها سعفهان ويحصر: يتعب ويكل. وجرامها: قطاعها.\n(٤) من \"تهذيب اللغة\" ١/ ٨٣٧ - ٨٣٨، وانظر: \"اللسان\" ٢/ ١٩٥ (حصر).\n(٥) انظر: \"البسيط\" (النسخة الأزهرية) ١/ ل ١١٩، ١٢٠.\n(٦) انظر: \"معاني الزجاج\" ٢/ ٨٩، و\"معاني الحروف\" للرماني ص ٩٨، و\"سر صناعة الإعراب\" ٢/ ٦٤١، و\"مشكل إعراب القرآن\" ١/ ٢٠٥، و\"المحرر الوجيز\" ٤/ ١٦٥، و\"البحر المحيط\" ٣/ ٣١٧، و\"الدر المصون\" ٤/ ٦٦.\nوقد أشار كل من أبي حيان والسمين الحلبي إلى عدم الاحتياج إلى إضمار \"قد\" لكثرة ما جاء بدونها.","vol":"7","page":36},{"text":"تلحقه بحكمه، ألا تراهم يقولون: قد قامت الصلاة، قبل حال قيامها وعلى هذا قول الشاعر:\nأمُّ صبيِّ قد حبا أو دارج (١)\nفكأنه قال: \"أم صبي حاب أو دارج\" (٢)، ولذلك عطف الاسم على الفعل.\nفتأويل قوله: ﴿حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ قد حصرت، والعرب كثيرًا ما تجعل الفعل الماضي حالًا. قال الفراء: العرب تقول: أتاني فلان ذهب.\n[.. الآيات من ٩١ - ٩٣ ...] (٣).\n(.. (٤) ..) وخلف الوعيد كرم، والله تعالى أكرم الأكرمين، وعندنا يجوز أن يخلف الله تعالى وعيد المؤمنين (٥). وقد ذكرنا هذا فيما مضى من\n_________\n(١) هذا شطر من الرجز وقبله:\n\"يا ليتني علقت غير خارج ... قبل الصباح ذات خلق بارج\"\nوهو في \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٢١٤، و\"اللسان\" ٣/ ١٣٥١ (درج)، إضافة إلى الآتي، وهو الذي أخذه منه المؤلف.\n(٢) \"سر صناعة الإعراب\" ٢/ ٦٤١.\n(٣) إلى هنا نهاية صفحة: (أ) من لوحة (١٨) في نسخة: (ش)، وفي صفحة (ب) تكميل لتفسير الآية (٩٣) قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ [النساء: ٩٣]، فالظاهر وجود سقط هنا، وقد جعلت تفسير الآية (٩٣) في الصفحة التالية. وهذِه الجملة كاملة عند الفراء في \"معاني القرآن\" ١/ ٢٨٢: \"أتاني فلان ذهب عقله، يريدون: قد ذهب عقله ...\n(٤) ما بين القوسين غير واضح في المخطوط.\nوهذا الكلام للمؤلف بعد سقط في المخطوط أشرف إليه آنفًا وهذا السقط من تفسير الآية (٩٣) وهي قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (٩٣)﴾ [النساء: ٩٣].\n(٥) في هذا القول نظر لأنه مخالف لقوله تعالى: ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [ق: ٢٩] بعد قوله: ﴿وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ﴾. =","vol":"7","page":37},{"text":"هذا الكتاب. على أن هذا التغليظ إنما هو (.. (١) ..) في الردع والزجر عن إقدام على قتل (.. (٢) ..).\nوإلى هذا أشار الزجاج فقال: \"هذا وعيد شديد في القتل، حرم الله ﷿ به وحظر الدماء (٣).\nوفي هذا يحمل (.. (٤) ..) ابن عباس وغيره من السلف، أنهم قالوا: لا توبة للقاتل (٥)؛ لأن (٦) الأولى لأهل الفتوى سلوك سبيل التغليظ، [سيما في القتل] (٧) يدل على هذا ما روي أن سفيان (٨) سئل عن توبة القاتل،\n_________\n= قال شيخ الإسلام ابن تيمية على هذِه الآية: \"دليل على أن وعيده لا يبدل كما لا يبدل وعده ... لكن التحقيق الجمع بين نصوص الوعد والوعيد، وتفسير بعضها ببعض من غير تبديل شيء منها\". \"مجموع الفتاوى\" ١٤/ ٤٩٨.\nوانظر: \"أصول الدين\" للبغدادي ص ٢٤٣.\n(١) كلمة غير واضحة، وأظنها: \"للمبالغة\" أو نحو ذلك.\n(٢) كلمة غير واضحة، والظاهر أنها: \"مؤمن\".\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٩١.\n(٤) غير واضح في المخطوط، والظاهر أنه: \"ما قاله\" أو \"ما ذهب إليه\".\n(٥) قال بهذا القول إضافة إلى ابن عباس: زيد بن ثابت والضحاك بن مزاحم، وروي عن ابن عمر وأبي هريرة. انظر: الطبري ٥/ ٢٢٠، و\"بحر العلوم\" ١/ ٣٧٦، و\"النكت والعيون\" ١/ ٥٢٠.\nقال البغوي -﵀-: \"والذي عليه الأكثرون، وهو مذهب أهل السنة: أن قاتل المسلم عمدًا توبته مقبولة لقوله تعالى: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ [طه: ٨٢].\" ... وما روي عن ابن عباس ﵄ فهو تشديد ومبالغة في الزجر عن القتل\". \"معالم التنزيل\" ٢/ ٢٦٧، وانظر: ابن كثير ١/ ٥٨٩.\n(٦) في \"الوسيط\" للمؤلف ٢/ ٦٦٥: \"فان\" بالفاء.\n(٧) ما بيِن القوسين غير واضح في المخطوط، والتسديد من \"الوسيط\" للمؤلف ٢/ ١٦٥.\n(٨) هو ابن عيينة.","vol":"7","page":38},{"text":"فقال: كان أهل العلم إذا سئلوا، قالوا: لا توبة له، وإذا ابتلي (الرجل قالوا له) (١): تُب (٢).\nوسئل مسروق عن توبة القاتل فقال: \"لا أغلق بابًا فتحه الله\" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-776>٩٤ </span>- قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا﴾ (٤) الضرب في الأرض معناه السير فيها بالسفر للتجارة والجهاد (٥).\nقال ابن السكيت: يقال: ضربت في الأرض أبتغي الخير (٦).\nقال الزجاج: ومعنى ضربتم في الأرض أي سرتم وغزوتم (٧).\nقال ابن عباس في رواية الكلبي، وغيره من المفسرين: نزلت الآية في أسامة (٨) بن زيد وأصحابه، بعثهم رسول الله في سرية، فلقوا رجلًا كان قد انحاز بغنم له إلى جبل، وكان قد أسلم، فقال لهم: السلام عليكم لا إله إلا الله محمد رسول الله، فبدر إليه بعضهم فقتله، قيل: إنه أسامة بن زيد،\n_________\n(١) ما بين القوسين غير واضح في المخطوط، والتسديد من \"الوسيط\" للمؤلف ٢/ ٦٦٥.\n(٢) أورده البغوي في \"معالم التنزيل\" ٢/ ٢٦٧، والسيوطي في \"الدر المنثور\" ٢/ ٣٥٣.\n(٣) لم أقف عليه.\n(٤) بدأ تفسير هذِه الآية في صفحة (ب) لوحة (١٨) من المخطوط في أثناء الصفحة وقبله خمسة أسطر لتفسير الآية (٩٣).\n(٥) انظر: الطبري ٥/ ٢٢١.\n(٦) \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢١٠٢ (ضرب).\n(٧) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٩١.\n(٨) هو أبو محمد أو أبو زيد، أسامة بن زيد بن حارثة بن شراحيل الكلبي حب رسول الله - ﷺ - وابن حبه، ولد في الإسلام، ومات النبي - ﷺ - وله عشرون سنة، كان عمر يجله ويكرمه. توفي ﵁ سنة ٥٤ هـ.\nانظر: \"الاستيعاب\" ١/ ١٧٠، و\"سير أعلام النبلاء\" ٢/ ٤٩٦، و\"الإصابة\" ١/ ٣١.","vol":"7","page":39},{"text":"واستاقوا غنمه، فلما أتوا رسول الله - ﷺ - قال لأسامة: \"لم قتلته وقد أسلم؟ \" قال: إنما قالها متعوذًا، فقال: \"هلَّا شققت عن قلبه؟ \" ثم حصل رسول الله - ﷺ - ديته إلى أهله، ورد عليهم غنمه (١).\nوقوله تعالى: ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾. وقرئ (فتثبتوا) (٢).\n\"يقال: تبينت الأمر، أي تأملته وتوسمته، وقد تبين الأمر، يكون لازمًا وواقعًا\" (٣).\nقال أبو عبيد في قوله - ﷺ -: [\"ألا إن التبين من الله -جل ثناؤه-] (٤)\n_________\n(١) من طريق الكلبي في \"الكشف والبيان\" ٤/ ١٠٤، و\"معالم التنزيل\" ٢/ ٢٦٨، و\"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ٩٣ بمعناه، وأخرجه من طريق العوفي عن ابن عباس الطبري ٥/ ٢٢٤، وعن السدي ٩/ ٧٨. واسم هذا الرجل المقتول مرداس بن نُهيك. وانظر: \"بحر العلوم\" ١/ ٣٧٨، و\"أسباب النزول\" للمؤلف ص ١٧٧.\nولهذا الحديث أصل في \"صحيح مسلم\" (٩٦) كتاب: الإيمان، باب: تحريم قتل الكافر بعد أن قال: لا إله إلا الله عن أسامة بن زيد قال: \"بعثنا رسول الله - ﷺ - في سرية فصبحنا الحرقان من جيهنة فأدركت رجلًا فقال: لا إله إلا الله. فطعنته، فوقع في نفسي من ذلك، فذكرته للنبي - ﷺ -. فقال رسول الله - ﷺ -:- \"أقال: لا إله إلا الله وقتلته؟ قال: قلت: يا رسول الله، إنما قالها خوفًا من السلاح. قال: \"أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا؟! \" قال: فما زال يكررها علي حتى تمنيت أني أسلمت يومئذٍ.\n(٢) هذِه قراءة حمزة والكسائي وخلف، وقرأ الباقون بالأولى: \"فتبينوا\" انظر: \"الحجة\" ٣/ ١٧٣، و\"المبسوط\" ص ١٥٧، و\"النشر\" ٢/ ٢٥١، و\"تحبير التيسير\" ص ١٠٥.\n(٣) \"تهذيب اللغة\" ١/ ٢٦٤ (بان).\n(٤) ما بين القوسين قد طمست حروفه، والتسديد من \"غريب الحديث\" لأبي عبيد ١/ ٧، وانظر: \"تهذيب اللغة\" ١/ ٢٦٥ (بان).","vol":"7","page":40},{"text":"والعجلة من الشيطان فتبينوا\" (١) قال الكسائي: [وغيره: التبين مثل التثبت في الأمور] (٢) والتأني [فيها، وقد روي عن عبد الله بن مسعود أنه كان يقرأ] (٣) قوله تعالى: ﴿إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا﴾ وبعضهم: (فتثبتوا) (.........) (٤) لأن التبين غاية الاحتياط الذي (........) (٥) بالتبيين أبلغ. ومن قرأ بالثاء فحجته أن التثبت هو خلاف الإقدام [والمراد التأني] (٦) وخلاف التقدم، والتثبت أشد اختصاصًا بهذا الموضع (٧)، وهو حسن أيضًا على طريق الأمر بسبب التبين (.. (٨) ..) والإرشاد بذكر سبب البيان.\n_________\n(١) أخرجه الترمذي (٢٠١٢) في كتاب: البر، باب: ما جاء في التأني والعجلة بلفظ: \"الأناة من الله والعجلة من الشيطان\". قال الترمذي: هذا حديث غريب، وقد تكلم بعض أهل الحديث في عبد المهيمن بن عباس ابن سهل [أحد رجال سند الحديث] وضعفه من قبل حفظه.\n(٢) ما بين القوسين قد طمس حروفه في المخطوط، والتسديد من \"غريب الحديث\" لأبي عبيد ١/ ٢٢٧، وانظر: \"تهذيب اللغة\" ١/ ٢٦٥ (بان).\n(٣) ما بين المعقوفين حصل عليه طمس، والتسديد من أبي عبيد في \"غريب الحديث\" ١/ ٢٢٧.\nوقد مر عزو القراءتين لمن قرأ بهما من العشرة.\n(٤) هنا لم تتضح بعض الكلمات في المخطوط بحدود نصف سطر تقريبًا، وعند أبي عبيد في \"الغريب\" ١/ ٢٢٧ بعد قوله: \"وبعضهم فتثبتوا\" قال أبو عبيد: \"والمعنى قريب بعضه من بعض\".\n(٥) غير واضح في المخطوط بسبب التآكل وغيره بحدود ثلثي سطر.\n(٦) ما بين المعقوفين غير واضح في المخطوط، والتسديد من \"الحجة\" لأبي علي ٣/ ١٧٤ لأن الكلام منه.\n(٧) \"الحجة\" ٢/ ١٧٤.\n(٨) كلمة غير واضحة في المخطوط.","vol":"7","page":41},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ﴾. وقرئ (السلام) (١)، فمن قرأ بالألف فله معنيان:\nأحدهما: أن يكون السلام الذي هو تحية المسلمين، أي لا تقولوا لمن حياكم بهذه التحية: إنما قالها تعوذًا، فتقدموا عليه بالسيف لتأخذوا ماله، ولكن كفوا عنه، واقبلوا منه ما أظهره (٢).\nوالثاني: أن يكون المعنى: لا تقولوا لمن اعتزلكم (وكف يده عنكم فلم يقاتلكم) (٣):\n﴿لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ (٤). قال الأخفش: يقال إنما فلان سلام، إذا كان لا يخالط أحدًا، فكأن المعنى: لا تقولوا لمن اعتزلكم، ولم يخالطكم في القتال: لست مؤمنًا (٥).\nوأصل هذا من السلامة؛ لأن المعتزل طالب للسلامة. ومن قرأ (السَّلَم) أراد الانقياد والاستسلام إلى المسلمين ومنه قوله: ﴿وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ﴾ [النحل: ٨٧] أي: استسلموا، ولما يراد منهم (٦).\n_________\n(١) قرأ بإثبات الألف ابن كثير وأبو عمرو وعاصم والكسائي ويعقوب، وقرأ الباقون بحذفها. انظر: \"السبعة\" ص ٢٣٦، و\"الحجة\" ٣/ ١٧٥، ١٧٦، و\"المبسوط\" ص ١٥٨، و\"النشر\" ٢/ ١٥١.\n(٢) \"الحجة\" ٣/ ١٧٦، ١٧٧، وانظر: \"معاني الزجاج\" ٢/ ٩٢، و\"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٧٤٣ (سلم)، و\"حجة القراءات\" ص ٢٠٩، و\"الكشف\" ١/ ٣٩٥.\n(٣) ما بين القوسين جاء في \"الحجة\" ٣/ ١٧٧ هكذا: \"وكفوا أيديهم عنكم، ولم يقاتلوكم\" ولعل ما عند المؤلف أصوب، لأن نهاية الكلام جاء بالإفراد.\n(٤) \"الحجة\" ٣/ ١٧٧، وانظر: \"الكشف\" ١/ ١٩٥.\n(٥) قول الأخفش من \"الحجة\" ٣/ ١٧٧ ولم أقف عليه في كتابه \"معاني القرآن\". وانظر: \"الكشف\" ١/ ٣٩٥.\n(٦) \"الحجة\" ٣/ ١٧٧، وانظر: \"معاني الزجاج\" ٢/ ٩٢، و\"حجة القراءات\" ص =","vol":"7","page":42},{"text":"فأعلم الله ﷿ أن حق من ألقى السلام أن يُتبين أمره (١)، وأن يتثبت في أمره.\nوكذا الحكم اليوم إذا دخل جيش المسلمين بلاد الحرب أن لا يتعرضوا لمن يُرى عليه سيما الإسلام، في سلام أو كلام (.. (٢) ..) وأن لا يتسارعوا إلى قتله إلا بعد التبين.\nوقوله تعالى: ﴿تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾.\nقال أبو عبيد: جميع متاع الدنيا عرَض، بفتح الراء، يقال: \"إن الدنيا عرَض حاضر، يأخذ منها البر والفاجر (٣).\nوالعرْض -بسكون الراء- ما سوى الدراهم والدنانير، فصار العرض من العرض، وليس كل عرض عرضًا (٤).\nقال بعض أهل اللغة: إنما سمي متاع الدنيا عرضًا؛ لأنه عارض زائل غير باق ثابت (٥)، ومنه سمَّى المتكلمون ما خالف الجوهر من الحوادث عرضًا لقلة لبثه (٦).\n_________\n= ٢٠٩، و\"الكشف\" ١/ ٣٩٥.\n(١) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٩٢، و\"حجة القراءات\" ص ٢٠٩.\n(٢) غير واضح بسبب تآكل في المخطوط بقدر كلمة أو كلمتين، ولعلها: (بالأذى) أو (بالأخذ).\n(٣) أشار في \"اللسان\" ٥/ ٢٨٨٧ (عرض) إلى أن هذا القول يروى حديثًا. ولم أقف عليه.\n(٤) كلام أبي عبيد من \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٣٩٦ (عرض) بتصرف يسير، وانظر: القرطبي ٥/ ٣٤٠، و\"اللسان\" ٥/ ٢٨٨٥ (عرض).\n(٥) انظر: \"المفردات\" ص (٣٣١)، والقرطبي ٥/ ٣٣٩، و\"عمدة الحفاظ\" ص ٣٥٣ (عرض).\n(٦) انظر: المرجع السابق.","vol":"7","page":43},{"text":"قال ابن عباس في هذه الآية: \"يريد الغنائم\" (١).\nوقوله تعالى: ﴿فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ﴾.\nيعني: ثوابًا كثيرًا لمن ترك قتل من ألقى إليه السلم (٢).\nوقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾.\nقال الحسن وابن زيد: كنتم كفارًا مثلهم، فمن الله عليكم فهداكم (٣).\nوهذا اختيار الزجاج، لأنه قال: أعلم الله أن كل من أسلم ممن كان كافرًا فبمنزلة هذا الذي تعود بالإسلام، فقال جل وعز ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ بالإسلام، وبأن قبل ذلك منكم على ما أظهرتم (٤). هذا كلامه.\nوظاهر قوله: ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ يوهم أن المقتول كان كافرًا، وليس الأمر على هذا، وإنما التشبيه وقع لحال كفرهم بحال كفر المقتول قبل إسلامه، ثم منَّ الله عليهم بالإسلام كما من على المقتول وقَبِلَ منه ظاهر الإسلام، فيجب أن يقبلوا هم بظاهر\n_________\n(١) جاء معناه في أثر طويل عن ابن عباس أخرجه الطبري ٥/ ٢٢٣ من طريق العوفي، وأخرجه ابن أبي حاتم. انظر: \"الدر المنثور\" ٢/ ٣٥٦.\n(٢) من \"الكشف والبيان\" ٤/ ١٠٥ ب، وانظر: الطبري ٥/ ٢٢١.\nوقيل: غنائم كثيرة في الدنيا مما أذن الله فيه وأباحه. انظر: \"بحر العلوم\" ١/ ٣٧٩، و\"زاد المسير\" ٢/ ١٧٢.\n(٣) أخرجه بنحوه عن ابن زيد الطبري ٥/ ٢٢٦، وانظر: \"زاد المسير\" ٢/ ١٧٢، وأما عن الحسن فقد ذكره الهواري في \"تفسيره\" ١/ ٤١٣.\nوقد ورد مثل هذا القول عن قتادة، ومسروق. انظر: \"زاد المسير\" ٢/ ١٧٢، و\"الدر المنثور\" ٢/ ٣٥٨ - ٣٥٩.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٩٢.","vol":"7","page":44},{"text":"الإسلام، وفي هذا تبكيت بهم وتعيير لهم، حيث لم يقبلوا ما أظهره الذي قتلوه من الإسلام، إذ قيل لهم: أنتم كنتم مثله في الكفر، ثم قبل ظاهر الإسلام منًا من الله عليكم. هذا قول واحد.\nوقال سعيد بن جبير: \"كذلك كنتم من قبل تستخفون بإيمانكم عن قومكم كما استخفى هذا الراعي بإيمانه عن قومه، فمنَّ الله عليكم بإعزازكم حتى أظهرتم دينكم\" (١).\nوالقول هو الأول، لأنه لا شك أنهم أسلموا بعد أن لم يكونوا مسلمين، فأما الاستخفاء فلم يكن عامًا فيهم كعموم الإسلام بعد أن لم يكونوا عليه.\nوقال مقاتل: (كذلك كنتم من قبل (٢) (.......) (٣).\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [النساء: ٩٤].\nقال عطية العوفي: يقول: إنكم قتلتموه على ماله (٤).\nوقال بعضهم: معنى قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ تحذير وزجر عن الإضمار بخلاف الإظهار.\nقال ابن عباس وغيره: ثم استغفر رسول الله - ﷺ - لأسامة، وأمره بعتق رقبة (٥).\n_________\n(١) أخرجه الطبري ٥/ ٢٢٦، وأخرجه عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم. انظر: \"الدر المنثور\" ٢/ ٣٥٩.\n(٢) قول مقاتل في \"تفسيره\" ١٥/ ٤٠٠: (كذلك) يعني هكذا (كنتم من قبل) الهجرة.\n(٣) طمس وبياض بمقدار أربعة أسطر في المخطوط.\n(٤) لم أقف عليه.\n(٥) تقدم تخريج الأثر، لكن يشير فيه الأمر بالعتق.","vol":"7","page":45},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-777>٩٥ </span>- قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ الضرر النقصان، وهو كل ما يضرك وينقصك من عمى ومرض وعلة. تقول: دخل عليه ضرر في ماله، أي نقصان.\nفمعنى قوله: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ أي: غير من به علة تضره وتقطعه عن الجهاد. كذا قال أهل اللغة (١)، وهو موافق لما قاله المفسرون؛ فإن ابن عباس قال في رواية عطاء، في قوله: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾: يريد ابن أم مكتومٍ الأعمى (٢)، وقومًا من الأنصار، كان فيهم ضر من عرج ومرض، فعذرهم الله تعالى، وجعل لهم ثوابًا وافيًا (٣).\nوقال الزجاج: الضرر: أن يكون ضريرًا، أي أعمى وزمنًا ومريضًا (٤).\nوقرئ ﴿غَيْرُ﴾ رفعًا ونصبًا (٥)، فمن رفع الراء فهو صفة للقاعدين، والمعنى على هذا: لا يستوي القاعدون الذين هم غير أولي الضرر، أي: لا يستوي القاعدون الأصحاء والمجاهدون، وإن كانوا كلهم مؤمنين (٦).\n_________\n(١) انظر: \"غريب القرآن\" لابن قتيبة ص ١٣٠، و\"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢١٠٨.\n(٢) هو عمرو وقيل عبد الله بن زائدة - وقيل: ابن قيس بن زائدة بن الأصم القرشي الأعمى، اشتهر بكنيته (ابن أم مكتوم)، من المهاجرين الأولين، وخليفة رسول الله - ﷺ - على المدينة في كثير من غزواته. انظر: \"أسد الغابة\" ٤/ ٢٢٣، و\"سير أعلام النبلاء\" ١/ ٣٦٠، و\"الإصابة\" ٢/ ٣٥١.\n(٣) أخرجه من طريق العوفي بمعناه الطبري ٥/ ٢٢٩.\n(٤) عند الزجاج في \"معانيه\" ٢/ ٩٣: \"والضرر أن يكون ضريرًا أو أعمى أو زمنًا أو مريضًا\".\n(٥) قراءة الرفع لابن كثير وأبي عمرو وعاصم وحمزة ويعقوب، وقرأ الباقون بالنصب. انظر: \"الحجة\" ٣/ ١٧٨، و\"المبسوط\" ص ١٥٨، و\"النشر\" ٢/ ٢٥١.\n(٦) \"معاني القرآن\" للزجاج ٢/ ٩٢.","vol":"7","page":46},{"text":"وهذا مذهب سيبويه (١) وقول الفراء (٢) وأبي إسحاق (٣) في رفع ﴿غَيْرُ﴾ وأنشد أبو علي على كون (غير) صفة، قول لبيد:\nوإذا جوزيتَ قرضًا فاجزِه ... إنما يَجزي الفتى غيرُ الجَملْ (٤)\nفـ (غيرٌ) صفة للفتى (٥). واحتج الفراء أيضًا على هذا بقوله: ﴿أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ﴾ [النور: ٣١] (٦). وذكرنا جواز كون ﴿غَيْرُ﴾ صفة للمعرفة في قوله: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٧] مستقصى مشروحًا (٧).\nقال أبو إسحاق: ويجوز أن يكون (غير) رفعًا على جهة الاستثناء، المعنى: لا يستوي [القاعدون والمجاهدون] (٨) إلا أولو الضرر، فإنهم يساوون المجاهدين، لأن الذي أقعدهم عن الجهاد الضر (٩).\nوالكلام في رفع المستثنى بعد (.. (١٠) ..) قد مضى في قوله: ﴿مَّا فَعَلُوهُ\n_________\n(١) من \"الحجة\" لأبي علي ٣/ ١٧٩.\n(٢) \"معاني القرآن\" ١/ ٢٨٣.\n(٣) في \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٩٢.\n(٤) شعر لبيد ص ٩٧، و\"الحجة\" ٣/ ١٨٠، و\"البحر المحيط\" ٣/ ٣٣٠.\nوجاء في شرح شعره: \"الجمل: لعل الكلمة جاءت متممة للقافية، وإنما أراد جنس البهيمة. والمعنى: فإذا عاملك أحد بالخير أو الشر فرد له مثل عمله سواء كان حسنًا أو قبيحًا، إنما يجزى العمل بمثله الإنسان العاقل، لا البهيمة.\n(٥) \"الحجة\" ٣/ ١٨٠.\n(٦) \"معاني القرآن\" ١/ ٢٨٣.\n(٧) انظر: تفسير الفاتحة (٧) في \"البسيط\" بتحقيق الفوزان.\n(٨) بياض في المخطوط والتسديد من \"معاني الزجاج\".\n(٩) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٩٢، ٩٣.\n(١٠) بياض ويحتمل أن يكون الساقط: \"المستثنى منه\"، أو بعد \"إلا\".","vol":"7","page":47},{"text":"إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [النساء: ٦٦] (١).\nومن نصب (غيرَ) جعله استثناء من القاعدين، لا يستوي القاعدون إلا أولي الضرر، على أصل الاستثناء (٢).\nوهذا الوجه اختيار الأخفش، وهو أن ينتصب (غيرَ) في القراءة على الاستثناء. قال: لأنه لا يُستثنى بها قومٌ لم يقدروا على الخروج (٣).\nكما رُوي في التفسير: أنه لما ذكر الله فضيلة المجاهدين على القاعدين، جاء قوم من أولي الضرر، وقالوا للنبي - ﷺ -: حالنا على ما ترى، ونحن نشتهي الجهاد، فهل لنا من رخصة؟، فنزل: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ [النساء: ٩٥] واستثنوا من جملة القاعدين (٤).\nوقال الفراء: الوجه فيه الاستثناء والنصب، إلا أن اقتران غير بالقاعدين يكاد يوجب الرفع، لأن الاستثناء ينبغي له أن يكون بعد التمام، فيقول في الكلام: لا يستوي المحسنون والمسيئون إلا فلانًا وفلانًا (٥).\nوقال بعض النحويين من المتأخرين: الاختيار الرفع، لأن الصفة أغلب على (غير) من الاستثناء، وليس قول من ذهب إلى اختيار النصب\n_________\n(١) انظر: ٦/ ٥٢٥ فيما سبق.\n(٢) انظر: \"معاني الزجاج\" ٢/ ٩٣، و\"الحجة\" ٣/ ١٨٠، و\"معاني القرآن\" ١/ ٣١٦.\n(٣) \"معاني القرآن\" ١/ ٤٥٣.\n(٤) أخرج البخاري (٤٥٩٢) في كتاب: التفسير (سورة النساء)، باب: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النساء:٩٥]، ومسلم (١٨٩٨) كتاب: الإمارة، باب: حرمة نساء المجاهدين عن البراء ﵁ قال: \"لما نزلت ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ دعا رسول الله - ﷺ - زيدًا فكتبها، فجاء ابن أم مكتوم فشكا ضرارته فأنزل الله ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾. وانظر: \"أسباب النزول\" للمؤلف ص ١٧٩ - ١٨٠، و\"لباب النقول\" ص ٧٨.\n(٥) \"معاني القرآن\" ١/ ٢٨٣، ٢٨٤.","vol":"7","page":48},{"text":"بسبب نزوله للاستثناء بشيء، لأن غيرًا وإن كانت صفةً فهي تدل على معنى الاستثناء، لأنها في كلا (١) الحالين قد خصصت القاعدين عن الجهاد بانتفاء الضرر، ففي الوجهين جميعًا الرفع والنصب إنما وقع التفضيل بين القاعدين الأصحاء والمجاهدين (٢).\nقال الزجاج: ويجوز أن تكون (غير) منصوبة على الحال، المعنى لا يستوي القاعدون في حال صحتهم والمجاهدون، كما تقول: جاءني زيد غير مريض، أي جاءني زيد صحيحًا (٣).\nونحو ذلك قال الفراء، قال: وهو كقوله: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ﴾ [المائدة: ١] (٤).\nهذا هو الكلام في وجه القراءتين.\nفأما حكم الزَّمنى ففرض الجهاد موضوع عنهم، كما ذكر الله في سورة الفتح، وهو قوله: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ﴾ الآية [الفتح: ١٧].\n(.....) (٥).\nوقوله تعالى: ﴿وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾ [النساء:٩٥]، عطف على قوله: ﴿الْقَاعِدُونَ﴾، لأن (.............. المؤمنون) (٦)\n_________\n(١) في (ش): كلي، وهو خطأ، لأن هذا الحرف لا يعرب إلا إذا أضيف إلى ضمير.\n(٢) لم أعرف من قال بذلك، وكأن الفراء قد مال إلى الرفع. انظر: \"معاني القرآن\" ١/ ٢٨٣.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٩٣.\n(٤) \"معاني القرآن\" ١/ ٢٨٤.\n(٥) غير واضح في المخطوط.\n(٦) نصف سطر في المخطوط غير واضح بسبب بعض التآكل، ويمكن أن يقدر بـ: ... لأن (الآية توجه إلى أنه لا ينبغي أن يكون) المؤمنون القاعدون ... أو: لأن (ما يفهم من الآية ويراد التنبيه إليه أنه لا ينبغي أن يكون المؤمنون .. والله أعلم.","vol":"7","page":49},{"text":"القاعدون عن الجهاد من غير عذر والمؤمنون المجاهدون سواء [إلا أولي الضرر فإنهم يساوون المجاهدين لأن الضرر] (١) أقعدهم عنه، فهم والمجاهدون سواء، إذا أتوا بشرط شرطه الله تعالى في سورة التوبة، وهو قوله: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى﴾ إلى قوله: ﴿إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٩١].\nويدل على هذا حديث النبي - ﷺ -: \"لقد خلفتم بالمدينة أقوامًا، ما سرتم من مسير، ولا قطعتم واديًا إلا كانوا معكم، أولئك أقوام حبسهم العذر\" (٢).\nصاحبه استوى بالعامل، إذا صدقت نيَّته، وصحت نصيحته لله ولرسوله.\nوقال بعض أهل المعاني: الآية لا تُحمل على مساواة أولي الضرر للمجاهدين في سبيل الله (٣)، لأن هذه الآية حض لغير (٤) أولي الضرر على الجهاد، ولم يدخل في الحض (....) (٥) أولوا الضرر.\nوقوله تعالى: ﴿فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً﴾. قال الكلبي: يقول: فضيلة في الآخرة (٦).\n_________\n(١) ما بين المعقوفين غير واضح في المخطوط بسبب التآكل، والتسديد من \"الوسيط\" ٢/ ٦٧٨.\n(٢) أخرجه البخاري (٤٤٢٣) بنحوه من حديث أنس بن مالك في كتاب: المغازي، باب: (٨١)، ومسلم (١٩١١) حديث جابر في كتاب: الإمارة، باب: ثواب من حبسه عن الغزو مرض أو عذر آخر.\n(٣) انظر: \"المحرر الوجيز\" ٤/ ١٨٦.\n(٤) في المخطوط: لغيره.\n(٥) كلمة غير واضحة في المخطوط ويبدو أنها: \"عليه\".\n(٦) انظر: \"بحر العلوم\" ١/ ٢٨٠، و\"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ٩٤.","vol":"7","page":50},{"text":"وقال مقاتل: فضل الله المجاهدين على القاعدين من أهل العذر درجة يعني فضيلة (١). ونحو ذلك قال ابن جريج، قال: التفضيل الأول بدرجة واحدة على أولي الضرر، والتفضيل الثاني بدرجات على غير أولي الضرر (٢).\nوهذا يُقوي ما حكينا عن بعض أصحاب المعاني، عن أن الآية لا تدل على مساواة أولي الضرر للمجاهدين، وذلك أن المعذورين بالقعود وإن كانوا في النية والهمة على قصد الجهاد، فالمجاهدون مباشرون، ومباشرة الطاعة فوق قصد الطاعة، وأما القاعدون غير المعذورين فالمجاهدون مفضلون عليهم درجات؛ لأنهم قعدوا من غير عذر.\nوتفسير الدرجة مضى عند قوله: ﴿هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٦٣].\nوانتصاب الدرجة ههنا [بحذف الجار] (٣)، لأن التقدير: بدرجة، فلما حذف الجار وصل الفعل فعمل، وهو كثير (٤).\nوقوله تعالى: ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾.\nقال مقاتل: يعني: المجاهد والقاعد المعذور (٥).\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ١/ ٤٠١، و\"الوسيط\" ٢/ ٦٧٨، و\"معالم التنزيل\" ٢/ ٢٧١.\n(٢) قول ابن جريج جاء في أثرين عنه أخرجهما الطبري ٥/ ٢٣١.\nوأخرج الجزء الأول منه - إضافة إلى ابن جرير: ابن المنذر، وابن أبي حاتم. انظر: \"الدر المنثور\" ٢/ ٣٦٢.\n(٣) غير واضح بسبب الرطوبة والخرم بمقدار كلمتين، والظاهر ما أثبته.\n(٤) انظر: \"الدر المصون\" ٤/ ٧٧.\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ١/ ٤٠١، و\"الوسيط\" ٢/ ٦٧٨، و\"معالم التنزيل\" ٢/ ٢٧١.","vol":"7","page":51},{"text":"والحسنى: الجنة في قول ابن عباس (١)، ومقاتل (٢)، وغيرهما (٣).\nوقوله تعالى: ﴿وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾، يريد: القاعدين غير المعذورين، وقد سبق ذكر المعذورين.\nقاله ابن جريج (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-778>٩٦ </span>- قوله تعالى: ﴿دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَة﴾ قال أبو إسحاق: درجات نُصب (٥) بدلا من قوله: ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾: وهو مفسر للأجر، المعنى: فضل الله المجاهدين درجات، ﴿وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً﴾ قال: وجائز أن يكون منصوبًا على التوكيد لقوله ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾، لأن الأجر العظيم هو رفع الدرجات من الله والمغفرة والرحمة (٦).\nوتفسير الدرجات ههنا: منازل بعضها أعلى من بعض من منازل الكرامة.\nروى أبو هريرة أن النبي - ﷺ - قال: \"في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيله، ببن الدرجتين كما بين السماء والأرض\" (٧).\nقال السدي: فضلوا سبعمائة درجة (٨).\n_________\n(١) لم أقف عليه.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ١/ ٤٠١.\n(٣) كقتادة والسدي، انظر: الطبري ٦/ ٢٣١، و\"زاد المسير\" ٢/ ١٧٤.\n(٤) أخرجه الطبري ٥/ ٢٣١ بمعناه\n(٥) في \"معاني الزجاج\": \"في محل نصب\".\n(٦) \"معاني القرآن\" وإعرابه ٢/ ٩٣، ٩٤.\n(٧) أخرجه البخاري (٢٧٩٠) حديث أبي هريرة مطولًا في كتاب: الجهاد، باب: درجات المجاهدين في سبيل الله.\n(٨) ذكره المؤلف في \"الوسيط\" ٢/ ٦٨٠، ولم أقف عليه.","vol":"7","page":52},{"text":"وقال ابن مُحيريز (١): هي سبعون درجة، ما بين كل درجتين عدو الفرس الجواد المُضَمَّر سبعين خريفًا (٢)\nوقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾. يريد للفريقين جميعًا، للمجاهدين والقاعدين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-779>٩٧ </span>- قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ الآية.\nقال الفراء: إن شئت جعلت ﴿تَوَفَّاهُمُ﴾ ماضيًا، ولم تضمر تاء مع التاء فيكون مثل قوله: ﴿إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا﴾ [البقرة: ٧٠]، وإن شئت كان على الاستقبال، تريد: إن الذين تتوفاهم، وكل موضع اجتمع فيه تاءان جاز فيه إضمار إحداهما (٣). ونحو هذا قال الكسائي والزجاج (٤).\nوقوله تعالى: ﴿ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ في محل نصب على الحال، المعنى تتوفاهم الملائكة في حال ظلمهم أنفسهم، وهو نكرة وإن أضيف إلى معرفة؛ لأن المعنى على الانفصال، كأنه قيل: ظالمين أنفسهم، إلا أن النون حُذفت استخفافًا، والمعنى معنى ثبوتها، هذا قول الزجاج (٥).\n_________\n(١) هو أبو محيريز عبد الله بن محيريز بالتصغير، ابن جنادة القرشي، المكي نشأ يتيمًا في حجر أبي محذورة، كان ثقة من فضلاء التابعين، وشبه بابن عمر في العبادة والفضل، توفي ﵀ سنة ٩٩هـ، وقيل قبلها.\nانظر: \"مشاهير علماء الأمصار\" ص ١١٧، و\"سير أعلام النبلاء\" ٤/ ٤٩٤، و\"التقريب\" ص ٣٢٢ رقم (٣٦٠٤).\n(٢) أخرجه الطبري ٥/ ٢٣٤، وذكره الثعلبي في \"الكشف والبيان\" ٤/ ١٠٧ أ، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٢/ ١٧٥ وغيرهما.\n(٣) \"معانى القرآن\" ١/ ٢٨٤.\n(٤) انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٩٤.\n(٥) انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٩٤.","vol":"7","page":53},{"text":"(.... قال أبو الفتح (١): الإضافة في [كثير من كلامهم] (٢) في تقدير الانفصال والانفكاك، كما تقول [باب الحسن الوجه، والكريم الأب، كله منوى في الانفصال، وإنما تقديره: الحسن وجهه، والكريم أبوه. وكذلك اسم الفاعل إذا أريد به الحال أو الاستقبال، فهو وإن أضيف في اللفظ مفصول في المعنى، وذلك نحو قوله تعالى ﴿هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ [الأحقاف: ٢٤]، و﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥]، و﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ﴾ [المائدة: ١]، و﴿ثَانِيَ عِطْفِهِ﴾ [الحج: ٩]، و﴿إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ﴾ [القمر: ٢٧]، و﴿فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ﴾ [إبراهيم: ٤٧].\nوعلى هذا قول جرير:] (٣).\nيا (٤) رُبَّ سائلنا لو كان يطلُبكم ... لاقى مباعدةً منكم وحِرْمانا (٥)\nإنما هو ممطر لنا، وبالغًا الكعبة، وثانيًا عطفه، ورب سائل لنا، لولا ذلك لم تدخل رب عليه، ولا أجري ممطرنا وصفًا على النكرة، ولا نصب ﴿ثَانِيَ عِطْفِهِ﴾ على الحال. وعلى هذا: ناقةٌ عبر الهواجر، وفرس قيد الأوابد، فالإضافة في هذا كله لفظية غير معنوية (٦).\n_________\n(١) ابن جني في \"سر صناعة الإعراب\" ٢/ ٤٥٧.\n(٢) ما بين المعقوفين غير واضح في المخطوط، والتسديد من \"سر صناعة الإعراب\" ٢/ ٤٥٧.\n(٣) ما بين المعقوفين طمس في المخطوط، والتسديد من \"سر صناعة الإعراب\" ٢/ ٤٥٧.\n(٤) الكلام لا يزال منقولًا من \"سر صناعة الإعراب\".\n(٥) البيت لجرير في \"ديوانه\" ص ٤٩٢، وأوله: \"يا رب غابطنا\" وكذا في \"سر صناعة الإعراب\" ٢/ ٤٥٧.\n(٦) \"سر صناعة الإعراب\" ٢/ ٤٥٧، ٤٥٨ (بتصرف).","vol":"7","page":54},{"text":"فأما التفسير: فقال ابن عباس وغيره من المفسرين: نزلت في قوم كانوا قد أسلموا، ولم يُهاجروا حتى خرج المشركون إلى بدر، فخرجوا معهم، فقتلوا يوم بدر، فضربت الملائكة وجوههم وأدبارهم، وقالوا لهم ما ذكر الله سبحانه (١).\nوقوله تعالى: ﴿قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ﴾ أي الملائكة قالت لهؤلاء: ﴿فِيمَ كُنْتُمْ﴾ أي كنتم في المشركين أم في أصحاب محمد - ﷺ -؟. وهذا سؤال توبيخ، وإنما توجه السؤال إلى التوبيخ لأنه مما لا يصلح لصاحبه جواب عليه، ولذلك لما اعتذروا بالضعف عن مقاومة أهل الشرك في دارهم حاجتهم الملائكة بالهجرة إلى غير دارهم (٢).\nوخبر إن في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ﴾ قوله تعالى ﴿قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ﴾ والتقدير: قالوا لهم، بحذف (لهم)، لدلالة الكلام عليها (٣).\nوقوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ قال عطاء عن ابن عباس: \"يريد مصيرهم إلى النار\" (٤) وذلك أن الله تعالى لم يرض بإسلام أهل مكة حتى يهاجروا، فقال في سورة الأنفال: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ [الأنفال: ٧٢] فنهاهم الله عن موالاتهم\n_________\n(١) أخرجه بنحوه: الطبري ٥/ ٢٣٣ - ٢٣٤، وانظر: \"بحر العلوم\" ١/ ٣٨٠، و\"الكشف والبيان\" ٤/ ١٠٧ أ، و\"أسباب النزول\" للمؤلف ص ١٨٠، و\"لباب النقول\" ص (٧٩).\n(٢) انظر: الطبري ٥/ ٢٣٣، و\"معاني الزجاج\" ٢/ ٩٥، و\"بحر العلوم\" ١/ ٣٨١، و\"الكشف والبيان\" ٤/ ١٠٧ ب.\n(٣) انظر: \"الدر الصون\" ٤/ ٧٨. وذهب النحاس في \"إعراب القرآن\" ١/ ٤٤٨، إلى أن الخبر جملة ﴿فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾ [النساء: ٩٧].\n(٤) لم أقف عليه.","vol":"7","page":55},{"text":"ومناكحتهم وكل ما يكون بين المسلمين. وإذا أسلم الأخوان (.. (١) ..) أحدهما، وبقي الآخر، لم يكن يرث واحد منهما حتى فتحت مكة، فرد الله المواريث إلى الأرحام فقال (٢) [... الآيات ٩٨ - ١٠٢ ...] خفيفة (٣) والتحقت بالإمام في تشهده الطويل فتشهدوا وخففوا وسلم بهم.\nوهذا الذي ذكرنا من صفة صلاة الخوف هو مذهب ابن عباس في رواية الوالبي، ذكره في تفسير هذه الآية (٤).\nوبمثله ورد حديث ابن أبي حَثْمَة (٥) في صلاة الخوف (٦).\n_________\n(١) بياض في المخطوط بقدر كلمتين، ويمكن أن يقدر (ثم هاجر).\n(٢) حصل هنا سقط حيث جاء الكلام أثناء تفسير الآية (١٠٢) قوله: (وإذا كنت فيهم).\n(٣) هذا الكلام جاء مباشرة بعد السقط في تفسير الآية (٩٧) ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ وهو بيان لصفة صلاة الخوف المذكورة في الآية (١٠٢) ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾ الآية.\n(٤) سياق الأثر تامًا عن ابن عباس قال: \"قوله: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾ فهذا عند صلاة الخوف، يقوم الإِمام وتقوم معه طائفة منهم، وطائفة يأخذون أسلحتهم ويقفون بإزاء العدو، فيصلي الإِمام بمن معه ركعة، ثم يجلس على هيئة، فيقوم القوم فيصلون لأنفسهم الركعة الثانية والإمام جالس، ثم ينصرفون حتى يأتوا أصحابهم فيقفون موقفهم، ثم يُقبل الآخرون فيصلي بهم الإِمام الركعة الثانية، ثم يسلم، فيقوم القوم فيصلون لأنفسهم الركعة الثانية. فهكذا صلى رسول الله - ﷺ - يوم بطن نخلة\". تفسير ابن عباس ص ١٥٦، وأخرجه الطبري ٥/ ٢٥٣ من نفس الطريق، لكن في هذِه الرواية لم ينتظر الآخرين بالسلام.\n(٥) هو سهل بن أبي حثمة (عبد الله أو عامر) بن ساعدة بن عامر الأنصاري الأوسي من صغار الصحابة حيث كان عمره عند وفاة النبي - ﷺ - سبع أو ثمان سنين، وقد روى أحاديث، هذا أحدها. توفي ﵁ في أول خلافة معاوية.\nانظر: \"الاستيعاب\" ٢/ ٢٢١، و\"أسد الغابة\" ٢/ ٤٦٨، و\"الإصابة\" ٢/ ٨٦.\n(٦) أخرجه البخاري (٤١٣١) كتاب: المغازي، باب: غزوة ذات الرقاع، و\"مسلم\" (٨٤١) كتاب: صلاة المسافرين، باب: صلاة الخوف.","vol":"7","page":56},{"text":"وما سوى هذا المذهب من المذاهب في صلاة الخوف لا يُوافق الآية. واختاره (١) الزجاج أيضًا هذا الذي وصفنا، وزعم أنه مذهب أبي حنيفة في صلاة الخوف (٢)، فإن ذهب إلى حديث ابن عمر، أنه صلاها مع النبي - ﷺ -، قال: \"فصف وراءه طائفةٌ منا، وأقبلت طائفة على العدو، فركع رسول الله - ﷺ - ركعة وسجدتين مثل نصف صلاة الصبح، ثم انصرفوا فأقبلوا على العدو، فجاءت الطائفة الأخرى فصلَّوا مع النبي - ﷺ - ففعل مثل ذلك، ثم سلم النبي - ﷺ -، فقام كل رجل من الطائفتين فصلى لنفسه ركعة وسجدتين\" (٣).\nفعنده الطائفة الأولى إذا انصرفت عن الإمام إلى القتال لا تقطع الصلاة، ويكونون في حكم المصلين إلى أن يفرغ الإمام مع الطائفة الثانية، ثم يقضون بأجمعهم ركعة واحدة، واحتج على هذا من الآية بقوله: ﴿فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ﴾ [النساء: ١٠٢] قال: وهذا دليل على أن الطائفة الأولى لم يفرغوا من الصلاة، ولكنهم يصلون ركعة، ثم تكون من وراء الطائفة الثانية للحراسة (٤).\n_________\n(١) لعل الصواب: \"واختار\".\n(٢) الكلام هنا فيه اضطراب، لأن الذي اختاره الزجاج ووصفه المؤلف خلاف مذهب أبي حنيفة -كما سيأتي عند المؤلف؛ ولأن الزجاج إنما ذكر رأي الإمام مالك.\nانظر: \"معاني الزجاج\" ٢/ ٩٧، ٩٨.\n(٣) أخرجه بهذِه اللفظ الإِمام أحمد في \"مسنده\" ٢/ ١٥٠.\nوأخرجه بمعناه البخاري (٤١٣٢، ٤١٣٣) في كتاب: المغازي، باب: غزوة ذات الرقاع، و\"مسلم\" (٨٣٩) في كتاب: صلاة المسافرين، باب: صلاة الخوف، والثعلبي بلفظه في \"الكشف والبيان\" ٤/ ١١٣ أ.\n(٤) هذا اختيار أبي حنيفة وأصحابه في صفة صلاة الخوف. انظر: \"بحر العلوم\" ١/ ٣٨٣، و\"الكشف والبيان\" ٤/ ١١٣ أ، و\"النكت والعيون\" ١/ ٥٢٤، ٥٢٥، والبغوي ٢/ ٢٧٨، و\"زاد المسير\" ٢/ ١٨٦، و\"المغني\" لابن قدامة ٣/ ٣٠١.","vol":"7","page":57},{"text":"والتفسير بخلاف هذا؛ لأن قوله: ﴿سَجَدُوا﴾ يراد به الطائفة الأولى، ومعنى السجود: ههنا الصلاة، أي: إذا صلوا هم ﴿فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ﴾ أي الطائفة الثانية الذين لا يصلون (١)، فجعل أبو حنيفة السجود والكون من ورائكم لطائفة أخرى ....) (٢).\nبأنهم لم يصلوا فائدة، وأيضًا فإن قوله: ﴿فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾ ظاهره يدل على أن يكون جميع صلاة الطائفة الثانية مع الإمام؛ لأن مطلق قولك: صليت مع الإِمام، أنك أدركت جميع الصلاة معه، وعنده ليس كذلك.\nفأما حمل السلاح في الصلاة فهو فرض عند بعض العلماء (٣)، وسنة مؤكدة عند بعضهم (٤)، والشرط أن لا يحمل سلاحًا نجسًا إن أمكنه (٥)،\n_________\n(١) هذا ما يدل عليه حديث ابن عباس المتقدم، وكذلك سهل بن أبي حَثْمَة، وإليه ذهب الشافعي، وهو مذهب مالك وأحمد وإسحاق، واختاره الطبري. انظر: \"الأم\" ١/ ٢١٠، ٢١١، والطبري ٥/ ٢٥٨، و\"الكشف والبيان\" ٤/ ل ١١٠، ١١١، و\"النكت والعيون\" ١/ ٥٢٤، ٥٢٥، والبغوي ٢/ ٢٧٧، و\"المغني\" لابن قدامة ٣/ ٢٩٩ - ٣٠١، والقرطبي ٥/ ٣٦٥، ٣٦٦، و\"شرح صحيح مسلم\" للنووي ٦/ ١٢٥.\nقال البغوي: \"وكلتا الروايتين صحيحة، فذهب قوم إلى أن هذا من الاختلاف المباح\". وقال ابن قدامة: \"وإن صلى بهم كمذهب أبي حنيفة جاز. نص عليه أحمد، ولكن يكون تاركًا للأولى والأحسن. وبهذا قال ابن جرير، وبعض أصحاب الشافعي\".\n(٢) طمس في المخطوط بقدر أربعة أسطر.\n(٣) عند عدم المرض الذي يشق معه حمل السلاح أو التأذي بالمطر، وهذا أحد قولي الشافعي. انظر: \"الأم\" ١/ ٢١٩، و\"أحكام القرآن\" لابن العربي ١/ ٤٩٤، و\"المغني\" ٣/ ٣١١، وابن كثير ١/ ٦٠٤.\n(٤) هذا قول أكثر أهل العلم. انظر: \"المغني\" لابن قدامة ٣/ ٣١١، والقرطبي ٥/ ٣٧١ \"شرح صحيح مسلم\" للنووي ٦/ ١٢٥.\n(٥) انظر: الأم ١/ ٢١٩، و\"المغني\" ٣/ ٣١١.","vol":"7","page":58},{"text":"ولا يحمل الرمح إلا في طرف الصف أو في الصف الأول لئلا يؤذي به من أمامه (١)، ولا حرج على المريض، وفي حالة المطر إن وضعوا أسلحتهم طلبًا للتخفيف، وفي المطر إنما يتعذر حمل السلاح؛ لأنه يصيبه بلل المطر فيسود بالطبع، وأيضًا فإن من الأسلحة ما يكون مبطنًا فيثقل على لابسه إذا ابتل بالماء (٢).\nقال الشافعي: \"وإن كانت صلاة المغرب فصلى ركعتين بالطائفة الأولى، ثم ثبت قائمًا، وأتموا لأنفسهم، فحسن، وإن ثبت جالسًا في التشهد الأول، وأتموا لأنفسهم، فجائز\" (٣). قال: \"وإن كانت صلاة حضر فلينتظر جالسًا في الثانية أو قائمًا في الثالثة\" (٤).\nوقوله تعالى: ﴿وَخُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ قال أبو علي الجرجاني: في قوله: ﴿وَخُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ إطلاق، له أن يأتي بصلاة الخوف على جهة يكون بها حاذرًا، غير مغفلٍ للحذر؛ بحسب ما يكون حالهم مع العدو. والذي نزل به الكتاب كان وجه الحذر؛ لأن العدو يومئذ (....) (٥) كان مستقبل القبلة\n_________\n(١) انظر: \"الأم\" ١/ ٢١٩، و\"المغني\" ٣/ ٣١١.\n(٢) انظر: \"الأم\" ١/ ٢١٩، والبغوي ٢/ ٢٨٠، والقرطبي ٥/ ٣٧٢.\n(٣) \"الأم\" ١/ ٢١٢، و\"الكشف والبيان\" ٤/ ١١١ ب بتصرف يسير، وهذا مذهب أحمد ومالك أيضًا. انظر:\"المغني\" لابن قدامة ٣/ ٣٠٩.\n(٤) من \"الكشف والبيان\" ٤/ ١١١ ب، وانظر: \"الأم\" ١/ ٢١٣.\nوتمام الكلام عند الثعلبي: \"حتى تتم الطائفة التي معه، ثم تأتي الطائفة الأخرى فيصلي بها كما وصفت في الأخرى\".\n(٥) غير واضح، وأظنه: \"بذات الرقاع\".\nوسميت هذه الغزوة بذلك لما كانوا يعصبون من الخرق على أرجلهم من الجراح وكانت هذه الغزوة سنة خمس من الهجرة. انظر: \"صحيح البخاري\" (٤١٢٩ - ٤٢٣٠) و\"شرح صحيح مسلم\" للنووى (٨٤٢، ٨٤٣).","vol":"7","page":59},{"text":"والمسلمون مستدبروها، وفي استقبالهم القبلة يومئذ استدبار منهم لعدوهم، فأمروا بأن يصيروا طائفتين، طائفة تجاه العدو، وطائفة مع النبي - ﷺ - مستقبل القبلة (١).\nوالحال الثانية والثالثة بعُسْفان (٢) وبذي قَرَد (٣)، كانوا بخلاف هذه الحال، لأن العدو كان مستدبرًا للقبلة والمسلمون مستقبلوها، وكان المسلمون على (.. (٤) ..) القبلة والعدو في وجوههم فأتى بالصلاة كما أطلق له من أخذ الحذر (٥)، ولو أتى بها في هاتين الحالتين كما أمر به يوم ذات الرقاع من تصييرهم طائفتين كان تاركًا للحذر ومغررًا بنفسه وأصحابه. هذا كلامه.\n_________\n(١) جاءت صلاة الخوف في غزوة ذات الرقاع في عدة أحاديث أخرجها البخاري (٤١٢٩، ٤١٣٠) في كتاب: المغازي، باب: غزوة ذات الرقاع، ومسلم (٨٤٢، ٨٤٣) في كتاب: صلاة المسافرين، باب: صلاة الخوف.\n(٢) قرية بين مكة والمدينة على بعد مرحلتين من مكة. انظر: \"تهذيب الأسماء واللغات\" الجزء الثالث، القسم الثاني ص ٥٦.\n(٣) بفتح القاف والراء اسم لماء على بعد ليلتين من المدينة بينها وبين خيبر، وسمي به غزوة ذي قرد، وهي الغزوة التي أغار فيها قوم من غطفان على لقاح النبي - ﷺ - فاستردها، وهي قبل خيبر بثلاث. انظر: \"صحيح البخاري\" (٤١٩٤)، و\"معجم البلدان\" ٤/ ٣٢٢، و\"اللسان\" ٦/ ٣٥٧٧.\n(٤) كلمة غير واضحة، وأظنها: (مستقبل).\n(٥) الأثر في صلاة الخوف بعسفان أخرجه النسائي ٣/ ٧٤ في كتاب: صلاة الخوف حديث رقم (١٦) عن أبي هريرة، والطبري ٥/ ٢٥٧ - ٢٥٨ عن ابن عباس ومجاهد وهو في \"تفسير مجاهد\" ١/ ١٧٢، وذكره الثعلبي ٤/ ١١٢ أوصفتها بنحو ما في حديث جابر الآتي.\nأما بذي قرد فقد قال ابن عباس: \"صلى النبي - ﷺ - يعني صلاة الخوف بذي قرد\". أخرجه البخاري (٤١٢٥) (سبق تخريجه)، وأخرجه مطولًا عنه النسائي حيث =","vol":"7","page":60},{"text":"وفيما ذكره تسوية من جميع الروايات الواردة في صلاة الخوف، لأنه يقول: العلة في اختلافها اختلاف الحال. وليس هذا الذي ذكره بعيدًا عن الصواب، فإن النبي - ﷺ - بعُسْفان وببطن النخل (١) لم يفرق أصحابه طائفتين، لأنهم كانوا في الصلاة متوجهين للعدو مستقبلي القبلة، فكانوا يرون العدو وهم في الصلاة، فلم يحتاجوا إلى الاحتراس إلا عند السجود، وفي السجود سجد الصف الأول، والثاني يحرسونهم، فلما فرغوا من السجود انحدر الصف المؤخر بالسجود (٢). وكذا روى جابر بن عبد الله (٣).\n_________\n= وصف ابن عباس الصلاة بقوله: \"إن رسول الله - ﷺ - صلى بذي قرد، وصف الناس خلفه صفين، صفا خلفه، وصفا موازي العدو، فصلي بالذين خلفه ركعة، ثم انصرف هؤلاء إلى مكان هؤلاء، وجاء أولئك فصلى بهم ركعة ولم يقضوا\". \"سنن النسائي\" ٣/ ١٦٩ كتاب: صلاة الخوف حديث رقم (٥) وأخرجه بنحوه الثعلبي ٤/ ١١٣ ب.\n(١) قرية في الحجاز من أرض غطفان. انظر: \"تهذيب الأسماء واللغات\"، الجزء الثالث، القسم الأول ص ٣٨.\n(٢) تقدم قريبًا تخريج الأثر الوارد في الصلاة بعسفان، أما ببطن النخل فإنه سيأتي في الأثر عن جابر.\n(٣) قال جابر ﵁: \"غزونا مع رسول الله - ﷺ - قومًا من جهينة، فقاتلونا قتالًا شديدًا، فلما صلينا الظهر قال المشركون: لو ملنا عليهم ميلة لاقتطعناهم. فأخبر جبريل رسول الله - ﷺ - ذلك. فذكر ذلك لنا رسول الله - ﷺ - قال: وقالوا: أنه ستأتيهم صلاة هي أحب إليهم من الأولاد. فلما حضرت العصر، قال: صفينا صفين، والمشركون بيننا وبين القبلة. قال فكبَّر رسول الله - ﷺ - وكبَّرنا، وركع وركعنا، ثم سجد وسجد معه الصف الأول، فلما قاموا سجد الصف الثاني. ثم تأخر الصف الأول وتقدم الصف الثاني، فقاموا مقام الأول. فكبَّر رسول الله - ﷺ - وكبَّرنا، وركع فركعنا. ثم سجد وسجد معه الصف الأول وقام الثاني، فلما سجد الصف الثاني، ثم جلسوا جميعا، سلم عليهم رسول الله - ﷺ -\".\nأخرجه \"مسلم\"، وقد سبق تخريجه.","vol":"7","page":61},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-780>١٠٣ </span>- قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ﴾. يعني صلاة الخوف، قاله مقاتل (١) والكلبي (٢) والزجاج (٣).\n﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾. قال الكلبي: فصلوا لله (قيامًا) للصحيح، (وقعودًا) للمريض الذي لا يستطيع القيام، (وعلى جنوبكم) للمرضى الذين لا يستطيعون الجلوس (٤).\nوقال مقاتل: فاذكروا الله باللسان (٥).\nوقال ابن عباس: \"يريد أنه ليس شيء أفضل من الذكر لله\" (٦).\nوقال الزجاج: أي: اذكروه بتوحيده وشكره وتسبيحه بكل ما يمكن أن يتقرب منه (٧).\n_________\n= وهذِه الغزوة كانت بنخل كما أشار إليه المؤلف، وجاء ذلك في حديث جابر هذا عند الطبري ٥/ ٢٥٧.\n(١) \"تفسيره\" ١/ ٤٠٣.\n(٢) \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ٩٥.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٩٩.\nوهذا القول هو قول عامة المفسرين، ويؤيده النظر في سياق الآيات.\nانظر: الطبري ٥/ ٢٥٩، ٢٦٠، و\"بحر العلوم\" ١/ ٣٨٤، و\"الكشف والبيان\" ٤/ ١١٥ أ، و\"النكت والعيون\" ١/ ٥٢٦، و\"معالم التنزيل\" ٢/ ٢٨١، و\"زاد المسير\" ٢/ ١٨٧.\n(٤) انظر: \"الكشف والبيان\" ٤/ ١١٥، \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ٩٥.\n(٥) \"تفسيره\" ١/ ٤٠٣.\n(٦) لم أقف عليه.\n(٧) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٩٩، وانظر: الطبري (٢٥٩)، و\"الكشف والبيان\" ٤/ ١١٥ ب، و\"زاد المسير\" ٢/ ١٨٧.","vol":"7","page":62},{"text":"وهذا القول أولى من قول الكلبي؛ لأنه ذكر بعد هذا حكم صلاة الحضر، فقال: ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾. قال أبو إسحاق: أي إذا سكنت قلوبكم، يقال: اطمأن الشيء، إذا سكن، وطأمنته وطمأنته، إذا سكنته (١).\nويقال: طأمنت الشيء فتطامن، إذا خفضته فانخفض (...) (٢).\nقال الكلبي في تفسير الاطمئنان: (.... (٣) ....) الخوف.\nوالأصح (...) (٤) المراد به المقام في (البلد) (٥) وزوال حركة السفر، وهو قول ابن عباس، قال: ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ﴾ يريد في أهليكم ﴿فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ يعني أتموها (٦).\nونحو هذا قال الحسن (٧) ومجاهد (٨)، أن معنى الطمأنينة ههنا الرجوع إلى الوطن في دار الإقامة.\nوذكرنا عن أبي علي الجرجاني أن الطمأنينة ضد الضرب في الأرض لا ضد الخوف، وضد الخوف الأمن وهذا يدل على أن الخوف غير\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٩٩، وانظر: الطبري ٥/ ٢٦٠، و\"زاد المسير\" ٢/ ١٨٨.\n(٢) طمس لأكثر الحروف في المخطوط بمقدار سطر ونصف.\n(٣) طمس ما بين القوسين في المخطوط، وفي \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ٩٥: \"رجعتم إلى منازلكم وذهب عنكم الخوف\".\n(٤) كلمتان غير واضحتين، وأظنهما: \"والأولى أن\".\n(٥) هذِه الكلمة غير واضحة في المخطوط، وانظر: \"الوسيط\" ٢/ ٦٩٥.\n(٦) انظر: \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ٩٥.\n(٧) انظر: \"تفسير الهواري\" ١/ ٤١٩، و\"النكت والعيون\" ١/ ٥٢٦، و\"زاد المسير\" ٢/ ١٨٨.\n(٨) أخرجه عنه: الطبري ٥/ ٢٦٠، وابن أبي حاتم، انظر: \"الدر المنثور\" ٢/ ٣٨٠.","vol":"7","page":63},{"text":"مشروط في جواز القصر، حيث جعل نهاية جوازه الطمأنينة في الأهل. والذين قالوا: المراد بالطمأنينة زوال الخوف، قالوا في معنى قوله: ﴿فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ أي: فأتموا ركوعها، غير مشاة ولا ركبان فيها، كما كنتم تفعلون في صلاة الخوف. وبه قال السدي (١) وابن زيد (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-781>١٠٣ </span>- وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ أي فرضا موقوتًا (٣).\nقال ابن عباس: \"فريضة بأوقاتها\" (٤).\nوالمراد بالكتاب ههنا: المكتوب، كأنه قيل: مكتوبة موقوتة، ثم حذفت الهاء من الموقوتة، لما (٥) جعل المصدر موضع المفعول، والمصدر مذكر، ومعنى الموقوت أنها كتبت عليهم في أوقات مؤقتة، يقال: وقَّته، ووقَته، مخففًا (٦). وقرئ: ﴿وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾ (٧) [المرسلات:\n_________\n(١) أخرجه عنه: الطبري ٥/ ٢٦٠، وابن أبي حاتم، انظر: \"الدر المنثور\" ٢/ ٣٨٠.\n(٢) أخرجه عنه: الطبري ٥/ ٢٦٠، وانظر: \"الدر المنثور\" ٢/ ٣٨٠.\n(٣) انظر: الطبري ٥/ ٢٦١، و\"معاني الزجاج\" ٢/ ٩٩، و\"بحر العلوم\" ١/ ٣٨٤.\n(٤) \"تفسير ابن عباس\" ص ١٥٧، بلفظ: \"موقوتًا: مفروضًا\" وأخرجه كذا الطبري ٥/ ٢٦١، لكن من طريق العوفي، وانظر: \"النكت والعيون\" ١/ ٥٢٦، و\"زاد المسير\" ٢/ ١٨٨، و\"الدر المنثور\" ٢/ ٣٨٠.\n(٥) كأنها: كما.\n(٦) انظر: \"غريب القرآن\" لابن قتيبة ص ١٣٠، والطبري ٥/ ٢٦٢، و\"الكشف والبيان\" ٤/ ١١٥ ب.\n(٧) قراءة أبي جعفر وحده بواو مضمومة وكسر القاف مخففة. انظر: \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٩٢٨ (وقت)، و\"المبسوط\" ص ٣٩١، و\"النشر\" ٢/ ٣٩٧.\nوفي مصحف عبد الله بن مسعود ﵁: \"وقت\" بواو مضمومة وتشديد القاف. انظر: \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٩٢٨ (وقت).","vol":"7","page":64},{"text":"١١]. قال أبو عبيدة: وإن شئت قلت: أوقته (١).\nوقال الزجاج في قوله: ﴿موقوتا﴾: أي مفروضًا موقتًا فرضه (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-782>١٠٤ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ﴾. الخطاب للمؤمنين، وذكرنا معنى الوهن (٣) في قوله: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا﴾ [آل عمران: ١٣٩].\nوالمراد بالقوم ههنا: أبو سفيان وأصحابه، لما انصرفوا عن أحد منهزمين، وقد قذف الله في قلوبهم الرعب، أمر الله تعالى نبيه ﵇ أن يسير في آثارهم بعد الوقعة بأيام، فندب النبي - ﷺ - الناس لذلك، فاشتكوا ما بهم من الجراحات، فأنزل الله هذه الآية (٤). وقد مضت هذه القصة في سورة آل عمران (٥). قال ابن عباس: \"يريد لا تضعفوا في طلب العدو\" (٦).\nوقوله تعالى: ﴿إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ﴾. الألم الوجع، وقد ألم يألم، فهو آلم (٧). قال ابن عباس: \"يريد يوجعون كما توجعون الجراح\" (٨).\n_________\n(١) ليس في \"مجاز القرآن\".\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٩٩.\n(٣) \"الوهن: الضعف\"؛ \"الصحاح\" ٦/ ٢٢١٥، و\"اللسان\" ٨/ ٤٩٣٤ (وهن).\n(٤) ذكره الطبري ٥/ ٢٦٣ عن عكرمة، كما ذكره دون عزو السمرقندي في \"بحر العلوم\" ١/ ٣٨٤، والثعلبي في \"الكشف والبيان\" ٤/ ١١٥ ب، والبغوي في \"معالم التنزيل\" ٢/ ٢٨٢.\n(٥) ذكر جميع ذلك عند قوله تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٩].\n(٦) أخرجه ابن أبي حاتم. انظر: \"الدر المنثور\" ٢/ ٣٨١.\n(٧) \"تهذيب اللغة\" ١/ ١٨٨ (ألم) وفيه: \"فهو ألم\" بدون مد. وانظر: \"الصحاح\" ٥/ ١٨٦٣، و\"اللسان\" ١/ ١١٣ (ألم).\n(٨) بنحوه في \"تفسير ابن عباس\" ص (١٥٧)، وأخرجه أيضًا من طريق علي بن أبي طلحة: الطبري ٥/ ٢٦٣، وابن أبي حاتم، انظر: \"الدر المنثور\" ٢/ ٣٨١.","vol":"7","page":65},{"text":"ونحو هذا قال غيره من المفسرين (١)، وهذا يحتمل تأويلين:\nأحدهما: أن المؤمنين كانت بهم جراحات، يجدون لها ألمًا يوهنهم عن المسير في آثار المشركين، والمشركون أيضًا بهم جراحات، كما بالمسلمين، فقيل للمسلمين: إنَّ ألمتم جراحكم، فهم أيضًا في مثل حالتكم من أثر الجراح. وعلى هذا دل كلام المفسرين أن المراد بالألم ههنا ألم جراح واقعة بالفريقين (٢).\nوالآخر: أن هذا استدعاء إلى الجهاد مما يوجب الصبر عليه والجد فيه لرجحان حالهم على حال أعدائهم، بأنهم يرجون من الله ما لا يرجونه، فقد ساووهم في الصارف عن القتال، وهؤلاء انفردوا بداعٍ ليس لهم من ثواب الله على ذلك وكرامته التي هي (أوكد وكد داع) (٣) إلى إتباع مرضاته، فالمراد بالألم ههنا ألم جرح يقع ويحصل في أحد الفريقين، يقول: إن ألمتم جرحًا يوقعونه فيكم فهم أيضًا يألمون بما توقعونه فيهم، فلا تضعفوا ولا تجنبوا (٤) عنهم، فقد تساويتم في وجود الآلام.\nوعلى هذا الثاني دل كلام أبي إسحاق، فإنه قال: أي أن تكونوا توجعون فأنهم يجدون من الوجع فيما ينالهم من الجراح والتعب كما تجدون (٥).\n_________\n(١) كمجاهد وقتادة والسدي وابن زيد. انظر: الطبري ٥/ ٢٦٢، ٢٦٣.\n(٢) انظر: الطبري ٥/ ٢٦٢، ٢٦٣، و\"بحر العلوم\" ١/ ٣٨٤، و\"الكشف والبيان\" ٤/ ١١٥ ب، و\"النكت والعيون\" ١/ ٥٢٧.\n(٣) هكذا ما بين القوسين في المخطوط، وقد يكون فيه تكرار، فتكون العبارة: \"أوكد داع\".\n(٤) هكذا في المخطوط، ولعل الصواب: ولا تجبنوا، بباء ثم نون بعد الجيم.\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١٠٠، وانظر: الطبري ٥/ ٢٦٢، و\"زاد المسير\" ٢/ ١٨٩.","vol":"7","page":66},{"text":"وهذا المعنى أراد الشداخ بن يعمر الكناني (١) في قوله يحض قومه على الحرب:\nالقوم أمثالكم لهم شعر ... في الرأس لا ينشرون إن قتلوا (٢).\nيقول: هم مثلكم إن قتلتم منهم لم يجيء قتيلهم، كما لا يجيء منكم من قتل.\nوقوله تعالى: ﴿وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾.\nقال الحسن وقتادة وابن جريج وأكثر أهل العلم: وتؤملون من ثواب الله ما لا يؤملون (٣).\nوقال الزجاج: أي أنتم ترجون النصر الذي وعدكم الله جل وعز وإظهار دينكم على [سائر] (٤) أديان الملل المخالفة [لأهل الإسلام] (٥)\n_________\n(١) هو يعمر بن عوف بن كعب بن عامر الليثي الكناني و\"الشداخ\" لقبه، سمي بذلك لشدخه الدماء بين قريش وخزاعة، أي وضعها تحت قدميه وإصلاحه بينهم فهو من حكام العرب، ويبدو أنه شاعر جاهلي.\nانظر: \"المحبر\" ص ٣٣، و\"الاشتقاق\" ص ١٧١، و\"جمهرة أنساب العرب\" ص ١٨٠، و\"الأعلام\" ٨/ ٢٠٥.\n(٢) البيت في \"الحماسة الكبرى\" لأبي تمام ١/ ١١٣.\n(٣) أخرجه بمعناه عن قتادة وابن جريج: الطبري ٥/ ٢٦٢ - ٢٦٣، أما عن الحسن فذكره الهواري في \"تفسيره\" ١/ ٤٢٠.\nوقد قال بهذا القول أيضًا الضحاك. انظر: \"معاني القرآن\" للنحاس ٣/ ١٨٤، واختاره الطبري ٥/ ٢٦٢، ٢٦٤، وانظر: \"بحر العلوم\" ١/ ٣٨٤، و\"الكشف والبيان\" ٤/ ١١٥ ب.\n(٤) طمست ما بين المعقوفين هذه الكلمة في المخطوط حيث لم يبق من كلماتها إلا السين، والتسديد من الزجاج في \"معانيه\" ٢/ ١٠٠.\n(٥) طمس ما بين المعقوفين في المخطوط والتسديد من \"معاني الزجاج\" ٢/ ١٠٠.","vol":"7","page":67},{"text":"وترجون مع ذلك الجنة، وهم لا يرجون؛ لأنهم كانوا غير مقرين [بالبعث، فأنتم ترجون من الله ما لا يرجون] (١).\nوذهب بعض المفسرين إلى أن (...) (٢).\nوأنكر الفراء والزجاج ذلك، فقال: [وأجمع أهل اللغة الموثوق بعلمهم على أن الرجاء] (٣) ههنا على معنى الأمل (٤).\nوقال الفراء: \"لا يعرف الرجاء بمعنى الخوف إلا مع (...) (٥). كقوله: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾ [نوح: ١٣] أي لا تخافون له عظمة. كقول أبي ذؤيب (٦):\nإذا لسعَتْه النَّحلُ لم يَرْجُ لسعَها ... وحالفَها في بيتِ نوبٍ عواملِ (٧)\nوإنما كان كذلك لأن الرجاء لما أخرج عن أصله لم يتصرف في جميع الوجوه بمعنى الخوف، إلا في النفي خاصة.\nقال الزجاج: وإنما اشتمل الرجاء على معنى الخوف؛ لأن الرجاء أمل قد يخاف أن لا يتم (٨). يريد: إنما يُرجى كونه يخاف فوته.\n_________\n(١) طمس ما بين المعقوفين في المخطوط، والتسديد من \"معاني الزجاج\" ٢/ ١٠٠.\n(٢) طمس ما بين القوسين في المخطوط، والظاهر أنه: \"الرجاء هنا بمعنى الخوف\" أو قريب من ذلك. انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٢٨٦، والطبري ٥/ ٢٦٤.\n(٣) طمس ما بين المعقوفين في المخطوط، والتسديد من \"معاني الزجاج\" ٢/ ١٠٠.\n(٤) انظر: \"معاني الزجاج\" ٢/ ١٠٠.\n(٥) طمس، وفي \"معاني الفراء\" ١/ ٢٨٦: \"ولم نجد معنى الخوف يكون رجاء إلا ومعه جحد\".\n(٦) تقدمت ترجمته.\n(٧) \"معاني القرآن\" ١/ ٢٨٦، والبيت في ديوان الهذليين ١/ ١٤٣ وقافيته \"عواسل\" بالسين، و\"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٤٧٦، و\"الصحاح\" ١/ ٢٢٩، و\"اللسان\" ٨/ ٤٥٧٠ (نوب). والشاهد منه: أن الرجاء بمعنى الخوف لما اقترن بنفي.\n(٨) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١٠٠.","vol":"7","page":68},{"text":"﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا﴾ بخلقه (١).\n﴿حَكِيمًا﴾ فيما حكم لأوليائه من الثواب، ولأعدائه من العقاب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-783>١٠٥ </span>- قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ الآية.\nأجمعوا على أن هذه الآية وما بعدها من أي كثير نزلت في قصة طعمة ابن أُبيرق (٢)، سرق درعًا ثم رمى بها يهوديًّا فلما طلبت عنده الدرع أحال على اليهودي، فرماه بالسرقة، فاجتمع قوم طعمة وقوم اليهودي، وأتوا رسول الله - ﷺ -، فسأل قوم طعمة النبي ﵇ أن يُجادل عن صاحبهم، وأن يبرأه، وقالوا: إنك إن لم تفعل هلك صاحبنا وافتضح، وبرئ اليهودي، فهمّ النبي - ﷺ - أن يفعل وأن يعاقب اليهودي.\nوهذا قول ابن عباس في رواية الكلبي عن أبي صالح عنه (٣)، والضحاك والسدي والحسن وابن زيد أن طعمة سرق الدرع (٤).\nوقال مجاهد ومقاتل: إن طعمة استُودع درعًا، ولم تكن عليه بينة،\n_________\n(١) انظر: الطبري ٥/ ٢٦٤.\n(٢) هو طعمة بن أبيرق بن عمرو بن حارثة بن ظفر الخزرجي الأنصاري، ذكر في الصحابة وأنه شهد المشاهد كلها إلا بدرًا، وقد تكلم في إيمانه.\nانظر: \"أسد الغابة\" ٣/ ٧٥، و\"الإصابة\" ٢/ ٢٢٤.\n(٣) انظر: \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ٩٥، وقد أخرجه بمعناه عن ابن عباس من طريق العوفي: الطبري ٥/ ٢٦٧، وابن أبي حاتم. انظر: \"الدر المنثور\" ٢/ ٣٨٤.\n(٤) أخرج الآثار عنهم: الطبري ٥/ ٢٦٧ - ٢٧٠ إلا الحسن فأخرجه عنه ابن المنذر. انظر: \"الدر المنثور\" ٢/ ٣٨٥.\nوقد أخرج القصة مطولة الترمذي في كتاب: التفسير، باب: (٥) ومن سورة النساء ٥/ ٢٤٤ عن قتادة بن النعمان. وقال: حديث غريب، وكذا الطبري ٥/ ٢٦٥ وذكرها المؤلف في \"أسباب النزول\" ص ١٨٣، والسيوطي في \"لباب النقول\" ص ٨٢.","vol":"7","page":69},{"text":"فجحدها، وكانت الدرع ليهودي. وهذا قول مقاتل وقول مجاهد، وأنه استودع درعًا، فرمى بسرقتها يهوديًا، [فنزلت] (١) الآية في هذه الخصومة (٢).\nقوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ المعنى: على وجه الحق دون الباطل، لأنه لو (......... ـعدى) (٣) في الحكم لم يكن قد أنزل بالحق، فالحق ههنا إنما هو ما كان لأجله الكتاب حقًا، وقد يوصف بالحق على معنى: ذو الحق، كما يوصف بعدل، كما قال ﷿: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ﴾ [الحج: ٦٢].\nوقوله تعالى: ﴿بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾، قال ابن عباس: \"بما علمك الله\" (٤).\nونحو ذلك قال غيره (٥)، ومثله قوله: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [سبأ: ٦] (٦) أي: ويعلم.\nوهذا يدل أن رأيه - ﷺ - كله وحيًا (٧).\n_________\n(١) ما بين المعقوفين لم تتضح بعض حروفه في المخطوط.\n(٢) قول مجاهد كالقول السابق أن طعمة سرق الدرع ورمى بذلك غيره. انظر: قول مجاهد في \"تفسيره\" ١/ ١٧٣، والطبري ٥/ ٢٦٥، وقول مقاتل في \"تفسيره\" ١/ ٤٠٤، و\"الكشف والبيان\" ٤/ ١١٦ ب.\n(٣) طمس ما بين القوسين في المخطوط، وهو بقدر كلمتين لم يتبين منهما إلا هذان الحرفان اللذان أثبتهما، والظاهر أن العبارة: \"لو كان التعدي\" أو \"لو قصد التعدي\". انظر: \"الوسيط\" ٢/ ٦٩٧.\n(٤) \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ٩٥.\n(٥) انظر: \"تأويل مشكل القرآن\" لابن قتيبة ص ٤٩٩.\n(٦) تمام الآية: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ وسقتها كاملة ليتضح تفسير المؤلف لها.\n(٧) هكذا ولعل \"كله\" مصحفة عن \"كان أو أنه\" سقط (كان) من الكلام.","vol":"7","page":70},{"text":"وكان عمر -﵁- يقول: \"لا يقولن أحدكم: [قضيت] (١) بما أراني الله، فإن الله تعالى لم يفعل ذلك إلا لنبيه\". وكان يقول: \"إنَّ رأي النبي - ﷺ - كان مصيبًا، لأن الله تعالى كان يريه إياه، وهو منّا ظن وتكلف\" (٢).\nوقال الحسن: \"رأي الأنبياء ﵈ وحي\" ثم تلا هذه الآية (٣).\nقال أبو علي: لا يخلو (أراك) من أن يكون منقولًا بالهمزة من رأيت، التي يراد بها رؤية البصر، أو رأيت، التي تتعدى إلى مفعولين، ورأيت الذي بمعنى الرأي الذي هو الاعتقاد، فلا يجوز أن يكون من الرؤية التي معناه: أبصرت بعيني؛ لأن الحكم في الحوادث بين الناس ليس مما يدرك بالبصر، ولا يجوز أن يكون من: رأيت، التي يتعدى إلى مفعولين؛ لأنه كان يلزم بالنقل أن يتعدى إلى ثلاثة، مفعولين (٤)، وفي تعديه إلى مفعولين، أحدهما الكاف التي للخطاب، والآخر: المفعول المقدر حذفه من الصلة، تقديره: بما أراكه الله، ولا مفعول ثالثًا في الكلام، وذلك في دلالة على أنه من رأيت، التي معناها الاعتقاد والرأي، وهو يتعدى إلى مفعول واحد، فإذا نقل بالهمزة تعدى إلى مفعولين، كما ذكرنا في التقدير (٥).\n_________\n(١) ما بين المعقوفين غير واضح وضوحًا تامًّا، وما أثبته قريب.\n(٢) قال السيوطي: \"أخرج ابن المنذر عن عمرو بن دينار أن رجلًا قال لعمر: (بما أراك الله) قال: مه، إنما هذِه للنبي - ﷺ - خاصة \"الدر المنثور\" ٢/ ٣٨٦. هذا ما وقفت عليه عن عمر ﵁.\n(٣) لم أقف عليه.\n(٤) لعل هذِه الكلمة زائدة، أو مصحفة عن \"مفاعيل\".\n(٥) من \"المسائل الحلبيات\" لأبي علي ص ٧٠، ٧١ بتصرف.","vol":"7","page":71},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ قال الزجاج: أي لا تكن مخاصمًا ولا دافعًا عن خائن (١).\nوخصيمك الذي يُخاصمك، وجمعه خصماء، وأصله من الخصم وهو ناحية الشيء وطرفه، والخصم طرف الراوية (٢)، وطرف الفراش، وقيل للخصمين خصمان؛ لأخذ كل واحد منهما في ناحية من الحجج والدعوى وخصوم السحابة جوانبها (٣)، قال الأخطل (٤):\nإذا طعنتْ فيها الجنوبُ تحاملتْ ... باعجازِ جرّارٍ تداعى خُصومُها (٥)\nأي: تجاوب جوانبها بالرعد، وطعن الجنوب فيها سوقها إياه. والجرّار الثقيل ذو الماء، تحاملت باعجازه: دفعت أواخره (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-784>١٠٦ </span>- قوله تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾. قال مقاتل: من جدالك عن طعمة (٧).\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١٠١، وانظر: \"زاد المسير\" ٢/ ١٩٢.\n(٢) في المخطوط: \"الرواية\" وهو تصحيف، انظر: \"تهذيب اللغة\" ١/ ١٠٤٢، و\"اللسان\" ٢/ ١١٧٧ (خصم).\nوالراوية هي المرادة. انظر:\"الصحاح\" ٦/ ٢٣٦٤ (روي).\n(٣) من \"تهذيب اللغة\" ١/ ١٠٤٢ (خصم) بتصرف، وانظر: \"اللسان\" ٢/ ١١٧٧ (خصم).\n(٤) هو أبو مالك غياث بن غوث شاعر مسيحي من شعراء الدولة العباسية، توفي سنة ٩٠ تقريبًا. انظر: \"طبقات الشعراء\" ص ١٤٧، و\"الشعر والشعراء\" ص ٣١٩، و\"الأعلام\" ٥/ ١٢٣.\n(٥) ديوان الأخطل ص ٣١٩، و\"تهذيب اللغة\" ١/ ١٠٤٢، و\"اللسان\" ٢/ ١١٧٧ (خصم)، والجنوب: ريح الجنوب.\n(٦) \"تهذيب اللغة\" ١/ ١٠٤٢ (خصم).\n(٧) \"تفسير مقاتل\" ١/ ٤٠٥، و\"الكشف والبيان\" ٤/ ١١٧ أ.","vol":"7","page":72},{"text":"وقال السدي: (مما أردت من جدالك عنه) (١).\nوقال [....] (٢): (\"من همك بقطع اليهودي\" (٣) ونحوه روي عن ابن عباس) (٤).\nوقال الكلبي: من همك باليهودي أن (....) (٥).\nفإن قيل: فهل كان للنبي - ﷺ - في هذه القصة ذنب حتى أمر بالاستغفار؟\nقيل: الأصل في هذا أن الأنبياء صلوات الله عليهم معصومون عن الكبائر، وذلك بإجماع العلماء (٦). فأما الصغائر: فمن العلماء من قال: كانوا معصومين عنها (٧)، ومنهم من قال: ما كانوا معصومين عنها (٨).\nوكذلك الخلاف في جواز السهو والنسيان عليهم (٩)، مع إجماعهم على أن السهو غير جائز عليهم في تبليغ الوحي، وأن السهو إن وقع فهو في غير الوحي، فإنَّ الله لا يقررهم على السهو، بل ينبهم، والصحيح أن السهو\n_________\n(١) ما بين القوسين لم يتضح جيدًا في المخطوط، وانظر: \"الوسيط\" ٢/ ٦٩٨، ولم أقف على من خرجه.\n(٢) لم يتضح اسم القائل، وكأنه مجاهد.\n(٣) لم أقف عليه.\n(٤) ذكره الثعلبي في \"الكشف والبيان\" ٤/ ١١٧ أ.\n(٥) ما بين القوسين كلمة غير واضحة في المخطوط، وأظنها: \"تقطعه\". انظر: \"الكشف والبيان\" ٤/ ١١٧ أ، و\"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ٩٦.\n(٦) انظر: \"الفقه الأكبر\" لأبي حنيفة مع شرحه ص ٨٨، ٨٩، و\"أصول الدين\" للبغدادي ص ١٦٧، ١٦٨.\n(٧) انظر: \"الفقه الأكبر مع شرحه\" ص ٨٨، ٨٩.\n(٨) انظر: \"أصول الدين\" ص ١٦٨، والقرطبي ٥/ ٣٧٧.\n(٩) انظر: \"أصول الدين\" ص ١٦٨.","vol":"7","page":73},{"text":"والنسيان جائز عليهم، وعلى هذا دلت الأخبار (١).\nفأما ذنب النبي - ﷺ - في هذه القصة فقد قيل: إنه همّ بقطع اليهودي (٢).\nوقيل: إنَّه جادل عن طعمة، حتى قال للمدعي: عمدت إلى رجل مسلم ورميته بالسرقة من غير بينة (٣).\nوهذا مما يؤمر بالاستغفار عنه.\nوالذين قالوا: لا تجوز الصغائر عليهم قالوا: إنه أمر بالاستغفار على طريق التسبيح، كما يقول القائل: \"اسْتَغْفِرِ اللهِ\" مكررًا له مرات كثيرة، على جهة التسبيح من غير أن يقصد بذلك إلى التوبة من ذنبٍ كره (٤).\nوقال بعض أهل العلم: استغفار الرسل إما أن يكون للأمة، واما أن يكون لذنب قبل النبوة، وإما أن يكون لزيادة الدرجة (٥). وقد رُوي عن رسول الله أنه قال: \" إن الله تعالى ليغفر ذنب الرجل المسلم عشرين مرة\" (٦) معناه زيادة الدرجات.\nقال أبو إسحاق: عرّف الله تعالى نبيه - ﷺ - قصة طعمة، وأعلمه أنه خائن، ونهاه أن يحتج له، وأمره بالاستغفار مما هم به، وأن حكم بما أنزل\n_________\n(١) قال البغدادي: \"وأما السهو والخطأ فليسا من الذنوب، فلذلك ساغا عليهم. وقد سهى نبينا - ﷺ - في صلاته، حتى سلم من الركعتين، ثم بني عليها وسجد سجدتي السهو\". \"أصول الدين\" ص (١٦٨)، وانظر: \"شرح الفقه الأكبر\" ص ٩٢، ٩٣.\n(٢) تقدم هذا القول عن ابن عباس وغيره.\n(٣) أخرجه الطبري في الأثر الطويل عن قتادة بن النعمان ٥/ ٢٦٦. وتقدم قريبًا نحوه عن السدي ومقاتل. انظر ص ٤٠١.\n(٤) هكذا هذه الكلمة في المخطوط ولعل الصواب: ذكره، فسقطت الذال من الناسخ.\n(٥) انظر: \"الكشف والبيان\" ٤/ ١١٧ ب.\n(٦) لم أقف عليه.","vol":"7","page":74},{"text":"الله في كتابه فقال: ﴿وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ﴾ يعني طعمة ومن عاونه من قومه، وهم يعلمون أنه سارق (١). والاختيان كالخيانة، يقال: خانه واختانه. وذكر ذلك عند قوله: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧] ومعنى (يختانون أنفسهم): يخونوها (٢) بالمعصية، والعاصي خائن لأنه مؤتمن على دينه.\nويجوز أن يكون المعنى: أن وبال خيانتهم راجع إليهم بالفضيحة في الدنيا والعقوبة في الآخرة، فكأنهم خانوا أنفسهم وإن خانوا غيرهم في الظاهر (بالسرقة كما يقال لمن ظلم غيره: إنه قد ظلم نفسه.\nوقد صرحت الآية بالنهي) (٣) عن المجادلة عن الظالمين في القليل والكثير، ألا ترى أن رسول الله - ﷺ - جادل عن طعمة على غير بصيرة، (.. (٤) ..) الله تعالى بهذا، وأمره بالاستغفار، ونهاه عن المعاودة إلى مثله، فما ظنك بمن يعلم ظلم الظالم، ثم يستجيز معاونته؟!\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا﴾ قال ابن عباس: \"يريد خوانًا فاجرًا\" (٥).\nقال المفسرون: إن طعمة خان في الدرع، وأثم في رميه اليهودي، فقال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا﴾ (٦).\n_________\n(١) \"معاني الزجاج\" ٢/ ١٠١.\n(٢) هكذا في المخطوط، والصواب: \"يخونونها\" بالرفع.\n(٣) ما بين القوسين متكرر في المخطوط، ولعله سهو من الناسخ.\n(٤) ما بِين القوسين كلمة غير واضحة في المخطوط، والظاهر أنها: فعاتبه.\n(٥) \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ٩٦، وانظر: \"بحر العلوم\" ١/ ٣٨٥.\n(٦) من الثعلبي في \"الكشف والبيان\" ٤/ ١١٧ ب بتصرف.","vol":"7","page":75},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-785>١٠٨ </span>- قوله تعالى: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ﴾ الاستخفاء في اللغة معناه: الاستتار، يقال: استخفيت عن فلان، أي: تواريت عنه واستترت (١)، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ﴾ [الرعد: ١٠] قال الفراء: أي مستتر (٢).\nونحو هذا قال أبو العالية في تفسير: ﴿يَسْتَخْفُونَ﴾ يستترون (٣).\nوقال ابن عباس: يستحيون من الناس ولا يستحيون من الله (٤).\nوهذا معنى وليس بتفسير، وذلك أن الاستحياء من الناس كان سبب الاستخفاء منهم، ففسر الاستخفاء بما أوجبه الله من سببه.\nقال مجاهد: ﴿يَسْتَخْفُونَ﴾ يعني: قوم طعمة (٥).\nوقوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَهُمْ﴾ قال ابن عباس: يقول علمه معهم\" (٦). قال عطاء عنه: يريد عالم بما يُخفون وما يُعلنون (٧).\nقال أهل المعاني: معنى قوله: ﴿وَهُوَ مَعَهُمْ﴾ مشاهدته إياهم كمشاهدة من يكون معهم في الظاهر (٨).\nوقوله تعالى: ﴿إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾. قال مجاهد:\n_________\n(١) انظر: \"تهذيب اللغة\" ١/ ١٠٧٠، و\"الصحاح\" ٦/ ٢٣٣٠ (خفي)، و\"الكشف والبيان\" ٤/ ١١٧ ب، و\"زاد المسير\" ٢/ ١٩٣.\n(٢) لم أجده في \"معاني القرآن\" بل في \"تهذيب اللغة\" ١/ ١٠٧٠ (خفي).\n(٣) لم أقف عليه.\n(٤) \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ٩٦.\n(٥) لم أقف عليه عن مجاهد. وانظر: \"بحر العلوم\" ١/ ٣٨٥، و\"زاد المسير\" ٢/ ١٩٣.\n(٦) انظر: \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ٩٦.\n(٧) لم أقف عليه.\n(٨) انظر: الطبري ٥/ ٢٧١.","vol":"7","page":76},{"text":"يُهيئون (١). وقال عطاء: يُضمرون (٢). وقال أبو عبيدة: يُقدرون (٣).\nوذكرنا معنى التبييت مشروحًا في قوله: ﴿بَيَّتَ طَائِفَةٌ﴾ [النساء:٨١].\nوالذي لا يرضاه الله تعالى من القول الذي بيتوه هو أنَّ طعمة قال: أرمي اليهودي بأنه سارق الدرع [وأحلف أنني لم أسرقها فتقبل يميني، لأني] (٤) على دينهم، ولا تقبل يمين اليهودي. قاله الزجاج (٥).\nوهو قول الحسن (٦).\nوقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا﴾ (٧)\n(.. (٨) ..) ابن عباس: \"أحاط بسرائر العباد وما (...) (٩).\n(محيطٌ) ههنا عليم بأعمالهم على إحاطة، لأنها ظاهرة له، لا تخفي عليه من وجه من الوجوه. وذكرنا هذا فيما تقدم (١٠).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-786>١٠٩ </span>- قوله تعالى: ﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ قال الكلبي: ثم أقبل على قوم طعمة فقال: ﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ﴾ (١١).\n_________\n(١) لم أقف عليه.\n(٢) لم أقف عليه.\n(٣) فسر أبو عبيدة قوله تعالى: ﴿بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ﴾ [النساء: ٨١]. بقوله: \"أي قدروا ذلك ليلًا \"مجاز القرآن\" ١/ ١٣٢. هذا ما وجدت عند أبي عبيدة.\n(٤) طمس ما بين المعقوفين في (ش)، والتسديد من \"معاني الزجاج\" ٢/ ١٠٢.\n(٥) \"معاني الزجاج\" ٢/ ١٠٢.\n(٦) انظر: \"تفسير الهواري\" ١/ ٤٢٢.\n(٧) طمس آخر الآية في المخطوط ولم يبق إلا آخر كلمة فاهتديت بها إلى ما قبلها.\n(٨) ما بين القوسين غير واضح في المخطوط، ويحتمل أنه: \"قال عطاء عن\" لأنه كثيرًا ما يورد عن ابن عباس من طريقه.\n(٩) طمس في المخطوط، ولم أقف على الأثر عن ابن عباس.\n(١٠) انظر: \"البسيط\" [البقرة: ١٩].\n(١١) انظر: \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ٩٦.","vol":"7","page":77},{"text":"قال الزجاج: ﴿هَؤُلَاءِ﴾ ههنا بمعنى الذين، المعنى: ها أنتم الذين جادلتم، لأن هؤلاء وهذا يكونان في الإشارة للمخاطبين إلى أنفسهم بمنزلة الذين، وقد يكون لغير المخاطبين بمنزلة الذين، نحو قول الشاعر:\nعدس: ما لعبَّاد عليك إمارةٌ ... أمنت وهذا تحملين طليق (١)\nأي الذي تحملين طليق (٢).\nوقال غيره: هؤلاء إشارة إلى نفس المخاطبين على جهة البيان والتأكيد، كما تقول: فعلت أنت، وفعل هو (٣):\nوذكرنا في هذا بيانًا شافيًا في قوله: ﴿هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ﴾ [آل عمران: ١١٩].\nومعنى الجدل في اللغة: شدّة المخاصمة، والجدْلُ: شدة الفتل، ورجل مجدول، كأنه قد فتل (٤). والأجدَلُ: الصقر؛ لأنه من أشد الطيور قوة. هذا قول أبي إسحاق (٥).\nوقال غيره: سمى المخاصمة جدالًا، لأن كل واحد من الخصمين يريد فتل صاحبه عما هو عليه وصرفه عن رأيه (٦).\n_________\n(١) البيت ليزيد بن مفرغ الحميري. وهو في \"الشعر والشعراء\" ص ٢٢٩، و\"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٣٥٧ (عدس)، و\"المحتسب\" ٢/ ٩٤، و\"اللسان\" ٥/ ٢٨٣٧ (عدس). وعدس كلمة زجر للبغل.\n(٢) \"معاني الزجاج\" ٢/ ١٠٢، بتصرف، وانظر: القرطبي ٥/ ٣٧٩.\n(٣) نحو قول الأخفش في \"معاني القرآن\" ١/ ٤٥٤.\n(٤) في \"معاني الزجاج\" ٢/ ١٠٢: \"قتل\" بالقاف.\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١٠٢، وانظر: \"الكشف والبيان\" ٤/ ١١٨ أ، و\"زاد المسير\" ٢/ ١٩٣.\n(٦) لم أقف على قائله.","vol":"7","page":78},{"text":"قال ابن عباس في قوله: ﴿جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ يريد الذين جادلوا من الأنصار، من قرابته (١). وفي حرف عبد الله (عنه)، يعني السارق وحده (٢)، وفي قراءتنا: (عنهم) (٣) يعني السارق وذويه.\nوقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ خرج الكلام ههنا مخرج الاستفهام والمراد النفي، وجاز ذلك لأن جوابه لا يصح إلا بالنفي (٤). ومضت نظائر كثيرة لهذا.\nوالمراد بهذا الاستفهام التقريع والتوبيخ لمن جادل عن الخائنين.\nقال أبو إسحاق: كأنه قيل لهم: إن يقع (٥) الجدال في الدنيا عن أمر هذا السارق فيوم القيامة لا ينفع فيه جدال ولا شهادة (٦)؛ لأنه اليوم الذي يؤخذ [فيه] (٧) بالحقائق.\nوقوله تعالى: ﴿أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا﴾ معنى الوكيل في اللغة هو الذي جُعل له القيام بالأمر، ووكل إليه الأمر (٨).\nوقوله: ﴿أَمْ مَنْ يَكُونُ﴾ عطف على استفهام معناه النفي، فهذا أيضًا\n_________\n(١) انظر: \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ٩٦.\n(٢) انظر: \"البحر المحيط\" ٣/ ٣٤٥، ونسب الثعلبي في \"الكشف والبيان\" ٤/ ١١٨ أ، هذِه القراءة إلى أبي.\n(٣) هذه هي القراءة المتواترة الموافقة لرسم المصحف.\n(٤) انظر: الطبري ٥/ ٢٧٢، و\"البحر المحيط\" ٣/ ٣٤٥.\n(٥) في \"معاني الزجاج\" ٢/ ١٠٢: \"إن يقم\" بالميم.\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١٠٢.\n(٧) ما بين المعقوفين غير واضح في المخطوط، وما أثبته قريب.\n(٨) انظر: الطبري ٥/ ٢٧٢، و\"مقاييس اللغة\" ٦/ ١٣٦، و\"أساس البلاغة\" ٢/ ٥٢٥ - ٥٢٦، و\"اللسان\" ٨/ ٤٩٠٩ - ٤٩١٠ (وكل).","vol":"7","page":79},{"text":"يكون بمعنى النفي، أي لا يكون يوم القيامة عليهم وكيل يقوم بأمرهم ويخاصم عنهم (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-787>١١٠ </span>- قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَه﴾ قال ابن عباس: \"عرض التوبة على طعمة بقوله: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا﴾ الآية (٢).\nقال الزجاج: أعلم الله أن التوبة مبذولة في كل ذنب (٣).\nوقال المفسرون: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا﴾ بالسرقة (٤) ﴿أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ﴾ بالشرك (٥).\nوالأولى أن يقال: هذا عام في كل معصية. وذكر ظلم النفس مع عمل السيئة -وكلاهما بمعنى واحد- توكيدًا وزيادةً للبيان.\nوقوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾.\nهذا ورد مطلقًا كما ترى من غير ذكر التوبة، وهو عند أهل العلم مقيد\n_________\n(١) انظر: \"البحر المحيط\" ٣/ ٣٤٥.\n(٢) روي من طريق أبي صالح عن ابن عباس. انظر: \"زاد المسير\" ٢/ ١٩٤.\nوقد ثبت عن ابن عباس ما يفيد عموم الآية لكل من تاب من ذنبه واستغفر منه، كما في الأثر عنه من طريق علي بن أبي طلحة قال: \"أخبر الله عباده بحلمه وعفوه وكرمه وسعة رحمته ومغفرته، فمن أذنب ذنبًا صغيرًا كان أو كبيرًا، ثم يستغفر الله يجد الله غفورًا رحيمًا، ولو كانت ذنوبه أعظم من السموات والأرض والجبال. \"تفسير ابن عباس\" ص ١٥٨، وأخرجه الطبري ٥/ ٢٧٣.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١٠٢.\n(٤) انظر: \"بحر العلوم\" ١/ ٣٨٦، و\"الكشف والبيان\" ٤/ ١١٨ ب، و\"زاد المسير\" ٢/ ١٩٤.\n(٥) لم أجد من فسر الظلم هنا بالشرك إلا الزمخشري في \"الكشاف\" ١/ ٢٩٧، وقد قال غير واحد إنه ما دون الشرك، انظر: \"الكشف والبيان\" ٤/ ١١٨ أ، و\"زاد المسير\" ٢/ ١٩٤.","vol":"7","page":80},{"text":"بالتوبة (١)؛ لأنه لا ينفع الاستغفار مع الإصرار (٢).\nوقوله تعالى: ﴿يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١١٠].\nمعناه: غفورًا رحيمًا له (٣)، لأن الله غفور رحيم، استغفر هذا الظالم أو لم يستغفر، فحذف له لدلالة الكلام عليه، وتلك الدلالة أنه لا معنى للترغيب في الاستغفار إلا أن يكون على هذا الوجه.\nوقال عطاء عن ابن عباس: يريد بقوله: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا﴾ الآية الذين جادلوا عن طعمة (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-788>١١١ </span>- قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ﴾.\nمعنى الكسب: هو الفعل الذي يجتر به إلى النفس نفع، ويدفع به عنها ضر، ولذلك لم يجز في وصف الباري ﷿.\nوالإثم: هو القبيح الذي يوجب تبعة، والذنب: هو القبيح من الفعل، وقد يكون من غير تبعة، ولذلك يقال للصبي أذنب، ولا يقال: أثم.\nومعناه: الرذل في الفعل، كالذنب الذي هو [إهلاك] (٥) صاحبه.\nوقوله تعالى: ﴿فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ قال المفسرون: بين الله تعالى لما رغب العاصي في الاستغفار أن ضرر المعصية يلحقه، ولا يلحق الله تعالى من معصية العاصي ضرر، وأن ترغيبه إياه في الاستغفار (....) (٦).\n_________\n(١) انظر: الطبري ٥/ ١٧٢، و\"معاني الزجاج\" ٢/ ١٠٣، و\"بحر العلوم\" ١/ ٣٨٦، و\"الكشف والبيان\" ٤/ ١١٨ أ، والبغوي ٢/ ٢٨٥، و\"الكشاف\" ١/ ٢٩٧.\n(٢) انظر: \"معاني الزجاج\" ٢/ ١٠٣\n(٣) انظر: الطبري ٥/ ١٧٣، و\"الكشف والبيان\" ٤/ ١١٨ أ.\n(٤) لم أقف عليه.\n(٥) ما بين المعقوفين غير واضح، وما أثبته قريب.\n(٦) ما بين القوسين غير واضح في المخطوط بسبب تآكل أو نحوه، ويمكن أن يقدر =","vol":"7","page":81},{"text":"قال عطاء عن ابن عباس في قوله: ﴿فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ يريد [طعمة] (١) خاصة، لأن هؤلاء القوم الذين جادلوا عنه كانوا يظنون به خيرًا\" (٢).\nومعنى هذا: أن الآثم إنما ضر بما فعل نفسه، لأنه لا يؤخذ غير الآثم بإثم الإثم (٣).\nوقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا﴾ أي: بالسارق (٤).\n﴿حَكِيمًا﴾ بالقطع على طُعمة بالسرقة. قاله المفسرون (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-789>١١٢ </span>- قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا﴾ قال الكلبي: لما نزلت هذه الآيات التي تقدمت عرف قوم طعمة الظالم، فأقبلوا عليه وقالوا: بؤ بالذنب واتق الله، فقال: لا والذي يُحلف به ما سرقها إلا اليهودي، فأنزل الله: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً﴾ يقول يمينه الكاذبة، ﴿أَوْ إِثْمًا﴾ سرقته الدرع، ورميه بها اليهودي، ﴿فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا﴾ برميه البريء ﴿وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ يعني: يمينه الكاذبة (٦).\nوعلى هذا التفسير عادت الكناية في (به) إلى الإثم الذي هو رمي البريء لا إلى الخطيئة؛ لأنه رمى البريء بالسرقة لا بإثم اليمين الفاجرة.\n_________\n= بـ (استدعاء لما فيه مصلحته أو خبره) أو نحو ذلك، والله أعلم.\n(١) هذِه الكلمة ما بين المعقوفين غير واضحة في المخطوط، وما أثبته قريب.\n(٢) لم أقف عليه.\n(٣) انظر: \"الكشف والبيان\" ٤/ ١١٨ ب.\n(٤) انظر: \"الكشف والبيان\" ٤/ ١١٨ ب.\n(٥) يقصد شيخه الثعلبي في \"الكشف والبيان\" ٤/ ١١٨ ب.\n(٦) انظر: \"زاد المسير\" ٢/ ١٩٥، و\"البحر المحيط\" ٣/ ٣٤٦، و\"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ٩٦.","vol":"7","page":82},{"text":"وأما البهتان: فهو من البَهْت، وهو استقبالك أخاك بأمر تصفه به، وهو منه بريء. والاسم: البهتان (١)، قال:\nأإن رأيتَ هامتي كالطَّستِ ... ظَلِلْتَ ترمين بقولٍ بُهتِ (٢)\nوذكرنا ما في هذا الحرف عند قوله: ﴿أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا﴾ [النساء: ٢٠].\nقال أبو علي الفارسي: \"الخطيئة: تقع على الصغيرة والكبيرة، فالصغيرة: قوله: ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي﴾ [الشعراء: ٨٢]، والكبيرة: قوله: ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ [البقرة: ٨١] \" (٣).\nفإن قلت: فكيف تقدير قوله: (خطيئةً أو إثمًا)، والخطيئة قد وقعت على الصغيرة والكبيرة، والإثم كذلك، فكأنه بمنزلة: ومن يكسب صغيرًا أو صغيرًا، أو: من يكسب كبيرًا، أو كبيرًا؟\nقيل: الإثم قد وقع في التنزيل على ما يقتطعه الإنسان من مال لا يجوز له أن يقتطع من ماله (٤)، كقوله: ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا﴾ [المائدة: ١٠٧] أي اقتطعوا بشهادتهما إثما، وإنما وقع اسم الإثم على ما يقتطعه الإنسان من غيره لوجهين: إما أن يكون أريد وذا إثم، أي ما اقتطعه مما أثم فيه من مال صاحبه أثم فيه، أو يكون سمي المقتطع إثمًا لما كان يؤدي آخذه إلى الإثم، كما سمي مظلمة لأنه يؤدي إلى الظلم.\n_________\n(١) \"العين\" ٤/ ٣٥، و\"تهذيب اللغة\" ١/ ٤٠٠ (بهت).\n(٢) مر هذا الرجز في بداية السورة.\n(٣) \"الحجة\" ٢/ ١١٦.\n(٤) قد يكون في الكلام سقط، وتمامه: \"ما يقتطعه الإنسان من مال أحد لا يجوز له أن يقتطع من ماله\".","vol":"7","page":83},{"text":"فوقع الإثم في هذه الآية على المسروق، كما وقع عليه في قوله: ﴿اسْتَحَقَّا إِثْمًا﴾ [المائدة: ١٠٧]، فإذا كان كذلك جاز أن يكون التقدير: ومن يكسب ذنبًا فيما بينه وبين الله سبحانه، أو ذنبًا هو من مظالم العباد. فهما جنسان، فجاز دخول (أو) في الكلام.\nوقوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَرْمِ بِهِ﴾: فلان، المعنى: ثم يرم بأحد هذين، أو يكون عاد الذكر إلى الإثم وحده، كما عاد إلى التجارة في قوله: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا﴾ [الجمعة: ١١].\nوهذا الذي ذكره أبو علي موافق لما ذكرنا من تفسير الآية.\nوقال ابن الأنباري: يجوز أن يعود الذكر إلى الكسب، أي: يرم بكسبه بريئًا. فدل يكسب على الكسب فكنىَّ عنه.\nقال: ويجوز أن تكون الهاء راجعة إلى معنى الخطيئة والإثم، فكأنه قال: ومن يكسب ذنبًا ثم يرم به بريئًا (١).\nوذكرنا معنى الخطيئة في قوله: ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ [البقرة: ٨١].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-790>١١٣ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء: بالنبوة والعصمة (٢).\nوقال الكلبي: بالنبوة، وبنصرك بالوحي، لهمَّت (٣).\nوقال الفراء والزجاج: المعنى: لقد همَّت فأضمرت (٤).\n_________\n(١) لم أقف على قول ابن الأنباري.\n(٢) انظر: \"زاد المسير\" ٢/ ١٩٦.\n(٣) \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ٩٦.\n(٤) هذا نص قول الفراء في \"معاني القرآن\" ١/ ٢٨٧، أما الزجاج فهذا معنى كلامه في \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١٠٤، وانظر: \"الكشف والبيان\" ٤/ ١١٨ ب.","vol":"7","page":84},{"text":"وقوله تعالى: ﴿طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ﴾ يعني قوم طعمة، هذا السارق، لأن بعضهم قد كان وقف على أنه سارق، ثم سألوا النبي - ﷺ - أن يجادل عنه، ويرمي بسرقته اليهودي (١).\nومعنى: ﴿يُضِلُّوكَ﴾ يخطئوك في الحكم. قاله الزجاج (٢) وغيره (٣).\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾. بتعاونهم على الإثم والعدوان، وشهادتهم بالزور والبهتان.\nوقال الزجاج: لأنهم يعملون عمل الضالين (٤).\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ﴾. لأن الضر على من شهد بغير حق (٥).\nوقال الزجاج: ﴿وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ﴾ مع عصمة الله إياك، ونصرة (٦) دين الحق (٧).\nوقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ يجوز أن يكون قوله: ﴿وَأَنْزَلَ﴾ ابتداءً في ذكر المنة، ويجوز أن تكون الواو للحال، مع إضمار قد، كما ذكرنا في قوله: ﴿أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ [النساء: ٩٠].\n_________\n(١) انظر: الطبري ٥/ ٢٧٥، \"معاني الزجاج\" ٢/ ١٠٣، \" الكشف والبيان\" ٤/ ١١٨ ب.\n(٢) في \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١٠٤.\n(٣) كالفراء في \"معاني القرآن\" ١/ ٢٨٧، والنحاس في \"معاني القرآن\" ٢/ ١٨٨، والثعلبي في \"الكشف والبيان\" ٤/ ١١٩ أ.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١٥٤، وانظر: \"زاد المسير\" ٢/ ١٩٧.\n(٥) \"الكشف والبيان\" ٤/ ١١٩ أ.\n(٦) في المخطوط (ويضره)، وهو تصحيف ظاهر، انظر: \"معاني الزجاج\" ٢/ ١٠٤.\n(٧) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١٠٤.","vol":"7","page":85},{"text":"والمراد بالكتاب: القرآن، وبالحكمة القضاء بالوحي (١).\nوقال أبو إسحاق: أي بيّن لك في كتابه ما فيه من الحكمة [التي لا يقع لك معها ضلال] (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-791>١١٤ </span>- قوله تعالى: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ﴾ الآية.\nالنجوى في اللغة سر بين اثنين (٣).\nقال الفراء: يقال: ناجيت الرجل مناجاةً ونجاءً، والقوم ينتجون ويتناجون، ويقال: نجوت الرجل نجوًا نجوًا، بمعنى ناجيته، وأنشد:\nفقال فريق القوم لا إذ نجوتُهم ... وقال فريق أيمن الله ما ندري (٤)\nومن هذا قول الله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ﴾ [المجادلة: ٧] أي سرهم.\nوقد يكون النجوى مصدرًا بمنزلة المناجاة (٥)، والنجوى أيضًا القوم المنتجون اسم لهم، قال الله تعالى ﴿وَإِذْ هُمْ نَجْوَى﴾ [الإسراء: ٤٧] (٦).\n_________\n(١) \"الكشف والبيان\" ٤/ ١١٩ أ.\n(٢) ما بين القوسين طمس في (ش)، والتسديد من \"معاني الزجاج\" ٢/ ١٠٤.\n(٣) قال الجوهري: \"النجو: السر بين اثنين، يقال: نجوته نجوًا، إذا ساررته، وكذلك: ناجيته\" \"الصحاح\" ٦/ ٢٥٠٣ (نجا)، وانظر: \"معاني الزجاج\" ٢/ ١٠٤.\n(٤) هذا المستفاد من الفراء لم أجده في \"معاني القرآن\" عند تفسيره هذه الآية فقد يكون في كتابه المفقود: \"المصادر\".\nوالبيت لنصيب بن رباح وهو من شواهد سيبويه في الكتاب ٣/ ٥٠٣، ٤/ ١٤٨، و\"سر صناعة الإعراب\" ١/ ١٠٦، ١١٥، و\"الإنصاف\" ص ٣٤٤.\nوفي أكثرها \"لما نشدتهم\" بدل: \"إذ نجوتهم\" وفي جميعها: \"ليمن\" بدل: \"أيمن\".\n(٥) انظر: \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٥٠٩ (نجو).\n(٦) انظر: الطبري ٥/ ٢٧٦، و\"الصحاح\" ٦/ ٢٥٠٣ (نجا).","vol":"7","page":86},{"text":"وقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ﴾ ذكر النحويون في محل ﴿مَنْ﴾ وجوها، تلك الوجوه مبنية على معنى النجوى في هذه الآية، فإن جعلنا معنى النجوى ههنا السر فيجوز أن تكون ﴿مَنْ﴾ في موضع النصب، لأنه استثناء الشيء من خلافه، فيكون نصبًا كقوله: إلا أواري (١).\nويجوز أن يكون رفعًا في لغة من يرفع المستثنى من غير الجنس (٢) كقوله:\nإلا اليعافيرُ وإلا العيسُ (٣)\nوأبو عبيدة جعل هذا من باب حذف المضاف، فقال: التقدير: إلا في نجوى من أمر بصدقة، ثم حذف المضاف (٤).\nوعلى هذا التقدير يكون من في محل النجوى، لأنه أقيم مقامه، ويجوز فيه وجهان: أحدهما: أن الخفض بدلًا من نجواهم، كما تقول:\n_________\n(١) من بيت للنابغة الذبياني يقول فيه:\n\"وقفت فيها أصيلًا لا أسائلها ... عيت جوابًا وما بالربع من أحد\nإلا الأواريَّ لأيًا ما أبينها ... والنؤي كالحوض بالمظلومة الجلد\"\n\"الكتاب\" ٢/ ٣٢١، و\"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٢٨٨، والطبري ٥/ ٢٧٦ - ٢٧٧، و\"أشعار الستة الجاهلين\" ١/ ١٨٨.\nوالأواري جمع: آري، وهو محبس الدابة ومعلفها.\n(٢) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٢٨٨، والطبري ٥/ ٢٧٧، و\"معاني الزجاج\" ٢/ ١٠٦.\n(٣) عجز بيت لجران العود النميري، وصدره: \"وبلدة ليس بها أنيس\".\n\"الكتاب\" ٢/ ٣٢٢، و\"معاني الفراء\" ١/ ٢٨٨، والطبري ٥/ ٢٧٧.\nواليعافير: جمع يعفور وهو ولد الظبية، والعيس: بقر الوحش.\n(٤) لعل المقصود أن هذا رأي الزجاج، حيث وجدت نحوه في \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١٠٦، ولم أجد \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة شيئًا من ذلك.","vol":"7","page":87},{"text":"ما مررت بأحد إلا زيد، والثاني: النصب على الاستثناء، كما تقول: ما جاءني أحدًا (١) إلا زيدًا، فهذا استثناء الجنس من الجنس (٢).\nوإن جعلت النجوى اسمًا للقوم المنتجين كان منصوبًا على الاستثناء، لأنه استثناء الجنس من الجنس.\nويجوز أن يكون في محل الخفض من وجهين: أحدهما: أن تجعله تبعًا لكثير، على معنى: لا خير في كثير من نجواهم إلا فيمن أمر بصدقة، كقولك: لا خير في القوم إلا نفر منهم. والثاني: أن تجعله تبعًا للنجوى، كما تقول: لا خير في جماعة من القوم إلا زيدًا، إن شئت أتبعت زيدًا لجماعة، وإن شئت أتبعته القوم.\nوهذا الذي ذكرنا معنى قول الفراء (٣) والزجاج (٤) وغيرهما من النحويين (٥).\nفأما التفسير: فقال ابن عباس فيما روى عنه أبو صالح: المراد بالنجوى: نجوى قوم طعمة (٦).\nقال مقاتل: تناجوا في شأن طعمة، فأنزل الله هذه الآية (٧).\nومعنى الآية: أن الله تعالى لم يجعل فيما يتسارون بينهم خيرًا إلا فيما استثنى من الأمر بالصدقة والحث عليها (٨).\n_________\n(١) هكذا في المخطوط بالنصب، والظاهر أنه بالرفع على الفاعلية.\n(٢) انظر: \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ٤٥٢.\n(٣) في \"معاني القرآن\" ١/ ٢٨٨.\n(٤) في \"معاني القرآن\" ٢/ ١٠٦.\n(٥) انظر: الطبري ٩/ ٢٠٢، ٢٠٣، و\"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ٤٥٢، و\"مشكل إعراب القرآن\" ١/ ٢٠٨، و\"الدر المصون\" ٤/ ٨٩.\n(٦) \"الكشف والبيان\" ٤/ ١١٩ ب، و\"زاد المسير\" ٢/ ١٩٨، و\"تنوير المقباس\" ص ٩٧.\n(٧) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١/ ٤٠٦، و\"زاد المسير\" ٢/ ١٩٨.\n(٨) \"الكشف والبيان\" ٤/ ١١٩ ب، وانظر: \"زاد المسير\" ٢/ ١٩٩.","vol":"7","page":88},{"text":"﴿أَوْ مَعْرُوفٍ﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء: يريد صلة رحم وبطاعة الله (١). وقال فيما روى الكلبي عن أبي صالح عنه: يقول: أقرض إنسانًا (٢).\nونحو ذلك قال مقاتل، يعني بالمعروف القرض (٣).\nويقال لأعمال البر كلها معروف؛ لأن العقول تعرفها، وأهل الصلاح والدين يعرفونها لملاِبستهم لها، وعملهم بها (٤).\nوقوله تعالى: ﴿أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ هذا مما حث عليه رسول الله - ﷺ - فقال لأبي أيوب الأنصاري (٥): \"ألا أدلك على صدقة هي خير لك من حمر النعم؟ \" قال: نعم يا رسول الله. قال: \"تصلح بين الناس إذا تفاسدوا، وتقرب بينهم إذا تباعدوا\" ذكره ابن عباس في تفسير هذه الآية (٦).\nقال مجاهد: \"هذه الآية عامة للناس\" (٧). يريد أنه لا خير فيما يتناجى فيه الناس ويخوضون فيه من الحديث إلا ما كان من أعمال الخير.\n_________\n(١) لم أقف عليه.\n(٢) \"الكشف والبيان\" ٤/ ١١٩ ب، و\"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ٩٧.\n(٣) انظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٢٠٠، و\"الدر المنثور\" ٢/ ٣٨٨، وقد عزاه السيوطي إلى كل من ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(٤) انظر: البغوي ٢/ ٢٨٦، و\"زاد المسير\" ٢/ ٢٠٠.\n(٥) هو الصحابي الجليل خالد بن زيد بن كليب الأنصاري، وقد اشتهر بكنيته، من كبار الصحابة، شهد بدرًا، ونزل النبي - ﷺ - عليه حين قدم المدينة مهاجرًا، وقد مات ﵁ غازيًا الروم سنة ٥٠ هـ وقيل بعدها.\nانظر: \"أسد الغابة\" ٢/ ٩٤ - ٩٦، و\"سير أعلام النبلاء\" ٢/ ٤٠٢، و\"الإصابة\" ١/ ٤٠٥ (٢١٦٣)، و\"التقريب\" ص ١٨٨ رقم (١٦٣٣).\n(٦) ذكره الهيثمى في \"مجمع الزوائد\" ٨/ ٧٩، ٨٠ بنحوه، وعزاه لكل من الطبراني والبزار، وذكر أن في كل من سنديهما متروكًا، وانظر: ابن كثير ١/ ٦١٠، و\"الدر المنثور\" ٢/ ٣٩٢.\n(٧) انظر: البغوي ٢/ ٢٨٦، و\"زاد المسير\" ٢/ ١٩٨.","vol":"7","page":89},{"text":"يدل على هذا ما روت أم حبيبة (١) أن النبي - ﷺ - قال: \"كلام ابن آدم كله عليه لا له، إلا ما كان من أمر بمعروف، أو نهي عن منكر، أو ذكر الله\" (٢).\nوروي أن رجلًا قال لسفيان: ما أشد هذا الحديث؟ فقال سفيان: ألم تسمع الله يقول: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ﴾ فهو هذا بعينه؟ أو ما سمعت الله يقول: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر:١ - ٢] فهو هذا بعينه (٣).\nثم أعلم الله أن ذلك إنما ينفع من ابتغى به ما عند الله فقال: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ﴾؛ لئلا يُتوهم أن من يفعله للناس (...... (٤» عليهم داخل في هذا الوعد.\nقال الزجاج: ونصب ﴿ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾. قال: وهو راجع إلى تأويل المصدر [كأنه قال: ومن يبتغ ابتغاء مرضات الله] (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-792>١١٥ </span>- قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ﴾ الآية. ذكرنا معنى الشقاق والمشاقة في سورة البقرة.\n_________\n(١) هي أم المؤمنين رملة بنت أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس القرشية، تزوجها رسول الله - ﷺ - بعدما تنصر زوجها عبد الله بن جحش وهما في الحبشة، ولدت قبل البعثة بسبعة عشر عامًا، وماتت سنة ٤٤ هـ.\nانظر: \"الاستيعاب\" ٤/ ٤٠١، و\"أسد الغابة\" ٧/ ١١٥، و\"الإصابة\" ٤/ ٣٠٥.\n(٢) أخرجه ابن ماجه (٣٩٧٤) كتاب: الفتن، باب: كف اللسان في الفتنة، وابن مردويه. انظر: ابن كثير ٢/ ٣٩٢.\n(٣) انظر: \"الوسيط\" ٢/ ٧٠٧، و\"التفسير الكبير\" ١١/ ٤٢.\n(٤) طمس في المخطوط بقدر ما بين أو أربع كلمات. ويمكن أن يقدر: (مراءاةً لهم وتمويهًا) عليهم ...\n(٥) طمس في (ش) بمقدار ما بين المعقوفين، والتسديد من \"معاني الزجاج\" ٢/ ١٠٦.","vol":"7","page":90},{"text":"قال ابن عباس: \"ثم حكم رسول الله - ﷺ - على طعمة بالقطع، فخاف على نفسه الفضيحة، فهرب إلى مكة ولحق بالمشركين، ونزل قوله: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ﴾ أي: يخالفه\" (١).\nوقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى﴾ قال ابن عباس: \"يريد الإيمان بالله ورسوله\" (٢).\nوقال الزجاج: لأن طعمة هذا كان قد تبين له بما أوحى الله ﷿ في أمره، وأظهر من سرقته، من الآية ما فيه بلاغ، فعادى النبي - ﷺ -، وصار إلى مكة (٣).\nوقال غيره: قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى﴾ تفحيش لحال طعمة، وبيان أنه معاند للرسول ومخالف بعد ثبوت الحجة وقيام الدليل (٤).\nوقوله تعالى: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قال ابن عباس: \"يريد غير دين الموحدين\". وذلك أن طعمة ترك دين الإسلام، وخالف المسلمين، واتبع دين أهل مكة، عبادة الأوثان (٥).\nقال العلماء: هذه الآية من أقوى الحجج على صحة الإجماع (٦)،\n_________\n(١) انظر: \"الكشف والبيان\" ٤/ ١٢٠ أ، و\"الوسيط\" ٢/ ٧٠٧، والبغوي ٢/ ٢٨٧، و\"زاد المسير\" ٢/ ٢٠٠.\n(٢) انظر. \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ٩٧.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١٠٦، وانظر: الطبري ٥/ ٢٧٧، و\"الكشف والبيان\" ٤/ ١٢٠ أ، والبغوي ٢/ ٢٨٧.\n(٤) لم أقف بعد البحث على قائله.\n(٥) انظر: \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ٩٧.\n(٦) انظر: \"بحر العلوم\" ١/ ٣٨٧، و\"الكشف والبيان\" ٤/ ١٢١ أ، و\"الأحكام\" للآمدي ١/ ٢٠٠، والقرطبي ٥/ ٣٨٦، وابن كثير ١/ ٦١١.","vol":"7","page":91},{"text":"واحتج به (١) الشافعي ﵀، وكان قد سئل عن دليل من كتاب الله على صحة الإجماع، فتلا هذه الآية (٢).\nووجه الاحتجاج هو أن الله تعالى أوعد على اتباع غير سبيل المؤمنين (كما أوعد على مشاقة الرسول ﵇، فسوى بين مخالفة سبيل المؤمنين) (٣) وبين مشاقة الرسول بعد تبين الهدى (٤). والآية وإن نزلت في خائن الدرع فهي عامة لكل من لزمه هذا الوصف.\nوقوله تعالى: ﴿نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى﴾ قال الزجاج: ندعه وما اختار لنفسه (٥).\nوقال غيره: نكله إلى ما انتصر به واتكل عليه (٦).\nوقال بعض المفسرين: هذا منسوخ بآية السيف، لأنه لا يقرُّ الآن عابد لوثن على ما هو عليه، ولا يولى ما تولَّى (٧).\nوقوله تعالى: ﴿وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ﴾ تأويله: نلزمه جهنم (٨)، وأصله\n_________\n(١) هكذا في المخطوط، فلعل الصواب: \"بها\".\n(٢) ورد في \"الرسالة\" ص ٤٧١ - ٤٧٦، سؤال للشافعي عن حجية الإجماع، وأجاب الشافعي ﵀ عن ذلك محتجًا بالسنة والنظر، لكن لم يرد ذكر لهذِه الآية. وقد ذكر احتجاج الشافعي بهذِه الآية على الإجماع: الآمدي في الأحكام ١/ ٢٠٠، وأبو حيان في \"البحر المحيط\" ٣/ ٣٥٠، وابن كثير في \"تفسيره\" ١/ ٦١١.\n(٣) ما بين القوسين تكرر في المخطوط، ولعله سهو من الناسخ.\n(٤) انظر: \"بحر العلوم\" ١/ ٣٨٧، ٣٨٨، و\"الأحكام\" للآمدي ١/ ٢٠٠، وابن كثير ١/ ٦١١.\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١٠٧.\n(٦) انظر: الطبري ٥/ ٢٧٧، و\"بحر العلوم\" ١/ ٣٨٨، و\"الكشف والبيان\" ٤/ ١٢٠ أ.\n(٧) لم أجد هذا القول في كتب التفسير ولا \"الناسخ والمنسوخ\".\n(٨) قال الطبري ٥/ ٢٧٧: (\"ونصله جهنم\" يقول: ونجعله صلاء نار جهنم، يعني: نحرقه بها).","vol":"7","page":92},{"text":"الصِّلا، وهو لزوم النار للاستدفاء (١). ذكرنا هذا فيما تقدم (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ انتصب (مصيرًا) على التمييز (٣)، كقولك: هند طابت نفسًا، وكذلك ساءت جهنم موضعًا يصار إليه (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-793>١١٦ </span>- قال المفسرون: ثم إن طعمة نقب منزل الحجاج بن عُلاط (٥) بمكة ليسرق مالًا له مدفونًا، قد عرف موضعه، فأخذ ليُقتل، ثم قيل: دعوه فإنه قد لجأ إليكم، فتركوه، وأخرجوه من مكة، فنزل في حرة بني سليم، وكان يعبد صنمًا لهم إلى أن مات، وأنزل الله ﷿: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ١١٦] (٦).\nقال ابن عباس: \"يريد طعمة بن أبيرق، حيث أشرك بالله\" (٧).\nوهذه الآية نص صريح في أن الله تعالى لا يغفر الشرك ما أقام المشرك عليه.\n_________\n(١) وقال الفراء: الصِّلاء اسم للوقود، وهو الصلا.\n(٢) عند تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: ١٠].\n(٣) انظر: \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ٤٥٣، و\"مشكل إعراب القرآن\" ١/ ٢٠٨.\n(٤) انظر: الطبري ٥/ ٢٧٨.\n(٥) هو أبو كلاب الحجاج بن علاط بن خالد بن ثويرة السلمي، قدم على النبي - ﷺ - وهو بخيبر، فأسلم وسكن المدينة واختط بها دارًا ومسجدًا، وقد توفي ﵁ في خلافة عمر، وقيل بعدها.\nانظر: \"الاستيعاب بحاشية الإصابة\" ١/ ٣٨٥، و\"أسد الغابة\" ١/ ٤٥٦، و\"الإصابة\" ١/ ٣١٣.\n(٦) من \"الكشف والبيان\" ٤/ ١٢٠ أ، وانظر: \"بحر العلوم\" ١/ ٣٨٨، والبغوي ٢/ ٢٨٧، و\"زاد المسير\" ٢/ ٢٠٠ ونسب هذا القول لمقاتل.\n(٧) انظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٢٠٢، و\"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ٩٧.","vol":"7","page":93},{"text":"فإن قيل: أليس يغفرها بالتوبة؟ فلم أطلق القول بأنه لا يغفر أن يُشرك به؟ قيل: إنه بمعنى أنَّ الله لا يغفر للمشرك به، وإذا تاب المشرك زال عنه هذا الوصف، وُيسمى مشركًا ما أقام على الشرك، ويقول (١) هذا الإطلاق مقيد بالآيات الدالة على قبول التوبة، كقوله: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا﴾ [الأنفال: ٣٨]، وقوله تعالى: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ﴾ [غافر: ٣]، وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا﴾ إلى قوله: ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [البقرة: ٦٢].\nقال أهل العلم: وكل كافر فهو مشرك، وإن لم يعبد مع الله غيره، وكل من حكمنا بكفره جاز أن نسميه مشركًا، لأنه قد بلغ بعظم جرمه مبلغ جرم المشرك في عبادة الله ﷿، كما أن من تكبر على النبي - ﷺ - ولم يخضع لنبوته كافر، وإن لم يجحد نبوته.\nقال الزجاج: إنَّ كل كافر مشرك بالله، لأن الكافر إذا كفر بنبي فقد زعم أن الآيات التي أتى بها ليست من عند الله، فيجعل ما لا يكون إلا لله ﷿ لغير الله، فيصير مشركًا (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾.\nقال ابن عباس: \"يغفر ما دون الشرك لأهل التوحيد\" (٣).\nقال العلماء من أهل التفسير: لما أخبر الله تعالى أنه يغفر الشرك بالتوبة، علمنا يقينًا أنه يغفر أيضًا ما دون الشرك بالتوبة، فهذه المشيئة في\n_________\n(١) هكذا هذِه الكلمة في المخطوط، ولعل الصواب: \"ويكون\" وتكون كلمة \"مقيد\" بعد ذلك منصوبة خبر يكون.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١٠٧.\n(٣) انظر: \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ٩٧","vol":"7","page":94},{"text":"ذنوب لم يتب منها صاحبها (١). وإنما أبهم الله فيما دون الشرك، وقيد بالمشيئة، لئلا يأمن صاحب الكبيرة.\nثم أنزل الله في أهل مكة:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-794>١١٧ </span>- قوله تعالى: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا﴾ (٢).\n(إن) ههنا معناه النفي (٣)، وهو كثير في القرآن بمعنى النفي، كقوله: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ﴾ [النساء: ١٥٩] وأشباه هذا كثير.\nويدعون ههنا معناه: يعبدون.\n(.........) (٤) ابن عباس في تفسيره: \"يريد: إن يعبدون\" (٥).\nقال الزجاج: وكذلك قوله: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠] أي اعبدوني، يدل على ذلك قوله في عقبه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ [غافر: ٦٠] (٦).\nوقوله تعالى: ﴿إِلَّا إِنَاثًا﴾ قال ابن عباس: يعني: عبادتهم الأوثان، اللات والعزى ومناة وأشباهها من الآلهة التي كانوا يعبدونها (٧).\n_________\n(١) انظر: \"معاني الزجاج\" ٢/ ٦٠.\n(٢) انظر: الطبري ٥/ ٢٧٨، و\"بحر العلوم\" ١/ ٣٨٩، و\"زاد المسير\" ٢/ ٢٠٣.\n(٣) انظر: \"معاني القرآن\" للنحاس ٢/ ١٩١، و\"بحر العلوم\" ١/ ٣٨٩.\n(٤) ما بين القوسين غير واضح بقدر كلمتين، ويحتمل: \"وقد قال\" أو \"وروي عن\".\n(٥) انظر: \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ٩٧.\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١٠٨، وانظر: البغوي ٢/ ١٨٨.\n(٧) انظر: \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ٩٧.\nوالثابت عن ابن عباس ﵄ كما في \"تفسيره\" ص ١٥٨ قال: \"وقوله (إناثًا) يقول: ميتًا، وأخرجه الطبري ٥/ ٢٧٩ من طريق ابن أبي طلحة أيضًا وكذا ابن المنذر وابن أبي حاتم. انظر: \"الدر المنثور\" ٢/ ٣٩٤.","vol":"7","page":95},{"text":"وهذا قول السدي (١) ومجاهد (٢) والكلبي (٣) والفراء (٤) وعبد الله بن مسلم (٥)، وكثير من أهل التأويل (٦).\nقال الحسن: لم يكن حي من أحياء العرب إلا ولهم صنم يعبدونه، يسمونه: أنثى بني فلان، فأنزل الله تعالى: ﴿إِلَّا إِنَاثًا﴾ (٧).\nيدل على هذا التأويل قراءة ابن عباس: (إلا أُثُنًا) جمع وثن (٨)، مثل: أسدَ وأسدْ، ثم أبدل من الواو المضمومة همزة، نحو: ﴿وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾ [المرسلات: ١١] (٩).\nقال الزجاج: وجائز أن يكون: أُثُن، وأصلها: أُثْن، فأتبعت الضمة (١٠).\nوقيل في معنى قوله: ﴿إِلَّا إِنَاثًا﴾: إلا أمواتًا. وهو قول مقاتل (١١)\n_________\n(١) أخرجه الطبري ٥/ ٢٧٩، وانظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٢٠٣.\n(٢) سر مجاهد الإناث بالأوثان كما في \"تفسيره\" ١/ ١٧٤، وأخرجه الطبري ٥/ ٢٨٠، وانظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٢٠٣.\n(٣) انظر: \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ٩٧.\n(٤) في \"معاني القرآن\" ١/ ٢٨٨.\n(٥) ابن قتيبة في \"غريب القرآن\" ص١٣٠.\n(٦) انظر: \"الكشف والبيان\" ٤/ ١٢١ ب.\n(٧) أخرجه الطبري ٥/ ٢٧٩، وانظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٢٠٣، و\"الدر المنثور\" ٢/ ٣٩٤.\n(٨) \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٢٨٨، والطبري ٥/ ٢٨٠.\n(٩) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٢٨٨، والطبري ٥/ ٢٨٠، و\"معاني الزجاج\" ٢/ ١٠٨، و\"زاد المسير\" ٢/ ٢٠٢، ٢٠٣.\n(١٠) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١٠٨ وفيه: \"فأتبعت الضمة الضمة\"، وانظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٢٠٣.\n(١١) \"تفسيره\" ١/ ٤٠٧.","vol":"7","page":96},{"text":"وقتادة (١) والضحاك (٢).\nواختلفوا لم سمي الموات إناثًا؟ فقال أبو عبيدة: الموات لا روح فيه كالخشبة والحجر والمدر ونحوها (٣).\n\"وكانت آلهتهم مواتًا، والموات كلها يُخبر عنها كما يخبر عن المؤنث، تقول: من ذلك الأحجار تعجبني، كما تقول: المرأة تعجبني ولا تقول: تعجبونني، فلهذا أطلق اسم الإناث على آلهتهم إذ كانت مواتًا\" (٤).\nوقال غيره (٥): لأنها لا تضر ولا تنفع، فهي في القناع المنزلة تسمى إناثًا، لأن الإناث من كل شيء أرذله (٦).\nوقال عطاء عن ابن عباس في قوله: ﴿إِلَّا إِنَاثًا﴾: \"زعموا أن الملائكة بنات الله، وهم شفعاؤنا عنده\" (٧).\nوقال ابن زيد: \" ﴿إِلَّا إِنَاثًا﴾ بزعمهم، وذلك أنهم زعموا أن الملائكهَ بنات الله، وأن الأصنام بنات الله، فزعموا أنها إناث\" (٨).\n_________\n(١) أخرجه الطبري ٥/ ٢٧٩، وانظر: \"الكشف والبيان\" ٤/ ١٢١ ب، و\"زاد المسير\" ٢/ ٢٠٣، و\"الدر المنثور\" ٢/ ٣٩٤.\n(٢) ما وقفت عليه عن الضحاك هو أن المراد \"الملائكة\". أخرجه الطبري ٥/ ٢٧٩، وانظر: \"الدر المنثور\" ٢/ ٣٩٤.\n(٣) \"مجاز القرآن\" ١/ ١٤٠ بنحوه، وانظر: \"الكشف والبيان\" ٤/ ١٢١ ب.\n(٤) من \"معاني القرآن وإعرابه\" للزجاج ٢/ ١١٠ بتصرف يسير، وانظر. \"الكشف والبيان\" ٤/ ١٢١ ب، و\"زاد المسير\" ٢/ ٢٠٣.\n(٥) الضمير يعود إلى أبي عبيدة أو الزجاج، وهو وإن لم يذكر الزجاج إلا أن النص الأخير منه. ولعل هذا القائل هو الطبري. انظر: \"تفسير الطبري\" ٥/ ٢٨٠.\n(٦) انظر: الطبري ٥/ ٢٨٠.\n(٧) لم أقف عليه.\n(٨) ما وقفت عليه عن ابن زيد كالقول الأول أن المراد الأصنام خاصة، فقد أخرج الطبري عنه قال: قوله: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا﴾ [النساء: ١١٧] قال:=","vol":"7","page":97},{"text":"نظيره: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا﴾ [الزخرف: ١٩] وقوله: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ﴾ [النحل: ٥٧].\nوقوله: ﴿وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا﴾ قال المفسرون: كان في كل واحدة من آلهتهم شيطان يترايا (١) للسدنة والكهنة يكلمهم (٢).\nوالمعنى: ما يعبدون بعبادتهم لها إلا شيطانا مريدًا، لطاعتهم له في عبادتها، فتلك العبادة ليست للأوثان، بل هي للشيطان.\nوقال الزجاج: يعني بالشيطان ههنا إبليس، لأنهم إذا أطاعوه بما سول لهم فقد عبدوه (٣).\nوهذا هو القول، لأن ما بعد هذه الآية يدل على أن المراد بالشيطان في هذه الآية إبليس، ويحتمل أن ما قاله المفسرون من ترائي الشيطان للسدنة أرادوا به إبليس.\nوقوله تعالى: ﴿مَّرِيدًا﴾. قال ابن عباس: \"يريد يتمرد على الله بالعصيان مرة بعد مرة\" (٤).\nقال ابن الأعرابي: التمرد (٥) التطاول بالكبر والمعاصي (٦).\n_________\n= آلهتهم، اللات والعزى ويساف ونائلة، إناث يدعونهم من دون الله\". \"تفسير الطبري\" ٥/ ٢٧٩.\n(١) هكذا في المخطوط يترايا، ولعل الصواب: \"يتراءى\".\n(٢) انظر: \"بحر العلوم\" ١/ ٣٨٩، و\"الكشف والبيان\" ٤/ ١٢١ ب، و\"زاد المسير\" ٢/ ٢٠٣، و\"الدر المنثور\" ٢/ ٣٩٤.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١٠٨.\n(٤) لم أقف عليه، وانظر: \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ٩٧. وقد قال بنحو هذا القول قتادة. انظر: الطبري ٥/ ٢٨٠، و\"الدر المنثور\" ٢/ ٣٩٤.\n(٥) في \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٣٧٣ (مرد): المرد.\n(٦) في \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٣٧٣ (مرد).","vol":"7","page":98},{"text":"وقال الليث: المرادة مصدر المارد، والمريد من شياطين الإنس والجن، وقد تمرد علينا أي عتا ومرد على الشر (١)، وتمرد أي عتا وطغى (٢).\nوالمريد الخبيث، المتمرد الشرِّير، وشيطان مارد ومريد، واحد (٣).\nوقال أبو إسحاق: معنى مريد خارج عن الطاعة متملص منها، يقال: حائط ممرَّد، أي مملس، ويقال شجرة مرداء، إذا تناثر ورقها، ولذلك سُمى من لم تنبت له لحية أمرد، أي أملس موضع اللحية، ومرد الرجل يمرد مرودًا ومرادة، إذا عتا وخرج عن الطاعة (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-795>١١٨ </span>- قوله تعالى: ﴿لَعَنَهُ اللَّهُ﴾ قال ابن عباس: يريد [دحره] (٥) الله وأخرجه من الجنة (٦).\nقوله تعالى: ﴿وَقَالَ﴾ يعني: إبليس: ﴿لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ قد ذكرنا معنى الفرض عند قوله: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾ [البقرة: ١٩٧].\nوقال ابن السري (٧) في هذه الآية: أصل الفرض في اللغة القطع،\n_________\n(١) في \"العين\" ٨/ ٣٧: الشيء.\n(٢) \"العين\" ٨/ ٣٧، و\"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٣٧٣ (مرد).\n(٣) \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٣٧٣، وانظر: \"اللسان\" ٧/ ٤١٧٢ (مرد).\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١٠٨، وانظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٢٠٣.\n(٥) في المخطوط: \"دحر الله\" وهو خطأ ظاهر. وقد جاءت العبارة كما أثبتها في \"الوسيط\" ٢/ ٧١٠.\n(٦) ذكره الثعلبي في \"الكشف والبيان\" ٤/ ١٢٢ أ، دون نسبة لابن عباس، إلا أن ابن الجوزي نسبه إليه في \"زاد المسير\" ٢/ ٢٠٤.\n(٧) هو الزجاج، انظر: \"معانيه\" ٢/ ١٠٩.","vol":"7","page":99},{"text":"والفُرْضة الثُّلمةُ تكون في النهر، تقول: سقاها بالفِراض والفُرض، والفرضُ: الحز الذي يكون في (المسواك) (١)، والفرض في القوس الحز الذي يشد فيه الوتر، والفريضة ما افترض الله ﷿ فجعله أمرًا حتمًا عليهم قاطعًا، وكذلك قوله: ﴿وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: ٢٣٧] أي جعلتم لهن قطعة من المال. قال: ومعنى مفروض في هذه الآية: أي أفترضه على نفسي (٢).\nوقال الفراء: ما جعل له عليه السبيل فهو كالمفروض (٣).\nوقال ابن عباس: يريد من اتبعه وأطاعه (٤).\nوقال الكلبي والضحاك: [نصيبًا مفروضًا] (٥) أي معلومًا (٦).\nقال أهل العلم: إنما اتخذ الشيطان من العباد النصيب المفروض بإغوائهم (٧) إياهم، وتزيينه لهم الفواحش حتى يرتكبوها، فيكونوا بذلك من نصيبه المفروض وحظه المقسوم، فعلى هذا كل من أطاع إبليس فهو من مفروضه (٨).\n_________\n(١) غير واضحة في المخطوط، والاعتماد على \"معاني الزجاج\".\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١٠٩، وانظر: \"غريب القرآن\" لابن قتيبة ص ١٣٢، و\"معاني القرآن\" للنحاس ٢/ ١٩٣، و\"الكشف والبيان\" ٤/ ١٢٢ أ، و\"زاد المسير\" ٢/ ٢٠٤.\n(٣) \"معاني القرآن\" ١/ ٢٨٩، وانظر: \"الكشف والبيان\" ٤/ ١٢٢ أ.\n(٤) في \"تنوير المقباس\" ص ٩٧: \"فما أطيع فيه فهو مفروضه مأموره\". وقد أورد المؤلف قول ابن عباس هذا في \"الوسيط\" ٢/ ٧١٠.\n(٥) ما بين المعقوفين قد طمس في المخطوط، والتسديد من \"الوسيط\" ٢/ ٧١٠.\n(٦) قول الكلبي في \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ٩٧. أما عن الضحاك فأخرجه الطبري ٥/ ٢٨١ من طريق جويبر وهو ضعيف جدًّا.\n(٧) هكذا في المخطوط، ولعل الصواب: بإغوائه. انظر: الطبري ٥/ ٢٨١.\n(٨) انظر: الطبري ٥/ ٢٨١، و\"الكشف والبيان\" ٤/ ١٢٢ أ.","vol":"7","page":100},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-796>١١٩ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمْ﴾. قال ابن عباس: \"يريد من (١) سبيل الهدى\" (٢). وقال الكلبي: لأضلنهم عن الحق (٣).\n﴿وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ﴾. قال ابن عباس: يريد تسويف التوبة وتأخيرها (٤).\nوقال الكلبي: أمنينهم أنه لا جنة ولا نار ولا بعث (٥).\nالزجاج: أي أجمع لهم مع الإضلال أن أوهمهم أنهم ينالون من الآخرة حظا (٦).\nوقال غيره: ولأمنينهم ركوب الأهواء الداعية لهم إلى العصيان (٧).\nوقيل: ولأمنينهم طول البقاء في نعيم الدنيا؛ ليؤثروها على الآخرة (٨).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ﴾.\nالبتك: القطع (٩)، وسيف باتك: قاطع، وسيوف بواتك: قواطع، والتبتيك: التقطيع (١٠).\n_________\n(١) هكذا في المخطوط: \"من\" بالميم، وفي \"الوسيط\" ٢/ ٧١٠: \"عن\" بالعين وهو أصوب.\n(٢) انظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٢٠٤، و\"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ٩٧.\n(٣) لم أقف عليه، وانظر: \"الكشف والبيان\" ٤/ ٢٢ ب.\n(٤) انظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٢٠٥.\n(٥) انظر: \"تنوير المقباس\" ص ٩٧، ونسب هذا القول لابن عباس. انظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٢٠٥.\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١٠٩، وانظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٢٠٥.\n(٧) انظر: الطبري ٥/ ٢٨١.\n(٨) هذا قول الماوردي في \"النكت والعيون\" ١/ ٥٣٠.\n(٩) الطبري ٥/ ٢٨١، و\"تهذيب اللغة\" ١/ ٢٧١ (بتك).\n(١٠) انظر: \"تهذيب اللغة\" ١/ ٢٧١، و\"مقاييس اللغة\" ١/ ١٩٥، و\"اللسان\" ١/ ٢٠٦ (بتك).","vol":"7","page":101},{"text":"وهو في هذا الموضعِ: قطع آذان البحيرة عند جميع أهل التفسير (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾. قال ابن عباس: يريد دين الله (٢).\nوهو قول إبراهيم ومجاهد والحسن والضحاك وقتادة والسدي وسعيد ابن المسيب وسعيد بن جبير (٣).\nومعنى تغيير دين الله على ما ذكره أهل العلم: هو أن الله تعالى فطر الخلق على الإسلام يوم أخرجهم من ظهر آدم كالذر، وأشهدهم على أنفسهم أنه ربهم، وآمنوا، فمن كفر فقد غيّر فطرة الله التي فطر الناس عليها (٤).\nوهذا معنى قوله - ﷺ -: \"كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه، ويُنصرانه، ويمجسانه\" (٥).\n_________\n(١) انظر: \"تفسير عبد الرزاق\" ١/ ١٧٣، والطبري ٥/ ٢٨١، و\"معاني الزجاج\" ٢/ ١٠٩، و\"بحر العلوم\" ١/ ٣٨٩، و\"الكشف والبيان\" ٤/ ١٢٢ ب، و\"النكت والعيون\" ١/ ٥٣٠، و\"زاد المسير\" ٢/ ٢٠٥، و\"الدر المنثور\" ٢/ ٣٩٦.\n(٢) \"تفسيره\" ص ١٥٨، وأخرجه الطبري ٥/ ٢٨٣ من طريق ابن أبي طلحة أيضًا.\n(٣) أخرج الأقوال عنهم الطبري ٥/ ٢٨٣ - ٢٨٥، إلا الحسن وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير، أما الحسن فإنه فسره بالوشم كما سيأتي.\nوانظر: الطبري ٥/ ٢٨٥، وأما سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير فقد ذكره عنهما ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٢/ ٢٠٥، وانظر: \"بحر العلوم\" ١/ ٣٨٩، و\"الكشف والبيان\" ٤/ ١٢٢ ب، والبغوي ٢/ ٢٨٩.\n(٤) انظر: الطبري ٥/ ٢٨٥، و\"الكشف والبيان\" ٤/ ١٢٢ ب.\n(٥) أخرجه البخاري (١٣٥٨) كتاب: الجنائز، باب: إذا اسم الصبي فمات هل يصلي عليه؟، وفيه: \"أو ينصرانه أو يمجسانه\".","vol":"7","page":102},{"text":"وقال بعضهم: معنى تغيير دين الله هو تبديل الحرام حلالًا، والحلال حرامًا (١).\nوروي عن أنس وشهر بن حوشب (٢) وعكرمة وأبي صالح، أن معنى تغيير خلق ههنا: هو الخصاء، وقطع الآذان، وفقء العيون، لهذا كان أنس يكره خصاء الغنم (٣).\nوكانت العرب إذا بلغت إبل أحدهم ألفًا، عوروا عين فحلها.\nوروى يونس (٤) عن الحسن قال: هو الوشم (٥). يعني ما لعن رسول الله - ﷺ - من الواشمة والمستوشمة (٦).\n_________\n(١) انظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٢٠٥.\n(٢) تقدمت ترجمته.\n(٣) أخرج الآثار عنهم الطبري ٥/ ٢٨٢ - ٢٨٣، لكن فيها الاقتصار على الإخصاء، دون قطع الآذان وفقء العيون، وانظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٢٠٥. ولعل المؤلف زاد قطع الآذان وفقء العيون من \"الكشف والبيان\" ٤/ ١٢٢ ب.\n(٤) هو أبو عبد الله يونس بن عبيد بن دينار العبدي البصري، من صغار التابعين وفضلائهم، كان إماما قدوة ثبتًا فاضلًا، توفي ﵀ سنة ١٣٩هـ.\nانظر: \"مشاهير علماء الأمصار\" ص ١٥٠، و\"سير أعلام النبلاء\" ٦/ ٢٨٨، و\"التقريب\" ص ٦١٣ رقم (٧٩٠٩).\n(٥) أخرجه الطبري ٥/ ٢٨٥، وانظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٢٠٥، و\"الدر المنثور\" ٢/ ٣٩٦. والوشم هو: \"أن يغرز الجلد بإبرة، ثم يحشى بكحل أو نيل، فيزرق أثره أو يخضر\" \"النهاية في غريب الحديث\" ٥/ ١٨٩.\n(٦) أخرج البخاري (٥٩٤٧) كتاب: العباس، باب: المستوشمة عن ابن عمر ﵂ قال: \"لعن النبي - ﷺ - الواصلة والمستوصلة والواشمة والمستوشمة\". وأخرجه مسلم (٢١٢٤) كتاب: اللباس والزينة، باب: تحريم فعل الواصلة والمستوصلة. والواشمة التي تقوم بفعل الوشم بغيرها. والمستوشمة التي تطلب ذلك.","vol":"7","page":103},{"text":"وقال أبو زيد: هو التحنت (١).\nوقال أبو إسحاق: معناه أن الله ﷿ خلق الأنعام ليركبوها ويأكلوها، فحرموها على أنفسهم، كالبحائر والسوائب والوصائب، وخلق الشمس والقمر سخرةً للناس ينتفعون بها، فعبدها المشركون، فغيروا خلق الله (٢).\nوالأظهر هو القول الأول، لأنه يدخل فيه كل ما نهى الله عنه، وكل من ارتكب محظورًا، أو أتى منهيًّا، فقد غير دين الله (٣).\nقال العلماء من أهل التأويل: إن إضلال إبليس تمنية وتزيين ووسواس، ليس له من الضلالة شيء (٤)، كما قال رسول الله - ﷺ -: \"خلق إبليس مزينًا، وليس إليه من الضلالة شيء\" (٥).\nولما علم أن الله تعالى خلق الجنة وخلق لها أهلًا، وخلق النار وخلق لها أهلًا قال: ﴿لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ [النساء: ١١٨] يريد أهل النار (٦)، وقال: ﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمْ﴾ الآية، ولو كان شيء من الضلالة إليه سوى الدعاء إليها لأضل جميع الخلق عن الهدى (٧).\nوقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ يريد من يُطعه فيما يدعو إليه من الضلال، فكل من أطاعه فهو ولي له وإن لم يقصد\n_________\n(١) انظر: \"البحر المحيط\" ٣/ ٣٥٣. وهكذا هذِه الكلمة جاءت في المخطوط، وعند أبي حيان، ولم أجد لها معنى، وقد يكون الصواب: \"التخنث\".\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١١٠، وانظر: \"الكشف والبيان\" ٤/ ١٢٢ ب.\n(٣) وهذا ما اختاره الطبري ٥/ ٢٨٥، والزجاج في \"معانيه\" ٢/ ١١٠.\n(٤) انظر: \"الكشف والبيان\" ٤/ ١٢٣ أ، و\"زاد المسير\" ٢/ ٢٠٤.\n(٥) لم أقف عليه.\n(٦) انظر. \"الكشف البيان\" ٤/ ١٢٣ أ، و\"زاد المسير\" ٢/ ٢٠٧.\n(٧) انظر: \"الكشف والبيان\" ٤/ ١٢٣ أ.","vol":"7","page":104},{"text":"أن يتولاه، كما يكون مطيعًا له وإن لم يقصد أن يطيعه، بموافقته لإرادته، وإجابته إلى ما دعاه إليه، فهو يعمل عملًا يُعينه عليه الشيطان، وكان الشيطان له وليًا ناصرًا معينًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-797>١٢٠ </span>- قوله تعالى: ﴿يَعِدُهُمْ﴾ قال أهل المعاني: معنى وعد الشيطان ما يصل مفهومه إلى قلب الإنسان، من نحو ما يجده من أنه سيطول عمرك، وتنال من الدنيا لذتك، وستعتلي على أعدائك، فإنما الدنيا دول، فستدور لك كما دارت لغيرك (١). وكل هذا غرور وتمنية وتطويل للأمل، وسيهجم عن قريب علي (٢) الأجل، وقد أبطل أيام عمره في رجاء ما لم يدرك منه شيئًا، فالعاقل من لم يعرج على هذا، وجدًّ في الطاعة ما أمكنه، وعلم أنه سينقطع عن الدنيا قريبًا، وعدّ نفسه من الموتى [وصدق] (٣) الله في قوله: ﴿وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾ أي: إلا ما يغرهم بإيهام النفع فيما فيه الضر (٤).\nوذكر في عدة من كتب التفسير ﴿يَعِدُهُمْ﴾ ألا يلقون خيرًا، ﴿وَيُمَنِّيهِمْ﴾ الفقر، فلا ينفقون في خير (٥).\nوهذا صحيح في المعنى، من حيث إن الشيطان قد يخوف الإنسان بالفقر، فيمسك عن الإنفاق في الطاعة، ولكنه باطل من حيث اللغة؛ لأن\n_________\n(١) انظر: \"معالم التنزيل\" ٢/ ٢٨٩، و\"زاد المسير\" ٢/ ٢٠٧، والقرطبي ٥/ ٣٩٥.\n(٢) هكذا في المخطوط بالياء، ولعلها: \"على\" بدون ياء، وانظر: \"الوسيط\" ٢/ ٧١٣.\n(٣) بياض في المخطوط، والتسديد من \"الوسيط\" ٢/ ٧١٣.\n(٤) انظر: \"الوسيط\" ٢/ ٧١٣.\n(٥) \"الكشف والبيان\" ٤/ ١٢٢ ب، وانظر: \"بحر العلوم\" ١/ ٣٨٩، و\"معالم التنزيل\" ٢/ ٢٨٩، والقرطبي ٥/ ٣٩٥.","vol":"7","page":105},{"text":"الوعد إنما يستعمل في الخير، وما يكون في الشر قيل فيه: يوعد، هذا هو الصحيح، وإن كان يستعمل الوعد في الشر نادرًا (١).\nوالتمنية معناه: تسويل المنية، وهي ما يتمناه الإنسان، ولا يتمنى الفقر، إنما يتمنى الغنى وكثرة المال في غالب العادة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-798>١٢١ </span>- قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ﴾. يعني: الذين اتخذوا الشيطان وليًا من دون الله (٢).\n﴿مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾. مرجعهم ومصيرهم (٣).\n﴿وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا﴾. يحتمل وجهين: أحدهما: لا بد لهم من ورودها.\nوالثاني: التخليد الذي أوعد به الكفار، فلا يخرجون عنها، ولا يجدون منها ملجأ (٤).\nوالمحيص: المعدل، حاص عن الأمر إذا عدل عنه (٥).\nقال الفراء: يحيى حيوصًا ومحاصًا وحيصًا وحيصانًا (٦).\n_________\n(١) انظر: \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٩١٥، و\"الصحاح\" ٢/ ٥٥١ (وعد).\n(٢) انظر: الطبري ٥/ ٢٨٦.\n(٣) انظر: الطبري ٥/ ٢٨٧.\n(٤) الوجه الأول هو قول عامة المفسرين، وأن المعنى لا معدل لهم عنها، أما الوجه الثاني بأن المعنى التخليد في النار فهو حسب اطلاعي من تفرد المؤلف به، وإن كان يدخل في الوجه. انظر: الطبري ٥/ ٢٨٧، و\"معاني الزجاج\" ٢/ ١١١، و\"معاني النحاس\" ٢/ ١٩٧.\n(٥) انظر: الطبري ٥/ ٢٨٧، و\"معاني النحاس\" ٢/ ١٩٧.\n(٦) ليس في \"معاني القرآن\"، وانظر: الطبري ٥/ ٢٨٧","vol":"7","page":106},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-799>١٢٣ </span>- قوله تعالى: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ (١).\nاختلفوا في نزول هذه الآية: فقال مجاهد وابن زيد: نزلت في كفار قريش وأهل الكتاب، قالت قريش: لا نُبعث ولا نُحاسب، وقالت اليهود: لن تمسنا النار إلا أيامًا معدودة (٢).\nوقال مسروق والسدي وقتادة والضحاك: نزلت في المسلمين وأهل الكتاب (٣).\nقال أهل المعاني: معنى الآية: ليس الثواب الذي تقدم ذكره والوعد به في قوله: ﴿سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي﴾ الآية، ﴿بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَاب﴾ أي ليس يُستحق بالأماني، إنما يُستحق بالإيمان والعمل الصالح (٤). وهذا معنى قول الزجاج (٥)، قال: اسم ليس مضمر، المعنى\n_________\n(١) هذِه هي الآية الثالثة والعشرون بعد المائة من سورة النساء، وقد ذُكرت هكذا في المخطوط بعد الآية (١٢١) وتركت الآية (١٢٢)، ويحتمل أن المؤلف لم يتعرض لها، فقد قال في \"الوسيط\": \"قوله ﷿:- ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [النساء: ١٢٢] ظاهر إلى قوله: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ﴾ \"الوسيط\" ٢/ ١١٤.\n(٢) أخرجه بنحوه عن مجاهد وبمعناه عن ابن عباس وابن زيد: الطبري ٥/ ٢٨٩ - ٢٩٠، وانظر: \"الكشف والبيان\" ٤/ ١٢٣ أ.\n(٣) أخرجه بمعناه عنهم الطبري ٥/ ٢٨٨ - ٢٩١، وانظر: \"الكشف والبيان\" ٤/ ١٢٣ ب واختار الطبري القول الأول معللًا لذلك بقوله: \"لأن المسلمين لم يجر لأمانيهم، ذكر فيما مضى في الآي قبل قوله ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ﴾ وإنما جرى ذكر أماني نصيب الشيطان المفروض، وذلك في قوله: ﴿وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ﴾ [النساء:١١٩] وقوله: ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ﴾ ... \" \"تفسير الطبري\" ٥/ ٢٩١.\n(٤) كأن هذا ترجيح للقول الأول في المراد بالضمير في \"أمانيكم\"، وهو قوي.\n(٥) في \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١١١، وانظر: \"معاني النحاس\" ٢/ ١٩٧، و\"بحر العلوم\" ١/ ٣٩٠.","vol":"7","page":107},{"text":"ليس ثواب الله بأمانيكم (١).\nوقوله تعالى: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِه﴾ اختلفوا في معناه: فقال الحسن وابن زيد: هذا في الكفار خاصة؛ لأنه يجازون بالعقاب على الصغير والكبير (٢).\nوقال الضحاك في هذه الآية: يقول: ليس لكم ما تمنيتم، وليس لأهل الكتاب ما تمنوه، من عمل سوءًا شركًا فمات عليه يُجز به النار (٣).\nوقال مقاتل بن حيان: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِه﴾ بلغنا أنه الشرك (٤).\nوقال الحسن في قوله: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِه﴾ قال: هو الكافر، لا يجزي الله المؤمن يوم القيامة عمله، ولكن المؤمن يُجزى بأحسن عمله، ويتجاوز عن سيئاته، ثم قرأ: ﴿لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الزمر: ٣٥]، وقرأ أيضًا: ﴿وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾ [سبأ: ١٧] (٥).\nوقال سعيد بن جبير: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا﴾ بغير الشرك (٦).\nويدل على أن المراد بهذه الآية الكفار دون المؤمنين قوله تعالى:\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١١١، وانظر: \"معاني النحاس\" ٢/ ١٩٧، و\"بحر العلوم\" ١/ ٣٩٠، و\"الكشف والبيان\" ٤/ ١٢٣ ب.\n(٢) أخرجه عنهما بمعناه الطبري ٥/ ٢٩٣، وسيأتي عند المؤلف سياق لأقوالهما.\n(٣) أخرجه بمعناه الطبري من طرق ٥/ ٢٩٣، وانظر: \"الدر\" ٢/ ٣٩٩.\n(٤) لم أقف عليه عن مقاتل بن حيان. وهذا القول لابن عباس وسعيد بن جبير، أخرج ذلك الطبري ٥/ ٢٩٣.\n(٥) أخرجه بنحوه من طرق: الطبري ٥/ ٢٩٢، وذكره بلفظه الثعلبي في \"الكشف والبيان\" ٤/ ١٢٤ ب، وانظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٢١٠، و\"الدر المنثور\" ٢/ ٣٩٩.\n(٦) الوارد عن سعيد بن جبير كما في الطبري ٥/ ٢٩٣ إنه فسر السوء بالشرك.=","vol":"7","page":108},{"text":"﴿وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ ومن يكن (١) له في القيامة ولي ولا نصير كان من جملة الكفار؛ لأنَّ المؤمنين وعدوا النصر في قوله: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا﴾ [غافر: ٥١].\nوقال آخرون: هذه الآية عامة في كل من عمل سوءًا من مسلم وكافر، فقال عكرمة عن ابن عباس: من يعمل سوءًا يُجز به إلا أن يتوب قبل موته فيتوب الله عليه (٢).\nوقال الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس: لما نزلت هذه الآية شقت على المسلمين مشقة شديدة، وقالوا: يا رسول الله، وأينا لم يعمل سوءًا؟ فكيف الجزاء؟ قال: منه ما يكون في الدنيا، فمَنْ يعمل حسنةً فله عشر حسنات، ومن جوزي بالسيئة نقصت واحدة من عشرة، وقضيت له حسنات، فويل لمن غلب آحاده أعشاره، وأما ما كان جزاء في الآخرة، فإنه يؤخر إلى يوم القيامة، فيقابل من حسناته وسيئاته، فيُلقى مكان كل سيئة حسنة، وينظر في الفضل فيعطى الجزاء في الجنة (٣).\nوقال أبو بكر الصديق: يا رسول الله، كيف الصلاح بعد هذه الآية؟ فقال: غفر الله لك يا أبا بكر، ألست تنصب؟ ألست تمرض؟ أليس تصيبك\n_________\n= وانظر: \"الدر المنثور\" ٢/ ٤٠٥، والظاهر أن كلمة \"بغير\" زائدة من النساخ؛ لأن كلام المؤلف في سياق أقوال الذين يرون أن الآية في الكفار خاصة.\n(١) هكذا في المخطوط والصواب: ومن لم يكن.\n(٢) لم أقف عليه، والثابت والمشهور عن ابن عباس كالقول الأول أن المراد بالآية الكفار والمشركين خاصة. انظر: \"تفسيره\" ص ١٥٩، والطبري ٥/ ٢٩٣، و\"زاد المسير\" ٢/ ٢١٠، و\"الدر المنثور\" ٢/ ٣٩٩.\n(٣) \"الكشف والبيان\" ٤/ ١٢٣ ب.","vol":"7","page":109},{"text":"اللأواء (١)؟ -قال: بلى- قال: فهو ما تجزون به (٢).\nوقال أبو هريرة: لما نزلت هذه الآية بكينا، وحزنا، وقلنا: يا رسول الله، ما أبقت هذه الآية من شيء فقال: إنها لكم أنزلت، ولكن أبشروا، إنه لا يصيب أحدًا منكم مصيبة في الدنيا إلا كفَّرَ اللهُ بها خطيئة، حتى الشوكة يُشاكها أحدكُم في قدمه (٣).\nوهذا الذي ذكرنا من أن الجزاء يراد به مصائب الدنيا مذهب أبي بن كعب وعائشة ومجاهد. وقالوا: إن الآية عامة لجميع الناس (٤).\nواختاره محمد بن جرير (٥).\nوقال أبو إسحاق: قد أعلم الله ﷿ أنه يغفر ما دون الشرك لمن يشاء، فعامل السوء ما لم يكن كافرًا مرجو له العفو والرحمة، والنبي - ﷺ - شافع لأمته مشفَّع (٦).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ قال ابن عباس: يريد وليًا يمنعه، ولا نصيرًا ينصره (٧).\n_________\n(١) اللأواء: الشدة والمشقة وضيق العيش. انظر: \"اللسان\" ٧/ ٣٩٧٨ (لأى).\n(٢) أخرجه الإِمام أحمد في \"مسنده\" ١/ ١١، والطبري ٥/ ٢٩٤، والحاكم في \"المستدرك\"، كتاب: معرفة الصحابة ٣/ ٧٤، وقال: حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، كما أخرجه الثعلبي في \"الكشف والبيان\" ٤/ ١٢٣ ب، والمؤلف في \"الوسيط\" ٢/ ٧١٥. وذهب أحمد شاكر إلى أن في إسناده انقطاعًا وذلك في تحقيقه للطبري.\n(٣) أخرجه مسلم بنحوه (٢٥٧٤) كتاب: البر والصلة، باب: ثواب المؤمن فيما يصيبه ... وغيره وانظر: \"الدر المنثور\" ٢/ ٤٠٠.\n(٤) انظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٢١٠.\n(٥) في \"تفسير الطبري\" ٥/ ٢٩٣.\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١١٢.\n(٧) انظر: \"الوسيط\" ٢/ ٧١٨، و\"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ٩٨.","vol":"7","page":110},{"text":"وتأويل هذا ظاهر في الكفار، وأما في المسلمين فإنه لا ناصر لأحد في القيامة دون الله، ولا ولي للمسلمين غير الله. وشفاعة الشافعين تكون بإذن من الله، فليس يمنع أحدٌ أحدًا غير الله تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-800>١٢٤ </span>- قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ﴾ قال المفسرون: بيّن الله بهذه الآية فضيلة المؤمنين على غيرهم (١).\nوقال مسروق: لما نزل قوله: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ قال أهل الكتاب للمسلمين: نحن وأنتم سواء، فنزل: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ﴾ وما بعده من قوله: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا﴾ [النساء:١٢٥] الآية (٢).\nودخلت من في قوله: ﴿مِنَ الصَّالِحَاتِ﴾ للتبعيض؛ لأن أحدًا لا يطيق أن يستوعب جنس الصالحات بالعمل، فإذا عمل بعضها استحق الثواب (٣).\nوقوله تعالى: ﴿يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ﴾ وقرئ بفتح الياء (٤)، لقوله: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ﴾ [الزخرف: ٧٠] وقوله: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ﴾ [الحجر: ٤٦].\nومن ضم فلأنهم لا يَدخُلونها حتى يُدخلوها (٥).\n_________\n(١) انظر: الطبري ٥/ ٢٩٦، و\"الكشف والبيان\" ٤/ ١٢٥ أ.\n(٢) أخرجه بنحوه من أكثر من طريق الطبري ٥/ ٢٨٨ - ٢٢٩، وأورده الثعلبي في \"الكشف والبيان\" ٤/ ١٢٥ أ، والمؤلف في \"أسباب النزول\" ص ١٨٢، وانظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٢٠٩، ٢١١، و\"الدر المنثور\" ٢/ ٤٠٦.\n(٣) انظر: الطبري ٥/ ٢٩٦، و\"الكشاف\" ١/ ٣٠٠.\n(٤) قراءة الضم لأبي جعفر وابن كثير وأبي عمرو وعاصم برواية أبي بكر ويعقوب، وقرأ الباقون بالفتح. انظر: \"السبعة\" ص ٢٣٧، و\"الحجة\" ٣/ ١٨٢، و\"المبسوط\" ص ١٥٨، و\"النشر\" ٢/ ٣٥٢.\n(٥) \"الحجة\" ٣/ ١٨٢، وانظر: \"الكشاف عن وجوه القراءات السبع\" ١/ ٣٩٧.","vol":"7","page":111},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ قال ابن السكيت: النقير النكتة التي في ظهر النواة (١).\nوقال أبو الهيثم: النقير نقرة في ظهر النواة، منها تنبت النخلة (٢).\nونحو هذا قال المفسرون، قال ابن عباس: يريد لا ينقصون قدر منبت النواة (٣).\nقالوا: وهذا مبالغة في نفي الظلم، ووعد تبوءٍ فيه جزاء أعمالهم من غير نقصان (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-801>١٢٥ </span>- قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾ ذكرنا معنى ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾ في سورة البقرة [: ١١٢].\nوقال ابن كيسان في هذه الآية: يعني من توجه بعبادته إلى الله خاضعًا له (٥).\nوقال عطاء عن ابن عباس: يريد أبا بكر الصديق - ﵁ - (٦). وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾، أي: موحِّد (٧).\nقال ابن عباس: يريدُ وهو يوحِّدُ الله لا يُشْرِكُ بِهِ شيئًا (٨).\n_________\n(١) انظر: \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٦٤٤.\n(٢) المرجع السابق.\n(٣) لم أجده عن ابن عباس في تفسيره هذِه الآية إلا ما جاء بنحوه في \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ٩٨، لكن ثبت عنه تفسير النقير عند قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا (٥٣)﴾ [النساء: ٥٣] قال: \"نقيرًا\": \"النقطة التي في ظهر النواة\" \"تفسيره\" ص ١٥٠، وأخرجه الطبري ٥/ ١٣٦.\n(٤) انظر: الطبري ٥/ ٢٩٧.\n(٥) لم أقف عليه.\n(٦) لم أقف عليه.\n(٧) \"الكشف والبيان\" ٤/ ١٢٥ أ.\n(٨) انظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٢١١، و\"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ٩٨.","vol":"7","page":112},{"text":"وهذا كما ذكرنا في سورة البقرة (١)، وإنما شرط في إسلام الوجه لله أن يكون محسنًا، لأن اليهود والنصارى يقرُّون بالانقياد لأمر الله وهم غير محسنين، فلا يستحقون الأجر.\nقال العلماء: وإنِّما صارَ الإسلامُ أحسنَ الأديانِ، لأنَّ طاعةَ الله أحسن الأعمالِ التي تكونُ من العباد، لما فيها من عبادة من لا يضيع عنده مثاقيل الذرِّ، ومَنْ لا يضيق ملكه عن شيء، فلهذا كان لا أحد أحسن دينًا ممَنْ أسلَمَ وجهَهُ لله بطاعته والانقيادِ لأمره.\nوقوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾.\nيجوز أن يكون ﴿حَنِيفًا﴾ حالًا لإبراهيم، ويجوز أن يكون حالًا للمتَّبع (٢)، كما تقول: رأيته راكبًا، جاز أن يكون الراكب حالًا للمرئي والرائي.\nوملة إبراهيم داخلة في ملتنا، وفي ملتنا زيادة على ملة إبراهيم، فمن ملة إبراهيم الكلمات العشر في قوله: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾ [البقرة: ١٢٤] (٣).\n_________\n(١) انظر: \"البسيط\" (النسخة الأزهرية) ١/ ل ٨١.\n(٢) انظر: \"مشكل إعراب القرآن\" ١/ ٢٠٨، و\"الكشاف\" ١/ ٣٠١، و\"الدر المصون\" ٤/ ٩٨.\n(٣) قال المؤلف في \"الوسيط\" ١/ ٢٠١: \"وأكثر المفسرين قالوا في تفسير الكلمات: إنها عشر خصال عن السنة، خمس في الرأس وخمس في الجسد، فالتي في الرأس: الفرق، والمضمضة، والاستنشاق، وقص الشارب، والسواك. والتي في الجسد: تقليم الأظافر، وحلق العانة، والختان، والاستنجاء، ونتف الرفغين\" ا. هـ والفرق لشعر الرأس، والرفغين: الأبطين. وأنظر: \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٧٦، و\"أحكام القرآن\" لابن العربي ١/ ٣٦، وابن كثير ١/ ٦١٦.","vol":"7","page":113},{"text":"قال ابن عباس: \"ومن دينِ إبراهيمَ: الصَّلاة إلى الكعبةِ، والطواف بها، والسَّعي، والرَّمي، والوقُوف، والحلق\" (١). فمن أقرَّ بهذا مع الزيادة التي أتى بها نبينا صلوات الله عليه فقد اتبع دينَ إبراهيم.\nوقوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ قال أبو بكر بن الأنباري: الخليلُ معناه في اللغة المُحب الكامل المحبَّةِ، والمحبوب الموفي حقيقة المحبة، اللذان ليس في حبِّهما نقصٌ ولا خللٌ، فتأويل قوله: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ واتخذ الله إبراهيم محبًا له خالص الحب ومحبوبًا له (٢)، وشرّفه بلزوم هذا الاسم له الذي لا يستحق مثله إلا أنبياؤه ومن يشرف الله ويرفع قدره.\nقال (٣): وقال بعض أهل العلم: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ أي فقيرًا إليه لا يجعل فقره وفاقته إلى غيره، ولا ينزل حوائجه بسواه (٤).\nفالخليلُ على هذا القولِ فعيلٌ من الخلّة بمعنى الفقر، قال [زهير] (٥):\nوإنْ أتاه خليلٌ يومَ مسألةٍ ... يقولُ لا غائبٌ مالي ولا حَرِمُ (٦)\nأراد بالخليل: الفقير (٧).\n_________\n(١) لم أقف عليه.\n(٢) من \"الزاهر\" لابن الأنباري ١/ ٤٩٣ - بتصرف-.\n(٣) أي ابن الأنباري.\n(٤) من \"الزاهر\" ١/ ٤٩٣، ٤٩٤ بتصرف، وانظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٢١٢.\n(٥) ما بين المعقوفين في المخطوط: \"ابن نمير\" والتصويب من \"الزاهر\" ١/ ٤٩٣، والبيت لزهير بن أبي سلمى كما سيأتي تخريجه.\n(٦) شعر زهير بن أبي سلمى ص ١٠٥، و\"الزاهر\" ١/ ٤٩٣، و\"معاني الزجاج\" ٢/ ١١٢.\n(٧) \"الزاهر\" ١/ ٤٩٤.","vol":"7","page":114},{"text":"ونحو هذا قال الزجاج، (...) (١) والمحب الذي ليس في محبته خلل، فجائز أن يكون إبراهيم سمي خليل الله؛ لأنه الذي أحبه محبة تامة، وأحب الله هو محبة تامة (٢). قال: وقيل: الخليل الفقير، فجائز أن يكون سمي فقير الله، أي الذي يجعل فقره وفاقته إلى الله جل وعز مخلصًا في ذلك (٣).\nوالخلة: الحاجة، من الإخلال الذي يلحق الإنسان، والخُلّة الصداقة، لأن كل واحد من الخليلين يسد خلل صاحبه في المودة والحاجة إليه.\nفهذان القولان ذكرهما جميع أهل المعاني (٤)، والاختيار هو الأول (٥)، لأن الله جل وعز خليل إبراهيم، وإبراهيم خليل الله، ولا يجوز أن يقال: الله خليل إبراهيم من الخلة التي هي الحاجة، ولأن ابن عباس قال في قوله: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ صفيًا بالرسالة والنبوة (٦)؛ ولأن جميع أهل المعاني ذكروا في سبب تسمية إبراهيم خليل الله: أنه لما صار الرمل الذي أتى به غلمانُه دقيقًا، قالت له امرأته: هذا من عند خليلك المصري؛ قال إبراهيم: هذا من عند خليلي الله. والقصة مشهورة (٧).\n_________\n(١) ما بين القوسين غير واضح، ويبدو أنه: \"الخليل الولي\" والمحب ... وفي \"معاني الزجاج\" ٢/ ١١٢: \"الخليل المحب ... \".\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١١٢، وانظر: \"الكشف والبيان\" ٤/ ١٢٥ ب.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١١٢، وانظر: \"الكشف والبيان\" ٤/ ١٢٦ أ.\n(٤) انظر: \"الكشف والبيان\" ٤/ ١٢٦ أ.\n(٥) انظر: البغوي ٢/ ٢٩٢.\n(٦) في \" الكشف والبيان\" ٤/ ١٢٥ ب من رواية الكلبي، وانظر: \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ٩٨.\n(٧) حاصل هذه القصة: أن إبراهيم ﵇ أصابته حاجه فذهب يطلب الطعام عند خليل =","vol":"7","page":115},{"text":"وقال شهر بن حوشب: إن الله قال للملائكة: إن لي في الأرض عبدًا يقال له: إبراهيم، إني أريد أن أتخذه خليلًا. (فقالت الملائكة: نحن نسبح بحمدك ونقدس لك فلا تتخذ منا خليلًا) (١) وتتخذ من ابن آدم خليلًا. فقال الله: اختاروا منكم. فاختاروا، وأهبطه الله إلى الأرض، وقال: اذكرني بين يدي عبدي إبراهيم. وذكر اسم الله بصوت رخيم شجي، فقال إبراهيم: اذكره مرة أخرى، قال: لا أذكره مجانًا. قال: لك مالي كله فاذكره. فقال الملك بصوت أشجى من الأول: الله. فقال إبراهيم: اذكره مرة ثالثة ولك أولادي. فقال الملك: أبشر فإني ملك لا أحتاج إلى مالك وولدك، وقص عليه القصة، وعرج إلى السماء، وأخبر الملائكة، فقال الملائكة: حق له أن يتخذه الله خليلًا (٢).\nوقال طاوس عن ابن عباس: إن جبريل والملائكة لما دخلوا على إبراهيم في صورة غلمان وضاء الوجوه، فظن الخليل أنهم أضياف، وحنذ لهم عجلًا سمينًا، وقربه إليهم وقال: كلوا على شرط أن تسموا الله في أوله\n_________\n= له في مصر فلم يجد عنده شيئًا، فرجع إلى أهله فمر بأرض ذات رمل فملأ أوعيته من هذا الرمل لكي لا يغتم أهله برجوعه وليس معه شيء، فتحول هذا الرمل دقيقًا، فلما صار إلى أهله فتحوا الأوعية فعجنوا وخبزوا من ذلك الدقيق، فلما استيقظ سألهم عن ذلك، فقالت له امرأته: هذا من عند خليلك المصري.\nذكرها الطبري ٥/ ٢٩٧ - ٢٩٨، و\"الزجاج\" ٢/ ١١٣، والسمرقندي في \"بحر العلوم\" ١/ ٣٩١، والثعلبي في \"الكشف والبيان\" ٤/ ١٢٥ ب.\nوهذِه القصة من رواية الكلبي عن ابن عباس وهو متروك. انظر: البغوي ٢/ ٢٩٢، قال ابن كثير ١/ ٦١٧: \"وفي صحة هذا ووقوعه نظر، وغايته أن يكون خبرًا إسرائيليًا لا يُصدَّق ولا يُكذب\".\n(١) تكرر ما بين القوسين في المخطوط.\n(٢) لم أقف عليه.","vol":"7","page":116},{"text":"وتحمدوه في آخره، فقال جبريل: حق لك أن تتخذ خليلًا (١).\nوقال أهل المعاني: قوله: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ﴾ حث على اتباع ملته، لذلك ذكر عقيب قوله: ﴿وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-802>١٢٦ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ قال أصحاب المعاني: لما دعا الله الخلق إلى طاعته والانقياد لأمره، بيّن سعة قدرته وكثرة مملوكاته، ليُرغب إليه بالطاعة له (٢).\nوقال بعضهم: لما قال: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ بيّن أن ذلك إنما هو لحسن الطاعة، لا لحاجةٍ إلى الطاعة والمخالة، ولكن لمجازاة المحسن بإحسانه، وبين أنه مع ذلك عبد له. وهذا معنى قول الزجاج (٣).\nوإنما قال: ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ ولم يقل: (من)، لأنه ذهب به مذهب الجنس، والذي يعقل إذا ذكر، وأريد به الجنس ذكر بـ (ما)، كقول الشاعر:\nوما جرم وما ذاك السَّويق (٤)\nوقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا﴾ أي عالمًا علم إحاطة، وهو العلم بالشيء من كل وجه حتى لا يشد عنه نوع من علمه.\n_________\n(١) انظر: \"بحر العلوم\" ١/ ٣٩١، والقرطبي ٥/ ٤٠١.\n(٢) انظر: الطبري ٥/ ٢٩٨، و\"البحر المحيط\" ٣/ ٣٥٧.\n(٣) انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١١٤.\n(٤) عجز بيت لزياد بن الأعجم، وصدره:\nتكلفني سويق الكرم جرم\nوالبيت من شواهد سيبويه في الكتاب ١/ ٣٠١ دون نسبة، ونسبه لزياد بن قتيبة في \"الشعر والشعراء\" ص ٢٨١، كما استشهد به دون نسبة المبرد في \"الكامل\" ١/ ٣٢٣، والزجاجي في \"الجمل في النحو\" ص ١١٨. وجرم: قبيلة، والسويق: الخمر.","vol":"7","page":117},{"text":"ويجوز أن يكون محيطًا بالقدرة عليه، كما قال جل وعز: ﴿وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا﴾ [الفتح: ٢١].\nوقد ذكرنا معنى المحيط فيما تقدم (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-803>١٢٧ </span>- قوله تعالى ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ﴾ الآية.\nالاستفتاء طلب الفتوى، يقال: أفتى الرجل في المسألة، واستفتيته فأفتاني، إفتاء، وفتيا وفتوى اسمان من: أفتى، يوضعان موضع الإفتاء، ويقال: أفتيت فلانًا في رؤياها (٢)، إذا عبرتها له، وأفتيته في مسألته، إذا أجبته عنها (٣). ومعنى الإفتاء والفتيا: تبيين المشكل من الأحكام (٤)، وأصله من الفتي، وهو الشاب الحدث الذي شب وقوي، فكأنه يقويّ ببيانه ما أشكل، فيشب ويصير فتيا قويا.\nوذكر عن المفسرين في سبب نزول هذه الآية قولان:\nأحدهما: أن العرب كانت لا تورث والصبيان (٥). وهذا قول ابن عباس في ما روي الكلبي عن أبي صالح عنه (٦)، وقول مجاهد (٧) والضحاك\n_________\n(١) انظر: [البقرة: ١٩].\n(٢) هكذا في المخطوط، والصواب: رؤياه\n(٣) انظر: \"الصحاح\" ٦/ ٢٤٥٢، و\"مقاييس اللغة\" ٤/ ٤٧٤ (فتى).\n(٤) انظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٢١٥.\n(٥) هكذا في المخطوط ولعل الصواب كما يدل عليه حرف العطف وبقية الكلام، أن هناك كلمة ساقطة وهي: (النساء)، وذلك بعد قوله: لا تورث.\nانظر: \"الكشف والبيان\" ٤/ ١٢٦ ب، و\"زاد المسير\" ٢/ ٢١٥.\n(٦) انظر: \"الكشف والبيان\" ٤/ ١٢٦ أ، والبغوي ٢/ ٢٩٣، و\"زاد المسير\" ٢/ ٢١٥، وأخرجه بنحوه من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس: الطبري ٥/ ٢٩٩.\n(٧) في \"تفسيره\" ١٥/ ١٧٥، وأخرجه الطبري ٥/ ٣٠٠، وذكره السمرقندي في \"بحر العلوم\" ١/ ٣٩٢، وانظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٢١٥، و\"الدر المنثور\" ٢/ ٤٠٨.","vol":"7","page":118},{"text":"وقتادة وإبراهيم وابن زيد (١).\nوالثاني: إن الآية نزلت في توفية الصداق لهن، وكانت اليتيمة تكون عند الرجل، فإن هواها تزوجها وأكل مالها، وإن كانت دميمةً لم يتزوجها ومنعها الرجال حتى تموت، فيرثها، فأنزل الله هذه الآية. وهذا معنى قول ابن عباس في رواية الوالبي (٢)، وقول سعيد بن جبير والسدي (٣).\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾.\nقال الفراء: موضع (ما) رفع، كأنه قال: يفتيكم فيهن ما يتلى عليكم. قال: وإن شئت جعلت (ما) في موضع خفض، كأنه قيل: يفتيكم فيهن ما يتلى عليكم (٤).\nوقال الزجاج: الرفع أبين، لأن المعنى: الله يفتيكم، والكتاب يفتيكم، فالخفض بعيد جدًا، لأن الظاهر لا يُعطف على المضمر، ولأن المعنى: أن ما يتلى في الكتاب هو الذي مبين ما سألوا عنه، وليس المعنى: أنه يفتي فيهن وفي الكتاب (٥).\nوقال غيره: ويجوز أن تكون (ما) رفعًا بالابتداء، والخبر محذوف،\n_________\n(١) أخرجه عن قتادة وإبراهيم الطبري ٥/ ٢٩٩ - ٣٠٠، وانظر: \"الكشف والبيان\" ٤/ ١٢٦ ب، و\"زاد المسير\" ٢/ ٢١٣، و\"الدر المنثور\" ٢/ ٤٠٨ - ٤٠٩.\n(٢) في \"تفسيره\" ص ١٥٩، وأخرجه الطبري ٥/ ٣٠٤، وانظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٢١٣، ٢١٤.\n(٣) قولهما كالأول وأن القصد المنع من الميراث دون التعرض للنكاح، كما أخرجه عنه الطبري ٥/ ٢٩٩، ٣٠٠، ٣٠١ وانظر: \"النكت والعيون\" ١/ ٥٣٢، و\"زاد المسير\" ٢/ ٢١٣.\n(٤) \"معاني القرآن\" ١/ ٢٩٠.\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١١٤ بتصرف.","vol":"7","page":119},{"text":"على تقدير: وما يُتلى في الكتاب مبين له (١).\nقال المفسرون: والذي يُتلى في الكتاب قوله تعالى: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٢]، وآية الميراث في أول السورة، وعلى قول من يقول: الآية نزلت في توفية الصداق قال: الذي يُتلى في الكتاب قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ [النساء: ٣] (٢).\nوالله تعالى إنما يحيل بالبيان على وحي سبق نزول، كقوله تعالى:- ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ﴾ [النحل: ١١٨]، وكقوله: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا﴾ [النساء: ١٤٠].\nوقوله تعالى: ﴿فِي يَتَامَى النِّسَاءِ﴾.\nقال بعضهم: معناه في النساء اليتامى، فأضيفت الصفة إلى الاسم، كما تقول: كتاب الكامل، ويوم الجمعة، وحق اليقين. فتضيف الشيء إلى نفسه وإلى صفته، كذلك تضيف اليتامى إلى النساء، وهن اليتامى، وهذا جائز عند الكوفيين (٣).\nوعند البصريين لا يجوز إضافة الموصوف إلى صفته؛ لأن الصفة هي الموصوف عند النحويين في المعنى، وإضافة الشيء إلى نفسه غير جائز، ألا ترى أنك إذا قلت: ضربت أخاك الظريف، فالأخ هو الموصوف، والظريف هو الصفة، والأخ هو الظريف في المعنى. وإنما امتنع إضافة الشيء إلى نفسه؛ لأن الغرض في الإضافة إنما هو التخصيص والتعريف،\n_________\n(١) انظر: \"الكشاف\" ١/ ٣٠١، و\"البحر المحيط\" ٣/ ٣٦٠، و\"الدر المصون\" ٤/ ١٠٠.\n(٢) انظر: الطبري ٥/ ٢٩٨ - ٣٠١، و\"معاني الزجاج\" ٢/ ١١٥.\n(٣) انظر: \"الإنصاف\" للأنباري ص ٣٥٢، و\"البحر المحيط\" س/ ٣٦٢، و\"الدر المصون\" ٤/ ١٠٤.","vol":"7","page":120},{"text":"والشيء لا يُعرف نفسه؛ لأنه لو كان معرفة بنفسه لما احتيج إلى إضافته، وإنما يضاف إلى غيره ليعرفه، ألا ترى أنك تضيف المصدر إلى الفاعل تارة، نحو: عجبت من قيام زيد، وإلى المفعول أخرى، نحو: عجبت من أكل الخبز، وإنما جازت إضافة المصدر إليهما لأنه في المعنى غيرهما، ولا يجيزون: سررت بطالعة الشمس، كما تقول: سررت بطلوع الشمس، لأنَّ طلوعها غيرها، فجازت إضافته إليها، والطالعة هي الشمس فلا تضيفها إلى نفسها. هذا مذهبهم (١).\nوعلى هذا النساء في الآية غير اليتامى، والمراد بالنساء: أمهات اليتامى، أضيف إليهن أولادهن اليتامى (٢).\nيقول (٣) هذا أن الآية نزلت في قصة أم كحة، وكانت لها يتامى (٤).\nوكذلك ما روى موسى بن عُبيدة (٥) عن أخيه عبد الله بن عبيدة (٦)، قال: جاءت امرأة من الأنصار، يقال لها: خولة بنت حكيم (٧)، إلى\n_________\n(١) انظر: المراجع السابقة ..\n(٢) انظر: \"الوسيط\" ٢/ ٧٢٥.\n(٣) هكذا في المخطوط، فيحتمل التصحيف، ولعل الصواب: يقوي هذا.\n(٤) لم أقف عليه.\n(٥) هو أبو عبدالعزيز موسى بن عبيدة بن نشيط الربذي، المدني، ضعفه العلماء، وكان من العباد الفضلاء، توفي ﵀ سنة ١٥٣هـ.\nانظر: \"ميزان الاعتدال\" ٤/ ٢١٣، و\"التقريب\" ص ٥٥٢ رقم (٦٩٨٩).\n(٦) هو عبد الله بن عبيدة بن نشيط الربذي، ضعفه بعض العلماء وحكم عليه ابن حجر بأنه ثقة، قتلته الخوارج سنة ١٣٠ هـ.\nانظر: \"ميزان الاعتدال\" ٢/ ٤٥٩، و\"التقريب\" ص ٣١٣ رقم (٣٤٥٨).\n(٧) هي أم شريك خولة بنت حكيم بن أمية السلمية، صحابية مشهورة، يقال إنها التي وهبت نفسها للنبي - ﷺ -. انظر: \"الاستيعاب\" ٤/ ٣٩١، و\"الإصابة\" ٤/ ٢٩٠، و\"التقريب\" ص ٧٤٦ رقم (٨٥٧٥)","vol":"7","page":121},{"text":"النبي - ﷺ -، فقالت: أخي توفي وترك بنات ليس عندهن من الحُسن ما يُرغِّب فيهن الرجال، ولا يقسم لهن من ميراث أبيهن شيء، فنزلت فيها هذه الآية (١).\nوقوله تعالى: ﴿اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ﴾.\nقال ابن عباس: \"يريد ما فُرض لهن من الميراث\" (٢).\nوهذا على قول من يقول: نزلت الآية في ميراث اليتامى والصغار، وعلى قول الباقين المراد بقوله: ﴿مَا كُتِبَ لَهُنَّ﴾ الصداق.\nوقوله تعالى: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾.\nقال أبو عبيد يحتمل هذا الرغبة والزهد، فإن حملته على الرغبة كان المعنى: وترغبون في أن تنكحوهن، وإن حملته على الزهد كان المعنى: وترغبون عن أن تنكحوهن لدمامتهن (٣).\nوالمفسرون أيضًا مختلفون على هذين الوجهين اللذين ذكرهما أبو عبيد.\nروى ابن عون (٤) عن الحسن وابن سيرين: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾: قال: أحدهما: ترغبون فيهن، وقال الآخر: ترغبون عنهن (٥).\n_________\n(١) \"الكشف والبيان\" ٤/ ١٢٦ ب.\n(٢) أخرجه بمعناه من طرق: الطبري ٥/ ٢٩٩، وانظر: \"الكشف والبيان\" ٤/ ١٢٧ أ.\n(٣) لم أقف عليه.\n(٤) هو أبو عون عبد الله بن عون بن أرطبان، المزني، البصري، إمام قدوة حافظ من الفضلاء، ويعدّ من التابعين. توفي ﵀ سنة ١٥١ هـ.\nانظر: \"مشاهير علماء الأمصار\" ص ١٥٠، و\"سير أعلام النبلاء\" ٦/ ٣٦٤، و\"التقريب\" ص ٣١٧ (٣٥١٩).\n(٥) أخرجه ابن المنذر. انظر: \"الدر المنثور\" ٢/ ٤١٠.","vol":"7","page":122},{"text":"ولم يبين ابن عون من الذي قال هذا والذي قال ذاك، وبيّنه غيره، قال ابن سيرين: ترغبون فيهن لما لهن، وقال الحسن: وترغبون عن أن تنكحوهن لدمامتهن (١).\nوقال ابن عباس وعبيدة: \"وترغبون في أن تنكحوهن رغبة في مالهن أو جمالهن\" (٢).\nوروي عن عائشة ﵂ الوجهان جميعًا، رُوي عنها أنها قالت: \"في اليتيمة تكون في حجر وليها يرغب في مالها وجمالها، ولا يؤتيها سنّة نسائها\" (٣).\nوروي عنها أنها قالت: \"نزلت في اليتيمة يرغب وليها عن نكاحها، ولا ينكحها، فيعضلها طمعًا في ميراثها، فنهي عن ذلك\". رواه مسلم في \"الجامع\" عن عائشة، في هذه القصة، فقالت: \"ترغبون عنهن\" (٤).\nففي أحد الوجهين أنكر على الأولياء عضل اليتيمة، وفي الثاني أنكر حبس صدقها (٥).\nوهذه الآية تعلق بها أصحاب أبي حنيفة، في الاحتجاج على جواز نكاح اليتيمة الصغيرة (٦).\n_________\n(١) أخرج الطبري ٥/ ٣٠٣ هذا الأثر عن الحسن من رواية ابن عون حيث قال الحسن: \"ترغبون عنهن\" فيتبين بذلك أن القول الآخر لابن سيرين. وانظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٢١٦.\n(٢) أخرجه بمعناه من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس وعن عبيدة: الطبري ٥/ ٣٠٣ - ٣٠٤.\n(٣) أخرجه مسلم بنحوه (٣٠١٨) كتاب: التفسير.\n(٤) أخرجه بنحوه البخاري (٤٦٠٠) كتاب: التفسير سورة النساء، باب: ويستفتونك في النساء، ومسلم (٣٠١٨) كتاب: التفسير.\n(٥) الوجه الأول اختيار الطبري ٥/ ٣٠٤.\n(٦) انظر: \"بحر العلوم\" ١/ ٣٩٢، و\"بداية المجتهد\" ٢/ ٦.","vol":"7","page":123},{"text":"وعند الشافعي: ليس لغير الأب والجد تزويج الصغيرة (١).\nوعنده (٢) يجوز للعم وابن العم وسائر الأولياء تزويجها، ثم يتوقف النكاح على اختيارها إذا بلغت (٣).\nواحتجوا بقوله: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ ولا حجة لهم في الآية؛ لأنَّه يحتمل أن يكون المراد: وترغبون أن تنكحوهن إذا بلغن وجاز نكاحهن، بدليل ما رُوي أن قدامة بن مظعون (تزوج) (٤) بنت أخيه عثمان بن مظعون (٥) من عبد الله بن عمر، فخطبها المغيرة بن شعبة (٦)، ورغب أمها في المال، فجاءوا إلى رسول الله - ﷺ -، فقال قدامة: أنا عمها ووصي أبيها، فقال رسول الله - ﷺ -: \"إنها صغيرة، وإنها لا تزوج إلا بإذنها\" وفرق بينها وبين ابن عمر (٧).\n_________\n(١) وقد اعتبر الشافعي ﵀ الجد أبًا إذا لم يكن ثمَّ أب. انظر: \"الأم\" ٥/ ٢٠، و\"بداية المجتهد\" ٢/ ٦.\n(٢) أي أبي حنيفة.\n(٣) انظر: \"بداية المجتهد\" ٢/ ٦، و\"الاختيار\" ٣/ ٩٤.\n(٤) هكذا في المخطوط، والظاهر أن الصواب: \"زوج\".\n(٥) هو أبو السائب عثمان بن مظعون بن حبيب بن حذافة الجُمحي صحابي فاضل من السابقين إلى الإسلام، وقد توفي ﵁ في حياة الرسول - ﷺ - فذرفت عيناه - ﷺ -.\nانظر: \"الاستيعاب\" ٣/ ١٦٤، و\"أسد الغابة\" ٣/ ٥٩٨، و\"الإصابة\" ٢/ ٤٦٤.\n(٦) هو أبو عيسى أو أبو محمد المغيرة بن شعبة بن أبي عامر بن مسعود الثقفي، أسلم قبل الحديبية وشهدها وبيعة الرضوان، وقد ولي فيما بعد إمرة البصرة والكوفة، توفي ﵁ سنة ٥٠ هـ انظر: \"الاستيعاب\" ٣/ ٣٦٨، و\"الإصابة\" ٣/ ٤٥٢، و\"التقريب\" ص ٥٤٣ رقم (٦٨٤٠).\n(٧) أخرجه بمعناه أحمد في \"مسنده\" ٢/ ١٣٠، وابن ماجه في كتاب: النكاح، باب: (١٤) نكاح الصغار يزوجهن غير الآباء (١٨٧٨). قال في \"الزوائد\": إسناده موقوف، وفيه عبد الله بن نافع مولى ابن عمر متفق على تضعيفه.","vol":"7","page":124},{"text":"ولأنه ليس في الآية أكثر من ذكر رغبة الأولياء في نكاخ اليتيمة، وذلك لا يدل على الجواز.\nوقوله تعالى: ﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ﴾. يعني: الصغار من الصبيان.\nقال ابن عباس: يريد أنهم لم يكونوا يورثون صغيرًا من الغلمان ولا الجواري (١).\nوهو عطف على يتامى النساء، والمعنى: يفتيكم الله في المستضعفين أن تعطوهم حقوقهم، لأن ما يتلى عليهم في باب اليتامى من قوله: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٢]، يدل على الفتيا في إعطاء حقوق الصغار من الميراث.\nوقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ﴾.\nقال الفراء: (أنْ) في موضع خفض على: ويفتيكم في أن تقوموا لليتامى بالقسط (٢).\nونحو ذلك قال الزجاج، قال: المعنى: وما يُتلى عليكم في يتامى النساء، وفي أن تقوموا لليتامى بالقسط (٣).\nقال ابن عباس: يريد العدل في أمورهن وفي مواريثهن (٤).\n﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ﴾ يريد من حسن فيما أمرتكم به.\n﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا﴾ يجازيكم عليه، ولا يضيع لكم شيء منه.\n_________\n(١) بنحوه في \"تفسيره\" ص ١٥٩، وأخرجه الطبري من طريق ابن أبي طلحة أيضًا ٥/ ٣٠٤ - ٣٠٥.\n(٢) \"معاني القرآن\" ١/ ٢٩٠.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١١٤.\n(٤) انظر: \"الوسيط\" ٢/ ٧٢٦، و\"زاد المسير\" ٢/ ٢١٦.","vol":"7","page":125},{"text":"قال الكسائي: هذا على تأويل الجزاء، كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ﴾ [التوبة: ٦]، ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحجرات: ٩]. ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ﴾، كل هذا جزاء، غير أنه على وجه: فَعَل، ولو كان على: يفعل، لكان جزمًا (١).\nوقال أبو إسحاق: (إن) أمُّ حروف الجزاء، ولا يجوز الفصل بينها وبين ما يجزم إلا في ضرورة الشعر، نحو: إن زيد يأتك أكرمه، هذا لا يجوز إلا في الشعر، وكذلك الحكم في جميع حروف الجزاء، وذلك نحو قول الشاعر:\nفمتى واغلٌ يُنبهُم يُحيُوهُ ... ويُعطَفْ عليه كأسُ السَّاقي (٢)\nففصل بين متى وبين ما عمل فيه.\nفأما الماضي فإن غيرّ عامله في لفظه، فجاز الفصل بينه وبين إن.\nوارتفعت امرأة بفعل مضمر، يدل عليه ما بعدها، والمعنى: وإن خافت امرأة خافت (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-804>١٢٨ </span>- وقوله تعالى: ﴿خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا﴾ قال ابن عباس ومقاتل: أي علمت (٤).\nوقال الزجاج: خافت (٥) الإقامة من بعلها على الإعراض والنشوز،\n_________\n(١) انظر: \"الدر المصون\" ٤/ ١٠٧.\n(٢) نسبه الزجاج في \"معانيه\" ٢/ ١١٦، لعدي بن زيد، وكذا في الكتاب ٣/ ١١٣، و\"المقتضب\" ٢/ ٧٦، و\"الإنصاف\" ص ٤٩١، و\"الدر المصون\" ٤/ ١٠٧.\nوالواغل: الداخل على الشرب من غير أن يدعوه، وينبهم: ينزل بهم.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١١٦، ١١٧ بتصرف.\n(٤) \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ٩٩، و\"تفسير مقاتل\" ١/ ٤١٢.\n(٥) في \"معاني الزجاج\": \"إن خافت\".","vol":"7","page":126},{"text":"وليست تخاف ذلك إلا وقد بدا منه شيء (١). وقد ذكرنا مثل هذين الوجهين في قوله: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾ [النساء: ٣٤].\nوأما البعل فقال الليث: البعل: الزوج، يقال: بعل يبعل بعولة، فهو باعل (٢) مستعلج (٣).\nقال الأزهري: وهذا من أغاليط الليث، إنما سُمي زوج المرأة بعلًا لأنه سيدها ومالكها، وليس من باب الاستعلاج في شيء (٤).\nوروى عطاء عن ابن عباس في هذه الآية (٥): والبعل السيد في كلام العرب (٦).\nويقال للرجل: هو بعل المرأة، وللمرأة: بعله، وبعلته. ويجمع البعل: بعولة (٧). وقد مر في سورة البقرة.\nوقوله تعالى: ﴿نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ يقال: نشزت المرأة، تنشُزُ وتنشِزُ نشوزًا، إذا استعصت على زوجها، وأصله من قولهم: نشز الشيء، إذا ارتفع، وقد مر (٨).\n_________\n(١) في \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١١٦.\n(٢) في \"العين\" ٢/ ١٤٩: \"فهو بعل\" وهذا اللفظ عند المؤلف من \"تهذيب اللغة\" ١/ ٣٦٣ (بعل).\n(٣) \"العين\" ٢/ ١٤٩، وفيه: \"مستبعل\" بدل \"مستعلج\" وما ذكره المؤلف من \"التهذيب\"، و\"مستعلج\" غير واضح المعنى، فقد يكون ما في العين هو الصواب، لا غير.\n(٤) \"تهذيب اللغة\" ١/ ٣٦٣ (بعل). ولم يرد في \"العين\" الاستعلاج كما تقدم، وإنما ورد الاستبعال، فليتنبه.\n(٥) يحتمل أن هذا الكلام من ابن عباس أو من المصنف والثاني أقرب.\n(٦) لم أقف عليه عن ابن عباس، وانظر: \"تهذيب اللغة\" ١/ ٣٦٣ (بعل).\n(٧) نظر: \"الصحاح\" ٤/ ١٦٣٥ (بعل).\n(٨) انظر فيما سبق عند تفسير الآية ٣٤","vol":"7","page":127},{"text":"قال أبو إسحاق: النشوز يكون من الزوجين، وهو كراهة كل واحد منهما صاحبه، واشتقاقه من النشز وهو ما ارتفع من الأرض (١).\nقال المفسرون: ﴿نُشُوزًا﴾ ترفعًا لبغضها ﴿أَوْ إِعْرَاضًا﴾ عنها لموجدة وأثرة (٢).\nقال الكلبي: يعني ترك مجامعتها، وإِعْرَاضًا بوجهه عنها (٣).\nوقال مقاتل: ﴿نُشُوزًا﴾ عصيانًا - يعني: الأثرة، وهو قول ابن عباس ﴿أَوْ إِعْرَاضًا﴾ عنها لما به من الميل إلى أخرى (٤).\nوقال الزجاج: النشوز من بعل المرأة أن يسيء عشرتها، وأن يمنعها نفسه ونفقته (٥).\nوقوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا﴾. جعل الله ﷿ الصلح (جائزًا) (٦) بين الرجل والمرأة، إذا رضيت منه بإيثار غيرها عليها.\nقال جميع المفسرين: هذا الصلح في القسمة والنفقة، وهو أن يقول الرجل لامرأته: إنك دميمة، أو قد دخلت في السن وأريد أن أتزوج عليك شابة جميلة، وأوثرها عليك في القسمة بالليل والنهار، فإن رضيت بهذا\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٧، وقد ذكر الزجاج ذلك في تفسير قوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾ [النساء:٣٤].\n(٢) انظر: الطبري ٥/ ٣٠٥، و\"بحر العلوم\" ١/ ٣٩٢، و\"الكشف والبيان\" ٤/ ١٢٧ ب، و\"النكت والعيون\" ١/ ٥٣٣.\n(٣) \"الكشف والبيان\" ٤/ ١٢٧ ب، وانظر: \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ٩٩.\n(٤) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١/ ٤١٢، ولم أقف عليه عن ابن عباس.\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١١٥.\n(٦) في المخطوط: جائز (بدون نصب).","vol":"7","page":128},{"text":"فأقيمي، وإن كرهت خليت سبيلك. فإن رضيت بذلك (كانت الواجب) (١) على الزوج أن يوفيها حقها من المقام عندها والنفقة، أو يسرحها بإحسان ولا يحبسها على [الحيف] (٢)، (وليس يُجبر) (٣) الزوج على الوطء إذا عدل في المقام والنفقة، وكل ما اصطلحا عليه من شيء فهو جائز، وهو أن تترك له من مهرها، أو بعض أيامها (٤).\nروى خالد بن عرعرة (٥)، قال: سأل رجل عليًّا عن قوله: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا﴾ الآية. قال: \"تكون المرأة عند الرجل، فتنبو عينه عنها من دمامه أو كبر، فتفتدي منه بكره فرقته، فإن أعطته من مالها فهو له حل، وإن أعطته من أيامها فهو له حل\" (٦).\nواختلف القراء في قوله: (يَصّالَحَا) فقرئ: (يُصْلِحَا) (٧) أيضًا، فمن\n_________\n(١) هكذا في المخطوط، ولعل الصواب: \"كان الواجب\"، انظر: \"الكشف والبيان\" ٤/ ١٢٧ ب.\n(٢) ما بين المعقوفين في المخطوط: \"الخسف\"، والتصويب من \"الكشف والبيان\" ٤/ ١٢٧ ب.\n(٣) هكذا في المخطوط، والأولى: \"ولا يجبر\"، انظر: \"الكشف والبيان\" ٤/ ١٢٧ ب.\n(٤) من \"الكشف والبيان\" ٤/ ١٢٧ ب بتصرف يسير، وانظر: \"تفسير ابن عباس\" ص ١٦٠، والطبري ٥/ ٣٠٦، و\"معاني الزجاج\" ٢/ ١١٦، و\"بحر العلوم\" ١/ ٢٩٣، و\"النكت والعيون\" ١/ ٥٣٣.\n(٥) هو خالد بن عرعرة التيمي، سمع عليًّا وروى عنه سماك بن حرب والقاسم بن عوف الشيباني.\nانظر: \"التاريخ الكبير\" للبخاري ٣/ ١٦٣، و\"الجرح والتعديل\" ٣/ ٣٤٣.\n(٦) أخرجه بنحوه من طرق الطبري ٥/ ٣٠٦، وانظر: \"الدر المنثور\" ٢/ ٤١١.\n(٧) قراءة: \"يصّالَحا\" بتشديد الصاد المفتوحة بعدها مد لابن كثير ونافع وأبي عمرو وابن عامر وأبي يعقوب، وقرأ الباقون \"يُصْلحا\" بضم الياء وسكون الصاد. انظر: \"السبعة\" ص ٢٣٨، و\"الحجة\" ٣/ ١٨٣، و\"المبسوط\" ص ١٥٨.","vol":"7","page":129},{"text":"قرأ، (يَصّالحا) أراد: يتصالحا، فأدغم التاء في الصاد، وحجته أن الأشهر في الاستعمال في هذا النحو: تصالحا (١).\nوفي حرف عبد الله: (فلا جناح عليهما أن أصَّالَحا) (٢).\nوانتصب (صلحًا) في هذه القراءة على المصدر، ولكنه بحذف الزوائد كما قال:\nوإن يَهلِكْ فذلكَ كان قَدْري (٣)\nأي: تقديري. وقد يوضع الاسم موضع المصدر، كقول القطامي:\nوبعد عطائِكَ المائة الرِّتاعا (٤)\nقال أبو حاتم (٥): كأن المصدر على القياس: يصالحا اصالحًا وتصالحًا، ولكن هذا كقوله: ﴿أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا﴾ [نوح: ١٧]، ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ [المزمل: ٨]، مما يخالف المصدر المصدر (٦).\n\"ومن قرأ: ﴿يُصْلِحَا﴾ فإن الإصلاح عند التنازع والتشاجر أيضًا قد استعمل، كما استعمل: تصالحا، قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ\n_________\n(١) انظر: الطبري ٥/ ٣١٠، و\"الحجة\" ٣/ ١٨٣.\n(٢) \"الحجة\" ٣/ ١٨٣، وانظر: \"البحر المحيط\" ٣/ ٣٦٣.\n(٣) عجز بيت ليزيد بن سنان، وصدره:\nفإن يبرأ فلم أنفث عليه\n\"الحجة\" ٢/ ١٢٩، و\"حاشيته\" ٣/ ١٨٤.\n(٤) عجز بيت للقطامي، وصدره:\nأكفرًا بعد رد الموت عني\nوالمئة الرتاع من الإبل. \"الحجة\" ١/ ١٨٢، ٣/ ١٨٤، و\"الخصائص\" ١/ ٢٢١.\n(٥) هو سهل بن محمد بن عثمان بن القاسم النحوي السجستاني، تقدمت ترجمته.\n(٦) لم أقف على قول أبي حاتم، وقد أشار إليه مكي في \"الكشف\" ١/ ٣٩٩.","vol":"7","page":130},{"text":"جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ﴾ [البقرة: ١٨٢]، وقال: ﴿أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء: ١١٤].\nوالصلح على هذه القراءة اسم تعدى الفعل إليه كتعدِّيه إلى الأسماء. فقوله: (يُصلحا صلحًا) كقولك: \"أصلحت ثوبًا\" (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾.\nقال ابن عباس: \"يريد أعظم لثوابه وثوابها\" (٢).\nوقال الكلبي: والصلح خير من النشوز والإعراض والإقامة عليهما (٣).\nوقال الزجاج: الصلح خير من الفرقة (٤).\nقال أهل المعاني: يقول: إن يصالحا على شيء خير من أن يتفرقا، أو يُقيما على النشوز والإعراض (٥).\nوقوله تعالى: ﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾.\nالشح: البُخل، والشحيح: البخيل، وجمعه: أشحة (٦).\nقال الفراء: يقال: شح يشِحُّ، بكسر الشين. قال: وكذلك كل فعيل من النعوت إذا كان مضاعفًا، مثل: خفيف وذفيف (٧)، فهو على فَعَل يَفْعِل، ومثله: ضنين، وقد قالوا: ضنَّ يضنُّ، واللغة العالية: يَضنُّ (٨).\n_________\n(١) \"الحجة\" ٣/ ١٨٣، ١٨٤، وانظر: \"الكشف\" ١/ ٣٩٩.\n(٢) لم أقف عيه.\n(٣) لم أقف عيه.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١١٦.\n(٥) انظر: \"النكت والعيون\" ١/ ٥٣٣، و\"زاد المسير\" ٢/ ٢١٨.\n(٦) انظر: \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٨٣٥ (شح).\n(٧) ذفيف بمعنى: خفيف سريع. انظر: \"اللسان\" ٣/ ١٥٠٥ (ذفف).\n(٨) في \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٨٣٦ (شح).","vol":"7","page":131},{"text":"قال ابن عباس: \"يريد والغالب على نفس المرأة الشح على نصيبها من زوجها ومالها\" (١). وهو قول سعيد بن جبير (٢).\nوقال الفراء: ضن الرجل بنصيبه ميت الشابة، وضنت الكبيرة بنصيبها منه (٣).\nوهو قول جماعة من المفسرين، قالوا: شحت المرأة بنصيبها من زوجها، وشح الرجل بنصيبه من الأخرى (٤).\nوقال الحسن وابن سيرين: أُحضرت نفس كل واحد من الرجل والمرأة والشح (٥) بحقه قبل صاحبه، فالمرأة تشحّ على مكانها من زوجها، والرجل يشحّ على المرأة بنفسه، إذا كان غيرها أحب إليه منها (٦). وهذا قول الزجاج (٧).\nوقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا﴾.\nقال ابن عباس: يريد حسن المعاشرة والصحبة، وتتقوا الله فإنها أمانة (٨).\n_________\n(١) أخرجه بنحو الطبري ٥/ ٣١٠، وابن المنذر، انظر: \"الدر المنثور\" ٢/ ٤١٢.\n(٢) أخرجه عنه من طرق الطبري ٥/ ٣١١، وانظر: \"النكت والعيون\" ١/ ٥٣٣.\n(٣) \"معاني القرآن\" ١/ ٢٩١.\n(٤) من \"الكشف والبيان\" ٤/ ١٢٨ ب، وانظر: الطبري ٥/ ٣١١ - ٣١٢، و\"بحر العلوم\" ١/ ٣٩٣، و\"النكت والعيون\" ١/ ٥٣٣، و\"زاد المسير\" ٢/ ٢١٩.\n(٥) هكذا في المخطوط، ولعل الواو زائدة من الناسخ.\n(٦) ذكره عن الحسن الماوردي في \"النكت والعيون\" ١/ ٥٣٣، ولم أقف عليه عن ابن سيرين.\n(٧) في \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١١٦.\n(٨) لم أقف عليه.","vol":"7","page":132},{"text":"وقال الكلبي: \"يعني تُصلحوا وتتقوا الجوز والميل\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-805>١٢٩ </span>- وقوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾.\nقال المفسرون: يقول: لن تقدروا على التسوية بينهن في المحبة التي هي ميل الطباع؛ لأنَّ ذلك مما لا تقدرون عليه ولو اجتهدتم (٢).\nقال الضحاك: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا﴾ يعني: في الحب والجماع (٣).\nوقوله تعالى: ﴿فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ﴾.\nإلى التي تحبون في النفقة والقسمة (٤). يقول: لا تقدرون على العدل في الحب، ولكن قربوا حالهن من العدل في القسم، وما تملكون من الأمر.\nقال أبو عبيد: لا يقدر أحد على العدل بين الضرائر بقلبه، وليس يُؤاخذ به؛ لأنه لا يستطيعه ولا يملكه، ولكن عليه أن لا يميل بنفسه، وهو الذي وقع عليه النهي (٥).\nوقال مجاهد: ولن تستطيعوا العدل بينهن فلا تتعمدوا الإساءة (٦).\n_________\n(١) انظر: \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ٩٩.\n(٢) انظر: الطبري ٥/ ٣١٢ - ٣١٣، و\"بحر العلوم\" ١/ ٣٩٣، و\"الكشف والبيان\" ٤/ ٢١٨ ب.\n(٣) أخرجه الطبري ٥/ ٣١٣ - ٣١٤ ولفظه: \"في الشهوة والجماع\"، وفي لفظ آخر: \"في الجماع\".\n(٤) \"الكشف والبيان\" ٤/ ١٢٨ ب\n(٥) لم أقف عليه.\n(٦) \"تفسيره\" ١/ ١٧٨، وأخرجه الطبري ٥/ ٣١٥، وابن المنذر والبيهقي. انظر: \"الدر المنثور\" ٢/ ٤١٣.","vol":"7","page":133},{"text":"قال الشافعي - ﵁ -: بلغنا أن رسول الله - ﷺ - كان يقسم فيقول: \"اللهم هذا قسمي فيما أملك، وأنت أعلم بما لا أملك\" (١).\nيعني -والله أعلم- قلبه وفرط محبته لعائشة ﵂.\nوكان عمر -﵁- يقول: اللهم أما قلبي فلا أملك، وأما ما سوى ذلك فأرجو أن أعدل (٢).\nوقوله تعالى: ﴿فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ قال ابن عباس: يريد لا أيمًا، ولا ذات بعل (٣).\nوهو قول جميع أهل التفسير (٤)، يقول: لا تميلوا إلى الثانية كل الميل، فتدعوا الأخرى كالمنوطة مثلًا، لا في الأرض ولا في السماء، كذلك هذه، لا تكون مخلية فتتزوج، ولا ذات بعل يُحسن عشرتها ونفقتها.\n﴿وَإِنْ تُصْلِحُوا﴾ بالعدل في القسم. ﴿وَتَتَّقُوا﴾ الجور.\n﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ لما ملت إلى التي تحبها بقلبك، بعد العدل في القسمة (٥).\n_________\n(١) أخرجه أبو داود (٢١٣٤) كتاب: النكاح، باب: القسمة بين النساء، وقال أبو داود يعني القلب، والنسائي (١١٤٠) كتاب عشرة النساء، باب: (٢) ميل الرجل إلى بعض نسائه ٧/ ٦٣، والترمذي في كتاب: النكاح، باب: ما جاء في التسوية بين الضرائر ٣/ ٤٣٧، وحكم عليه النسائي والترمذي بالإرسال، لكن آخره: \"فلا تلمني فيما تملك ولا أملك\".\n(٢) من \"الكشف والبيان\" ٤/ ١٢٩ أ، وانظر: \"البحر المحيط\" ٣/ ٣٦٥.\n(٣) \"تفسيره\" ص ١٦١، وأخرجه الطبري ٥/ ٣١٦، وانظر: \"الدر المنثور\" ٢/ ٤١٣.\n(٤) انظر: الطبري ٥/ ٣١٦ - ٣١٧، و\"بحر العلوم\" ١/ ٣٩٣، و\"الكشف والبيان\" ٤/ ١٢٩ أ، و\"النكت والعيون\" ١/ ٥١١.\n(٥) \"الكشف والبيان\" ٤/ ١٢٩ أ.","vol":"7","page":134},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-806>١٣٠ </span>- قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا﴾ ذكر الله جواز الصلح بين الزوجين إن أحبا أن يجتمعا ويتآلفا، فإن أبت الكبيرة الصلح، وأبت إلا التسوية بينها وبين الشابة، فتفرقا بالطلاق، فقد وعد الله تعالى لهما أن يغني كل واحد منهما عن صاحبه -بعد الطلاق- من فضله الواسع، كما أغنى كل واحد بصاحبه قبل الطلاق. وهذا تسلية لكل واحد منهما، وهذا معنى قول الكلبي وغيره (١).\nوقال ابن عباس في قوله: ﴿يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ﴾: يريد يُعوض للرجل ما يحب، ويعوض المرأة ما تُحب، ويوسع عليهما (٢).\nوقال الكلبي: (يُغني الله من رزقه) المرأة بزوج، والزوج بامرأة (٣).\n﴿وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا﴾ [النساء: ١٣٠].\nقال ابن عباس: \"يريد لجميع خلقه\" (٤).\nوقال الكلبي: واسعًا لهما في النكاح (٥) يعني: حيث أباح لهما الاستبدال.\nوقال أصحاب المعاني: إنما جاز وصف الله بأنه واسع لما فيه من المبالغة في الصفة، وذكر أنه واسع الرزق، واسع الفضل، واسع الرحمة، وواسع القدرة. ولو ذكر على الأصل لاقتصر على واحد منها، وإذا أطلق ذهب الوهم إلى جميعها، فكان أبلغ في الصفة من هذه الجهة (٦).\n_________\n(١) انظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٢٢٠، و\"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ٩٩.\n(٢) انظرت \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ٩٩.\n(٣) انظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٢٢٠، و\"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ٩٩.\n(٤) لم أقف عليه.\n(٥) \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ٩٩.\n(٦) انظر: \"البحر المحيط\" ٣/ ٣٦٦","vol":"7","page":135},{"text":"وقوله تعالى: ﴿حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٣٠]. قال ابن عباس: يريد فيما حكم ووعظ (١).\nوقال الكلبي: حكم على الزوج إمساكها بمعروف أو تسريحها بإحسان (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-807>١٣١ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ الآية.\nقال أصحاب المعاني: لما ذكر الله أنه يُغني من سعته، أشار إلى ما يوجب الرغبة إليه في طلب الخير منه، لأنه الذي يملك السموات والأرض، ولا تفنى خزائنه (٣).\nثم ذكر الوصية بتقوى الله مُجملة فقال: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ قال ابن عباس: يريد اليهود والنصارى (٤).\n﴿وَإِيَّاكُمْ﴾ أوصى. ﴿أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾.\nقال الأخفش: أي: بأن اتقوا الله (٥)، كقوله:\nأمرتك الخير ... البيت (٦)\nقال الكسائي: يقال أوصيتك أن أفعل كذا، وأن تفعل كذا، كلٌّ\n_________\n(١) لم أقف عليه.\n(٢) انظر: \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ٩٩.\n(٣) انظر: الطبري ٥/ ٣١٨، و\"زاد المسير\" ٢/ ٢٢٠، و\"البحر المحيط\" ٣/ ٣٦٦.\n(٤) انظر: \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ٩٩.\n(٥) انظر: \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ٤٥٩، و\"مشكل إعراب القرآن\" ١/ ٢٠٩، و\"الدر المصون\" ٤/ ١١٢.\n(٦) لعل البيت كما أشار إلى ذلك فضيلة المشرف كما يلي:\nأمرتك الخير لكن ما أتمرت به ... وما استقمت فما قولي لك استقم\nولم أقف عليه.","vol":"7","page":136},{"text":"عربي، ويقال: ألم آمرك أن ائت زيدًا، وأن تأتي زيدًا؟ قال الله تعالى: ﴿إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ﴾ ثم قال ﴿وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ١٤] على النهي بعد قوله: ﴿أَنْ أَكُونَ﴾ وهي قراءة أُبي: (ولا أكون من المشركين)، وقال: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي﴾ [النمل: ٩١] ولو كان على الأمر: أن أعبد -جزمًا-، لكان صوابًا (١).\nثم بيّن أن نفع التقوى عائد إلى العباد، بأنه جل وعز غني عنهم وعن جميع الأشياء فقال:\n﴿وَإِنْ تَكْفُرُوا﴾ أي: بما أوصيكم به.\nقال المفسرون: يعني: أن له ملائكة في السموات والأرض هم أطوع له منكم (٢).\n﴿وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا﴾. معنى الغني: الذي لا حاجة له (٣)، والله تعالى غني بذاته، لا بشيء، ولهذا قال أصحابنا: الغني هو القادر على ما يريد؛ لأنه إنما يستغني بقدرته على ما يريد (٤).\nوالحميد: المحمود على نعمه (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-808>١٣٣ </span>- قوله تعالى: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ﴾. قال أهل المعاني: في الآية محذوف، على تقدير: إن يشأ يذهبكم يُذهبكم (٦)؛ لأنه\n_________\n(١) لم أقف على كلام الكسائي.\n(٢) \"الكشف والبيان\" ٤/ ١٣٠ ب.\n(٣) انظر: الطبري ٥/ ٣١٨.\n(٤) من \"الكشف والبيان\" ٤/ ١٣٠ ب. وهذا من تأويل الأشاعرة للصفات، حيث أول الغنى بالقدرة.\n(٥) انتهى المؤلف من تفسير الآية (١٣١)، وأتى بعدها بتفسير الآية (١٣٣) وترك ما بينهما.\n(٦) انظر: الطبري ٥/ ٣١٩٥","vol":"7","page":137},{"text":"ليس على معنى إن كانت له مشيئة ما أذهبكم، ولكن مشيئته الإذهاب.\nقال ابن عباس: يريد المشركين والمنافقين (١).\n﴿وَيَأْتِ بِآخَرِينَ﴾ قال: يريد قومًا من قريش، لم يكونوا هاجروا ثم أسلموا بعد الفتح (٢).\nوقال مقاتل: يخلق غيركم، أمثل وأطوع لله منكم (٣).\nوروى عن النبي - ﷺ - أنه لما نزلت هذه الآية ضرب بيده على ظهر سلمان (٤)، فقال: \"قوم هذا\" يعني: عجم الفرس (٥).\nوقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا﴾ عند أهل المعاني، أن المعنى: ولم يزل الله على ذلك قديرًا، ولا يزال كذلك، لأن كل صفة استحقها القديم فهي لازمة، لا يحدث ما يوجب تغيُّرها، فبهذا عرفنا أنَّ المعنى: كان ويكون قديرًا، إلا أنه وكل إلى الاستدلال لرياضة الأفهام، فذكر بلفظ: كان (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-809>١٣٤ </span>- قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا﴾ قال ابن عباس: يريد متاع الدنيا (٧).\n_________\n(١) انظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٢٢١، و\"البحر المحيط\" ٣/ ٣٦٧.\n(٢) لم أقف عليه.\n(٣) \"تفسيره\" ١/ ٤١٣.\n(٤) هو أبو عبد الله سلمان الفارسي، ويعرف بسلمان الخير، صحابي جليل، مولى رسول الله - ﷺ - وقصة إسلامه مشهورة، وكان من المعمرين، توفي ﵁ سنة ٣٤ هـ. انظر: \"الاستيعاب\" ٢/ ١٩٤، و\"أسد الغابة\" ٢/ ٤١٧، و\"الإصابة\" ٢/ ٦٢، و\"التقريب\" ص ٢٤٦ رقم (٢٤٧٧).\n(٥) أخرجه الطبري ٥/ ٣١٩ وبين أحمد شاكر أن في إسناده ضعفًا. وانظر: \"النكت والعيون\" ١/ ٥٣٣ - ٥٣٤.\n(٦) لم أقف عليه.\n(٧) انظر: \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص٩٩","vol":"7","page":138},{"text":"﴿فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ قال: يريد المهاجرين والأنصار والتابعين بإحسان، ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا﴾ لدعائكم، ﴿بَصِيرًا﴾ بكم، حيث جعل فيكم دينه، واستودعكم فرائضه (١).\nوقال مجاهد: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا﴾ فإن الله تعالى يُعطي على نية الآخرة ما شاء من الدنيا، ولا يعطي على نية الدنيا شيئًا من الآخرة (٢).\nوقال أبو إسحاق: كان مشركوا العرب لا يؤمنون بالبعث، وكانوا مقرين بأن الله خالقهم، فكان تقربهم إلى الله ﷿ إنما هو ليعطيهم من خير الدنيا، ويصرف عنهم شرها، فأعلم الله جل وعز أن خير الدنيا والآخرة عنده (٣). وهذا هو القول.\nوقال غيره: ثواب الدنيا: الغنيمة والمنفعة التي ينالها المجاهد، وثواب الآخرة: النعيم الذي (يعطه) (٤) الله في الآخرة (٥).\nوقوله تعالى: ﴿فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ أي: فليطلب المجاهد الثوابين، فإنهما عند الله، لا يضيق ولا يمتنع بأحدهما إعطاء الآخر.\nوتأويل قوله ﴿فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ فينبغي أن يطلب من عنده ثواب الدنيا والآخرة.\nعند: جواب الشرط، لأن عنده ثواب الدنيا والآخرة، وقعت هذه الإرادة أو لم تقع.\n_________\n(١) لم أقف عليه\n(٢) لم أقف عليه.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١١٧، وانظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٢٢١.\n(٤) هكذا في المخطوط، والصواب: \"يعطيه\".\n(٥) انظر: \"الكشف والبيان\" ٤/ ١٣١ أ، و\"النكت والعيون\" ١/ ٥٣٤.","vol":"7","page":139},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-810>١٣٥ </span>- قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ﴾\nالقسط: العدل (١)، ومضى الكلام فيه (٢).\nوقوّام مبالغة من قائم، كأنه قيل: كونوا قائمين بالقسط (٣).\nوالقائم بالشيء معناه الكفيل به الذي يأتي به على وجهه.\nقال ابن عباس: معناه: كونوا قوَّالين بالعدل في الشهادة، على من كانت، ولو على أنفسكم (٤).\nوانتصب قوله: ﴿شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾ على الحال من ﴿قَوَّامِينَ﴾، ويجوز أن يكون خبر ﴿كُونُوا﴾، على أن لها خبرين بمنزلة خبر واحد، ونحو هذا: حلو حامض، وجائز أن يكون صفة لقوامين (٥).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾، قال عطاء: يريد وقولوا الحق، ولو على أنفسكم، وإن كان فيه مضرة عليكم (٦).\nوشهادة الإنسان على نفسه: هو إقراره بما عليه من الحق (٧)، وذلك الإقرار شهادة منه على نفسه، فكأنه قيل: ولو كان لأحد عليكم حق فأقروا به على أنفسكم.\n_________\n(١) انظر: الطبري ٥/ ٣٢٠، و\"معاني الزجاج\" ٢/ ١١٧، و\"زاد المسير\" ٢/ ٢٢٢.\n(٢) انظر تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ [النساء: ٣].\n(٣) انظر: الطبري ٥/ ٣٢١، و\"زاد المسير\" ٢/ ٢٢٢.\n(٤) من \"الكشف والبيان\" ٤/ ١٣١، والأثر بمعناه في تفسير ابن عباس ص ١٦١، وأخرجه الطبري ٥/ ٣٢٢، من طريق علي بن أبي طلحة أيضًا.\n(٥) انظر: \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ٤٦٠، و\"الدر المصون\" ٤/ ١١٣، وقد رجح كل منهما القول الأول.\n(٦) لم أقف عليه.\n(٧) \"النكت والعيون\" ١/ ٥٣٤، وانظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٢٢٢.","vol":"7","page":140},{"text":"وقال أبو إسحاق: المعنى: قوموا بالعدل واشهدوا الله (١) بالحق، وإن كان الحق على نفس الشاهد، أو على والديه، أو أقربيه (٢).\nوقوله تعالى: ﴿إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا﴾ اسم كان مضمر، على تقدير: إن يكن المشهود عليه ومن يخاصم غنيًا أو فقيرًا (٣).\nقال ابن عباس: يقول: لا تُحابوا غنيًا لغناه، ولا ترحموا فقيرًا لفقره (٤).\nقال عطاء: يريد يكونون عندكم سواء، لا تحيفوا على الفقير، ولا تُعظِّموا الغني، وتمسكوا عن القول فيه (٥).\nيريد: يكون شأنكم العدل والصدق في القريب والبعيد، والغني والفقير.\nوقوله تعالى: ﴿فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا﴾ ولم يقل به وكان الغنى والفقر صفة مشهود عليه واحد، لأن المعنى: فالله أولى بكل واحد منهما.\nقال الزجاج: أي: إن يكن المشهود عليه غنيًّا فالله أولى به، وكذلك إن يكن المشهود عليه فقيرًا فالله أولى به (٦). فجمعهما في الكناية لهذا المعنى.\nومعنى: ﴿فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا﴾ أي: أعلم بهما منكم؛ لأنه يتولى علم أحوالهما من الغنى والفقر.\nوهذا معنى قول الحسن: الله أعلم بغناهم وفقرهم (٧).\n_________\n(١) في \"معاني الزجاج\": لله، وهو الأظهر.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١١٨، وانظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٢٢٢.\n(٣) انظر: الطبري ٥/ ٣٢٣، و\"معاني الزجاج\" ٢/ ١١٨، و\"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ٤٦٠، و\"زاد المسير\" ٢/ ٢٢٢.\n(٤) \"الكشف والبيان\" ٤/ ١٣١ ب.\n(٥) انظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٢٢٢.\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١١٨، وانظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٢٢٢.\n(٧) انظر: \"تفسير كتاب الله العزيز\" ١/ ٤٣٠، و\"معالم التنزيل\" ٢/ ٢٩٨.","vol":"7","page":141},{"text":"وقوله تعالى: ﴿فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا﴾، أكثر المفسرين على أن هذا من العدول الذي هو الميل والجور، على معنى: واتقوا أن تعدلوا (١)، فحذف؛ لأن في النهي عن اتباع الهوى دليلًا على الأمر بالتقوى.\nوهذا معنى قول مقاتل، لأنه قال: ﴿فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى﴾ في الشهادة، واتقوا الله ﴿أَنْ تَعْدِلُوا﴾ عن الحق إلى الهوى (٢).\nوقال ابن عباس: يريد أن تميلوا عن العدل، وهو قول الكلبي أيضًا (٣).\nوعند الفراء والزجاج: يجوز أن يكون ﴿تَعْدِلُوا﴾ من العدل على معنى: ولا تتبعوا الهوى لتعدلوا، كما تقول: لا تتبعن هواك لترضي ربك، أي: أنهاك عن هذا كيما (٤) ترضي ربك. قاله الفراء (٥).\nوقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا﴾ يجوز أن يكون من لوي بمعنى المدافعة (٦)، ويجوز أن يكون من لوى الشيء إذا قتله (٧)، وكلاهما قريب.\nقال مجاهد: ﴿وَإِنْ تَلْوُوا﴾ تبدِّلوا الشهادة ﴿أَوْ تُعْرِضُوا﴾ تكتموها فلا تقيموها (٨).\n_________\n(١) دعوى أن أكثر المفسرين على هذا القول فيها نظر، فلم أجد من ذهب إلى ذلك غير الطبري مع أنه أشار إليه إشارة في \"تفسير الطبري\" ٥/ ٣٢٣، وقد عزاه في \"زاد المسير\" ٢/ ٢٢٢، إلى مقاتل، وانظر: \"الدر المصون\" ٤/ ١١٧.\n(٢) \"تفسيره\" ١/ ٤١٤، وانظر: و\"زاد المسير\" ٢/ ٢٢٢.\n(٣) لم أقف عليهما.\n(٤) في المخطوط \"كما\"، وهو تصحيف ظاهر، انظر: \"معاني الفراء\" ١/ ٢٩١.\n(٥) \"معاني القرآن\" ١/ ٢٩١، وانظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" للزجاج ٢/ ١١٨.\n(٦) انظر: الطبري ٥/ ٣٢٥، و\"معاني الزجاج\" ٢/ ١١٨.\n(٧) انظر: \"اللسان\" ٧/ ٤١٠٧ (لوى).\n(٨) \"تفسيره\" ١/ ١٧٨، وأخرجه الطبري ٥/ ٣٢٣ من طرق، وعزاه السيوطي في \"الدر المنثور\" ٢/ ٤١٤ إلى البيهقي.","vol":"7","page":142},{"text":"وهذا من ليّ اللسان، كأنه لواها من الحق إلى الباطل. ونحو ذلك قال السدي: اللي: الدفع والإعراض: الجحود (١). وهو من قولهم: [لوى] (٢) حقه، إذا مطله ودفعه (٣).\nوقال مقاتل: ﴿وَإِنْ تَلْوُوا﴾ يعني التحريف للشهادة، يلجلج بها لسانه فلا يقيمها ليبطل شهادته، ﴿أَوْ تُعْرِضُوا﴾ عنها فلا تشهدوا بها (٤).\nوقال عطية العوفي: ﴿وَإِنْ تَلْوُوا﴾ \"تلجلجوا في الشهادة فتفسدوها، ﴿تُعْرِضُوا﴾ بتركها\" (٥).\nوفي قوله: ﴿وَإِنْ تَلْوُوا﴾ قراءتان: إحداهما - بواوين. والأخرى تلُوا اللام (٦).\nفمن قرأ بواوين فحجته: ما رُوي عن ابن عباس أنه فسر هذا بأنه القاضي، ليُّهُ وإعراضه لأحد الخصمين على الآخر (٧).\n_________\n(١) أخرجه بمعناه الطبري ٥/ ٤٢٤، وانظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٢٢٣.\n(٢) ما بين المعقوفين في المخطوط: \"لوا\" وهو خطأ في \"الإملاء\".\n(٣) انظر: الطبري ٥/ ٤٢٥، و\"معاني الزجاج\" ٢/ ١١٨، و\"الكشف والبيان\" ٤/ ١٣١ ب، و\"النكت والعيون\" ١/ ٥٣٤.\n(٤) \"تفسيره\" ١/ ٤١٤.\n(٥) أخرجه الطبري ٥/ ٣٢٤.\n(٦) هكذا في المخطوط، ولعل في الكلام سقطًا، فإن استقامة الكلام: \"بواو واحدة وضم اللام\" انظر: \"الحجة\" ٣/ ١٨٥، وهذِه القراءة لحمزة وابن عامر، والقراءة الأولى للباقين. انظر: \"السبعة\" ص ٢٣٩، و\"الحجة\" ٣/ ١٨٥، و\"المبسوط\" ص ١٥٩، و\"تحبير التيسير في قراءات الأئمة العشرة\" ص ١٠٦.\n(٧) \"الحجة\" ٣/ ١٨٥، والأثر عن ابن عباس أخرجه الطبري ٥/ ٣٢٣، وانظر: \"الكشف والبيان\" ٤/ ١٣٢ أ، و\"زاد المسير\" ٢/ ٢٢٣","vol":"7","page":143},{"text":"قال الزجاج: وجاء في التفسير أن لوى الحاكم في قضيته: أو أعرض (١).\n﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [النساء: ١٣٥] قال (٢): ويقال: لويت فلانًا حقه، إذا دافعته به ومطلته.\nوكذلك جميع ما حكينا عن المفسرين في هذا الحرف يدل على صحة هذه القراءة.\nقال الزجاج: وهذا هو الأشبه على ما جاء في التفسير (٣).\nوحجة من قرأ: ﴿تلوا﴾ بواو واحدة أن يقول: إن ﴿تلوا﴾ في هذا الموضع حسن، لأن ولاية الشيء إقبال عليه، وخلاف الإعراض عنه، فالمعنى: إن تقبلوا أو تعرضوا، فلا تلوا، فإن الله كان بما تعملون خبيرًا، فيجازي المحسن المقبل بإحسانه، والمسيء المعرض بإعراضه (٤).\nوقال المبرد: إن للولاية ههنا وجهًا حسنًا، يقول: إن تلوا إقامتها أو تعرضوا عن إقامتها (٥).\nوقال قطرب: (إن تلوا) من الولاية، يريد: إن تلوا القيام بالحق وتتولوه، أو تعرضوا عنه فلا تقوموا به (٦).\nوذكر أبو إسحاق والفراء جميعًا لهذه القراءة وجهًا آخر: وهو أنه يجوز أن يكون (تلُوا) أصله: تَلْوُوا، فأبدل من الواو المضمومة همزة، ثم\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١١٨ لكن فيه: \"أنَّ\" لوى الحاكم في قضيته: \"أعرض\". فلعل الصواب. أي أعرض.\n(٢) أي: الزجاج.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١١٨.\n(٤) \"الحجة\" ٣/ ١٨٥، وانظر: \"إعراب القراءات السبع\" لابن خالويه ١/ ١٣٨.\n(٥) لم أقف عليه.\n(٦) لم أقف عليه.","vol":"7","page":144},{"text":"طرحت الهمزة، ونقلت حركتها إلى اللام، فصار تلوا، كما قيل في أدؤُرٍ: أدوُرٍ، ثم طرحت الهمزة فصار آدرُ (١). والوجه الأول أجمعا عليه أيضًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-811>١٣٦ </span>- قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ قال ابن عباس: فيما روى الكلبي عن أبي صالح عنه: نزلت هذه الآية في مؤمني أهل الكتاب، قالوا: يا رسول الله إنا نؤمن بك وبكتابك وبموسى والتوراة، ونكفر بما سواه من الكتب والرسل (٢).\nقال الضحاك: الخطاب لليهود والنصارى، يقول: يا أيها الذين آمنوا بموسى والتوراة، وعيسى والإنجيل، آمنوا بمحمد والقرآن (٣).\nوقال أبو العالية وجماعة من المفسرين: الآية خطاب للمؤمنين، وتأويل: ﴿آمَنُوا بِالله﴾ أي: أقيموا واثبتوا ودوموا عليه (٤).\nقال الزجاج: وهذا كما قال الله ﷿: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً﴾ [الفتح: ٢٩] المعنى: وعد الله من أقام على الإيمان من أصحاب محمد - ﷺ - (٥).\nوقال مجاهد: الآية خطاب للمنافقين، وذلك أنهم أمنوا في الظاهر بألسنتهم، وكفروا في السر بقلوبهم، فقال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ\n_________\n(١) من \"معاني القرآن وإعرابه\" للزجاج ٢/ ١١٨، وانظر: \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٢٩١.\n(٢) أخرجه الثعلبي ٤/ ١٣٢ أ، وانظر: \"أسباب النزول\" للمؤلف ص ١٨٦، و\"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ١٠٠، و\"الدر المنثور\" ٢/ ٤١٤ - ٤١٥.\n(٣) أخرجه ابن المنذر بمعناه مطولًا كما في \"الدر المنثور\" ٢/ ٤١٤ - ٤١٥، وانظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٢٢٤.\n(٤) \"الكشف والبيان\" ٤/ ١٣٢ ب، وقد قال بهذا القول الحسن، انظر: \"النكت والعيون\" ١/ ٥٣٥، و\"زاد المسير\" ٢/ ٢٢٤.\n(٥) \"معاني القرآن إعرابه\" ٢/ ١١٩.","vol":"7","page":145},{"text":"آمَنُوا﴾ يعني: بالألسنة في العلانية ﴿آمَنُوا﴾ بقلوبكم في السر (١). ويدلك على هذا أن الله تعالى أخبر عنهم فقال: ﴿مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ﴾ [المائدة: ٤١].\nوهذان القولان ذكرهما الزجاج، ثم قال: والأول أشبه، والله أعلم (٢).\nوأبو بكر (٣) الوراق اختار أيضًا أن الآية في المؤمنين، وأن معني الأمر بالإيمان: الثبات عليه، واحتج بأن العرب تقول للقائم: قم، وللقارئ: اقرأ، يريدون الثبات على ذلك العمل، وقال الله تعالى لرسوله - ﷺ -: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩]، أي: أثبت على عملك (٤).\nوقوله تعالى: ﴿وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ﴾ قال ابن عباس: \"يريد القرآن وما فيه من الأحكام\" (٥).\n﴿وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ﴾ قال: \"يريد كل كتاب أنزله على النبيين\" (٦). وذلك أنه اسم الجنس، فصلح للعموم.\nواختلفوا في قوله: (نزل) و(أنزل)، فقرئ بالضم والفتح (٧)، فمن\n_________\n(١) انظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٢٢٤.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١١٩.\n(٣) لم يتبين لي من هو، حيث إني وجدت اثنين يطلق عليهما (أبو بكر الوراق). انظر: \"سير أعلام النبلاء\" ١٣/ ١٧٩، ١٦/ ٣٨٨.\n(٤) لم أقف عليه.\n(٥) انظر: \"الكشف والبيان\" ٤/ ١٣٢ ب، و\"تنوير المقباس\"، بهامش المصحف ص ١٠٠.\n(٦) المرجع السابق.\n(٧) أي بضم النون والألف وكسر الزاي فيهما، وبفتحهما مع فتح الزاي، وقرأ بالأولى ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر، وبالثانية الباقون. انظر: \"السبعة\" ص ٢٣٩، و\"الحجة\" ٣/ ١٨٦، ١٨٧، و\"المبسوط\" ص ١٥٩، و\"النشر\" ٢/ ٢٥٣.","vol":"7","page":146},{"text":"ضم: فحجته قوله: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]، وقوله: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ﴾ [الزمر: ١]، فأضيف المصدر إلى المفعول به، فالكتاب على هذا منزل. وحجته في قوله: (أَنْزَل) قوله: ﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ﴾ [الأنعام: ١١٤].\nومن قرأ بالفتح: فحجته قوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ﴾ [الحجر: ٩]، وقوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ﴾ [النحل: ٤٤] (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-812>١٣٧ </span>- قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا﴾ الآيةْ\nاختلفوا في هذه الآية، فذهب الأكثرون إلى أن المراد به اليهود.\nوهو قول ابن عباس في رواية عطاء، قال: \"هم قريظة والنضير\" (٢).\nونحو ذلك قال الكلبي وقتادة: آمنت اليهود بالتوراة، ثم كفرت بمخالفتها، ثم آمنت بالإنجيل، ثم كفرت بمخالفته (٣).\nوقال بعضهم: إن اليهود آمنوا بالتوراة وموسى، ثم كفروا بعزير، ثم آمنوا بداود، ثم كفروا بعيسى (٤).\nوكيف ما كان الأمر فقد أخبر الله عنهم بترددهم في الكفر.\nوقال مجاهد وابن زيد: نزلت في المنافقين، آمنوا، ثم ارتدوا، ثم آمنوا، ثم ارتدوا (٥).\n_________\n(١) \"الحجة\" ٣/ ١٨٧ بتصرف يسير، وانظر: \"معاني القراءات\" ١/ ٣٢٠ - وقد قال الأزهري: \"والمعنى واحد\"، و\"الكشف\" ١/ ٤٠٠.\n(٢) لم أقف عليه.\n(٣) المأثور عن قتادة كما في الطبري ٥/ ٣٢٧ أن المراد اليهود والنصارى. وانظر: \" الكشف والبيان\" ٤/ ١٣٣ أ، و\"النكت والعيون\" ١/ ٥٣٥.\n(٤) نسب هذا القول لابن عباس. انظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٢٢٥، و\"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ١٠٠.\n(٥) أخرج القول عنهما الطبري ٥/ ٣٢٧، وانظر: \"النكت والعيون\" ١/ ٥٣٦ - ٥٣٧، و\"زاد المسير\" ٢/ ٢٢٥ و\"الدر المنثور\" ٢/ ٤١٥.","vol":"7","page":147},{"text":"واختيار أبي علي أن هذا يُعني به المنافقون، قال: فالإيمان الأول دخولهم في الإسلام، وحقنُهم الدماء والأموال به، وكفرهم بعد نفاقهم، وأنَّ باطنهم على غير ظاهرهم. (وإيمانهم بعد نفيهم نفاقهم) (١) بقوله: ﴿إِنَّا مُؤْمِنُونَ﴾ [الدخان: ١٢]، في قوله: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا﴾ [البقرة: ١٤، ٧٦]، فهذا بعد الإظهار منهم للإيمان ثانية، يدخلون به في حكم الإسلام بعد الكفر، كما أن من جاء من المؤمنات مظهرات للإسلام داخلات في حكمه، لقوله: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ﴾ [الممتحنة: ١٠] فعُلِمن مؤمنات بما أظهرنه من ذلك، فكذلك هؤلاء، يكونون مؤمنين بإظهارهم الإيمان، بعدما علم منهم النفاق، وكفرهم بعد هذا الإيمان الثاني، قولهم إذا خلوا إلى شياطينهم، أي أصحابهم: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة: ١٤] (٢).\nوقوله تعالى: ﴿ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا﴾ قال الكلبي وقتادة: بمحمد - ﷺ - والقرآن (٣).\nوقال مجاهد والسدي والحسن: ماتوا على كفرهم (٤).\n_________\n(١) في \"الحجة\" لأبي علي ١/ ٣٢٤: \"وإيمانهم بعد يقيهم نفاقهم\".\n(٢) \"الحجة\" لأبي علي ١/ ٢٣٤.\n(٣) عن الكلبي انظر:\"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ١٠٠، أما عن قتادة فأخرجه الطبري ٩/ ٣١٥.\n(٤) أخرجه عن مجاهد: الطبري ٥/ ٣٢٧.\nوانظر: \"الكشف والبيان\" ٤/ ١٣٣ أ، وذكره عن الحسن الهواري في \"تفسير كتاب الله العزيز\" ١/ ٤٣١. ولم أقف عليه عن السدي. وقد أخرج ابن أبي حاتم مثله عن ابن عباس. انظر: \"تفسير ابن كثير\" ١/ ٦٢٤، و\"الدر المنثور\" ٢/ ٤١٥.","vol":"7","page":148},{"text":"وقال أبو العالية: ثم ازدادوا كفرًا بذنوب أصابوها في كفرهم (١).\nقال أبو عبيد: جعل أبو العالية إصابة الذنوب زيادة في الكفر، كما أن أعمال البر زيادةٌ في الإيمان (٢).\nوقال أبو علي: ما ازدادوه من الكفر إنما هو بقولهم: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة: ١٤] فهذا زيادة في الكفر. ويدل على أنَّ المستهزئ (٣) باستهزائه كافر، فيزداد به كفرًا إلى كفره قوله تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٠]، فإذا كان المجالس مثلهم وإن لم يُظهر ذلك ولم يعتقده، فالقاتل لذلك أشد ذهابًا في الكفر (٤).\nوقوله تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ إن قيل: إن الله ﷿ لا يغفر الكفر وقد أخبر به، فلم قال ههنا فيمن آمن ثم كفر، ثم آمن ثم كفر: ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾؟\nفالجواب: أن الله تعالى يغفر للكافرين (٥) كفره إذا آمن، فإن كفر بعد إيمانه لن يغفر له الكفر الأول، لأنه إذا كفر بعد إيمانٍ قبله كفر، كان مُطالبًا بجميع كفره.\nوهذا جواب ذكره الزجاج (٦)، وبه قال بعض الأصوليين (٧).\n_________\n(١) لم أقف عليه.\n(٢) لم أقف عليه.\n(٣) في المخطوط: \"المستهزئين\"، والتصويب من \"الحجة\" ١/ ٢٣٤.\n(٤) \"الحجة\" لأبي علي ١/ ٢٣٤، ٢٣٥.\n(٥) هكذا في المخطوط، والإفراد أظهر.\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١٢٠.\n(٧) لم أقف عليه.","vol":"7","page":149},{"text":"وكذلك قالوا في الذنوب: أن من تاب من ذنب ثم عاد في مثله، فقال القاضي أبو بكر من أصحابنا (١): إن توبته الأولى انتقصت (٢) حتى يلقى الله مؤاخذًا بحكم الزلة الأولى التي تاب عنها (٣).\nوقال الآخرون -وهو الاختيار-: إنَّ حكم ما تاب عنه بات على الصحة، وإن عاد إلى مثل ما تاب عنه (٤).\nوعلى هذا فالجواب أن يقال: إن هذا إخبار عن قوم انتقلوا عن الكفر إلى الإيمان، وعن الإيمان إلى الكفر (... و.... (٥» لحالهم، وأفردوا بذكر نفي المغفرة عنهم، وإن كان الله تعالى لا يغفر كفرًا مرة واحدة، تخصيصًا بالوعيد، كتخصيص جبريل وميكائيل من جملة الملائكة بالذكر تشريفًا وتعظيمًا، كذلك جاء هذا في نقيضه، ولا فرق بين أن يقول: إن اليهود لا يغفر الله لهم، وبين أن يقول: إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا لا يغفر الله لهم، لأنهم هم المعينون (٦) بهذا الوصف.\n_________\n(١) لعله شيخ الواحدي: أبو بكر الحيري.\n(٢) هكذا في المخطوط بالصاد المهملة، ولعلها بالضاد المعجمة.\n(٣) لم أقف عليه.\n(٤) الراجح -حسب ما ورد به الدليل- هو القول الأول كما قال ابن مسعود ﵁ قال: قال رجل: يا رسول الله، أنؤاخذ بما عملنا في الجاهلية؟ قال: \"من أحسن في الإسلام لم يؤاخذ بما عمل في الجاهلية، ومن أساء في الإسلام أخذ بالأول والآخر\". أخرجه البخاري (٦٩٢١) كتاب: استتابة المرتدين، باب: إثم من أشرك بالله، ومسلم (١٢٠) كتاب: الإيمان، باب: هل يؤاخذ بأعمال الجاهلية، وانظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٢٢٥، والقرطبي ٥/ ٤١٥.\n(٥) هنا كلمة غير واضحة، ولعلها: \"وتفحيش\" أو \"تقبيح\".\n(٦) هكذا في المخطوط، ولعل الصواب: \"المعنيون\" بتقديم النون.","vol":"7","page":150},{"text":"وأما من قال: إنه إذا كفر ثانيًا أخذ بالأول، فقد غلط (١)، لأنه صار بالإيمان كمن لم يكفر، كما أن التائب من الذنب صار كمن لا ذنب له، فلا يؤاخذ به بعد أن ارتفع حكمه، كما لا يؤاخذ بما لم يعمله وإن عزم على عمله.\nوقال الكلبي: \"لم يكن الله ليغفر لهم ما أقاموا على ذلك\" (٢).\nوذلك أن الله تعالى أخبر أنه يغفر كفر الكافر إذا انتهى، فإذا أطلق القول بأنه لا يغفر لهم على (٣) أن المراد به ما أقاموا عليه.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا﴾ قال الكلبي وغيره: سبيل هدى (٤). وقال الزجاج: معنى ﴿وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا﴾ أي: لا يجعلهم بكفرهم مهتدين (٥).\nوفي هذا دليل على أن الله تعالى لم يهد الكافر إلى الإيمان، خلافًا لقول القدرية (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-813>١٣٨ </span>- قوله تعالى: ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾.\nقال المفسرون: إن المنافقين كانوا يتولون اليهود فألحقوا بهم في التبشير بالعذاب (٧).\n_________\n(١) هذا الحكم فيه نظر؛ لأنه تقدم الحديث الصحيح الذي يدل على أن من كفر بعد إسلامه، أخذ بالأول والآخر.\n(٢) انظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٢٢٥، و\"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ١٠٠.\n(٣) هكذا في المخطوط، ولعلها: عُلم.\n(٤) انظر: \"الكشف والبيان\" ٤/ ١٣٣ أ، و\"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ١٠٠.\n(٥) \"معانى القرآن وإعرابه\" ٢/ ١٢٠.\n(٦) انظر: \"الكشف والبيان\" ٤/ ١٣٣ ب، والقرطبي ٥/ ٤١٦.\n(٧) انظر: \"تفسير الهواري\" ١/ ٤٣١، و\"الكشف والبيان\" ٤/ ١٣٣ ب.","vol":"7","page":151},{"text":"ومعنى بشرهم: أخبرهم، وذكرنا هذا في قوله: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ٢٥].\nوقال أبو حاتم والزجاج: معناه: اجعل وضع إخبارهم بالعذاب الأليم موضع البشارة لهم، كقول عمرو:\nوخيلٍ قد دَلْفتُ لهم بخيلٍ ... تحية بينهم ضرب وجيع (١)\nقال: والعرب تقول: تحيتك الضرب، وعتابك السيف (٢).\nوقال بعضهم في وجه اتصال هذه الآية: أنَّ الذين ترددوا في الكفر هم كالمنافقين في التحير في الدين (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-814>١٣٩ </span>- قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ﴾ هذا من صفة المنافقين الذين تقدم ذكرهم.\nقال الكلبي: المراد بالكافرين ههنا: اليهود (٤).\nوقول عطاء عن ابن عباس في قوله: ﴿أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ﴾: يريد بني قينُقاع (٥).\n_________\n(١) البيت في الكتاب ٢/ ٣٢٣، و\"معاني الزجاج\" ٢/ ١٢٠، و\"الكشف والبيان\" ٤/ ١٣٣ ب والخيل: الفرسان، ودلفت: زحفت، ورجيع: موجع. ووجيع.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١٢٠، وانظر: \"الكشف والبيان\" ٤/ ١٣٣ ب، و\"زاد المسير\" ٢/ ٢٢٦.\n(٣) لم أقف على هذا القول. وقد قال ابن عطية: \"في هذِه الآية دليل على أن التي قبلها إنما هي في المنافقين\" \"المحرر الوجيز\" ٤/ ٢٦٢، وانظر: \"البحر المحيط\" ٣/ ٣٧٣.\n(٤) \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ١٠٠.\n(٥) لم أقف عليه.","vol":"7","page":152},{"text":"وأصل العزة في اللغة: الشدة، ومنه قيل للأرض الصلبة الشديدة: عزاز، ويقال: استعز عليّ المرض، إذا اشتد مرضه وكاد أن يهلك، وتعزز اللحم، إذا اشتد، ومنه: عز عليّ أن يكون كذا، بمعنى: اشتد، وعز الشيء، إذا قل حتى لا يكاد يوجد، لأنه اشتد مطلبه، واعتز فلان بفلان، إذا اشتد ظهره به، وشاة عزوز، تحلب بشدة لضيق أحاليلها. والعزة: القوة، منقولة عن الشدة لتقارب معنييهما. والعزيز القوي المنيع، خلاف الذليل (١).\nوالكلبي فسر العزة في قوله: ﴿أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ﴾ بالظهور على محمد وأصحابه (٢). وهو راجع إلى معنى القوة، يعني: أيطلبون أن يتقووا بهم فيظهرون على المسلمين.\nوقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ أي الغلبة والقوة، والمعنى أنه لا تطلق صفة العزة إلا لله -﷿- (٣)، لأنه لا يُعتد بعزة أحد مع عزته، لصغرها واحتقارها في صفة عزته؛ ولأنه المقوِّي لجميع من له القوة من خلقه، فجميع العزة له؛ لأنه عزيز بعزة، ومعز من عز من عباده بما خلق له من العزة، فله العزة جميعًا من كل وجه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-815>١٤٠ </span>- قوله تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا﴾ الآية.\n_________\n(١) انظر: الطبري ٥/ ٣٢٩، و\"معاني الزجاج\" ٢/ ١٢٠، ١٢١، و\"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٤٢٠، ٢٤٢١ (عز)، و\"زاد المسير\" ٢/ ٢٢٧.\n(٢) انظر: \"الكشف والبيان\" ٤/ ١٣٤ أ، و\"زاد المسير\" ٢/ ٢٢٦.\n(٣) لعل المراد أن العزة على وجه الإطلاق لا تكون إلا لله.","vol":"7","page":153},{"text":"قال المفسرون: الذي نزّل في النهي عن مجالستهم ما نزل بمكة من قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ الآية [الأنعام: ٦٨] وكان المنافقون يجلسون إلى أحبار اليهود، فيسخرون من القرآن ويكذبون به فنهى الله ﷿ المسلمين (١).\nوقوله تعالى: ﴿أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا﴾ أي إذا سمعتم الكفر بآيات الله والاستهزاء بها، ولكن أوقع فعل السماع على الآيات والمراد بالسماع الاستهزاء (٢).\nقال الكسائي: وهو كمال تقول العرب: سمعت عبد الله يُلام، وأتيت عبد الله يُلام، إنما سمع اللوم فأوقع على الملوم (٣).\nوقوله تعالى: ﴿فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾.\nأي يأخذوا في حديث غير الكفر والاستهزاء، فكنى عنه لأن الفعل يدل على المصدر.\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾، قال ابن عباس: \"يريد إنكم كافرون مثلهم\" (٤).\nوهذا دليل على الوعيد لمن رضي بحالهم وما هم عليه من الكفر والاستهزاء (٥)، أو من رضي بالكفر فهو كافر، ويدل على أن من رضي بمنكر وخالط أهله وإن لم يباشر ذلك كان في الإثم والمعصية بمنزلة\n_________\n(١) من \"الكشف والبيان\" ٤/ ١٣٤ أبتصرف، وانظر: \"بحر العلوم\" ١/ ٣٩٨، والبغوي ٢/ ٣٠١، و\"الكشاف\" ١/ ٣٠٥، و\"زاد المسير\" ٢/ ٢٢٨، و\"الدر المنثور\" ٢/ ٤١٥.\n(٢) انظر: القرطبى ٥/ ٤١٧، ٤١٨.\n(٣) لم أقف عليه عن الكسائي، وانظر: القرطبي ٥/ ٤١٨.\n(٤) لم أقف عليه.\n(٥) انظر: الطبري ٥/ ٣٣٠.","vol":"7","page":154},{"text":"المباشر، ألا ترى أن الله ذكر لفظ المماثلة في هذا الموضع (١)، وقد قال ابن عباس في قوله: ﴿فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ﴾: \"يريد وأنتم تسمعون وتجالسونهم ولا تغضبون\" (٢) فدل هذا أن النهي عن القعود معهم على الرضا بما هم عليه. فأما إذا قعد ساخطًا منكرًا لفعلهم فإنه لا يكون مثلهم (٣).\nوقال ابن عباس في قوله في سورة الأنعام: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا﴾ الآية [الأنعام: ٦٨]: \"دخل فيها كل مُحدث في الدين وكل مبتدع إلى يوم القيامة\" (٤). يريد أن من أحدث في الدين فقد خاض في آيات الله بالباطل.\nوقد ورد النهي في هذه الآية التي نحن فيه (٥) عن القعود مع الذين يخوضون في آيات الله بالباطل، فلا يجوز القعود عند كل صاحب بدعة وإحداث في الدين، سيما في القرآن وتفسيره (٦).\nوقال أهل العلم: إنما ورد النهي عن القعود مطلقًا، لأن (المجالسة) (٧) مع قوم يقتضي المؤانسة والمشاركة فيما يجرى من المحادثة، هذا هو الغالب في العادة، وقيل من يُجالس قومًا منكرًا عليهم بأخطاء لما يجري بينهم.\n_________\n(١) انظر: \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ٤٦٢، و\"بحر العلوم\" ١/ ٣٩٨، والبغوي ٢/ ٣٠١، والقرطبي ٥/ ٤١٨.\n(٢) لم أقف عليه.\n(٣) لم أجد مثل هذا القول عند المفسرين، وهو خلاف ظاهر الآية.\n(٤) \"الكشف والبيان\" ٤/ ١٣٤ أ، وانظر: البغوي ٢/ ٣٠١.\n(٥) هكذا في المخطوط، ولعل الصواب: \"فيها\".\n(٦) انظر: الطبري ٥/ ٣٣٠\n(٧) هذه الكلمة غير واضحة في المخطوط، وما أثبته قريب.","vol":"7","page":155},{"text":"وكل من تمكن من إزالة منكر يرى قومًا عليه كان واجبًا عليه الإزالة وإذا لم يتمكن فالأولى أن يتباعد عنهم (١)، فإن لم يتباعد مع سخطه لما يرى لم يضره إن شاء الله (٢).\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ يريد أنهم كما اجتمعوا على الاستهزاء بالآيات يجتمعون في جهنم على العذاب.\nوأراد (جامعٌ) بالتنوين، لأنه لم يجمعهم قبل، ولكن حذف التنوين استخفافًا من اللفظ: وهو مراد في المعنى (٣)، وقد تقدمت نظائره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-816>١٤١ </span>- قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ﴾ الآية.\nوهذا أيضًا من صفة المنافقين.\nوالتربص بالشيء أن ينتظر به يومًا (٤)، قال الشاعر:\nتربَّص بها ريبَ المنونِ لعلها ... تُطَلَّق يومًا أو يموتُ حَليلُها (٥)\nقال الكلبي: ينتظرون بكم الدوائر.\n﴿فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ﴾ أي: ظهور على اليهود.\n﴿قَالُوا﴾ للمؤمنين.\n_________\n(١) انظر: \"بحر العلوم\" ١/ ٣٩٨، والقرطبي ٥/ ٤١٨.\n(٢) هذا مخالف لظاهر هذه الآية من قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ﴾.\n(٣) انظر: \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ٤٦٢.\n(٤) \"العين\" ٧/ ١٢٠، و\"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٣٤٤ (ربص)، وفي الأخير: \"يومًا ما\".\n(٥) في المخطوطة: \"أخليلها\"، والظاهر أنه تصحيف، انظر: \"لسان العرب\" ٣/ ١٥٥٨ (ربص). ولم أقف على قائل هذا البيت.","vol":"7","page":156},{"text":"﴿أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ﴾ أي أعطونا من الغنيمة. قاله المفسرون (١).\n﴿وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ﴾ يعني اليهود. قاله الكلبي (٢).\n﴿نَصِيبٌ﴾ قال ابن عباس: يريد ظفر على المسلمين (٣).\n﴿قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ﴾ قال الفراء. استحوذ عليهم، أي: غلب عليهم (٤).\nوقال الليث: استحوذ عليه الشيطان، إذا غلب عليه (٥).\nوقال أبو طالب: يقال أحوذ الشيء، إذا جمعه وضمه، ومنه يقال: استحوذ على كذا، إذا حواه (٦)، قال لبيد:\nإذا اجتمعت وأحوذَ جانبيها ... وأورَدَها على عُوجٍ طِوَالِ (٧)\nهذا هو الأصل، ثم جعلوا الاستحواذ بمعنى الاستيلاء على الشيء، لأن المستولي على الشيء بمنزلة المحيط به، وكذلك يقال: حاز الحمار أتنه إذ استولى عليها وجمعها (٨)، ومنه قول العجاج:\nيحُوذُهن وله حُوذِيُّ (٩)\n_________\n(١) \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ١٠١.\n(٢) الطبري ٥/ ٣٣١، و\"بحر العلوم\" ١/ ٣٩٨، و\"الكشف والبيان\" ٤/ ١٣٤ ب.\n(٣) \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ١٠١.\n(٤) \"تهذيب اللغة\" ١/ ٦٩٤ (حوذ)، وانظر: \"الكشف والبيان\" ٤/ ١٣٤ ب.\n(٥) \"العين\" ٣/ ٢٨٤، و\"تهذيب اللغة\" ١/ ٦٩٤ (حوذ).\n(٦) \"تهذيب اللغة\" ١/ ٦٩٤ (حوذ) ولم يتبين من هو أبو طالب القائل.\n(٧) شعره ص ٨٦، و\"تهذيب اللغة\" ١/ ٦٩٤ (حوذ).\n(٨) \"تهذيب اللغة\" ١/ ٦٩٤.\n(٩) \"ديوانه\" ص ٥٢٤، والطبري ٥/ ٣٣٢، و\"تهذيب اللغة\" ١/ ٦٩٤ (حوذ).","vol":"7","page":157},{"text":"قال النحويون: هذا الحرف خرج على الأصل من بين نظائره إشعارًا بالأصل إذا استمر بالإعلال في نظائره، نحو استعاروا، واستطاروا، واستقام، وما أشبه ذلك. ويجوز: استحاذ يستحيذ على قياس: أطاب، وهو لغة (١).\nفأما معنى قوله: ﴿أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ﴾ فقال فيه كثير من أهل المعاني والتفسير، الزجاج وغيره: ألم نغلب عليكم بالموالاة لكم والإخبار بعورة محمد، ونطلعكم على سر المسلمين (٢).\nوهذا لا يظهر في تفسير هذا الحرف، إلا أن يقال: إن المنافقين غلبوا عليهم بهذا، حيث لم يقدروا هم على الاطلاع على عورة المسلمين ومعرفة أسرارهم إلا من جهة المنافقين، فهذا وجه لا يبعد.\nوأظهر من هذا ما قاله المبرد، وهو أنه قال: معناه ألم نغلبكم على رأيكم ونصرفكم عن الدخول في جملة لمؤمنين (٣)؟\nوقوله تعالى: ﴿وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.\nأي: (بتخذيلهم) عنكم، ومراسلتنا إياكم بأخبارهم.\nقال أهل المعاني: ومراد المنافقين بهذا الكلام إظهار المنّة على الكافرين، أي: فاعرفوا لنا الحق في هذا عليكم (٤).\n_________\n(١) انظر: الطبري ٥/ ٣٣٣، و\"معاني الزجاج\" ٢/ ١٢٢، و\"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ٤٦٢، و\"تهذيب اللغة\" ١/ ٦٩٤ (حوذ)، و\"الكشف والبيان\" ٤/ ١٣٤ ب.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١٢٢، وانظر: الطبري ٥/ ٣٣٢، و\"بحر العلوم\" ١/ ٣٩٩، و\"النكت والعيون\" ١/ ٥٣٧.\n(٣) انظر: البغوي ٢/ ٣٠٢، و\"زاد المسير\" ٢/ ٢٢٩.\n(٤) انظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٢٢٩.","vol":"7","page":158},{"text":"وقوله تعالى: ﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ يريد المؤمنين والمنافقين. قال ابن عباس: يريد أنه أخّر عقاب المنافقين إلى الموت ووضع عنهم السيف في الدنيا (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٤١].\nأي حجة يوم القيامة. قاله ابن عباس والسدي، وهو قول علي -﵁-، أن المراد بهذا في القيامة (٢)؛ لأنه عطف على قوله: ﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾.\nقال أهل المعاني: وذلك أن الله تعالى يُظهر ثمرة إيمان المؤمنين ويصدّق موعودهم، ولم يشركهم الكفار في شيء من اللذات كما شاركوهم اليوم، حتى يعلموا أنَّ الحق معهم دونهم (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-817>١٤٢ </span>- قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ﴾ قال ابن عباس: \"يريد في الدنيا\" (٤). والمعنى: أنهم يعملون عمل المُخادع بما يظهرونه ويبطنون خلافه من النفاق.\nوقال الزجاج: أي: يخادعون (النبي) (٥) بإظهارهم الإيمان وإبطانهم\n_________\n(١) انظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٢٣٠.\n(٢) أخرج الآثار عن الثلاثة: الطبري ٥/ ٣٣٣، ٣٣٤، وانظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٢٣٠.\n(٣) جاء عن علي وابن عباس ﵄ وغيرهما، أن ذلك كائن يوم القيامة وفي الآخرة. انظر: الطبري ٥/ ٣٣٣، ٣٣٤، و\"بحر العلوم\" ١/ ٣٩٩، و\"النكت والعيون\" ١/ ٥٣٧ - ٥٣٨، والبغوي ٢/ ٣٠٢.\n(٤) لم أقف عليه.\n(٥) في المخطوط: \"الشيء\"، وهو تصحيف ظاهر كما يدل عليه باقي الكلام، وانظر: \"معاني الزجاج\" ٢/ ١٢٢.","vol":"7","page":159},{"text":"الكفر، فجعل الله ﷿ مخادعة النبي مخادعة (الله) (١)، كما قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾ [الفتح: ١٠] (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ أي مجازيهم بالعقاب علي خداعهم (٣).\nوقال ابن عباس والمفسرون: وهو خادعهم في الآخرة، وذلك أنهم يُعطون نورًا كما يُعطى المؤمنون، فإذا مضوا على الصراط طفى نورهم وبقوا في الظلمة (٤).\nوقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ﴾.\nقال ابن عباس: \"يريد مع المؤمنين\" (٥).\n﴿قَامُوا كُسَالَى﴾ أي: متثاقلين متباطئين (٦). وهو معنى الكسل في اللغة.\nقال ابن عباس: \"أي لا يرجون لها ثوابًا، ولا يخافون على تركها عقابًا\" (٧).\n﴿يُرَاءُونَ النَّاسَ﴾ معنى الرياء: إظهار الجميل ليراه الناس، لا لاتباع أمر الله.\n_________\n(١) هكذا في المخطوط، والصواب: له، أو لله، انظر: \"معاني الزجاج\" ٢/ ١٢٣.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١٢٢، ١٢٣.\n(٣) انظر: \"الكشف والبيان\" ٤/ ١٣٥ أ، والبغوي ٢/ ٣٠٢.\n(٤) عن ابن عباس بمعناه في \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ١٠١. وهذا قول الحسن ومجاهد والسدي وعامة المفسرين.\nانظر: الطبري ٥/ ٣٣٤، و\"الكشف والبيان\" ٤/ ١٣٥ أ، والبغوي ٢/ ٣٠٢، و\"زاد المسير\" ٢/ ٢٣١.\n(٥) لم أقف عليه.\n(٦) انظر: \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ١٠١.\n(٧) لم أقف عليه، انظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٢٣١.","vol":"7","page":160},{"text":"قال المفسرون: يراؤون الناس بصلاتهم لكي يراهم الناس مصلين، لا يريدون بها وجه الله (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ قال ابن عباس: \"يقول إذا سمع الذاكر لله ومن يخافه ذكره معه، وأما وحده فلا يذكر الله\" (٢).\nوقال الحسن: \"إنما قل ذلك؛ لأنهم يعملونه رياءً وسمعة، ولو أرادوا به وجه الله لكان كثيرًا\" (٣).\nوقال قتادة: إنما قل لأن الله لم يقبله، وما رد الله فهو قليل، وما قبله فهو كثير (٤).\nوقال بعض أهل المعاني: أي: إلا يسيرًا من نحو التكبير وما يظهر، دون القراءة والتسبيح، لأنهم يعملونه للناس (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-818>١٤٣ </span>- قوله تعالى: ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ الآية.\nيقال: ذبذبه فتذبذب، أي: حركه فتحرك، وهو كتحريك شيء معلق بين السماء والأرض، ولهذا تسمى معاليق الهودج ذباذب (٦)، ويسمى الفرج ذبذبًا (لتحرك لا يتذبذب) (٧)، يقال: ذبذبه، أي: جعله يضطرب،\n_________\n(١) انظر: الطبري ٥/ ٣٣٥، و\"الكشف والبيان\" ٤/ ١٣٥ ب، و\"الدر المنثور\" ٢/ ٤١٧.\n(٢) لم أقف عليه.\n(٣) أخرجه بمعناه الطبري ٥/ ٣٣٥، وانظر: \"الكشف والبيان\" ٤/ ١٣٥ ب، و\"زاد المسير\" ٢/ ٢٣٢، و\"الدر المنثور\" ٢/ ٤١٧.\n(٤) أخرجه الطبري ٥/ ٣٣٥، وانظر: \"الكشف والبيان\" ٤/ ١٣٥ ب، و\"زاد المسير\" ٢/ ٢٣٢، و\"الدر المنثور\" ٢/ ٤١٧.\n(٥) \"النكت والعيون\" ١/ ٥٣٨، وانظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٢٣٢.\n(٦) انظر: \"العين\" ٨/ ١٧٨، و\"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٢٦٥، و\"اللسان\" ٣/ ١٤٨٥ (ذبب).\n(٧) هكذا في المخطوط، ولعله تصحيف، وقد جاء في \"العين\" ١٨/ ١٧٨ (ذب): \"الذباذب ذكر الرجل، لأنه يتذبذب أي يتردد\"، وانظر: \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٢٦٦، و\"اللسان\" ٣/ ١٤٨٥ (ذبب).","vol":"7","page":161},{"text":"فتذبذب أي: اضطراب (١)، قال النابغة:\nألم ترَ أن الله أعطاكَ سورةً ... ترى كُلَّ مَلْكٍ دونَها يتذَبْذَبُ (٢)\nوقوله تعالى: ﴿بَيْنَ ذَلِكَ﴾.\nأي: بين الكفر والإيمان، أو بين الكافرين والمؤمنين (٣).\nوذلك يشار به إلى الجماعة. وقد ذكرنا الكلام فيه عند قوله: ﴿عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ بأبلغ شرح (٤).\nوذكر الكافرين والمؤمنين قد جرى في هذه القصة عند قوله: ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ﴾ [النساء: ١٣٩] الآية، وإذا جرى ذكر الفريقين فقد جرى ذكر الكفر والإيمان.\nقال ابن عباس: \"يريد لا كافر ولا مؤمن\" (٥).\nوإنما أراد ابن عباس لا كافر ظاهر الكفر، بدليل قول السدي: ليسوا بمشركين مُصرِّحين الشرك (٦)، وليسوا بمؤمنين (٧).\nوقول قتادة: ليسوا بمؤمنين مخلصين، ولا مشركين مصرحين الشرك (٨).\n_________\n(١) انظر: الطبري ٥/ ٣٣٥، و\"زاد المسير\" ٢/ ٢٣٢.\n(٢) \"ديوانه\" ص ٦٥، والطبري ٥/ ٣٣٥.\n(٣) انظر: الطبري ٥/ ٣٣٦.\n(٤) انظر: [البقرة: ٦٨].\n(٥) انظر: \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ١٠١.\n(٦) هكذا، وقد تكون: \"بالشرك\".\n(٧) أخرجه بنحوه الطبري ٥/ ٣٣٦.\n(٨) أخرجه الطبري ٥/ ٣٣٦، وابن المنذر. انظر: \"الدر المنثور\" ٨/ ٤١٢ وفيه: \"مصرحين بالشرك\".","vol":"7","page":162},{"text":"قال أهل المعاني: معنى ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ مترددين بين الكفر والإيمان، لا إلى المؤمنين بإخلاص الإيمان، ولا إلى المشركين فيخلصوا الشرك على الإظهار والإبطان (١).\nوالمُذبذب المتردد المتحرك، ويكون ذلك بتحريك الغير، ولا أحد فعل ذلك إلا الله تعالى فهو قد ذبذبهم، وصيّرهم مترددين يتذبذبون.\nوقوله تعالى: ﴿لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ﴾ إشارة إلى الفريقين الذين تقدم ذكرهما، وهما الكافرين والمؤمنين (٢).\nوقد ذكرنا أنَّ المراد بالكافرين في هذه القصة اليهود.\nفإن قيل: كيف يجوز أن يُذموا بأنهم لا إلى الكافرين، وهم لا يستحقون المدح، وإن صاروا إليهم بإظهار الكفر.\nوالجواب: أنهم تركوا ذلك الكفر بكفر أشر منه وأوضع لصاحبه، وذلك أن المنافق أشرّ من المجاهر بالكفر، والمجاهر أحسن حالًا منه، لأن المجاهر يُرجى (٣) فلاحه بالاستدعاء إلى الحق، والمنافق ميئوس منه، فجاز أن يُذموا بترك كفر إلى كفرٍ أوضع منه.\nوقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ قال ابن عباس: \"يريد من أضله الله فلن تجد له دينًا\" (٤).\n_________\n(١) انظر: الطبري ٥/ ٣٣٦، و\"الكشف والبيان\" ٤/ ١٣٥ أ.\n(٢) انظر: \"الكشف والبيان\" ٤/ ١٣٥ب.\nوهكذا جاء التعبير بالنصب \"الكافرين والمؤمنين\" والظاهر الرفع: \"وهما الكافرون والمؤمنون\" على أنه مبتدأ وخبر.\n(٣) في المخطوط (يرجا) بالمحدودة.\n(٤) \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ١٠١.","vol":"7","page":163},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-819>١٤٤ </span>- قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ﴾ الآية. قال المفسرون: لما ذم الله المنافقين بأنهم مرة إلى الكفار ومرة إلى المسلمين من غير أن يقرُّوا مع أحد الفريقين، نهى المسلمين في هذه الآية أن يصنعوا كصنيع المنافقين فقال: ﴿لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ﴾ يعني (١) اليهود من قريظة والنضير (٢). وذلك أنَّ الأنصار بالمدينة كان لهم رضاع وحلف ومودة، فقالوا لرسول الله - ﷺ -: من نتولى (٣)؟ فقال: \"المهاجرين\"، ونزلت هذه الآية.\nوهذا معنى قول ابن عباس في رواية عطاء (٤).\nوقال مقاتل: \"كانوا يظهرون المودة للمشركين الذين بمكة، فنهاهم الله (ذلك) (٥) \" (٦).\nفعلى هذا المراد بالكافرين المشركون، والقول الأول أظهر.\nومعنى الولي الذي يتولى صاحبه بالنُّصرة.\nوقوله تعالى: ﴿أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾.\nقال ابن عباس: \"يريد حجة بينة\" (٧).\nوقال قتادة: \"عذرًا مبينًا\" (٨).\n_________\n(١) في المخطوط معنى، بالميم بدل الياء.\n(٢) انظر: \"بحر العلوم\" ١/ ٣٩٩، و\"زاد المسير\" ٢/ ٢٣٣.\n(٣) في المخطوط: يتولى.\n(٤) لم أقف عليه.\n(٥) هكذا في المخطوط، ولعل الصواب: عن ذلك.\n(٦) هذا الأثر عن مقاتل لم أقف عليه.\n(٧) عزاه إلى عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه في \"الدر المنثور\" ٢/ ٤١٨.\n(٨) أخرجه الطبري ٥/ ٣٣٧.","vol":"7","page":164},{"text":"والمعنى: أَتُرِيدونَ أَن تَجْعَلُواْ لله عَلَيْكُمْ في عقابكم حجة بموالاة الكفار، أي: أنكم إذا واليتموهم صارت الحجة عليكم في العقاب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-820>١٤٥ </span>- قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾\nاختلفوا في معنى الدرك، فقال شمر: الدَّرك أسفل كل شيء ذي عمقٍ، كالرَّكيَّة ونحوها (١).\nوقال أبو عدنان (٢): درك الرّكيَّة: قعرها الذي أُدرك فيه الماء (٣).\nوقال الليث: الدَّرك: أقصى قعر الشيء، كالبحر ونحوه (٤).\nفعلى هذا المراد بالدرك الأسفل أقصى قعر جهنم.\nوبهذا قال ابن عباس، فقال: معناه في أسفل النار (٥). وكذلك قال عكرمة (٦).\nوقال آخرون: الدَّرك: الطبق من أطباق جهنم. رواه ثعلب عن ابن الأعرابي (٧). وقال الليث: الدَّرك: واحد من أدراك جهنم من السبع (٨).\nوأصل هذا من الإدراك، بمعنى اللحوق، ففيه إدراك الطعام وإدراك الغلام، فالدرك ما يلحق من الطبقة (٩).\n_________\n(١) \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١١٧٦ (درك).\n(٢) لم أقف له على ترجمة.\n(٣) \"تهذيب اللغة\" ١٠/ ١١٠ (درك).\n(٤) \"العين\" ٥/ ٣٢٧، و\"تهذيب اللغة\" ١٠/ ١١٠ (درك).\n(٥) \"تفسيره\" ص (١٦٣)، وأخرجه من طريق علي: الطبري ٩/ ٣٣٩.\n(٦) لم أقف عليه\n(٧) \"تهذيب اللغة\" ١٠/ ١١٠ (درك)\n(٨) \"العين\" ٥/ ٣٢٧، و\"تهذيب اللغة\" ١٠/ ١١٠ (درك)\n(٩) انظر: \"العين\" ٥/ ٣٢٨، و\"تهذيب اللغة\" ١٠/ ١١٠ (درك)","vol":"7","page":165},{"text":"والظاهر أن جهنم طبقات، السفلى أشدها.\nقال الأخفش وأبو عبيدة: جهنم أدراك، أي منازل، وكل منزلة منها درك (١). وقال الضحاك: (الدَّرج) إذا كان بعضها فوق بعض، و(الدَّرك) إذا كان بعضها أسفل من بعض (٢).\nوقال ابن جُريج: \"سمعنا أن جهنم أدراك\" (٣).\nوقال الفراء: ﴿فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ﴾ أي: في أسفل درج النار (٤).\nواختلف القراء في (الدَّرك)، فقرئ بفتح الراء وجزمه (٥).\nقال الفراء: هما لغتان، وجمعهما أدراك (٦).\nوقال الزجاج: اللغتان جميعًا حكاهما أهل اللغة، إلا أن الاختيار فتح الراء، لأنه أكثر في الاستعمال (٧).\nوقال أبو حاتم: جمع الدَّرَك: أدراك: كقوله: أجمال وأفراس، في جمع جمل وفرس. وجمع الدَّرْك: أدْرُك، مثل: أفلُس وأكلب (٨).\n_________\n(١) \"مجاز القرآن\" ١/ ٢٤٢، ولم أجده عن الأخفش.\n(٢) لم أقف عليه.\n(٣) أخرجه الطبري بسنده ٥/ ٣٣٨، ولكن بالسياق واللفظ التالي:\n\" ... عن ابن جريج قال: قال لي عبد الله بن كثير: قوله: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء: ١٤٥]. قال: سمعنا أن جهنم أدراك، منازل\".\n(٤) \"معاني القرآن\" ١/ ٢٩٢، وانظر: \"الزاهر\" ١/ ٥١٨، و\"تهذيب اللغة\" ١٠/ ١١٠ درك.\n(٥) قرأ بسكون الراء عاصم وحمزة والكسائي وخلف، وقرأ الباقون بفتحها. انظر: \"الحجة\" ٣/ ١٨٨، و\"المبسوط\" ص ١٥٩.\n(٦) انظر: \"معاني القرآن\" ١/ ٢٩٢، و\"تهذيب اللغة\" ٢/ ١١٧٧ (درك)\n(٧) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١٢٤ يتصرف، وانظر: \"الكشف عن وجوه القراءات السبع\" ١/ ٤٠١.\n(٨) لم أقف عليه.","vol":"7","page":166},{"text":"قال أبو علي: هما لغتان في الكلمة، مثل: الشَّمَع والشّمَع -في الصحيح-، والقصّ والقصصَ -في المضاعف-، والعيب والعاب، والذيم والذَّام -في المعتل (١).\nقال أبو بكر ابن الأنباري: قد قال الله تعالى في المنافقين: إنهم في الدرك الأسفل من النار، وقال في آل فرعون: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٦] فأيهما أشد عذابًا، المنافقون أم آل فرعون؟ قيل: الدرك الأسفل يجوز أن يكون هو أشد العذاب، فسمي باسمين مختلفين، كما يقول القائل: أدخل فلانًا المطبق، ثم يقول بعد ذلك: أدخله أضيق المجالس وأشدها، فيكون هذا موافقًا للأول، غير مخالف له (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾ أي مانعًا يمنعهم من عذاب الله، من جهة شفاعة أو غير ذلك من وجوه النصر المتوهم أنه ينفعهم. قاله الزجاج وغيره (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-821>١٤٦ </span>- قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ قال المفسرون: من النفاق، ﴿وَأَصْلَحُوا﴾ العمل (٤).\n﴿وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ﴾ وثقوا به والتجأوا إليه (٥).\n﴿وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ﴾ من شائب رياء الناس (٦).\n_________\n(١) \"الحجة\" ٣/ ١٨٨.\n(٢) لم أقف عليه.\n(٣) انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١٢٤.\n(٤) \"الكشف والبيان\" ٤/ ١٣٦ ب، وانظر: الطبري ٥/ ٣٣٩.\n(٥) \"الكشف والبيان\" ٤/ ١٣٦ ب، وقال بعض المفسرين أن معنى ﴿وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ﴾ أي تمسكوا بدينه ووفوا بعهده. انظر: الطبري ٩/ ٣٤١، و\"بحر العلوم\" ١/ ٤٠٠.\n(٦) انظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٢٣٥.","vol":"7","page":167},{"text":"قال علي -﵁-: \"إن المنافقين أشر من كفر بالله، وأولاهم بمقته، وأبعدهم من الإنابة إليه، لأنه شرط عليهم في التوبة الإصلاح والاعتصام، ولم يشرط ذلك على غيرهم، ثم شرط الإخلاص، لأنَّ النفاق ذنب القلب، والإخلاص توبة القلب\" (١).\nثم قال: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قال ابن قتيبة: حاد عن كلامهم غيظًا (٢)، ولم يُقل: فأولئك المؤمنون، أو من المؤمنين (٣).\nقال ابن عباس في قوله: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾: \"يريد أدنى منهم\" (٤).\nثم أوقع أجر المؤمنين، لانضمام المنافقين إليهم فقال: ﴿وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-822>١٤٧ </span>- قوله تعالى: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ﴾ الآية.\nههنا استفهام، معناها التقرير على معنى أنه لا يُعذِّب الشاكر المؤمن (٥).\nقال قتادة: \"لا يعذب الله شاكرًا ولا مؤمنًا\" (٦).\n_________\n(١) لم أقف عليه عن علي، وجاء نحوه في \"تأويل مشكل القرآن\" ص ٧، و\"بحر العلوم\" ١/ ٤٠٠.\n(٢) في \"الكشف والبيان\" ٤/ ١٣٦ ب: \"غيظًا عليهم\".\n(٣) \"تأويل مشكل القرآن\" ص ٧، ٨، و\"الكشف والبيان\" ٤/ ١٣٦ ب.\n(٤) لم أقف عليه.\n(٥) انظر: \"تأويل مشكل القرآن\" ١/ ٢١١، و\"زاد المسير\" ٢/ ٢٣٥، و\"الدر المصون\" ٤/ ١٣٣.\n(٦) أخرجه الطبري ٥/ ٣٤٠.","vol":"7","page":168},{"text":"قال الكلبي: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ﴾ يعني المنافقين (١).\nوقال ابن عباس في رواية عطاء: ما يريد الله بعذاب خلقه (٢).\nوقوله تعالى ﴿إِنْ شَكَرْتُمْ﴾ أي: إن عرفتم (٣) بإحسانه وإنعامه.\n﴿وَآمَنْتُمْ﴾ قال ابن عباس: \"يريد يثيبه (٤) \" (٥).\nقال أهل العلم: هذا على التقديم والتأخير، أي: إن آمنتم وشكرتم؛ لأنَّ الإيمان يُقدَّم على سائر الطاعات، ولا تنفع طاعة دون الإيمان (٦).\nوقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا﴾ معناه أنه يزكو عند (٧) القليل من أعمال العباد، فيضاعف لهم الجزاء. من قول العرب: دابة شكور، إذا كان يكفيه للسِّمن العلف القليل (٨).\nوقوله تعالى: ﴿عَلِيمًا﴾ قال ابن عباس: \"أي: بنياتكم\" (٩).\nوقال الكلبي: وكان الله شاكرًا للقليل من أعمالكم، عليمًا بأضعافها لكم (١٠). وقال أبو روق: ﴿وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا﴾ مجازيًا، يجازي على القليل الجزيل (١١).\n_________\n(١) لم أقف عليه.\n(٢) لم أقف عليه.\n(٣) هكذا هذه الكلمة في المخطوط، والظاهر: \"اعترفتم\".\n(٤) هكذا في المخطوط ولا معنى له، والظاهر أنها: \"بنبيه\".\n(٥) لم أقف عليه.\n(٦) \"الكشف والبيان\" ٤/ ١٣٦ ب.\n(٧) هكذا في المخطوط، والظاهر: \"عنده\".\n(٨) انظر: \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٩١١، و\"الكشف والبيان\" ٤/ ١٣٧ أ.\n(٩) لم أقف عليه، وانظر: \"بحر العلوم\" ١/ ٤٠٠.\n(١٠) لم أقف عليه، وانظر: \"بحر العلوم\" ١/ ٤٠٠، و\"الكشف والبيان\" ٤/ ١٣٧ أ.\n(١١) لم أقف عليه.","vol":"7","page":169},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-823>١٤٨ </span>- قوله تعالى: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ قال أهل المعاني: ولا غير الجهر أيضًا، ولكن يشبه أن تكون الحال أوجبت هذه القضية، كقوله: ﴿إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا﴾ [النساء: ٩٤] والتبيُّن واجب في الظعن والإقامة، ولكن الحال أوجبت ذلك.\nوقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾.\nاختلفوا في وجه هذا الاستثناء: فأبو عبيدة ذهب إلى أن هذا من باب حذف المضاف، على تقدير: إلا جهر من ظلم، ثم حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه (١).\nوذهب الزجاج إلى أن المصدر ههنا بمعنى الفعل، على معنى: لا يحب الله أن يُجهر بالسوء من القول إلا من ظُلم، فيكون (من) رفعًا بدلًا من معنى أحد، المعنى: لا يحب الله أن يجهر أحد بالسوء من القول إلا المظلوم.\nويجوز: إلا المظلوم أيضًا بالنصب، كقولك: ما جاءني أحد إلا زيد رفعًا، وهو الأجود، و: إلا زيدًا جائز (٢).\nوالذي ذكره الزجاج من أن المراد بالمصدر الفعل، هو قول الفراء أيضًا (٣)، وذكرا جميعًا وجهًا آخر، وهو أن يكون: (إلا من) استثناء منقطعًا من الأول، ويكون موضعه نصبًا؛ لأنه استثناء ليس من الأول، والمعنى: لا يحب الله الجهر بالسوء من القول، لكن المظلوم يجهر بظلامته تشكيًا (٤).\n_________\n(١) انظر: \"مجاز القرآن\" ١/ ١٤٢.\n(٢) انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١٢٦.\n(٣) انظر: \"معاني القرآن\" ١/ ٢٩٣.\n(٤) انظر: \"معاني الفراء\" ١/ ٢٩٣، و\"معاني الزجاج\" ٢/ ١٢٥، ١٢٦","vol":"7","page":170},{"text":"وقرأ جماعة من الكبار -الضحاك وزيد بن أسلم وسعيد بن جبير-: إلا من ظَلم، بفتح الظاء (١)، ويكون الاستثناء منقطعًا، ويكون قوله: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ [النساء:١٤٨] كلامًا تامًا، ثم قال: ﴿إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ على معنى: لكن من ظلم فدعوه وخلوه. قاله الفراء (٢).\nوقال الزجاج: لكن من ظلم فإنه يجهر بالسوء من القول ظلمًا واعتداءً.\nقال: ويجوز أن يكون المعنى: لكن من ظلم اجهروا له بالسوء من القول (٣).\nقال الفراء: ومثله مما يجوز أن يُستثنى الأسماء وليس قبلها شيء ظاهر قولك: إني لأكره الخصومة والمراء، اللهم إلا رجلًا، يريد بذلك الله، فجاز استثناء الرجل ولم يذكر قبله شيء من الأسماء، لأن الخصومة والمراء لا يكونان إلا من الآدميين (٤).\nفأما التفسير فقال ابن عباس في رواية عطاء: \"يريد الضيافة، ينزل الرجل بالرجل عنده سعةٌ فلا يضيفه، فإن تناوله بلسانه فقد عذره الله\" (٥).\nوهذا قول مجاهد (٦) وسعيد بن المسيب (٧) وجميع أهل المعاني (٨).\n_________\n(١) انظر: الطبري ١/ ٣، والقرطبي ٣/ ٦.\n(٢) \"معاني القرآن\" ١/ ٢٩٣.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١٢٦.\n(٤) \"معاني القرآن\" ١/ ٢٩٤.\n(٥) لم أقف عليه.\n(٦) انظر: الطبري ٦/ ٣، و\"الكشف والبيان\" ٤/ ١٣٧ ب، و\"النكت والعيون\" ١/ ٤٣١، والقرطبي ٦/ ٢.\n(٧) لم أقف على قوله.\n(٨) أهل المعاني يقولون بعموم الآية في الظلم دون خصوصها بنقص حق الضيف. انظر: الطبري ٦/ ٣، و\"معاني الزجاج\" ٢/ ١٢٥، ١٢٦، و\"الكشف والبيان\" ٤/ ١٢٧ ب.","vol":"7","page":171},{"text":"وزعم مجاهد أن ضيفًا تضيف قومًا فأساءوا قراه، فاشتكاهم، فنزلت هذه الآية رخصةً في أن يشكو (١).\nوذهب جماعة من المفسرين إلى أن هذه الآية عامة في كل مظلوم، وله أن ينتصر من ظالمه بالدعاء عليه. يُروى ذلك عن ابن عباس (٢) وقتادة والحسن والسدي (٣) وابن زيد (٤) ويمان بن رئاب (٥).\nقال العلماء: للمظلوم أن يشكو من ظالمه إذا صدق في شكايته، وله أن يدعو عليه بما لا يعتدي فيه، مثل أن يقول: اللهم استخرج حقي منه، اللهم حِلْ بينه وبين ما يريد من الظلم، اللهم اكفني شره (٦).\nفإن قذف إنسانٌ غيره، فليس للمقذوف، أن يقابله بمثل ذلك (٧)، وإنما يحل له الانتصار منه بالتعزير ورفع الصوت عليه بالتظلم منه، وقد قال رسول الله - ﷺ -: \"المستبان (٨) شيطانان\" (٩).\n_________\n(١) أخرجه الطبري ٦/ ٢.\n(٢) \"تفسيره\" ص ١٦٣، وأخرجه من طريق ابن أبي طلحة أيضًا: الطبري ٦/ ١.\n(٣) أخرج الآثار عنهم: الطبري ٦/ ١، وانظر: \"النكت والعيون\" ١/ ٤٣١، و\"زاد المسير\" ٢/ ٢٣٨.\n(٤) لم أقف عليه.\n(٥) لم أقف عليه.\n(٦) أخرج الطبري ٦/ ١ عن الحسن أنه قال في هذِه الآية: \"هو الرجل يظلم الرجل فلا يدْع عليه، ولكن ليقل: \"اللهم أعني عليه، اللهم استخرج لي حقي، اللهم حل بينه وبين ما يريد\".\n(٧) انظر: القرطبي ٦/ ٢.\n(٨) في المخطوط: \"المستبان\".\n(٩) أخرجه الإِمام أحمد في \"مسنده\" ٤/ ١٦٢، وصححه الألباني. انظر: \"صحيح الجامع\" ٦/ ١٥ (٦٦٩٦).","vol":"7","page":172},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا﴾ قال ابن عباس: \"سميعًا لقول المظلوم الضيافة، عليمًا بما في قلبه\" (١).\nقال أهل المعاني: معنى قوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا﴾ التحذير من التعدي في الجهر الذي أذن فيه بما يظهر أو يضمر، فليتق الله ولا يقل إلا الحق، ولا يقذفه مستورًا فإنه عاص بذلك، والله سميع لما يقوله، عليم بما يضمره (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-824>١٤٩ </span>- قوله تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا﴾ قال ابن عباس: \"يريد من أعمال البر، مثل: الصدقة والضيافة والصلة\" (٣).\n﴿أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ﴾ قال: \"يريد يأتيك من أخيك المسلم، أو من قريبك، أو من ولدك، أو من زوجتك\" (٤). ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا﴾ لمن عفا، متجاوزًا لذنوبه. ﴿قَدِيرًا﴾ على ثوابه (٥).\nوقال الحسن: \" ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا﴾ عن ذنوب العباد، إذ لم يُعجِّل عليهم بالعقوبة، ﴿قَدِيرًا﴾ على العفو\" (٦).\nوقال الكلبي: معناه: أن الله أقدر على عفو ذنوبك منك على عفو صاحبك (٧).\n_________\n(١) لم أقف عليه.\n(٢) انظر: الطبري ٦/ ٤، و\"زاد المسير\" ٢/ ٢٣٩، والقرطبي ٦/ ٤ و\"البحر\nالمحيط\" ٣/ ٣٨٥.\n(٣) انظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٢٣٩، و\"البحر المحيط\" ٣/ ٣٨٥.\n(٤) لم أقف عليه، وانظر: \"الوسيط\" ٢/ ٧٥٤.\n(٥) انظر: \"الكشف والبيان\" ٤/ ١٣٨ أ.\n(٦) لم أقف عليه.\n(٧) لم أقف عليه.","vol":"7","page":173},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-825>١٥٠ </span>- قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ قال ابن عباس وغيره: يعني اليهود، آمنوا بموسى وعزير والتوراة، وكفروا بعيسى والإنجيل ومحمد - ﷺ - والقرآن (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ معناه: يريدون أن يفرقوا بين الإيمان بالله ورسله، وذلك لا يصح لهم؛ لأن الإيمان برسله إيمان به من حيث دعوا إلى طاعته (.. (٢) ..) وحاولوا من ذلك ما لا يمكنهم، لأنه (٣) لا يصح الإيمان بالله والتكذيب برسله، أو ببعض منهم، وإنما لم يصح التصديق ببعض الأنبياء دون بعض؛ لأن كل نبي قد دعا إلى تصديق من بعده من الأنبياء، فإذا كذبوهم فقد كذبوا من تقدم منهم (٤).\nوقوله تعالى: ﴿وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ أي بين إيمان بعض الرسل وكفر بعض دينًا يدينون الله به.\nوقال أهل المعاني: يريدون أن يتخذوا مذهبًا يذهبون إليه، ويحملون الناس عليه تآمرًا وتراميًا عليهم (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-826>١٥١ </span>- قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾ معنى ذكر حق ههنا التأكيد لكفرهم، إزالة لتوهم أنَّ إيمانهم ببعض الرسل يزيل عليهم (٦) إطلاق\n_________\n(١) انظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٢٤٠، و\"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ١٠٢. وهو نحو قول قتادة والسدي. انظر: الطبري ٦/ ٦.\n(٢) ما بين القوسين كلمة غير واضحة، وقد تكون: \"ودينه\".\n(٣) هكذا في المخطوط، ولعلها: \"ولأنه\".\n(٤) انظر: الطبري ٦/ ٥، و\"الوسيط\" ٢/ ٧٥٤.\n(٥) انظر: \"الوسيط\" ٢/ ٧٥٤، و\"زاد المسير\" ٢/ ٢٤٠\n(٦) هكذا في المخطوط، والظاهر أنها: \"عنهم\".","vol":"7","page":174},{"text":"اسم الكفر على الحقيقة (١).\nوانتصب (حقًّا) على مثل قولك: زيد أخوك حقًّا، وهو تأكيد للخبر، لأنك إذا قلت: زيد أخوك، فقد أخبرت بأخوة زيد، فإذا قلت: حقًّا، أكدت ما أخبرته، فكأنك قلت: أخبرتك بأخوة زيدٍ إخبارًا حقًّا (٢).\nولا يجوز أن ينتصب على معنى: كفروا كفرًا حقًّا، لأن الكفر لا يكون حقًّا على وجه من الوجوه (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-827>١٥٢ </span>- ثم نزل في المؤمنين قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ إلى آخر الآية.\n<span data-type=\"title\" id=toc-828>١٥٣ </span>- قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ قال المفسرون: إنَّ اليهود قالوا للنبي - ﷺ -: إن كنت صادقًا أنك نبي ائتنا بكتاب جملة من السماء كما أتى به موسى، فأنزل الله هذه الآية (٤).\nوقوله تعالى: ﴿فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ﴾ يعني السبعين الذين ذكرنا قصتهم عند قوله: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [البقرة: ٥٥].\nوقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ﴾ يعني الذين خلفهم موسى مع هارون حين خرج لميقات ربه (٥).\n_________\n(١) انظر: \"زاد المسير\" ١/ ٢٤٠، و\"البحر المحيط\" ٣/ ٣٨٥.\n(٢) انظر: \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ٤٦٦، و\"البحر المحيط\" ٣/ ٣٨٥.\n(٣) قال أبو حيان على هذا القول للمؤلف: \"ولا يلزم ما قال أنه لا يراد بـ (حقا) الحق الذي هو مقابل الباطل، وإنما المعنى أنه كفر ثابت متيقن\". \"البحر المحيط\" ٣/ ٣٨٥.\n(٤) انظر: الطبري ٦/ ٧، و\"بحر العلوم\" ١/ ٤٠١٤، و\"الكشف والبيان\" ٢/ ١٣٨أ، و\"أسباب النزول\" للمؤلف ص١٨٩، و\"لباب النقول\" ص٨٥.\n(٥) انظر: الطبري ٦/ ٩.","vol":"7","page":175},{"text":"وقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ يريد: العصا، واليد، وفلق البحر (١).\n﴿فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ﴾ أي: لم يستأصل عبدة العجل (٢).\n﴿وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا﴾ أي: حجةً بينة، قوي بها على من ناوأه (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-829>١٥٤ </span>- قوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ﴾ معناه: بأخذ ميثاقهم، وذلك أنهم امتنعوا عن قبول شريعة التوراة، فرفع الله جبلًا فوقهم حتى قبلوا، وأخذ ميثاقهم، والجبل فوقهم.\nوقد بينا هذا في سورة البقرة بيانًا شافيًا (٤).\nوتأويل قوله: ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ﴾ أي: بأخذ ميثاقهم، فالمعنى: بسبب أخذ ميثاقهم، ثم حذف المضاف (٥).\nوقوله تعالى: ﴿وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ مضى بيانه في سورة البقرة (٦).\nوقوله تعالى: ﴿وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ﴾ أي: لا تعتدوا باقتناص السمك فيه، قاله المفسرون (٧).\nيقال: عدا عليه أشدَّ العُدْوِّ والعَدْوِ والعَدَاء والعُدْوَان، أي: ظلمه وجاوز الحد، ومنه قوله: ﴿فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا﴾ [الأنعام: ١٠٨] (٨).\n_________\n(١) انظر: \"الوسيط\" ٢/ ٧٥٦.\n(٢) انظر: \"بحر العلوم\" ١/ ٤٠٢، و\"الوسيط\" ٢/ ٧٥٦، وفيه: \"لم نستأصل ... \" بالنون.\n(٣) ناوأه أي عاداه.\n(٤) انظر: [البقرة: ٦٣].\n(٥) انظر:\"الكشاف\" ١/ ٣١٠، و\"الدر المصون\" ٤/ ١٢٠.\n(٦) انظر: [البقرة: ٥٨].\n(٧) انظر: الطبري ٦/ ٩، و\"الكشف والبيان\" ٤/ ١٣٨ ب، و\"البحر المحيط\" ١/ ٤٠٢.\n(٨) انظر: \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٣٤٧ (عدو).","vol":"7","page":176},{"text":"واختلف القراء في هذا الحرف، فقرأ (ابن كثير) (١) (تَعْدُوا) ساكنة العين خفيفة (٢)، وحجتهم قوله في هذه القصة: ﴿إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ﴾ [الأعراف: ١٦٣] وقال: ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٧)﴾ [المؤمنون: ٧] (٣).\nوقرأ نافع (لا تعْدُّوا) ساكنة العين، مشددة الدال (٤)، أراد: لا تعتدوا، وحجته قوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ﴾ [البقرة: ٦٥] فجاء في هذه القصة بعينها: افتعلوا، ثم أدغم التاء في الدال، لتقاربهما، ولأن الدال تزيد على التاء في الجهر (٥).\nوكثير من النحويين يُنكرون الجمع بين الساكنين إذا كان الثاني منهما مُدغمًا، ولم يكن الأول حرف لين، نحو: دابةٍ، وشابةٍ، وثُمُودَّ الثوبُ، وقيل لهم. ويقولون: إن المد يصير عوضًا عن الحركة، وقد قالوا: ثوبْ بكر، وجيبْ بكر، والمد الذي فيهما أقل من المد الذي يكون فيهما إذا كان حركة ما قبلهما منهما (٦)، وساغ فيه (٧)، ومعنى قولنا: إذا كان حركة ما قبلهما منهما هو أن دابة حركة ما قبل حرف اللين الفتح، والفتحة من الألف وليس كذلك في ثوب بكر، لأن حرف اللين الواو والفتحة ليست من الواو،\n_________\n(١) هكذا في المخطوط، والصواب: \"الكثير\" لأن هذِه القراءة لجميع السبعة غير نافع. انظر:\"السبعة\" ص ٢٤٠، و\"الحجة\" ٣/ ١٩٠.\n(٢) \"السبعة\" ص ٢٤٠، و\"الحجة\" ٣/ ١٩٠، و\"الكشف والبيان\" ١/ ٤٠٢.\n(٣) \"الحجة\" ٣/ ١٩٠، وانظر: \"الكشف والبيان\" ١/ ٤٠٢.\n(٤) برواية قالون. \"السبعة\" ص ٢٤٠، و\"الحجة\" ٣/ ١٩٠، و\"الكشف والبيان\" ١/ ٤٠١.\n(٥) \"الحجة\" ٣/ ١٩١.\n(٦) في المخطوط أفراد الضمير، وما أثبته هو الموافق لما في \"الحجة\" ٣/ ١٩١.\n(٧) في \"الحجة\": وساغ فيه وفي نحو: \"أصيم ومديق ودويبة\".","vol":"7","page":177},{"text":"وجاز: ثوب بكر، بإلإدغام، كما جاز: دابة، وشابة، وان لم يكن في: ثوب بكر، من المد ما في: دابة، وشابة. وكذلك قولهم في تصغير صم: أُصَيْمّ ومدْيقٍّ، ودويبة (١).\nفإذا جاز ما ذكرنا مع نقصان المد الذي فيه، لم يمتنع أن يجمع بين ساكنين في نحو: (تعدُّوا)، و(تَخْطّف) لأن الساكن الثاني لما كان يرتفع اللسان عنه وعن المدغم فيه ارتفاعة واحدة، صار بمنزلة حرف متحرك (٢).\nوروى ورش (٣) عن نافع: (لا تعَدُّوا) بفتح العين (٤)، وذلك أنه لما أدغم التاء في الدال نقل حركتها إلى العين (٥).\nوذهب بعض المتأولين إلى أن قوله: ﴿لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ﴾ من العدو بمعنى الحضر (٦)، والمراد به النهي عن العمل والكسب يوم السبت، كأنه قيل لهم: اسكنوا عن العمل في هذا اليوم، وقد قال عطاء عن ابن عباس في قوله: ﴿لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ﴾: \"يريد لا تعملوا شيئًا من الأعمال يوم السبت صغيرًا ولا كبيرًا، اقعدوا في منازلكم فأنا الرزاق أرزقكم رغدًا\" (٧).\n_________\n(١) \"الحجة\" ٣/ ١٩٠ بتصرف، وانظر: \"معاني القراءات\" ١/ ٣٢٢ و\"الكشف\" ١/ ٤٠٢.\n(٢) \"الحجة\" ٣/ ١٩١.\n(٣) هو أبو سعيد عثمان بن سعيد بن عبد الله بن عمر القبطي القرشي، مولى آل الزبير، أحد الرواة عن نافع، وقد لقبه نافع بورش لشدة بياضه. كان شيخ الإقراء بالديار المحصرية، ولد سنة ١١٠ هـ ومات ﵀ سنة ١٩٧هـ.\nانظر: \"معرفة القراء الكبار\" ١/ ٦٣، و\"سير أعلام النبلاء\" ٩/ ٢٩٥، و\"البداية والنهاية\" ١٠/ ٢٤٠، و\"غاية النهاية\" ١/ ٥٠٢.\n(٤) \"السبعة\" ص ٢٤٠، و\"الحجة\" ٣/ ١٩٠.\n(٥) انظر: \"الكشف\" ١/ ٤٠٢، و\"البحر المحيط\" ٣/ ٣٨٨\n(٦) هكذا بالضاد، ولعل الصواب: \"الحظر\" بالظاء.\n(٧) لم أقف عليه.","vol":"7","page":178},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا﴾ قال ابن عباس: \"يريد عهدًا مؤكدًا في النبي - ﷺ -\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-830>١٥٥ </span>- قوله تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ﴾ (ما) ههنا صلة مؤكدة، ومعني التأكيد بها: تفخيم شأن ما دخلت عليه بتكثير اللفظ بها.\nقال الزجاج: ومعنى (ما) التوكيد، أي: فبنقضهم ميثاقهم حقًّا. قال: الجالب للباء والعامل فيها قوله تعالى: ﴿حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٦٠] المعنى: بنقضهم ميثاقهم والأشياء التي ذكرت بعده حرمنا عليهم طيبات (٢).\nوهذا القول حسن؛ لأنَّ هذه القصة امتدت إلى قوله: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا﴾ وقوله تعالى: ﴿فَبِظُلْم﴾ وبدل وتفسير لما ذكر من قوله: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِم﴾ و﴿وَكُفْرِهِمْ﴾ و﴿وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ﴾ و﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى﴾ وهذا كله ظلم من اليهود (٣).\nوقال بعضهم: الجالب للباء محذوف، على تقدير: فبما نقضهم وكفرهم وقتلهم لعناهم وسخطنا عليهم. وهذا يُروى عن قتادة (٤). ويكون الدليل على هذا المحذوف قوله: ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾؛ لأن الطبع على قلوبهم قد دل على معنى اللعن لهم والسخط عليهم. والقول هو الأول.\nوباقي الآية إلى قوله: ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ﴾ قد سبق تفسيره فيما مضى من الكتاب (٥).\n_________\n(١) \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ١٠٢.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١٢٧.\n(٣) انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١٢٧.\n(٤) أخرجه الطبري ٦/ ١١.\n(٥) تقدم في مواضع من سورة البقرة.","vol":"7","page":179},{"text":"وقوله تعالى: ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾ قال ابن عباس: \"يريد ختم الله عليها\" (١). قال أبو إسحاق: معنى طبع في اللغة وختم واحد (٢).\nومضى الكلام في ختم (٣)، ويقال: طبع الله على قلب الكافر، أي: ختم عليه فلا يعي وعظًا ولا يوفق لخير (٤).\nقال الحسن: إن بين الله وبين العبد حدًا، إذا بلغه طبع على قلبه، فلم يوفق لخير (٥).\nوقوله تعالى: ﴿بِكُفْرِهِمْ﴾ قال الزجاج: جعل الله مجازاتهم على كفرهم أن طبع على قلوبهم (٦).\nوهذا كقوله: ﴿بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ﴾ [البقرة: ٨٨]، وقد مرّ.\nوقوله تعالى: ﴿فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ قال ابن عباس: \"يريد الذين آمنوا منهم\" (٧). وقد استقصينا هذا عند قوله: ﴿بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ﴾ [البقرة: ٨٨]. ﴿فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-831>١٥٦ </span>- قولهَ تعالى: ﴿وَبِكُفْرِهِمْ﴾ يعني: بالمسيح، جحدوا أنه نبي. قاله ابن عباس (٨). ﴿وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا﴾ حين \"رموها بالزنا\" (٩).\n_________\n(١) \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ١٠٣.\n(٢) \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢١٦١ (طبع).\n(٣) انظر: [البقرة: ٧].\n(٤) \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢١٦١، و\"مقاييس اللغة\" ٣٢/ ٤٣٨ (طبع).\n(٥) لم أقف عليه.\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١٢٧.\n(٧) انظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٢٤٣، و\"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ١٠٣.\n(٨) انظر: \"تنوير المقباس\" ص ١٠٣.\n(٩) \"تفسير ابن عباس\" ص (١٦٣)، وأخرجه الطبري ٦/ ١٢، وانظر: \"الكشف والبيان\" ٤/ ٣٩ أ.","vol":"7","page":180},{"text":"وزعموا أن عيسى لغير رشده (١)\nوذكرنا معنى البهتان في قوله: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً﴾ [النساء: ١١٢].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-832>١٥٧ </span>- قوله تعالى: ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ﴾ الآية.\nاليهود تدعى أنهم قتلوا عيسى بن مريم، وقد كذبوا في ادعائهم ذلك، واستحقوا على هذه الدعوى ما يستحقه قاتل عيسى، لأنهم أتوا ذلك الأمر على أنه قتل نبي. قاله الزجاج وغيره (٢).\nقال المفسرون: إنَّ عيسى ﵇ لما أراد الله ﷿ رفعه إليه قال لأصحابه: \"أيكم يرضى أن يُلقى عليه شبهي، فيقتل ويصلب، ويدخل الجنة؟. فقال رجل منهم: أنا. فألقي عليه شبهه، فقُتل وصُلب، وهم يظنون أنهم قتلوا عيسى، فقال الله تعالى تكذيبًا لليهود: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ﴾ \" (٣).\nقال ابن السكيت: يقال: صَلَبَه يَصْلُبُه صَلبًا، وأصله من الصليب وهو الودك، وأنشد:\nترى لِعظامِ ما جَمعت صَليبًا (٤)\n_________\n(١) من قوله: \"وزعموا\" ليس من الأثر عن ابن عباس، ويحتمل أن المراد به أنه لما تكلم عيسى ﵇ وهو في المهد زعموا أنه لم يرشد ولم يعقل بعد، والله أعلم.\n(٢) انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١٢٨، و\"زاد المسير\" ٢/ ٢٤٤.\n(٣) انظر: الطبري ٦/ ١٢ - ١٣، و\"بحر العلوم\" ١/ ٤٠٢، و\"الكشف والبيان\" ٤/ ١٣٩ أ، و\"زاد المسير\" ٢/ ٢٤٤، و\"ابن كثير\" ١/ ٦٣٣.\n(٤) \"تهذيب اللغة\" ٢/ ٢٠٣٧ (صلب)، والصيب: ودك العظام.\nوما أنشده عجز بيت لأبي خراش الهذلي، وصدره:\nجريمة ناهض في رأس نيق\nانظر -إضافة إلى \"التهذيب\"- \"ديوان الهذليين\" ٢/ ١٣٣ و\"الحجة\" ٣/ ١٩٦ وسيأتي.","vol":"7","page":181},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ أي: ألقي شبهه على غيره حتى ظنوا لما رأوه أنه المسيح. وهذا قول الحسن وقتادة ووهب (١) ومجاهد (٢).\nوقال غير هؤلاء: إنَّ الله جل وعز لما رفعه إليه خاف رؤساؤهم فتنة عامتهم بأن الله منعهم منهن، فعمدوا إلى إنسان فصلبوه ولبسوا على الناس، وذلك أنهم رأوا قتيلًا مصلوبًا من بعيد، قد أرجف بأنه المسيح، فتواطؤوا على ذلك وحكموا به (٣).\nوقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ أي: في قتله (٤)، وكان اختلافهم فيه أنهم لما قتلوا الشخص المشبَّه به، كان الشبه قد ألقي على وجهه ولم يلق عليه شبه جسد عيسى، فلما قتلوه ونظروا إليه قالوا: الوجه وجه عيسى، والجسد جسد غيره (٥).\nوقال السدي: إن اليهود حبسوا عيسى مع عشرة من الحواريين في بيت، فدخل عليهم رجل منهم، فألقى الله ﷿ شبه عيسى عليه، ورفع عيسى إلى السماء من كوة في البيت، فدخلوا البيت وقتلوا ذلك الرجل على أنه عيسى، ثم إنهم قالوا: إن كان هذا عيسى فأين صاحبنا؟ وإن كان هذا صاحبنا فأين عيسى؟ فذلك اختلافهم فيه (٦).\n_________\n(١) تقدمت ترجمته.\n(٢) انظر: الطبري ٦/ ١٢ - ١٧، و\"تفسير الهواري\" ١/ ٤٣٥، و\"الكشف والبيان\" ٤/ ١٣٩ أ، وابن كثير ٢/ ٤٣٠، و\"الدر المنثور\" ٢/ ٤٢٣.\n(٣) لم أقف عليه.\n(٤) انظر: الطبري ٦/ ١٢، و\"بحر العلوم\" ١/ ٤٠٢.\n(٥) انظر: \"الكشف والبيان\" ٤/ ١٤٠ أ.\n(٦) أخرجه بمعناه الطبري ٦/ ١٤، وانظر: \"الكشف والبيان\" ٤/ ١٤٠ أ.","vol":"7","page":182},{"text":"وقال أبو إسحاق: الذين اختلفوا في قتله شاكُّون، لأن بعضهم زعم أنه إله ما قُتل، وبعضهم زعم أنه قُتل، وهم في ذلك شاكُّون (١).\nوقال الكلبي: اختلافهم فيه هو أن اليهود قالت: نحن قتلناه وصلبناه، وقال بعضهم: ما قتلناه ولكن رأيناه يُرفع إلى السماء ونحن ننظر إليه (٢).\nقال الله ﷿: ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾ منصوب على أنه استثناء ليس من الأول، المعنى: ما لهم به من علم لكنهم يتبعون الظن (٣).\nوالكناية في قوله: ﴿لَفِي شَكٍّ مِنْه﴾ تعود إلى القتل، والمعنى: وإن الذين اختلفوا في قتل عيسى لفي شك من قتله، ما لهم بعيسى من علم قُتل أو لم يقتل (٤).\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾ يجوز أن تكون الهاء راجعة إلى المسيح، كما قال: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ﴾، والمعنى: ما قتلوا المسيح على يقين من أنه المسيح (٥).\nوقال الحسن: معنى (يقينًا) ههنا حقًّا (٦). فيجعله من تأكيد الخبر، وعلى هذا يتم الكلام عند قوله: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾ أي يقينًا ما قتلوه، على: حقًّا ما قتلوه.\n_________\n(١) \"معاني القرآن واعرابه\" ٢/ ١٢٨.\n(٢) \"الكشف والبيان\" ٤/ ١٤٠ أ.\n(٣) انظر: \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ٤٦٨، و\"مشكل إعراب القرآن\" ١/ ٢١٢.\n(٤) انظر: الطبري ٦/ ١٢، و\"بحر العلوم\" ١/ ٤٠٢.\n(٥) انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١٢٩. وهذا الوجه رجحه السمين الحلبي، وذكر أن عليه جمهور المفسرين. انظر: \"الدر المصون\" ٤/ ١٤٧.\n(٦) انظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٢٤٦.","vol":"7","page":183},{"text":"وقال ابن الأنباري: ويجوز أن يعود معنى اليقين إلى رفع الله تعالى إياه، أي: رفعه الله إليه يقينًا بغير شك. والنصب ليقين جواب مضمر، كأنه قيل: يقينًا لقد رفعه الله إليه باليقين، ومذهب القسم ينتصب بجوابه المضمر، فحذف الجواب واكتفى بما دل عليه من قوله: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء:<span data-type=\"title\" id=toc-833> ١٥٨]</span>.\nولا يجوز أن تنصب يقينًا بالفعل الذي بعد (بلُ)، لأن بل أداة مانعة، فلم يعمل ما بعدها فيما قبلها (١).\nويجوز أن تكون الهاء عائدة إلى الظن (٢)، يريد: ما قتلوا ذلك الظن يقينًا، أي لم يزل ظنهم ولم يرتفع ما وقع لهم من الشبهة في قتله، وهذا قول ابن عباس والسدي (٣).\nويزيد هذا بيانًا ما قاله الفراء والزجاج: إنَّ الهاء ههنا للعلم، كما تقول: قتلته علمًا، وقتلته يقينًا، أي علمته علمًا تامًّا (٤).\nقال ابن قتيبة: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾ يعني العلم، لم يتحققوه ويستيقنوه. وأصل ذلك أنَّ القتل للشيء يكون عن قهر واستعلاء وغلبة، يقول: فلم يكن علمهم بقتل المسيح علمًا أحيط به، وإنما كان ظنًا (٥).\n\n١٥٨ - وقوله تعالى: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ أكثر القراء على إدغام اللام في الراء، لقرب مخرج اللام من الراء والراء متمكنة فيها، كالتكرير، ولهذا\n_________\n(١) انظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٢٤٦، و\"الدر المصون\" ٤/ ١٤٨.\n(٢) هذا هو الوجه الثاني.\n(٣) \"تفسير ابن عباس\" ص ١٦٤، وأخرج قولهما الطبري ٦/ ١٧، وانظر: \"البحر المحيط\" ٣/ ٣٩١.\n(٤) \"معاني الفراء\" ١/ ٢٩٤، و\"معاني الزجاج\" ٢/ ١٢٨\n(٥) \"تأويل مشكل القرآن\" ص ١٣٣، وانظر: \"غريب القرآن\" له ص ١٣٧.","vol":"7","page":184},{"text":"لم يُجز إدغام الراء في اللام؛ لأن الأنقص يدغم في الأفضل.\nويجوز الإظهار في: ﴿بَلْ رَفَعَهُ﴾، لأن اللام والراء من كلمتين.\nومعنى ﴿رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ أي إلى الموضع الذي لا يجري لأحد سوى الله فيه حكم، وكان رفعه إلى ذلك الموضع رفعًا إليه، لأن رفع عن أن يجري عليه حكم أحد من العباد، كقوله: ﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ [البقرة: ٢١٠] (١) ولم تخرج الأمور اليوم من حكمه فترجع إليه، ولكن المعنى أنَّ الأمور تصير بحيث لا يجري لأحد حكم فيها حقيقة ولا مجازًا سوى الله تعالى يوم القيامة.\nيؤكد ما قلنا أنَّ الحسن قال: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ إلى السماء (٢). كما قال: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [النساء: ١٠٠] وكانت الهجرة يومئذٍ إلى المدينة، وكذلك ما أخبر به عن (إبراهيم) (٣) في قوله: ﴿إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي﴾ [الصافات: ٩٩] وكان ذاهبًا إلى الشام، فجعل ذهابه إلى الموضع الذي أمره ربه ذهابًا إلى ربه.\n﴿وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا﴾ في اقتداره على نجاة من يشاء من عباده.\n﴿حَكِيمًا﴾ في تدبير في النجاة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-834>١٥٩ </span>- قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ الآية. (وَإِن) بمعنى: ما النافية.\nقال الزجاج: والمعنى: وما فيهم أحدٌ إلا ليؤمنن به، وكذلك قوله:\n_________\n(١) وقد وردت هذِه الجملة في أكثر من آية. انظر: \"المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم\" ص ٣٠١ (رجع).\n(٢) انظر: \"تفسير الهواري\" ١/ ٤٣٦، و\"النكت والعيون\" ١/ ٥٤٤.\n(٣) طمست الكلمة في المخطوط، والآية في إبراهيم -﵇-.","vol":"7","page":185},{"text":"﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١] المعنى: وما منكم أحد إلا واردها. وكذلك: ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ﴾ (١) [الصافات: ١٦٤]، وأنشد:\nلو قلتَ ما في قومها لم تيثَم (٢) ... يفضُلُها في حَسبٍ وميسَمِ (٣)\nأي: أحد يفضلها (٤).\nوقد ذكرنا فيما تقدم جواز حذف الموصول أو الموصوف من الكلام والخلاف فيه عند قوله في النساء: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا﴾ الآية [النساء: ٤٦].\nوقال الكسائي: تقول العرب: إن منهم ليقومَن -بفتح الميم-، وليقومُن -بضم الميم-، وفي قراءة أبيّ: (إلا ليُؤمنُن) بضم النون الأولى.\nقال: وتقول العرب: إن منهم إلا يصلح، وإن منهم إلا ليصلح، المعنى: إلا من يصلح (٥).\nواختلفوا في معنى الآية: فقال ابن عباس في رواية عطاء، وعطية وسعيد بن جبير والحسن وقتادة والربيع وابن زيد: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ﴾ بعيسى ﴿قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ عيسى. وذلك عند نزوله من السماء في آخر الزمان، فلا يبقى أحد من أهل الكتاب إلا آمن به، حتى تكون الملة واحدة (...) (٦) الإسلام (٧).\n_________\n(١) في المخطوطة زيادة كلمة (أحد) بعد (منا)، وهو خطأ.\n(٢) أي: تأثم، وكذا هو في بعض روايات البيت.\n(٣) البيت لحكيم بن معية كما في \"خزانة الأدب\" ٢/ ٣١١، وفي \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٢٧٠ دون نسبة.\nوالميسم يطلق على أثر الجمال. انظر: \"اللسان\" ٨/ ٤٨٣٨ (وسم).\n(٤) \"معاني القرآن إعرابه\" ٢/ ١٢٩.\n(٥) لم أقف عليه.\n(٦) كلمة غير واضحة في المخطوط، ويحتمل أن تكون: هي.\n(٧) انظر: الطبري ٦/ ١٨.","vol":"7","page":186},{"text":"قال عطاء: إذا نزل إلى الأرض لا يبقى يهودي ولا نصراني ولا أحد ممن يعبد غير الله إلا آمن به، وصدقه، وشهد (١) أنه روح الله وكلمته وعبده ونبيه (٢). واستبعد هذا القول قوم، وقالوا: الآية عامة في جميع أهل الكتاب والذين يبقون منهم إلى وقت نزول عيسى حتى يؤمنوا به شرذمة قليلة.\nوالأمر على ما قالوا، ولكن لا يُنكر أن يحمل هذا على العموم والمراد به الذين يشاهدون ذلك الوقت ويدركون نزوله يؤمنون به ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ﴾ (٣).\nوقال ابن عباس في رواية الوالبي وعكرمة ومجاهد والضحاك والسدي: المعنى: وإن من أهل الكتاب أحدٌ إلا ليؤمنن بعيسى قبل موته إذا عاين الملك، ولا ينفعه حينئذ إيمانه؛ لأن كل من نزل به الموت لم تخرج نفسه حتى يتبين له الحق من الباطل في دينه (٤).\nفالهاء في ﴿مَوْتِهِ﴾ تعود إلى الكتاب (٥)، قالوا: لا يموت يهودي\n_________\n(١) غير واضحة تمامًا في المخطوط، وانظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٢٤٨.\n(٢) انظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٢٤٨.\n(٣) رجح ابن جرير -﵀- القول الأول وهو أنه لا يبقى أحد من أهل الكتاب بعد نزول عيسى -﵇- إلا آمن به قبل موت عيسى ﵇. انظر: الطبري ٦/ ٢١ - ٢٣. قال ابن كثير في \"تفسيره\" ٢/ ٤٣٥: \"ولا شك أن هذا الذي قال ابن جرير هو الصحيح، لأن المقصود من سياق الآي في تقرير بطلان ما ادعته اليهود من قتل عيسى وصلبه، وتسليم من سلم لهم من النصارى الجهلة ذلك ... \".\n(٤) انظر: \"تفسير ابن عباس\" ص ١٦٤، والطبري ٦/ ١٩ - ٢٣، و\"النكت والعيون\" ١/ ٥٤٤.\n(٥) هكذا في المخطوط، ولعل الصواب: \"أهل الكتاب\".","vol":"7","page":187},{"text":"ولا صاحب كتاب حتى يؤمن بعيسى وإن احترق أو غرق أو تردى أو سقط عليه جدار أو أكله السبع (١).\nقال عكرمة: امتحنت ابن عباس فقلت: أرأيت إن خرّ من فوق بيت؟ قال: يتكلم في الهواء، فقلت: أرأيت إن ضرب عنق أحدهم؟ قال: يُلجلج بها لسانه (٢).\nويدل على صحة هذا التأويل قراءة أُبيّ: (قبل موتهم) (٣).\nوقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ قال قتادة وابن جريج: شهيدًا على أن قد بلغ رسالة ربه، وأقر بالعبودية على نفسه (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-835>١٦٠ </span>- قوله تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا﴾ إلى آخر الآيتين.\nقال مقاتل: كان الله حرم على أهل التوراة أن يأكلوا الربا ونهاهم أن يأكلوا أموال الناس بالباطل، وصدوا عن دين الله وعن الإيمان بمحمد - ﷺ -، فحرم الله عليهم عقوبة لهم ما ذكر في قوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ الآية (٥). [الأنعام: ١٤٦].\nوقال قتادة: \"عوقبوا على ظلمهم وبغيهم بتحريم أشياء عليهم\" (٦).\n_________\n(١) \"الكشف والبيان\" ٤/ ١٤١ أ. وقد ورد نحو هذا القول عن مجاهد كما أخرجه الطبري ٦/ ٢٠.\n(٢) أخرج معناه من طريق عكرمة عن ابن عباس الطبري ٦/ ٢٠، وانظر: ابن كثير ١/ ٦٣٦. وبنحو هذا اللفظ جاء عن ابن عباس لكن من طريق سعيد بن جبير، في المرجع نفسه.\n(٣) \"معاني الفراء\" ١/ ٢٩٥، والطبري ٦/ ٢٠ في الأثر عن ابن عباس من طريق سعيد ابن جبير.\n(٤) أخرجه الطبري ٦/ ٢٣، وهذا لفظ قتادة ومعنى كلام ابن جريج.\n(٥) انظر: \"تفسيره\" ١/ ٤٢١، ٤٢٢، و\"زاد المسير\" ٢/ ٢٥٠.\n(٦) أخرجه الطبري ٢/ ٢٤، وعبد بن حميد وابن المنذر. انظر: \"الدر المنثور\" ٢/ ٤٣٤.","vol":"7","page":188},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ قال مجاهد: وبصدهم أنفسهم وغيرهم عن الحق (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-836>١٦١ </span>- وقوله تعالى: ﴿وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ﴾ يعني: ما أخذوه من الرّشى في الحكم، وغير ذلك مما يؤخذ على جهة الخيانة، وكل وجه يؤخذ به المال مما هو محظور في الدين (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ﴾ ولم يقل: أعتدنا لهم، لأنه علم أن منهم من يؤمن؛ فيأمن العذاب (٣).\nوأما وجه تحريم الطيبات عليهم، كيف كان؟ ومتى كان؟ وعلى لسان من حرم عليهم؟ فلم أجد فيه شيئًا أنتهي إليه فتركته، وذكرت اختلاف المفسرين في كيفية تحريم الإبل وألبانها عليهم عند قوله: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ الآية [آل عمران: ٩٣].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-837>١٦٢ </span>- قوله: ﴿لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ﴾ قال قتادة ومقاتل: (لكن) ههنا بمعنى: استدراك، والاستثناء لمؤمني أهل الكتاب (٤).\nقال ابن عباس: يعني: المبالغين (٥) في علم الكتاب منهم. يريد عبد الله ابن سلام (٦) وعدة نفر (٧).\n_________\n(١) \"تفسيره\" ١/ ١٨١، وأخرجه الطبري ٢٤/ ٢، وعبد بن حميد وابن المنذر. انظر: \"الدر المنثور\" ٢/ ٤٣٤.\n(٢) انظر: الطبري ٢٤/ ٢، و\"بحر العلوم\" ١/ ٤٠٣، و\"الكشف والبيان\" ٤/ ١٤٢ ب.\n(٣) انظر: \"الكشف والبيان\" ٤/ ١٤٢ ب.\n(٤) أخرجه عن قتادة عبد بن حميد وابن المنذر، انظر: \"الدر المنثور\" ٢/ ٤٣٤، و\"تفسير مقاتل\" ١/ ٤٢٢.\n(٥) هكذا في المخطوط، وقد يكون الصواب: \"البالغين\".\n(٦) تقدمت ترجمته.\n(٧) انظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٢٥٠، ٢٥١، وابن كثير ١/ ٦٤٦، و\"تنوير المقباس\" =","vol":"7","page":189},{"text":"قال الزجاج: يعني: أنهم لعلمهم وثبوتهم وبصيرتهم في علمهم آمنوا بالنبي - ﷺ - (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ قال ابن عباس: والمؤمنون من أصحاب محمد ﵇ (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ﴾ اختلفوا في وجه نصب المقيمين:\nفقال أبو زيد: هو نسق على الهاء والميم في (منهم)، المعنى: لكن الراسخون في العلم منهم ومن المقيمين (٣).\nقال الزجاج: وهذا عند النحويين رديء؛ لأنه لا يُنسق الظاهر المجرور على المضمر المجرور إلا في اضطرار (٤).\nوذهب بعضهم إلى أن هذا وهم من الكتاب.\nرُوي ذلك عن عائشة (٥) ﵂، وأبان (٦) بن عثمان (٧).\n_________\n= بهامش المصحف ص ١٠٣، و\"الدر المنثور\" ٢/ ٤٣٤.\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١٣٠.\n(٢) انظر: \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ١٠٣.\n(٣) انظر: \"معاني الزجاج\" ٢/ ١٣٠، و\"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ٤٧٠، ٤٧١، و\"الكشف والبيان\" ٤/ ١٤٣ أ.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١٣١.\n(٥) أخرج الأثر عنها: الطبري ٦/ ٢٥، وانظر: \"الكشف والبيان\" ٤/ ١٤٣ أ.\n(٦) هو أبو سعيد أو أبو عبد الله أبان بن عثمان بن عفان الأموي، من كبار الثقات التابعين. مات ﵀ سنة ١٠٥هـ انظر: \"تاريخ الثقات\" ١/ ١٩٩، و\"سير أعلام النبلاء\" ٤/ ٣٥١، و\"التقريب\" ص ٨٧ رقم (١٤١).\n(٧) أخرجه الطبري ٦/ ٢٥، وانظر: \"الكشف والبيان\" ٤/ ١٤٣/ أ.\nومثل هذا القول لا يثبت عن الصحابة، وقد رده المحققون من العلماء كما سيأتي قريبًا.","vol":"7","page":190},{"text":"ورُوي أيضًا أنَّ عثمان قال: أرى في المصحف لحنًا، وستقيمه العرب بألسنتها (١).\nوقال أبو حاتم والزجاج وغيرهما: وهذا القول بعيد، لأن الذين جمعوا القرآن من الصحابة كانوا أهل اللغة والقدوة، فكيف يتركون في كتاب الله شيئًا يصلحه غيرهم، وهم الذين أخذوه عن رسول الله - ﷺ - وجمعوه، ولم يكونوا ليُعلِّموه الناس على الغلط، فهذا مما لا ينبغي أن يُنسب إليهم، والقرآن محكم لا لحن فيه، ولا فيه شيء تتكلم العرب بأجود منه في الإعراب (٢).\nولسيبويه والخليل وجميع النحويين في هذا باب يسمونه: باب المدح، وقد بينوا فيه صحة هذا وجودته. قالوا: إذا قلت: مررت بزيد الكريم، فإن أردت أن تُخلِّص زيدًا من غيره، فالخفض وجه الكلام حتى يعرف زيد الكريمُ من غير الكريم، وإن أردت المدح والثناء نصبت، فقلت: الكريمَ، كأنك قلت: أذكُرُ الكريمَ، وإن شئت على: هو الكريمُ. وجاءني قومك المطعمين في المَحْل والمُغيثون في الشدائد، على معنى: أذكر المطعمينَ وهم المغيثون، وكذلك هذه الآية، معناها: أذكر المقيمين وهم المؤتون للزكاة (٣)، وأنشدوا قول خرنق (٤):\n_________\n(١) لا يصح هذا الخبر عن عثمان، بل قال ابن تيمية: إنه باطل. انظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٢٥٢، و\"مجموع الفتاوى\" ١٥/ ١٥٣، و\"شرح شذور الذهب\" ص ٥٠.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١٣١.\n(٣) \"معاني الزجاج\" ٢/ ١٣١، ١٣٢، وانظر: \"الكتاب\" ١/ ٢٠١، ٢/ ٦٢ - ٦٦، و\"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ٤٧٠ - ٤٧١.\n(٤) هي الخرنق بنت بدر بن هفان البكرية القيسية، من الشعراء في الجاهلية، وهي أخت لطِرفة بن العبد لأمه، وكانت زوجة عبد عمرو بن بشر سيد قومه، ولها =","vol":"7","page":191},{"text":"لا يَبْعَدن قومي الذين همُ ... سُمُّ العداة وآفةُ الجُزْرِ\nالنازِلين بِكُلِّ مُعْتَركٍ ... والطيبونَ معاقِدَ الأزْرِ (١)\nعلى معنى: أُذكر النازلين وهم الطيبون، رفعه ونصبه على المدح، وبعضهم برفع النازلين وينصب الطيبين، وهذا قول جميع البصريين (٢)، وعلى هذا القول المؤرِّج والفراء (٣) وأبو العباس (٤).\nوقد ذكرنا شرح هذا الباب عند قوله: ﴿وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ﴾ [البقرة: ١٧٧] (٥).\nوقال أبو علي: نص سيبويه على أن قوله: ﴿وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاة﴾ نصب على المدح (٦).\nوكان الكسائي يذهب إلى أن (المقيمين) في محل الخفض بالعطف على ما في قوله: ﴿بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ [النساء: ١٦٢] والمعنى عنه: ويؤمنون بالمقيمين الصلاة، وتفاؤل في المقيمين الصلاة أنهم الأنبياء، وينكر أن\n_________\n= ديوان مطبوع. انظر: \"الشعر والشعراء\" ص (١٠٣)، و\"الكامل\" ٣/ ٤٠، و\"الأعلام\" ٢/ ٣٠٣، ومقدمة ديوانها.\n(١) \"ديوانها\" ص ٤٣، و\"الكتاب\" ١/ ٢٠٢، ٢/ ٦٤، و\"مجاز القرآن\" ١/ ١٤٣، و\"الكامل\" ٣/ ٤٠، و\"معاني الزجاج\" ٢/ ١٣٢، و\"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ٤٠٧.\nومعنى \"لا يبعدن\": لا يهلكن، والعداة: جمع عاد، و\"آفة الجزر\": الآفة العلة، والجزر جمع جزور، أي المكثرين لنحر الإبل. والمعترك: موضع القتال.\n(٢) \"معاني الزجاج\" ٢/ ١٣٢.\n(٣) لم أقف عليه.\n(٤) لعله المبرد. انظر: \"الكامل\" ٣/ ٤٠.\n(٥) انظر: الكتاب ٢/ ٦٣ - ٦٦.\n(٦) انظر: \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ٤٧٠ - ٤٧١، و\"الدر المصون\" ٤/ ١٥٤.","vol":"7","page":192},{"text":"يكون منصوبًا على المدح، قال: لأنه لا ينصب الممدوح إلا عند تمام الكلام، ولم يتم الكلام ههنا، ألا ترى أنك حين قلت ﴿لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ﴾ كأنك تنتظر الخبر، وخبره في قوله: ﴿أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا﴾.\nوقول البصريين في هذا هو الصحيح الظاهر (١)، وقوله: إن الكلام لم يتم، إذ الخبر قوله: ﴿أُولَئِكَ﴾ لا يصح، لأن الخبر إنما هو: ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ مع أنه قد يجوز الاعتراض بالمدح بين الاسم والخبر، كما يجوز الاعتراض بالقسم، لأنه في تقدير جملة تامة.\nقال الفراء: والعرب إذا تطاولت الصفة جعلوا الكلام في الناقص والتام واحد (٢).\nوذهب قطرب إلى أن المعنى: وما أنزل من قبلك ومن قبل المقيمين (٣). وهذا القول في الفساد كقول أبي زيد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-838>١٦٣ </span>- قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ﴾ الآية.\nقال ابن عباس: إن جماعة من اليهود قالوا للنبي - ﷺ - ما أوحى الله إليك ولا إلى أحد بعد موسى، فكذبهم الله تعالى وأنزل: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ (٤).\nقال أبو عبيد عن الكسائي: وحي إليه الكلام يحي به وحيًا، وأوحى إليه، وهو أن يكلمه بكلام يُخفيه من غيره (٥).\n_________\n(١) وهذا ما رجحه أيضًا النحاس في \"إعراب القرآن\" ١/ ٤٧٠ - ٤٧١.\n(٢) لم أقف عليه.\n(٣) انظر: \"البحر المحيط\" ٣/ ٣٩٦، و\"الدر المصون\" ٤/ ١٥٥.\n(٤) أخرجه بمعناه الطبري ٦/ ٢٨، وانظر: ابن كثير ١/ ٦٤٧، و\"الدر المنثور\" ٢/ ٤٣٥.\n(٥) \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٨٥٢ (وحى).","vol":"7","page":193},{"text":"قال أبو إسحاق: أصل الوحي في اللغة كلها إعلام في خفاء، ولذلك صار الإلهام يسمى وحيًا (١).\nقال غيره (٢): وكذلك الإشارة والإيماء والكتابة يسمى وحيًا (٣) فالإشارة قوله: ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم: ١١] أي أشار إليهم. والإلهام قوله: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ﴾ [المائدة: ١١١] ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ [النحل: ٦٨].\nوذكر في تقديم نوح على غيره من النبيين أنه أول نبي شرع الله تعالى على لسانه الأحكام والحلال والحرام (٤).\nوسمى بعض النبيين بعد أن ذكرهم جملةً في قوله: ﴿وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ تخصيصًا وتفضيلًا، كقوله: ﴿وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ [البقرة: ٩٨].\nوقوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ الزبور كتاب داود.\nقال ابن عباس: وكان (ما ....) (٥) وخمسين سورة، ليس فيها حد ولا حكم ولا فريضة ولا حلال ولا حرام (٦).\nقال أهل اللغة: الزبور الكتاب، وكل كتاب زبور، وهو فعول بمعنى مفعول، كالرسول والركوب والحلوب، وأصله من: زبرت، بمعنى كتبت (٧).\n_________\n(١) \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٨٥٢ (وحى).\n(٢) هو الأزهري.\n(٣) انظر: \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٨٥٢ (وحى).\n(٤) \"الكشف والبيان\" ٤/ ١٤٣ ب.\n(٥) طمس باقي الكلمة في المخطوط، وقد تكون: \"مائتين\".\n(٦) لم أقف عليه.\n(٧) \"العين\" ٧/ ٣٦٢ (زبر)، و\"غريب القرآن\" لابن قتيبة ص (٣٧)، و\"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٥٠٦ (زبر).","vol":"7","page":194},{"text":"وذكر ما فيه عند قوله: ﴿جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ﴾ [آل عمران: ١٨٤].\nوقرأ حمزة: (زُبُورًا) بضم الزاي (١) على أنه جمع زَبْر، أوقع على المزبور الزبر (٢)، كقولهم: ضَرْبُ الأمير، ونسج اليمن، كما يسمى المكتوب كتابًا، ثم جمع الزُّبر على زبور، وجمعه -وإن كان مصدرًا- لوقوعه موقع الأسماء، كما جمع الكتاب على كتب، لما استعمل استعمال الأسماء (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-839>١٦٤ </span>- قوله تعالى: ﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ﴾ الآية.\nقال ابن عباس: قالت اليهود: ذكر محمد الأنبياء ولم يذكر موسى فنزلت هذه الآية متضمنة ذكر موسى (٤).\nقال الزجاج: (ورسلًا) منصوب من جهتين: أجودهما: أن يكون منصوبًا بفعل مضمر، يفسره الذي ظهر، المعنى: وقد قصصناهم، كما تقول: رأيت زيدًا وعمرًا كلمته (٥)، على معنى: وكلمت عمرًا كلمته.\nالثاني: أن يحمل على معنى الفعل الأول؛ لمقاربة معنى: ﴿أَوْحَيْنَا﴾ لمعنى: أرسلنا، فكأنه قيل: أرسلناك والنبيين ورسلًا (٦).\n_________\n(١) \"السبعة\" ص ٢٤٠، و\"الحجة\" ٣/ ١٩٣.\n(٢) \"الحجة\": \"اسم الزبر\".\n(٣) \"الحجة\" ٣/ ١٩٤، وانظر: \"معاني القرآن\" ١/ ٣٢٣، و\"الكشف عن وجوه القراءات السبع\" ١/ ٤٠٢.\n(٤) لم أقف عليه.\n(٥) عند الزجاج: أكرمته.\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١٣٢ بتصرف.","vol":"7","page":195},{"text":"قال ابن عباس: ﴿قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ﴾ يريد في القرآن في غير سورة (١).\nقال بعض المفسرين: يعني في سورة الأنعام، فإنها نزلت من قبل (٢).\nقال الكلبي في هذه الآية: يقول: من الرسل من قد سميناهم لك في القرآن، وعرفناكهم إلى من بعثوا، وما رد عليهم قومهم، ومنهم من لم نُسمه لك، ولم نعرفكهم (٣).\nقال أهل المعاني: الذين نوه بذكرهم ههنا من الأنبياء يدل على تفضيلهم على من لم يذكر بأسمائهم، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ﴾ [الإسراء: ٥٥].\nوقد ذكرنا معنى القص والقصص في قوله: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ﴾ [آل عمران: ٦٢].\nوقوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ أي مخاطبة من غير وسيطة، وتأكيد ﴿وَكَلَّمَ﴾ بالمصدر يدل على تحقيق الكلام، وأنه سمع كلام الله تعالى؛ لأن أفعال المجاز لا تؤكد بذكر المصادر، لا يقال: أراد الحائط أن يسقط إرادة. وهذا رد على من يقول: إن الله خلق كلامًا في محل فسمع موسى ذلك الكلام؛ لأنه حينئذ لا يكون كلام الله (٤).\nقال أحمد بن يحيى: لو جاءت ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ﴾ مجردة لاحتمل ما قلنا وما قالوا، فلمَّا جاءت ﴿تَكْلِيمًا﴾ خرج الشك الذي كان يدخل في\n_________\n(١) انظر: \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ١٠٤.\n(٢) لم أقف عليه.\n(٣) \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ١٠٤.\n(٤) انظر: \"معاني الزجاج\" ٢/ ١٣٣، و\"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ٤٧٣، و\"زاد المسير\" ٢/ ٢٥٦.","vol":"7","page":196},{"text":"الكلام وبطل الاحتمال للشيئين (١).\nوالتكليم في اللغة معناه: المخاطبة، وهو متعد يقتضي مفعولًا، والتكليم (٢) لا يقتضيه. ومعنى تكلم: نطق وأوجد الكلام، وقال أهل اللغة: أصل هذه اللفظة التأثير في الشيء، ألا ترى أنك إذا كلمت غيرك أسمعته كلامك يؤثر فيه ما قلته، ولهذا استعملوا هذه اللفظة في الجراحة قالوا: كلمته أكلمه، إذا جرحته وأثرت فيه (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-840>١٦٥ </span>- قوله تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ انتصب رسلًا على البدل من قوله: (ورُّسُلًا) (٤)، وإن شئت قلت: أوحينا إليهم رسلًا، فيكون منصوبًا على الحال والقطع (٥).\nوفي قوله: ﴿مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ دليل على أنهم بُعثوا ببيان الطاعة والمعصية؛ لأنهم إنما يبشرون بالثواب على الطاعة، وينذرون بالعقاب على المعصية، ولا يصح ذلك إلا بعد الكشف عنهما.\nوفي قوله: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ دليل على أنه لو لم يبعث الرسل لكان للناس حجة في ترك الطاعة والتوحيد والمعرفة، وقد قال في آية أخرى: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا\n_________\n(١) \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣١٨٠ (كلم).\n(٢) هكذا في المخطوط، ولعل الصواب: التكلم.\n(٣) انظر: \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣١٨٠، و\"مقاييس اللغة\" ٥/ ١٣١، و\"اللسان\" ٢/ ٣٩٢٢ (كلم).\n(٤) انظر: \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ٤٧٤، و\"مشكل إعراب القرآن\" ١/ ٢١٣.\n(٥) انظر: الطبري ٦/ ٣٠، و\"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ٤٧٤، و\"مشكل إعراب القرآن\" ١/ ٢١٣.","vol":"7","page":197},{"text":"أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا﴾ [طه: ١٣٤]، فبين أنهم كانوا يحتجون بعدم الرسول لو لم يبعث إليهم (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ أي عزيزًا في اقتداره على إنجاز موعوده على ألسنة رسله، حكيمًا في إرساله وجميع تدبيره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-841>١٦٦ </span>- قوله تعالى: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ﴾ الآية.\nقال ابن عباس وغيره من المفسرين: إن رؤساء مكة قالوا: يا محمد سألنا اليهود عنك وعن صفتك، فزعموا أنهم لا يعرفونك في كتابهم. فقال رسول الله - ﷺ - لليهود: \"إني والله أعلم أنكم لتعلمون أني رسول الله\"، فقالوا: ما نعلم ذلك. فأنزل الله هذه الآية (٢).\nقال أهل المعاني: \"لكن\" لا يبتدأ به، لأنه لاستدراك ما سبق ومضى، وإنما يجيء بعد نفي لشيء فيثبت ذلك الشيء به، وهذه الآية من باب الحذف والاختصار، وذلك أن اليهود لما جحدوا نبوته وأنكروا ما أنزل الله عليه قالوا: ما نشهد لك بهذا، فمن يشهد لك به؟ فترك ذكر قولهم، وأنزل: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ﴾ (٣).\nقال الزجاج: ومعنى ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَد﴾ أنَ الشاهد هو المبين لما يشهد به، فالله ﷿ يبين ما أنزل إليه، ويعلم مع إبانته أنه حق (٤).\n_________\n(١) انظر: الطبري ٣٠٦.\n(٢) انظر: الطبري ٦/ ٣١، و\"الكشف والبيان\" ٤/ ١٤٥ أ، وابن كثير ١/ ٦٥١.\n(٣) أخرجه الطبري ٦/ ٣١، وذكره الثعلبي في \"الكشف والبيان\" ٤/ ١٤٥ ب، والمؤلف في \"أسباب النزول\" ص ١٨٩، وابن كثير ١/ ٦٥١ - ٦٥٢، والسيوطي في \"الدر المنثور\" ٢/ ٤٣٩، وعزاه إضافة إلى الطبري إلى كل من ابن إسحاق وابن المنذر والبيهقي.\n(٤) \"تأويل مشكل القرآن\" ص ٢٣١، وانظر: \"بحر العلوم\" ١/ ٤٠٦، و\"الكشاف\" ١/ ٣١٤، و\"رصف المباني\" ص ٣٤٧، و\"الدر المصون\" ٤/ ١٦٢.","vol":"7","page":198},{"text":"ومعنى إبانة الله تعالى ذلك نصب المعجزة له.\nووجه الاحتجاج بشهادة الله على اليهود أنهم أبوا أن يشهدوا بما شهد الله به، وكفى بهذا خزيًا بهم، وأيضًا فإن الله تعالى شهادته تبين صدق نبيه بما يغني عن بيان أهل الكتاب.\nوقوله تعالى: ﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ فيه قولان:\nأحدهما: أنزله وهو يعلم أنك أهل لإنزاله عليك، لقيامك به وعملك بالحق فيه. وفي هذا إثبات العلم لله، لأن المعنى: أنزله بعلمه الذي هو عالم به (١).\nالثاني: ما ذكره الزجاج، وهو أنه قال: معنى ﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ أي أنزل القرآن الذي فيه علمه (٢).\nقال أبو علي: (أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ) أنزله وفيه علمه. والجار في موضع الحال، كما أن: خرج بعدته، معناه: خرج وعليه عدته. والعلم المعلوم، أي أنزله وفيه معلومه، كما أن الصيد يراد به المصاد في قوله: ﴿بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ﴾ [المائدة: ٩٤]. والأيدي (٣) والرماح إنما تلحق الأعيان، ولا تلحق الأحداث. هذا كلامه (٤).\nقوله تعالى: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ﴾ إنما تعرف شهادة الملائكة بقيام المعجزة ووضوحها، ومن قامت له المعجزة شهدت الملائكة بصدقه، ولا نحتاج مع شهادة الله تعالى في تصحيح المشهود به إلى شهادة غيره، لكن ذكرت شهادة الملائكة الذين هم عباد الله في مقابلة جحود اليهود الذين هم\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١٣٤، وانظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٢٥٧.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١٣٤.\n(٣) في \"الحجة\": \"فالأيدي\".\n(٤) \"الحجة\" لأبي علي ٢/ ١٦٠.","vol":"7","page":199},{"text":"عباد الله، على جهة الاعتياض بهذه من ذاك. ذكره بعض أهل المعاني (١)\nوقوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ دخلت الباء مؤكدة، المعنى: وكفي الله شهيدًا، ويجوز أن يكون المعنى: اكتفوا بالله في شهادته (٢). وقد سبق الكلام في مثل هذا (٣).\nوهذه الآية تسلية للنبي - ﷺ - عن شهادة أهل الكتاب، فشهادة الله ﷿ والملائكة (مع ما) (٤) فيه من الحجة على جهل من قعد عن هذه الشهادة (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-842>١٦٧ </span>- قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قال عطاء والكلبي: يريد اليهود (٦). وقوله تعالى: ﴿وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي عن دين الله الإسلام بقولهم: ما نعرف صفة محمد في كتابنا، وإنما النبوة والمبشر بها في ولد هارون، وما أشبه ذلك مما يصرفون به الناس عن اتباع النبي - ﷺ - (٧).\nوقوله تعالى: ﴿قَدْ ضَلُّوا ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ قال عطاء عن ابن عباس: يريد: أبعدهم الله من سبل الخيرات، فلا يهتدون، مثل قوله: ﴿أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ﴾ [النساء: ٨٨] (٨).\n_________\n(١) \"الحجة\" لأبي علي ٢/ ١٦٠.\n(٢) انظر: \"بحر العلوم\" ٣/ ٣٩٩.\n(٣) \"معاني الزجاج\" ٢/ ١٣٤، وانظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٢٥٧.\n(٤) في المخطوط جاءت هكذا: \"معما\".\n(٥) يكون في الكلام سقط، ولعل الصواب: \"دليل على جهل من قعد عن هذِه الشهادة\".\n(٦) انظر: \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ١٠٤.\n(٧) الطبري ٦/ ٣١ - ٣٢، وانظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٢٥٨، والقرطبي ٦/ ١٩.\n(٨) لم أقف عليه.","vol":"7","page":200},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-843>١٦٨ </span>- قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يعني: اليهود (١).\n﴿وَظَلَمُوا﴾ قال ابن عباس: يريد ظلموا محمدًا - ﷺ - بكتمان نعته (٢).\nوقال مقاتل: أشركوا بالله (٣).\nوالأول أجود، لأن الكفر ينبئ عن الشرك.\nوقوله تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ هذا فيمن علم أنه يموت على الكفر (٤).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا﴾ يدل على أنَّ الهداية إلى الله، لا إلى قدرة البشر، وعلى أنه يحسن منه أن يُخص قومًا بالهدى دون قوم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-844>١٦٩ </span>- وفسر الطريق ههنا: بدين الإسلام (٥)، فاستثنى ما يهديهم فقال: ﴿إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ﴾ قالوا: يعني اليهودية، وهو طريق جهنم (٦).\nوقوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ خالدين على الحال (٧)، والعامل فيه معنى: (ولا ليهديهم)، لأنه بمنزلة: يعاقبهم خالدين.\nوانتصب (أَبَدًا) على الظرف، وهو في المستقبل نظير قط في الماضي، نحو: لا أراه أبدًا، وما رأيته قط.\n_________\n(١) انظر: الطبري ٦/ ٣٢، و\"بحر العلوم\" ١/ ٤٠٦، و\"الكشف والبيان\" ٤/ ١٤٥ ب، والبغوي ٢/ ٣١٣، و\"زاد المسير\" ٢/ ٢٥٨.\n(٢) انظر: \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ١٠٤.\n(٣) \"تفسيره\"١/ ٤٢٤، وانظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٢٥٨.\n(٤) انظر: \"بحر العلوم\" ١/ ٤٠٦، والبغوي ٢/ ٣١٣، و\"زاد المسير\" ٢/ ٢٥٨، والقرطبي ٦/ ٢٠.\n(٥) الطبري ٦/ ٤٠، و\"بحر العلوم\" ١/ ٤٠٦، و\"الكشف والبيان\" ٤/ ١٤٥ ب.\n(٦) \"الكشف والبيان\" ٤/ ١٤٥، وانظر: البغوي ٢/ ٣١٣\n(٧) انظر: \"الدر المصون\" ٤/ ١٦٣.","vol":"7","page":201},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ لأنه لا يتعذر عليه ولا يضره، ولأنه قادر على أن يخلق لهم العذاب والألم شيئًا بعد شيء إلى ما لا يتناهى، وذلك أنه لما وصف أنه لا نهاية لخلودهم في جهنم بين أنه لا يتعذر ذلك عليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-845>١٧٠ </span>- قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ قال ابن عباس: يريد المشركين (١). ﴿قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ قال: يريد بالهدى والصدق (٢). وقال الكلبي: بشهادة أن لا إله إلا الله (٣).\nوالباء في ﴿بِالحَقِّ﴾ معناه التعدية، وهو في موضع الحال على معنى: جاء ومعه الحق (٤).\nوقوله تعالى: ﴿فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾ قال الفراء: ﴿خَيْرًا﴾ منصوب باتصاله بالأمر، لأنه من صفة الأمر، ويستدل على ذلك بجواز الكناية عن الأمر قبل الخبر، كقولك: اتق الله هو خير لك، أي الاتقاء خير لك، فإذا سقطت (هو) اتصل (خير) بما قبله وهو الأمر، والأمر معرفة فنصب. هذا معنى كلامه (٥).\nمفهوم هذا أنه انتصب على القطع لأنه كان يجب أن يكون مرفوعًا بهو، فلما حذفت نصب باتصاله بالمعرفة، كقوله: ﴿وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا﴾\n_________\n(١) انظر: \"بحر العلوم\" ١/ ٤٠٦، و\"زاد المسير\" ٢/ ٢٥٩، و\"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ١٠٤.\n(٢) انظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٢٥٩.\n(٣) انظر: \"بحر العلوم\" ١/ ٤٠٦، والقرطبي ٦/ ٢٠.\n(٤) انظر: القرطبي ٦/ ٢٠، و\"الدر المصون\" ٤/ ١٦٤\n(٥) \"معاني الفراء\" ١/ ٢٩٥، ٢٩٦ بتصرف.","vol":"7","page":202},{"text":"[النحل:٥٢]، كان يجب أن يكون الواصب، فلما منع الألف واللام وهو نعت لمعرفة نصب (١)\nوقال أبو عبيدة: هو نصب على ضمير جواب، تقديره: يكن خيرًا لكم (٢).\nونحو ذلك قال قطرب، فإنه قال: فآمنوا يكن الإيمان خيرًا لكم (٣).\nقال الفراء: ليس نصبه بإضمار (يكن)، ألا ترى أنك تقول: اتق الله تكن محسنًا، ولا يجوز أن تقول: اتق الله محسنًا فأنت تضمر (تكن)، ولا يصلح أن تقول: انصرنا أخانا، وأنت تريد: تكن أخانا (٤).\nقال الزجاج: قال الخليل وجميع البصريين: إن هذا محمول على المعنى، لأنه إذا قلت: آمن خيرًا لك، وانته خيرًا لك، فأنت تدفعه عن أمر وتدخله في غيره، (كأنك) (٥): انته وائت خيرًا، وادخل فيما هو خير لك.\nفكأن معنى قوله: (آمنوا خيرا لكم): ائتوا خيرًا لكم، وأنشد جميع البصريين قول عمر بن أبي ربيعة (٦):\nفواعِديهِ سَرْحَتَيْ مالِكٍ ... أو الرُّبا بينهما أسْهَلَا (٧)\n_________\n(١) ذكر السمين في \"الدر المصون\" ٤/ ١٦٤ رأي الفراء ضمن أربعة أوجه في إعراب \"خيرًا\" فقال: \"الثاني -وهو مذهب الفراء- أنه نعت لمصدر محذوف، أي: فآمنوا إيمانًا خيرًا لكم\". ثم قال مضعفًا لهذا الوجه: \"وفيه نظر، من حيث إنه يفهم أن الإيمان منقسم إلى خير وغيره .. \".\n(٢) \"مجاز القرآن\" ١/ ١٤٣.\n(٣) لم أقف عليه.\n(٤) \"معاني القرآن\" ١/ ٢٩٦.\n(٥) يحتمل أن هنا سقطًا، وتمامه: \"كأنك قلت\".\n(٦) هو أبو الخطاب عمر بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي، تقدمت ترجمته.\n(٧) \"ديوانه\" ص ٣٤١، والكتاب ١/ ٢٨٣، والطبري ٦/ ٣٤.","vol":"7","page":203},{"text":"كأنه قال: ائتي مكانًا سهلًا (١).\nقال ابن عباس: يريد إن تكذبوا محمدًا - ﷺ - وتكفروا نعمة الله عليكم (٢).\n﴿فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي لا تضروا إلا أنفسكم، لأن الله غني عنكم بأن له ما في السموات والأرض ملكًا له واقتدارًا عليه، فذكر ما يدل على غناه بنفسه، لأنَّ هذا مما يدل على استحقاق صفات التعظيم.\n﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا﴾ بما تصيرون إليه من إيمان أو كفر.\n﴿حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٧٠]، في تكليفكم مع علمه ما يكون منكم (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-846>١٧١ </span>- قوله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ قال ابن عباس وغيره من المفسرين: يريد النصارى (٤).\nومعنى ﴿لَا تَغْلُوا﴾ لا تتجاوزوا حد الحق في دينكم، يقال: غلا يغلو غلوًا، إذا جاوز الحق، ومنه يقال: غلا السعر، إذا جاوز الحد في الزيادة (٥). والنصارى غلت في المسيح فجاوزوا به منزلة الأنبياء حتى جعلوه إلهًا.\nقال ابن عباس: ﴿لَا تَغْلُوا﴾ لا تشددوا فتفتروا (٦).\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١٣٤، ١٣٥، وانظر: الطبري ٦/ ٣٣ - ٣٤.\n(٢) انظر: \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ١٠٤.\n(٣) انظر:\"زاد المسير\" ٢/ ٢٥٩.\n(٤) انظر: الطبري ٦/ ٣٤، و\"بحر العلوم\" ١/ ٤٠٦، و\"الكشف والبيان\" ٤/ ١٤٦ أ، و\"زاد المسير\" ٢/ ٢٦٠، و\"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ١٠٥.\n(٥) انظر: \"غريب القرآن\" لابن قتيبة ص ١٣٣، والطبري ٦/ ٣٤، و\"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٦٨٢ (غلا)، و\"المفردات\" ص ٣٦٤.\n(٦) انظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٢٦٠، \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ١٠٥.","vol":"7","page":204},{"text":"﴿وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ فليس لله ولد ولا زوجة ولا شريك. وهذا هو الحق.\nوقوله تعالى: ﴿وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ﴾ ذكرنا تفسير الكلمة في سورة آل عمران (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ اختلفوا فيه: فقال أبي بن كعب: خلق الله تعالى أرواح بني آدم لما أخذ عليهم الميثاق، وكان روح فيهم، ثم ردها إلى صُلب آدم، وأمسك عنده روح عيسى، فكان روح عيسى عنده إلى أن أراد خلقه، ثم أرسل ذلك الروح إلى مريم، فدخل في فيها فكان منه عيسى (٢). ومعنى قوله: ﴿مِنْهُ﴾ أي من عنده.\nويدل على هذا التأويل قول السدي: ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ أي مخلوق منه أي من عنده (٣).\nويجوز أن يكون معنى ﴿مِنْهُ﴾ على هذا القول: من خلقه وإحداثه وإنشائه، كما قال: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية: ١٣] أي من خلقه وإيجاده.\nوقال جماعة من أهل المعاني: معنى الروح ههنا النفخ، ويسمى النفخ في كلام العرب روحًا؛ لأنه ريح تخرج من الروح (٤)، ومنه قول ذي\n_________\n(١) ذكر ذلك عند قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ [آل عمران: ٤٥].\n(٢) أخرجه بنحوه الطبري ٦/ ٣٦.\n(٣) لم أقف عليه.\n(٤) انظر: الطبري ٦/ ٣٥، و\"الكشف والبيان\" ٤/ ١٤٦ ب، و\"النكت والعيون\" ١/ ٥٤٦ - ٥٤٧، و\"زاد المسير\" ٢/ ٢٦١.","vol":"7","page":205},{"text":"الرمه في نار اقتدحها وأمر صاحبه بالنفخ فيها فقال:\nفقلتُ له ارفَعْها إليك وأحْيِها ... بروحِكَ واجعله لها قيتةً قدْرًا (١)\nأحيها بروحك أي: بنفخك (٢).\nوروي أن جبريل ﵇ نفخ في درع مريم فحملت بإذن الله (٣).\nومعنى قوله: ﴿مِنْهُ﴾ على هذا التأويل: بأمره، لأن نفخ جبريل كان بأمر الله تعالى وإذنه، فهو منه. وهذا كقوله: ﴿فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا﴾ [الأنبياء: ٩١، والتحريم: ١٢] (٤).\nوقيل: الروح الرحمة، وعيسى كان رحمة من الله لمن اتبعه وأطاعه (٥).\nوقيل في تفسير قوله: ﴿وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ [المجادلة: ٢٢] أي: برحمة كذلك قال المفسرون (٦).\nوكذلك قراءة من قرأ: ﴿فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ﴾ (٧) [الواقعة: ٨٩] أي: فرحمة، وهذا كما قال - ﷺ -: \"إنما أنا رحمة مهداة\" (٨).\nوقيل: الروح ههنا جبريل، وهو عطف على الضمير في ﴿أَلْقَاهَا﴾، وتأويله ألقاها الله إلى مريم وجبريل.\n_________\n(١) \"ديوانه\" ص ١٧٦، والطبري ٦/ ٣٦، و\"الكشف والبيان\" ٤/ ١٤٦ ب، ومعنى \"اجعله لها قيئةً قدرًا\" أي اجعل فوقها من الحطب قليلًا قليلًا، فالشاعر يتحدث عن نار موقدة.\n(٢) الطبري ٦/ ٣٦، و\"ديوان ذي الرمة\" ص ١٧٦.\n(٣) انظر: الطبري ٦/ ٣٥، و\"الكشف والبيان\" ٤/ ١٤٦ ب، و\"النكت والعيون\" ١/ ٥٤٦.\n(٤) المرجع السابق.\n(٥) الطبري ٦/ ٣٦، و\"الكشف والبيان\" ٤/ ١٤٦ ب.\n(٦) انظر: \"زاد المسير\" ٨/ ٢٠٠.\n(٧) القراءة بضم الراء من (روح) وهي ليعقوب من العشرة. انظر: \"المبسوط\" ص ٣٦١، و\"النشر\" ٢/ ٢٨٣.\n(٨) صححه الألباني، وعزاه إلى ابن سعد والحكيم الترمذي عن أبي صالح مرسلًا، كما عزاه إلى الحاكم، ولم أجده عنده. انظر: \"صحيح الجامع\" رقم (٢٣٤٥).","vol":"7","page":206},{"text":"معنى ﴿مِنْهُ﴾ أي: بإذنه وأمره، كقولك: قلت لفلان منك قولًا، أي بإذنك في ذلك (١).\nوهذه أوجه صحيحه في تأويل قوله: ﴿وَرُوحٌ مِنْه﴾ (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ﴾ قال ابن عباس: يريد قولهم: الله وصاحبته وأبيه (٣).\nقال الفراء: معناه (ولا تقولوا): هم ثلاثة، كقوله: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ﴾ [الكهف: ٢٢] (٤).\nوقال الزجاج: (ولا تقولوا) آلهتنا ثلاثة ﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [النساء:١٧١] (٥).\nوقوله تعالى: ﴿انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾.\nقد ذكرنا وجه انتصابه عند قوله: ﴿فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾ [النساء: ١٧٠].\nوقوله تعالى: ﴿سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ﴾ قال ابن عباس: نزه نفسه أن يكون له ولد (٦).\nوقال القراءة يصلح في (أن) من وعن، فإذا أُلقيتا كانت (أن) في موضع نصب. وكان الكسائي يقول: هو (٧) في موضع خفض، في كثير من أشباهها (٨).\n_________\n(١) انظر: الطبري ٦/ ٣٦، وانظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٢٦١.\n(٢) قال الطبري ٦/ ٣٦: \"ولكل هذِه الأقوال وجه ومذهب غير بعيد من الصواب\".\n(٣) هكذا في المخطوط، والصواب: وابنه. انظر: \"تنوير المقباس\" ص ١٠٥.\n(٤) \"معاني القرآن\" ١/ ٢٩٦.\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١٣٥.\n(٦) \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ١٠٥.\n(٧) هكذا في المخطوط، وعند الفراء: \"هي\".\n(٨) \"معاني القرآن\" ١/ ٢٩٦.","vol":"7","page":207},{"text":"وذكرنا هذه المسألة قديمًا.\nوقوله تعالى: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾.\nفيه حجة على بطلان قول النصارى، لأن تأويله: أن ذلك له ملكًا وخلقًا من غير شريك في ذلك، إذ لو كان له شريك لم يبعد وجود التمانع بينهما، فيفسد ملك السموات والأرض، وإذا استحال الشريك في وصفه استحال الولد.\nوقوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ أي: مفوضًا إليه القيام بتدبير ملكه الذي لا ملك أوسع منه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-847>١٧٢ </span>- قوله تعالى: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا﴾ الآية.\nقال أبو إسحاق: معنى (لن يستنكف): لن يأنف، وأصله في اللغة من نكفت الدمع، إذا نحيته بأصبعك عن خدك، وأنشد:\nفبانوا فلولا ما تذكر منهم ... من الخُلفِ لم يُنكَف لعينيكَ مدمعُ (١)\nفتأويل: (لن يستنكف): لن ينقبض، ولم يمتنع (٢).\nقال الأزهري: سمعت المنذري يقول: سمعت أبا العباس، وسئل عن الاستنكاف فقال: هو أن يقول: لا. وهو من النكف والوكف. يقال: ما عليه في ذلك الأمر نكف ولا وكف، والنكف أن يقال له سوء، واستنكف، إذا دفع ذلك السوء وقال: لا. والمفسرون يقولون: الاستنكاف والاستكبار واحد (٣).\n_________\n(١) البيت في \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٦٦٤، و\"اللسان\" ٩/ ٣٤٠ (نكف) دون نسبة ولم أقف على قائله.\n(٢) \"معاني الزجاج\" ٢/ ١٣٦، وانظر: \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٦٦٤ (نكف).\n(٣) \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٦٦٤ (نكف).","vol":"7","page":208},{"text":"وقال الكلبي: (لن يستنكف): لن يتعظم (١).\nوقال الأخفش ومقاتل: لن يأنف (٢).\nوقال الزجاج: أي ليس يستنكف الذي تزعمون أنه إله أن يكون عبدًا لله، ولا الملائكة المقربون وهم أكثر من البشر (٣).\nومعنى قوله: ﴿الْمُقَرَّبُونَ﴾ أي من كرامة الله وثوابه والمواطن التي شرفها لإكرام عباده (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-848>١٧٤ </span>- قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (٥).\nقال ابن عباس: \"يريد يا أهل مكة وجميع الخلق. ويريد بالبرهان النبي - ﷺ - وما جاء به من البيان والبرهان\" (٦).\nهذا كلامه، وإنما قيل للنبي - ﷺ - برهان؛ لما معه من المعجزة التي تشهد بصدقه، والبرهان شاهد حق في نفسه، وذلك يوجب أن يكون المشهود به حقًا، فالنبي - ﷺ - حق في نفسه بدلالة المعجزة عليه.\nوقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا﴾ [النساء: ١٧٤].\nيريد القرآن، عن ابن عباس (٧) والحسن وقتادة وابن جريج (٨).\n_________\n(١) انظر: \"بحر العلوم\" ١/ ٤٥٨، ولم أقف عليه عن الكلبي.\n(٢) هذا كقول الزجاج المتقدم، ولم أجده في \"معاني القرآن\" للأخفش وعن مقاتل في \"تفسيره\" ١٥/ ٤٢٥.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١٣٥، وانظر: \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٦٦٤ (نكف).\n(٤) انظر: الطبري ٦/ ٣٨.\n(٥) لم يتعرض صاحب الكتاب للآية (١٧٣) بشيء.\n(٦) انظر: \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ١٠٥.\n(٧) انظر: \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ١٠٥.\n(٨) انظر: الطبري ٦/ ٣٨، و\"زاد المسير\" ٢/ ٢٦٤","vol":"7","page":209},{"text":"وشبه القرآن بالنور؛ لأنه يُتبين به الأمور كما يُتبين بالنور.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-849>١٧٥ </span>- قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ﴾ الظاهر أن الكناية في (به) تعود على اسم الله.\nوقال ابن جريج: الكناية تعود على النور الذي هو القرآن (١).\nوهذا قريب من الأول في المعنى، لأن الاعتصام بالقرآن اعتصام بالله تعالى.\nقال ابن عباس: ﴿وَاعْتَصَمُوا بِهِ﴾ يريد امتنعوا به (٢).\nقال أهل المعاني: الاعتصام بالقرآن: الامتناع به من معاصي الله، والاعتصام بالله: الامتناع به من زيغ الشيطان وهوى الإنسان بطاعته وطلب مرضاته (٣).\nوقوله تعالى: ﴿فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ﴾.\nقال ابن عباس: يريد الجنة (٤). ﴿وَفَضْلٍ﴾ قال: يريد يتفضل عليهم بما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا ما يوصف (٥).\n﴿وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [النساء: ١٧٥]، قال: يريد دينًا مستقيمًا (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-850>١٧٦ </span>- قوله تعالى: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَة﴾ الآية.\nقد بينا معنى الكلالة واشتقاقها في اللغة في أول السورة.\n_________\n(١) أخرجه الطبري ٦/ ٣٩، وانظر: \"النكت والعيون\" ١/ ٥٤٧، و\"الدر المنثور\" ٢/ ٤٤١.\n(٢) لم أقف عليه.\n(٣) انظر: \"النكت والعيون\" ١/ ٥٤٧.\n(٤) انظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٢٦٤، و\"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ١٠٥.\n(٥) لم أقف عليه.\n(٦) انظر: \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ١٠٥","vol":"7","page":210},{"text":"قال العلماء: إن الله تعالى أنزل في الكلالة آيتين، إحداهما في الشتاء وهي التي في أول هذه السورة، والأخرى في الصيف، وهي هذه الآية، ولهذا تسمى هذه الآية آية الصيف (١).\nونزلت هذه الآية والنبي - ﷺ - مُتجهز للحج، فهي من آواخر ما نزل من القرآن (٢). فقد نزلت في الكلالة آيتان.\nوالمراد بالكلالة في الآية الأولى: الموروث، والمراد في هذه الآية بالكلالة الوارث، وكل وارث سوى الوالد والولد كلالة، وكذلك كل موروث سواهما.\nوعند ابن عباس وأكثر المفسرين نزلت هذه الآية في جابر بن عبد الله، مرض بالمدينة فأتاه النبي - ﷺ - عائدًا، فقال: \"يا رسول الله: إني كلالة، ولا أب لي ولا ولد، فكيف أصنع في مالي؟ \". فأنزل الله هذه الآية (٣).\nوفي رواية أخرى: \"فقلت: إني رجل ليس يرثني إلا كلالة\" وكان له تسع أخوات (٤). قال ابن عباس في قوله: ﴿قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَة﴾ يريد من ليس له ولد ولا والد.\nفعلى هذا المراد بالكلالة: الموروث، وهو الظاهر؛ لأنه قال بعد هذا: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ﴾ وهذا ابتداء الفتوى في الكلالة، وقد بدأ بذكر الموروث.\n_________\n(١) تسمية هذِه الآية بآية الصيف جاء في أكثر من أثر. انظر: الطبري ٦/ ٤٣ - ٤٤.\n(٢) انظر: الطبري ٦/ ٤١ - ٤٢، و\"الدر المنثور\" ٢/ ٤٤٥.\n(٣) أخرجه بمعناه البخاري (٤٦٠٥) كتاب: التفسير سورة النساء، باب: يوصيكم الله في أولادكم ٥/ ١٧٧، ومسلم (١٦١٦) كتاب: الفرائض، باب: ميراث الكلالة والمؤلف في \"أسباب النزول\" ص ١٩٠.\n(٤) سبق تخريجه.","vol":"7","page":211},{"text":"ويجوز أن يكون المراد بالكلالة: الوارث، ثم بين من هُم بذكر الأخت والأختين والأخوة.\nوقوله تعالى: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ﴾. قد ذكرنا ما في هذا عند قوله: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ﴾ [النساء: ١٢٨].\nوقوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ﴾ قال أهل المعاني: أراد ليس له ولد ولا والد، فاكتفى بذكر أحدهما من الآخر، ودل على المحذوف أنَّ الفتيا في الكلالة. وقد بينا أن الكلالة من ليس له والد ولا ولد، فإن كان له أحدهما لم يسم كلالة (١).\nوزعم أبو علي الجرجاني أنَّ الوالد يجوز أن يكون داخلًا في لفظ الولد، قال: وكل من اتصل به ذكر الولادة احتمل أن يقال له: ولد، فالوالد يسمى والدا، لأنه ولد، والمولود يسمى ولدًا، لأنه ولد، وهذا مثل قولهم: الذرية، وهي اسم من (ذرا) ثم الولد يسمى ذرية، والأب أيضًا يسمى ذرية، لأن الولد ذريء منه، ومن هذا قوله تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ (٢) [يس: ٤١] أي وآية لقريش أنا حملنا آباءهم مع نوح. قال: ووجدنا أيضًا الأسماء التي اشتقت من الأفعال جاء فعل منها بمعنى الفاعل أكثر مما جاءت بمعنى المفعول، كقولهم: حرض، من حارض، ودنف، من دانف، وضرع، من ضارع، وطلب، بمعنى طالب.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَهُ أُخْتٌ﴾ أراد من أبيه وأمه وأبيه، لأنه سبق ذكر أولاده الأم في أول السورة.\nوقوله تعالى: ﴿فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ هذا بيان فرضها عند إنفرادها، ولها نصف المال بالتسمية. ثم لمن باقي المال؟\n_________\n(١) انظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٢٦٦.\n(٢) انظر: القرطبي ٦/ ٢٨.","vol":"7","page":212},{"text":"عند زيد بن ثابت يكون لبيت المال إذا لم يكن هناك عصبة، وهو مذهب الشافعي (١). وعند أهل العراق يرد عليها الباقي (٢).\nفإن قيل: الله تعالى سمى لها النصف إذا لم يكن هناك ولد، فلم أعطيت النصف مع البنت الواحدة وهي ولد؟\nقيل: هذا إجماع سنة (٣) رسول الله - ﷺ -، وهي مع البنت كالذكر من العصبة يأخذ ما أبقت الفرائض، فهي في هذه المسألة لا بالتسمية، ولكن بأنها معها عصبة (٤).\nوقوله تعالى: ﴿وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ﴾ يعني أن الأخ يستغرق ميراث الأخت إذا لم يكن للأخت ولد، وهذا أصل في العصبيات واستغراقهم المال.\nوهذا الأخ من الأب والأم، أو من الأب، وقد بينا هذا لأن الأخ من الأم.\nوقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ﴾ إلى قوله ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ﴾ ظاهر.\nوروي أن أبا بكر الصديق -﵁- قال في خطبته: ألا إن الآية التي أنزل الله في أول سورة النساء من شأن الفرائض أنزلها في الولد والوالد، والآية الثانية أنزلها في الزوج والزوجة والأخوة من الأم، والآية التي ختم بها سورة النساء أنزلها في الأخوة والأخوات من الأب والأم، والآية التي ختم بها سورة الأنفال أنزلها في أولي الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله\n_________\n(١) وبه قال مالك، انظر: \"الأم\" ٤/ ٧٦، و\"المغني\" ٩/ ٤٩.\n(٢) وهو مذهب أحمد، انظر \"المغني\" ٩/ ٤٩.\n(٣) هكذا في المخطوط، ولعل الصواب: بسنة.\n(٤) انظر: \"بحر العلوم\" ١/ ٤٠٩، والقرطبي ٦/ ٢٩","vol":"7","page":213},{"text":"مما جرت به الرحم من العصبة (١).\nوقوله تعالى: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ اختلفوا في هذا، فعند الكوفيين (لا) مضمرة ههنا، على تقدير: لئلا تضلوا، أو ألا تضلوا. قالوا: ومثل هذا قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا﴾ [فاطر: ٤١] أي: لئلا تزولا، ومثله: ﴿كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ﴾ [الحجرات: ٢].\nوهذا قول الفراء والكسائي (٢).\nوقال البصريون: المحذوف ههنا مضاف، على تقدير: يبين الله لكم كراهة أن تضلوا، فحذف المضاف كقوله: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] وبابه، قالوا: و(لا) حرف جاء لمعنى النفى فلا يجوز حذفه، ولكن قد تزاد في الكلام مؤكدة، كقوله: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [القيامة: ١] ونحوه (٣).\nوهذا القول يبعد، لأنه لم يدل على الاجتناب شيء.\nوالله أعلم (٤).\n_________\n(١) أخرجه الطبري ٦/ ٤١، وانظر: \"الكشف والبيان\" ٤/ ١٤٩ أ، و\"الدر المنثور\" ٢/ ٤٤٣.\n(٢) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٢٩٧، و\"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ٤٧٧، و\"مشكل إعراب القرآن\" ١/ ٢١٦، و\"الدر المصون\" ٤/ ١٧٦.\n(٣) انظر: \"معانى الزجاج\" ٢/ ١٣٧، و\"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ٤٧٧، و\"الدر المصون\" ٤/ ١٧٦.\n(٤) انتهى تفسير سورة النساء بحمد الله.","vol":"7","page":214},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-851>سورة المائدة</span>","vol":"7","page":215},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\n\nربّ اعصمني من الزلل <span data-type=\"title\" id=toc-852>(١)</span>\nسورة المائدة\nبسم الله الرحمن الرحيم\n\n١ - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾.\nالعقد في اللغة معناه الجمع بين الشيئين بما يعسر انفصال أحدهما عن الآخر، كعقدة الحبل بالحبل، ثم يسمى العهد وما يؤكده الناس بينهم الأمانات والمواثيق عقدًا لإحكامه (٢).\nقال أبو إسحاق: والعقود أوكد العهود، يقال: عقد فلان اليمين، إذا وَكّدها (٣).\nواختلفوا في معنى العقود ههنا: فقال ابن عباس في رواية عطاء (٤)،\n_________\n(١) الظاهر أن البسملة والدعاء هنا لابتداء هذا الجزء (نسخة ج) وقد صدر بـ: \"الجزء الثالث من البسيط في التفسير -تأليف أبي الحسن علي بن أحمد بن محمد الواحدي -﵀- فيه: سورة المائدة والأنعام والأعراف سبعة أحزاب\" في جامعة الإمام تحت رقم ٥١٠٥/ ف له صورة ميكروفيلم.\n(٢) انظر: الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٤٦ - ٤٧، و\"تهذيب اللغة\" ١/ ٢٥١١، و\"الصحاح\" ٢/ ٥١٠ (عقد)، و\"التعريفات\" ص ١٥٣.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١٣٩.\n(٤) ثبت ذلك من طريق علي بن أبي طلحة كما في \"تفسير ابن عباس\" ص ١٦٥، وأخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٤٧","vol":"7","page":217},{"text":"ومجاهد والربيع والضحاك والسدي: هي العهود (١).\nقال ابن عباس: العقود: ما أحل الله، وما حرم الله، وما فرض الله، وما حدّ في القرآن كله (٢).\nفعلى هذا العقود جمع العقد بمعنى المَعْقُود، وهو الذي أحكم، وما فرضه الله علينا فقد أحكم ذلك ولا سبيل إلى نَقْضِه بِحَال. وهذا رواية أبي الجوزاء (٣) عن ابن عباس (٤).\nوقال الكلبي: يقول: أتموا الفرائض ما افترض الله على العباد مما أحل لهم وحرم عليهم، والعهود التي بينكم وبين الناس (٥).\nوالعهود تسمى عقودًا؛ لأنك تقول: عهدت إلى فلان كذا وكذا، تأويله ألزمته، كذا (٦) باستيثاق كما يعقد الشيء (٧).\nوالعقود التي بين الناس على ضربين: لازمة، وجائزة.\nواللازمة كالنكاح والبيع والإجارة (٨)، فهذه يجب الوفاء بها على\n_________\n(١) أخرج الآثار عنهم الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٤٧.\n(٢) \"تفسير ابن عباس\" ص ١٦٥، وأخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٤٨.\n(٣) هو أوْس بن عبد الله الربعي البصري، تابعي ثقة، يرسل كثيرًا، وحديثه عند الجماعة، مات -﵀- سنة ٨٣ هـ.\nانظر: \"ميزان الاعتدال\" ١/ ٢٧٨، و\"سير أعلام النبلاء\" ٤/ ٣٧١، و\"التقريب\" ص ١١٦ رقم (٥٧٧).\n(٤) ذكره المؤلف في \"الوسيط\" ٣/ ٧٨٦ دون نسبة ولم أقف عليه.\n(٥) \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ١٠٦.\n(٦) في (ش): (ذلك).\n(٧) انظر: \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٦٠٧ (عهد).\n(٨) انظر: الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٤٨ - ٤٩.","vol":"7","page":218},{"text":"معنى القيام بمقتضاها.\nوما كان جائزًا: فالعاقد مندوب إلى الوفاء به، ولا يجب، لقوله - ﷺ -: \"من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها فليأت الذي هو خير، وليكفر عن يمينه\" (١).\nفأباح له ترك ما حلف عليه بشرط التكفير إذا رأى غير ما حلف عليه خيرًا، ففي الذي له يحلف عليه أولى أن يَجُوز (٢) له تركه.\nوقوله تعالى: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾.\nالأكثرون على أن هذا ابتداء كلام آخر (٣).\nوقال بعضهم: هذا متصل بالكلام الأول، على معنى: أوفوا بعقود من عاهدتم وتعففوا عن أموالهم بما أحل لكم من بهيمة الأنعام (٤).\nوالبهيمة اسم لكل ذي أربع من ذوات البَرّ والبَحر (٥).\nقال ابن الأنباري: البهيمة معناها في اللغة: المُبهَمَة عن العقل والتمييز (٦).\nوقال أبو إسحاق نحو هذا، فقال: كل حي لا يُمَيِّز فهو بهيمة، وإنما\n_________\n(١) أخرجه البخاري بنحوه (٦٦٢٢) كتاب: الأيمان والنذور، باب: قول الله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ ومسلم بلفظه (١٦٥٠) كتاب الأيمان، باب: ندب من حلف يمينًا فرأى غيرها خيرًا منها.\n(٢) في (ش): (يكون)، والمعنى واحد.\n(٣) انظر: \"بحر العلوم\" ١/ ٤١٢، و\"الكشاف\" ١/ ٣٢٠.\n(٤) لم أقف عليه.\n(٥) \"تهذيب اللغة\" ١/ ٤٠٩ (بهم)، وانظر: \"الدر المصون\" ٤/ ١٧٧، والقرطبي في \"تفسيره\" ٦/ ٣٤.\n(٦) لم أقف عليه.","vol":"7","page":219},{"text":"قيل له بهيمة لأنه أبهم عن أن يميز (١).\nوالأنعام جمع النَّعَم، وهي الإبل والبقر والغنم وأجناسها، في قول جميع أهل اللغة والتأويل (٢)، ولا يدخل فيها الحافر (٣)؛ لأنه (أخذ (٤) من نَعمة الوطء (٥).\nواختلفوا في المَعْنِي بـ (بهيمة الأنعام)، فقال ابن عباس في رواية عطاء: يريد الضأن والمعز والإبل والبقر (٦).\nوهذا قول الحسن وقتادة والربيع والضحاك والسدي، قالوا: هي الأنعام كلها (٧).\nوعلى هذا القول قال ابن الأنباري: إنما أضاف البهيمة إلى الأنعام على جهة التوكيد والإطناب في المعنى، ولو قال: أحلت لكم الأنعام لم يسقط بسقوط البهيمة إلا زيادة التوكيد، وهذا كما يقال: نفس الإنسان (٨).\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١٤١.\n(٢) انظر: \"غريب القرآن\" لابن قتيبة ص ١٣٩، والطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٥١، و\"معاني القرآن\" للنحاس ٢/ ٢٤٨، \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٦١٦ - ٣٦١٧ (نعم)، و\"بحر العلوم\" ١/ ٤١٢.\nوابن قتيبة والسمرقندي زادا (الوحوش)، وهو غريب.\n(٣) انظر: الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٥١.\n(٤) زيادة في (ش).\n(٥) نَعمة الوطء، بفتح النون، ولعل المراد تشبيه غير ذات الحافر بمن يمشي حافيا من قولهم: تنعم الرجل: إذا مشى حافيًا.\nانظر: \"اللسان\" ٦/ ٤٤٨٤ (نعم).\n(٦) لم أقف عليه.\n(٧) انظر: \"معاني القرآن\" للنحاس ٢/ ٢٤٨، و\"زاد المسير\" ٢/ ٢٦٨، والقرطبي في \"تفسيره\" ٦/ ٣٤.\n(٨) لم أقف عليه.","vol":"7","page":220},{"text":"وقال الكلبي: بهيمة الأنعام وحشيها (١) كالظِّباء وبقر الوحش وحمر الوحش (٢).\nوهو اختيار الفراء (٣)، والزجاج (٤).\nوعلى هذا القول قال أبو بكر: أضاف البهيمة إلى الأنعام؛ لأنه (٥) لو أفردها فقال: البهيمة، أو البهائم وقعت على الأنعام وعلى غيرها مما حظر وحرم، فأضافها إلى الأنعام ليعرف جنس البهيمة.\nوقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾.\nأي: إلا ما يُقرأ عليكم في القرآن مما حرم عليكم، وهو قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ [المائدة: ٣]. قاله ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة والسدي (٦).\nوقوله تعالى: ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾.\nانتصب (غيرَ) على الحال من قوله تعالى: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ﴾ (٧) كما تقول: أحل لكم الطعام غير مفسدين فيه.\n_________\n(١) في (ج): (وحشها) بدون ياء.\n(٢) \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ١٠٦.\n(٣) \"معاني القرآن\" ١/ ٢٩٨.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١٤٠.\n(٥) في (ج): (لأنها).\n(٦) \"تفسير ابن عباس\" ص ١٦٦، وأخرج الآثار عن الجميع إلا الحسن والطبري في \"تفسيره\" ٩/ ٤٥٨.\nوانظر: \"تفسير الهواري\" ١/ ٤٤٣ ن \"زاد المسير\" ٢/ ٢٦٩.\n(٧) انظر: \"مشكل إعراب القرآن\" ١/ ٢١٧، و\"الكشاف\" ١/ ٣٢٠، و\"الدر المصون\" ٤/ ١٧٨.","vol":"7","page":221},{"text":"وقال الفراء: هو مثل قولك: أحل لك هذا الشيء لا مفرطًا فيه ولا متعديًا، فإذا جعلت (غيرَ) مكان (لا)، صار النصب الذي بعد (لا) في (غير) (١).\nوالمعنى: أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا أن تحلوا الصيد في حال الإحرام، فإنه لا يحل لكم إذا كنتم محرمين.\n\nويقال: رجل حرام، وقوم حُرُم، أي: محرمون <span data-type=\"title\" id=toc-853>(٢)</span>.\nوالإضافة في قوله تعالى: ﴿مُحِلِّي الصَّيْدِ﴾ على تقدير الانفصال؛ لأن ما كان من هذا الباب للاستقبال وللحال أثبتت فيه النون والتنوين، نحو: ضارب زيدًا، وضاربون زيدًا (٣). وقد أحكمنا هذا الفصل عند قوله: ﴿ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [النساء: ٩٧].\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ قال أبو إسحاق: أي الخلق له جل وعز يُحل منه ما يشاء لمن يشاء، ويُحرم ما يريد (٤).\n\n٢ - قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ الآية.\nالشعائر واحدتها: شعيرة، وهي فعيلة بمعنى مُفْعَلَة، والمُشْعَرة: المُعْلَمة، والإشعار: الإعلام من طريق الإحساس، والشعر: العلم من طريق الحس. ذكرنا ذلك في أول البقرة.\nوكل شيء أُعلِم فقد أشعر، ومنه السنّة في إشعار الهدي، هذا معنى\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" ١/ ٢٩٨.\n(٢) \"معاني الزجاج\" ٢/ ١٤١، وانظر: \"تهذيب اللغة\" ١/ ٧٩٤ (حرم)، و\"زاد المسير\" ٢/ ٢٦٩.\n(٣) انظر: \"معاني الفراء\" ١/ ٢٩٨، و\"معاني الزجاج\" ٢/ ١٤١.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١٤٢.","vol":"7","page":222},{"text":"الشعائر في اللغة (١)، ثم كل شيء جُعل علمًا على شيء، أو أعلم بعلامة جاز أن يُسمّى شعيرة.\nوالهدي التي تهدى إلى مكة تسمى شعائر؛ لأنها مُشعَرةٌ بالدم (٢)، ومنه قول الكميت:\nنُقَتَّلهم جيلًا فجيلًا تراهم ... شعائرَ قُربانٍ بهِم يُتَقَرَّبُ (٣)\nفأما التفسير فقال ابن عباس في رواية عطاء: أن (الحَطيم بن ضبيعة -واسمه شريح (٤)، والحطيم لقب، ويقال الحُطَم (٥) - أتى النبي -ﷺ- من اليمامة (٦) إلى المدينة، فعرض عليه رسول الله - ﷺ - الإسلام، فلم يسلم، فلما خرج مرّ بسّرح المدينة فاستاق الإبل، فطلبوه فعجزوا عنه، فلما خرج رسول الله - ﷺ - عام القضية سمع تلبية حجاج اليمامة، فقال لأصحابه: \"هذا الحطيم وأصحابه، فدونكم\" وكان قد قلّد ما نهب من سرح النبي - ﷺ - وأهداه إلى الكعبة، فلما توجّهوا في طلبه أنزل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ يريد (ما) (٧) أُشْعِرَ (لله) (٨)، وإن كانوا على غير دين الإسلام (٩).\n_________\n(١) انظر: \"غريب القرآن\" لابن قتيبة ص ١٣٧، والطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٥٥، و\"معاني الزجاج\" ٢/ ١٤٢، و\"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٨٨٤ (شعر).\n(٢) انظر: \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٨٨٤ (شعر).\n(٣) استشهد به في \"مجاز القرآن\" ١/ ١٤٦.\n(٤) ما بين القوسين سقط من (ش).\n(٥) لم أقف له على ترجمة.\n(٦) اليمامة: مدينة من اليمن تقع على بعد مرحلتين من الطائف وأربع مراحل من مكة. انظر: \"تهذيب الأسماء واللغات\" الجزء الثالث، القسم الثاني ص ٢١٠.\n(٧) ساقطة من (ش).\n(٨) في (ج): (الله).\n(٩) جاء ذلك مقطوعًا عن السدي وعكرمة كما في الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٥٨، و\"أسباب النزول\" للمؤلف ص ١٩١، وابن كثير في \"تفسيره\" ٢/ ٥، \"لباب =","vol":"7","page":223},{"text":"وهذا قول جماعة من أهل المعاني.\nقال أبو عبيدة: الشعائر في كلام العرب: الهدايا المُشعرة (١).\nوقال الزجاج: هي ما أشعر، أي أُعلم ليهدى إلى بيت الله الحرام (٢).\nوقال جماعة: هي جميع متعبدات (الله) (٣) التي أشعرها الله، أي: جعلها أعلامًا لنا (٤).\nقال ابن عباس ومجاهد: هي مناسك الحج (٥).\nوقال عبد الله بن مسلم: هي كل شيء جعل علمًا من أعلام طاعته (٦).\nفالشعائر: العلامات والمعالم للحج نحو الصفا والمروة والمواقيت وعرفة وما أشبهها، فإن قلنا: المراد بالشعائر في هذه الآية الهدايا كان المعنى: لا تحلوها بإباحة نهبها والإغارة، وإن قلنا: إنها معالم الحج كان المعنى: لا تحلوها بتجاوز حدودها والتقصير فيها والتضييع لها.\nوقال الفراء: كانت عامة العرب لا يرون الصفا والمروة من شعائر الحج، ولا يطوفون بينهما فأنزل الله: لا تستحلوا ترك ذلك (٧).\n_________\n= النقول\" ص ٨٦. ولم أقف على رواية عطاء.\nوانظر: \"الناسخ والمنسوخ في القرآن\" لهبة الله بن سلامة ص ٦٢.\n(١) \"مجاز القرآن\" ١/ ١٤٦.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١٤٢.\n(٣) ما بين القوسين ساقط من (ش).\n(٤) انظر: الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٥٥، و\"بحر العلوم\" ١/ ٤١٣.\n(٥) \"تفسير ابن عباس\" ص ١٦٦، والطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٥٤، و\"تفسير مجاهد\" ١/ ١٨٣.\n(٦) \"غريب القرآن\" ص ١٣٧.\n(٧) \"معاني القرآن\" ١/ ٢٩٨.","vol":"7","page":224},{"text":"وروى أبو صالح عن ابن عباس: يقول: لا تستحلوا شيئًا من ترك المناسك كلها التي أمر الله بالطواف بالبيت والسعي بين الصفا والمروة، ومسح الركن، والإفاضتين، من عرفات ومن جَمْع ورمي الجمار؛ لأن عامة العرب كانوا لا يرون الصفا والمروة من شعائر الله والحُمس (١) وعامر ابن صعصعة (٢) وثقيف (٣)\nلا يرون عرفات من شعائر الله (٤).\nوقال في رواية أخرى: كان المشركون يحجون البيت الحرام، ويهدون الهدايا، ويعظمون حرمة المشاعر، ويتّجرون في حجهم، فأراد المسلمون أن يغيروا عليهم فأنزل الله: ﴿لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ (٥).\nوقال الكلبي: أي لا تستحلوا ترك شيء من المناسك (٦).\nوزعم بعضهم أن هذا ورد في النهي عن مجاوزة الميقات بغير إحرام (٧).\n_________\n(١) الحُمس بضم الحاء وسكون الميم: قبائل من العرب تشددوا في دينهم. \"الاشتقاق\" ص ٢٥٠.\n(٢) قبيلة من العرب وتعد من الحُمس وتضم بطونًا كثيرة، نسبة إلى جدهم الجاهلي عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر، من في علان من العدنانية. انظر: \"الاشتقاق\" ص ٢٩٣، و\"جمهرة أنساب العرب\" / ٢٧٢، و\"الأعلام\" ٣/ ٢٥١.\n(٣) عبارة عن قبائل من العرب منهم: بنو الحُطيط وبنو غاضره وغيرهم، وينتسبون إلى قسي بن منبه. انظر: \"الاشتقاق\" ص ٣٠١ - ٣٠٧، و\"جمهرة أنساب العرب\" / ٢٦٦.\n(٤) لم أقف عليه.\n(٥) \"تفسير ابن عباس\" ص ١٦٦، وأخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٥٤ من طريق ابن أبي طلحة أيضًا.\n(٦) \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ١٠٦.\n(٧) انظر: \"النكت والعيون\" ٢/ ٦، و\"زاد المسير\" ٢/ ٢٧٢","vol":"7","page":225},{"text":"وهذا معنى يحتمله اللفظ؛ لأن تقدير الآية على القول الذي يقول: إن الشعائر المعالم: لا تحلوا شعائر الله بتركها على ما بينا، والمواقيت من شعائر الله.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾.\nبالقتال فيه. عن ابن عباس (١) وقتادة (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا الْهَدْيَ﴾.\nالهدي ما أُهدِي إلى بيت الله تعالى من ناقة وبقرة أو شاة (٣)، واحدها هَدْيَةٌ، ويقال أيضًا: هَدِيّة، وجمعها هَدْيٌ (٤)، قال:\nحلفت بربَّ مكة والمُصَلَّى ... وأعناق الهديَّ مُقلَّدَات (٥)\nوقد مضى الكلام فيه (٦).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا الْقَلَائِدَ﴾.\nهي جمع قلادة، وهي: ما جُعل في العنق، سواء جعل في عنق الإنسان أو البدنة أو الكلب (٧).\nواختلفوا في تفسير القلائد ههنا، فقال أكثر المفسرين: هي الهدايا المُقلَّدة (٨).\n_________\n(١) في \"تفسيره\" ص ١٦٦، وأخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٥٥.\n(٢) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٥٥.\n(٣) الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٥٥، ٥٦.\n(٤) انظر: \"الصحاح\" ٦/ ٢٥٣٣، و\"اللسان\" ٨/ ٤٦٤٢ (هدى).\n(٥) البيت للفرزدق في \"ديوانه\" ١/ ١٠٨، و\"اللسان\" ٨/ ٤٦٤٢.\n(٦) انظر: \"البسيط\" النسخة الأزهرية ١/ ل ١٢٠.\n(٧) \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٣٠٢٩ (قلد).\n(٨) انظر: الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٥٦.","vol":"7","page":226},{"text":"وعلى هذا المراد: ولا ذوات القلائد، ثم حذف المضاف، وذكر ذوات القلائد بعد ذكر الهدي؛ لأنهم نهوا عنها مقلدة وغير مقلدة، أو أراد المقلدة مما لا يكون هديًا، ولكنها قلدت ليأمنوا بها (١)، على ما نذكر بُعَيد هذا.\nوقال ابن عباس: يقول لا تعترضوا الهدي ولا تُخيفوا من قلّد بعيره (٢).\nوهذا يدل على أن المراد بالقلائد أصحابها، وهو أيضًا من باب حذف المضاف.\nقال المفسرون: كانت الحرب في الجاهلية قائمة بين العرب طول الدهر، يتغاورون ويتناهبون إلا في الأشهر الحرم، فمن وُجد في غير هذه الأشهر أصيب منه إلا أن يكون مشعرًا بدنة أو سائقًا هديًا أو مقلدًا نفسه وبعيره من لحاء شجر الحرم، أو مُحرِمًا بعمرة إلى البيت، فلا يُتعرض لهؤلاء، فأمر الله المسلمين بإقرار هذه الأَمَنَة على ما كانت في الجاهلية لضرب من المصلحة إلى أن نسخها (٣).\nوقال ابن الأنباري: إن الرجل من العرب كان إذا خاف على نفسه عدوا، أو مُطالبا بثأر، وأراد سفرًا تقلد بشيء من لحاء شجر الحرم، فلا يلقاه أحد فيعرض له، وكان إذا خاف على بعيره قلده أيضًا فلا يتعرض له\n_________\n(١) انظر: \"معاني الفراء\" ١/ ٢٩٩، و\"غريب القرآن\" لابن قتيبة ص ١٣٧ - ١٣٨، والطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٥٧، و\"معاني الزجاج\" ٢/ ١٤٢.\n(٢) أخرج الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٥٦ من طريق العوفي عن ابن عباس قال: (القلائد مقلدات الهدي، وإذا زيد الرجل هديه فقد أحرم، فإن فعل ذلك وعليه قميصه فليخلعه). هذا ما وجدته عن ابن عباس.\n(٣) هذا معنى قول عطاء وقتادة ومجاهد. انظر: الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٥٦، ٥٧،\nو\"زاد المسير\" ١/ ٤٤١.","vol":"7","page":227},{"text":"من يراه من أعدائه، وإن تعرض له عُيَّر بذلك وسُبّ ولم يزل مأثورًا عليه، قال الشاعر يعيب رجلين [قتلا رجلين] (١) معهما شيء من لحاء شجر الحرم:\nأَلَم تَقْتُلا الحِرجَينِ إذ أعوَرَا لكم ... يُمِرَّانِ بالأيدي اللِّحاءَ المُضَفَّرَا (٢)\nيريد باللحاء: شجر الحرم (٣).\nوقال مُطَرَّف بن الشخير (٤) وعطاء: أراد بالقلائد نفس القلائد، وذلك أن المشركين يأخذون من لحاء سَمْر مكة وشجرها فيقلدونها ويتقلدونها فيأمنون بها في الناس، فنهى الله ﷿ أن ينزع شجرها فيقلدوه كفعل أهل الجاهلية (٥).\n_________\n(١) ساقط من (ج).\n(٢) البيت لحذيفة بن أنس الهذلي كما في \"ديوان الهذليين\" ٣/ ١٩، و\"المعاني الكبير\" ٢/ ١١٢٠، و\"اللسان\" ٢/ ٨٢٣ (حرج)، وعند الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٥٧، وابن كثير في \"تفسيره\" ٢/ ٧ دون نسبة.\nوالحرجان: رجلان أبيضان، وقد يكون ذلك لقبًا لهما. ومعنى أعورا لكم: أمكناكم من عورتهما، ويمران من أمر الحبل إذا قتله واللحاء: قشر الشجر، والمضفر: المجدول ضفائر.\nوالشاهد منه عيب من قتل المتقلدين بلحاء شجر الحرم.\n(٣) لم أقف عليه عن ابن الأنباري، وانظر: الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٥٧، وابن كثير في \"تفسيره\" ٢/ ٧.\n(٤) هو أبو عبد الله مطرف بن عبد الله بن الشخير العامري البصري، ثقة عابد فاضل، مات سنة ٩٥ هـ انظر: \"مشاهير علماء الأمصار\" ص ٨٨، و\"سير أعلام النبلاء\" ٤/ ١٨٧، و\"التقريب\" ٥٣٤ رقم (٦٧٠٦).\n(٥) أخرج نحوه عن عطاء: الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٥٧، وذكره عن مطرف وعطاء ابن كثير في \"تفسيره\" ٢/ ٦.","vol":"7","page":228},{"text":"والظاهر القول الأول، وهو اختيار الفراء والزجاج (١).\nقال الفراء: كانت العرب إذا أرادت أن تسافر في غير الأشهر الحرم قلد أحدهم بعيره فيأمن بذلكن فقال لا تخيفوا من قلد، وكان أهل مكة يقلدون بلحاء الشجر، وسائر العرب تقلد بالوبر والشعر (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾. قال الفراء: يقول: ولا تمنعوا من أمّ البيت الحرام أو أراده من المشركين (٣).\nوقوله تعالى: ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ﴾.\nقال ابن عباس: يريد التجارة (٤).\nوقال ابن عمر: الربح في التجارة (٥).\nوقوله تعالى: ﴿وَرِضْوَانًا﴾.\nقال ابن عباس: يعني: أنهم يترضون الله بحجهم (٦). وقال في رواية عطاء في قوله: ﴿وَرِضْوَانًا﴾: يريد وإن كانوا مشركين (٧).\nقال أهل العلم: إن المشركين كانوا يقصدون بحجهم ابتغاء رضوان الله، وإن كانوا لا ينالون ذلك فغير بعيد أن يثبت لهم بذلك القصد نوع من الحرمة (٨).\n_________\n(١) انظر: \"معاني الفراء\" ١/ ٢٩٩، و\"معاني الزجاج\" ٢/ ١٤٢.\n(٢) \"معاني القرآن\" ١/ ٢٩٩.\n(٣) \"معاني القرآن\" ١/ ٢٩٩.\n(٤) \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ١٠٦.\n(٥) أخرجه بمعناه الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٦٢، وذكره الماوردي في \"النكت والعيون\" ٢/ ٧.\n(٦) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٦٢.\n(٧) لم أقف عليه.\n(٨) انظر: الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٦٢.","vol":"7","page":229},{"text":"وقال أهل المعاني: معنى قوله: ﴿وَرِضْوَانًا﴾ أىِ: على زعمهم وفيما يظنون؛ لأن الكافر لا ينال الرضوان (١)، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ﴾ [طه: ٩٧]، وقوله تعالى: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان: ٤٩]، وذلك على حكاية قولهم: نطلب الرضوان (٢).\nوقد جاءت هذه الحكاية عن العرب مجيئًا متبعًا، قال زهرة اليمن (٣) يهجو جريرًا:\nأبلغ كُلَيبا وأبِلغ عنكَ شاعَرها ... أني الأغرّ وأني زُهرةٌ اليمنِ (٤)\nوقال جرير:\nألم يَكنْ في وُسوم قَد وُسِمتَ بها ... مَن حَان موعظةً يا زُهرةَ اليَمنِ (٥)\nقال أكثر (٦) أهل العلم: هذه الآية من أولها إلى ههنا (٧) منسوخة بقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥].\n_________\n(١) انظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٢٧٤.\n(٢) انظر: \"الخصائص\" ٢/ ٤٦١، و\"سر صناعة الإعراب\" ١/ ٤٠٥.\n(٣) لم أقف على ترجمة له.\n(٤) البيت في \"الحجة\" ٢/ ١٨٣، و\"المسائل الحلبيات\" ص ٨٢، ١٦١، و\"الخصائص\" ٢/ ٤٦١.\n(٥) \"ديوان جرير\" ص ٤٦٧، وفيه: (يا حارث اليمن)، و\"الحجة\" ٣/ ١٨٣، و\"المسائل الحلبيات\" ص ٨٢، و\"الخصائص\" ٢/ ٤٦١.\nوالشاهد من البيتين أن جريرًا دعا هذا الرجل بزهرة اليمن بناء على زعمه وقوله، الوسوم: جمع وسم، وهو أثر الكي، والمراد: أذى الهجاء، وحان: هلك.\n(٦) لعل الصواب: بعض؛ لأن المؤلف ذكر رأي الأكثرية عقب هذا.\n(٧) في (ش): (هنا).","vol":"7","page":230},{"text":"وهو قول ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة (١).\nوأكثر أهل العلم قالوا: نسخت هذه الآية قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥]، وقوله تعالى: ﴿فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨] فلا يجوز أن يحج مشرك، ولا يأمن الكافر بالأشهر الحرم والهدي والقلائد والحج (٢).\nوقال الشعبي: لم ينسخ من المائدة إلا آية واحدة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ (٣).\nوذهب جماعة إلى أنه لا منسوخ في هذه السورة، وأن هذه الآية محكمة (٤).\nقال أبو بكر ابن الأنباري: فمن ذهب إلى أن هذه الآية محكمة قال: ما ندبنا الله تعالى إلى أن نُخيف من يقصد بيته من أهل شريعتنا في الشهر الحرام ولا في غيره، وفصل الشهر الحرام من غيره بالذكر تعظيمًا له وتفضيلًا، وحرم علينا أخذ الهدي من المهدين وصرفه عن بلوغ محله، وحرم علينا القلائد، أي إخافة المستجيرين بالبلد الحرام.\n_________\n(١) هذا هو المشهور عن ابن عباس وقتادة، كما في \"تفسير ابن عباس\" ص ١٦٧، و\"الناسخ والمنسوخ\" لقتادة ص ٤٠، وانظر: \"الناسخ والمنسوخ\" لأبي عبيد ص ١٨٩، والطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٦٠، ٦١، و\"الناسخ والمنسوخ\" للنحاس ٢/ ٢٣٥، و\"النكت والعيون\" ٢/ ٩، و\"زاد المسير\" ٢/ ٢٧٨.\n(٢) انظر: الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٦٠، ٦١، و\"معاني الزجاج\" ٢/ ١٤٢، و\"زاد المسير\" ٢/ ٢٧٨.\n(٣) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٦١، وانظر: \"النكت والعيون\" ٢/ ٩، و\"زاد المسير\" ٢/ ٢٧٨.\n(٤) قال الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٦٠: اختلف أهل العلم فيما نسخ من هذه الآية، بعد إجماعهم على أن منها منسوخًا، ونحو ذلك في \"النكت والعيون\" ٢/ ٦، وقد =","vol":"7","page":231},{"text":"هذا كلامه (١)، والظاهر ما عليه الجمهور.\nوقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾.\nقال أبو إسحاق: هذا لفظ أمر، معناه الإباحة؛ لأن الله ﷿ حرم الصيد على المحرم وأباحه له إذا حل من إحرامه، ليس أنه واجب عليه إذا حلّ أن يصطاد، ومثله قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا﴾ [الجمعة: ١٠] تأويله: أنه قد أبيح لك ذلك بعد الفراغ من الصلاة، ومثل ذلك في الكلام: لا تدخلن هذه الدار حتى تؤدي ثمنها، فإذا أديت ثمنها فادخلها، تأويله: فإذا أديت فقد أبيح لك دخولها (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ﴾.\nقال ابن الأعرابي: الجَرْم مصدر الجارم الذي يجرم نفسه وقومه شرًا (٣).\nوالمفسرون يقولون في هذا: لا يحملنكم بغض قوم (٤).\nوهو قول ابن عباس وقتادة (٥)، وقول الكسائي ويونس (٦).\nقال أبو العباس: يقال: جرمني زيد على بغضك، أي: حملني عليه (٦).\nوأكثر أهل اللغة والمعاني يقولون: لا يُكْسِبَنَّكم (٧).\n_________\n= نسب ما ذكره المؤلف من أنها محكمة إلى الحسن.\nانظر: \"الناسخ والمنسوخ\" للنحاس ٢/ ٢٣٥، و\"زاد المسير\" ٢/ ٢٧٧.\n(١) لم أقف عليه.\n(٢) \"معاني الزجاج\" ٢/ ١٤٣.\n(٣) \"تهذيب اللغة\" ١/ ٥٨٧ (جرم).\n(٤) الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٦٣، و\"معاني الزجاج\" ٢/ ١٤٣، و\"تهذيب اللغة\" ١/ ٥٨٧ (جرم).\n(٥) \"تفسير ابن عباس\" ص ١٦٨، وأخرجه عنهما الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٦٣.\n(٦) انظر: \"تهذيب اللغة\" ١/ ٥٨٨ (جرم).\n(٧) انظر: \"معاني الفراء\" ١/ ٢٩٩، و\"غريب القرآن\" لابن قتيبة ص ١٣٨. قال الفراء: والمعنى متقارب.","vol":"7","page":232},{"text":"قال الفراء: سمعت العرب تقول (١): فلان جريمة أهله، وخرج يجرم أهله أي: يكسبهم. قال: فالمعنى: لا يكسبنكم بغض قوم أن تعتدوا (٢).\nوقال في قول الشاعر:\nجَرَمَتْ فَزَارَةَ بعدَها أنْ يَغْضبُوا (٣)\n(فزارة) منصوبة في البيت، المعنى: جرمتهم الطعنة الغضب، أي: أكسبتهم (٤).\nومثل ذلك قال ابن الأنباري في: ﴿يَجْرِمَنَّكُمْ﴾، وأنشد:\nنصَبنا رأسه في رأس جِذْع ... بما جَرَمَت يداه وما اعتَدَيْنَا (٥)\nوقال أبو علي: تأويل: ﴿لَا يَجْرِمَنَّكُمْ﴾ يكسبنكم، وهو فعل متعدًّ إلى مفعولين، كما أن (يكسبنكم) كذلك، وأما قول الشاعر في صفة عقاب:\nجَريمةُ ناهضٍ .... البيت (٦).\nيحتمل تأويلين:\n_________\n(١) في (ش): (يقولون)، وما أثبته موافق لما في \"معاني الفراء\".\n(٢) من \"معاني القرآن\" ١/ ٢٩٩، و\"تهذيب اللغة\" ١/ ٥٨٨ بتصرف.\n(٣) عجز بيت لأبي أسماء بن الضريبة الفزاري، وصدره: ولقد طعنت أبا عيينة طعنة\n\"الكتاب\" ٣/ ١٣٨، و\"مجاز القرآن\" ١/ ١٤٧، و\"المقتضب\" ٢/ ٣٥١، و\"اللسان\" ١/ ٦٠٥ (جرم).\n(٤) من \"تهذيب اللغة\" ١/ ٥٨٨ (جرم).\n(٥) لم أقف عليه.\n(٦) جزء من شطر بيت لأبي خراش الهذلي كما في \"ديوان الهذليين\" ٢/ ١٣٣، و\"الحجة\" ٣/ ١٩٦، و\"تهذيب اللغة\" ١/ ٥٨٩ (جرم)، وتمام:\nجريمة ناهض في رأس نيق ... ترى لعظام ما جمعت صليبا\nوجريمة: أي كاسبة. والناهض: فرخ العقاب، والنيق: أرفع موضع في الجبل. والصليب: ودك العظاء.","vol":"7","page":233},{"text":"أحدهما: جريمة قوتِ ناهضٍ، أي: كاسبُ قوته، وجريم وجارم، كما قالوا: ضاربُ قداحٍ، وضريب قداح، وعريفٌ وعارفٌ.\nوالآخر: أن لا يقدر حذف المضاف، وتضيف جريمة إلى ناهض، والمعنى: كاسب ناهض، كما تقول: بديعٌ كاسبُ مولاهُ، أي يسعى له ويردّ عليه. فَجَرمَ يستعمل في الكسب وما يُردُّ سعيُ الإنسان عليه، وأما أجرم فيقال في اكتساب الإثم (١).\nومعنى ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ﴾ لا تكتسبوا لبغض قوم عدوانًا ولا تقترفوه.\nولفظ النهي واقع على الشنآن، والمعنى بالنهي المخاطبون، كما قالوا: لا أرينك ههنا، ﴿وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢]، وكذلك: ﴿وَيَا قَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ﴾ [هود: ٨٩] (أن يصيبكم) المفعول الثاني، وأسماء المخاطبين المفعول الأول، ولفظ النهي واقع على الشقاق، والمعنيّ بالنهي المخاطبون. كذلك في هذه الآية، المفعول الأول: المخاطبون، والثاني قوله ﴿أَنْ تَعْتَدُوا﴾، والمعني بالنهي المخاطبون، وإن كان لفظ النهي واقعًا على الشقاق، أي: لا تكتسبوا أنتم (٢).\nوقوله تعالى: ﴿شَنَآنُ قَوْمٍ﴾.\nقال أبو زيد: شنئت الرجل أشَنؤُه شنْأً، وشنآنًا، وشُنأً، ومشنأةً، إذا أبغضتَه (٣).\n_________\n(١) \"الحجة\" ٣/ ١٩٦، وانظر: \"تهذيب اللغة\" ١/ ٥٨٧ - ٥٨٨ (جرم).\n(٢) انظر: \"الحجة\" ٣/ ١٩٥ - ١٩٧.\n(٣) \"الحجة\" ٣/ ١٩٧.","vol":"7","page":234},{"text":"وزاد الفراء وأبو عمرو: شنْأ، بالكسر (١)، وأبو عبيدة: شنآنا بالجزم (٢)، وأبو الهيثم: شنأة، ومشنئا (٣).\nوقال أبو زيد: رجل شنآنٌ، وامرأة شنآَنةٌ، مصروفان. قال: وقد يقال: رجل شنآنُ بغير صرف، لأنك تقول: امرأة شَنْأى (٤). وفعلان قد جاء وصفًا وقد جاء مصدرًا، وهما جميعًا قليلان، فمما جاء مصدرًا في قولهم: لويته حقه ليّانًا، وشنآن في قول أبي عبيدة (٥)، وأنشد للأحوص (٦):\nوإن عَابَ فيه ذُو الشنَانِ وفَنَّدا (٧)\nقوله: (ذو الشنانِ) على التخفيف القياسي، كقولك في تخفيف ظمآن، وملآن: ظمان، وملان. تحذف الهمزة وتلقي حركتها على ما قبلها.\n_________\n(١) انظر: \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٩٤١ (شنأ).\n(٢) \"مجاز القرآن\" ١/ ١٤٨، وانظر: \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٣٠٠، و\"تهذيب اللغة\" ١/ ١٩٤١ (شنأ).\n(٣) \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٩٤١ (شنأ).\n(٤) \"الحجة\" ٣/ ١٩٩.\n(٥) انظر: \"مجاز القرآن\" ١/ ١٤٧، و\"الحجة\" ٣/ ١٩٩.\n(٦) هو عبد الله بن محمد بن عبد الله بن عاصم الأنصاري، شاعر هجاء لقب بالأحوص لضيق في مؤخر عينيه، كان معاصرًا لجرير والفرزدق، وقد نفي إلى اليمن من قبل بني أمية لمبالغته في النسيب. توفي سنة ١٠٥هـ.\nانظر: \"الشعر والشعراء\" ص ٣٤٥، و\"سير أعلام النبلاء\" ٤/ ٥٩٣، و\"الأعلام\" ٤/ ١١٦.\n(٧) عجز بيت للأحوص في \"ديوانه\" ص ٥٨ وصدره: وما العيش إلا ما تلذ وتشتهي والبيت في \"مجاز القرآن\" ١/ ١٤٧، و\"الشعر والشعراء\" ص ٣٤٤، و\"الحجة\" ٣/ ١٩٩.\nوالشاهد أن شنان جاء مخففًا، ومعناه: البغض والكره، وفندا: من التفنيد وهو التكذيب.","vol":"7","page":235},{"text":"وأما فعلان في الوصف فليس بالكثير إذا لم يكن له فعلى، ومن ذلك: شيحان (١).\nوفعلان قد جاء أيضًا مصدرًا ووصفًا، فالمصدر كالنَّقَزان، والنّغَران، والغَلَيَان، والنَّفَيَان، والغَثَيَان. والشنآن جاءت على ما جاءت عليه هذه المصادر.\nوالوصف نحو: الزَّفَيان، والصَّمَيان، والقَطَوان من (قولك (٢»: قطا يقطو، إذا قاربَ بين خطوه، وكبش أَلْيَانٍ، ونعجة أليانة (٣)، وأنشد أبو زيد:\nوقبلك ما هاب الرجالُ ظلامَعي ... وفقَّأت عَينَ الأشوسِ (الأبيان (٤»\nوقد يجيء الاسم الذي لا يكون صفة على فَعَلان نحو: الوَرَشَان، والعلَجَان، وهو شجر يستاك به (٥).\nواختلف القراء في هذا الحرف، فالأكثرون قرءوا على: فَعْلاَن (٦)، وحجتهم أنه مصدر، والمصدر يكثر على فعلان.\nومن أسكن النون فإن المصدر قد جاء أيضًا على: فعلان، كما ذكرنا.\nوإذا كان كذلك فالمعنى في القراءتين واحد وإن اختلف اللفظان،\n_________\n(١) \"الحجة\" ٣/ ٢٠١.\n(٢) في (ج): (ذلك).\n(٣) انظر: \"الحجة\" ٣/ ٢٠٢، ٢٠٣.\n(٤) في \"النوادر\" لأبي زيد ص ١٤٨، ونسبه لأبي المجشر الضبي شاعر جاهلي، و\"الحجة\" ٣/ ٢٠٩، والأشوس هو الرافع رأسه كثيرًا. انظر: \"اللسان\" ٤/ ٢٣٥٩ (شوس).\n(٥) انظر: \"الحجة\" ٣/ ٢٠٢.\n(٦) هذه قراءة السبعة غير أبي عمرو وابن عامر ورواية عن عاصم ونافع. انظر: \"الحجة\" ٣/ ١٩٥، و\"التيسير\" ص ٩٨.","vol":"7","page":236},{"text":"والمعنى: لا يجرمنكم بغض قوم -أي بغضكم قوما بصدهم إياكم ومن أجل صدهم أياكم- أن تعتدوا، فأضيف المصدر إلى المفعول وحذف الفاعل، كقوله تعالى: ﴿مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ﴾ [فصلت: ٤٩]، و﴿بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ﴾ [ص: ٢٤]، ونحو ذلك (١).\nواختلفوا في قوله: ﴿أَنْ صَدُّوكُمْ﴾ فقرأ أبو عمرو وابن كثير بكسر الهمزة، والباقون بفتحها (٢).\nوحجة من كسر الهمزة أنه جعل (أنْ) للجزاء وإن كان الصد ماضيًا؛ لأن المراد: بالصد ههنا: ما كان من المشركين من صدهم المسلمين عن البيت في الحديبية، والماضي لا يكون فيه الجزاء، غير أنه قد يقع في الجزاء لا على أن المراد بالماضي الجزاء، ولكن المراد بالماضي ما كان مثل هذا الفعل؛ كأنه يقول: إن وقع مثل هذا الفعل لا يقع منكم كذل، وعلى ذلك قول الشاعر:\nإذا ما انتَسَبنْا لم تَلِدني لَئِيمةٌ ... ولم تَجِدِي مِنْ أَنْ تُقِرَّي بِه بُدّا (٣)\nفانتفاء الولادة أمر ماض وقد جعله جزاء، فكأن المعنى: إن (أنتسب (٤» لا تجدني (مولود لئيم (٥»، وجواب (إن) قد أعنى عنه ما تقدم\n_________\n(١) \"الحجة\" ٣/ ٢١١.\n(٢) \"الحجة\" ٣/ ٢١٢، و\"التيسير\" ص ٩٨.\n(٣) البيت لزائدة بن صعصعة يعرّض فيه بزوجته وكانت أمها سرية. انظر: \"شرح أبيات المغني\" ١/ ١٢٥.\n(٤) في (ش): (تنسب) وهو الموافق لما في \"الحجة\" ٣/ ٢١٣.\n(٥) في (ش): (مولودًا لئيمًا)، وفي \"الحجة\" ٣/ ٢١٣: (مولود لئيمة)، ولعله هو الأرجح.","vol":"7","page":237},{"text":"من قوله: ﴿لَا يَجْرِمَنَّكُم﴾ المعنى: إن صدوكم (١) قوم عن المسجد الحرام فلا تكسبوا عدوانا.\nوأما قول من فتح فبين لا مؤونة فيه، وهو أنه مفعول له، التقدير: لا يجرمنكم شنآن قوم؛ لأن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا. فأنْ الثانية في موضع نصب لأنه المفعول الثاني، والأولى منصوبة لأنه مفعول له (٢).\nقال مقاتل في قوله تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ﴾ الآية: يقول لا يحملنكم بغض كفار مكة أن صدوكم يوم الحديبية عن المسجد الحرام أن تعتدوا على حجاج اليمامة فتستحلوا منهم محرمًا، وتمنعوهم عن المسجد الحرام كما منعكم كفار مكة، أو تعرضوا للهدي (٣).\nوقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾.\nقال الفراء: لِيعُن بعضكم بعضًا.\n(قال): وهو في موضع جزم؛ لأنه أمر وليس بمعطوف على (تعتدوا) (٤).\nوقال الزجاج: ما مضى من هذه الآية: كله منسوخ إلا تعاون (المسلمين (٥» على البر والتقوى (٦).\n_________\n(١) هكذا في (ش)، (ج)، وفي \"الحجة\" ٣/ ٢٩٣: (صدكم)، وهو الأولى.\n(٢) انتهى من \"الحجة\" ٣/ ٢١٢ - ٢١٤.\n(٣) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١/ ٤٤٩، ٤٥٠.\n(٤) \"معاني القرآن\" ١/ ٣٠٠.\n(٥) تكررت في (ج).\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١٤٤، وانظر: \"النكت والعيون\" ١/ ٤٤٢، و\"زاد المسير\" ٢/ ٢٧٨.","vol":"7","page":238},{"text":"قال ابن عباس: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ وهو ما أمرت به، (والتقوى) ترك ما نهيت عنه (١). ونحو ذلك قال أبو العالية (٢).\n\nوقال عطاء في البر والتقوى: يريد كل ما كان لله فيه رضي <span data-type=\"title\" id=toc-854>(٣)</span>.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾.\nقال عطاء: يريد معاصي الله والتعدي في حدوده (٤).\nقال مقاتل ثم حذرهم فقال:\n﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ فلا تستحلوا مُحَرّمًا. ﴿إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ إذا عاقب (٥).\n\n٣ - قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ الآية.\nقد شرحنا هذه الآية إلى قوله تعالى: ﴿وَالْمُنْخَنِقَةُ﴾ في سورة البقرة (٦).\nفأما المنخنقة يقال: خنقه فاختنق (وانخق (٧» والانخناق انعصار الحلق (٨).\nقال ابن عباس: المنخنقة التي تنخنق فتموت (٩).\n_________\n(١) \"تفسيره\" ص ١٦٨، وأخرجه الطبري في \"تفسيره\" من طريق ابن أبي طلحة أيضًا ٦/ ٦٧.\n(٢) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٦٧.\n(٣) في (ج): (رضا) بالألف، ولم أقف عليه عن عطاء.\n(٤) انظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٢٧٧.\n(٥) انظر: \"بحر العلوم\" ١/ ٤١٤.\n(٦) انظر: \"البسيط\" النسخة الأزهرية ١/ ل ١٠٥، ١٠٦.\n(٧) في (ش): (والخنق).\n(٨) \"تهذيب اللغة\" ١/ ١١١٦، وانظر: \"اللسان\" ٣/ ١٢٨٠ (خنق).\n(٩) \"تفسيره\" ص ١٦٩، وأخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٦٨ من طريق علي أيضًا.","vol":"7","page":239},{"text":"ورُوي عنه قتادة أنه قال: كان أهل الجاهلية يخنقون الشاة، حتى إذا ماتت أكلوها (١).\nوقال في رواية عطاء: يريد التي تخنق حتى تموت (٢).\nوقال الحسن وقتادة والضحاك: هي التي تخنق بحبل الصائد أو غيره حتى تموت (٣).\nوقال السدي: هي التي تدخل رأسها بين عودين في شجرة فتخنق فتموت (٤).\nوقال الزجاج: هي التي تختنق برقبتها، أي بالحبل الذي تشد (٥) به، وبأي وجه اختنقت فهي حرام (٦).\nفهذه ألفاظ المفسرين في تفسير المنخنقة، وقد أجملها الزجاج بقوله: وبأي وجه اختنقت فهي حرام (٧).\nوقوله تعالى: ﴿وَالْمَوْقُوذَةُ﴾.\nقال الفراء: هي المضروبة حتى تموت ولم تُذكَّ (٨).\n_________\n(١) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٦٨ مقطوعًا على قتادة.\n(٢) لم أقف على هذه الرواية\" وقد ثبت عن ابن عباس نحوها كما تقدم قريبًا.\n(٣) أخرجه بمعناه عن قتادة والضحاك: الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٦٨، وانظر: \"النكت والعيون\" ٢/ ١١، و\"زاد المسير\" ٢/ ٢٧٩.\n(٤) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٦٨.\n(٥) في \"معاني الزجاج\" ٢/ ١٤٥ تشك، ولعله تصحيف.\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١٤٥.\n(٧) المرجع السابق.\n(٨) \"معاني القرآن\" ١/ ٣٠١، وانظر: \"غريب القرآن\" لابن قتيبة ص ١٣٨، و\"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٩٣٠ (وقذ).","vol":"7","page":240},{"text":"وقال أبو إسحاق: هي التي تقتل ضربًا، يقال: وقذتُها أقِذُها وقْذًا وقذة، وأوقذتُها إيقاذًا، إذا أثخنتها ضربًا (١).\nوذكر اللغتين أيضًا في باب الوفاة من: (فعلت، وأفعلت) أبو عبيد عن الأحمر: الموقودة والوقيذة: الشاة تُضرب حتى تموت ثم تؤكل (٢)، وأنشد:\n... إذا وَقَد النُّعاَس الرُّقَّدا (٣)\nأي صاروا كأنهم سُكارى من النوم. ويقال: ضربه على موقذ من مواقذه (٤).\nأبو سعيد: الوَقْذ الضرب بالفأس (٥) على القفا فتصير هدتها إلى الدماغ فيذهب العقل، يقال: رجل موقوذ. وقد وقذه الحِلم، أي سكنه (٦).\nقال ابن عباس والحسن وقتادة والضحاك والسدي: هي المضروبة بالخشب ونحوه حتى تموت (٧).\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١٤٥.\n(٢) \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٩٣٠، وانظر: \"اللسان\" ٨/ ٤٨٨٩ (وقذ).\n(٣) البيت للأعشى في \"ديوانه\" ص ٥٤، وتمامه:\nيلوينني دَيني النهار واجتزي ... ترى لعظام ما جمعت صليبا\n(٤) من \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٩٣٠، وانظر: \"اللسان\" ٨/ ٤٨٨٩ (وقذ).\n(٥) في (ش): (على فأس)، وانظر: \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٩٣٠، و\"لسان العرب\" ٨/ ٤٨٨٩ (وقذ). وأبو سعيد هذا لعله الأصمعي.\n(٦) \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٩٣٠، وانظر: \"اللسان\" ٨/ ٤٨٨٩ (وقذ).\n(٧) أخرجه بنحوه الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٦٩، ٧٠","vol":"7","page":241},{"text":"وقوله تعا لي: ﴿وَالْمُتَرَدِّيَةُ﴾.\nمعنى التردي في اللغة التهور في مهواة (١). وقيل في معنى قوله تعالى: ﴿وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى﴾ [الليل: ١١] أي سقط في النار (٢).\nأبو زيد: يقال: ردى فلان في القليب يردى، وتردّى من الجبل تردّيا (٣).\nفالمتردية: هي التي تقع من جبل، أو تطيح في بئر، أو تسقط من مُشْرِف فتموت. كذلك قال ابن عباس والحسن والضحاك والسدي (٤).\nوقوله تعالى: ﴿وَالنَّطِيحَةُ﴾، قال ابن عباس: يريد التي تنطحها شاة أو كبش فتموت قبل أن تُذَكَّى (٥).\nوكذلك قال الحسن وقتادة والضحاك والسدي (٦).\nوأما دخول الهاء في هذه الحروف إلى: (النطيحة) فإنما دخلت لأنها صفات لموصوف مؤنث وهو الشاة، كأنه قيل حرمت عليكم الشاة المنخنقة والموقوذة والمتردية (٧). وخصت لأنها من أعم ما يأكله الناس للحمه، والكلام يخرج على ما هو الأغلب والأعم ثم يلحق به غيره.\n_________\n(١) \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٣٨٧ (ردأ)، وانظر: \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٣١١، و\"غريب القرآن\" لابن قتيبة ص ١٣٨، والطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٧٠.\n(٢) \"غريب القرآن\" لابن قتية ص ١٣٨، و\"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٣٨٧ (ردأ).\n(٣) \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٣٨٧، وانظر: \"اللسان\" ٣/ ١٦٣٠.\n(٤) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٧٠، وانظر: \"بحر العلوم\" ١/ ٤١٤، و\"زاد المسير\" ٢/ ٢٨٠.\n(٥) بنحوه في \"تفسيره\" ص ١٦٩، وأخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٧٠، ٧١.\n(٦) انظر: الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٧٠، ٧١.\n(٧) انظر: الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٧٠، ٧١.","vol":"7","page":242},{"text":"وأما النطيحة فقال ابن السكيت: إذا كان فَعِيل نعتًا للمؤنث وهو في تأويل المفعول كان بغير هاء، نحو: لحية دهين، وكف خضيب؛ لأنها في تأويل: مخضوبة مدهونة (١).\nهذا كلامه وقد انتهى، وإنما كان كذلك لأن نقله عن لفظ المفعول المبني على الفعل إلى: فعيل يأخذه عن حيّز الأفعال فيقربه من الأسماء وذلك يوجب حذف علامة التأنيث، إذ التأنيث لتقدير الفعل وقد ارتفع، فعلى هذا كان يجب أن يقال: النطيح بغير هاء، وعلة دخول الهاء ما ذكره ابن السكيت، وهو أنه قال: وقد تأتي فعيلة بالهاء وهي في تأويل مفعول بها، تخرج مخرج الأسماء ولا يذهب بها مذهب النعوت نحو: النطيحة، والذبيحة، والفريسة، وأكيلة السبع، ومررت بقبيلة بني فلان (١). انتهى كلامه.\nقال العلماء من النحويين: إنما تحذف الهاء من الفعيله إذا كانت صفة لموصوف يتقدمها، فإذا لم تذكر الموصوف وذكرت الصفة موضع الموصوف فقلت: رأيت قبيلة بني فلان بالهاء؛ لأنك إن (٢) لم تدخل الهاء لم يعرف أرجل هو أم امرأة، فعلى هذا إنما أدخلت الهاء في النطيحة لأنها صفة لمؤنث غير مذكور وهي الشاة (٣).\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ﴾.\nقال قتادة: كان أهل الجاهلية إذا جرح السبع شيئًا فقتله أو أكل منه أكلوا ما بقي منه، فحرمه الله تعالى (١).\n_________\n(١) انظر: الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٧٠، ٧١\n(٢) في (ش): (اذً).\n(٣) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٧٢، وانظر ابن كثير في \"تفسيره\" ٢/ ١٣.","vol":"7","page":243},{"text":"والسبُعُ: اسم يقع على ما له ناب ويَعْدُو على الناس والدواب فيفترسها، مثل الأسد والذئب والنمر والفهد، ومنه يقال: سبَعَ فلانًا، إذا عضه بسنه، وسبع الذئب الشاة، إذا فرسها، وهذا هو الأصل، ثم يقال: سبعه، إذا وقع فيه وعابه (١).\nويجوز التخفيف في السبع فيقال: سَبْع (٢).\nوفي الآية تقديره: وما أكل منه السَّبعُ؛ لأن ما أكله السبع قد فُقِد ولا حكم له، وإنما الحكم للباقي منه.\nوكل هذه الأشياء المحرمة حكمها حكم الميتة، واسم الميتة يعمها، إلا أنها ذُكِرَت بالتفصيل؛ لأن العرب كانت لا تعدّ الميت إلا ما مات من مرض. قاله السدي (٣).\nوقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾.\nالظاهر أن هذا الاستثناء من جميع هذه المحرمات التي ذكرت من قوله: ﴿وَالْمُنْخَنِقَةُ﴾. وهو قول علي بن أبي طالب وابن عباس والحسن وقتادة (٤).\nقال ابن عباس: يقول: ما أدركت من هذا كله وفيه روح، فاذبح، فهو حلال (٥).\n_________\n(١) من \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٦١٨ (سبع) بتصرف، وانظر: \"مقاييس اللغة\" ٣/ ١٢٨، و\"اللسان\" ٤/ ١٩٢٥ (سبع)، وابن كثير في \"تفسيره\" ٢/ ١٣.\n(٢) انظر: \"اللسان\" ٤/ ١٩٢٦ (سبع).\n(٣) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٧٤.\n(٤) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٧٢، وانظر ابن كثير في \"تفسيره\" ١٣/ ٢.\n(٥) \"تفسيره\" ص ١٦٩، وأخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٧٢.","vol":"7","page":244},{"text":"وقال الكلبي: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ استثنى من ذلك كله، أي إلا ما ذبحتم. (١)\nوحكى أبو العباس عن بعضهم أن الاستثناء مما أكل السبع خاصة (٢).\nوالقول هو الأول (٣).\nوأما كيفية إدراكها فقال أكثر أهل العلم من المفسرين: إن أدركت ذكاته بأن يوجد له عين تطرف أو ذَنَب متحرك، فأكله جائز (٤).\nقال ابن عباس وعُبَيد بن عُمَير (٥): إذا طرفت بعينها، أو مصعت بذَنَبِها أو ركضت برجلها، أو تحركت، فاذبح، فهو حلال (٦).\nوذهب بعض أهل العلم إلى أنه إذا أخرج السبع الحشوة أو قطع الجوف قطعًا تؤس معه الحياة فلا ذكاة لذلك، وإن كان به حركة ورمق؛ لأنه صار إلى حالة لا يؤثر في حياته الذبح (٧).\n_________\n(١) انظر: \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ١٠٧.\n(٢) انظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٢٨٠، و\"البحر المحيط\" ٣/ ٤٢٤، و\"الدر المصون\" ٤/ ١٩٦.\n(٣) وهذا أيضًا اختيار الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٧٣ وانظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٢٨٠.\n(٤) انظر: الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٧٢ - ٧٣، و\"معاني الزجاج\" ٢/ ١٤٥، و\"زاد المسير\" ٢/ ٢٨٠.\n(٥) لعله أبو عاصم عبيد بن عمير بن قتادة الليثي، ولد على عهد النبي - ﷺ - ويعد من كبار التابعين، وكان قاص أهل مكة ومن العباد، وقد أُجْمِع على توثيقه. مات ﵀ قبل ابن عمر ﵁. انظر: \"مشاهير علماء الأمصار\" ١٣٤ (٥٩٢)، و\"سير أعلام النبلاء\" ٤/ ١٥٦، و\"التقريب\" ص ٣٧٧ (٤٣٨٦).\n(٦) أخرجه عنهما الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٧٢ - ٧٣\n(٧) انظر: الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٧٣ \"معاني الزجاج\" ٢/ ١٤٥، و\"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٢٨٦ (ذكا).","vol":"7","page":245},{"text":"وهو مذهب مالك (١) واختيار الزجاج (٢) وابن الأنباري (٣).\nواحتجوا بقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾، فقال أبو إسحاق: معنى التذكية: أن يدركها وفيها بقية تشخُبُ معها الأوداج، وتضطرب اضطراب المذبوح.\nقال: وأصل الذكاء في اللغة: تمام الشيء، فمن ذلك الذكاء في السن والفهم، وهو تمام السن، (قال الخليل (٤»: الذكاء في السن أن يأتي على قروحه (٥) سنة، وذلك تمام استكمال القوة، وأنشد لزهير:\nيُفَضَّله إذا اجتَهَدا عليه ... تَمام السَّنَّ منهُ والذَّكَاء (٦)\nوقيل: جَرْيُ المُذَكَّياَت غِلابٌ (٧)، أي جري المسانّ التي قد أسنّت. وتأويل تمام السن النهاية في الشباب، فإذا نقص عن ذلك أو زاد فلا يقال له الذَّكاء. والذكاء في الفهم أن يكون تامًا سريع القبول، وذكّيت النار إنما هو من هذا، تأويله: أتممت إشعالها، فكذلك قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾\n_________\n(١) أخرج قوله الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٧٣.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١٤٥.\n(٣) لم أقف عليه.\n(٤) في (ش): (قال: وقال الخليل)، ولا يؤثر ذلك في المعنى.\n(٥) قال الجوهري: وقرح الحافر قروحًا، إذا انتهت أسنانه، وإنما تنتهي في خمس سنين؛ لأنه في السنة الأولى حولي، ثم جذع، ثم ثنى، ثم رباع، ثم قارح. \"الصحاح\" ١/ ٣٩٥ (قرح).\n(٦) \"ديوانه\" ص ٦٩، و\"الكامل\" ١/ ٣٨٦، وفي الديوان: يفضله إذا اجتهدت، والتفصيل في السرعة لتمام السن، والذكاء حدة القلب، ويقال الذكاء في السن.\n(٧) أي أن المذكي يغالب مجاريه لقوته. وهذا مثلٌ يضرب لمن يوصف بالتبريز على أقرانه في حلبة الفضل. \"مجمع الأمثال\" ١/ ٢٨١.","vol":"7","page":246},{"text":"أدركتم ذبحه على التمام (١).\nقال الأزهري: وقد جود أبو إسحاق فيما فسر، وشفى وبالغ في الشفاء، ولقد كان له حظ من البيان موفور (٢).\nوقال ابن الأنباري: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ معناه: إلا ما أدركتموه وقد بقيت فيه بقيّة من الحياة حسنة تشخب معها أوداجه عند الذبح وينهر دمه، فإذا قطع السبع بطنه وأخرج حشوته بطلت التذكية؛ لأنه بعد أن يقع به هذا لا يضطرب اضطراب المذبوح ولا ينهر ولا تشخب أوداجه.\nومعنى التذكية: تتميم الشيء، فإذا قال القائل: قد ذكى فلان الشاة، فمعناه قد ذبحها الذبح التام الذي يجوز معه الأكل ولا يحرم، وإذا قيل: فلان ذكيّ، فمعناه تام الفطنة، وذكت النار تذكو، إذا استحكم وقودها، وأذكيتها أنا، والتذكية بلوغ غاية الشباب وتمام القوة، يقال: جريُ المُذكَّيات غِلابٌ، أي جري المسانّ مغالبة، وذلك أن الفرس الذي يبلغ نهاية الشباب والقوة يُحمل (٣) على السهل والحزن للثقة به (٤).\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾.\nالنصب: جمع نِصاب مثل: حِمار وحُمُر، وجائز أن يكون واحدًا وجمعه: أنصاب، مثل: طُنُب وأطناب. قاله الزجاج (٥) وابن الأنباري (٦).\n_________\n(١) \"معاني الزجاج\" ٢/ ١٤٥ - ١٤٦.\n(٢) لم أقف عليه.\n(٣) في النسختين (ج)، (ش) بدون إعجام، وكأنها: محمل -بالميم-.\n(٤) لم أقف على كلام ابن الأنباري.\n(٥) \"معانى القرآن وإعرابه\" ٢/ ١٤٦.\n(٦) لم أقف عليه.","vol":"7","page":247},{"text":"(قال أبو بكر) (١): ويجوز أن يكون النصب جمع نَصْب في الواحد، مثل: سَقْف وسُقُف، ورَهْن ورُهُن (٢).\nوقال الليث: النصب جماعة النصيبة، وهي علامة تنصب للقوم (٣)\nالأزهري: وقد جعل الأعشى النصب واحدًا فقال:\nوذا النُّصبَ المنصوبَ (لا تنسُكَنّه) (٤) ... لعاقبةٍ والله ربَّكَ فاعبُدا (٥)\nهذا قول أهل اللغة.\nوأما التفسير: فقال ابن عباس: يريد الأصنام التي تنصب وتعبد من دون الله تعالى (٦).\nوقال الكلبي: النصب: حجارة كانوا يعبدونها (٧).\nوقال الفراء: النصب: الآلهة التي كانت تُعبد من أحجار (٨).\nوقال الزجاج: النصب: حجارة كانت لهم يعبدونها، وهي الأوثان (٩).\n_________\n(١) ليس في (ج).\n(٢) لم أقف عليه.\n(٣) \"العين\" ٧/ ١٣٦، و\"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٥٨١ (نصب).\n(٤) في (ج): (لا تعبدنه)، وما أثبته هو الموافق لما في \"الديوان\"، و\"تهذيب اللغة\".\n(٥) من \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٥٨١ نصب، والبيت في \"ديوان الأعشى\" ص ٤٦، وعجزه في \"الديوان\": ولا تعبد الأوثان والله فاعبدا.\n(٦) بمعناه في \"تفسيره\" ص ١٦٩، وأخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٧٥، وانظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٢٨٣.\n(٧) انظر: \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ١٠٧.\n(٨) من \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٥٨١ (نصب)، وانظر: \"معاني القرآن\" ١/ ٣٠١، و\"زاد المسير\" ٢/ ٢٨٣.\n(٩) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١٤٦، وانظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٢٨٣.","vol":"7","page":248},{"text":"وقال مجاهد وقتادة وابن جريج: كانت حول البيت أحجار كان أهل الجاهلية يذبحون عليها، ويُشَرّحُون اللحم عليه، وكانوا يعظمون هذه الحجارة ويعبدونها (١).\nقالوا: وليست هي بأصنام، إنما الصنم ما يُصوَّر وُينقَش (٢).\nفإذا أخذنا بهذا وهو أنهم كانوا يذبحون على هذه الحجارة فـ (على) في قوله تعالى: ﴿عَلَى النُّصُبِ﴾ بمعناه، وإن قلنا: إن النُّصُب أوثان كانوا يتقربون إليها بالذائح عندها فمعنى قوله تعالى: ﴿عَلَى النُّصُبِ﴾ أي على اسمها.\nوقال قطرب: معناه ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ (على) بمعنى اللام: وهما يتعاقبان في الكلام، قال الله تعالى: ﴿فَسَلَامٌ لَكَ﴾ [الواقعة: ٩١] أي: عليك، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء: ٧] أي فعليها (٣).\nقال ابن زيد: (وما ذبح على النصب) (وما أهل لغير الله به) (٤) واحد (٥).\nوقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ﴾.\nمعناه: وأن تطلبوا على ما قُسِم لكم بالأزلام (٦).\nقال المفسرون: وذلك أن أهل الجاهلية كانوا إذا أراد أحدهم سفرًا\n_________\n(١) أخرجه بمعناه الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٧٥، وانظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٢٨٤.\n(٢) هذا ما ذهب إليه ابن جريج وقرره الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٧٥، وانظر: \"البحر المحيط\" ٣/ ٤٢٤.\n(٣) انظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٢٨٣.\n(٤) في (ش): (أهل به لغير الله).\n(٥) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٧٥.\n(٦) انظر: الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٧٥","vol":"7","page":249},{"text":"أو غزوًا أو تجارة أو غير ذلك من الحاجات أجال القداح، وهي سهام مكتوب على بعضها: أمرني ربي، وعلى بعضها: نهاني ربي، فإن خرج السهم الآمر مضى لحاجته، وإن خرج الناهي لم يمض في أمره (١).\nقال أبو عبيدة (٢): (الاستقسام طلب القسمة، وكانوا يسألون الأزلام بأن تقسم لهم (٣).\nوقال المبرد) (٤): الاستقسام: أخذ كل واحد قسمه. وقال: الاستقسام إلزام أنفسهم ما تأمرهم به القِداح كقَسَم اليمين (٥).\nوقال الأزهري: معنى قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا﴾ أي: تطلبوا من جهة الأزلام ما قسم لكم من أحد الأمرين (٦). وهذا أشفى العبارات.\nوقال ابن السكيت: يقال قسم فلان أمره يقسمه قسمًا، أي يقدره، ينظر كيف يعمل فيه (٧)، وأنشد للبيد:\nفقُولا لهُ إن كَانَ يَقْسِمُ أمره ... أَلَمَّا يَعِظْك الدهُر أمُّك هَابِلُ (٨)\n_________\n(١) انظر: الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٧٦، ومعاني الزجاج ٢/ ١٤٦.\n(٢) في (ج): (أبو عبيد).\n(٣) انظر: \"مجاز القرآن\" ١/ ١٥٢.\n(٤) ما بين القوسين ساقط من (ش).\n(٥) لم أقف عليه.\n(٦) \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٩٦١، وانظر: \"اللسان\" ٦/ ٣٦٢٩ (قسم).\n(٧) \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٩٦٢ (قسم).\n(٨) \"ديوانه\" ص ٢٥٤، و\"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٩٦٢ (قسم).\nوالبيت من قصيدة يرثى فيها النعمان بن المنذر، والمراد بـ (أمك هابل): الدعاء، يقال: هبلته أمه، أي ثكلته.","vol":"7","page":250},{"text":"وقالوا: فلان جيد القسم، أي جيد الرأي، ومعنى: قسم أمره إذا ميّل فيه الرأي: أيفعله أم لا (١). ويقال: تركت فلانًا يستقسم، أي يفكر ويروّي بين أمرين، ومنه الاستقسام بالأزلام، وهو طلب الرأي الذي ميل فيه من جهة الأزلام، ولذلك بني على الاستقسام.\nوأما الأزلام فهي أسماء هذه القداح التي كانت لقريش في الجاهلية، وقد زُلّمت أي سويت ووضعت في الكعبة يقوم بها سدنة البيت، فإذا أراد الرجل أمرًا أتى السادن فقال له: أخرج إلي زَلمًا، فيخرجه، فإن خرج قدح الأمر مضى على ما عزم عليه، وإن خرج قدح النهي قعد عما أراده، وربما كان مع الرجل زَلمان قد وضعهما في قرابه، فإذا أراد إلاستقسام أخرج أحدهما (٢). قال الحُطَيئة:\nلا يزجُر الطيرُ إنْ مرَّت بِه سُنُحًا ... ولا يُفِيض على قِسْمٍ بأزلامِ (٣)\nوقال طَرَفَه:\nأخذ الأزلامَ مقتسمًا ... فأتى أغواهُما زُلَمُه (٤)\n_________\n(١) انظر: \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٩٦٢ (قسم).\n(٢) من \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٥٥ (زلم)، وانظر: \"مجاز القرآن\" ١/ ١٥٢، و\"غريب القرآن\" لابن قتيبة ص ١٣٩، والطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٧٥ - ٧٦، و\"زاد المسير\" ٢/ ٢٨٤.\n(٣) \"ديوانه\" ص ٢٢٧، و\"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٥٥٢ (زلم).\nومعنى لا يزجر: لا يتطير، وسنحا جمع سانح وهو ما أتاك عن يمينك من ظبي أو طائر أو غير ذلك.\nانظر: \"اللسان\" ٤/ ٢١١٢، ويفيض من الإفاضة وهي الضرب بالاقداح، وقوله: قسم من قولك: يقسم أمره إلي: ينظر فيه ويحيله أيفعله أم لا.\n(٤) \"ديوانه\" ص٧٢، و\"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٥٥٢ (زلم).","vol":"7","page":251},{"text":"ويقال للرجل إذا كان مخففًا رجل مُزَلَّم، وامرأة مزلّمة. ويقال: قدح مُزلَّم وزليم، إذا طرّ وأجيد قده وصنعته، وعصا مزلّمة، وما أحسن ما زلم سهمه (١). قال ذو الرَّمَّة:\nكأرحاءِ رقطٍ زَلَّمَتْها المَنَاقِرُ (٢)\nأي سوَّتها وأخذت من حروفها (٣).\nويقال لقوائم البقر أزلام، شبهت بالقداح للطافتها (٤)، ومنه قول لَبيِد:\nبَكَرَت تَزِلّ عن الثرى أزلامُها (٥)\nوواحد الأزلام زَلَم، وزُلَم. ذكره الأخفش (٦).\nوكل ما ذكرنا في الأزلام هو قول أهل اللغة (٧) وابن عباس (٨)\n_________\n(١) \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٥٥٢ (زلم).\n(٢) عجز بيت لذي الرمة في \"ديوانه\" ص ٢٥٠، وصدره:\nتفض الحصى عن مجمرات وقيعة\nواستشهد به في \"الصحاح\" ٥/ ١٩٤٣ (زلم). وأرحاء جمع رحى، والمناقر: المعادل. انظر: \"اللسان\" ١٢/ ٢٧٠ (زلم).\n(٣) \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٥٥٢، وانظر: \"اللسان\" ٣/ ١٨٥٧ (زلم).\n(٤) \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٥٥٢، وانظر: \"اللسان\" ٣/ ١٨٥٨ (زلم).\n(٥) عجز بيت للبيد في معلقته وصدره:\nحتى إذا انحسر الظلام وأسفرت\n\"ديوان لبيد\" ص ٣١٠، و\"شرح المعلقات السبع\" ص٩٠.\nومعنى بكرت: غدت بكره، وأزلامها: قوائمها، شبهها بالقداح أي لم تعد تثبت قوائمها على الثرى لأن الطين زلق.\n(٦) \"معاني القرآن\" ٢/ ٤٦١.\n(٧) انظر: \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٥٥٢، و\"اللسان\" ٣/ ١٨٥٧ - ١٨٥٨ (زلم).\n(٨) انظر: \"تفسيره\" ص ١٦٩.","vol":"7","page":252},{"text":"والمفسرين (١).\nوقال الزجاج: أعلم الله ﷿ أن الاستقسام بالأزلام حرام، ولا فرق بين ذلك وبين قول المُنَجَّمين: لا تخرج من أجل نجم كذا، واخرج من أجل طلوع نجم كذا؛ لأن الله ﷿ يقول: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾ [لقمان: ٣٤]، ولذلك دخول في علم الله ﷿ الذي هو غيب، فهو حرام كالأزلام التي ذكرها الله (٢).\nوقد روى أبو الدرداء عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: \"من تكهن أو استقسم أو تطير طيرة ترده عن سفره لم ينظر الدرجات العلى من الجنة يوم القيامة\" (٣).\nوذهب المؤرج وكثير من أهل اللغة إلى أن الاستقسام ههنا هو في معنى الميسر المنهي عنه، وأن الأزلام قداح الميسر.\nوليس الأمر كذلك عند أهل العلم الموثوق بعلمهم (٤).\nوقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ فِسْقٌ﴾.\nقال الزجاج: أي الاستقسام هنا بالأزلام فِسق، وهو كل ما يخرج به عن الحلال إلى الحرام (٥).\n_________\n(١) انظر: \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ١/ ١٥٢، و\"غريب القرآن\" لابن قتيبة ص ١٣٩، والطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٧٦، و\"زاد المسير\" ٢/ ٢٨٤.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١٤٦، ١٤٧.\n(٣) رواه أبو نعيم في \"الحلية\" ٥/ ١٧٤، وذكره الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" ٥/ ١١٨، وقال: رواه الطبراني بإسنادين، ورجال أحدهما ثقات.\n(٤) \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٩٦٢ (قسم).\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١٤٧، وانظر: الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٧٨.","vol":"7","page":253},{"text":"وقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ﴾.\nقال المفسرون: يئسوا أن ترتدوا راجعين إلى دينهم (١).\nوقال الكلبي: نزلت لما دخل رسول الله - ﷺ - مكة في حجة الوداع ييئس أهل مكة أن ترجعوا إلى دينهم (٢).\nوقال الزجاج: يئسوا من بطلان الإسلام، وجاءكم ما كنتم توعدون من قوله: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة: ٣٣] (٣).\nوقوله تعالى: ﴿فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ﴾.\nقال ابن عباس: فلا تخشوهم في اتباع محمد واخشوني في عبادة الأوثان (٤).\nوقال الزجاج: أي فليكن خوفكم لله ﷿، فقد أمنتم في أن يظهر دين على الإسلام (٥).\nوهو قول ابن جريج، قال: فلا تخشوهم أن يظهَروا عليكم (٦).\nوقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾.\nأجمعوا على أن المراد باليوم ههنا: يوم عرفة، وأن هذه نزلت يوم الجمعة، وكان يوم عرفة بعد العصر في حجة الوداع سنة عشر، والنبي - ﷺ -. واقف بعرفات على ناقته العضباء. قاله ابن عباس وغيره (٧).\n_________\n(١) انظر: الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٧٨، و\"معاني الزجاج\" ٢/ ١٤٨.\n(٢) انظر: \"زاد المسير\" ٢/ ١٨٥، و\"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ١٠٧.\n(٣) هكذا بالياء في النسختين، وفي رسم المصحف: (واخشون) بدونها.\n(٤) انظر: \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ١٠٧.\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١٤٨.\n(٦) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٧٩، وانظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٢٨٦.\n(٧) انظر: الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٨٠٢٧٩، و\"بحر العلوم\" ١/ ٤١٥، و\"زاد المسير\" ٢/ ٢٨٧.","vol":"7","page":254},{"text":"وأما معنى إكمال الدين في ذلك: فقال عطاء عن ابن عباس: اليوم أكملت لكم دينكم حيث لم يحج معكم مشرك، وخلا الموسم لله ولرسوله ولأوليائه (١)، وهذا قول سعيد بن جبير وقتادة (٢).\nوقال آخرون: أكملت لكم دينكم ببيان الفرائض والسنن والحدود والأحكام والحلال والحرام، فلم ينزل بعد هذه الآية حلال ولا حرام ولا شيء من الفرائض.\nوهذا معنى قول ابن عباس (٣)، والسدي (٤)، وهو الاختيار؛ لأن كمال الدين يكون ببيان الأحكام.\nقال أرباب المعاني: والكمال على وجهين: كمال مشروح وهو بيان الرسول، وكمال مُبهَم وهو اجتهاد أهل العلم إلى قيام الساعة، (فما عُدِم نصه) (٥) لم يُعدَم دليله من الكتاب والسنة (٦).\nوقال بعضهم: كمال دين هذه الأمة أن لا يزول ولا يُنسخ، وأن شريعتهم باقية (إلى يوم (٧» القيامة (٨).\nوقيل: الكمال هو أن هذه الأمة آمنوا بالكُلّ ولم يفرقوا، ولم يكن هذا لغيرهم (٩).\n_________\n(١) لم أقف عليه.\n(٢) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٨٠، وانظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٢٨٧.\n(٣) في \"تفسيره\" ص ١٧٠، وأخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٧٩.\n(٤) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٧٩.\n(٥) لم تظهر في (ش).\n(٦) لم أقف عليه.\n(٧) لم تظهر في (ش).\n(٨) انظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٢٨٨.\n(٩) لم أقف عليه.","vol":"7","page":255},{"text":"وقال الزجاج: معنى قوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ أي الآن أكملت دينكم بأن كفيتكم خوف عدوكم، وأظهرتكم عليه، كما تقول: الآن كمل لنا الملك (وكمل لنا (١» ما نريد، بأن كُفِينا من كنا نخافه. قال: وقد قيل: (المعنى (٢» أكملت لكم فرض ما تحتاجون إليه في دينكم، وذلك جائز (حسن) (٣).\nوقد شرح ابن الأنباري هذين القولين شرحًا حسنًا فقال في القول الأول للزجاج: المعنى أكملت لكم (نصر دينكم (٤» بأن كفيتكم ما كنتم تخافونه عليه. وقال في القول الثاني: اليوم أكملت لكم شرائع دينكم من غير نقصان قبل (هذا (٥» الوقت، وذلك أن الله ﷿ يتعبد خلقه بالشيء في وقت ثم يزيد عليه في وقت آخر، فيكون الأمر الأول تامًا في وقته وكذلك الثاني، كما يقول القائل: عندي عشرة كاملة، ومعلوم أن العشرين أكمل منها، و(الشرائع (٦» التي تعبد الله بها عباده في الأوقات المختلفة مختلفة، وكل شريعة منها كاملة في وقت التعبد بها، (فكمل (٧» الله الشرائع في اليوم الذي ذكره وهو يوم عرفة، ولم يوجب ذلك أن الدين كان ناقصًا في وقت من الأوقات (٨).\n_________\n(١) غير ظاهر في (ش).\n(٢) ليست في (ج).\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١٤٩، وانظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٢٨٨.\n(٤) غير ظاهر في (ش).\n(٥) غير واضح في (ش).\n(٦) غير ظاهر في (ش).\n(٧) غير ظاهر في (ش).\n(٨) لم أقف عليه.","vol":"7","page":256},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾.\nقال عطاء عن ابن عباس: يريد أنه حكم لهم بدخول الجنة (١).\nوقال (المفسرون (٢»: يريد أنه أنجز لهم ما وعدهم في قوله تعالى: ﴿وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٠]، وكان من تمام (نعمته أن دخلوا مكة (٣» آمنين، وحجوا (مطمئنين (٤»، لم يخلطهم أحد من المشركين (٥).\nوقال السدي: يعني أظهرتكم على العرب (٦).\nوقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ﴾.\nقال ابن عباس: (فمن اضطر) إلى ما حرّم مما سمي في صدر هذه السورة في مجاعة (٧).\nومعنى ﴿اضْطُرَّ﴾ أصيب بالضر الذي لا يمكنه الامتناع معه من الميتة. وقال الزجاج: فمن دعته الضرورة في مجاعة (٨).\nوالمخمصة: المجاعة في قول ابن عباس وجميع المفسرين (٩).\n_________\n(١) لم أقف عليه.\n(٢) غير ظاهر في (ش).\n(٣) طمس في (ج).\n(٤) غير ظاهرة في (ش).\n(٥) هذا قول الحكم وقتادة وسعيد بن جبير واختيار الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٨٠، وانظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٢٨٨.\n(٦) انظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٢٨٨.\n(٧) بنحوه في \"تفسيره\" ص ١٧٠، وأخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٨٥.\n(٨) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١٤٨.\n(٩) انظر: \"مجاز القرآن\" ١/ ١٥٣، و\"غريب القرآن\" لابن قتيبة ص ١٣٩، والطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٨٥.","vol":"7","page":257},{"text":"وقال أهل اللغة: الخَمْص والمَخْمَصَة: خلاء البطن من الطعمام جوعًا (١)، وأنشدوا:\nيرى الخُمص تعذيبًا وإن يلق شِعبةً ... يَبِتْ قلبُه من قلة الهمّ مُبْهَمَا (٢)\nوأصله من الخَمص الذي هو ضمور البطن، يقال: رجل خَميص وخُمصان، وامرأة خَمِيصة وخُمصانة، والجمع (٣) خمائص وخُمصانات (٤)، قال الأعشى:\nتبيتُون في المشتَى مِلاءً بُطونُكم ... وجاراتكم غَرثَى يَبِتْن خَمَائِصا (٥)\nوقوله تعالى: ﴿غَيْرَ مُتَجَانِفٍ﴾.\nيجوز أن ينتصب (غير لمحذوف مقدر على معنى: فتناول غير متجانف و(٦» يجوز أن ينتصب بقوله (اضطرّ) ويكون المقدر متأخرًا، على معنى: فمن اضطر غير متجانف لإثم (فتناول ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٧).\nومعنى غير متجانف لإثم) (٨) غير متعمد، في قول ابن عباس وقتادة ومجاهد والسدي وابن زيد (٩).\n_________\n(١) \"تهذيب اللغة\" ٧/ ١٥٥.\n(٢) البيت لحاتم الطائي في \"ديوانه\" ٨٢، و\"النوادر\" لأبي زيد ص ١١١.\n(٣) في (ش): (الجميع).\n(٤) انظر: \"الصحاح\" ٣/ ١٠٣٨، و\"اللسان\" ٣/ ١٢٦٦ (خمص).\n(٥) \"ديوانه\" ص ١٠٠، و\"مجاز القرآن\" ١/ ١٥٣. وفي الديوان: جوعى بدل غرثى والمعنى واحد.\n(٦) ما بين القوسين ساقط من (ج).\n(٧) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٣٠١، و\"الدر المصون\" ٤/ ٢٠٠.\n(٨) ما بين القوسين ليس في (ش).\n(٩) انظر: \"تفسير ابن عباس\" ص١٧٠، والطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٨٦، و\"النكت والعيون\" ٢/ ١٣.","vol":"7","page":258},{"text":"وروى عن قتادة: غير مُتعرّض لمعصية (١).\nوأصله في اللغة: من الحيف الذي هو: الميل (٢).\nقال الزجاج: غير مائل (٣).\n\nوقال أبو عبيدة: غير مُنحرف <span data-type=\"title\" id=toc-855>(٤)</span>.\nومعنى الإثم ههنا في قول أهل العراق: أن يأكل فوق الشبع تلذذًا (٥).\nوفي قول أهل الحجاز أن يكون عاصيًا بسفره (٦) على ما بينا في سورة البقرة.\nوقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣].\nقال ابن عباس: يريد غفر له ما أكل مما حرم عليه حين اضطر إليه، رحيم (بأوليائه (٧» حيث أحل لهم ما حرم عليهم في المخمصة إذا اضطروا إلى أكلها (٨).\n\n٤ - قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ﴾ الآية.\n_________\n(١) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" (٦/ ٨٦.\n(٢) انظر: \"غريب القرآن\" لابن قتيبة ص ١٣٩.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١٤٩، والطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٨٦، و\"الصحاح\" ٤/ ١٣٣٩ (جنف).\n(٤) \"مجاز القرآن\" ١/ ١٥٣.\n(٥) انظر: \"معاني الزجاج\" ٢/ ١٤٩، و\"بحر العلوم\" ١/ ٤١٦.\n(٦) هذا معنى قول مجاهد كما في الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٨٦، ورجحه أبو يعلى انظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٢٨٩.\n(٧) غير ظاهر في (ش).\n(٨) انظر: \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ١٠٧.","vol":"7","page":259},{"text":"قال سعيد بن جبير: إن عديَّ بن حاتم (١) وزيدَ الخَيْل (٢) جاءا إلى رسول الله - ﷺ - فقالا: يا رسول الله، إنا قوم نصيد بالكلاب والبُزاة، وقد حرم الله ﷿ الميتة، فماذا يحل لنا منها؟ فنزلت هذه الآية (٣).\nوقوله تعالى: ﴿مَاذَا﴾ إن جعلته اسمًا فهو رفع بالابتداء وخبره (أُحِلّ)، وإن شئت جعلت (ما) وحدها اسمًا (ويكون خبرها (٤» (ذا) أحل من صلة ذا؛ لأنه بمعنى: أي شيء (الذي (٥» أحل لهم (٦).\nومضى الكلام مستقصى في (ماذا) (٧).\nوقوله تعالى: ﴿قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾.\n_________\n(١) هو أبو طريف عدي بن حاتم بن سعد بن الحشرج الطائي ولد الجواد المشهور، أسلم سنة تسع أو عشر وكان نصرانيًا وحسن إسلامه وثبت على إسلامه في الردة، وقد شهد بعض الفتوحات وتوفي ﵁ سنة ٦٧هـ وقيل بعدها.\nانظر: \"أسد الغابة\" ٤/ ٨، و\"سير أعلام النبلاء\" ٣/ ١٦٢، و\"الإصابة\" ٢/ ٤٦٨.\n(٢) هو أبو مكنف زيد بن مهلهل بن زيد بن منهب الطائي، وفد على النبي - ﷺ - وكان يسمى زيد الخيل، فسماه - ﷺ - زيد الخير كان شاعرًا خطيبًا شجاعًا من أجمل الناس، ومات ﵁ بعد وفاة النبي - ﷺ -.\nانظر: \" الاستيعاب\" ٢/ ١٢٧، و\"أسد الغابة\" ٢/ ٣٠١، و\"الإصابة\" ١/ ٥٧٢.\n(٣) أخرجه ابن أبي حاتم، انظر ابن كثير في \"تفسيره\" ٢/ ١٨، وإسناده ضعيف. انظر: \"تهذيب التهذيب\" ٧/ ١٩٨، وله شاهد عن عدي عند الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٩١، وذكر الأثر المؤلف في \"أسباب النزول\" ص ١٩٤.\n(٤) ساقط من (ش) بسبب طمس.\n(٥) غير ظاهر في (ش).\n(٦) انظر: \"معاني الزجاج\" ٢/ ١٤٩، و\"مشكل إعراب القرآن\" ١/ ٢١٩.\n(٧) انظر: [البقرة: ٢١٥].","vol":"7","page":260},{"text":"قال ابن عباس: يريد من جميع الحلال (١).\nقال أهل العلم: كانت العرب تستقذر أشياء كثيرة فلا تأكلها، وتستطيب أشياء فتأكلها، فأحل الله لهم ما استطابوا مما لم ينزل بتحريمه (تلاوة) (٢)، مثل لحوم الأنعام كلها وألبانها، ومثل الدواب التي كانوا يأكلونها من الضباب (٣) واليرابيع (٤) والأرانب وغيرها (٥).\nوهذا أصل كبير في التحليل والتحريم، فكل حيوان استطابته العرب فهو حلال، وكل حيوان استخبثته العرب فهو حرام (٦)، وهو في قوله تعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧] (٧).\nوالطيب في اللغة: المُستَلذّ، والحلال المأذون فيه، يسمى أيضًا طيبًا تشبيها بما هو مُستَلذ، لأنهما اجتمعا بانتفاء المضرة.\nوقال مقاتل والكلبي: المراد بالطيبات الذبائح (٨).\n_________\n(١) \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ١٠٧.\n(٢) غير ظاهر في (ش).\n(٣) جمع ضب، وهو دويبة معروفة يشبه الوَرَل، والأنثى: ضبة. انظر: \"اللسان\" ٤/ ٢٥٤٣ (ضبب).\n(٤) جمع يربوع: دويبة فوق الجُرَذ. انظر: \"اللسان\" ٣/ ١٥٦٢ (ربع).\n(٥) \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢١٤٧، وانظر: \"اللسان\" ٥/ ٢٧٣١ (طيب).\n(٦) هذا إذا وافق التشريع عند نزول القرآن وجاء على لسان الرسول - ﷺ - الحلال والحرام في هذا الشأن، وليس المراد أن استطابة العرب مصدر للتشريع في التحليل والتحريم في هذا المضمار، والله أعلم.\n(٧) انظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٢٩١.\n(٨) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١/ ٤٥٤ و\"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ١٠٧.","vol":"7","page":261},{"text":"والقول الأول أولى؛ لأنه أعم في التحليل، وعليه أكثر العلماء.\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ﴾.\nقال الزجاج وغيره: يريد: وصيد ما علمتم من الجوارح، فحذف الصيد وهو مراد في الكلام؛ لدلالة الباقي عليه، وهو قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ ولأنهم سألوا عن الصيد (١).\nهذا قول جميع أهل المعاني (٢).\nويجوز أن يقال: قوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ﴾ ابتداء كلام وخبره: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ فيصبح الكلام من غير حذف وإضمار، وهو قول حسن.\nوأما الجوارح: فهي الكواسب من الطير والسباع ذوات الصيد، والواحدة جارحة، والكلب الضاري جارحة، سميت جوارح؛ لأنها كواسب أنفسها، من: جرح واجترح، إذا اكتسب (٣).\nقال ابن عباس في رواية عطاء: يريد الطير تصيد، والكلاب، والفهود، وعناق الأرض (٤)، وسباع الطير، مثل: الشاهين والباشِق (٥)\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١٤٩.\n(٢) انظر: الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٨٨، و\"بحر العلوم\" ١/ ٤١٧، والبغوي في \"تفسيره\" ٣/ ١٦.\n(٣) من \"تهذيب اللغة\" ١/ ٥٧٢ (جرح)، وانظر: \"مجاز القرآن\" ١/ ١٥٤، و\"معاني القرآن\" للأخفش ٢/ ٤٦٤، و\"غريب القرآن\" لابن قتيبة ص ١٣٩، والطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٨٨.\n(٤) عناق الأرض: دابة من السباع أصغر من الفهد تصيد الطيور. انظر: \"اللسان\" ٥/ ٣١٣٦ (عنق).\n(٥) الباشق: بفتح الشين اسم طائر جارح، انظر: \"اللسان\" ١/ ٢٨٩","vol":"7","page":262},{"text":"والعقاب والزُّمَّج (١)، فما اصطادت هذه الجوارح فقتلته فهو حلال (٢).\nوقال ليث (٣) (٤): سئل مجاهد عن الصقر والبازي والفهد وما يَصطاد من السباع؟ فقال: هذه كلها جوارح (٥).\nوهذا قول جميع المفسرين (٦) إلا ما روي عن ابن عمر (٧) والضحاك أنهما قالا: الجوارح الكلاب دون غيرها، وما صاد غير الكلاب فلم يدرك ذكاته لم يحل أكله (٨).\nومثل هذا يروى عن السدي أيضًا (٩)، وهو قول غير معمول به (١٠).\n_________\n(١) الزُّمَّج:- بضم الزاي وتشديد الميم المفتوحة طائر جارح دون العقاب يصاد به، وقيل: هو ذكر العقبان. انظر: \"اللسان\" ٣/ ١٨٦٠ (زمج).\n(٢) لم أقف عليه.\n(٣) في (ج): الليث.\n(٤) هو أبو بكر ليث بن أبي سليم أيمن أو أنس بن زنيم الكوفي الليثي، من أوعية العلم وكان صاحب سنة، صدوق في الرواية لكنه اختلط وحديثه عند مسلم والأربعة، توفي ﵀ سنة ١٤٨هـ.\nانظر: \"سير أعلام النبلاء\" ٦/ ١٧٩، و\"ميزان الاعتدال\" ٣/ ٤٢٠، و\"التقريب\" ٤٦٤ رقم (٥٦٨٥).\n(٥) أخرجه بنحوه من عدة طرق عن مجاهد: الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٨٩، وانظر: \"تفسير مجاهد\" ١/ ١٨٦.\n(٦) انظر: الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٨٩ - ٩٠، و\"النكت والعيون\" ٢/ ١٥، والبغوي في \"تفسيره\" ٣/ ١٦.\n(٧) في (ج): ابن عمرو.\n(٨) أخرجه بنحوه الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٩٠، وانظر: \"النكت والعيون\" ٢/ ١٥.\n(٩) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٩٠، وانظر البغوي في \"تفسيره\" ٣/ ١٦.\n(١٠) قال الطبري في \"تفسيره\": وأولى القولين بتأويل الآية قول من قال: كل ما صاد من الطير والسباع فمن الجوارح، وأن صيد جميع ذلك حلال إذا صاد بعد التعليم؛ لأن الله جل ثناؤه عمّ بقوله: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ﴾ كل جارحة ولم يخصص منها شيئًا. \"جامع البيان\" ٦/ ٩٠ - ٩١، وانظر البغوي في \"تفسيره\" ٣/ ١٦.","vol":"7","page":263},{"text":"وقوله تعالى: ﴿مُكَلِّبِينَ﴾.\nالمُكَلَّب: الذي يعلم الكلاب أخذ الصيد، ويقال للصائد مكلب؛ لأنه يعلم الكلب الصيد (١)، قال الشاعر:\nفبادَرَه عند الصبَاح مُكَلّبٌّ ... أزلّ كَسِرحَان الهَزيِمة أَغْبرُ (٢)\nقال أهل المعاني: وليس في قوله: (مكلبين) دليل على أنه إنما أبيح صيد الكلاب خاصة؛ لأنه بمنزلة قوله: مؤدبين (٣).\nوقوله تعالى: ﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾.\nقال الكلبي: تؤدبونهن (٤) لطلب الصيد أن لا يأكلن الصيد كما أدبكم الله (٥).\nقال العلماء: وصفة الكلب المعلم الذي يحل صيده هو أن يكون إذا أرسله صاحبه وأشلاه استشلى (٦)، وإذا أخذ الصيد أمسك ولم يأكل، وإذا دعاه أجابه، وإذا أراده لم يفرّ منه، فإذا فعل ذلك مرات فهو معلم (٧).\n_________\n(١) انظر: \"معاني الزجاج\" ٢/ ١٤٩، و\"بحر العلوم\" ١/ ٤١٧، و\"النكت والعيون\" ٢/ ١٥، والبغوي في \"تفسيره\" ٣/ ١٦، و\"اللسان\" ٧/ ٣٩١١ (كلب).\n(٢) لم أقف عليه.\n(٣) انظر: \"النكت والعيون\" ٢/ ١٥، و\"زاد المسير\" ٢/ ٢٩٢.\n(٤) في (ج): (تؤدبوهن).\n(٥) \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ١٠٧، وانظر: \"بحر العلوم\" ١/ ٤١٧، والبغوي في \"تفسيره\" ٣/ ١٦.\n(٦) أشلاه: أي أغراه انظر: \"اللسان\" ١٤/ ٢٣١٩ (شلا).\n(٧) انظر: الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٩٢، و\"النكت والعيون\" ٢/ ١٥، والبغوي في \"تفسيره\" ٣/ ١٦.","vol":"7","page":264},{"text":"وقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾.\n(قال النحويون (١»: دخلت (من) في قوله (مما) للتبعيض؛ لأنه إنما أحل أكل بعضه وهو اللحم دون الفرث والدم (٢).\nوقال الأخفش: من ههنا زائدة، (والمعنى: فكلوا (٣» ما أمسكن عليكم (٤).\nوقال غيره: هذا خطأ؛ لأن مِنْ لا تزاد في الواجب، وإنما تزاد في النفي والاستفهام. ومعنى (مِن) في: ﴿وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧١] (٥) ابتداء الغاية، أي: يكفر (عنكم أعمالكم (٦» التي تحبون أن تستر عنكم من سيئاتكم (٧).\nقال العلماء: إذا كان الضاري وهو الكلب معلمًا كما وصفنا، ثم صاد صيدًا (فجرحه (٨» وقتله وأدركه الصياد ميتًا: فهو حلال وجرح\n_________\n(١) ما بين القوسين ساقط من (ج).\n(٢) انظر: الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٩٨ - ٩٩، و\"الدر المصون\" ٤/ ٢٠٤. وقد رجح الطبري في \"تفسيره\" والسمين هذا القول.\n(٣) ما بين القوسين ساقط من (ش).\n(٤) انظر: \"معاني القرآن\" ٢/ ٤٦٤، و\"زاد المسير\" ٢/ ٢٩٤، و\"الدر المصون\" ٤/ ٢٠٤.\n(٥) سياق هذه الآية في مقام الرد على الأخفش؛ لأنه قد اعتبر من في آية النساء هذه كما في آية البقرة. انظر: \"معاني القرآن\" ٢/ ٤٦٤.\n(٦) ما بين القوسين ساقط من (ش).\n(٧) انظر: الطبري في \"تفسيره\" ٩/ ٥٦٩، ٥٧٠ والقرطبي في \"تفسيره\" ٦/ ٧٣، و\"البحر المحيط\" ٣/ ٤٣٠.\n(٨) ساقط من (ش).","vol":"7","page":265},{"text":"الجارحة كالذبح (١)، وكذلك الحكم في سائر الجوارح (المُعلَّمة، والسهم، والرمح، والمعراض (٢) وما جَرَح (٣» تجده، فإن أصابه المعراض بعَرضه (فقتله ولم تدرك (٤» ذكاته فهو حرام (٥)، (وإن صاده الكلب فجثم عليه (٦» فغمّه وقتله بالغم (٧) من غير جُرح (لم يجز أكله عند كثير من العلماء، والقياس أنه حلال؛ لأنه مما أمسكه على صاحبه) (٨)، والكلب لا يتعلم الجرح، (والذي يُتَصوّر عنده أنّ تسليمه إلى مرسله سليمًا (٩» عن الجرح أحسن (في الاصطياد) (١٠).\nهذا كله إذا لم يأكل، فإن أكل منه فقد اختلف فيه العلماء.\nفعند ابن عباس وطاوس والشعبي وعطاء والسدي: أنه لا يحل ولا يؤكل (١١).\nقال ابن عباس: إذا أرسلت الكلب فأكل من صيده فهو (ميتة، لا يحل\n_________\n(١) انظر: الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٩٧، والقرطبي في \"تفسيره\" ٦/ ٧١، ٧٢.\n(٢) المعراض: السهم الذي لا ريش عليه \"الصحاح\" ٣/ ١٠٨٣ (عرض).\n(٣) غير واضح في (ش).\n(٤) غير واضح في (ش).\n(٥) انظر: الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٩٧، والقرطبي في \"تفسيره\" ٦/ ٧١، ٧٢.\n(٦) غير واضح في (ش).\n(٧) الظاهر أن المراد بغمه أن يضيق عليه أنفاسه بثقله فيموت الصيد بالغم.\n(٨) غير واضح في (ش).\n(٩) غير واضح في (ش).\n(١٠) غير واضح في (ش).\n(١١) انظر: الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٩٢ - ٩٨، و\"النكت والعيون\" ٢/ ١٦، والبغوي في \"تفسيره\" ٣/ ١٦.","vol":"7","page":266},{"text":"أكله) (١)؛ لأنه أمسكه (على نفسه (٢» ولم يمسك عليك، ولم يتعلم ما علمته، فاضربه ولا تأكل من صيده (٣).\nوهذا (هو الأشهر (٤» والأظهر من مذهب الشافعي (٥)، ويدل عليه ما روي أن النبي - ﷺ - قال لعدي بن حاتم: \"إذا أرسلت كلبك (فاذكر اسم الله (٦» فإن أدركته لم يقتل (فاذبح (٧» واذكر اسم الله، وإن أدركته قد قتل ولم يأكل فكل، فقد أمسك عليك، وإن وجدته (وقد أكل (٨» منه فلا تطعم منه (شيئًا فإنما (٩» أمسك على نفسه\" (١٠).\nوعند سلمان الفارسي وسعد بن أبي وقاص وابن عمر وأبي هريرة أنه يحل وإن أكل (١١) (وهو أحد (١٢» قولي الشافعي (١٣).\n_________\n(١) غير ظاهر في (ش).\n(٢) غير ظاهر في (ش).\n(٣) أخرجه بمعناه من طريق العوفي: الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٩٨، وقد ثبت نحو هذا القول لابنه في \"صحيح البخاري\" (٥٤٨٣) كتاب الذبائح والصيد، باب (٧): إذا أكل الكلب ٦/ ٢٢٠.\n(٤) غير واضح في (ش).\n(٥) انظر: \"الأم\" ٢/ ٢٢٦، وابن كثير في \"تفسيره\" ٢/ ١٩، وذكره ابن كثير في \"تفسيره\" أنه رأي الجمهور واختار هذا القول الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٩٦.\n(٦) غير واضح في (ش).\n(٧) طمس في (ش).\n(٨) غير واضح في (ش).\n(٩) طمس في (ش).\n(١٠) أخرجه البخاري (٥٤٨٤) كتاب الذبائح والصيد، باب (٨): الصيد إذا غاب عنه يومين أو ثلاثة ٦/ ٢٢٠، ومسلم (١٩٢٩) كتاب الصيد والذبائح، باب (١): الصيد بالكلاب المعلمة ٣/ ١٥٢٩ (ح ١).\n(١١) وهذا رأي الإِمام مالك أيضًا. انظر: الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٩٥ - ٩٦، و\"النكت والعيون\" ٢/ ١٥، والبغوي في \"تفسيره\" ٣/ ١٧.\n(١٢) ما بين القوسين بياض في (ش).\n(١٣) انظر البغوي في \"تفسيره\" ١/ ١٧.","vol":"7","page":267},{"text":"ولا فرق فيما ذكرنا بين الطيور المعلمة والسباع المعلمة.\nوقال سعيد (بن جبير (١»: إذا أكل الكلب (من صيده (٢» فلا تأكل منه، فإنما أمسك على نفسه، وأما البازي والصقر فكل وإن أكلا؛ فإنما تعليمه إذا دعوته يجيبك، ولا تستطيع ضربه حتى يدع الأكل (٣).\nوقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾.\nيعني إذا أرسلتم الكلاب. قال الكلبي وغيره من المفسرين (٤).\nوقال ابن عباس في رواية عطاء: ﴿وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ إذا أطلقت، فإن نسيت حين تطلق كلبك اسم الله فلا بأس أن تأكله، فإن المؤمن مؤمن واسم الله المؤمن، والمسلم مسلم، واسم الله السلام (٥).\nوقال الحسن: إذا أرسل المؤمن كلبه (ونسي (٦» أن يسمي الله فإنه يأكل؛ لأن اسم الله من دينه، وهو بمنزلة شفرته إذا نسي أن يذكر اسم الله (٧).\n_________\n(١) غير واضح في (ش).\n(٢) بياض في (ش).\n(٣) أخرج صدره الخاص بالكلب: الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٩٣، وذكره بطوله الهواري في \"تفسيره\" ١/ ٤٥٠.\n(٤) انظر: \"بحر العلوم\" ١/ ٤١٧، و\"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ١٠٧.\n(٥) لم أقف عليه، وقد ثبت عن ابن عباس من طريق علي بن أبي طلحة أنه قال: إذا أرسلت جوارحك فقل: بسم الله، وإن نسيت فلا حرج، و\"تفسيره\" ص ١٧١، وأخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٩٩، وانظر ابن كثير في \"تفسيره\" ٢/ ٤٩٩.\n(٦) في (ش): (فنسي).\n(٧) لم أقف عليه، وانظر: \"تفسير الهواري\" ١/ ٤٥٠.","vol":"7","page":268},{"text":"قال العلماء: الأولى الذبح علي اسم الله، وإرسال الجوارح على اسم الله، فمن ترك اسم الله فذبيحته؛ حلال لما قال رسول الله - ﷺ -: \"المؤمن يذبح على اسم الله، سمّى أو لم يُسمّ\" (١).\nوهو ما فسر ابن عباس والحسن.\nوقالت عائشة لرسول الله - ﷺ -: إن الأعراب يأتوننا بلحوم الصيد، ولا ندري سموا الله عليها أم لا. فقال رسول الله - ﷺ -: \"سموا أنتم وكلوا\" (٢).\nقال أهل المعاني: الهاء في قوله: (عليه) تعود إلى الإرسال (٣)، كنّى عنه وإن لم يجر له ذكر؛ لأن الكلام يدل عليه، ومثله كثير.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-856>٥ </span>- قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾.\nقال أهل المعاني: إنما ذكر إحلال الطيبات تأكيدًا، كأنه قيل: اليوم أحل لكم الطيبات التي سألتم عنها (٤).\nوقد فسرنا الطيبات في الآية الأولى.\nوقوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾.\nالطعام عند العرب: (اسم لما يُؤكل (٥»، كما أن الشراب اسم لما\n_________\n(١) لم أقف عليه.\n(٢) أخرجه بنحوه البخاري (٥٥٠٧) كتاب الذبائح والصيد، باب (٢١): ذبيحة الأعراب ونحوهم ٦/ ٢٦٦، وابن ماجة (٣١٧٤) كتاب الذبائح، باب: التسمية عند الذبح.\n(٣) هذا معنى قول ابن عباس والسدي. انظر: الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٩٩، و\"زاد المسير\" ٢/ ٢٩٤.\n(٤) انظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٢٩٥.\n(٥) غير واضح في (ش).","vol":"7","page":269},{"text":"يشرب، والذبائح داخلة في اسم الطعام على مقتضى اللغة.\nقال ابن عباس: قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١] ثم استثنى ذبائح أهل الكتاب فقال: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ يعني: (ذبائح اليهود (١» والنصارى وإن لم يذكروا اسم الله وذكروا عيسى وعزير (٢).\nوقال الشعبي وعطاء في النصراني (يذبح فيقول: باسم (٣» المسيح. قالا: تَحلّ، فإن الله قد أحل ذبائحهم وهو يعلم (ما يقولون (٤» (٥).\nومثل هذا رُوي عن الزهري (٦) ومكحول (٧).\nوقوله تعالى: ﴿وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾.\nيريد أن ذبائحنا لهم حلال، فإذا اشتروها (منا كان (٨» الثمن لنا حلالًا، (واللحم لهم حلالًا) (٩)، وهذا يدل على أنهم مخاطبون بشريعتنا.\n_________\n(١) غير واضح في (ش).\n(٢) لم أقف عليه، وما وجدته عن ابن عباس في هذه الآية أنه قال: كلوا من ذبائح بني تغلب وتزوجوا من نسائهم. أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ١٠١، ويريد نصارى بني تغلب.\n(٣) غير واضح في (ش).\n(٤) غير واضح في (ش).\n(٥) أخرجه عنهما بمعناه الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ١٠١، وانظر البغوي في \"تفسيره\" ٣/ ١٨، و\"زاد المسير\" ٢/ ٢٩٥.\n(٦) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ١٠١، وانظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٢٩٥.\n(٧) انظر البغوي في \"تفسيره\" ٣/ ١٨.\n(٨) غير واضح في (ش).\n(٩) غير واضح في (ش)، وانظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٢٩٦.","vol":"7","page":270},{"text":"وقال الزجاج: ﴿وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ (تأويله حل لكم أن تطعِمُوهم (١» (٢). فجعل الزجاج الخطاب للمؤمنين على معنى أن التحليل يعود إلى إطعامنا إياهم، لا إليهم. ثم قال: لأن (الحلال والحرام والفرائض بعد (٣» عقد التوحيد (٤)، إنما يعقد على أهل الشريعة (٥).\nوقوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ﴾.\nقال مجاهد: يعني الحرائر (٦).\nوقال ابن عباس: يريد العفائف من المؤمنات (٧) وهو قول الحسن والشعبي وسفيان وإبراهيم والسدي (٨).\nفإن حملنا الإحصان على الحرية وهو قول مجاهد لم تدخل الأَمَة\n_________\n(١) غير واضح في (ش).\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١٥١، وانظر: \"بحر العلوم\" ١/ ٤١٧، و\"زاد المسير\" ٢/ ٢٩٦.\n(٣) غير واضح في (ش).\n(٤) علق محقق \"معاني الزجاج\" عند هذا الموضع ما يأتي: أي الإيمان والعقيدة أولًا ثم التكليف بعد ذلك، وهؤلاء لا إيمان عندهم فليأكلوا ما يأكلون ولا حرج علينا في تقديم ذلك لهم.\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١٥١، وانظر: \"بحر العلوم\" ١/ ٤١٧.\n(٦) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ١٠٤، وانظر: \"معاني القرآن\" للنحاس ٢/ ٢٦٧، و\"زاد المسير\" ٢/ ٢٩٦.\n(٧) انظر: \"معاني القرآن\" للنحاس ٢/ ٢٦٦، و\"زاد المسير\" ٢/ ٢٩٦، \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ١٠٧.\n(٨) انظر: الطبري في \"تفسيره\" ٩/ ١٠٦ - ١٠٧، والبغوي في \"تفسيره\" ٣/ ١٩.","vol":"7","page":271},{"text":"المسلمة في هذا التحليل، وذلك ان هذا تحليل مطلق، والتحليل المطلق إنما يستمر في الحرائر المسلمات؛ فأما الأمة المسلمة فنكاحها إنما يجوز بشرطين، على ما بينا في سورة النساء، فهي غير مطلقة النكاح.\nوإن حملنا الإحصان على العِفّة وهو قول ابن عباس والباقين قلنا في هذه الآية إن المراد بها بيان الأولى من النكاح، كما قال رسول الله - ﷺ -: \"عليك بذات الدين تربت يداك\" (١) فالأولى أن يتزوج عفيفة، فإن تزوج زانية كُرِهَ وجاز، وسنذكر المذاهب في تزوجّ الزانية عند قوله تعالى: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً﴾ [النور: ٣] إن شاء الله.\nوقوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾.\nقال ابن عباس: يريد الحرائر، وأما أهل الكتاب حرام نكاحهن (٢).\nهذا كلامه، وقد بينا هذا في سورة النساء.\nواختلفوا في قوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ هل هو عام أم لا؟\nفقال ابن عباس: هذا خاص في الذميات منهن، فأما الحربيات منهن فلا. روى مِقسَم عنه أنه قال: من نساء أهل الكتاب من يحل لنا، (ومنهم (٣» من لا يحل لنا. ثم قرأ: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ [التوبة: ٢٩] فمن أعطى الجزية حل لنا نساؤه، ومن لم يُعطِ لم يحل (٤).\n_________\n(١) أخرجه بنحوه من حديث أبي هريرة البخاري (٥٠٩٠) كتاب النكاح، باب: الأكفاء في الدين.\n(٢) انظر: \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ١٠٧.\n(٣) في (ش): منهن وما أثبته هو الموافق لما عند الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ١٠٧.\n(٤) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ١٠٧، و\"زاد المسير\" ٢/ ٢٩٧. قال ابن الجوزي معلقًا على رأي ابن عباس هذا: والجمهور على خلافه.","vol":"7","page":272},{"text":"وقال الحسن وسعيد بن المسيب: هذا عام في جميع الكتابيات حربية كانت أو ذمية (١).\nوقوله تعالى: ﴿إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾.\nقال ابن عباس: يريد الصداق والمهور (٢).\nقال أهل المعاني: تقييد التحليل بإيتاء الأجور يدل على تأكد وجوبه، وأن من تزوج امرأة واعتقد أن لا يعطيها صداقها كان في صورة الزاني. وقد روي هذا المعنى عن النبي - ﷺ - (٣).\nوتسمية المهر بالأجر يدل على أن أقل الصداق لا يتقدر، كما أن أقل الأجر في الإجارات لا يقدر.\nوقوله تعالى: ﴿مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾.\nقال ابن عباس: يريد حلالًا غير حرام (٤).\n﴿وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ﴾. قال: يريد التي يهواها فيضمها إليه من غير تزويج، هذا حرام (٥). وقال غيره: ﴿مُحْصِنِينَ﴾ يعني تنكحوهن بالمهر والبينة، ﴿غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ معالنين بالزنا، ﴿وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ﴾ يعني تُسرون الزنا (٦).\nوقال الشعبي: الزنا ضربان خبيثان: السفاح وهو أخبثهما، وهو\n_________\n(١) أخرجه بمعناه الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ١٠٧، وانظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٢٩٦.\n(٢) \"تفسيره\" ص ١٧٢، وأخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ١٠٨.\n(٣) لم أقف عليه.\n(٤) بمعناه في \"تفسيره\" ص ١٧٢، وأخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ١٠٨.\n(٥) بمعناه في \"تفسيره\" ص ١٧٢، وأخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ١٠٨.\n(٦) انظر: الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ١٠٨، والبغوي في \"تفسيره\" ٣/ ١٩.","vol":"7","page":273},{"text":"المعالنة بالزنا، والآخر: اتخاذ الخدن، وهو الزنا في السر (١).\nقال الزجاج حرم الله ﷿ الجماع على جهة السفاح، وعلى جهة اتخاذ الصديقة، وأحله على جهة الإحصان، وهو التزوج (٢) (٣).\nوقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾.\nقال ابن عباس ومجاهد: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ﴾ أي بالله (٤).\nووجه هذا القول: هو أن الله تعالى يجب الإيمان به، ومن آمن به فهو مؤمن به، والله تعالى مؤمن به، والمؤمن به يجوز أن يسمى إيمانًا كما يسمى المضروب ضربًا، كقولهم: نسج اليمن، وصيد البر.\nوحكى عن بعضهم أنه قال: معنى هذا القول: ومن يكفر برب الإيمان (٥). فجعله من باب حذف المضاف.\nوالأول الوجه.\nقال العلماء: وليس هذا على الإطلاق، لأنه قيد في آية أخرى فقال: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ [البقرة: ٢١٧]، فأما من كفر ثم آمن ومات على الإيمان لا يقال حبطت أعماله.\n_________\n(١) لم أقف عليه.\n(٢) في \"معاني الزجاج\": التزويج.\n(٣) في \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١٥٢.\n(٤) هذا لفظ مجاهد كما عند الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ١٠٩، وانظر: \"تفسير الهواري\" ١/ ٤٥١، أما لفظ ابن عباس فإنه قال: أخبر الله أن الإيمان هو العروة الوثقى وأنه لا يقبل عملًا إلا به، ولا يحرم الجنة إلا على من تركه. \"تفسيره\" ص ١٧٢، وأخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ١٠٩ - ١١٠.\n(٥) لم أقف عليه.","vol":"7","page":274},{"text":"وقال الكلبي: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ﴾ بشهادة أن لا إله إلا الله (١).\nفجعل كلمة التوحيد إيمانًا.\nوروى حِبان (٢) عنه: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ﴾ يقول: بما أنزل على محمد - ﷺ - (٣).\nوعلى هذا سُمي القرآن إيمانًا؛ لأنه يجب الإيمان به، وأنه من عند الله.\nقال مقاتل: المراد بقوله: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ﴾ نساء أهل الكتاب، يقول: ليس إحصان المسلمين إياهن بالذي يخرجهن من الكفر أو يغني عنهن في دينهن شيئًا، وجعلهن ممن كفر بالإيمان وحبط عمله، وهي بعدُ للناس عامة، من كفر بالإيمان فقد حبط عمله (٤).\nوقال أبو إسحاق: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ أي من بدّل شيئًا مما أحل الله فجعله حرامًا، أو أحل شيئًا مما حرم الله فهو كافر بالإجماع، وقد حبط جميع ما تقرب به إلى الله ﷿ (٥).\nوهذا دليل لمن جعل الطاعات إيمانًا؛ لأن تحليل ما أحل الله وتحريم ما حرمه طاعة.\n_________\n(١) انظر البغوي في \"تفسيره\" ٣/ ٢٠، و\"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ١٠٨.\n(٢) هو أبو عبي حبان -بكسر الحاء- بن علي العنزي الكوفي، له فقه وفضل، لكنه ضعيف. توفي سنة ٧١ هـ.\nانظر: \"الجرح والتعديل\" ٣/ ٢٧٠، و\"ميزان الاعتدال\" ١/ ٤٤٩، و\"التقريب\" ص ١٤٩ رقم (١٠٧٦) رقم (١٠٧٦).\n(٣) لم أقف عليه.\n(٤) انظر: \"سير مقاتل\" ١/ ٤٥٥.\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١٥٢.","vol":"7","page":275},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [المائدة: ٥].\nقال ابن عباس: يريد الثواب (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-857>٦ </span>- قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾.\nقال الزجاج: المعنى: إذا أردتم القيام إلى الصلاة، وإنما جاز ذلك لأن (في (٢» الكلام والاستعمال دليلًا على معنى الإرادة، ومثل ذلك قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [النحل: ٩٨]، المعنى: إذا أردت أن تقرأ (٣).\nقال ابن الأنباري: وهذا كما تقول: إذا اتجرت فاتجر في البزّ، وإذا آخيت فآخ أهل الحسب. تريد إذا أردت التجارة، وإذا أردت مؤاخاة الناس.\nقال: ويجوز أن يكون المعنى: إذا قمتم إلى الطهور، فذكر الصلاة وهو يريد الطهور؛ لأن الصلاة لا تكون إلا بطهور وهو مقدمتها التي لا تكون صلاة مُجازَةً إلا بها. قال: والأول هو المختار (٤).\nوقال أبو الفتح الموصلي (٥): معنى قوله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾: إذا عزمتم الصلاة (٦) وأردتموها، وليس الغرض والله أعلم في (قمتم) النهوض والانتصاب؛ لأنهم قد أجمعوا على أنه لو غسل أعضاءه قبل\n_________\n(١) انظر: \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ١٠٨.\n(٢) ليست في (ج).\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١٥٢، وانظر: \"معاني القرآن\" للنحاس ٢/ ٢٦٨، و\"بحر العلوم\" ١/ ٤١٨، و\"رصف المباني\" ص ٤٤١.\n(٤) انظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٢٩٨.\n(٥) هو ابن جني كما في \"سر صناعة الإعراب\" ٢/ ٦٣٣.\n(٦) في \"سر صناعة الإعراب\": (عزمتم على الصلاة).","vol":"7","page":276},{"text":"الصلاة قاعدًا أو نائمًا (١) لكان قد أدى فرض هذه الآية (٢).\nونظير قمتم في هذا الموضع قوله سبحانه: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣٤] وليس يراد هنا -والله أعلم- القيام الذي هو المثول، وإنما هو من: قمت (بأمرك (٣»، وعليّ القيام بهذا الأمر، فكأنه (٤) قال: الرجال متكلِّفون لأمر النساء ومعنيون بشؤونهن، فكذلك قوله: ﴿إِذَا قُمْتُم﴾ (أي (٥» إذا هممتم بأمر الصلاة، وتوجهتم إليها بالعناية، وكنتم غير متطهرين فافعلوا كذا، فقوله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا﴾ يريد: إذا قمتم إلى الصلاة ولستم على طهارة، فحذفُ ذلك للدلالة عليه، وهذا أحد الاختصارات التي في القرآن، وهو كثير جدًّا.\nومثل ذلك قول طَرَفَة:\nفإن مُتُّ فانعِيني بما أنا أهلُه ... وشُقِّي عليَّ الجَيبَ يابنة مَعْبَدِ (٦)\nتأويله: فإن مُتُّ قبلك. لابد من أن يكون الكلام معقودًا على هذا؛ لأنه معلوم أنه لا يكلفها نعيه والبكاء عليه بعد موتها (٧).\n_________\n(١) في \"سر صناعة الإعراب\": (قائمًا أو قاعدًا)، وهو أولى.\n(٢) \"سر صناعة الإعراب\" ٢/ ٦٣٣.\n(٣) ما بين القوسين ساقط من (ش).\n(٤) في (ج): (وكأنه).\n(٥) ساقط من (ج).\n(٦) \"ديوانه\" ص ٢٩، والبيت من معلقته كما في \"شرح القصائد المشهورات\" ص ٩٢ و\"شرح المعلقات السبع\" ص ٦٨، ومعنى انعيني: أشيعي خبر موتي، ويقصد بابنة معبد ابنة أخيه معبد بن العبد.\n(٧) \"سر صناعة الإعراب\" ٢/ ٦٣٤، ٦٣٥.","vol":"7","page":277},{"text":"وقوله تعالى ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾.\nقال أبو الفتح: كان أبو سهل بن زياد القطان (١) يحتج بهذه الآية على وجوب الترتيب في الطهارة. قال: لأن الفاء للترتيب، وقد قال: ﴿فَاغْسِلُوا﴾ فوجب أن يُرتب الغَسل على القيام، يبدأ به دون غيره.\nفقال أبو الفتح: قد بينا أن المراد بالقيام ههنا: العزم والإرادة، فالفاء إذًا إنما (رتب (٢» الغسل والمسح عَقِيب الإرادة والعزم، ولم يجعل للغسل مزية في المتقدم على المسح؛ لأن المسح معطوف على الغسل بالواو (٣).\nوالواو لا توجب الترتيب، وليس فيها دليل على (المبدوء به (٤» في المعنى؛ لأنها ليست مرتبة، ألا ترى إلى قول لبيد:\nأُغْلي السِّباءَ بكُلِّ أدكنَ عاتقٍ ... أو جَونةٍ قُدِحَتْ وفُضَّ خِتامُها (٥)\nقوله قدحت (أي غُرِفَت (٦»، وإنما يُفَضّ الخَتم قبل الغرف، فقد\n_________\n(١) هو أبو سهل أحمد بن محمد بن عبد الله بن زياد القطان البغدادي، الإِمام المحدث الثقة مسند العراق، وكان كثير التلاوة حسن الانتزاع لمعانيه، توفي ﵀ سنة ٣٥٠ هـ. انظر: \"سير أعلام النبلاء\" ١٥/ ٥٢١، و\"البداية والنهاية\" ١١/ ٢٣٨، و\"شذرات الذهب\" ٣/ ٢.\n(٢) في \"سر صناعة الإعراب\": (رتبت)، وهو أصوب.\n(٣) \"سر صناعة الإعراب\" ٢/ ٦٣٣ بتصرف.\n(٤) في (ش): (البدء به)، وما أثبته هو الموافق لـ\"سر صناعة الإعراب\".\n(٥) \"ديوانه\" ص ٣١٤، والبيت من معلقته كما في \"شرح القصائد المشهورات\" ١/ ١٦٢، و\"شرح المعلقات السبع\" ص ٩٤.\nومعنى: أغلي: أشتري غاليًا، والسباء: اشتراء الخمر، والأدكن: الذي فيه دكنة كالخز الأدكن، والعاتق: الخالصة، والجونة: الخابية السوداء، وقدحت. غرفت، والفض: الكسر.\n(٦) بياض في (ش).","vol":"7","page":278},{"text":"علمت أن قُدِحَت مقدم في اللفظ مؤخر في المعنى، وعلى هذا يتوجه قوله تعالى: ﴿يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ﴾ الآية [آل عمران: ٤٣] فبدأ بالسجود قبل الركع لفظًا وهو مؤخر عني (١).\nوإذا كان كذلك جرى قوله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا﴾ ﴿وَامْسَحُوا﴾ مجرى قولك: فاضرب زيدًا واشتم جعفرًا، فلو بدأ بالشتم قبل الضرب كان جائزًا، فالفاء لم ترتب الغَسل قبل المَسح، ولا الضرب قبل الشتم، ولم ترتب أيضًا نفس المغسول؛ لأن المغسول معطوف بعضه على بعض بحرفٍ لا يوجب الترتيب وهو الواو.\nوقوله تعالى: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾.\nالمِرفق مكسور من اليد والمتكأ، ومن الأمر كقوله تعالى: ﴿وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا﴾ [الكهف: ١٦]، والارتقاء التوكؤ بمِرفقك على مَرفَق (٢).\n(فأما قوله: ﴿إِلَى﴾ فإن أبا العباس (٣» (٤) وجماعة من النحويين جعلوا (إلى) ههنا بمعنى: مع، وأوجبوا غسل المرافق (٥)، وهو مذهب الشافعي وأكثر العلماء (٦).\n_________\n(١) \"سر صناعة الإعراب\" ٢/ ٦٣٢، ٦٣٣ بتصرف.\n(٢) \"العين\" ٥/ ١٤٩، و\"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٤٤٤ (رفق).\n(٣) لعله المبرد.\n(٤) في (ج): (فأما قوله فإن العباس).\n(٥) انظر: \"معاني الزجاج\" ٢/ ١٥٣، و\"بحر العلوم\" ١/ ٤١٨، والبغوي في \"تفسيره\" ٣/ ٢١، وابن كثير في \"تفسيره\" ٢/ ٢٧، و\"الدر المصون\" ٤/ ٢٠٨.\n(٦) انظر: \"الأم\" ١/ ٢٥، والطبري ٦/ ١٢٣، و\"معاني الزجاج\" ٢/ ١٥٣، و\"بحر العلوم\" ١/ ٤١٨، والبغوي في \"تفسيره\" ٣/ ٢١، و\"زاد المسير\" ٢/ ٣٠٠، =","vol":"7","page":279},{"text":"وقال المبرد: وهو قول الزجاج: اليد من أطراف الأصابع إلى الكتف، والرجل من الأصابع إلى أصل الفخذين، فلما كانت المرافق والكعبان داخلة في تحديد اليد والرجل كانت داخلة فيما يغسل وخارجة مما لا يغسل، ولو كان: مع المرافق، لم يكن في ذكر المرافق فائدة، وكانت اليد كلها يجب أن تغسل، ولكن لما قيل: ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ اقتطعت في الغسل من حد المرفق (١).\nقال الزجاج: والمرفق في الحقيقة في اللغة ما جاوز الإبرة (٢). وهو المكان الذي يرتفق به، أي يتكَّأ عليه، فالمرافق هي في الحقيقة حد ما ينتهي إليه في الغسل، وليس يحتاج إلى تأويل (مع). انتهى كلامه (٣).\nوقد حصل من قوليهما أن الحد إذا كان من جنس المحدود كان داخلًا في جملة المحدود، وهو قولهما: لما كانت المرافق والكعبان داخلة في تحديد اليد والرجل كانت داخلة فيما يغسل، ومثل هذا قولك: بعتك الثوب من هذا الطرف إلى ذاك الطرف، دخل الطرفان في البيع إذا كان من جنس المبيع.\nوحصل من قول الزجاج: أن المِرفق ما جاوز الإبرة، وأنه حد ما ينتهي إليه الغسل. وما جاوز الإبرة لا يجب غسله بالإجماع.\n_________\n= و\"المغني\" لابن قدامة ١/ ١٧٢، والقرطبي في \"تفسيره\" ٦/ ٨٦، وابن كثير في \"تفسيره\" ٢/ ٢٧.\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١٥٣.\n(٢) الإبرة بالكسر: عظم وترة العرقب، وطرف الذراع من اليد، وما انحدّ من عرقوب الفرس. \"مختار القاموس\" ص ١١.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١٥٣.","vol":"7","page":280},{"text":"وقوله تعالي: ﴿وَامْسَحُوا (١) بِرُءُوسِكُمْ﴾.\nالمسح مسحك شيئًا بيدك كمسحك الرشح عن جبينك، وكمسحك رأسك في وضوئك. قاله الليث (٢).\nوالظاهر (٣) من مقتضى الآية أن التعميم لا يجب في مسح الرأس، وأنه غير محدود أيضًا، وهو مذهب الشافعي ﵁؛ لأنه إذا مسح البعض وإن قل، فقد حصل من طريق اللسان ماسحًا (٤)، ولا يلتفت إلى قول من قال: إن الباء توجب التعميم؛ لأن ذلك لا يعرفه أهل النحو، بل الباء للإلصاق، كما بينا في أول الكتاب عند قوله: ﴿بِسْمِ اللهِ﴾.\nوقوله تعالى: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾.\nفي الأرجل قراءتان: النصب والخفض (٥).\nأما النصب فهو ظاهر؛ لأنه عطف على المغسول، لوجوب غسل الرجلين بإجماع، لا يقدح فيه قول من خالف.\nوأما الكسر فقد اختلفوا في وجهه: فقال أبو حاتم وابن الأنباري\n_________\n(١) في (ش): (فامسحوا).\n(٢) \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٣٨٨، وانظر: \"اللسان\" ٧/ ٤١٩٦ (مسح).\n(٣) في (ش): (فالظاهر).\n(٤) انظر: \"الأم\" ١/ ٢٥، والبغوي في \"تفسيره\" ٣/ ٢٢، وقد قال بقول الشافعي الحسن والثوري والأوزاعي وأصحاب الرأي وهو رواية عن الإمام أحمد، والرواية الأخرى عن أحمد أنه يجب مسح جميعه، وهو مذهب مالك.\nانظر: الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ١٢٤ - ١٢٥، والبغوي في \"تفسيره\" ٣/ ٢٢، و\"المغني\" ١/ ١٧٥.\n(٥) قراءة النصب لنافع وابن عامر والكسائي ويعقوب وحفص، وقرأ الباقون بالخفض، انظر: \"الحجة\" ٣/ ٢١٤، و\"النشر\" ٢/ ٢٥٤.","vol":"7","page":281},{"text":"وأبو علي: الكسر بالعطف على الممسوح، غير أن المراد بالمسح في الأرجل الغسل (١). روي ذلك عن أبي زيد أنه قال: المسح خفيف الغسل. قالوا: تمسّحت للصلاة، وهات ما أتمسّح به للصلاة في معنى: أتوضأ (٢).\nقال أبو حاتم: وذلك أن المتوضئ لا يرضى بصبّ الماء على أعضائه حتى يمسحها مع الغسل، فسمي الغسل مسحًا (٣).\nفعلى هذا الرأس والرجل ممسوحان؛ لأن المسح في أحدهما وهو الرأس، دون المسح في الرجل.\nوالذي يدل على أن المراد بالمسح في الرجل الغسل: ذكر التحديد وهو قوله تعالى: ﴿إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ والتحديد إنما جاء في المغسول، ولم يجيء في الممسوح، فلما وقع التحديد مع المسح علم أنه في حكم الغسل لموافقته الغسل في التحديد. ذكره الزجاج (٤) وابن الأنباري (٥) (وأبو (٦) علي) (٧).\nفإن قيل: إن كان المراد بالمسح الغَسل فهلا عطفت على المغسول فيكون أظهر في إيجاب الغسل؟\n_________\n(١) انظر: \"الحجة\" ٣/ ٢١٥، و\"معانى القراءات\" ١/ ٣٢٧.\n(٢) من \"الحجة\" ٣/ ٢١٥ بتصرف، وانظر: \"معاني القراءات\" ١/ ٣٢٧، و\"زاد المسير\" ٢/ ٣٠١.\n(٣) لم أقف عليه.\n(٤) في \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١٥٤ بنحوه.\n(٥) لم أقف عليه.\n(٦) ما بين القوسين ساقط من (ج).\n(٧) \"الحجة\" ٣/ ٢١٥.","vol":"7","page":282},{"text":"قيل: إن من قرأ بالكسر وجد في الكلام عاملين، أحدهما: الغسل والآخر الباء الجارة، ووجد العاملين إذا اجتمعا في التنزيل أن يحمل على الأقرب منهما دون الأبعد، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا﴾ [الجن: ٧]، ونحو قوله تعالى: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ [النساء: ١٧٦]، (١)، ونحو قوله تعالى: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾ [الحاقة: ١٩]، وقوله تعالى: ﴿آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾ [الكهف: ٩٦]، فلما رأى العاملين إذا اجتمعا حُمِل الكلام على أقربهما إلى المعمول حمل في هذه الآية أيضًا على أقربهما وهو الباء، ولم يُخَف الالتباس لشيوع الغسل في الآثار، وقيام الدلالة على أن المراد بالمسح في الرجل الغسل (٢). وهو ما قدمنا ذكره.\nوقال الجماعة من أهل المعاني: إن الأرجل معطوفة على الرؤوس في الظاهر، والمراد فيها الغسل، وقد ينسق بالشيء على غيره والحكم فيهما مختلف، كما قال الشاعر:\nيا ليتَ بَعلَك قد غَدا ... مُتَقَلِّدًا سيفًا ورُمحًا (٣)\nالمعنى: وحاملًا رمحًا، وكذلك قول الآخر:\n_________\n(١) لعل الشاهد في الآية الأولى أن يكون التقدير: وأنهم ظنوا أن لن يبعث الله أحدًا كما ظننتم أن لن يبعث الله أحدًا وفي الآية الثانية: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾، وهكذا في بقية الآيات.\n(٢) \"الحجة\" ٣/ ٢١٤، ٢١٥.\n(٣) البيت لعبد الله بن الزبعري كما في \"الكامل\" ١/ ٣٣٤، وبلا نسبة في \"معاني الفراء\" ١/ ١٢١، و\"معاني الأخفش\" ٢/ ٤٦٦، و\"معاني الزجاج\" ٢/ ١٥٤.","vol":"7","page":283},{"text":"علّفتُها تِبنًا وماءً باردًا (١)\nالمعنى: وسقيتُها ماءً باردًا. ذكره الزجاج (٢).\nقال أبو بكر: وكما قالوا: أكلت خبزًا وماء، وهم يريدون: وشربت ماء، فحذفوا شربت، كذلك المعنى في الآية: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ واغسلوا ﴿أَرْجُلَكُمْ﴾، فلما لم يذكر الغسل عطفت الأرجل على الرؤوس في الظاهر، واكتفى بقيام الدليل أن الأرجل تغسل من الآية والخبر (٣).\nوهذا الذي ذكرنا مذهب أبي عبيدة (٤) والأخفش (٥) في هذه الآية.\nوقوله تعالى: ﴿إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ قد مضى الكلام في كيفية التحديد.\nوأما تفسير الكعبين فقال الليث: كعب الإنسان ما أشرف فوق رُسْغِه عند قدمه (٦).\nوقال أبو عبيد عن الأصمعي: الكعبان الناشزان من جانبي القدم. وأنكر قول الناس أنه في ظهر القدم (٧).\n_________\n(١) عجز هذا البيت:\nحتى شتت همالة عيناها\nوفي رواية: غدت همالة، ومعنى شتت: أي أقامت في الشتاء والمراد: صارت. والبيت من شواهد \"تأويل مشكل القرآن\" ص ٢١٣، و\"الخصائص\" ٢/ ٤٣١، و\"الإنصاف\" ص ٤٨٨، و\"شذور الذهب\" ص ٢٤٠.\n(٢) في \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١٥٤، وانظر: \"معاني الأخفش\" ٢/ ٤٦٦، و\"تأويل مشكل القرآن\" ص ٢١٣، و\"زاد المسير\" ٢/ ٣٠١.\n(٣) لم أقف على قول ابن الأنباري.\n(٤) انظر: \"مجاز القرآن\" ١/ ١٥٥.\n(٥) انظر: \"معاني القرآن\" ٢/ ٤٦٥، ٤٦٦.\n(٦) \"العين\" ١/ ٢٠٧، و\"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣١٥٢ (كعب)\n(٧) \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣١٥٢ (كعب).","vol":"7","page":284},{"text":"وروى الأزهري أن واحدًا (١) سأل أحمد بن يحيى عن الكتب، فأومأ إلى المَنْجَمَين (٢). وقال: هذا قول أبي عمرو بن العلاء والأصمعي (٣).\nولا يعرج على قول من يقول: إن الكتب في ظهر القدم، فإنه خارج من اللغة والأخبار وإجماع الناس (٤).\nوقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾.\nقال الزجاج: معناه فتطهروا، إلا أن التاء تدغم في الطاء؛ لأنهما من مكان واحد، فإذا أدغمت التاء في الطاء (سكن (٥» أول الكلمة، فتزيد فيها ألف الوصل فابتدأت فقلت: اطهروا (٦).\nقال مقاتل: يقول: فاغتسلوا (٧).\nومضى الكلام في هذا الحرف عند قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] في الآية مشروح في سورة النساء إلى قوله تعالى:\n_________\n(١) في \"تهذيب اللغة\" أنه: ابن جابر.\n(٢) في \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣١٥٢ (كعب): فأومأ ثعلب إلى رجله إلى المفصل منها بسبابته فوضع السبابة عليه ... قال: ثم أومأ إلى المنجمين.\nقال ابن منظور: والمَنْجِمَان والمِنْجَمَان: عظمان شاخصان في بواطن الكعبين يقبل أحدهما على الآخر إذا صفت القدمان. ومنجما الرجَّل: كعباها. \"اللسان\" ٧/ ٤٣٥٨ (نجم)، وانظر: الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ١٣٦.\n(٣) \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٥٢٥ (نجم).\n(٤) أخرج الطبري في \"تفسيره\" عن الإِمام مالك -﵀- أنه قال: (الكعب) الذي يجب الوضوء إليه هو الكعب الملتصق بالساق المحاذي العقب، وليس بالظاهر في ظهر القدم. \"جامع البيان\" ٦/ ١٣٦.\n(٥) في \"معاني الزجاج\" ٢/ ١٥٥: سقط.\n(٦) انتهى من \"معاني الزجاج\" ٢/ ١٥٥، وانظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٣٠٤.\n(٧) \"تفسيره\" ١/ ٤٥٥.","vol":"7","page":285},{"text":"﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ (١).\nومعنى (منه) ههنا استعمال بعض تراب الصعيد في التيمم، خلافًا لمن جوز في التيمم ضرب اليد على موضع لا يعلق بيده منه غبار؛ لأنه إذا فعل ذلك لم يمسح بوجهه من الصعيد، وإنما مسح بوجهه كفًّا فارغة من الصعيد وترابه، وذلك عبث (٢).\nوقوله تعالى: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾.\nيعني: من ضيق في الدين (٣)، ولكن جعله واسعًا حين رخص في التيمم.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾.\nقال الزجاج: دخلت اللام لتبيين الإرادة، المعنى: إرادته (لتطهيركم (٤» (٥).\nقال المفسرون: يريد ليطهركم من الأحداث والجنابات والذنوب والخطيئات؛ لأن الوضوء يكفر الذنوب (٦).\n_________\n(١) الظاهر أنه عند تفسير الآية (٤٣) من سورة النساء، وهو ضمن القسم المفقود.\n(٢) هذا على القول بأن الصعيد لا يقع إلا على التراب ذي غبار، وهو قول الشافعي وأحمد، وقال أبو حنيفة ومالك يجوز بكل ما كان من جنس الأرض.\nانظر: \"الأم\" ١/ ٥٠، والطبري في \"تفسيره\" ٥/ ١٠٨ - ١٠٩، و\"المغني\" ١/ ٣٢٤، والقرطبي في \"تفسيره\" ٥/ ٢٣٦، و\"زاد المسير\" ٢/ ٩٤.\n(٣) انظر: \"تفسير مجاهد\" ١/ ١٨٧، و\"معاني النحاس\" ٢/ ٢٧٦، والبغوي في \"تفسيره\" ٣/ ٢٥.\n(٤) في \"معاني الزجاج\": ليطهركم.\n(٥) \"معاني الزجاج\" ٢/ ١٥٥، وانظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٣٠٤.\n(٦) انظر البغوي في \"تفسيره\" ٣/ ٢٥، و\"زاد المسير\" ٢/ ٣٠٤","vol":"7","page":286},{"text":"روى أبو أمامة أن النبي - ﷺ - قال: \"الطهور يكفر ما قبله ويصير الصلاة نافلة\" (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾. أي تبيان الشرائع (٢).\nوقال القرظي: أي: بغفران الذنوب، بيانه قوله تعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾ [الفتح: ٢] فلم يتم عليه النعمة حتى غفر له (٣).\nوفسر النبي - ﷺ - تمام النعمة بدخول الجنة والنجاة من النار (٤).\nوقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: ٦].\nقال عطاء: يريد لكي تشكروا نعمتي، وتطيعوا أمري (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-858>٧ </span>- قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾.\nقال مجاهد: نعمة الله: النعم (٦).\n_________\n(١) أخرجه أحمد في \"مسنده\" ٥/ ٢٥١، ٢٦١ بلفظ: الوضوء يكفر .. الحديث، وحسنه الألباني. انظر: \"صحيح الجامع\" (٧١٥٦).\n(٢) انظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٣٠٦.\n(٣) أخرجه بمعناه ابن المبارك في الزهد وابن المنذر والبيهقي في \"شعب الإيمان\". انظر البغوي في \"تفسيره\" ٣/ ٢٥، و\"زاد المسير\" ٢/ ٣٠٥، و\"الدر المنثور\" ٢/ ٤٦٨.\n(٤) أخرج الترمذي عن معاذ بن جبل قال: سمع النبي - ﷺ - رجلًا يدعو يقول: اللهم إني أسألك تمام النعمة. فقال: \"أي شيء تمام النعمة؟ \" قال: دعوة دعوت بها أرجو بها الخير. قال: \"فإن من تمام النعمة دخول الجنة، والفوز من النار\" الحديث.\nأخرجه الترمذي (٣٥٢٧) كتاب الدعوات، باب (٩٩): ٥/ ٥٤١، وقال: هذا حديث حسن. وانظر: \"الدر المنثور\" ٢/ ٤٦٨.\n(٥) لم أقف عليه.\n(٦) \"تفسير مجاهد\" ١/ ١٨٧، وانظر: \"الدر المنثور\" ٤٦٩.","vol":"7","page":287},{"text":"قال أهل المعاني: إنما لم تجمع للإشعار بعظمها من غير جهة تضاعفها (١). ولأن جملة النعم نعمة على طريقة الجنس، كما أن جملة الماء ماء، وجملة المنافع منفعة.\nوقال مقاتل: يعني: بالإسلام (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ﴾.\nمعنى المواثقة: المعاهدة التي قد أحكمت بالعقد على ثقة (٣).\nواختلفوا في هذا الميثاق، فقال ابن عباس: هو الميثاق الذي أخذ على بني إسرائيل حين قالوا: آمنا بالنبي، وأقررنا بما في التوراة، فذكّرهم الله ميثاقه الذي أقروا به على أنفسهم، وأمرهم بالوفاء (٤).\nفعنده الآية خطاب لليهود.\nوقال مجاهد والكلبي ومقاتل: هو ما أخذ عليهم حين أخرجهم من ظهر آدم، وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم؟ قالوا: بلى (٥).\nفإن قيل على هذا: إن بني آدم لا يذكرون ذلك الميثاق، فكيف (أُمِروا (٦» بحفظه؟\nقيل: إن الله تعالى إذ (٧) أخبر أنه أخذ ذلك الميثاق علينا لم يبق لنا شك في أنه كان كذلك، وليس التذكر شرطًا في خبر الصادق، فجاز أن\n_________\n(١) انظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٣٠٦.\n(٢) \"تفسيره\" ١/ ٤٥٦.\n(٣) انظر: \"اللسان\" ٨/ ٤٧٦٤ (وثق).\n(٤) \"تفسير ابن عباس\" ص ١٧٣، وأخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ١٤٠.\n(٥) \"تفسير مجاهد\" ١/ ١٨٧، وانظر: \"تفسير مقاتل\" ١/ ٤٥٦، والبغوي في \"تفسيره\" ٣/ ٢٦، و\"زاد المسير\" ٢/ ٣٠٦.\n(٦) ساقط من (ش).\n(٧) في (ش): (إذا) بالمد.","vol":"7","page":288},{"text":"يكلفنا الوفاء به بعد إنتفاء الشك بإخبار الصادق عنه، كما لو انتفى الشك بالتذكر، وغير بعيد أن يذكرنا الله ذلك الميثاق يوم القيامة.\nوقال جماعة من المفسرين: يعني بالميثاق: حين بايعوا رسول الله - ﷺ - على السمع والطاعة في كل أمر ونهي، في اليسر والعسر، والرضا والكره، والأيمان التي أخذت عليهم يوم بيعة العقبة، ويوم بيعة الرضوان (١).\nقال السدي: هذا ميثاق قبول التوحيد والإقرار بالطاعة والاستسلام لأمره، أخذ الله ميثاقنا فقلنا: سمعنا وأطعنا على الإيمان بالله، والإقرار به وبرسله، فكل مؤمن أقر بالله ورسله، فهو داخل في هذا الميثاق، وهذا كان ميثاق الذين بايعوا محمدًا على السمع والطاعة، فيما أحبوا وكرهوا (٢).\nوهذا قول ابن عباس في رواية عطاء (٣).\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [المائدة: ٧].\nقال ابن عباس: بخفيات القلوب، والضمير، والنيات (٤).\nوقال الكلبي: بما في القلوب من النقض والوفاء (٥).\nوذكرنا الكلام في معنى (ذات الصدور) في موضعين من سورة آل عمران.\n_________\n(١) انظر: \"معاني النحاس\" ٢/ ٢٧٧، والبغوي في \"تفسيره\" ٣/ ٢٦، و\"زاد المسير\" ٢/ ٣٠٦.\n(٢) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ١٤٠ بمعناه.\n(٣) لم أقف عليه.\n(٤) لم أقف عليه.\n(٥) \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ١٠٨","vol":"7","page":289},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-859>٨ </span>- قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ﴾.\nقال عطاء عن ابن عباس: يريد يقومون لله بحقه (١)، هذا كلامه.\nومعنى القيام لله: هو أن يقوم له (٢) بالحق في كل ما يلزمه القيام به من الأمر بالمعروف والعمل به، والنهي عن المنكر وتجنبه (٣).\nواللام في (لله) أجل.\nوقوله تعالى: ﴿شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ﴾. قال عطاء: يريد يشهدون بالعدل، يقول: لا تُحابِ في شهادتك أهل ودك وقرابتك، ولا تمنع شهادتك أهل بغضك وأعدائك (٤).\nوقال الزجاج: أي: تبيّنون عن دين الله، لأن الشاهد يبين ما يشهد عليه (٥).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا﴾.\nأي: لا يحملنكم بغض قوم على ترك العدل (٦)، وأراد: أن لا تعدلوا فيهم، فحذف للعلم.\nوقال الزجاج: لا يحملنكم بغض المشركين على ترك العدل (٧).\nفإن قيل: ما وجه ظلم المشركين وقد أمر بقتلهم وسبي أولادهم وأخذ أموالهم؟\n_________\n(١) لم أقف عليه.\n(٢) في (ج): (لله).\n(٣) انظر: \"بحر العلوم\" ١/ ٤٢٠.\n(٤) لم أقف عليه.\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١٥٦.\n(٦) انظر: الطبرى في \"تفسيره\" ٦/ ١٤١، و\"معاني الزجاج\" ٢/ ١٥٦.\n(٧) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١٥٦.","vol":"7","page":290},{"text":"قيل: إنه قد يمكن أن يظلموا بضروب كثيرة، منها: المُثلة، وقتل الأولاد صبرًا لاغتمام الآباء، وترك قبول الإسلام منهم، ونحو ذلك مما هو محرم في الدين (١). وقد ذكرنا ما في هذا في أول السورة.\nوقوله تعالى: ﴿اعْدِلُوا﴾ أي: في الولي والعدو (٢).\n﴿هُوَ أَقْرَبُ﴾ أي العدل، ودل عليه الفعل كقولهم: من كذب كان شرًا، أي كان الكذب شرًا.\nومعنى ﴿أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ أي: أقرب إلى أن تكونوا متقين باجتناب جميع السيئات، وأقرب لاتقاء النار (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-860>٩ </span>- قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾.\nموضع (لهم) يجوز أن يكون نصبًا لوقوعه مع المغفرة موقع المفعول الثاني للوعد، كما قال:\nوَجَدنا الصَّالِحِين لهم جزاءٌ ... وجناتٍ وعينًا سلسبيلا (٤)\nفوقع: لهم جزاء موقع المفعول الثاني، ولذلك عطف عليه بالنصب.\nويجوز أن يكون الموعود به محذوفًا على تقدير: وعدهم الحسنى، ثم استأنف (لهم)، فيكون موضعه رفعًا بالاستئناف، وهو مع ذلك قال على\n_________\n(١) انظر: \"بحر العلوم\" ١/ ٤٢٠، و\"الكشاف\" للزمخشري ١/ ٣٢٦.\n(٢) انظر: الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ١٤٢، و\"زاد المسير\" ٢/ ٣٠٧.\n(٣) انظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٣٠٧.\n(٤) البيت لعبد العزيز بن زرارة الكلابى كما في \"الكتاب\" ١/ ٢٨٨، وهو من \"شواهد المقتضب\" ٣/ ٢٨٤.\nومعنى سلسبيلا: قال الراغب: أي سهلًا لذيذًا سلسًا، وقيل: هو اسم عين في الجنة. وذكر بعضهم أن ذلك مركب من قولهم: سل سبيلا، نحو الحوقلة والبسملة ونحوهما. \"المفردات\" / ٢٣٧ (سل).","vol":"7","page":291},{"text":"المحذوف ومفسر له (١).\n\nوقد ذكرنا قولين آخرين في هذه الآية عند قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ﴾ [النساء:<span data-type=\"title\" id=toc-862> ١١]</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-861>١٠ </span>- قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾\nقال عطاء: يريد بني النضير (٢) خاصة (٣).\nوقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [المائدة: ١٠].\nهذا اللفظ ينبئ عن التخليد فيها؛ لأن المصاحبة تقتضي الملازمة، كما يقال: أصحاب الصحراء، أي اللازمون لها.\n\n١١ - قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ الآية. قال ابن عباس والكلبي ومقاتل وغيرهم: كان النبي - ﷺ - قد بعث سرية إلى بني عامر فقُتِلوا ببئر معونة (٤) إلا ثلاثة نفر، أحدهم عمرو بن أمية الضَّمْري (٥)، ثم انصرف هو وآخر معه إلى النبي - ﷺ - ليخبروه خبر القوم، فلقيا رجلين من بني سليم معهما أمان من النبي - ﷺ - فقتلاهما، ولم يعلما أن\n_________\n(١) انظر: \"معاني القرآن\" للأخفش ٢/ ٤٦٦، و\"معاني الزجاج\" ٢/ ١٥٦، و\"مشكل إعراب القرآن\" ١/ ٢٢١.\n(٢) طائفة من اليهود كانت بالمدينة.\n(٣) لم أقف عليه.\n(٤) بئر معونة: اسم لموضع في أرض بني سليم بين مكة والمدينة. وأطلق هذا الاسم على وقعة بين المسلمين والمشركين، وقد أشار المؤلف إليها بهذا الأثر.\n(٥) هو أبو أمية عمرو بن أمية بن خويلد بن عبد الله الضمري، صحابي مشهور له أحاديث، وكان شجاعًا، وأول مشاهده بئر معونة، وكان من أهل النجدة، مات ﵁ قبل الستين.\nانظر: \"الاستيعاب\" ٣/ ٢٤٨، و\"أسد الغابة\" ٤/ ١٩٣، و\"الإصابة\" ٢/ ٥٢٤.","vol":"7","page":292},{"text":"معهما أمانًا، فجاء قومهما يطلبون الدية، فخرج النبي - ﷺ - ومعه أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وغيرهم حتى دخلوا على بني النضير، وكانوا قد عاهدوا النبي - ﷺ - على ترك القتال وعلى أن يعينوه في الديات، فقال النبي - ﷺ -: \"رجل من أصحابي أصاب رجلين معهما أمان مني، فلزمني ديتهما، فأريد أن تعينوني\"، فقالوا: نعم، اجلس حتى نطعمك ونعطيك الذي تسألنا. وهموا باغتيالهم والفتك بهم، فآذن (١) الله به رسوله حتى فاتُوا بأنفسهم، فخرجوا من المكان الذي كانوا فيه، فأعلمتهم اليهود أن قدورهم تغلي، فأعلمهم - ﷺ - أنه قد نزل عليه الوحي بما عزموا عليه (٢).\nقال عطاء: توامروا أن يطرحوا عليهم رحًا أو حجرًا (٣).\nوقال بعض أهل العلم: بل ألقوا فأخذه جبريل (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-863>١٢ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾\nقال ابن عباس: ثم أخبر الله عن نقض إسرائيل عهد الله كما نقضت هذه الطبقة فقال: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ (٥).\n_________\n(١) فآذن: أي فأعلم.\n(٢) أخرجه عن ابن عباس بنحوه من طريق الضحاك أبو نعيم في \"الدلائل\"، كما أخرجه من طريق الكلبي عن أبي صالح عنه، انظر: \"الدر المنثور\" ٢/ ٤٧٠، وذكره المؤلف عن الكلبي في \"أسباب النزول\" ص ١٩٦. وأخرج الأثر بمعناه عن قتادة ومجاهد ويزيد بن أبي زياد وعكرمة: الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ١٤٤ - ١٤٥. وانظر: \"تفسير مقاتل\" ١/ ٤٥٨ - ٤٦٠، و\"بحر العلوم\" ١/ ٤٢١، والبغوي في \"تفسيره\" ٣/ ٢٨، و\"زاد المسير\" ٢/ ٣٠٩، وابن كثير في \"تفسيره\" ٢/ ٣٦.\n(٣) انظر البغوي في \"تفسيره\" ٣/ ٢٨.\n(٤) في جميع الروايات أن جبريل ﵇ أعلمه بما عزموا عليه، وليس فيها أنه أخذ الحجر.\n(٥) لم أقف عليه.","vol":"7","page":293},{"text":"قال الكلبي ومقاتل: أخذ الله ميثاقهم على أن يعملوا بما في التوراة (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾.\nاختلفت عبارات المفسرين في تفسير النقيب: فقال ابن عباس والحسن: الضمين (٢).\nوقال قتادة: الشهيد على قومه (٣).\nوقال الكلبي: ﴿اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾ يعني ملكًا (٤).\nوقال مقاتل: يعني شاهدًا على قومهم (٥).\nوقال أبو عبيدة: النقيب: الأمين الكفيل (٦).\nوقال الأخفش: النقباء: الكفلاء على قومهم (٧).\nوقال المؤرج: النقباء: الأمناء (٨).\n_________\n(١) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١/ ٤٦١، و\"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ١٠٩.\n(٢) لم أقف عليه عن ابن عباس، وقد نسبه ابن الجوزي للحسن، وقال: ومعناه: أنه ضمين ليعرف أحوال من تحت يده. \"زاد المسير\" ٢/ ٣١٠، ونحو هذا \"تفسير أبي عبيدة\" النقيب بالضامن. انظر: \"مجاز القرآن\" ١/ ١٥٦ن والطبري في \"تفسيره\" ٦/ ١٤٨. هذا، وقد أخرج الطستي ضمن \"مسائل ابن الأزرق\" أن ابن عباس فسر النقيب بالوزير، انظر: \"الدر المنثور\" ٢/ ٤٧٢.\n(٣) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ١٤٨ بلفظ: من كل سبطٍ رجل شاهد على قومه. وانظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٣١٠.\n(٤) \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ١٠٩.\n(٥) \"تفسيره\" ١/ ٤٦٠، وانظر: \"بحر العلوم\" ١/ ٤٢١.\n(٦) \"مجاز القرآن\" ١/ ١٥٦، وعبارته: أي ضمانًا ينقب عليهم، وهو الأمين والكفيل على القوم.\n(٧) ليس في \"معاني القرآن\".\n(٨) لم أقف عليه.","vol":"7","page":294},{"text":"وقال أبو إسحاق: النقيب في اللغة كالأمين (١) والكفيل (٢). ثم بين حقيقة الباب واشتقاقه فقال: يقال: نقب الرجل على القوم ينقُبُ نقابة فهو نقيب، إذا صار نقيبًا عليهم، وما كان الرجل نقيبًا، ولقد نقُبَ، وفي فلان مناقب جميلة، أي أخلاق، وهو حسن النقيبة، أي جميل الخليقة (٣)، وإنما قيل للنقيب: نقيب؛ لأنه يعلم دخيلة أمر القوم، ويعلم مناقبهم وهو الطريق إلى معرفة أمورهم.\nوهذا الباب كله أصله التأثير الذي له عمق ودخول، فمن ذلك: نقبت الحائط، أي بلغت في النقب آخره، ومن ذلك: النقبة من الجَرب؛ لأنه داء شديد الدخول، وذلك أنه يطلى البعير بالهناء فيوجد طعم القطران في لحمه، والنُّقْبة السراويل بغير رجلين، لما قد بولغ في فتحها ونقبها، ويقال: كلب نقِيب، وهو أن تنقب حنجرته لئلا يرتفع صوت نباحه، وإنما يفعل ذلك البخلاء من العرب لئلا يطرقهم ضيف (٤). هذا بيان الزجاج.\nواختلفوا في معنى بعث النقباء: فقال الحسن: أخذ من كل سبط منهم نقيب ضامن بما عقد عليهم بالميثاق في أمور دينهم (٥).\nونحو هذا قال ابن عباس في رواية عطاء، فقال في قوله: ﴿وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾: يريد ضامنين عن قومهم لله الميثاق وأن يؤمنوا بمحمد (٦) - ﷺ - ويصدقوه وينصروه (٧).\n_________\n(١) في \"معاني الزجاج\": كالأمير.\n(٢) \"معاني الزجاج\" ٢/ ١٥٧.\n(٣) في \"معاني الزجاج\" ٢/ ١٥٨: حسن الخليقة.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١٥٧ - ١٥٩ بتصرف.\n(٥) انظر: \"تفسير الهواري\" ١/ ٤٥٦، و\"زاد المسير\" ٢/ ٣١٠.\n(٦) في (ش): (لمحمد).\n(٧) لم أقف عليه.","vol":"7","page":295},{"text":"ومعنى البعث في هذا القول إقامتهم بذلك الأمر كبعث الرسل، فقوله تعالى: ﴿وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾ كقوله لو قال: بعثنا منهم اثنى عشر نبيا.\nوقال مجاهد والكلبي والسدي: إن النقباء بعثوا إلى مدينة الجبارين الذين أمر موسى بالقتال معهم؛ ليقفوا على أحوالهم ويرجعوا بذلك إلى نبيهم موسى ﵇، فرجعوا ينهون قومهم عن قتالهم، وكانوا قد تواثقوا فيما بينهم أن لا يفعلوا، فنكثوا العهد، وجعل كل واحد منهم ينهى سِبطه عن قتالهم إلا رجلين منهم: كالِب، ويوشَع، وهما اللذان قال الله تعالى: (فيهما) (١): ﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ﴾ الآية [المائدة: ٢٣] (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ﴾.\nأي: قال الله لهم، فحذف ذلك لاتصال الكلام بذكرهم.\nواختلفوا في المعنيّ بهذا القول، فقال الربيع: ﴿وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ﴾ أي: للنقباء (٣).\nوعلى هذا دل كلام ابن عباس، فقال في قوله: ﴿إِنِّي مَعَكُمْ﴾ أي مع النقباء، ومن أوفى بميثاق الله وعهده (٤).\n_________\n(١) ساقط من (ج).\n(٢) انظر: \"تفسير مجاهد\" ١/ ١٨٨، ١٨٩، والطبري في \"تفسيره\" ٦/ ١٤٩ - ١٥٠، و\"تفسير الهواري\" ١/ ٤٥٦، و\"بحر العلوم\" ١/ ٤٢٢، والبغوي في \"تفسيره\" ٢/ ٢٨ - ٣٠.\n(٣) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ١٥٠ مطولًا، وانظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٣١٢، و\"الدر المنثور\" ٢/ ٤٧٣.\n(٤) لم أقف عليه.","vol":"7","page":296},{"text":"وقال غيرهما: ﴿وَقَالَ اللَّهُ﴾ لبني إسرائيل ﴿إِنِّي مَعَكُمْ﴾ (١).\nومعنى ﴿إِنِّي مَعَكُمْ﴾ أي: بالعون والنصر والدفع عنكم. قال الكلبي (٢).\nوقوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ﴾.\nذكر أبو علي الجرجاني في تقدير الآية ثلاثة أوجه:\nأحدها: أن يكون قوله: ﴿إِنِّي مَعَكُمْ﴾ جزاء مقدمًا على شرط، والشرط قوله: ﴿لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ﴾ وما انعطف عليه، وما انعطف عليه، ويكون قوله: ﴿لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ جوابا لقوله: ﴿لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ﴾ (٣)، وكأنه ابتدأ شرطًا آخر بقوله: ﴿لَئِنْ أَقَمْتُمُ﴾ وجعل جوابه ﴿لَأُكَفِّرَنَّ﴾، فيحصل من هذا أن يكون قوله: ﴿لَئِنْ أَقَمْتُمُ﴾ جزاءً لقوله: ﴿إِنِّي مَعَكُمْ﴾ ويكون مبتدأ وشرطًا لقوله: ﴿لَأُكَفِّرَنَّ﴾. فمرة من وجه يكون جزاء، ومرة من وجه آخر يكون مبتدأ وشرطًا، وصار قوله: ﴿لَئِنْ أَقَمْتُمُ﴾ مرة جزاء للشرط الأول، (ومرة شرطًا للجزاء الآخر) (٤)، (فاشترك) (٥) فيه الجزاء والشرط.\n_________\n(١) انظر: الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ١٥٠، و\"بحر العلوم\" ١/ ٤٢٢، و\"زاد المسير\" ٢/ ٣١٢، وقد نسبه ابن الجوزي للجمهور.\n(٢) انظر: \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ١٠٩.\nوهذا القول لجمهور المفسرين. انظر: الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ١٥٠، و\"بحر العلوم\" ١/ ٤٢٢، والبغوي في \"تفسيره\" ٣/ ٣١، و\"زاد المسير\" ٢/ ٣١٢.\n(٣) انظر: \"الكشاف\" ١/ ٣٢٨، و\"البحر المحيط\" ٣/ ٤٤٥، و\"الدر المصون\" ٤/ ٢٢٠.\n(٤) في (ج): (ومرة جزاء للشرط الآخر).\n(٥) في (ج): (فاشترط).","vol":"7","page":297},{"text":"والوجه الآخر: أن تجعل قوله: ﴿إِنِّي مَعَكُمْ﴾ جزاء تقدم شرطًا، ثم جاء الشرط بعده وهو قوله: ﴿لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ﴾ إلى ما اتصل به، ثم تضمر شرطًا لقوله: ﴿لَأُكَفِّرَنَّ﴾ على تقدير: إن فعلتم ذلك لأكفرن، كما قال في سورة الصف ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ﴾ [الصف: ١٠] ثم بين تلك التجارة ما هي فقال: ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ إلى آخر الآية، ثم ابتدأ شرطًا آخر مضمرا وأظهر جزاءه، فدل الجزاء الظاهر على الشرط المضمر (١)، وهو قوله: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ على تأويل: إن تفعلوا ذلك يغفر لكم، وهذا كقوله ﷿: ﴿كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ﴾ [محمد: ١٥] وهذه الكاف تدل على مبتدأ قبله ولم يجر له ذكر، وإنما جرى ذكر الجنة وصفتها، وكأنه قيل: أفمن هو في هذه الجنة كمن هو خالد في النار، فدل الجواب على الإبتداء.\nالوجه الثالث: أن الكلام قد تم عند قوله: ﴿إِنِّي مَعَكُمْ﴾ ثم ابتدأ فصلًا آخر بقوله: ﴿لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ﴾ فجعله شرطًا، ثم أتى بجزائه في قوله: ﴿لَأُكَفِّرَنَّ﴾ فيكون هذا الشرط والجزاء بما يتضمنان من القصة ترجمة لقوله: ﴿إِنِّي مَعَكُمْ﴾ لأن قوله: ﴿إِنِّي مَعَكُمْ﴾ كلمة جامعة مجملة فصار ما بعده كالتفسير له.\nوقوله تعالى: ﴿وَعَزَّرْتُمُوهُمْ﴾.\nقال أبو إسحاق: العَزْر في اللغة الردّ، وتأويل عزَّرت فلانًا أي أدَّبته، إنما تأويله: فعلت به ما يرده عن القبيح ويردعه، كما أن نكلتُ به: فعلت به ما يجب أن ينكل معه عن المعاودة. فتأويل ﴿وَعَزَّرْتُمُوهُمْ﴾ نصرتموهم بأن تردوا عنهم أعداءهم، ولو كان التعزيز هو التوقير لكان الأجود في اللغة\n_________\n(١) انظر: \"البحر المحيط\" ٣/ ٤٤٥.","vol":"7","page":298},{"text":"الاستغناء عن التوقير في قوله: ﴿وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾ [الفتح: ٩]، والنصرة إذا وجدت فالتعظيم داخل فيها؛ لأن نصرة الأنبياء هي المدافعة عنهم والذب عن دينهم وتعظيمهم (١).\nأبو العباس عن ابن الأعرابي: العزر: النصر بالسيف، والعزر: المنع، وقال أيضًا: التعزير: التوقير، والتعزير: النصر باللسان والسيف (٢).\nوقال عطاء عن ابن عباس: ﴿وَعَزَّرْتُمُوهُمْ﴾ يريد وقّرتموهم (٣).\nوقال السدي: نصرتموهم بالسيف (٤).\nوقال مقاتل والكلبي: أعنتموهم (٥).\nوقوله تعالى: ﴿وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾.\nقال ابن عباس: يريد الصدقات للفقراء والمساكين وابن السبيل (٦).\nوقال مقاتل: ﴿قَرْضًا حَسَنًا﴾ محتسبة، طيبة بها أنفسكم (٧).\nوقال الضحاك: تبتغون به وجه الله (٨).\n_________\n(١) \"معاني الزجاج\" ٢/ ١٥٩، وانظر: \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٤١٩.\nوقول الزجاج: ولو كان التعزير هو التوقير، فيه رد على أبي عبيدة قال: ﴿وَعَزَّرْتُمُوهُمْ﴾: نصرتموهم وأعنتموهم ووقرتموهم \"مجاز القرآن\" ١/ ١٥٦. وقد ذكر الزجاج معنى قوله. وما ذهب إليه الزجاج قد اختاره الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ١٥١.\n(٢) \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٤١٩، وانظر: \"اللسان\" ٥/ ٢٩٢٤ (عزر).\n(٣) لم أقف عليه عن ابن عباس، وقد نسب لعطاء، انظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٣١٢، وقد تقدم استبعاد الزجاج لمثل هذا القول قريبًا. ثم إنه ورد عن ابن عباس أن المراد الإعانة والنصر. انظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٣١٢، و\"الدر المنثور\" ٢/ ٤٧٣.\n(٤) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ١٥١، وانظر: \"بحر العلوم\" ١/ ٤٢٢.\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ١/ ٤٦١، و\"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ١٠٩.\n(٦) لم أقف عليه، وانظر القرطبي في \"تفسيره\" ٦/ ١١٤\n(٧) \"تفسيره\" ١/ ٤٦١.\n(٨) انظر القرطبي في \"تفسيره\" ٦/ ١١٤.","vol":"7","page":299},{"text":"وقال ابن المبارك (١): حلالًا من طيب أموالكم (٢).\nقال الفراء: القرض مصدر، ولو قيل: إقراضًا كان صوابًا، وربما أخرج المصدر على بنية الفعل الأول قبل أن يزاد فيه، وهذا من ذاك؛ لأن أصل الإقراض: قرضت، ومثله قوله تعالى: ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ﴾ [آل عمران: ٣٧] ولم يقل: بتقبل، وقوله: ﴿وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا﴾ [آل عمران: ٣٧] ولم يقل: إنباتا (٣).\nوقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ﴾. أي: بعد العهد والميثاق (٤).\n﴿فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: ١٢].\nأخطأ قصد الطريق، يعني الهدى والدين الذي شرعه لهم (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-864>١٣ </span>- قوله تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ﴾ الآية.\nقد مضى الكلام في مثل هذا في سورة النساء.\nقال قتادة: ونقضهم أنهم كذّبوا الرسل بعد موسى، وقتلوا الأنبياء، ونبذوا كتاب الله، وضيعوا فرائضه (٥).\n_________\n(١) هو أبو عبد الرحمن عبد الله بن المبارك بن واضح الحنظلي المروزي، إمام عالم مجاهد، جواد فقيه، محدث شهير، توفي ﵀ سنة ١٨١ هـ.\nانظر: \" الجرح والتعديل\" ٥/ ١٧٩، و\"تذكرة الحفاظ\" ١/ ٢٧٤، و\"تهذيب الكمال\" ٥/ ١٦ (٣٥٢٠).\n(٢) ذكره المؤلف في \"الوسيط\" ٣/ ٨٣٢ ولم أقف عليه.\n(٣) لم أقف عليه عن الفراء، وانظر: الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ١٥٢، والقرطبي في \"تفسيره\" ٦/ ١١٤.\n(٤) انظر: الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ١٥٣، و\"بحر العلوم\" ١/ ٤٢٢.\n(٥) ذكره عن قتادة: البغوي في \"تفسيره\" ٣/ ٣١، وأورد السيوطي نحوه في \"الدر المنثور\" ٢/ ٤٧٣، وعزاه إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"7","page":300},{"text":"قال أهل المعاني: تقدير الكلام: فنقضوا فلعناهم بنقضهم؛ لأنه لما ذكر أخذ الميثاق عليهم اقتضى ذكر الوفاء به (أو (١» النقض، فلما ذكر أن اللعن سببه النقض دل على وقوعه منهم (٢).\nوقوله تعالى: ﴿لَعَنَّاهُمْ﴾.\nقال ابن عباس: عذبناهم بالجزية (٣).\nوقال مقاتل: عذبناهم بالمسخ (٤) وهو قول الحسن (٥).\nوقال عطاء: أخرجناهم (٦). وهو اختيار الزجاج، قال: باعدناهم من الرحمة (٧).\nوقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً﴾.\nالقسوة: الصلابة، والشدة في كل شيء، يقال: قسا: يقسو (٨) فهو قاس (٩)، يقال: حجر قاس، وأرض قاسية لا تنبت شيئًا (١٠).\n_________\n(١) في (ش): (و).\n(٢) انظر: الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ١٥٤.\n(٣) انظر: \"بحر العلوم\" ١/ ٤٢٢، و\"زاد المسير\" ٢/ ٣١٣، و\"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ١٠٩.\n(٤) \"تفسيره\" ١/ ٤٦١، وانظر: \"بحر العلوم\" ١/ ٤٢٢، والبغوي في \"تفسيره\" ٣/ ٣١، و\"زاد المسير\" ٢/ ٣١٣.\n(٥) انظر: \"تفسير الهواري\" ١/ ٤٥٦، و\"بحر العلوم\" ١/ ٤٢٢، والبغوي في \"تفسيره\" ٣/ ٣١، و\"زاد المسير\" ٢/ ٣١٣.\n(٦) انظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٣١٣.\n(٧) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١٥٩.\n(٨) في (ش)، (ج): (يقسوا).\n(٩) علق هنا في هامش (ج) بـ: (قسوا). والمراد المصدر.\n(١٠) انظر: \"مجاز القرآن\" ١/ ١٥٨، والطبري في \"تفسيره\" ٦/ ١٥٤، و\"معاني الزجاج\" ٢/ ١٦٠، و\"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٩٥٥ (قسو).","vol":"7","page":301},{"text":"وقرأ حمزة والكسائي: (قَسِيَّة) على وزن، فعيلة، وقد يجيء فاعل وفعيل، مثل: شاهد وشهيد، وعالم وعليم، وعارف وعريف (١).\nوقال شَمر: العام القسِيّ الشديد لا مطر فيه (٢).\nوذهب بعضهم: إلى أن هذا من الدراهم القسَيّة وهي الفاسدة الردية (٣).\nقال الأصمعي: درهم قسِيّ، مخفف السين مشدد الياء، على مثال: شقيّ (٤)، وهو في شعر أبي زبيد (٥) يذكر المَساحي:\nلها صواهِلُ في صُمِّ السِّلام كَما ... صاح القَسِيَّاتُ في أيدي الصياريفِ (٦)\n_________\n(١) من \"الحجة\" ٣/ ٢١٦، ٢١٧، وانظر: \"معاني القراءات\" ١/ ٣٢٧، و\"الكشف\" ١/ ٤٧٠.\n(٢) \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٩٥٥، وانظر: \"اللسان\" ٦/ ٣٦٣٣ (قسو).\n(٣) انظر: \"معاني القراءات\" ١/ ٣٢٧، و\"الكشف\" ١/ ٤٠٨، والبغوي في \"تفسيره\" ٣/ ٣١، و\"اللسان\" ٦/ ٣٦٣٣ (قسو).\n(٤) \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٩٥٥، وانظر: \"اللسان\" ٦/ ٣٦٣٣ (قسو).\n(٥) هو المنذر بن حرملة، وقيل حرملة بن المنذر، الطائي، شاعر جاهلي معمر، أدرك الإسلام ولم يسلم، ومات نصرانيًا بعد الستين للهجرة.\nانظر: \"الشعر والشعراء\" ص ١٨٥، و\"طبقات الشعراء\" ص ١٨٥، و\"الأعلام\" ٧/ ٢٩٣.\n(٦) \"الأمالي\" ١/ ٢٨، و\"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٩٥٥ (قسو) واستشهدوا به الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ١٥٥ ونسبه الأزهري في \"معاني القراءات\" ١/ ٣٢٨، إلى الشامخ، وليس في \"ديوانه\". وانظر: \"اللسان\" ٦/ ٣٦٣٣ (قسو). والشاهد أن قسي جاء على وزن: شقي.\nوالسلام: الحجارة، والصيارف: الصيارفة، أي للمساحي أصوات إذا وقعت على الحجارة كأصوات الدراهم إذًا انتقدها الصياريف.","vol":"7","page":302},{"text":"وأنشد ابن السكيت:\nوما زوَّدوني غيرَ سَحقِ عِمامَةٍ ... وخَمس مِئي منها قَسِيٌّ وزائِفُ (١)\nقال الأصمعي: وكأنه إعراب قاس.\nقال أبو علي: إذا كان القَسِيّ من الدراهم معربًا لم يكن من القَسِيّ العربي، ألا ترى أن قابوس وإبليس وجالوت وطالوت، ونحو ذلك من الأسماء الأعجمية التي من ألفاظها يوجد العربي لا تكون مشتقة من باب القبس والإبلاس، يدل على ذلك منعهم الصرف (٢).\nقال ابن عباس: ﴿وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً﴾ يابسة عن الإيمان (٣).\nوقال الحسن: طبع عليها (٤).\nوقوله تعالى: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾.\nقال ابن عباس: يغيرون كلام الله عن مواضعه من صفة محمد - ﷺ - في كتابهم (٥).\nونحو ذلك قال مقاتل (٦).\nوقال السدي: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ آية الرجم (٧).\nوقال الزجاج: تأويل ﴿يُحَرِّفُونَ﴾: يفسرون على غير ما أنزل، وجائز أن يكون: يلفظون به على غير ما أنزل (٨). انتهى كلامه.\n_________\n(١) نسبه في \"اللسان\" ٦/ ٣٦٣٣ (قسو) لمزرد.\n(٢) \"الحجة\" ١/ ٣١٧، ٣١٨.\n(٣) انظر: \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ١٠٩.\n(٤) لم أقف عليه.\n(٥) بمعناه في \"تفسيره\" ص ١٧٣، والطبري في \"تفسيره\" ٦/ ١٥٥.\n(٦) \"تفسيره\" ١/ ٤٦١، وانظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٣١٣\n(٧) لم أقف عليه.\n(٨) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١٦٠.","vol":"7","page":303},{"text":"وتحريفهم يحتمل تأويلين على ما قال: أحدهما: سوء التأويل، والآخر: التغيير والتبدل، وهذا مما فسرنا في سورة النساء (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾.\nقال ابن عباس: تركوا نصيبًا مما أمروا به في كتابهم من اتباع محمد (٢).\nوقال عطاء عنه: تركوا حظًا مما وعظوا به (٣).\nونحوه قال مقاتل، وزاد: من إيمان بمحمد، ولو آمنوا به لكان ذلك لهم حظًا (٤).\nوقال قتادة: نسوا عهد الله الذي عهد إليهم، وأمر الله الذي أمرهم (٥).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ﴾.\nيقال: لا زال يفعل كذا، كقولك: ما ينفك، وما زلت أفعل، والمضارع لا يزال لا غير، وقيل ما يتكلم به إلا بحرف نفي.\nوأما الخائنة، يقال: رجل خائنة، إذا بالغت في وصفه بالخيانة (٦) ومنه قوله:\n_________\n(١) لعله عند الآية ٤٦ من سورة النساء وتفسيرها من القسم المفقود.\n(٢) انظر: \"تفسيره\" ص ١٧٣، والطبري في \"تفسيره\" ٦/ ١٥٥، و\"بحر العلوم\" ١/ ٤٢٢.\n(٣) لم أقف عليه.\n(٤) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١/ ٤٦١.\n(٥) أورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ٢/ ٤٧٤ بنحوه، وعزاه إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(٦) \"تهذيب اللغة\" ١/ ٩٧٠ (خون)، وانظر: \"غريب القرآن\" لابن قتيبة ص ١٣٩، و\"اللسان\" ٣/ ١٢٩٤ (خون).","vol":"7","page":304},{"text":"ولم تَكُن ... للغَدرِ خائنةً مُغِلَّ الإصْبَعِ (١)\nوقد تكون الخائنة مصدرًا على فاعلة، ومنه قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ﴾ [غافر: ١٩]، وكثير من المصادر في القرآن جاء على: فاعله، نحو قوله: ﴿لاغية﴾ (٢) [الغاشية: ١١]، أي لغوًا، وتقول العرب: سمعت (راغية الإبل) و(ثاغية الشاء)، يعنون: رغاءها وثُفاءها (٣).\nقال الزجاج: وفاعلة في أسماء المصادر كثيرة نحو: عافاه الله عافية، و﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ﴾ [الواقعة: ٢]، و﴿فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ﴾ [الحاقة: ٥] (٤).\nوعلى هذا دل كلام المفسرين، فقال (٥) ابن عباس: ولا تزال تطلع على معصية منهم (٦). فهذا يدل على أنه أراد بالخائنة الخيانة.\n_________\n(١) جزء من بيت لرجل من بني كلاب يخاطب قرينا أخا عمير الحنفي، وكان له عنده دم وتمام البيت:\nحدَّثت نفسك بالوفاء ولم تكن ... للغدر خائنة مغل الإصبع\n\"مجاز القرآن\" ١/ ١٥٨، والطبري في \"تفسيره\" ٦/ ١٥٦، و\"معاني الزجاج\" ٢/ ١٦٠، و\"اللسان\" ٣/ ١٢٩٤ (خون).\nومغل الإصبع: كناية عن الخيانة والسرقة.\n(٢) من قوله تعالى: ﴿لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً﴾ [الغاشية: ١١].\n(٣) \"تهذيب اللغة\" ١/ ٩٧١، وانظر البغوي في \"تفسيره\" ٣/ ٣١، و\"اللسان\" ٣/ ١٢٩٥ (خون).\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١٦٠.\n(٥) في (ش): (وقال).\n(٦) انظر البغوي في \"تفسيره\" ٣/ ٣١، والقرطبي في \"تفسيره\" ٦/ ١١٦، و\"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ١٠٩.","vol":"7","page":305},{"text":"وقال مقاتل: يعني بالخائنة الغش للنبي - ﷺ - وقال: إيمان على كذب وفجور. (١)\nوقال عطاء: ﴿عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ﴾ مثل ما خانوك حين هموا بقتلك (٢).\nقال الزجاج: ويجوز أن يكون والله أعلم ﴿عَلَى خَائِنَةٍ﴾ علي فرقة خائنة (٣).\nوقوله تعالى: ﴿إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾.\nقال ابن عباس: يعني من أسلم منهم، عبد الله وأصحابه، ولم ينقضوا العهد (٤).\nوقال مقاتل: والقليل أيضًا منهم كفار (٥).\nوعلى هذا القليل مستثنى من الخيانة، يريد إلا قليلًا منهم لم يخونوا، والظاهر أن المراد بالمستثنى: مؤمنو أهل الكتاب.\nوقوله تعالى: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ﴾. منسوخ بآية السيف (٦).\n_________\n(١) بلفظه الأول في \"تفسيره\" ١/ ٤٦١، وبنحو هذا القول قال مجاهد وقتادة، انظر: الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ١٥٦، والقرطبي في \"تفسيره\" ٦/ ١١٦، و\"الدر المنثور\" ٢/ ٤٧٤.\n(٢) انظر: \"تفسير الهواري\" ١/ ٤٥٧، والقرطبي في \"تفسيره\" ٦/ ١١٦. وهذا معنى قول مجاهد، انظر: الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ١٥٦، و\"الدر المنثور\" ٢/ ٤٧٤.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١٦١، وانظر: \"النكت والعيون\" ٢/ ٢١.\n(٤) انظر البغوي في \"تفسيره\" ١/ ٣١، و\"زاد المسير\" ٢/ ٣١٤، و\"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ١٠٩.\n(٥) ليس في \"تفسيره\"، وانظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٣١٤.\n(٦) هذا قول ابن عباس وقتادة وكثر من المفسرين.\nانظر: \"الناسخ والمنسوخ\" لأبي عبيد ص ١٩١، والطبري في \"جامع البيان\" ٦/ ١٥٧، و\"الناسخ والمنسوخ\" للنحاس ٢/ ٢٧٣، و\"تفسير الهواري\" ١/ ٤٥٧، =","vol":"7","page":306},{"text":"﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [المائدة: ١٣]. قال عطاء: يريد المتجاوزين (١).\nوقال ابن عباس: فإذا عفوت فأنت محسن (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-865>١٤ </span>- قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾.\nولم يقل: من النصارى، ليدل على أنهم ابتدعوا النصرانية وتسمَّوا لها. وهذا يُروى عن الحسن (٣).\nوقوله تعالى: ﴿أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ﴾.\nقال مقاتل: أخذ عليهم الميثاق كما أخذ على أهل التوراة أن يؤمنوا بمحمد ويتبعوه، وهو مكتوب عندهم في الإنجيل (٤).\nقال الأخفش: وهذا كما تقول: من عبد الله أخذت الدرهم (٥).\nوقوله تعالى: ﴿فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾.\nقال الكلبي ومقاتل: فتركوا ما أُمِروا به من الإيمان بمحمد - ﷺ - فكان ذلك الحظ (٦).\n_________\n= و\"بحر العلوم\" ١/ ٤٢٣، و\"النكت والعيون\" ٢/ ٢١، والبغوي في \"معالم التنزيل\" ٣/ ٣٢، وقد استبعد الطبري في \"تفسيره\" والنحاس النسخ، وانظر: \"البرهان\" للزركشي ٢/ ٤٣، ٤٤.\n(١) لم أقف عليه.\n(٢) لم أقف عليه.\n(٣) انظر البغوي في \"تفسيره\" ٣/ ٣٢، و\"زاد المسير\" ٢/ ٣١٥. وقيل سموا بذلك نسبة إلى قرية كانوا بها اسمها: ناصرة.\nانظر: \"تفسير الهواري\" ١/ ٤٥٧، و\"زاد المسير\" ٢/ ٣١٥.\n(٤) \"تفسيرمقاتل\" ١/ ٤٦٢.\n(٥) \"معاني القرآن\" ٢/ ٤٦٧، وانظر: القرطبي في \"الجامع لأحكام القرآن\" ٦/ ١١٧\n(٦) \"تفسير مقاتل\" ١/ ٤٦٢، وانظر: \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ١١٠.","vol":"7","page":307},{"text":"وتنكير الحظّ في الآية: يدل على أن المراد به حظ واحد، وهو ما ذكره المفسرون من الإيمان بمحمد، وإنما خص هذا الواحد مع كثرة ما تركوا مما أمروا به؛ لأن هذا هو المُعظم (١)، ولو وفوا بهذا الواحد ولم يتركوه لم يضرهم ترك سائر ما تركوا.\nوقوله تعالى: ﴿فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾.\nيقال: غرِيتُ بالشيء أغرى به غرًى وغراءً ممدودًا أي أُولِعت به (٢).\nوقال شَمر: يقال لما يلصق به الأشياء الغِراء والغَرى بفتح الغين مقصور، وأغرى فلان بفلان إغراءً، إذا أولع به، كأنه ألصق به، فأصل الباب هو اللصوق والإلصاق؛ لأن المولع بالشيء كالملصق به. ذكره الزجاج وغيره (٣). ثم يقال: أغريت الكلب، إذا آسدته (٤)؛ لأنك تولعه بالصيد (٥).\nفأما التفسير: فقال المؤرج: (أغرينا): حرشنا بعضهم على بعض (٦).\nوقال الكسائي: سلطنا (٧).\nوقال النضر: هيجنا (٨).\n_________\n(١) في (ش): (العظيم).\n(٢) \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٦٦١، وانظر: \"اللسان\" ٦/ ٣٢٥٠ (غرى).\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١٦١، وانظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٣١٥، و\"اللسان\" ٦/ ٣٢٥٠ (غرى).\n(٤) في (ج): (أسددته)، وما أثبته هو الموافق لـ\"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٦٦١ (غرى).\n(٥) \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٦٦١، وانظر: \"اللسان \" ٦/ ٣٢٥٠ (غرى).\n(٦) انظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٣١٥، و\"البحر المحيط\" ٣/ ٤٤٣.\n(٧) لم أقف عليه.\n(٨) انظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٣١٥، و\"البحر المحيط\" ٣/ ٤٤٣.","vol":"7","page":308},{"text":"وقال الكلبي: ألقينا بينهم العداوة والبغضاء (١).\nفقوله: ﴿بَيْنَهُمُ﴾ ظرف للعداوة والبغضاء، أي العداوة التي بينهم أغريت بأن حرشت وهيجت، ويجوز أن يكون ﴿بَيْنَهُمُ﴾ بمنزلة بالصيد في قولك: أغريت الكلب بالصيد، فيكون المعنى: أغرينا العداوة والبغضاء بالحالة التي بينهم.\nواختلفوا في الضمير الذي في ﴿بَيْنَهُمُ﴾، فقال مجاهد وقتادة والسدي وابن زيد: الضمير (٢) يعود على اليهود والنصارى (٣).\nوقال الربيع: يعود على النصارى خاصة (٤). وذلك لما بين فرق النصارى من الاختلاف والعداوة.\nوهذا اختيار الزجاج (٥)، قال: وتأويل ﴿فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ﴾ أي صاروا فَرقًا يكفر بعضهم بعضًا (٦).\nوقوله تعالى: ﴿وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ وعيد لهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-866>١٥ </span>- قوله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ﴾.\nقال ابن عباس: يريد الجميع (٧) وهذا على تقدير: يا أهل الكتاب من اليهود والنصارى، ووحد الكتاب؛ لأنه أخرج مخرج الجنس.\n_________\n(١) \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ١١٠.\n(٢) تكررت الكلمة في (ج).\n(٣) انظر: الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ١٥٩، و\"زاد المسير\" ٢/ ٣١٥.\n(٤) الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ١٥٩ - ١٦٠، وانظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٣١٥.\n(٥) انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١٦١، وقد اختاره الطبري في \"تفسيره\" أيضًا. انظر: \"جامع البيان\" ٦/ ١٦٠.\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١٦١.\n(٧) لم أقف عليه، وانظر: الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ١٦١، و\"زاد المسير\" ٢/ ٣١٦.","vol":"7","page":309},{"text":"وقال قتادة: لما ذكر نقضهم العهد وتركوا ما أمروا به دعاهم على إثر ذلك إلى الإيمان بمحمد - ﷺ - (١).\nوقوله تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ﴾.\nقال عطاء عن ابن عباس: يريد تكتمون مما في التوراة والإنجيل (٢). وقال ابن عباس: أخفوا منه الرجم وأمر محمد وصفته (٣).\nقال أهل المعاني: وهذا بيان لإعجاز النبي - ﷺ - حيث اطلع على أسرارهم وبين ما أخفوه من غير قراءة كتبهم، فوجب الإيمان به (٤).\nوقوله تعالى: ﴿وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾. قال ابن عباس: يتجاوز عن كثير، فلا يخبرهم بكتمانه (٥).\nفإن قيل على هذا: ما وجه بيان بعضه وترك بعضه؟\nقيل: إنه بين ما فيه دلالة على نبوته من صفاته ونعته والبشارة به، وما يحتاج إلى علمه من غير ذلك مما تتفق له الأسباب التي يحتاج معها إلى استعلام ذلك، كالذي اتفق له في الرّجم، وما عدا هذين مما ليس في تفصيله فائدة فيكفي ذكره في الجملة (٦).\n_________\n(١) انظر: الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ١٦٠، و\"الدر المنثور\" ٢/ ٤٧٥.\n(٢) لم أقف عليه من رواية عطاء، وانظر: \"الوسيط\" ٣/ ٨٣٨، و\"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ١١٠.\n(٣) أخرجه بمعناه الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ١٦١، والحاكم ٤/ ٣٥٩، وقال: هذا صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي، وانظر: \"الدر المنثور\" ٢/ ٤٧٥.\n(٤) انظر: \"الكشاف\" ١/ ٣٢٩، والقرطبي في \"تفسيره\" ٦/ ١١٨\n(٥) انظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٣١٦، و\"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ١١٠.\n(٦) انظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٣١٦، والقرطبي في \"تفسيره\" ٦/ ١١٨.","vol":"7","page":310},{"text":"وفي قوله: ﴿وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ إعجاز للنبي - ﷺ - كالإعجاز فيما بينهم؛ لأنهم يعلمون بهذا أنه عالم بما يخفونه: وإن لم يبينه على التفضيل (١).\nوقوله تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ﴾. قال ابن عباس: يعني ضياء من الضلالة (٢).\nوقال عطاء: يريد هدى (٣). فعلى هذا أراد بالنور: الإسلام (٤).\nوقال قتادة: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ﴾ يعني النبي (٥). وهو اختيار الزجاج، قال: النور محمد - ﷺ -، وهو الذي يبين الأشياء (٦).\nوقوله تعالى: ﴿وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾ [المائدة: ١٥]. قال ابن عباس: يريد القرآن، فيه بيان لكل ما يختلفون فيه (٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-867>١٦ </span>- قوله تعالى: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ﴾. أي بالكتاب المبين.\n﴿مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ﴾. اتبع ما رضيه الله تعالى مما مدحه وأثنى عليه، وهو دين الإسلام، يدل على هذا قول ابن عباس: يريد من صدق\n_________\n(١) هكذا جاءت هذه الكلمة في النسختين (ش)، (ج) والظاهر أنها مصحفة، والصواب: التفصيل بالصاد المهملة.\n(٢) في \"الوسيط\" ٣/ ٨٣٨، دون نسبة لابن عباس، ولم أقف عليه.\n(٣) لم أقف عليه.\n(٤) قد فسر النور هنا: بالإسلام، انظر البغوي في \"تفسيره\" ٣/ ٣٣، و\"زاد المسير\" ٢/ ٣١٦.\n(٥) انظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٣١٦. والاختلاف هنا اختلاف تنوع وليس اختلاف تضاد، فإن النبي محمد - ﷺ - قد جاء بالإسلام.\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١٦١، وانظر: \"النكت والعيون\" ٢/ ٢٢.\n(٧) في \"الوسيط\" ٣/ ٨٣٨، دون نسبة لابن عباس، ولم أقف عليه. وانظر: \"تفسير البغوي\" في \"تفسيره\" ٣/ ٣٣، و\"زاد المسير\" ٢/ ٣١٦.","vol":"7","page":311},{"text":"النبي - ﷺ - لما جاء به (١) ففسر (رضوان الله) بتصديق (٢) النبي - ﷺ -.\nوقوله تعالى: ﴿سُبُلَ السَّلَامِ﴾. قال ابن عباس: يريد دين الإسلام، دين الله (٣).\nوهو قول الحسن (٤) والسدي، أن معنى ﴿السَّلَامِ﴾ ههنا الله ﷿، والسلام من أسمائه تعالى (٥).\nقال الزجاج: والسبل الطرق، فجائز أن يكون والله أعلم: طريق السلام طرق السلامة التي من سلكها سلم في دينه (٦).\nقال أبو علي: ويجوز أن يكون على حذف المضاف، كأنه: سبل دار السلام، كما قال: ﴿لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ﴾ [الأنعام: ١٢٧] ويراد بها طرق الجنة؛ لأن من اتبع رضوانه فقد أوتي الهداية التي هي الإستدلال، فتكون الهداية في هذه الآية مثل التي في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ (٤) سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ﴾ [محمد:٤، ٥]، في أنه ليس بهداية الاستدلال، ولكن الهداية إلى طرق الجنة للثواب (٧).\n_________\n(١) لم أقف عليه، وانظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٣١٧، و\"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ١١٠.\n(٢) في (ش): (بصدق).\n(٣) انظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٣١٧، و\"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ١١٠.\n(٤) \"تفسير الهواري\" ١/ ٤٥٨، و\"النكت والعيون\" ٢/ ٢٢، وانظر: \"البحر المحيط\" ٣/ ٤٤٨.\n(٥) انظر: الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ١٦٢، والبغوي في \"تفسيره\" ٣/ ٣٣، و\"زاد المسير\" ٢/ ٣١٧، و\"البحر المحيط\" ٣/ ٤٤٨.\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١٦١.\n(٧) من \"المسائل الحلبيات\" لأبي علي الفارسي ص ٢٠، ٢١، وانظر: \"الحجة\" ١/ ١٨٤.","vol":"7","page":312},{"text":"﴿وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾.\nقال ابن عباس: من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان (١) وذلك أن الكُفر يتحير فيه صاحبه كما يتحير في الظلام، وُيهتدى بالإيمان إلى النجاة كما يُهتدى بالنور.\nوقوله تعالى: ﴿بِإِذْنِهِ﴾. أي: بتوفيقه وإرادته (٢).\nوالجار من صلة الاتباع، أي: يتبع رضوانه بإذنه، ولا يجوز أن يتعلق بالهداية، ولا بالإخراج؛ لأنه لا معنى له، فدل على (٣) أنه لا يتبع رضوان الله إلا من أراد الله.\nوقوله تعالى: ﴿وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة: ١٦]. قال الحسن: هو الذي يأخذ بصاحبه حتى يؤديه إلى الجنة (٤).\nوقال ابن عباس: يعني: الإسلام (٥).\nوالقولان سواء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-868>١٧ </span>- قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾. قال أهل المعاني: إنما حكم بكفرهم؛ لأنهم قالوا هذا القول على جهة التدين به، ولو قالوه على جهة الحكاية منكرين له لم يكفروا (٦).\n_________\n(١) انظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٣١٧، و\"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ١١٠.\n(٢) انظر: الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ١٦٢، والبغوي في \"تفسيره\" ٣/ ٣٣، و\"زاد المسير\" ٢/ ٣١٧.\n(٣) في (ش): (فدل هذا على).\n(٤) انظر: \"تفسير الهواري\" ١/ ٤٥٨، وذكر عن الحسن أنه قال: طريق الحق، من \"النكت والعيون\" ٢/ ٢٢، و\"زاد المسير\" ٢/ ٣١٧، و\"البحر المحيط\" ٣/ ٤٤٨.\n(٥) لم أقف عليه، وانظر البغوي في \"تفسيره\" ٣/ ٣٣، و\"زاد المسير\" ٢/ ٣١٧.\n(٦) انظر القرطبي في \"تفسيره\" ٦/ ١١٩.","vol":"7","page":313},{"text":"فإن قيل: إنهم قالوا: هو ابن الله؟\nقيل: هذا القول منهم كالقول إنه إله؛ لأنهم اتخذوه مع قولهم إنه ابن الله ربًا وجعلوه إلهًا (١).\nوقوله تعالى: ﴿قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾. قال الكلبي: فمن يقدر أن يدفع من عذاب الله شيئًا (٢).\nوهذا من قولهم: ملكت على فلان أمره، إذا اقتدرت عليه حتى لا يمكنه إنفاذ شيء من أمره إلا بك، وتقديره: من يملك من أمره شيئًا (٣).\nوقوله تعالى: ﴿إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾.\nقال الكلبي: إن أراد أن يعذب المسيح ابن مريم (٤).\nووجه الاحتجاج بهذا على النصارى: أنه لو كان المسيح إلهًا لقدر على دفع أمر الله إذا أتى بإهلاكه وإهلاك غيره (٥).\nوفي هذه رد على القدرية، وبيان أنه لو أراد إهلاك النبيين وأهل طاعته أجمعين كان له ذلك.\nوقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾.\nأراد ما بين هذين الصنفين والنوعين (٦)، كقول الراعي:\n_________\n(١) انظر: \"البحر المحيط\" ٣/ ٤٤٩.\n(٢) \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ١١٠.\n(٣) انظر: الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ١٦٣، والقرطبي في \"تفسيره\" ٦/ ١١٩.\n(٤) \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ١١٠.\n(٥) انظر: الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ١٦٣، و\"تفسير الهواري\" ١/ ٤٥٨، و\"بحر العلوم\" ١/ ٤٢٥، و\"زاد المسير\" ٢/ ٣١٧.\n(٦) انظر: \"مجاز القرآن\" ١/ ١٥٩، ١٦٠، والطبري في \"تفسيره\" ٦/ ١٦٣، والقرطبي في \"تفسيره\" ٦/ ١١٩.","vol":"7","page":314},{"text":"طَرَقَا فتلِك هَمَاهِمي أَقْرِيهما ... قُلُصًا لواقحَ كالقِسِيّ وحُولا (١)\nفقال: (طرقا)، ثم قال: (فتلك هماهِمي)، ولم يقل: طرقن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-869>١٨ </span>- قوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾\nالآية. أمال اليهود فقال السدي: إنهم زعموا أن الله ﷿ أوحى إلى إسرائيل أن ولدك بكري من الولد، وكذَبُوا فيما زعموا (٢).\nوقال الحسن: إنما قالوا ذلك على معنى قرب الولد من الوالد (٣).\nوهو اختيار ابن قتيبة، قال: يعنون أنه من حدبه وعطفه علينا كالأب المشفق (٤).\n_________\n(١) البيت من قصيدة للراعي في \"جمهرة أشعار العرب\" ٣/ ٩٣٠ وقبله:\nأخليد إن أباك ضاف وساده ... همان باتا جنبة ودخيلا\nطرقا ..................\nوقد استشهد به في \"مجاز القرآن\" ١/ ١٦٠، والطبري في \"تفسيره\" ٦/ ١٦٣، والقرطبي في \"تفسيره\" ٦/ ١١٩، ومعنى هماهم: الهموم، وقلصا: جمع قلوص وهي الفتية من الإبل، ولواقح: أي حوامل، والحول: جمع جائل وهي الناقة لم تحمل. والشاهد منه أن الشاعر ذكر همين في البيت الذي قبله، ثم ذكر همومًا بقوله: فتلك هماهمي، مع أنه ثنى في قوله: باتا وطرقا وأقربهما .....\n(٢) الأثر في \"زاد المسير\" ٢/ ٣١٨، والقرطبي في \"تفسيره\" ٦/ ١٢٠، وابن كثير في \"تفسيره\" ٢/ ٣٩. وقد عزاه ابن كثير في \"تفسيره\" إلى ابن أبي حاتم والطبري في \"تفسيره\"، لكن وجدته عند الطبري في \"تفسيره\" بلفظ: إنهم قالوا: إن الله أوحى إلى إسرائيل أن ولدًا من ولدك أدخلهم النار فيكون فيها أربعين يومًا .... فأخرجهم فذلك قوله ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾، وأما النصارى، فإن فريقًا منهم قال للمسيح: ابن الله. الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ١٦٤.\n(٣) \"النكت والعيون\" ٢/ ٢٣، وانظر: \"تفسير الهواري\" ١/ ٤٥٨، و\"البحر المحيط\" ٣/ ٤٥٠.\n(٤) لم أقف عليه عن ابن قتيبة، وانظر: \"تفسير البغوي\" ٣/ ٣٣، و\"البحر المحيط\" ٣/ ٤٥٠.","vol":"7","page":315},{"text":"وأما النصارى فقال سعيد بن المسيب: إنهم قالوا: المسيح ابن الله (١).\nووجه هذا القول أنهم لما قالوا: المسيح ابن الله وادعوا أن المسيح منهم فكأنهم قالوا: نحن أبناء الله، كقول العرب: هذيل (٢) شعراء، أي: منهم شعراء، وقولهم في رهط مسيلمة: قالوا: نحن أنبياء، أي قال قائلهم وتابعوه (عليه (٣»، وذلك أنهم إذا قالوا: الواحد منهم أنه نبي، ثم افتخروا به وانتسبوا إليه، صح في اللفظ أن يقال: إنهم أنبياء (٤).\nوهذا وجه ثالث في قول اليهود: نحن أبناء الله، لأنهم أيضًا قالوا: عُزَير ابن الله، كما قالت النصارى: المسيح ابن الله، ذكره سعيد بن المسيب (٥).\nوقيل: إنهم تأولوا قول عيسى. أذهب إلى أبي وأبيكم، وقوله: إذا صليتم فقولوا: يا أبانا الذي في السماء ليتقدس اسمك (٦).\nوتأويل هذا: أنه في بره ورحمته وعطفه على عباده الصالحين كالأب الرحيم لولده (٧).\nوذهب بعضهم إلى أن معنى قوله: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ﴾ معناه: نحن أبناء\n_________\n(١) لم أقف عليه.\n(٢) قبيلة ينتسبون إلى هذيل بن مدركة بن الياس، نبع منهم شعراء كثيرون. انظر: \"جمهرة أنساب العرب\" ص ١٩٦ - ١٩٨.\n(٣) تكرر في (ج).\n(٤) انظر: الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ١٦٤، ١٦٥، و\"الكشاف\" ١/ ٣٢٩.\n(٥) تقدم قريبًا.\n(٦) لم أقف عليه.\n(٧) انظر: \"تفسير الهواري\" ١/ ٤٥٨، والبغوي في \"تفسيره\" ٣/ ٣٣.","vol":"7","page":316},{"text":"رسله. فهو من باب حذف المضاف (١).\nقال ابن عباس: إنما قالوا هذا حين حذرهم النبي - ﷺ - عقوبة الله (٢).\nوقوله تعالى: ﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ﴾.\nيحلمه (٣) المفسرون على قولهم: إنما نعذب أربعين يومًا، قدر الأيام التي عبد آباؤنا فيها العجل، فقيل لهم: إن كان الأمر كما زعمتم فلم يعذبكم الله؟ هل رأيتم والدا يعذب ولده بالنار؟ وهل تطيب نفس حبيب بتعذيب حبيبه في النار؟\nهذا معنى قول المفسرين (٤).\nوقال أهل المعاني: (هذا التعذيب) (٥) مطلق غير محمول على الأيام الأربعين؛ لأنهم مقرون أنهم معذبون بذنوبهم ولو لم يقولوا بهذا (٦)، كذبوا بكتبهم، وأباحوا للناس ارتكاب الفواحش، والله تعالى يقول: ﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ﴾ فجعل التعذيب بسبب ذنوبهم.\nوقال الربيع بن أنس في قوله تعالى: ﴿فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ﴾: لم\n_________\n(١) انظر: \"الوسيط\" ٣/ ٨٤١، والقرطبي في \"تفسيره\" ٦/ ١٢٠، و\"البحر المحيط\" ٣/ ٤٥٠.\n(٢) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" بمعناه ٦/ ١٦٤، وأورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ٢/ ٤٨٦، وعزاه إلى ابن إسحاق وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في \"الدلائل\".\n(٣) هذه الكلمة غير واضحة، والأقرب أنها هكذا.\n(٤) انظر: الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ١٦٥، و\"بحر العلوم\" ١/ ٤٢٥، والبغوي في \"تفسيره\" ٣/ ٣٤، و\"زاد المسير\" ٢/ ٣١٨.\n(٥) في (ش): (في هذا التعذيب).\n(٦) انظر: الطبرى في \"تفسيره\" ٦/ ١٦٤، والقرطبي في \"تفسيره\" ٦/ ١٢٠.","vol":"7","page":317},{"text":"مسخكم؟ (١).\nقال صاحب النظم: تأويل: ﴿فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ﴾ لم عذب من قبلكم من اليهود والنصارى الذين كانوا أمثالكم في الدين بذنوبهم؛ لأنه تعالى لم يكن ليأمر نبيه -﵇- بأن يحتج عليهم بشيء لم يكن بعد، يقولون: فإنا لا نعذب، ولكن أمره بأن يحتج عليهم بما كان وعرفوه. وكثير ما يذكر لفظ المستقبل والمراد به الماضي، كقول عنترة:\nولقد أمُرُّ على اللئيم يسبُني .. البيت (٢)\nأي: مررت.\nوقد بينا هذا في مواضع (٣) من هذا الكتاب.\nثم كذبهم في زعمهم فقال تعالى: ﴿بَلْ (٤) أَنتُم بَشَرٌ مَمَّنْ خَلَقَ﴾.\nقال ابن عباس: لحم ودم (٥).\nوقال المفسرون: كسائر بني آدم، مجزيون بالإحسان والإساءة (٦).\n_________\n(١) انظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٣١٩.\n(٢) لم أجده في \"ديوان عنترة\"، وقد نسبه لمولد من بني سلول. سيبويه في \"الكتاب\" ٣/ ٢٤، وعجزه:\nفمضيت ثمت قلت لا يعنيني\nواستشهد به دون نسبه: ابن جني في \"الخصائص\" ٣/ ٣٣٠، والسمين في \"الدر المصون\" ٢/ ٢٨٨.\n(٣) في (ش): (موضع) بالإفراد.\n(٤) سقطت (بل) من: (ج).\n(٥) لم أقف عليه.\n(٦) انظر: الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ١٦٥، والبغوي في \"تفسيره\" ٣/ ٣٤، و\"زاد المسير\" ٢/ ٣١٩.","vol":"7","page":318},{"text":"وقولى تعالى: ﴿يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾. قال ابن عباس: لمن تاب من اليهودية ﴿وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ من مات عليها (١).\nوقال عطاء: ﴿يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ من يوحد الله ﴿وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ من لا يوحد الله (٢).\nوقال السدي: يهدي منكم من يشاء فيغفر له، ويميت منكم من يشاء على كفره فيعذبه (٣) (٤).\nوقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾.\nأي أنه يملك ذلك، لا شريك له فيعارضه، وهو يملك المغفرة لمن يشاء والتعذيب لمن يشاء (٥).\nقال أهل المعاني: دل بهذا على أنه لا ولد له؛ لأن (من (٦» ملك ذلك استحال أن يكون له شبيه أو شريك أو قسيم (٧).\nوقوله تعالى: ﴿وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ أي: وإليه يؤول أمر العباد في الآخرة (٨)؛ لأنه لا يملك الضر والنفع غيره، كما يملك في الدنيا بتمليكه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-870>١٩ </span>- وقوله تعالى: ﴿عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ﴾. قال ابن عباس: يريد على\n_________\n(١) انظر: \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ١١١.\n(٢) انظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٣١٩.\n(٣) في (ج): فيعذبه الله وما أثبته هو الموافق للمصادر في التخريج الآتي.\n(٤) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ١٦٥ - ١٦٦، وانظر: \"الدر المنثور\" ٢/ ٤٨٦.\n(٥) انظر القرطبي في \"تفسيره\" ٦/ ١٢١.\n(٦) ما بين القوسين ساقط من (ج).\n(٧) انظر: الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ١٦٦، والقرطبي في \"تفسيره\" ٦/ ١٢١.\n(٨) انظر القرطبي في \"تفسيره\" ٦/ ١٢١.","vol":"7","page":319},{"text":"انقطاع من الأنبياء (١).\nقال الزجاج: لأن النبي - ﷺ - بعث بعد إنقطاع الرسل؛ لأن الرسل كانت إلى وقت رفع الله عيسى متواترة بعضها في أثر بعض (٢).\nويقال: فتر الشيء يفتر فتورًا، إذا سكنت حدّته وانقطع عما كان عليه (٣). وسميت المدة التي بين النبيين فترة لانقطاع العمل عما كان عليه من الجد فيه، من قولهم: فتر عن عمله.\nوقوله تعالى: ﴿أَنْ تَقُولُوا﴾. أي: لئلا تقولوا، وهو قول ابن عباس (٤). وقال بعضهم: تأويله: كراهة أن تقولوا (٥).\nوقد استقصينا شرح هذا في آخر سورة النساء عند قوله تعالى: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-871>٢٠ </span>- قوله تعالى: ﴿إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ﴾.\n(أنبيآء) لا ينصرف في معرفة ولا نكرة؛ لأنها مبنية على علامة التأنيث، وهي الألف الممدودة كألف حمراء، فلما بنوا الاسم على علامة التأنيث حتى صارت كبعض حروفه، صار كأن التأنيث قد تكرر فيه فلم ينصرف في النكرة (٦).\n_________\n(١) \"زاد المسير\" ٢/ ٢٣٠ عن ابن عباس من طريق أبي صالح، و\"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ١١١.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١٦٢، وانظر: الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ١٦٦، ١٦٧.\n(٣) \"العين\" ٨/ ١١٤، و\"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٧٣٥، وانظر: \"الصحاح\" ٢/ ٧٧٧ (فتر)، و\"زاد المسير\" ٢/ ٣١٩.\n(٤) انظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٣٢١، و\"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ١١١.\n(٥) \"معاني الزجاج\" ٢/ ١٦٢، وانظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٣٢١.\n(٦) انظر القرطبي في \"تفسيره\" ٦/ ١٢٣.","vol":"7","page":320},{"text":"قال الكلبي: ﴿جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ﴾ على عهد موس بن عمران، وهم السبعون (الذين) (١) اختارهم موسى من قومه، فانطلقوا معه إلى الجبل (٢).\n﴿وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾ روى أبو سعيد الخدري عن رسول الله - ﷺ - قال: كان بنو إسرائيل إذا كان لأحدهم خادم وامرأة ودابة يُكْتَبُ ملكًا (٣).\nوقال ابن عباس: جعل لكم الحشم والخدم (٤).\nوقال مجاهد: كل من لا يُدخل عليه إلا بإذنه فهو ملك (٥) وهو اختيار الزجاج، قال: جعلكم ذوي منازل تأمرون فيها، لا يدخل عليكم فيها داخل إلا بإذن (٦).\nوقال الضحاك: كانت منازلهم واسعة، فيها مياه جارية، فمن كان مسكنه واسعًا وفيه ماء جار فهو ملك (٧).\n_________\n(١) في (ش): (الذي).\n(٢) \"بحر العلوم\" ١/ ٤٢٦، و\"زاد المسير\" ٢/ ٣٢١. وقد أشار إليه الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ١٦٨.\n(٣) أخرجه المؤلف في \"الوسيط\" ٣/ ٨٤٥، وذكره البغوي في \"تفسيره\" ٣/ ٣٥ بصيغة التمريض وأورده ابن كثير في \"تفسيره\" ٢/ ٤٢، والسيوطي في \"الدر المنثور\" ٢/ ٤٧٨، وعزاه كل منهما إلى ابن أبي حاتم، وفي \"سنده\" ابن لهيعة. قال ابن كثير في \"تفسيره\": هذا حديث غريب من هذا الوجه.\n(٤) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ١٦٩، بمعناه، وانظر البغوي في \"تفسيره\" ٣/ ٣٥، و\"زاد المسير\" ٢/ ٣٢١، وابن كثير في \"تفسيره\" ٢/ ٤٢، و\"الدر المنثور\" ٢/ ٤٧٧.\n(٥) في \"تفسير مجاهد\" ١/ ١٩١: قال: جعل لهم أزواجًا وخدمًا وبيوتًا، ومن كان كذلك فهو ملك، ونحوه في الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ١٦٩، بلفظ المؤلف عزاه إلى ابن عباس السمرقندي في \"بحر العلوم\" ١/ ٤٢٦، وانظر: \"معاني الزجاج\" ٢/ ١٦٢.\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١٦٢.\n(٧) انظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٣٢٢.","vol":"7","page":321},{"text":"وقال قتادة: كانوا أول من ملك الخدم، وسُخَّر لهم الخدم من بني آدم (١).\nوقال السدي: يعني: وجعلكم أحرارًا تملكون أنفسكم بعدما كنتم في أيدي القِبْط بمنزلة أهل الجزية فينا (٢).\nقال الزجاج: ومعناه: جعلتم تملكون أمركم لا يغلبكم عليه غالب (٣).\nوقوله تعالى: ﴿وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [المائدة: ٢٠].\nقال ابن عباس في رواية عطاء: يريد ما آتاهم في الدنيا من النعمة والكرامة، حيث فلق لهم البحر، وأغرق عدوهم، ونصرهم على جميع من عاداهم (٤).\nوقال مجاهد: يعني: المنّ والسلوى والحجر (٥) والغمام (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-872>٢١ </span>- قوله تعالى: ﴿يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ﴾ الآية.\n_________\n(١) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ١٧٠، وانظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٣٢٢. وهذا القول انفرد به قتادة، وقد يكون فيه نظر؛ لأن القول بأن بني إسرائيل أول من ملك الخدم يحتاج إلى تثبت واستقراء تاريخي ما لم يرد دليل سمعي بذلك، والله أعلم.\n(٢) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ١٧٠، وانظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٣٢٢.\n(٣) \"معاني الزجاج\" ٢/ ١٦٢.\n(٤) لم أقف على هذا الأثر، وقد أخرج الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ١٧٠ - ١٧١ من طريق عطاء عن ابن عباس قال: الرجل يكون له الدار والخادم والزوجة، وضعف أحمد شاكر وإسناده.\n(٥) أي: الذي ضربه موسى فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا.\n(٦) \"تفسيره\" ١/ ١٩١، وأخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ١٧٠.","vol":"7","page":322},{"text":"المقدسة معناها في اللغة: المُطهّرة (١)، طهرت تلك الأرض من كثير من الشرك، وجعلت مسكنًا وقرارًا للأنبياء (٢).\nقال قتادة: هي الشام كلها (٣). ومعنى المقدسة في قول قتادة المباركة (٤)، وبه قال ابن الأعرابي من أهل اللغة (٥).\nوقال عكرمة والسدي وابن زيد: هي أريحا (٦).\nالكلبي: دمشق وفلسطين وبعض الأردن (٧).\nوقوله تعالى: ﴿الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾. قال عطاء عن ابن عباس: يريد فرض عليكم دخولها (٨).\nوبه قال قتادة، قال: أمروا بها كما أمروا بالصلاة (٩). ونحو منه قول السدي: أمركم الله بدخولها (١٠).\n_________\n(١) \"معاني الزجاج\" ٢/ ١٦٢، و\"بحر العلوم\" ١/ ٤٢٧.\n(٢) انظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٣٢٣.\n(٣) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ١٧٢، وانظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٣٢٣.\n(٤) جاء هذا القول صريحًا عن مجاهد، انظر: الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ١٧٢.\n(٥) انظر: \"لسان العرب\" ٦/ ٣٥٥٠ (قدس).\n(٦) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ١٧٢ عن ابن زيد والسدي، وانظر البغوي في \"تفسيره\" ٣/ ٣٥. وأريحا مدينة في الأردن بينها وبين بيت المقدس يوم. انظر \"معجم البلدان\" ١/ ١٦٥.\n(٧) البغوي في \"تفسيره\" ٣/ ٣٥، و\"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ١١١. وبهذا القول قال الزجاج. انظر: \"معاني القرآن\" ٢/ ١٦٢، و\"النكت والعيون\" ٢/ ٢٥.\n(٨) انظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٣٢٤.\n(٩) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ١٧٣، وانظر البغوي في \"تفسيره\" ٣/ ٣٦.\n(١٠) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ١٧٣، وانظر البغوي في \"تفسيره\" ٣/ ٣٦، و\"زاد المسير\" ٢/ ٣٢٤.","vol":"7","page":323},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ﴾.\nيحتمل تأويلين:\nأحدهما: لا ترجعوا إلى دينكم الشرك بالله وإلى معصيته (١).\nوإلى هذا أشار ابن عباس فقال (٢): يريد لا تعصوا ربكم (٣).\nوالثاني: لا ترجعوا عن الأرض التي أمرتم بدخولها (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-873>٢٢ </span>- قوله تعالى: ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ﴾.\nقال المفسرون: هم العمالقة فرقة من عاد (٥).\nوللجبار ههنا معنيان: قال الأخفش: أراد الطُّول والقوة والعظم (٦). وكأنه ذهب في هذا إلى الجَبَّار من النخل، وهو الطويل الذي فات الأيدي، ويقال: رجل جَبَّار، إذا كان طويلًا عظيمًا قويًّا، تشبيهًا بالجبار من النخل (٧).\n_________\n(١) انظر: \"النكت والعيون\" ٢/ ٢٥، و\"زاد المسير\" ٢/ ٣٢٤، والقرطبي في \"تفسيره\" ٦/ ١٢٦.\n(٢) في (ش): (قال).\n(٣) لم أقف عليه.\n(٤) انظر: الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ١٧٣، و\"النكت والعيون\" ٢/ ٢٥، والقرطبي في \"تفسيره\" ٦/ ١٢٦.\nوقال القرطبي في \"تفسيره\" بعد أن ذكر الوجهين: والمعنى واحد.\n(٥) انظر البغوي في \"تفسيره\" ٣/ ٣٦، القرطبي في \"تفسيره\" ٦/ ١٢٦.\n(٦) ليس في \"معاني القرآن\" للأخفش، وقد نسبه الأزهري إلى أبي الحسن اللحياني. انظر: \"تهذيب اللغة\" ١/ ٥٣٢ (جبر).\n(٧) من \"تهذيب اللغة\" ١/ ٥٣٢ (جبر)، وانظر البغوي في \"تفسيره\" ٣/ ٣٦، و\"اللسان\" ١/ ٥٣٥ (جبر).","vol":"7","page":324},{"text":"وهذا معنى قول قتادة: كانت لهم أجسما وخلق عجيب ليس لغيرهم (١). ويحتمل أن يكون معنى الجَبّار ههنا من أجبره على الأمر، إذا أكرهه عليه.\nقال الأزهري: وهي لغة معروفة، وكثير من الحجازيين يقولونها، وكان الشافعي -﵀- يقول: جبره السلطان (٢).\nوجائز أن يكون الجبّار من: أجبره على الأمر، إذا أكرهه عليه.\nقال الفراء: لم أسمع فعَّالا من أفْعَل إلا في حرفين، وهما: جبّار من أَجْبَر، ودرَّاك من أدْرَك (٣).\nوهذا الوجه اختيار الزجاج، قال في هذه الآية: تأويل الجبّار من الآدميين العاتي الذي يجبر الناس على ما يريد (٤).\nقال المفسرون: وبلغ من جبرية هؤلاء، أن موسى لما بعث النقباء ليتحسسوا (٥) له أخبار هؤلاء رآهم واحد من الجبارين، فأخذهم وحملهم في كُمِّه مع فاكهةٍ كان حملها من بستانه، وأتى بهم الملك، فنثرهم بين يديه، وقال معُجّبًا للملك: هؤلاء يريدون قتالنا. فقال الملك: ارجعوا إلى صاحبكم فأخبروه خبرنا (٦).\n_________\n(١) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ١٧٤، وانظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٣٢٤.\n(٢) \"تهذيب اللغة\" ١/ ٥٣٣، وانظر: \"اللسان\" ١/ ٥٣٦ (جبر).\n(٣) من \"تهذيب اللغة\" ١/ ٥٣٢، وانظر: \"اللسان\" ١/ ٥٣٤ (جبر).\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١٦٣، وانظر: \"بحر العلوم\" ١/ ٤٢٧، و\"زاد المسير\" ٢/ ٣٢٤.\n(٥) في (ش): (ليتجسسو ا) بالجيم.\n(٦) أخرج الأثر مطولًا الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ١٧٤، ونقله ابن كثير في \"تفسيره\" ٢/ ٤٣، وقال: وفي هذا الإسناد نظر.","vol":"7","page":325},{"text":"وللجبار معانٍ نذكرها في مواضعها إن شاء الله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-874>٢٣ </span>- قوله تعالى: ﴿قَالَ رَجُلَانِ﴾. قال ابن عباس ومجاهد والسدي وقتادة والربيع: هما يوشَع بن نون، وكالب بن يوفنا (١).\n﴿مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ﴾. قال عطاء وقتادة: يخافون الله في مخالفة أمره بقتال الجبارين (٢).\nوقوله تعالى: ﴿أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾. قال الحسن: الإسلام (٣). وقال عطاء: يريد بالصلاح والفضل واليقين (٤).\n﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ﴾.\nقال المفسرون: إنهما قالا لبني إسرائيل: نحن أعلم بالقوم، إنهم قد مُلِئُوا منا رعبًا، وإنا رأيناهم وكانت (٥) أجسامهم عظيمة قوية وقلوبهم ضعيفة (٦).\nقال (٧) أهل المعاني: إنما قالا هذا القول؛ لأن الله كان قد أنعم عليهما باليقين، فعلما أن الله ينجز وعده مع حكمه بأنه كتبها لهم وما تقدم\n_________\n(١) انظر: الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ١٧٤ - ١٧٥، و\"بحر العلوم\" ١/ ٤٢٧، و\"زاد المسير\" ٢/ ٣٢٦، وابن كثير في \"تفسيره\" ٢/ ٤٤.\n(٢) انظر: \"بحر العلوم\" ١/ ٤٢٨، و\"النكت والعيون\" ٢/ ٢٦، و\"زاد المسير\" ٢/ ٣٢٦.\n(٣) \"النكت والعيون\" ٢/ ٢٦، ونسبه ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٢/ ٣٢٦ إلى ابن عباس.\n(٤) \"زاد المسير\" ٢/ ٣٢٦.\n(٥) في (ج): (فكانت).\n(٦) فانظر: الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ١٧٨ - ١٧٩، و\"بحر العلوم\" ١/ ٤٢٨، والبغوي في \"تفسيره\" ٣/ ٣٦، و\"زاد المسير\" ٢/ ٣٢٦.\n(٧) في (ش): (وقال).","vol":"7","page":326},{"text":"من وعد موسى إياهم، فلذلك قالا: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ﴾ (١).\n﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أي عليه توكلوا في نصره إياكم على الجبارين إن كنتم مصدقين به وبما أتاكم به رسوله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-875>٢٤ </span>- قوله تعالى: ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا﴾.\nقال المفسرون: إن عشرة من النقباء نقضوا العهد، وقالوا لبني إسرائيل: إن الرجل الواحد من هؤلاء الجبارين يدخل المائة منا في كُمِّه، ورأينا حصونًا ممتنعة وجبابرة، فلا يدان لنا بهم، فجَبُن القوم وخافوا ولم يثقوا بنصر الله، وقالوا: إنا لسنا نقبل مشورةً في دخولها ولا أمرًا وفيها هؤلاء الجبارون، ولما أمرهم يوشع وكالب بدخول القرية عصوهما وأرادوا أن يرجموهما بالحجارة، وقالوا: يا موسى نكذب عشرة ونصدق اثنين (٢).\nوقوله تعالى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ﴾.\nقال أبو إسحاق: كلام العرب: اذهب أنت وزيد، ويستقبح النحويون: اذهب وزيد؛ لأنه يقبح العطف على المضمر والمضمر (في النية) (٣)، فكان الاسم يصير معطوفًا على ما هو متصل بالفعل غير مفارق له (٤).\nوقال الفراء: ولو ألقيت (أنت) فقيل: اذهب وربك، كان صوابًا؛ لأنه في إحدى القراءتين: ﴿إنه يراكم وقبيلُه﴾ [الأعراف: ٢٧]، واذهب\n_________\n(١) انظر: الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ١٧٨، و\"النكت والعيون\" ٢/ ٢٦، والبغوي في \"تفسيره\" ٣/ ٣٧.\n(٢) أخرجه بمعناه الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ١٧٩ - ١٨٠، وانظر: \"بحر العلوم\" ١/ ٤٢٨، والبغوي في \"تفسيره\" ٣/ ٣٧.\nوقد سبق قريبًا كلام ابن كثير في \"تفسيره\" على مثل هذا الخبر.\n(٣) في \"معاني الزجاج\" ٢/ ١٦٤: في النية لا علامة له.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١٦٤.","vol":"7","page":327},{"text":"أنت وربك أكثر في كلام العرب، وذلك أنه العطف على الاسم المضمر المرفوع؛ لأن المرفوع خفي في الفعل وليس كالمنصوب؛ لأن المنصوب يظهر، فتقول: ضربته وزيدًا، وضربتك وزيدًا. وتقول في المرفوع: قام، وقاما، فلا ترى اسمًا منفصلًا في الأصل من الفعل، فلذلك أوثر إظهاره (١)، (فقيل: قام هو وعمرو) (٢). قال (٣): وإذا فرقت بين الاسم المعطوف بشيء قد وقع عليه الفعل حسن بعض الحسن، من ذلك قولك: (ضربت زيدًا وعمرًا (٤»، فلو لم يكن (زيد) (٥) لقلت: (ضربت أنا وعمرو) (٦). ومن هذا قوله تعالى: ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ﴾ [يونس: ٧١]، وقوله تعالى: ﴿أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا﴾ [النمل: ٦٧].\nقال الزجاج: وإنما جاز لأن المفعول يقوي الكلام كما يقوي الكلام دخول لا، قال الله تعالى: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا﴾ [الأنعام: ١٤٨] (٧). فصار ذِكرُ لا وذكرُ المفعول عوضًا من المنفصل.\nواختلفوا في معنى قوله: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا﴾، فقال أصحاب المعاني:\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" ١/ ٣٠٤.\n(٢) ما بين القوسين زيادة على \"معاني القرآن\".\n(٣) أي الفراء.\n(٤) في \"معاني القرآن\": ضربت زيدا وأنت.\n(٥) في (ج): (زيدا).\n(٦) في \"معاني القرآن\" ١/ ٣٠٤: قمت أنا وأنت، وقمت وأنت قليل. وقد أنتهى إلى هنا كلام الفراء، وما بعده من أمثله لعله من المؤلف.\n(٧) انتهى من \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١٦٤.","vol":"7","page":328},{"text":"إن كانوا قالوه على وجه الذهاب من مكان إلى مكان فهو كفر؛ لأنه على وجه الجهل بالله ﷿ (١)، وإن قالوه على وجه الخلاف لأمره ولنبيه فهو فسق (٢).\nوقال الحسن: هذا القول كفر منهم بالله (٣).\nوإنما أخبر عنهم بهذا إنكارًا عليهم، وتعجيبًا من جهلهم.\nوقال بعضهم: إنهم قالوه على المجاز، على تأويل: اذهب أنت وربك معينٌ لك، فأضمر خبر الابتداء (٤).\nوالأول أظهر لقيام قوله: ﴿فَقَاتِلَا﴾ مقام خبر الابتداء.\n_________\n(١) قال الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ١٨٠: وكان بعضهم يقول في ذلك: ليس معنى الكلام: اذهب أنت وليذهب معك ربك فقاتلا، ولكن معناه: اذهب أنت يا موسى وليُعِنْك ربك، وذلك أن الله عز ذكره لا يجوز عليه الذهاب، ولعل الطبري في \"تفسيره\" يقصد بهذا القائل أبا عبيدة. انظر: \"مجاز القرآن\" ١/ ١٦٠، ثم رد هذا القول بقوله: وهذا إنما كان يحتاج إلى طلب المخرج له لو كان الخبر عن مؤمنين، فأما قوم أهل خلاف على الله عز ذكره ورسوله، فلا وجه لطلب المخرج لكلامهم فيما قالوا في الله ﷿، وافتروا عليه إلا بما يشبه كفرهم وضلالتهم. وقد ذكر عن المقداد أنه قال لرسول الله - ﷺ - خلاف ما قال قوم موسى لموسى: حدثنا سفيان، عن طارق: أن المقداد بن الأسود قال للنبي - ﷺ -: إنا لا نقول كما قالت بنو إسرائيل: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾، ولكن نقول: اذهب أنت وربك فقاتلا إن معكم مقاتلون. \"جامع البيان\" ٦/ ١٨٠، وانظر ابن كثير في \"تفسيره\" ٢/ ٤٥.\n(٢) انظر القرطبي في \"تفسيره\" ٦/ ١٢٨.\n(٣) أورده المؤلف في \"الوسيط\" ٣/ ٨٥٠، وذكره القرطبي في \"تفسيره\" ٦/ ١٢٨، وأبو حيان في \"البحر المحيط\" ٣/ ٤٥٦.\n(٤) انظر: \"مجاز القرآن\" ١/ ١٦٠، و\"بحر العلوم\" ١/ ٤٢٨، و\"زاد المسير\" ٢/ ٤٢٧، والقرطبي في \"تفسيره\" ٦/ ١٢٨، و\"البحر المحيط\" ٣/ ٤٥٦.","vol":"7","page":329},{"text":"وحكى بعض المفسرين أنهم أرادوا بقولهم: ﴿وَرَبُّكَ﴾ أخاه هارون، قال: وكان أكبر من موسى (١).\nوالظاهر أنهم قالوا هذا جهلًا منهم، وفسقوا بذلك؛ لأن الله تعالى قال في هذه القصة: ﴿فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾، يريدهم (٢).\nقال الزجاج: أعلم الله تعالى أن أهل الكتاب لم يزالوا غير قابلين من الأنبياء قبل النبي - ﷺ - وأن الخلاف شأنهم (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-876>٢٥ </span>- قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي﴾. يقول: لم يطعني منهم إلا نفسي وأخي.\nقال أهل المعاني: تأويله أنه لا يملك إلا تصريف نفسه في طاعة الله؛ لأن نفسه (لا تكون (٤» في حكم المملوك له (٥).\nوذكر أبو إسحاق في إعراب قوله: ﴿وَأَخِي﴾ وجهين:\nأحدهما: أن يكون رفعًا من جهتين: الأولى: أن يكون نَسَقًا على موضع (إني)، المعنى: أنا لا أملك إلا نفسي وأخي كذلك، ومثله قوله تعالى: ﴿أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة: ٣]، والثانية: أن يكون عطفًا على الضمير في (أملك) وهو: أنا، والمعنى: لا أملك أنا وأخي إلا أنفسنا.\nوالوجه الثاني: أن يكون (أخي) في موضع نصب من جهتين: إحدهما: أن يكون نسقًا على الياء، المعنى: إني وأخي لا نملك إلا\n_________\n(١) انظر: \"بحر العلوم\" ١/ ٤٢٨، والقرطبي في \"تفسيره\" ٦/ ١٢٨، و\"البحر المحيط\" ٣/ ٤٥٦.\n(٢) انظر القرطبي في \"تفسيره\" ٦/ ١٢٨.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١٦٣.\n(٤) لعل الصواب: تكون بدون لا، مع أن لا غير واضحة في (ج).\n(٥) انظر: الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ١٨٠.","vol":"7","page":330},{"text":"أنفسنا، وجائز (١) أن يكون (أخي) معطوفًا على (نفسي) فيكون المعنى: لا أملك إلا نفسي ولا أملك إلا أخي؛ لأن أخاه إذا كان مطيعًا له فهو مالك طاعته (٢).\nوقوله تعالى: ﴿فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ قال الكلبي: فاقض بيننا وبين القوم العاصين (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-877>٢٦ </span>- قوله تعالى: ﴿قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ﴾ الآية.\nقال عطاء عن ابن عباس: حرم الله على الذين عصوا دخول بيت المقدس فماتوا في التِيه أجمعون، ولم يدخل بيت المقدس ممن خرج من مصر أحد، لا موسى ولا هارون ولا أحد منهم، إلا الرجلان اللذان قالا: ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ﴾ يوشع وكالب، دخلا بأبناء الذين خرجوا من مصر بعدما تاهوا أربعين سنة (٤).\nقال الكلبي: قيل لموسى: أما إذ سميتهم فاسقين فإنها محرمة عليهم، فكانوا في التيه أربعين سنة في ستة فراسخ، وقُبِضَ هارون وموسى في التِّيه (٥).\n_________\n(١) لعل هذا الجائز هو الجهة الثانية من الوجه الثاني.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١٦٤، ١٦٥، وانظر: \"مشكل إعراب القرآن\" ١/ ٢٢٣، والقرطبي في \"تفسيره\" ٦/ ١٢٨.\n(٣) \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ١١٢. ونسبه ابن الجوزي إلى ابن عباس، انظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٣٢٩.\n(٤) أخرجه بمعناه الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ١٨٣ لكن من طريق عكرمة عن ابن عباس، وانظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٣٣٠، والقرطبي في \"تفسيره\" ٦/ ١٣٠، وابن كثير في \"تفسيره\" ٢/ ٤٤.\nوهذا قول، وسيأتي أن الراجح أن موسى ﵇: هو الذي فتح مدينة الجبارين.\n(٥) انظر: \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ١١٢.","vol":"7","page":331},{"text":"وقال الحسن: لم يمت موسى في التِّيه (١).\nواختلفوا: أيضًا هل دخل مدينة الجبارين أم لا؟، فقال قوم: كان الفتح على يديه.\nوقال قوم إنما قاتل الجبارين يوشع، ولم يَسِر إليهم إلا بعد موت موسى (٢).\nفإن قيل: كيف قال: ﴿قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ﴾ وقد قال: ﴿يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾؟\nقيل: قوله: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ المراد به من دخلها من أولادهم وذراريهم، فأما من مات في التيه ولم يدخلها فإنها لم تكتب لهم.\nوالمراد: بهذا التحريم تحريم منع لا تحريم تعبد، كما تقول: حرام عليك دخول داري، أي أني أمنعك ذلك فلا تدخل، ليس أنه يحرم عليه بالشرع.\nوقوله تعالى: ﴿أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾.\nقال الفراء: هي منصوبة بالتحريم، ولو نصبتها بـ (يتيهون) كان صوابًا (٣).\nقال الزجاج: أما نصبه بـ (محرمة) فخطأ؛ لأن التفسير جاء بأنها\n_________\n(١) لم أقف عليه.\n(٢) رجح الطبري في \"تفسيره\" وغيره القول الأول وأن موسى ﵇ هو الذي فتح مدينة الجبارين. انظر: \"جامع البيان\" ٦/ ١٨٢، والبغوي في \"تفسيره\" ٣/ ٣٨، و\"زاد المسير\" ٢/ ٣٣٠، والقرطبي في \"تفسيره\" ٦/ ١٣١.\n(٣) \"معاني القرآن\" ١/ ٣٠٥، وانظر: الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ١٨٤، و\"مشكل إعراب القرآن\" ١/ ٢٢٣.","vol":"7","page":332},{"text":"حرمة عليهم أبدًا (١)، كذلك قال ابن عباس في رواية عطاء وسائر المفسرين (٢).\nوقوله تعالى: ﴿يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ﴾.\nيقال: تاه يتيه تَوْهًا وتِيها، والتِّيه أعمهما، ويقال: توهّتُه، وتيّهتُه، والواو أعم، والتَّيهاء: الأرض التي لا يُهتدى فيها، يقال: أرض تِيهٌ وتيهًا ومتيهة، يتيه فيها الإنسان (٣).\nقال مجاهد والحسن: كانوا يصبحون حيث أمسوا، ويمسون حيث أصبحوا (٤).\nقال الزجاج: عذبهم الله ﷿ بأن مكثوا في التيه أربعين سنة سيارة، لا يقرّ بهم القرار، إلى أن مات البالغون الذين عصوا الله ونشأ الصغار.\nفإن قيل: التيه عذاب، والأنبياء لا يعذبون، فكيف عذب موسى وهارون بالتيه؟\nقيل: إن الله ﷿ سهّل عليهما ذلك كما سهل على إبراهيم النار فجعلها بردًا وسلامًا وشأنها الإحراق (٥).\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١٦٥، وانظر: \"مشكل إعراب القرآن\" ١/ ٢٣٣. وقد فصل مكي في \"الإعراب\" بما فيه جمع بين القولين.\n(٢) لم أجده عن ابن عباس، وأخرجه الطبري في \"تفسيره\" عن قتادة ٦/ ١٨٤. ونحوه عن غيره. انظر: \"جامع البيان\" ٦/ ١٨١ - ١٨٢.\n(٣) \"تهذيب اللغة\" ١/ ٤٢٣ (تيه)، وانظر القرطبي في \"تفسيره\" ٦/ ١٢٩.\n(٤) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ١٨٥ عن مجاهد، وانظر: \"تفسير الهواري\" ١/ ٤٦٢.\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١٦٥، ١٦٦ بتصرف يسير.","vol":"7","page":333},{"text":"وقوله تعالى: ﴿فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ قال ابن عباس: يريد لا تحزن على القوم الذين عصوك وعصوني (١).\nوقال مقاتل: إنهم قالوا لموسى: ما صنعت بنا؟ وندم موسى على ما دعا عليهم، فأوحى الله إليه: ﴿فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ (٢).\nيقال: أسي يأسى أسًى، أي: حزن (٣).\nوقال الزجاج: وجائز أن يكون خطابًا لمحمد - ﷺ - أي لا تحزن على قومٍ لم يزل شأنهم المعاصي ومخالفة الرسل (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-878>٢٧ </span>- قوله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ﴾.\nقال ابن عباس في رواية عطاء: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ﴾ يا محمد، يريد على قومك، ﴿نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ﴾ كما كان، يريد هابيل وقابيل. وكان هابيل له ضأن، وقابيل له زرع، ﴿إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا﴾ فنظر هابيل إلى خير كبش في ضأنه فتقرب به إلى الله، ونظر قابيل إلى شر قمحه، فتقرب به إلى الله، فنزلت نار من السماء فاحتملت قربان هابيل، ولم تحمل قربان قابيل، فعلم أن الله قد قَبِلَ من أخيه ولم يقبل منه فحسده، قال الله تعالى: ﴿فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا﴾ يريد هابيل ﴿وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ﴾ يريد قابيل. ويقال إن قربان هابيل هو الكبش الذي فدى الله به إسماعيل (٥) ﴿قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ﴾ هابيل ﴿إِنَّمَا\n_________\n(١) \"تفسيره\" ص ١٧٦، وأخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ١٨٦ بلفظ: لا تحزن لا غير.\n(٢) بنحوه في \"تفسيره\" ١/ ٤٦٧، ٤٦٨.\n(٣) انظر: \"غريب القرآن\" لابن قتيبة ص ١٣٩، والطبري في \"تفسيره\" ٦/ ١٨٥.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١٦٦، وانظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٢٣١.\n(٥) كأن هذا القول اعتراض ضمن قول ابن عباس، فإنه نُسِب إلى سعيد بن جبير. انظر القرطبي في \"تفسيره\" ٦/ ١٣٤.","vol":"7","page":334},{"text":"يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾. انتهى كلامه (١).\nوهذا قول جميع أهل التفسير إلا الحسن والضحاك فإنهما قالا: إن ابني آدم اللذين قربا قربانًا لم يكونا ابني آدم لصلبه، إنما كانا رجلين من بني اسرائيل (٢).\nومضى الكلام في معنى القربان في سورة آل عمران.\nوتقديره قوله: ﴿إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا﴾ قرب كل واحد منهما قربانا، نجمعهما في الفعل وأفرد الاسم؛ لأنه يستدل بفعلها على أن لكل واحد قربانًا.\nوقيل: إن القربان اسم جنس، فهو يصلح للواحد وللعدد، على أن القربان مصدر كالرُّجحان والعُدوان والكُفران، يقال: قَرَّبْت الرجل (٣) أقربه قُربًا وقُربانًا (٤).\nوكان الرجل فيما مضى إذا رفع إلى الله حاجة قدم أمامها نسيكة، وكاذت تلك الذبيحة تسمى: قربانا، إذ (٥) كان صاحبها يتقرب إلى الله،\n_________\n(١) الأثر أخرجه الطبري في \"تفسيره\" بمعناه من طريقين: أحدهما طريق العوفي عن ابن عباس، والثاني طريق أبي صالح عنه.\nانظر: \"جامع البيان\" ٦/ ١٨٦ - ١٨٩، وذكره البغوي في \"تفسيره\" ٦/ ٤٢، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٢/ ٣٣٣.\n(٢) أخرجه عن الحسن الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ١٨٩، وانظر: \"النكت والعيون\" ٢/ ٢٧، \"زاد المسير\" ٢/ ٣٣١، ورجح كل من الطبري في \"تفسيره\" وابن الجوزي القول الأول، وأنهما ابني آدم لصلبه.\n(٣) قربت الرجل: أي أدنيته، من القرب ضد البعد. انظر: \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٩١٥ (قرب).\n(٤) انظر: الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ١٩٠، \"زاد المسير\" ٢/ ٣٣٢.\n(٥) في (ج): (إذا).","vol":"7","page":335},{"text":"فسمي المتقرب به قربانًا، والمصادر لا تثنى ولا تجمع.\nوقوله تعالى: ﴿قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ﴾.\nمختصر، أي قال الذي لم يتقبل منه للثاني: لأقتلنك، فحذف لأن المعنى يدل على أن الذي لم يتقبل منه هو القائل بحسده لأخيه: لأقتلنك. قاله الفراء (١). ومثله في الكلام أن تقول إذا اجتمع السفيه والحليم: حمد، تنوي بالحمد الحليم. وإذا رأيت الظالم والمظلوم: أعنت، وأنت تنوي المظلوم، للمعنى الذي لا يُشكل (٢).\nوقوله تعالي: ﴿قَرَّبَا﴾.\nليس معناه من القريب الذي هو ضد البعيد، ولكنه من قولهم قرّب قربانًا، إذا تقرب بمال له (٣) إلى الله تعالى، وليس معنى ﴿قَرَّبَا قُرْبَانًا﴾ قربه إلى موضع.\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾.\nأي المتقين للمعاصي (٤)، فأطلق للعلم بأن المراد أنها أحق ما يجب أن يُخَاف منه.\nقال ابن عباس: قال له هابيل: إنما يتقبل الله ممن كان زاكيَ القلب، ورد عليك لأنك لست بزاكي القلب (٥).\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" ١/ ٣٠٥، ولا يزال الكلام له.\n(٢) انتهى من \"معاني القرآن\" ١/ ٣٠٥، وانظر: \"معاني الزجاج\" ٢/ ١٦٦، \"زاد المسير\" ٢/ ٣٣٤.\n(٣) في (ش): (لنا).\n(٤) انظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٣٣٤.\n(٥) \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ١١٢.","vol":"7","page":336},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-879>٢٨ </span>- قوله تعالى: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ﴾ الآية.\nيقال في هذا: لِمَ لَمْ يدفع ابن آدم أخاه عن نفسه وإن أدّى إلى قتله؟\nقيل: معناه: لئن بدأتني بالقتل فما أنا الذي أبدؤك بالقتل (١).\nوهذا يُروى عن ابن عباس (٢) وحُذيفة (٣).\nوقال الحسن ومجاهد: إنه كتب عليهم: إذا أراد الرجل قتل رجل تركه، ولم يمتنع منه (٤).\nوقال أهل العلم: الدافع عن نفسه يدفع بالأيسر فالأيسر، وليس له أن يقصد القتل، بل يقصد الدفع، ثم إن أتى الدفع على القاتل ولم يمكنه الدفع إلا بقتله جاز ذلك، فمن قصد قتل رجل ظُلمًا فالمقصود إن أراد أن يستسلم للقتل جاز له ذلك (٥).\nوكذلك فعل عثمان -﵁- (٦)، وكذلك أمر رسول الله - ﷺ - (٧) محمد بن مسلمة (٨)، فقال له: \"أَلْقِ كُمَّك على وجهك وكن عبد الله\n_________\n(١) انظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٣٣٤.\n(٢) أخرج الطبري في \"تفسيره\" من طريق العوفي عنه في هذه الآية ما أنا بمنتصر، ولأمسكن يدي عنك. \"جامع البيان\" ٦/ ١٩١ - ١٩٢.\n(٣) لم أقف عليه.\n(٤) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ١٩٢، وذكره البغوي في \"تفسيره\" ٣/ ٤٣، والقرطبي في \"تفسيره\" ٦/ ١٣٦.\n(٥) انظر القرطبي في \"تفسيره\" ٦/ ١٣٦، وقال القرطبي في \"تفسيره\": وفي وجوب ذلك [أي الدفع] عليه خلاف، والأصح وجوب ذلك، لما فيه من النهي عن المنكر.\n(٦) حينما ترك الدفاع عن نفسه في فتنة قتله -﵁- انظر ابن كثير في \"تفسيره\" ٢/ ٥٠.\n(٧) الصلاة على النبي - ﷺ - ليست في (ج).\n(٨) هو أبو عبد الرحمن محمد بن مسلمة بن خالد بن عدي الأوسي الأنصاري =","vol":"7","page":337},{"text":"المقتول ولا تكن عبد الله القاتل\" (١).\nوإن أراد أن يدفع القاتل وجب أنْ يَقصد الدفع ولا يقصد القتل، ألا ترى أن ابن آدم قال: ﴿مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ﴾، فبان أن بسط اليد لقتل القاصد للقتل لا يجوز.\nوقال عبد الله بن عمرو في هذه الآية: والله إن كان المقتول لأشد الرجلين، ولكن منعه التحرج أن يبسط يده لأخيه (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-880>٢٩ </span>- قوله تعالى: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ﴾.\nقد مضى الكلام في معنى: باء (٣).\nقال ابن عباس والحسن وقتادة وابن مسعود: تحتمل إثم قتلي وإثمك الذي كان منك قبل قتلي (٤).\n_________\n= صحابي فاضل، شهد بدرًا وأحدًا والمشاهد كلها إلا تبوك، واعتزل الفتنة بعد قتل عثمان -﵁- مات بالمدينة سنة ٤٦ هـ وقيل بعدها. انظر: \" الاستيعاب\" ٣/ ٤٣٣، \"أسد الغابة\" ٥/ ١١٢، \"الإصابة\" ٣/ ٣٨٣.\n(١) لم أقف عليه عن محمد بن مسلمة -﵁- بهذا اللفظ. وقد أخرج معناه عنه ابن الأثير في \"أسد الغابة\" ٥/ ١١٣، وانظر: \"الإصابة\" ٣/ ٣٨٣.\nوالحديث له شاهد من حديث خالد بن عرفطة -﵁- قال: قال لي رسول الله - ﷺ -: \"يا خالد إنها ستكون بعدي أحداث وفتن واختلاف، فإن استطعت أن تكون عبد الله المقتول لا القاتل فافعل\".\nأخرجه الإِمام أحمد في \"مسنده\" ٥/ ٢٩٢، والحاكم في \"مستدركه\" ٤/ ٥١٧، وله شاهد آخر من حديث خباب -﵁- عند أحمد ٥/ ١١٠.\n(٢) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ١٩١، وانظر ابن كثير في \"تفسيره\" ٢/ ٥٠، \"الدر المنثور\" ٢/ ٤٨٤.\n(٣) عند قوله تعالى: ﴿وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٦١].\n(٤) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ١٩٢ - ١٩٣، وانظر: \"النكت والعيون\" ٢/ ٣٠، والبغوي في \"تفسيره\" ٣/ ٤٣، \"زاد المسير\" ٢/ ٣٣٥.","vol":"7","page":338},{"text":"وقال الزجاج: ترجع إلى الله بإثم قتلي وإثمك الذي من أجله لم يتقبل قربانك (١).\nقال ابن الأنباري: وإنما فصل الإثمين وهما على واحد لاختلاف سببهما (٢).\nفإن قيل: كيف قال ابن آدم: إني أريد أن تبوء بالإثمين فجاز أن يريد منه الإثم، وليس للإنسان أن يريد معصية الله من غيره كما ليس له أن يريدها من نفسه؟\nوالجواب: عن هذا من وجوه: أحدها ما ذكره ابن الأنباري، وهو أن قابيل لما قال لأخيه: ﴿لَأَقْتُلَنَّكَ﴾، وعظه هابيل وذكره الله واستعطفه، وقال: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ﴾ الآية، فلما رآه هابيل قد صمم وأخذ له الحجارة يرميه بها، قال له عند الضرورة: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ﴾ أي إذا قتلتني ولم يندفع قتلك إياي إلا بقتلي إياك فمحبتي أن يلزمك إثم قتلي إذا قتلتني، فكان هذا عدلًا من هابيل (٣).\nوإلى هذا أشار الزجاج فقال: أي إن قتلتني فأنا مريد ذلك (٤).\nفهذه الإرادة منه بشرط أن يكون قاتلا له، والإنسان إذا تمنى أن يكون إثم دمه على قاتله لم يلم على ذلك (٥).\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١٦٧، وانظر القرطبي في \"تفسيره\" ٦/ ١٣٧.\n(٢) لم أقف عليه.\n(٣) لم أقف على قول ابن الأنباري، وقد ذكر ابن الجوزي له قولًا خلافه. انظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٣٣٦، ٣٣٧.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١٦٧\n(٥) انظر: الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ١٩٣، والبغوي في \"تفسيره\" ٣/ ٤٣.","vol":"7","page":339},{"text":"وهذا التأويل قال بعضهم معناه: إني أريد أن ترو بعقاب إثمي وإثمك، ثم حذف المضاف، ومن باء بإثم باء بعقاب ذلك الإثم (١).\nوقوله تعالى: ﴿فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾ قال عطاء: يريد إن جهنم جزاء من قتل أخاه وظلمه (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-881>٣٠ </span>- قوله تعالى: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ﴾.\nقال الفراء: فتابعته نفسه وطاوعته (٣).\nوقال المبرد: (طوعت (٤» فعّلت، من الطَّوع (٥).\nوقال أبو عبيد: قال حدثنا يزيد (٦)، عن ورقاء (٧)، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ﴾ قال: شجعته (٨).\n_________\n(١) انظر القرطبي في \"تفسيره\" ٦/ ١٣٨.\n(٢) لم أقف عليه.\n(٣) في \"معاني القرآن\" ١/ ٣٠٥: فتابعته، وانظر: \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢١٥٣ (طاع)، \"زاد المسير\" ٢/ ٣٣٧.\n(٤) ما بين القوسين ساقط من (ج).\n(٥) \"معاني الزجاج\" ٢/ ١٦٧، \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢١٥٣ (طاع). وانظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٣٣٧.\n(٦) يزيد بن هارون بن زاذان السلمي الواسطي، تقدمت ترجمته.\n(٧) هو أبو بشر ورقاء بن عمر بن كليب اليشكري الكوفي الإِمام الثقة الحافظ العابد المقرئ، قال ابن معين: تفسير ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد أحب إلي من تفسير قتادة. مات -﵀- بعد سنة ١٦٠ هـ.\nانظر: \"مشاهير علماء الأمصار\" ص ١٧٥، \"سير أعلام النبلاء\" ٧/ ٤١٩، \"غاية النهاية\" ٢/ ٣٥٨.\n(٨) الأثر بسنده من \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢١٥٣ (طاع)، وهو في \"تفسير مجاهد\" ١/ ١٩٣، وأخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ١٩٥.","vol":"7","page":340},{"text":"قال أبو عبيد: عنى مجاهد أنها أعانته على ذلك وأجابته إليه. ولا أرى أصله إلا من الطواعية (١).\nقال الأزهري: والأشبه عندي أن يكون معنى: (طوعت) سمحت وسهّلت له نفسه (قتل أخيه) أي جعلت نفسه قتل أخيه سهلًا وهوّنته (٢).\nوتقدير الكلام: فصورت له نفسه أن قتل أخيه طوعٌ له سهلٌ عليه، فينتصب القتل على هذا من غير إضمار ولا حذف (٣) خافض.\nواختار الزجاجي هذا الوجه فقال: طوّع فعل من طَاع الشيء يطوع إذا سهُل وانقاد، و﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ﴾ أي سهلت الأمر فيه عليه (٤).\nوأما قول (٥) الفراء والمبرد فانتصاب قوله: ﴿قَتْلَ أَخِيه﴾ على إفضاء الفعل إليه بعد حذف الخافض، كأنه قيل (٦): فطوعت له نفسه أن انقادت في قلت أخيه ولقتل أخيه، فحذف الخافض وأفضى الفعل إليه فنصبه (٧). هذا كلام أهل اللغة.\nوأما المفسرون فقال ابن عباس في رواية عطاء: فسولت له نفسه قتل أخيه (٨).\n_________\n(١) \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢١٥٣ (طاع).\n(٢) \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢١٥٣، (طاع)، وانظر البغوي في \"تفسيره\" ٣/ ٤٣.\n(٣) في (ش): (حرف).\n(٤) لم أقف عليه. انظر: \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢١٥٣ (طاع)، والبغوي في \"تفسيره\" ٣/ ٤٣.\n(٥) في (ش): (وأما على قول).\n(٦) في (ش): (قتل).\n(٧) انظر القرطبي في \"تفسيره\" ٦/ ١٣٨.\n(٨) لم أقف عليه.","vol":"7","page":341},{"text":"وقال قتادة: زينت له نفسه (١).\nوقال يمان (٢): سهلت له ذلك (٣).\nوقال عبد العزيز بن يحيى (٤): أجابته إلى ذلك (٥).\nوقال الكلبي: تابعته نفسه على قتل أخيه (٦).\nوقوله تعالى: ﴿فَقَتَلَهُ﴾.\nقال المفسرون: لم يدر قابيل كيف يقتل هابيل، فتمثل له إبليس وأخذ طيرًا فوضع رأسه على حجر ثم شدخ رأسه بحجر آخر، وقابيل ينظر فعلّمه القتل، ثم وجد قابيل أخاه هابيل يومًا نائمًا، فرفع صخرة، فشدخ رأسه فمات (٧).\nوروى مسروق عن عبد الله (٨) عن رسول الله - ﷺ - قال: \"لا تقتل نفس\n_________\n(١) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ١٩٥، وانظر: \"بحر العلوم\" ١/ ٤٢٩.\n(٢) يمان بن رئاب، تقدمت ترجمته.\n(٣) انظر: \"الوسيط\" ٣/ ٨٥٧، والبغوي في \"تفسيره\" ٣/ ٤٣، وهذا اختيار الأزهري كما تقدم، مع أن الأقوال متقاربة من حيث المعنى.\n(٤) لعله عبد العزيز بن يحيى بن عبد العزيز الكناني المكي الذي ناظر بشرًا المريسي في نفي خلق القرآن، وينسب إليه كتاب \"الحيدة\" في ذلك واستبعد الذهبي هذه النسبة، كان من فقهاء الشافعية، وذكر أنه صَحِب الشافعي مدة ولم يذكر تاريخ وفاته.\nانظر: \"طبقات الفقهاء\" للشيرازي ص ١٤، \"ميزان الاعتدال\" ٣/ ٣٥٣، \"طبقات الشافعية\" للإسنوي ١/ ٤١.\n(٥) لم أقف عليه.\n(٦) لم أقف عليه. وقد نسبه ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٢/ ٣٣٧ إلى ابن عباس.\n(٧) أخرجه بنحوه عن ابن جريج: الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ١٩٥، وانظر: \"بحر العلوم\" ١/ ٤٢٩، \"النكت والعيون\" ٢/ ٣٠، والبغوي في \"تفسيره\" ٣/ ٤٣، \"زاد المسير\" ٢/ ٣٣٧، وابن كثير في \"تفسيره\" ٢/ ٥١.\n(٨) ابن مسعود ﵁.","vol":"7","page":342},{"text":"ظلمًا إلا كان عى ابن آدم كفل من دمها، وذلك أنه أول من سن القتل\" (١).\nوجاء رجل إلى علي بن أبي طالب فقال: يا أمير المؤمنين من اللذان يقول الله لهما: ﴿رَبَّنَا أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ [فصلت: ٢٩]؟ فقال علي: هو إبليس وابن آدم الذي قتل أخاه، كانا أول من عمل بالمعصية (٢).\nوقوله تعالى: ﴿فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [المائدة: ٣٠].\nقال ابن عباس: يريد خسر دنياه وآخرته، أما الدنيا فأسخط والديه وبقي بلا أخ، وأما الآخرة فأسخط ربه وصار إلى النار (٣).\nقال المفسرون: إن قابيل لما قتل أخاه هرب إلى عدن من أرض اليمن، فأتاه إبليس وقال له: إنما أكلت النار قربان هابيل؛ لأنه كان يخدم النار ويعبدها، فانصب أنت أيضًا نارًا تكون لك ولعقبك، فبنى (٤) بيت نار، فهو أول من نصب النار وعبدها (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-882>٣١ </span>- قوله تعالى: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ﴾ الآية.\nقال المفسرون: إن قابيل لما قتل أخاه تركه بالعراء، ولم يدر ما يصنع؛ لأنه كان أول ميت على وجه الأرض من بني آدم، فقصده السباع، فحمله في\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٣٣٣٥) كتاب الأنبياء، باب (١): خلق آدم وذريته ٤/ ١٠٤، ومسلم (١٦٧٧) كتاب القسامه، باب (٧): بيان إثم من سن القتل ٣/ ١٣٠٣ (ح ٢٧) والمؤلف في \"الوسيط\" ٣/ ٨٥٨.\n(٢) أخرجه بمعناه الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ١٩٥ (الطبعة غير المحققة)، والحاكم ٢/ ٣١٢، وصححه ووافقه الذهبي، وانظر: \"الدر المنثور\" ٢/ ٤٨٨.\n(٣) انظر: \"الوسيط\" ٣/ ٨٥٧، \"زاد المسير\" ٢/ ٣٣٨، \"البحر المحيط\" ٣/ ٤٦٥.\n(٤) في (ج): (فبنا).\n(٥) جاء ذلك في أثر طويل رُوي عن ابن عباس. انظر البغوي في \"تفسيره\" ٣/ ٤٥، والقرطبي في \"تفسيره\" ٦/ ١٣٩","vol":"7","page":343},{"text":"جراب على ظهره حتى أَرْوح، فبعث الله غُرابًا يبحث في الأرض (١).\nقال ابن عباس: وكان غرابين اقتتلا، فقتل أحدهما صاحبه، وقابيل ينظر، ثم بحث في الأرض حتى جعل له حفرة فدفنه فيها، ففعل قابيل مثل ما فعل الغراب (٢).\nقال ابن قتيبة: وهذا مختصر، والتقدير: فبعث الله غُرابًا يبحث في الأرض على غراب ميت (٣).\nقال الضحاك: ﴿يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ﴾ يثير التراب من الأرض (٤).\n﴿لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ﴾. أي: جيفته، وقيل: عورة أخيه (٥).\nوقوله تعالى: ﴿يَا وَيْلَتَا﴾.\nقال الزجاج: المعنى يا ويلتا تعالي، فإنه من إبّانك (٦)، أي: قد لزمني الويل، وكذلك: يا عجبًا، المعنى: يا أيها العجب هذا وقتك. قال: والوقت في غير القرآن: يا ويلتاه (٧).\n_________\n(١) أخرجه بمعناه عن ابن عباس وغيره: الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ١٩٧، وانظر البغوي في \"تفسيره\" ٣/ ٤٤، وابن كثير في \"تفسيره\" ٢/ ٥٢.\n(٢) بمعناه في \"تفسيره\" ص ١٧٦، وأخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ١٩٧ من طرق، وانظر: \"الدر المنثور\" ٢/ ٤٨٩.\n(٣) \"تأويل مشكل القرآن\" ص ٢٣١، وانظر: الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ١٩٨، \"معاني الزجاج\" ٢/ ١٦٧.\n(٤) لم أقف عليه، وانظر: الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ١٩٨.\n(٥) انظر: الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ١٩٩، \"النكت والعيون\" ٢/ ٣٠، \"زاد المسير\" ٢/ ٣٣٨.\n(٦) أي من وقتك أو زمن حاجتك.\n(٧) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١٦٧، ١٦٨ بتصرف.","vol":"7","page":344},{"text":"وذكرنا زيادة بيان في قوله: ﴿يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ﴾ [هود: ٧٢].\nوقوله تعالى: ﴿فَأُوَارِيَ﴾، عطف على: ﴿أَنْ أَكُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾ [المائدة: ٣١].\nحقيقة معنى الندم أنه وضع للزوم، ومنه سمي النديم نديمًا لأنه يلازم المجلس، ويقوي هذا قولهم: نادم سادم، والسدم اللهج بالشيء، يقال: سدم به، إذا أغري به ولزمه، ويقال (١) لمن اهتم بالشيء الفائت: نادم سادم؛ لأن هذا الهّم ألزم للقلب من الهّم لأجل الشيء الحادث؛ لأن هذا يزول بزوال ما حدث، والفائت لا سبيل إلى رده (٢).\nقال كثير من المفسرين: ﴿مِنَ النَّادِمِينَ﴾ على حمله والتطواف به (٣).\nوقال آخرون: ﴿مِنَ النَّادِمِينَ﴾ على ذوات أخيه؛ لأنه لم ينتفع بقتل أخيه، وسخط عليه بسببه أبواه وإخوته، فندم لأجل ذلك، لا لأجل أنه جنى واقترف ذنبًا بقتله، فلم يكن ندمه على الوجه الذي يكون ندم التربة (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-883>٣٢ </span>- قوله تعالى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا﴾ الآية.\nالأجل في اللغة: الجناية، يقال: أجَلَ عليهم شرًّا بأجله أجْلًا، إذا جنى عليهم جناية. ذكره ابن السكيت (٥)، وأبو عبيدة (٦)، والزجاج (٧)،\n_________\n(١) في (ج): (وقال).\n(٢) انظر: \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٥٤٣، \"اللسان\" ٧/ ٤٣٨٦ (ندم).\n(٣) انظر: \"بحر العلوم\" ١/ ٤٣٠، والبغوي في \"تفسيره\" ٣/ ٤٤، \"زاد المسير\" ٢/ ٣٣٩.\n(٤) انظر: \"تفسير الهواري\" ١/ ٤٦٤، \"بحر العلوم\" ١/ ٤٣٠، \"النكت والعيون\" ٢/ ٣١، والبغوي في \"تفسيره\" ٣/ ٤٤، \"زاد المسير\" ٢/ ٣٣٩.\n(٥) انظر: \"تهذيب اللغة\" ١/ ١٢٥ (أجل).\n(٦) في \"مجاز القرآن\" ١/ ١٦٢.\n(٧) في \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١٦٨.","vol":"7","page":345},{"text":"وجميع أهل اللغة، وأنشدوا:\nوأهلِ خِباءٍ (١) صالح ذات بينهم ... قد احتَربُوا في عَاجلٍ أنا آجِلُه (٢)\nأي: أنا جانيه (٣). وفي هذا المعنى أيضًا يقال: جر عليهم جريرة، ثم يقال: فعلت ذلك من أجلك، أي من جنايتك وجريرتك، كأنه يقول: أنت جررتني إلى ذلك، وأنت جنيت علي هذا (٤).\nقال الزجاج: من جنايته ذلك (٥).\nوقال ابن الأنباري: من سبب ذلك. قال: ويقال: فعلت ذلك من أجلك ومن جلالك ومن جلك وجرّاك وجرائك (٦).\nواختلفوا في قوله: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ﴾، فقال بعضهم: إنه من صلة النادمين، على معنى: فأصبح من النادمين من أجل ذلك، أي من أجل أنه حين قتل أخاه لم يواره (٧).\nويُروَى عن نافع أنه كان يقف على قوله: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ﴾ ويجعله من\n_________\n(١) في (ش): جناء.\n(٢) البيت لزُهير بن أبي سُلمى. انظر: \"أشعار الستة الجاهليين\" ص ٣٠٣، \"الدر المصون\" ٤/ ٢٤٧، وينسب لخوات بن جبير كما في \"معاني الزجاج\" ٢/ ١٦٨، \"تهذيب اللغة\" ١/ ١٢٥، واستشهد به أبو عبيدة في \"مجاز القرآن\" ١/ ١٦٣، والطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٢٠٠.\n(٣) \"مجاز القرآن\" ١/ ١٦٤، \"معاني الزجاج\" ٢/ ١٦٨، \"تهذيب اللغة\" ١/ ١٢٥ (أجل)، وانظر: الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٢٠٠.\n(٤) انظر: \"مجاز القرآن\" ١/ ١٦٢، ١٦٤، والطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٢٠٠.\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١٦٨.\n(٦) لم أقف عليه عن ابن الأنباري، وانظر: \"تهذيب اللغة\" ١/ ١٢٥ (أجل).\n(٧) انظر: \"معاني الزجاج\" ٢/ ١٦٨، \"النكت والعيون\" ٢/ ٣١، \"زاد المسير\" ٢/ ٣٤٠، \"البحر المحيط\" ٣/ ٤٦٨.","vol":"7","page":346},{"text":"تمام الكلام الأول (١).\nوعامة المفسرين وأصحاب المعاني على أن قوله: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ﴾ ابتداء كلام، وليس بمتصل بما قبله (٢).\nواحتج ابن الأنباري لهذا بأن قوله: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ﴾ رأس آية، ورأس الآية فصل. قال: ولأنه قد تقدم ما كشف علة الندم فاستغنى النادمون عن: (من أجل ذلك). قال: ولأن من (جعله من صلة للندم أسقط العلة للكتابة، ومن (٣» جعله من صلة الكتابة لا يسقط معنى الندم، إذ قد تقدم ما كشف سببه، فكان هذا أولى (٤).\nوأما التفسير: فقال ابن عباس في رواية عطاء: بسبب قابيل قضينا على (٥) بني إسرائيل (٦).\nوقال الكلبي: من أجل ابني آدم حين قتل أحدهما صاحبه فرضنا على بني إسرائيل (٧).\n_________\n(١) انظر: \"القطع والائتناف\" للنحاس ص ٢٨٦، والمُكتفى في \"الوقف والإبتداء\" ص ٢٣٨، ٢٣٩.\n(٢) وهذا هو الراجح. انظر: الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٢٠٠، \"معاني الزجاج\" ٢/ ١٦٨، \"إيضاح الوقوف والابتداء\" ٢/ ٦١٧، ٦١٨، \"القطع والائتناف\" ص ٢٨٦، \"زاد المسير\" ٢/ ٣٤٠، والقرطبي في \"تفسيره\" ٦/ ١٤٦، \"البحر المحيط\" ٣/ ٤٦٨، \"الدر المصون\" ٤/ ٢٤٨.\n(٣) ما بين القوسين ساقط من (ش).\n(٤) انظر: \"إيضاح الوقف والابتداء\" ٢/ ٦١٧، ٦١٨.\n(٥) في (ج): (إلي).\n(٦) لم أقف عليه، وانظر: \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ١١٣.\n(٧) انظر: \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ١١٣، وورد نحوه عن الضحاك، انظر: الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٢٠٠","vol":"7","page":347},{"text":"﴿أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾. قال ابن عباس: بغير قود (١).\nوقوله تعالى: ﴿أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ﴾ قال الكلبي: أو شرك في الأرض (٢).\nوقال غيره: يعني بالفساد في الأرض أن يكون محاربًا لله ورسوله، كالذين ذكرهم في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الآية (٣).\nقال الزجاج: ﴿أَوْ فَسَادٍ﴾ منسوق على نفس، المعنى: أو بغير فساد في الأرض (٤).\nوقوله تعالى: ﴿فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾.\nقال مجاهد: من قتل نفسًّا محرمة يَصلى النار بقتلها كما يصلاها لو قتل الناس جميعًا (٥).\nونحو هذا قال الكلبي فقال: يعذب عليها كما أنه لو قتل الناس كلهم (٦).\nوقال الحسن وابن زيد: يعني أنه يجب عليه من القصاص بقتلها مثل\n_________\n(١) لم أقف عليه بهذا اللفظ، وقد أخرج الطبري عنه في تفسير هذه الآية: يقول من قتل نفسًّا واحدة حرمتها. \"جامع البيان\" ٦/ ٢٠٠.\n(٢) انظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٣٤٠، \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ١١٣.\n(٣) انظر: \"النكت والعيون\" ٢/ ٣١، والبغوي في \"تفسيره\" ٣/ ٤٦، والقرطبي في \"تفسيره\" ٦/ ١٤٦.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١٦٨.\n(٥) أخرجه بنحوه الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٢٠٢، وذكره بلفظه البغوي في \"تفسيره\" ٣/ ٤٦، وانظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٣٤٠.\n(٦) انظر: \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ١١٣.","vol":"7","page":348},{"text":"الذي يجب عليه لو قتل الناس جميعًا (١).\nوحكى الزجاج: عن بعضهم أن المعنى فيه أن المؤمنين كلهم خصماء للقاتل، وقد وَتَرهم وَتر من قصد لقتلهم جميعًا (٢). وأوصل إليهم من المكروه مثل ما يشبه القتل الذي أوصله إلى المقتول، فأذاه إياهم كأذى رجل قتلهم كلهم.\nوهذا اختيار ابن الأنباري، وزاد من عنده وجهًا آخر فقال: المقدار الذي يستحقه قاتل الناس جميعًا معلوم عند الله ﷿ محدود، (فالذي يقتل الواحد يلزمه الله ذلك الإثم المعلوم) (٣)، والذي يقتل الاثنين يلزمه الله مثل ذلك (٤).\nوقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾.\nقال الكلبي: من عفا عن رجل قتل رجلًا خطأ وجبت له الجنة، كما لو عفا عن الناس جميعًا، وذلك أنه كتب عليهم في التوراة: أيما رجل قتل رجلًا خطأ فهو له قود إلا أن يشاء الولي أن يعفو (٥).\nوقال الحسن: عفا عن دمها وقد وجب القود عليها (٦).\n_________\n(١) أخرجه عن ابن زيد: الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٢٠٢ - ٢٠٣، وذكره عنه الماورد في \"النكت والعيون\" ٢/ ٣٢، أما الحسن فذكره البغوي في \"تفسيره\" ٣/ ٤٧ وانظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٣٤٠، وابن كثير في \"تفسيره\" ٢/ ٥٤.\n(٢) انتهى من \"معاني الزجاج\" ٢/ ١٦٨، ١٦٩ حسب المطبوع، فبقية الكلام يحتمل له أو للمؤلف.\n(٣) ما بين القوسين مكرر في (ش).\n(٤) انظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٣٤١.\n(٥) انظر: \"تفسير الهواري\" ١/ ٤٦٥، \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ١٣.\n(٦) \"تفسير الهواري\" ١/ ٤٦٦، وأخرجه بمعناه الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٢٠٣، وانظر \"النكت والعيون\" ٢/ ٣٢، \"زاد المسير\" ٢/ ٢٤٣.","vol":"7","page":349},{"text":"وهذا كقول الكلبي، وهو قول ابن زيد أيضًا (١).\nوقال الزجاج: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا﴾ أي من استنقذها من غرق أو حرق أو هدم أو ما يميت لا محالة، أو استنقذها (٢) من ضلال ﴿فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ أي أجره على الله ﷿ أجر من أحياهم أجمعين؛ (لأنه في إسدائه (٣» إليهم المعروف بإحيائه أخاهم المؤمن بمنزلة من أحيا كل واحد منهم (٤).\nوروى ابن الأنباري هذا القول عن مجاهد بإسناد له (٥).\nوقال سعيد بن جبير: في هذه الآية: من استحل قتل نفس فهو كذلك في دماء الناس لا يتحرم لها، ومن أحياها مخافة من الله وتحرجًا من قتلها فكذلك يرى دماء الناس كلهم حرامًا (٦).\nوهذا كما يُروى عن قتادة والضحاك أنهما قالا في هذه الآية: عظم الله أجرها وعظم وزرها، فمن استحل قتل مسلم بغير حقه، فكأنما قتل الناس أجمعين؛ لأنهم لا يَسْلمون منه، ومن أحياها فحرمها وتورعّ عن\n_________\n(١) أخرج الأثر عنه الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٢٠٣، وانظر: \"النكت والعيون\" ٢/ ٣٢، \"زاد المسير\" ٢/ ٣٤٢.\nوقال بهذا أيضًا ابن قتيبة، انظر: \"غريب القرآن\" ص ١٤٠.\n(٢) في (ج): (واستنقذها)، وما أثبته موافق لما في \"معاني الزجاج\" ٢/ ١٦٩، وهو أولى.\n(٣) عند الزجاج: وجائز أن يكون في إسدائه.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١٦٩، وذكر نحو هذا القول عن الحسن. انظر: \"تفسير الهواري\" ١/ ٤٦٦.\n(٥) أخرج الطبري في \"تفسيره\" عن مجاهد أنه قال في هذه الآية: من أنجاها من غرق أو حرق أو هلكة، وفي رواية: من غرق أو حرق أو هدم. \"جامع البيان\" ٦/ ٢٠٣، وانظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٣٤٢.\n(٦) أورده المؤلف في \"الوسيط\" ٣/ ٨٦٢، وابن كثير في \"تفسيره\" ٢/ ٥٥.","vol":"7","page":350},{"text":"قتلها، فكأنما أحيا الناس جميعًا لسلامتهم منه (١).\nقال أهل المعاني: قوله: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا﴾ على المجاز؛ لأن المعنى: ومن نجا بها من الهلاك، والفاعل للحياة هو الله ﷿ (٢) لا يقدر عليها غيره (٣).\nوسئل الحسن عن هذه الآية فقيل: أهي كما كانت لبني إسرائيل؟ قال: إي والذي لا إله غيره وما جعل دماء بني إسرائيل (أكرم (٤» على الله من دمائنا (٥).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ﴾.\nقال ابن عباس: بان لهم صدق ما جاءوهم به من الفرائض والحلال والحرام (٦).\nوقال الكلبي: أي بالبيان في أن ﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ الآية (٧).\nوقوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ﴾ [المائدة: ٣٢].\nأي: مجاوزون حد الحق (٨).\n_________\n(١) أخرج الأثر بمعناه عنهما الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٢٠٣ - ٢٠٤، وانظر: \"النكت والعيون\" ٢/ ٣٢، والبغوي في \"تفسيره\" ٣/ ٤٧.\n(٢) في (ش): (تعالى).\n(٣) انظر: الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٢٠٤.\n(٤) ساقط من (ج).\n(٥) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٢٠٤، وأورده البغوي في \"تفسيره\" ٣/ ٤٧، وابن كثير في \"تفسيره\" ٢/ ٥٤.\n(٦) انظر: \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ١١٣.\n(٧) انظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٣٤٢.\n(٨) انظر: الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٢٠٥.","vol":"7","page":351},{"text":"قال الكلبي: بالشرك (١).\nوقال غيره: بالقتل (٢). وهذا عام في كل ما هو تجاوز عن الحق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-884>٣٣ </span>- قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الآية.\nقال الزجاج: المعنى في: ﴿إِنَّمَا﴾ ما جزاؤهم إلا هذا؛ لأن القائل إذا قال: (جزاؤك دينار، فجائز أن يكون معه غيره، وإذا قال (٣»: إنما جزاؤك دينار، كان المعنى: ما جزاؤك إلا دينار (٤).\nقال ابن عباس في رواية عطاء وسعيد بن جبير: نزلت هذه الآية في قصة العُرَنِيّين (٥) وهي معروفة (٦).\nفإن قيل: فكيف (٧) لم يعذبوا بما في الآية، وفي حديثهم أنهم سُمِل\n_________\n(١) انظر: \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ١١٣.\n(٢) انظر: \"التفسير الكبير\" ١١/ ٢١٣.\n(٣) ما بين القوسين ليس في \"معاني الزجاج\" حسب المطبوع.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١٦٩.\n(٥) أخرج ذلك عن سعيد بن جبير ١٠/ ٢٤٦، وانظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٣٤٣، ولم أجد شيئًا في ذلك عن ابن عباس. وقد قال بهذا القول أنس وجرير والزبير والسدي وقتادة. انظر: الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٢٠٦ - ٢٠٨، \"النكت والعيون\" ٢/ ٣٢.\n(٦) أخرج مسلم (١٦٧١) كتاب القسامة، باب (٢): حكم المحاربين والمرتدين ٣/ ١٢٩٦ (ح ٩) عن أنس -﵁- أن ناسًا من عرينة قدموا على رسول الله - ﷺ - المدينة، فاجتووها. فقال لهم رسول الله - ﷺ -: \"إن شئتم أن تخرجوا إلى إبل الصدقة فتشربوا من ألبانها وأبوالها\" ففعلوا، فصحوا. ثم مالوا إلى الرعاة فقتلوهم وارتدوا عن الإسلام، وساقوا ذود رسول الله فبلغ ذلك النبي - ﷺ - فبعث في أثرهم. فأتي بهم. فقطع أيديهم وأرجلهم، وسمل أعينهم. وتركهم في الحرة حتى ماتوا.\nوأخرجه المؤلف في \"أسباب النزول\" ص ١٩٦ - ١٩٧.\n(٧) في (ش): (كيف).","vol":"7","page":352},{"text":"أعينهم وقُطَّعت أيديهم وأرجلهم، وليس في الآية سمل الأعين وقطع جميع الأيدي والأرجل؟\nوالجواب: ما حكي عن الليث بن سعد (١) أنه قال: نزلت هذه الآية معاتبة لرسول الله - ﷺ - وتعليمًا إياه عقوبتهم، فقيل: إن جزاءهم ما ذكر في الآية، لا المُثلة، فلذلك ما قام رسول الله - ﷺ - خطيبًا إلا نهى عن المُثلة (٢).\nويمكن أن يقال: ما فعله رسول الله - ﷺ - كان هو الحد فيهم بالسنة، فلما نزلت الآية صارت تلك السنة منسوخة بالقرآن (٣). هذا إذا جوزنا نسخ السنة بالقرآن (٤).\nوإن قلنا: لا تُنسخ السنة بالقرآن -وهو الأصح من مذهب الشافعي (٥)\n_________\n(١) هو أبو الحارث الليث بن سعد بن عبد الرحمن الفهمي المصري ثقة ثبت إمام مشهور، كان ورعًا فاضلًا سخيا، مات -﵀- سنة ١٧٥هـ.\nانظر: \"مشاهير علماء الأمصار\" ص ١٩١، \"سير أعلام النبلاء\" ٨/ ١٣٦، \"التقريب\" ص ٤٦٤ (٥٦٨٤).\n(٢) أخرجه بمعناه الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٢٠٨ - ٢٠٩، وأورده بلفظ المؤلف البغوي في \"تفسيره\" ٣/ ٤٨.\nوقد ذكر الطبري في \"تفسيره\" عن الأوزاعي أنه أنكر أن يكون نزول هذه الآية معاتبة، ونقل عنه قوله: بلى، كانت عقوبة أولئك النفر بأعيانهم، ثم نزلت هذه الآية في عقوبة غيرهم ممن حارب بعدهم، فرفع عنهم السمل، والله أعلم. وسيأتي قريبًا تخريج الحديث في النهي عن المثلة.\n(٣) انظر: الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٢٠٦ - ٢٠٧، والبغوي في \"تفسيره\" ٣/ ٤٨.\n(٤) هذا رأي جمهور العلماء، وهو الراجح لتظاهر الأدلة عليه.\nانظر: \"الناسخ والمنسوخ في كتاب الله ﷿\" للنحاس ١١٨، \"الأحكام في أصول الأحكام\" للآمدي ٣/ ١٥٠، \"إرشاد الفحول\" للشوكاني ص ٣٢٦.\n(٥) انظر: \"الرسالة\" ص ١١٠، \"الأحكام\" للآمدي ٣/ ١٥٠، ١٥١، \"إرشاد الفحول\" ص ٣٢٦.","vol":"7","page":353},{"text":"رضي لله عنه- فتلك إنما نُسِخت بسنة أخرى من عنده، فنسخت الثانية الأولى (١). وهذا أيضًا قول سعيد بن المسيب والسدي في نزول الآية (٢).\nقال عبد الله بن مسلم (٣): المحاربون لله ورسوله هم الخارجون على جماعة المسلمين، يخيفون السبل، ويسعون في الأرض الفساد (٤).\nفمعنى: ﴿يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ أي يعصونهما ولا يطيعونهما، وكل من عصاك فهو حرب كذلك.\nوقوله تعالى: ﴿وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾.\nقال مجاهد: هو الزنا والسرقة وقتل النفس وإهلاك الحرث والنسل (٥).\nوقال الكلبي: يعني بالقتل وأخذ الأموال (٦).\nقال العلماء: وكل من أخذ السلاح على المسلمين في أي موضع كان وكيف ما كان، في البلد أو الصحراء، أو للقتل اغتيالًا، فهو محارب لله ورسوله، فدخل المكابر في البلد في هذه الجملة.\nوهذا قول مالك والأوزاعي ومذهب الشافعي (٧) -﵁-،\n_________\n(١) انظر البغوي في \"تفسيره\" ٣/ ٤٨.\n(٢) أخرج الأثر عن السدي: الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٢٠٨.\n(٣) ابن قتيبة.\n(٤) \"تأويل مشكل القرآن\" ص ٣٩٩.\n(٥) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٢١١، وأورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ٢/ ٤٩٤، وعزاه إلى عبد بن حميد.\n(٦) \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ١١٣.\n(٧) انظر: \"الأم\" ٦/ ١٥٢، والطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٢١٠، \"النكت والعيون\" ٢/ ٣٣، \"الوسيط\" ٣/ ٨٦٥، ٨٦٦، والبغوي في \"تفسيره\" ٣/ ٤٨، \"زاد المسير\" ٢/ ٣٤٦، ٣٤٧.\nوقال ابن الجوزي: ظاهر كلام أصحابنا أنه لا يثبت لهم ذلك في المصر.","vol":"7","page":354},{"text":"وذكر الشافعي قُطّاع الطريق ثم قال: وأراهم في المصر إن لم يكونوا أعظم ذنبًا فحدودهم واحدة (١).\nوقوله تعالى: ﴿أَنْ يُقَتَّلُوا﴾ إلى قوله: ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ اختلفوا في حكم (أو) ههنا، فقال ابن عباس في رواية علي بن أبي طلحة: إن (أو) دخلت للتخيير، ومعناها الإباحة، أي: إن شاء الإِمام قتل، وإن شاء صلب، وإن شاء نفى، أي شيء من هذه الأشياء شاء فعل (٢). وهذا قول الحسن وسعيد بن المسيب ومجاهد (٣).\nوقال في رواية عطية: (أو) ليست للإباحة، وإنما هي مرتبة للحكم باختلاف الجناية، فمن قتل وأخذ المال صُلِب، وقُتِل، ومن أخذ المال ولم يقتل قُطِع، ومن سفك الدماء وكف عن الأموال قُتِل، ومن أخاف السبيل ولم يأخذ الأموال ولم يقتل نفي (٤)، وهذا قول سعيد بن جبير وقتادة والسدي والقرظي والربيع (٥)، ورواية عطاء عن ابن عباس أيضًا (٦).\nقال الشافعي -﵁-: ويحدد كل واحد بقدر فعله فمن وجب\n_________\n(١) \"الأم\" ٦/ ١٥٢، وانظر: الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٢١٠.\n(٢) بمعناه في \"تفسير ابن عباس\" ص ١٧٧، وأخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٢١٤.\n(٣) أخرج الآثار عنهم: الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٢١٤، وانظر: \"النكت والعيون\" ٢/ ٣٣، وابن كثير في \"تفسيره\" ٢/ ٥٨.\n(٤) أخرجه بنحوه الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٢١٢، وانظر: \"النكت والعيون\" ٢/ ٣٣، والبغوي في \"تفسيره\" ٣/ ٤٩، وابن كثير في \"تفسيره\" ٢/ ٥٨.\n(٥) أخرجه أقوالهم الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٢١٣.\n(٦) انظر: \"النكت والعيون\" ٢/ ٣٣ وابن كثير في \"تفسيره\" ٢/ ٥٨. وقد أخرج الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٢١٢ عن عطاء كالقول الأول: أن الإمام مخير فيها.","vol":"7","page":355},{"text":"عليه القتل والصلب قتل قبل صلبه كراهية تعذيبه، ويصلب ثلاثًا ثم ينزل (١).\nقال أبو عبيد: سألت محمد بن الحسن (٢) عن قوله: ﴿أَوْ يُصَلَّبُوا﴾ فقال: هو أن يصلب حيًا ثم يطعن بالرماح حتى يقتل، وهو رأي أبي حنيفة. فقيل: هذا مُثلة. قال: المُثلةَ يراد به (٣). قال أبو عبيد: والذي أختار أن يكون الصلب بعد القتل؛ لأن رسول الله - ﷺ - نهى عن المثلة (٤).\nقال الشافعي: ومن وجب عليه القتل دون الصلب: قتل ودفع إلى أهله يدفنونه، ومن وجب عليه القطع دون القتل: قطعت يده اليمنى ثم حسمت (٥)، ثم رجله اليسرى ثم حسمت في مكان واحد، ثم خُلّي، وذلك\n_________\n(١) انظر: \"الأم\" ٦/ ١٥٢، والبغوي في \"تفسيره\" ٣/ ٤٩، \"المحرر والوجيز\" ٤/ ٤٢٧، \"زاد المسير\" ٢/ ٣٤٦، والقرطبي في \"تفسيره\" ٦/ ١٥١، ١٥٢، وابن كثير في \"تفسيره\" ٢/ ٥٨.\n(٢) هو أبو عبد الله محمد بن الحسن بن فرقد الشيباني العلامة صاحب أبي حنيفة، أخذ بعض الفقه عن أبي حنيفة وأكمل على أبي يوسف وأخذ الحديث عن مالك، وله مؤلفات كثيرة، وقد أخذ عنه الشافعي، توفي -﵀- سنة ١٨٩ هـ.\nانظر: \"المعارف\" ص ٥٠٠، \"الفهرست\" ص ٢٨٤، \"طبقات الفقهاء\" للشيرازي ص ١٤٢، \"سير أعلام النبلاء\" ٩/ ١٣٤.\n(٣) لم أقف عليه، وانظر البغوي في \"تفسيره\" ٣/ ٤٩، والقرطبي في \"تفسيره\" ٦/ ١٥١.\n(٤) لم أقف على قول أبي عبيد، وأما النهي عن المثلة فقد قال عبد الله بن يزيد الأنصاري -﵁-: نهى رسول الله - ﷺ - عن النُّهبى والمثلة. أخرجه البخاري (٢٤٧٤) كتاب المظالم، باب (٣٠): النهبى بغير إذن صاحبه ٣/ ١٠٧. والنُّهبى: بمعنى النَّهْب وهو الغارة والسلب والاختلاس، انظر: \"النهاية في غريب الحديث\" ٥/ ١٣٣ (نهب).\n(٥) الحسم قطع الدم بالكي. انظر: \"غريب الحديث\" لأبي عبيد ١/ ٣٤٩.","vol":"7","page":356},{"text":"معني قوله: ﴿مِنْ خِلَافٍ﴾ (١).\nواختلفوا: في معنى النفي في قوله: ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾، فقال ابن عباس: هو أن يُهْدِر الإِمام دمه فيقول: من لقيه فليقتله (٢).\nوقال بعضهم: هو أن يقاتَلُوا حيث توجهوا من الأرض، ويُطلبوا في أي أرض كانوا بها حتى تضيق عليهم الدنيا.\nحكى هذا القول أبو إسحاق (٣) وأبو بكر وابن قتيبة، ثم قال ابن قتيبة: هذا إنما يكون فيمن لم يقدر عليه؛ لأنه لا يجوز أن يظفر الإِمام به فيدع عقوبته ثم يقول: من لقيه فليقتله، أو يجده فيتركه ثم يطلبه في كل أرض (٤). وهو على ما قال.\nفأما المقبوض عليه ممن حقه النفي فقال ابن عباس في رواية عطاء: ينفوا من الأرض إلى بلاد الكفر (٥).\nوهذا قول جماعة المفسرين، وهو أنهم قالوا: ينفى من بلدته إلى بلدةٍ أخرى (٦).\nوقال آخرون: المراد بالنفي في هذه الآية: الحبس والسجن (٧).\n_________\n(١) \"الأم\" ٦/ ١٥٢، وانظر: الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٢١٣.\n(٢) أخرجه بمعناه الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٢١٦ - ٢١٧، وانظر: \"النكت والعيون\" ٢/ ٣٤، \"زاد المسير\" ٢/ ٣٤٦.\n(٣) أي الزجاج في \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١٧٠.\n(٤) \"تأويل مشكل القرآن\" ص ١٤١.\n(٥) لم أقف عليه.\n(٦) انظر: الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٢١٧ - ٢١٨، \"النكت والعيون\" ٢/ ٣٤.\n(٧) انظر: الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٢١٨، \"النكت والعيون \" ٢/ ٣٤، \"زاد المسير\" ٢/ ٢٤٦.","vol":"7","page":357},{"text":"قال ابن الأنباري: وأكثر اللغويين يختارون هذا القول في تفسير الآية، واحتجوا بأن المسجون بمنزلة المخرج من الدنيا إذا كان ممنوعًا من التصرف وَمحولًا بينه وبين أهله وأولي أُنسِه، مع ممارسته صنوف المكاره والأذى في السجن (١).\nوقال ابن قتيبة: ولا أرى شيئًا من هذه التفاسير أشبه بالنفي في هذا الموضع من الحبس؛ لأنه إذا حُبس ومُنع من التصرف والتقلب في البلاد فقد نفي منها كلها وأُلجئ إلى مكان واحد، وأنشد هو وأبو بكر قول بعض المسجنين (٢):\nخرجنا من الدنيا ونحنُ من أهلها ... فلسنا من الأحياء فيها ولا الموتى\nإذا جاءنا السجَّان يومًا لحاجةٍ ... عَجِبْنا وقلنا جاء هذا من الدنيا (٣)\nوقال الوليد بن عبيد (٤) يذكر قومًا سجنوا:\nغابوا عن الأَرْضِ أَنْآى غيبةٍ وهُم ... فيها فلا وَصلَ إلا الكتبُ والرسلُ (٥)\n_________\n(١) لم أقف عليه\n(٢) عند ابن قتيبة: المسجونين. \"تأويل مشكل القرآن\" ١/ ١٤١.\n(٣) \"تأويل مشكل القرآن\" ١/ ١٤١، وانظر: \"بحر العلوم\" ١/ ٤٣٢، والقرطبي في \"تفسيره\" ٦/ ١٥٣، \"البحر المحيط\" ٣/ ٤٧١، وجاء فيها الشطر الثاني من البيت الأول:\nفلسنا من الأموات فيها ولا الأحياء\nوقد ذكر الرازي أن هذا الشعر لصالح بن عبد القدوس حين حبس بتهمة الزندقة في سجن ضيق مدة طويلة. انظر: \"التفسير الكبير\" ١١/ ٢١٧.\n(٤) هو أبو عبادة الوليد بن عبيد بن يحيى بن عبيد الملقب بالبحتري، شاعر وقته في الدولة العباسية، وله ديوان، توفي -﵀- سنة ٢٨٣ هـ وقيل بعدها. انظر: \"الفهرست\" ص ١٢٦، \"سير أعلام النبلاء\" ٣/ ٤٨٦، \"البداية والنهاية\" ١١/ ٨١.\n(٥) \"ديوان البحتري\" ٣/ ١٧٦٠.","vol":"7","page":358},{"text":"فصرح بغيبتهم عن الأرض مع كونهم فيها، والمُحدثُون يُحتَجّ بهم في المعاني، ولا يحتج بهم في الألفاظ.\nقال أبو محمد: وليس نفي الخارب (١) من بلده إلى غيره عقوبةً له، بل هو إهمال وتسليط وبعث على التزيد في العبث والفساد (٢).\nومذهب الفقهاء في هذه الآية أيضًا أن المراد بالنفي: الحبس.\nقال الشافعي: ومن حضر منهم وكثر أو هِيب أو كان رِدءًا (٣) عُزِّر وحبس (٤).\nوهو مذهب أبي حنيفة أيضًا (٥). قال (٦): ومن قتل وجرح أقص لصاحب الجرح ثم قتل، ولو أخذ المال وجرح أقص صاحب الجرح ثم قطع، لا يمنع حق الله حق الآدميين، ومن عفا عن الجراح كان له، ومن عفا عن النفس لم يحقن بذلك دمه، وعلى الإِمام قتله إذا بلغت جنايته القتل، ولا يقطع منهم إلا من أخذ ربع دينار فصاعدا، قياسًا على السنة في السارق (٧).\nوقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا﴾ أي: فضيحة وهوان.\n﴿وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ وهذا للكفار الذين نزلت في العُرَنِيّين\n_________\n(١) الخارب: اللص. \"الصحاح\" ١/ ١١٩ (خرب).\n(٢) \"تأويل مشكل القرآن\" ص ٤٠١.\n(٣) في \"الأم\" ٦/ ١٥٢: ردءا للصوص أي: مساعدًا.\n(٤) \"الأم\" ٦/ ٥٢، وانظر البغوي في \"تفسيره\" ٣/ ٥٠.\n(٥) انظر: الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٢١٨، \"بحر العلوم\" ١/ ٤٣٢، \"النكت والعيون\" ٢/ ٣٤، \"زاد المسير\" ٢/ ٢٤٦.\n(٦) أي الشافعي.\n(٧) \"الأم\" ٦/ ١٥٢ بتصرف، وانظر البغوي في \"تفسيره\" ٣/ ٤٩.","vol":"7","page":359},{"text":"فإنهم ارتدوا عن الإسلام (١).\nوبعض المفسرين يقول: نزلت في قوم هلال بن عويمر الأسلمي، وكانوا مشركين (٢)، وبعضهم يقول نزلت في قوم من أهل الكتاب (٣).\nثم بالسنة أجري حكم هذه الآية على المحاربين من المسلمين، فبقي العذاب العظيم في الآخرة للكافرين، والمسلم إذا عوقب بجنايته في الدنيا كانت عقوبته كفارة له.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-885>٣٤ </span>- قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾.\nقال الزجاج: جائز أن يكون موضع (الذين) رفعًا بالإبتداء، وخبره قوله: ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، والمعنى: لكن التائبون من قبل أن تقدروا عليهم (فالله (٤» غفور رحيم (لهم (٥» وجائز ان يكون موضع\n_________\n(١) تقدم تخريج قصة العرنيين قريبًا.\n(٢) قال السمرقندي: وقال ابن عباس في رواية أبي صالح: وَادَع رسول الله - ﷺ - أبا بُردة هلال بن عويمر الأسلمي على أن لا يعينه ولا يعين عليه، ومن أتاه من المسلمين فهو آمن، ومن أتى المسلمين منهم فهو آمن، فمر أناس من بني كنانة يريدون الإسلام فمروا بأصحاب أبي بردة، ولم يكن أبو بردة حاضرًا يومئذ، فخرج أصحابه إليهم فقتلوهم وأخذوا أموالهم فنزلت هذه الآية: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الآية. \"بحر العلوم\" ١/ ٤٣١. ونسب هذا القول للكلبي: البغوي في \"تفسيره\" ٣/ ٤٧، وانظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٣٤٤.\n(٣) قال ابن عباس: كان قوم من أهل الكتاب بينهم وبين النبي - ﷺ - عهد وميثاق، فنقضوا العهد وأفسدوا في الأرض، فخير الله رسوله: إن شاء أن يقتل. وإن شاء أن يقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف. أخرجه من طريق علي: الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٢٠٦، وانظر: \"النكت والعيون\" ٢/ ٣٢، \"زاد المسير\" ٢/ ٣٤٣.\n(٤) في (ش)، (ج): والله، والتصويب من \"معاني الزجاج\" ٢/ ١٧٠.\n(٥) ما بين القوسين ساقط من (ج)، وما أثبته هو الموافق لـ\"معاني الزجاج\".","vol":"7","page":360},{"text":"(الذين) نصبًا فيكون المعنى: جزاؤهم الذي وصفنا إلا التائبين (١).\nقال عطاء عن ابن عباس في قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾: يريد آمنوا من قبل أن تعاقبوهم ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ لمن تاب من الشرك ﴿رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٤] به إذا رجع عما يُسخط الله (٢).\nوهذا قول عُظْم (٣) أهل التفسير، أن المراد بهذا الإستثناء المشرك المحارب، إذا آمن وأصلح قبل القدرة عليه سقط عنه جميع الحدود التي ذكرها الله في هذه الآية، ولا يطالب بشيء مما أصاب لا مال ولا دم (٤).\nقال أبو إسحاق: جعل التوبة للكفار تدرأ عنهم الحدود التي وجبت عليهم في كفرهم ليكون ذلك أدعى إلى الدخول في الإيمان (٥).\nهذا حكم المشرك المحارب، وكذلك لو آمن بعد القدرة عليه لم يُطالب أيضًا بشيء بالإجماع (٦). فأما المسلم المحارب إذا تاب واستأمن قبل القدرة عليه فقال السدي: هو كالكافر إذا آمن لا يطالب (٧) بشيء إلا إذا أصيب عنده مال بعينه، فإنه يرد على أهله (٨).\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١٧٠، ١٧١ بتصرف، وانظر: \"مشكل إعراب القرآن\" ١/ ٢٢٥ \"الدر المصون\" ٤/ ٢٥٢.\n(٢) انظر: \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ١١٣.\n(٣) عظم بمعنى: معظم. انظر: \"اللسان\" ٥/ ٣٠٠٥ (عظم).\n(٤) انظر: الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٢٢٠، \"النكت والعيون\" ٢/ ٣٤، والبغوي في \"تفسيره\" ٣/ ٥٠.\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١٧١.\n(٦) انظر: الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٢٢٠ - ٢٢١.\n(٧) في (ش): (لا يطلب).\n(٨) انظر البغوي في \"تفسيره\" ٣/ ٥٠.","vol":"7","page":361},{"text":"وهذا مذهب مالك والأوزاعي (١)، غير أن مالكًا قال: يؤخذ بالدم إذا طالب به وليه، فأما ما أصاب من الدماء والأموال ولم يطلبها أولياؤها فلا يتبعه الإِمام بشيء من ذلك (٢)، وبهذا حكم علي -﵁- في حارثة ابن بدر (٣)، وكان قد خرج محاربًا (٤)، وحكم بمثله أيضًا أبو موسى الأشعري في إمرة عثمان (٥).\n_________\n(١) هو أبو عمرو عبد الرحمن بن عمرو بن يحمد الأوزاعي، شيخ الإسلام وعالم أهل الشام أحد أئمة الدنيا فقهًا وعلمًا وورعا وفضلًا وزهدًا، مات -﵀- سنة ١٥٩ هـ.\nانظر: \"تاريخ الثقات\" ٢/ ٨٣، \"مشاهير علماء الأمصار\" ص١٨٠، \"سير أعلام النبلاء\" ٧/ ١٠٧ - ١٣٨.\n(٢) انظر: \"النكت والعيون\" ٢/ ٣٤، والقرطبي في \"تفسيره\" ٦/ ١٥٥، ١٥٨، و\"البحر المحيط\" ٣/ ٤٧١.\n(٣) هو حارثة بن بَدْر بن حُصَين بن قطن التميمي الغداني، تابعي، أدرك النبي - ﷺ - ولم يره، له أخبار في الفتوح ومع عمر، وقاتل الخوارج فهزموه وأرهقوه، فدخل سفينة بمن معه فغرقت بهم سنة ٦٤ هـ.\nانظر: \"الإصابة\" ١/ ٣٧١، \"الأعلام\" ٢/ ١٥٨.\n(٤) وذلك أنه جاء إلى علي بن أبي طالب -﵁- تائبًا، فأمنّه وكتب له بذلك أمانًا. أخرج الأثر: الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٢٢١، وانظر: القرطبي في \"تفسيره\" ٦/ ١٥٥، \"الدر المنثور\" ٢/ ٤٩٤ - ٤٩٥.\n(٥) ذلك أن أبا موسى -﵁- كان على الكوفة في إمرة عثمان -﵁- فجاءه رجل من مراد حارب الله ورسوله وسعى في الأرض فسادًا، جاءه تائبًا، فقام أبو موسى فقال: هذا فلان بن فلان، وإنه كان حارب الله ورسوله وسعى في الأرض فسادًا، وإنه تاب قبل أن يُقدر عليه، فمن لقيه فلا يعرض له إلا بخير.\nأخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٢٢٢ ونقله ابن كثير في \"تفسيره\" ٢/ ٥٩، وانظر: \"الدر المنثور\" ٢/ ٤٩٤ - ٤٩٥.","vol":"7","page":362},{"text":"وقال الشافعي -﵁-: يسقط عنه بتوبته قبل القدرة عليه حد الله، ولا يسقط به حقوق بني آدم ما كان قصاصًا، أو مظلمة في المال (١).\nوأما إذا تاب بعد القدرة عليه، فظاهر الآية أن التوبة لا تنفعه وتقام الحدود عليه. قال الشافعي: ويحتمل أن يسقط كل حد لله بالتوبة (٢).\nوإنما قال ذلك لقول رسول الله - ﷺ - بعد رجم ماعز (٣): \"هلا رددتموه إلي لعله يتوب\" (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-886>٣٥ </span>- قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾.\nمعنى ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾ أينما ذكر: اتقوا عقابه بالطاعة؛ لأن أصل الإتقاء في اللغة الحجز بين الشيئين -قد ذكرناه قديمًا- (٥)، يقال: أتقي السيف بالترس، وأتقي الغريم بحقه.\nوقوله تعالى: ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾.\nالوسيلة فعيلة من: وسل إليه، إذا تقرب إليه (٦)، قال لبيد:\n_________\n(١) \"الأم\" ٦/ ١٥٢، وانظر: الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٢٢٠.\n(٢) لم أجده في \"الأم\"، وقد ذكره القرطبي في \"تفسيره\" ٦/ ١٥٨، والنووي في \"شرح صحيح مسلم\" ١١/ ١٩٤، وقال القرطبي في \"تفسيره\" عقبه: والصحيح من مذهبه أن ما تعلق به حق الآدمي قصاصًا كان أو غيره فإنه لا يسقط بالتوبة قبل القدرة عليه.\n(٣) هو ماعز بن مالك الأسلمي، وقيل: إن اسمه: عريب، وماعز لقبه، له صحبة، وقصة رجمه في عهد النبي - ﷺ - ثابتة في الصحيحين وغيرهما، وهي مشهورة. انظر: \"أسد الغابة\" ٥/ ٨، \"الإصابة\" ٢/ ٤٧٩، ٣/ ٣٣٧.\n(٤) أخرج هذه الرواية أبو داود (٤٤١٩) كتاب الحدود، باب: رجم ماعز بن مالك، وانظر: \"شرح صحيح مسلم\" للنووي ١١/ ١٩٤.\n(٥) انظر: \"البسيط\" البقرة: ١٨٩.\n(٦) انظر: الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٢٢٦.","vol":"7","page":363},{"text":"بَلَى كُلّ ذي رأيٍ (١) إلى الله وَاسِلُ (٢)\nومعنى الوسيلة: الوصلة والقربى (٣). قال ابن عباس: ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ يريد بطاعتكم له (٤).\nوقال قتادة: يقول تقربوا إليه بطاعته (٥).\n﴿وَجَاهِدُوا﴾ العدو، ﴿فِي سَبِيلِهِ﴾ في طاعته، ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٣٥] كي تسعدوا وتبقوا في الجنة. قاله ابن عباس وغيره (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-887>٣٦ </span>- قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآية. خبر (إن) الجملة المذكورة مع جوابها (٧).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٦].\n_________\n(١) في \"ديوان لبيد\" ص ٢٥٦: لب.\n(٢) \"شرح ديوان لبيد بن ربيعة\" ص ٢٥٦، وجاء صدره:\nأرَى الناس لا يدرون ما قدر أمرهم\nوالواسل: الطالب، أي يتوسل إلى الله بالطاعة والعمل الصالح. وقد جاء بعد هذا البيت بيت لبيد المشهور:\nألا كل شيء ما خلا الله باطل ... وكل نعيم لا محالة زائل\n(٣) جاء نحو ذلك عن كثير من التابعين. انظر: الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٢٢٦.\n(٤) انظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٣٤٨، وابن كثير في \"تفسيره\" ٢/ ٦٠.\n(٥) أخرج الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٢٢٦، وانظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٣٤٨، وابن كثير في \"تفسيره\" ٢/ ٦٠.\n(٦) انظر: \"بحر العلوم\" ١/ ٤٣٢، \"الوسيط\" ٣/ ٨٧٢، وابن كثير في \"تفسيره\" ٢/ ٦١، \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ١١٣.\n(٧) تمام الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. فالجملة المذكورة جملة لو، وجوابها: ﴿مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ﴾.","vol":"7","page":364},{"text":"يحتمل أن يكون في موضع الحال، ويحتمل أن يكون عطفًا على الخبر (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-888>٣٧ </span>- قوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ﴾.\nيحتمل إرادتهم الخروج وجهين:\nأحدهما: أنهم قصدوا ذلك وطلبوا المخرج، كما قال تعالى: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا﴾ [السجدة: ٢٠].\nوالثاني: أنهم تمنوا ذلك وأرادوه بقلوبهم، كقوله في موضع آخر: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا﴾ [المؤمنون: ١٠٧] (٢)، ويؤكد هذا الوجه قراءة من قرأ: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّار﴾ بضم الياء (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-889>٣٨ </span>- قوله تعالي: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ الآية.\nاختلف النحويون في وجه رفعها: فقال سيبويه والأخفش وكثير من البصريين: ارتفع (السارقُ والسارقةُ) على معنى: ومما نقُصّ عليك ونوحي إليك السارق والسارقة. قالوا: ومثل هذه الآية قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا﴾ [النور: ٢] وقوله: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا﴾ [النساء: ١٦].\nقال سيبويه: والاختيار في هذا النصب في العربية كما تقول: زيدا أضربه.\nوأبت العامة القراءة إلا بالرفع، وقرأ عيسى بن عمر (٤): ﴿وَالسَّارِقُ\n_________\n(١) انظر: \"الدر المصون\" ٤/ ٢٥٦، وقد ضعف السمين الوجه الأول.\n(٢) انظر الاحتمالين عند البغوي في \"تفسيره\" ٣/ ٥١، وفي \"البحر المحيط\" ٣/ ٤٧٤.\n(٣) بالبناء للمفعول، وهذه القراءة ليست في المتواتر، إنما هي للنخعي وابن وثاب وأبي واقد.\nانظر: \"البحر المحيط\" ٣/ ٤٧٥.\n(٤) هو أبو عمر عيسى بن عمر الهمداني الكوفي الأعمى القارئ الثقة، قرأ على =","vol":"7","page":365},{"text":"وَالسَّارِقَةُ﴾ بالنصب، ومثله: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ [النور: ٢] أيضًا (١).\nفالاختيار عند سيبويه النصب في هذا.\nقال أبو إسحاق: والجماعة أولى بالاتباع، والدليل على أن القراءة الجيدة بالرفع قوله تعالى: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ﴾ [النساء: ١٦] لم يقرأه أحد: واللذين (٢).\nقال المبرد (٣): وأختار أن يكون ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ رفعًا بالابتداء؛ لأن قصد ليس إلى أحد بعينه، فليس هو مثل قولك: زيدًا أضربه، إنما هو كقولك: من سرق فاقطع يده، ومن زنا فاجلده (٤).\nوهذا قول الفراء؛ لأنه قال: وإنما يختار العرب الرفع في: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ لأنهما غير مؤقتين، فوجها توجيه الجزاء، كقولك: من سرق فاقطعوا يده، و(من) لا يكون إلا رفعا، ولو أردت سارقًا بعينه وسارقة بعينها كان النصب وجه الكلام (٥).\nقال الزجاج: وهذا القول هو المختار (٦).\n_________\n= عاصم بن أبي النجود وغيره وقرأ عليه الكسائي وغيره، وكان مقرئ الكوفة بعد حمزة توفي -﵀- سنة ١٥٦ هـ.\nانظر: \"معرفة القراء الكبار\" ١/ ١١٩، \"غاية النهاية\" ١/ ٦١٢، \"التقريب\" ص ٤٤٠ (٥٣١٤).\n(١) \"الكتاب\" ١/ ١٤٢ - ١٤٤، \"معاني الزجاج\" ٢/ ١٧١، ١٧٢، بتصرف، وانظر: \"البحر المحيط\" ٣/ ٤٧٧، ٤٧٨.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١٧٢.\n(٣) لا يزال المؤلف ينقل من \"معاني الزجاج\" ٢/ ١٧٢.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١٧٢.\n(٥) \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٣٠٦، وانظر: الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٢٢٨.\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١٧٢.","vol":"7","page":366},{"text":"وقوله تعالى: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾.\nدخلت الفاء في خبر السارق للشرط المنوي؛ لأن المعنى: من سرق فاقطعوا يده (١)، وعلى هذا أيضًا قوله تعالى: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا﴾ [النساء: ١٦]، ومثله: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا﴾ [النور: ٢].\nوالمراد بالأيدي في هذه الآية: الأيمان، قاله الحسن والسدي والشعبي (٢).\nوكذلك هو في قراءة عبد الله: (فاقطعوا أيمانهما) (٣).\nوإنما قال: ﴿أَيْدِيَهُمَا﴾ ولم يقل: يديهما؛ لأنه أراد يمينًا من هذا، أو يمينًا من هذه (٤)، فجمع إذ ليس في الجسد إلا يمين واحدة.\nقال الفراء: وكل شيء موحد من خلق الإنسان إذا ذكر مضافًا إلى اثنين فصاعدًا جمع، فقيل: هُشّمت رؤوسهما، ومُلِئتَ ظهورهما وبطونهما ضربًا، ومثله قوله تعالى: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤]. قال: وإنما اختير الجمع على التثنية؛ لأن أكثر ما تكون عليه الجوارح اثنين اثنين (٥) في الإنسان، كاليدين والرجلين والعينين، واثنان من اثنين جمع، لذلك (٦) تقول قطعت أرجلهما وفقأت عيونهما، فلما جرى الأكثر\n_________\n(١) انظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٣٤٩، \"البحر المحيط\" ٣/ ٤٨٢.\n(٢) انظر: الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٢٢٨، \"بحر العلوم\" ١/ ٤٣٣.\n(٣) أخرج ذلك الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٢٢٨، وانظر: \"بحر العلوم\" ١/ ٤٣٣، و\"النكت والعيون\" ٢/ ٣٥، والبغوي في \"تفسيره\" ٣/ ٥١.\n(٤) في (ش): (هذا).\n(٥) في (ش): (اثنان اثنان)، وما أثبته هو الموافق لـ \"معاني القرآن\".\n(٦) في (ش): (كذلك).","vol":"7","page":367},{"text":"على هذا ذهب بالواحد إذا أضيف إلى اثنين مذهب الاثنين (١). قال: ويجوز التثنية كقول الهُذَلي (٢):\nفتخَالَسَا نفسَيهِمَا بنَوافذٍ (٣)\nلأنه الأصل، ويجوز هذا أيضًا فيما ليس من خلق الإنسان، كقولك للاثنين: خليتما نساءكما، وأنت تريد امرأتين، وخرقتما قمصكما. قال: ويجوز التوحيد أيضًا لو قلت في الكلام: السارق والسارقة فاقطعوا يمينهما، جاز؛ لأن المعنى: اليمين من كل واحد منهما، كما قال الشاعر:\nكُلُوا في نِصفِ بَطنِكم تَعِيشُوا (٤)\nويجوز في الكلام أن تقول: ائتني برأس شاتين، وبرأسي شاة، فمن قال: برأس شاتين، أراد الرأس من كل شاة، ومن قال: برأسي شاة، أراد رأسي هذا الجنس (٥).\n_________\n(١) في \"معاني القرآن\" ١/ ٣٠٧ التثنية.\n(٢) هو أبو ذؤيب، تقدمت ترجمته.\n(٣) عجز البيت كما عند الفراء: كنوافذ العبط التي لا ترقع\nوهو في \"ديوان الهذليين\" ١/ ٢٠.\nوالبيت في وصف فارسين يتنازلان، وتخالسا نفسيهما أراد كل واحد منهما اختلاس نفس الآخر وانتهاز الفرصة للقضاء عليه، والنوافذ الطعنات النافذة، والعبط جمع عبيط وهو ما يشق.\n(٤) عجزه كما عند الفراء:\nفان زمانكم زمن خميص\nوهو في \"الكتاب\" ١/ ٢١٠ ولا يعرف قائله. والخميص من المخمصة وهي الجوع. والشاهد منه أنه استعمل المفرد للجمع: بطنكم والمراد: بطونكم.\n(٥) \"معاني القرآن\" ١/ ٣٠٦ - ٣٠٨ بتصرف، وانظر: \"الكتاب\" ١/ ٢١٠، \"زاد المسير\" ٢/ ٣٤٩.","vol":"7","page":368},{"text":"وقال الزجاج: إنما جمع ما كان في الشيء منه واحد عند الإضافة إلى اثنين؛ لأن الإضافة تبين أن المراد بذلك الجمع التثنية لا الجمع، وذلك أنك إذا قلت: أشبعت بطونهما، علم أن للاثنين بطنين فقط، وأصل التثنية الجمع؛ لأنك إذا ثنّيت الواحد فقد جمعت واحدًا إلى واحد، (وربما كان لفظ الجمع أخف من لفظ الاثنين، فيختار لفظ الجمع ولا يشتبه ذلك بالتثنية عند الإضافة إلى اثنين (١»؛ لأنك إذا قلت: قلوبهما، فالتثنية في (هما) قد أغنتك عن التثنية في (قلب). قال: وإن ثُنَّي ما كان في الشيء منه واحد فذلك جائز عند جميع النحويين، وأنشد:\nظَهْراهُما مِثل ظُهُور التُّرسَينْ (٢)\nفجاء باللغتين (٣). وهذا كما حكينا عن الفراء في قول الهذلي: فتخالسا نفسيهما (٤).\n(قال (٥» وحكى سيبويه أنه قد يجمع المفرد الذي ليس من شيء إذا أردت به التثنية، كقول العرب: وضعا رحالهما، يريد رَحلَي راحلتيهما (٦). وهذا كما حكى الفراء: فرقتما قمصكما.\n_________\n(١) ما بين القوسين ليس في \"معاني الزجاج\".\n(٢) رجز لخطام المجاشعي أو لهميان بن قحافة وهو في \"الكتاب\" ٢/ ٤٨، \"معاني الفراء\" ٣/ ١٧، يصف فيه فلاتين، وقبله:\nوَمهَمهين قَذِفين مَرْتَين ... جِبتُهما بالنَّعت لا بِالنَّعتَين\nظهرهما ................\n(٣) وشبه الفلاتين بالترسين في الاستواء. والشاهد منه أنه ثَنَّى وجَمَع المضاف للمثنى.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١٧٣، وانظر: \"الكتاب\" ٢/ ٤٨، ٤٩.\n(٥) ساقط من (ش).\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١٧٣، وانظر: \"الكتاب\" ٢/ ٤٨، ٤٩.","vol":"7","page":369},{"text":"قال أبو علي: (..) (١) اليد اليمنى وتركهم لقطع اليد اليسرى في دلالة على أن اليد اليسرى لم ترد بقوله تعالى (٢): ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ ألا ترى أنها لو أريدت بذلك لم يكونوا ليدعوا نص القرآن إلى غيره.\nوهذا يدل على أن جمع اليد في هذه الآية على حد جمع القلب في قوله: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤].\nودلت قراءة عبد الله على أن المراد بالأيدي الأيمان (٣).\nفإن قيل: إن قراءة عبد الله لا تُعلم اليوم قراءة، لانقطاع النقل، فلا يلزم به حجة.\nقيل: قراءته تكون حجة في إيجاب العمل، كما أنه لو روى خبرًا أن المراد بالأيدي التخصيص والقصر على الأيمان وجب المصير إليه، فكذلك إذا رُوي عنه على أنه قرآن وجب قبوله والعمل به، وكان أولى من الخبر الذي يرويه.\nقال أهل العلم: هذه الآية مجملة في إيجاب القطع على السارق، وتفصيل ذلك مأخوذ من السنة (٤).\nأما السارق الذي يجب عليه القطع فهو البالغ العاقل (٥) العالم بتحريم السرقة، فأما من كان حديث العهد بالإسلام لا يعلم أن السرقة حرام فلا قطع عليه.\n_________\n(١) ما بين القوسين بياض في النسختين.\n(٢) ساقط من (ج).\n(٣) تقدم تخريج هذه القراءة قريبًا، ولم أقف على قول أبي علي.\n(٤) انظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٣٥٠.\n(٥) انظر القرطبي في \"تفسيره\" ٦/ ١٦٧.","vol":"7","page":370},{"text":"والمسروق يجب أن تكون قيمته ربع دينار (١)، والاعتبار بالمضروب.\nفإذا أخرجه من حرز مثله، بعد أن لا يكون له شبهة فيه وجب القطع، والشبهة مثل شبهة المملوك في مال السيد، والولد مع الوالد، والوالد مع الولد، وكذلك شبهة المضطر عند المخمصة، وخوف التلف.\nولذلك رفع عمر -﵁- القطع عام الرمادة (٢).\nهذا جملة مذهب الشافعي -﵁- (٣).\nوعند أبي حنيفة -﵁- لا يجب القطع فيما دون عشرة دراهم (٤).\nوعند مالك -﵁- يقطع في ثلاثة دراهم فصاعد (٥).\nودليل الشافعي ما روى الزهري عن عمرة (٦)، عن عائشة أن النبي - ﷺ -:\n_________\n(١) هذا ما عليه أكثر العلماء، انظر: الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٢٢٩، والبغوي في \"تفسيره\" ٣/ ٥٢، \"زاد المسير\" ٢/ ٣٥٠، والقرطبي في \"تفسيره\" ٦/ ١٦٠، وابن كثير في \"تفسيره\" ٢/ ٦٣.\n(٢) قال ابن منظور: سمي بذلك لأن الناس والأموال هلكوا فيه كثيرًا، وقيل: هو لجدب تتابع فصير الأرض والشجر مثل لون الرماد، والأول أجود. \"اللسان\" ٣/ ١٧٢٧ (رمد).\n(٣) انظر: \"الأم\" ٦/ ١٤٧ - ١٤٩، والبغوي في \"تفسيره\" ٣/ ٥٢، و\"التفسير الكبير\" ١١/ ٢٢٦، ٢٢٧، وابن كثير في \"تفسيره\" ٢/ ٦٣.\n(٤) انظر: الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٢٢٩، و\"بحر العلوم\" ١/ ٤٣٤، والبغوي في \"تفسيره\" ٣/ ٥٢، و\"زاد المسير\" ٢/ ٣٥١، وابن كثير في \"تفسيره\" ٢/ ٦٣ - ٦٤.\n(٥) انظر: \"المدونة\" ٤/ ٤١٣، والطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٢٢٩، \"زاد المسير\" ٢/ ٣٥١، والقرطبي في \"تفسيره\" ٦/ ١٦٠، وابن كثير في \"تفسيره\" ٢/ ٦٣.\n(٦) هي عمرة بنت عبد الرحمن بن سعد بن زرارة الأنصارية المدنية، أكثرت من الرواية عن عائشة -﵂-، وهي فقيهة ثقة أخرج حديثها الجماعة، ماتت =","vol":"7","page":371},{"text":"كان يقطع في ربع دينار فصاعد (١).\nوهذا مذهب الأوزاعي وإسحاق (٢).\nوذهب ابن عباس وابن الزبير إلى ظاهر الآية، فأوجبا القطع في القليل.\nقال ابن عباس: في دانِق (٣)، وقال ابن الزبير: في دِرهَم (٤).\nوالقطع يكون من المفصل بين الكف والساعد (٥)، وهو الكوع والرُّسغ ويقطع في المرة الأولى يده اليمنى، وفي المرة الثانية رجله اليسرى، وفي المرة الثالثة يده اليسرى، وفي المرة الرابعة رجله اليمنى، ثم يحبس في المرة الخامسة (٦)، والقتل منسوخ (٧).\n_________\n= -رحمها الله- قبل سنة ١٠٠هـ، وقيل بعدها.\nانظر: \"سير أعلام النبلاء\" ٤/ ٥٠٧، \"التقريب\" ص ٧٥٠ (٨٦٤٣).\n(١) أخرجه البخاري (٦٧٨٩) كتاب الحدود، باب: قول الله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ ٨/ ١٦، ١٧، ومسلم (١٦٨٤) كتاب الحدود، باب: حد السرقة ونصابها ٣/ ١٣١٢ (ح ١).\n(٢) ذكره القرطبي في \"تفسيره\" ٦/ ١٦١ عن إسحاق.\n(٣) لم أقف عليه.\nوقد أخرج الطبري في \"تفسيره\" عن نجدة الحنفي قال: سألت ابن عباس عن قوله: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ أخاص أم عام؟ فقال: بل عام. \"جامع البيان\" ٦/ ٢٢٩.\nوهذا يحتمل أنه أراد القلة أو هو موافق لما تقدم من أقوال العلماء، انظر ابن كثير في \"تفسيره\" ٢/ ٦٣.\n(٤) قال السمرقندي: ورُوي عن ابن الزبير أنه قطع في نَعلٍ ثمنه درهم \"بحر العلوم\" ١/ ٤٣٣. هذا ما وجدته عن ابن الزبير.\n(٥) انظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٣٥٤.\n(٦) هذا قول مالك والشافعي. انظر: البغوي في \"تفسيره\" ٣/ ٥٣، \"زاد المسير\" ٢/ ٣٥٤.\n(٧) هذا إذا كان القتل ثابتًا، مع أنه لم يثبت، انظر القرطبي في \"تفسيره\" ٦/ ١٧٢.","vol":"7","page":372},{"text":"وعند أبي حنيفة لا يقطع في الثالثة (١)، وعند الشافعي يغرم قيمة السرقة مع القطع، وعند أبي حنيفة لا غرم مع القطع، ولكن إذا وجد المسروق عنده أخذ وردّ إلى صاحبه (٢).\nوقوله تعالى: ﴿جَزَاءً بِمَا كَسَبَا﴾.\nقال الزجاج: نصب؛ لأنه مفعول له (٣). المعنى: فاقطعوهم لجزاء (٤) فعلهم، وكذلك ﴿نَكَالًا مِنَ اللَّهِ﴾، وإن شئت كانا منصوبين على المصدر الذي دل عليه: ﴿فَاقْطَعُوا﴾ لأن المعنى: ﴿فَاقْطَعُوا﴾ جازوهم ونكلوا بهم (٥).\nوقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ أي: (عزيز) في انتقامه، (حكيم) فيما أوجبه من قطع يده (٦).\nقال الأصمعي: كنت أقرأ سورة المائدة وبجنبي أعرابي فقرأت هذه الآية، فقلت: (نكالًا من الله والله غفور رحيم) سهوًا، فقال الأعرابي: كلام من هذا؟ قلت: كلام الله. قال: أعِد. فأعدت: والله غفور رحيم. فقال: ليس هذا كلام الله. فتنبهت وقرأت: ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ فقال: أصبت، هذا كلام الله. فقلت له: أتقرأ القرآن؟ قال: لا. قلت: فمن أين علمت أني أخطأت؟ فقال: يا هذا، عزّ فحكم فقطع، ولو غفر ورحم لما\n_________\n(١) وهو قول أحمد أيضًا. انظر: البغوي في \"تفسيره\" ٣/ ٥٤، \"زاد المسير\" ٢/ ٣٥٤.\n(٢) انظر القرطبي في \"تفسيره\" ٦/ ١٦٥.\n(٣) في \"معاني الزجاج\" ٢/ ١٧٤: به.\n(٤) عند الزجاج: بجزاء.\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١٧٤، وانظر: القرطبي في \"تفسيره\" ٦/ ١٧٤.\n(٦) أي: يد السارق.","vol":"7","page":373},{"text":"قطع (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-890>٣٩ </span>- قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ﴾ (قال ابن عباس) (٢) يريد إن تاب بنية صادقة، وحرم ما حرم الله، وترك ظلم الناس، فإن الله يتجاوز عنه (٣).\nوالصحيح من مذهب العلماء وأهل التأويل، أن القطع لا يسقط عنه بالتوبة (٤).\nقال مجاهد: ﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ﴾ تاب الله عليه، والحد كفارة له (٥).\nوقال الكلبي: ﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ﴾ العمل بعد السرقة والقطع، فإن الله يتجاوز عنه (٦).\nوروى أن النبي - ﷺ - أُتِي بسارق سرق شملةً فقال: \"اذهبوا به فاقطعوه، ثم احسموه (٧)، ثم ائتوني به\" ففُعِل، فقال: \"ويحك تب إلى الله\"، فقال: تبت إلى الله. فقال: \"اللهم تب عليه\" (٨).\n_________\n(١) ذكره في \"الوسيط\" ٣/ ٨٧٦، وانظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٣٥٤.\n(٢) ساقط من (ج).\n(٣) انظر: \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ١١٤.\n(٤) انظر القرطبي في \"تفسيره\" ٦/ ١٧٤، ١٧٥.\n(٥) \"تفسيره\" ١/ ١٩٥، وانظر: الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٢٣٠، وأورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ٢/ ٤٩٧ وعزاه إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(٦) \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ١١٤.\n(٧) الحسم في اللغة: القطع، والمراد به هنا: قطع الدم بالكي. انظر: \"غريب الحديث\" لأبي عبيد ٢/ ٣٤٩.\n(٨) ذكره بنحوه أبو عبيد في \"غريب الحديث\" ١/ ٣٤٩، وأورده ابن كثير في \"تفسيره\" =","vol":"7","page":374},{"text":"وقال عامر (١) وعطاء: إذا رد السرقة قبل القدرة عليه سقط عنه القطع، فيتوب الله عليه (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-891>٤٠ </span>- قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾.\nقال ابن عباس: يريد على الذنب اليسير ﴿وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ الذنب العظيم (٣).\nوبيان هذا ما قال الضحاك: (يعذب من شاء) على الصغير إذا أقام عليه، (ويغفر لمن يشاء) الكبير إذا نزع عنه (٤).\nوقال الكلبي: ﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ من مات على كفره، ﴿وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ من تاب من كفره (٥).\nوقال السدي: يهدي من يشاء فيغفر له، ويعذب من يشاء، فيميته على كفره (٦).\n_________\n= وعزاه إلى الدارقطني من حديث أبي هريرة، وقال عقبة: وقد رُوي من وجه آخر مرسلًا، ورجح إرساله علي بن المديني وابن خزيمة رحمهما الله. ابن كثير في \"تفسيره\" ٢/ ٦٤، وانظر: \"الدر المنثور\" ٢/ ٤٩٧.\n(١) الشعبي.\n(٢) لم أقف عليه. قال البغوي: فأما القطع فلا يسقط بالتوبة عند الأكثرين. \"معالم التنزيل\" ٣/ ٥٤.\n(٣) ذكره بمعناه البغوي في \"تفسيره\" ٣/ ٥٥.\n(٤) ذكره المؤلف في \"الوسيط\" ٣/ ٨٧٨ ولم أقف عليه، وقد ذكر أبو حيان له قولًا، كقول الكلبي بعده، انظر: \"البحر المحيط\" ٣/ ٤٨٥.\n(٥) ذكره البغوي في \"تفسيره\" ٣/ ٥٥، ونسبه للسدي أيضًا.\n(٦) ذكره المؤلف في \"الوسيط\" ٣/ ٨٧٨، ولم أقف عليه.","vol":"7","page":375},{"text":"والآية بإطلاقها فاضحة للقدرية في التعديل والتجويز، وقولهم بوجوب الرحمة على الله للمطيع، ووجوب العذاب للعاصي، حيث فوض الأمر فيهما إلى المشيئة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-892>٤١ </span>- قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ (قال أبو إسحاق: أي لا يحزنك مسارعتهم في الكفر) (١)، إذ كنت موعود النصر عليهم (٢).\nوقوله تعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ﴾. قال ابن عباس: هم المنافقون (٣).\nوقوله تعالى: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا﴾. قال ابن عباس: يريد بني قينقاع (٤).\nوقال مقاتل: يعني: يهود المدينة (٥).\nوقوله تعالى: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ﴾:\nلو شئت جعلت تمام الكلام عند قوله: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا﴾ ثم ابتدأت فقلت: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ﴾، أي: هم سماعون للكذب أي: المنافقون واليهود سماعون للكذب.\nوإن شئت كان رفع ﴿سَمَّاعُونَ﴾ على معنى: ومن الذين هادوا\n_________\n(١) ما بين القوسين ساقط من (ش).\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١٧٤.\n(٣) ذكره المؤلف في \"الوسيط\" ٣/ ٨٧٩، وابن الجوزي ٢/ ٣٥٧، وأورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ٢/ ٤٩٨، وعزاه إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(٤) لم أقف عليه، وفي \"الوسيط\": يعني يهود المدينة، كقول مقاتل الآتي.\n(٥) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١/ ٤٧٤.","vol":"7","page":376},{"text":"سماعون، فيكون المعنى: أن السماعين منهم، ويرتفع (منهم) كمال تقول: من قومك عقلاء.\nوالوجهان ذكرهما الفراء (١)، والزجاج (٢)، واختار أبو علي الوجه الثاني، وقال: هو على تقدير: ومن الذين هادوا فريق سماعون للكذب (٣)، وذكر أبو إسحاق في معنى قوله: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ﴾ وجهين:\nأحدهما: وهو قول أهل التفسير (٤) أن معناه: قابلون للكذب، والسمع يستعمل والمراد منه: القبول، كما يقال: لا تسمع من فلان، أي: لا تقبل منه، ومنه: (سمع الله لمن حمده)، وذلك الكذب الذي يقبلونه، وهو ما يقول لهم رؤساؤهم مما كذبوا فيه.\nوالوجه الثاني: وهو اختيار أبي علي (٥): أن معناه: أنهم يسمعون منك ليكذبوا عليك، أي: إنما يجالسونك ويسمعون منك ليكذبوا عليك، ويقولوا إذا خرجوا من عندك: سمعنا منه كذا وكذا، ولم يسمعوا ذلك منك (٦).\nوهذا قول الحسن (٧) واختيار أبي حاتم، وكان يقول اللام في الكذب لام كي، أي: يسمعون لكي يكذبوا عليك (٨).\n_________\n(١) انظر: \"معاني القرآن\" ١/ ٣٠٨، ٣٠٩.\n(٢) انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١٧٥.\n(٣) \"الحجة\" ٢/ ٣٦.\n(٤) جملة اعتراضية من الواحدي. وانظر في ذلك: الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٢٣٥.\n(٥) انظر: \"الحجة\" ٢/ ٣٦.\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١٧٤ بتصرف، وانظر: \"معاني النحاس\" ٢/ ٣٠٦، ٣٠٧، \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٧٥٦ (سمع)، والبغوي في \"تفسيره\" ٣/ ٥٥، \"زاد المسير\" ٢/ ٣٥٧.\n(٧) انظر: \"النكت والعيون\" ٢/ ٣٨.\n(٨) لم أقف عليه.","vol":"7","page":377},{"text":"وقوله تعالى: ﴿سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ﴾\nقال ابن عباس وجابر وسعيد بن المسيب والسدي وابن زيد: إن رجلًا وامرأة من أشراف أهل خيبر (١) زنيا، وكان حدهما الرجم، فكرهت اليهود رجمهما لشرفهما، فأرسلوا إلى بني قريظة ليسألوا محمدًا - ﷺ - عن قضائه في الزانيين إذا أحصنا ما حدهما؟ وقالوا: إن أمرَكم بالجلد فاقبلوا منه، وإن أمركم بالرجم فاحذروه ولا تقبلوا منه، فأقبل نفر من قريظة والنضير إلى رسول الله - ﷺ - يسألونه، فنزل جبريل بالرجم، فأخبرهم به، فأبوا أن يأخذوا به، فذلك قوله: ﴿سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ﴾ (٢).\nوالمراد بالقوم الآخرين: أهل خيبر.\nوقوله تعالى: ﴿لَمْ يَأْتُوكَ﴾ من صفة قوله: ﴿لِقَوْمٍ آخَرِينَ﴾.\nقال الزجاج: هم عيون لأولئك الغُيَّب (٣).\nوقوله تعالى: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ﴾.\nأي: من بعد أن وضعه الله مواضعه، أي: فرض فروضه، وأحل حلاله وحرم حرامه.\nقال المفسرون: وذلك أن رسول الله - ﷺ - لما أفتى بالرجم لم يقبلوا ذلك وأنكروه وأبوا أن يأخذوا به، فقال جبريل للنبي - ﷺ -: اجعل بينك\n_________\n(١) خيبر: موضع بالحجاز يقع شمال المدينة على مسافة ثمانية برد، فيها سبعة حصون ومزارع ونخل كثير، فتحها النبي - ﷺ - سنة ٧ هـ، وقيل سنة ٨ هـ.\nانظر: \"الصحاح\" ٢/ ٦٤٢ (خبر)، \"معجم البلدان\" ٢/ ٤٠٩.\n(٢) أخرجه بمعناه عن السدي: الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٢٣٥، وذكره المؤلف في \"الوسيط\" ٣/ ٨٨٠، والبغوي في \"تفسيره\" ٣/ ٥٥، واختاره ابن كثير في \"تفسيره\" سببًا لنزول الآية. انظر: \"تفسيره\" ٢/ ٦٦.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١٧٥.","vol":"7","page":378},{"text":"وبينهم ابن صُوريا (١) -وكان أعلمهم بالتوراة- فأُحضِر وأقسم عليه رسول الله - ﷺ -، فقال: \"أسألك بالذي أنزل التوراة على موسى، هل في التوراة أن يرجم المحصنان إذا زنيا؟ \" قال: نعم (٢). وكانت اليهود قد ترخصت في حد الزنا، وجعلت بدل الرجم الجلد والتحميم (٣)، فذلك تحريفهم الكلم عن مواضعه. هذا قول أهل التفسير.\nوقال أهل المعاني: يعني: تحريف كلام النبي - ﷺ - بعد سماعهم منه، يحرفونه للكذب عليه (٤).\nقال أبو علي: قوله: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ﴾ من صفة قوله (٥): ﴿سَمَّاعُونَ﴾ (٦) أي فريق سماعون يحرفون الكلم.\n_________\n(١) هو عبد الله بن صوريا، ويقال: ابن صور، الإسرائيلي، وإن من أحبار اليهود، ويقال إنه أسلم، لكنه ارتد بعد ذلك. انظر: \"الإصابة\" ٢/ ٣٢٦.\n(٢) أخرجه بنحوه من حديث جابر بن عبد الله -﵁-، أبو داود (٤٤٥٢) كتاب الحدود، باب: في رجم اليهوديين، وابن ماجه (٢٣٧٤) كتاب الأحكام، باب (٣٣): شهادة أهل الكتاب بعضهم على بعض مختصرا والحميدي في \"مسنده\" ٢/ ٥٤١، ٥٤٢. قال في \"الزوائد\": في إسناده مجالد بن سعيد، وهو ضعيف. وقد أورده الماوردي في \"النكت والعيون\" ٢/ ٣٩، والبغوي في \"تفسيره\" ٣/ ٥٥، ٥٦، وابن كثير في \"تفسيره\" ٢/ ٦٦، والسيوطي في \"الدر المنثور\" ٢/ ٥٠٠.\n(٣) هو: أن يجلد أربعين جلدة بحبل مطلي بالقار ثم يسود وجوههما، ثم يحملان على حمارين، ويطاف بهما. البغوي في \"تفسيره\" ٣/ ٥٦، وانظر: \"بحر العلوم\" ١/ ٤٣٦ فالتحميم: تسويد الوجه.\n(٤) نسب هذا القول للحسن: الماوردي في \"النكت والعيون\" ٢/ ٣٩، وانظر: \"الحجة\" لأبي علي ٢/ ٣٦.\n(٥) في \"الحجة\" ٢/ ٣٦: لقوله.\n(٦) \"الحجة\" ٢/ ٣٦.","vol":"7","page":379},{"text":"فيكون موضعه رفعًا على قول أهل التفسير، ويجوز على قول أهل المعاني: أن يكون ﴿يُحَرِّفُونَ﴾ حالًا من الضمير في اسم الفاعل؛ كأنه: سماعون محرفين للكلم، أي: مقدرين تحريفه، يعني: أنهم يسمعون كلام النبي - ﷺ - ويقدرون مع (١) أنفسهم تحريف ما يسمعون، فيكون كقولهم: معه صقر صائدًا به غدًا، وكقوله تعالى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥] (٢).\nوقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ﴾.\nمن باب حذف المضاف؛ لأن التقدير: من بعد وضعه مواضعه، أي: وضع الله، على قول أهل التفسير (٣).\nوعلى قول أهل المعاني (٤): من بعد وضع النبي كلامه مواضعه.\nوقوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا﴾.\nيقول ذلك يهود خيبر ليهود المدينة: إن أمركم محمد بالجلد فاقبلوه، ﴿وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ﴾ يعني: الجلد فاحذروه (٥).\nقال الزجاج: أي إن أُفتِيتم بهذا الحكم المحرف فخذوه، وإن أفتاكم النبي - ﷺ - بغير ما حددنا لكم فاحذروا أنه تعملوا به (٦).\nقال المفسرون: وذلك أنهم كانوا بعثوا الزانيين إلى يهود المدينة ليسألوا النبي - ﷺ - عن حدهما، وقالوا: إن أفتاكم بالجلد فخذوه (٧) واجلدوا\n_________\n(١) لعل الصواب: في.\n(٢) \"الحجة\" ٢/ ٣٦.\n(٣) تقدم هذا القول قريبًا.\n(٤) تقدم قريبًا.\n(٥) انظر: الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٢٣٦ - ٢٣٧، \"بحر العلوم\" ١/ ٤٣٧.\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١٧٥.\n(٧) في (ش): (فخذوا).","vol":"7","page":380},{"text":"الزانيين، وإن أفتاكم بالرجم فلا تعملوا بذلك، ثم لما افتضحوا بقول ابن صوريا، أمر رسول الله - ﷺ - بالزانيين فرجما عند باب مسجده، وقال: \"أنا أول من أحيا أمرك إذ أماتوه\" (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ﴾. قال ابن عباس ومجاهد: ضلالته (٢).\nوقال الحسن وقتادة: عذابه (٣). وقال الضحاك: هلاكه (٤).\nوقال الزجاج: قيل فضيحته، وقيل كفره، قال: ويجوز أن يكون اختباره بما يظهر به أمره (٥).\nوقوله تعالى: ﴿فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾.\nذكرنا معناه عند قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ﴾ الآية [المائدة: ١٧].\nوقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ﴾.\nقال ابن عباس: أن يخلص نياتهم (٦). وقال الزجاج: أي أن\n_________\n(١) بمعناه في \"تفسير ابن عباس\" ص ١٧٨، وأخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٢٣٢، وأورده بنحو لفظ المؤلف البغوي في \"تفسيره\" ٣/ ٥٦، ٥٧، وانظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٣٥٨.\n(٢) أورده عن ابن عباس السيوطي في \"الدر المنثور\" وعزاه إلى ابن أبي حاتم وابن المنذر والبيهقي في \"الأسماء والصفات\". وانظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٣٥٩.\n(٣) انظر: \"النكت والعيون\" ٢/ ٣٩، والبغوي في \"تفسيره\" ٣/ ٥٨، \"زاد المسير\" ٢/ ٣٥٩.\n(٤) انظر البغوي في \"تفسيره\" ٣/ ٥٨.\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١٧٦، وانظر: \"النكت والعيون\" ٢/ ٤٠، \"زاد المسير\" ٢/ ٣٥٩.\n(٦) أورده المؤلف في \"الوسيط\" ٣/ ٨٨٢، وانظر: \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ١١٣.","vol":"7","page":381},{"text":"يهديهم (١).\nقال أهل العلم: قد دلت هذه الآية على أن الله تعالى غير مريد إسلام الكافر، وأنه لم يطهر قلبه من الشك والشرك، ولو فعل ذلك لآمن. وهذه الآية من أشد الآيات على القدرية (٢).\nوقوله تعالى: ﴿لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ﴾. قالوا: خزي المنافقين هتك سترهم بإطلاع النبي - ﷺ - على كفرهم وخوفهم القتل، وخزي اليهود فضيحتهم بظهور كذبهم في كتمان الرجم وأخذ الجزية منهم (٣).\n﴿وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: ٤١]. وهو الخلود في النار (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-893>٤٢ </span>- قوله تعالى: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ﴾ مضى الكلام فيه (٥).\nوقوله تعالى: ﴿أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾.\nقال الليث: السحت: كل حرام قبيح الذكر يلزم منه العار (٦).\nوأجمعوا على أن المراد بالسحت ههنا: الرشوة في الحكم، وقالوا: نزلت الآية في حكام اليهود، كانوا يرتشون ويقضون لمن رشاهم (٧).\n_________\n(١) في \"معاني الزجاج\" ٢/ ١٧٦: أي أن يهينهم.\n(٢) انظر البغوي في \"تفسيره\" ٣/ ٥٨.\n(٣) انظر: \"معاني النحاس\" ٢/ ٣٠٨، والبغوي في \"تفسيره\" ٣/ ٥٨، و\"زاد المسير\" ٢/ ٣٥٩.\n(٤) انظر: الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٢٣٨، والبغوي في \"تفسيره\" ٣/ ٥٨.\n(٥) تقدم قريبًا.\n(٦) \"العين\" ٣/ ١٣٢، \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٦٣٧ (سحت).\n(٧) انظر: \"غريب القرآن\" لابن قتيبة ١/ ١٤١، والطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٢٣٩، و\"معاني الزجاج\" ٢/ ١٧٧، و\"بحر العلوم\" ١/ ٤٣٨، و\"معاني النحاس\" ٢/ ٣٠٩، و\"النكت والعيون\" ٢/ ٤٠، البغوي في \"تفسيره\" ٣/ ٥٨.","vol":"7","page":382},{"text":"وقال الحسن في هذه الآية: تلك الحكام يسمعون الكذب ممن يكذب في دعواه عندهم، ويأتيهم برشوة فيأخذونها ويأكلونه، فسمعوا كذبه وأكلوا رشوته (١).\nفأما اشتقاق السُّحت: فقال الزجاج: إن الرِّشَا التي يأخذونها يعاقبهم الله بها أن يسحتهم بعذاب، أي يستأصلهم (٢).\nوذكر عن الفراء أنه قال: (أصله (٣» كَلَبُ الجوع، يقال: رجل مسحوتُ المعدة، إذا كان أكولا، لا يُلقى إلا جائعًا أبدًا، قال رؤبة (٤) في قصة يونس (﵇ (٥» والحوت:\nيدفع عنه جوفُه المَسْحوتُ (٦)\nأي: الجائع (٧).\n_________\n(١) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٢٣٩، وانظر البغوي في \"تفسيره\" ٣/ ٥٨، \"زاد المسير\" ٢/ ٣٦٠.\n(٢) انظر: \"معاني الزجاج\" ٢/ ١٧٧، \"معاني النحاس\" ٢/ ٣٠٩.\n(٣) ما بين القوسين ساقط من (ج)، وانظر: الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٢٤١.\n(٤) هو رؤبة بن العجاج عبد الله بن رؤبة التميمي، من الشعراء الرجاز. كان رأسًا في اللغة، قيل إنه توفي سنة ١٤٥ هـ.\nانظر: \"الشعر والشعراء\" ص ٣٩٤، \"طبقات الشعراء\" ٣٣، \"سير أعلام النبلاء\" ٦/ ١٦٢.\n(٥) ساقطة من (ج).\n(٦) عجز بيت من الرجز وصدره:\nوالليل فوق الماء مستميت\n\"ديوان رؤبة\" ص ٢٧، \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٦٣٨.\nويدفع رُوي بالبناء للمفعول، والمعنى: نحى الله جل وعز جوانب جوف الحوت عن يونس، وجافاه عنه فلا يصيبه منه أذى. ورُوي بالبناء للفاعل يدفع والمعنى: أن جوف الحوت صار وقاية له من الغرق، وإنما دفع الله جل وعز عنه.\n(٧) لم أقف على قول الفراء، وانظر: الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٢٤١.","vol":"7","page":383},{"text":"فالسحت حرام يحمل عليه الشره كشره المسحوت المعدة، وعلى ما قال الليث، إنه حرام يلزم منه العار، يمكن أن يقال: سمي سُحْتا؛ لأنه يسحت مروءة الإنسان.\nوقوله تعالى: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾.\nهذا تخيير للنبي - ﷺ - في الحكم بين أهل الكتاب إذا تحاكموا إليه، إن شاء حكم، وإن شاء ترك (١).\nواختلفوا في ثبوت هذا التخيير: فقال إبراهيم والشعبي وعطاء وقتادة: إنه ثابت اليوم لحكام المسلمين، إن شاءوا حكموا بينهم بحكم الإسلام، وإن شاءوا أعرضوا (٢).\nوقال آخرون: إنه منسوخ بقوله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩].\nوهو قول الحسن ومجاهد والكلبي وعكرمة والسدي (٣)، ورُوي ذلك عن ابن عباس (٤).\n_________\n(١) انظر: الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٢٤٢، \"معاني الزجاج\" ٢/ ١٧٧، \"بحر العلوم\" ١/ ٤٣٨.\n(٢) أخرج أقوالهم الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٢٤٣ - ٢٤٤، وانظر: \"الناسخ والمنسوخ\" للنحاس ٢/ ٢٩٣، \"معاني النحاس\" ٢/ ٣١٠، \"النكت والعيون\" ٢/ ٤١، البغوي في \"تفسيره\" ٣/ ٥٩، وبهذا القول قال الإِمام أحمد -﵀- انظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٣٦١، ورجحه الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٢٤٦.\n(٣) انظر: \"الناسخ والمنسوخ\" لأبي عبيد ص ١٣٤، والطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٢٤٥ - ٢٤٦، و\"معاني النحاس\" ٢/ ٣١٠، \"الناسخ والمنسوخ\" للنحاس ٢/ ٢٩٤، ١٩٥، و\"النكت والعيون\" ٢/ ٤٥، والبغوي في \"تفسيره\" ٣/ ٥٩.\n(٤) أخرجه أبو عبيد في \"الناسخ والمنسوخ\" ص ١٣٤، والنحاس في \"الناسخ والمنسوخ\" ٢/ ٢٩٤ بإسناد صحيح، وانظر المصادر السابقة.","vol":"7","page":384},{"text":"ومذهب الشافعي أنه يجب على الحاكم منا أن يحكم بين أهل الذمة إذا تحاكموا إليه؛ لأن في إمضاء حكم الإسلام عليهم صغارًا لهم (١).\nفأما المُعاهدون الذين لهم مع المسلمين عهد إلى مدة، فليس بواجب على الحاكم أن يحكم بينهم، بل يخير في ذلك، وهذا التخيير الذي في هذه الآية إنما يثبت للحاكم بين المعاهدين (٢).\nقال الشافعي: لما دخل رسول الله - ﷺ - المدينة وادع اليهود كافة (٣)، فالتخيير بهذا السبب.\nفأما إذا قبلوا الجزية ورضوا بجريان أحكامها عليهم، فليس للحاكم أن يُعرض عنهم إذا تحاكموا إليه (٤).\nقال أبو عبيد: وهذا هو الأولى عندنا؛ لأن في ردهم إلى أحكامهم معونةً على جورهم وأخذهم الرشا في الحكم (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-894>٤٣ </span>- قوله تعالى: ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ﴾ الآية.\nهذا تعجب من الله تعالى نبيه - ﷺ - من تحكيم اليهود إياه بعد علمهم بما في التوراة من حكم الزاني وحده، ثم إعراضهم وتركهم القبول لحكمه وإنكارهم ذلك، فعدلوا عما يعتقدونه حكمًا إلى ما يجحدون أنه من عند الله طلبًا للرخصة، فظهر جهلهم وعنادهم في هذه القصة من وجوه: أحدها:\n_________\n(١) انظر: \"الأم\" ٤/ ٢١٠، \"الناسخ والمنسوخ\" للنحاس ٢/ ٢٩٦.\n(٢) انظر: \"الأم\" ٤/ ٢١٠، والشافعي -﵀- اعتبر هؤلاء: الموادعين، أما المعاهدون فلا خيار في حقهم وسيأتي قريبًا.\n(٣) \"الأم\" ٦/ ٢١٠.\n(٤) انظر: \"الأم\" ٤/ ٢١٠، وهؤلاء هم المعاهدون.\n(٥) انظر: \"الناسخ والمنسوخ\" لأبي عبيد ص ٢٤٢.","vol":"7","page":385},{"text":"عدولهم عن حكم كتابهم، والثاني: رجوعهم إلى حكم من يجحدون أن يكون حكمه من (عند) (١) الله، والثالث: إعراضهم عن حكمه بعدما حكّموه (٢).\nفبين الله تعالى حالهم في جهلهم وعنادهم؛ لئلا يغتر بهم مغتر أنهم أهل كتاب الله، ومن الحافظين على أمر الله.\nوهذا قول ابن الأنباري وجماعة من أهل المعاني (٣).\nوقوله تعالى: ﴿فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ﴾. قال ابن عباس: يريد الرجم (٤)، وكذلك قال مقاتل (٥)، والكلبي (٦).\nوقوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾.\nمذهب المفسرين أن (ذلك) إشارة إلى حكم الله الذي في التوراة (٧)، ويجوز أن يعود إلى التحكيم (٨).\n_________\n(١) ساقط من (ج).\n(٢) انظر: الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٢٤٧ - ٢٤٨، البغوي في \"تفسيره\" ٣/ ٦٠، \"زاد المسير\" ٢/ ٣٦٢، \"التفسير الكبير\" ١١/ ٢٣٦.\n(٣) انظر: \"التفسير الكبير\" ١١/ ٢٣٦.\n(٤) \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ١١٥.\nوقد ثبت عن ابن عباس -﵄- أنه قال: يعني حدود الله، \"تفسيره\" ص ١٧٩، وأخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٢٤٨.\n(٥) ابن حبان. وقد أورد قوله السيوطي في \"الدر المنثور\" ٢/ ٥٠٥، وعزاه إلى ابن أبي حاتم وأبي الشيخ.\n(٦) انظر: \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ١١٥.\n(٧) انظر: الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٢٤٨، \"بحر العلوم\" ١/ ٤٣٩، \"النكت والعيون\" ٢/ ٤١.\n(٨) انظر: \"النكت والعيون\" ٢/ ٤١، \"زاد المسير\" ٢/ ٣٦٢.","vol":"7","page":386},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾. (قال الكلبي: وما أولئك الذين يعرضون عن الرجم بالمؤمنين (١) \" (٢).\nقال أهل المعاني: ويحتمل أن يكون المعنى: وما هم بالمؤمنين بحكمك أنه من عند الله مع جحدهم نبوتك (٣).\nوفي هذا تجهيل لهم في تحكيم من لم يؤمنوا بحكمه كما بينا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-895>٤٤ </span>- قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ﴾. قال ابن عباس: فيها بيان لكل شيء وضياء لكل ما تشابه عليهم (٤).\nوقال الزجاج: ﴿فِيهَا هُدًى﴾ بيان الحكم الذي جاءوا يستفتون فيه النبي - ﷺ - ﴿وَنُورٌ﴾ بيان أن أمر النبي - ﷺ - حق (٥).\nوقوله تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا﴾.\nقال ابن عباس: يريد النبيين الذين كانوا بعد موسى، وذلك أن الله بعث في بني إسرائيل ألوفًا من الأنبياء ليس معهم كتاب، إنما بعثهم بإقامة التوراة، أن يحدوا حدودها، ويقوموا بفرائضها، ويحلوا حلالها ويحرموا حرامها (٦). انتهى كلامه.\nومعنى قوله: ﴿النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا﴾ أي: الذين انقادوا لحكم\n_________\n(١) ذكره المؤلف في \"الوسيط\" ٣/ ٨٨٧ دون نسبة، ولم أقف عليه.\n(٢) ساقط من (ش).\n(٣) انظر: \"النكت والعيون\" ٢/ ٤١، البغوي في \"تفسيره\" ٣/ ٦٠، \"زاد المسير\" ٢/ ٣٦٢.\n(٤) لم أقف عليه.\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١٧٨.\n(٦) انظر: \"تفسير المقباس\" بهامش المصحف ص ١١٥.","vol":"7","page":387},{"text":"التوراة، فإن من الأنبياء من لم تكن شريعته شريعة التوراة (١).\nوهذا معنى قول مقاتل؛ لأنه قال: يحكم بما في التوراة الأنبياء من لدن موسى إلى عيسى -﵉- (٢).\nوقال الحسن وقتادة وعكرمة والزهري والسدي: محمد - ﷺ - داخل في جملة هؤلاء الأنبياء الذين ذكرهم الله؛ لأنه حكم على اليهوديين بالرجم، وكان هذا حكم التوراة (٣).\nوقال أهل المعاني: فعلى هذا يمكن أن يقال: المراد بقوله: ﴿النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا﴾ محمد - ﷺ -، فذكره بلفظ الجمع (٤)، كقوله تعالى: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ﴾ الآية [النساء: ٥٤] يعني بالناس محمدًا وحده، وجاز ذلك لأنه اجتمع فيه من الفضل والخصال الحميدة ما يكون في جماعة من الأنبياء، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ [النحل: ١٢٠] على هذا المعنى (٥).\nوقال ابن الأنباري: هذا رد على اليهود والنصارى في دعواهم؛ لأن بعضهم كانوا يقولون: إن الأنبياء كانوا يهودًا، وبعضهم يقولون: إنهم كانوا نصارى. فقال الله تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ﴾ الذين ليسوا على ما\n_________\n(١) انظر: الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٢٤٩، \"بحر العلوم\" ١/ ٤٣٩، \"زاد المسير\" ٢/ ٣٦٣.\n(٢) أورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ٢/ ٥٠٦، وعزاه إلى ابن أبي حاتم، وأبي الشيخ.\n(٣) هذا معنى قولهم، وأخرج الآثار عنهم الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٢٤٩. وانظر: \"النكت والعيون\" ٢/ ٤١، \"زاد المسير\" ٢/ ٣٦٣.\n(٤) انظر: \"معاني الزجاج\" ٢/ ١٧٨، \"النكت والعيون\" ٢/ ٤١، البغوي في \"تفسيره\" ٣/ ٦٠، \"زاد المسير\" ٢/ ٣٦٤.\n(٥) انظر: البغوي في \"تفسيره\" ٣/ ٦٠، \"زاد المسير\" ٢/ ٣٦٤.","vol":"7","page":388},{"text":"تصفونهم به من اليهودية والنصرانية (١).\nوقوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ هَادُوا﴾. قال ابن عباس: يريد تابوا، يعني من الكفر (٢).\nواللام في قوله: ﴿لِلَّذِينَ﴾ من صلة قولهم: ﴿يَحْكُمُ﴾ أي يحكمون بالتوراة لهم وفيما بينهم (٣).\nقال الزجاج: وجائز أن يكون المعنى على التقديم والتأخير، على معنى: إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور للذين هادوا يحكم بها النبيون الذين أسلموا والربانيون (٤).\nومضى تفسير الربانيين (٥).\nفأما الأحبار فقال ابن عباس: هم الفقهاء (٦).\nواختلف أهل اللغة في واحده واشتقاقه، فقال أبو عبيد: بعضهم\n_________\n(١) انظر: \"التفسير الكبير\" ١٢/ ٣.\n(٢) ذكره المؤلف في \"الوسيط\" ٣/ ٨٨٨، وانظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٣٦٤.\n(٣) انظر: \"الدر المصون\" ٤/ ٢٧٠.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١٧٨، وانظر: \"معاني النحاس\" ٢/ ٣١٢، والبغوي في \"تفسيره\" ٣/ ٦٠.\n(٥) ذكر ذلك عند قوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ [آل عمران: ١٤٦]، حيث إن هذه الكلمة: الربانيون أول ما وردت في القرآن في هذا الموضع. انظر: \"البسيط\" نسخة دار الكتب ٢/ ل٧٠. قال الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٢٤٩: والربانيون جمع رباني، وهم العلماء الحكماء البصراء بسياسة الناس وتدبيرهم أمورهم والقيام بمصالحهم. انظر: \"معاني الزجاج\" ٢/ ١٧٨.\n(٦) لم أقف عليه، وقال بهذا مجاهد وعكرمة. انظر: الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٢٥٠، ٢٥١.","vol":"7","page":389},{"text":"يقول: حَبْر، وبعضهم يقول: حِبْر (١). قال: وقال الفراء: إنما هو حِبْر، يقال ذلك للعالم، وإنما قيل: كعب الحِبر، لمكان هذا الحِبر الذي يُكتب به، وذلك أنه كان صاحب كتب (٢). وقال الأصمعي: لا أدري أهو الحَبْر أو الحِبْر، للرجل العالم (٣).\nوكان أبو الهيثم يقول: حَبر، بالفتح لا غير (٤). وقال ابن السكيت عن ابن الأعرابي: حَبْر وحِبْر للعالم (٥).\nوقال الليث: هو حَبْر وحِبْر، للعالم ذميًا كان أو مسلمًا بعد أن يكون من أهل الكتاب (٦).\nوقال الزجاج: الأحبار هم العلماء الخيّار (٧).\nوأما اشتقاقه فقال قوم: أصله من التحبير وهو التحسين، فالعالم (٨) يُحَسِّن الحَسَن ويُقَبِّح القبيح (٩). وحاله مع ذلك حسنة، بخلاف حال الجاهل.\n_________\n(١) \"غريب الحديث\" ١/ ٦٠، وانظر: \"تهذيب اللغة\" ١/ ٧٢١ (حبر).\n(٢) \"غريب الحديث\" ١/ ٦٠، وانظر: الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٢٥٠، \"تهذيب اللغة\" ١/ ٧٢١ (حبر).\n(٣) \"غريب الحديث\" ١/ ٦٠، \"تهذيب اللغة\" ١/ ٧٢١ (حبر).\n(٤) انظر: \"تهذيب اللغة\" ١/ ٧٢١ (حبر).\n(٥) \"تهذيب اللغة\" ١/ ٧٢١ (جبر).\n(٦) \"العين\" ٣/ ٢١٨، \"تهذيب اللغة\" ١/ ٧٢١ (جبر).\n(٧) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١٧٩.\n(٨) في (ش): (والعالم).\n(٩) \"النكت والعيون\" ٢/ ٤٢، وانظر: \"العين\" ٣/ ٢١٨، \"تهذيب اللغة\" ١/ ٧٢١، \"اللسان\" ٢/ ٧٤٩ (جبر).","vol":"7","page":390},{"text":"وقال آخرون. هو من الحِبر الذي يكتب به. وهو قول الكسائي وأبي عبيد (١).\nوقوله تعالى: ﴿بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ﴾.\nقال ابن عباس: يريد بما استودعوا من كتاب الله (٢).\nفي (ما) يجوز أن يكون من صلة الأحبار (٣)، على معنى العلماء بما استحفظوا، ويجوز أن يكون المعنى: يحكمون بما استحفظوا. وهو قول الزجاج (٤).\nوقوله تعالى: ﴿وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ﴾.\nقال عطاء عن ابن عباس: وكانوا شهداء على الكتاب أنه من عند الله وحده لا شريك له (٥).\nورُوي عن ابن عباس أيضًا: أنهم كانوا شهداء على حكم النبي - ﷺ - أنه في التوراة (٦).\nوقوله تعالى: ﴿فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾.\n_________\n(١) انظر: \"غريب الحديث\" لأبي عبيد ١/ ٦٠، وتقدم قوله، وانظر: \"اللسان\" ٢/ ٧٤٨ (حبر).\n(٢) ذكره المؤلف في \"الوسيط\" ٣/ ٨٨٨، وانظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٣٦٥.\n(٣) الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٢٥٠، وانظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٣٦٥.\n(٤) في \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١٧٨.\n(٥) ذكره المؤلف في \"الوسيط\" ٣/ ٨٨٨ دون، ولم أقف عليه.\n(٦) رواه أبو صالح عن ابن عباس. انظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٣٦٥.\nوأخرج الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٢٥١ عن ابن عباس من طريق عطية أنه قال: يعني الربانيين، والأحبار هم الشهداء لمحمد - ﷺ - بما قال أنه حق من عند الله، فهو نبي الله محمد، أتته اليهود فقضى بينهم بالحق.","vol":"7","page":391},{"text":"قال الكلبي ومقاتل: فلا تخشوا الناس في إظهار صفة محمد والرجم، واخشوني في كتمان ذلك (١). والخطاب لعلماء اليهود (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي﴾.\nقال ابن عباس: يريد بأحكامي وفرائضي، ﴿ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ يريد متاع الدنيا قليل؛ لأنه ينقطع ويذهب (٣).\nوقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾.\nاختلفوا (في (٤» هذا وفي الآيتين اللتين بعد هذه: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾، ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾.\nفقال جماعة من المفسرين: إن الآيات الثلاثة نزلت في الكفار ومن غير حكم الله من اليهود، وليس في أهل الإسلام منها شيء؛ لأن المسلم وإن ارتكب كبيرة لا يقال: إنه كافر.\nوهذا قول الضحاك وقتادة وأبي صالح (٥)، ورواية أبي الجوزاء عن ابن عباس (٦).\n_________\n(١) عن مقاتل في \"تفسيره\" ١/ ٤٧٩، وأورده في \"الدر المنثور\" ٢/ ٥٠٦ وعزاه إلى ابن أبي حاتم وأبي الشيخ.\nأما عن الكلبي ففي \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ١١٥.\n(٢) انظر: الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٢٥١، \"زاد المسير\" ٢/ ٣٦٥، وقد ذكر ابن الجوزي قولًا آخر وهو أن الخطاب للمسلمين، قيل: لا تخشوا الناس كما خشيت اليهود الناس.\n(٣) ذكره المؤلف في \"الوسيط\" ٣/ ٨٨٨ دون نسبة، ولم أقف عليه.\n(٤) سقط هذا الحرف من (ج).\n(٥) أخرج الآثار عنهم الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٢٥٢ - ٢٥٣، وانظر: البغوي في \"تفسيره\" ٣/ ٦١، \"زاد المسير\" ٢/ ٣٦٦.\n(٦) لم أقف على هذه الرواية، وقد جاء عن ابن عباس أن المراد كفر دون كفر. انظر: الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٢٥٦، وثبت عنه قوله: من جحد ما أنزل الله فقد كفر \"تفسيره\" ص ١٧٩، وأخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٢٥٧.","vol":"7","page":392},{"text":"ورواه البراء عن النبي - ﷺ -، أخبرنا أبو عبد الله محمد ابن إبراهيم بن يحيى (١)، أخبرنا أبو الهيثم أحمد بن محمد بن غَوث (٢)، حدثنا أبو جعفر محمد بن عبد الله بن سليمان (٣)، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة (٤)، حدثنا أبو معاوية (٥)، عن الأعمش (٦)، عن عبد الله بن مرة (٧)، عن البراء بن عازب\n_________\n(١) جاء اسمه هكذا: محمد بن إبراهيم بن محمد بن يحيى -فيحيى جد أبيه- المُزَكَّي النيسابوري المحدث الصادق المعمر، من شيوخ الواحدي، توفي -﵀- سنة ٤٢٧ هـ. انظر: \"المنتخب من السياق\" ص ٣٢، \"سير أعلام النبلاء\" ١٧/ ٥٥١، \"شذرات الذهب\" ٣/ ٢٣٣.\n(٢) لم أقف على ترجمته.\n(٣) الحضرمي الملقب بـ: مُطَيّن، محدث الكوفة، شيخ حافظ ثقة جبل، يقول في سبب تلقيبه بمطين: كنت صبيًا ألعب مع الصبيان وكنت أطولهم فنسبح ونخوض فيطينون ظهري فلقبه أبو نعيم بذلك. صنف \"كتاب التفسير\"، \"المسند\"، \"التاريخ\"، توفي -﵀- سنة ٢٩٧ هـ وقيل ٢٩٨ هـ. انظر: \"الفهرست\" ص ٣١٦، \"سير أعلام النبلاء\" ١٤/ ٤١، ٤٢، \"ميزان الاعتدال\" ٣/ ٦٠٧.\n(٤) عبد الله بن محمد بن القاضي العبسي الكوفي، الإِمام العلم المشهور، من أقران الإِمام أحمد وابن المديني وغيرهما، وصاحب الكتب الكبار: \"المسند\"، \"المصنف\"، \"التفسير\"، توفي -﵀- سنة ٢٣٥ هـ انظر: \"تاريخ الثقات\" ٢/ ٥٧، \"سير أعلام النبلاء\" ١١/ ١٢٢، \"ميزان الاعتدال\" ٢/ ٤٩٠.\n(٥) هو محمد بن خازم مولى بني سعد بن مناة بن تميم، تقدمت ترجمته.\n(٦) هو أبو محمد سليمان بن مهران الأسدي الكوفي، ثقة حافظ ورع لكنه يدلس وقد أخرج حديثه الجماعة، وكان عارفًا بالقراءات. توفي -﵀- سنة ١٤٧ هـ. انظر: \"تاريخ الثقات\" ٢/ ٤٣٢، \"طبقات القراء\" لابن الجزري ١/ ٣١٥، \"التقريب\" ص ٢٥٤ (٢٦١٥).\n(٧) عبد الله بن مرة الهمداني الخارفي الكوفي، من ثقات التابعين، وحديثه عند الجماعة، توفي سنة ١٠٠هـ، وقيل قبلها. انظر: \"تاريخ الثقات\" ٢/ ٥٩، \"تهذيب =","vol":"7","page":393},{"text":"عن النبي - ﷺ - أنه رجم يهوديًا ويهودية، ثم قال: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ قال: \"نزلت كلها في الكفار\" رواه مسلم في \"الصحيح\" (١) عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن أبي معاوية.\nوقال آخرون: ومن لم يحكم بما أنزل الله ردًّا للقرآن، وتكذيبًا للنبي - ﷺ -، فقد كفر (٢).\nقال مجاهد في الآيات الثلاث: من ترك الحكم بما أنزل الله ردًا لكتاب الله، فهو كافر ظالم فاسق (٣).\nوقال عكرمة: ومن لم يحكم بما أنزل الله جاحدًا به فقد كفر، ومن أقر به ولم يحكم به فهو ظالم فاسق (٤).\nوهذا قول ابن عباس في رواية الوالبي (٥)، واختيار أبي إسحاق؛ لأنه قال: من زعم أن حكمًا من أحكام الله التي أتت بها الأنبياء باطل فهو\n_________\n= التهذيب\" ٢/ ٤٣٠، \"التقريب\" ص ٣٢٢ (٣٦٠٧).\n(١) \"صحيح مسلم\" (١٧٠٠)، كتاب: الحدود، باب: رجم اليهود، وأخرجه المؤلف في \"الوسيط\" ٣/ ٨٨٩.\n(٢) انظر: الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٢٥٧.\n(٣) لم أقف عليه، وقد ذكر نحوه غير منسوب. النحاس في \"معاني القرآن\" ٢/ ٣١٥.\n(٤) لم أقف عليه عن عكرمة، وقد أخرج الطبري في \"تفسيره\" عنه قوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾، و﴿الظَّالِمُونَ﴾، و﴿الْفَاسِقُونَ﴾ لأهل الكتاب كلهم، لما تركوا من كتاب الله. \"جامع البيان\" ٦/ ٢٥٣.\n(٥) \"تفسيره\" ص ١٧٩، وأخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٢٥٧.","vol":"7","page":394},{"text":"كافر (١).\nقال ابن الأنباري: ويجوز أن يكون المعنى: ومن لم يحكم بما أنزل الله فقد فعل فعلًا يضاهي أفعال الكفار، ويشبه من أجل ذلك الكافرين (٢).\nوروى معنى هذا عن ابن عباس، قال طاوس: قلت لابن عباس: أكافر من لم يحكم بما أنزل؟ فقال: به كَفَرة (٣)، وليس كمن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله (٤).\nونحو هذا رُوي عن عطاء في هذه الآية، قال: هو كُفر دون كفر (٥).\nوقال عبد العزيز بن يحيى الكِنَاني: إنها تقع على جميع ما أنزل الله لا على بعضه، فكل من لم يحكم بجميع ما أنزل الله فهو كافر ظالم فاسق، فأما من حكم بما أنزل الله من التوحيد وترك الشرك، ثم لم يحكم بما أنزل الله من الشرائع، فليس هو من أهل هذه الآية (٦).\nوقال ابن مسعود والحسن وإبراهيم: هذه الآيات عامة في اليهود وفي هذه الأمة، وكل من ارتشى، وبدل الحكم، فحكم بغير حكم الله، فقد\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١٧٨.\n(٢) لم أقف عليه.\n(٣) في المصادر التي ستأتي عند تخريجه: كفر.\n(٤) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٢٥٦، والحاكم بمعناه في \"المستدرك\" ٢/ ٣١٣، وذكره المؤلف في \"الوسيط\" ٣/ ٨٩١، وانظر: البغوي في \"تفسيره\" ٣/ ٦١، وابن كثير في \"تفسيره\" ٢/ ٧٠.\n(٥) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٢٥٦، وذكره البغوي في \"تفسيره\" ٣/ ٦١.\n(٦) ذكره المؤلف في \"الوسيط\" ٣/ ٨٩١، وانظر: البغوي في \"تفسيره\" ٣/ ٦١، \"البحر المحيط\" ٣/ ٤٩٣.","vol":"7","page":395},{"text":"كفر (١)، وإليه ذهب السدي أيضًا (٢).\nوهؤلاء ذهبوا إلى ظاهر الخطاب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-896>٤٥ </span>- قوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ الآية.\nقال ابن عباس: يريد وفرضنا عليهم في التوراة (٣).\n﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ يريد من قتل نفسًا بغير، قود قتل به (٤).\nقال الضحاك: لم يجعل لهم دية في نفس ولا جرح، إنما هو العفو أو (٥) القصاص (٦).\nوقوله تعالى: ﴿وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾.\nاختلفوا في رفع العين ونصبها، فقرأ الأكثرون بالنصب، وكذلك ما العين (٧)، جعلوا الواو للإشراك في نصب (أنّ)، ولم يقطعوا الكلام مما قبله (٨).\n_________\n(١) هذا معنى الآثار عنهم وقد أخرجها الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٢٥٦ - ٢٥٧، وانظر: \"النكت والعيون\" ٢/ ٤٣، \"زاد المسير\" ٢/ ٣٦٦.\n(٢) أخرج قوله الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٢٥٧.\n(٣) انظر: \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ١١٥.\n(٤) انظر: الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٢٥٨.\n(٥) في (ش): (و).\n(٦) لم أقف عليه عن الضحاك، وورد نحوه عن ابن عباس. أخرجه الطبري في \"تفسيره\"\n٦/ ٢٥٩، وأورده المؤلف في \"الوسيط\" ٣/ ٨٩٣.\n(٧) قرأ بالنصب العشرة إلا الكسائي فإنه قرأ بالرفع، ووافقه في (الجروحُ) خاصة ابن كثير في \"تفسيره\" وأبو عمرو وأبو جعفر وابن عامر.\nانظر: \"الحجة\" ٣/ ٢٢٣، \"النشر\" ٢/ ٢٥٤.\n(٨) \"الحجة\" ٣/ ٢٢٣.","vol":"7","page":396},{"text":"ومن رفع العين فإنه عطف جملة على جملة، ولم يجعل الواو للإشراك في العامل كما كان كذلك في قول من نصب، ويجوز أن يكون حمل الكلام على المعنى؛ لأن معنى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ قلنا لهم: (النَّفْسُ بِالنَّفْسِ)، فحمل (وَالْعَيْنُ بِالْعَيْنِ) على هذا (١). والحمل على المعنى كثير في التنزيل والشعر، من ذلك قوله:\nبادَتْ وغَيَّرَ آيَهنّ مع البلَى ... إلا رواكدَ جَمْرُهن هبَاءُ\nومُشَجَّعٌ أما سواءُ قَذالِه ... فَبَدا وغَيَّر سارَهُ المِعْزَاءُ (٢)\nلما كان المعنى في قوله: إلا رواكد بها رواكد، حمل مشجّجًا عليه، فكأنه قال: هناك رواكد ومشجّج (٣).\nقال الزجاج: ويجوز أن يكون: (العينُ) عطفًا على المضمر في قوله: (بالنفس (٤»، لأن المضمر في: (بالنفس (٥» في موضع رفع، المعنى: أن النفس مأخوذة هي بالنفس، والعين معطوفة على: هي (٦).\n_________\n(١) من \"الحجة\" ٣/ ٢٢٣، ٢٢٤.\n(٢) البيتان بدون عزو في \"الكتاب\" ١/ ١٧٣، ١٧٤، \"شرح أبيات سيبويه\" للنحاس ص ٨٤، \"الحجة\" ٣/ ٢٢٥.\nومعنى بادت تغيرت وبليت، وآيهن: آثارهن، والرواكد: الأثافي، والهباء: الغبار، أي صار الجمر كالغبار لقدمه وانسحاقه، والمشجج، وتد الخباء، وتشجيجه ضرب رأسه لتثبيته، وسواء قذاله: أعلى الوتد، وساره: سائره، والمعزاء: الصلبة.\n(٣) \"الحجة\" ٣/ ٢٢٥، وانظر: \"الكتاب\" ١/ ١٧٤.\n(٤) في (ج): (أن النفس)، وفي \"معاني الزجاج\" ٢/ ١٧٩: النفس.\n(٥) في \"معاني الزجاج\" النفس.\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١٧٩، وانظر القرطبي في \"تفسيره\" ٦/ ١٩٣.","vol":"7","page":397},{"text":"وأما من قرأ الجميع بالنصب ورفع (الجروحُ) (١) فالكلام في رفع (الجروحُ) كما ذكرنا في رفع العين.\nقال العلماء في هذه الآية: كل شخصين جرى القصاص بينهما في النفس جرى القصاص بينهما في العين والأنف والأذن والسن وجميع الأطراف، إذا تماثلا في السلامة من الشلل، وإذا امتنع القصاص في النفس امتنع أيضًا في الأطراف (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ وهو كل ما يمكن أن يقتص فيه مثل: الشفتين والذكر والأنثين والألسن والقدمين واليدين وغيرها (٣).\nفأما ما لا يمكن القصاص من رضة لحم، أو هيضة عظم أو جراحة في البطن يُخاف منها التلف ففيه أرش (٤) حكومة (٥).\nوالقصاص ههنا مصدر يراد به المفعول، أي والجروح مُتقاصّة بعضها ببعض.\nوقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ﴾.\n_________\n(١) هذه قراءة ابن كثير في \"تفسيره\" وأبي عمرو وأبي جعفر وابن عامر. انظر: \"الحجة\" ٣/ ٢٢٣، \"معاني القراءات\" ١/ ٣٢٩، \"النشر\" ٢/ ٢٥٤.\n(٢) انظر: \"الأم\" ٦/ ٥، ٥٠، والطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٢٥٨، والبغوي في \"تفسيره\" ٣/ ٦٣.\n(٣) انظر: الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٢٥٨ - ٢٥٩، والبغوي في \"تفسيره\" ٣/ ٦٣، \"زاد المسير\" ٢/ ٣٦٨.\n(٤) الأرش: هو اسم للمال الواجب على ما دون النفس. \"التعريفات\" للجرجاني ص ١٧، وانظر: \"اللسان\" ١/ ٦٠ (أرش).\n(٥) انظر: \"الأم\" ٦/ ٨٠ - ٨٣، والقرطبي في \"تفسيره\" ٦/ ٢٠٤.","vol":"7","page":398},{"text":"أي: أعطى وبذل وترك، من الصدقة، وكل ما يعطيه الإنسان من ماله أو بدنه أو عرضه فرضًا كان أو نقلًا، ومنه قوله - ﷺ -: \"أيعجز أحدكم أن يكون كأبي ضَمْضَم (١)؟ كان إذا خرج من بيته تصدق بعرضه على الناس\" (٢).\nوالكلام في أصل الصدقة قد مضى عند قوله تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة: ٢٧١].\nوقوله تعالى: ﴿بِهِ﴾ أي: بالقصاص الذي وجب له.\n﴿فَهُوَ﴾ أي: التصدق، ﴿كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ أي: للمتصدق الذي هو المجروح، أو ولي الدم. وهذا قول أكثر أهل التأويل (٣).\nقال ابن عباس في رواية عطاء: يريد فمن عفا فهو مغفرة له عند الله وثواب عظيم (٤).\nوهذا قول ابن عمر والحسن والشعبي وقتادة (٥).\n_________\n(١) هذا الرجل غير مسمى ولا منسوب، عدّ من الصحابة ويحتمل أنه ممن تقدم. انظر: \"الاستيعاب\" ٤/ ٢٥٧، \"أسد الغابة\" ٦/ ١٧٧، \"الإصابة\" ٤/ ١١٢.\n(٢) أخرجه بنحوه أبو داود (٤٨٨٧) كتاب الأدب، باب (٤٣): ما جاء في الرجل يحل الرجل قد اغتابه ٥/ ١٩٩، من طرق، وذكره ابن عبد البر في \"الاستيعاب\" ٤/ ٢٥٧، وابن الأثير في \"أسد الغابة\" ٦/ ١٧٧، وابن حجر في \"الإصابة\" ٤/ ١١٢.\n(٣) انظر: الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٢٦٠ - ٢٦٢، \"معاني الزجاج\" ٢/ ١٧٩، \"معاني النحاس\" ٢/ ٣١٧، \"بحر العلوم\" ١/ ٤٤٠.\n(٤) أورده المؤلف في \"الوسيط\" ٣/ ٨٩٥ ولم أقف عليه، وقد ثبت عن ابن عباس من رواية علي بن أبي طلحة أنه قال: فمن عفا عنه وتصدق عليه فهو كفارة للمطلوب وأجر للطالب.\n\"تفسير ابن عباس\" ص ١٨٠، وأورده ابن كثير في \"تفسيره\" ٢/ ٧٢ من هذه الطريق أيضًا.\n(٥) أخرج أقوالهم الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٢٦٠ - ٢٦٢، وانظر: \"معاني النحاس\" ٢/ ٣١٧، \"النكت والعيون\" ٢/ ٤٣ - ٤٤","vol":"7","page":399},{"text":"وروى عبادة بن الصامت أن رسول الله - ﷺ - قال: \"من تصدق من جسده بشيء كفر الله -﷿- عنه بقدره من ذنوبه\" (١).\nوقال آخرون: الكناية في قوله: ﴿لَهُ﴾ تعود على المتصدق عليه، أي كفارة للمتصدق عليه؛ لأنه يقوم مقام أخذ الحق منه (٢).\nقال ابن عباس في رواية سعيد بن جبير في قوله: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ قال: فهو كفارة للجارح، وأجر المتصدق على الله (٣).\nوهذا قول إبراهيم ومجاهد وزيد بن أسلم (٤).\nوعلى هذا فالجاني إذا عفا عنه المجني عليه كان العفو كفارة لذنب الجاني لا يؤاخذ به في الآخرة، كما أن القصاص كفارة له.\nوالقول الأول أظهر؛ لأن العائد فيه يرجع إلى مذكور وهو (من)، وفي القول الثاني يعود إلى مدلول عليه وهو المتصدق عليه، دل عليه قوله: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ﴾ (٥).\n_________\n(١) أخرجه أحمد في \"مسنده\" ٥/ ٣١٦، والمؤلف في \"الوسيط\" ٣/ ٨٩٥ من طريق شيخه الثعلبي، وذكره البغوي في \"تفسيره\" ٣/ ٦٣، وصححه الألباني، انظر: \"صحيح الجامع\" (٦١٥١)، وأخرج الترمذي نحوه من حديث أبي الدرداء -﵁- (١٣٩٣) كتاب الديات، باب: ما جاء في العفو، وابن ماجة (٢٦٩٣) كتاب الديات، باب: العفو في القصاص.\n(٢) انظر: الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٢٦١، \"النكت والعيون\" ١/ ٤٧٠.\n(٣) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٢٦٢، وانظر: \"معاني النحاس\" ٢/ ٣١٧، \"النكت والعيون\" ٢/ ٤٤، والبغوي في \"تفسيره\" ٣/ ٦٤.\n(٤) أخرج أقوالهم الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٢٦١ - ٢٦٢، وانظر: \"النكت والعيون\" ٢/ ٤٤، والبغوي في \"تفسيره\" ٣/ ٦٤.\n(٥) وهذا أيضًا اختيار الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٢٦٢.","vol":"7","page":400},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-897>٤٦ </span>- قوله تعالى: ﴿وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ﴾. مضى الكلام في: قفينا (١).\nقال الزجاج: أي جعلناه يقفوهم (٢).\nوالكناية في: (آثارهم) عائدة إلى (النبيين الذين أسلمو).\nوقوله تعالى: ﴿ومُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ منَ التَّوْرَاةِ﴾.\nليس بتكرير للأول في المعنى؛ لأنه يدل أن في الإنجيل ذكر التصديق في التوراة، كما أن عيسى -﵇- جاء يدعو الناس إلى التصديق بها (٣).\nوقوله تعالي: ﴿وَهُدًى وَمَوْعِظَةً﴾.\nقال الفراء: متبع للمصدق في نصبه (٤).\nيريد أن: (مصدقًا) حال من الإنجيل (٥)، والعامل فيه: (آتيناه) وعطف بالواو على قوله: (فيه هدى) لأن معناه: آتيناه الإنجيل هاديًا، وإن شئت قلت: تقديره: وآتيناه الإنجيل مستقرًّا فيه هدى ونور ومصدقًا، فقوله: ﴿وَهُدًى وَمَوْعِظَةً﴾ معناه: وهاديًا وواعظًا، فلذلك نصبًا (٦).\n_________\n(١) ذكر ذلك عند قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ﴾ [البقرة: ٨٧].\n(٢) انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ١/ ١٦٨، \"غريب القرآن\" لابن قتيبة ص ٤٧.\n(٣) يوضح ذلك سياق الآية وهي قوله تعالى: ﴿وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾.\nفـ: ﴿مُصَدِّقًا﴾ الأول لعيسى، والثاني للإنجيل، وانظر: \"الوسيط\" ٣/ ٨٩٦، \"زاد المسير\" ٢/ ٣٦٩.\n(٤) \"معاني القرآن\" ١/ ٣١٢.\n(٥) انظر: \"مشكل إعراب القرآن\" ١/ ٢٢٨، والقرطبي في \"تفسيره\" ٦/ ٢٠٩.\n(٦) انظر: القرطبي في \"تفسيره\" ٦/ ٢٠٩، \"الدر المصون\" ٤/ ٢٨٤.","vol":"7","page":401},{"text":"والآية تدل على أن شرع عيسى كان شرع موسى (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-898>٤٧ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ﴾.\nقال أهل المعاني: قوله: ﴿وَلْيَحْكُمْ﴾ يحتمل وجهين:\nأحدهما: أن يكون التقدير: وقلنا: ليحكم أهل الإنجيل (٢)، فيكون هذا إخبارًا عما فرض عليهم في ذلك الوقت من الحكم بما تضمنه الإنجيل. ثم حذف القول؛ لأن ما قبله من قوله: ﴿وَكَتَبْنَا﴾ [المائدة:٤٥]، ﴿وَقَفَّيْنَا﴾ [المائدة: ٤٦] يدل عليه. وحذف القول كثير كقوله تعالى: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ﴾ [الرعد:٢٣ - ٢٤] (٣).\nوالثاني: أن يكون قوله: ﴿وَلْيَحْكُمْ﴾ ابتداء أمر للنصارى بالحكم بما في كتابهم (٤).\nفإن قيل على هذا: كيف جاز أن يؤمروا بالحكم بما في الإنجيل بعد نزول القرآن؟\nقيل: إن أحكام الإنجيل كانت موافقة لأحكام القرآن (٥).\nوقيل: إن المراد من هذا الحكم الإيمان بمحمد - ﷺ - لأنه كان في الإنجيل ذكر وجوب التصديق به، فهذا الأمر راجع إلى ذلك (٦).\n_________\n(١) وذلك فيما لم ينسخه شرع عيسى، انظر: الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٢٦٤.\n(٢) انظر: \"الكشاف\" ١/ ٣٤٢.\n(٣) انظر: \"المسائل الحلبيات\" ص ٢٤٠، قال أبو علي في آية الرعد: أي يقولون.\n(٤) انظر: الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٢٦٥، \"الحجة\" ٣/ ٢٢٨، البغوي في \"تفسيره\" ٣/ ٦٥، \"زاد المسير\" ٢/ ٣٦٩.\n(٥) ليس هذا على إطلاقه، بل الكثير من الإنجيل، أو الأكثر -خاصة في الفروع- منسوخ بالقرآن. انظر: القرطبي في \"تفسيره\" ٦/ ٢٠٩.\n(٦) انظر: القرطبي في \"تفسيره\" ٦/ ٢٠٩.","vol":"7","page":402},{"text":"والقول الأول أظهر.\nوقرأ حمزة: ﴿وَلْيَحْكُمْ﴾ بكسر اللام وفتح الميم (١)، جعل اللام متعلقة بقوله: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ﴾ [المائدة: ٤٦] لأن إيتاءه الإنجيل إنزال ذلك عليه، فصار ذلك بمنزلة قوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء: ١٠٥] (٢)، وكأن المعنى: آتيناه الإنجيل ليحكم (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-899>٤٨ </span>- قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾. قال مقاتل: يعني القرآن، لم ينزله عبثًا (٤).\nوقوله تعالى: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ﴾. قال ابن عباس: يريد كل كتاب أنزله الله على الأنبياء (٥).\nقال مقاتل: يعني: شاهدًا أن الكتب التي أنزلت قبله أنها من الله (٦).\nوقوله تعالى: ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾.\nاختلفت الروايات عن ابن عباس في تفسير المهيمن، فقال في رواية الوالبي: شاهدًا عليهم (٧).\n_________\n(١) \"الحجة\" ٣/ ٢٢٧، \"التيسير في القراءات السبع\" ص ٩٩.\n(٢) في \"الحجة\" ٣/ ٢٨٨: فكأن.\n(٣) \"الحجة\" ٣/ ٢٢٧، ٢٢٨.\n(٤) \"تفسير مقاتل بن سليمان\" ١/ ٤٨١.\n(٥) انظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٣٧٠.\n(٦) \"تفسيره\" ١/ ٤٨١.\n(٧) \"تفسيره\" ص ١٨١ بلفظ: شهيدًا، وأخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٢٦٦، وانظر البغوي في \"تفسيره\" ٣/ ٦٥، \"الدر المنثور\" ٢/ ٥١٣.","vol":"7","page":403},{"text":"وهو قول السدي (١) والكسائي (٢)، ورواية عطاء عنه أيضًا: شاهدًا على جميع الكتب (٣).\nوقال فيما روى عنه أبو عبيدة بإسناد له: مؤتمنًا (٤) وهو قول سعيد بن جبير (٥).\nوقال في رواية عطية (عنه) (٦): أمينًا (٧) وهو قول قتادة (٨) ومجاهد (٩).\nوقال الحسن (١٠): مصدقًا لهذه الكتب أمينًا عليها (١١).\nهذا كلام المفسرين (١٢).\nفأما أهل اللغة فقال المبرد: إن الهاء بدل من الهمزة، وأن أصله:\n_________\n(١) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٢٦٦، وانظر: \"النكت والعيون\" ٢/ ٤٥، والبغوي في \"تفسيره\" ٣/ ٦٥.\n(٢) انظر: \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٨٠٠ (همن)، والبغوي في \"تفسيره\" ٣/ ٦٥.\n(٣) انظر: \"الدر المنثور\" ٢/ ٥١٣.\n(٤) أخرج هذا القول لابن عباس: الطبري في \"تفسيره\" من طرق كثيرة في \"جامع البيان\" ٦/ ٢٦٦ - ٢٦٧، وانظر: \"مجاز القرآن\" ١/ ١٦٨، \"الدر المنثور\" ٢/ ٥١٢.\n(٥) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٢٦٧.\n(٦) ما بين القوسين ساقط من (ش).\n(٧) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٢٦٧، وانظر: \"الدر المنثور\" ٢/ ٥١٣.\n(٨) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٢٦٧.\n(٩) قول مجاهد أن المعنى: مؤتمن، \"تفسيره\" ١/ ١٩٨، وأخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٢٦.\n(١٠) في الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٢٦٧: الحسين، ولعله تصحيف.\n(١١) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٢٦٧، وأبو علي في \"الحجة\" ١/ ٢٢٩، وانظر: البغوي في \"تفسيره\" ٣/ ٦٥، و\"زاد المسير\" ٢/ ٣٧١، وابن كثير في \"تفسيره\" ٢/ ٧٤ - ٧٥.\n(١٢) وهي متقاربة من حيث المعنى.","vol":"7","page":404},{"text":"مؤيمن، فجعلت الهاء بدلًا من الهمزة، كما قالوا: هَرَقْت وأَرَقْت، وإياك وهياك (١).\nقال أبو إسحاق: وهذا على مذهب العربية حسن وموافق لبعض ما جاء في التفسير؛ لأن معناه مؤتمن (٢).\nوقال ابن الأنباري (٣) -وحكى قول أبي العباس- ثم قال: ومهيمن وزنه مفيعل، وقد جاء في كلام العرب حروف على مثاله، منها: المسيطر، وهو المسلّط، والمبيطر، وهو البيطار (٤)، والمبيقر (٥) من قوله:\nبأنَّ امرأ القَيسِ بنَ تَملكَ بَيْقَرا (٦)\nوالمديبر من الإدبار والتخلف، والمجيمر اسم جبل في قوله:\nكأن ذُرَى رأسِ المُجَيمر غُدْوَةً (٧) ... ................... (٨)\n_________\n(١) \"معاني الزجاج\" ٢/ ١٨٠، \"الزاهر\" لابن الأنباري ١/ ٨٦، \"معاني النحاس\" ٢/ ٣١٨، \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٨٠٠ (همن).\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١٨٠، وقد قال الأزهري مثل قول الزجاج في \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٨٠٠ (همن).\n(٣) في \"الزاهر\" ١/ ٨٦، ٨٧.\n(٤) المبيطر والبيطار: معالج الدواب. انظر: \"اللسان\" ١/ ٣٠١ (بطر).\n(٥) في \"الزاهر\" ١/ ٨٧: والمبيقر من قولهم: قد بيقر الرجل يبيقر بيقرة، إذا فسد.\n(٦) عجز بيت لأمرئ القيس، وصدره: ألا هل أتاها والحوادث جمة\n\"ديوانه\" ص ٦٢، \"الزاهر\" ١/ ٨٧.\n(٧) صدر بيت لأمرئ القيس من معلقته، وعجزه: من السيل والأغثاء فلكة مغزل \"ديوانه\" ص ١٢٢، \"الزاهر\" ١/ ٨٧، \"شرح القصائد المشهورات\" ١/ ٤٨، ٤٩. والأغثاء: ما يحيله السيل من الأشياء، وفكلة مغزل: أي أن الماء استدار حوله فصار كفلكة المغزل.\n(٨) \"الزاهر\" ١/ ٨٦، ٨٧، وانظر: \"الحجة\" لأبي علي ١/ ٢٣٠، والبغوي في \"تفسيره\" ٣/ ٦٥.","vol":"7","page":405},{"text":"وقال الأزهري: الذي قاله المبرد في المهيمن أنه في الأصل: مؤيمن له مخرج من العربية حسن (١). وذلك أن آمن يؤمن كان في الأصل: آمن مؤيمن، وكذلك يفعل في الأصل: يوفعل، فاستثقلوا هذه الهمزة وحذفوها، كما حذفوا الهمزة الأصلية من: أرى ويرى، فأما المهيمن فإنهم ردوا الهمزة إلى الكلمة، ثم قلبت هاء؛ لأن الهاء أخف من الهمزة؛ لأن للهمزة ضغطة في الحلق ليست للهاء.\nفالمهيمن على هذا التأويل بمعنى: المؤمن، وهو المصدق، وهو الأمين، كما قال المفسرون.\nوقال ابن جريج: (ومهيمنًا) أمينًا على الكتب قبله، فما أخبر أهل الكتاب بأمر، فإن كان في القرآن فصدقوا وإلا فكذبوا (٢).\nهذا طرق أهل اللغة في معنى المهيمن وأصله، فالمهيمن عندهم بمنزلة الأمين.\nقال الأزهري: وكان النبي - ﷺ - يسمى الأمين، يعرف به قبل الإسلام، فقال العباس فيه يمدحه:\nحتى احتوى بيتُك المُهَيمنُ مِن ... خِندِفَ عَلياءَ تحتَها النُّطُقُ (٣)\nوبيته شرفه ومجده، أراد: حتى احتويت أنت أيها المهيمن من خِندِفَ علياء، أي: الشرف (٤).\n_________\n(١) انظر: \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٨٠٠ (همن)، وما بعد ذلك فهو من تعليق المؤلف على ما يظهر، حيث إنه لا وجود له في \"التهذيب\"، والله أعلم.\n(٢) لم أقف عليه، وقد تقدم قريبًا عن ابن عباس وغيره نحوه.\n(٣) البيت في \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٨٠٠، \"اللسان\" ٨/ ٤٧٠٥ (همن)، والنطق أوساط الجبال العالية.\n(٤) \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٨٠٠ بتصرف، وانظر: \"اللسان\" ٨/ ٤٧٠٥ (همن).","vol":"7","page":406},{"text":"فجعل العباس المهيمن في بيته صفة للنبي، أراد به الأمين.\nوقال جماعة من أهل اللغة: المهيمن: الرقيب الحافظ، يقال: قد هيمن الرجل يهيمن هيمنة، إذا كان رقيبًا على الشيء. وهو قول الخليل وأبي عبيد (١).\nوقال أبو عبيدة: المهيمن: الشاهد المصدق (٢)، واحتج بقول حسان (٣):\nإن الكتاب مهيمنٌ لنبينا ... والحق يعرفه ذوو الألباب (٤)\nوقوله تعالى: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾. يعني: بين اليهود بالقرآن، والرجم على الزانيين.\n﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾. قال ابن عباس: يريد ما حرفوا وبدلوا، يعني: من أمر الرجم (٥).\nوقوله تعالى: ﴿عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ﴾.\nيقول: لا تتبعهم عما عندك من الحق فتتركه وتتبعهم، كما تقول: لا تتبع زيدًا عن رأيك، يعني لا تترك رأيك وتتبعه.\n_________\n(١) انظر: \"معاني الزجاج\" ٢/ ١٧٩، \"معاني النحاس\" ٢/ ٣١٨، \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٨٠٠ (همن)، \"زاد المسير\" ٢/ ٣٧١، \"اللسان\" ١٣/ ٤٣٧ (همن).\n(٢) انظر: \"مجاز القرآن\" ١/ ١٦٨.\n(٣) تقدمت ترجمته.\n(٤) في \"ديوانه\" ص ٣٥، لكن صدره: أخوات أمك قد علمت مكانها\n(٥) انظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٣٧١، \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ١١٦. وقد ثبت عن ابن عباس أنه قال: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ قال: بحدود الله، ﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ﴾. \"تفسيره\" ص ١٨١، وأخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٢٦٩.","vol":"7","page":407},{"text":"ويجوز أن تكون (عن) في قوله: (عما) من صلة معنى: ﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ وذلك أن معناه: لا تَزغ، فكأنه قيل: لا تزغ عما جاءك (من الحق) (١) باتباع أهوائهم.\nوقوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ (٢).\nالشَّرعة والشريعة واحدة، وأصلها من الشرع وهو البيان والإظهار، قال الله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ﴾ [الشورى: ١٣] (٣). قال ابن الأعرابي: شرع أي أظهر. قال: وشرع فلان، إذا أظهر الحق وقمع الباطل (٤).\nقال الأزهري: معنى (شرع) بين وأوضح، مأخوذ من شَرَع الإهاب (٥).\nقال ابن السكيت: الشرع مصدر شَرَعت الإهاب إذا شققت ما بين الرِّجلين وسلختَه (٦).\nوقال غيره: الشارع والشرعة والشريعة: الطريقة الظاهرة. وتسمى معالم الدين شريعة لوضوحها (٧).\nوقال قوم: أصل الشريعة من الشروع، وهو الدخول في الأمر (٨)، والشرعة والشريعة في كلام العرب المَشْرَعَة التي يشرعها الناس فيشربون\n_________\n(١) في (ج): (بالحق).\n(٢) في (ج): بعد (ومنهاجا): ومنها، ولعلها زائدة أو تكرار لبعض كلمة: (منهاجا).\n(٣) انظر: \"مجاز القرآن\" ١/ ١٦٨، \"غريب القرآن\" لابن قتيبة ص ١٤٣، الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٢٦٩، \"معاني النحاس\" ٢/ ٣١٩.\n(٤) \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٨٥٨.\n(٥) \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٨٥٨.\n(٦) \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٨٥٨، وانظر: \"الصحاح\" ٣/ ١٢٣٦ (شرع).\n(٧) انظر: \"معاني النحاس\" ٢/ ٣١٩، \"النكت والعيون\" ٢/ ١٨٥٧.\n(٨) انظر: الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٢٦٩، \"تهذيب اللغة\" ٣/ ١٨٦٠، \"الصحاح\" ٣/ ١٢٣٦ (شرع).","vol":"7","page":408},{"text":"ويسقون بها (١).\nقال الليث: شرعت الواردةُ الشريعةُ، إذا تناولت الماء بفيها، والشريعة: المَشْرَعة. قال: وبها سُمّي ما شرع الله للعباد: شريعةً، من الصلاة والصوم والنكاح والحج وغيره (٢).\nفعلى هذا معنى الشِّرعة والشَّريعة: الطريقة لشروع الناس فيها.\nوالمنهاج: الطريق الواضح، ومنهج الطريق: وَضَحه، ونهج الأمر وأنهج، لغتان، (إذا وضح) (٣). قاله الليث (٤).\nوقال ابن بُزُرج (٥): استَنْهَج الطريقُ: صار نهجًا، ويقال: نهجت لك الطريق وأنهجته، لغتان، فهو منهوج ومُنهَج، وهو نَهجٌ ومُنهج (٦).\nوأما الكلام في الجمع بين الشرعة والمنهاج فقال الأكثرون: إنها بمعنى واحد، وجمع بينهما للتأكيد في اللفظ. وهذا قول مجاهد (٧) والزجاج.\n_________\n(١) \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٨٥٨ (شرع).\n(٢) من \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٨٥٨، وانظر: \"العين\" ١/ ٢٥٢، ٢٥٣.\n(٣) في (ش): (إذا أوضح)، وما أثبته هو الموافق لـ\"العين\" ٣/ ٣٩٢.\n(٤) \"العين\" ٣/ ٣٩٢، \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٦٧٢ (نهج)، وانظر: الطبري في \"تفسيره\" ١٠/ ٣٨٤.\n(٥) هو عبد الرحمن بن بزرج -بضم الباء- عالم لغوي له مؤلفات وتعليقات أفاد منها الأزهري في \"تهذيب اللغة\"، وقد عده الأزهري من متأخري الطبقة الثانية من علماء اللغة الذين اعتمد عليهم في كتابه، ولم تذكر سنة وفاته.\nانظر: \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٦٧٢ المقدمة، \"إنباه الرواة\" ٢/ ١٦١، \"الإكمال\" لابن ماكولا ١/ ١٥٥، ١٥٦.\n(٦) \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٦٧٢، وانظر: الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٢٦٩.\n(٧) قال مجاهد في تفسيرهما: الشرعة: السنة. والمنهاج السبيل.\n\"تفسيره\" ١/ ١٩٨، وأخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٢٧١ من طرق، وانظر: \"النكت =","vol":"7","page":409},{"text":"قال الزجاج: الشرعة والمنهاج جميعًا: الطريق، والطريق ههنا: الدين، ولكن اللفظ إذا اختلف أتى به بألفاظ تؤكد بها القصة والأمر. قال: وقال بعضهم: الشرعة: الدين والمنهاج: الطريق (١).\nوقال ابن الأنباري: الشرعة: ابتداء الطريق، والمنهاج: الطريق الواضح كله المستمر، فصح النسق للمخالفة بينهما (٢).\nوهذا قول محمد بن يزيد. حكاه الزجاج عنه (٣).\nوأما التفسير: فقال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾: سبيلًا وسنة (٤)، ورُوي: سنة وسبيلًا (٥).\nوهو قول الحسن ومجاهد وقتادة والضحاك في تفسير الشرعة والمنهاج (٦).\nوأما معنى الآية فقال قتادة في قوله: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً﴾ الخطاب للأمم الثلاث، أمة موسى، وأمة عيسى، وأمة محمد (عليهم\n_________\n= والعيون\" ٢/ ٤٥.\nوقد ذكر أبو حيان في \"البحر المحيط\" ٣/ ٥٠٣ عن مجاهد أنه قال: الشرعة والمنهاج دين محمد - ﷺ -.\n(١) قول الزجاج في \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٨٥٧، وانظر: \"بحر العلوم\" ١/ ٤٤١، ولم أجد في \"معاني القرآن\" له شيئًا من ذلك.\n(٢) انظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٣٧٢، \"البحر المحيط\" ٣/ ٥٠٣، \"الدر المصون\" ٤/ ٢٩٣.\n(٣) في \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٨٥٧ (شرع)، وانظر: \"معاني النحاس\" ٢/ ٩١٩، \"زاد المسير\" ٢/ ٣٧٢، \"البحر المحيط\" ٣/ ٥٠٣، \"الدر المصون\" ٤/ ٢٩٣.\n(٤) \"تفسيره\" ص ١٨١، وأخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٢٧٠ - ٢٧١ من طرق، وانظر: \"النكت والعيون\" ٢/ ٤٥.\n(٥) أخرج هذه الرواية الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٢٧٠ - ٢٧١ من طرق.\n(٦) انظر: الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٢٧١ - ٢٧٢، وانظر: \"النكت والعيون\" ٢/ ٤٥.","vol":"7","page":410},{"text":"السلام) (١) ولا يعني به قوم كل نبي؛ لأن الشريعة (٢) لم تختلف من لدن موسى إلى عيسى، وإنما اختلفت على لسان عيسى، ثم لم تختلف إلى زمن محمد، ثم اختلفت على لسانه، ألا ترى أن ذكر هؤلاء الثلاثة قد تقدم في قوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ﴾ الآية [المائدة: ٤٤]، ثم قال: ﴿وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ٤٦]، ثم قال: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ﴾، ثم قال: ﴿لكلٍ (٣) جَعَلْنا مِنكُم شِرْعَةً ومنهَاجًا﴾ يعني: شرائع مختلفة، للتوراة (٤) شريعة، وللإنجيل (٥) شريعة، وللقرآن (٦) شريعة، والدين واحد لا يقبل الله إلا الإخلاص (٧).\nوقال مجاهد: ﴿شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ السبيل الجادة (٨)، من دخل في دين محمد فقد جعل له شرعة ومنهاجًا، والقرآن له شرعة ومنهاج (٩).\nوعلى هذا القول المراد (بالشرعة) (١٠) والمنهاج: القرآن، ودين محمد - ﷺ - وهو الذي جعل منهاجًا للكل وندب إليه الجميع، وليس المراد\n_________\n(١) ساقط من (ج).\n(٢) في (ش): (الشرائع).\n(٣) في (ج): (ولكل).\n(٤) في (ش): (التوراة).\n(٥) في (ش): (الإنجيل).\n(٦) في (ش): (القرآن).\n(٧) أورده المؤلف في \"الوسيط\" ٣/ ٨٩٩ مختصرًا، وأخرجه بمعناه الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٢٧٠، وانظر البغوي في \"تفسيره\" ٣/ ٦٦، \"الدر المنثور\" ٢/ ٥١٣.\n(٨) الجادة أي الطريق. انظر: \"اللسان\" ١/ ٥٦١ - ٥٦٢ (جدد).\n(٩) أخرجه بنحوه الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٢٧٠، وانظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٣٧٣.\n(١٠) في (خ): (بالشرع).","vol":"7","page":411},{"text":"الإخبار عن اختلاف الشرائع، واختصاص كل أمة بشريعة، كما ذكره قتادة.\nوالقول الأول أظهر وعليه المفسرون، فقد قال مقاتل: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ﴾ يعني: من المسلمين وأهل الكتاب (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾. قال الحسن: لو شاء لجمعكم على الحق (٢).\nوقال الكلبي: ولو شاء (الله) (٣) لجعلكم أمة واحدة على أمر واحد ملة الإسلام (٤).\n﴿وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ﴾. ليختبركم فيما أعطاكم من الكتاب والسنن.\nومضى الكلام في ابتلاء الله ﷿ عند قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ﴾ [البقرة: ٢٤٩].\nوقوله تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾. قال مقاتل: (يقول) (٥): سارعوا في الأعمال الصالحة (٦).\nوقال الكلبي: يقول: سابقوا الأمم الماضية إلى السنن والفرائض والصالحات من الأعمال (٧).\nوالاستباق في اللغة بين اثنين، يجتهد كل واحد منهما أن يسبق\n_________\n(١) \"تفسيره\" ١/ ٤٨١، ٤٨٢.\n(٢) \"النكت والعيون\" ٢/ ٤٥، وانظر: \"تفسير الهواري\" ١/ ٤٧٨.\n(٣) ساقط من (ج).\n(٤) أورده المؤلف في \"الوسيط\" ٣/ ٩٠٠ غير منسوب، ولم أقف عليه.\n(٥) ساقط من (ج).\n(٦) \"تفسيره\" ١/ ٤٨٢، \"زاد المسير\" ٢/ ٣٧٤.\n(٧) \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ١١٦.","vol":"7","page":412},{"text":"صاحبه كقوله تعالى: ﴿وَاسْتَبَقَا الْبَابَ﴾ [يوسف: ٢٥] يعني يوسف وصاحبته تبادر إلى الباب؛ فإن سبقها يوسف فتح الباب وخرج، وإن سبقت هي أغلقت الباب لئلا يخرج يوسف (١).\nوقوله تعالى: ﴿إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا﴾.\nقال مقاتل: أنتم وأهل الكتاب ﴿فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ من الدين والفرائض والسنن (٢). وقاله الكلبي (٣).\nوقال أهل المعاني: يعني أن الأمر سيؤول إلى ما تزول معه الشكوك بما يحصل من اليقين عند مجازاة المحسن بإحسانه، والمسيء باساءته (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-900>٤٩ </span>- قوله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾.\nقد ذكرنا أن هذا ناسخ للتخيير في قوله تعالى: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [المائدة: ٤٢].\nوموضع (أن) من الإعراب نصب، بمعنى: أنزلنا إليك (أن احكم بينهم) (٥).\nوأعيد ذكر الأمر بالحكم بعد ذكره في الآية الأولى: إما للتأكيد، وإما لأنهما حُكمان أمر بهما جميعًا؛ لأنهم احتكموا إليه في زنا المحصنين (٦) ثم احتكموا إليه في قتيل كان فيهم، في قول جماعة من المفسرين (٧).\n_________\n(١) انظر: \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٦٢٠ (سبق).\n(٢) بنحوه في \"تفسيره\" ١/ ٤٨٢.\n(٣) انظر: \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ١١٦.\n(٤) انظر: الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٢٧٢، \"التفسير الكبير\" ١٢/ ١٣.\n(٥) انظر: \"مشكل إعراب القرآن\" ١/ ٢٢٨.\n(٦) في (ش): (المحصن).\n(٧) احتكامهم إلى النبي - ﷺ - في زنا المحصنين ظاهر، وقد تقدم. أما احتكامهم إليه في قتيل كان فيهم فلم أقف عليه. وقد خالف في الأمر الثاني ابن الجوزي فقال: =","vol":"7","page":413},{"text":"قال ابن عباس: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ قال: بحدود الله (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾.\nقال ابن عباس: يريد يردوك إلى أهوائهم (٢).\nقال أبو عبيد: كل من صُرِف عن الحق إلى الباطل، وأميل عن القصد فقد فُتِن (٣). ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ﴾ [الإسراء: ٧٣].\nوقال قطرب: واحذرهم أن يستزلوك (٤).\nقال ابن الأنباري: وقولهم (٥): فتنت فلانةٌ فلانًا، قال بعضهم: أمالته القصد. والفتنة (٦) معناها في كلامهم المميلة عن الحق والقصد (٧).\nوقال النضر في قوله - ﷺ -: \"أعوذ بك من فتنة المحيا\" (٨). هو أن يعدل\n_________\n= وإنما نزلتا في شيئين مختلفين، أحدهما في شأن الرجم، والآخر في التسوية في الديات، حتى تحاكموا إليه في الأمرين. \"زاد المسير\" ٢/ ٢٧٥، وانظر: \"البحر المحيط\" ٣/ ٥٠٤، وما ذكره ان الجوزي من التسوية في الديات سيأتي له ذكر عند المؤلف في الآية ٥٠ من هذه السورة.\n(١) قال ابن عباس -﵄- ذلك في تفسير الآية التي قبلها: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ \"تفسيره\" ص ١٨١، وأخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٢٧٣.\n(٢) أورده المؤلف في \"الوسيط\" ٣/ ٩٠١، وانظر: \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ١١٦.\n(٣) ذكره المؤلف في \"الوسيط\" ٣/ ٩٠١ ولم أقف عليه.\n(٤) لم أقف عليه عن قطرب، وقد قال بذلك أبو عبيدة في \"مجاز القرآن\" ١/ ١٦٨، وأبو حيان في \"البحر المحيط\" ٣/ ٥٠٤.\n(٥) في (ش): (فقولهم).\n(٦) في \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٧٣٨ (فتن): الفتينة.\n(٧) \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٧٣٨، وانظر: \"اللسان\" ٦/ ٣٣٤٥ (فتن).\n(٨) جزء من الحديث المشهور في الدعاء قبل السلام، وأخرجه البخاري (٨٣٢) =","vol":"7","page":414},{"text":"عن الطريق (١).\nقال مقاتل: إن رؤساء اليهود قال بعضهم لبعض: انطلقوا بنا إلى محمد، لعلنا نفتنه ونرده عما هو عليه، فإنما هو بشر. فأتوه وقالوا (٢) له: قد علمت أنا إن اتبعناك اتبعك الناس، وإن لنا خصومة فاقض لنا على خصومنا إذا تحاكمنا إليك، ونحن نؤمن بك ونصدقك. فأبى ذلك رسول الله - ﷺ -، وأنزل الله هذه الآية (٣).\nفمعنى فتنتهم (إياه) (٤) عن بعض ما أنزل الله إضلالهم إياه وإمالته عن ذلك إلى ما يهوون من الأحكام، إطماعًا منهم في الاستمالة إلى الإسلام في قول مقاتل وابن عباس (٥) وغيرهما.\nقال أهل العلم: هذه الآية تدل على أن الخطأ والنسيان جائز على الرسل؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ والتعمد في مثل هذا غير موهوم على رسول الله، فتحقيق تكليف الحذر عائد إلى النسيان والخطأ (٦).\n_________\n= كتاب الأذان، باب: الدعاء قبل السلام ١/ ٢٠٢، ومسلم (٥٨٩) كتاب المساجد، باب: ما يستعاذ منه في الصلاة\n(١) \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٧٣٨.\n(٢) في (ش): (فقالوا).\n(٣) انظر: \"تفسير مقاتل بن سليمان\" ١/ ٤٨٢، ٤٨٣، \"الوسيط\" ٣/ ٩٠١.\n(٤) ساقط من (ش).\n(٥) قال ابن عباس بنحو قول مقاتل المتقدم فيما أخرجه عنه الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٢٧٣، وذكره المؤلف في \"أسباب النزول\" ص ٢٠٠، وانظر البغوي في \"تفسيره\" ٣/ ٦٦، \"الدر المنثور\" ٢/ ٥١٤.\n(٦) انظر: \"التفسير الكبير\" ١٢/ ١٤، والقرطبي في \"تفسيره\" ٦/ ٢١٣.","vol":"7","page":415},{"text":"وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾. قال ابن عباس: يريد إن لم يقبلوا منك (١). وقال مقاتل: أبوا حكمك (٢).\nوقوله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾. قال ابن عباس: يريد أن يبتليهم، ويسلطك عليهم (٣).\nوقال مقاتل: أي: يعذبهم في الدنيا بالقتل والجلاء (٤).\nقال أهل المعاني: وخصص بعض الذنوب لأنهم جوزوا (٥) في الدنيا ببعض ذنوبهم، وكان مجازاتهم بالبعض كافيًا في إهلاكهم والتدمير عليهم، يقول: فإن أعرضوا عن الإيمان والحكم بالقرآن فاعلم أن إعراضهم من أجل أن الله يريد أن يُعَجَّل لهم العقوبة في الدنيا ببعض ذنوبهم (٦).\nوقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٩]. يعني: اليهود (٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-901>٥٠ </span>- قوله تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾.\nقال المفسرون: أي أتطلب اليهود في الزانيين حكما لم يأمر الله ﷿ به وهم أهل الكتاب، كما يفعل أهل الجاهلية (٨).\n_________\n(١) انظر: \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ١١٦.\n(٢) \"تفسيره\" ١/ ٤٨٣.\n(٣) لم أقف عليه.\n(٤) \"تفسيره\" ١/ ٤٨٣ وفي: والجلاء من المدينة إلى الشام.\n(٥) في (ش): (جوزيوا).\n(٦) انظر: الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٢٧٣، \"التفسير الكبير\" ١٢/ ١٤، القرطبي في \"تفسيره\" ٦/ ٢١٤.\n(٧) انظر: الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٢٧٣، والبغوي في \"تفسيره\" ٣/ ٦٦، والقرطبي في \"تفسيره\" ٦/ ٢١٤.\n(٨) \"معاني الزجاج\" ٢/ ١٨٠، وانظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٣٧٦، \"التفسير الكبير\" ١٢/ ١٥.","vol":"7","page":416},{"text":"قال ابن عباس: يعني بحكم الجاهلية ما كانوا من الضلالة والجور في الأحكام، وتحريفهم إياها عما كانت عليه (١).\nوقال بعضهم: إنهم كانوا إذا وجب الحكم على ضعفائهم ألزموهم إياه، وإذا وجب على أقويائهم لم يأخذوهم به، فقيل لهم: أفحكم عبدة الأوثان تبغون وأنتم أهل كتاب؟ وكفى بذلك خزيًا أن يحكم بما يوجبه الجهل دون ما يوجبه العلم (٢).\nوقال مقاتل: كانت بين قريظة والنضير دماء قبل أن يبعث الله محمدًا، فلما بعث تحاكموا إليه، فقالت بنو قريظة: إخواننا بنو النضير أبُونا واحد، وديننا وكتابنا واحد، فإن قتل أهل النضير منا قتيلًا أعطونا سبعين وسقا من تمر، وإن قتلنا منهم واحدًا أخذوا منا مائة وأربعين وسقًا، وأرش جراحاتنا على النصف من أرش جراحاتهم، فاقض بيننا وبينهم، قال رسول الله - ﷺ -: \"فإني أحكم دم القُرَظي وفاءٌ من دم النُضَيري، ودم النُّضَيري وفاءٌ من دم القُرَظي، ليس لأحدهما فضل على الآخر في دم ولا عقل ولا جراحة\"، فغضب بنو النضير وقالوا: لا نرضى بحكمك، فإنك لنا عدو، وإنك ما تألو في وضعنا وتصغيرنا، فأنزل الله تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ يعني حكمهم الأول (٣).\n_________\n(١) لم أقف عليه.\n(٢) انظر: الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٢٧٤، \"التفسير الكبير\" ١٢/ ١٥، القرطبي في \"تفسيره\" ٦/ ٢١٤.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ١/ ٤٧٩، ٤٨٠ بنحوه، وانظر: \"التفسير الكبير\" ١٢/ ١٥.\nوقد جاء نحو ذلك عن ابن عباس من طريق أبي صالح -وهي ضعيفة- عنه ذكر ذلك ابن الجوزي \"زاد المسير\" ٢/ ٣٧٦، وانظر: الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٢٧٤.","vol":"7","page":417},{"text":"وقرأ ابن عامر (تَبغُون (١» بالتاء (٢)، على معنى: قل لهم يا محمد: أفحكم الجاهلية تبغون (٣).\nوالقراءة بالياء أظهر، لجري الكلام على ظاهره واستقامته عليه من غير تقدير إضمار، على أن نحو هذا الإضمار لا ينكر لكثرته (٤).\nوقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: ٥٠].\nقال الزجاج: أي من أيقن تبين عدل الله في حكمه (٥).\nوقال (٦) بعض أصحاب المعاني: معناه: عند قوم يوقنون بالله وبحكمته، فأقيمت اللام مقام عند، وهذا جائز في اللغة إذا تقاربت المعاني (٧).\nفإذا قيل: الحكم لهم فلأنهم يستحسونه، فكأنه إنما جعل لهم خاصة، وإذا قيل: عندهم؛ فلأن عندهم العلم بصحته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-902>٥١ </span>- قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ﴾ الآية، قال عطية. جاء عبادة بن الصامت إلى رسول الله - ﷺ - فتبرأ عنده من موالاة اليهود، فقال عبد الله بن أبي: لكني لا أبرأ من ولاية اليهود، لأني أخاف\n_________\n(١) ساقط من (ج).\n(٢) \"الحجة\" ٣/ ٢٢٨، \"التيسير\" ص ٩٩.\n(٣) \"الحجة\" ٣/ ٢٢٨.\n(٤) \"الحجة\" ٣/ ٢٢٨، ٢٢٩ بتصرف.\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١٨١، وانظر: \"معاني النحاس\" ٢/ ٣٢١، \"زاد المسير\" ٢/ ٣٧٦.\n(٦) في (ش): (قال).\n(٧) ذكر هذا القول أبو حيان في \"البحر المحيط\" ٣/ ٥٠٥، لكنه قال: وهذا ضعيف، وانظر \"الدر المصون\" ٤/ ٢٢٩.","vol":"7","page":418},{"text":"الدوائر، فنزلت هذه الآية (١) في النهي عن موالاتهم، ومعنى: (لا تتخذوهم أولياء) لا تعتمدوا على الاستنصار بهم متوددين إليهم، وأولياء مثل أنبياء في الامتناع عن الصرف، وذكرنا العلة المانعة عن الصرف في \"أنبياء\" في هذه السورة (٢).\nوقوله تعالى: ﴿بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾، أي: في العون والنصرة ويدهم واحدة على المسلمين (٣) وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾، قال ابن عباس: \"يريد كافر مثلهم\" (٤)، وقال أبو إسحاق: أي: من عاضدهم على المسلمين فإنه مع من عاضده (٥).\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة: ٥١]، قال ابن عباس: \"يريد لا يرشد الكافرين ولا المشركين ولا المنافقين\" (٦)، روي عن أبي موسى الأشعري أنه قال: قلت لعمر بن الخطاب ﵁: إن لي كاتبًا نصرانيًا. فقال: مالك قاتلك الله؟! ألا اتخذت حنيفيًا، أما سمعت قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ﴾. قلت: له دينه ولي كتابته. قال: لا أكرمهم إذا أهانهم الله، ولا أعزهم إذ أذلهم الله، ولا أدنيهم إذ أقصاهم\" (٧).\n_________\n(١) أخرجه بنحوه الطبري ٦/ ٢٧٥، وذكره البغوي ٣/ ٦٧، والسيوطي في \"لباب النقول\" ص ٩٢.\n(٢) عند قوله تعالى: ﴿إذ جعل فيكم أنبياء﴾ الآية (٢٠) من هذه السورة.\n(٣) انظر: \"تفسير الطبري\" ١٠/ ٣٩٩، \"تفسير البغوي\" ٣/ ٦٨.\n(٤) لم أقف عليه.\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١٨١.\n(٦) لم أقف عليه، وانظر: \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ١١٧.\n(٧) بمعناه عند ابن كثير ٢/ ٧٧، \"الدر المنثور\" ٢/ ٥١٦.","vol":"7","page":419},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-903>٥٢ </span>- قوله تعالى: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾.\nقال ابن عباس: \"يعني عبد الله بن أبي وأصحابه\" (١) وهو قول مجاهد (٢) ومقاتل (٣) وغيرهم.\nوقوله تعالى: ﴿يُسَارِعُونَ فِيهِمْ﴾، قال ابن عباس: \"يريد يسارعون إلى مودتهم\" (٤)، وقال الكلبي: \"يسارعون في ولاية اليهود، ونصارى نجران؛ لأنهم كانوا أهل ريف يميرونهم ويقرضونهم\" (٥).\nوقال مجاهد: يسارعون في مصانعة اليهود وموأخاتهم (٦)، وقال أبو إسحاق: يسارعون في معاونتهم على المسلمين (٧).\nوقوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ﴾، الدائرة من دوائر الدهر كالدولة، وهي التي تدور من قوم إلى قوم، والدائرة التي تخشى كالهزيمة والدبرة والقحط والحوادث المخوفة (٨)، قال عبد الله بن مسلم (٩): نخشى أن يدور الدهر علينا بمكروه فلا يميروننا (١٠). وقال أبو عبيدة: الدوائر\n_________\n(١) انظر: \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ١١٧.\n(٢) انظر: \"تفسير الطبري\" ٦/ ٢٧٨ - ٢٧٩، \"زاد المسير\" ٢/ ٣٧٩، \"الدر المنثور\" ٢/ ٥١٦.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ١/ ٤٨٥، انظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٣٧٨.\n(٤) انظر: \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ١١٧.\n(٥) لم أقف عليه، انظر: \"غريب القرآن\" لابن قتيبة ص ١٤٣، \"زاد المسير\" ٢/ ١٧٩.\n(٦) أخرجه بنحوه الطبري ٦/ ٢٧٩.\n(٧) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١٨١، وانظر: \"تفسير البغوي\" ٣/ ٦٨.\n(٨) انظر: \"تفسير الطبري\" ١٠/ ٤٠٤، ٤٠٥، \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١١٢٩ مادة (دار).\n(٩) ابن قتيبة.\n(١٠) \"غريب القرآن\" ص ١٤٣.","vol":"7","page":420},{"text":"تدور، والدوائل تدول (١)، وذكر قول حُميد الأرقط (٢):\n[كنت حسبت الخندق المحفورا] (٣)\nودائراتِ الدَّهر أن تدورا (٤)\nقال الكلبي: ﴿نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ﴾ أي سنة جدبة، وقال مقاتل: \"نخشى أن تصيبنا دائرة اليهود على المسلمين، وذلك أنهم قالوا، إنا نكره قتال اليهود ومفارقتهم، فإنا لا ندري ما يكون ونخشى أن لا ينصر محمد فينقطع الذي بيننا من الميرة والقرض\" (٥).\nوقال أبو روق: \"يعنون نخشى أن ينصر محمد\" (٦).\nونحو ذلك قال الزجاج: أي نخشى أن لا يتم الأمر للنبي - ﷺ -، قال: ومعنى (دائرة): أي: يدور الأمر عن حاله التي يكون عليها (٧).\nوقوله تعالى: ﴿فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ﴾، قال أهل المعاني: وعسى من الله واجب (٨). لأن الكريم إذا طمّع في خير يفعله، فهو\n_________\n(١) \"مجاز القرآن\" ١/ ١٦٩.\n(٢) هو حميد بن مالك بن ربعي بن فحاش بن قيس، من بني ربيعة، شاعر إسلامي. \"معجم الأدباء\" ٣/ ٢٦٧.\n(٣) ما بين المعقوفين ليس في \"المجاز\".\n(٤) \"مجاز القرآن\" ١/ ١٦٩. والرجز في: \"تفسير الطبري\" ٦/ ٢٧٩، \"تفسير القرطبي\" ٦/ ٢١٧.\n(٥) بمعناه في تفسير مقاتل ١/ ٤٨٤، \"تفسير البغوي\" ٣/ ٦٨. وانظر: \"غريب القرآن\" لابن قتيبة ص ١٤٣، \"زاد المسير\" ٢/ ٣٧٩.\n(٦) لم أقف عليه، وهو بمعنى ما تقدمه وما تلاه.\n(٧) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١٨١.\n(٨) المرجع السابق.","vol":"7","page":421},{"text":"بمنزلة الوعد به لتعلق النفس به ورجائها له، ولذلك حق لا يضيع، قال الكلبي والسدي: (أن يأتي بالفتح) يعني: فتح مكة (١)، وقال الضحاك: فتح قرى اليهود (٢)، وقال قتادة: \"بالقضاء الفصل\" (٣)، وقال مقاتل: \"يعني نصر محمد الذي أيسوا منه\" (٤)، وقال الزجاج: فعسى الله أن يظهر المسلمين (٥).\nوجمع ابن عباس هذه الأقوال في قوله فقال: \"يريد بفتح الله تعالى لمحمد - ﷺ - على جميع من خالفه\" (٦)، وقوله تعالى: ﴿أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ﴾، قال الكلبي والضحاك: خصب وسعة لمحمد - ﷺ - وأصحابه (٧). وهو اختيار الزجاج (٨) وابن قتيبة (٩).\nوقال السدي: \"الجزية\" (١٠)، وقال مقاتل: \"القتل والجلاء لليهود\" (١١)، وهذا معنى قول ابن عباس في قوله: (أو أمر من عنده)\n_________\n(١) أخرجه عن السدي: الطبري ٦/ ٢٨٠ وذكره عنهما البغوي ٣/ ٦٨. وانظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٣٧٩، \"ابن كثير\" ٢/ ٧٨.\n(٢) البغوي ٣/ ٦٨.\n(٣) \"تفسير الطبري\" ٦/ ٢٨٠، \"تفسير البغوي\" ٣/ ٦٨.\n(٤) \"تفسيره\" ١/ ٤٨٤، وانظر: \"تفسير البغوي\" ٣/ ٦٨.\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١٨١.\n(٦) انظر: \"الوسيط\" ٢/ ١٩٧، \"تفسير القرطبي\" ٦/ ٢١٨، \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ١١٧.\n(٧) انظر: \"الوسيط\" ٢/ ١٩٨، \"تفسير البغوي\" ٣/ ٦٨، \"زاد المسير\" ٢/ ٣٧٩.\n(٨) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١٨١.\n(٩) \"غريب القرآن\" ص ١٤٤، انظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٣٧٩.\n(١٠) أخرجه الطبري ٦/ ٢٨٠، وابن أبي حاتم وأبو الشيخ كما في \"الدر المنثور\" ٣/ ١٠١، انظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٣٧٩، \"ابن كثير\" ٢/ ٧٨.\n(١١) \"تفسيره\" ١/ ٤٨٤، \"الوسيط\" ٢/ ١٩٨، انظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٣٧٩.","vol":"7","page":422},{"text":"يريد فيه هلاكهم (١) فهذا يحتمل هلاك اليهود وهلاك المنافقين (٢)، وقال الحسن: \"هو إطهار أمر المنافقين مع الأمر بقتلهم\" (٣). وهو اختيار أبي إسحاق (٤) وقوله تعالى: ﴿فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾.\nقال ابن عباس: \"يريد ندامة على نفاقهم\" (٥).\nوقال الكلبي: ﴿فَيُصْبِحُوا﴾ يعني أهل النفاق على ما كان منهم من ولايتهم لليهود، ودس الأخبار إليهم (نادمين) (٦).\nوقال قتادة: ﴿فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ من مودتهم وغشهم الإسلام ﴿نَادِمِينَ﴾ (٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-904>٥٣ </span>- قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾، اختلفوا في إدخال الواو في (يقول) فقرأ أهل الحجاز والشام: (يقول) بغير واو (٨)، وقرأ أهل العراق: (ويقول) بالواو (٩)، وحذف الواو ههنا كإثباتها، وذلك أن في الجملة المعطوفة ذكرًا من المعطوف عليها، وهو أن الذين وصفوا بقوله:\n_________\n(١) انظر: \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ١١٧.\n(٢) واختيار الطبري القول بالعموم. انظر: \"تفسيره\" ٦/ ٢٨٠.\n(٣) لم أقف عليه. انظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٣٧٩.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١٨١.\n(٥) انظر: \"الوسيط\" ٢/ ١٩٨، \"زاد المسير\" ٢/ ٣٧٩، \"ابن كثير\" ٢/ ٧٨، \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ١١٧.\n(٦) انظر: \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ١١٧.\n(٧) أخرجه الطبري ٦/ ٢٨٠، وانظر: \"تفسير ابن كثير\" ٢/ ٧٨.\n(٨) قراءة أبي عمرو وعاصم وحمزة والكسائي، انظر: \"الحجة\" لأبي علي الفارسي ٣/ ٢٢٩، \"النشر\" ٢/ ٢٥٤.\n(٩) قراءة ابن كثير ونافع وابن عامر، انظر: \"الحجة\" لأبي علي الفارسي ٣/ ٢٢٩، \"النشر\" ٢/ ٢٥٤.","vol":"7","page":423},{"text":"(يسارعون فيهم) إلى آخر الآية، هم الذين قال فيهم المؤمنون: ﴿أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ﴾ الآية، فلما صار في كل واحدة من الجملتين ذكر من الأخرى، حسن العطف بالواو وبغير الواو، كما أن قوله: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ [الكهف: ٢٢]، لما كان في كل واحدة من الجملتين ذكر مما تقدم اكتفى بذلك عن الواو؛ لأنها بملابسة بعضها ببعض ترتبط إحداهما (١) بالأخرى كما ترتبط بحرف العطف، ويدلك على حسن دخول الواو قوله: ﴿وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ [الكهف: ٢٢].\nفحذف الواو من قوله: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ كحذفها من قوله: ﴿رَابِعُهُمْ﴾ وقوله: ﴿سَادِسُهُمْ﴾ وإلحاقها كإلحاقها في قوله: ﴿وَثَامِنُهُمْ﴾، وقد جاء التنزيل بالأمرين في غير موضع (٢)، واختلفوا أيضًا في إعراب: (ويقول) فقرأ أبو عمرو: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ نصبًا على معنى: وعسى أن يقول الذين آمنوا (٣)، وأما من رفع فإنه جعل الواو لعطف جملة على جملة، ولم يجعلها عاطفة على مفرد.\nويدل على قوة الرفع قولُ من حذف الواو فقال: (يقول الذين آمنوا) (٤).\nقال الزجاج: ويقول الذين آمنوا في ذلك الوقت، أي: في وقت يظهر الله نفاقهم (٥).\n_________\n(١) في (ج) و(ش): (إحديهما).\n(٢) \"الحجة للقراء السبعة\" ٣/ ٢٣١ - ٢٣٢.\n(٣) انظر: \"الحجة\" ٣/ ٢٣١.\n(٤) \"الحجة\" ٣/ ٢٣١.\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١٨٢، وانظر: \"تفسير البغوي\" ٣/ ٦٩.","vol":"7","page":424},{"text":"وقوله تعالى: ﴿أَهَؤُلَاءِ﴾، يعني: المنافقين، قاله ابن عباس، والكلبي (١)، ﴿أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾، قال عطاء: حلفوا ﴿بِاللهِ﴾ بأغلظ الأيمان (٢)، ونصب ﴿جَهْدَ﴾ لأنه مصدر، أي: جهدوا جهد أيمانهم، وقال أبو إسحاق: أي: يقول المؤمنون للذين باطنهم وظاهرهم واحد: أهؤلاء الذين حلفوا وأكدوا أيمانهم أنهم مؤمنون، وأنهم معكم وأعوانكم على من خالفكم. ﴿حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ أي: ذهب ما أظهروه من الإيمان، وبطل كل خير عملوه بكفرهم وصدهم عن سبيل الله، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد: ١] (٣)، وقال الكلبي: \"بطلت حسناتهم\" (٤).\nوقوله تعالى: ﴿فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ﴾ [المائدة: ٥٣]، قال عطاء عن ابن عباس: \"خسروا الدنيا والآخرة، أما الدنيا فليس هم من الأنصار، وأما الآخرة فقرنهم الله مع الكفار\" (٥).\nوقال الكلبي: ﴿فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ﴾ مغبونين بأنفسهم ومنازلهم في الجنة، وصاروا إلى النار، وورثها المؤمنون (٦).\n_________\n(١) \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ١١٧، انظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٣٨١.\n(٢) ساقه المؤلف في الوسيط ٢/ ١٩٨ ابتداء دون نسبة. وكذا البغوي ٣/ ٦٩، ونسبه ابن الجوزي \"زاد المسير\" ٢/ ٣٨٠ لابن عباس.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١٨١، ١٨٢، انظر: \"بحر العلوم\" ١/ ٤٤٣، \"تفسير البغوي\" ٣/ ٦٩.\n(٤) \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ١١٧.\n(٥) لم أقف عليه.\n(٦) لم أقف عليه، انظر: \"الوسيط\" ٢/ ١٩٨.","vol":"7","page":425},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-905>٥٤ </span>- قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ﴾، وقرأ أهل الحجاز والشام: (يرتدد) بإظهار الدالين (١). قال الزجاج هو الأصل، لأن الثاني إذا سكن من المضاعف ظهر التضعيف نحو: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ﴾ [آل عمران: ١٤٠] ويجوز في اللغة: إن يمسكم (٢).\nقال أبو علي (٣): من أظهرهما (٤) أن الحرف المدغم لا يكون إلا ساكنًا، ولا يمكن إدغام الحرف الذي يدغم حتى يسكن، لأن اللسان يرتفع عن المدغم والمدغم فيه ارتفاعة واحدة، فإذا لم يسكن لم يرتفع اللسان ارتفاعة واحدة، وإذا لم يرتفع لم يمكن الإدغام، فإذا كان كذلك لم يسغ الإدغام في الساكن؛ لأن المدغم إذا كان ساكنًا والمدغم فيه كذلك التقى ساكنان، والتقاء الساكنين في الوصل من هذا النحو ليس من كلامهم، فلهذا أظهر من أظهر، وهو لغة أهل الحجاز (٥)، وأما من أدغم فإنه أسكن الحرف الأول للإدغام، فاجتمع ساكنان، فحرك بالفتح، ويجوز في اللغة التحريك بالكسر، فيقال: من يرتدِّ (٦).\nقال أبو إسحاق: ويجوز في العربية في هذا الحرف ثلاثة أوجه \"يرتدد\" بدالين، و\"يرتدَّ\" بفتح الدال، و\"يرتدِّ\" بكسر الدال (٧).\n_________\n(١) قراءة نافع وابن عامر، انظر: \"الحجة\" ٣/ ٢٣٢، \"النشر\" ٢/ ٢٥٥.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١٨٢.\n(٣) الفارسي في \"الحجة للقراء السبعة\".\n(٤) في الحجة: \"حجة من أظهرهما\".\n(٥) \"الحجة\" ٣/ ٢٣٢،٢٣٣.\n(٦) انظر: \"الحجة\" ٣/ ٢٣٣.\n(٧) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١٨٢.","vol":"7","page":426},{"text":"قال أبو علي: وهذا لغة تميم، وإنما أدغموا لأنهم شبهوا حركة البناء بحركة الإعراب، وذلك أنهم قد اتفقوا على إدغام المعرب نحو: يرتد، فلما وجدوا ما ليس بمعرب مشابهًا للمعرب في تعاور الحركات عليه تعاورها على المعرب، جعلوه بمنزلة المعرب فأدغموه كما أدغموا المعرب بيان هذا أن المعرب يتحرك أيضًا بحركتين (الرفع والنصب) (١) نحو: يرتَدُّ ويرتَدَّ، فشبهوا حركة البناء بحركة الإعراب، وهذا يدل على صحة ما ذهب إليه سيبويه من تشبيه حركة الإعراب بحركة البناء في التخفيف، نحو: أشربْ غير مستحقبٍ (٢).\nشبه ر بْ غَ (٣) بفخذ وعضد وسبع، فخفف كما يخفف الفخذ والسبع، ألا ترى أن بني تميم شبهوا حركة البناء بحركة الإعراب في إدغامهم في الساكن المحرَّك بغير حركة إعراب، كذلك شبهوا حركة الإعراب بحركة البناء في نحو: أشربْ غير مستحقب ... (٤).\nوقد جاء التنزيل بالأمرين فقال: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ﴾ [النساء: ١١٥].\nوقال: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الأنفال: ١٣] (٥).\n_________\n(١) ليس في: (ج).\n(٢) من قول امرئ القيس:\nفاليوم أشرب غير مستحقب ... إثمًا من الله ولا واغل\nالمستحقب: المتكسب، والواغل الداخل على القوم يشربون ولم يدع، يقول هذا حين أخذ بالثأر من قتلة أبيه يزعم أن الخمر حلت له فلا يأثم بشربها وقد نذر ألا يشرب حتى يأخذ بالثأر. انظر كتاب سيبويه ٤/ ٢٠٤، وحاشية \"الحجة للقراء السبعة\" ١/ ١١٧.\n(٣) (ر ب غ) من قوله: (أشربْ غير) من الشاهد.\n(٤) سبق قريبًا.\n(٥) \"الحجة للقراء السبعة\" ٣/ ٢٣٣، ٢٣٤ باختلاف يسير في بعض الألفاظ.","vol":"7","page":427},{"text":"فأما التفسير فقال الحسن: علم الله تعالى أن قومًا يرجعون عن الإسلام بعد موت نبيهم - ﷺ -، فأخبرهم أنه سيأتي بقوم يحبهم ويحبونه (١).\nواختلفوا في ذلك القوم من هم: فقال علي بن أبي طالب - ﵁ - والحسن وقتادة والضحاك وابن جريج: هم أبو بكر - ﵁ - وأصحابه الذين قاتلوا أهل الردة ومنكري الزكاة (٢).\nقالت عائشة: مات رسول الله - ﷺ -، وارتدت العرب، واشرأب النفاق ونزل بأبي ما لو نزل بالجبال الراسيات لهاضها (٣).\nقال المفسرون: وذلك أن أهل الردة قالوا: أما الصلاة فنصلي، وأما الزكاة فلا نُغصَبُ أموالنا، فقال أبو بكر: لا أفرق بين ما جمع الله، قال الله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]. والله لو منعوني عقالًا مما أدوا إلى رسول الله - ﷺ - لقاتلتهم عليه (٤).\nوالمناظرة التي جرت بينه وبين عمر في هذا معروفة (٥).\nقال أنس بن مالك: كرهت الصحابة قتال مانعي الزكاة، وقالوا: أهل\n_________\n(١) الأثر في الوسيط ٢/ ١٩٩، البغوي ٣/ ٦٩، \"زاد المسير\" ٢/ ٣٨٠.\nوأخرج الطبري ٦/ ٢٨٢ - ٢٨٣ من طرق عن الحسن أنه قال: نزلت في أبي بكر وأصحابه.\n(٢) أخرج الآثار عنهم: الطبري ٦/ ٢٨٣ - ٢٨٤، وذكرهم البغوي ٣/ ١٦٩، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٢/ ٣٨١، والسيوطي في \"الدر المنثور\" ٢/ ٥١٧.\n(٣) ذكره البغوي ٣/ ٧١.\n(٤) أخرج الأثر بنحوه البخاري (١٤٠٠) كتاب الزكاة/ باب: وجوب الزكاة. ومسلم (٢٠) كتاب الإيمان، باب: الأمر بقتال الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله.\n(٥) جاء منصوصًا عليها في الأثر السابق في البخاري ومسلم.","vol":"7","page":428},{"text":"القبلة. فتقلد أبو بكر سيفه وخرج وحده، فلم يجدوا بُدًّا من الخروج على أثره (١).\nوقال ابن مسعود: كرهنا ذلك، وحمدناه في الانتهاء ورأينا ذلك رشدًا (٢).\nوقال ابن عباس: فجاهدهم أبو بكر بالسيف (٣)، فإن قيل: إن قوله: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ﴾ يوجب أن يكون ذلك القوم غير موجودين في وقت نزول هذا الخطاب، وأبو بكر ممن كان في ذلك الوقت؟\nقيل: إن من قاتل أبو بكر بهم (٤) أهل الردة لم يكونوا في ذلك الوقت.\nقال قتادة: \"بعث الله عصائب مع أبي بكر، فقاتل على ما قاتل عليه نبي الله، حتى سَبى وقتل وأحرق بالنار ناسًا ارتدوا من الإسلام ومنعوا الزكاة\" (٥).\nوقال الكلبي: \"أتى الله بخير من الذين ارتدوا فشدد بهم (الدين) (٦)، وهم أحياء من كندة وبجيلة خمسة ألاف (٧)، وألفان من النَخَع، وثلاثة آلاف من أفناء (٨) الناس\" (٩).\n_________\n(١) ذكره البغوي ٣/ ٦٩ وابن الجوزي \"زاد المسير\" ٢/ ٣٨١.\n(٢) ذكره البغوي ٣/ ٧٠.\n(٣) انظر: \"بحر العلوم\" ١/ ٤٤٣، ٤٤٤.\n(٤) في (ج) بعد \"بهم\" زيادة: \"هم\"، وهذه الزيادة تقلب المعنى رأسًا على عقب.\n(٥) أخرجه الطبري ٦/ ٢٨٣.\n(٦) في (ج): (الذين).\n(٧) في النسختين: (ألف).\n(٨) هكذا في النسختين بالنون، وفي البغوي ٣/ ٧١ بالياء (أفياء) وقد يكون أصوب جمع فئة تجوزًا، وإن كانت فئة تجمع على \"فئون وفئات\". انظر: \"الصحاح\" ١/ ٦٣ (فيأ).\n(٩) ذكره البغوي ٣/ ٧١.","vol":"7","page":429},{"text":"فهؤلاء قاتلوا أهل الردة بأمر أبي بكر، فحمدوا بطاعتهم له وانتهائهم إلى أمره، فليس يخرج أبو بكر عن أن يكون منهم، ثم الآية تتناول بعمومها كل من يكون منهم، ثم الآية تتناول بعمومها كل من يكون بعدهم إلى قيام الساعة، ممن يجاهد أهل الشرك والكفر والردة في سبيل الله.\nوقوله تعالى: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾، بدأ بمحبته لأنها الجالبة والموجبة لمحبتهم، ولا يحب الله إلا من أحبه الله، ولولا محبة الله إياهم ما أحبوه، فهذا طريق في تفسير هذه الآية، وروي مرفوعًا أن النبي - ﷺ - لما نزلت هذه الآية (أومأ) (١) إلى أبي موسى الأشعري فقال: \"هم قوم هذا\" (٢).\nأخبرناه الأستاذ أبو إبراهيم إسماعيل بن أبي القاسم النصر اباذي، أخبرنا الإِمام أحمد بن إبراهيم الإسماعيلي، أخبرنا أبو خليفة الفضل بن الحباب، حدثنا أبو عَمرو الحوضي، حدثنا شعبة، عن سماك، عن عياض الأشعري قال: لما نزلت هذه الآية (فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه) قال رسول الله - ﷺ -: \"هم قوم هذا\". يعني أبا موسى الأشعري. أخرجه الحاكم في المستدرك (٣) عن ابن السماك، حدثنا عبد الملك بن محمد، حدثنا وهب بن جرير عن شعبة، وتفسير النبي - ﷺ - أولى بالاتباع، وإذا كان\n_________\n(١) في (ج): (اومى).\nقال ابن منظور: \"وأومأَ تومأَ، ولا تقل: أوميت. الليت: الإيماء أن تومئ برأسك أو بيدك ... \" اللسان ١/ ٢٠١ (ومأ).\n(٢) الطبري ١٠/ ٤١٥، وسيأتي تخريج الحديث.\n(٣) ٢/ ٣١٣ وصححه على شرط مسلم، كما أخرجه الطبري ٦/ ٢٨٤، وعزاه السيوطي في \"الدر المنثور\" ٢/ ٥١٨ إلى ابن سعد وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه.","vol":"7","page":430},{"text":"قد فسر الآية وبين أن المراد بالقوم المذكور فيها الأشعرية، فليست إلا الفرقة المعروفة بالأشعرية الذين ينتسبون في مذهبهم إلى أبي الحسن الأشعري (١).\nوكان -﵀- من صُلبَيهِ (٢) نسب أبي موسى، فإنه علي بن إسماعيل ابن إسحاق بن سالم بن إسماعيل بن عبد الله بن موسى بن بلال بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري (٣)، أتى الله به فجاهد أهل البدع الذين ارتدوا عن سنن الصحابة وسنة النبي - ﷺ - في المسائل المشهورة من أصول الدين التي لم يقع فيها خلاف زمن الصحابة كمسألة القدر (٤)، وخلق الأعمال (٥)، ورؤية الله تعالى في الجنة (٦)، وما أشبهها، فنصرها وأوضح أدلتها، ونفى الشبه وأبطلها، فكل من انتحل مذهبه فهو من جملة قومه الذين قال النبي - ﷺ - في إشارته إلى أبي موسى: \"هم قوم هذا\" (٧)، لأن قوم\n_________\n(١) الجزم بذلك فيه نظر، فإن قوم أبي موسى لا ينحصر في ذريته وأصل ذريته قبل نشأة أبي الحسن ﵀، والأشعرية فرقة خالفت أهل السنة في كثير من مسائل العقيدة كالتأويل في الصفات وغير ذلك، على أن الأشاعرة لم يتابعوا الأشعري في جميع المسائل وإنما اشتهروا بالانتساب إليه!\n(٢) هكذا في النسختين، وقد جاءت مشكولة في: (ش)، وفيها إشكال.\n(٣) هكذا نسبه الذهبي وأن مولده سنة ٢٦٠ هـ وقيل ٧٠ هـ، وقال عنه العلامة، إمام المتكلمين، توفي سنة ٣٢٤ هـ كان على مذهب المعتزلة ثم رجع عنه ورد عليهم. وله مصنفات كثيرة.\nانظر: \"سير أعلام النبلاء\" ١/ ٨٥ - ٩٠، والبداية والنهاية ١١/ ١٨٧.\n(٤) انظر: \"مقالات الإسلاميين\" لأبي الحسن الأشعري ص ٢٢٧ - ٢٤٠.\n(٥) انظر: \"مقالات الإسلاميين\" ص ١٩٥، ٢٣٨.\n(٦) انظر: \"مقالات الإسلاميين\" ص ١٥٧، ٢١٧.\n(٧) سبق تخريجه قريبًا.","vol":"7","page":431},{"text":"الرجل أتباعه المقتدون به، لا أنسباؤه وأقاربه، ألا ترى أن في التنزيل كل موضع أضيف فيه قوم إلى نبي أريد به أتباعهم الذين آمنوا بهم، لا أنسباؤهم، كقوله تعالى: ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ الآية [الأعراف: ١٥٩].\nوقوله تعالى: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾.\nقال ابن عباس: \"تراهم للمؤمنين كالولد لوالده، وكالعبد لسيده، وهم في الغلظة على الكافرين كالسبع على فريسته\" (١).\nوهذا كقوله تعالى: ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩].\nوقال ابن الأعرابي فيما روى عنه أبو العباس (٢): معنى قوله: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ رحماء رفيقين بالمؤمنين ﴿أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ غلاظ شداد عليهم (٣).\nوقال ابن الأنباري: أثنى الله تعالى على هؤلاء المؤمنين بأنهم يتواضعون للمؤمنين إذا لقوهم، ويعنفون بالكافرين ويلقونهم بالغلظة والفظاظة، وقال أبو إسحاق في هذه الآية: الفاء في قوله: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ﴾ جواب الجزاء، أي إن ارتد أحد عن دينه الذي هو الإيمان فسوف يأتي الله بقوم مؤمنين غير منافقين (٤).\n﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي جانبهم لين على المؤمنين، ليس أنهم أذلة مهانون (٥).\n_________\n(١) في \"بحر العلوم\" ١/ ٤٤٤ نسبه لعلي بن أبي طالب، في البغوي ٣/ ٧٢ لكن نسبه لعطاء! ولم أقف عليه عن ابن عباس.\n(٢) الظاهر أنه المبرد، محمد بن يزيد.\n(٣) من \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٢٩٠ مادة (ذل).\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١٨٢، ١٨٣.\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١٨٣، والكلام متصل للزجاج.","vol":"7","page":432},{"text":"﴿أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ أي: جانبهم غليظ على الكافرين (١)، ﴿يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ﴾ لأن المنافقين كانوا يراقبون الكفار، ويظاهرونهم، ويخافون لومهم، فأعلم الله ﷿ أن صحيح الإيمان لا يخاف في نصرة الدين بيده ولسانه لومة لائم، ثم أعلم أن ذلك لا يكون إلا بتسديده وتوفيقه فقال: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ أي محبتهم لله ﷿ ولين جانبهم للمسلمين، وشدتهم على الكافرين، تفضل من الله ﷿ عليهم، لا توفيق لهم إلا به (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-906>٥٥ </span>- قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ الآية، اختلفت الروايات عن ابن عباس في نزول هذه الآية، فقال في رواية العوفي: إنها نازلة في قصة عبد الله بن أبيّ حين تولى اليهودَ، وعبادةَ بنِ الصامت حين تبرأ منهم وقال: أنا أبرأ إلى الله من حلف قريظة والنضير، وأتولى الله ورسوله والذين آمنوا (٣).\nوقال جابر بن عبد الله: إن اليهود هجروا من أسلم منهم، لم يجالسوهم، فقال عبد الله بن سلام: يا رسول الله إن قومنا قد هجرونا وأقسموا أن لا يجالسونا، ولا نستطيع مجالسة أصحابك لبعد المنازل، فنزلت هذه الآية، فقال: رضينا بالله وبرسوله وبالمؤمنين أولياء (٤)، فعلى\n_________\n(١) المرجع السابق.\n(٢) \"معاني الزجاج\" ٢/ ١٨٣، انظر: \"بحر العلوم\" ١/ ٤٤٤، \"تفسير البغوي\" ٣/ ٧٢، \"زاد المسير\" ٢/ ٣٨٢.\n(٣) سبق تخريج سبب النزول عند تفسير الآية (٥١)، انظر: \"تفسير البغوي\" ٣/ ٧٢.\n(٤) أخرجه المؤلف في أسباب النزول. وذكره ابن الجوزي في زاد المسير ٢/ ٣٨٢.","vol":"7","page":433},{"text":"هذا الآية عامة في جميع المؤمنين، فكل مؤمن ولي لكل مؤمن، لقوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١].\nوالذي ذكر من قوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ إلى آخر الآية صفة لكل مؤمن، وهو قول الحسن في هذه الآية والضحاك (١)، وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾.\nقال الزجاج: إقامتها: إتمامها بجميع فروضها، وأول فروضها صحة الإيمان بها (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ [المائدة: ٥٥].\nقال ابن عباس: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ المفروضة ﴿وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ يعني صلاة التطوع بالليل والنهار (٣)، وعلى هذا إنما أفرد الركوع بالذكر تشريفًا له (٤)، وقال بعض أهل المعاني: إنهم كانوا في وقت نزول الآية على هذه الصفة، منهم (من) (٥) قد أتم الصلاة، ومنهم من هو راكع في الصلاة (٦)، فهذا على قول من جعل الآية عامة في كل مؤمن، ومنهم من قال: الآية خاصة.\nقال ابن عباس في رواية عكرمة: نزل قوله: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ\n_________\n(١) نسبه الماوردي للحسن والسدي \"النكت والعيون\" ٢/ ٤٨، انظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٣٨٣.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١٨٣.\n(٣) انظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٣٨٤، \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ١١٧.\n(٤) انظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٣٨٤.\n(٥) ليست في (ج).\n(٦) انظر \"النكت والعيون\" ٢/ ٤٩، \"زاد المسير\" ٢/ ٣٨٤.","vol":"7","page":434},{"text":"وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ في أبي بكر - ﵁ - (١).\nوقال في رواية عطاء: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ يريد علي بن أبي طالب (٢).\nوعلى هذا قوله: ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ قال عبد الله بن سلام (٣): يا رسول الله: إنا رأينا عليًا تصدق بخاتمه وهو راكع على محتاج، فنحن نتولاه (٤)، وقال أبو ذر: \"أما إني صليت مع رسول الله - ﷺ - يومًا من الأيام صلاة الظهر، فسأل السائل في المسجد فلم يعطه أحد، فرفع السائل يده إلى السماء وقال: اللهم أُشهدك أني سألت في مسجد رسول الله فلم يعطني أحد شيئًا. وعلي كان راكعًا فأومأ إليه بخنصره اليمنى وكان يتختم فيها، فأقبل السائل حتى أخذ الخاتم من خنصره، وذلك بعين النبي - ﷺ -، فلما فرغ النبي من صلاته رفع رأسه إلى السماء وقال: \"اللهم إن أخي موسى سألك فقال: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ إلى قوله: ﴿وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾ [طه:٢٥ - ٣٢] فأنزلت فيه قرآنًا ناطقًا: ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا﴾ [القصص: ٣٥] اللهم وأنا محمد نبيك وصفيك فاشرح لي صدري، ويسر لي أمري، واجعل لي وزيرًا من أهلي، عليًا أشدد به ظهري\"، قال أبو ذر:\n_________\n(١) لم أقف عليه عن ابن عباس من رواية عكرمة، لكن من رواية الكلبي، وهو متروك. انظر: \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ١١٧. وقد نسبه ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٢/ ٣٨٣ لعكرمة.\n(٢) وكذا هذا الأثر من رواية عطاء لم أقف عليه! لكن جاء من طرق أخرى كما في: \"لباب النقول\" ص ٩٣، \"الدر المنثور\" ٢/ ٥١٩ - ٥٢٠، وسيأتي الكلام على هذا الأثر عند آخر سياق المؤلف له.\n(٣) ما بين القوسين ساقط من (ج).\n(٤) لم أقف عليه.","vol":"7","page":435},{"text":"فوالله ما استتم رسول الله - ﷺ - الكلمة حتى نزل جبريل فقال: يا محمد اقرأ: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ﴾ إلى آخرها (١).\nوهذا قول مجاهد والسدي وعتبة بن أبي حكيم (٢) والكلبي.\nقال الكلبي: أذن بلال فخرج رسول الله - ﷺ - والناس بين ساجد وراكع، فإذا هو بسائل يطوف ومعه خاتم، فقال: \"من أعطاك هذا\" فأشار إلى علي وهو راكع، فنزلت هذه الآية، فلما قرأها رسول الله - ﷺ - قالوا: كلنا يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة، فلما قرأ: ﴿وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ علموا أنه خاص لعلي (٣).\nوقال أهل العلم في هذه الآية: إنها تدل على أن العمل القليل لا يقطع الصلاة، وأن دفع الزكاة إلى السائل في الصلاة جائز مع نية الزكاة، ونية الزكاة لا تنافي الصلاة (٤).\n_________\n(١) لم أقف عليه، حتى المؤلف لم يذكره في أسباب النزول وفيه غرابة.\n(٢) الآثار عن مجاهد والسدي وعتبة أخرجها الطبري في \"تفسيره\" ٦/ ٢٨٨ - ٢٨٩.\n(٣) أخرجه ابن مردويه كما في \"الدر المنثور\" ٢/ ٥٢٠.\nوانظر: \"بحر العلوم\" للسمرقندي ١/ ٤٤٥.\nوهذا الأثر في سبب نزول الآية جاء بأسانيد ضعيفة بل بعضها واه كما قال الحافظ ابن كثير ﵀ بعد أن ساق هذا الأثر:\nوهذا إسناد لا يفرح به؛ لأنه من رواية الكلبي ثم رواه ابن مردويه من حديث علي بن أبي طالب - ﵁ - نفسه، وعمار بن ياسر، وأبي رافع، وليس يصح شيء منها بالكلية؛ لضعف أسانيدها وجهالة رجالها \"تفسير ابن كثير\" ٢/ ٨١.\n(٤) قال ابن كثير ﵀: وأما قوله: ﴿وهم راكعون﴾ فقد توهم بعض الناس أن هذه الجملة في موضع الحال من قوله ﴿ويؤتون الزكاة﴾ أي في حال ركوعهم، ولو كان كذلك لكان دفع الزكاة في حال الركوع أفضل من غيره؛ لأنه ممدوح، وليس الأمر كذلك عند أحد من العلماء مما نعلمه من أئمة الفتوى ... \"تفسير ابن كثير\" ٢/ ٨١.","vol":"7","page":436},{"text":"وقال المفسرون: وهذا وإن كان نزوله وافق عليًّا، فإنه عام في كل مؤمن، كما روى هشام، عن عبد الملك بن أبي سليمان، قال: سألت أبا جعفر محمد بن علي (١) عن قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ من هم؟ قال: هم المؤمنون. قلت: فإن ناسًا يقولون: هو علي. قال: فعليٌّ من الذين آمنوا (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-907>٥٦ </span>- قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾.\nمعناه: من يتول القيام بطاعة الله ونصرة رسوله والمؤمنين.\nقال ابن عباس: \"يريد المهاجرين والأنصار والذين آمنوا من بعدهم\" (٣).\nوقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [المائدة: ٥٦]، جملة واقعة موقع خبر المبتدأ، والعائد إلى الابتداء معناها، لأن المعنى: فهو غالب، وفيها جواب للشرط ولذلك دخلت الفاء (٤)، ومعنى الحزب في اللغة: أصحاب الرجل الذين معه على رأيه، فالمؤمنون حزب الله، والكافرون حزب الشيطان (٥)، وقال الفراء: الحزب: الصنف من الناس (٦).\nوقال ابن الأعرابي: الحزب: الجماعة (٧)، هذا قول أهل اللغة في\n_________\n(١) زين العابدين، محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب - ﵁ -.\n(٢) أخرجه الطبري ٦/ ٢٨٨، وذكره ابن كثير ٢/ ٨١.\n(٣) انظر: \"الوسيط\" ٢/ ٢٠٢، \"تفسير البغوي\" ٣/ ٧٣، \"زاد المسير\" ٢/ ٣٨٣.\n(٤) انظر: \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ٥٠٦.\n(٥) \"تهذيب اللغة\" ١/ ٨٠٠ (حزب) ونسبه لليث، انظر: \"الصحاح\" ١/ ١٠٩ (حزب).\n(٦) من \"تهذيب اللغة\" نقلًا عن الفراء ١/ ٨٠١ (حزب).\n(٧) \"تهذيب اللغة\" عنه ١/ ٨٠١ (حزب).","vol":"7","page":437},{"text":"معنى الحزب، وقال الحسن: ﴿حِزْبَ اللَّهِ﴾ جند الله (١)، وقال غيره: أنصار الله (٢)، وقال أبو روق: \"أولياء الله\" (٣)، وقال أبو العالية: \"شيعته\" (٤)، وقال الأخفش: حزب الله الذين يدينون بدينه ويطيعونه فينصرهم (٥).\nوقال الكلبي في قوله: ﴿هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ \"فقتلوا اليهود وأجلوهم من ديارهم، وبقي عبد الله بن سلام وأصحابه الذين تولوا الله ورسوله والذين آمنوا\" (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-908>٥٧ </span>- قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا﴾،\nقال ابن عباس: \"كان رجال من اليهود آمنوا ثم نافقوا، وكان ناس من المسلمين يوادونهم، فأنزل الله هذه الآية\" (٧)، فعلى هذا معنى تلاعبهم بالدين واستهزائهم: إظهارهم ذلك باللسان، واستبطانهم الكفر، كما وصف المنافقون بمثل هذا في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ إلى قوله ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة: ١٤].\nويجوز أن يكون استهزاؤهم من غير هذا الوجه، وهو تكذيبهم واستخفافهم به كاستهزاء الكفار، وهذا فيمن لم يظهر الإيمان باللسان، ذكرنا معنى الهزء عند قوله تعالى: ﴿أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا﴾ [البقرة: ٦٧]، والمراد\n_________\n(١) انظر: \"الوسيط\" ٢/ ٢٠٢، \"زاد المسير\" ٢/ ٣٨٤.\n(٢) انظر: \"تفسير البغوي\" ٣/ ٧٣، \"زاد المسير\" ٢/ ٣٨٤.\n(٣) انظر: \"الوسيط\" ٢/ ٢٠٢.\n(٤) لم أقف عليه.\n(٥) ليس في \"معاني القرآن\"، انظر: \"بحر العلوم\" ١/ ٤٤٥.\n(٦) انظر: \"الوسيط\" ٢/ ٢٠٢.\n(٧) أخرجه بمعناه الطبري ٦/ ٢٩٠، وابن إسحاق وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ. انظر: تفسير \"الدر المنثور\" ٢/ ٥٢١.","vol":"7","page":438},{"text":"بالمصدر ههنا: المفعول، وقوله تعالى: ﴿وَالْكُفَّارَ﴾، قرئ جرًا ونصبًا، فمن جر فلأن لغة التنزيل الحمل على أقرب العاملين، وقد بينا ذلك، فحمل على عامل الجر من حيث كان أقرب من عامل النصب (١)، فهذا من طريق الإعراب.\nوأما من طريق المعنى فإن من جر (الكفار) عطفه (٢) على الصلة، وحَسُنَ ذلك، لأن فرق الكفار الثلاث: المشرك، والمنافق، والكتابي الذي لم يسلم، قد كان منهم الهزء جميعًا، فساغ لذلك أن يكون الكفار تفسيرًا للموصول وموضحًا له، والدليل (٣) على استهزاء المشركين قوله: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (٩٥) الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [الحجر:٩٥ - ٩٦]. وذكرنا استهزاء المنافقين (٤)، والدليل على استهزاء الكتابي الذي لم يسلم هذه الآية، ولو فسر الموصول بالكفار لعم الفرق الثلاث، لأن اسم الكفر يشملهم بدليل قوله تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ [البينة: ١]. وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ [الحشر: ١١]، ولكن (الكفار) (٥) كأنه على المشركين أغلب، فلذلك فصل ذكر الكتابي من الكافر.\nوحجة هذه القراءة من التنزيل قوله تعالى: ﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ\n_________\n(١) \"الحجة للقراء السبعة\" ٣/ ٢٣٤. ونسب القراءة لأبي عمرو والكسائي.\n(٢) في (ج): (وعطفه).\n(٣) في الحجة: \"فالدليل\".\n(٤) تقدم قريبًا عند الكلام على أول تفسير الآية هذه، واستدلال المؤلف بآية البقرة. وقد ساقها في الحجة.\n(٥) أي إطلاق لفظ \"الكفار\".","vol":"7","page":439},{"text":"أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ﴾ [البقرة: ١٠٥] اتفقوا على جر (المشركين) عطفًا على أهل الكتاب، ولم يعطف على العامل الرافع، إن جاز ذلك (١).\nوأما من نصب فحجته قوله تعالى: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ﴾ [آل عمران: ٢٨] فكما وقع النهي عن اتخاذ الكفار في هذه الآية كذلك ههنا عطف الكفار على معمول الاتخاذ، فكأنه قال: لا تتخذوا الكفار أولياء (٢)، والمراد بالكفار كل كافر من غير أهل الكتاب، قال عطاء: \"هم كفار مكة وغيرهم\" (٣)، وقال الحسن: \"هم مشركو العرب\" (٤).\nفالقول الأول عموم، وقول الحسن يدل على أن مشركي العرب هم المقصود بالكلام خصوصًا (٥)، ولكن يدخل غيرهم في حكمهم بما صحب الكلام من الدليل.\nوقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٥٧]، أي إن كنتم مؤمنين بوعده ووعيده فاتقوا الله، ولا تتخذوا منهم أولياء. هذا قول ابن عباس فيما روى عنه عطاء (٦)، قال في قوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾: إذ يأمر الله سبحانه أولياءه وأهل طاعته بتركهم (٧)، وقال أهل المعاني: المعنى\n_________\n(١) من \"الحجة\" ٣/ ٢٣٤ - ٢٣٦ بتصرف -ولا يزال ينقل منه في الكلام على قراءة النصب الآتية.\n(٢) من الحجة ٣/ ٢٣٦ بتصرف يسير.\n(٣) لم أقف عليه.\n(٤) لم أقف عليه.\n(٥) اختار الطبري أنهم المشركون من عبدة الأوثان، واحتج بقراءة لابن مسعود - ﵁ - انظر: \"تفسير الطبري\" ٦/ ٢٩١.\n(٦) انظر: \"بحر العلوم\" ١/ ٤٤٥، \"زاد المسير\" ٢/ ٣٨٥.\n(٧) لم أقف على الأثر عن ابن عباس.","vol":"7","page":440},{"text":"فيه أن من كان مؤمنًا غضب لإيمانه على من طعن فيه، وكافأه بما يستحقه من المقت له (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-909>٥٨ </span>- قوله تعالى: ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا﴾.\nأي: دعوتم الناس إليها بالأذان (٢).\nوالنداء: الدعاء برفع الصوت، وندى الصوت: بعد مذهبه (٣)، ومنه قوله - ﷺ - لصاحب الرؤيا بالأذان: \"ألقها على بلال، فإنه أندى صوتًا منك\" (٤).\nوقوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا﴾، ذكر أهل المعاني فيه قولين: أحدهما: أنهم كانوا إذا أذن المؤذن للصلاة تضاحكوا فيما بينهم وتغامزوا على طريق السخف والمجون، تجهيلًا لأهلها وتنفيرًا للناس عنها وعن الداعي إليها (٥).\nوهذا معنى قول الكلبي قال: كان إذا نادي منادي رسول الله - ﷺ - إلى الصلاة وقام المسلمون إليها، قالت اليهود: قد قاموا لا قاموا، فإذا رأوهم سجدوا أو ركعوا استهزؤوا وضحكوا منهم (٦).\n_________\n(١) انظر: \"تفسير الطبري\" ٦/ ٢٩١.\n(٢) انظر: \"تفسير الطبري\" ٦/ ٢٩١، \"بحر العلوم\" ١/ ٤٤٥.\n(٣) انظر: \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٥٣٨ (ندأ).\n(٤) هذا الحديث في كيفية الأذان ورؤيا عبد الله بن زيد - ﵁ - في ذلك. أخرجه، وأبو داود (٤٩٩) كتاب الصلاة، باب: كيف الأذان، والترمذي (١٨٩)، كتاب: الصلاة، باب: بدء الأذان، وابن ماجه (٧٠٦) كتاب: الأذان، باب: بدء الأذان، وأحمد في \"مسنده\" ٤/ ٤٣.\n(٥) انظر: \"تفسير الطبري\" ٦/ ٢٩١، \"بحر العلوم\" ١/ ٤٤٦.\n(٦) انظر: \"تفسير البغوي\" ٣/ ٧٤، \"زاد المسير\" ٢/ ٣٨٥، ٣٨٦، وعزاه السيوطي في \"الدر المنثور\" إلى البيهقي في الدلائل من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس وهي طريق واهية \"الدر المنثور\" ٢/ ٥٢١.","vol":"7","page":441},{"text":"القول الثاني: أنهم كانوا يرون المنادي إليها بمنزلة اللاعب أو الهازي الكاذب، جهلًا عنهم بها.\nوهذا معنى قول السدي في هذه الآية: \"أن رجلًا من النصارى بالمدينة كلما سمع المؤذن يقول: أشهد أن محمدًا رسول الله. يقول: حُرِّق الكاذب، فدخل خادمه بنار ذات ليلة، فتطايرت منها شرارة في البيت، فاحترق هو وأهله (١).\nوقوله تعالى: ﴿هُزُوًا وَلَعِبًا﴾ مصدران يراد بهما المفعول.\nوقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [المائدة: ٥٨] أي: لا يعقلون ما لهم في إجابتهم لو (٢) أجابوا إليها، وما عليهم في استهزائهم بها (٣)، وقيل: إنهم بمنزلة من لا عقل له يمنعه من القبائح، ويردعه عن الفواحش، وقال الكلبي: لا يعقلون أمر الله (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-910>٥٩ </span>- قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا﴾ الآية. قال ابن عباس: \"إن نفرًا من اليهود أتوا رسول الله - ﷺ - فسألوه عمن يؤمن به من الرسل، فقال: \"أؤمن باللهِ وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل إلى قوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٣] فلما ذكر عيسى جحدوا نبوته، وقالوا: والله ما نعلم أهل دين أقل حظًا في الدنيا والآخرة منكم،\n_________\n(١) أخرجه الطبري ٦/ ٢٩١، وعزاه السيوطي أيضًا إلى ابن أبي حاتم وأبي الشيخ \"الدر المنثور\" ٢/ ٥٢١. وانظر: \"تفسير البغوي\" ٣/ ٧٤، \"زاد المسير\" ٢/ ٣٨٦، \"تفسير ابن كثير\" ٢/ ٨٢.\n(٢) في (ج): (ولو).\n(٣) انظر: \"تفسير الطبري\" ٦/ ٢٩١، \"زاد المسير\" ٢/ ٣٨٦.\n(٤) انظر: \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ١١٨.","vol":"7","page":442},{"text":"ولا دينًا شرًّا من دينكم، فأنزل الله هذه الآية وما بعدها\" (١).\nوقوله تعالى: ﴿هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا﴾ يقال: نَقَمتُ على الرجل أَنْقِمُ ونَقِمْتُ عليه أَنْقَمُ، والأجود فتح الماضي، وهو الأكثر في القراءة، قال الله تعالى: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ﴾ [البروج: ٨].\nومعنى نقَمت: بالغت في كراهة الشيء (٢)، فمعنى (تنقمون) أي: تكرهون وتنكرون.\nوقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٥٩]، فقال كيف ينقم اليهود على المسلمين فسق أكثرهم.\nقال أبو إسحاق: المعنى: هل تكرهون إلا إيماننا وفسقكم، أي إنما كرهتم إيماننا وأنتم تعلمون أنا على حق؛ لأنكم فسقتم بأن أقمتم على دينكم لمحبتكم الرئاسة وكسبكم بها الأموال (٣).\nوهذا معنى قول الحسن: لفسقكم نقمتم علينا ذلك (٤).\nقال صاحب النظم (٥): فعلى هذا يجب أن يكون موضع \"أنّ\" في قوله: (وأن أكثركم) نصبًا بإضمار اللام، على تأويل: ولأن أكثركم\n_________\n(١) أخرجه الطبري ٦/ ٢٩٢ بنحوه، وعزاه السيوطي أيضًا إلى ابن إسحاق وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبي الشيخ كما في \"الدر المنثور\" ٢/ ٥٢٢. وذكره المؤلف في \"أسباب النزول\" ص ٢٠٣.\n(٢) هذا الكلام من أوله للزجاج في: \"معاني القرآن\" ٢/ ١٨٦، ونقله الأزهري في \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٦٥٤ (نقم).\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١٨٦، ١٨٧، وانظر: \"تفسير البغوي\" ٣/ ٧٥، \"زاد المسير\" ٢/ ٣٨٧.\n(٤) انظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٣٨٧.\n(٥) أبو علي الجرجاني تقدمت ترجمته.","vol":"7","page":443},{"text":"فاسقون، أي: تنقمون منا ذلك لأن أكثركم فاسقون. والواو زائدة (١) كما زيدت في غيرها من المواضع (٢).\nوقال غيره: إنما نقموا على المسلمين فسقهم؛ لأنهم لم يتابعوهم عليه.\nوقال بعضهم: لما ذكر ما نقم اليهود عليهم من الإيمان بجميع الرسل، وليس هو مما يُنقم، ذكر في مقابلته فسقهم وهو مما يُنقم، ومثل هذا حسن في الازدواج، يقول القائل: هل تنقم مني إلا أني عفيف وأنك فاجر، وإلا أني غني وأنت فقير، فحسن ذلك لإتمام المعنى بالمقابلة.\nومعنى: ﴿وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ﴾ أي خارجون عن أمر الله طلبًا للرئاسة وحسدًا على منزلة النبوة (٣).\nوالمراد بالأكثر: من لم يؤمن منهم؛ لأن قليلًا من أهل الكتاب آمن.\nوذكر أبو علي الجرجاني قولًا آخر في قوله: ﴿وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ﴾ قال: تجعله منظومًا بقوله: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ على تأويل: آمنا بالله وبأن أكثركم فاسقون، فيكون موضع (أن) خفضًا بالياء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-911>٦٠ </span>- قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً﴾، هذا جواب لليهود حين قالوا: ما نعرف دينًا شرًا من دينكم. كما حكينا (٤)، يقول الله تعالى لنبيه قل لليهود: هل أخبركم بشر مما نقمتم من إيماننا ثوابًا، أي:\n_________\n(١) في (ج): (والوا زائدة).\n(٢) تقدم أن بعض المحققين كالحافظ ابن كثير ﵀ نبهوا على خطأ مثل هذا التعبير، فلا ينبغي أن يقال: إن في القرآن زائدًا.\n(٣) انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١٨٧.\n(٤) في سبب نزول الآية السابقة.","vol":"7","page":444},{"text":"جزاءً (١)، وقيل: شر من الذين طعنتم عليهم من المسلمين (٢)، و(مثوبةً) نصب على التمييز (٣)، ووزنها: مفعولة، كقولك: مَقُولة، ومَجُورة (٤)، وهي بمعنى المصدر، وقد جاءت مصادر على مفعول، كالمعقول والميسور. وقيل: هي مَفْعُلة مثل: مَكْرُمة.\nمضى الكلام في المثوبة في غير هذا الموضع (٥)، وقوله تعالى: ﴿مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ﴾، (من) يجوز أن يكون في موضع خفض بدلًا من (شر) والمعنى: أنبئكم بمن لعنه الله.\nويجوز أن يكون رفعًا بالاستئناف. قاله الفراء (٦)، وقال الزجاج: من رفع رفع بإضمار \"هو\" كأن قائلًا قال: من ذلك؟ فقيل: هو من لعنة الله، كما قال ﷿: ﴿قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ النَّارُ﴾ [الحج: ٧٢] كأنه قال: هو النار (٧).\nوقال الفراء: لو نصبت (من) بوقوع الإنباء عليه، كما تقول: أنبأتك خبرًا، وأنبأتك زيدًا قائمًا، جاز، والوجه الخفض (٨).\nوقوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ﴾، قال المفسرون: يعني بـ\n_________\n(١) انظر:\"تفسير البغوي\" ٣/ ٧٥.\n(٢) انظر: \"بحر العلوم\" ١/ ٤٤٦.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١٨٧، وانظر: \"تفسير البغوي\" ٣/ ٧٥.\n(٤) انظر: \"تفسير الطبري\" ٦/ ٢٩٢، \"إعراب القرآن للنحاس\" ١/ ٥٠٧.\n(٥) يحتمل عند قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ﴾ (١٠٣) سورة البقرة.\n(٦) \"معاني القرآن\" ١/ ٣١٤، انظر: \"معاني الزجاج\" ٢/ ١٨٧.\n(٧) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١٨٧.\n(٨) \"معاني القرآن\" ١/ ٣١٤.","vol":"7","page":445},{"text":"(القردة) أصحاب السبت وبـ (الخنازير) كفار مائدة عيسى (١)، وروى الوالبي عن ابن عباس أن المسخين من أصحاب السبت؛ لأن شبابهم مسخوا قردة ومشايخهم مسخوا خنازير (٢)، وقوله تعالى: ﴿وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾، قال الفراء: تأويله وجعل منهم القردة ومَن عبد الطاغوت (٣)، فعلى هذا الموصول محذوف، وذلك لا يجوز عند البصريين، وقال الزجاج: (عَبَدَ) نسق على (لعنه الله)، المعنى: من لعنه الله وعبد الطاغوت (٤).\nقال ابن الأنباري: وتأخره بعد القردة والخنازير لا يُزيله عن معناه المعروف له، والعرب تقول: قد جعل منكم زيدٌ من بني (٥) الدور، واتخذ الأموال والعقار، وعَلِمَ فنون العلم، فيردون \"علم\" على الفعل الملاصق لِمَنْ وإن تطاول الكلام.\nوقال أبو علي: قوله (عبد الطاغوت) عطف على مثال الماضي الذي في الصلة وهو قوله: (لعنه الله وغضب عليه)، وأفرد الضمير في (عَبَدَ) وإن كان المعنى على الكثرة؛ لأن الكلام محمول على لفظ (مَنْ) دون معناه (٦)، قال ابن عباس في قوله: (وعبد الطاغوت): \"يريد كفرهم بالله، وطاعنهم للشيطان، وهو الطاغوت\" (٧)، قال الزجاج: تأويل (عبد الطاغوت) أطاعة\n_________\n(١) انظر: \"تفسير البغوي\" ٣/ ٧٥، \"زاد المسير\" ٢/ ٣٨٧.\n(٢) \"تفسير البغوي\" ٣/ ٧٥، انظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٣٨٧.\n(٣) \"معاني القرآن\" ١/ ٣١٤.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١٨٩.\n(٥) في (ج)، (ش): (بنا).\n(٦) الحجة ٣/ ٢٣٨.\n(٧) انظر: \"تفسير البغوي\" ٣/ ٧٥.","vol":"7","page":446},{"text":"فيما سول له وأغواه (به) (١). فلما أطاعوه طاعة المعبود جُعِلَ ذلك عبادة (٢)، وقرأ حمزة (وعَبُدَ) بضم الباء (الطاغوتِ) بالكسر (٣).\nقال الفراء: وكان أصحاب عبد الله يقرأون: (وعَبُدَ الطاغوتِ) على (فَعَل) ويضيفونها إلي الطاغوت، ويفسرونها: خدم الطاغوت (٤).\nقال الزجاج: وهذه القراءة ليس بالوجه، لأن (عَبُدَ) على: فَعُلَ، وليس هذا من أمثلة الجمع (٥)، وقال أبو بكر: عَبُدَ معناه عَبْدٌ، فضمت الباء للمبالغة، كقولهم للفَطِن فَطُنٌ، وللحَذِر: حَذُرٌ. يضمون العين للمبالغة.\nقال أوس بن حُجْر:\nأبني لُبَينَى إنَّ أُمَّكُمُ ... أَمةٌ وإن أباكُمُ عَبُدُ (٦)\nأراد عبدًا فضم الباء (٧)، قال الفراء: وذلك إنما يجوز في ضرورة الشعر، فأما في القراءة فلا (٨).\nوقال نُصيَر الرازي (٩): عَبُدَ وهم ممن قرأه، ولسنا نعرف ذلك في العربية (١٠)، قال أبو إسحاق: ووجه قراءة حمزة: أن الاسم على: فَعُلَ،\n_________\n(١) ليس في (ش).\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١٨٧.\n(٣) الحجة ٣/ ٢٣٦، انظر: \"معاني الزجاج\" ٢/ ١٨٧.\n(٤) \"معاني القرآن\" ١/ ٣١٤.\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١٨٧، ١٨٨.\n(٦) البيت في: \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٣١٥، و\"تفسير الطبري\" ٦/ ٢٩٤، \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٣٠٢ (عبد)، \"اللسان\" ٥/ ٢٧٧٨ (عبد).\n(٧) \"الزاهر\" لأبي بكر بن الأنباري ١/ ٣٧٤، انظر: \"معاني الزجاج\" ٢/ ١٨٨.\n(٨) \"معاني القرآن\" ١/ ٣١٥.\n(٩) لم أقف على ترجمة له.\n(١٠) من \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٣٠٢ (عبد).","vol":"7","page":447},{"text":"كما تقول: رجل حَذُر، وتأويله أنه مبالغ في الحذر، فتأويل: (عَبُدَ) أن بلغ الغاية في طاعة الشيطان، وكأن اللفظ لفظ واحد يدل على الجميع، كما تقول للقوم: منكم عَبُدُ العصا، تريد عَبِيدُ العصا (١).\nوتتبع أبو علي هذا القول فشرحه وزاده بيانًا فقال: حجة حمزة أنه يحمله على ما عمل فيه جعل، كأنه: وجعل منهم عَبُدَ الطاغوت، وليس عَبُدَ لفظ جمع؛ لأنه ليس في أبنية المجموع شيء على هذا البناء، ولكنه واحد يراد به الكثرة، ألا ترى أن في الأسماء المفردة المضافة إلى المعارف ما لفظه لفظ الإفراد، ومعناه الجمع، كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ﴾ [النحل: ١٨] كذلك قوله: (وعبُدَ الطاغوت) جاء على: فَعُلَ، لأن هذا البناء يراد به المبالغة نحو: يَقُظ ونَدُس، فكأن تأويله أنه قد ذهب في عبادة الطاغوت والتذلل له كل مذهب، وجاء هذا البناء في (عبُدَ) لأنه في الأصل صفة وإن كان قد استعمل استعمال الأسماء، وذلك لا يزيل عنه كونه صفة، كالأبرق والأبطح، فإنهما استعملا استعمال الأسماء حتى جمعا جمعها وهو: الأبارق والأباطح، كالأجادل في جمع الأجدل، ونحوه، ثم لم يُزِل عنه ذلك حكم الصفة، يدلك على ذلك تركهم لصرفه كتركهم صرف \"أحمر\"، إذ لم يخرج \"العبد\" عن أن يكون صفة لم يمتنع أن يُبنى بناء الصفات على: فَعُل، نحو: لَفُظ (٢) (٣).\nوقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ﴾، أي: أهل هذه الصفة (٤).\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١٨٨.\n(٢) هكذا في (ج) و(ش)، وفي الحجة: \"يقظ\".\n(٣) الحجة ٣/ ٢٣٦ - ٢٣٨ بتصرف.\n(٤) انظر: \"تفسير الطبري\" ٦/ ٢٩٠، \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١٨٩.","vol":"7","page":448},{"text":"﴿شَرٌّ مَكَانًا﴾ من المؤمنين (١). قال ابن عباس: \"لأن مكانهم سقر\" (٢). ولا شر في مكان المؤمنين حتى يقال: اليهود شر مكانًا منهم، ولكن هذا على الإنصاف في الخطاب، والمظاهرة في الحجاج، كأنه مبني على كلام الخصم، وكذلك قوله: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً﴾ لأنهم قالوا: لا نعرف أهل دين شرًا منكم، فقيل لهم: شر منهم من كان بهذه الصفة، ومن كان بهذه الصفة فهو شر مكانًا ممن جعلتموهم شرًّا، ووصفتموهم به (٣).\nوقوله تعالى: ﴿وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: ٦٠] قال الزجاج: أي: عن قصد السبيل (٤). وقال ابن عباس: \"يعني دين الحنيفية\" (٥). قال المفسرون: فلما نزلت هذه الآية عير المسلمون أهل الكتاب وقالوا: يا إخوان القردة والخنازير، فنكسوا رؤوسهم وافتضحوا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-912>٦١ </span>- قوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا﴾ الآية، قال الكلبي: \"يعني اليهود، يقولون: صدقنا أنك رسول الله إذا دخلوا عليه، وهم يسرون الكفر\" (٦).\nوقال ابن زيد: هؤلاء هم الذين قالوا: ﴿آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ﴾ [آل عمران: ٧٢]، (٧)، ومعنى: ﴿وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ﴾\n_________\n(١) انظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٣٩٠.\n(٢) انظر: \"تفسير الوسيط\" ٢/ ٢٠٥.\n(٣) انظر: \"تفسير الوسيط\" ٢/ ٢٠٥، \"زاد المسير\" ٢/ ٣٩٠.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١٨٩.\n(٥) لم أقف عليه.\n(٦) ذكره في \"تفسير الوسيط\" ٢/ ٢٠٥، وانظر: \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ١١٨.\n(٧) انظر: \"تفسير البغوي\" ٣/ ٧٥.","vol":"7","page":449},{"text":"و﴿خَرَجُوا بِهِ﴾ أي: دخلوا وخرجوا كافرين، والكفر معهم في كلتي حاليهم (١)، وهذا كما تقول: خرج زيد بثيابه، أي: وثيابه عليه، وركب البعير بسيفه، أي: وسيفه معه، وكما أنشده الأصمعي:\nومُستنةٍ كاستِنَانِ الخروف ... قد قَطَعَ الحبلَ بالمِرْوَدِ (٢)\nأي: قد قطع الحبل ومروده فيه، وعلى هذا يتوجه قراءة من قرأ: ﴿تُنْبِتُ (٣) بِالدُّهْنِ﴾ [المؤمنون: ٢٠] أي تنبت ما تنبته والدهن فيه. وهذا معنى قول ابن عباس في هذه الآية (٤)، والجار في موضع نصب على الحال في هذا التقدير، أي يدخلون ويخرجون والكفر في قلوبهم (٥)، ومعنى قد في قلوبهم: ﴿وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ﴾ تقريب الماضي من الحال، يريد أنهم دخلوا كافرين وخرجوا كافرين (٦)، وقوله تعالى: ﴿وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ﴾ أكد الكلام بالضمير تعيينًا إياهم بالكفر، وتمييزًا لهم عن غيرهم بهذه الصفة.\nوقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ﴾ [المائدة: ٦١]، أي: من نفاقهم إذا أظهروا (٧) بألسنتهم خلاف ما أضمروا في قلوبهم، فبين\n_________\n(١) انظر: \"تفسير الوسيط\" ٢/ ٢٠٥، \"تفسير البغوي\" ٣/ ٧٥، \"زاد المسير\" ٢/ ٣٩١.\n(٢) البيت لرجل من بني الحارِث، وهو في الكامل للمبرد ٢/ ١٣٥، و\"المحتسب\" ٢/ ٨٨، و\"اللسان\" ٢/ ١١٤٠ (خرف) وفيه: \"وقوله: مستنة يعني طعنة فاردمها باستنان. والاستنان والسن: المر على وجهه، يريد أن دمها مر على وجهه كما يمي المُهرُ الأرِن\". والمرود: \"حديدة توتد في الأرض يشد بها حبل الدابة، كما في حاشية الكامل.\n(٣) بضم التاء (تُنْبِتُ) قراءة ابن كثير وأبي عمرو، انظر: \"حجة القراءات\" ص ٤٨٤.\n(٤) لم أقف عليه.\n(٥) انظر: \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ٥٠٨.\n(٦) انظر: \"معاني القرآن الكريم\" للنحاس ٢/ ٣٣٣، \"بحر العلوم\" ١/ ٤٤٧.\n(٧) في (ج): (أظهروه).","vol":"7","page":450},{"text":"أمرهم (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-913>٦٢ </span>- قوله تعالى: ﴿وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾، قال الكلبي: لم يكن كلهم يفعل ذلك، كان بعضهم يسارع في ذلك، وبعضهم يستحي فيكف (٢)، ومعنى: ﴿يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ﴾ يبادرون إليه كالمبادرة إلى الحق، قال أهل المعاني: أكثر ما تستعمل المسارعة في الخير، كقوله تعالى: ﴿يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ [الأنبياء: ٩٠]، وقوله: ﴿نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ [المؤمنون: ٥٦]، وفائدة لفظ المسارعة ههنا وإن كان لفظ العجلة أدل على الذم أنهم يعملونه (٣) كأنهم محقون فيه، وقال ابن عباس في تفسيره: يجترفون على الخطأ (٤)، وجمع بين الإثم والعدوان؛ لأن الإثم الجرم كائنًا ما كان، والعدوان الظلم والتعدي على الناس بما لا يحل (٥)، وذكرنا معنى أكل السحت (٦).\n<span data-type=\"title\" id=toc-914>٦٣ </span>- قوله تعالى: ﴿لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ﴾، معنى لولا ههنا التحضيض والتوبيخ، وهو بمعنى: هلا (٧)، ومضى الكلام في الربانيين عند قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾ [آل عمران: ٧٩]، والكلام في الأحبار قد ذكرناه (٨) في قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ﴾ [التوبة:\n_________\n(١) انظر: \"تفسير الطبري\" ٦/ ٢٩٦.\n(٢) لم أقف عليه.\n(٣) في (ج): (يعلمونه).\n(٤) نسبه محقق \"تفسير الوسيط\" ٢/ ٢٠٥ إلى تفسير ابن عباس ص ٩٧.\n(٥) انظر: \"تفسير البغوي\" ٣/ ٧٦، \"زاد المسير\" ٢/ ٣٩١.\n(٦) عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ (٤٢) من هذه السورة.\n(٧) انظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٣٩١.\n(٨) في (ج): (ذكرنا) دون هاء الضمير.","vol":"7","page":451},{"text":"٣١] (١)، قال الحسن: الربانيون: علماء أهل الإنجيل، والأحبار: علماء أهل التوراة (٢)، وقال غيره: كله في اليهود؛ لأنه متصل بذكرهم (٣).\nوقوله تعالى: ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾، قال العلماء وأصحاب المعاني: أنزل الله العلماء بترك النكير على سفلتهم فيما صنعوا منزلتهم، لأنه ذم أولئك بقوله: ﴿ولبئس ما كانوا يعملون﴾ وذم هؤلاء بمثل تلك اللفظة، فالآية تدل على أن تارك النهي عن المنكر بمنزلة مرتكبه (٤)، والفرق بين الصنع والعمل من حيث اللغة أن الصنع بالجودة، يقال: سيف صنيع، إذا جود عمله، وصنع الله لفلان: أي أحسن، وفلان صنعة فلان، إذا استخلصه وأحسن إليه (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-915>٦٤ </span>- قوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾، قال ابن عباس في رواية عطاء: \"يريد الإمساك عن الرزق\" (٦)، وقال في رواية الوالبي: \"ليسوا يعنون بذلك أن يده موثقة، ولكن يقولون: إنه بخيل أمسك ما عنده\" (٧).\n_________\n(١) قد يكون هذا سبقًا أو وهمًا، لأن هذه الآية متأخرة ولأن المؤلف ﵀ تكلم عن الأحبار بالتفصيل عند قوله تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ﴾ الآية ٤٤ من هذه السورة.\n(٢) انظر: \"تفسير البغوي\" ٣/ ٧٦.\n(٣) انظر: \"تفسير الوسيط\" ٢/ ٢٠٥.\n(٤) قال الطبري ﵀: \"وكان العلماء يقولون: ما في القرآن آية أشد توبيخًا للعلماء من هذه الآية، ولا أخوف عليهم منها\" ثم ساق ما يؤيد ذلك بسنده عن ابن عباس والضحاك، \"تفسير الطبري\" ٦/ ٢٩٨، وانظر: \"بحر العلوم\" ١/ ٤٤٧، \"الدر المنثور\" ٢/ ٥٢٤.\n(٥) \"تهذيب اللغة\" ٢/ ٢٠٦٦ (صنع).\n(٦) \"زاد المسير\" ٢/ ٣٩٢، \"الدر المنثور\" ٢/ ٥٢٥.\n(٧) أخرجه الطبري ٦/ ٣٠٠١، وعزاه في \"الدهر المنثور\" ٢/ ٥٢٥ أيضًا إلى ابن أبي حاتم.","vol":"7","page":452},{"text":"قال المفسرون: إن الله كان قد بسط على اليهود حتى كانوا من أكثر الناس مالًا وأخصبهم ناحية، فلما عصوا الله في محمد وكذبوا به، كف الله عنهم ما بسط عليهم من النعمة، فعند ذلك قالت اليهود: يد الله مغلولة، أي مقوضة عن العطاء على جهة الصفة بالبخل، وهذا قول الضحاك وعكرمة وقتادة والكلبي (١) واختيار الفراء والزجاج وابن الأنباري.\nقال الفراء: أرادوا ممسكة عن الإنفاق، والإسباغ علينا (٢).\nوقال الزجاج: أخبر الله ﷿ بعظيم فريتهم فقال: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ أي: يده ممسكة عن الإسباغ علينا، كما قال الله جل وعز: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ﴾ [الإسراء: ٢٩]، تأويله: لا تمسكها عن الإنفاق (٣).\nوقوله تعالى: ﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ﴾، أي جعلوا بخلاء وألزموا البخل، فهم أبخل قوم، فلا يُلقى يهودي أبدًا غير لئيم راضع بخيل. وهذا قول الزجاج (٤) وابن الأنباري، قال أبو بكر: وهذا خبر أخبر الله تعالى به ودل على أن هذين الأمرين وهما الغل واللعن قد نزلا بهم، والتقدير: فغلت أيديهم، أو وغلت أيديهم، فأضمر حرف العطف لأن كلامهم تم، وكان هذا كلامًا مستأنفًا يشبه أول الفصول، والعرب تحذف حروف العطف من رؤوس الآيات ومواضع الفصول نحو قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا﴾ [البقرة: ٦٧] أرادت فقالوا، فأضمر\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" ٦/ ٣٠٠، \"بحر العلوم\" ١/ ٤٤٧، \"النكت والعيون\" ٢/ ٥١، \"تفسير البغوي\" ٣/ ٧٦، \"زاد المسير\" ٢/ ٣٩١، \"الدر المنثور\" ٢/ ٥٢٥.\n(٢) \"معاني القرآن\" ١/ ٣١٥.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١٨٩.\n(٤) انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١٩٠.","vol":"7","page":453},{"text":"الفاء، وقد ذكرنا مثل هذا فيما تقدم.\nوقال الحسن: \"غلت أيديهم في نار جهنم على الحقيقة\" (١) أي شدت إلى أعناقهم، وتأويله أنهم جوزوا على هذا القول بأن غلت أيديهم في جهنم، قال أبو بكر: ويجوز أن يكون قوله: (غلت أيديهم) دعاءً عليهم، معناه من الله تعالى التعليم لنا، فكأنه عز (٢) ذكره وقفنا على الدعاء عليهم، كما علمنا الاستثناء في غير هذا الموضع حين قال: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [الفتح: ٢٧] فجرى الدعاء من الله مجرى الاستثناء منه، وكلاهما توقيف وتأديب، كما علمنا الدعاء على أبي لهب بقوله: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ [المسد: ١]، وقد علا وعز أن يكون فوقه مدعو.\nوقوله تعالى: ﴿وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا﴾، قال الحسن: عذبوا في الدنيا بالجزية وفي الآخرة بالنار (٣).\nوقوله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾، حكى الزجاج عن بعض أهل اللغة أن هذا جواب لليهود، أجيبوا على قدر كلامهم فقيل: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾. أي هو جواد ينفق كيف يشاء. انتهى كلامه (٤)، وفي هذا يحتاج إلى شرح وإيضاح، اعلم أن اليد تذكر في اللغة على خمسة أوجه: الجارحة، والنعمة، والقوة، والمِلك، وتحقيق إضافة الفعل (٥)، تقول:\n_________\n(١) \"النكت والعيون\" ٢/ ٥١، \"تفسير الوسيط\" ٢/ ٢٠٦، وانظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٣٩٢، وتفسير الحسن البصري ١/ ٣٣٣.\n(٢) في (ج): (عن).\n(٣) انظر: \"النكت والعيون\" ٢/ ٥١، \"تفسير الوسيط\" ٢/ ٢٠٦، \"زاد التفسير\" ٢/ ٣٩٣.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١٩٠.\n(٥) انظر: تهذيب اللغة ٤/ ٣٩٧٥ (يدي).","vol":"7","page":454},{"text":"لفلان عندي يد أشكره عليها، أي نعمة، قال عدي بن زيد (١):\nولن أذكُرَ النعمان إلا بصالحٍ ... فإن لهُ عِندي يَدِيًّا وأنعُما (٢)\nجمع يدًا على: يديٍّ، كالكلِيْبِ والعبيد. فقوله: (يَدِيًّا وأنعُمًا) اليدي هي الأنعم في المعنى، وحسن التكرير لاختلاف اللفظين، كقوله:\nأقوى وأفْقَرَ بعدَ أُمِّ الهَيْثَمِ (٣)\nويستعمل اليد للقوة (٤) وتُعنَى بها، قال الله تعالى: ﴿أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ﴾ [ص: ٤٥] فسروه: ذوي القوى والعقول (٥)، وعلى هذا ما أنشده الأصمعي للغنوي:\nاعمِد لما تعلُو فما لَكَ بالذي ... لا تستطيعُ من الأمورِ يَدَانِ (٦)\nيريد ليس لك به قوة، ألا ترى أنه لا مذهب للجارحة ولا للنعمة هنا، وعلى هذا ما ذكره سيبويه من قولهم: (لا يدينِ بها لك)، ومعنى هذه التثنية: المبالغة في نفي الاقتدار والقوة على الشيء، وليس المراد بالتثنية الاثنين الناقص عن الثلاثة، إنما هو الكثرة، ويستعمل بمعنى الملك،\n_________\n(١) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: أبو زيد، فإن البيت في النوادر لأبي زيد ص ٥٣ منسوبًا لضمرة النهشلي كما سيأتي في عزوه.\n(٢) البيت في \"النوادر في اللغة\" لأبي زيد ص ٥٣ نسبه لضمرة بن ضمرة النهشلي. وأفاد منه في \"المسائل الحلبيات\" ص ٣٠، و\"سر صناعة الإعراب\" ١/ ٢٤٠، و\"اللسان\" ٣/ ١٨٧٤ (زنم).\n(٣) لم أقف على قائله.\n(٤) انظر: \"المسائل الحلبيات\" ص ٢٧ - ٩٧.\n(٥) \"النكت والعيون\" ٢/ ٥١.\n(٦) البيت في \"الأضداد\" للأصمعي (ثلاثة كتب في \"الأضداد\" ص٧)، و\"المسائل الحلبيات\" ص ٢٨.","vol":"7","page":455},{"text":"يقال: هذه الضيعة في يد فلان، أي في ملكه (١)، قال الله تعالى: ﴿الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، ويستعمل بمعنى التولي للشيء وتحقيق إضافة الفعل، كقوله تعالى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥] أي لما توليت خلقه (٢) تخصيصًا لآدم وتشريفًا بهذا، وإن كان جميع المخلوقات هو خالقها لا غير، ويقال: يدي لك رهن بالوفاء، إذا ضمنت له شيئًا (٣)، وكأن معنى هذا اجتهادي وطاقتي، ويستعمل أيضًا حيث يراد النصرة، وذلك فيما روي عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"وهم يد على من سواهم\" (٤) أي نصرتهم واحدة وكلمتهم مجتمعة على من شق عصاهم (٥).\nوكذلك قوله ﵇: \"أنا وبنو (٦) المطلب يدٌ واحدةٌ، لم نفترق في جاهلية ولا إسلام\" (٧) كأنه أهل نصرة واحدة وكلمة واحدة، وقال أحمد بن يحيى: اليد الجماعة، ومنه الحديث: \"وهم يد عَلَى مَنْ سواهم\" (٨)، وتستعمل اليد\n_________\n(١) انظر: \"المسائل الحلبيات\" ص ٢٩.\n(٢) هنا تعسف ظاهر، والتثنية لليدين تدل على إثبات صفة اليد لله ﷿، بل تؤكد ذلك!.\n(٣) انظر: \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٩٧٥ (يدي).\n(٤) أخرجه من حديث علي بن أبي طالب - ﵁ - الإمام أحمد في مسنده ١/ ١٢٢، وأبو داود (٤٥٣٠) كتاب: الديات، باب: أيقاد المسلم بالكافر؟.\nوأخرجه ابن ماجه (٢٦٨٣) كتاب: الديات، باب: المسلمون تتكافأ دماؤهم من حديث ابن عباس ومعقل بن يسار - ﵁ -.\n(٥) انظر: \"المسائل الحلبيات\" ص ٣٠، \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٩٧٧ (يدي).\n(٦) في (ج): (بني).\n(٧) أخرجه بنحوه الإِمام أحمد في مسنده ٤/ ٨١ من حديث جبير بن مطعم، والنسائي ٧/ ١٣٠ - ١٣١ كتاب قسم الفيء.\n(٨) تقدم تخريجه قريبًا.","vol":"7","page":456},{"text":"للشىء الذي لا يد له تشبيهًا بمن له اليد، قال ابن الأعرابي: يد الدهر: الدهر كله، يقال: لا آتيه يد الدهر، ولد المسند، وكقول ذي الرمة:\nأَلاَ طَرَقَت ميٌّ هَيُومًا بِذكرِها ... وأيدي الثُّريا جُنَّحٌ في المَغَاربِ (١)\nفقوله: \"أيدي الثُّريا\" استعارة واتساع، وذلك أن اليد إذا مالتَ نحو الشيء ودنت إليه، دلل على قربها منه، ودَنوِّها نحوه، وإنما أراد قرب الثريا من المغرب لأفولها، فجعل له يدِيًّا جُنَّحًا نحوها، وأصل هذه الاستعارة لثعلبة بن صُعَير (٢) في قوله:\nألقت ذُكَاءُ يمِينَهَا في كافِرِ (٣)\nفجعل للشمس يدًا في المغيب لما أراد أن يصفها بالغروب. ثم للبيد في قوله: حتى إذا ألقت يدًا في كافر.\nيعني الشمس بدأت في المغيب، واعلم أن يدًا وزنها: (فَعْلٌ)، يدل على ذلك قولهم: أَيْدٍ، وجمعهم على أفعُل يدل على أنه: (فَعْلٌ)، لأنه أفْعُلًا جمع فَعْل المختص (٤) به كأَفلُس وأكلُب، كما دل آباء وآخاء على وزن: أخِ وأبِ فَعَلٌ لجمعهم لهما على: أفعال، نحو: أجبال وأجمال، وأفعال جمع فَعَل في الأمر الشائع وإن كان قد جاء نادرًا في جمع فَعْل، نحو: زيد وأزياد، وأنف وآناف، والدال التي هي عين الفعل في يد وإن\n_________\n(١) \"ديوانه\" ص ٥٥.\n(٢) ثعلبة بن صُعَير بن خزاعي المازني المري، شاعر جاهلي من شعراء المفضليات، \"الأعلام\" ٢/ ٩٩.\n(٣) لم أقف عليه.\n(٤) في (ج): (المختصر).","vol":"7","page":457},{"text":"كانت متحركة بالكسر فأصلها الضم، كما أنها في أكلب وأكعُب (١) كذلك (.......) (٢) حركت بالضم لانقلبت الياء التي هي لام الفعل واوًا لانضمام ما قبلها، فأبدل من الضمة كسرة، فقالوا: حقوٍ وأحقِ، وظبي وأضبٍ، وجِرْوِ وأجر، والياء التي هي لام تحذف لالتقاء الساكنين هي والتنوين، واللام من يَديًا، يدل على ذلك قولهم: يديت إليه يدًا وأيديت. قال بعض بني أسد:\nيديت على حُسحَاس بن وَهْبِ (٣)\nفيد في الأصل يَدْيٌ (٤)، والفاء واللام من جنس واحد، وهو من باب سلس وقلق، قال أبو علي: ولا نعلم لذلك في الكلام نظيرًا. هذا قوله في أصل يدِ (٥)، وقال أبو الهيثم: أصله يدًا مثل قفًا ورحًا، ثم ثَنَّوا على الأصل فقالوا: يديان، وأنشد:\nيديان بيضاوان عند مُحُلَّم ... قد تمنعانك بينهم أن تهضما (٦)\nوقال آخر في الواحد:\nيا رُبَّ سارٍ سار ما توَسَّدَا ... إلا ذرع العنس أو كف اليدا (٧)\nهذا هو الكلام في أصل هذا الحرف ومعانيه في اللغة على حد الاختصار، وقد تستعمل اليد وتستعار في مواضع كثيرة يطول بذكرها\n_________\n(١) في (ج): (ألعب).\n(٢) بياض في (ج)، (ش).\n(٣) لم أقف عليه.\n(٤) انظر: \"الممتع في التصريف\" ٢/ ٦٢٤.\n(٥) لم أقف على كلام أبي علي، وانظر: \"الممتع في التصريف\" ١/ ٦٠، ٤٠٩، ٢/ ٥٦٢، ٦٢٤.\n(٦) لم أقف عليه.\n(٧) لم أقف عليه.","vol":"7","page":458},{"text":"الكلام، ولما كان الجواد يفرق المال وينفقه بيده، والبخيل يمسك اليد عن الانفاق أسندوا الجود والبخل إلى اليد والبنان والكف والأنامل، فقيل للجواد: فيَّاض الكف، مبسوط اليد، سبي البنان، ثرة الأنامل، في ألفاظ كثير معروفة في أشعارهم. ويقال في ضد ذلك للبخيل: كزّ الأصابع، مقبوض الكف، جعد الأنامل في أشباه لهذا كثيرة.\nواليهود لعنهم الله وصفوا الله تعالى بالبخل فقالوا: يد الله مغلولة. على ما بينا في تفسيره في أول الآية، فأجيبوا (١) على قدر كلامهم، ورد عليهم بضد ذلك فقيل: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ أي ليس الأمر على ما وصفتموه به من البخل، بل هو جواد، فليس لذكر اليد في الآية على هذا المعنى معنًى إلا إفادة معنى الجود والبخل (٢)، ومعنى التثنية في قوله: ﴿بَلْ\n_________\n(١) سقطت بعض أحرف هذه الكلمة في (ج).\n(٢) المؤلف عفا الله عنه أول اليد هنا بالجود، والذي عليه المحققون من أهل السنة والجماعة إثبات صفة اليد لله ﷿ حسبما دلت عليه هذه الآية وغيرها على ما يليق بجلال الله وعظمته، قال الطبري ﵀ في تفسيره: \"ففي قول الله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ مع إعلامه عباده أن نعمه لا تحصى، مع ما وصفنا من أنه غير معقول في كلام العرب أن اثنين يؤديان عن الجميع ما ينبىء عن خطأ قول من قال: معنى اليد في هذا الموضع النعمة وصحة قول من قال: إن \"يد الله\" هي له صفة ... وبذلك تظاهرت الأخبار عن رسول الله وقال به العلماء وأهل التأويل \"تفسير الطبري\" ٦/ ٣٠٢، وقال البغوي في \"تفسيره\" ٣/ ٧٦، ٧٧: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ ويد الله صفة من صفاته كالسمع والبصر والوجه، وقال جل ذكره: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥]، وقال النبي - ﷺ -: \"كلتا يديه يمين\" والله أعلم بصفاته فعلى العباد فيها الإيمان والتسليم\".\nوسيأتي في سياق المؤلف كلام أبي عبيد والزجاج وأبي بكر بن الأنباري في إثبات صفة اليد والرد على من أولها، وإن كان المؤلف لم يأبه بتقريرهم، وتعلق بما عليه الأشاعرة من التعسّف في التأويل.","vol":"7","page":459},{"text":"يَدَاهُ مَبسُوطَتَانِ﴾ المبالغة في الجود والإنعام، وهذا طريق في معنى الآية صحيح.\nوذهب بعض أهل اللغة أن معنى اليد في هذه الآية النعمة (١) قال في قوله: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ معناه: نعمة الله مقبوضة، وأنكر أبو عبيد والزجاج وابن الأنباري هذا القول، فقال أبو عبيد: من قال هذا فقد زعم أنه ليس لله على العباد إلا نعمتان، لأنه يلزمه أن يقول في قوله: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ أي: نعمتاه.\nوقال الزجاج: هذا القول خطأ، ينقضه ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾، فيكون المعنى: نعمتاه مبسوطتان، ونعم الله أكثر من أن تحصى.\nوقال أبو بكر: هذا القول محال في هذه الآية، لأن نعم الله تعالى لا يحاط بعددها، وآلاؤه تفوق الإحصاء، فكيف يقول: نعمتاه مبسوطتان، فيوقع التثنية في الشيء الذي يُقَصِّر كل جمع عنه. الدليل على ما نَصِف قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [ابراهيم: ٣٤، النحل: ١٨] (٢). انتهت الحكاية عنهم.\nفهؤلاء الأئمة أنكروا هذا القول، وهو صحيح، وإن أنكروا وذهب عليهم وجه صحته.\nقال أبو علي فيما أصلح علي أبي إسحاق: قد دل كلام أبي إسحاق في تفسير قوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ على أن المراد به الإمساك، لأنه شبه ذلك بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ﴾\n_________\n(١) هذا مذهب الأشاعرة!! وسبق من كلام الأئمة كالطبري، والبغوي ما يبين ضعفه ورده.\n(٢) انظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٣٩٣.","vol":"7","page":460},{"text":"[الإسراء: ٢٩]، وإذا كان ما حكى عن اليهود من هذا المراد به تبخيل الله تعالى عن ذلك فقوله: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ رد لم افتروه وإبطال لما بهتوا فيه ونفي له، يدلك على ذلك عطفه بالحرف الدال على الإضراب عما قبله والإثبات لما بعده، فإذا كان المراد بالأول التبخيل والإمساك وكان هذا الثاني نفيًا للأول، وجب أن يكون المراد به إثبات النعمة التي أنكروها وادعوا أنها مقبوضة عنهم، فإنكاره على من قال: إن معنى ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ نعمته مقبوضة عني (١) هو الإنكار لما اعترف به، وقوله: وهذا القول خطأ ينقضه ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ فيكون المعنى: نعمتاه مبسوطتان، ونعم الله أكثر من أن تحصى، فقوله: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ لا يدل على تقليل النعمة وعلى أن نعمته نعمتان ثنتان ليس غيرهما، ولكنه يدل على الكثرة والمبالغة، وقد جاء التثنية يراد بها الكثرة والمبالغة وتعداد المَثْنَى، لا المعنى الذي يشفع الواحد المفرد، ألا ترى أن قولهم: \"لبّيك\" إنما هو إقامة على طاعتك بعد إقامة، وكذلك: \"سعديك\" إنما هو مساعدة بعد مساعدة، وليس المراد بذلك طاعتين ثنتين، ولا مساعدتين ثنتين (٢)، فكذلك الآية، المعنى فيها أن نعمته متظاهرة متتابعة، ليست كما ادعى من أنها مقبوضة ممتنعة، وهذا الذي ذكرناه في: \"لبيك وسعديك\" وأن المراد به الكثرة قول الخليل وسيبويه ومن وراءهما، فهذا وجه.\nوإن شئت حملت المثنى على أنه تثنية جنس، لا تثنية واحد مفرد، ويكون أحد جنسي النعمة نعمة الدنيا والآخر نعمة الآخرة ونعمة الدين، فلا\n_________\n(١) في النسختين: (عنا).\n(٢) انظر: \"النكت والعيون\" ٢/ ٥١، \"تفسير القرطبي\" ٦/ ٢٣٩.","vol":"7","page":461},{"text":"تكون التثنية على هذا مرادًا بها اثنتين، وقد جاء تثنية اسم الجنس في كلامهم مجيئًا واسعًا (١)، قال الفرزدق:\nوكُلُّ رفيقي كُلِّ رحلٍ وإن هُما ... تعاطَى القَنَا قوماهما أخوَانِ (٢)\nفتأويل الرفيقين في البيت العموم والإشاعة، ألا ترى أنه لا يجوز أن يكون رفيقان اثنان لكل رحل.\nوبعد، فإذا كانوا قد استجازوا تثنية الجمع الذي على بناء الكثرة كقوله:\nلأصْبَحَ القومُ أوتادًا ولم يجِدوا ... عندَ التفرُّق في الهيجَا جمَالينِ\nوكقول أبي النجم:\nبين رماحي مالك ونهشل\nونحو ما حكاه سيبويه من قولهم: \"لقاحان سوداوان\" فأن يجوز تثنية اسم الجنس أجدر، لأنه على لفظ الواحد، فالتثنية فيه أحسن، إذ هو أشبه بألفاظ الأفراد، فإذا بان أن هذه التثنية لا تقتضي قول هذا القائل: نعمة الله مقبوضة ولا تنافيه، ولم ينكر اليد في اللغة بمعنى النعمة صح قوله الذي أنكره أبو إسحاق (٣)، وبأن تحامله عليه (٤)، انتهى كلام أبي علي (٥)،\n_________\n(١) انظر: \"المسائل الحلبيات\" ص ٦٨،\"تفسير القرطبي\" ٦/ ٢٣٩.\n(٢) البيت في \"المسائل الحلبيات\" ص ٦٨ ونسبه المحقق إلى: \"ديوان الفرزدق\" ٢/ ٣٢٩.\n(٣) يعني الزجاج، وقد تقدم إنكاره لتفسير اليد هنا بالنعمه، وأن الزجاج ذهب مذهب أهل السنة وهو منهم في إثبات صفات اليد لله ﷿ على ما وصف به نفسه كما في هذه الآية، ووصفه بها رسوله - ﷺ -.\n(٤) بل إن المؤلف ومن أخذ عنه كأبي علي الفارسي هم المتحاملون على أهل السنة في تفسير هذه الآية الجلية في إثبات صفة اليد لله ﷿ على ما يليق بجلاله وعظمته.\n(٥) لم أقف عليه فيما بين يدي من مؤلفات لأبي علي الفارسي، وكذا ما نسبه لسيبويه والخليل.","vol":"7","page":462},{"text":"وذهب إلى هذا القول من المفسرين محمد بن مقاتل الرازي (١) فقال: أراد: نعمتاه مبسوطتان، نعمته في الدنيا ونعمته في الآخرة.\nوقوله تعالى: ﴿يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾، أي: يرزق كما يريد، إن شاء قتر وإن شاء وسع (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾، قال أبو إسحاق: أي كلما أنزل عليك شيء من القرآن كفروا به فيزيد كفرهم (٣).\nوقوله تعالى: ﴿وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾، أي بين اليهود والنصارى عن الحسن (٤) ومجاهد (٥)، لأنه قد جرى ذكرهم في قوله تعالى: ﴿لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ﴾ [المائدة: ٥١] (٦).\nوقيل: أراد طوائف اليهود (٧)، وهو اختيار الزجاج، قال: جعلهم الله مختلفين في دينهم متباغضين، كما قال جل وعز: ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾ [الحشر: ١٤] وهو أحد الأسباب التي أذهب الله بها جَدَّهم\n_________\n(١) المتوفى سنة ٢٤٢ هـ وهو حنفي فاضل، حدث عن وكيع لكنه غير مشهور، ولم أقف له على تفسير، انظر: \"ميزان الاعتدال\" ٥/ ١٧٢، \"معجم المؤلفين\" ٣/ ٧٣٠.\n(٢) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١/ ٤٩٠، \"تفسير الطبري\" ٦/ ٣٠٠، \"بحر العلوم\" ١/ ٤٤٨.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١٩٠.\n(٤) \"النكت والعيون\" ٢/ ٥٢، انظر: \"تفسير البغوي\" ٣/ ٧٧.\n(٥) أخرجه عن مجاهد \"تفسير الطبري\" ٦/ ٣٠٢، \"تفسير الوسيط\" ٢/ ٢٠٧، \"تفسير البغوي\" ٣/ ٧٧، \"زاد المسير\" ٢/ ٣٩٤.\n(٦) \"تفسير الطبري\" ٦/ ٣٠٢، \"زاد المسير\" ٢/ ٣٩٤.\n(٧) \"النكت والعيون\" ٢/ ٥٢، \"تفسير البغوي\" ٣/ ٧٧.","vol":"7","page":463},{"text":"وشوكتهم (١).\nوقوله تعالى: ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ﴾، أي لحرب محمد - ﷺ - (٢)، وقال ابن عباس: \"يريد كلما أرادوا محاربتك ردهم الله وألزمهم الخوف منك ومن أصحابك\" (٣)، وهو قول الحسن ومجاهد (٤)، واختيار أبي إسحاق، قال: هذا مثل، أي: كلما جمعوا على النبي - ﷺ - والمسلمين، وأعدوا لحربهم، فرق الله جمعهم وأفسد ذات بينهم (٥).\nقال قتادة: هذا عام في كل حرب طلبته اليهود، فلا تلقى اليهود ببلدة إلا وجدتهم من أذل الناس (٦).\nوقوله تعالى: ﴿وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾، قال ابن عباس: \"يريد سفكوا الدماء، واستحلوا المحارم\" (٧).\nوقال الزجاج: أي يجتهدون في دفع الإسلام، ومحو ذكر النبي - ﷺ - من كتبهم (٨).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-916>٦٥ </span>- قوله (٩) تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا﴾، قال ابن\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١٩٠.\n(٢) \"تفسير الطبري\" ٦/ ٣٠٤.\n(٣) \"تفسير الوسيط\" ٢/ ٢٠٧، ونسبه محققه إلى تفسير ابن عباس ص ٩٧، \"زاد المسير\" ٢/ ٣٩٤.\n(٤) انظر: \"تفسير البغوي\" ٣/ ٧٧، \"الدر المنثور\" ٢/ ٥٢٦.\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١٩٠.\n(٦) أخرجه الطبري ٦/ ٣٠٣، \"معاني القرآن\" للنحاس ٢/ ٣٣٦، \"تفسير البغوي\" ٣/ ٧٧.\n(٧) انظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٣٩٤، و\"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ١١٨.\n(٨) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١٩١.\n(٩) في (ش): (وقوله).","vol":"7","page":464},{"text":"عباس: صدقوا محمدًا - ﷺ - واتقوا اليهودية والنصرانية (١).\nوقال عطاء: واتقوا من الله (٢)، ﴿لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾، وقال عطاء: يريد كل ما كانوا صنعوا قبل أن تأتيهم (٣)، ومعنى التكفير: تغطية السيئة بالحسنة حتى تصير بمنزلة مالم يُعْمَل (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-917>٦٦ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾، قال ابن عباس: \"يريد عملوا بما فيهما من التصديق بك، والوفاء لله بما عاهدوا فيهما\" (٥).\nوقال أهل المعاني في معنى ﴿أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ قولين:\nأحدهما: أقاموا أحكامهما وحدودهما، كما يقال: أقام الصلاة، إذا قام بحقوقها، ولا يقال لمن لم يوف شرائطها: أقامها.\nوالثاني أقاموها نصب أعينهم؛ لئلا يزلوا في شيء من حدودها (٦)، والأول الوجه، ﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ﴾، يعني القرآن في قول ابن عباس وغيره (٧).\nوقيل: يعني كتب أنبيائهم (٨)، أي لو عملوا بما في هذه الكتب\n_________\n(١) انظر: \"بحر العلوم\" ١/ ٤٤٨، \"تفسير الوسيط\" ٢/ ٢٠٨، \"تفسير البغوي\" ٣/ ٧٧، \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ١١٩.\n(٢) لم أقف عليه.\n(٣) لم أقف عليه.\n(٤) لأن الكُفْر بمعنى الستر.\n(٥) انظر: \"تفسير الوسيط\" ٢/ ٢٠٨، \"زاد المسير\" ٢/ ٣٩٥، \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ١١٩.\n(٦) انظر: \"النكت والعيون\" ٢/ ٥٢.\n(٧) انظر: معاني القرآن للنحاس ٢/ ٣٣٧، \"بحر العلوم\" ١/ ٤٤٨، \"النكت والعيون\" ٢/ ٥٢، \"تفسير البغوي\" ٣/ ٧٨، \"زاد المسير\" ٢/ ٣٩٥.\n(٨) انظر: \"بحر العلوم\" ١/ ٤٤٨، \"تفسير البغوي\" ٣/ ٧٨، \"زاد المسير\" ٢/ ٣٩٥.","vol":"7","page":465},{"text":"وأظهروا ما فيها من ذكر النبي - ﷺ -، ﴿لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾، قال ابن عباس: يريد لأنزلت عليهم القطر وأخرجت لهم من نبات الأرض كل ما أرادوا (١)، وهذا قول المفسرين (٢).\nوقال أهل المعاني: هذا على وجه التوسعة، لا على أن هناك فوق أو تحت، والمعنى: لأكلوا أكلًا متصلًا كثيرًا، فذكر فوق وتحت للمبالغة فيما ينالون وما يفتح عليهم من الدنيا، كما يقول القائل: فلان في خير من قرنه إلى قدمه، يريد تكاثف الخير وكثرته عنده (٣)، وهذا قول الفراء (٤)، والزجاج (٥)، وابن الأنباري.\nقال الزجاج: قد دل الله تعالى بهذا على ما أصابهم من الجدب مما عاقبهم به حتى شكوا ذلك بقولهم: يد الله مغلولة. وأعلم أن التقى سبب التوسعة في الرزق، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا﴾ الآية [الأعراف: ٩٦] وقال: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: ٢]، وقال في قصة نوح: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ﴾ [نوح:١٠ - ١١] (٦).\n_________\n(١) أخرجه بمعناه الطبري ٦/ ٣٠٥، \"تفسير الوسيط\" ٢/ ٢٠٨، \"تفسير البغوي\" ٣/ ٧٨، \"زاد المسير\" ٢/ ٣٩٥.\n(٢) انظر: \"تفسير الطبري\" ٦/ ٣٠٥، \"تفسير البغوي\" ٣/ ٧٨، \"زاد المسير\" ٢/ ٣٩٥.\n(٣) ذكر الطبري ٦/ ٣٠٦، هذا القول واستبعده قائلًا: \"وتأويل أهل التأويل بخلاف ما ذكرنا من هذا القول، وكفى بذلك شهيدًا على فساده\".\n(٤) معاني القرآن ١/ ٣١٥، \"معاني القرآن\" للنحاس ٢/ ٣٣٧، ٣٣٨، \"زاد المسير\" ٢/ ٣٩٥.\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١٩١، \"زاد المسير\" ٢/ ٣٩٥.\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١٩١، وانظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٣٩٥.","vol":"7","page":466},{"text":"وقوله تعالى: ﴿مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ﴾، قال عطاء: يريد قومًا أسلموا من اليهود والنصارى (١).\nوقال السدي: ﴿أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ﴾ مؤمنة (٢).\nوقال ابن عباس: هم العادلة غير الغالية ولا الجافية (٣)، ومعنى الاقتصاد في اللغة: الاعتدال في العمل من غير غلو ولا تقصير (٤)، وأصله من القصد، وذلك أن القاصد إلى الشيء الذي يعرف مكانه، خلاف الطالب المتحير في طلبه، فهو يمر على الاستقامة إليه، وليس كالمتحير فيه، فالاقتصاد الاستواء في العمل المؤدي إلى الغرض (٥).\nوقوله تعالى: ﴿سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾، يقول: بئس شيئًا عملهم (٦)، قال ابن عباس: \"عملوا القبيح وما لا يرضي الله مع التكذيب بالنبي - ﷺ -\" (٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-918>٦٧ </span>- قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ الآية، روى الحسن أن النبي - ﷺ - قال: \"إن الله بعثني برسالته، وضقت به ذرعًا، وعرفت أن الناس مكذّبي\" وكان يهاب قريشًا واليهود والنصارى، فأنزل الله هذه\n_________\n(١) لم أقف عليه عن عطاء، وهو قول كثير من المفسرين كمجاهد وابن زيد، انظر: \"تفسير الطبري\" ٦/ ٣٠٦، \"بحر العلوم\" ١/ ٤٤٨، \"تفسير الوسيط\" ٢/ ٢٠٨، \"تفسير البغوي\" ٣/ ٧٨، \"زاد المسير\" ٢/ ٣٩٥.\n(٢) أخرجه الطبري ٦/ ٣٠٦، وانظر: \"النكت والعيون\" ٢/ ٥٣، \"الدر المنثور\" ٢/ ٥٢٧.\n(٣) انظر: \"النكت والعيون\" ٢/ ٥٣، \"تفسير الوسيط\" ٢/ ٢٠٨، \"تفسير البغوي\" ٣/ ٧٨.\n(٤) انظر: \"تفسير البغوي\" ٣/ ٧٨، \"زاد المسير\" ٢/ ٣٩٥.\n(٥) انظر: \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٩٧٢ (قصد)، \"اللسان\" ٦/ ٣٦٤٢ (قصد).\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١٩٢.\n(٧) انظر: \"تفسير الوسيط\" ٢/ ٢٠٨، \"تفسير البغوي\" ٣/ ٧٨.","vol":"7","page":467},{"text":"الآية (١)، قال ابن الأنباري: كان النبي - ﷺ - يجاهر ببعض القرآن أيام كان بمكة، ويخفي بعضه إشفاقًا على نفسه من تسرع المشركين إليه وإلى أصحابه، فلما أعزه الله وأيده بالمؤمنين قال له: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ (٢).\nوقال أبو إسحاق: أي لا تراقبن أحدًا ولا تتركن شيئًا مما أنزل إليك تخوفًا من أن ينالك مكروه (٣)، قالا (٤): والمعنى في قوله: ﴿بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ بلغ جميع ما أنزل إليك من ربك مجاهرًا به، فإن أخفيت منه شيئًا في وقت لخوف يلحقك فما بلغت رسالته، فذلك وله: ﴿وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ (٥).\nقال ابن عباس: يقول إن كتمت آية مما أنزلت عليك لم تبلغ رسالاتي (٦)، يعني: إنه إن ترك إبلاغ البعض كان كمن لم يبلغ، لأن تركه البعض محبط لإبلاغ ما بلغ، وجرمه في كتمان البعض كجرمه لو لم يبلغ شيئًا مما أنزل الله، في أنه يستحق العقوبة من ربه (٧)، وحاشا لرسول الله أن\n_________\n(١) انظر: \"أسباب النزول\" للمؤلف ص ٢٠٤، \"تفسير البغوي\" ٣/ ٧٨، \"زاد المسير\" ٢/ ٣٩٦، \"الدر المنثور\" ٢/ ٥٢٨، وعزاه السيوطي لأبي الشيخ عن الحسن.\n(٢) انظر: \"تفسير الوسيط\" ٢/ ٢٠٨، ٢٠٩.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١٩٢، انظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٣٩٧.\n(٤) أي الزجاج وابن الأنباري.\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١٩٢، انظر: \"تفسير البغوي\" ٣/ ٧٩.\n(٦) أخرجه الطبري ٦/ ٣٠٧، وانظر: \"تفسير الوسيط\" ٢/ ٢٠٩، \"زاد المسير\" ٢/ ٣٩٧.\n(٧) انظر: \"تفسير الطبري\" ٦/ ٣٠٩، \"بحر العلوم\" ١/ ٤٤٩، \"النكت والعيون\" ٢/ ٥٣، \"تفسير البغوي\" ٣/ ٧٩.","vol":"7","page":468},{"text":"يكتم شيئًا مما أوحي إليه، وقد قالت عائشة ﵂: \"من زعم أن رسول الله - ﷺ - كتم شيئًا من الوحي، فقد أعظم على الله الفرية، والله تعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ﴾ ولو كتم رسول الله شيئًا من الوحي لكتم قوله تعالى: ﴿وَتُخْفِي في نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ [الأحزاب: ٣٧] \" (١).\nقال مقاتل بن حبان: هذا تحريض من الله نبيه على تبليغ الرسالة (٢).\nوقال مجاهد: لما نزلت ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ قال: \"يا رب كيف أصنع؟ أنا واحد، أخاف أن يجتمعوا علي\" فأنزل الله: ﴿وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ (٣).\nفكل هذه الأقوال في تفسير هذه الآية تدل على أن النبي - ﷺ - كان يشفق على نفسه غائلة اليهود والكفار، فكان لا يجاهرهم بعيب دينهم وسب آلهتهم، حتى أمنه الله تعالى بقوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾، واختلفوا في قوله: ﴿فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ فقرىء (رسالته) (٤) على (٥) واحدة، و(رسالاته) على الجمع (٦)، فمن جمع قال: إن الرسل يبعثون بضروب من الرسالات وأحكام في الشريعة مختلفة، وكل آية أنزلها (٧) الله على رسوله\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٤٦١٢) كتاب التفسير، باب: يا أيها الرسول بلغ، بنحوه، وبلفظه مسلم (١٧٧) كتاب الإيمان: باب ٧٧ معنى قول الله ﷿ ﴿ولقد رآه نزلة أخرى﴾، ولكن دون: \"ولو كنتم ... \"، \"تفسير الطبري\" ٦/ ٣٠٩.\n(٢) بمعناه في تفسير مقاتل بن سليمان ١/ ٤٩٢.\n(٣) أخرجه الطبري ٦/ ٣٠٧.\n(٤) قراءة أبي عمرو وحمزة والكسائي \"ابن كثير\" وحفص عن عاصم. انظر: \"الحجة\" ٣/ ٢٣٩.\n(٥) تكرر هذا الحرف في (ج).\n(٦) قراءة نافع وابن عامر وأبي بكر عن عاصم. انظر: \"الحجة\" ٣/ ٢٣٩.\n(٧) في (ج): (أنزله) بالتذكير.","vol":"7","page":469},{"text":"فهي رسالة، فحسن لفظ الجمع (١)، ومن أفرد قال: القرآن كله رسالة واحدة، وأيضًا فإن لفظ الواحد قد يدل على الكثرة وإن لم يجمع كقوله تعالى: ﴿وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾ [الفرقان: ١٤] فوقع الاسم الواحد على الجمع كما يقع على الواحد، فكذلك الرسالة (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾، أي: يمنعك أن ينالوك بسوء من قتل أو أسر أو قهر (٣)، وقالت عائشة: كان رسول الله - ﷺ - يُحرس حتى نزلت هذه الآية: ﴿وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ وكان سعدٌ وحذيفة يحرسانه، فأخرج رسول الله رأسه من قبة أدم وقال: \"انصرفوا أيها الناس فقد عصمني الله\" (٤).\nوقال الزجاج في قوله: ﴿وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾: أي يحول بينهم وبين أن يصيبك منهم مكروه (٥)، فإن قيل: أليس قد شج جبينه وكسرت رباعيته؟، قلنا: كان هذا قبل نزول الآية؛ لأن هذه السورة من آخر القرآن نزولا، أو نقول: المراد بالعصمة: أن يعصمه من قتله وأسره على ما ذكرنا أولًا (٦).\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة: ٦٧]، قال\n_________\n(١) انظر: \"الحجة\" ٣/ ٢٤٥.\n(٢) \"الحجة\" ٣/ ٢٤٥، ٢٤٦.\n(٣) انظر: \"النكت والعيون\" ٢/ ٥٣.\n(٤) أخرجه بنحوه الترمذي (٣٠٤٦) كتاب: التفسير، باب: من تفسير سورة المائدة، \"تفسير الطبري\" ٦/ ٣٠٨، وعزاه في \"الدر المنثور\" ٢/ ٥٢٩ أيضًا إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبي الشيخ.\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٩٢.\n(٦) انظر: \"تفسير البغوي\" ٣/ ٧٩، \"زاد المسير\" ٢/ ٣٩٧.","vol":"7","page":470},{"text":"ابن عباس: يريد لا يرشد من كذبك وأعرض عن ذكري (١)، وقد روى ابن عباس عن النبي - ﷺ - مثل ما روى الحسن، وهو أن رسول الله - ﷺ - \"قال: \"بعثني الله برسالاته، فضقت بها ذرعًا، فأَوحَى إلى: \"إن لم تبلغ رسالاتي عذبتك، وضمن لي العصمة\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-919>٦٨ </span>- قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ﴾، ذهب بعض المفسرين إلى أن الذي أُمر رسول الله بتبليغه هذه الآية (٣)، قال مقاتل: لما نزل: ﴿وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ أمن النبي - ﷺ - فأخبره الله ما يبلغ فقال: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ﴾ (٤).\nقال ابن عباس: يقول لستم على شيء من الدين حتى تعملوا بما في الكتابين من الإيمان بمحمد، وبيان صفته ونعته، تبينونه للناس ولا تكتمونه (٥)، وقد سبق في هذه السورة تفسير هذه الآية في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ (٦)، وفي قوله: ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا﴾ (٧) الآية.\nوقوله تعالى: ﴿فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة: ٦٨]، تسلية\n_________\n(١) \"تفسير الوسيط\" ٢/ ٢١٠، وانظر: \"بحر العلوم\" ١/ ٤٤٩، \"النكت والعيون\" ٢/ ٥٤، \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ١١٩.\n(٢) لم أقف عليه.\n(٣) انظر: \"معاني القرآن\" للنحاس ٢/ ٣٣٨، ٣٣٩.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ١/ ٤٩٢.\n(٥) أخرجه بمعناه الطبري ٦/ ٣٠٩، وانظر: \"تفسير الوسيط\" ٢/ ٢١٠.\n(٦) الآية ٦٦ من هذه السورة.\n(٧) الآية ٦٤ من هذه السورة.","vol":"7","page":471},{"text":"للنبي - ﷺ - يقول: لا تحزن على أهل الكتاب إن كذبوك (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-920>٦٩ </span>- قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا﴾، قد مضى تفسير هذه الآية مشروحًا مستقصًى في البقرة (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَالصَّابِئُونَ﴾، اختلفوا في وجه ارتفاعه، فقال الكسائي: هو نسق على ما في ﴿هَادُوا﴾ كأنه قيل: هادوا هم والصابئون (٣)، قال الزجاج: وهذا خطأ من جهتين: إحداهما أن الصابىء على هذا القول يشارك اليهودي في اليهودية، وليس كذلك، فإن الصابىء غير اليهودي، وإن جعل ﴿هَادُوا﴾ بمعنى: تابوا، من قوله: ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٥٦] لا من اليهودية، ويكون المعنى: تابوا هم والصابئون، فالتفسير قد جاء بغير ذلك، لأن معنى ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ في هذه الآية إنما هو إيمان بأفواهم، لأنه يعني به المنافقون؛ لأنه وصف الذين آمنوا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم، ثم ذكر اليهود والنصارى فقال: من آمن منهم بالله فله كذا، فجعلهم يهودًا ونصارى، فلو كانوا مؤمنين لم يُحتج أن يقال: (من آمن منهم فلهم أجرهم) (٤)، وهذا قول الفراء (٥) والزجاج في الإنكار عليه، وقال الفراء: ارتفع الصابئون بالنسق على الذين، وإنما نُسِقَ على المنصوب بالمرفوع؛ لأن (إن) ضعيفة العمل، وضعفه أنه يقع على\n_________\n(١) انظر: \"تفسير الطبري\" ٦/ ٣١٠، \"بحر العلوم\" ١/ ٤٤٩، \"تفسير البغوي\" ٣/ ٨١.\n(٢) عند تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ﴾ الآية (٦٢) البقرة.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١٩٤.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١٩٤ بتصرف.\n(٥) انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١٩٢، ١٩٣","vol":"7","page":472},{"text":"الاسم ولا يقع على خبره، يعني أنها تغير الاسم ولا تغير الخبر، وأيضًا فإن (الذين) حرف على جهة واحدة في الرفع والنصب والخفض، فلما لم يبين فيه عَملُ (إن) وكان عملها أيضًا ضعيفًا (١) رفع الصابئين بأن يرجع إلى أصل الكلام وهو الرفع قبل دخول (إن).\nأجاز الكسائي: \"إنّ عبد الله وزيد قائمان\" لضعف إن (٢).\nقال الفراء: ولا أستحب ذلك لتبيين الإعراب في عبد الله، وأجازا معًا: (أنك نفسُك عالم)، (وأنا أنفسنا عالمان)، (وأنه نفسه متكلم)، (وأنهم أجمعون منطلقون)، (وأنك ومحمد في الدار)، وعند الفراء إذا دخلت (إن) على اسم لم يتبين عملها فيه يجوز أن ينسق عليه بالرفع والنصب جميعًا، وكذلك التوكيد، من ذلك أن تقول: إن قطام وهندٌ عندنا، وإن هؤلاء وإخوتُك يكرموننا، وإن هذا نفسه عالم، وذلك أن هذه الأسماء لا يتغير إعرابهنَّ ولا يظهر فيها عمل (إن)، فإذا دخلت إن على اسم يتبين عملها فيه وولي الاسم التوكيد والنعت والنسق، لم يكن فيها إلا النصب عند الفراء، كقولك: (إن زيدًا نفسه عالم)، (وإن محمدًا وأخاك منطلقان)، (وإن القوم وعبد الله عندنا)، ويجوز الرفع عند الكسائي، ومما جاء في أشعار العرب يشهد لمذهب الفراء قول بشر بن أبي خازم (٣):\nوإلا فاعلموا أنَّا وأنتم ... بُغاةٌ ما حيينا في شِقَاقِ (٤)\n_________\n(١) في (ج): (ضعيف).\n(٢) انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١٩٢، ١٩٣.\n(٣) هو: بشر بن أبي خازم عمرو بن عوف الأسدي، شاعر جاهلي شجاع من أهل نجد، توفي سنة ٢٢ قبل الهجرة. \"الأعلام\" ٢/ ٥٤.\n(٤) البيت في الكتاب ٢/ ١٥٦، \"معاني الزجاج\" ٢/ ١٩٣.","vol":"7","page":473},{"text":"رفع أنتم بالنسق على النون والألف، إذ لم يتبين عمل (إن) فيهما، ولو نصب لقال: وإياكم. وقال آخر:\nيا ليتني وأنتِ بالميسُ ... ببلدةٍ ليس بها أنيسُ (١)\nرفع (أنتِ) وهو نسق على الياء إذ لم يتبين فيها الإعراب، وقال آخر:\nيا ليتنا وهما نخلوا بمنزلة ... حتى يرى بعضنا بعضًا ويأتلف (٢)\nوأنشدوا أيضًا لضابىء البرجُمي (٣) على هذا المذهب:\nفمن يكُ أمسى بالمدينة رحلُهُ ... فإني وقَيَّارٌ بها لغريبُ (٤)\nهذا كله مذهب الكوفيين، وأنكر البصريون جميع ذلك، أما قول الكسائي فقد ذكرنا وجه بطلانه، وأما قول الفراء: نصب (إن) ضعيف، لأنها إنما تغير الاسم ولا تغير الخبر \"فقال أبو إسحاق: هذا غلط، لأن (إن) قد عملت عملين: النصب والرفع، وليس في العربية ناصب ليس معه مرفوع؛ لأن كل منصوب مشبه بالمفعول، والمفعول لا يكون بغير فاعل إلا فيما لم يُسَمَّ فاعله، وكيف يكون نصب (إن) ضعيفًا وهي تتخطى الظروف فتنصب ما بعدها نحو قولك: إن أمامك زيدًا، وإن عندك عمروًا، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ﴾ [المائدة: ٢٢] ونصب (إنَّ) من أقوى المنصوبات (٥)، ومذهب الخليل وسيبويه في هذا التقديم والتأخير، ويكون\n_________\n(١) لم أقف عليه.\n(٢) لم أقف عليه.\n(٣) هو ضابئ بن الحارث بن أرطأة التميمي البُرجمي شاعر جاهلي أدرك الإسلام، حبسه عثمان - ﵁ - حتى مات نحو سنة ٣٠ هـ \"الأعلام\" ٣/ ٢١٢.\n(٤) البيت في الكتاب ١/ ٧٥، \"الإنصاف\" لابن الأنباري ص ٨٥.\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١٩٣.","vol":"7","page":474},{"text":"(الصابئون) مرتفعًا بالابتداء، المعنى: \"إن الذين آمنوا والذين هادوا من آمن منهم بالله\" إلى آخر الآية، والصابئون والنصارى كذلك أيضًا (١).\nإن عبد الله ومحمد قائم، تريد: إن عبد الله قائم ومحمد كذلك أيضًا (٢)، وأنشدوا:\nعقاب عقبناه كأن وظيفها ... وخرطومُها الأعلى بنار مُلَوّح (٣)\nأراد كأنَّ وظيفها مُلوِّح وخرطومها كذلك أيضًا، وعلى هذا حملوا أيضًا ما أنشده الكوفيون، أما قول بشر فالمعنى فيه: فاعلموا أنا بغاة ما بغينا في شقاق وأنتم أيضًا كذلك، وكذلك سائر الأبيات.\nوأما قوله: فإني وقيَّارٌ فإن رواية البصريين: \"وقَيَّارًا\" بالنصب، وإن رفع كان محمولًا على التقدير الذي ذكرنا، وأما ما أجازه الفراء من قولهم: إنهم أجمعون ذاهبون، فحمله سيبويه على الغلط، وقال: إن قومًا من العرب يغلطون فيقولون إنك وزيدٌ ذاهبان، وإنهم أجمعون منطلقون، فجعله غلطًا (٤).\nوحكى أبو بكر بن الأنباري في الآية قولًا رابعًا لأبي عبد الله هشام بن معاوية (٥)، وهو أن يضمر خبر (إن) ويبتدأ (الصابئون) والتقدير: إن الذين\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١٩٣.\n(٢) هذا تمثيل، وليس عند الزجاج.\n(٣) لم أقف على قائله.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١٩٣.\n(٥) هو أبو عبد الله هشام بن معاوية الكوفي الضرير، نحوي، صحب الكسائي وأخذ عنه كثيرًا من النحو، وله تصانيف، توفي سنة ٢٠٩ هـ انظر: \"الفهرست\" ص ١٠٥، \"معجم المؤلفين\" ٤/ ٦٤.","vol":"7","page":475},{"text":"آمنوا والذين هادوا يُرحَمون على قول من قال هم مسلمون، ويعذبون على قول من قال هم كفار، فيحذف الخبر إذا عرف موضعه، كما حذف من قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ﴾ [فصلت: ٤١] (والمعنى: إن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم) (١) يعذبون ويعرضون على ربهم، فحذف استغناء بمعرفة المخاطبين به. ثم يرتفع (الصابئون) بمن وما بعدها، ومن حرف جزاء يرتفع بما عاد إليه (من آمن) والفاء جواب الجزاء، وهذا القول قريب من قول البصريين، غير أنهم يضمرون خبر الابتداء، ويجعلون (من آمن) خبر (إن)، وهذا على العكس من ذلك؛ لأنه جعل (من آمن) خبرًا للابتداء وأضمر خبر (إن) (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-921>٧٠ </span>- قوله تعالى: ﴿فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ﴾، إن قيل: لم عطف المستقبل على الماضي؟، الجواب: ليدل على أن ذلك من شأنهم، ففيه معنى: كذبوا وقتلوا، ويكذبون ويقتلون، مع أن قوله: (يقتلون) فاصلة يجب أن يكون موافقًا لرؤوس الآي. ويمكن أن يقال التقدير فيه: فريقًا كذبوا لم يقتلوه، وفريقًا كذبوا يقتلون، فيكون (يقتلون) صفة للفريق، فلم يكن فيه عطف المستقبل على الماضي، وفي الجواب الأول لم يكن (كذبوا) ولا (يقتلون) صفة للفريق؛ لأن التقدير كذبوا فريقًا ويقتلون فريقًا، والفريق غير موصوف، وفي الجواب الثاني الفريق موصوف، وذكرنا تفسير الفريقين في البقرة عند قوله تعالى: ﴿فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ﴾ [البقرة: ٨٧].\n<span data-type=\"title\" id=toc-922>٧١ </span>- قوله تعالى: ﴿وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾، قال عطاء عن ابن\n_________\n(١) ما بين القوسين متكرر في النسختين.\n(٢) انظر: \"البحر المحيط\" ٣/ ٥٣١ - ٥٣٣.","vol":"7","page":476},{"text":"عباس: \"يريد وظنوا أن الله لا يعذبهم\" (١).\nوقال الكلبي: \"أي ألا يُبْتَلَوا بقتلهم الأنبياء وتكذيبهم الرسل\" (٢).\nوقال قتادة: \"وحسب القوم أن لا يكون بلاء\" (٣).\nوقال مقاتل: \"وحسبوا أن لا يكون بلاءً، وقحط المطر\" (٤)، فحصل في الفتنة ههنا: العقوبة والعذاب عن ابن عباس، والبلية عن الكلبي وقتادة، والشديدة والقحط عن مقاتل، وقال الزجاج: وحسبوا فعلهم غير فاتن لهم، وذلك أنهم كانوا يقولون نحن أبناء الله وأحباؤه (٥).\nوقال ابن الأنباري: قدروا أن لا تقع بهم فتنة في الإصرار على الكفر، وظنوا أن ذلك لا يكون موبقًا لهم (٦).\nواختلفوا في إعراب: (ألا تكون) فنصبه بعضهم، ورفعه آخرون، والأصل في هذا الباب أن تعرف أن الأفعال على ثلاثة أضرب:\nفعل يدل على ثبات الشيء واستقراره، نحو: العلم والتيقن والتبين، فما كان مثل هذا وقع بعده (إنّ) الثقيلة ولم يقع بعده الخفيفة الناصبة للفعل، وذلك أن الثقيلة معناها ثبات الشيء واستقراره، والعلم كذلك أيضًا، فإذا وقع على الثقيلة واستعمل معه كان وفقه وملائمًا له، وذلك قوله تعالى: ﴿وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ﴾ [النور: ٢٥] ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ﴾\n_________\n(١) \"تفسير الوسيط\" ٢/ ٢١١، ونسبه المحقق إلى تفسير ابن عباس ص ٩٨.\n(٢) انظر: \"النكت والعيون\" ٢/ ٥٥، \"تفسير الوسيط\" ٢/ ٢١١، \"تفسير البغوي\" ٣/ ٨٢، \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ١٢٠.\n(٣) أخرجه الطبري ٦/ ٣١٢.\n(٤) تفسيره ١/ ٤٩٤.\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١٩٥.\n(٦) انظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٤٠١.","vol":"7","page":477},{"text":"[التوبة: ١٠٤]، و﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ [العلق: ١٤] والباء زائدة (١)، وكذلك ما كان معناه العلم كالتبين والتيقن، وهذا ضرب.\nوالضرب الثاني: فعل يدل على خلاف الاستقرار والثبات نحو: أطمع وأخاف وأخشى وأشفق وأرجو، فهذا ونحوه لا يستعمل بعده إلا الخفيفة الناصبة للفعل، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي﴾ [الشعراء: ٨٢]، و﴿تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ﴾ [الأنفال: ٢٦] ﴿فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا﴾ [الكهف: ٨٠] ﴿أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا﴾ [المجادلة: ١٣].\nوالضرب الثالث: فعل يجذب مرة إلى ذاك القبيل، ومرة إلى هذا القبيل، نحو: حسبت وظننت وزعمت، وهذا النحو يجعل مرة بمنزلة: أرجو وأطمع، من حيث كان أمرًا غير مستقر، ومرة يجعل بمنزلة العلم، من حيث استعمل استعماله، وفي هذه الآية أجري مجرى العلم، لأنهم عملوا عليما حسبوا، فكأنه أجري مجرى العلم، (ويمكن) (٢) أن يقال: إنما جعل بمنزلة العلم من حيث كان خلافه، والشيء قد يجري مجرى الخلاف في كلامهم، نحو: عطشان وريان، وكلا (٣) الأمرين قد جاء به القرآن، فمثل قول من نصب وأوقع بعده الخفيفة قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا﴾ [العنكبوت: ٤] ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ﴾ [الجاثية: ٢١] ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا﴾ [العنكبوت: ٢]. ومثل قراءة من رفع: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ﴾ [الزخرف: ٨٠] ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا\n_________\n(١) سبق التنبيه أن مثل هذا التعبير غير لائق في جانب كلام الله ﷿، لئلا يتوهم أن في القرآن زائدًا.\n(٢) هذه الكلمة ساقطة من (ج).\n(٣) في (ج): (وكلي).","vol":"7","page":478},{"text":"نُمِدُّهُمْ﴾ [المؤمنون: ٥٥] ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ﴾ [القيامة: ٣].\nفهذه مخففة من الثقيلة، لأن الناصبة للفعل لا يقع بعدها (أن)، ومثل المذهبين في الظن قوله تعالى: ﴿تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا﴾ [القيامة: ٢٥] ﴿إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا﴾ [البقرة: ٢٣٠]. ومن الرفع قوله تعالى: ﴿وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ﴾ [الجن: ٥] ﴿وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا﴾ [الجن: ٧] فأنْ ههنا الخفيفة من الشديدة كقوله: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ﴾ [المزمل: ٢٠] لأن (أن) الناصبة للفعل لا تجتمع مع (لن) ومع السين؛ لاجتماع الحرفين في الدلالة على الاستقبال، كما لا يجتمع الحرفان لمعنى واحد، فمن رفع قوله: (أن لا تكون) كان المعنى: أنَّه لا تكون، ثم خففت المشددة وجعلت (لا) عوضًا من حذف الضمير، ولو قلت: علمت أن يقول، بالرفع، لم يحسن حتى تأتي بما يكون عوضًا من حذف الضمير، نحو قد والسين وسوف، كما قال تعالى: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ﴾ [المزمل: ٢٠] ووجه النصب ظاهر.\nوقوله تعالى: ﴿فَعَمُوا وَصَمُّوا﴾، أي عن الهدى فلم يعقلوه (١)، قال الزجاج: هذا مثل، تأويله أنهم لم يعملوا بما سمعوا ولا ما رأوا من الآيات، فصاروا كالعمي الصم (٢).\nوقوله تعالى: ﴿ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾، قال الحسن: \"فاستنقذهم بمحمد فكذبوه\" (٣).\n_________\n(١) انظر: \"تفسير الطبري\" ٦/ ٣١٢، \"بحر العلوم\" ١/ ٤٥١، \"النكت والعيون\" ٢/ ٥٥، \"تفسير البغوي\" ٣/ ٨٢.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١٩٥، انظر: \"بحر العلوم\" ١/ ٤٥١.\n(٣) لم أقف عليه عن الحسن، انظر: \"معاني القرآن\" للنحاس ٢/ ٣٤١، \"بحر العلوم\" ١/ ٤٥١، \"زاد المسير\" ٢/ ٤٠١.","vol":"7","page":479},{"text":"قال (١) أبو إسحاق: أي أرسل إليهم محمدًا - ﷺ - يعلمهم أن الله ﷿ قد تاب عليهم إن آمنوا وصدقوا (٢).\nوقال أبو بكر: ثم تاب الله عليهم بإرساله محمدًا - ﷺ - داعيًا إلى الصراط المستقيم، فكانوا بذلك معرضين للتوبة وإن لم يتوبوا.\nوقوله تعالى: ﴿ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ﴾، أي بعد تبيّن الحق لهم بمحمد - ﷺ - عمي كثير منهم، خص الله تعالى بعضهم بالفعل الآخر من العمى والصمم، إذ لم يكونوا أجمعوا على خلاف النبي - ﷺ - (٣)، وارتفع ﴿كَثِيرٌ مِنْهُمْ﴾ بإضمار فعل مقدر يدل عليه: ﴿عَمُوا وَصَمُّوا﴾، كأنه قيل: عمي وصم كثير منهم. قاله الفراء (٤) وابن الأنباري. وأجازاهما والزجاج أيضًا أن يكون جمع الفعل متقدمًا، كما حكي عن العرب أكلوني البراغيث (٥).\nوذكر الزجاج وجهين آخرين: أحدهما: أن يكون ﴿كَثِيرٌ مِنْهُمْ﴾ بدلًا من الواو، كأنه لما قال: ﴿عَمُوا وَصَمُّوا﴾ أبدل الكثير منهم، والثاني أن يكون ﴿كَثِيرٌ مِنْهُمْ﴾ خبر ابتداء محذوف، والمعنى: والعمي والصم كثير منهم (٦).\nوقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾، أي: من قتل الأنبياء وتكذيب الرسل، قاله مقاتل (٧).\n_________\n(١) في (ج): (فقال).\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١٩٥.\n(٣) انظر: \"النكت والعيون\" ١/ ٤٧٨.\n(٤) \"معاني القرآن\" ١/ ٣١٦.\n(٥) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٣١٦، \"معاني الزجاج\" ٢/ ١٩٥، ١٩٦.\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١٩٥، ١٩٦.\n(٧) تفسيره ١/ ٤٩٤.","vol":"7","page":480},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-923>٧٣ </span>- قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾، (قال الفراء: ﴿ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾) (١) لا يكون إلا مضافًا، ولا يجوز التنوين في (ثالث) فتنصب الثلاثة، وكذلك قوله: (ثاني اثنين) لا يكون (اثنين إلا) (٢) مضافًا، لأن المعنى مذهب اسم (٣)، كأنك قلت: واحد من اثنين، وواحد من ثلاثة، ولو قلت: أنت ثالث اثنين، جاز الإضافة وجاز التنوين ونصب الاثنين، وكذلك: رابعُ ثلاثةٍ، ورابعٌ ثلاثةً؛ لأنه فعل واقع (٤).\nوزاد أبو إسحاق لهذا بيانًا فقال: لا يجوز في (ثلاثةٍ) إلا الخفض؛ لأن المعنى: أحد ثلاثة، فإن قلت: زيد ثالث اثنين، أو: رابع ثلاثة، جاز الخفض والنصب، أما النصب فعلى قولك: كان القوم ثلاثة فربعتهم وأنا رابعهم غدًا، ومن خفض فعلى حذف التنوين، كما قال الله ﷿: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥] (٥)، وذكرنا هذه المسألة مشروحة عند قوله تعالى: ﴿ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [النساء: ٩٧].\nفأما معنى قول النصارى لعنهم الله: (ثالث ثلاثة) ففيه طريقان: الأظهر والأوفق للفظ طريق المفسرين، وهو أنهم قالوا: أرادت النصارى بقولهم: (ثالث ثلاثة) الله ومريم وعيسى، زعموا أن الإلهية بين الثلاثة، وأن كل واحد من هؤلاء إله، يؤكد هذا القول من مذهبهم قوله تعالى للمسيح: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ﴾ [المائدة: ١١٦]\n_________\n(١) ما بين القوسين ساقط من (ج).\n(٢) ما بين القوسين ساقط من (ج)، وهكذا هو في (ش)، ولعل الصواب: \"ثاني\".\n(٣) هكذا في النسختين، ولم يتضح الأسلوب لهذه اللفظة.\n(٤) \"معاني القرآن\" ١/ ٣١٧.\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١٩٦.","vol":"7","page":481},{"text":"ففي هذا بيان أنهم كانوا يشركون مريم وعيسى في الإلهية (١)، وهذا القول اختيار الزجاج، لأنه قال في معنى قوله: (ثالث ثلاثة): أنهم قالوا: الله أحد ثلاثة آلهة، أو واحد من ثلاثة آلهة. هذا كلامه (٢).\nوعلى هذا المعنى لا بد من أن يكون في الآية إضمار واختصار، لأن المعنى أنهم قالوا: إن الله ثالث ثلاثة آلهة، أو ثالث ثلاثة من الآلهة، فحذف ذكر الآلهة، لأن المعنى مفهوم، ولا يكفر من يقول: إن الله ثالث ثلاثة إذا لم يرد الآلهة، ومطلق ثالث ثلاثة لا يكون كفرًا، فإنه ما من اثنين إلا والله ثالثهما بالعلم، كقوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧] (٣)، والذين يحقق أنهم أرادوا بالثلاثة الآلهة قوله تعالى في الرد عليهم: ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ هذا طريق في الآية.\nوالمتكلمون حكوا عن النصارى في قولهم التثليث أنهم يقولون إن الباري سبحانه جوهر واحد، وأنه ثلاثة أقانيم: أب وابن وروح قدس، وهذه الثلاثة إله واحد، قالوا: واسم الإله يتناول هذه الثلاثة الأشياء، كما أن الشمس اسم يتناول القرص والشعاع والحرارة. وعنوا بالأب: الذات وبالابن الكلمة وبالروح القدرة، فأثبتوا الذات والكلام والقدرة، وقالوا: إن الكلمة التي هي كلام الله اختلطت بجسد عيسى اختلاط الماء بالخمر واختلاط الماء باللبن، وزعموا أن الأب إله والابن إله والروح إله، وهو إله\n_________\n(١) انظر: \"بحر العلوم\" ١/ ٤٥١، \"تفسير البغوي\" ٣/ ٨٢، \"زاد المسير\" ٢/ ٤٠٣.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١٩٦.\n(٣) انظر: \"تفسير الوسيط\" ٢/ ٢٠٨، \"تفسير البغوي\" ٣/ ٨٢.","vol":"7","page":482},{"text":"واحد (١)، وكل هذا فاسد لأنه يعرف ببديهة العقل فساد أن يكون ثلاثة واحدًا، ولو جاز هذا، لجاز أن يكون الواحد أربعة، والأربعة واحدًا.\nوليس هذا موضع بسط الكلام في الرد عليهم، وعلى هذا فالذي أخبر الله تعالى عنهم في قوله: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ هو معنى مذهبهم؛ لأنهم وإن لم يصرحوا بأنه واحد من ثلاثة آلهة فذلك لازم لهم، وإنما يمتنعون من العبارة، لأنهم إذا قالوا: إن كل واحد (٢) من الأقانيم إله، فقد جعلوه ثالث الآلهة، وقولهم بعد هذا وهو إله واحد مناقضة لما قالوا، وإذا كان كذلك صح أن يُخْبَر عنهم من مذهبهم ما يلزمهم، وذهب من المفسرين إلى هذا الطريق: الكلبي (٣).\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ (مِنْ) دخلت مؤكدة، المعنى: وما إله إلا إله واحد (٤).\nوقوله تعالى: ﴿لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، أي الذين أقاموا على هذا الدين، وعلى هذا القول. قاله الزجاج (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-924>٧٤ </span>- قوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ﴾، قال الفراء: هذا أمر في لفظ الاستفهام، وقد يرد الأمر بلفظ الاستفهام كقوله تعالى: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١] (٦)، في آية تحريم الخمر. وإذا انتهينا إليها ذكرنا هذا إن شاء الله.\n_________\n(١) انظر: \"تفسير الطبري\" ٦/ ٣١٣ - ٣١٤، \"ابن كثير\" ٢/ ٩٢.\n(٢) في (ج): (واحدة) بالتأنيث.\n(٣) لم أقف عليه.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١٩٦.\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١٩٦، انظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٤٠٣.\n(٦) ليس في معاني القرآن، انظر: \"تفسير البغوي\" ٣/ ٨٢، \"زاد المسير\" ٢/ ٤٠٣.","vol":"7","page":483},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-925>٧٥ </span>- قوله تعالى: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾، أي أنه رسول ليس بإله، كما أنهم رسل ليسوا آلهة، وإنما أتى بالمعجزات من قبل ربه كما أتوا بها من قبل ربهم، فمن ادعى له الإلهية فهو كمن ادعى لهم الإلهية؛ لتساويهم في المنزلة. وهذا معنى قول أبي إسحاق (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾، ذكرنا معنى الصديق فيما سبق (٢)، وقيل لمريم (صديقة) لتصديقها بآيات ربها، ومنزلة ولدها، وتصديقها ما أخبرها. قال الله تعالى في صفتها: ﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ﴾ [التحريم: ١٢] (٣).\nوقال الفراء: ووقع عليها التصديق (٤) كما وقع على الأنبياء، وذلك قوله تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا﴾ [مريم: ١٧] فلما كلمها جبريل وصدقته وقع عليها اسم الرسالة، فكانت كالنبي (٥).\nوقوله تعالى: ﴿كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ﴾، قال أهل المعاني: هذه الآية احتجاج على النصارى بأن من ولَده النساء وهو يأكل الطعام لا يكون إلهًا للعباد؛ لأن سبيله سبيلهم في الحاجة إلى الصانع المدبر، والمعنى أنهما كانا يعيشان بالغذاء كما يعيش سائر الآدميين، فكيف يكون إله لا\n_________\n(١) انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١٩٦.\n(٢) عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩].\n(٣) انظر: \"النكت والعيون\" ٢/ ٥٦، \"تفسير البغوي\" ٢/ ٨٣.\n(٤) في (ج): (الصديق).\n(٥) معاني القرآن ١/ ٣١٨.","vol":"7","page":484},{"text":"يقيمه إلا أكل الطعام؟ (١)، وكل هذا معنى قول ابن عباس في تفسير قوله: ﴿يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ﴾ يريد هما لحم ودم، يأكلان ويشربان، ويبولان ويتغوطان (٢).\nقال عبد الله بن مسلم (٣): هذا ألطف ما يكون من الكناية، لأنه عبر عن الحدث بالطعام، لأن من أكل الطعام لا بد له من أن يحدث (٤)، فلما ذكر أكل الطعام صار كأنه أخبر عن عاقبته، والطعام والحدث ليسا من أوصاف الإلهية، وأنكر عمرو بن يحيى (٥) أن يكون هذا كناية عما ذكر، وقال: كأنه لم يعلم أن في الجوع وما ينال أهله من الذلة والعجز والفاقة أدل دليل على أنهم مخلوقون، حتى ادعى على الكلام شيئًا قد أغناه الله عنه.\nوقوله تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ﴾، قال ابن عباس: نفسر لهم أمر ربوبيتي (٦).\nوقوله تعالى: ﴿ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [المائدة: ٧٥]، يقال: أفكه يأفكه أفكًا، إذا صرفه. والإفك: الكذب؛ لأنه صرف عن الحق، وكل مصروف عن شيء مأفوك عنه (٧)، وأنشد ابن السكيت:\n_________\n(١) انظر: \"تفسير الطبري\" ٦/ ٣١٥، \"تفسير البغوي\" ٣/ ٨٣.\n(٢) انظر: \"تفسير الوسيط\" ٢/ ٢١٣.\n(٣) ابن قتيبة.\n(٤) \"غريب القرآن\" ص ١٤٤، انظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٤٠٤.\n(٥) لم يتبين من عمرو بن يحيى هذا، ويحتمل أن عمرو تصحفت عن: (أحمد)، فيكون المقصود: أحمد بن يحيى المعروف بثعلبَ، والمؤلف كثير ما ينقل عنه. والله أعلم.\n(٦) انظر: \"تفسير الوسيط\" ٢/ ٢١٣.\n(٧) انظر:\"غريب القرآن\" لابن قتيبة ص ١٤٤، \"تفسير الطبري\" ٦/ ٣١٥، \"معاني =","vol":"7","page":485},{"text":"إن تكُ عن أحسنِ المروءة مأ ... فوكًا ففي آخرين قد أُفِكُوا (١)\nوقد أفكت الأرض إذا صرف عنها المطر، وأرض مأفوكة لم يصبها مطر (٢)، ومعنى: ﴿أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ أي يصرفون عن الحق الذي يؤدي إليه تدبر الآيات (٣).\nوقال أبو عبيدة: أي يحرمون الحق، من قولهم: أرض مأفوكة، إذا حرمت (٤) المطر (٥)، وهذا كالأول؛ لأن الأرض التي حرمت المطر فقد صرف عنها المطر، وفي هذا دليل أنهم صدوا عن الإيمان وصرفوا عنه بصرفٍ لا من قبلهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-926>٧٦ </span>- قوله تعالى: ﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾، في هذه الآية إلزام النصارى على اتخاذ المسيح إلهًا عبادة ما لا ينفع ولا يضر، لأنه لا يملك ذلك إلا الله تعالى (٦).\nوقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾، قال ابن عباس: يريد سميع لكفركم، عليم بضميركم (٧)، وفي هذا تحذير من الجزاء بالسيئة، لأنه يعلم\n_________\n= الزجاج\" ٢/ ١٩٧، \"بحر العلوم\" ١/ ٤٥٢، و\"الصحاح\" ٤/ ١٥٧٣ (أفك)، \"النكت والعيون\" ٢/ ٥٧.\n(١) البيت لعروة بن أذينة كما في الصحاح ٤/ ١٥٧٣ (أفك)، و\"معجم شواهد العربية\" ص ٢٥٧، ونسبه في \"اللسان\" ١/ ٩٧ (أفك) لعمرو بن أذينة، ولعل الأول أقرب.\n(٢) انظر: \"تفسير الطبري\" ٦/ ٣١٥، \"تهذيب اللغة\" ١/ ١٧٤ (أفك)، \"النكت والعيون\" ١/ ٤٧٩.\n(٣) انظر: \"معاني الزجاج\" ٢/ ٥٧.\n(٤) في (ج): (حرم) بالتذكير.\n(٥) انظر: \"مجاز القرآن\" ١/ ١٧٤، ١٧٥، \"تهذيب اللغة\" ١/ ١٧٤ (أفك).\n(٦) انظر: \"تفسير الطبري\" ٦/ ٣١٥ - ٣١٦.\n(٧) في \"تفسير الوسيط\" ٢/ ٢١٤ دون نسبة لابن عباس، وانظر: \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ١٢٠.","vol":"7","page":486},{"text":"الأعمال، ويعلم الإسرار والإعلان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-927>٧٧ </span>- قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ﴾، ذُكر معنى الغلو في النساء (١)، وهو نقيض التقصير، ومعناه الخروج عن الحد (٢)، قال ذو الرمة.\nوما زال (٣) يغلو حب مية عندنا ... ويزداد حتى لم نجد ما يزيدها (٤)\nقال الحسن: ودين الله بين الغلو والتقصير (٥)، واختلفوا في المعني بأهل الكتاب ههنا: فقال عطاء عن ابن عباس: يريد اليهود والنصارى (٦)، وغلو اليهود في عيسى: تكذيبهم إياه، ونسبته إلى أنه لغير رشدة، وغلو النصارى: ادعاؤهم الإلهية له (٧)، وقال آخرون: الخطاب للنصارى دون اليهود (٨)، وانتصاب (غيرَ الحق) من وجهين: أحدهما (٩) على الحال والقطع من الدين، كأنه قيل: لا تغلوا في دينكم مخالفًا للحق؛ لأنهم خالفوا الحق في دينهم، ثم غلوا فيه بالإصرار عليه، والثاني أن يكون منصوبًا على الاستثناء، بمعنى: لا تغلوا في دينكم إلا الحق، فيكون الحق مستثنى من المنهي عن الغلو فيه بأن يجوز الغلو فيما هو حق، على معنى اتباعه والثبات\n_________\n(١) عند تفسير قوله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ (١٧١) النساء.\n(٢) انظر: \"تفسير الطبري\" ٦/ ٣١٦.\n(٣) في (ج): (وما زاد)، وفي ديوان ذي الرمة: فما زال.\n(٤) \"ديوانه\" ص ١٦٤.\n(٥) لم أقف عليه.\n(٦) لم أقف عليه.\n(٧) انظر: \"تفسير الطبري\" ٦/ ٣١٦.\n(٨) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١/ ٤٩٦، \"تفسير الطبري\" ٦/ ٣١٦، \"زاد المسير\" ٢/ ٤٠٥.\n(٩) في (ج): (أحدها) بالإفراد.","vol":"7","page":487},{"text":"عليه، قال مقاتل: ﴿لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ﴾ أي في عيسى.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ﴾ الأهواء جمع هوى، وهوى فَعَلٌ، وجمعه أفعال (١)، ومعنى الأهواء هنا: المذاهب التي تدعو إليها الشهوة دون الحجة، وقد يشق على الإنسان النظر ويميل طبعه إلى بعض المذاهب فيعتقده فيكون ذلك هوى (٢)، قال الشعبي: ما ذكر الله تعالى هوى في القرآن إلا ذمَّهُ (٣) كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ﴾ [ص: ٢٦] ﴿وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى﴾ [طه: ١٦] ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم: ٣]، ومثله كثير (٤).\nقال أبو عبيد: لم نجد الهوى يوضع إلا في موضع الشر، لا يقال: فلان يهوى الخير، إنما يقال في الخير: يريد ويحب، وقال بعضهم: الهوى إله يعبد من دون الله، قال الله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الجاثية: ٢٣]، وقيل: سمي الهوى هوى لأنه يهوي بصاحبه في النار، وأنشدوا في ذم الهوى:\nإن الهوان هو الهوى حرم اسمه ... فإذا هويت فقد لقيت هوانا\nومثل ذلك أيضًا:\nنون الهوان من الهوى مسروقة ... وأسير كل هوى أسير هوان\nوقال رجل لابن عباس: الحمد لله الذي هواي على هواك. فقال ابن عباس: كل هوى ضلالة (٥)، ويعني بالقوم الذين ضلوا من قبل رؤساء\n_________\n(١) انظر: \"معاني الزجاج\" ٢/ ١٩٧.\n(٢) انظر: \"تفسير الوسيط\" ٢/ ٢١٤، ٣/ ٨٣.\n(٣) في (ج): (ذمة) بالتاء.\n(٤) لم أقف عليه عن الشعبي، معناه في \"معاني القرآن\" للنحاس ٢/ ٣٤٦.\n(٥) لم أقف عليه.","vol":"7","page":488},{"text":"الضلالة من فريقي اليهود والنصارى.\nوالآية خطاب للذين كانوا في عصر النبي - ﷺ -، نهوا أن يتبعوا أسلافهم فيما ابتدعوه بأهوائهم، وأن يقلدوهم فيما هووا (١)، وقال الحسن ومجاهد: (الذين ضلوا من قبل) هم اليهود (٢)، وعلى هذا (الخطاب) (٣) للنصارى فقط، يقول: لا تؤثروا الشهوات على البيان كما فعلت اليهود حين كذبوا الرسل ونقضوا العهد، والمراد بالنهي عن اتباع اهوائهم: النهي عن اتباع (أهواء) (٤) مثل أهوائهم في التكذيب والمخالفة على الرسل، ففي القول الأول وقع النهي على اتباع غير ما هووا، وفي هذا الثاني وقع النهي على اتباع مثل أهوائهم، والتقدير في اللفظ: لا تتبعوا مثل أهواء قوم، أي أهواء مثل أهوائهم، ثم حذف الأهواء الأول وأقيم الثاني مقامه؛ لأنه هوى مثله. والأول أظهر.\nوقوله تعالى: ﴿وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: ٧٧]، إن قيل: أي فائدة لهذا بعد قوله ﴿قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ﴾؟، قيل: معناه: ضلوا عن سواء السبيل بإضلالهم الكثير، فالمعنى: أنهم ضلوا بإضلال غيرهم، فيكون معنى هذا الثاني (٥)، \" (٦) غير معنى الأول، وهذا معنى قول الزجاج (٧)، ويجوز أن يكون معنى: ﴿وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ تفسيرًا\n_________\n(١) انظر: \"تفسير الوسيط\" ٢/ ٢١٤، \"تفسير البغوي\" ٣/ ٨٣، \"زاد التفسير\" ٢/ ٤٠٥.\n(٢) أخرجه عن مجاهد الطبري ٦/ ٣١٦، انظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٤٠٥.\n(٣) سقطت هذه الكلمة من (ج).\n(٤) في (ج): (هوا).\n(٥) بعد هذه الكلمة وجد سقط في نسخة (ج) بمقدار لوحتين تقريبًا.\n(٦) بداية السقط.\n(٧) انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١٩٨.","vol":"7","page":489},{"text":"لقوله: ﴿قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ﴾ لأنه بين في الثاني أن ضلالهم عمَّاذا كان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-928>٧٨ </span>- قوله تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾، قال أكثر المفسرين: يعني: أصحاب السبت وأصحاب المائدة، أما أصحاب السبت: فإنهم لما اعتدوا قال داود: اللهم العنهم، واجعلهم آية ومثلًا لخلقك، فمسخوا قردة، وأما أصحاب المائدة: فإنهم لما أكلوا من المائدة ولم يؤمنوا، قال عيسى: اللهم العنهم كما لعنت أصحاب السبت، وأصبحوا خنازير. وهذا قول الحسن ومجاهد وقتادة (١).\nوقال ابن عباس: يريد في الزبور من يكفر من بني إسرائيل، وكذلك في الإنجيل (٢).\nوقيل: ﴿عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى﴾؛ لأن الزبور لسان داود، والإنجيل لسان عيسى، وقال الزجاج: وجائز أن يكون عيسى وداود أعلما أن محمدًا نبي مبعوث، وأنهما لعنا من يكفر به (٣)، والقول هو الأول.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-929>٧٩ </span>- قوله تعالى: ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ﴾ الآية، للتناهي ههنا معنيان: أحدهما: وهو الذي عليه الجمهور، أنه مفاعل من النهي، أي كانوا لا ينهى بعضهم بعضًا (٤)، قال عطاء عن ابن عباس: \"كان بنو إسرائيل ثلاث فرق: فرقة اعتدوا في السبت، وفرقة نهوهم ولكن لم يدعوا مجالستهم ولا مؤاكلتهم، وفرقه لما رأوهم يعتدون ارتحلوا عنهم،\n_________\n(١) انظر: \"تفسير الطبري\" ٦/ ٣١٧ - ٣١٨، \"بحر العلوم\" ١/ ٤٥٢، ٤٥٣، \"تفسير الوسيط\" ٢/ ٢١٤، \"تفسير البغوي\" ٣/ ٨٤، \"زاد المسير\" ٢/ ٤٠٥، ٤٠٦.\n(٢) أخرجه الطبري ٦/ ٣١٧.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١٩٨، انظر: \"بحر العلوم\" ٢/ ٤٥٣.\n(٤) انظر: \"تفسير الطبري\" ٦/ ٣١٩، \"تفسير البغوي\" ٣/ ٨٤، \"زاد المسير\" ٢/ ٤٠٦.","vol":"7","page":490},{"text":"وبقيت الفرقتان المعتدية والناهية المخالطة، فلعنوا جميعًا\" (١) ولذلك قال رسول الله - ﷺ -: \"والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، ولتأخذن على يد السفيه، ولتأطرنه على الحق أطرًا، أو ليضربن الله قلوب بعضكم على بعض، ويلعنكم كما لعنهم\" (٢).\nوروى ابن مسعود أن النبي - ﷺ - قال: \"من رضي عمل قوم فهو منهم، ومن كثر سواد قوم فهو منهم\" (٣).\nوالمعنى الثاني للتناهي أنه بمعنى الانتهاء، يقال: انتهى عن الأمر وتناهى عنه، إذا كف عنه. وهو قول ابن عباس في هذه الآية: \"ليس ينتهون، ولكن كانوا قومًا يعتدون\" (٤).\nوقوله تعالى: ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾، أي لبئس شيئًا فعلهم (٥)، ويجوز أن تكون (ما) ههنا كافة لبئس كما تكف في: إنما وبعدما وربما ولكنما وكأنما وليتما ولعلّما، واللام في (لبئس) لام القسم، كأنه قيل: أقسم لبئس ما كانوا يفعلون (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-930>٨٠ </span>- قوله تعالى: ﴿تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، أي: من اليهود يتولون كفار مكة، يعني كعب بن الأشرف وأصحابه حين\n_________\n(١) لم أقف عليه.\n(٢) أخرجه من حديث ابن مسعود - ﵁ - أبو داود برقم ٤٣٣٦، ٤٣٣٧ ومن حديث حذيفة بنحوه أخرجه الإمام أحمد ٥/ ٣٨٨، والترمذي وحسنه برقم ٢١٦٩.\n(٣) لم أقف عليه.\n(٤) انظر: \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ١٢١.\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١٩٨.\n(٦) انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١٩٩، \"زاد المسير\" ٢/ ٤٠٧.","vol":"7","page":491},{"text":"استجاشوا المشركين على رسول الله - ﷺ -، وذكرنا ذلك في قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ [النساء: ٥١] (١).\nوقوله تعالى: ﴿لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾، أي بئس ما قدموا من العمل لمعادهم في الآخرة (٢).\nوقوله تعالى: ﴿أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾، محل (أن) رفعٌ، كما تقول: بئس رجلًا زيدٌ، ورفعه كرفع زيد، وفي رفع زيد وجهان: أحدهما: الابتداء، وتكون بئس وما عملت فيه خبره، والثاني: أن يكون خبر ابتداء محذوف، كأنه لما قال: بئس رجلًا، قيل: من هو؟ فقال: زيد، أي هو زيد (٣)، وذهب ابن عباس ومجاهد والحسن إلى أن هذه الآية في المنافقين، والكناية في قوله تعالى: ﴿تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ﴾ عائدة إلى المنافقين (٤)، وهذا القول يؤكده ما بعد هذه الآية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-931>٨١ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ﴾، إن قلنا: نزلت هذه الآية في المنافقين فالأمر ظاهر، ويجب أن يكون في المنافقين من اليهود؛ لاتصالها بما قبلها، وقبلها في ذكر اليهود لا المشركين، ويكون في هذا جمعًا بين القولين في نزول الآية الأولى، وإن قلنا: إنها\n_________\n(١) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٦/ ٣٢٠، \"بحر العلوم\" ١/ ٤٥٣، \"تفسير البغوي\" ٣/ ٨٤، ٨٥.\n(٢) انظر: \"بحر العلوم\" ١/ ٤٥٣، \"تفسير البغوي\" ٣/ ٨٥، \"زاد المسير\" ٢/ ٤٠٧.\n(٣) انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١٩٩، \"زاد المسير\" ٢/ ٤٠٧.\n(٤) انظر: \"تفسير الطبري\" ١٠/ ٤٩٨، \"بحر العلوم\" ١/ ٤٥٣، \"تفسير الوسيط\" ٢/ ٢١٦، \"تفسير البغوي\" ٣/ ٨٥، \"زاد المسير\" / ٤٠٧.","vol":"7","page":492},{"text":"نزلت في الذين جاهروا من اليهود بالعداوة لرسول الله - ﷺ - والتولي للمشركين، فمعنى قوله: ﴿وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ﴾ فالمراد بالنبي: موسى ﵇ ﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ﴾ كتابه، أي: لو آمنوا بموسى وما أنزل إليه ما اتخذوا الكافرين أولياء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-932>٨٢ </span>- قوله تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً﴾ الآية، اللام في (لتجدن) لام القسم، والنون دخلت تفصل بين الحال والاستقبال، عند الخليل وسيبويه (١)، قال المفسرون: إن اليهود ظاهروا المشركين على المؤمنين حسدًا للنبي - ﷺ -، وكان ينبغي أن يكونوا أقرب إلى المؤمنين، لأنهم يؤمنون بموسى والتوراة، والكفار كانوا يكذبون بهما، لكنهم حسدوا المؤمنين ومحمدًا ﵇ (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾، قال ابن عباس وسعيد بن جبير وعطاء والسدي: يعني: النجاشي ووفده الذين قدموا من الحبشة على رسول الله - ﷺ - فآمنوا به، ولم يُرِد جميع النصارى مع ظهور عداوتهم للدين والمسلمين، وهذا قول مجاهد والكلبي ومقاتل (٣)، وقال قتادة: هؤلاء قوم من أهل الكتاب كانوا على الحق متمسكين بشريعة عيسى ﵇، فلما جاء محمد - ﷺ - آمنوا به (٤).\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١٩٩، \"زاد المسير\" ٢/ ٤٠٨.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١٩٩، \"الوسيط\" ٢/ ٢١٦.\n(٣) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١/ ٤٩٧، و\"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٣١٨، والطبري ٧/ ٢، و\"بحر العلوم\" ١/ ٤٥٣، و\"النكت والعيون\" ٢/ ٥٨، والبغوي ٣/ ٨٥، و\"زاد المسير\" ٢/ ٤٠٨.\n(٤) أخرجه الطبري ٧/ ٣، \"النكت والعيون\" ٢/ ٥٨، \"زاد المسير\" ٢/ ٤٠٨.","vol":"7","page":493},{"text":"وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا﴾، قال الزجاج: القس والقسيس رؤساء النصارى (١).\nوقال الفراء في كتاب \"الجمع\": يجمع القسيس قسيسين كما قال الله، ولو جمع قسوسًا كان صوابًا؛ لأنهما في معنى واحد، يعني القس والقسيس، قال: ويجمع القسيس قساوسة، جمع على مثال مَهَالبَة، وكان قساسية، فكثرت السينات فأبدلوا إحداهن واوًا (٢)، والقسوسة مصدر القس والقسيس، وقد تكلمت العرب بالقس والقسيس، أنشد المازني:\nلو عَرضتْ لأِيبُليٍّ قَسِّ ... أشعثَ في هيكلِه مُنْدسَّ\nحَنَّ إليها كحنينِ الطَّسِّ (٣)\nوقال أمية:\nلو كان مُنفَلتٌ كانت قساوسةٌ ... يُحييهم اللهُ في أيديهم الزُّبُرُ (٤)\nوقساوسة جمع قسيس، على ما ذكرنا، هذا كلام أهل اللغة في القسيس، وقال ابن زيد: \"القسيسين: العُبَّاد\" (٥).\nوقال عروة بن الزبير: ضيعت النصارى الإنجيل، وأدخلوا فيه ما ليس منه، وبقي واحد من علمائهم على الحق والاستقامة وهو قسّيسا، فمن كان على هديه ودينه فهو قسيس\" (٦).\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٢٠٠، و\"بحر العلوم\" ١/ ٤٥٤، و\"الصحاح\" ٣/ ٩٦٣ (قس).\n(٢) كلام الفراء من \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٩٥٩ (قس)، و\"تفسير الطبري\" ٧/ ٣.\n(٣) الرجز منسوب للعجاج، وقد سبق ذكره عند تفسير المؤلف للآية الأول من سورة النساء.\n(٤) البيت في \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٩٥٩ (قس).\n(٥) أخرجه الطبري ٧/ ٣.\n(٦) لم أقف عليه.","vol":"7","page":494},{"text":"وقال قطرب: القس والقسيس: العالم بلغة الروم (١).\nوقال ورقة (٢):\nبما خبَّرتنا مِن قولِ قَسٍّ ... من الرهبانِ أكرهُ أنْ يعوجا\nوعلى هذا فالقس والقسيس مما وقع الوفاق فيه بين اللغتين، وأما الرهبان فهو جمع راهب، مثل راكب وركبان، وفارس وفرسان، قال الليث: الرهبانية مصدر الراهب، والترهيب التعبد في صومعة (٣)، وقال أبو الهيثم: الرهبان يكون واحدًا وجمعًا، فمن جعله واحدًا جعله بناء على فُعلان (٤)، وأنشد:\nلو عاينت رُهبان ديْرٍ في القُلَلْ ... لأقبلَ الرُّهبانُ يعْدُو ونَزَلْ (٥)\nقال: ووجه الكلام: أن يكون جمعًا بالنون، قال: وإن جمع الرهبان الواحد رهابين ورهابنة جاز، وإن قلت: رهبانيون، كان صوابًا، ينسبه إلى الرهبانية (٦)، وأصل الرهبانية من الرهبة بمعنى المخافة (٧).\nوقال جرير:\nرهبانُ مديَن لو رأوك تنزَّلوا ... والعُصمُ من شَعَفِ العَقُول الفادِرِ (٨)\n_________\n(١) انظر: \"الوسيط\" ٢/ ٢١٧، والبغوي ٣/ ٨٧، و\"زاد المسير\" ٢/ ٤٠٨.\n(٢) الظاهر أنه ورقة بن نوفل المشهور، من أهل الكتاب. وتقدمت ترجمته.\n(٣) \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٤٨ (رهب)، \"اللسان\" ٣/ ١٧٤٩ (رهب).\n(٤) \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٤٨٣ (رهب)، \"اللسان\" ٣/ ١٧٤٨ (رهب).\n(٥) البيت دون نسبة في: \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٤٨٣ (رهب)، \"اللسان\" ٣/ ١٧٤٨ (رهب).\n(٦) \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٤٨٣ (رهب)، \"اللسان\" ٣/ ١٧٤٨ (رهب).\n(٧) \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٤٨٣ (رهب)، \"تفسير الطبري\" ٧/ ٣.\n(٨) البيت في الطبري ٧/ ٣، و\"اللسان\" ٣/ ١٧٤٨ (رهب)، وقال موضحًا البيت: \"وعِلٌ عاقل: صعد الجبل، والفادر: المسن من الوعول.","vol":"7","page":495},{"text":"فهذا جمع، ويقال: كيف مدحهم الله ﷿ بأن منهم قسيسين ورهبَانًا وليس هذان من أمور المسلمين، وقد نهى النبي - ﷺ - عنهما فقال: \"إني لا آمركم أن تكونوا قسيسين ولا رهبانًا\" (١)؟، والجواب عن هذا ما ذكره أبو بكر محمد بن القاسم (٢) ﵀ فقال: إنما مدحهم الله تعالى بالتمسك بدين عيسى، وبأنهم استعملوا في أمر محمد - ﷺ - ما أخذ عليهم في التوراة والإنجيل، وكانت الرهبانية مستحسنة في دينهم، ولذلك كانوا يسمون الرئيس في دينهم قسًا وقسيسًا، فذكر الله ﵎ أسماءهم وألقابهم على سبيل ما يُعرف لهم، ومدح منهم تصديق النبي - ﷺ - (٣)، فكان تأويل قوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا﴾، ذلك بأن منهم عليما أوصاه عيسى ﵇، الدليل على هذا قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ فلما دخلوا في الإِسلام [...] (٤) ما كان قبله وألزمهم الأخذ بما يأمر رسول الله - ﷺ - ورفض ما كانوا يستعلمونه في شريعتهم.\nوقوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ أي عن اتباع الحق والإذعان به كما يستكبر اليهود وعبدة الأوثان) (٥) (٦).\n_________\n(١) أخرجه الطبري ٧/ ٩ بسنده عن أبي عبد الرحمن (وقد يكون ابن مسعود). وقد أخرج الإِمام أحمد في مسنده ٦/ ٢٢٦ من حديث عائشة في قصة عثمان بن مظعون قوله - ﷺ -: \"يا عثمان إن الرهبانية لم تكتب علينا\"، والدارمي في كتاب النكاح/ باب ٣ النهي عن التبتل ٣/ ١٣٨٦ - ١٣٨٧ برقم (٢٢١٥) من حديث سعد بن أبي وقاص بلفظ: (يا عثمان إني لم أومر بالرهبانية).\n(٢) ابن الأنباري.\n(٣) انظر: \"الوسيط\" ٢/ ٢١٧، \"زاد المسير\" ٢/ ٤٠٨، ٤٠٩.\n(٤) بياض في (ش) بمقدار كلمة.\n(٥) \"تفسير الطبري\" ٧/ ٤، و\"زاد المسير\" ٢/ ٤٠٩.\n(٦) إلى هنا نهاية السقط الذي سبقت الإشارة إلى بدايته من نسخة (ج).","vol":"7","page":496},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-933>٨٣ </span>- قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ﴾، قال ابن عباس: يريد النجاشي وأصحابه، قرأ عليهم جعفر الطيار في الحبشة ﴿كهيعص﴾، فأخذ النجاشي شيئًا من الأرض فقال: والله ما زاد على ما قال الله في الإنجيل هذا. فما زالوا يبكون حتى فرغ جعفر من القراءة، ﴿تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ﴾ يريد الذي نزل على محمد - ﷺ - وهو الحق ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا﴾ صدقنا ﴿فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ يريد مع أمة محمد - ﷺ - الذين يشهدون بالحق من قوله ﷿: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣]، هذا كله كلام ابن عباس وتفسيره (١).\nوقال أبو إسحاق: أي: مع من شهد من أنبيائك ومؤمني عبادك بأنك لا إله غيرك (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-934>٨٤ </span>- قوله تعالى: ﴿وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾، قال المفسرون: إن هؤلاء الوفد لما رجعوا إلى قومهم لاموهم على ترك دينهم، فأجابوهم بهذا (٣).\nقال أبو إسحاق: موضع (لا نؤمن) نصب على الحال، المعنى أي شيء لنا تاركين للإيمان؟ (٤)، وأراد بالقوم الصالحين أمة محمد - ﷺ - (٥)، دليله قوله تعالى: ﴿يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٥] (٦).\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" ٧/ ٥ - ٦، \"الوسيط\" ٢/ ٢١٧، ٢١٨، البغوي ٣/ ٨٧، \"زاد المسير\" ٢/ ٤٠٩، وابن كثير ٢/ ٩٨.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٢٠٠.\n(٣) \"بحر العلوم\" ١/ ٤٥٤، \"الوسيط\" ٢/ ٢١٩، البغوي ٣/ ٨٨.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٢٠٠.\n(٥) هذا تفسير ابن زيد أخرجه الطبري ٧/ ٧، \"زاد المسير\" ٢/ ٤١٠.\n(٦) \"تفسير البغوي\" ٣/ ٨٨، \"الوسيط\" ٢/ ٢١٩،\"زاد المسير\" ٢/ ٤١٠.","vol":"7","page":497},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-935>٨٥ </span>- قوله تعالى: ﴿فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا﴾، قال الكلبي: أي بالتوحيد (١)، وعلى هذا إنما علق الثواب بمجرد القول؛ لأنه قد سبق من وصفهم ما يدل على إخلاصهم فيما قالوا، وهو المعرفة في قوله: (مما عرفوا من الحق) والبكاء المؤذن بحقيقة الإخلاص واستكانة القلب ومعرفتة، والقول إذا اقترن به المعرفة والإخلاص فهو الإيمان الحقيقي الموعود عليه بالثواب (٢).\nوقال عطاء عن ابن عباس في قوله: (بما قالوا): \"يريد بما سألوا\" يعني قولهم: ﴿فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾، وقولهم: ﴿وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا﴾ الآية وهذا يدل على مسألتهم الجنة (٣)، فعلى هذا التفسير، القول معناه: المسألة.\nوقوله تعالى: ﴿وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾، قال ابن عباس: الموحدين (٤)، وقال الكلبي: المؤمنين (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-936>٨٦ </span>- قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا﴾، قال أهل المعاني: لما ذكر الله الوعد لمؤمني أهل الكتاب، ذكر الوعيد لمن كفر منهم وكذب (٦)، وأطلق اللفظ به ليكون لهم ولمن جرى مجراهم في الكفر.\n<span data-type=\"title\" id=toc-937>٨٧ </span>- قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾، الطيبات اللذيذات التي تشتهيها النفوس وتميل إليها القلوب (٧)،\n_________\n(١) انظر: \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ١٢٢.\n(٢) \"تفسير الطبري\" ٧/ ٥ - ٦، والبغوي ٣/ ٨٨.\n(٣) انظر: \"الوسيط\" ٢/ ٢١٩.\n(٤) \"تفسير البغوي\" ٣/ ٨٨، و\"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ١٢٢.\n(٥) نسبه لابن عباس في زاد المسير ٢/ ٤١٠ \"الوسيط\" ٢/ ٢١٩.\n(٦) هذا وجه المناسبة لهذه الآية وما قبلها، وذكره في الوسيط ٢/ ٢١٩.\n(٧) الطبري ٧/ ٨، \"الوسيط\" ٢/ ٢١٩، البغوي ٣/ ٩٠.","vol":"7","page":498},{"text":"قال المفسرون. هم قوم من أصحاب النبي - ﷺ - أن يرفضوا (١) الدنيا ويحرموا على أنفسهم المطاعم الطيبة والمشارب اللذيذة، وأن يصوموا النهار ويقوموا الليل، وأن لا يناموا على الفرش، ويخصوا أنفسهم (٢)، فأُخِبر النبي - ﷺ - بذلك فقال: \"إن لأنفسكم عليكم حقًّا، فصوموا وأفطروا، وقوموا وناموا؛ (فإني) (٣) أقوم وأنام وأصوم وأفطر، وآكل اللحم والدسم، وآتي النساء، ومن رغب عن سنتي فليس مني\" فأنزل الله ﷿ هذه الآية (٤).\nواعلم أن شريعة نبيه ﵇ غير ذلك، وأن الطيبات لا ينبغي أن تجتنب، وسمى الخصاء اعتداء فقال: ﴿وَلَا تَعْتَدُوا﴾ أي لا تجبوا أنفسكم، وهذا\n_________\n(١) هكذا في النسختين، ولعل الكلام ناقص، فقد يكون الصواب: أرادوا أن يرفضوا.\n(٢) من الخصاء وهو وجاء الخصيتين وجبهما.\n(٣) ساقط من (ج).\n(٤) بهذا السياق وهذه التفاصيل الواردة في القصة وأنها سبب لنزول هذه يروى هذا الأثر مرسلًا فقد أخرجه الطبري من طرق عن التابعين كقتادة وغيره. \"تفسير الطبري\" ٧/ ٨ - ١٢، وذكره المؤلف في أسباب النزول ص ٢٠٧ - ٢٠٨، والسيوطي في كتاب: النقول ص ٩٦، ٩٧، قال محقق أسباب النزول: \"ما أخرجه ابن جرير عن عكرمة وقتادة وأبي قلابة بمعناه، وهي مراسيل صحيحة الإسناد، إلا أن تفصيل القصة والأشخاص وما رد عليهم الرسول - ﷺ - عليهم لم يذكر في أثر مسند صحيح وكذا أصلها، والله أعلم.\nقلت: لكن لهذه القصة أجل في الصحيحين وغيرهما من حديث أنس - ﵁ - في أمر الثلاثة الذين سألوا عن عبادته - ﷺ - فكأنهم تقالوها فعزموا على القيام والصيام واعتزال النساء فقال - ﷺ -: \"أنتم الذين قلتم كذا وكذا، أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر وأصلي وأرقد وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني\".\nأخرجه البخاري واللفظ له رقم (٥٠٦٣)، ومسلم برقم ١٤٠١.","vol":"7","page":499},{"text":"قول ابن عباس ومجاهد وقتادة وإبراهيم (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-938>٨٨ </span>- قوله تعالى: ﴿وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا﴾، قال ابن عباس: يريد من طيبات الرزق، اللحم وغيره (٢)، وقال عبد الله بن المبارك: الحلال ما أخذته من وجهه والطيب ما غَذَّا ونمَّا (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-939>٨٩ </span>- قوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾، قال ابن عباس والمفسرون: إن القوم لما حرموا الطيبات من المآكل والمناكح والملابس حلفوا على ذلك، فلما نزل: ﴿لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ قالوا: يا رسول الله فكيف نصنع بأيماننا؟ فأنزل الله هذه الآية (٤).\nوقد مضى الكلام في معنى لغو اليمين وحكمه مستقصى في سورة البقرة (٥).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾، اختلف القراء في (عقدتم) فقرؤوا مخففًا، ومشددًا، وبالألف من عاقد (٦)، يقال: عقد فلان\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" ٧/ ١٠ - ١١، \"الوسيط\" ٢/ ٢١٩، البغوي ٣/ ٩٠، \"زاد المسير\" ٢/ ٤١٢، \"الدر المنثور\" ٢/ ٥٤٤ - ٥٤٨.\n(٢) انظر: \"الوسيط\" ٢/ ٢٢٠، وعزاه المحقق للترمذي في كتاب التفسير من سورة المائدة ولم أجده.\n(٣) \"تفسير البغوي\" ٣/ ٩٠.\n(٤) أخرجه الطبري عن ابن عباس ٧/ ١٣، \"الوسيط\" ٢/ ٢٢٠، البغوي ٣/ ٩٠، \"زاد المسير\" ٢/ ٤١٢.\n(٥) الظاهر أنه عند تفسير قوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ (٢٢٥) سورة البقرة.\n(٦) قال أبو علي: \" ... فقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو: (بما عقَّدتُمْ) بغير ألف مشددة القاف، وكذا روى حفص عن عاصم. وقرأ عاصم في رواية أبي بكر: (بما عَقَدتُمْ) بغير ألف خفيفة، وكذلك قرأ حمزة والكسائي\".\nوقرأ ابن عامر: (عاقدتم) بألف. \"الحجة للقراء السبعة\" ٣/ ٢٥١.","vol":"7","page":500},{"text":"اليمين والعهد والحبل عقدًا، إذا وكده وأحكمه، ومثل ذلك أيضًا عقَّد بالتشديد إذا وكَّد، وعاقد بالألف (١)، قال الحطيئة:\nوإن عاهدوا أوفوا وإن عاقدوا شدوا (٢)\nوقال في عقد:\nقومٌ إذا عَقَدوا عقدًا لجارِهُم (٣)\nفقال في بيت: عاقدوا، وفي بيت: عقدوا، فمن قرأ بالتشديد احتمل أمرين: أحدهما أن يكون لتكثير الفعل، لأنه خاطب بهذا الجماعة، فصار كقوله تعالى: ﴿وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ﴾ [يوسف: ٢٣]، والآخر أن يكون عَقَّد مثل عقد في أنه لا يراد به التكثير (٤)، وزيَّف أبو عبيد هذه القراءة فقال: التشديد للتكرير مرة بعد مرة، ولست آمن أن توجب هذه القراءة سقوط الكفارة في اليمين الواحدة، لأنها لم تكرر، ووهم فيما قال؛ لأن معنى تعقيد اليمين أن يعقدها في قلبه ولفظه، ولو عقد عليها في أحدهما دون الآخر لم يكن تعقيدًا، ومتى ما جمع بين اللسان والقلب في قصد اليمين فقد عَقَّد اليمين، ومن قرأ بالتخفيف فإنه صالح للكثير والقليل، يقال: عقدوا أيمانهم، وعقد زيد يمينه (٥).\n_________\n(١) \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٥١٢ (عقد).\n(٢) \"ديوانه\" ص ١٤٠ وصدره:\nأولئك قوم إن بنوا أحسنوا البُنى\nوهو في تهذيب اللغة ٣/ ٢٥١٢ (عقد).\n(٣) صدر بيت للحطيئة في ديوانه ص ١٢٨، وعجزه:\nشدوا العِنَاج وشدوا فوقه الكربا\nوهو في \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٥١٢ (عقد)، و\"الحجة\" ٣/ ٢٥٢.\n(٤) \"الحجة للقراءة السبعة\" ٣/ ٢٥١.\n(٥) \"الحجة للقراء السبعة\" ٣/ ٢٥٢.","vol":"7","page":501},{"text":"قال أبو عبيد: على هذا وجدنا الآثار كلها، يقال: الأيمان ما عُقِدتَ عليه القلوب، وأما من قرأ بالألف فإنه من المفاعلة التي تختص بالواحد مثل: عافاه الله، وطارقت النعل، وعاقبت اللص، فتكون هذه القراءة كقراءة من خفف (١)، و(ما) مع الفعل بمنزلة المصدر، وليست الموصولة التي تقتضي راجعًا، والتقدير: ولكن يؤاخذكم بعقدكم أو بتعقيدكم أو بمعاقدتكم الإيمان (٢).\nوأما التفسير قال عطاء: \"هو أن يضمر الأمر، ثم يحلف بالله لا إله إلا هو، فيعقد عليه اليمين (٣).\nوقال مجاهد: ما عقد عليه قلبك وتعمدته، يعني كفارة عقدكم (...) (٤) العقد (٥).\nقال الكلبي: هو أن يحلف على اليمين، وهو يعلم أنه فيها كاذب (٦).\nوقال الزجاج: أعلم الله ﷿ أن اليمين يؤاخذ بها العبد، ويجب في بعضها الكفارة، وهو ما جرى على عقد (٧).\nوقوله تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ﴾، أي: كفارة ما عقدتم يكون حنثًا، فلا\n_________\n(١) \"الحجة\" ٣/ ٢٥٢.\n(٢) \"الحجة للقراء السبعة\" ٣/ ٢٥٣، ٢٥٤.\n(٣) لم أقف عليه.\n(٤) بياض في (ج) فقط بمقدار كلمة.\n(٥) أخرجه بمعناه الطبري ٧/ ١٤، \"الوسيط\" ٢/ ٢٢١، \"زاد المسير\" ٢/ ٤١٣.\n(٦) لم أقف عليه، وفي هذا نظر لأن اليمين الكاذبة، وهي الغموس، لا تكفر.\nانظر: بحر العلوم ١/ ٤٥٦ وما نقله عن وهب بن منبه، \"الدر المنثور\" ٢/ ٥٥١ وما رواه عن أبي مالك.\n(٧) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٢٠١، ٢٠٢.","vol":"7","page":502},{"text":"يحتاج إلى الإضمار، وقد يكون موقوفًا على الحنث والبر فيحتاج إلى إضمار إذا حنثتم، ويستغنى عنه أنه مدلول عليه.\nوقوله تعالى: ﴿إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾، نصيب كل مسكين مُدّ، وهو ثلثا منٍّ (١)، وهو قول ابن عباس وزيد بن ثابت وسعيد بن المسيب والقاسم والحسن (٢)، ومذهب الشافعي (٣)، وعند أبي حنيفة يطعم نصف صاع من حنطة، وصاعًا من غير الحنطة كالشعير والتمر والزبيب (٤)، وهو قول مجاهد، قال: كل إطعام في القرآن للمساكين فهو على نصف صاع (٥)، وإن كان المساكين ذكورًا وإناثًا جاز ذلك، ولكن وقع لفظ التذكير لأنه مغلب في كلام العرب.\nوقوله تعالى: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾، قال ابن عباس: كان الرجل يقوت أهله قوتًا فيه سعة، وقوتًا وسطًا، وقوتًا دون ذلك، فأمر بالوسط (٦)، وهذا يعود إلى ما ذكرنا من قدر المد؛ لأنه وسط في طعام الواحد، وليس بسرف ولا تقتير.\n_________\n(١) الصالح أربعة أمداد، مقدارها بالوزن الحاضر كيلوان ونصف تقريبًا، فيكون المد أقل من الكيلو.\n(٢) انظر: الطبري ٧/ ١٨ - ٢١، والبغوي ٣/ ٩١، وابن كثير ٢/ ١٠١.\n(٣) \"الأم\" للشافعي ٧/ ٦٤، وانظر: \"النكت والعيون\" ٢/ ٦١، والوسيط ٢/ ٢٢١، وابن كثير ٢/ ١٠٢.\n(٤) \"بحر العلوم\" ١/ ٤٥٦، \"النكت والعيون\" ٢/ ٦١، والبغوي ٣/ ٩١، وابن كثير ٢/ ١٠٢.\n(٥) لم أجده بهذا اللفظ أو قريب منه، والذي أخرج الطبري ٧/ ١٩ عن مجاهد بلفظ: مدان من طعام لكل مسكين. والمدان: نصف صاع، فهو بمعناه.\n(٦) أخرجه الطبري بمعناه ٧/ ٢٢، وانظر: زاد المسير ٢/ ٤١٤.","vol":"7","page":503},{"text":"ومثل هذا قال سعيد بن جبير: كان أهل المدينة يفرضون للصغير على قدره، وللكبير على قدره، وللوسط على قدره، فأمروا بأوسط ما يطعمون (١)، وهذا وسط في الشبع، لا يكون فوق الحاجة ولا دون المغني من الجوع، ويحتمل أن يريد بالأوسط ما هو أوسط في القيمة، لا يكون غاليًا كالسكر وما يغلو ثمنه من المطعومات، ولا يكون خسيس الثمن كالنخالة والذرة. والأوسط على هذا: الحنطة والتمر والزبيب والخبز، وهذا قول الأسود وعبيدة وشريح (٢)، ويحتمل أن يريد الأوسط في الجنس، وهذا كالأوسط في القيمة، قال ابن عباس في رواية عطاء: كل شيء في كتاب الله أوسط فهو أفضل (٣)، فعلى هذا يريد: من خير قوت عيالكم، فلو أنه يطعم عياله الحنطة ويقتاتها، لم يجز له أن يعطي الشعير.\nوقوله تعالى: ﴿أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾، الكسوة في اللغة معناها: اللباس، وهي كل ما يكتسي به (٤)، وأما الذي يجزئ في الكفارة، فهو أقل ما وقع عليه اسم الكسوة: إزار أو رداء أو قميص أو سراويل أو عمامة، ومقنعة، ثوب واحد لكل مسكين، وهو قول ابن عباس، والحسن ومجاهد، وعطاء، وطاوس، وإبراهيم (٥)، ومذهب الشافعي - ﵁ - (٦).\n_________\n(١) أخرجه بنحوه الطبري ٧/ ٢٢، انظر: \"النكت والعيون\" ٢/ ٦١، \"زاد المسير\" ٢/ ٤١٣.\n(٢) \"تفسير البغوي\" ٣/ ٩١، \"زاد المسير\" ٢/ ٤١٤.\n(٣) لم أقف عليه، وانظر: القرطبي ٦/ ٢٧٦.\n(٤) \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣١٣٩ (كسو).\n(٥) انظر: الطبري ٧/ ٢٣ - ٢٤، \"بحر العلوم\" ١/ ٤٥٦، \"النكت والعيون\" ٢/ ٦١، \"زاد المسير\" ٢/ ٤١٤.\n(٦) \"النكت والعيون\" ٢/ ٦١، والبغوي ٣/ ٩١، \"زاد المسير\" ٢/ ٤١٤.","vol":"7","page":504},{"text":"وقوله تعالى: ﴿أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾، قيل: (رقبة) والمراد الجملة؛ لأنه مشبه بالأسير الذي يفك عن رقبته ويطلق (١)، والرقبة المحررة في الكفارة: كل رقبة سليمة من عيب وعاهة تمنع من العمل، صغيرة كانت أو كبيرة، ذكرًا أو أنثى، بعد أن تكون مؤمنة، ولا يجزئ إعتاق الكافرة في شيء من الكفارات (٢).\nقال ابن عباس في رواية عطاء: (أو تحرير رقبة) يريد مؤمنة (٣).\nوهو قول الحسن أيضًا ومذهب الشافعي (٤)، واحتج بأن الله تعالى قيد بالإيمان في كفارة القتل، وأطلق في غيرها، والمطلق يحمل على المقيد (٥).\nقال أبو إسحاق: خُيِّر الحالف بين هذه الثلاثة، وأفضلها عند الله أكثرها نفْعًا وأحسنها موقعًا من المساكين أو من المعتق، فإن كان الناس في جدب لا يقدرون على المأكول إلا بما هو أشد تكلفًا من الكسوة والإعتاق فالإطعام أفضل؛ لأن به قوام الحياة، وإلا فالإعتاق والكسوة أفضل (٦).\nوهذا إجماع من العلماء أن المكفر مخير بين هذه الثلاث (٧).\nوقوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ﴾، قال الحسن: من كان عنده عشرة دراهم\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" ٧/ ٢٦.\n(٢) \"تفسير الطبري\" ٧/ ٢٨ - ٢٩، البغوي ٣/ ٩٢، \"زاد المسير\" ٢/ ٤١٥.\n(٣) أخرج الطبري ٧/ ٢٧ عن عطاء قال: يجزئ المولود في الإِسلام من رقبة.\n(٤) \"الأم\" ٧/ ٦٥.\n(٥) \"تفسير البغوي\" ٣/ ٩٢، \"زاد المسير\" ٢/ ٤١٥.\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٢٠٢.\n(٧) حكى الإجماع هنا الطبري ١٠/ ٥٥٥.","vol":"7","page":505},{"text":"فعليه أن يطعم في الكفارة (١).\nوقال عطاء الخراساني: عشرون درهما (٢).\nوقال قتادة: من ليس عنده ما يفضل عن قوته وقوت عياله يومه وليلته فهو غير واجد، وجاز له الصيام (٣)، وهو مذهب الشافعي (٤)، وعليه دل كلام ابن عباس فيما روى عنه عطاء، لأنه قال: فمن لم يجد من هذه الثلاثة شيئًا (٥).\nوقال الزجاج: من كان لا يقدر على شيء مما حد في الكفارة (٦).\nقال الشافعي: إذا كان عنده قوته وقوت عياله، يومه وليلته، ومن الفضل ما يطعم عشرة مساكين، لزمته الكفارة بالإطعام، وإن لم يكن عنده هذا القدر فله الصيام (٧).\nوعند أبي حنيفة: يجوز له الصيام إذا كان عنده من المال ما لا تجب فيه الزكاة (٨)، فجعل من لا زكاة عليه عادمًا (٩).\n_________\n(١) المروي عن الحسن درهمان، كما أخرجه الطبري ٧/ ٢٩، وانظر: \"النكت والعيون\" ٢/ ٦٢، \"زاد المسير\" ٢/ ٤١٥.\n(٢) لم أقف عليه.\n(٣) انظر: \"الوسيط\" ٢/ ٢٢١، \"زاد المسير\" ٢/ ٤١٥.\n(٤) \"الأم\" ٧/ ٦٦، الطبري ٧/ ٢٩، \"النكت والعيون\" ٢/ ٦٢، \"الوسيط\" ٢/ ٢٢١، \"زاد المسير\" ٢/ ٤١٥.\n(٥) \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ١٢٢.\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٢٠٢.\n(٧) \"الأم\" ٧/ ٦٦، \"الوسيط\" ٢/ ٢٢١، ٢٢٢، \"زاد المسير\" ٢/ ٤١٥.\n(٨) \"النكت والعيون\" ٧/ ٦٣، \"زاد المسير\" ٢/ ٤١٥.\n(٩) وهذا القول مخالف لظاهر الآية، وما عليه جمهور العلماء.","vol":"7","page":506},{"text":"وقوله تعالى: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾، أي: فعليه، أو فكفارته ثلاثة أيام، قال ابن عباس والحسن: متتابعات (١)، وهو قول قتادة وأبي بن كعب والثوري، ومذهب أبي حنيفة (٢)، وقال مجاهد: يخير فيهن (٣).\nوقال عطاء وإبراهيم: ما لم يذكر في كتاب الله متتابعًا فصمه كيف شئت (٤)، وهو مذهب مالك (٥)، وللشافعي فيه قولان (٦):\nأحدهما: أن التتابع يجب قياسًا على الصيام في كفارة الظهار، ولأن في قراءة عبد الله وأُبي: (فصيام ثلاثة أيام متتابعات) (٧).\nوالثاني: أنه مخير، إن شاء فرق، وإن شاء تابع (٨).\nوقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ﴾، يعني: أيمانكم الكاذبة، التي حنثتم بها، فحذف النعت لأنه مدلول عليه، وإن شئت قلت: ذلك كفارة\n_________\n(١) أخرجه عن ابن عباس الطبري ٧/ ٣٠ - ٣١، \"الوسيط\" ٢/ ٢٢٢. أما الحسن فقد نسب إليه ابن الجوزي في زاد المسير ٢/ ٤١٥ القول بجواز التفريق بين صيام الأيام، والله أعلم.\n(٢) \"بحر العلوم\" ١/ ٤٥٦، والبغوي ٣/ ٩٣، و\"زاد المسير\" ٢/ ٤١٥، وزاد ابن الجوزي: وهو قول أصحابنا -يعني الحنابلة-.\n(٣) هكذا نسب المؤلف لمجاهد ﵀ القول بالتخيير وكذا في الوسيط ٢/ ٢٢٢ إلا أن المعروف عن مجاهد عند عامة المفسرين القول بلزوم التتابع، كما أخرج ذلك عنه الطبري ٧/ ٣٠، \"بحر العلوم\" ١/ ٤٥٦، \"النكت والعيون\" ٢/ ٦٣، \"زاد المسير\" ٢/ ٤١٥.\n(٤) \"تفسير الطبري\" ٧/ ٣٠.\n(٥) \"تفسير البغوي\" ٣/ ٩٣، و\"زاد المسير\" ٢/ ٤١٥، وابن كثير ٢/ ١٠٣.\n(٦) \"الأم\" ٧/ ٦٦، والبغوي ٣/ ٩٣، و\"زاد المسير\" ٢/ ٤١٥، وابن كثير ٢/ ١٠٣.\n(٧) \"الأم\" ٧/ ٦٦، والبغوي ٣/ ٩٣، وابن كثير ٢/ ١٠٣.\n(٨) \"تفسير البغوي\" ٣/ ٩٣، وابن كثير ٢/ ١٠٣.","vol":"7","page":507},{"text":"حنث أيمانكم، ثم حذف المضاف، وقال أبو إسحاق: أي ذلك الذي يغطي على آثامكم (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾، قال ابن عباس: يريد لا تحلفوا (٢)، وقال غيره: واحفظوا أيمانكم عن الحنث فلا تحنثوا (٣)، وحفظ اليمين يحتمل الأمرين (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-940>٩٠ </span>- قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾، قد ذكرنا في سورة البقرة معنى الخمر والميسر وأصلهما واشتقاقهما (٥)، وقد قال ابن عباس في هذه الآية: \"يريد الخمر من جميع الأشربة التي تخمر حتى تشتد وتسكر\" (٦).\nوقد قال - ﷺ -: \"الخمر من تسع: من البِتْع وهو العسل، ومن العنب، ومن الزبيب، ومن التمر، ومن الحنطة، ومن الذرة، والشعير، والسُلت\" (٧)، وقال في الميسر: \"يريد القمار، وهو في أشياء كثيرة\" (٨). انتهى كلامه،\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٢٠٣.\n(٢) انظر: \"الوسيط\" ٢/ ٢٢٢، ونسبه محققه لتفسير ابن عباس ص ١٠٠، والبغوي ٣/ ٩٣، و\"زاد المسير\" ٢/ ٤١٦.\n(٣) \"تفسير الطبري\" ٧/ ٣١، \"النكت والعيون\" ٢/ ٦٣، \"زاد المسير\" ٢/ ٤١٦.\n(٤) \"النكت والعيون\" ٢/ ٦٣. ورجح البغوي ٣/ ٩٣ القول الثاني.\n(٥) الظاهر أن ذلك عند تفسير قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ [البقرة: ٢١٩].\n(٦) انظر: \"الوسيط\" ٢/ ٢٢٣، \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ١٢٣.\n(٧) أخرجه بمعناه أبو داود (٣٦٧٦ - ٣٦٧٧) في الأشربة، باب الخمر ما هي؟ من حديث النعمان بن بشيرِ، والترمذي (١٨٧٢) في الأشربة، باب ما جاء في الحبوب التي يتخذ منها الخمر، وابن ماجه (٣٣٧٩) في الأشربة، باب مما يكون منه الخمر.\n(٨) انظر: \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ١٢٣.","vol":"7","page":508},{"text":"وقال الزجاج: (والميسر: القمار) (١) كله، وأصله أنه كان قمارًا في الجزور، وكانوا يقسمون الجزور في قول الأصمعي على ثمانية وعشرين جزءًا، وفي قول أبي عمرو الشيباني على عشرة أجزاء، وقال أبو عبيدة: لا أعرف عدد الأجزاء. وكانوا يضربون عليها بالقداح (٢).\nفهذا أجل الميسر، والقمار كله كالميسر (٣)، ويطول الكلام في كيفية قمار العرب على الجزور، فتركت ذلك، قال أبو إسحاق: وقد بينتها على حقيقتها في كتاب \"الميسر\".\nوقوله تعالى: ﴿وَالْأَنْصَابُ﴾، قال ابن عباس: يريد أنصبتهم التي نصبوها يعبدونها، وواحدها نَصْبٌ (٤)، وقال في الأزلام: إنها سهام مكتوب عليها خير وشر (٥)، ومثل ذلك قال الفراء والزجاج وغيرهما في الأنصاب والأزلام (٦).\nوقد ذكرنا معنى الأنصاب والأزلام في أول السورة عند قوله تعالى: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ﴾ [المائدة: ٣].\nوذهب بعضهم إلى أن المراد بالأزلام ههنا: قداح الميسر، قال\n_________\n(١) في (ج): (والميسر والقمار).\n(٢) انظر: \"مجاز القرآن\" ١/ ١٧٥.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٢٠٣، وانظر: \"معاني القرآن\" للنحاس ٢/ ٣٥٦.\n(٤) انظر: غريب القرآن لابن قتيبة ص ١٤٥، \"النكت والعيون\" ٢/ ٦٤، \"الوسيط\" ٢/ ٢٢٦، ونسبه المحقق لتفسير ابن عباس ص ٨٨، والبغوي ٣/ ٩٤.\n(٥) \"النكت والعيون\" ٢/ ٦٤، \"الوسيط\" ٢/ ٢٢٦، وعزاه المحقق لتفسير ابن عباس ص ٨٨، والبغوي ٣/ ٩٤.\n(٦) \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٣١٩، \"غريب القرآن\" لابن قتيبة ص ١٤٥، \"معاني القرآن وإعرابه\" للزجاج ٢/ ٢٠٣.","vol":"7","page":509},{"text":"الأزهري: ومن قال ذلك فقد وهم.\nوقوله تعالى: ﴿رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾، الرجس في اللغة: اسم لكل ما استقذر من عمل، يقال: رَجِسَ الرجل رَجَسًا ورَجُسَ، إذا عمل عملًا قبيحًا، وأصل من الرَّجَس بفتح الراء وهو شدة الصوت، يقال: سحاب رجاس، إذا كان شديد الصوت بالرعد، قال الراجز:\nوكل رجَّاس يَسُوق الرُّجَّسَا (١)\nفكان الرجس العمل الذي يقبح ذكره جدًا ويرتفع في القبح (٢)، قال الزجاج (٣): بالغ الله في ذم هذه الأشياء فسماها رجسًا، وأعلم أن الشيطان يسول ذلك لبني آدم (٤).\nوقوله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾، أي: كونوا جانبًا منه (٥)، والهاء عائدة على الرجس (٦)، والرجس واقع على الخمر وما ذكر بعدها، وقد قرن الله تعالى تحريم الخمر بتحريم عبادة الأوثان تغليظًا وإبلاغًا في النهي عن شربها، ولذلك قال رسول الله - ﷺ -: \"مدمن الخمر كعابد الوثن\" (٧).\n_________\n(١) هذا الرجز منسوب للعجاج كما في حاشية \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٠٤، \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٣٦٧ (رجس).\n(٢) الكلام من أوله من \"معاني القرآن وإعرابه\" للزجاج ٢/ ٢٠٣، ٢٠٤، \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٣٦٧ (رجس)، \"زاد المسير\" ٢/ ٤١٧\n(٣) في (ج): (الزجاجي)، وهو تصحيف لأن الكلام للزجاج.\n(٤) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٠٣.\n(٥) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٠٦، \"معاني القرآن\" للنحاس ١/ ٣٥٦.\n(٦) \"تفسير البغوي\" ٣/ ٩٤.\n(٧) أخرجه البخاري في تاريخه ١/ ١٢٩، ٣/ ٥١٥، والبيهقي في \"شعب الإيمان\" ٥/ ١٢، وصححه الألبانى. انظر: \"صحيح الجامع الصغير\" ٥/ ٢٠٥ برقم ٥٧٣٧.","vol":"7","page":510},{"text":"وقال - ﷺ -: \"أكثر ما نهاني عنه ربي بعد عبادة الأوثان شرب الخمر وملاحاة الرجال\" (١). يعني: عداوة الرجال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-941>٩١ </span>- قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾، قال ابن عباس: يريد سعد بن أبي وقاص ورجلًا من الأنصار كان مواخيًا لسعد، فدعاه إلى طعام فأكلوا وشربوا نبيذًا مسكرًا، فوقع بين الأنصاري وسعدٍ مراءً ومفاخرة، فأخذ الأنصاري لَحي بَعير فضرب به سعدًا حتى أثر في وجهه، فأنزل الله ذلك فيهما (٢).\nقال أهل المعاني: إن الشيطان يزين لهم ذلك، حتى إذا سكروا وزالت عقولهم أقدموا من المكاره والمقابح على ما كانت تمنعه منه عقولهم (٣)، وأما العداوة في الميسر فقال قتادة: كان الرجل يقامر في أهله وماله، فيقمر فيبقى (٤) حريبًا (٥) سليبًا، فيكسبه ذلك العداوة والبغضاء (٦).\nوقوله تعالى: ﴿وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ﴾، وذلك أن من اشتغل بشرب الخمر والقمار ألهاه ذلك عن ذكر الله جل وعز بالتعظيم، والشكر على آلائه، وعن عبادته.\nوقوله تعالى: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١]، قال ابن عباس:\n_________\n(١) لم أقف عليه.\n(٢) القصة من حديث سعد في صحيح مسلم (١٧٤٨) كتاب فضائل الصحابة، باب: في فضل سعد بن أبي وقاص، والطبري ٧/ ٣٣ - ٣٤ من طرق، و\"أسباب النزول\" للمؤلف ص ٢٠٩.\n(٣) \"تفسير الطبري\" ٧/ ٣٢.\n(٤) في (ج): (ويبقى).\n(٥) في ش: (حربيًا).\n(٦) أخرجه الطبري ٧/ ٣٥، \"الوسيط\" ٢/ ٢٢٧.","vol":"7","page":511},{"text":"قالوا - ﵃ - انتهينا ربنا (١)، وكان عمر - ﵁ - يقول: اللهم بيِّن لنا في الخمر بيانًا شافيًا حتى نزلت هذه الآية فقال: انتهينا انتهينا (٢).\nقال ابن الأنباري: بُيِّن تحريم الخمر في قوله: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ إذ كان معناه: فانتهوا (٣).\nقال الفراء: ردد علي أعرابي: هل أنت ساكت؟ هل أنت ساكت؟ وهو يريد: سكت (٤)؟.\nوقال غيره: إنما جاز في صيغة الاستفهام أن يكون على معنى النهي؛ لأن الله تعالى ذم هذه الأفعال وأظهر قبحها، وإذا ظهر قبح الفعل للمخاطب، ثم استفهم عن تركه، لم يسعه إلا الإقرار بالترك، فكأنه قيل: أتفعله بعد ما قد ظهر من قبحه ما ظهر، فصار المنهي بقوله: (فهل أنتم منتهون) في محل قد عقد عليه ذلك بإقراره، فكان هذا أبلغ في باب النهي من أن لو قيل: انتهوا ولا تشربوا (٥).\nولما ذكر الأمر باجتناب الخمر وما بعدها، أمر بالطاعة فيه وفي غيره من أمر الله ﷿ (٦) فقال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-942>٩٢ </span>- ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا﴾، أي: المحارم والمناهي (٧)،\n_________\n(١) الأثر عن بريدة أخرجه الطبري ٧/ ٣٤، \"الوسيط\" ٢/ ٢٢٧.\n(٢) أخرجه أبو داود (٣٦٧٠) كتاب: الأشربة، باب: في تحريم الخمر، والترمذي (٣٠٤٩) كتاب: التفسير، باب: من سورة المائدة، والطبري ٧/ ٣٣ - ٣٤.\n(٣) انظر: \"الوسيط\" ٢/ ٢٢٧.\n(٤) ليس في \"معاني القرآن\"، \"الوسيط\" ٢/ ٢٢٧، \"زاد المسير\" ٢/ ٤١٩.\n(٥) \"تفسير البغوي\" ٣/ ٩٤، \"زاد المسير\" ٢/ ٤١٩.\n(٦) وجه المناسبة للآية وما بعدها.\n(٧) \"تفسير البغوي\" ٣/ ٩٤.","vol":"7","page":512},{"text":"وقال عطاء: يريد احذروا سخطي (١)\nوقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾، معناه: الوعيد، كأنه قيل: فاعلموا أنكم قد استحققتم العقاب لتولِّيكم عما أدى رسولنا من البلاغ المبين، فوضع كلامَ موضع كلام للإيجاز، ولو كان على غير هذا التقدير لم يصح؛ لأن عليهم أن يعلموا ذلك تولوا أو لم يتولوا، وإنما صار هذا وعيدًا لأنهم إذا علموا أن الرسول قد بلغ ولم يطيعوه استحقوا العقاب (٢).\nوأجراه بعضهم على ظاهره، وقال: معناه فاعلموا أنه ليس على الرسول إلا البلاغ، فأما توفيق الطاعة والخذلان للمعصية، والثواب والعقاب فذلك ما لا يملكه الرسول (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-943>٩٣ </span>- قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ الآية، قال ابن عباس: لما نزل تحريم الخمر والميسر، قالت الصحابة: يا رسول الله ما نقول في إخواننا الذين مضوا وهم يشربون الخمر ويأكلون الميسر؟ فأنزل الله هذه الآية (٤).\nوقال عطاء: قالوا في أنفسهم: ليت شعرنا ما فعل الله في أصحابنا الذين قتلوا في سبيل الله وهي في بطونهم، وهم شهداء بدر واحد وغير ذلك.\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" ٧/ ٣٥ - ٣٦.\n(٢) انظر: \"الوسيط\" ٢/ ٢٢٧، \"زاد المسير\" ٢/ ٤١٩.\n(٣) \"تفسير الطبري\" ٧/ ٣٥ - ٣٦.\n(٤) أخرجه الطبري ٧/ ٣٧، ونحوه في الصحيحين عن أنس وسيأتي تخريجه قريبًا.","vol":"7","page":513},{"text":"ونحو هذا من القول في سبب النزول، قال أنس (١) والبراء بن عازب (٢) ومجاهد وقتادة (٣) والضحاك (٤).\nوقوله تعالى: ﴿فِيمَا طَعِمُوا﴾، يعني: من الخمر والميسر (٥)، وهذه اللفظة صالحة للأكل والشرب جميعًا.\nوقوله تعالى: ﴿إِذَا مَا اتَّقَوْا﴾، يعني: المعاصي والشرك (٦)، ﴿ثُمَّ اتَّقَوْا﴾ الخمر والميسر بعد تحريمها (٧)، ﴿ثُمَّ اتَّقَوْا﴾ يعني: جميع المحرمات، هذا قول المفسرين (٨).\nوقال أصحاب المعاني: الأول: عمل الاتقاء، والثاني: دوام الاتقاء والثبات عليه، والثالث: اتقاء ظلم العباد مع ضم الإحسان إليه (٩).\nوقال ابن كيسان: لما نزل تحريم الخمر قال أبو بكر: يا رسول الله كيف بإخواننا الذين ماتوا وقد شربوا الخمر وأكلوا القمار؟ وكيف بالقتلى في سبيل الله؟ وكيف بالغائبين عنا في البلدان لا يشعرون أن الله حرم الخمر\n_________\n(١) أخرجه البخاري كتاب: المظالم، باب: ٢١ صب الخمر في الطريق، ومسلم (١٩٨٠) كتاب الأشربة، باب: تحريم الخمر، والمؤلف في أسباب النزول ص ٢١١ - ٢١٢.\n(٢) أخرج الترمذي (٣٠٥٠) كتاب: التفسير، باب: من سورة المائدة، والطبري ٧/ ٣٧، والمؤلف في أسباب النزول ص ٢١٢.\n(٣) أخرج عن مجاهد وقتادة الطبري ٧/ ٣٧، وعن قتادة المؤلف في الوسيط ٢/ ٢٢٨.\n(٤) أخرجه الطبري ٧/ ٣٩.\n(٥) انظر: \"الوسيط\" ٢/ ٢٢٧، والبغوي ٣/ ٩٦.\n(٦) \"بحر العلوم\" ١/ ٤٥٨، \"الوسيط\" ٢/ ٢٢٧، البغوي ٣/ ٩٦.\n(٧) \"تفسير الطبري\" ٧/ ٣٩.\n(٨) \"تفسير الطبري\" ٧/ ٣٩، \"معاني القرآن\" للنحاس ٢/ ٣٥٨، \"زاد المسير\" ٢/ ٤٢٠.\n(٩) \"تفسير الطبري\" ٧/ ٣٦، \"معاني القرآن\" للنحاس ٢/ ٣٥٨.","vol":"7","page":514},{"text":"وهم يطعمونها؟ فأنزل الله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ من الأموات والأحياء في البلدان ﴿جُنَاحَ﴾ إثم فيما طعموا من الخمر والقمار ﴿إِذَا مَا اتَّقَوْا﴾ ما حرم الله عليهم ﴿وَآمَنُوا﴾ بالله ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ في إيمانهم ﴿ثُمَّ اتَّقَوْا﴾ إن أحدث الله لهم تحريم شيء مما أحل لهم ﴿وَأَحْسَنُوا﴾ فيما تعبدهم الله به (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-944>٩٤ </span>- قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ﴾ الآية، قد ذكرنا معنى ابتلاء الله في قوله تعالى: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٨٦]، والواو في ﴿لَيَبْلُوَنَّكُمُ﴾ مفتوحة لالتقاء الساكنين، ومعناه: ليختبرن طاعتكم من معصيتكم، أي: ليعاملنكم معاملة المختبر (٢)، قال مقاتل بن حيان (٣): كان هذا عام الحديبية، كانت الوحش والطير تغشاهم في رحالهم كثيرة وهم محرمون، لم يروها قط فيما خلا، فنهاهم الله عنها ابتلاء (٤).\nوقوله تعالى: ﴿بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ﴾ إنما بَعَّض لأنه عني صيد البر دون صيد البحر (٥)، وهو قول الكلبي، قال: أراد صيد البر خاصة (٦).\n_________\n(١) هذا الأثر بمعنى ما تقدم عن أنس والبراء وابن عباس وغيرهما، وسبق تخريجها، ولم أقف عليه بهذا السياق.\n(٢) \"تفسير الطبري\" ٧/ ٣٩، \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٠٦، \"النكت والعيون\" ٢/ ٦٥، \"زاد المسير\" ٢/ ٤٢١.\n(٣) قد يكون مقاتل بن سليمان، فإن نحو هذا القول في تفسيره، كما سيأتي في عزوه.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" بن سليمان ١/ ٥٠٣ بنحوه.\n(٥) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٠٦.\n(٦) \"النكت والعيون\" ٢/ ٦٦، \"زاد المسير\" ٢/ ٤٢١، \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ١٢٣.","vol":"7","page":515},{"text":"قال الزجاج: ويحتمل التبعيض أن ينصرف إلى صيد الإحرام دون صيد الإحلال، فكان ذلك بعض الصيد، وجائز أن يكون قوله: ﴿بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ﴾ للتجنيس، فتكون (من) ههنا تُبيِّن جنسًا من الأجناس، كما تقول: لأمتحنَنَّك بشيء من الوَرِق، أي بالجنس الذي هو وَرِق، ومن هذا قوله تعالى: ﴿الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ [الحج: ٣٠]، والأوثان كلها رجس، والمعنى: اجتنبوا الرجس الذي هو وثن (١)، وأراد بالصيد المفعول بدليل قوله تعالى: ﴿تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ﴾ والصيد إذا كان بمعنى المصدر يكون حدثًا، وإنما يوصف بنيل اليد والرماح ما يكون عينًا، والذي تناله الأيدي من الصيد الفراخ والبيض وصغار الوحش، والذي تناله الرماح الكبار، وهذا قول ابن عباس والكلبي ومجاهد (٢) والفراء (٣) والزجاج (٤).\nوقوله تعالى: ﴿لِيَعْلَمَ اللَّهُ﴾، قال المفسرون: ليرى الله (٥)، وقد مضى بيان ذلك في قوله تعالى: ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ﴾ [البقرة: ١٤٣].\nوقوله تعالى: ﴿مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ﴾، قال الكلبي: أي من يخاف الله ولم يره (٦)، والجار في محل النصب بالحال، والمعنى: من يخافه غائبًا عن رؤية الله تعالى، ومثل هذا قوله تعالى: ﴿مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾ [ق: ٣٣]\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٢٠٦.\n(٢) أخرجه عن ابن عباس ومجاهد: الطبري ٧/ ٣٩، \"بحر العلوم\" ١/ ٤٥٨، \"معاني القرآن\" للنحاس ٢/ ٣٥٩، \"النكت والعيون\" ٢/ ٦٦، البغوي ٣/ ٩٦، \"زاد المسير\" ٢/ ٤٢١.\n(٣) \"معاني القرآن\" ١/ ٣١٩.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٢٠٦.\n(٥) \"النكت والعيون\" ٢/ ٦٦، و\"تفسير البغوي\" ٣/ ٩٦، و\"تفسير ابن كثير\" ٢/ ١١٠.\n(٦) هذا قول مقاتل بن سليمان في \"تفسيره\" ١/ ٥٠٣، ٥٠٤ \"زاد المسير\" ٢/ ٤٢٢.","vol":"7","page":516},{"text":"﴿يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ﴾ [الأنبياء: ٤٩]، وقد أحكمنا هذا ومعنى الغيب في قوله: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة: ٣].\nوقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ﴾، قال ابن عباس: يريد بعد نهي (١)، ﴿فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [المائدة: ٩٤].\nقال ابن عباس: يوسع ظهره وبطنه جلدًا، ويسلب ثيابه (٢).\nهذا قول أكثر أهل التفسير في هذه الآية (٣)، وقال عطاء: ﴿بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ﴾ يريد حمام مكة ﴿تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ﴾ يريد أنها تفرخ في بيوت أهل مكة في الكِواء (٤) على الطرق وقدر القامة وأدنى من القامة وأكثر من القامة وقدر رمح، فنُهي من أخذها وأكلها ﴿لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ﴾ يريد يأخذها سرًّا عن السلطان، وعن أهل الفضل والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-945>٩٥ </span>- قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ الآية.\nحرم الله تعالى قتل الصيد على المحرم، فليس له أن يتعرض للصيد ما دام محرمًا، لا بالسلاح ولا بالجوارح من الكلاب والطير، سواء كان الصيد صيد الحل أو صيد الحرم (٦)، وأما الحلال فله أن يصيد في الحل\n_________\n(١) \"النكت والعيون\" ٢/ ٦٦.\n(٢) انظر: \"الوسيط\" ٢/ ٢٢٨، وعزاه المحقق \"لتفسير ابن عباس\" ص ١٠١، و\"تفسير البغوي\" ٣/ ٩٦، \"زاد المسير\" ٢/ ٤٢٢.\n(٣) \"تفسير الطبري\" ٧/ ٤٠، \"بحر العلوم\" ١/ ٤٥٨، \"النكت والعيون\" ٢/ ٦٦، و\"تفسير البغوي\" ٣/ ٩٦، \"زاد المسير\" ٢/ ٤٢٢.\n(٤) الكِواء: جمع كوَّة وهي الخرق في الحائط والثقب في البيت ونحوه. انظر: \"اللسان\" ٧/ ٣٩٦٤ (كوي)\n(٥) لم أقف عليه.\n(٦) \"تفسير الطبري\" ٧/ ٧٤، \"النكت والعيون\" ٢/ ٦٦.","vol":"7","page":517},{"text":"وليس له أن يصيد في الحرم، والآية هل تدل على هذا أم لا؟\nأما عند المفسرين فالآية واردة في المحرمين (١)، وعند أهل المعاني يجوز حمل الآية على الحكمين جميعا، فإن قوله ﴿وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ يصلح للمحرمين وللداخلين في الحرم، وإذا شمل اللفظ المعنيين جميعًا فهما منه (٢)، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا﴾، قال مجاهد والحسن وابن جريج وإبراهيم وابن زيد: هو الذي يتعمد القتل ناسيًا لإحرامه، وعليه الجزاء، فأما إذا تعمد القتل ذاكرًا لإحرامه فلا جزاء عليه، لأنه أعظم من أن يكون له كفارة (٣)، وقال ابن عباس وعطاء والباقون: يحكم عليه بالجزاء وإن تعمد القتل مع ذكر الإحرام (٤)، وهذا مذهب عامة الفقهاء (٥)، فأما إذا قتل الصيد خطأ، بأن قصد غيره بالرمي فأصابه، فهو كالمتعمد في وجوب الجزاء عند عامة أهل التفسير والفقه، وذلك أنهم ألحقوا المخطىء بالعامد في وجوب الكفارة، كما ألحقوا العامد بالمخطىء في كفارة القتل (٦)، وقال سعيد بن جبير: لا أرى في الخطأ شيئًا (٧)، وهذا قول شاذ لا يؤخذ به، وقال الزهري: نزل القرآن بالعمد، وجرت السنة في الخطأ (٨).\nوقوله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾، ارتفع ﴿فَجَزَاءٌ﴾ بإضمار:\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" ٧/ ٧٤، \"النكت والعيون\" ٢/ ٦٦.\n(٢) \"النكت والعيون\" ٢/ ٦٦، \"زاد المسير\" ٢/ ٤٢٢.\n(٣) \"تفسير الطبري\" ٧/ ٤٣، \"النكت والعيون\" ٢/ ٦٧، البغوي ٣/ ٩٧.\n(٤) \"تفسير الطبري\" ٧/ ٤٢، \"زاد المسير\" ٢/ ٤٢٢.\n(٥) \"تفسير البغوي\" ٣/ ٩٧، \"زاد المسير\" ٢/ ٤٢٢.\n(٦) \"تفسير الطبري\" ٧/ ٤٢، \"الوسيط\" ٢/ ٢٢٩، البغوي ٣/ ٩٧.\n(٧) أخرجه الطبري ٧/ ٤٣ بمعناه.\n(٨) أخرجه الطبري ٧/ ٤٣، \"الوسيط\" ٢/ ٢٢٩.","vol":"7","page":518},{"text":"فعليه (١)، أو: فاللازم له، أو: فالواجب عليه.\nوقال الزجاج: ويجوز أن يُرفَع (جزاء) على الابتداء، ويكون (مثل ما قتل) خبر الابتداء، ويكون المعنى: فجزاء ذلك الفعل مثل ما قتل (٢)، واختلف القراء في هذا، فقرأ بعضهم بالتنوين ورفع المثل (٣)؛ لأن المعنى: فعليه جزاء مماثلٌ للمقتول من الصيد، فمثل مرفوع لأنه صفة لقوله: (فجزاء) ولا ينبغي إضافة جزاء إلى المثل، ألا ترى أنه ليس عليه جزاء مثل ما قتل في الحقيقة، إنما عليه جزاء المقتول لا جزاء مثله، ولا جزاء عليه لمثل المقتول الذي لم يقتله. وإذا كان كذلك علمت أن الجزاء لا ينبغي أن يضاف إلى (مثل) لأنه يوجب جزاء المثلِ، والموجَبُ جزاءُ المقتول من الصيد، لا جزاءُ مثله الذي ليس بمقتول (٤).\nوقوله تعالى: ﴿مِنَ النَّعَمِ﴾، يجوز أن يكون صفة للنكرة التي هي (فجزاء) والمعنى: فجزاء من النعم مثلٌ لما قتل، ويجوز أن يكون متعلقًا بمثل، أي: مثلٌ لما قتل من النعم (٥).\nوأما من أضاف الجزاء إلى مثل فقال: فجزاء مثل ما قتل، فإنه وإن كان عليه جزاء المقتول لا جزاء مثله، فإنهم قد يقولون: أنا نكرم مثلك، يريدون: أنا أكرمُك، وإذا كان كذلك كانت الإضافة في المعنى كغير\n_________\n(١) انظر: \"معاني القرآن\" للأخفش ٢/ ٤٧٦.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٢٠٧.\n(٣) قراءة عاصم وحمزة والكسائي، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر (فجزاءُ مثل ما) مضافة بخفض مثل. \"الحجة للقراء السبعة\" ٣/ ٢٥٤.\n(٤) \"الحجة للقراء السبعة\" ٣/ ٢٥٤، ٢٥٥.\n(٥) \"الحجة للقراء السبعة\" ٣/ ٢٥٥، \"بحر العلوم\" ١/ ٤٥٨.","vol":"7","page":519},{"text":"الإضافة، لأن المعنى: فعليه جزاءُ ما قتل، ومما يؤكد أن المثل وإن كان قد أضيف إليه الجزاء فالمعنى: فعليه جزاء المقتول لا جزاءُ مثله الذي لم يقتل قوله تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ﴾ [الأنعام: ١٢٢] والتقدير: كمن هو في الظلمات، والمِثْلُ والمَثَلُ والشِّبْهُ والشَبَهُ واحدٌ، فإذا كان مَثلُه في الظلمات فكأنه هو أيضًا فيها (١).\nواختلفوا في هذه المماثلة أهي في القيمة أو بالخلقة: فالذي عليه عُظْم أهل العلم والتأويل: أن المماثلة في الخِلقَه، ففي النعامة بدنة،، وفي حمار الوحش بقرة، وفي الضبع كبش، وفي الظبي شاة، وفي الغزال والأرنب حَمَل، وفي الضب سخلة، وفي اليَربُوع جَفْرة (٢).\nقال الشافعي بعد ما ذكر هذا الفصل: ينظر إلى أقرب ما يقتل من الصيد شبهًا من النعم بالخلقة لا بالقيمة (٣)، وكل دابة من الصيد لم يسمها ففداؤها ما يقرب منها في الخِلقَة من النَعَم قياسًا على ما سميناه، هذا في الدواب، فأما في الطائر: فقال الشافعي: الطائر صنفان: حمام، وغير حمام، فكل ما عَبّ وهدر كالفواخت وذوات الأطواق والقُمري والدُّبسي فهو حمام، وفيه شاة، وما سواه من الطير ففيه قيمته في المكان الذي أصيب فيه (٤)، وهذا قول عمر وعثمان وعبد الرحمن بن عوف وابن عباس\n_________\n(١) الحجة ٣/ ٢٥٦، ٢٥٧، \"بحر العلوم\" ١/ ٤٥٨.\n(٢) \"الأم\" للشافعي ٢/ ٢٠٦، والطبري ٧/ ٤٤ - ٥٠، و\"النكت والعيون\" ٢/ ٦٧، والبغوي ٣/ ٩٧، ٩٨، والقرطبي ٦/ ٣١٠، و\"الدر المنثور\" ٢/ ٥٧٩ - ٥٨١.\n(٣) \"الأم\" ٢/ ٢٠٦، ٢٠٧.\n(٤) \"الأم\" ٢/ ٢٠٧، و\"تفسير البغوي\" ٣/ ٩٧.","vol":"7","page":520},{"text":"وابن عمر والسدي ومجاهد وعطاء والضحاك (١).\nوقال إبراهيم النخعي: يُقوم الصيد المقتول بقيمة عادلة، ثم يشترى بثمنه مثله من النعم (٢) فاعتبر المماثلة بالقيمة.\nوالصحيح القول الأول (٣)؛ لأن أولئك القوم حكموا في النعامة ببدنة وهي لا تساوي هناك بدنه، وفي حمار الوحش ببقرة (وهو لا يساوي) (٤) هناك بقرة.\nوعند أبي حنيفة لا يجوز أن يهدى (في) (٥) جزاء الصيد إلا ما يجوز أن يضحى به، فإذا لم يبلغ قيمة الصيد هديًا أطعم أو صام (٦)، وهذا خلاف قول الإجماع من الصحابة.\nوقوله تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾، قال ابن عباس: يريد يحكم في الصيد بالجزاء رجلان صالحان (منكم) أي من أهل ملتكم ودينكم، فقيهان عدلان، فينظران إلى أشبه الأشياء به من النعم فيحكمان به (٧).\nقال ميمون بن مهران: جاء أعرابي إلى أبي بكر - ﵁ - فقال: إني أصبت من الصيد كذا وكذا، فسأل أبو بكر أبي بن كعب، فقال الأعرابي: أتيتك\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" ٧/ ٤٤ - ٥٠، والبغوي ٣/ ٩٧، ٩٨، و\"الدر المنثور\" ٢/ ٥٧٩ - ٥٨١.\n(٢) أخرجه الطبري ٧/ ٥٠.\n(٣) وهو اختيار الطبري ٧/ ٥٠.\n(٤) في (ج): (وهي لا تساوي).\n(٥) ليس في (ج).\n(٦) \"بحر العلوم\" ١/ ٤٥٨، \"النكت والعيون\" ٢/ ٦٧، القرطبي ٦/ ٣١٠.\n(٧) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٠٧، \"النكت والعيون\" ٢/ ٦٧، \"الوسيط\" ٢/ ٢٢٩، ونسبه المحقق لتفسير ابن عباس ص ١٠١، والبغوي ٣/ ٩٧، و\"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ١٢٣.","vol":"7","page":521},{"text":"أسألك وأنت تسأل غيرك، فقال أبو بكر: وما أنكرت من ذلك؟ قال الله تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ فشاورت صاحبي، فإذا اتفقنا على شيء أمرناك به (١).\nوأخبرنا الأستاذ أبو إسحاق أحمد بن إبراهيم ﵀، أخبرنا أبو بكر محمَّد بن أحمد بن عبدوس الحيري، أخبرنا محمد بن الحسن، أخبرنا علي بن عبد العزيز، حدثنا القاسم بن سلام، قال: حدثني ابن أبي أمية، عن أبي عوانة، عن عبد الملك بن عمير، عن قبيصة بن جابر، قال: خرجنا حُجاجًا، فكنَّا إذا صلينا الغداةَ اقتدنا رواحلنا نتماشى ونتحدث، فبينا نحن ذات غداة إذ (٢) سنح لنا ظبي فابتدرنا، فابتدرته ورميته فأصاب خُشَّاءَه (٣) فركب رَدْعَهُ (٤) فمات، فلما قدمنا مكة سألنا عمر بن الخطاب، وكان حاجًا وكان جالسًا إلى جنبه عبد الرحمن بن عوف، فسألته عن ذلك، فقال عمر لعبد الرحمن: ما ترى؟ قال: عليه شاة، قال: وأنا أرى ذلك، فقال: اذهب فاذبح (٥) شاة، فخرجت إلى صاحبي فقلت: إن أمير المؤمنين لم يدر ما يقول حتى سأل غيره، قال: فلم يفجأنا إلا عمر ومعه الدِّرة فعلاني بالدرة وقال: أتقتل في الحرم وتُسَفِّه الحكم؟ قال الله تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي حاتم بإسناد جيد. انظر: ابن كثير ٢/ ١١٢، كما أخرجه عبد بن حميد أيضًا. \"الدر المنثور\" ٢/ ٥٨١.\n(٢) في (ش): (إذ).\n(٣) بضم الخاء وتشديد الشين، والخشاء: هو العظم الدقيق العاري من الشعر الناتىء خلف الأذن (تحقيق شاكر للطبري).\n(٤) ركب ردعه: إذا خر لوجهه على دمه، وأصل الردع ما تلطخ به الشيء من زعفران وغيره، وهو أثر دمه (تحقيق شاكر للطبري).\n(٥) في (ش): (فاهد).","vol":"7","page":522},{"text":"عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ فأنا عمر وهذا عبد الرحمن (١).\nوجوز عمر - ﵁ - أن يكون الجاني على الصيد أحد الحكمين فيما روي أن أربد (٢) أوطأ فرسه (٣) ففزر ظهر، فسأل عمر بن الخطاب فقال له عمر: احكم، فقال: أنت أعدل يا أمير المؤمنين فاحكم، فقال: إنما أمرتك بأن تحكم وما أمرتك بأن تزكيني، فقال: أرى فيه جَدْيًا جمع الماء والشجر، فقال: افعل ما ترى (٤).\nقال العلماء: في هذه الآية دلالة على صحة الاجتهاد في الأحكام، لأن الله تعالى جعل الحكم إلى العدلين، وقد يقع في ذلك الاختلاف، فيحكم عدلان في جزاء صيد بشيء، ويحكم عدلان آخران لإنسان آخر في جزاء مثله من الصيد بشيءآخر، وكله حق وصواب.\nوقوله تعالى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ﴾، قال الزجاج: (هديًا) منصوب على الحال، المعنى يحكم به مقدّرًا أن يهدي (٥)، قال أبو علي: ومثله قولك: معه صقر صائدًا به غدًا، أي مقدرًا الصيد (٦)، وقد سبق بيان هذا في مواضع من الكتاب، و﴿بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ لفظه لفظ معرفة، ومعناه النكره، لأن المعنى:\n_________\n(١) أخرجه من طريق عبد الملك بن عمير عن قبيصة. الطبري ٧/ ٤٥ - ٤٨، وكذا ابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه. \"الدر المنثور\" ٢/ ٥٨١.\n(٢) هو أربد بن عبد الله البجلي، أدرك الجاهلية، ترجمه ابن حجر في الإصابة من القسم الثالث، وذكر قصته هذه. انظر: \"الإصابة\" ١/ ١٠١.\n(٣) أي حمل دابته حتى وطئت الصف، أي داسته (تحقيق شاكر للطبري).\n(٤) أخرجه الشافعي في \"الأم\" ٢/ ٢٠٦، والطبري ٧/ ٤٩، وقال ابن حجر: إسناده صحيح. الإصابة ١/ ١١١.\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٢٠٨، انظر: \"الطبري\" ٧/ ٥٠.\n(٦) \"الحجة للقراء السبعة\" ١/ ٢٦٨.","vol":"7","page":523},{"text":"بالغًا الكعبة، إلا أن التنوين حذف استخفافًا (١)، ومثله قوله تعالى: ﴿عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ (٢) [الأحقاف: ٢٤]، وقد شرحنا هذه المسألة في قوله تعالى: ﴿ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ في سورة النساء [٩٧]، والكعبة: البيت الحرام، سمي كعبة لارتفاعه وتربيعه، والعرب تسمي كل بيت مرتفع كعبة (٣)، قال ابن عباس: يريد إذا أتى مكة ذبحه وتصدق به (٤)،\nوقوله تعالى: ﴿أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ﴾، اختلف القراء ههنا، فنون بعضهم الكفارة، ولم يضف الكفارة إلى الطعام؛ لأن الكفارة ليست للطعام وإنما الكفارة لقتل الصيد (٥)، وأضاف الآخرون الكفارة إلى الطعام (٦)؛ لأنه لما خير المكفر بين ثلاثة أشياء: الهدي والطعام والصيام، استجاز الإضافة لذلك، فكأنه قيل: كفارة طعام، لا كفارة هدي ولا كفارة صيام، فاستقامت الإضافة لكون الكفارة من هذه الأشياء (٧).\nواختلفوا في (أو) في هذه الآية هل هي للتخيير أم لا؟ فقال ابن عباس في بعض الروايات ومجاهد وعامر وإبراهيم والسدي: إن (أو) ليس\n_________\n(١) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٠٨، \"تفسير الطبري\" ٧/ ٥٠.\n(٢) في (ج): (ممكرنا).\n(٣) \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣١٥٢ (كعب)، والصحاح ١/ ٢١٣ (كعب).\n(٤) أخرجه الطبري ٧/ ٥١.\n(٥) \"الحجة\" ٣/ ٢٥٧، ٢٥٨، ونسب القراءة هذه لابن كثير وعاصم وأبي عمرو وحمزة والكسائي.\n(٦) بعد هذه الكلمة وجد زيادة في (ج) وهي: \"لأن الكفارة ليست للطعام وإنما الكفارة لقتل الصيد\"، ولعل هذا سهو من الناسخ؛ لأن هذه الجملة من الكلام تقدمت في تعليل القراءة الأولى، فليتنبه.\n(٧) \"الحجة\" ٣/ ٢٥٧، ٢٥٨ ونسب هذه القراءة لنافع وابن عامر.","vol":"7","page":524},{"text":"على التخيير ولكن على الترتيب، لأنه لا يخرج حكم الجزاء عن أحد الثلاثة، إن لم يجد الجزاء بالهدي إما لعدم (الثمن) (١) أو لعوز النعم فالإطعام، وإن لم يجد الإطعام فالصيام، وقال ابن عباس في بعض الروايات وعطاء والحسن وإبراهيم: إن (أو) للتخيير (٢). وإليه ذهب الشافعي (٣).\nقال الزجاج: الذي يوجبه اللفظ التخيير، وهو الاختيار على مذهب اللغة (٤)، قال الشافعي: إذا قتل صيدًا فإن شاء جزاه بمثله، وإن شاء قوم المثل دراهم، ثم الدراهم طعامًا، ثم يتصدق به، وإن شاء صام عن كل مُدٍّ يومًا (٥)، واختلفوا كيف يقوم الصيد طعامًا، فمذهب الشافعي ما ذكرنا وهو أن يقوم مثله من النعم دراهم، ثم الدراهم طعامًا، وهو قول عطاء (٦).\nوقال قتادة: يقوم نفس الصيد المقتول حيًّا، ثم يجعل طعامًا (٧)، واختلفوا في أي موضع يعتبر قيمة الصيد، فمذهب الشافعي وأكثر الفقهاء أنه يقوم بالمكان الذي أصابه فيه، وهذا مذهب إبراهيم وحماد وأبي حنيفة (٨).\n_________\n(١) ساقط من (ج).\n(٢) \"تفسير الطبري\" ٧/ ٥٣، \"الدر المنثور\" ٢/ ٥٨٣.\n(٣) \"الأم\" ٢/ ٢٠٧.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٢٠٨.\n(٥) \"الأم\" ٢/ ٢٠٧.\n(٦) \"الأم\" ٢/ ٢٠٧، والطبري ٧/ ٥٣ عن عطاء.\n(٧) أخرجه الطبري ٧/ ٥٤.\n(٨) \"تفسير الطبري\" ٧/ ٥٤.","vol":"7","page":525},{"text":"وقال الشعبي: يقوم بمكة بثمن مكة لأنه يكفر بها (١).\nوقوله تعالى: ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾، قال الفراء: العدل ما عادل الشيء من غير جنسه، والعِدْل المثل، تقول: عندي عِدلُ غلامك وشاتك، إذا كانت شاة تعدل شاة أو غلام يعدل غلامًا، وإذا أردت قيمته من غير جنسه نصبت العين فقلت: عَدْل، وربما قال بعض العرب: عِدْله وكأنه منهم غلط، لتقارب معنى العَدْل من العِدْل ولفظه (٢).\nوقال أبو الهيثم: العِدلُ المثل، هذا عِدْلُه أي مثله، والعَدْل القيمة، تقول: خُد عَدْله منه كذا، أي قيمته. قال: والعِدل اسم حمْلِ معدول يحمل، أي مَسَوَّى به، والعَدْل تقويمك الشيء بالشيء من غير جنسه حتى تجعله له مثلًا (٣).\nوقال الزجاج: العَدْل والعِدلُ واحد في المعنى، وهما بمعنى المثل، كان المثل من الجنس أو من غير الجنس، ولا تقول: إن العرب غلطت وليس إذا أخطأ مخطئ وجب أن تقول: إن العرب غلطت (٤).\nوقال ابن الأعرابي: عَدْل الشيء وعِدله سواء، أي مثله (٥).\nقال الزجاج: وقوله تعالى: ﴿صِيَامًا﴾ منصوب على التمييز. المعنى: ومثل ذلك من الصيام (٦).\n_________\n(١) أخرجه الطبري ٧/ ٥٥.\n(٢) \"معاني القرآن\" ١/ ٣٢٠، \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٣٥٨ (عدل).\n(٣) \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٣٥٨ (عدل).\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٢٠٨، \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٣٥٨ (عدل).\n(٥) \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٣٥٨ (عدل).\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٢٠٨.","vol":"7","page":526},{"text":"وقال الفراء: ونصبك الصيام على التفسير، كما تقول: عندي رطلان عسلًا، وملء بيت قَتّا. قال: والأصل فيه أن تنظر إلى (مِنْ)، فإن حسنت فيه ثُمَّ أُلقيت نصبت، ألا ترى أنك تقول: عليه عَدْل ذلك من الصيام، وكذلك قوله تعالى: ﴿مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا﴾ [آل عمران: ٩١] (١)، قال عطاء: يصوم لكل مُدٍّ يومًا (٢)، وهو مذهب الشافعي (٣)، وعند أبي حنيفة يصوم لكل نصف صاع يومًا (٤).\nقال الشافعي: ولا يجزئه أن يتصدق بشيء من الجزاء إلا بمكة أو بمنى، وأما الصوم حيث شاء، لأنه لا منفعة فيه لمساكين الحرم (٥)، واعلم أن الجزاء إنما يجب فيما يؤكل لحمه من الدواب، وأما السباع غير المأكولة فلا جزاء في قتلها (٦)، وكذلك الفواسق وهن خمس.\nأخبرنا أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن محمد بن يحيى، أخبرنا أبو عبد الله محمد بن يزيد، حدثنا إبراهيم شريك، حدثنا أحمد بن عبد الله بن يونس، حدثنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر أن النبي - ﷺ - قال: \"خمسٌ من الدوابِّ ليس على المحرم في قتلهن جناح، الغُرابُ والحِدَأة والعقرب والفأرة والكلب العقور\" (٧).\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" ١/ ٣٢٠، \"تفسير الطبري\" ٧/ ٥٧، \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٣٥٨ (عدل).\n(٢) أخرجه الطبري ٧/ ٥٧.\n(٣) \"الأم\" ٢/ ٢٠٧، \"النكت والعيون\" ٢/ ٦٨.\n(٤) \"بحر العلوم\" ١/ ٤٥٩، والبغوي ٣/ ٩٨.\n(٥) \"الأم\" ٢/ ٢٠٧.\n(٦) \"الوسيط\" ٢/ ٢٣٠. عموم السباع فيها خلاف وتفصيل. ذكره القرطبي ٦/ ٣٠٣، ٣٠٤ فلينظر إليه.\n(٧) أخرجه البخاري (١٨٢٦) كتاب: جزاء الصيد، باب: ما يقتل المحرم من =","vol":"7","page":527},{"text":"وقوله تعالى: ﴿لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ﴾، قال ابن عباس: يريد جزاء ما صنع وعاقبته (١)، والوبال في اللغة: ثقل الشيء في المكروه، يقال: مرعى وبيل، إذا كان يستوخم، وماء وبيل، إذا لم يستمرأ. يقال: رعينا كلأً وبيلًا، وقال أبو زيد: استوبلت الأرض إذا لم يستمرىء بها الطعام (٢).\nوقوله تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ﴾، قال الحسن وعطاء والسدي: عما مضى في الجاهلية (٣)، وقال آخرون: عما سلف قبل التحريم في الإسلام (٤).\nوقوله تعالى: ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾، اختلفوا في حكم من عاد: فقال عطاء وإبراهيم وسعيد بن جبير: إذا عاد إلى قتل الصيد محرمًا بعدما حُكِمَ عليه في المرة الأولى حكم عليه ثانيًا وهو بصدد الوعيد لقوله تعالى: ﴿فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾ (٥)، وعلى هذا مذهب الفقهاء، وهو قول مجاهد (٦)، وقال ابن عباس وشريح والحسن: إن عاد لم يلزم الجزاء، ويقال له: اذهب فسينتقم الله منك (٧).\nقال ابن عباس: إذا عاد في المرة الثانية لقتل الصيد لم يحكم عليه،\n_________\n= الدواب ٢/ ٢١٢، ومسلم (١١٩٨) كتاب: الحج، باب: ما يندب للمحرم وغيره قتله من الدواب وغيرهما.\n(١) \"تفسير البغوي\" ٣/ ٩٨.\n(٢) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٠٨، و\"اللسان\" ٨/ ٤٧٥٥ (وبل).\n(٣) أخرجه عن عطاء الطبري ٧/ ٥٨، و\"تفسير البغوي\" ٣/ ٩٨، \"زاد المسير\" ٢/ ٤٢٦ ورجح ابن الجوزي هذا القول.\n(٤) \"تفسير الطبري\" ٧/ ٥٨ - ٥٩، \"بحر العلوم\" ١/ ٤٥٩، \"النكت والعيون\" ٢/ ٦٨.\n(٥) \"تفسير الطبري\" ٧/ ٥٩.\n(٦) \"تفسير الطبري\" ٧/ ٦١، \"بحر العلوم\" ١/ ٤٥٩، \"النكت والعيون\" ٢/ ٦٨.\n(٧) \"تفسير الطبري\" ٧/ ٦٠ - ٦١، \"بحر العلوم\" ١/ ٤٥٩.","vol":"7","page":528},{"text":"ولكن يملأ بطنه وظهره بالسياط ضربًا وجيعًا (١)، وكذلك حكم رسول الله - ﷺ - في \"وج\" وهو وادٍ بالطائف، جعله حرامًا كحرمة البلد الحرام، فمن قتل صيده ملىء ظهره وبطنه جلدًا وسلب ثيابه (٢).\nوالفاء في قوله تعالى: ﴿فَيَنْتَقِمُ﴾ جواب الشرط، والتقدير: ومن عاد فإن الله ينتقم منه (٣)، قال سيبويه في قوله تعالى: ﴿فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾ وفي قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ﴾ [البقرة: ١٢٦] وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ﴾ [الجن: ١٣] إن في هذه الآي إضمارًا مقدرًا، كأنه: ومن عاد فهو ينتقم الله منه، ومن كفر فأنا أمتعه، ومن يؤمن فهو لا يخاف، لأن الفاء لا تدخل في جواب الشرط على الفعل إذا كان مستغنًى عنه مع الفعل، وإنما يحتاج إلى الفاء مثل قولك: إن تأتني فأنت مكرم (٤).\nقال أبو علي: وموضع الفاء مع ما بعدها جزم، وعلى هذا قرأ بعض القراء: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ﴾ [الأعراف: ١٨٦] بالجزم، يحمل إياه على موضع: (فلا هادِي) (٥)، ويقال: انتقمت منه إذا كافأه عقوبة بما صنع والنِّقمَة والنَّقْمة العقوبة والإنكار (٦).\nوقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾، قال عطاء: منيع ذو انتقام من\n_________\n(١) \"تفسير البغوي\" ٣/ ٩٨، \"زاد المسير\" ٢/ ٤٢٧.\n(٢) أخرج أبو داود (٢٠٣٢) كتاب: المناسك، باب: ٩٧ عن الزبير - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: \"إن صيد وج وعضاهه حرام محرم لله\". و\"تفسير البغوي\" ٣/ ٩٨.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٢٠٩.\n(٤) انظر: \"الكتاب\" ٣/ ٦٩\n(٥) \"الحجة\" ٤/ ١٠٩، ١١٠.\n(٦) \"تفسير الطبري\" ٧/ ٦٣، \"النكت والعيون\" ٢/ ٦٨.","vol":"7","page":529},{"text":"أهل معصيته\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-946>٩٦ </span>- قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾، قال عطاء عن ابن عباس: يريد بصيده ما أصاب من داخل البحر (٢).\nوجملة ما يصاد من البحر ثلاثة أجناس: الحيتان وأنواعها، وكلها حلال، والضفادع وأنواعها، وكلها حرام (٣).\nواختلفوا فيما سوى هذين، فقال بعضهم: إنه حرام وهو مذهب أبي حنيفة (٤)، وقال بعضهم: حلال (٥)، وعنى بالبحر جميع المياه، والأنهار داخلة في هذا، والعرب تسمي النهر بحرًا، والقرية التي فيها ماء جارٍ عندهم بحر، ومنه قوله تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [الروم: ٤١] (٦)، وهذا الإحلال عام لكل أحد، محرمًا كان أو محلًا (٧).\nوقوله تعالى: ﴿وَطَعَامُهُ﴾، اختلفوا في طعام البحر ما هو، فقال عطاء عن ابن عباس: هو ما لفظه البحر، وقال أيضًا: هو ما حسر عنه الماء وألقاه إلى الساحل (٨)، ونحو ذلك قال الكلبي (٩) وعكرمة (١٠).\n_________\n(١) انظر: \"الوسيط\" ٢/ ٢٣٠.\n(٢) أخرجه الطبري ٧/ ٦٣ بمعناه من طرق أخرى.\n(٣) \"تفسير البغوي\" ٣/ ١٠٠، ١٠١، وعند مالك يباح كل ما فيه من ضفدع وغيره. \"زاد المسير\" ٢/ ٤٢٨.\n(٤) \"تفسير البغوي\" ٣/ ١٠١، \"زاد المسير\" ٢/ ٤٢٨.\n(٥) وهذا قول الجمهور. \"تفسير البغوي\" ٣/ ١٠١.\n(٦) \"تفسير الطبري\" ٧/ ٦٤.\n(٧) \"تفسير الطبري\" ٧/ ٦٤.\n(٨) أخرجه بنحوه من طرق: الطبري ٧/ ٦٥، و\"تفسير البغوي\" ٣/ ١٠٠، و\"الدر المنثور\" ٢/ ٥٨٦.\n(٩) \"النكت والعيون\" ٢/ ٦٩، و\"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ١٢٣.\n(١٠) أخرجه الطبري ٧/ ٦٦.","vol":"7","page":530},{"text":"وقال أبو بكر الصديق: طعامه ميتته (١)، وعلى هذا فالصيد ما صيد بعلاج حيًا، والطعام ما يؤخذ مما لفظه البحر، أو نضب عنه الماء، أو طفا ميتًا من غير معالجة في أخذه، واختلفوا في السمك الطافي، فعند أهل الكوفة لا يحل أكله، لأنه مات حتف أنفه (٢)، وعند غيرهم يجوز أكله (٣)، لقوله - ﷺ -: \"أحلت لنا ميتتان ودمان\" (٤)، وقوله في البحر: \"هو الطهور ماؤُه الحل ميتته\" (٥).\nوقال سعيد بن جبير وإبراهيم وابن المسيب ومقاتل وقتادة: (صيد البحر) الطبري (وطعامه) المليح منه (٦)، فسمى الطبري صيدًا لأنه صيد، وسمي المليح طعامًا؛ لأنه لما ملح وصار عتيقًا سقط عنه اسم الصيد، وحكى الزجاج عن بعضهم: (وطعامه) قال: هو كل ما يسقي الماء فنبت\n_________\n(١) أخرجه الطبري ٧/ ٦٥، وعبد بن حميد وابن أبي حاتم وأبو الشيخ. \"الدر المنثور\" ٢/ ٥٨٥.\n(٢) \"تفسير البغوي\" ٣/ ١٠٠، والقرطبي ٦/ ٣١٨.\n(٣) هذا هو المرجح. وانظر: البغوي ٣/ ١٠١، والقرطبي ٦/ ٣١٩، وابن كثير ٢/ ١١٤ - ١١٦.\n(٤) أخرجه الإمام أحمد ٢/ ٩٧، وابن ماجه (٣٢١٨) كتاب: الصيد، باب: صيد الحيتان والجراد ولفظه \"أحلت لنا ميتتان: الحوت والجراد\"، والبغوي في \"شرح السنة\" ١١/ ٢٤٤.\n(٥) أخرجه أبو داوود (٨٣) كتاب: الطهارة، باب: الوضوء بماء البحر، والترمذي (٦٩) كتاب: الطهارة، باب: ما جاء في ماء البحر، وقال: حسن صحيح، وابن ماجه، (٣٨٦) كتاب: الطهارة، باب: الوضوء بماء البحر. وصححه الألباني: \"صحيح الجامع\" ٦/ ٦١ رقم ٦٩٢٥.\n(٦) \"تفسير الطبري\" ٧/ ٦٦ - ٦٨، \"النكت والعيون\" ٢/ ٦٩، البغوي ٣/ ١٠٠.","vol":"7","page":531},{"text":"عن ماء البحر فهو طعام البحر. أعلمهم الله أن الذي أُحِلّ لهم كثير في البر والبحر، وأن الذي حُرِّمَ عليهم هو صيد البر في حال الإحرام، وصيد الحرم بسنة النبي - ﷺ - ليكون قد أعذر إليهم في الانتقام ممن عاد فيما حرم (عليه) (١) مع كثرة ما أحل له (٢)، والاختيار أن المراد بالطعام ما نضب عنه الماء ولم يُصَد؛ لأن المملح صيد وإن عتق (٣).\nوقوله تعالى: ﴿مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾، قال عطاء: يريد منافع لكم تأكلون وتبيعون ويتزود عابر السبيل (٤)، وقال ابن عباس والحسن وقتادة: منفعة للمقيم والمسافر، فالطري للمقيم، والمالح للمسافر (٥).\nقال أبو إسحاق: و(مَتَاعًا) منصوب مصدر مؤكد؛ لأنه لما قيل: (أحل لكم) (كان دليلًا على متعتم به) (٦)، كما أنه لما قال ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، كان دليلًا على أنه كتب عليهم ذلك فقال: ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٤].\nوقوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾،\nذكر في هذه السورة تحريم الصيد على المحرم في ثلاثة مواضع: قوله تعالى: ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ (٧). وقوله: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ\n_________\n(١) ساقطة من (ج).\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٢٠٩، \"زاد المسير\" ٢/ ٤٢٨.\n(٣) \"تفسير الطبري\" ٧/ ٦٨، \"بحر العلوم\" ١/ ٤٥٩، ٤٦٠.\n(٤) \"الوسيط\" ٢/ ٢٣١.\n(٥) \"تفسير الطبري\" ٧/ ٦٩، \"النكت والعيون\" ٢/ ٦٩.\n(٦) هكذا في النسختين، وفي \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٠٩: (كان دليلًا على أنه قد متعهم به).\n(٧) الآية الآولى من السورة.","vol":"7","page":532},{"text":"حُرُمٌ﴾ (١) وقوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ (٢)، فكل صيد صاده المحرم أو صيد له بأمره لم يحل له أكله، فإن صاده حلال بغير أمره ولا له، ولم يوجد من المحرم سبب في إتلافه بإشارة أو دلالة أو إعانة أو دفع سلاح، حل أكله عند عامة الفقهاء (٣)، لما روي عن جابر أن النبي - ﷺ - قال: \"صيد البحر حلال لكم ما لم تصيدوه أو يُصَد لكم\" (٤).\nوكرهه بعضهم لحديث الصَّعْب بن جَثًامة، حيث أهدى للنبي - ﷺ - رِجْلَ حمار وحشي، فرده وقال: إنا محرمون (٥)، وهذا يحمل على أنه صيد لأجله، فلذلك رده، وفي هذا مسائل كثيرة يذكرها الفقهاء في أماكنها، وشرطنا أن نشرح ما دل عليه لفظ الكتاب.\nوقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [المائدة: ٩٦]، قال عطاء: يريد خافوا الله الذي إليه تبعثون (٦)، وقال غيره: (واتقوا الله) فلا تستحلوا الصيد في الإحرام (٧)، لم حذرهم بقوله: ﴿الَّذِي إِلَيْهِ\n_________\n(١) الآية السابقة (٩٥).\n(٢) هذه الآية التي يفسرها.\n(٣) \"تفسير البغوي\" ٣/ ٩٩.\n(٤) أخرجه أبو داود (١٨٥١) كتاب: المناسك، باب: لحم الصيد للمحرم، والترمذي (٨٤٦) كتاب: الحج، باب: ما جاء في أكل الصيد للمحرم، كتاب: الحج، باب: ٢٥ ما جاء في أكل الصيد للمحرم ٣/ ١٩٥ رقم ٨٤٦، والنسائي ٥/ ١٨٧، كتاب: الحج، باب: إذا أشار المحرم إلى الصيد.\n(٥) أخرجه البخاري (١٨٢٥) كتاب: جزاء الصيد، باب: إذا أهدى للمحرم حمارًا وحشيًا ولفظه: \"إنا لم نرده إلا أنا حرم\"، وكذا مسلم (١١٩٣)، كتاب: الحج، باب: تحريم الصيد للمحرم وغيرهما.\n(٦) انظر: \"الوسيط\" ٢/ ٢٣١.\n(٧) \"تفسير الطبري\" ٧/ ٧٥.","vol":"7","page":533},{"text":"تُحْشَرُونَ﴾ أي: فيجزيكم بأعمالكم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-947>٩٧ </span>- قوله تعالى: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ﴾ الآية. قال مجاهد: سمي البيت كعبة لتربيعها (١)، وقال مقاتل: سميت الكعبة كعبة لانفرادها من البنيان (٢)، والقولان يرجعان إلى أصل واحد وهو الكعوبه بمعنى النتوّ والخروج، ويقال للجارية إذا نتا ثديها وخرج كَعَبَ وكَعاب، وكعب الإنسان سمي كَعبًا لنتوه من موضع. فالمربع كعبة لنتو زوايا التربيع، والمنفرد من البنيان كعبة لنتوه من الأرض (٣).\nوالبيت الحرام معناه: أن الله تعالى: حرم أن يصاد عنده وأن يختلى ما عنده من الخلا، وأن يعضد شجره وما عظم من حرمته (٤)، واختلف المفسرون وأصحاب المعاني في هذه الآية: فقال ابن عباس في بعض الروايات في قوله: ﴿قِيَامًا لِلنَّاسِ﴾ قيامًا لدينهم، ومعالم لحجهم (٥).\nوقال سعيد بن جبير: ﴿قِيَامًا لِلنَّاسِ﴾ صلاحًا لدينهم (٦)، فعلى هذا القيام مصدر قولك: قام قيامًا، والمعنى أن الله تعالى جعل الكعبة سببًا لقيام الناس إليها للحج وقضاء النسك، فيصلح بذلك دينهم؛ لأنه تحط عنهم الذنوب والأوزار عندها، ويغفر لهم ما اقترفوه قبل حجها، ويكون\n_________\n(١) أخرجه الطبري ٧/ ٧٦ عن مجاهد وعكرمة، \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢١٠.\n(٢) \"تفسيره\" ١/ ٥٠٧.\n(٣) \"النكت والعيون\" ٢/ ٦٩، والبغوي ٣/ ١٠٣، ١٠٤، و\"اللسان\" ١/ ٧١٨، ٧١٩ (كعب).\n(٤) \"تفسير الطبري\" ٧/ ٧٦، \"النكت والعيون\" ٢/ ٦٩.\n(٥) أخرجه الطبري ٧/ ٧٧، و\"الدر المنثور\" ٢/ ٥٨٨.\n(٦) أخرجه الطبري ٧/ ٧٧، و\"النكت والعيون\" ٢/ ٦٩.","vol":"7","page":534},{"text":"هذا من باب حذف المضاف على معنى: جعل الله نَصبَ الكعبة قيامًا للناس، أي نصبها ليقوموا إليها لزيارتها (١).\nويؤكد هذا التفسير قول عطاء في هذه الآية: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ﴾ ولو تركوا عامًا واحدًا لا يحجونه ما نوظروا أن يهلكوا (٢)، فهذا يدلك على أن معنى الآية: أن الله تعالى حث الناس على القيام إليها، وحكى أبو إسحاق هذا المعنى عن بعضهم فقال: أي مما أمروا أن يقوموا بالفرض فيه (٣).\nوقال جماعة من المفسرين وأكثر أصحاب المعنى: القيام ههنا يراد به القِوام، وهو العماد الذي يقوم به الشيء، والتقدير فيه: جعل الله حج الكعبة البيت الحرام قيامًا لمعاش الناس ومكاسبهم، فاستتبت معايشهم به واستقامت أحوالهم لما يحصل لهم في زيارتها من التجارة وأنواع البركة (٤)، ولهذا قال سعيد بن جبير: من أتى هذا البيت يريد شيئًا للدنيا والآخرة أصابه (٥)، فالقيام على هذا يجوز أن يكون بمعنى القوام، قلبت واوه ياء لانكسار ما قبلها، وقد ذكرنا هذا مستقصى في قوله تعالى: ﴿الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ في سورة النساء (٦)، ووجه اختلاف القراء هناك، ويجوز\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" ٧/ ٧٦ - ٧٨، \"النكت والعيون\" ٢/ ٦٩.\n(٢) لم أقف عليه.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٢١٠.\n(٤) انظر: الطبري ٧/ ٧٦، \"بحر العلوم\" ١/ ٤٦٠، \"الوسيط\" ٢/ ٢٣١، \"زاد المسير\" ٢/ ٤٣٠.\n(٥) انظر: \"الوسيط\" ٢/ ٢٣١.\n(٦) الآية رقم (٥) من النساء.","vol":"7","page":535},{"text":"أن يكون مصدر القيام، أي قام به معاشهم قيامًا (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ﴾، ذكر هذه الجملة بعد ذكر البيت؛ لأنها من أسباب حج البيت، فدخلت في جملته وذكرت معه. وهذا طريق في تفسير الآية، وقال كثير من المفسرين: هذا إخبار عما جعله الله تعالى في الجاهلية من أمر الكعبة (٢).\nقال ابن عباس: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ﴾ أي أمنًا للناس، وكان أهل الجاهلية يأمنون فيه، فلو لقي الرجل قاتل أبيه أو ابنه في الحرم ما قتله ولا هيَّجه، وكانوا لا يغزون في الشهر الحرام، وكانوا ينضلون فيه الأسنة، ويبذعز (٣) الناس فيه إلى معايشهم، وكان الرجل يقلد بعيره أو نفسه قلادة من لحا شجر الحرم فلا يخاف، وكانوا توارثوه من دين إسماعيل، فبقوا عليه رحمة من الله لخلقه إلى أن قام الإِسلام، فحجزهم عن البغي والظلم (٤).\nوقال قتادة: وكان هذا في الجاهلية، لو جنى الرجل كل جريرة ثم لجأ إلى الحرم لم يُتَنَاول ولم يُطْلب، ولو لقي قاتل أبيه في الحرم ما مسه، ولو لقي الهدي مقلدًا وهو يأكل العصب من الجوع ما مسه (٥)، ونحو هذا قال مقاتل (٦).\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" ٧/ ٧٦.\n(٢) \"تفسير الطبري\" ٧/ ٧٧.\n(٣) هكذا هذه الكلمة في النسختين. وقد تكون: وينبعث.\n(٤) أخرجه الطبري ٧/ ٧٨ نحوه عن قتادة وابن زيد، \"زاد المسير\" ٢/ ٤٣٠.\n(٥) أخرجه الطبري ٧/ ٧٧ - ٧٨ بمعناه.\n(٦) تفسيره ١/ ٥٠٧.","vol":"7","page":536},{"text":"وعلى هذا التفسير القيام مصدر، والمعنى أن الكعبة جعلها الله أمنًا للناس، بها يقومون أي يأمنون، ولولاها لفنوا وهلكوا وما قاموا. ذكره أبو إسحاق (١).\nوشرح عبد الله بن مسلم (٢)، هذا التفسير الثاني في معنى الآية، وأوضحه بأبلغ بيان، فقال: إن أهل الجاهلية كانوا يتغاورون، ويسفكون الدماء بغير حقها، ويأخذون الأموال بغير حلها، ويخيفون السبيل (٣)، ويطلب الرجل منهم الثأر فيقتل غير قاتله، ويصيب غير الجاني عليه، ولا يبالي من كان بعد أن يراه كفؤًا لوليه، ويسميه الثأر المُنِيم، فجعل الله الكعبة البيت الحرام وما حولها من الحرم والشهر الحرام والهدي والقلائد قيامًا للناس أي أمنًا لهم، فكان الرجل إذا خاف على نفسه لجأ إلى الحرم فأمن يقول الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٦٧]، وإذا دخل الشهر الحرام تقسمتهم الرِّحَل وتوزعتهم النُّجَعُ وانبسطوا في متاجرهم فأمنوا على أموالهم وأنفسهم. وإذا أهدى الرجل هديًا أو قلد بعيره من لحاء شجر الحرم أمن كيف تَصَرَّف (٤) وحيث سلك، ولو تُرِكَ الناس على جاهليتهم وتغاورهم في كل موضع وكل شهر لفسدت الأرض، وفَنِيَ الناس، وتقطعت السبل، وبطلت المتاجر (٥)، ونحو هذا قال أبو بكر بن الأنباري، فقد حصل في الآية\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٢١٠.\n(٢) ابن قتيبة في المشكل.\n(٣) في المشكل: السبل.\n(٤) في (ش): يصرف. وما أثبته من (ج) موافق لما في المشكل.\n(٥) \"تأويل مشكل القرآن\" لابن قتيبة ص ٧٣، ٧٤.","vol":"7","page":537},{"text":"طريقان:\nأحدهما: أن الله امتن على المسلمين بأن جعل الكعبة صلاحًا لدينهم ودنياهم، وقيامًا لهما بها.\nوالثاني: أنه أخبر عما فعله من أمر الكعبة في الجاهلية، قال أبو بكر: والقيام يقال في تفسيره غير وجه: منها: الأمن، لأن الناس يقومون بالأمن ويصلح شأنهم من جهته، ويقال للقيام: العصمة، من قولهم: فلان يقوم على القوم إذا كان يكفل بمؤوناتهم، وهذا قول الربيع بن أنس في قوله: ﴿قِيَامًا لِلنَّاسِ﴾ قال: عصمة لهم (١)، قال: والقيام: إصلاح، من قوله ﷿: ﴿الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ [النساء: ٥] أي صلاحًا ومعاشًا (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾، أراد الأشهر الحرم الأربعة، وخرج مخرج الواحد؛ لأنه ذهب به مذهب الجنس، وهو عطف على المفعول الأول لجعل، ومثل ذلك: ظننت زيدًا منطلقًا وعمرًا، وذكرنا معنى الهدي والقلائد في أول السورة (٣).\nوقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا﴾ إلى آخرها، لم أر للمفسرين فيه شيئًا، وذكر أصحاب المعاني فيه قولين:\nأحدهما: أن الإشارة في قوله: (ذلك) إلى ما ذُكِر في هذه الآية من جعل الكعبة صلاحًا وأمنًا وقوامًا للناس، وهو قول ابن قتيبة (٤)، وأبي\n_________\n(١) لم أقف عليه.\n(٢) \"زاد المسير\" ٢/ ٤٣٠، ٤٣١.\n(٣) عند تفسير الآية الثانية من هذه السورة (المائدة).\n(٤) \"تأويل مشكل القرآن\" ص ٧٣، ٧٤.","vol":"7","page":538},{"text":"علي (١)، وأحد قولي الزجاج (٢)، وابن الأنباري، أما ابن قتيبة فقال: جعل الله ذلك لعلمه بما فيه من صلاح شؤونهم، وليعلموا أنه كما علم ما فيه من الخير لهم، أنه يعلم أيضًا ما في السماوات وما في الأرض من مصالح العباد ومرافقهم (٣)، وأنه بكل شئ عليم (٤).\nوقال أبو علي: أي فعل ذلك ليعلموا أن الله يعلم مصالح ما في السماوات والأرض، وما يجري عليه شأنهم ومعايشهم، وغير ذلك مما يصلحهم، وأن الله بكل شيء يصلحهم، ويقيمهم عليه (٥).\nوقال الزجاج في أحد القولين: إن الله جل وعز لما آمن من الخوف في البلد الحرام، والناس يقتل بعضهم بعضًا وجعل الشهر الحرام يُمتنع فيه من القتل، والقوم أهل جاهلية، دل بذلك أنه يعلم ما في السموات وما في الأرض إذ (٦)، جعل في أعظم الأوقات فسادًا ما يؤمن به (٧)، وأراد الزجاج بقوله: أعظم الأوقات فسادًا إذا اجتمعوا بالموسم للحج.\nوقال أبو بكر: جعل الله هذا الوقت يؤمن فيه، وهذا البلد لا يسفك فيه دم عند المشركين الذين لا يقرؤون كتابًا ولا يدينون بدين، فيعظمونهما غير عابدين لله ﷿ ولا مصدقين لأنبيائه، يدل على أنه يعلم ما في السموات\n_________\n(١) \"الحجة للقراء السبعة\" ٣/ ٢٦٠.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٢١٠.\n(٣) في (ش): (ومنافعهم) وما أثبته هو المطابق لما في \"تأويل مشكل القرآن\".\n(٤) \"تأويل مشكل القرآن\" ص ٧٤.\n(٥) \"الحجة\" ٣/ ٢٦٠.\n(٦) في (ج): (إذا).\n(٧) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٢١٠.","vol":"7","page":539},{"text":"وما في الأرض، وأنه لا يخفى عليه خافية في أرض ولا في سماء (١)، فهذه أقوالهم باختلاف ألفاظها مع اتفاق معانيها.\nوالقول الثاني: أن الإشارة في قوله: (ذلك) يعود إلى ما ذكر في هذه السورة من الأنباء والقصص، قال ابن الأنباري: إن الله تعالى خبرَّ في هذه السورة من أخبار الأنبياء وتُبَّاعهم بغيوب كثيرة، وأطع نبيه - ﷺ - والمسلمين على أشياء من أحوال المنافقين واليهود كانت مستورة عنهم، مثل قوله تعالى: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ﴾ [المائدة: ٤١] وغير ذلك، فلما دل على غيوب لم تكن تُعلَم قبل نزول السورة قال: (ذلك لتعلموا أن الله يعلم ما في السموات وما في الأرض) أي: ذلك الغيب الذي أنبأتكم عن الله تعالى، ويدلكم على أنه يعلم ما في السموات وما في الأرض، وأنه لا يخفى عليه خافية، ولا يعزب عنه عازبة (٢)، ونحو هذا قال الزجاج، وحكاية قوله يطول، قال: وهذا القول عندي أبين (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-948>٩٩ </span>- قوله تعالى: ﴿مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾، لما أنذر الله تعالى في قوله: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ الآية، بشدة العقاب، وبشر بالعفو والغفران قال: ﴿مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾، والبلاغ: اسم من التبليغ كالسراح والأداء.\n<span data-type=\"title\" id=toc-949>١٠٠ </span>- قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ﴾، قال بعض أهل المعاني: لما ذكر الله تعالى أن على الرسول البلاغ، بين على لسانه أنه لا يستوي عند الله تعالى الحلال والحرام.\nوقال المفسرون: نزلت الآية في الحجاج من المشركين الذين أراد\n_________\n(١) \"زاد المسير\" ٢/ ٤٣١.\n(٢) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢١٠، \"زاد المسير\" ٢/ ٤٣١.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٢١٠.","vol":"7","page":540},{"text":"المؤمنون أن يغيروا عليهم، شريح بن ضبيعة وأصحابه (١)، وقد ذكرنا ذلك في أول السورة عند قوله تعالى: ﴿لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ [المائدة: ٢]، ويقدم عليه حديث عقبة (٢).\nوقوله تعالى: ﴿الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ﴾ قال عطاء والحسن والكلبي: الحرام والحلال (٣)، وسمي الحرام خبيثًا؛ لسوء عاقبته، وذكرنا لما سمي الحلال طيبًا في قوله: ﴿أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ [سورة المائدة: ٤]، وقال السدي: الخبيث المشركون، والطيب المؤمنون (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-950>١٠١ </span>- قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ الآية، قال ابن عباس وأنس وأبو هريرة والحسن وطاوس وقتادة والسدي وعلي بن أبي طالب وأبو أمامة الباهلي - ﵃ - دخل كلام بعضهم في بعض: أن رسول الله - ﷺ - سئل حتى أحفوه بالمسألة، فقام مغضبًا خطيبًا، فحمد الله وأثنى عليه وقال: \"لا تسألوني عن شيء في مقامي هذا إلا أخبرتكموه\" فقام رجل من بني سهم كان يُطعن في نسبه، والرجل عبد الله بن حذافة، فقال: يا نبي الله من أبي؟ قال: \"أبوك حذافة بن قيس\"، وقام آخر فقال: يا رسول الله أين أنا؟ ويروى: \"أين أبي؟ \" فقال: \"في النار\" (٥).\n_________\n(١) ذكره مقاتل في \"تفسيره\" ١/ ٥٠٧، و\"بحر العلوم\" ١/ ٤٦١، \"زاد المسير\" ٢/ ٤٣٢.\n(٢) \"البحر الرائق\" ١/ ٤٣٤.\n(٣) انظر: \"بحر العلوم\" ١/ ٤٦١، \"النكت والعيون\" ٢/ ٧٠، \"تفسير البغوي\" ٣/ ١٠٤، \"زاد المسير\" ٢/ ٤٣٣، ونسبه لابن عباس.\n(٤) أخرجه الطبري ٧/ ٧٩.\n(٥) أخرجه بنحوه من حديث أنس البخاري (٧٠٨٩) كتاب الفتن، باب: التعوذ من الفتن، (٧٢٩٤) وكتاب: الاعتصام، باب: ما يكره من كثرة السؤال، ومسلم (٢٣٥٩) كتاب: الفضائل، باب: توقيره - ﷺ -، والطبري ٧/ ٨٠.","vol":"7","page":541},{"text":"وقال سراقة بن مالك، ويروى عكاشة بن محصن: يا رسول الله الحج علينا في كل عام\" فأعرض عنه رسول الله، حتى عاد مرتين أو ثلاثًا، فقال رسول الله - ﷺ -: \"ويحك، وما يؤمنك أن أقول: نعم؟! والله لو قلتُ نعم لوجبتْ، ولو وجبتْ ما استطعتم، ولو تركتم لكفرتم، فاتركوني ما تركتكم، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه\" فأنزل الله هذه الآية (١).\nهذا قول المفسرين في سبب نزول الآية، وقال أصحاب المعاني: أما سؤال من سأل عن موضعه أو موضع أبيه فقال رسول الله: \"في النار\" فهو مما يسوء السائل بيانه، وأما من سأل عن أبيه من هو، فإنه لم يأمن أن يلحقه النبي - ﷺ - بغير أبيه فيفتضح، ويكون قد جنى على نفسه بسؤاله فضيحةً تبقى عليه أبدًا في أمر لم يكلف ذلك، ولم يؤمر بالسؤال عنه، فقد عرض نفسه بهذا السؤال لما سكوته عنه خير له، فهو منهي بهذه الآية عن مثل سؤاله في المؤتنف، إذ لا يأمن أن يكون الجواب بما يسوءه (٢).\nوأما السائل عن الحج فقد كاد أن يكون ممن قال النبي - ﷺ -: \"إن أعظم المسلمين في المسلمين جرمًا من كان سببًا لتحريم حلال\" (٣)، إذ لم\n_________\n(١) أصل الحديث في الصحيح، دون إشارة إلى أنه سبب لنزول الآية فقد أخرج مسلم (١٣٣٧)، كتاب: الحج، باب: فرض الحج من حديث أبي هريرة، وأخرجه على أنه سبب نزول للآية الترمذي (٣٠٥٥) كتاب: التفسير، باب: من سورة المائدة وحسنه، والطبري في \"تفسيره\" من طرق ٧/ ٨ والمؤلف في \"أسباب النزول\" ص ٢١٣ - ٢١٤.\n(٢) \"فتح الباري\" ١٣/ ٢٧٠.\n(٣) أخرجه البخاري حديث سعد بن أبي وقاص (٧٢٨٩) كتاب: الاعتصام، باب: ما =","vol":"7","page":542},{"text":"يؤمن أن ينزل في الحج إيجاب في كل عام لتكلف السؤال عما كان مرفوعًا عنه وغير مكلف إياه؛ لأنه كان له في ظاهر ما نزل من فرض الحج كفاية، ولو كان العدد في الوجوب مرادًا لبُيِّن في التنزيل، أو على لسان الرسول، فسؤاله عن شيء كان عفا الله عنه (١).\nقالوا: وقوله تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْهَا﴾ مؤخر في النظم مقدم في المعنى؛ لأن التقدير: لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم عفا الله عنها، وإن شئت قلت: لا تسألوا عن أشياء عفا الله عنها إن تبد لكم تسؤكم (٢)، فقوله: ﴿إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ وقوله: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْهَا﴾ جملتان صفتان لأشياء، وهي نكرة، ومعنى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْهَا﴾ أي كف وأمسك عن ذكرها فلم يوجب فيها حكمًا، وكلام أبي إسحاق دل على هذه الجملة التي ذكرنا، لأنه قال: أعلم الله ﷿ أن السؤال عن مثل هذا الجنس لا ينبغي أن يقع، فإنه إذا ظهر فيه الجواب ساء ذلك، ولا إن ظهر وجه في المسألة عما عفا الله عنه، وفيه إن ظهر فضيحةٌ على السائل (٣).\nوكان عبيد بن عمير يقول: إن الله أحل وحرم، فما أحل الله فاستحلوه وما حرم فاجتنبوه، وترك بين ذلك أشياء لم يحللها ولم يحرمها فذلك عفو من الله، ثم يتلو هذه الآية (٤)، وقال مجاهد: كان ابن عباس إذا سئل عن\n_________\n= يكره من كثرة السؤال بلفظ: \"إن أعظم المسلمين جرمًا من سأل عن شيء لم يحرم فحرم من أجل مسألته\" وكذا مسلم (٢٣٥٨) في كتاب: الفضائل، باب: توقيره - ﷺ -.\n(١) \"تفسير الوسيط\" ٢/ ٢٣٤.\n(٢) \"بحر العلوم\" ١/ ٤٦٢.\n(٣) معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٢١١.\n(٤) أخرجه الطبري ٧/ ٨٥، وقد قالت عائشة ﵂ لجبير بن نفير: هل تقرأ =","vol":"7","page":543},{"text":"الشيء لم يجىء فيه أمر يقول: هذا من العفو، ثم يقرأ هذه الآية (١).\nوقال أبو ثعلبة الخشني (٢): إن الله تعالى فرض فرائض فلا تستبقوها، ونهى عن أشياء فلا تنتهكوها، وحد حدودًا فلا تعتدوها، وعفا عن أشياء من غير نسيان فلا تبحثوا عنها (٣).\nوأجمع النحويون على أن (أشياء) جمع شيء، وأنها غير مُجراة، واختلفوا في العلة، فقال الكسائي: هو على وزن أفعال، ولكنها كثرت في الكلام فأشبهت: فَعْلاء، فلم تصرف كما لم تصرف حمراء، قال: وجمعوها أشاوَى، كما جمعوا عَذْراء عذارى، وصَحْراء صحارى، وأشْياوات، كما قيل: حَمْراوات (٤)، واعترض عليه الفراء والزجاج، فقال\n_________\n= سورة المائدة؟ قال: قلت: نعم. قالت: فإنها آخر سورة نزلت فما وجدتم فيها من حلال فاستحلوه وما وجدتم فيها من حرام فحرموه .. \" أخرجه أحمد في مسنده ٦/ ١٨٨.\n(١) لم أقف عليه. وقد أخرج الطبري ٧/ ٨٥ عن ابن عباس أنه قال: \"لا تسألوا عن أشياء إن نُزِّل القرآن فيها بتغليظ ساءكم، ولكن انتظروا، فإذا نزل القرآن فإنكم لا تسألون عن شيء إلا وجدتم بيانه\".\n(٢) صحابي مشهور، قيل اسمه: جرهم، وقيل: جرثم، وقيل غير ذلك، وأبوه قيل: عمرو وقيل: قيس، وقيل غير ذلك. منسوب إلى بني خشين. روى أحاديث. انظر: \"الإصابة\" ٤/ ٢٩، ٣٠.\n(٣) هكذا أخرجه الطبري ٧/ ٨٥، ونسبه كالمؤلف لأبي ثعلبة موقوفًا، وقد أخرج مرفوعًا الدارقطني في \"سننه\" ضمن الموسوعة الحديثية بإشراف د. التركي ٥/ ٣٢٦ برقم ٤٣٩٦، وكذا ساقه القرطبي في \"تفسيره\" ٦/ ٣٣٤ مرفوعًا، وصححه ابن كثير في \"تفسيره\" ٢/ ١٢٠ مرفوعًا حيث قال: \"وفي الحديث الصحيح\" ثم ساقه وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر والحاكم الذي صححه مرفوعًا. انظر: \"الدر المنثور\" ٢/ ٥٩٣، فالأقرب والله أعلم أنه مرفوع.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" للفراء ١/ ٣٢١، ومعاني الزجاج ٢/ ٢١٢.","vol":"7","page":544},{"text":"الفراء: لو كان كما قال لكان أملك الوجهين أن يُجرَى، لأن الحرف (١) إذا كثر به الكلام خف، وجاز أن يُجرَى كما كثرت التسمية بيزيد فأجروه في النكرة، وفيه ياء زائدة تمنع من الإجراء (٢)، وقال الزجاج: أجمع البصريون وأكثر الكوفيين على أن قول الكسائي خطأ في هذا، وألزموه ألا يصرف أبناء وأسماء.\nوقال الأخفش والفراء: أشياء جمعت على أفعلاء، كما يقال: هَيْن وأهونا، ولَيْن وأليناء، وكان في الأصل أشيئاء على وزن أشبعاع، فاجتمعت همزتان بينهما ألف فحذفت الهمزة الأولى وفتحت الياء لتبقى ألف الجمع صحيحة فصار: أشياء، ووزنه عندهما: أفعِلاء (٣)، قال الزجاج: وهذا القول أيضًا غلط؛ لأن شيئًا فَعْلٌ، وفَعْلٌ لا يجمع أَفِعلاء، فأما هَيّن ولَيّن فأصله: هَيين ولَيين، فجُمع أفعِلاء كما يُجمع فعيل على أفْعلاء، مثل: نصيب وأنصباء.\n(وقال الخليل: (أشياء) اسم للجمع كان أصله فعلاء شيئاء، فاستثقلت الهمزتان فقلبت الهمزة الأولى التي هي لام الفعل إلى أول الكلمة فجعلت لفعاء، كما قلبوا أَنْوق فقالوا أنيق، وكما قلبوا قُووس فقالوا: قِسي) (٤)، قال الزجاج: وهذا مذهب سيبويه والمازني وجميع\n_________\n(١) في (ج): (الحروف).\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ١/ ٣٢١.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٢١٢ بتصرف. وانظر: \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٩٥١ (شيء).\n(٤) جاء قول الخليل في \"معاني القرآن وإعرابه\" للزجاج مقتضبًا جدًا، فيحتمل السقط، أو أن المؤلف اعتمد على واسطة وهو \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٩٥١ (شيء).","vol":"7","page":545},{"text":"البصريين، وحكي (١) أن المازني ناظر الأخفش في هذا فسأله في هذا فسأله عن تصغير أشياء فقال: أقول أُشَيّاء، فقال المازني: ولو كانت أفعلاء لردت في التصغير إلى واحدها فقيل: شُيَيْئات مثل: شعيعات، وإجماع البصريين أن تصغير أصدقاء إن كان للمؤنث: صُدَيَّقات، وإن كان للمذكر صُدَيّقون (٢)، فقطع المازني الأخفش، هذا مما ذكره النحويون في هذا الحرف، وحكى الزجاج أكثره في كتابه.\nويُحتاج في هذا الحرف إلى بيان أكثر من هذا، فالذي ذهب إليه الخليل وسيبويه وأبو عثمان أن أشياء مقلوبة من شيئاء على وزن فعلاء نحو حمراء، ووزنه الآن لفعاء، والعلة المانعة للصرف بناء الحرف على همزة التأنيث، فلحق الحرف بصفراء وحمراء وبابه، والذي ذهب إليه أبو الحسن (٣) أن وزنه أفعلاء، ثم حذفت الهمزة الأولى استخفافًا، والذي قوَّى عزمه على هذا دون أن يجعله أفعالًا ترك العرب صرفها نكرة، فلما رآها غير مصروفة جعل همزتها للتأنيث كما هي في صفراء، وأفعلاء لا ينصرف نحو أصدقاء وبابه، كذلك أشياء، فمذهب الخليل القلب، ومذهب الأخفش الحذف، والأشياء عند وزنه بعد الحذف أَفْعاء، والعلة المانعة عنده أيضًا همزة التأنيث المبني عليها الكلمة، وفي القولين جميعًا أشياء جمع على غير لفظ الواحد؛ لأن شيئًا فَعْلٌ، وفَعْلٌ لا يجمع على فعلاء ولا على أفعلاء، والجمع كثيرًا ما يأتي على غير لفظ الواحد، كما قالوا في\n_________\n(١) لا يزال الكلام للزجاج.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٢١٢، ٢١٣، \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٩٥١ (شيء).\n(٣) الظاهر أنه الأخفش، وليس في \"معاني القرآن وإعرابه\" له كلام حول هذه الآية.","vol":"7","page":546},{"text":"جمع شاعر: شعراء، وليس قياس فاعل أن يجمع على فُعَلاء، وكذلك قالوا في جمع جمل وبقر: جامل وباقر.\nويمكن أن يقال: إن أشياء لفظ وضع للجمع لا على بناء الواحد، وأما الكسائي فإنه يقول: أشياء أفعال، ولكنها لما جمعت أشياوات أشبه فعلاء التي تجمع على فعلاوات نحو: صحراء وصحراوات، ونظير أشياء في أنها أفعال أحياء في جمع حي، كذلك أشياء أفعال في جمع شيء، والعلة المانعة لصرفها شبهها بفعلاء من حيث جمعت جمعها، ويلزم على هذا القول ترك صرف أبناء وأسماء، لأنهم قالوا في جمعها: أسماوات وأبناوات، وذهب الفراء في هذا الحرف مذهب الأخفش غير أنه خلط حين ادعى أنها (كهَيّن ولَيّن) (١) حين جمعا أهوناء وأليناء (٢)، وهَيْن تخفيف هَيِّن، فلذلك جاز جمعه على أفعلاء، وشيء ليس بتخفيف عن شيِّءٍ حتى يجمع على أفعلاء، وإنما زدت في البيان عن هذا الحرف؛ لأن علمه من غامض النحو ومشكله.\nوقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ﴾، لم أر للمفسرين في هذا بيانًا، وقال صاحب النظم: الكناية في (عنها) ليست تعود على أشياء المذكورة في قوله: ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ﴾ ولكنها تعود على أشياء وأُخَر سواها لا هي، وجاز ذلك لأن المذكورة دلت عليها من حيث اجتمعتا في اللفظ، ومثل هذا قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٢] يعني: آدم، ثم قال: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ\n_________\n(١) في (ج): (لهين لين).\n(٢) \"معانى القرآن وإعرابه\" للفراء ١/ ٣٢١.","vol":"7","page":547},{"text":"مَكِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٣] يعني: ابن آدم؛ لأن آدم لم يجعل نطفة في قرار، ولكنه لما ذكر الإنسان والمراد به آدم دل ذلك على إنسان مثله وعرف ذلك بفحوى الكلام، والمعنى: (وإن تسألوا عنها) أي: عن أشياء حين ينزل القرآن فيها من فرض أو إيجاب أو نهي أو حكم أو ندب، ومست حاجتكم إلى ما هو من جملة ما نزل فيه القرآن، وليس في ظاهر ما نزل ولا في باطنه دليل على شرح ما بكم إليه حاجة، فإذا سألتم عنها حينئذٍ تبد لكم (١)، ومثال هذا: أن الله تعالى لما بين عدة المطلقة، والمتوفى عنها زوجها، والحامل لم يكن في عدد هؤلاء دليل على عدة التي ليست بذات قرءٍ ولا حامل فسألوا عنها، فأنزل الله تعالى (٢) قوله: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ﴾ [الطلاق: ٤]، فأما ما سوى هذا وأشباهه فما لم ينزل فيه قرآن وكان مرفوعًا عنهم، ولم يكلفوه، ولم تكن بهم حاجة إليه، فالسؤال عنه محظور بحكم هذه الآية، هذا معنى كلامه وبعض لفظه.\nوقوله تعالى: في ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْهَا﴾، قد ذكرنا أنه على التقديم، وقال بعضهم: ليس على التقديم، والمعنى: قد عفا الله عن مسألتها، أي عن مسألتكم عنها، فيكون العفو عن مسألتهم التي سلف منهم مما كرهه النبي - ﷺ - نهاهم الله أن يعودوا إلى مثلها، وأخبر أنه عفا عما فعلوا (٣)، وجازت الكناية عن المسألة لأن (لا تسألوا) دليل عليها. وهذا قول ابن عباس في رواية عطاء (٤).\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" ٧/ ٨٤.\n(٢) ساقط من (ج).\n(٣) \"تفسير الطبري\" ٧/ ٨٥، \"النكت والعيون\" ٢/ ٧١.\n(٤) \"تفسير الطبري\" ٧/ ٨٥، \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ١٢٤.","vol":"7","page":548},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ﴾، قال عطاء: يريد لما كان في الجاهلية (حليم) عن عقابكم منذ آمنتم وصدقتم (١)، وقال أهل العلم في هذه الآية: الذي يجوز أن يسأل عنه هو ما يجوز أن يعمل عليه في أمر دين أو دنيا، والذي لا يجوز أن يسأل عنه هو ما لا يجوز أن يعمل عليه في أمر دين أو دنيا، ولهذا لم يجز أن يسأل: من أبي؟ لأنه لا يجوز أن يعمل في هذا إلا على أن الولد للفراش.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-951>١٠٢ </span>- قوله تعالى: ﴿قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ﴾، قال ابن عباس والمفسرون: يعني قوم عيسى سألوا المائدة ثم كفروا بها، وقوم صالح سألوا الناقة ثم عقروها وكفروا بها (٢).\nفالكناية على هذا التفسير في قوله (سألها) تعود إلى الآيات. وهذا السؤال في هذه الآيات يخالف معناه معنى السؤال في قوله: ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ﴾ وقوله: ﴿وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا﴾، ألا ترى أن السؤال في الآية الأولى قد عدي بالجار، وههنا عدي بغير الجار؛ لأن معنى السؤال ههنا طلب لعين الشيء، كما تقول: سألتك درهما، أي: طلبته منك، والسؤال في الآية الأولى سؤال عن حال الشيء، كما تقول: سألتك عن شيء، أي عن حاله وهيئته وكيفيته. وإنما عطف ﷿ بقوله: ﴿قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ﴾ علي ما قبلها وليست بمثل نظمها في التأويل؛ لأنه ﷿ إنما نهاهم عن تكلف ما لم يكلفوا وهو مرتفع عنهم، وأعلمهم أنهم في هذا التكلف مثل أولئك على موسى وعيسى في تكلف (٣) ما لم يكلفوا، وطلب ما لم يعْنِهم مما كان الإعراض\n_________\n(١) لم أقف عليه.\n(٢) أخرجه بمعناه الطبري في \"تفسيره\" ٧/ ٨٥، وانظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٤٣٦.\n(٣) في (ج): (تكليف).","vol":"7","page":549},{"text":"عنه أولى بهم، وأصلح لهم (١)، وذلك مثل سؤال قوم موسى: ﴿أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [النساء: ١٥٣] وقول بني إسرائيل: ﴿لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، قال الله ﷿: ﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا﴾ [البقرة: ٢٤٦] وقالوا: ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ﴾ [البقرة: ٢٤٧] ألا تراهم قد سألوا ثم كفروا، وهذا معنى كلام أبي علي الجرجاني (٢) وبعض لفظه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-952>١٠٣ </span>- قوله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ﴾، روى ثعلب عن ابن الأعرابي قال: الجعل له معان في اللغة، يقال: جعل: صير، وجعل: أقبل، وجعل: خلق، وجعل: قال، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [الزخرف: ٣] (٣)، وقال غيره: صيرناه. ويكون الجعل بمعنى القول والحكم على الشيء، تقول: قد جعلت زيدًا على الناس، أي: قد وصفته بذلك وحكمت به، ومنه قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا﴾ [الزخرف: ١٩].\nوقال بعض أصحاب المعاني: جعل أحد الكلمات المشتركات التي هن أمهات الأحداث مثل: فعل وعَمِل وجعل وطفق وأنشأ وأقبل، إلا أن بعضها أعم من بعض، وأكثرها عمومًا \"فعل\"؛ لأنه يقع على كل حركة من الإنسان قولًا أو عملًا أو همًا يهم به، والدليل على أنه يقع على القول قوله تعالى: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا﴾ [الأنعام: ١٤٨] ثم قال:\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" ٧/ ٨٦.\n(٢) صاحب كتاب النظم، يأخذ عنه المؤلف كثيرًا، وهو غير متوفر.\n(٣) \"تهذيب اللغة\" ١/ ٦١٦ (جعل).","vol":"7","page":550},{"text":"﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ (١) [الأنعام: ١٤٨] فهذا حكايته عن القول، وعَمِلَ دون فَعَل في العموم؛ لأنه لا ينتظم معنى النية والهم والعزم والقول، ولا يقع إلا على عمل البدن، وأما (جعل) فله أحوال، منها: (جعل): صير مثل قوله تعالى: ﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ﴾ [الحج: ٢٥] أي صيرناه، ومنها: (جعل): أوجب، كقرله ﷿: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا﴾ [البقرة: ١٤٣] أي: وما أوجبنا القبلة التي أنت عليها، ومنها: (جعل): خلق، مثل قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ [الأنعام: ١] أي خلق، وأما قوله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [الزخرف: ٣] أي: صيرناه؛ لأن من القرآن العبراني والسرياني، فما نقل منه إلى العرب صار عربيًا (بالتصيير والنقل) (٢)، ومنها: (جعل): صلة لما بعده، مثل قوله: جعل يصرفه، نحو: طلق وأنشأ وأقبل، كلٌ منها صلة لما بعده من الفعل، فقوله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ﴾ أي: ما أوجبها ولا أمر بها، والبحيرة: فعيلة من البحر وهو الشق، يقال: بحر ناقته، إذا شق أذنها، وهي بمعنى المفعولة، وخرجت مخرج النطيحة والذبيحة والنسيكة. وقد مضى الكلام في النطيحة (٣).\nقال أكثر أهل اللغة والتفسير: البحيرة: الناقة إذا نتجت خمسة أبطن،\n_________\n(١) في (ج)، (ش): (فعل) والظاهر أنه تصحيف، فإن هذه آية الأنعام، أما (فعل) ففي سورة النحل الآية ٣٣ وتختلف عن هذه حيث قال تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾.\n(٢) في (ج): (لتصييره النقل).\n(٣) عند تفسير الآية الثالثة من هذه السورة.","vol":"7","page":551},{"text":"وكان آخرها سَقْبًا (١) ذكرًا شقوا أذن الناقة، وامتنعوا من ركوبها وذبحها وسيبوها لآلهتهم، لا يجز لها وبر، ولا يحمل على ظهرها، ولا تطرد من ماء، ولا تمنع من مرعى، ولا ينتفع بها، إذا لقيها المُعْيي لم يركبها تحرجًا، وهذا قول أبي عبيدة (٢) والزجاج (٣).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا سَائِبَةٍ﴾، قال أبو عبيد (٤): كان الرجل إذا مرض أو قدم من سفر ونذر نذرًا أو شكر نعمة سيَّب بعيرًا، فكان بمنزلة البحيرة في جميع ما حكموا لها، وهذا القول اختيار القتيبي (٥) والزجاج (٦).\nوقال الفراء: قال بعضهم: السائبة: إذا ولدت الناقة عشرة أبطن كلهن إناث سُيِّبت، فلم تركب، ولم يُجَزّ لها وبر، ولم يشرب لبنها إلا ولد أو ضيف (٧)، والسائبة في اللغة: فاعلة من: ساب، إذا جرى على وجه الأرض، يقال: ساب الماء، وسابت الحية، وقيل: هي بمعنى المسَّيبة، لأنها تُسيَّب، ومنه قولهم للعبد أعتقتك سائبة، أي سيبتك فلا ولاء لي عليك (٨).\n_________\n(١) السقب: ولد الناقة، وقيل: الذكَر من ولد الناقة .. وقيل: هو سقبٌ ساعة تضعه أمه. \"اللسان\" ٤/ ٢٠٣٥ - ٢٠٣٦ (سقب).\n(٢) \"مجاز القرآن\" ١/ ١٧٧.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٢١٣.\n(٤) هكذا في النسختين، وفي الوسيط للمؤلف ٢/ ٢٣٥ (أبو عبيدة).\nوالظاهر أن الكلام لأبي عبيدة كما في \"مجاز القرآن\" ١/ ١٨٠ ونحوه في \"النكت والعيون\" ٢/ ٧٣.\n(٥) في \"غريب القرآن\" ص ١٤٧.\n(٦) في \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٢١٣، وانظر: \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٥٨٥ (ساب)\n(٧) \"معاني القرآن وإعرابه\" ١/ ٣٢٢.\n(٨) \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٥٨٥ (ساب).","vol":"7","page":552},{"text":"وقال: ابن عباس في السائبة: هي التي تسيب للأصنام، أي تعتق لها، وكان الرجل يسيب من ماله ما يشاء، فيجيء إلى السدنة وهم خدم آلهتهم فيُطِعْمون من لبنها أبناء السبيل (١)، ونحو ذلك قال ابن مسعود (٢). وقال سعيد بن المسيب: السائبة: من الإبل، كانوا يسيبونها لطواغيتهم (٣).\nوقال عكرمة في السائبة: كان الرجل إذا طلب الضالة، أو تبع النادّة، وأراد الحاجة قال: كذا وكذا (٤) من مالي سائبة إن أدركت حاجتي (٥).\nوقال علقمة: السائبة: من العبيد والنَّعَم وما نذر الرجل لئن عافاه الله من مرض أوْ ردَّه من سفر سالمًا ليسيبن ناقة أو جملًا أو شاة للأصنام، فإذا سيبها حرم أكلها، لا يجز وبرها ولا يركب ظهرها ولا يشرب لبنها إلا ضيف، وما ولدت فهو بمنزلتها، شقت أذنها وسميت بحيرة (٦).\n_________\n(١) أخرجه الطبري ٧/ ٩٠ مختصرا من طريق علي بن أبي طلحة، وانظر: \"بحر العلوم\" ١/ ٤٦٢، \"تفسير الوسيط\" ٢/ ٢٣٥ وعزاه المحقق لتفسير ابن عباس ص ١٠٢، \"تنوير المقباس بهامش المصحف\" ص ١٢٤، \"زاد المسير\" ٢/ ٤٣٧، وعزاه السيوطي إضافة إلى ابن جرير إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم. \"الدر المنثور\" ٢/ ٥٩٦ بمعناه.\n(٢) \"تفسير الوسيط\" ٢/ ٢٣٥.\n(٣) أخرجه بنحوه البخاري (٤٦٢٣) كتاب: التفسير، باب: تفسير سورة المائدة، باب: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ﴾، والطبري ٧/ ٩٢، والبغوي في \"تفسيره\" ٣/ ١٠٨، وانظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٤٣٨.\n(٤) في (ج): (كذى وكذى).\n(٥) لم أقف عليه، وانظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٤٣٨.\n(٦) \"غريب القرآن\" لابن قتيبة ص ١٤٧، والطبري في \"تفسيره\" ٧/ ٨٩ - ٩١، و\"بحر العلوم\" ١/ ٤٦٢، \"معاني القرآن وإعرابه\" للنحاس ٢/ ٣٧١، \"النكت والعيون\" ١/ ٤٦٣، \"تفسير البغوي\" ٣/ ١٠٧.","vol":"7","page":553},{"text":"وقال محمد بن إسحاق في السائبة مثل ما قال الفراء في قوله: قال بعضهم، ثم قال محمد: والبحيرة ولد السائبة (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا وَصِيلَةٍ﴾، قال ابن عباس وأكثر المفسرين: الوصيلة: من الغنم (٢)، وقال مقاتل: إذا ولدت الشاة سبعة أبطن عمدوا إلى السابع، فإن كان جديًا ذبحوه للآلهة، ولحمه للرجال دون النساء، وإن كان عناقًا استحيوها فكانت من عرض الغنم، وإن ولدت في البطن السابع جديًا وعناقًا قالوا: إن الأخت وصلت أخاها فحرمته علينا، فحرما جميعًا، فكانت المنفعة واللبن للرجال دون النساء (٣)، ونحو ذلك قال ابن مسعود (٤)، وقال الزجاج في الوصيلة: كانت الشاة إذا ولدت انثى فهي لهم، وإن ولدت ذكرًا جعلوه لآلهتهم، فإن ولدت ذكرًا وأنثى قالوا: وصلت أخاها، فلم يذبحوا الذكر لآلهتهم (٥).\nفالوصيلة بمعنى الموصولة، كأنها وصلت بغيرها، ويجوز أن تكون بمعنى الواصلة لأنها وصلت أخاها. وهذا أظهر الآية.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا حَامٍ﴾، قال ابن عباس وابن مسعود: إذا نُتَجَت من صلب الفحل عشرة أبطن قالوا: قد حُميَ ظهره وسيب لأصنامهم، فلا\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" للفراء ١/ ٣٢٢، و\"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٥٨٥ (ساب)، \"زاد المسير\" ٢/ ٤٣٩.\n(٢) \"غريب القرآن\" لابن قتيبة ص ١٤٧، و\"تفسير الطبري\" ٧/ ٩٠، و\"معاني الزجاج\" ٢/ ٢١٣.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ١/ ٥١٠.\n(٤) \"تفسير الوسيط\" ٢/ ٢٣٥.\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٢١٣.","vol":"7","page":554},{"text":"يحمل عليه (١)، وهذا قول أبي عبيدة (٢) والزجاج (٣) وأكثر أهل التفسير (٤)، ونحو ذلك قال سعيد بن المسيب: كان الفحل يضرب الضراب المعدود، فإذا بلغ ذلك قالوا: قد حمي ظهره فترك (٥)، وقال الفراء: الحامي الفحل من الإبل: كان إذا لقح ولد ولدِه حمى ظهره فلا يركب (٦)، أعلم الله ﷿ أنه لم يحرم من هذه الأشياء شيئًا.\nقال ابن عباس والمفسرون، وروي ذلك عن النبي - ﷺ -: إن عمرو بن لُحي الخزاعي كان قد ملك مكة، وكان أول من غير دين إسماعيل، فاتخذ الأصنام، ونصب الأوثان، وبحر البحيرة، وسيب السائبة، ووصل الوصيلة وحمى الحامي، قال رسول الله - ﷺ -: \"فلقد رأيته في النار يؤذي أهل النار بريح قُصْبِه\" ويروى \"يجز قُصْبه في النار\" (٧)، وقال قتادة: كان هذا كله تشديدًا شدده الشيطان على أهل الجاهلية في أموالهم وتغليظًا (٨)، وأنشد\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" ٧/ ٩٠، و\"بحر العلوم\" ١/ ٤٦٢، \"تفسير الوسيط\" ٢/ ٢٣٥، \"تفسير البغوي\" ٣/ ١٠٨، و\"تفسير ابن كثير\" ٢/ ١٢٢.\n(٢) في \"مجاز القرآن\" ١/ ١٧٩.\n(٣) في \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٢١٣.\n(٤) \"تفسير الطبري\" ٧/ ٨٦ - ٩٣.\n(٥) أخرجه البخاري (٤٦٢٣)، كتاب: التفسير، من تفسير سورة المائدة باب: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ﴾، والطبري ٧/ ٩٠.\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه\" ١/ ٣٢٢.\n(٧) أخرجه من حديث أبي هريرة مختصرًا: البخاري (٤٦٢٣)، كتاب: التفسير، من تفسير سورة المائدة، ومسلم (٢٨٥٦) كتاب: الجنة، باب: النار يدخلها الجبارون. لكن في البخاري جاءت تسميته: عمرو بن عامر، وكذا عند الإِمام أحمد في مسنده ٢/ ٢٧٥، وأخرجه الطبري ٧/ ٨٨ وغيرهم.\n(٨) أخرجه الطبري ٧/ ٩٠.","vol":"7","page":555},{"text":"أهل اللغة في هذه الأنواع من النعم، فأنشدوا في البحيرة:\nمُحرَمةٌ لا يأكلُ الناسُ لحمَها ... ولا نحن في شيءٍ كذلك البحائِرُ\nوأنشدوا في الوصيلة لتأبط شرًا:\nأجِدَّك أمَّا كنت في الناس ناعقًا ... تراعي بأَعْلى ذي المجازِ الوصائلا\nوأنشدوا في السائبة:\nوسائبةٍ مالي تشكُّرا ... إن (١) اللهُ عافا (٢) عامرًا ومجاشعًا\nوأنشدوا في الحامي:\nحَماها أبو قابُوسَ في عزِّ مُلْكه ... كما قد حَمَى أولادَ أولادِه الفحلُ\nوقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾، قال ابن عباس: يريد عمرو بن لُحي وأصحابه، يتقولون على الله الأباطيل في تحريمهم هذه الأنعام، وهم جعلوها محرمة لا الله تعالى (٣).\nوقوله تعالى: ﴿وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [المائدة: ١٠٣]، قال الشعبي وقتادة: يعني الأتباع لا يعقلون أن ذلك كذب وافتراء على الله من الرؤساء الذين حرموا هذه الأنعام (٤) (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-953>١٠٤ </span>- قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ الآية،\n_________\n(١) في (ش): (وإن).\n(٢) في (ج): (عافى).\n(٣) \"تفسير الوسيط\" ٢/ ٢٣٦، وعزاه المحقق لتفسير ابن عباس ص ١٠٢، \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ١٢٥.\n(٤) \"تفسير الطبري\" ٧/ ٩٣، \"معاني القرآن وإعرابه\" للنحاس ٢/ ٣٧٣، \"تفسير الوسيط\" ٢/ ٢٣٦، \"زاد المسير\" ٢/ ٤٤٠، \"تفسير ابن كثير\" ٢/ ١٢٣.\n(٥) من: \"وقوله تعالى: (وأكثرهم لا يعقلون) .. \" إلى هنا ليس في نسخة (ش).","vol":"7","page":556},{"text":"قال ابن عباس: يعني: تعالوا إلى ما أنزل الله في القرآن من تحليل ما حرمتم على أنفسكم ﴿قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ من الدين والمنهاج (١).\nوقوله تعالى: ﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾، مضى الكلام في نظيره في سورة البقرة (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-954>١٠٥ </span>- قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ الآية، قال النحويون: قوله: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ أمر من الله، تأويله: احفظوا أنفسكم عن ملابسة المعاصي والإصرار على الذنوب. قاله الفراء (٣) وابن الأنباري (٤).\nونحو ذلك قال الزجاج؛ لأنه قال: إذا قلت: عليك زيدًا، فتأويله الزم زيدًا، و﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ معناه: الزموا أنفسكم فإنما ألزمكم الله أمرها (٥)، وهذا موافق لما قال ابن عباس في تفسيره؛ لأنه قال في قوله\n_________\n(١) انظر: \"بحر العلوم\" ١/ ٤٦٢، \"تفسير الوسيط\" ٢/ ٢٣٦، \"تفسير البغوي\" ٣/ ١٠٩، \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ١٢٥.\n(٢) الظاهر أنه عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٧٠].\n(٣) في \"معاني القرآن وإعرابه\" ١/ ٣٢٢.\n(٤) أبو بكر، وقد وهم محقق \"الوسيط\" ٢/ ٢٣٧ فنسب هذا \"القول للبيان في غريب إعراب القرآن\" ١/ ٣٠٧، وهذا الكتاب لأبي البركات بن الأنباري المتوفى سنة ٥٧٧ هـ وهو متأخر عن المؤلف بقرن تقريبًا.\nوكلام ابن الأنباري أبي بكر هنا بمعنى ما عند أبي بركات في البيان، ولم أجده في الزاجر لأبي بكر، والذي يعتمد عليه المؤلف كثيرًا.\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٢١٣.","vol":"7","page":557},{"text":"﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾: يقول: أطيعوا أمري، واحفظوا وصيتي (١)، والعرب تأمر من الصفات بعليك وعندك ودونك، فتعديها إلى المفعول، وتقيمها مقام الفعل، فتنصب بها على الإغراء (٢)، تقول: عليك زيدًا (٣)، كأنه قيل: خذ زيدًا فقد عداك وأشرف عليك، وعندك زيدًا، أي حضرك فخذه، ودونك، أي: قرب منك.\nفهذه الأحرف الثلاثة لا اختلاف بين النحويين في إجازة النصب بها، وقد تقيم العرب غير هذه الأحرف مقام الفعل، ولكن لا تعديه إلى مفعول، وذلك نحو قولهم: إليك عني (٤)، أي تأخر، كما يقولون، وراءك وراءك، بهذا المعنى.\nقالوا: لا يجوز أن يأمر بهذه الظروف إلا المخاطب، لو قلت عليك زيدًا، لم يحسن، وإنما كان كذلك لأن المخاطب لا يحتاج في الأمر بالفعل إلى أكثر من حروف ذلك الفعل الذي يأمره به نحو: قم واذهب، وفي الأمر للغائب يحتاج إلى إدخال اللام نحو: ليقم فلان، فكرهوا أن يقيموا هذه الظروف مقام الفعل واللام، فتكون نائبة عن شيئين، وفي المخاطبة تكون نائبة عن شيء واحد وهو الفعل وحده، وقد حكى عن العرب سماعًا: عليه رجلًا، ليس إغراءً للغائب، وهو شاذ لا يقاس عليه، وأجاز الكسائي وحده الإغراء بالظروف كلها.\nقال الفراء: زعم الكسائي أنه سمع: بينكما البعيرَ فخذاه، فأجاز ذلك\n_________\n(١) لم أقف عليه.\n(٢) \"تفسير الطبري\" ٧/ ٩٧.\n(٣) انظر: كتاب سيبويه ١/ ١٣٨.\n(٤) \"تفسير الطبري\" ٧/ ٩٤.","vol":"7","page":558},{"text":"في كل الصفات، وسمع العرب تقول: كما أنت زيدًا، ومكانك زيدًا، قال الفراء: وسمعت بعض بني سليم يقول: مكانكني، يريد انتظرني في مكانك (١)، ولا يجوز تقديم ما نصبته حروف الإغراء عليها نحو: زيدًا عليك، لأنها طروف أقيمت مقام الأفعال وليست أفعالًا، فلا تقوى على العمل فيما قبلها (٢).\nوأما سبب نزول الآية: فروى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس أن النبي - ﷺ - لما قبل من أهل الكتاب الجزية وأبى من العرب إلا الإسلام أو السيف، عيَّر المؤمنين منافقوا مكة قبول رسول الله - ﷺ - الجزية من بعض دون بعض، فنزلت هذه الآية (٣)، يقول: لا يضركم ملامة اللائمين إذا كنتم على هدى، وقال سعيد بن جبير: نزلت في أهل الكتاب، يعني: عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل من أهل الكتاب (٤).\nوقوله تعالى: ﴿لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾، قال الزجاج: الأجود أن يكون رفعًا على جهة الخبر، والمعنى: ليس يضركم من ضل، قال: ويجوز أن يكون موضع ﴿لَا يَضُرُّكُمْ﴾ جزمًا على الجواب لقوله: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ لأنه أمر، ويكون الأصل: لا يضرركم إلا أن الراء الثانية أدغمت فيها الأولى وضمت لالتقاء الساكنين (٥)، وشبه الفراء هذا بقوله\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" ١/ ٣٢٣.\n(٢) \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٣٢٣.\n(٣) ذكره المؤلف في \"أسباب النزول\" ص ٢١٤، و\"بحر العلوم\" ١/ ٤٦٣، و\"تنوير المقباس\" - الذي هو من رواية الكلبي ورواياته منكرة بهامش المصحف ص ١٢٥.\n(٤) أخرجه الطبري ٧/ ٩٤، و\"معاني القرآن وإعرابه\" للنحاس ٢/ ٣٧٤.\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٢١٤.","vol":"7","page":559},{"text":"تعالى: ﴿فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا﴾ (لَا تَخَفُ) ولا تخافُ [طه: ٧٧] جائزان (١).\nويقال: هل تدل هذه الآية على جواز ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ قيل: في هذا وجوه:\nأحدها: وهو الذي عليه أكثر الناس أن الآية لا تدل على ذلك، دل توجب أن المطيع لربه لا يكون مؤاخذًا بذنوب العاصي، فأما وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فمعقول بالآيات في ذلك (٢)، وخطب أبي بكر الصديق - ﵁ - فقال: إنكم تقرؤون هذه الآية ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ وتضعونها غير موضعها، وإني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"إن الناس إذا رأوا المنكر فلم ينكروه، يوشك أن يعمهم الله بعقاب\" (٣).\nالوجه الثاني في تأويل الآية: ما روي عن ابن مسعود وابن عمر أنهما قالا: قوله تعالى: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ يكون هذا في آخر الزمان، قال ابن مسعود وقرئت عليه هذه الآية: ليس هذا بزمانها ما\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ١/ ٣٢٣، ولا تخف ولا تخافُ، قراءتان سبعيتان.\nانظر: \"حجة القراءات\" ص ٤٥٨، ٤٥٩، و\"النشر\" ٢/ ٣٢١.\n(٢) \"تفسير الطبري\" ٧/ ٩٩، \"معاني القرآن وإعرابه\" للنحاس ٢/ ٣٧٣، و\"بحر العلوم\" ١/ ٤٦٣.\n(٣) أخرجه الترمذي (٣٠٥٧) كتاب: التفسير، باب: من سورة المائدة وقال: حديث حسن صحيح، والطبري ٧/ ٩٨ من طرق، قال ابن كثير ٢/ ١٢٣. وقد روى هذا الحديث أصحاب السنن الأربعة، وابن حبان في صحيحه، وغيرهم، من طرق كثيرة عن جماعة كثيرة .. متصلًا مرفوعًا ومنهم من رواه موقوفًا على الصديق، وقد رجح رفعه الدارقطني وغيره، وذكرنا طرقه والكلام عليه مطولًا في مسند الصديق ﵁\".","vol":"7","page":560},{"text":"دامت قلوبكم واحدة، ولم تُلبَسوا شِيَعًا، ولم يذق بعضكم بأس بعض، فأمروا وانهوا، فإذا اختلفت القلوب والأهواء، وأُلبستم شِيعًا، فامرؤٌ ونفسُه، فعند ذلك جاء تأويل هذه الآية قال: ومن الآيات آيٌ وقع تأويلهن في آخر الزمان (١).\nوروي عن ابن عمر أنه قال: \"هذه الآية لأقوام يجيئون من بعدنا، إن قالوا لم يقبل منهم\" (٢)، ويؤكد هذا الوجه: ما روي أن أبا ثعلبة الخشني سأل رسول الله - ﷺ - عن هذه الآية فقال: ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر، حتى إذا رأيت دنيا مؤثرة، وشحًّا مطاعًا، وهوًى متبعًا، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك بخويصة نفسك، وذر عوامهم (٣).\nالوجه الثالث في تأويل الآية: ما ذهب إليه عبد الله بن المبارك، فقال: هذه أوكد آية في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأن الله تعالى خاطب بها المؤمنين جميعًا، وأغراهم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فقال: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ يعني: عليكم أهل دينكم ﴿لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ﴾ من الكفار، وهذا كقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤] يعني:\n_________\n(١) أخرجه الطبري ٧/ ٩٦، وذكره ابن كثير ٢/ ١٢٤، وعزاه إخراجه إلى أبي جعفر الرازي، وعزاه السيوطي في \"الدر المنثور\" ٢/ ٥٩٩ إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم وأبي الشيخ وابن مردويه والبيهقي في الشعب.\n(٢) أخرجه الطبري ٧/ ٩٦ وأخذه عنه ابن كثير ٢/ ١٢٤، وعزاه السيوطي في \"الدر المنثور\" ٢/ ٥٩٩ إلى ابن مردويه أيضًا.\n(٣) أخرجه الترمذي (٣٠٥٨) كتاب: التفسير، باب: من سورة المائدة وقال حسن غريب، وأبو داود (٤٣٤١)، كتاب: الملاحم، باب: الأمر والنهي، والطبري ٧/ ٩٧، البغوي في \"شرح السنة\" ١٤/ ٣٤٧.","vol":"7","page":561},{"text":"أهل دينكم، وقال: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] بهذا المعنى (١)، وهذا قول ابن عباس في رواية عطاء عنه، قال في قوله: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾: يريد يعِظُ بعضكم بعضًا، وينهى بعضكم بعضًا، ويعلّم بعضكم بعضًا ما يقربه إلى الله ويبعده من الشيطان، و﴿لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ﴾ من غيركم، يريد من المشركين وأهل الكتاب، والمنافقين (٢).\nالوجه الرابع: أن الآية نازلة في أهل الأهواء، لأنه لا ينفعهم الوعظ ولا يتركون هواهم بالأمر بالمعروف، فإذا رأيتهم أو كنت فيهم فعليك نفسك وذرهم وما اختاروه لأنفسهم، فلن يضرك ضلالهم. وهذا الوجه يروى عن صفوان بن مُحْرِز (٣)، ونحو ذلك قال الضحاك (٤).\nوالذي ذكرنا من سبب النزول يدل على أن الآية نازلة فيمن لا يؤمر بالمعروف ولا يُنْهى عن المنكر، وهم المنافقون واليهود والنصارى، فأما المسلمون فليسوا من هذا في شيء، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب فيما بينهم.\nقال أبو عبيد: والذي أذن الله في إقراره والإمساك عن تغييره بقوله: ﴿لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ إنما هو الشرك الذي ينطق به المعاهدون من أجل أنهم أهل ملل يدينون بها، فأما الفسوق والعصيان والريب من أهل الإِسلام فلا يدخل في هذه الآية، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر\n_________\n(١) \"تفسير القرطبي\" ٦/ ٣٤٤.\n(٢) لم أقف عليه.\n(٣) هو صفوان بن مُحْرز المازني البصري، العابد، أحد الأعلام، أخذ عن الصحابة وروى عنه جماعة. كان واعظًا قانتًا، توفي سنة ١٧٤ هـ انظر: \"سير أعلام النبلاء\" ٤/ ٢٨٦، \"تقريب التهذيب\" ص ٢٧٧ (٢٩٤١).\n(٤) لم أقف عليه، \"تفسير الطبري\" ٧/ ٩٧١، \"تفسير البغوي\" ٣/ ١١٠.","vol":"7","page":562},{"text":"واجبان في أهل المعاصي من المسلمين على الأبد، كذلك وجدنا أكثر أهل الحديث بلا توقيت (١)، وكان (٢) ابن شبرمة (٣)، يحد للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبان، وذلك أنه حدث بحديث ابن عباس في الجهاد: من فر من اثنين فقد فر، ومن فر من ثلاثة فلم يفر (٤)، فقال: (أما أنا) (٥) فأرى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مثل هذا، لا يعجز الرجل عن اثنين أن يأمرهما وينهاها (٦)، قال أبو عبيد: ولا أعلم هذا يوجد فيه أجل أحسن من الذي ذهب إليه ابن شبرمة (٧).\nوقوله تعالى: ﴿إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا﴾، قال عطاء: يريد مصيركم ومصير من خالفكم ﴿فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ يريد يجازيكم بأعمالكم (٨).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-955>١٠٦ </span>- قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ الآية، قال المفسرون كلهم في سبب نزول هذه الآية وما بعدها: أن تميمًا الداري (٩)\n_________\n(١) \"الناسخ والمنسوخ في القرآن العزيز\" في القرآن العزيز - لأبي عبيد (القاسم بن سلام) ص ٢٩٠.\n(٢) لا يزال الكلام لأبي عبيد في \"الناسخ والمنسوخ في القرآن العزيز\" ص ٢٩٤.\n(٣) لم يتبين من هو.\n(٤) أخرجه ابن المنذر وابن أبي حاتم. انظر: \"الدر المنثور\" ٣/ ٣٦٣ عند تفسير قوله تعالى: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ﴾ (٦٥) سورة الأنفال.\n(٥) في (ج): (أنا) بدون (أما).\n(٦) \"الناسخ والمنسوخ في القرآن العزيز\" لأبي عبيد ص ٢٩٤.\n(٧) \"الناسخ والمنسوخ في القرآن العزيز\" ص ٢٩٤.\n(٨) \"تفسير الوسيط\" ٢/ ٢٦٠، \"زاد المسير\" ٢/ ٤٤٣.\n(٩) هو أبو رقية، تميم بن أوس الداري، مشهور في الصحابة، كان نصرانيا فأسلم سنة ٩ هـ، كان كثير التهجد، قام ليلة بآية حتى أصبح وهي: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ﴾ [الجاثية: ٢١] انظر: \"الإصابة\" ١/ ١٨٦.","vol":"7","page":563},{"text":"وأخاه عديًّا (١) وكانا نصرانيين خرجا إلى الشام ومعهما بُدَيْل مولى عمرو بن العاص، وكان مسلمًا مهاجرًا، خرجوا تجارًا، فلما قدموا الشام مرض بُدَيْل، فكتب كتابًا فيه نسخة جميع ما معه وطرحه في جوالقه، ولم يخبر صاحبيه بذلك، وأوصى إليهما، وأمرهما أن يدفعا متاعه إذا رجعا إلى أهله، ومات بديل فأخذا من متاعه إناء من فضة منقوشًا بالذهب، ودفعا باقي المتاع إلى أهله لما قدما، ففتشوا، فأصابوا الصحيفة بذكر ما كان معه، وفيها ذكر الإناء، فقالوا لتميم وعدي: إنا فقدنا من متاعه إناء من فضة فيها ثلاثمائة مثقال، قالا: ما ندري، إنما أوصى إلينا بشيء وأمرنا أن ندفعه إليكم، فدفعناه، وما لنا بالإناء من علم، فرفعوهما إلى رسول الله - ﷺ -، فأنزل الله هذه الآية (٢).\nوهذه الآية وما بعدها من أعوص ما في القرآن من الآيات معنًى وإعرابًا، وسأسوقهما بعون الله مشروحتين مُبَيَّنتين إن شاء الله.\nوقوله تعالى: ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾، اختلف النحويون في تقديره، فقال الفراء: وقوله: ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ﴾ رفع الاثنين بالشهادة، أي ليشهدكم اثنان (٣)، وذكر الزجاج فيه قولين: أحدهما: مثل قول الفراء، والثاني: انفرد فقال: (شهادةُ) مرتفع بالابتداء\n_________\n(١) هو عدي بن بداء، قال ابن حبان: له صحبة، وأنكر أبو نعيم ذلك، وجاء في \"تفسير مقاتل\" أنه مات نصرانيًا. انظر: \"تفسير مقاتل\" ١/ ٥١٤، و\"الإصابة\" ٢/ ٤٦٧.\n(٢) أخرجه البخاري (٢٧٨٠) كتاب: الوصايا، باب: قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ مختصرًا، والترمذي (٣٠٥٩) كتاب: التفسير، باب: من سورة المائدة، وأبو داود (٣٦٠٦) كتاب: الأقضية، باب: شهادة أهل الذمة في الوصية في السفر، والطبري ٧/ ١٠١ - ١١٢ من طرق والمؤلف في \"أسباب النزول\" ص ٢١٤.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ١/ ٣٢٣.","vol":"7","page":564},{"text":"وخبرها (اثنان)، والمعنى: شهادة هذه الحال شهادة اثنين، فحذف المضاف، قال: ويجوز أن يكون المعنى فيما فَرضَ عليكم في شهادتكم أن يشهد اثنان، فيرتفع (اثنان) بشهادة والمعنى أن يشهد اثنان (١)، واختار أبو علي القول الأول من قولي الزجاج (٢).\nوقال صاحب النظم: (شهادة) مصدر وضع موضع الأسماء، يريد بالشهادة الشهود، كما يقال: رجل عدلٌ ورضا، ورجال عدل ورضا وزَوْرٌ، وإذا جعلت الشهادة بمعنى الشهود قدرت معه حذف المضاف، ويكون المعنى: عدد شهود بينكم اثنان، واستشهد على هذا بقوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧] أراد وقت الحج، ولولا هذا التأويل لكان قوله: (أشهر) منصوبًا على تأويل: الحج في أشهر معلومات، فقدر صاحب النظم حذف المضاف من الابتداء، وقدره الزجاج من الخبر.\nوقوله تعالى: ﴿بَيْنِكُمْ﴾، قال أبو علي: اتسع في (بين) وهي ظرف فجعل اسمًا، وأضيف إليه المصدر، وهذا يدل على أنه يجوز الاتساع في الظروف بجعلها اسمًا في غير الشعر، كقوله تعالى: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: ٩٤] في قول من رفع، فجاء في غير الشعر، كما جاء في الشعر نحو قوله:\nفصادفَ بين عَيْنَيه (الجنونا) (٣) (٤)\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٢١٤.\n(٢) انظر: \"الحجة للقراء السبعة\" لأبي علي الفارسي ٣/ ٢٦٢.\n(٣) هكذا في النسختين (ج)، (ش) بالنون، وفي \"الحجة\" لأبي علي ٣/ ٣٦٢ (الجبوبا) وكذا في اللسان ١/ ٥٣٢ (جبب) قال في شرحه: \"الجبوب وجه الأرض ومتنها\" ولعل ما في \"الحجة\" هو الأصوب فهو الأصل، وقد نسب البيت في اللسان لأبي خراش الهذلي.\n(٤) \"الحجة\" ٣/ ٣٦٢.","vol":"7","page":565},{"text":"وقال أبو علي الجرجاني في قوله: ﴿بَيْنِكُمْ﴾ بمعنى: لما بينكم، وما بينكم كناية عن التنازع والتشاجر، ثم أضاف الشهادة إلى التنازع، لأن الشهود إنما يحتاج إليها في التنازع الواقع في ما بين القوم، والعرب تضيف الشيء إلى الشيء إذا كان منه بسبب كقوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ﴾ [الرحمن: ٤٦] أي: مقامه بين يدي ربه. ثم حذف (ما) من قوله: ما بينكم، والعرب تحذف كثيرًا ذكر (ما) و(من) في الموضع الذي يحتاج إليهما فيه كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ﴾ [الإنسان: ٢٠] أي: ما ثِّم، وكما قال: ﴿هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾ [الكهف: ٧٨] على معنى: ما بيني وبينك، ومثله قوله تعالى: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: ٩٤] في قول من نصب، وهذا الذي ذكره الجرجاني شرح ما أجمله أبو علي، لأنه إذا حُذف (ما) وأضيف إليه فقد جعل الظرف اسمًا متسعًا فيه، فأبو علي أجمل، والجرجاني فسر.\nوقوله تعالى: ﴿إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾، (إذا) ظرف يتعلق بالشهادة، وهو معمولها على تقدير: يشهدان (١) إذا حضر أحدكم الموت اثنان، ولا يجوز أن يتعلق بالوصية على تقدير: حين الوصية إذا حضر، أي الوصية تكون عند حضور الموت لأمرين:\nأحدهما: أن الوصية مصدر، ولا يتعلق بالمصدر ما يتقدم عليه، لأنه ليس له قوة الفعل، فلا يجوز: زيدًا ضربًا، بمعنى: اضرب زيدًا، كما يجوز: ضربًا زيدًا.\nوالثاني: أن الوصية مضاف إليه، والمضاف إليه لا يعمل فيما قبل المضاف؛ لأنه لو عمل فيما قبله لجاز تقديره في ذلك الموضع، وإذا قُدر\n_________\n(١) قد تكون: يشهد أن؛ لأن الفاعل: اثنان.","vol":"7","page":566},{"text":"ذلك لزم تقديم المضاف إليه على المضاف، بيان هذا: أنك لو قدرت أن يكون (إذا) متعلقًا بالوصية جعلت التقدير: الوصية إذا حضر أحدكم الموت، فيحتاج أن تقدم الوصية على ما أضيف إليه وهو حين (١)، ومن ثَمّ لم يجز أن تقول: القتال زيدًا حين تأتي، على معنى أن يكون (زيدًا) منصوبًا بتأتي، لأنه مضاف إليه، فلا يعمل فيما قبل المضاف وهو حين. هذا معنى كلام أبي علي الفارسي (٢)، وقد أديت المعنى وشرحت بعض ألفاظه.\nوقال في قوله: ﴿حِينَ الْوَصِيَّةِ﴾: لا يجوز أن يتعلق حين بالشهادة، لأن الشهادة قد عمل في ظرف من الزمان، فلا يعمل في ظرف آخر منه، وكان تحمله على أحد ثلاثة أوجه: أحدها: أن تعلقه بالموت، كأنه: الموت في ذلك الحين، والآخر: أن تحمله على حضر، أي: إذا حضر في هذا الحين، ويراد بالموت: حضوره في الوجهين قربه لا نزوله، كقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ [النساء: ١٨] ولا يسند إليه القول بعد الموت، الوجه الثالث: أن تحمله على البدل من (إذا) لأن ذلك الزمان في المعنى هو ذلك الزمان، فتبدله منه كما تبدل الشيء من الشيء إذا كان إياه (٣).\nوقوله تعالى: ﴿اثْنَانِ﴾، ذكرنا أنه خبر المبتدأ.\nوقوله تعالى: ﴿ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾، جملة مرتفعة لأنها صفة لقوله: ﴿اثْنَانِ﴾ (٤).\n_________\n(١) أي ظرف زمان.\n(٢) \"الحجة\" ٣/ ٢٦٣.\n(٣) \"الحجة\" ٢/ ٢٦٣، ٢٦٤.\n(٤) \"الحجة\" ٣/ ٢٦٤.","vol":"7","page":567},{"text":"وقوله تعالى: ﴿مِنْكُمْ﴾، قال ابن عباس وعامة أهل التفسير: منكم يا معشر المؤمنين، أي من أهل دينكم وملتكم (١).\nوقوله تعالى: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾، تقديره: أو شهادة آخرين من غيركم، أي: من غير أهل ملتكم في قول ابن عباس وأبي موسى الأشعري وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير وشريح وإبراهيم وعَبِيدة وابن سيرين ومجاهد وابن زيد (٢).\nقال شريح: إذا كان الرجل بأرض غربة ولم يجد مسلمًا يُشهِده على وصيته، فأشهد يهوديًّا، أو نصرانيًّا، أو مجوسيَّا، أو عابد وثن، أو أي كائن كان، فشهادتهم جائزة (٣)، ولا تجوز شهادة الكافرين على المسلمين إلا في هذا الموضع الواحد، وهو في الوصية في السفر، فإن شهد مسلمان بخلاف شهادتهما، أُجيزت شهادة المسلمين، وأُبطلت شهادة الكافرين.\nوقال الشعبي: حضر رجلًا من المسلمين الموت وهو بدَقُوقَا (٤)، فلم يجد أحدًا من المسلمين يُشهده على وصيته، فأشهد رجلين من أهل الكتاب فقدما الكوفة فأتيا أبا موسى الأشعري وكان عليها فأخبراه، وقدما بتركته ووصيته، فقال الأشعري: هذا أمر لم يكن بعد الذي كان في عهد رسول\n_________\n(١) أخرج معناه عنه الطبري في \"تفسيره\" ٧/ ١٠١، وهذا قول الجمهور \"بحر العلوم\" ١/ ٢٦٤، \"النكت والعيون\" ٢/ ٧٥، \"زاد المسير\" ٢/ ٤٤٦.\n(٢) \"تفسير الطبري\" ٧/ ١٠٣، \"بحر العلوم\" ١/ ٤٦٤، \"النكت والعيون\" ٢/ ٧٥، \"تفسير البغوي\" ٣/ ١١٢، \"زاد المسير\" ٢/ ٤٤٦.\n(٣) أخرجه الطبري ٧/ ١٠٤، \"تفسير البغوي\" ٣/ ١١٢.\n(٤) قال محقق الطبري: \"دَقُوقا: مدينة بين إربل وبغداد معروفة، لها ذكر في الأخبار والفتوح، كان بها وقعة للخوارج\" \"تفسير الطبري\" ١١/ ١٦٢ (ط. شاكر).","vol":"7","page":568},{"text":"الله - ﷺ - فأحلفهما في مسجد الكوفة بعد العصر بالله ما بدلا ولا كذبا، وأجاز شهادتهما (١).\nوقوله تعالى: ﴿إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾، الشرط متعلق بقوله: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ والمعنى: أو شهادة آخرين من غيركم إن أنتم سافرتم، قال أبو علي: وهو وإن كان على لفظ الخبر، فالمعنى على الأمر، تأويله: ينبغي أن تُشْهِدوا إذا ضربتم في الأرض آخرين من غير أهل ملتكم (٢).\nوقوله تعالى: ﴿إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ مع قوله: ﴿فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ﴾ فصلان معترضان بين الصفة والموصوف؛ لأن قوله: (تحبسونهما) من صفة قوله: (أو آخران)، والفاء في قوله: (فأصابتكم) لعطف جملة على جملة (٣).\nوقوله تعالى: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ﴾ قال صاحب النظم: أي تقيمونهما وتقفونهما، كما يقول الرجل: مر بي فلان على فرس فحبس على دابته، أي: وقفه، وحبست الرجل في الطريق أكلمه، أي: وقفته. قال: ويقال إن معنى قوله: (تحبسونهما) تعبرونهما على اليمين، وهو أن يحمل الإنسان على اليمين وهو غير متبرع بها.\nوقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ﴾، أي من بعد صلاة أهل دينهما، عن\n_________\n(١) أخرجه أبو عبيد في \"الناسخ والمنسوخ في القرآن العزيز\" ص ١٥٧، ١٥٨ رقم ٢٩٠ مختصرًا، وأبو داود (٣٦٠٥) كتاب: الأقضية، باب: شهادة أهل الذمة وفي الوصية في السفر، والطبري ٧/ ١٠٥، وانظر: \"تأويل مشكل القرآن\" لابن قتيبة ص ٣٧٩.\n(٢) \"الحجة\" ٣/ ٢٦٥.\n(٣) انظر: \"الحجة\" ٣/ ٢٦٤.","vol":"7","page":569},{"text":"ابن عباس والسدي (١)، وقال عامة المفسرين: من بعد صلاة العصر (٢)، وعلى هذا قال ابن قتيبة: خص هذا الوقت؛ لأنه قبل وجوب الشمس، وأهل الأديان يعظمونه، ويذكرون الله فيه، وَيتَوقَّون الحلف الكاذب وقول الزور، وأهل الكتاب يصلون لطلوع الشمس وغروبها (٣).\nوقال ابن الأنباري: قالوا: إنما أمرنا باستحلاف الشاهِدَين بعد صلاة العصر، لأنه وقت تعظمه اليهود والنصارى وغيرهم من أهل الملل، فندبنا الله إلى استحلافهم في الوقت الذي يشرفونه، ويعظمونه، ويتجنبون فيه الأكاذيب.\nوقوله تعالى: ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾، الفاء لعطف جملة على جملة، قال أبو علي: وإن شئت جعلت الفاء للجزاء كقول ذي الرُّمة:\nوإنسانُ عيني يَحْسِرُ الماءُ مرَّةً ... فيبدو وتاراتٍ يَجُمُّ فَيَغْرَقُ (٤)\nتقديره إذا حَسَرَ بدا، وكذلك إذا حبستموهما أقسما (٥).\nوقوله تعالى: ﴿إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾، أي في قول الآخَرين الّذَين ليسا من أهل من ملتكم، وغلب على ظنكم خيانتهما.\nقال أبو بكر (٦): والشرط متعلق بـ (تحبسونهما)، كأنه قال: إن ارتبتم\n_________\n(١) أخرجه عن السدي: الطبري ٧/ ١٠٩، وعزاه لهما الماوردي في \"النكت والعيون\" ٢/ ٧٦، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٢/ ٤٤٨، وقد استبعد الطبري هذا القول.\n(٢) \"تفسير الطبري\" ٧/ ١١١، و\"معاني الزجاج\" ٢/ ٢١٦، \"معاني القرآن وإعرابه\" للنحاس ٢/ ٣٧٨، و\"بحر العلوم\" ١/ ٤٦٥، \"النكت والعيون\" ٢/ ٧٦، \"تفسير البغوي\" ٣/ ١١٢، ١١٣.\n(٣) \"تأويل مشكل القرآن\" ص ٣٧٨، وانظر: \"زاد المسير\" ٢/ ٤٤٨.\n(٤) \"ديوانه\" ص ٣٩١، وفيه (تارة) بدل (مرةً). وانظر: \"المحتسب\" ١/ ١٥٠.\n(٥) \"الحجة\" ٣/ ٢٦٥.\n(٦) ابن الأنباري.","vol":"7","page":570},{"text":"وقدرتم أن الرجلين الذين أوصى إليهما كذبا وخانا حبستموهما بعد صلاة العصر.\nوقوله تعالى: ﴿لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا﴾، قال أبو علي: (لا نشتري) جواب ما يقتضيه قوله: (فيقسمان بالله) لأن أقسمُ ونحوه يتلقى بما يتلقى به الأيمان (١).\nوقال صاحب النظم: تأويله فيقسمان بالله ويقولان هذا القول في أيمانهما. والعرب تضمر القول كثيرًا كقوله تعالى: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ سَلَامٌ﴾ [الرعد:٢٣ - ٢٤]، أي: يقولون: سلام.\nوقوله تعالى: ﴿بِهِ ثَمَنًا﴾ قال أبو علي: المعنى: لا نشتري بتحريف شهادتنا ثمنًا، فحُذِفَ المضاف وذُكِّر الشهادةٌ لأن الشهادة قول. قال: وتقدير لا نشتري به ثمنًا: لا نشتري به ذا ثمنٍ، ألا ترى أن الثمن لا يُشترى وإنما يُشترى ذو الثمن. قال: وليس الاشتراء ههنا بمعنى البيع وإن جاز في اللغة، لأن بيع الشيء إبعاد له من البائع، وليس المعنى ههنا على الإبعاد، وإنما هو على التمسك به والإيثار له على الحق (٢).\nوقال غيره: معنى: ﴿لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا﴾ أي لا نبيع عهد الله بعرض نأخذه (٣)، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [آل عمران: ٧٧] فمعنى ﴿لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا﴾ أي لا نأخذ ولا نستبدل، ومن باع شيئًا فقد اشترى ثمنه، ومعنى الآية: لا نأخذ بعهد الله ثمنًا بأن نبيعه بعرض من الدنيا، ونستغني في هذا عن كثير من تكلف أبي علي. وهذا معنى قول\n_________\n(١) \"الحجة\" ٣/ ٢٦٦.\n(٢) \"الحجة\" ٣/ ٢٦٦.\n(٣) انظر: \"تأويل مشكل القرآن\" لابن قتيبة ص ٣٧٨.","vol":"7","page":571},{"text":"القتيبي (١) والجرجاني.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾، التقدير: ولو كان المشهود له ذا قربى، وخص ذو القربى بالذكر لميل الناس إلى قراباتهم ومن يناسبونه (٢)، وهذا مقتص من قوله ﷿: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِين﴾ [النساء: ١٣٥].\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ﴾، أضيفت الشهادة إلى الله سبحانه لأمره بإقامتها والنهي عن كتمانها في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣] وقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾ [الطلاق: ٢] (٣)\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ﴾ أي: إنا إن كتمناها كنا من الآثمين، وهذا الذي ذكرنا في الآية قول أكثر المفسرين واختيار أعظم أصحاب المعاني (٤).\nقال عبد الله بن مسلم وذكر معنى الآية على الوجه: أراد الله ﷿ أن يعرفنا كيف نشهد بالوصية عند حضور الموت فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ أي: رجلان عدلان من المسلمين تشهدونهما على الوصية، وعلم جل ثناؤه أن من الناس من يسافر فيصحبه في سفره أهل الكتاب دون المسلمين، وينزل القرية التي لا يسكنها غيرهم، ويحضره الموت فلا يجد من يشهده من\n_________\n(١) أي ابن قتيبة. انظر: \"تأويل مشكل القرآن\" ص ٣٧٨، ٣٧٩.\n(٢) من \"الحجة\" لأبي علي ٣/ ٢٦٦.\n(٣) \"الحجة\" ٣/ ٢٦٦.\n(٤) انظر: \"مجاز القرآن\" ١/ ١٨١، الطبري ٧/ ١١١، \"معاني القرآن وإعرابه\" للنحاس ٢/ ٣٧٨، \"بحر العلوم\" ١/ ٤٦٥.","vol":"7","page":572},{"text":"المسلمين فقال: (أو آخران من غيركم) أي: من غير دينكم، إذا (ضربتم في الأرض) أي: سافرتم (فأصابتكم مصيبة الموت) وتم الكلام، فالعدلان من المسلمين للحضَر والسفَر إن أمكن إشهادهما في السفر، والذميان في السفَر خاصة إذا لم يوجد غيرهما.\nثم قال: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا﴾ من بعد صلاة العصر ﴿إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾ في شهادتهما وشككتم وخشيتم أن يكونا قد غيرا وبدلا وكتما وخانا، ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا﴾ أي: لا نبيعه بعرض، ولا نحابي في شهادتنا أحدًا ولو كان ذا قربى، ولا نكتم شهادة علمناها، فإذا حلفا بهذه اليمين على ما شهدا به قبلت شهادتهما: وأمضي الأمر على قولهما (١).\nوقال ابن الأنباري: تلخيص الآية: يا أيها الذين آمنوا ليشهدكم في سفركم إذا حضركم الموت وأردتم الوصية، اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غير دينكم.\nفإن قيل: إن أهل الذمة لا يكونون عدولًا ولا تقبل شهادتهم، قيل: هذا من مواضع الضرورات التي يجوز فيها ما لا يجوز في مواضع الاختيارات، وقد أجاز الله تعالى في الضرورة التيمم وقصر الصلاة في السفر والجمع، والإفطار في شهر رمضان، وأكل الميتة في حال الضرورة، ولا ضرورة أعظم من ضرورة تبطل حقوقا وتضيع أمورًا على الميت من زكوات وكفارات أيمان وودائع للناس من ديون وحقوق، متى لم يبينها بطلت، فجاز (٢) عند الضرورة الإيصاء إلى أهل الذمة، كما جاز في الأشياء التي وصفناها، وكما يجوز شهادة نساء لا رجل معهن في الحيض،\n_________\n(١) \"تأويل مشكل القرآن\" ص ٣٧٧، ٣٧٨.\n(٢) في (ج): (فجازت).","vol":"7","page":573},{"text":"والحبَل، والولادة، والاستهلال.\nوقال أبو عبيد (١): مما يدل على صحة هذا القول قوله في أول الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فعم في خطابه المؤمنين، فلما قال بعد ذلك ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ لم يغلب عليه إلا معنى: من غير أهل دينكم، إذ كان لم يخصص في أول الآية، ولم يخاطب قومًا مختصين من المؤمنين دون قوم (٢).\nوذهب آخرون، إلى أنه لا يجوز شهادة أهل الذمة في شيء من أحكام المسلمين، ولا يقبل قولهم، ولا يثبت بشهادتهم حكم، وعليه الناس اليوم، فقالوا في قوله تعالى: ﴿اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ أي: من حَيِّكم وقبيلتكم ورفقتكم ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ أي: من غير قبيلتكم ورفقتكم، وهو قول الحسن والزهري وأبي موسى، قالوا: ولا يجوز شهادة كافر في سفر ولا حضر (٣)، واختاره الزجاج فقال: قال الله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] وقال: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، والشاهد إذا عُلِمَ أنه كذاب لم تقبل شهادته، وقد علمنا أن النصارى زعمت أن الله تعالى: ﴿ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ [المائدة: ٧٣] وأن اليهود قالت: ﴿عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠] فعلمنا أنهم يكذبون، فكيف تجوز شهادة من هو مقيم على الكذب؟ (٤).\nفهؤلاء جعلوا الآية في المسلمين.\n_________\n(١) ينظر: \"الناسخ والمنسوخ في القرآن العزيز\" ص ١٥٥ - ١٦٥.\n(٢) ينظر: \"الناسخ والمنسوخ في القرآن العزيز\" لأبي عبيد ص ١٦٣، ١٦٤.\n(٣) \"تفسير الطبري\" ٧/ ١٠٦، \"معاني القرآن وإعرابه\" للنحاس ٢/ ٣٧٧، \"النكت والعيون\" ١/ ٤٩٤، \"زاد المسير\" ٢/ ٤٤٦.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٢١٦.","vol":"7","page":574},{"text":"وذهب جماعة إلى أن الآية كانت في شهادة أهل الذمة ثم نسخت، وقد بين أبو عبيد هذه المذاهب (١) وذكر أقواها فقال: في هذه الآية ثلاثة أقاويل: فجلّ العلماء وعظمهم يتأولونها في أهل الذمة ويرونها محكمة، وقالت طائفة أخرى: في أهل الذمة غير أنها قد نسخت، وقالت طائفة أخرى: هي لأهل الإسلام جميعًا، ولا حظ لأهل الذمة فيها (٢).\nثم ذكر بإسناده إجازة شهادة أهل الذمة، وأن الآية نزلت في ذاك عن أبي موسى وشريح والشعبي ومجاهد وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير وإبراهيم (٣).\nوقال: هذا مذهب الذين رأوا الآية محكمة، ومما يزيد قولهم قوة تتابع الآثار في سورة المائدة بقلة المنسوخ وأنها من محكم القرآن وآخر ما نزل (٤).\nوأما الآخرون (٥) الذين رأوا الآية منسوخة، احتجوا بقوله تعالى: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] قال: ولست أدري إلى من يسند هذا القول؟ غير أنه قول مالك بن أنس وأهل الحجاز وكثير من أهل العراق غير سفيان، فإنه أخذ بالقول الأول، وأما الذين تأولوا الآية في أهل الإِسلام وأخرجوا المشركين منها فشيء يروى عن أبي موسى والحسن وابن شهاب. روى خالد عن أبي قلابة عن أبي موسى في قوله تعالى: ﴿ذَوَا عَدْلٍ\n_________\n(١) ينظر: \"الناسخ والمنسوخ في القرآن العزيز\" ص ١٥٥ - ١٦٥.\n(٢) \"الناسخ والمنسوخ في القرآن العزيز\" لأبي عبيد ص ١٥٥.\n(٣) انظر: \"الناسخ والمنسوخ في القرآن العزيز\" ص ١٥٥ - ١٦٠.\n(٤) \"الناسخ والمنسوح في القرآن العزيز\" لأبي عبيد ص ١٦٠.\n(٥) لا يزال الكلام لأبي عبيد.","vol":"7","page":575},{"text":"مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ قال: كلهم مسلمون.\nوقال الحسن: ﴿ذَوَا عَدْلٍ﴾ من قبيلتكم ﴿أَوْ آخَرَانِ﴾ من غير قبيلتكم.\nوقال ابن شهاب في هذه الآية: هي في الرجل يموت في السفر فيحضره بعض ورثته ويغيب بعضهم (١)\nقال أبو عبيد: أما حديث أبي موسى فلا أراه حَفِظَ، لأن الشعبي حدث عنه إجازة شهادة أهل الذمة على الوصية. وقد ذكرناه (٢) قبل، وأما تأول الحسن: من قبيلتكم ومن غير قبيلتكم، فقد بينا أنه لا يحتمل لعموم المؤمنين بالخطاب في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فلم يبق أحد منهم إلا وقد خوطب بها، وكيف يجوز أن يقال ﴿مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ إلا من كان خارجًا منهم، وأما قول ابن شهاب: إنها في أهل الميراث، فأنى يكون هذا؟ وإنما (سما الله بشهادة) (٣) ثم أعاد ذكرها في الآية مرارًا فقال: ﴿لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا﴾ وقال: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ﴾. وهو تناولها (٤) في الادعاء من بعض الورثة على بعض، وإنما هم مدعون ومدعى عليهم، فأين الشهادة من هذه الدعوى؟ وكيف يقال للمدعي شاهد؟\nفهذان نوعان من التأويل لا أعرف لهما وجهًا، مع أن فيهما أمرين لا يجوزان في أحكام المسلمين، قال: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾ فهل يُعرف في حكم الإِسلام أن يُحَلَّف الشاهدان أو يجب عليهما يمين؟ أم هل يعرف في حكم الإسلام أن لا يقبل الحاكم شهادتهما ولا\n_________\n(١) \"الناسخ والمنسوخ في القرآن العزيز\" لأبي عبيد ص ١٦٢، ١٦٣.\n(٢) في (ج): (وقد ذكرنا).\n(٣) في \"الناسخ والمنسوخ في القرآن العزيز\": (سماها الله لنا شهادة).\n(٤) في \"الناسخ والمنسوخ في القرآن العزيز\": وهذا يتأولها.","vol":"7","page":576},{"text":"ينفذها إلا بعد صلاة العصر؟ هذا ما لا يجب على شهود المسلمين، وليس الأمر عندنا إلا القول الأول عن من سمينا من الصحابة والتابعين (١) مع ما يروى عن ابن مسعود (٢) أن رجلًا من المسلمين خرج في سفر فمر بقرية، فمرض ومعه رجلان من المسلمين فدفع إليهما ماله ثم قال: ادعوَا من أشهده على ما قبضتما، فلم يجدوا أحدًا من المسلمين في تلك القرية، فدعوا أناسًا من اليهود والنصارى فأشهدهم على ما دفع إليهما، ثم إن المسلِمَيْنِ قدما بالمال إلى أهله فقالوا: لقد كان معه من المال أكثر مما أتيتمونا به، قال: فاستحلفوهما بالله ما دفع إليهما غير هذا، ثم قدم ناس من اليهود والنصارى فسألهم أهل المتوفى فأخبروهم أنه هلك بقريتهم، وترك كذا وكذا من المال، فعلم أهل المتوفى أن قد عُثِروا على أن المسلمين قد استحقا إثمًا، فانطلقوا إلى ابن مسعود فأخبروه بالذي كان، فأمر المسلمين أن يحلفا بالله ﴿لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ إلى آخر الآية، ثم أمر اليهود والنصارى أن يحلفوا بالله لقد ترك من المال كذا، ولشهادتنا أحق من شهادة هذين المسلِمَيْنِ، ثم أمر أهل المتوفى أن يحلفوا بالله ما شهدت به اليهود والنصارى، فحلفوا، فأمرهم ابن مسعود أن يأخذوا من المسلِمَيْنِ ما شهدت به اليهود والنصارى. قال: وكان ذلك في خلافة عثمان. انتهى كلام أبي عبيد (٣).\nوالذين يتأولون الآية في غير أهل الذمة يقولون إنما استُحلِف\n_________\n(١) \"الناسخ والمنسوخ في القرآن العزيز\" ص ١٦٣.\n(٢) هذا الأثر متقدم في \"الناسخ والمنسوخ في القرآن العزيز\" على ما نقله المؤلف فهو في ص ١٥٧.\n(٣) \"الناسخ والمنسوخ في القرآن العزيز\" ص ١٥٧ - ١٦٣.","vol":"7","page":577},{"text":"الشاهدان لأنهما صارا مدَّعى عليهما، ادَّعى الورثة انهما خانا في المال، وأما الحبس بعد الصلاة فهو من تغليظ الأيمان، ومذهب أهل الحجاز أن الأيمان تغلَّط في الدماء والطلاق والعتاق والمال إذا بلغ مائتي درهم بالزمان والمكان واللفظ، أما الزمان: فهو ما قال الله تعالى في هذه الآية، وهي صلاة العصر، وكان الناس يكثرون في المساجد بالحجاز بعد صلاة العصر.\nوأما المكان: فعند المقام بمكة، وعلى المنبر بالمدينة، وسائر البلاد.\nوأما الألفاظ: فما يؤدي إليه اجتهاد القضاة، رجعنا إلى حديث تميم وعدي وقصتهما: ولما رفعوهما إلى رسول الله - ﷺ -، ونزلت الآية، أمرهم رسول الله - ﷺ - أن يستحلفوهما بالله الذي لا إله إلا هو ما قبضا له غير هذا ولا كتما، فحلفا على ذلك، وخلى رسول الله - ﷺ - سبيلهما، فكتما الإناء ما شاء الله أن يكتما، ثم اطُّلِعَ على إناء من فضة منقوش من ذهب معهما، فقالوا هذا من متاعه، فقالا: اشتريناه منه فارتفعوا إلى النبي - ﷺ -.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-956>١٠٧ </span>- فنزل قوله تعالى: ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا﴾ الآية (١).\nقال الليث: عثر الرجل يعثرُ عُثُورًا: إذا هجم على أمرِ لم يهجُم عليه غيره، وأعثرت فلانًا على أمري، أي: أطلعته، وعَثَر الرجل يَعْثُر عَثْرة، إذا وقع على شيء (٢).\nقال أهل اللغة: وأصل عثر بمعنى اطلع، من العثرة التي هي الوقوع، وذلك أن العاثر إنما يعثر بشيء كان لا يراه، ثم إذا عثر به اطلع عليه ونظر\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" ٧/ ١١٧، \"تفسير البغوي\" ٣/ ١١٣.\n(٢) \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٣٢٧ (عثر).","vol":"7","page":578},{"text":"ما هو، فقيل لكل من اطلع على أمر كان خفيًا عنه: قد عثر عليه. وأعثر غيره إذا أطلعه عليه، ومنه قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ﴾ [الكهف: ٢١]، أي: أطلعنا عليهم، ومعنى الآية: فإن ظُهِر أنهما أتيا خيانة واستحقا الإثم أي: استوجباه بقصدهما في شهادتهما إلى غير الاستقامة، ولم يتحريا الحق وحنثا في اليمين، ﴿فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا﴾، أي: مقام الشاهدين الذين هما من غيرنا.\nوقوله تعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ﴾، قال الزجاج: هذا موضع من أصعب ما في القرآن من الإعراب قوله ﴿مِنَ الَّذِينَ﴾ صفة للآخرين، وقوله: ﴿اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ﴾ صلة الذين. ومعنى ﴿اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ﴾ أي: استحقت الوصية عليهم، أو استحق الإيصاء عليهم، وهم ورثة الميت. ويجوز أن يكون المعنى من الذين استحق عليهم الإثم، كأن المعنى من الذين جنى عليهم الإثم (١)، وقال بعضهم: معنى (على) ههنا معنى (في) والمعنى: من الذين استحق فيهم الإثم، أي: بسببهم استحق الحالفان اللذان من غيرنا فيهم الإثم بيمينهما الكاذبة. وقامت (على) مقام (في) كما قامت (في) مقام (على) في قوله تعالى: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١] وقال بعضهم: معنى (على) معنى (من) كأنه قيل: من الذين استحق منهم الإثم، وكانت (على) بمنزلة (من) كقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ﴾ [المطففين: ٢] أي: من الناس (٢).\nقال صاحب النظم مختارًا لهذا القول: ﴿الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ﴾ أي: نيل منهم ظلم بالخيانة وهم ورثة المتوفى الموصي. انتهى كلامه، والمسند إليه\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٢١٦، ٢١٧.\n(٢) \"معانى القرآن وإعرابه\" ٢/ ٢١٧.","vol":"7","page":579},{"text":"استحق الإيصاء والإثم على ما بينا، وحذف ذلك لتقدم ذكر الوصية والإثم في قوله: ﴿حِينَ الْوَصِيَّةِ﴾ وقوله: ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا﴾، وقوله تعالى: ﴿الْأَوْلَيَانِ﴾ لا يخلو ارتفاعه من أن يكون على الابتداء، وقد أُخِّر كأنه في التقدير: فالأوليان بأمر (١) الميت آخران من أهله يقومان مقام الخائنين الذين عُثِر (٢) على خيانتهما، كقولك: تميمي أنا، أو يكون خبر مبتدأ محذوف، كأنه: فآخران يقومان مقامهما هما الأوليان، أو يكون بدلًا من الضمير الذي في (يقومان)، فيصير التقدير: فيقوم الأوليان (٣).\nوقد أجاز أبو الحسن الأخفش أن يكون (الأوليان) صفة لقوله (فآخران) لأنه لما وُصف (آخران) اختص بما وُصفَ به فوصف من أجل الاختصاص الذي صار له بما يوصف به المعارف (٤).\nوقال صاحب النظم: النكرة إذا تقدم ذكرها ثم أعيد عليها الذكر صارت معرفة كقوله ﷿: ﴿كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ [النور: ٣٥] فمصباح نكرة، ثم قال: ﴿الْمِصْبَاحُ﴾ ثم قال: ﴿فِي زُجَاجَةٍ﴾ ثم قال ﴿الزُّجَاجَةُ﴾ وهذا مثل قولك: رأيت رجلًا، فاستفهمك إنسان فقال: من الرجل؟ فصار العود إلى ذكره معرفة، قال: ويجوز أن يكون (الأوليان) بدلًا من قوله: (آخران) وإبدال المعرفة من النكرة سائغ كثير، ومعنى الأوليان: أي: الأقربان إلى الميت. ويجوز أن يكون المعنى: الأوليان باليمين (٥)، وإنما كانا أوليين\n_________\n(١) في (ج): (بالأمر).\n(٢) في (ج): (عثرا).\n(٣) \"الحجة\" لأبي علي الفارسي ٣/ ٢٦٧، و\"معاني الزجاج\" ٢/ ٢١٦،٢١٧.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" للأخفش ٢/ ٤٧٩، و\"الحجة\" لأبي علي ٣/ ٢٦٧.\n(٥) انظر: \"الحجة\" ٣/ ٢٦٨.","vol":"7","page":580},{"text":"باليمين؛ لأن الوصيين ادعيا أن الميت باع الجام (١) فانتقل اليمين إلى الوليين؛ لأنهما صار مُدَّعًى عليهما أن مورثهما باع الإناء، وهذا كما لو أقر إنسان لآخر بدين وادعى قضاءه حُكِمَ برد اليمين إلى الذي ادعى الدين، لأنه صار مُدَّعى عليه أنه استوفى، وقرأ حمزة وعاصم في رواية أبي بكر: (الأوَّلِينَ) على الجمع (٢)، وهو نعت لجميع الورثة المذكورين في قوله: ﴿مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ﴾ وتقديره: من الأولين الذين استحق عليهم الإيصاء أو الإثم. وإنما قيل لهم: الأولين فمن حيث كانوا أولين في الذكر، ألا ترى قد تقدم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ وكذلك: ﴿اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ ذكرا في اللفظ قبل قوله: (أو آخران من غيركم) (٣)، وكان ابن عباس يختار هذه القراءة ويقول: أرأيت إن كان الأوليان صغيرين كيف يقومان مقامهما (٤)، أراد أنهما إذا كانا صغيرين لم يقوما في اليمين مقام الجانيين، وقرأ حفص وحده (اسْتَحَقَ) بفتح التاء والحاء، (الأوليان) على\n_________\n(١) في (ش): (الجازم) والأقرب ما أثبته. \"تفسير الطبري\" ٧/ ١١٥، و\"الإصابة\" ١/ ١٨٤.\nوالمقصود بالجام ما أخذه تميم وأخوه من مال الميت وهو الإناء، والجام قال الأزهري في تعريفه: \"عن ابن الأعرابي: الجام الفاثور من اللجين\". \"تهذيب اللغة\" ١/ ٥٢٥ (جام).\nوالفاثور: الخوان أو المائدة. قال محقق الطبري ١١/ ١٨٥: (ط. شاكر) \"الجام إناء من فضة، وهو عربي فصيح مخوص بالذهب\".\n(٢) \"تفسير الطبري\" ٧/ ١١٤، و\"الحجة\" ٣/ ٢٦٠، والنشر في القراءات العشر ٢/ ٢٥٦.\n(٣) انظر: \"الحجة\" ٣/ ١٦٩، و\"حجة القراءات\" ص ٢٣٨.\n(٤) أخرجه الفراء في \"معاني القرآن وإعرابه\" ١/ ٣٢٤، و\"معاني القرآن وإعرابه\" للنحاس ٢/ ٣٨١، و\"حجة القراءات\" ص ٢٣٨.","vol":"7","page":581},{"text":"التثنية (١)، واستحق ههنا: بمعنى حق، أي: وجب، والمعنى: فآخران من الذين وجب عليهم الإيصاء بتوصية ميتهم وهم ورثته.\nوقوله تعالى: ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا﴾، قال ابن عباس: يريد ليميننا أحق من يمينهما (٢).\nوهذا ملتقى به ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾ لأن معناه: فيقولان: والله لشهادتنا، وسميت اليمين ههنا شهادة؛ لأن اليمين كالشهادة على ما يحلف أنه كذلك، وقد يقول القائل: أشهد بالله، أي: أقسم عليه.\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا اعْتَدَيْنَا﴾، قال ابن عباس: أي: فيما طلبنا من حقنا (٣)، وقيل: وما اعتدينا فيما قلناه من أن شهادتنا أحق من شهادتهما (٤)، وكل ما ذكرنا في هذه الآية أكثره قول أبي علي (٥) وأبي إسحاق (٦).\nوقال عبد الله بن مسلم في ذكر معنى هذه الآية على سياق واحد موافق لما قدمنا: ﴿فَإِنْ عُثِرَ﴾ بعد ما حلف الوصيان ﴿عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا﴾ أي: حنثًا في اليمين بكذبٍ في قولٍ أو خيانةٍ في وديعةٍ، قام في اليمين مقامهما رجلان من قرابة الميت، فيحلفان بالله لقد ظُهِر على خيانة الذميين وكذبهما وتبديلهما، وما اعتدينا عليهما (٧).\n_________\n(١) فى رواية حفص عنه، \"الحجة\" ٣/ ٢٦٠ - ٢٦١. و\"حجة القراءات\" ص ٢٣٨، و\"النشر\" ٢/ ٢٥٦.\n(٢) انظر: \"بحر العلوم\" ١/ ٤٦٥، \"تفسير البغوي\" ٣/ ١١٤.\n(٣) \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ١٢٥.\n(٤) انظر: \"بحر العلوم\" ١/ ٤٦٥، \"تفسير البغوي\" ٣/ ١١٤.\n(٥) انظر: \"الحجة\" ٣/ ٢٦١ - ٢٧٠.\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٢١٤ - ٢١٧.\n(٧) \"تأويل مشكل القرآن\" لابن قتيبة ص ٣٧٩، ٣٨٠ باختصار.","vol":"7","page":582},{"text":"رجعنا إلى قصة تميم وعدي، قالوا: فلما نزلت هذه الآية قام عمرو ابن العاص والمطلب بن أبي وداعة السهميان، فحلفا بالله أنهما خانا وكذبا، فدفع الإناء إليهما وإلى أولياء الميت، وغرم تميم وعدي ما أخذاه من ثمنه، فكان تميم الداري بعد ما أسلم وبايع النبي - ﷺ - يقول: صدق الله ورسوله، أنا أخذت الإناء، فأتوب إلى الله وأستغفره (١)، وروى عن عمر - ﵁ - أنه قال هذه الآية أعضل ما في هذه السورة من الأحكام (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-957>١٠٨ </span>- قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا﴾، أشار بقوله: (ذلك) إلى ما حكم به في هذه القصة وبينه من رد اليمين، والمعنى: ذلك الذي حكمنا به أدنى إلى الإتيان بالشهادة وأقرب إلى أن يأتوا بالشهادة على ما كانت، يعني تميمًا وصاحبه وكل من قام مقامهما من الخصوم، ولهذا المعنى جمع.\nوقوله تعالى: ﴿أَوْ يَخَافُوا﴾، أي: أقرب إلى أن يخافوا (٣)، ﴿أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ﴾ على أولياء الميت (٤) ﴿بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ فيحلفوا على خيانتهم وكذبهم فيفتضحوا وُيغرّموا، فربما لا يحلفون كاذبين إذا خافوا هذا الحكم (٥)، ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾، أن تحلفوا أيمانًا كاذبة وتخونوا أمانة (٦)، ﴿وَاسْمَعُوا﴾،\n_________\n(١) أخرجه الطبري ٧/ ١١٥ - ١١٦ عن عكرمة، وكذا ابن المنذر، انظر: \"الدر المنثور\" ٢/ ٦٠٣.\n(٢) \"القرطبي\" ٦/ ٣٥٨.\n(٣) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢١٧، \"تفسير البغوي\" ٣/ ١١٥.\n(٤) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١/ ٥١٤، الطبري ٧/ ١٢٢، \"زاد المسير\" ٢/ ٤٥٣.\n(٥) \"تفسير الطبري\" ٧/ ١٢٢ - ١٢٣، \"تفسير البغوي\" ٣/ ١١٥.\n(٦) \"تفسير الطبري\" ٧/ ١٢٣، \"بحر العلوم\" ١/ ٤٦٦، \"تفسير البغوي\" ٣/ ١١٥.","vol":"7","page":583},{"text":"الموعظة (١)، ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾، قال ابن عباس في رواية عطاء: يريد لا يرشد من كان على معصيته (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-958>١٠٩ </span>- قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ﴾، انتصاب اليوم يجوز أن يكون بفعل محذوف وهو: احذروا أو اذكروا، وقال الزجاج: وهو محمول على قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا﴾ (٣)، ثم قال: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ﴾ أي: واتقوا ذلك اليوم، فدل ذكر الاتقاء في الآية الأولى على الاتقاء في هذه الآية، ولم ينصب اليوم على الظرف للاتقاء؛ لأنهم لم يؤمروا بالتقوى في ذلك اليوم، ولكن على المفعول به كما قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٤٨].\nوقوله تعالى: ﴿مَاذَا أُجِبْتُمْ﴾، قال الكلبي: ماذا أجابكم قومكم في التوحيد (٤).\nقال أهل المعاني: ومعنى المسألة من الله للرسل التوبيخ للذين أرسلوا إليهم كما قال ﷿: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ [التكوير:٨، ٩] وإنما تُسأل ليُوبَّخ قاتلوها (٥).\nوقوله تعالى: ﴿قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا﴾، قال ابن عباس في رواية عطاء: إن للقيامة زلازل وأهوالًا حتى تزول القلوب من مواضعها، فإذا رجعت القلوب إلى مواضعها، شهدوا لمن صدقهم وشهدوا على من كذبهم، يريد\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" ٧/ ١٢٣، \"تفسير الوسيط\" ٢/ ٢٤٣.\n(٢) \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ١٢٦.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٢١٨.\n(٤) \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ١٢٦.\n(٥) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢١٨، \"النكت والعيون\" ٢/ ٧٨، \"زاد المسير\" ٢/ ٤٥٣.","vol":"7","page":584},{"text":"أنه عزبت عنهم أفهامهم من هول يوم القيامة فقالوا: لا علم لنا (١)، وهو قول الحسن، ومجاهد، والسدي، قالوا: من هول ذلك اليوم يفزعون ويذهلون عن الجواب، ثم يجيبون بعدما تثوب إليهم عقولهم (٢)، واختار الفراء هذا القول (٣).\nونحو هذا قال الكلبي: من شدة هذه المسألة وهول ذلك الموطن، قالوا: لا علم لنا، ثم رجعت إليهم عقولهم، فشهدوا على قومهم أنهم بلغوهم الرسالة، وكيف ردوا عليهم (٤).\nومثل هذا قال مقاتل (٥)، وسفيان الثوري (٦).\nقال ابن عباس في رواية الوالبي (٧): إنهم قالوا: لا علم لنا كعلمك، لأنك تعلم ما أظهروا وما أضمروا، ونحن لا نعلم إلا ما أظهروا، فعلمك فيهم أنفذ من علمنا (٨)، وعلى هذا إنما نفوا العلم عن أنفسهم؛ لأن علمهم كلا علم عند علم الله تعالى، وحكى ابن الأنباري عن جماعة أنهم قالوا: معنى الآية: لا حقيقة لعلمنا، إذ كنا نعلم جوابهم وما كان من أفعالهم وقت\n_________\n(١) أخرجه الخطيب في تاريخه كما في \"الدر المنثور\" ٢/ ٦٠٧ - ٦٠٨، \"تفسير البغوي\" ٣/ ١١٦، \"زاد المسير\" ٢/ ٤٥٣.\n(٢) \"تفسير الطبري\" ٧/ ١٢٥، \"بحر العلوم\" ١/ ٤٦٦، \"تفسير الوسيط\" ٢/ ٢٤٤، \"تفسير البغوي\" ٣/ ١١٦، \"زاد المسير\" ٢/ ٤٥٣.\n(٣) في \"معاني القرآن وإعرابه\" ١/ ٣٢٤.\n(٤) \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ١٢٦.\n(٥) في \"تفسيره\" ١/ ٥١٥.\n(٦) لم أقف عليه.\n(٧) علي بن أبي طلحة وهي من أصح الطرق عن ابن عباس.\n(٨) أخرجه الطبري ٧/ ١٢٦ بمعناه، \"النكت والعيون\" ٢/ ٧٨، البغوي ٣/ ١١٥، \"زاد المسير\" ٢/ ٤٥٣.","vol":"7","page":585},{"text":"حياتنا، ولا نعلم ما كان منهم بعد وفاتنا. وإنما الجزاء والثواب يُستحقان بما تقع به الخاتمة مما يموتون عليه، فلما خفي عليهم الذي ماتت عليه الأمم لم يكن لعلمهم حقيقة، فقالوا: لا علم لنا (١).\nوذكر الزجاج هذا القول فقال: وقال بعضهم: معنى قول الرسل: لا علم لنا، أي: لا علم لنا بما غاب عنا ممن أُرسِلنا إليه، وأنت تعلم باطنهم، فلسنا نعلم غيبهم، أنت علام الغيوب (٢)، فعلى هذا معنى قولهم: (لا علم لنا) أي: بباطن أمرهم.\nيدل على صحة هذا التأويل:\nقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ [المائدة: ١٠٩]، أي: أنت تعلم ما غاب، ونحن نعلم ما نشاهده، ولا نعلم ما في البواطن (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-959>١١٠ </span>- قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾ الآية، موضع (إذ) يجوز أن يكون رفعًا بالابتداء على معنى: ذاك إذ قال الله، ويجوز أن يكون المعنى: اذكر إذ قال الله (٤).\nوقوله تعالى: ﴿يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾ يجوز أن يكون (عيسى) في محل الرفع (٥) لأنه منادى مفرد وصف بمضاف، فيكون كقول الشاعر:\nيا زبرقانُ أخا بني خَلفٍ\nويجوز أن يكون في محل النصب؛ لأنه في نية الإضافة، ثم جعل\n_________\n(١) \"تفسير الوسيط\" ٢/ ٢٤٤، \"زاد المسير\" ٢/ ٤٥٣.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٢١٨.\n(٣) \"تفسير الطبري\" ٧/ ١٢٦.\n(٤) \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ٥٢٨.\n(٥) انظر: المرجع السابق.","vol":"7","page":586},{"text":"الابن توكيدًا له (١)، وكل ما كان مثل هذا جاز فيه الوجهان، نحو: يا زيدُ ابن عمروٍ، ويا زيدَ بن عمروٍ، وأنشد النحويون:\nيا حَكمُ بنُ المنذرِ بن الجارودُ\nبرفع الأول ونصبه على ما بينا، وقوله تعالى: ﴿نِعْمَتِي عَلَيْكَ﴾ أراد الجمع كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللهِ﴾ [النحل: ١٨، إبراهيم: ٣٤]، وإنما جاز ذلك لأنه مضاف فصلح للجنس، ثم فسر نعمته عليه بقوله: ﴿إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ إلى آخر الآية.\nوقوله تعالى: ﴿وَعَلَى وَالِدَتِكَ﴾، قال ابن عباس: يريد إذ أنبتها نباتًا حسنًا وطهرتها واصطفيتها على نساء العالمين، وكان يأتيها رزقها من عندي وهي في محرابها (٢).\nوقوله تعالى: ﴿إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ مضى تفسيره في سورة البقرة عند قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ [البقرة: ٨٧]. وقوله تعالى: ﴿تُكَلِّمُ النَّاسَ في الْمَهْدِ﴾ (تكلم) في موضع الحال، أي: أيدتك به مكلما الناس في المهد، قاله الزجاج (٣).\nوقوله تعالى: ﴿وَكَهْلًا﴾ عطف على موضع (تكلم)، كأن المعنى: وأيدتك به مخاطبًا الناس في صغرك ومخاطبًا الناس كهلًا (٤). وجائز أن يكون عطفًا على موضع ﴿الْمَهْدِ﴾ فيكون المعنى: وأيدتك به مكلمًا الناس صغيرًا وكهلًا (٥).\n_________\n(١) \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ٥٢٨.\n(٢) لم أقف عليه.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٢١٩.\n(٤) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢١٩.\n(٥) \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ٥٢٨.","vol":"7","page":587},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ قيل: الكتابة (١) يعني الخط، وقيل: أراد الكتب، فيكون الكتاب اسم الجنس ثم فصل بذكر التوراة والإنجيل، وأما الحكمة فالعلم بما في تلك الكتب (٢).\nوقوله تعالى: ﴿فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي﴾ وقرأ نافع: (فتكون طائرًا) (٣)، وأما الطير فواحده طائر، مثل: ضائن وضأن، وراكب وركب، والطائر كالصفة الغالبة.\nولو قال قائل: إن الطائر قد يكون جمعًا مثل الحامل والباقر والسامر كان ذلك قياسًا (٤)، ويكون على هذا معنى القراءتين واحدًا. ويقوي هذا الوجه ما حكاه أبو الحسن الأخفش: طائرة فيكون طائرة وطائر من باب شعيرة وشعير.\nوأما قوله تعالى: ﴿فَتَنْفُخُ فِيهَا﴾ وفي آل عمران: ﴿فَأَنْفُخُ فِيهِ﴾ [آل عمران: ٤٩]، والقول في ذلك أن الضمير في قوله: ﴿فِيهَا﴾ يعود إلى الهيئة وتجعلها مصدرًا في موضع المهيأ، كما يقع الخلق موضع المخلوق، وذلك لأن النفخ لا يكون في الهيئة، إنما يكون في المهيأ ذي الهيئة (٥). ويجوز أن يعود إلى الطير؛ لأنها مؤنثة، قال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ﴾ [الملك: ١٩]، وأما تذكير الضمير في آل عمران فقد مضى الكلام فيه مستقصى.\n_________\n(١) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: الكتاب.\n(٢) \"تفسير الطبري\" ٧/ ١٢٧.\n(٣) انظر: \"السبعة\" ص ٢٤٩.\n(٤) انظر: \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢١٥٠ (طار)، \"الحجة للقراء السبعة\" ٣/ ٢٧٦،٢٧٧.\n(٥) \"تفسير الطبري\" ٧/ ١٢٧، \"زاد المسير\" ٢/ ٤٥٤، ٤٥٥.","vol":"7","page":588},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ﴾. قال ابن عباس: يريد عن قتلك (١).\nوقوله تعالى: ﴿فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [المائدة: ١١٠]، وقرأ حمزة والكسائي. (ساحر) بالألف (٢)، فمن قرأ ﴿سِحْرٌ﴾ جعله إشارة إلى ما جاء به، كأنه قال: ما هذا الذي جئت به إلا سحر، ومن قرأ: (إلا ساحر) أشار إلى الشخص لا إلى الحدث الذي أتى به، وكلاهما حسن لاستواء كل واحد منهما في أن ذكره قد تقدم (٣)، غير أن الاختيار ﴿سِحْرٌ﴾ لجواز وقوعه على الحدث والشخص، أما وقوعه على الحدث فسهل كثير، ووقوعه على الشخص تريد به: ذو سحر، كما جاء: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ﴾ [البقرة: ١٧٧] أي: ذا البر، وقالوا: إنما أنت سيرٌ وما أنت إلا سيرٌ، وإنما هي إقبال وإدبار، فيجوز أن يريد بسحر ذا سحر، ولا يجوز أن تريد بساحر السحر. وقد جاء فاعل يراد به المصدر في حروف ليست بالكثير، نحو: عائذ بالله من شره، أي: عياذًا، ونحو العافية (٤)، ولم تصر هذه الحروف من الكثرة بحيث يسوغ القياس عليها (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-960>١١١ </span>- قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ﴾ قد ذكرنا طرفًا من معاني الوحي والإيحاء في قوله: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ [النساء: ١٦٣]، وقال\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" ٧/ ١٢٨، و\"تفسير الوسيط\" ٢/ ٢٤٤، والبغوي ٣/ ١١٦، \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ١٢٦.\n(٢) \"الحجة\" ٣/ ٢٧٠.\n(٣) \"الحجة\" ٣/ ٢٧١.\n(٤) في \"الحجة\" ٣/ ٢٧٢ (العاقبة).\n(٥) من \"الحجة\" لأبي علي ٣/ ٢٧١، ٢٧٢ بتصرف.","vol":"7","page":589},{"text":"عامة المفسرين في ﴿أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ﴾ ألهمتهم، كما قال جل وعز: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ [النحل: ٦٨] أي: ألهمها وقذف في قلوبها (١)، ومضى الكلام في الحواريين (٢)، وتفسير الآية ظاهر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-961>١١٢ </span>- قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾، قال أهل المعاني: هذا على المجاز كما يقول القائل: هل تستطيع أن تنهض معنا، أي: هل تفعل، وذلك أن المانع من جهة الحكمة قد يُجعَل بمنزلة المنامي للاستطاعة.\nوقال ابن الأنباري: لا يجوز لأحد أن يتوهم على الحواريين أنهم شكوا في قدرة الله ﷿، ولا يدل قولهم ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾ على أنهم شكوا في استطاعة الله (٣)، إذ كان العربي يقول لصحابه: هل تستطيع أن تقوم معي؟ وهو يعلم أنه مستطيع للقيام، إنما يقصد بتستطيع معنى: هل يسهل عليك ويخف عليك، فكذلك هو في الآية هل يقبلُ ربُّك دعاءَك، وهل يسهل لك إنزال هذه المائدة علينا (٤)، وهذا الذي ذكرنا معنى قول الفراء (٥).\nوقال أبو علي الفارسي: ليس هذا على أنهم شكوا في قدرة القديم (٦)\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٣٢٩، الطبري ٧/ ١٢٨، \"معاني القرآن\" للنحاس ٢/ ٣٨٣، \"بحر العلوم\" ١/ ٤٦١.\n(٢) الظاهر أنه عند تفسير قوله تعالى: ﴿قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٥٢].\n(٣) \"تفسير الطبري\" ٧/ ١٢٩.\n(٤) \"زاد المسير\" ٢/ ٤٥٦.\n(٥) \"معاني القرآن\" ١/ ٣٢٥.\n(٦) القديم: مما أدخله المتكلمون في أسماء الله تعالى، وليس هو من الأسماء الحسنى الواردة في الكتاب والسنة. انظر: \"الطحاوية\" ص ٦٧.","vol":"7","page":590},{"text":"سبحانه على ذلك، لأنهم كانوا مؤمنين عارفين، ولكن كأنهم قالوا: نحن نعلم قدرته على ذلك، فليفعله بمسألتك إياه؛ ليكون علَمًا لك ودلالةً على صدقك، وكأنهم سألوه ذلك ليعرفوا صدقة وصحة أمره بحيث لا يعترض عليهم منه إشكال ولا ينازعهم فيه شبهة؛ لأن علمَ الضرورة لا تعترض فيه الشبه التي تعترض في علم الاستدلال، فأرادوا علم أمره من هذا الوجه، ومن ثم قالوا: ﴿وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا﴾ [المائدة: ١١٣]، كما قال إبراهيم ﵇: ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠] بأن أعلمُ ذلك، من حيث لا يكون لشبهة ولا إشكال عليّ طريقٌ (١).\nوقرأ الكسائي: (تَسْطِّيع) (٢) بالتاء مدغمًا (رَبَّكَ) نصبًا، أما الإدغام فإن التاء قريب المخرج من اللام؛ لأنهما من حروف طرف اللسان وأصول الثنايا، وبحسب قرب الحرف من الحرف يحسن الإدغام، وإذا جاز إدغام اللام في الشين مع أنها أبعد منها من التاء، فأن يجوز في التاء ونحوها من حروف طرف اللسان وأصول الثنايا أجدر، وأنشد سيبويه:\nتقولُ إذا استهلكتُ مالًا للذَّةٍ ... فُكَيهَةُ هشَّئٌ بكفَّيك لائقُ (٣)\nوأنشد أيضًا:\nفذَرْ ذا ولكن هَتُّعينُ مُتَيَّمًا ... على ضوء برقٍ آخِرَ الليلِ ناصِبِ (٤)\nأي هل تعين، فأدغم (٥).\n_________\n(١) \"الحجة\" ٣/ ٢٧٣، ٢٧٤ بتصرف.\n(٢) \"الحجة\" ٣/ ٢٧٥.\n(٣) في الكتاب ٤/ ٤٥٨، ونسبة لطريف بن تميم العنبري، قال سيبويه: يريد: هل شيء؟ فأدغم اللام في الشين.\n(٤) في \"الكتاب\" ٤/ ٤٥٩ ونسبه لمزاحم العقيلي.\n(٥) \"الكتاب\" ٤/ ٤٥٨، ٤٥٩، \"الحجة\" لأبي علي ٣/ ٢٧٣ بتصرف.","vol":"7","page":591},{"text":"وأما معنى ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾ هل تستطيع سؤال ربك (١)، وذكر الاستطاعة في سؤاله لا لأنهم شكوا في استطاعته، ولكن كأنهم ذكروه على وجه الاحتجاج عليه منهم، كأنهم قالوا: إنك مستطيع فما يمنعك؟ ومثل ذلك قولك لصحابك: أتستطيع أن تذهب عني فإني مشغول، أي: اذهب لأنك غير عاجز عن ذلك (٢).\nو(أنْ) في قوله: ﴿يُنَزِّلَ عَلَيْنَا﴾ متعلق بالمصدر المحذوف على أنه مفعول (٣)، واختار أبو عبيد هذه القراءة (٤)؛ لأن الأولى تشبه أن يكون الحواريون شاكين، وهذه القراءة لا توهم ذلك، والمعنى في الاستفهام عن استطاعة عيسى السؤال طلب المعجزة منه، أرادوا هل تستطيع بسؤالك إظهار هذه المعجزة التي نطلبها؟\nويحتمل أن يكون مرادهم بالاستفهام التلطف في استدعاء السؤال كما تقول لصحابك: هل تستطيع أن تفعل كذا؟ وأنت عالم أنه يستطيع، ولكن قصدك بالاستفهام التلطف (٥)، وهذه القراءة (٦) قراءة ابن عباس، وعائشة (٧) يروى عنها أنها قالت: كان القوم أعلم بالله من أن يقولوا: (هل يستطيع ربك) (٨).\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٣٢٥.\n(٢) \"الحجة\" ٣/ ٢٧٣.\n(٣) \"الحجة\" ٣/ ٢٧٣.\n(٤) أي قراءة نصب \"رَبَكَ\" وهي للكسائي كما تقدم قريبًا.\n(٥) \"تفسير الطبري\" ٧/ ١٣٠.\n(٦) أي نصب \"ربك\".\n(٧) \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٣٢٥.\n(٨) أخرجه بمعناه الطبري ٧/ ١٣١، \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٣٢٥.","vol":"7","page":592},{"text":"وقال السدي في معنى القراءة الأولى: هل يطيعك ربك إن سألته (١)، وهذا على أن استطاع بمعنى أطاع على زيادة السين.\nوقال أبو إسحاق في معنى القراءة الثانية: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾ هل تستدعي طاعته وإجابته فيما تسأله من هذا (٢)، قال: ويحتمل وجه مسألة الحواريين عيسى المائدة ضربين:\nأحدهما: أن يكونوا أرادوا أن يزدادوا تبيينا (٣) كما قال إبراهيم ﵇: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾ [البقرة: ٢٦٠].\nوالثاني: أن يكون مسألتهم المائدة قبل علمهم أنه يبرئ الأكمه والأبرص ويحيى الموتى (٤)، وأما معنى المائدة فقال الزجاج: الأصل عندي أنها فاعلة من ماد يميد إذا تحرك، فكأنها تميد بما عليها (٥)، وقال ابن الأنباري: ويقال: إنما سميت مائدة؛ لأنها غياث وعطاء من قول العرب: ماد فلان فلانًا يميده ميدًا، إذا أحسن إليه وأفضل عليه، وأنشد:\nإلى أمير المؤمنين المُمتاد (٦)\nأراد الذي يميد الناس أي: يعطيهم ويحسن إليهم (٧)، فالمائدة على هذا القول فاعلة من الميد بمعنى: معطية، وقال أبو عبيدة: المائدة فاعلة\n_________\n(١) أخرجه الطبري ٧/ ١٣١.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٢٢٠.\n(٣) في \"معاني الزجاج\": تثبيتًا.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٢٢١.\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٢٢٠.\n(٦) لرؤبة، انظر: \"مجاز القرآن\" ١/ ١٥٩، ١٨٢، ١٨٣.\n(٧) \"غريب القرآن\" لابن قتيبة ص ١٤٩، \"زاد المسير\" ٢/ ٤٥٧.","vol":"7","page":593},{"text":"في معنى مفعولة مثل: عيشة وراضية، وأصلها مَمْيَدة، مِيدَ بها صاحبُها أي: أُعطيها وتُفضل عليه بها، وتقول العرب: مادَني فلان يميدني، إذا أحسن إليه (١).\nوقوله تعالى: ﴿قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ قال المفسرون: اتقوا الله أن تسألوه شيئًا لم تسأله الأمم قبلكم (٢)، وقال بعض أصحاب المعاني: أمرهم عيسى بالتقوى مطلقًا، كما أمر الله المؤمنين بها في قوله تعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ [المائدة: ٣٥]، وقوله تعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ [الحشر: ١٨]، ونحوها من الآي. قاله أبو علي، وقول المفسرين أشبه لتعلقه بما قبله من المعنى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-962>١١٣ </span>- قوله تعالى: ﴿قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا﴾ أي: نريد السؤال من أجل هذا الذي ذكرناه (٣)، ويحتمل أن تكون الإرادة ههنا بمعنى المحبة التي هي ميل الطباع، أي: نحب ذلك (٤).\nوقوله تعالى: ﴿وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا﴾ قال عطاء: نزداد يقينًا (٥) وذلك أن الدلائل كلما كثرت مكنت المعرفة في النفس.\nوقوله تعالى: ﴿وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ أي: لله بالتوحيد لأجل الدليل الذي نراه في المائدة، ولك بالنبوة من جهة ذلك الدليل أيضًا، وقال\n_________\n(١) \"مجاز القرآن\" ١/ ١٨٢.\n(٢) \"تفسير الطبري\" ٧/ ١٣٠، \"معاني القرآن\" للنحاس ٢/ ٣٨٦، \"زاد المسير\" ٢/ ٤٥٧.\n(٣) \"تفسير الطبري\" ٧/ ١٣١.\n(٤) \"زاد المسير\" ٢/ ٤٥٧.\n(٥) انظر: البغوي ٣/ ١١٨.","vol":"7","page":594},{"text":"عطاء: يريد شهودًا (١) على بني إسرائيل (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-963>١١٤ </span>- قوله تعالى: ﴿أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا﴾ (تكون) صفة للمائدة وليس بجواب الأمر (٣)، وفي قراءة عبد الله: (تكن) لأنه جعله جواب الأمر (٤).\nقال (الفراء) (٥): وما كان من نكرة قد وقع عليها أمر جاز في الفعل بعده الجزم والرفع (٦)، ومثال هذا قوله تعالى: ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (٥) يَرِثُنِي﴾ [سورة مريم:٥ - ٦] بالجزم والرفع (٧) و﴿فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي﴾ [القصص: ٣٤] بالجزم والرفع (٨).\nوقوله تعالى: ﴿عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا﴾ أي: نتخذ اليوم الذي تنزل فيه عيدًا نعظمه نحن ومن يأتي بعدنا وهذا قول السدي وقتادة وابن جريج (٩)، قال كعب: نزلت يوم الأحد فاتخذه النصارى عيدًا (١٠).\nوقال ابن عباس في رواية عطاء: يقول عطية: (لأولنا) يريد من معه،\n_________\n(١) في (ش): (شهودًا لك).\n(٢) \"زاد المسير\" ٢/ ٤٥٨.\n(٣) انظر: القرطبي ٦/ ٣٦٧.\n(٤) \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٣٢٥.\n(٥) سقط من (ج).\n(٦) \"معاني القرآن\" ١/ ٢٢٥، وما بعده ليس عند الفراء في المطبوع.\n(٧) بجزم \"يرث\" ورفعه. قراءتان سبعيتان، انظر: \"حجة القراءات\" ص ٤٣٨.\n(٨) بجزم (يصدق) ورفعه. قراءتان سبعيتان أيضًا، انظر: \"حجة القراءات\" ص ٥٤٥، ٥٤٦.\n(٩) \"تفسير الطبري\" ٧/ ١٣٢، \"النكت والعيون\" ٨٤، \"زاد المسير\" ٢/ ٤٥٨.\n(١٠) \"زاد المسير\" ٢/ ٤٥٨.","vol":"7","page":595},{"text":"(وآخرنا) يريد من يأتي بعده (١)، وعلى هذا التفسير معناه عائدة فضل من الله علينا ونعمة لنا، والعيد في اللغة: اسم لما عاد إليك من شئ في وقت معلوم، حتى قالوا للخيال: عيد، ولما يعود إليك من الحزن عيد، قال الأعشى:\nفواكبدي من لا عجِ الحُبِّ والهَوَى ... إذا اعتاد قَلْبي من أُمَيمَةَ عِيدُها\nقال الليث: العيد كل يومِ مَجْمَع، قال: واشتقاقه من عاد يعود كأنهم عادوا إليه، وقال العجاج:\nكما يعود العيد نصراني (٢)\nقال: وتحولت الواو في العيد ياء لكسرة العين.\nوقال المفضل: يقال: عاد في عيدي، أي: عادتي، وأنشد:\nعاد قلبي من الطويلة عيد\nوقول تأبط شرًّا:\nيا عيد مالك من شوق وإيراق (٣)\nفإنه أراد الخيال الذي يعتاده.\nوقال ثعلب عن ابن الأعرابي: يسمى العيد عيدًا؛ لأنه يعود كل سنة بفرح مجدد.\n_________\n(١) أخرجه بمعناه من طريق آخر: الطبري ٧/ ١٣٢.\n(٢) عجز بيت يصف فيه الثور الوحشي، وصدره:\nواعتاد أرباضها لها آريّ\nانظر: \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٢٧٠ - ٢٢٧١ (عاد).\n(٣) صدر بيت له، وعجزه:\nومرَّ طيف من الأهوال طَراَّق","vol":"7","page":596},{"text":"وقال أبو بكر (١): قال النحويون: يوم العيد معناه اليوم الذي يعود فيه الفرح والسرور. والعيد عند العرب الذي يعود فيه الفرح والحزن، قال: وكأن الأصل في العيد العود؛ لأنه من عاد يعود، فلما سكنت الواو انكسر ما قبلها صارت ياء (٢) كقولهم: ميزان، وميقات وميعاد (٣).\nوقوله تعالى: ﴿وَآيَةً مِنْكَ﴾ أي: دلالة على توحيدك وصحة نبوة نبيك (٤). وقوله تعالى: ﴿وَارْزُقْنَا﴾ قال ابن عباس: وارزقنا عليها طعامًا نأكله (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-964>١١٥ </span>- قوله تعالى: ﴿قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ﴾ وقرئ بالتشديد (٦)، فمن خفف فلقوله: ﴿أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ فقال: ﴿إِنِّي مُنَزِّلُهَا﴾ ليكون الجواب كالسؤال، ومن شدد فلأن نَزَّل وأنزل في القرآن قد استعمل كل واحد منهما موضع الآخر (٧)؛ ولأنها نزلت مرات كما يروى في القصة، فكأن التشديد دل على التكرير.\nوقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ﴾ بعد إنزال المائدة.\nوقوله تعالى: ﴿فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا﴾ إلى أخر الآية قال، ابن عباس:\n_________\n(١) ابن الأنباري كما في \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٢٧١ (عاد).\n(٢) إلى هنا انتهى كلام ابن الأنباري حسب ما في \"تهذيب اللغة\".\n(٣) الكلام من قوله: \"قال الليث .. \" إلى هنا من \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٢٧٠ - ٢٢٧١ (عاد).\n(٤) انظر: \"بحر العلوم\" ١/ ٤٦٨.\n(٥) \"تفسير الوسيط\" ٢/ ٢٤٦.\n(٦) قرأ بالتشديد نافع وعاصم وابن عامر، وقرأ الباقون بالتخفيف. \"الحجة للقراء السبعة\" ٣/ ٢٨٢، و\"حجة القراءات\" ص ٢٤٢.\n(٧) \"الحجة\" ٣/ ٣٨٢.","vol":"7","page":597},{"text":"يعني: مسخهم خنازير (١)، وقال قتادة: إنهم مسخوا قردة (٢).\nوقيل: أراد جنسًا من العذاب لا يعذب به غيرهم (٣)، وقيل في قوله تعالى: ﴿مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ يعني عالمي زمانهم (٤).\nقال الزجاج: جائز أن يكون هذا العذاب يعجل لهم في الدنيا، وجائز أن يكون في الآخرة (٥).\nواختلف العلماء في المائدة هل نزلت أم لا؟: فقال الحسن: والله ما نزلت المائدة، وإن القوم لما سمعوا الشرط في قوله: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ﴾ استعفوا وقالوا: لا نريدها ولا حاجة لنا فيها. ولو نزلت لكانت عيدًا لنا إلى يوم القيامة (٦)، وهذا أيضًا قول مجاهد أن الآية لم تنزل (٧)، وابن عباس والباقون من العلماء على أنها نزلت (٨)، ولكنهم مختلفون في كيفية نزولها والطعام الذي كان عليها، والذي نقتصر عليه هنا ما روى عمار ابن ياسر قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"نزلت المائدة من السماء خبزًا ولحمًا، وأمروا أن لا يخونوا ولا يُخبِّئوا ولا يدّخروا، فخان القوم وخّباوا وادّخروا\n_________\n(١) \"زاد المسير\" ٢/ ٤٦٢.\n(٢) أخرج ابن جرير عنه كقول ابن عباس: حولوا خنازير، الطبري ٧/ ١٣٦. \"النكت والعيون\" ٢/ ٨٦.\n(٣) \"النكت والعيون\" ٢/ ٨٦، \"زاد المسير\" ٢/ ٤٦٢.\n(٤) \"تفسير الطبري\" ٧/ ١٣٦، \"النكت والعيون\" ٢/ ٨٦.\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٧/ ١٣٦.\n(٦) أخرجه الطبري ٧/ ١٣٦، \"النكت والعيون\" ٢/ ٨٥.\n(٧) أخرجه الطبري ٧/ ١٣٥.\n(٨) \"تفسير الطبري\" ٧/ ١٣٣، \"النكت والعيون\" ٢/ ٨٥، \"زاد المسير\" ٢/ ٤٥٩، ونسب هذا القول للجمهور.","vol":"7","page":598},{"text":"فمسخوا قردة وخنازير\" (١)، والصحيح المختار قول من قال إنها نزلت، لتظاهر الآثار بذلك، ولكثرة من قال بها من العلماء (٢).\nقال أبو بكر بن الأنباري: والذي نختاره تصحيح نزول المائدة لتتابع الأخبار بذلك، ولأن قوله تعالى: ﴿إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ﴾ كلام تام وليس بجواب لشرط، وجواب الشرط قوله تعالى: ﴿فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا﴾، ولا يلزم قول الحسن: أنها لو نزلت لكانت عيدًا لنا إلى يوم القيامة؛ لأن وجه السؤال أن يكون يوم نزولها عيدًا لهم ولمن بعدهم ممكن كان على شريعتهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-965>١١٦ </span>- قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ﴾ الآية. قال النحويون: هذا عطف جملة على جملة، والجملة الأولى قوله: (إذ قال الله يا عيسى بن مريم اذكر) (٣).\nوعامة المفسرين على أن هذا القول لعيسى إنما يكون في القيامة؛ إلا السدي (٤) وقطرب، فإنهما ذهبا إلى أن الله تعالى قال ذلك لعيسى حين رفعه إليه، وتعلقا بظاهر قوله: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ﴾ وإذ تستعمل لما مضى.\nوالصحيح ما عليه العامة؛ لأن الله تعالى عقب هذه القصة بقوله\n_________\n(١) أخرجه الترمذي (٣٠٦١) كتاب: التفسير، باب: من سورة المائدة مرفوعًا وموقوفًا ورجح الوقف ثم قال: \"ولا نعلم للحديث المرفوع أصلًا\"، وأخرجه الطبري ١١/ ٢٢٨، ٢٢٩.\n(٢) وهذا اختيار الطبري ٧/ ١٣٥، والبغوي ٣/ ١١٩، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٢/ ٤٦٢، وابن كثير ٢/ ١٣٥ وغيرهم.\n(٣) \"تفسير الطبري\" ٧/ ١٣٦ - ١٣٨.\n(٤) \"تفسير الطبري\" ٧/ ١٣٧، \"زاد المسير\" ٢/ ٤٦٣.","vol":"7","page":599},{"text":"تعالى: ﴿هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ وأراد به يوم القيامة، وإنما خرج هذا مخرج المضي وهو للمستقبل؛ تحقيقًا لوقوعه كقوله تعالى: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ﴾ [الأعراف: ٤٤] ولم ينادوا بعد، ولكنه بمنزلة ما قد مضى وفعلوا ذلك، من حيث أنه لا يعترض الشك في وقوعه (١).\nوقوله تعالى: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ﴾ هذا الاستفهام معناه: التوبيخ لمن ادعى ذلك على المسيح ﵇، قال الزجاج: وذلك أن النصارى مجمعون على أن صادق الخبر، وإذا كذبهم الصادق كان ذلك أوكد للحجة عليهم، وأبلغ في توبيخهم (٢).\nوقوله تعالى: ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي: من غير الله، كقوله تعالى: ﴿وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٣] و(من) زائدة مؤكدة للمعنى.\nوقوله تعالى: ﴿قَالَ سُبْحَانَكَ﴾ قال عطاء عن ابن عباس: يريد جل جلالك وتعظمت وتعاليت (٣). وقال الزجاج: أي: برأتك من السوء (٤).\nوقوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾ قال أبو علي: المعنى إن أكن الآن قلته فيما مضى. وليس كان فيه على المضي؛ لأن الشرط والجزاء لا يقعان إلا فيما يستقبل، والحروف في الجزاء تحيل معنى المضي إلى الاستقبال لا محالة، قال: وهذا الذي ذكرناه من هذا التأويل كان أبو بكر (٥) يذهب إليه ويحكيه عن أبي عثمان.\n_________\n(١) ما رجحه المؤلف اختيار أكثر المفسرين، انظر: \"بحر العلوم\" ١/ ٤٦٩، \"النكت والعيون\" ٢/ ٩٠، البغوي ٣/ ١٢١، \"زاد المسير\" ٢/ ٤٦٣.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٢٢٢\n(٣) لم أقف عليه.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٢٢٢.\n(٥) لعله أبو بكر الأنباري.","vol":"7","page":600},{"text":"وقوله تعالى: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ قال ابن عباس: تعلم ما في غيبي، ولا أعلم ما في غيبك (١).\nوقال عبد العزيز بن يحيى (٢): تعلم سري ولا أعلم سرك؛ لأن السر من صفة الأنفس (٣).\nوقال أهل المعاني: تعلم ما أخفي ولا أعلم ما تخفي، إلا أنه ذكرت النفس على مزواجة الكلام، لأن ما تخفيه كأنه إخفاء في النفس، وهذا شرح قول ابن عباس وعبد العزيز، لأن ما يخفيه الإنسان يكون في نفسه كالسر الذي يكتمه فقال عيسى: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي﴾ أي: ما أخفيه من سري وغيبي أي: ما غاب ولم أظهره ﴿وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ أي: ما تخفيه أنت ولم تطلعنا عليه، فلما كان سر عيسى يخفيه في نفسه، جعل أيضًا سر الله مما يخفيه الله تعالى في نفسه؛ ليزدوج الكلام ويحسن النظم. هذا طريق في شرح هذا اللفظ.\nوقال الزجاج: النفس في اللغة: تقع عبارة عن حقيقة الشيء، فمعنى ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي﴾ أي: تعلم ما أضمر ﴿وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ أي: لا أعلم ما في حقيقتك وما عندك علمه، والتأويل أنك تعلم ما أعلم، ولا أعلم ما تعلم، ويدل على هذا قوله: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾، قال: وهذا راجع إلى توكيد أن الغيب لا يعلمه إلا الله (٤).\nوروى ثعلب عن أبي الأعرابي في معاني النفس في اللغة: أن النفس\n_________\n(١) \"تفسير الوسيط\" ٢/ ٢٤٧، والبغوي ٣/ ١٢٢.\n(٢) لعله الكناني، تقدمت ترجمته.\n(٣) انظر: البغوي ٣/ ١٢٢.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٢٢٢، ٢٢٣.","vol":"7","page":601},{"text":"تكون بمعنى (عند) فقوله: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي﴾ أي: ما عندي ﴿وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ أي: ما عندك (١).\nوالنفس عند المتكلمين في صفة الله تعالى عبارة عن ذاته وحقيقة وجوده، والموجود يقال له: عين وذات ونفس، وهذا لا يوجب تشبيهًا (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-966>١١٧ </span>- قوله تعالى: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ ذكر أبو إسحاق في محل (أن) وجوهًا: النصب على البدل من ما، والخفض على البدل من الضمير في (بِهِ)، قال: ويجوز أن يكون بمعنى (أي) مفسِّرة لما أمره به في قوله: ﴿إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ أي: اعبدوا الله، وعلى هذا لا موضع لها من الإعراب (٣).\nوقوله تعالى: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ﴾ أي: كنت أشهد على ما يفعلون ما كنت مقيمًا فيهم ﴿فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي﴾ قال ابن عباس والحسن والقرظي: رفعتني (٤)، يعنون وفاة الرفع إلى السماء من قوله: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ\n_________\n(١) انظر \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٦٢٩ (نفس).\n(٢) اختلف أهل السنة في إثبات النفس لله هل هي صفة للذات؟ أم أنها الذات؟ قال شيخ الإِسلام ابن تيمية ﵀: ويراد بنفس الشيء ذاته وعينه .. وقد قال تعالى: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [المائدة:١١٦] .. فهذه المواضع المراد فيها بلفظ النفس عند جمهور العلماء الله نفسه، التي هي ذاته المتصفة بصفاته، ليس المراد ذاتًا منفكة عن الصفات ولا المراد بها صفة للذات. وطائفة من الناس يجعلونها من باب الصفات، كما يظن طائفة أنها الذات المجردة عن الصفات، وكلا القولين خطأ. \"مجموع الفتاوى\" ٩/ ٢٩٢، ٢٩٣، وانظر: \"المفسرون بين التأويل والإثبات في آيات الصفات\" للمغراوي ١/ ٣٩٣ - ٣٩٦.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٢٢٣ بتصرف.\n(٤) انظر: \"بحر العلوم\" ١/ ٤٦٩، البغوي ٣/ ١٢٢، \"النكت والعيون\" ٢/ ٨٩.","vol":"7","page":602},{"text":"وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران: ٥٥] وقوله تعالى: ﴿كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ﴾ قال ابن عباس والسدي وابن جريج وقتادة: الحفيظ عليهم (١).\nوقال الزجاج: أي: الحافظ عليهم (٢)، وقال عطاء: يريد القاهر لهم (٣) وهذا معنى وليس بتفسير، وذلك أن الحافظ على الشيء قاهر له، ولو لم يكن قاهرًا لم يصح الحفظ منه.\nوقوله تعالى: ﴿وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [المائدة: ١١٧]، قال ابن عباس في رواية عطاء: يريد شهدت مقالتي فيهم وبعدما رفعتني إليك شهدت ما يقولون بعدي (٤)، فالشهيد على هذا معناه: المشاهد لما يكون، ويجوز أن يكون الشهيد في هذه الآية بمعنى العلم، فيكون معنى ﴿وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ أي: شاهد عليه لعلمك به (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-967>١١٨ </span>- قوله تعالى: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ﴾ الآية، تفسير هذه الآية واضح على قول من يقول إن هذه المخاطبة جرت بين الله تعالى وبين عيسى حين رفعه إلى السماء، يقول عيسى لله تعالى: (إن تعذبهم) على كفرهم ومعصيتهم (فإنهم عبادك وإن تغفر لهم) بتوبة تكون منهم، وهذا مذهب السدي، وقال في هذه الآية: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ﴾ فتميتهم بنصرانيتهم فإنهم عبادك، ﴿وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ﴾ فتخرجهم من النصرانية وترشدهم إلى الإِسلام (٦)، وتفسير\n_________\n(١) أخرجه عن السدي وابن جريح الطبري ٧/ ١٣٩، وعن ابن عباس ابن المنذر وعن قتادة عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم، انظر: \"الدر المنثور\" ٢/ ٦١٦.\n(٢) ليس في معانيه.\n(٣) لم أقف عليه.\n(٤) \"تفسير الوسيط\" ١/ ٢٤٨ وعزاه المحقق لتفسير ابن عباس ص ١٠٥.\n(٥) \"النكت والعيون\" ٢/ ٨٩\n(٦) أخرجه الطبري ٧/ ١٤٠، وكذا ابن حاتم وأبو الشيخ،\"الدر المنثور\" ٢/ ٦١٦.","vol":"7","page":603},{"text":"ابن عباس لهذه الآية في رواية عطاء موافق لهذا المذهب؛ لأنه قال في قوله: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ﴾ يريد تدعهم على المعاصي ﴿فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ﴾، ﴿وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ﴾ يريد تعصمهم فلا يتخذوا من دونك وليًّا ولا إلهًا ولا ربًا (١).\n﴿فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٨] (العزيز) في ملكه (الحكيم) في أوليائه وأعدائه بالثواب والعقاب (٢)، وسقط بهذا التفسير سؤال من اعترض على نظم هذه الآية بأن العزيز الحكيم لا يليق بهذا الموضع، إنما يليق به الغفور الرحيم كالذي في مصحف ابن مسعود (٣)، وهذا التفسير الذي ذكره ابن عباس إنما يصح فيما يستقبل من الشرط على تقدير: إن تعذبهم تعذب عبادك، وإن تغفر لهم تغفر فإنك العزيز الحكيم. والشرط يكون في المستقبل دون الماضي، وإذا كان كذلك دل على أن هذه المخاطبة تكون قبل القيامة.\nوأما الذين قالوا إن هذه المخاطبة تكون يوم القيامة يُسأَلُ عليهم فيقال: كيف جاز لعيسى أن يقول: (وان تغفر لهم) والله تعالى لا يغفر الشرك؟ والجواب عن هذا ما قال الحسن وأبو العالية: إن تعذبهم فبإقامتهم على كفرهم وإن تغفر لهم فبتوبة كانت منهم (٤)، وهذا معنى قول ابن عباس في رواية أبي الجوزاء عنه (٥).\nوأما أهل المعاني فإنهم مختلفون في الجواب عن هذا: فقال أبو بكر\n_________\n(١) انظر: البغوي ٣/ ١٢٢.\n(٢) \"تفسير الطبري\" ٧/ ١٤٠.\n(٣) انظر: \"بحر العلوم\" ١/ ٤٦٩، والبغوي ١/ ١٢٣.\n(٤) \"تفسير الوسيط\" ٢/ ٢٤٨.\n(٥) عزاه في \"الدر المنثور\" ٢/ ٦١٦ لأبي الشيخ، \"زاد المسير\" ٢/ ٤٦٥.","vol":"7","page":604},{"text":"الأنباري: لما قال الله تعالى لعيسى: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ لم يقع له إلا أن النصارى حكت عنه الكذب فقال: ﴿وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ﴾ الحكاية ﴿فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ لأنه ليس الحاكي للكفر كافرًا إذا لم يأخذ به، وليس في الآية أنهم اتخذوا عيسى وأمه إلهين، إنما هو استفهام عن عيسى هل أمر بذلك؟ وهل قال ذلك أم لا؟ وظاهر هذا الاستفهام يوجب أن النصارى حكوا عنه أنه أمر بذلك، فقال عيسى على اقتضاء هذا السؤال: ﴿وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ﴾ ما حكوه كذبا (١)، وهذا قول المبرد، وقد حكاه الزجاج عنه فقال: قال بعضهم: إن تغفر لهم كذبهم عليّ، ثم قال: وهذا قول المبرد، ولا أدري أسمعه أم استخرجه؟ (٢).\nوقال ابن الأنباري أيضًا: هذا على التبعيض، أي: إن تعذب بعضهم الذين أقاموا على الكفر فهم عبادك، وإن تغفر لبعضهم الذين انتقلوا عن الكفر إلى الإِسلام، فأنت في ذلك قاهر غالب عادل، لا يعترض عليك فيه معترض (٣).\nوالقول بالتبعيض في هذه الآية مذهب جماعة من المفسرين واختيار أبي إسحاق؛ لأنه قال: والذي عندي أن عيسى قد علم أن منهم من آمن ومنهم من أقام على الكفر، فقال عيسى في جملتهم: إن تعذب من كفر بك فإنهم عبادك، أنت العادل عليهم، ﴿وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ﴾ أي: لمن أقلع منهم وآمن فأنت في مغفرتك لهم (عزيز) لا يمتنع عليك ما تريد (حكيم) في ذلك (٤).\n_________\n(١) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٢٣.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٢٢٣، ٢٢٤.\n(٣) انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٢٢٤.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٢٢٤.","vol":"7","page":605},{"text":"وذهب جماعة من أصحاب المعاني أن هذا على طريق تفويض الأمر إلى الله، إذ هو العالم بباطن أمرهم وظاهره، ومن أخلص التوبة منهم ومن أقام على كفره، ولم يشك عيسى في أنه يعذب الكفار، ولكن رد الأمر إلى مالكهم وإلههم، وتبرأ مما كان منهم؛ ليخرج نفسه من حالات المعترضين المقترحين، أي: إن عذبتهم يا رب لم يكن لي ولا لأحد الاعتراض عليك، وإن غفرت لهم ولست فاعلًا فذلك غير مردود عليك (١)، ولهذا المعنى قال: ﴿فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ دون الغفور الرحيم؛ لأنه ليس قوله: ﴿وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ﴾ على معنى مسألة الغفران لهم، وإنما هو على تسليم الأمر إلى من كان أملك بهم، ولو قال: فإنك أنت الغفور الرحيم؛ لأوهم أنه دعا بالمغفرة، وهذا الذي ذكرنا من أن هذا على معنى التفويض مذهب الكلبي، فقد روى حبان عنه في هذه الآية قال: غبت عنهم وتركتهم على الحق فما أدري ما أحدثوا (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-968>١١٩ </span>- قوله تعالى: ﴿قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ﴾ في الدنيا ﴿صِدْقُهُمْ﴾ في الآخرة؛ لأنه يوم الإثابة والجزاء، وما تقدم في الدنيا من الصدق إنما يتبين نفعه في هذا اليوم الذي نيل فيه جزاؤه (٣).\nوالدليل على أن المراد بالصادقين الذين صدقوا في الدنيا لا الصادقين في ذلك اليوم، أن الكفار لا ينفعهم الصدق في ذلك اليوم بما يكون من الإقرار على أنفسهم بالمعصية.\nقال المفسرون: هذا تصديق لعيسى بما يقول من قوله: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ﴾ الآية، وذلك أنه كان صادقًا في الدنيا ولم يقل للنصارى اتخذوني إلهًا،\n_________\n(١) \"زاد المسير\" ٢/ ٤٦٥، ونسب نحو هذا القول لابن الأنباري.\n(٢) لم أقف عليه.\n(٣) \"تفسير الطبري\" ٧/ ١٤١.","vol":"7","page":606},{"text":"فنفعه صدقه (١)، وأما إبليس فإنه يصدق أيضًا في ذلك اليوم في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ﴾ [إبراهيم: ٢٢] فلم ينفعه صدقه؛ لأنه كان كاذبًا في الدنيا. وهذا معنى قول قتادة (٢).\nوالذي ذكرنا من أن المراد بهذا اليوم يوم القيامة قول عامة المفسرين إلا ما روى عطاء عن ابن عباس أنه قال: يريد يومًا من أيام الدنيا؛ لأن الآخرة ليس فيها عمل، إنما فيها الثواب والجزاء (٣)، وذهب في هذا القول إلى ظاهر الآية من أن الصدق النافع يكون في الدنيا، فلما وصف اليوم بأنه ينفع فيه الصدق جعله من أيام الدنيا، ويكون معنى الآية: (قال الله هذا) أي: هذا الكلام الذي جرى ذكره (يوم ينفع الصادقين)، أي: في يوم ينفع الصادقين صدقهم، وهذا القول يوافق مذهب السدي في أن هذه المخاطبة جرت مع عيسى حين رفع إلى السماء (٤)، واختلف القراء في نصب ﴿يَوْمُ يَنْفَعُ﴾ ورفعه، فقرأ الأكثرون بالرفع، وقرأ نافع بالنصب (٥)، واختاره أبو عبيد.\nفمن قرأ بالرفع قال الزجاج: فعلى خبر هذا، المعنى: قال الله تعالى اليوم يوم منفعة الصادقين (٦). هذا كلامه، وشرحه أبو علي فقال: من رفع اليوم جعل الخبر المبتدأ الذي هو ﴿هَذَا﴾ وأضاف يومًا إلى ﴿يَنْفَعُ﴾ والجملة التي هي المبتدأ والخبر في موضع نصب بأنه مفعول القول، كما تقول: قال زيد: عمرو أخوك، وما بعد القول حكايته، ومن نصب ﴿يَوْمَ\n_________\n(١) معنى قول السدي عند الطبري ٧/ ١٤١.\n(٢) انظر: البغوي ٣/ ١٢٤.\n(٣) انظر: البغوي ٣/ ١٢٤.\n(٤) \"تفسير الطبري\" ٧/ ١٤١.\n(٥) النصب قراءة نافع وحده، والرفع للباقين. \"الحجة\" ٣/ ٢٨٢.\n(٦) \"معانى القرآن وإعرابه\" ٢/ ٢٢٤.","vol":"7","page":607},{"text":"يَنْفَعُ﴾ فعلى أن (يومَ) منصوب على الظرف، المعنى: قال الله هذا، وهو إشارة إلى ما تقدم ذكره من قوله: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾، في ﴿يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ﴾ أي: ما قال الله هذا في القيامة، وجاء على لفظ المضي وإن كان المراد به الآتي كما قال تعالى: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف: ٥٠] (١)، وقد مر قُبَيْل، وليس ما قبل القول حكايته في هذا الوجه كما كان في وجه القراءة الأولى، وهذا في موضع نصب يقال: واليوم منصوب على الظرف، والعامل فيه قال، كما تقول: قال زيد هذا يوم الخميس، أي: قال زيد هذا القول في يوم الخميس.\nوهذا معنى قول الزجاج (٢) وابن الأنباري وأبي علي (٣)، وعلى هذا اليوم ظرف للقول، وأجاز أبو علي أن يكون ظرفًا لفعل مضمر غير القول، ويكون التقدير: قال الله هذا يقع أو يحدث يوم ينفع الصادقين، فيكون هذا المبتدأ وخبره يوم ينفع وإن كان منصوبًا على الظرف؛ لأن ظروف الزمان يجوز أن تكون أخبارًا من الأحداث كما تقول: القتال يوم السبت، والحج يوم عرفة، أي: واقع في ذلك اليوم، وقوله: (هَذَا) إشارة إلى حدث يحدث في ذلك اليوم، وتكون الجملة في موضع نصب بأنها في موضع مفعول، قال: ويكون المعنى على الحكاية كما ذكرنا في قراءة من قرأ بالرفع (٤)، وأجاز الفراء والكوفيون وجها آخر في القراءة بالنصب.\nقال الفراء: ويجوز أن تنصبه؛ لأنه مضاف إلى غير اسم، كما قالت العرب: مضى يومئذٍ بما فيه، ويفعلون ذلك به في موضع الخفض،\n_________\n(١) \"الحجة\" ٣/ ٢٨٣.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٢٢٤، ٢٢٥.\n(٣) \"الحجة\" ٣/ ٢٨٣.\n(٤) \"الحجة\" ٣/ ٢٨٣، ٢٨٤.","vol":"7","page":608},{"text":"وأنشد:\nرددنا بشعثاء (١) الرسول ولا أرى ... كيومئذ شيئًا ترد رسائله (٢)\nقال: وكذلك وجه القراءة في قوله: ﴿مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ﴾ [المعارج: ١١]، و﴿وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ﴾ [هود: ٦٦] قال: وما أضيف إلى كلام ليس فيه مخفوض فافعل به هكذا، كقول الشاعر:\nعلى حينَ عاتبتُ المشيبَ على الصِّبا ... وقلتُ ألمَّا تَصحُ والشيبُ وازعُ (٣) (٤)\nوشرح أبو بكر بن الأنباري هذا المذهب فقال: يجوز أن يكون ﴿يَوْمُ﴾ رفعًا بهذا، ولا يتبين الرفع في لفظ اليوم لأن إضافته غير محضة، والعرب إذا أضافت أسماء الزمان إلى الأفعال الماضية والمستقبلة فتحوها في حال إضافتها لبعدها عن معنى الاسم، وأشبه الزمان عندهم الأداة فجعلوا اليوم مع الفعل بمنزلة الشيء الواحد، واختاروا له الفتحة لأنها أخف الحركات، فيقولون: أعجبني يوم قام أخوك، ويوم يقوم أخوك؛ لأن الإضافة إلى الفعل غير صحيحة فألزم الوقت الفتح، فعلى هذا القول ﴿يَوْمُ﴾ رفع لأنه خبر المبتدأ، ولكنه نُصِب لأنه مضاف إلى الفعل، فنصب كما يضاف إلى ما هو مبني مثل: يومئذ، وهذا لا يصح عند البصريين.\nقال الزجاج: زعم بعضهم: يعني: الفراء، أن يوم منصوب بأنه مضاف إلى الفعل، وهو في موضع رفع بمنزلة: يومئذٍ، مبني على الفتح في\n_________\n(١) ..............\n(٢) البيت لجرير في \"شرح ديوانه\" ص ٣٨٥.\n(٣) البيت للنابغة الذبياني كما في \"الكتاب\" ص ٥٣ وهو من \"شواهد الإنصاف\" لأبي البركات ابن الأنباري ٢/ ٢٩٢ \"شذور الذهب\" ص ١١٢ رقم (٢٥).\n(٤) \"معاني القرآن للفراء\" ١/ ٣٢٦، ٣٢٧.","vol":"7","page":609},{"text":"كل حال، وهذا خطأ عند البصريين، لا يجيزون: هذا يومَ آتيك، يريدون هذا يومُ آتيك؛ لأن آتيك فعل مضارع، فالإضافة إليه لا تزيل الإعراب عن جهته، ولكنهم يجيزون: ذلك يومَ نفعَ زيدًا صدقه؛ لأن الفعل الماضي غير مضارع، فهي إضافة إلى غير متمكن وإلى غير مضارع (١).\nوقال أبو علي منكرًا على الكوفيين: لا يجوز أن يكون ﴿هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ﴾ في موضع رفع وقد فتح، لإضافته إلى الفعل؛ لأن المضاف إليه مُعَرب وإنما يكتسي المضاف البناء من المضاف إليه، إذا كان المضاف إليه مبنيًا والمضاف مبهمًا، كما يكون في هذا الضرب من الأسماء إذا أضيف إلى ما كان مبنيًا نحو: ﴿وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ﴾ [هود: ٦٦] وصار في المضاف البناء للإضافة إلى المبني كما صار فيه الاستفهام للإضافة إلى المستفهم به، نحو: غلامُ من أنت؟ وكما صار فيه الجزاء نحو: غلامُ من تضربْ أضرِبْ. وليس المضارع في هذا كالماضي في نحو:\nعلى حين عاتبتُ المشيبَ (٢)\nلأن الماضي مبني والمضارع معرب، فإذا كان معربًا، لم يكن شيء يحدث من أجله البناء في المضاف (٣).\nوقوله تعالى: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ قال عطاء ومقاتل: ﴿﵃﴾ بطاعتهم (ورضوا عنه) بثوابه وما تفضل به عليهم من الكرامة سوى الثواب (٤).\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٢٢٤، ٢٢٥.\n(٢) صدر بيت النابغة المتقدم قريبًا.\n(٣) \"الحجة\" ٣/ ٢٨٣، ٢٨٥.\n(٤) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١/ ٥٢٢، و\"تفسير الوسيط\" ٢/ ٢٤٩، والبغوي ٣/ ١٢٤، و\"زاد المسير\" ٢/ ٤٦٧.","vol":"7","page":610},{"text":"﴿ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [المائدة: ١١٩] قال الحسن: فازوا بالجنة ونجوا من النار (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-969>١٢٠ </span>- قوله تعالى: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ قال مقاتل: عظَّم نفسه عما قالت النصارى من البهتان أن معه إلهًا فقال: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ دون كل من سواه لقدرته عليه وحده (٢)، وقيل: إن هذا جواب (لسؤال مضمر) (٣) في الكلام، كأنه قيل: من يعطيهم ذلك الفوز العظيم؟ فقيل: الذي له ملك السموات والأرض، قال الحسن: يريد خزائن السموات: وهي المطر، وخزائن الأرض: وهي النبات (٤)، وجمع السموات ووحد الأرض تفخيمًا لشأن السموات على الأرض، والجمع قد يدل به على تفخيم الشأن كقوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ﴾ [الحجر: ٩]، و﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [سورة القمر: ٤٩]، والآية تشير إلى أن الآمال يجب أن تتعلق بالله تعالى لعظم ملكه وسعة مقدرته (٥).\n_________\n(١) \"تفسير الوسيط\" ٢/ ٢٤٩.\n(٢) \"تفسيره\" ١/ ٥٢٢.\n(٣) في (ج): (مضمن).\n(٤) \"تفسير الوسيط\" ٢/ ٢٤٩.\n(٥) هذا آخر تفسير سورة المائدة، وقد أعقبه المصنف مباشرة بتفسير سورة الأنعام، وذلك في نسخة (ج) (جامعة الإمام) لوحة ٩٧ ب، ونسخة (ش) (شستربني) لوحة ٨٨ ب.","vol":"7","page":611},{"text":"المملكة العربية السعودية\nوزارة التعليم العالي\nجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية\nعمادة البحث العلمي\nسلسلة الرسائل الجامعية\nالتَّفْسِيرُ البَسِيْط\nلأبي الحسن على بن أحمد بن محمد الواحدي\n(ت ٤٦٨ هـ)\nسورة الأنعام\nتحقيق\nد. محمد بن منصور الفايز\nأشرف على طباعته وإخراجه\nد. عبد العزيز بن سطام آل سعود ... أ. د. تركى بن سهو العتيبي\nالجزء الثامن","vol":"8","page":1},{"text":"المملكة العربية السعودية\nوزارة التعليم العالي\nجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية\nعمادة البحث العلمي\nسلسلة الرسائل الجامعية\nالتَّفْسِيرُ البَسِيْط\nلأبي الحسن على بن أحمد بن محمد الواحدي\n(ت ٤٦٨ هـ)\nسورة الأنعام\nتحقيق\nد. محمد بن منصور الفايز\nأشرف على طباعته وإخراجه\nد. عبد العزيز بن سطام آل سعود ... أ. د. تركى بن سهو العتيبي\nالجزء الثامن","vol":"8","page":2},{"text":"جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ١٤٣٠هـ\nفهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية أثناء النشر\nالواحدي، على بن أحمد\nالتفسير البسيط لأبي الحسن على بن أحمد بن محمد الواحدي\n(ت ٤٦٨ هـ)./ على بن أحمد الواحدي، محمد بن منصور الفايز،\nالرياض١٤٣٠ هـ.\n٢٥مج. (سلسلة الرسائل الجامعية)\nردمك: ٤ - ٨٥٧ - ٠٤ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (مجموعة)\n٩ - ٨٦٥ - ٠٤ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (ج ٨)\n١ - القرآن تفسير ... ٢ - الواحدي، على بن أحمد\nأ- العنوان ... ب- السلسة\nديوي ٢٢٧.٣ ... ٨٦٨/ ١٤٣٠\nرقم الإيداع: ٨٦٨/ ١٤٣٠ هـ\nردمك ٤ - ٨٥٧ - ٠٤ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (مجموعة)\n٩ - ٨٦٥ - ٠٤ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (ج٨)","vol":"8","page":3},{"text":"التَّفْسِيرُ البَسِيْط\nلأبي الحسن على بن أحمد بن محمد الواحدي\n(ت ٤٦٨ هـ)\n[٨]","vol":"8","page":4},{"text":"بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ","vol":"8","page":5},{"text":"التَّفْسِيرُ البَسِيْط\nلأبي الحسن على بن أحمد بن محمد الواحدي\n(ت ٤٦٨ هـ)","vol":"8","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-970>تفسير سورة الأنعام</span>\nبسم الله الرحمن الرحيم\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-971>١ </span>- ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ قال ابن عباس: (يريد: على كل فعال، وبكل لسان، وعلى نعم الإسلام، وعلى صحة الأبدان) (١). قال أهل المعاني: (هذا في لفظ الخبر ومعناه الأمر، أي: احمدوا الله، وإنما جاء على صيغة الخبر وفيه معنى الأمر؛ لأنه أبلغ في البيان من حيث إنه جمع الأمرين، ولو قيل: احمدوا الله، لم يجمع الأمرين) (٢). وقد ذكرنا في (٣) معنى قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ في الفاتحة ما فيه مقنع.\nوقوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾، قال الزجاج (٤): (ذكر أعظم الأشياء المخلوقة؛ لأن السماء (٥) بغير عمد ترونها، والأرض غير مائدة بنا) (٦).\n_________\n(١) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٥، وأخرج ابن أبي حاتم ٤/ ١٢٥٨ بسند ضعيف عنه قال: (الحمد: هو الشكر والاستحذاء لله، والإقرار بنعمه وهدايته وابتدائه وغير ذلك) ا. هـ.\n(٢) انظر: \"تفسير الطبري\" ٧/ ١٤٣، و\"تفسير الماوردي\" ٢/ ٩١، و\"تفسير القرطبي\" ٦/ ٥٨٤، وذكره الخازن في \"تفسيره\" ٢/ ١١٧، عن أهل المعاني.\n(٣) لفظ (في): ساقط من (ش).\n(٤) الزجاج: أبو إسحاق إبراهيم بن السري البغدادي، إمام أكثر الواحدي من الناقل عنه، وقد تقدمت ترجمته.\n(٥) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٢٧.\n(٦) في (أ): (مائدة بناها)، وعند الزجاج: (مائدة بنا).","vol":"8","page":7},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾، قد ذكرنا معاني جعل (١) في قوله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ﴾ [المائدة: ١٠٣]، و﴿جَعَلَ﴾ هاهنا بمعنى خلق، كقوله: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء: ٣٠]. قال ابن عباس: (﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ﴾: ظلمة الشرك، وظلمة النفاق، وظلمة الكفر، وظلمة العصيان، ﴿وَالنُّورَ﴾ يريد: نور الإِسلام، ونور الإيمان، ونور النبوة، ونور اليقين) (٢). وقال الحسن: (يعني الكفر والإيمان) (٣). وقال السدي: (يعني الليل والنهار) (٤) وهو اختيار الزجاج (٥)، والأولى أن يكون هذا عامًّا في كل ظلمة ونور؛ لأن جميع ذلك مخلوق لله تعالى (٦).\n_________\n(١) انظر: \"البسيط\" النسخة الأزهرية جامعة الإِمام ٣/ ٧٩ أ.\n(٢) ذكره الرازي في \"تفسيره\" ١٢/ ١٥١، وأبو حيان في \"البحر\" ٤/ ٦٨، وفي \"الدر\" للسيوطي ٣/ ٦. أخرج أبو الشيخ عن ابن عباس قال: (الكفر والإيمان).\n(٣) ذكره المؤلف في \"الوسيط\" ١/ ٥ - ٦، والبغوي في \"تفسيره\" ٣/ ١٢٦، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٣/ ٢، والرازي في \"تفسيره\" ١٢/ ١٥١، والقرطبي في \"تفسيره\" ٦/ ٣٨٦، والخازن في \"تفسيره\" ٢/ ١١٧.\n(٤) أخرجه الطبري ٧/ ١٤٣، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٤/ ١٢٦٠، بسند جيد.\n(٥) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٢٧.\n(٦) ذكر قول الواحدي الرازي في \"تفسيره\" ١٢/ ١٥١، وقال: (هذا مشكل؛ لأنه حمل للفظ على مجازه، واللفظ الواحد بالاعتبار الواحد لا يمكن حمله على حقيقته ومجازه معًا) ا. هـ. والظاهر حمل الآية على ظاهرها، والمراد أنار النهار وأظلم الليل، وهو اختيار الجمهور، قال الإمام أحمد في كتاب \"الرد على الجهمية والزنادقة\" ص ١٠٧؛ (يعني خلق الظلمات والنور)، وقال ابن عطية ٥/ ١٢١: (قالت فرقة: الظلمات: الكفر، والنور: الإيمان، وهذا غير جيد؛ لأنه أخرج لفظٌ بيّن في اللغة عن ظاهره الحقيقي إلى باطن لغير ضرورة، وهذا هو طريق اللغز الذي برئ القرآن منه، والنور أيضًا هنا للجنس فإفراده بمثابة جمعه) ا. هـ. وانظر \"تفسير الطبري\" ٧/ ١٤٣، والسمرقندي ١/ ٤٧٣، والماوردي ٢/ ٩٢، و\"البحر\" ٤/ ٦٨.","vol":"8","page":8},{"text":"قال المفسرون: (الظلمة أقدم من النور، وهي مخلوقة قبل، فلذلك قدمت في الذكر، وكذلك السموات خلقت قبل الأرض) (١).\nوقوله تعالى: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ يعني: عبدة الأوثان في قول عامة المفسرين (٢). قال ابن عباس: (يريد: عدلوا بي من خلقي الحجارة والأصنام بعد أن أقروا بربوبيتي وبنعمتي) (٣)، وقال الزجاج: (أعلم الله تعالى أنه خالق ما ذكر في هذه الآية، وأن خالقها لا شيء مثله، وأعلم أن الكفار يجعلون له عديلًا، فيعبدون الحجارة [الموات (٤)]، وهم مقرون بأن الله خالق ما وصف (٥)، وقوله: ﴿يَعْدِلُونَ﴾، العدل: التسوية؛ يقال: عدل الشيء بالشيء إذا سواه (٦). ومعنى ﴿يَعْدِلُونَ﴾: يشركون به\n_________\n(١) هذا قول قتادة أخرجه الطبري ٧/ ١٤٣، وابن أبي حاتم ٤/ ١٢٥٩، بسند جيد، وقال السمين في \"الدر\" ٤/ ٥٢٤: (قدمت الظلمات لأنه موافق في الوجود؛ إذ الظلمة قبل النور عند الجمهور) ا. هـ. والراجح عند الجمهور أن خلق الأرض قبل خلق السماء. قال ابن كثير في تفسيره ١/ ٧٣: (هذا ما لا أعلم فيه نزاعًا بين العلماء إلا ما نقله الطبري عن قتادة وتوقف في ذلك القرطبي) ا. هـ ملخصًا. وانظر \"تاريخ الطبري\" ١/ ٣٢ - ٣٦، وتفسيره ١/ ١٩٢ - ١٩٤، و\"الكشاف\" ١/ ٢٧١، و\"زاد المسير\" ١/ ٥٧، و\"تفسير القرطبي\" ١/ ٢٥٥، و\"دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب\" للشنقيطي ص ١٤ - ١٦.\n(٢) انظر الطبري في \"تفسيره\" ٧/ ١٤٤، والسمرقندي ١/ ٤٧٣، وابن كثير ٢/ ١٣٩، والظاهر أنها عامة في سائر أصناف الكفار، وهو اختيار الطبري في \"تفسيره\"، وابن عطية في \"تفسيره\" ٥/ ١٢٢.\n(٣) في تنوير المقباس ٢/ ٣، قال: (يعدلون به الأصنام).\n(٤) لفظ: (الموت) ساقط من (أ)، وفي (ش): (والموات).\n(٥) معاني الزجاج ٢/ ٢٢٧.\n(٦) انظر: \"العين\" ٢/ ٣٨، و\"الجمهرة\" ٦٦٣، و\"الصحاح\" ٥/ ١٧٦١، و\"المجمل\" ٣/ ٦٥١، و\"مقاييس اللغة\" ٤/ ٢٤٦، و\"المفردات\" ص ٥٥١، و\"اللسان\" ٥/ ٢٨٤٠ (عدل).","vol":"8","page":9},{"text":"غيره، قاله (١) مجاهد. وقال الأحمر (٢): (عدل الكافر بربه عدلًا وعدولًا إذا سوى به غيره فعبده) (٣).\nوقال الكسائي (٤): (عدلت الشيء أعدله عدولًا إذا ساويته [به] (٥)، وعدل الحاكم في الحكم عدلًا) (٦). والآية توجب أنه لا تجوز العبادة إلا لمن له القدرة على خلق السموات والأرض، وهو الله وحده لا شريك له (٧).\nوقال صاحب النظم (٨): (دخول ثم في قوله: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ دليل على معنى لطيف، وهو أنه ﷿ دل به على إنكاره على الكفار العدل به وعلى تعجب المؤمنين من ذلك، مثال (٩) أن تقول: أكرمتك وأحسنت إليك\n_________\n(١) \"تفسير مجاهد\" ص ٢١١، وأخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٧/ ١٤٤، وابن أبي حاتم ٤/ ١٢٦٠ من طرق جيدة.\n(٢) تقدمت ترجمته.\n(٣) \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٣٦٠ (عدل).\n(٤) الكسائي: علي بن حمزة بن عبد الله الأسدي، تقدمت ترجمته.\n(٥) لفظ: (به) ساقط من (ش).\n(٦) \"معاني النحاس\" ٢/ ٣٩٨، و\"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٣٦٠ (عدل).\n(٧) قال الشنقيطي في \"تفسيره\" ٢/ ١٨٠: (في قوله تعالى: ﴿يَعْدِلُونَ﴾ وجهان للعلماء، أحدهما: أنه من العدول عن الشيء بمعنى الانحراف والميل عنه، وعلى هذا فقوله: ﴿بِرَبِّهِمْ﴾ متعلق بقوله: ﴿كَفَرُوا﴾ ...\nوالثاني: أن الباء متعلقة بـ\"يعدلون\" والمعنى يجعلون له نظيرًا في العبادة، وهذا الوجه هو الذي يدل عليه القرآن). وهذا اختيار ابن القيم كما في \"بدائع التفسير\" ٢/ ١٣٩.\n(٨) صاحب النظم هو: الحسن بن يحيى بن نصر الجرجاني، أبو علي، له كتاب \"نظم القرآن\" مفقود.\n(٩) في (ش): (مثل).","vol":"8","page":10},{"text":"ثم تشكوني وتشتمني، منكرًا لذلك عليه ومتعجبا منه (١)، ومثل هذا في المعنى قوله فيما بعد هذه الآية: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ﴾) <span data-type=\"title\" id=toc-972>(٢) [</span>الأنعام: ٢].\n٢ - قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ﴾، قال ابن عباس (٣) والمفسرون: (يعني آدم والخلق من نسله، ﴿ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾، يعني أجل الحياة إلى الموت وأجل الموت إلى البعث وقيام الساعة)، وهو قول الحسن (٤)، وسعيد بن المسيب (٥)، وقتادة (٦)،\n_________\n(١) أفاد الجمهور أن (ثم) تفيد الإنكار والتوبيخ والاستبعاد والتراخي بين الرتبتين، فهي تفيد الإنكار والتوبيخ على قبح الكفر واستبعاد أن يعدلوا به غيره بعد وضوح آيات قدرته، إذ يبعد من العاقل الناظر بعد إقامة الأدلة اختيار الباطل، ولو كان العطف بالواو لم يلزم ذلك كلزومه بثم.\nانظر: \"تفسير البغوي\" ٣/ ١٢٦، وابن عطية ٥/ ١٢٢، والرازي ١١/ ١٥١، والقرطبى في \"تفسيره\" ٦/ ٣٨٧، و\"البحر\" ٤/ ٦٨، و\"الدر المصون\" ٤/ ٥٢٤.\n(٢) لم أقف عليه.\nوقال الكرماني في \"غرائب التفسير\" ١/ ٣٥١: (ثم) تتضمن الإنكار على الكفار والتعجب للمؤمنين، وكذلك قوله: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ﴾) ا. هـ. وقال الزمخشري في \"الكشاف\" ٢/ ٤: (﴿ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ﴾ استبعاد؛ لأن يمتروا فيه بعد ما ثبت أنه محييهم ومميتهم وباعثهم) ا. هـ.\n(٣) أخرجه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٣/ ٥٧/ أ -بسند جيد- قال: (وروي عن مجاهد والسدي والضحاك وقتادة مثل ذلك) ا. هـ. وهذا هو قول الجمهور، ورجحه ابن عطية ٥/ ١٢٤، والقرطبي في \"تفسيره\" ٦/ ٣٨٧، وانظر \"تفسير الطبري\" ٧/ ١٤٦، والسمرقندي ١/ ٤٧٣.\n(٤) أخرجه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ١/ ٢/ ٢٠٣، والطبري في \"تفسيره\" ٧/ ١٤٦، بسند ضعيف.\n(٥) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٧، وابن الجوزي ٣/ ٣.\n(٦) أخرجه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ١/ ٢/ ٢٠٣، والطبري في \"تفسيره\" ٧/ ١٤٦، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٤/ ١٢٦٢، من طرق جيدة.","vol":"8","page":11},{"text":"والضحاك (١)، ومقاتل (٢)، واختيار الزجاج (٣)، ونحو ذلك قال ابن عباس في رواية عطاء: ﴿ثُمَّ قَضَى أَجَلًا﴾، قال: يريد: من مولده إلى مماته، ﴿وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾: يريد: من الممات إلى المبعث، لا يعلم ميقاته أحد سواه.\nوقال: وذلك أن الله تعالى قضى لكل نفس أجلين من مولده إلى موته ومن موته إلى مبعثه، فإذا كان الرجل صالحًا واصلًا لرحمه، زاد الله في أجل الحياة من أجل الممات إلى المبعث، وإذا كان غير صالح ولا واصل نقصه الله من أجل الحياة وزاد في [أجل] (٤) المبعث، قال: وذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ (٥) [فاطر: ١١].\n_________\n(١) أخرجه الطبري ٧/ ١٤٦ بسند لا بأس به.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ١/ ٥٤٩.\n(٣) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٢٨، واختاره الطبري في \"تفسيره\" ٧/ ١٤٧، وقال شيخ الإِسلام في \"الفتاوى\" ١٤/ ٤٨٩: (قوله: ﴿ثُمَّ قَضَى أَجَلًا﴾: الأجل الأول وهو أجل كل عبد الذي ينقضي به عمره. والأجل المسمى عنده هو أجل القيامة العامة) ا. هـ.\n(٤) لفظ: (أجل) ساقط من (أ).\n(٥) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٧، والبغوي في \"تفسيره\" ٣/ ١٢٧، و\"الخازن\" ٢/ ١١٨، و\"البحر المحيط\" ٤/ ٧١، وأخرج الطبري في \"تفسيره\" ٧/ ١٤٧، وابن أبي حاتم ٤/ ١٢٦٢، بسند جيد عنه قال: (﴿قَضَى أَجَلًا﴾ يعني: أجل الموت، والأجل المسمى: أجل الساعة والوقوف عند الله) ا. هـ. وأخرج الحاكم في \"المستدرك\" ٢/ ٣١٥ عنه في الآية قال: (هما أجلان: أجل في الدنيا، وأجل في الآخرة، مسمى عنده لا يعلمه إلا هو). قال الحاكم: (حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه) ا. هـ. ووافقه الذهبي في \"التلخيص\".","vol":"8","page":12},{"text":"وقال أهل المعاني: (في قوله: ﴿ثُمَّ قَضَى أَجَلًا﴾: يجوز أن يكون الحكم بهذا الأجل كان بعد خلق آدم، ويجوز أن يكون قبله لسبق علمه (١) بذلك قبل أن يخلق الخالق، وعلى هذا يحمل قوله: ﴿ثُمَّ﴾ لسبق الخبر الثاني على الخبر الأول، كقول الشاعر (٢):\nقلْ لمنْ سادَ ثم سادَ أبُوهُ ... ثُمَّ قد سَادَ قَبْلَ ذَلِكَ جَدُّهْ\nوالجد سابق للأب، والأب سابق للممدوح) (٣).\n_________\n(١) قال شيخ الإِسلام في \"الفتاوى\" ١٤/ ٤٩٠ - ٤٩٢ في الآية: (إن الله يكتب للعبد أجلا في صحف الملائكة، فإذا وصل رحمه زاد في ذلك المكتوب، وإن عمل ما يوجب النقص نقص من ذلك المكتوب، والمحو والإثبات في صحف الملائكة، وأما علم الله سبحانه فلا يختلف ولا هو فيه ولا إثبات) ا. هـ ملخصًا.\n(٢) الشاهد لأبي نواس في \"ديوانه\" ص ٢٢٢. وبلا نسبة في \"رصف المباني\" ص ٢٥٠، و\"الدر المصون\" ٣/ ٢٢٠، و\"المغني\" لابن هشام ١/ ١١٧، و\"تفسير ابن كثير\" ٢/ ١٣٩، وفي الديوان:\nقلْ لمنْ سادَ ثم سادَ أبُوهُ ... قبله ثم قَبْلَ ذَلِكَ جَدُّهْ\nقال السمين عن الشاهد: (الترتيب يعود إلى الخبر لا إلى الوجود). وحكى ابن هشام: (أن الجد أتاه السؤدد من قبل الأب، والأب من قبل الابن) ا. هـ وظاهر كلام ابن القيم في \"مختصر الصواعق\" ٢/ ١٣٠: أن البيت لشاعر لا يحتج به. وقال في ص ١٢٩ (القول بأن (ثم) تأتي لترتيب الخبر لا لترتيب المخبر، فيجوز أن يكون ما بعدها سابقًا على ما قبلها في الوجود وإن تأخر عنه في الإخبار لا يثبت ولا يصح به نقل، ولم يأت في كلام فصيح، ولو قدر وروده فهو نادر، لا يكون قياسًا مطردًا تترك الحقيقة لأجله).\n(٣) انظر: \"إعراب النحاس\" ١/ ٥٣٥، وقال ابن فارس في \"الصاحبي\" ص ٢١٦: (قوله جل ثناؤه: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا﴾ وقد كان قضى الأجل، فمعناه أخبركم أني خلقته من طين، ثم أخبرك أني قضيت الأجل، كما تقول: كلمتك اليوم ثم قد كلمتك أمس، أي: أني أخبرك بذلك ثم أخبرك بهذا) ا. هـ.","vol":"8","page":13},{"text":"وقوله: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ﴾ أي: بعد هذا البيان تشكون يا معشر المشركين وتكذبون بالبعث. والمرية (١) والامتراء: الشك. والآية حجة على منكري البعث بأن الذي ابتدأ الخلق يصح أن يعيده كما ابتدأه وقدر الأجلين له (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-973>٣ </span>- قوله تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾ الآية، (الله) إذا جعلت هذا الاسم علمًا ثم وصلته بالمحل أوهم أن يكون الباري سبحانه في محل، كما تقول: زيد في البيت وتعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا، وتكلم أهل المعاني في هذا فقال أبو بكر (٣):\n(إن وإن كان اسمًا علمًا ففيه معنى ثناء وتعظيم المعظم) (٤) ونحو هذا، قال أبو إسحاق: فقال: (﴿فِي﴾ موصولة في المعنى بما يدل عليه اسم الله ﷿، والمعنى: هو المنفرد بالتدبير في السموات والأرض، كما تقول: هو الخليفة في الشرق والغرب) (٥).\n_________\n(١) المرية والامتراء: الشك في الأمر، وقال الراغب في \"المفردات\" ص ٧٦٦: (المرية: التردد في الأمر وهو أخص من الشك، والامتراء والمماراة: المحاجّة فيما فيه مرية) ا. هـ وانظر: \"العين\" ٨/ ٢٩٥، و\"الجمهرة\" ٢/ ٨٠٦، و\"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٣٨٤، و\"الصحاح\" ٦/ ٢٤٩١، و\"المجمل\" ٣/ ٨٢٨، و\"مقاييس اللغة\" ٥/ ٣١٤، و\"اللسان\" ٨/ ٤١٨٩ (مرى).\n(٢) انظر: \"تفسير الطبري\" ٧/ ١٤٧، والسمرقندي في \"تفسيره\" ١/ ٤٧٣، والماوردي ٢/ ٩٣.\n(٣) تقدمت ترجمته.\n(٤) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٩، وابن الجوزي ٣/ ٤.\n(٥) انظر \"معاني القرآن\" ٢/ ٢٢٨، وهذا القول رجحه الجمهور كما أفاده السمين في \"الدر\" ٤/ ٥٢٩، وقال ابن عطية في \"تفسيره\" ٥/ ١٢٧: (هذا عندي أفضل الأقوال وأكثرها إحرازًا لفصاحة اللفظ وجزالة المعنى) ا. هـ وقال القرطبي في \"تفسيره\" =","vol":"8","page":14},{"text":"وقال أبو على: (الظرف منتصب الموضع عندي بِيَعْلَمُ، وهو عندي إضمار القصة والحديث، كأن معناه الأمر لله بـ ﴿يعلم﴾ في السموات وفي الأرض سركم وجهركم، قال: وإذا جعلت الظرف متعلقًا باسم الله جاز عندي في قياس قول من جعل اسم الله أصله إلا له؛ لأن المعنى يكون وهو المعبود في السموات والأرض. [يعلم (١)] أي الآمر المعبود يعلم سركم وجهركم، قال: ومن ذهب بهذا الاسم مذهب الأسماء الأعلام وجب ألا يجوز على قوله تعلق الظرف به، إلا أن يقدر فيه ضربًا من معنى الفعل) (٢). وقوله: ﴿وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ﴾ معنى: (الكسب) (٣) الفعل لاجتلاب نفع أو دفع ضرر، ولهذا لم يوصف فعله القديم [جل ثناؤه] (٤) بأنه كسب (٥).\n_________\n= ٦/ ٣٩٠: (هذا القول أسلم وأبعد من الإشكال) ا. هـ وقال ابن القيم في \"بدائع التفسير\" ٢/ ١٤٠: (المعنى: وهو الإله وهو المعبود في كل واحدة من السموات، ففي كل واحدة من هذا الجنس هو المألوه المعبود، فذكر الجمع هنا أبلغ وأحسن من الاقتصار على لفظ الجنس الواحد، وهذا قول محققي أهل التفسير) ا. هـ. واختاره ابن كثير في \"تفسيره\" ٢/ ١٣٩، والشنقيطي في \"أضواء البيان\" ٢/ ١٨١ - ١٨٣، وانظر \"الفتاوى\" ٢/ ٤٠٤.\n(١) لفظ: (يعلم) ساقط من (أ).\n(٢) \"الإغفال\" لأبي علي ص ٧٠٣ - ٧٠٤.\n(٣) انظر: \"العين\" ٥/ ٣١٥، و\"الجمهرة\" ١/ ٣٣٩، و\"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣١٤٠، و\"الصحاح\" ١/ ٢١٢، و\"المجمل\" ٣/ ٧٨٥، و\"مقاييس اللغة\" ٥/ ١٧٩، و\"المفردات\" ص ٧٠٩، و\"النهاية\" لابن الأثير ٤/ ١٧١، و\"اللسان\" ٧/ ٣٨٧ (كسب).\n(٤) لفظ: [جل ثناؤه] ساقط من (ش).\n(٥) انظر: الرازي في \"تفسيره\" ١٢/ ١٥٦، والقرطبي في \"تفسيره\" ٦/ ٣٩٠.","vol":"8","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-974>٤ </span>- وقوله تعالى: ﴿وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ﴾، ﴿مِنْ﴾ في قوله: ﴿مِنْ آيَةٍ﴾ لاستغراق الجنس الذي يقع في النفي، كقولك: ما أتاني (١) من أحد، والثانية: للتبعيض، فالأول خرج مخرج عموم الآيات كأنه قيل: أي آية أتتهم هي بعض آيات ربهم (٢)، والمراد بالآيات: الدلالات التي يجب أن يستدلوا بها على توحيد الله وصدق نبيه - ﷺ - من خلق السموات والأرض وما بينهما مع المعجزات التي أتى بها محمد - ﷺ -، قال أبو العالية في قوله تعالى: ﴿مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ﴾: (مثل الشمس والقمر والنجوم) (٣). قال ابن عباس: (ومن الآيات (٤) انشقاق القمر بمكة). وقال عطاء: (﴿وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ﴾: يريد القرآن) (٥).\n_________\n(١) في (ش): (ما أبالي من أحد).\n(٢) انظر: \"الكشاف\" ٢/ ٥، و\"تفسير ابن عطية\" ٥/ ١٢٨، والقرطبي في \"تفسيره\" ٦/ ٣٩٠، و\"الدر المصون\" ٤/ ٥٣٣ - ٥٣٤، ونقل قول الواحدي والرازي في \"تفسيره\" ١٢/ ١٥٧.\n(٣) لم أقف عليه.\n(٤) في \"تنوير المقباس\" ٢/ ٤، نحوه، وذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ٦/ ١٧٥ ب، والبغوي في \"تفسيره\" ٣/ ١٢٨ بلا نسبة.\n(٥) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٩، والبغوي في \"تفسيره\" ٣/ ١٢٨، والأولى العموم فتشمل الآيات الشرعية والكونية، الآية من القرآن والمعجزة كانشقاق القمر ونحوه، وهو اختيار الجمهور. انظر: \"تفسير الطبري\" ٧/ ١٤٨، والسمرقندي في \"تفسيره\" ١/ ٤٧٤، وابن الجوزي في \"تفسيره\" ٣/ ٤، والرازي في \"تفسيره\" ١٢/ ١٥٧، وقد أخرج البخاري في \"صحيحه\" (٣٦٣٦)، كتاب \"المناقب\"، باب سؤال المشركين أن يريهم النبي - ﷺ - آية فأراهم انشقاق القمر. عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: (انشق القمر على عهد رسول الله - ﷺ - شقين، قال النبي - ﷺ -: \"اشهدوا\" ا. هـ.","vol":"8","page":16},{"text":"وقوله تعالى: ﴿إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ﴾ أي: تاركين التفكر فيها. ومعنى الإعراض (١): الانصراف بالوجه عن الشيء، ثم يبنى عليه الانصراف بالفكر عنه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-975>٥ </span>- قوله تعالى: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا﴾ يعني مشركي مكة ﴿بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ﴾، قال ابن عباس: (بما جاءهم [به] (٢) الصادق الأمين (٣)، ﴿فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ أي: أخبار استهزائهم وجزائه. قاله ابن عباس (٤) والحسن (٥). وقال الزجاج: (المعنى: سيعلمون ما يؤول إليه استهزاؤهم) <span data-type=\"title\" id=toc-976>(٦)</span>. ومعنى الاستهزاء: إيهام التفخيم في معنى التحقير (٧).\n٦ - قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ﴾ الآية.\n_________\n(١) انظر: \"جمهرة اللغة\" ٢/ ٧٤٨، و\"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٣٩٤، و\"الصحاح\" ٣/ ١٨٢، و\"مقاييس اللغة\" ٤/ ٢٧١، و\"المفردات\" ص ٥٥٩، و\"اللسان\" ٥/ ٢٨٩٤ (عرض).\n(٢) لفظ: (به) ساقط من (أ).\n(٣) \"تنوير المقباس\" ٢/ ٤، وذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ١٠.\n(٤) في \"تنوير المقباس\" ٢/ ٤ نحوه.\n(٥) لم أقف عليه بنصه، ولكن معناه موجود في عامة كتب التفسير.\nانظر: \"تفسير الطبري\" ١١/ ٢٩٢، و\"تفسير البغوي\" ٣/ ١٢٨، و\"تفسير ابن عطية\" ٥/ ١٢٨، و\"زاد المسير\" ٣/ ٤، و\"تفسير القرطبي\" ٦/ ٣٩١، و\"تفسير ابن كثير\" ٢/ ١٤٠.\n(٦) \"معاني القرآن\" ٢/ ٢٢٨.\n(٧) انظر: \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٧٥٥، و\"الصحاح\" ١/ ٨٣ - ٨٤، و\"مجمل اللغة\" ٣/ ٩٠٤، و\"مقاييس اللغة\" ٦/ ٥٢، و\"المفردات\" ص ٨٤١، و\"اللسان\" ٨/ ٤٦٥٩ (هزأ).","vol":"8","page":17},{"text":"قال أبو إسحاق: (موضع ﴿كَمْ﴾ نصب بأهلكنا لا بقوله: ﴿يَرَوْا﴾؛ لأن لفظ الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله) (١). والقرن: الأمة من الناس، وأهل كل مدة قرن؛ قال النبي - ﷺ -: \"خيركم قرني\" (٢). واشتقاقه من الاقتران (٣)، فالقرن: القوم المقترنون في زمان من الدهر (٤)، وقال ابن عباس في تفسير قوله: ﴿مِنْ قَرْنٍ﴾: (يريد: (من جيل ومن أمة) (٥)، وقوله ﴿مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ﴾ قال ابن عباس: (يريد: أعطيناهم ما لم\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" ٢/ ٢٢٩، وانظر: \"إعراب النحاس\" ٢/ ٥٦، و\"المشكل\" لمكي ١/ ٢٤٦، و\"البيان\" لابن الأنباري ١/ ٣١٤، و\"التبيان\" للعكبري ١/ ٣٢٢، و\"الفريد\" للهمداني ٢/ ١٢٠، و\"الدر\" للسمين ٤/ ٥٣٥.\n(٢) أخرجه البخاري في \"صحيحه\" (٢٦٥١)، كتاب الشهادات، باب: لا يشهد على شهادة جور إذا شهد، ومسلم رقم ٢٥٣٥، كتاب فضائل الصحابة باب فضائل الصحابة ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، عن عمران بن حصين ﵁ أن النبي - ﷺ - قال: \"خيركم قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم\". قال عمران: لا أدري أذكر بعد قرنه قرنين أو ثلاثة. الحديث.\nوانظر شرحه في \"فتح الباري\" ٧/ ٥.\n(٣) انظر: \"الجمهرة\" ٢/ ٧٩٣، و\"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٩٤٧، و\"الصحاح\" ٦/ ٢١٨٠، و\"مقاييس اللغة\" ٥/ ٧٦، و\"المجمل\" ٣/ ٧٤٩، و\"المفردات\" ص ٦٦٧، و\"النهاية\" لابن الأثير ٤/ ٥١، و\"اللسان\" ٦/ ٣٦٠٨ (قرن).\n(٤) الجمهور على أن القرن مائة سنة، وأكثر المحققين على أنه غير مقدر بزمن معين لا يقع فيه زيادة ولا نقصان، بل المراد أهل كل عصر، فإذا انقضى أكثرهم قيل: قد انقضى القرن، وهو اختيار الزجاج في \"معانيه\" ٢/ ٢٢٩، والنحاس ٢/ ٤٠٠، والرازي في \"تفسيره\" ١٢/ ١٣١، والقرطبي في \"تفسيره\" ٦/ ٣٩١، وانظر: \"معاني الفراء\" ١/ ٣٢٨، و\"مجاز القرآن\" ١/ ١٨٥، و\"تفسير غريب القرآن\" ص ١٥١، و\"تفسير البغوي\" ٣/ ١٢٨، وابن عطية ٥/ ١٢٩، وابن الجوزي في \"تفسيره\" ٣/ ٥، و\"البحر\" ٤/ ٦٥، و\"الدر المصون\" ٤/ ٥٣٩.\n(٥) انظر: \"تنوير المقباس\" ٢/ ٤.","vol":"8","page":18},{"text":"نعطكم) (١). يعني: وسعنا عليهم في كثرة العبيد والمال والثمار والأنعام. ومعنى التمكين (٢) من الشيء: إعطاء ما يصح به الفعل من الآلات والعدد والقوى، وهو أتم من الإقدار؛ لأن الإقدار: إعطاء القدرة خاصة، والقادر على الشيء قد يتعذر عليه الفعل بعدم الآلة، والتمكن ينافي التعذر (٣) والانتقال من الخبر إلى الخطاب من الاتساع والتصرف في (٤) الكلام، كما تقول: قلت لعبد الله -وقد كان شكره زيد-: ما أكرمك، أي: واجهته بهذا الخطاب، وإن شئت قلت: ما أكرمه، على الإخبار (٥).\nوقوله تعالى: ﴿مَكَّنَّاهُمْ﴾ ثم قال: ﴿مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ﴾ ولم يقل: نمكنكم، وهما لغتان، تقول العرب: مكنته ومكنت له، كما تقول: نصحته ونصحت له. قال صاحب \"النظم\": (العرب تتسع في الأفعال التي تتعدى\n_________\n(١) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ١٠، وابن الجوزي ٣/ ٦.\n(٢) انظر: \"الجمهرة\" ٢/ ٩٨٣، و\"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٤٣٦، و\"الصحاح\" ٦/ ٢٢٠٥، و\"المجمل\" ٣/ ٨٣٧، و\"المفردات\" ص ٧٧٣، و\"اللسان\" ٧/ ٤٢٥٠ (مكن).\n(٣) هذا قول أبي هلال العسكري في \"الفروق اللغوية\" ص ٩٠، وانظر: \"البحر\" ٤/ ٦٦.\n(٤) قال بعض أهل التفسير: في الآية رجوع من الغيبة في قوله: ﴿أَلَمْ يَرَوْا﴾ إلى الخطاب في قوله ﴿لَكُمْ﴾ للاتساع وتلوين الخطاب، قال السمين في \"الدر المصون\" ٤/ ٥٣٨: (فيكون على هذا التفاتًا فائدته التعريض بقلة تمكن هؤلاء ونقص أحوالهم عن حال أولئك، ومع تمكينهم وكثرتهم فقد حل بهم الهلاك، فكيف وأنتم أقل منهم تمكينا وعددًا) ا. هـ وانظر: \"معاني الأخفش\" ٢/ ٢٦٩، و\"إعراب النحاس\" ١/ ٥٣٦، و\"غرائب التفسير\" للكرماني ١/ ٣٥٢، و\"تفسير البغوي\" ٣/ ١٢٨، وابن الجوزي ٣/ ٦، و\"تفسير القرطبي\" ٦/ ٣٩١.\n(٥) أي يجوز. قلت لزيد: ما أكرمك أو ما أكرمه. انظر: \"تفسير الطبري\" ٧/ ١٤٩، وابن عطية ٥/ ١٣٠، و\"البحر\" ٤/ ٧٥.","vol":"8","page":19},{"text":"بحروف (١) الصفات فربما عدوها (٢) بغيرها كقوله تعالى: ﴿فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ﴾ [التكوير: ٢٦] المعنى: فإلى أين؛ وربما زادوها فيما يتعدى بغيرها كقوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾ [يوسف: ٤٣] وقوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٤] وقوله تعالى: ﴿رَدِفَ لَكُمْ﴾ (٣) [النمل: ٧٢] ونحو هذا. قال أبو علي في قوله تعالى: ﴿مَكَّنَّا لِيُوسُفَ﴾ [يوسف: ٢١] وقوله: ﴿إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ﴾ [الكهف: ٨٤] قال: (يجوز أن تكون اللام هاهنا على حد التي هي في قوله تعالى: ﴿رَدِفَ لَكُمْ﴾، ﴿لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾) (٤).\nوقوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا﴾ قال ابن عباس: (يريد بالغيث والبركة) (٥).\n_________\n(١) في: (ش): (بحرف)، والصواب ما أثبته.\n(٢) في: (أ): (أعدوها)، والصواب ما أثبته.\n(٣) قال السمين في \"الدر\" ٤/ ٥٣٧: قال أبو علي الجرجاني: (مكناهم ومكنا لهم لغتان) ا. هـ.\n(٤) \"الحجة\" لأبي علي ٤/ ٤٢٩، وقال العسكري في \"الفروق\" ص ٩٠: (الصحيح أن مكنت له: جعلت له ما يتمكن به، ومكنته: أقدرته على ملك الشيء في المكان) ا. هـ وقال السمين في \"الدر\" ٤/ ٥٣٦ - ٥٣٧: (الفرق بينهما أن مكنه في كذا أثبته فيها، وأما مكن له فمعناه جعل له مكانًا) ا. هـ. ملخصًا. وانظر \"المسائل العضديات\" ص ٦٧، و\"الكشاف\" ٢/ ٥، والأكثر على التسوية بينهما، ويتعدى مكن بنفسه وبحرف الجر، والأكثر تعديته باللام. انظر: \"مجاز القرآن\" ١/ ١٨٦، و\"نزهة القلوب\" ص ٣٩٩، و\"غرائب الكرماني\" ١/ ٣٥٣، و\"تفسير البغوي\" ٣/ ١٢٨، وابن الجوزي ٣/ ٦، و\"تفسير القرطبي\" ٦/ ٣٢٩، و\"البحر\" ٤/ ٧٦.\n(٥) لم أقف عليه بهذا اللفظ، وأخرج ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٤/ ١٢٦٤ بسند جيد عنه قال: (يتبع بعضها بعضا) ا. هـ. وأخرج أبو عبيد في كتاب \"اللغات\" ص ٩٤، وابن حسنون ص ٢٤، والوزان ص ٣/ ب بسند جيد عنه قال: (متتابعًا بلغة هذيل =","vol":"8","page":20},{"text":"والسماء [معناه] (١): المطر هاهنا، والمدرار: الكثير الدر وأصله من قولهم: درّ اللبن إذا أقبل على الحالب منه (٢) شيء كثير فالمدرار يصلح أن يكون من نعت السحاب (٣) ويجوز أن يكون من نعت المطر، ويقال: سحاب مدرار إذا تتابع إمطاره ومفعال يجيء في نعت يبالغ فيه. قال مقاتل: (مدرارًا: متتابعًا) (٤) وقال المؤرج (٥): (مرة بعد أخرى) (٦). ويستوي في المدرار المذكر والمؤنث (٧)\nوقوله تعالى: ﴿فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ﴾ قال ابن عباس: (يريد بكفرهم وجرأتهم عليَّ) (٨). وقوله تعالى: ﴿وَأَنْشَأْنَا﴾ معنى الإنشاء ابتداء الإيجاد من\n_________\n= وذكر البغوي في \"تفسيره\" ٣/ ١٢٨ عنه أنه قال: (متتابعًا في أوقات الحاجات) ا. هـ.\n(١) لفظ: (معناه) ساقط من (أ). وانظر: \"الزاهر\" لابن الأنباري ١/ ٢٣٨.\n(٢) انظر: \"جمهرة اللغة\" ١/ ١١، و\"تهذيب اللغة\" ٢/ ١١٧١، و\"الصحاح\" ٢/ ٦٥٥، و\"مقاييس اللغة\" ٢/ ٢٥٥، و\"المفردات\" ص ٣١٠، و\"اللسان\" ٣/ ١٣٥٧ (در).\n(٣) مثله قال الرازي ١٢/ ١٥٩، والأكثر على أن ﴿مِدْرَارًا﴾ حال من السماء، وهو الظاهر؛ لأنه بعد معرفة. انظر: \"إعراب النحاس\" ١/ ٥٣٧، و\"المشكل\" ١/ ٢٤٦، و\"البيان\" ١/ ٣٨١، و\"الفريد\" ٢/ ١٢١، و\"البحر\" ٤/ ٧٦، و\"الدر المصون\" ٤/ ٥٤١، ولعل مراد الواحدي بالنعت الحال؛ لأن أصله صفة. انظر \"الأصول\" لابن السراج ١/ ٢١٣، و\"شرح شذور الذهب\" ص ٢٤٤.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ١/ ٥٥٠.\n(٥) تقدمت ترجمته.\n(٦) ذكره الرازي ١٢/ ٧٦، عن مقاتل، وانظر: \"مجاز القرآن\" ١/ ١٨٦، و\"غريب القرآن\" لليزيدي ص ١٣٤، و\"تفسير غريب القرآن\" ص ١٥٠، و\"نزهة القلوب\" ص ٤٤٠.\n(٧) انظر: \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٢٩، والنحاس ٢/ ٤٠١.\n(٨) انظر: \"تنوير المقباس\" ٢/ ٤.","vol":"8","page":21},{"text":"غير سبب (١) تقدم. والآية احتجاج على منكري البعث، من جهة أن الذي أهلك من قبلهم وأنشأ بعدهم قرنًا آخرين قادر على أن يهلك العالم بأسره وينشئ بعده عالمًا آخر، وقادر على الإعادة بعد الإهلاك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-977>٧ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ﴾ قال الكلبي: (قال مشركو مكة: يا محمَّد، لن نؤمن لك حتى تأتينا بكتاب من عند الله، ومعه أربعة من الملائكة يشهدون أنه من عند الله، وأنك رسوله، فنزلت هذه الآية) (٢). والقرطاس (٣): كاغدٌ (٤) يتخذ من بردي (٥) يكون بمصر، وكل كاغدٍ قرطاس، سواء كان من جنس القراطيس المصرية أو من غيرها، وإن كان قد غلب هذا الاسم عليها، وأراد بالكتاب المصدر (٦).\n_________\n(١) انظر: \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٥٦٧، و\"الصحاح\" ١/ ٧٧، و\"المفردات\" ص ٨٠٧ (نشأ).\n(٢) ذكره الواحدي في \"أسباب النزول\" ص ٢١٦، و\"الوسيط\" ١/ ١١، والبغوي في \"تفسيره\" ٣/ ١٢٩، وابن الجوزي ٣/ ٧.\nوانظر: \"تفسير ابن عطية\" ٥/ ١٣٢، و\"تفسير القرطبي\" ٦/ ٣٩٣، و\"البحر\" ٤/ ٧٧.\n(٣) انظر: \"تفسير غريب القرآن\" لابن قتيبة ص ١٥١، و\"جمهرة اللغة\" ٣/ ١٢٧٥، و\"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٩٣٥، و\"الصحاح\" ٣/ ٩٦٢، و\"المفردات\" ص ٦٦٦، و\"اللسان\" ٦/ ٣٥٩٢ (قرطس).\nوالقرطاس: الصحف التي يكتب فيها، وهو بكسر القاف أكثر استعمالا وأشهر من ضمها.\nانظر: \"البحر المحيط\" ٤/ ٧٧، و\"الدر المصون\" ٤/ ٥٤٣.\n(٤) الكاغد، بالفتح: القرطاس. انظر: \"تاج العروس\" ٥/ ٢٢٥.\n(٥) قوله: (من بردى) عليه طمس في (أ)، والبردي، بفتح الباء وسكون الراء: نبات معروف. انظر: \"اللسان\" ١/ ٢٥١ (برد).\n(٦) أي: بمعنى الكتابة: انظر: \"تفسير القرطبي\" ٦/ ٣٩٣، و\"الدر المصون\" ٤/ ٥٤٣.","vol":"8","page":22},{"text":"قال ابن عباس (١) والسدي (٢) وقتادة (٣) ﴿فِي قِرْطَاسٍ﴾: (يعني: الصحيفة)، وروي عن ابن عباس أنه قال: (﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا﴾ معلقًا من السماء إلى الأرض) (٤)\nوقوله تعالى: ﴿فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ﴾ قال قتادة: (فعاينوا ذلك معاينة ومسوه بأيديهم) (٥). وقال أهل المعاني: (اللمس (٦) باليد أبلغ في الإحساس من المعاينة، لذلك قيل: ﴿فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ﴾ دون أن يقال: \"لعاينوه\" (٧)؛ لأن اللمس باليد يتضمن (٨) المعاينة وزيادة) (٩).\nوقوله تعالى: ﴿لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ أخبر الله تعالى أنهم يدفعون الدليل، حتى لو أتاهم الدليل مدركًا بالحس لنسبوه إلى السحر. قال أبو إسحاق: (لو رأوا الكتاب ينزل من السماء لقالوا: سحر،\n_________\n(١) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٧/ ١٥١، بسند ضعيف.\n(٢) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٧/ ١٥١، بسند جيد.\n(٣) أخرجه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ١/ ٢/ ٢٠٣، والطبري في \"تفسيره\" ٧/ ١٥١، وابن أبي حاتم ٤/ ١٢٦٤، بسند جيد، قال ابن أبي حاتم: (وروي عن السدي نحو ذلك).\n(٤) ذكره القرطبي في \"تفسيره\" ٦/ ٣٩٢.\n(٥) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٧/ ١٥٠، وابن أبي حاتم ٤/ ١٢٦٤، بسند جيد. وأخرج الحاكم في \"المستدرك\" ٢/ ٣١٥، عن ابن عباس في الآية قال: (مسوه ونظروا إليه لم يؤمنوا به).\n(٦) في (أ): (المس).\n(٧) في النسخ: لعاينوه، والأولى \"فعاينوه\".\n(٨) في (ش): (تضمن).\n(٩) انظر: \"تفسير الماوردي\" ٢/ ٩٥، وتفسير البغوي\" ٣/ ١٢٩، والزمخشري ١٢/ ١٦٠، و\"تفسير الرازي\" ١٢/ ١٣٣، و\"البحر\" ٤/ ٧٧.","vol":"8","page":23},{"text":"كما [أنهم] (١) قالوا في انشقاق القمر: ﴿سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ [القمر: ٢]، وكذلك يقولون في كل آية يعجز عنها المخلوقون (٢» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-978>٨ </span>- وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ قال المفسرون (٤): (طلبوا ملكًا يرونه [يقول (٥)]: إنه رسول الله، فقال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾ أي: لأهلكوا بعذاب الاستئصال)، وهو معنى قول الحسن (٦) وقتادة (٧) والسدي (٨)؛ وقال مجاهد (٩) وعكرمة (١٠): (لقامت الساعة) (١١)؛ وقال الزجاج: (معنى قضى الأمر: أُتم إهلاكهم (١٢) وقضى\n_________\n(١) لفظ: (أنهم) ساقط من (ش).\n(٢) في (ش): (المخلوقات)، وهو تحريف.\n(٣) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٢٩ - ٢٣٠، ونحوه قال النحاس في \"معانيه\" ٢/ ٤٠٢.\n(٤) انظر: \"تفسير الطبري\" ٧/ ١٥١.\n(٥) في (أ): (يقولون).\n(٦) ذكره الماوردي في \"تفسيره\" ٢/ ٩٥، والقرطبي في \"تفسيره\" ٦/ ٣٩٣، عن الحسن وقتادة.\n(٧) أخرجه عبد الرزاق ١/ ٢/ ٢٠٤، والطبري في \"تفسيره\" ٧/ ١٥١ - ١٥٢، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٤/ ١٢٦٥، من طرق جيدة عن قتادة.\n(٨) أخرجه الطبري ٧/ ١٥١، بسند جيد، وذكره ابن أبي حاتم ٤/ ١٢٦٥ عن السدي.\n(٩) \"تفسير مجاهد\" ١/ ٢١٢، وأخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٧/ ١٥١، وابن أبي حاتم ٤/ ١٢٦٥ من طرق جيدة.\n(١٠) عكرمة بن عبد الله البربري، أبو عبد الله المدني مولى ابن عباس، تقدمت ترجمته.\n(١١) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٧/ ١٥١، بسند ضعيف، وذكره ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٤/ ١٢٦٥، وذكر هذا القول ابن عطية ٥/ ١٣٢ عن مجاهد وضعفه، وذكره النحاس في \"معانيه\" ٢/ ٤٠٢، عن مجاهد وقال: (والمعنى عند أهل اللغة: لحتم بهلاكهم، وهو يرجع إلى ذلك القول) ا. هـ.\n(١٢) في (ش): (أتم هلاكهم) وفي \"معاني الزجاج\": ٢/ ٢٣٠: (لتم هلاكهم).","vol":"8","page":24},{"text":"على ضروب كلها يرجع إلى معنى انقطاع الشيء في تمامه) (١). وقد ذكرنا معاني القضاء في سورة البقرة.\nقال أهل العلم: (إنما لم ينظروا ولو نزل الملك؛ لأنه يجب أن يجروا على سنة من قبلهم ممن طلب الآيات فلم يؤمنوا، فأهلكوا بعذاب الاستئصال كثمود وعاد، لحكم الله في خلقه بذلك؛ لأنه أزجر عن التحكم بطلب الآيات، وأدعى إلى الإيمان خوفا من الإهلاك) (٢).\nوقال الضحاك: (لو أتاهم ملك في صورته لماتوا) (٣).\nوقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ﴾ قال ابن عباس: إلا يؤخرون لتوبة ولا لغير ذلك) (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-979>٩ </span>- وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا﴾ أي: لو جعلنا الرسول ملكًا أو الذي ينزل عليه ليشهد له بالرسالة كما يطلبون ذلك.\n﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا﴾ (٥) قال ابن عباس (٦) والمفسرون (٧): (لأنهم لا يستطيعون أن يروا الملك في صورته؛ لأن\n_________\n(١) كذا في النسخ، وعند الزجاج: (انقطاع الشيء وتمامه).\n(٢) انظر: \"تفسير الماوردي\" ٢/ ٩٧، و\"تفسير البغوي\" ٣/ ١٢٩.\n(٣) ذكره البغوي في \"تفسيره\" ٣/ ١٢٩، وأخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٧/ ١٥٢، بسند ضعيف عن الضحاك عن ابن عباس.\n(٤) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٧/ ١٥٢ - ١٥٣، وابن أبي حاتم ٤/ ١٢٦٦ بسند ضعيف.\nوذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ١٢، وابن الجوزي \"تفسيره\" ٣/ ٨.\n(٥) لفظ: (لجعلناه) عليه طمس في (أ).\n(٦) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٧/ ١٥٢ - ١٥٣، وابن أبي حاتم ٤/ ١٢٦٦ بسند ضعيف.\n(٧) انظر: \"تفسير الطبري\" ٧/ ١٥٢، وذكره ابن عطية في \"تفسيره\" ٥/ ١٣٣، عن ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن زيد.","vol":"8","page":25},{"text":"أعين الخلق تحار عن رؤية الملائكة إلا بعد التجسم بالأجسام الكثيفة) (١).\nقال الزجاج: (قيل: إن الملك لو نظر إليه ناظر على هيئته لصعق، ولذلك كانت الملائكة تأتي الأنبياء في سورة الإنس، كجبريل ﵇ (٢) يأتي النبي - ﷺ - (٣) في سورة دحية (٤) الكلبي، وكقصة نبإ الخصم إذ تسوروا (٥) المحراب، وكما أتوا إبراهيم (٦) ولوطًا -﵉- في صورة\n_________\n(١) قال القرطبي في \"تفسيره\" ٦/ ٣٩٣: (أي لا يستطيعون أن يروا الملك في صورته إلا بعد التجسم بالأجسام الكثيقة؛ لأن كل جسم يأنس بجنسه وينفر من غير جنسه) ا. هـ وقال ابن عطية ٥/ ١٣٣: (أهل التأويل مجمعون أنهم لم يكونوا يطيقون رؤية الملك في صورته، فالأولى في قوله: ﴿لَقُضِيَ الْأَمْر﴾ أي لماتوا من هول رؤيته) ا. هـ ملخصًا وانظر: \"البحر المحيط\" ٤/ ٧٨.\n(٢) في (ش): (كان يأتي).\n(٣) أخرج البخاري (٣٦٣٣)، كتاب المناقب، باب علامات النبوة، ومسلم رقم ٢٤٥١، عن أسامة بن زيد ﵁ قال: (إن جبريل ﵇ أتى النبي - ﷺ - وعنده أم سلمة فجعل يحدث ثم قام. فقال النبي لأم سلمة: \"من هذا؟ \" قالت: هذا دحية) الحديث. وقال ابن حجر في \"الإصابة\" ١/ ٤٧٣، والمناوي في \"الفتح السماوي\" ٢/ ٦٠٠: (أخرج النسائي بسند صحيح عن ابن عمر قال: (كان جبريل يأتي النبي - ﷺ - في سورة دحية الكلبي). وانظر: \"الكافي الشافي\" لابن حجر ٦٠ - ٦١.\n(٤) دحية بن خليفة بن فروة بن فضالة الكلبي صاحب النبي - ﷺ - ورسوله بكتابه إلى قيصر الروم ليوصله إلى هرقل، وهو صحابي جليل مشهور، وكان جميلًا يضرب به المثل في حسن الصورة، أسلم قبل بدر، وتوفي في خلافة معاوية. انظر: \"الاستيعاب\" ١/ ٤٧٢، و\"سير أعلام النبلاء\" ٢/ ٥٥٠، و\"الإصابة\" ١/ ٤٧٣، و\"تهذيب التهذيب\" ١/ ٥٧٣، و\"تهذيب تاريخ ابن عساكر\" ٥/ ٢٢١.\n(٥) قصة دواد ﵇ مع الخصم مذكورة في سورة ص الآية ٢١ وما بعدها.\n(٦) قصة إبراهيم ﵇ مع الرسل مذكورة في مواضع من القرآن منها: في (سورة هود الآية: ٦٩ وما بعدها)، وفي (سورة الحجر الآية ٥١ وما بعدها)، وفي (سورة الذاريات الآية: ٢٤ وما بعدها).","vol":"8","page":26},{"text":"الضيفان من الآدميين (١» (٢)، وكذلك قصة جبريل مع النبي - ﷺ - حين أتاه يسأله عن الإيمان والإِسلام والإحسان والقدر. والخبر صحيح مشهور (٣).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾:\nيقال: لبست الأمر على القوم ألبسه لبسًا إذا شبهته عليهم وجعلته مشكلًا (٤). قال ابن السكيت (٥): (يقال: لبست عليه الأمر إذا خلطته عليه حتى لا يعرف جهته) (٦).\nقال أهل اللغة (٧): (معنى اللبس: منع النفس من إدراك المعنى كما هو (٨) كالستر له، وأصله من الستر بالثوب ومنه لبس الثوب؛ لأنه ستر النفس به).\nقال الضحاك (٩) في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾:\n_________\n(١) قصة لوط ﵇ مع الرسل مذكورة في مواضع من القرآن منها: في (سورة هود الآية: ٧٧ وما بعدها) وفي (سورة الحجر ٦١ وما بعدها).\n(٢) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٢/ ٢٣١، وانظر: \"ما اتفق لفظه واختلف معناه\" للمبرد ص ٣٢.\n(٣) أخرجه البخاري في \"صحيحه\" (٥٠)، كتاب الإيمان باب سؤال جبريل، ومسلم رقم (٩) عن أبي هريرة ﵁، وأخرجه مسلم عن عمر ﵁.\n(٤) هذا قول الأزهري في \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٢٢٨.\n(٥) تقدمت ترجمته.\n(٦) \"إصلاح المنطق\" ص ٢٠٦، و\"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٢٢٨.\n(٧) انظر: \"العين\" ٧/ ٢٦٢، و\"الجمهرة\" ١/ ٣٤١، و\"الصحاح\" ٣/ ٩٧٣، و\"المجمل\" ٣/ ٨٠١، و\"مقاييس اللغة\" ٥/ ٢٣٠، و\"المفردات\" ص ٧٣٤، و\"اللسان\" ٧/ ٣٩٨٧ (لبس).\n(٨) في (ش): (بما هو).\n(٩) ذكره في \"الوسيط\" ١/ ١٢، وأخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٧/ ١٥٣١، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٤/ ١٢٦٦، بسند ضعيف عن الضحاك عن ابن عباس نحوه.","vol":"8","page":27},{"text":"(ولخلطنا عليهم ما يخلطون على أنفسهم حتى يشكوا فلا يدروا أملك هو أم آدمي).\nقال الزجاج (١): (وكانوا هم يلبسون على ضعفتهم في أمر النبي - ﷺ - فيقولون: إنما هو بشر مثلكم، فقال (٢) الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا﴾ فرأوا الملك رجلًا لكنا قد لبسنا عليهم؛ لأنه كان يلحقهم فيه من اللبس مثل ما لحق ضعفتهم منهم) أي: فإنما طلبوا حال لبس لا حال بيان. وهذا احتجاج عليهم بأن الذي طلبوه من إنزال الملك لا يزيدهم بيانًا، بل يكون (٣) الأمر في ذلك على ما هم عليه من الحيرة بإعمالهم الشبهة.\nوذكر صاحب \"النظم\" في هذه الآية وجهًا آخر فقال: (إنهم خلطوا على أنفسهم في التماس ما التمسوا، وتكلفوا منه ما لم يحتاجوا إليه، فالتمسوا نزول ملك يخبرهم أنه نبي، وقد كان لهم فيما مع النبي - ﷺ - من الآيات والدلائل (٤) كفاية وغنية عن نزول ملك، فقال الله تعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا﴾ الآية.\nيقول: لو أجبناهم إلى ما سألوا من ذلك فأنزلنا ملكًا لجعلناه رجلًا مثلهم في الخلقة والصورة، فيكون نزوله مثل طلوع الشمس من مغربها أو قيام الساعة، فلا يقبل مع ذلك إيمان، ولكن يجعله (٥) على سورة رجل، فلبس بذلك (٦) عليهم، أي: يعمى (٧) عليهم؛ معاقبة لتكلفهم ما لم يكلفوا\n_________\n(١) انظر: \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٣١.\n(٢) في (ش): (وقال)، وهو تحريف.\n(٣) في (ش): (بل يكون في الأمر في ذلك)، وهو تحريف.\n(٤) في (ش): (والدلالات).\n(٥) في (ش): (لجعله).\n(٦) في (ش): (فلبس في ذلك).\n(٧) في (ش): (لعمى معاقبة لهم).","vol":"8","page":28},{"text":"ولم تكن بهم حاجة إليه، وهذا كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [المنافقون: ٣] وكان (١) الطبع معاقبة لهم على الكفر بعد الإيمان، فكذلك قوله: ﴿وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾ أي: نعاقبهم باللبس بما لبسوا على أنفسهم، فيكون اللبس نقمة من الله وعقوبة لهم علي ما كان منهم من التخليط في السؤال (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-980>١٠ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ الآية. قال المفسرون (٣): (هذه الآية تعزية للنبي - ﷺ - وتسلية له عما يرى من تكذيب المشركين إياه واستهزائهم به؛ إذ جعل إسوته في ذلك بالأنبياء الذين كانوا قبله، وتحذير المشركين الذين فعلوا بنبيهم ما فعل من قبلهم من مكذبي الرسل فحل بهم العذاب).\nوقوله تعالى: ﴿فَحَاقَ﴾ قال النضر (٤): (يقال: حاق بهم العذاب كأنه وجب عليهم. قال: يقال: حاق العذاب يحيق، فهو حائق) (٥).\nوقال الليث (٦): (الحيق: ما حاق بالإنسان من مكر أو سوء بعمله\n_________\n(١) في (ش): (فكان).\n(٢) لم أقف عليه. وانظر: \"تفسير الماوردي\" ٢/ ٩٧، و\"تفسير ابن عطية\" ٥/ ١٣٣، و\"بدائع التفسير\" ٤/ ١٤٢.\n(٣) انظر: \"تفسير الطبري\" ٧/ ١٥٣، والسمرقندي في \"تفسيره\" ١/ ٤٧٥، والبغوي في \"تفسيره\" ٣/ ١٣١، والزمخشري في \"تفسيره\" ٢/ ٧، وابن عطية في \"تفسيره\" ٥/ ١٣٤، والقرطبي في \"تفسيره\" ٦/ ٣٩٤، وابن كثير في \"تفسيره\" ٢/ ١٤١.\n(٤) النضر بن شميل المازني، أبو الحسن البصري، توفي سنة ٢٠٤ هـ تقدمت ترجمته.\n(٥) \"تهذيب اللغة\" ١/ ٧٠٨.\n(٦) الليث بن نصر بن سيار الخراساني، ويقال: الليث بن المظفر بن نصر بن سيار، إمام لغوي، صاحب نحو وغريب وشعر، ومن أصحاب الخليل، ويقال: إنه هو الذي ألف كتاب \"العين\". انظر: \"تهذيب اللغة\" ١/ ٤٧، و\"إنباه الرواة\" ٣/ ٤٢، =","vol":"8","page":29},{"text":"فنزل ذلك به. كقول: أحاق الله بهم مكرهم وحاق بهم مكرهم) (١) سلمة (٢) عن الفراء في قوله: ﴿وَحَاقَ بِهِمْ﴾ [الأحقاف: ٢٦] هو في كلام العرب عاد عليهم) (٣).\nقال ابن عباس في رواية (٤) عطاء في قوله تعالى: ﴿فَحَاقَ﴾ (يريد: فحَلَّ)\nوقال الربيع (٥): (نزل) (٦).\nوقال الفراء (٧): (يقال: حاق بهم يحيق حيقًا وحيوقًا وحيقانًا، بفتح الحاء والياء) (٨).\n_________\n= و\"معجم الأدباء\" ١٧/ ٤٣، و\"إشارة التعيين\" ص ٢٧٧، و\"لسان الميزان\" ٤/ ٤٩٤، و\"البلغة\" ص ١٧٨.\n(١) \"تهذيب اللغة\" ١/ ٧٠٨، وانظر: \"العين\" ٣/ ٢٥٦ (حاق).\n(٢) سلمة بن عاصم البغدادي، أبو محمد، إمام لغوي نحوي، تقدمت ترجمته.\n(٣) \"معاني الفراء\" ٣/ ٥٦، وزاد فيه: (وجاء في التفسير نزل بهم).\n(٤) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ١٧٥ ب والواحدي في \"الوسيط\" ١/ ١٣، والبغوي في \"تفسيره\" ٣/ ١٣٠ عن عطاء فقط.\n(٥) الربيع بن أنس بن زياد البكري البصري نزيل خراسان، تقدمت ترجمته.\n(٦) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ١٧٥ ب، والواحدي في \"الوسيط\" ١/ ١٣، والبغوي في \"تفسيره\" ٣/ ١٣٠.\n(٧) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ١٣ دون (وحيقانا)، ولم أقف عليه في معناه، ولعله من كتاب المصادر المفقود.\n(٨) انظر: الطبري في \"تفسيره\" ٧/ ١٥٤، والقرطبي في \"تفسيره\" ٦/ ٣٩٤، و\"البحر\" ٤/ ٨٠، و\"الدر المصون\" ٤/ ٥٤٦، وفي \"القاموس\" ص ٨٧٧. قال: (حاق به يحيق حيقًا وحيوقًا وحيقانًا أحاط به). وانظر: \"الصحاح\" ٤/ ١٤٦٦، و\"المجمل\" لابن فارس ١/ ٢٥٩، و\"مقاييس اللغة\" ٢/ ١٢٥، و\"المفردات\" ص ٢٦٦، و\"اللسان\" ٢/ ١٠٧٢ (حاق).","vol":"8","page":30},{"text":"قال الضحاك: ﴿فَحَاقَ﴾: (أي: أحاط) (١)، وهو اختيار الزجاج؛ لأنه قال في قوله: ﴿وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [هود: ٨]: أي: أحاط بهم العذاب الذي هو جزاء ما كانوا (٢) يستهزئون به، كما تقول: أحاط بفلان عمله وأهلكه كسبه، أي: أهلكه جزاء كسبه) (٣).\nقال الأزهري: (جعل أبو إسحاق حاق بمعنى أحاط، وكأن مأخذه من الحوق (٤)، وهو ما استدار بالكمرة (٥). قال: وجائز أن يكون الحوق فعلًا من حاق يحيق كأنه كان في الأصل حيقًا فقلبت الياء واوًا لانضمام ما قبلها) (٦).\n_________\n(١) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ١٧٥ ب، والواحدي في \"الوسيط\" ١/ ١٣، والبغوي في \"تفسيره\" ٣/ ١٣٠، وأبو حيان في \"البحر\" ٤/ ٨٠.\n(٢) في (ش): (ما كانوا به).\n(٣) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٣١ - ٣/ ٤١، و\"تهذيب اللغة\" ١/ ٧٠٨، وفي \"معاني الزجاج\" ٤/ ٢٧٥ - قال: (يحيق: يحيط). والأقوال متقاربة، وأكثرهم على أنه بمعنى نزل وأحاط بهم العذاب، قال الرازي ١٢/ ١٦٣: (في تفسيره وجوه كثيرة وهي بأسرها متقاربة) ا. هـ. وانظر \"مجاز القرآن\" ١/ ١٨٥، و\"تفسير الطبري\" ٧/ ١٥٤، و\"معاني النحاس\" ٢/ ٤٠٣، والسمرقندي في \"تفسيره\" ١/ ٢٧٥، و\"الكاشف\" ٢/ ٧، وابن عطية ٥/ ١٣٤.\n(٤) قال السمين في \"الدر\" ٤/ ٥٤٦: (حاق ألفه منقلبة عن ياء، بدليل يحيق كباع يبيع، والمصدر حيق وحيوق وحيقان، وزعم أنه من الحوق وهو المستدير بالشيء، وهذا ليس بشيء؛ لاختلاف المادة، إلا أن يراد الاشتقاق الأكبر، وأيضًا هو دعوى جردة من غير دليل) ا. هـ. ملخصًا. ونحوه قال أبو حيان في \"البحر\" ٤/ ٨٠، وانظر: \"روح المعاني\" ٧/ ١٠٢.\n(٥) الكمرة، بالفتح: رأس الذكر. انظر: \"القاموس\" ص ٤٧١.\n(٦) \"تهذيب اللغة\" ١/ ٧٠٨ (حاق).","vol":"8","page":31},{"text":"وأكثر المفسرين جعلوا الآية من باب حذف المضاف؛ لأنهم قالوا: نزل وأحاط بهم عقوبة ما كانوا به يستهزئون وجزاء ما كانوا به يستهزئون. قال الزجاج: ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ [فاطر: ٤٣] أي: لا يرجع عاقبة مكرهم إلا عليهم) (١)، وهذا إذا جعلت ﴿مَا﴾ في قوله: ﴿مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ عبارة عن القرآن والشريعة وما جاء به النبي - ﷺ -، وإن جعلت ﴿مَا﴾ عبارة عن العذاب الذي كان (٢) يوعدهم به النبي - ﷺ - إن لم يؤمنوا استغنيت عن تقدير حذف المضاف، ويكون المعنى: فحاق بهم الذي كانوا يستهزئون به من العذاب وينكرون وقوعه (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-981>١١ </span>- قوله تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ قال ابن عباس: (سافروا في الأرض، ﴿ثُمَّ انْظُرُوا﴾: فاعتبروا، ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ﴾: مكذبي الرسل) (٤).\nقال قتادة (٥): (دمر الله عليهم، ثم صيرهم إلى النار). قال مقاتل:\n_________\n(١) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٣١، وفيه: (أي لا ترجع عاقبة مكروهة إلا عليهم) ا. هـ.\n(٢) في (أ): (الذي كانوا).\n(٣) انظر: الرازي في \"تفسيره\" ١٢/ ١٦٣، وذكر قول الواحدي السمين في \"الدر\" ٤/ ٦٥٤٧، و(ما) في قوله: ﴿مَا كَانُوا﴾ موصولة ولا حاجة إلى الإضمار والمعنى، نزل بهم العذاب الذي كانوا يستهزئون به وهو ظاهر كلام الطبري في \"تفسيره\" ٧/ ١٥٣، والزمخشري ٢/ ٧، ورجحه أبو حيان ٤/ ٨٠، وذكر الألوسي في \"روح المعاني\" ٧/ ١٠٢، أن هذا اختيار الواحدي، وقال بعضهم: (ما) مصدرية، والمعنى: نزل بهم عاقبة أو جزاء أو وبال استهزائهم. \"إعراب النحاس\" ١/ ٥٣٧، و\"المشكل\" ١/ ٢٤٦، و\"البيان\" ١/ ٣١٤، و\"التبيان\" ص ٣٢٣، و\"الفريد\" ٢/ ١٢٤.\n(٤) انظر: \"تنوير المقباس\" ٢/ ٦، ففيه نحوه.\n(٥) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٧/ ١٥٤، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٤/ ١٢٦٨، بسند جيد.","vol":"8","page":32},{"text":"(يحذر كفار مكة عذاب الأمم الخالية). (١)\nقال أهل المعاني: (والمكذب قد صار صفة ذم، وإن كان يجوز أن يكذب بالباطل فلا يكون ذمًّا؛ لأنه من أصل فاسد، وهو الكذب، فصار الذم أغلب عليه، كما أن الكفر صفة ذم، مع أنه قد يكفر (٢) بالطاغوت؛ لأنه من أصل فاسد، وهو كفر النعمة) (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-982>١٢ </span>- قوله تعالى: ﴿قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ قال أهل المعاني: (هذا أمر من الله تعالى لنبيه - ﷺ - بسؤال قومه، وذلك أن السؤال يبعث النفس على طلب الجواب وتبين ما سئل عنه) (٤).\nوقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّهِ﴾ قال صاحب النظم: (جاء السؤال والجواب من جهة واحدة، وهو محمول على أنه لما أنزل: ﴿قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ قيل لهم ذلك كما أمر به وأنهم أجابوا وقالوا: فلمن هو؟ فجاء الجواب: ﴿قُلْ لِلَّهِ﴾، فهذا جواب عن سؤال مضمر دل عليه الكلام) (٥).\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ١/ ٥٥١.\n(٢) في (أ): (تكفر) وهو تصحيف.\n(٣) لم أقف على من ذكر مثل هذا المعنى، وفي القرطبي في \"تفسيره\" ٦/ ٣٩٥، قال: (والمكذبون هنا من كذب الحق وأهله لا من كذب بالباطل) ا. هـ.\n(٤) انظر: \"تفسير الطبري\" ٧/ ١٥٤، و\"الرازي\" ١٢/ ١٦٤.\n(٥) ذكره الكرماني في \"غرائب التفسير\" ١/ ٣٥٤، والسمين في \"الدر\" ٤/ ٥٤٩، عن صاحب النظم، وهو قول أحمد بن فارس في \"الصاحبي\" ص ٣٩١، وقال السمين: (هذا قول بعيد؛ لأنهم لم يكونوا يشكون في أنه هو الله، وإنما هذا سؤال تبكيت وتوسخ، ولو أجابوا لم يسعهم أن يجيبوا إلا بذلك) ا. هـ وأكثرهم على أن ﴿قُلْ لِلَّهِ﴾ أمر بالجواب عقيب السؤال نيابة عنهم تقريرا لهم وتنبيهًا على أن الجواب متعين بالاتفاق، ولأنه أبلغ في التأثير، وآكد في الحجة. انظر: الطبري في \"تفسيره\" ٧/ ١٥٤، والبغوي في \"تفسيره\" ٣/ ١٣٠، والزمخشري في \"تفسيره\" ٢/ ٧، وابن =","vol":"8","page":33},{"text":"وقوله تعالى: ﴿كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ قال ابن عباس: (قضى لنفسه أنه أرحم الراحمين) (١).\nوقال أهل المعاني: (٨) أخبر عن عظم ملكه بأن له ما في السموات والأرض ذكر أنه أوجب على نفسه الرحمة؛ تلطفًا في الاستدعاء إلى الإنابة، واستعطافًا للمتولين عنه إلى الإقبال إليه). (٢)\nوقوله تعالى: ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ﴾، الأكثرون على أن هذا ابتداء كلام، واللام فيه لام قسم مضمر، كأنه: والله ليجمعنكم (٣)، وجعل الزجاج ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ﴾ متصلًا بما قبل فقال في معنى قوله: ﴿كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾: (الله ﷿ تفضل على العباد بأن أمهلهم عند كفرهم به وإقدامهم على كبائر ما نهى عنه، بأن أنظرهم وعمَّرهم وفسح لهم ليتوبوا، فذلك كتبه على نفسه الرحمة) (٤). وعلى هذا قوله تعالى: ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ﴾ يكون موضعه [نصبا] (٥) بدلًا من ﴿الرَّحْمَةَ﴾، وذلك أنه مفسر للرحمة بالإمهال ﴿إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾. وذكر الفراء المذهبين (٦) جميعًا فقال: (إن شئت جعلت\n_________\n= عطية في \"تفسيره\" ٥/ ١٣٦، والرازي في \"تفسيره\" ١٢/ ١٦٤، و\"البحر\" ٤/ ٨١.\n(١) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ١٤، وابن الجوزي ٣/ ٩.\n(٢) انظر: \"تفسير الطبري\" ٧/ ١٥٥، و\"معاني القرآن\" للزجاج ٢/ ٢٣١، و\"تفسير البغوي\" ٣/ ١٣٠.\n(٣) أي جواب قسم محذوف، والجملة لا تعلق لها بما قبلها من حيث الإعراب، وإن تعلقت به من حيث المعنى، وهو اختيار الطبري في \"تفسيره\" ٧/ ١٥٧، وابن عطية ٥/ ١٣٩، والسمين في \"الدر\" ٤/ ٥٥٠، وابن هشام في \"المغني\" ٢/ ٤٠٧.\n(٤) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٣١ - ٢٣٢.\n(٥) لفظ: (نصبا)، ساقط من (أ).\n(٦) \"معاني الفراء\" ١/ ٣٢٨، ونحوه قال الزجاج ٢/ ٢٣٢، وانظر: \"إعراب النحاس\" ١/ ٥٣٨، و\"التبيان\" ١/ ٣٢٥، و\"الفريد\" ٢/ ١٢٥.","vol":"8","page":34},{"text":"﴿الرَّحْمَةَ﴾ غاية الكلام ثم استأنفت بعدها ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ﴾، وإن شئت [جعلته] (١) في موضع نصب كما قال تعالى: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ﴾ الآية [الأنعام: ٥٤]. وعلى هذا يكون قوله: ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ﴾ جوابًا لقوله: ﴿كُتِبَ﴾؛ لأنه بمعنى أوجب، والقسم يوجب كما يوجب ﴿كُتِبَ﴾، فلما كان معنى قوله: ﴿كُتِبَ﴾، مثل معنى القسم حمل الجواب على معنى القسم، قاله الجرجاني (٢).\nوقوله تعالى: ﴿إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [قال الزجاج] (٣): (معناه: ليجمعنكم إلى اليوم الذي أنكرتموه، كما تقول: قد جمعت هؤلاء إلى هؤلاء، أي: ضممت بينهم في الجمع) (٤).\nوقال صاحب النظم: (التأويل: ليؤخرن جمعكم إلى يوم القيامة، وقوله: ﴿إِلَى﴾ دليل على معنى التأخير في الجمع إلى هذا اليوم) (٥)، وهذا القول غير ما قال الزجاج في ﴿إِلَى﴾.\n_________\n(١) (جعلته)، ساقط من (ش).\n(٢) لم أقف عليه، وهذا القول هو ظاهر كلام الأخفش في \"معانيه\" ٢/ ٢٦١، وابن الأنباري في \"البيان\" ١/ ٣١٥، وانظر: \"المشكل\" ١/ ٢٤٦، والرازي في \"تفسيره\" ١٢/ ١٦٥، والقرطبي في \"تفسيره\" ٦/ ٣٩٥، و\"البحر\" ٤/ ٨٢.\n(٣) (قال الزجاج): ساقط من (ش).\n(٤) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٣٢.\n(٥) لم أقف عليه. و(إلى) لها عدة معانٍ، كما في \"حروف المعاني\" للزجاجي ص ٦٥، و\"معاني الحروف\" للرماني ص ١١٥، و\"المغني\" لابن هشام ١/ ٧٤، والأظهر هنا قول الجمهور أنها على بابها للغاية، أي: ليجمعنكم منتهين إلى يوم القيامة. وقيل: هي بمعنى في، وقيل: بمعنى اللام، وقيل: زائدة. انظر: البغوي في \"تفسيره\" ٣/ ١٣١، وابن عطية في \"تفسيره\" ٥/ ١٣٩، والرازي في \"تفسيره\" ١٢/ ١٦٦، والقرطبي في \"تفسيره\" ٦/ ٣٩٥، و\"البحر\" ٤/ ٨٢، و\"الدر المصون\" ٤/ ٥٥٠.","vol":"8","page":35},{"text":"وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ أي: بالشرك بالله أوبقوا أنفسهم، وكانوا كمن خسر شيئًا يهلكه. واختلفوا في إعراب ﴿الَّذِينَ﴾، فزعم الأخفش (١): (أن موضعه نصب على البدل من الضمير في: ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ﴾، والمعنى: ليجمعن هؤلاء المشركين ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾) (٢).\nقال أبو إسحاق: (والذي عندي أن قوله: ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ في موضع رفع على الابتداء، وخبره: ﴿فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾؛ لأن قوله: ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ﴾ مشتمل على الجميع، على ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ وغيرهم (٣).\n_________\n(١) \"معاني الأخفش\" ٢/ ٢٦٩، وهو قول الطبري في \"تفسيره\" ١١/ ٢٨١.\n(٢) هنا وقع اضطراب في نسخة (أ) ص ١٠٢ حيث جاء باقي التفسير في ١٠٣ ب.\n(٣) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٣٢، وهو اختيار أكثرهم.\nانظر: \"إعراب النحاس\" ١/ ٥٣٨، و\"المشكل\" ١/ ٢٤٧، و\"غرائب الكرماني\" ١/ ٣٥٤، و\"البيان\" ١/ ٣١٥، و\"التبيان\" ١/ ٣٢٥.\nوقال الهمداني في \"الفريد\" ٢/ ١٢٦: (هذا فيه تأخير السبب وتقديم المسبب، فالأحسن كونه خبر مبتدأ محذوف، أي: هم الذين، والفاء على هذا للعطف) ا. هـ. بتصرف.\nوأكثرهم ضعف الوجه الأول؛ لأن القاعدة العامة عند النحاة ألا يبدل مظهر من مضمر بدل كل من غير إحاطة وشمول، وقوله: ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ﴾ مشتمل على سائر الخلق الذين خسروا أنفسهم، فلا وجه لاختصاصه بهم، ولا يقال: رأيتك زيدًا على البدل؛ لأن ضمير المخاطب في غاية الوضوح، فلا حاجة إلى البدل منه، أفاده الهمداني في \"الفريد\" ٢/ ١٢٦، و\"السمين\" ٤/ ٥٥١.\nوانظر: \"الكتاب\" ٢/ ٣٨٥ - ٣٨٩، و\"المقتضب\" ٤/ ٢٩٥ - ٢٩٨، و\"الأصول\" ٢/ ٣٠٤ - ٣٠٥، و\"المقرب\" ١/ ٢٤٢، و\"البحر\" ٤/ ٨٢.","vol":"8","page":36},{"text":"والفاء في قوله ﴿فَهُمْ﴾ (١) تضمن (٢) معنى الشرط والجزاء كقولهم: الذي يكرمني فله درهم، دخلت الفاء؛ لأن الدرهم وجب بالإكرام، فكأن الإكرام شرطًا والدرهم، جزاء، كما تقول: من يأتني فله درهم (٣). ويجوز أن يقال: إن الفاء زائدة، فإنها تزاد في مواضع، وقد ذكرنا ذلك فيما تقدم (٤). من ذلك قولهم: زيدًا فاضرب، وقوله: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥)﴾ [المدثر:٤: ٥]، الفاء هاهنا زائدة (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-983>١٣ </span>- وقوله تعالى: ﴿وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ قال الكلبي: (إن\n_________\n(١) ذكر هذا القول كل من رجح قول الزجاج. وانظر: \"تفسير ابن عطية\" ٦/ ١٣، والرازي ١٢/ ١٦٦.\n(٢) في (ش): (يتضمن).\n(٣) الفاء تربط شبه الجواب بشبه الشرط، فيجوز دخول الفاء في خبر الموصول. انظر: \"معاني الأخفش\" ١/ ١٨٧، و\"الأصول\" ٢/ ٢٧٢، و\"المغني\" ١/ ١٦٥.\n(٤) انظر: \"البسيط\" النسخة الأزهرية ١٧١ ب و١/ ٢٢٣ أ.\n(٥) هذا قول ابن جني في \"سر صناعة الإعراب\" ١/ ٢٥٨ - ٢٦٠، بتصرف واختصار، وأكثرهم على أن الفاء في ﴿فَهُمْ﴾ رابطة وليست زائدة، وقد اختلف في زيادة الفاء فأجازه الرماني في \"معاني الحروف\" ص ٤٣ - ٤٧ وابن هشام في \"المغني\" ١/ ١٦٥ - ١٦٦.\nوقال ابن هشام في \"الإعراب عن قواعد الإعراب\" ص ١٩٨ - ١٠٩: (وينبغي أن يتجنب المعرب أن يقول في حرف في كتاب الله تعالى إنه زائد؛ لأنه يسبق إلى الأذهان أن الزائد هو الذي لا معنى له، وكلام الله سبحانه منزه عن ذلك، والزائد عند النحويين معناه الذي لم يؤت به إلا لمجرد التقوية والتوكيد لا المهمل، وكثير من المتقدمين يسمون الزائد صلة، وبعضهم يسميه لغوًا، لكن اجتناب هذه العبارة في التنزيل واجب) ا. هـ.\nوانظر: \"البرهان\" للزركشي ١/ ٣٠٥، و\"الدر المصون\" ٥/ ٢٦٣، و\"موصل الطلاب إلى قواعد الإعراب\" لخالد الأزهري ص ١٦٧ - ١٧٠.","vol":"8","page":37},{"text":"كفار مكة قالوا للنبي - ﷺ -: قد علمنا أنه ما يحملك على ما تفعل إلا الحاجة فنحن نجمع لك من أموالنا حتى تكون من أغنانا فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ (١).\nقال ابن الأعرابي (٢): (وله ما حل في الليل والنهار) (٣)، وهذا موافق لقول ابن عباس: (وله ما استقر في الليل والنهار من خلق) (٤).\nقال أبو العباس أحمد (٥): (أراد الساكن من الناس والبهائم خاصة، وسكن: هذا بعد تحرك، وإنما معناه -والله أعلم- الخلق) (٦)؛ وهذا مذهب جماعة أن المراد بهذا ما كان من ذي روح، وبه قال مقاتل: (وله مما استقر في الليل والنهار من الدواب والطير في البر والبحر) (٧).\n_________\n(١) \"تنوير المقباس\" ٢/ ٧، وذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ١٧٦ أ، وذكره الواحدي في \"أسباب النزول\" ص ٢١٦، عن الكلبي عن ابن عباس، وذكره ابن الجوزي في \"تفسيره\" ٣/ ٩ - ١٠، عن ابن عباس.\n(٢) ابن الأعرابي: محمد بن زياد الهاشمي مولاهم، أبو عبد الله الأعرابي الكوفي، إمام ورع ثقة كثير السماع والرواية عالم باللغة والنحو والأدب والتاريخ والنسب، له كتب منها: \"النوادر\"، و\"معاني الشعر\"، و\"تاريخ القبائل\"، و\"تفسير الأمثال\". توفي سنة ٢٣١ هـ. وله ٨٠ سنة. \"طبقات الزبيدي\" ص ١٩٥، و\"تاريخ بغداد\" ٥/ ٢٨٢، و\"إنباه الرواة\" ٣/ ١٢٨، و\"معجم الأدباء\" ١٨/ ١٨٩، و\"سير أعلام النبلاء\" ١٠/ ٦٨٧.\n(٣) تهذيب اللغة ٢/ ١٧٢٤ (سكن).\n(٤) \"تنوير المقباس\" ٢/ ٧، وذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ١٦.\n(٥) تقدمت ترجمته.\n(٦) \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٧٢٤ (سكن).\n(٧) \"تفسير مقاتل\" ١/ ٥٥٢.","vol":"8","page":38},{"text":"قال أبو روق (من الخلق ما يستقر نهارًا وينتشر ليلًا، ومنها ما هو على الضد) (١).\nوقال بعضهم: (هذا عام في جميع المخلوقات؛ لأنه لا شيء من خلق الله إلا وهو ساكن في الليل والنهار، على معنى أنهما يشملانه ويمران عليه) (٢)، وهذا مذهب عبد العزيز بن يحيى (٣) ومحمد بن جرير (٤) (٥)؛ قال عبد العزيز: (كل ما طلعت عليه الشمس وغربت فهو من ساكني الليل والنهار) (٦)؛ وعلى هذا ليس المراد بالسكون في الآية الذي هو ضد الحركة، بل المراد به الحلول، كما قاله ابن الأعرابي من قولهم: فلان (٧) يسكن بلد كذا إذا كان يحله (٨).\n_________\n(١) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ١٧٦ أ، وهو قول مقاتل ١/ ٥٥٢.\n(٢) (عليه) ساقط من (أ)، وقال القرطبي في \"تفسيره\" ٦/ ٣٩٦: (هذا أحسن ما قيل؛ لأنه يجمع شتات الأقوال) ا. هـ.\n(٣) عبد العزيز بن يحيى بن عبد العزيز بن مسلم الكناني المكي، إمام فاضل فقيه مناظر من تلاميذ الشافعي، يُنسب له كتاب \"الحيدة\" مطبوع. توفي سنة ٢٤٠ هـ انظر: \"تاريخ بغداد\" ١٠/ ٤٤٩، و\"ميزان الاعتدال\" ٢/ ٦٣٩، و\"طبقات السبكي\" ٢/ ١٤٤، و\"طبقات الأسنوي\" ١/ ٤١، و\"تهذيب التهذيب\" ٢/ ٥٩٨، و\"الأعلام\" ٤/ ٢٩.\n(٤) محمَّد بن جرير الطبري صاحب التفسير.\n(٥) \"تفسير الطبري\" ٧/ ١٥٨.\n(٦) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ١٧٦ أ.\n(٧) انظر: \"العين\" ٥/ ٣١٢، و\"الجمهرة\" ٢/ ٨٥٥، و\"الصحاح\" ٥/ ٢١٣٦، و\"مقاييس اللغة\" ٣/ ٨٨، و\"المفردات\" ص ٤١٧، و\"اللسان\" ٤/ ٢٠٥٢ (سكن).\n(٨) هذا القول هو الراجح عند أكثر المفسرين. انظر: الزمخشري في \"الكشاف\" ٢/ ٨، وابن عطية في \"تفسيره\" ٥/ ١٤١، والرازي في \"تفسيره\" ١٢/ ١٦٨، والقرطبي في \"تفسيره\" ٦/ ٣٩٦، وابن كثير في \"تفسيره\" ٢/ ١٤١. وذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ١٦، عن أهل المعاني.","vol":"8","page":39},{"text":"وقال جماعة من أصحاب المعاني: (في الآية محذوف، والتقدير: وله ما سكن وتحرك في الليل والنهار، كقوله تعالى: ﴿تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: ٨١] أراد: الحر والبرد، فاكتفى بذكر أحدهما عن الآخر؛ لأنه يعرف ذلك بقرينته، كذلك هاهنا حذف ذكر الحركة واقتصر على السكون؛ لأن ما يعمه السكون أكثر مما تعمه الحركة (١).\nقال أبو إسحاق: (هذا أيضًا احتجاج على المشركين؛ لأنهم لم ينكروا أن ما استقر في الليل والنهار لله الذي هو خالقه ومدبره، والذي هو كذلك قادر على إحياء الموتى) (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-984>١٤ </span>- قوله تعالى: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: خالقهما، ابتدأ على غير مثال سبق، والفطرة ابتداء الخلقة. قال ابن عباس: (كنت ما أدري ما فاطر السموات حتى احتكم إلى أعرابيان في بئر، قال أحدهما: أنا فطرتها، وأنا ابتدأت حفرها) (٣).\n_________\n(١) لم أجده بنصه في كتب المعاني ولكن معناه عند أكثرهم. انظر: \"تفسير الماوردي\" ٢/ ٩٧، و\"غرائب التفسير\" للكرماني ١/ ٣٥٤، و\"تفسير البغوي\" ١/ ١٣١، و\"زاد المسير\" ٣/ ١٠، و\"البحر المحيط\" ٤/ ٨٣ - ٨٤، و\"الدر المصون\" ٤/ ٥٥٣ - ٥٥٤، و\"تفسير البيضاوي\" ١/ ١٣٤.\n(٢) \"معاني القرآن\" ٢/ ٢٣٢، وذكر نحوه النحاس في \"معانيه\" ٢/ ٤٠٥.\n(٣) أخرجه أبو عبيد في \"فضائل القرآن\" ص ٢٠٦، وفي \"غريب الحديث\" ٢/ ٣٨٨، والطبري في \"تفسيره\" ٧/ ١٥٩، قال ابن حجر في \"الكافي الشافي\" ص ٦١، والمناوي في \"الفتح السماوي\" ٢/ ٦٠٢: إسناده حسن ليس فيه إلا إبراهيم بن مهاجر. ا. هـ. وإبراهيم بن مهاجر البجلي الكوفي مختلف فيه، قال ابن حجر في \"التقريب\" (٢٥٤): صدوق لين الحفظ. ا. هـ. وأخرجه البيهقي في الأسماء والصفات ص ٤٤ من طريق آخر ضعيف، ومن طريق إبراهيم بن مهاجر أخرجه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٤/ ١٢٦٩ عن ابن عباس قال: فاطر السموات والأرض، =","vol":"8","page":40},{"text":"وقرأت على أبي الفضل العروض -﵀ (١) - فقلت: أخبركم الأزهري قال: أخبرني المنذري (٢) عن أبي العباس أنه سمع ابن الأعرابي يقول: (أنا أول من فطر هذا، أي: ابتدأه) (٣). وقال ابن الأنباري (٤): (أصل الفطر شق الشيء عند ابتدائه) (٥).\nوقوله تعالى: ﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ يريد: خالقهما ومنشئهما بالتركيب الذي سبيله أن يكون فيه الشق والتأليف عند ضم بعض الأشياء إلى بعض، فلما كان الأصل للشق جاز أن يكون في حال شق إصلاح وفي حال أخرى شق إفساد، ففاطر السموات من الإصلاح لا غير، وقوله: ﴿هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ﴾ [الملك: ٣]، و﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ﴾ [الانفطار: ١] من\n_________\n= أي: بديع السماوت والأرض. ا. هـ وذكر الأول أكثرهم. انظر: \"الجمهرة\" ٢/ ٧٥٥، و\"الصحاح\" ٢/ ٧٨١، (فطر)، و\"تفسير الثعلبي\" ص ١٧٦/ أ، و\"تفسير الماوردي\" ٢/ ٩٧، و\"تفسير ابن عطية\" ٥/ ١٤١، و\"تفسير ابن الجوزي\" ٣/ ١١، والرازي في \"تفسيره\" ١٢/ ١٦٨.\n(١) أبو الفضل العروضي: أحمد بن محمد بن عبد الله الصفار، إمام تقدمت ترجمته.\n(٢) المنذري: محمد بن أبي جعفر المنذري، أبو الفضل الهروي، تقدمت ترجمته.\n(٣) \"تهذيب اللغة\" ١٣/ ٣٢٦ (فطر).\n(٤) ذكره الرازي في \"تفسيره\" ١٢/ ١٦٨.\n(٥) أهل اللغة والتفسير على أن الفطر بمعنى الشق والخلق والإنشاء. انظر: \"مجاز القرآن\" ١/ ١٨٧، و\"غريب القرآن\" لليزيدي ص ١٣٤، و\"الجمهرة\" ٢/ ٧٥٥، و\"المجمل\" ٣/ ٧٢٣، و\"مقاييس اللغة\" ٤/ ٥١٠، و\"اللسان\" ٦/ ٣٤٣٢ (فطر). وقال السمين في \"الدر\" ٤/ ٥٥٦: (الفطر: الشق مطلقًا، وقيده الواحدي بشق الشيء عند ابتدائه) ا. هـ. وأكثرهم قيده بذلك. انظر: \"العين\" ٧/ ٤١٧، و\"تفسير غريب القرآن\" ص ١/ ١٥١، والطبري في \"تفسيره\" ١/ ١٥٩، و\"نزهة القلوب\" ص ٣٥٢، و\"الصحاح\" ٢/ ٧٨١، (فطر) \"تفسير الماوردى\" ٢/ ٩٨، و\"النهاية\" لابن الأثير ٣/ ٣٥٧.","vol":"8","page":41},{"text":"الإفساد، وأصلهما واحد (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ﴾ قال السدي: وهو يرزق ولا يُرْزَق. (٢)\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ أي: وقيل لي ذلك وصارت ﴿أُمِرْتُ﴾ (٣) بدلًا من ذلك؛ لأنه حين قال: ﴿أُمِرْتُ﴾ أخبر أنه قيل له ذلك، فقوله: ﴿وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ معطوف على ما قبله في المعنى؛ لأن معنى ﴿أُمِرْتُ﴾: قيل لي (٤). والآية حجة على المشركين من جهة أن من يُطْعَم هذا العالم الذي فطره، ولا يُطْعَم لغناه عن كل شيء، فواجب أن يستنصر منه ويؤمل النفع منه لا من غيره (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-985>١٦ </span>- قوله تعالى: ﴿مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ﴾ وقرأ (٦) حمزة والكسائي ﴿يُصْرَفْ﴾ بفتح الياء وكسر الراء، وفاعل الصرف على هذه القراءة الضمير\n_________\n(١) ذكر نحوه الزجاج في \"معانيه\" ٢/ ٢٣٣، والراغب في \"المفردات\" ص ٦٤٠، والرازي في \"تفسيره\" ١٢/ ١٦٩.\n(٢) أخرجه الطبري ٧/ ١٥٩، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٤/ ١٢٧٠ بسند جيد.\n(٣) (أمرت) ساقط من: (ش).\n(٤) هذا قول الأخفش في \"معانيه\" ٢/ ٢٧٠، والطبري في \"تفسيره\" ٤/ ١٥٩، وذكره أكثر أهل التفسير. انظر: \"غرائب التفسير\" للكرماني ١/ ٣٥٤، والزمخشري في \"تفسيره\" ٢/ ٨، والبغوي في \"تفسيره\" ٣/ ١٣٢، وابن عطية في \"تفسيره\" ٥/ ١٤٣، و\"زاد المسير\" ٣/ ١١، و\"التبيان\" للعكبري ١/ ٣٢٦، والقرطبي في \"تفسيره\" ٦/ ٣٩٧، و\"البحر المحيط\" ٤/ ٨٦، و\"الدر المصون\" ٤/ ٥٥٨.\n(٥) هذا معنى قول الزجاج في \"معانيه\" ٢/ ٢٣٣.\n(٦) قرأ حمزة والكسائي، وأبو بكر عن عاصم (يَصْرِفْ) بفتح الياء وكسر الراء، وقرأ الباقون بضم الياء وفتح الراء. انظر: \"السبعة\" ص ٢٥٤، و\"المبسوط\" ص ١٦٦، و\"التذكرة\" ٢/ ٣٧٥، و\"التيسير\" ص ١٠١، و\"النشر\" ٢/ ٢٥٧.","vol":"8","page":42},{"text":"العائد إلى ﴿رَبِّي﴾ من قوله تعالى: ﴿إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي﴾، على تقدير: من يصرف هو يومئذ عنه العذاب. وحجة هذه القراءة قوله فيما بعده: ﴿فَقَدْ رَحِمَهُ﴾، فلما كان ما بعده فعلًا مسندًا إلى ضمير اسم الله سبحانه، وجب أن يكون هذا أيضًا مسندًا إليه، ليتفق الفعلان في الإسناد إلى هذا الضمير، والضمير العائد إلى العذاب محذوف، والمعنى: من يصرف عنه كما هو في قراءة أُبيّ (من يصرفه) (١) بإثبات الهاء، وليس حذف هذا الضمير بالسهل؛ لأن ﴿مِنْ﴾ هاهنا جزاء وليس بموصول، فيحسن حذف العائد من الصلة، على أن الضمير إنما يحذف من الصلة إذا عاد إلى الموصول نحو: ﴿أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ [الفرقان: ٤١] ﴿وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ [النمل: ٥٩] أي: بعثه واصطفاهم، ولا يعود الضمير المحذوف هاهنا إلى موصول ولا إلى ﴿مِنْ﴾ التي للجزاء، إنما يرجع إلى العذاب من قوله: ﴿عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾، والذي يحمل عليه حذف هذا الضمير من يصرفه أنه لما كان في حيز الجزاء، وكان ما في حيزه في أنه لا يتسلط على ما تقدمه بمنزلة ما في الصلة في أنه لا يجوز تسلطه على الموصول، فحسن حذف الهاء منه، كما حسن حذفها من الصلة.\nومن قرأ ﴿يُصْرَفْ﴾ (٢) فالمسند إليه الفعل المبني للمفعول ضمير العذاب المتقدم ذكره. ويقوي هذه القراءة قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ\n_________\n(١) ذكرها أكثرهم، ففي \"الحجة\" لأبي علي ٣/ ٢٨٦: (من يصرفه عنه)، وفي \"مختصر الشواذ\" ص ٤٢، و\"الكشف\" لمكي ١/ ٤٢٥، والقرطبي في \"تفسيره\" ٦/ ٣٩٧، (من يصرفه الله عنه)، وفي \"الكشاف\" ٢/ ٩، و\"البحر\" ٤/ ٨٦، و\"الدر المصون\" ٤/ ٥٥٩، (من يصرف الله عنه)، وذكر ابن عطية في \"تفسيره\" ٥/ ١٤٤، (من يصرفه الله عنه. وقيل: من يصرف الله عنه) ا. هـ.\n(٢) أي بضم الياء وفتح الراء.","vol":"8","page":43},{"text":"مَصْرُوفًا عَنْهُمْ﴾ [هود: ٨]، ألا ترى أن الفعل بُني للمفعول به (١). قال أهل المعاني في هذه الآية: (من يصرف عنه العذاب يومئذ فقد أوجب الله له الرحمة بالثواب لا محالة، فذكر الرحمة مع صرف العذاب؛ لئلا يتوهم أنه ليس [له] (٢) إلا صرف العذاب عنه فقط) (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-986>١٧ </span>- وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ﴾ الآية [إن] (٤) قيل: إن المس من صفة الأجسام فكيف قال: ﴿يَمْسَسْكَ اللَّهُ﴾؟ والجواب: أن يقال: الباء في بالضر للتعدية، والباء والألف يتعاقبان في التعدية، والمعنى: إن أمسك ضرًا أي: جعله يمسك، فالفعل للضر، وإن كان في الظاهر قد أسند إلى اسم الله تعالى كما أنك إذا قلت: ذهب عمر وزيد، كان الذهاب فعلًا لزيد غير أن عمرًا (٥) هو المسبب له والحامل عليه. كذلك هاهنا المس للضر، والله تعالى جعله ماسًّا (٦).\n_________\n(١) ما تقدم قول أبي علي في \"الحجة\" ٣/ ٢٨٥ - ٢٨٧، مع بعض التصرف والاختصار. وانظر: \"تفسير الطبري\" ٧/ ١٦٠، و\"إعراب النحاس\" ١/ ٥٣٩، و\"معاني القراءات\" ١/ ٣٤٦، و\"إعراب القراءات\" ١/ ١٥٢، و\"الحجة\" لابن خالويه ص ١٣٦، ولابن زنجلة ص ٢٤٣، و\"الكشف\" ١/ ٤٢٥، و\"الدر المصون\" ٤/ ٥٥٩.\n(٢) (له) ساقط من (ش).\n(٣) لم أقف على من ذكر هذا المعنى. وانظر: \"تفسير ابن عطية\" ٥/ ١٤٤، و\"الفخر الرازي\" ١٢/ ١٧٠.\n(٤) (إن) ساقط من (ش).\n(٥) في (أ): (أن عمروًا).\n(٦) رجح أبو حيان في \"البحر\" ٤/ ٨٧، والسمين في \"الدر\" ٤/ ٥٦٤، أن الباء هنا للتعدية، وذكر قول الواحدي \"السمين\"، وانظر: القرطبي في \"تفسيره\" ٦/ ٣٩٨.","vol":"8","page":44},{"text":"والضر اسم جامع لكل ما يتضرر به الإنسان من فقر ومرض (١) وزمانة، كما أن الخير جامع لكل ما ينتفع به الإنسان (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-987>١٨ </span>- وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ قال الليث: (القهر: الغلبة والأخذ من فوق، والله القاهر القهار، قهر (٣) خلقه بقدرته وسلطانه، فصيرهم على ما أراد طوعًا وكرهًا. يقال: أخذت الشيء قهرًا إذا أخذته دون رضا صاحبه). ومعنى ﴿الْقَاهِرُ﴾ في صفة الله تعالى يعود إلى أنه القادر الذي لا يعجزه شيء (٤).\nومعنى ﴿فَوْقَ﴾ هاهنا أن قهره قد استعلى عليهم، فهم تحت التسخير والتذليل بما علاهم من الاقتدار الذي لا ينفك منه أحد (٥).\n_________\n(١) قال أهل اللغة: الضر، بالضم: سوء الحال، وبالفتح: ضد النفع. وبعضهم قال: هما لغتان. انظر: \"العين\" ٧/ ٦، و\"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢١٠٨، و\"الصحاح\" ٢/ ٧١٩، و\"مقاييس اللغة\" ٣/ ٣٦٠ \"مجمل اللغة\" ٢/ ٥٦١، و\"المفردات\" ص ٥٠٣، و\"اللسان\" ٥/ ٢٥٧٣ (ضر).\n(٢) انظر: \"تهذيب اللغة\" ١/ ٩٦٠، و\"الصحاح\" ٢/ ٦٥١، و\"مجمل اللغة\" ٢/ ٣٠٨، و\"المفردات\" ص ٣٠٠، و\"اللسان\" ٣/ ١٣٠٠ (خير).\n(٣) في النسخ: -وهو خلقه- وهو تحريف، والصواب ما أثبته من نص قول الليث في في \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢١٠٨، وانظر: \"الجمهرة\" ٣/ ٧٩٧، و\"الصحاح\" ٢/ ٨٠١، و\"مقاييس اللغة\" ٥/ ٣٥، و\"المجمل\" ٣/ ٧٣٦، و\"المفردات\" ص ٦٨٧، و\"اللسان\" ٦/ ٣٧٦٤ (قهر).\n(٤) انظر: \"تفسير أسماء الله الحسنى\" للزجاج ص ٣٨، و\"الأسماء والصفات\" للبيهقي ص٨٢، وص ٥٢٥ - ٥٣٠، و\"المقصد الأسنى\" للغزالي ص ٧٧، و\"شرح أسماء الله الحسنى\" للرازي ص ٢٢٠، و\"الحق الواضح المبين\" للسعدي ص ٧٥، و\"شرح أسماء الله الحسنى\" للقحطاني ص ١٢٨.\n(٥) انظر: \"تفسير الطبري\" ٧/ ١٦١، و\"تفسير السمرقندي\" ١/ ٤٧٧، و\"تفسير المارودي\" ٢/ ٩٩، و\"تفسير ابن عطية\" ٥/ ١٤٧، والقرطبي ٦/ ٣٩٩. وما ذكره =","vol":"8","page":45},{"text":"و﴿الْخَبِيرُ﴾ العالم بالشي. وتأويله: أنه العالم بما يصح أن يخبر به، والخبر (١) علمك بالشيء، تقول: لي به خبر، أي: علم، وأصله (٢) من الخبر؛ لأنه طريق من طرق العلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-988>١٩ </span>- قوله تعالى: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً﴾ الآية، قال المفسرون: (قال أهل مكة للنبي - ﷺ -: ائتنا بمن يشهد لك بالنبوة، فإن اليهود والنصارى ينكرونك (٣)، فنزلت هذه الآية (٤).\nقال أصحاب المعاني: (في هذه الآية دلالة أن (شيئًا) من أسماء الله (٥) ﷿، وأنه يجوز أن يسمى شيئًا؛ لأن قوله: ﴿أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً﴾ جاء\n_________\n= الواحدي مجاز وهو قول المؤولة الذين ينفون عن الله تعالى العلو الذي أثبته لنفسه، ومذهب أهل السنة والجماعة أن حقيقة الفوقية علو ذات الشيء على غيره، فالحق أنه تعالى مستعل على كل شيء بذاته وقدرته وقهره. انظر: \"مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة\" ٢/ ٢٠٥ - ٢١٧.\n(١) جاء في \"اللسان\" ٤/ ١٠٩٠: (خِبر) بكسر الخاء وضمها: العلم بالشيء). وانظر: \"العين\" ٤/ ٢٥٨، و\"الجمهرة\" ١/ ٢٨٧، و\"الصحاح\" ٢/ ٦٤١، و\"المجمل\" ٢/ ٣١٠، و\"مقاييس اللغة\" ٢/ ٢٣٩، و\"المفردات\" ص ٢٧٣ (خبر).\n(٢) قال أبو علي الفارسي في \"تفسير أسماء الله الحسنى\" للزجاج ص ٤٥ (الخبير عندنا من الخبر الذي يسمع؛ لأن معنى الخبير العالم) ا. هـ. وانظر: \"اشتقاق أسماء الله\" للزجاجي ص ١٢٧، و\"الأسماء والصفات\" للبيهقي ص ١/ ١٢٥، و\"المقصد الأسنى\" للغزالي ص ٩٣، و\"شرح أسماء الله الحسنى\" ص ٣٤٨.\n(٣) في (ش): (ينكرون)، وهو تحريف.\n(٤) انظر: \"تفسير السمرقندي\" ١/ ٤٧٧، و\"تفسير الثعلبي\" ١٧٦ أو\"تفسير الماوردي\" ٢/ ١٠٠، و\"أسباب النزول\" للواحدي ص ٢١٦، و\"تفسير البغوي\" ٣/ ١٣، و\"تفسير الرازي\" ١٢/ ١٧٥، وأكثرهم ذكره عن الكلبي، وبعضهم عن ابن عباس والحسن.\n(٥) في (ش): (الله تعالى).","vol":"8","page":46},{"text":"جوابه ﴿قُلِ اللَّهُ﴾ (١)، ومعنى الشهادة البينة من طريق المشاهدة، ونظم هذه الآية مثل نظم قوله تعالى: ﴿قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ الآية [الأنعام: ١٢]، وقد ذكرناه (٢). وقال مجاهد: (أمر أن يسأل قريشًا، ثم أمر أن يخبرهم فيقول: ﴿اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾) (٣).\nوقال أبو إسحاق: (أمر الله ﷿ نبيه بأن يحتج عليهم ويعلمهم أن شهادة الله ﷿ بأنه واحد، وإقامة البراهين في توحيده ونبوة نبيه أكبر شهادة، وأن القرآن الذي أتى به يشهد له أنه رسول الله، فقال: ﴿قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ أي: الله الذي اعترفتم بأنه خالق السموات والأرض والظلمات والنور). (٤)\n_________\n(١) انظر: \"غرائب الكرماني\" ١/ ٣٥٥ - ٣٥٦، و\"تفسير ابن عطية\" ٥/ ١٥٠، و\"تفسير الرازي\" ١٢/ ١٧٦، وقال البخاري في \"صحيحه\"، و\"كتاب التوحيد\"، باب ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً﴾، وسمى الله تعالى نفسه شيئًا ﴿قُلِ اللَّهُ﴾ ا. هـ. وانظر: شرحه في \"فتح الباري\" ١٣/ ٤٠٢، وحكى الغزالي في \"المقصد الأسنى\" ص ١٤٨، والرازي في \"شرح أسماء الله الحسنى\" ص ٣٥٤، الاتفاق على ذلك.\n(والظاهر أنه من باب الإخبار فيصح أن يخبر عنه بالشيء لكنه شيء كامل، ولا يقال شيء على سبيل الإطلاق فقط، فهو ليس من أسماء الله تعالى؛ لأنه لا بد أن تتضمن أسماء الله معاني حسنى، لكن يصح أن يخبر عن الله بأنه شيء، ولكن لا يدعى به ولا يسمى به): أفاده ابن تيمية في \"لفتاوى\" ٦/ ٧٣، وابن القيم في \"بدائع الفوائد\" ١/ ١٦٢، ومحمد بن صالح العثيمين في \"شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري\" ص ١٠١.\n(٢) جاء في النسخ (وقد ذكرنا) ثم صحح في أعلى السطر من (أ).\n(٣) \"تفسير مجاهد\" ١/ ٢١٢، وأخرجه الطبري ٧/ ١٦٢، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٤/ ١٢٧١، والبيهقي في \"الأسماء والصفات\" ص ٢/ ٤٣، من طرق جيدة، وذكره السيوطي في \"الدر\" ٣/ ١٢.\n(٤) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٣٤.","vol":"8","page":47},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ﴾، هذا احتجاج للنبي - ﷺ - على من أنكر نبوته؛ لأنه لم يأت أحد بمثله في إخباره عما سيكون وكان حقًّا، كقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧]، فعصمه حين لم يقتل مع تظاهر أعدائه عليه، وقوله: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة: ٣٣] ثم أظهر دين الإِسلام على سائر الأديان، وقال لليهود -وكانوا أعز قوم في وقتهم-: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ﴾ [البقرة: ٦١]، فهم أذلاء إلى يوم القيامة (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَمَنْ بَلَغَ﴾ قال ابن عباس: (يريد من أمتي إلى يوم القيامة) (٢).\nقال الفراء: (والمعنى: ومن بلغه القرآن من بعدكم. و﴿بَلَغَ﴾: صلة لمن، ونصبت ﴿مَنْ﴾ بالإنذار) (٣)، والعائد إلى الموصول محذوف (٤)، كقولك: الذي رأيت زيد، ومن ضربت عمرو، وقد مرَّ قبيل، والعلماء على أن من بلغته آية من كتاب الله فهو ممن بلغته الدعوة (٥).\n_________\n(١) هذا قول الزجاج في \"معانيه\" ٢/ ٢٣٤.\n(٢) ذكره المؤلف في \"الوسيط\" ١/ ٢٠، بلا نسبة، وأخرج الطبري ٧/ ١٦٣، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٤/ ١٢٧١، والبيهقي في \"الأسماء والصفات\" ٢/ ٢٤ بسند جيد عنه في الآية قال: (يعني أهل مكة ومن بلغه هذا القرآن فهو له نذير) ا. هـ.\n(٣) \"معاني الفراء\" ١/ ٣٢٩.\n(٤) هذا قول الجمهور والتقدير: ولأنذر الذي بلغه القرآن، حذف العائد لاستعمال العرب ذلك ولدلالة الكلام عليه. انظر: \"تفسير الطبري\" ٧/ ١٦٣، و\"إعراب النحاس\" ٢/ ٥٨، و\"المشكل\" ١/ ٢٤٧، ابن عطية ٥/ ١٥١، و\"البحر\" ٤/ ٩١، و\"الدر المصون\" ٤/ ٥٦٨.\n(٥) انظر: \"تفسير الطبري\" ٧/ ١٦٣، والبغوي ٣/ ١٣٣، وابن كثير ٢/ ١٤٢.","vol":"8","page":48},{"text":"وكان مجاهد يقول: (حيث ما يأتي القرآن فهو داع ونذير)، ثم يقرأ هذ الآية (١).\nوقال القرظي (٢): (من بلغه القرآن فكأنما رأى محمدًا - ﷺ - وسمع منه) (٣). وقال النحاس (٤): ([و] (٥) فيه قول آخر: ﴿وَمَنْ بَلَغَ﴾ أي: [و] (٦) من احتلم) (٧)، فلا يكون إضمار الهاء. والعلماء (٨) والمفسرون على القول الأول [وهو منفرد بهذا القول (٩)].\nوقوله تعالى: ﴿[أَئِنَّكُمْ] (١٠) لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى﴾ هذا استفهام معناه الجحد والإنكار.\n_________\n(١) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٧/ ١٦٣، بسند ضعيف، وذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ١٧٦ أ، والواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٢٠، والسيوطي في \"الدر\" ٣/ ١٣.\n(٢) تقدمت ترجمته.\n(٣) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٧/ ١٦٣، وابن أبي حاتم ٤/ ١٢٧١ من طرق يقوي بعضها بعضًا، وهو في \"تفسير مجاهد\" ١/ ٢٣١، عن محمد بن كعب. وانظر: \"الدر المنثور\" ٣/ ١٣.\n(٤) هو: أحمد بن محمد بن إسماعيل المرادي، أبو جعفر المصري المشهور بالنحاس.\n(٥) لفظ: (الواو) ساقط من (ش).\n(٦) لفظ: (الواو) ساقط من (أ).\n(٧) \"معاني النحاس\" ٢/ ٤٠٦، و\"إعراب النحاس\" ١/ ٥٣٩، و\"القطع والائتناف\" ١/ ٢٢١، وذكر هذا القول مكي في \"المشكل\" ١/ ٢٤٧، وابن عطية ٥/ ١٥٢، والقرطبي في \"تفسيره\" ٦/ ٣٩٩.\n(٨) انظر: الطبري ١٦٣١٧، والسمرقندي ١/ ٤٧٧، والماوردي ١/ ٥١٤، والرازي ١٢/ ١٧٨، و\"البحر\" ٤/ ٩١.\n(٩) ما بين المعقوفين ساقط من (أ).\n(١٠) جاء في النسخ (قل أئنكم) بزيادة قل، وهو تحريف.","vol":"8","page":49},{"text":"وقال الفراء: (ولم يقل أُخر؛ لأن الآلهة جمع، والجمع يقع عليه التأنيث، كما قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الأعراف: ١٨٠]، وقال: ﴿فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى﴾ [طه: ٥١]، ولم يقل: الأول، ولا الأولين؛ وكل ذلك صواب) (١)\nوقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَشْهَدُ﴾ إلى آخر الآية، قال العلماء: (المستحب لمن أسلم ابتداء أن يأتي بالشهادتين، ويتبرأ من كل دين سوى دين الإسلام) (٢).\nونص الشافعي على استحباب ضم التبرؤ إلى الشهادة لقوله تعالى: ﴿وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ عقيب أمره نبيه - ﷺ - بالتوحيد (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-989>٢٠ </span>- قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾ الآية، نصف هذه الآية مفسر في سورة البقرة، والنصف الثاني مفسر في هذه السورة.\nوقوله تعالى: ﴿يَعْرِفُونَهُ﴾ أي: يعرفونه بالنبوة والصدق، بما يجدونه (٤) مكتوبًا عندهم في صفته ونعته، والمراد بهؤلاء الذين يعرفونه: اليهود والنصارى، و﴿الْكِتَابَ﴾: التوراة والإنجيل، وهذا قول ابن\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٣٢٩، وانظر: \"تفسير الطبري\" ٧/ ١٦٣، و\"البحر المحيط\" ٤/ ٩٢.\n(٢) انظر: \"تفسير الرازي\" ١٢/ ١٧٩، و\"الخازن\" ٢/ ١٢٥.\n(٣) ذكره في \"روضة الطالبين\" ٧/ ٣٠١، عن الشافعي، وزاد: (وقال في موضع: إذا أتى بالشهادتين صار مسلمًا؛ وليس هذا باختلاف قول عند جمهور الأصحاب، بل يختلف الحال باختلاف الكفار وعقائدهم) ا. هـ\nوانظر: \"المغني\" لابن قدامة ١٢/ ٢٨٨ - ٢٩١، و\"نيل الأوطار\" ٧/ ٢٣٠ - ٢٣٥.\n(٤) في (أ): (لما يجدونه).","vol":"8","page":50},{"text":"عباس (١) والحسن (٢) وقتادة (٣) وابن جريج والسدي (٤).\nوقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ قال الزجاج: (﴿الَّذِينَ﴾ يجوز أن يكون رفعًا على نعت: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾، وجائز أن يكون على الابتداء، ويكون ﴿فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ خبره، قال: والأشبه أن يعني بالذين خسروا أنفسهم أهل الكتاب، وجائز أن يُعنى به جملة الكفار) (٥).\n_________\n(١) \"تنوير المقباس\" ٢/ ٩، وذكره ابن الجوزي في \"تفسيره\" ١/ ١٥٨.\n(٢) ذكره الماوردي ٢/ ١٠٠، والقرطبي في \"تفسيره\" ٦/ ٤٠٠.\n(٣) أخرجه عبد الرزاق ١/ ٢/ ٢٠٦، وابن أبي حاتم ٤/ ١٢٧٢ بسند جيد.\n(٤) أخرجه الطبري ٧/ ١٦٤، من طرق جيدة عن قتادة وابن جريج والسدي. وهذا هو قول الجمهور ورجحه أكثرهم. انظر: \"معاني الفراء\" ١/ ٣٢٩، و\"النحاس\" ٢/ ٤٠٧، و\"تفسير السمرقندي\" ١/ ٤٧٨، والبغوي في \"تفسيره\" ٣/ ١٣٤، والزمخشري ٢/ ١٠، وابن الجوزي في \"تفسيره\" ١٢/ ١٤، والرازي في \"تفسيره\" ١٢/ ١٧٩، وبعضهم حمله على العموم أي يعرفون التوحيد والقرآن ونبوة محمد - ﷺ -. وهو اختيار الطبري ٧/ ١٦٤، وابن كثير ٢/ ١٤٣، وأفاد ابن عطية ٥/ ١٥٤، والسمين في \"الدر\" ٤/ ٥٧٠، صحة عودة الضمير على الكل دون تخصيص، كأنه قيل: يعرفون ما ذكرنا وقصصنا. وانظر: الماوردي ٢/ ١٠٠، و\"البحر\" ٤/ ٩٢.\n(٥) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٣٥، ومثله ذكر النحاس في \"إعرابه\" ١/ ٥٣٩، والرازي في \"تفسيره\" ١٢/ ١٧٩، والقرطبي في \"تفسيره\" ٦/ ٤٠٠، ورجح الطبري ٧/ ١٦٤، الوجه الأول، والسمين في \"الدر\" ٤/ ٥٧٠، الوجه الثاني، وانظر: \"المشكل\" ١/ ٢٤٧، وابن عطية في \"تفسيره\" ٥/ ١٥٥، و\"التبيان\" ١/ ٣٢٧، و\"الفريد\" ٢/ ١٣٣، و\"البحر\" ٤/ ٩٣، وأفاد أبو حيان والسمين (أن الفاء في قوله ﴿فَهُمْ﴾ على الوجه الأول لعطف جملة اسمية على مثلها، والمراد بالذين خسروا أهل الكتاب خاصة، وعلى الوجه الثاني الفاء رابطة لما عرف من شبه الموصول بالشرط، والمراد بالذين خسروا جملة الكفار من أهل الكتاب وغيرهم).","vol":"8","page":51},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-990>٢١ </span>- وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ قال ابن عباس: (ومن أكفر ممن اختلق على الله كذبًا فأشرك به الآلهة) (١).\nوقال أهل المعاني: (هذا استفهام معناه الجحد، أي: لا أحد أظلم منه؛ لأن جوابه كذلك، فاكتفى من الجواب بما يدل عليه، والمراد بالمفتري على الله الكذب الذين ذكرهم الله في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا﴾ (٢) [الأعراف: ٢٨].\nوقوله تعالى ﴿أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ﴾ قال ابن عباس: (يعني القرآن ومحمدًا) (٣). وقال أصحاب المعاني: (المكذّب بآيات الله الجاحد لها بقوله ما نصب الله آية على نبوة محمد - ﷺ - كاليهود والنصارى الذين كذبوا بالقرآن ومعجزاته) (٤).\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ قال عطاء عن ابن عباس: (يريد لا يسعد من جحد بربوبية ربه وكذب رسله) (٥).\nوقال أهل المعاني: (معنى ﴿لَا يُفلِحُ﴾: لا يظفر بطلبه من النجاة في آخرته، ومن لم يظفر بالنجاة هلك بالعذاب) (٦).\n_________\n(١) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٢١، وفي \"تنوير المقباس\" ٢/ ٩ - ١٠، نحوه.\n(٢) انظر: الطبري ٧/ ١٦٥، والسمرقندي في \"تفسيره\" ١/ ٤٧٨، و\"المشكل\" ١/ ٢٤٧، و\"البيان\" ١/ ٣١٦، والبغوي في \"تفسيره\" ٣/ ١٣٥، وابن عطية في \"تفسيره\" ٥/ ١٥٦.\n(٣) \"تنوير المقباس\" ٢/ ١٠.\n(٤) انظر: \"تفسير الطبري\" ٧/ ١٦٥، و\"القرطبي\" ٦/ ٤٠١، و\"تفسير الخازن\" ٢/ ١٢٥.\n(٥) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٢١.\n(٦) الفلاح في اللغة: الفوز والنجاة والبقاء في النعيم والخير. انظر: \"العين\" ٣/ ٢٣٣، و\"الجمهرة\" ١/ ٥٥٥، و\"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٨٢٦، و\"الصحاح\" ١/ ٣٩٢، =","vol":"8","page":52},{"text":"والمراد بالظالمين الذين وصفوا بالافتراء على الله والتكذيب بآياته، بين أنهم ظالمون لأنفسهم بإهلاكهم إياها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-991>٢٢ </span>- وقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا﴾ العامل في ﴿يَوْمَ﴾ محذوف على معنى: واذكر يوم نحشرهم. وقيل (١): (إنه معطوف على محذوف، كأنه قيل: ﴿لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ أبدًا ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ﴾).\nوقوله تعالى: ﴿أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ﴾ اختلفوا في وجه هذا السؤال فقال مقاتل: (إن المشركين في الآخرة لما رأوا تجاوز الله تعالى عن أهل التوحيد قال بعضهم لبعض: إذا سئلتم فقولوا: إنا موحدون، فلما جمعهم الله قال [لهم] (٢): (﴿أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾) (٣)، فعلى هذا إنما سئلوا ليعلموا أن الله تعالى يعرف أنهم أشركوا به في دار الدنيا، وأنه لا ينفعهم الكتمان.\nوقال غيره من المفسرين: (إن المشركين كانوا يزعمون أن آلهتهم تشفع لهم عند الله، فقيل لهم يوم القيامة: ﴿أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾\n_________\n= و\"المجمل\" ٣/ ٧٠٥، و\"مقاييس اللغة\" ٤/ ٤٥٠، و\"المفردات\" ص ٦٤٤، و\"اللسان\" ٢/ ٥٤٧ (فلح).\n(١) هذا قول الطبري في \"تفسيره\" ٧/ ١٦٥، وعليه يكون الكلام متصلًا، وقال الكرماني في \"غرائبه\" ١/ ٣٥٦: (هذا قول غريب)، وأكثرهم على أن قوله: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ﴾ كلام مستأنف.\nوانظر: \"القطع والائتناف\" ١/ ٢٢١، و\"المكتفي\" للداني ص ٢٤٨، وابن عطية في \"تفسيره\" ٥/ ١٥٦، و\"التبيان\" ١/ ٣٢٧، و\"الفريد\" ٢/ ١٣٣، و\"البحر\" ٤/ ٩٤، و\"الدر المصون\" ٤/ ٥٧١.\n(٢) لفظ: (لهم) ساقط من (ش).\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ١/ ٥٥٥.","vol":"8","page":53},{"text":"أنها تشفع لكم)، فكأن معنى هذا السؤال التوبيخ (١)؛ لأنه سؤال في وقت الحاجة إلى الإغاثة عمن كان يدعي أنه يغيث، وأضاف الشركاء إليهم؛ لأنهم اتخذوها وافتعلوها من عند أنفسهم، ومعنى ﴿تَزْعُمُونَ﴾: تكذبون (٢).\nقال ابن عباس: (وكل زعم في كتاب الله كذب) (٣). والعائد إلى الموصول من قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ محذوف، والتقدير ﴿الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ أنهم شفعاء، فحذف مفعول الزعم، لدلالة الكلام، وإحالة (٤) السؤال عليه (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-992>٢٣ </span>- وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ﴾ (٦) قرئ ﴿يَكُنْ﴾ بالياء والتاء، و(فتنتهم) رفعًا ونصبًا (٧).\n_________\n(١) انظر: \"تفسير الطبري\" ٧/ ١٦٥، والسمرقندي في \"تفسيره\" ١/ ٤٧٨، وابن الجوزي في \"تفسيره\" ٣/ ١٦، والقرطبي ٦/ ٤٠١.\n(٢) الزَّعْم: القول من غير صحة ولا يقين، وقال الراغب في \"المفردات\" ص ٣٨٠ (الزعم حكايته قول يكون مظنة للكذب، ولهذا جاء في القرآن في كل موضع ذم القائلون به ا. هـ. وانظر: \"العين\" ١/ ٣٦٤، و\"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٥٣٢، و\"الصحاح\" ٥/ ١٩٤١، و\"مقاييس اللغة\" ٣/ ١٠، و\"اللسان\" ٣/ ١٨٣٤ (زعم).\n(٣) ذكره الرازي في \"تفسيره\" ١٢/ ١٨١، والقرطبي ٦/ ٤٠١، وأبو حيان في \"البحر\" ٤/ ٩٤.\n(٤) في (ش): (وحاله)، وهو تحريف.\n(٥) انظر: \"غرائب الكرماني\" ١/ ٣٥٦، و\"التبيان\" ١/ ٣٢٧، و\"الفريد\" ٢/ ١٣٣، و\"البحر\" ٤/ ٩٤، و\"الدر المصون\" ٤/ ٥٧٢.\n(٦) في (أ): (ثم لم يكن فتنتهم) قرئ (تكن) الأولى بالياء والثاني بالتاء.\n(٧) قرأ حمزة والكسائي (يكن) بالياء على التذكير، وقرأ الباقون بالتاء على التأنيث، وقرأ ابن عامر وابن كثير وحفص عن عاصم (فتنتهم) برفع التاء، وقرأ الباقون =","vol":"8","page":54},{"text":"وجملة القول في هذا أنه يجوز تذكير الفتنة؛ لأنه بمعنى الافتتان، ويجوز تأنيث ﴿أَنْ قَالُوا﴾ لوجهين: أحدهما: أنه بمعنى المقالة، والثاني: أن قوله: ﴿إِلَّا أَنْ قَالُوا﴾ هو الفتنة في المعنى؛ لأن ذلك القول هو فتنتهم، فإذا أسند الكون إليه جاز تأنيثه، كقوله تعالى: ﴿فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠]، فأنث الأمثال وواحدها مثل، حيث كانت الأمثال هاهنا في المعنى (١) الحسنات، ومثل هذا في الشعر قول لبيد:\nمنهُ إذا هِيَ عَرَّدَتْ إقْدامُها (٢)\nفأنث الإقدام لما كان (٣) العادة في المعنى، وإذا كانت الفتنة مؤنثة وجاز تذكيرها، وإن قالوا: مذكر وجاز تأنيثه، وهما (٤) معرفتان، كان لك\n_________\n= بالنصب. انظر: \"السبعة\" ص ٢٥٤ - ٢٥٥، و\"المبسوط\" ص ١٦٧، و\"التذكرة\" ٢/ ٣٩٥، و\"التيسير\" ص ١٠١ - ١٠٢، و\"النشر\" ٢/ ٢٥٧\n(١) في (ش): (في معنى).\n(٢) \"ديوان لبيد بن ربيعة\" ص ١٧٠، و\"جمهرة أشعار العرب\" ١٣٢، و\"الخصائص\" ٢/ ٤١٥، و\"سر صناعة الإعراب\" ١/ ١٣، و\"مقاييس اللغة\" ٤/ ٣٠٥، و\"أمالي ابن الشجري\" ١/ ١٩٧، و\"الإنصاف\" ٢/ ٦٢٠، و\"اللسان\" ٥/ ٢٨٧٢ (عرد)، و\"الدر المصون\" ٤/ ٥٧٣، وصدره:\nقمضى وقدمها كانت عادة\nوقوله: قمضى أي: حمار الوحشي، وقدمها أي: الآتان، وعردت: حادث عن الطريق، وأصل التعريد: الفرار، وإقدامها: تقدمها.\nوالشاهد: وكانت عادة إقدامها، حيث أنث كانت مع أن المسند إليه إقدمها، وهو مذكر؛ لأنه ذهب إلى تأثيث العادة، أو لأن الإقدام بمعنى التقدمة. انظر: \"شرح القصائد\" للنحاس ١/ ٣٩٢.\n(٣) لفظ: (لما كان)، مكرر في (أ).\n(٤) انظر: \"الكتاب\" ١/ ٥١.","vol":"8","page":55},{"text":"أن تقرأ ﴿يَكُنْ﴾ بالتاء والياء، وتجعل أيهما شئت من الفتنة. و﴿أَنْ قَالُوا﴾ الاسم أو الخبر، إلا أن الاختيار قرأه من جعل ﴿أَنْ قَالُوا﴾ الاسم دون الخبر؛ لأن ﴿أَنْ﴾ إذا وصلت بالفعل لم توصف، فأشبهت بامتناع وصفها المضمر، فكما أن المضمر إذا كان مع المظهر كان أن يكون الاسم أحسن، كقولك: كنت القائم، كذلك إذا كانت (أن) مع اسم غيرها كانت أن يكون الاسم أولى (١).\nواختلفوا في معنى الفتنة هاهنا، فالأكثرون على أن معناه: ثم لم يكن جوابهم، وذلك لأنهم حين سئلوا اختبر ما عندهم بالسؤال فلم يكن الجواب عن ذلك الاختبار (٢) إلا هذا القول، وهذا قول أبي العالية والقرظي (٣) واختيار عبد الله بن مسلم (٤). قال أبو العالية: ﴿فِتْنَتُهُمْ﴾: مقالتهم، وقال القرظي: (إجابتهم)، وقال قتادة (٥): ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ﴾ معذرتهم ﴿إِلَّا أَنْ قَالُوا﴾، وهذا راجع إلى معنى الجواب، وروي هذا\n_________\n(١) هذا معنى قول أبي علي الفارسي في \"الحجة\" ٣/ ٢٨٨ - ٢٩٠. وانظر: \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ١٥/ ١٨٨، و\"معاني القرآن\" للزجاج ٢/ ٢٣٥، و\"تفسير الطبري\" ٧/ ١٦٧، و\"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ٥٤٠، و\"معاني القراءات\" ١/ ٣٤٧، و\"إعراب القراءات\" ١/ ١٥٣، و\"الحجة\" لابن خالويه ص ١٣٦، ولابن زنجلة ص ٢٤٣، و\"الكشف\" ١/ ٤٢٦، و\"المشكل\" ١/ ٢٤٨، و\"الدر المصون\" ٤/ ٥٧٢.\n(٢) في (ش): (الاختيار) بالياء، وهو تصحيف.\n(٣) ذكره أبو حيان في \"البحر\" ٤/ ٩٥ عن أبي العالية ومحمد بن كعب القرظي.\n(٤) \"تفسير غريب القرآن\" ص ١٥٢، و\"تأويل مشكل القرآن\" ص ٤٧٢.\n(٥) أخرجه الطبرى في \"تفسيره\" ٧/ ١٦٧، من طرق جيدة، وأخرج عبد الرزاق في \"تفسيره\" ١/ ٢/ ٢٠٦، والطبري في \"تفسيره\" بسند جيد عنه قال: (مقالتهم).","vol":"8","page":56},{"text":"القول عن ابن عباس، [ثم قال] (١): ﴿لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ﴾ (يعني معذرتهم حين يسألون عن آلهتهم ﴿إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾) (٢).\nوقال أبو إسحاق: (تأويل هذه الآية تأويل حسن في اللغة لطيف، لا يعرفه إلا من عرف معاني الكلام وتصرف العرب في ذلك، وذلك أن الله تعالى ذكر في هذه الأقاصيص التي جرت [من] (٣) أمر المشركين، وأنهم مفتنون بشركهم، ثم أعلم أنه لم يكن افتتانهم بشركهم وإقامتهم عليه إلا أن تبرأوا منه وانتفوا منه، فحلفوا (٤) أنهم ما كانوا مشركين. قال: ومثل ذلك أن ترى إنسانًا يحب غاويًا فإذا وقع في هلكة بسببه تبرأ منه، فيقال له: ما كانت محبتك لفلان إلا أن انتفيت منه) (٥).\nفالفتنة هاهنا بمعنى: الشرك والافتتان بالأوثان، ويؤيد هذا الوجه ما روى عطاء عن ابن عباس في هذه الآية في قوله: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ﴾ قال: (يريد شركهم في الدنيا) (٦) وهذا القول في التأويل راجع إلى حذف المضاف؛ لأن المعنى: لم تكن عاقبة فتنتهم إلا البراءة، ومثله قولك: ما كانت محبتك لفلان إلا أن انتفيت منه، أي: عاقبة محبتك (٧).\n_________\n(١) (ثم قال): ساقط من (ش)، ولعل الصواب: قال.\n(٢) ذكره البخاري في \"صحيحه\" كتاب التفسير: ٨/ ٢٨٦ \"الفتح\". في تفسير سورة الأنعام. وأخرجه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٤/ ١٢٧٣ بسند ضعيف، وفي رواية أخرى ضعيفة قال: (حجتهم). وأخرج الطبري في \"تفسيره\" ٧/ ١٦٦ بسند ضعيف عنه قال: (قولهم)، وفي أخرى ضعيفة قال: (كلامهم).\n(٣) (لفظ): (من) ساقط من (أ).\n(٤) في (ش): (فحلوا)، وهو تحريف.\n(٥) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٣٥ - ٢٣٦.\n(٦) ذكره الرازي في \"تفسيره\" ١٢/ ١٨٢، وقال ابن القيم كما في \"بدائع التفسير\" ٢/ ١٤٤: (أي: لم تكن عاقبة شركهم إلا أن تبرأوا منه وأنكروه) ا. هـ.\n(٧) انظر: \"تفسير الرازي\" ١٢/ ١٨٢.","vol":"8","page":57},{"text":"واختلفوا في قوله تعالى: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا﴾ فقرئ ﴿رَبِّنَا﴾ بالنصب والخفض (١)، فمن خفض جعل الاسم المضاف وصفًا للمفرد، كقولك: رأيت زيدًا صاحبنا، وبكرًا جاركم؛ ومن نصب جعله منادى مضافًا، وفصل به بين القسم والمقسم عليه، والفصل بالنداء كثير في كلامهم، وذلك لكثرة النداء في الكلام، ومثله قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ﴾ [يونس: ٨٨]. والمعنى: آتيتهم أموالًا ليضلوا فلا يؤمنوا، ففصل بالمنادي بين فعله ومفعوله (٢).\nقوله تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأنعام: ٢٤] قال قتادة: (باعتذارهم بالباطل) (٣).\nوقال عطاء: (بجحد شركهم في الآخرة) (٤).\nوقوله تعالى: ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ﴾ عطف على قوله: ﴿انْظُرْ﴾ تقديره: وكيف، ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ (٥) بعبادته من الأجسام والأوثان فلم\n_________\n(١) قرأ حمزة والكسائي (ربنا) بنصب الباء، والباقون بجرها.\nانظر: \"السبعة\" ص ٢٥٥، و\"المبسوط\" ص ١٦٧، و\"التذكرة\" ٢/ ٣٩٦، و\"التيسير\" ص ١٠٢، و\"النشر\" ٢/ ٢٥٧.\n(٢) هذا معنى قول الفارسي في \"الحجة\" ٣/ ٢٩١، وانظر: \"معاني الفراء\" ١/ ٣٣٠، والأخفش ٢/ ٢٧٠، والزجاج ٢/ ٢٣٦، و\"إعراب النحاس\" ١/ ٥٤١، و\"معاني القراءات\" ١/ ٣٤٧، و\"إعراب القراءات\" ١/ ١٥٣، و\"الحجة\" لابن خالوية ص ١٣٧. ولابن زنجلة ص ٢٤٤، و\"الكشف\" ١/ ٤٢٧، و\"التبيان\" ١/ ٣٢٨، و\"الدر المصون\" ٤/ ٥٧٤.\n(٣) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٧/ ١٦٨، بسند جيد.\n(٤) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٢٢.\n(٥) أكثرهم على أن (وضل عنهم) معطوف على جملة (كذبوا)، فيكون داخلًا في حيز النظر، ويجوز أن يكون استئنافًا فلا يندرج في حيز المنظور إليه. انظر: الرازي =","vol":"8","page":58},{"text":"تغن عنهم شيئًا، وذلك أنهم كانوا يرجون شفاعتها ونصرتها لهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-993>٢٥ </span>- قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ﴾ قال المفسرون (١): (إن نفرًا من مشركي مكة -منهم النضر بن الحارث (٢) وغيره- جلسوا إلى رسول الله - ﷺ - وهو يقرأ القرآن، فقالوا للنضر: ما يقول محمد؟ فقال: أساطير الأولين مثل ما كنت أحدثكم عن القرون الماضية، فأنزل الله هذه الآية) (٣).\nوقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾، الأكنة: جمع كنان، وهو ما وقى شيئًا وستره، مثل عنان وأعنة (٤).\nقال الليث: (كل شيء وقي شيئًا فهو كِنانة وكِنُّة، والفعل من ذلك كننتُ وأكننت) (٥). وأنشد أبو عبيدة لعمر بن أبي ربيعة:\n_________\n= في \"تفسيره\" ١٢/ ١٨٥، والقرطبي في \"تفسيره\" ٦/ ٤٠٢، و\"البحر\" ٤/ ٩٦، و\"الدر المصون\" ٤/ ٥٧٥.\n(١) انظر: الطبري في \"تفسيره\" ٧/ ١٦٨، والبغوي في \"تفسيره\" ٣/ ١٣٥.\n(٢) النضر بن الحارث بن علقمة بن كلدة بن عبد مناف، شيطان قريش وصاحب لواء المشركين ببدر، مشرك مجاهر بالعداوة والأذي لرسول الله - ﷺ -. قتل في بدر سنة ٢ هـ انظر: \"سيرة ابن هشام\" ٩/ ٣١١، ٣٢٠، ٣٢١، ٢/ ٢٨٦، و\"جوامع السير\" ص ٥٢، ١٤٧ - ١٤٨، و\"الكامل\" لابن الأثير ٢/ ٤١٤، و\"الأعلام\" ٨/ ٣٣.\n(٣) انظر: \"سيرة ابن هشام\" ١/ ٣٣٧، ٣٣٨، و\"تفسير الثعلبي\" ١٧٦/ أ، والماوردي ٢/ ١٠٣، و\"الزمخشري\" ٢/ ١١. وذكره الواحدي في \"أسباب النزول\" ص ٢١٧، وابن الجوزي في \"تفسيره\" ٣/ ١٨، والرازي في \"تفسيره\" ١٢/ ١٨٥، والقرطبي في \"تفسيره\" ٦/ ٤٠٥، وأبو حيان في \"البحر\" ٤/ ٩٧ عن ابن عباس، وذكره البغوي في \"تفسيره\" ٣/ ١٣٦، عن الكلبي.\n(٤) انظر: \"العين\" ٥/ ٢٨١، و\"المجمل\" ٣/ ٧٦٦، و\"مقاييس اللغة\" ٥/ ١٢٣، و\"المفردات\" ص ٤٤٢ (كن).\n(٥) \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣١٩٦ (كن).","vol":"8","page":59},{"text":"أَينا باتَ ليلةً ... بَيْنَ غُصْنَينِ يُؤبَلُ (١)\nتَحتَ عَيْنِ كِنَانُ (٢) ... ظِلُّ برْدٍ مُرَحَّلُ\nيعني: غطاهم الذي يكنهم (٣). فأما ﴿أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾ فقال (٤) الزجاج: (موضع ﴿أَنْ﴾ نصب على أنه مفعول له، والمعنى: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً﴾؛ لكراهة ﴿أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾، فلما حذفت اللام نصبت الكراهة، ولما حذفت الكراهة انتقل نصبها إلى ﴿أَنْ﴾ (٥).\nوقوله تعالى: ﴿وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾، قال ابن السكيت: (الوقر (٦): الثقل في الأذن، يقال: قد وقرت أذنه توقر، فهي موقورة. ويقال: اللهم قر أذنه، ويقال أيضًا: قد وقرت أذنه توقر وقرًا) (٧).\nوأنشد الزجاج (٨):\n_________\n(١) ليس في ديوانه، وهما في \"اللسان\" ٧/ ٣٩٤٣، (كنن) وبلا نسبة في \"الجمهرة\" ١/ ١٦٦، والبيت الأخير في \"الصحاح\" ٦/ ٢١٨٨، و\"تاج العروس\" ١٨/ ٤٨٤، وبلا نسبة في \"تفسير الطبري\" ٧/ ١٦٩.\n(٢) في (ش): (كناننا)، وهي رواية أكثرهم.\n(٣) \"مجاز القرآن\" ٨/ ١٨٨.\n(٤) في (ش): (قال).\n(٥) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٣٦، وانظر: \"إعراب النحاس\" ١/ ٥٤١، و\"البيان\" ١/ ٣١٧، و\"التبيان\" ١/ ٣٢٨، و\"الفريد\" ٢/ ١٣٥، و\"البحر\" ٤/ ٩٧، و\"الدر المصون\" ٤/ ٥٧٧.\n(٦) قال الطبري ٧/ ١٧٠: (الوقر عند العرب بفتح الواو: الثقل في الأذن، وبكسرها: الحمل) ا. هـ انظر: \"مجاز القرآن\" ١/ ١٨٩، و\"معاني الأخفش\" ٢/ ٢٧٢، و\"الجمهرة\" ٢/ ٧٩٦، و\"الصحاح\" ٢/ ٨٤٨، و\"المجمل\" ٣/ ٩٣٣، و\"مقاييس اللغة\" ٦/ ١٣٢، و\"المفردات\" ص ٨٨٠، و\"اللسان\" ٨/ ٤٨٨٩، (وقر).\n(٧) \"إصلاح المنطق\" ص ٣ - ٤، و\"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٩٣١ (وقر).\n(٨) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٣٧.","vol":"8","page":60},{"text":"وِكَلاَمٍ سيِّئٍ قَدْ وُقِرَت ... أذُنِي عَنْهُ وَمَا بي مِنْ صَمَمْ (١)\nفأما التفسير فقال ابن عباس: (﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ﴾ (يعني القرآن، ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾ غطاء كي لا يعوه) (٢).\nوقال السدي: (يعني الغطاء يكن قلوبهم فلا يعرفون الحق) (٣).\nوقال الحسن: (﴿أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾ لئلا يقبلوه، كقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ﴾ [المنافقون: ٧]، أي: لا يقبلون عن الله تعالى) (٤).\n﴿وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾ قال ابن عباس: (صممًا) (٥).\nوقال الضحاك: (ثقلًا) (٦).\nوقال قتادة: (يسمعون (٧) بآذانهم فلا يفقهون منه شيئًا، كمثل البهيمة تسمع القول ولا تدري ما يقال (٨) لها) (٩).\nقال أبو إسحاق: (وإنما فعل بهم (١٠) ذلك مجازاة لهم بإقامتهم على\n_________\n(١) الشاهد للمثقب العبدي في \"ديوانه\" ص ٢٣٠، و\"المفضليات\" ص ٢٩٤، وبلا نسبة في \"العين\" ٥/ ٢٠٦، و\"معاني الأخفش\" ٢/ ٢٧٢، و\"الصاحبي\" ص ٤٣٧، وابن عطية في \"تفسيره\" ٥/ ١٦٢، وابن الجوزي ٣/ ١٩.\n(٢) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٢٣، وفي \"تنوير المقباس\" ٢/ ١١، نحوه.\n(٣) أخرجه الطبري ٧/ ١٦٩، وابن أبي حاتم ٤/ ١٢٧٥ بسند جيد.\n(٤) لم أقف عليه.\n(٥) \"تنوير المقباس\" ٢/ ١١، وذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٢٣.\n(٦) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٢٣.\n(٧) في (أ): (يستمعون).\n(٨) في (ش): (ما يقول).\n(٩) أخرجه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ١/ ٢٠٩، والطبري في \"تفسيره\" ٧/ ١٧٠، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٤/ ١٢٧٦، بسند جيد.\n(١٠) في (ش): (وإنما فعل ذلك بهم).","vol":"8","page":61},{"text":"كفرهم، وليس المعنى أنهم لم يسمعوا ولم يفقهوا، ولكنهم (١) حرموا الانتفاع به لما عدلوا عنه وحرفوا فكرهم عما عليهم (٢) في سوء العاقبة، فكانوا بمنزلة من لم يعلم ولم يسمع). قال أصحابنا: (وهذه الآية دلالة صريحة على أن الله تعالى يقلب القلوب، فيشرح (٣) بعضها للهدى، ويجعل بعضها في أكنة فلا يفقه صاحبه كلام الله تعالى ولا يؤمن، كما جعل على قلوب القدرية أكنة فلم يفقهوا آيات القدر، كما لم يفقه قلوب المشركين الإيمان) (٤).\nوقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ﴾ قال ابن عباس: (يريد كل عبرة) (٥).\n_________\n(١) في (ش): (ولكن حرموا).\n(٢) كذا في النسخ، ومثله عند ابن الجوزي في \"تفسيره\" ٣/ ١٩، وعند الزجاج ٢/ ٢٣٧ (عماهم عليه).\n(٣) في (ش): (فيشرح الصدر للهدى).\n(٤) انظر: \"معاني النحاس\" ٢/ ٤١٠، و\"تفسير البغوي\" ٥/ ١٦٣، وابن عطية في \"تفسيره\" ٥/ ١٦٣، والرازي ١٢/ ١٨٦، و\"البحر\" ٤/ ٩٧.\nوقال ابن القيم في \"بدائع التفسير\" ٢/ ١٤٤، في تفسير الآية:\n(هذه الأكنة والوقر هي شدة البغض والنفرة والإعراض معها سمعًا لا عقلًا، والتحقيق أن هذا ناشئ عن الأكنة والوقر فهو موجب ذلك مقتضاه، فمن فسر الأكنة والوقر به فقد فسرها بموجبها ومقتضاها، وبكل حال فتلك النفرة والإعراض والبعض من أفعالهم وهي مجعولة لله سبحانه، كما أن الرأفة والرحمة وميل الأفئدة إلى بيته هو من أفعالهم، والله جاعله فهو الجاعل للذوات وصفاتها وأفعالها وإرادتها واعتقادتها، فذلك كله مجعول مخلوق له، وإن كان العبد فاعلًا له باختياره وإرادته) ا. هـ.\n(٥) ذكر الرازي ١٢/ ١٨٧، عن ابن عباس في الآية قال: (وإن يروا كل دليل وحجة) ا. هـ.","vol":"8","page":62},{"text":"وقال الزجاج: (أي: علامة تدلهم على نبوتك) (١).\n﴿لَا يُؤْمِنُوا بِهَا﴾ قال ابن عباس: (لا يصدقوا بها؛ وذلك لأن الله تعالى جعل على قلوبهم أكنة) (٢).\nوقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ﴾ إلى آخر الآية، فصل آخر متصل بما قبله، والمعنى: إن حالهم في البعد عن الإيمان ما ذكره الله تعالى من منعهم وصدهم عن تصديق محمد، حتى إذا جاؤوه مجادلين إياه فيقول من كفر منهم لما يسمع من القرآن: ﴿مَا هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾، قال الزجاج: (أعلم الله ﷿ مقدار احتجاجهم وجدلهم، وأنهم لا يعارضون ما احتج به عليهم من الحق، حيث قيل لهم: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [البقرة: ٢٣] إلا بأن يقولوا: هذا أساطير الأولين، ويقولون: ﴿افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ [المؤمنون: ٣٨] (٣).\nفأما معني الأساطير وتفسيرها: فأصلها من السطر، وهو أن يجعل شيئًا ممتدًا مؤلفًا، ومن ذلك سطر الكتاب وسطر من شجر مغروس ونحو ذلك (٤).\nقال ابن السكيت: (يقال: سَطْر، وسَطَر فمن قال: سَطْر فجمعه في القليل أَسْطر والكثير سُطُور، ومن قال: سَطَر جَمَعَه أسطارًا) (٥). ثم أساطير\n_________\n(١) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٣٧.\n(٢) ذكره الرازي ١٢/ ١٨٧.\n(٣) انظر: \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٣٧، والنحاس ٢/ ٤١٠، و\"تفسير الرازي\" ١٢/ ١٨٨.\n(٤) انظر: \"العين\" ٧/ ٢١٠، و\"الجمهرة\" ٢/ ٧١٣، ١١٩٣، و\"الصحاح\" ٢/ ٦٨٤، و\"المجمل\" ٢/ ٤٦٠، و\"مقاييس اللغة\" ٣/ ٧٢، و\"المفردات\" ص ٤٠٩ (سطر).\n(٥) \"إصلاح المنطق\" ص ٩٥، و\"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٦٨٣، وأفاد أكثرهم: (أن سطر بسكون الطاء جمعه في القلة أسطر وفي الكثرة سطور، وبفتح الطاء جمعه =","vol":"8","page":63},{"text":"جمع الجمع، قاله اللحياني. [قال] (١): (وواحد الأساطير أسطور وأسطورة وأسطير وأسطيرة إلى العشرة، ثم أساطير جمع الجمع) (٢).\nواختار الزجاج أن يكون واحدها أسطورة مثل أحدوثة وأحاديث، قال ذلك في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا﴾ [الفرقان: ٥] (٣)، وهو قول أبي عبيدة (٤)، وذهب الأخفش (٥) وأبو زيد (٦) إلى أنه لا واحد لها مثل عباديد (٧) وأبابيل (٨)، قال أبو زيد: إلا أرى الأساطير إلا من الجمع الذي لا واحد له مثل عباديد، ولا يكون هذا المثال إلا جمعًا) (٩).\n_________\n= أسطار؛ لأن فعل بالسكون يجمع في القلة على أفعل وبالفتح على أفعال). انظر: \"البيان\" ١/ ٣١٧، و\"التبيان\" ٣٢٨، و\"الفريد\" ٢/ ١٣٥، و\"البحر\" ٤/ ٩٨.\n(١) (قال) ساقط من (ش).\n(٢) \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٦٨٣، وليس فيه -أسطيرة- وهي في \"اللسان\" ٤/ ٢٠٠٧ (سطر) عن اللحياني.\n(٣) \"معاني الزجاج\" ٤/ ٥٨، انظر: ٢/ ٢٣٧.\n(٤) \"مجاز القرآن\" ١/ ١٨٩.\n(٥) \"معاني الأخفش\" ٢/ ٢٧٢.\n(٦) أبو زيد سعيد بن أوس بن ثابت الأنصاري أبو زيد البصري، تقدمت ترجمته.\n(٧) في (أ): (عناديد)، ولم أقف عليها، والذي في أكثر المراجع (عباديد)، والعباديد لا واحد لها من لفظها، وهي الفرق من الناس والخيل الذاهبين في كل وجه. والعباديد أيضًا: الأكام والطرق البعيدة. انظر: \"القاموس\" ص ٢٩٦، (عبد).\n(٨) الأبابيل جمع لا واحد له، وقيل: جمع إبيل وإبول، وهي الفرق والجماعات المتفرقة والفرق التي يتبع بعضها بعضًا. انظر: \"اللسان\" ١/ ١١ (أبل).\n(٩) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٢٤، والرازي في \"تفسيره\" ١٢/ ١٨٨، وهو نص كلام الأخفش في \"معانيه\" ٢/ ٢٧٢، وحكاه ابن دريد في \"الجمهرة\" ٣/ ١٢٧١ عن الأصمعي، وأكثرهم على أن أساطير جمع أسطورة، ويحتمل أنه جمع أسطارة أو أسطار. انظر: \"تفسير الطبري\" ٧/ ١٧١، و\"نزهة القلوب\" ص ٧١، و\"إعراب =","vol":"8","page":64},{"text":"ومعني ﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ ما سطره الأولون (١).\nقال ابن عباس: (أحاديث الأولين التي كانوا يسطرونها، أي: يكتبونها) (٢).\nفأما قول (٣) من فسر الأساطير بالتُّرّهات (٤) والبسابس (٥) فهو معنى وليس بتفسير، وتفسيره ما ذكرنا (٦). ولما كانت أساطير الأولين مثل حديث رستم (٧) وإسفنديار (٨) كلامًا لا فائدة فيه ولا طائل تحته فسرت أساطير الأولين هاهنا بالتُّرّهات والبسابس (٩).\n_________\n= النحاس\" ١/ ٥٤١، و\"الألفات\" لابن خالويه ص ٧٦، و\"العضديات\" ص ٥٥ و\"سر صناعة الإعراب\" ٢/ ٦١٠، و\"المشكل\" ١/ ٢٤٨، و\"عمدة الحفاظ\" ص ٢٤١، و\"تاج العروس\" ٦/ ٥٢٠ (سطر).\n(١) انظر: \"غريب القرآن\" ص ٢٤٣.\n(٢) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٧/ ١٧١ بسند جيد.\n(٣) هذا قول أبي عبيدة في \"المجاز\" ١/ ١٨٩، وانظر: \"تفسير السمرقندي\" ١/ ٤٧٩.\n(٤) التُّرّهات بالضم وفتح الراء المشددة جمع ترهة: وهي الأباطيل، وفي الأصل الطرق الصغار المتشعبة عن الطريق الأعظم. انظر: \"تهذيب اللغة\" ١/ ٤٣٧، و\"الصحاح\" ٦/ ٢٢٢٩، و\"اللسان\" ١/ ٤٣١ (تره).\n(٥) البَسَابس، بالفتح: الباطل، ويقال: ترهاتُ البسابسِ، بالإضافة. انظر: الصحاح ٣/ ٩٠٩، واللسان ١/ ٢٨٢ (بسس).\n(٦) انظر: \"تفسير الماوردي\" ٢/ ١٠٤، وقال الرازي ١٢/ ١٨٨ (الأول قول الجمهور وتفسيرها بالترهات معنى وليس بتفسير) ا. هـ. بتصرف.\n(٧) رستم الشديد بن دستان بن بريمان من ملوك الفرس. انظر أخباره في: \"تاريخ الطبري\" ١/ ٥٠٤، و\"الروض الأنف\" ٢/ ٥٢، و\"الكامل في التاريخ\" ١/ ١٣٧.\n(٨) إسفنديار بن بشتاسب: من ملوك الفرس. انظر أخباره في: \"تاريخ الطبري\" ١/ ٥٦٢، و\"الروض الأنف\" ٢/ ٥٢، و\"الكامل في التاريخ\" ١/ ١٥٤.\n(٩) أفاد أكثرهم: (أن النضر بن الحارث صاحب أسفار وقصص، فسمع بالحيرة وغيرها قصص الأعاجم وأحاديث رستم واسفنديار، وكان يحدث بها ويقول: =","vol":"8","page":65},{"text":"٢٦ - قوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ يعني: المشركين ينهون الناس عن اتباع النبي - ﷺ -؛ عن ابن عباس (١) والحسن (٢) والسدي (٣)، فالكناية على هذا تعود إلى النبي - ﷺ -، وكذلك في ﴿وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾ أي: يتباعدون عنه فلا يؤمنون به، وهو قول الكلبي (٤) قال: ينهون عن محمد - ﷺ - من سألهم عنه (٥) أن يقربوه ويتبعوه)، ونحو هذا قال الضحاك (٦) ومحمد بن الحنفية (٧).\nوقال قتادة (٨) ومجاهد (٩): (ينهون عن القرآن ويتباعدون عن سماعه\n_________\n= أنا أحسن حديثًا من محمد، أحاديثه أساطير الأولين).\nانظر: \"سيرة ابن هشام\" ١/ ٣٢٠، و\"تفسير السمرقندي\" ١/ ٤٧٩، وابن عطية ٥/ ١٦٤، والقرطبي ٦/ ٤٠٥.\n(١) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٧/ ١٧١ بسند جيد، وانظر: \"الدر المنثور\" ٣/ ١٥.\n(٢) ذكره هود الهواري في \"تفسيره\" ١/ ٥٢١، والماوردي ٢/ ١٠٤، والواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٢٥، والقرطبي في \"تفسيره\" ٦/ ٤٠٥.\n(٣) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٧/ ١٧١ بسند جيد.\n(٤) \"تنوير المقباس\" ٢/ ١٢، وذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٢٥.\n(٥) لفظ: (من سألهم عنه) ساقط من (ش).\n(٦) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ١٧٦ ب، والواحدي في \"أسباب النزول\" ص ٢١٨، والبغوي في \"تفسيره\" ٣/ ١٣٦، وابن عطية في \"تفسيره\" ٥/ ١٦٥، وابن الجوزي في \"تفسيره\" ٣/ ٢١.\n(٧) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٧/ ١٧١، بسند ضعيف، وانظر: \"الدر المنثور\" ٣/ ١٥.\n(٨) أخرج عبد الرزاق في \"تفسيره\" ١/ ٢/ ٢٠٥، والطبري في \"تفسيره\" ٧/ ١٧٢، من طرق جيدة عنه، قال: (ينهون عنه القرآن وعن النبي - ﷺ - ويتباعدون عنه) ا. هـ. وانظر: \"الدر المنثور\" ٣/ ١٦.\n(٩) \"تفسير مجاهد\" ١/ ٢١٤، وأخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٧/ ١٧٢ بسند جيد، عن مجاهد وابن زيد، وهو اختيار الرازي ١٢/ ١٨٩.","vol":"8","page":66},{"text":"لئلا يسبق إلى قلوبهم العلم بصحته).\nوالنأي: البعد، ويقال: نأى ينأى إذا بعد، وأنأيته إذا أبعدته، ويقال أيضًا (١): نأيته بمعنى نأيت عنه (٢)، وأنشد المبرد:\nأعاذِلُ إنْ يُصْبِح صداي بِقَفْرةٍ ... بَعِيدًا نآنِي زائِري وَقرِيبي (٣)\nبمعني نأى عني. وحكى الليث: (نأيت الشيء أي أبعدته، وأنشد:\nإذا ما التقينا سالَ مِنْ عَبَرَاتِنا ... شآبِيبُ يُنْأى سَيْلُها بالأصابِع (٤)\nأي: يُنحى ويبعد) (٥).\n_________\n(١) لفظ: (أيضًا) ساقط من (أ).\n(٢) انظر: \"مجاز القرآن\" ١/ ١٨٩، و\"معاني الأخفش\" ٢/ ٢٧٣، و\"غريب القرآن\" ص ١٥٢، و\"الجمهرة\" ١/ ٢٤٩، و\"نزهة القلوب\" ص ٤٨٧، و\"المفردات\" ص ٨٣٠ (نأى).\n(٣) الشاهد للنمر بن تولب العكلي في \"طبقات فحول الشعراء\" ١/ ١٦١، و\"الكامل\" للمبرد ١/ ٤٧٩، وبلا نسبة في \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٤٧٥، و\"اللسان\" ٤/ ٤٣١٧ (نأى)، و\"الدر المصون\" ٤/ ٥٨٢.\nوالصدى هنا ما يبقى وهو جسده الملقى والشاهد: نآني: أصله نأى عني، أي: بعد، فأخرجه مخرج المتعدي، قال المبرد ١/ ٤٨٢ - ٤٨٣: (وقوله. \"نآني\" أي: أبعدني، والأحسن أنآنى لأن الوجه في فَعَل أفْعَلته، وهو المطرد، ويكون نآني: نأى عني) ا. هـ. بتصرف.\n(٤) لم أقف على قائله وهو في: \"العين\" ٨/ ٣٩٢، و\"الصحاح\" ٦/ ٢٤٩٩، و\"المجمل\" ٣/ ٨٥١، و\"مقاييس اللغة\" ٥/ ٣٧٧، و\"اللسان\" ٧/ ٤٣١٤ (نأى)، و\"الدر المصون\" ٤/ ٥٨٢.\n(٥) \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٤٧٥.","vol":"8","page":67},{"text":"وقال عطاء (١) (٢) ومقاتل: (نزلت في أبي طالب، كان ينهى قريشًا عن أذى النبي - ﷺ -، ويتباعد عنه فلا يتبعه على دينه) (٣).\nقال الزجاج: (والقول الأول أشبه بالمعنى؛ لأن الكلام متصلٌ بذكر جماعة أهل الكتاب والمشركين) (٤)، والقول الثاني عدول عن الظاهر، وما\n_________\n(١) عطاء هنا هو: عطاء بن دينار الهذلي مولاهم أبو الريان المصري، إمام مفسر صدوق، أخذ صحيفة في التفسير عن سعيد بن جبير ولم يسمع منه. توفي سنة ١٢٦ هـ.\nانظر: \"الجرح والتعديل\" ٦/ ٣٣٢، و\"ميزان الاعتدال\" ٣/ ٦٩، و\"تهذيب التهذيب\" ٣/ ١٠٠، و\"تقريب التهذيب\" (٤٥٨٩).\n(٢) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٧/ ١٧٣ بسند جيد، عن عطاء بن دينار الهذلي.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ١/ ٥٥٥، وهذا قول جماعة منهم سعيد بن جبير وعمر بن دينار والقاسم بن مخيمرة كما في \"الوسيط\" ١/ ٢٥، و\"الدر المنثور\" ٣/ ١٥، وذكره الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" ٧/ ٨٧، وقال: (رواه الطبراني عن ابن عباس، وفيه قيس بن الربيع، وثقه شعبة وغيره، وضعفه يحيى بن معين وغيره) ا. هـ وأخرجه الحاكم ٢/ ٣١٥، والبيهقي في \"الدلائل\" ٢/ ٣٤٠، والواحدي في \"أسباب النزول\" ص ٢١٨ من طريق واحد عن حبيب بن أبي ثابت عن سعيد بن جبير عن ابن عباس. قال الحاكم: (حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه)، ووافقه الذهبي، وعليه يكون هذا تمثيلًا، وهو داخل في جملة الكفار، ولعل الرواية عن ابن عباس لا تصح؛ لأن السند فيه عبد الله بن منده الأصبهاني رواه عن بكر بن بكار القيسي، وبكر ضعيف كما في \"لسان الميزان\" ٢/ ٤٨٥، وابن منده ضعفه بعضهم، ولم يسمع من بكر كما يظهر من \"الجرح والتعديل\" ٨/ ١٠٨، و\"اللسان\" ٥/ ٧٠، ولأن روايته بسند منقطع أقوى، فقد أخرجه سفيان الثوري في \"تفسيره\" ص ١٠٦، وعبد الرزاق في \"تفسيره\" ١/ ٢/ ٢٠٦، والطبري في \"تفسيره\" ٧/ ١٧٣، والحاكم ٢/ ٣١٥، والبيهقي في \"الدلائل\" ٢/ ٣٤٠، من طرق صحيحة عن حبيب بن أبي ثابت عمن سمع ابن عباس وانظر: \"الدر المنثور\" ٣/ ١٥.\n(٤) معاني الزجاج ٢/ ٢٣٨ - ٢٣٩، وهو الأظهر والأشبه بالمعنى واختيار الجمهور.","vol":"8","page":68},{"text":"يقتضيه الكلام الأول، والوجه أن يقال: أبو طالب من هؤلاء الذين ذكرهم الله (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾ قال ابن عباس: (يريد بتماديهم في معصية الله ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ أنهم يهلكون أنفسهم ويذهبونها إلى النار بما يرتكبون من المعاصي) (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-994>٢٧ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ﴾ الآية. قال أصحاب العربية: (المراد بقوله: ﴿إِذْ وُقِفُوا﴾ الاستقبال، وإن كان بلفظ المضي؛ لأن هذه القصة كائنة، ولما تكن بعد، وجاز لفظ المضي؛ لأن كل ما هو كائن يومًا مما لم يكن بعد، فكأنه عند الله ﷿ قد كان، لسبق علمه ونفوذ قضائه وقدره به؛ إذ علمه موجب لكونه لا محالة) (٣). وأنشدوا في مثل هذا النظم (٤):\n_________\n= انظر: الطبري في \"تفسيره\" ٧/ ١٧٣، و\"معاني النحاس\" ٢/ ٤١٠، و\"تفسير ابن كثير\" ٢/ ١٤٤.\n(١) انظر: ابن عطية ٥/ ١٦٦، و\"البحر\" ٤/ ١٠٠.\n(٢) ذكره الرازي في \"تفسيره\" ١٢/ ١٩٠، وانظر: الطبري في \"تفسيره\" ٧/ ١٧٤، و\"معاني النحاس\" ٢/ ٤١٢.\n(٣) انظر: \"الكتاب\" لسيبويه ٤/ ٢٣٢، و\"تفسير الطبري\" ٧/ ١٧٤، و\"الأضداد\" لابن الأنباري ص ١١٨، و\"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٩٣٧، و\"المغني\" لابن هشام ١/ ٨١، ٩٥، وقال ابن فارس في الصاحبي ص ١٩٦: (أذ تكون للماضي ... فأما قوله جل ثنائه: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ﴾ فـ (ترى) مستقبل وإذ للماضي، وإنما كان كذا لأن الشيء كائن وإن لم يكن بعد، وذلك عند الله جل ثناؤه قد كان؛ لأن علمه به سابق وقضاءه به نافذ، فهو كائن لا محالة، والعرب تقول مثل ذا وإن لم تعرف العواقب) ا. هـ. ملخصًا.\n(٤) لم أعرف قائله، وهو في: \"الصاحبي\" ص ١٩٦، و\"المجمل\" ١/ ١٧٠، =","vol":"8","page":69},{"text":"ستندم إِذْ يَأتِي عَلَيْكَ رَعِيلُنَا ... بأرْعَنَ جَرَّارٍ كثير صوَاهِلُه\nفوضع إذ في موضع إذا. وقد (١) يوضح إذا في موضع إذ كقول الشاعر (٢):\nوَندْمَانٍ يَزِيدُ الكَأْسَ طيِبًا ... سَقَيْتُ إِذا تَعَرَّضَتِ (٣) النُّجُوم\nوقد سبق لهذا (٤) نظائر (٥).\nوقوله تعالى: ﴿وُقِفُوا﴾. يقال: وقفته (٦) وقفًا فوقف وقوفًا، كما يقال: رجعته رجعًا فرجع رجوعًا (٧).\n_________\n= و\"مقاييس اللغة\" ١/ ٤١١، والرعيل: القطعة المتقدمة من الخيل، والأرعن: الجيش العظيم، والجرار: الثقيل السير لكثرته، والصواهل: شدة الصوت والصيال.\n(١) انظر: \"الأضداد\" لقطرب ص ١٥٠، و\"المدخل\" للحدادي ص ٥٧٥.\n(٢) البيت: لبرج بن مسهر الطائي في \"مجاز القرآن\" ١/ ٢١، والطبري في \"تفسيره\" ١/ ٥٨، و\"اللسان\" ٧/ ٤٣٨٦، (ندم)، و\"شرح شواهد المغني\" للسيوطي ١/ ٢٨٠، وبلا نسبة في \"الأضداد\" لقطرب ص ١٥٢، ولابن الأنباري ص ١٩٩، و\"الصاحبي\" ص ١٩٧، و\"المدخل\" للحدادي ص ٥٧٦، و\"المغني\" لابن هشام ١/ ٩٥.\n(٣) جاء في (أ): علامة ضرب على (تعرضت)، ولعلها تحريف عن تغورت كما في جميع المراجع السابقة، ويروى (سقيت وقد تَغَوَّرَت). وندمان: أي نديم: وتغورت أي غارت، وتعرضت: أي أبدت عرضها للمغيب.\n(٤) في (ش): (سبق لها نظائر).\n(٥) لم أقف عليه.\n(٦) انظر: \"العين\" ٥/ ٢٢٣، و\"الجمهرة\" ٢/ ٩٦٧، و\"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٩٣٧، و\"الصحاح\" ٤/ ١٤٤٠، و\"المجمل\" ٣/ ٩٣٤، و\"المفردات\" ص ٨٨١، و\"اللسان\" ٨/ ٤٨٩٨ (وقف).\n(٧) الفعل (وقف) متعدٍّ ولازم، وفرق بينهما بالمصدر اللازم وقوف على فعول ومصدر المتعدي وقف على فعل، وسمع في المتعدي أوقف، يقال: أوقفت عن الأمر =","vol":"8","page":70},{"text":"قال أبو إسحاق: (ومعنى ﴿وُقِفُوا عَلَى النَّارِ﴾ يحتمل ثلاثة أوجه: جائز أن يكون عاينوها، وجائز أن يكونوا عليها وهي تحتهم. قال: والأجود أن يكون معنى: ﴿وُقِفُوا عَلَى النَّارِ﴾ أدخلوها فعرفوا مقدار عذابها. كما تقول في الكلام: قد وقفت على ما عند فلان، تريد: قد فهمته وتبينته) (١)، هذا كلامه.\nوشرح هذا أن قوله: (جائز أن يكون عاينوها) معناه: (أنهم وقفوا عندها وهم يعاينونها، فهم موقوفون على أن يدخلوا النار، وقوله: (وجائز أن يكونوا عليها وهي تحتهم) معناه: أنهم وقفوا فوق النار على الصراط، وهو جسر بين ظهري جهنم، والوجه الثالث معناه: أنهم عرفوا حقيقتها تعريفًا من قولك: وقفت فلانا على كلام فلان، أي: علمته معناه وعرفته. وجماعة يقولون ﴿عَلَى﴾ هاهنا بمنزلة (٢) (في)، والمعنى: وقفوا في النار، كقوله تعالى: ﴿عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ [البقرة: ١٠٢]-أي في ملك (٣).\n_________\n= إذا أقلعت عنه. انظر: \"إعراب النحاس\" ٢/ ٦١، و\"التبيان\" ص ٣٢٨، و\"الفريد\" ٢/ ١٣٦، و\"الدر المصون\" ٤/ ٥٨٤.\n(١) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٣٩.\n(٢) قال ابن هشام في \"المغني\" ١/ ١٤٤، والسيوطي في \"الاتقاق\" ١/ ٢١٤: (على) تكون ظرفية كـ (في) نحو قوله تعالى: ﴿عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ [البقرة: ١٠٢]، وقوله: ﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ﴾ [القصص: ١٥] أي في حين) ا. هـ.\n(٣) هذا قول الطبري ٧/ ١٧٤، البغوي ٣/ ١٣٧، ضعفه السمين في \"الدر\" ٤/ ٥٨٤، والظاهر أن ﴿عَلَى﴾ على بابها، أي: حبسوا عليها. والنار طبقات فيصح معنى الاستعلاء، وهذا هو قول الجمهور. انظر: \"معاني النحاس\" ٢/ ٤١٢، و\"تفسير السمرقندي\" ١/ ٤٧٩، و\"تفسير الماوردي\" ٢/ ١٠٥، و\"الكشاف\" ٢/ ١٢، وابن عطية ٥/ ١٦٨ وابن الجوزي ٣/ ٢٢، والرازي ١٢/ ١٩١، والقرطبي ٦/ ٤٠٨، و\"البحر\" ٤/ ١٠١، و\"الدر المصون\" ٤/ ٥٨٤.","vol":"8","page":71},{"text":"قال أبو إسحاق: (والإمالة (١) في ﴿النَّارِ﴾ حسنة جيدة؛ لأن ما بعد الألف مكسور (٢)، وهو حرف كأنه مكرر في اللسان، فصارت الكسرة فيه كالكسرتين) (٣).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى﴾ يقتضي ﴿لَوْ﴾ جوابًا، وقد حذف؛ تفخيمًا للأمر وتعظيمًا، وجاز حذفه لعلم المخاطب بما يقتضي. وأشباهه كثيرة في القرآن والشعر، ولو قدرت الجواب كان على تقدير: لرأيت سوء منقلبهم أو لرأيت أسوأ حال (٤). ومن هذا قول امرئ القيس (٥):\nفَلَوْ أنها نَفْسٌ تَمُوتُ سويةً ... ولكنَّها نَفْسٌ تَساقَطُ أَنْفُسا (٦)\nولم يقل: لفنيت ولا لاستراحت (٧)، وكذلك قول جرير:\n_________\n(١) الأمالة لغة فصيحة صحيحة، وهي تقريب الفتحة نحو الكسرة والألف نحو الياء، وهي مذهب لبعض القراء كما في \"السبعة\" ص ١٤٩، و\"المبسوط\" ص ١٠٣، و\"النشر\" ٢/ ٣٠، وانظر: \"التكملة\" للفارسي ص ٥٢٧، و\"سر صناعة الإعراب\" ١/ ٥٢، ص ٦٣، و\"المشكل\" ١/ ١٦٨.\n(٢) في (أ): (مكسورة).\n(٣) معاني الزجاج ٢/ ٢٣٩، وانظر: ١/ ١٢٣، و\"معاني الأخفش\" ١/ ٣٩.\n(٤) حذف جواب (لو)، لدلالة المعنى عليه جائز فصيح، وهو أبلغ في التخويف؛ لأن السامع يترك مع غاية تخيله، ولو صرح له بالجواب وطّن نفسه عليه. انظر: \"الكتاب\" ٣/ ١٠٣، و\"البغوي\" في \"تفسيره\" ٣/ ١٣٧، وابن عطية ٥/ ١٦٧، و\"البحر\" ٤/ ١٠١، و\"الدر المصون\" ٤/ ٥٨٢.\n(٥) امرؤ القيس بن حجر بن الحارث بن عمرو الكندي شاعر جاهلي، تقدمت ترجمته.\n(٦) \"ديوانه\" ص ٨٧، و\"سر صناعة الإعراب\" ص/ ٦٤٨، و\"اللسان\" ٢/ ٦٧٩، (جمع) و\"الدر المصون\" ٤/ ٥٨٣، وفي المراجع -جميعة بدل سوية- والمعنى. أنه مريض لا تخرج نفسه مرة ولكنها تموت شيئًا بعد شيء.\n(٧) في النسخ: (ولا لاسترحت).","vol":"8","page":72},{"text":"كَذَبَ العَوَاذِلُ لَوْ رَأَينَ مُنَاخَنَا ... بَحزِيز رَامَةَ والمَطِيُّ سَوَامِي (١)\nولم يقل: لرأين ما يشجيهن ويسخن أعينهن.\nقال أبو الفتح الموصلي (٢): (ذهب أصحابنا إلى أن حذف الجواب في هذه الأشياء أبلغ في المعنى من إظهاره، ألا ترى أنك إذا قلت لغلامك: والله لئن قمت إليك، وسكتَّ عن الجواب، ذهب تفكره (٣) إلى أنواع المكروه من الضرب والقتل والكسر وغير ذلك، فتمثلت في فكره أنواع العقوبات، وتكاثرت عليه، وعظمت الحال في نفسه، ولم يدر أيها يتقي. ولو قلت: والله لئن قمت إليك لأضربنك. فأتيت بالجواب، لم يتق شيئًا غير الضرب، ولا خطر بباله نوع من المكروه سواه، وكان ذلك دون حذف الجواب؛ لأنه يوطن نفسه على المتوعّد به في الجواب إذا عرفه، ومن وطن نفسه على شيء هان. ألا ترى قول كثير (٤):\nفَقُلْتُ لها: يا عَزَّ كُلُّ مُلمةٍ ... إِذا وُطّنَتْ يومًا لها النَّفسُ ذلّتِ (٥)\n_________\n(١) \"ديوان جرير\" ص ٥٤٢، و\"سر صناعة الإعراب\" ٢/ ٦٤٨، و\"الدر المصون\" ٤/ ٢٨٣، الحزيز: المكان الغليظ، وهو اسم لعدة أماكن في بلاد العرب. انظر: \"معجم البلدان\" ٢/ ٢٥٦، وفيه ذكر البيت وصدره عنده:\nولقد نظرت فرد نظرتك الهوى\nوالسوامي: الرافعة أبصارها وأعناقها.\n(٢) عثمان بن جني النحوي اللغوي إمام مشهور، تقدمت ترجمته.\n(٣) في \"سر صناعة الإعراب\" ٢/ ٦٤٩ (وذهب بفكره).\n(٤) \"ديوان كثير عزة\" ص ٥٥، و\"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٩١١، و\"الدر المصون\" ٤/ ٥٨٣، وفيها: مصيبة بدل ملمة، وقد جاء ملمة في بعض نسخ \"سر صناعة الإعراب\" ٢/ ٦٤٩.\n(٥) \"سر صناعة الإعراب\" ٢/ ٦٤٩، بتصرف يسير، وانظر: \"معاني الأخفش\" ١/ ١٣٦، و\"المدخل\" للحدادي ص ٢٣٩.","vol":"8","page":73},{"text":"وقوله تعالي: ﴿يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ اختلف القراء في قوله: ﴿وَلَا نُكَذِّبَ﴾ و﴿وَنَكُونَ﴾ فقرئ رفعًا ونصبًا (١).\nوللرفع وجهان: أحدهما: أن يكون معطوفًا على ﴿نُرَدُّ﴾ ﴿وَلَا نُكَذِّبَ﴾، ﴿وَنَكُونَ﴾ داخلا في التمني دخول ﴿نُرَدُّ﴾ فيه، فعلى هذا قد تمنوا الرد، وأن لا يكذبوا، والكون من المؤمنين. [و] (٢) الوجه الثاني: أن تقطع ﴿وَلَا نُكَذِّبَ﴾ وما بعده من الأول، فيكون التقدير على هذا: ﴿يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ﴾ ونحن ﴿وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ضمنوا أنهم لا يكذبون، والمعنى: يا ليتنا نرد ونحن لا نكذب بآيات ربنا رددنا أو لم نردّ: ﴿وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي قد: عاينا وشاهدنا ما لا نكذب معه أبدًا.\nقال سيبويه: (هو على قولك: فإنا لا نكذّب كما تقول: دعني ولا أعود، أي: فإني ممّن لا يعود، فإنما (٣) يسألك الترك، وقد أوجب على نفسه أن لا يعود، تُرك أو لم يُترك، ولم يُرد أن يسألك أن يجمع له الترك وأن لا يعود) (٤).\n_________\n(١) قرأ ابن عامر وحمزة وحفص عن عاصم: ﴿نُكَذِّبَ﴾ - ﴿وَنَكُونَ﴾ بنصب الباء والنون فيهما، وقرأ الباقون بالرفع فيهما، وقرأ ابن عامر ﴿نُكَذِّبَ﴾ بالرفع و﴿نَكُونَ﴾ بالنصب.\nانظر: \"السبعة\" ص ٢٥٥، و\"المبسوط\" ١٦٧، و\"التذكرة\" ٢/ ٢٩٦، و\"التيسير\" ص ١٠٢، و\"النشر\" ٢/ ٢٥٧.\n(٢) لفظ: (الواو) ساقط من (أ).\n(٣) في (أ): (وإنما).\n(٤) \"الكتاب\" ٣/ ٤٤، وزاد فيه: (الرفع على وجهين: فأحدهما أن يشرك الآخر الأول، والآخر على قولك: دعني ...) ا. هـ.","vol":"8","page":74},{"text":"والوجهان ذكرهما الزجاج (١)، وشرح أبو علي (٢) كما حكيت.\nوالوجه الثاني أقواهما (٣) وهو أن يكون (٤) الرد داخلا في التمني، ويكون ما بعده إخبارًا عنهم أنهم قالوا ذلك على ما بينا. وذلك لأن الله تعالى كذبهم في الآية الثانية فقال: ﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الأنعام: ٢٨]، وهذا يدل على أنهم أخبروا بذلك عن أنفسهم ولم يتمنوه (٥)؛ لأن التمني لا يقع فيه الكذب، إنما يقع في الخبر دون التمني. وهذا اختيار أبي عمرو (٦)، وهو استدل بقوله: ﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الأنعام: ٢٨] على خروج التكذيب والكون من التمني (٧). ومن قرأ ﴿وَلَا نُكَذِّبَ﴾، ﴿وَنَكُونَ﴾ نصبا، قال الزجاج: (نصب على الجواب بالواو في التمني، كما تقول: ليتك تصير إلينا ونكرمك، والمعنى: ليت مصيرك يقع وإكرامنا، ويكون المعنى: ليت ردّنا\n_________\n(١) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٣٩، والوجهان ذكرهما أكثرهم. انظر: \"إعراب النحاس\" ١/ ٥٤٢، و\"التذكرة\" لابن غلبون ٢/ ٣٩٦، و\"البيان\" ١/ ٣١٨، وابن عطية ٥/ ١٦٨.\n(٢) \"الحجة\" لأبي علي الفارسي ٣/ ٢٩٣.\n(٣) وهو اختيار الأخفش في \"معانيه\" ٢/ ٢٧٣، و\"الطبري\" في \"تفسيره\" ٧/ ١٧٥ - ١٧٦، و\"النحاس في معانيه\" ٢/ ٢٧٣، والبغوي في \"تفسيره\" ٣/ ١٣٧، وانظر: \"الخاطريات\" لابن جني ص ١٣٢، و\"المحتسب\" ١/ ٢٥٢.\n(٤) في (أ): (وأن لا يكون) وكأن لا ملحقة وعليها علامة تصحيح، ولعله تحريف من الناسخ؛ لأن سياق الكلام يرده.\n(٥) في (ش): (ولم يتمنوا).\n(٦) أبو عمرو: زبان بن العلاء بن عمار بن العريان التميمي المازني البصري، تقدمت ترجمته.\n(٧) ذكره عنه أكثرهم. انظر: \"الحجة\" لأبي علي ٣/ ٢٩٣، و\"الكشف\" ١/ ٤٢٨، و\"المشكل\" ١/ ٢٤٩، والرازي في \"تفسيره\" ١٢/ ١٩٢، والقرطبي في \"تفسيره\" ٦/ ٤٠٩، و\"الدر المصون\" ٤/ ٥٨٧.","vol":"8","page":75},{"text":"وقع وأن لا نكذب) (١).\nقال ابن الأنباري: (في نصب ﴿نُكَذِّبَ﴾ وجهان، أحدهما: أن تكون الواو مبدلة من الفاء، والتقدير: يا ليتنا نُرد فلا نكذب ونكون، فتكون الواو هاهنا بمنزلة الفاء في قوله تعالى: ﴿لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٨)﴾ [الزمر: ٥٨]، يؤكد هذا الوجه ما روي أن ابن مسعود وابن أبي إسحاق (٢) كانا يقرآن (فلا نكذب) بالفاء منصوبًا (٣). قال: والوجه الآخر في نصب ﴿نُكَذِّبَ﴾ ﴿وَنَكُونَ﴾ الصرف (٤) ومعناه الحال، أي يا ليتنا نرد غير مكذبين، كما تقول العرب (٥): لا نأكل السمك ونشرب اللبن، أي: لا يأكل السمك شاربًا للبن) (٦).\n_________\n(١) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٣٩ - ٢٤٠.\n(٢) ابن أبي إسحاق: عبد الله بن زيد بن الحارث الحضرمي أبو بحر البصري، تقدمت ترجمته.\n(٣) ذكر قراءة ابن مسعود أكثرهم. انظر: الطبري في \"تفسيره\" ٧/ ١٧٥، و\"إعراب النحاس\" ١/ ٥٤٢، والحجة لابن خالويه ص ١٣٨، و\"تفسير ابن عطية\" ٥/ ١٦٨ - ١٦٩، والرازي في \"تفسيره\" ١٢/ ١٩٢، والقرطبي، و\"البحر\" ٤/ ١٠٢، وذكرها السمين في \"الدر\" ٤/ ٥٩٠، عن ابن مسعود، وابن أبي إسحاق، وحكى أكثرهم عن ابن أبي إسحاق أنه يقرأ: (نكذب ونكون) بالنصب بلا فاء. انظر: \"الكتاب\" ٣/ ٤٤، و\"طبقات ابن سلام\" ١/ ١٩ - ٢٠، و\"إعراب النحاس\" ١/ ٥٤٢: و\"طبقات الزبيدي\" ص ٣٣.\n(٤) يسمي الكوفيون هذه (الواو) واو الصرف، إرشادًا بصرفه عن سنن الكلام إلى أنها غير عاطفة، وشرط هذه الواو أن يتقدمها نفي أو طلب. انظر: \"معاني الفراء\" ١/ ٣٣ - ٣٤، ٢٣٥، و\"تفسير الطبري\" ١/ ٢٥٥، و\"المغني\" لابن هشام ٢/ ٣٦١.\n(٥) انظر: \"الكتاب\" ٣/ ٤٢.\n(٦) ذكره السمين في \"الدر\" ٤/ ٥٩٠، وقال الطبري في \"تفسيره\" ٧/ ١٧٦: (المعروف من كلام العرب النصب على الجواب بالفاء والصرف بالواو)، ونحوه قال ثعلب كما في \"معاني القراءات\" ١/ ٣٤٩، وانظر: \"المدخل\" للحدادي ص ٣٣٣.","vol":"8","page":76},{"text":"وشرح أبو علي كلام أبي إسحاق في هذه القراءة، فقال: (من نصب ﴿نُكَذِّبَ﴾ ﴿وَنَكُونَ﴾ أدخل ذلك في التمني؛ لأن التمني غير موجب، فهو كالاستفهام والأمر والنهي والعرض في انتصاب ما بعد ذلك كله من الأفعال إذا دخلت عليها الفاء على تقدير ذكر مصدر الفعل الأول، كأنه في التمثيل: يا ليتنا يكون لنا رد وانتفاء التكذيب وكون من المؤمنين) (١)، فإن قيل على هذه القراءة: كيف أكذبهم الله، فقال: ﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾، والتمني لا يدخله الكذب؟ قال ابن الأنباري: (أكذبهم في معنى التمني؛ لأن تمنيهم رجع إلى معنى نحن لا نكذب إذا رددنا، فغلّب ﷿ تأويل الكلام، فأكذبهم ولم يستعمل لفظ التمني؛ لأن القائل إذا قال: ليت لي مالًا فأتصدق به، يريد أنا أتصدق بالمال إذا وجدته وقدرت عليه، فمتى كذب أو صدق في حال التمني؛ فلأن الكلام راجع إلى معنى الإخبار) (٢).\nوكان ابن عامر يرفع ﴿وَلَا نُكَذِّبَ﴾ وينصب ﴿وَنَكُونَ﴾، وقد ذكرنا\n_________\n(١) \"الحجة\" لأبي علي ٣/ ٩٤، وانظر: \"المسائل المنثورة\" ص ١٤٩، وهذا قول أكثر البصريين، انظر: \"معاني النحاس\" ٢/ ٤١٣، و\"الجمل\" للزجاجي ص ١٩٤، و\"المشكل\" ١/ ٢٥٠، و\"البيان\" ١/ ٣١٨، و\"الفريد\" ٢/ ١٣٧، و\"الدر المصون\" ٤/ ٥٨٧ - ٥٩٠.\n(٢) ذكره ابن الجوزي ٣/ ٢٤، و\"السمين في الدر\" ٤/ ٥٨٨ مختصرًا وأكثرهم قال: (إن القول بأن التمني لا يدخله الكذب ليس بقوي؛ لأن هذا تمن تضمن معنى العدة، فجاز أن يدخله التكذيب، أو يكون قوله: ﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ إخبار عن سجية الكفار وحكاية عن حالهم في الدنيا، فلا يدخل الكذب في التمني). قال السمين في \"الدر\" ٤/ ٥٨٦: (هذان الجوابان واضحان، وثانيهما أوضح) ا. هـ وانظر: \"الحجة\" لأبي علي ٣/ ٢٩٤، و\"الكشاف\" ٢/ ١٣، وابن عطية في \"تفسيره\" ٥/ ١٦٨ - ١٦٩، الرازي في \"تفسيره\" ١٢/ ١٩١ - ١٩٢، و\"الفريد\" ٢/ ١٣٨، و\"البحر\" ٤/ ١٠٢.","vol":"8","page":77},{"text":"وجهين في رفع ﴿وَلَا نُكَذِّبَ﴾، وذكرنا وجه من قرأ بالنصب فيهما، فيحتمل أن ابن عامر أدخل ﴿وَلَا نُكَذِّبَ﴾ [في التمني] (١)، وإن كان رفعًا على ما بينا والكون داخل فيه إذا نصب، ويحتمل أنه أراد الإخبار في ﴿وَلَا نُكَذِّبَ﴾، وأدخل الكون في التمني (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-995>٢٨ </span>- قوله تعالى: ﴿بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ﴾ معنى ﴿بَلْ﴾ هاهنا رد لكلامهم وإضراب عن توهم صحة عزيمتهم على الإنابة التي كان (٣) تمني الرجعة لأجلها، يقول الله تعالى -ليس على ما قالوا-: ﴿بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ﴾، فلذلك اعتذروا وتمنوا الرد، أي: إنما اعتذروا حين افتضحوا (٤). واختلفوا في معني: ﴿بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ﴾، فقال أبو روق: إن المشركين في بعض مواقف القيامة يجحدون الشرك فيقولون: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] فينطق الله جوارحهم فتشهد عليهم بالكفر وذلك حين ﴿بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ﴾) (٥)، وعلى هذا أهل التفسير (٦). وحكى عن المبرد أنه قال: (بدا لهم وباله وسوء عاقبته، وكأن كفرهم لم يكن باديًا لهم إذ خفي مضرته، وهذا كما تقول لمن وقع فيما\n_________\n(١) لفظ: (في التمني) ساقط من (أ).\n(٢) انظر: \"معاني القراءات\" ١/ ٣٤٩، و\"إعراب القراءات\" ١/ ١٥٤، و\"الحجة\" لابن خالويه ص ١٣٨، ولأبي علي الفارسي ٣/ ٢٩٣، ولابن زنجلة ص ٢٤٥، و\"الكشف\" ١/ ٤٢٧، و\"المشكل\" ١/ ٢٤٩.\n(٣) في (أ): (كانت يتمنى).\n(٤) انظر: \"تفسير الطبري\" ٧/ ١٧٦ - ١٧٧.\n(٥) ذكره الثعلبي ١٧٦ ب، والرازي ١٢/ ١٩٣، والقرطبي ٦/ ٤١٠، و\"البحر\" ٤/ ١٠٣.\n(٦) انظر: الطبري ٧/ ١٧٦ - ١٧٧، السمرقندي ١/ ٤٨٠، الرازي ١٢/ ١٩٣.","vol":"8","page":78},{"text":"كنت حذرته قبل ظهر لك الآن ما قلت لك، وقد كان ظاهرًا له ذلك القول قبل هذا) (١). وقال الزجاج: (بدا للأتباع ما أخفاه الرؤساء عنهم من أمر البعث والنشور، قال: لأن المتصل بهذا: ﴿وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ (٢)، وهذا قول الحسن قال: (بدا ما كان يخفيه بعضهم عن بعض) (٣)، وكل هذا بمعنى: ظهرت فضيحتهم في الآخرة وتهتكت أستارهم (٤).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ قال ابن عباس: (يريد إلى ما نهوا عنه من الشرك) (٥).\n_________\n(١) ذكره الثعلبي ص ١٧٦ ب، والبغوي ٣/ ١٣٨، وابن الجوزي ٣/ ٢٣، و\"القرطبي\" ٦/ ٤١٠، وابن القيم كما في \"بدائع التفسير\" ٢/ ١٤٥ - ١٤٦.\n(٢) \"معني الزجاج\" ٢/ ٢٤٠، ونحوه قال النحاس في \"معانيه\" ٢/ ٤١٤.\n(٣) ذكره الماوردي ٢/ ١٠٦، وابن عطية ٥/ ١٧٢، وابن الجوزي ٣/ ٢٣، والرازي ١٢/ ١٩٤، والقرطبي ٦/ ٤١٠، و\"البحر\" ٤/ ١٠٣.\n(٤) قال الرازي ١٢/ ١٩٤: (اللفظ محتمل لوجوه كثيرة، والمقصود منها بأسرها أنه ظهرت فضيحتهم في الآخرة وانتهكت أستارهم) ا. هـ. ومعنى الآية -والله أعلم-: ظهرت في الآخرة فضيحتهم وعاقبة أعمالهم وما كانوا يخفون من علمهم أنهم على باطل وأن الرسل على حق، فعاينوا ذلك عيانًا بعد أن كانوا يخفونه ويتواصون بإخفائه. انظر: \"إعراب النحاس\" ١/ ٥٤٢، و\"الكشاف\" ٢/ ١٣، و\"بدائع التفسير\" ٢/ ١٤٥، وابن كثير ٢/ ١٤٤ - ٤٤٥.\n(٥) \"تنوير المقباس\" ٢/ ١٢، وذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٢٦، وابن الجوزي ٣/ ٢٤، وأخرج ابن أبي حاتم ٤/ ١٢٧٩ بسند جيد عنه قال: (أخبر الله سبحانه أنهم لو ردوا لم يقدروا على الهدى فقال: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ ا. هـ وفي \"الدر المنثور\" ٣/ ١٦، قال: (أخرج ابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في الآية قال: (أي لو ردوا إلى الدنيا لحيل بينهم وبين الهدى كما حلنا بينهم وبينه أول مرة وهم في الدنيا) ا. هـ.","vol":"8","page":79},{"text":"قال أبو إسحاق: (المعنى: إن أكثر أهل الكتاب والمشركين عاندوا بعد أن علموا أن أمر الله حق (١)، فركنوا إلى الرفاهية، وأن الشيء متأخر عنهم إلى أمدٍ، كما فعل إبليس الذي قد شاهد من براهين الله ما لا غاية بعده، فأعلم الله ﷿ أن هؤلاء لو ردوا لعادوا كما أنهم كفروا في الدنيا بعد قيام الدليل ووجوب الحجة عليهم) (٢).\nوهذه الآية من الأدلة الظاهرة على تكذيب القدرية، وذلك أن الله تعالى أخبر عن قوم جرى عليهم قضاؤه في الأزل بالشرك، فقال: لو أنهم شاهدوا النار والحساب وسألوا الرجعة وردوا، لعادوا إلى الشرك، وذلك للقضاء السابق فيهم، وإلا فالعاقل لا يكاد يرتاب فيما شاهد (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-996>٢٩ </span>- قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا﴾ كان ابن زيد (٤) يقول: (هذا عطف على قوله: ﴿لَعَادُوا﴾، والمعنى: لعادوا إلى الشرك، لقالوا: ما هي إلا حياتنا الدنيا، وأنكروا البعث) (٥). والآخرون: (على أن هذا ابتداء، إخبار عنهم أنهم كذلك كانوا يقولون في الدنيا) (٦).\n_________\n(١) في (أ): (أن الأمر لله حق).\n(٢) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٤٠، انظر: الطبري ٧/ ١٧٦ - ١٧٧، و\"معاني النحاس\" ٢/ ٤١٤ \"بدائع التفسير\" ٢/ ١٤٦.\n(٣) ذكره الرازي ١٢/ ١٩٤، وأبو حيان ٤/ ١٠٤، عن الواحدي.\n(٤) ابن زيد: عبد الرحمن بن زيد بن أسلم العدوي، تقدمت ترجمته.\n(٥) أخرجه الطبري ٧/ ١٧٧، ابن أبي حاتم ٤/ ١٢٨٠، بسند جيد، وذكره أكثرهم، وهو ظاهر كلام الزمخشري ٢/ ١٣، و\"البيضاوي\" ١/ ١٣٦، وقال القرطبي ٦/ ٤١١،: (يحمل هذا على المعاند ... أو على أن الله يلبس عليهم بعد ما عرفوا، وهذا شائع في العقل) ا. هـ.\n(٦) هذا قول الجمهور واختيار الطبري ٧/ ١٧٧، والجمع بينهما حسن، فيقال. لما كان ديدنهم في الدنيا هو الكذب بالآخرة الذي كانوا يعبرون عنه بتلك المقولة: =","vol":"8","page":80},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-997>٣٠ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ﴾ ليس يصح في هذه الآية شيء من الوجوه التي ذكرناها في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ﴾ [الأنعام: ٢٧] إلا وجهًا واحدًا، وهو أن المعنى هاهنا: عرفوا ربهم ضرورة كما تقول: وقفته على كلام فلان، أي: عرفته إياه (١).\nوقال أصحاب المعاني في هذه الآية: (وقفوا على مسألة (٢) ربهم لتقريرهم بما فيه توبيخ لهم على ما سلف من جحودهم، فخرج الكلام مخرج ما جرت به العادة من وقوف العبد بين يدي سيده، لما في ذلك من البلاغة بإخراج المعنى على ما جرت به العادة) (٣).\n_________\n= ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا﴾ فإنهم لو ردوا إلى الدنيا لعادوا إلى ديدنهم ذلك ولقالوا نفس المقولة.\nانظر: ابن عطية ٥ - ١٧٢ - ١٧٣، الرازي ١٢/ ١٩٤، و\"الفريد\" ٢/ ١٣٨، و\"البحر\" ٤/ ١٠٥، و\"الدر المصون\" ٤/ ٥٩٢.\n(١) ذكره الرازي ١٢/ ١٩٦، وفيه نظر؛ لأنه تحصيل حاصل والكفار يعرفون ربهم ويقرون بوجوده. وإنما ينكرون توحيد العبادة حيث يعبدون مع الله غيره، فالأولى حمل الآية على ظاهرها، أي: حبسوا على الله تعالى في الآخرة للفصل والقضاء، وأن هذا حق وليس باطلًا كما يظنون. قال السمرقندي ١/ ٤٨٠: (أي: عرضوا وسيقوا وحبسوا عند ربهم وعند عذابه) ا. هـ وقال ابن كثير ٢/ ١٤٥: (أي: أوقفوا بين يديه) ا. هـ\n(٢) أكثرهم على أن المعنى: (حبسوا على ربهم، أي: على حكم الله وقضائه فيهم ومسألته).\nانظر: الطبري ٧/ ١٧٨، والبغوي ٣/ ١٣٨، وابن عطية ٥/ ١٧٣، والقرطبي ٦/ ٤١١.\n(٣) انظر: \"الكشاف\" ٢/ ١٣، والرازي ١٢/ ١٩٦، و\"الفريد\" ٢/ ١٣٩، و\"البحر\" ٤/ ١٠٥، و\"الدر المصون\" ٤/ ٥٩٤، و\"البيضاوي\" ١/ ١٣٦.","vol":"8","page":81},{"text":"وقوله تعالى: ﴿قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ﴾، أي: هذا البعث، فيقرون حين لا ينفعهم ذلك، ويقولون: ﴿بَلَى وَرَبِّنَا﴾، فيقول الله تعالى (١): ﴿فَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾، وخص لفظ الذوق (٢)؛ لأنهم في كل حال يجدونه وجدان الذائق في شدة الإحساس من غير أن يصيروا إلى حال من يشم الطعام في نقصان الإدراك. وقوله: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ [الأنعام: ٣٠] أي: بكفركم (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-998>٣١ </span>- قوله تعالى: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ﴾ الآية. قال أصحاب المعاني: (إنما وصفوا بالخسران؛ لأنهم باعوا الإيمان بالكفر، فعظم خسرانهم في ذلك البيع؛ لأنهم خسروا أنفسهم بإهلاكها بالعذاب، وأعظم الخسران في العمل هلاك النفس، كما أن أعظم الخسران في التجارة ذهاب رأس المال) (٤).\nوقوله تعالى: ﴿بِلِقَاءِ اللَّهِ﴾ قال ابن عباس: (يريد بالبعث والثواب والعقاب والمصير إليه) (٥)، وقد أحكمنا شرح هذا عند قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٤٦]، وقال بعضهم: (المعنى هاهنا كذبوا\n_________\n(١) انظر: \"تفسير الطبري\" ٧/ ١٧٨، والسمرقندي ١/ ٤٨٠، والبغوي ٣/ ١٣٨.\n(٢) انظر: \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٣٠٢، و\"المفردات\" ص ٣٣٢، و\"اللسان\" ٣/ ١٥٢٧ (ذوق) وقال بعضهم: (الذوق في العذاب استعارة بليغة، والمعنى: باشروه مباشرة الذائق، إذ هي أشد المباشرات). انظر: ابن عطية ٦/ ٢٥، والرازي ١٢/ ١٩٦، و\"البحر\" ٤/ ١٠٦.\n(٣) انظر: الطبري ٧/ ١٧٨، والسمرقندي ١/ ٤٨٠، و\"الدر المصون\" ٤/ ٥٩٥.\n(٤) انظر نحوه في: الطبري ٧/ ١٧٩، و\"المفردات\" ص ٢٨١ (خسر)، والبغوي ٣/ ١٣٨، وابن عطية ٥/ ١٧٥، و\"البحر\" ٤/ ١٠٦.\n(٥) في \"تنوير المقباس\" ٢/ ١٣ نحوه، وذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٢٧ بلا نسبة، وهو قول أكثرهم. انظر: الطبري ٧/ ١٧٨، والسمرقندي ١/ ٤٨٠، والبغوي ٣/ ١٣٨، وابن الجوزي / ٣/ ٢٤، الرازي ١٢/ ١٩٧.","vol":"8","page":82},{"text":"بلقاء جزاء الله، إلا أنه قحم اللقاء بإضافته إلى الله، وهذا كما يُقال للميت: لقي فلان عمله، أي: لقي جزاء عمله) (١).\nوقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً﴾، معنى ﴿حَتَّى﴾ هاهنا بيان أن منتهى تكذيبهم الحسرة يوم القيامة، والمعنى: كذبوا إلى أن ظهرت الساعة بغتة (٢)، والمراد بالساعة (٣): القيامة، وقيل: (يوم القيامة الساعة؛ لسرعة الحساب للجزاء فيها، كأنه قيل: ما هي إلا ساعة الحساب للجزاء حتى جعل أهل المنزلين في منازلهم من الجنة والنار)، هذا قول بعض أهل المعاني (٤).\n_________\n(١) ذكر أبو علي الفارسي في \"الحجة\" ٢/ ٢٦ نحوه قال في الآية: (المعنى بالبعث يقوي ذلك ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً﴾ [الأنعام: ٣١] أي: ملاقو ثواب ربهم وملاقو جزائه إن ثوابًا وإن عقابًا)، وذكر نحوه أكثرهم.\nانظر: \"الكشاف\" ٢/ ١٣، وابن عطية ٥/ ١٧٥، والقرطبي ٦/ ٤١١، و\"البحر\" ٤/ ١٠٦.\nوهذا التقدير في الآية محتمل، وإن قصد به نفي الرؤية فهو مردود، والأولى حمل الآية على ظاهرها وعدم صرفها عنه.\n(٢) وعلى هذا تكون حتى غاية لكذبوا، والمعنى: منتهى تكذيبهم الحسرة، ولا يجوز أن تكون غاية لخسر؛ لأن خسرانهم لا غاية له، أفاده أكثرهم. انظر: \"الكشاف\" ٢/ ١٣، والرازي ١٢/ ١٩٧، و\"الفريد\" ٢/ ١٣٩، و\"البحر\" ٤/ ١٠٦، البيضاوي ١/ ١٣٦.\n(٣) هذا قول أكثرهم. انظر: الطبري ٧/ ١٧٨، والسمرقندي ١/ ٤٨٠، والبغوي ٣/ ١٣٨، وابن الجوزي ٣/ ٢٤.\n(٤) هذا قول الراغب في \"المفردات\" ص ٤٣٤، والقرطبي ٦/ ٤١٢، وأبو حيان في \"البحر\" ٤/ ١٠٦، والسمين في \"الدر\" ٤/ ٥٩٥، و\"عمدة الحفاظ\" ص ٢٥٤.","vol":"8","page":83},{"text":"وقال غيره: (الساعة (١): الوقت الذي تقوم فيه القيامة، سميت ساعة لأنها تفجأ الناس في ساعة) (٢)، وهذا القول أصح. ألا ترى أنه قال: ﴿بَغْتَةً﴾ والبغت والبغتة (٣): الفجأة.\nقال ابن عباس: (يريد أن الساعة لا يعلمها أحد إلا هو) (٤) -يعني: أنها تأتي فجأة- لأنه لا يعلم أحد متى إبانها فينتظرها.\nوقوله تعالى: ﴿قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا﴾ قال الزجاج (٥) وابن الأنباري (٦): (معنى دعاء الحسرة: تنبيه الناس على ما وقع بهم من الحسرة، والعرب إذا اجتهدت في المبالغة في الإخبار عن عظيم يقع فيه جعلته نداء، كقوله تعالى: ﴿يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ﴾ [يس: ٣٠]، و﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ\n_________\n(١) جاء في (أ): تكرار لفظ: (الساعة).\n(٢) هذا قول الأزهري في \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٥٩٧، وابن منظور في \"اللسان\" ٤/ ٢١٥١ (سوع) والقاسمي في تفسيره ٦/ ٢٢٨٥، والأقوال متقاربة. قال الزجاج في \"معانيه\" ٢/ ٢٤٦، ٣/ ٢١٤: (الساعة اسم لإماتة الخلق واحيائهم). وانظر الرازي ١٢/ ١٩٧، والخازن ٢/ ١٢٨.\n(٣) انظر: \"مجاز القرآن\" ١/ ١٩٣، الطبري ٧/ ١٧٨، و\"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٤١، ٣/ ١٣١، الزاهر ٢/ ٥، و\"معاني النحاس\" ٢/ ٤١٥، و\"تهذيب اللغة\" ١/ ٣٦٤، و\"اللسان\" ١/ ٣١٧ (بغت).\n(٤) لم أقف عليه.\n(٥) أطال الزجاج في تقرير هذا الوجه في مواضع من معانيه ٣/ ٣٥٤، ٤/ ٢٨٤، وقال: (معنى الحسرة: أن يركب الإنسان من شدة الندم ما لا نهاية له بعده حتى يبقى حسرًا، والفائدة من مناداتها كالفائدة في مناداة ما لا يعقل؛ لأن النداء باب تنبيه، وحرف النداء يدل على تمكن القصة من صاحبها، إذا قال القائل: يا حسرتاه ويا ويلاه فتأويل الحسرة والويل قد حلا به، وإنهما لازمان له غير مفارقين). وانظر: \"تهذيب اللغة\" ١/ ٨١٤ - ٨١٥.\n(٦) لم أقف عليه بعد طول بحث عنه في مظانه.","vol":"8","page":84},{"text":"اللَّهِ﴾ (١) [الزمر: ٥٦]، و﴿قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ﴾ (٢) [هود: ٧٢]، وهذا أبلغ من أن يقول: الحسرة علينا في تفريطنا) (٣)، ومثله: ﴿يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾ [يوسف: ٨٤]؛ تأويله: يا أيها الناس تنبهوا على ما وقع في زمان الأسف، فوقع النداء على غير المنادي في الحقيقة؛ لاتساع العرب في مجازها (٤)، وهذا كقولهم: لا أريتك هاهنا، وقع النهي على غير المنهي في الحقيقة.\nوقال سيبويه: (إنك إذا قلت: يا عجباه (٥)، فكأنك قلت: احضر وقال يا عجيب، فإنه من أزمانك، وتأويل يا حسرتاه: انتبهوا على أنّا قد خسرنا) (٦)، فقد حصل للنداء هاهنا تأويلان أحدهما: أن النداء للحسرة، والمراد به تنبيه المخاطبين على قول الزجاج وأبي بكر، وعلى قول سيبويه دُعيت الحسرة على معنى أن هذا وقتك فتعالي (٧).\n_________\n(١) في النسخ: (يا حسرتا ..)، وهو تحريف.\n(٢) في النسخ: (يا ويلتا ..)، وهو تحريف.\n(٣) معاني الزجاج ٢/ ٢٤١.\n(٤) هذا من كلام الواحدي، وذكره الرازي في \"تفسيره\" ١٢/ ١٩٧، انظر: \"معاني الزجاج\" ٣/ ٢٣٥.\n(٥) جاء في (أ): (يا عجبا).\n(٦) النص عند الزجاج في \"معانيه\" ٢/ ٢٤١، و\"معاني النحاس\" ٢/ ٤١٥، والرازي في \"تفسيره\" ١٢/ ١٩٨، و\"الفريد\" للهمذاني ٢/ ١٤٠، وقال سيبويه في \"الكتاب\" ٢/ ٢١٧: (وقالوا: يا للعجب لما رأوا عجبًا، كأنه يقول: تعال يا عجيب، فإنه من أيامك وزمانك) ا. هـ ملخصًا. وانظر: \"معاني الفراء\" ٢/ ٤٢١، و\"معاني الأخفش\" ١/ ٢٠٤، و\"المقتضب\" للمبرد ٤/ ٢٠٢ - ٢٠٣.\n(٧) والظاهر أن الجميع مراد في ذلك، فنداء الحسرة للتنبيه وتعظيم الأمر وتشنيعه، وكأنه يقول: اقربي واحضري فهذا وقتك وزمانك، وفي ذلك تعظيم للأمر على نفس المتكلم وعلى سامعه وهو المقصود بنداء ما لا يعقل. وهذا ظاهر كلام أكثرهم. انظر: المدخل للحدادي ص ٥٨٨، و\"تفسير البغوي\" ٣/ ١٣٨، ابن =","vol":"8","page":85},{"text":"وقوله تعالى: ﴿عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا﴾ قال أبو عبيد: (يقال: فرطت في الشىء، أي: ضيعته) (١).\nوقوله: ﴿عَلَى مَا فَرَّطْنَا﴾، أي: تركنا وضيعنا فيها. وهو قول أبي عبيدة (٢) وأكثر أهل اللغة (٣)، وبه قال الحسن، فقال: (على ما ضيعنا) (٤)، والتأويل: يا حسرتنا على ما تركنا من عمل الآخرة.\n_________\n= عطية ٥/ ١٧٦، وابن الجوزي ٣/ ٢٥، و\"التبيان\" ص ٣٢٩، والقرطبي ٦/ ٤١٢، و\"البحر\" ٤/ ١٠٧، و\"الدر المصون\" ٤/ ٥٩٥، و\"روح المعاني\" ٧/ ١٣٢، و\"التحرير والتنوير\" ٧/ ١٩٠.\n(١) \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٧٧٢ - ٢٧٧٣، وفي \"غريب الحديث\" ١/ ٣٦، قال أبو عبيد: (قال الأصمعي: الفرط والفارط: المتقدم في طلب الماء ... ويقال: أفرطت الشيء، أي: نسيته) ا. هـ. ملخصًا.\n(٢) مجاز القرآن ١/ ١٩٠، وهو قول أكثرهم. انظر: \"معاني الفراء\" ٢/ ١٠٨، و\"غريب القرآن\" ص ١٦٣، والطبري ٧/ ١٧٩، السمرقندي ١/ ٤٨٠، و\"العمدة\" لمكي ص ١٢٦، و\"التحرير والتنوير\" ٧/ ١٩١، وقال بعضهم: (التفريط هو التقصير في الشيء مع القدرة على فعله). وهو قريب من المعني الأول. انظر: \"الكشاف\" ٢/ ١٤، و\"البغوي\" ٣/ ١٣٨، ابن عطية ٥/ ١٩٤، والخازن ٢/ ١٢٨، و\"البحر\" ٤/ ١٠٧، والبيضاوي ١/ ١٣٦، والثعالبي ١/ ٥١٤، والقاسمي ٦/ ٥٠٢.\n(٣) قال أهل اللغة: (فرط بفتح الراء المخففة سبق وتقدم، وفرط بتشديد الراء المفتوحة، في الشيء، وفرطه: ضيعه وقدم العجز في التقصير، وأكثرهم. على أنه بمعنى: تقدم. ومنهم من قال: هو بمعنى قصر وضيع).\nانظر: \"العين\" ٧/ ٤١٨، و\"الجمهرة\" ٢/ ٧٥٤، و\"الصحاح\" ٣/ ١١٤٨، و\"مقاييس اللغة\" ٤/ ٤٩٠، و\"المجمل\" ٣/ ٧١٦، و\"المفردات\" ص ٦٣١، و\"النهاية\" لابن الأثير ٣/ ٤٣٤، واللسان ٦/ ٣٣٨٩، والتاج ٥/ ١٩٥ (فرط).\n(٤) ذكر الماوردي ٢/ ١٠٦، عن الحسن في قوله: ﴿وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ﴾ [النحل: ٦٢] قال: (مضيعون). وانظر: ابن الجوزي ٧/ ١٩٢، القرطبي ١٥/ ٢٧١، أخرجه الطبري ٧/ ١٧٩، وابن أبي حاتم ٤/ ١٢٨١، بسد جيد عن السدي، وذكره =","vol":"8","page":86},{"text":"وقال الزجاج: ﴿فَرَّطْنَا﴾: قدمنا العجز) (١)، جعله من قولهم: فرط فلان إذا سبق وتقدم، وفرط الشيء إذا قدمه، فالتفريط عنده تقديم التقصير (٢).\nوقوله: ﴿فِيهَا﴾ قال ابن عباس: (في الدنيا) (٣).\nوروي عن الحسن أنه قال: (في الساعة) (٤)، والمعنى: على ما فرطنا في العمل للساعة والتقدمة لها.\n_________\n= السيوطي في \"الإتقان\" ١/ ١٥١، عن ابن عباس، وهو قول مقاتل في \"تفسيره\" ١/ ٥٥٧.\n(١) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٤٢ وقال في ٣/ ٢٠٧: (الفرط في اللغة: التقديم) ا. هـ. وهو قول السجستاني في \"النزهة\" ص ٣٥٢، وابن الجوزي ٣/ ٢٥.\n(٢) والمعاني كلها متقاربة، فيقال: فرط أي ضيع وقدم العجز والتقصير فيما يقدر عليه. وانظر: \"التصاريف\" ليحيى بن سلام ص ٣١٨، و\"الأضداد\" لقطرب ص ١١٤، و\"ما اتفق لفظه واختلف معناه\" لليزيدي ص ١٨٣، و\"ثلاثة كتب في الأضداد\" للأصمعي والسجستاني وابن السكيت وبذيلها أضداد الصاغاني ص ١٤١، وص ٢٤١، و\"الزاهر\" ١/ ٣٠٩، و\"الأضداد\" لابن الأنباري ص ٧١، و\"الألفاظ المترادفة المتقاربة المعنى\" للرماني ص ٧٧، و\"تفسير الرازي\" ١٢/ ١٦٤، والقرطبي ٦/ ٤١٣، و\"عمدة الحفاظ\" ص ٤٢٠.\n(٣) \"تنوير المقباس\" ٢/ ١٤، وذكره الرازي ١٢/ ١٩٨، وأبو حيان في \"البحر\" ٤/ ١٠٧، والألوسي ٧/ ١٣٢، وهو قول بعضهم. انظر: \"تفسير مقاتل\" ١/ ٥٥٧، والسمرقندي ١/ ٤٨٠، والزمخشري ٢/ ١٤، و\"الخازن\" ٢/ ١٢٨، والبيضاوي ١/ ١٣٦، وظاهر كلامهم عودة الضمير على الدنيا.\n(٤) ذكره الرازي ١٢/ ١٩٩، والقرطبي ٦/ ٤١٣، وأبو حيان في \"البحر\" ٤/ ١٠٧، ورجحه ابن عطية ٥/ ١٧٦، والعكبري في \"التبيان\" ١/ ٣٢٩، والقرطبي ٦/ ٤١٣، وقال الهمداني في \"الفريد\" ٢/ ١٤٠: (هذا هو الوجه لجري ذكرها مع صحة المعنى، وإذا صح العائد إلى مذكور فلا وجه للعدول عنه إلى غيره بغير دليل) ا. هـ.","vol":"8","page":87},{"text":"وقال السدي (في الجنة) (١) أي: في طلبها والعمل لها، ويحتمل أن تعود الكناية إلى معنى ﴿مَا﴾، وفي قوله ﴿مَا فَرَّطْنَا فِيهَا﴾ أي: يا حسرتنا على الأعمال والطاعات التي فرطنا فيها (٢).\nوروي عن ابن جرير أنه قال: (الكناية تعود إلى الصفقة؛ لأنه لما ذكر الخسران دل على الصفقة) (٣)، فعنده الكناية تعود إلى مدلول عليه.\nوقوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ﴾، الأوزار: الأثقال من الإثم، قال ابن عباس: (يريد آثامهم وخطاياهم) (٤).\nقال أهل (٥) اللغة: (الوزر الثقل، وأصله من الحمل، يُقال: وزرت\n_________\n(١) أخرج الطبري ٧/ ١٧٩، وابن أبي حاتم ٤/ ١٢٨١، بسند جيد عنه قال: (ضيعنا من عمل الجنة) ا. هـ. وقال أبو حيان ٤/ ١٠٧، والسمين في \"الدر\" ٤/ ٥٩٦، والألوسي ٧/ ١٣٢: (لا يخفى بعده) ا. هـ.\n(٢) هذا قول ابن الأنباري في \"البيان\" ١/ ٣١٩، وقال الكرماني في \"الغرائب\" ١/ ٣٥٧: (العجيب (ما) موصولة (وفيها) كناية عن (ما) وأنث حملًا على الأعمال وهذا حسن) ا. هـ.\n(٣) \"تفسير الطبري\" ٧/ ١٧٩، وزاد: (معلوم أن الخسران لا يكون إلا في صفقة بيع قد جرت) وعده الكرماني في \"غرائبه\" ١/ ٣٥٧، من الغريب، والظاهر -والله أعلم- عودة الضمير على الدنيا؛ لأنه ظاهر الآية، ولكونها معلومة، والمعنى يقتضيها، وهي موضع التقصير، والظرفية فيها أمكن، وعودته على الساعة قوي، إلا أنه لا بد فيه من تقدير مضاف، أي: في شأنها والإيمان بها.\nانظر: \"تفسير ابن عطية\" ٥/ ١٧٥، و\"البحر\" ٤/ ١٠٧، و\"الدر المصون\" ٤/ ٥٩٦.\n(٤) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٢٧، والرازي ١٢/ ١٩٩، وأبو حيان في \"البحر\" ٤/ ١٧٠، وأخرج الطبري ٧/ ١٧٩، بسند ضعيف عنه قال: (ذنوبهم) وفي \"تنوير المقباس\" ٢/ ١٤: (آثامهم).\n(٥) قال أهل اللغة: (الوزر، بكسر الواو وسكون الزاي: الإثم والحمل والثقل على الظهر؛ وبفتح الواو: الملجأ). =","vol":"8","page":88},{"text":"الشيء، أي: حملته أزره وزرًا، ثم قيل للذنوب: أوزار؛ لأنها تثقل ظهر من يحملها). وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ﴾ [الأنعام: ١٦٤] أي: لا تحمل نفس حاملة.\nوقال أبو عبيد: (يقال للرجل إذا بسط ثوبه فجعل فيه المتاع: احمل وزرك) (١).\nوأوزار العرب: أثقالها من السلاح، ووزير السلطان: الذي (٢) يزر عنه أثقال ما يسند إليه من تدبير الولاية، أي: يحمل، وقال الزجاج: ﴿وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ﴾: (أي: يحملون ثقل ذنوبهم) (٣).\nواختلفوا في كيفية حملهم الأوزار، فقال المفسرون (٤): (إن المؤمن إذا خرج من قبره استقبله أحسن شيء سورة وأطيبه ريحًا، فيقول: أنا عملك الصالح، طالما ركبتك في الدنيا، فاركبني أنت اليوم، فذلك قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾ [مريم: ٨٥]، قالوا: ركبانًا. وإن\n_________\n= انظر: \"الجمهرة\" ٢/ ٧١٢، ١٠٦٤، و\"الصحاح\" ٢/ ٨٤٥، و\"مقاييس اللغة\" ٦/ ١٠٨، و\"المجمل\" ٣/ ٩٢٤، و\"المفردات\" ص ٨٦٧، و\"النهاية\" لابن الأثير ٥/ ١٧٩، و\"اللسان\" ٨/ ٤٨٢٤، (وزر).\n(١) ذكره الثعلبي ص ١٧٧، والقرطبي ٣/ ٤١٦، ولم أقف عليه عند غيرهما عن أبي عبيد، وجعله الرازي ١٢/ ١٩٩، والشوكاني ٢/ ١٥٩، عن أبي عبيدة، ولعله الصواب؛ لأنه في \"مجاز القرآن\" ١/ ١٩٠.\n(٢) هذا قول الأزهري في \"تهذيبه\" ٤/ ٣٨٨٣، وانظر: \"معاني الزجاج\" ٣/ ٣٥٧، و\"الاشتقاق\" لابن دريد ص ٣٩٦.\n(٣) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٤٢، وانظر: \"غريب اليزيدي\" ص ١٣٥، و\"تفسير غريب القرآن\" ص ١٥٢، و\"نزهة القلوب\" ص ٧١، و\"معاني النحاس\" ٢/ ٤١٦.\n(٤) ذكره أكثرهم. انظر: \"تفسير مقاتل\" ١/ ٥٥٧، والسمرقندى ١/ ٤٨١، والبغوي ٣/ ١٣٩، وابن الجوزي ٣/ ٢٦، والرازي ١٢/ ١٩٩، و\"الدر المنثور\" ٣/ ١٧.","vol":"8","page":89},{"text":"الكافر إذا خرج من قبره استقبله أقبح شيء صورة وأخبثه ريحًا فيقول: أنا عملك السيء، طالما ركبتني في الدنيا، فأنا أركبك اليوم، وذلك قوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ﴾)، [و] (١) هذا قول قتادة (٢) والسدي (٣).\nوقال الزجاج: (هذا مثل جائز أن يكون جعل ما ينالهم من العذاب بمنزلة أثقل (٤) ما يتحمل؛ لأن الثقل كما يستعمل في الوزن (٥) يستعمل في الحال أيضًا، كما تقول: ثقل على خطاب فلان تأويله: كرهت خطابه كراهة اشتدت عليّ) (٦). فعلى هذا المعنى: أنهم يقاسون عذاب آثامهم مقاساة يثقل عليهم ذلك. وقال أهل العربية: (معنى قوله: ﴿وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ﴾: لا تزايلهم أوزارهم، كما تقول: شخصك نصب عيني، أي ذكرك ملازم لي) (٧).\n_________\n(١) لفظ (الواو) ساقط من (ش).\n(٢) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٢٨، والرازي ١٢/ ١٩٩، والخازن ٢/ ١٢٩.\n(٣) أخرجه الطبري ٧/ ١٧٨ - ١٧٩، وابن أبي حاتم ٤/ ١٢٨١ من طرق جيدة عن السدي وعمرو بن قيس الملائي، وأخرجه الطبري ١٥/ ٩٦، طبعة الحلبي، بسند ضعيف عن زيد بن أسلم العدوي.\n(٤) في (ش): (الثقل)، وهو تحريف.\n(٥) كذا في النسخ، وعند الزجاج ٢/ ٢٤٢ الوزر، ولعله تحريف.\n(٦) انظر: \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٤٢، وزاد: (فتأويل الوزر الثقل من هذه الجهة) ا. هـ وانظر: \"معاني النحاس\" ٢/ ٤١٦، وفيه: (الوزر: الإثم، وهو تمثيل) ا. هـ\n(٧) ذكره الثعلبي ١٧٧ أ، عن الزجاج، وذكره بعضهم عن فرقة. انظر: الرازي ١٢/ ١٩٩، الخازن ٢/ ١٢٩، والصواب حمل الآية على الحقيقة؛ لأن كلام الله تعالى يحمل على حقيقته ولا يصرف عنها إلا بدليل، وانظر: \"تفسير ابن عطية\" ٥/ ١٧٧، والثعالبي ١/ ٥١٤، والألوسي ١/ ١٣٢.","vol":"8","page":90},{"text":"وقوله تعالى: ﴿أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ ذكرنا معنى ﴿سَاءَ﴾ (١) عند قوله: ﴿وَسَآءَ سَبِيلًا﴾ في [النساء: ٢٢]، قال ابن عباس: (يريد بئس الحمل حملوا) (٢)، وقال الزجاج: (بئس الشيء شيئًا (٣) يزرونه، أي: يحملونه) (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-999>٣٢ </span>- قوله تعالى: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾، قال المفسرون: (هذا رد لقول الكفار: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ (٥) (٦)، فقال الله تعالى: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ (٧) (٨)، قال ابن عباس: (يريد حياة المشركين وأهل النفاق وأهل الكفر بالله: ﴿إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ يريد: باطل وغرور) (٩)، وإنما خص ابن عباس هذا بحياة الكافر؛ لأن حياة المؤمن فيها أعمال صالحة لا تكون (١٠) لعبًا ولهوًا.\n_________\n(١) انظر: البسيط النسخة الأزهرية ١/ ٢٣٧ أ.\n(٢) ذكره الواحدي في الوسيط ١/ ٢٨، والبغوي ٣/ ١٣٩، والخازن ٢/ ١٢٩.\n(٣) في النسخ: (شيء).\n(٤) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٤٢، وهو قول أكثرهم. انظر: \"إعراب النحاس\" ٢/ ٦٣ والسمرقندي ١/ ٤٨١، والبغوي ٣/ ١٣٩، وابن الجوزي ٣/ ٢٦.\n(٥) في النسخ (ما هي) بدلًا من (إن)، وهو تحريف، وفي الجاثية الآية ٢٤، قال تعالى: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ الآية.\n(٦) في (أ): (حيوتنا) بدلًا من (حياتنا).\n(٧) في (أ): (الحيوة) حسب رسم المصحف.\n(٨) ذكره عامة المفسرين أن الآية رد على منكري البعث.\nانظر: الطبري ٧/ ١٨٠، وابن عطية ٥/ ١٧٩، والرازي ١٢/ ٢٠٠، والقرطبي ٦/ ٤١٤، و\"الخازن\" ٢/ ١٢٩، و\"البحر\" ٤/ ١٠٨.\n(٩) ذكره الرازي في \"تفسيره\" ١٢/ ٢٠٠، والقرطبي ٦/ ٤١٥، و\"الخازن\" ٢/ ١٢٩، وأبو حيان في \"البحر\" ٤/ ١٠٨.\n(١٠) في (ب): (يكون). وانظر: \"تفسير الرازي\" ١٢/ ٢٠٠.","vol":"8","page":91},{"text":"وقال مقاتل في قوله: (﴿إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ يلهون في الدنيا) (١).\nوهذا يؤكد أن المراد بهذا حياة الكافر؛ لأن المؤمن لا يشتغل باللهو في الدنيا عن عمل الآخرة.\nوقال آخرون: (هذا عام في حياة المؤمن والكافر، والمراد بقوله: ﴿لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ أنها تنقضي وتفنى ولا تبقى كاللعب واللهو، يكون لذة فانية عن قريب) (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ﴾ قال ابن عباس: (يريد الجنة) (٣)، وهو قول الكلبي (٤). ﴿وَالْآخِرَةُ﴾ صفة ﴿وَلَلدَّارُ﴾ وسميت ﴿الْآخِرَةُ﴾ لأنها بعد الدنيا (٥). وقرأ ابن عامر: (ولدار الآخرة) بالإضافة (٦).\nقال الفراء: (يضاف الشيء إلى نفسه إذا اختلف اللفظان، كقولهم: بارحة الأولى، ويوم الخميس، وحق اليقين؛ فإذا اتفقا لم تقل العرب: هذا حق الحق ولا يقين اليقين، وذلك أنهم يتوهمون إذا اختلفا في اللفظ أنهما\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ١/ ٥٥٨، وفيه قال: (﴿إِلَّا لَعِبٌ﴾ إلا باطل، ﴿وَلَهْوٌ﴾ يكون في الدنيا) ا. هـ.\n(٢) انظر: \"الطبري\" ٧/ ١٨٠، والرازي ١٢/ ٢٠٠، والقرطبي ٦/ ٤١٤.\n(٣) ذكره الرازي في \"تفسيره\" ١٢/ ٢٠٣، وأبو حيان في \"البحر\" ٤/ ١٠٩.\n(٤) \"تنوير المقباس\" ٢/ ١٤، وهو قول السمرقندي ١/ ٤٨١، وابن الجوزي ٣/ ٢٧، والقرطبي ٦/ ٤١٥، وغيرهم.\n(٥) انظر: \"تفسير القرطبي\" ٦/ ٤١٥.\n(٦) قال ابن الجزري في \"النشر\" ٢/ ٢٥٧: (قرأ ابن عامر: (ولدار) بلام واحدة وتخفيف الدال. (الآخرة) بخفض التاء على الإضافة، وكذلك هي في مصاحف أهل الشام. وقرأ الباقون بلامين مع تشديد الدال للإدغام وبالرفع على النعت، وكذا هو في مصاحفهم) ا. هـ وانظر: \"السبعة\" ص ٢٥٦، و\"المبسوط\" ص ١٦٧، و\"التذكرة\" ٢/ ٣٩٧، و\"التيسير\" ص ١٠٢.","vol":"8","page":92},{"text":"مختلفان في المعنى، ولا يتوهمون ذلك إذا اتفق اللفظ) (١).\nوعند البصريين (٢) لا يجوز إضافة الشيء إلى نفسه وإن اختلف اللفظ، وقالوا في قراءة ابن عامر: (لم يجعل ﴿الْآخِرَةُ﴾ صفة ﴿وَلَلدَّارُ﴾؛ لأن الشيء لا يضاف إلى نفسه، ولكنه جعلها صفة الساعة، وكأنه قال: ولدار الساعة الآخرة، وجاز وصف الساعة بالآخرة كما جاز ذلك في اليوم في قوله تعالى: ﴿وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ [العنكبوت: ٣٦]، فإن قيل: على هذا التقدير الذي ذكرتم يكون قد أقام ﴿الْآخِرَةُ﴾ التي هي الصفة مقام الموصوف الذي هو الساعة، وذلك قبيح! قيل: لا يقبح ذلك إذا كانت الصفة قد استعملت استعمال الأسماء و﴿الْآخِرَةُ﴾ صارت كالأبطح (٣) والأبرق (٤) في استعمالهما (٥) أسماء. ألا ترى أنه قال تعالى ذكره: ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى﴾ [الضحى: ٤]، فليست ﴿الْآخِرَةُ﴾ كالصفات التي لم تستعمل استعمال الأسماء (٦)، ومثل ﴿الْآخِرَةُ﴾ في أنها استعملت\n_________\n(١) \"معاني الفراء\" ١/ ٣٣٠ - ٣٣١، وقال الأزهري في \"معاني القراءات\" ١/ ٣٥١: (من قرأ: (ولدار الآخرة) فإنه أضاف الدار إلى الآخرة، والعرب تضيف الشيء إلى نعته، وهو كثير فصيح جيد) ا. هـ. بتصرف. واختار هذا التوجيه البغوي ٣/ ١٣٩.\n(٢) انظر: \"الأصول\" ٢/ ٨، و\"أمالي ابن الشجري\" ٢/ ٦٧، و\"الإنصاف\" ص ٣٥٣، و\"المغني\" لابن هشام ٢/ ٦٢٦، واختار هذا التوجيه أكثرهم. انظر: \"المشكل\" ١/ ٢٥١، و\"البيان\" ١/ ٣١٩، و\"الفريد\" ٢/ ١٤١.\n(٣) الأبطح: مسيل والتسبيح فيه دقاق الحصى. انظر: \"القاموس\" ص ٢١٣، (بطح).\n(٤) الأبرق: كثير التهديد والتوعد. انظر: \"القاموس\" ص ٨٦٦. (برق).\n(٥) في (أ): (استعمالها).\n(٦) قال السمين في \"الدر\" ٤/ ٦٠٠، في توجيه كلام البصريين: (وحسن ذلك أيضًا في الآية كون هذه الصفة جرت مجرى الجوامد في إيلائها العوامل كثيرًا. وكذلك كل ما جاء مما توهم فيه إضافة الموضف إلى صفته، وإنما احتاجوا إلى ذلك لئلا =","vol":"8","page":93},{"text":"استعمال [الأسماء] (١) الدنيا.\nوالاختيار قراءة العامة (٢)؛ لأن الأولى أن تجعل ﴿الْآخِرَةُ﴾ صفة ﴿وَلَلدَّارُ﴾، وإذا كانت صفة لها وجب أن يجري عليها في الإعراب ولا يضاف إليها، والدليل على كونها صفة ﴿وَلَلدَّارُ﴾ قوله تعالى: ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى﴾ فقد علمت بإقامتها مقامها أنها هي وليست غيرها فيستقيم أن يضاف إليها (٣).\nقوله تعالى: ﴿خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ قال ابن عباس: (يريد اتقوا الله ولم يشركوا به شيئًا) (٤).\nوقال مقاتل: (للذين اتقوا الشرك) (٥).\nوقال الكلبي: (للذين يتقون الكفر والشرك والفواحش) (٦).\n_________\n= يلزم إضافة الشيء إلى نفسه وهو ممتنع، لأن الإضافة إما للتعريف أو للتخصيص، والشيء لا يعرف نفسه ولا يخصصها) ا. هـ. وانظر: \"التبيان\" للعكبري ١/ ٣٣٠.\n(١) لفظ: (الأسماء) ساقط من (أ).\n(٢) واختار قراءة العامة أيضًا الأزهري في \"معاني القراءات\" ١/ ٣٥١، ومكي في \"الكشف\" ١/ ٤٣٠.\n(٣) هذا معنى قول أبي علي في \"الحجة\" ٣/ ٣٠٠ - ٣٠٢، لكنه لم يذكر اختيار قراءة العامة. وانظر: \"حجة القراءات\" لابن زنجلة ص ٢٤٦، و\"تفسير ابن عطية\" ٥/ ١٧٩، والرازي ١٢/ ٢٠٣، والقرطبي ٦/ ٤١٥، و\"البحر المحيط\" ٤/ ١٠٩.\n(٤) ذكر الرازي ١٢/ ٢٠٣، وأبو حيان في \"البحر\" ٤/ ١٠٩، عنه نحوه بلفظ: (خير لمن اتقى الكفر والمعاصي)، وفي \"تنوير المقباس\" ٢/ ١٥: (خير لمن اتقى الكفر والشرك والفواحش).\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ١/ ٥٥٨.\n(٦) \"تنوير المقباس\" ٢/ ١٥، والمعاني متقاربة، وهي من باب التنبيه على بعض أجزاء التقوى، فأول ما يتقى الكفر، ثم الشرك؛ ثم الفواحش والمعاصي. انظر: الطبري ٧/ ١٨٠، والسمرقندي ١/ ٤٨١، والبغوي ٣/ ١٣٩، والقرطبي ٦/ ٣١٥.","vol":"8","page":94},{"text":"وقوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَعْقِلُونَ﴾ (١) معناه: أفلا يعقل الذين يتقون أن الدار الآخرة خير لهم من هذه الدار، فيعملوا لما ينالون به الدرجة الرفيعة والنعيم الدائم، فلا يفترون في طلب ما يوصل إلى ذلك (٢).\nوقرئ: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ بالتاء (٣) على معنى قل لهم (٤): ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾، أو يكون قد وجه الخطاب في ذلك إلى الذين خوطبوا، أي ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ أيها المخاطبون أن ذلك خير (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1000>٣٣ </span>- قوله تعالى: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ﴾. معنى ﴿قَدْ﴾ هاهنا التوقع (٦)، كقولك: قد ركب الأمير، لقوم يتوقعون ذلك، كأن\n_________\n(١) في (ش): (تعقلون)، وهي قراءة سبعية.\n(٢) هذا قول أبي علي الفارسي في \"الحجة\" ٣/ ٢٩٧، في توجيه القراءة بالياء. وانظر: الطبري ٧/ ١٨٠، والبغوي ٣/ ١٣٩.\n(٣) قرأ ابن عامر ونافع وحفص عن عاصم: (تعقلون) بالتاء، والباقون بالياء. انظر: \"السبعة\" ص ٢٥٦، و\"المبسوط\" ص ١٦٧، و\"التذكرة\" ٢/ ٣٩٧، و\"التيسير\" ص ١٠٢، و\"النشر\" ٢/ ٢٥٧.\n(٤) في (أ): (على معنى وقل لهم).\n(٥) هذا قول أبي علي في \"الحجة\" ٣/ ٢٩٧ - ٣٠٠، وانظر: \"معاني القراءات\" ١/ ٣٥٠، و\"إعراب القراءات\" ١/ ١٥٥، و\"الحجة\" لابن خالويه ص ١٣٨، ولابن زنجلة ص ٢٤٦، و\"الكشف\" ١/ ٤٢٩، و\"تفسير ابن عطية\" ٦/ ٣٨، و\"البحر\" ٤/ ١١٠، و\"الدر المصون\" ٤/ ٦٠٠، ونقل قول الواحدي الرازي ١٢/ ١٦٧.\n(٦) قد: للتوقع مع المضارع، وكذلك مع الماضي عند الأكثر، وقال ابن هشام في \"المغني\" ١/ ١٧١: هي مع الماضي للتقريب؛ لأنها تدخل على ماضٍ متوقع. وانظر: \"المقتضب\" ٢/ ٣٣٤، و\"حروف المعاني\" للزجاجي ص ١٣، و\"معاني الحروف\" للرماني ص ٤٤٥، و\"رصف المباني\" ص٤٤٥، وقال السمين في \"الدر\" ٤/ ٦٠١: (قد هنا حرف تحقيق) ا. هـ. وانظر. \"الكشاف\" ٢/ ١٤، وابن عطية ٥/ ١٨٠، و\"البيان\" ١/ ٤٩١، و\"الفريد\" ٢/ ١٤١، و\"البحر\" ٤/ ١١٠.","vol":"8","page":95},{"text":"النبي - ﷺ - لما سمع تكذيب قومه إياه توقع ما يخاطبه الله تعالى في ذلك فقال: ﴿قَدْ نَعْلَمُ﴾ ذلك تسلية وتعزية عما يواجه به قومه (١).\nقال ابن عباس في هذه الآية: (يريد تعزية النبي - ﷺ - وتصبيره فيما تقول (٢) قريش من تكذيبهم إياه) (٣).\nوقوله تعالى ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ﴾. دخلت الفاء (٤) في (إنهم) لاقتضاء الكلام الأول هذا (٥)، كأنه قيل: إذا كان قد يحزنك الذي يقولون فاعلم أنهم لا يكذبونك. واختلفوا في معنى قوله: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ﴾ فقال ابن عباس: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ﴾ في السر قد علموا أنك صادق: ﴿وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ بمحمد والقرآن في العلانية) (٦)، وهذا قول أكثر المفسرين: أبي صالح (٧) وقتادة (٨) والسدي (٩) ومقاتل، قالوا: (هذا في المعاندين الذين عرفوا صدق محمد - ﷺ -، وأنه غير كاذب فيما يقول، ولكن عاندوا وجحدوا).\n_________\n(١) انظر: \"تفسير الطبري\" ٧/ ١٨٠، وابن الجوزي ٣/ ٢٨.\n(٢) في (أ): (يقول): بالياء.\n(٣) لم أقف عليه. وانظر: \"تنوير المقباس\" ٢/ ١٥.\n(٤) لم أقف على من تكلم عن الفاء هنا. وفي الجدول في \"إعراب القرآن\" ٤/ ٧/ ١٠٠، قال في الآية: (الفاء للتعليل؛ لأن القول السابق يفيد النهي، أي: لا تحزن إنهم لا يكذبونك) ا. هـ\n(٥) في (ش): (هذه).\n(٦) \"تنوير المقباس\" ٢/ ١٥، وذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٢٩.\n(٧) أخرجه الطبري ٧/ ١٨١، بسند جيد، وذكره أكثرهم.\n(٨) أخرجه عبد الرزاق ١/ ٢/ ٢٠٧، والطبري ٧/ ١٨١، وابن أبي حاتم ٤/ ١٢٨٣ بسند جيد.\n(٩) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٢٩، عن ابن عباس وقتادة والسدي ومقاتل.","vol":"8","page":96},{"text":"يدل على هذا ما قال مقاتل: (نزلت في الحارث بن عامر (١)، كان يكذب النبي - ﷺ - في العلانية، فإذا خلا مع أهله قال: ما محمد من أهل الكذب نعلم أن الذي يقوله حق، ولا يمنعنا من أن نتبعه إلا المخافة من أن يتخطفنا الناس من أرضنا -يعني: العرب- فإنا أكلة رأس ولا طاقة لنا بهم؛ فأنزل الله تعالى: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ﴾ في العلانية أنك كذاب ومفترٍ ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ﴾ في السر يعلمون أنك صادق، وقد جربوا منك الصدق فيما مضى، ﴿وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ بالقرآن بعد المعرفة) (٢). ونحو هذا قال الكلبي (٣) سواء.\nوقال السدي (٤) وأبو ميسرة (٥) (٦) ....................\n_________\n(١) الحارث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف بن قصي. مشرك كان يؤذي النبي - ﷺ - وأصحابه بمكة وقتل في بدر مع المشركين. انظر: \"السيرة\" لابن هشام ٢/ ٣٥٧، و\"جوامع السير\" ص ١٤٧، و\"عيون الأثر\" ١/ ٢٨٥.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ١/ ٥٥٨.\n(٣) \"تنوير المقباس\" ٢/ ١٥، وذكره الماوردي ٢/ ١٠٨، وابن الجوزي ٣/ ٢٩، و\"البحر\" ٤/ ١١١، وذكره ابن الجوزي عن أبي صالح عن ابن عباس.\n(٤) أخرجه الطبري ٧/ ١٨٢، بسند جيد، وذكره أكثرهم.\nانظر: \"الثعلبي\" ص ١٧٧ أ، و\"أسباب النزول\" للواحدي ص ٢١٩، والبغوي ٣/ ١٣٩، وابن الجوزي ٣/ ٢٨.\n(٥) أبو ميسرة عمرو بن شرحبيل الهمداني، أبو ميسرة الكوفي مشهور بكنيته، إمام تابعي عابد جليل صالح ثقة مخضرم. وقال بعضهم: له صحبة. توفي سنة ٣٦ هـ انظر: \"طقات ابن سعد\" ٦/ ١٠٦، و\"الجرح والتعديل\" ٦/ ٢٣٧، و\"الحلية\" ٤/ ١٤١، و\"سير أعلام النبلاء\" ٤/ ١٣٥، و\"الإصابة\" ٤/ ١١٤، و\"تهذيب التهذيب\" ٤/ ٥٩٦.\n(٦) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٢٩، وأسباب النزول ص ٢١٩، وذكره السيوطي في \"الدر\" ٣/ ١٨، وقال: (أخرجه عبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه) ا. هـ.","vol":"8","page":97},{"text":"وأبو يزيد (١) المدني (٢) وناجية بن كعب (٣) (٤): (نزلت الآية في أبي جهل قال: يا محمد ما نكذبك ولا نتهمك وإنك عندنا لمصدق، ولكنا نكذب ما جئتنا به، ولا نكون تبعًا لعبد مناف، فأنزل الله هذه الآية).\n_________\n(١) أبو يزيد المدني نزل البصرة لا يعرف اسمه وهو تابعي ثقة، روى عن أبي هريرة وابن عمر وابن عباس وغيرهم، وروى عنه أيوب السختياني وغيره، وأخرج له البخاري والنسائي، توفي بعد المائة.\nانظر: \"الجرح والتعديل\" ٩/ ٤٥٨، و\"الكاشف\" ٢/ ٤٧٢ (٦٩٠٢)، و\"تهذيب التهذيب\" ٤/ ٦٠٩، و\"تقريب التهذيب\" (٨٤٥٢) ص ٦٨٥.\n(٢) أخرجه ابن حاتم ٤/ ١٢٨٣، بسند رجاله ثقات سوى بشر بن مبشر الواسطي فقد قال ابن حجر في \"اللسان\" ٢/ ٣٢ (ضعفه الأزدي وذكره ابن حبان في \"الثقات\" ا. هـ. وانظر: \"ميزان الاعتدال\" ١/ ٣٢٤، و\"المغني للذهبي\" ١/ ١٠٧، وذكر الرواية عن أبي يزيد: ابن كثير ٢/ ١٤٦، والسيوطي في \"الدر\" ٣/ ١٨، وزاد نسبته إلى أبي الشيخ.\n(٣) ناجية بن كعب الأسدي الكوفي، تابعي ثقة، روى عن علي وعمار ﵄ وغيرهما، وروى عنه أبو إسحاق السبيعي وغيره. أخرج له أبو داود والترمذي والنسائي، توفي بعد المائة.\nانظر: \"تاريخ الثقات\" للعجلي ٢/ ٣٠٨ (١٨٣٠)، و\"الجرح والتعديل\" ٨/ ٤٨٦، و\"ميزان الاعتدال\" ٤/ ٢٣٩، و\"تهذيب التهذيب\" ٤/ ٢٠٤، و\"التقريب\" (٧٠٦٥) ص ٥٥٧.\n(٤) أخرجه الترمذي (٣٠٦٤)، كتاب تفسير القرآن، باب ومن سورة الأنعام، والطبري ٧/ ١٨٢، وابن أبي حاتم ٤/ ١٢٨٢، من طرق جيدة عن ناجية، وأخرجه الترمذي وابن أبي حاتم، والنحاس في \"معانيه\" ٢/ ٤١٨، والحاكم ٢/ ٣١٥، عن ناجية عن علي ﵁، قال الحاكم: (هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه) ا. هـ. ووافقه الذهبي وقال: (لم يخرجا لناجية شيئًا). وصححه الشيخ أحمد شاكر في حاشية \"عمدة التفسير\" ١/ ٧٧٠، وقال: (حديث علي صحيح؛ لأن الوصل زيادة من ثقتين، فهي مقبولة على اليقين) ا. هـ. وقال الترمذي: =","vol":"8","page":98},{"text":"وقال قتادة: (يعلمون أنك رسول، ولكن يجحدون) (١).\nوقال ابن جريج: (لا يكذبونك بما تقول، ولكن يجحدون بآيات الله).\nوقال عطاء: (لا يكذبونك، ولكن جحدوا ربوبيتي وقدرتي وسلطاني) (٢).\nومعنى الجحد: إنكار المعرفة. وهو ضد الإقرار (٣). كانوا (٤) قبل عرفوا ذلك ولم يقروا، وهذا مذهب هؤلاء المفسرين وعليه أكثر (٥) أهل المعاني.\nوذكر الزجاج وجهين يوافقان هذا التفسير الذي ذكرناه: (أحدهما ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ﴾ بقلوبهم، أي: يعلمون أنك صادق، وإنما جحدوا براهين الله جل وعز، قال: وجائز أن يكون ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ﴾ أي: أنت عندهم صدوق؛ لأنه - ﷺ - كان يسمى فيهم الأمين قبل الرسالة، ولكنهم جحدوا بألسنتهم ما تشهد قلوبهم بكذبهم فيه) (٦).\n_________\n= (الموقف على ناجية أصح) ا. هـ. وضعفه الألباني في \"ضعيف الترمذي\" ص ٣٥٤ - رقم ٥٩٠ - ٥٩١، وفي \"المشكاة\" ٣/ ١٦٢٢ - رقم (٥٨٣٤)، وقال: (الموقوف أصح). وانظر: \"الدر المنثور\" ٣/ ١٨.\n(١) سبق تخريجه.\n(٢) لم أقف على من ذكره عن ابن جريج وعطاء.\n(٣) انظر: \"العين\" ٣/ ٧٢، و\"الجمهرة\" ٢/ ٤٣٥، و\"تهذيب اللغة\" ١/ ٥٤١، و\"الصحاح\" ٢/ ٤٥١، و\"مقاييس اللغة\" ١/ ٤٢٥، و\"المفردات\" ص ١٨٧، و\"اللسان\" ١/ ٥٤٧ (جحد).\n(٤) في (ش): (كأنه قيل).\n(٥) جاء في (أ): تكرار لفظ: (أكثر).\n(٦) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٤٢.","vol":"8","page":99},{"text":"وقال أبو علي الفارسي: (﴿لَا يُكَذِّبُونَكَ﴾؛ لأنهم يعرفونك بالصدق والأمانة، ولذلك سمي الأمين، ﴿وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ بألسنتهم ما يعلمونه يقينًا؛ لعنادهم وما يؤثرونه من ترك الانقياد للحق، وقد قال جل وعز في صفة قوم: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾) [النمل: ١٤] (١).\nونحو هذا قال ابن الأنباري (٢)، وهذا الذي ذكرنا مذهب الجمهور في هذه الآية (٣).\nوقال الضحاك: (﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ﴾ (لا يقدرون على أن تكون رسولًا (٤)، ولا على أن لا يكون القرآن قرآنا، وإنما يكذبونك بألسنتهم) (٥)، فعلى هذا معن ﴿لَا يُكَذِّبُونَكَ﴾ لا يستطيعون أن يجعلوك كذابًا، [وحرر أبو بكر هذا القول فقال: معناه فإنهم لا يصححون عليك كذابًا] (٦)، إذا كان الذي يظهر منك يدل الناس على صدقك، وإن كذبوا\n_________\n(١) \"الحجة\" ٣/ ٣٠٣.\n(٢) ذكره الأزهري في \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣١١٤، وابن الجوزي في \"تفسيره\" ٣/ ٢٩، وابن منظور في \"اللسان\" ٧/ ٣٨٤١ (كذب).\n(٣) انظر: \"تفسير غريب القرآن\" لابن قتيبة ص ١/ ١٥٧، و\"تفسير الطبري\" ٧/ ١٨١، و\"معاني النحاس\" ٢/ ٤١٧ - ٤١٩، و\"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ٥٤٤، و\"معاني القراءات\" للأزهري ١/ ٣٥٢.\n(٤) في (ش): (يكون) بالياء.\n(٥) أخرجه ابن أبي حاتم ٤/ ١٢٨٢، بسند ضعيف عن الضحاك عن ابن عباس، وذكره السيوطي في \"الدر\" ٣/ ١٨، وزاد نسبته إلى أبي الشيخ والطبراني، وذكره الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" ٧/ ٨٧، وقال: (رواه الطبراني عن ابن عباس، وفيه بشر بن عمارة وهو ضعيف) ا. هـ\n(٦) ما بين المعقوفين ساقط من (ش).","vol":"8","page":100},{"text":"كمن لم يكذب، ألا ترى أنك تقول لمن يقول ولا يجيد القول: لم يقل هذا اليوم شيئًا، لما لم يُجد كأن قوله كلا قول) (١).\nوقال غيره ما يؤكد هذا المعنى، فقال: معناه: (﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ﴾ بحجة، أي: فلا يعتد بتكذيبهم، فإنه لا حقيقة له) (٢).\nواختلف القراء (٣) في قوله: ﴿يُكَذِّبُونَكَ﴾ فقرؤوا مشددًا ومخففًا. قال الفراء: (معنى التخفيف -والله أعلم-: لا يجعلونك كذابًا، ولكن يقولون: إن ما جئت به باطل؛ لأنهم لم يجربوا عليه كذبًا فيكذبوه، وإنما أكذبوه، أي: قالوا: إن ما جئت به كذب. قال: والتكذيب أن يقال: كذبت) (٤).\nوقال الزجاج: (معنى كذبته: قلت له: كذبت، ومعنى أكذبته: أريت (٥) أن ما أتى به كذب. قال: ومعنى التخفيف: لا يقدرون أن يقولوا لك كذبت) (٦).\n_________\n(١) لم أقف عليه، وقريب منه ما نقله الأزهري في \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣١١٤، وابن منظور في \"اللسان\" ٧/ ٣٨٤١، عن ابن الأنباري في معنى الآية أنه قال: (ويمكن أن يكون ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ﴾ بمعنى لا يجدونك كذابًا عند البحث والتدبر والتفتيش). ا. هـ.\n(٢) ذكر هذا القول الماوردي في \"تفسيره\" ٢/ ١٠٧، عن أبي صالح وقتادة والسدي، وانظر: \"زاد المسير\" ٣/ ٢٩.\n(٣) قرأ نافع والكسائي (لا يكذبوك) بسكون الكاف وتخفيف الذال من أَكْذبَ، وقرأ الباقون بفتح الكاف وتشديد الذال من كذَب. انظر: \"السبعة\" ص ٢٥٧، و\"المبسوط\" ص ١٦٨، و\"التذكرة\" ٢/ ٣٩٧، و\"التيسير\" ص ١٠٢، و\"النشر\" ٢/ ٢٥٧.\n(٤) \"معاني الفراء\" ١/ ٣٣١.\n(٥) كذا في النسخ، وعند الزجاج ٢/ ٢٤٢: (ادعيت).\n(٦) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٤٢، بتصرف يسير. ولم يشر الزجاج إلى أن ذلك معنى التخفيف.","vol":"8","page":101},{"text":"وكان الكسائي يقرأ بالتخفيف ويحتج: (بأن العرب تقول: كذبت الرجل إذا نسبته إلى الكذب وإلى صنعة الأباطيل من القول (١)، وأكذبته إذا أخبرت أن الذي يحدث به كذب ليس هو الصانع له)، حكاه ابن الأنباري عنه (٢).\nونحو هذا حكى عنه أحمد بن يحيى، وقال: (كان الكسائي يحكي عن العرب: أكذبت الرجل إذا أخبرت أنه جاء بكذب لم يضعه هو، كأنه حكى كذبًا، وكذبته إذا أخبرت أنه كذاب) (٣).\nوقال أبو علي: (لا يجوز أن يكون معنى القراءتين واحدًا؛ لأن معنى التثقيل النسبة إلى الكذب، بأن تقول له: كذبت، كما تقول: زنيته وفسقته وخطأته، أي: قلت له: فعلت هذه الأشياء، وسقيته ورعيته قلت له: سقاك الله ورعاك الله، وقد جاء في المعنى أفعلته قالوا: أسقيته قلت له: سقاك الله (٤). قال ذو الرمة:\nوأُسْقيهِ حَتَّى كَادَ ممَّا أَبُثُّهُ ... تُكَلّمُنِي أَحْجَارُهُ ومَلاعبُهْ (٥)\nأي: أنسبه إلى السقيا بأن أقول: سقاك الله. فيجوز على هذا أن يكون معنى القراءتين واحدًا وإن اختلف اللفظان، إلا أن فَعَّلْتَ إذا أرادوا أن\n_________\n(١) لفظ: (من القول) ساقط من (ش).\n(٢) \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣١١٥.\n(٣) \"مجالس ثعلب\" ٢٧١، و\"معاني النحاس\" ٢/ ٤١٩، و\"الحجة\" لأبي علي ٣/ ٣٠٤.\n(٤) جاء في (ش): تكرار: (ورعاك الله - إلى سقاك الله).\n(٥) \"ديوانه\" ص ٢٨٨، و\"الكتاب\" ٤/ ٥٩، و\"النوادر\" لأبي زيد ص ٢١٣، و\"أدب الكاتب\" ص ٣٥٦، و\"الممتع في التصريف\" ١/ ١٨٧، و\"اللسان\" ٤/ ٢٠٤٢ (سقى)، وقال الخطيب التبريزي في \"شرحه\" ٢٨٩: (أبثه، أي أخبره بكل ما في نفسي، وأسقيه، أي: أدعو له بالسقيا، وملاعبه: مواضع يلعب فيها) ا. هـ.","vol":"8","page":102},{"text":"ينسبوا إلى أمر أكثر من أَفْعَلْتَ (١). قال: ويجوز أن يكون معنى ﴿لَا يُكَذِّبُونَكَ﴾: لا يصادفونك كاذبًا؛ لأنهم يعرفونك بالصدق والأمانة، كما تقول: أحمدت الرجل إذا أصبته محمودًا، وأجبنته وأبخلته وأفحمته إذا صادفته على هذه الأحوال) (٢)\nوقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ قد مضى تفسيره (٣)، ودخلت الباء في الآيات، والجحد تعدى بغير الجار؛ لأنه أريد بالجحد التكذيب، وبهذا يطابق المعنى الأول، كأنه قيل: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ﴾ ولكن يكذبون بآيات الله.\nوقال أبو علي: (﴿وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ أي: برد آيات الله أو إنكار (٤) آيات الله، ﴿يَجْحَدُونَ﴾، أي: يجحدون ما عرفوه من صدقك وأمانتك، ومن ذلك (٥) قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا﴾ [الإسراء: ٥٩]، أي: ظلموا بردها أو الكفر (٦) بها، فكما أن الجار في قوله: ﴿فَظَلَمُوا بِهَا﴾ من صلة ظلموا، كذلك يكون من صلة الظلم في قوله: ﴿وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾، و﴿يَجْحَدُونَ﴾ محذوف\n_________\n(١) انظر: \"الكتاب\" لسيبويه ٤/ ٥٨.\n(٢) \"الحجة\" ٣/ ٣٠٢ - ٣٠٥، ولم يذكر قوله: \"وأجبنته وأبخلته وأفحمته ... \" وانظر: \"الحجة\" لابن خالويه ص ١٣٨، و\"إعراب القراءات\" ١/ ١٥٥، و\"الحجة\" لابن زنجلة ص ٢٤٧، و\"الكشف\" ١/ ٤٣٠، و\"المشكل\" ١/ ٢٥١، و\"الدر المصون\" ٤/ ٦٠٣.\n(٣) هي آية لم ترد قبل، ولعله يريد ص ١٧٤ من هذا البحث.\n(٤) في (ش): (وإنكار).\n(٥) في (أ): (ذلك قوله).\n(٦) في (أ): (بردها والكفر بها).","vol":"8","page":103},{"text":"المفعول للدلالة عليه) (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1001>٣٤ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ﴾ الآية. قال الزجاج: (عزى الله نبيه - ﷺ - وصبره (٢) بأن أخبره أن الرسل قبله قد كذبتهم أمم من قبله) (٣)، قال ابن عباس: (من لدن نوح إليك ﴿فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا﴾ رجاء ثوابي، ﴿وَأُوذُوا﴾ حتى نشروا بالمناشير وحرقوا بالنار) (٤).\nوقوله تعالى: ﴿حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا﴾ معنى النصر: المعونة على العدو (٥)، قال المفسرون: (معنى النصر هاهنا: تعذيب الأمم المكذبة وإهلاكهم) (٦).\n_________\n(١) \"الحجة\" لأبي علي ١/ ٣٣٩، وقال السمين في \"الدر\" ٤/ ٦٠٤ - ٦٠٥: (يجوز في هذا الجار وجهان: أحدهما: أنه متعلق بيجحدون، وهو الظاهر الذي لا ينبغي أن يعدل عنه، وجوز أبو البقاء أن يتعلق بالظالمين قال: كقوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا﴾، وهذا الذي قاله ليس بجيد؛ لأن الباء هناك سببية أي: ظلموا بسببها، والباء هنا معناها التعدية، وهنا شيء يتعلق به تعلقًا واضحًا فلا ضرورة تدعو إلى الخروج عنه) ا. هـ. وانظر: \"التبيان\" ١/ ٣٢٠، و\"الفريد\" ٢/ ١٤٢.\n(٢) في (ش): (فصبر).\n(٣) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٤٣، وانظر: \"تفسير الطبري\" ٧/ ١٨٣، والسمرقندي ٣/ ٢٢٣.\n(٤) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٣٠، وابن الجوزي ٣/ ٣٠، وأبو حيان في \"البحر\" ٤/ ١١٢.\n(٥) انظر: \"العين\" ٧/ ١٠٨، و\"الجمهرة\" ٢/ ٧٤٤، و\"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٥٨٤ و\"الصحاح\" ٢/ ٨٢٩، و\"المجمل\" ٣/ ٨٧٠، و\"مقاييس اللغة\" ٥/ ٤٣٥، و\"المفردات\" ص ٨٠٨، و\"اللسان\" ٧/ ٤٤٤٠ (نصر).\n(٦) انظر: \"تفسير الطبري\" ٧/ ١٨٣، والسمرقندي ١/ ٤٨٢، والبغوي ٣/ ١٤٠، وابن الجوزي ٣/ ٣٠، وكلهم اقتصر على هذا المعنى.","vol":"8","page":104},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ﴾ قال الكلبي (١) وعكرمة: (يعني الآيات التي وعد فيها نصر الأنبياء على أعدائهم، كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٧١] الآيات، وقوله تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ [المجادلة: ٢١] (٢)، قال ابن عباس: (يريد لا ناقض لحكمي) (٣)، يعني: أنه قد حكم في كتابه بنصر أنبيائه، فليس ينقضه أحد، ولهذا قال الزجاج في قوله تعالى: ﴿[و] (٤) لا مبدل لكلمات الله﴾: (أي: لا يخلف وعده، ولا يغلب أحد أولياءه) (٥). وتفسير ابن عباس يدل على أن قوله: ﴿وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ﴾ معناه: لا ناقض لحكمه في كل مما حكم به من وعد ووعيد وثواب وعقاب، فليس يخص هذا الحكم الواحد، وهو نصر المرسلين، وإذا كان كذلك فالتقدير عند النحويين في الكلمات: ذوي الكلمات أي: يخبر بها عنه. يقول: لا مبدل لما أخبرت عنه بكلماتي ليس يريد أنه لا مبدل للكلمات التي هي عبارات؛ هذا معنى قول أبي علي (٦).\n_________\n(١) ذكره الثعلبي ١٧٧ أ، وفي \"تنوير المقباس\" ٢/ ١٥ نحوه.\n(٢) لم أقف عليه. وانظر: \"الماوردي\" ١/ ١٠٨، وابن الجوزي ٣/ ٣١، وقال ابن القيم في \"بدائع التفسير\" ٢/ ١٤٧: (أي: لا مبدل لعذاب الله أو لا مبدل لمقتضى عذاب الله) ا. هـ. والظاهر العموم، وحمل الكلمات على الحقيقة أي لا مبدل لكلام الله تعالى الذي به يأمر وينهى ويشرع، وهو صفة من صفاته العلية التي لا تتناهى كسائر صفاته ﷾.\n(٣) ذكر ابن الجوزي ٣/ ٣١، وأبو حيان في \"البحر\" ٤/ ١١٢، عنه في الآية قال: (لا خلف لمواعيده)، وانظر: ابن عطية ٥/ ١٨٥، والقرطبي ٦/ ٤١٧.\n(٤) لفظ: (الواو) ساقط من (ش).\n(٥) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٤٣، وانظر: \"إعراب النحاس\" ١/ ٥٤٤.\n(٦) \"الحجة\" ٢/ ٣٤، وفيه قال: (والكلمات تقديرها: ذوي الكلمات، أي: ما عبر =","vol":"8","page":105},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾ أي: خبرهم في القرآن كيف نجيناهم ودمرنا قومهم (١).\nقال الأخفش: (﴿مِن﴾ هاهنا صلة كما تقول: أصابنا من مطر) (٢).\nوقال غيره (٣): (لا يجوز ذلك؛ لأنها لا تزاد في الواجب (٤)، وإنما تزاد مع النفي، كقولك: ما أتاني من أحدٍ (٥). و﴿مِّن﴾ هاهنا للتبعيض وفاعل جاء مضمر، أضمر لدلالة المذكور عليه، تقديره: ولقد جاءك من نبأ المرسلين نبأ (٦).\n_________\n= عنه بها من وعد ووعيد وثواب وعقاب) ا. هـ. وانظر: تفسير ابن عطية ٥/ ١٨٥.\n(١) انظر: \"تفسير الطبري\" ٧/ ١٨٣، والسمرقندي ١/ ٤٨٢.\n(٢) \"معاني القرآن\" ٢/ ٢٧٤، وفيه: (كما تقول: قد أصابنا من مطر، وقد كان من حديث) ا. هـ. وانظر: المصدر نفسه ١/ ٩٨ - ٩٩، ٢٢٣، واقتصر على هذا القول البغوي في \"تفسيره\" ٣/ ١٤٠.\n(٣) انظر: \"الكتاب\" ٢/ ٣١٥ - ٣١٦، ٤/ ٢٢٥، و\"المقتضب\" ٤/ ١٣٦ - ١٣٨، و\"الأصول\" ١/ ٤٠٩ - ٤١١، و\"حروف المعاني\" للزجاجي ص ٥٠.\n(٤) الواجب ما تقع له حالة الوجوب، والموجب الكلام المثبت غير المنفي، وهو المراد هنا. انظر: \"معجم المصطلحات النحوية والصرفية\" للدكتور محمد اللبدي ص ٢٣٨، ٢٣٩.\n(٥) انظر: \"معاني الحروف\" للرماني ص ٩٧، و\"الصاحبي\" ص ٢٧١، و\"المغني\" ١/ ٣٢٢ - ٣٢٥، وقال المالقي في \"رصف المباني\" ص ٣٩١: (وقد تكون من زائدة عند الكوفيين في الواجب، وحكوا: قد كان من مطر وهو عند البصريين غير الأخفش مؤول، أي: حادث من مطر أو كائن من مطر، وبعد فهو قليل لا يقاس) ا. هـ. وحكى ابن فارس في \"الصاحبي\" زيادتها في الواجب عن أبي عبيدة أيضًا.\n(٦) انظر: \"غرائب الكرماني\" ١/ ٣٥٧، و\"البيان\" ١/ ٣٢٠، و\"التبيان\" ص ٣٣٠، و\"الفريد\" ٢/ ١٤٣، و\"البحر\" ٤/ ١١٣، و\"الدر المصون\" ٤/ ٦٠٦، وعندهم التقدير: (ولقد جاءك نبأ من نبأ المرسلين).","vol":"8","page":106},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1002>٣٥ </span>- قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ﴾، قال المفسرون: (كان رسول الله - ﷺ - يحرص على إيمان قومه ومتابعتهم إياه أشد الحرص، وكان إذا سألوه آية أراد أن يريهم الله ذلك؛ طمعًا في إيمانهم، فقال الله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ﴾) (١)، قال ابن عباس: (أي: عن الإيمان بك وبالقرآن) (٢).\nوقال الزجاج: (عظم عليك أن أعرضوا إذ طلبوا منك أن ينزل عليك (٣) ملك فلم ينزل) (٤).\nوقوله تعالى: ﴿فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ﴾، النفق (٥): سرب في الأرض له مخلص إلى مكان آخر (٦).\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي حاتم ٤/ ١٢٨٤ بسند جيد عن ابن عباس. وانظر: \"البغوي\" ٣/ ١٤٠.\n(٢) لم أقف عليه، وهذا معنى ظاهر، ولم يختلف فيه.\nانظر: الطبري ٧/ ١٨٣، والسمرقندي ١/ ٤٨٢، والبغوي ٣/ ١٤٠، والقرطبي ٦/ ٤١٧.\n(٣) لفظ: (عليك) ساقط من (ش).\n(٤) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٤٣، وفيه تصرف واختصار.\n(٥) انظر: \"العين\" ٥/ ١٧٧، و\"الجمهرة\" ٢/ ٩٦٧، و\"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٦٣٥، و\"الصحاح\" ٤/ ٥٦٠، و\"المجمل\" ٣/ ٨٧٧، و\"مقاييس اللغة\" ٥/ ٤٥٤، و\"المفردات\" ص ٨١٩، و\"اللسان\" ٨/ ٤٥٠٨ (نفق).\n(٦) هذا قول أهل اللغة والتفسير، وقد أخرجه الطبري ٧/ ١٨٤، من طرق جيدة عن ابن عباس وقتادة والسدي.\nوانظر: \"مجاز القرآن\" ١/ ١٩٠، و\"غريب القرآن\" ص ١٣٦، و\"تفسير غريب القرآن\" ص ١٥٣، و\"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٤٤، و\"الزاهر\" ١/ ١٣٢، و\"معاني النحاس\" ٢/ ٤١٩.","vol":"8","page":107},{"text":"وقوله تعالى: ﴿أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ﴾، وجواب ﴿أَن﴾ مضمر تقديره ﴿فَإِنِ اسْتَطَعْتَ﴾ ذلك فافعل (١).\nقال الفراء: (وإنما تفعله العرب في كل موضع يُعرف فيه معنى الجواب، ألا ترى أنك تقول للرجل: إن استطعت أن تتصدق. إن رأيت أن تقوم معنا. تترك الجواب لمعرفتك بمعرفته [به] (٢)، فإذا جاء ما لا يُعرف جوابه إلا بظهوره أظهرته، كقولك للرجل: إن تقم تُصِبْ خيرًا لابد في هذا من جواب؛ لأن معناه لا يعرف إذا طرح) (٣).\nوقال الزجاج: (أعلم الله ﷿ أنه بشر لا يقدر على الإتيان بآية إلا بإذن الله تعالى) (٤)، وفي تعجيزه عن الإتيان بما سألوه أمر له بالصبر إلى أن يدخل وقت الآيات ووقت العقاب.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾ أخبر الله تعالى نبيه - ﷺ - أنهم إنما تركوا الإيمان وأعرضوا عنه بمشيئة الله ونافذ قضائه فيهم، وأنه لو شاء [الله] (٥) لاجتمعوا على الإيمان، كما قال الله تعالى (٦): ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ (٧) [يونس: ٩٩].\n_________\n(١) انظر: الطبري ٧/ ١٨٤، والسمرقندي ١/ ٤٨٢، والبغوي ٣/ ١٤١، وابن عطية ٥/ ١٨٨، و\"التبيان\" ١/ ٣٣١، و\"الفريد\" ٢/ ١٤٣، و\"الدر المصون\" ٤/ ٦٠٧.\n(٢) لفظ: (به) ساقط من (ش) وكذا في بعض نسخ \"معاني الفراء\" ١/ ٢٣١ كما في حاشيته.\n(٣) \"معاني الفراء\" ١/ ٣٣١ - ٣٣٢.\n(٤) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٤٤، وانظر: \"معاني النحاس\" ٢/ ٤٢٠.\n(٥) لفظ (الجلاله) ساقط من (أ).\n(٦) في (أ) كما قال تعالى.\n(٧) انظر: \"تفسير الطبري\" ٧/ ١٨٥، و\"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٤٤، و\"معاني النحاس\" ٢/ ٤٢٠، و\"تفسير السمرقندي\" ١/ ٤٨٢.","vol":"8","page":108},{"text":"وقوله تعالى: ﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾، قال أهل التفسير: (أي: فإنه يؤمن بك بعضهم دون بعض، وأنهم لا يجتمعون على الهدى) (١).\nوقال أهل المعاني: (معناه: لا يشتد تحسرك على تكذيبهم ولا تجزع من إعراضهم عنك، فتقارب حال الجاهل، وغلظ الخطاب تبعيدًا وزجرًا له عن هذه الحال) (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1003>٣٦ </span>- قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ﴾ قال مجاهد وقتادة: (يعني: المؤمنين الذين يسمعون الذكر فينتفعون به) (٣). قال قتادة: (المؤمن حي القلب سمع كتاب الله فعقله ووعاه وانتفع به، والكافر لا يصغي إلى الحق؛ لأن الله تعالى ختم على سمعه) (٤). وقال الزجاج: يعني: الذين يسمعون سماع قابلين) (٥). وقال بعض أهل اللغة: (الاستجابة: الجواب بما يوافق الداعي، والإجابة قد تكون بالمخالفة، ولا يقال: استجاب إلا لمن قبل ما دُعي إليه) (٦)، ويؤكد هذا أن ابن عباس -﵀- فسر\n_________\n(١) انظر: \"تفسير ابن عطية\" ٥/ ١٨٩، وابن الجوزي ٣/ ٣٣.\n(٢) انظر: \"تفسير الماوردي\" ٢/ ١٠٩، وابن الجوزي ٣/ ٣٣.\n(٣) تفسير مجاهد ١/ ٢١٤، وأخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٧/ ١٨٦، وابن أبي هاشم ٤/ ١٢٨٥، من طرق جيدة عن مجاهد.\n(٤) أخرجه الطبري ٧/ ١٨٦، وابن أبي حاتم ٤/ ١٢٨٥ بسند جيد، وانظر: \"الدر المنثور\" ٣/ ١٩.\n(٥) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٤٥، وانظر: \"معاني النحاس\" ٢/ ٤٢٠ - ٤٢١.\n(٦) ذكره الرازي ١٢/ ٢٠٩، وأبو حيان ٤/ ١١٧، عن علي بن عيسى الرماني، وهو قول الهمداني في \"الفريد\" ٢/ ١٤٤، وقال العسكري في \"الفروق\" ص ١٨٤: (أجاب معناه فعل الإجابة، واستجاب طلب أن يفعل الإجابة، لأن أصل الاستفعال لطلب الفعل، وصلح استجاب بمعنى أجاب؛ لأن المعنى فيها يؤول إلى شيء واحد، وذلك أن استجاب طلب الإجابة بقصده إليها، وأجاب أوقع =","vol":"8","page":109},{"text":"الاستجابة هاهنا بالإيمان (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ﴾ قال الحسن (٢) ومجاهد وقتادة (٣). (يعني الكفار)، وهو قول مقاتل قال: (يعني: كفار مكة يقول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ﴾ للحق المؤمنون، وأما (٤) ﴿الْمَوْتَى﴾ وهم الكفار فإن الله يبعثهم في الآخرة ثم إليه يردون فيجزيهم بأعمالهم) (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1004>٣٧ </span>- قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا﴾ يعني: رؤساء قريش، ﴿لَوْلَا﴾: هلا، ﴿نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ يعني: نزول الملك يشهد لمحمد بالنبوة وصحة ما أتى به (٦)، ﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ قال المفسرون (٧): (لا يعلمون ما عليهم في الآية من النبلاء لو أنزلناها ولا ما وجه ترك إنزالها). وقال بعض أصحاب المعاني: إلا يعلمون أن الله قادر على إنزالها لا يقدر سواه عليها) (٨).\n_________\n= الإجابة بفعلها) ا. هـ. وقال الراغب في \"المفردات\" ص ٢١٠، والسمين في \"العمدة\" ص ١٠٥: (الاستجابة قيل: هي الإجابة، وحقيقتها هي التحري للجواب والتهيؤ له، لكن عُبر به عن الإجابة لقلة انفكاكها منها) ا. هـ. وفي \"اللسان\" ٢/ ٧١٦ (جوب): (هما بمعنى واحد) ا. هـ.\n(١) \"تنوير المقباس\" ٢/ ١٦.\n(٢) أخرجه الطبري ٧/ ١٨٦، وابن أبي حاتم ٤/ ١٢٨٥، بسند جيد، وانظر: \"الدر المنثور\" ٣/ ١٩.\n(٣) سبق تخريج قول مجاهد وقتادة.\n(٤) في (ش): (فأما).\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ١/ ٥٥٩.\n(٦) انظر: \"تفسير السمرقندي\" ١/ ٤٨٣، والبغوي ٣/ ١٤١، وابن الجوزي ٣/ ٣٤.\n(٧) انظر: الطبري ٧/ ١٨٧، والماوردي ٢/ ١١٠، والمراجع السابقة.\n(٨) انظر: \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٤٥، والمراجع السابقة.","vol":"8","page":110},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1005>٣٨ </span>- قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ﴾ الآية، قال ابن عباس: (يريد: كل ما دب وجميع البهائم فهو دابة) (١).\nقال الزجاج: وجميع ما خلق الله جل وعز لا يخلو من هاتين المنزلتين: إما أن يدب، وإما أن يطير) (٢). وقال غيره من أهل المعاني: (خص ما في الأرض هاهنا بالذكر دون ما في السماء، احتجاجًا بالأظهر، وإحالة بالدليل على ما هو ظاهر؛ لأن ما في السماء -وإن كان مخلوقًا له مثلنا- فغير ظاهر) (٣).\nوقوله تعالى: ﴿يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ قال الفراء والزجاج: (ذكر الجناح هاهنا تأكيد (٤)، كقولك: نعجة أنثى، وكلمته بفي، ومشيت برجلي) (٥). وقال الزجاج: (وقد تقول للرجل: طرفي حاجتي، وأنت تريد أسرع) (٦)، وأراد بهذا أن الطيران قد يستعمل لا بالجناح كقول العنبري (٧):\n_________\n(١) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٣٢، وابن الجوزي ٣/ ٣٤.\n(٢) \"معاني القرآن\" ٢/ ٢٤٥.\n(٣) ذكره الرازي ١٢/ ٢١٢.\n(٤) في (ش): (توكيد)، وهذا هو قول قطرب كما في \"الزاهر\" ١/ ٥٨ - ٥٩، ونقل عن أبي العباس أنه قال: (ليس يطير بجناحيه توكيدًا، ولكنه دخل؛ لأن الطيران يكون بالجناحين ويكون بالرجلين، فطيران الطائر من البهائم بجناحيه، ومن الناس برجليه ألا ترى أنك تقول: زيد طائر في حاجته، معناه: مسرع برجليه) ا. هـ.\n(٥) \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٣٣٢، وهو قول عامة أهل التفسير ومنهم الطبري ٧/ ١٧٩، والنحاس في \"معانيه\" ٢/ ٤٢٢، والسمرقندي ٣/ ٢٢٧، والبغوي ٣/ ١٤١، وابن عطية ٥/ ١٩٣.\n(٦) \"معاني القرآن\" ٢/ ٢٤٥.\n(٧) العنبري: قُريَط بن أنيف العنبرى التميمي شاعر جاهلي. انظر: \"الأعلام\" ٥/ ١٩٥.","vol":"8","page":111},{"text":"طاروا إليه زَرَافَاتٍ وَوُحْدَانَا (١)\nفذكر الجناح ليتمحض (٢) في الطير.\nوقوله تعالى: ﴿إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ قال الفراء: (يقال: إن كل صنف من البهائم أمة) (٣).\nوجاء في الحديث: \"لولا (٤) أن الكلاب أمة تنبح لأمرت بقتلها\" (٥)، فجعل الكلاب أمة.\nواختلفوا في أن البهائم والطير في ماذا شبهت بنا وجُعلت أمثالنا، فقال ابن عباس في رواية عطاء يريد: (يعرفونني ويوحدونني ويسبحونني ويحمدونني، مثل ما قال تعالى في سبحان: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾\n_________\n(١) \"الحماسة\" لأبي تمام ١/ ٤، وفي \"عيون الأخبار\" ١/ ١٨٨ الرجل من بلعنبر، وبلا نسبة في \"مجال ثعلب\" ص ٤٠٥، و\"الصناعتين\" ص ٢٨٥، والرازي ١٢/ ٢١٢، و\"الدر المصون\" ٤/ ١١٢، و\"روح المعاني\" ٧/ ١٤٣، وصدره:\nقَوْمٌ إذا الشرُّ أبْدَى نَاجِذَيْهِ لَهُمْ\nوهو من قصيدة تُعد من عيون الشعر، اختارها أبو تمام أول مقطوعة في \"الحماسة\"، والزرافات، بالفتح: الجماعات، والوحدان، بالضم، جمع واحد. وفي الحماسة فقط: قاموا، بدل طاروا.\n(٢) قوله: ليتمحض غير واضح في النسخ، واللفظ نفسه عند الرازي ١٢/ ٢١٣، والقرطبي ٦/ ٤١٩.\n(٣) \"معاني الفراء\" ١/ ٣٣٢.\n(٤) في (أ): (ولولا).\n(٥) أخرجه أحمد في \"المسند\" ٥/ ٥٤، ٥٦، وأبو داود (٢٨٤٥) كتاب: الضحايا، باب: في اتخاذ الكلب للصيد وغيره، والترمذي (١٤٨٦) كتاب: الصيد، باب: ما جاء في قتل الكلاب، والنسائي ٧/ ١٨٥، كتاب: الصيد، باب: صفة الكلاب التي أمر بقتلها، وابن ماجة (٣٢٠٥)، كتاب: الصيد، باب: النهي عن =","vol":"8","page":112},{"text":"[الإسراء: ٤٤]، وكقوله تعالى: ﴿كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾) (١) [النور: ٤١]، فعلى هذا جُعلت أمثالنا في التوحيد والمعرفة والتسبيح.\nوقال مجاهد ﴿إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾: (أصناف مصنفة تُعرف بأسمائها) (٢)، يريد: أن كل جنس من الحيوان [أمة] (٣) تعرف باسمها كالطير والظباء والذئاب والأسود، وكل صنف من السباع والبهائم مثل بني آدم يعرفون بالإنس والناس.\nوقال أبو هريرة في قوله تعالى: ﴿إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾: (يحشر الله تعالى الخلق يوم القيامة: البهائم والدواب والطير وكل شيء، فيبلغ من عدل الله يومئذٍ أن يأخذ للجماء من القرناء، ثم يقول: كوني ترابًا) (٤)، وعلى هذا\n_________\n= اقتناء الكلب إلا كلب صيد أو حرث أو ماشية، والدارمي ٢/ ١٢٧٧ (٢٠٥١) عن عبد الله بن مغفل ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: \"لولا أن الكلاب أمة من الأمم لأمرت بقتلها، ولكن اقتلوا كل أسود بهيم\" ا. هـ. أي: خالص السواد. قال الترمذي: (حديث حسن صحيح).\n(١) ذكره عن الواحدي الرازي في \"تفسيره\" ١٢/ ٢١٣، وأبو حيان في \"البحر\" ٤/ ١٢٠، وفي \"تنوير المقباس\" ٢/ ١٧، نحوه، وذكر الرازي بعده أن هذا قول طائفة عظيمة من المفسرين.\n(٢) أخرجه الطبري ٧/ ١٨٧١، وابن أبي حاتم ٤/ ١٢٨٥ بسند جيد، وانظر: \"الدر المنثور\" ٣/ ٢٠.\n(٣) لفظ: (أمة). ساقط من (أ).\n(٤) أخرجه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ٢/ ١/ ٢٠٦، والطبري ٧/ ١٨٩، وابن أبي حاتم ٤/ ١٢٨٦، والحاكم في \"المستدرك\" ٢/ ٣١٦، والواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٣٣، وقال الحاكم: (صحيح على شرط مسلم) ووافقه الذهبي في \"التلخيص\"، وأخرج أحمد ٢/ ٢٣٥ - ٣٦٣، من طرق جيدة عن أبي هريرة أن النبي - ﷺ - قال: \"يقتص الخلق بعضهم من بعض حتى الجماء من القرناء وحتى الذرة من الذرة\" ا. هـ وذكره الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" ١٠/ ٣٥٢، وقال: (رواه أحمد، ورجاله رجال =","vol":"8","page":113},{"text":"إنما جُعلت أمثالنا في الحشر والاقتصاص؛ واختار الزجاج هذا، قال: (يعني: أمثالكم في أنهم يبعثون. لأنه قال ﷿: ﴿وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ﴾ [الأنعام:٣٦]، ثم أعلم أنه ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ في الخلق والموت والبعث) (١).\nواختار الأزهري قول ابن عباس فقال: (معنى قوله: ﴿إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ في معنى دون معنى -يريد والله أعلم- أنه تعبدهم بما شاء أن يتعبدهم [به] (٢) من تسبيح وعبادة علمها منهم، ولم يفقهنا ذلك) (٣).\nوقال ابن الأنباري في هذه الآية: (يسأل السائل عن هذا فيقول: ما في هذا من الاحتجاج على المشركين؟ فيُقال له: الاحتجاج أن الله ﷿ قد ركب في الناس عقولًا، وجعل لهم أفهامًا، ألزمهم بها، تدبر أمر الأنبياء، والتمسك بطاعته، وأنه تعالى قد أنعم على الطير والدواب بأن جعل لها (٤) فهمًا يعرف بعضها به إشارة بعض، فهدى الذكر منها لإتيان الأنثى، فصح التشبيه (٥)؛ لأن الأمم من غير الناس يفهم (٦) بعضها عن بعض، كما يفهم\n_________\n= الصحيح)، وله شواهد انظر: \"المسند\" ١/ ٧٢، ومجمع \"الزوائد\" ١٠/ ٣٥٢ - ٣٥٣، والقرناء: ذات القرون، والجماء: التي لا قرون لها.\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ٢/ ٢٤٥.\n(٢) لفظ: (به) ساقط من (ش).\n(٣) \"تهذيب اللغة\" ١/ ٢٠٥، وهذا قول أبي عبيدة أيضًا في \"مجاز القرآن\" ١/ ١٩١، وقال النحاس في \"معانيه\" ٢/ ٤٢١: (وأكثر أهل التفسير يذهب إلى أن المعنى: أنهم يخلقون كما يخلقون ويبعثون كما يبعثون) ا. هـ. ورجحه الطبري في \"تفسيره\" ٧/ ١٨٨، والسمرقندي ١/ ٤٨٣، وابن عطية ٥/ ١٩٢، والقرطبي في \"تفسيره\" ٦/ ٤٢٠، و\"التذكرة\" ص ٣٢٩.\n(٤) في (أ): (جعل لهم).\n(٥) في (ش): (أن الأمم).\n(٦) في (أ): (تفهم).","vol":"8","page":114},{"text":"الناس بعضهم عن بعض، ويلزمهم بما يتبينونه من فهمها وهدايتها أن يستدلوا على نفاذ قدرة خالقها المركب ذلك الفهم فيها، وعلى هذا جُعلت أمثالنا في فهم البعض عن البعض) (١).\nوقال بعض أهل التأويل:\n(إنما مثلت الأمم من غير الناس بالناس في الحاجة وشدة الفاقة إلى مدبر يدبرهم في أغذيتهم وكِنهم ولباسهم ونومهم ويقظتهم وهدايتهم إلى مراشدهم، إلى ما لا يحصى (٢) كثرة من أحوالهم ومصالحهم، وقد تقدم في الآية الأولى أن الله قادر على أن ينزل [كل] (٣) آية، فجاء في هذه الآية ببيان أنه القادر على تدبير كل أمة وسد كل خلة) (٤). وإلى قريب من هذا ذهب ابن قتيبة فقال: (يريد أنها مثلنا في طلب الغذاء وابتغاء الرزق وتوقي المهالك) (٥).\nفهذه أقوال المفسرين وأهل التأويل في هذه الآية. وبعد هذا كله فقد أخبرونا عن أبي سليمان البستي الفقيه -﵀- أنبأ (٦) ابن الزئبقي (٧) نبأ\n_________\n(١) ذكره ابن الجوزي ٣/ ٣٥، وأبو حيان في \"البحر\" ٤/ ١١٨ - ١١٩، عن ابن الأنباري.\n(٢) في (ش): (فيما لا يحصى).\n(٣) لفظ: (كل) ساقط من (ش).\n(٤) انظر: \"تفسير الرازي\" ١٢/ ٢١١ - ٢١٣، و\"البحر المحيط\" ٤/ ١٢٠.\n(٥) \"تأويل مشكل القرآن\" ص ٤٤٥.\n(٦) في (ش): (أخبرنا).\n(٧) ابن الزئبقي: محمد بن أحمد بن عمرو الزئبقي البصري، روى عن يحيى بن أبي طالب، وحدث عنه غير واحد من البصريين، قاله ابن ماكولا في \"الإكمال\" ٤/ ٢٢٨: لم أجد له ترجمته عند غيره. والزئبقي، بكسر الزاي وسكون الياء وفتح الباء وبعدها قاف: نسبة إلى الزئبق وبيعه، انظر: اللباب ٢/ ٨٥.","vol":"8","page":115},{"text":"موسى بن زكريا (١) التستري نبأ أبو حاتم (٢) نبأ العُتبي (٣) قال: (كنا عند سفيان بن عيينة فتلا هذه الآية: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ فقال: ما في الأرض آدمي إلا وفيه شبه من البهائم، فمنهم من يهتصر اهتصار (٤) الأسد، ومنهم من يعدو عدو الذئب، ومنهم من ينبح نباح الكلب، ومنهم من يتطوس (٥) كفعل الطاووس، ومنهم من يشبه الخنازير التي إذا قدم (٦) لها الطعام الطيب عافته، فإذا قام الرجل عن\n_________\n(١) موسى بن زكريا التستري أبو عمران متروك، توفي قبل ٣٠٠ هـ.\nانظر: \"سؤالات الحاكم\" للدارقطني ص ١٥٦، و\"ميزان الاعتدال\" ٥/ ٣٣٠، و\"المغني في الضعفاء\" ٢/ ٦٨٣، و\"لسان الميزان\" ٧/ ١٠٥، و\"التُّسْتَري\" نسبة إلى بلدة تستر من كور الأهواز من خوزستان.\nانظر: \"اللباب\" ١/ ٢١٦.\n(٢) أبو حاتم: سهل بن محمد السجستاني، تقدمت ترجمته.\n(٣) العتبي: محمد بن عبيد الله بن عمرو الأموي، أبو عبد الرحمن البصري، إمام علامة فصيح راوية للأخبار والأدب وشاعر مشهور، توفي نحو سنة ٢٢٨ هـ. انظر: \"المعارف\" ص ٥٣٨، و\"تاريخ بغداد\" ٢/ ٣٢٤، و\"فيات الأعيان\" ٤/ ٣٩٨، و\"سير أعلام النبلاء\" ١١/ ٩٦، و\"الأعلام\" ٦/ ٢٥٨.\nوالعتبي بالضم وسكون التاء وبعدها باء: نسبة إلى جده عتبة بن أبي سفيان الأموي. انظر: \"اللباب\" ٢/ ٣٢٠.\n(٤) المهتصر: الأسد. والهصر، بالفتح: الجذب والإمالة وعطف شيء رطب وكسره من غير بينونة، واهتصر النخلة: ذلل عذوقها وسواها. انظر: \"القاموس\" ص ٤٩٨ (هصر).\n(٥) تطوست المرأة: تزينت، والمطوس: الشيء الحسن. انظر: \"القاموس\" ص ٥٥٥ (طوس).\n(٦) في (ش): (التي ألقى إليها الطعام)، وفي العزلة للخطابي ص ٧٥: (التي لو ألقي لها الطعام).","vol":"8","page":116},{"text":"رجيعه (١) ولغت (٢) فيه، فكذلك (٣) تحد من الآدميين من لو سمع خمسين حكمة لم يتحفظ (٤) واحدة منها وإن أخطأ رجد أو حكى خطأ غيره ترواه وحفظه) (٥).\nوقال أبو سليمان: (ما أحسن ما تأول أبو محمد هذه الآية واستنبط منها هذه الحكمة، وذلك أن الكلام إذا لم يكن حكمه مطاوعًا لظاهره وجب المصير إلى باطنه، وقد أخبر الله تعالى عن وجود المماثلة بيننا وبين كل طائر ودابة، وذلك ممتنع من جهة الخلقة والصورة وعدم من جهة النطق والمعرفة، فوجب أن يكون منصرفًا إلى المماثلة في الطباع والأخلاق (٦)، وإذا كان الأمر كذلك فاعلم يا أخي أنك إنما تعاشر (٧) البهائم والسباع، فليكن حذرك منهم ومباعدتك إياهم على حسب ذلك) (٨).\nوقوله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ قال ابن عباس: (يريد: ما تركنا من شيء إلا وقد بيناه لكم) (٩).\n_________\n(١) الرجيع: الروث. انظر: \"القاموس\" ص ٧٢١ (رجع).\n(٢) ولغ السبع في الإناء، أي: شرب ما فيه بأطراف لسانه. انظر: \"القاموس\" ص ٧٩٠ (ولغ).\n(٣) في (ش): (وكذلك).\n(٤) في (ش): (يحفظ).\n(٥) في (ش): (يرويه ويحفظه).\n(٦) في (ش): (بلا خلاف)، وهو تحريف.\n(٧) في (ش): (يعاشر) بالياء.\n(٨) \"العزلة\" للخطابي ص ٧٦، وروايته عن سفيان بن عيينة ضعيفة لمكان موسى التستري كما سبق. وذكره عن سفيان الرازي ١٢/ ٢١٤، وأبو حيان في \"البحر\" ٤/ ١٢٠، وقال القرطبي ٦/ ٤٢٠، بعد ذكر قول سفيان: (استحسنه الخطابي، وهو أيضًا حسن، فإنه تشبيه واقع في الوجود) ا. هـ. بتصرف.\n(٩) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٣٤، وابن الجوزي ٣/ ٣٥.","vol":"8","page":117},{"text":"قال العلماء: (هذا من العام الذي أريد به الخاص؛ لأن المعنى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ بالعباد إليه حاجة إلا وقد بيناه إما نصًّا، وإما دلالة، وإما مجملًا، وإما مفصلًا، فالمجمل كقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر: ٧]، والمفصل ما فصل بيانه مما لا يحتاج فيه إلى بيان الرسول، وهذا مثل قوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ (١) [النحل: ٨٩]، أي: لكل شيء يحتاج إليه في أمر الدين وما خفي على الناس فلم يعرفوا فيه دلالة من الكتاب فذاك (٢)، لقصور علمهم، وإخراج كل ما يحتاج إليه في أمر الدين من كتاب الله، كما يروى عن ابن مسعود أنه قال: (ما لي لا ألعن من لعنه الله في كتابه) يعني: الواشمة والمستوشمة (٣) والواصلة والمستوصلة (٤)، فروى أن امرأة (٥) قرأت جميع القرآن ثم أتته فقالت: (يا ابن أم عبد (٦)، تلوت البارحة ما بين الدفتين فلم\n_________\n(١) في (أ)، (ش): (وأنزلنا)، وهو تحريف.\n(٢) في (ش): (فذلك).\n(٣) في (ش): (والموشومة)، قال ابن الأثير في \"النهاية\" ٥/ ١٨٩: (الوشم: أن يغرز الجلد بإبرة ثم يحشى بصبغ فيظهر أثره. والمستوشمة والموتشمة التي يفعل بها ذلك) ا. هـ بتصرف.\n(٤) قال ابن الأثير في \"النهاية\" ٥/ ١٩٢: (الواصلة: التي تصل شعرها بشعر آخر زور، والمستوصلة: التي تأمر من يفعل بها ذلك) ا. هـ\n(٥) قال الحافظ ابن حجر في \"فتح الباري\" ١٠/ ٣٧٣ - عند كلامه على هذا الحديث-: (المرأة هي أم يعقوب من بني أسد بن خزيمة، ولم أقف لها على ترجمة) ا. هـ.\n(٦) ابن أم عبد، هو: الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود ﵁، قد ينسب إلى أمه أم عبد بنت عبد بن سواء من هذيل صحابية ﵂. انظر: \"تهذيب التهذيب\" ٢/ ٤٣١.","vol":"8","page":118},{"text":"أجد فيه لعن [لله] (١) الواشمة). فقال: (لو تلوته (٢) لوجدته، قال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر: ٧]، وأن مما أتانا رسول الله - ﷺ - أن قال: \"لعن الله الواشمة والمستوشمة\" (٣).\nو(٤) كما يروى أن الشافعي - ﵁ - قال ذات يوم وهو جالس في المسجد: (لا تسألوني عن شيء إلا أجبتكم فيه عن كتاب الله، فقال له رجل: ما تقول في المحرم إذا قتل الزنبور (٥)، فقال: لا شيء عليه، فقال: أين هذا في كتاب الله؟ فقال: قال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر: ٧]، وأخبرنا (٦) فلان ... وذكر الإسناد إلى رسول الله - ﷺ -[أنه] (٧) قال: \"عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي\" (٨)، وأخبرنا\n_________\n(١) لفظ: (الجلالة) ساقط من (أ).\n(٢) في (أ): (لو تلوتيه لوجدتيه)، وقال ابن حجر في \"الفتح\" ١٠/ ٣٧٣) - عند كلامه على الحديث-: (روى مسلم: ليِّن كنت قرأتيه لقد وجدتيه بإثبات الياء، وهي لغة، والأفصح حذفها في خطاب المؤنث في الماضي) ا. هـ\n(٣) الحديث متفق عليه أخرجه البخاري في \"صحيحه\" (٥٩٣١)، في كتاب: \"اللباس\"، باب المتفلجات للحسن، ومسلم ٢/ ١١٨٠، ١١٨١ حديث رقم (٢١٢٤ - ٢١٢٥)، كتاب اللباس والزينة، باب تحريم فعل الواصلة والمستوصلة، وانظر: شرحه في \"فتح الباري\" ١٠/ ٣٧٢ - ٣٨٠، ٨/ ٦٣٠.\n(٤) لفظ: (الواو) ساقط من (ش).\n(٥) الزنبور -بضم الزاي المشددة وسكون النون وضم الباء-: ذباب لساع. انظر: \"القاموس\" ص ٤٠١ (زنبور).\n(٦) في (أ): (وأخبر فلان).\n(٧) لفظ: (أنه) ساقط من (ش).\n(٨) حديث صحيح، أخرجه أحمد ٤/ ١٢٦ - ١٢٧، والدارمي ١/ ٢٢٩ - ٢٣٠، وأبو داود رقم (٤٦٠٧)، والترمذي رقم (٢٦٧٦)، وابن ماجة رقم (٤٢ - ٤٤)، وابن أبي عاصم في السنة ١/ ٢٩ - ٣٠، والحاكم ١/ ٩٥ - ٩٧ من طرق عن العرباض =","vol":"8","page":119},{"text":"فلان ... وذكر الإسناد إلى عمر (١) -﵁- أنه قال: للمحرم قتل الزنبور) (٢)، فأجابه عن كتاب الله مستنبطًا بثلاث درجات (٣)\n_________\n= بن سارية ﵁، وقال الترمذي: (حديث حسن صحيح)، وقال الحاكم: (حديث صحيح على شرطهما، ولم أعرف له علة)، وصححه الألباني في \"ظلال الجنة في تخريج السنة\" لابن أبي عاصم.\n(١) الأثر عن عمر ﵁ أخرجه عبد الرزاق في \"المصنف\" ٤/ ٤٤٣، رقم ٨٣٨٠ - ٨٣٨١، وابن أبي شيبة ٣/ ٣٣٤، والبيهقي في سننه ٥/ ٢١١، بسند جيد عن سويد بن عفلة الجعفي، وانظر: \"المغني\" لابن قدامة ٥/ ١٧٥ - ١٧٧.\n(٢) روى هذه القصة البيهقي في سننه ٥/ ٢١٢ عن عبيد الله بن محمد بن هارون الفريابي قال: (سمعت الشافعي بمكة يقول: سلوني ما شئتم أجبكم من كتاب الله ﷿ ومن سنة رسول الله - ﷺ - قال: فقلت له: أصلحك الله! ما تقول في المحرم بقتل زنبورًا؟ قال: نعم، بسم الله الرحمن الرحيم، قال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾. حدثنا سفيان بن عيينة عن عبد الملك بن عمير عن ربعي عن حذيفة قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر\"، وحدثنا سفيان بن عيينة عن مسعر عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه أمر المحرم بقتل الزنبور) ا. هـ.\nوحديث: \"اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر\" حديث صحيح أخرجه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" ٦/ ٣٥٢ (٣١٩٣٣)، والترمذي في \"المناقب\" ٥/ ٦٠٩ - ٦١٠، حديث ٣٦٦٢ - ٣٦٦٣، وحسنه، وابن ماجة في \"المقدمة\" ١/ ٣٧، حديث ٩٧، وابن أبي عاصم في كتاب: السنة ٢/ ٥٤٥ - ٥٤٦، وصححه الألباني في \"ظلال الجنة في تخريج السنة\".\n(٣) نقل قول الواحدي الرازي في \"تفسيره\" ١٢/ ٢١٦، وقال: (وأما الطريق الذي ذكره الشافعي فهو تمسك بالعموم على أربع درجات:\nأولها: التمسك بعموم قوله: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾، وأحد الأمور الداخلة تحت هذا أمر النبي - ﷺ - بمتابعة الخلفاء الراشدين.\nوثانيها: التمسك بعموم قوله ﵊: \"عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي\". =","vol":"8","page":120},{"text":"ومن هذا ما روي في حديث العسيف (١) الزاني وأن أباه قال للنبي - ﷺ -: اقض بيننا بكتاب الله وأذن لي فأقول، قال: \"قل\"، قال: إن ابني كان عسيفًا على هذا ... وذكر القصة، فقال النبي - ﷺ -: \"والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله\" (٢)، ثم قضى بالجلد والتغريب على العسيف، وبالرجم على المرأة إن اعترفت، وليس للرجم والتغريب ذكر في نص الكتاب، فجعلهما النبي - ﷺ - من الكتاب لما حكم هو بهما، وهذا يبين لك أن كل ما يحكم به النبي - ﷺ - كان ذلك كما لو حكم به الكتاب نصًّا) (٣).\n_________\n= وثالثها: أن عمر ﵁ كان من الخلفاء الراشدين.\nورابعها: الرواية عن عمر أنه لم يوجب في هذه المسألة شيئًا) ا. هـ.\n(١) العسيف: الأجير سمي لأن المستأجر يعسفه في العمل. انظر: \"النهاية\" ٣/ ٢٣٦، و\"فتح الباري\" ١٢/ ١٣٩.\n(٢) حديث العسيف حديث متفق عليه أخرجه البخاري (٦٨٢٧، ٦٨٢٨)، ومسلم حديث (١٦٩٧ - ١٦٩٨)، كلاهما في كتاب الحدود باب الاعتراف بالزنا، عن أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني قالا: (إن رجلًا من الأعراب أتى رسول الله - ﷺ - فقال: يا رسول الله: أنشدك الله إلا قضيت لي بكتاب الله، فقال الخصم الآخر وهو أفقه منه: نعم فاقض بيننا بكتاب الله وائذن لي، فقال رسول الله - ﷺ -: \"قل\". قال: إن ابني كان عسيفًا على هذا فزنى بامرأته، وإني أخبرت أن على ابني الرجم فافتديت منه بمائة شاة ووليدة، فسألت أهل العلم فأخبروني إنما على ابني جلد مائة وتغريب عام، وأن على امرأة هذا الرجم، فقال رسول الله - ﷺ -: \"والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله الوليدة والغنم رد، وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام، واغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها\" قال: فغدا عليها، فاعترفت، فأمر بها رسول الله - ﷺ -) ا. هـ. لفظ مسلم.\nوانظر: شرح الحديث في \"فتح الباري\" ١٢/ ١٣٧ - ١٤٢.\n(٣) ذكر قول الواحدي الرازي في \"تفسيره\" ١٢/ ٢١٧، والقاسمي في \"تفسيره\" ٦/ ٥١٧ - ٥٢١.\nوانظر البحث في هذا الموضوع في \"الموافقات\" للشاطبي ٢/ ٧٩، ٣/ ٣٣٦.","vol":"8","page":121},{"text":"والكتاب على هذا التأويل المراد به القرآن (١).\nومعنى ﴿مَا فَرَّطْنَا﴾: ما ضيعنا وما تركنا وما قصرنا (٢)، وقد ذكرنا هذا عند قوله: ﴿قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا﴾ [الأنعام:٣١].\nوقوله تعالى: ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ أي: شيئًا و﴿مِن﴾ زائدة (٣)، كقولك: ما جاءني من أحد، وتقديره: ما تركنا في الكتاب شيئًا لم نبينه؛ لأن معنى التفريط يعود إلى التقصير عن المتقدم فيما يحتاج إلى المتقدم فيه.\nوقيل: (المراد بالكتاب هاهنا الكتاب الذي هو عند الله ﷿ المشتمل على ما كان ويكون، وهو اللوح المحفوظ)، وهو قول (٤) ابن عباس في\n_________\n(١) وهو قول الجمهور ورجحه النحاس في \"إعراب القرآن\" ١/ ٥٤٦، وابن عطية في \"تفسيره\" ٥/ ١٩٤؛ لأنه هو الذي يقتضيه سياق الآية والمعنى، قال الرازي في \"تفسيره\" ١٢/ ٢١٥: (هذا أظهر؛ لأن الألف واللام إذا دخلا على الاسم المفرد انصرف إلى المعهود السابق، والمعهود السابق من الكتاب عند المسلمين هو القرآن، فوجب أن يكون المراد من الكتاب في هذه الآية القرآن) ا. هـ.\nوانظر: \"تفسير الماوردي\" ٢/ ١١٢، و\"البحر المحيط\" ٤/ ١٢٠، و\"تفسير القاسمي\" ٦/ ٥١٥ - ٥١٦.\n(٢) انظر: \"مجاز القرآن\" ١/ ١٩١.\n(٣) انظر: \"التبيان\" ١/ ٣٣١، و\"الفريد\" ٢/ ١٤٥ - ١٤٦، و\"البحر\" ٤/ ١٢٠ - ١٢١، و\"الدر المصون\" ٤/ ٦١٢، ونقل قول الواحدي الرازي في \"تفسيره\" ١٢/ ٢١٨، وقال: (من للتبعض، فكأن المعنى: ما فرطنا في الكتاب بعض شيء يحتاج المكلف إليه، وهذا هو نهاية المبالغة في أنه تعالى ما ترك شيئًا مما يحتاج المكلف إلى معرفته في هذا الكتاب) ا. هـ.\n(٤) أخرجه الطبري ٧/ ١٨٨، وابن أبي حاتم ٤/ ١٢٨٦ بسند جيد عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، وأخرجه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ١/ ٢ /٢٠٧، بسند جيد عن قتادة، وأخرجه الطبري بسند جيد عن ابن زيد، وهو اختيار مقاتل ١/ ٥٦٠، والطبري والسمرقندي ١/ ٤٨٣، والبغوي ٣/ ١٤٢، والزمخشري ٢/ ١٧، =","vol":"8","page":122},{"text":"رواية الوالبي (١)، والآية على هذا التأويل عامة، وتدل على أن كل ما في الدنيا من حادث قد سبق به القضاء، وأثبت ذلك في اللوح المحفوظ كما قال - ﷺ -. \"جف القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة\" (٢).\n_________\n= وابن كثير ٢/ ١٤٧، وهو الظاهر -والله أعلم- قال ابن القيم في \"بدائع التفسير\" ٢/ ١٤٧ - ١٥٠: (هو أظهر القولين وأظهر في الآية، والسياق يدل عليه) ا. هـ.\n(١) (تقدم أنه علي بن أبي طلحة: والوالِبي: نسبة إلى والب بن الحارث بن ثعلبة بطن من بني أسد، ينسب إليه جماعة منهم: سعيد بن جبير بن هشام الناس الأسدي الوالبي، أبو محمد الكوفي، تابعي إمام عابد، وفضله ومناقبه وثناء الأئمة عليه كثير، قتله الحجاج سنة ٩٥ هـ. ولم يكمل ٥٠ سنة.\nانظر: \"طبقات ابن سعد\" ٦/ ٢٥٦، و\"الجرح والتعديل\" ٤/ ٩، و\"الحلية\" ٤/ ٢٧٢، و\"تهذيب الأسماء واللغات\" ١/ ٢١٦، و\"سير أعلام النبلاء\" ٤/ ٣٢١، و\"تهذيب التهذيب\" ٢/ ٩، هذا هو المشهور في الوالبي كما في \"اللباب\" ٣/ ٣٥٠، ولكن مراد الواحدي كما في \"أسباب النزول\" ص ٣٩، وشيخ الإسلام ابن تيمية كما في \"الفتاوى\" ٨/ ١٥٠، ١٤/ ٢٣٨، وابن كثير في \"تفسيره\" ٢/ ١٤٧، أن الوالبي هو علي بن أبي طلحة ولم أجد في ترجمته من نسبه إلى ذلك؛ وهو: علي ابن سالم بن مخارق الهاشمي مولاهم أبو الحسن ابن أبي طلحة الحمصي، أصله من الجزيرة، إمام صدوق مشهور برواية التفسير عن ابن عباس ﵄، ولم يسمع منه، ولكنه أخذه عن الثقات من أصحاب ابن عباس، وقد أشاد العلماء بصحيفته في التفسير واعتمدوها في كتبهم، توفي سنة ١٤٣ هـ.\nانظر: \"طبقات ابن سعد\" ٧/ ٤٥٨، و\"الجرح والتعديل\" ٦/ ١٨٨، و\"مشاهير علماء الأمصار\" ص١٨٢، و\"تاريخ بغداد\" ١١/ ٤٢٩، و\"ميزان الاعتدال\" ٣/ ١٣٤، و\"تهذيب التهذيب\" ٣/ ١٧١، ومقدمة \"معجم غريب القرآن\" لمحمد فؤاد عبد الباقي.\n(٢) أخرج الإمام أحمد ٤/ ٢٨٦ - ٢٨٨، وابن أبي عاصم في \"السنة\" ١/ ١٣٧ - ١٣٩، حديث طويل عن ابن عباس، وفيه: قال النبي - ﷺ -: \"قد جف القلم بما هو كائن ... \"، الحديث. وصححه أحمد شاكر، والألباني في تخريجهما لذلك.","vol":"8","page":123},{"text":"وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ قال ابن عباس: (يريد. للجزاء إما ثواب وإما عقاب) (١)، وهذا وقول المفسرين (٢) (أن هذه الأمم يحشرون مع الخلق إلى الموقف يوم القيامة للحساب والجزاء).\nكما روينا عن أبي هريرة (٣) وقد قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾ [التكوير: ٥]، ومعنى ﴿إِلَى رَبِّهِمْ﴾ أي: إلى حيث لا يملك النفع والضر إلا الله جل (٤) وعز، إذا لم يُمكن منه كما مكنهم في دار الدنيا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1006>٣٩ </span>- وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ قال ابن عباس: (يريد: ما جاء به محمد - ﷺ -: ﴿صُمٌّ وَبُكْمٌ﴾ قال: يريد ﴿صُمٌّ﴾ عن القرآن لا يسمعونه، ﴿وَبُكْمٌ﴾ عن القرآن لا ينطقون به) (٥) وقد أحكمنا شرح هذا في أول سورة البقرة.\nوقوله تعالى: ﴿مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ﴾ إلى آخر الآية، دليل على أن هؤلاء صاروا صمًّا بكمًا بمشيئة الله إضلالهم، وأنه من شاء أضل، ومن شاء هدى (٦).\n_________\n(١) ذكره القرطبي ٦/ ٤٢١، وفي \"تنوير المقباس\" ٢/ ١٧، نحوه.\n(٢) هذا قول الجمهور كما في \"البحر\" ٤/ ١٢١، ورجحه القرطبي ٦/ ٤٢١، وانظر: الطبري ٧/ ١٧١، والسمرقندي ١/ ٤٨٣، وابن عطية ٥/ ١٩٣.\n(٣) سبق تخريجه.\n(٤) في (ش): (إلا الله تعالى).\n(٥) انظر: \"تنوير المقباس\" ٢/ ١٨، وأخرج الطبري ٧/ ١٩٠، وابن أبي حاتم ١/ ٥٣، تحقيق الغماري، بسند جيد عنه قال: (﴿صُمٌّ وَبُكْمٌ﴾ لا يسمعون الهدى ولا يبصرونه ولا يعقلونه)، وانظر: \"مجاز القرآن\" ١/ ١٩١، و\"زاد المسير\" ٣/ ٣٦.\n(٦) انظر: الطبري ٧/ ١٩٠، والسمرقندي ١/ ٤٨٣، وابن عطية ٥/ ١٩٥، والقرطبي ٦/ ٤٢٢، و\"بدائع التفسير\" ٢/ ١٥٠.","vol":"8","page":124},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1007>٤٠ </span>- قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ﴾ الآية، قال الفراء: (للعرب في أرأيت لغتان ومعنيان، أحدهما: رؤية العين فإذا أردت هذا عدّيت الرؤية بالضمير إلى المخاطب وتصرف سائر الأفعال تقول للرجل: أرأيتك على غير هذه الحال، تريد هل رأيت نفسك، ثم تثنى وتجمع فتقول: أرأيتما كما، وأرأيتموكم (١)، وللنسوة أرأيتنكن (٢) (٣).\nوالمعنى الآخر: أن تقول: أرأيتك وأنت تريد أخبرني كما تقول: أرأيتك إن فعلت كذا ماذا تفعل، أي: أخبرني، وتترك (٤) التاء إذا أردت هذا المعنى موحدة على كل حال تقول: أرأيتك، أرأيتكما (٥)، أرأيتكن (٦)؛ وإنما تركت العرب التاء واحدة؛ لأنهم لم يريدوا أن يكون الفعل واقعًا من المخاطب على نفسه، فاكتفوا من علامة المخاطب بذكره في الكاف، وتركوا التاء على المذكر والتوحيد إذ لم يكن الفعل واقعًا.\nقال: والرؤية من الأفعال الناقصة التي يُعدّيها المخاطب إلى نفسه بالمكنى مثل: ظننتني وحسبتني ورأيتني، ولا يقولون ذلك في الأفعال التامة، لا يقولون للرجل: قتلتك بمعنى قتلت نفسك، ولا أحسنت إليك\n_________\n(١) في (ش): (وأريتموكم)، وهو تحريف.\n(٢) في (أ): (أريتنكن)، وهو تحريف.\n(٣) زاد الفراء في \"معانيه\" ١/ ٣٣٣: (وللمرأة -أرأيتك- فهذه مهموزة تخفض التاء والكاف، لا يجوز إلا ذلك) ا. هـ\n(٤) في (ش): (ويترك).\n(٥) في (أ): (أريتكما)، وهو تحريف.\n(٦) زاد الفراء في هذا الوجه: (وتهمزها وتنصب التاء منها، وتترك الهمز إن شئت، وهو أكثر كلام العرب، وتترك التاء موحدة مفتوحة للواحد والواحدة والجميع في مؤنثه ومذكره) ا. هـ.","vol":"8","page":125},{"text":"كما يقولون: متى تظنك خارجًا ومتى تراك. وذلك أنهم أرادوا الفصل بين الفعل الذي قد يُلغى وبين الفعل الذي لا يجوز إلغاؤه، ألا ترى أنك تقول: أنا أظن خارج فتلغي أظن، وقال الله تعالى: ﴿أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق: ٧]، ولم يقل: رأى نفسه، وجاء في ضرورة الشعر إجراء الأفعال التامة مجرى النواقص، قال جران العود (١):\nلَقَدْ كَانَ لي في ضَرَّتَيْنِ عَدِمْتُني ... وما كنت ألقى من رزينة أبرحُ (٢)\nوالعرب تقول: عدمتني ووجدتني وفقدتني، وليس بوجه الكلام) (٣) وهذا كله صحيح، ولم يخالف إلا في الكاف التي في أرأيتك بمعنى أخبرني، فإنه قال: [(موضع الكاف نصب وتأويله رفع؛ لأن الفعل محول عن التاء إليها، وهي بمنزلة الكاف في دونك إذا أُغري بها، كما تقول: دونك زيدًا، فتجد الكاف] (٤) في اللفظ خفضًا وفي المعنى رفعًا؛ لأنها\n_________\n(١) جِران العَوْد، هو: عامر بن الحارث بن كلدة النُّمَيري، شاعر إسلامي وصاف. وجران العود لقب غلب على اسمه، وهو بالكسر وفتح الراء: جلد عُنُق الدابة، سمي به؛ لأنه اتخذ منه سوطًا، وأورده في شعره.\nانظر: \"كنى وألقاب الشعراء\" لابن حبيب ص ٣٥، و\"الشعر والشعراء\" ص ٤٨٠، و\"المبهج\" لابن جنى ص ١٦٩، و\"الصحاح\" ٥/ ٢٠٩١ (جرن)، و\"اللباب\" لابن الأثير ١/ ٢٦٩، و\"تاج العروس\" ١٨/ ١٠٦ (جرن)، و\"الأعلام\" ٣/ ٢٥٠.\n(٢) \"ديوانه\" ص ٣٩، ٤٠، و\"الدر المصون\" ٤/ ٦٢٢، وهذه هي رواية الفراء في \"معانيه\" ١/ ٣٣٤، وفي المراجع:\nلقد كان لي عن ضرتين عدمنني ... وعَمَّا أُلاقي منهما مُتَزَحْزِحُ\nوالشاهد: عدمتني: حيث جمع بين ضمير الفاعل والمفعول.\n(٣) \"معاني الفراء\" ١/ ٣٣٣ - ٣٣٤، بتصرف واختصار، ونصر الواحدي عند السمين في \"الدر\" ٤/ ٦٢١ - ٦٢٢ عن الفراء.\n(٤) ما بين المعقوفين ساقط من (ش).","vol":"8","page":126},{"text":"مأمورة، فكذلك هذه الكاف موضعها نصب وتأويلها رفع) (١)، قال الزجاج: (وهذا القول لم يقله النحويون القدماء وهو خطأ؛ لأن قولك: رأيتك زيدًا ما شأنه لو تعدت الرؤية إلى الكاف وإلى زيد لصار المعنى: أرأيت (٢) نفسك زيدًا ما شأنه وهذا محال. قال: والذي يذهب إليه النحويون الموثوق بعلمهم أن الكاف لا موضع لها، وإنما المعنى: أرأيت زيدًا ما حاله، وإنما الكاف زيادة وهي المعتمد عليها في معنى الخطاب) (٣).\nقال أبو علي: (قولهم: أرأيتك زيدًا ما فعل، بفتح التاء في جميع الأحوال، فالقول في ذلك أن الكاف في أرأيتك لا يخلو من أن يكون (٤) للخطاب مجردًا ومعنى الاسم مخلوع منه (٥)، أو يكون دالًّا على الاسم مع دلالته على الخطاب، فالدليل على أنه للخطاب مجردًا من علامة الاسم أنه لو كان اسمًا وجب أن يكون الاسم الذي بعده في نحو قوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾ [الإسراء: ٦٢]، وقولهم: أرأيتك زيدًا ما صنع لو كان الكاف اسمًا ولم يكن حرفًا للخطاب لوجب أن يكون الاسم الذي بعده الكاف في المعنى، ألا ترى أن أرأيت يتعدى (٦) إلى مفعولين يكون الأول منهما هو الثاني في المعنى، وفي كون المفعول الذي بعده ليس الكاف، وإنما هو غيره دلالة على أنه ليس باسم، وإذا لم يكن اسمًا كان\n_________\n(١) انظر: \"معاني الفراء\" ١/ ٣٣٣.\n(٢) أي يصير لها فاعلان هما التاء والكاف.\n(٣) \"معاني القرآن\" ٢/ ٢٤٦.\n(٤) في (أ): (لا تخلو من أن تكون).\n(٥) في (ش): (منها)، وهي في بعض نسخ الحجة لأبي علي ٣/ ٣٠٨.\n(٦) في (ش): (تعدى).","vol":"8","page":127},{"text":"حرفًا للخطاب مجردًا من معنى الاسمية، كما أن الكاف في ذلك وفي هنالك وأبصرك زيدًا للخطاب، [وكما أن التاء في أنت كذلك، فإذا ثبت أنه للخطاب] (١)، معرى من الأسماء، ثبت أن التاء لا يجوز أن يكون بمعنى الخطاب، ألا ترى أنه لا ينبغي أن يلحق الكلمة علامتان للخطاب، كما لا يلحقها علامتان للتأنيث ولا علامتان للاستفهام، فلما لم يجز ذلك أفردت التاء في جميع الأحوال لما كان الفعل لا بد له من فاعل، وجعل في جميع الأحوال على لفظ واحد؛ لأن ما يلحق الكاف في معنى الخطاب يبين الفاعلين، فيخصص التأنيث من التذكير والتثنية من الجمع، ولو لحق علامة التأنيث والجمع التاء لاجتمع علامتان للخطاب مما كان يلحق التاء وما كان يلحق الكاف، فلما كان ذلك يؤدي إلى ما لا نظير له رفض وأجري على ما عليه سائر كلامهم في هذا النحو) (٢).\nواحتج ابن الأنباري لمذهب الفراء بأن قال: (لو كانت الكاف توكيدًا لوقعت التثنية والجمع بالتاء كما يقعان بها عند عدم الكاف، فلما فتحت التاء في خطاب الجمع، ووقع ميسم الجمع لغيرها، كان ذلك دليلًا على أن الكاف غير توكيد، ألا ترى أن الكاف لو سقطت لم يصلح أن يقال لجماعة: أرأيت، فوضح بهذا انصراف الفعل إلى الكاف، وأنها واجبة لازمة مفتقر إليها) (٣).\nوالصحيح مذهب البصريين، وهذا الذي قاله يبطل بكاف ذلك وأولئك؛ لأن ميسم الجمع يقع عليها، وهي حرف للخطاب مجرد من\n_________\n(١) ما بين المعقوفين ساقط من (ش).\n(٢) \"الحجة\" لأبي علي ٣/ ٣٠٨ - ٣١٠، وانظر: \"الحلبيات\" لأبي علي ص ٤٢ - ٩٦.\n(٣) ذكره السمين في \"الدر\" ٤/ ٦٢١، وانظر: \"تفسير الرازي\" ١٢/ ٢٢٢.","vol":"8","page":128},{"text":"معنى الاسمية (١).\nواختلف القراء في هذا الحرف وما كان من بابه ودخل عليه ألف إلاستفهام، مثل ﴿أَرَءَيْتُمْ﴾ [الأنعام: ٤٦] و﴿أَرَءَيْتَكُمْ﴾ [الأنعام: ٤٠] و﴿أَرَءَيْتَ﴾ [الكهف: ٦٣] و﴿أَفَرَءَيْتُم﴾ (٢) [الشعراء: ٧٥] فحذف الكسائي همزة الرؤية، فقرأ: (أريتكم) (٣) كأنه حذفها للتخفيف، كما قالوا: ويلمه (٤)، وكما أنشده أحمد بن يحيى:\nإن لم أُقَاتلْ فالْبِسُوني بُرْقُعا (٥)\n_________\n(١) انظر: \"معاني الأخفش\" ٢/ ٢٧٤، و\"تفسير الطبري\" ٧/ ١٩٠، و\"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ٥٤٧، و\"معاني القراءات\" للأزهري ١/ ٣٥٣، و\"المشكل\" لمكي ١/ ٣٥١، و\"البيان\" ١/ ٣٢١، و\"التبيان\" ١/ ٣٣٢، و\"الفريد\" ٢/ ١٤٦، و\"المغني\" لابن هشام ١/ ١٨١.\n(٢) قرأ نافع: (أرأيتكم) وما أشبهه مما قبل الراء همزة وبعدها همز، بهمز الأولى وتسهيل الثانية بين الهمز والألف لتكون كالمدة في اللفظ حيث وقع، وقرأ الكسائي بهمز الأولى وإسقاط الثانية، وقرأ الباقون بهمزها جميعًا).\nانظر: \"السبعة\" ص ٢٥٧، و\"المبسوط\" ص ١٦٨، و\"التذكرة\" ٢/ ٣٩٨، و\"التيسير\" ص ١٠٢، و\"النشر\" ١/ ٣٩٧.\n(٣) في (أ): (أرأيتكم).\n(٤) وَيْلِمِّه: بفتح فسكون وكسر اللام أو ضمها وكسر الميم المشددة وبعدها هاء لفظ مركب يقال للمستجاد ويلمه أي ويل لأمه، أدغمت لام ويل في اللام الجارة ثم حذفت لكثرة الاستعمال فصار: وي لأمه، ثم حذفت الهمزة فصار ويلمه.\nانظر: \"الحلبيات\" ص ٤٣، و\"اللسان\" ٨/ ٤٩٣٩ (ويل).\n(٥) لم أعرف قائله وهو في: \"الحجة\" لأبي علي ٣/ ٢١١، ٦/ ٣٤٠، و\"كتاب الشعر\" لأبي علي ١/ ٣٠٣، و\"المحتسب\" ١/ ١٢٠، و\"الخصائص\" ٣/ ١٥١، والرازي ١٢/ ١٨٤، والقرطبي ٥/ ١٠١، و\"البحر\" ٣/ ٢٠٦، و\"الدر المصون\" ٣/ ٦٣٣، وهو رجز آخره: =","vol":"8","page":129},{"text":"[أراد] (١) فألبسوني بقطع الهمزة ثم حذفها.\nوكقول أبي (٢) الأسود (٣):\nيَا بَا المُغِيرَةِ رُبَّ أَمْرٍ مُعْضِلٍ (٤)\nومما يقوي هذا المذهب قول الشاعر:\nوَمَنْ رَأ مثلَ مَعْدَان بْنِ لَيْلَى ... إذا ما النسْعُ طالَ على المَطِيَّة (٥)\n_________\n= فتَخاتٍ في اليَدَينِ أَرْبَعا.\nوالشاهد: فالبسوني، حيث حذف الهمزة، والأصل: فألبسوني. والفتخات، بفتح فسكون أو بفتحتين: حاتم يكون باليد والرجل.\n(١) لفظ: (أراد) ساقط من (ش).\n(٢) في (ش): (ابن)، وهو تحريف.\n(٣) أبو الأسود: ظالم بن عمرو بن سفيان بن جندل الدؤلي أبو الأسود البصري مشهور بكنيته وفي اسمه ونسبه خلاف، وهو إمام تابعي عابد فاضل نحوي مقرئ فقيه، ثقة، شاعر فارس شجاع، واضع علم النحو، وأول من نقط المصحف، توفي سنة ٦٩هـ. وله ٨٥ سنة.\nانظر: \"طبقات الزبيدي\" ص ٢١، و\"إنباه الرواة\" ١/ ٤٨، و\"معجم الأدباء\" ٣/ ٤٣٦، و\"سير أعلام النبلاء\" ٤/ ٨١، و\"تهذيب التهذيب\" ٢/ ٢٤٩، و\"الأعلام\" ٣/ ٢٣٦.\n(٤) ديوانه ص ١٣٤، و\"الحجة\" لأبي علي ٣/ ٢١١، ٣٠٧، ٦/ ٣٤٠، و\"الشعر\" لأبي علي ١/ ١٤٢، ٣٠٣ و\"أمالي ابن الشجري\" ٢/ ١٩٩، و\"المقرب\" ص ٥٥٩، و\"الممتع\" ٢/ ٦٢٠، و\"رصف المباني\" ص ١٣٤، و\"البحر\" ٥/ ٥٢، و\"الدر المصون\" ٤/ ٦١٧، وعجزه:\nفَرَّجْتهُ بالمَكْرِ مِنّى والدَّهَا\nوالشاهد يا با، حيث حذف الهمزة من أيا.\n(٥) لم أعرف قائله، وهو في: \"الحجة\" لأبي علي ٣/ ٣٠٧، ٦/ ٤٢٤، و\"الحلبيات\" ص ٤٧، و\"سر صناعة الإعراب\" ٢/ ٧٩١، و\"اللسان\" ٣/ ١٥٣٧، (رأى)، و\"الدر المصون\" ٤/ ٦١٨، والنسع بالكسر: سير مضفر تشد به الرحال، انظر \"اللسان\" ٧/ ٤٤١٠ (نسع)، و\"الشاهد\" (من رأ) حيث حذف، والأصل رأى.","vol":"8","page":130},{"text":"فهذا على أنه قلب الهمزة [ألفا] (١) كما قلبها في قوله:\nلاَ هَناك المَرْتَعُ (٢)\nواجتمعت مع المنقلبة عن اللام فحذفت إحداهما لالتقاء الساكنين.\nوقرأ نافع بتليين همزة الرؤية فجعلها بين الهمزة والألف على التخفيف القياسي والباقون قرؤوا بتحقيق الهمزة؛ لأن الهمزة عين الفعل، ومذهب الكسائي حسن، وبه قرأ (٣) عيسى بن ........\n_________\n(١) لفظ: (ألفا) ساقط من (ش).\n(٢) \"الشاهد\" للفرزدق في \"ديوانه\" ١/ ٤٠٨، و\"الكتاب\" ٣/ ٥٥٤، و\"المقتضب\" ١/ ٣٠٣، و\"الكامل\" ٣/ ٨٢، و\"الأصول\" ٣/ ٤٦٩، و\" أمالي ابن الشجري\" ١/ ١٢٠، ٢/ ٤٦٤، وبلا نسبة في: أضداد ابن الأنباري ص ٢٠٩، و\"الحجة\" لأبي علي ١/ ٣٩٨، و\"العضديات\" ص ١٧٤، و\"الشعر\" ١/ ١٤٥، و\"الخصائص\" ٣/ ١٥٢، و\"المحتسب\" ٢/ ١٧٣، و\"سر صناعة الإعراب\" ٢/ ٦٦٦، و\"المقرب\" ص ٥٣٨، وأوله:\nوَمَضَتْ لمسْلَمَة الرِّكابُ مُوَدِّعًا ... فَارْعَيْ فَزَازَةُ لا هَناك المَرْتَعُ\nوهو من قصيدة قالها حين عُزل مسلمة بن عبد الملك عن العراق وتولاها عمر بن هبيرة الفزاري، فدعا ألا يهنأ قومه بولايته. والشاهد: لا هناك، والأصل: هناك، حيث أبدل الهمزة ألفًا ضرورة.\n(٣) لم أستطع تحديده، وهناك: أ- عيسى بن عمر الأسدي الهمداني أبو عمر الكوفي، إمام فاضل ثقة، مقرئ أهل الكوفة في زمانه، أخذ عن عاصم، وأخذ عنه الكسائي، توفي سنة ١٥٦ هـ. انظر: \"الجرح والتعديل\" ٦/ ٢٨٢، و\"معرفة القراء\" ١/ ١١٩، و\"سير أعلام النبلاء\" ٧/ ١٩٩، و\"غاية النهاية\" ١/ ٦١٢، و\"تهذيب التهذيب\" ٣/ ٣٦٣.\nب- عيسى بن عمر الثقفي، أبو عمر البصري. إمام صدوق نحوي، مقرئ من أئمة اللغة، ومن أول من هذب النحو ورتبة، أخذ عنه الخليل وسيبويه وأبو عمر بن العلاء، توفي بعد سنة ٣/ ٣٦٤. =","vol":"8","page":131},{"text":"عمر (١)، وهو كثير في الشعر، قد (٢) تكلمت العرب في مثله بحذف الهمزة قال عمر (٣):\nأَرَيْتُكَ إذْ هُنّا عَليْكَ أَلَمْ نَخَفْ ... رَقِيبا وَحَوْلي مِنْ عَدُوِّك حُضَّرُ (٤)\nوأنشد أبو علي (٥):\nأَرَيْتَ إنْ جئْتُ به أُمْلوُدًا ... مُرَجَّلًا وَيلْبَسُ البُرُوداَ (٦)\nفأما (٧) معنى الآية فقال ابن عباس: (﴿قُلْ﴾ يا محمد ﴿إِنْ أَتَاكُمْ\n_________\n= انظر: \"إنباه الرواة\" ٢/ ٣٧٤، و\"معجم الأدباء\" ١٦/ ١٤٦، و\"وفيات الأعيان\" ٣/ ٤٨٦، و\"سير أعلام النبلاء\" ٧/ ٢٠٠، و\"غاية النهاية\" ١/ ٦١٣، و\"تهذيب التهذيب\" ٣/ ٣٦٤.\n(١) ذكرها عنه: أبو علي في \"الحجة\" ٣/ ٣٠٧، والنحاس في \"إعرابه\" ١/ ٥٤٧، والرازي ١٢/ ٢٢٣، والقرطبي ٦/ ٤٢٣.\n(٢) في (ش): (وقد).\n(٣) ديوان عمر بن أبي ربيعة ص ١٢٥، و\"الدر المصون\" ٤/ ١٦٦. وأريتك: أي أخبرني. وحضر: أي حاضرون. والشاهد: (أريتك) حيث خفف، والأصل: أرأيتك.\n(٤) في الديوان (وقيت) بدل (رقيبا).\n(٥) \"الحجة\" ٣/ ٣٠٨، و\"الحلبيات\" ص ٤٦، و\"العسكريات\" ص ١٠٧.\n(٦) الشاهد لرؤبة في ملحق ديوانه ص ١٧٣، ولرجل من هذيل في \"شرح أشعار الهذليين\" للسكري ٢/ ٦٥١. وذكر السيوطي في \"شرح شواهد المغني\" ٢/ ٧٥٩، أنه لامرأة مجهولة، وهو بلا نسبة في: \"المحتسب\" ١/ ١٩٣، و\"الخصائص\" ١/ ١٣٦، و\"سر صناعة الإعراب\" ٢/ ٤٤٧، و\"اللسان\" ٣/ ١٥٣٨ (رأى) و\"الدر المصون\" ٤/ ٦١٦. والأملود بالضم: الناعم اللين. والمرجل بالضم: المُزيَّن. ورجل شعره، أي: سرحه، والبرود بالضم: ثوب فيه خطوط من برود العصب والوشي. انظر: \"اللسان\" ١/ ٢٥٠ (برد).\nوالشاهد: تخفيف أريت، والأصل أرأيت.\n(٧) انظر: في توجيه القراءات \"إعراب القراءات\" ١/ ١٥٦، و\"الحجة\" لابن خالويه ص ١٣٩، ولابن زنجلة ص ٢٥٠، و\"الكشف\" ١/ ٤٣١.","vol":"8","page":132},{"text":"عَذَابُ اللَّهِ﴾ يريد: الموت ﴿أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ﴾ (١) يريد: القيامة ﴿أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ﴾ يريد: إلى من تتضرعون (٢) إلى هذه الأصنام، يريد: أنكم عند العذاب وعند الموت والشدائد تخلصون وتوحدون وأنتم اليوم لا تصدقوني) (٣)، انتهى كلامه.\nوقال أبو إسحاق: (﴿السَّاعَةُ﴾ اسم للوقت الذي يصعق فيه العباد، واسم للوقت الذي يبعث فيه العباد، فالمعنى: ﴿أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ﴾ التي وُعِدتم فيها البعث والفناء؛ لأن قبل البعث موت الخلق كله ﴿أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ﴾ أي: أتدعون هذه الأصنام والأحجار التي عبدتموها (٤) من دون الله ﷿، فاحتج الله عليهم بما لا يدفعونه (٥)؛ لأنهم كانوا إذا مسهم الضّر دعوا الله) (٦).\nوقال غيره (٧): (الآية حجة على من عبد غير الله بأنه إن أتاه عذاب من قبل الله جل وعز لم يلجأ في كشفه إلا إليه دون كل أحد سواه؛ لأنه لا يملك كشف عظيم البلاء إلا هو).\n_________\n(١) في (أ): (أتيكم)، وهو تحريف.\n(٢) في (ش): (يتضرعون).\n(٣) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٣٦، والبغوي ٣/ ١٤٣، وانظر: \"زاد المسير\" ٣/ ٣٧.\n(٤) في (أ): (التي عبد من دون الله)، وهو تحريف.\n(٥) في (ش): (بما لا يدفعون).\n(٦) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٤٦.\n(٧) انظر: \"تفسير الطبري\" ٧/ ١٩١، والسمرقندي ١/ ٤٨٣، وقال النحاس في \"معانيه\" ٢/ ٤٢٢ - ٤٢٣: (في هذه الآية أعظم الاحتجاج؛ لأنهم كانوا يعبدون الأصنام، فإذا وقعوا في شدة دعوا الله) ا. هـ.","vol":"8","page":133},{"text":"وقوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ ... (١) [قوله ﴿أَرَأَيْتَكُمْ﴾؛ لأنه بمعنى أخبروا كأنه قيل لهم: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾] (٢) أخبروا من تدعون عند نزول النبلاء بكم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1008>٤١ </span>- قوله تعالى: ﴿بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ﴾. (بل) هاهنا نفي دعائهم غير الله في الشدائد وإثبات دعائهم إياه (٣).\nوقوله. تعالى: ﴿فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ﴾، أي: فيكشف الضر الذي من أجله دعوتم (٤).\nوقوله تعالى: ﴿وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ﴾ قال ابن عباس: (يريد: تتركونهم فلا تدعونهم؛ لأنه ليس عندهم ضر ولا نفع) (٥) قال أبو إسحاق: (وجائز أن يكون المعنى: أنكم في ترككم دعاءهم بمنزلة من قد نسيهم) (٦)، وهذا\n_________\n(١) السياق يظهر أن فيه سقطًا، وفي \"الوسيط\" ١/ ٣٦، ما يبين ذلك حيث قال: (وقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ جواب قوله: ﴿أَرَأَيْتَكُمْ﴾ لأنه بمعنى أخبروا ..).\n(٢) ما بين المعقوفين ساقط من (ش).\n(٣) انظر: \"تفسير الطبري\" ٧/ ١٩١، والسمرقندي ١/ ٤٨٤، وقال الزجاج في \"معانيه\" ٢/ ٢٤٧: (بل استدراك وإيجاب بعد نفي، أعلمهم الله جل وعز أنهم لا يدعون في حال الشدائد إلا إياه، وفي ذلك أعظم الحجة عليهم؛ لأنهم قد عبدوا الأصنام) ا. هـ. ملخصًا.\n(٤) هذا قول الزجاج في \"معانيه\" ٢/ ٢٤٧، والنحاس في \"معانيه\" ٢/ ٤٢٣، وانظر: \"تفسير السمرقندي\" ١/ ٢٨٤، والبغوي ٣/ ١٤٣.\n(٥) ذكره الرازي ف ي \"تفسيره\" ١٢/ ٢٢٣، وفي \"تنوير المقباس\" ٢/ ١٨ - ١٩ نحوه،\nوانظر: \"تفسير السمرقندي\" ١/ ٤٨٤، والبغوي ٣/ ١٤٣.\n(٦) قال الزجاج في \"معانيه\" ٢/ ٢٤٧: (﴿وَتَنْسَوْنَ﴾ هاهنا على ضربين: جائز أن يكون تنسون تتركون، وجائز أن يكون المعنى: إنكم في ترككم دعاءهم بمنزلة من يسهون) ا. هـ ونحوه ذكر النحاس في \"إعراب القرآن\" ١/ ٥٤٨.","vol":"8","page":134},{"text":"قول الحسن؛ لأنه قال: (تعرضون (١) عنه إعراض الناسي، أي: لليأس في النجاة من مثله) (٢).\nوقال أبو علي: (التقدير: ﴿وَتَنْسَوْنَ﴾ دعاء ﴿مَا تُشْرِكُونَ﴾] (٣)، فحذف المضاف أي: تتركون دعاءه (٤) والفزع إليه، إنما تفزعون إلى الله سبحانه، قال: ويجوز أن يكون من النسيان خلاف الذكر كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٦٧]، أي: تذهلون فلا تذكرونه) (٥)، انتهى كلامه، والعائد إلى الموصول محذوف على تقدير: ما تشركون به، وحذف به للعلم (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1009>٤٢ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ﴾ قال ابن عباس: (فكفروا ﴿فَأَخَذْنَاهُمْ﴾) (٧)، قال أهل المعاني: (في الآية محذوف تقديره: رسلًا فخالفوهم فأخذناهم، وحسن الحذف للإيجاز به من غير إخلال للدليل المفهوم من الكلام) (٨).\nوقوله تعالى: ﴿بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ قال ابن عباس: (يريد: الفقر (٩)\n_________\n(١) في (ش): (يعرضون).\n(٢) ذكره الرازي ١٢/ ٢٢٣، والقرطبي ٦/ ٤٢٣.\n(٣) لفظ: (تشركون) ساقط من (ش).\n(٤) في (ش): (تركون الفزع إليه).\n(٥) \"الحجة\" لأبي علي ٢/ ١٩١، وانظر: \"الدر المصون\" ٤/ ٦٣٢.\n(٦) انظر: \"الدر المصون\" ٤/ ٦٣٢.\n(٧) لم أقف عليه.\n(٨) هذا قول عامة أهل التفسير. انظر: \"تفسير الطبري\" ٧/ ١٩٢، والسمرقندي ٣/ ٢٣٠، وابن عطية ٥/ ١٩٨، وابن الجوزي ٣/ ٣٨، والرازي ١٢/ ٢٢٤، والقرطبي ٦/ ٤٢٤.\n(٩) في (ش): (الفقرا)، وهو تحريف.","vol":"8","page":135},{"text":"والأسقام) (١).\nوقال الحسن: (البأساء: شدة الفقر من البؤس، ﴿وَالضَّرَّاءِ﴾: الأمراض والأوجاع) (٢).\nوقوله تعالى: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ﴾ قال الزجاج: (لعل ترج، وهذا الترجي للعباد، والمعنى: فأخذناهم بذلك ليكون ما يرجوه العباد منهم من التضرع، كما قال في قصة فرعون: ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: ٤٤] قال سيبويه: \"المعنى: (٣) اذهبا أنتما على رجائكما، والله ﷿ عالم بما يكون\n_________\n(١) أخرج ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٤/ ١٢٨٨ عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: (البأساء: الفقر، والضراء: السقم)، قال ابن أبي حاتم: (وروي عن ابن عباس وأبي العالية والحسن ومرة الهمذاني وسعيد بن جبير ومجاهد والضحاك والربيع بن أنس والسدي وقتادة ومقاتل بن حيان نحو ذلك) ا. هـ وذكر ابن الجوزي في \"تفسيره\" ٣/ ٣٨، عن ابن عباس أنه قال: (البأساء: الزمانة والخوف، والضراء: البلاء والجوع) ا. هـ. وذكر السيوطي في \"الدر\" ١/ ٣١٥ عن ابن عباس أنه قال: (البأساء: الخصب، والضراء: الجدب).\nوذكر أيضًا في \"الدر\" ١/ ٤٣٧ عنه أنه قال: (البأساء: الفتن، والضراء: السقم). وقال ابن عطية في \"تفسيره\" ٥/ ١٩٨: (البأساء: المصائب في الأموال؛ والضراء: في الأبدان، هذا قول الأكثر وقيل: قد يوضع كل واحد بدل الآخر) ا. هـ. وانظر: \"مجاز القرآن\" ١/ ١٩١، و\"غريب القرآن\" لليزيدي ص ١٣٦، و\"تفسير غريب القرآن\" لابن قتيبة ص ١٦٣، و\"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٤٨، و\"معاني النحاس\" ٢/ ٤٢٣.\n(٢) ذكره الرازي في \"تفسيره\" ١٢/ ٢٢٤، وأخرج ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٤/ ١٢٨٨ عن الحسن قال: (البأساء: النبلاء، والضراء: هذه الأمراض والجوع ونحو ذلك) \" وقال ابن أبي حاتم: وروي عن الحسن أنه قال: (البأساء: الفقر، والضراء: السقم).\n(٣) في (أ): (والمعنى).","vol":"8","page":136},{"text":"وراء ذلك\" (١)، ومعنى التضرع: التخشع وهو حال ظاهرة (٢) تنبئ عن الانقياد للطاعة، وأصله من الضراعة وهي الذلة، يُقال: ضرع الرجل يضرع ضراعة، وهو ضارع، ورجل ضرع: ذليل ضعيف (٣).\nقال أبو إسحاق: (أعلم الله نبيه أنه قد أرسل قبله إلى قوم بلغوا من القسوة إلى أن أخذوا بالشدة في أنفسهم وأموالهم فلم يخضعوا ولم يتضرعوا) (٤)، وهذا يكون كالتسلية لنبيه - ﷺ -، فإن قيل: أليس قوله: ﴿بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ﴾ [الأنعام: ٤١] يدل على أنهم تضرعوا وهاهنا يقول: ﴿قَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنعام: ٤٣] ولم يتضرعوا؟ قلنا: حال أولئك [كانت] (٥) بخلاف حال هؤلاء في التضرع، وأولئك الذين تضرعوا عند نزول الشديدة غير هؤلاء الذين وصفوا بالقسوة وترك التضرع. أو نقول: (٦) المراد [بالتضرع] (٧) في قوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ﴾ تضرعًا بالإنابة\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ٢/ ٢٤٨، وانظر: \"معاني النحاس\" ٢/ ٤٢٤، وتفسير ابن عطية ٥/ ١٩٩، ولم أقف عليه في الكتاب، وفيه ٢/ ١٤٨، ٣/ ٢٣٣: (لعل طمع وإشفاق)، وانظر: \"حروف المعاني\" للزجاجي ص٣٠، و\"معاني الحروف\" للرماني ص ١٢٣، و\"المغني\" لابن هشام ١/ ٢٨٦.\n(٢) في (أ): (ظاهر).\n(٣) قال أهل اللغة: (ضَرَعَ الرجل يضرَع ضَرَعًا وضَرَاعَة إذا استكان وذل، فهو ضارع بين الضَّراعة، وتَضَرَّع إلى الله، أي: ابتهل، والضَّرَعُ بالتحريك: الضعيف).\nانظر: \"العين\" ١/ ٢٦٩، و\"الجمهرة\" ٢/ ٧٤٧، و\"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢١١٥، و\"الصحاح\" ٣/ ١٢٤٩، و\"مقاييس اللغة\" ٣/ ٣٩٥، و\"المفردات\" ٥٠٦، و\"اللسان\" ٥/ ٢٥٨٠ (ضرع).\n(٤) انظر: \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٤٨.\n(٥) لفظ: (كانت) ساقط من (أ).\n(٦) في (أ): (أو يقول).\n(٧) لفظ: (بالتضرع) ساقط من (أ).","vol":"8","page":137},{"text":"[وإخلاص الطاعة، لا (١)] تضرعًا بالدعاء في كشف البلية دون إخلاص الإيمان (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1010>٤٣ </span>- وقوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا﴾ الآية. لولا (٣). إذا دخلت على الاسم كان تعليلًا كقولك: لولا زيد لأتيتك. جعلت العلة المانعة من الإتيان مكان زيد، وإذا دخلت على الفعل كان تخصيصًا بمنزلة هلا، كقوله تعالى: ﴿لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ [المنافقون: ١٠]، والتقدير في الآية: لولا تضرعوا ﴿إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا﴾؛ وهذا معنى قول الفراء (٤). قال ابن عباس (٥) والحسن (٦) في هذه الآية: (لولا بمنزلة هلا).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ قال صاحب \"النظم\": (قوله ﴿وَلَكِنْ﴾ معطوف على تأويل الكلام الأول دون اللفظ، وذلك أن في قوله: هلا تضرعوا طرفًا من الجحد، وذلك أنهم لو كانوا قد تضرعوا، ما قيل: هلا تضرعوا، فكأنه قال: فلما جاءهم بأسنا لم يتضرعوا ﴿وَلَكِنْ قَسَتْ\n_________\n(١) ما بين المعقوفين ساقط من (ش).\n(٢) انظر: \"تفسير الرازي\" ١٢/ ٢٢٤، و\"الفريد\" للهمداني ٢/ ١٤٨، و\"تفسير القرطبي\" ٦/ ٤٢٥.\n(٣) انظر: \"حروف المعاني\" للزجاجي ص ٣ - ٥، و\"معاني الحروف\" للرماني ص ١٢٣، و\"المغني\" لابن هشام ١/ ٢٧٢.\n(٤) انظر: \"معاني القرآن\" ١/ ٣٣٤، وفيه قال: (معنى ﴿فَلَوْلَا﴾ فهلا ..).\n(٥) \"تنوير المقباس\" ٢/ ١٩، وأخرجه ابن حسنون ص ٣٦، والوزان ص ١/ ب في \"لغات القرآن\" بسند جيد عنه.\n(٦) لم أقف عليه عن الحسن، وهو معنى ظاهر وموجود في عامة كتب التفسير. انظر: الطبري ٧/ ١٩٢، و\"معاني النحاس\" ٢/ ٤٢٤، والسمرقندي ١/ ٤٨٤، وابن عطية ٥/ ١٩٩.","vol":"8","page":138},{"text":"قُلُوبُهُمْ﴾ فأقاموا على كفرهم، ومعنى ﴿تَضَرَّعُوا﴾ تخشعوا وتذللوا وخضعوا) (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ معنى تزيين الشيطان: إغراؤه بالمعصية بما فيها من المتعة واللذة (٢). قال ابن عباس: (يريد زين لهم الشيطان الضلالة التي هم عليها فأصروا على معاصي الله) (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1011>٤٤ </span>- قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ قال ابن عباس: (تركوا ما وعظوا به) (٤)، وتأويله: تركوا العمل به. وقال مقاتل: (تركوا ما دعاهم إليه الرسل) (٥).\nوقال أصحاب اللغة: (وإنما كان النسيان بمعنى الترك؛ لأن التارك للشيء إعراضًا قد صيره بمنزلة ما قد نُسي) (٦).\n_________\n(١) لم أقف عليه، وكتاب \"نظم القرآن\" للجرجاني مفقود، وعلى هذا تكون لكن استدراكًا على المعنى، ويكون التخصيص في معنى النفي، وهو ظاهر كلام الزمخشري في \"الكشاف\" ٢/ ١٩، والعكبري في \"التبيان\" ١/ ٣٣٣، والهمداني في \"الفريد\" ٢/ ١٤٩، وانظر: \"الدر المصون\" ٤/ ٦٣٣.\n(٢) انظر: \"تفسير الطبري\" ٧/ ١٩٣، وابن عطية ٥/ ١٩٩.\n(٣) ذكره المؤلف في \"الوسيط\" ١/ ٣٧.\n(٤) ذكره المؤلف في \"الوسيط\" ١/ ٣٧، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٣/ ٣٩، وأخرج الطبري في \"تفسيره\" ٧/ ١٩٣، وابن أبي حاتم ٤/ ١٢٩٠ بسند جيد عن ابن عباس في الآية قال: (يعني: تركوا ما ذكروا به).\nوانظر: \"الدر المنثور\" ٣/ ٢٢.\n(٥) \"تفسيرمقاتل\" ١/ ٥٦١.\n(٦) انظر: \"العين\" ٧/ ٣٠٤، و\"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٥٦٥، و\"الصحاح\" ٦/ ٢٥٠٨، و\"مقاييس اللغة\" ٥/ ٤٢١، و\"المفردات\" ص ٨٠٣، و\"اللسان\" ٧/ ٤٤١٦ (نسى).","vol":"8","page":139},{"text":"وقوله تعالى: ﴿فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ قال ابن عباس: (بركات من السماء والأرض، يريد النعمة والسرور) (١).\nوقال مقاتل: (﴿أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ من الخير بعد التفسير الذي كانوا فيه) (٢).\n(٣) وقال الزجاج: (﴿فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ كان مغلقًا عنهم من الخير، ﴿حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا﴾ أي: حتى إذا ظنوا أنه ما كان نزل بهم لم يكن انتقامًا من الله، وأنهم لما فتح عليهم ظنوا أن ذلك باستحقاقهم ﴿أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً﴾ أي: فاجأهم عذابنا من حيث لا يشعرون) (٤). قال الحسن: في هذه الآية (مكر بالقوم، ورب الكعبة) (٥).\n_________\n(١) قال الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٣٧: (قال ابن عباس ومقاتل والسدي: رخاء الدنيا وبسرها وسرورها) ا. هـ. وجاء في \"تنوير المقباس\" ٢/ ١٩ ﴿فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ من الزهرة والخصب والنعيم) ا. هـ وأخرج الطبري في \"تفسيره\" ٧/ ١٩٣ بأسانيد جيدة عن مجاهد قال: (رخاء الدنيا ويسرها على القرون الأولى)، وعن قتادة قال: (يعني الرخاء وسعة الرزق)، وعن السدي قال: (يقول من الرزق)، واللفظ عام يشمل الجميع.\n(٢) \"تفسيرمقاتل\" ١/ ٥٦١.\n(٣) هنا حصل اضطراب في ترتيب نسخة (ش) حيث وقع ص ١٠٠ ب في ص ١١٩ ب.\n(٤) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٤٨، وقال النحاس في \"معانيه\" ٢/ ٤٢٤: (التقدير عند أهل اللغة: فتحنا عليهم أبواب كل شيء مغلقًا عنهم. ا. هـ. وانظر: \"معاني الفراء\" ١/ ٣٣٥.\n(٥) أخرجه ابن أبي حاتم ٤/ ١٢٩١ بسند ضعيف، وذكره أكثرهم.\nانظر: \"الوسيط\" ١/ ٣٨، وابن الجوزي ٣/ ٣٩، والرازي ١٢/ ٢٢٦، وابن كثير ٢/ ١٤٩، والبيضاوي ١/ ٣٠١، و\"الفتح السماوي\" للمناوي ٢/ ٦٠٥، وفيه (أن البيضاوي جعله من قول النبي - ﷺ - وقال السيوطي: لم أقف عليه مرفوعًا، وإنما هو من قول الحسن). ا. هـ.","vol":"8","page":140},{"text":"وقال - ﷺ -: \"إذا رأيت الله يعطي على المعاصي فإن ذلك استدراج من الله\" ثم تلا هذه الآية (١).\nقال أهل المعاني: (إنما أخذوا في حال الرخاء ليكون أشد لتحسرهم علي ما فاتهم من حال السلامة والعافية والتصرف في ضروب اللذة إلى حال البلية والنقمة) (٢).\nوقوله تعالى: ﴿فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ قال ابن عباس: (آيسون من كل خير) (٣)، وهو قول مقاتل (٤).\nوقال الفراء: (المبلس: اليائس المنقطع رجاؤه، ولذلك قيل للذي يسكت عند إنقطاع حجته أو لا يكون عنده جواب: [قد] (٥) أبلس (٦).\n_________\n(١) أخرجه أحمد في \"المسند\" ٤/ ١٤٥، و\"الزهد\" ص ١٨، وابن أبي الدنيا في \"كتاب الشكر\" ص ٨٠، رقم (٣٢)، والطبري ٧/ ١٩٥، والدولابي في \"الكنى\" ١/ ٢١٧، وابن أبي حاتم ٤/ ١٢٩١، والطبراني في \"الكبير\" ١٧/ ٣٣١، رقم (٩١٣)، والواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٣٨، من طرق جيدة يقوي بعضها بعضا، وصححه أبو حيان في \"البحر\" ٤/ ١٣٠، وحسنه محقق مرويات أحمد في \"التفسير\" ٢/ ١٠٣، وقال الألباني في \"الصحيحة\" ١/ ٥/ ١٣، رقم (٤١٤): (هو عندي صحيح بالمتابعة) ا. هـ. وانظر: \"تفسير ابن كثير\" ٢/ ١٤٩، و\"مجمع الزوائد\" ٧/ ٢٠، ١٠/ ٢٤٥، و\"الدر المنثور\" ٣/ ٢٢.\n(٢) ذكره الرازي في \"تفسيره\" ١٢/ ٢٢٦.\n(٣) \"تنوير المقباس\" ٢/ ١٩، وذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٣٩، وابن الجوزي ٣/ ٣٩، وابن كثير ٢/ ١٤٩، وروى أبو عبيد ص ٩٥، وابن حسنون ص ٣٦، والوزان ص ٦ أ، كلهم في اللغات في القرآن، بسند جيد عنه قال: (آيسون بلغة كنانة)، وفي \"البحر\" ٤/ ١٣١، عنه قال: (متحيرون).\n(٤) \"تفسيرمقاتل\" ١/ ٥٦١.\n(٥) لفظ: (قد) ساقط من (ش).\n(٦) في (ش): (أبليس)، وهو تحريف.","vol":"8","page":141},{"text":"قال العجاج:\nيا صَاحِ هَلْ تَعْرِفُ رَسْمًا مُكْرَسَا ... قَالَ نَعَمْ أَعْرِفُه وأَبْلَسَا (١)\nأي لم يُحر إليَّ جوابًا) (٢).\nوقال الزجاج: (المبلس: الشديد الحسرة اليائس الحزين) (٣). فالإبلاس في اللغة (٤) يكون بمعنى: اليأس من النجاة عند ورود الهلكة، ويكون بمعنى: انقطاع الحجة، ويكون بمعنى: الحيرة بما يرد على النفس من البلية، وهذه المعاني متقاربة (٥).\nوقال ابن الأنباري: (في قوله ﴿أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ عم وجمع تأكيدًا وتشديدًا. كما يقول القائل: أكلنا عند فلان كل شيء وكنا عنده في كل سرور. يريد بهذا العموم تكثير ما يصفه والإطناب فيه ومثله قوله تعالى:\n_________\n(١) \"ديوانه\" ١/ ١٨٥، و\"مجاز القرآن\" ١/ ١٩٢، و\"الكامل\" للمبرد ٢/ ١٩١، والطبري ٧/ ١٩٥، ١١/ ٣٦٣، و\"تهذيب اللغة\" ١/ ٣٨٥، و\"الصحاح\" ٣/ ٩٠٩، والماوردي ٢/ ١١٤، وابن الجوزي ٣/ ٤٠، والقرطبي ٦/ ٤٢٧، و\"اللسان\" ١/ ٣٤٣ (بلس) وص ٧/ ٣٨٥٤ (كرس)، والمكرس، بكسر فسكون: المتلبد من آثار الأبوال والأبعار حتى صار طرائق بعضه على بعض. وأبلس: سكت.\n(٢) \"معاني الفراء\" ١/ ٣٣٠، والرجز فيه غير منسوب.\n(٣) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٤٩.\n(٤) انظر: \"العين\" ٧/ ٢٦٢، و\"الجمهرة\" ١/ ٣٤٠، و\"تهذيب اللغة\" ١/ ٣٨٥، و\"الصحاح\" ٣/ ٩٠٩، و\"مقاييس اللغة\" ١/ ٣٠٠، و\"مجمل اللغة\" ١/ ١٣٥، و\"المفردات\" ص ١٤٣، و\"اللسان\" ١/ ٣٤٣ (بلس).\n(٥) هذا معنى كلام الطبري في \"تفسيره\" ٧/ ١٩٥، والسجستاني في \"نزهة القلوب\" ص ٤٢٢، وانظر: \"مجاز القرآن\" ١/ ١٩٢، و\"غريب القرآن\" لليزيدي ص ١٣٦، و\"تفسير غريب القرآن\" لابن قتيبة ص ١٦٤، وذكر مثل كلام الواحدي الرازي في \"تفسيره\" ١٢/ ٢٢٦.","vol":"8","page":142},{"text":"﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٢٣] (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1012>٤٥ </span>- قوله تعالى: ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ الدابر: التابع (٢) [للشيء من خلفه كالولد للوالد.\nقال الليث: (الدبر التابع (٣)] يقال: دبر فلان القوم يدبرهم دبرًا ودبورًا إذا كان آخرهم) (٤).\nقال أمية بن أبي (٥) الصلت:\nفَاستؤصلُوا بِعَذَابٍ حَصَّ دَابِرَهُمْ ... فَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ صَرْفًا وَلا انْتَصرُوا (٦)\nوقال أبو عبيدة: (﴿دَابِرُ الْقَوْمِ﴾: آخرهم الذي يدبرهم (٧)، وأنشد:\nآلُ المُهَلَّبِ جَذَّ اللهُ دابِرَهُمْ ... أَضْحَوْا رَمَادًا فلا أصْلٌ ولا طَرَفُ) (٨)\nوقال الأصمعي وغيره: (الدابر: الأصل، يقال: قطع الله دابره، أي:\n_________\n(١) ذكره ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٣/ ٣٩.\n(٢) انظر: \"جمهرة اللغة\" ١/ ٢٩٦، و\"الصحاح\" ٢/ ٦٥٣، و\"مقاييس اللغة\" ٢/ ٣٢٤، و\"مجمل اللغة\" ٢/ ٣٤٥، و\"المفردات\" ص ٣٠٧، و\"عمدة الحفاظ\" ص ١٧٣ (دبر).\n(٣) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).\n(٤) النص في \"العين\" ٨/ ٣٢، والرازي ١٢/ ٢٢٦، و\"الدر المصون\" ٤/ ٦٣٥، بلا نسبة، ولعل الواحدي تأثر برأي الأزهري في \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١١٤٢ حيث زعم أن العين لليث وليس للخليل.\n(٥) لفظ: (أبي) ساقط من (ش).\n(٦) \"ديوانه\" ص ٣٨٩، والطبري ٧/ ١٩٦، والرازي ١٢/ ٢٢٦، والقرطبي ٦/ ٤٢٧، و\"البحر\" ٤/ ١٤١، و\"الدر المصون\" ٤/ ٦٣٥، وحص أي: لم يبق شيئًا، والحص بالفتح: حلق الشعر، انظر: \"اللسان\" ٢/ ٨٩٩ (حص).\n(٧) \"مجاز القرآن\" ١/ ١٩٢.\n(٨) \"الشاهد\" لجرير في ديوانه ص ٣٠٨، و\"مجاز القرآن\" ٢/ ٤٠، و\"الكامل\" للمبرد ٣/ ١٣٥، والجذ، بالفتح: القطع المستأصل. انظر: \"اللسان\" ١/ ٥٩١ (جذ).","vol":"8","page":143},{"text":"أذهب الله أصله، وأنشده (١):\nفِدًى لكُمَا رجْلَيَّ رحلي وناقتي ... غَداةَ الكُلاَّبِ إذ تُحَزُّ الدَّوابِرُ\nأي: يقتل القوم فتذهب (٢) أصولهم ولا يبقى لهم أثر) (٣).\nوقال ابن بزرج (٤): (دابر الأمر: آخره. ودابر الرجل: عقبه، وقولهم: قطع الله دابرهم: دعاء عليه (٥) بانقطاع العقب حتى لا يبقى أحد يخلفه). (٦)\nفأما التفسير: فقال الكلبي: (﴿دَابِرُ الْقَوْمِ﴾ غابرهم الذي يتخلف في آخر القوم) (٧)، ونحو ذلك قال قطرب (٨) (٩).\nوقال السدي وابن زيد: (﴿دَابِرُ الْقَوْمِ﴾: أصل القوم) (١٠)، والمعنى:\n_________\n(١) الشاهد لوعلة بن الحارث الجرمي شاعر جاهلي. في \"اللسان\" ٣/ ١٣١٨، و\"التاج\" ٦/ ٣٨٨ (دبر)، وهو للحارث بن وعلة الجرمي في \"المفضليات\" ص ١٦٥، وبلا نسبة في \"الزاهر\" ١/ ٤٦٥، و\"تهذيب اللغة\" ١٤/ ١١١ (دبر)، وفي هذه المراجع: أمي وخالتي، بدل: رحلي وناقتي، وفي \"الزاهر\": رجلاي، بدل: رجلي، والكلاب بالضم هو يوم كلاب الثاني بين تميم واليمن حيث أكثرت تميم من قتلهم وحز عراقيبهم، وتحز أي: تقطع، والدوابر الأصول، أي: يقتل القوم فتذهب أصولهم ولا يبقى لهم أثر. انظر: حاشية المفضليات.\n(٢) في (ش): (فيذهب).\n(٣) النص عن الأصمعي في المراجع السابقة سوى المفضليات.\n(٤) عبد الرحمن بن بزرج اللغوي، تقدمت ترجمته.\n(٥) في (ش): (عليهم).\n(٦) \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١١٤٢.\n(٧) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٣٩، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٣/ ٤٠ - ٤١.\n(٨) قطرب: محمد بن المستنير بن أحمد اللغوي النحوي أبو علي البصري، تقدمت ترجمته.\n(٩) ذكره الثعلبي ١٧٧ ب.\n(١٠) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٧/ ١٩٦، وابن أبي حاتم ٤/ ١٢٩٣ بسند جيد عن السدي، ولفظه: (قطع أصل الذين ظلموا)، وعن عبد الرحمن بن زيد، ولفظه: قال: (استؤصلوا)، وذكره السيوطي في \"الدر\" ٣/ ٢٣.","vol":"8","page":144},{"text":"قُطع خلفهم من نسلهم وغيرهم، فلم تبق (١) لهم باقية؛ لأنهم استؤصلوا بالعذاب. وأحسب الذين فسروا الدابر بالأصل ذهبوا إلى أن الأصل يبقى ببقاء النسل، فإذا انقطع النسل (٢) انقطع الأصل وذهب، ففي قطع الدابر قطع الأصل، وحقيقة تفسير الدابر الآخر (٣) والعقب والأصل معنى وليس بتفسير.\nوقوله تعالى: ﴿وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ قال الزجاج (٤): (حمد الله ﷿ نفسه على أن قطع دابرهم واستأصل شأفتهم) (٥)، ومعنى هذا: أن قطع دابرهم نعمة على الرسل الذين أرسل إليهم فكذبوهم، فذكر الحمد هاهنا تعليم لهم ولمن آمن بهم ليحمدوا الله تعالى على كفايته إياهم شر الذين ظلموا، وليحمد محمد - ﷺ - وأصحابه ربهم إذ أهلك المشركين المكذبين (٦).\n_________\n(١) في (ش): (فلم يبق).\n(٢) في (ش): (فإذا انقطع الأصل وذهب ففي قطع الدابر).\n(٣) هذا قول أكثر أئمة اللغة والتفسير. انظر: المراجع السابقة في دبر، وانظر: \"غريب القرآن\" لليزيدي ص ١٣٧، و\"تفسير غريب القرآن\" لابن قتيبة ص ١٦٤، و\"معاني القرآن\" للنحاس ٢/ ٤٢٥، و\"تفسير ابن عطية\" ٥/ ٢٠١.\n(٤) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٤٩، وجاء بعده: [لأنه جل وعز أرسل إليهم الرسل، وأنظرهم بعد كفرهم، وأخذهم بالبأساء والضراء، فبالغ جل وعز في إنذارهم وإمهالهم فحمد نفسه؛ لأنه محمود في إمهاله من كفر به وانتظاره توبته).\n(٥) الشأفة: قرحة تخرج في أسفل القدم فتكوى فتذهب. أي: إذا قطعت مات صاحبها، واستأصل الله شأفته: أذهبه كما تذهب تلك القرحة، أو أزاله من أصله. انظر: \"القاموس\" ص ٨٢٢ (شأفه).\n(٦) انظر: \"تفسير الطبري\" ٧/ ١٩٦، والبغوي ٣/ ١٤٤، والرازي ١٢/ ٢٢٦.","vol":"8","page":145},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1013>٤٦ </span>- قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ﴾ قال ابن عباس: (يريد: فلا يسمعون القرآن (١)، ولا يبصرون (٢) سبل الهدى، ولا يفهمون (٣) ثوابًا، ولا يخافون عقابًا) (٤).\nوقال الكلبي: (أي ﴿أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ﴾ فلا تسمعوا موعظة، ﴿وَأَبْصَارَكُمْ﴾ فلا تبصروا الحق، ﴿وَخَتَمَ﴾ وطبع ﴿عَلَى قُلُوبِكُمْ﴾ فلم تعرفوا (٥) الحق ولم تعقلوا الهدى) (٦)، ونحو هذا قال مقاتل (٧).\nوقوله تعالى: ﴿مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ﴾) ﴿مَنْ﴾ رفع بالابتداء وخبره ﴿إِلَهٌ﴾ و﴿غَيْرُ﴾ صفة له (٨).\nوقوله تعالى: ﴿يَأْتِيكُمْ بِهِ﴾ قال الزجاج: (هذه الهاء تعود على معنى الفعل المعنى ﴿مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ﴾ ما أُخذ منكم، قال: ويجوز أن يعود\n_________\n(١) في (أ): (فلا تسمعوا القرآن).\n(٢) في (أ): (ولا تبصرون سبيل الهدى).\n(٣) في (أ): (ولا تفهمون).\n(٤) جاء في \"تنوير المقباس\" ٢/ ٢٠، قال: (﴿إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ﴾ فلم تسمعوا موعظة ولا هدى ﴿وَأَبْصَارَكُمْ﴾ فلم تبصروا الحق ﴿وَخَتَمَ﴾ طبع ﴿عَلَى قُلُوبِكُمْ﴾ فلم تعقلوا الحق والهدى) ا. هـ.\n(٥) في (ش): (يعرفوا الحق).\n(٦) \"تنوير المقباس\" ٢/ ٢٠، وانظر: \"مجاز القرآن\" ١/ ١٩٢.\n(٧) قال مقاتل في \"تفسيره\" ١/ ٥٦١ (﴿قُلْ﴾ لكفار مكة يا محمَّد ﴿أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ﴾ فلم تسمعوا شيئًا ﴿وَخَتَمَ﴾ يعني: وطبع، ﴿عَلَى قُلُوبِكُمْ﴾ فلم تعقلوا شيئًا) ا. هـ.\n(٨) انظر: \"التبيان\" ٣٣٤، و\"الفريد\" ٢/ ١٥٠، و\"الدر المصون\" ٤/ ٦٣٦. وفيها: (﴿مَنْ﴾ استفهام في موضع رفع بالابتداء و﴿إِلَهٌ﴾ خبر، و﴿غَيْرُ اللَّهِ﴾ صفة الخبر) ا. هـ.","vol":"8","page":146},{"text":"على السمع ويكون ما عطف على السمع داخلًا في القصة معه إذ كان معطوفًا عليه) (١).\nقال الحسين (٢) بن الفضل (٣): (المخاطبة للمؤمنين؛ لأن الكفار كانوا صمًا بكمًا عميًا لا يعقلون؛ لأن (٤) الله قد أخذها منهم، وكأنه يقول للمؤمنين: أرأيتم إن أخذها الله منكم فمن يردها عليكم) (٥).\nواختلفوا في قوله: ﴿بِهِ انْظُرْ﴾ فروى المسيبي (٦) عن نافع ﴿بِهِ انْظُرْ﴾\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ٢/ ٢٤٩، ولم يذكر إلا الوجه الأخير فقط، وذكر الوجه الأول عن الزجاج ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٣/ ٤١، وقد ذكر الوجهان الاْخفش في \"معانيه\" ٢/ ٢٧٥، و\"النحاس\" في معانيه ٢/ ٤٢٦، وذكر الفراء في \"معانيه\" ١/ ٣٣٥: (أنها تعود على الجميع السمع والبصر والختم على الأفئدة، وقال: وقد يقال: إن الهاء التي في \"به\" كناية عن الهدى، وهو كالوجه الأول) ا. هـ. وانظر: \"تفسير الطبري\" ٧/ ١٩٦ - ١٩٧، و\"الفريد\" ٢/ ١٥٠، و\"الدر المصون\" ٤/ ٦٣٦.\n(٢) في (ش): (الحسن)، وقد ورد كذلك في بعض المصادر. انظر: مقدمة كتاب \"الأمثال\" له ص ١١ - ١٤.\n(٣) الحسين بن الفضل بن عمير بن قاسم بن كيسان البجلي، تقدمت ترجمته.\n(٤) في (أ): (كان الله).\n(٥) لم أقف عليه.\n(٦) المسيبي هو: إسحاق بن محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن المسيب المخزومي أبو محمد المدني، إمام جليل صدوق عالم بالحديث، قيم في قراءة نافع ضابط لها، محقق فقيه، ورمي بالقدر، توفي سنة ٢٠٦ هـ.\nانظر: \"الجرح والتعديل\" ٢/ ٢٣٤، و\"معرفة القراء\" ١/ ١٤٧، و\"ميزان الاعتدال\" ١/ ٢٠٠، و\"غاية النهاية\" ١/ ١٥٧، و\"تهذيب التهذيب\" ١/ ١٢٧، والمسيبي بالضم وفتح السين والباء المشددة وبعدها ياء نسبة إلى الجد الأعلى. انظر: \"اللباب\" ٢/ ٢١٤.","vol":"8","page":147},{"text":"بضم الهاء (١) هو على لغة من يقرأ: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ﴾ [القصص: ٨١] (٢) فحذف الواو لالتقاء الساكنين فصار ﴿بِهِ انْظُرْ﴾، والباقون يكسرون الهاء (٣).\nقال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ﴾ (أي: لا يقدر هؤلاء الذين تعبدون أن يجعلوا لكم أسماعًا وأبصارًا وقلوبًا تعقلون (٤) بها وتفهمون) (٥) وهذا يدل على أن الآية في الكفار، وكذلك باقي الآية يدل على هذا، وحينئذٍ يحمل أخذ هذه الأعضاء على إذهابها أصلا يقول: إن أخذها حتى لا تبصروا ولا تسمعوا بتة من يردها عليكم (٦).\n_________\n(١) روى المسيبي عن نافع ﴿بهُ انظُر﴾ بضم الهاء، وقرأ الباقون بكسرها. انظر: \"السبعة\" ص ٢٥٧ - ٢٥٨، و\"إعراب القراءات\" ١/ ٧٢، و\"التذكرة\" ٢/ ٣٩٨.\n(٢) القراءة المشهورة بكسر الهاء من ﴿بِهِ وَبِدَارِهِ﴾، وقرأ شيبة بن نصاح المدني المقرئ -بالضم فيهما، انظر: \"إعراب القرءات\" ١/ ٧٣، وذكر القراءة بالواو أبو علي في الحجة ٣/ ٣١٠ بلا نسبة.\n(٣) ما تقدم قول أبي علي في الحجة ٣/ ٣١٠، وانظر: \"معاني القراءات\" ١/ ٣٥٤، و\"الدر المصون\" ٤/ ٦٣٧.\n(٤) في (ش): (يعقلون بها ويفهمون).\n(٥) جاء في تنوير المقباس ٢/ ٢٠ نحوه، قال: (﴿مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ﴾ (يعني: الأصنام) ﴿يَأْتِيكُمْ بِهِ﴾ بما أخذ الله منكم) ا. هـ.\n(٦) الأولى العموم، وهو قول الجمهور، وأول ما يدخل في ذلك الكفار، إلا أن ظاهر الآية والسياق يدل على أن المراد الكفار والله سبحانه يخبرهم أنه كامل القدرة ولا أحد يأتي بما أخذ منهم، فيجب إفراده بالعبادة وقد يذهب الله تعالى المعاني القائمة في هذه الجوارح أو يذهب الجوارح والأعراض جميعًا فلا يبقي شيئًا. وهو قول الآكثر. انظر: الطبري ٧/ ١٩٧، والسمرقندي ١/ ٤٨٦، والبغوي ٣/ ١٤٤، وابن عطية ٥/ ٢٠٢، والقرطبي ٦/ ٤٢٨.","vol":"8","page":148},{"text":"وقوله تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ﴾ قال الكلبي: (يبين لهم في القرآن الآيات) (١).\nوقال أهل المعاني: (معنى تصريف الآيات: توجيهها في الجهات التي تظهرها أتم الإظهار).\nوقوله تعالى: ﴿ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ﴾ قال الليث: (الصدوف: الميل عن الشيء) (٢)، وقال أبو عبيد: (صدف، ونكب: عدل) (٣).\nوقال ابن عباس (٤) والحسن (٥) ومجاهد (٦) وقتادة (٧) والسدي (٨):\n_________\n(١) \"تنوير المقباس\" ٢/ ٢٠.\n(٢) \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٩٩٠، وانظر: \"العين\" ٧/ ١٠٢.\n(٣) \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٩٩٠، وانظر: \"الجمهرة\" ٢/ ٦٥٥، والصحاح ٤/ ١٣٨٤، والمجمل ٢/ ٥٥٢، و\"المفردات\" ص ٤٧٨، و\"اللسان\" ٤/ ٢٤١٦ (صدف).\n(٤) أخرجه أبو عبيد ص ٩٦، وابن حسنون ٢٤، والوزان ص ٣/ ب، كلهم في اللغات بسند جيد، وهو في مسائل نافع بن الأزرق ص ١١٣، و\"الوسيط\" ١/ ٤٠، والقرطبي ٦/ ٤٢٨ - \"البحر المحيط\" ٤/ ١٣٢، وأخرج الطبري في \"تفسيره\" ٧/ ١٩٧، وابن أبي حاتم ٤/ ١٢٩٤ بسند جيد عن ابن عباس قال: ﴿يَصْدِفُونَ﴾ (يعدلون) وذكره ابن كثير ٢/ ١٥٠، والسيوطي في \"الدر\" ٣/ ٢٣.\n(٥) ذكره القرطبي ٦/ ٤٢٨، وأبو حيان في \"البحر\" ٤/ ١٣٢، عن الحسن البصري.\n(٦) \"تفسير مجاهد\" ١/ ٢١٤، وأخرجه الطبري ٧/ ١٩٧، وابن أبي حاتم ٤/ ١٢٩٤ بسند جيد، وذكره السيوطي في \"الدر\" ٣/ ٢٤.\n(٧) أخرجه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ٢/ ١/ ٢٠٦ - ٢٠٧، والطبري ٧/ ١٩٧ بسند جيد، وذكره ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٤/ ١٢٩٤ عن قتادة وأبي مالك، وذكره أيضًا الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٤٠، والقرطبي ٦/ ٤٢٨، وابن كثير ٢/ ١٥٠.\n(٨) ذكره القرطبي ٦/ ٤٢٨، وأبو حيان في \"البحر\" ٤/ ١٣٢، وأخرج الطبري ٧/ ١٩٧، وابن أبي حاتم ٤/ ١٢٩٤ بسند جيد عن السدي قال: ﴿يَصْدِفُونَ﴾ يصدون). وذكره ابن كثير في \"تفسيره\" ٢/ ١٥٠.","vol":"8","page":149},{"text":"﴿ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ﴾: (يعرضون) (١) قال عدي بن الرقاع:\nإِذَا ذَكَرْنَ حَدِيثًا قُلْنَ أَحْسَنَهُ ... وهُنَّ عَنْ كُلِّ سُوءٍ يُتَّقَى صُدف (٢)\nقال أبو إسحاق: (أعلم الله ﷿ أنه يُصرف لهم الآيات، وهي العلامات التي تدل على توحيده وصحة نبوة نبيه - ﷺ -، ثم هم يعرضون عما وضح لهم وظهر عندهم) (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1014>٤٧ </span>- قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً﴾ قال ابن عباس والحسن: (ليلًا أو نهارًا) (٤) وقال الكلبي: (فجأة أو علانية) (٥).\nقال أهل المعاني: (نقيض الجهرة الخفية، وهاهنا قوبل بالبغتة؛ لأن البغتة متضمنة معنى الخفية؛ لأنه يأتيهم من حيث لا يشعرون، فخفى (٦) سببه) (٧).\n_________\n(١) هذا قول أكثر أهل اللغة والتفسير، انظر: \"مجاز القرآن\" ١/ ١٩٢، و\"غريب القرآن\" لليزيدي ص ١٣٧، و\"تفسير غريب القرآن\" لابن قتيبة ص ١/ ١٦٤، و\"تفسير السمرقندي\" ١/ ٤٨٦، وابن عطية ٥٢/ ٢٠٢.\n(٢) \"ديوانه\" ص ٦٣، والطبري ٧/ ١٩٧، وابن عطية ٥/ ٢٠٢، والقرطبي ٦/ ٤٢٨، و\"البحر\" ١/ ١١٧، و\"الدر المصون\" ٤/ ٦٣٦، وصدف أي: معرض.\n(٣) \"معاني القرآن للزجاج\" ٢/ ٢٤٩.\n(٤) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٤١، والبغوي ٣/ ١٤٥، عن ابن عباس والحسن، وذكره هود الهواري في \"تفسيره\" ١/ ٥٢٦، وابن عطية ٥/ ٢٠٣، والقرطبي ٦/ ٤٢٩، وأبو حيان في \"البحر\" ٤/ ١٣٢، عن الحسن فقط، وذكره الخازن في \"تفسيره\" ٢/ ١٣٤ عن ابن عباس فقط.\n(٥) \"تنوير المقباس\" ٢/ ٢٠.\n(٦) في (ش): (فيخفى).\n(٧) انظر: \"تفسير الرازي\" ١٢/ ٢٢٨.","vol":"8","page":150},{"text":"وقوله تعالى: ﴿هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ﴾ قال ابن عباس: (يريد: الذين جعلوا لله شركاء) (١)، قال الزجاج: (أي: ﴿هَلْ يُهْلَكُ﴾ إلا أنتم ومن أشبهكم؛ لأنكم كفرتم وأنتم معاندون وقد علمتم أنكم ظالمون) (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1015>٤٨ </span>- قوله تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ﴾ الآية، قال أبو إسحاق: (أي: ليس إرسالهم أن يأتوا الناس بما يقترحون عليهم من الآيات إنما يأتون من الآيات بما يبين براهينهم، وإنما قصدهم التبشير والإنذار) (٣)، ثم ذكر ثواب المصدّق في باقي الآية وعقاب المكذب في الآية الثانية وهي قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ﴾ [الأنعام: ٤٩] ومعنى المسّ (٤) في اللغة: التقاء الشيئين من غير فصل، وقيل: ﴿يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ﴾ لأنه يحل فيهم وكأنه مماس لهم والفرق (٥) بينه وبين اللمس: أن اللمس مماسه بحاسّة والمسّ قد يكون بحاسّة وبغير حاسّة؛ لأن الحجر يماسّ الحجر ولا يلمسه (٦).\n_________\n(١) انظر: \"تفسير البغوي\" ٣/ ١٤٥، و\"تنوير المقباس\" ٢/ ٢٠.\n(٢) \"معاني القرآن\" ٢/ ٢٥٠.\n(٣) \"معاني القرآن\" ٢/ ٢٥٠، وانظر: \"معاني النحاس\" ٢/ ٤٢٧.\n(٤) المَسُّ أصله: جَسُّ الشيء باليد ومسكه بها. انظر \"العين\" ٧/ ٢٠٨، و\"الجمهرة\" ١/ ١٣٥، و\"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٣٩٨، و\"الصحاح\" ٣/ ٩٧٨، و\"مقاييس اللغة\" ٥/ ٢٧١، و\"المفردات\" ص ٧٦٦، و\"اللسان\" ٧/ ٤١٩٥ (مس).\n(٥) في (أ): (في الفرق)، وهو تحريف.\n(٦) اللمس: الجس أيضًا. وأصله: المس باليد ليعرف مَسَّ الشيء ثم كثر حتى صار كل طالب مُلتمِسا. انظر: \"العين\" ٧/ ٢٦٨، و\"الجمهرة\" ٢/ ٨٥٩، و\"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٢٩٦، و\"الصحاح\" ٣/ ٩٧٥، و\"المجمل\" ٣/ ٧٧٤، و\"مقاييس اللغة\" ٥/ ٢١٠، و\"المفردات\" ص ٧٤٧، و\"اللسان\" ٧/ ٤٠٧٢ (لمس).\nقال العسكري في \"الفروق\" ص ٢٤٩ - ٢٥٠. (الفرق بينهما أن اللمس يكون باليد =","vol":"8","page":151},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1016>٥٠ </span>- قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ﴾ الآية الخزائن (١): جمع الخِزانة وهي اسم المكان الذي يُخزن فيه الشيء. وخَزَنُ الشيء إحرازُه بحيث لا تناله (٢) الأيدي، والخزانة أيضًا عمل الخازن (٣)، قال ابن عباس (٤): (يريد: خزائن رحمة الله).\nوقال الكلبي (٥): (أي: رزق الله).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾ قال ابن عباس: (يريد: عاقبة ما يصيرون إليه) (٦)، وقال الكلبي (٧): (يعني: نزول ذلك الرزق على ﴿وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ﴾ (٨) فتنكروا قولي وتجحدوا أمري).\n_________\n= خاصة للتعرف على الشيء، والمس يكون باليد وبالحجر وغير ذلك، ولا يقتضي أن يكون باليد) ا. هـ. بتصرف.\n(١) انظر: \"العين\" ٤/ ٢٠٩، و\"الجمهرة\" ١/ ٥٩٦، و\"الصحاح\" ٥/ ٢١٠٨، و\"مقاييس اللغة\" ٢/ ١٧٨، و\"المفردات\" ص ٢٨٠، و\"اللسان\" ٢/ ١١٥٤ (خزن).\n(٢) في (ش): (يناله).\n(٣) هذا قول الأزهري في \"تهذيبه\" ١/ ١٠٢٧.\n(٤) في \"تنوير المقباس\" ٢/ ٢١: (مفاتيح خزائن الله من النبات والثمار والمطر والعذاب) ا. هـ.\n(٥) ذكره الماوردي ٢/ ١١٥، وأبو حيان في \"البحر\" ٤/ ١٣٣. والأولى العموم، ويحمل ما ورد على بيان بعض الأنواع، فالخزائن لفظ عام يشمل الغيب والرحمة والقدرة والعذاب وغيره.\nانظر: الطبري ٧/ ١٩٩، والسمرقندي ١/ ٤٨٦، والبغوي ٣/ ١٤٥، والقرطبي ٦/ ٤٣٠.\n(٦) في \"تنوير المقباس\" ٢/ ٢١: (أي: من نزول العذاب ﴿وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ﴾ من السماء) ا. هـ.\n(٧) لم أقف عليه.\n(٨) في النسخ: ﴿وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ﴾، وهو تحريف.","vol":"8","page":152},{"text":"وقوله تعالى: ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ قال ابن عباس: (يريد: ما أخبركم إلا بما أنزله الله إلى) (١).\nوقال الكلبي (٢): (أي: ما أعمل إلا بما ينزل عليّ).\nوقال أبو إسحاق: (أعلمهم النبي - ﷺ - أنه لا يملك خزائن الله التي منها يرزق ويعطي ولا يعلم الغيب فيخبركم بما غاب عنه مما مضى ومما سيكون إلا بوحي من الله ﷿ وليس بملك يشاهد من أمور الله ﷿ ما لا يشاهده البشر: ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ (٣)، (أي: ما أنبأتكم به من غيب فيما مضى وفيما سيكون فهو بوحي من الله ﷿) (٤).\nوقال أهل العلم (٥) قوله: ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ (يدل بظاهره على (٦) أن الرسل لا يجتهدون ولا يقيسون، والصحيح من مذهب الشافعي أنهم يقيسون ويجتهدون، وعنده أن القياس على النصوص بالوحي اتباع للوحي) (٧).\n_________\n(١) لفظ: (إلى) ساقط من (أ)، والأثر لم أقف عليه.\n(٢) \"تنوير المقباس\" ٢/ ٢١.\n(٣) في (أ): (﴿إِلَّا مَا يُوحَى﴾ أي: إلى ما أنبأتكم به) وهو تحريف.\n(٤) انظر: \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٥٠، وهذا قول الأكثر. انظر: الطبري ٧/ ١٩٩، و\"معاني النحاس\" ٢/ ٤٢٧، والسمرقندي ١/ ٤٨٦، والماوردي ٢/ ١١٦، والبغوي ٣/ ١٤٥.\n(٥) في (ش): (المعاني).\n(٦) في (ش): (إلى)، وهو تحريف.\n(٧) انظر: \"الرسالة\" للشافعي ص ٣٩ - ٤٠، ص ٥٠٣ - ٥١١، و\"تفسير الرازي\" ١٢/ ٢٣١، وقال القرطبي في \"تفسيره\" ٦/ ٤٣٠: (والصحيح أن الأنبياء يجوز منهم الاجتهاد والقياس على النصوص، والقياس أحد أدلة الشرع) ا. هـ.","vol":"8","page":153},{"text":"وقوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾ قال ابن عباس: يريد: بالأعمى: الكافر ﴿وَالْبَصِيرُ﴾ الذي قد أبصر دينه) (١).\nوقال قتادة: ﴿الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾: (الكافر والمؤمن) (٢).\nوقال سعيد ابن جبير (٣) ومجاهد (٤): (الضالّ، والمهتدي)، وقيل: الجاهل، والعالم) (٥).\n(أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ) قال ابن عباس: (يريد: يعتبرون (٦» (٧).\nوقال مقاتل: «أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ) (٨) أنهما لا يستويان) (٩).\n_________\n(١) \"تنوير المقباس\" ٢/ ٢١، وذكره ابن الجوزي ٣/ ٤٣، و\"البحر\" ٤/ ١٣٤.\n(٢) أخرجه الطبري ٧/ ١٩٩ وابن أبي حاتم ٤/ ١٢٩٦ بسند جيد، وذكره أكثرهم، انظر: \"الوسيط\" ١/ ٤٢، والبغوي ٣/ ١٤٥، وابن الجوزي ٣/ ٤٣، و\"الدر المنثور\" ٣/ ٢٤، وهو قول مجاهد كما ذكره النحاس في \"معانيه\" ٢/ ٤٢٨، والقرطبي ٦/ ٤٣٠.\n(٣) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٤٢، وابن الجوزي ٣/ ٤٣، وأبو حيان في \"البحر\" ٤/ ١٣٤.\n(٤) \"تفسير مجاهد\" ١/ ٢١٥، وأخرجه الطبري ٧/ ١٩٩، وابن أبي حاتم ٤/ ١٢٩٦ من طرق جيدة، وذكره أكثرهم. انظر: \"الوسيط\" ١/ ٤٢، والبغوي ٣/ ١٤٥، وابن الجوزي ٣/ ٤٣، و\"الدر المنثور\" ٣/ ٢٤.\n(٥) ذكره الماوردي ٢/ ١١٧، والبغوي ٣/ ١٤٥، والقرطبي ٦/ ٤٣٠، والظاهر العموم إلا أن السياق يرجح المؤمن والمهتدي والكافر والضال، وهو اختيار أكثرهم. انظر: \"تفسير مقاتل\" ١/ ٥٦٢ والطبري ٧/ ١٩٩، والسمرقندي ١/ ٤٨٦، وابن عطية ٥/ ٢٠٥.\n(٦) في (ش): (تعتبرون).\n(٧) انظر: \"تنوير المقباس\" ٢/ ٢١، والسمرقندي ١/ ٤٨٦.\n(٨) في (أ): (يفكرون)، وهو تحريف.\n(٩) \"تفسير مقاتل\" ١/ ٥٦٢.","vol":"8","page":154},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1017>٥١ </span>- قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ﴾ الآية، معنى الإنذار (١): الإعلام بموضع المخافة، وهو مما تقدم (٢) بيانه (٣)، وقوله: ﴿بِهِ﴾ قال ابن عباس: (يقول: خوَّف بالقرآن) (٤).\nوقاله الزجاج (٥)، وقال الضحاك: (بالله) (٦).\nوقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا﴾ قال ابن عباس (٧) والحسن (٨): (يريد المؤمنين يخافون يوم القيامة وما فيها من شدة الأهوال).\nوقال الضحاك (٩): (يعلمون ﴿أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ﴾).\n_________\n(١) انظر: \"العين\" ٨/ ١٨٠، و\"الجمهرة\" ٢/ ٦٩٥، و\"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٥٤٧، و\"الصحاح\" ٢/ ٨٢٥، و\"مقاييس اللغة\" ٥/ ٤١٤، و\"المفردات\" ص ٧٩٧، و\"اللسان\" ٧/ ٤٣٩٠ (نذر).\n(٢) في (ش): (يقدم)، وهو تحريف.\n(٣) انظر \"البسيط\" ٢/ ٤٦٤ - ٤٦٥، تحقيق الدكتور محمد الفوزان.\n(٤) \"تنوير المقباس\" ٢/ ٢٢، وذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٤٢، والرازي ١٢/ ٢٣٢.\n(٥) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٥١.\n(٦) ذكره الثعلبي ١٧٧ ب، والرازي ١٢/ ٢٣٢، والأول أولى وهو قول الأكثر، وقال الرازي: (هو أولى لأن التخويف إنما يقع بالقول وبالكلام لا بذات الله تعالى)، وهو اختيار مقاتل ١/ ٥٦٢، والطبري ٧/ ٢٠٠، والنحاس في \"معانيه\" ٢/ ٤٢٨، والسمرقندي ١/ ٤٨٦، والبغوي ٣/ ١٤٥، وابن عطية ٥/ ٢٠٦. وانظر: القرطبي ٦/ ٤٣٠، و\"البحر\" ٤/ ١٣٤.\n(٧) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٤٢.\n(٨) ذكره القرطبي في \"تفسيره\" ٦/ ٤٣١.\n(٩) لم أقف عليه، وذكر الطبري ٧/ ٢٠٠، هذا القول وقال: (وضعت المخافة موضع العلم؛ لأنه خوفهم كان من أجل علمهم بوقوع ذلك ووجوده من غير شك منهم في ذلك) ا. هـ. وقال ابن قتيبة في \"تأويل مشكل القرآن\" ص ١٩١: (تأتي خاف بمعنى علم. وقوله: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ﴾ لأن في الخشية =","vol":"8","page":155},{"text":"قال الفراء: ﴿يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ﴾ (علمًا بأنه سيكون، ولذلك فسر المفسرون ﴿يَخَافُونَ﴾: يعلمون) (١).\nوقال الزجاج: (المراد بالذين ﴿يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا﴾ كل معترف بالبعث من مسلم وكتابي. قال (٢): وإنما خص الذين يخافون الحشر دون غيرهم وهو - ﷺ - كان ينذر جميع الخلق؛ لأن ﴿الَّذِينَ يَخَافُونَ﴾ الحشر الحجة عليهم أوجب، لاعترافهم بالمعاد) (٣). وقال غيره من أهل المعاني: (هم الكفار؛ لأنهم يشكّون في الحشر، ولذلك قال: ﴿يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا﴾) (٤).\nوقوله تعالى: ﴿إِلَى رَبِّهِمْ﴾ أي: إلى المكان الذي جعله ربهم لمجتمعهم (٥).\n_________\n= والمخافة طرفًا من العلم) ا. هـ وقال ابن عطية ٥/ ٢٠٦: (يخافَوَن على بابها وكونها بمعنى العلم غير لازم) ا. هـ وانظر البغوي ٣/ ١٤٥.\n(١) \"معاني الفراء\" ١/ ٣٣٦.\n(٢) لفظ: (قال) ساقط من (ش).\n(٣) انظر: \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٥١، و\"النحاس\" ٢/ ٤٢٨.\n(٤) انظر: \"تفسير ابن عطية\" ٥/ ٢٠٦، والرازي ١٢/ ٢٣٢، قال ابن عطية: (الآية تعم بنفس اللفظ كل مؤمن بالبعث من مسلم وكتابي والنبي - ﷺ - مأمور بإنذار جميع الخلائق، وإنما وقع التخصيص هنا بحسب المعنى الذي قصد، ذلك أن فيما تقدم من الآيات نوعًا من اليأس في الأغلب عن هؤلاء الكفرة. فكأنه قيل له هنا: قل لهؤلاء الكفرة المعرضين كذا، ودعهم ورأيهم لأنفسهم، وأنذر هؤلاء الآخرين الذين هم مظنة الإيمان وأهل للانتفاع، ولم يرد أنه لا ينذر سواهم، بل الإنذار العام ثابت مستقر) ا. هـ ملخصًا.\n(٥) انظر \"تفسير الرازي\" ١٢/ ٢٣٣.","vol":"8","page":156},{"text":"وقوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ﴾ موضع ﴿لَيْسَ﴾ نصب بوقوعها موقع الحال، كأنه قيل: متخلّين من ولي أو شفيع والعامل فيه ﴿يَخَافُونَ﴾ (١)، قال الضحاك: ﴿لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ (أي: غير الله ﴿وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ﴾) (٢).\nوقال أبو إسحاق: (إن النصارى واليهود ذكرت أنها أبناء الله وأحباؤه فأعلم الله ﷿ أن أهل الكفر ليس لهم من دون الله ولي ولا شفيع) (٣)، وهذا الذي قاله ظاهر في أهل الكفر.\nوالمفسرون على أن الآية في المؤمنين، ويكون معنى قوله: ﴿لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ﴾ على قولهم: إن شفاعة الرسل والملائكة للمؤمنين إنما تكون بإذن الله لقوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وذلك راجع إلى الله لما كان بإذن الله (٤).\nوقوله تعالى: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ قال ابن عباس: (كي يخافون في الدنيا وينتهوا عما نهيتهم) (٥).\n_________\n(١) واختار هذا الزمخشري في \"الكشاف\" ٢/ ٢١.\nوانظر: \"تفسير ابن عطية\" ٥/ ٢٠٦، و\"الفريد\" ٢/ ١٥٢، و\"البحر\" ٤/ ١٣٥، وذكر هذا القول الرازي ١٢/ ٢٣٣٠، عن الزجاج.\n(٢) لم أقف عليه.\n(٣) \"معاني القرآن\" للزجاج ٢/ ٢٥١.\n(٤) انظر: \"تفسير ابن عطية\" ٥/ ٢٠٦، والرازي ١٢/ ٢٣٣.\n(٥) ذكره الرازي ١٢/ ١٩٣، وفي \"تنوير المقباس\" ٢/ ٢٣ نحوه.","vol":"8","page":157},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1018>٥٢ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ الآية. أخبرنا الشيخ أبو بكر أحمد بن محمد الحارثي، أنبأ أبو محمد عبد الله بن محمد (١) بن جعفر، حدثنا أبو يحيى عبد الرحمن (٢) بن محمد الدارمي (٣)، حدثنا سهل بن عثمان (٤) العسكري، حدثنا أسباط (٥) بن محمَّد، عن\n_________\n(١) عبد الله بن محمد بن جعفر بن حيان الأنصاري أبو محمد الأصبهاني المعروف بأبي الشيخ، إمام ورع ثقة محدث مفسر له تصانيف جيدة توفي سنة ٣٦٩ هـ. وله ٩٥ سنة. انظر: \"ذكر أخبار أصبهان\" ٢/ ٩٠، و\"سير أعلام النبلاء\" ١٦/ ٢٧٦، و\"تذكرة الحفاظ\" ٣/ ٩٤٥، و\"غاية النهاية\" ١/ ٤٤٧، و\"طبقات الداودي\" ١/ ٢٤٦.\n(٢) عبد الرحمن بن محمد بن سَلْم الرازي أبو يحيى الأصبهاني، إمام ثقة كثير السماع، وهو إمام جامع أصبهان، وكان من أوعية العلم، صنف التفسير والمسند، وتوفي سنة ٢٩١ هـ. وله نحو ٨٠ سنة. انظر: \"طبقات المحدثين لأبي الشيخ\" ٣/ ٥٣٠، وذكر \"أخبار أصبهان\" ٢/ ١١٢، و\"سير أعلام النبلاء\" ١٣/ ٥٣٠، و\"تذكرة الحفاظ \" ٢/ ٦٩٠، و\"طبقات الحافظ \" ص ٣٠٣، و\"طبقات الداودي\" ١/ ٢٨٨.\n(٣) في (أ): (ابن الدارمي). وهو: بفتح الدال وسكون الألف وكسر الراء وبعدها ميم، نسبة إلى دارم بن مالك بطن كبير من تميم. انظر: \"اللباب\" ١/ ٤٨٤، ولم أجد من نسبه إلى ذلك، وقد جاء السند نفسه عند الواحدي في \"أسباب النزول\" ص ٢٢٠، وفيه: (أبو يحيى الرازي عن سهل).\n(٤) سَهْل بن عثمان بن فارس الكندي أبو مسعود العسكري نزيل الري، إمام حافظ ثقة كثير الفوائد وله غرائب. توفي سنة ٢٣٥ هـ وله نحو ٨٠ سنة. انظر: \"الجرح والتعديل\" ٤/ ٢٠٣، و\"طبقات المحدثين\" ٢/ ١١٩، و\"أخبار أصبهان\" ١/ ٣٣٨، و\"سير أعلام النبلاء\" ١١/ ٤٥٤، و\"تذكرة الحفاظ\" ٢/ ٤٥٢، و\"تهذيب التهذيب\" ٢/ ١٢٥.\n(٥) أسباط بن محمد بن عبد الرحمن بن خالد القرشي أبو محمد الكوفي، إمام ثقة محدث، توفي سنة ٢٠٠ هـ. انظر: \"طبقات ابن سعد\" ٦/ ٣٩٣، و\"الجرح والتعديل\" ٢/ ٣٣٣، و\"تاريخ بغداد\" ٥/ ٤٦، و\"سير أعلام النبلاء\" ٩/ ٣٥٥، و\"تهذيب التهذيب\" ١/ ١٠٩.","vol":"8","page":158},{"text":"الأشعث (١) بن سوار عن كردوس (٢)، عن عبد الله بن مسعود قال: (مر الملأ من قريش على رسول الله - ﷺ - وعنده صهيب (٣) وخبّاب (٤) وبلال (٥) وعمار وغيرهم (٦) من ضعفاء المسلمين، فقالوا: يا محمد، رضيت بهؤلاء\n_________\n(١) أشعث بن سوار الكندي النجار القاص، أحد العلماء، على لين فيه، وقد ضعفه أكثر أئمة \"الجرح والتعديل\" توفي سنة ١٣٦ هـ انظر: \"طبقات ابن سعد\" ٦/ ٣٥٨، و\"الجرح والتعديل\" ٢/ ٢٧١، و\"سير أعلام النبلاء\" ٦/ ٢٧٥، و\"ميزان الاعتدال\" ١/ ٢٦٣، و\"تهذيب التهذيب\" ١/ ١٧٨.\n(٢) كُرْدُوس بن عباس الثعلبي الكوفي القاص، اختلف في اسم أبيه، وهو تابعي مقبول، توفي بعد المائة.\nانظر: \"التاريخ الكبير للبخاري\" ٧/ ٢٤٢، و\"الجرح والتعديل\" ٧/ ١٧٥، و\"تهذيب التهذيب\" ٣/ ٤٦٧، و\"تقريب التهذيب\" ١٧٣٤.\n(٣) صُهَيْبُ بن سِنان بن مالك النَّمِري، أبو يحيى الرُّومي، صاحبي جليل، تقدم.\n(٤) خَبَّابُ بن الأَرَتِّ بن جَندلة بن سعد التميمي، أبو عبد الله، نزيل الكوفة، صحابي جليل فاضل عابد ورع شجاع، شهد المشاهد، وكان من كبار السابقين البدريين والمعذبين بمكة، وفضله ومناقبه وثناء الأئمة عليه كثير، توفي سنة ٣٧ هـ. وله ٧٣ سنة.\nانظر: \"طبقات ابن سعد\" ٣/ ١٦٤، و\"الجرح والتعديل\" ٣/ ٣٩٥، و\"الاستيعاب\" ٢/ ٢١، و\"سير أعلام النبلاء\" ٢/ ٣٢٣، و\"الإصابة\" ١/ ٤١٦، و\"تهذيب التهذيب\" ١/ ٥٣٩.\n(٥) بلال بن رباح التيمي أبو عبد الله الحبشي، صحابي جليل فاضل عابد ورع شجاع، شهد المشاهد، وكان من كبار السابقين البدريين والمعذبين بمكة، وفضله ومناقبه وثناء الأئمة عليه كثير، توفي سنة ١٧ هـ. أو بعدها، وله أكثر من ٦٠ سنة.\nانظر: \"للجرح والتعديل\" ٢/ ٣٩٥، و\"الاستيعاب\" ١/ ٢٥٨، و\"سير أعلام النبلاء\" ١/ ٣٤٧، و\"الإصابة\" ١/ ١٦٥، و\"تهذيب التهذيب\" ١/ ٢٥٣، و\"تهذيب ابن عساكر\" ٣/ ٣٠٤.\n(٦) في (ش): (وخباب وعمار وبلال).","vol":"8","page":159},{"text":"عن قومك، أفنحن نكون تبعًا لهؤلاء (١) الذين مَنَّ الله عليهم! إطردهم عنك فلعلك إن طردتهم اتبعناك، فأنزل الله هذه الآية) (٢).\nوقال خباب بن الأرت: (كنا مع النبي - ﷺ - أنا وعمار، وصهيب، إذ جاء عيينة بن (٣) حصن (٤) والأقرع (٥) بن حابس. فقالا له: إنه (٦) لا يحسن بنا الجلوس مع هؤلاء العبيد الفقراء، فأقمهم عنك حتى نخلو بك، فإن\n_________\n(١) في (ش): (نكون تبعًا لهؤلاء أهؤلاء الذين من الله عليهم).\n(٢) أخرجه أحمد في \"المسند\" ٦/ ٣٦ (٣٩٨٥)، تحقيق أحمد شاكر، والطبري ٧/ ٢٠٠، وابن أبي حاتم ٤/ ١٢٩٨، والواحدي في \"أسباب النزول\" ص ٢١٩ - ٢٢٠، كلهم من هذا الطريق وصحح إسناده أحمد شاكر في \"حاشية المسند\"، وقال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" ٧/ ٢١: (رواه أحمد والطبراني، ورجال أحمد رجال الصحيح، غير كردوس، وهو ثقة) ا. هـ وذكره السيوطي في \"الدر\" ٣/ ٢٥، وزاد نسبته إلى: (أبي الشيخ وابن مردويه، وأبي نعيم في \"الحلية\")، وانظر: \"كشف الأستار للهيثمي\" ٣/ ٤٨.\n(٣) في (ش): (ابن)، وهو تحريف.\n(٤) عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر الفزاري أبو مالك من الأعراب الجفاة المؤلفة قلوبهم، أسلم قبل الفتح، وشهد فتح مكة وحنينا والطائف، وارتد وتبع طليحة الأسدي، وقاتل معه وأسر وحمل إلى أبي بكر الصديق ﵁، فأسلم وترك فعاش إلى خلافة عثمان ﵁. انظر: \"الاستيعاب\" ٣/ ٣١٦، و\"تهذيب الأسماء واللغات\" ٢/ ٤٨، \"الإصابة\" ٣/ ٥٤.\n(٥) الأقرع بن حابس بن عقال بن محمد المجاشعي التميمي، واسمه فراس، والأقرع لقب لقرع في رأسه، وهو من المؤلفة قلوبهم، أسلم وحسن إسلامه وشهد فتح مكة وحنينًا والطائف واليمامة والعراق وكان من الأشراف وسادات العرب، استشهد في خراسان، نحو سنة ٣١ هـ.\nانظر: \"الاستيعاب\" ١/ ١٩٣، و\"تهذيب الأسماء واللغات\" ١/ ١٢٤، و\"الإصابة\" ١/ ٥٨، و\"تهذيب ابن عساكر\" ٣/ ٨٩، و\"الأعلام\" ٢/ ٥.\n(٦) في (ش): (إنا لا يحسن).","vol":"8","page":160},{"text":"وفود العرب تأتيك، فنستحي أن يرونا مع هؤلاء الأعبُد، ثم إذا انصرفنا فإن شئت فأعدهم إلى مجلسك، فأجابهم النبي - ﷺ - إلى ذلك فقالا له: اكتب لنا بهذا على نفسك كتابًا فدعا بصحيفة وأحضر عليًّا -﵁- ليكتب، فأنزلت هذه الآية وما بعدها، فنحّى رسول الله - ﷺ - الصحيفة، وأقبل علينا، ودنونا منه) (١).\n_________\n(١) أخرج ابن ماجه رقم (٤١٢٧) كتاب: الزهد، باب: مجالسة الفقراء، والطبري في \"تفسيره\" ١١/ ٣٧٦ - ٣٧٧، وابن أبي حاتم ٣/ ٧٢/ ب، وأبو نعيم في \"الحلية\" ١/ ١٤٦، والبيهقي في \"الدلائل\" ١/ ٣٥٢ - ٣٥٣، والواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٤٢ - ٤٤، وفي \"أسباب النزول\" ص ٢٢١، وذكره السيوطي في \"الدر\" ٣/ ٢٥ وزاد نسبته إلى ابن أبي شيبة وأبي يعلى وابن المنذر وأبي الشيخ وابن مردويه ا. هـ. وذكر الحديث ابن حجر في \"المطالب العالية\" ١٤/ ٦٥١، ونقل الأعظمي في \"حاشيته\" عن الإمام البوصيري أنه قال: (رواه ابن أبي شيبة وأبو يعلى بسند صحيح) ا. هـ.\nوالسند هنا فيه أبو سعد الأزدي مقبول كما في \"التقريب\" ص ٦٤٣ (٨٨١٧)، وفيه أبو الكنود الأزدي مقبول أيضًا كما في \"التقريب\" ص ٦٦٩ (٨٣٢٨)، وعليه يحتاج إلى متابعة، ولم أقف له على متابعة، وقد ذكره ابن عطية ٥/ ٢٠٧، وقال: (هذا تأويل بعيد في نزول الآية؛ لأنها مكية، وهؤلاء لم يفدوا إلا في المدينة، ويمكن أن يكون هذا وقع بعد نزول الآية بمدة، اللهم إلا أن تكون الآية مدنية) ا. هـ. بتصرف، وقال ابن كثير ٢/ ١٥١: (هذا حديث غريب، فالآية مكية والأقرع وعيينة إنما أسلما بعد الهجرة بدهر) ا. هـ. وذكر قول ابن كثير الشيخ أحمد شاكر في \"حاشية الطبري\"، وقال: (هذا هو الحق إن شاء الله) ا. هـ.\nوأصل القصة ثابتة ولكن بدون تعيين الأقرع وعيينة، فقد أخرج مسلم (٢٤١٣)، كتاب: فضائل الصحابة، باب: فضل سعد بن أبي وقاص، ابن ماجه (٤١٢٨)، والنسائي في \"تفسيره\" ١/ ٤٦٩ - ٤٧٠، و\"الحاكم\" ٣/ ٣١٩، عن سعد بن أبي وقاص قال: (كنا مع النبي - ﷺ - ستة نفرٍ، منهم أنا وابن مسعود وبلال، فقال المشركون: تدني هؤلاء، اطردهم لا يجنزون علينا فوقع في نفس رسول الله - ﷺ - ما شاء أن يقع فحدث نفسه فنزلت الآية) ا. هـ. ملخصًا. وانظر: \"الدر المنثور\" ٣/ ٢٧٤.","vol":"8","page":161},{"text":"قال ابن الأنباري: (عظم الأمر في هذا على النبي - ﷺ - وخوف الدخول في جملة الظالمين؛ لأنه كان قد همّ بتقديم الرؤساء وأُولي الأموال على الضعفاء وذوي المسكنة، مقدّرًا أنه يستجر بإسلامهم إسلام قومهم وحلفائهم ومن يلوذ بهم، وكان ﵇ لا يقصد في ذلك إلا قصد الخير، ولا ينوي ازدراء بالفقراء ولا احتقارًا، فأعلمه الله ﵎ أن ذلك غير جائز) (١).\nوأما التفسير فقال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ (يعبدون ربهم بالصلاة المكتوبة يعني: صلاة الصبح وصلاة العصر) (٢).\nفالدعاء هاهنا العبادة في قول ابن عباس والحسن (٣) ومجاهد (٤) وقتادة (٥) والضحاك (٦) قالوا: (يعبدون الله بالصلاة المكتوبة).\n_________\n(١) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٤٦، وابن الجوزي في \"المسير\" ٣/ ٤٧، وانظر: هذا المعنى عند الرازي ١٢/ ٢٣٥، والقرطبي ٦/ ٤٣١.\n(٢) ذكره الثعلبي في \"الكشف\" ص ١٧٨/ أ، والبغوي ٣/ ٤٦، والرازي ١٢/ ٢٣٥، وأخرج الطبري ٧/ ٢٠٣، وابن أبي حاتم ٤/ ١٢٩٨ بسند جيد عن ابن عباس قال: (يعبدون ربهم بالصلاة المكتوبة)، وذكره السيوطي في \"الدر\" ٣/ ٢٦.\n(٣) أخرجه الطبري ٧/ ٢٠٣، بسند ضعيف، وذكره هود الهواري في \"تفسيره\" ١/ ٥٢٧، والثعلبي ص ١٧٨/ أ، والرازي ١٢/ ٢٣٥، والقرطبي ٦/ ٤٣٢، وابن كثير ٢/ ١٥١.\n(٤) \"تفسير مجاهد\" ١/ ٢١٥، وأخرجه الطبري ١١/ ٧/ ٢٠٣، وابن أبي حاتم ٤/ ١٢٩٨ بسند جيد، وذكره السيوطي في \"الدر\" ٣/ ٢٦.\n(٥) أخرجه الطبري ٧/ ٢٠٤ بسند جيد، وذكره ابن الجوزي ٣/ ٤٦، وابن كثير ٢/ ١٥١.\n(٦) أخرجه الطبري ٧/ ٢٠٤، وذكره ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٤/ ١٢٩٨.","vol":"8","page":162},{"text":"وقال إبراهيم (١): (الدعاء هاهنا الذكر، أي: يذكرون ربهم طرفي النهار) (٢). وروي عن إبراهيم بخلاف هذا، وهو أنه قال: (هذا في الصلوات الخمس) (٣)، وهو قول جميع أهل التأويل (٤) قالوا: (هذا في الصلوات المكتوبات).\nوقرأ ابن عامر: (بِالْغُدْوةِ) (٥) بالواو (٦)، وقال أبو علي: (الوجه قراءة العامة ﴿بِالْغَدَاوةِ﴾؛ لأنها تستعمل نكرة وتتعرف (٧) باللام، فأما (غدوة) فمعرفة وهو علم صيغ له واسم موضوع (٨) للتعريف وإذا كان كذلك فلا ينبغي أن يُدخل عليه الألف واللام كما لا يُدخل على سائر الأعلام، وإن كانت قد كتبت في المصحف بالواو لم تدل على ذلك ألا ترى أنهم قد كتبوا\n_________\n(١) إبراهيم بن يزيد بن قيس بن الأسود النخعي، تقدمت ترجمته.\n(٢) أخرجه الطبري ٧/ ٢٠٥، وابن أبي حاتم ٤/ ١٢٩٨ بسند جيد وذكره السيوطي في \"الدر\" ٣/ ٢٦.\n(٣) أخرجه الطبري ٧/ ٢٠٤ بسند جيد وذكره الماوردي ٢/ ١١٧ وابن الجوزي ٣/ ٤٦.\n(٤) أخرجه الطبري ٧/ ٢٠٣ - ٢٠٤، بسند جيد عن عبد الله بن عمر ﵁ وعن عبد الرحمن بن أبي عمرة الأنصاري وعن عامر الشعبي وغيرهم، والظاهر عموم ذكر الله ﷾، وأول ذلك الصلاة المكتوبة والنوافل وذكره تعالى طرفي النهار، وهو اختيار الطبري ٧/ ٢٠٥ - ٢٠٦، وابن عطية ٥/ ٢٠٩.\n(٥) جاء في (أ): (بالغداة)، والرسم القرآني (بِالْغَدَوةِ) بالواو.\n(٦) قرأ ابن عامر ﴿بِالغُدْوةِ﴾ بضم الغين وسكون الدال وواو بعدها من غير ألف، وقرأ الباقون بفتح الغين والدال وألف بعدها من غير واو.\nانظر: \"السبعة\" ص ٢٥٨، و\"المبسوط\" ص ١٦٨، و\"التذكرة\" ٢/ ٣٩٨، و\"التيسير\" ص ١٠٢، و\"النشر\" ٢/ ٢٥٨.\n(٧) في (ش): (ويتعرف)، ووضع عليها في (أ) طمس، والتصحيح من \"الحجة\" لأبي علي ٣/ ٣١٩.\n(٨) في (أ): (موضع)، وهو تحريف.","vol":"8","page":163},{"text":"(الصلوة) بالواو وهي ألف فكذلك (الغداة).\nقال سيبويه: (غدوة وبكرة جُعل كل واحد منهما اسمًا للحين، كما جعلوا أم حُبين (١) اسما لدابة معروفة. قال: وزعم يونس عن أبي عمرو أنك إذا قلت: لقيته يومًا من الأيام غدوة أو بكرة وأنت تريد المعرفة لم تنون) (٢)، وهذا يقوي قراءة العامة، ووجه قراءة ابن عامر أن سيبويه (٣) قال: (زعم الخليل أنه يجوز أن يقول: أتيتك اليوم غدوةً وبكرةً، فجعلهما بمنزلة ضحوة (٤».\nوأيضًا فإن بعض أسماء الزمان جاء معرفة بغير ألف ولام ثم أجازوا دخول اللام فيه نحو ما حكاه أبو زيد من: (قولهم: لقيته فَيْنة (٥) غير معروف والفينة بعد الفينة) (٦) فألحق لام المعرفة، ما استعمل معرفةً ووجه ذلك أنه يقدر فيه التنكير والشيوع كما يقدر فيه (٧) ذلك إذا ثني، [وذلك مستمر في جميع المعارف) (٨) انتهى كلامه. قوله: (يقدر فيه التنكير كما يقدر فيه ذلك\n_________\n(١) أم حُبين: دويبة على خلقة الحرباء، عريضة الصدر عظيمة البطن، وقيل: هي أنثى الحرباء. انظر: \"اللسان\" ٢/ ٧٦٤ (حبن).\n(٢) \"الكتاب\" ٣/ ٢٩٣، وفيه: (وهو قوله أيضًا وهو القياس .. وكذلك تقول العرب) ا. هـ.\n(٣) \"الكتاب\" ٣/ ٢٩٤.\n(٤) الضحوة -بفتح الضاد المشددة وسكون الحاء-: كعشية ارتفاع النهار، ولا تستعمل إلا ظرفًا إذا عنيتها من يومك فإن لم تعن بها ذلك صرفتها. انظر: \"اللسان\" ٥/ ٢٥٥٦ (ضحا).\n(٥) الفينة -بفتح فسكون-: الحين، والساعة، والوقت من الزمان، عرف بالعلمية والألف واللام. انظر: \"اللسان\" ٦/ ٣٥٠٤ (فين).\n(٦) \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٧٢٧ (فان).\n(٧) في (ش): (كما يقدر ذلك فيه).\n(٨) \"الحجة\" لأبي علي ٣/ ٣١٩، ٦/ ١٤٠، مجموع منهما بتصرف واختصار. =","vol":"8","page":164},{"text":"إذا ثني) (١)] كلام يُحتاج إلى شرحه فنقول: اعلم أن المعرفة: [لا يصح تثنيتها من قبل أن حدّ المعرفة (٢)] أنها ما خص الواحد من جنسه ولم يشع في أُمته، فإذا شورك في اسمه فقد خرج عن أن يكون علمًا معروفًا، وصار مشتركًا فيه شائعًا، وإذا كان الأمر كذلك فلا تصح التثنية إلا في النكرات دون المعارف، وإذا صح هذا فإنك لم تُثَنّ زيدًا حتى سلبته تعريفه وأشعته في أمته فجعلته من جماعة كل واحد منهم زيد، فجرى لذلك (٣) مجرى فرس ورجل في أن كل واحد منهما شائع لا يخص واحدًا بعينه، وصار كأنه بعد نزع التعريف عنه يجوز أن يقال: الزيد والعمر كما قال ابن ميادة (٤):\nوجدنا الَولِيدَ بْنَ اليَزِيدِ مُبَارَكًا ... شَدِيدًا بأعْبَاءِ الخِلاَفَةِ كَاهِلُهْ (٥)\n_________\n= وانظر: \"معاني القراءات\" ١/ ٣٥٩، و\"إعراب القراءات\" ١/ ١٥٨، و\"الحجة\" لابن خالويه ص ١٤٠، ولابن زنجلة ص ٢٥١، و\"الكشف\" ١/ ٤٣٢.\n(١) ما بين المعقوفين ساقط من (أ).\n(٢) ما بين المعقوفين ساقط من (ش).\n(٣) في (ش): (ذلك).\n(٤) ابن ميادة هو: الرَّمَّاح بن أَبْرَد بن ثَوْبَان بن سُرَاقَة المُرِّيُّ الغطفاني، أبو شُرَحْبِيل، مشهور بنسبته إلى أمه مَيَّادة، وهو شاعر مجيد هجَّاء. عاصر الدولة الأموية والعباسية، ومدح الخلفاء، توفي سنة ١٤٩هـ أو قبلها.\nانظر: \"الشعر والشعراء\" ص٥٢٠، و\"طبقات الشعراء\" لابن المعتز ص ١٠٥، و\"معجم الأدباء\" ١١/ ١٤٣، و\"تهذيب ابن عساكر\" ٥/ ٣٣١، و\"الأعلام\" ٣/ ٣١.\n(٥) \"ديوانه\" ص ١٩٢، و\"معاني الفراء\" ٢/ ٤٠٨، وليس في \"كلام العرب\" لابن خالويه ص ٧١، و\"سر صناعة الإعراب\" ٢/ ٤٥١، و\"أمالي ابن الشجري\" ٢/ ٥٨٠، و\"الإنصاف\" ١/ ٣١٧، و\"اللسان\" ٣/ ١٨٩٨ (زيد)، وهو يمدح الوليد ابن يزيد بن عبد الملك، والأعباء جمع عبء بالكسر وسكون العين، وهو الثقل وأراد أمور الخلافة الشاقة، والكاهل ما بين الكتفين. والشاهد: (الوليد - واليزيد) حيث أدخل (أل) فيهما للمح الأصل وتقدير التنكير، وهي في الحقيقة زائدة. انظر: \"شرح شواهد المغني\" للسيوطي ١/ ١٦٤.","vol":"8","page":165},{"text":"وكما أنشد ابن السكيت (١):\nيا ليتَ أُمَّ العمرو (٢) كانت صاحبي\nويدلك (٣) على أنه لا يثنى إلا بعد خلع التعريف عنه دخول اللام عليه بعد التثنية في قولك: الزيدان والعمران (٤)، ولو كان التعريف الذي كانا يدلان عليه مفردين باقيًا فيهما لما جاز دخول اللام عليهما بعد التثنية، كما لا يجوز ذلك قبل التثنية في وجه الاستعمال وغالب الأمر، وكما نزعوه التعريف بالتثنية نزعوه أيضًا بالإضافة قال الشاعر (٥):\n_________\n(١) \"إصلاح المنطق\" ص ٢٦٢، الشاهد لحميد بن ثور الهلالي، شاعر مخضرم، في \"اللسان\" ٥/ ٢٥٦٩ (ضرب) وبلا نسبة في \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢١٠٦، و\"الحلبيات\" ص ٢٨٨، و\"سر صناعة الإعراب\" ١/ ٣٦٦، و\"المنصف\" ٣/ ٢٣٤، وهو رجز آخره:\nمكان من أنشأ على الرَّكائب\nتمنى أن تكون مصاحبة له في سفره معينة في رفع الأحمال على الجمال، وأنشأ أي: ابتدأ السير، والركوب والركائب من الركْب أصحاب الإبل. انظر شرحه في: \"تهذيب إصلاح المنطق\" ٢/ ٧٢.\n(٢) في (ش): (أم عمر)، بالعين المهملة وكذلك في \"المخصص\" ١/ ١٦٨، ١٣/ ٢١٦، و\"اللسان\" ٣/ ١٥٦٣ (ربع) وفي \"إصلاح المنطق والمخصص\" ١١/ ٢٢٠: (أم الغَمْر) بالغين، قال ابن سيدة: (هكذا رواه ابن السكيت، وعليه لا شاهد فيه على زيادة أل) ا. هـ وفي \"أمالي القالي\" ١/ ١٤٦: (أم الفَيْض) وأكثر المراجع السابقة (أم العمرو) بالعين المهملة، والشاهد دخول أل على عمرو، وهو علم.\n(٣) في (ش): (ويدل).\n(٤) في (أ): (العمروان).\n(٥) الشاهد لزيد الطائي من ولد عروة بن زيد الخيل في \"الكامل\" للمبرد ٣/ ١٥٧، وبلا نسبة في \"البصريات\" ٢/ ٤١٤، و\"الحلبيات\" ص ٢٩٨، و\"سر صناعة الإعراب\" ٢/ ٤٥٢، و\"اللسان\" ٣/ ١٨٩٨ (زيد)، و\"مغني اللبيب\" ١/ ٥٢، والنقا: الرمل الكثيب، ويوم النقا: الوقعة التي كانت عند النقا، والأبيض: السيف، ويمان: =","vol":"8","page":166},{"text":"لَاَ زيدُنَا يَوْمَ النَّقَا رأسَ زَيْدِكُمْ ... بِأَبْيَضَ مِنْ ماءِ الحدِيدِ يَمَانِ\nفإضافة الاسم يدل على أنه قد كان خلع عنه ما كان فيه من تعريفه وكساه التعريف بإضافته إياه إلى الضمير (١) فهذا معنى قول أبي علي: (يقدّر فيه التنكير والشيوع كما يقدّر فيه ذلك إذا ثنّى) وكل هذا يقوي قراءة ابن عامر.\nوقوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء عنه: (يطلبون ثواب الله ويعملون ابتغاء مرضاة الله، لا يعدلون بالله شيئًا) (٢).\nوقال أهل المعاني: (في هذا قولين: أحدهما: أن معناه: يريدون طاعته (٣)، كأنه بمعنى الوجه الذي وجههم فيه وهو طاعتهم له). ونحو من هذا قال الزجاج فقال: (أعلم الله أنهم يريدون ما عنده، وشهد لهم بصدق النيات، وأنهم مخلصون في ذلك له، فقال: ﴿يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾، أي: (يريدون وجه الله ﷿ ويقصدون الطريق الذي أمرهم بقصده) (٤)، وكان الزجاج ذهب في معنى الوجه إلى الجهة والطريق -وذكرنا هذا مشروحًا في قوله تعالى: ﴿فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥]- وعلى هذا ﴿وَجْهَهُ﴾: جهته\n_________\n= منسوب إلى اليمن. والشاهد: زيدنا، زيدكم، حيث أجرى زيدًا مجرى النكرات فأضافه. انظر: \"شرح شواهد المغني للسيوطي\" ١/ ١٦٥.\n(١) ما تقدم قول ابن جني في \"سر صناعة الإعراب\" ٢/ ٤٥٠ - ٤٥٢، بتصرف واختصار.\n(٢) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٤٥، والبغوي ٣/ ١٤٧، وأبو حيان في \"البحر\" ٤/ ١٣٦، وفي \"تنوير المقباس\" ٢/ ٢٣، قال: (يريدون بذلك وجه الله ورضاه) ا. هـ.\n(٣) هنا وقع اضطراب في نسخة (ش) فوقع تفسير هذه الآية في ١٠٠ ب.\n(٤) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٢/ ٢٥١.","vol":"8","page":167},{"text":"التي أمر بقصدها. [و] (١) القول الثاني: ﴿يُرِيدُونَ وَجْهَهُ الله﴾ أي: يريدونه إلا أنه يؤتى بلفظ الوجه للتعظيم بتفخيم الذكر، كما يقال: هذا وجه الرأي، وأشار أبو إسحاق إلى هذا المعنى فقال في سورة الكهف: (أي: لا يقصدون بعبادتهم إلا إياه) (٢).\nوقوله تعالى: ﴿مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء: (ما عليك من حساب المشركين من شيء ولا على المشركين من حسابك من شيء إنما الله الذي يثيب أولياءه ويعذب أعداءه، وأنت وأصحابك قد غفر الله لهم وصاروا إلى رحمته) (٣)، انتهى كلامه. وعلى هذا الكناية في ﴿حِسَابِهِمْ﴾ و﴿عَلَيْهِمْ﴾ تعود إلى المشركين (٤) الذين قالوا\n_________\n(١) لفظ: (الواو): ساقط من (أ).\n(٢) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٨١، وأكثرهم ذكر هذه الوجوه، قال الطبري ٧/ ٢٠٥: (أي: يلتمسون بذلك القربة إلى الله والدنو من رضاه) ا. هـ. وانظر: \"تأويل مشكل القرآن\" ص ٢٥٤، والماوردي ٢/ ١١٨، والبغوي ٣/ ١٤٧، وابن عطية ٥/ ٢١٠، وابن الجوزي ٣/ ٤٧، والرازي ١٢/ ٢٣٦، والقرطبي ٦/ ٤٣٢، وهذا مجاز وتأويل والأولى الحمل على الحقيقة، قال السمرقندي ١/ ٤٨٧: (يعني: يريدون بصلواتهم وجه الله تعالى) ا. هـ. وقال ابن كثير ٢/ ١٥١: (أي: يريدون بذلك العمل وجه الله الكريم) ا. هـ. وقال ابن القيم في \"مختصر الصواعق\" ٣/ ٩٩٢ - ١٠٢٣: (وجه الرب ﷻ حيث ورد في الكتاب والسنة فليس بمجاز بل على الحقيقة، وصرفه عن هذا خروج عن الأصل والظاهر بلا موجب، وحمله على الثواب المنفصل من أبطل الباطل، فإن اللغة لا تحتمل ذلك، ولا يعرف أن الجزاء يسمى وجهًا للمُجازى) ا. هـ ملخصًا، وانظر: المفسرون بين التأويل والإثبات في \"آيات الصفات\" للمغراوي ص ٥٩ - ٧٤.\n(٣) لم أقف عليه.\n(٤) انظر: \"تفسير السمرقندي\" ١/ ٤٨٧، و\"الكشاف\" ٢/ ٢٢، ابن عطية ٥/ ٢١٠، ورجح عودة الضمير في: ﴿حِسَابِهِمْ﴾ و﴿عَلَيْهِمْ﴾ على المشركين والضمير في =","vol":"8","page":168},{"text":"للنبي - ﷺ - أن يطرد عنه الفقراء، ومعناه: الإبعاد بينه وبينهم، ونهي النبي - ﷺ - عن استمالتهم بتقريبهم. يقول: ليس عليك من حسابهم من شيء إن كفروا وكذبوا فتطرد الفقراء لتدني مجلسهم منك ﴿وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ أي: ليس ثوابك عليهم حتى تلين لهم وهو معنى قول ابن عباس: (إنما الله الذي يثيب أولياءه ويعذب أعداءه) فهذا وجه، والمفسرون (١) يردون الكناية إلى ﴿الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ وهم الفقراء وذلك أشبه بالظاهر؛ لأن الكناية في قوله: ﴿فَتَطْرُدَهُمْ﴾ عائدة على الفقراء لا محالة، فكذلك ما قبله من الكناية أشبه أن تعود عليهم، وعلى هذا ذكروا في قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [قولين] (٢):\nأحدهما: ما عليك من عملهم ومن حساب عملهم من شيء، وهذا يروى عن الحسن (٣) وابن عباس (٤).\nقال أهل المعاني: (هذه القصة شبيهة بقصة (٥) نوح ﵇ إذ قال له قومه: ﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ﴾ [الشعراء: ١١١] فأجابهم نوح: ﴿قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١١٢) إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ﴾ [الشعراء: ١١٢ - ١١٣]، وعنوا بقولهم: ﴿الْأَرْذَلُونَ﴾ الحاكة والمحترفين\n_________\n= ﴿فَتَطْرُدَهُمْ﴾ على الضعفاء من المؤمنين، ويؤيده أن ما بعد الفاء سبب لما قبلها.\n(١) ورجح هذا القول الرازي ١٢/ ٢٣٦، وأبو حيان في \"البحر\" ٤/ ١٣٧، والسمين في \"الدر\" ٤/ ٦٤٤ - ٦٤٥.\n(٢) لفظ: (قولين) ساقط من (ش).\n(٣) ذكره ابن الجوزي ٣/ ٤٧، وذكره ابن عطية ٥/ ٢١١، وأبو حيان في \"البحر\" ٤/ ١٣٦ عن الحسن والجمهور.\n(٤) لم أقف عليه.\n(٥) ذكره الزجاج في \"معانيه\" ٢/ ٢٥١ - ٢٥٢، وانظر: \"تفسير الرازي\" ١٢/ ٢٣٧.","vol":"8","page":169},{"text":"بالحرف الوضيعة، فقال نوح: ﴿وَمَا عِلْمِى﴾ بعملهم، أي: وجه مكاسبهم، [ما حساب] (١) عملهم إلا على الله، فوض دناءة مكاسبهم إلى الله تعالى أي: أنه أعلم بعملهم وما لي ولذلك، وكذلك في هذه الآية كان هؤلاء الفقراء يعملون بالنهار لقوتهم ويرجعون إلى مسجد رسول الله - ﷺ - فازدراهم المشركون لفقرهم وحاجتهم إلى الأعمال الخسيسة لقوتهم، وهمّ النبي - ﷺ - برفع المشركين عليهم في المجلس فقيل له: ﴿وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [أي: لا يلزمك عار بعملهم ﴿فَتَطْرُدَهُمْ﴾.\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾] (٢) ذكر تأكيدًا للمطابقة وازدواج الكلام، وإن كان مستغنى عنه بالأول)، وإلى هذا المعنى أشار الزجاج (٣).\nالقول الثاني: ما عليك من حساب رزقهم من شيء فتملهم وتطردهم، ﴿وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾، أي: ليس رزقك عليهم ولا رزقهم عليك وإنما يرزقك وإياهم الله الرازق، فدعهم يدنون منك ولا تطردهم (٤).\nوقوله تعالى: ﴿فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ جواب لقوله: ﴿وَلَا تَطْرُدِ﴾ في أول الآية (٥)، ومعناه: فتكون من الضارين لنفسك بالمعصية؛ قاله ابن عباس (٦).\n_________\n(١) لفظ: (ما حساب) ساقط من (أ).\n(٢) ما بين المعقوفين ساقط من أصل (أ)، وملحق بالهامش.\n(٣) لم أقف عليه في \"معانيه\"، وفي \"الكشاف\" ٢/ ٢٢ نحوه.\n(٤) هذا اختيار الطبري في \"تفسيره\" ٧/ ٢٠٦.\n(٥) هذا قول الطبري في \"تفسيره\" ٧/ ٢٠٦، والزجاج في \"معانيه\" ٢/ ٢٥٢، والنحاس في \"معانيه\" ٢/ ٤٣٠، ومكي في \"المشكل\" ١/ ٢٥٣، وانظر: \"الدر المصون\" ٤/ ٦٤٦.\n(٦) \"تنوير المقباس\" ٢/ ٢٣.","vol":"8","page":170},{"text":"وهذا الظُّلمُ معناه: النقصان، أي: ينقص ثوابك بطردهم لو طردتهم، والظلم بمعنى: النقص معروف في اللغة (١) يقال: ظلم حقه، وهو كثير في القرآن -وقد ذكرنا ذلك-. وقال ابن زيد (٢): (﴿فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (لهم بطردهم)، وهذا قول حسن) أي: إنهم لم يستحقوا منك الطرد فإذا طردتهم فقد ظلمتهم (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1019>٥٣ </span>- قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾ الآية، قال المفسرون (٤): (أي: وكما ابتلينا قبلك الغني بالفقير كما ذكرنا في قصة نوح وكما قال في قوم صالح: ﴿قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾ لِلَّذِينَ (٥) اسْتُضعِفُوا ﴿إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾ [الأعراف: ٧٦]، ابتلينا أيضًا هؤلاء بعضهم ببعضٍ، كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً﴾) [الفرقان: ٢٠]، وهذا معنى قول ابن عباس (٦) في رواية عطاء.\n_________\n(١) الظلم في اللغة: وضع الشيء في غير موضعه المختص به إما بنقصان أو بزيادة وإما بعدول عن وقه أو مكانه. والظلم: الميل عن القصد ومجاوزة الحق.\nانظر: \"العين\" ٨/ ١٦٢، و\"الجمهرة\" ٢/ ٩٣٤، و\"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٢٤٨، و\"الصحاح\" ٥/ ١٩٧٧، و\"مقاييس اللغة\" ٣/ ٤٦٨، و\"المجمل\" ٢/ ٦٠١، و\"المفردات\" ص ٥٣٧، و\"اللسان\" ٥/ ٢٧٥٦ (ظلم).\n(٢) أخرجه ابن أبي حاتم ٤/ ١٢٩٩ بسند جيد.\n(٣) انظر: \"تفسير الرازي\" ١٢/ ٢٣٧.\n(٤) انظر: \"تفسير الطبري\" ٧/ ٢٠٦، والسمرقندي ١/ ٤٨٧، والماوردي ٢/ ١١٨، وأخرجه الطبري بسند جيد عن قتادة.\n(٥) هكذا جاء سياق الآية ولعله وهم، فليس فيها: للذين استضعفوا.\n(٦) أخرج الطبري ٧/ ٢٠٦، وابن أبي حاتم ٤/ ١٢٩٩ بسند جيد عنه قال: (جعل بعضهم أغنياء وبعضم فقراء، فقال الآغنياء للفقراء: ﴿أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا﴾ أي: هداهم الله، وإنما قالوا ذلك استهزاء وسخرية) ا. هـ. وانظر: \"الدر المنثور\" ٣/ ٢٦، ومعاني الفتنة في \"تأويل مشكل القرآن\" ص ٤٧٢ - ٤٧٤.","vol":"8","page":171},{"text":"وقال الكلبي: (ابتلينا الشريف بالوضيع، وابتلى هؤلاء الرؤساء من قريش بالموالي، فإذا نظر الشريف إلى الوضيع قد آمن قبله حمي (١) آنفًا أن يسلم، ويقول: سبقني هذا بالإسلام فلا يسلم) (٢). قال أهل المعاني: (وإنما قال: ﴿فَتَنّا﴾ وهو تعالى لا يحتاج إلى الاختبار؛ لأنه عاملهم معامله المختبر) (٣).\nوقوله تعالى ﴿لِيَقُولُوا﴾ هذه اللام تسمى لام العاقبة (٤)، كأن المعنى: فعلنا هذا ليؤول أمرهم إلى هذا القول (٥).\n_________\n(١) حمى بفتح الحاء وكسر الميم من الشيء حَمِيَّة، ورجل حمي الأنف، أي: أنف أن يضام، وفلان ذو حمية أي: غضب وأنَفَة: انظر: \"اللسان\" ٢/ ١٠١٤ (حمى)، وأَنِف بفتح الهمزة والنون: استنكف وكره، ويقال: هو أنف بسكون النون للعضو أي: اشتد غضبه وغيظه من طريق الكناية، والمراد هنا أخذته الحِميَة من الغيرة والغضب. انظر: \"اللسان\" ١/ ١٥٢ (أنف).\n(٢) ذكره الثعلبي في \"الكشف\" ص ١٧٨/ أ، والواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٤٧، وابن الجوزي ٣/ ٤٧، وفي \"تنوير المقباس\" ٢/ ٢٣ (نحوه).\n(٣) انظر: \"المفردات\" ص ٦٢٣ (فتن)، و\"بدائع التفسير لابن القيم\" ٢/ ١٥٠.\n(٤) أي: لبيان عاقبة الشيء ومآله، ويسميها الكوفيون لام الصيرورة، وبعضهم يسميها لام العلة؛ لأنها مستعارة لما يشبه التعليل، قال ابن هشام في \"المغني\" ١/ ٢١٤: (ومن معاني اللام الصيرورة وتسمى لام العاقبة ولام المآل. وأنكر البصريون ومن تابعهم لام العاقبة) ا. هـ. وانظر: \"اللامات للزجاج\" ص ١١٩، و\"معاني الحروف للرماني\" ص ٥٦، و\"الصاحبي\" ص ١٥٢، و\"اللامات للهروي\" ص ١٨٢، و\"رصف المباني\" ص ٣٠١.\n(٥) قال السمين في \"الدر\" ٤/ ٦٤٧: (الأظهر -وعليه، أكثر المعربين والمفسرين- أنها لام كي، والتقدير: ومثل ذلك الفتون فتنا ليقولوا هذه المقالة ابتلاءً وامتحانًا. وقيل: إنها لام الصيرورة، أي: العاقبة، ويكون ما بعدها صادرا على سبيل الاستخفاف) ا. هـ ملخصًا، وانظر: \"إعراب النحاس\" ١/ ٥٤٩، و\"المشكل\" ١/ ٢٥٣، و\"التبيان\" ١/ ٣٣٥، و\"الفريد\" ٢/ ١٥٤، ورجح كونها لام العاقبة ابن عطية ٥/ ٢١١.","vol":"8","page":172},{"text":"وقوله تعالى: ﴿أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ يعني: الضعفاء والفقراء والاستفهام معناه: الإنكار (١) كأنهم أنكروا أن يكونوا سبقوهم بفضيلة أو خصّوا بمنة، فقال الله تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ أي: بالذين يشكرون نعمته إذا منّ عليهم بالهداية أي: إنما يهدي إلى دينه من يعلم أنه يشكر نعمته، هذا معنى قول المفسرين (٢)، والاستفهام في قوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ﴾ تقرير: أي أنه كذلك (٣)، كقول جرير:\nأَلَسْتُمْ خَيْرَ مَنْ رَكِبَ المطَايَا (٤)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1020>٥٤ </span>- قوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا﴾ الآية قال ابن عباس: (نزلت في أصحاب النبي - ﷺ - أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وغيرهم (٥).\n_________\n(١) انظر: \"الفريد\" ٢/ ١٥٤.\n(٢) انظر: الطبري ٧/ ٢٠٧، والسمرقندي ١/ ٤٨٧، وابن عطية ٥/ ٢١٢، و\"بدائع التفسير\" ٢/ ١٥١.\n(٣) انظر: \"الفريد\" ٢/ ١٥٥.\n(٤) \"ديوانه\" ص ٧٧، و\"مجاز القرآن\" ١/ ٣٦، و\"طبقات فحول الشعراء\" ٢/ ٣٧٩ - ٤١٠، ٤١٨، ٤٩٤، و\"الشعر والشعراء\" ص ٣٠٧، و\"الخصائص\" ٣/ ٢٦٩، و\"اللسان\" ٨/ ٤٥٢٤ (نقص)، و\"المغني لابن هشام\" ١/ ١٧، وبلا نسبة في \"المقتضب\" ٣/ ٢٩٢، الخصائص ٢/ ٤٦٣، و\"رصف المباني\" ص ١٣٦، وتكملته:\nوَأَنْدَى العَالَمِينَ بطُونَ رَاحِ\nوالمطايا: جمع مطية، وهي الدابة، وأندى: أسخى، وراح: جمع راحة، وهي الكف. والشاهد: (ألستم) حيث جاءت همزة الاستفهام للإيجاب والتقرير وتحقق الكلام، أي: أنتم خير من ركب المطايا، انظر: \"شرح شواهد المغني\" للسيوطي ١/ ٤٣.\n(٥) ذكره القرطبي ٦/ ٤٣٥، عن ابن عباس، وذكره الثعلبي ١٧٨ أ، والبغوي ٣/ ١٤٨، وابن الجوزى ٣/ ٤٨، والخازن ٢/ ١٣٨ عن عطاء.","vol":"8","page":173},{"text":"وقال عكرمة (١) والحسن (٢): (نزلت في الذين سأل المشركون طردهم). قال عكرمة: (وكان النبي - ﷺ - إذا رآهم بدأهم بالسلام، ويقول: \"الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرني أن أبدأهم بالسلام\" (٣)، وقوله: ﴿وَإِذَا جَاءَكَ﴾ ﴿إِذَا﴾ ظرف للقول أي: قل سلام عليكم إذا جاؤوك، و﴿جَاءَكَ﴾ في موضع جر؛ لأن ﴿إِذَا﴾ مضاف إليه بمنزلة (٤) حين ﴿جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا﴾ أي: يصدقون [بحججنا] (٥) وبراهيننا.\n_________\n(١) ذكره الثعلبي ١٧٨ أ، والواحدي في \"أسباب النزول\" ص ٢٢١، والبغوي ٣/ ١٤٨.\n(٢) لفظ: (الحسن) ساقط من (ش)، وذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٤٨، وابن الجوزي ٣/ ٤٨، عن الحسن وعكرمة، وذكره هود الهواري ١/ ٥٢٥، عن الحسن، وقال أبو حيان في \"البحر\" ٤/ ١٣٩: (هذا هو قول الجمهور، والظاهر أنه يراد به المؤمنون من غير تخصيص) ا. هـ\n(٣) الحديث بهذا اللفظ لم أقف على سنده، وفي \"الدر المنثور\" ٣/ ٢٥، قال: (أخرج ابن المنذر عن ابن جريج قال: أخبرت أن قوله ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ قال: كانوا إذا دخلوا على النبي - ﷺ - بدأهم فقال: \"سلام عليكم\" وإذا لقيهم فكذلك أيضًا) ا. هـ وذكر الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" ٧/ ٢١: في الآية (أن النبي - ﷺ - قال: \"الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرني أن أصبر نفسي معهم\" قال: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح) ا. هـ.\n(٤) قال السمين في \"الدر\" ٤/ ٦٤٨: (﴿إِذًا﴾ منصوب بجوابه، أي: ﴿فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ وقت مجيئهم أي: أوقع هذا القول كله في وقت مجيئهم إليك، وهذا معنى واضح) ا. هـ وقال العكبري في \"التبيان\" ٣٣٥، والهمداني في \"الفريد\" ٢/ ١٥٥: (العامل في ﴿إِذًا﴾ معنى الجواب، أي: إذا جاؤوك سلم عليهم)، وذكر هذا القول السمين في \"الدر\" وقال: (لا حاجة تدعو إلى ذلك مع فوات قوة المعنى؛ لأن كونه يبلغهم السلام والإخبار بأنه كتب على نفسه الرحمة وأنه من عمل سوءًا بجهالة غفر له لا يقوم مقامه السلام فقط وتقديره: يفضي إلى ذلك) ا. هـ.\n(٥) في (أ): (بجحتنا).","vol":"8","page":174},{"text":"قال الزجاج (١): ﴿فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ (السلام (٢) هاهنا يحتمل تأويلين أحدهما: أن يكون مصدر سلمت تسليمًا وسلامًا مثل: السراح من التسريح والأداء من التأدية، ومضى سلمت عليه سلامًا [أي] (٣): دعوت له بأن يسلم من الآفات في دينه ونفسه، فالسلام بمعنى التسليم. الثاني: أن يكون السلام جمع السلامة، فمعنى قولك: السلام عليكم [السلامة عليكم (٤)]، ويؤكد هذا الوجه قول الشاعر (٥):\nتُحَيَّ بالسَّلاَمَةِ أُمُّ بَكْرٍ ... وَهَلْ لَكِ بَعْدَ قَومِكِ مِنْ سَلاَمِ)\nوالوجهان ذكرهما الزجاج وابن الأنباري، قال أبو بكر: (قال قوم: السلام الله (٦) تعالى، ومعنى السلام عليكم: الله عليكم، أي: على حفظتكم) (٧)، وهذا الوجه يبعد في هذه الآية لتنكير السلام في قوله:\n_________\n(١) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٥٢.\n(٢) انظر: \"العين\" ٧/ ٢٦٥، و\"الجمهرة\" ٢/ ٨٥٨، و\"الصحاح\" ٥/ ١٩٥١، و\"المجمل\" ٢/ ٤٦٩، و\"مقاييس اللغة\" ٣/ ٩٠، و\"المفردات\" ص ٤٢١ (سلم).\n(٣) لفظ: (أي) ساقط من (أ).\n(٤) لفظ: (السلامة عليكم) ساقط من (ش).\n(٥) الشاهد لأبي بكر بن الأسود بن شعوب الليثي، وهو شداد بن الأسود في \"سيرة ابن هشام\" ٢/ ٤٠٠، و\"الروض الأنف\" ٣/ ١١٧، ولعمرو بن سُمي بن كعب الليثي، وقد ينسب إلى أمه شعوب الخزاعية في كتاب \"من نسب إلى أمه لابن حبيب\" ٤٩، وبلا نسبة في \"تفسير غريب القرآن\" ص١٧٠، و\"اشتقاق أسماء الله\" للزجاجي ص ٢١٥، و\"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٧٤٢، و\"أمالي ابن الشجري\" ٢/ ٢٤ - ٢٨، و\"اللسان\" ٤/ ٢٠٧٧ (سلم).\n(٦) السلام اسم من أسماء الله تعالى مأخوذ من السلامة، فهو سبحانه السالم من كل ما ينافي كماله ومن مماثلة أحد من خلقه. انظر: \"الأسماء والصفات\" للبيهقي ص ٥٣، و\"المقصد الأسنى\" للغزالي ص ٦٧، و\"شرح أسماء الله\" للرازي ص ١٨٧\n(٧) \"الزاهر\" ١/ ٤٦.","vol":"8","page":175},{"text":"﴿فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ (١)، ولو كان معرفًا لصح هذا الوجه (٢).\nوقال أبو الهيثم: (السلام والتحية بمعنى واحد معناهما: السلامة من جميع الآفات) (٣)، فأما اللغات في السلام فقد ذكرنا ذلك في سورة هود في قوله: ﴿قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ﴾ [هود: ٦٩].\nوقوله تعالى: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾. قال ابن عباس: (يريد: قضى [لكم] (٤) ﴿رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾) (٥).\nقال أبو إسحاق: (معنى ﴿كَتَبَ﴾: أوجب ذلك إيجابًا مؤكدًا، وإنما خوطب الخلق بما يعقلون وهم يعقلون أن توكيد الشيء المؤخّر إنما يحفظ بالكتاب قال: وجائز أن يكون كتب ذلك في اللوح المحفوظ) (٦) وقد سبق بيان هذا المعنى في أول السورة.\n_________\n(١) في (ش): ﴿قل سلام ....﴾، وهو تحريف.\n(٢) انظر: \"تفسير الرازي\" ١٣/ ٣.\n(٣) \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٧٤٢، و\"اللسان\" ٤/ ٢٠٧٧ (سلم)، وقال أبو علي في \"الحجة\" ٢/ ٢٩٨، ٤/ ٣٥٩ - ٣٦٣: (السلام مصدر سَلَّمْتُ، والسلام جمع سلامة، والسلام اسم من أسماء الله تعالى، والسلام شجر، والسلام البراءة، وأكثر استعماله بغير (أل) وذاك أنه في معنى الدعاء حمل غير المعهود، وجاء بأل محمول على المعهود) ا. هـ.\n(٤) لفظ: (لكم) ساقط من (ش).\n(٥) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٤٨، وفي \"تنوير المقباس\" ٢/ ٢٤، قال في الآية: (أوجب ﴿رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ لمن تاب) ا. هـ\n(٦) \"معاني القرآن\" ٢/ ٢٥٤، وقال ابن كثير ﵀ في \"تفسيره\" ٢/ ١٥٢: (أي. أوجبهما على نفسه الكريمة تفضلًا منه وإحسانًا وامتنانًا) ا. هـ\nانظر: \"تفسير ابن عطية\" ٥/ ٢١٤، و\"الفتاوى\" ١٨/ ١٤٨ - ١٥١، و\"بدائع التفسير\" ٢/ ١٤٢.","vol":"8","page":176},{"text":"وقوله تعالى: ﴿أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ﴾ قال ابن عباس: (يريد: إن ذنوبكم جهل، ليس بكفر ولا جحود) (١).\nوقال الحسن (٢) ومجاهد (٣) والضحاك (٤): (كل من عمل بخطيئة فهو جاهل).\nقال أبو إسحاق: (معنى الجهالة هاهنا يحتمل أمرين أحدهما: أنه عمله وهو جاهل بمقدار المكروه فيه، أي: لم يعرف أن فيه مكروهًا، والآخر: أنه علم أن عاقبته مكروهة، ولكنه آثر العاجل فجُعل جاهلًا بأنه آثر القليل على الراحة الكثيرة والعافية الدائمة) (٥)؛ هذا كلامه، والوجه الثاني (٦) أقواهما، ومثل هذه الآية قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ﴾ الآية [النساء: ١٧]، وقد ذكرنا ما فيه هناك.\nوقوله تعالى: ﴿ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ أي: رجع عن ذنبه ولم يصرّ على ما فعل ﴿وَأَصْلَحَ﴾ عمله ﴿فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.\n_________\n(١) أخرج الطبري في \"تفسيره\" ٤/ ٢٩٩، بسند ضعيف عن ابن عباس قال: (من عمل السوء فهو جاهل ومن جهالته عمل السوء)، وذكر القرطبي في \"تفسيره\" ٥/ ٩٢، نحوه عن ابن عباس وقتادة والضحاك ومجاهد والسدي.\n(٢) قال الماوردي في \"تفسيره\" ٢/ ١٢٠: (قال الحسن ومجاهد والضحاك: الجهالة الخطيئة) ا. هـ. وقال ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٢/ ٣٧: (قال الحسن وعطاء وقتادة والسدي في آخرين: إنما سموا جهالًا لمعاصيهم، لا أنهم غير مميزين) ا. هـ. وذكر قول الحسن الرازي في \"تفسيره\" ١٣/ ٥.\n(٣) \"تفسير مجاهد\" ١/ ١٤٩، وأخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٤/ ٢٩٩، ٧/ ٢٠٩، وابن أبي حاتم ٤/ ١٣٠١، بسند جيد، وذكره السيوطي في \"الدر\" ٣/ ٢٦ - ٢٧.\n(٤) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٧/ ٢٠٩، وابن أبي حاتم ٤/ ١٣٠١ بسند ضعيف.\n(٥) انظر: \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٥٤.\n(٦) انظر: \"تفسير ابن عطية\" ٥/ ٢١٦، والرازي ١٣/ ٥.","vol":"8","page":177},{"text":"واختلف القرّاء (١) في قوله: ﴿أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ﴾ فـ ﴿فَأَنَّهُ﴾ فقرأ بعضهم بالفتح فيهما أما فتح الأولى فعلى التفسير للرحمة، كأنه قيل: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ﴾.\nوأما فتح الثانية فعلى أن تجعله بدلًا من الأولى كقوله تعالى: ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٥]، وقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ﴾ [الحج: ٤]، وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ﴾ [التوبة: ٦٣]، وهذا معنى قول الفراء (٢) والزجاج (٣). قال أبو علي: (من فتح الأولى جعلها بدلًا من ﴿الرَّحْمَةَ﴾، وأما التي بعد الفاء فعلى أنه أضمر له خبرًا تقديره: فله أنه ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أي: فله غفرانه، أو أضمر مبتدأ يكون أن خبره كأنه فأمره أنه ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، وعلى هذا التقدير يكون الفتح في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ﴾ (٤) [التوبة: ٦٣] تقديره: فله أن ﴿لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ﴾ وإن شئت قدرت، فأمره أن ﴿لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ﴾ فيكون خبر هذا المبتدأ المضمر.\n_________\n(١) (قرأ نافع (أَنَّهُ) بفتح الهمزة: (فَإِنَّهُ) بكسر الهمزة، وفتحهما جميعًا عاصم وابن عامر، وكسرهما الباقون).\nانظر: \"السبعة\" ص ٢٥٨، و\"المبسوط\" ص ١٦٨، و\"التذكرة\" ٢/ ٣٩٨، و\"التيسير\" ص ١٠٢، و\"النشر\" ٢/ ٢٥٨.\n(٢) انظر: \"معاني القرآن للفراء\" ١/ ٣٣٦ - ٣٣٧.\n(٣) انظر: \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٥٣ - ٢٥٤، و\"الأخفش\" ٢/ ٢٧٥ - ٢٧٦، و\"النحاس\" ٢/ ٤٣١ - ٤٣٢، و\"إعراب القرآن للنحاس\" ١/ ٥٣٨.\n(٤) في (أ): (تعلموا) بالتاء.","vol":"8","page":178},{"text":"قال: ومن ذهب في هذه الآية إلى أن التي بعد الفاء تكرير للأولى لم يستقم قوله، وذلك أن ﴿مَنْ﴾ لا تخلو من أن [تكون] (١) للجزاء الجازم الذي اللفظ عليه أو [تكون] (٢) موصولة فلا يجوز أن يقدر التكرير مع الموصولة؛ لأنها لو كانت موصولة لبقي المبتدأ بلا خبر ولا يجوز ذلك أيضًا في الجزاء الجازم؛ لأن الشرط يبقى بلا جزاء فإذا لم يجز ذلك ثبت أنه علي ما ذكرنا من تقدير: فله أو فأمره وتكون الفاء جواب الشرط، وأيضًا فإن ثبات الفاء في قوله ﴿فَأَنَّ لَهُ﴾ يمنع من أن يكون بدلًا، ألا ترى أنه لا يكون بين البدل والمُبدل منه الفاء العاطفة ولا التي للجزاء، فإن جاءت: إنها زائدة بقي الشرط بلا جزاء فلا يجوز إذن تقدير زيادتها هنا وإن جاءت زائدة في غير هذا الموضع) (٣)، وأما من كسرهما جميعًا فعلى مذهب الحكاية كأنه لما قال: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ قال: ﴿أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، ودخلت الفاء جوابًا للجزاء وكُسِرت إن لأنها على ابتداء وخبر، كأنك قلت: فهو ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، إلا إنْ الكلام بإنْ أوكد؛ هذا قول الزجاج (٤).\n_________\n(١) في (ش): (يكون).\n(٢) في (ش): (يكون).\n(٣) \"الحجة لأبي علي\" ٣/ ٣١١ - ٣١٣.\n(٤) \"معاني القرآن\" ٢/ ٢٥٣ - ٢٥٤، وقال شيخ الإِسلام في \"الفتاوى\" ١٥/ ٢٧٦ - ٢٧٧: (الأحسن في هذا أن يقال: كل واحدة من هاتين الجملتين جملة مركبة مؤكدة، فهما تأكيدان مقصودان لمعنيين مختلفين، ألا ترى تأكيد قوله. ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ بإن غير تأكيد (مَن عَمِلَ سُوء) له بأن، وهذا ظاهر لا خافاء به، وهو كثير في القرآن وكلام العرب) ا. هـ. ملخصًا.","vol":"8","page":179},{"text":"وقال أبو علي: (أما كسر إن في قوله تعالى: ﴿فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فلأن ما بعد الفاء حكمه الابتداء، ومن ثم حمل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٩٥]، على إرادة المبتدأ بعد الفاء وحذفه، وقرأ نافع الأولى بالفتح والثانية بالكسر أبدل الأولى من الرحمة واستأنف ما بعد الفاء) (١). قال الفراء: (والكسر بعد الفاء حسن؛ لأنه يحسن في موضع إن بعد الفاء هو ألا ترى أنه لو قيل: ﴿ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ﴾ فهو ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ لكان صوابًا، فإذا حسن دخول هو حسن الكسر) (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1021>٥٥ </span>- قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ﴾ الآية، يقول: وكما فصلنا لك في هذه السورة دلائلنا وأعلامنا على المشركين كذلك نميّز ونبيّن لك حجتنا وأدلتنا في كل حق ينكره أهل الباطل (٣)، ومعنى التفصيل (٤): التمييز للبيان، ولهذا فسر بالتبيين وهو قول ابن عباس (٥)\n_________\n(١) \"الحجة لأبي علي\" ٣/ ٣١١ - ٣١٣.\n(٢) انظر: \"معاني القرآن\" ١/ ٣٣٧، وانظر: \"معاني القراءات\" ١/ ٣٥٥ - ٣٥٧، و\"إعراب القراءات\" ١/ ١٥٧ - ١٥٨، و\"الحجة\" لابن خالويه ص ١٣٩ - ١٤٠، و\"الحجة\" لابن زنجلة ص ٢٥٢ - ٢٥٣، و\"الكشف\" ١/ ٤٣٣، و\"الدر المصون\" ٤/ ٦٥٠ - ٦٥٤.\n(٣) انظر: \"تفسير البغوي\" ٣/ ١٤٨، الرازي ١٣/ ٦، القرطبي ٦/ ٤٣٦.\n(٤) الفَصْل: إبانة أحد الشيئين من الآخر حتى يكون بينهما فُرجة، ويستعمل في الأقوال والأفعال، فهو أصل يدل على تمييز الشيء من الشيء وإبانته وتمييزه عنه، ويقال: تفصيل الآيات بيانها، وتفصيلها بالفواصل.\nانظر: \"العين\" ٧/ ١٢٦، و\"الجمهرة\" ٢/ ٨٩١، و\"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٧٩٤، و\"الصحاح\" ٥/ ١٧٩٠، و\"المجمل\" ٣/ ٧٢٢، و\"مقاييس اللغة\" ٤/ ٥٠٥، و\"المفردات\" ص ٦٣٨، و\"اللسان\" ٦/ ٣٤٢٢ (فصل).\n(٥) \"تنوير المقباس\" ٢/ ٢٤.","vol":"8","page":180},{"text":"وقتادة وابن زيد (١) قالوا في تفسير ﴿نُفَصِّلُ﴾: (نبيّن).\nوقوله تعالى: ﴿وَلِتَسْتَبِينَ﴾ عطف على المعنى كأنه قيل ليظهر الحق [وليستبين] (٢)، فترك ذكر ما هو بيّن من المعلوم وذكر ما يحتاج إلى بيانه (٣).\nواختلف القراء في قوله: ﴿وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ﴾ فقرأ بعضهم (٤) بالتاء، ورفع السبيل على أنها فاعل الاستبانة، والسبيل (٥) يؤنث ويذكر، فالتأنيث كقوله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي﴾ [يوسف: ١٠٨] والتذكير كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا﴾ [الأعراف: ١٤٦] ويقال: استبان الشيء (٦) واستبنته، ومن قرأ بالياء ورفع السبيل كان الفعل أيضًا مسندًا إلى السبيل إلا أنه ذكّر السبيل وقرأ نافع ﴿وَلِتَسْتَبِينَ﴾ بالتاء (سَبِيلَ) نصبًا، والتاء\n_________\n(١) أخرجه الطبري ٧/ ٢١٠ بسند جيد عن قتادة وابن زيد. وذكره السيوطي في \"الدر\" ٣/ ٢٧٦.\n(٢) في (ش): ﴿وَلِتَسْتَبِينَ﴾ بالتاء.\n(٣) انظر: \"تفسير الرازي\" ١٣/ ٦.\n(٤) قرأ نافع: (وَلِتَسْتَبِينَ) بالتاء، و(سَبِيلَ) بالنصب. وقرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية: (وليستبين) بالياء، و(سبيلُ) بالرفع. وقرأ ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو وعاصم في رواية: ﴿وَلِتَسْتَبِينَ﴾ بالتاء، و(سبيلُ) بالرفع.\nانظر: \"السبعة\" ص ٢٥٨، و\"المبسوط\" ص ١٦٩، و\"التذكرة\" ٢/ ٣٩٩، و\"التيسير\" ص ١٠٣، و\"النشر\" ٢/ ٢٥٨.\n(٥) انظر: \"المذكر والمؤنث للفراء\" ص ٨٧، ولابن الأنباري ١/ ٤٢٣، ولابن التستري الكاتب ص ٨١.\n(٦) هذه القراءات دائرة على تعدي استبان ولزومه وتذكير سبيل وتأنيثه، وكل ذلك لغة فصيحة، وتذكيره لغة تميم ونجد، والتأنيث لغة الحجاز، ويقال: استبان الصبح واستبنت الشيء، والخطاب للنبي - ﷺ - ولأمته، أي: لتستبينوا ﴿سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾.\nانظر: \"معاني الفراء\" ١/ ٣٣٧، والأخفش ٢/ ٢٧٦، والزجاج ٢/ ٢٥٤، والزاهر ٢/ ١٧٩، و\"الدر المصون\" ٤/ ٦٥٥.","vol":"8","page":181},{"text":"في هذه القراءة للخطاب أي: ﴿وَلِتَسْتَبِينَ﴾ أيها المخاطب (١).\nقال أهل المعاني: (وخص ﴿سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ بالذكر، والمعنى: ﴿سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ وسبيل المؤمنين فحذف؛ لأن ذكر أحد القبيلين يدل على الآخر، كقوله تعالى: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: ٨١] ولم يذكر البرد لدلالة الفحوى عليه. وهذا قول الزجاج (٢) وأبي علي (٣).\nودل كلام الزجاج على وجه آخر وهو: (أن يكون سبيل المؤمنين مضمنا به الكلام؛ لأن ﴿سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ إذا بانت فقد بانت معها سبيل المؤمنين كما تقول: زيد ضاربٌ، تضمن هذا الكلام ذكر المضروب) (٤). قال ابن عباس: (﴿وَلِتَسْتَبِينَ﴾ يا محمد ﴿سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ يريد: ما جعلوا لله في الدنيا من الشرك وما بيّنت من سبيلهم يوم القيامة ومصيرهم إلى الخزي) (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1022>٥٦ </span>- قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ يعني: الأصنام، ومعنى ﴿تَدْعُونَ﴾: تعبدون، ويجوز أن يكون المعنى: تدعونهم (٦) في مهمّات أموركم على معنى العبادة، ومعنى ﴿مِنْ﴾ في قوله\n_________\n(١) ما تقدم قول أبي علي في \"الحجة\" ٣/ ٣١٤ - ٣١٦، بتصرف واختصار، وانظر: \"إعراب القراءات\" ١/ ١٥٨، و\"الحجة لابن خالويه\" ص ١٤١، ولابن زنجلة ص ٢٥٣، و\"الكشف\" ١/ ٤٣٣.\n(٢) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٥٥.\n(٣) \"الحجة\" لأبي علي ٣/ ٣١٦.\n(٤) وذكر هذا الوجه أيضًا النحاس في \"معانيه\" ٢/ ٤٣٢ - ٤٣٣، واقتصر عليه الأزهري في \"معاني القراءات\" ١/ ٣٥٨.\n(٥) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٥٠، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٣/ ٥٠.\n(٦) أي: الأصنام، وقد ذكر الوجهين ابن عطية ٥/ ٢١٨، وابن الجوزي ٣/ ٥١، والقرطبي ٦/ ٤٣٧.","vol":"8","page":182},{"text":"﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ إضافة الدعاء إلى ﴿دُونِ﴾ بمعنى: ابتداء الغاية؛ لأن كل عبادة كانت لغير الله فهو من جملة عبادة من يُعبد من دون الله فجعل ﴿مِنْ دُونِ﴾] (١) على جهة ابتداء الغاية (٢).\nوقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ﴾ قال ابن عباس: (يريد: دينكم) (٣).\nقال أبو إسحاق: (إنما عبدتموها [على طريق الهوى لا] (٤) على طريق البينة والبرهان) (٥).\nوقوله تعالى: ﴿قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا﴾ معنى ﴿إِذًا﴾ الشرط، المعنى: قد ضللت إن عبدتها (٦)، وهو معنى قول ابن عباس (﴿قَدْ ضَلَلْتُ﴾ إن أنا فعلت (٧)، ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾: من الذين سلكوا سُبَلَ الهدى) (٨).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1023>٥٧ </span>- قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾ الآية. معنى البينة: الدلالة التي تفصل الحق من الباطل (٩) قال ابن عباس: (يريد: على يقين من ربي (١٠).\n_________\n(١) لفظ: (دون) ساقط من (ش).\n(٢) ذكر هذا الوجه الهمداني في \"الفريد\" ٢/ ١٥٨.\n(٣) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٥٠، وفي \"تنوير المقباس\" ٢/ ٢٥٥ نحوه.\n(٤) ما بين المعقوفين ساقط من (أ).\n(٥) \"معاني القرآن\" ٢/ ٢٥٥.\n(٦) هذا قول الزجاج في \"معانيه\" ٢/ ٢٥٥، وذكره ابن عطية ٥/ ٢١٨، وابن الجوزي ٣/ ٥١.\n(٧) \"تنوير المقباس\" ٢/ ٢٥، وفيه: (﴿قَدْ ضَلَلْتُ﴾ عن الهدى ﴿إِذًا﴾ إن فعلت ذلك).\n(٨) انظر: \"تفسير البغوي\" ٣/ ١٤٩.\n(٩) انظر: \"زاد المسير\" ٣/ ٥١.\n(١٠) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٥٠، وقال في \"تنوير المقباس\" ٢/ ٢٥: (على بيان من ربي وبصيرة من أمري وديني) ا. هـ.","vol":"8","page":183},{"text":"وقال أبو إسحاق: (أنا على أمر بين لا متّبع لهوًى) (١).\nوقال بعض أهل المعاني: (البيّنة هاهنا المعجزة يعني: القرآن) (٢)\nوقوله تعالى: ﴿وَكَذَّبْتُمْ بِهِ﴾ هذه الهاء كناية عن البيان، أيَ: وكذبتم بالبيان؛ لأن البيّنة والبيان بمعنى واحد، ويجوز أن تكون الكناية عن معنى البيّنة، وهو ما أتاهم به من القرآن؛ لأنه هو البيّنة، فيكون المعنى: وكذبتم بما أتيتكم به، هذا قول الزجاج (٣).\nوقال غيره: (معناه: وكذبتم بربي؛ لأنه قد جرى ذكره) (٤).\nوقوله تعالى: ﴿مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ﴾ قال ابن عباس (٥) والحسن (٦) (يعني: العذاب، كانوا يقولون: يا محمد، ائتنا بالذي تعدنا، كقوله تعالى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ﴾ [الحج: ٤٧]، وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا﴾) الآية [الأنفال: ٣٢].\nقال أبو إسحاق: (وجائز أن يكون الذي استعجلوا به الآيات التي اقترحوها عليه، فأعلم الله أن ذلك عنده فقال: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾) (٧).\n_________\n(١) \"معانى القرآن\" ٢/ ٢٥٥ - ٢٥٦.\n(٢) انظر: \"تفسير ابن عطية\" ٥/ ٢١٨.\n(٣) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٥٦.\n(٤) هذا قول الطبري ٧/ ٢١١، ورجحه أبو حيان في \"البحر\" ٤/ ١٤٢، والسمين في \"الدر\" ٤/ ٦٥٧، وانظر: ابن الجوزي ٣/ ٥١، والقرطبي ٦/ ٤٣٨.\n(٥) \"تنوير المقباس\" ٢/ ٢٥، وذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٥١، وابن الجوزي ٣/ ٥١، عن ابن عباس والحسن.\n(٦) ذكره الماوردي ١/ ١٢١.\n(٧) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٥٦، وأكثرهم على أن المراد العذاب والظاهر العموم من العذاب والآيات، انظر: \"تفسير مقاتل\" ١/ ٥٦٤، والطبري ٧/ ٢١٣، و\"معاني النحاس\" ٢/ ٤٣٢، والسمرقندي ١/ ٤٨٩، وابن عطية ٥/ ٢١٩، والقرطبي ٦/ ٤٣٩، و\"البحر\" ٤/ ١٤٢، وابن كثير ٢/ ١٥٣.","vol":"8","page":184},{"text":"قال ابن عباس: (يريد: أن ذلك عند ربي) (١).\nقال أهل المعاني: قوله تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ (أي: الحكم الذي يفصل به بين المختلفين بإيجاب الثواب والعقاب أو الحكم الذي يفصل كل حق من باطل لا يكون على هذا الإطلاق إلا لله جل وعز) (٢).\nوقوله تعالى: ﴿يَقُصُّ الْحَقَّ﴾، أي: يقول الحق، ومعناه: أن جميع ما أنبأ به وأمر به فهو من أقاصيص الحق (٣)، كقوله تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ [يوسف: ٣]، هذه قراءة أهل الحجاز (٤) وقرأ الباقون ([يَقْضِ] الْحَقَّ) (٥) وكتب ([يَقْضِ] (٦) الْحَقَّ) في المصاحف بغير ياء؛ لأنها سقطت في اللفظ لالتقاء الساكنين (٧) كما كتبوا ﴿سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ (١٨)﴾ [العلق: ١٨] و﴿فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ﴾ [القمر: ٥].\nوقوله تعالى: ﴿يَقُصُّ الْحَقَّ﴾ (٨) قال أبو إسحاق: (فيه وجهان: جائز أن يكون ﴿الْحَقَّ﴾ صفة للمصدر، المعنى: يقضي القضاء الحق، ويجوز أن يكون ﴿يَقْضِ الْحَقَّ﴾: يصنع الحق؛ لأن كل شيء صنعه الله ﷿ فهو\n_________\n(١) \"تنوير المقباس\" ٢/ ٢٥ وفيه: (ما الحكم بنزول العذاب إلا لله) ا. هـ\n(٢) انظر: \"تفسير الرازي\" ١٣/ ٧.\n(٣) هذا قول الزجاج في \"معانيه\" ٢/ ٢٥٧.\n(٤) (قرأ ابن كثير وعاصم ونافع: (يَقُصُّ) بضم القاف وصاد مهملة مشددة مرفوعة، من القصص، وقرأ الباقون بسكون القاف وضاد معجمة مخففة مكسورة من القضاء، ولا خلاف أنه بغير ياء في الوصل). انظر: \"السبعة\" ص ٢٥٩، و\"المبسوط\" ص ١٦٩، و\"التذكرة\" ٢/ ٤٠٠، و\"التيسير\" ص ١٠٣، و\"النشر\" ٢/ ٢٥٨.\n(٥) في النسخ (يقضي) بالياء، وهو خلاف الرسم.\n(٦) في (أ): (يقضي) بالياء، وهو خلاف الرسم.\n(٧) انظر: \"الحجة\" لابن خالويه ص ١٤٠، و\"الكشف\" ١/ ٤٣٤.\n(٨) في النسخ (يقضي) بالياء.","vol":"8","page":185},{"text":"حق) (١)، وعلى هذا يكون (الحق) مفعولًا به وقضى بمعنى: صنع، كقول الهذلي (٢):\nوَعَلَيْهَما مَسْروُدتانِ قَضاهُما ... داوُدُ ....................) (٣)\nأي: صنعهما داود، واحتج أبو عمرو لهذه القراءة (٤) بقوله ﴿وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ﴾ قال: (والفصل في القضاء ليس في القصص) (٥)، قال أبو علي: (القصص هاهنا بمعنى القول، وقد جاء الفصل في القول أيضًا في نحو قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾ [الطارق: ١٣]، وقال: ﴿أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾ [هود: ١]، وقال: ﴿نُفَصِّلُ الْآيَاتِ﴾ [الأنعام: ٥٥] فقد حمل الفصل على القول واستعمل معه كما جاء مع القضاء) (٦).\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ٢/ ٢٥٦، وفيه زاد: (فهو حق وحِكمةٌ، إلا أن ﴿وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ﴾ يدل على معنى القضاء الذي هو الحكم، فأما قضى في معنى صنع فمثله قول الهذلي ...) ا. هـ وبمثل قول الزجاج قال الأزهري في \"معاني القراءات\" ١/ ٣٥٩ - ٣٦٠، وأبو علي في \"الحجة\" ٣/ ٣١٩.\n(٢) الهذلي: خُوَيْلد بن خالد بن مُحرّث الهذلي، أبو ذؤيب، تقدمت ترجمته.\n(٣) \"شرح أشعار الهذليين\" ١/ ٣٩، و\"مجاز القرآن\" ١/ ٥٢ - ٢٧٥، و\"معاني القراءات\" ١/ ٣٥٩، و\"الحجة لأبي علي\" ٣/ ٣١٩، ٤/ ٢٥٤، و\"اللسان\" ١/ ٤١٨ (تبع)، و\"الدر المصون\" ٢/ ٨٦، وتكملته: (أو صَنَعُ السَّوابغ تُبَّعُ) وهو من قصيدة من عيون المراثي قالها في رثاء أبنائه الذين أصابهم الطاعون، المسرودتان: درعان، وأصل السَّرْد الخرز في الأديم، والصنع: الحاذق بالعمل، وتبع، بالضم: ملك تصنع له الدروع، انظر: \"جمهرة أشعار العرب\" ٢٤٧.\n(٤) ذكره أبو علي في \"الحجة\" ٣/ ٣١٨، وابن خالويه في \"إعراب القراءات\" ١/ ١٥٩، وابن زنجلة في \"الحجة\" ص ٢٥٤.\n(٥) \"معاني القرآن للنحاس\" ٢/ ٤٣٤ - ٤٣٥.\n(٦) \"الحجة\" لأبي علي ٣/ ٣١٨ - ٣١٩.","vol":"8","page":186},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1024>٥٨ </span>- قوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ﴾ الاستعجال: المطالبة بتعجيل الشيء قبل وقته، ولذلك كانت العجلة مذمومة (١)؛ والإسراع: تقديم الشيء في وقته، ولذلك كانت السرعة محمودة (٢) [و] (٣) قال ابن عباس: (يقول لمحمد: ﴿قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ﴾ من العذاب لم أناظركم [ساعة] (٤)، ولكن الله حليم ذو أناة لا يعجل لعجلتكم) (٥).\nوقوله تعالى: ﴿لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ أي: لا نفصل مما بيني وينكم من مطالبتي لكم بإخلاص عبادة الله ومطالبتكم بتعجيل العقوبة، فلو كان الأمر بيدي لأتيتكم [بما] (٦) تستعجلون به من العذاب (٧)، فلا يبقي بيننا مطالبة، هذا معنى قوله: ﴿لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾، وقد ذكرنا معنى ﴿لَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾ عند قوله ﴿وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾ [الأنعام: ٨].\nوقال أهل المعاني (٨): (في هذه الآية علم الله تعالى أن بعضهم يؤمن من هؤلاء الذين كانوا يستعجلون العذاب، فلذلك أخر العذاب عنهم، والنبي - ﷺ - كان لا يعلم باطن أمرهم فلهذا كان يعجل عليهم بالعقوبة [لو] (٩) كان الأمر بيده).\n_________\n(١) انظر: \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٣٤٢، و\"المفردات\" ص ٥٤٨ (عجل).\n(٢) \"المفردات\" ص ٤٠٧ (سرع).\n(٣) لفظ (الواو): ساقط من (ش).\n(٤) لفظ (ساعة) ساقط من (أ).\n(٥) ذكره المؤلف في \"الوسيط\" ١/ ٥١، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٣/ ٥٢، وانظر: \"تنوير المقباس\" ٢/ ٢٥.\n(٦) في (أ): (ما).\n(٧) لفظ: (من العذاب) ساقط من (أ).\n(٨) انظر: \"زاد المسير\" ٣/ ٥٢.\n(٩) في (ش): (إذا).","vol":"8","page":187},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ﴾ قال ابن عباس: (يريد: لا أحد أظلم منكم ما جهلتم شيئًا من أمري ولا كنت عندكم منذ ولدت إلى اليوم كاذبًا ولا ساحرًا ولا كاهنًا ولا مفتريًا) (١)؛ هذا كلامه يعني: أنهم ظلموه إذ كذبوه وقالوا: إنه كاذب وساحر بعد علمهم بصدقه وأمانته، فيكون في قوله: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ﴾ [ضرب] (٢) من الوعيد لهم.\nوقال بعض أصحاب المعاني قوله: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ﴾ (متصل المعنى بالذي قبله كأنه قال: أنا لا أعلم وقت عقوبة الظالمين، والله ﷿ يعلم ذلك، فهو يؤخره إلى وقته) (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1025>٥٩ </span>- قوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ الآية. المفاتح جمع مِفْتح وَمَفْتحٍ، فالمفتح بالكسر: المفتاح الذي يفتح به، والمفتح بفتح الميم الخزانة، وكل خزانة كانت لصنف من الأشياء فهو مَفْتح (٤).\nقال الفراء في قوله تعالى: ﴿مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ﴾ [القصص: ٧٦] (يعني: خزائنه) (٥).\n_________\n(١) لم أقف عليه.\n(٢) في (ش): (ذر).\n(٣) انظر: \"البحر المحيط\" ٤/ ١٤٣.\n(٤) انظر: \"العين\" ٣/ ١٩٤، و\"الجمهرة\" ١/ ٣٨٦، و\"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٧٣٢، و\"الصحاح\" ١/ ٣٨٩، و\"مجمل اللغة\" ٣/ ٧١٠، و\"مقاييس اللغة\" ٤/ ٤٦٩، و\"المفردات\" ص ٦٢١، و\"اللسان\" ٦/ ٣٣٣٩ (فتح).\n(٥) \"معاني القرآن\" ٢/ ٣١٠.","vol":"8","page":188},{"text":"قال السدي (١) والحسن (٢): (و﴿مَفَاتِحُ الْغَيْبِ﴾: خزائن الغيب)، وخو ذلك قال ابن عباس (٣) [والضحاك (٤) ومقاتل (٥) (في المفاتح أنها الخزائن).\nواختلفوا في معنى ﴿الْغَيْبِ﴾ هاهنا، فقال ابن عباس] (٦) في رواية عطاء: (يريد: ما غاب عنكم من الثواب والعقاب، وما يصير إليه أمري وأمركم) (٧).\nوقال مقاتل: (يعني: خزائن غيب العذاب متى ينزل بكم ﴿لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾) (٨).\n_________\n(١) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٧/ ٢١٢، وابن أبي حاتم ٤/ ١٣٠٤ بسند جيد، وذكره السيوطي في \"الدر\" ٣/ ٢٧٧.\n(٢) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٥٢، عن ابن عباس والضحاك ومقاتل والسدي والحسن. وقال القرطبي في \"تفسيره\" ٢/ ٧: (قيل: المراد بالمفاتح خزائن الرزق، عن السدي والحسن) ا. هـ\n(٣) ذكره الماوردي ٢/ ١٢١، والواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٥٢، وابن الجوزي ٣/ ٥٣، وأخرج الطبري في \"تفسيره\" ٧/ ٢١٣ بسند ضعيف عن عطاء الخرساني عن ابن عباس ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ﴾ قال: هن خمس: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ٣٤]، وذكره السيوطي في \"الدر\" ٣/ ٢٨.\n(٤) ذكره الثعلبي في \"الكشف\" ١٧٨ ب، والواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٥٢، والبغوي ٣/ ١٥٠، والقرطبي ٧/ ٢.\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ١/ ٥٦٤.\n(٦) ما بين المعقوفين ساقط من (أ).\n(٧) لم أقف عليه.\n(٨) \"تفسير مقاتل\" ١/ ٥٦٤.","vol":"8","page":189},{"text":"وروي عن ابن عباس: (خزائن الأرض والرزق ونزول العذاب) (١)، وهو قول الضحاك (٢).\nوقال أبو إسحاق: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ﴾ (أي: عنده الوصلة إلى علم الغيب قال: وكل ما لا يعلم إذا استعلم يقال فيه: افتح عليَّ) (٣)، فعلى هذا المفاتح جمع [المفتح] (٤) بمعنى الفتح، كأن المعنى عنده فتوح الغيب أي: هو يفتح الغيب على من يشاء من عباده بذكره والبيان عنه والدلالة عليه، فيفتح لعباده ما [يشاء] (٥) من ذلك بإعلامهم إياه ويغلق عنهم ما شاء منه بترك دلالتهم عليه.\nوقوله تعالى: ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ قال مجاهد: (البر: القفار،\n_________\n(١) ذكره الماوردي ٢/ ١٢١، وابن الجوزي ٣/ ٥٣، وأبو حيان ٤/ ١٤٤، وفي \"تنوير المقباس\" ٢/ ٢٦ نحوه.\n(٢) ذكره الثعلبي في \"الكشف\" ١٧٨ ب، والبغوي ٣/ ١٥٠، والقرطبي ٧/ ٢.\n(٣) \"معاني القرآن\" ٢/ ٢٥٧، ونحوه ذكره النحاس في \"معانيه\" ٢/ ٤٣٥.\n(٤) في (أ): (المُفتح)، بالضم، وفي (ش): (المَفتَح)، بسكون ثم فتح، وقال السمين في \"الدر\" ٤/ ٦٦٠، وابن حجر في \"الفتح\" ٨/ ٢٩١: (جوز الواحدي أنه جمع مفتح بفتح الميم على أنه مصدر) ا. هـ. زاد ابن حجر: (وهو بمعنى: الفتح، أي: عنده فتوح الغيب، أي: يفتح الغيب على من يشاء من عباده، ولا يخفى بعد هذا التأويل للحديث المذكور في الباب، وأن مفاتح الغيب لا يعلمها أحد إلا الله ﷾) ا. هـ والحديث المقصود هو ما أخرجه البخاري في صحيحه (٤٦٢٧)، كتاب التفسير باب (وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو) عن عبد الله بن عمر عن النبي - ﷺ - قال: \"مفاتح الغيب خمس: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ٣٤]، وانظر: الأحاديث في هذا الباب في مرويات الإمام أحمد في \"التفسير\" ٣/ ٣٧١ - ٣٧٤.\n(٥) في (أ): (ما شاء).","vol":"8","page":190},{"text":"والبحر: كل قرية فيها ماء) (١) وهذا عام في كل ما في المياه والأرضين من البوادي والقفار، لا يحدث فيها شيء إلا بعلم الله ﷿.\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا﴾ قال أبو إسحاق: (المعنى: أنه يعلمها ساقطة وثابتة، كما تقول: ما يجيئك أحد إلا وأنا أعرفه، فليس تأويله إلا وأنا أعرفه في حال مجيئه فقط) (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ﴾ تقديره: ولا من ﴿حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ﴾ قالوا: يعني: في الثرى تحت الأرض (٣).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ﴾، قال ابن عباس: (يريد: ما ينبت وما لا ينبت) (٤)، وروي عنه أنه قال: (الرطب: الماء، واليابس: البادية) (٥).\nوقوله تعالى: ﴿إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ قال صاحب \"النظم\" (٦): (تم\n_________\n(١) ذكره الثعلبي ١٧٨ ب، والواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٥٣، وابن الجوزي ٣/ ٥٤. وقال الماوردي ٢/ ١٢١: (الجمهور وهو الظاهر أن: ما في البر ما على الأرض، وما في البحر ما على الماء. وقال مجاهد: البر: القفر، والبحر: القرى لوجود الماء فيها، فلذلك سميت بحرًا) ا. هـ. بتصرف.\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ٢/ ٢٥٧، ومثله ذكر النحاس في \"معانيه\" ٢/ ٤٣٦.\n(٣) انظر: \"الدر المصون\" ٤/ ٦٦١.\n(٤) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٥٣، وذكره الثعلبي في \"الكشف\" ١٧٨ ب، والبغوي ٣/ ١٥١، عن عطاء فقط.\n(٥) \"تنوير المقباس\" ٢/ ٦٢، وذكره الثعلبي ١٧٨ ب، والبغوي ٣/ ١٥١، وانظر: \"زاد المسير\" ٣/ ٥٤.\n(٦) كتاب \"نظم القرآن\" للجرجاني مفقود، وذكر قوله السمين في \"الدر\" ٤/ ٦٦٢، ورجح الزمخشري ٢/ ٢٤ - ٢٥، وأبو حيان في \"البحر\" ٤/ ١٤٦، كونه استثناء بعد استثناء للتأكيد قال أبو حيان: (هذا الاستثناء جار مجرى التوكيد؛ لأن قوله:=","vol":"8","page":191},{"text":"الكلام عند قوله ﴿وَلَا يَابِسٍ﴾ ثم استأنف خبرًا آخر بقوله تعالى: ﴿إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ بمعنى: وهو ﴿فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ أيضًا؛ لأنك لو جعلت قوله ﴿إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ متصلًا بالكلام الأول فسد المعنى)، وبيان فساده (١) في فصل طويل ذكرناه في سورة يونس في قوله: ﴿وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ (٢) [يونس: ٦١]، [ومعنى قوله ﴿فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ (٣)] قال أبو إسحاق: (يجوز أن يكون الله ﷿ أثبت ذلك في كتاب من قبل أن يخلق كما قال جل وعز: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ [الحديد: ٢٢]، فأعلم جل وعز أنه قد أثبت ما خلق من قبل خلقه) (٤).\nقال ابن الأنباري وغيره (٥): (وفائدة كتب الله ذلك في اللوح\n_________\n= ﴿وَلَا حَبَّةٍ﴾ ﴿وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ﴾ معطوف على قوله: ﴿مِنْ وَرَقَةٍ﴾ والاستثناء الأول منسحب عليها كما تقول: ما جاءني من رجل إلا أكرمته ولا امرأة، أي: إلا كرمتها، ولكنه لما طال الكلام أعيد الاستثناء على سبيل التوكيد وحسنه كونه فاصلة) ا. هـ ملخصًا، وجعل بعضهم الاستثناء الثاني بدلًا من الأول. انظر: \"غرائب الكرماني\" ١/ ٣٦٣، و\"البيان\" ١/ ٣٢٤، و\"التبيان\" ١/ ٣٣٧، و\"الفريد\" ٢/ ١٦١.\n(١) قال السمين في \"الدر\" ٤/ ٦٦٢: (فساد المعنى من حيث اعتقد أنه استثناء آخر مستقل، ولو جعله استثناء مؤكدًا للأول لم يفسد المعنى، وكيف يتصور تمام الكلام على قوله: ﴿وَلَا يَابِسٍ﴾ ويبتدأ بإلا، وكيف تقع إلا هكذا؟) ا. هـ. ملخصًا.\n(٢) لفظ: ﴿وَلَا أَكْبَرَ﴾ ساقط من (أ).\n(٣) ما بين المعقوفين ساقط من (أ).\n(٤) \"معاني القرآن\" ٢/ ٢٥٧، وقال النحاس في \"معانيه\" ٢/ ٤٣٧: (أي: إلا يعلمه علمًا يقينًا، ويجوز أن يكون المعنى: إلا قد كتبه قبل أن يخلقه، والله أعلم بما أراد) ا. هـ.\n(٥) انظر: \"تفسير الطبري\" ٧/ ٢١٣، و\"معاني النحاس\" ٢/ ٤٣٧، و\"تفسير الرازي\" ١٣/ ١٠ - ١١.","vol":"8","page":192},{"text":"المحفوظ مع علمه وأنه لا يفوته شيء هو أنه ﷿ كتب هذه الأشياء وأحصاها قبل أن تكون (١) لتقف (٢) الملائكة على نفاذ علمه، وأنه لا يغيب عنه مما في السماوات والأرض شيء، فيكون في ذلك عبرة للملائكة الموكلين باللوح؛ لأنهم يقابلون به ما يحدث من الأمور فيجدونه موافقًا له، قال أبو بكر: ويجوز أن يقال: إن الله ﵎ ذكر ما ذكر من الورقة والحبة تعظيمًا على خلقِه أمر الحساب، وإعلامًا أنه لا يفوته من جميع ما يصنعون في الدنيا شيء؛ لأن الذي يثبت ويكتب مما لا ثواب فيه ولا عقاب كان مما فيه الثواب والعقاب أولى بالكتب.\nفذكر ما ذكر ﵎: [من هذا (٣)] معظمًا ومخوفًا ودالًا على أنه لا يغيب عنه من أعمال العباد شيء) (٤)، وهذا معنى قول الحسن: (يكتبه الله رطبًا، ويكتبه يابسًا، لتعلم يا ابن آدم أن عملك أولى بالإحصاء) (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1026>٦٠ </span>- قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ﴾ قال ابن عباس: (يقبض أرواحكم في منامكم) (٦). قال أبو إسحاق: (معنى: ﴿يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ﴾ أي: ينيمكم فيتوفى نفوسكم التي بها تميزون (٧) كما قال جل وعز: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ [الزمر:\n_________\n(١) في النسخ (يكون) بالياء، والأولى تكون بالتاء.\n(٢) في (ش): (ليقف).\n(٣) لفظ: (من هذا) ساقط من (أ).\n(٤) ذكره ابن الجوزي ٣/ ٥٤ - ٥٥.\n(٥) لم أقف عليه.\n(٦) \"تنوير المقباس\" ٢/ ٢٦، وذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٥٤، وابن الجوزي ٣/ ٥٥.\n(٧) في (ش): (يميزون).","vol":"8","page":193},{"text":"٤٢]) (١)، فالله جل وعز يقبض الأرواح عن التصرف بالنوم كما يقبضها بالموت.\nوقوله تعالى: ﴿وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾ قال ابن عباس: (يريد: ما كسبتم من العمل بالنهار) (٢)، ومضى الكلام في معنى الجرح عند ذكر الجوارح (٣).\nوقوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ﴾ قال ابن عباس: (يرد عليكم أرواحكم في النهار) (٤)، وقال قتادة: (البعث هاهنا: اليقظة) (٥)، وقال الزجاج: (أي: ينبهكم في نومكم في النهار) (٦).\nوقوله تعالى: ﴿لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى﴾ أي: أعماركم المكتوبة، وهو قوله: ﴿وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ [الأنعام: ٢].\nقال السدي: يعني: أجل الحياة إلى الموت) (٧)، وهو قول المفسرين (٨) قال الزجاج: (أي: يبعثكم من نومكم إلى أن تبلغوا\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" ٢/ ٢٥٧، ومثله ذكر النحاس في \"معانيه\" ٢/ ٤٣٧.\n(٢) \"تنوير المقباس\" ٢/ ٢٦، وذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٥٤، وأخرج الطبري في \"تفسيره\" ٧/ ٢١٤، وابن أبي حاتم ٤/ ١٣٠٥ بسند جيد عن ابن عباس قال: (ما اكتسبتم من الإثم)، وذكره السيوطي في \"الدر\" ٣/ ٣٠.\n(٣) انظر: \"البسيط\" نسخة جامعة الإمام ٣/ ١١ ب.\n(٤) \"تنوير المقباس\" ٢/ ٢٦، وذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٥٤.\n(٥) أخرجه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ٢/ ١/ ٢٠٨، والطبري ٧/ ٢١٥، وابن أبي حاتم ٤/ ١٣٠٦ بسند جيد، وذكره السيوطي في \"الدر\" ٣/ ٣٠.\n(٦) \"معاني القرآن\" ٢/ ٢٥٨.\n(٧) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٧/ ٢١٥ بسند جيد.\n(٨) انظر: \"تفسير الطبري\" ٧/ ٢١٥، و\"معاني النحاس\" ٢/ ٤٣٨، و\"تفسير السمرقندي\" ١/ ٤٩٠.","vol":"8","page":194},{"text":"آجالكم) (١)، ومعنى القضاء: فصل الأمر على تمام، ومعنى قضاء الأجل: فصل مدة العمر من غيرها بالموت (٢)، وفي هذه الآية حجة على النشأة الثانية؛ لأن منزلتها بعد الأولى كمنزلة اليقظة بعد النوم في أن من قدر على أحدهما فهو قادر على الآخر (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1027>٦١ </span>- قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ الآية. ﴿فَوْقَ﴾ يستعمل في كل ما يستحق أن يوصف بأفعل، ولا يراد به المكان العالي، كما يقال: هو فوقه في القدرة، أي: أقدر منه، و[هو] (٤) فوقه في العلم، أي: أعلم [منه] (٥)، و[هو] (٦) فوقه في الجود (٧)، أي: أجود يعبر عن تلك الزيادة بهذه العبارة للبيان عنها (٨).\nوقوله تعالى: ﴿وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً﴾، قال ابن عباس: (من الملائكة يحصون أعمالكم كقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ﴾ [الانفطار: ١٠]) (٩).\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" ٢/ ٢٥٨.\n(٢) انظر: \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٩٨٦ (قضى).\n(٣) ذكر هذا المعنى الثعلبي في \"الكشف\" ١٧٨ ب، والقرطبي في \"تفسيره\" ٧/ ٦.\n(٤) لفظ: (هو) ساقط من (أ).\n(٥) لفظ: (منه) ساقط من (ش)، وتكرر فيها لفظ (هو فوقه في العلم أي أعلم).\n(٦) لفظ: (هو) ساقط من (أ).\n(٧) في (ش): (الجيد)، وهو تحريف.\n(٨) انظر: \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٧٢٤ (فوق)، وابن عطية ٥/ ٢٢٥، والقرطبي ٧/ ٦، وهذا تأويل وقول نفاة العلو، والحق أنها تستعمل في فوقية المكان والمكانة، والله ﷾ مستعل على كل شيء بذاته وقدره وقهره، وقد سبق الكلام على ذلك.\n(٩) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٥٥، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٣/ ٥٥، وفي \"تنوير المقباس\" ٢/ ٢٧ نحوه.","vol":"8","page":195},{"text":"وقال قتادة: (يحفظون عليك أجلك ورزقك) (١)، وروي عن السدى: (يحفظون العبد من أمر الله الذي لم يُقدر له إلى الأمر الذي قُدر له) (٢)\nقال الزجاج: (الحفظة: الملائكة، واحدهم حافظ) (٣).\n﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا﴾ يعني: أعوان ملك الموت، عن ابن عباس (٤) والحسن (٥) وقتادة (٦) وإبراهيم (٧) والربيع (٨).\n_________\n(١) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٧/ ٢١٦، وابن أبي حاتم ٤/ ١٣٠٦، بسند جيد، وذكره السيوطي في \"الدر\" ٣/ ٣٠.\n(٢) لم أقف عليه. وقد أخرج الطبري في \"تفسيره\" ٧/ ٢١٦، وابن أبي حاتم ٤/ ١٣٠٦ بسند جيد عن السدي قال: (هي المعقبات من الملائكة يحفظونه ويحفظون عمله) وذكره السيوطي في \"الدر\" ٣/ ٣٠، وانظر: \"زاد المسير\" ٤/ ٣١٢.\n(٣) \"معاني القرآن\" ٢/ ٢٥٨، وفيه: (والجمع حفظة مثل: كاتب، وكتبة، وفاعل، وفعلة) ا. هـ.\n(٤) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٧/ ٢١٦، وابن أبي حاتم ٤/ ١٣٠٧ بسند جيد، عن إبراهيم النخعي عن ابن عباس، وذكره السيوطي في \"الدر\" ٣/ ٣٠، وفي \"تهذيب التهذيب\" ١/ ٩٢ (النخعي لم يسمع من ابن عباس لكن مراسيله جيدة) ا. هـ.\n(٥) قال أبو حيان في \"البحر\" ٤/ ١٤٨ - ١٤٩ (قال الحسن: إذا احتضر الميت احتضره خمسمائة ملك يقبضون روحه فيعرجون بها) ا. هـ. وقال ابن عطية في \"تفسيره\" ٥/ ٢٢٥. قوله تعالى: ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا﴾ يريد به على ما ذكر ابن عباس وجميع أهل التأويل ملائكة مقترنين بملك الموت يعاونونه ويأتمرون له) ا. هـ.\n(٦) أخرجه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ٢/ ١/ ٢٠٩، والطبري ٧/ ٢١٧، وأبو الشيخ في \"العظمة\" ص ٢١١، بسند جيد، وذكره السيوطي في \"الدر\" ٣/ ٣٠.\n(٧) أخرجه سفيان الثوري في \"تفسيره\" ص ١٠٨، وعبد الرزاق ٢/ ١/ ٢٠٩، والطبري ٧/ ٢١٧، وابن أبي حاتم ٤/ ١٣٠٧، وأبو الشيخ في \"العظمة\" ص ٢١١، بسند جيد، وذكره السيوطي في \"الدر\" ٣/ ٣٠.\n(٨) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٧/ ٢١٧، وأبو الشيخ في \"العظمة\" ص ٢٠٠ - ٢٠١، بسند لا بأس به، وذكره السيوطي في \"الدر\" ٣/ ٣٠٠.","vol":"8","page":196},{"text":"وقال أبو إسحاق: (﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا﴾ أي: هؤلاء الحفظة؛ لأنه قال: ﴿وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً﴾) (١)، فجعل أبو إسحاق رسل الموت من الحفظة المرسلة للحفظ، وعلى هذا يجب أن يكون؛ لأن تقدير اللفظ: وهو الذي يرسل الحفظة ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ توفوه، يريد: أن يرسلهم للحفظ في الحياة والتوفية عند مجيء الممات (٢)، و﴿حَتَّى﴾ هاهنا هي التي يقع بعدها الابتداء (٣) والخبر، وقد بينا شرح (٤) ذلك عند قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ﴾ [يوسف: ١١٠].\nوقوله تعالى: ﴿وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ﴾ قال ابن عباس (٥) والسدي (٦): (لا يضيعون). وقال الزجاج: (لا يغفلون ولا يتوانون، قال: ومعنى التفريط: تقدمة العجز، والمعنى: أنهم لا يعجزون) (٧).\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" ٢/ ٢٥٨.\n(٢) قال الفخر الرازي في \"تفسيره\" ١٣/ ١٦: (الأكثرون أن الذين يتولون الحفظ غير الذين يتولون أمر الوفاة، ولا دلالة في لفظ الآية تدل على الفرق) ا. هـ. وقال أبو حيان في \"البحر\" ٤/ ١٤٨: (الأكثرون على أن ﴿رُسُلُنَا﴾ عين الحفظة يحفظونهم مدة الحياة، وعند مجيء أسباب الموت يتوفونهم) ا. هـ\n(٣) انظر: \"الفريد\" ٢/ ١٦٣.\n(٤) انظر: \"البسيط\" النسخة الأزهرية ٣/ ٨٠ ب.\n(٥) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٧/ ٢١٨، وابن أبي حاتم ٤/ ١٣٠٧ بسند جيد، وذكره السيوطي في \"الدر\" ٣/ ٣١٠.\n(٦) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٧/ ٢١٨ بسند جيد.\n(٧) \"معاني القرآن\" ٢/ ٢٥٨، وقال أبو عبيدة في \"مجاز القرآن\" ١/ ١٩٤: (أي: لا يتوانون ولا يتركون شيئًا ولا يخلفونه ولا يغادرون) ا. هـ. وانظر: \"معاني النحاس\" ٢/ ٤٣٩، وقد تقدم بحث معنى فرط.","vol":"8","page":197},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1028>٦٢ </span>- قوله تعالى: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ﴾ يعني: العباد يردون بالموت إلى الله ﴿مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ﴾. قد مضى الكلام في معنى المولى عند قوله: ﴿أَنتَ مَوْلَانَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، ﴿أَلَا لَهُ الْحُكْمُ﴾ أي: القضاء فيهم، ﴿وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾ يقول: إذا حاسب فحسابه سريع، ومضى الكلام في معنى سرعة حساب الله تعالى عند قوله: ﴿والله سَرِيعُ الحِسَابِ﴾ [البقرة: ٢٠٢] في سورة البقرة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1029>٦٣ </span>- قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ الآية. قرئ (١) قوله: ﴿يُنَجِّيكُمْ﴾ بالتشديد، وكذلك قوله: ﴿قُلِ الله يُنَجِّيكُمْ﴾ [(والتشديد والتخفيف لغتان منقولتان من نجا، فإن شئت نقلت بالهمز، وإن شئت نقلت بتضعيف العين نحو: أفرحته وفرحته وأغرمته وغرمته وما أشبه ذلك، وفي التنزيل: ﴿فَأَنْجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ﴾ [العنكبوت: ٢٤] ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ [الأعراف: ٦٤] وفيه (٢): ﴿وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [فصلت: ١٨]، فإذا جاء التنزيل باللغتين جميعًا تبيّنت استواء القراءتين في الحسن) (٣).\n_________\n(١) قرأ أبو عمرو في رواية ويعقوب: (قُلْ مَن يُنْجِيكُم) مخففة الجيم ساكنة النون، وقرأ الباقون بفتح النون وتشديد الجيم، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي (قُلِ الله يُنَجَّيكُم) بفتح النون وتشديد الجيم، وقرأ الباقون بإسكان النون مع تخفيف الجيم.\nانظر: \"السبعة\" ٢٥٩، و\"المبسوط\" ص ١٦٩، و\"التذكرة\" ٢/ ٤٠٠، و\"التيسير\" ص ١٠٣، و\"النشر\" ٢/ ٢٥٨.\n(٢) لفظ: (فيه) ساقط من (ش).\n(٣) ما تقدم هو قول أبي علي في \"الحجة\" ٣/ ٣٢٢ - ٣٢٣، وانظر: \"معاني القراءات\" ١/ ٣٦٢، و\"الحجة\" لابن خالويه ص ١٤١، و\"إعراب القراءات السبع وعللها\" ١/ ١٥٩ - ١٦٠، و\"الحجة\" لابن زنجلة ص ٢٥٥.","vol":"8","page":198},{"text":"غير أن الاختيار التشديد؛ لأن ذلك كان لهم من الله غير مرةٍ (١).\nوقوله تعالى: ﴿مَنْ يُنَجِّيكُمْ﴾ سؤال توبيخ لهم وتقرير أن الله يفعل ذلك (٢). وقوله تعالى: ﴿مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ قال ابن عباس: (من أهوالهما وكرباتهما قال: وكانت قريش تسافر في البر والبحر فإذا ضلوا الطريق وخافوا الهلاك دعوا الله مخلصين فأنجاهم) (٣). قال أبو إسحاق (٤): (﴿ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ شدائد البر والبحر، والعرب تعبر عن الشدة بالظلمة، يقولون لليوم الذي يلقى فيه شدة: يوم مظلم، حتى أنهم يقولون: يوم ذو كواكب، أي: قد اشتدت ظلمته حتى صار كالليل، وأنشد (٥):\nبَنِي أسَدٍ هَلْ تَعْلمُونَ بَلاَءَنا ... إذًا كَانَ يَوْمَ ذَا كَواكِبَ مظلم)\n_________\n(١) قال مكي في \"الكشف\" ١/ ٤٣٦: (القراءتان متعادلتان، غير أن التشديد فيه معنى التكرير للفعل على معنى نجاة بعد نجاة) اهـ. وانظر: \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٥٨، و\"تفسير الفخر الرازي\" ١٣/ ٢٠.\n(٢) انظر: \"الفريد\" ٢/ ١٦٤، \"الدر المصون\" ٤/ ٦٦٩.\n(٣) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٥٦، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٣/ ٥٨، وأخرج الطبري في \"تفسيره\" ٧/ ٢١٩، وابن أبي حاتم ٤/ ١٣٠٨ بسند ضعيف من طريق العوفي، عن ابن عباس قال: (يقول: إذا أضل الرجل الطريق دعا الله: ﴿لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾.\n(٤) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٥٩.\n(٥) البيت لعمرو بن شأس الأسدي شاعر مخضرم، في \"الكتاب\" ١/ ٤٧، وبلا نسبة في \"معاني النحاس\" ٢/ ٤٤٠، و\"الكشاف\" ١/ ٤٠٤، والقرطبي ٧/ ٨، و\"البحر\" ٤/ ١٢٢، ورواية الأكثر: أَشْنَعَا: مكان مظلم، ويروى: أشهب، وانظر: \"المعاني الكبير\" ٢/ ٩٧٣.","vol":"8","page":199},{"text":"وقال غيره: (أراد ظلمة الليل وظلمة الغيم في البر والبحر، فجمع لفظه ليدل على معنى الجميع) (١).\nوقوله تعالى: ﴿تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ تقديره: ﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ﴾ داعين ﴿تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ (٢) وقرِئ ﴿وَخُفْيَةً﴾ (٣) وهما لغتان (٤)، قال ابن عباس (٥) والحسن (٦): (﴿تَضَرُّعًا﴾ علانية ﴿وَخُفْيَةً﴾ سرًّا بالنية).\nقال أبو إسحاق: (المعنى: تدعونه مظهرين الضراعة، وهو شدة الفقر إلى الشيء والحاجة، وتدعونه خفية أي: في أنفسكم تضمرون (٧) فقركم وحاجتكم إليه كما تظهرون) (٨).\n_________\n(١) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١/ ٥٦٥، والطبري ٧/ ٢١٩، والأولى العموم، قال ابن عطية ٥/ ٢٢٨: (التخصيص لا وجه له، وهو لفظ عام لأنواع الشدائد) ا. هـ. ملخصًا، وانظر: \"البحر\" ٤/ ١٥٠.\n(٢) أي في محل نصب على الحال من مفعول ﴿يُنَجِّيكُمْ﴾ و﴿تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ مصدر في موضع الحال. انظر: \"الفريد\" ٢/ ١٦٥، و\"الدر المصون\" ٤/ ٦٦٩.\n(٣) قرأ عاصم في رواية أبي بكر (خِفْيَة) بكسر الخاء، وقرأ الباقون بضمها.\nانظر: \"السبعة\" ص ٢٥٩، و\"المبسوط\" ص ١٧٠، و\"التذكرة\" ٢/ ٤٠٠، و\"التيسير\" ص ١٠٣، و\"النشر\" ٢/ ٢٥٩.\n(٤) انظر: \"معاني القراءات\" ١/ ٣٦٢، و\"إعراب القراءات\" ١/ ١٥٩، و\"الحجة\" لابن خالويه ص ١٤١، ولأبي علي ٣/ ٣١٧، ولابن زنجلة ص ٢٥٥، و\"الكشف\" ١/ ٤٣٥.\n(٥) \"تنوير المقباس\" ٢/ ٢٧، وقال السيوطي في \"الدر\" ٣/ ٣١، أخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف: ٥٥]، قال: (السر).\n(٦) ذكره أبو علي الفارسي في \"الحجة\" ٣/ ٣١٧، قال: (روي عن الحسن: التضرع العلانية والخفية بالنية) ا. هـ\n(٧) في (ش): (يضمرون).\n(٨) \"معاني القرآن\" ٢/ ٢٥٩، ونحوه ذكر النحاس في \"معانيه\" ٢/ ٤٤٠.","vol":"8","page":200},{"text":"وقوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا﴾ وقرأ الكوفيون (١): ﴿لَئِنْ أَنْجَانَا﴾ حملوه على الغيبة لقوله قبله: ﴿تَدْعُونَهُ﴾ ﴿لَئِنْ أَنْجَانَا﴾ (٢)، وقوله بعده: ﴿قُلْ الله يُنَجِّيكُمْ﴾ [الأنعام:٦٤] ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ﴾ [الأنعام:٦٥] فأنجانا أولى من ﴿أَنْجَيْتَنَا﴾ لكونه على ما قبله وما بعده [من لفظ الغيبة، وفيه إضمار على تقدير: يقولون: ﴿لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا﴾ في موضع الحال مثل ﴿تَدْعُونَهُ﴾، ومن قرأ: ﴿لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا﴾ فالتقدير عنده: داعين وقائلين ﴿لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا﴾، فواجه بالخطاب، ولم يراع ما راعاه الكوفيون من المشاكلة بما قبله وما بعده] (٣). ويقوي هذه القراءة قوله في آية أخرى: ﴿لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [يونس: ٢٢]. وأمال (٤) حمزة والكسائي ﴿أَنْجَانَا﴾ وهو مذهب حسن؛ لأن هذا النحو من الفعل إذا كان على أربعة أحرف استمرت فيه الإمالة لانقلاب الألف إلى الياء في المضارع (٥).\nوقوله تعالى: ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ قال ابن عباس: (من\n_________\n(١) قرأ: عاصم وحمزة والكسائي ﴿لَئِنْ أَنْجَانَا﴾ بألف بعد الجيم من غير تاء ولا ياء وأمال الجيم، حمزة والكسائي، وفتح عاصم، وقرأ الباقون (لَئِنْ أَنجَيْتَنَا] بالياء والتاء من غير ألف.\nانظر: \"السبعة\" ص ٢٥٩، و\"المبسوط\" ص ١٦٩، و\"التذكرة\" ٢/ ٤٠١، و\"التيسير\" ص ١٠٣، و\"النشر\" ٢/ ٢٥٩.\n(٢) جاء في (ش): تكرار قوله: (حملوه على الغيبة؛ لقوله قبله ﴿تَدْعُونَهُ﴾ ﴿لَئِنْ أَنْجَانَا﴾).\n(٣) ما بين المعقوفين ساقط من (ش).\n(٤) في (أ): (وأما حمزة)، وهو تحريف.\n(٥) هذا قول أبي علي الفارسي في \"الحجة\" ٣/ ٣٢٣ - ٣٢٤، وانظر: \"معاني القراءات\" ١/ ٣٦٢، و\"إعراب القراءات وعللها\" ١/ ١٦٠، و\"الحجة\" لابن خالويه ص ١٤١/ ١٤٢، و\"الحجة\" لابن زنجلة ص ٢٥٥، و\"الكشف\" ١/ ٤٣٥، وانظر: \"تعريف الإمالة\" ومراجعها فيما سبق.","vol":"8","page":201},{"text":"المؤمنين) (١)، وقال عطاء عنه: (يريد: من الطائعين) (٢)،\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1030>٦٤ </span>- وقوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾ (الكَرْبُ: الغم الذي يأخذ بالنفس (٣)، يقال: كرَبه الغم، وإنه لمكروب، والكربة: الاسم، والكريب: المكروب، وأمر كارب، ذكر ذلك الليث) (٤).\nقال أبو إسحاق: (أعلمهم الله تعالى أن الله الذي دعوه وأقروا به هو ينجيهم ثم هم يشركون معه الأصنام التي قد علموا أنها من صنعتهم [و] (٥) أنها لا تضر ولا تنفع ولا تقدر أن تنجي من كربة ويله (٦). ثم أعلمهم أنه قادر على تعذيبهم فقال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ [الأنعام:٦٥] (٧).\nقال ابن عباس في رواية عطاء: (يريد: من السماء كما حُصب قوم لوط وكما رمي أصحاب الفيل، ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ يريد: كما خُسف بقارون) (٨).\n_________\n(١) \"تنوير المقباس\" ٢/ ٢٧ - ٢٨، وذكره ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٣/ ٥٨.\n(٢) لم أقف عليه.\n(٣) في (ش): (يأخذ النفس).\n(٤) ذكره عن الليث الأزهري في \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣١١٩، وهو في \"العين\" للخليل ٥/ ٣٦٠، وانظر: \"جمهرة اللغة\" ١/ ٣٢٧، و\"الصحاح\" ١/ ٢١١، و\"مجمل اللغة\" ٣/ ٧٨٣، و\"مقاييس اللغة\" ٥/ ١٧٤، و\"المفردات\" ٧٠٦، و\"اللسان\" ٧/ ٣٨٤٥ (كرب).\n(٥) لفظ: (الواو) ساقط من (ش).\n(٦) (ويله) غير واضحة في النسخ ولم ترد عند الزجاج.\n(٧) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٥٩ بتصرف.\n(٨) \"تنوير المقباس\" ٢/ ٢٨، وذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٥٨، وابن الجوزي ٣/ ٥٩.","vol":"8","page":202},{"text":"وهو قول السدي (١) وابن جريج (٢) ومجاهد (٣) ومقاتل (٤)، قالوا: ﴿عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ الصيحة والحجارة والريح والغرق بالطوفان وكل عذاب من السماء، ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ الرجفة والخسف.\nوقال في رواية عكرمة: ﴿عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ الأمراء ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ السفلة (٥)، وهو قول الضحاك: ﴿عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ (من قبل كباركم ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾: من أسفل منكم) (٦)، ونحو هذا روى عبد الوهاب بن مجاهد (٧) عن أبيه: (﴿عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾: السلاطين الظلمة، ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾: العبيد السوء) (٨).\n_________\n(١) أخرجه الطبري ٧/ ٢٢٠ بسند جيد.\n(٢) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٥٨.\n(٣) ذكره السيوطي في \"الدر\" ٣/ ٢٨٣، وأخرج الطبري ٧/ ٢٢٠ بسند جيد عنه قال: (﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾: الخسف).\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ١/ ٥٦٥.\n(٥) ذكره الرازي ١٣/ ٢٢، عن عكرمة عن ابن عباس، وأخرج الطبري ٧/ ٢٢٠ بسند جيد عنه قال: ﴿مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ يعني: من أمرائكم ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ يعني: سفلتكم) اهـ، وأخرج الطبري وابن أبي حاتم ٤/ ١٣١٠ - ١٣١١ بسند جيد عنه قال: (﴿مِنْ فَوْقِكُمْ﴾: أئمة السوء، ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾: خدم السوء) ا. هـ. وانظر: \"الدر المنثور\" ٣/ ٣١.\n(٦) ذكره النحاس في \"معانيه\" ٢/ ٤٤٠، والثعلبي ١٧٩ أ، والبغوي ٣/ ١٥٣.\n(٧) عبد الوهاب بن مجاهد بن جبر المخزومي القرشي، روى عن أبيه وعطاء، وروى عنه عبد الرزاق وغيره، وهو متروك، وقيل: لم يسمع من أبيه، انظر: \"الجرح والتعديل\" ٦/ ٦٩، و\"ميزان الاعتدال\" ٢/ ٦٨٢، و\"تهذيب التهذيب\" ٦/ ٤٥٣، و\"تقريب التهذيب\" ص ٣٦٨ (٤٢٦٣).\n(٨) ذكره الثعلبي ١٧٩ أ، والبغوي ٣/ ١٥٣، والقرطبي ٧/ ٩، والظاهر: أن المراد بالعذاب من فوق الرجم وما أشبهه، ومن تحت الخسف وما أشبهه؛ لأنه =","vol":"8","page":203},{"text":"وقوله تعالى: ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا﴾ الشيع (١): جمع شيعة، وكل قوم اجتمعوا على أمر فهم شيعة، والجمع شِيع وأشياع، قال الله ﷿: ﴿كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ﴾ [سبأ: ٥٤]، وأصله من التشييع، وهو التتبع، ومعنى الشيعة: الذين يتتبع بعضهم بعضًا.\nقال الربيع بن أنس: (يخلطكم (٢) فرقًا) (٣) وقالوا (٤) جميعًا: (يعني: يبث فيكم الأهواء المختلفة فتصيرون فرقًا يقاتل بعضكم بعضًا ويخالف بعضكم بعضًا)، وهو قول ابن عباس (٥) ومجاهد (٦)\n_________\n= هو المعروف عند العرب من معنى فوق وتحت، فحمله على الأغلب والأشهر أولى، وإن كان غيره له وجه من الصحة، وهذا اختيار أكثرهم، وقال ابن عطية ٥/ ٢٣١: (الأقوال في الآية كلها أمثلة لا أنها هي المقصودة؛ إذ هي وغيرها داخلة في عموم اللفظ) ا. هـ. بتصرف. وانظر: \"معاني الفراء\" ١/ ٣٣٨، و\"تفسير غريب القرآن\" ص ١٦٤، والطبري ٧/ ٢٢٠، وابن كثير ٢/ ١٥٩، و\"البحر\" ٤/ ١٥١.\n(١) انظر: \"العين\" ٢/ ١٩٠، و\"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٠٨، و\"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٨٠٨، و\"الصحاح\" ٣/ ١٢٤٠، و\"مقاييس اللغة\" ٣/ ٢٣٥، و\"المفردات\" ص ٤٧٠، و\"اللسان\" ٤/ ٢٣٧٧ (شيع).\n(٢) في (أ): (يخلكم)، ثم كتب فوقها: يجعلكم.\n(٣) لم أقف عليه\n(٤) يعني المفسرين، قال ابن عطية ٥/ ٢٣١: (قال المفسرون: هو افتراق الأهواء والقتال بين الأمة) ا. هـ.\n(٥) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٧/ ٢٢١، وابن أبي حاتم ٤/ ١٣١١ بسند جيد، قال: (يعني بالشيع: الأهواء المختلفة). وذكره السيوطي في \"الدر\" ٣/ ٣٢.\n(٦) \"تفسير مجاهد\" ١/ ٢١٦ - ٢١٧، قال: (يعني: ما فيهم من الاختلاف والفتن)، وأخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٧/ ٢٢١، وابن أبي حاتم ٤/ ١٣١١ بسند جيد، وفي رواية عند الطبري قال: (الأهواء المفترقة).","vol":"8","page":204},{"text":"ومقاتل (١) والسدي (٢)\nقال أبو إسحاق: (معنى ﴿يَلْبِسَكُمْ﴾: يخلط أمركم خلط اضطراب لا خلط اتفاق، فيجعلكم فرقًا لا تكونون فرقة واحدة، فإذا كنتم مختلفين قاتل بعضكم بعضًا، وهو معنى قوله تعالى: ﴿وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾) (٣).\nوقوله تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ﴾ نبين لهم الآيات في القرآن، ﴿لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ﴾ يَعلمون (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1031>٦٦ </span>- قوله تعالى: ﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ﴾ قال ابن عباس (٥) والحسن (٦) والسدي (٧): (يريد: بالقرآن)، ﴿وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾ قال الحسن: (لست عليكم بحافظ حتى أجازيكم على تكذيبكم وأعمالكم، إنما أنا منذر، والله المجازي لكم بأعمالكم) (٨).\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ١/ ٥٦٥، قال: (يعني: فرقًا أحزابًا أهواء مختلفة كفعله بالأمم الخالية) ا. هـ.\n(٢) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٧/ ٢٢١، وابن أبي حاتم ٤/ ١٣١٢ بسند جيد، قال: (يفرق بينكم).\n(٣) انظر: \"معاني القرآن\" ٢/ ٢٦٠، وفيه زيادة قال: (يقال: لبَسْت الأمر ألبسه: لم أبينه، وخلطت بعضه ببعض. ويقال: لبِستُ الثوب ألبَسه) اهـ، وانظر: \"مجاز القرآن\" ١/ ١٩٤، و\"تفسير غريب القرآن\" لابن قتيبة ص ١٦٤، و\"معاني النحاس\" ٢/ ٤٤١.\n(٤) انظر:\"تفسير السمرقندي\" ١/ ٤٩٢، وابن عطية ٥/ ٢٣٢، والقرطبي ٧/ ١١.\n(٥) \"تنوير المقباس\" ٢/ ٢٨.\n(٦) ذكره الماوردي في \"تفسيره\" ٢/ ١٢٨، والهمداني في \"الفريد\" ٢/ ١٦٦.\n(٧) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٧/ ٢٢٧، وابن أبي حاتم ٤/ ١٣١٣ بسند جيد، وذكره السيوطي في \"الدر\" ٣/ ٣٧.\n(٨) ذكره الماوردي ٢/ ١٢٨، والواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٦٠، وابن الجوزي ٣/ ٦١٢.","vol":"8","page":205},{"text":"وقال [أبو] (١) إسحاق: (أي إنما أدعوكم إلى الله وإلى شريعته، ولم أؤمر بحربكم ولا أخذكم بالإيمان كما يأخذ الموكل بالشيء الذي يلزم بلوغ آخره) (٢)، وقيل: (لست (٣) عليكم بحفيظ: يمنعكم من أن تكفروا كما يمنع الوكيل على الشيء من إلحاق الضرر به) (٤). قال ابن عباس (٥) والمفسرون (٦): (نسختها آية (٧) القتال).\n_________\n(١) لفظ: (أبو) ساقط من (أ).\n(٢) \"معاني القرآن\" ٢/ ٢٦٠.\n(٣) في (ش): (ليست)، وهو تحريف.\n(٤) ذكره الماوردي في \"تفسيره\" ٢/ ١٢٨ عن بعض المتأخرين، وانظر: \"البحر المحيط\" ٤/ ١٥٢.\n(٥) أخرجه النحاس في \"ناسخه\" ٢/ ٣١٧ بسند ضعيف، وذكره مكي في \"الإيضاح\" ص ٢٤٢، وابن العربي في \"ناسخه\" ٢/ ٢١١، وابن الجوزي في \"نواسخ القرآن\" ص ٣٢٤، والسيوطي في \"الدر\" ٣/ ٣٧.\n(٦) وهو قول مقاتل ١/ ٥٦٦، وابن سلامة في \"ناسخه\" ص ٦٧، وابن العربي ٢/ ٢١١، وحكاه الرازي ١٣/ ٢٤، عن ابن عباس والمفسرين. وقال ابن عطية ٥/ ٢٣٣: (النسخ متوجه؛ لأن اللازم من اللفظ لست الآن، وليس فيه أنه لا يكون في المستأنف) ا. هـ. وانظر: القرطبي ٧/ ١١.\n(٧) آية السيف عند الجمهور وهو أصح الأقوال في سورة التوبة آية (٥) قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ الآية، انظر: \"النسخ في القرآن\" لمصطفى زيد ٢/ ٥٠٤، والظاهر عدم النسخ؛ لأن المعنى: لست عليكم حفيظًا إنما أطالبكم بالظواهر من الإقرار والعمل لا بالإسرار، فهي خبر محكم، والخبر لا يجوز نسخه، ولعدم التعارض فهذه الآية تحصر وظيفة الرسول - ﷺ - في التبليغ والإنذار، وآية السيف تبين الوظيفة الأخرى وهي القتال إذا تعين وسيلة للدعوة، وهذا قول الأكثر، انظر: \"ناسخ النحاس\" ٢/ ٣١٨، و\"الإيضاح\" لمكي ص ٢٤٢، و\"النواسخ\" لابن الجوزي ص ٣٢٤، و\"المصفى\" لابن الجوزي ص ٣١، و\"تفسير الرازي\" ١٣/ ٢٤، و\"النسخ\" لمصطفى زيد ١/ ٤٢٦ - ٤٢٩.\nوينبغي التنبيه على أن النسخ عند السلف ﵃ في الإطلاق أعم منه عند =","vol":"8","page":206},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1032>٦٧ </span>- قوله تعالى: ﴿لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ﴾ المستقر: يجوز أن يكون موضع الاستقرار (١)، ويجوز أن يكون نفس الاستقرار؛ لأن ما زاد على الثلاثي كان المصدر منه على زنة اسم المفعول نحو المدخل والمخرج بمعنى: الإدخال والإخراج كقول الشاعر:\nإنَّ المُوَقَّى مِثلُ مَا وُقَّيتُ (٢)\nيعني: التوقية، قال المفسرون: (يقول: لكل خبر يخبره الله وقت ومكان يقع فيه من غير خُلف ولا تأخير، وإذا جعلت المستقر مصدرًا كان المعنى: لكل وعدٍ ووعيدٍ من الله وقوع واستقرار لابد ﴿وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ إذا نزل) (٣).\n_________\n= الأصوليين، فالسلف يسمون كل رفع نسخًا، سواء كان رفع حكم أو رفع دلالة ظاهرة، فيستعملونه فيما يظن دلالة الآية عليه من عموم أو إطلاق أو غير ذلك، ويطلقون على تقييد المطلق وتخصيص العموم وبيان المبهم والمجمل ورفع الحكم الشرعي بدليل شرعي متأخر نسخًا، سواء كان ذلك بدليل متصل أو منفصل كل ذلك عندهم عام ومجمل ومشترك في معنى واحد، وهو مطلق التغيير، وهو في كلام الأصوليين رفع حكم شرعي بدليل شرعي آخر متأخر عنه، أفاده شيخ الإِسلام في \"الفتاوى\" ١٣/ ٢٧٢ - ٢٧٣، ١٤/ ١٠١، والشاطبي في \"الموافقات\" ٣/ ١٠٨، والدكتور مصطفى زيد في \"النسخ في القرآن\" ١/ ٧٣.\n(١) المستقر: يكون مصدرًا بمعنى: الاستقرار، واسم مكان، أي: موضع الاستقرار، واسم زمان، أي: وقت الاستقرار. انظر: الرازي ١٣/ ٢٤، و\"الفريد\" ٢/ ١٦٧، و\"الدر المصون\" ٤/ ٦٧٤.\n(٢) هذا رجز لرؤبة بن العجاج في \"ديوانه\" ص٢٥، و\"الكتاب\"٤/ ٩٧، و\"المخصص\" ١٤/ ٢٠٠، وتكملته: (أَنْقَذَنيِ مِنْ خَوْفِ مَا خَشِيتُ)، والشاهد مجيء الموقى بمعنى: التوقية، انظر: \"شرح أبيات سيبويه\" للنحاس ص ١٨٦.\n(٣) انظر: \"تفسير الطبري\" ٧/ ٢٢٧، والسمرقندي ٤/ ١٣١٤، وابن عطية ٦/ ٧٢، والرازي ١٣/ ٢١.","vol":"8","page":207},{"text":"قال الكلبي: (لكل قول حقيقة ما كان منه في الدنيا فستعرفونه وما كان منه في الآخرة فسوف يبدو لكم) (١).\nوقال الضحاك: (لكل حديث وخبر منتهى وأجل يتبين فيه صدقه عند وقوعه) (٢) يعني: العذاب الذي وعدهم في الدنيا [و] (٣) الآخرة، ونظيره قوله تعالى: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ [ص: ٨٨].\nوقال الحسن: (لكل عمل جزاء فمن عمل عملًا من الخير جوزي به الجنة، ومن عمل عمل سوء جوزي به النار، ﴿وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ يا أهلِ مكة) (٤)، وقال السدي: (استقر بهم القرار [يوم] (٥) بدر بما كان (٦) يعدهم من العذاب) (٧).\nقال أبو إسحاق: (يقول: لا آخذكم بالإيمان على جهة الحرب واضطراركم إليه ومقاتلتكم عليه، فلكل ﴿نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ﴾ أي: وقت معلوم، ﴿وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ جائز أن يكون وعدهم بعذاب الآخرة، وجائز أن يكون\n_________\n(١) \"تنوير المقباس\" ٢/ ٢٨ - ٢٩، وذكره الثعلبي في \"الكشف\" ١٧٩ أ، والبغوي ٣/ ١٥٤، وأخرج الطبري ١١/ ٤٣٥، وابن أبي حاتم ٣/ ٧٩ ب بسند جيد عن مجاهد مثله.\n(٢) ذكره شيخ الإِسلام في \"الفتاوى\" ١٧/ ٣٧٠ عن بعضهم.\n(٣) لفظ: (الواو)، ساقط من (أ).\n(٤) ذكره هود الهواري في \"تفسيره\" ١/ ٥٣٤، والثعلبي في \"الكشف\" ١٧٩ ب، والماوردي في \"النكت والعيون\" ١/ ٥٣٤، وشيخ الإسلام في \"الفتاوى\" ١٧/ ٣٧١.\n(٥) لفظ (يوم): ساقط من (ش).\n(٦) في (أ): (بما هو يعدهم).\n(٧) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٧/ ٢٢٧، وابن أبي حاتم ٤/ ١٣١٣ بسند جيد، وذكره السيوطي في \"الدر\" ٣/ ٣٧.","vol":"8","page":208},{"text":"وعدهم بالحرب وأخذهم بالإيمان إن شاؤوا أو أبوا) (١)، هذا الذي ذكرنا قول جماعة المفسرين (٢).\nوقال ابن عباس في رواية عطاء ﴿لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ﴾: (يريد: خبري وخبركم سوف يستقر عند رب العالمين، فيحكم بيني وبينكم ﴿وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ من له الحجة على صاحبه) (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1033>٦٨ </span>- قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا﴾ الآية، قال المفسرون (٤): (كان المشركون إذا جالسوا المؤمنين وقعوا في رسول الله والقرآن، فشتموا واستهزؤوا، فأمرهم الله أن لا يقعدوا معهم ﴿حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾).\nوهذا قول ابن عباس (٥) وسعيد بن جبير والسدي (٦) ومقاتل (٧)\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" ٢/ ٢٦٠، وفيه: (وأخذهم بالإيمان شاؤوا أو أبوا، إلا أن يعطي أهل الكتاب الجزية) ا. هـ.\n(٢) انظر: \"معاني النحاس\" ٢/ ٤٤٢.\n(٣) لم أقف عليه، وأخرج الطبري في \"تفسيره\" ٧/ ٢٢٧، وابن أبي حاتم ٤/ ١٣١٣ بسند جيد عنه قال: (﴿لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ﴾ يقول: حقيقة)، وأخرج الطبري بسند ضعيف عنه قال: (فعل وحقيقة ما كان منه في الدنيا وما كان منه في الآخرة)، وانظر: \"الدر المنثور\" ٣/ ٣٧.\n(٤) انظر: \"تفسير الطبري\" ٧/ ٢٢٨، و\"معاني النحاس\" ٢/ ٤٤٢، و\"تفسير السمرقندي\" ١/ ٤٩٢، و\"الكشف\" للثعلبي ١٧٩ أ، و\"أحكام القرآن\" لابن العربي ٢/ ٧٣٩.\n(٥) سوف يأتي تخريجه.\n(٦) أخرجه الطبري ٨/ ٢٢٨، من طرق جيدة عن سعيد بن جير والسدى ومجاهد وأبي مالك غزوان الغفاري، وقتادة، وابن جريج، وأخرجه ابن أبي حاتم ٤/ ١٣١٤ - ١٣١٥، من طرق جيدة عن سعيد بن جبير والسدي، وأبي مالك ومقاتل بن حيان.\n(٧) \"تفسير مقاتل\" ١/ ٥٦٧.","vol":"8","page":209},{"text":"وغيرهم (١)، قالوا: (ومعنى: ﴿يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا﴾ أي: بالتكذيب والاستهزاء)، قال ابن عباس: (أمر الله رسوله فقال: إذا رأيت المشركين يكذبون بالقرآن وبك ويستهزئون فاترك مجالستهم ﴿حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ يقول: حتى يكون خوضهم في غير القرآن) (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ﴾ وقرأ ابن عامر (٣): ﴿يُنْسِيَنَّكَ﴾ بالتشديد، وفعّل وأفعل يجريان مجرى واحدًا كما بينّا ذلك في مواضع [و] (٤) من التنزيل ﴿فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا﴾ [الطارق: ١٧]، والاختيار قرأه العامة لقوله تعالى (٥): ﴿وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ﴾ [الكهف: ٦٣]، قال ابن عباس: (يريد: إن نسيت فقعدت ﴿فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى﴾ وقم إذا\n_________\n(١) وهو قول مجاهد في \"تفسيره\" ١/ ٢١٧، وأخرجه عبد الرزاق ١/ ٢/ ٢١٢ بسند جيد عن قتادة، وذكره عن عامة المفسرين، السيوطي في \"الدر\" ٣/ ٣٩.\n(٢) \"تنوير المقباس\" ٢/ ٢٩، وذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٦١.\nوأخرج الطبري ٧/ ٢٢٨، وابن أبي حاتم ٤/ ١٤/ ١٣ بسند جيد عنه قال: (أمر الله المؤمنين بالجماعة، ونهاهم عن الاختلاف والفرقة، وأخبرهم إنما هلك من كان قبلهم بالمراء والخصومات في دين الله) ا. هـ\nوذكره السيوطي في \"الدر\" ٣/ ٣٧.\n(٣» قرأ ابن عامر: ﴿يُنْسِيَنَّكَ﴾ بفتح النون الأولى وتشديد السين، وقرأ الباقون. بسكون النون الأولى وتخفيف السنن.\nانظر: \"السبعة\" ص ٢٦٠، و\"المبسوط\" ص ١٧٠، و\"التذكرة\" ٢/ ٤٠١، و\"التيسير\" ص ١٠٣، و\"النشر\" ٢/ ٢٥٩.\n(٤) لفظ: (الواو)، ساقط من (ش).\n(٥) انظر: \"معاني القراءات\" ١/ ٣٦٣، و\"إعراب القراءات\" ١/ ١٦٠، و\"الحجة\" لابن خالويه ص ١٤٢، ولأبي علي ٣/ ٣٢٤، ولابن زنجلة ص ٢٥٦، و\"الكشف\" ١/ ٤٣٦.","vol":"8","page":210},{"text":"ذكرت) (١)، و﴿الذِّكْرَى﴾: اسم للتذكرة، قاله الليث (٢).\n\nوقال الفراء: (الذكرى يكون بمعنى: الذكر، كقوله تعالى: ﴿فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى﴾ يكون بمعنى: التذكير، كقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ ذِكْرَى﴾ [الأنعام:<span data-type=\"title\" id=toc-1034>٦٩]) </span>(٣)، والكلام في الذكرى موضعه في سورة هود (٤) عند قوله: ﴿ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود: ١١٤].\nوقوله تعالى: ﴿مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ قال ابن عباس: (يعني: المشركين) (٥).\n\n٦٩ - قوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ قال ابن عباس: (قال المسلمون: لئن كنا كلما استهزأ المشركون بالقرآن وخاضوا فيه قمنا عنهم لم نستطع أن نجلس في المسجد الحرام وأن نطوف بالبيت فنزل: ﴿وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ فرخص للمؤمنين في القعود معهم\n_________\n(١) \"تنوير المقباس\" ٢/ ٢٩، وذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٦١، وابن الجوزي ٣/ ٦٢.\n(٢) \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٢٨٧، وانظر: \"العين\" ٥/ ٣٤٦ (ذكر)، و\"مجاز القرآن\" ١/ ١٩٤.\n(٣) \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٢٨٧، وفيه: (يكون بمعنى: الذكر، وبمعنى: التذكر) ا. هـ. ولم أقف عليه في \"معانيه\" والذِّكْر والذِّكْرى بالكسر خلاف النسيان، وكذلك الذُّكْرَة بالضم، والذِّكر بالكسر: الصيت والثناء، وقال الراغب في \"المفردات\" ص ٣٢٩ (الذَّكرى كثرة الذِّكر وهو أبلغ من الذِّكر. والتَّذكِرة: ما يُتذكر به الشيء، وهو أعم من الدلالة والأمارة) ا. هـ، وانظر: \"الجمهرة\" ٢/ ٦٩٤، و\"الصحاح\" ٢/ ٦٦٤، و\"مقاييس اللغة\" ٢/ ٣٥٨، و\"اللسان\" ٣/ ١٥٠٧ (ذكر).\n(٤) انظر: \"البسيط\" النسخة الأزهرية ٣/ ٤٨ ب.\n(٥) \"تنوير المقباس\" ٢/ ٢٩،وذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٦١، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٣/ ٦٢.","vol":"8","page":211},{"text":"يذكرونهم ويفهمونهم، قال: ومعنى الآية ﴿وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ الشرك والكبائر والفواحش، ﴿مِنْ حِسَابِهِمْ﴾: من آثامهم ﴿مِنْ شَيْءٍ وَلَكِنْ ذِكْرَى﴾ يقول: ذكّرهم بالقرآن وبمحمد - ﷺ -، فرخص لهم في مجالستهم على ما أمروا به من المواعظ لهم) (١).\nوقال أبو إسحاق: (أي (٢): وما عليك أيها النبي وعلى المؤمنين ﴿مِنْ حِسَابِهِمْ﴾ أي: من كفرهم ومخالفتهم أمر الله ﷿ ﴿مِنْ شَيْءٍ وَلَكِنْ ذِكْرَى﴾، ولكن عليكم أن تذكروهم (٣)، قال: و﴿ذِكْرَى﴾ يجوز أن تكون في موضع رفع من وجهين أحدهما: ﴿وَلَكِنْ﴾ عليكم ﴿ذِكْرَى﴾ أي: أن تذكروهم، وجائز أن يكون ﴿وَلَكِنْ﴾ الذين (٤) تأمرونهم به ﴿ذِكْرَى﴾) وعلى هذا التأويل الذكرى يكون بمعنى الذكر، وعلى الوجه الأول (٥) يكون بمعنى: التذكير. قال: (يجوز أن يكون في موضع نصب على معنى: ذكروهم ﴿ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ أي: ليرجى منهم التقوى) (٦).\n_________\n(١) \"تنوير المقباس\" ٢/ ٢٩، وذكره الثعلبي في \"الكشف\" ١٧٩ أ، والواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٦١ - ٦٢، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٣/ ٦٢، والرازي في \"تفسيره\" ١٣/ ٢٦، والقرطبي ٧/ ١٥.\n(٢) لفظ: (أي) ساقط من (أ).\n(٣) في (ش): (يذكروهم).\n(٤) في (ش): (الذي)، وما في (أ) هو الموافق لما عند الزجاج في \"معانيه\" ٢/ ٢٦١.\n(٥) انظر: \"تفسير الفخر الرازي\" ١٣/ ٢٦.\n(٦) \"معاني القرآن\" ٢/ ٢٦١، وقال الفراء في\"معانيه\" ١/ ٣٣٩: (قوله ﴿وَلَكِنْ ذِكْرَى﴾ في موضع نصب بفعل مضمر، ولكن نذكرهم ذكرى، أو رفع على قوله: ولكن هو ذكرى) ا. هـ. بتصرف، وانظر: \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ٥٥٥، و\"المشكل\" لمكي ١/ ٢٥٦، و\"البيان\" ١/ ٣٢٥، و\"التبيان\" ١/ ٣٣٩، و\"الفريد\" ٢/ ١٦٧ - ١٦٨، و\"الدر المصون\" ٤/ ٦٧٦.","vol":"8","page":212},{"text":"قال ابن عباس: (تعظونهم لعلهم يخافوني) (١).\nوقال مقاتل: ﴿وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ (يقول: لعلهم إذا قمتم منعهم ذلك من الخوض والاستهزاء) (٢)، فعلى هذا يكون المعنى: ذكروهم ذكرى بترك المجالسة ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ الخوض، ونحو هذا قال مجاهد في معنى هذه الآية فقال: (﴿وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ (إن قعدوا ولكن لا يقعدون) (٣)، وهذان (٤) جعلا قوله: ﴿وَلَكِنْ ذِكْرَى﴾ ترك القعود.\nقال مقاتل (٥) وسعيد بن جبير (٦) وابن جريج والسدي (٧): (هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ﴾ الآية التي في النساء؛\n_________\n(١) لم أقف عليه.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ١/ ٥٦٧.\n(٣) \"تفسير مجاهد\" ١/ ٢١٧، وأخرجه الطبري ٧/ ٢٣٠ بسند جيد، وذكره السيوطي في \"الدر\" ٣/ ٣٩.\n(٤) في (ش): (وهذا إن جعلا)، والصواب ما أثبته، والمراد: مجاهد ومقاتل.\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ١/ ٥٦٧.\n(٦) أخرجه ابن الجوزي في \"نواسخ القرآن\" ص ٣٢٥ بسند جيد عن أبي مالك وسعيد ابن جبير.\n(٧) أخرجه الطبري ٧/ ٢٣٠ بسند جيد عن ابن جريج، والسدي وأخرجه النحاس في \"ناسخه\" ٢/ ٣١٩ بسند ضعيف عن الضحاك، وذكره ابن كثير ٢/ ١٦١ عن مجاهد، وهو قول ابن حزم في \"ناسخه\" ص ٣٧، وابن سلامة ص ٦٧، وأبي منصور البغدادي ١٠٢، وابن العربي ٢/ ٢١١، قالوا: (هذا صريح أمر، وليس بخبر، وهو مأمور أن يقوم عنهم إذا استهزؤوا بآيات الله، ثم أمر بقتلهم وإقامة الحد عليهم في ذلك، فهي منسوخة بأمره بالقتال).\nوانظر: \"الدر المنثور\" ٣/ ٣٨.","vol":"8","page":213},{"text":"لأن الله تعالى خوفهم فقال: إن قعدتم معهم ﴿إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٠] وقال غيرهم: (ليست بمنسوخة، ولكن المعنى: ﴿وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ إذا قعدوا معهم بشرط التذكير والموعظة) (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1035>٧٠ </span>- قوله تعالى: ﴿وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا﴾ الآية، قال ابن عباس (٢) والمفسرون (٣): (يعني: الكفار الذين إذا سمعوا آيات الله استهزؤوا بها وتلاعبوا عند ذكرها).\nوقال الفراء: (يقال: ليس من قوم إلا ولهم عيد فهم (٤) يلهون في أعيادهم إلا أمة محمد، فإن أعيادهم برّ وصلاة وتكبير وخير) (٥)، وهذا قول الكلبي (٦)، فعلى القول الأول معنى قوله ﴿دِينَهُمْ﴾: الذي شرع لهم، وعلى قول الفراء المراد بالدين: العيد؛ لأنه مما يتدين (٧) به فصار داخلًا في جملة الدين.\n_________\n(١) هذا هو الظاهر، واختيار النحاس في \"ناسخه\" ٢/ ٣١٩، ومكي في \"الإيضاح\" ص ٢٤٣، وابن الجوزي في \"النواسخ\" ص ٣٢٥، ومصطفى زيد في \"النسخ في القرآن\" ١/ ٤٤٠، قالوا: (الآية خبر ومحال نسخه، والمعنى فيه بين، أي: ما عليكم شيء من آثامهم إنما يلزمكم الإنذار والنهي عن المنكر، ولا يقعد معه راضيًا بقوله وفعله وإلا كان مثله) وانظر: ابن عطية ٥/ ٢٣٥، والقرطبي ٧/ ١٥، وانظر: \"مفهوم النسخ عند السلف\" في ص ٢٦٧.\n(٢) ذكر نحوه بدون نسبة البغوي ٣/ ١٥٥، وابن الجوزي ٣/ ٦٤.\n(٣) انظر: الطبري ٧/ ٢٣١، والماوردي ٢/ ١٢٩.\n(٤) في (ش): (عيد فلهم)، وهو تحريف.\n(٥) \"معاني الفراء\" ١/ ٣٣٩.\n(٦) ذكره السمرقندي ١/ ٤٩٣، والقرطبي ٧/ ١٦، وذكره الرازي ١٣/ ٢٧ عن ابن عباس.\n(٧) في (ش): (مما تدين به).","vol":"8","page":214},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَذَكِّرْ بِهِ﴾ قال ابن عباس: (يريد: وَعِظْ بالقرآن (١) ﴿أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ﴾ قال: يريد ترتهن في جهنم بما كسبت في الدنيا) (٢)، وهو قول (٣) الفراء قال: (﴿تُبْسَلَ﴾: ترتهن).\nوقال الحسن (٤) ومجاهد (٥) وعكرمة (٦) والسدي: (تُسلم للهلكة)، قال الليث (٧): (الإبسال: أن يُبسل الرجل فيخذل، واستبسل الرجل للموت: إذا وطن نفسه عليه، من هذا).\nوقال أبو الهيثم (٨): (يقال: أبسلته بجريرته، أي: أسلمته بها) وينشد على هذا قول الشَّنْفَرَى:\nسَجِيسَ اللَّيَالِي مُبْسَلًا بِالجَرَائِرِ (٩)\n_________\n(١) \"تنوير المقباس\" ٢/ ٣٠، وهو بلا نسبة في \"الوسيط\" ١/ ٦٢، والبغوي ٣/ ١٥٥، وابن الجوزي ٣/ ٦٤.\n(٢) ذكره الرازي ١٣/ ٢٨، وهو قول مقاتل ١/ ٥٦٨، والأخفش كما ذكره السمرقندي ١/ ٤٩٣.\n(٣) \"معاني الفراء\" ١/ ٣٣٩.\n(٤) أخرجه الطبري ٧/ ٢٣١، من عدة طرق جيدة عن الحسن ومجاهد وعكرمة، وأخرجه الأزهري في \"تهذيبه\" ١/ ٣٣٦ بسند جيد عن الحسن.\n(٥) \"تفسير مجاهد\" ١/ ٢١٧ - ٢١٨.\n(٦) ذكره الثعلبي ١٧٩ أ، والماوردي ٢/ ١٣٠، عن الحسن وعكرمة والسدي وغيرهم، وأخرجه ابن أبي حاتم ٤/ ١٣١٨، بسند ضعيف عن ابن عباس، وقال بعده: (وروي عن مجاهد وعكرمة والحسن والسدي مثل ذلك) ا. هـ. وهو اختيار ابن قتيبة في \"تفسير غريب القرآن\" ١/ ١٦٤.\n(٧) \"تهذيب اللغة\" ١/ ٣٣٦، وانظر: \"العين\" ٧/ ٢٦٣ (بسل).\n(٨) \"تهذيب اللغة\" ١/ ٣٣٦، و\"اللسان\" ١/ ٢٨٥ (بسل)، وراد: (ويقال: جزيته بها).\n(٩) \"ديوانه\" ص ٤٨، \"مجاز القرآن\" ١/ ١٩٥، و\"الحماسة\" لأبي تمام ١/ ١٨٨، و\"إصلاح المنطق\" ص ٣٩٤، و\"الشعر والشعراء\" ص ٣١، و\"الزاهر\" ٢/ ٢١٣، =","vol":"8","page":215},{"text":"وقال آخر (١):\nوإِبْسَالِي بَنِيَّ بِغَيْرِ جُرْمٍ ... بَعَوْنَاهُ وَلَا بِدمٍ مُرَاقِ\nأي: إسلامي وتركي إياهم، وهذا الوجه اختيار الزجاج، قال: (معنى ﴿تُبْسَلَ﴾: تسلم بعملها غير قادرة على التخلص، والمستبسل المستسلم الذي يعلم أنه لا يقدر على التخلص) (٢).\nوقال قتادة: (أن تحبس) (٣) وهو قول ابن الأعرابي، قال في قوله تعالى: ﴿أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ﴾ (٤) (أي: تحبس في جهنم) (٥).\n_________\n= والطبري ٧/ ٢٢٣، و\"تهذيب اللغة\" ١/ ٣٣٦، والثعلبي ١٧٩ أ، و\"اللسان\" ١/ ٢٨٥ (بسل)، وصدره:\nهُنَالِكَ لا أَرْجُو حَيَاةً تَسُرُّنِي\nوسجيس: أي أبد الليالي وطولها، ومبسلا أي: مسلما ومرتهنا، أسلم إلى عدوه بما جنى عليهم، والجرائر: الجرائم والذنوب.\n(١) الشاهد لعوف بن الأحوص الكلابي، شاعر جاهلي، في المراجع السابقة سوى الحماسة والشعر، وإصلاح المنطق، وهو في \"النوادر\" لأبي زيد ص ١٥١، و\"المعاني الكبير\" ٢/ ١١١٤، و\"الصحاح\" ٤/ ١٦٣٤، و\"المجمل\" ١/ ١٢٥، و\"مقاييس اللغة\" ١/ ٢٤٨، والماوردي ٢/ ١٣١، وبلا نسبة في \"تفسير غريب القرآن\" ص ١/ ١٦٥، و\"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٦١، و\"الجمهرة\" ١/ ٣٣٩، و\"معاني النحاس\" ٢/ ٤٤٤، و\"المخصص\" ١٣/ ٧٩، وبعوناه: أي جنيناه، والبعو: الجرم والجناية. يقول: رهنت بني في العرب وأسلمتهم من غير جرم.\n(٢) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٦١، وفيه أيضًا: أي: تسلم، وقيل: ترتهن، والمعنى واحد. اهـ.\n(٣) أخرجه الطبري ٧/ ٢٣٢، وابن أبي حاتم ٤/ ١٣١٨ من طرق جيدة بلفظ: (تؤخذ فتحبس).\n(٤) لفظ: (أن) ساقط من (ش).\n(٥) \"تهذيب اللغة\" ١٢/ ٤٣٩، و\"اللسان\" ١٢/ ٥٤ (بسل).","vol":"8","page":216},{"text":"وروى عن ابن عباس: (﴿تُبْسَلَ﴾: (تُفضح (وأُبسلو): أُفضحوا) (١).\nومعنى الآية: وذكرهم (٢) بالقرآن إسلام الجانيين بجناياتهم لعلهم يخافون فيتقون، وليس قول من قال: معناه: وذكرهم كيلا ﴿تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ﴾ بشيء البتة (٣).\n_________\n(١) ذكره البخاري في \"صحيحه\" ٨/ ٢٨٦، كتاب: التفسير، تفسير سورة الأنعام، وأخرجه الطبري ٧/ ٣٣٢، وابن أبي حاتم ٣/ ٨١ ب و٨٢ أبسند جيد بلفظ: (تفضح - وفضحوا).\nوقال ابن حجر في \"الفتح\" ٨/ ٢٨٧: (أفضحوا من الرباعي، وهي لغة، يقال: فضح وأفضح، وروى عنه: فضحوا) ا. هـ. ملخصًا.\nوفي \"مسائل نافع بن الأزرق\" ص ١١٤، قال: (تبسل تحبس) ا. هـ\nوهذه الأقوال متقاربة، وأكثرهم على أنه بمعنى: تسلم وترتهن، ولعل تفسيره بتفضح تفسير باللازم؛ لأن من لازم أخذهم بالعذاب بما كسبوا أن يفضحوا.\nوقال النحاس في \"معانيه\" ٢/ ٤٤٣: (تُسلم حسن، أي: تسلم بعملها لا تقدر على التخلص؛ لأنه يقال: استبسل فلان للموت، أي: رأى ما لا يقدر على دفعه) ا. هـ. ملخصًا.\nوقال ابن كثير ٢/ ١٦٢: (الأقوال متقاربة في المعنى، وحاصلها الإِسلام للهلكة والحبس عن الخير والارتهان عن درك المطلوب) اهـ.\nوانظر: المراجع المذكورة في الحواشي، و\"غريب القرآن\" لليزيدي ص ١٣٧، و\"الوسيط\" ١/ ٦٢، و\"الكشاف\" ٢/ ٢٧، والبغوي ٣/ ١٥٦، وابن عطية ٥/ ٢٣٨، وابن الجوزي ٣/ ٦٥، والقرطبي ٧/ ١٦، و\"البحر\" ٤/ ١٥٥، و\"الدر المنثور\" ٣/ ٣٩، وفيها ذكر عامة الأقوال، وانظر: \"الفتاوى\" ١٣/ ٣٤٣.\n(٢) لفظ: (الواو): ساقط من (ش).\n(٣) لم أقف على هذا القول بنصه.\nوفي الطبري ٧/ ٢٣٣، قال: (ذكرهم كيلا تبسل نفس بذنوبها وكفرها بربها، وترتهن فتغلق بما كسبت من إجرامها في عذاب الله) ا. هـ. ملخصًا.\nوانظر: الرازي ١٣/ ٢٨، و\"البحر\" ٤/ ١٥٥، و\"الدر المصون\" ٤/ ٦٧٩.","vol":"8","page":217},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا﴾ قال ابن عباس (١) وقتادة (٢) والسدي (٣) وابن زيد (٤): (وإن تفد كل فداء)، وذكرنا هذا المعنى عند قوله تعالى: ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾ (٥) [البقرة: ١٢٣]، وهؤلاء قالوا: (إن تفد كل فداء من جهة المال) قال ابن عباس (٦): (إن تفتد بالدنيا وما فيها لا يؤخذ منها) (٧).\nوقال قتادة (٨): (لو جاءت بملء الأرض ذهبًا لم يقبل منها). [و] (٩) روي عن الحسن أنه قال: (هذا الفداء من جهة الإسلام والتوبة ولا ينفعهم ذلك في الآخرة) (١٠).\n_________\n(١) أخرج الطبري ١/ ٢٦٨ بسند جيد عنه قال: (العدل: البدل، والبدل: الفدية)، وانظر: ابن كثير ٢/ ١٦٢، و\"الدر المنثور\" ١/ ١٦٦.\n(٢) ذكره النحاس في \"معانيه\" ٢/ ٤٥٥، والماوردي ٢/ ١٣١، وابن كثير ٢/ ١٦٢، وأخرج ابن أبي حاتم ٤/ ١٣١٩، و\"تحقيق الغماري\" بسند جيد عن أبي العالية، قال: (العدل: الفداء).\nقال ابن أبي حاتم: (وروي عن أبي مالك والحسن وسعيد بن جبير وقتادة والربيع نحوه) اهـ.\n(٣) أخرجه الطبري ٧/ ٢٣٣ بسند جيد عن السدي وابن زيد.\n(٤) أخرجه ابن أبي حاتم ٤/ ١٣١٨ بسند جيد، وذكره الماوردي ٢/ ١٣١، عن السدي وابن زيد.\n(٥) لفظ: (الواو): ساقط من النسخ.\n(٦) في (أ): (قال ابن عباس: قال): وهو تحريف.\n(٧) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٦٢، وفي \"تنوير المقباس\" ٢/ ٣٠ نحوه.\n(٨) أخرجه عبد الرزاق في التفسير ١/ ٢/ ٢١٢، والطبري ٧/ ٢٣٣، ٢/ ٣٤، وابن أبي حاتم ٤/ ١٣١٩، من عدة طرق جيدة.\n(٩) لفظ: (الواو): ساقط من (أ).\n(١٠) ذكره الماوردي ٢/ ١٣١.","vol":"8","page":218},{"text":"وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا﴾ يقول: أسلموا للهلاك. وقال العوفي: (أسلموا إلى خزنة جهنم) (١).\nوقال ابن عباس (٢): (ارتهنوا بما كسبوا)، ﴿لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ﴾ وهو الماء (٣) الحار.\nقال المفسرون (٤): قوله تعالى: ﴿وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا﴾ منسوخ بقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ (٥) [التوبة: ٥]، وقال مجاهد (٦): (ليست بمنسوخة؛ لأن قوله: ﴿وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا﴾ معناه: التهديد، كقوله: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ [المدثر: ١١]).\n_________\n(١) ذكره الثعلبي ١٧٩ أ.\n(٢) سبق تخريجه.\n(٣) انظر: الطبري ٧/ ٢٣٤، والسمرقندي ١/ ٤٩٣، وابن الجوزي ٣/ ٦٦.\n(٤) هذا قول قتادة في \"ناسخه\" ص ٤٢.\nوأخرجه عبد الرزاق في التفسير، والطبري ٧/ ٢٣١، وابن أبي حاتم ٤/ ١٣١٧، والنحاس في \"ناسخه\" ٢/ ٣٢١، وابن الجوزي في \"النواسخ\" ص ٣٢٦ عنه من طرق جيدة، وذكره ابن الجوزي في \"النواسخ\" ص ٣٢٦، عن السدي، وهو قول ابن حزم في \"ناسخه\" ص ٣٧، وابن سلامة ص ٦٨، وأبي منصور البغدادي ص ١٠٢، وابن العربي ٢/ ٢١٢.\n(٥) في النسخ: (اقتلوا)، وهو تحريف.\n(٦) \"تفسير مجاهد\" ١/ ٢١٨، وأخرجه الطبري ٧/ ٢٣١، وابن أبي حاتم ٤/ ١٣١٧ من طرق جيدة، وهذا هو الظاهر، وإن كان النسخ جائزًا، لكن أكثرهم على أنه غير منسوخ؛ لأنه تهديد ووعيد للكفار، وليس هو بمعنى الإلزام، والمعنى: ذرهم فإن الله معاقبهم، وهو اختيار النحاس في \"ناسخه\" ٢/ ٣٢١، ومكي في \"الإيضاح\" ص ٢٤٤، وابن الجوزي في \"النواسخ\" ص ٣٢٦، ومصطفى زيد في \"النسخ\" ١/ ٤٨٠، وانظر: الطبري ٧/ ٢٣١، وابن عطية ٥/ ٢٢٧، والقرطبي ٧/ ١٧، وانظر: مفهوم النسخ عند السلف ص ٢٦٧.","vol":"8","page":219},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1036>٧١ </span>- قوله تعالى: ﴿قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا﴾ الآية ﴿أَنَدْعُو﴾] (١) هاهنا يجوز أن يكون معناه: نطلب النجاح كالعبد إذا دعا الله تعالى بطلب نجاح حاجته (٢). ويجوز أن يكون معناه: نعبد وهو الذي عليه المفسرون (٣).\nقال ابن عباس: (يقول: أنعبد ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ ما ليس عنده لنا منفعة، وإن عصينا لم يكن عنده لنا مضرة) (٤)، قال أهل المعاني: (المعنى: ما لا يملك لنا نفعًا ولا ضرًا؛ لأنه جماد لا يقدرعلى فعل شيء أصلًا) (٥)،\nوقوله تعالى: ﴿وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ قال الكلبي: (أي: نرد وراءنا إلى الشرك بالله) (٦)، قال أبو إسحاق: (ويقال لكل من أدبر: رجع إلى خلف، ورجع على عقبيه) (٧).\n_________\n(١) لفظ: ﴿أَنَدْعُو﴾ ساقط من (أ).\n(٢) قال ابن عطية ٥/ ٢٤١، في الآية: (الدعاء يعم العبادة وغيرها لأن من جعل شيئًا موضع دعائه فإياه يعبد وعليه يتكل).\n(٣) انظر: الطبري ٧/ ٢٣٥، والسمرقندي ١/ ٤٩٣، والبغوي ٣/ ١٥٦.\n(٤) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٦٣، وفي \"تنوير المقباس\" ٢/ ٣٠ نحوه، وذكره ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٣/ ٦٦ بدون نسبة.\n(٥) انظر: \"تفسير الطبري\" ٧/ ٢٣٦، و\"معاني النحاس\" ٢/ ٤٤٥، و\"تفسير ابن عطية\" ٥/ ٢٤١.\n(٦) \"تنوير المقباس\" ٢/ ٣٠، وذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٦٣.\n(٧) \"معاني القرآن\" ٢/ ٢٦٢، والنص فيه: (أي: نرجع إلى الكفر، ويقال لكل من أدبر: قد رجع إلى خلف، ورجع القَهْقَرى) اهـ.\nوانظر: \"مجاز القرآن\" ١/ ١٩٦، و\"غريب القرآن\" لليزيدي ص ١٣٨، و\"تفسير الطبري\" ٧/ ٢٣٥ - ٢٣٦، و\"معاني النحاس\" ٢/ ٤٤٥، و\"تفسير ابن عطية\" ٥/ ٢٤١.","vol":"8","page":220},{"text":"وقوله تعالى: ﴿كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ﴾ اختلف أهل اللغة في معنى (١) ﴿اسْتَهْوَتْهُ﴾ فقال الزجاج: (أي: كالذي زينت له الشياطين هواه) (٢)، فعلى هذا معنى الاستهواء: الدعاء إلى الأمر بالهوى من هوى النفس. وقال أبو عبيدة (٣): (﴿اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ﴾ استمالته).\nوقال الليث (٤): (يقال للمستهام الذي يستهيمه الجن: استهوته الشياطين، فهو حيران هائم).\nوقال غيره: (﴿اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ﴾ بمعنى استغوته ودعته إلى الضلال واستتبعته (٥)، فهوى، أي: أسرع، والعرب تقول: استهوى فلان فلانًا، واستغواه، إذا دعاه إلى الغي، وهو من قولهم: هوى يهوي إلى الشيء إذا أراده وأسرع إليه (٦)، ومنه قوله تعالى: ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾ [إبراهيم: ٣٧] أي: تنزع إليهم وتقعدهم) (٧).\n_________\n(١) هوى أصل يدل على خُلُوٍّ وسقوط، والهَوَى بالفتح مقصور: هوى النفس؛ وهَوِيَ، بكسر الواو: أحَبَّ، وهَوَى، بالفتح أيضًا: سقط، واستهواه الشيطان: اسْتَهَامه، انظر: \"البارع\" ص ١٦٦، و\"الصحاح\" ٦/ ٢٥٣٧، و\"المجمل\" ٤/ ٨٩٣، و\"مقاييس اللغة\" ٦/ ١٥، وقال الراغب في \"المفردات\" ص ٧٤٩ معنى الآية: (حملته على اتباع الهوى) اهـ.\n(٢) \"معاني القرآن\" ٢/ ٢٦٢، ومثله ذكر النحاس في \"معانيه\" ٢/ ٤٤٦.\n(٣) ذكره أبو علي في \"الحجة\" ٣/ ٣٢٥، وهو قول اليزيدي في \"غريب القرآن\" ص ١٣٨، وقال أبو عبيدة في \"المجاز\" ١/ ١٩٦: (هو الحيران الذي يشبه له الشياطين فيتبعها حتى يهوى في الأرض فيضل) اهـ.\n(٤) \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٨١٤، وانظر: \"العين\" ٤/ ١٠٥ (هوى).\n(٥) في (ش): (فاستتبعته).\n(٦) انظر: \"تفسير القرطبي\" ٧/ ١٨.\n(٧) هذا قول الطبري في \"تفسيره\" ١٣/ ٢٣٤، وفي \"تفسير غريب القرآن\" ص ٢٣٧ قال: (هوت به وذهبت).","vol":"8","page":221},{"text":"قال أبو علي الفارسي: (أرى قولهم: استهواه كذا، إنما هو من قولهم: هوى من حالق (١) إذا تردى منه، ويشبه به الذي يزل عن الطريق المستقيم كما أن زل إنما هو من العثار في المكان، ثم يشبه به المخطئ في طريقته، وتقول: أزله غيره، كما قال تعالى: ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ﴾ [البقرة: ٣٦]، وكذلك هوى هو وأهواه غيره، وتقول (٢): أهويته واستهويته، قال تعالى: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى﴾ [النجم: ٥٣]، كما تقول: أزله واستزله؛ قال تعالى: ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ﴾ [البقرة: ٣٦]، وقال: ﴿إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ﴾ [آل عمران: ١٥٥]، فكما أن استزله بمنزلة أزله، كذلك استهواه بمنزلة أهواه، كما أن استجاب بمنزلة أجاب) (٣). فأكثر أهل (٤) اللغة على أن: استهوى من هوى يهوى، وعلى هذا يدل (٥) كلام ابن عباس؛ لأنه قال: (كالذي استفزته (٦) الغيلان (٧) في الهامة) (٨).\n_________\n(١) في (ش): (خالق)، وهو تصحيف.\n(٢) في (ش): (ويقول).\n(٣) \"الحجة\" لأبي علي ٣/ ٣٢٥ - ٣٢٦ بتصرف يسير. وقال ابن عطية ٥/ ٢٤٢، وأبو حيان في \"البحر\" ٤/ ١٥٧: (ذهب أبو علي إلى أنه بمعنى: أهوى من هوى يهوي إذا سقط من علو، أي: ألقته الشياطين في هوة) ا. هـ. بتصرف.\n(٤) انظر: \"الجمهرة\" ٢/ ٩٩٨، و\"اللسان\" ٨/ ٤٧٢٨ (هوى) والمراجع السابقة.\n(٥) في (أ): (وعلى هذا كلام ابن عباس: يدل).\n(٦) في (ش): (استغوته).\n(٧) غيلان: جمع غول بالضم، وهو شيطان يأكل الناس، وسحرة الجن، والداهية. انظر: القاموس ص ١٠٤٠ (غول).\n(٨) ذكره الثعلبي ١٧٩ ب بلفظ: (استفزته)، والبغوي ٣/ ١٥٦. بلفظ: (استهوته)، والسيوطي في \"الدر\" ٣/ ٤٠ بلفظ (أضلته) وفي \"تنوير المقباس\" ٢/ ٣١ بلفظ (استزلته).","vol":"8","page":222},{"text":"وانفرد أبو إسحاق بقوله (١).\nوقوله تعالى ﴿حَيْرَانَ﴾، قال الأصمعي (٢): (يقال: حار يحَار حيرة وحيرًا) (٣)، وزاد الفراء: (حيرانًا وحيرورة) (٤).\nومعنى الحيرة (٥): هي التردد في الأمر لا يهتدي إلى مخرج منه ولا يتوجه له طريق، ومنه يقال: الماء يتحيّر في الغيمِ أي: يتردد، وتحيّرت الروضة بالماء إذا امتلأت فتردد فيها الماء.\nومنه قول لبيدٍ (٦):\n_________\n(١) قال الأزهري في \"تهذيبه\" ٤/ ٣٨١٣: (جعله الزجاج من هوِي بفتح الهاء وكسر الواو يَهْوَى بالفتح) اهـ. فيكون من هوى النفس، وليس من هَوَى بالفتح يَهْوِي بكسر الواو إلى الشيء إذا أسرع إليه.\nوقال أبو حيان في \"البحر\" ٤/ ١٥٥: (جعله الزمخشري من الهوى، وهو الميل والمودة، أي: أمالته الشياطين عن الطريق الواضح إلى المهمه القفر) ا. هـ. بتصرف، وانظر: \"الكشاف\" ٢/ ٢٨، والقرطبي ٧/ ١٨.\n(٢) \"تهذيب اللغة\" ١/ ٦٩٥ (حار).\n(٣) في (ش): (يحار، حيرة وحيرة)، ولعل حيرة الثانية تحريف عن: وحيرًا.\n(٤) ذكره الرازي ١٣/ ٣٠، والمصدر: حيرورة، ذكره القرطبي ٧/ ١٨، والشوكاني ٢/ ١٨٨، وفي \"البحر\" ٤/ ١٤٤ قال: (حارَ يحَارُ حَيْرَة وحَيْرًا وحيرانًا وحيرورة) ا. هـ. والنص عن الفراء لعله من كتاب المصادر المفقود.\n(٥) انظر: \"العين\" ٣/ ٢٨٨، و\"الصحاح\" ٢/ ٦٤٠، و\"مقاييس اللغة\" ٢/ ٢٣، و\"المفردات\" ص ٢٦٣، و\"عمدة الحفاظ\" ص ١٤٥ (حير).\n(٦) \"ديوانه\"ص ١٥٣، و\"تهذيب اللغة\" ١/ ٦٩٨، و\"اللسان\" ٢/ ١٠٦٧ (حار)، وتحيرت: امتلأت وأقام فيها الماء ولم يشرب، والدبار: جمع دبرة، وهي الساقية ومجاري الماء في المزرعة، والزلف: جمع زلفة، وهي مصانع الماء، والقِتْبُ -بالكسر-: السانية وأدواتها، والمحزوم: المربوط بالحزام. انظر: \"اللسان\" ٦/ ٣٥٢٤ (قتب).","vol":"8","page":223},{"text":"حَتى تَحَيَّرَتِ الدَّبَارُ كأنَّها ... زَلَفٌ وألْقَى قِتُبها المَحْزُومُ (١)\nيقول: امتلأت ماءً فتردد على جوانبها.\nقال ابن عباس: (هذا مثل ضربه الله للآلهة ومن يدعو إليها وللدعاة الذين يدعون إلى الله، كمثل رجل تائه ضال عن الطريق له أصحاب يدعونه إلى الطريق: هلم يا فلان إلى الطريق، فإن أتبع الداعي الأول انطلق به حتى يلقيه في هلكة، وإن أجاب من يدعوه إلى الطريق اهتدى. يقول: مثل من يعبد هذه الآلهة مثل من دعاه الغيلان في المفازة باسمه واسم أبيه فيتبعها، ويرى أنه في شيء، فيصبح وقد ألقته في هلكة أو في مضلة من الأرض يهلك فيها عطشًا، فهذا مثل من أجاب الآلهة التي تعبد من دون الله) (٢).\nوقال مجاهد (٣): (هذا مثل من ضل بعد الهدى)، وقال ابن عباس في رواية عطاء: (يعني بهذه الآية: عبد الرحمن (٤) بن أبي بكر الصديق -﵁-،\n_________\n(١) في النسخ الديار. وفي (ش): (المخزوم)، وهو تصحيف وخلاف ما في المراجع.\n(٢) أخرجه الطبري ٧/ ٢٣٦، وابن أبي حاتم ٤/ ١٣١٢ بسند جيد، وذكره السيوطي في \"الدر\" ٣/ ٢٥٩.\n(٣) \"تفسير مجاهد\" ١/ ٢١٨، وأخرج الطبري ٧/ ٢٣٦، وابن أبي حاتم ٤/ ١٣٢ من طرق جيدة نحوه، وذكره السيوطي في \"الدر\" ٣/ ٤١.\n(٤) عبد الرحمن بن عبد الله بن عثمان بن عامر التيمي القرشي أبو محمد صحابي جليل، أكبر ولد الصديق، وشقيق عائشة ﵄، أسلم قبيل الفتح، وكان فارسًا من أشجع قريش وأرماهم بسهم، شهد اليمامة والفتوح. وتوفي سنة ٥٣ هـ أو بعدها.\nانظر: \"التاريخ الكبير\" للبخاري ٥/ ٢٤٢، و\"الاستيعاب\" ٢/ ٣٨٢، و\"تهذيب الأسماء واللغات\" ١/ ٢٩٤، و\"سير أعلام النبلاء\" ٢/ ٤٧١، و\"الإصابة\" ٢/ ٤٠٧، و\"تهذيب التهذيب\" ٢/ ٥٢٥.","vol":"8","page":224},{"text":"كان يدعو أباه إلى الكفر وأبوه يدعوه إلى الإِسلام) (١) فقوله: ﴿كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ﴾ يريد: عبد الرحمن بن أبي بكر، قال الكلبي: (استفزّته الشياطين فعمل بالمعاصي ﴿حَيْرَانَ﴾: ضال عن الهدى ﴿لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا﴾ يعني أبويه وأصحاب محمد - ﷺ -) (٢).\nوقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى﴾ هذا جواب لعبد الرحمن حين دعا أباه إلى دين آبائه، قال ابن عباس في رواية عطاء: (وأبو بكر يقول: أَتبع ديني، ويخبره أن دين الله الهدى الذي هو عليه) (٣).\nقال أهل المعاني: (الآية من أولها إلى قوله ﴿اَئتِنَا﴾ إنكار على من دعا إلى الضلال وعبادة الأصنام، من آمن بالله وسلك طريق الهدى، وتشبيه حاله لو أجاب داعي الضلال بتشبيه حال التائه بسلوكه غير المحجة).\nوقوله بعد هذا: ﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى﴾ رد على من دعا إلى عبادة الأصنام، وكأنه بمنزلة: لا تفعل (٤) ذلك؛ لأن ﴿هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى﴾\n_________\n(١) \"تنوير المقباس\" ٢/ ٣١، وذكره السمرقندي ١/ ٤٩٤، والماوردي ٢/ ١٣٢، وابن الجوزي ٣/ ٦٧، والقرطبي ٧/ ١٨، وذكره أكثرهم بلا نسبة.\nانظر: \"تفسير مقاتل\" ١/ ٥٦٨، و\"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٦٢، والثعلبي ١٧٩ ب، و\"الكشاف\" ٢/ ٢٩، والرازي ١٣/ ٣٠، وضعف هذا القول ابن عطية ٥/ ٢٤٤، وأبو حيان في \"البحر\" ٤/ ١٥٧ لما في \"صحيح البخاري\" (٤٨٢٧) كتاب: التفسير، تفسير سورة الأحقاف عن عائشة ﵂ قالت: (ما أنزل الله فينا شيئًا من القرآن إلا أن الله أنزل عُذري) ا. هـ. وانظر: شرحه في \"فتح الباري\" ٨/ ٥٧٦.\n(٢) \"تنوير المقباس\" ٢/ ٣١، وفي \"معاني الفراء\" ١/ ٣٣٩، قال: (كان أبو بكر الصديق وامرأته يدعوان عبد الرحمن ابنهما إلى الإسلام فهو قوله: ﴿إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا﴾ أي: أطعنا) اهـ.\n(٣) سبق تخريجه في الفقرة السابقة.\n(٤) في (ش): (يفعل).","vol":"8","page":225},{"text":"لا هدى غيره (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ قال أبو إسحاق (٢): (العرب تقول: أمرتك لتفعل، وأن تفعل، وبأن تفعل، فمن قال: بأن تفعل، فالباء للإلصاق، والمعنى: وقع الأمر بهذا الفعل، ومن قال: أن تفعل، فعلى حذف الباء، ومن قال: لتفعل، فقد أخبر بالعلة التي وقع لها الأمر) (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1037>٧٢ </span>- وقوله تعالى: ﴿وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ قال الفراء: (﴿وَأَنْ﴾ مردودة على اللام التي في قوله ﴿وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ﴾، والعرب تقول: أمرتك لتذهب وأن تفعل كذا، فإن في وضع نصب بالرد على الأمر) (٤).\nوقال الزجاج (٥): (موضع ﴿أَنْ﴾ نصب؛ لأن الباء لما سقطت أفضى\n_________\n(١) انظر: \"الطبري\" ٧/ ٢٣٨، والبغوي ٣/ ١٥٦، و\"البحر المحيط\" ٤/ ١٥٧ - ١٥٨.\n(٢) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٦٢، وزاد: (أي: يدعونه ويقولون له: ﴿وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ أي: أمرنا للإسلام ...) اهـ.\n(٣) انظر: \"معاني الفراء\" ١/ ٣٣٩، والأخفش ٢/ ٢٧٧، والطبري ٧/ ٢٣٨، و\"إعراب النحاس\" ١/ ٥٥٦، و\"الدر المصون\" ٤/ ٦٨٦.\n(٤) \"معاني الفراء\" ١/ ٣٣٩، وهو قول الطبري في \"تفسيره\" ٧/ ٢٣٨، وانظر: \"معاني الأخفش\" ٢/ ٢٧٨.\n(٥) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٦٣. والنص فيه قال: (فيه وجهان أحدهما: أن تكون أمرنا لأن نسلم ولأن نقيم الصلاة، ويجوز أن يكون محمولًا على المعنى لأن المعنى: أمرنا بالإِسلام وبإقامة الصلاة، وموضع أن نصب لأن الباء لما سقطت أفضى الفعل فنصب، وفيه وجه آخر: يجوز أن يكون محمولًا على قوله ﴿يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا﴾، ﴿وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ أي: يدعونه أن أقيموا الصلاة) ا. هـ. وقد ذكر هذه الأوجه النحاس في \"إعراب القرآن\" ١/ ٥٥٦، ومكي في \"المشكل\" ١/ ٢٥٦، والعكبري في \"التبيان\" ١/ ٣٤٠.","vol":"8","page":226},{"text":"الفعل) (١)، فعنده كأن التقدير: وبأن أقيموا ثم حذفت الجارّة، وهو قريب من قول الفراء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1038>٧٣ </span>- قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾ أي: بكمال قدرته وشمول علمه وإتقان صنعه (٢)، وكل ذلك حق (٣)، وذكرنا وجهين آخرين في قوله تعالى: ﴿مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ في سورة يونس [٥].\nوقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ﴾ ذكر الزجاج في نصب ﴿يَوْمَ﴾ أوجهًا: (أحدها: أن يكون منسوقًا على الهاء في قوله: ﴿وَاتَّقُوهُ﴾ [الأنعام: ٧٢] في الآية الأولى، كما قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي﴾ [البقرة: ٤٨] والثاني (٤): أن يكون منصوبًا بإضمار: واذكر. قال: ويدل على هذا قوله بعده: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ﴾ [الأنعام: ٧٤] والمعنى: اذكر ﴿يَوْمَ يَقُولُ﴾، واذكر ﴿إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ﴾، والوجه الثالث: أن يكون معطوفًا على ﴿السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾، والمعنى: وخلق ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ﴾، ويكون هذا إخبارًا عن وقوعه وكونه؛ لأن ما أنبأ الله تعالى بكونه فهو واقع لا محالة، فجاز أن يقال: المعنى وخلق يوم يقول. وإن لم يأت يوم القيامة) (٥).\n_________\n(١) وهذا قول ابن الأنباري في \"البيان\" ١/ ٣٢٦، وانظر: تفسير ابن عطية ٥/ ٢٤٦ - ٢٤٧، و\"الفريد\" ٢/ ١٧١، و\"البحر\" ٤/ ١٥٩، و\"الدر المصون\" ٤/ ٦٨٧.\n(٢) في (ش): (صنعته).\n(٣) انظر: \"تفسير ابن عطية\" ٥/ ٢٤٧.\n(٤) وفيه ذكر أنه الأجود.\n(٥) انظر: \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٦٣، و\"معاني الأخفش\" ٢/ ٢٧٨، وقد ذكر الأوجه الثلاثة النحاس في \"إعراب القرآن\" ١/ ٥٥٧، ومكي في \"المشكل\" ١/ ٢٥٦.","vol":"8","page":227},{"text":"قال ابن عباس: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (يريد: يوم القيامة) (١)، وذكر غير الزجاج من النحويين: (أن قوله: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ﴾ ينتصب بإضمار: وقدر أو قضى، والكلام دل على هذا، فيكون ذلك المقدّر معطوفًا على خلق (٢)، وهذا أحسن من القول الثالث الذي ذكره الزجاج.\nواختلفوا في أن الخطاب في قوله ﴿كُنْ﴾ لماذا، فقال الفراء (٣) وحكاه الزجاج (٤): (المخاطبة للصورة خاصة، المعنى: ويوم يقول (٥) للصور كن فيكون)، وقد ذكر الصور في هذه الآية وكان ذكره فيما بعد دليلًا على أن الخطاب له. ويذكر الاختلاف (٦) في الصور.\nوقال الزجاج وحده: (وقيل: إن قوله: ﴿كُنْ﴾ فيه إضمار جميع ما يخلق في ذلك الوقت المعنى: و(٧) يوم يقول (٨) للشيء كن فيكون، وهذا ذكر ليدل على سرعة أمر البعث والساعة، كأنه قال: ويوم يقول للخلق موتوا فيموتون، وانتشروا فينتشرون، كأنه يأمر الحياة فتكون (٩) فيهم\n_________\n(١) \"تنوير المقباس\" ٢/ ٣٢.\n(٢) انظر: \"البيان\" ١/ ٣٢٦، و\"التبيان\" ١/ ٣٤٠، و\"الفريد\" ٢/ ١٧٢، و\"الدر المصون\" ٤/ ٦٩٠، وقال البغوي في \"تفسيره\" ٣/ ١٥٧: (قيل: هو راجع إلى خلق السموات والأرض، والخلق بمعنى: القضاء والتقدير، أي: كل شيء قضاه وقدره قال له: كن فيكون) اهـ.\n(٣) \"معاني الفراء\" ١/ ٣٤٠ وفيه: (يقال: إنه خطاب للصور خاصة) ا. هـ\n(٤) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٦٣.\n(٥) في (أ): (نقول) بالنون بدل الياء.\n(٦) يريد الخلاف في معناه كما سيأتي.\n(٧) لفظ: (الواو): ساقط من (أ).\n(٨) في (أ) (نقول).\n(٩) في (ش): (فيكون).","vol":"8","page":228},{"text":"والموت فيحل بهم) (١)، وعلى هذين القولين يكون قوله بعد هذا (٢): ﴿قَوْلُهُ الْحَقُّ﴾ رفع بالابتداء. وقال معًا (٣): (يجوز أن يكون الخطاب لقوله: ﴿الْحَقُّ﴾ والمعنى: أنه يأمر فيقع أمره، فيرتفع ﴿قَوْلُهُ﴾ باسم كان و﴿الْحَقُّ﴾ نعته). قال الزجاج: (وهذا كما تقول: قد قلت فكان قولك، ليس المعنى: فكان الكلام إنما المعنى أنه كان ما دل عليه القول) (٤).\nوقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾ يجوز أن يكون نصب ﴿يَوْمَ﴾ على (٥) ﴿وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ﴾ كما قال: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ [غافر: ١٦] ويجوز أن يكون قوله: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾ بدلًا من (٦) قوله: ﴿يَوْمَ يَقُولُ﴾، ويجوز أن يكون منصوبًا بقوله الحق؛ المعنى: وقوله الحق يوم ينفخ في الصور.\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" ٢/ ٢٦٣ - ٢٦٤، وذكره النحاس في \"إعراب القرآن\" ١/ ٥٥٧، ومكي في \"المشكل\" ١/ ٢٥٦.\n(٢) هذا قول النحاس في \"إعراب القرآن\" ١/ ٥٥٧، قال: (وعلى هذين الجوابين ﴿قَوْلُهُ الْحَقُّ﴾ ابتداء وخبر) اهـ.\n(٣) انظر: \"معاني الفراء\" ١/ ٣٤٠.\n(٤) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٦٤، وخلاصة ما ذكره الواحدي رحمه الله تعالى: (أن كان تامة، وفي فاعلها أوجه: الأول: ضمير جميع ما يخلق الله تعالى. والثاني: ضمير الصور، وعلى هذا يكون ﴿قَوْلُهُ الْحَقُّ﴾ مبتدأ، وخبر، أو ﴿قَوْلُهُ﴾: مبتدأ، و﴿الْحَقُّ﴾: نعته، والخبر: ﴿يَوْمَ يَقُولُ﴾، أو: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ﴾. والوجه الثالث: الفاعل، هو: ﴿قَولُهُ﴾، و﴿الْحَقُّ﴾ صفته، والواحدي عبر عن ذلك بقوله (يرتفع باسم كان). وانظر: \"التبيان\" ٣٤٠، و\"الفريد\" ١/ ١٧٣، و\"الدر المصون\" ٤/ ٦٩١.\n(٥) أي ظرف لقوله ﴿وَلَهُ الْمُلْكُ﴾ أي: وله الملك في ذلك اليوم. قال الهمداني في \"الفريد\" ١/ ١٧٣: (وهو المختار للقرب ولسلامته من الاعتراض) اهـ.\n(٦) في (أ): (عن) بدل (من).","vol":"8","page":229},{"text":"فإن قال قائل: لله الملك في كل يوم وقوله الحق في كل وقت، فلم خص ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾؟ والجواب: أنه اليوم الذي لا يظهر فيه من أحد نفع لأحد ولا ضر، فكان كما قال الله تعالى: ﴿وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ (١٩)﴾ [الانفطار: ١٩] والأمر في كل وقت لله ﷿؛ ذكر هذا كله أبو إسحاق (١). وأما الصور فقال الفراء والزجاج: (يقال: إن الصور قرن ينفخ فيه، ويقال: الصور جمع سورة ينفخ في صور الموتى -والله أعلم-) (٢)، قال الزجاج: (وكلاهما جائز، وأثبتهما في الحديث والرواية أن الصور قرن) (٣).\nوقال أبو عبيدة: (الصور جمع سورة مثل سورة البناء وسور) (٤).\nوأخبرني أبو الفضل العروضي قراءة وسعيد بن العباس القرشي كتابة قالا: أنبأنا الأزهري قال: عن أبي الهيثم أنه قال: اعترض قوم فأنكروا (٥)\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" ٢/ ٢٦٤، ولم يذكر الوجه الثاني، وهو كونه بدلًا. وقد ذكر الأوجه الثلاثة النحاس في \"إعراب القرآن\" ١/ ٥٥٧، وانظر: \" المشكل\" ١/ ٢٥٧، و\"التبيان\" ١/ ٣٤١، و\"الدر المصون\" ٤/ ٦٩٢.\n(٢) \"معاني الفراء\" ١/ ٣٤٠، وفيه: (ويقال: هو جمع للصور ينفخ في الصور في الموتى. والله أعلم بصواب ذلك) اهـ.\n(٣) \"معاني القرآن\" ٢/ ٢٦٤، وقال بعده: (والصور جمع سورة، أهل اللغة على هذا) اهـ وانظر: \"العين\" ٧/ ١٤٩، و\"الجمهرة\" ٢/ ٧٤٥، و\"الصحاح\" ٢/ ٧١٦، و\"المجمل\" ٢/ ٥٤٥، و\"مقاييس اللغة\" ٣/ ٣٢٠، و\"المفردات\" ص ٤٩٨، و\"عمدة الحفاظ\" ص ٣٠٣، و\"التاج\" ٧/ ١١٠، وأكثرهم قال: (الصور بالضم: القَرْن، ويقال: هو جمع صُورَة، والصِّوَر بالكسر لغة في الصُّوَر جمع صُورة).\n(٤) \"مجاز القرآن\" ١/ ١٩٦ (٤١٦)، ٢/ ١٦٢ - ١٦٣، وهو قول الإمام البخاري رحمه الله تعالى في \"صحيحه\" ٥/ ١٩٢ في \"كتاب التفسير، تفسير سورة الأنعام\"، وحكاه البغوي في \"تفسيره\" ٣/ ١٥٧ عن قتادة، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٣/ ٦٩؛ عن الحسن، وانظر: \"الزاهر\" ١/ ٤١٦.\n(٥) في (أ): (وأنكروا).","vol":"8","page":230},{"text":"أن يكون الصور قرنًا، كما أنكروا (١) العرش والميزان والصراط، وادعوا أن الصور جمع الصورة كما أن الصوف جمع الصوفة والثوم جمع الثومة، ورووا ذلك عن أبي عبيدة، قال أبو الهيثم: وهذا خطأ فاحش وتحريف لكلم الله عن مواضعه؛ لأن الله قال: ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ [غافر: ٦٤] وقال: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ [الكهف: ٩٩] فمن قرأها (٢): ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ وقرأ (٣): ﴿فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ فقد افترى الكذب وبدل كتاب الله، وكان أبو عبيدة صاحب أخبارٍ وغريب ولم يكن له معرفة بالنحو.\nقال الفراء (٤): كل جمع على لفظ الواحد المذكر سبق جمعه واحدته فواحده بزيادة هاء فيه، وذلك مثل الصوف والوبر والشعر والقطن والعشب، فكل واحد من هذه الأسماء اسم لجميع جنسه، فإذا أفردت واحدته (٥) زيدت فيها هاء؛ لأن جمع هذا الباب سبق واحدته، ولو أن الصوفة كانت سابقة للصوف لقالوا: صوفَةٌ وصُوَف وبُسْره وبُسَر كما قالوا:\n_________\n(١) جاء عند القرطبي ٧/ ٢٠ عن أبي الهيثم قال: (من أنكر أن يكون الصور قرنًا فهو كمن ينكر العرش والميزان والصراط وطلب لها تأويلات) اهـ، وهذا الكلام عن أبي الهيثم فيه مبالغة ونظر، خاصة وأن إمام الحفاظ قد ارتضاه في \"صحيحه\". قال السمين في \"الدر\" ٤/ ٦٩٤: (ولا ينبغي أن ينسب ذلك إلى هذه الغاية التي ذكرها أبو الهيثم) اهـ.\n(٢) يعني بفتح الواو، وهي قراءة الحسن، ومعاذ القارئ، وأبي مجلز وأبي المتوكل، وحكاها عمرو بن عبيد عن عياض، وقراءة الجمهور بسكونها. انظر: \"معاني النحاس\" ٢/ ٤٤٨، و\"مختصر الشواذ\" ص ٣٨، و\"زاد المسير\" ٣/ ٦٩.\n(٣) يعني بسكون الواو: صُورَكم.\n(٤) انظر: \"المذكر والمؤنث\" للفراء ص ٦٩، ١٠١، و\"المذكر والمؤنث\" لابن التستري ص ٥٢، و\"الإغفال\" لأبي علي الفارسي ص ١١١٣.\n(٥) في (ش): (واحد)، وهو تحريف.","vol":"8","page":231},{"text":"غُرْفة وغُرَف وزُلْفَة وزُلَف. وأما الصور: القرن فهو واحد لا يجوز أن يقال: واحدتها صورَة، وإنما تَجمع صورة الإنسان صورًا لأن واحدته لسبقت جمعه) (١).\nقال الأزهري: (قد احتج أبو الهيثم فأحسن الاحتجاج، ولا يجوز عندي غير ما ذهب إليه، وهو قول أهل السنة والجماعة، والدليل على صحة ما قال أن الله تعالى إذا بعث الأموات ينشئهم كيف شاء، ومن ادعى أنه يصورهم ثم ينفخ فيهم فعليه البيان) (٢)، انتهى كلامه.\nوقد ذكرنا من كلام أبي الهيثم مثل ما ذكرها هنا في جمع السور في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ﴾ [البقرة: ٢٣]، واحتج أهل التفسير (٣) علَى أن المراد بالصور هاهنا القرن بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى﴾ [الزمر: ٦٨] ولم يقل: فيها، وأيضًا فإنه لا ينفخ في الصور للبعث مرتين إنما ينفخ مرة واحدة، وبما ورد في الأخبار من ذكر النفخ في القرن كقوله ﵇: \"كيف أنعم وصاحب القرن قد التقمه\" (٤)\n_________\n(١) \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٩٦٠، و\"اللسان\" ٤/ ٢٥٢٤ - ٢٥٢٥ (صور)، وذكره عن الواحدي الرازي في \"تفسيره\" ١٣/ ٣٣.\n(٢) \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٩٦٠، وهذا القول هو الظاهر عند أكثر أهل العلم. وقال الزجاجي في \"اشتقاق أسماء الله\" ص ٢٤٣ - ٢٤٤: (أهل اللغة على أن الصّور جمع صورة، وقيل: إنه قرن، ومذهب أهل العربية غير فاسد؛ لأنه جائز أن يُنفخ في القرن ثم يمتد النفخ بإرجاع تلك الأرواح إلى الصور فتحيا بإذن الله) ا. هـ. بتصرف.\nوانظر: \"تفسير الطبري\" ٧/ ٢٣٩ وما بعدها، و\"معاني النحاس\" ٢/ ٤٤٧، وابن عطية ٥/ ٢٤٩، و\"النهاية\" لابن الأثير ٣/ ٦٠، والقرطبي ٧/ ٢٠، وابن كثير ٢/ ١٦٣، وكلهم رجح أنه قرن، وحكى السمرقندي ١/ ٤٩٤، إجماع المفسرين عليه.\n(٣) انظر: \"الإغفال\" ص ١١١٣.\n(٤) الحديث روي من طرق يقوي بعضها بعض عن جماعة من الصحابة عن =","vol":"8","page":232},{"text":"الحديث، قال الفراء: (والعرب (١) تقول: نفخ الصور ونفخ في الصور وأنشد (٢):\nلَوْلَا ابْنُ جَعْدَةَ لَمْ يُفْتَحْ قُهُنْدُزُكُمْ ... وَلاَ خُرَاسَانُ حَتَّى يُنْفَخَ الصُّورُ) (٣)\n_________\n= النبي - ﷺ -، فقد أخرجه ابن أبي شيبة ٦/ ٧٧ (٢٩٥٨)، وأحمد ١/ ٣٢٦، ٣/ ٧٣، ٤/ ٣٧٤، والترمذي (٢٤٣١) كتاب: صفة القيامة، باب: ما جاء في شأن الصور، (٣٢٤٣)، كتاب: تفسير القرآن، باب: ومن سورة الزمر، والنسائي في \"التفسير\" ١/ ٣٤٠، والحاكم ٤/ ٥٥٩، وقال الترمذي: (حديث حسن)، وذكره السيوطي في \"الدر\" ٣/ ٤٢: (وزاد نسبته إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر والطبراني في \"الأوسط\" وأبي نعيم في \"الحلية\" والبيهقي في \"البعث\".)، وأخرج أبو داود (٤٧٤٢)، كتاب: السنة، باب: في ذكر البعث والصور، والترمذي (٢٤٣٠)، كتاب: صفة القيامة، باب: ما جاء في شأن الصور) (٣٢٤٤)، كتاب: تفسير القرآن، باب: ومن سورة الزمر، وأحمد ١٠/ ٩، ١١/ ٥٨، والدارمي ٣/ ١٨٤٤ (٢٨٤٠)، والحاكم ٢/ ٤٣٦، ٥٠٦، ٤/ ٥٦٠، والنسائي في \"التفسير\" ٢/ ٢٤٤ من طرق جيدة عن عبد الله بن عمرو، أن أعرابيًّا سأل النبي - ﷺ - عن الصور؟ فقال: \"قرن ينفخ فيه\"، وحسنه الترمذي، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي، وصححه أحمد شاكر في \"حاشية المسند\"، وذكره السيوطي في \"الدر\" ٣/ ٤٢، وزاد نسته إلى ابن المبارك في \"الزهد\" وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في \"البعث\"، وهذا الحديث يُعَدُّ نصًّا في أن الصور قرن.\n(١) في (أ): (والعرب تقول والعرب)، وهو تحريف.\n(٢) لم أقف على قائله، وهو في \"تفسير الطبري\" ٧/ ٢٤١، و\"الزاهر\" ١/ ٤١٦، و\"المعرب\" للجواليقي ص ٥١٢، و\"الأنساب\" للسمعاني ٤/ ٥٦٦، و\"الدر المصون\" ٤/ ٦٩٤.\nوقهندز: بالضم، وقيل: بالفتح: كلمة أعجمية معربة تعني القلعة أو الحصن. انظر: \"معجم البلدان\" ٤/ ٤١٩، و\"التاج\" ٨/ ١٣٣، وابن جعدة هو عبد الله بن جعدة بن هبيرة المخزومي، انظر: \"حاشية الطبري\".\n(٣) \"معاني الفراء\" ١/ ٣٤٠.","vol":"8","page":233},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1039>٧٤ </span>- قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ﴾ قال محمد بن إسحاق (١) والضحاك (٢) والكلبي: (آزر: أبو إبراهيم، وهو تارح (٣) مثل إسرائيل ويعقوب)، وهو قول الحسن (٤) والسدي (٥) قالوا جميعًا: (آزر: اسم أبي إبراهيم)، وقال مقاتل بن حيان (٦): (هو لقب [له] (٧».\nوقال سليمان (٨) التيمي (٩): (هو سبّ وعيب، ومعناه في كلامهم: المعوّج).\n_________\n(١) أخرجه الطبري ٧/ ٢٤٢، وابن أبي حاتم ٤/ ١٣٢٥ بسند جيد.\n(٢) ذكره الثعلبي ١٧٩ ب، والبغوي ٣/ ١٥٨، والقرطبي ٧/ ٢٢ عن الضحاك وابن إسحاق والكلبي.\n(٣) في (ش): (تارخ) وأكثر المصادر تذكره بالحاء المهملة، قال ابن كثير في البداية والنهاية ١/ ١٤٢: (ابن عباس والجمهور على أن اسم أبيه تارح، وأهل الكتاب يقولون: تارخ بالخاء المعجمة) ا. هـ. بتصرف، وانظر: \"عرائس المجالس\" ص ٧٢، و\"تفسير مبهمات القرآن\" ١/ ٤٣١.\n(٤) ذكره النحاس في \"معانيه\" ٢/ ٤٤٨، وذكره الماوردي ٢/ ١٣٤، وابن الجوزي ٣/ ٧٠ عن الحسن والسدي.\n(٥) أخرجه الطبري ٧/ ٢٤٢ بسند جيد، وذكره السمرقندي ١/ ٤٩٥ عن السدي والكلبي.\n(٦) ذكره الثعلبي ١٧٩ ب، والبغوي ٣/ ١٥٨، وابن الجوزي ٣/ ٧١، والقرطبي ٧/ ٢٢.\n(٧) لفظ: (له) ساقط من (ش).\n(٨) سليمان بن طرخان القيسي التيمي أبو المعتمر البصري، إمام عابد تابعي محدث علامة، وثقه وأثنى عليه العلماء، توفي سنة ١٤٣هـ، وله ٩٧ سنة.\nانظر: \"طبقات ابن سعد\" ٧/ ٢٥٢، و\"الجرح والتعديل\" ٤/ ١٢٤، و\"سير أعلام النبلاء\" ٦/ ١٩٥، و\"تذكرة الحفاظ\" ١/ ١٥٠، و\"تهذيب التهذيب\" ٢/ ٩٩.\n(٩) أخرجه ابن أبي حاتم ٥/ ١٣٢٥ بسند صعيف، وذكره النحاس في \"معانيه\" ٢/ ٤٤٨، والثعلبي ١٧٩ ب، والبغوي ٣/ ١٥٨.","vol":"8","page":234},{"text":"قال أبو إسحاق (١): (وليس بين النسّابين اختلاف أن اسم أبي إبراهيم تارح (٢)، والذي في القرآن يدل على [أن] (٣) اسمه آزر فكأن آزر لقب له، وقيل: آزر عندهم ذمّ في لغتهم، كأنه قيل: وإذ قال إبراهيم لأبيه المخطئ، كأنه عابه بزيغِه وتعوّجِه عن الحق)، ونحو هذا قال الفراء (٤) سواء.\nوقال ابن الأنباري: (قد يغلب على اسم الرجل لقبه حتى يكون به أشهر منه باسمه، فيمكن أن يكون آزر اسم أبي (٥) إبراهيم الصحيح وتارح (٦) لقب له، وجائز أن يكون آزر لقبًا أبطل الاسم لشهرة الملقّب به، فخبّر الله تعالى بأشهر اسميه؛ لأن اللقب مضارع للاسم) (٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1040>٧٥ </span>- قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ قال الزجاج: (أي: ومثل ما وصفنا من قصة إبراهيم من قوله لأبيه ما قال نريه ﴿مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (٨) يعني: كما أريناه استقباح ما كان عليه أبوه وقومه من عبادة الأصنام نريه الملكوت للاعتبار.\n_________\n(١) \"معانى الزجاج\" ٢/ ٢٦٥ بتصرف، وزاد: (وقيل: آزر: اسم صنم).\n(٢) في (ش): (تارخ)، بالخاء المعجمة، وعند الزجاج بالمهملة.\n(٣) لفظ: (أن) ساقط من (أ).\n(٤) \"معاني الفراء\" ١/ ٣٤٠.\n(٥) جاء في (أ): (أب)، في كل المواضع السابقة.\n(٦) في (ش): (تارخ)، في كل المواضع السابقة.\n(٧) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٦٦، وابن الجوزي ٣/ ٧١، والراجح أن آزر اسم أبي إبراهيم، وهو علم وليس لقب؛ لأن ظاهر القرآن والمحفوظ عن أهل العلم وغيره مجرد احتمالات ودعوى تحتاج إلى دليل، وهو اختيار الطبري في \"تفسيره\" ٧/ ٢٤٢ - ٢٤٣، وابن كثير ٢/ ١٦٨، وغيرهما، وانظر: \"المعارف\" لابن قتيبة ص ٣٠، وابن عطية ٥/ ٥٢٥١، و\"المعرب\" للجواليقي ص ١٣٤، والرازي ١٣/ ٣٧، والقرطبي ٧/ ٢٢.\n(٨) \"معانى الزجاج\" ٢/ ٢٦٥.","vol":"8","page":235},{"text":"والملكوت: بمنزلة الملك، إلا أن (١) التاء زيدت للمبالغة، كالرَّغَبُوت (٢) والرهبوت (٣)، ووزنه من الفعل فعلوت (٤). كذلك قال أهل اللغة (٥).\nواختلفوا في: ﴿مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ ما هو؟ فقال ابن عباس في رواية (٦) عطاء: (يريد: أن الله أراه ما يكون في السموات من عجائب خلق ربه من عبادة الملائكة ومن طاعتهم ومن خشوعهم وخوفهم من الله ﷿، وما في جميع الأرض من عصيان بني آدم وجرأتهم على الله، فكان يدعو على كل من يراه في معصية فيهلكه الله، فأوحى الله إليه: [يا إبراهيم] (٧) أمسك عن عبادي، أما علمت أنه من أسمائي أنا الصبور) (٨).\n_________\n(١) في (أ): (لأن التاء).\n(٢) الرغبوت، بفتح الراء والغين وضم الباء: من رغب بمعنى أراد. انظر: \"القاموس\" ص ٩٠ (رغب).\n(٣) الرَّهَبُوت، بفتح الراء والهاء، وضم الباء: من رهب بمعنى خاف. انظر: \"القاموس\" ص ٩٢ (رهب).\n(٤) هذا قول الزجاج في \"معانيه\" ٢/ ٢٦٥، وانظر: \"مجاز القرآن\" ١/ ١٩٧ - ١٩٨، و\"تفسير الطبري\" ٧/ ٢٤٤، و\"معاني النحاس\" ٢/ ٤٤٩.\n(٥) انظر: ملك في \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٤٤٩، و\"الصحاح\" ٥/ ١٦١٠، و\"اللسان\" ٧/ ٤٢٦٧.\n(٦) أخرج الطبري ٧/ ٢٤٦، وابن أبي حاتم ٥/ ١٣٢٦ بسند ضعيف عنه نحوه، وأخرج الطبري ٧/ ٢٤٧ بسند ضعيف عن عطاء نحوه، وأخرج الطبري ٧/ ٢٤٦، وابن أبي حاتم ٤/ ١٣٢٦ بسند جيد عن ابن عباس قال: (يعني به: الشمس والقمر والنجوم) اهـ. وفي رواية عند الطبري بسند جيد قال: (خلق السموات والأرض)، وانظر: \"الدر المنثور\" ٣/ ٤٥.\n(٧) لفظ: (يا إبراهيم) ساقط من أصل (أ) وملحق بالهامش.\n(٨) الصبور صفة لله ﷾ ومعناه: الذي يملي ويمهل ولا يعجل بالعقوبة، وأكثرهم عده =","vol":"8","page":236},{"text":"وقد روى علي -﵁-، عن النبي - ﷺ - (١) في تفسير: ﴿مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ مثل هذا الذي ذكره ابن عباس.\nوهو قول مجاهد (٢) وسعيد (٣) بن جبير قالا: (إنه كشف له عن السموات والأرض حتى العرش وأسفل الأرضين).\nوقال قتادة (٤) والضحاك (٥): (﴿مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ﴾: الشمس والقمر\n_________\n= اسمًا من أسماء الله تعالى، ولم يثبته محمَّد العثيمين في \"القواعد المثلى\" ص ٢١ - ٢٢. وانظر: \"تفسير أسماء الله الحسنى\" للزجاج ص ٦٥، و\"الأسماء والصفات\" للبيهقي ص ٤٨١، و\"المقصد الأسنى\" للغزالي ص ١٣٣، و\"شرح أسماء الله الحسنى\" للرازي ص ٣٥٢، و\"الحق الواضح\" للسعدي ص ٥٧؛ وكلهم عده من الأسماء.\n(١) ذكره البغوي ٣/ ١٥٨، والقرطبي ٧/ ٢٣، والسيوطي في \"الدر\" ٣/ ٤٥، وقال ابن كثير ٢/ ١٦٨: (روى ابن مردويه في ذلك حديثين مرفوعين عن معاذ وعلي، ولكن يصح إسنادهما) اهـ. وقال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" ٨/ ٢٠١ (روى الطبراني في \"الأوسط\" عن جابر عن النبي - ﷺ - نحوه وفيه علي بن أبي علي اللهبي متروك) ا. هـ. بتصرف.\n(٢) أخرجه الطبري ٧/ ٢٤٦، وابن أبي حاتم ٥/ ١٣٢٧ من طرق جيدة، وفي \"تفسير مجاهد\" ١/ ٢١٨ قال: (الملكوت: الآيات)، وأخرجه الطبري من طرق جيدة، وأخرج أبو الشيخ في \"العظمة\" ص ٢٩٧ بسند جيد عنه قال: (الشمس والقمر)، وقال ابن أبي حاتم: (وروي عن مجاهد أنه قال: يعني الشمس والقمر والنجوم) اهـ. وانظر: \"الدر المنثور\" ٣/ ٤٤.\n(٣) أخرجه الطبري ٧/ ٢٤٧ من طرق جيدة عن سعيد بن جبير وقتادة.\n(٤) أخرجه عبد الرزاق ١/ ٢/ ٢١٢ - ٢١٣، وابن أبي حاتم ٥/ ١٣٢٧ من طرق جيدة.\n(٥) أخرجه الطبري ٧/ ٢٤٧ بسند ضعيف بلفظ: (الشمس والقمر والنجوم) اهـ، وهذه الأخبار لا حجة فيها وتحتاج إلى مستند، والأولى حمل الآية على ظاهرها، فالملكوت بمعنى الملك أراه الله سبحانه عظيم سلطانه، وجلى له بواطن الأمور وظاهرها، ويحتمل أن يكون كشف له عن بصره حتى رأى ذلك عيانًا، =","vol":"8","page":237},{"text":"والنجوم، وملكوت الأرض الجبال والشجر والبحار، وذلك أن الله تعالى أراه هذه الأشياء حتى نظر إليها معتبرًا مستدلًا بها على خالقها).\nوقوله تعالى: ﴿وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ قال أهل المعاني: (هو معطوف على المعنى؛ لأن معنى الآية: نريه ﴿مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ ليستدل به ﴿وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ (١)، وقيل: (هو عطف جملة على جملة بتقدير: وليكون من الموقنين أريناه) (٢). قال أبو علي الفارسي: (اليقين (٣) والتيقن: ضرب من العلم مخصوص، فكل علم ليس تيقنًا وإن كان كل تيقن علمًا؛ لأن التيقّن هو العلم الذي قد كان عرض لعالمه إشكال فيه، يبين (٤) ذلك قوله تعالى: ﴿وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾) (٥).\n_________\n= ويحتمل أن يكون عن بصيرته حتى شاهده بفؤاده وتحققه وعلم ما في ذلك من الحكم الباهرة والدلالات القاطعة، وهذا اختيار الطبري ٧/ ٢٤٧، وابن كثير ٢/ ١٦٨، وانظر: السمرقندي ١/ ٤٩٥، وابن عطية ٥/ ٢٥٥.\n(١) هذا ظاهر قول الزجاج في \"معانيه\" ٢/ ٢٦٥، قال: (أي نريه ﴿مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ لما فعل وليثبت على اليقين).\n(٢) هذا قول النحاس في \"إعراب القرآن\" ١/ ٥٥٨، ومكي في \"المشكل\" ١/ ٢٥٨، وانظر: \"البيان\" ١/ ٣٢٨، و\"التبيان\" ٣٤٢، و\"الفريد\" ٢/ ١٧٧، و\"الدر المصون\" ٥/ ٧.\n(٣) اليقين في اللغة: العلم وتحقق الأمر وزوال الشك. وقال العسكري في \"الفروق\" ص ٦٣: (هو سكون النفس وثلج الصدر بما علم) ا. هـ. وقال الراغب في \"المفردات\" ص ٨٩٢: (هو من صفة العلم فوق المعرفة والدراية وأخواتها، وهو سكون الفهم مع ثبات الحكم) اهـ، وانظر \"العين\" ٥/ ٢٢٠، و\"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٩٨، و\"الصحاح\" ٦/ ٢٢١٩، و\"مقاييس اللغة\" ٦/ ١٥٧، و\"اللسان\" ٨/ ٤٩٦٤ (يقن).\n(٤) في (أ): (تبين) بالتاء، وهو تصحيف.\n(٥) \"الحجة\" لأبي علي ١/ ٢٥٦، وزاد: (اليقين كأنه علم يحصل بعد استدلال ونظر لغموض المعلوم أو لإشكال ذلك على الناظر، فليس كل علم يقينًا؛ لأن من المعلومات ما يعلم ببداءة العقول والحواس) ا. هـ. ملخصًا.","vol":"8","page":238},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1041>٧٦ </span>- [و] (١) قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا﴾ الآية. يقال: جنّ عليه الليل وأجنَّه الليل، ويقال لكل ما ستر: قد جنّ وأجن، ويقال أيضًا: جَنت الليل (٢)، ولكن الاختيار جنّ عليه الليل، وأجنه الليل (٣)، هذا قول جميع أهل اللغة، ومعنى ﴿جَنَّ﴾: ستر، ومنه الجَنَّة (٤) والجِنُّ والجُنُون\n_________\n(١) لفظ: (الواو): ساقط من (أ).\n(٢) (جن يستعمل لازمًا ومتعديًا، وهو مما اتفق فيه أفعل وفعل، إلا أن الأجود جن عليه الليل وأجنه الليل، فيكون الثلاثي لازمًا وأفعل متعديًا). انظر: \"الدر المصون\" ٥/ ٨.\n(٣) هذا قول الزجاج في \"معانيه\" ٢/ ٢٦٦.\n(٤) هذه كلمات تحتاج إلى ضبط وهي على الترتيب كما يلي:\nالجَنَّة: بفتح الجيم والنون المشدد. البستان كثير الشجر.\nوالجِنّ: بكسر الجيم وتشديد النون: خلاف الإنس والواحد، جِنّيٌّ.\nوالجُنُون: بضم الجيم والنون، يقال: جُنَّ الرَّجُلُ جُنُونًا، وأَجَنَّه الله، فهو مَجْنُون. ويقال: جن عليه الليل يُجنُّ جُنونًا، أي ستره، وجن النباتُ جُنُونًا أي طال والتف.\nوالجَنَانُ، بالفتح: القَلْبُ، والرُّوحُ، وظَلامُ الليل.\nوالجنين، بفتح الجيم وكسر النون: الولد في البطن، وكل مستور.\nوالمِجَنُّ، بكسر الميم وفتح الجيم: التُّرْس، وكل ما استتر به من السلاح.\nوالجَنَنُ، بالفتح: القبر، والميت، والكفن.\nوالجُنُنُ، بالضم: الجُنُونُ، حذفت منه الواو.\nوالمُجَنُّ، ضبط في النسخ بضم الميم وفتح الجيم، ولم أقف على أنه المقبور، وفي \"الصحاح\": (جُنَّ الرجل جنونًا وأجنَّه الله فهو مجنون ولا يقال مُجَنٌّ).\nوالجُنَّة، بضم الجيم وفتح النون المشددة: ما استتر به من السلاح، وكل ما وَقَى. والجِنَّة، بكسر الجيم: الجنون، وذلك أن يغطي العقل.\nانظر: \"العين\" ٦/ ٢٠، و\"الجمهرة\" ١/ ٩٢، و\"تهذيب اللغة\" ١/ ٦٧٣، و\"الصحاح\" ٥/ ٢٠٩٣، و\"المجمل\" ١/ ١٧٥، و\"مقاييس اللغة\" ١/ ٤٢١، و\"المفردات\" ص ٣٠٣، و\"اللسان\" ٢/ ٧٠٢، و\"القاموس\" ص ١١٨٧ (جن).","vol":"8","page":239},{"text":"والجَنان والجنين، المجنُ والجنن والمُجن وهو المقبور، والجُنَّة والجِنّة، كل هذا يعود أصله إلى الستر والاستتار، ويقال في مصدره: جَنّ جَنًّا وجنونًا وجنانًا (١).\nويروى بيت دُريد (٢) بالوجهين:\nوَلَوْلَا جَنونُ اللَّيلِ أَدْرَكَ رَكْضُنَا ... بِذِي الرَّمْثِ والأَرْطَى عِياضَ بنَ ناشِبِ (٣)\nويروى (٤): (جنان الليل). قال بعض النحويين: (﴿جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ﴾ أي: أظلم عليه الليل (٥) ولهذا دخلت على، كما تقول في أظلم، فأما جنّه فستره من غير تضمين معنى أظلم) (٦).\n_________\n(١) انظر: المراجع السابقة. وقال الطبري في \"تفسيره\" ٧/ ٢٤٧: (المصدر من جن عليه: جنًّا وجُنُونًا وجَنَانًا، ومن أجن إجنانًا ...) اهـ. وقال السمين في ٥/ ٨: (مصدره جَنُّ وجَنان وجُنون) اهـ.\n(٢) درَيْد بن الصِّمَّة الجُشمي من هوازن، شاعر جاهلي، تقدمت ترجمته.\n(٣) \"ديوانه\" ص ٢٩، و\"مجاز القرآن\" ١/ ١٩٨، و\"الأصمعيات\" ص ١١٢، و\"إصلاح المنطق\" ص ٢٩٥، و\"الجمهرة\" ١/ ٩٣، و\"الأغاني\" ١٠/ ١٦، و\"المجمل\" ١/ ١٧٥، و\"مقاييس اللغة\" ١/ ٤٢٢، و\"اللسان\" ٢/ ٧٠١، وهو لخفاف بن ندبة السُّلَمي في \"ديوانه\" ص ١٣٠، و\"الصحاح\" ٥/ ٢٠٩٤.\nوالرمث والأرطى: نبتان معروفان، وذو الرمث: وادٍ لبني أسد. يقول: لولا أن الليل سترنا لأدركنا عياض بن ناشب الفزاري بذلك المكان فقتلناه.\nانظر: \"تهذيب إصلاح المنطق\" ٢/ ١٢٩، و\"معجم البلدان\" ٣/ ٦٨، و\"اللسان\" ٢/ ٧٠١ (جن).\n(٤) ذكره أكثرهم، وهو في \"الديوان\" وأكثر المراجع، (ولولا جنان)، وهما بمعنى واحد، وفي \"الأغاني\": (ولولا سواد) بدل (جنان).\n(٥) لفظ: (الليل) ساقط من (ش).\n(٦) انظر: \"الفريد\" ٢/ ١٧٧.","vol":"8","page":240},{"text":"وقوله ﴿رَأَى﴾ فيه ثلاثة أوجه (١) من القراءة، فتح الراء والهمزة. [وفتح الراء وكسر (٢) الهمزة نحو الإمالة. وكسر الراء والهمزة] (٣) للإمالة، فأما من فتحهما جميعًا فعلّته واضحة؛ وهي ترك الألف على الأصل نحو: رَعَى ورمى لمَّا لم يُمِل الألف لم يمل الفتحة الفتحة التي قبلها، كما يميلها من يرى الإمالة ليميل الألف نحو: الياء.\nوأمّا من فتح الراء وكسر الهمزة فإنه أمال الهمزة نحو الكسرة لتميل الألف التي في رأى نحو الياء، كما تمال الفتحة التي على الدال في هدى والميم من رمى لتميل الألف، وترك الراء مفتوحة على الأصل.\nوأمّا من كسرهما جميعًا فإنه كسر الراء من رأى؛ لأن المضارع منه على يفعل، وإذا كان المضارع على يفعل كان الماضي على فَعِل، ألا ترى أن المضارع في الأمر العام إذا كان على يفعل كان الماضي على فَعِلَ، وإنما فتحوا الماضي في حروف ذوات عدد اختص موضع العين منها واللام بأحد حروف الحلق، وهي متسفلة المخارج، فشابوا ذلك منها بشيء من التصعّد وهو الفتحة في العين، ليعتدل الكلام، وإذا كان الماضي كأنه على فِعِلَ كسر (٤) الراء التي هي فاء؛ لأن العين همزة، وحروف الحلق إذا جاءت\n_________\n(١) قرأ ابن عامر وعاصم وأبو عمرو وحمزة والكسائي: (رأى) بكسر الراء والهمزة. وقرأ ابن كثير وعاصم: (رأى) بفتح الراء والهمزة. وقرأ أبو عمرو: بفتح الراء وكسر الهمزة. وقرأ نافع: بين الفتح والكسر. انظر: \"السبعة\" ص ٢٦٠، و\"المبسوط\" ص ١٧٠، و\"التذكرة\" ٢/ ٤٠٢، و\"التيسير\" ص ١٠٣، و\"النشر\" ٢/ ٢٥٩.\n(٢) في (ش): (وكسرة)، وهو تحريف.\n(٣) ما بين المعقوفين ساقط من (أ).\n(٤) كذا في النسخ، وفي \"الحجة\" لأبي علي ٣/ ٣٢٨: (كسرة الراء)، وهو الصواب، وقد ورد في بعض نسخ \"الحجة\" كسر الراء كما في \"الحاشية\".","vol":"8","page":241},{"text":"في كلمة على زنة فِعِل كسرت فيها الفاء لكسرة العين في الاسم والفعل، وذلك نحو قولهم في الاسم: حمار نِعرٌ (١) ورجل محك (٢) وماضغ لهم، وفي الفعل نحو: شِهِدَ ولِعِبَ ونِعِمَ، فكسرة الراء على هذا كسرة مخلصة محضة، وليست بفتحة مُمالةٍ، وأما كسرة الهمزة فإنه يراد بها إمالة فتحتها إلى الكسرة لتميل (٣) الألف نحو الياء، فإن قلت: إن الفاء إنما تكسر لتتبع الكسرة في نحو: شهد، والهمزة في رأى مفتوحة، فكيف أجيز كسره، مع أن بعدها حرفًا مفتوحًا؟.\nقيل: إنه فيما نزلناه وبينّاه بمنزلة الكسرة، فأتبع الفتحة الكسرة المقدرة، فإن لقي رأى ساكن نحو: ﴿رَأَى القَمَرَ﴾ و﴿رَأَى الشَّمسَ﴾ ففيه أيضًا ثلاثة أوجه من القراءة (٤):\nأحدهما: فتح الراء والهمزة معًا، وهو قراءة العامة، ووجه ذلك أنه الأصل على قراءة من فتحهما إذا لم يلقه ساكن، وأما من كان يكسرهما إذا لم يلقه ساكن ثم فتحهما عند الساكن مثل الكسائي، فوجه ذلك: أن إمالة الفتحة في الهمزة إنما كانت لتميل الألف نحو الياء، فلما سقطت الألف بطلت إمالتها لسقوطها، ولما بطلت إمالتها لسقوطها بطلت إمالة الفتحة نحو الكسرة لسقوط الألف التي كانت الفتحة الممالة تميلها نحو الياء، وأما\n_________\n(١) النُّعَر: داء يأخذ الإبل في رؤوسها، وحمار نَعِرٌ، بفتح النون وكسر العين: أي لا يستقر في مكان.\nانظر: \"الكتاب\" ٣/ ٥٨٥، و\"اللسان\" ٧/ ٤٤٧٢ (نعر).\n(٢) رجل محك، بفتح الميم وكسر الحاء، أي: لجُوج عسر الخُلق. انظر: \"اللسان\" ٧/ ٤١٤٧ (محك).\n(٣) انظر: في (ش): (ليميل).\n(٤) انظر: المراجع السابقة في قراءة (رَأَى).","vol":"8","page":242},{"text":"فتح الراء هاهنا وقد كسره في ﴿رَأَى كَوْكَبًا﴾ فلأنه أخذ باللغتين فكسر هناك لما ذكرناه (١) وفتح هاهنا؛ لأنه جعله بمنزلة الراء في رمى (٢) ورعى.\nالوجه الثاني في القراءة: كسر الراء وفتح الهمزة، وهي قراءة حمزة وعاصم في رواية أبي بكر (٣)، أما كسر الراء فإنما هو للتنزيل والتقدير الذي ذكرنا، وهو معنى منفصل عن إمالة فتحة الهمزة، ألا ترى أنه يجوز أن يُعمل هذا المعنى من لا يرى الإمالة، كما يجوز أن يُعمله من يراها، فإذا كان كذلك كان انفصال أحدهما عن الآخر سَائغًا غير ممتنع.\nوروى يحيى بن (٤) آدم عن أبي بكر (٥): ﴿رِأِى القمر﴾: بكسر الراء والهمزة معًا، أما وجه كسر الراء فقد ذكرنا، وأما إمالة فتحة الهمزة مع\n_________\n(١) في (ش): (ذكرنا).\n(٢) في (أ): (رما، ورعا). وكذلك جاء في بعض نسخ \"الحجة\" لأبي علي ٣/ ٣٣٠.\n(٣) أبو بكر بن عياش بن سالم الأسدي الحفاظ الكوفي، مشهور بكنيته، مختلف في اسمه، فقيل: كنيته هي اسمه، وقيل: اسمه شعبة، وهو إمام فاضل عابد ثقة مقرئ أتقن قراءة عاصم وعرض القرآن عليه ثلاث مرات، توفي سنة ١٩٤هـ، أو قبلها، وله نحو ١٠٠ سنة.\nانظر: \"الحلية\" ٨/ ٣٠٣، و\"سير أعلام النبلاء\" ٨/ ٤٩٥، و\"معرفة القراء\" ١/ ١٣٤، و\"ميزان الاعتدال\" ٦/ ١٧٣، و\"غاية النهاية\" ١/ ٣٢٥، و\"تهذيب التهذيب\" ٤/ ٤٩٢.\n(٤) يحيى بن آدم بن سليمان الأموي أبو زكريا الكوفي إمام فاضل حافظ ثقة مقرئ فقيه من أوعية العلم، وله كتب جيدة توفي سنة ٢٠٣ هـ، وله نحو ٧٣ سنة.\nانظر: \"طبقات ابن سعد\" ٦/ ٤٠٢، و\"الجرح والتعديل\" ٩/ ١٢٨، و\"سير أعلام النبلاء\" ٩/ ٥٢٢، و\"تذكرة الحفاظ\" ١/ ٣٥٩، و\"غاية النهاية\" ٢/ ٢٦٣، و\"تهذيب التهذيب\" ٤/ ٣٣٧.\n(٥) في \"الحجة\" لأبي علي ٣/ ٣٣١: (روى يحيى بن آدم عن أبي بكر بن عياش عن عاصم).","vol":"8","page":243},{"text":"زوال ما كان يوجب إمالتها من حذف الألف فلأن الألف محذوفة لالتقاء الساكنين، وما يحذف لالتقاء الساكنين فقد ينزّل تنزيل المثبت، ألا ترىَ أنهم قد أنشدوا:\nوَلاَ ذَاكِرِ الله إلاَّ قَلِيلا (١)\nفنصب الاسم بعد ذاكر، وإن كانت النون محذوفة لمّا كان الحذف لالتقاء الساكنين، والحذف لذلك في تقدير الإثبات من حيث كان التقاؤهما غير لازم، ومن ثم لم يرد الألف في نحو: رمت المرأة (٢).\nفأما قصة الآية ومعناها، فقال السدي (٣)، ومحمد بن إسحاق (٤)\n_________\n(١) \"الشاهد\" لأبي الأسود الدؤلي في \"ديوانه\" ص ٥٤، و\"الكتاب\" ١/ ١٦٩، و\"معاني الفراء\" ٢/ ٢٠٢، و\"المقتضب\" ٢/ ٣١٢، و\"اللسان\" ٥/ ٢٧٩٣، عتب، وبلا نسبة في \"مجاز القرآن\" ١/ ٣٠٧، و\"معاني الأخفش\" ١/ ٨٦، و\"مجالس ثعلب\" ص ١٢٣، و\"الأصول\" ٣/ ٤٥٥، و\"الشعر\" لأبي علي ١/ ١١٤، و\"الخصائص\" ١/ ٣١١، و\"المنصف\" ٢/ ٢٣١، و\"أمالي ابن الشجري\" ٢/ ١٦٤، وصدره:\nفَاْلفَيْتُهُ غَيْرَ مُسْتَعْتِبٍ\nالشاهد: حذف التنوين من ذاكر لالتقاء الساكنين أو ضرورة. انظر: \"شرح شواهد المغني\" للسيوطي ٢/ ٩٣٤.\n(٢) هذا قول أبي علي الفارسي في \"الحجة\" ٣/ ٣٢٦ - ٣٣٢، وانظر: \"معاني القراءات\" للأزهري ١/ ٣٦٤، و\"إعراب القراءات\" لابن خالويه ١/ ١٦١، و\"الحجة\" لابن خالويه ص ١٤٢، و\"الحجة\" لابن زنجلة ص ٢٥٦، و\"الكشف\" ١/ ٤٣٦.\n(٣) أخرجه الطبري في \"تاريخه\" ١/ ٢٣٦ عن السدي وابن إسحاق، وأخرجه ابن أبي هاشم ٤/ ١٣٢٩ عن السدي، وذكره الثعلبي في \"عرائس المجالس\" ص ٧٤، عن السدي وابن إسحاق.\n(٤) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٧/ ٢٤٦ - ٣٤٧ عن السدي وابن إسحاق وقتادة، وانظر: نحوه في \"تهذيب تاريخ ابن عساكر\" ٢/ ١٣٧، وهذا من الإسرائيليات، والآية ظاهرة =","vol":"8","page":244},{"text":"والعلماء بأخبار الماضين: (٨) (لما شب إبراهيم في السرب [الذي ولد فيه، قال لأبويه: أخرجاني فأخرجاه، من السرب] (١) وانطلقا به حين غابت الشمس، فنظر إبراهيم إلى الإبل والخيل والغنم، فقال: ما لهذه بُدّ من أن يكون لها رب وخالق، ثم نظر وتفكر في خلق السموات والأرض، وقال: إن الذي خلقني ورزقني وأطعمني وسقاني لربي ما لي إله غيره، ثم نظر فإذا المشتري قد طلع، ويقال: الزهرة، وكانت تلك الليلة في آخر الشهر، فرأى الكوكب قبل القمر فقال: ﴿هَذَا رَبِّي﴾).\nواختلفوا في معنى قوله: ﴿هَذَا رَبِّي﴾ فقال أهل التحقيق من العلماء: (إن إبراهيم ﵇ لم يكن قط في ضلال وحيرة، وكيف يتوهم ذلك على من عصمه الله وطهّره في مستقره ومستودعه؟ وما زال في حكم الله نبيًّا والله تعالى يقول: ﴿إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الصافات: ٨٤] أي: لم يشرك به قط، كذلك قال المفسرون، ويقول (٢): ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ﴾ الآية. [الأنعام: ٧٥] أفترى الله أراه الملكوت ليوقن، فلما أيقن ﴿رَأَى كَوْكَبًا﴾ فقال: ﴿هَذَا رَبِّي﴾ على الحقيقة والاعتقاد! هذا ما لا يكون أبدًا، وإنما معنى قوله: ﴿هَذَا رَبِّي﴾ أن قومه كانوا يعبدون النجوم ويعظمونها ويحكمون بها.\n_________\n= واضحة، وليس تفسيرها في حاجة إلى هذه المرويات قال ابن كثير في \"تاريخه\" ١/ ١٤٣: (الظاهر أن الموعظة لأهل حران، فإنهم يعبدون الكواكب، وهذا يرد قول من زعم أنه قال هذا حين خرج من السرب، لما كان صغيرًا، كما ذكره ابن إسحاق وغيره، وهو مستند إلى أخبار إسرائيلية لا يوثق بها، ولا سيما إذا خالفت الحق ..) اهـ.\n(١) ما بين المعقوفين ساقط من (أ).\n(٢) لفظ: (الواو): ساقط من (أ).","vol":"8","page":245},{"text":"﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ﴾ رأى الزهرة فقال: ﴿هَذَا رَبِّي﴾ يريد: أن يستدرجهم بهذا القول، ويعرفهم خطأهم، وجهلهم في تعظيمهم شأن النجوم وقضائهم على الأمور بدلالاتها، فأراهم أنه معظَّم ما عظّموا، وملتمس الهدى من حيث التمسوا، وكل من تابعك على هواك وشايعك على أمرك كنت به أوثق وإليه أسكن وأركن، فأنِسوا واطمأنوا ﴿فَلَمَّا أَفَلَ﴾ أراهم النقص الداخل على النجم بالأفول؛ لأنه ليس [ينبغي] (١) [لإله] (٢) أن يزول ولا أن يغيب فقال: ﴿لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾ أي: لا أحب من كانت حالته أن يطلع ويسير على هيئة يتبين معها أنه محدث منتقل من مكانٍ إلى مكانٍ، أي: لا أتخذ ما هذه حاله إلها، كما أنكم لا تتخذون كل ما قد يجري مجرى هذا من سائر الأشياء آلهة.\nوقيل: إنه قال: ﴿هَذَا رَبِّي﴾ على جهة الاحتجاج على قومه لا على معنى الشك ﴿قَالَ هَذَا رَبِّي﴾ عندكم وفيما تظنون وفي زعمكم، كما قال الله ﷿: ﴿أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٦٢)﴾ [القصص: ٦٢] فأضافهم إلى نفسه حكايته لقولهم، وكقوله تعالى: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان: ٤٩] أي: عند نفسك.\nوجائز أن يكون هاهنا إضمار القول كأنه قال: [تقولون] (٣): ﴿هَذَا رَبِّي﴾ وإضمار القول كثير كقوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا﴾ [البقرة: ١٢٧] أي: يقولان: ربنا، وقوله تعالي: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ﴾ [الزمر: ٣] معناه: يقولون ما نعبدهم،\n_________\n(١) في (أ): (يتبغى)، وهو تصحيف.\n(٢) في (أ): (للاله).\n(٣) في (ش): (يقولون).","vol":"8","page":246},{"text":"فكأن إبراهيم قال لقومه: [تقولون] (١) ﴿هَذَا رَبِّي﴾ أي: هذا الذي يدبّرني؛ لأنهم كانوا أصحاب نجوم يرون التدبير في الخليقة لها، فاحتج عليهم بأن الذي [تزعمون] (٢) أنه مُدَبِّر فيه أثر أنه مُدبّر لا غير).\nفهذه ثلاثة أوجه صحيحة في تأويل الآية، ذكرها أهل المعاني، الوجه الأول: قول الفراء (٣)، واختيار عبد الله بن مسلم (٤)، والثاني والثالث: ذكرهما الزجاج (٥) وابن الأنباري (٦) وفي قوله: ﴿لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾ دلالة على أن ما غاب بعد ظهوره فليس برب، وفيه حجة على\n_________\n(١) في (ش): (يقولون).\n(٢) في (ش): (يزعمون).\n(٣) \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٣٤١.\n(٤) \"تأويل مشكل القرآن\" ص ٣٣٥ - ٣٣٨، وقد نقل المؤلف نص كلامه.\n(٥) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٦٧ وفيه قال: (والذي عندي في هذا القول أنه قال لهم: تقولون هذا ربي، أي: هذا يدبرني؛ لأنه فيما يروى أنهم أصحاب نجوم فاحتج عليهم بأن الذي تزعمون أنه مدبر إنما يرى فيه أثر مُدبر لا غير) اهـ. وانظر: \"معاني النحاس\" ٢/ ٤٥٠.\n(٦) ذكره المؤلف في \"الوسيط\" ١/ ٦٨ - ٦٩، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٣/ ٧٤، والصحيح في معنى الآية ما ذهب إليه الجمهور من أن هذا القول كان في مقام المناظرة لقومه؛ لإقامة الحجة عليهم في بطلان ما هم عليه من عبادة الكواكب والشمس والقمر؛ لأن الموافقة في العبارة على طريق إلزام الخصم من أبلغ الحجج وأوضح البراهين، ولأن الله تعالى قال في نفس القصة: ﴿وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ﴾ [الأنعام: ٨٠].\nوهو اختيار الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى في \"تفسيره\" ٢/ ١٦٩.\nوانظر \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ٥٦٠، و\"تفسير البغوي\" ٣/ ١٦١، وابن عطية ٥/ ٢٦١، والفخر الرازي ١٣/ ٥٩، و\"البحر المحيط\" ٤/ ١٦٦.","vol":"8","page":247},{"text":"أن ما تغير (١) بالظهور تارة والأفول (٢) تارة كان حادثًا مدبرّا مسخرًا مصرفًا (٣)، وذلك ينافي صفة الإله المعظم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1042>٧٧ </span>- قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا﴾ يقال: بزغ القمر: إذا ابتدأ في الطلوع، وبزغت الشمس إذا بدا منها (٤) طلوع، ونجوم بوازغ (٥).\nقال الأزهري (٦): (كأنه مأخوذ من البزغ، وهو الشقّ، كأنه يشق بنوره الظلمة شقًّا، ومن هذا يقال: بزغ البيطار (٧) أشعار الدابة إذا شق ذلك المكان منها [بمبزغه] (٨». قال الطرماح:\nكَبزْغِ البِيَطْرِ الثَّقْفِ رَهْصَ الكوادِنِ (٩)\n_________\n(١) في (ش): (يغبر)، وهو تصحيف.\n(٢) في (ش): (وبالأفول). وقال شيخ الإِسلام في \"الفتاوى\" ٥/ ٥٤٧، ٦/ ٢٨٤: (اتفق أهل اللغة والتفسير على أن الأفول هو: التغيب والاحتجاب).\n(٣) في (ش): (ومدبرًا مسخرًا ومصرفًا).\n(٤) في (ش): (فيها).\n(٥) انظر: \"العين\" ٤/ ٣٨٥، و\"الجمهرة\" ١/ ٣٣٣، و\"البارع\" ص ٣٦٤، و\"مقاييس اللغة\" ١/ ٢٤٤، و\"المجمل\" ١/ ١٢٤، و\"المفردات\" ص ١٢٢ (بزغ).\n(٦) \"تهذيب اللغة\" ١/ ٣٢٨.\n(٧) البَطْر: الشق، وبه سمى البَيْطار بَيْطارًا. انظر: \"اللسان\" ١/ ٣٠١ (بطر).\n(٨) في (ش): بمبزعه: بالعين المهملة، وهو تصحيف، وعند الأزهري [بمبضعه]، وفي \"اللسان\" ١/ ٢٧٦ (بزغ): (يقال للحديدة التي يشترط بها: مبزغ ومبضع) اهـ.\n(٩) الشاهد في \"ديوانه\" ص ١٧٢، و\"تهذيب اللغة\" ١/ ٣٢٨، و\"اللسان\" ١/ ٣٠١ (بطر)، وهو في \"الصحاح\" ٤/ ١٣١٥ (بزغ) للأعشى وليس في \"ديوانه\" وأوله:\nيُساقطُها تَتْرَى بِكُلِّ خَميلَة\nقال ابن منظور في \"اللسان\" ١/ ٢٧٦ (بزغ): (هو للطرماح يصف ثورًا طعن الكلاب بقرنيه، والرَّهْص جمع رَهْصة وهي أن يَدْوَى حافِر الدابة من حجر تطؤه، والكوادن البراذين) اهـ.","vol":"8","page":248},{"text":"فأما معنى الآية: فإن إبراهيم ﵇ اعتبر في القمر والشمس مثل ما اعتبر في النجم، وكانت حجته فيهما على قومه كالحجة في الكواكب (١).\nوقوله تعالى: ﴿لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ﴾ لا يوجب أنه لم يكن مهتديًا؛ لأن معناه: لئن لم يثبتني على الهدى، والأنبياء لم تزل تسأل الله ذلك وتعلم أنه لولا هداية الله (٢) ما اهتدت، وإبراهيم يقول: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم: ٣٥]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1043>٧٨ </span>- قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي﴾ قال أبو بكر ابن الأنباري: (إنما قال: هذا والشمس (٣) مؤنثة؛ لأن الشمس بمعنى: الضياء والنور، فحمل الكلام على تأويلها فذكر وأعان على التذكير أيضًا أن (٤) الشمس ليست فيها علامة التأنيث، فلما أشبه لفظها المذكر وكان تأويلها تأويل النور صلح التذكير من هاتين الجهتين) (٥)، وأنشد قول الأعشى (٦):\n_________\n(١) انظر: \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٦٧.\n(٢) انظر: \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٦٨، و\"تفسير البغوي\" ٣/ ١٦٢ - ١٦٣.\n(٣) انظر: \"المذكر والمؤنث\" للفراء ص ٩٦، ولابن الأنباري ١/ ١٤٥، ٢١٩، ولابن التستري ص ٨٧. وقال ابن الأنباري في \"المذكر والمؤنث\" ١/ ٣٦٢: (قال الفراء: العرب تجتري على تذكير المؤنث إذا لم تكن فيه الهاء) ثم أنشد الشاهد وهو في \"المذكر والمؤنث\" للفراء ص ٨١، و\"معاني القرآن\" للفراء ١/ ١٢٧ مع الشاهد.\n(٤) (أن): كأنها في النسخ، (إذ)، والأولى ما أثبته.\n(٥) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٦٩، وابن الجوزي ٣/ ٧٦. وذكر ابن الأنباري الشاهد في \"المذكر والمؤنث\" ١/ ٣٦٦ ونسبه للأعشى وليس في \"ديوانه\".\n(٦) تقدمت ترجمته.","vol":"8","page":249},{"text":"وَلاَ أَرْضَ أَبْقَلَ إبْقَالَهَا (١)\nفذكر أبقل إذ كانت الأرض عارية من علامة التأنيث، وقيل: أراد هذا الطالع وهذا الذي أراه ربي (٢).\nوقوله تعالى: ﴿هَذَا أَكْبَرُ﴾ أي: من الكواكب (٣) والقمر، فلما توجّهت الحجة على قومه (٤) قال: ﴿إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1044>٧٩ </span>- قوله تعالى: ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ قال أبو إسحاق: (أي: جعلت قصدي بعبادتي وتوحيدي لله ﷿) (٥)، وباقي الآية مفسر فيما تقدم (٦).\n_________\n(١) الشاهد لعامر بن جوين الطائي شاعر جاهلي، في: \"الكتاب\" ٢/ ٤٦، و\"مجاز القرآن\" ٢/ ٦٧، و\"الكامل\" للمبرد ٢/ ٣٧٩، ٣/ ٩١، و\"الأصول\" ٢/ ٤١٣، و\"اللسان\" ١/ ٦١ (أرض)، ١/ ٣٢٨ (بقل)، ٨/ ٤٨٠٠ (ودق) وبلا نسبة في: \"معاني الأخفش\" ١/ ٥٥، ٢/ ٣٠٠، و\"الحجة\" لأبي علي ٤/ ٢٣٨، و\"المحتسب\" ٢/ ١١٢، و\"الخصائص\" ٢/ ٤١١، و\"المخصص\" ١٦/ ٨٠، و\"أمالي ابن الشجري\" ١/ ٢٤٢، و\"المقرب\" ١/ ٣٠٣ وصدره:\nفَلاَ مُزْنَة وَدَقَتْ وَدْقَها\nوالمزن: السحاب، والودق: المطر، وأبقلت: أخرجت البقل. والشاهد: حذف التاء من أبقلت للضرورة ولأن الأرض مؤنث مجازي.\n(٢) انظر: \"معاني الأخفش\" ٢/ ٢٨٠، والطبري ٧/ ٢٥١، و\"إعراب النحاس\" ١/ ٥٥٩، و\"الدر المصون\" ٥/ ١٤.\n(٣) في (أ): (الكوكب).\n(٤) انظر: \"تفسير الطبري\" ٧/ ٢٥١.\n(٥) \"معاني القرآن\" ٢/ ٢٦٨.\n(٦) انظر: \"البسيط\" النسخة الأزهرية ١/ ٩٠ أ.","vol":"8","page":250},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1045>٨٠ </span>- قوله تعالى: ﴿وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ﴾ قال ابن عباس: (خاصمه وجادله في آلهتهم وخوفوه بها) (١).\nوقال أبو إسحاق: (ومحاجتهم إياه كانت -والله أعلم- فيما عبدوا مع الله جل وعز من الكواكب والشمس والقمر والأصنام فقال: ﴿أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ﴾ أي: في توحيد الله ﷿ ﴿وَقَدْ هَدَانِ﴾ [أي] (٢) بيّن لي ما به اهتديت) (٣)، وهذا الاستفهام معناه الإنكار للمحاجة في الصرف عن الهداية، والتشديد على النون لاجتماع النونين وإدغام أحدهما (٤) في الآخر. وقرأ (٥) نافع مخففة النون حذف إحدى النونين تخفيفًا، والتضعيف يكره فيتوصل (٦) إلى إزالته تارة بالحذف (٧) نحو: علماء بنو فلانٍ، وتارة بالإبدال نحو: ديوانٍ (٨) وقيراطٍ (٩) والمحذوف الثانية؛ لأن الاستثقال يقع\n_________\n(١) \"تنوير المقباس\" ٢/ ٣٥، وذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٧٠، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٣/ ٧٦.\n(٢) لفظ: (أي) ساقط من (ش).\n(٣) \"معاني القرآن\" ٢/ ٢٦٨.\n(٤) أي: إدغام نون الرفع في نون الوقاية.\n(٥) قرأ ابن عامر ونافع (أتحاجوني) بتخفيف النون، وشددها الباقون.\nانظر: \"السبعة\" ٢٦١، و\"المبسوط\" ص ١٧١، و\"التذكرة\" ٢/ ٤٠٣، و\"التيسير\" ص ١٠٤، و\"النشر\" ٢/ ٢٥٩.\n(٦) في (ش): (فتوصل).\n(٧) في (ش): (وبالحذف)، وهو تحريف.\n(٨) ديوان، بالكسر: مجتمع الصحف والدفتر الذي يكتب فيه، وأصله دوَّان بتشديد الواو عوض من إحدى الواوين ياء؛ لأنه يجمع على دواوين. انظر: \"اللسان\" ٣/ ١٤٦١ (دون).\n(٩) القيراط: وحدة وزن معروفة، وأصله قرط بتشديد الراء، أبدل من إحدى حرفي تضعيفه ياء؛ لأن جمعه قراريط. انظر: \"اللسان\" ٦/ ٣٥٩١ (قرط).","vol":"8","page":251},{"text":"بها، ولأن الأولى في دلالة الإعراب، وقول عمرو:\nتَرَاهُ كَالثَّغَامِ يُعَلُّ مِسْكًا ... يَسُوءُ الْفَالِياتِ إذَا فَلَيْنِي (١)\nفالمحذوفة المصاحبة للياء، ولا يجوز أن يكون الأولى؛ لأن الفعل يبقى بلا فاعل.\nوقد جاء حذف هذه النون في كلامهم قال (٢):\nأَبِالْمَوتِ (٣) الَّذِي لابُدَّ أَنَّيَ ... مُلاقٍ لا أباكِ تُخَوّفِيني (٤)\n_________\n(١) \"ديوان عمرو بن معد يكرب\" ص ١٨٠، و\"الكتاب\" ٣/ ٥٢٠، و\"معاني الفراء\" ٢/ ٩٠، و\"مجاز القرآن\" ١/ ٣٥٢، و\"الصحاح\" ٦/ ٢٤٥٧، و\"اللسان\" ٦/ ٣٤٧٠، (فلا). وبلا نسبة في: \"معاني الأخفش\" ١/ ٢٣٥، و\"الجمهرة\" ١/ ٤٥٩، و\"الحجة\" لابن خالويه ص ١٤٣، \"المنصف\" ٢/ ٣٣٧، و\"المغني\" ٢/ ٦٢١، والثغام: نبات أبيض، ويعل: يطيب، والفاليات من الفلي، وهو إخراج القمل. والشاهد: حذف النون من فلينني.\n(٢) الشاهد لأبي حَيّة النميري الهَيْثم بن الربيع، شاعر أموي عباسي. في \"مجاز القرآن\" ١/ ٣٥٢، و\"معاني الأخفش\" ١/ ٢٣٥، و\"الصحاح\" ٦/ ٢٤٥٧، و\"اللسان\" ٢/ ١٢٠٧ (خعل)، ١/ ١٨ (أبى)، ٦/ ٣٤٧٠ (فلا)، وبلا نسبة في: \"المقتضب\" ٤/ ٣٧٥، و\"الكامل\" للمبرد ٢/ ١٤٢، ٣/ ٢١٨، و\"الأصول\" ١/ ٣٩٠، و\"إعراب النحاس\" ٢/ ١٩٧، و\"اللامات\" للزجاجي ص ١٠٣، و\"الخصائص\" ٢/ ١٤٢، ٣/ ٢١٨، و\"المنصف\" ٢/ ٣٣٧، وهو في \"أمالي ابن الشجري\" ٢/ ١٢٨ للأعشى وليس في \"ديوانه\"، والشاهد: حذف النون من تخوفينني.\n(٣) جاء في هامش (أ) تصحيح: (أبا الموت) إلى (أبي الموت).\n(٤) ما سبق قول إبي علي الفارسي في \"الحجة\" ٣/ ٣٣٣ - ٣٣٥، بتصرف. وانظر: \"معاني القراءات\" ١/ ٣٦٧، و\"إعراب القراءات\" ١/ ١٦٢، و\"الحجة\" لابن زنجلة ص ٢٥٧، و\"الكشف\" ١/ ٤٣٦.","vol":"8","page":252},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ﴾ قال ابن جريج: (خوفوه آلهتهم أن يصيبه منها خبل فقال: ﴿وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ﴾) (١)، وقال أبو إسحاق: (أي: هذه الأشياء التي تعبدونها (٢) لا تضر (٣) ولا تنفع ولا أخافها ﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا﴾، أي: إلا أن يشاء أن يعذبني، وموضع (أن) نصب، أي: لا أخاف إلاَّ مشيئة الله) (٤)، والتقدير: لكن أخاف مشيئة ربي يعذبني (٥) و(إلا) هاهنا بمعنى: لكن، والاستثناء (٦) منقطع، وهو كما تقول: لا أخاف من السلطان شيئًا إلا أن يظلمني غيره.\nوقال ابن عباس (٧): (يريد: أن المشيئة والأسقام والأمراض إليه)، وهذا يدل على أنهم قالوا له: أما تخاف أن تمسَّك آلهتنا بسوءٍ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1046>٨١ </span>- قوله تعالى: ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ﴾ معناه: الإنكار للخوف، وهو سؤال تعجيز عن تصحيح الخوف بالبرهان.\nوقوله تعالى: ﴿مَا أَشْرَكْتُمْ﴾ يعني: الأصنام (٨): ﴿وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا﴾ قال ابن عباس: (يريد: ما\n_________\n(١) أخرجه الطبري ٧/ ٢٥٣ بسند جيد، وذكره السيوطي في \"الدر\" ٣/ ٤٩.\n(٢) في (أ): (يعبدونها).\n(٣) في (ش): (لا يضر ولا ينفع).\n(٤) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٦٨ - ٢٦٩، وانظر: \"بدائع التفسير\" ٢/ ١٥٢ - ١٥٦.\n(٥) في (ش): (تعذبني).\n(٦) انظر: \"إعراب النحاس\" ١/ ٥٦١، و\"معاني النحاس\" ٢/ ٤٥٣، وابن عطية ٥/ ٢٦٦، و\"التبيان\" ص ٢٤٤، و\"الفريد\" ٢/ ١٨٠، و\"الدر المصون\" ٥/ ١٩.\n(٧) لم أقف عليه.\n(٨) انظر: \"تفسير الطبري\" ٧/ ٢٥٣، وابن عطية ٥/ ٢٦٦.","vol":"8","page":253},{"text":"ليس لكم فيه حجة) (١)، والسلطان قوة وحجة يتمكن بها ويتسلط، وقد برق القول فيه (٢).\nوقوله تعالى: ﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ﴾ أي: أحق بأن يأمن العذاب الموحّد أم المشرك (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1047>٨٢ </span>- قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ قال ابن عباس: (هذا من قول إبراهيم لقومه) (٤) يريد: أن هذا من تمام كلام إبراهيم في المحاجة، كما يسأل العالم ويجيب نفسه.\nوقال ابن زيد (٥): (هذا من قول (٦) قوم إبراهيم لإبراهيم أجابوه لما سألهم أي الفريقين أحق بالأمن؟ بما فيه حجة عليهم).\n_________\n(١) \"تنوير المقباس\" ٢/ ٣٦، وذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٧١، وابن كثير في \"تفسيره\" ٢/ ١٧١، وأخرج ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٤/ ١٣٣٢ بسند جيد عن ابن عباس قال: (كل سلطان في القرآن حجة)، قال ابن أبي حاتم بعده: (وروي عن أبي مالك ومحمد بن كعب وعكرمة وسعيد بن جبير والضحاك والسدي مثله) اهـ.\n(٢) انظر: \"البسيط\" النسخة الأزهرية ١/ ٢١٢ أ، ونسخة تشستربتي ٢/ ٣٢ أ، ٣٣/ ب.\n(٣) هذا قول الزجاج في \"معانيه\" ٢/ ٢٦٩، والنحاس ٢/ ٤٥٣، وانظر: \"بدائع التفسير\" ٢/ ١٥٣.\n(٤) ذكره القرطبي ٧/ ٣٠، وهو اختيار الرازي ١٣/ ٦٠، وأبو حيان في \"البحر\" ٤/ ١٧١، وحكاه النحاس في \"معانيه\" ٢/ ٤٥٣ عن مجاهد.\n(٥) أخرجه الطبري ٧/ ٢٥٥ بسند جيد عن ابن جريج، وذكره ابن عطية ٥/ ٢٦٧، والقرطبي ٧/ ٣٠، ولم أقف عليه عن ابن زيد.\n(٦) لعله يريد المشركين منهم، قال الطبري ٧/ ٢٥٥: (لو كان من قول قوم إبراهيم الذين كانوا يعبدون الأوثان ويشركونها في عبادة الله لكانوا قد أقروا بالتوحيد واتبعوا إبراهيم على ما كانوا يخالفونه فيه من التوحيد) اهـ.","vol":"8","page":254},{"text":"وقال ابن جريج: (هذا من قول الله تعالى على جهة فصل القضاء بذلك بين إبراهيم ومن حالفه) (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ قال ابن عباس: (لم يخلطوا إيمانهم بشرك) (٢).\nوقال سعيد بن جبير: (﴿بِظُلْمٍ﴾ أي: بكفر وشرك) (٣).\nوروى علقمة عن ابن مسعود: (قال لما نزلت هذه الآية شق ذلك على المسلمين فقالوا: يا رسول الله! وأينا لا يظلم نفسه؟ فقال رسول (: \"ليس ذلك، إنما هو [الشرك] (٤)، ألم تسمعوا ما قال لقمان لابنه: ﴿يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]) (٥) \".\n_________\n(١) أخرجه الطبري ٧/ ٢٥٤ بسند جيد عن ابن زيد وابن إسحاق. وذكره ابن عطية ٥/ ٢٦٧، ولم أقف عليه عن ابن جريج، وأخشى أن يكون الناسخ أو الواحدي وهم في نسبة الأقوال، فالقول الأول مشهور عن ابن جريج. والثاني عن ابن زيد، والظاهر أن الآية خبر من الله ﷾ وهو اختيار الطبري ٧/ ٢٥٥، وابن عطية ٥/ ٢٦٨، وابن كثير ٢/ ١٧٠، قال ابن عطية: (هذا هو البين الفصيح الذي يرتبط به معنى الآية ويحسن رصفها) اهـ.\nوقال ابن القيم، كما في \"بدائع التفسير\" ٢/ ١٥٣: (في هذه الآية حكم الله سبحانه بين الفريقين بالحكم العدل الذي لا حكم أصلح منه) اهـ.\n(٢) أخرجه الطبري ٧/ ٢٥٧ من طرق جيدة، انظر: \"الدر المنثور\" ٣/ ٤٩، وانظر: معنى الظلم في \"الزاهر\" ١/ ١١٦.\n(٣) أخرجه ابن أبي حاتم ٤/ ١٣٣٣ بسند جيد وذكره السيوطي في \"الدر\" ٣/ ٥٠.\n(٤) في (ش): (شرك).\n(٥) أخرجه البخاري في تفسير سورة لقمان، ومسلم (٤٧٧٦)، (١٩٧ - ١٩٨)، مع بعض الاختلاف؛ وانظر: شرحه في \"شرح مسلم\" للنووي ٢/ ١٨٧ - ١٨٨، و\"الفتاوى\" لشيخ الإسلام ٧/ ٧٩ - ٨٠، و\"فتح الباري\" ١/ ٨٧ - ٨٩.","vol":"8","page":255},{"text":"وقال ابن جريج: (لم يختلفوا في أن الظلم هاهنا الشرك) (١)، وهذه الآية دليل أن من مات لا يشرك بالله وجب أن يكون عاقبته الأمن من النار (٢).\nوقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ﴾ قال ابن عباس: (يريد: من العذاب، ﴿وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ يريد: أرشدوا إلى دين الله) (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1048>٨٣ </span>- قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا﴾ الآية، أشار إلى ما جرى بينه وبين قومه من المجادلة وإلزامه إياهم الحجة حتى أفحمهم بها. قال الفراء: (وذلك أنهم قالوا له: أما تخاف أن تخبلك آلهتنا لسبك إياها؟ فقال لهم: [أفلا] (٤) تخافون أنتم ذلك منها إذ سويتم بين الصغير والكبير أن يغضب الكبير إذا سويتم به الصغير؟ ثم قال لهم: أمن يعبد إلهًا واحدًا أحق أن يأمن أمّن يعبد آلهة شتّى؟ فقالوا: من يعبد إلهًا واحدًا. فقضوا على أنفسهم، فذلك.\n_________\n(١) لم أقف عليه. وهو قول مشهور عن عامة السلف، قال ابن أبي حاتم ٤/ ١٣٣٣: (روي عن أبي بكر الصديق وعمر وسلمان وحذيفة وأبي بن كعب وابن عمر وعمرو ابن شرحبيل وابن عباس وأبي عبد الرحمن السلمي ومجاهد والنخعي وعكرمة وقتادة والضحاك والسدي أنهم قالوا: (الظلم هاهنا الشرك) اهـ. وأخرجه الطبري ٧/ ٢٥٧/ ٢٥٨ من طرق عن هؤلاء وغيرهم، ورجحه الطبري.\nوانظر: \"الفتاوى\" لشيخ الإسلام ٧/ ٩٧ - ٨٢، و\"بدائع التفسير\" ٢/ ١٥٣ - ١٥٧، و\"البحر\" ٤/ ١٧١.\n(٢) لعل المراد الأمن من الخلود في النار. انظر: \"تفسير الطبري\" ٧/ ٢٥٩، والرازي ١٣/ ٦٠، والخازن ٢/ ١٥٤.\n(٣) \"تنوير المقباس\" ٢/ ٣٧، وذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٧٣.\n(٤) في (ش): (ألا).","vol":"8","page":256},{"text":"قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ﴾) قال ابن عباس: (يريد: ألهمناها إبراهيم [وأرشدناه] (١) إليها) (٢).\nوقوله تعالى ﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ﴾ قال الحسين بن الفضل: (يعني: مراتبهم بالعلم والفهم والفضيلة والعقل) (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1049>٨٤ </span>- قوله تعالى: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ﴾ قال عطاء عن ابن عباس (٤): (يريد: من ذرية إبراهيم).\nوقال الفراء (٥) وغيره (٦): (الهاء في ﴿ذُرِّيَّتِهِ﴾ لنوح).\nقال الزجاج: (كلا القولين جائز؛ لأن ذكرهما جميعًا قد جرى) (٧).\nقال العلماء بالنسب: (الأولى (٨) أن تعود الكناية إلى نوح؛ لأنه ذكر في جملة من عُدّ من (٩) هذه الذرية يونس ولوط، ولا شك أنهما لم يكونا\n_________\n(١) في (ش): (وأرشده).\n(٢) \"تنوير المقباس\" ٢/ ٣٧، وذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٧٥.\n(٣) لم أقف عليه. وما ذكره هو اختيار البغوي في \"تفسيره\" ٣/ ١٦٤، والقرطبي ٧/ ٣٠، وانظر: \"زاد المسير\" ٣/ ٧٨، و\"تفسير الرازي\" ١٣/ ٦٢.\n(٤) أخرجه ابن أبي حاتم ٤/ ١٣٣٦ بسند جيد، وذكره القرطبي ٧/ ٣٠، وأبو حيان في \"البحر\" ٤/ ١٧٣، والسيوطي في \"الدر\" ٣/ ٥٢، وهو في \"تنوير المقباس\" ٢/ ٣٨، وقول عطاء كما في \"الوسيط\" ١/ ٧٥، و\"زاد المسير\" ٣/ ٧٩ وذكره السمرقندي ١/ ٤٩٩، عن الضحاك.\n(٥) \"معاني الفراء\" ١/ ٣٤٢.\n(٦) وهو قول مقاتل في \"تفسيره\" ١/ ٥٧٣، والكلبي، كما ذكره السمرقندي ١/ ٤٩٩، وذكره ابن الجوزي ٣/ ٧٩ (عن أبي صالح عن ابن عباس).\n(٧) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٦٩.\n(٨) في (أ): (الألى)، وهو تحريف.\n(٩) في (ش): (في هذه). ويونس ولوط ﵉ ذكرا في الآية ٨٦ من سورة الأنعام.","vol":"8","page":257},{"text":"من ذرية إبراهيم) (١).\n\n٨٦ - وقوله تعالي: ﴿وَالْيَسَعَ﴾ وقرأ حمزة (٢) والكسائي (والليسع) بتشديد اللام، والمعنى واحد في أنه اسم لنبي معروف، واللام الواحدة أشهر في اسمه.\nقال الزجاج: (يقال فيه: اليسع والليسع بتشديد اللام وتخفيفه) (٣).\nقال الفراء (٤): (والتشديد أشبه بأسماء العجم من الذين يقولون: اليسع ولا تكاد العرب تُدخل الألف واللام فيما لا يجري مثل: يزيد ويعمر، فإن أدخلت أدخلت للمدح بتفخيم الاسم على طريق النادر، وأنشد:\nوَجَدْنَا الوليد بن اليزيد مباركا ... شديدًا بأعباء الخِلافِة كاهِله) (٥)\n_________\n(١) هذا اختيار الجمهور ومنهم الطبري ٧/ ٢٦٠، والبغوي ٣/ ١٦٥، وابن عطية ٥/ ٢٦٩، وقال ابن كثير في \"تفسيره\" ٢/ ١٧٣: (عود الضمير إلى نوح لأنه أقرب مذكور ظاهر لا إشكال فيه، وعوده إلى إبراهيم لأنه الذي سيق الكلام من أجله حسن، لكن يشكل عليه لوط فإنه ليس من ذرية إبراهيم، اللهم إلا أن يقال: إنه داخل في الذرية تغليبًا) ا. هـ. ملخصًا، وانظر: ابن الجوزي ٣/ ٧٩، والرازي ١٣/ ٦٤، والخازن ٢/ ١٥٥.\n(٢) قرأ حمزة والكسائي (والليسع) بلامين الأولى ساكنة والثانية مفتوحة مشددة وسكون الياء، وقرأ الباقون بلام واحدة ساكنة وفتح الياء.\nانظر: \"السبعة\" ص ٢٦٢، و\"المبسوط\" ص ١٧١، و\"التذكرة\" ٢/ ٤٠٤، و\"التيسير\" ص ١٠٤، و\"النشر\" ٢/ ٢٦٠.\n(٣) \"معاني القرآن\" ٢/ ٢٦٩.\n(٤) \"معانى الفراء\" ١/ ٣٤٢.\n(٥) البيت لابن ميادة الرماح بن أبرد، وقد سبق الكلام عليه.","vol":"8","page":258},{"text":"قال أبو علي: (الأسماء الأعلام لا تدخل (١) عليها الألف واللام، وذلك أن تعليقها على من تُعلق عليه وتخصيصها يغني عن الألف واللام، فإنهما يدخلان للتعريف ولا حاجة إلى التعريف هاهنا، فأما العباس والحارث (٢) والقاسم والحسن فإنما دخلت الألف واللام فيها على تقدير أنها صفات جارية على موصوفين، فإن لم يقدر (٣) هذا التقدير لم يلحقوه الألف واللام، وقالوا: حارث وعباس وقاسم على المذهبين، جاء [ذلك] (٤) في كلامهم، وقد جمع الأعشى الأمرين في بيت واحد فقال (٥):\nأَتَانِي وَعِيدُ الحُوصِ مِنْ آلِ جَعْفَرٍ ... فَيَا عَبْدَ عَمْرٍو لَوْ نَهَيْتَ الأَحَاوِصَا\nفجمع الأحوص على ضربين، حيث جعله نعتًا جمعه على فُعْل نحو: أحمرِ وحمرٍ، وحيمث جعله [اسما] (٦) محضا جمعه على أفاعَل نحو:\n_________\n(١) في النسخ: (يدخل) بالياء والأولى، بالتاء كما في \"الحجة\" ٣/ ٣٣٨.\n(٢) في (ش): (الحرث والقسم).\n(٣) في (ش): (تقدر).\n(٤) لفظ: (ذلك) ساقط من (أ).\n(٥) \"ديوانه\" ص ٩٩، و\"إصلاح المنطق\" ص ٤٠١، و\"الاشتقاق\" ص ٢٩٦، و\"تهذيب اللغة\" ١/ ٧٠٥، و\"المبهج\" ص ٦٥، و\"الصحاح\" ٣/ ١٠٣٤، و\"المخصص\" ١/ ١٠٢، و\"اللسان\" ٢/ ١٠٥١ (حوص)، والحوص: هم قوم علقمة بن علاثة بن الأحوص، والأحاوص: أولاده. وعبد عمرو بن الأحوص: زعيمهم. انظر: \"تهذيب إصلاح المنطق\" ٢/ ٣١٣.\nوالشاهد: جمع الأحوص على الحوص بالنظر إلى كونه في الأصل وصفًا، وعلى الأحاوص بالنظر إلى الاسمية.\n(٦) لفظ: (اسما) ساقط من (أ).","vol":"8","page":259},{"text":"الأفاكل (١) والأرامل (٢)، وكذلك في الحارث والعباس الوجهان جميعا، فأما قول ابن مقبل (٣):\nوالتَّيمُ أَلأَمُ مَنْ يَمْشي وأَلأَمُهُمْ ... ذُهْلُ بنُ تَيْمٍ بَنُو السُّودِ المَدانِيسِ (٤)\nفإنه يحتمل أمرين: يجوز أن يكون بمنزلة العباس، وذلك أن التيم مصدر، والمصادر قد أجريت مجرى أسماء الفاعلين، ألا ترى أنه قد وصف بها كما وصف بأسماء الفاعلين نحو قولهم: رجل عدل، بمنزلة عادل، وجمع جمعها نحو: نور ونوار، وكما يقولون: مانع ومَنَّاع، وقالوا\n_________\n(١) الأفاكِل: أولاد أفكل أبو بطن من العرب، والأفْكَل عمرو بن جُعَيد الدَّيل سيد ربيعة في الجاهلية، ولَقَب للشاعر الجاهلي الأفوه الأوْدِيِّ لِرعْدة كانت فيه.\nانظر: \"الاشتقاق\" ص ٣٢٥، و\"اللسان\" ٦/ ٣٤٥٣ (فكل).\n(٢) الأرامل: المساكين. انظر: \"اللسان\" ٣/ ١٧٣٥ (رمل). وجاء في (ش): (الأزامل).\n(٣) تميم بن أُبَيِّ بن مُقْبل العجلاني، شاعر جاهلي مخضرم، أدرك الإسلام فأسلم وعُمِّر طويلًا، يتميز شعره بالمفردات الغريبة والأوصاف الجاهلية، وتوفي سنة ٢٥هـ، وله نحو ١٢٠ سنة.\nانظر: \"طبقات فحول الشعراء\" ١/ ١٤٣، و\"الشعر والشعراء\" ص ٢٩٧، و\"الإصابة\" ١/ ١٨٧، و\"الأعلام\" ٢/ ٨٧، و\"معجم شعراء لسان العرب\" ص ٣٤١.\n(٤) الشاهد لجرير في \"ديوانه\" ص ٢٥٢، و\"كتاب الشعر\" ١/ ٣٨، و\"المخصص\" ١٦/ ١٠٢، و\"اللسان\" ٥/ ٢٥٩٠ (ضغبس)، والمدانيس جمع مدناس، وهو كثير الدنس أي الوسخ في الثوب والعِرض.\nوالشاهد: والتيم، وابن تيم: فألحق مرة ولم يلحق أخرى، وفي \"الديوان\" (أوْلاد ذُهْلٍ بَنُو السود)، وعليه فلا شاهدًا فيه. ونسبته إلى ابن مقبل لعلها سبقة نظر في النقل من \"الحجة\" للفارسي ٣/ ٣٤١ حيث ذكر فيها شاهد لابن مقبل ثم آخر لجرير فذكر الواحدي وابن مقبل ثم انتقل نظره إلى بيت جرير. والله أعلم.","vol":"8","page":260},{"text":"أيضًا: سيل وسوائل، كما يقال في جمع سائلة، فلما كان مثلها أجراه مجراها، وعلى هذا قالوا: الفضل في اسم رجل، كأنهم جعلوه الشيء الذي هو خلاف النقص. والآخر: أن يكون تيمي وتيم كزنجي وزنج ويهوديّ ويهودٍ، وفي التنزيل ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ﴾ [البقرة: ١١٣] فاليهود إنما هو جع يهودي ولو لم يكن جمعًا لم تدخل (١) اللام؛ لأن يهود جرت عندهم اسمًا للقبيلة، وعلى هذا ينشد (٢):\nفَرَّتْ يَهُودُ وأسْلَمَتْ جيِرانَها ... صَمِّي لِمَا فَعَلتْ يَهُودُ صَمَامِ\nوفي حديث القسامة (٣): \"تقسم (٤) يهود\" (٥).\n_________\n(١) في (ش): (يدخل).\n(٢) الشاهد: للأسود بن يعفر النهشلي شاعر جاهلي. في \"ديوانه\" ص ٦١، و\"مجالس ثعلب\" ص ٥٢١، و\"كتاب الشعر\" ١/ ٤، و\"العسكريات\" ص ١٤٤، و\"المستقصى\" للزمخشري ٢/ ١٤٤، و\"اللسان\" ٤/ ٢٥٠٢ (صمم)، وصمى: زيدي، وصمام: اسم للداهية الشديدة، وهو مثل يضرب للداهية تقع فتستفظع. انظر: \"جمهرة الأمثال\" ١/ ٤٧٥، و\"مجمع الأمثال\" ١/ ٤٩٨.\n(٣) القسامة: مصدر أقْسَمَ بمعنى حَلَف، وهي الأيمان المكررة في دعوى القتل. انظر: \"المغني\" لابن قدامة ١٢/ ١٨٨.\n(٤) في (ش): (يقسم) بالياء.\n(٥) حديث القسامة متفق عليه، أخرجه البخاري (٦٨٩٨)، كتاب الديات، باب: القسامة، ومسلم (١٦٦٩ - ١٦٧٠)، بألفاظ مختلفة، وملخص الحديث: (أن عبد الله بن سهل الأنصاري وجد مقتولًا في خيبر فاتهموا اليهود في قتله، فقال رسول الله - ﷺ -: \"أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم\" قالوا: لا. قال: \"فتحلف لكم يهود\" قالوا: ليسوا بمسلمين، فكره النبي - ﷺ - أن يبطل دمه فعقله من عند).\nوالشاهد في الحديث والبيت: لفظ: يهود، حيث لم يصرف على أنه علم للقبيلة، وانظر: شرح الحديث في \"شرح مسلم\" للنووي ١١/ ١٤٣، و\"فتح الباري\" ١٢/ ٢٣١.","vol":"8","page":261},{"text":"ومن الصفات الغالبة التي تجرى مجرى (١) الحارث والقاسم قولهم: النابغة، فالنابغة وصف جرى مجرى الأعلام وغلب هذا الوصف حتى جرى مجرى العلم وسدّ مسدّه فصار يعرف به كما يعرف بالعلم مثل الحَارث ونحوه، قد نزل منزلة الاسم العلم لما غلب هذا الوصف على المسمى به فجرى الوصف الغالب مجرى العلم، ولما سدّ مسدّه وكفى منه أجري مجراه في طرح الألف واللام منه كما قال:\nونابِغةُ الجَعْدِيِّ بالرَّمْلِ بَيتُهُ (٢)\nفأما لام اليسع فهي زائدة) (٣) -وقد ذكرنا زيادة هذه اللام في الذي والتي وبابهما- وفي الآن عند قوله تعالى: ﴿قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾ (٤) [البقرة: ٧١]، ومما جاءت اللام فيه زائدة قولهم: اللات والعزّى، وسنذكر (٥) ذلك إذا انتهينا إليه إن شاء الله. وقولهم: الخَمْسَةَ العَشَرَ درهمًا،\n_________\n(١) في (أ) تكرار لفظ: (مجرى).\n(٢) الشاهد لِمسْكِين الدارمي، شاعر أموي، في \"ديوانه\" ص ٤٩، و\"الكتاب\" ٣/ ٢٤٤، و\"المقتضب\" ٣/ ٣٧٣، و\"كتاب الشعر\" ٢/ ٥٣٢، و\"التكملة\" ص ٢٥٥، و\"أمالي ابن الشجري\" ٢/ ٣٦٠، و\"اللسان\" ٧/ ٤٨٣٤ (وسط)، وعجزه: عليه صَفِيحٌ مِنْ رُخامٍ مرصَّع. والشاهد: ونابغة؛ حيث حذف أل؛ لأنها كانت للمح الأصل، وهو الوصف بالنبوغ، فلما نظر إلى الأصل نزل منزلة الأعلام وغلبت عليه الاسمية فلم تدخل عليه أل.\n(٣) \"الحجة\" للفارسي ٣/ ٣٣٧ - ٣٤٥ بتصرف واختصار. وانظر: \"معاني القراءات\" ١/ ٣٦٨، و\"إعراب القراءات\" ١/ ١٦٣، و\"الحجة\" لابن خالويه ص ١٤٤، ولابن زنجلة ص ٢٥٩، و\"الكشف\" ١/ ٤٣٨.\n(٤) (لفظ قالوا): ساقط من (أ).\n(٥) ورد ذلك في سورة النجم آية ١٩، قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾ قال الواحدي في \"البسيط\": (اللام فيهما زائدة، وهو قول الأخفش وابن جني) اهـ.","vol":"8","page":262},{"text":"حكاه الأخفش (١)، ألا ترى أنها اسم واحد، ولا يجوز أن يتعرف اسم واحد تعريفين، وإذا كان كذلك علمت زيادة اللام في الخمسة العشر درهما، ومما جاءت اللام فيه زائدة أيضًا ما أنشده الفراء (٢):\nوجدنا الوليد بن اليزيد\nوقد ذكرناه آنفًا، فأما (الليسع) فإنه ليسع أدخلت عليه الألف واللام وهما فيه كهما في اليسَع، ألا ترى أنه لم يجيء في الأسماء الأعجمية في حال التعريف نحو: إسماعيل (٣) وإبراهيم شيء على هذا النحو، وإذا كان كذلك كان الليسع بمنزلة اليسع في أنه خارج عما كانت عليه الأسماء الأعجمية المعربة (٤).\nوقوله تعالى: ﴿وَلُوطًا﴾ قال ابن عباس: (وهو ابن أخيه) (٥) يعني: ابن أخي إبراهيم صيره في هذا الموضوع ابنه.\nوقوله تعالى: ﴿وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ يعني: وكل الأنبياء، على هذا دل كلام ابن عباس فقال: (يريد: المرسلين) (٦)، وقيل: وكلًّا من\n_________\n(١) حكاه الفارسي في \"الحجة\" ٣/ ٣٤٨، ولم أقف عليه في \"معانيه\". وجزم الفارسي في \"الحلبيات\" ص ٢٨٩ - ٢٩٠، بزيادة اللام في (اللات والعزى)؛ لأنهما علم، وكذلك اللام في الخمسة العشر درهما؛ لأنهما اسمان جعلا اسما واحدًا، وانظر: \"الأصول\" ٢/ ٣١٢، و\"التكملة\" ص ٢٦٢، و\"سر صناعة الإعراب\" ١/ ٣٦٥.\n(٢) \"معاني القرآن\" ١/ ٣٤٢.\n(٣) في (ش): نحو (إبراهيم وإسماعيل).\n(٤) ما تقدم قول الفارسي في \"الحجة\" ٣/ ٣٤٨ - ٤٥٠.\n(٥) ذكره القرطبي في \"تفسيره\" ٧/ ٣١، وأبو حيان في \"البحر\" ٤/ ١٧٣.\n(٦) \"تنوير المقباس\" ٢/ ٣٨، وفيه قال: (كل هؤلاء الأنبياء فضلنا بالنبوة والإسلام) ا. هـ.","vol":"8","page":263},{"text":"المذكورين هاهنا فضَّلنا على عالمي زمانهم (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1050>٨٧ </span>- قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ﴾، قال أبو إسحاق: (أي: هدينا هؤلاء الذين ذكرناهم وهدينا بعض آبائهم وذرياتهم وإخوانهم) (٢)، فمن هاهنا للتبعيض (٣)، وأعاد ذكر الهداية في (٤) قوله: ﴿وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ﴾ بعد ما عطف على الهداية في قوله: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ﴾؛ لأنه إذا طال الكلام حسن أن يذكر المعنى الذي عليه الاعتماد (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1051>٨٨ </span>- قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ﴾ قال ابن عباس: (يريد: ذلك دين الله الذي هم عليه، ﴿يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ يريد: يرشد إليه من يشاء، ﴿مِنْ عِبَادِهِ﴾ يريد: من أوليائه، ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا﴾ يريد: ولو (٦) عبدوا غيري، ﴿لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ولكني عصمتك وعصمتهم، واخترتك واخترتهم (٧» (٨).\n_________\n(١) انظر: \"تفسير البغوي\" ٣/ ١٦٥، وابن الجوزي ٣/ ٨٠.\n(٢) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٦٩.\n(٣) هذا قول الجمهور، وهو الظاهر؛ لأن آباء بعضهم كانوا مشركين. وهو قول البغوي في \"تفسيره\" ٣/ ١٦٥، وابن عطية ٥/ ٢٧٣، وابن الجوزي ٣/ ٨٠، والقرطبي ٧/ ٣٤، وانظر: \"الفريد\" ٢/ ١٨٦، و\"الدر المصون\" ٥/ ٣٠.\n(٤) في (أ): (وأعاد ذكر الهداية وقوله ...).\n(٥) قال السمين في \"الدر\" ٥/ ٣٠: (كرر لفظ الهداية توكيدًا ولأن الهداية أصل كل خير ..).\n(٦) (الواو): ساقط من (أ).\n(٧) في (أ): (واخترهم)، وهو تحريف.\n(٨) في \"تنوير المقباس\" ٢/ ٣٩ نحوه، وذكر الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٧٧، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٣/ ٨٠، عن ابن عباس نحوه.","vol":"8","page":264},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1052>٨٩ </span>- قوله ﷿: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾ قال ابن عباس: (يعني: الكتب التي أنزلها الله عليهم التوراة والإنجيل والزبور وصحف إبراهيم وموسى وكتبًا أنزلها الله تعالى كثيرة، وهو أعلم بها.\nوقوله تعالى: ﴿وَالْحُكْمَ﴾ قال: يعني: العلم والفقه) (١)، ﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا﴾ أي: بآياتنا؛ قاله الفراء (٢) والزجاج (٣).\n﴿هَؤُلَاءِ﴾ يعني: أهل مكة، في قول ابن عباس (٤) وغيره (٥)، وقال عطاء عنه: (يريد: الذي كذّبوك) (٦).\n﴿فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا﴾ قال عبد العزيز بن يحيى: (يعني: أرصدنا لها قومًا وفقناهم لها، وفي هذا دليل على أنهم خلقوا للإيمان بها مخصوصين دون من كفروا فهم آمنوا بتوفيق الله؛ لأنه قال: ﴿فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا﴾ ولم يقل:\n_________\n(١) ذكر في \"تنوير المقباس\" ٢/ ٣٩ نحوه، وانظر: \"تفسير البغوي\" ٣/ ١٦٦، و\"زاد المسير\" ٣/ ٨١.\n(٢) \"معاني الفراء\" ١/ ٣٤٢.\n(٣) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٧٠.\nولم يصرح بأن المراد الآيات، ولكن يظهر من كلامه ذلك فقد قال: (أي: قد وكلنا بالإيمان بها).\n(٤) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٧/ ٢٦٤، وابن أبي حاتم ٤/ ١٣٣٩ بسند جد، وذكره السيوطي في \"الدر\" ٣/ ٣١٢.\n(٥) منهم مقاتل في \"تفسيره\" ١/ ٥٧٤، الفراء في \"معانيه\" ١/ ٣٤٢. وأخرج الطبري في \"تفسيره\" ٧/ ٢٦٤، عن قتادة والضحاك وابن جريج. وذكره ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٤/ ١٣٣٩ عن سعيد بن المسيب. وذكره النحاس في \"معانيه\" ٢/ ٤٥٥ عن مجاهد. واقتصر على هذا القول السمرقندي في \"تفسيره\" ١/ ٤٩٩، والبغوي ٣/ ١٦٦.\n(٦) لم أقف عليه.","vol":"8","page":265},{"text":"فقد قام بها، فأضاف ذلك إلى نفسه لا إليهم) (١)، واختلفوا في المعنى بقوله: (قومًا) فقال ابن عباس (٢) والضحاك والسدي وابن جريج (٣) والكلبي (٤): (يعني: أهل المدينة الأنصار)، وهو اختيار الفراء (٥).\nوقال عطاء عن ابن عباس: (﴿وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا﴾: اختصصنا بها المهاجرين والأنصار (٦).\n[وقال الحسن (٧) وقتادة (٨): (هم الأنبياء الثمانية عشر الذين تقدم ذكرهم)] (٩)، وهذا القول اختيار أبي إسحاق قال: (يعني بذلك: الأنبياء الذي ذكروا، آمنوا بما أتى به النبي في وقت مبعثهم؛ لقوله تعالى بعد هذه الآية: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام:٩٠] أي: اصبر كما صبروا، فإن قومهم قد كذبوهم فصبروا على ما كُذبوا وأوذوا فاقتدِ بهم) (١٠).\n_________\n(١) لم أقف عليه. وذكر نحوه الرازي ١٣/ ٦٨ بلا نسبة.\n(٢) أخرجه ابن أبي حاتم ٤/ ١٣٣٩ بسند جيد.\n(٣) أخرجه الطبري ٧/ ٢٦٤ من طرق جيدة عن ابن عباس والسدي وابن جريج، وبسند ضعيف عن الضحاك. وانظر: \"الدر المنثور\" ٣/ ٥٢.\n(٤) \"تنوير المقباس\" ٢/ ٣٩.\n(٥) \"معاني الفراء\" ١/ ٣٤٢.\n(٦) ذكره ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٣/ ٨١، والقرطبي ٧/ ٣٥ بدون نسبة.\n(٧) ذكره الماوردي في \"تفسيره\" ٢/ ١٤٠، وابن عطية ٥/ ٢٧٤، وأخرج ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٤/ ١٣٣٩ عن الحسن قال: (الأنبياء والصالحون).\n(٨) أخرجه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ١/ ٢/ ٢١٣، والطبري ٧/ ٢٦٥، وابن أبي هاشم ٤/ ١٣٣٩ بسند جيد، وذكره السيوطي في \"الدر\" ٣/ ٥٢.\n(٩) ما بين المعقوفين ساقط من (ش).\n(١٠) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٧٠، وهذا أيضًا اختيار الطبري في \"تفسيره\" ٧/ ٢٦٦، والنحاس في \"معانيه\" ٢/ ٤٥٦.","vol":"8","page":266},{"text":"وقال أبو رجاء: (يعني الملائكة) (١)، وهذا كالمستبعد؛ لأن اسم القوم قل ما يقع على غير بني آدم (٢).\nوقال مجاهد: (هم الفرس) (٣).\nوقال الزهري: (هم العجم) (٤)، وقال أبو روق: (هم علماء أهل الكتاب الذين آمنوا) (٥)، وقال ابن زيد: (كل من لم يكفر فهو منهم ملكًا كان أو نبيًّا، ومن الصحابة كان أو من التابعين) (٦).\n_________\n(١) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٧/ ٢٦٥، وابن أبي حاتم ٤/ ١٣٣٩ بسند جيد، وذكره السيوطي في \"الدر\" ٣/ ٥٢.\n(٢) ونحو هذا قال الرازي ١٣/ ٦٨، وقال ابن القيم في \"بدائع التفسير\" ٢/ ١٥٨: (هذا قول ضعيف جدًّا لا يدل عليه السياق وتأباه لفظه (قوما)، إذ الغالب في القرآن بل المطرد تخصيص القوم ببني آدم دون الملائكة) اهـ وانظر: \"اللسان\" ١٢/ ٥٠٥ (قوم).\n(٣) لم أقف عليه.\n(٤) لم أقف عليه.\n(٥) ذكره الرازي ١٣/ ٦٨، وفي \"تفسير مجاهد\" ١/ ٢١٩ قال: (النبيين والصالحين)، وحكى البغوي في \"تفسيره\" ٣/ ١٦٦ عن مجاهد قال: (يعني: الأنصار وأهل المدينة)، وذكره ابن القيم في \"بدائع التفسير\" ٢/ ١٦١ عن ابن عباس ومجاهد، وقال الإمام أحمد كما في مروياته في \"التفسير\" ٢/ ١٢٠: (هم أهل المدينة) اهـ.\n(٦) ذكره الرازي ١٣/ ٦٨، والخازن ٢/ ١٥٦، والظاهر أن الآية عامة فيمن كفر ومن آمن إلى يوم القيامة، ويحمل ما ورد على التمثيل، وأول من يدخل كفار مكة ومن آمن من المهاجرين والأنصار، وهو اختيار ابن عطية ٥/ ٢٧٤، وابن كثير ٢/ ١٧٤، وقال ابن القيم في \"بدائع التفسير\" ٢/ ١٥٨ - ١٦٢: (الإشارة بقوله: (هؤلاء) إلى من كفر به من قومه أصلًا ومن عداهم تبعًا، فيدخل فيها كل من كفر بما جاء به من هذه الأمة، والقوم الموكلون بها هم الأنبياء أصلًا، والمؤمنون بهم تبعًا فيدخل كل من قام بحفظها والذب عنها والدعوة إليها، ولا ريب أن هذا للأنبياء أصلًا وللمؤمنين بهم تبعًا، وأحق من دخل فيها من أتباع الرسول خلفاؤه في أمته وورثته، فهم الموكلون بها وهذا ينتظم في الأقوال التي قيلت في الآية) اهـ.","vol":"8","page":267},{"text":"قال أهل المعاني: (هذه الآية تتضمن البيان عن أن الله تعالى سيحوط نبيه ﵇ وينصر دينه بهؤلاء المؤمنين الذين أرصدهم للإيمان به حتى يستعلي على كل من عاداه وناوأه، ولا يضرّه كفر هؤلاء، وفيه تقريظ للمؤمنين وتقريع لهؤلاء الكافرين) (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1053>٩٠ </span>- قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾ الآية، هذه الآية متصلة بالأولى على قول الحسن وقتادة والزجاج؛ لأنه في ذكر النبيين الذين تقدم ذكرهم إذ هم الموكلون بآيات الله، وعلى قول الباقين رجع إلى ذكر النبيين (٢)، وفي قوله ﴿هَدَى اللَّهُ﴾ دليل على أنهم مخصوصون بالهدى؛ لأنه لو هدى جميع المكلفين لم يكن لقوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾ فائدة وتخصيص (٣).\nوقوله تعالى: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾، قال الكلبي: (فبشرائعهم وبسنتهم اعمل) (٤)، وذكرنا قول أبي إسحاق (٥) في هذا، ومعنى الاقتداء في (٦) اللغة: طلب موافقة الثاني للأول في فعله.\nقال الليث: (القدو (٧) أصل البناء الذي [ينشعب] (٨) منه تصريف\n_________\n(١) انظر: \"تفسير الرازي\" ١٣/ ٦٩، والخازن ٢/ ١٥٦.\n(٢) انظر: \"تفسير الطبري\" ٧/ ٢٦٦.\n(٣) ذكره الرازي ١٣/ ٧٠ عن الواحدي.\n(٤) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٧٨، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٣/ ٨١.\n(٥) انظر: \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٧٠.\n(٦) انظر: \"الجمهرة\" ٢/ ٦٧٧، و\"الصحاح\" ٦/ ٢٤٥٩، و\"مجمل اللغة\" ٣/ ٧٤٦، و\"مقاييس اللغة\" ٥/ ٦٦، و\"اللسان\" ٦/ ٣٥٥٦ (قدا).\n(٧) القدو: بفح القاف، وسكون الدال وبعدها واو.\n(٨) في (ش): (يتشعب).","vol":"8","page":268},{"text":"الاقتداء ويقال: قِدوة (١) وقُدوة لما يُقتدى (٢) به) (٣)، اللحياني عن الكسائي (٤): (يقال: لي بك قُدْوة وقِدْوة وقِدَة) (٥).\nواختلف القراء (٦) في الهاء من قوله: (اقتده)، فالأكثرون أثبتوها في الوصل والوقف ساكنة، والوجه الإثبات في الوقف والحذف في الوصل؛ لأن هذه الهاء في السكت بمنزلة همزة الوصل في الابتداء في أن الهاء للوقف كما أن همزة الوصل للابتداء بالساكن، فكما لا تثبت (٧) الهمزة في الصلة فكذلك ينبغي أن لا تثبت (٨) الهاء، إلا أن هؤلاء الذين أثبتوا راموا (٩)\n_________\n(١) قدوة: بكسر القاف وضمها، وسكون الدال.\n(٢) في (ش): (ولما يقتدى به)، وهو تحريف.\n(٣) \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٨٩٣ (قدا).\n(٤) \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٨٩٣.\n(٥) جاء في (ش): (يقال: لي بك قدوة وقدوة وقدوة)، وهو تحريف والصواب: قدوة، بكسر القاف وضمها، وقدة: بكسر القاف وفتح الدال بعدها هاء، كما ورد في المراجع السابقة.\n(٦) قرأ حمزة والكسائي: (اقتد قل) بغير هاء في الوصل. وقرأ ابن عامر: (اقتده قل) بكسر الدال ويشم الهاء الكسر في الوصل من غير بلوغ ياء، وروي عنه: (اقتدهي قل) بياء بعد الهاء في الوصل. وقرأ الباقون: (اقتده) بهاء ساكنة في الوصل والوقف. ولا خلاف بينهم أنه بهاء ساكنة في الوقف.\nانظر: \"السبعة\" ص ٢٦٢، و\"المبسوط\" ص ١٧١، و\"الغاية\" ص ٢٤٥، و\"التذكرة\" ٢/ ٤٠٤، و\"التيسير\" ص ١٠٥.\n(٧) في (ش): (لا يثبت)، بالياء.\n(٨) في (ش): (لا يثبت)، بالياء.\n(٩) نقل قول الواحدي الرازي في \"تفسيره\" ١٣/ ٧١، وهذا القول فيه نظر؛ لأن القراءة سبعية مأخوذة بالرواية، وقد ذكر هذا القول عن الواحدي القاسمي في \"تفسيره\" ٦/ ٦١٩، وذكر عن الخفاجي أنه قال: (إن هذا مما لا ينبغي ذكره؛ لأنه يقتضي أن القراءة بغير نقل تقليد للخط، فمن قاله فقد وهم) اهـ.","vol":"8","page":269},{"text":"موافقة المصحف، فإن الهاء ثابتة في الخط فكرهوا مخالفة الخط في حالتي الوقف والوصل فأثبتوا.\nوالاختيار عند النحويين (١) الوقف على قوله (اقتده) لتمام الكلام هاهنا ولكون (٢) الهاء ثابتة للاستراحة؛ لأنك إن أدرجت بالهاء (٣) خالفت القياس المستمر في حذف حرف الاستراحة، وإن أسقطت الهاء في الإدراج خالفت خط المصحف، وأما حمزة والكسائي فإنهما يقفان بالهاء ويصلان بغير هاء.\nقال أبو علي: (وقول حمزة والكسائي القياس، وفي ترك قول الأكثر ضرب من الاستيحاش وإن كان الصواب والقياس ما قرأ) (٤).\nوقرأ ابن عامر (اقتدِه) بكسر الدال وبشمِّ الهاء الكسر من غير بلوغ ياء، قال أبو بكر بن مجاهد (٥): (وهذا غلط لأن هذه الهاء هاء وقفٍ لا تعرب في حال من الأحوال وإنما تدخل لتتبين (٦) بها حركة ما قبلها) (٧).\n_________\n(١) انظر: \"معاني الأخفش\" ٢/ ٢٨١، و\"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٧٠، و\"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ٥٦٤.\n(٢) في (أ)، (ش): (وليكون) والصواب: ولكون.\n(٣) في (ش): (أدرجت، الهاء).\n(٤) \"الحجة\" لأبي علي ٣/ ٣٥٢.\n(٥) أبو بكر بن مجاهد: أحمد بن موسى بن العباس بن مجاهد التميمي، تقدمت ترجمته.\n(٦) في (ش): (يدخل لتبيين). وانظر: \"البغداديات\" ص ١٥٢.\n(٧) \"السبعة\" ص ٢٦٢، ونحوه قال النحاس في \"إعرابه\" ١/ ٥٦٤، وابن خالويه في \"إعراب القراءات\" ١/ ١٦٤، وفي \"الحجة\" لابن خالويه ص ١٤٥ قال: (وهذا قول ضعيف مردود؛ لأنها قراءة سبعية)، قال أبو حيان في \"البحر\" ٤/ ١٧٦: (تغليط ابن مجاهد غلط) اهـ، وانظر: \"الدر المصون\" ٥/ ٣٢.","vol":"8","page":270},{"text":"قال أبو علي: (ليس بغلط، ووجهها أن تجعل الهاء كناية عن المصدر لا التي تلحق (١) للوقف، وحَسُن إضمار المصدر لذكر الفعل الدال عليه كما أضمر في قوله تعالى: (﴿ولا تحسبن (٢) الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم﴾ [آل عمران: ١٨٠] وعلى هذا قول الشاعر (٣):\nهذا سُرَاقَةُ لِلقُرْآنِ يَدْرُسُهُ ... والمَرْءُ عِنْدَ الرُّشَا إِنْ يَلْقَها ذِئبُ\nفالهاء كناية عن المصدر، ودل يدرسه على الدرس، ولا يجوز أن يكون ضمير القرآن؛ لأن الفعل قد تعدى إليه باللام فلا يجوز أن يتعدى إليه وإلى ضميره، كما أنك إذا قلت: أزيدًا ضربته، لم تنصب (٤) زيدًا بضربت لتعديه إلى الضمير، فإذا لم يجز ذلك علمت أنه للمصدر، فكذلك قراءة ابن عامر: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ يكون اقتد الاقتداء، فتضمر (٥) الاقتداء لدلالة الفعل عليه، وقياسه إذا وقف أن يُسكن الهاء؛ لأن هاء الضمير تسكن في الوقف كما تقول: اشتره) (٦).\n_________\n(١) في (ش): (يلحق)، وانظر: \"كتاب الشعر\" ٢/ ٥٠١.\n(٢) قراءة المصحف بالياء، وهي قراءة الجمهور، وقرأ حمزة بالتاء. انظر: \"السبعة\" ص ٢١٩، و\"الحجة\" لأبي علي ٣/ ١٠٠.\n(٣) لم أقف على قائله، وهو في \"الكتاب\" ٣/ ٦٧، و\"الأصول\" ٢/ ١٩٣، و\"أمالي ابن الشجري\" ٢/ ٩١، و\"المقرب\" ١/ ١١٥، و\"رصف المباني\" ص ٣٢٠، ٣٨٢، و\"اللسان\" ٤/ ١٩٩٩ (سرق)، و\"الدر المصون\" ٥/ ٣٢، والرشا بضم الراء وكسرها جمع رشوة، وهو يصف مقرئًا بقبول الرشوة والحرص عليها كحرص الذئب على فريسته. والشاهد: يدرسه: حيث جاءت الهاء مفعولًا مطلقًا ترجع إلى المصدر المدلول عليه بالفعل وهو مضمون الدرس، أي: يدرس الدرس. انظر: \"شرح شواهد المغني\" للسيوطي ٢/ ٥٨٧.\n(٤) في (ش): (ينصب).\n(٥) في (ش): (فيضمر).\n(٦) \"الحجة\" ٢/ ٣٧٥، ٣/ ٣٥٢ - ٣٥٣، وانظر: \"الحجة\" لابن زنجلة ص ٢٦٠،=","vol":"8","page":271},{"text":"وقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ قال ابن عباس: (يريد: مالًا تعطونيه) (١)، وقال [الكلبي] (٢): (جعلًا على القرآن ولا رزقًا) (٣)، ﴿إِنْ هُوَ﴾ يعني: القرآن ﴿إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ﴾ قال ابن عباس: (يريد: موعظة للخلق أجمعين) (٤) فالقرآن هو المذكر بكل ما يحتاج إليه العباد في دينهم من حجة بيّنة وموعظة بليغة (٥). قال أهل المعاني: (قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ مما أمر به من هدى النبيين والاقتداء بهم في ذلك، وذلك أن من الاقتداء بالنبيين ترك طلب الأجر من الناس على دعائهم إلى الله ﷿ وتبيين طريق الحق لمن التمسه، فكأنه يقول: فبهدى الأنبياء حيث لم يسألوا أجرًا اقتد و﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ (٦). كما قالوا) (٧).\n_________\n= و\"الكشف\" ١/ ٤٣٨، وقال الأزهري في \"معاني القراءات\" ١/ ٣٧٠، في توجيه قراءة ابن عامر: (جعلها اسمًا ولم يجعلها هاء السكت؛ لأنها لو كانت عنده هاء السكت ما جرها، والمعنى: فبهداهم اقتد اقتداء، وهو مذهب حسن في اللغة) اهـ.\n(١) لم أقف عليه. وأخرج ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٤/ ١٣٤٠ بسند ضعيف عنه قال: (يقول: لا أسألكم على ما أدعوكم إليه عرضا من عرض الدنيا) اهـ، وذكره السيوطي في \"الدر\" ٣/ ٥٣.\n(٢) لفظ: (الكلبي) ساقط من (أ).\n(٣) انظر: \"تنوير المقباس\" ٢/ ٤٠.\n(٤) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٧٩، وفي \"تنوير المقباس\" ٢/ ٤٠ نحوه.\n(٥) انظر: \"تفسير الرازي\" ١٣/ ٧٢، والخازن ٢/ ١٥٧، والقاسمي ٦/ ٦١٩.\n(٦) جاء في (ش): تكرار قوله (اقتد وقيل لا أسألكم عليه أجرًا).\n(٧) انظر: الرازي ١٣/ ٧٢، والخازن ٢/ ١٥٧.","vol":"8","page":272},{"text":"وقال أهل العلم: (وهذه الآية تدل على أن شريعة محمد - ﷺ - وشريعة الأنبياء الماضين (١) واحد (٢) حيث أمر بالاقتداء بهم، وكل شيء ثبت عن نبي من الأنبياء ما لم ينسخ فعلينا الأخذ به).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1054>٩١ </span>- قوله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ قال ابن عباس: (يقول: ما عظموا الله حق تعظيمه) (٣).\nوهو قول الحسن (٤) والفراء (٥) والزجاج (٦)، وروي عن ابن عباس [أيضًا (ما آمنوا أن الله على كل شيء قدير) (٧).\n_________\n(١) أي في التوحيد، أما أعمال الشرائع فمختلفة، انظر: \"تفسير ابن عطية\" ٥/ ٢٧٦، والرازي ١٣/ ٧١ - ٧٢، والقرطبي ٧/ ٣٥ - ٣٦، وقال شيخ الإِسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في \"الفتاوى\" ١٩/ ٧: (وشرع من قبلنا إنما هو شرع لنا فيما ثبت أنه شرع لهم دون ما رووه لنا) اهـ.\n(٢) الأولى: واحدة لأنها خبر عن الشريعة فتوافقها في التأنيث.\n(٣) \"تنوير المقباس\" ٢/ ٤٠، وذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٧٩، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٣/ ٨٣، والرازي في \"تفسيره\" ١٣/ ٧٢، والخازن ٢/ ١٥٧، وهو اختيار الطبري في \"تفسيره\" ٧/ ٢٦٦، والجوهري في \"الصحاح\" ٢/ ٧٨٦، وابن كثير ٢/ ١٧٤.\nوقال ابن فارس في \"مقاييس اللغة\" ٥/ ٦٣، في الآية: (قال المفسرون: ما عظموا الله حق عظمته، وهذا صحيح، وتلخيصه أنهم لم يصفوه بصفته التي تنبغي له تعالى) اهـ. وانظر: \"مجمل اللغة\" ٣/ ٧٤٥ (قدر).\n(٤) ذكره الماوردي في \"تفسيره\" ٢/ ١٤١، وابن الجوزي ٣/ ٨٣، والقرطبي ٧/ ٣٧.\n(٥) \"معاني الفراء\" ١/ ٣٤٣.\n(٦) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٧١.\n(٧) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٧/ ٢٦٨، وابن أبي حاتم ٤/ ١٣٤١ بسند جيد، وذكره السيوطي في \"الدر\" ٣/ ٥٣.","vol":"8","page":273},{"text":"وقال أبو العالية (١)]: (ما وصفوه حق صفته) (٢)، وهو قول الليث (٣) من أهل اللغة، وقال الأخفش (٤) وأبو عبيدة (٥): (ما عرفوه حق معرفته)\nويقال: قدر (٦) الشيء: إذا حزره وسبره وأراد أن يعلم مقداره، يقدره بالضم، قَدْرًا، ومنه قوله ﵇: \" إن غمّ عليكم فاقدروا له\" (٧)، أي: فاطلبوا أن تعرفوه، هذا أصله في اللغة، ثم (٨) يقال لكل من عرف شيئًا: هو يقدر قدره، ولا يقدر قدره إذا لم يعرفه بصفاته وما هو منعوت به، فقوله ﴿مَا\n_________\n(١) ما بين المعقوفين ساقط من (ش).\n(٢) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٧٩، وابن الجوزي في \"تفسيره\" ٣/ ٨٣، والرازي ١٣/ ٧٢، والخازن ٢/ ١٥٧.\n(٣) \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٨٩٧، وانظر: \"العين\" ٥/ ١١٣.\n(٤) ذكره الرازي في \"تفسيره\" ١٣/ ٧٢، والخازن ٢/ ١٥٧، ولم أقف عليه في \"معانيه\".\n(٥) \"مجاز القرآن\" ١/ ٢٠٠، وهو قول اليزيدي في \"غريب القرآن\" ص ١٣٩، وذكر هذا القول النحاس في \"معانيه\" ٢/ ٤٥٦ - ٤٥٧، وقال: (هذا قول حسن؛ لأن معنى قدرت الشيء وقدرته: عرفت مقداره، ويدل عليه قوله جل وعلا: ﴿إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام:٩١]، أي: لم يعرفوه حق معرفته، إذ أنكروا أن يُرسل رسولًا، وقيل: المعنى: وما عظموا الله حق عظمته، ومن هذا لفلان قَدرٌ، والمعنيان متقاربان) اهـ.\n(٦) قدر الشيء: بفتح القاف والدال يَقْدِرُه، قَدْرًا، انظر: \"الجمهرة\" ٢/ ٦٣٥، و\"اللسان\" ٦/ ٣٥٤٧ (قدر).\n(٧) الحديث متفق عليه أخرجه البخاري (١٩٠٦)، كتاب الصوم، باب قول النبي: \"إذا رأيتم الهلال\" ومسلم (١٠٨٠) كتاب الصوم، باب وجوب صوم رمضان، عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: (سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"إذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غُمَّ عليكم فَاقْدِرُوا له\"). وانظر: \"شرح مسلم\" للنووي ٧/ ٢٦٦، و\"فتح الباري\" ٤/ ١٢٠.\n(٨) لفظ: (ثم) ساقط من (ش).","vol":"8","page":274},{"text":"قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ صحيح في المعاني التي ذكرنا (١).\nوقوله تعالى. ﴿إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ قال ابن عباس: (كان مالك بن الضيف (٢) رأس اليهود، وكان سمنًا، فأتى رسول الله - ﷺ - بمكة، فقال له رسول الله - ﷺ -: \"أنشدك باللهِ الذي أنزل التوراة على موسى هل تجد فيها أن الله يبغض الحبر (٣) السمين؟ \"، قال: نعم. قال: \"فأنت الحبر السمين، قد سمنت من مأكلتك التي [يطعمك] (٤) اليهود\"، فضحك القوم فغضب مالك، وقال: ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾) (٥)، وهذا قول\n_________\n(١) نقل قول الواحدي الرازي في \"تفسيره\" ١٣/ ٧٢، وذكر مثل قول الواحدي الخازن في \"تفسيره\" ٢/ ١٥٧، وقال ابن عطية في \"تفسيره\" ٥/ ٢٧٩: (هو من توفية القدر والمنزلة فهي عامة يدخل تحتها من لم يعرف ومن لم يعظم وغير ذلك، غير أن تعليله بقولهم: (ما أنزل الله) يقضي بأنهم جهلوا ولم يعرفوا الله حق معرفته إذ أحالوا عليه بعثة الرسل) اهـ.\nوانظر: \"تفسير غريب القرآن\" لابن قتيبة ١/ ١٦٨، و\"الفتاوى\" ١٣/ ١٦٠ - ١٦٤، و\"بدائع التفسير\" ٢/ ١٦٢.\n(٢) مالك بن الضَّيْف: يهودي خاصم النبي ﵇، ويقال فيه: ابن الصيف بالصاد المهملة، وهما روايتان فيه، ذكره ابن هشام في \"السيرة النبوية\" ٢/ ١٧٤.\n(٣) حديث: \"إن الله يبغض الحبر السمين\" تكلم فيه أهل العلم، قال السخاوي في \"المقاصد الحسنة\" ص ١٢٥: (ما علمته في المرفوع). وانظر: \"تخريج أحاديث الكشاف\" للزيعلي ١/ ٤٤٣، و\"الكافي الشاف\" ص ٦٢، و\"تمييز الطيب من الخبيث\" ص ٨٢، و\"الفتح السماوي\" ٢/ ٦١١، و\"كشف الخفاء\" ١/ ٢٨٩.\n(٤) في (أ): (تطعمك).\n(٥) ذكره ابن الجوزي ٣/ ٨٢، والرازي ١٣/ ٧٤، وأبو حيان في \"البحر\" ٤/ ١٧٦، وذكره أكثرهم بلا نسبة. انظر: \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٧١، والنحاس ٢/ ٤٥٧، والسمرقندي ١/ ٥٠٠، و\"غرائب الكرماني\" ١/ ٣٧٠، وابن عطية ٥/ ٢٨٠، وفي \"تنوير المقباس\" ٢/ ٤٠: قال: (نزلت الآية في مالك بن الصيف) اهـ.","vol":"8","page":275},{"text":"الحسن (١) وسعيد (٢) بن جبير وعكرمة (٣) وأكثر أهل التفسير (٤)، وروي عن ابن عباس: (أن اليهود قالوا: يا محمد، أنزل الله عليك كتابًا؟ قال: \"نعم\". قالوا: والله ما أنزل الله من السماء كتابًا، فأنزل الله هذه الآية) (٥).\nوقوله تعالى: ﴿تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ﴾ قال المفسرون (٦): (أي: تكتبونه في قراطيس مقطّعة حتى لا تكون مجموعة لتخفوا منها ما شئتم ولا يشعر بها العوام). (تبدونها) يعني: القراطيس (٧) ﴿وَتُخْفُونَ كَثِيرًا﴾ قال ابن عباس: (يريد: تظهرون بعض ما فيها، ﴿وَتُخْفُونَ كَثِيرًا﴾: مما لا تهوون) (٨)، قرأ\n_________\n(١) ذكر هود الهواري ١/ ٥٤٢، والقرطبي ٧/ ٣٧ عن الحسن قال: (نزلت في اليهود).\n(٢) أخرجه الطبري ٧/ ٢٦٧، وابن أبي حاتم ٤/ ١٣٤٢ بسند ضعيف، وذكره السيوطي في \"الدر\" ٣/ ٥٤٠، وزاد نسبته إلى ابن المنذر، وذكره الواحدي في \"أسباب النزول\" ص ٢٢٢ - ٢٢٣، والرواية فيها الحديث السابق، فهو ضعيف ومرسل.\n(٣) أخرجه الطبري ٧/ ٢٦٧ بسند ضعيف، وذكره السيوطي في \"الدر\" ٣/ ٥٤.\n(٤) ومنهم مقاتل في \"تفسيره\" ١/ ٥٧٤، وانظر: \"الرازي\" ١٣/ ٧٤، والخازن ٢/ ١٥٨.\n(٥) أخرجه الطبري ٧/ ٢٦٨، وابن أبي حاتم ٤/ ١٣٤٢ بسند جيد، وأخرج الطبري من طرق جيدة عن محمد بن كعب وقتادة والسدي أنها نزلت في اليهود، وذكره السيوطي في \"الدر\" ٣/ ٥٤، وهو قول الزجاج ٢/ ٢٧١.\nوقال ابن كثير ٢/ ١٧٤: (قال ابن عباس ومجاهد وعبد الله بن كثير: نزلت في قريش، واختاره الطبري، وهو الأصح؛ لأن الآية مكية، واليهود لا ينكرون إنزال الكتب من السماء، وقريش والعرب قاطبة كانوا ينكرون إرسال محمَّد (لأنه من البشر) اهـ.\n(٦) انظر: الطبري ٧/ ٢٦٩، وأخرج نحوه عن مجاهد وعكرمة.\n(٧) انظر: الطبري ٧/ ٢٦٩، والسمرقندي ١/ ٥٠٠، والبغوي ٣/ ١٦٧، وابن الجوزي ٣/ ٨٤.\n(٨) في \"تنوير المقباس\" ٢/ ٤٠ نحوه.","vol":"8","page":276},{"text":"أبو عمرو وابن كثير: (يجعلونه) بالياء (١) وكذلك: يبدون، (ويخفون) (٢)؛ لأنهم غيب، يدل على ذلك قوله (٣): ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا﴾، ﴿قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ﴾، (يجعلونه)، ومن قرأ بالتاء فعلى الخطاب أي: قل لهم ﴿تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ﴾.\nقال أبو علي: (ومعنى ﴿تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ﴾: تجعلونه ذوات (٤) قراطيس أي: تودعونه إياها.\nوقوله تعالى: ﴿تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا﴾ يحتمل موضعه ضربين: أحدهما. أن يكون صفة للقراطيس؛ لأن النكرة توصف بالجمل (٥) والآخر: أن تجعله حالًا من ضمير الكتاب من قوله: ﴿تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ﴾ على أن تجعل الكتاب: القراطيس في المعنى؛ لأنه مكتتب فيها (٦)، ومن\n_________\n(١) قرأ ابن كثير وأبو عمرو: (يجعلون قراطيس يبدونها ويخفون كثيرًا) بالياء في الأفعال الثلاثة على الغيبة، وقرأ الباقون بالتاء في الثلاثة على الخطاب.\nانظر: \"السبعة\" ص ٢٦٢، و\"المبسوط\" ص ١٧٢، و\"التذكرة\" ٢/ ٤٠٤، و\"التيسير\" ص ١٠٥، و\"النشر\" ٢/ ٢٦٠.\n(٢) في (ش): (تجعلونه، وتبدون، وتخفون) بالتاء. وفي (أ): (يبدون) والأولى (يبدونها).\n(٣) لفظ: (قوله) ساقط من (ش).\n(٤) فيكون على حذف مضاف، وقال النحاس في \"إعرابه\" ١/ ٥٦٥: (تجعلونه في قراطيس) اهـ، وعليه يكون منصوب بنزع الخافض، وهو قول مكي في \"المشكل\" ١/ ٢٦٠، وابن الأنباري في \"البيان\" ١/ ٣٣١، وانظر: \"التبيان\" ١/ ٣٤٦، و\"الفريد\" ٢/ ١٨٨، و\"الدر المصون\" ٥/ ٣٥.\n(٥) وهذا قول العكبري في \"التبيان\" ١/ ٣٤٦، وقال مكي في \"المشكل\" ١/ ٢٦٠: (تبدونها) نعت للقراطيس، وقوله: (وتخفون) مبتدأ لا موضع له من الإعراب. اهـ، وانظر: \"الدر المصون\" ٥/ ٣٦\n(٦) قال السمين في \"الدر\" ٥/ ٣٦: (وقد جوز الواحدي في: \"تبدون\"، أن يكون =","vol":"8","page":277},{"text":"قرأ بالتاء فحجته قوله: ﴿وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا﴾ [الأنعام: ٩١] فجاء علي الخطاب فكذلك يكون ما قبله) (١).\nوقال الفراء في هذه الآية: ([يقول]: (٢) تبدون (٣) ما تحبون وتكتمون صفة محمد ﷺ) (٤).\nوقوله تعالى: ﴿وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ﴾ الأكثرون (٥) علي أن هذا خطاب لليهود، يقول: ﴿وَعُلِّمْتُمْ﴾ على لسان محمد - ﷺ - ﴿مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ﴾، وقال الحسن في هذا: (جعل لهم علم ما جاء به محمد ﵇ فضيّعوه ولم ينتفعوا به) (٦).\nوقال مجاهد: (هذا خطاب للمسلمين [يذكرهم النعمة] (٧) فيما علمهم على لسان محمد - ﷺ -) (٨).\n_________\n= حالًا من ضمير الكتاب من قوله: ﴿تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ﴾ على أن تجعل الكتاب القراطيس في المعنى؛ لأنه مكتتب فيها. انتهى. وقوله: على أن تجعل اعتذارًا عن مجيء ضميره مؤنثًا، وفي الجملة فهو بعيد أو ممتنع) اهـ.\n(١) \"الحجة\" لأبي علي ٣/ ٣٥٥ - ٣٥٦، وانظر: في \"توجيه القراءة\"، و\"معاني القراءات\" ١/ ٣٧٠ - ٣٧١، و\"إعراب القراءات\" ١/ ١٦٤، و\"الحجة\" لابن خالويه ص ١٤٥، و\"الحجة\" لابن زنجلة ص٢٦٠ - ٢٦١، و\"الكشف\" ١/ ٤٤٠.\n(٢) لفظ: (يقول) ساقط من (أ).\n(٣) جاء في (أ): (يبدون ما يحبون ويكتمون ....) بالياء بدل التاء.\n(٤) \"معاني الفراء\" ١/ ٣٤٣، وانظر: \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٧١.\n(٥) انظر: \"تفسير البغوي\" ٣/ ١٦٧، وابن الجوزي ٣/ ٨٤. وهو اختار الزمخشري في \"الكشاف\" ١/ ٣٥، وأبو حيان في \"البحر\" ٤/ ١٧٨.\n(٦) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٨٠، والبغوي في \"تفسيره\" ٣/ ١٦٧.\n(٧) في (ش): (يذكرهم بالنعمة).\n(٨) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٨٠، والبغوي في \"تفسيره\" ٣/ ١٦٧، وأخرج الطبري في \"تفسيره\" ٧/ ٢٧٠، وابن أبي حاتم ٥/ ٢٨٢ بسند جيد عنه قال: (هذه =","vol":"8","page":278},{"text":"وقوله: ﴿قُلِ اللَّهُ﴾، قال الفراء: (هذا جواب لقوله: ﴿مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ﴾ ﴿قُلِ اللَّهُ﴾ أي: الله أنزله) (١).\nقال أبو بكر: (فلما وضح معنى الإنزال لم يذكر إفراد الاسم، ألا ترى أن الرجل يقول للرجل: إذا قيل لك: من قام؟ فقل: زيد، تريد (٢) فقل: زيد قام) (٣).\nقال الفراء (٤): (وإن شئت قلت: قل هو الله .. (٥»، قال أبو بكر: (فأضمر هو في هذا الموضع كما أضمر في قوله: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ [الكهف: ٢٢]، وفي قوله: ﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ﴾ [النساء: ٨١]) (٦).\nوقال أهل المعاني: (هذا من حسن تعليم السؤال والجواب).\n_________\n= للمسلمين\"، وفي \"الدر المنثور\" ٣/ ٥٤ عن مجاهد قال: «وعلمتم) معشر العرب ﴿مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ﴾)\n(١) \"معاني الفراء\" ١/ ٣٤٣.\n(٢) في (ش): (يريد)، بالياء.\n(٣) لم أقف عليه.\n(٤) \"معاني الفراء\" ١/ ٣٤٣.\n(٥) في (أ): (قل هو الله أحد)، ولعل زيادة (أحد) وهم من الناسخ.\n(٦) لم أقف عليه. وأكثرهم على أن المعنى: قل الله أنزله، قال شيخ الإسلام في \"الفتاوى\" ١٠/ ٥٥٩: (المعنى: قل الله أنزل الكتاب، وهو كلام تام وجملة اسمية مركبة من مبتدأ وخبر، حذف الخبر لدلالة السؤال على الجواب، وهو قياس مطرد كثير في كلام العرب) ا. هـ. ملخصًا. ونحوه قال ابن القيم في \"بدائع التفسير\" ٢/ ١٦٣ - ١٦٦، وقال: (هذا معنى الآية الذي لا تحتمل غيره) اهـ، وقال ابن كثير ٢/ ١٧٥: (قال ابن عباس: أي: قل الله أنزله، وورد هو المتعين، لا ما قاله بعضهم من أن المعنى لا يكون خطابك لهم إلا كلمة: الله، وهذا أمر بكلمة مفردة من غير تركيب، وهو في لغة العرب لا يفيد فائدة يحسن السكوت عليها) ا. هـ. بتصرف، وانظر: الطبري ٧/ ٢٧٠، والسمرقندي ١/ ٥٠٠، وابن الجوزي ٣/ ٨٤، و\"الدر المصون\" ٥/ ٣٦.","vol":"8","page":279},{"text":"وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾ ﴿يَلْعَبُونَ﴾ حال تقديره: لاعبين (١)، يريد: عاملين ما لا يجدي عليهم، والعرب تقول لمن كان في عمل لا يجدي عليه: إنما أنت لاعب (٢)، وحقيقة هذا الكلام التهدد (٣).\nقال المفسرون: وقوله: ﴿ذَرْهُمْ﴾ منسوخ بآية السيف (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1055>٩٢ </span>- وقوله تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾ المبارك: الذي بورك فيه، ومعنى البركة: الكثرة في كل خير (٥)، الأزهري (٦): (وأصل البركة الزيادة والنماء وثبوت الخير (٧) على الازدياد والنماء)، قال أهل اللغة (٨): وأصله الثبوت، قال اللحياني (٩): (يقال: بَارَكت على التجارة وغيرها،\n_________\n(١) انظر: \"المشكل\" ١/ ٢٦٠، و\"البيان\" ١/ ٣٣١، و\"التبيان\" ١/ ٣٤٧، و\"الفريد\" ٢/ ١٨٩، و\"الدر المصون\" ٥/ ٣٦.\n(٢) هذا قول الزجاج في \"معانيه\" ٢/ ٢٧١.\n(٣) انظر: الطبري ٧/ ٢٧١.\n(٤) هذا قول ابن حزم في \"ناسخه\" ص ٣٧، وابن سلامة ص ٦٨، وابن العربي ٢/ ٢١٢، وقال أبو حيان في \"البحر\" ٤/ ١٧٨: (ظاهر الأمر أنه موادعة فيكون منسوخًا بآيات القتال، وإن جعل تهديدًا أو وعيدًا خاليًا من الموادعة فلا نسخ) اهـ. والظاهر عدم النسخ وأنها تهديد، وهو قول الجمهور. انظر: \"الناسخ والمنسوخ\" للنحاس ٢/ ٣٢١، و\"الإيضاح\" لمكي ص ٢٤٤، وابن عطية ٥/ ٢٨٣، و\"النواسخ\" لابن الجوزي ص ٣٢٧، و\"المصفى\" ص ٣٢، والرازي ١٣/ ٧٨، والقرطبي ٧/ ٣٨، و\"النسخ في القرآن\" لمصطفى زيد ١/ ٤٨٣.\n(٥) انظر: \"العين\" ٥/ ٣٦٨، و\"الجمهرة\" ١/ ٣٢٥، و\"الصحاح\" ٤/ ١٥٧٤، و\"المجمل\" ١/ ١٢١، و\"مقاييس اللغة\" ١/ ٢٢٧، و\"المفردات\" ص ١١٩، و\"اللسان\" ١/ ٢٦٦ (برك).\n(٦) \"تهذيب اللغة\" ١/ ٣١٩.\n(٧) في (ش): (وثبوت الحكم).\n(٨) انظر: \"الزاهر\" ١/ ٥٣.\n(٩) \"تهذيب اللغة\" ١/ ٣١٩.","vol":"8","page":280},{"text":"أي: داومت وواظبت)، ومنه قول الشاعر (١):\nولا يُنْجِي مِنَ الغَمَرَاتِ إلَّا ... بَرَاكاءُ القِتالِ (٢) أوِ الفِرَارُ\nأي: الثبوت في القتال، ومنه ﴿تَبَارَكَ اللَّهُ﴾ [الأعراف: ٥٤] أي: ثبت مما به استحق التعظيم فيما لم يزل ولا يزال. قال الكلبي: (﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾ فيه مغفرة لذنوبهم، وتوبة من أعمالهم) (٣)، قال أهل المعاني: (معنى قوله (كتاب) (مبارك) أي: كثير خيره، دائم منفعته، يبشر بالثواب والمغفرة، ويزجر عن القبيح والمعصية إلى ما لا يعد من بركاته) (٤)، و(مبارك): خبر الابتداء فصل بينهما بالجملة والتقدير: (٥)\n_________\n(١) الشاهد لبشر بن أبي خازم الأسدي، شاعر جاهلي في \"ديوانه\" ص ٦٩، و\"المفضليات\" ص ٣٤٥، و\"الاشتقاق\" ص ٢٤٧، وجميع كتب اللغة السابقة في (برك) سوى \"المفردات\"، الغمرات: بالفتح: الشدائد، والبراكاء: بفتح الباء وضمها: من البروك، وهو الثبات في العرب.\n(٢) في (أ): (للقتال)، وهو تحريف.\n(٣) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٨١، وفي \"تنوير المقباس\" ٢/ ٤١ نحوه.\n(٤) انظر: \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٠٦، و\"الوسيط\" للواحدي ١/ ٨١، والرازي ١٣/ ٨٠.\n(٥) هذا قول الثعلبي ١٨١ أ، وقال الكرماني في \"غرائبه\" ١/ ٣٧١، وابن عاشور في \"التحرير\" ٧/ ٣٦٩: (هو خبر بعد خبر) اهـ. والجمهور على أنه صفة لكتاب، وقال السمين في \"الدر\" ٥/ ٣٨: (ما ذكره الواحدي لا يتمشى إلا على أن يكون خبرًا ثانيا، لهذا وهو بعيد جدًا، وإذا سُلم ذلك فيكون: (أنزلناه) عنده اعتراضًا على ظاهر عبارته، ولكن لا يحتاج إلى ذلك بل يجعل (أنزلناه) صفة لكتاب، ولا محذور حينئذ على هذا التقدير، وبالجملة فالوجه كونه صفة أو خبرًا لمبتدأ مضمر) ا. هـ. بتصرف.\nوانظر: \"معاني الأخفش\" ٢/ ٢٨٢، و\"إعراب النحاس\" ٢/ ٨٢، و\"كتاب الشعر\" ٢/ ٥٠٥، و\"الإيضاح العضدي\" ١/ ٢٨٧، وابن عطية ٥/ ٢٨٣، و\"التبيان\" ١/ ٣٤٧ و\"الفريد\" ٢/ ١٩٠.","vol":"8","page":281},{"text":"و(١) هذا كتاب مبارك أنزلناه، كقوله تعالى: ﴿وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ﴾ [الأنبياء: ٥٠].\nوقوله تعالى: ﴿مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ قال ابن عباس: (يريد: جميع الكتب) (٢).\nوقال الكلبي: (موافق لما بين يديه من التوراة والإنجيل وسائر الكتب) (٣) ونحوه قال الحسن (٤) [وغيره] (٥).\nوقوله تعالى: ﴿وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى﴾ هو عطف (٦) على معنى الكلام (٧) قال أبو إسحاق: (المعنى: أنزلناه للبركة والإنذار، قال: ومعنى ﴿أُمَّ الْقُرَى﴾: أهل أم القرى) (٨)، فعلى هذا هو من باب حذف المضاف، قال ابن عباس وغيره: (يريد: مكة) (٩).\n_________\n(١) لفظ: (الواو): ساقط من (ش).\n(٢) أخرج الطبري ٧/ ٢٧١، وابن أبي حاتم ٤/ ١٣٤٤، و\"تحقيق الغماري\" بسند ضعيف عنه قال: (مصدق لما قبله من الكتب التي أنزلها الله والآيات والرسل الذين بعثهم الله بالآيات).\n(٣) \"تنوير المقباس\" ٢/ ٤١.\n(٤) ذكره الماوردي في \"تفسيره\" ٢/ ١٤٢.\n(٥) في (ش): (وغيرهم)، وقد أخرج الطبري في \"تفسيره\" ٧/ ٢٧١ هذا القول عن قتادة والربيع بن أنس، وأخرجه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٤/ ١٣٤٤، و\"تحقيق الغماري\"، عن أبي العالية، ورجحه ابن عطية في \"تفسيره\" ٥/ ٢٨٤.\n(٦) في (ش): (هو معطوف).\n(٧) انظر: \"الدر المصون\" ٥/ ٣٨ - ٣٩.\n(٨) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٧١، وانظر: \"معاني النحاس\" ٢/ ٤٥٧.\n(٩) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٧/ ٢٧١، وابن أبي حاتم ٤/ ١٣٤٥ بسند جيد، وقال الرازي في \"تفسيره\" ١٣/ ٨١: (اتفقوا على أن هاهنا محذوفًا، والتقدير: ولتنذر أهل أم القرى؛ واتفقوا على أن أم القرى هي مكة) اهـ.","vol":"8","page":282},{"text":"قال الزجاج: (وسميت أم القرى؛ لأنها قبلة جميع الناس يؤمونها، قال: وجائز أن تكون سميت أم القرى؛ لأنها كانت أعظم القرى شأنًا) (١).\nوقال المفسرون: (سميت مكة أم القرى؛ لأن الأرض كلها دُحيت من تحتها، فهي أصل للأرض كلها) (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ قال ابن عباس: (يريد: جميع الآفاق) (٣)، وقال الكلبي: (سائر الأرضين) (٤).\nوقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ قال الفراء: (الهاء تكون لمحمد وللتنزيل) (٥)، فإن قيل: كثير ممن يؤمن بالآخرة لا يؤمن بمحمد ولا بالقرآن، فلم قال: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾؟ قيل:\n_________\n(١) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٧١، ولم يذكر إلا الوجه الثاني فقط، والوجه الأول نسبه إلى الزجاج، ابن الجوزي في \"تفسيره\" ٣/ ٨٥.\n(٢) أخرجه عبد الرزاق ١/ ٢/ ٢١٣، والطبري ٧/ ٢٧٢ بسند جيد عن قتادة، وأخرجه ابن أبي حاتم ٤/ ١٣٤٥ عن عطاء وعمرو بن دينار، وذكره ابن الجوزي ٣/ ٨٥، عن ابن عباس، وهو قول مقاتل ١/ ٥٧٥، والثعلبي ١٨١/ أ، والبغوي ٣/ ١٦٨، وأخرج الطبري وابن أبي حاتم بسند جيد عن السدي قال: (أم القرى مكة سميت؛ لأن أول بيت وضع بها) اهـ. وذكره ابن أبي حاتم عن جماعة من السلف، وقال أبو حيان في \"البحر\" ٤/ ١٧٩: (سميت بذلك؛ لأنها منشأ الدين، ولدحو الأرض منها، ولأنها وسط الأرض، ولكونها قبلة وموضع الحج، ومكان أول بيت وضع للناس) اهـ.\nانظر: الطبري ٧/ ٢٧٢، و\"معاني النحاس\" ٢/ ٤٥٧، والسمرقندي ١/ ٥٠١، والماوردي ٢/ ١٤٢، و\"الكشاف\" ٢/ ٣٥، وابن عطية ٥/ ٢٨٤.\n(٣) أخرجه الطبري ٧/ ٢٧١، وابن أبي حاتم ٤/ ١٣٤٥ بسند جيد، وهذا المعنى متفق عليه. انظر: السمرقندي ١/ ٥٠١، وابن عطية ٥/ ٢٨٤، والرازي ١٣/ ٨١.\n(٤) \"تنوير المقباس\" ٢/ ٤٢.\n(٥) \"معاني الفراء\" ١/ ٣٤٤.","vol":"8","page":283},{"text":"ذهب بعضهم إلى أن هذا مما أُريد به الخصوص بدليل قوله: ﴿وَهُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ [الأنعام: ٩٢] وهذا من صفة المؤمنين، وقال بعض أهل المعاني: (لم يعتد بإيمان أولئك الذين آمنوا بالآخرة ولم يؤمنوا بمحمد، وإنما يؤمن بالآخرة حقيقة من آمن بمحمد وبكتابه، فلذلك وصف المؤمنين بالآخرة بأنهم يؤمنون بمحمد والقرآن، ألا ترى أنه قال: ﴿وَهُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ فبيّن أن إيمانهم بالآخرة يدعوهم إلى الإيمان به والمحافظة على صلاتهم) (١)، وعامة القراء (٢) قرؤوا (ولتنذر) بالتاء خطاب للنبي - ﷺ -؛ لأن المأمور والموصوف بالإنذار هو، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ﴾ [الرعد:٧]. وقال: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ﴾ وقرأ أبو بكر عن عاصم بالياء جعل الكتاب هو المنذر؛ لأن فيه إنذارًا، ألا ترى أنه قال: ﴿وَلِيُنْذَرُوا بِهِ﴾ [إبراهيم: ٥٢] أي: بالكتاب، وقال: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ﴾ [الأنعام: ٥١]، وقال: ﴿إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ﴾ [الأنبياء: ٤٥] فلا يمتنع أن يسند الإنذار إليه على الاتساع (٣).\n_________\n(١) انظر: \"تفسير الطبري\" ٧/ ٢٧٢، والسمرقندي ١/ ٥٠١، وابن الجوزي ٣/ ٨٥، والرازي ١٣/ ٨٣.\n(٢) قرأ عاصم في رواية أبي بكر بن عياش (ولينذر) بالياء، وقرأ الباقون بالتاء.\nانظر: \"السبعة\" ص ٢٦٣، و\"المبسوط\" ص ١٧٢، و\"التذكرة\" ٢/ ٤٠٤، و\"التيسير\" ص ١٠٥، و\"النشر\" ٢/ ٢٦٠، ووقع في \"التيسير\" نسبة القراءة بالياء إلى أبي عمرو، ولعله تحريف أو وهم.\n(٣) ما سبق قول أبي علي في \"الحجة\" ٣/ ٣٥٦، وانظر: \"إعراب القراءات\" ١/ ١٦٤، و\"الحجة\" لابن خالويه ص ١٤٥، و\"الحجة\" لابن زنجلة ص ٢٦١، و\"الكشف\" ١/ ٤٤٠.","vol":"8","page":284},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1056>٩٣ </span>- قوله (١) تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ الآية معنى ألفاظ هذه الحروف، وهذا الاستفهام ذكرناه في رأس العشرين من هذه السورة.\nقال ابن عباس، والمفسرون: (نزلت في مسيلمة (٢) والأسود العنسي (٣) ادعيا النبوة) (٤).\nوقوله تعالى: ﴿أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ﴾ قال أبو بكر بن الأنباري: (خص بعد أن عمّ؛ لأنه ليس كل من يكذب على الله يدعي أن الله ﷿ أوحى إليه وحيًا، قال: ويجوز أن يكون الأمران من صفة مدعي النبوة وصفه الله ﷿ بأمرٍ بعد أمرٍ ليدل على لعنته وجرأته على الله) (٥).\n_________\n(١) جاء في (أ): تكرار لفظ (قوله).\n(٢) مسيلمة بن حبيب الحنفي، أبو ثمامة الكذاب، مشعوذ جبار متنبئ معمر، قتله وحشي ﵁ في موقعة اليمامة سنة ١٢ هـ. انظر: \"سيرة ابن هشام\" ٢/ ٧٤، و\"جوامع السيرة\" ص ٢٥٩، ٣٤٠، و\"التعريف\" للسهيلي ص ٥٦، و\"الأعلام\" ٧/ ٢٢٦.\n(٣) الأسود بن كعب بن عوف العَنْسي، يعرف بعيهلة، مشعوذ متنبئ جبار، من أهل اليمن أسلم ثم ارتد وادعى النبوة، وقتله فيروز الفارسي قبل موت النبي - ﷺ - بقليل، انظر: \"جوامع السيرة\" ص ١٠، ٣٣٩، و\"التعريف والإعلام\" ص ٥٥ - ٥٦، و\"الأعلام\" ٥/ ١١١.\n(٤) \"تنوير المقباس\" ٢/ ٤٣، وذكره النحاس في \"معانيه\" ٢/ ٤٥٨، والقرطبي ٧/ ٣٩، وأخرجه عبد الرزاق ١/ ٢/ ١٣، وابن أبي حاتم ٤/ ١٣٤٦ بسند جيد عن قتادة، وأخرجه الطبري ٧/ ٢٧٢، عن قتادة وعكرمة، وذكره السيوطي في \"الدر\" ٣/ ٥٦، عن ابن جريج، وهو قول أكثرهم.\nانظر: \"معاني الفراء\" ١/ ٣٤٤، والزجاج ٢/ ٢٧١، والسمرقندي ١/ ٥٠١، والثعلبي ١٨١ أ، و\"غرائب الكرماني\" ١/ ٣٧١.\n(٥) ذكره ابن الجوزي ٣/ ٨٦.","vol":"8","page":285},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ (من): عطف على (من) في قوله: ﴿مِمَّنِ﴾ (١) قال ابن عباس: (يريد: المستهزئين) (٢)، وهو قول الزجاج قال: (هذا جواب لقولهم: ﴿لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا﴾ [الأنفال: ٣١]) (٣).\nوقال عامة أهل التفسير (٤): (نزلت في ابن أبي سرح (٥)، وكان يكتب الوحي لرسول الله - ﷺ - فأملَى عليه قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ﴾ [المؤمنون: ١٢] إلى قوله: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ [المؤمنون: ١٤]، فقال ابن أبي سرح: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ تعجبًا من تفضيل خلق الإنسان، فقال النبي - ﷺ -: \"هكذا أنزلت\" فشك وارتد، وقال: لئن\n_________\n(١) انظر: \"التبيان\" ١/ ٣٤٨، و\"الدر المصون\" ٥/ ٤٠.\n(٢) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٨٢، والبغوي ٣/ ١٦٩، وابن الجوزي ٣/ ٨٦، ورجح السهيلي في \"التعريف\" ص ٥٦ أنها نزلت في النضر بن الحارث من المستهزئين.\n(٣) \"معاني القرآن\" ٢/ ٢٧٢.\n(٤) انظر: \"تفسير الطبري\" ٧/ ٢٧٣، فقد أخرجه عن عكرمة والسدي، وأخرجه الحاكم في \"المستدرك\" ١/ ٤٥ - ٤٦، عن شرحيل بن سعد المدني، وذكره السيوطي في \"الدر\" ٣/ ٥٦: (عن موسى بن خلف البصري وابن جريج).\n(٥) عبد الله بن سعد بن أبي سرح العامري أبو يحيى القرشي، إمام فاضل فارس صحابي جليل أخو عثمان بن عفان ﵁ من الرضاع، أسلم قبل فتح مكة، وهاجر، وكتب الوحي للنبي - ﷺ -، ثم ارتد، ثم أسلم يوم الفتح، وحسن إسلامه، وشارك في الفتوح، وتوفي سنة ٣٦ هـ.\nانظر: \"طبقات ابن سعد\" ٧/ ٤٩٦، و\"الجرح والتعديل\" ٥/ ٦٣، و\"تهذيب الأسماء واللغات\" ١/ ٢٩٦، و\"سير أعلام النبلاء\" ٣/ ٣٣، و\"الإصابة\" ٢/ ٣١٦، و\"الأعلام\" ٤/ ٨٨.","vol":"8","page":286},{"text":"كان محمد صادقًا لقد أوحي إليّ كما أوحي إليه، ولئن كان (١) كاذبًا لقد قلت كما قال) (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ﴾ يعني: الذين ذكرهم (٣) ﴿فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ﴾: جمع غَمْرَةٍ (٤)، وهي شدة الموت وما يغشى الإنسان من همومه وسكراته، وغَمْرة كل شيء: كثرته ومعظمه، ومنه غَمَرة الماء وغَمَرة الحرب، ويقال: غَمَرَه الشيءُ: إذا علاه وغطاه.\nقال الزجاج: (يقال: لكل من كان في شيء كثير قد غَمَره ذلك، وغَمره الدَّينُ: إذا كثر عليه) (٥)، هذا هو الأصل، ثم يقال للشدائد والمكاره: الغمرات، وجواب (لو) محذوف وقد مضت هذه المسألة في هذه السورة (٦) بأبلغ بيان.\n_________\n(١) جاء في (ش): تكرار (كان).\n(٢) ذكره الواحدي في \"أسباب النزول\" ص ٢٢٣، والقرطبي ٧/ ٤٠ من رواية الكلبي عن ابن عباس، وذكره أكثرهم بلا نسبة.\nانظر: \"معاني الفراء\" ١/ ٣٤٤، والثعلبي ١٨١ أ، والبغوي ٣/ ١٦٩، والرازي ١٣/ ٨٤، والظاهر أن الآية عامة يدخل تحتها كل ما ذكر قاله ابن عطية ٥/ ٢٨٦، وانظر: \"الفتاوى\" ٤/ ٨٦، ١٢/ ٢٥، ١٥/ ١٥٦، و\"الكافي الشاف\" ص ٦٠.\n(٣) انظر: \"زاد المسير\" ٣/ ٨٧\n(٤) انظر: \"العين\" ٤/ ٤١٦، و\"الجمهرة\" ٢/ ٧٨١، و\"البارع\" ص ٣١٧، و\"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٦٩٣، و\"الصحاح\" ٢/ ٧٧٢، و\"مقاييس اللغة\" ٤/ ٣٩٢، و\"المفردات\" ص ٦١٤، و\"اللسان\" ٦/ ٣٢٩٤ (غمر).\n(٥) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٧٢.\n(٦) قال الزجاج في \"معانيه\" ٢/ ٢٧٢: (الجواب محذوف، أي: ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت لرأيت عذابًا عظيمًا) اهـ. وانظر \"الدر المصون\" ٥/ ٤١.","vol":"8","page":287},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ﴾ قال ابن عباس: (يريد: ملائكة العذاب ﴿بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ﴾ بمقامع من الحديد) (١)، وقال الحسن (٢) والضحاك: (﴿بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ﴾ بالعذاب).\nقال الضحاك: (﴿بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ﴾: يضربونهم ويعذبونهم، كما يقال: بسط إليه يده بالمكروه) (٣)، وقال مجاهد: (﴿بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ﴾ بالضرب يضربون وجوههم وأدبارهم) (٤)، قال الفراء: (ويقال: ﴿بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ﴾ لإخراج أنفس الكفار) (٥).\nوقوله تعالى: ﴿أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ﴾ قال الفراء والزجاج: (أي: يقولون: ﴿أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ﴾) (٦)، قال الفراء: (وإذا طرحت من مثل هذا الكلام أن ففيه القول مضمر) (٧)، وذكر أبو إسحاق في معنى: ﴿أَخْرِجُوا\n_________\n(١) لم أقف عليه بهذا اللفظ، وأخرج الطبري في \"تفسيره\" ٧/ ٢٧٥، وابن أبي حاتم ٤/ ١٣٤٨ بسند جيد عن ابن عباس، قال: (البسط: الضرب، يضربون وجوههم وأدبارهم) اهـ، وذكره السيوطي في \"الدر\" ٣/ ٨٥.\n(٢) ذكره الماوردي في \"تفسيره\" ١/ ٥٤٥، وابن الجوزي ٣/ ٨٧، وأبو حيان في \"البحر\" ٤/ ١٨١.\n(٣) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٧/ ٢٧٥، وابن أبي حاتم ٤/ ١٣٤٨ بسند ضعيف عن الضحاك نحوه، وذكره السيوطي في \"الدر\" ٣/ ٨٥.\n(٤) لم أقف عليه عن مجاهد.\n(٥) \"معاني الفراء\" ١/ ٣٤٥، وقال ابن عطية ٥/ ٢٨٨ في تفسير الآية: (﴿بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ﴾ كناية عن مدها بالمكروه، وهو لا محالة أوائل العذاب وأماراته. وأما البسط لمجرد قبض النفس فإنه يشترك فيه الصالحون والكفرة) ا. هـ. بتصرف\n(٦) لا يوجد هذا التقدير عن الفراء في \"معانيه\"، ولعله مفهوم من كلامه، وانظر: \"معاني الأخفش\" ٢/ ٢٨٢.\n(٧) \"معاني الفراء\" ١/ ٣٤٥.","vol":"8","page":288},{"text":"أَنْفُسَكُمُ﴾ وجهين: أحدهما، قال: (جائز أن يكون كما تقول للذي تعذبه: لأزهقن نفسك ولأخرجن نفسك، فهم يقولون: ﴿أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ﴾ على هذا المعنى) (١)، ومعنى هذا الكلام أن قول القائل إذا أراد تعذيب إنسان [يقول] (٢): لأخرجن نفسك، معناه: لأذيقنك العذاب، ولأعذبنك أشد العذاب، كذلك قول الملائكة لهم ﴿أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ﴾ معناه: ذوقوا العذاب، وليس المراد من هذا أمرهم بإخراج أنفسهم؛ لأن أرواحهم ليسوا [هم] (٣) مخرجيها حتى يؤمروا بإخراجها، وإنما [مخرجها] (٤) ملك الموت وأعوانه، وقال بعض أهل المعاني: (هذا تغليظ لحالهم أي: أنهم بمنزلة من تولى إزهاق نفسه إكراهًا له، وهو أغلظ عليه، فلذلك يؤمرون بإخراج أنفسهم) (٥).\nوأما أهل التفسير فإنهم يقولون في هذا: (إن نفس المؤمن [تنشط] (٦) في الخروج للقاء ربه، ونفس الكافر [تكره] (٧) ذلك، ويشق عليها الخروج؛ لأنها [تصير] (٨) إلى أشد العذاب (٩) كما قال رسول الله - ﷺ -: \"من أراد لقاء الله أراد الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله\n_________\n(١) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٧٢.\n(٢) لفظ: (يقول) ساقط من (ش).\n(٣) لفظ: (هم) ساقط من (أ).\n(٤) في (ش): (مخرجيها).\n(٥) انظر: \"تفسير الماوردي\" ٢/ ١٤٤، وابن الجوزي ٣/ ٨٧ - ٨٨، والرازي ١٣/ ٨٥.\n(٦) في (ش): (ينشط) بالياء.\n(٧) في (ش): (يكره) بالياء.\n(٨) في (ش): (يصير) بالياء.\n(٩) انظر: \"تفسير السمرقندي\" ١/ ٥٠١، والبغوي ٣/ ١٦٩.","vol":"8","page":289},{"text":"لقاءه\" (١)، وذلك يكون عند نزع الروح، وقد بُيّن ذلك في هذا الخبر، فهؤلاء الكفار [تُكرههم] (٢) الملائكة على نزع الروح ويقولون لهم: أخرجوا أنفسكم كرهًا).\nوالوجه الثاني الذي ذكره أبو إسحاق قال: (وجائز أن يكون المعنى: خلصوا أنفسكم، أي: لستم تقدرون على الخلاص) (٣)، ومعنى هذا الكلام أنهم يقولون لهم: أخرجوا أنفسكم من العذاب على جهة التوبيخ، وهذا قول الحسن (٤)، وجائز أن يكون هذا القول منهم للكفار في نار جهنم، وقد (٥) غشيتهم شدائد هي كغمرات الموت، والملائكة يقولون لهم على جهة التوبيخ: ﴿أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ﴾ من هذا العذاب (٦)، وجواب (لو) هنا مضمر، أي: لرأيت عجبًا أو لرأيت أمرًا فظيعًا (٧).\n_________\n(١) حديث متفق عليه أخرجه البخاري في \"صحيحه\" (٦٥٠٧)، ومسلم (٦٥٠٨)، (٢٦٨٣ - ٢٦٨٦)، البخاري في كتاب الرقاق، ومسلم في كتاب الذكر والدعاء، كلاهما في باب: من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه، من عدة طرق عن عبادة بن الصامت وعائشة وأبي موسى الأشعري ﵃ عن النبي - ﷺ - قال: \"من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه\" اهـ.\n(٢) في (أ): (يكرههم) بالياء.\n(٣) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٧٢.\n(٤) ذكره هود الهواري في \"تفسيره\" ١/ ٥٤٥، والماوردي ٢/ ١٤٥، وابن الجوزي ٣/ ٨٧.\n(٥) في (أ): تكرار لفظ (قد).\n(٦) هذا قول الحسن البصري كما ذكرنا في المصادر السابقة، وانظر: \"تفسير ابن عطية\" ٥/ ٢٨٨.\n(٧) أعاد المؤلف رحمه الله تعالى ذكره مرة أخرى فقد سبق بيانه في ص ٣٣٣، وقال =","vol":"8","page":290},{"text":"وقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ﴾، الْهُونِ (١): هَوَان الشيء الحقير الهين، قال الله تعالى: ﴿أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ﴾ [النحل: ٥٩] وقال ذو الإصبع (٢):\nأَذْهبْ إلَيْكَ فَمَا أُمِّي بِرَاعِيَةٍ ... تَرْعَى المَخَاضَ وَلاَ أُغْضِي عَلَى الهُونِ (٣)\nوقالت الخنساء:\nتُهينُ (٤) النُّفُوسَ وَهوْنُ النُّفُوسِ ... يَوْمَ الكَرِيهَةِ أَبْقَى لَهَا (٥)\n_________\n= ابن عطية في \"تفسيره\" ٦/ ١٠٩: (جواب لو محذوف تقديره: لرأيت عجبًا أو هولًا، ونحو هذا، وحذف هذا الجواب أبلغ من نصه؛ لأن السامع إذا لم ينص له الجواب يترك مع غاية تخيله) اهـ. وانظر: \"كتاب الشعر\" ٢/ ٣٩١.\n(١) الهون: بضم الهاء. انظر: \"العين\" ٤/ ٩٢، و\"الجمهرة\" ٢/ ٩٩٦، و\"البارع\" ص ١٢٧، و\"الصحاح\" ٦/ ٢٢١٨، و\"المقاييس\" ٦/ ٢١، و\"المجمل\" ٣/ ٨٩٥، و\"المفردات\" ص ٨٤٨ (هون).\n(٢) ذو الإصْبَع: حُرْثان بن الحارث بن محرث العَدْواني، شاعر جاهلي حكيم شجاع له وقائع مشهورة، لقب بذي الإصبع؛ لأن حية نهشت إصبع رجله فقطعها، وهو معمر ترك ثروة شعرية كبيرة فيها العظة والحكم والفخر. انظر: \"الشعر والشعراء\" ص ٤٧٣، و\"الإكمال\" لابن ماكولا ١/ ٩٦، و\"نزهة الألباب\" ١/ ٢٧٨، و\"الأعلام\" ٢/ ١٧٣، و\"معجم الشعراء في لسان العرب\" ص ١٤٣.\n(٣) البيت في \"تفسير الطبري\" ٧/ ٢٧٧، والماوردي ٢/ ١٤٥، وابن عطية ٥/ ٢٨٨، و\"اللسان\" ٨/ ٤٧٢٥ (هون)، و\"الدر المصون\" ٥/ ٤٣.\nوالمخاض: النوق الحوامل، وأصله الطلق عند الولادة. انظر \"اللسان\" ٧/ ٤١٥٣ (مخض).\n(٤) في النسخ: (تهيّن). وفي \"الديوان\" بالنون وفي بعض المراجع بالياء.\n(٥) \"ديوانها\" ص ٨٤، و\"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٦٩٩، و\"اللسان\" ٨/ ٤٧٢٥ (هون)، و\"الدر المصون\" ٥/ ٤٣، وهو في الطبري ٧/ ٢٧٧، لعامر بن جوين الطائي، =","vol":"8","page":291},{"text":"تريد: وإهانة النفوس، قال الزجاج: (﴿عَذَابَ الْهُونِ﴾ أي: العذاب الذي يقع به الهوان الشديد) (١)، وقال عطاء عن ابن عباس: (يريد: الهوان والخزي) (٢)، وقوله تعالى: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ﴾ قال: (يريد: تزعمون أن الملائكة بناته: ﴿وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ يريد: عن فرائضه والسجود له لا تصلون (٣)، وقد قال رسول الله - ﷺ -: \"من سجد لله سجدة بنية صادقة فقد برئ من الكبر\" (٤).\n_________\n= والمشهور أنه للخنساء. والكريهة الحرب. وأبقى لها، أي: في الذكر وجميل القول. انظر \"شرح ديوان الخنساء\" لثعلب ص ٤٦.\n(١) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٧٢، وقال أبو عبيدة في \"مجاز القرآن\" ١/ ٢٠٠ واليزيدي في \"غريب القرآن\" ص ١٣٩، وابن قتيبة في \"تفسير غريب القرآن\" ص ١٦٨، والنحاس في \"إعراب القرآن\" ١/ ٥٦٥: (﴿عَذَابَ الْهُونِ﴾ أي: الهوان)، وانظر: \"تفسير الطبري\" ٧/ ٢٧٧.\n(٢) في \"مسائل نافع بن الأزرق\" ص ١٣١، قال: (الهوان) وفي \"تنوير المقباس\" ٢/ ٤٣، قال (الشديد)، وفي \"الدر المنثور\" ٣/ ٥٩، عن ابن عباس قال: (الهوان الدائم الشديد) اهـ.\n(٣) لم أقف عليه، وقال البغوي في تفسير الآية ٣/ ١٦٩: (أي: تتعظمون عن الإيمان بالقرآن ولا تصدقونه) اهـ، وقال الرازي في \"تفسيره\" ١٣/ ٨٦: (ذكر الواحدي أن المراد لا تصلون له، قال - ﷺ -: \"من سجد لله سجدة بنية صادقة فقد برئ من الكبر\") اهـ.\n(٤) ذكر الحديث صاحب \"كنز العمال\" ٧/ ٣٠٨ (١٩٠١٧)، وعزاه للديلمي من حديث ابن عباس، ولم أقف عليه في المطبوع من \"مسند الديلمي\"، وقد ورد نحوه من قول جماعة من العلماء رحمهم الله تعالى، فقد أخرج ابن أبي الدنيا في كتاب \"التواضع\" (٢١٧)، (٢٢٧)، (٢٣١) من طرق جيدة عن يحيى بن أبي جعدة المخزومي، قال: (من وضع وجهه لله ﷿ ساجدًا فقد برئ من الكبر) اهـ، وعن الحسن البصري قال: (السُّجُود يَذْهب بالكبر) اهـ. وعن يونس بن عبيد العبدي قال: (لا كبر مع السجود) اهـ وأخرج أبو نعيم في \"الحلية\" ٥/ ٦١ عن حبيب بن =","vol":"8","page":292},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1057>٩٤ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى﴾ الآية. قال أهل المعاني: (هذا يكون على وجهين أحدهما: أنه على الحكاية أن يقال لهم في الآخرة هذا كما دلت الآية الأولى على الحكاية، والثاني: أن المعنى على الاستقبال كأنه: تجيئوننا فرادى إلا أنه جاء على لفظ الماضي؛ لأنه بمنزلة ما قد كان لتحقيق الخبر به) (١).\nوأما ﴿فُرَادَى﴾ (٢) فقال الفراء: (﴿فُرَادَى﴾ جمع، قال: والعرب تقول: قوم فرادى، وفراديا هذا، فلا يجرونها (٣) شبهت بثُلاث ورباع قال: وفرادى: واحدها فَرْد وفريد وفرد وفردان) (٤).\n_________\n= أبي ثابت الأسدي قال: (من وضع جبينه لله تعالى فقد برئ من الكبر). وقد ورد في فضل السجود أحاديث كثيرة، منها ما أخرجه مسلم (٤٨٨) عن ثوبان ﵁ قال: (سألت النبي - ﷺ - عن أحب الأعمال إلى الله، وعمل يدخلني الله به الجنة فقال: \"عليك بكثرة السجود، فإنك لا تسجد لله سجدة إلا رفعك الله بها درجة وحط عنك بها خطيئة\") اهـ.\nانظر: \"مسند أحمد\" ٥/ ١٤٧، ١٤٨، ٢٧٦، ٢٨٠، ٢٨٣، والدارمى (١٥٠٢) كتاب الصلاة، باب: فضل من سجد لله سجدة، وابن ماجه كتاب إقامة الصلاة، باب ما جاء في كثرة السجود (١٤٢٢ - ١٤٢٤).\n(١) انظر: \"تفسير الطبري\" ٧/ ٢٧٧، والماوردي ٢/ ١٤٥، وابن عطية ٥/ ٢٩٠، وابن الجوزي ٣/ ٨٨، والرازي ١٣/ ٨٦، وابن كثير ٢/ ١٨٦.\n(٢) انظر: \"العين\" ٨/ ٢٤، و\"الجمهرة\" ٢/ ٦٣٤ - ٦٣٥، و\"الصحاح\" ٢/ ٥١٨، و\"مقاييس اللغة\" ٤/ ٥٠٠، و\"المجمل\" ٣/ ٧٢٠ (فرد).\n(٣) قوله: فلا يجرونها، أي: يصرفونها.\n(٤) \"معاني الفراء\" ١/ ٣٤٥، وفيه: (وفرادى واحدها فَرْد وفِرد وفريد، وفراد للجمع، ولا يجوز فرد في هذا المعنى) اهـ، وأشار المحقق في الهامش إلى ورود لفظ فردان في بعض النسخ، كذلك جاء في \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٧٦١، و\"اللسان\" ٦/ ٣٣٧٣ (فرد)، عن الفراء لفظ (فردان).","vol":"8","page":293},{"text":"وقال الليث: (الفَرْد: ما كان وحده، يقال: فَرَد يَفْرد، وأفردته: جعلته واحدًا، ويقال: جاء القوم فُرادى (١)، [وعددت] (٢) الجوز [والدراهم] (٣) أفرادًا، أي: واحدًا واحدًا).\nوقال ابن قتيبة: (فرادى جمع فردان مثل: سكران وسكارى وكسلان وكسالى) (٤)، وقال غيره: (فرادى جمع فريد مثل رديفٍ ورُدافَى) (٥)، وذكرنا عن الفراء هذين القولين وزيادة.\nوأما التفسير فقال ابن عباس: (يريد: بلا أهل ولا مال ولا ولد ولا شيء قدمتموه) (٦)، وقال الحسن: (فرادى كل واحدٍ على حدة) (٧)، وقال ابن كيسان (٨): (ولقد جئتمونا مفردين مما كنتم تعبدون ومن المظاهرين\n_________\n(١) النص في \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٧٦١، وفيه (جاء القوم فُرادًا)، بضم الفاء وفتح الراء مع التنوين.\nوجاء في \"اللسان\" ٦/ ٣٣٧٤، عن الليث أنه قال: (ويقال: جاء القوم فرادًا وفرادى، منونًا وغير منون، أي: واحدًا واحدًا) اهـ.\n(٢) في (ش): (وغدت).\n(٣) في (أ): (الدرهم).\n(٤) \"تفسير غريب القرآن\" ص ١٦٨، وفيه: (فرادى فَرْد، وكأنه جمع فردان، كما قيل ...) اهـ.\n(٥) انظر: \"تفسير الطبري\" ٧/ ٢٧٧ - ٢٧٨، و\"المفردات\" ص ٦٢٩، و\"الدر المصون\" ٥/ ٤٤.\n(٦) \"تنوير المقباس\" ٢/ ٤٤، وذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٨٤، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٣/ ٨٨، وأبو حيان في \"البحر\" ٤/ ١٨٢.\n(٧) ذكره الثعلبي في \"الكشف\" ص ١٨١ أ، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٣/ ٨٨، وأبو حيان في \"البحر\" ٤/ ١٨٢.\n(٨) ابن كيسان محمد بن أحمد بن كيسان، تقدمت ترجمته.","vol":"8","page":294},{"text":"لكم) (١)، ونحو ذلك قال أبو إسحاق قال: (كل واحد منفرد عن شريكه في الغي وشقيقه) (٢).\nوقوله تعالى: ﴿كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ قال ابن عباس: (يريد: حفاة عُرَاة كما خرجتم من بطون أمهاتكم) (٣)، وذكر الزجاج وجهًا آخر تحتمله اللغة: (كما بدأناكم أول مرة أي: كان بعثكم كخلقكم) (٤).\nوقوله تعالى: ﴿وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ﴾ أي: ملكناكم، يقال: خوّله الشيء، أي: مَلَّكه إياه، والخَوَل (٥) ما أعطى الله الإنسان من العبيد والنعم، قال أبو النجم (٦):\nكُومَ الذُّرَى مِنْ خَوَلِ المُخَوَّلِ (٧)\n_________\n(١) ذكره الثعلبي في \"الكشف\" ١٨١ أ، والواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٨٤، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٣/ ٨٨، وأبو حيان في \"البحر\" ٤/ ٨٢.\n(٢) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٧٣، وقوله: (وشقيقه) غير واضحة في الأصل وكأنها: وشفيعه.\n(٣) لم أقف عليه، وأخرجه البخاري (٦٥٢٤) كتاب الرقاق، باب: كيف الحشر، ومسلم (٢٨٦٠)، عن ابن عباس ﵄ أنه سمع النبي - ﷺ - يقول: \"إنكم ملاقو الله مشاة حُفاة عراة غُرْلًا\"، والمقصود أنهم يحشرون كما خلقوا لا شيء معهم ولا يفقد منهم شيء حتى الغرلة، وهي القلفة التي تقطع عند الختان تكون معهم. وانظر: \"شرح مسلم\" للنووي ١٧/ ٢٨٠ - ٢٨٣، و\"فتح الباري\" ١١/ ٣٧٧ - ٣٨٨.\n(٤) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٧٣، وانظر: \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ٥٦٦.\n(٥) الخول: بفتح الخاء والواو. انظر: \"الجمهرة\" ١/ ٦٢١، و\"الصحاح\" ٤/ ١٦٩٠، و\"المجمل\" ٢/ ٣٠٧، و\"مقاييس اللغة\" ٢/ ٢٣٠، و\"المفردات\" ص ٣٠٤.\n(٦) أبو النَّجم: الفضْل بن قدامة بن عبيد العِجْلي الكوفي، تقدم.\n(٧) \"ديوانه\" ص ١٧٥، وهو من لاميته المشهورة في هشام بن عبد الملك، ومطلعها:\nالحمدُ للهِ الوْهُوبِ المْجْزِل ... أَعْطَى فَلَمْ يَبْخَلْ وَلَم يُبَخَّل\nكُومَ الذُّرى منْ خَولِ المخول ... تبَقَّلَتْ مِنْ أَوّلِ التَّبْقُّلِ","vol":"8","page":295},{"text":"قال ابن عباس: ﴿وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ﴾: (يريد: من النعيم والمال والعبيد والرباع (١) والمواشي) (٢)، ﴿وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ﴾ قال ابن عباس: (يريد: شركاء لي) (٣) و﴿شُفَعَاءَكُمُ﴾، قال المفسرون (٤): (وذلك أن المشركين زعموا أنهم يعبدون الأصنام؛ لأنهم شركاء الله وشفعاؤهم عنده).\nوقوله تعالى: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ قال الزجاج (٥): (الرفع (٦) أجود، [و] (٧) معناه: لقد تقطع وصلكم، والنصب جائز، والمعنى: لقد تقطع ما\n_________\n= انظر: \"طبقات فحول الشعراء\" ٢/ ٤٧٨، وكوم جمع كوماء، وهي الناقة عظيمة السنام، والذرى جمع ذروة السنام وأعلى كل شيء، والخول: ما أعطى من النعم، والمخول بتشديد الواو وكسرها: الله ﷾ خولهم النعم.\nوالشاهد في: \"العين\" ٤/ ٣٠٥، والطبري ٧/ ٢٧٨، و\"تهذيب اللغة\" ١/ ٩٦٨، و\"اللسان\" ٣/ ١٢٩٣ (خول).\n(١) الرِّباع: بالكسر جمع الرَّبْع بفتح الراء المشددة وسكون الباء، وهو المنزل، والدار بعينها، والوطن، والموضع يرتعون فيه في الربيع. انظر: \"اللسان\" ٣/ ١٥٦٣، و\"القاموس\" ص ٧١٨ (ربع).\n(٢) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٨٤.\n(٣) في \"تنوير المقباس\" ٢/ ٤٤ نحوه، وذكره ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٣/ ٨٩.\n(٤) أخرج الطبري في \"تفسيره\" ٧/ ٢٧٩، وابن أبي حاتم ٤/ ١٣٥٠ بسند جيد، عن عكرمة والسدي نحوه، وانظر: السمرقندي ١/ ٥٠٢.\n(٥) في (ش): تكرر (قال الزجاج: الرفع أجود ومعناه تقطع بينكم ...).\n(٦) قرأ نافع والكسائي وعاصم في رواية (لقد تقطع بينكم) بنصب النون، وقرأ الباقون بالرفع.\nانظر: \"السبعة\" ص ٢٦٣، و\"المبسوط\" ص ١٧٢، و\"الغاية\" ص ٢٤٥، و\"التذكرة\" ٢/ ٤٠٥، و\"التيسير\" ص ١٠٥، و\"النشر\" ٢/ ٢٦٠.\n(٧) لفظ: (الواو) ساقط من (أ).","vol":"8","page":296},{"text":"كنتم فيه من الشركة بينكم) (١).\nقال أبو علي: (هذا الاسم يستعمل على ضربين: أحدهما: أن يكون اسمًا متصرفًا كالافتراق، والآخر: أن يكون ظرفًا، والمرفوع في قراءة من قرأ ﴿بَيْنَكُمْ﴾ الذي كان ظرفًا ثم استعمل اسمًا، والدليل على جواز كونه اسمًا قوله تعالى: ﴿وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ﴾ [فصلت: ٥]، و﴿هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾ [الكهف: ٧٨]، وقال (٢) مهلهل (٣):\nكَأَنَّ رِمَاحَهُمْ أَشْطَانُ بِئْرٍ ... بِعيدٍ بَيْنُ جَالَيْهَا جَرُورِ (٤)\nفلما استعمل اسمًا في هذه المواضع جاز أن يسند إليه الفعل الذي هو (تقطع) في قول من رفع. قال: ويدل على أن هذا المرفوع هو الذي استعمل ظرفًا؛ لأنه لا يخلو من أن يكون الذي هو ظرف اتسع فيه، أو يكون الذي هو مصدر، فلا يجوز أن يكون هذا القسم؛ لأن التقدير يصير: لقد تقطع افتراقكم، وهذا خلاف القصد والمعنى [المراد] (٥)، ألا ترى أن المراد: لقد تقطع وصلكم وما كنتم تتألفون عليه. فإن قلت: كيف جاز أن يكون\n_________\n(١) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٧٣.\n(٢) هذا الشاهد لا يوجد في \"الحجة\" لأبي علي.\n(٣) مُهَلْهِل بن ربيعة التغلبي: أبو ليلى، من نجد شاعر جاهلي، تقدمت ترجمته.\n(٤) ليس في \"ديوانه\"، وهو في: \"مجاز القرآن\" ١/ ٢٠١، و\"الكامل\" للمبرد ١/ ٣٧٦، والطبري ٧/ ٢٨٠، و\"الدر المصون\" ٥/ ٥٣، وبلا نسبة في \"مجالس الزجاجي\" ص ١١٠، و\"أمالي القالي\" ٢/ ١٣٢، و\"إعراب القراءات\" ١/ ١٦٥، و\"الحجة\" لابن خالويه ص ١٤٥، و\"المحتسب\" ٢/ ١٩٠، و\"اللسان\" ١/ ٤٠٣ (بين)، والأشطان جمع شطن بالتحريك: الحبال الطويلة الشديدة الفتل، والجال: الجانب، والناحية، والجرور: بعيدة القعر.\nوالشاهد: بين ظرف في الأصل، فصيره اسمًا ورفعه.\n(٥) لفظ: (المراد) ساقط من (أ).","vol":"8","page":297},{"text":"بمعنى الوصل، وأصله: الافتراق (١) والتباين، قيل: إنه لما استعمل مع الشيئين المتلابسين في نحو: بيني وبينه شركة، وبيني وبينه رحم وصداقة صارت لاستعمالها في هذه المواضع بمنزلة الوصلة، وعلى خلاف الفرقة، لهذا جاء ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ بمعنى: لقد تقطع وصلكم، وحكى سيبويه: (هو أحمر بين العينين) (٢)، وهذا يدل على جواز استعماله اسمًا.\nفأما من قرأ: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ بالنصب ففيه مذهبان أحدهما: أنه أضمر الفاعل في الفعل، ودل عليه ما تقدم من قوله: ﴿وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ﴾، ألا ترى أن هذا الكلام فيه دلالة على التقاطع والتهاجر، فكأنه قيل: لقد تقطع وصلكم بينكم.\nوقد حكى سيبويه أنهم قالوا: (إذا كان غدًا فأتني) (٣)، [فأضمر ما كانوا فيه من رخاء أو بلاء على معنى: إذا كان الرخاء أو البلاء غدًا فأتني (٤)]، فأضمر لدلالة الحال عليه، وصار دلالة الحال بمنزلة جَرْي الذكر وتقدمه، والمذهب الآخر من انتصاب البين: شيء يراه أبو الحسن (٥)، وهو أنه يذهب إلى: (أنه وإن نُصب يكون معناه معنى المرفوع لمّا جرى في كلامهم منصوبًا ظرفًا تركوه على ما يكون عليه في أكثر\n_________\n(١) هو من الأضداد، يكون البَيْنُ الفراق ويكون الوصال. انظر: كتاب \"الأضداد\" لقطرب ص ١٣٨، وللأصمعي ص ٥٢، ولابن السكيت ص ٢٠٤، ولابن الأنباري ص ٧٥، و\"شرح القصائد\" لابن الأنباري ص ٤٣٣.\n(٢) \"الكتاب\" ١/ ١٩٥.\n(٣) \"الكتاب\" ١/ ٢٢٤.\n(٤) ما بين المعقوفين ساقط من (ش).\n(٥) أبو الحسن هو سعيد بن مسعدة المجاشعي البصري الأخفش الأوسط، تقدمت ترجمته.","vol":"8","page":298},{"text":"الكلام، وكذلك يقول في قوله تعالى (١): ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ﴾ [الممتحنة: ٣] أنه على معنى الرفع، وكذلك يقول في قوله تعالى: ﴿وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ﴾ [الجن: ١١] فدون: في موضع رفع عنده) (٢)، وإن كان منصوب اللفظ، ألا ترى أنك تقول: منا الصالحون (٣)، ومنا الطالحون؛ فترفع) (٤)، وذكر ابن الأنباري هذين الوجهين في علة النصب فقال: (التقدير: لقد تقطع ما بينكم، فحذفت ما لوضوح معناها، ونصبت بين على طريق المحل والصفة، ومثله قول الشاعر:\nما بين عَوْفٍ وإبراهيمَ من نَسَبٍ ... إلا قرابةُ بين الزنج والرومِ (٥)\nأراد: إلا قرابة ما بين الزنج والروم، وقال آخر:\nيُدِيرُونَنِي عَنْ سَالِمٍ وأُدِيرُهُمْ ... وَجِلْدَةُ بَيْن العَيْنِ وَالأنْفِ سالِمُ (٦)\n_________\n(١) في النسخ: (ويوم)، وهو تحريف.\n(٢) انظر: \"معاني الأخفش\" ١/ ٢٣٧، و\"الحجة\" لأبي علي ١/ ٢٥٠ - ٢٥١، ٣/ ٢٦٢، ٥/ ٤٢٩، ٦/ ٢٨٥، و\"كتاب الشعر\" ١/ ٣٠٦، و\"المحتسب\" ٢/ ١٩٠، وفيها كلام الأخفش وشرحه.\n(٣) في (أ): (منا الطالحون ومنا الطالحون)، وهو تحريف.\n(٤) \"الحجة\" لأبي علي ٣/ ٣٥٧ - ٣٦١ بتصرف واختصار، وانظر: \"معاني القراءات\" ١/ ٣٧١، و\"إعراب القراءات\" ١/ ١٦٤، و\"الحجة\" لابن خالويه ص ١٤٥، ولابن زنجلة ص ٢٦١، و\"الكشف\" ١/ ٤٤٠.\n(٥) لم أقف على قائله، وهو في \"الدر المصون\" ٥/ ٥١.\n(٦) البيت لأبي الأسود الدؤلي في \"ديوانه\" ص ٢٥٠، و\"الدر المصون\" ٥/ ٥١، ولزهير في \"ديوانه\" ص ١٢١، و\"شرحه لثعلب\" ص ٢٥٠، وبلا نسبة في \"أمالي القالي\" ١/ ٥١، ونسب في \"العقد الفريد\" ٢/ ٢٧٣، ٦/ ١٣٧ إلى عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄؛ وقال البغدادي في \"الخزانة\" ٥/ ٢٧٢ - ٢٧٣: (هذا خطأ، والصواب أنَّه تمثَّل به لا أنه قاله، والبيت لزهير، وهو ثابت في ديوانه) اهـ.","vol":"8","page":299},{"text":"أراد: وجلدة ما بين العين، قال: وفيه وجه آخر؛ وهو: أن يكون [بين] (١) في موضع رفع وإن نصبت في اللفظ؛ لأن أصلها المحل، فنابت عن الفاعل المرفوع، وأُقرت على أصلها من النصب، كما قالت العرب: قد افترق بين عبد الله وزيد، فجعلوا بين نائبه عن الفاعل ومقرةً على أصلها من النصب، وقالوا أيضًا: هذا ثوب بينَ الثوبين، [وبينُ الثوبين] (٢)، فنصب بعضهم تغليبًا للأصل وهو يحكم عليها بالرفع، وأعطاها آخرون في اللفظ ما تستحقه من جهة المعنى) (٣).\nوأجاز الفراء هذا الوجه أيضًا فقال: (إذا جعل الفعل لبين ترك نصبًا كما قالوا: أتاني دونك من الرجال فترك نصبًا وهو في موضع رفع) (٤).\nوأما التفسير فقال ابن عباس: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ (يريد: وصلكم ومودتكم) (٥)، وقال مقاتل: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ (يعني: ما تواصلتم بينكم) (٦)، وقال الحسن: (لقد تقطع الأمر بينكم) (٧)، وقال قتادة:\n_________\n(١) لفظ: (بين) ساقط من (ش)، وانظر: \"التبيان\" ١/ ٣٤٩، و\"الفريد\" ٢/ ١٩٤.\n(٢) لفظ: (وبين الثوبين) الثانية ساقط من (ش).\n(٣) ذكره الواحدي ١/ ٨٥، وابن الجوزي ٣/ ٨٩، والرازي ١٣/ ٨٧ - ٨٨ مختصرًا.\n(٤) \"معاني الفراء\" ١/ ٣٤٥، قال: (هو في موضع رفع لأنه صفة ...)، وانظر: \"إعراب النحاس\" ١/ ٥٦٦، و\"المشكل\" ١/ ٢٦٢، و\"البيان\" ١/ ٣٣٢.\n(٥) \"تنوير المقباس\" ٢/ ٤٤، وذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٨٥، وأخرج الطبري في \"تفسيره\" ٧/ ٢٧٩، وابن أبي حاتم ٤/ ١٣٥٠ بسند جيد عن ابن عباس في الآية قال: (يعني: الأرحام والمنازل) ا. هـ، وذكره السيوطي في \"الدر\" ٣/ ٦٠.\n(٦) \"تفسير مقاتل\" ١/ ٥٧٩، وفيه قال: (لقط تقطع بينكم وبين شركائكم، يعني: من الملائكة من المودة والتواصل) ا. هـ.\n(٧) ذكره هود الهواري في \"تفسيره\" ١/ ٥٤٦، والواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٨٥، والسيوطي في \"الدر\" ٣/ ٦٠.","vol":"8","page":300},{"text":"(ما بينكم من الوصل) (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾، قال ابن عباس: (ذهب عنكم ما كنتم تكذبون في الدنيا) (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1058>٩٥ </span>- قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى﴾ الآية، قال ابن عباس في رواية عطاء: (يريد: بالنبات) (٣)، قال الكلبي: (الحب ما لم يكن له نوى كالبر والشعير، والنوى: ما لم يكن له حب مثل نوى التمر والخوخ وغيرهما، فلقهما الله بالنبت) (٤).\nوقال الحسن (٥) وقتادة (٦) والسدي (٧) وابن زيد (٨): (فلق الحبة عن السنبلة والنواة عن النخلة).\nوقال أبو إسحاق: (أي: يشق الحبة اليابسة والنواة اليابسة فيخرج\n_________\n(١) أخرجه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ٢/ ١/ ٢١٤، والطبري ٧/ ٢٧٩، بسند جيد، وذكره السيوطي في \"الدر\" ٣/ ٦٠.\n(٢) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٨٥، بدون نسبة. وانظر: \"تنوير المقباس\" ٢/ ٤٤.\n(٣) لم أقف عليه\n(٤) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٨٥، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٣/ ٩٠.\n(٥) ذكره هود في \"تفسيره\" ١/ ٥٤٦، والماوردي ٢/ ١٤٦، والواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٨٥، والبغوي في \"تفسيره\" ٣/ ١٧٠، وابن الجوزي ٣/ ٩٠، وذكره شيخ الإِسلام في \"الفتاوى\" ١٧/ ٥٠٤ عن الحسن أنه قال: (الفلق: كل ما انفلق عن شيء، كالصبح والحب والنوى) ا. هـ.\n(٦) أخرجه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ٢/ ١/ ٢١٤، والطبري ٧/ ٢٨٠، وابن أبي حاتم ٤/ ١٣٥١ بسند جيد، وذكره السيوطي في \"الدر\" ٣/ ٦١.\n(٧) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٧/ ٢٨٠، وابن أبي حاتم ٤/ ١٣٥١ بسند جيد.\n(٨) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٧/ ٢٨٠ بسند جيد.","vol":"8","page":301},{"text":"منهما ورقًا أخضر) (١)، وقال مجاهد (٢) وأبو مالك: (يعني: الشقين الذين فيهما) (٣)، وروي عن ابن عباس (٤) وهو قول الضحاك ومقاتل: ﴿فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى﴾ (أي: خالقهما)، ذهبوا بفالق مذهب فاطر.\nقال مقاتل: (يعني: خالق الحب البر والشعير والذرة والحبوب كلها، ﴿وَالنَّوَى﴾ يعني: نوى كل ثمرة لها نوى الخوخ والتين والنبق والمشمش والغبيراء (٥) والإجاص (٦) وما كان من الثمار لها نوى) (٧).\nقال الليث (٨): (النَّوى: نَوَى التمر وأشباهه من كُلٍّ (٩)، والواحدة نواة، ونَوَّت البسرة وأَنْوَت: إذا انعقدت نواتها).\n_________\n(١) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٧٣.\n(٢) \"تفسير مجاهد\" ١/ ٢١٩ - ٢٢٠، وأخرجه الطبري ٧/ ٢٨١، وابن أبي حاتم ٤/ ١٣٥١ بسند جيد، وذكره السيوطي في \"الدر\" ٣/ ٦١.\n(٣) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٧/ ٢٨١ بسند جيد، وذكره السيوطي في \"الدر\" ٣/ ٦١.\n(٤) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٧/ ٢٨١، وابن أبي حاتم ٤/ ١٣٥١ بسند ضعيف عن ابن عباس والضحاك.\n(٥) الغبيراء: بضم الغين، وفتح الباء، وسكون الياء، شجرة معروفة من الفواكه، سميت بذلك للون ورقها وثمرتها.\nانظر: \"اللسان\" ٦/ ٣٢٠٧ (غير).\n(٦) الإجاص: بكسر الهمزة، وفتح الجيم المشدودة، فاكهة معروفة. انظر: \"اللسان\" ١/ ٣٢، مادة (أجص).\n(٧) \"تفسير مقاتل\" ١/ ٥٧٩، وانظر: \"تفسير الرازي\" ١٣/ ٩٠.\n(٨) النص في \"العين\" ٨/ ٣٩٤، ونقل الأزهري في \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٦٨٣ عن الليث قوله: (نَوَّت البُسرة وأَنْوَت إذا عقدت نواتها) ا. هـ. وانظر: \"اللسان\" ٨/ ٤٥٩٠ مادة (نوى).\n(٩) كذا في النسخ (من كُلٍّ) ولعله من أُكلٍ.","vol":"8","page":302},{"text":"وقوله تعالى: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ﴾ قال ابن عباس: (يخرج من النطفة بشرًا حيًّا ثم يخرج النطفة الميتة من الحي) (١)، وهو قول الكلبي ومقاتل (٢)، قال الكلبي: (يخرج النسمة والفروجة (٣) والفرخ من النطفة والبيضة، ثم يخرج النطفة والبيضة من الحي) (٤).\nوقال ابن عباس في رواية عطاء: (يخرج المؤمن من الكافر، والكافر من المؤمن، والعاصي من الطائع) (٥)، وهو قول الحسن (٦). وقال السدي: (يخرج النبات عن الحب) (٧)، وهذا اختيار أبي إسحاق قال: معنى ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ يخرج النبات: الغض الطري الخضِر من الحب اليابس، ﴿وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ﴾ [أي] (٨): ويخرج الحب اليابس من النبات الحي النامي) (٩).\n_________\n(١) ذكره النحاس في \"إعرابه\" ١/ ٥٦٦، وأخرج الطبري ٧/ ٢٨٢ بسند جيد عنه قال: (يخرج النطفة الميتة من الحي ثم يخرج من النطفة بشرًا حيًا) ا. هـ وأخرج ابن أبي حاتم ٤/ ١٣٥٢، بسند ضعيف عنه قال: (﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾، أي: يخرج النطفة بشرًا) ا. هـ قال: (وروي عنه أنه قال: ﴿وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ﴾، أي: يخرج النطفة الميتة من الرجل الحي) ا. هـ\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ١/ ٥٧٩ - ٥٨٠.\n(٣) الفروجة، والفروج: بفتح الفاء، وقد تضم وهي لغة، وضم الراء المشددة: فرخ الدجاج، انظر: \"اللسان\" ٦/ ٣٣٧٠ مادة (فرج).\n(٤) في \"تنوير المقباس\" ٢/ ٤٤ - ٤٥ نحوه.\n(٥) ذكره ابن الجوزي ٣/ ٣٧٠ عن ابن عباس والحسن وعطاء، وذكره الرازي ١٣/ ٩٢ عن ابن عباس، وهو في \"الوسيط\" ١/ ٨٦، عن عطاء فقط.\n(٦) أخرجه الطبري ٦/ ٣٠٦ - ٣٠٨ من طرق جيدة، وذكره ابن أبي حاتم ٤/ ١٣٥٢ عن الحسن وقتادة.\n(٧) أخرجه الطبري ٧/ ٢٨٢ بسند جيد.\n(٨) لفظ: (أي) ساقط من (ش).\n(٩) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٧٣، والآية عامة والأقوال متقاربة، قال ابن كثير٢/ ١٧٧:=","vol":"8","page":303},{"text":"وقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ قال ابن عباس (١): (يريد: الله وحده لا شريك له يفعل هذا فكيف [تكذبون]؟) (٢).\nقال الزجاج: (احتج الله عليهم بما يشاهدونه من خلقه؛ لأنهم أنكروا البعث، فأعلمهم أنه خلق هذه الأشياء، وأنه قادر على بعثهم، ثم قال: ﴿فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ أي: فمن أين تصرفون عن الحق بعد هذا البيان) (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1059>٩٦ </span>- قوله تعالى: ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ﴾ الآية: الفَلْق: مصدر فَلَقْتُ أفْلِق فَلْقًا، ويقال: سمعت ذاك من فَلْق (٤) فيه، ذكره ابن السكيت (٥)، وأما ﴿الْإِصْبَاحِ﴾ فقال الليث (٦): (الصُّبْح والصَّباح هما أول النهار، وهو\n_________\n= (يخبر تعالى أنه ﴿فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى﴾ أي: يشقه في الثرى فتنبت منه الزروع على اختلاف أصنافها،ولهذا فسره بقوله: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ﴾ أي: يخرج النبات الحي من الحب والنوى الذي هو كالجماد الميت، وقوله ﴿وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ﴾ معطوف على ﴿فَالِقُ الْحَبِّ﴾، وقد عبروا عن ذلك بعبارات كلها متقاربة مؤدية للمعنى وتشملها الآية) ا. هـ بتصرف، وانظر: السمرقندي ١/ ٥٠٢، وابن عطية ٥/ ٢٩٤.\n(١) \"تنوير المقباس\" ٢/ ٤٥، وذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٨٦، وأخرج ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٤/ ١٣٥٣ بسند ضعيف قال: ﴿فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ (أي: كيف تكذبون).\n(٢) في (ش): (يكذبون)، بالياء.\n(٣) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٧٣.\n(٤) من فَلْق: بفتح الفاء، وقد تكسر. انظر: \"العين\" ٥/ ١٦٤، و\"الجمهرة\" ٢/ ٩٦٥، و\"الصحاح\" ٤/ ١٥٤٤، و\"المجمل\" ٣/ ٧٠٥، و\"المفردات\" ص ٦٤٥، و\"اللسان\" ٦/ ٣٤٦٢ مادة (فلق).\n(٥) \"إصلاح المنطق\" ص ١٩، و\"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٨٢٩، وانظر: \"تهذيب إصلاح المنطق\" ١/ ٨٥.\n(٦) \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٩٦٩، وانظر: \"العين\" ٣/ ١٢٦، و\"الجمهرة\" ١/ ٢٧٩،=","vol":"8","page":304},{"text":"الإصباح أيضًا، قال الله تعالى: ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ﴾ يعني: الصبح، وقال:\nأَفْنَى رِياحًا وذَوِى رِياحِ ... تَناسُخُ الإِمْسَاءِ وَالإِصْبَاحِ (١)\nيريد: المساء والصباح). الفراء مثله في الإصباح (٢)، وقال الزجاج: (الإصباح والصبح واحد) (٣). وأما التفسير، فقال كثير من أهل التفسير في قوله ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ﴾: (شاقّ عمود الصبح عن ظلمة الليل وسواده) (٤)، ولا أدري كيف قالوا هذا؛ فإن الليل يشق عن عمود الصبح لا الصبح عن الليل (٥).\n_________\n= و\"الصحاح\" ١/ ٣٧٩، و\"مقاييس اللغة\" ٣/ ٣٢٨، و\"المجمل\" ٢/ ٥٤٨، و\"المفردات\" ص ٤٧٣ مادة (صبح).\n(١) لم أعرف قائله. وهو في \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٩٦٩، و\"الكشاف\" ٢/ ٣٧، والرازي ١٣/ ٩٨، و\"اللسان\" ٤/ ٢٣٨٨ مادة (صبح)، (البحر) ٤/ ١٨٥، و\"الدر المصون\" ٥/ ٥٩، والإمساء والإصباح بالكسر مصدر، وبالفتح جمع مُسى وصُبْح، وجاء عند الأزهري (رباحًا، ورباح) بالباء بدل الياء.\n(٢) هذه عبارة الأزهري في \"التهذيب\" ٢/ ١٩٦٩، وقال الفراء في \"معانيه\"١/ ٣٤٦: (والإصباح مصدر أصبحنا إصباحًا، والإصباح صُبح كل يوم بمجموع) ا. هـ.\nونحوه ذكر الأخفش في \"معانيه\" ٢/ ٢٨٢.\n(٣) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٧٤.\n(٤) هذا قول الطبري في \"تفسيره\" ٧/ ٢٨٢، والثعلبي في \"الكشف\" ١٨١ ب، والبغوي في \"تفسيره\" ٣/ ١٧٠، وانظر: \"تفسير ابن عطية\" ٥/ ٢٩٥، والبيضاوي ١/ ١٤٥.\n(٥) قال الزمخشري في \"الكشاف\" ٢/ ٣٨: (فإن قلت: فما معنى فلق الصبح والظلمة هي التي تنفلق عن الصبح؟ قلت: فيه وجهان: أحدهما: أن يراد فالق ظلمة الصبح، يعني: أنه على حذف مضاف. والثاني: أن يراد فالق الإصباح الذي هو عمود الفجر عن بياض النهار وإسفاره ..) ا. هـ. ملخصا. وانظر: \"تفسير الرازي\" ١٣/ ٩٨، و\"الخازن\" ٢/ ١٦٣.","vol":"8","page":305},{"text":"[وأما] (١) ابن عباس (٢) والمحققون (٣) قالوا: ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ﴾ أي: خالق الإصباح كل يوم جديد).\nوقال الكلبي: ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ﴾: خالق الصباح كل يوم) (٤).\nوقال أبو إسحاق: ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ﴾: (جائز أن يكون خالق الإصباح، وجائز أن يكون معناه: سياق الإصباح، وهو راجع إلى معنى خالق) (٥)، وقال في سورة الفلق: (الفلق الخلق، وإذا تأملت الخلق تبين لك أن أكثره عن انفلاق) (٦)، وقد ذكرنا هذا المعنى في قوله تعالى: ﴿فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى﴾ [الأنعام:٩٥].\nوقال الليث: (الله تعالى فلق الصبح، أي: أبدأه وأوضحه) (٧)، فعلى\n_________\n(١) لفظ: (الواو) ساقط من (أ)، ولفظ: (قالوا) بعده الأولى أن يكون فقالوا.\n(٢) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٧/ ٢٨٣، وابن أبي حاتم ٤/ ١٣٥٤ بسند ضعيف عن العوفي عن ابن عباس قال: (خلق الليل والنهار) ا. هـ، وأخرج الطبري وابن أبي حاتم بسند جيد عن ابن عباس قال: (يعني: بالإصباح ضوء الشمس بالنهار وضوء القمر بالليل) ا. هـ\n(٣) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٧/ ٢٨٣ بسند ضعيف عن الضحاك. وبه قال مقاتل في \"تفسيره\" ١/ ٥٨٠، والسمرقندي ١/ ٥٠٢، وانظر: \"الفتاوى\" ١٧/ ٥٠٥، وقال السمين في \"الدر\" ٥/ ٥٧: (فسر بعضهم فالق هنا بمعنى: خالق. قيل: ولا يعرف هذا لغة، وهذا لا يتلفت إليه؛ لأن هذا منقول عن ابن عباس والضحاك، أيضًا لا يقال ذلك على جهة التفسير للتقريب؛ لأن الفراء نقل في اللغة أن فطر وخلق وفلق بمعنى واحد) ا. هـ، وانظر: \"البحر المحيط\" ٤/ ١٨٤.\n(٤) \"تنوير المقباس \" ٢/ ٤٥.\n(٥) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٧٤.\n(٦) \"معاني الزجاج\" ٥/ ٣٧٩.\n(٧) النص في \"العين\" ٥/ ١٦٤.","vol":"8","page":306},{"text":"هذا المعنى ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ﴾: مبديه وموضحه، وذلك أن معنى الفلق راجع إلى الإبداء والإيضاح؛ لأن الفلق يتضمن الإبداء (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا﴾ السكن: معناه في اللغة ما سكنت إليه، يريد: أن الناس يسكنون في الليل سكون الراحة، بأن جعل الله تعالى ذلك لهم سكنًا (٢). قال ابن عباس: (يريد: أن كل ذي روح يسكن فيه) (٣)، وقال الكلبي: (يسكن فيه الخلق ويرجعوا إلى أوطانهم) (٤)، وهو مثل قوله تعالى: ﴿هُوَ (٥) اَلَّذِى جَعَلَ لَكُمٌ الّيلَ لِتَسكنُواْ فِيهِ﴾ [يونس: ٦٧].\nواختلف القراء (٦) في قوله: ﴿وَجَعَلَ اللَّيْلَ﴾ فقرأ الأكثرون (جَاعِلُ) بالألف؛ لأن قبله اسم فاعل وهو [قوله] (٧): ﴿فَالِقُ الْحَبِّ﴾ و﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ﴾ و(جاعل) هاهنا حسن ليكون المعطوف [مثل المعطوف] (٨) عليه، ألا ترى أن حكم الاسم أن يعطف على اسم مثله؛ لأن الاسم بالاسم أشبه من الفعل بالاسم، وقرأ أهل الكوفة ﴿وَجَعَلَ اللَّيْلَ﴾ لأن اسم الفاعل الذي قبله بمعنى الماضي، فلما كان فَاعِلٌ بمنزلة فَعَلَ في المعنى عطف عليه فعل؛ لموافقته له\n_________\n(١) في (ش): (الابتداء)، وهو تحريف، وانظر: \"المفردات\" ص ٦٤٥.\n(٢) انظر: \"تفسير الطبري\" ٧/ ٢٨٣.\n(٣) لم أقف عليه.\n(٤) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٨٧.\n(٥) جاء في النسخ: (وهو الذي) بالواو، وهو خطأ واضح.\n(٦) قرأ عاصم وحمزة والكسائي (جَعَلَ الليلَ) بفتح العين واللام من غير ألف بينهما على أنه فعل ماض و(الليل)، بالنصب على أنه مفعول به. وقرأ الباقون (جاعِلُ الليلِ) بالألف وكسر العين ورفع اللام، و(الليلِ) بالخفض على الإضافة. انظر: \"السبعة\" ص ٢٦٣، و\"المبسوط\" ص ١٧٢، و\"الغاية\" ص ٢٤٥، و\"التذكرة\" ٢/ ٤٠٥، و\"التيسير\" ص ١٠٥، و\"النشر\" ٢/ ٢٦٠.\n(٧) لفظ: (قوله) ساقط من (ش).\n(٨) ما بين المعقوفين ساقط من (ش).","vol":"8","page":307},{"text":"في المعنى، ويدلك على أنه بمنزلة فَعَل أنه نزل منزلته فيما عُطِفَ عليه، وهو قوله تعالى ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ [الأنعام: ٩٦]، ألا ترى أنه لما كان المعنى فعل في (جاعل) حمل المعطوف على ذلك فنصب (الشَّمْسَ [والْقَمَرَ] (١) (٢)\nوقوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا﴾ قال ابن عباس: (يريد: بحساب) (٣) مثل ما قال في سورة يونس ﴿لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ [يونس: ٥]، وقال الكلبي: (منازلهما بحساب لا يُجاوزانه حتى ينتهيا إلى أقصى منازلهما) (٤).\nوروى شيبان (٥) عن قتادة قال: ([يدوران] (٦) في حساب) (٧)، وأما\n_________\n(١) لفظ (القمر) مكرر في (أ).\n(٢) ما تقدم قول الفارسي في \"الحجة\" ٣/ ٣٦١ - ٣٦٣، وانظر: \"معاني القراءات\" ١/ ٣٧٢، و\"إعراب القراءات\" ١/ ١٦٥، و\"الحجة\" لابن خالويه ص ١٤٦، و\"الحجة\" لابن زنجلة ص ٢٦٢، و\"الكشف\" ١/ ٤٤١.\n(٣) ذكره النحاس في \"معانيه\" ٢/ ٤٦١، والقرطبي في \"تفسيره\" ٧/ ٤٥، وأخرج الطبري في \"تفسيره\" ٧/ ٢٨٤، وابن أبي حاتم ٤/ ١٣٥٤، بسند جيد عن ابن عباس قال: (يعني: عدد الأيام والشهور والسنين) ا. هـ، وعلى هذا يراد بالحسبان: الحساب، وهو قول الجمهور، كما ذكر ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٣/ ٩١.\n(٤) ذكره السمرقندي ١/ ٥٠٣.\n(٥) شَيْبان بن عبد الرحمن التميمي مولاهم أبو معاوية البصري، نزل الكوفة، إمام ثقة، محدث، نحوي مقرئ، أكثر عن قتادة والحسن وغيرهما، توفي سنة ١٦٤هـ. انظر: \"الجرح والتعديل\" ٤/ ٣٥٥، و\"تاريخ بغداد\" ٩/ ٢٧١، و\"إنباه الرواة\" ٢/ ٧٢، و\"سير أعلام النبلاء\" ٧/ ٤٠٦، و\"تهذيب التهذيب\" ٢/ ١٨٤.\n(٦) في (أ): (تدوران)، وهو تحريف.\n(٧) أخرجه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ١/ ٢/ ٢١٤، والطبري ٧/ ٢٨٤، وابن أبي حاتم ٤/ ١٣٥٤، بسند جيد من طريق معمر عن قتادة، ولم أقف عليه من طريق شيبان عن قتادة.","vol":"8","page":308},{"text":"معنى الحساب فإن العروضي (١) والقرشي (٢) أخبراني عن الأزهري قال: أخبرني المنذري (٣) عن أحمد بن يحيى، أنه حكى عن الأخفش أنه قال: (معناه: بحسابٍ، فحذف الباء) (٤)، والكلام مختصر تقديره: وجعل الشمس والقمر يجريان بحساب كقوله: ﴿لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا﴾ [الإسراء: ٦١] أي: من طين، وقال ثعلب: (﴿حُسْبَانًا﴾ مصدر كما تقول: حَسَبْته أَحْسبُه حُسْبانًا وحِسَابًا) (٥)، وأنشد أبو عبيد عن أبي زيد:\nعلى الله حُسْباني إذا النَّفْسُ أَشْرَفَتْ ... على طَمَعٍ أَو خافَ شيئًا ضَمِيرُها (٦)\nوجعله الأخفش (٧) جمع حِسَابٍ، وهو قول أبي الهيثم (٨) قال: (الحُسبان جمع حساب مثل: رِكَابٍ ورُكْبَانٍ، وشِهَابٍ وشُهْبَانٍ، وكذلك أحسبة مثل: شهاب وأشهبة) (٩).\n_________\n(١) العروضي: أبو الفضل أحمد بن محمد الصفار، تقدمت ترجمته ترجمته.\n(٢) القرشي: أبو عثمان سعيد بن العباس الهروي، تقدمت ترجمته.\n(٣) المنذري: أبو الفضل محمد بن أبي جعفر الهروي، تقدمت ترجمته.\n(٤) \"معاني الأخفش\" ٢/ ٢٨٢، و\"تهذيب اللغة\" ١/ ٨١١.\n(٥) \"تهذيب اللغة\" ١/ ٨١٠.\nوانظر: \"العين\" ٣/ ١٤٨، و\"الجمهرة\" ١/ ٢٧٧، و\"الصحاح\" ١/ ١٠٩، و\"المجمل\" ١/ ٢٣٣، و\"مقاييس اللغة\" ٢/ ٥٩، و\"المفردات\" ص ٢٣٢ مادة (حسب).\n(٦) لم أقف على قائله، وهو في \"تهذيب اللغة\" ١/ ٨١٠، و\"اللسان\" ٢/ ٨٦٥ مادة (حسب)، و\"الدر المصون\" ٥/ ٦٤.\n(٧) \"معاني الأخفش\" ٢/ ٢٨٢.\n(٨) أبو الهيثم: خالد بن يزيد الرازي، تقدمت ترجمته.\n(٩) \"تهذيب اللغة\" ١/ ٨١١، وفيه قال: (الحسبان جمع حساب، وكذلك أَحْسِبَةٌ مثل شِهاب وأَشْهبة) ا. هـ.","vol":"8","page":309},{"text":"وهو قول أبي عبيدة (١) والمبرد (٢) ذكرا ذلك في قوله تعالى: ([الشَّمْسُ] (٣) وَالقَمَرُ بِحُسْبَانٍ) [الرحمن:٥]، ومن جعل الحسبان مصدرًا جعله كالرجحان والنقصان (٤).\nفأما نصب ﴿الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ فقال أبو إسحاق: (النصب على تأويل وجعل الشمس والقمر؛ لأن في ﴿جَاعِلٌ﴾ معنى جعل، وبه نصبت ﴿سَكَنًا﴾، كما تقول: هو معطي زيدٍ درهمًا، فنصب الدرهم محمول على تأويل أعطى) (٥)، ونحو هذا قال أبو علي (٦). وقال الفراء: (الليل في قوله (وَجَاعِلُ الَّليْلِ) في موضع نصب في المعنى فرُد ﴿الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ على معناه لما فرّق بقوله ﴿سَكَنًا﴾، فإذا لم تفرق بينهما بشيء آثروا الخفض، وقد يجوز أن ينصب وإن لم يحل بينهما بشيء) (٧)، وأنشد:\nبَيْنَا نَحْنُ ننظره أَتَانَا ... مُعَلّقَ شِكوة وزِنَادَ رَاعِ (٨)\n_________\n(١) \"مجاز القرآن\" ١/ ٢٠١، ٢/ ٢٤٢، وانظر: \"أدب الكاتب\" ص ٦٧، و\"الزاهر\" ٢/ ٧٦.\n(٢) ذكره السمين في \"الدر\" ٥/ ٦٤، وهو اختيار الطبري في \"تفسيره\" ٧/ ٢٨٥.\n(٣) في (ش): (والشمس)، وهو تحريف.\n(٤) انظر: \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ٥٦٧، و\"الدر المصون\" ٥/ ٦٤.\n(٥) انظر: \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٧٤.\n(٦) \"الحجة\" لأبي علي ٣/ ٣٦٣.\n(٧) \"معاني الفراء\" ١/ ٣٤٦، وانظر: \"مجاز القرآن\" ١/ ٢٠١.\n(٨) الشاهد لنُصَيْب الأسود، شاعر أموي في \"ديوانه\" ص ١٠٤، ولرجل من قيس عيلان في \"الكتاب\" ١/ ١٧٠ - ١٧١، وبلا نسبة في \"المحتسب\" ٢/ ٧٨، و\"سر صناعة الإعراب\" ١/ ٢٣، و\"الصاحبي\" ص ٢١٢، و\"أمالي ابن الحاجب\" ٢/ ٧٤، و\"رصف المباني\" ص ١٠٥، و\"اللسان\" ١/ ٤٠٥، (بين) وللبيت روايات مختلفة، والشكوة: وعاء لتبريد الماء. والزناد: ما تقدح به النار. والشاهد: نصب زناد حملًا على موضع شكوة. انظر: \"شرح شواهد المغني\" ٢/ ٧٩٨، و\"الخزانة\" ٧/ ٧٤.","vol":"8","page":310},{"text":"وقد شرح ابن الأنباري هذا فقال: (العرب قد تجرى اسمًا على الخفض ثم تعطف عليه منصوبًا، وكذلك يقدمون المنصوب ثم يعطفون عليه المخفوض في باب فاعل، فيقولون: هو ضارب عبد الله في الدار ومحمدًا، وهو ضارب عبد الله في الدار ومحمدٍ، إذا نصبوا بعد الخفض قدروا أن المعطوف عليه منصوب وأن الفاعل منوّن، وذلك أن قولنا: هو ضارب عبد الله يجري مجرى ضارب عبد الله، وإذا خفضوا بعد النصب قدّروا أن المنصوب مخفوض وأن الاسم المبني على فاعل لا تنوين فيه، وأنشد:\nفنبَيْنَا نَحْنُ ننظره أَتَانَا ... مُعَلّقَ شِكوة وزِنَادَ رَاعِ\nفحمل على تأويل النصب أراد: معلقًا شكوةً، وقال امرئ القيس:\nفَظَلَّ طُهَاةُ اللَّحْمِ [مِنْ بَيْنِ] (١) مُنْضِجٍ ... صَفِيفَ شِوَاءٍ أوْ قدِيرٍ مُعَجَّلِ (٢)\nفخفض القدير وهو نسق على الصفيف تقديرًا أن الصفيف مخفوض، كأنه قال: من بين منضج صفيف) (٣).\n_________\n(١) في (ش): (ما بين)، وهي رواية للبيت.\n(٢) الشاهد في \"ديوانه\" ص ١٢٠، و\"معاني الفراء\" ١/ ٣٤٦، و\"جمهرة اللغة\" ٢/ ٩٢٩، و\"الاشتقاق\" ص ٢٣٣، و\"اللسان\" ٤/ ٢٤٦٣، مادة (صفف)، والطهاة: الطباخون، وصفيف شواء: شرائح لحم مشوي، وقدير، أي: مطبوخ في قدْر، انظر: \"شرح المعلقات\" للنحاس ١/ ٤١.\n(٣) انظر: \"شرح القصائد السبع\" لابن الأنباري ص ٩٧ - ٩٨، وفي \"معاني الفراء\" ١/ ٣٤٦، و\"الجمل\" للزجاجي ص ٨٤ - ٨٥، نحوه، وقال مكي في \"المشكل\" ١/ ٢٦٣: (﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ انتصبا عطفا على موضع (الليل) لأنه في موضع نصب وقيل: على تقدير وجعل. وأما على قراءة ﴿وَجَعَلَ اللَّيْلَ﴾ فهو عطف على اللفظ والمعنى) ا. هـ. وانظر: \"البيان\" ١/ ٣٣٢، و\"التبيان\" ١/ ٣٤٩ و\"الفريد\" ٢/ ١٩٨، و\"الدر المصون\" ٥/ ٦١.","vol":"8","page":311},{"text":"وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ قال ابن عباس: (يريد: الذي قدر الأقوات في كل زمان وما يصلح فيه) (١)، وقال المفسرون: (يعني: ﴿الْعَزِيزِ﴾: في ملكه يصنع ما أراد، ﴿الْعَلِيمِ﴾: بما قدر من خلقهما) (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1060>٩٨ </span>- قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ قال ابن عباس: (يريد: آدم) (٣)، ﴿فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ﴾ قال ابن الأنباري: (أي: أراد: فلكم مستقر ومستودع، وبهذا الإضمار يحسن اتصال هذا الكلام بما قبله وحسن الإضمار؛ لأن الفاء يغلب على ما بعدها الاتصال بما يسبقها، فحذف ما يحذف بعد الفاء؛ إنما هو لدلالة الذي قبلها عليه للمواصلة، كقول العرب: إن تزرني فمحسن، وإن قصدتني فبار، وهم يريدون: فأنت بار، فيحذفون لوضوح المعنى) (٤).\nوأما تفسير: المستقر والمستودع، فقال ابن عباس في رواية عطاء: (يريد: مستقر في الأرحام ومستودع في الأصلاب) (٥)، وهذا التفسير على القراءتين (٦) في المستقر، وقال في رواية سعيد بن جبير: (المستقر ما في\n_________\n(١) لم أقف عليه.\n(٢) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١/ ٥٨٠، والطبري ٧/ ٢٨٥، والسمرقندي ١/ ٥٠٣.\n(٣) ذكره السيوطي في \"الدر\" ٣/ ٦٦، وذكره ابن أبي حاتم ٤/ ١٣٥٥ عن أكثرهم.\n(٤) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٨٨ لفظ: (أي: فلكم مستقر ومستودع) فقط، والباقي لم أقف عليه.\n(٥) لم أقف عليه من رواية عطاء، وهو في \"تفسير عطاء الخراساني\" ص ٨٨، من قوله، وأخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٧/ ٢٨٩ بسند جيد عن عطاء فقط.\n(٦) قرأ ابن كثير وأبو عمرو: (فمُسْتَقِر) بكسر القاف وفتحها الباقون. انظر: \"السبعة\" ص ٢٦٣، و\"المبسوط\" ص ١٧٢، و\"الغاية\" ص ٢٤٦، و\"التذكرة\" ٢/ ٤٠٥، و\"التيسير\" ص ١٠٥، و\"النشر\" ٢/ ٢٦٠.","vol":"8","page":312},{"text":"الرحم، والمستودع ما في الصلب) (١)، وهذا على قراءة من كسر القاف.\nوقال كريب (٢): (كتب حبر تيماء (٣) إلى ابن عباس يسأله عن هذه، فكتب إليه المستودع: الصلب، والمستقر: الرحم، ثم قرأ: ﴿وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ﴾ [الحج: ٥]) (٤)، وهذا التفسير على قراءة من فتح القاف، وقال في رواية العوفي: (كل مخلوق قد فرع من خلقه فهو المستقر، والمستودع: ما في أصلاب الرجال الذي الله خالقه) (٥)، ونحو\n_________\n(١) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٧/ ٢٨٧ - ٢٨٨، من عدة طرق جيدة، وأخرجه الحاكم في \"المستدرك\" ٢/ ٣١٦. وقال: (هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه) ووافقه الذهبي في \"التلخيص\"، وذكره ابن حجر في \"فتح الباري\" ٨/ ٢٨٩، وقال: (أخرجه سعيد بن منصور عن ابن عباس بإسناد صحيح) اهـ.\n(٢) كريب بن أبي مسلم، أبو رشدين المدني، الهاشمي، مولى ابن عباس، تابعي، إمام ثقة، موصوف بالخير والديانة، لازم ابن عباس ﵄، وكان عنده عنه حمل بعير من الكتب، توفي رحمه الله تعالى سنة ٩٨ هـ.\nانظر: \"طبقات ابن سعد\" ٥/ ٢٩٣، و\"الجرح والتعديل\" ٧/ ١٦٨، و\"تهذيب الأسماء واللغات\" ٢/ ٦٦، و\"سير أعلام النبلاء\" ٤/ ٤٧٩، و\"تهذيب التهذيب\" ٣/ ٤٦٨.\n(٣) تَيْماء: بالفتح والمد، بلد في أطراف الشام بين الشام ووادي القرى. انظر: \"معجم البلدان\" ٢/ ٦٦.\n(٤) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٨٨، وأخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٧/ ٢٨٩ بسند ضعيف وفيه قال: (المستقر: الرحم، ثم قرأ: ﴿وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ﴾ [الحج: ٥]، وقرأ ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ﴾ [البقرة: ٣٦]، قال: مستقرة فوق الأرض، ومستقرة في الرحم، ومستقرة تحت الأرض، حتى يصير إلى الجنة أو إلى النار) اهـ.\n(٥) أخرج الطبري في \"تفسيره\" ٧/ ٢٨٩ بسند ضعيف عن العوفي عن ابن عباس قال: (المستقر في الأرحام، والمستودع في الصلب لم يخلق وهو خالقه) ا. هـ.","vol":"8","page":313},{"text":"هذا روى عكرمة عنه قال: (المستقر: الذي قد خُلق واستقر في الرحم، والمستودع: الذي قد استودع في الصلب مما لم يخلق بعد) (١). وقال الوالبي (٢) والضحاك عنه: (المستقر في الرحم، والمستودع ما استودع في أصلاب الرجال والدواب) (٣).\nوقال سعيد بن جبير: (﴿فَمُسْتَقَرٌّ﴾ في بطون الأمهات ﴿وَمُسْتَوْدَعٌ﴾: في أصلاب الآباء، قال: وقال لي ابن عباس: أتزوجتَ يا ابن جبير؟ قلت: لا، وما أريد ذلك يومي هذا. قال: فضرب ظهري، وقال: أما أنه مع ذاك ما كان من مستودع في ظهرك فسيخرج) (٤).\nوأكثر أهل التفسير والمعاني: على أن المستقر والمستودع في الأصلاب والأرحام (٥) وقد أحسن أبو علي شرح الحرفين كل الإحسان،\n_________\n(١) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٧/ ٢٩٠، وابن أبي حاتم ٤/ ١٣٥٥ عن عكرمة عن ابن عباس.\n(٢) الوالبي هو: علي بن أبي طلحة. والأثر عنه أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٧/ ٢٨٩، وابن أبي حاتم ٤/ ١٣٥٧ بسند جيد.\n(٣) لم أقف عليه من رواية الضحاك، وقد أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٧/ ٢٨٩ بسند ضعيف عن الضحاك من قوله. وقال ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٤/ ١٣٥٧ روى عن الضحاك عن ابن عباس قال: (المستودع: المكان الذي تموت فيه) اهـ.\n(٤) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٧/ ٢٨٨ - ٢٨٩، والواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٨٨ من عدة طرق جيدة.\n(٥) قال النحاس في \"إعراب القرآن\" ١/ ٥٦٨: (أكثر أهل التفسير يقولون: المستقر ما كان في الرحم، والمستودع ما كان في الصلب)، وهو قول الفراء في \"معانيه\" ١/ ٣٤٧، ونحوه قال أبو عبيدة في \"مجاز القرآن\" ١/ ٢٠١، واليزيدي في \"غريب القرآن\" ص ١٤٠، وابن قتيبة في \"تفسير غريب القرآن\" ص ١٥٧، وقال ابن كثير في \"تفسيره\" ٢/ ١٧٨: (وهذا القول أظهر والله أعلم) ا. هـ، وانظر: \"تفسير ابن عطية\" ٥/ ٢٩٨، والقرطبي ٧/ ٤٦.","vol":"8","page":314},{"text":"مع ذكر اختلاف القراءتين في المستقر فقال: (قال سيبويه: \"قالوا: قرَّ في مكانه واستقر\" (١)، فمن كسر القاف كان المستقر بمعنى: القارّ، وإذا كان كذلك وجب أن يكون خبره المضمر منكم، أي: منكم مستقر، كقولك: بعضكم مستقر، أي: مستقر في الأرحام، ومن فتح القاف فليس على أنه مفعول به، ألا ترى أن استقر لا يتعدى، وإذا لم يتعد لم يبن منه اسم مفعولٍ به، وإذا لم يكن مفعولًا به كان اسم مكان، فالمستقر بمنزلة المقرّ، كما كان المستقر بمنزلة القارّ، وإذا كان كذلك لم يجز أن يكون خبره المضمر منكم، كما جاز ذلك في قول من كسر القاف، فإذا لم يجز ذلك جعلت الخبر المضمر لكم، فيكون التقدير: لكم مَقَرٌّ.\nفأما المستودع فإن استودع فعلٌ يتعدى إلى مفعولين، [تقول] (٢): استودعت زيدًا ألفًا، وأودعت مثله، فاستودع مثل أَوْدَع، كما أن استجاب بمنزلة أجاب، فالمستودع يجوز أن يكون الإنسان الذي استودع ذلك المكان، ويجوز أن يكون المكان نفسه، فمن قرأ (فَمُستقَر) بفتح القاف جعل المستودع مكانًا ليكون مثل المعطوف عليه، أي: فلكم مكان استقرار، ومكان استيداع، ومن قرأ (فمستقِر) فالمعنى: منكم مستقر في الأرحام، ومنكم مستودع في الأصلاب، فالمستودع اسم المفعول به ليكون مثل المستقر في أنه اسم لغير المكان) (٣).\n_________\n(١) \"الكتاب\" ٤/ ٧٠.\n(٢) في (ش): (يقول)، بالياء.\n(٣) \"الحجة\" لأبي علي ٣/ ٣٦٤ - ٣٦٥، وانظر: \"معاني الفراء\" ١/ ٣٤٧، و\"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٧٤، و\"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ٥٦٨، و\"معاني القراءات\" ١/ ٣٧٣، و\"إعراب القراءات\" ١/ ١٦٦، و\"الحجة\" لابن زنجلة ص ٢٦٢، و\"الكشاف\" ١/ ٤٤٢.","vol":"8","page":315},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1061>٩٩ </span>- قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ قال ابن عباس: (يريد: المطر الذي ينزل، ليس من نقطة إلا ومعها ملك) (١).\n﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ﴾ يعني: بالمطر ﴿نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ ذكر الفراء فيه قولين: (أحدهما يقول: رزق كل شيء، يريد: ما ينبت مما يصلح غذاء لكل شيء، قال: وكذا جاء التفسير، وهو وجه الكلام، قال: وقد يجوز في العربية أن [تضيف] (٢) النبات إلى ﴿كُلِّ شَيْءٍ﴾ وأنت تريد بكل شيء النبات أيضًا، فيكون مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ [حَقُّ] (٣) الْيَقِينِ﴾ [الواقعة: ٩٥] واليقين هو الحق) (٤).\nوقوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا﴾ قال أبو إسحاق: (معنى خَضِر كمعنى أَخْضَر، يقال: اخْضَرَّ فهو أخضَرُ وخَضِرٌ، مثل اعْوَرَّ فهو أَعْوَرُ وعَوِرٌ) (٥)، وقال غيره: ومثله نَمِرَ بمعنى: أنمر، تقول العرب: أَرِنيهَا نَمِرَةً أُرِكَهَا مَطِرَةً) (٦).\n_________\n(١) ذكره الرازي ١٣/ ١٠٧ عن الواحدي.\n(٢) في (ش): (يضيف).\n(٣) في (ش): (الحق)، وهو تحريف واضح.\n(٤) \"معاني الفراء\" ١/ ٣٤٧، وعلى القول الأول يكون النبات مخصوصًا بالمتغذى به، وعليه تكون الإضافة إضافة بين متباينين إذ يصير المعنى: غذاء كل شيء أو رزقه، وعلى القول الثاني: يكون النبات عامًّا في كل ما يتغذى بالماء من الحيوان والنبات، وعليه تكون الإضافة راجعة في المعنى إلى إضافة شبه الصفة لموصوفها، والمعنى: أخرجنا به كل شيء منبت؛ لأن النبات بمعنى المُنبت أفاد ذلك السمين في \"الدر\" ٥/ ٦٧ - ٦٨، وانظر: \"تفسير الطبري\" ٧/ ٢٩٢، و\"إعراب القرآن\" للنحاس ٥٦٨.\n(٥) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٧٥، وانظر: \"غريب اليزيدي\" ص ١٤٠.\n(٦) هذا مثل قائله أبو ذؤيب الهذلي كما في \"اللسان\" ٨/ ٤٥٤٥ مادة (نمر)، وهو بلا نسبه في \"العين\" ٨/ ٢٧١، و\"معانى الأخفش\" ٢/ ٢٨٣، و\"الجمهرة\" =","vol":"8","page":316},{"text":"وقال الليث: (الخضر في كتاب الله هو الزرع، وفي الكلام كل نبات من الخُضَر) (١)، قال ابن عباس: (يريد: القمح والسلت (٢) والشعير والذرة والأرز) (٣)، ويعني بهذا: ما كان رطبًا أخضر مما ينبت من هذه الحبوب.\nوقوله تعالى: ﴿نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا﴾ يعني: من الخضر، نخرج ﴿حَبًّا مُتَرَاكِبًا﴾ بعضه على بعض في سنبلة واحدة (٤).\nوقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ﴾ قال أبو عبيد: (أَطْلَعَت النخلة إذا أخرجت طَلْعَها، وطَلْعُها كُفُرَّاها (٥) قبل أن ينشق عن الإغَريض (٦)، والإغريض يسمى طَلْعًا أيضًا، قال: والطلع أول ما يرى من\n_________\n= ٢/ ٨٠٢، والطبري ٧/ ٢٩٢، و\"إعراب النحاس\" ١/ ٥٦٨، و\"الصحاح\" ٢/ ٦٤٧ مادة (خضر)، ونمرة: بفتح النون، وكسر الميم: السحابة التي فيها سواد وبياض، وهو مثل يضرب في صحة مخيلة للشيء وصحة الدلالة عليه، وإذا رأيت دليل الشيء علمت مما يتبعه. انظر: \"جمهرة الأمثال\" ١/ ٤٩، و\"مجمع الأمثال\" ١/ ٣٠٦، و\"المستقصى\" ١/ ١٤٤.\n(١) النص في \"العين\" ٤/ ١٧٥ مادة (خضر)، وفي \"التهذيب\" ١/ ١٠٤٤ مادة (خضر)، وقال الليث: الخضِرُ في هذا الموضع الزرع الأخْضَرُ) ا. هـ انظر: \"مقاييس اللغة\" ٢/ ١٩٥، و\"المفردات\" ص ٢٨٥، و\"اللسان\" ٢/ ١١١٢ مادة (خضر).\n(٢) السُّلْت: بالضم، ضرب من الشعير أبيض لا قشر له. انظر: \"اللسان\" ٤/ ٢٠٥٩ مادة (سلت).\n(٣) قوله: (الأرز) غير واضح في (أ)، والأثر ذكره الرازي في \"تفسيره\" ١٣/ ١٠٨، والقرطبي ٧/ ٤٨.\n(٤) انظر: \"تفسير الطبري\" ٧/ ٢٩٢، والسمرقندي ٣/ ٥٠٣.\n(٥) كُفَرَّاها: بضم الكاف، وتشديد الراء المفتوحة، وفتح الفاء أو ضمها: وعاء الطلع، وقشره الأعلى. انظر: \"اللسان\" ٧/ ٣٩٠١ مادة (كفر).\n(٦) الإغريض بكسر الهمزة وسكون الغين: كل أبيض مثل اللبن، والطلع حين ينشق عنه كافوره. انظر: \"اللسان\" ٦/ ٣٢٤٢ مادة (غرض).","vol":"8","page":317},{"text":"عذق النخلة، الواحدة طلعة) (١)، قال أبو زيد: (أَطْلَعَ النَّخْلُ الطَّلْعَ إطْلاعًا، وطَلَعَ الطَّلْع يَطْلعُ طُلوعًا) (٢).\nو﴿قِنْوَانٌ﴾، قال الزجاج: (جمع قِنْو، مثل صِنْوٍ وصِنْوَانٍ، وإذا ثنيت القِنْو قلت: قِنْوانِ، بكسر النون) (٣).\nقال أبو عبيدة: (ثم جاء جمعه على لفظ الاثنين مثل صنو وصنوان، والإعراب في النون للجمع، وليس لهما في كلام العرب نظير) (٤)، قال امرؤ القيس (٥):\nفَأَثتْ أَعَالِيه وآدت أُصُولُهُ ... وَمَالَ بِقِنْوانٍ مِنَ البُسْرِ أَحْمَرَا\n_________\n(١) النص عن أبي عبيد في \"الدر المصون\" ٥/ ٧٤، ونقله الرازي في \"تفسيره\" ١٣/ ١٠٨، عن الواحدي عن أبي عبيدة، والنص عند الأزهري في \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٢٠٨، عن أبي زيد، وقوله: (والطلع أول ما يرى) في التهذيب من قول المفضل الضبي.\n(٢) \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٢٠٦، وانظر: \"العين\" ٢/ ١٢، و\"الجمهرة\" ٢/ ٩١٥، و\"الصحاح\" ٣/ ١٢٥٤، و\"المجمل\" ٢/ ٥٨٥، و\"اللسان\" ٥/ ٢٦٩١ مادة (طلع).\n(٣) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٧٥، وفيه: (والقنو: العذق، بكسر العين) ا. هـ، ونحوه ذكر الأخفش في \"معانيه\" ٢/ ٢٨٣، قال: (وواحد القِنْوان قِنو، وكذلك الصنوان واحدها صِنو) ا. هـ، وقال النحاس في \"معانيه\" ٢/ ٤٦٣: (القنوان: العذُوق عند أكثر أهل اللغة).\n(٤) انظر: \"مجاز القرآن\" ١/ ٢٠٢، و\"تفسير غريب القرآن\" لابن قتيبة ص ١٦٨.\n(٥) \"ديوانه\" ص ٦٠، والطبري ٧/ ٢٩٣، و\"تهذيب اللغة\" ٣/ ٣٠٥١ مادة (قنا)، والماوردي ٢/ ١٤٩، وابن الجوزي ٣/ ٩٣، و\"اللسان\" ٦/ ٣٧٦٢ مادة (قنا) و\"البحر\" ٣/ ٤٤٣، و\"الدر المصون\" ٥/ ٧٢، وفي الديوان:\nسَوامقَ جَبَّار أثيث فروعُهُ ... وعالين قِنْوانًا مِنَ البُسْرِ أَحْمَرا\nوالسوامق: العاليات، والجبار: الذيَ فات الأيدي فلم تنله، والأثيث: الكثير الملتف بعضه على بعض، وآدت، أي: تثنت ومالت.","vol":"8","page":318},{"text":"قال أبو علي: الكسرة التي في (قنوان) ليست التي كانت في قنو، لأن وتلك قد حذفت في التكسير، وعاقبتها الكسرة التي [يجلبها التكسير، وكذلك التي (١)] في هجان (٢)، وأنت تريد الجمع ليست الكسرة التي كانت في الواحد، ولكنه مثل الكسرة في ظراف (٣) إذا جمعت عليه ظريفًا) (٤)، وقد ذكرنا مثل هذا في الفُلك في سورة البقرة [: ١٦٤]، ونظير هذا مما يوضحه الضمة التي في آخر مَنْصُور على قول من قال: يا جارُ (٥) ليست التي كانت فيه في قول من قال: يا جارِ (٦)، قال ابن عباس: (يريد: العراجين (٧) التي قد تدلت من الطلع، ﴿دَانِيَةٌ﴾ يريد: تدنو ممن يجتنيها) (٨)، وروي عنه أيضًا أنه قال: (يعني: قصار النخل اللاصقة عذوقها بالأرض) (٩).\n_________\n(١) ما بين المعقوفين ساقط من (ش).\n(٢) الهجان: بكسر الهاء من الإبل البيض الكرام الخالصة اللون. انظر: \"اللسان\" ٨/ ٤٦٢٦ مادة (هجن).\n(٣) في (ش): (في طراف إذا جمعت عليه طريفًا) بالطاء المهملة، ولعله تصحيف.\n(٤) انظر: \"كتاب الشعر\" لأبي علي ١/ ١٢٠، و\"الدر المصون\" ٥/ ٧٢.\n(٥) يعني: بالضمة، أفاده السمين في \"الدر\" ٥/ ٧٢، حين نقل قول الواحدي.\n(٦) يعني: بالكسرة. ويعني: أننا حين نرخم منصورًا بقولنا: منصُ، فإن الضمة فيه على لغتي الترخيم من ينتظر ومن لا ينتظر، تختلف الواحدة منهما عن الأخرى في الفرض والتقدير، أفاده الدكتور أحمد الخراط في \"حاشية الدر المصون\".\n(٧) العرجون: بضم العين، وسكون الراء، العِذق عامة، وقيل: هو العذق إذا يبس واعوج. انظر: \"اللسان\" ٥/ ٢٨٧١ مادة (عرجن).\n(٨) ذكره الرازي في \"تفسيره\" ١٣/ ١٠٨، وأخرج الطبري في \"تفسيره\" ٧/ ١٩٤ بسند ضعيف عن ابن عباس قال: (دَانِيةٌ: تهدل العذوق من الطلع) اهـ.\n(٩) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٧/ ١٩٤، وابن أبي حاتم ٤/ ١٣٥٨، بسند جيد، وذكره السيوطي في \"الدر\" ٣/ ٦٧.","vol":"8","page":319},{"text":"قال أبو إسحاق: (﴿دَانِيَةٌ﴾ أي: قريبة المتناول، قال: ولم يقل: ومنها قنوان بعيدة؛ لأن في الكلام دليلًا أن البعيدة السحيقة قد كانت غير سحيقة، فاجتزأ بذكر القريبة عن ذكر البعيدة كما قال: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: ٨١] ولم يقل: وسرابيل تقيكم البرد؛ لأن في الكلام دليلًا على أنها تقي البرد؛ لأن ما ستر من الحر ستر من البرد) (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ﴾ الوجه: كسر (٢) التاء؛ لأنها في موضع نصب نسقًا على قوله (خَضِرًا) أي: فأخرجنا خَضِرًا ﴿وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ﴾ وروى الأعشى (٣) عن أبي بكر (٤) [وجنات) رفعًا (٥) قال أبو بكر (٦)] ابن الأنباري: (وله مذهبان أحدهما: أن يكون الجنات مفعولة في\n_________\n(١) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٧٥، ونحوه ذكر النحاس في \"معانيه\" ٢/ ٤٦٤، والبغوي في \"تفسيره\" ٣/ ١٧٢.\n(٢) انظر: \"معاني الأخفش\" ٢/ ٢٨٣، و\"الزجاج\" ٢/ ٢٧٦.\n(٣) الأعشى: يعقوب بن محمد بن خليفة التميمي، أبو يوسف الكوفي، إمام عابد، مقرئ، تصدر للإقراء بالكوفة، فقرأ عليه خلق كثير، وهو من جلة أصحاب ابن عياش، توفي نحو ٢٠٠ هـ. انظر: \"معرفة القراء الكبار\" ١/ ١٥٩، و\"غاية النهاية\" ٢/ ٣٩٠.\n(٤) أبو بكر: هو شعبة بن عياش الأسدي، تقدمت ترجمته.\n(٥) قرأ عامة القراء (وجناتٍ) بكسر التاء وموضعها نصب. وروى يعقوب الأعشى وعبد الحميد الرجمي عن أبي بكر بن عياش عن عاصم بن أبي النجود (وجناتٌ) بالرفع. قال النحاس في \"إعراب القرآن\" ١/ ٥٦٩، والقرطبي في \"تفسيره\" ٧/ ٤٩: (وهو الصحيح من قراءة عاصم) ا. هـ، وانظر: \"تفسير الطبري\" ٧/ ٢٩٤، و\"مختصر الشواذ\" ص ٣٩، و\"المبسوط\" ص ١٧٢، و\"الغاية\" ص ٢٤٦، و\"التذكرة\" ٢/ ٤٠٥، و\"الإتحاف\" ٢/ ٢٤.\n(٦) ما بين المعقوفين ساقط من (ش).","vol":"8","page":320},{"text":"المعنى رفعت بمضمر بعدها، تأويله ﴿وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ﴾ أخرجناها، فجرى مجرى قول العرب: أكرمت عبد الله وأخوه، يريدون: وأخوه أكرمته أيضًا، ومثله [قول] (١): أكلت طعامك وطعام أخيك، قال الفرزدق:\nغَداةَ أحلَّتْ لابْنِ أَصْرَمَ طَعْنَةُ ... حُصَيْنٍ عَبيطَاتِ السَّدَائِفِ والخَمْرُ (٢)\nفرفع الخَمر، وهي مفعولة، على معنى: والخمر أحلتها الطعنة، والمذهب الآخر: رفع الجنات بالنسق على القنوان؛ تغليبًا لمعنى الجوار، كما قال الشاعر:\nوزَجَّجْنَ الحَوَاجِبَ والعُيُونَا (٣)\nفنسق العيون على الحواجب تغليبًا للمجاورة، والعيون لا تزجج، كما أن الجنات من الأعناب لا [يكنّ] (٤) من الطلع) (٥).\n_________\n(١) لفظ: (قول) ساقط من (ش).\n(٢) \"ديوانه\" ١/ ٣٥٤، و\"الكامل\" ١/ ٣٧٠، و\"الإنصاف\" ١٦٠، و\"الدر المصون\" ٥/ ٧٦، وعبيطات: جمع عبيطة بفتح العين، وهي السمينة الفتية، والسدائف جمع سديف وهو السنام.\n(٣) الشاهد للراعي النميري، شاعر أموي فحل في \"ديوانه\" ص ١٥٠، و\"تأويل مشكل القرآن\" ص ٢١٣، و\"شرح القصائد السبع\" لابن الأنباري ص ١٤٨، و\"الخصائص\" ٢/ ٤٣٢، و\"الإنصاف\" ٤٨٨، و\"اللسان\" ٣/ ١٨١٢ مادة (زجج)، و\"الدر المصون\" ٥/ ٧٧، وصدره:\nإِذَا ما الغَانِياتُ بَرَزْنَ يَوْمًا\nوفي \"الديوان\": (وهزة نشوة من حي صدق) وزججن: أي: رققن. انظر: \"الزاهر\" ١/ ٥٢.\n(٤) في (ش): (لا تكن)، بالتاء.\n(٥) ذكره السمين في \"الدر\" ٥/ ٧٦ - ٧٧، عن ابن الأنباري، وذكر الواحدي بعضه في \"الوسيط\" ١/ ٩٠، وانظر: \"معاني الفراء\" ١/ ٣٤٧، و\"معانى القراءات\" =","vol":"8","page":321},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ﴾ قال الفراء: (يريد: شجر الزيتون، وشجر الرمان، كما قال: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] يريد: أهلها) (١)\nوقوله تعالى: ﴿مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ﴾، قال قتادة: (مشتبهًا ورقها مختلفًا ثمرها) (٢)، وهو قول مقاتل (٣) وأكثر المفسرين (٤)، وقال الزجاج: (أي: شجره، يشبه بعضه بعضًا ﴿وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ﴾ في الطعم) (٥).\nوقوله تعالى: ﴿انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ﴾ قال عبد العزيز بن يحيى: (نظر الاستدلال والعبرة) (٦)، وقال أبو روق: (اعتبروا واتعظوا) (٧)، ﴿إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ﴾، قال الفراء: (يقول: انظروا إليه أول ما يعقد) (٨)، والثمر: جمع ثمرة مثل: بقرة وبقر وشجرة وشجر وجزرة وجزر، وقد كسروها على فِعال، كما قالوا: أكمة وأكام ورقبة ورقاب (٩).\n_________\n= ١/ ٣٧٤، و\"الحجة\" لابن خالويه ص ١٤٦، و\"الحجة\" لابن زنجلة ص ٢٦٤، و\"المشكل\" لمكي ١/ ٢٦٤.\n(١) \"معاني الفراء\" ١/ ٣٤٨، وانظر: \"تفسير الطبري\" ٧/ ٢٩٤.\n(٢) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٧/ ٢٩٤، وابن أبي حاتم ٤/ ١٣٥٩ بسند جيد، وذكره السيوطي في \"الدر\" ٣/ ٦٧.\n(٣) \"تفسيرمقاتل\" ١/ ٥٨١.\n(٤) انظر: \"تفسير الطبري\" ٧/ ٢٩٤، والسمرقندي ١/ ٥٠٣، والماوردي ٢/ ١٤٩، وابن عطية ٥/ ٣٠١، وابن الجوزي ٣/ ٩٤، والقرطبي ٧/ ٤٩.\n(٥) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٧٦، وفيه: (أي: في الطعم وفيه ما يشبه طعم بعضه طعم بعض) ا. هـ، وانظر: \"معاني النحاس\" ٢/ ٤٦٤.\n(٦) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٩١ بدون نسبة، وانظر: \"تفسير ابن عطية\" ٦/ ١١٩، والقرطبي ٧/ ٤٩.\n(٧) لم أقف عليه.\n(٨) \"معاني الفراء\" ١/ ٣٤٨.\n(٩) انظر: \"الكتاب\" ٣/ ٥٨٣، و\"الحجة\" لأبي علي ٣/ ٣٦٦.","vol":"8","page":322},{"text":"وقرأ حمزة والكسائي (ثُمُرِه) بضم الثاء (١) والميم، وله وجهان: الأبين أن يكون جمع ثمرة على ثُمُر، كما قالوا: خشبة وخُشُب؛ قال الله تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾ [المنافقون: ٤] وكذلك أكمة وأكم، ثم يخففون [فيقولون] (٢): أكم (٣) قال:\nترى الأكم منه (٤) سجدًا للحوافر (٥)\nونظيره من المعتل ساحَة وسُوْح (٦) وقارَة وقور، ولابهَ (٧) ولُوب، وناقة ونُوق. والوجه الآخر: أن يكون جمع ثمرة على ثمار، ثم جمع ثمارًا على ثُمرٍ، فيكون ثُمر جمع الجمع (٨).\n_________\n(١) قرأ حمزة والكسائي (ثُمُرِه) بضم الثاء والميم، وقرأ الباقون: بفتحهما. انظر: \"السبعة\" ص ٢٦٢، و\"المبسوط\" ص ١٧٢، و\"التذكرة\" ٢/ ٤٠٦، و\"التيسير\" ص ١٠٥، و\"النشر\" ٢/ ٢٦٠.\n(٢) في (أ): (فيقول)، وهو تحريف.\n(٣) في \"الحجة\" لأبي علي ٣/ ٣٦٧ - ٣٦٩: (وكذلك أكمة وأكُم، وتخفيف العين كما قالوا: الأكْم في جمع أَكَمَةٍ) ا. هـ.\n(٤) في (ش): (فيه).\n(٥) الشاهد لزيد الخمِل الطائي شاعر مخضرم فحل في \"المعاني الكبير\" ٢/ ٨٩٠، و\"الكامل للمبرد\" ٢/ ٢٠١، وبلا نسبة في: \"تأويل مشكل القرآن\" ٤١٧، و\"الأضداد\" لابن الأنباري ص ٢٩٥، و\"كتاب الشعر\" ١/ ١٨٣، و\"الصحاح\" ٢/ ٤٨٣ مادة (سجد)، و\"الصاحبي\" ص ٤٥٣، و\"اللسان\" ٤/ ١٩٤١ مادة (سجد)، وصدره:\nبجَيْشٍ تَضِلُّ البُلْقُ في حَجَرَاتِهِ\n(٦) في النسخ: (ساجة - وسوج) بالجيم، ولعله تصحيف.\n(٧) اللَّابة: الحرة والأرض التي كسيت بحجارة سوداء. انظر: \"اللسان\" ٧/ ٤٠٩٢ مادة (لوب).\n(٨) ما تقدم قول أبي علي في \"الحجة\" ٣/ ٣٦٦ - ٣٦٩ (بتصرف). وانظر: \"معاني =","vol":"8","page":323},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَيَنْعِهِ﴾ الينع: النضج (١). قال أبو عبيدة: (يقال: يَنَع يَيْنَع بالفتح في الماضي والكسر في المستقبل) (٢)، وأنشد:\nحَوْلَهَا الزَّيْتُونُ قَدْ يَنَعَا (٣)\n_________\n= القراءات\" ١/ ٣٧٥، و\"إعراب القراءات\" ١/ ١٦٦، و\"الحجة\" لابن خالويه ص ١٤٦، ولابن زنجلة ص ٢٦٤، و\"الكشف\" ١/ ٤٤٣.\nوقراءة الجماعة بالفتح الثمر اسم جنس مفرده ثمرة، أما قراءة الضم، فالجمهور على أنه جمع ثمرة.\nانظر: \"تفسير الطبري\" ٧/ ٢٩٤ - ٢٩٥، و\"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٧٦، و\"إعراب النحاس\" ١/ ٥٧٠، و\"الدر المصون\" ٥/ ٨٠.\n(١) انظر: \"معاني الفراء\" ١/ ٣٤٨، و\"معاني النحاس\" ٢/ ٤٦٤، و\"الصحاح\" ٣/ ١٣١٠، و\"مجمل اللغة\" ٤/ ٩٤٣، و\"المفردات\" ص ٨٩٤ مادة (ينع). قال الجوهري: (يَنَع الثمر يَيْنَع وَييْنِعُ يَنْعا ويُنْعا وُينُوعًا، أي: نضج؛ وأَيْنَع مثله).\n(٢) نقله بهذا اللفظ الرازي في \"تفسيره\" ١٣/ ١١١ عن الواحدي عن أبي عبيدة. وذكره السمين في \"الدر\" ٥/ ٨٢ عن أبي عبيد، وفي \"مجاز القرآن\" ١/ ٢٠٢ نحوه، لكنه ضبط بالمطبوعة بالفتح. قال: (ينعه مصدر من يَنع إذا أينع .. واحده يانع، والجمع يَنْع، ويقال: ينَع يَيْنَع ينوعًا، فمنه اليانع، ويقال: ينعت وأينعت لغتان) ا. هـ. ملخصًا.\n(٣) الشاهد مختلف في نسبته، وهو للأحوص الأنصاري شاعر أموي، في \"ديوانه\" ص ٩١، وليزيد بن معاوية في \"الجمهرة\" ٢/ ٩٥٦، ونقل المبرد في \"الكامل\" ١/ ٣٨٤ عن الأخفش أنه قال: (الصحيح أنه ليزيد) اهـ.\nونسب في \"اللسان\" ٣/ ١٣٧٥ مادة (دسكر) إلى الأخطل، وفي ٨/ ٤٩٧١ مادة (ينع) إلى عبد الرحمن بن حسان، ونسب في \"التاج\" ١١/ ٥٥٨، إلى أبي دهبل الجمحي، وهو بلا نسبة في: \"مجاز القرآن\" ١/ ٢٠٢، و\"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٧٧، و\"تفسير الطبري\" ٧/ ٢٩٥، و\"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٩٨٨ مادة (ينع)، و\"زاد المسير\" ٣/ ٩٥، و\"الدر المصون\" ٥/ ٨٢، وصدره: (في قِبَابٍ حَوْلَ دَسْكرة) والدسكرة: القرية، والبناء الضخم.","vol":"8","page":324},{"text":"وقال الليث: (ينعت الثمرة، بالكسر، وأينعت، فهي [تينع] (١) وتونع إيناعًا، ويَنعًا بفتح الياء، ويُنعًا [بضهما] (٢)، والنعت يانِع ومونِع) (٣).\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ يريد: يصدّقون أن الذي أخرج هذا النبات قادر على أن يحيى الموتى ويبعثهم.\nقال أبو إسحاق (٤): (احتج الله ﷿ بتصريف ما خلق، ونقله من حالٍ إلى حالٍ بما يعلمون أنه لا يقدر عليه [المخلوقون] (٥)، وأعلم أنه كذلك يبعثهم؛ لأنهم كانوا ينكرون البعث فقال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾، أعلمهم أن فيما قصّ عليهم دليلًا [لمن صدّق]) (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1062>١٠٠ </span>- قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ﴾ قال الحسن: (معناه: أطاعوا الشياطين في عبادة الأوثان) (٧)، وهو اختيار الزجاج قال: (المعنى: أنهم أطاعوا الجن فيما سوّلت من شركهم فجعلوهم شركاء لله) (٨).\n_________\n(١) (تينع) غير واضحة في (أ) وكأنها (تيينع أو يينع).\n(٢) في (أ): (بضمه).\n(٣) ذكره الرازي في \"تفسيره\" ١٣/ ١١١ عن الواحدي عن الليث، وفي \"الدر المصون\" ٥/ ٨٢: (قال الليث بكسرها في الماضي وفتحها في المستقبل) ا. هـ.\nوفي \"العين\" ٢/ ٢٥٧: (يَنَعت الثمرة يُنعا ويَنَعا، وأيْنعَ إيناعًا، والنعت: يانِع ومُونِع) ا. هـ.\n(٤) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٧٧.\n(٥) في (أ): (المخلوقين)، وهو تحريف.\n(٦) في (ش): (لمن صدق قوله).\n(٧) ذكره الماوردي ٢/ ١٥٠، والواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٩١، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٣/ ٩٦، والقرطبي في \"تفسيره\" ٧/ ٥٣.\n(٨) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٧٧، وانظر: \"معانى النحاس\" ٢/ ٤٦٥.","vol":"8","page":325},{"text":"وذكر الفراء (١) وأبو إسحاق (٢) في نصب (الجن) وجهين: (أحدهما: أن يكون الجن مفعولًا فيكون المعنى: وجعلوا لله الجن شركاء، ويكون الشركاء مفعولًا ثانيًا. والثاني (٣): أن يكون الجن بدلًا من الشركاء ومفسرًا للشركاء) (٤).\nوقوله تعالى: (وَخَلَقَهُمْ) يجوز أن تعود الكناية على هؤلاء الذين جعلوا لله شركاء، والمعنى: وجعلوا لله الذي خلقهم شركاء لا يخلقون، ويجوز أن تعود الكناية على الجن، فيكون المعنى: والله خلق الجن، فكيف يكون الشريك لله ﷿، المحدث الذي لم يكن ثم كان (٥).\nوقوله تعالى ﴿وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ﴾، قال المفسرون (٦): (يعني: كفار العرب الذين قالوا: الملائكة بنات الله). قال ابن عباس: يريد: افتعلوا له بنين وبنات) (٧).\n_________\n(١) \"معاني الفراء\" ١/ ٣٤٨.\n(٢) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٧٧، وانظر: \"معاني الأخفش\" ٢/ ٢٨٣.\n(٣) جاء في (ش): (والثاني أن يكون الجن بدلًا من الشركاء، ويكون الشركاء مفعولًا ثانيًا)، ثم ذكر الوجه الثاني على الوجه الصحيح، وهو تكرار وتداخل.\n(٤) انظر: \"إعراب النحاس\" ١/ ٧٥٠، و\"المشكل\" ١/ ٢٦٤، و\"الدر المصون\" ٥/ ٨٣.\n(٥) هذا قول الزجاج في \"معانيه\" ٢/ ٢٧٧، وانظر: \"معاني النحاس\" ٢/ ٤٦٥.\n(٦) قال ابن عطية في \"تفسيره\" ٥/ ٣٠٣: (الذين خرقوا البنين اليهود في ذكر عزير والنصارى في ذكر المسيح، وأما ذاكروا البنات فالعرب الذين قالوا للملائكة بنات الله، فكأن الضمير في (جعلوا) (وخرقوا) لجميع الكفار، إذ فعل بعضهم هذا) ا. هـ، وانظر: \"تفسير الرازي\" ١٣/ ١١٦، و\"الفتاوى\" ١٧/ ٢٧١.\n(٧) أخرج الطبري في \"تفسيره\" ٧/ ٢٩٧، وابن أبي حاتم ٤/ ١٣٦٠ بسند جيد عن ابن عباس قال: (يعني: أنهم تخرصوا)، وأخرجا عنه بسند ضعيف قال: (جعلوا له بنين وبنات بغير علم) ا. هـ، وذكر السيوطي في \"الدر\" ٣/ ٦٨، أنه روي عن ابن عباس أنه قال: (وصفوا لله بنين وبنات افتراء عليه) ا. هـ.","vol":"8","page":326},{"text":"وقال قتادة (١) وابن زيد (٢) ومجاهد (٣) وابن جريج (٤): (كذبوا).\nوقال الفراء: (معنى ﴿وَخَرَقُوا﴾: افتعلوا ذلك كذبًا وكفرًا، قال: [وخَرَقوا] (٥) واخترقوا وخلقوا واختلقوا وافتروا واحد (٦)، يقال (٧): خلق فلان الكلمة واختلقها واخترقها وخرّقها إذا افتعلها وابتدعها كذبًا)، الليث: (تخرّق الكذب وتخلقه) (٨).\n_________\n(١) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٧/ ٢٩٧، وابن أبي حاتم ٤/ ١٣٦١ بسند جيد، وأخرج عبد الرزاق في \"تفسيره\" ٢/ ١/ ٢١٥، والطبري ٧/ ٢٩٧ بسند جيد عن قتادة، قال: (خرصوا) ا. هـ.\n(٢) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٧/ ٢٩٧، وابن أبي حاتم ٤/ ١٣٦١ بسند جيد.\n(٣) \"تفسير مجاهد\" ١/ ٢٢٠.\nوأخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٧/ ٢٩٧، وابن أبي حاتم ٤/ ١٣٦٠ بسند جيد، وذكره السيوطي في \"الدر\" ٣/ ٦٨.\n(٤) ذكره الماوردي في \"تفسيره\" ٢/ ١٥١، والقرطبي ٧/ ٥٣، وأبو حيان في \"البحر المحيط\" ٤/ ١٩٤.\n(٥) لفظ (الواو)، ساقط من (أ).\n(٦) \"تهذيب اللغة\" ١/ ١٠١٦، و\"اللسان\" ٢/ ١١٤٢ مادة (خرق)، ولفظ: (افتراء) - لم ترد عندهما. وذكرها الرازي في \"تفسيره\" ١٣/ ١١٦، وفي \"معاني الفراء\" ١/ ٣٤٨، (وقوله (وخرقوا) واخترقوا وخلقوا واختلقوا يريد افتروا) ا. هـ. وانظر: \"مجاز القرآن\" ١/ ٢٠٣، و\"غريب القرآن\" لليزيدي ص ١٤١، و\"تفسير غريب القرآن\" ص ١٦٩، و\"تفسير المشكل\" لمكي ص ٧٨.\n(٧) هذا قول أبي الهيثم خالد بن يزيد الرازي كما في \"تهذيب اللغة\" ١/ ١٠١٦، و\"اللسان\" ٢/ ١١٤٣ مادة (خرق).\n(٨) \"تفسير الرازي\" ١٣/ ١١٦، وفي \"العين\" ٤/ ١٥٠ مادة (خرق): (والاختراق كالاختلاق وتخرق الكذب كتخلقه) اهـ.","vol":"8","page":327},{"text":"وقال الزجاج: (معنى خرقوا واختلقوا: كذبوا) (١)، وقرأ (٢) نافع: (وَخَرَّقُوا) (٣) مشددة، والاختيار التخفيف؛ لأنها أكثر، والتشديد للمبالغة والتكثير (٤). وزعمت النصارى أن المسيح ابن الله، واليهود أن عزيزًا ابن الله، فأعلم الله ﷿ أنهم اختلقوا ذلك ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ أي: لم يذكروه عن علم، إنما ذكروه تكذبًا، قاله (٥) الزجاج، وقال غيره: معناه ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ منهم أن هذا لا يجوز على القديم جل وعز، فهو داخل في الذم لهم (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1063>١٠١ </span>- قوله تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ﴾ أي: من أين يكون له ولد ولا يكون الولد إلا من صاحبه\n_________\n(١) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٧٨، وفيه: (معنى خرقوا: اختلقوا وكذبوا) ا. هـ. وقال النحاس في \"معانيه\" ٢/ ٤٦٦ (قال أهل اللغة: معنى (خرقوا) اختلقوا وافتعلوا) ا. هـ، وانظر: \"الجمهرة\" ١/ ٥٩٠، و\"الصحاح\" ٤/ ١٤٦٦، و\"المجمل\" ٢/ ٢٨٤، و\"المفردات\" ص ٢٧٩ مادة (خرق).\n(٢) قرأ نافع: (وخرَّقوا) بتشديد الراء، والباقون بتخفيفها. انظر: \"السبعة\" ص ٢٦٤، و\"المبسوط\" ص ١٧٣، و\"التذكرة\" ٢/ ٤٠٦، و\"التيسير\" ص ١٠٥، و\"النشر\" ٢/ ٢٦١.\n(٣) لفظ: (الواو)، ساقط من (ش).\n(٤) انظر: \"الحجة\" لأبي علي ٣/ ٣٧٢، و\"معاني القراءات\" ١/ ٣٧٦، و\"الحجة\" لابن خالويه ص ١٤٧، و\"إعراب القراءات\" ١/ ١٦٦، و\"الحجة\" لابن زنجلة ص ٢٦٤، و\"الكشف\" ١/ ٤٤٣، ونقل قول الواحدي في اختيار قراءة التخفيف، الرازي في \"تفسيره\" ١٣/ ١١٧.\n(٥) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٧٨.\n(٦) قال الطبري في \"تفسيره\" ٧/ ٢٩٨: (تخرصوا لله كذبًا، فافتعلوا له بنين وبنات بغير علم منهم بحقيقة ما يقولون، ولكن جهلًا بالله وبعظمته) ا. هـ. وانظر: \"تفسير السمرقندي\" ١/ ٥٠٤، والماوردي ١/ ١٥١.","vol":"8","page":328},{"text":"﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ احتج جل وعز في نفي الولد بأنه خالق كل شيء، وليس كمثله شيء، فكيف يكون الولد لمن لا مثل له، وإذا نسب إليه الولد فقد جعل له مثل (١)، فالآية متضمنة للحجة على استحالة أن يكون لله ولد؛ لأن ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ لا مثل له، والولد لا يصح إلا مع المماثلة.\nوقوله تعالى: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ قال ابن عباس: (لأنه هو الخالق لخلقه) (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1064>١٠٢ </span>- قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ ارتفع ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ على أنه خبر ابتداء محذوف، كأنه قيل: هو خالق كل شيء؛ لأنه لما تقدم ذكره استغنى عن هو (٣).\nوقوله تعالى: ﴿فَاعْبُدُوهُ﴾ قال ابن عباس: (فأطيعوه) (٤)، وقيل: وحدوه (٥).\nوقوله تعالى: ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ قد ذكرنا معنى الوكيل (٦) في صفة الله تعالى، وقال بعض أصحاب المعاني: (إنما جاز وصف القديم\n_________\n(١) ما تقدم هو نص كلام الزجاج في \"معانيه\" ٢/ ٢٧٨، ونحوه ذكره الطبري في \"تفسيره\" ٧/ ٢٩٨، والنحاس في \"معانيه\" ٢/ ٤٦٦.\n(٢) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٩٣ بدون نسبة.\n(٣) انظر: \"معاني الفراء\" ١/ ٣٤٨، و\"إعراب النحاس\" ١/ ٥٧١، و\"الكشاف\" ٢/ ٤١، و\"التبيان\" ١/ ٣٥٢، و\"الفريد\" ٢/ ٢٠٦، و\"الدر المصون\" ٥/ ٩١.\n(٤) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٩٣، والبغوي في \"تفسيره\" ٣/ ١٧٣ بدون نسبة.\n(٥) أخرجه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٤/ ١٣٦٢ عن ابن عباس، وهو قول مقاتل في \"تفسيره\" ١/ ٥٨٢، وقال السمرقندي في \"تفسيره\" ١/ ٥٠٥: (يعني: وحدوه وأطيعوه) ا. هـ.\n(٦) انظر: \"البسيط\" النسخة الأزهرية ١/ ٢٠٦/ أ، و٢١٥ أ، ٢١٨ أ، و٢١٩ أ.","vol":"8","page":329},{"text":"بأنه وكيل فيما هو مالك، لأنه لما كانت منافع مملوكاته لغيره وجلّ عن أن تلحقه المنافع والمضار صحت هذه الصفة في هذه الجهة من حيث إن له أن يصرف ما هو مالك له، ثم التصريف فيما يدبره بمنزلة ما يدبره الوكيل فيما تعود منافعه على غيره، فهو على كل شيء وكيل بالحفظ له والتدبير) (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1065>١٠٣ </span>- قوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ الآية. احتج نفاة الرؤية (٢) بهذه الآية على أهل السنة (٣) فقالوا: أخبر الله تعالى أن الأبصار لا تدركه، وإنما قال هذا على سبيل التمدح، وما نفى عن نفسه على سبيل التمدح به وجب أن يكون ذلك على التأييد كقوله: ﴿لَا شَرِيكَ لَهُ﴾ [الأنعام: ١٦٣]، و﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥] (٤).\nوالجواب [عن] (٥) هذا من وجوه:\nأحدها: أن الإدراك غير الرؤية لأنه يصح أن يقال: رآه وما أدركه،\n_________\n(١) لم أقف عليه بعد طول بحث في كتب المعاني والتفسير. وانظر: \"المقصد الأسنى\" للغزالي ص ١١٤، و\"شرح أسماء الله الحسنى\" للرازي ص ٢٩٣، و\"اللسان\" ٨/ ٤٩٠٩ مادة (وكل).\n(٢) نفاة الرؤية: هم الجهمية والمعتزلة والخوارج، وبعض المرجئة، قالوا: (لا يُرى الله تعالى في الدنيا ولا في الآخرة). انظر: \"الفتاوى\" لابن تيمية ٢/ ٣٣٦ - ٣٣٧، و\"تفسير الخازن\" ٢/ ١٦٦.\n(٣) أهل السنة والجماعة على أن الله تعالى يُرى في الآخرة بالأبصار عيانًا وأن أحدًا لا يراه في الدنيا بعينه، كما تواترت به الأخبار عن النبي - ﷺ -. انظر: \"كتاب التوحيد\" لابن خزيمة ١/ ٤٣٧، و\"الشريعة\" للآجري ص ٢٣١، و\"الفتاوى\" لابن تيمية ٢/ ٣٣٦، و\"تفسير ابن كثير\" ٢/ ١٨٠، و\"شرح العقيدة الطحاوية\" لابن أبي العز ١/ ٢٠٧.\n(٤) انظر: \"تفسير الرازي\" ١٣/ ١٠٤.\n(٥) في (ش): (على).","vol":"8","page":330},{"text":"ويدل على هذا قوله تعالى إخبارًا عن قوم موسى ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (٦١) قَالَ كَلَّا﴾ [الشعراء:٦١ - ٦٢] وكان قوم فرعون قد رأوا قوم موسى ولم يدركوهم، [و] (١) الدليل على ذلك قوله تعالى ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ﴾ [الشعراء: ٦١] أي: رأى أحدهما الآخر، وكان الله تعالى قد (٢) وعد موسى أنهم لا يدركونه بقوله تعالى: ﴿لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى﴾ [طه: ٧٧].\nوقولهم: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء:٦١] يريدون أنهم قد قربوا من إدراكهم إياهم، ألا ترى أن موسى نفى ذلك بقوله: (كلّا)، وهذا مذهب جماعة من المفسرين (٣) قالوا: [معنى] (٤) الإدراك: الإحاطة بكنه الشيء وحقيقته، فالأبصار ترى الباري ولا تحيط به، كما أن القلوب تعرفه ولا تحيط به، قال الله تعالى: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٠] قال سعيد بن المسيب في تفسير قوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾: (لا تحيط به الأبصار) (٥).\nوقال ابن عباس في رواية عطاء: (كلت (٦) أبصار المخلوقين عن\n_________\n(١) لفظ: الواو ساقط من (أ).\n(٢) انظر: \"تفسير الطبري\" ٧/ ٢٩٩ وما بعدها، والبغوي ٣/ ١٧٤.\n(٣) قال شيخ الإسلام في \"الفتاوى\" ١٧/ ١١١، في شرح الآية: (الإدراك عند السلف والأكثرين: هو الإحاطة، وقال طائفة: هو الرؤية، وهو ضعيف؛ لأن نفي الرؤية عنه لا مدح فيه ..) ا. هـ، وانظر: \"الفتاوى\" ١٦/ ٨٧ - ٨٩.\n(٤) في (أ): (معنا).\n(٥) ذكره الثعلبي في \"الكشف\" ١٨٢ أ، والواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٩٣، والبغوي ٣/ ١٧٤، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٣/ ٩٨.\n(٦) كلت: يقال: كل بصره، بفتح الكاف، أي: ثقل. انظر: \"اللسان\" ٧/ ٣٩١٨ مادة (كلل).","vol":"8","page":331},{"text":"الإحاطة به) (١)، وقال الزجاج: (معنى إدراك الشيء: الإحاطة بحقيقته، وقد ينظر الرجل إلى الشيء ولا يدركه)، ثم احتج على أن معنى الإدراك هاهنا الإحاطة بقوله تعالى: ﴿وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ [الأنعام: ١٠٣] فقال: (أعلم الله تعالى أنه يدرك الأبصار، وفي هذا الإعلام دليل أن خلقه لا يدركون الأبصار، أي ة لا [يعرفون] (٢) [كيف] (٣) حقيقة البصر، وما الشيء الذي صار به الإنسان يبصر من عينيه دون أن يبصر من غيرهما من سائر أعضائه، فأعلم جل وعز أن خلقًا من خلقه لا يدرك المخلوقون كنهه ولا يحيطون بعلمه، فكيف به جل وعز والأبصار لا تحيط به) (٤)، قال أصحابنا فعلى هذا نقول: الباري يُرى ولا يُدرك؛ لأن معنى الإدراك هو: الإحاطة بالرؤية بالمرئي، وإنما يجوز ذلك على من كان محدودًا وله جهات، والقديم (٥) الذي لا نهاية لوجوده يُرى ولكن لا يُدرك، وعلى هذا القول فاقد قلنا بظاهر الآية.\n_________\n(١) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٩٣، وذكره الثعلبي في \"الكشف\" ١٨٢ أ، والبغوي في \"تفسيره\" ٣/ ١٧٤ عن عطاء من قوله، وأخرج الطبري في \"تفسيره\" ٧/ ٢٩٩ بسند ضعيف عن ابن عباس قال: (لا يحيط بصر أحد بالملك) ا. هـ.\n(٢) في (أ): (أي: لا يدركون).\n(٣) في (ش): (عنه).\n(٤) انظر: \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٧٨، وفيه: (فأما ما جاء من الأخبار في الرؤية وصح عن رسول الله فغير مدفوع، وليس في هذه دليل على دفعه؛ لأن معنى هذه الآية معنى إدراك الشيء والإحاطة بحقيقته، وهذا مذهب أهل السنة والعلم والحديث) ا. هـ. وانظر: \"معاني النحاس\" ٢/ ٤٤٦ - ٤٦٧.\n(٥) أسماء الله توقيفية، ولفظ القديم لا يرتضي السلف تسمية الله تعالى به؛ لعدم ورود النص به، لكن يصح الإخبار به عن الله تعالى، لأن باب الإخبار والصفات أوسع من باب الإنشاء والأسماء، والله أعلم. انظر: \"منهاج السنة\" ٢/ ١٢٣ - ١٣١، =","vol":"8","page":332},{"text":"الوجه الثاني: تخصيص الآية، وهو قول جماعة من المفسرين أيضًا، قال ابن عباس: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ (ينقطع عنه في الدنيا) (١)، وقال مقاتل: (لا تراه الأبصار في الدنيا، وهو يُرى في الآخرة) (٢)، وعلى هذا القول لا فرق بين الرؤية والإدراك، وهو مذهب شيخنا أبي الحسن (٣)؛ لأنه لا يفرق بينهما، ويقول: (معنى الآية ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ في الدنيا، قال: والدليل على أن هذه الآية مخصوصة بالدنيا قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢ - ٢٣] وهذه الآية مطلقة، وقوله ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ﴾ [القيامة: ٢٢] مقيد، والمطلق يحمل على المقيد، فلما كان قوله ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ يوجب نفي الرؤية، وقوله: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٣] يوجب الرؤية، ولا يجوز التضاد، قلنا: الذي نفاه أراد به في الدنيا، والذي أثبته أراد به في الآخرة) (٤).\n_________\n= و\"الفتاوى\" ١/ ٢٤٥ - ١٧/ ١٦٨، ٩/ ٣٠٠ \"معجم المناهي اللفظية\" لبكر بن عبد الله أبو زيد ص ٤٣٦.\n(١) ذكره الثعلبي في \"الكشف\" ١٨٢ أ، والواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٩٣، والبغوي ٣/ ١٧٣، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٣/ ٩٨.\n(٢) ذكره الثعلبي في \"الكشف\" ١٨٢ أ، والواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٩٤، والبغوي في \"تفسيره\" ٣/ ١٧٤، وفي \"تفسير مقاتل\" ١/ ٥٨٢: (يقول: لا يراه الخلق في الدنيا) ا. هـ. وأخرج الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٩٤، هذا القول عن الحسن البصري.\n(٣) أبو الحسن شيخ الواحدي، لم أستطع تحديده، وفي \"مقدمة البسيط\" ذكر من شيوخ الواحدي: علي بن محمد بن إبراهيم الضرير أبو الحسن النحوي، وعمران ابن موسى المغربي أبو الحسن، وعلي بن محمد الفارسي أبو الحسن.\n(٤) انظر: \"تفسير الطبري\" ٧/ ٣٠٢، وابن الجوزي ٣/ ٩٨ - ٩٩، وقال شيخ الإسلام في \"الفتاوى\" ٢/ ٣٣٥. (وقد اتفق أئمة المسلمين على أن أحدًا من المؤمنين =","vol":"8","page":333},{"text":"الوجه الثالث: ما قاله السدي وهو أنه قال: (البصر بصران، بصر معاينة، وبصر علم) (١)، وكذا هو في اللغة، قال الليث: (البَصَر: العين، والبَصَر: نفاذ في القلب. قال: فمعنى قوله: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ لا يدركه علم العلماء، ونظيره ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٠] (٢)، وهذا وجه حسن، وأما قولهم: إن هذا على سبيل التمدح، قلنا: ليس كذلك؛ لأنه ليس في أن يستحيل أن يرى استحقاق مدح، ألا ترى أن كثيرًا من الأشياء الناقصة يستحيل أن يرى كالكفر والجهل، ثم لا يجب (٣) لها بذلك صفة مدح، فليس بأن يستحيل أن يرى تمدح؟، وإنما معنى الآية: أنه منع الرائين من رؤيته في الدنيا ولا يقدر أحد على أن يمنعه من رؤيته له، فهذا وجه التمدح، وهو معنى الآية، وعلى هذا الوجه، قال ابن عباس في قوله ﴿وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ قال: (يرى ولا يُرى، ولا يخفى عليه شيء ولا يفوته) (٤). وإنما خص الأبصار بإدراكه إياها مع أنه يدرك كل شيء تحقيقًا\n_________\n= لا يرى الله بعينه في الدنيا، ولم يتنازعوا إلا في النبي - ﷺ - خاصة مع أن جماهير الأئمة على أنه لم يره بعينه في الدنيا، وعلى هذا دلت الآثار الصحيحة الثابتة عن النبي - ﷺ - والصحابة وأئمة المسلمين ..) ا. هـ، وانظر: \"مرويات الإمام أحمد في التفسير\" ٢/ ١٢١.\n(١) لم أقف عليه\n(٢) \"تهذيب اللغة\" ١/ ٣٤٠، وفيه: (قال الليث: البَصَرُ: العَيْن، إلا أنه مذكر. والبَصَر: نفاذ في القلب). وانظر: \"العين\" ٧/ ١١٧، و\"اللسان\" ١/ ٢٩٠ مادة (بصر).\n(٣) انظر: \"تفسير الرازي\" ١٣/ ١٢٥ وما بعدها، و\"الفتاوى\" لابن تيمية ١٦/ ٨٧ - ٨٨، ١٧/ ١١١.\n(٤) لم أقف عليه، وفي \"تنوير المقباس\" ٢/ ٤٩: (يرى ما لم ير الخلق ولا يخفى عليه شيء ولا يفوته) اهـ.","vol":"8","page":334},{"text":"للمعنى الذي ذكرنا؛ لأن غير الباري لا يجوز أن يرى البصر، ولا يراه البصر، وقد يرى غير البصر، ولا يراه البصر، فلا يبعد ذلك (١) وذكرنا قول الزجاج في معنى ﴿وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾.\nوقوله تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ قال الأزهري: (اللطيف من أسماء الله ﷿ [ومعناه] (٢) الرفيق بعباده) (٣)، وقال عمرو بن أبي (٤) عمرو، عن أبيه (٥): (اللطيف الذي يوصل إليك أَرَبَك في رفق) (٦)، وقال أبو العباس (٧) عن ابن الأعرابي: ([يقال] (٨): لطف فلان لفلان يلطف: إذا رفق، لطفًا، ويقال: لطف الله لك، أي: أوصل إليك ما تحب برفق) (٩)، وقال الليث: (اللَّطف: البِرُّ والكرامة، وأمٌّ لطيفةٌ بولدها، وفلان لَطيفٌ\n_________\n(١) انظر: مسألة رؤية الله ﷾ في الآخرة في: \"الإبانة\" للأشعري ١٣/ ٢١، و\"تفسير الماوردي\" ٢/ ١٥٢، والقرطبي ٧/ ٥٤ - ٥٧، و\"بدائع التفسير\" ٢/ ١٦٧.\n(٢) لفظ: (الواو) ساقط من (أ).\n(٣) \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٢٦٧. وانظر: \"تفسير أسماء الله الحسنى\" للزجاج ص ٤٤، و\"اشتقاق أسماء الله\" للزجاجي ص ١٣٨، و\"الأسماء والصفات\" للبيهقي ص ٨٣، و\"المقصد الأسنى\" للغزالي ص ٩٢، و\"شرح أسماء الله الحسنى\" للرازي ص ٢٤٦.\n(٤) عمرو بن أبي عمرو: هو عمرو بن إسحاق بن مرار الشيباني إمام لغوي ثقة، واسع الرواية، أخذ علم أبيه، سمع منه ثعلب وأبو إسحاق الحربي. توفي سنة إحدى وثلاثين ومائتين ٢٣١هـ أو بعدها. انظر: \"مقدمة تهذيب اللغة\" ١/ ٣٥، و\"إنباه الرواة\" ٢/ ٣٦٠، و\"معجم الأدباء\" ٤/ ٤٧٣.\n(٥) هو إسحاق بن مرار الشيباني أبو عمرو الكوفي، تقدمت ترجمته.\n(٦) \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٢٦٧.\n(٧) أبو العباس هو ثعلب أحمد بن يحيى، تقدمت ترجمته.\n(٨) لفظ: (يقال) ساقط من (ش).\n(٩) \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٢٦٧، و\"اللسان\" ٧/ ٤٠٣٦ مادة (لطف).","vol":"8","page":335},{"text":"بهذا الأمر أي: رفيق) (١)، قال ابن عباس: ﴿وَهُوَ اللَّطِيفُ﴾ بأوليائه ﴿الْخَبِيرُ﴾ بهم) (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1066>١٠٤ </span>- قوله تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ الآية. البصائر: جمع البصيرة، وهي الدلالة التي توجب إبصار النفوس للشيء، ومنه يقال للدم الذي يستدل به (٣) على القتيل: بصيرة (٤)؛ قال ابن عباس: (يريد: رشدًا أو بيانًا، وهدىً من ربكم) (٥)، وقال الكلبي: (يعني: بينات القرآن) (٦)، وقال الزجاج: (أي قد جاءكم القرآن الذي فيه البيان والبصائر) (٧).\nوقوله تعالى: ﴿فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ﴾ قال ابن عباس: (يريد: فمن اهتدى فلنفسه ﴿وَمَنْ عَمِيَ﴾ يريد: عن سبيل الهدى، فعليها) (٨)، وقال الكلبي: (﴿فَمَنْ أَبْصَرَ﴾ صدّق بالقرآن، وآمن بمحمد - ﷺ - ﴿فَلِنَفْسِهِ﴾ عمل\n_________\n(١) \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٢٦٨، وانظر: \"العين\" ٧/ ٤٢٩، و\"الصحاح\" ٤/ ١٤٢٧، وقد جاء في \"العين\" و\"التهذيب\": (اللطف البر والتَّكرمة ..) بدل والكرامة.\n(٢) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٩٥، والبغوي في \"تفسيره\" ٣/ ١٧٤، و\"الخازن\" ٢/ ١٦٨، وانظر: \"تفسير الطبري\" ٧/ ٣٠٤، والسمرقندي ١/ ٥٠٥، والماوردي ٢/ ١٥٣.\n(٣) لفظ: (به) ساقط من (أ).\n(٤) انظر: \"الجمهرة\" ١/ ٣١٢، و\"تهذيب اللغة\" ١/ ٣٤٢، و\"الصحاح\" ٢/ ٥٩١، و\"المجمل\" ١/ ١٢٧، و\"المفردات\" ص ١٢٧، و\"اللسان\" ١/ ٢٩١ مادة (بصر)، وفيها: (البصيرة جمع بصائر، وهي البرهان والدلالة والعبرة).\n(٥) لم أقف عليه، وفي \"تنوير المقباس\" ٢/ ٤٩، قال: (بيان من ربكم يعني: القرآن)، وهو قول السمرقندي في \"تفسيره\" ١/ ٥٠٥.\n(٦) ذكره الثعلبي في \"الكشف\" ص ١٨٢/ أ، والواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٩٥.\n(٧) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٧٩.\n(٨) لم أقف عليه.","vol":"8","page":336},{"text":"﴿وَمَنْ عَمِيَ﴾ عن الحق فلم يصدّق، فعلى نفسه جنى العذاب) (١)، وقال الزجاج: (المعنى: فلنفسه نفع ذلك ﴿وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا﴾، أي: فعلى نفسه ضرر ذلك، لأن الله جل وعز غني عن خلقه) (٢).\nوقوله: ﴿وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾ قال عطاء عن ابن عباس: (يريد: ما أدفع عنكم ما يريد الله بكم) (٣)، وقال الكلبي: (﴿وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾ [أي: برقيب أحصي عليكم أعمالكم (٤)] أي: إنما أنا رسول أبلغكم عن ربي، وهو الحفيظ عليكم الذي لا يخفى عليه شيء من أفعالكم) (٥)، ونحو هذا قال الحسن: (أي: برقيب على آعمالكم حتى أجازيكم بها) (٦)، قال أبو إسحاق (٧): (أي: لست آخذكم بالإيمان أخذ الحفيظ عليكم، والوكيل، وهذا قبل الأمر بالقتال، فلما أُمر (٨) بالقتال صار حفيظًا عليهم، ومسيطرًا على كل من تولى).\n_________\n(١) ذكره السمين في \"الدر\" ٥/ ٩٢ - ٩٣، وانظر: \"تفسير السمرقندي\" ١/ ٥٠٥، و\"الوسيط\" ١/ ٩٥، و\"تفسير البغوي\" ٣/ ١٧٥، و\"تنوير المقباس\" ٢/ ٤٩.\n(٢) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٧٩، وانظر: \"تفسير الطبري\" ٧/ ٣٠٥، و\"معاني النحاس\" ٢/ ٤٦٧.\n(٣) لم أقف عليه، وذكر القرطبي في \"تفسيره\" ٧/ ٥٨ نحوه بدون نسبة.\n(٤) ما بين المعقوفين ساقط من (ش).\n(٥) ذكره أهل التفسير بدون نسبة. انظر: \"تفسير الطبري\" ٧/ ٣٠٥، والبغوي ٣/ ١٧٥، والقرطبي ٧/ ٥٨.\n(٦) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٩٥، وأبو حيان في \"البحر\" ٤/ ١٩٧.\n(٧) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٧٩.\n(٨) انظر: \"تفسير السمرقندي\" ١/ ٥٠٥، والظاهر أن المعنى: لست رقيبًا عليكم أحصي أعمالكم، فالآية محكمة. وهو قول مكي في \"الإيضاح\" ص ٢٤٢، والرازي في \"تفسيره\" ١٣/ ١٣٤، وقال ابن حزم في \"ناسخه\" ص ٣٧، وهبة الله بن سلامة =","vol":"8","page":337},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1067>١٠٥ </span>- قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ﴾، قال الزجاج: (موضع الكاف التي في أول (كذلك) نصب، المعنى: ونصرف الآيات مثل ما صرفناها فيما تلي عليكم) (١)، وقال غيره من النحويين (٢): (المعنى: نصرف الآيات في غير هذه السورة مثل التصريف في هذه السورة، فهو في موضع صفة المصدر، كأنه قيل: تصريفًا مثل هذا التصريف) (٣)، وذكرنا معنى تصريف الآيات في هذه السورة قبل.\nوقال ابن عباس في هذه الآية: «﴿وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ﴾ (٤) نبيّن الآيات في القرآن في كل وجه ندعوهم بها ونخوّفهم) (٥).\nوقوله تعالى: ﴿وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ﴾ قال أبو بكر (٦): (دخلت الواو في ﴿وَلِيَقُولُوا﴾ عطفًا على مضمر، التقدير: وكذلك نصرف الآيات لنلزمهم الحجة ﴿وَلِيَقُولُوا﴾ فحذف المعطوف عليه لوضوح معناه) (٧).\n_________\n= في \"ناسخه\" ص ٦٨: (أن الآية تتضمن ترك قتال الكفار ثم نسخت بآية السيف)، وانظر: \"نواسخ القرآن\" لابن الجوزي ص ٣٢٧ - ٣٢٨.\n(١) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٧٩.\n(٢) انظر: \"إعراب النحاس\" ١/ ٥٧١، و\"المشكل\" ١/ ٢٦٤، و\"التبيان\" ١/ ٣٥٢، و\"الفريد\" ٢/ ٢٠٧.\n(٣) قال السمين في \"الدر\" ٥/ ٩٣: (الكاف في محل نصب نعتا لمصدر محذوف، فقدره الزجاج: ونصرف الآيات مثل ما صرفناها فيما تلي عليكم. وقدره غيره: نصرف الآيات في غير هذه السورة تصريفًا مثل التصريف في هذه السورة) اهـ.\n(٤) في (ش): (وكذلك نصر)، وهو تحريف واضح.\n(٥) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٩٦، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٣/ ١٠٠.\n(٦) أبو بكر: هو ابن الأنباري محمد القاسم، تقدمت ترجمته.\n(٧) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٩٦، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٣/ ١٠٠، والسمين في \"الدر\" ٥/ ٩٥، وانظر: \"تفسير القرطبي\" ٧/ ٥٨.","vol":"8","page":338},{"text":"وأما (درست) (١). فقال أبو زيد: (درسْت أدرس دِراسة وهي القراءة، وقال: وإنما يقال ذلك إذا قرأت على غيرك) (٢)، وقال ابن الأعرابي: (درست الكتاب أدرسُه دَرْسًا ودراسةً، أي: ذللته بكثرة القراءة) (٣). قال الأصمعي: (أصل درس الكتاب من قولهم: درس الطعام إذا داسه يدرسه دِراسًا، والدِّراس الدِّياس بلغة أهل الشام. قال وأنشدني ابن ميادة (٤):\nيكفيك من بعض ازدياد الآفاق ... سَمْرَاءَ مما دَرَسَ ابن مِخْرَاقْ (٥)\nأي: داس: يعني حنطةً سمراء، قال: ودرس السورة من هذا، أي: يدرسها، فيخف على لسانه) (٦)، وقال أبو الهيثم: (درست الكتاب، أي: ذللته بكثرة القراءة حتى خَفّ حِفظه عليّ، من قولهم: دَرَسْتُ الثوبَ أدرُسه دَرْسًا فهو مَدْرُوس وَدَرِيس، أي: أَخْلَقْتُه، ومنه قيل للثوب الخَلَق: دِريس، لأنه قد لان. وقال كعب بن زهير (٧):\n_________\n(١) انظر: \"العين\" ٧/ ٢٢٧، و\"ما اتفق لفظه واختلف معناه\" لليزيدي ص ٢٦٦، و\"المفردات\" ص ٣١١ مادة (درس).\n(٢) \"الحجة\" لأبي علي الفارسي ٣/ ٣٧٣.\n(٣) \"تهذيب اللغة\" ٣/ ١١٧٣ بلفظ: (دَرَسْتُ الكتاب أدرُسُه دراسة) فقط.\n(٤) في النسخ: ابن أبي ميادة، وهو تحريف، والصواب: ابن ميادة الشاعر المشهور الرماح بن أبرد الغطفاني. تقدمت ترجمته.\n(٥) ديوانه ص ٧٥، و\"الحجة\" لأبي على ٣/ ٣٧٣، و\"الصحاح\" ٣/ ٩٢٧، و\"اللسان\" ٣/ ١٣٦٠ درس، بلا نسبة في \"الجمهرة\" ٢/ ٦٢٨، و\"تهذيب اللغة\" ٣/ ١١٧٤، و\"المجمل\" ٢/ ٣٢٢، و\"مقاييس اللغة\" ٢/ ٢٦٧ (درس).\n(٦) ذكره الرازي ١٣/ ١٣٥، عن الواحدي عن الأصمعي، وفي \"جمهرة اللغة\" ٢/ ٩٢٧، و\"الحجة\" لأبي علي ٣/ ٣٧٣، بعضه عن الأصمعي، وهو في \"تهذيب اللغة\" ٣/ ١١٧٤ بلا نسبة.\n(٧) كعب بن زُهَيْر بن أبي سلمى المزني أبو المضراب، تقدمت ترجمته.","vol":"8","page":339},{"text":"وفي الحِلْم إدْهان وفي العَفو دُرْسة ... وفي الصِّدق مَنْجاةُ من الشر فاصدْق (١)\nقال: الدُّرْسةُ: الرياضة، ومنه درست السورة حتى حفظتها) (٢)، وهذا القول قريب مما قاله الأصمعي بل هو نفسه، لأن المعنى فيهما يعود إلى التذليل والتليين (٣).\nقال ابن عباس: ﴿وَلِيَقُولُوا﴾ (يعني: أهل مكة حين تقرأ عليهم القرآن ﴿دَرَسْتَ﴾ يقولون: تعلمت من يسار (٤) [أبي فكيهة] (٥) وجبر (٦) مولى قريش، وقرأت علينا تزعم أنه من عند الله) (٧)، وفي قول ابن عباس تعلّمت\n_________\n(١) \"ديوانه\" ص ٢٥٢، و\"تهذيب اللغة\" ٢/ ١١٧٤، و\"اللسان\" ٣/ ١٣٦٠ مادة (درس)، وفي الديوان: (وفي العفو دربة) بدل (درسة)، وعليه فلا شاهد فيه.\n(٢) \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١١٧٤.\n(٣) نقله الرازي في \"تفسيره\" ١٣/ ١٣٥ عن الواحدي.\n(٤) يسار أبو فكيهة مولى صفوان بن أمية، عبد نصراني عالم بالكتب المتقدمة أسلم بمكة وزعمت قريش أن النبي - ﷺ - يتعلم منه.\nانظر: \"السيرة\" لابن هشام ١/ ٤٢٠، و\"تفسير مبهمات القرآن\" للبلنسي ١/ ١١٦، ٢٦٨، و\"الإصابة\" ٤/ ١٥٦.\n(٥) في النسخ: (يسار بن فكيهة) ثم صحح في (أ) إلى (أبي)، وهو الصواب.\n(٦) جبر مولى بني عبد الدار نصراني أو يهودي قرأ الكتب المتقدمة، وأسلم بمكة وزعمت قريش أن النبي - ﷺ - يتعلم منه. انظر: \"السيرة\" لابن هشام ١/ ٤٢٠، و\"تفسير القرطبي\" ٧/ ٥٨، و\"تفسير مبهمات القرآن\" ١/ ١١٦، و\"الإصابة\" ١/ ٢٢١.\n(٧) \"تنوير المقباس\" ٢/ ٤٩ - ٥٠، وذكر الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٩٦، والبغوي في \"تفسيره\" ٣/ ١٧٥، و\"الخازن\" ٢/ ١٦٩، وأخرج الطبري في \"تفسيره\" ٧/ ٣٠٥ - ٣٠٨، وابن أبي حاتم ٤/ ١٣٦٥، من عدة طرق جيدة عن ابن عباس قال: (قرأت وتعلمت تقول ذلك قريش) ا. هـ. وذكره السيوطي في \"الدر\" ٣/ ٧٠.","vol":"8","page":340},{"text":"دليل على أن معنى ﴿دَرَسْتَ﴾ قرأت على غيرك. وأخبرنا سعيد بن (١) محمد -﵀- أنبا ابن مقسم (٢) العطار ببغداد عن أبي إسحاق (٣) النحوي قال: (معناه: وليقولوا قرأت كتب أهل الكتاب) (٤)، وقال الفراء: (يقولون: تعلمت من يهود) (٥)، وأخبرني العروضي (٦) عن الأزهري، قال: أخبرني المنذري (٧) عن أبي العباس (٨) في قول الله تعالى: ﴿وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ﴾ قال: (معناه وكذلك نبين لهم الآيات من هنا وهنا لكي يقولوا إنك دَرَسْت، أي: تعلمت، أي: هذا الذي جئت به [عُلِّمتَ] (٩) (١٠).\nوقرأ ابن كثير (١١) وأبو عمرو (دَارسْت) وهو قراءة ابن عباس (١٢)\n_________\n(١) سعيد بن محمد الحيري أبو عثمان الزعفراني، إمام تقدمت ترجمته.\n(٢) ابن مقسم: محمد بن الحسن بن يعقوب بن الحسن العطار، إمام مقرئ تقدمت ترجمته.\n(٣) أبو إسحاق النحوي هو الزجاج إبراهيم بن السري، تقدمت ترجمته.\n(٤) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٧٩.\n(٥) \"معاني الفراء\" ١/ ٣٤٩.\n(٦) العروضي: أحمد بن محمد بن عبد الله السهلي أبو الفضل، تقدمت ترجمته.\n(٧) المنذري: أبو الفضل محمد بن أبي جعفر الهروي إمام، تقدمت ترجمته.\n(٨) أبو العباس ثعلب أحمد بن يحيى، تقدمت ترجمته.\n(٩) في (ش): (علمته).\n(١٠) (تهذيب اللغة) ٢/ ١١٧٣، وانظر: \"مجالس ثعلب\" ص ١١٧.\n(١١) قرأ ابن كثير وأبو عمرو (دَارَسْتَ) بألف بعد الدال وسكون السين وفتح التاء، وقرأ ابن عامر بغير ألف وفتح السين وسكون التاء، وقرأ الباقون بغير ألف وسكون السين، وفتح التاء. انظر: \"السبعة\" ٢٦٤، و\"المبسوط\" ص ١٧٣، و\"التذكرة\" ٢/ ٤٠٦، و\"التيسير\" ص ١٠٥، و\"النشر\" ٢/ ٢٦١.\n(١٢) أخرجه الطبري ٧/ ٣٠٥، وابن أبي حاتم ٤/ ١٣٦٥، من طرق جيدة عن أبن عباس ومجاهد، وذكره السيوطي في \"الدر\" ٣/ ٦٩، ٧٠.","vol":"8","page":341},{"text":"ومجاهد (١)، وفسرها (قرأت على اليهود وقرؤوا عليك).\nوقال الزجاج (٢) وأبو علي: (أي: دارست أهل الكتاب وذاكرتهم ويقوّي هذه القراءة قوله تعالى: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾ [الفرقان: ٤]، (٣)، وقرأ ابن عامر: (دَرَسَتْ) أي: هذه الأخبار التي تلوتها علينا قديمة، قد درست وانمحت ومضت، من الدرس الذي هو تعفي الأثر وامحاء الرسم (٤).\nقال الأزهري: (من قرأ (دَرسَتْ) (٥) فمعناه: تقادمت، أي: هذا الذي تتلوه علينا شيء قد تطاول ومرّ، من قولهم: درس الأثر يدرس درسًا) (٦).\n_________\n(١) \"تفسير مجاهد\" ١/ ٢٢١، وقال النحاس في \"معانيه\" ٢/ ٤٦٨: (قرأ علي بن أبي طالب (دارست)، وهو الصحيح من قراءة ابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد وعكرمة وأبي عمرو وأهل مكة) ا. هـ وانظر: \"مختصر السواد\" ص٤٠، و\"المحتسب\" ١/ ٢٢٥.\n(٢) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٧٩ - ٢٨٠، وهو قول الأخفش في \"معانيه\" ٢/ ٢٨٥، وابن قتيبة في \"تفسير غريب القرآن\" ص ١٦٩، والسمرقندي في \"تفسيره\" ١/ ٥٠٥، ومكي في \"الكشف\" ١/ ٤٤٤، وقال النحاس في \"إعراب القرآن\" ١/ ٥٧٢: (أحسن ما قيل في (دارست) أن معناه: دارستنا فيكون معناه كمعنى (دَرَسْتَ) وقيل: معناه دارست أهل الكتاب، فهذا مجاز) اهـ.\n(٣) \"الحجة\" لأبي علي ٣/ ٣٧٤، وانظر: \"الحجة\" لابن خالويه ص ١٤٧، و\"إعراب القراءات\" ١/ ١٦٦، و\"الحجة\" لابن زنجلة ص ٢٦٤.\n(٤) هذا قول أبي علي في \"الحجة\" ٣/ ٣٨٥.\n(٥) يعني: قراءة ابن عامر، بفتح السين، وسكون التاء.\n(٦) \"تهذيب اللغة\" ١٢/ ١١٧٤، و\"معاني القراءات\" ١/ ٣٧٧؛ وهو قول الزجاج في =","vol":"8","page":342},{"text":"فأما معنى اللام في قوله: ﴿وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ﴾ فقال أبو بكر: (وأما تصريف الآيات فليسعد بها قوم بفهمها والعمل بما فيها، ويشقى آخرون بالإعراض عنها، فمن يقول للنبي: «دارست) أو (درست) فهو شقي، ومن يتبين الحق فيها ويعمل [بها] (١) سعيد) (٢)، ويقوي هذا الذي قاله أبو بكر قوله تعالى: ﴿وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام: ١٠٥] قال ابن عباس: (يريد: أولياءه الذين هداهم إلى سبيل الرشاد) (٣)، وقال أبو إسحاق: (إن السبب الذي أداهم إلى أن قالوا: (درست) هو تلاوة الآيات عليهم، وهذه اللام يسميها أهل اللغة: لام الصيرورة (٤)، وهو كقوله ﷿: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص: ٨] وهم لم يلتقطوه يطلبون بأخذه أن يعاديهم، ولكن كانت عاقبة الأمران صار ﴿لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ كما [يقول] (٥): كتب فلان هذا الكتاب لحتفه، وهو لم يقصد بالكتاب أن يهلك نفسه، ولكن العاقبة كانت الهلاك) (٦)، ومعنى هذا\n_________\n= \"معانيه\" ٢/ ٢٨٠، ومكي في \"المشكل\" ١/ ٢٦٤، وقال النحاس في \"إعراب القرآن\" ١/ ٥٧٢: (أحسن ما قيل فيه أن المعنى: ولئلا يقولوا انقطعت وامحت وليس يأتي محمد بغيرها) اهـ.\n(١) لفظ (بها) ساقط من (أ).\n(٢) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٩٧، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٣/ ١٠٠، وذكره البغوي في \"تفسيره\" ٣/ ١٧٥ بدون نسبة.\n(٣) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٩٧، والبغوي في \"تفسيره\" ٣/ ١٧٥.\n(٤) أي: التحول وهو من معاني اللام عند الكوفيين، وعند البصريين تسمى لام العاقبة، ويقال لها أيضًا: لام العلة والمآل والعرض. انظر: \"البيان\" لابن الأنباري ١/ ٣٣٤، وما سبق من هذا البحث ص ٢٣٨.\n(٥) في (ش): (يقولون).\n(٦) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٨٠. وانظر: \"معاني النحاس\" ٢/ ٤٦٩ - ٤٧٠، وقال أبو =","vol":"8","page":343},{"text":"الكلام يعود إلى معنى قول أبي بكر، لأن المعنى: أن تصريف الآيات صار سببًا لمقالتهم هذه، وذلك للشقاوة التي لحقتهم وقضيت عليهم، وهذا يدل على أن الله تعالى جعل تصريف الآيات سببًا لضلالة قوم وشقوتهم بما قضى عليهم في الأزل من الضلالة، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٥] (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1068>١٠٧ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا﴾، قال الزجاج: (أي: لو شاء لجعلهم مؤمنين) (٢)، وهذا نص صريح في أن شركهم كان بمشيئة الله تعالى (٣).\n_________\n= علي في \"الحجة\" ٣/ ٣٧٥: (من قال (درستْ): بسكون التاء، فالمعنى في (ليقولوا) لكراهة أن يقولوا، ولأن لا يقولوا: درست، أي: فُصِّلت الآيات وأحكمت لئلا يقولوا: إنها أخبار وقد تقدمت وطال العهد بها وباد من كان يعرفها كما قالوا: ﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الفرقان: ٥]، وأما من قرأ: (دارستَ) و(درستَ) أي: بفتح التاء، فاللام على قولهم كالتي في قوله: ﴿لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص: ٨] ولم يلتقطوه لذلك، كما لم تفصل الآيات ليقولوا (درست) و(دارست)، ولكن لما قالوا ذلك أطلق هذا عليه في الاتساع) ا. هـ ملخصًا. وقال النحاس في \"إعراب القرآن\" ١/ ٥٧١ - ٥٧٢، بعد ذكر قول الزجاج: (وفي المعنى قول آخر حسن، وهو أن يكون معنى: (نصرف الآيات) نأتي بها آية بعد آية ليقولوا: (درست) علينا، فيذكرون الأول بالآخر، فهذا حقيقة، والذي قال الزجاج مجاز) ا. هـ. وانظر: \"المشكل\" ١/ ٢٦٤، و\"الدر المصون\" ٥/ ٩٣ - ٩٦.\n(١) انظر: \"تفسير الرازي\" ١٣/ ١٣٨.\n(٢) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٨٠، وهذا أظهر الأقوال ورجحه الطبري في \"تفسيره\" ٧/ ٣٠٩، والبغوي ٣/ ١٧٦، وأخرجه الطبري في \"تفسيره\" وابن أبي حاتم ٤/ ١٣٦٦ بسند جيد عن ابن عباس ﵄.\n(٣) انظر\" \"تفسير ابن عطية\" ٥/ ٣١٢، والرازي ١٣/ ١٣٨، والقرطبي ٧/ ٦٠.","vol":"8","page":344},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ قال عطاء عن ابن عباس: (يريد: تمنعهم (١) مني) (٢)، ومعنى هذا الكلام أنك لم تُبعث لتحفظ المشركين عن العذاب، إنما بُعثت مبلغًا فلا تهتم لشركهم، فإن ذلك بمشية الله (٣). وقال مقاتل: (﴿وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ رقيبًا إن لم يوحدوا، ومما أنت عليهم بمسيطر، نسختها آية السيف) (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1069>١٠٨ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ الآية قال [قتادة] (٥) (٦) والمفسرون (٧): (كان المسلمون يسبون أصنام الكفار فنهاهم عن ذلك لئلا يسبوا الله).\nوقال الزجاج: (نهوا في ذلك الوقت قبل القتال أن يلعنوا الأصنام التي كانت يعبدها المشركون) (٨).\n_________\n(١) في (ش): (يمنعهم).\n(٢) ذكره الثعلبي في \"الكشف\" ١٨٢ أ، والبغوي في \"تفسيره\" ٣/ ١٧٦، و\"الخازن\" ٢/ ١٦٩ عن عطاء فقط.\n(٣) انظر: \"تفسير الطبري\" ٧/ ٣٠٥.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ١/ ٥٨٣، وهو قول ابن حزم في \"ناسخه\" ص ٣٨، وهبة الله بن سلامة ص ٦٨، وحكاه ابن الجوزي في \"نواسخ القرآن\" ص ٣٢٨ عن ابن عباس، والظاهر أنها محكمة. ورجحه مكي في \"الإيضاح\" ص ٢٤٢، وانظر: \"الناسخ والمنسوخ\" لابن العربي ٢/ ٢١٢.\n(٥) لفظ: (قتادة) غير واضح في (أ).\n(٦) أخرجه عبد الرزاق ١/ ٢/ ٢١٥ بسند جيد.\n(٧) أخرجه الطبري ٧/ ٣٠٩، وابن أبي حاتم ٥/ ٣١٢ من طرق جيدة عن ابن عباس وقتادة والسدي، وهو قول مقاتل ١/ ٥٨٣، والسمرقندي ١/ ٥٠٦، وحكاه هود الهواري ١/ ٥٥١ عن الحسن والكلبي. وانظر: \"أسباب النزول\" للواحدي ص ٢٢٥، و\"الدر المنثور\" ٣/ ٧٢.\n(٨) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٨٠.","vol":"8","page":345},{"text":"وقال أبو بكر (١) بن الأنباري: (هذه آية منسوخة أنزلها الله [﷿] (٢) والنبي بمكة، فلما قواه بأصحابه نسخ هذه الآية ونظائرها بقوله: ﴿فَاقْتُلُوا (٣) الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] (٤).\nوقوله تعالى: ﴿فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ أي: فيسبوا الله ظلمًا بالجهل، يقال: عَدَا (٥) فلان عَدْوًا وعُدُوًا وعُدْوانًا وعَدَاء، أي: ظلم ظلمًا جاوز القدر (٦).\n_________\n(١) لم أقف عليه.\n(٢) في (ش): (جل وعز).\n(٣) في النسخ: (واقتلوا)، وهو تحريف.\n(٤) هذا قول ابن حزم في \"ناسخه\" ص ٣٨، و(ابن سلامة) ص ٦٩، والظاهر عدم النسخ وأن الآية محكمة، وهو اختيار أكثرهم، قال ابن الجوزي في \"نواسخ القرآن\" ص ٣٢٩: (لا أرى النسخ بل يكره للإنسان أن يتعرض بما يوجب ذكر معبوده بسوء أو نبيه) ا. هـ، وقال القرطبي ٧/ ٦١: (قال العلماء: الآية حكمها باق على كل حال، فمتى كان الكافر في منعة وخيف أن يُسب الإِسلام أو النبي - ﷺ - أو الله ﷿ فلا يحل لمسلم أن يسب صلبانهم ولا دينهم ولا كنائسهم، ولا يتعرض إلى ما يؤدي إلى ذلك؛ لأنه بمنزلة البعث على المعصية) ا. هـ وانظر: \"أحكام القرآن\" للكيا الهراس ٣/ ٣٢٥، وابن عطية ٥/ ٣١٣، وابن كثير ٢/ ١٨٣.\n(٥) العَدَاء: بالفتح والمد: تجاوز الحد والظلم والجور، يقال: عَدَا -بفتح العين والدال-، فلان عَدْوًا: بفتح العين وسكون الدال، وعُدُوًّا بضم العين والدال وتشديد الواو المفتوحة، وعُدْوانا، بضم العين، وسكون الدال، وعَدَاء: بفتح العين والدال. انظر: \"العين\" ٢/ ٢١٣، و\"الجمهرة\" ٢/ ٦٦٦، و\"الصحاح\" ٦/ ٢٤٢٠، و\"المجمل\" ٣/ ٦٥٢، و\"مقاييس اللغة\" ٤/ ٢٤٩، و\"المفردات\" ص ٥٥٣، و\"اللسان\" ٥/ ٢٨٣٢ مادة (عدا).\n(٦) هذا كلام الزجاج في \"معانيه\" ٢/ ٢٨١، والأزهري في \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٣٣٤٧ مادة (عدا)، وانظر: \"الزاهر\" ١/ ٢١٦.","vol":"8","page":346},{"text":"قال السدي: (معناه: لا تسبوا الأصنام فيسبوا من أمركم بما أنتم عليه من عيبها) (١).\nوقال آخرون: (معنى ﴿فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ فيحملهم الغيظ والجهل على أن يسبوا من تعبدون، كما سببتم من تعبدون) (٢). هذا معنى ﴿فَيَسُبُّوا اللَّهَ﴾ لا أنهم كانوا يصرحون بسب الله لأنهم كانوا يقرون أن الله خالقهم وإن أشركوا به.\nقال الزجاج: (وعدوا) منصوب على المصدر؛ لأن المعنى: فيعدوا عدوًا (٣)، قال: ويكون بإرادة اللام (٤) والمعنى: فيسبوا الله للظلم) (٥).\n_________\n(١) أخرج الطبري ٧/ ٣١٠، وابن أبي حاتم ٤/ ١٣٦٦، بسند جيد عنه نحوه، وذكره الماوردي ١/ ٥٥٢، والواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٩٨.\nوقال ابن العربي في \"أحكام القرآن\" ٢/ ٧٤٣: (اتفق العلماء على أن المعنى: لا تسبوا آلهة الكفار فيسبوا إلهكم، وكذلك هو، فإن السب في غير الحُجَّة فعل الأدنياء) ا. هـ.\nوقال ابن الجوزي ٣/ ١٠٢: (المعنى: فيسبوا من أمركم بعيبها، فيعود ذلك إلى الله تعالى لا أنهم كانوا يصرحون بسب الله تعالى؛ لأنهم كانوا يقرون أنه خالقهم وإن أشركوا به) ا. هـ. وانظر: \"بدائع التفسير\" ٢/ ١٧٠.\n(٢) هذا قول الطبري في \"تفسيره\" ٧/ ٣٠٩، وانظر: \"مجاز القرآن\" ١/ ٢٠٣، و\"معاني الأخفش\" ١/ ٢٨٥، و\"غريب القرآن\" لليزيدي ص ١٤١.\n(٣) عدوا: بفتح العين وسكون الدال، وتخفيف الواو المفتوحة.\n(٤) وعليه يكون مفعولًا من أجله، أي: لأجل العدو.\nانظر: \"إعراب النحاس\" ١/ ٥٧٣، و\"المشكل\" ١/ ٢٦٥، و\"التبيان\" ١/ ٣٥٣، و\"الفريد\" ٢/ ٢١٠، و\"الدر المصون\" ٥/ ١٠٠.\n(٥) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٨١، ومثله قال الأزهري في \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٣٤٧ مادة (عدا).","vol":"8","page":347},{"text":"وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾ قال المفسرون (١). (يعني: كما زينا لهؤلاء المشركين عبادة الأصنام والأوثان وطاعة الشيطان بالحرمان والخِذلان ﴿كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾ من الخير والشر والطاعة والمعصية)، قال ابن عباس في رواية عطاء: (يريد: زينت لأوليائي وأهل طاعتي محبتي وعبادتي، وزينت لأعدائي وأهل معصيتي كفر نعمتي وخذلتهم حتى أشركوا) (٢)، قال الزجاج: (وهذا هو القول، لأنه بمنزلة (٣): ﴿وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [التوبة: ٩٣]، والدليل على هذا قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [فاطر: ٨] (٤).\nوهذه الآية بتفسير هؤلاء دليل على تكذيب القدرية (٥) حيث قالوا: لا يحسن من الله خلق الكفر وتزيينه (٦).\n_________\n(١) وهو الأظهر وقول الأكثر، انظر: \"تفسير الطبري\" ٧/ ٣١١، و\"معاني النحاس\" ٢/ ٤٧٢، والسمرقندي ١/ ٥٠٦، والبغوي ٣/ ١٧٧، وابن عطية ٥/ ٣١٣، وابن الجوزي ٣/ ١٠٣، وابن كثير ٢/ ١٨٤.\n(٢) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٩٨، والقرطبي ٧/ ٦١ - ٦٢.\n(٣) في النسخ: (بل طبع الله على قلوبهم)، وهو تحريف. وفي سورة النساء آية ١٥٥ ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِم﴾، وفي \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٨١: (الأجود أنه بمنزلة ﴿طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [النحل: ١٠٨]، فذلك تزيين أعمالهم، قال الله ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِم﴾) ا. هـ.\n(٤) انظر: \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٨١.\n(٥) القدرية تزعم أن العبد يخلق فعله، والكفر والمعاصي ليست بتقدير الله تعالى، وقولهم باطل. انظر مذهبهم والرد عليهم في: \"الإبانة\" للأشعري ص ٥٦، و\"الشريعة\"، للآجري ص ١٢٨، و\"شرح الطحاوية\" لابن أبي العز ٢/ ٣٥٥.\n(٦) ذكر نحوه القرطبي ٧/ ٦٢، والخازن ٢/ ١٧٠، وانظر: \"الفتاوى\" ١٤/ ٢٩٠، =","vol":"8","page":348},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1070>١٠٩ </span>- [قوله تعالى] (١): ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ الآية، ذكرنا معنى القسم (٢) عند قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ﴾ [النساء: ٨] والاستقسام في سورة المائدة (٣) والإقسام من ذلك الأصل أيضًا، وذلك أن اليمين موضوعة لتوكيد الخبر الذي يخبر به الإنسان إما مثبتًا للشيء أو نافيًا. ولما كان الخبر يدخله الصدق والكذب لم يأمن المخبر بالشيء عن نفسه أن يرد خبره ولا يقبل، فأكّد خبره باليمين، ولما كان التنازع يكثر في الإقسام، والدعاوى في الأشياء لا تنقطع إلا بالتوكيد، اشتقوا لفظه من القسم، وبنوها على أَفَعَل، فقالوا: أَقْسَم (٤) فلان بالله، يقسم إقسامًا، وأرادوا أنه حاز القسم الذي وقع التنازع فيه، بذكر الله، وبنوا الفعل على أفعل؛ لأنهم قصدوا قصد رجل أمال الشيء إلى جانبه باليمين، واسم اليمين القَسَم، والجمع الأقسام.\n_________\n= وقال ابن القيم في \"بدائع التفسير\" ٢/ ١٧٠ - ١٧١: (يضاف التزيين إليه سبحانه خلقًا ومشيئة، وحذف فاعله تارة، ونسبه إلى سببه، ومن أجراه على يده تارة، وهذا التزيين ابتلاء واختبار للعبد، ليتميز المطيع منهم من العاصي، وعقوبة منه له على إعراضه وإيثاره سيئ العمل على حسنه، وحجة الله قائمة عليه بالرسالة وبالتعريف الأول، فتزيِن الرب تعالى عدل، وعقوبته حكمة، وتزيين الشيطان إغواء وظلم، وهو السبب الخارج عن العبد، والسبب الداخل فيه حبه وبغضه وإعراضه، والرب سبحانه خالق الجميع، والجميع واقع بمشيئته وقدرته) ا. هـ. ملخصًا.\n(١) في (أ): (قوله ﷿).\n(٢) انظر: \"البسيط\" النسخة الأزهرية ١/ ٢٢٩ ب.\n(٣) انظر: \"البسيط\" صورة في مكتبة جامعة الإمام ٣/ ٩ أ.\n(٤) القَسَم: بالفتح، اليَمين والحَلف، وأصله من القَسَامَة، بالفتح، وهي أيمان تقسم علي أولياء المقتول، ثم صار اسمًا لكل حَلِف؛ يقال: أَقْسَم بسكون القاف وفتح =","vol":"8","page":349},{"text":"وهذا الذي ذكرنا في معنى القسم مذهب الزجاج وأبي علي الفسوي (١) وغيرهما ممن يوثق بعربيتهم، قال المفسرون: (٨) (لما أُنزل قوله تعالى: ﴿إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾ [الشعراء: ٤] أقسم المشركون بالله ﴿لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا﴾ وسأل المسلمون رسول الله - ﷺ - أن ينزلها الله عليهم حتى يؤمنوا، وعلم الله تعالى منهم أنهم لا يؤمنون، فأنزل هذه الآية: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ (٢)، قال الكلبي (٣) ومقاتل (٤): (إذا حلف الرجل بالله فهو جهد يمينه)، وقال الزجاج: (اجتهدوا في المبالغة في اليمين) (٥)، وقال عطاء (٦): (يريد. بأغلظ الأيمان).\n_________\n= السين، يُقْسِم: بكسر السين، إقسامًا، والجمع أقْسَام.\nانظر: \"العين\" ٥/ ٨٦، (الجمهرة) ٢/ ٨٥٢، و\"الاشتقاق\" لابن دريد ص ٦٢، و\"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٩٦٣، و\"الصحاح\" ٥/ ٢٠١٠، و\"المجمل\" ٣/ ٧٥٢، و\"المفردات\" ص ٦٧٠، و\"اللسان\" ٦/ ٣٦٣٠ مادة (قسم).\n(١) ذكره الرازي في \"تفسيره\" ١٣/ ١١٧ عن الواحدي، ولم أقف عليه عند الزجاج وأبي علي الفارسي بعد طول بحث.\n(٢) ذكره الفراء في \"معانيه\" ١/ ٣٤٩، و\"النحاس\" ٢/ ٤٧٤، والسمرقندي ١/ ٥٠٦، وقال ابن الجوزي في \"تفسيره\" ٣/ ١٠٣: (رواه أبو صالح عن ابن عباس) ا. هـ. وحكاه الماوردي ٢/ ١٥٦، عن الكلبي، وانظر: \"أسباب النزول\" للواحدي ص ٢٢٨.\n(٣) \"تنوير المقباس\" ٢/ ٥١، وذكره الثعلبي ١٨٢ ب، والواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٩٩، والبغوي ٣/ ١٧٧، والرازي ١٣/ ١٤٣ عن الكلبي ومقاتل.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ١/ ٥٨٣.\n(٥) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٨١، وذكر النحاس في \"معانيه\" ٢/ ٤٧٢، نحوه، والجهد: بفتح الجيم، وسكون الهاء المبالغة والغاية، وقيل: الوسع والطاقة، وقيل: المشقة. انظر: \"اللسان\" ٢/ ٧٠٨ مادة (جهد).\n(٦) ذكره ابن الجوزي ٢/ ٣٨٠، عن ابن عباس وذكره البغوي ٣/ ٦٩، بلا نسبة.","vol":"8","page":350},{"text":"وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ أي: إنه هو القادر على الإتيان بها (١)، وقيل: (معناه: إنها عند الله يأتي بها متى شاء، وليس لكم أن تتحكموا في طلبها) (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا يُشْعِرُكُمْ﴾ قال أبو علي: (ما) استفهام وفاعل ﴿يُشْعِرُكُمْ﴾ ضمير ما، والمعنى: وما يدريكم إيمانهم، فحذف المفعول، وحذف المفعول كثير، والتقدير: وما يدريكم إيمانهم، أي: هم لا يؤمنون مع مجيء الآية إياهم (٣).\nونحو هذا ذكره ابن الأنباري (٤) فقال: (كأن الكلام انقطع عند\n_________\n(١) هذا قول الطبري في \"تفسيره\" ٧/ ٣١١، والثعلبي في \"الكشف\" ١٨٢ ب، والبغوي في \"تفسيره\" ٣/ ١٧٧، وابن الجوزي ٣/ ١٠٤.\n(٢) انظر: \"تفسير الرازي\" ١٣/ ١١٤.\n(٣) \"الحجة\" لأبي علي ٣/ ٣٧٧: (وعليه تكون ما استفهامًا إنكاريًّا مبتدأ، وجملة (يشعركم) خبرها. و(يشعركم) مضارع فاعله ضمير يعود على ما، وكم مفعول أول، والثاني محذوف، والتقدير: وما يدريكم إيمانهم وقت مجيئها). انظر: \"البيان\" ١/ ٥٣٠، و\"الفريد\" ٢/ ٢١٠، و\"الدر المصون\" ٥/ ١٠١.\n(٤) لم أقف عليه وفي إيضاح الوقف والابتداء ٢/ ٦٤٢ - ٦٤٣، قال في الآية: (من قرأ (إنها) بالكسر وقف على (وما يشعركم) وابتدأ (إنها)، ومن قرأ (أنها) بالفتح كان له مذهبان أحدهما: أن يكون المعنى: وما يشعركم بأنهم يؤمنون أو لا يؤمنون ونحن نقلب أفئدتهم، فعلى هذا المذهب لا يحسن الوقف على (يشعركم)؛ لأن (أن) متعلقة به، والوجه الآخر أن يكون المعنى: وما يشعركم لعلها إذا جاءت لا يؤمنون، فيحسن الوقف على (يشعركم) والابتداء بأن مفتوحة، حكي عن العرب: ما أدرى أنك صاحبها، المعنى: لعلك صاحبها، وقرئ: (أنها إذا جاءت لا يؤمنون) على خطاب الكفرة إليكم) ا. هـ. وقال في (الأضداد) ص ٢١١ - ٢١٦: (لا جحد محض، وأن دخلت إيذانا بالقول إذ لم يصرح لفظه، وتكون لا بمعنى الإثبات وما للتوكيد، والمعنى: أنها إذا جاءت يؤمنون) ا. هـ. ملخصًا.","vol":"8","page":351},{"text":"﴿يُشْعِرُكُمْ﴾ بتقدير مفعول معه يراد به، أي شيء يشعركم إيمانهم، ويوقع في أنفسكم صحة ما حلف عليه الكفار)، وهذا معنى قول الزجاج: (أي لستم تعلمون الغيب، ولا تدرون أنهم يؤمنون) (١)، ألا ترى أنه ذكر مفعول الإشعار، وقال مجاهد: (وما يدريكم [أنكم] (٢) تؤمنون، ثم استقبل يخبر فقال: ﴿أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾) (٣).\nوقوله تعالى: ﴿أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ قرأ ابن كثير (٤) وأبو عمرو (إنها) بكسر الهمزة على الاستئناف، وهي القراءة الجيدة. قال سيبويه: (سألت الخليل عن هذه القراءة، فقلت: ما منع أن تكون كقولك: ما يدريك أنه لا يفعل؟ فقال: لا يحسن ذلك في هذا الموضع إنما قال: ﴿وَمَا يُشْعِرُكُمْ﴾ ثم ابتدأ فأوجب فقال: (إنها إذا جاءت لا يؤمنون) ولو قال: (وما يشعركم أنها) بالفتح كان ذلك عذرًا لهم (٥)، انتهى كلامه.\nومعنى قوله: (كان [ذلك] (٦) عذرًا لهم) أنك لو فتحت أن وجعلتها التي في نحو: بلغني أن زيدًا (٧) منطلق، لكان عذرًا لمن أخبر عنهم أنهم\n_________\n(١) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٨٢.\n(٢) في (ش): (أنهم يؤمنون). وعليه يكون الخطاب للمؤمنين وهو أحد قولي مجاهد، كما في \"تفسيره\" ١/ ٢٢١، قال: (وما يدريكم أنهم يؤمنون، ثم أوجب عليهم أنهم لا يؤمنون) ا. هـ.\n(٣) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٧/ ٣١٢، وابن أبي حاتم ٤/ ١٣٦٨ من عدة طرق جيدة، وذكر السيوطي في \"الدر\" ٣/ ٧٣.\n(٤) قرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم في رواية (إنها) بكسر الهمزة، وقرأ الباقون بفتحها. انظر: \"السبعة\" ص ٢٦٥، و\"المبسوط\" ص ١٧٣، و\"التذكرة\" ٢/ ٤٠٧، و\"التيسير\" ١٠٦، و\"النشر\" ٢٦١.\n(٥) \"الكتاب\" ٣/ ١٢٣.\n(٦) لفظ: (ذلك) ساقط من (أ).\n(٧) انظر: \"الكتاب\" ٣/ ١٢٢.","vol":"8","page":352},{"text":"لا يؤمنون، لأنه إذا قال القائل: إن زيدًا لا يؤمن، فقلت: وما يدريك أنه لا يؤمن، كانت المعنى: انه يؤمن، وإذا كان كذلك كان عذرًا لمن نفى الإيمان عنه، وليس المراد في الآية عذرهم وأنهم يؤمنون (١)، ألا ترى أن الله سبحانه قد أعلمنا في الآية الثانية أنهم لا يؤمنون بقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا﴾ إلى قوله: ﴿مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ١١١] وقرأ الباقون (أنها) بالفتح.\nقال الخليل: (هي بمنزلة قول العرب: أئت السوق أنك تشتري لنا شيئًا، أي: [لعلك] (٢) فكأنه قال: لعلها إذا جاءت لا يؤمنون) (٣)، انتهى كلامه. وأن بمعنى (٤) لعل كثير في كلامهم كقوله (٥):\n_________\n(١) هذا شرح لأبي علي في \"الحجة\" ٣/ ٣٧٨، وقال السمين في \"الدر\" ٣/ ١٠٢: (وقد شرح الناس قول الخليل وأوضحوه فقال الواحدي وغيره)، ثم ذكر هذا الشرح، وانظر: \"تفسير الرازي\" ١٣/ ١٤٥.\n(٢) في (ش): (لعل).\n(٣) \"الكتاب\" ٣/ ١٢٣.\n(٤) من معاني أن المشددة المفتوحة أنها تكون بمعنى لعل عند الأكثر. انظر: \"حروف المعاني\" ص ٥٧، و\"معاني الحروف\" ص ١١٢، و\"الصاحبي\" ص ١٧٦، و\"رصف المباني\" ص ٢٠٧، و\"مغني اللبيب\" ١/ ٤٠.\n(٥) الشاهد مختلف في نسبته، وهو لحاتم الطائي في \"ديوانه\" ص ٤٥، ولمعن بن أوس المزني في \"ديوانه\" ص ٨٠، ولدريد بن الصمة الجشمي في \"ملحق ديوانه\" ص ١١٦، والطبري ٧/ ٣١٣، والثعلبي ص ١٨٢/ ب، ولحطائط بن يعفر النهشلي في \"مجاز القرآن\" ١/ ٥٥، و\"الحماسة\" لأبي تمام ٢/ ٣٥٨، و\"عيون الأخبار\" ٣/ ١٨١، و\"الشعر والشعراء\" ص ١٤٧، ١٥٧ - ١٥٨، والطبري ٣/ ٧٨، و\"الحجة\" لأبي علي ٢/ ٢٢٥، و\"الدر المصون\" ٢/ ١١٧، وذكر في \"اللسان\" ١/ ١٥٨، أنن، نسبته إلى هؤلاء، وهو بلا نسبة في \"الإبدال\" لابن السكيت ص٨٥، و\"أمالي القالي\" ٢/ ٧٩، و\"سر صناعة الإعراب\" ١/ ٢٣٦، والرازي =","vol":"8","page":353},{"text":"أرِيني جَوَادًا مَاتَ هَزْلًا لأَنَّنِي ... أَرَى مَا تَرَيْنَ أَوْ بَخِيلًا مُخَلَّدا\nوقال آخر (١):\nهَل أَنْتُمْ عَائِجُونَ بِنَا لأنا ... نَرَى العَرَصاتِ أَوْ أَثَرَ الخيامِ\nوقال عدي (٢) بن زيد:\nأَعاذِل ما يُدْرِيكِ أَنَّ مَنِيَّتِي ... إلى ساعَةٍ في اليَومِ أو في ضُحى الغَدِ (٣)\n_________\n= ١٣/ ١٤٤. والشاهد: (لأنني) أراد: لعلني، وفي الدواوين وأكثر المراجع: (لعلني) بدل (لأنني)، وعليه فلا شاهد فيه.\n(١) الشاهد للفرزدق في \"ديوانه\" ٢/ ٢٩٠، و\"الحجة\" لأبي علي ٣/ ٣٧٩، و\"اللسان\" ٧/ ٤٠٤٩ مادة (لغن)، وهو لجرير في \"ملحق ديوانه\" ص ١٠٣٩، و\"اللسان\" ١/ ١٥٨ مادة (أنن)، و\"الدر المصون\" ٥/ ١٠٣، وبلا نسبة في \"الإنصاف\" ١/ ١٨٤، والقرطبي ٤/ ١٥٤. وعائجون: أي مائلون. والعرصات: جمع عرصة، وهو وسط الدار.\nوالشاهد: لأنا يريد: (لعنا)، وفي ديوانه الفرزدق وأكثر المراجع، (لعلنا) بدل (لأنا) وفي بعض المراجع (لِغنا) بالغين والفتح، وهي لغة في لعل.\n(٢) عَدي بن زيد بن حمار بن زيد العبادي التميمي أبو عمير، من أهل الحيرة، شاعر جاهلي فصيح، نصراني، مقدم على شعراء عصره؛ لكونه أول من كتب بالعربية والفارسية لدى كسرى، قتله النعمان بن المنذر ملك الحيرة، وقال ابن قتيبة: (علماؤنا لا يرون شعره حجة).\nانظر: \"طبقات فحول الشعراء\" ١/ ١٣٥ - ١٤٠، و\"الشعر والشعراء\" ص١٣٠، و\"معجم المرزباني\" ص ٧٣، و\"الأعلام\" ٤/ ٢٢٠.\n(٣) \"ديوانه\" ص ١٠٣، و\"الشعر والشعراء\" ص ١٣١، والطبري ٧/ ٣١٣، و\"جمهرة أشعار العرب\" ص ١٧٩، و\"المدخل للحدادي\" ص ٤٤٩، والثعلبي ١٨٢ ب، والبغوي ٣/ ١٧٨، وابن الجوزي ٣/ ١٠٥، والرازي ١٣/ ١٤٤، والقرطبي ٧/ ٦٤، و\"اللسان\" ١/ ١٥٨ مادة (أنن)، والخازن ٢/ ١٧٢، و\"الدر المصون\" ٥/ ١٠٣، وابن كثير ٢/ ١٨٤، وفي (الديوان): (إلا تظنُّنا) بدل (أن منيتي)، وعليه فلا شاهد فيه.","vol":"8","page":354},{"text":"وفسر علي: لعل منيتي، ويدل على صحة هذا وجودته في المعنى أنه قد جاء في التنزيل لعل بهذا (١) العلم كقوله تعالى: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى﴾ [عبس: ٣] ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ [الشورى: ١٧]، وهذا الذي ذكره الخليل من أن (٢) بمعنى لعل مذهب الفراء أيضًا قال: (وللعرب لغة في لعل بأن، وهو وجه جيد أن تجعل أن في موضع لعل) (٣)، ثم ذكر وجهًا آخر لهذه القراءة: (وهو أن تجعل لا صلة قال: ومثله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ﴾ [الأعراف: ١٢] معناه: أن تسجد، فيكون التقدير: وما يشعركم أنها إذا جاءت يؤمنون) (٤)، والمعنى على هذا: أنها لو جاءت لم يؤمنوا (٥).\nقال الزجاج: (والذي ذكر أن لا لغوٌ (٦) غالط؛ لأن ما كان لغوًا لا يكون غير لغو، ومن قرأ (إنها) بالكسرة لم يكن لا لغوًا، فليس يجوز أن يكون معنى لفظه مرة النفي ومرة الإيجاب) (٧).\n_________\n(١) في \"الحجة\" لأبي علي ٣/ ٣٨٠ (لعل بعد العلم).\n(٢) هكذا في النسخ، والأولى: (من أن - أن بمعنى لعل).\n(٣) \"معاني الفراء\" ١/ ٣٥٠، وهو قول الأخفش في \"معانيه\" ٢/ ٢٨٥ قال: (قرأ بعضهم (أنها) وبها نقرأ وفسر على لعلها ..) اهـ.\n(٤) \"معاني الفراء\" ١/ ٣٥٠.\n(٥) هذا قول أبي علي في \"الحجة\" ٣/ ٣٨٠ عند شرح هذا الوجه.\n(٦) لغو: أي زائدة وانظر: \"الإغفال\" ص ٦٧٧.\n(٧) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٨٣، وحكى كونها زائد النحاس في \"معانيه\" ٢/ ٤٧٣، عن الكسائي ثم قال: (وهذا عند البصريين غلط؛ لأن أن لا تكون زائدة في موضع تكون فيه نافية) ا. هـ، وقال الزجاج في \"معانيه\": (قد أجمعوا أن معنى (أن) هاهنا إذا فتحت معنى لعل، والإجماع أولى بالاتباع) ا. هـ، وقال شيخ الإسلام في \"الفتاوى\" ١٠/ ١٠ - ١١، ١٣/ ٢٤٦، ١٤/ ٤٩٥، في شرح الآية: (هذا استفهام نفي وإنكار، أي: وما يدريكم (إنها إذا جاءت لا يؤمنون) وأنا ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾. على قراءة من قرآ (إنها) بالكسر تكون جزمًا =","vol":"8","page":355},{"text":"قال أبو علي: (يجوز أن يكون لا في تأويل زائدة، وفي تأويل غير زائدة، كقول الشاعر (١):\nأَبَى جُوده لا البُخْلَ واستَعْجَلَتْ بِهِ ... نَعَمْ مِنَ فَتًى لا يَمْنَعُ الجُودَ قاتِلهْ\nينشد: لا البخلِ ولا البخلَ، فمن نصب البخلَ جعلها زائدة كأنه قال: أبي جوده البخل، ومن قال: لا البخلِ أضاف لا إلى البخل. ومثل هذه الآية في أن لا فيها يجوز أن يكون زائدة ويجوز أن لا يكون قوله تعالى: ﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٥]، (٢)، وسنذكر\n_________\n= بأنها ﴿إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠٩) وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾، وأشكلت قراءة الفتح على كثير بسبب أنهم ظنوا أن الآية بعدها جملة مبتدأة، وليس كذلك، لكنها داخلة في خبر أن، والمعنى: إذا كنتم لا تشعرون أنها إذا جاءت لا يؤمنون وأنا أفعل بهم هذا لم يكن قسمهم صدقًا بل قد يكون كذبًا، وهو ظاهر الكلام المعروف أنها أن المصدرية ولو كان (ونقلب) إلى آخره كلامًا مبتدأ لزم أن كل من جاءته آية قُلب فؤاده، وليس كذلك بل قد يؤمن كثير منهم، ومن فهم معنى الآية عرف خطأ من قال: أن (أن) بمعنى لعل واستشكل قراءة الفتح، بل يعلم حينئذ أنها أحسن من قراءة الكسر) ا. هـ وانظر: \"تفسير ابن عطية\" ٥/ ٣١٦، وابن كثير ٢/ ١٨٤.\n(١) لم أعرف قائله، وهو في: \"معاني الأخفش\" ٢/ ٢٩٤، والطبري ٨/ ١٢٩، و\"الأضداد\" لابن الأنباري ص ٢١١، و\"الإغفال\" ص ٦٩٠، و\"كتاب الشعر\" ١/ ١١٧، و\"الخصائص\" ٢/ ٣٥، ٢٨٣، و\"أمالي ابن الشجري\" ٢/ ٥٣٧، ٥٤٢، وابن عطية ٥/ ٣١٦، و\"اللسان\" ٨/ ٤٤٨٥ مادة (نعم) و١٥/ ٤٦٦ (لا)، و\"مغني اللبيب\" ١/ ٢٤٨.\n(٢) \"الحجة\" لأبي علي ٣/ ٣٨٠ - ٣٨١، وانظر: \"معاني القراءات\" ١/ ٣٧٩، و\"إعراب القراءات\" ١/ ١٦٧، و\"الحجة\" لابن خالويه ص ١٤٧، ولابن زنجلة ص ٢٦٥، و\"الكشف\" ١/ ٤٤٤.","vol":"8","page":356},{"text":"الوجهين في الآية إذا انتهينا إليها إن شاء الله (١).\nواختلفوا في قوله ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾ فقرأ (٢) بعضهم بالياء، وهو وجه القراءة؛ لأن قوله: [و] (٣) أَقْسَمُوا بالله) الآية [الأنعام: ١٠٩] إنما يراد به قوم مخصوصون يدلك على ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ﴾ الآية [الأنعام: ١١١] وليس كل الناس بهذا الوصف، [و] (٤) المعني: وما يشعركم أيها المؤمنون لعلهم إذا جاءتهم الآية التي اقترحوا لم يؤمنوا، فالوجه الياء؛ لأن الذين نفى عنهم الإيمان هم الغُيّب المقسمون، أي: لا يؤمنون هؤلاء الغيب المقسمون، وقرأ حمزة وابن عامر بالتاء، وهو على الانصراف من الغيبة إلى الخطاب، والمراد بالمخاطبين في (يؤمنون) هم الغُيّب المقسمون الذين أخبر عنهم أنهم لا يؤمنون (٥).\nوذهب مجاهد وابن زيد (٦) إلى أن الخطاب في قوله ﴿وَمَا يُشْعِرُكُمْ﴾ للكفار الذين أقسموا، قال مجاهد: (وما يدريكم أنكم تؤمنون إذا\n_________\n(١) انظر: \"البسيط\" النسخة الأزهرية ٣/ ٢٥٠ ب.\n(٢) قرأ ابن عامر وحمزة ﴿لَا تُؤْمِنُونَ﴾ بالتاء، وقرأ الباقون بالياء. انظر: \"السبعة\" ص ٢٦٥، و\"المبسوط\" ص ١٧٣، و\"التذكرة\" ٢/ ٤٠٨، و\"التيسير\" ص ١٠٦، و\"النشر\" ٢/ ٢٦١.\n(٣) لفظ: (الواو) ساقط من (أ).\n(٤) لفظ: (الواو) ساقط من (أ).\n(٥) ما تقدم هو كلام الفارسي في \"الحجة\" ٣/ ٣٨٢ - ٣٨٣، إلا أنه لم يختر القراءة بالياء بل وجه القراءة فقط. وانظر: \"معانى القراءات\" ١/ ٣٨٠، و\"إعراب القراءات\" ١/ ١٦٧، و\"الحجة\" لابن خالويه ص ١٤٧، ولابن زنجلة ص ٢٦٧، و\"الكشف\" ١/ ٤٤٦.\n(٦) ذكره ابن عطية في \"تفسيره\" ٥/ ٣١٥، والرازي ١٣/ ٢٤٥، والقرطبي ٧/ ٦٤، وأبو حيان في \"البحر\" ٤/ ٢٠١.","vol":"8","page":357},{"text":"جاءت) (١)، وهذا يقوي [قراءة] (٢) من قرأ (تؤمنون) بالتاء، على ما ذكرنا أولًا الخطاب في قوله ﴿وَمَا يُشْعِرُكُمْ﴾ للمؤمنين، وذلك أنهم تمنوا نزول الآية ليؤمن المشركون، وهو الوجه؛ لأنه قيل للمؤمنين: تمنون ذلك، وما يدريكم أنهم يؤمنون، على ما شرحنا وبينا (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1071>١١٠ </span>- قوله تعالى ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ﴾ قال المفسرون (٤): (نحول بينهم وبين الإيمان لو جاءتهم تلك الآية فلا يؤمنون، حُلنا بينهم وبين الإيمان أول مرة). قال ابن عباس في رواية عطاء: (﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ﴾ حتى يرجعوا إلى ما سبق عليهم من علمي، قال: وهذا كقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ [الأنفال: ٢٤] قال: يريد: يحول بين المؤمن وبين أن يكفر به وبين الكافر وبين أن يؤمن به) (٥)، والتقليب (٦) والقلب واحد وهو تحويلك (٧) الشىء عن وجهه، ومعنى تقليب [الأفئدة والأبصار] (٨) هاهنا، هو أن الواجب من مقتضى الآية أن يؤمنوا إذا جاءتهم الآية فعرفوها بقلوبهم ورأوها بأبصارهم، فإذا\n_________\n(١) سبق تخريجه.\n(٢) لفظ: (قراءة) مكرر في (أ).\n(٣) انظر: \"تفسير الرازي\" ١٣/ ١٤٥، فقد نقل عامة الأقوال التي ذكرها الواحدي، وكذلك نص كلام الواحدي في التوجيه، دون نسبة.\n(٤) انظر: \"تفسير الطبري\" ٧/ ٣١٤، والسمرقندي ١/ ٥٠٧، والماوردي ٢/ ١٥٦.\n(٥) ذكره ابن القيم كما في \"بدائع التفسير\" ٢/ ١٧٢.\n(٦) القلب: بفتح القاف وسكون اللام. والتقليب -بفتح التاء وسكون القاف وكسر اللام-: الصرف، وتحويل الشيء عن وجهه. انظر: \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٣٠٢٧، و\"الصحاح\" ١/ ٢٠٥، و\"المفردات\" ص ٦٨١، و\"اللسان\" ٦/ ٣٧١٣ مادة (قلب).\n(٧) (تحويلك) غير واضح في (ش).\n(٨) في (ش): (الأفئدة أو الأبصار).","vol":"8","page":358},{"text":"لم يؤمنوا كان ذلك بتقليب الله تعالى قلوبهم وأبصارهم عن وجهها الذي يجب أن يكون عليه، وهو معنى ما قاله المفسرون: (نحول بينهم وبين (١) الإيمان لو جاءتهم الآية) (٢).\nوقد أخبرنا أبو إبراهيم إسماعيل (٣) بن أبي القاسم الصوفي -﵀-[أنبا] (٤) أبو عمرو محمَّد بن (٥) جعفر بن مطر أنبا إبراهيم (٦) بن شريك نبا شهاب (٧) نبا حماد (٨) عن\n_________\n(١) النسخ: (وبين أهل الإيمان). وفي (أ): ضرب على - (أهل) - وهو الصواب.\n(٢) ذكر ابن القيم كما في \"بدائع التفسير\" ٢/ ١٧٢، نحوه. وانظر: البغوي ٣/ ١٧٨، وابن الجوزي ٣/ ١٠٥، والقرطبي ٧/ ٦٥.\n(٣) أبو إبراهيم إسماعيل بن إبراهيم بن محمد النصراباذي الواعظ. تقدمت ترجمته.\n(٤) في (أ): (أنا).\n(٥) محمد بن جعفر بن محمد بن مَطَر النيسابوري، أبو عمرو الزاهد، إمام علامة عابد، كان ذا حفظ، وإتقان، متعففًا قانعًا، يحيي الليل ويجتهد في متابعة السنة، ورحل إلى الآفاق المتباعدة، وسمع الكثير، وسمع منه الحفاظ الكبار، توفي سنة ٣٦٠ هـ، وله ٩٥ سنة. انظر: \"سير أعلام النبلاء\" ١٦/ ١٦٢، و\"البداية والنهاية\" ١١/ ٢٧١، و\"شذرات الذهب\" ٣/ ٣١.\n(٦) إبراهيم بن شَرِيك بن الفَضل ابن خالد الأسدي أبو إسحاق الكوفي نزيل، محدث ثقة، توفي سنة ٣٠٢ هـ، أو قبلها. انظر: \"تاريخ بغداد\" ٦/ ١٠٢، و\"سير أعلام النبلاء\" ١٤/ ١٢٠، و\"تاريخ الإِسلام\" ص ٨٤، و\"شذرات الذهب\" ٢/ ٢٣٨.\n(٧) شهاب بن عباد العبدي أبو عمر الكوفي إمام ثقة، توفي سنة ٢٢٤ هـ. انظر: \"التاريخ الكبير\" ٤/ ٢٣٥، و\"الجرح والتعديل\" ٤/ ٣٦٣، و\"تهذيب التهذيب\" ٢/ ١٨١.\n(٨) حماد بن زيد بن درهم الأزدي أبو إسماعيل البصري، إمام علامة، عابد فاضل، فقيه، ثقة، ثبت، أجمعوا على جلالته، روى عن جماعة من التابعين، وتوفي سنة =","vol":"8","page":359},{"text":"أيوب (١) وهشام (٢) ومعلى (٣) بن زياد عن الحسن قال: (قالت عائشة ﵂: دعوة كان رسول الله - ﷺ - يكثر أن يدعو بها: \"يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك\" فقلت: يا رسول الله، دعوة كثيرًا ما تدعو بها؟ قال: \"إنه ليس من عبد إلا وقلبه بين إصبعين من أصابع الله، فإذا شاء أن يقيمه أقامه، [وإذا] (٤) شاء أن يزيغه أزاغه\" (٥).\n_________\n= ١٧٩ هـ، وله ٨١ سنة. انظر: \"طبقات ابن سعد\" ٧/ ٢٨٧، و\"الحلية\" ٦/ ٢٥٧، و\"سير أعلام النبلاء\" ٧/ ٤٥٦، و\"تهذيب التهذيب\" ١/ ٤٨٠.\n(١) أيوب بن كيسان السَّختيَاني، أبو بكر بن أبي تميمة البصري، إمام عابد، فقيه، ثبت، متقن، أجمعوا على إمامته ووفور علمه، روى عن جماعة من التابعين، وتوفي سنة ١٣١ هـ، وله ٦٥ سنة. انظر: \"طبقات ابن سعد\" ٧/ ٢٤٦، و\"الجرح والتعديل\" ٢/ ٢٥٦، و\"سير أعلام النبلاء\" ٦/ ١٨، و\"تهذيب التهذيب\" ١/ ٢٠٠.\n(٢) هشام بن حسان الأزدي أبو عبد الله البصري القردوسي، تقدمت ترجمته.\n(٣) مَعلَّى بن زياد القُرْدُوسي، أبو الحسن البصري، إمام عابد، زاهد صدوق، قليل الحديث، روى عن جماعة من التابعين، وتوفي بعد المائة. انظر: \"التاريخ الكبير\" للبخاري ٧/ ٣٩٤ (١٧١٥)، و\"الجرح والتعديل\" ٨/ ٣٣٠، و\"ميزان الاعتدال\" ٤/ ١٤٨، و\"تهذيب التهذيب\" ٤/ ١٢٢، و\"تقريب التهذيب\" ص ٥٤١ (٦٨٠٤).\n(٤) في (أ): (وإن شاء).\n(٥) سند الواحدي جيد لكنه مرسل، قال المزي في \"تهذيب الكمال\" ٦/ ٩٧: (الحسن رأى عائشة ولم يصح له سماع منها) ا. هـ، وذكر طريق الواحدي ابن القيم في \"بدائع التفسير\" ٢/ ١٧٣، وأخرجه أحمد في \"المسند\" ٦/ ٩١، عن الحسن، وأخرجه ابن أبي عاصم في \"السنة\" ١/ ١٠٠، رقم ٢٢٤، ٢٣٣، والآجري في \"الشريعة\" ص ٢٦٣، ٢٦٤، من طرق عن عائشة، وأخرجه الآجري عن الحسن، عن أمه، عن أم سلمة، وصحح طريق عائشة الألباني في تعليقه على \"السنة\" ١/ ١٠١ ص ١٠٤، والحديث ثابت صحيح من عدة طرق أخرى، فقد روي من طرق جيدة عن أنس، والنواس بن سمعان، وجابر، وعبد الله بن عمرو، وأم =","vol":"8","page":360},{"text":"وقوله تعالى: ﴿كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا﴾ دخلت الكاف على محذوف تقديره: فلا يؤمنون ﴿كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ يعني: أول مرة أتتهم الآيات، مثل انشقاق القمر، وغيره من الآيات، والتقدير: فلا يؤمنون ثاني مرة بما طلبوا من الآيات؛ كما لم يؤمنوا أول مرة، وهذا معنى قول ابن زيد (١) ومجاهد (٢) والكلبي (٣).\nوالكناية في (به) يجوز أن تعود على القرآن، وعلى محمد، ويجوز أن تعود على ما طلبوا من الآيات (٤) وقال بعضهم: معنى الكاف في قوله\n_________\n= سلمة، أخرجه أحمد في \"المسند\" ٢/ ١٧٣ ص ١٦٨ و٣/ ١١٢ و١٥٧ و٤/ ١٨٢ و٦/ ٣١٥، وابن ماجه ١/ ٧٢، رقم ١٩٩ و٢/ ١٢٦٠، رقم ٣٨٣٤، والترمذي وحسنه ٤/ ٤٤٨، رقم ٢١٤٠ و٥/ ٥٣٨، رقم ٣٥٢٢، وابن أبي عاصم في \"السنة\" ١/ ٩٨ - ١٠٤، والآجري في \"الشريعة\" ص ٢٦٣، ٢٦٤، و\"الحاكم\" وصححه ٢/ ٢٨٩ و٤/ ٣٢١، وصحح أكثر طرقه الألباني في تعليقه على \"السنة\". وانظر: \"مجمع الزوائد\" ٧/ ٢١٠، وأخرج مسلم ٣/ ٢٠٤٥، رقم ٢٦٥٤، عن عبد الله بن عمرو قال: (سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"إن قلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن، كقلب واحد يصرفه حيث شاء\"، ثم قال: \"اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك\" ا. هـ\n(١) أخرج الطبري في \"تفسيره\" ٧/ ٣١٤، وابن أبي حاتم ٤/ ١٣٦٩ بسند جيد عنه قال: (نمنعهم من ذلك كما فعلنا بهم أول مرة، وقرأ (كما لم يؤمنوا به أول مرة) ا. هـ.\n(٢) أخرج الطبري في \"تفسيره\" ٧/ ٣١٤، وابن أبي حاتم ٤/ ١٣٦٩ بسند جيد عنه قال: (نحول بينهم وبين الإيمان ولو جاءتهم كل آية فلا يؤمنون، كما حلنا بينهم وبين الإيمان أول مرة) ا. هـ. وذكره السيوطي في \"الدر\" ٣/ ٧٢.\n(٣) انظر: \"تنوير المقباس\" ٢/ ٥٢.\n(٤) انظر: \"تفسير الطبري\" ٧/ ٣١٥، والسمرقندي ٣/ ٣٠٦، وابن الجوزي ٣/ ١٠٦.","vol":"8","page":361},{"text":"﴿كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا﴾ معنى الجزاء (١)، ومعنى الآية: ونقلب أفئدتهم وأبصارهم عقوبة لهم على تركهم الإيمان في المرة الأولى، يعني: كما لم يؤمنوا أول مرة، فكذلك نقلب أفئدتهم وأبصارهم في المرة الثانية، وعلى هذا لا محذوف في الآية، وهو معنى قول ابن عباس (٢) والعوفي (٣) وهذه الآية حجة على القدرية الذين يكذبون بقضاء الكفر (٤).\n_________\n(١) انظر: \"تفسير ابن عطية\" ٥/ ٣١٩، ونقل الرازي ٣/ ١٤٨، السمين في \"الدر\" ٥/ ١١١، هذا القول عن الواحدي، وقال ابن القيم في \"بدائع التفسير\" ٢/ ١٧٢: (اختلف في قوله: ﴿كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾، فقال كثير من المفسرين المعنى: نحول بينهم وبين الإيمان لو جاءتهم الآية كما حلنا بينهم وبين الإيمان أول مرة. وقال آخرون: المعنى: ونقلب أفئدتهم وأبصارهم لتركهم الإيمان به أول مرة، فعاقبناهم بتقليب أفئدتهم وأبصارهم، وهذا معنى حسن، فإن كاف التشبيه تتضمن نوعًا من التعليل، كقوله ﴿وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [القصص: ٧٧]، والذي حسن اجتماع التعليل والتشبيه الإعلام بأن الجزاء من جنس العمل في الخير والشر. والتقليب: تحويل الشيء عن وجه إلى وجه، وكان الواجب من مقتضى إنزال الآية وصولهم إليها كما سألوا أن يؤمنوا إذ جاءتهم لأنهم رأوها عيانًا وعرفوا أدلتها وتحققوا صدقها، فإذا لم يؤمنوا كان ذلك تقليبًا لقلوبهم وأبصارهم عن وجهها الذي ينبغي أن تكون عليه ..) ا. هـ ملخصًا، وقال أبو حيان في \"البحر\" ٤/ ٢٠٤: (الكاف في (كما) الظاهر أنها لتعليل، وهو واضح فيها وإن كان استعمالها فيه قليلًا. وقالت فرقة: هي بمعنى المجازاة، وهو معنى التعليل إلا أن تسمية ذلك غريبة لا يعهد في كلام النحويين أن الكاف للمجازاة) ا. هـ ملخصًا.\n(٢) أخرجه الطبري ٧/ ٣١٥، وابن أبي حاتم ٤/ ١٣٧٠ بسند جيد، قال: (لو ردوا إلى الدنيا لحيل بينهم وبين الهدى كما حلنا بينهم وبينه أول مرة وهم في الدنيا) ا. هـ، وأخرجا بسند ضعيف عن ابن عباس قال: (لما جحد المشركون ما أنزل الله لم تثبت قلوبهم على شيء وردت عن كل أمر) ا. هـ.\n(٣) لم أقف عليه.\n(٤) انظر: \"تفسير الرازي\" ١٣/ ١٤٦، ١٤٧.","vol":"8","page":362},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ قال عطاء، عن ابن عباس: (يريد: أخذلهم وأدعهم في ضلالتهم يتمادون) (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1072>١١١ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ﴾ الآية، كان المشركون يقولون للنبي - ﷺ -: أرنا الملائكة يشهدون لك بالنبوة، أو ابعث لنا بعض موتانا حتى نسألهم عنك أحق ما تقول أم باطل؟ والمسلمون يتمنون آية تأتيهم لعلهم يؤمنون، فقال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ﴾ كما شاؤوا ورأوهم عيانًا ﴿وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى﴾ فشهدوا لك بالنبوة (٢) ﴿وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا﴾ وقرئ (قِبَلا) (٣) قال أبو زيد: (يقال: لقيت فلانًا قِبَلًا ومُقَابَلة، وقَبَلاَ وقُبُلًا وقِبليًّا وقَبِيلًا، كله واحد، وهو المواجهة) (٤)، والمعنى في القراءتين على ما قاله أبو زيد واحد وإن اختلف\n_________\n(١) ذكره ابن القيم في \"بدائع التفسير\" ٢/ ١٧٣، وذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ١٠٠، والبغوي ٣/ ١٧٩ من قول عطاء، وأخرج الطبري ٧/ ٣١٥، وابن أبي حاتم ٤/ ١٣٧٠، تحقيق أحمد الزهراني بسند جيد عن ابن عباس، قال: ﴿يَعْمَهُونَ﴾ يتمادون. وانظر: \"تفسير ابن كثير\" ٢/ ١٨٥.\n(٢) هذا قول الفراء في \"معانيه\" ١/ ٣٥٠، و\"النحاس\" ٢/ ٤٧٥، والسمرقندي ١/ ٥٠٧، وأخرجه ابن أبي حاتم ٤/ ١٣٧ بسند جيد عن مجاهد، وذكره هود الهواري ١/ ٥٥٢ عن الحسن، وذكره ابن الجوزي ٣/ ١٠٦، والرازي ١٣/ ١٥٠، عن ابن عباس.\n(٣) قرأ ابن عامر ونافع (قِبَلًا) بكسر القاف وفتح الباء، وقرأ الباقون بضمهما. انظر: \"السبعة\" ص ٢٦٥ - ٢٦٦، و\"المبسوط\" ص ١٧٣، و\"التذكرة\" ٢/ ٤٠٨، و\"التيسير\" ص ١٠٦، و\"النشر\" ٢/ ٢٦١، ٢٦٢.\n(٤) \"النوادر\" ص ٢٣٥، وقبلًا: بكسر القاف وفتح الباء، ومقابلة: بضم الميم، وفتح القاف والباء، وقبلا بالفتح، وقبلًا: بالضم. وقبليًّا: بالفتح وتشديد الياء. وقبيلًا: بفتح القاف وكسر الباء.","vol":"8","page":363},{"text":"اللفظان، فأما من قرأ (قِبَلًا) بكسر القاف وفتح الباء، فقال أبو عبيدة (١) والفراء (٢) والزجاج (٣) وجميع أهل اللغة (٤): (معناه: عيانًا، يقال: لقيته قِبَلًا أي: معاينةً).\nقال ابن الأنباري (٥): (قال أبو ذر (٦): قلت للنبي - ﷺ -: أنبيًّا كان آدم؟ فقال: \"نعم كان نبيًّا كَلَّمَهُ الله قِبلًا\") (٧).\n_________\n(١) \"مجاز القرآن\" ١/ ٢٠٤.\n(٢) \"معاني الفراء\" ١/ ٣٥١.\n(٣) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٨٣، وهو قول الأخفش ٢/ ٢٨٦، واليزيدي في \"غريبه\" ص ١٤١، وابن قتيبة في \"تفسير غريب القرآن\" ١/ ١٦٩، والطبري ٨/ ٢، مكي في \"تفسير المشكل\" ص ٧٩.\n(٤) انظر: \"العين\" ٥/ ١٦٦، و\"الجمهرة\" ١/ ٣٧٢، و\"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٨٢٦، و\"الصحاح\" ٥/ ١٧٩٥، و\"المجمل\" ٣/ ٧٤١، و\"المفردات\" ص ٦٥٣، و\"اللسان\" ٦/ ٣٥٢٠ مادة (قبل).\n(٥) ذكره السمين في \"الدر\" ٥/ ١١٢.\n(٦) أبو ذر: صحابي مشهور، اختلف في اسمه. والمشهور: جندب بن جنادة بن السكن الغفاري، مشهور بكنيته، صحابي فاضل جليل، أحد السابقين إلى الإسلام، رأس في الزهد والصدق، والعمل والعلم، لازم النبي - ﷺ - وجاهد معه، وفضله ومناقبه وثناء الأئمة عليه كثير، توفي ﵁ سنة ٣٢ هـ.\nانظر: \"طبقات ابن سعد\" ٤/ ٢١٩، و\"الحلية\" ١/ ١٥٦، و\"الاستيعاب\" ٤/ ٢١٦، و\"سير أعلام النبلاء\" ٢/ ٤٦، و\"الإصابة\" ٤/ ٦٢، و\"تهذيب التهذيب\" ٤/ ٥١٩.\n(٧) أخرجه أبو الشيخ في \"العظمة\" ص ٤٤٩ بسند ضعيف، وذكره الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" ٨/ ١٩٨، وقال: (رواه الطبراني في الأوسط، وأحمد بنحوه، وفيه المسعودي قد اختلط) ا. هـ، وأخرجه أحمد في \"المسند\" ٥/ ١٧٨ و١٧٩، والبخاري في \"التاريخ الكبير\" ٥/ ٤٤٧ بلفظ: (آدم نبي مكلم)، وفيه: المسعودي عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة الكوفي، إمام صدوق اختلط قبل موته كما في \"التقريب\" ٣٤٤ (٣٩١٩)، وعبيد بن الخشخاش، قال ابن حجر في \"التقريب\" =","vol":"8","page":364},{"text":"ومن قرأ (قُبُلًا) (١) فله ثلاثة أوجه أحدها: أن يكون جمع قَبِيل (٢) الذي يراد به الكفيل، يقال: قَبَلْتُ (٣) بالرجل أقْبَل قَبَالةً، أي: كفلتُ به، ويكون المعنى: لو حُشر عليهم كل شيء فكفل بصحة ما تقول ما آمنوا (٤).\nفإن قيل: إذا لم يؤمنوا مع إنزال الملائكة إليهم وأن يكلمهم الموتى، مع أن ذلك مما [يبهر] (٥) ظهوره، ويضطرب مشاهدته، فكيف يؤمنون بالكفالة التي هي قول لا يبهر ولا يضطر، ويجوز أن لا يصدقوا بكفالتهم، وأي أعجوبة في كفالتهم حتى تذكر مع إنزال الملائكة وكلام الموتى؟ قيل: في الأشياء المحشورة ما ينطق وما لا ينطق، فإذا نطق بالكفالة من لا ينطق كان ذلك موضع بهر الآية، ومعنى ﴿وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ﴾ جمعنا (٦) ﴿عَلَيْهِمْ كُلَّ\n_________\n= ٣٧٦ (٤٣٧١) مادة (لين)، وأبو عمر الدمشقي، قال ابن حجر في \"التقريب\" ٦٦٠ (٨٢٦٥) (ضعيف). وأخرجه الحاكم ٢/ ٢٦٢ عن أبي أمامة بلفظ: (نبي معلم مكلم)، قال الحاكم: (حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه) ا. هـ، وفيه: ممطور الأسود أبو سلام الحبشي، قال ابن أبي حاتم في \"المراسيل\" ص ٢١٥: (سمعت أبي يقول: ممطور الحبشي عن أبي أمامة مرسل) ا. هـ، وانظر: \"الدر المنثور\" ١/ ١٠٤، وقال ابن الأثير في \"النهاية\" ٤/ ٨: (في حديث آدم إن الله كلمه قبلا -بكسر القاف وفتح الباء- أي: عيانًا ومقابلة، لا من وراء حجاب، ومن غير أن يولي أمره أو كلامه أحدًا من ملائكته) ا. هـ، وانظر: مرويات الإمام أحمد في \"التفسير\" ٢/ ١٢٤ - ١٢٥.\n(١) أي: بالضم.\n(٢) قبيل: بفتح القاف وكسر البار كَرِغيف ورُغُف - أفاده السمين في \"الدر\" ٥/ ١١٣.\n(٣) قَبَلْتُ: بالفتح، أَقْبَل: بسكون القاف وفتح الباء، قَبَالة: بالفتح. أفاده السمين في \"الدر\" ٥/ ١١٣.\n(٤) ذكر هذا الوجه أكثرهم، وهو اختيار الفراء في \"معانيه\" ١/ ٣٥٠.\n(٥) في (ش): (يبهز)، وهو تصحيف.\n(٦) في (ش): تكرر لفظ (جمعنا عليهم).","vol":"8","page":365},{"text":"شَيْءٍ﴾ في الدنيا. الوجه الثاني: أن يكون (قُبُلًا) جمع قبيل (١) بمعنى الصنف، المعنى: ﴿وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [قبيلًا قبيلًا] (٢)، والأعجوبة في هذا هو جمع الأشياء جنسًا جنسًا، وجمع الأشياء ليس في العرف (٣) أن تجمع وتحشر إلى موضع. الوجه الثالث: أن يكون (قُبلًا) بمعنى (قِبلًا) (٤) أي: مواجهة ومعاينة، كما فسره أبو زيد (٥)، وهذا في المعنى كالقراءة (٦) الأولى (٧).\n_________\n(١) قبيل: بفتح القاف، وكسر الياء: وهم الجماعة، والصنف، وهذا الوجه قول الأخفش في \"معانيه\" ٢/ ٢٨٦، وأبي عبيدة في \"المجاز\" ١/ ٢٠٤، واليزيدي في \"غريب القرآن\" ص ١٤١، وابن قتيبة في \"تفسير غريب القرآن\" ١/ ١٦٩، ومكي في \"تفسير المشكل\" ص ٧٩، وقال الإِمام البخاري في \"صحيحه\" ٨/ ٢٩٦، مع فتح الباري: (قُبلا جمع قبيل، والمعنى: أنه ضروب للعذاب، كل ضرب منها قبيل) ا. هـ، وقال ابن الأنباري في قصيدة في \"مشكل اللغة\"، وشرحها في مجلة \"مجمع اللغة\" ٤/ ٦٤/ ٦٤٧: (القبل، بالضم: الضروب والجماعات من العذاب، جمع قبيل) ا. هـ.\n(٢) في (أ): (قبلًا قبيلًا) ولعله تصحيف.\n(٣) في \"الحجة\" لأبي علي ٣/ ٣٨٦، بعد ذكر ما تقدم قال: (فموضع ما يبهر هو اجتماعها مع أن ذلك ليس في العرف).\n(٤) أي يكون قبلًا: بالضم، بمعنى قبلًا بكسر القاف وفتح الباء.\n(٥) وكذلك المبرد كما حكاه النحاس في \"إعراب القرآن\" ٥٧٤ عنه.\n(٦) ما تقدم: هو قول أبي علي في \"الحجة\" ٣/ ٣٨٤ - ٣٨٧، بتصرف. انظر: \"معاني القراءات\" ١/ ٣٨٠، و\"الحجة\" لابن زنجلة ص ٢٦٧، و\"الكشف\" ١/ ٤٤٦.\n(٧) ذكر نحو ما تقدم أكثرهم. انظر: \"معاني الفراء\" ١/ ٣٥٠، والزجاج ٢/ ٢٨٣، والنحاس ٢/ ٤٧٥، و\"تفسير السمرقندي\" ١/ ٥٠٧، وابن عطية ٥/ ٣٢١، وابن الجوزي ٣/ ١٠٧، والقرطبي ٧/ ٦٦، وذكره الرازي ١٣/ ١٥٠، السمين في \"الدر\" ٥/ ١١٢، عن الواحدي.","vol":"8","page":366},{"text":"وقوله تعالى: ﴿مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ قال الزجاج (١): (أعلم الله جل وعز أنهم لا يؤمنون، وهو كإعلام نوح في قوله تعالى: ﴿أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾ [هود: ٣٦]، قال عكرمة (٢): (هذا في أهل الشقاء)، وقال ابن جريج (٣): (نزلت هذه الآية في المستهزئين الذين ذكروا في سورة الحجر) (٤).\nقال ابن عباس في هذه الآية: (أخبر الله تعالى نبيه - ﷺ - بما سبق في علمه وقضائه وقدره من الشقوة عليهم، ليعزى رسوله ويصبره، وذلك أن حزن النبي - ﷺ - اشتد حين كذّبه قومه، وكفروا بالله، وصاروا إلى العذاب، ولهذا قال الله تعالى له: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ﴾ [الكهف: ٦] (٥).\n_________\n= وأظهر الأقوال توافق القراءتين بمعنى: المعاينة والمقابلة. وهو ظاهر كلام ابن كثير ٢/ ١٨٥، وقال أبو حيان في \"البحر\" ٤/ ٢٠٦: (هذا القول عندي أحسن؛ لاتفاق القراءتين) ا. هـ وأخرجه الطبري ١٢/ ٤٩، وابن أبي حاتم ٤/ ١٣٧٠، والبيهقي في \"الأسماء والصفات\" ١/ ٢٠٥، بسند جيد عن ابن عباس، وأخرجه الطبري بسند جيد عن قتادة، وحكاه الماوردي ٢/ ١٥٧، عن ابن زيد وابن إسحاق، وأخرج ابن حسنون في \"اللغات\" ص ٢٤، و\"الوزان\" ص ٣/ ب، بسند جيد عن ابن عباس قال: (قبلًا يعني: عيانًا؛ الضم بلغة تميم، والكسر بلغة كنانة) اهـ.\n(١) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٨٣، ومثله ذكر السمرقندي ١/ ٥٠٧.\n(٢) لم أقف عليه.\n(٣) أخرجه الطبري ٨/ ١، بسند جيد، وذكره ابن عطية ٥/ ٣٢٠، وقال: (هذا لا يثبت إلا بسند) ا. هـ. وانظر: \"الدر المنثور\" ٣/ ٧٢.\n(٤) يعني قوله تعالى: ﴿كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ﴾ [الحجر: ٩٠]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ [الحجر: ٩٥]، وانظر: سبب نزولها في \"زاد المسير\" ٤/ ٤١٧ - ٤٢١.\n(٥) أخرج البيهقي في \"الأسماء والصفات\" ص ١/ ٢٥٠ بسند جيد عن ابن عباس قال: (إن رسول الله - ﷺ - كان يحرص أن يؤمن جميع الناس، ويبايعوه على الهدى، =","vol":"8","page":367},{"text":"وقال ابن الأنباري: (أقسم الكافرون أن الآية متى [أنزلت] (١) آمنوا بها، فقدر المؤمنون أن هذا القول صحيح منهم، فدلهم جل اسمه على أن قولهم ليس بحقٍّ، وأنه لو أحضرهم هؤلاء الآيات التي عددها ما كانوا ليؤمنوا ويعترفوا بصحة ما يشاهدون منها، إلا أن يهديهم إلى ذلك، ويسهل عليهم تبين الآيات وقبولها، وهو معنى قوله ﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾) (٢)، وهذا نص في تكذيب القدرية (٣).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ﴾ قال ابن عباس: (يجهلون الحق أنه من الله) (٤). وقيل: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ﴾ أنهم لو أتوا بكل آية ما آمنوا (٥).\n_________\n= فأخبره الله تعالى أنه لا يؤمن إلا من سبقت له من الله السعادة في الذكر الأول، ولا يضل إلا من سبقت له من الله الشقاوة في الذكر الأول، ثم قال لنبيه - ﷺ -: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٣] ا. هـ\nوأخرج الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ١، وابن أبي حاتم ٣/ ١٠٣ أ، والبيهقي في \"الأسماء والصفات\" ص ١٠٥ بسند جيد عنه قال: (﴿مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾ وهم أهل الشقاء ﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ وهم أهل السعادة الذي سبق لهم في علمه أن يدخلوا في الإيمان) اهـ.\n(١) في (ش): (نزلت).\n(٢) لم أقف عليه. وانظر: \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٨٤.\n(٣) انظر: \"تفسير الرازي\" ١٣/ ١٥١، و\"البحر المحيط\" ٤/ ٢٦، وقال ابن عطية في \"تفسيره\" ٥/ ٣٢٠: (وهذا يتضمن الرد على المعتزلة في قولهم بالآيات التي تضطر الكفار إلى الإيمان) ا. هـ\n(٤) \"تنوير المقباس\" ٢/ ٥٣.\n(٥) ذكره أكثر المفسرين. انظر: \"تفسير السمرقندي\" ١/ ٥٠٨، والماوردي ٢/ ١٥٧، وابن الجوزي ٣/ ١٠٧، والرازي ١٣/ ١٥١، والقرطبي ٧/ ٦٧، و\"البحر المحيط\" ٤/ ٢٠٦.","vol":"8","page":368},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا﴾ الآية [الأنعام: ١١٢] قوله: ﴿وَكَذَلِكَ﴾ منسوق على قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٠٨] أي: كما فعلنا ذلك ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا﴾، وقيل (١): (معناه: جعلنا لك عدًّا، كما جعلنا لمن قبلك من الأنبياء) فيكون قوله ﴿وَكَذَلِكَ﴾ عطفًا على معنى ما تقدم من الكلام، وما تقدم يدل على معناه على أنه جعل له أعداء، قال المفسرون (٢): (وهذا تعزية للنبي - ﷺ -، يقول: كما ابتليناك بهؤلاء القوم فكذلك جعلنا لكل نبي قبلك عدوًا ليعظم ثوابه على ما يكابد من أذاه).\nقال الزجاج (٣) وابن الأنباري: (وعدو (٤) في معنى: أعداء)، وأنشد أبو بكر:\n_________\n(١) أكثرهم على أن الكاف في محل نصب نعتًا لمصدر محذوف، واختلفت عباراتهم في تقديره، فقال الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ٣ (يقول: وكما ابتليناك يا محمد بأن جعلنا لك من مشركي قومك أعداء، كذلك ابتلينا من قبلك من الأنبياء والرسل بأن جعلنا لهم أعداء من قومهم) ا. هـ ملخصًا.\nوانظر: \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٨٤، و\"النحاس\" ٢/ ٤٧٦، و\"تفسير الماوردي\" ٢/ ١٥٧، وابن الجوزي ٣/ ١٠٨، و\"التبيان\" ١/ ٣٥٤، و\"الفريد\" ٢/ ٢١٥، و\"تفسير القرطبي\" ٧/ ٦٧.\nونقل الرازي ١٣/ ١٥٢، قول الواحدي بدون نسبة، وذكره السمين في \"الدر\" ٥/ ١١٥، عن الواحدي.\n(٢) ذكر ذلك أكثرهم. انظر: \"تفسير الطبري\" ٨/ ٣، وابن عطية ٥/ ٣٢٢، والقرطبي ٧/ ٦٧.\n(٣) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٨٤.\n(٤) عدو: بفتح العين، وضم الدال. انظر: \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٣٤٧، و\"اللسان\" ٥/ ٢٨٤٥ مادة (عدا).","vol":"8","page":369},{"text":"إذا أنا لم أَنْفَغ صديقي بودِّهِ ... فإنَّ عدوِّي لن يَضُرَّهُم بُغْضي (١)\nأراد: أعدائي فأدى الواحد عن الجميع (٢) كقوله ﷿: ﴿حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ﴾ [الذاريات: ٢٤] جعل ﴿المُكْرَمِينَ﴾ وهو جمع نعتًا للضيف وهو واحد؛ لأنه أراد بالواحد الجمع) و﴿شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾ منصوب على البدل من عدوٍّ ومفسرٍ له، ويجوز أن يكون (عدوًّا) منصوبًا على أن مفعول ثان. المعنى: وكذلك جعلنا شياطين الإنس والجن أعداء للأنبياء (٣).\nواختلفوا في معنى ﴿شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾ على قولين:\nأحدهما: أن المعنى مردة الإنس والجن، والشيطان (٤) كل عاتٍ\n_________\n(١) الشاهد للنابغة الشيباني في \"ديوانه\" ص ١١٧، و\"الزاهر\" ١/ ٢١٦ - ٢١٧، وللنابغة الذبياني في \"ملحق ديوانه\" ص ٢٣١، وبلا نسبة في الرازي ١٣/ ١٥٤، و\"البحر\" ٤/ ٢٠٧، و\"الدر المصون\" ٥/ ١١٦.\n(٢) \"الزاهر\" ١/ ٢١٦ - ٢١٨، ولم يذكر الآية، وذكر ذلك الرازي ١٣/ ١٥٤ عن ابن الأنباري.\n(٣) هذا قول الزجاج في \"معانيه\" ٢/ ٢٨٤، والنحاس في \"إعرابه\" ١/ ٥٧٥، والأزهري في \"تهذيبه\" ٣/ ٢٣٤٧، وأكثرهم على أن في الآية وجهين: الأول: أن (عدوا) مفعول أول، و(لكل نبي) في موضع المفعول الثاني قدم، و(شياطين) بدل من عدو. والوجه الثاني: أن المفعول الأول (شياطين)، و(عدوًا) مفعول ثانٍ مقدم، و(لكل نبي) حال من (عدوًا) لأنه صفته، وقال الفراء في \"معانيه\" ١/ ٣٥١، والطبري ٨/ ٣: (نصب العدو والشياطين بجعلنا)، وجوز ابن الأنباري في \"البيان\" ١/ ٣٣٥ جعل (شياطين) مفعولًا ثانيًا لجعل. وانظر: \"التبيان\" ١/ ٣٥٤، و\"الفريد\" ٢/ ٢١٥، و\"الدر المصون\" ٥/ ١١٥.\n(٤) قال المبرد في \"الكامل\" ٣/ ٩٦: (زعم أهل اللغة أن كل متمرد من جنٍّ أو إنس أو سبع أو حية يقال له: شيطان، وأن قولهم: تشيطن، إنما معناه: تخبث وتنكر، وقد قال الله جل وعز: ﴿شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾ ا. هـ. وانظر: \"العين\" ٦/ ٢٣٧، و\"الجمهرة\" ٢/ ٨٦٧، و\"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٨٧٨، و\"الصحاح\" ٥/ ٢١٤٤،=","vol":"8","page":370},{"text":"متمرد من الإنس والجن، وهذا قول ابن عباس في (١) رواية عطاء ومجاهد (٢) وقتادة (٣) والحسن (٤)، وهؤلاء قالوا: (إن من الجن شياطين، ومن الإنس شياطين، وأن الشيطان من الجن إذا أعياه المؤمن، وعجز عن إغوائه ذهب إلى متمردٍ من الإنس، وهو شيطان الإنس، فأغراه بالمؤمن ليفتنه). يدل على هذا ما روى (إن النبي - ﷺ -[قال] (٥) لأبي ذر: \"هل تعوذت بالله من شر شياطين الجن والإنس؟ \" قال: قلت: وهل للإنس من شياطين؟ قال: \"نعم، هم شر من شياطين الجن\" (٦).\n_________\n= و\"المجمل\" ٢/ ٥٠٢، و\"مقاييس اللغة\" ٣/ ١٨٣، و\"المفردات\" ص ٤٥٤، و\"اللسان\" ٤/ ٢٢٦٥ مادة (شطن).\n(١) ذكره الرازي ١٣/ ١٥٤، و\"تنوير المقباس\" ٢/ ٥٣، نحوه، وأخرج ابن أبي حاتم ٣/ ٣٧١، نحوه، وذكره السيوطي في \"الدر\" ٣/ ٧٤.\n(٢) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ١٠٢، والبغوي ٣/ ١٧٩، والرازي ١٣/ ١٥٤، عن مجاهد والحسن وقتادة.\n(٣) أخرج عبد الرزاق ١/ ٢/ ٢١٦، والطبري ٨/ ٥، وابن أبي حاتم ٤/ ١٣٧١ بسند جيد نحوه.\n(٤) ذكره هود الهواري ١/ ٥٥٢، والماوردي ٢/ ١٥٨، ابن الجوزي ٣/ ١٠٨.\n(٥) لفظ: (قال) ساقط من (أ).\n(٦) أخرجه أحمد في \"المسند\" ٥/ ١٧٨ - ١٧٩، والنسائي في \"سننه\" ٨/ ٢٧٥ في الاستعاذة، باب الاستعاذة من شر شياطين الجن، والطبري في \"تفسيره\" ٨/ ٥، وابن أبي حاتم ٤/ ١٣٧١، من عدة طرق، وقال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" ١/ ١٥٩ - ١٦٠: (رواه أحمد والطبراني في الكبير، ومداره على علي بن زيد، وهو ضعيف، ورواه أحمد والبزار والطبراني في \"الأوسط\" بنحوه، وعند النسائي طرف منه، وفيه المسعودي، وقد اختلط) ا. هـ. وقد ذكر ابن كثير في \"تفسيره\" ٢/ ١٨٦ طرقًا أخرى للحديث ثم قال: (فهذه طرق لهذا الحديث ومجموعها يفيد قوته وصحته والله أعلم) ا. هـ. وانظر: \"كشف الأستار\" ١/ ٩٣، و\"المطالب العالية\" ٤/ ٢٠٧ (٣٤٤١)، و\"الدر المنثور\" ٣/ ٧٣، وقوله: \"قال: نعم، هم شر من شياطين الجن\" لم أقف عليها.","vol":"8","page":371},{"text":"وقال مالك (١) بن دينار: (إن شيطان [الإنس] (٢) أشد عليَّ من شيطان الجن، وذلك أني إذا تعوذت بالله يذهب عني شيطان الجن، وشيطان الإنس يجيئني فيجرني إلى المعاصي عيانًا) (٣).\nوشرح ابن عباس هذا شرحًا شافيًا فقال (٤) في رواية عطاء: (أما عدوّه من شياطين الجن، فالأبيض الذي كان يأتي في صورة جبريل (٥) يوحي إليه، وأما الإنس فالوليد بن المغيرة (٦)،\n_________\n(١) مالك بن دينار البصري، أبو يحيى، تابعي، إمام عابد، زاهد، ثقة، كان يكتب المصاحف، توفي رحمه الله تعالى سنة ثلاثين ومائة ١٣٠هـ أو نحوها. انظر: \"طبقات ابن سعد\" ٧/ ٢٤٣، و\"الجرح والتعديل\" ٨/ ٢٠٨، و\"حلية الأولياء\" ٢/ ٣٥٧، و\"سير أعلام النبلاء\" ٥/ ٣٦٢، و\"تهذيب التهذيب\" ٤/ ١١.\n(٢) لفظ (الإنس) ساقط من (أ)، وملحق بالهامش.\n(٣) ذكره الثعلبي في \"الكشف\" ١٨٣ أ، والواحدي في \"الوسيط\" ١/ ١٠٢، والبغوي في \"تفسيره\" ٣/ ١٨٠، وابن الجوزي ٣/ ١٠٩، والقرطبي ٧/ ٦٨.\n(٤) ذكر أبو حيان في \"البحر\" ٤/ ٢٠٧، نحوه، وقوله: (أما عدوه من شياطين الجن ..) لم أقف عليه بعد طول بحث.\n(٥) عن عبد الله بن مسعود قال: (قال رسول الله - ﷺ -: \"ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن\"، قالوا: وإياك يا رسول الله؟ قال: \"وإياي، إلا أن الله أعانني عليه فأسْلَم، فلا يأمرني إلا بخير\" ا. هـ، قال الإمام النووي: (فأسلم: برفع الميم وفتحها، وهما روايتان مشهورتان، فمن رفع قال: معناه أسلم أنا من شره وفتنته، واختلفوا على رواية الفتح، قيل: أسلم من الإِسلام وصار مؤمنا لا يأمرني إلا بخير، وهذا هو الظاهر. وقيل: أسلم بمعنى استسلم وانقاد. قال القاضي عياض: واعلم أن الأمة مجتمعة على عصمة النبي - ﷺ - من الشيطان في جسمه وخاطره ولسانه ..) ا. هـ ملخصًا. وانظر: \"النهاية\" لابن الأثير ٢/ ٣٩٥.\n(٦) الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمر المخزومي، أبو عبد شمس القرشي، أحد المستهزئين المجاهرين بالأذى والعداوة للرسول - ﷺ - وأصحابه ﵃، توفي بعد الهجرة بثلاثة أشهر، وهو والد الصحابي الجليل وسيف الله المسلول =","vol":"8","page":372},{"text":"والعاص (١) بن وائل، وأبو جهل، وعتبة (٢)، وشيبة، وأبي بن خلف، وأخوه أمية) (٣)، وذكر أسماء المستهزئين (٤).\nالقول الثاني: أن الجميع من ولد إبليس، وأضيف (٥) الشياطين إلى\n_________\n= خالد بن الوليد ﵁. انظر: \"سيرة ابن هشام\" ١/ ٢٨٣، و\"جوامع السير\" ص ٥٣، و\"الكامل\" لابن الأثير ٢/ ٤٨، و\"الأعلام\" ٨/ ١٢٢\n(١) العاص بن وائل بن هاشم السهمي، أحد المستهزئين والمجاهرين بالعداوة والأذى للرسول - ﷺ - وأصحابه ﵃، توفي بعد الهجرة بشهرين، وهو والد الصحابي الجليل عمرو بن العاص ﵁. انظر: \"المراجع السابقة\"، و\"الأعلام\" ٣/ ٢٤٧.\n(٢) عتبة وشيبة: ابنا ربيعة بن عبد شمس القرشي، من المستهزئين قتلا في بدر. انظر: \"المراجع السابقة\"، و\"الأعلام\" ٣/ ١٨١، ٤/ ٢٠٠.\n(٣) أبي، وأمية: ابنا خلف بن وهب الجمحي، من المستهزئين وأشدهم، وأكثرهم أذى للرسول - ﷺ - وأصحابه ﵃، قتل أمية في بدر، ورمى النبي - ﷺ - يوم أحد أبيًّا بحربة فقتله. انظر: \"جوامع السير\" ص ٥٤، و\"الكامل\" في التاريخ ٢/ ١٤٨، و\"الأعلام\" ٢/ ٢٢.\n(٤) المستهزؤون: طبقة لهم قوة ورياسة، اختلف في عددهم وأسمائهم وكيفية هلاكهم، وقد أخرج الطبري ١٤/ ٧٠ - ٧٣، والطبراني في \"الكبير\" ١١/ ١١٣، والبيهقي في \"سننه\" ٩/ ٨، في \"الدلائل\" ٢/ ٨٥ - ٨٦ من طرق جيدة عن ابن عباس، عددهم وأسماءهم وكيفية هلاكهم، وذكره الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" ٧/ ٤٧، وقال: (رجاله ثقات)، وقال السيوطي في \"الدر\" ٣/ ٧٣: (أخرجه الطبراني، والبيهقي، وأبو نعيم، وابن مردويه بسند حسن، والضياء في المختارة) ا. هـ وانظر: الماوردي ٢/ ١٥٧، والزمخشري ٢/ ٣٩٩، وابن الجوزي ٤/ ٤٢١، والقرطبي ١٠/ ٦٢، وابن كثير ٢/ ١٨٦.\n(٥) قال السمين في \"الدر\" ٥/ ١١٥ - ١١٦: (الراجح أنه من باب إضافة الصفة لموصوفها، والأصل الإنس والجن الشياطين، ويحتمل أن يكون من الإضافة التي بمعنى اللام، المعنى: الشياطين التي للإنس والشياطين التي للجن، فإن إبليس =","vol":"8","page":373},{"text":"الإنس، أي: الذي يغوونهم، وهذا قول عكرمة (١) والضحاك (٢) والسدي (٣) والكلبي (٤) عن أبي صالح، عن ابن عباس (٥)، وهؤلاء قالوا: (معناه: شياطين الإنس التي مع الإنس، وشياطين الجن التي مع الجن، وذلك أن إبليس قسم جنده فريقين: فبعث منهم فريقًا إلى الجن، وفريقًا إلى الإنس، فالفريقان شياطين الإنس والجن) (٦).\nوقوله تعالى: ﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ أي: يُلقي وُيسرّ (٧).\n_________\n= قسم جنده قسمين: قسم متسلط على الإنس، وآخر على الجن، كذا جاء في التفسير) ا. هـ بتصرف\n(١) أخرجه الطبري ٨/ ٤، من طرق، عن عكرمة والسدي، وذكره السمرقندي ١/ ٥٠٨، وابن الجوزي ٣/ ١٠٨، عن عكرمة.\n(٢) ذكره القرطبي ٧/ ٦٨، وأبو حيان في \"البحر\" ٤/ ٢٠٧، عن الضحاك والكلبي.\n(٣) ذكره ابن أبي حاتم ٤/ ١٣٧٢، وذكره الماوردي ٢/ ١٥٨، عن عكرمة والسدي.\n(٤) ذكره هود الهواري ١/ ٥٥٢، وذكره البغوي ٣/ ١٧٩، عن عكرمة والضحاك، والسدي والكلبي.\n(٥) أخرجه الفراء في \"معانيه\" ١/ ٣٥١، وابن أبي حاتم ٤/ ١٣٧٢، بسند ضعيف، وذكره النحاس في \"إعرابه\" ١/ ٥٧٥، وقال القرطبي ٧/ ٦٧: (قال النحاس وروى عن ابن عباس بإسناد ضعيف) ا. هـ.\n(٦) هذا قول غريب وليس له وجه مفهوم، كما أفاده الطبراني في \"تفسيره\" ١٢/ ٥٢، والراجح: هو الأول عند أكثر أهل العلم، ومنهم الطبري، والقرطبي في \"تفسيره\" ٧/ ٦٨، وابن كثير ٢/ ١٨٦، وقال النحاس في \"إعراب القرآن\" ١/ ٥٧٥: (ويدل عليه قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ﴾ [الأنعام: ١٢١] فهذا يبين معى ذلك) اهـ.\nوقال ابن عطية في \"تفسيره\" ٥/ ٣٢٠: (قول السدي وعكرمة لا يستند إلى خبر ولا إلى نظر).\n(٧) قال ابن الأنباري في \"الزاهر\" ٢/ ٣٤١: (المعنى: يسر بعضهم إلى بعض، وهذا أصل الحرف) ا. هـ.","vol":"8","page":374},{"text":"قال عطاء، عن ابن عباس: (يناجي بعضهم بعضًا بكذب) (١).\nومعناه على القول الأول: ما قاله مجاهد (٢) وقتادة (٣): (وهو أن شياطين الجن الذين هم من جند إبليس يوحون إلى كفار الإنس ومردتهم فيغوونهم بالمؤمنين)، كما ذكرنا أن الشيطان من الجن إذا أعياه المؤمن أغرى به شيطانًا من الإنس.\nوعلى القول الثاني معناه: ما قاله الكلبي، وهو أنه قال: (إن إبليس جعل فرقة من شياطينه مع الإنس، وفرقة مع الجن، فإذا التقى شيطان الإنس وشيطان الجن قال: أضللت صاحبي بكذا وكذا، فأضل به صاحبك، ويقول له شيطان الجن مثل ذلك، فهذا وحي بعضهم إلى بعض).\nقال الفراء: (حدثني بذلك حبّان (٤)، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس) (٥).\nوعلى القول الأول المراد بالجن: الشياطين من ولد إبليس، والمراد بالجن في القول الثاني: [ولد] (٦) الجان (٧).\n_________\n(١) لم أقف عليه، وأخرج ابن أبي حاتم ٤/ ١٣٧٢، عن عطاء عنه قال: (يوسوس).\n(٢) أخرجه الطبري ٨/ ٣، وذكره السيوطي في \"الدر\" ٣/ ٧٤.\n(٣) سبق تخريجه.\n(٤) في (ش): حيان، وكذا في \"معاني الفراء\" ١/ ٣٥١، وهو تصحيف، والصواب حبان بالباء، كما في \"معاني الفراء\" ٣/ ٧ و٨ و٥٣ و٦٠ و٦٦ و٧٧، وهو: حِبَّان بن علي العنزى، أبو علي الكوفي، إمام فاضل، صالح فقيه، ضعفه أئمة الجرح والتعديل، توفي سنة ١٧١ هـ، وله ٦٠ سنة. انظر: \"الجرح والتعديل\" ٣/ ٢٧٠، و\"ميزان الاعتدال\" ١/ ٤٤٩، و\"تهذيب التهذيب\" ١/ ٣٤٥، و\"تقريب التهذيب\" ص ١٤٩ (١٠٧٦).\n(٥) إسناده ضعيف، وقد سبق تخريجه.\n(٦) في (ش): (والد)، وهو تحريف.\n(٧) الذي يظهر أنه على القول الأول: يكون المراد بالجن: ولد إبليس والجان، =","vol":"8","page":375},{"text":"وقوله تعالى: ﴿زُخْرُفَ الْقَوْلِ﴾، الزخرف: الباطل (١) من الكلام الذي زين ووشي بالكذب، يقال: فلان يزخرف كلامه، إذا زيَّنه بالباطل والكذب، وكل شيء حسنٍ مموهٍ فهو زخرف كالنقوش، وبيت مُزَخْرَفٌ منقوش (٢)، ومنه الحديث: (إن رسول الله - ﷺ - لم يدخل الكعبة حتى أمر بالزخرف فنُحِي) (٣)، يعني بالزخرف: نقوشًا، وتصاوير زينت به الكعبة\n_________\n= وعلى القول الثاني: المراد بالجن: ولد إبليس؛ لأنه قسمهم إلى قسمين: قسم مع الإنس، وقسم مع الجن، والله أعلم. انظر: تفسير الرازي ١٣/ ١٥٤، فقد ذكر القول الثاني: ثم قال: (وعلى هذا القول، فالشياطين نوع مغاير للجن، وهم أولاد إبليس) اهـ.\n(١) في (أ): (الباطل من الباطل الكلام)، وعلى الباطل الثانية ضرب، وهو الصواب.\n(٢) الزخرف: بضم الزاي المشددة، وسكون الخاء، وضم الراء: الزِّينة. وأصله الذَّهَب، ثم سمي كل زينة زخرفًا، ثم شبه كل مُمَوه مزور به، وبيت مزخرف، أي: مزين. انظر: \"العين\" ٤/ ٣٣٨، و\"الجمهرة\" ٢/ ١١٤٤، و\"المنجد\" ص ٢١٩، و\"الصحاح\" ٤/ ١٣٦٩، و\"المفردات\" ص ٣٧٩، و\"اللسان\" ٣/ ١٨٢١ (زخرف).\n(٣) لم أقف على سنده وهو في: \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٥٢٠، و\"النهاية\" لابن الأثير ٢/ ٢٩٩، و\"اللسان\" ٣/ ١٨٢١، و\"عمدة الحفاظ\" ص ٢١٩، و\"الدر المصون\" ٥/ ١١٦، و\"تاج العروس\" ١٢/ ٢٤٦ (زخرف). ومن المشهور أن البيت كان فيه تماثيل وصور، فأمر النبي - ﷺ - بإخراج التماثيل، وطمس الصور. قال ابن حجر في \"فتح الباري\" ٨/ ١٧: (روى عمر بن شيبة، عن عمرو بن دينار، بسند صحيح قال: (بلغني أن النبي - ﷺ - أمر بطمس الصور التي كانت في البيت) ا. هـ وأخرج البخاري في \"صحيحه\" مع فتح الباري ٨/ ١٦، عن ابن عباس قال: (إن النبي - ﷺ - لما قدم مكة أبى أن يدخل البيت وفيه الآلهة، فأمر بها فأخرجت، فأخرج صورة إبراهيم وإسماعيل في أيديهما من الأزلام. فقال النبي - ﷺ -: \"قاتلهم الله لقد علموا ما استقسما بها قط\") ا. هـ وانظر: في الصور والتماثيل التي كانت موجودة في البيت عند فتح مكة، و\"أخبار مكة\" للأزرقى ١/ ١١٩ - ١٢٣ و١٦٥ - ١٦٩، و\"المصنف\" =","vol":"8","page":376},{"text":"وكانت مموهة بالذهب فأمر بها حتى حُتَّت (١) قال الزجاج: (والزخرف في اللغة: الزينة، المعنى: أن بعضهم يزين لبعض الأعمال القبيحة و﴿غُرُورًا﴾ منصوب على المصدر، وهذا المصدر محمول على المعنى، لأن معنى: إيحاء الزخرف من القول معنى الغرور، فكأنه قال: [يَغُرّون] (٢) غُرُورًا) (٣)، وهذا معنى قول الضحاك: (شياطين الإنس يوحون إلى الإنس، وشياطين الجن يوحون إلى الجن) (٤).\n_________\n= لابن أبي شيبة ٧/ ٤٠٣ (٣٦٨٩٤)، و\"مجمع الزوائد\" ٦/ ١٧٦، و\"المطالب العالية\" ١٧/ ٤٦٩ (٤٣٠٣).\n(١) هذا التوجيه ذكره أصحاب المراجع السابقة، وقوله: حُتَّت: بضم الحاء وتَشديد التاء المفتوحة، والحَثُّ بفتح الحاء: الحَكُّ والقَشْر، وفَرْكُ الشيء اليابس. انظر: \"اللسان\" ٢/ ٧٦٧ مادة (حتت).\n(٢) في (أ): (تغرون).\n(٣) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٨٤، وانظر: \"إعراب النحاس\" ١/ ٥٧٥، و\"المشكل\" ١/ ٢٦٦، و\"التبيان\" ١/ ٣٥٤، و\"الدر المصون\" ٥/ ١١٦، ونقل ذلك الرازي في \"تفسيره\" ١٣/ ١٥٥، ١٥٦ عن الواحدي.\n(٤) سبق تخريجه.\nوقال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في \"الفتاوى\" ١٨/ ٥٦ عند شرح الآية: (أخبر ﷾ أن جميع الأنبياء لهم أعداء، وهم شياطين الإنس والجن، يوحي بعضهم إلى بعض القول المزخرف، وهو المزين المحسن، يغرون به، والغرور: التلبيس والتمويه، وهذا شأن كل كلام وعمل يخالف ما جاءت به الرسل من أمر المتكلمة وغيرهم من الأولين والآخرين، ثم قال ﴿وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ فعلم أن مخالفة الرسل وترك الإيمان بالآخرة متلازمان، فمن لم يؤمن بالآخرة أصغى إلى زخرف أعدائهم، فخالف الرسل كما هو موجود في أصناف الكفار والمنافقين في هذه الأمة وغيرها ..) ا. هـ.\nوانظر: \"بدائع التفسير\" ٢/ ١٧٣.","vol":"8","page":377},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾، الهاء تعود إلى إيحاء القول بالغرور، والمدلول عليه بقوله ﴿يُوحِي﴾ والفعل يدل على المصدر (١)، قال الزجاج: (أي: لو شاء لمنع الشياطين من الوسوسة للإنس والجن، ولكن الله ﷿ يمتحن بما يعلم أنه الأجزل في الثواب) (٢) [وقوله تعالى] (٣): ﴿فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ قال ابن عباس: (يريد: ما زين لهم إبليس وغرّهم به) (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1073>١١٣ </span>- وقوله تعالى: ﴿وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ الآية. الصغو في اللغة معناه: المَيْل، صغى إلى كذا يصغى إذا مال إليه (٥). أبو عبيد عن الكسائي: (صَغَوت أَصْغُو، وصغيت أصْغَى [ثم وصغيت أصغِي] (٦) وهو أكثر الثلاث) (٧)، ابن السكيت: (صَغَيْتُ إلى الشيء،\n_________\n(١) انظر: \"التبيان\" ١/ ٣٥٤، و\"الفريد\" ٢/ ٢١٦.\n(٢) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٨٤، وفيه: (يمتحن ما يعلم أنه الأبلغ في الحكمة، والأجزل في الثواب والأصلح للعباد) ا. هـ. وانظر: \"تفسير الطبري\" ٨/ ٣، و\"معاني النحاس\" ٢/ ٤٧٧.\n(٣) في (ش): وقوله تعالى: (لله هم وما يفترون)، وهو تحريف ظاهر.\n(٤) \"تنوير المقباس\" ٢/ ٥٣، وذكره الرازي في \"تفسيره\" ١٣/ ١٥٦، وأبو حيان في \"البحر\" ٤/ ٢٠٧.\n(٥) انظر: \"العين\" ٤/ ٤٣٢، و\"الجمهرة\" ٢/ ٨٩٠، و\"الصحاح\" ٦/ ٢٤٠٠، و\"المجمل\" ٢/ ٥٣٤، و\"مقاييس اللغة\" ٣/ ٢٨٩، و\"المفردات\" ص ٤٨٥ (صغا).\n(٦) ما بين المعقوفين ساقط من (أ).\n(٧) \"تهذيب اللغة\" ٢/ ٢٠٢٠، وفيه: (أبو عبيد عن الكسائىِ: صَغَوْتُ بالفتح، وصَغَيْتُ. وقال شمر: صَغَوت، وصغَيت بالفتح، وصغيت بكسر العين، وأكثره صغيت بالكسر) ا. هـ.\nولعل الواحدي جمع بين القولين.","vol":"8","page":378},{"text":"أصْغى صِغيًا إذا ملت إليه، وصَغَوت أصغُو صُغُوًّا) (١)، الأصمعي (وصَغا) (٢)، وزاد الفراء: (صُغيًّا مشدّدًا وصُغُوًّا) (٣)، أبو زيد (٤): (يقال: صَغْوهُ معه، وصِغْوُهُ وصَغَاهُ، وصَاغِية الرجل الذين يميلون إليه ويغشونه، وعين صَغْواء مائلة، قال الأعشى (٥):\n_________\n(١) \"إصلاح المنطق\" ص ٢١٥، و\"تهذيب اللغة\" ٢/ ٢٠٢٠، وصَغَيْت بالفتح، أَصْغَى صُغِيًّا بالكسر، وصَغَوت أصغُو صُغُوًّا بالضم.\n(٢) \"تهذيب اللغة\" ٢/ ٢٠٢١، وفيه: (صَغَا يَصْغو صَغْوًا وصَغًا) بالفتح.\n(٣) ذكره السمين في \"الدر\" ٥/ ١١٩، وهو ليس في معاني الفراء، ولعله من كتاب المصادر المفقود، وصُغيا بالضم، وكسر العين، وفتح الياء المشددة، وصغوا بالضم وفتح الواو المشددة.\n(٤) \"تهذيب اللغة\" ٢/ ٢٠٢١، وفيه: (صَغْوه وصَغاه وصِغْوه معه) فقط، والباقي لابن السكيت، وصَاغية بكسر الغين، وصَغْواء بفتح الصاد وسكون الغين.\nوالخلاصة: أن الصَّغا مادة تدل على الميل، يقال: صغوت بالواو وفتح الغين، وصغيت بالياء وكسر الغين وفتحها، فاللام واو أو ياء، ومع الياء تكسر عين الماضي وتفتح، ومضارع الأفعال الثلاثة يصغى بفتح الغين، وحكى صغوت أصغو بالضم، ومصدر الأول: صَغْو، والثاني: صُغِيٌّ بكسر الغين، والثالث: صغا بالفتح، وحكى في مصدر صغا بالفتح يصغو صغا بالفتح، فهو ليس مختصًا بكونه مصدرًا لصغي بالكسر، وحكى صِغِيًّا بكسر الغين، وفتح الياء المشددة، وصغوا بضم الغين وفتح الواو المشددة. انظر: \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٨٤، والقرطبي ٧/ ٦٩، و\"البحر\" ٤/ ٢٠٥، و\"الدر المصون\" ٥/ ١١٩.\n(٥) ديوان الأعشى: ميمون بن قيس ص ١٨٧، و\"شرح القصائد السبع\" لابن الأنباري ص ٣٢٧، و\"تهذيب اللغة\" ٢/ ٢٠٢٠، والثعلبي ص ١٨٣/ أ، و\"اللسان\" ٤/ ٢٤٥٤ مادة (صغا)، و\"الدر المصون\" ٥/ ١١٩، وهو يصف الناقة، وصغواء: مائلة، والمؤق بالضم: طرف العين مما يلي الأنف. انظر: \"اللسان\" ٧/ ٤١٢٠ مادة (مأق)، والقطيع، بفتح القاف، وكسر الطاء: السوط يقطع من جلد، ونحوه. والقطيع المحرم. السوط الذي لم يمرن ويُليَّن بعد. انظر: \"اللسان\" (قطع) ٦/ ٣٦٧٨.","vol":"8","page":379},{"text":"ترَى عَيْنَها صَغْواءَ في جَنْبِ مُؤقِهَا ... ترَاقِبُ كَفِّي والقَطِيعَ المحَرَّمَا)\nقال ابن عباس (١)، والسدي (٢)، [وابن زيد (٣)] وغيرهم (٤): (وَلِتَصْغَى) (ولتميل هواها)، قال ابن الأنباري: (اللام في (لتصغى) متعلقة بفعل مضمر تأويله: وفعلنا بهم ذلك لكي تصغى إلى الباطل أفئدتهم وليرضوا المذموم من أجل عنادهم الحق) (٥)، وقال غيره من النحويين (٦):\n_________\n(١) أخرجه الطبري ٨/ ٧، وابن أبي حاتم ٤/ ١٣٧٣ بسند ضعيف بلفظ (لتميل)، وهو في مسائل نافع بن الأزرق ص ١٦٣، وأخرج ابن حسنون في \"اللغات\" ص ٥٤، و\"الوزان\" ٩ أبسند جيد عنه قال: (صغا مال بلغة خثعم) ا. هـ، وفي \"تنوير المقباس\" ٢/ ٥٣ قال: (لكي تميل إلى هذا الزخرف والغرور) ا. هـ، وانظر: \"الدر المنثور\" ٣/ ٧٥.\n(٢) أخرجه الطبري ٨/ ٧ بسند جيد بلفظ: (تميل إليه قلوب الكفار) ا. هـ. وذكره السيوطي في \"الدر\" ٣/ ٧٤.\n(٣) لفظ (ابن زيد) ساقط من (أ) والأثر أخرجه الطبري ٨/ ٧، وابن أبي حاتم ٤/ ١٣٧٣، بسند جيد عنه، بلفظ: (وليهووا ذلك، يقول الرجل للمرأة: صغيت إليها: هَوِيتها) اهـ.\n(٤) هو قول الأكثر. انظر: \"تفسير مقاتل\" ١/ ٢٨٥، و\"مجاز القرآن\" ١/ ٢٠٥، و\"غريب القرآن\" ص ١٤٢، والطبري ٨/ ٧، والسمرقندي ١/ ٥٠٨، والماوردي ٢/ ١٥٩.\n(٥) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ١٠٣، ابن الجوزي ٣/ ١٠٩.\n(٦) هذا ظاهر كلام الطبري ٨/ ٤، والقرطبي ٧/ ٦٩، ورجحه الرازي ١٣/ ١٥٧، وأكثرهم على أنها لام كي الجارة، وهي معطوفة على الغرور، أي: للغرور، ولأن تصغى. قال ابن عطية ٥/ ٣٢٤ - ٣٢٥: (اللام في الأفعال الثالثة لام كي معطوفة على (غرورًا) أو متعلقة بفعل مؤخر تقديره: فعلوا ذلك أو جعلنا ذلك، فهي لام صيرورة، قاله الزجاج: ولا يحتمل أن تكون لام الأمر وضمنها الوعيد) ا. هـ. ملخصًا، وقال ابن القيم في \"بدائع التفسير\" ٢/ ١٧٤ - ١٧٥: (اللام على بابها للتعليل وإن كانت تعليلًا لفعل العدو، وهو ايحاء بعضهم إلى بعض فظاهر، =","vol":"8","page":380},{"text":"(اللام متعلقة بقوله ﴿يُوحِي﴾: [الأنعام:١١٢] وتقديره: يوحي بعضهم إلى بعض [ليغروهم] (١) ﴿وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾)، والكناية في (إليه) تعود إلى ﴿زُخْرُفَ الْقَوْلِ﴾ (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَلِيَقْتَرِفُوا﴾ يقال: اقترف أي: اكتسب (٣). الليث (٤): (اقترف ذنبًا، أي: أتاه وفعله). ابن الأنباري (٥): (قَرَف واقْتَرَف إذا كسب،\n_________\n= وعلى هذا فيكون عطفًا على قوله (غرورًا) فإنه مفعول لأجله، أي: ليغروهم بهذا الوحي ولتصغى إليه أفئدة من يلقى إليه فيرضاه ويعمل بموجبه، فيكون سبحانه قد أخبر بمقصودهم من الإيحاء، وهو أربعة أمور: غرور من يوحون إليه، وإصغاء أفئدتهم إليهم، ومحبتهِم لذلك، وانفعالهم عنده بالاقتراف، وإن كان ذلك تعليلًا لجعله سبحانه ﴿لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا﴾ فيكون هذا الحكم من جملة الغايات والحكم المطلوبة بهذا الجعل، وهي غاية وحكمة مقصودة لغيرها؛ لأنها مفضية إلى أمور هي محبوبة مطلوبة للرب سبحانه، وفواتها يستلزم فوات ما هو أحب إليه من حصولها، وعلى التقديرين، فاللام لام التعليل والحكمة) اهـ، وانظر: \"معاني الأخفش\" ٢/ ٣٣، و\"الزجاج\" ٢/ ٢٨٤، و\"إعراب النحاس\" ١/ ٥٧٦، و\"العسكريات\" ص ١٠٠، و\"كتاب الشعر\" ١/ ٢٠٦، و\"المحتسب\" ١/ ٢٢٧، و\"البيان\" ١/ ٣٣٥، و\"التبيان\" ص ٣٥٥، و\"الفريد\" ٢/ ٢١٦، و\"الدر المصون\" ٥/ ١١٧.\n(١) في (أ): (لتغروهم).\n(٢) انظر: \"الدر المصون\" ٥/ ١١٨.\n(٣) الاقتراف بسكون القاف، وكسر التاء وفتح الراء أصله قَشْرُ اللحاء والجلدة عن الجرح، ثم استعير للاكتساب حسنًا كان أو سيئًا، إلا أنه في السوء أغلب. انظر: \"الجمهرة\" ٢/ ٧٨٦، و\"الصحاح\" ٤/ ١٤١٤، و\"المجمل\" ٣/ ٧٤٨، و\"معجم مقاييس اللغة\" ٥/ ٧٣، و\"المفردات\" ص ٦٦٧، و\"اللسان\" ٦/ ٣٦٠٠، و\"عمدة الحفاظ\" ص ٤٥٣ مادة (قرف).\n(٤) \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٩٤١. وانظر: \"العين\" ٥/ ١٤٦.\n(٥) ذكره السمين في \"الدر\" ٥/ ١٢٢، وفي \"الزاهر\" ١/ ٤٤٦، قال في معنى الآية: (أي: وليكتسبوا وليلصقوا بأنفسهم) ا. هـ. ثم أنشد البيت.","vol":"8","page":381},{"text":"وأنشد (١):\nوإِنِّي لآتٍ مَا أَتَيْتُ وإنَّنِي ... لِمَا اقْتَرفَتْ نَفْسِي عليَّ لَرَاهِبُ\nأي: لما اكتسبت)، ونحو ذلك قال ابن عباس (٢) وابن زيد (٣): (وليكتسبوا).\nوقال الزجاج: (وليقترفوا) (أي: ليختلقوا وليكذبوا) (٤)، وهو معنى قول عطاء (٥): (ليخترقوا في القرآن مثل قولهم: ﴿إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ [النحل: ١٠٣]).\nقال مقاتل: ﴿وَلِتَصْغَى﴾: (ولتميل إلى ذلك الزخرف ولغرور قلوب الذين لا يصدقون بالبعث، ﴿وَلِيَرْضَوْهُ﴾: ليحبوه، ﴿وَلِيَقْتَرِفُوا﴾ ليعملوا ما هم عاملون) (٦)، وهذا الآية دليل على تكذيب القدرية، إذ قال الله تعالى:\n_________\n(١) الشاهد للبيد في ذيل \"ديوانه\" ص ٢٢١، و\"الكشف\" للثعلبي ١٨٣ أ، وبلا نسبة في \"الدر المصون\" ٥/ ١٢٢.\n(٢) أخرجه الطبري ٨/ ٨ بسند جيد، وهو في \"تنوير المقباس\" ٢/ ٥٣، و\"الدر المنثور\" ٣/ ٧٥، وهو في مسائل نافع بن الأزرق ص ١٦١ مع ذكر الشاهد للبيد.\n(٣) ذكره القرطبي ٧/ ٧٠، عن ابن عباس والسدي وابن زيد، وأخرج الطبري ٨/ ٨، وابن أبي حاتم ٤/ ١٣٧٣، ١٣٧٤، بسند جيد عن ابن زيد والسدي قالا: (ليعملوا ما هم عاملون) ا. هـ.\n(٤) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٨٥، وفيه ذكر القول الأول ثم ذكر هذا، وفي \"مجاز القرآن\" ١/ ٢٠٥، قال: (مجازه التهمة والادعاء) ا. هـ. وفي \"غريب القرآن\" لليزيدي قال: (يدعون الكذب) وفي تفسير \"غريب القرآن\" ص ١٥٨، و\"تفسير المشكل\" ص ٧٩: (أي: ليكتسبوا ويدعوا) ا. هـ. وذكر هذا القول الماوردي ٢/ ١٥٩، وقال: (هذا قول محتمل) ا. هـ.\n(٥) لم أقف عليه. وقوله: (وليخترقوا) التَّخرُّق لغة في التخلُّق من الكذب وخَرَقَ الكذب وتَخَرَّقه اختلقه وافتعله وافتراه. انظر: \"اللسان\" ٢/ ١١٤٢ (خرق).\n(٦) \"تفسير مقاتل\" ١/ ٥٨٥.","vol":"8","page":382},{"text":"جعلنا لهم شياطين لتصغى قلوبهم إلى وحي الشياطين وليرضوه (١).\nوحكى أبو بكر (٢) مثل قول الزجاج، فقال: (وقال بعضهم: تأويله: وليختلقوا ما هم مختلقون) (٣) ثم قال: (والأول هو الأثبت في اللغة) (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1074>١١٤ </span>- قوله تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا﴾ قال ابن عباس (٥): (يريد [قول النبي - ﷺ -] يعني: أن هذا من (٦)] قول النبي - ﷺ - قال الكلبي: (قل لأهل مكة: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا﴾) (٧)، والحكم (٨) والحاكم واحد عند\n_________\n(١) انظر: \"تفسير الرازي\" ١٣/ ١٥٨.\n(٢) أبو بكر هو: محمد بن القاسم بن الأنبارىِ، تقدمت ترجمته.\n(٣) لم أقف عليه، وفي \"الزاهر\" ١/ ٤٦٥: (وقولهم: قد قَرف فلان فلانا، معناه: قد ألصق به عيبًا وأكسبه ذمًّا) اهـ.\n(٤) وهو الراجح عند الجمهور، ومنهم الفراء في \"معانيه\" ١/ ٣٥١، والطبري في \"تفسيره\" ٨/ ٨، والنحاس في \"معانيه\" ٢/ ٤٧٨، والسمرقندي في \"تفسيره\" ١/ ٥٠٨، والبغوي ٣/ ١٨٠، وابن الجوزي ٣/ ١٠٩، وحكى القول الثاني عن الزجاج الرازي في \"تفسيره\" ١٣/ ١٥٨، ثم قال: (والأول أصح) ا. هـ.\n(٥) \"تنوير المقباس\" ٢/ ٥٣، وفيه: (قل لهم يا محمد: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا﴾) ا. هـ.\n(٦) ما بين المعقوفين ساقط من (ش).\n(٧) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ١٠٣ عن الكلبي والعوفي، وذكر الماوردي في \"تفسيره\" ٢/ ١٦٠، وابن الجوزي ٣/ ١١٠ نحوه بدون نسبة.\n(٨) مادة (حكم) بالفتح، بمعنى المنع. ومنه الحكم، بضم الحاء وسكون الكاف، والحاكم بفتح الحاء، وكسر الكاف؛ لأنه يمنع من الظلم، ومنه الحكمة بكسر الحاء وسكون الكاف وفتح الميم؛ لأنها تمنع من الجهل.\nانظر: \"العين\" ٣/ ٦٦، و\"الجمهرة\" ١/ ٥٦٤، و\"تهذيب اللغة\" ١/ ٨٨٥ - ٨٨٦، و\"الصحاح\" ٥/ ١٩٠١، و\"المجمل\" ١/ ٢٤٦، و\"مقاييس اللغة\" ٢/ ٩١، و\"اللسان\" ٢/ ٩٥١ مادة (حكم).","vol":"8","page":383},{"text":"أهل اللغة (١) لا فرق بينهما غير أن بعض أهل التأويل قال: (الحَكم أهل أن يتحاكم إليه، والحاكم من شأنه أن يحكم، فالصفة بالحَكم أمدح، وذلك أن صفة حاكم جارية على الفعل، فقد يحكم الحاكم بغير ما أنزل الله، فأما من يستحق صفة حكم فلا يحكم إلا بالحق؛ لأنها صفة تعظيم ومدح) (٢)، قال العوفي: (﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا﴾ قاضيًا بيني وبينكم) (٣).\nوقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا﴾ قال ابن عباس: (يريد: مبينًا) (٤)، وقال مقاتل: (﴿أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ﴾ القرآن مبينًا فيه أمره ونهيه) (٥)، وقال أهل المعاني: (التفصيل تبيين المعاني بما ينفي التخليط المعمي للمعنى وينفي أيضًا التداخل الذي يوجب نقصان البيان عن المعنى، وذلك بالآيات التي تفصل المعاني بعضها من بعض) (٦).\n_________\n(١) انظر أيضًا: \"ما اتفق لفظه واختلف معناه\" لليزيدي ص ٢٤٣، و\"تفسير أسماء الله الحسنى\" للزجاج ص ٤٣، ٥٢، و\"اشتقاق أسماء الله\" للزجاجي ص٦٠، و\"النهاية\" لابن الأثير ١/ ٤١٨.\n(٢) ذكره أكثرهم. انظر: \"الفروق\" للعسكري ص ١٥٧، والماوردي ٢/ ١٥٩، و\"المفردات\" ص ٢٤٩، وابن عطية ٣٢٦، و\"الفريد\" ٢/ ٢١٨، والقرطبي ٧/ ٧٠، وذكره الرازي ١٣/ ١٥٩، عن الواحدي، وقال السمين في \"الدر\" ٥/ ١٢٣: (الحكم أبلغ من الحاكم، قيل: لأن الحكم من تكرر منه الحكم بخلاف الحاكم فإنه يصدق غيره، وقيل: لأن الحكم لا يحكم إلا بالعدل والحاكم قد يجوز) ا. هـ، وانظر: \"البحر\" ٤/ ٢٠٩.\n(٣) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٢٠٣، عن الكلبي وعطية العوفي.\n(٤) \"تنوير المقباس\" ٢/ ٥٣.\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ١/ ٥٨٥.\n(٦) انظر: \"تفسير الماوردي\" ٢/ ١٦٠، وابن عطية ٥/ ٣٢٦، وابن الجوزي ٣/ ١١٠، و\"بدائع التفسير\" ٢/ ١٧٦.","vol":"8","page":384},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾ يعني: العلماء من أهل الكتابين ﴿يَعْلَمُونَ أَنَّهُ﴾، يعني: القرآن ﴿مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾، أي: أن كل ما فيه بيان عن الشيء على ما هو به كترغيبه وترهيبه ووعده ووعيده وقصصه وأمثاله، وغير ذلك [مما فيه] (١) كله بهذه الصفة (٢).\nوقوله تعالى: ﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ قال الفراء: (من الشاكين أنهم ﴿يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ﴾) (٣)، ومعنى الامتراء: طلب التشكك مع ظهور الدليل، وهو من مَرْيِ الضَّرع، وهو مَسحه ليَدرَّ (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1075>١١٥ </span>- قوله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾ قال عطاء، عن ابن عباس: (يريد: مواعيد ربك لأوليائه، وأهل طاعته) (٥)، وقال مقاتل: (﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾ أنه ناصر محمّد ببدرٍ) (٦).\nوقال الكلبي: (﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾ وجبَ قول ربك صدقًا لقوله وعدلًا منه) (٧)، وقال أهل المعاني (٨): (الكلمة والكلمات معناها والله أعلم: ما جاء من وعد ووعيدٍ وثواب وعقاب، فلا تبديل فيه ولا تغيير له،\n_________\n(١) لفظ: (مما فيه) غير واضح في (أ).\n(٢) هذا قول الأكثر. انظر: الطبري ٨/ ٨، والسمرقندي ١/ ٥٠٩، وابن الجوزي ٣/ ١١٠.\n(٣) \"معاني الفراء\" ١/ ٣٥١.\n(٤) انظر: \"الزاهر\" ١/ ٣٥٠ - ٣٥١، وقد سبق الكلام عن معنى الامتراء.\n(٥) ذكره القرطبي في \"تفسيره\" ٧/ ٧١، وذكر أبو حيان في \"البحر\" ٤/ ٢٠٩ نحوه عن ابن عباس.\n(٦) \"تفسير مقاتل\" ١/ ٥٨٥.\n(٧) \"تنوير المقباس\" ٢/ ٥٤.\n(٨) هذا قول أبي علي في \"الحجة\" ٣/ ٣٨٨، وذكره الرازي في \"تفسيره\" ١٣/ ١٦٠ عن أهل المعاني.","vol":"8","page":385},{"text":"كما قال تعالى: ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ﴾ [ق: ٢٩] والتقدير: وتمت ذوات الكلمات -أي: يخبر بها عنها- فمن قرأ (١) (كلمات) بالجمع قال: لأن معناها الجمع، فوجب أن يجمع في اللفظ، ومن قرأ على الواحدة فلأنهم قد قالوا: الكلمة يراد بها الكثرة، كقولهم: قال زهير في كلمته، يعنون: قصيدته، وقال قُسٌّ (٢) في كلمته، يعنون: خطبته، فقد وقع المفرد على الكثرة، فلما كان كذلك أغنى عن الجمع) (٣).\nوقوله تعالى: ﴿صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ قال ابن عباس: (يريد: لا خلف لمواعيده ولا في أهل طاعته (٤) ولا في أهل معصيته)، وقال قتادة (٥)، ومقاتل (٦): (﴿صِدْقًا﴾ فيما وعد ﴿وَعَدْلًا﴾ فيما حكم)، وقال بعض المفسرين (٧): (كلمة الله أقضيته وعِداته تمت على معنى قوله - ﷺ -:\n_________\n(١) قرأ عاصم وحمزة والكسائي (وتمت كلمت) على التوحيد، وقرأ الباقون (وتمت كلمات) على الجمع. انظر: \"السبعة\" ص ٢٦٦، و\"المبسوط\" ص ١٧٤، و\"الغاية\" ص ٢٤٨، و\"التذكرة\" ٢/ ٤٠٨، و\"التيسير\" ص ١٠٦، و\"النشر\" ٢/ ٢٦٢.\n(٢) تقدمت ترجمته.\n(٣) هذا كلام الفارسي في \"الحجة\" ٣/ ٣٨٨ - ٣٩٠، وانظر: \"معاني القراءات\" ١/ ٣٨١، و\"الحجة\" لابن خالويه ص ١٤٨، ولابن زنجلة ص ٢٦٨، و\"الكشف\" ١/ ٤٤٧.\n(٤) جاء في (أ)، (ش): (ولا في أهل طاعته) بالواو، ولعله تحريف، والأثر ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ١٠٤.\n(٥) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ٩، وابن أبي حاتم ٤/ ١٣٧٤ بسند جيد، وذكره النحاس في \"معانيه\" ٢/ ٤٧٨، والبغوي في \"تفسيره\" ٣/ ١٨١.\n(٦) \"تفسير مقاتل\" ١/ ٥٨٥.\n(٧) ذكر هذا القول الثعلبي في \"الكشف\" ١٨٣ أ، والماوردي في \"تفسيره\" ٢/ ١٦٠، وابن الجوزي ٣/ ١١١ بدون ذكر الحديث.","vol":"8","page":386},{"text":"\"سبق القضاء وجف القلم (١) بالسعادة لمن آمن واتقى، والشقاوة لمن كفر وعصى\" (٢)، قال أبو علي الفارسي: (و﴿صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ مصدران ينتصبان علي الحال من الكلمة، تقديره: صادقة عادلة) (٣).\nوقوله تعالى: ﴿لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ الله﴾ قال ابن عباس: (يريد: لا راد لقضائه، ولا مغير لحكمه، ولا خلف لموعده) (٤)، ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ﴾ لتضرع أوليائه ولقول أعدائه واستهزائهم ﴿الْعَلِيمُ﴾ بما في قلوب أوليائه من اليقين، وبما في قلوب أعدائه من الاستهزاء والشرك (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1076>١١٦ </span>- قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾. قال المفسرون: (إن المشركين جادلوا رسول الله - ﷺ - في أكل\n_________\n(١) هنا في (ش): وقع اضطراب في ترتيب الأوراق، فجاء تكملة الحديث في ١٢١ ب.\n(٢) الحديث بهذا اللفظ لم أقف عليه بعد طول بحث، وفي معناه عدة أحاديث في \"مجمع الزوائد\" ٧/ ١٨٥ - ٢٠١، وأخرج البخاري في \"صحيحه\" (٥٠٧٦)، و\"كتاب النكاح\"، باب ما يكره من التبتل والخصاء، عن أبي هريرة ﵁، أن النبي - ﷺ -، قال: \"جف القلم بما أنت لاق\". وأخرج مسلم في \"صحيحه\" رقم (٢٦٤٨)، عن جابر ﵁ قال: (جاء سراقة بن مالك فقال: يا رسول الله! بين لنا ديننا كأنا خلقنا الآن فِيمَ العمل اليوم؟ أفيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير، أم فيما نستقبل؟ قال: \"لا بل فيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير\" قال: ففيم العمل؟ قال: \"كل عامل ميسر لعمله\" اهـ.\n(٣) \"الحجة\" لأبي علي ٣/ ٣٨٨، وانظر: \"إعراب النحاس\" ٢/ ٩٣، و\"المشكل\" ١/ ٢٢٦، و\"البيان\" ١/ ٣٣٦، و\"التبيان\" ٣٠٠، و\"الفريد\" ٢/ ٢١٩، و\"الدر المصون\" ٥/ ١٢٤.\n(٤) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ١٠٤، والبغوي في \"تفسيره\" ٣/ ١٨١.\n(٥) انظر: \"تفسير الطبري\" ٨/ ٩.","vol":"8","page":387},{"text":"الميتة) (١)، قال الفراء: ([ذلك] (٢) أنهم قالوا للمسلمين: أتأكلون ما قتلتم ولا تأكلون ما قتل ربكم؟ فأنزلت هذه الآية: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ﴾) (٣).\nقال ابن عباس: (يريد: الذين هم (٤) ليسوا على دينك، وهم أكثر من المؤمنين، إن تطعهم في أكل الميتة ﴿يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾، يريد: عن دين الله الذي رضيه لك، وبعثك به) (٥).\nوقوله تعالى: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾ يعني: ظنهم في أكل الميتة، وقال عطاء: (يريد: دينهم [الذي] (٦) هم عليه ظنٌّ) (٧)، وقال أبو إسحاق: (ليس عند أنفسهم أنهم على بصائر؛ لأنهم اتبعوا أهواءهم، وتركوا التماس البصيرة من حيث يجب، واقتصروا على الظن والجهل) (٨).\nوقوله تعالى: ﴿وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ قال الأزهري: (أصل الخرص: التظنِّي فيما لا تستيقنه، ومنه قيل: [خرصتُ النَّخْلَ خَرْصًا إذا حَزَرْته؛ لأن الحزر فيه ظن لا إحاطة، ثم قيل (٩)] للكذب: خَرْص [لما يدخله] (١٠) من\n_________\n(١) ذكره الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ١٠، والبغوي ٣/ ١٨١، وابن عطية ٥/ ٣٢٩، وابن الجوزي ٣/ ١١١.\n(٢) في (ش): (وذلك) بالواو.\n(٣) \"معاني الفراء\" ١/ ٣٥٢.\n(٤) في (ش): (الذين ليسوا هم على دينك).\n(٥) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ١٠٥.\n(٦) (الذي) ساقطة من (أ).\n(٧) لم أقف عليه، وهو قول البغوي في \"تفسيره\" ٣/ ١٨١.\n(٨) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٨٥ - ٢٨٦، وانظر: \"معاني النحاس\" ٢/ ٤٧٨.\n(٩) ما بين المعقوفين ساقط من (ش).\n(١٠) في (أ): (لما تدخله)، بالتاء.","vol":"8","page":388},{"text":"الظُّنُونِ الكاذبة) (١). قال ابن عباس (٢): (﴿يَخْرُصُونَ﴾ يكذبون ما أحله الله ولا أنزله (٣) في كتابه)، وقال عطاء عنه: (يريد: يفترون) (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1077>١١٧ </span>- قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ قال بعض الناس: (أعلم هاهنا بمعنى: يعلم)، ولا يجوز ذلك؛ لأنه يطابق (٥) ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ وقال بعض البصريين: (موضع (من) نصب على حذف الباء؛ لأنه قد قال في موضع: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ [ضِلَّ] (٦)﴾ [النحل: ١٢٥] بالباء وحذفت هاهنا) (٧).\n_________\n(١) \"تهذيب اللغة\" ١/ ١٠٠٩، والخرص: بفتح الخاء وسكون الراء: الحزر في العدد والكيل، والكذب، وكل قول بالظن. انظر: \"العين\" ٤/ ١٨٣، و\"الجمهرة\" ١/ ٥٨٥، و\"الصحاح\" ٣/ ١٠٣٥، و\"المجمل\" ٣/ ٢٨٣، و\"مقاييس اللغة\" ٢/ ١٦٩، و\"المفردات\" ص ٢٧٩، و\"اللسان\" ٢/ ١١٣٣ (خرص).\n(٢) \"تنوير المقباس\" ٢/ ٥٥، وأخرج ابن حسنون في \"اللغات\" ص ٤٢، ٤٤، و\"الوزان\" ص ٧، بسند جيد عن ابن عباس قال: (يخرصون يعني: يكذبون) اهـ.\n(٣) كذا العبارة في الأصول: ولعل الصواب: (ما أحله الله وأنزله في كتابه).\n(٤) لم أقف عليه. وانظر: \"مجاز القرآن\" ١/ ٢٠٦، و\"غريب القرآن\" لليزيدي ص ١٤٢، و\"تفسير غريب القرآن\" ص ١٦٩، و\"تفسير المشكل\" ص ٧٩.\n(٥) ذكره الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ١٠ - ١١، ورده بنحو ما ذكر الواحدي، وذكره السمين في \"الدر\" ٥/ ١٢٦، عن الواحدي وقال: (على هذا أعلم ليست للتفضيل، بل بمعنى: اسم الفاعل في قوته، كأنه قيل: إن ربك هو يعلم) اهـ.\n(٦) جاء في الأصول: (يضل) بالياء، وهو خطأ واضح.\n(٧) هذا قول الأخفش في \"معانيه\" ٣/ ٢٨٢، وذكره الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ١٠، وانظر: \"المحتسب\" ١/ ٢٢٩، و\"المشكل\" ١/ ٢٦٧، وفيه قال: (ولا يحسن تقدير حذف حرف الجر، لأنه من ضرورات الشعر). اهـ. وانظر: \"تفسير القرطبي\" ٧/ ٧٢.","vol":"8","page":389},{"text":"وقال الزجاج: (موضع (من) رفع الابتداء ولفظها لفظ الاستفهام. المعنى: إن ربك هو أعلم أي الناس يضلُّ عن سبيله، قال: وهذا مثل قوله: ﴿لِنَعْلَمَ أَيُّ (١) الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى﴾ [الكهف: ١٢] (٢). وهذا قول المبرد (٣) والكسائي والفراء، قال الفراء: (إذا كانت من بعد العلم والنظر والدراية، مثل: نظرت وعلمت ودريت، كانت في مذهب أي، فإن كان بعدها فعل له رفعتها به، وإن كان بعدها فعل يقع عليها نصبتها، كقولك: ما أدري من قام، ترفع من بقام) (٤)، يريد: أن من ترفع بالابتداء، وقام خبره، كذلك (من) ابتداء و(يضلّ) خبره في الآية، وتقول: ما أدري من ضربت، تنصب (٥) (من) بـ (ضربت)؛ لأن بعدها [فعل] (٦) يقع عليها، وقال أبو علي الفارسي: (من) معمول فعلٍ مضمر دل عليه (أعلم)، ولا يجوز أن يكون معمول (أعلم)؛ لأن المعاني لا تعمل في المعمول به، ومثل هذا في أنه لا يكون إلا محمولًا على فعل ما أنشده أبو زيد (٧):\n_________\n(١) في (أ): (ليعلم)، بالياء.\n(٢) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٨٦، وهو اختيار الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ١٠، والنحاس في \"إعراب القرآن\" ١/ ٥٧٧، والأزهري في \"معاني القرآن\" ١/ ٣٨١، ومكي في \"المشكل\" ١/ ٢٦٦، والكرماني في \"غرائب التفسير\" ١/ ٣٨٢، وضعف هذا القول أبو حيان في \"البحر\" ٤/ ٢١٠.\n(٣) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ١٠٥، والرازي في \"تفسيره\" ١٣/ ١٦٤، وأبو حيان في \"البحر\" ٤/ ٢١٠، والسمين في \"الدر\" ٥/ ١٢٧، عن المبرد والكسائي.\n(٤) \"معاني الفراء\" ١/ ٣٥٢.\n(٥) هذا المثال من كلام الفراء في \"معانيه\" ١/ ٣٥٢.\n(٦) في (ش): (فعلًا).\n(٧) أبو زيد البصري سعيد بن أوس الأنصاري تقدمت ترجمته.","vol":"8","page":390},{"text":"وأَضْرَب مِنه بالسُّيُوفِ القَوَانِسا (١)\nفالقوانس محمولة على مضمر دون أضرب هذه الظاهرة، قال. ولا يجوز أن يكون موضع (من) في قوله: ﴿أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ﴾ جرًّا؛ لأن أفعل (٢) لا يضاف إلا إلى ما هو بعض له كقولك: (أعلم الناس، وليس ربنا بعض من يضل) (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1078>١١٨ </span>- قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ الآية. هذا جواب لقول المشركين: أتأكلون ما قتلتم ولا تأكلون ما قتل ربكم؟ (٤) ودخلت\n_________\n(١) البيت للعباس بن مرداس السُّلمي في \"ديوانه\" ص ٦٩، و\"النوادر\" لأبي زيد ص ٥٩، و\"الأصمعيات\" ص ٢٠٥، و\"الحماسة\" لأبي تمام ١/ ٢٤٦، و\"اللسان\" ٦/ ٣٧٥١ (قنس)، وبلا نسبة في \"البيان\" ١/ ٣٣٦، و\"أمالي\" ابن الحاجب ٢/ ١٥٨، و\"البحر\" ٤/ ٢١٠، و\"الدر المصون\" ٥/ ١٥٧، و\"مغني اللبيب\" ٢/ ٦١٨، وصدره:\nأَكُرّ وأَحْمى لِلْحَقِيقَة مِنْهُمُ\nوفي المراجع: وأضرب منا، بدل: منهم. والقونس: بفتح القاف وسكون الواو وفتح النون: أعلى البيضة من السلاح. انظر: \"اللسان\" ٦/ ٣٧٥١ (قنس).\n(٢) لأنه يلزم عليه محذور عظيم، وذلك أن أفعل التفضيل لا تضاف إلا إلى جنسها، فإذا قلت: زيد أعلم الضالين، لزم أن يكون زيد بعض الضالين، فهذا الوجه مستحيل في هذه الآية الكريمة انظر: \"التبيان\" ص٣٥٥، و\"الفريد\" ٢/ ٢١٩ - ٢٢٠.\n(٣) \"الحجة\" لأبي علي ١/ ٢٦ - ٢٧. وانظر: \"المسائل البصريات\" ١/ ٥٤٢، و\"كتاب الشعر\" ٢/ ٥٤٥، و\"الإغفال\" ص ٩٣٥ - ٩٣٦، وهذا الوجه هو اختيار ابن عطية في \"تفسيره\" ٥/ ٣٣٠، وابن الأنباري في \"البيان\" ١/ ٣٣٦، وقال السمين في \"الدر\" ٥/ ١٢٧: (والراجح من هذه الأقوال نصبها بمضمر، وهذا قول الفارسي، وقزاعد البصريين موافقة له) اهـ.\n(٤) أخرجه أبو داود رقم (٢٨١٨ - ٢٨١٩)، وابن ماجه رقم (٣١٧٣)، والترمذي =","vol":"8","page":391},{"text":"الفاء للعطف على ما دل عليه أول الكلام، كأنه قيل: كونوا على الهدى ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾، أي: مما ذُكي على اسم الله تعالى (١). قال الزجاج: (معناه: كلوا مما أخلصتم ذبحه لله) (٢)، وقد ذكرنا عند قول تعالى (٣): ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٧٣] إن التسمية لا تجب وأنها سنّة مستحبة (٤).\n_________\n= رقم (٣٠٣٦)، وقال: حسن غريب، والنسائي في \"سننه\" ٧/ ٢٣٧ كتاب: \"الضحايا\"، باب: تأويل قول الله ﷿: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١]، وفي \"التفسير\" ١/ ٤٧٩، والطبري ٨/ ١١ - ١٣، والحاكم ٤/ ١١٣ - ٢٣١، ٢٣٣، وصححه ووافقه الذهبي في \"التلخيص\"، وأخرجه البيهقي في \"سننه\" ٩/ ٢٤٠، كلهم من طرق جيدة، وبألفاظ متقاربة، وأخرجه النحاس في ناسخه ٢/ ٣٥٤، وقال: (هذا من أصح ما مر، وهو داخل في المسند). اهـ. وجاء في بعض الروايات أن الآية نزلت في اليهود، ويمكن الجمع بينهما بأن قول المشركين مبني على إيحاء اليهود، وذكر ابن كثير ٢/ ١٨٨، عدة طرق، وقال: (إسناده صحيح، وروي من طرق متعددة ليس فيها ذكر اليهود، وهذا هو المحفوظ؛ لأن الآية مكية، واليهود لا يحبون الميتة). اهـ.\n(١) ذكره السمين في \"الدر\" ٥/ ١٢٨، عن الواحدي، وقال: (الظاهر أنها عاطفة على ما تقدم من مضمون الجمل المتقدمة، كأنه قيل: اتبعوا ما أمركم الله من أكل المذكى دون الميتة فكلوا) اهـ.\n(٢) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٨٦.\n(٣) انظر: \"البسيط\" النسخة الأزهرية ١/ ١٠٥ ب.\n(٤) هذا قول الشافعي، ورواية عن مالك وأحمد، فمن تركها عندهم عمدًا أو سهوًا لم يقدح في حل الأكل، وذهب الجمهور إلى أنها شرط للإباحة مع الذكر دون النسيان، فيجوز أكل ما تركت عليه التسمية سهوًا لا عمدًا، وهو قول أبي حنيفة ورواية عن أحمد ومالك، وذهب أحمد في رواية إلى أنها شرط مطلقًا، وهذا القول هو الظاهر من نصوص الكتاب والسنة؛ لأن الأدلة لم تفصل، ولأنه علق الحل بذكر اسم الله تعالى، وهو اختيار شيخ الإسلام \"الفتاوي\" ٣٥/ ٢٣٩،=","vol":"8","page":392},{"text":"وقوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ ترغيب في اعتقاد صحة الإذن في أكل المذكاة على اسم الله تعالى، وتأكيد أن ما أباحه الشرع فهو طيب يحل تناوله، ولا يجوز استقذاره حتى لو استقذره إنسان كان غير مؤمن بظاهر هذه الآية، فإن عافت نفسه شيئًا بعد صحة عقيدته بكونه مباحًا غير مستقذر لم يضره ذلك (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1079>١١٩ </span>- قوله تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ الآية. هذا إبلاغ في إباحة ما ذبح باسم الله.\nقال الزجاج: (وموضع أن نصب؛ لأن في سقطت فوصل المعنى إلى أن فنصبها، المعنى: وأي شيء يقع لكم في أن لا تأكلوا، وسيبويه (٢) يجيز أن يكون موضع أن خفضًا، وإن سقطت في، والنصب عنده أجود) (٣)، وقد ذكرنا هذا قديمًا (٤).\n_________\n= والشيخ صالح بن فوزان الفوزان في كتاب \"الذكاة الشرعية\" ص ١٤ - ١٥، والشيخ محمد بن صالح العثيمين في \"رسالة في أحكام الأضحية والذكاة\" ص ٨٢ - ٨٦، وانظر: \"الناسخ والمنسوخ\" للنحاس ٢/ ٣٥٠ - ٣٥٥، و\"أحكام القرآن\" لابن العربي ٢/ ٧٤٦، و\"المغني\" لابن قدامة ١٢/ ٢٥٧، ٣٩٠، والقرطبي ٧/ ٧٥، و\"المجموع\" للنووي ٨/ ٤١٠، و\"تفسير ابن كثير\" ٢/ ١٨٩ - ١٩٠، و\"نيل الأوطار\" ٨/ ١٥٢.\n(١) انظر: \"الفتاوى\" ٢١/ ٥٣٤.\n(٢) انظر: \"الكتاب\" ٣/ ١٢٦ - ١٢٩.\n(٣) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٨٦، وفيه قال: (ولا اختلاف بين الناس في أن الموضع نصب)، وانظر: \"معاني الأخفش\" ٢/ ٢٨٦، و\"إعراب النحاس\" ١/ ٥٧٨، و\"المشكل\" ١/ ٢٦٧.\n(٤) لم أقف عليه.","vol":"8","page":393},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ قرئ (١) بالضم في الحرفين وبالفتح فيهما، وفي الأول بالفتح والثاني بالضم، فمن قرأهما بالضم فحجته قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] وقوله] (٢) ﴿حُرِمَتْ﴾ تفصيل ما أجمل في هذه الآية، فكما أن الاتفاق هاهنا على ﴿حُرِمَتْ﴾، كذلك يكون الذي أجمل فيه وكما وجب (حُرِّم) بضم الحاء لقوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] كذلك ضم (فُصل) لأن هذا المفصل هو ذلك المحرم الذي قد أجمل في هذه الآية، [وأيضًا] (٣) فإنه قد قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا﴾ [الأنعام: ١١٤] [و(مفصلًا)] (٤) يدل على (فُصّل) ومن فتحهما فحجته في (فَصّل) قوله: ﴿قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ﴾ [الأنعام: ٩٧] وحجته في (حَرّم) قوله: ﴿أَتْلُ مَا حَرَّمَ﴾ [الأنعام: ١٥١]، ويؤكد الفتح قوله تعالى: ﴿مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ (٥)﴾ [الأنعام:١١٩] فينبغي أن يكون الفعل مبنيًا للفاعل لتقدم ذكر اسم الله سبحانه، ومن قرأ: (فَصَّل) بالفتح فحجته قوله: ﴿قَدْ فَصَّلْنَا﴾ [الأنعام: ٩٧]، وحجته في ضَمِّ (حُرّم)، قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ\n_________\n(١) قرأ ابن عامر، وابن كثير، وأبو عمرو (فصل) بضم الفاء وكسر الصاد، وقرأ الباقون بفتح الفاء والصاد، وقرأ نافع وعاصم في رواية: (حرم) بفتح الحاء والراء، وقرأ الباقون بضم الحاء وكسر الراء. انظر: \"السبعة\" ص ٢٦٧، و\"المبسوط\" ص ١٧٤، و\"الغاية\" ص ٢٤٩، و\"التذكرة\" ٢/ ٤٠٩، و\"التيسير\" ص ١٠٦، و\"النشر\" ٢/ ٢٦٢.\n(٢) ما بين المعقوفين ساقط من (ش).\n(٣) لفظ: (أيضًا) ساقط من (أ).\n(٤) لفظ: (ومفصلًا) ساقط من (ش).\n(٥) لفظ: (عليكم) ساقط عن (ش).","vol":"8","page":394},{"text":"الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] (١)\nقال المفسرون (٢). (ومعنى قوله تعالى: ﴿وَقَدْ (٣) فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ هو ما فصله في قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ الآية).\nوقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾. قال الزجاج: (أي: دعتكم الضرورة لشدة المجاعة إلى أكله) (٤).\nوقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ﴾. قال أبو علي: (أي: يضلون باتباع أهوائهم (٥)، كما قال: ﴿وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ [الأعراف: ١٧٦]، أي: يضلون (٦) بامتناعهم من أكل ما ذكر اسم الله عليه، وغير ذلك مما يتبعونه\n_________\n(١) ما تقدم هو قول أبي علي في \"الحجة\" ٣/ ٣٩٠ - ٣٩١، وانظر: \"معاني القراءات\" ١/ ٣٨٢، و\"إعراب القراءات\" ١/ ١٦٨، و\"الحجة\" لابن خالويه ص ١٤٨، ولابن زنجلة ص ٢٦٩، و\"الكشف\" ١/ ٤٤٨.\n(٢) انظر: \"تفسير الطبري\" ٨/ ١٢ - ١٣، والسمرقندي ١/ ٥٠٩، و\"الحجة\" لأبي علي ٣/ ٣٩١، ونسب هذا القول الرازي في \"تفسيره\" ١٣/ ١٦٦، إلى أكثر المفسرين، وذكره القاسمي في \"تفسيره\" ٦/ ٦٩٥ - ٦٩٦، وقال: (ورد هذا بأن المائدة من آخر ما نزل بالمدينة والأنعام مكية، فالصواب أن التفصيل إما في قوله تعالى بعد هذه الآية: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ الآية [الأنعام: ١٤٥] فإنه ذكر بعدُ بيسير، وهذا القدر من التأخير لا يمنع أن يكون هو المراد، وإما على لسان الرسول ثم أنزل بعد ذلك في القرآن). اهـ. وانظر: \"تفسير الرازي\" ١٣/ ١٦٦، وابن عاشور ٨/ ٣٤.\n(٣) لفظ: (الواو) ساقط من (ش).\n(٤) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٨٧، وانظر: \"تفسير الطبري\" ٨/ ١٢، و\"الحجة\" لأبي علي ٣/ ٣٩١.\n(٥) في (أ): (هوائهم)، وهو تحريف.\n(٦) في (الحجة) لأبي علي ٣/ ٣٩٤ - ٤٩٥: (أي: يضلون في أنفسهم من غير أن يضلوا غيرهم من اتباعهم بامتناعهم ..). اهـ. وهذا في توجيه قراءة فتح الياء.","vol":"8","page":395},{"text":"ويأخذون به مما لا شيء يوجبه في شرع (١) نحو السائبة (٢) والبحيرة (٣) وغير ذلك مما كن يفعله أهل الجاهلية).\nومن قرأ (٤) بضم [الياء] (٥) فحجته أنه يدل على أن الموصوف بذلك في الضلال أذهب، ومن الهدى أبعد، ألا ترى أن كل مضلٍّ ضالٌّ، وليس كل ضالٍّ مضلًّا، [إذا (٦) كان] ضلاله مقصورًا على نفسه لا يتعداه إلى سواه، فالمضل أكثر استحقاقًا للذم، وأغلظ حالًا من الضال لتحمله إثم من\n_________\n(١) في \"الحجة\" ٣/ ٣٩٥: (من شرع ولا عقل) اهـ.\n(٢) السائبة: المهملة، كان الرجل إذا برأ من مرضه أو قدم من سفر أو نجت دابته من مشقة سيب شيئًا من الأنعام للآلهة، والبعير يدرك نتاج نتاجه فيسيب ويترك ولا يحمل عليه، والناقة التي كانت تسيب في الجاهلية لنذر ونحوه أو كانت إذا ولدت عشرة أبطن كلهن إناث سيبت، أو كان ينزع من ظهرها فقارة أو عظمًا، وكانت لا تمنع عن ماء ولا كلأ، ولا تركيب.\nانظر: \"اللسان\" ٤/ ٢١٦٦ مادة (سيب).\n(٣) البحيرة: أصل البحر الشق، وشق الأذن كانوا إذا نتجت الناقة أو الشاة عشرة أبطن بحروها وتركوها ترعى وحرموا لحمها إذا ماتت على نسائهم وأكلها الرجال، أو التي خليت بلا راع، أو التي نتجت خمسة أبطن والخامس ذكر نحروه فأكله الرجال والنساء، وإن كانت أنثى بحروا أذنها فكان حرامًا عليهم لحمها ولبنها وركوبها، فإذا ماتت حلت للنساء، أو هي ابنة السائبة، وحكمها حكم أمها، أو هي في الشاة خاصة إذا نتجت خمسة أبطن بحرت، وهي الغزيرة أيضًا.\nانظر: \"اللسان\" ١/ ٢١٦ مادة (بحر).\n(٤) قرأ عاصم وحمزة والكسائي (ليضلون) بضم الياء، وقرأ الباقون بفتحها. انظر. \"السبعة\" ص ٢٦٧، و\"المبسوط\" ص ١٧٤، و\"التذكرة\" ٢/ ٤٠٩، و\"التيسير\" ص ١٠٦، و\"النشر\" ٢/ ٢٦٢.\n(٥) في (أ): (بضم التاء)، وهو تصحيف.\n(٦) في (ش): (إذ كان).","vol":"8","page":396},{"text":"أضله (١). وقول أبي علي في تفسير: ﴿لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ﴾ موافق لقول ابن عباس فإنه قال: (أراد عمرو بن لحي (٢) فمن دونه من المشركين، وهو أوّل من غيّر دين إسماعيل، واتخذ البحائر والسوائب وأكل الميتة) (٣)، وقد ذكرنا قصته (٤) في سورة المائدة.\nوقوله تعالى: ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [يريد] (٥): لا علم لعمرو بن لحي، وقال أبو إسحاق: (أي: الذين يحلون الميتة ويناظرونكم في إحلالها، وكذلك كل ما يضلون فيه إنما يتبعون فيه الهوى والشهوة ولا بصيرة عندهم ولا علم) (٦).\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ﴾ قال ابن عباس: (يريد: ما تعدّى عمرو بن لحيّ حيث ملك مكة واتخذ الأصنام) (٧).\nوقال المفسرون (٨): (يعني: المجاوزين الحلال إلى الحرم).\n_________\n(١) هذا قول أبي علي في الحجة ٣/ ٣٩٦ - ٣٩٧، وانظر: \"معاني القراءات\" ١/ ٣٨٣، و\"إعراب القراءات\" ١/ ١٦٨، و\"الحجة\" لابن خالويه ص ١٤٨، ولابن زنجلة ص ٢٦٩، و\"الكشف\" ١/ ٤٤٩.\n(٢) تقدمت ترجمته.\n(٣) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ١٠٦، والبغوي في \"تفسيره\" ٣/ ١٨٢، والرازي ١٣/ ١٦٦، بدون نسبة.\n(٤) انظر: \"البسيط\" نسخة جامعة الإمام ٣/ ٨٠ ب.\n(٥) جاء في (أ): (قال يريد) وكأن القائل هو ابن عباس ﵄.\n(٦) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٨٧، وانظر: \"تفسير الطبري\" ٨/ ١٣.\n(٧) لم أقف عليه.\n(٨) انظر: \"تفسير الطبري\" ٨/ ١٣، والسمرقندي ٣/ ٣١٥، والبغوي ٣/ ١٨٢.","vol":"8","page":397},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1080>١٢٠ </span>- قوله تعالى: ﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ﴾ الآية. أكثر المفسرين (١): (على أن ﴿ظَاهِرَ الْإِثْمِ﴾ الإعلان بالزنا ﴿وَبَاطِنَهُ﴾ الاستسرار به). فقال ابن عباس: (كانت العرب يحبون الزنا، وكان الشريف يتشرف أن يزني [فيسر (٢) ذلك]، وغيره لا يبالي أن يظهره، فحرم الله الزنا كله، فقال: ﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ﴾ مثل قوله تعالى: ﴿[وَ] (٣) لاَ تَقْرَبُوا الفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ [الأنعام: ١٥١]) (٤)، وقال الضحاك: (كان أهل الجاهلية يرون الزنا حلالًا ما كان سرًّا فحرم الله تعالى بهذه الآية السر منه والعلانية) (٥). وقال الكلبي (٦): (﴿ظَاهِرَ الْإِثْمِ﴾ الزنا، ﴿وَبَاطِنَهُ﴾ المُخالَّة (٧»، وقال السدِّي: (ظاهره الزنا في الحوانيت وهم أصحاب الرايات، ﴿وَبَاطِنَهُ﴾ الصديقة يزني بها سرًّا) (٨).\n_________\n(١) حكاه عن أكثر المفسرين البغوي في \"تفسيره\" ٣/ ١٨٢، وهو قول مقاتل في \"تفسيره\" ١/ ٥٨٦، والفراء في \"معانيه\" ١/ ٣٥٢، وابن قتيبة في \"تفسير غريب القرآن\" ١/ ١٦٩، والسمرقندي في \"تفسيره\" ١/ ٥١٠، ومكي في \"تفسير المشكل\" ص ٧٩.\n(٢) في (ش): (فيستر ذلك).\n(٣) لفظ: (الواو) ساقط من النسخ.\n(٤) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ١٠٧، والثعلبي في \"الكشف\" ١٨٣ أ، عن مرة الهمذاني، والبغوي في \"تفسيره\" ٣/ ١٨٢، بدون نسبة، وفي \"تنوير المقباس\" ٢/ ٥٥، و\"زاد المسير\" ٣/ ١١٣، نحوه عن ابن عباس.\n(٥) أخرجه الطبري ٨/ ١٤، بسند ضعيف، وذكره الثعلبي ١٨٣ أ، وابن الجوزي ٣/ ١١٤.\n(٦) \"تنوير المقباس\" ٢/ ٥٥.\n(٧) المخالة، بالضم: المصادقة، وأصل الخُلَّة والمحبة التي تخللت القلب فصارت في باطنه. انظر: \"اللسان\" ١٢٥٢ مادة (خلل).\n(٨) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ١٤، وابن أبي حاتم ٤/ ١٣٧٧ بسند جيد.","vol":"8","page":398},{"text":"وذهب جماعة (١): (إلى أن الآية عامة في كل إثم) وهو قول مجاهد وقتادة، وجميع أصحاب المعاني، فقال مجاهد: (يعني: ما ينوي من الإثم وما هو عامله) (٢). وقال قتادة: (سره وعلانيته) (٣)، قال ابن الأنباري: (يريد: وذروا الإثم من جميع جهاته، كما تقول: ما أخذت من هذا المال [قليلًا (٤) ولا كثيرًا]، يريد: ما أخذته من جميع الوجوه التي يجوز أن يؤخذ منها، كذلك الذنوب كلها لا تخلو من هذين الوجهين) (٥).\nوقال أبو إسحاق: (الذي يدل عليه الكلام أن المعنى: اتركوا الإثم ظهر أو بطن، أي: لا تقربوا ما حرم عليكم جهرًا ولا سرًّا) (٦)، وقال غيره (٧): (معنى الآية: النهي عن الإثم مع البيان أنه لا يخرجه من معنى الإثم الاستسرار به، كما كانت الجاهلية ترى في الزنا أنه إثم\n_________\n(١) وهذا القول هو الراجح وما ذكر من باب التمثيل، وهو اختيار أكثر المفسرين. انظر: \"تفسير الطبري\" ٨/ ١٥، و\"معاني النحاس\" ٢/ ٤٨٠، و\"تفسير ابن عطية\" ٥/ ٣٣٢، وقال الرازي في \"تفسيره\" ١٣/ ١٦٧: (هذا نهي عام في جميع المحرمات، وهو الأصح؛ لأن تخصيص اللفظ العام بصورة معينة من غير دليل غير جائز). اهـ. وقال القرطبي في \"تفسيره\" ٧/ ٧٤: (للعلماء فيه أقوال كثيرة، وحاصلها راجع إلى أن الظاهر ما كان عملًا بالبدن مما نهى الله عنه، وباطنه ما عقد بالقلب من مخالفة أمر الله فيما أمر ونهى ..) اهـ.\n(٢) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ١٤ بسند جيد، وذكره السيوطي في \"الدر\" ٣/ ٧٨.\n(٣) أخرجه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ١/ ٢/ ٢١٧، والطبري ٨/ ١٣، وابن أبي حاتم ٤/ ١٣٧٧ من عدة طرق جيدة، وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٣/ ٧٨.\n(٤) في (أ): (قليلًا أو كثيرًا).\n(٥) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ١٠٧، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٣/ ١١٤، والرازي في \"تفسيره\" ١٣/ ١٦٧.\n(٦) \"معاني الزجاج\" ٣/ ٢٨٧.\n(٧) ذكره الرازي ١٣/ ١٦٧، وانظر: السمرقندي ١/ ٥١٠.","vol":"8","page":399},{"text":"[إذا أعلن] (١)، فإذا استتر به صاحبه لم يكن إثمًا، كما ذكره الضحاك) (٢). وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ﴾ [إلى آخرها] (٣) توعد على فعل الإثم بالجزاء (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1081>١٢١ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ قال ابن عباس (٥): (يريد: الميتة ﴿وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ﴾ [المائدة: ٣]) (٦)، وقال الكلبي: (يعني: ما لم يُذكّ ومات قبل أن تدرك ذكاته أو ذبح لغير الله) (٧)، وقال الزجاج: (أي: مما لم يخلص ذبحه الله) (٨)، وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ الهاء تعود على الأكل المدلول عليه، يعني: وإن الأكل لفسق، أي: أكل ما لم يذكر اسم الله عليه من الميتة (٩).\n_________\n(١) في (أ): (إذا علم).\n(٢) تقدم تخريجه.\n(٣) في (أ): (إلى آخره).\n(٤) انظر: \"تفسير الطبري\" ٨/ ١٥، و\"معاني النحاس\" ٢/ ٤٨١، و\"تفسير السمرقندي\" ١/ ٥١٠.\n(٥) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ١٠٨، والبغوي ٣/ ١٨٣، وابن الجوزي في ٣/ ١١٥، وأخرج الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ١٨، ١٩، وابن أبي حاتم ٤/ ١٣٧٨ بسند جيد، عن ابن عباس قال: (يريد: الميتة)، وذكره السيوطي في \"الدر\" ٣/ ٧٨.\n(٦) يشير إلى الآية الثالثة من سورة المائدة، والمنخنقة هي التي تموت بالخنق، والموقوذة: هي التي تضرب بشيء ثقيل غير محدد حتى تموت، والمتردية: هي التي تقع من موضع عال أو شاهق فتموت، والنطيحة: هي التي ماتت بسبب نطح غيرها لها، وقد كان بعض أهل الجاهلية يستحلون ذلك ويأكلونه، فحرم الله ذلك على المؤمنين. انظر: السمرقندي ١/ ٤١٤، وابن كثير ٢/ ١٣.\n(٧) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ١٠٨.\n(٨) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٨٧، ومثله ذكره النحاس في \"معانيه\" ٢/ ٤٨٠.\n(٩) انظر: \"معاني الفراء\" ١/ ٣٥٢، و\"تفسير الطبري\" ٨/ ٢٠، السمرقندي ١/ ٥١٠، و\"الدر المصون\" ٥/ ١٣٢.","vol":"8","page":400},{"text":"قال [ابن عباس] (١): (يريد: عصيان) (٢)، ومعنى الفسق في اللغة (٣): الخروج عن الحق والدين (٤).\nوقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ﴾ أي: يوسوس الشيطان لوليه فيلقي في قلبه الجدال بالباطل، وهو ما ذكرناه من أن المشركين جادلوا المؤمنين في الميتة (٥)، وأكثر المفسرين: (على أن المراد بالشياطين هاهنا: إبليس وجنوده، وسوسوا إلى أوليائهم من المشركين وأهل الضلالة ليخاصموا محمدًا - ﷺ - وأصحابه في أكل الميتة) (٦). وقال عكرمة (٧): (﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ﴾ يعني: مردة المجوس ﴿لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ﴾\n_________\n(١) لفظ: (ابن عباس) ساقط من (أ)، وملحق بالهامش.\n(٢) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ٢٠، وابن أبي حاتم ٣/ ١٠٦، بسند ضعيف.\n(٣) الفسق، بكسر الفاء وسكون السين: الخروج عن الطاعة إلى العصيان والترك لأمر الله ﷿ والميل إلى المعصية. قال الراغب في \"المفردات\" ص ٦٣٦: (وهو أعم من الكفر، والفسق يقع بالقليل من الذنوب وبالكثير، لكن تعورف فيما كان كثيرًا، وأكثر ما يقال الفاسق لمن التزم حكم الشرع وأقر به ثم أخل بجميع أحكامه أو ببعضه). اهـ.\nوانظر: \"العين\" ٥/ ٨٢، و\"الجمهرة\" ٢/ ٨٤٧، و\"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٧٨٨، و\"الصحاح\" ٤/ ١٥٤٣، و\"المجمل\" ٣/ ٧٢١، و\"اللسان\" ٦/ ٣٤١٤ مادة (فسق).\n(٤) هذا قول الزجاج في \"معانيه\" ٢/ ٢٨٧، وانظر: \"معاني النحاس\" ٢/ ٤٨٢.\n(٥) هذا نص كلام الزجاج في \"معانيه\" ٢/ ٢٨٧.\n(٦) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ٢٣، من عدة طرق، عن ابن عباس ومجاهد وعكرمة وعبد الله بن كثير، وقتادة والسدي والضحاك. وانظر: \"الدر المنثور\" ٣/ ٧٨ - ٧٩.\n(٧) أخرجه الطبري ٨/ ٢٠، وابن أبي حاتم ٤/ ١٣٧٩ بسند جيد، وذكره الواحدي في \"أسباب النزول\" ص ٢٢٦، ورجح الطبري ٨/ ٢٣ - ٢٤، العموم وتعاونهم في ذلك، لأن الله تعالى جعل للأنبياء أعداء من شياطين الإنس والجن، وانظر: \"تفسير ابن عطية\" ٥/ ٣٣٥.","vol":"8","page":401},{"text":"من مشركي قريش، قال: وذلك أن المجوس من أهل فارس لما أنزل الله تعالى تحريم الميتة كتبوا إلى مشركي قريش -وكانوا أولياءهم في الجاهلية، وكانت بينهم مكاتبة- أن محمدًا وأصحابه يزعمون أنهم يتبعون أمر الله ثم يزعمون أن ما ذبحوا فهو حلال وما ذبح الله فهو حرام، فوقع في أنفس ناس [من المسلمين] (١) من ذلك شيء، فأنزل الله هذه [الآية] (٢).\nثم قال: ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ﴾ يعني: في استحلال الميتة ﴿إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾. قال أبو إسحاق: (وفي هذا دليل أن كل من أحل شيئًا مما حرم الله، أو حرم شيئًا مما أحل الله فهو مشرك، وإنما سمي مشركًا لأنه اتبع غير الله ﷿، فأشرك به غيره) (٣).\nفإن قال قائل: كيف أبحتم ذبيحة المسلم التارك للتسمية والآية كالنَّص في التحريم؟ قيل: إن جميع المفسرين فسروا الآية بالميتة، وأشباهها، مما ذكره ابن عباس ولم يحملها أحد على ذبيحة المسلم إذا ترك التسمية، وفي الآية أشياء تدل على أن الآية في تحريم الميتة، منها قوله: ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ ولا يفسق أكل ذبيحة المسلم الذي ترك التسمية بالإجماع، وإنما التفسيق في أكل الميتة مع اعتقاد التحريم، ومنها قوله: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ﴾ وهذه المناظرة إنما كانت في مسألة الميتة بإجماع من أهل التفسير، لا في هذه المسألة، ومنها قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾، والشرك في [استحلال الميتة\n_________\n(١) لفظ: (من المسلمين) مكرر في (ش).\n(٢) لفظ: (الآية) ساقط من النسخ، وملحق في (أ) بأعلى السطر.\n(٣) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٨٧، وذكره النحاس في \"معانيه\" ٢/ ٤٨٢، عن أهل النظر، وانظر: \"تفسير الطبري\" ٨/ ١٥ وما بعدها، والسمرقندي ١/ ٥١٠.","vol":"8","page":402},{"text":"لا في (١)] استحلال الذبيحة التي لم يذكر اسم الله عليها (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1082>١٢٢ </span>- قوله تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾. قرأ نافع (٣) (مَيِّتًا) بالتشديد. قال أهل اللغة (٤): (المَيْتُ، مخففًا: تخفيف ميِّت، ومعناهما واحد ثُقِّلَ أو خُفِّفَ، والمحذوف في (٥) المخفف من الياءين الثانية المنقلبة عن الواو، أُعلت بالحذف كما أعلت بالقلب) (٦) قال ابن عباس (٧)\n_________\n(١) ما بين المعقوفين ساقط من (ش).\n(٢) ذكر مثل هذا الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ١٠٩، والرازي في \"تفسيره\" ١٣/ ١٣٨، وقال الطبري في \"تفسيره\" ١٢/ ٨٥: (الصواب: إن الله عني بذلك ما ذبح للأصنام والآلهة، وما مات أو ذبحه من لا تحل ذبيحته، وأما من قال: عني بذلك ما ذبحه المسلم فنسي ذكر اسم الله فقول بعيد عن الصواب؛ لشذوذه وخروجه عما عليه الحجة مجمعة من تحليله، وكفى بذلك شاهدًا على فساده). اهـ.\nوانظر: البغوي ٣/ ١٨٣، وابن عطية ٦/ ١٤٠.\n(٣) قرأ نافع (ميتًا) بتشديد الياء مع كسرها، وأسكنها الباقون. انظر: \"السبعة\" ص ٢٦٨، و\"التذكرة\" ٢/ ٤٠٩، و\"التيسير\" ص ١٠٦.\n(٤) الموت: ضد الحياة، يقال: ميت بفتح الميم، وكسر الياء المشددة، وأصله ميْوت على فيعل. وقيل: أصله مويت ثم أدغم ثم خفف، فقيل: ميت بفتح الميم وسكون الياء، والمعنى واحد.\nانظر: \"العين\" ٨/ ١٤٠، و\"الجمهرة\" ١/ ٤١١، و\"البارع\" ص ٧٠٤، و\"تهذيب اللغة\" ١٤/ ٣٤٢، و\"الصحاح\" ١/ ٢٦٦، و\"مقاييس اللغة\" ٥/ ٢٨٣، و\"المفردات\" ص ٧٨١، و\"اللسان\" ٢/ ٩٠ (موت).\n(٥) في (أ): (والمحذوف من المخفف في الياءين).\n(٦) هذا قول أبي علي في \"الحجة\" ٣/ ٣٩٨ - ٣٩٩، وانظر: \"معاني القراءات\" ١/ ٣٨٣، و\"إعراب القراءات\" ١/ ١٦٨.\n(٧) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ١٢/ ٩١، بسند جيد وذكره السيوطي في \"الدر\" ٣/ ٣٥١ - ٣٥٢.","vol":"8","page":403},{"text":"ومجاهد (١) ومحمد بن كعب (٢) وجميع المفسرين (٣): (يعني: من كان كافرًا [ضالًّا] (٤) فهدينا).\nقال أهل المعاني: (قد وصف الكفار بأنهم أموات في قوله تعالى: ﴿أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النحل: ٢١] فلما جعل الكفر موتًا، والكافر ميتًا، جعل الهدى حياة، والهداية إحياء، وإنما جعل الكفر موتًا؛ لأنه جهل، والجهل يؤدي إلى الحيرة والهلكة، والموت كالجهل في أنه لا يدرك به حقيقة، والهدى علم وبصيرة، والعلم يهتدي به إلى الرشد ويدرك به الأمور كما يدرك الحياة (٥).\nوقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ﴾. قال ابن عباس: (يعني: دينًا) (٦)، وقال مجاهد: (يعني: الهدى) (٧)، وقال الكلبي: (إيمانًا\n_________\n(١) \"تفسير مجاهد\" ١/ ٢٢٢، وأخرجه الطبري في \"تفسيره\" ١٢/ ٩٠ - ٩١ من عدة طرق جيدة، وذكره السيوطي في \"الدر\" ٣/ ٣٥٢.\n(٢) لم أقف عليه.\n(٣) ومنهم مقاتل في \"تفسيره\" ١/ ٥٨٧، والفراء في \"معانيه\" ١/ ٢٥٣، وابن قتيبة في تفسير \"غريب القرآن\" ص ١٥٩، والطبري في \"تفسيره\" ١٢/ ٨٨، والسمرقندي ١/ ٥١١، ومكي في \"تفسير المشكل\" ص ٧٩.\n(٤) لفظ: (ضالًا) ساقط من (أ).\n(٥) بعضه في \"الحجة\" لأبي علي ٣/ ٩٨، وذكره الرازي ١٣/ ١٧٣١ عن أهل المعاني، وانظر: \"الفتاوى\" ١٩/ ٩٤، و\"بدائع التفسير\" ٢/ ١٧٨.\n(٦) أخرج الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ٢٣، بسند جيد عن ابن عباس قال: (يعني بالنور: القرآن) اهـ. وأخرج بسند ضعيف عنه قال: (يقول: الهدى). وقال السيوطي في \"الدر\" ٣/ ٨١: (أخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس قال: (يعني بالنور: القرآن) اهـ.\n(٧) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ٢٣، بسند جيد، وذكره السيوطي في \"الدر\" ٣/ ٨١، وفي \"تفسير مجاهد\" ١/ ٢٢٣، قال: (يعني: الإيمان) اهـ.","vol":"8","page":404},{"text":"﴿يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ﴾ مع المسلمين) (١)، وقال ابن زيد: (يعني: الإِسلام) (٢)، وهذا الأقوال سواء (٣)، قال أصحاب المعاني الزجاج (٤) وأبو علي (٥): (المؤمن مستضيء في الناس بنور الحكمة والإيمان فيراد بالنور هاهنا: نور الحكمة التي يؤتاها المسلم بإسلامه)، وقال قتادة: (النور هاهنا كتاب الله بينة من الله مع المؤمن، بها يعمل، وبها يأخذ، وإليها ينتهي) (٦)، وهو قول الحسن قال: (هو القرآن) (٧)، قال أبو علي: (ويجوز أن يراد به النور المذكور في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾ [الحديد: ١٢]، وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ﴾ إلى قوله: ﴿نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ [الحديد: ١٣]) (٨).\nوقوله: ﴿كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ﴾. قال المفسرون: (يعني: الكافر [يكون] (٩) في ظلمات الكفر والضلالة) (١٠). ومعنى: ﴿كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ﴾ كمن هو في الظلمات، والعرب (١١) تزيد مثل في الكلام،\n_________\n(١) لم أقف عليه، وانظر: \"معاني الفراء\" ١/ ٣٥٣.\n(٢) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ٢٣، بسند جيد.\n(٣) انظر: \"تفسير الرازي\" ١٣/ ١٧٢، وابن كثير ٢/ ١٩٢.\n(٤) انظر: \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٨٨.\n(٥) \"الحجة\" لأبي علي ٣/ ٣٩٩.\n(٦) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ٢٣، بسند جيد، وذكره السيوطي في \"الدر\" ٣/ ٨١.\n(٧) ذكره الماوردي في \"تفسيره\" ٢/ ١٦٣، وابن الجوزي ٣/ ١١٧.\n(٨) الحجة لأبي علي ٣/ ٣٩٩.\n(٩) لفظ: (يكون) ساقط من (أ).\n(١٠) ومنهم الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ٢٣، وأخرجه من عدة طرق عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي وابن زيد.\n(١١) انظر: \"حروف المعاني\" للزجاجي ص ٢ - ٣.","vol":"8","page":405},{"text":"ولا يريدون به التشبيه، كقولهم: أنا أكرم مثلك. أي: أنا أكرمك، وعلى هذا يتوجه قوله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ [مِنَ النَّعَمِ]﴾ (١) [المائدة: ٩٥] فيمن أضاف (٢)؛ لأن معناه: فجزاء ما قتل، لا جزاء مثله.\nومن هذا قل (٣) في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] ليس كهو شيء (٤)، والتقدير في الآية: أفمن جعلنا له نورًا (٥) يمشي به كمن هو في الظلمات، والمِثْل والمَثل (٦) واحد.\nويجوز أن يكون المعنى: كمن مثله الذي هو شبه له في الظلمات، وإذا كان مثله في الظلمات كان هو أيضًا فيها، فأخبر عن مثله، أي: شبهه، والمراد به: الكافر لا شبيهه، وهذان القولان معنى ما ذكره أبو علي (٧) في هذه الآية، وقال غيره من النحويين (٨): (معنى الآية: كمن في الظلمات، وزيد المثل لأنه يفيد أنه يُضرب به المثل في ذلك). وقال بعضهم: (التقدير كمن مثله مثل من في الظلمات، أي: كمن لو شبه بشيء كان شبيهه من في\n_________\n(١) لفظ: (من النعم) ساقط من (أ).\n(٢) يعني: على قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو وابن عامر (فجزاءُ مِثْلِ ما قتل)، بضم (فجزاءُ) من غير تنوين مضافة وجر (مثل). انظر: \"السبعة\" ص ٢٤٧، و\"المبسوط\" ص ١٦٣، ١٦٤، و\"التذكرة\" ٢/ ٣٩٠.\n(٣) كذا في النسخ، والأولى: (ومثل هذا قل في قوله).\n(٤) انظر: \"معاني الحروف\" للرماني ص ٤٨، ٤٩، و\"سر صناعة الإعراب\" ١/ ٢٩١.\n(٥) في (أ): (نوران)، وهو تحريف.\n(٦) المثل بكسر الميم وسكون الثاء، والمثل بالفتح، واحد، بمعنى: التسوية، انظر: \"اللسان\" ٧/ ٤١٣٢ (مثل).\n(٧) انظر: \"الحجة\" لأبي علي ٣/ ٢٥٦ - ٢٥٧، وهو نص كلامه مع زيادة شرح من الواحدي.\n(٨) لم أقف عليه.","vol":"8","page":406},{"text":"الظلمات) وهذا قول الحسين بن الفضل (١)، وهو أضعف هذه الأقوال.\nوقوله تعالى: ﴿لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾. قال الكلبي: (ليس بمؤمنٍ أبدًا) (٢)، واتفق المفسرون على أن هذه الآية نزلت في مؤمن وكافر، وأجمعوا على أن الكافر أبو جهل (٣).\nواختلفوا في المؤمن من هو؟\nفقال ابن عباس: (يريد: حمزة بن عبد المطلب، وذلك أن أبا جهل رمى النبي - ﷺ - بفرث، وحمزة يومئذ لم يؤمن، فأخبره حمزة بما فعل أبو جهل وهو راجع من قنصه، وبيده قوس، فأقبل غضبان حتى [علا] (٤)، أبا جهل بالفرس، وهو يتضرع إليه ويستكين، ويقول: أما ترى ما جاء به، سفه عقولنا، وسب آلهتنا، فقال حمزة: ومن أسفه منكم تعبدون الحجارة من دون الله، أشهد أن لا إله إلا الله [وحده لا شريك له (٥)] وأن محمدًا رسوله، فأنزل الله هذه الآية) (٦).\nوقال مقاتل: (نزلت في النبي - ﷺ - وأبي جهل، وذلك أنه قال: زاحمنا\n_________\n(١) ذكر هذا القول الثعلبي في \"الكشف\" ١٨٣ ب بدون نسبة.\n(٢) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ١١٢، بدون نسبة، وقال مجاهد في \"تفسيره\" ١/ ٢٢٣: ﴿لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ أي: الضلالة أبدًا).\n(٣) حكى الاتفاق أيضًا ابن عطية في \"تفسيره\" ٥/ ٢٣٧.\n(٤) لفظ (علا)، ساقط من أصل (أ)، وملحق بأعلى السطر.\n(٥) ما بين المعقوفين ساقط من (أ).\n(٦) ذكره أكثرهم.\nانظر: الثعلبي ص ١٨٣ ب، و\"أسباب النزول\" للواحدي ص ٢٢٤، والبغوي ٣/ ١٨٤، وابن الجوزي ٣/ ١١٦، والرازي ١٣/ ١٧٢، والقرطبي ٧/ ٧٨، وذكر القصة دون ذكر الآية ابن هشام في \"السيرة\" ١/ ٣١٢، ٣٧٦، والحاكم في \"المستدرك\" ٣/ ١٩٢ - ١٩٣.","vol":"8","page":407},{"text":"بنو (١) عبد [مناف] (٢) في الشرف حتى إذا صرنا كفرسي رهان (٣) قالوا. منا نبي يوحى إليه، والله لا نؤمن به ولا نتبعه أبدًا، إلا أن يأتينا وحي كما يأتيه، فأنزل الله هذه الآية، وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ﴾ الآية [الأنعام: ١٢٤]) (٤).\nقال الزجاج: (على هذا القول فالنبي - ﷺ - هُدى، وأعطي نور الإسلام و[النبوة] (٥) والحكمة، وأبو جهل في ظلمات الكفر) (٦).\nوقال عكرمة (٧) والكلبي (٨): (نزلت في عمار بن ياسر، وأبي جهل).\nوقال الضحاك (٩)، ويمان: نزلت في عمر بن الخطاب -﵁- وأبي جهل) (١٠).\n_________\n(١) في (أ): (بني)، وهو تحريف.\n(٢) لفظ: (مناف)، ساقط من (ش).\n(٣) كَفَرسي رهان: أي: يتسابقان إلى غاية. وفرس بالفتح: واحد الخيل. ورهان بالكسر: المسابقة على الخيل. انظر: \"النهاية\" لابن الأثير ٣/ ٤٢٨ - ٤٢٩، و\"اللسان\" ٦/ ٣٣٧٨ (فرس)، ٣/ ١٧٥٨ (رهن).\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ١/ ٥٨٧.\n(٥) لفظ: (النبوة) ساقط من (أ).\n(٦) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٨٨.\n(٧) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ٢٢ بسند ضعيف، وذكره السيوطي في \"الدر\" ٣/ ٨١، وحكاه ابن الجوزي ٣/ ١١٦ عن ابن عباس.\n(٨) \"تنوير المقباس\" ٢/ ٥٦، وذكره السمرقندي ١/ ٥١١، والثعلبي ص ١٨٣/ ب، والماوردي ٢/ ١٦٤، والبغوي ٣/ ١٨٥، عن الكلبي.\n(٩) أخرجه الطبري ٨/ ٢٢ بسند ضعيف، وذكره السيوطي في \"الدر\" ٣/ ٨١.\n(١٠) لم أقف عليه عن يمان وحكاه النحاس في \"معانيه\" ٢/ ٤٨٣، عن السدي، والماوردي ٢/ ١٦٣ عن مقاتل، والواحدي في \"الوسيط\" ١/ ١١٢، عن زيد بن أسلم، والسيوطي في \"الدر\" ٣/ ٨١ عن ابن عباس.","vol":"8","page":408},{"text":"وقال الحسن (١): (الآية عامة [في كل مؤمن وكافر، ولم تنزل في مؤمن وكافر مخصوصين)، وهو قول الزجاج: (يجوز أن تكون هذه الآية (٢) عامة] لكل من هداه الله، ولكل من أضله، فاعلم أن مثل المهتدي مثل الميت الذي أُحيي، وجُعل مستضيئًا في الناس بنور الحكمة والإيمان، ومثل الكافر مثل من هو في الظلمات الذي لا يتخلص منها) (٣).\nوقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. قال ابن عباس: (يريد: زين الشيطان لهم عبادة الأصنام) (٤). وأما وجه التشبيه في قوله: ﴿كَذَلِكَ﴾ فالمعنى: زين لهم الكفر فعملوه كما زين لأولئك الإيمان، فشبهت حال هؤلاء في التزيين بحال أولئك فيه (٥).\nوقال أبو إسحاق: (موضع الكاف رفع، المعنى: مثل ذلك الذي قصصنا عليك زين للكافرين عملهم) (٦).\n_________\n(١) ذكره الماوردي ٢/ ١٦٣، والواحدي في \"الوسيط\" ١/ ١١٢، وابن الجوزي ٣/ ١١٦.\n(٢) ما بين المعقوفين ساقط من (ش).\n(٣) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٨٨، وهذا القول هو الراجح، فالآية عامة يدخل فيها كل مؤمن وكافر، وهو اختيار القرطبي في \"تفسيره\" ٧/ ٧٨، وابن كثير ٢/ ١٩٢، وقال النحاس في \"معانيه\" ٢/ ٤٨٣: (الذي يوجب المعنى أن يكون عامًّا إلا أن تصح فيه رواية). اهـ. وقال الرازي في \"تفسيره\" ١٣/ ١٧٣: (الحق أن الآية عامة؛ لأن المعنى إذا كان حاصلًا في الكل كان التخصيص محض تحكم، إلا إذا قيل: إن النبي - ﷺ - قال: \"إن مراد الله تعالى من هذه الآية العامة فلان بعينه\". اهـ ملخصًا.\n(٤) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ١١٣، والبغوي في \"تفسيره\" ٣/ ١٨٥.\n(٥) انظر: \"تفسير الطبري\" ٨/ ٢٤، والسمرقندي ١/ ٥١١، وابن عطية ٥/ ٢٣٧.\n(٦) ذكره السمين في \"الدر\" ٥/ ١٣٤، وقال الزجاج في \"معانيه\" ٢/ ٢٨٨، عند قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ﴾ (موضع الكاف نصب معطوفة على ما قبلها =","vol":"8","page":409},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1083>١٢٣ </span>- قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا﴾ الآية، ﴿وَكَذَلِكَ﴾ عطف على ﴿كَذَلِكَ﴾ في الآية الآولى، أي: ومثل ذلك جعلنا في كل قرية، أي: كما زينا للكافرين أعمالهم كذلك (١) جعلنا.\nقال المفسرون (٢): (يعني: كما إن فساق مكة أكابرها، كذلك جعلنا فساق كل قرية أكابرها).\nقال ابن عباس: (أكابر مجرمي مكة المستهزئون المقتسمون عقاب (٣) مكة) (٤).\nقال الزجاج: (إنما جعل الأكابر المجرمين؛ لأنهم بما هم فيه من الرئاسة والسعة أدعى لهم المكر والكفر، والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ﴾ [الشورى: ٢٧]) (٥).\n_________\n= وهو قوله: ﴿كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ المعنى: مثل ذلك الذي قصصنا عليك زين للكافرين عملهم وكذلك جعلنا) اهـ. وقال الهمداني في \"الفريد\" ٢/ ٢٢٣: (الكاف يحتمل أن يكون في موضع رفع على أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره: فعلنا لهذه الأشياء المتقدم ذكرها، وهي إحياء الميت وجعل النور له، وذكرنا لمن مثله في الظلمات مثل تزييننا للكافرين عملهم، أو في موضع نصب على أنه نعت لمصدر محذوف، أي: فعلنا هذه الأشياء فعلًا مثل فعلنا للتزيين) اهـ.\n(١) انظر: \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٨٨، و\"تفسير الطبري\" ٨/ ٢٤.\n(٢) انظر: \"تفسير السمرقندي\" ١/ ٥١١، و\"الثعلبى\" ١٨٣ ب.\n(٣) عقاب، بكسر العين: مرقى صعب من الجبال، وكل طريق بعضه خلف بعض، وعقب كل شيء: آخره. انظر: \"اللسان\" ٥/ ٣٠٢٩ (عقب).\n(٤) \"تنوير المقباس\" ٢/ ٥٧، وذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ١١٣.\n(٥) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٨٨، وزاد أيضًا قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ﴾ [الزخرف: ٣٣] وانظر: \"معاني النحاس\" ٢/ ٤٨٤.","vol":"8","page":410},{"text":"والأكابر جمع الأكبر الذي هو اسم (١). والآية على التقديم والتأخير، تقديره: جعلنا مجرميها أكابر، ولا يجوز أن يكون الأكابر مضافة؛ [لأنه] (٢) لا يتم المعنى، ويحتاج إلى إضمار المفعول الثاني للجعل؛ لأنك إذا قلت: جعلت زيدًا، وتسكت لم يُفد الكلام حتى تقول: رئيسًا أو ذليلًا، أو ما أشبه ذلك، لاقتضاء الجعل مفعولين، ولأنك إذا أضفت الأكابر فقد أضفت النعت إلى المنعوت، وذلك لا يجوز عند البصريين (٣).\nوقوله تعالى: ﴿لِيَمْكُرُوا فِيهَا﴾. قال مجاهد: (هو أنهم أجلسوا على كل طريق أربعة، واقتسموا عقاب مكة، فذلك مكرهم) (٤)، ومعنى\n_________\n(١) انظر: \"معاني الأخفش\" ٢/ ٢٨٧، و\"الطبري\" ٨/ ٢٤، و\"الدر المصون\" ٥/ ١٣٦.\n(٢) لفظ: (لأنه) ساقط من (ش).\n(٣) ذكر نص كلام الواحدي الرازي في \"تفسيره\" ١٣/ ١٧٤٠ بدون نسبة، وقال مكي في \"المشكل\" ١/ ٢٦٨، وابن الأنباري في \"البيان\" ١/ ٣٣٨، (مجرميها) مفعول أول لجعلنا، (أكابر) مفعول ثانٍ مقدم. اهـ. وقال السنن في \"الدر\" ٥/ ١٣٤ - ١٣٦: (جعل تصيير به، فتتعدى لاثنين، واختلف في تقديرهما، والصحيح أن يكون (في كل قرية) مفعولا ثانيًا قدم على الأول، والأول (أكابر) مضافًا لمجرميها ..) اهـ. ثم ذكر قول الواحدي، وقال: (هذان الوجهان اللذان رد بهما الواحدي ليسا بشيء، أما الأول فلا نسلم أنا نضمر المفعول الثاني، وأنه يصير الكلام غير مفيد، وأما ما أورده من الأمثلة فليس مطابقًا لأنا نقول: إن المفعول الثاني مذكور مصرح به، وهو الجار والمجرور السابق، وأما الثاني فلا نسلم أنه من باب إضافة الصفة لموصوفها؛ لأن المجرمين أكابر وأصاغر فأضاف للبيان لا لقصد الوصف، وانظر: \"غرائب التفسير\" ١/ ٣٨٣، و\"التبيان\" ٣٥٧، و\"الفريد\" ٢/ ٢٢٤.\n(٤) الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ١١٣، وابن الجوزي في \"تفسيره\" ٣/ ١١٨، والقرطبي ٧/ ٧٩، وذكره البغوي ٣/ ١٨٥ بدون نسبة.","vol":"8","page":411},{"text":"قوله: جعلناهم (١) ﴿لِيَمْكُرُوا﴾ بيان أنهم لم يمكروا مُعاداة لله، بل جعلهم أكابر ليمكروا تكذيبًا للقدرية في مسألة التعديل والتجوير (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ﴾. قال ابن عباس: (يريد: ما يحيق هذا المكر إلا بهم؛ لأنهم بمكرهم يعذبون) (٣)، كأنه قيل: ما يضرون بذلك المكر إلا أنفسهم؛ لأن وبال مكرهم يعود عليهم ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ أنهم يمكرون بها (٤)، قال ابن عباس: (لأنهم يقتلون ويصيرون إلى العذاب) (٥).\n\n١٢٤ - قوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ﴾ الآية، قد ذكرنا قول مقاتل في سبب نزول هذه الآية، وقال غيره من المفسرين: (إن الوليد بن المغيرة قال: والله لو كانت النبوة حقًّا، لكنت أولى بها منك؛ لأني أكبر منك سنًا وأكثر منك مالًا، فأنزل الله هذه الآية) (٦)، وقال الضحاك: (سئل كل واحد من القوم أن يخص بالوحي والرسالة كما أخبر الله عنهم في قوله: ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾ [المدثر: ٥٢] (٧)، وظاهر الآية يدل على هذا؛ لأن الكناية في قوله:\n_________\n(١) هكذا العبارة في النسخ، وهي لا تستقيم، ولعل فيه سقطًا، أو الصواب: ومعنى (ليمكروا) جعلناهم ليمكروا، وفيه بيان أنهم لم يمكروا.\n(٢) انظر: \"تفسير الرازي\" ١٣/ ١٧٤.\n(٣) لم أقف عليه، وهو نص كلام الزجاج في معانيه ٢/ ٢٨٨.\n(٤) انظر: \"تفسير الطبري\" ٨/ ٢٤، و\"معاني النحاس\" ٢/ ٤٨٤، و\"تفسير السمرقندي\" ١/ ٥١١.\n(٥) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ١١٣.\n(٦) ذكره أكثرهم. انظر: \"تفسير مقاتل\" ١/ ٥٨٨، والسمرقندي ١/ ٥١١، والثعلبى ١٨٣ ب، والبغوي ٣/ ١٨٥، والرازي ١٣/ ١٧٥، والقرطبي ٧/ ٨٠.\n(٧) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ١١٣، وابن الجوزي في \"تفسيره\" ١٣/ ١٧٥.","vol":"8","page":412},{"text":"﴿وَإِذَا جَاءَتْهُمْ﴾ تعود على الأكابر (١) الذين جرى ذكرهم، فعلى هذا أراد القوم أن تكون لهم النبوة والرسالة كما كانت لمحمد ﵇.\nوقال ابن عباس: (﴿وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ﴾ يريد: من علم الغيب الذي أطلع الله نبيه عليه مما يخبرهم به ﴿قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ﴾ لن نصدق ﴿حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ﴾ يريد: حتى يوحي إلينا ويأتينا جبريل فنصدق) (٢)، وعلى هذا: القوم لم يريدوا النبوة وإنما طلبوا أن تخبرهم الملائكة بصدق محمد كما قالوا: ﴿أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٩٢]، وكما قالوا: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ [الأنعام: ٨]. والأول أقوى (٣) لقوله: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ يعني: أنهم ليسوا لها بأهل، وعلى قول ابن عباس يتوجه هذا على أن (٤) من أرسل إليه الملك وكلمه عيانًا حصلت له منزلة الرسل ومرتبة الأنبياء، وليسوا هم لهذا بأهل.\nومعنى قوله تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ هو أعلم بمن يختص بالرسالة، قال أبو علي: (لا يجوز أن يكون العامل في ﴿حَيْثُ﴾ ﴿أَعْلَمُ﴾ هذه الظاهرة، ولا يجوز أن يكون ﴿حَيْثُ﴾ ظرفًا؛ لأنه يصير التقدير: الله أعلم في هذا الموضع، ولا يوصف الله سبحانه بأنه أعلم في مواضع أو أوقات؛ لأنه علمه لا يختلف بالزمان والمكان، فإذا كان كذلك\n_________\n= والرازي ١٣/ ١٤٣.\n(١) انظر: \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٨٨ - ٢٨٩، و\"تفسير الرازي\" ١٣/ ١٧٥.\n(٢) \"تنوير المقباس\" ٢/ ٥٨، وذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ١١٤، وابن الجوزي في \"تفسيره\" ٣/ ١١٨، والرازي ١٣/ ١٧٥، والخازن ٢/ ١٨٠.\n(٣) وهو اختيار القرطبي في \"تفسيره\" ٧/ ٨٠، وقال الرازي في \"تفسيره\" ١٣/ ١٧٦: (القول الأول هو المشهور، وقال المحققون: هو أقوى وأولى) اهـ. ملخصًا.\n(٤) لفظ: (أن) ساقط من (أ).","vol":"8","page":413},{"text":"كان العامل في ﴿حَيْثُ﴾ فعلًا يدل عليه ﴿أَعْلَمُ﴾ و﴿حَيْثُ﴾ لا يكون ظرفًا بل يكون اسمًا، ويكون انتصابه انتصاب المفعول به [على الاتساع، ومثل ذلك في انتصاب ﴿حَيْثُ﴾ على المفعول به] (١) قول الشماخ:\nوَحَلأها (٢) عَنْ ذي الأَراكَةِ عَامِرٌ ... أَخو الخُضْرِ يَرْمِي حَيْثُ تُكْوَى النَّواحِزُ (٣)\nفحيث مفعول به؛ لأنه ليس يريد: أنه يرمي شيئًا حيث (٤) تكوى النواحز: إنما يريد: أنه يرمي ذلك الموضع، فحيث تكوى النواحز مفعول به) (٥).\nوقال الحكماء: (الأبلغ في تصديق الرسل أن لا يكونوا قبل مبعثهم مطاعين في قومهم؛ لأن الطعن كان يتسع عليهم، فيقال: إنما كانوا أكابر\n_________\n(١) ما بين المعقوفين ساقط من (ش).\n(٢) في النسخ: (وجلاهما)، وهو خلاف ما في المراجع الآتية.\n(٣) \"ديوانه\" ص ٦٥، و\"المعاني الكبير\" ٢/ ٧٨٣، و\"جمهرة أشعار العرب\" ٢/ ٨٢٨، و\"البحر\" ٤/ ٢١٦، و\"الدر المصون\" ٥/ ١٣٧. وحلأها، أي: منع الحُمر من الماء. انظر: \"اللسان\" ٢/ ٣٨٢ (حلا). وذو الأراكة: اسم مكان، وهو نخل وماء باليمامة. انظر: \"معجم البلدان\" ١/ ١٣٥. وعامر أخو الخضر، اسم وكنية لرام من أمهر الرماة وقانص مشهور يقال له: الرامي. والخضر: بضم الخاء وسكون الضاد هم ولد مالك بن مطرف المحاربي، سموا بذلك لشدة سمرتهم.\nانظر: \"الإصابة\" ٢/ ٢٦١. والنواحز: الإبل المصابة بالنحاز، وهو داء من عوارضه سعال شديد، وعلاجه الكي في الرقاب والأجناب. انظر: \"اللسان\" ٧/ ٤٣٦٦ (نحز).\n(٤) في (أ): (حيث يكون تكوى)، وهو تحريف.\n(٥) انظر: \"الحجة\" لأبي علي ١/ ٣٥، ٣/ ٢٤٤، و\"كتاب الشعر\" ١/ ١٧٨، و\"التبيان\" ٣٥٧، و\"الفريد\" ٢/ ٢٢٥، و\"الدر المصون\" ٥/ ١٣٧.","vol":"8","page":414},{"text":"رؤساء فاتبعوا، فكان الله تعالى أعلم حيث جعل الرسالة ليتيم أبي طالب دون أبي جهل والوليد بن المغيرة، وأكابر مكة) (١).\nوقوله تعالى: ﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ﴾، الصغار (٢) الذل الذي يصغر إلى المرء نفسه، قال الليث: (يقال من الصغر ضد الكبر: صَغُر (٣) يَصْغُر صِغَرًا، فهو صغير، وأما الصَّغار فهو مصدر الصغير في القَدْر، يقال منه: صَغِر (٤) يَصْغَر وصَغِر يَصغُر صَغَرًا وصَغَارًا، فهو صاغِرٌ، ويقال أيضًا في المصدر: صَغَرًا (٥) وهو الذل، والصاغِرُ: الراضي بالذل، والصُّغرِ) (٦).\n[قال أبو إسحاق] (٧) (أي: هم وإن كانوا أكابر في الدنيا فسيصبهم\n_________\n(١) هذا قول الزجاج في \"معانيه\" ٢/ ٢٨٩، وحكاه الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ١١٤، وابن الجوزي في \"تفسيره\" ٣/ ١١٨، و\"الخازن\" ٢/ ١٨٠، عن أهل المعاني.\n(٢) انظر: \"الجمهرة\" ٢/ ٧٣٩، و\"البارع\" ص ٢٩٣، و\"الصحاح\" ٢/ ٧١٣، و\"المجمل\" ٢/ ٥٣٤، و\"المفردات\" ص ٤٨٥ (صغر).\n(٣) صَغُر: بفتح الصاد، وضم الغين، يَصْغُر: بضم الغين. صِغَرًا: بكسر الصاد، وفتح العين. انظر: \"العين\" ٤/ ٣٧٢.\n(٤) صَغِر: بفتح الصاد وكسر الغين. يَصْغَر: بفتح الغَين. وصَغِر: بفتح الصاد وكسر الغين. يصغرُ: بضم الغين. صُغْرًا: بالفتح. وصغارًا: بالفتح.\n(٥) يقال: صغر يصغر: بضم الغين. صغرًا: بضم الصاد وسكون الغين، ويقال: صَغر يصغَر: بفتح الغين. صِغْرًا: بكسر الصاد، وسكون الغين. ويقال: صَغُر: بضم الغين وفتحها، من الذل. انظر: \"اللسان\" ٤/ ٢٤٥٣ (صغر)، و\"الدر السمين\" ٥/ ١٤٠.\n(٦) \"تهذيب اللغة\" ٨/ ٢٣ - ٢٤، وفيه قال الليث: (يقال: صَغر يَصْغَر صَغَرًا وصَغَارًا، فهو صاغر، إذا رضي بالضيم وأقرَّ به. ويقال: من الصغر ضد الكبر. صَغُر يَصْغُر صِغَرًا، وأما الصَّغَار فهو مصدر الصغير في القدر) اهـ.\n(٧) ما بين المعقوفين ساقط من (أ).","vol":"8","page":415},{"text":"صغار عند الله، أي: مذلة و﴿عِنْدَ﴾ متصلة بـ ﴿سَيُصِيبُ﴾، المعنى: سيصيبهم عند الله صغار، قال وجائز أن يكون ﴿عِنْدَ﴾ متصلة بصغار فيكون المعنى: سيصيب الذين أجرموا صغار ثابت عند الله لهم) (١).\nقال أبو علي: (يحتمل أن يكون ﴿عِندَ﴾ متصلة بـ ﴿سَيُصِيبُ﴾ ومعمولًا له، كما قال (٢)، [كأنه] (٣) سيصيب عند الله الذين أجرموا صغار، ويجوز أن يكون ﴿عِندَ﴾ معمولًا لصغار، والعامل فيه صغار نفسه؛ لأنه مصدر فلا يحتاج إلى تقدير محذوف في الكلام كما قدّره أبو إسحاق في قوله: صغار ثابت عند الله، لكن نفس المصدر يتناوله ويعمل فيه، والدليل على أن الصغار مصدر قوله:\nوإذا تكُونُ (٤) شَديِدَة أُدْعَى لَها ... وإذا يُحاسُ الحَيْسُ يُدْعَى جُنْدَبُ\nهَذَا لَعَمْرِكُمْ الضغَارُ بَعَيْنِهِ ... لا أُمَّ لي إِنْ كَانَ ذاكَ ولا أبُ (٥)\n_________\n(١) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٨٩.\n(٢) قوله: (كما قال) يريد الزجاج، في تقديره السابق.\n(٣) لفظ: (كأنه) ساقط من (ش).\n(٤) في (ش): (يكون).\n(٥) البيتان مختلف في نسبتهما وهما في: \"اللسان\" ٢/ ١٠٦٩. (حيس) لهنى بن أحمر الكناني أو لزرافة الباهلي أو لغيرهما كما في \"شرح شواهد المغني\" للسيوطي ٢/ ٩٢١، وهما بلا نسبة في \"معاني الفراء\" ١/ ١٢١ - ١٢٢، والأول في \"الأضداد\" لابن الأنباري ص ١٢٠.\nوالشاهد في: البيت الأخير وهو: لرجل من بني مذحج في \"الكتاب\" ٢/ ٢٩١ - ٢٩٢، و\"الأصول\" ١/ ٣٨٦، ولهنى الكناني في \"الكتاب\" ١/ ٣١٩، وبلا نسبة في: \"معاني الأخفش\" ١/ ٢٥، و\"المقتضب\" ٤/ ٣٧١، و\"الجمل\" للزجاجي ص ٢٣٩، و\"الحجة\" لأبي علي ١/ ١٩٠، و\"معاني الحروف\" للرماني ص ٨٢، و\"اللمع\" ص ٩٩، و\"رصف المباني\" ص ٣٣٨، و\"المغني\" ٢/ ٥٩٣. والحَيْسُ، بفتح الحاء وسكون الياء: الأقط يخلط بالتمر والسمن.","vol":"8","page":416},{"text":"والتقدير فيه إذا كان مصدرًا: أن يصغروا عند الله، وعلى هذا التأويل لا وجه لتقدير ثابت في الكلام؛ لأن الفعل (١) نفسه يعمل فيه، ألا ترى أنك لو قلت: ضرب زيد خلفك عمرًا (٢) حسن لكان المصدر يعمل في خلفك، ويعمل في عمرو وينتصب به، وكذلك صغار، والمعنى: صغارهم، ولم يضف المصدر إليهم؛ لأن في الكلام دليلًا عليه، كما حُذف المضاف إليه في قوله: ﴿دُعَاءِ الْخَيْرِ﴾ [فصلت: ٤٩] و﴿بِسُؤَالِ (٣) نَعْجَتِكَ﴾ [ص: ٢٤] هذا إذا جعلت صغارًا مصدرًا، فإن قدرته موصوفًا لم يكن ﴿عِندَ﴾ معمولًا لصغارِ ولكن يكون متعلقَّا بمحذوف، ولابد على هذا من تقدير ثابت ونحوه مما يكون صفة ثم حذف وأقيم الظرف مقامه للدلالة عليه، وهذا كقولك وأنت تريد الصفة: هذا رجل خلفك، فالمعنى: رجل ثابت أو مستقر خلفك، وكلا الوجهين جائز، ولا يجوز على واحد منهما تقديم ﴿عِندَ﴾ على ﴿صَغَارٌ﴾ كما جاز تقدير تقديمه إذا كان معمولًا لسيصيب، إلا أن الوجه الأول من هذين الوجهين أعجب إليّ، وإن كان الثاني حسنًا؛ لأن صغارًا مصدر، والمصادر تعمل أعمال الفعل وتقوم مقامه، فإذا أعملت عمل الفعل وقامت مقامه، لم يحسن وصفه كما لا يحسن وصف الفعل) (٤).\n_________\n(١) في (أ): (لأن الفعل يعمل نفسه يعمل فيه)، وهو تحريف.\n(٢) في (أ): (عمروًا).\n(٣) في النسخ: (وسؤال)، وهو تحريف.\n(٤) \"الإغفال\" ص ٩٦٥ - ٦٩٨، وانظر: \"معاني الفراء\" ١/ ٣٥٣، و\"معاني النحاس\" ٢/ ٤٨٤، و\"الفريد\" ٢/ ٢٢٥، و\"الدر المصون\" ٥/ ١٤٠.","vol":"8","page":417},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1085>١٢٥ </span>- قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ الآية، قال الليث: (يقال: شرح الله صدره فانشرح، أي: وسع (١) صدره لقبول الخير فتوسع) (٢).\nوقال غيره: (شرح فلان أمره إذا أوضحه وأظهره، وشرح مسألةً إذا كانت مشكلةً فبيّنها) (٣).\nوقال أبو العباس عن ابن الأعرابي: (الشرح: الفتح، والشرح: البيان) (٤)، فقد ثبت للشرح (٥) معنيان: أحدهما: الفتح، ومنه يقال: شرح الكافر بالكفر صدرًا. أي: فتحه لقبوله، ومنه قول الله ﷿: ﴿وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا﴾ [النحل: ١٠٦]. وقوله: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ [الزمر: ٢٢] أي: فتحه ووسعه له، ومن هذا قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١)﴾ [الشرح: ١].\nقال الكلبي: (﴿يَشْرَحْ صَدْرَهُ﴾ قلبه ويلينه ليقبل الإسلام) (٦).\nوالذي يدل على أن الشرح معناه: الفتح والتوسيع، وصف الكافر بضده من تضييق قلبه، وهو قوله تعالى: ﴿يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ [الأنعام:١٢٥]. قال المفسرون: (ولما نزلت هذه الآية سئل رسول الله - ﷺ - فقيل له: كيف يشرح صدره؟ فقال: \"بنور يقذف فيه حتى ينفسح وينشرح\"،\n_________\n(١) في (ش): (أي: وسع الله).\n(٢) \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٨٥١.\n(٣) هذا في \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٨٥١، كأنه من قول الليث.\n(٤) \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٨٥١. وفيه أيضًا: (الشرح الحفظ والفهم). اهـ.\n(٥) انظر: \"العين\" ٣/ ٩٣، و\"الجمهرة\" ١/ ٥١٣، و\"الصحاح\" ١/ ٣٧٨، و\"المجمل\" ٢/ ٥٢٨، و\"المفردات\" ص ٤٤٩، و\"اللسان\" ٤/ ٢٢٢٨ (شرح).\n(٦) \"تنوير المقباس\" ٢/ ٥٨.","vol":"8","page":418},{"text":"فقيل له: وهل لذلك من أمارة يعرف بها؟ فقال: \"الإنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل نزول الموت\" (١).\nروي (٢) ذاك عن ابن عباس (٣) ثم قال: (وكذلك كان أصحاب رسول الله - ﷺ -) (٤).\nويروي أن ابن مسعود (٥) كان السائل.\n_________\n(١) أخرجه ابن المبارك في \"الزهد\" ص ١٠٦، ووكيع ١/ ٢٣٨، وعبد الرزاق في \"تفسيره\" ١/ ٢/ ٢١٧، وابن أبي شيبة في \"المصنف\" ٧/ ٩٨ (٣٤٣٠٣)، وابن قتيبة في \"عيون الأخبار\" ٢/ ٣٢٨، والطبري ٨/ ٢٦، وابن أبي حاتم ٤/ ١٣٨٤ وأبو الشيخ في \"طبقات أصبهان\" ١/ ٤٥٢، والسمرقندي في \"تفسيره\" ١/ ٥١٢، والبيهقي في \"الأسماء والصفات\" ١/ ٣٩٨، من طرق معلولة بالإرسال أو الضعف، وأصله مرسل يروى عن عبد الله بن المسور الهاشمي المدائني ضعيف متهم بالوضع. انظر: \"العلل المتناهية\" لابن الجوزي ٢/ ٣١٨، و\"شرح علل الترمذي\" لابن رجب ٢/ ٧٧٢، و\"لسان الميزان\" ٣/ ٣٦٠. وذكره السيوطي في \"الدر\" ٣/ ٨٣، وزاد نسبته إلى (سعيد بن منصور والفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه عن عبد الله بن المسور). وذكر ابن كثير في \"تفسيره\" ٢/ ١٩٥، عدة طرق للحديث ثم قال: (هذه طرق لهذا الحديث مرسلة ومتصلة يشد بعضها بعضًا، والله أعلم). اهـ.\n(٢) لفظ: (روى) ساقط من (ش).\n(٣) أخرجه ابن أبي حاتم ٤/ ١٣٨٤ بسند ضعيف.\n(٤) هذه الزيادة لم أقف عليها.\n(٥) أخرجه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" ٧/ ٩٨ (٣٤٣٠٣)، والطبري ٨/ ٢٦، والحاكم ٤/ ٣١١، وسكت عنه، وقال الذهبي في \"التلخيص\": (فيه عدي بن الفضل ساقط)، وقال ابن كثير ٢/ ١٩٥: (أخرجه ابن أبي حاتم)، وذكره السيوطي في \"الدر\" ٣/ ٨٣، وزاد نسبته إلى ابن أبي الدنيا وأبي الشيخ وابن مردويه والبيهقي في \"الشعب\" من طرق عن ابن مسعود.","vol":"8","page":419},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾. وقرأ ابن كثير (١): (ضيقًا) ساكنة الياء، وهو من باب المَيِّت والمَيْت في أن المخفف مثل المشدد في المعنى.\nقال أبو علي: (والياء مثل الواو في الحذف، وإن لم تعتل بالقلب كما اعتلت الواو به اتبعت الياء الواو في هذا، كما اتبعت في قولهم: اتَّسَر من الميسر فجعلت بمنزلة اتَّعدَ) (٢).\nوقال أبو بكر بن الأنباري: (الذي يثقل الياء يقول: وزنه من الفعل فَعِيل، والأصل فيه ضييق على مثال: كريم ونبيل، فجعلوا الياء الأولى ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها من حيث أعلوها في ضاق يضيق، ثم أسقطوا الألف لسكونها وسكون ياء فعيل، فأشفقوا من أن يلتبس فعيل بفعْل فزادوا ياء على الياء ليكمل بها بناء الحرف ويقع بها فرق ما بين فَعِيل وفَعْل، والذين خففوا الياء قالوا: قد وضح أصل الحرف وعرف التشديد فخفف عند الثقة بأنه لا يلتبس بغيره.\nقال: وقال البصريون: وزنه من الفِعل فَيْعِل فأدغمت (٣) الياء في الياء التي بعدها فوجب التشديد، ثم جاز التخفيف بعد، قال: وردّ الفراء وأصحابه هذا، وقالوا: لا يعرف في كلام العرب اسم على مثال فَيْعِل،\n_________\n(١) قرأ ابن كثير (ضيقا) بسكون الياء المخففة، وقرأ الباقون بكسر الياء المشددة. انظر: \"السبعة\" ص ٢٦٨، و\"المبسوط\" ص ١٧٤، و\"التذكرة\" ٢/ ٤١٠، و\"التيسير\" ص ١٠٦، و\"النشر\" ٢/ ٢٦٢.\n(٢) \"الحجة\" لأبي علي ٣/ ٤٠٠، وزاد: (الضَّيْق والضَّيِّق مثل المَيْت والمَيِّت في أن المحذوف مثل المُتمِّ في المعنى) اهـ وانظر: \"معاني القراءات\" ١/ ٣٨٤، و\"الحجة\" لابن خالويه ص ١٤٩، ولابن زنجله ص ٢٧١، و\"الكشف\" ١/ ٤٥٠.\n(٣) جاء في الأصول: (فاندغمت)، وهو تحريف.","vol":"8","page":420},{"text":"إنما المعروف في كلامهم فَيْعَل (١) نحو صيقل وهيكل، فمتى ادعى مدع في اسم معتلٍّ ما لا يعرف في السالم كانت دعواه مردودة غير مقبولةٍ) (٢)، والحرج: الشديد الضيق، في قول جميع (٣) أهل اللغة، ورجل حَرَج (٤) وحَرِج: ضيق الصدر، وقال:\nلا حَرِجُ الصدرِ ولا عنيفُ (٥)\nوقد حَرِج (٦) صدره أي: ضاق فلا ينشرح لخيرٍ، وقرئ (٧) (حرجًا) بكسر الراء وفتحها (٨).\n_________\n(١) أي: بفتح العين. والتي قبلها بكسرها. انظر: \"الدر المصون\" ٥/ ١٤٢.\n(٢) \"الدر المصون\" ٥/ ١٤١ - ١٤٢. وانظر: \"الإنصاف\" ٢/ ٧٩٥.\nوقال السمين: (وزن ضيِّق فَيْعِل كميت وسيد عند جمهور النحويين، ثم أدغم ويجوز تخفيفه) اهـ.\nوانظر: \"معجم مفردات الإبدال والإعلال\" للخراط ص ١٦٩.\n(٣) انظر: \"الجمهرة\" ١/ ٤٣٦، و\"الصحاح\" ١/ ٣٠٥، و\"المجمل\" ١/ ٢٣٠، و\"مقاييس اللغة\" ٢/ ٥٠، و\"المفردات\" ص ٢٢٦ (حرج).\n(٤) (حرج) بفتح الحاء والراء، وكسر الراء.\n(٥) هذا رجز لم أهتد إلى تمامه وقائله. وهو في \"العين\" ٣/ ٧٦، و\"تهذيب اللغة\" ١/ ٧٧٥، و\"اللسان\" ٢/ ٨٢١ (حرج)، و\"الدر المصون\" ٥/ ١٤٢.\n(٦) جاء في (أ): (وقد أحرج صدره)، ولعله تحريف، وأصل العبارة من \"تهذيب اللغة\" ١/ ٧٧٥ (حرج).\n(٧) قرأ نافع، وعاصم في رواية: (حرجًا) بكسر الراء، وقرأ الباقون بفتحها.\nانظر: \"السبعة\" ص ٢٦٨، و\"المبسوط\" ص ١٧٥، و\"الغاية\" ص ٢٤٩، و\"التذكرة\" ٢/ ٤١٠، و\"التيسير\" ص ١٠٦، و\"النشر\" ٢/ ٢٦٢.\n(٨) في (أ): (وفتحه).","vol":"8","page":421},{"text":"قال الفراء: (وهو في كسره ونصبه بمنزلة الوَحَد والوَحِد والفرد والفَرِد والدَنَف (١) والدّنِف) (٢).\nوقال الزجاج: (الحرجُ في اللغة: أضيق الضيق، ومعناه: أنه ضيق جدًّا، فمن قال: رجل حَرَج الصدر، فمعناه: ذو حرج في صدره، ومش قال: حَرِج جعله فاعلًا، وكذلك رجل دنَف: ذو دَنَف، ودَنِفٌ نعت) (٣)، ونحو هذا قال أبو علي في القراءتين، قال: (من (٤) فتح الراء كان وصفًا بالمصدر، مثل: قَمَنٍ وحَرًى ودَنَفٍ، ونحو ذلك من المصادر التي يوصف (٥) بها، ولا يكون كبطل؛ لأن اسم الفاعل في الأمر العام من فَعِل إنما يجيء على فَعِلٍ، ومن قرأ (حَرِجًا) فهو مثل دنِفٍ وفَرِقٍ) (٦).\n_________\n(١) الدنف: بتشديد الدال المفتوحة، وفتح النون وكسرها، المرض. انظر: \"اللسان\" ٣/ ١٤٣٢ (دنف).\n(٢) \"معاني الفراء\" ١/ ٣٥٣ - ٣٥٤، ومثله ذكر الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ٢٩، وانظر: \"شرح القصائد السبع\" لابن الأنباري ص ٥٨٠، و\"الزاهر\" ص ٢٣٦.\n(٣) \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٢٣٤، وفي \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٩٠، و\"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ٥٧٩، نحوه، وقال السمين في \"الدر\" ٥/ ١٤٢: (فرق الزجاج والفارسي بينهما فقالا: المفتوح مصدر، والمكسور اسم فاعل) اهـ.\n(٤) قَمِنٌ بمعنى: حَرِيّ، يقال: هو قمن أن يفعل ذلك بفتح الميم أي: حَرِيٌّ وجدير، فمن قال بالفتح أراد المصدر، ومن قال بالكسر أراد النعت. انظر. \"اللسان\" ٦/ ٣٧٤٥ (قمن).\n(٥) في (أ): (توصف).\n(٦) \"الحجة\" لأبي علي ٣/ ٤٠١، وانظر: \"معاني القراءات\" ١/ ٣٨٤، و\"إعراب القراءات\" ١/ ١٦٩، و\"الحجة\" لابن خالويه ص ١٤٩، ولابن زنجلة ص ٢٧١، و\"الكشف\" ١/ ٤٥٠، والفرق، بالتحريك: الخوف، ورجل فرق، أي: فزع شديد الفَرَق. انظر: \"اللسان\" ٦/ ٣٤٠١ (فرق)","vol":"8","page":422},{"text":"وقال عبيد بن عمير (١): (قرأ ابن عباس (٢) هذه الآية فقال: هل هاهنا أحد من بني بكر؟ قال رجل: نعم، قال: ما الحَرَجَة فيكم؟ قال: الوادي الكثير الشجر المستمسك الذي لا طريق فيه، فقال ابن عباس: كذلك قلب الكافر) (٣). وقال (٤) أبو الصلت الثقفي (٥): (قرأ عمر بن الخطاب هذه الآية فقال: ابغوني رجلًا من كنانة، واجعلوه راعيًا؟ فأتوه به، فقال له عمر: يا فتى ما الحرجة فيكم؟ قال: الحرجة فينا الشجرة تحدق بها الأشجار فلا تصل إليها راعية ولا وحشية، فقال عمر: كذلك قلب الكافر لا يصل إليه شيء من الخير) (٦).\n_________\n(١) عبيد بن عمير: مبهم، ولعله: عبيد بن عمير بن قتادة الليثي أبو عاصم المكي إمام واعظ مفسر مجمع على ثقته ولد في حياة النبي - ﷺ - وروى عن أبيه وعمر وعلي وعائشة وغيرهم ﵃، توفي سنة ٧٤ هـ، أو قبلها.\nانظر: \"سير أعلام النبلاء\" ٤/ ١٥٦، و\"غاية النهاية\" ١/ ٤٩٦، و\"تهذيب التهذيب\" ٣/ ٣٨، و\"تقريب التهذيب\" (٤٣٨٥).\n(٢) أخرج أبو عبيد في كتاب \"اللغات\" ص ٩٨، وابن حسنون ص ٢٤، والوزان ٣/ ب بسند جيد عنه في الآية قال: (يعني: شاكًّا بلغة قريش).\n(٣) ذكره الثعلبي في \"الكشف\" ١٨٣/ ب، والسمين في \"الدر\" ٥/ ١٤٣، وذكره الرازي في \"تفسيره\" ١٣/ ١٧٩ عن الواحدي.\n(٤) لفظ: (الواو) ساقط من (ش).\n(٥) أبو الصلت الثقفي: تابعي مقبول، روى عن عمر بن الخطاب ﵁، وروى عنه عبد الله بن عامر اليمامي. انظر: \"التاريخ الكبير\" للبخاري، و\"الكنى\" ٩/ ٤٤، و\"الجرح والتعديل\" ٩/ ٣٩٤، و\"تهذيب التهذيب\" ٤/ ٥٤٠.\n(٦) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ٢٨، وذكره النحاس في \"معانيه\" ٢/ ٤٨٦، ومكي في \"الكشف\" ١/ ٤٥٠، والثعلبي في \"الكشف\" ١٨٣/ ب، والبغوي في \"تفسيره\" ٣/ ١٨٦، وذكره الرازي ١٣/ ١٨٣ عن الواحدي، وذكره السيوطي في \"الدر\" ٣/ ٨٤، وزاد نسبته إلى (عبد بن حميد وابن المنذر وأبي الشيخ).","vol":"8","page":423},{"text":"وقال علماء اللغة (١): (الأصل في الحرَج من الحرَجة: وهي شجرة تحف بها الأشجار حتى يمنع الراعي من أن يصل إليها، وجمع الحَرجة: حِرَجٌ، وجمع الحِرَجِ: حِرَاجٌ) (٢). وقال العجاج:\nعَايَنَ حَيًّا كالحِرَاجِ نَعَمُهُ (٣)\nحكاه ابن الأنباري (٤).\nوقال أبو الهيثم: (الحِرَاجُ: غِياض من شجر السَّلَم ملتفة، واحدتها حَرَجَةٌ، والحَرَجَةُ من شدة التفافها لا يقدر أحد أن يدخل فيها أو ينفذ)، وأنشد بيت العجاج (٥) ومعناه: عَايَنَ حَيًّا نعمة كالحراج لكثرتها وانضمام بعضها إلى بعض، وقال الليث: (أَخْرَجْتُ فلانًا صيرته إلى الحَرَج، وهو الضِّيق) (٦).\n_________\n(١) انظر: \"الاشتقاق\" ص ٤١٩، و\"الدر المصون\" ٥/ ١٤٣، ومراجع اللغة السابقة في معنى حرج.\n(٢) قال السمين في \"الدر\" ٥/ ١٤٣، (الحِراج: بكسر الحاء، جمع حِرْج: بكسر الحاء، وحرج: جمع حَرَجَة، بالفتح) اهـ.\n(٣) الشاهد للعجاج في \"ديوانه\" ٢/ ١٤٢، و\"أمالي القالي\" ١/ ٦٦، و\"تهذيب اللغة\" ١/ ٧٧٥، و\"المجمل\" ١/ ٢٣٠، و\"اللسان\" ٢/ ٨٢٢ (حرج)، و\"الدر المصون\" ٥/ ١٤٣، وصدره:\nحَتَّى إذا اللَّيْلُ تَجلَّتْ ظُلَمُة\nوهو لرؤبة في \"ديوانه\" ص ١٨٦، و\"الصحاح\" ١/ ٣٠٦، وأوله: (فَصارَ إِذْ لَمْ يَبْقَ إلاَّ شِرْذِمُهْ). قال القالي في \"شرحه\": (يقول عايَنَ هذا الجيشُ الذي أتانا حَيًّا، ويعني بالحيِّ: قومه بني سَعْد، والنَّعَمُ: الإبل) اهـ. \"شرح ديوان أبي تمام\" للخطيب التبريزي ٢/ ٩٥، و\"الخزانة\" ٧/ ٢٥٠.\n(٤) انظر: \"المذكر المؤنث\" لابن الأنباري ١/ ٢٥٨ - ٢٦١.\n(٥) \"تهذيب اللغة\" ١/ ٧٧٥.\n(٦) \"تهذيب اللغة\" ١/ ٧٧٥.","vol":"8","page":424},{"text":"قال ابن عباس في رواية عطاء: (﴿وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ يريد: ضيقًا إذا سمع ذكر الله اشمأز قلبه ونفسه، وإذا ذكر شيء من عبادة الأصنام ارتاح إلى ذلك) (١).\nوقال أهل المعاني: (٨) (لما كان القلب محلًّا للعلوم والاعتقادات، ووصف (٢) قلب الكافر بالضيق، وأنه على خلاف الشرح والانفساح، دلَّ أن الله تعالى صيره بحيث لا يعي علمًا ولا استدلالًا على توحيد الله والإيمان به؛ لأنه أضاف التضييق إلى نفسه فقال: ﴿يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ وهذا كما أن العرب إذا وصفت إنسانًا بالجبن قالت: لا قلب له، لما أريد به من المبالغة في وصفه بالجبن؛ لأن الشجاعة محلها القلب، فإذا لم يكن القلب الذي يكون محل الشجاعة لو كانت، فإن لا يكون الشجاعة أولى، وأنشد أبو زيد:\nلَقَدْ أَعْجَبْتُمُونِي مِنْ جُسُومِ ... وَأَسْلَحَةٍ وَلَكِنْ لا فُؤَادَا (٣)\nوأنشد أيضًا:\nوَلاَ وَقَّافَة والخَيْلُ تَرْدِي ... وَلَا خَال كَأنْبُوبِ اليَرَاعِ (٤)\nوقال حسان:\n_________\n(١) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ١١٦، والبغوي في \"تفسيره\" ٣/ ١٨٦، والخازن ٢/ ١٨١.\n(٢) في (ش): (وصف).\n(٣) \"الشاهد\" لبرج بن مسهر الطائي كما في \"النوادر\" لأبي زيد ص ٧٨، ولعامر بن جوين الطائي في \"الوحشيات\"، و\"الحماسة الصغرى\" لأبي تمام ص ٢٣٣.\n(٤) الشاهد لمرداس بن حصين الكلابي، شاعر جاهلي في \"النوادر\" لأبي زيد ص ٥ - ٦، وللطفيل بن عوف الغنوي، شاعر جاهلي في \"الحماسة الصغرى\"، و\"الوحشيات\" لأبي تمام ص ١٢٥. =","vol":"8","page":425},{"text":"أَلَا أَبْلِغ أَبَا سُفْيانَ عَنّي ... فَأَنتَ مُجَوَّفٌ نَخِب هَوَاءٌ (١)\nفلما وصف الجبان بأنه لا قلب له وأنه مجوف هواء؛ لأنه إذا كان كذلك بعد من الشجاعة لعدمه القلب، كذلك وصف الكافر بأنه ضيق صدره على معنى: أنه غير مشروح للإيمان) (٢).\nوقوله تعالى: ﴿كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ أي: يتصعد (٣) فأدغمت التاء في الصاد، ومعنى يتصعد: يتكلف ما يثقل عليه، وقرأ (٤) أبو بكر (٥) (يَصَّاعَد) وهو مثل يتصعد في المعنى، وقرأ ابن كثير (يصْعد) من الصعود (٦) والمعنى: أنه في نفوره عن الإِسلام وثقله عليه بمنزلة من تكلف (٧)\n_________\n= واليَراع: القصب، ثم سمي به الجبان والضعيف. واليراع: أولاد بقر الوحش. والنعامة، وطائر صغير، ويقال لمزمار الراعي: يَراعة.\nانظر: \"اللسان\" ٨/ ٤٩٥٥ (يرع).\n(١) \"ديوانه\" ص ٢٠. والمجوف والنخب والهواء: الجبان لا قلب له.\n(٢) لم أقف على من ذكر هذا فيما لدي من مراجع. وانظر: \"الحجة\" لأبي علي ٣/ ٤٠٣.\n(٣) لفظ: (أي: يتصعد) ساقط من (أ).\n(٤) قرأ عاصم في رواية: (يَصَّاعَد) بتشديد الصاد وألف بعدها وتخفيف العين. وقرأ ابن كثير: (يصعد) بإسكان الصاد، وتخفيف العين من غير ألف. وقرأ الباقون بتشديد الصاد والعين من غير ألف.\nانظر: \"السبعة\" ص ٢٦٨، و\"المبسوط\" ص ١٧٥، و\"الغاية\" ص ٢٤٩، و\"التذكرة\" ٢/ ٤١٠، و\"التيسير\" ص ١٠٦، و\"النشر\" ٢/ ٢٦٢.\n(٥) أبو بكر بن عياش أحد الرواة عن عاصم، تقدمت ترجمته.\n(٦) انظر: \"إعراب القراءات\" ١/ ١٦٩، و\"الحجة\" لابن خالويه ص ١٤٩، ولابن زنجلة ص ٢٧١.\n(٧) في (أ): (يكلف) بالياء، وأصل النص من \"الحجة\" لأبي علي ٣/ ٤٠٢","vol":"8","page":426},{"text":"ما لا يطيقه، كما أن صعود السماء لا يستطاع، كذا قال المفسرون (١) وأهل المعاني (٢).\nقال مجاهد (٣): (﴿كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ من شدة ذلك عليه) (٤)، وقال عطاء (٥): (مثله كمثل الذي لا يستطيع الرقي إلى السماء) (٦).\nوقال أبو بكر: (إذا كان ممن (٧) أضله الله ﷿ أبغض الحق وعانده حتى يضيق منه صدره فكأنه يكلف بالشيء منه صعودًا إلى السماء يجد من ثقل ذلك عليه مثل ما يجد من الصعود إلى السماء) (٨).\n_________\n(١) انظر: \"تفسير الطبري\" ٨/ ٣٠، والسمرقندي ١/ ٥١٢، و\"الكشف\" لمكي ١/ ٤٥١.\n(٢) انظر: \"معاني الفراء\" ١/ ٣٥٤، و\"معاني النحاس\" ٢/ ٤٨٧، و\"معاني القراءات\" ١/ ٣٨٥.\n(٣) في (أ): (قال المجاهد)، وهو تحريف.\n(٤) ذكره السيوطي في \"الدر\" ٣/ ٨٤، وقال: (أخرجه أبو الشيخ عن مجاهد). اهـ.\n(٥) عطاء هو: عطاء بن أبي مسلم الخراساني أبو عثمان، واسم أبيه ميسرة، إمام محدث مفسر واعظ عابد مجاهد، صدوق، يهم ويدلس. توفي سنة ١٣٥ هـ، وقد أفاد الحافظ في مقدمة \"فتح الباري\" ص ٣٧٥ - ٣٧٦، إن الرواية إذا جاءت عن ابن جريج، عن عطاء في سورة البقرة وآل عمران، فالمراد به عطاء بن أبي رباح، وإذا جاء في غير ذلك فالمراد عطاء الخراساني. وابن جريج لم يسمع من عطاء الخراساني وإنما أخذ التفسير من ابنه عثمان بن عطاء. وانظر: \"طبقات ابن سعد\" ٧/ ٣٧٩، و\"الجرح والتعديل\" ٦/ ٣٣٤، و\"سير أعلام النبلاء\" ٦/ ١٤٠، و\"تهذيب التهذيب\" ٣/ ١٠٨، و\"تقريب التقريب\" ص ٣٩٢ (٤٦٠٠).\n(٦) أخرجه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ١/ ٢/ ٢١٨، الطبري ٨/ ٣٠، وابن أبي حاتم ٤/ ١٣٨٦ بسند جيد. وذكره السيوطي في \"الدر\" ٣/ ٨٤.\n(٧) لفظ: (ممن) كذا جاء، ولعل الصواب: (من).\n(٨) لم أقف عليه.","vol":"8","page":427},{"text":"وقال أبو إسحاق: (كأنه قد كلف بأن يصعد إلى السماء إذا دعي إلى الإِسلام من ضيق صدره عنه، قال: ويجوز أن يكون كأنَّ قلبه يصاعد في السماء نبوًا (١) عن الإسلام والحكمة) (٢).\nوعلى هذا إنما شُبّه بالذي ﴿يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ لبعده عن الإسلام ونفور قلبه، كما جرت العادة أن يقال لمن تباعد عن أمر ولم يلن له: فلان يَنْزُو (٣) في اللوح ويذهب في السماء من هذا الأمر، وقال أبو علي: (من قرأ (يصَّاعد) و(يصَّعَّد) فهو من المشقة وصعوبة الشيء، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا﴾ [الجن: ١٧]، ومن ذلك قول عمر - ﵁ - (٤): \"ما تصعَّدني شيء كما تصَعَّدنِي خِطْبةُ النكاح\" (٥)، أي: ما شق عليّ مشقتها، وكأن ذلك لما يتكلفه الخطيب من مدحه وإطرائه لِلْمُمْلِكَ، فربما لم يكن كذلك، فيحتاج إلى تطلب المَخْلَص، فلذلك يشق، ومن ذلك قول الشاعر (٦):\n_________\n(١) في (ش): (تبرأ).\n(٢) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٩٠.\n(٣) ينزو: أي ينزع. وأصل النَزْو: الوثب. انظر: \"اللسان\" ٧/ ٤٤٠٢ (نزا).\n(٤) في (أ): (﵀).\n(٥) ذكره أبو عبيد في \"غريب الحديث\" ٢/ ١٠٣، والطبري في \"تفسيره\" ٨/ ٣١، والنحاس في \"معانيه\" ٢/ ٤٨٧، والأزهري في \"تهذيب اللغة\" ٢/ ٢٠١٤، وابن عطية في \"تفسيره\" ٥/ ٣٤٥، وابن الجوزي ٣/ ١٢١، وابن الأثير في \"النهاية\" ٣/ ٣٠.\n(٦) الشاهد للأعلم الهذلي حبيب بن عبد الله الهذلي.\nفي \"شرح أشعار الهذليين\" للسكري ١/ ٣٢٣، و\"تهذيب اللغة\" ٢/ ٢٠١٥، وبدون نسبة في \"عيون الأخبار\" ١/ ٢٢٦، و\"جمهرة اللغة\" ٢/ ٦٥٤، و\"اللسان\" ٤/ ٢٤٤٦ (صعد).","vol":"8","page":428},{"text":"وإنَّ سِيَادةَ الأَقْوَامِ فاعْلَمْ ... لَها صعَدَاءُ مَطلبُها شديدُ (١)\nفكأن معنى (يصعد): يتكلف مشقة في ارتقاء صُعُدًا، ولا يكون السماء في هذا القول المظلة للأرض، ولكن المراد به الارتفاع والسمك، ويستعمل السماء في الارتفاع كما قال سيبويه: (القيدود: الطويل في غير سماء) (٢)، يريد [به] (٣) في غير ارتفاع) (٤).\nوقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٥] قال بعض أصحاب المعاني: (وجه التشبيه في ﴿كَذَلِكَ﴾ أن جعله الرجس عليهم كجعله ضيق الصدر في قلوبهم) (٥) وقال الزجاج: (أي: مثل ما قصصنا عليك ﴿يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ﴾) (٦).\n_________\n(١) جاء في المراجع السابقة:\nلَهَا صُعَداءُ مَطْلعُهَا طَوِيلُ\nوفي بعضها: (وإن سياسة) بدل: (وإن سيادة).\n(٢) \"الكتاب\" ٤/ ٣٦٥. والقيدود: بفتح القاف وسكون الياء وضم الدال: الناقة الطويلة الظهر، وأصله من قاد يَقُود. انظر: \"اللسان\" ٦/ ٣٥٤٤ (قدد).\n(٣) لفظ: (به) ساقط من (ش).\n(٤) \"الحجة\" لأبي علي ٣/ ٤٠٣ - ٤٠٥، ولقد أثبت العلم الحديث أن الصاعد يضيق تنفسه في الصعود كلما ارتفع لنقص الأوكسجين، وهذا هو الوصف الدقيق لمعنى الآية الكريمة، فإن قلب الكافر والمنافق يضيق وينفر حين يدعى إلى الإِسلام، أو يتأمل فيه كما يضيق صدر من يصعد نحو السماء. وانظر: \"تفسير ابن عاشور\" ٨/ ٦٠، وكلام الصابوني في \"حاشية معاني النحاس\" ٢/ ٤٨٧.\n(٥) انظر: \"تفسير الطبري\" ٨/ ٣١، والسمرقندي ١/ ٥١٢، والرازي ١٣/ ١٨٤.\n(٦) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٩٠، وذكر قول الزجاج السمين في \"الدر\" ٥/ ١٤٦، وقال: (أي: فيكون مبتدأ أو خبرًا أو نعت مصدر محذوف، ذلك أن ترفع مثل وأن تنصبها بالاعتبارين عنده، والأحسن أن يقدر لها مصدر مناسب، كما قدره الناس وهو =","vol":"8","page":429},{"text":"قال ابن عباس: (هو الشيطان أي: نسلطه (١) عليهم) (٢)، وقال مجاهد: (الرجس ما لا خير فيه) (٣)، وقال عطاء (٤) عن ابن عباس، وابن زيد (٥): (الرِّجْسُ: العذاب). وقال الزجاج: (الرِّجْسُ: اللعنة في الدنيا والعذاب في الآخرة) (٦).\nقال أصحابنا: (انقطع كلام أهل القدر عند هذه الآية وخرست ألسنتهم، فإنها قد صرحت بتعلق إرادة الله تعالى بالأمرين جميعًا الهداية والإضلال وتهيئته أسبابهما) (٧).\n_________\n= مثل ذلك الجعل، أي: جعل الصدر ضيقًا حرجًا يجعل الله الرجس ..) اهـ. وانظر: \"المشكل\" ١/ ٢٦٩.\n(١) في (ش): (هو الشيطان يسلطه عليهم).\n(٢) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ٣١ بسند جيد، وذكره الثعلبي في \"الكشف\" ١٨٤ أ، والواحدي في \"الوسيط\" ١/ ١١٧، وهذا القول هو اختيار الطبري.\n(٣) \"تفسير مجاهد\" ١/ ٢٢٣.\nوأخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ٣١، وابن أبي حاتم ٤/ ١٣٨٦ بسند جيد، وذكره السيوطي في \"الدر\" ٣/ ٨٤.\n(٤) ذكره الخازن في \"تفسيره\" ٢/ ١٨٢ عن ابن عباس، وذكره الواحدي في الوسيط ١/ ١١٧، والبغوي في \"تفسيره\" ٣/ ١٨٧، وابن الجوزي ٣/ ١٢١، والرازي ١٣/ ١٨٤ من قول عطاء.\n(٥) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ٣١ بسند جيد، وهذا قول أبي عبيدة في \"مجاز القرآن\" ١/ ٢٠٦.\n(٦) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٩٠، وقال النحاس في \"معانيه\" ٢/ ٤٨٨: (الرِّجْس عند أهل اللغة هو النَّتْن، فمعنى الآية -والله أعلم-: ويجعل اللعنة في الدنيا والعذاب في الآخرة على الذين لا يؤمنون). اهـ.\n(٧) ذكر نحو هذا ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٣/ ١٢١، والرازي في \"تفسيره\" ١٣/ ١٨٥.","vol":"8","page":430},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1086>١٢٦ </span>- قوله تعالى: ﴿وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا﴾. قال ابن عباس: (يعني: التوحيد) (١)، وقال ابن مسعود: (يعني: القرآن) (٢).\nوقال عطاء، عن ابن عباس: (يريد: هذا الذي أنت عليه يا محمد دين ربك مستقيمًا) (٣).\nوقال بعض أهل المعاني: (الإشارة وقع إلى البيان الذي جاء في القرآن) (٤) وانتصب ﴿مُسْتَقِيمًا﴾ على الحال والعامل فيه معنى (هذا) وذلك أن ذا (٥) يتضمن معنى الإشارة، كقولك: هذا زيد قائمًا، معناه: أشير إليه في حال قيامه، وإذا كان العامل في الحال معنى الفعل لا الفعل لم يجز تقديم الحال عليه، لا يجوز قائمًا هذا زيد (٦)، ويجوز ضاحكًا جاء زيد،\n_________\n(١) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ١١٨، وابن الجوزي في \"تفسيره\" ٣/ ١٢١، وأخرج الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ٣٢، بسند ضعيف عن ابن عباس قال: (يعني: الإسلام).\n(٢) ذكره الثعلبي في \"الكشف\" ١٨٤ أ، والواحدي في \"الوسيط\" ١/ ١١٨، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٣/ ١٢١.\n(٣) ذكره الرازي في \"تفسيره\" ١٣/ ١٨٧، عن ابن عباس، وذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ١١٨، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٣/ ١٢٢، من قول عطاء فقط، وجميع ما سبق معانٍ متقاربة، وقد أخرجها الطبري في \"تفسيره\" ١/ ٧١ - ٧٥، وابن أبي حاتم ١/ ٣٠، بأسانيد مختلفة عن هؤلاء الأئمة وغيرهم في \"تفسير سورة الفاتحة\".\n(٤) هذا قول الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ٣٢.\n(٥) في (ش): (وذلك إذ ذا)، وهو تحريف.\n(٦) لأنها حال مؤكدة، وصراط الله تعالى لا يكون إلا مستقيمًا، بخلاف الحال المنتقلة نحو: جاء زيد راكبًا، ونحو هذا زيد قائمًا فيجوز أن يفارق زيد الركوب أو القيام. انظر: \"إعراب النحاس\" ١/ ٥٧٩، و\"المشكل\" ١/ ٢٧٠، و\"غرائب التفسير\" ١/ ٣٨٤، و\"البيان\" ١/ ٣٣٩ و\"التبيان\" ٣٥٨، و\"الفريد\" ٢/ ٢٢٧، و\"الدر =","vol":"8","page":431},{"text":"ومعنى استقامة صراط الله أنه يؤدي بسالكه إلى دار الخلود في النعيم (١).\nوقوله تعالى: ﴿قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾ قال عطاء: (يريد: أصحاب النبي - ﷺ - قبلوا مواعظ الله وانتهوا عما نهاهم الله) (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1087>١٢٧ </span>- قوله تعالى: ﴿لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ﴾ يعني: الجنة في قول جميع المفسرين (٣) قال الحسن (٤) والسدي (٥): (السلام هو الله تعالى، وداره الجنة)، ومعنى السلام في أسماء الله تعالى: ذو السلام، أي: السلامة من الآفات والنقائص (٦)، فعلى هذا أضيف الدار إلى السلام الذي هو اسم الله تعالى على وجه التعظيم، كما قيل للكعبة: بيت الله، وللخليفة: عبد الله.\n_________\n= المصون\" ٥/ ١٤٧، وقد نقل هذا القول الرازي في \"تفسيره\" ١٣/ ١٨٧ - ١٨٨، عن الواحدي.\n(١) انظر: \"تفسير الخازن\" ٢/ ١٨٢.\n(٢) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ١١٨، والخازن في \"تفسيره\" ٢/ ١٨٢.\n(٣) حكاه الخازن في \"تفسيره\" ٢/ ١٨٢، عن جميع المفسرين. وانظر: \"تفسير المقاتل\" ١/ ٥٨٨، والطبري ٨/ ٣٢، والسمرقندي ١/ ٥١٣، والماوردي ٢/ ١٦٧.\n(٤) ذكره الماوردي في \"تفسيره\" ٢/ ١٦٧، والواحدي في \"الوسيط\" ١/ ١١٨، وابن الجوزي في \"تفسيره\" ٣/ ١٢٢، والخازن ٢/ ١٨٢ عن الحسن والسدي.\n(٥) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ٣٢ بسند جيد، وذكره السيوطي في \"الدر\" ٣/ ٨٤، وقال الثعلبي في \"الكشف\" ١٨٤ أ، والبغوي في \"تفسيره\" ٣/ ١٨٧: (هذا قول أكثر المفسرين) اهـ.\n(٦) انظر: \"تفسير أسماء الله الحسنى\" للزجاج ص٣٠ - ٣١، و\"الزاهر\" ١/ ٦٤، و\"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٧٤٢، و\"الأسماء والصفات\" ص ٥٣، و\"المقصد الأسنى\" ص ٦٧، و\"شرح أسماء الله الحسنى\" للرازي ص ١٨٧، وقال السعدي رحمه الله تعالى في \"الحق الواضح المبين\" ص ٨١: (السلام: السالم من مماثلة أحد من خلقه، ومن النقصان، ومن كل ما ينافي كماله) اهـ.","vol":"8","page":432},{"text":"قال الزجاج: (ويجوز أن يكون الجنة سميت دار السلام؛ لأنها دار السلامة [الدائمة التي لا تنقطع) (١). وعلى هذا السلام جمع سلامة أو بمعنى السلامة (٢)]. كما قيل: لذَاذ ولذَاذة ورضاع ورضاعة (٣)، كأنه دار السلام التي لا يلقون في حلولها عنتًا ولا تعذيبًا، وسنذكر زيادة بيان في معنى السلام في قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ﴾ [يونس: ٢٥] إن شاء الله.\nوقوله تعالى: ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ أي: مضمونة لهم عند ربهم حتى يوصلهم (٤) إليها (٥).\n_________\n(١) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٩١، وذكر نحوه النحاس في \"معانيه\" ٢/ ٤٨٨.\n(٢) ما بين المعقوفين ساقط من (ش).\n(٣) قال ابن قتيبة في \"تفسير غريب القرآن\" ص ٦: (يرى أهل النظر من أصحاب اللغة أن السلام بمعنى السلامة، كما يقال: الرَّضاع والرضاعة واللَّذاذُ واللَّذاذة، فسمى نفسه جل ثناؤه: سلامًا؛ لسلامته مما يلحق الخلق من العيب والنقص والفناء والموت) اهـ.\nومثله ذكر الزجاجي في \"اشتقاق أسماء الله\" ص ٢١٥. وقال ابن القيم في \"بدائع التفسير\" ٢/ ١٨٠ - ١٨١: (في إضافتها إلى السلام ثلاثة أقوال: أحدها: أنها إضافة إلى مالكها السلام سبحانه. الثاني: أنها إضافة إلى تحية أهلها، فإن تحيتهم فيها سلام. الثالث: أنها إضافة إلى معنى السلامة، أي: دار السلامة من كل آفة ونقص وشر. والثلاثة متلازمة، وإن كان الثالث أظهرها، فإنه لو كانت الإضافة إلى مالكها لأضيفت إلى اسم من أسمائه غير السلام، ولم يعهد ذلك في القرآن، فالأولى حمل الإضافة على المعهود في القرآن، وإضافتها إلى معنى السلامة أولى؛ لأنه أكمل أوصافها المقصودة على الدوام التي لا يتم النعيم إلا به). اهـ. ملخصًا.\n(٤) في (ش): (توصلهم)، وهو تصحيف.\n(٥) انظر. \"تفسير الماوردي\" ٢/ ١٦٧، وابن الجوزي ٣/ ١٢٢، والرازي ١٣/ ١٨٩.","vol":"8","page":433},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ وَلِيُّهُمْ﴾ أي: يتولى إيصال المنافع إليهم ودفع المضار عنهم، وهذا يوجب إخبارًا عن كونه وليهم في الآخرة، لأنه قال: ﴿بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أي: في الدنيا، وإن كان هو اليوم أيضًا ولي المؤمنين، وعلى هذا دل كلام ابن عباس؛ لأنه قال في قوله: ﴿وَهُوَ وَلِيُّهُمْ﴾: (أنزل بهم المحبة والكرامة والرضوان وما (١) لا يوصف من النعيم) (٢)، وكل هذا يكون في الآخرة (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1088>١٢٨ </span>- قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا﴾ الآية. قال المفسرون (٤): (يعني: الجن والإنس يجمعون في موقف [يوم] (٥) القيامة).\nقال عطاء عن ابن عباس: (يريد: هم وقرناؤهم من الشياطين) (٦).\n﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ﴾. قال الزجاج: (المعنى: فيقال لهم: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ﴾ (٧)، ﴿قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ﴾ أي: من إغواء الإنس وإضلالهم، عن ابن عباس (٨)، والحسن (٩)، وقتادة (١٠).\n_________\n(١) في (أ): (ومما لا يوصف).\n(٢) في \"تنوير المقباس\" ٢/ ٥٩ نحوه\n(٣) انظر: \"تفسير الطبري\" ٢/ ١٦٧، والسمرقندي ١/ ٥١٣، والماوردي ٢/ ١٦٧.\n(٤) انظر: \"تفسير الطبري\" ٨/ ٣٣، والسمرقندي ١/ ٥١٣، والماوردي ٢/ ١٦٨.\n(٥) لفظ: (يوم) ساقط من (ش).\n(٦) في \"تنوير المقباس\" ٢/ ٥٩ نحوه.\n(٧) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٩١، ومثله قال النحاس في \"معانيه\" ٢/ ٤٨٩.\n(٨) ذكره الماوردي في \"تفسيره\" ٢/ ١٦٨، وابن عطية ٥/ ٣٥٢، عن ابن عباس ومجاهد وقتادة.\n(٩) أخرج الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ٣٣، عن الحسن نحوه، وذكره هود الهواري في \"تفسيره\" ١/ ٥٥٩، والماوردي ٢/ ١٦٨، والسيوطي في \"الدر\" ٣/ ٨٥.\n(١٠) أخرج عبد الرزاق في \"تفسيره\" ١/ ٢/ ٢١٨، والطبري ٨/ ٣٣، وابن أبي حاتم ٤/ ١٣٨٧ بسند جيد عن قتادة نحوه.","vol":"8","page":434},{"text":"وروي عن ابن عباس في \"تفسيره\": (يعني: أضللتم منهم كثيرًا) (١)، وهو قول الفراء (٢).\nوقال مجاهد: (كثر من أغويتم منهم) (٣).\nوقال أبو إسحاق: (﴿قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ﴾ ممن أضللتموه من الإنس) (٤).\nوقال غيره: (﴿قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ﴾ بالإغواء والإضلال) (٥)، وهذه الأقوال معناها واحد، ﴿وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ﴾ يعني: الذين أضلوهم من الإنس.\n﴿رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ﴾ قال (٦): (معنى هذا الاستمتاع: هو أن الرجل كان إذا سافر فأمسى بأرض قفرٍ فخاف على نفسه قال (٧): أعوذ بسيد هذا الوادي من (٨) سفهاء قومه، فيبيت آمنًا في نفسه، فهذا استمتاع (٩)\n_________\n(١) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ٣٣، وابن أبي حاتم ٤/ ١٣٨٧ بسند جيد، وذكره السيوطي في \"الدر\" ٣/ ٨٥.\n(٢) \"معاني الفراء\" ١/ ٣٥٤.\n(٣) \"تفسير مجاهد\" ١/ ٢٢٣، وأخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ٣٣، وابن أبي حاتم ٤/ ١٣٨٧ بسند جيد، وهو قول النحاس في \"معانيه\" ٢/ ٤٨٩.\n(٤) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٩١.\n(٥) هذا قول الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ٣٣.\n(٦) كذا جاء في النسخ، وفي \"تفسير الثعلبي\" ١٨٤ أ، والبغوي ٣/ ١٨٨: (قال الكلبي): والظاهر أن المراد بقوله: (قال) مقاتل؛ لأن النص في \"تفسيره\" ١/ ٥٨٩ أو الفراء؛ لأنه في \"معانيه\" ١/ ٣٥٤، ولأن الواحدي ذكر الرواية عن الكلبي فيما بعد.\n(٧) في (أ): (فقال).\n(٨) (ش): (على).\n(٩) في (أ): (فهذا الستمتاع)، وهو تحريف.","vol":"8","page":435},{"text":"الإنس بالجن (١)، وأما استمتاع الجن بالإنس فهو: أن الإنس إذا عاذ بالجن كان ذلك تعظيمًا منهم للجن، وذلك الجني (٢) يقول: قد سُدت الإنس والجن؛ لأن الإنسي قد اعترف له بأنه يقدر أن يدفع عنه).\nوهذا قول الحسن (٣) وابن جريج (٤)، والكلبي (٥)، وعكرمة (٦)، واحتجوا على هذا بقوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ﴾ [الجن: ٦].\nوقال ابن عباس في رواية عطاء: ﴿رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ﴾: (يريد: في الدنيا، وما كانوا يضلونهم) (٧)، ومعنى هذا: أن استمتاع الجن بالإنس طاعتهم لهم فيما يغرونهم به من الضلالة والكفر والمعاصي، واستمتاع الإنس (٨) بالجن أن الجن زينت لهم الأمور التي يهوونها حتى يسهل عليهم فعلها، وهذا القول اختيار الزجاج؛ لأنه قال: (الذي يدل عليه\n_________\n(١) لفظ: (الجن)، غير واضح في (ش).\n(٢) في (أ): (وذلك الجن).\n(٣) ذكره الماوردي في \"تفسيره\" ٢/ ١٦٨، والرازي ١٣/ ١٩١، وأخرج ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٤/ ١٣٨٧، بسند جيد عن الحسن، قال: (ما كان استمتاع بعضهم ببعض إلا أن الجن أمرت، وعملت الإنس) اهـ. وذكره السيوطي في \"الدر\" ٣/ ٨٥.\n(٤) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ٣٣، بسند جيد، وذكره السيوطي في \"الدر\" ٣/ ٨٥.\n(٥) \"تنوير المقباس\" ٢/ ٦٠، وذكره هود الهواري في \"تفسيره\" ١/ ٥٥٩، والثعلبي في \"الكشف\" ١٨٤ أ، والبغوي في \"تفسيره\" ٣/ ١٨٨، والخازن ٢/ ١٨٣.\n(٦) ذكره الرازي في \"تفسيره\" ١٣/ ١٩١، عن الحسن وعكرمة والكلبي وابن جريج.\n(٧) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ١١٩، وابن الجوزي في \"تفسيره\" ٣/ ١٢٣، وأبو حيان في \"البحر\" ٤/ ٢٢٠.\n(٨) في (ش): (الأنسي).","vol":"8","page":436},{"text":"اللفظ -والله أعلم- هو قبول الإنس من الجن ما كانوا يغوونهم به؛ لقوله: ﴿اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ﴾ ومن كان يقول من الإنس: أعوذ بالجن فقليل) (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا﴾ يعني: الموت، في قول الحسن (٢) والسدي (٣)، وأكثر المفسرين (٤) وقيل: هو البعث والحشر (٥).\n_________\n(١) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٩١، وهو اختيار النحاس أيضًا في \"معانيه\" ٢/ ٤٩٠، و\"إعراب القرآن\" ٢/ ٥٨٠، والظاهر أن الآية عامة، وأن ما ذكر من باب التمثيل، وهو اختيار شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في \"الفتاوى\" ١٣/ ٨٠ - ٨٩، قال في تفسير الآية: (الاستمتاع بالشيء هو أن يتمتع به فينال به ما يطلبه ويريده ويهواه، ويدخل في ذلك استمتاع الرجال بالنساء، والذكور بالذكور، والإناث بالإناث، والاستمتاع بالاستخدام وأئمة الرياسة كما يتمتع الملوك والسادة بجنودهم وممالكيهم والاستمتاع بالأموال، وفي الجملة استمتاع الإنس بالجن والجن بالإنس يشبه استمتاع الإنس بالإنس، واتباع الهوى هو استمتاع من صاحبه بما يهواه، وقد وقع في الإنس والجن هذا كله) اهـ. ملخصًا.\nوقال أبو حيان في \"البحر\" ٤/ ٢٢٠: (وجوه الاستمتاع كثيرة تدخل هذه الأقوال كلها تحتها، فينبغي أن يعتقد في هذه الأقوال أنها تمثيل في الاستمتاع لا حصر في واحد منها) اهـ.\n(٢) ذكره الماوردي ٢/ ١٦٨، وابن الجوزي ٣/ ١٢٤، عن الحسن والسدي.\n(٣) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ٣٤ بسند جيد.\n(٤) قال أبو حيان في \"البحر\" ٤/ ٢٢٠: (هذا قول الجمهور وابن عباس والسدي وغيرهما). اهـ. وهو قول الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ٣٤، والسمرقندي ١/ ٥١٣.\n(٥) ذكر هذا القول الماوردي في \"تفسيره\" (٢/ ١٦٨، وابن الجوزي ٣/ ١٢٤، وهو قول البغوي في \"تفسيره\" ٣/ ١٨٨، والزمخشري ٢/ ٥٠.\nوقال ابن القيم كما في \"بدائع التفسير\" ٢/ ١٨٢ - ١٨٣ في الآية: (هذا يتناول أجل الموت وأجل البعث، فكلاهما أجل الله تعالى لعباده، وكأن هذا -والله أعلم- إشارة منهم إلى نوع استعطاف وتوبة، فكأنهم يقولون: هذا أمر كان إلى وقت =","vol":"8","page":437},{"text":"وقوله تعالى: ﴿قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ﴾، قال ابن عباس: (يريد: فيها مقامكم) (١).\nقال الزجاج: (المثوى: المقام، ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ منصوب على الحال، المعنى: النار مقامكم في حال خلود دائم) (٢).\nقال أبو علي: (المثوى عندي في الآية اسم للمصدر دون المكان، لحصول الحال في الكلام معملًا فيها، واسم الموضع لا يعمل عمل الفعل؛ لأنه لا معنى للفعل فيه، فإذا لم يكن موضعًا ثبت أنه مصدر، والمعنى: النار ذات إقامتكم فيها، ﴿خَالِدِينَ﴾ أي: هي أهل أن يقيموا (٣) فيها ويثووا خالدين، فالكاف والميم في المعنى فاعلون، وإن كان في اللفظ خفضًا بالإضافة، ومثل هذا قول الشاعر:\nوَمَا هِيَ إلاَّ في إِزَارٍ وَعِلْقَةٍ ... مُغَارَ ابْنِ هَمَّامٍ عَلَى حَيِّ خَثْعَمَا (٤)\n_________\n= وانقطع بانقطاع أجله، فلم يستمر ولم يدم، فبلغ الأمر الذي كان أجله، وانتهى إلى غايته، ولكل شيء آخر، فقال تعالى: ﴿النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ فإنه وإن انقطع زمن التمتع وانقضى أجله فقد بقي زمن العقوبة، فلا يتوهم أنه إذا انقضى زمن الكفر والشرك وتمتع بعضكم ببعض أن مفسدته زالت وانتهت بانتهائه، والمقصود أن الشيطان تلاعب بالمشركين حتى عبدوه واتخذوه وذريته أولياء من دون الله) اهـ. ملخصًا.\n(١) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ١١٩، وفي \"تنوير المقباس\" ٢/ ٦٠ نحوه.\n(٢) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٩١، ونحوه قال النحاس في \"معانيه\" ٢/ ٤٩٠، و\"إعراب القرآن\" ١/ ٥٨٠.\n(٣) في (أ): (تقيموا)، وهو تصحيف.\n(٤) \"الشاهد\" لحميد بن ثور الهلالي في \"الكتاب\" ١/ ٢٣٤ - ٢٣٥، وبلا نسبة في: \"الكامل\" للمبرد ١/ ٢٠١، و\"المقتضب\" ٢/ ١٢٠، و\"الخصائص\" ٢/ ٢٠٨، و\"المحتسب\" ٢/ ٢٦٦، و\"أمالى\" ابن الحاجب ٢/ ٨٠، و\"اللسان\" ٥/ ٣٠٧٢ =","vol":"8","page":438},{"text":"وهذا يدل (١) على حذف المضاف، المعنى: وما هي إلا إزارٍ وعلقة وقت إغارة ابن همام، ألا ترى أنه عدّاه بعلى إلى حيّ خثعمٍ، وإذا عدّاه ثبت أنه مصدر، إذ أسماء المكان لا تتعدى، فهو من باب قولك: أتيتك خفُوقَ النجمِ، ومَقدَم الحاجِّ، وخلافةَ فلان (٢)، من المصادر التي استعملت في موضع الظروف للاتساع في حذف المضاف الذي هو اسم زمان على تقدير: زمان خفوق النجم أو ساعة أو وقت، وما أشبه ذلك، وإنما حسن ذلك في المصادر لمطابقتها الزمان في المعنى، ألا ترى أنه عبارة عن مُنَقَضٍ غير باقٍ، كما أن الزمان كذلك، ومن ثم كثر إقامتهم، ما التي مع الفعل بمعنى المصدر مقام ظروف الزمان كقولهم: لا أكلمك ما حدا (٣) ليلٌ نهارًا وما خالفت جِرّة (٤) دِرةً ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ﴾ [المائدة: ١١٧] ونحو ذلك، حتى إن قومًا من النحويين (٥) يسمونها ما\n_________\n= (علق)، و\"الدر المصون\" ٥/ ١٥٠، والعلقة، بكسر العين: قميص بلا كمين، أو الثوب الصغير. انظر: \"اللسان\" ٥/ ٣٠٧٣ (علق). والشاهد في البيت: نصب مغار على الظرفية، وهو في الأصل مصدر ميمي.\n(١) في (ش): (وهذا أيضًا على حذف المضاف).\n(٢) انظر: \"الكتاب\" ١/ ٢٢٢، و\"المقتضب\" ٤/ ٣٤٣.\n(٣) حدا: بالفتح تبع يقال: ما حدا الليل النهار، أي: ما تبعه. انظر: \"المستقصى\" للزمخشري ٢/ ٢٤٧، و\"اللسان\" ٢/ ٧٩٤ (حدا).\n(٤) الجِرَّة: -بكسر الجيم وفتح الراء المشددة-: ما يخرجه البعير من بطنه للجنزار، والدِّرَّة: بكسر الدال المشددة وفتح الراء المشددة، كثرة اللبن وسيلانه، وهما مختلفان: الدرة تسفل إلى الرجلين، والجرة تعلو إلى الرأس.\nانظر: \"مجمع الأمثال\" ٣/ ١٨٧، و\"المستقصي\" ٢/ ٢٤٥، و\"اللسان\" ١/ ٥٩٤ (جرر) و٣/ ١٣٥٦ (درر).\n(٥) انظر: \"حروف المعاني\" ص ٥٣، و\"معاني الحروف\" للرماني ص ٨٦، =","vol":"8","page":439},{"text":"الوقت، وحقيقته ما أعلمتك) (١)، انتهى كلامه. وقول ابن عباس: (فيها مقامكم) (٢)، يدل على صحة قول أبي علي.\nوقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ قال ابن عباس: (استثنى الله قومًا قد سبق في علمه أنهم يسلمون ويصدقون النبي - ﷺ - وما جاء به) (٣)، وعلى هذا القول يجب أن يكون (ما) بمعنى (مَنْ) (٤).\nوقال أبو إسحاق: (معنى الاستثناء عندي: إنما هو من يوم القيامة؛ لأن قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا﴾ هو يوم القيامة فقال: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ منذ يبعثون ﴿إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ من مقدار حشرهم من (٥) قبورهم، ومقدار مدَّتِهم في محاسبتهم) (٦).\n_________\n= و\"الصاحبي\" ص ٢٦٩، و\"رصف المباني\" ص ٢٧٧، و\"المغني\" لابن هشام ١/ ٣٠٢.\n(١) \"الإغفال\" ص ٧٠٦ - ٧٠٩، وعليه يكون (خالدين) منصوب على أنه حال مقدرة والعامل فيها (مثواكم)؛ لأنه اسم مصدر من الثواء، وهو الإقامة.\nانظر: \"غرائب التفسير\" ١/ ٣٨٥، و\"البيان\" ١/ ٣٣٩، و\"التبيان\" ٣٥٨، و\"الفريد\" ٢/ ٢٢٨، و\"الدر المصون\" ٥/ ١٤٩.\n(٢) سبق تخريجه.\n(٣) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ١١٩، والبغوي ٣/ ١٨٩، والرازي ١٣/ ١٩٢، وأخرج الطبري ٨/ ٣٤، وابن أبي حاتم ٤/ ١٣٨٨ بسند جيد عنه، قال: (إن هذه الآية لا ينبغي لأحد أن يحكم على الله في خلقه لا ينزلهم جنة ولا نارًا)، وذكره السيوطي في \"الدر\" ٣/ ٨٥، وقال الخازن ٢/ ١٨٣: (نقل جمهور المفسرين عن ابن عباس أن هذا الاستثاء يرجع إلى قوم سبق فيهم علم الله أنهم يسلمون ويصدقون النبي - ﷺ - فيخرجون من النار، قالوا: و(ما) تكون بمعنى من على هذا التأويل. اهـ.\n(٤) أي: التي للعقلاء، وساغ وقوعها هنا؛ لأن المراد بالمستثنى نوع وصنف، وما تقع على أنواع من يعقل، أفاده السمين في \"الدر\" ٥/ ١٥١.\n(٥) في (أ): (في).\n(٦) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٩١ - ٢٩٢، وفيه: (ويجوز أن يكون إلا ما شاء ربك مما =","vol":"8","page":440},{"text":"وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾. قال ابن عباس: (حكم للذين استثنى بالتصديق والتوبة وعلم ما في قلوبهم من البر والتقوى والإيمان) (١).\nقال أهل المعاني: (معنى هذه الآية: التحذير من إغواء الجن تزيينهم القبيح، فإنهم يقرنون مع أوليائهم من الإنس في النار) (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1089>١٢٩ </span>- قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا﴾. قال المفسرون: (يقول: كما خذلنا عصاة الجن والإنس حتى استمتع بعضهم ببعض، كذلك نكل بعضهم إلى بعض في النصرة والمعونة، ونسلط بعضهم على بعض، فيتولى بعضهم القيام بأمر بعض) (٣)، وقال بعض أهل العلم: (إن الله تعالى ذكر في الآية الأولى استكثار الجن من الإنس بالاستضلال (٤) والاستزلال (٥)، ثم بيّن في هذه الآية أنه ولى بعضهم بعضًا حتى كان من شأنهم ما كان) (٦).\n_________\n= يزيدهم من العذاب). اهـ. وانظر: \"تفسير الطبري\" ٨/ ٣٤، و\"معاني النحاس\" ٢/ ٤٩٠، و\"إعراب النحاس\" ص ٥٧٥، و\"تفسير السمرقندي\" ١/ ٥١٣، و\"المشكل\" ١/ ٢٧٠، و\"البيان\" ٢/ ٣٤٠، و\"التبيان\" ٣٥٨، و\"الفريد\" ٢/ ٢٢٨، و\"الدر المصون\" ٥/ ١٥٠ - ١٥٣، ودفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب ص ١٢٢ - ١٢٨.\n(١) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ١٢٠، والبغوي في \"تفسيره\" ٣/ ١٨٩ بدون نسبة.\n(٢) لم أقف على من ذكره فيما لدي من مراجع.\n(٣) انظر: \"تفسير الطبري\" ١٣/ ٣٥، والسمرقندي ١/ ٥١٣، والماوردي ٢/ ١٦٩، والبغوي ٣/ ١٨٩.\n(٤) في (ش): (بالإضلال).\n(٥) في (أ): (الاسترسال)، وهو تحريف.\n(٦) لم أقف على من ذكره فيما لدي من مراجع.","vol":"8","page":441},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1090>١٣٠ </span>- قوله تعالى: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ الآية. قال أهل اللغة: (المَعْشَر: كل جماعة أمرهم واحد، والجميع: المعَاشِر) (١). وقوله تعالى: ﴿رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ اختلفوا (٢) هل كان من الجن رسول أم لا؟ فالأكثرون (٣) على أنه لم يكن من الجن رسول، وإنما كانت الرسل من بني آدم.\nوقوله: ﴿رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ أراد من أحدكم وهو الإنس فحذف المضاف، كقوله تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ﴾ [الرحمن: ٢٢] أي: من أحدهما وهو الملح الذي ليس بعذب، وجاز ذلك؛ لأن ذكرهما قد جُمع في قوله (٤): ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ﴾ [الرحمن: ١٩]، وهذا جائز في كل ما اتفق في أصله، كما\n_________\n(١) هذا نص كلام الخليل في \"العين\" ١/ ٢٤٨، وفي \"اللسان\" ٥/ ٢٩٥٥ (عشر): (معشر الرجل، بفتح الميم والشين وسكون العين: أهله. والمعشر: الجماعة متخالطين كانوا أو غير ذلك. والمعشر والنفر والقوم والرهط معناهم الجمع: لا واحد لهم من لفظهم للرجال دون النساء). اهـ.\nوانظر: \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٤٤٧، و\"الصحاح\" ٢/ ٧٤٧، و\"المجمل\" ٣/ ٦٧٠، و\"المفردات\" ص ٥٦٧ (عشر).\n(٢) في (ش): (واختلفوا).\n(٣) ذكره عن الأكثر الرازي في \"تفسيره\" ١٣/ ١٩٥، والخازن ٢/ ١٨٤.\n(٤) قال الشنقيطي -رحمه الله تعالى- في \"أضواء البيان\" ٢/ ٢١١: (هذا التوجيه في آية الرحمن غلط كبير لا يجوز القول به؛ لأنه مخالف مخالفة صريحة لكلام الله تعالى؛ لأن الله ذكر البحرين الملح والعذب بقوله: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾ [فاطر: ١٢]، ثم صرح باستخراج اللؤلؤ والمحرجان منهما جميعًا بقوله: ﴿وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ [فاطر: ١٢]، والحلية المذكورة في اللؤلؤ والمرجان، فقصره على الملح مناقض للآية صريحًا كما ترى). اهـ.","vol":"8","page":442},{"text":"اتفق الجن مع الإنس في باب التمييز، فلما ذكرا (١) معًا جاز مخاطبتهما بما ينصرف إلى واحد.\nوهذا قول الفراء (٢)، والزجاج (٣) ومذهب أكثر أهل (٤) العلم، وعليه دل كلام ابن عباس؛ لأنه قال: (يريد: أنبياء من جنسكم ولم يكن من جنس الجن أنبياء (٥) وإذا لم يكن من الجن أنبياء (٦) ورسل، فكيف قال لهم مع الإنس: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ﴾؟ قال الكلبي: (كانت الرسل يبعثون إلى الجن والإنس) (٧)، فعلى هذا قد بعث الرسل إلى الجن، ولكن لم تكن (٨) الرسل من الجن، وتأويل (منكم) ما ذكرنا.\nوقال آخرون: (الرسل كانت من الإنس، ولكن الله تعالى كان يسبّب قومًا من الجن ليسمعوا كلام الرسل، ويأتوا قومهم من الجن بما سمعوا وينذرونهم، كما قال الله تعالى لمحمد - ﷺ -: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ﴾ [الأحقاف: ٢٩] وهذا مذهب مجاهد قال: (الرسل من الإنس والنذر\n_________\n(١) في (ش): (فلما ذكر معًا)، وهو تحريف.\n(٢) \"معاني الفراء\" ١/ ٣٥٤، وانظر: \"معاني النحاس\" ٢/ ٤٩٢.\n(٣) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٩٢، وكلام الواحدي أقرب إلى نص الزجاج.\n(٤) ذكر الخازن في \"تفسيره\" ٢/ ١٨٤: (أن هذا مذهب جمهور أهل العلم). وانظر: \"تفسير الطبري\" ١٢/ ١٢، والماوردي ٢/ ١٧٠، وذكره عن الواحدي الرازي في \"تفسيره\" ١٣/ ١٩٥.\n(٥) ذكره الخازن في \"تفسيره\" ٢/ ١٨٤ عن الواحدي عن ابن عباس.\n(٦) لفظ: (أنبياء) ساقط من (أ).\n(٧) \"تنوير المقباس\" ٢/ ٦١، وذكره الثعلبي في \"الكشف\" ١٨٤ أ، والبغوي في \"تفسيره\" ٣/ ١٩٠.\n(٨) في (ش): (لم يكن).","vol":"8","page":443},{"text":"من الجن) (١)، ونحو ذلك قال ابن جريج (٢) وأبو عبيد (٣): (هم الذين استمعوا القرآن فأبلغوه قومهم)، وعلى هذا أولئك (٤) الذين استمعوا (٥) وذهبوا إلى الجن فأنذروا لم يفعلوا ذلك بنص الله تعالى على إرسالهم، ولكن يجوز أن يضاف ذلك إلى الله فيقال: هم رسل الله، كما سمّى الله تعالى رسُل عيسى (٦) رسله فقال: ﴿إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ﴾ [يس: ١٤].\nوقال الضحاك: (من الجن رسل كما من الإنس رسل) (٧) والآية تدل على (٨) ذلك، والقول هو الأول، وهو ما ذكرنا أن رسل الجن لم يكونوا مرسلين بنص الله تعالى وإنما كانوا نذرًا على الوجه الذي بيّنا (٩).\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٤/ ١٣٨٩، بسند جيد، وذكره السيوطي في \"الدر\" ٣/ ٨٦.\n(٢) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ٣٦، بسند جيد، وذكره السيوطي في \"الدر\" ٣/ ٨٦.\n(٣) لم أقف عليه.\n(٤) في (أ): (وعلى هذا ؤلئك)، وهو تحريف.\n(٥) في (أ): (استمتعوا)، وهو تحريف.\n(٦) انظر: \"تفسير الرازي\" ١٣/ ١٩٥. وظاهر القرآن -وهو اختيار الجمهور ومنهم ابن كثير في \"تفسيره\" ٢/ ١٩٨ - أنهم رسل الله بعثهم إلى أهل القرية. قال ابن الجوزي في \"تفسيره\" ٧/ ١١: (هذا هو ظاهر القرآن والمروي عن ابن عباس وكعب ووهب) اهـ.\n(٧) أخرجه الطبري ٨/ ٣٦، بسند جيد، وهو قول مقاتل في \"تفسيره\" ١/ ٥٨٩.\n(٨) ذكره عن الضحاك الماوردي في \"تفسيره\" ٢/ ١٧٠، وابن الجوزي ٣/ ١٢٥، وقالا: (وهو ظاهر الكلام).\n(٩) وهذا هو الظاهر، وهو قول جمهور السلف والخلف، كما قال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى في \"تفسيره\" ٢/ ١٩٨: وساق عدة أدلة من الكتاب والسنة على أن الرسل من الإنس فقط، ولم يكن في الجن رسل منهم. وهو اختيار شيخ الإسلام في رحمه الله تعالى في \"الفتاوى\" ١٦/ ١٩٢، وقال في ٤/ ٢٣٤: (وقيل: الرسل من الإنس، والجن فيهم النذر، وهذا أشهر.) اهـ.","vol":"8","page":444},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1091>١٣٠ </span>- وقوله تعالى: ﴿قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا﴾. يقول: شهدنا أنهم قد بلغوا، يقول الله تعالى: (وغرتهم (١) الحياة الدنيا وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين). قال مقاتل: (حين شهدت عليهم الجوارح بالشرك والكفر في الدنيا) (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1092>١٣١ </span>- قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ﴾ الآية. قال الزجاج: (ذلك الذي قصصنا عليك من أمر الرسل وأمر عذاب من كذب بها؛ لأنه لم يكن مهلك القرى بظلم) (٣)، فعلى هذا الإشارة وقعت إلى العقاب الذي في قوله: ﴿قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ﴾ [الأنعام: ١٢٨] وإلى إتيان الرسل في قوله: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ [الأنعام:١٣٠] وموضع ﴿ذَلِكَ﴾ رفع الابتداء على معنى: ذلك الأمر، أي: العقوبة بعد تكذيب الرسل، ويجوز أن يكون موضع (ذلك) نصبًا على معنى: فعل ذلك، وهذا معنى قول الفراء (٤) وسيبويه (٥) والزجاج (٦).\nوقوله تعالى: ﴿أَنْ لَمْ يَكُنْ﴾ (أن) هاهنا هي المخففة من الثقيلة ويقدر معها الخافض وإضمار الهاء على تقدير: لأنه لم يكن، وهي التي في قول الأعشى:\n_________\n(١) في (أ): (وغرتهم الله الحياة الدنيا)، وهو تحريف واضح.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ١/ ٥٨٩.\n(٣) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٩٣.\n(٤) \"معاني الفراء\" ٢/ ٣٥٥، ومثله ذكر الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ٣٧.\n(٥) لم أقف عليه في الكتاب، وقد ذكر الزجاج في \"معانيه\" ٢/ ٢٩٣، والنحاس في \"إعراب القرآن\" ١/ ٥٨٠: (عن سيبويه أنه في موضع رفع بمعنى: الأمر ذلك؛ لأن ربك لم يكن مهلك القرى بظلم)، ولم أجد من ذكر عنه وجه النصب.\n(٦) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٩٢ - ٢٩٣.","vol":"8","page":445},{"text":"في فِتْيِةٍ كَسْيوفِ الهِنْدِ قَدْ عَلِمُوا ... أَنْ هَالِكٌ كُلُّ مَنْ يَحْفَى وَينْتَعِلُ (١)\nوقوله تعالى: ﴿بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ﴾. قال الكلبي: (يقول: لم يكن ليهلكهم بذنوبهم من قبل أن يأتيهم رسلهم فينهاهم فإن رجعوا وإلا أتاهم العذاب) (٢).\nوقال الزجاج: (أي: لا يهلكهم حتى يبعث إليهم الرسل كما قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] (٣)، وهذا قول جميع المفسرين (٤) والظلم على هذا ظلمهم الذي هو ذنوبهم ومعاصيهم.\nوقال الفراء: (يجوز أن يكون المعنى: لم يكن ليهلكهم [بظلم منه وهم غافلون، كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ (٥)] وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ [هود:١١٧] أي بظلم منه) (٦).\n_________\n(١) \"ديوان الأعشى\" ص ٢٨٤، و\"الكتاب\" ٢/ ١٣٧، ٣/ ٧٤ - ١٦٤ - ٤٥٤، و\"المحتسب\" ١/ ٣٠٨، و\"المنصف\" ٣/ ١٢٩، و\"أمالي\" ابن الشجري ٢/ ١٧٧ - ١٧٨، و\"الإنصاف\" ١٦٧، وبدون نسبة في \"المقتضب\" ٣/ ٩، و\"تفسير الطبري\" ٨/ ١٨٥، و\"الخصائص\" ٢/ ٤٤١، و\"رصف المباني\" ص ١٩٦.\nوالشاهد إضمار اسم أن المخففة والتقدير: أنه هالك، وعجز البيت في الديوان:\nأَنْ لَيْسَ يَدْفَعُ عَنْ ذِي الحِيلَةِ الحِيلُ\n(٢) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ١٢١، والبغوي في \"تفسيره\" ٣/ ١٩٠، و\"الخازن\" ٢/ ١٨٥.\n(٣) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٩٣.\n(٤) انظر: الطبري ٨/ ٣٧، والسمرقندي ١/ ٥١٤، والماوردي ٢/ ١٧٢، و\"بدائع التفسير\" ٢/ ١٨٣ - ١٨٤.\n(٥) ما بين المعقوفين ساقط من (ش) وملحق بالهامش.\n(٦) انظر: \"معاني الفراء\" ١/ ٣٥٥، وفيه قال: (وقوله: ﴿مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ﴾ يقول: لم يكن ليهلكهم بظلمهم وهم غافلون لما يأتيهم رسول ولا =","vol":"8","page":446},{"text":"وعلى هذا يوهم (١) أنه لو أهلكهم وهم غافلون قبل بعث الرسل كان ظالمًا، وكذلك لو أهلكهم وهم صالحون، وليس كذلك؛ لأن له أن يفعل ما يريد، لكنه أخبر أنه لا يعذب قبل بعثه الرسل، ولا يهلك الصالحين، ولو فعل ذلك لم يكن ظلمًا، ولكنه يكون في صورة الظلم فيما بيننا، فأطلق عليه الظلم مجازًا لا حقيقة، والقول في معنى الآية هو الأول (٢) وقد بيّنا القولين في سورة هود عند قوله تعالى: ﴿بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ [هود: ١١٧].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1093>١٣٢ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾ الآية. قال ابن عباس: (يريد: فضائل مما عملوا ﴿وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ يريد: عمل المشركين والدرجات للمؤمنين (٣)، فعلى هذا أثبت الدرجات للمؤمنين في (٤) أول الآية وأوعد المشركين بأنه ليس ﴿بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ في آخر الآية على معنى: أنه يجازيهم به، وتقدير الآية: ولكل عاملٍ بطاعة الله درجات جزاء من أجل ما عملوا، وقال آخرون: (هذا عام في كل\n_________\n= حجة، وقوله في هود: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ يقول: لم يكن ليهلكهم بظلمهم يقول: بشركهم ﴿وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ يتعاطون الحق فيما بينهم، هكذا جاء التفسير، وفيها وجه وهو أحب من ذا؛ لأن الشرك أعظم الذنوب، والمعنى -والله أعلم-: لم يكن ليهلكهم بظلم منه وهم مصلحون). اهـ.\n(١) في (ش): (توهم).\n(٢) انظر: \"تفسير الرازي\" ١٣/ ١٩٦ - ١٩٧.\n(٣) انظر: \"تنوير المقباس\" ٢/ ٦٢، وفي \"الوسيط\" ١/ ١٢١ نقل الواحدي عن ابن عباس في الآية قال: (يريد عمل المشركين).\n(٤) لفظ: (في) ساقط من (أ).","vol":"8","page":447},{"text":"عامل (١) عملًا طاعة كان أو معصية (٢) على تقدير: ولكل عامل بطاعة الله أو معصيته (٣) منازل في عمله). ومثلت الأعمال (٤) بالدرجات ليتبين أنه وإن عمّ أحد قسميها صفة الحسن، وعمّ الآخر صفة القبح، فليست في المراتب سواء، وأنه بحسب ذلك يقع الجزاء، فالأعظم من العقاب للأعظم من السيئات، والأعظم من الثواب للأعظم من الحسنات، وجملة معنى الآية: أن بعضهم أوفر وأجزل ثوابًا من بعض على قدر أعمالهم، وبعضهم أشدّ عذابًا من بعض (٥) على قدر أعمالهم في الدنيا (٦).\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ أي: لا يفوته شيء منها ولا من مراتبها حتى يجازي عليه بما يستحق من الجزاء (٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1094>١٣٣ </span>- قوله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ﴾. قال ابن عباس: (يريد: عن عبادة من تولى غيره) (٨)، وقال مقاتل: (عن عبادة خلقه) (٩)، ومعنى الغنى عن الشيء: أنه الذي يستوي عنده عدم ذلك الشيء ووجوده (١٠).\n_________\n(١) وهذا القول هو الظاهر، وهو اختيار الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ٣٨، والسمرقندي ١/ ٥١٤، والرازي ١٣/ ١٩٨.\n(٢) في (أ): (أو معية)، وهو تحريف.\n(٣) في (أ): (أو معيته)، وهو تحريف.\n(٤) لفظ: (الأعمال) مكرر في (أ).\n(٥) في (أ): (بعضهم).\n(٦) انظر: \"تفسير الماوردي\" ٢/ ١٧٢.\n(٧) انظر: \"تفسير الطبري\" ٨/ ٣٨، والسمرقندي ١/ ٥١٤.\n(٨) لم أقف عليه.\n(٩) \"تفسيرمقاتل\" ١/ ٥٩٠.\n(١٠) انظر: \"تفسير أسماء الله الحسنى\" للزجاج ص ٦٣، و\"اشتقاق أسماء الله\" للزجاجي ص ١١٧، و\"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٧٠٤، و\"الأسماء والصفات\" للبيهقي ١/ ٢٤.","vol":"8","page":448},{"text":"وقوله تعالى: ﴿ذُو الرَّحْمَةِ﴾. قال ابن عباس: (بأوليائه وأهل طاعته) (١)، وقال الكلبي: (ذو الرحمة بخلقه، وذو التجاوز) (٢)، وقال مقاتل: (ذو النعمة فلا يعجل (٣) عليهم بالعذاب، -يعني: كفار مكة-).\nوقوله تعالى: ﴿وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ﴾. قال الكلبي: (وينشئ من بعدكم خلقًا آخر) (٤) ﴿كَمَا أَنْشَأَكُمْ﴾ مثل ما أنشاكم، أي: خلقكم ابتداء ﴿مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ﴾ -يعني: آباءهم الماضين-، وهذا وعيد لهم بالإهلاك (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1095>١٣٤ </span>- قوله تعالى: ﴿إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ﴾. قال الحسن: (أي: من مجيء الساعة؛ لأنهم كانوا يكذبون بالنشأة الثانية) (٦)، فيجوز أن يكون (توعدون) من الإيعاد: أي ما توعدون به من العقوبة في الآخرة، ويجوز أن يكون من الوعد، لاختلاط الخير بالشر، فيكون على التغليب، إذ مجيء الساعة خير للمؤمنين، وشر على الكافرين، وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ أي: بفائتين: يقال: أعجزني فلان، أي: فاتني وغلبني فلم أقدر عليه (٧).\n_________\n(١) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ١٢١، والبغوي في \"تفسيره\" ٣/ ١٩١، وابن الجوزي ٣/ ١٢٧.\n(٢) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ١٢١، والبغوي في \"تفسيره\" ٣/ ١٩١.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ١/ ٥٩٠، وقد جاء في (ش)، و\"تفسير مقاتل\": (فلا تعجل) بالتاء.\n(٤) انظر: \"تنوير المقباس\" ٢/ ٦٢.\n(٥) انظر: \"تفسير الطبري\" ١٣/ ٢٠٢، والسمرقندي ١/ ٥١٤ - ٥١٥.\n(٦) ذكره الرازي في \"تفسيره\" ١٣/ ١٦٦، والقرطبي ٧/ ٨٨، وأبو حيان في \"البحر\" ٤/ ٢٢٥.\n(٧) هذا قول أبي عبيدة في \"مجاز القرآن\" ١/ ٢٠٦.","vol":"8","page":449},{"text":"قال ابن عباس: (يريد: وما يعجزني منكم أحد) (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1096>١٣٥ </span>- قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ﴾. قال ابن عباس في رواية عطاء: (يريد: على حالاتكم التي أنتم عليها) (٢)، قال الزجاج: (المعنى: اعملوا على ما أنتم عليه، يقال للرجل إذا أمرته أن يثبت على حاله: على مكانتك يا فلان، أي: أثبت على ما أنت عليه) (٣).\nوقال مقاتل: (على جديلتكم) (٤)، وهذا القول راجع إلى ما ذكرنا؛ لأن الجديلة (٥) معناها: الطريقة، والطريقة يراد بها هاهنا: ما هم عليها، ومثل هذا قول مجاهد: (على وتيرتكم) (٦)، وقول الكلبي: (على منازلكم) (٧) وقول يمان: (على مذاهبكم) (٨).\n_________\n(١) لم أقف عليه بهذا اللفظ، وأخرج ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٤/ ١٣٩٠، بسند ضعيف من طريق الضحاك عن ابن عباس قال: (﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ أي: بسابقين)، وذكره السيوطي في \"الدر\" ٣/ ٨٨.\n(٢) ذكره الثعلبي في \"الكشف\" ١٨٤ ب، والبغوي في \"تفسيره\" ٣/ ١٩١، من قول عطاء فقط، وأخرج الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ٣٩، وابن أبي حاتم ٤/ ١٣٩٠، بسند جيد عن ابن عباس قال: (يعني: على ناحيتكم)، وذكره السيوطي في \"الدر\" ٣/ ٨٨.\n(٣) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٩٣، وفيه: (المعنى: اعملوا على تمكنكم، ويجوز أن يكون المعنى: اعملوا على ما أنتم عليه ..) ثم ذكر ما ذكر الواحدي.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ١/ ٥٩٠.\n(٥) الجديلة؛ بفتح الجيم وكسر الدال: الطريقة، والناحية، والشاكلة. انظر: \"اللسان\" ١/ ٥٧١ (جدل).\n(٦) ذكره الثعلبي في \"الكشف\" ١٨٤ ب. والوتيرة، بفتح الواو وكسر التاء: الطريقة، والصفة. انظر: \"اللسان\" ٨/ ٤٧٦٠ (وتر).\n(٧) ذكره الثعلبي ١٨٤ ب.\n(٨) ذكره الثعلبي في \"الكشف\" ١٨٤ ب.","vol":"8","page":450},{"text":"وقال أبو إسحاق: (المعنى: اعملوا على تمكنكم وجهتكم التي كنتم عند أنفسكم في العلم بها) (١).\nقال أبو علي: (المكانة في اللغة: المنزلة والتمكن، كأنه اعملوا على قدر منزلتكم وتمكنكم في دنياكم فإنكم لن تضرونا (٢) بذلك شيئًا) (٣)، قال ابن عباس: (وهذا وعيد وتهدد) (٤)، يريد: أن هذا الأمر أمر وعيدٍ، كقوله تعالى: ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ﴾ [هود: ١٢١].\nقال الزجاج: (ومعنى هذا الأمر: المبالغة في الوعيد؛ لأن ما بعده يدل على الوعيد، وقد أعلمهم بقوله: ﴿لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ أن من عمل بعملهم فالنار مصيره، فكأنه قيل لهم: أقيموا على ما أنتم عليه من الكفران رضيتم بعذاب النار) (٥).\nوقرئ (مكانتكم) و(مكاناتكم) (٦)، والوجه الإفراد؛ لأنه مصدر، والمصادر في أكثر الأمر مفردة، وقد تجمع في بعض الأحوال، والأمر العامّ على الوجه الأول (٧).\n_________\n(١) انظر: \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٩٣، وفيه: (المعنى: اعملوا على تمكنكم). وانظر: \"معاني النحاس\" ٢/ ٤٩٣.\n(٢) في (ش): (يضرونا).\n(٣) \"الحجة\" لأبي علي ٣/ ٤٠٧.\n(٤) لم أقف عليه.\n(٥) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٩٤.\n(٦) قرأ عاصم في رواية: (على مكاناتكم)، بألف بعد النون على الجمع. وقرأ الباقون (على مكانتكم) بدون ألف على التوحيد. انظر: \"السبعة\" ص ٢٦٩، و\"المبسوط\" ص ١٧٥، و\"الغاية\" ص ٢٥٠، و\"التذكرة\" ٢/ ٤١١، و\"التيسير\" ص ١٠٧، و\"النشر\" ٢/ ٢٦٣.\n(٧) هذا قول أبي علي في \"الحجة\" ٣/ ٤٠٧ - ٤٠٨، وانظر: \"معاني القراءات\" =","vol":"8","page":451},{"text":"وقوله تعالى: ﴿إِنِّي عَامِلٌ﴾. قال مقاتل: (أي: عامل على جديلتي التي أمرت بها) (١)، يريد ﴿اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ﴾ على مكانتي: فحذفت الثانية لدلالة الأولى في ذلك الجانب على الثانية في هذا الجانب، وجملة المعنى: اعملوا ما أنتم عاملون إني عامل مما أمرني به ربي، ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ﴾ موضع (من) نصب بوقوع العلم عليه، ويجوز أن يكون رفعًا على معنى: تعلمون أينا ﴿تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ﴾ كقوله: ﴿لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ﴾ [الكهف: ١٢]، والوجهان ذكرهما الفراء (٢).\nقال ابن عباس: (﴿مَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ﴾ يعني: الجنة. ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ من له الجنة أنتم أم أوليائي وأهل طاعتي) (٣)، فإن قيل: أليس الكافر أيضًا له عاقبة في الآخرة، فكيف قيل: إن (٤) عاقبة الدار للمؤمنين؟ قيل: العاقبة تكون على الكافر ولا تكون له، كما يقال: لهم الكرة، ولهم الظفر، وفي ضده يقال: عليهم الكرة والظفر (٥).\n_________\n= ١/ ٣٨٦، و\"إعراب القراءات\" ١/ ١٦٩، و\"الحجة\" لابن خالويه ص ١٤٩، ولابن زنجلة ص ٢٧٢، \"الكشف\" ١/ ٤٥٢، ونقل قول الواحدي الرازي في \" تفسيره\" ١٣/ ٢٠٣.\n(١) \"تفسير مقاتل\" ١/ ٥٩٠.\n(٢) انظر: \"معاني الفراء\" ١/ ٣٥٥، والنصب على أن (من) موصولة، فهي في محل نصب مفعول به، والرفع على أن (من) استفهامية، فتكون في محل رفع بالابتداء، انظر: \"إعراب النحاس\" ١/ ٥٨٠، و\"المشكل\" ١/ ٢٧١، و\"البيان\" ١/ ٣٤٢، و\"التبيان\" ص ٣٥٩، و\"الفريد\" ٢/ ٢٣١، و\"الدر المصون\" ٥/ ١٥٨.\n(٣) \"تنوير المقباس\" ٢/ ٦٢، وذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ١٢٢.\n(٤) في (ش): (فكيف قيل له عاقبة الدار للمؤمنين)، وهو تحريف.\n(٥) انظر: \"تفسير الرازي\" ١٣/ ٢٠٣.","vol":"8","page":452},{"text":"وقرئ (١): (تكون) بالتاء، والياء؛ لأن العاقبة مصدر كالعافية، وتأنيثه غير حقيقي فمن أنث فكقوله: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ﴾ [الحجر: ٧٣] ومن ذكر فكقوله: ﴿وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾ [هود: ٦٧]، وقال تعالى: ﴿قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ﴾ [يونس: ٥٧] وفي أخرى: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ﴾ [البقرة: ٢٧٥] (٢)، وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾. قال ابن عباس: (يريد: لا يسعد من كفر نعمتي وأشرك بي) (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1097>١٣٦ </span>- قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا﴾ الآية، قال ابن عباس (٤) والمفسرون (٥): (كان المشركون يجعلون لله من حروثهم وأنعامهم وثمارهم نصيبًا، وللأوثان نصيبًا، فما كان للصنم أنفق عليه، وما كان لله أطعم الضيفان (٦) والمساكين،\n_________\n(١) قرأ حمزة والكسائي: (من يكون له عاقبة الدار) بالياء على التذكير، وقرأ الباقون (من تكون) بالتاء على التأنيث.\nانظر: \"السبعة\" ص ٢٧٠، و\"المبسوط\" ص ١٧٥، و\"الغاية\" ص ٢٥٠، و\"التذكرة\" ٢/ ٤١١، و\"التيسير\" ص ١٠٧، و\"النشر\" ٢/ ٢٦٣.\n(٢) هذا قول أبي علي في \"الحجة\" ٣/ ٤٠٨، وانظر: \"معاني القراءات\" ١/ ٣٨٧، و\"إعراب القراءات\" ١/ ١٧٠، و\"الحجة\" لابن زنجلة ص ٢٧٢، و\"الكشف\" ١/ ٤٥٣، ونقل هذا الواحدي الرازي في \"تفسيره\" ١٣/ ٢٠٣.\n(٣) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ١٢٣، والبغوي في \"تفسيره\" ٣/ ١٩٢، والخازن ٢/ ١٨٧.\n(٤) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ٤٠ - ٤١، وابن أبي حاتم ٤/ ١٣٩٠، والبيهقي في \"سننه\" ١٠/ ١٠، من عدة طرق جيدة، وذكره السيوطي في \"الدر\" ٣/ ٨٨.\n(٥) أخرج الطبري ٨/ ٤١ - ٤٢، من طرق جيدة عن مجاهد وقتادة والسدي نحوه، وذكر هود الهواري في \"تفسيره\" ١/ ٥٦٢، عن الحسن والكلبي نحوه، وهو قول مقاتل في \"تفسيره\" ١/ ٥٩١.\n(٦) في (أ): (أطعم للضيفان).","vol":"8","page":453},{"text":"ولا يأكلون من ذلك كله شيئًا، فما سقط مما جعلوه لله في نصيب الأوثان تركوه، وقالوا: إن الله غني عن هذا، وإن سقط مما جعلوه للأوثان في نصيب الله التقطوه وردّوه إلى نصيب الصنم، وقالوا: إنه فقير. فذلك قوله: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ﴾). قال ابن عباس: (خلق، ﴿مِنَ الْحَرْثِ﴾ قال: يريد التمر والقمح، وجميع ما يؤكل، (الأنعام) يريد: الضأن والماعز والإبل والبقر، ﴿نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ﴾ يريد: بكذبهم) (١).\nوقد ذكرنا تفسير الزُّعم (٢) والزَّعم في سورة النساء [: ٦٠].\nفإن قيل: أليس جميع الأشياء لله فكيف نسبوا إلى الكذب في قولهم: ﴿هَذَا لِلَّهِ﴾؟ قلنا: إفرازهم النصيبين نصيبًا لله، ونصيبًا للشيطان، وحكمهم بذلك كذب منهم (٣) لم يأمر الله تعالى به، وهم كانوا يفعلون ذلك تدينًا وتعبدًا واعتقادًا أن ذلك أمر به (٤) الله تعالى وأنه يرضى به (٥)، قال الزجاج: (وتقدير الكلام: جعلوا لله نصيبًا ولشركائهم نصيبًا، ودل على هذا المحذوف تفصيله القسمين فيما بعد، وهو قوله: ﴿هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا﴾) (٦)، وجعل الأوثان شركاءهم؛ لأنهم جعلوا لها نصيبًا من أموالهم ينفقونها عليها فشاركوها في مالهم (٧).\n_________\n(١) \"تنوير المقباس\" ٢/ ٦٣، وذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ١٢٣.\n(٢) يعني: بضم الزاي وفتحها. انظر: \"اللسان\" ٣/ ١٨٣٤ (زعم).\n(٣) لفظ: (منهم) ساقط من (ش).\n(٤) في (أ): (ذلك أمره لله تعالى فإنه يرضى به).\n(٥) انظر: \"تفسير الرازي\" ١٣/ ٢٠٤.\n(٦) هذا قول النحاس في \"معانيه\" ٢/ ٤٩٤، وذكره عن الزجاج الرازي في \"تفسيره\" ١٣/ ٢٠٤، ولم أقف عليه في \"معاني الزجاج\".\n(٧) انظر: \"إعراب النحاس\" ١/ ٥٨١، و\"تفسير الرازي\" ١٣/ ٢٠٤.","vol":"8","page":454},{"text":"وقوله تعالى: ﴿فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ﴾ معناه ما ذكرنا عن ابن عباس (١): أنه كان إذا اختلط شيء مما جعلوه لله بما جعلوه للأوثان لم يخرجوه ولم يردوه، وإذا كان على الضد ردّوه.\nوقال الحسن (٢) والسدّي (٣): (هو أنه إذا هلك الذي لأوثانهم أخذوا بدله مما لله، ولا يفعلون مثل ذلك فيما لله ﷿).\nوقال مجاهد: (هو أنه إذا انفجر من سقي ما جعلوه للشيطان في نصيب الله سدوه، وإن كان على ضد ذلك تركوه) (٤)، وزاد قتادة: (إذا أصابتهم السنة استعانوا بما جزءوا لله ووفروا ما جزءوا لشركائهم) (٥)، وزاد مقاتل: (وإن زكا ونما نصيب الآلهة ولم يترك نصيب الله تركوه للآلهة وقالوا: لو شاء الله زكا نصيبه، وإن زكا نصيب الله ولم يترك نصيب الآلهة قالوا: لا بد لآلهتنا من نفقة فأخذوا نصيب الله فأعطوه السدنة، فذلك قوله: ﴿فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ﴾ يعني: من تمام الحرث والأنعام ﴿فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ﴾ يعني: إلى المساكين) (٦)، وإنما قال: ﴿إِلَى اللَّهِ﴾ لأنهم كانوا يفرزونه لله ويسمونه نصيب الله ﴿وَمَا كَانَ لِلَّهِ﴾ من التمام فهو يصل إلى\n_________\n(١) سبق تخريجه\n(٢) ذكره هود الهواري في \"تفسيره\" ١/ ٥٦٢، والماوردي ٢/ ١٧٤، والواحدي في \"الوسيط\" ١/ ١٢٤، وابن الجوزي ٣/ ١٢٩.\n(٣) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ٤٠١، وابن أبي حاتم ٤/ ١٣٩٠، بسند جيد.\n(٤) \"تفسير مجاهد\" ١/ ٢٢٣، وأخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ٤٠ - ٤١، وابن أبي حاتم ٤/ ١٣٩١، بسند جيد.\n(٥) أخرجه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ١/ ٢/ ٢١٨ - ٢١٩، والطبري ٨/ ٤١، بسند جيد.\n(٦) \"تفسير مقاتل\" ١/ ٥٩١.","vol":"8","page":455},{"text":"آلهتهم ثم ذم الله فعلهم فقال: ﴿سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ أي: ساء الحكم حكمهم حيث صرفوا ما جعلوا لله على جهة التبرر للأوثان (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1098>١٣٧ </span>- قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ الآية. قال الزجاج (٢): (أي: ومثل ذلك الفعل القبيح ﴿زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ﴾) (٣)، وقال أبو بكر: (وذلك إشارة إلى ما نعاه الله عليهم من قسمهم ما قسموا بالجهل، فكأنه قيل: ومثل ذلك الذي أتوه في القسم جهلًا وخطأً ﴿زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ فشبه تزيين الشركاء بخطأهم في القسم) (٤)، وهذا معنى قول الزجاج.\nقال مجاهد (٥): (﴿شُرَكَاؤُهُمْ﴾: شياطينهم أمروهم أن يئدوا أولادهم خشية العيلة) (٦)، وسميت الشياطين شركاء؛ لأنهم أطاعوهم في معصية الله فأشركوهم مع الله في وجوب طاعتهم، وأضيفت الشركاء إليهم، لأنهم اتخذوها، كقوله تعالى: ﴿أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [الأنعام: ٢٢] (٧).\n_________\n(١) في (ش): (التبرر إلى الأوثان).\n(٢) في (أ): (قال الزجل)، وهو تحريف.\n(٣) ذكره السمين في \"الدر\" ٥/ ١٦١، عن الزجاج، ولم أقف عليه في \"معاني الزجاج\".\n(٤) ذكره السمين في \"الدر\" ٥/ ١٦١، عن ابن الأنباري.\n(٥) \"تفسير مجاهد\" ١/ ٢٢٤، وأخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ٤٠/ ٤١، وابن أبي حاتم ٤/ ١٣٩١ بسند جيد، وذكره السيوطي في \"الدر\" ٣/ ٨٨\n(٦) العيلة، بفتح فسكون: الفقر، وشدة الحاجة. انظر: \"اللسان\" ٥/ ٣١٩٤ (عيل).\n(٧) كتبت الآية في النسخ خطأ بلفظ (أين شركاؤكم الذين كنتم تدعون من دون الله)، واستشهد الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ١٢٥، على الموضوع بقوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [فاطر: ٤٠].","vol":"8","page":456},{"text":"وقال الكلبي (١): (كان لآلهتهم سدنة وخدام هم الذين كانوا يزينون للكفار قتل أولادهم، وكان الرجل يقوم في الجاهلية فيحلف بالله لئن ولد له كذا غلامًا لينحرن أحدهم كما حلف (٢) عبد المطلب على ابنه عبد الله) (٣)، وعلى هذا القول الشركاء هم: السدنة سمّوها شركاء كما سميت الشياطين شركاء في قول مجاهد (٤) والشركاء رفع بالتزيين.\nولما تقدم ذكر المشركين كنى عنهم في قوله: (شركاؤهم) كقوله تعالى: ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا﴾ [الأنعام: ١٥٨] لما تقدم ذكر النفس كنى عنها، ومثله ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ﴾ [البقرة: ١٢٤] وأضيف المصدر الذي هو القتل إلى المفعولين الذين هم الأولاد كقوله: ﴿مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ﴾ [فصلت: ٤٩]، أي: من دعائه الخير فحذف ذكر الفاعل، كذلك التقدير في الآية: قتلهم أولادهم (٥).\nوقرأ ابن عامر (٦) (زُيِّنَ) بضم الزاي، (قَتْلَ) رفعًا، (أَوْلَادَهُم)\n_________\n(١) ذكره الثعلبي في \"الكشف\" ١٨٤ ب، والماوردي في \"تفسيره\" ٢/ ١٧٤، والبغوي ٣/ ١٩٢ - ١٩٣، وابن الجوزي ٣/ ١٣٠.\n(٢) انظر تفصيل ذلك في: \"تاريخ الطبري\" ٢/ ٢٣٩ - ٢٤٣.\n(٣) عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم: أبو قثم الهاشمي القرشي، والد رسول الله - ﷺ -، أصغر ولد عبد المطلب وأحبهم إليه، ويلقب بالذبيح. انظر: \"تاريخ الطبري\" ٢/ ٢٣٩ - ٢٤٦، و\"الأعلام\" ٤/ ١٠٠.\n(٤) سبق تخريجه.\n(٥) هذا قول أبي علي في \"الحجة\" ٣/ ٤١٠.\n(٦) قرأ ابن عامر: (وكذلك زُيِّنَ (زَيَّنَ) لكثير من المشركين قتل أولادهم شركائهم) (زُيِّن) بضم الزاي وكسر الياء بالبناء للمفعول و(قَتْلُ) برفع اللام نائب فاعل (أَوْلَادَهُم) بنصب الدال مفعول للمصدر (شُرَكَائِهِم) بهمزة مجرورة على إضافة المصدر إليه وهو من إضافة المصدر إلى فاعله. وقرأ الباقون: (زَيَّنَ) بفتح الزاي =","vol":"8","page":457},{"text":"بالنصب، (شُرَكَائِهِم) بالجرّ على تقدير: ﴿زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ﴾ شركائهم أولادهم، ولكنه فصل بين المضاف والمضاف إليه بالمفعول به، وهو الأولاد، والمفعول به مفعول المصدر، قال أبو علي: (وهو قبيح، قليل في الاستعمال؛ لأنهم لا يفصلون بين المضاف والمضاف إليه بالظرف الذي توسعوا فيه، وفصلوا به في كثير من المواضع، نحو قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ﴾ [المائدة: ٢٢].\nونحو قول الشاعر:\nعَلَى أَنَّني بَعْدَ مَا قَدْ مَضى ... ثلاثُون لِلْهَجرِ حَوْلًا كَمِيلًا (١)\n[فصل بين العدد والمعدود (٢)]، ونحو قوله:\nفَلا تَلْحَني فيها فإنَّ بِحُبِّهَا ... أَخَاكَ مُصابُ القَلْبِ جَمٌّ بَلابِلُهْ (٣)\n_________\n= والياء مبينًا للفاعل. و(قَتْلَ) بنصب اللام على المفعولية (أَوْلَادِهِمْ) بجر الدال على الإضافة (شُرَكَاؤُهُم) بهمزة مرفوعة على الفاعلية. انظر: \"السبعة\" ص ٢٧٠، و\"المبسوط\" ص ١٧٥، و\"الغاية\" ص ٢٥٠، و\"التذكرة\" ٢/ ٤١١، و\"التيسير\" ص ١٠٧، و\"النشر\" ٢/ ٢٦٣ - ٢٦٥.\n(١) الشاهد للعباس بن مرداس في \"ديوانه\" ص ١٣٦، وهو بلا نسبة في \"الكتاب\" ٢/ ١٥٨، و\"المقتضب\" ٣/ ٥٥، و\"مجالس ثعلب\" ص ٤٢٤، و\"المسائل الحلبيات\" ص ٢٥٨، و\"الإيضاح العضدي\" ١/ ٢٤٢، و\"المسائل البصريات\" ٢/ ٨٣٥، و\"الإنصاف\" ص ٢٦٥، و\"الدر المصون\" ٥/ ١٦٣، و\"مغني اللبيب\" ٢/ ٥٧٢.\nوكميلًا: أي كامل. والشاهد: الفصل بين ثلاثين وبين تمييزها، وهو حولًا. انظر: \"شرح شواهد المغني\" للسيوطي ٢/ ٩٠٨.\n(٢) ما بين المعقوفين ساقط من (أ).\n(٣) لم أهتد إلى قائله. وهو في \"الكتاب\" ٢/ ١٣٣، و\"الأصول\" ١/ ٢٠٥، و\"المسائل الحلبيات\" ص ٢٥٨، و\"كتاب الشعر\" ١/ ٢٤٠، ٢٧٠، و\"المقرب\" ١/ ١٠٨، =","vol":"8","page":458},{"text":"ألا ترى أنه فصل بين أن واسمها بما يتعلق بخبرها، ولو كان بغير الظرف لم يجز، ألا ترى أنهم لا يجيزون إن زيدًا عمرًا (١) ضارب إذا نصبت زيدًا (٢) بضارب (٣)، فإذا لم يجيزوا الفصل بين المضاف والمضاف إليه بالظرف في الكلام مع اتساعهم في الظرف في الكلام، وإنما يجوز في الشعر، كقوله:\nكَمَا خُطَّ الكِتابُ بِكَفِّ يَوْمًا ... يَهودِي يُقَارِبُ أَوْ يُزيلُ (٤)\nفأن لا يجوز في المفعول به الذي لم يتسع فيه بالفصل أجدر، ووجه ذلك على ضعفه وقلة الاستعمال أنه قد جاء في الشعر [الفصل] (٥) على حد ما قرأه، قال الطرماح:\n_________\n= و\"الدر المصون\" ٥/ ١٦٣، و\"مغني اللبيب\" ٢/ ٦٩٣، وقوله: (فلا تلحني) أي: تلمني. و(جَمّ)، بفتح الجيم وتشديد الميم: كثير. و(بلابله): جمع بلبلة بالفتح، وهي شدة الهم، والوسوسة. والشاهد: رفع مصاب على أنه خبر أن مع إلغاء الجار والمجرور؛ لأنه من صلة الخبر وتمامه. انظر: \"شرح شواهد المغني\" للسيوطي ٢/ ٩٦٩.\n(١) و(٢) في (أ): (عمروا).\n(٣) جاء في النسخ: إذا نصبت عمرًا بضارب، والتصحيح من \"الحجة\" لأبي علي ٣/ ٤١٢.\n(٤) الشاهد لأبي حية النميري في \"الكتاب\" ١/ ١٧٨ - ١٧٩، و\"الإنصاف\" ص ٣٤٩، وبلا نسبة في \"المقتضب\" ٤/ ٣٧٧، و\"الأصول\" ٢/ ٢٢٧، ٣/ ٤٦٧، و\"الخصائص\" ٢/ ٤٠٥، و\"غرائب التفسير\" للكرماني ١/ ٣٨٨، و\"أمالي\" ابن الشجري ٢/ ٥٧٧، و\"تفسير ابن عطية\" ٥/ ٣٦٠، والقرطبي ٧/ ٩٣، و\"البحر المحيط\" ٤/ ٢٢٩، و\"الدر المصون\" ٥/ ١٦٣.\nوالشاهد: (بكف يومًا يهودي) حيث فصل بالظرف بين المضاف والمضاف إليه.\n(٥) لفظ: (الفصل) ساقط من (أ).","vol":"8","page":459},{"text":"يُطِفْنَ بِحُوزِي المَرَاتِعِ لَمْ يُرَعْ (١) ... بِوَادِيهِ مِنْ قرْعِ القِسِيِّ الكَنَائِنِ (٢)\nوأنشد أبو الحسن (٣):\nزَجَّ القلوصِ أبي مزَادَةْ (٤)\n_________\n(١) جاء في (ش): حاشية على البيت. قال: (أي: بفحل منتحى المراتع قد حاز بمرتعه ناحية).\n(٢) الشاهد للطرماح في \"ديوانه\" ص ٤٨٦، و\"تهذيب اللغة\" ١/ ٧٠٠ (حاز)، و\"تفسير ابن عطية\" ٥/ ٣٦١، و\"اللسان\" ٢/ ١٠٤٦ (حوز)، و\"البحر المحيط\" ٤/ ٢٢٩، ٢٣٠، و\"الدر المصون\" ٥/ ٣٦٤، وبلا نسبة في: \"الحجة\" لأبي علي ٣/ ١٢٣، و\"الخصائص\" ٢/ ٤٠٦، و\"الإنصاف\" ص ٣٤٧.\nوالشاعر يصف بقر الوحش، وقوله: (بحوزي)، الحوزي: المتوحد: وهو الفحل منها، وهو من حزت الشيء إذا جمعته أو نحيته والمراتع: موضع الرتع. ولم يرع، أي: لم يخف. والقرع: الضرب. والقسي: جمع قوس. والكنائن: جمع كنانة: جراب يوضع فيه السهام. انظر: \"تهذيب اللغة\" ١/ ٧٠٠ (حاز)، و\"حاشية الإنصاف\".\nوالشاهد: الفصل بين المصدر المضاف (قرع)، وفاعله المضاف إليه. (الكنائن) بالمفعول به للمصدر وهو (القسي).\n(٣) أبو الحسن الأخفش الأوسط: إمام لغوي، تقدمت ترجمته.\n(٤) الشاهد لم أهتد إلى قائله. وصدره:\nفَزَجَجْتُها بِمزَجَّةٍ ......\nوفي رواية: (فزججتها متمكنًا) وهو في: \"الكتاب\" ١/ ١٧٦، و\"معاني الفراء\" ١/ ٣٥٨، و\"تفسير الطبري\" ٨/ ٤٤، و\"الخصائص\" ٢/ ٤٠٦، و\"المدخل\" للحدادي ص ٣٢١، و\"الكشاف\" ٢/ ٥٤، و\"تفسير ابن عطية\" ٥/ ٣٦١، و\"الإنصاف\" ص ٣٤٧، و\"البيان\" ١/ ٣٤٢، و\"تفسير الرازي\" ١٣/ ٢٠٦ و\"الفريد\" ٢/ ٢٣٣، و\"المقرب\" ١/ ٥٤، و\"القرطبي\" ٧/ ٩٢، و\"البحر المحيط\" ٤/ ٢٢٩، و\"الدر المصون\" ٥/ ١٦٦ - ١٧٠، وقوله: (فزججتها) الضمير للراحلة.\nوالزج: الدفع بالرمح. والقلوص: الناقة الفتية. وأبو مزادة؛ كنية رجل.","vol":"8","page":460},{"text":"وهذان البيتان مثل قراءة ابن عامر، ألا ترى أنه فصل فيهما بين المصدرين والمضاف إليهما بالمفعول به، كما فصل ابن عامر بين المصدر وما حكمه أن يكون مضافًا إليه، وأضيف القتل في هذه القراءة إلى الشركاء وإن لم يتولوا ذلك؛ لأنهم هم الذين زينوا ذلك ودعوا إليه فكأنهم فعلوا ذلك) (١).\nوقوله تعالى: ﴿لِيُرْدُوهُمْ﴾. قال ابن عباس: (يريد: في النار) (٢)، والإرداء في اللغة: الإهلاك (٣) وفي القرآن: ﴿إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ [الصافات: ٥٦].\n_________\n= والشاهد: الفصل بين المضاف زج والمفاف إليه: أبي مزادة بالمفعول، وهو القلوص. انظر: \"حاشية تفسير الطبري\" ١٢/ ١٣٨ ط. شاكر.\n(١) \"الحجة\" لأبي علي ٣/ ٤٠٩ - ٤١٤، وانظر: \"إعراب النحاس\" ١/ ٥٨٢، و\"معاني القراءات\" ١/ ٣٨٨، و\"إعراب القراءات\" ١/ ١٧١، و\"الحجة\" لابن خالويه ص ١٥٠، ولابن زنجلة ص ٢٧٣، و\"الكشف\" ١/ ٤٥٣، و\"المشكل\" ١/ ٢٦٩. وقد ذكر قول أبي علي الفارسي وغيره، السمين في \"الدر\" ٥/ ١٦٦، وقال: (وهذه الأقوال التي ذكرتها جميعًا لا ينبغي أن يتلفت إليها؛ لأنها طعن في المتواتر، وإن كانت صادرة عن أئمة أكابر، وأيضًا فقد انتصر لها من يقابلهم، وأورد من \"لسان العرب\" نظمه ونثره ما يشهد لصحة هذه القراءة لغة). اهـ. ثم ذكر عدة أقوال وشواهد عن كبار الأئمة في جواز الفصل بين المضاف والمضاف إليه إذا كان الفاصل معمولًا للمضاف المصدر. وهذا هو الحق؛ لأنها قراءة متواترة، والقراءة سنة متبعة تؤخذ بالنقل والسماع لا بالاجتهاد، فينبغي تصحيح قواعد العربية بالقراءة ولا يلتفت إلى الاعتراض عليها.\n(٢) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ١٢٦، والرازي ١٣/ ٢٠٦، والخازن ٢/ ١٨٨.\n(٣) الرَّدَى، بالفتح: الهلاك. انظر: \"الجمهرة\" ٢/ ١٠٥٧، و\"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٣٨٧، و\"الصحاح\" ٦/ ٢٣٥٥، \"المجمل\" ٢/ ٤٢٨، و\"المفردات\" ص ٣٥١، و\"اللسان\" ٣/ ١٦٣١ (ردى).","vol":"8","page":461},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ﴾. قال ابن عباس: (يدخلوا عليهم الشك في دينهم) (١)، وقال الكلبي: (ليخلطوا ويشبهوا، وكانوا على دين إسماعيل فرجعوا عنه) (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَ(٣) لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ﴾ أخبر أن جميع ما فعله المشركون كان ذلك بمشيئة الله إذ لو لم يشأ ما فعلوا (٤).\nوقوله تعالى: ﴿فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾. قال ابن عباس: (يريد: وما يقولون أن لله شريكًا) (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1099>١٣٨ </span>- قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ﴾ معنى الحجر في اللغة: الحرام، وأصله (٦) من المنع، ومنه سمّي العقل حجرًا لمنعه عن القبائح، وفلان في حجر القاضي أي: منعه (٧)، قال أبو إسحاق: (المعنى:\n_________\n(١) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ١٢٦، والبغوي في \"تفسيره\" ٣/ ١٩٣، وابن الجوزي ٣/ ١٣١، والخازن ٢/ ١٨٨.\n(٢) \"تنوير المقباس\" ٢/ ٦٤، وظاهر سياق الواحدي في \"الوسيط\" والبغوي وابن الجوزي والخازن في تفاسيرهم أنه من قول ابن عباس. وانظر: \"الحجة\" لأبي علي ٣/ ٢٨٠.\n(٣) لفظ: (الواو) ساقط من (أ).\n(٤) انظر: \"تفسير السمرقندي\" ١/ ٥١٦، والرازي ١٣/ ٢٠٦، والقرطبي ٧/ ٩٤.\n(٥) انظر: \"تنوير المقباس\" ٢/ ٦٥.\n(٦) الحجر بكسر الحاء وضمها، وسكون الجيم: الحرام. انظر: \"العين\" ٣/ ٧٤، و\"الجمهرة\" ١/ ٤٣٦، و\"تهذيب اللغة\" ١/ ٧٤٧، و\"الصحاح\" ٢/ ٦٢٣ و\"المجمل\" ١/ ٢٦٤، و\"المفردات\" ص ٢٢٠، و\"اللسان\" ٢/ ٧٨٢ (حجر).\n(٧) انظر: \"مجاز القرآن\" ١/ ٢٠٧، و\"معاني الأخفش\" ٢/ ٢٨٧ - ٢٨٨، و\"غريب القرآن\" لليزيدي ص ١٤٣، و\"تفسير غريب القرآن\" ص ١٧١، و\"تفسير الطبري\" ٨/ ٤٦ و\"تفسير المشكل\" ص٨٠، و\"تفسير الرازي\" ١٣/ ٢٠٧، والقرطبي ٧/ ٩٤.","vol":"8","page":462},{"text":"أنهم حرموا أنعامًا وحرثًا وجعلوه لأصنامهم فقالوا: ﴿لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ﴾، فأعلم الله ﷿ أن هذا التحريم زعم منهم، لا حجة لهم فيه، ولا برهان) (١).\n﴿وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا﴾ قال ابن عباس: (يريد: مما سيبوا لآلهتهم) (٢).\nقال الزجاج: (وهي نحو ما وصفنا من البحيرة والسائبة والحامي الذي قد حمي ظهره أن يركب) (٣).\n﴿وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا﴾ قال ابن عباس: (يريد: يقتلونها لآلهتهم، إما يقذفونها (٤)، وإما يخنقونها بالوتر) (٥).\nوقال الزجاج: (يذبحونها لأصنامهم ولا يذكرون اسم الله عليها، فأعلم الله ﷿ أن ذلك افتراء (٦)، فقال: ﴿افْتِرَاءً عَلَيْهِ﴾ أي: يفعلون ذلك افتراء، وهذا يسميه سيبويه مفعول له (٧)، أي: لا يذكرون اسم الله عليها للافتراء على الله، وهو أنهم زعموا أن الله أمرهم بذلك، قال الزجاج:\n_________\n(١) ذكره ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٣/ ١٣٢، ولم أقف عليه في \"معاني الزجاج\".\n(٢) لم أقف عليه، وهو ظاهر كلام القرطبي في \"تفسيره\" ٧/ ٩٥.\n(٣) الذي عند الزجاج في \"معانيه\" ٢/ ٢٩٤ تعريف الحامي فقط.\n(٤) في (أ): (يقذوفها)، وهو تحريف.\n(٥) لم أقف عليه.\n(٦) في (ش): (أن ذلك افتراء عليه، أي: يفعلون ذلك افتراء)، وهو قريب من نص الزجاج.\n(٧) أي مفعول لأجله. انظر: \"الكتاب\" ١/ ٣٦٧، وقال النحاس في \"إعراب القرآن\" ١/ ٥٨٤: (افتراء) مفعول من أجله ومصدر. اهـ. وانظر: \"المشكل\" ١/ ٢٧٢، و\"غرائب التفسير\" ١/ ٣٨٩، و\"التبيان\" ص٣٦٠، و\"الفريد\" ٢/ ٢٣٦، و\"الدر المصون\" ٥/ ١٨٢.","vol":"8","page":463},{"text":"وحقيقته أن قوله تعالى: ﴿لَا يَذْكُرُونَ﴾ بمعنى: يفترون، كأنه قال: يفترون افتراء) (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1100>١٣٩ </span>- قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا﴾. قال ابن عباس (٢) والشعبي (٣) وقتادة (٤): (يعني: ألبان البحائر، كانت للذكور دون النساء، فإذا ماتت اشترك في لحمها ذكورهم وإناثهم).\nوقال غيرهم من المفسرين (٥): (يعني: أجنة البحائرِ والسوائب، ما ولد منها حيًّا فهو خالص للرجال دون النساء، وما ولد ميتًا أكله الرجال والنساء).\nوقوله تعالى: ﴿خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا﴾ ذكر ابن الأنباري: في تأنيث خالصة ثلاثة أقوال: قولين للفراء، وقولًا للكسائي:\n_________\n(١) انظر: \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٩٤، و\"معاني النحاس\" ٢/ ٤٩٦ - ٤٩٧.\n(٢) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ٤٧، ٤٨، وابن أبي حاتم ٥/ ١٣٩٥، بسند جيد، وذكره السيوطي في \"الدر\" ٣/ ٩٠ - ٩١.\n(٣) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ٤٨ بسند جيد، وذكره الثعلبي في \"الكشف\" ١٨٤ب، وابن عطية في \"تفسيره\".\n(٤) أخرجه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ١/ ٢/ ٢١٩، والطبري ٨/ ٤٨، بسند جيد، وذكره السيوطي في \"الدر\" ٣/ ٩٠.\n(٥) ومنهم مجاهد في \"تفسيره\" ١/ ٢٢٤، وأخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ٤٨ - ٤٩، وابن أبي حاتم ٥/ ١٣٩٥ بسند جيد عن مجاهد والسدي، وذكره السمرقندي في \"تفسيره\" ١/ ٥١٦ عن الكلبي، وذكره البغوي في \"تفسيره\" ٣/ ١٩٤، عن ابن عباس، وقتادة والشعبي، والظاهر هو العموم من الأجنة والألبان، وهو قول مقاتل في \"تفسيره\" ١/ ٥٩٢، والسدي، كما ذكره ابن الجوزي في \"تفسيره\" ٣/ ١٣٢، ورجحه الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ٤٩.","vol":"8","page":464},{"text":"(أحدها: أن الهاء ليست للتأنيث، وإنما هي للمبالغة في الوصف كما قالوا: راوية وعلامة ونسَّابة، والداهية والطاغية، وأنه لمنكر ومنكرة، وكذلك تقول: هو خالصة لي، وخالص لي، وهذا قول الكسائي (١).\nوقال الفراء (٢): (وقد تكون (خالصة) مصدرًا لتأنيثها كما تقول: العاقبة والعافية، وهو مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ﴾ [ص: ٤٦] (٣)، قال أبو بكر: فعلى هذا أنثت الخالصة؛ لأنها أجريت مجرى المصادر التي تكون بلفظ التأنيث إخبارًا عن الأسماء المذكرة كقولهم: عطاؤك عافية، والمطر رحمة، والرخص نعمة، ومعروف عندهم الرجل خالصتي، قال الشاعر (٤):\nكُنتَ أمنيتي وكَنتَ خَالصتي ... وليس كلُّ امرئ بمؤتمنِ\nالقول الثالث (٥): للفراء (أن تأنيث (خالصة) لتأنيث (الأنعام) (٦)، لأن ما في بطونها مثلها، فأنث لتأنيثها) (٧)، وعلى هذا كأنه قيل: وقالوا\n_________\n(١) ذكره النحاس في \"إعراب القرآن\" ١/ ٥٨٤، وفي \"معانيه\" ٢/ ٤٩٨، عن الكسائي، وهو اختيار الأخفش في \"معانيه\" ٢/ ٢٨٨، والطبري في \"تفسيره\" ٨/ ٤٩.\n(٢) هذا هو القول الثاني.\n(٣) \"معاني الفراء\" ١/ ٣٥٩، وهو اختيار الكرماني في \"غرائب التفسير\" ١/ ٣٨٨.\n(٤) لم أهتد إلى قائله، وهو في الكشف للثعلبي ١٨٥ أ، و\"غرائب التفسير\" ١/ ٣٨٨، و\"الدر المصون\" ١/ ١٨٣.\n(٥) جاء في النسخ: (القول الثاني)، وهو تحريف.\n(٦) حصل في (أ) تداخل في الأقوال، فقد جاء قول أبي علي الفارسي بعد قوله: (لتأنيث الأنعام)، وهو تحريف من الناسخ.\n(٧) \"معانى الفراء\" ١/ ٣٥٨.","vol":"8","page":465},{"text":"الأنعام التي في بطون الأنعام ﴿خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا﴾ (١)، وقال الزجاج: (جُعل معنى (ما) التأنيث؛ لأنها في معنى الجماعة كأنهم قالوا: جماعة ﴿مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا﴾ (٢)، وأبين من هذا كله أن يقال: (ما) عبارة عن الألبان أو الأجنة، وإذا كان عبارة عن مؤنث جاز تأنيثه على المعنى، وتذكيره على اللفظ، كما جُعل في هذه الآية فإنه أنث خبره الذي هو (خالصة) لمعناه وذُكر في قوله (ومحرم) على اللفظ (٣)، وهذا قريب مما قاله أبو إسحاق؛ لأنه جعل (ما) بمعنى الجماعة. وذكر أبو علي فيه (٤) قولين: (أحدهما: أن (خالصة) مصدر، ويكون المعنى: ما في بطون هذه الأنعام ذو خلوص. والثاني: أن يكون صفة، وأنث على المعنى لأنه كثرة، والمراد به: الأجنة والمضامين) (٥).\nوقوله تعالى: ﴿وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا﴾ يعني: النساء. قال ابن عباس: (يريدون على نسائنا) (٦).\n_________\n(١) ذكره الرازي في \"تفسيره\" ١٣/ ٢٠٨، عن ابن الأنباري، وذكره بعضه ابن الجوزي في \"تفسيره\" ٣/ ١٣٣، وانظر: \"الدر المصون\" ٥/ ١٨٣.\n(٢) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٩٤ - ٢٩٥، واختاره الأزهري في \"تهذيب اللغة\" ١/ ١٠٨١ (خلص).\n(٣) وهذا القول هو اختيار النحاس في \"إعراب القرآن\" ١/ ٥٨٤، ومكي في \"المشكل\" ١/ ٢٧٢، وابن الأنباري في \"البيان\" ١/ ٣٤٣.\n(٤) \"الحجة\" لأبي علي ٦/ ٧٤، ونحوه قال ابن جني في \"المحتسب\" ١/ ٢٣٢، وانظر: \"أمالي ابن الشجري\" ٣/ ٣١.\n(٥) المضامين، بالفتح وكسر الميم: ما في بطون الحوامل من كل شيء. انظر: \"اللسان\" ٥/ ٢٦١١ (ضمن).\n(٦) \"تنوير المقباس\" ٢/ ٦٥.","vol":"8","page":466},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً﴾. قرأ (١) ابن كثير (يَكُن) بالياء (مَيْتَةٌ) رفعًا.\nقال أبو بكر: (الميتة: أريد بها الميت زيدت عليها الهاء للإبهام، كما قالوا: الدابة فارة، والشاة ذبحته، والأُرْويَّة (٢) عاينته، فيذكّرون إذا (٣) كان الحرف يقع على المذكر والمؤنث، وقراءة ابن كثير (وإن يكن ميتة) فالميتة اسم الكون، وخبر الكون مضمر يراد به: وإن يكن لهم ميتة، أو وإن يكن هناك ميتة، وذكر الفعل لأن الميتة في معنى الميت) (٤).\nوقال أبو علي: (لم يلحق الفعل علامة التأنيث لما كان الفاعل المسند إليه تأنيثه غير حقيقي، ولا يحتاج الكون إلى خبر لأنه بمعنى: وإن وقع ميتة، أو حدث ميتة. وقرأ ابن عامر (وإن تَكُن) بالتاء (مَيْتةٌ) بالرفع، ألحق الفعل علامة التأنيث لما كان الفاعل المسند إليه في اللفظ مؤنثًا، وقرأ عاصم في رواية أبو بكر (وإن تَكُن) بالتاء (مَيْتَةً) بالنصب على تقدير: وإن تكن المذكورة أو المعينة ميتة، فأنث الفعل وإن كان المتقدم مذكرًا؛ لأنه\n_________\n(١) قرأ ابن عامر، وعاصم في رواية (وإن تكن) بالتاء، وقرأ الباقون بالياء، وقرأ ابن عامر وابن كثير (مَيْتَةٌ) بالرفع، وقرأ الباقون بالنصب). انظر: \"السبعة\" ص٢٧٠ - ٢٧١، و\"المبسوط\" ص ١٧٥ - ١٧٦، و\"الغاية\" ص ٢٥٠ - ٢٥١، و\"التذكرة\" ٢/ ٤١٢، و\"التيسير\" ص ١٠٧، و\"النشر\" ٢/ ٢٦٥ - ٢٦٦.\n(٢) الأروية، بضم الهمزة، وسكون الراء، وكسر الواو، وتشديد الياء المفتوحة: الأنثى من الوعول. انظر: \"اللسان\" ٣/ ١٧٨٧ مادة (روى)، وقال ابن الأنباري في \"المذكر والمؤنث\" ١/ ٥٤ (الأروية: شاة الجبل) ا. هـ.\n(٣) في (ش): (إذ كان).\n(٤) لم أقف عليه، وقد ذكره الرازي في \"تفسيره\" ١٣/ ٢٠٨، بدون نسبة. وانظر: \"معاني الفراء\" ١/ ٣٥٨، و\"معاني الأخفش\" ٢/ ٢٨٨، و\"إعراب النحاس\" ١/ ٥٨٥.","vol":"8","page":467},{"text":"حمله على المعنى. وقرأ الباقون بالياء (ميتةً) بالنصب، تأويله: وإن يكن المذكور ميتة، ذكروا الفعل؛ لأنه مسند إلى ضمير ما تقدم في قوله: ﴿مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ﴾ [الأنعام:١٣٩] وهو مذكر، وانتصب الميتة لما كان الفعل مسندًا إلى الضمير) (١).\nوقوله تعالى: ﴿فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ﴾ قال ابن عباس: (يريد: الرجال والنساء) (٢)، وذكرت الكناية في قوله (فِيهِ) لما ذكرنا أن الميتة غير مختصة بالأنثى (٣)؛ لأن المراد بالميتة هاهنا: الحيوان كيف ما كان (٤).\nوقوله تعالى: ﴿سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ﴾ قال (٥): (يريد: سيعذبهم بما وصفوا الله به، وما أحلوا مما حرم الله، وما حرموا مما أحل الله) (٦).\n_________\n(١) \"الحجة\" لأبي علي، ٣/ ٤١٥، بتصرف. وانظر: \"معاني القراءات\" ١/ ٣٩٠ - ٣٩١، و\"إعراب القراءات\" ١/ ١٧١ - ١٧٢، و\"الحجة\" لابن خالويه ص ١٥١، ولابن زنجلة ص ٢٧٤ - ٢٧٥، و\"الكشف\" ١/ ٤٥٤ - ٤٥٥، و\"الدر المصون\" ٥/ ١٨٦.\n(٢) \"تنوير المقباس\" ٢/ ٦٥، وأخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ٥٠، وابن أبي حاتم ٥/ ١٣٩٦ بسند ضعيف من طريق عطية العوفي عن ابن عباس. وذكره السيوطي في \"الدر\" ٣/ ٩١.\n(٣) في (ش): (ولأن) بالواو.\n(٤) انظر: \"الدر المصون\" ٥/ ١٨٦ - ١٨٧.\n(٥) كذا ورد بدون نسبة، والظاهر أن المقصود ابن عباس ﵄، ذكره عنه هود الهواري في \"تفسيره\" ١/ ٥٦٥، وذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ١٢٧ بدون نسبة.\n(٦) قال مجاهد في \"تفسيره\" ١/ ٢٢٥: (يعني: قولهم الكذب في ذلك)، وأخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ٥٠، من عدة طرى جيدة، عن مجاهد وأبي العالية وقتادة، وأخرجه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٥/ ١٣٩٦ عن مجاهد، وقال: (وروي عن أبي العالية وقتادة نحو ذلك) اهـ.","vol":"8","page":468},{"text":"وقال أبو إسحاق: (المعنى -والله أعلم-: سيجزيهم جزاء وصفهم الذي هو كذب) (١).\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ قال ابن عباس: (يريد: أنه أحكم وأعلم من أن يفعل هذا) (٢).\n\n١٤٠ - قوله تعالى: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ﴾، قال ابن عباس (٣) والمفسرون (٤): (يعني: الذين كذبوا يدفنون بناتهم أحياء في الجاهلية). وقوله (٥) تعالى: ﴿سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ (سفهًا) منصوب على معنى اللام، أي: للسفه، مثل: فعلت ذلك حذر الشر، ويجوز أن يكون منصوبًا على تأويل المصدر؛ لأن قتلهم أولادهم سفه، فكأنه قال: قد سفهوا سفهًا، والوجهان ذكرهما الزجاج (٦).\n_________\n(١) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٩٥، وقال النحاس في \"معانيه\" ٢/ ٤٩٩: (التقدير عند النحويين: سيجزيهم جزاء وصفهم الذي هو كذب) اهـ.\n(٢) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ١٢٧، بدون نسبة، وانظر: \"تفسير الطبري\" ٨/ ٥٠.\n(٣) \"تنوير المقباس\" ٢/ ٦٦، وذكره ابن الجوزي في \"تفسيره\" ٣/ ١٣٤، وأخرج البخاري في \"صحيحه\" رقم (٣٥٢٤)، كتاب المناقب، باب قصة زمزم وجهل العرب، عن ابن عباس قال: (إذا سرك أن تعلم جهل العرب فاقرأ ما فوق الثلاثين ومائة في سورة الأنعام ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ اهـ، الآية ١٤٠ - الأنعام.\n(٤) ومنهم مقاتل في \"تفسيره\" ١/ ٥٩٢، والطبري ٨/ ٥١، والنحاس في \"معانيه\" ٢/ ٤٩٩، والسمرقندي في \"تفسيره\" ١/ ٥١٧، وأخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ٥١، من عدة طرق جيدة عن عكرمة والسدي، وقتادة. وانظر: \"الدر المنثور\" ٣/ ٩١.\n(٥) لفظ: (وقوله) ملحق في أعلى السطر من (أ).\n(٦) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٩٥، وانظر: \"إعراب النحاس\" ١/ ٥٨٥، و\"المشكل\" ١/ ٢٧٤، و\"البيان\" ١/ ٣٤٥، و\"التبيان\" ٣٦١، و\"الفريد\" ٢/ ٢٣٨ - ٢٣٩، =","vol":"8","page":469},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ﴾ قال المفسرون (١) (يعني: البحيرة والسائبة والوصيلة والحامي والحرث، حرموها على أنفسهم، وقالوا: إن الله أمرهم بها). ونصب (افتراء) مثل نصب (سفهًا) (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1102>١٤١ </span>- قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ﴾، ذكر الزجاج وجه اتصال هذه الآية بما قبلها فقال: (احتج الله عليهم، ونبه على عظيم ما أتوه في أن أقدموا على الكذب على الله، وشرَّعُوا من الدين ما لم يأذن به فقال: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ﴾، فكأنه قال: افتروا على الله، وهو المحدِث للأشياء، الفاعِل ما لا يقدر أحد على الإتيان بمثله فقال: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ﴾ أي: أبدع) (٣)، يقال: نشأ (٤) الشيء ينشأ نشأً ونشأة ونشاءةً إذا ظهر وارتفع، والله ينشئه إنشاءً، أي (٥): يظهره ويرفعه، ويبتدئ خلقه.\n_________\n= وقال السمين في \"الدر\" ٥/ ١٨٧: \"سفها\" نصب على الحال، أي: ذوي سفهٍ، أو على المفعول من أجله وفيه بعد؛ لأنه ليس علة باعثة، أو على أنه مصدر لفعل مقدر، أي: سفهوا سفها، أو على أنه مصدر على غير الصدر؛ لأن هذا القتل سفه) اهـ.\n(١) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ٥١، وابن أبي حاتم ٥/ ١٣٩٧ بسند جيد، عن قتادة، وانظر: \"تفسير البغوي\" ٣/ ١٩٤، وابن الجوزي ٣/ ١٣٤.\n(٢) انظر: \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٩٦.\n(٣) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٩٦.\n(٤) الإنشاء: إيجاد الشيء وتربيتهِ. والنَّشْءُ والنَّشأةُ: إحداث الشيء وتربيته. يقال: نَشَأ: بالفتح - يَنْشأ نَشأ ونَشْأة ونشَاءة، وفي \"اللسان\" ٧/ ٤٤١٨ مادة (نشأ): (نَشأ يَنْشَأ نَشأ ونُشُوءًا ونَشَاءً ونَشْأةً ونَشَاءَةً: حَيي، وأنشأ الله الخلق، أي: ابتدأ خلقهم) ا. هـ وانظر: \"العين\" ٦/ ٢٨٧، و\"الجمهرة\" ٢/ ١٠٧٦، و\"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٥٦٧، و\"الصحاح\" ١/ ٧٧، و\"المجمل\" ٤/ ٨٦٨، و\"المفردات\" ص ٨٠٧.\n(٥) في (أ): (أن يظهره) ثم صحح أعلى السطر (أي).","vol":"8","page":470},{"text":"قوله تعالى: ﴿جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ﴾ يقال: عَرَّشْتُ (١) الكرم أَعْرِشُه عَرْشًا، وعَرَشْتُه تَعْرِيشًا إذا عطفت العيدان التي تُرسل عليها قُضبان الكَرْم، والواحد عَرْش، والجميع عُروش، ويقال: عَرِيش، وجمعه عُرُشٌ، واعْتَرشَ العِنَبُ العَريشَ اعْتِراشًا إذا عَلاه (٢). قال ابن عباس: (يريد: ما يعرش من الكروم. ﴿وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ﴾ يريد: أن كثيرًا من الأعناب لا يُعرش) هذا قوله في رواية عطاء (٣) وهو قول الضحاك (٤) والفراء (٥): (إن المعروشات وغير المعروشات كلاهما الكرم خاصّة، منه ما عُرش، ومنه ما لا يُعرش).\nوروي عن ابن عباس أيضًا أنه قال: (﴿مَعْرُوشَاتٍ﴾ ما انبسط على وجه الأرض، وانتشر مما يعرش، مثل: الكروم والقرع والبطيخ، ﴿وَغَيْرَ\n_________\n(١) انظر: \"العين\" ١/ ٢٤٩، و\"الجمهرة\" ٢/ ٧٢٨، و\"الصحاح\" ٣/ ١٠٠٩، و\"المجمل\" ٣/ ٦٥٨، و\"المفردات\" ص ٥٥٨، و\"اللسان\" ٥/ ٢٨٨٢ (عرش).\n(٢) النص في \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٣٩٢ (عرش).\n(٣) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ٥٢، رقم ١٣٩٥٨ بسند ضعيف، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس، وهو في \"تفسير عطاء الخراساني\" ص ٨٨، رقم ٢٠٨، وذكره السيوطي في \"الدر\" ٣/ ٩٢، وقال: (أخرجه أبو الشيخ، عن ابن عباس، وأخرج من وجه آخر عن ابن عباس (معروشات) قال: الكرم خاصة) ا. هـ، وعلق البخاري في \"صحيحه\" ٨/ ٢٨٧، في كتاب تفسير القرآن، سورة الأنعام، عن ابن عباس قال: «معروشات) ما يعرش من الكرم وغير ذلك) ا. هـ، وقال الحافظ بن حجر في \"فتح الباري\" ٨/ ٢٨٧، والعيني في \"عمدة القارئ\" ١٥/ ١٤٣: (وصله ابن أبي حاتم من طريق ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس قال: (﴿مَعْرُوشَاتٍ﴾ ما يعرش من الكرم، ﴿وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ﴾ ما لا يعرش) ا. هـ.\n(٤) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ص ١٨٥ أ، والبغوي ٣/ ١٩٥، وابن الجوزي ٣/ ١٣٥.\n(٥) \"معاني القرآن\" ١/ ٣٥٩ وقال الزجاج في \"معانيه\" ٢/ ٢٩٦: (ومعنى المعروشات ههنا: الكروم) اهـ.","vol":"8","page":471},{"text":"مَعْرُوشَاتٍ﴾ ما قام على ساق وبسق (١)، مثل النخل والزرع وسائر الأشجار) (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ﴾ فسر ابن عباس: (الزرع هاهنا بجميع الحبوب التي تقتات، ﴿مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ﴾ قال: يريد بكل شيء منها طعم غير طعم الآخر) (٣)، والأكل كل ما أكل، وهاهنا المراد به: ثمر النخل والزرع، ومضى القول في الأكل عند قوله تعالى: ﴿فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٦٥] وانتصب (مختلفًا) على الحال (٤) أي: أنشأه في حال اختلاف أكله.\n_________\n(١) بَسَق، بالفتح: طال، وارتفع. انظر: \"اللسان\" ١/ ٢٨٤ (بسق)، وجاء الأثر عند البغوي في \"تفسيره\" ٣/ ١٩٥، وفيه (ونسق) بالنون بدل الباء، والنَّسَق: ما كان على طريقة نظام واحد. انظر: \"اللسان\" ١٠/ ٧/ ٤٤١٢ (نسق).\n(٢) ذكره الثعلبي في \"الكشف\" ١٨٥ أ، والقرطبي ٧/ ٩٨، والخازن ٢/ ١٩٠، وأبو حيان في \"البحر\" ٤/ ٢٣٦، وأخرج الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ٥٢، بسند جيد عن ابن عباس قال: (﴿مَعْرُوشَاتٍ﴾ مسموكات)، وفي رواية (﴿مَعْرُوشَاتٍ﴾: ما عرش الناس ﴿وغير معروشات﴾: ما خرج في البر والجبال من الثمرات) اهـ. والظاهر أن المراد بالمعروشات: ما كانت مرفوعة على ما يحملها من دعائم كأشجار العنب وغيرها، وغير المعروشات هي المتروكة على وجه الأرض لم تعرش. وهو اختيار أبي عبيدة في \"مجاز القرآن\" ١/ ٢٠٧، وأبي حيان في \"البحر\" ٤/ ٢٣٦، والدكتور فريد مصطفى سلمان في \"تفسير آيات الأحكام من سورتي الأنعام والأعراف\" ص ٨٥ - ٨٦.\n(٣) ذكره الرازي في \"تفسيره\" ١٣/ ٢١٢، وانظر: \"تفسير الخازن\" ٢/ ١٩٠، و\"البحر المحيط\" ٤/ ٢٣٤.\n(٤) حال مقدرة؛ لأن النخل والزرع وقت خروجهما لا أكل فيه، حتى يقال فيه متفق أو مختلف. انظر: \"إعراب النحاس\" ١/ ٥٨٥، و\"المشكل\" ١/ ٢٧٤، و\"غرائب التفسير\" ١/ ٣٨٩، و\"البيان\" ١/ ٣٤٥، و\"التبيان\" ٣٦١، و\"الفريد\" ٢/ ٢٣٩، و\"الدر المصون\" ٥/ ١٨٧.","vol":"8","page":472},{"text":"فإن قيل: كيف أنشأه في حال اختلاف أكله وهو قد أنشأه من قبل ظهور أكله، وأكله ثمره؟ والجواب: ما ذكره الزجاج وابن الأنباري (١) وهو: (أن الله تعالى قد دل على خلقه جميع الأشياء في غير موضع من كتابه، فكان في ذلك دليل على إنشائه هذين قبل اختلاف أكلهما، ثم دل على أنه هو المنشئ لهما في حال اختلاف طعم الثمار، فلم يجب بهذا أن يكون غير منشئ لهما فيما تقدم).\nقال الزجاج: (ويجوز أن يكون أنشأه ولا أكل فيه، ﴿مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ﴾؛ لأن المعنى: مقدرًا ذلك فيه، كما تقول: لتدخلن منزل زيدٍ آكلين شاربين، والمعنى: أنكم تدخلون مقدّرين ذلك، وسيبويه (٢) مثل هذا بقولهم: مررت برجل معه صقرا صائدًا به غدًا، فنصب صائدًا على الحال، والمعنى: مقدرًا به الصيد) (٣).\nوقال أبو بكر: (ويجوز أن يكون نصب ﴿مُخْتَلِفًا﴾ على القطع من ﴿وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ﴾ لا على الحال، والقطع النعت، فكأنه قال: ﴿وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ﴾ المختلف أكلهما فلما كان (مختلفًا) نكرةً، ﴿وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ﴾ معرفتان، لم تحمل نكرة على إعراب معرفة، فقطعت من لفظهما، أجاز الكسائي والفراء (٤): جاءني زيد أحمر يا هذا، وقالا: أحمر ينتصب على\n_________\n(١) لم أقف عليه عن ابن الأنباري.\n(٢) \"الكتاب\" ٢/ ٥٢.\n(٣) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٩٦.\n(٤) قال الفراء في \"معانيه\" ١/ ١١ - ١٢، في إعراب قوله تعالى: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الآية: ٢البقرة] (في: (هدى) النصب من وجهين: أن تجعل (الكتاب) خبرًا، لذلك فتنصب (هدى) على القطع؛ لأن (هدى) نكرة اتصل بمعرفة قد تم خبرها فنصبتها؛ لأن النكرة لا تكون دليلًا على معرفة، وإن شئت نصت (هدى) على =","vol":"8","page":473},{"text":"القطع من زيد على أنه نعتٌ في الأصل، ودال على صاحبه، فإن نصبت على الحال استحالت المسألة، إذ كانت العمرة في الرجل لا تنتقل كما ينتقل الركوب والقيام والجلوس، فالذي ينصبُ (مختلفًا) على القطع يقول: معناه النعت.\nقال: وأما توحيده الهاء (١) العائدة على ﴿وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ﴾ فلأنه اكتفي بإعادة الذكر على أحدهما من إعادته عليهما جميعًا كقوله ﷿: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا﴾ [الجمعة: ١١] والمعنى: إليهما. وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ (٢) [التوبة: ٦٢] ويجوز أن تكون الهاء مخصوصًا بها النخل؛ لأن أهل التفسير (٣) قالوا في قوله: ﴿مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ﴾ أي: منه الحامض والمر والحلو والجيد والرديء، وكل هذا من نعت ضروب التمر) (٤).\n_________\n= القطع، الحال من الهاء التي في (فيه)، كأنك قلت: لا شك فيه هاديا) ا. هـ. وانظر: \"معاني الفراء\" ١/ ٣٥٨، وقال السمين في \"الدر\" ٥/ ١٨٩، قال ابن الأنباري: (إن (مختلفًا) نصب على القطع، فكأنه قال: والنخل والزرع المختلف أكلهما، وهذا رأي الكوفيين) ا. هـ.\n(١) الضمير في (أكله) يعود على الزرع؛ لأنه أقرب مذكور ولقرينة الحصد، أو يعود على جميع ما سبق؛ لأن التعميم أولى، والمعنى: مختلف ما يخرج منه مما يؤكل من الثمر والحب.\nوهو اختيار الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ٥٢، وانظر: \"البحر المحيط\" ٤/ ٢٣٦ و\"الدر المصون\" ٥/ ١٨٨.\n(٢) جاء في النسخ (أن ترضوه) بالتاء، وهو خطأ واضح.\n(٣) انظر: \"تفسير البغوي\" ٣/ ١٩٥، ولم أقف على من خصه بالنخل.\n(٤) لم أقف عليه عن ابن الأنباري.","vol":"8","page":474},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ﴾. قال أبو بكر: وهو قول غيره من المفسرين (١): (إن ورق الزيتون يشبه ورق الرمان في الشيوع، وفي أن ورقه يشتمل على الغصن ويستره من أوله إلى آخره، فأحدهما متشابه بالآخر في ورقه غير متشابه في ثمره؛ لأن طعم الزيتون غير طعم الرمان، ويجوز أن يكون التشابه وغير التشابه في كل واحد من الزيتون والرمان، وذلك أن الرمان يشبه بعضه بعضًا في اللون والخِلقة، ثم يختلف الطعم فمنه حلو، ومنه حامض، وكذلك الزيتون)، وهذا قول الفراء (٢)، وقد مر القول في هذا.\nوقوله تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ﴾: أمر إباحة (٣)، ومضى الكلام في الثَّمَر (٤) والثُّمُر.\nوقوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾، قال الأزهري (٥): (يريد -والله أعلم-: يوم حَصْدِه).\n_________\n(١) ومنهم ابن جريج، فقد أخرج الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ٥٢، بسند جيد عنه قال: (متشابهًا في المنظر، وغير متشابه في الطعم) ا. هـ.\nوانظر: \"تفسير مقاتل\" ١/ ٥٩٣، والسمرقندي ١/ ٥١٨، وابن الجوزي ٣/ ٩٤.\n(٢) \"معاني الفراء\" ١/ ٣٥٩، والآية عامة، أي: متشابه في المنظر ومختلف في الطعم، كالنخل متعدد الأنواع والطعم، والرمان منه الحلو والحامض، أو متشابه في الطعم ومختلف في المنظر، والأول أدل على كمال قدرة الله ﷾ وإبداع مخلوقاته.\nانظر: \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٩٧، و\"معاني النحاس\" ٢/ ٥٠٠.\n(٣) انظر: \"تفسير البغوي\" ٣/ ١٩٥، وابن عطية ٥/ ٣٧٠.\n(٤) انظر: \"البسيط\" تفسير سورة البقرة: ٢٦٧.\n(٥) \"تهذيب اللغة\" ٢/ ٨٩٤ (حصد).","vol":"8","page":475},{"text":"وقال جميع أهل اللغة: (١) (يقال: حِصَاد وحَصَاد وجِزاز وجَزاز وقِطاف وقَطاف وجِداد وجَداد) (٢) قال سيبويه: (جاؤوا بالمصادر حين أرادوا انتهاء الزمان على مثال فِعَال، وربما قالوا فيه: فَعال) (٣).\nواختلفوا في معنى قوله: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ أي حقٍّ هو؟ فقال ابن عباس في رواية عطاء (٤): (يعني: زكاته، يريد به: العشر ونصف العشر مما سقى بالسواني). وهذا قول طاووس (٥) والحسن (٦) وسعيد بن\n_________\n(١) انظر: \"العين\" ٣/ ١٢٢، و\"الجمهرة\" ١/ ٥٠٣، و\"الصحاح\" ٢/ ٤٦٥، و\"المجمل\" ١/ ٢٣٨، و\"المفردات\" ص ٢٣٨، و\"اللسان\" ٢/ ٨٩٤ مادة (حصد).\n(٢) لفظ: (وجداد الثانية) ساقطة من (ش): والمراد أن الجميع يقال بفتح أوله وكسره، ومعنى الحصاد والجزاز والقطاف والجداد: هو قطع الثمر ووقت قطعه. انظر: \"اللسان\" ١/ ٥٦٣ مادة (جدد)، ٢/ ٨٥٦ (جزز) ٩/ ٣٦٨٠ (قطف).\n(٣) \"الكتاب\" ٤/ ١٢، وانظر: \"الحجة\" لأبي علي ٣/ ٤١٦، و\"اللسان\" ١/ ٥٦٣ مادة (جدد).\n(٤) ذكره الرازي في \"تفسيره\" ١٣/ ٢١٣، عن عطاء عن ابن عباس، وأخرج الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ٥٣، وابن أبي حاتم ٥/ ١٣٩٨، والبيهقي في \"سننه\" ٤/ ١٣٢، وابن الجوزي في \"نواسخ القرآن\" ص ٣٣٢، من عدة طرق جيدة عن ابن عباس قال: (العشر ونصف العشر)، وأخرج أبو عبيد في \"ناسخه\" ص ٣١، والطبري في \"تفسيره\" ٨/ ٥٤، بسند جيد عن ابن عباس قال: (حقه زكاته المفروضة يوم يكال أو يعلم كيله) اهـ.\n(٥) أخرجه عبد الرزاق في \"المصنف\" ٤/ ١٤٥، وفي \"التفسير\" ١/ ٢/ ٢١٩، والطبري في \"تفسيره\" ٨/ ٥٤، والبيهقي في \"سننه\" ٤/ ١٣٢، وابن الجوزي في \"نواسخ القرآن\" ص ٣٣٢، من عدة طرق جيدة.\n(٦) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ٥٣، والنحاس في \"ناسخه\" ٢/ ٣٢٥، وابن الجوزي في \"نواسخ القرآن\" ص ٣٣٢، من عدة طرق جيدة، وأخرج أبو عبيد في \"ناسخه\" ص ٣١، والطبري في \"تفسيره\" من عدة طرق جيدة عن الحسن قال: (هي الصداقة من الحب والثمار) اهـ.","vol":"8","page":476},{"text":"المسيب (١) والضحاك (٢) وابن زيد (٣) وجماعة (٤).\nفإن قيل: على هذا كيف يؤدي الزكاة يوم الحصاد والحب في السنبل؟\nفالجواب: أن معناه قدروا إخراج الواجب منه، فإن وقت الحصاد قريب من زمان التنقية الذي هو وقت وجوب الإخراج هذا في الزرع، فأما في النخل فلا اختلاف بين المسلمين أن ثمارها إذا حصدت وجب إخراج ما يجب فيها من الصدقة. وقوله: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ ظاهر في ﴿وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ﴾ محمول عليه في وجوب الإخراج منه، إلا أنه لا يمكن ذلك عند الحصاد فيؤخر إلى زمان التنقية (٥).\nوقال بعضهم: (هذا حق في المال سوى الزكاة، أمر الله تعالى به تأديبًا وحضًا على البر، فإن فعل فحسن، وإن لم يفعل فلا شيء على تاركه، وليس بأمرٍ حتمٍ).\n_________\n(١) أخرجه عبد الرزاق في \"المصنف\" ٤/ ١٤٥، والطبري في \"تفسيره\" ٨/ ٥٤ بسند ضعيف.\n(٢) أخرجه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" ٢/ ٤٠٨ (١٠٨٤)، والطبري في \"تفسيره\" ٨/ ٥٤ بسند ضعيف.\n(٣) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ٥٤ بسند جيد.\n(٤) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ٥٣، ٥٤، من عدة طرق عن أنس بن مالك، وجابر ابن زيد، ومحمد بن الحنفية، وقتادة، وزيد بن أسلم. وزاد النحاس في \"ناسخه\"، ٢/ ٣٢٥ نسبته إلى مالك، وعطاء الخراساني. وزاد هود الهواري في \"تفسيره\" ١/ ٥٦٦ نسبته إلى سعيد بن جبير، وزاد ابن كثير في \"تفسيره\" ٢/ ٢٠٣، ابن جريج. وقال الماوردي في \"تفسيره\" ٢/ ١٧٨: (قال الجمهور: هي الصدقة المفروضة فيه العشر فيما سقي بغير آلة، ونصف العشر فيما سقي بآلة) ا. هـ.\n(٥) انظر: \"زاد المسير\" ٣/ ١٣٥ - ١٣٦.","vol":"8","page":477},{"text":"وهذا قول عطاء (١) وحماد (٢) والحكم (٣) (٤) ومجاهد، وإبراهيم، والربيع، قال مجاهد: (إذا حصدت فحضرك المساكين فاطرح لهم منه، وإذا دسته وذريته فاطرح لهم منه، وإذا كدسته فاطرح لهم منه، فإذا عرفت كيله فاعزل زكاته) (٥). وقال إبراهيم (٦): (هو الضِّغْث) (٧). وقال الربيع (٨):\n_________\n(١) أخرجه عبد الرزاق في \"المصنف\" ٤/ ١٤٣، والطبري في \"تفسيره\" ٨/ ٥٩، وابن أبي حاتم ٥/ ١٣٩٨، والبيهقي في \"سننه\" ٤/ ١٣٢، وابن الجوزي في \"نواسخ القرآن\" ص ٣٣٣ - ٣٣٤، من عدة طرق جيدة.\n(٢) أثر حماد بن زيد الأزدي، أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ٥٩، وابن أبي حاتم ٥/ ١٣٩٨ بسند جيد، وذكره الثعلبي في الكشف ١٨٥ أ، والبغوي في \"تفسيره\" ٣/ ١٩٥.\n(٣) الحكم بن عُتَيبَة الكندي، أبو محمد الكوفي، إمام عابد، ثقة، ثبت، فقيه، من كبار أصحاب إبراهيم النخعي، توفي سنة ١١٣ هـ أبو بعدها، وله نيف وستون سنة. انظر: \"الطبقات الكبرى\" ٦/ ٣٣١، و\"الجرح والتعديل\" ٣/ ١٢٣، و\"سير أعلام النبلاء\" ٥/ ٢٠٨، و\"تذكرة الحفاظ\" ١/ ١١٧، و\"تهذيب التهذيب\" ١/ ٤٦٦، و\"تقريب التهذيب\" (١٤٥٣).\n(٤) ذكره الثعلبي في \"الكشف\" ١٨٥ أ، والبغوي في \"تفسيره\" ٣/ ١٩٥.\n(٥) \"تفسير مجاهد\" ١/ ٢٢٥، وأخرجه سفيان الثوري في \"تفسيره\" ص ١٥٩، وعبد الرزاق ١/ ٢/ ٢١٩، وفي \"المصنف\" ٤/ ١٤٤ - ١٤٥، وأبو عبيد في \"ناسخه\" ص ٣١ - ٣٢، وابن أبي شيبة في \"المصنف\" ٢/ ٤٠٨ (١٠٤٧٧)، والطبري في \"تفسيره\" ٨/ ٥٦، ٥٧، وابن أبي حاتم ٥/ ١٣٩٨، والبيهقي في \"سننه\" ٤/ ١٣٢، وابن الجوزي في \"نواسخ القرآن\" ص ٣٣٣، من عدة طرق جيدة، وبألفاظ مختلفة.\n(٦) الأثر عن إبراهيم النخعي، أخرجه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" ٢/ ٤٠٨ (١٠٤٨١)، والطبري في \"تفسيره\" ٨/ ٥٦، من عدة طرق جيدة.\n(٧) الضِّغث، بكسر فسكون: ملء اليد من النبات المختلط. انظر: \"اللسان\" ٥/ ٢٥٩١ مادة (ضغث).\n(٨) الأثر عن الربيع بن أنس، أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ٥٧، بسند لا بأس به.","vol":"8","page":478},{"text":"(لقاط السنبل) (١). وفي الآية قول ثالث، وهو: إن هذا كان قبل وجوب الزكاة فلما فرضت الزكاة نسخ هذا، وهو (٢) قول سعيد بن جبير (٣) وعطية (٤) والسدي، قال السدي: (نسخها العشر ونصف العشر) (٥).\nوقال مقسم عن ابن عباس: (نسخت الزكاة كل نفقة في القرآن) (٦)، والقول هو الأول (٧).\n_________\n(١) لَقَاط السُّنْبُل، بضم اللام وبفتحها: ما يلتقطه الناس من نُثارة الثمر، والذي تخطته المنَاجِل فيلتقطه الناس. انظر: \"اللسان\" ٧/ ٤٠٦١ مادة (لقط).\n(٢) في (أ): (وهذا).\n(٣) أخرجه أبو عبيد في \"ناسخه\" ص ٣٢، والطبري في \"تفسيره\" ٨/ ٥٨، والنحاس في \"ناسخه\" ٢/ ٣٢٢، والبيهقي في \"سننه\" من عدة طرق جيدة.\n(٤) الأثر عن عطية العوفي. أخرجه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" ٢/ ٤٠٨ (١٠٤٨٥)، والطبري في \"تفسيره\" ٨/ ٥٩، وابن أبي حاتم ٥/ ١٣٩٨، وابن الجوزي في \"نواسخ القرآن\" ص ٣٣٤، بسند جيد.\n(٥) أخرجه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" ٢/ ٤٠٨ (١٠٤٨٠)، والطبري في \"تفسيره\" ٨/ ٥٨، ٥٩، من عدة طرق جيدة.\n(٦) أخرجه أبو عبيد في \"ناسخه\" ٣٣، بسند جيد، وأخرج ابن أبي شيبة في \"المصنف\" ٢/ ٤٠٨ (١٠٤٨٦)، والطبري في \"تفسيره\" ٨/ ٥٨، والنحاس في \"ناسخه\" ٢/ ٣٢٣ بسند جيد عن ابن عباس قال: (نسخها العشر ونصف العشر) ا. هـ وقد أخرج ابن أبي شيبة في \"المصنف\"، والطبري في \"تفسيره\" القول بالنسخ عن جماعة من السلف ﵃، ويحمل هذا على أن مفهوم النسخ عندهم أوسع كما بينا.\n(٧) الظاهر -وهو قول الجمهور- أن الآية محكمة، وقد رجح هذا أبو عبيد في \"ناسخه\" ص ٣٣ - ٣٧، ومكي في \"الإيضاح\" ص ٢٤٤ - ٢٤٧، وابن العربي في \"ناسخه\" ٢/ ٢١٧، وابن عطية في \"تفسيره\" ٥/ ٣٧١، والرازي ١٣/ ٢١٣، ومصطفي زيد في \"ناسخه\" ٢/ ٧٢ - ٧٣، وغيرهم؛ لأنه لا تنافي بينهما وبين عامة آيات الزكاة، ولا بينها وبين ما جاء في السنة من تحديد أنصبة الزكاة ومقاديرها، =","vol":"8","page":479},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُسْرِفُوا﴾ قال أبو العباس (١) عن ابن الآعرابي: (السَّرَف تجاوز ما حُدّ لك) (٢).\nوقال شَمِر: (سَرَف الماء ما ذهب منه في غير سقى ولا نفع قال: أرْوَت البئر النخيل وذهب بقيّة الماء سَرَفًا) (٣)، فإن أخذت الإسراف مما قاله ابن الأعرابي فهو: مجاوزة الحد، وإن أخذت من قول شمر فهو: الإنفاق فيما لا يجدي عليك (٤).\n_________\n= إذ أصل الزكاة شرع في أول الإسلام بدون تحديد، وفي المدينة المنورة حددت بمقاديرها المفروضة. قال ابن العربي في \"أحكام القرآن\" ٢/ ٧٦١: (قد قال مالك: إن المراد به: الزكاة المفروضة، وتحقيقه في نكتة بديعة، وهي أن القول في أنها مكية أو مدنية يطول، فهبكم أنها مكية إن الله أوجب الزكاة بها إيجابًا مجملًا، فتعين فرض اعتقادها ووقف العمل بها على بيان الجنس والقدر والوقت، فلم تكن بمكة حتى تمهد الإِسلام بالمدينة فوقع البيان، فتعين الامتثال، وهذا لا يفقهه إلا العلماء بالأصول) ا. هـ وقد نقل الزجاج في \"معانيه\" ٢/ ٢٩٧ عن قوم إنها مدنية، وقال الحافظ ابن كثير في \"تفسيره\" ٢/ ٢٠٦: (اختار ابن جريج النسخ، وفي تسمية هذا نسخًا نظر؛ لأنه قد كان شيئًا واجبًا في الأصل ثم إنه فصل بيانه وبُين مقدار المخرج وكميته، قالوا: وكان هذا في السنة الثانية من الهجرة، فالله أعلم) ا. هـ، وانظر: \"معاني الفراء\" ١/ ٣٥٩، و\"معاني النحاس\" ٢/ ٥٠٠، و\"البحر المحيط\" ٤/ ٢٣٧.\n(١) أبو العباس: هو ثعلب أحمد بن يحيى، إمام تقدمت ترجمته.\n(٢) \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٦٧٥ - ١٦٧٦.\n(٣) الإسراف -في اللغة-: ضد القصد والإغفال والجهل والخطأ. وأصله مجاوزة الحد في كل فعل، وهو في الإنفاق أشهر، والإسراف في النفقة التبذير، وأما السرف الذي نهى الله تعالى عنه فهو: ما أنفق في غير طاعة الله قليلًا كان أو كثيرًا.\nانظر: \"العين\" ٧/ ٢٤٤، و\"الجمهرة\" ٢/ ٧١٦، و\"الصحاح\" ٤/ ١٣٧٣، و\"مجمل اللغة\" ٢/ ٤٩٣، و\"المفردات\" ص ٤٠٧، و\"اللسان\" ٤/ ١٩٩٦ (سرف).\n(٤) انظر: \"تفسير الماوردي\" ٢/ ١٧٨ - ١٧٩، وابن الجوزي ٣/ ١٣٦.","vol":"8","page":480},{"text":"وقد فُسر الإسراف بالوجهين (١) في هذه الآية.\nوقال ابن عباس: كان رجال يتبرعون عند الصرام، فيقول الرجل: لا أمنع سائلا حتى أمسي، فعمد ثابت بن قيس بن شماس إلى خمسمائة نخلة فجدها ثم قسمها في يومٍ واحدٍ، ولم يدخل منها إلى منزله شيئًا، فأنزل الله ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا﴾ أي: لا تعطوا كله (٢).\nوهذا قول السدي (٣) ويمانٍ والفراء (٤)، وحكاه الزجاج أيضًا وقال (٥): (فيكون على هذا التأويل، أن الإنسان إذا أعطى كل ماله، ولم يوصل إلى عياله شيئًا فقد أسرف؛ لأنه جاء في الخبر (ابدأ بمن تعول) (٦»، فهذا مجاوزة حد الإعطاء.\n_________\n(١) ذكره أكثرهم. انظر: السمرقندي ١/ ٥١٩، و\"الوسيط\" ١/ ١٢٩، والبغوي ٣/ ١٩٥، وابن الجوزي ٣/ ١٣٦، والقرطبي ٧/ ١١٠، والخازن ٢/ ١٩١، و\"تنوير المقباس\" ٢/ ٦٨، وأخرجه الطبري ٨/ ٦١ بسند جيد عن ابن جريج، وذكره السيوطي في \"الدر\" ٣/ ٩٣، وأخرج عبد الرزاق في \"المصنف\" ٤/ ١٤٥، وابن أبي حاتم ٥/ ١٣٩٩ بسند جيد، عن ابن جريج قال: (جَدَّ معاذ بن جبل -﵁- نخله، فلم يزل يتصدق حتى لم يبق منها شيء، فنزلت الآية) ا. هـ، وهذا مرسل، والأول أشهر، لكنه ضعيف؛ لأن أكثرهم قد صرح أنه من رواية الكلبي.\n(٢) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ٦١، وابن أبي حاتم ٥/ ١٣٩٩ بسند جيد، عن السدي قال: (لا تعطوا أموالكم فتغدوا فقراء).\n(٣) ذكره الثعلبي ص ١٨٥ بلفظ: (لا تبذروا تبذيرًا) ا. هـ.\n(٤) \"معاني الفراء\" ١/ ٣٥٩.\n(٥) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٩٧.\n(٦) حديث متفق عليه. أخرجه البخاري في \"صحيحه\" (١٤٢٧)، كتاب الزكاة، باب لا صدقة إلا عن ظهر غنى، ومسلم (١٠٣٤)، كتاب الزكاة، حديث ١٠٣٤ - ١٠٣٦، عن حكيم بن حزام ﵁، عن النبي - ﷺ - قال: \"أفضل الصدقة أو خير =","vol":"8","page":481},{"text":"وقال سعيد بن المسيب: (معناه: لا تمنعوا الصدقة) (١)، وهذا يتوجه على أن تأويله: لا تتجاوزوا الحد في البخل والإمساك حتى تمنعوا الواجب من الصدقة، وهذا ضد القول الأول، ولكنهما راجعان إلى معنى مجاوزة الحد، فالأول: مجاوزة في الإعطاء. والثاني: مجاوزة في البخل.\nوقال مقاتل (٢) وعطية: (معناه: لا تشركوا الأصنام في الحرث والأنعام) (٣)، وهذا أيضًا من باب المجاوزة؛ لأن من أشرك الأصنام في الحرث والأنعام فقد جاوز ما حُدّ له. وروى عطاء، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ (لا تجعلوا لله شريكًا، إنه لا يحب من جعل له شريكًا) (٤)، وهذا أيضًا من مجاوزة الحد.\nوقال إياس بن معاوية (٥): (ما جاوزت به أمر الله فهو سرف\n_________\n= الصدقة عن ظهر غنى، واليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول\" ا. هـ لفظ مسلم، وأخرج البخاري أيضًا عن أبي هريرة، ومسلم عن أبي أمامة، نحوه.\n(١) أخرجه عبد الرزاق في \"المصنف\" ٤/ ١٤٥، والطبري في \"تفسيره\" ٨/ ٦١، وابن أبي حاتم ٥/ ١٣٩٩ بسند ضعيف.\n(٢) \"تفسيرمقاتل\" ١/ ٥٩٣.\n(٣) ذكره الثعلبي في \"الكشف\" ١٨٥ أ، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٣/ ١٣٦، عن عطية العوفي.\n(٤) \"تنوير المقباس\" ٢/ ٦٨، وأخرج ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٥/ ١٣٩٩، بسند جيد عن عطاء، عن ابن عباس في قوله ﴿وَلَا تُسْرِفُوا﴾ قال: (في الطعام والشراب) اهـ، وأخرج أيضًا بسند جيد عن طاووس، عن ابن عباس في الآية قال: (أحل الله الأكل والشراب ما لم يكن سرفًا أو مخيلة) ا. هـ واختار هذا القول ابن كثير في \"تفسيره\" ٢/ ٢٠٤.\n(٥) إياس بن معاوية بن قُرة بن إياس المزني، أبو واثلة، قاضي المغيرة، تابعي، ثقة، فقيه، يضرب به المثل في الذكاء والدهاء، والعقل والفطنة، والفصاحة، توفي =","vol":"8","page":482},{"text":"وإسراف) (١)، وهذا كله على الأصل الذي ذكره ابن الأعرابي، وقال الزهري: (معناه: لا تنفقوا في معصية الله) (٢)، قال مجاهد: (لو كان أبو قبيس (٣) ذهبًا فأنفقه رجل في طاعة الله لم يكن مسرفًا، ولو أنفق درهمًا في معصية الله كان مسرفًا) (٤)، وهذا المعنى أراد حاتم الطائي (٥) حين قيل له: لا خير في السرف، فقال: (لا سرف في الخير) (٦)، وهذا على الأصل الثاني في معنى السرف، وذلك أن من أنفق في معصية، فقد أنفق فيما لا يجدي عليه (٧).\n_________\n= سنة ١٢٢ هـ، وله ٧٦ سنة. انظر: \"حلية الأولياء\" ٣/ ١٢٣، و\"وفيات الأعيان\" ١/ ٢٤٧، و\"سير أعلام النبلاء\" ٥/ ١٥٥، و\"تهذيب تاريخ ابن عساكر\" ٢/ ١٧٨.\n(١) أخرجه الطبري ٨/ ٦١، وذكره الثعلبي ص ١٨٥ أ، والبغوي ٣/ ١٩٦، والقرطبي ٧/ ١١٠، وأبو حيان في \"البحر\" ٤/ ٢٣٨، والسيوطي في \"الدر\" ٣/ ٩٤.\n(٢) ذكره الثعلبي ص ١٨٥ أ، والبغوي ٣/ ١٩٦، وابن الجوزي ٣/ ١٣٦، والرازي ١٣/ ٢١٤، والخازن ٢/ ١٩١، وأبو حيان في \"البحر\" ٤/ ٢٣٨.\n(٣) أبو قبيس، بضم القاف، وفتح الباء، وسكون الياء، بلفظ التصغير: اسم الجبل المشرف على مكة من جهة الصفا. انظر: \"معجم البلدان\" ١/ ٨٠.\n(٤) أخرجه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٥/ ١٣٩٩ بسند جيد، وذكره السمرقندي في \"تفسيره\" ١/ ٥١٩، والثعلبي ص ١٨٥/ أ، والبغوي ٣/ ١٩٦.\n(٥) حاتم بن عبد الله بن سعد الطائي، أبو عدي، فارس جاهلي وشاعر مشهور بجوده وخلقه وسماحته، ويضرب المثل بجوده، يتميز شعره بالإشادة بالسخاء والحكم الجميلة، توفي في السنة الثامنة بعد مولد النبي - ﷺ -. انظر: \"الشعر والشعراء\" ص ١٤٣، و\"تهذيب تاريخ ابن عساكر\" ٣/ ٤٢٤، و\"الأعلام\" ٢/ ١٥١.\n(٦) ذكره الثعلبي في \"الكشف\" ١٨٥ أ، والرازي ١٣/ ٢١٤، والقرطبي ٧/ ١١٠.\n(٧) والظاهر أن الخطاب عام، والمتبادر من الآية النهي عن تجاوز الحد في الإنفاق وفي الأكل والشرب، والمسلم مطالب بالبعد عن الحرام أصلًا وليس بالإسراف فيه فقط، وهذا هو اختيار الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ٦١، والنحاس في \"ناسخه\" =","vol":"8","page":483},{"text":"١٤٢ - قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا﴾ الآية معناها: وأنشأ من الأنعام حمولة وفرشا؛ لأن قوله: ﴿وَمِنَ الْأَنْعَامِ﴾ نسق علي قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ﴾ [الأنعام: ١٤١] قاله (١) الفراء (٢) وأبو إسحاق (٣).\nوأما الحمولة، فقال الفراء: (الحمولة: ما أطاق العمل والحمل، والفرش: الصغار) (٤).\nوقال ابن السكيت: (قال أبو زيد: الحمولة: ما احتمل عليه الحيّ من بعير أو حمار أو غيره كانت عليها أحمال أو لم تكن، وأنكر أبو الهيثم ما قاله أبو زيد، وقال: الحمولة من الإبل التي تحمل الأحمال على ظهرها، فأما الحُمر والبغال فلا تدخل في الحمولة) (٥)، وقال الليث: (الحمولة: الإبل التي تحمل الأثقال) (٦)، وقال النابغة:\n_________\n= ٢/ ٣٣٦، وانظر: \"القرطبي\" ٧/ ١١٠، وابن كثير ٢/ ٢٠٤، و\"تفسير آيات الأحكام من سورتي الأنعام والأعراف\" للدكتور: فريد مصطفى سلمان ص ٩٩ - ١٠١.\n(١) في (ش): (قال)، وهو تحريف.\n(٢) \"معاني الفراء\" ١/ ٣٥٩.\n(٣) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٩٨، وقال النحاس في \"إعراب القرآن\" ١/ ٥٨٦، ومكي في \"المشكل\" ١/ ٢٧٤ - ٢٧٥ (قوله: ﴿وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا﴾ نصب على العصف على (جنات)، أي: وأنشأ من الأنعام حمولة وفرشًا) ا. هـ.\n(٤) \"معاني الفراء\" ١/ ٣٥٩.\n(٥) \"تهذيب اللغة\" ١/ ٩٢٥ مادة (حمل)، وفيه قال أبو الهيثم: (الحَمُولة من الإبل: التىِ تحمل الأحمال على ظهورها، بفتح الحاء: والحمولة: بضم الحاء: هي الأحمال التي تحمل عليها، واحدها حِمْل وأَحَمال وحُمول وحُمولة. فأما الحُمُر والبغال فلا تدخل في الحَمُولة) ا. هـ.\n(٦) \"تهذيب اللغة\" ١/ ٩٢٥، وفيه ضبط: الحَمُولة، بالفتح، وقال: (والحُمُول، =","vol":"8","page":484},{"text":"وأنزلت بيتي في يَفَاعٍ مُمُنَّعٍ ... نُخَالُ به راعِي الحَمُولةِ طَائِرَا (١)\nوقال عنترة:\nما رَاعَني إلاَّ حَمُولَة أَهلِهَا ... وَسْطَ الدِّيار تَسَفُّ حَبَّ الخِمْخِمِ (٢)\nوأما الفرش، فقال أبو إسحاق: (أجمع أهل اللغة (٣) على أن الفرش صغار الإبل. قال: وقال بعض المفسرين: الفرش صغار الأنعام، وإن البقر والغنم من الفرش، قال: ويدل على هذا قوله تعالى: ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ﴾ [الأنعام: ١٤٣]، فلما جاء هذا بدلًا من قوله ﴿حَمُولَةً وَفَرْشًا﴾ جعله للبقر والغنم مع الإبل) (٤).\nقال الأزهري (٥): ومما يحقق هذا قوله:\n_________\n= بالضم: الإبل بأثقالها). وانظر: \"العين\" ٣/ ٢٤٢، و\"الجمهرة\" ١/ ٥٦٦، و\"الصحاح\" ٤/ ١٦٧٦ (حمل).\n(١) \"ديوان النابغة الذبياني\" ص ٤٧، و\"الكتاب\" ١/ ٣٦٨، و\"الأصول\" ١/ ٢٠٧، و\"تهذيب اللغة\" ١/ ٩٢٥، و\"اللسان\" ٢/ ١٠٠٤ (حمل)، و\"الدر المصون\" ٥/ ١٩١، وجاء في هذه المراجع: وحلت بيوتي - بدل: وأنزلت بيتي. واليفاع: المُشْرِف من الأرض. انظر: \"اللسان\" ٨/ ٤٩٦٣ (يفع). وقوله: يخال طائرًا، أي: كالطائر في صغره لبعده في السماء أو كالطائر المحلق في الهواء.\n(٢) \"ديوانه\" ص ١٧، والقرطبي ٧/ ١١٢، و\"الدر المصون\" ٥/ ١٩١، وهو من معلقته المشهورة.\nوراعني: أفزعني. وتسف: تأكل. والخمخم: نبت تعلفه الإبل.\nيقول: لما رأيت أهلها يتحملون راعني ذلك لفراقي إياها. انظر: \"شرح القصائد\" لابن الأنباري ص ٣٠٤، و\"النحاس\" ٢/ ١٣، و\"جمهرة أشعار العرب\" ص ١٦١.\n(٣) انظر: \"الجمهرة\" ٢/ ٧٢٩، و\"الصحاح\" ٣/ ١٠١٤، و\"المجمل\" ٣/ ٧١٥، و\"المفردات\" ص ٦٢٩ مادة (فرش).\n(٤) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٩٨.\n(٥) \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٧٦٩","vol":"8","page":485},{"text":"وَلَنا الحَامِلُ الحَمولةُ والفرشُ ... من الضَّأنِ والحُصُون السُّيوفُ (١)\nوقال الليث: (الفرش: من النعم التي لا تصلح إلا للذبح، وهي ما دون الحَمولة) (٢). وقال الكسائي (٣): (الحمولة ما حمل، والفرش الصغار) (٤)، هذا قول أهل اللغة (٥) في تفسير الحرفين.\n_________\n(١) لم أهتد إلى قائله، وقد جاء في النسخ، وفي \"اللسان\" ٦/ ٣٣٨٣ مادة (فرش) عن الأزهري: (والحصون السُّيوف)، وفي \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٧٦٩، (الحصون الشّيوف) بالشين، بدل السين، ولعله أصح لأن الشّيوف: المرتفع المزين. انظر: \"اللسان\" ٤/ ٢٣٦١ مادة (شوف).\n(٢) \"العين\" ٦/ ٢٥٦، و\"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٧٦٩.\n(٣) لم أقف عليه عن الكسائي بعد طول بحث، وهو قول ثعلب في \"مجالسه\" ص ٤٢٥، وابن السكيت في \"إصلاح المنطق\" ص ٣٣٥، وقال ابن الأنباري في \"شرح القصائد\" ص ٣٠٤: (الحمولة: الإبل التي تطيق أن يحمل عليها، والفرش: الصغار التي لا تطيق الحمل عليها، وقال بعض المفسرين: الحمولة: الإبل. والفرش: البقر والغنم، وأهل اللغة على القول الأول) ا. هـ.\n(٤) لفظ: (الصغار) مكرر في (أ).\n(٥) انظر: \"مجاز القرآن\" ١/ ٢٠٧، و\"غريب القرآن\" لليزيدي ص ١٤٣، و\"تفسير غريب القرآن\" ص ١/ ١٧٢، و\"نزهة القلوب\" للسجستاني ص ٢٠٢، ٣٥٢، و\"تفسير المشكل\" ص٨٠، والظاهر أن الحمولة، ما حمل من الأنعام، والفرش: الصغار؛ لأنها دانية من الأرض، وهذا هو قول الجمهور، واختاره الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ٦٤، أو الفرش: ما يفرش للذبح أو ينسج من وبره وصوفه وشعره، الفرش. واستحسنه ابن كثير في \"تفسيره\" ٢/ ٢٠٥، وقال النحاس في \"إعراب القرآن\" ١/ ٥٨٦: (ومن أحسن ما قيل: إن الحمولة المسخرة المذللة للحمل، والفرش: ما خلقه الله ﷿ من الجلود والصوف مما يجلس عليه ويتمهد) ا. هـ، وانظر: \"معاني النحاس\" ٢/ ٥٠٣، و\"تفسير ابن عطية\" ٥/ ٣٧٣، والرازي ١٣/ ٢١٦.","vol":"8","page":486},{"text":"وأما (١) المفسرون فقال عطاء، عن ابن عباس: (﴿حَمُولَةً﴾: الحوامل، ﴿وَفَرْشًا﴾: الذي ليس بحامل) (٢).\nوقال ابن مسعود: (الحمولة: الكبار، والفرش: الصغار) (٣).\nوقال الحسن: (الفرش: الحواشي) (٤).\nوروي عن ابن عباس (٥): (أن الحمولة: الإبل والخيل والبغال والحمير، وكل شيء يحمل عليه، وأما الفرش: فالغنم) (٦)، وهذا مثل قول\n_________\n(١) في (ش): فأما.\n(٢) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ٦٤ بسند ضعيف من طريق عطية العوفي عن ابن عباس.\n(٣) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ٦٢، وابن أبي حاتم ٥/ ١٤٠٠ بسند جيد، وأخرج الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ٦٢، وابن أبي حاتم ٥/ ١٤٠٠، والحاكم في \"المستدرك\" ٢/ ٣١٧، وصححه على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي في التلخيص عن ابن مسعود ﵁ قال: (الحمولة: ما حمل من الإبل، والفرش: الصغار)، وفي رواية عند الطبري قال: (الحمولة: الكبار من الإبل، والفرش: الصغار من الإبل)، وروي بسند جيد عن ابن مسعود مثله في \"تفسير مجاهد\" ١/ ٢٢٥ - ٢٢٦، وذكره السيوطي في \"الدر\" ٣/ ٩٤، وانظر: \"مجمع الزوائد\" ٧/ ٢٢.\n(٤) أخرجه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ١/ ٢/ ٢١٩ - ٢٢٠، والطبري ٨/ ٦٣، بسند جيد عن الحسن قال: (الحمولة: ما حمل عليه، والفرش: حواشيها، يعني: صغارها).\n(٥) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ٦٣، وابن أبي حاتم ٥/ ١٤٠٠ بسند جيد، وذكره السيوطي في \"الدر\" ٣/ ٩٥، وعلق البخاري في \"صحيحه\" ٥/ ١٩٢، عن ابن عباس قال: (حمولة ما يحمل عليها) ا. هـ، وأخرج الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ٦٢، بسند ضعيف عن ابن عباس قال: (الحمولة: الكبار، والفرش: الصغار من الإبل) ا. هـ، وأخرج ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٥/ ١٤٠١ بسند جيد عن ابن عباس قال: (الفرش: صغار الإبل)، وذكر السيوطي في \"الدر\" ٣/ ٩٤، عن ابن عباس أنه قال: (الفرش: الصغار من الإبل)، وفي رواية: (الفرش: ما أكل منه) اهـ.\n(٦) في (أ) (وأما الفرش الغنم)، وهو تحريف.","vol":"8","page":487},{"text":"أبي زيد في الحمولة.\nوقال مجاهد: (الحمولة: ما حمل عليها، والفرش: صغار الإبل) (١)\nوقال قتادة: (الحمولة: الإبل، والفرش: البقر والغنم) (٢).\nوقال الربيع بن أنس: (الحمولة: الإبل والبقر، والفرش: الماعز والضأن) (٣)، ونحو ذلك قال الكلبي (٤).\nوقوله تعالى: ﴿كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾. قال ابن عباس: (يريد: أحل الله لكم الذبائح مما ذكر اسم الله عليه) (٥).\nوقال أبو إسحاق: (أي: لا تُحرموا ما حرمتم مما جرى ذكره) (٦).\n﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ (يريد: ما زين الشيطان وشرع عمرو بن لحي)، قاله ابن عباس (٧). وقال الزجاج: (المعنى: لا تسلكوا الطريق الذي يُسَوّله لكم الشيطان) (٨).\n_________\n(١) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ٦٢، من عدة طرق جيدة عن مجاهد قال: (الحمولة: ما حمل من الإبل، والفرش: ما لم يحمل)، وفي رواية قال: (الفرش: صغار الإبل).\n(٢) أخرج عبد الرزق في \"تفسيره\" ١/ ٢/ ٢٢٠، والطبري ٨/ ٦٣، بسند جيد، عن قتادة قال: (الحمولة: الإبل والبقر، والفرش: الغنم)، ولم أقف عليه عن قتادة بلفظ: (الفرش: البقر والغنم).\n(٣) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ٦٣ بسند لا بأس به.\n(٤) \"تنوير المقباس\" ٢/ ٦٨، وفيه قال: (الحمولة: ما يحمل عليها، مثل الإبل والبقر. والفرش: ما لا يحمل عليها، مثل الغنم وصغار الإبل) ا. هـ.\n(٥) لم أقف عليه. وانظر: \"معاني النحاس\" ٢/ ٥٠٤، و\"تفسير ابن عطية\" ٥/ ٣٧٣\n(٦) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٩٨.\n(٧) لم أقف عليه.\n(٨) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٩٨، وقال: (هذا هو الذي تدل عليه اللغة) ا. هـ، وانظر: \"تفسير الطبري\" ٨/ ٦٤، و\"معاني النحاس\" ٢/ ٥٠٤ - ٥٠٥.","vol":"8","page":488},{"text":"وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ قال ابن عباس: (يريد: بيّن العداوة، أخرج آدم من الجنة، وهو القائل: ﴿لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٦٢] (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1103>١٤٣ </span>- وقوله تعالى: ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ الآية. انتصب (ثمانية) بالبدل من ﴿حَمُولَةً وَفَرْشًا﴾ في قول الفراء والزجاج (٢). قال الفراء: (وإن شئت أضمرت لها فعلًا) (٣)، قال ابن قتيبة: (أي: كلوا مما رزقكم الله ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾) (٤).\nقال الفراء: (الذكر زوج، والأنثى زوج) (٥)، وهو قول ابن عباس: (يريد: بالزوج الواحد الذكر (٦) زوج، والأنثى زوج) (٧).\nوقال ابن قتيبة: (والثمانية الأزواج: الضأن، والماعز، والإبل، والبقر، [فالضأن والماعز ذكرا في هذه الآية، والإبل والبقر (٨)] فيما\n_________\n(١) لم أقف عليه، وفي \"تنوير المقباس\" ٢/ ٦٨، قال: (ظاهر العداوة يأمركم بتحريم الحرث والأنعام).\n(٢) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٩٩، وهو قول الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ٦٥.\n(٣) \"معاني الفراء\" ١/ ٣٥٩.\n(٤) \"تأويل مشكل القرآن\" ص ٣٣٩، وفيه: (وإن شئت جعلته منصوبًا بالرد إلى الحمولة، والفرش تبيينا لها) ا. هـ، وبعضهم قدر: وأنشأ ثمانية أزواج، أو كلوا لحم ثمانية أزواج، انظر: \"معاني الأخفش\" ٢/ ٢٨٩، و\"إعراب النحاس\" ١/ ٥٨٦، و\"المشكل\" ١/ ٢٧٥، و\"البيان\" ١/ ٣٤٥ - ٣٤٦، و\"التبيان\" ٣٦١، و\"الفريد\" ٢/ ٢٤١، و\"الدر المصون\" ٥/ ١٩٢.\n(٥) \"معاني الفراء\" ١/ ٣٥٩، وقال الزجاج في \"معانيه\" ٢/ ٢٩٩: (والزوج في اللغة: الواحد الذي يكون معه آخر) ا. هـ، وانظر: \"معاني النحاس\" ٢/ ٥٠٥.\n(٦) في (ش): (يريد بالزوج: الذكر الواحد زوج، وبالأنثى: زوج).\n(٧) لم أقف عليه.\n(٨) ما بين المعقوفين ساقط من (ش).","vol":"8","page":489},{"text":"بعدها، قال: وإنما جعلها ثمانية وهي أربعة؛ لأنه أراد ذكرًا وأنثى من كل صنف، فالذكر زوج، والأنثى زوج، يقع على الواحد وعلى الاثنين (١)، ألا ترى أنك تقول للرجل: زوج وهو واحد، وللمرأة زوج وهي واحدة، وقال الله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾ [النجم: ٤٥]) (٢).\nوقوله تعالى: ﴿مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ﴾ يعني: الذكر والأنثى، والضأن: ذوات الصوف من الغنم (٣).\nقال الزجاج: (وهي جمع ضائن وضائنة مثل: تاجرٍ وتَجرٍ) (٤)، وتجمع الضأن أيضًا (٥): الضِّئين والضَّئين بالكسر والفتح (٦).\n_________\n(١) قال ابن الأنباري في \"الأضداد\" ص ٣٧٣ - ٣٧٥: (من ادعى أن الزوج يقع على الاثنين، فقد خالف كتاب الله جل وعز، وجميع كلام العرب إذ لم يوجد فيهما شاهد له، ولا دليل على صحة تأويله. وإنما يقال للاثنين: زوجان، قال الله ﷿ ﴿ثمانية أزواج﴾ الآية فكان المعنى: ثمانية أفراد أنشأ من الضأن اثنين، وكذلك ما بعدهما، فالأزواج معناها: الأفراد لا غير) ا. هـ ملخصًا. وانظر: \"المذكر والمؤنث\" لابن الأنباري ١/ ٥١٥ - ٥١٧، و\"الزاهر\" ٢/ ١٩٨\n(٢) \"تأويل مشكل القرآن\" ص ٣٣٩ - ٣٤٠، وانظر: \"معاني الأخفش\" ٢/ ٢٨٩، و\"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٥٧٥، و\"اللسان\" ٣/ ١٨٨٥ مادة (زوج). وقد ذكر الأخفش في \"معانيه\" والطبري في \"تفسيره\" ٨/ ٦٥: (أنه يقال للاثنين: هما زوج).\n(٣) انظر: \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٠٨٣.\n(٤) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٩٩، وفيه: (والضأن: جمع ضائن وضَأن مثل تاجر وتَجْر).\n(٥) لفظ: (أيضًا) ساقط من (أ).\n(٦) أي: بكسر الضاد وفتحها، قال القرطبي في \"تفسيره\" ٧/ ١١٣ - ١١٤: (الضأن: ذوات الصوف من الغنم، وهي جمع ضائن، والأنثى ضائنة والجمع ضوائن وقيل: هو جمع لا واحد له، وقيل في جمعه: ضئين كعَبْد وعبيد، ويقال فيه: ضِئين، كما يقال في شَعير: شِعير، كسرت الضاد إتباعًا) ا. هـ وانظر: \"معاني الأخفش\" ٢/ ٢٨٩، و\"معاني النحاس\" ٢/ ٥٠٥، و\"اللسان\" ٤/ ٢٥٤٢ (ضأن) =","vol":"8","page":490},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ﴾ وقرئ (المعز) (١) بفتح العين، والمَعْز والمَعَزُ ذوات الشعر من الغنم، ويقال للواحد: مَاعِز، وتجمع مِعزى ومَعِيزًا (٢) وحكى أبو زيد: (الأمعوز) (٣). وأنشد:\nكالتَّيْسِ في أَمْعُوزِهِ المُتَرَبَّلِ (٤)\nوقالوا (٥): المعيز كالكَليب والضئين، قال:\nوَيَمْنَعها (٦) بنو شَمَجَى بن حَزْمٍ (٧) ... مَعِيزُهُمُ حَنَانَكَ ذَا الحَنَانِ\n_________\n= و\"البحر المحيط\" ٤/ ٢٣٥، و\"الدر المصون\" ٥/ ١٩٣ - ١٩٤.\n(١) قرأ ابن عامر وابن كثير وأبو عمرو: (ومن المَعَز) بفتح العين، وقرأ الباقون: بسكون العين. انظر: \"السبعة\" ص ٢٧١، و\"المبسوط\" ص ١٧٦، و\"الغاية\" ص ٢٥١، و\"التذكرة\" ٢/ ٤١٢، و\"التيسير\" ص ١٠٨، و\"النشر\" ٢/ ٢١٦.\n(٢) النص في \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٤٢٠ (معز). وانظر: \"معاني الأخفش\" ٢/ ٢٨٩.\n(٣) جاء في \"النوادر\" لأبي زيد ص ٧٨، (والأُمْعُوز: القطيع من الضباء) اهـ، وذكره الأزهري في \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٤٢١، وأبو علي في \"الحجة\" ٣/ ٤١٩، عن أبي زيد، وانظر: \"اللسان\" ٧/ ٤٢٣٢ (معز).\n(٤) هذا عجز بيت لربيعة بن مقروم الضبي، وصدره:\nأَخْلَصْتُهُ صُنْعًا فآضَ مُحَمْلَجَا\nوهو في \"النوادر\" ص ٧٧، و\"الحجة\" لأبي علي ٣/ ٤١٩، و\"الدر المصون\" ٥/ ١٩٤، وقوله: محملجا: أي كثير اللحم، يقال للعير الذي دوخل خلقه اكتنازًا: محملج. انظر: \"اللسان\" ٢/ ١٠٠٦ (حملج)، وقوله: المتربل: الذي قد أكل الربل، وهو ضرب من الشجر. انظر: \"اللسان\" ٣/ ١٥٧٢ (ربل).\n(٥) العبارة في \"الحجة\" ٣/ ٤١٩، وكليب جمع كلب، وضئين جمع ضأن، انظر: \"الدر المصون\" ٥/ ١٩٣.\n(٦) الشاهد لامرئ القيس في \"ديوانه\" ص ١٦٩، و\"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ٥٨٧، و\"الحجة\" لأبي علي ٣/ ٤١٩، و\"تفسير القرطبي\" ٧/ ١١٤، و\"الدر المصون\" ٥/ ١٩٤، وقوله: وحنانك ذا الحنان، يعني: رحمتك يا ذا الرحمة.\n(٧) كذا في الأصل، وفي سائر المراجع السابقة، (ابن جرم)، بدل حزم وهو =","vol":"8","page":491},{"text":"وقال ابن شميل: (المِعْزى والمَعْزُ والمعيز للذكور والإناث) (١)، فمن قرأ (المعَز) بفتح العين فهو جمع ماعز، مثل خادم وخَدَم، وطالبٍ وطَلَبٍ، وحارس وحَرَسٍ، ومن قرأ بسكون العين فهو جمع أيضًا، جمع ماعز عليه، كما قالوا: صاحِب وصَحْب، وتَاجرٍ وتَجْرٍ، وراكبٍ ورَكْب (٢). وأما انتصاب (اثْنَيْنِ) فمحمول على (أنشأ) [الأنعام: ١٤١]، التقدير: (٣) أنشأ ثمانية أزواج أنشأ من كذا اثنين ومن كذا اثنين، قاله أبو علي (٤).\nوقوله تعالى: ﴿قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ نصب (الذكرين) (٥) بقوله (حَرَّمَ) والاستفهام يعمل فيه ما بعده ولا يعمل فيه ما قبله (٦).\nقال المفسرون: (إن المشركين من أهل الجاهلية كانوا يقولون: ﴿هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ﴾، ﴿وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا﴾ الآية [الأنعام: ١٣٩] كما أخبر الله تعالى عنهم في الآيات التي\n_________\n= المشهور، وبنو شمجى -بالفتح- بن جَرْم: حي من قُضاعة. انظر: \"الاشتقاق\" لابن دريد ص ٣٩٤، و\"اللسان\" ٤/ ٢٣٢١ (شمج).\n(١) \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٤٢١، وانظر: \"الجمهرة\" ٢/ ٨١٧، و\"الصحاح\" ٣/ ٨٩٦ (معز).\n(٢) هذا قول أبي علي في \"الحجة\" ٣/ ٤١٨ - ٤١٩، وانظر: \"معاني القراءات\" ١/ ٣٩٢، و\"إعراب القراءات\" ١/ ١٧٢، و\"الحجة\" لابن خالويه ص ١٥٢، ولابن زنجلة ص ٢٧٥، و\"الكشف\" ١/ ٤٥٦.\n(٣) قوله: (التقدير أنشأ) مكرر في (ش).\n(٤) \"الحجة\" لأبي علي ٣/ ٤١٨ - ٤١٩، وذهب الأكثر إلى أنه بدل من ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾. انظر: \"الكشاف\" ٢/ ٥٦ - ٥٧، و\"البيان\" ١/ ٣٤٦، و\"التبيان\" ٣٦١، و\"الفريد\" ٢/ ٢٤١، و\"الدر المصون\" ٥/ ١٩٣.\n(٥) في (أ): (الذكر)، وهو تحريف.\n(٦) أي الذكرين: مفعول به مقدم لحرم. انظر: \"الدر المصون\" ٥/ ١٩٥.","vol":"8","page":492},{"text":"مضت أنهم كانوا يحرمون أجناسًا من النعم بعضها على الرجال والنساء، وبعضها على النساء دون الرجال، فاحتج الله عليهم في هذه الآية والتي بعدها، فقال: يُقايسهم في تحريم ما حرموا: ﴿قُلْ آلذَّكَرَيْنِ﴾ من الضأن والمعز حرم الله عليكم ﴿أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ﴾؟ فإن كان حرّم من النعم ذكورها فكل ذكورها حرام، وإن كان حرّم الأثنيين فكل الإناث حرام (١).\nوقال الفراء: (يقول: أجاءكم التحريم فيما حرمتم من الذكرين أم من الأنثيين؟ فلو قالوا: من قبل الذكر حرم كل ذكر، ولو قالوا: من قبل الأنثى (٢)، حرمت كل أنثى) (٣).\nوقوله تعالى: ﴿أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ﴾، ما في موضع نصب، نصبته باتباعه (٤) الذكرين والأنثيين يقول: وإن كان ما اشتملت عليه أرحام الأنثيين من المعز والضأن فقد حرم الأولاد، وكلها أولاد، فكلها حرام، قاله الزجاج (٥).\n_________\n(١) ذكره عن المفسرين: الثعلبي في \"الكشف\" ١٨٥ ب، والبغوي في \"تفسيره\" ٣/ ١٩٧، والرازي ١٣/ ٢١٧، وأخرج الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ٦٨، من عدة طرق جيدة، عن ابن عباس، ومجاهد وقتادة والسدي وابن زيد نحوه، وهو قول الزجاج في \"معانيه\" ٢/ ٢٩٩، والنحاس في \"معانيه\" ٢/ ٥٠٥، والنص أصله لابن قتيبة في \"تأويل مشكل القرآن\" ص٣٤٠ - ٣٤١.\n(٢) في (أ): (أنثى).\n(٣) \"معاني الفراء\" ١/ ٣٦٠.\n(٤) هذه عبارة الفراء في \"معانيه\" ١/ ٣٦٠، وأم عاطفة، وما موصولة في محل نصب معطوف علي الأنثيين. انظر: \"الدر المصون\" ٥/ ١٩٥.\n(٥) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٩٩.","vol":"8","page":493},{"text":"وقال الفراء: (يقول: أحرّم عليكم من قِبل اشتمال الرحم، فلو قالوا ذلك لحرم عليهم الذكر والأنثى؛ لأن الرحم يشتمل على الذكر والأنثى) (١).\nوقال ابن قتيبة: (يقول: فإن كان التحريم من جهة اشتمال الرحم، فالأرحام تشتمل على الذكور، وتشتمل على الإناث، وتشتمل على الذكور والإناث، فكل جنين حرام) (٢)، وهذه الأقوال معناها واحد، وذكرتها لزيادة البيان.\nقال مجاهد: (يقول: إنما الأنعام ثمانية أزواج، فمن أين جاء التحريم أمن قبل الذكر أم من قبل الأنثى، أما اشتملت عليه الأرحام، وهي لا تشتمل إلا على ذكر أو أنثى، فإن قالوا: من قبل الأنثيين، جاء التحريم، حرم عليهم كل أنثى. فإن قالوا: من قبل الذكرين، حرم عليهم كل ذكر، وعرفوا أن الأرحام لا تشتمل (٣) إلا على ذكر أو أنثى، فلم تحرّمون بعضًا وتحلون بعضًا؟) (٤).\nوهذا معنى قول ابن عباس (٥) والكلبي (٦) ومقاتل (٧).\n_________\n(١) \"معاني الفراء\" ١/ ٣٦٠.\n(٢) \"تأويل مشكل القرآن\" ص ٣٤١.\n(٣) لفظ: (لا تشتمل) ساقط من (أ).\n(٤) لم أقف عليه عن مجاهد، وأخرجه الطبري ٨/ ٦٦، عن ابن جريج فقط.\n(٥) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ٦٧، وابن أبي حاتم ٥/ ١٤٠٣ بسند جيد وذكره السيوطي في \"الدر\" ٣/ ٩٥.\n(٦) \"تنوير المقباس\" ٢/ ٦٨ - ٦٩، وذكره هود الهواري في \"تفسيره\" ١/ ٥٦٩ عن الكلبي.\n(٧) \"تفسير مقاتل\" ١/ ٥٩٤.","vol":"8","page":494},{"text":"وقوله تعالى: ﴿نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ﴾ قال أبو إسحاق: (أي: فسّروا ما حرّمتم بعلم، أي: فأنتم لا علم لكم؛ لأنكم لا تؤمنون بالكتاب) (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1104>١٤٤ </span>- قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ﴾ إلى قوله ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ﴾ مفسر في الآية الأولى.\nقال أبو إسحاق في قوله: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا﴾ (أي: هل شاهدتم الله قد حرّم هذا إذ كنتم لا تؤمنون برسول) (٢).\nوقال ابن قتيبة: (﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ﴾ حين أمر الله بهذا، فتكونون على يقين، فلما لزمتهم الحجة ولم تكن عندهم علّة موجبة لتحريم ما حرّموا، بيّن الله تعالى أنهم فعلوا ذلك كذبًا على الله في قولهم، كذا أمرنا الله فقال: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ (٣)، قال ابن عباس: (يريد: عمرو بن لُحيّ ومن جاء بعده، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [قال: يريد: المشركين (٤)]) (٥).\n_________\n(١) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٩٩، ومثله ذكر النحاس في \"معانيه\" ٢/ ٥٠٦، وانظر: \"تفسير الطبري\" ٨/ ٦٧.\n(٢) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٩٩، وانظر: \"معاني الفراء\" ١/ ٣٦٠، و\"معاني النحاس\" ٢/ ٥٠٦.\n(٣) \"تأويل مشكل القرآن\" ص ٣٤١، وفيه: (أي: حين أمر الله بهذا فتكونون على يقين؟ أم تفترونه عليه وتختلقونه؟ توبيخ ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾) اهـ.\n(٤) ما بين المعقوفين ساقط من (أ).\n(٥) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ١٣٢، وابن الجوزي في \"تفسيره\" ٣/ ١٣٩، والرازي ١٣/ ٢١٧، وذكره بدون نسبة البغوي في \"تفسيره\" ٣/ ١٩٨، والخازن ٢/ ١٣٢، وابن كثير ٢/ ٢٠٥، والآية عامة يدخل فيها كل من أدخل في دين الله تعالى ما ليس فيه، وأول من يدخل في هذا الوعيد عمرو بن لحي؛ لأنه أول من =","vol":"8","page":495},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1105>١٤٥ </span>- قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ الآية، قال المفسرون: (بيّن الله تعالى أن المحرمات مما يُطعم ما ذكر في هذه الآية، لا ما حرموا هم على أنفسهم) (١).\nوقال أبو إسحاق: (أعلم الله تعالى أن التحريم والتحليل إنما ثبت بالوحي والتنزيل، فقال: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾) (٢)، [أي: شيئًا محرمًا] (٣)، ﴿عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾: على آكل يأكله.\nوقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً﴾ أي: إلا أن يكون المأكول ميتة، أو إلا أن (٤) يكون الموجود ميتة يُضمر اسم كان مما تقدم، وقرأ (٥) ابن كثير وحمزة (إلاَّ أَن تَكُونَ) بالتاء (ميتة) نصبًا على تقدير: إلاَّ أن تكون العين أو النفس أو الجُثة ميتةً تضمر للمحرّم اسمًا مؤنثًا، ألا ترى أن المحرم لا يخلو من جواز العبارة عنه بأحد هذه الأشياء، وقرأ ابن عامر (إلا أن تكون) بالتاء (ميتة) بالرفع على معنى: إلاّ أن تقع ميتة أو تحدث ميتة (٦).\n_________\n= غير دين الأنبياء، كما سبق بيانه في ترجمته، وذكره الحافظ ابن كثير في \"تفسيره\". وانظر: \"تفسير مبهمات القرآن\" ١/ ٤٧١.\n(١) انظر: \"تفسير الطبري\" ٨/ ٦٩، والسمرقندي ١/ ٥٢٠.\n(٢) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٠٠، وانظر: \"معاني النحاس\" ٢/ ٥٠٧.\n(٣) ما بين المعقوفين ساقط من (ش).\n(٤) لفظ: (أن)، ساقط من (ش). وانظر: \"معاني الفراء\" ١/ ٣٦٠، و\"إعراب القرآن\" ١/ ٥٨٨.\n(٥) قرأ ابن عامر، وابن كثير وحمزة (إلا أن تكون) بالتاء، والباقون بالياء، وقرأ ابن عامر (ميتة) بالرفع، والباقون بالنصب. انظر: \"السبعة\" ص ٢٧٢، و\"المبسوط\" ص ١٧٦، و\"التذكرة\" ٢/ ٤١٢، و\"التيسير\" ص ١٠٨، \"النشر\" ٢/ ٢٦٦.\n(٦) هذا قول أبي علي في \"الحجة\" ٣/ ٤٢٣ - ٤٢٤، وانظر: \"معاني القراءات\" ١/ ٣٩٢ - ٣٩٣، و\"إعراب القراءات\" ١/ ١٧٢، و\"الحجة\" لابن زنجله ص ٢٧٦، =","vol":"8","page":496},{"text":"وقوله تعالى: ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ قال ابن عباس: (مُهراقًا) (١)، وقال الضحاك: (سائلًا) (٢)، والسفح كالصبّ، يقال: سفح الدم والدمع سفحًا، وسفح (٣) هو سفوحًا إذا سأل. وأنشد أبو عبيدة (٤) لُكثَيِّر:\nأَقولُ وَدَمْعي واكفٌ عِنْد رَسمها ... عَلَيكِ سَلاَمُ الله والدمعُ يَسْفَحُ (٥)\nقال عطاء، عن ابن عباس: (يريد: ما خرج من الأنعام وهي أحياء، وما يخرج من الأوداج عند الذبح) (٦).\n_________\n= و\"الكشف\" ١/ ٤٥٦ - ٤٥٧.\n(١) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ٧١، وابن أبي حاتم ٥/ ١٤٠٦ بسند جيد.\n(٢) لم أقف عليه بعد طول بحث، وهو قول اليزيدي في \"غريب القرآن\" ص ١٤٣، وابن قيبة في \"تفسير غريب القرآن\" ص ١٦٢، ومكي في \"تفسير المشكل\" ص ٨١.\n(٣) في (أ) (وسفح وهو سفوحًا)، وقاله الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ١٣٢: (يقال: سفح الدم والدمع سفحا إذا صبه، وسفح هو سفوحًا إذا سأل) ا. هـ وانظر: \"العين\" ٣/ ١٤٧، و\"الجمهرة\" ١/ ٥٣٢، و\"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٦٩٩، و\"الصحاح\" ١/ ٣٧٥، و\"المجمل\" ٢/ ٤٦٤، و\"اللسان\" ٤/ ٢٠٢٣ مادة (سفح).\nوقال السمين في \"الدر\" ٥/ ١٩٨: (السفح: الصب، وقيل: السيلان، وهو قريب من الأول، وسفح يستعمل قاصرًا ومتعديًا، يقال: سفح زيد دمعه، ودمه، أي: أهراقه، وسفح هو، إلا أن الفرق بينهما وقع باختلاف المصدر، ففي المتعدي، يقال: سَفْح. وفي اللازم يقال: سُفُوح) اهـ.\n(٤) لم يرد في \"مجاز القرآن\"، وذكره عن أبي عبيدة الرازي في \"تفسيره\" ١٣/ ١٢٢، والسمين في \"الدر\" ٥/ ١٩٨، وقال ابن الأنباري في \"شرح القصائد\" ص ٢٥ - ٢٦، و\"الزاهر\" ٢/ ١٦٦: (مسفوحًا، أي: مصبوبًا)، ثم أنشد الشاهد.\n(٥) \"ديوان كثير عزة\"، و\"تفسير الرازي\" ١٣/ ١٢٢، و\"الدر المصون\" ٥/ ١٩٨، وكف بالفتح أي: سأل، وفي الديوان:\nأقولُ ونِضْوِي وَاقِفٌ عند رمْسِها ... عليك سلام الله والعين تنفح\n(٦) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ١٣٢، والبغوي في \"تفسيره\" ٣/ ١٩٨، والرازي ١٣/ ١٢٢.","vol":"8","page":497},{"text":"قال أهل العلم: (فلا يدخل في هذا الكبد والطحال لجمودهما ولا ما يختلط باللحم [من الدم فإنه غير سائل والله تعالى حرّم السائل منه) (١)، وسئل أبو مجلز (٢) عما يتلطخ من اللحم] (٣) بالدم، وعن القدر يرى فيها الدم، فقال: (لا بأس به، إنما نهي عن الدم [المسفوح) (٤).\nوهو قول عكرمة (٥) وإبراهيم (٦) وقال أبو إسحاق] (٧): (المسفوح: المصبوب، وكانوا إذا ذبحوا أكلوا الدم كما يأكلون اللحم) (٨).\n_________\n(١) ذكره القرطبي في \"تفسيره\" ٧/ ١٢٤، وقال: (وعليه إجماع العلماء) اهـ، وانظر: \"أحكام القرآن\" لابن العربي ٢/ ٧٦٥، و\"الفتاوى\" ١٧/ ١٧٩، وروى عبد الله بن عمر ﵄، عن النبي - ﷺ - قال: \"أحل لنا ميتتان ودمان، فأما الميتتان فالحوت والجراد، وأما الدمان فالكبد والطحال\" أخرجه الإمام أحمد في \"المسند\" ٢/ ٩٧، وابن ماجه رقم (٣٣١٤)، والدارقطني في \"سننه\" ٤/ ٢٧٢، وصححه الألباني في \"إرواء الغليل\" ٨/ ١٦٤ (٢٥٢٦).\n(٢) أبو مجلز: لاحق بن حميد بن سعيد السدوسي البصري، إمام تابعي، ثقة مشهور بكنيته، توفي سنة تسع ومائة ١٠٩هـ، وقيل: قبل ذلك.\nانظر: \"الجرح والتعديل\" ٩/ ١٢٤، و\"تهذيب التهذيب\" ٤/ ٣٣٥، و\"تقريب التهذيب\" (٧٤٩٠) ص ٥٨٦.\n(٣) ما بين المعقوفين ساقط من (ش).\n(٤) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ٧١، ٧٢، بسند جيد، وذكره السيوطي في \"الدر\" ٣/ ٩٧.\n(٥) أخرجه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ١/ ٢/ ٢٢٠، والطبري ٨/ ٧١، ٧٢، وابن أبي هاشم ٥/ ١٤٠٧ بسند جيد، وذكره السيوطي في \"الدر\" ٣/ ٩٧.\n(٦) قول إبراهيم النخعي، ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ص ١٨٥ ب، والبغوي ٣/ ١٩٨، والقرطبي ٧/ ١٢٤، والخازن ٢/ ١٩٥.\n(٧) ما بين المعقوفين ساقط من (ش).\n(٨) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٠٠.","vol":"8","page":498},{"text":"وقوله تعالى: ﴿أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ نسق على (١) ﴿أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾ قال ابن عباس: (يريد: كل ما ذبح على النصب) (٢).\nقال الزجاج: (فسمى ما ذكر عليه غير اسم (٣) الله فسقًا) (٤)، وهذا من المفعول الذي يسمى بالمصدر، والمراد: ما يفسق به عن الدين، أي: يخرج أكله عن الدين (٥).\nفإن (٦) قيل: المحرمات [من المطعومات] (٧) أكثر مما ذكر في هذه الآية فما وجهها؟ والجواب عنه من وجوه أحدها: أن المعنى: لا أجد\n_________\n(١) انظر: \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ٥٨٨، و\"المشكل\" لمكي ١/ ٢٧٦، وقال الزجاج في \"معانيه\" ٢/ ٣٠٠: (هو عطف على ﴿لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾ المعنى: ﴿إِلَّا أَنْ يَكُونَ﴾ المأكول ﴿مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾ (أو فسقًا» اهـ.\n(٢) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ١٣٣، وأخرج الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ٦٩، عند قوله تعالى: ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٧٣] بسند جيد، عن ابن عباس قال: (ما أهل به للطواغيت يعني: ما ذبح لغير الله من أهل الكفر غير اليهود والنصارى) اهـ.\n(٣) في (ش): (فسمى ما ذكر عليه اسم غير الله فسق).\n(٤) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٠٠، وزاد فيه (أي: خروجًا عن الدين). وقال ابن القيم كما في \"بدائع التفسير\" ٢/ ١٨٥: (الضمير في قوله (فإنه) دن كان عوده إلى الثلاثة المذكورة باعتبار لفظ المحرم، فإنه يترجح اختصاص لحم الخنزير به لثلاثة أوجه. أحدها: قربه منه. والثاني: تذكيره دون قوله: (فإنه رجس). والثالث: أنه أتى بالفاء وإن تنبيها على علة التحريم لتزجر النفوس عنه، ويقابل هذه العلة ما في طباع بعض الناس من استلذاذه واستطابته، فنفى عنه ذلك، وأخبر أنه رجس، وهذا لا يحتاج إليه في الميتة والدم؛ لأن كونهما رجسًا أمر مستقر معلوم عندهم ..) اهـ.\n(٥) انظر: \"الدر المصون\" ٥/ ١٩٨.\n(٦) في (ش): (قال قيل)، وهو تحريف.\n(٧) لفظ: (من المطعومات) ساقط من (أ).","vol":"8","page":499},{"text":"محرمًا مما كان أهل الجاهلية يحرمه من البحائر والسوائب وغيرها، إلا ما ذكر في هذه الآية، وليست البحائر والسوائب من المحرمة بالوحي، وهذا معنى قول مجاهد (١) وطاووس (٢).\nوقال الحسين بن الفضل: (وقت نزول هذه الآية لم يكن يحرم غير ما نص عليه في هذه الآية، ثم وجدت بعد محرمات سوى هذا) (٣).\nوقال عبد العزيز بن يحيى: (يعني: في وحي القرآن، فأما وحي السنة فقد حرّم أشياء كثيرة، وكل ما حرم النبي - ﷺ - مما لم يوجد في القرآن فهو محرّم أيضًا بالوحي؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٣ - ٤]) (٤).\nوباقي الآية مفسر فيما مضى (٥).\n_________\n(١) ذكره ابن الجوزي في \"نواسخ القرآن\" ص ٣٣٥.\n(٢) أخرجه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ١/ ٢/ ٢٢٠، والطبري ٨/ ٦٩، وابن أبي حاتم ٥/ ١٤٠٥، بسند جيد، وذكره السيوطي في \"الدر\" ٣/ ٩٦.\n(٣) لم أقف عليه، وقد ذكره الرازي في \"تفسيره\" ١٣/ ٢٢٠، بدون نسبة.\n(٤) لم أقف عليه وقال القرطبي ٧/ ١١٦ - ١١٧، الصحيح أن هذه الآية مكية، وكل محرم حرمه رسول الله - ﷺ - أو جاء في الكتاب مضموم إليها فهو زيادة حكم من الله ﷿ على لسان نبيه ﵇. على هذا أكثر أهل العلم من أهل النظر والفقه والأثر) ا. هـ، وهذا القول هو الظاهر -والله أعلم-.\nوانظر: \"الناسخ والمنسوخ\" للنحاس ٢/ ٣٣٨، و\"الناسخ والمنسوخ\" لأبي منصور البغدادي ص ١٠٣، و\"الإيضاح\" لمكي ص ٢٤٩، و\"أحكام القرآن\" للكيا الهراس ٣/ ٢٤٥، و\"تفسير البغوي\" ٣/ ١٩٨، و\"الناسخ والمنسوخ\" لابن العربي ٢/ ٢١٨، و\"المصفى\" لابن الجوزي ص ٣٤، و\"الفتاوى\" لشيخ الإسلام ٢١/ ٨.\n(٥) انظر: \"البسيط\" النسخة الأزهرية ١/ ١٠٥ ب.","vol":"8","page":500},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1106>١٤٦ </span>- وقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ الآية، في الظفر لغات: ظُفُر بضم الفاء وهو أعلاها، وظُفْر بسكون الفاء، وظِفْر بكسر الظاء وسكون الفاء وهو قراءة الحسن (١)، وظِفِر بكسرهما (٢) وهو قراءة أبي السمال (٣)، ويقال له: أُظُفُور (٤)، قال الشاعر:\n_________\n(١) ذكرها الثعلبي ١٨٥ ب، والرازي، ١٣/ ٢٢٣، وأبو حيان في \"البحر\" ٤/ ٢٤٤، وأكثرهم ذكر سكون الفاء فقط. انظر: \"إعراب النحاس\" ١/ ٥٨٩، و\"مختصر الشواذ\" ص ٤١، وابن عطية ٥/ ٣٨٢، والقرطبي ٧/ ١٢٤ - ١٢٥، وقال السمين في \"الدر\" ٥/ ٢٥١: (قرأ الحسن (ظفر) بضم فسكون، وفي رواية بكسر فسكون) ا. هـ. بتصرف.\n(٢) ذكرها الثعلبي في \"الكشف\" ١٨٥ ب، والرازي في \"تفسيره\" ١٣/ ٢٢٣، والسمين في \"الدر\" ٥/ ٢٠١، وأكثرهم ذكر عنه كسر الظاء وسكون الفاء. انظر: \"إعراب النحاس\" ١/ ٥٨٩، و\"مختصر الشواذ\" ص ٤١، و\"تفسير ابن عطية\" ٥/ ٣٨٢، والقرطبي ٧/ ١٢٤، و\"البحر المحيط\" ٤/ ١٤٤.\n(٣) في النسخ (ابن السمآل) ونقله الرازي والسمين في \"الدر\" عن الواحدي بلفظ (أبو السمال)، وهو الصواب كما في المراجع السابقة، وهو: (أبو السمال) بفتح السين المهملة، وتشديد الميم: مشهور بكنيته واسمه مُعتب بن هلال العَدَوي المقرئ البصري، وقيل: اسمه: مغيث. وقيل: قعنب بن أبي قعنب. قال الذهبي في \"الميزان\" ٤/ ١٤٢، ١٥٨: (له حروف شاذة، لا يعتمد على نقله ولا يوثق به، ضعفه الساجي، وكذبه الأزدي) ا. هـ، وانظر: \"غاية النهاية\" ٢/ ٢٧، و\"لسان الميزان\" ٦/ ٦٠، ٧٤.\n(٤) انظر: \"التبيان\" ٣٦٢، و\"الفريد\" ٢/ ٢٤٤، و\"الدر المصون\" ٥/ ٢٥١، وقال ابن الأنباري في \"المذكر والمؤنث\" ٣٣٧ - ٣٣٨: (الأظفار كلها مذكرة وفي واحدها ثلاث لغات: ظُفُر بالضم، وهي اللغة العالية، وعليها أكثر الناس، وظفر بضم فسكون، وبها قرأ الحسن، وأظفور بضم الهمزة والفاء وسكون الظاء) اهـ، وفي \"اللسان\" ٥/ ٢٧٤٩، قال: (وأما قراءة ظِافْر بالكسر فشاذ غير مأنوس به؛ إذ لا يعرف ظفر بالكسر) اهـ.","vol":"8","page":501},{"text":"ما بَيْن لُقْمَتِهِ الأُولى إذا انحدرت ... وَبَيْنَ أَخْرَى تَليها قِيدُ أُظْفُورِ (١)\nواختلفوا في ﴿كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ المحرم على اليهود: فقال ابن عباس: (هو البعير والنعامة) (٢)، وهو قول مجاهد (٣)، واختيار الزجاج (٤). قال ابن عباس: (النعام ذات ظفر كالإبل) (٥).\nوقال قتادة: (كل ذي ظفر ليس بمشقوق الأصابع) (٦)، وهو قول ابن جريج: (كل ذي ظفر لم يفرج قوائمه من البهائم كالبعير والنعامة والبط والأوز وحمار الوحش، وما تفرّجت قوائمه أكلوه كالدجاج والعصافير) (٧).\n_________\n(١) الشاهد في \"الجمهرة\" ٢/ ٧٦٢، ١١٩٤، أنشدته أم الهيثم غيثة من بني نمر بن عامر بن صعصعة، وبدون نسبة في \"كتب الفرق\" للأصمعي ص ٦١، ولأبي حاتم السجستاني ص ٢٨، ولثابت بن أبي ثابت ص ٢٢، و\"المذكر والمؤنث\" لابن الأنباري ١/ ٣٣٩، و\"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٢٤٢، و\"زاد المسير\" ٣/ ١٤٢، و\"اللسان\" ٥/ ٢٧٤٩، و\"بصائر ذوي التمييز\" ٣/ ٥٣٦، و\"الدر المصون\" ٥/ ٢٠١، و\"تاج العروس\" ٧/ ١٦٢ مادة (ظفر).\n(٢) أخرجه الطبري ٨/ ٧٢، والبيهقي في \"سننه\" ١٠/ ٨ بسند جيد، وعلقه البخاري في \"صحيحه\" ٨/ ٢٩٥، وذكره السيوطي في \"الدر\" ٣/ ١٠٠.\n(٣) \"تفسير مجاهد\" ١/ ٢٢٦، وأخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ٧٣، من عدة طرق جيدة.\n(٤) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٠١، وهو اختيار الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ٧٣.\n(٥) سبق تخريجه، وأخرج ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٥/ ١٤١٠ بسند جيد عن ابن عباس قال: (هو الذي ليس بمتفرج الأصابع، يعني: ليس بمشقوق الأصابع منها الإبل والنعام) ا. هـ، وذكره الحافظ في \"فتح الباري\" ٨/ ٢٢٩٥، وقال: (رواه ابن أبي حاتم، وإسناده حسن) اهـ.\n(٦) أخرج عبد الرزاق في \"تفسيره\" ١/ ٢/ ٢٢١، والطبري ٨/ ٧٣، بسند جيد.\n(٧) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ٧٣، بسند جيد عن ابن جريج عن شيخه القاسم بن أبي بزة المكي وقال السيوطي في \"الدر\" ٣/ ١٠٠: (أخرجه أبو الشيخ عن ابن جريج).","vol":"8","page":502},{"text":"وقال عبد الله بن مسلم: (أي: كل ذي مخلب من الطير، وكل ذي حافر من الدواب، كذلك قال المفسرون، قال: وسمى الحافر ظفرًا على الاستعارة كما قال الآخر وذكر ضيفًا:\nفما رَقَد الوِلْدَانُ حتى رَأَيْتُهُ ... على البَكْرِ يَمْرِيهِ بَساقٍ وحَافِرٍ (١)\nفجعل الحافر موضع القدم) (٢). وقال عطاء، عن ابنَ عباس: (يريد: الإبل) (٣)، وهو قول ابن زيد: (هو الإبل فقط) (٤).\nوقوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا﴾، قال المفسرون: (يعني: الثُّرُوب (٥) وشحم الكليتين) (٦)، وهو معنى قول ابن عباس: (يريد: شحوم الجوف) (٧).\n_________\n(١) البيت لجُبَيْهاء الأسدي يزيد بن عبيد، في \"اللسان\" ٢/ ٩٢٥ مادة (حفر)، وبدون نسبة في \"الحروف\" لابن السكيت ص ٩٥، و\"الجمهرة\" ٣/ ١٣١٣/ \"الصحاح\" ٣/ ٦٣٥، و\"الصناعتين\" ص ٣٠١، و\"المخصص\" ٦/ ١٣٤، و\"المدخل\" للحدادي ص ٢١١، وهو لمُزرِّد بن ضرار الغطفاني في \"أسرار البلاغة\" ص ٢٣. ويمريه، أي: يستخرج ما عنده من الجري، والشاعر يصف ضيفًا أسرع إليه، واستعار الحافر للقدم.\n(٢) \"تأويل مشكل القرآن\" ص ١٥٣.\n(٣) ذكره الرازي في \"تفسيره\" ١٣/ ٢٢٣.\n(٤) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ٧٣، بسند جيد، وذكره ابن عطية في \"تفسيره\" ٥/ ٣٨٢، وقال: (وهذا ضعيف التخصيص) اهـ.\n(٥) الثروب: بالضم جمع ثَرْبٍ، وهو الشحم المبسوط على الأمعاء والمصَارين والكَرِش. انظر: \"اللسان\" ١/ ٤٧٥ مادة (ثرب).\n(٦) انظر: \"معاني الفراء\" ١/ ٣٦٣، و\"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٠١، و\"تفسير الطبري\" ٨/ ٧٤، والبغوي ٣/ ٢٠٠، وابن الجوزي ٣/ ١٤٢.\n(٧) \"تنوير المقباس\" ٢/ ٧١.","vol":"8","page":503},{"text":"وقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا﴾ قال ابن عباس: (إلا ما علق بالظهر من الشحم فإني لم أحرمه) (١)، وقال قتادة: (ما علق بالظهر والجنب من داخل بطونهما) (٢).\nوقوله تعالى: ﴿أَوِ الْحَوَايَا﴾ وهي المباعر والمصارين، واحدتها حاوية، وحَويَّة وحاوياء (٣)، قال ابن الأعرابي: (هي الحَوِيَّة والحاوِيةُ، وهي الدُّوارة التي في بطن الشاة) (٤).\nوقال ابن السكيت: (يقال: حاويةٌ وحوايا مثل زَاوِية وَزَوَايا (٥) ورَاوية وَرَوَايا، [قال: ومنهم من يقول: حَوِيَّة وحَوايا مثل الحَوِيَّة التي توضع على ظهر البعير ويركب فوقها] (٦). قال: ومنهم من يقول لواحدتها: حَاوياء) (٧). وأنشد قول جرير:\n_________\n(١) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ٧٥، وابن أبي حاتم ٥/ ١٤١٠، والبيهقي في \"سننه\" ١٠/ ٨ بسند جيد، وذكره السيوطي في \"الدر\" ٣/ ١٠٠، ١٠١.\n(٢) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ١٣٤، وابن الجوزي في \"تفسيره\" ٣/ ١٤٢، والرازي ١٣/ ١٨٣.\n(٣) انظر: \"العين\" ٣/ ٣١٨، و\"الجمهرة\" ١/ ٢٣١، و\"المجمل\" ١/ ٢٥٤، و\"المفردات\" ص ٢٧١ (حوى).\n(٤) \"اللسان\" ٢/ ١٠٦٣ (حوا)، و\"الدر المصون\" ٥/ ٢٠٦، وفي \"تهذيب اللغة\" ١/ ٩٤٧، عن ابن الأعرابي قال: (هي الحَوَايةُ والحاوِية، وهي الدوارة التي في بطن الشاة) اهـ.\n(٥) لفظ: (زواية وزوايا) ساقط من (ش).\n(٦) ما بين المعقوفين ساقط من (ش).\n(٧) ذكره الرازي في \"تفسيره\" ١٣/ ٢٢٤، والسمين في \"الدر\" ٥/ ٢٠٦، عن ابن السكيت، وهذا القول في \"تهذيب اللغة\" ١/ ٩٤٧، و\"اللسان\" ٢/ ١٠٦٣ (حوا)، لأبي الهيثم خالد بن يزيد الرازي.","vol":"8","page":504},{"text":"تَضْغُو الخَنانيصُ والغُول التي أكلَتْ ... في حاوِيَاءِ رَدُومِ الليل مِجْعَارِ (١)\nوأنشد ابن الأنباري (٢):\nكأَنَّ نفيق الحَبّ في حاويائِهِ ... نفيق الأفاعي أو نفيقُ العقارب (٣)\nقال أبو علي الفارسي: (الحوايا واحدتها حوية وحاوياء (٤) وحاوية، فإن كان جمع حاوية (٥) أو حاوياء كان فواعل، وإن كان جمع حويّة كان فعائل، فإن قلنا: إنه فعائل، فإنه كان في الأصل حوائي، والهمزة فيها كالهمزة في ترائب وسحائب ونحوها مما هو بين هذا الجنس، واعتراض هذه الهمزة ذكرنا علته في قول ﴿مَعَايِشَ﴾ في سورة الأعراف [: ١٠] (٦) في قراءة من همزها، فلما جمعت حوية: حوائي وقعت في الطرف ياء\n_________\n(١) \"ديوان جرير\" ص ٣١٣، و\"تهذيب اللغة\" ١/ ٩٤٧، و\"اللسان\" ٢/ ١٦٣ (حوى)، و\"الدر المصون\" ٥/ ٢٠٦، وقوله: تضغو، أي: تصيح وتصوت. انظر: \"اللسان\" ٥/ ٢٥٩٣ (ضغا)، والخنانيص جمع الخِنَّوْص: ولد الخنزير. انظر: \"اللسان\" ٣/ ١٢٧٨ (خنص)، وردوم: جمع ردم، وهو السد والصوت والضُّراط. انظر: \"اللسان\" ٣/ ١٦٢٨ (ردم)، ومجعار، الجَعْر: ما تيبس في الدبر من العذرة. انظر: \"اللسان\" ٢/ ٦٣٣ (جعر).\n(٢) \"الأضداد\" لابن الأنباري ص ٢٢٢، وقال: (ووا حدة الحوايا: حاوياء، وحاوية، وحَوِية) ا. هـ. وانظر: \"شرح القصائد السبع\" ص ٢١٢.\n(٣) الشاهد لجرير في \"ديوانه\" ص ٦٨، و\"اللسان\" ٢/ ١٠٦٣ (حوا)، وبدون نسبة في \"الصحاح\" ٦/ ٢٣٢٢، و\"مقاييس اللغة\" ٢/ ١١٢ (حوى) و٤/ ٤٣٧ (فح)، و\"زاد المسير\" ٣/ ١٤٣، و\"الدر المصون\" ٥/ ٢٠٦، وفي \"الديوان\" (نفيق بدل (فحيح).\n(٤) في النسخ: (وحوايا)، وهو تحريف.\n(٥) في (ش): (جمع حاويا أو حاويا).\n(٦) انظر: \"الحجة\" لأبي علي ٤/ ٧.","vol":"8","page":505},{"text":"مكسور (١) ما قبلها، فلزم أن تقلب ألفا، إذ (٢) قلبت فيما ليس قبله حرف اعتلال في هذا الجمع، وذلك قولهم: مداري ومهاري (٣)، وحروف الاعتلال في حوائي (٤) أكثر منها في مداري، فإذا قلب في مداري وجب أن يلزم هذا الضرب القلب فيقال: حواءا، فيقع الهمز بين (٥) ألفين، وهي قريبة من ألف (٦) فيجتمع حروف متشابهة يُستثقل اجتماعهن، فأبدلت الهمزة ياء [فصار حوايا ومثله مطايا وما كان في هذا القبيل، وأما قلت (٧): وزنه فواعل قلبتها (٨)] من حيث همزت عواني (٩) وأوائل، فلما اعترضت الهمزة فيه قلبتها ياء على ما بينا في فعائل) (١٠).\nقال قتادة: (أرادوا ما حملت الحوايا) (١١)، وهو قول ابن عباس:\n_________\n(١) في (أ): مكسورة.\n(٢) في (أ): (أن قلبت) وعليه علامة خطأ، وجاءت في \"الإغفال\" ص ٧٧٩: (إذا قلبت).\n(٣) في النسخ: (قولهم: مدارًا ومهارًا)، وفي \"الإغفال\" (مدارى) فقط.\n(٤) في النسخ: (حواى)، وفي \"الإغفال\" ص ٧٩٩: (وحروف الاعتلال في مطائي وسمائي أكثر منها في مداري ..) ا. هـ.\n(٥) في (أ): (فيقع همز بين ألفين).\n(٦) كذا في \"النسخ\"، وفي \"الإغفال\" ص ٧٩٩: (وهي قريبة من الألف).\n(٧) كذا في (أ)، والصواب: (وإن قلت)، وفي \"الإغفال\" ص ٨٠٤: (وإما فواعل فإنك قلبتها من حيث).\n(٨) ما بين المعقوفين ساقط من (ش).\n(٩) كذا في \"النسخ\"، وفي \"الإغفال\" ص ٨٠٤: (من حيث همزات عوائر وأوائل).\n(١٠) \"الإغفال\" ص ٧٩٨ - ٨٠٤ بتصرف. وانظر: شرح ذلك في \"الدر المصون\" ٥/ ١٠٦، و\"معجم مفردات الإبدال والإعلال\" للخراط ص ٩٠.\n(١١) لم أقف عليه بهذا اللفظ، وأخرج الطبري ٨/ ٧٥، ٧٦، من طرق عن ابن عباس ومجاهد، وسعيد بن جبير، وقتادة، والضحاك، والسدي، قالوا: (الحوايا: =","vol":"8","page":506},{"text":"(﴿أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ﴾ من الشحم فإني لم أحرمه) (١)، و(الحوايا) عطف على الظهور في موضع رفع (٢)، قال الفراء: (يجوز أن يكون في موضع نصب بتقدير حذف المضاف على أن تريد أو شحوم الحوايا، فتحذف الشحوم ويُكتفى بالحوايا، كما قال ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] يريد: أهلها) (٣).\nوحكى ابن الأنباري (٤) عن أبي عبيد أنه قال: (قلت للفراء: هو بمنزلة قول الشاعر:\nلا يَسْمَعُ المَرْءُ فِيهَا ما يُؤَنّسُهُ ... باللَّيْلِ إلاَّ نَئيمَ البُومِ وَالضُّوعَا (٥)\n_________\n= المباعر)، وقال ابن الأنباري في \"شرح القصائد\" ص ٢١٢: (قال المفسرون: الحوايا: المباعر، واحدها: حاوياء وحاوية) ا. هـ.\n(١) سبق تخريجه.\n(٢) هذا قول الطبري ٨/ ٧٥، وعليه يكون التقدير: وإلا الذي حملته الحوايا فإنه غير محرم، وقال أبو حيان ٤/ ٢٤٤، والسمين في \"الدر\" ٥/ ٢٠٣: (هذا هو الظاهر) اهـ.\n(٣) \"معاني الفراء\" ١/ ٣٦٣.\n(٤) قال ابن الأنباري في \"إيضاح الوقت والابتداء\" ٢/ ٦٤٥: (﴿إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا﴾ وقف غير تام؛ لأن (الحوايا) منسوقة على الظهور، كأنه قال: إلا ما حملت ظهورهما أو حملت الحوايا) ا. هـ، وانظر: \"القطع والائتناف\" ١/ ٢٤٢.\n(٥) الشاهد للأعشي في \"ديوانه\" ص ١٠٦، و\"اللسان\" ٥/ ٢٦٢١ (ضوع)، وذكره السمين في \"الدر\" ٥/ ٢٠٥، عن ابن الأنباري، والشاعر يصف قلاة. والنئيم: صوت فيه ضعف كالأنين، وهو صوت البوم. انظر: \"اللسان\" ٧/ ٤٣١٤ (نأم) والضُّوَع: طائر من طير الليل إذا أحصر بالصباح صدح، وقيل: هو ذكر اليوم، والضُّوَع صوته.\nانظر: \"اللسان\" ٥/ ٢٦٢٠، ٢٦٢١ مادة (ضوع).","vol":"8","page":507},{"text":"فقال لي: نعم، يذهب إلى أن الضُّوَع عطف على النئيم، ولم يُعطف على البوم كما عطفت (الحوايا) على ما، ولم تعطف على الظهور (١).\nوقوله تعالى: ﴿أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ﴾ يعني: شحم الأَلية، في قول جميع المفسرين (٢)، قال ابن جريج: (كل شحم في القوائم والجنب والرأس [وفي العينين والأذنين] (٣). يقولون: قد اختلط بعظم فهو حلال لهم، إنما حُرّم عليهم الثرب وشحم الكلية) (٤).\nقال الفراء: (و(ما) في موضع نصب نسقًا على ما في الأولى التي هي نصب بالاستثناء في قوله: ﴿إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا﴾ (٥)، هذا الذي ذكرنا\n_________\n(١) ذكره السمين في \"الدر\" ٥/ ٢٠٥ - ٢٠٦ عن الواحدي، وقال بعده: (فمقتضى ما حكاه ابن الأنباري أن تكون (الحوايا) عطفًا على ما المستثناة، وفي معنى ذلك قلق بين) ا. هـ، والنصب في (الحوايا) من وجهين: أحدهما: العطف على ما في قوله (إلا ما حملت). والثاني: العطف على قوله (شحومهما)، وعلى وجه النصب تكون الحوايا محرمة عليهم بخلاف الرفع.\nانظر: \"المشكل\" لمكي ١/ ٢٧٦، و\"البيان\" ١/ ٣٤٨، و\"التبيان\" ١/ ٣٦٢، و\"الفريد\" ٢/ ٢٤٤، و\"الدر المصون\" ٥/ ٢٠٣ - ٢٠٦.\n(٢) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ١٣٤، والرازي في \"تفسيره\" ١٣/ ٢٢٤ عن جميع المفسرين، ورجح الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ٧٦، أن المراد شحم الألية والجنب وما أشبه ذلك.\n(٣) في (ش): (وفي الأذنين والعينين).\n(٤) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ٧٦، بسند جيد، وذكره النحاس في \"معانيه\" ٢/ ٥١٠.\n(٥) \"معاني الفراء\" ١/ ٣٦٣، وفيه قال: (ما: في موضع نصب) ا. هـ، وقال النحاس في \"إعراب القرآن\" ١/ ٥٨٩: (في هذا أقوال هذا أصحها، وهو قول الكسائي والفراء وثعلب، والنظر يوجبه أن يعطف الشيء على ما يليه، إلا أن لا يصح معناه أو يدل دليل على غيره) ا. هـ واختاره الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ٧٣.","vol":"8","page":508},{"text":"قول أكثر أهل التفسير (١) في هذه الآية.\nوقال أبو إسحاق: (قال قومٌ: حرمت عليهم الثروب، وأحل لهم ما حملت الظهور وصارت ﴿الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ﴾ نسقًا على ما حُرّم لا على الاستثناء [في قوله ﴿إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا﴾] (٢) المعنى على هذا القول: حُرّمت عليهم شحومهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم إلا ما حملت الظهور فإنه غير محرم، وأُدخلت على طريق الإباحة كما قال ﷿: ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٢٤]، فالمعنى: كل هؤلاء أهل أن يعصى فاعص هذا، أو اعص هذا، وأو بليغة في هذا المعنى؛ لأنك إذا قلت: لا تطع زيدًا [وعمرًا] (٣) فجائز أن تكون [نهيتني] (٤) عن طاعتهما معًا في حالة، فإن أطعت زيدًا على حدته لم أكن عاصيًا، وإذا قلت: لا تطع زيدًا أو [عمرًا] (٥) أو خالدًا، فالمعنى: أن هؤلاء كلهم أهل [أن] (٦) لا يطاع، فلا تطع واحدًا منهم، ولا تطع الجماعة، ومثله: جالس الحسن أو ابن سيرين أو الشعبي، فليس المعنى: إني آمرك [بمجالسة] (٧) واحد منهم [ولكن معنى أو معنى الإباحة، المعنى: كلهم أهل أن يجالس، فإن جالست واحدًا منهم (٨)] فأنت مصيب، وإن جالست\n_________\n(١) انظر: \"زاد المسير\" ٣/ ١٤٣ - ١٤٤.\n(٢) ما بين المعقوفين ساقط من (ش).\n(٣) في (أ): (وعمروًا).\n(٤) في (ش): (يهتدي)، وهو تحريف.\n(٥) في (أ): (عمروًا).\n(٦) في (ش): (لأن).\n(٧) في (ش): (مجالسة).\n(٨) ما بين المعقوفين ساقط من (أ).","vol":"8","page":509},{"text":"الجماعة فأنت مصيب) (١)، هذا كلامه.\nوقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ﴾ أي: ذلك التحريم ﴿جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ﴾، قال مقاتل: (عقوبة لهم بقتلهم الأنبياء، وأخذهم الربا، واستحالال أموال الناس بالباطل، فهذا البغي) (٢).\nوقال الكلبي: (﴿جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ﴾ عاقبناهم بذنوبهم، نظيره: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ الآية [النساء: ١٦٠]) (٣).\nوقوله تعالى: ﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ أي: في الإخبار عن التحريم وعن بغيهم (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1107>١٤٧ </span>- قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ﴾ قال الكلبي: (وذلك أن رسول الله - ﷺ - قال للمشركين: هذا ما أوحي إليَّ مما كان محرمًا على اليهود، وما حُرّم على المسلمين في الآية الأولى، وقالوا له: ما أصبت وكذبوه، فقال الله تعالى: ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ﴾ فيما تقول ﴿فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ﴾، لذلك لا يعجل عليكم بالعقوبة ﴿وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ﴾: عذابه إذا جاء الوقت، ﴿عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ يعني: الذين كذبوك بما تقول) (٥).\n_________\n(١) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٠١ - ٣٠٢، وقال أبو حيان في \"البحر\" ٤/ ١٤٥: (الأحسن في الآية إذا قلنا أن ذلك معطوف على (شحومهما) أن تكون أو فيه للتفصيل، فصل بها ما حرم عليهم من البقر والغنم) ا. هـ، وانظر: \"الدر المصون\" ٥/ ٢٠٤ - ٢٠٥.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ١/ ٥٩٥.\n(٣) \"تنوير المقباس\" ٢/ ٧١، والمعنى متقارب. وانظر: \"تفسير الطبري\" ١٢/ ٢٠٦، و\"معاني النحاس\" ٢/ ٥١٣، و\"تفسير السمرقندي\" ١/ ٥٢١، والبغوي ٣/ ٢٠٠، وابن الجوزي ٣/ ١٤٤، وابن كثير ٢/ ١٨٦.\n(٤) انظر: المراجع السابقة.\n(٥) لم أجد من ذكر هذا السبب في نزول الآية، وفي \"تنوير المقباس\" ٢/ ٧١، نحوه في شرح الآية.","vol":"8","page":510},{"text":"وقال ابن عباس: (يريد: الملحدين) (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1108>١٤٨ </span>- قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾ الآية. أخبر الله تعالى عنهم بما سيقولونه (٢) إذا لزمتهم الحجة وتيقنوا باطل ما هم عليه من الشرك بالله، وتحريم ما لم يحرمه الله.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا آبَاؤُنَا﴾ عطف على المضمر المرفوع في ﴿أَشْرَكْنَا﴾ من غير توكيد للمضمر وهو قبيح لولا قوله: (ولا)، فإنه قام مقام تأكيد المضمر (٣)، وهذه المسألة قد مضت بالاستقصاء (٤).\nقال المفسرون (٥) (إن المشركين جعلوا قولهم: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا﴾ حجة لهم على إقامتهم على الشرك، فقالوا: إن الله رضي منا ما نحن عليه، وأراده منا، وأمرنا به، ولو لم يرضه لحال بيننا وبينه، فقال الله تعالى: ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ قال ابن عباس: (يريد: الذين من قبل قومك كذبوا أنبيائهم، وقالوا مثل ما قال هؤلاء) (٦).\nفإن قيل: لم كذبوا في إضافة مشيئة شركهم إلى الله؟\n_________\n(١) لم أقف عليه.\n(٢) في (أ): (بما سيقولو إذا لزمتهم).\n(٣) انظر \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٠٢، و\"إعراب النحاس\" ١/ ٥٩٠، وقد ذهب الكوفيون إلى أنه: يجوز العطف على الضمير المرفوع المتصل نحو (قمت وزيد). وذهب البصريون إلى أنه لا يجوز إلا على قبح في ضرورة الشعر. وأجمعوا على أنه إذا كان هناك توكيد أو فصل فإنه يجوز معه العطف من غير قبح. انظر: الكتاب ٢/ ٢٧٧، و\"الإنصاف\" ٣٨٠، و\"الدر المصون\" ٥/ ٢١٠.\n(٤) لم أقف عليه.\n(٥) انظر \"تفسير الطبري\" ٨/ ٧٨٠، السمرقندي ١/ ٥٢٢، البغوي ٣/ ٢٠١.\n(٦) \"تنوير المقباس\" ٢/ ٧٢، وذكره ابن الجوزي في \"تفسيره\" ٣/ ١٤٥.","vol":"8","page":511},{"text":"قيل: إنهم لم يكذبوا في ذلك، ولو كذبوا في قولهم ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا﴾، لقيل: ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ﴾ بالتخفيف (١)، ولكن المعنى: كما [كذبك هؤلاء] (٢)، كذب كفار الأمم الخالية أنبياءهم، ولم يتعرض لقولهم: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا﴾، ولكن قولهم: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا﴾ لا يكون حجة لهم على أن ما هم عليه من الدين حق؛ لأن الأشياء كلها تجري بمشيئة الله تعالى، فلو كانوا على صواب؛ لأن ذلك بمشيئة الله تعالى لكان من خالفهم أيضًا وجب أن يكون عندهم على صواب؛ لأنهم أيضًا على ما شاء الله، فينبغي أن لا يقولوا إنهم ضالون، فبان أنه لا حجة لهم في قولهم: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا﴾ وإن كان الأمر على ما قالوا؛ لأنهم تركوا أمر الله وتعلقوا بمشيئته، وأمر الله تعالى بمعزل عن إرادته؛ لأنه مريد لجميع الكائنات، غير آمر بجميع ما يريد، فعلى العبد أن يحفظ الأمر ويتبعه، وليس له أن يتعلق بالمشيئة بعد ورود الأمر [بما يجب عليه] (٣) الانتهاء إليه، وهذا معنى ما ذكره أبو إسحاق (٤) وغيره من العلماء (٥).\n_________\n(١) القراءة المشهورة ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ﴾ بتشديد الذال، قال الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ٧٩: (ولو كان ذلك خبرًا من الله عن كذبهم في قيلهم: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا﴾ لقال: (كَذَلِكَ كَذَبَ الذين من قبلهم) بتخفيف الذال، وكان ينسبهم في قيلهم ذلك إلى الكذب على الله لا إلى التكذيب ..) ا. هـ، وانظر: \"تفسير البغوي\" ٣/ ٢٠١، وابن عطية ٥/ ٣٨٨، والرازي ١٣/ ٣٢٥.\n(٢) لفظ: (كذبك هؤلاء)، ساقط من (ش).\n(٣) في (ش): (بعد ورود الأمر لما يجب الانتهاء إليه).\n(٤) انظر: \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٠٢.\n(٥) ومنهم: الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ٧٨، ٧٩، والنحاس في \"معانيه\" ٢/ ٥١٣ - ٥١٤، والثعلبي في \"تفسيره\" ص ١٨٥ ب، والبغوي ٣/ ٢٠١.","vol":"8","page":512},{"text":"وقال أبو علي الجرجاني: (احتج (١) المشركون بأنهم أشركوا بمشيئة الله، والمراد بالمشيئة هاهنا: الأمر، وترك النهي لا الإرادة التي يقولها المؤمنون، أيضًا أن الشرك وكل كائن فهو بمشيئته، وإنما يكون لهم تعلق بهذا إذا أرادوا بالمشيئة الأمر، ألا ترى أن رجلًا لو كان معه حدث فعوتب عليه فقال: لو شاء فلان لم أفعله (٢) لم يكن له في ظاهر هذا القول عذر، ولا تعلق إلا أن يعني به أنه أمره به، ومن عادة العرب الجارية بينهم في المحاورات إذ أمر الرجل بشيء ففعله، فيتم عليه الأمر وعاتبه عليه أن يقول له: لو شئت أنت لم أفعله، أي: أنك أنت أمرتني به فلمَ تنكره عليّ ولو نهيتني عنه لم أفعله، ويدل على صحة ما ذهبنا إليه من أن هذا محمول على الأمر قوله: ﴿قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [الأنعام: ١٤٣]، وهذا يدل على أنهم أضافوا ذلك التحريم إلى أن الله تعالى أمرهم به لا إلى مشيئته. ولو أضافوا ذلك إلى المشيئة لقال ﷿ في الإنكار عليهم: قل أتحريم الذكرين شاء لكم أم تحريم الأنثيين، وكذلك قوله: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا﴾ [الأنعام: ١٤٤]، وهل تكون التوصية إلا أمرًا ظاهرًا لا مشيئة باطنة، ولم يكن الله ليطالبهم بأن يكونوا شهداء بمشيئته، ثم قال: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ [الأنعام: ١٤٤] يعني قولهم (٣): إن الله أمرنا بتحريم هذه الأنعام، وكذلك قوله: ﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا﴾ [الأنعام: ١٥٠] أي: أمر بتحريمه فلما دلت هذه الآيات على أنهم أضافوا ما كانوا عليه إلى أن الله تعالى\n_________\n(١) في (أ): (حين احتج المشركون).\n(٢) في (ش): (يفعله).\n(٣) لفظ (قولهم)، ساقط من (أ).","vol":"8","page":513},{"text":"أمرهم به كان.\nقوله: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا﴾ أي: لو نهانا عن الشرك ولم يأمرنا به ﴿مَا أَشْرَكْنَا﴾، فأضافوا شركهم إلى أمره، كما أضافوا التحريم، وقد صرح الله تعالى بهذا الذي ذكرنا في الإخبار عنهم في قوله: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٨]، فالمرجع على ما رتبنا وبيّنا في تأويل قوله: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا﴾ وجميع ما يتصل به إلى أنهم ادَّعوا على الله أنه أمرهم به، فكذّبهم الله في ادعائهم أمره بذلك، لا أنه كذبهم في إضافتهم مشيئة ما هم فيه إليه، ومما جاء في القرآن، من مثل هذا قوله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى﴾ إلى قوله: ﴿أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ [الأعراف: ١٦٩]، فهذا تبكيت لهم على قولهم (سَيُغْفَرُ لَنَا) (١)؛ لأن الكذب لا يقع إلا فيه مما ذكر في (٢) هذه الآية، ومعنى قولهم ﴿سَيُغْفَرُ لَنَا﴾ أنهم ادّعوا أن الله وعدهم أن يغفر لهم، فكذّبهم الله تعالى في ادعائهم الوعد، ولا يحسن حمله إلا على هذا الوجه؛ لأنه لا يحسن أن ينكر عليهم حسن الظن بالله في الغفران وحسن الظن غير مذموم) (٣).\nوقال أبو بكر بن الأنباري: (إنما عابهم الله تعالى بردّ المشيئة إليه حن استهزءوا واحتجوا على المؤمنين، وضَعّفوا أمر الرسل بردّ المشيئة إلى الله فقالوا للمؤمنين: ما نحتاج إلى اتباع الرسل؛ لأن الذي نحن عليه بمشيئة\n_________\n(١) في (ش): (لهم بدلًا من (لنا).\n(٢) لفظ: (في) ساقط من (ش).\n(٣) لم أقف عليه عن أبي علي الجرجاني.","vol":"8","page":514},{"text":"ربنا، وعلى أنه لو شاء نقلنا عنه، فلما لم يقولوه على جهة التعظيم لله [وقالوه] (١) طاعنين على المسلمين، ومضعّفين أمر الأنبياء نعاه الله ﷿ عليهم وبيّن جهلهم فيه) (٢).\nوهذا قول الحسين بن الفضل: (أنهم قالوا هذه المقالة تكذيبًا وتخرّصًا وجدلًا من غير معرفة بالله وبما يقولون، ولو قالوها تعظيمًا وإجلالًا لله ومعرفة منهم به لما عابهم الله بذلك؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا﴾ [الأنعام: ١٠٧]، والمؤمنون يقولونه، ونظير هذا قوله: ﴿وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾ [الزخرف: ٢٠] قال الله: ﴿وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾ [الزخرف: ٢٠] أي: قولهم هذا من غير علمٍ منهم بالله، والمؤمنون يقولونه بعلم بالله منهم) (٣).\nوقوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا﴾، قال ابن عباس: (أي: من كتاب نزل من عند الله في تحريم ما حرّمتم) (٤)، ﴿إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾ ما تتبعون فيما أنتم عليه إلا الظن، لا العلم واليقين ﴿وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ﴾ وما أنتم إلا خارصين، كاذبين، والمراد بلفظ الاستقبال: الاسم كما تقول: رأيته يصلي، أي: مصليًا، ويأكل أي:\n_________\n(١) في (ش): (وقالوا).\n(٢) لم أقف عليه.\n(٣) ذكره الثعلبي في \"الكشف\" ١٨٥ ب، والبغوي في \"تفسيره\" ٣/ ٢٠١، والخازن ٢/ ١٩٧، وقال ابن عطية في \"تفسيره\" ٥/ ٣٨٧: (قال بعض المفسرين: إنما هذه المقالة من المشركين على جهة الاستهزاء، وهذا ضعيف) اهـ.\n(٤) ذكره الوحدي في \"الوسيط\" ١/ ١٣٦، وذكره ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٣/ ١٤٥ بدون نسبة.","vol":"8","page":515},{"text":"آكلًا، ونظير هذا قوله: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ [الأنعام: ١١٦]، وقد مضى في هذه السورة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1109>١٤٩ </span>- قوله تعالى: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ﴾ قال الزجاج: (حجته البالغة تبيينه أنه الواحد، وإرساله الأنبياء بالحجج التي يعجز عنها المخلوقون أجمعون) (١)، وهذا معنى قول المفسرين: لله الحجة البالغة بالكتاب والرسول والبيان (٢).\n﴿فَلَوْ (٣) شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ هذا يدل على أنه ما شاء إيمان الكافر ولو شاء لهداه، والقدرية يحملون هذه الآية ونظائرها على الإلجاء، وذلك باطل من وجوه:\nأحدها: أن هذا عدول عن الظاهر، والظاهر لا يدل على أن المراد لو شاء لألجأهم إلى الإيمان حتى يؤمنوا.\nوالثاني: أن عندهم الله تعالى أراد أن يؤمن الخلق اختيارًا لا اضطرارًا، فإذا لم يؤمنوا أختيارًا حتى يلجئهم لم يرتفع مراده.\nوالثالث: أنهم بعد الإلجاء يجوز أن يصبروا على مقاساة الشدة ولا يؤمنوا فلا يرتفع أيضًا مراده كمن صبر على مطالبة ما يقدر على أدائه حتى يهلك، وأيضًا فإن هذا الإلجاء إذا قدر الله تعالى عليه ولم يفعل حتى يؤمنوا فشركهم كان بإرادته؛ لأن عندهم لا يجوز أن يدخر الله تعالى شيئًا عن\n_________\n(١) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٠٣.\n(٢) انظر: \"تفسير الطبري\" ٨/ ٧٩، و\"معاني النحاس\" ٢/ ٥١٤، و\"تفسير السمرقندي\" ١/ ٥٢٢، والبغوي ٣/ ٢٠٢.\n(٣) في النسخ: (ولو شاء) بالواو، وقد جاء ذلك في سورة النحل، الآية ٩ قوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾.","vol":"8","page":516},{"text":"الخلق (١) لو فعله لآمنوا، فإذا كان إيمانهم إنما يحصل بالإلجاء ثم لم يفعل فقد أراد شركهم (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1110>١٥٠ </span>- قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ﴾ الآية، قال الليث: (هَلُم كلمة دعوة إلى شيء، الواحد والاثنان والجميع والذكر والأنثى فيه سواء، إلا في لغة بني سعد (٣) فإنهم يحملونه على تصريف الفعل يقولون: هَلُمَّا هَلُمُّوا) (٤)، ونحو ذلك قال ابن السكيت فيما أخبرناه أبو الفضل العروضي، [أخبرنا] (٥) الأزهري، عن المنذري، عن الحَرَّاني، عنه يقول: (هَلُمَّ يا رجل، وكذلك للاثنين والجميع والمؤنت مُوَحَّد، قال الله ﷿: ﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ﴾ [الأنعام:١٥٠] وقال ﷿: ﴿وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ﴾ [الأحزاب: ١٨] ولغة أخرى يقال للاثنين: هَلُمَّا، وللجميعِ: هَلُمُّوا، وللمرأة: هَلُمِّي، وللاثنين: هلُمَّا، وللجميع: هَلُمْنَ، والأول أصح وإذا قال لك: هَلُمَّ إلى كذا، قلت: [إلاَمَ أَهَلُمُّ، وإذا قال لك: هَلمُّ كذا قلت: (٦)] لا أَهَلُمُّه مفتوحة الألف والهاء، أي: لا أعطيكه) (٧) انتهى كلامه.\n_________\n(١) في (ش): (على الخلق).\n(٢) انظر: \"تفسير البغوي\" ٣/ ٢٠٢، وابن عطية ٥/ ٣٩٠، والرازي ١٣/ ٣٢٥، ٣٢٦.\n(٣) بنو سعد: هم بنو سعد العشيرة، حي من كهلان من القحطانية، وهم بنو سعد العَشيرة ابن مالك، وهو مذحج بن أَدد بن يزيد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان. انظر: \"الاشتقاق\" ص ٣٩٧، و\"نهاية الأرب\" ص ٢٦٨.\n(٤) \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٧٨٨، وانظر: \"مجاز القرآن\" ١/ ٢٠٨.\n(٥) في (أ): (انباء).\n(٦) ما بين المعقوفين ساقط من (ش).\n(٧) \"إصلاح المنطق\" ص ٢٩٠، وبعضه في \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٧٨٨، وانظر: \"تهذيب إصلاح المنطق\" ٢/ ١٢٠ - ١٢١.","vol":"8","page":517},{"text":"قال النحويون: (١) (هلم على اللغة الأولى لا تصرف له وهو بمنزلة نعم وبئس، وإذا زال التصرف لم يبن عليه في الجواب إلا أهلم (٢) وأهلم فإن هذا تصرف، وإنما تصرف هذا إلى اللغة الثانية المجراة (٣) مجرى الأفعال المتصرفة في التثنية والجمع). فأما أصل هذه الكلمة وإعرابها، فقال الخليل وسيبويه: (إنها هاء ضمت إليها لُمّ، ومعنى لمّ، أي: جمع، ويكون معنى: ادنُ، يقال: لفلان لمه، أي: دنو، ثم جعلتا كالكلمة الواحدة) (٤).\nوقال الفراء: (أصلها هل أُمَّ، أرادوا بهل: أقبل، وأُم، أي: اقصد) (٥)، وهذا قول ابن دريد أيضًا (٦).\nوقال أبو إسحاق: (وفتحت هلم (٧)؛ لأنها مدغمة كما فتحت رُدَّ في الأمر لالتقاء الساكنين، ولا يجوز فيها هَلُمَّ بالضم كما يجوز في رُد بالضم (٨) لأنها لا تتصرف).\n_________\n(١) انظر: \"معاني الأخفش\" ٢/ ٢٩٠، و\"تأويل مشكل القرآن\" ص ٥٥٧، و\"المقتضب\" ٣/ ٢٠٢ - ٢٠٣، و\"الأصول\" ١/ ١٤١ - ١٤٦، و\"حروف المعاني\" للزجاجي ص ٧٣ - ٧٤، و\"الخصائص\" ٣/ ٣٥ - ٣٧، و\"الصاحبي\" ص ٢٧٩، و\"المشكل\" ١/ ٢٧٧، و\"البيان\" ١/ ٣٤٨، و\"التبيان\" ١/ ٣٦٣.\n(٢) في (أ): (في الجواب لا أهلم أو أهلم). وقد ضبط إلا أهلم بفتح الهاء، وضم اللام وأهَلِم: بكسر اللام.\n(٣) في (ش): (والمجراة)، بالواو.\n(٤) انظر: \"الكتاب\" ٣/ ٥٢٩ و٣/ ٣٣٢ و١/ ٢٤٦.\n(٥) \"معاني الفراء\" ١/ ٢٠٣. وانظر: \"الصاحبي\" ص ٢٧٩.\n(٦) \"جمهرة اللغة\" ٢/ ٩٨٨.\n(٧) في (ش): (هل)، وهو تحريف.\n(٨) في \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٠٣: (كما يجوز في رد: الفتح والضم والكسر؛ لأنها لا تتصرف) ا. هـ، وانظر: \"إعراب النحاس\" ٢/ ١٠٥.","vol":"8","page":518},{"text":"قال أبو علي الفارسي: (اعلم أن في قولنا: هلم، لغتين، إحداهما: وهو قول أهل الحجاز ولغة التنزيل: أن تكون في جميع الأحوال للواحد والواحدة والاثنين والثنتين، والجماعة من الرجال والنساء على لفظ واحد، لا يظهر فيه علامة تثنية ولا جمع، فيكون بمنزلة رُوَيْدَ وصَهْ ومَهْ ونحو ذلك من الأسماء التي سميت بها الأفعال، وتستعمل للواحد والجميع والتأنيث والتذكير على صورة واحدة، والأخرى: أن تكون بمنزلة رُدَّ في ظهور علامات الفاعلين على حسب ما يظهر في رُدّ وسائر ما أشبهها من الأفعال، فأما الهاء اللاحق بها أولًا فهي من هَاء التي للتنبيه لحقت أولًا؛ لأن لفظ الأمر قد يحتاج له إلى استعطاف المأمور واستدعاء إقباله على الأمر، فهو لذلك (١) يقرب من المنادى، ومن ثم دخل حرف التنبيه في قوله: (ألا (٢) يسجدوا) [النمل: ٢٥]، ألا ترى أنه أمر كما أن [هذا أمر] (٣) إلا أنه كثر الاستعمال مع هاء، فغير بالحذف؛ لكثرة الاستعمال كأشياء [تغير] (٤) لذلك بالحذف نحو: لم أُبَلْ (٥) ولا أَدْرِ ولم يَكْ، وما أشبه ذلك مما يُغير للكثرة، ومما حسن حذف الألف من ها في هلم أنها في موضع كان يجب\n_________\n(١) في (ش): فهو كذلك.\n(٢) جاء في النسخ (أَلَا يَا اسْجُدُوا)، وقد قرأ الكسائي بتخفيف اللام ووقف (أَلاَ يَا) ثم ابتدأ (اسْجُدُوا) وقرأ الباقون: بتشديد اللام (ألَّا يَسْجُدُوا). انظر: \"السبعة\" ص ٤٨٠، و\"المبسوط\" ص ٢٧٩، والاستشهاد هنا على تخفيف (ألا)، وأبو علي الفارسي يعتبر (يا) لمجرد التنبيه، انظر: \"الحجة\" لأبي علي ٥/ ٣٨٣، و\"كتاب الشعر\" ١/ ٦٦.\n(٣) في (أ): (هذا الأمر)، وهو تحريف.\n(٤) في النسخ (يغير) بالياء، والأصح بالتاء كما في \"الإغفال\" ص ٧١٣.\n(٥) انظر \"اللسان\" ١/ ٩","vol":"8","page":519},{"text":"أن يسقط في الأصل لالتقاء الساكنين، ألا ترىَ أن فاء الفعل (١) كانت في موضع سكون قبل الإدغام، وقد نجد الحركات التي تُلقى على الحرف لحرف غيره لا يخرج الحرف به عن أن يكون في نية سكون، يدلك على ذلك تركهم قلب الياء في جيل، فحسن الحذف لسكون الألف، [ولأن] (٢) الفاء كأنها ساكنة إذ حركتها لغيرها كما كانت الياء في جيلٍ كأنها ساكنة، ولولا ذلك لوجب الإعلال والقلب فمن حيث لم يجب القلب حسن الحذف في الألف من هلم.\nفأما ما حُكي عن الفراء أنه قال في هلم: أن أصله هَلْ أُمّ، فالدليل على فساد هذا القول وفَسالته أن هل لا يخلو من أحد أمرين: إما أن يكون بمعنى: قد، وهذا يدخل في الخبر، وإما أن يكون بمعنى: الاستفهام، وليس لواحد من الحرفين متعلق بهلم ولا له مدخل (٣)، ألا ترى أنه يراد بها الأمر دون غيره، فلا وجه لها هنا، ألا ترى أنه لا يكون هل أضرب وأنت تأمر، وأيضًا فإن أمّ بعد هل لا يخلو من أن يكون مثله رُدَّ ومُدَّ وأنت تأمر، أو يكون مثل فُعِلَ إذا أخبرت، فلا يجوز على قوله أن يكون التي للأمر من حيث لا تقول: هل اضْرِبْ، ولا هل اقْتُلْ، ولا يجوز أن يكون بمعنى فُعِلَ؛ لأن ذلك للخبر، والخبر لا وجه له [هنا] (٤) لأن المراد [الأمر]. وهذا\n_________\n(١) في \"الإغفال\" ص ٧١٥ (أفعل)، وأشار المحقق في الهامش إلى ورود لفظ، الفعل في بعض النسخ.\n(٢) في (ش): (لأن).\n(٣) قال أبو علي في \"العضديات\" ص ٢٢٣: (لا يجوز أن يكون للاستفهام لاستحالة دخول الاستفهام على الأمر، ولا يجوز أيضًا أن يكون هل التي بمعنى قد التي تدخل على الخبر؛ لأن ذلك لا تدخل على الأمر، لا يجوز قد أذهب) اهـ.\n(٤) في (ش): (هاهنا).","vol":"8","page":520},{"text":"قول فاسد جدًّا لا يجب أن يُعرّج عليه، والقول فيه ما قدمنا ذكره.\nوأما قول أبي إسحاق: فتحت؛ لأنها مدغمة كما فتحت رُدّ في الأمر لالتقاء الساكنين، فليس يخلو الفتح فيه من أن يكون لالتقاء الساكنين كما قال، أو من أن (١) يكون؛ لأنه بُني مع الحرف المضموم إليه على الفتح كخمسة (٢)، فلو كان الفتح لالتقاء الساكنين كما قال لجاز أن يحرك بالكسر أيضًا لالتقاء الساكنين، وإذا لقيته ألف (٣) ولام مثل غُض الطرف فلما لم يحركه لا التميميون الذين يجمعون ويثنون ولا الحجازيون الذين يفردون ولا يغيرون دل ذلك من أمرها على أن الجميع أجمعوا فيها على البناء على فتحها وحركوها لذلك، ولم يكن حركتها عند الجميع لالتقاء الساكنين، ألا ترى أن ما كان حركته لالتقاء الساكنين من هذا الضرب لا يمتنع اختلاف الحركات فيه [وأن ذلك] (٤) مطرد في جميعه (٥) فيخصص هذا من بين ذلك كله دلالة على أن حركته لما قلنا دون ما ذهب إليه، وهو مذهب سيبويه فإنه (٦) قال: لا يكسر هلم البتة) (٧).\n_________\n(١) لفظ: (أن) ساقط من (ش)، وفي \"الإغفال\" ص ٧٢٠: (أو يكون لأنه بني).\n(٢) أي فتحت من أجل التركيب كما فتحت خمسة عشر وبابها. انظر: \"التبيان\" ١/ ٣٦٣.\n(٣) في (ش): (الألف)، وفي \"الإغفال\" ص ٧٢٠: (إذا لقيته الألف واللام) ا. هـ.\n(٤) لفظ: (وأن ذلك) ساقط من (أ)، وفي \"الإغفال\" ص ٧٢١: (فإن ذلك مطرد).\n(٥) كذا في \"النسخ\"، وفي \"الإغفال\" ص ٧٢١ (جمعه)، وأشار المحقق في الهامش إلى ورود (جميعه).\n(٦) \"الكتاب\" ٣/ ٥٣٤.\n(٧) هذا ملخص ما ذكره أبو علي في \"الإغفال\" ص ٧١١ - ٧٢١، ونحوه ذكر في \"المسائل العضديات\" ص ٢٢١، وانظر: \"الدر المصون\" ٥/ ٢١١ - ٢١٣.","vol":"8","page":521},{"text":"فأما معنى ﴿هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ﴾ فقال الزجاج: (هاتوا شهداءكم [وقربوا شهداءكم]) (١) (٢)، وهذه الكلمة تستعمل تارة بمعنى دعاء المخاطب كقولك: هلم إليّ، أي: ادن مني وتعال، وتارة تستعمل بمعنى التعدية كقولك: هلم الطعام والشراب، وبالمعنيين ورد القرآن قال الله تعالى: ﴿وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾ [الأحزاب: ١٨]. وقال في هذه الآية: ﴿هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ﴾، فإذا كان بمعنى التعدية فاشتقاقه من اللم الذي هو الجمع، وإذا (٣) كان بمعنى دعاء المخاطب فاشتقاقه من اللمم بمعنى: الدنو (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1111>١٥١ </span>- قوله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ قال الزجاج (٥) وابن الأنباري (٦): (موضع (ما) نصب بـ (أتْل)، أي: اتل الذي حرمه ربكم).\nقال أبو إسحاق: (ويكون ﴿أَلَّا تُشْرِكُوا﴾ منصوبة بمعنى طرح اللام، أي: أبيّن لكم الحرام لئلا تشركوا به شيئًا؛ لأنهم إذا حرموا ما أحل الله ﷿ فقد جعلوا غير الله في القبول منه بمنزلة الله جل وعز فصاروا بذلك مشركين.\n_________\n(١) لفظ: (وقربوا شهداءكم) ساقط من (ش).\n(٢) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٠٣.\n(٣) في (ش): (فإذا).\n(٤) انظر: \"الصحاح\" ٥/ ٢٠٦٠، و\"المجمل\" ٤/ ٩٠٧، و\"المفردات\" ص ٨٤٤، و\"اللسان\" ٨/ ٤٦٩٤ (هلم)، وقال السمين في \"الدر\" ٥/ ٢١٣: (هلم تكون متعدية بمعنى أَحْضر، ولازمة بمعنى أقبل، فمن جعلها متعدية أخذها من اللمِّ وهو الجمع، ومن جعلها قاصرة أخذها من اللمَمِ وهو الدنو والقرب) اهـ.\n(٥) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٠٣.\n(٦) لم أقف عليه.","vol":"8","page":522},{"text":"قال: ويجوز أن يكون ﴿أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ﴾ (١) محمولًا على المعنى، فيكون أتلو عليكم ألا تشركوا [والمعنى: أتلو عليكم تحريم الشرك، قال: وجائز أن يكون على معنى أوصيكم ألاّ تشركوا (٢)] به شيئًا؛ لأن قوله: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ محمول على معنى: أوصيكم بالوالدين إحسانًا) (٣).\nقال أبو بكر: (وقال آخرون: موضع أن نصب بعلى على (٤) معنى الإغراء، والكلام انقطع عند قوله: ﴿أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ﴾ والابتداء ﴿عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا﴾ كما قال تعالى: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥] قال: ويجوز أن يكون أن في موضع رفع بعلى، كما تقول: عليكم الصيام والحج) (٥).\nوأما موضع (تشركوا) فذكر الفراء فيه قولين: (أحدهما: وهو الظاهر أنه نصب بأن، ويجوز أن يكون في موضع جزم بلا على النهي كقولك: أمرتك ألا تذهبَ إلى زيد بالنصب وأن لا تذهبْ بالجزم، كما قال الله تعالى ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ﴾ [الأنعام: ١٤] فنصب أوله، ونهى في آخره. قال: والجزم في هذه الآية أحب إليّ لقوله: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ﴾ [الأنعام: ١٥٢] وأمّا ما نسقته على ﴿أَلَّا تُشْرِكُوا﴾\n_________\n(١) في (ش): ﴿أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾.\n(٢) ما بين المعقوفين ساقط من (ش).\n(٣) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٠٤.\n(٤) في (ش): (نصب بمعنى على معنى)، وهو تحريف.\n(٥) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ١٣٨، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٣/ ١٤٧، والسمين في \"الدر\" ٥/ ٢١٦ - ٢١٧، واستبعد أبو حيان في \"البحر\" ٤/ ٢٥٠، والسمين في \"الدر\" ٥/ ٢١٧، النصب على الإغراء قال السمين: (هذا ضعيف لتفكك التركيب عن ظاهره، ولأنه لا يتبادر إلى الذهن) اهـ.","vol":"8","page":523},{"text":"من قوله: ﴿تَقْرَبُوا﴾ و﴿تَقْتُلُوا﴾ [الأنعام: ١٥١] فجائز أن يكون نصبًا وجزمًا على ما ذكرنا، وجائز أن يخالف بينهن فتحكم على بعض بالنصب، وعلى بعض بالجزم) (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ قد ذكرنا [أنه على] (٢) معنى: أوصيكم ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ وقال أبو بكر: (التقدير: أن لا تشركوا به شيئًا وأن تفعلوا ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ فحذف الفعل لوضوح معناه) (٣).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ﴾ قال ابن عباس: (يريد: مخافة الفقر) (٤).\nوقال الزجاج: (أي: من فقر، أي: من خوف فقر) (٥)، وقد صرح\n_________\n(١) انظر: \"معاني الفراء\" ١/ ٣٦٤، و\"تفسير الطبري\" ٨/ ٨١، ٨٢، و\"إعراب النحاس\" ١/ ١٩١، و\"المشكل\" ١/ ٢٧٧، و\"غرائب التفسير\" ١/ ٣٩١، و\"البيان\" ١/ ٣٤٩، و\"التبيان\" ١/ ٣٦٤، و\"الفريد\" ٢/ ٢٤٨، وأطال السمين في \"الدر\" ٥/ ٢١٣ - ٢١٨: في إعراب هذه الآية، وذكر في (ما) ثلاثة أوجه: وفي محل (أن لا تشركوا) ثلاثة أوجه، الجر من وجه واحد، والرفع من ثلاثة أوجه، والنصب من ستة أوجه.\n(٢) لفظ: (أنه على) ساقط من (ش).\n(٣) لم أقف عليه. وانظر: \"المشكل\" ١/ ١٠٢، و\"البيان\" ١/ ٨٤.\n(٤) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ٨٢، وابن أبي حاتم ٥/ ١٤١٤ بسند جيد، وذكره السيوطي في \"الدر\" ٤/ ١٠٣، وهو في \"مسائل نافع بن الأزرق\" ص ١١٥، و\"تنوير المقباس\" ٢/ ٧٣، وأخرج أبو عبيد في \"اللغات\" ص ٩٨، وابن حسنون ص ٢٤، و\"الوزان\" ص ٣/ ب بسند جيد عن ابن عباس قال: (يعني: من جوع بلغة لخم) اهـ.\n(٥) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٠٤، ونحوه في \"غريب القرآن\" لليزيدي ص ١٤٣، و\"تفسير غريب القرآن\" ص ١٦٣، و\"تفسير المشكل\" ص ٨١، وقال الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ٨٢: (الإملاق: مصدر من قول القائل: أملقت من الزاد، فأنا أملق إملاقًا. وذلك إذا فني زاده وذهب ماله، وأفلس) ا. هـ، وانظر: \"مجاز القرآن\" ١/ ٢٠٨.","vol":"8","page":524},{"text":"بذكر الخوف (١) في قوله: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾ [الإسراء: ٣١]، وهذا في النهي عن [الوأد] (٢) كانوا يدفنون البنات أحياء، بعضهم للغيرة، وبعضهم خوف الفقر، فضمن الله (٣) لهم الرزق. وقال: ﴿نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾ [الإسراء: ٣١] قال شمر: (أمْلق لازم ومتعدٍّ، يقال: أَمْلَق الرجلُ فهو مُملق إذا افتقر، فهذا لازم، وأملق الدَّهرُ ما بيده إذا أفسده، والإملاق: الإفساد) (٤).\nوقال ابن شميل أيضًا: (ومنه قول أوس بن حجر:\nوَلَمَّا رَأَيْتُ الْعُدْمَ قَيَّدَ نَائِلي ... وَأَمْلَقَ ما عِندي خُطُوبٌ تَنَبَّلُ (٥)\n[أي: تذهب بالمال تَنَبلَّتْ بما عندي، أي: ذهبت به (٦)].\n_________\n(١) قال في الأنعام: ﴿مِنْ إِمْلَاقٍ﴾ لأنه فقر واقع. وفي الإسراء: ﴿خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾؛ لأنه فقر متوقع. انظر: \"ملاك التأويل\" ١/ ٣٥٣، و\"فتح الرحمن\" ص ١٨١.\n(٢) في (ش): (الولد)، وهو تحريف.\n(٣) لفظ: (الله) ساقط من (أ).\n(٤) \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٤٤٨، والظاهر من إيراد الأزهري أن البيت من كلام شمر وليس من كلام ابن شميل، وأيضًا قوله: (والإملاق: الإفساد) من قول ابن شميل، وانظر: في معنى الإملاق، و\"إصلاح المنطق\" ص ٤٦، ٢٧٥، و\"الجمهرة\" ٢/ ٩٧٥، و\"الصحاح\" ٤/ ١٥٥٦، و\"المجمل\" ٣/ ٨٤٠، و\"اللسان\" ٧/ ٤٢٦٥ (ملق).\n(٥) \"ديوانه\" ص ٩٤، و\"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٤٤٨، و\"اللسان\" ٧/ ٤٢٦٥ مادة (ملق)، و\"الدر المصون\" ٥/ ٢١٨، والعُدْم -بضم فسكون-: فقدان الشيء وذهابه، والفقر، وغلب على فقد المال وقلته. انظر: \"اللسان\" ٥/ ٢٨٤٨ مادة (عدم)، والخطوب: بالضم جمع خطب بفتح فسكون، وهو الشأن والأمر. انظر: \"اللسان\" ٢/ ١١٩٤ (خطب)، وتنبل: بالفتح تأخذ الأنبل. انظر: \"اللسان\" ٧/ ٤٣٣٠ (نبل).\n(٦) ما بين المعقوفين ساقط من (أ)، وملحق بالهامش.","vol":"8","page":525},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ قال ابن عباس: (كانوا يكرهون أن يزنوا علانية فيفعلون ذلك سرًا فنهاهم الله عن الزنا سرًا وعلانية) (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ قال: (إلا بالقود يريد: القصاص) (٢).\nوقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ﴾ قال الزجاج: (هذا يدل على أن معنى ﴿وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ محمول على معنى: وصاكم بأن لا تشركوا) (٣).\n_________\n(١) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ٨٣، وابن أبي حاتم ٥/ ١٤١٦ بسند جيد، وذكره السيوطي في \"الدر\" ٣/ ١٠٤، وهذا من باب التمثيل، والآية عامة، وهو اختيار الجمهور، وروي عن ابن عباس ﵄ كما في \"الدر المنثور\" ٣/ ١٠٤، وقال ابن عطية في \"تفسيره\" ٥/ ٣٩٤: (الآية نهي عام عن جميع أنواع الفواحش وهي المعاصي، وظهر وبطن حالتان تستوفيان أقسام ما جعلت له من الأشياء، وذهب بعضهم إلى تخصيص لا تقوم عليه حجة، بل هو دعوى مجردة) ا. هـ. ملخصًا. وانظر: \"تفسير الطبري\" ٨/ ٨٣، والرازي ١٣/ ٢٣٣، والقرطبي ٧/ ١٣٣.\n(٢) (قال) كذا في \"النسخ\"، والمراد ابن عباس ﵄، كما ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ١٣٩، وفي \"تنوير المقباس\" ٢/ ٧٣: (﴿إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ بالعدل يعني: بالقود والرجم والارتداد) ا. هـ، ولعل ما ذكره الواحدي من باب التمثيل لبعض ما أباح الشارع به قتل النفس، فهذه الآية نهي عن قتل النفس المحرمة مؤمنة كانت أو معاهدة إلا بالحق الذي يوجب قتلها، وقد بينته الشريعة ومنها الردة، وقتل النفس، والزنا بعد الإحصان والحرابة، انظر: \"تفسير الطبري\" ٨/ ٨٤، والبغوي ٣/ ٢٠٣، وابن عطية ٥/ ٣٩٥، والقرطبي ٧/ ١٣٣، وابن كثير ٢/ ٢١١.\n(٣) انظر: \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٠٤، وانظر: \"أضواء البيان\" ٢/ ٢٧٧ - ٢٧٨، وفيه رجح هذا الوجه.","vol":"8","page":526},{"text":"قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام:١٥٢] قال عطاء، عن ابن عباس (يريد: إن كنت له وصيًا فأصلحت في ماله وقمت لله في ضيعته (١) أكلت بالمعروف إن احتجت إليه، وإن كنت غنيًا عنه فعفّ عن أكله، وقد قال في سورة البقرة: ﴿فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ﴾ الآية [البقرة: ٢٢٠]) (٢). وقال الضحاك: (هو أن يبتغي له فيه من فضل الله ولا يأخذ من ربحه شيئًا) (٣).\nوقال (٤) مجاهد: (هو التجارة فيه) (٥). قال أبو إسحاق: (﴿الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ حفظ ماله عليه وتثميره بما يوجد السبيل إليه) (٦). وهو قول السدي قال: (التي هي أحسن التثمير له) (٧).\n_________\n(١) الضَّيْعة، بفتح فسكون: الحرفة، والصناعة، والمال، وسياسة الإبل والغنم. انظر: \"اللسان\" ٥/ ٢٦٢٤ (ضيع).\n(٢) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ١٤٠، وفي \"تنوير المقباس\" ٣/ ٧٣، و\"زاد المسير\" ٣/ ١٤٩، نحوه عن ابن عباس ﵄.\n(٣) أخرجه الطبري ٨/ ٨٤، وابن أبي حاتم ٥/ ١٤١٩، بسند ضعيف، وذكره الثعلبي في \"الكشف\" ١٨٦ أ، والماوردي في \"تفسيره\" ٢/ ١٨٧، والبغوي ٣/ ٢٠٤.\n(٤) في (أ): (وهو مجاهد هو التجارة فيه)، وفي (ش): (وقال مجاهد هو من التجارة فيه).\n(٥) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ٨٤ بسند جيد، وذكره النحاس في \"معانيه\" ٢/ ٥١٧، والثعلبي في \"تفسيره\" ١٨٦ أ، والماوردي ٢/ ١٨٧، والبغوي ٣/ ٢٠٣ - ٣٠٤.\n(٦) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٠٥، وفيه (بما يوجد إليه السبيل).\n(٧) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ٨٤ بسند جيد، وذكره ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٥/ ١٤١٩، ورجح هذا القول الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ٨٤، والبغوي ٣/ ٢٠٣، وابن عطية ٥/ ٣٩٦، وقال القرطبي في \"تفسيره\" ٧/ ١٣٤ في تفسير الآية: (أي: بما فيه صلاحه وتثميره، وذلك بحفظ أصوله وتثمير فروعه، وهذا أحسن الأقوال =","vol":"8","page":527},{"text":"وقوله تعالى: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ قال (١): (حتى محمولة على المعنى أي: احفظوه عليه حتى يبلغ أشده، فإذا بلغ أشده فادفعوا إليه ماله)، وأما معنى الأشد وتفسيره (٢) فقال الليث: (الأشُدُّ: مبلغ الرجل الحُنكة (٣) والمعرفة) (٤)، وقال أبو عبيد (٥): (قال الفراء: الأشُد واحدها شَدٌّ في القياس، ولم أسمع لها بواحد، وأنشد:\nقد سادَ وَهْو فَتًى حَتَّى إذا بَلَغَتْ ... أَشُدُّه وعَلا في الأَمْرِ واجْتَمَعَا) (٦)\nوقال أبو الهيثم: (واحدة الأشد: شِدَّة، كما أن واحدة الأَنعُم: نِعْمَة، والشِّدة: القوة والجلادة، والشديد: الرجل القوي، قال: وكأن\n_________\n= في هذا، فإنه جامع) اهـ.\n(١) كذا في \"النسخ\" والمراد الزجاج حيث جاء النص في \"معانيه\" ٢/ ٣٠٥.\n(٢) انظر: \"العين\" ٦/ ٢١٣، و\"الجمهرة\" ١/ ١١١، و\"الصحاح\" ٢/ ٤٩٣، و\"المجمل\" ٢/ ٥٠٠، و\"المفردات\" ص ٤٤٨ (شد).\n(٣) في (ش): (الحركة)، وهو تحريف.\n(٤) \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٨٤٣.\n(٥) \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٨٤٣، ولم أقف عليه في \"معاني الفراء\" بعد طول بحث، وهو في \"الغريب المصنف\" لأبي عبيد ١/ ٣٧٩، من قوله دون ذكر الفراء، وكذا في \"المخصص\" ١/ ٤١، وحكى ثعلب في \"مجالسه\" ٢/ ٥٤٠ عن الفراء قال: (أشده: جمع شَدّ) ا. هـ. وهو في الجميع بفتح الشين، وقال أبو عبيدة في \"مجاز القرآن\" ٢/ ٩٩: (هو موضع جميع لا واحد له من لفظه، وقال الفراء والكسائي: واحد الأشد: شد. على فُعل وأفعل مثل بحر وأبحر، وأشد مضعف مشدد) ا. هـ. وانظر: ١/ ٣٠٥، ١/ ٣٧٨، و\"تفسير الطبري\" ٨/ ٨٥.\n(٦) الشاهد لعدي بن الرقاع في \"الغريب المصنف\" ١/ ٣٧٩، و\"الأفعال\" لأبي عثمان السرقسطي ٢/ ٣٣٢، و\"المخصص\" ١/ ٤١، وبلا نسبة في: \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٨٤٣، و\"اللسان\" ٤/ ٢٢١٥ (شدد)، و\"الدر المصون\" ٥/ ٢٢١، ولم أقف عليه في \"ديوانه\" المطبوع.","vol":"8","page":528},{"text":"الهاء في النعمة والشدة لم تكن في الحرف إذ (١) كانت زائدة وكأن الأصل نِعمٌ وشِدٌ فجمعا على أفعل (٢) كما قالوا: رِجل وأرْجلُ، وقِدح وأقْدُح، وضِرس وأضْرُس).\nوحكى ابن الأنباري: (عن بعض أهل اللغة: (٣) أن الأشد اسم واحد، ولا واحد له بمنزلة الآنك (٤) وذكر عن جماعة (٥) من البصريين: أن واحده: شُدّ بضم الشين مثل قولك: هو وُدّى (٦) وهم أَوُدِّى).\nقال الأزهري: (وبلوغ الأشد يكون من وقت بلوغ الإنسان مبلغ الرجال وإدراكه إلى أربعين سنة، فبلوغ الأشد [محصور الأول] (٧) محصور النهاية غير محصور ما بين ذلك، قال الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ\n_________\n(١) في (ش): (إذا كانت).\n(٢) انظر: \"الكتاب\" ٤/ ٢٤٥، وفي \"الخصائص\" ١/ ٨٦، حكى عن سيبويه (أنه جمع شِدة بالكسر)، وهو قول أبي زيد في \"النوادر\" ص ٥٤، وانظر: \"تفسير المشكل\" لمكي ص ١١٢ - ١١٣.\n(٣) في \"المذكر والمؤنث\" لابن الأنباري ١/ ٥٩٧ - ٥٩٨: (قال الفراء: أهل البصرة يزعمون أن الأشد اسم واحد مثل الآنك ..)، وقال أبو حيان في \"البحر\" ٤/ ٢٥٣: (اختار ابن الأنباري في آخرين أنه مفرد لا جمع له وليس بمختار لفقدان أفعل في المفردات وضعًا) ا. هـ.\n(٤) يعني: أنه مفرد لا جمع، والآنك: بالمد وضم النون: الرصاص القلعي، أو خالصه، والقزدير. انظر: \"تفسير الطبري\" ٨/ ٨٥، و\"اللسان\" ١/ ١٥٤ (أنك).\n(٥) في \"المذكر والمؤنث\" ١/ ٥٩٧، حكاه عن يونس بن حبيب الضبي فقط، وانظر: \"تفسير الغريب\" لابن قتيبة ص ٢١٥، و\"نزهة القلوب\" ص ٧٨.\n(٦) عند ابن الأنباري في \"المذكر والمؤنث\" ١/ ٥٩٧: (بمنزلة قولهم: الرجل وُدّ والرجال أُودّ) ا. هـ. وفي \"اللسان\" ٨/ ٤٧٩٣ (ودد). (الود: الحب يكون في جميع مداخل الخير) ا. هـ.\n(٧) لفظ: (محصور الأول) ساقط من (ش).","vol":"8","page":529},{"text":"أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ [الأحقاف: ١٥] (١)، وفسر بلوغ الأشد في هذه الآية بالاحتلام في قول يحيى (٢) بن يعمر (٣) والسدي (٤).\nوقال أبو إسحاق: (وبلوغ أشده أن يونس منه الرشدَ مع أن يكون بالغًا وحينئذ يجب دفع المال إليه) (٥)، وقد ذكرنا هذا الفصل مستقصى في أول سورة النساء.\n_________\n(١) انظر: \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٨٤٣، وانظر: \"معاني الفراء\" ٣/ ٥٢، و\"تفسير غريب القرآن\" ص ٢٥٤.\n(٢) يحيى بن يَعْمَر العَدْواني: أبو سليمان البصري قاضي مرو، إمام تابعي ثقة، فقيه مقرئ، نحوي أديب فصيح عالم باللغة، يقال: إنه أول من نقط المصاحف، مات قبل المائة، وقيل بعدها.\nانظر: \"معجم الأدباء\" ٢٠/ ٤٢، و\"سير أعلام النبلاء\" ٤/ ٤٤١، و\"غاية النهاية\" ٢/ ٣٨١، و\"تهذيب التهذيب\" ٤/ ٤٠١.\n(٣) ذكره الثعلبي في \"الكشف\" ١٨٦ أ، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٣/ ١٥٠، وأبو حيان في \"البحر\" ٤/ ٢٥٢.\n(٤) أخرج الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ٥٨، بسند جيد عن السدي قال: (الأشد: ثلاثون سنة، ثم جاء بعدها ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾) [النساء: ٦]، وذكره ابن الجوزي في \"تفسيره\" ٣/ ١٥٠، وقال: (فكأنه يشير إلى النسخ) ا. هـ. وعليه يكون المراد: الاحتلام، والله أعلم.\n(٥) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٠٥، ورجح هذا القول ابن عطية في تفسيره ٥/ ٣٩٧، وقال: (هذا أصح الأقوال وأليقها بهذا الموضع) ا. هـ وقال السمين في \"الدر\" ٥/ ٢٢١: (المراد ببلوغ الأشد بلوغ الحلم في قول الأكثر؛ لأنه مظنة ذلك) ا. هـ ورجحه ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٣/ ١٥٠، والظاهر، أن بلوغ الأشد في اليتيم مقيد بالبلوغ مع الرشد وزوال السفه، وأكثر أهل العلم على أن سن البلوغ خمس عشرة سنة. انظر: \"تفسير القرطبي\" ٧/ ١٣٤ - ١٣٦، وابن كثير ٢/ ٢١٢، والشنقيطي ٢/ ٢٧٩.","vol":"8","page":530},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ﴾ كل شيء بلغ تمام الكمال فقد وفي وتم يقال: درهم وافٍ، وكيل وافٍ، وأوفيته حقه ووفيته إذا تممته (١)، وأوفى الكيل، أي: أتمه ولم ينقص منه شيئًا (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَالْمِيزَانَ﴾ أي: وزن الميزان والوزن به؛ لأن المراد إتمام (٣) الوزن لا إتمام الميزان (٤)، كما أنه قال: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ﴾، ولم يقل: المكيال، فهو من باب حذف المضاف (٥).\nوقوله تعالى: ﴿بِالْقِسْطِ﴾ أي: بالعدل لا بخس ولا شطط (٦).\n_________\n(١) لعله: (إذا أتممته) كما في تفسير الرازي ١٣/ ٢٣٤، فقد نقل نص الواحدي بدون نسبه.\n(٢) هذا من تهذيب اللغة ٤/ ٣٩٢٤، وانظر: الصحاح ٨/ ٤٨٨٥، و\"اللسان\" ١٥/ ٣٩٨، و\"وَفَى\".\n(٣) في (ش): (لأن المراد تمام الوزن).\n(٤) الميزان: اسم آلة، وأصله مصدر ثم أطلق على الآلة. انظر: \"الجمهرة\" ٢/ ٨٣٠، و\"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٨٨٦، و\"الصحاح\" ٦/ ٢٢١٣، و\"المجمل\" ٤/ ٩٢٤، و\"المفردات\" ٨٦٨، و\"اللسان\" ٨/ ٤٨٢٨ (وزن).\n(٥) قال العكبري في \"التبيان\" ٣٦٤: (والكيل: هاهنا مصدر في معنى المكيل، والميزان كذلك، ويجوز أن يكون فيه حذف مضاف تقديره: مكيل الكيل، وموزون الميزان) ا. هـ، وذكر قول الواحدي والعكبري، السمين في الدر ٥/ ٢٢١ - ٢٢٢، وقال: (ولا حاجة إلى ما ادعاه من وقوع المصدر موقع اسم المفعول، ولا من تقدير المضاف؛ لأن المعنى صحيح بدونهما، وأيضًا فميزان ليس مصدرًا إلا أن يعضد قوله ما قاله الواحدي، والظاهر عدم الاحتياج إلى ذلك، وكأنه لم يعرف أن الكيل يُطلق على نفس المكيال حتى يقول: \"ولم يقل المكيال\"، والكيل والميزان: هما الآلة التي يكال بها ويوزن، وأصل الكيل المصدر، ثم أطلق على الآلة، والميزان مفعال من الوزن لهذه الآلة ..) ا. هـ. ملخصًا.\n(٦) انظر: \"تفسير الطبري\" ٨/ ٨٦، والسمرقندي ١/ ٥٢٤.","vol":"8","page":531},{"text":"وقوله تعالى: ﴿لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ قال عطاء عن ابن عباس: (يريد: قد علمت ما أحل لك، وحرم عليك، فكما تحب أن يوفيك من تشتري منه، فأوف من تبيع منه) (١)، قال أصحاب المعاني: (أمر الله تعالى المعطي بإيفاء ذي الحق حقه الذي هو له من غير زيادة، وأمر صاحب الحق بأخذ حقه من غير نقصان، فلم يكلف نفسًا إلا ما يسعها ولا يضيق (٢) عنها، فلو كلف المعطي الزيادة لضاقت نفسه عنها، وكذلك لو كلف الآخد الرضى بالنقصان) (٣).\nوقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا﴾، قال ابن عباس: (يريد: إذا شهدتم أو تكلمتم فقولوا الحق) (٤)، ﴿وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ (يريد: (٥) ولدك وقرابتك أو من تحب فقل الحق واشهد به)، وهذا محذوف الاسم (٦)، قال الزجاج: (ولو كان المشهود له وعليه ذا قربى) (٧)، ومثله في المائدة: ﴿لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ [المائدة: ١٠٦].\n_________\n(١) لم أقف عليه. وأخرج ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٥/ ١٤٢٠، بسند جيد عن ابن عباس في الآية قال: (هم المؤمنون وسع الله عليهم أمر دينهم فقال: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]) اهـ.\n(٢) في (أ): (تضيق) بالتاء.\n(٣) هذا قول الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ٨٦، وذكره الثعلبي في الكشف ص ١٨٦/ أ، عن أهل المعاني وهذا يدل على أن الطبري من أهل المعاني عند الثعلبي والواحدي حيث لم أجد هذا المعنى عند أحد من أهل المعاني فيما لدي من مراجع.\n(٤) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ١٤١.\n(٥) كأنه من قول ابن عباس حسب السياق، وفي \"تنوير المقباس\" ٢/ ٧٤ نحوه.\n(٦) أي اسم كان مستتر تقديره: هو، أي: المقول فيه. انظر: \"الدر المصون\" ٥/ ٢٢٢.\n(٧) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٠٥، وفيه: (أي: إذا شهدتم أو حكمتم فاعدلوا، ولو كان المشهود عليه أو له ذا قربى) ا. هـ.","vol":"8","page":532},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا﴾، ذكرنا معنى الوفاء بالعهد عند قوله: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي﴾ [البقرة: ٤٠].\nوقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾، أي: ذلك الذي تقدم من ذكر مال اليتيم، وأن لا يقرب إلا بالتي هي أحسن، وإيفاء الكيل والوزن، واجتناب البخس، والتطفيف فيهما، وتحري الحق على مقدار الطاقة والاجتهاد، وهو معنى قوله: ﴿لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ والقول بالقسط والحق ولو كان المقول فيه ذا قربى، والوفاء بالعهد لينجز (١) ما وعد عليه من قوله: ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: ١٠] هذا كله مما وصى به ليتذكروه (٢)، ويأخذوا به فلا يطرحوه (٣)، وتذكر مطاوع ذكر (٤) تقول: ذكرته فتذكر، كما أن تفاعل مطاوع فاعل، والتذكر يستعمل في أشياء متكررة تتذكر وقتًا بعد وقت، وحالًا بعد حال، كالذي في هذه الآية فإنه أمر بأخذ بعد أخذ، ووقت (٥) بعد وقت. و(تذكرون) إنما هو تتذكرون (٦) مخفف بالإدغام لاجتماع (٧) المتقاربة.\n_________\n(١) في (أ): (لتنجز) بالتاء.\n(٢) في (أ): (لتتذكروه وتأخذوا به).\n(٣) في (ش): (فلا يطرحوا)، وفي (أ): (فلا تطرحوه). وما ذكره هو نص كلام أبي علي في \"الحجة\" ٣/ ٤٢٨.\n(٤) في (ش): (ذَكّره).\n(٥) في النسخ (ووقتًا) وأصل النص من \"الحجة\" ٣/ ٤٢٧ - ٤٢٨، وأشار المحقق في الهامش إلى ورود (ووقتًا). في بعض النسخ.\n(٦) في (ش): (يذكرون إنما هو يتذكرون)، بالتاء.\n(٧) يعني اجتماع المتقارب وهو التاء والذال.","vol":"8","page":533},{"text":"وقرأ حمزة (١) والكسائي (تذكرون (٢» خفيفة الذال، خفف بالحذف، كما خفف غيرهما بالإدغام، ويمكن أن يقال: إن الحذف أولي لأنه أخف في اللفظ، والدلالة على المعنى قائمة (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1112>١٥٣ </span>- قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا﴾ الآية، قال الفراء: (تفتح (أن) من وقوع (أتل) [الأنعام: ١٥١] عليها يعني: وأتل عليكم ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا﴾ قال: وإن شئت جعلتها خفضًا يريد: ﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٢] وبأن (٤) هذا صراطي)، وقال أبو علي: (من فتح (أن) فقياس (٥) قول سيبويه أنه حملها على (فاتبعوه) والتقدير: ولأن ﴿هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾ كقوله ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً (٦)﴾ [المؤمنون: ٥٢] قال سيبويه: ولأن هذه أمتكم، وقال في قوله: ﴿وأن\n_________\n(١) قرأ حمزة والكسائي، وعاصم في رواية حفص: (تذكرون) بتخفيف الذال. وقرأ الباقون بتشديدها انظر: \"السبعة\" ٢٧٢ - ٢٧٣، و\"المبسوط\" ص ١٧٦، و\"التذكرة\" ٢/ ٤١٢، و\"التيسير\" ص ١٠٨، و\"النشر\" ٢/ ٢٦٦.\n(٢) في (ش): (يذكرون)، بالياء.\n(٣) هذا قول أبي علي في \"الحجة\" ٣/ ٤٣٠، وانظر: \"معاني القراءات\" ١/ ٣٩٤، و\"إعراب القراءات\" ١/ ١٧٣، و\"الكشف\" ١/ ٤٥٧.\n(٤) في\" معاني الفراء\" ١/ ٣٦٤ ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي﴾ وفيه أيضًا قال: (تكسر إن إذا نويت الاستئناف) اهـ. وانظر: \"الإيضاح\" لابن الأنباري ٢/ ٦٤٦، و\"القطع\" للنحاس ١/ ٢٤٣، و\"التبيان\" ص ٣٦٤، و\"الفريد\" ٢/ ٢٥١، و\"الدر المصون\" ٥/ ٢٢٤.\n(٥) في (ش): (فقيا من قول).\n(٦) قرأ ابن كثير وأبو عمرو ونافع: (وأن هذه) بفتح الهمزة وتشديد النون، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي بالكسر وتشديد النون، وقرأ ابن عامر بالفتح وتخفيف النون. انظر: \"السبعة\" ص ٤٤٦، و\"المبسوط\" ٢٦٢.","vol":"8","page":534},{"text":"المساجد لله [فلا تدعوا مع الله أحدًا] (١) [الجن: ١٨] المعنى: ولأن المساجد لله (٢)، وقرأ ابن عامر (٣): (وأن هذا) مفتوحة مخففة، والمخففة [هاهنا] (٤) كالمشدودة، وفيه ضمير القصة والحديث، وعلى هذه الشريطة يخفف، والتقدير: وأنه هذا، كقول الأعشى:\nفي فِتَيةٍ كسيُوفِ الهند قد علمُوا ... أَنْ هالِكٌ .............. (٥)\nأي: قد علموا أنه هالك. قال: والفاء التي في قوله (فاتبعوا) مثل الفاء التي في قولك: يزيد فامرر، ومن كسر (إن) استأنف بها، والفاء (٦) في قوله عاطفة جملة على جملة، وعلى القول الأول زيادة) (٧)، وذكرنا وجه\n_________\n(١) لفظ: ﴿فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ ساقط من (ش)، وانظر: القراءة في \"السبعة\" ص ٦٥٦، و\"المبسوط\" ٣٨٣.\n(٢) \"الكتاب\" ٣/ ١٢٦ - ١٢٧، وانظر: \"إعراب النحاس\" ١/ ٥٩٢.\n(٣) قرأ ابن عامر بفتح الهمزة وتخفيف النون، وقرأ حمزة والكسائي بكسر الهمزة وتشديد النون، وقرأ الباقون بفتح الهمزة وتشديد النون. انظر: \"السبعة\" ص ٢٧٣، و\"المبسوط\" ص ١٧٦ - ١٧٧، و\"التذكرة\" ٢/ ٤١٣، و\"التيسير\" ص ١٠٨، و\"النشر\" ٢/ ٢٦٦.\n(٤) لفظ: (هاهنا) ساقط من (ش).\n(٥) ديوانه ص ١٤٧، وعجزه: أن هالك كل من يحفى وينتعل. وقد سبق تخريجه.\n(٦) كذا في النسخ، وهو يريد الفاء في قوله: (فاتبعوه)، ويعني بقوله: والفاء في قوله، أي: الفاء على قول من قال بالقول الثاني. وفي \"الحجة\" لأبي علي ٣/ ٤٣٧ (والفاء في قوله، (فاتبعوه) على قوله عاطفة جملة على جملة، وعلى القول الأول زيادة) اهـ.\n(٧) انظر: \"الحجة\" ٣/ ٤٣٦ - ٤٣٧، وانظر: \"معاني القراءات\" ١/ ٣٩٥، و\"إعراب القراءات\" ١/ ١٧٣، و\"الحجة\" لابن خالويه ص ١٥٢، ولابن رنجلة ص ٢٧٧، و\"الكشف\" ١/ ٤٥٧، و\"المشكل\" ١/ ٢٧٧، و\"البيان\" ١/ ٣٤٩.","vol":"8","page":535},{"text":"انتصاب قوله (مستقيما) عند قوله: ﴿وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ﴾ [الأنعام: ١٢٦] في هذه السورة. قال ابن عباس في قوله: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا﴾ (يريد: ديني دين الحنيفية أقوم الأديان وأحسنها) (١).\nوقال مقاتل: (الذي ذكر في هذه الآيات (٢) من أمره ونهيه ﴿صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾) (٣).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾ قال ابن عباس: (اليهودية والنصرانية والمجوسية وعبادة الأوثان) (٤)، وهذا تفسير ما ذكره مجملًا في رواية عطاء قال: (يريد: مثل الذي يسلك الطريق فيأخذ بنيات (٥) الطريق) (٦)، وقال مجاهد ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾ (يعني: البدع والشبهات) (٧)، وقال مقاتل: (يعني: طريق الضلالة فيما حرموا على\n_________\n(١) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ١٤٢، ولم أقف عليه عند غيره.\n(٢) في \"ش\" (الآية).\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ١/ ٥٩٧.\n(٤) \"تنوير المقباس\" ٢/ ٧٤، وذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ١٤٢، وأخرج الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ٨٨، وابن أبي حاتم ٥/ ١٤٢٢ بسند ضعيف عن ابن عباس، قال: (لا تتبعوا الضلالات) ا. هـ\n(٥) بُنيّاتُ الطريق، بضم الباء وفتح النون والياء المشددة: الطُّرف الصغار تتشعب من العبادة، وهي الترهات. انظر: \"اللسان\" ١/ ٤٠٨ (بني).\n(٦) لم أقف عليه، وأخرج الطبري في تفسيره ٨/ ٨٨ بسند جيد عن ابن عباس في الآية قال: (أمر الله المؤمنين بالجماعة، ونهاهم عن الاختلاف والفرقة، وأخبرهم أنه إنما هلك من كان قبلهم بالمراء والخصومات في دين الله) اهـ.\n(٧) \"تفسير مجاهد\" ١/ ٢٢٧، وأخرجه الطبري في (تفسيره) ٨/ ٨٨، وابن أبي حاتم ٥/ ١٤٢٢ بسند جيد، وذكره السيوطي في \"الدر\" ٣/ ١٠٦، وفي \"تفسير مجاهد\" زيادة لفظ (والضلالات).","vol":"8","page":536},{"text":"أنفسهم من الأنعام والحرث (١).\nوقوله تعالى: ﴿فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ قال ابن عباس: (فتضل (٢) بكم عن دينه) (٣). وقال مجاهد: (أي: تميل وتخالف، ﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ﴾ في الكتاب ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ السبل) (٤). وقال عطاء: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾: (كي تخافوا) (٥) قال المفسرون (٦): (هذه الآيات محكمات، لم ينسخهن شيء في جميع الكتب، وهن محرمات على بني آدم، من عمل بهن دخل الجنة، ومن تركهن دخل النار).\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ١/ ٥٩٧.\n(٢) في (ش): (فيضل) بالياء.\n(٣) في \"تنوير المقباس\" ٢/ ٧٤ نحوه.\n(٤) لم أقف عليه، وهو في \"الوسيط\" ١/ ١٤٢ بدون نسبة، وأخرج ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٢٢ بسند جيد عن مجاهد في قوله: (لعلكم تتقون) قال: (لعلكم تطيعوا) اهـ.\n(٥) لم أقف عليه، قال أهل العلم: (هذه آية عظيمة أمر الله تعالى فيها باتباع سبيله، وحذر من اتباع السبل، وهي تعم سائر أهل الملل والبدع والضلالات والأهواء والشذوذ في الفروع، وغير ذلك من أهل التعمق في الجدل والخوض في الكلام، هذه كلها عرضة للزلل ومظنة لسوء المعتقد). أفاده ابن عطية في \"تفسيره\" ٥/ ٤٠٠، والقرطبي ٧/ ١٣٧ - ١٣٨، وانظر: \"تفسير ابن كثير\" ٢/ ٢١٣.\n(٦) أخرج الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ٨٧، وابن أبي حاتم ٤/ ١٤١٤، والحاكم و\"صححه\" ٢/ ٢٨٨ و٢/ ٣١٧ عن ابن عباس قال: (من الآيات المحكمات قوله: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [الأنعام: ١٥١]). وأخرج ابن الضريس في \"فضائل القرآن\" ص ٩٤ - ٩٥ بسند جيد عن كعب الأحبار قال: (أول ما نزل من التوراة عشر آيات من آخر الأنعام: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ ... إلى آخر السورة) ا. هـ، وذكره السيوطي في \"الدر\" ٣/ ١٠٣. وقال أبو الليث السمرقندي في تفسيره ١/ ٥٢٣: (ويقال: هذه الآيات هن أم =","vol":"8","page":537},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1113>١٥٤ </span>- قوله تعالى: ﴿ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ الآية. قال أبو بكر (١). (الذي بعد (ثم) مقدم على الذي قبلها في النّية، والتقدير: ثم كنا قد آتينا موسى الكتاب قبل إنزالنا القرآن على محمَّد - ﷺ -؛ لأن التوراة أنزلت قبل القرآن.\nقال: وجواب آخر وهو: أن (ثم) أوجبت تأخير الخبر بعد الخبر الأول، أي: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ١٥١]، إلى قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٣] ثم قال بعد ذلك: ﴿ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ يريد: ثم أخبركم بعد ما أخبرتكم به عن نزول القرآن على محمد (بنزول التوراة على موسى، فدخلت (ثم) لتأخير الخبر لا لتأخير النزول) (٢). وهذا قول أبي إسحاق، وأنكر القول الأول فقال: «ثم) لا يكون الذي بعدها معناه التقديم، وإنما دخلت ثم للعطف على معنى التلاوة، والمعنى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ وأتلو عليكم لا تقتلوا أولادكم، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله، ثم أتلو عليكم ما آتاه الله جل وعز موسى) (٣).\n_________\n= الكتاب، وهن إمام في التوراة والإنجيل والزبور والفرقان، ولا يجوز أن يرد عليها النسخ) اهـ.\n(١) أبو بكر بن الأنباري محمد بن القاسم. تقدمت ترجمته.\n(٢) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ١٤٣، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٣/ ١٥٢.\n(٣) انظر: \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٠٥ - ٣٠٦، وانظر: \"تفسير الطبري\" ٨/ ٨٩، ٩٠، و\"معاني النحاس\" ٢/ ٥٢٠، وذكر أبو حيان عدة أقوال في توجيه الآية ثم قال: (وهذه الأقوال كلها متكلفة، والذي ينبغي أن يذهب إليه أنها للعطف كالواو من غير اعتبار مهلة، وقد ذهب إلى ذلك بعض النحاة) ا. هـ وانظر: معاني الحروف للرماني ص ١٠٥، و\"غرائب الكرماني\" ١/ ٣٩٢، و\"المغني\" لابن هشام ١/ ١١٧ - ١١٨.","vol":"8","page":538},{"text":"وقوله تعالى: ﴿تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ﴾ كثر الاختلاف في هذا بين أهل المعاني، والذي يعتمد في تفسير هذا قولان مجمع على صحتهما:\nأحدهما: أن المعنى (تماما) من الله ﷿ على المحسنين، و﴿الَّذِي أَحْسَنَ﴾ بمعنى: من أحسن، ومن أحسن هو المحسن، كأنه قيل: تمامًا على المحسن، والمحسن [يكون] (١) هاهنا في مذهب الجمع كما قال: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر: ٢]، وهذا كما يقول الرجل: أوصي بمالي لمن غزا وحج وللذي غزا وحج] (٢)، يريد: الغزاة والحجاج، ويدل على صحة هذا التأويل قراءة ابن مسعود (٣) (تماما على الذين أحسنوا). والمحسنون (٤) هم الأنبياء صلوات الله عليهم [أجمعين] (٥)، أو المؤمنون. وتلخيصه: آتينا موسى الكتاب تتميمًا منا على الأنبياء و(٦) المؤمنين الكتب، وتفصيلًا منا لكل شيء، وإنما فسرنا التمام بالتتميم هاهنا لما يعود معناه إليك؛ لأنك إذا قلت: أعطيتك الشيء تمامًا، كان معناه: تممته لك (٧).\n_________\n(١) لفظ: (يكون) ساقط من (ش).\n(٢) ما بين المعقوفين ساقط من (ش).\n(٣) ذكرها الفراء في \"معانيه\" ١/ ٣٦٥، وابن قتيبة في \"تأويل المشكل\" ص ٣٩٨، والطبري في \"تفسيره\" ٨/ ٩٠، والنحاس في \"معانيه\" ٢/ ٥١٩، وابن خالويه في \"مختصر الشواد\" ص ٤١.\n(٤) في (ش): (فالمحسنون) بالفاء.\n(٥) لفظ: (أجمعين) ساقط من (أ).\n(٦) في (أ): (أو المؤمنين).\n(٧) هذا نص كلام ابن قتيبة في \"تأويل المشكل\" ص ٣٩٧ - ٣٩٨.","vol":"8","page":539},{"text":"القول الثاني: ﴿تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ﴾ أي: على الذي أحسنه موسى من طاعة الله جل وعز واتباع أمره، أو على الذي أحسنه موسى من العلم، وكتب الله القديمة، فيكون (أحسن) بمعنى: علم، والتأويل ﴿آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا﴾ على ما أحسن من العلم والحكمة، وكتب الله المتقدمة، وأراد بقوله: (تمامًا) على ذلك، أي: زيادة على ذلك، والقولان ذكرهما الفراء (١) والزجاج (٢) وأبو بكر (٣) وأبو محمد بن قتيبة (٤).\nقال الزجاج: (و(تمامًا) منصوب على مفعول له وكذلك ﴿وَتَفْصِيلًا﴾ المعنى: آتيناه لهذه العلة أي: للتمام والتفصيل) (٥)، والمفسرون (٦) على هذين القولين، فالقول الأول قول مجاهد والحسن، قال مجاهد: (تمامًا\n_________\n(١) \"معاني الفراء\" ١/ ٣٦٥ وقدم الوجه الأول.\n(٢) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٠٥ - ٣٠٦.\n(٣) ذكره ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٣/ ١٥٤، عن أبي بكر بن الأنباري.\n(٤) \"تأويل مشكل القرآن\" ص ٣٩٧ - ٣٩٨، تقرير الواحدي من نصه، وانظر: \"تفسير الطبري\" ٨/ ٩٠، و\"إعراب النحاس\" ١/ ٥٩٣، و\"المشكل\" لمكي ١/ ٢٧٨، وذكر أبو علي الفارسي في \"العضديات\" ١٦٩ - ١٧١ ثلاثة أوجه في الآية، قال: (ووجه ثالث وهو أبينها وأوضحها، ولا يختلف في جوازه على ذلك، وهو أن يكون المعنى: تمامًا على الذي أحسنه، فيكون في (أحسن) ذكر يعود على (موسى)، وتكون الهاء العائدة إلى الموصول محذوفة من الصلة، كأنه: على الأمر الذي أحسنه موسى، ومعنى (أحسن) أن يكون على ضربين أحدهما: أن يكون أحسنه بمنزلة حسنه، أي: حسنه لهم عند دعاء قومه إليه، وإقامته لهم البراهين والحجج عليه. والوجه الآخر: أن يكون (أحسن) بمنزلة علم، كأنه: تمامًا على الأمر الذي علمه ..) ا. هـ ملخصًا، وانظر: الدر المصون ٥/ ٢٢٧.\n(٥) معاني الزجاج ٢/ ٣٠٦، وانظر المراجع السابقة.\n(٦) انظر: \"تفسير الطبري\" ٨/ ٩٠ - ٩١، و\"معاني النحاس\" ٢/ ٥١٩ و\"تفسير السمرقندي\" ١/ ٥٢٥.","vol":"8","page":540},{"text":"على المؤمنين المحسنين) (١). وقال الحسن: (تمامًا على المحسنين، و﴿الَّذِي أَحْسَنَ﴾ هو المؤمن) (٢).\nوقال الكلبي: (﴿آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ الألواح، فيها التوراة ﴿تَمَامًا عَلَى الَّذِي﴾ أحسنه من تبليغ رسالاته) (٣). وهذا معنى القول الثاني.\nوأجاز الفراء (٤) والكوفيون (٥) قولًا آخر وهو: أن يكون (أحسن) اسمًا موضعه خفض على النعت للذي وهو ساد مسد الصلة، ونائب عنها، يراد به: ﴿تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ﴾ من غيره، فحذفت من لبيان أمرها، وجرى (أحسن) على إعراب (الذي) كما قالت العرب: مررت بالذي أخيك، وجلست إلى الذي مثلك، فحملوا على الذي إعراب الاسم بعده،\n_________\n(١) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ٩٠ بسند جيد، بلفظ: (على المؤمنين والمحسنين) وفي \"تفسير مجاهد\" ١/ ٢٢٨: (على المؤمن)، وأخرج الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ٩٠، وابن أبي حاتم ٥/ ١٤٢٣، عنه بلفظ: (على المؤمنين)، وقال السيوطي في \"الدر\" ٣/ ١٠٦: (أخرج عبد بن حميد وابن المنذر وأبو الشيخ عن مجاهد قال: (على المؤمنين المحسنين) اهـ.\n(٢) قال النحاس في \"معانيه\" ٢/ ٥١٩: (قال الحسن: كان فيهم محسن وغير محسن، وأنزل الكتاب (تماما على الذي أحسن» اهـ وذكره الثعلبي في \"الكشف\" ١٨٦/ أ، والقرطبي في \"تفسيره\" ٧/ ١٤٣، بلفظ: (تمامًا على المحسنين). وهي قراءة الحسن كما في \"الدر المنثور\" ٣/ ١٠٧، وقال الماوردي في \"تفسيره\" ٢/ ١٨٩، وابن الجوزي ٣/ ١٥٤، قال الحسن وقتادة: (تمامًا لكرامته في الجنة على إحسانه في الدنيا) اهـ.\n(٣) ذكر الرازي في \"تفسيره\" ٤/ ١٤، عنه قال: (أتم له الكتاب على أحسنه).\n(٤) \"معاني الفراء\" ١/ ٣٦٥، وذكره الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ٩٠، ٩١، والنحاس في \"إعرابه\" ١/ ٥٩٣، وأبو علي في \"العضديات\" ص ١٦٩.\n(٥) انظر: \"الأغفال\" ص ٧٢٦.","vol":"8","page":541},{"text":"وجعلوه (١) يسد مسد صلته، وأنشدوا:\nإن الدبيري الذي مثل الحلم (٢)\nفنصب مثل على الإتباع للذي، وهي سادة مسد صلته، وإنما جاز حمل (أحسن) على (الذي) و(الذي) معرفة و(أحسن) في تأويل نكرة؛ لأنه يطالب من، ومن يؤدي عن الإضافة، والمضاف معرفة، ومن كلام العرب: مررت يزيد خير منك، على أن خيرًا نعت لزيد؛ إذ كان كالمضاف من أجل صحبته من، وهذا كلام أبي بكر (٣)، ويدل على صحة هذا القول قراءة يحيى (٤) بن يعمر: ﴿تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ﴾، والتقدير: على الذي هو\n_________\n(١) في (أ): (وجعلوا).\n(٢) لم أهتد إلى قائله، وعجزه:\nمَشَّى بَأَسْلاَبِكَ فيِ أَهْلِ العَلَمْ\nوهو في \"معاني الفراء\" ١/ ٣٦٥ و\"تفسير الطبري\" ٨/ ٩٠، وفي \"العضديات\" ص ١٦٨، و\"الشيرازيات\" ٨/ ٨ أ:\nإن الدبيري الذي مثل الزُّلَمْ ... مشى بأسلابك في أهل الحَرَمْ\nوالزُّلم بالضم: السهو، عند الفراء والطبري: إن الزبيدي بالزاء، والدبري: الذي يسنح أخيرًا عند ذوات الحاجة، أي: شره إذا أدبر الأمر وفات، انظر: \"اللسان\" ٣/ ١٣٢١ (دبر) و٣/ ١٨٠٦ (زبر) والحلم بفتحتين: دودة تقع في الجلد فتأكله. انظر: \"اللسان\" ٢/ ٩٨٠، والشاعر يصف هذا الزبيري الذي سلبه ثيابه وأمواله، وهو يمشي في الناس بأنه قمئ قصير، أفاده الشيخ محمود شاكر في حاشية \"تفسير الطبري\" ١٢/ ٢٣٤ - ٢٣٥.\n(٣) أبو بكر بن الأنباري، لم أقف على كلامه، وانظر: المسألة في الكتاب ٢/ ١٠٥ - ١٠٩ - و٤٠٤، وأمالي ابن الشجري ١/ ١١٢، والإنصاف ص ٥٨٥.\n(٤) القراءة برفع (أحسنُ)، وقد أخرجها الطبري في تفسيره ٨/ ٩٠ بسند جيد وذكرها النحاس في \"معانيه \" ٢/ ٥٢٠، وابن جني في \"المحتسب\" ١/ ٢٣٤، وابن الشجري في \"أماليه\" ١/ ١١٢، وذكرها سيبويه في \"الكتاب\" ٢/ ١٠٨ بدون نسبة، وضعف =","vol":"8","page":542},{"text":"أحسن، أي: الذي هو أحسن الأشياء، وأحسن من غيره، وهذا يدل على أن (أحسن) هاهنا اسم، ويعضد هذا القول [أيضًا] (١) ما روي عن ابن عباس أنه قال في تفسير قوله: ﴿تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ﴾ يقول: (أتم له الكتاب على أحسنه) (٢) فجعل الأحسن من نعت الكتاب، نظيره ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى﴾ (٣) [الأعراف: ١٣٧]. وقال أبو إسحاق: (أجاز الكوفيون أن يكون (أحسن) في موضع خفض وأن (٤) يكون من صفة (الذي) وهذا عند البصريين خطأ؛ لأنهم لا يعرفون الذي إلا موصولًا ولا توصف إلا بعد تمام صلتها) (٥)، وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾ قال ابن عباس: (كي يؤمنوا بالبعث ويصدقوا بالثواب والعقاب) (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1114>١٥٥ </span>- قوله تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾ الآية، مضى الكلام في هذا في هذه السورة.\n﴿فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ قال الزجاج: (أي: لتكونوا راجين للرحمة) (٧).\nقوله تعالى: ﴿أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ﴾ الآية [الأنعام: ١٥٦]،\n_________\n= ابن جني في \"المحتسب\" هذه القراءة؛ لقبح حذف المبتدأ العائد على الذي.\n(١) لفظ: (أيضًا) ساقط من (أ).\n(٢) لم أقف عليه. وذكره الرازي في تفسيره ٤/ ١٤ عن الكلبي.\n(٣) الحسنى: نعت للكلمة، انظر: \"إعراب النحاس\" ١/ ٥٩٣، و\"الفريد\" ٢/ ٣٥١.\n(٤) في (ش): (أو يكون)، وهو تحريف.\n(٥) انظر: \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٠٥.\n(٦) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ١٤٣، والبغوي في \"تفسيره\" ٣/ ٢٠٦، والخازن ٢/ ١٠٢.\n(٧) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٠٦.","vol":"8","page":543},{"text":"(أن) عند الفراء (١) والكسائي (٢) متعلقة بأنزلناه على تقدير: أنزلناه؛ لأن لا تقولوا، ثم حذف الجار وحرف النفي كقوله: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦]. وقوله: ﴿رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [النحل: ١٥] أي: لئلا، وعند البصريين (٣). معناه: أنزلناه كراهة أن تقولوا، ولا يُجيزون إضمار لا، لا يقولون: جئت أن أكرمك، على معنى: أن لا أكرمك (٤) وقد ذكرنا ما في هذا في آخر سورة (٥) النساء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1115>١٥٦ </span>- قال الفراء: (ويجوز أن يكون ﴿أَنْ﴾ متعلقة باتقوا والتأويل: و(٦) اتقوا ﴿أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ﴾) (٧).\nقال ابن عباس: (يعني: التوراة والإنجيل (٨) ﴿عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا﴾\n_________\n(١) \"معانى الفراء\" ١/ ٣٦٦، وعليه يكون مفعولًا لأجله، انظر: \"المشكل\" ١/ ٢٧٨.\n(٢) في \"الإيضاح\" لابن الأنباري ٢/ ٦٤٧، قال الكسائي: (﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾؛ لأن لا تقولوا وبأن لا تقولوا ..) ا. هـ. وانظر: القطع للنحاس ١/ ٢٤٤، وذكر الثعلبي في \"الكشف\" ١٨٦ أ، والبغوي في \"تفسيره\" ٣/ ٢٠٦، والقرطبي ٧/ ١٤٤، عن الكسائي قال: (معناه: أن تقولوا يا أهل مكة) اهـ.\n(٣) انظر: \"معاني الأخفش\" ٢/ ٢٩١، و\"تفسير الطبري\" ٨/ ٩٣، و\"إعراب النحاس\" ١/ ٥٩٣، وقال النحاس في \"معانيه\" ٢/ ٥٢١: (أحسن ما قيل في هذا: كراهية أن تقولوا) اهـ.\n(٤) هذا نص كلام الزجاج في \"معانيه\" ٢/ ٣٠٧.\n(٥) انظر: \"البسيط\" نسخة تشستربتي ٢/ ٣٩ ب.\n(٦) لفظ: (الواو) ساقط من (ش).\n(٧) \"معاني الفراء\" ١/ ٣٦٦، وعليه تكون مفعولًا به العامل فيه: (واتقوا)، وجملة: (لعلكم ترحمون) اعتراضية جرت مجرى التعليل. انظر: \"الفريد\" ٢/ ٢٥٤، و\"الدر المصون\" ٥/ ٢٢٩.\n(٨) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ١٤٤، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٣/ ١٥٥، والقرطبي ٧/ ١٤٤ بدون نسبة.","vol":"8","page":544},{"text":"وهم اليهود والنصارى (١)، ﴿وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ﴾ يريد: لم ندرس التوراة والإنجيل فتعرف (٢) ما فيها) (٣). قال الزجاج: (المعنى: وما كنا إلا غافلين عن دراستهم، أي: كنا غافلين عن تلاوة كتبهم) (٤). قال المفسرون: (الخطاب لأهل مكة، والمراد بالآية: إثبات الحجة عليهم بإنزال القرآن على محمد، كيلا يقولوا يوم القيامة إن التوراة والإنجيل أنزلا ﴿عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا﴾ وكنا غافلين عما فيهما، فقطع الله معاذيرهم بإنزال القرآن فيهم) (٥)، وقال قتادة: (﴿دِرَاسَتِهِمْ﴾ قراءتهم) (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1116>١٥٧ </span>- وقال [الكلبي] (٧) والكسائي: ﴿وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ﴾ لا نعلم (٨) ما هي؛ لأن كتابهم لم يكن بلغتنا، فأنزل الله تعالى كتابًا بلغتهم، وبعث منهم رسولًا يعرفون نسبه، ويعرفونه بالصدق فقال: ﴿فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الأنعام:١٥٧] أي: رسول من ربكم ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٥] حين لم تعرفوا (٩) دراسة\n_________\n(١) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ٩٣، وابن أبي حاتم ٥/ ١٤٢٥، بسند جيد عن ابن عباس ﵄.\n(٢) في (ش): (فيعرف) بالياء.\n(٣) أخرج الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ٩٤، وابن أبي حاتم ٥/ ١٤٢٥، بسند جيد عن ابن عباس قال: (يقول وإن كنا عن تلاوتهم لغافلين) اهـ.\n(٤) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٠٧.\n(٥) انظر: \"تفسير الطبري\" ٨/ ٩٣، ٩٤، والسمرقندي ١/ ٥٢٥، وابن الجوزي ٣/ ١٥٤ - ١٥٥.\n(٦) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ٩٤ بسند جيد.\n(٧) لفط: (الكلبي) ساقط من (أ)، ولم أقف على قوله.\n(٨) في: (ش): (لم يعلم).\n(٩) في (ش): (لم يعرفوا).","vol":"8","page":545},{"text":"الطائفتين وحين قلتم لو جاءنا ﴿الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ﴾ [الأنعام: ١٥٧] (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1117>١٥٨ </span>- قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾. وذكرنا الكلام في هذا في (٢) سورة البقرة في قوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ﴾ الآية [البقرة: ٢١٠] قال ابن عباس: (﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾ إذ كذبوك (إلا أن تأتيهم (٣) الملائكة) عند الموت لقبض أرواحهم) (٤) ومعنى (ينظرون) ينتظرون (٥) و(هل) استفهام معناه: النفي (٦) أي: لا ينتظرون إلا ذلك، وهو خبر معناه النهي كقوله: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨] خبر معناه: الأمر، وهو كثير في القرآن، والمعنى: يجب أن لا ينظروا بعد تكذيبك (إلا أن تأتيهم (٧) الملائكة) عند الموت فيقعوا في العذاب، وذكرنا وجهًا آخر عن صاحب النظم (٨) في نظير هذه الآية في (٩) سورة النحل (١٠).\n_________\n(١) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ١٤٤، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٣/ ١٥٥.\n(٢) انظر: \"البسيط\" النسخة الأزهرية ١/ ١٢٦ ب.\n(٣) في (أ): (يأتيهم) بالياء. وقد قرأ حمزة والكسائي: (إلا أن يأتيهم) بالياء، وقرأ الباقون بالتاء، انظر: السبعة ص ٢٧٤، و\"المبسوط\" ص ١٧٧.\n(٤) \"تنوير المقباس\" ٢/ ٧٦، وانظر: \"تفسير الطبري\" ٨/ ٩٦، والسمرقندي ١/ ٥٢٥.\n(٥) انظر: \"تفسير غريب القرآن\" لابن قتيبة ص ١٦٤.\n(٦) انظر: تفسير الرازي ١٤/ ٦.\n(٧) في (ش): (يأتيهم) بالياء.\n(٨) صاحب النظم هو: أبو علي الحسن بن يحيى الجرجاني، تقدمت ترجمته، وكتابه \"نظم القرآن\" (مفقود) انظر: مقدمة \"تفسير البسيط\".\n(٩) يقصد قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [النحل: ٣٣].\n(١٠) انظر: \"البسيط\" النسخة الأزهرية ٣/ ١٢٤ أ.","vol":"8","page":546},{"text":"وقوله تعالى: ﴿أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ﴾ قال ابن عباس: (يتنزل أمر ربك فيهم) (١) وهذا يحمل على الأمر بقتلهم، واستقصاء هذا مذكور في سورة البقرة (٢). وقال أبو إسحاق: (معنى ﴿أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ﴾ أو يأتي إهلاك ربك إياهم، وانتقامه منهم، إما بعذاب عاجل، أو بالقيامة) (٣).\nوقوله تعالى: ﴿أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾. قال المفسرون عامة: (يعني: طلوع الشمس من مغربها) (٤)، وهذا إنما ينتظره من تأخر في الوجود\n_________\n(١) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ١٤٥، والقرطبي في \"تفسيره\" ٧/ ١٤٤، وأبو حيان في \"البحر\" ٤/ ٢٥٨.\n(٢) انظر: \"البسيط\" النسخة الأزهرية ١/ ١٢٦ ب.\n(٣) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٠٧، وانظر \"معاني النحاس\" ٢/ ٥٢٢، وتفسير السمرقندي ١/ ٥٢٥ - ٥٢٦ والأرجح أن ذلك يوم القيامة للفصل بين العباد، وأن الله ﷾ يأتي للفصل على وجه يليق بجلاله وعظمته، وهو قول الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ٩٦، وأخرجه من طرق جيدة عن مجاهد وقتادة وابن جريج، واختاره البغوي في \"تفسيره\" ٣/ ٢٠٧، وابن كثير ٢/ ٢١٦، والشنقيطي ٢/ ٢٨٣ - ٢٨٤، وانظر: \"تفسير القرطبي\" ٧/ ١٤٥، و\"فتاوى شيخ الإسلام\" ٦/ ٣٩٨ - ٤٢٤.\n(٤) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ٩٦، ٩٧ من عدة طرق جيدة عن عبد الله بن مسعود، ومجاهد وقتادة والسدي، ورجحه الطبري في \"تفسيره\"، وابن الجوزي ٣/ ١٥٧، وانظر: \"الدر المنثور\" ٣/ ١٠٨ وأخرج البخاري في صحيحه رقم (٤٦٣٥)، في كتاب \"التفسير\"، الأنعام، ومسلم رقم (١٥٧)، كتاب الإيمان، باب بيان الزمن الذي لا يقبل في الإيمان -حديث- عن أبي هريرة ﵁ أن النبي - ﷺ - قال: \"لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت آمن الناس أجمعون، وذلك حين ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا﴾ \"، ثم قرأ الآية. اهـ.\nوأخرج مسلم أيضًا - حديث رقم (١٥٨) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله: (ثلاث إذا خرجن ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾: طلوع الشمس من مغربها، والدجال، ودابة الأرض) ا. هـ. وقال ابن =","vol":"8","page":547},{"text":"من مكذبي محمد (إلى ذلك الوقت، والمراد بهذا بيان أن المشركين والمكذبين إنما يمهلون قدر مدة الدنيا، فهم يتنعمون فيها، فإذا ماتوا أو ظهرت أمارات القيامة لم ينفعهم الإيمان؛ وحلت بهم العقوبة اللازمة لهم أبدًا. ثم قال: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ﴾ (أي: لا ينفعها الإيمان عند الآية التي تضطرهم إلى الإيمان؛ لأن الله جل وعز بعث الرسل بالآيات التي تتدبر، فيكون للمؤمن بها ثواب، ولو بعث الله على كل من لم يؤمن عذابا لاضطر الناس إلى الإيمان، وسقط التكليف والجزاء) (١) قاله أبو إسحاق.\nوقوله تعالى: ﴿قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ﴾ [الأنعام:١٥٨] قال ابن عباس: (﴿قُلِ انْتَظِرُوا﴾ يا (٢) أهل مكة ﴿إِنَّا مُنْتَظِرُونَ﴾ بكم العذاب يوم القيامة، أو قبلها في الدنيا (٣).\n_________\n= عطية في \"تفسيره\" ٥/ ٤٠٩: (يصح أن يراد جميع ما يقطع بوقوعه من أشراط الساعة ثم خصص بعد ذلك بقوله: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ الآية التي ترفع التوبة معها وقد بينت الأحاديث أنها طلوع الشمس من مغربها وهو قول جمهور أهل التأويل، وروي عن ابن مسعود أنها إحدى ثلاث: إما طلوع الشمس من مغربها، وإما خروج الدابة، وإما خروج يأجوج ومأجوج، وهذا فيه نظر؛ لأن الأحاديث ترده وتخصص الشمس) ا. هـ. ملخصًا.\nوانظر: \"تفسير الرازي\" ١٤/ ٧ وفيه: (أجمعوا على أن المراد بهذه الآيات علامات القيامة) اهـ.\n(١) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٠٨.\n(٢) في (ش): (قل انتظروا إنا أهل مكة إنا متظرن ..)، وهو تحريف.\n(٣) \"تنوير المقباس\" ٢/ ٧٦، وذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ١٤٦، وهو في \"تفسير البغوي\" ٣/ ٢٠٧ بدون نسبة.","vol":"8","page":548},{"text":"وقوله تعالى: ﴿قُلِ انْتَظِرُوا﴾ دليل على أن قوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ (١) إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ (٢) الْمَلَائِكَةُ﴾ استفهام معناه: النفي، وذلك النفي خبر يتضمن النهي على ما بينا، ألا ترى أنه أمرهم بانتظار هذه الأشياء في آخر الآية، والدليل على هذه الجملة أن المشركين والكفار في ذلك الوقت كانوا غافلين لاهين ما كانوا ينتظرون شيئًا مما ذكر في هذه الآية، وكذلك في كل وقت.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1118>١٥٩ </span>- قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ﴾ الآية. قال ابن عباس (٣)، في رواية عطاء: (يريد: المشركين بعضهم يعبدون الملائكة يزعمون بأنهم بنات الله، وبعضهم يعبد الأصنام ﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾) (٤) [يونس: ١٨].\nفهذا معنى ﴿فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا﴾ أي: فرقًا وأحزابًا في الضلالة، فتفريقهم دينهم أنهم لم يجتمعوا في دينهم الذي هو شرك على شيء واحد،\n_________\n(١) في النسخ: (هل ينتظرون ..)، وهو تحريف.\n(٢) في (أ): (يأتيهم) بالياء.\n(٣) أخرج ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٥/ ١٤٣٠ عن ابن عباس بسند جيد في الآية قال: (أمر الله المؤمنين بالجماعة، ونهاهم عن الاختلاف والفرقة، وأخبرهم أنه إنما أهلك من كان قبلهم بالمراء والخصومات في دين الله) ا. هـ.\nوفي \"تنوير المقباس\" ٢/ ٧٧ قال: (تركوا دينهم ودين آبائهم وصاروا فرقًا، اليهودية والنصرانية والمجوسية) ا. هـ.\nوأخرج الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ١٠٤، ١٠٥، وابن أبي حاتم ٥/ ١٤٣٠، والنحاس في \"ناسخه\" ٢/ ٣٥٦، عن ابن عباس بسند ضعيف قال: (اليهود والنصارى) اهـ. ملخصًا.\n(٤) ذكره الرازي في \"تفسيره\" ١٤/ ٧.","vol":"8","page":549},{"text":"وقال مجاهد (١) وقتادة (٢) والكلبي (٣): (هم اليهود والنصارى)، وهو قول مقاتل (٤) أيضًا، والسدي (٥)، وأصح (٦) القولين (٧)، واختيار الفراء (٨) والزجاج.\nقال الزجاج (٩): (يعني: به اليهود والنصارى، وذلك [أن النصارى] (١٠) يكفر بعضهم بعضًا، وكذلك اليهود، وهم أهل كتاب واحد، وهو التوراة، والنصاري يكفر اليهود، واليهود يكفر النصارى) (١١)\n_________\n(١) ذكره هود الهواري في \"تفسيره\" ١/ ٥٧٧، والثعلبي في \"الكشف\" ١٧٨ أ، والواحدي في \"الوسيط\" ١/ ١٤٦، والبغوي في \"تفسيره\" ٣/ ٢٠٨، وفي \"تفسير مجاهد\" ١/ ٢٢٩ قال: (يهود)، وأخرجه الطبري في تفسيره ٨/ ١٠٥ بسند جيد، وذكره السيوطي في \"الدر\" ٣/ ١١٨.\n(٢) أخرجه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ١/ ٢/ ٢٢٢، والطبري ١٢/ ٢٦٩ - ٢٧٠، وابن أبي حاتم ٣/ ١٢٩ أبسند جيد، وذكره السيوطي في \"الدر\" ٣/ ١١٨.\n(٣) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ١٤٦، وهو في \"تنوير المقباس\" ٢/ ٧٧.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ١/ ٥٩٩.\n(٥) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ١٠٥، وابن أبي حاتم ٥/ ١٤٣٠، بسند جيد، وذكره السيوطي في \"الدر\" ٣/ ٤٠٣.\n(٦) في (ش): (في أصح)، وهو تحريف.\n(٧) الظاهر إن الآية عامة تشمل كل أهل الملل والنحل والأهواء والضلالات، وهو اختيار الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ١٠٥، والنحاس في \"إعراب القرآن\" ٢/ ١١٠، وابن كثير ٢/ ٢١٩، والشوكاني ٢/ ٢٥٩.\n(٨) \"معاني الفراء\" ١/ ٢٦٦.\n(٩) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٠٨.\n(١٠) لفظ: (أن النصارى) ساقط من (ش).\n(١١) كذا في النسخ، والصواب: (والنصارى يكفرون اليهود، واليهود يكفرون النصارى) وعند الزجاج في معانيه ٢/ ٣٠٨: (وبعضهم يكفر بعضًا، أعني اليهود تكفر النصارى، والنصارى تكفر اليهود) اهـ.","vol":"8","page":550},{"text":"وعلى هذا معنى ﴿فَرَّقُوا دِينَهُمْ﴾ ما قال يمان بن رئاب: (أخذوا [ببعض] (١) وتركوا بعضًا، كما قال الله تعالى: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ (٢) [البقرة: ٨٥]، فهم خلاف المسلمين (٣) الذين وصفوا بالإيمان به كله في قوله: ﴿وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ﴾ [آل عمران: ١١٩] وقال في وصفهم أيضًا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ﴾ [النساء: ١٥٠].\nومعنى قوله ﴿دِينَهُمْ﴾ قال مقاتل: (هو الإِسلام الذي أمروا به) (٤) يعني: دينهم الذي دعوا إليه وشرع لهم، فسمى شريعة الإسلام دينهم، وإن لم يجيبوا إليه، ولم يأخذوا به؛ لأنهم قد شرع لهم ذلك، ودعوا إليه، فلهذا الالتباس الذي لهم به جاز أن يضاف إليهم، وقرأ حمزة (٥) والكسائي (فارقوا دينهم) (٦) أي: باينوه وخرجوا عنه، وهذا يؤول إلى معنى ﴿فَرَّقُوا﴾ ألا ترى أنهم لما آمنوا ببعضه وكفروا ببعضه فارقوه كله، فخرجوا عنه ولم يتبعوه، وعلى هذه (٧) القراءة إن تأولنا الآية في المشركين كما قال ابن\n_________\n(١) لفظ: (ببعض) ساقط من (ش).\n(٢) لفظ: (وتكفرون ببعض) ساقط من (ش).\n(٣) ذكره الرازي في \"تفسيره\" ١٤/ ٨ بدون نسبة.\n(٤) هذا نص كلام أبي علي في \"الحجة\" ٣/ ٤٣٨.\n(٥) \"تفسيرمقاتل\" ١/ ٥٩٩.\n(٦) قرأ حمزة والكسائي: (فارقوا) بالألف مع تخفيف الراء، وقرأ الباقون: (فرقوا) بغير ألف مع تشديد الراء. انظر: السبعة ص ٢٧٤، و\"المبسوط\" ص ١٧٧، و\"التذكرة\" ٢/ ٤١٣، و\"التيسير\" ص ١٠٨، و\"النشر\" ٢/ ٢٦٦.\n(٧) هذا نص كلام أبي علي في الحجة ٣/ ٤٣٨، وانظر: \"معاني القراءات\" ١/ ٣٩٦، و\"إعراب القراءات\" ١/ ١٧٣، و\"الحجة\" لابن خالويه ص ١٥٢، ولابن زنجلة ٢٧٨، و\"الكشف\" ١/ ٤٥٨.","vol":"8","page":551},{"text":"عباس (١) -﵁-، فالدين [الذي] (٢) فارقه المشركون التوحيد الذي نصب لهم عليه أدلته؛ لأن المشركين لم يكونوا أهل كتاب، ولا ممسكين بشريعة ثم تركوها حتى يقال: (فارقوا دينهم) ولكن إضافة الدين إليهم كإضافته إلى اليهود على ما بينا، ومثل هذا قوله: ﴿وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٧] أي: دينهم الذي دعوا إليه وشرع لهم، ألا ترى أنهم لا يلبسون عليهم دينهم الذي هو الإشراك.\nوقال مجاهد فيما روى عنه ليث (٣): ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ﴾ (هم من هذ الأمة) (٤).\nوكذلك روي عن طاووس (٥) وعائشة (٦) وعن أبي هريرة (٧) روي مرفوعًا (٨): أنهم أهل البدع والشبهات، وأهل الضلالة من هذه الأمة، ذلك أنهم أبدعوا في الدين، وخالفوا الجماعة العظمى، وصاروا شيعًا مختلفين.\n_________\n(١) سبق تخريجه قريبًا.\n(٢) لفظ: (الذي) ساقط من (ش).\n(٣) ليث بن أبي سليم بن زنيم القرشي مولاهم، أبو بكر الكوفي، تقدمت ترجمته.\n(٤) ذكره الرازي في \"تفسيره\" ١٤/ ٨.\n(٥) لم أقف عليه.\n(٦) لم أقف عليه.\n(٧) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ١٠٥، وابن أبي حاتم ٥/ ١٤٢٩، وذكره السيوطي في \"الدر\" ٣/ ١١٧، وصحح إسناده الشيخ أحمد شاكر في \"حاشية الطبري\".\n(٨) المرفوع جاء من ثلاثة طرق:\nالأول: عن عمر بن الخطاب ﵁ أن الرسول - ﷺ - قال: \"يا عائشة، ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا﴾ هم أصحاب البدع وأصحاب الأهواء وأصحاب الضلالة من هذه الأمة، ليست لهم توبة. يا عائشة، إن لكل صاحب ذنب توبة =","vol":"8","page":552},{"text":"قال أبو إسحاق: (وفي هذه الآية حث على أن تكون كلمة المسلمين واحدة، وأن لا يتفرقوا في الدين ولا يبتدعوا البدع) (١). وقوله تعالى:\n_________\n= غير أصحاب البدع والأهواء ليس لهم توبة، أنا منهم بريء وهم مني براء\" اهـ. أخرجه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٥/ ١٤٣٠، والطبراني في \"الصغير\" ١/ ٢٠٣، والواحدي في \"الوسيط\" ١/ ١٤٧، وذكر السيوطي في \"الدر\" ٣/ ١١٧، وزاد نسبته إلى: (الحكيم الترمذي وأبي الشيخ وأبي نعيم في \"الحلية\" وابن مردويه وأبي نصر السجزي في الإبانة والبيهقي في \"شعب الإيمان\". وذكره الحافظ ابن كثير في \"تفسيره\" ٢/ ٢١٩، وقال: (رواه ابن مردويه وهو غريب ولا يصح رفعه) ا. هـ. وذكره الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" ٧/ ٢٢، وقال: (رواه الطبراني في الصغير وإسناد جيد) ا. هـ. وقال في ١/ ١٨٨: (رواه الطبراني في الصغير، وفيه بقية بن الوليد ومجالد بن سعيد، وكلاهما ضعيف). وقال الحافظ في \"التقريب\" ١/ ١٠٥: (بقية صدوق كثير التدليس عن الضعفاء، علق له البخاري، وروي له الباقون).\nالثاني: عن أبي هريرة ﵁ عن النبي - ﷺ - في قوله: \" ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا﴾ قال: (هم أهل البدع، وأهل الشبهات وأهل الضلالة من هذه الأمة\" اهـ. أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ١٠٥، وذكره السيوطي في \"الدر\" ٣/ ١١٧، وزاد نسبته إلى: (الحكيم الترمذي والطبراني والشيرازي في الألقاب وابن مردويه)، وذكره ابن كثير في \"تفسيره\" ٢/ ٢١٩، وقال: (رواه ابن جرير، وإسناده لا يصح، فيه عباد بن كثير، متروك الحديث) ا. هـ وذكره الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" ٧/ ٢٢ - ٢٣ وقال: (رواه الطبراني في الأوسط، ورجاله رجال الصحيح، غير معلل بن نفيل، وهو ثقة) ا. هـ.\nالثالث: عن أبي أمامة ﵁، عن الرسول - ﷺ - في قوله ﷿: \" ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا﴾ قال: هم الخوارج\" اهـ. أخرجه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٥/ ١٤٢٩، وذكره السيوطي في \"الدر\" ٣/ ١١٧، وزاد نسبته إلى: (النحاس وابن مردويه). وذكره ابن كثير في \"تفسيره\" ٢/ ٢١٩، والشوكاني ٢/ ٢٦٠، وقالا: (لا يصح رفعه) اهـ.\n(١) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٠٨، وذكر مثله السمرقندي في \"تفسيره\" ١/ ٥٢٧، وانظر \"تفسير\" ابن عطية ٥/ ٤١٠، والقرطبي ٧/ ١٤٩.","vol":"8","page":553},{"text":"﴿لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ قال الكلبي: (لست من قتالهم [في شيء]) (١)، وقال السدي: (يقول: لم تؤمر بقتالهم، فلما أمر بقتالهم نسخ هذا) (٢)، كذلك قال ابن عباس (٣) ومجاهد (٤) والكلبي والسدي: إن قوله: ﴿لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ منسوخ، نسخه السيف في سورة براءة (٥).\nقال ابن الأنباري: (معنى (٦) ﴿لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ (٧) أنت منهم بريء، وهم منك برآء (٨) لم تلتبس بشيء من مذاهبهم، والعرب تقول: إن كلمت فلانًا فلست منك ولست مني، يريدون: كل واحد منا برئ من صحبه. قال النابغة:\nإِذَا حَاوَلْتَ في أسَدٍ فُجُورًا ... فَإنّي لَسْتُ مِنْكَ وَلَسْتَ مِنّي (٩)\n_________\n(١) \"تنوير المقباس\" ٢/ ٧٧.\n(٢) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ١٠٦، وابن أبي حاتم ٥/ ١٤٣١ بسند جيد.\n(٣) أخرجه النحاس في \"ناسخه\" ٢/ ٣٥٦ بسند ضعيف.\n(٤) لم أقف عليه، وهو قول الفراء في \"معانيه\" ١/ ٣٦٦، والسمرقندي في \"تفسيره\" ١/ ٥٢٧.\n(٥) آية السيف في أصح الأقوال هي قوله تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ٥] انظر: النسخ في القرآن الكريم للدكتور/ مصطفى زيد ٢/ ٥٠٤.\n(٦) في (أ): (يعني).\n(٧) لفظ: (في شيء) ساقط من (ش).\n(٨) في (ش): (وهم منك براء، وتأويلهم لم تلتبس بشيء من مذاهبهم).\n(٩) ديوان النابغة الذبياني ص ١٢٧، و\"الكتاب\" ٤/ ١٨٦، و\"تفسير الماوردي\" ٢/ ١٩٣، والقرطبي ٧/ ١٥٠، و\"البحر المحيط\" ٤/ ٢٦٠، و\"الدر المصون\" ٥/ ٢٣٦ - ٢٣٧، والفجور بالضم: الريبة والكذب، والشاعر يريد نقض الحلف، انظر: \"اللسان\" ٧/ ٣٣٥٢ (فجر).","vol":"8","page":554},{"text":"وقال النبي - ﷺ -: \"من غشنا فليس منا\" (١) معناه (٢): فنحن منه برآء) (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1119>١٦٠ </span>- قوله تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ قال ابن عباس (٤): وقتادة (٥) والسدي (٦) ومجاهد (٧) والضحاك: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ﴾\n_________\n(١) أخرجه أحمد في المسند ٢/ ٥٠، والدرامي ٣/ ١٦٥٥ (٢٥٨٣)، ومسلم في \"صحيحه\" رقم (١٦٤)، وأبو داود (٣٤٥٢)، وابن ماجه (٢٢٢٤ - ٢٢٢٥)، والترمذي (١٣١٥)، وقال: (حديث حسن صحيح)؛ كلهم في السنن كتاب البيوع، باب النهي عن الغش، ومسلم في باب الإيمان باب قول النبي - ﷺ -: \"من غشنا فليس منا\"، وابن ماجه في كتاب التجارات باب النهي عن الغش.\n(٢) قال ابن الأثير في \"النهاية\" ٣/ ٣٦٩: (الغش: ضد النصح من الغشش، وهو المشرب الكدر، وقوله: \"ليس منا\" أي: ليس من أخلاقنا ولا على سنتنا) اهـ.\n(٣) لم أقف عليه عن ابن الأنباري، وعلى هذا القول تكون الآية محكمة غير منسوخة، وهو الظاهر؛ لأنها خبر، والمعنى: أنت بريء منهم، وهم منك براء، وليس إليك شيء من أمرهم، وإنما أمرهم إلى الله ﷾، وهو اختيار الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ١٠٦، ١٠٧، والنحاس في ناسخه ٢/ ٣٥٦، ومكي في \"الإيضاح\" ص ٢٤٧، وابن عطية في \"تفسيره\" ٥/ ٤١١، والرازي ١٤/ ٨، وانظر: \"الناسخ والمنسوخ\" لابن حزم ص ٣٨، ولابن العربي ٢/ ٢١٣، و\"نواسخ القرآن\" لابن الجوزي ص ٣٣٧، و\"النسخ في القرآن الكريم\" لمصطفى زيد ١/ ٤٤١.\n(٤) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ١٠٩ بسند جيد، وذكره السيوطي في \"الدر\" ٣/ ١١٩.\n(٥) أخرجه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٥/ ١٤٣١ عن عبد الله بن مسعود ﵁ وقال بعده: (وروي عن ابن عباس وأبي هريرة وعلي بن حسين وسعيد بن جبير والحسن، وعطاء ومجاهد وأبي صالح ذكوان ومحمد بن كعب القرظي والنخعي والضحاك والزهري وعكرمة وزيد بن أسلم وقتادة نحو ذلك) اهـ.\n(٦) لم أقف عليه، وقد رواه الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ١٠٨، ١٠٩ من طرق عن جماعة من السلف ﵃.\n(٧) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ١٠٩ بسند لا بأس به عن مجاهد والضحاك.","vol":"8","page":555},{"text":"(يريد: شهادة أن لا إله إلا الله)، وقال عطاء عن ابن عباس: (يريد: من عمل من المصدقين حسنة كتبت له عشر حسنات) (١)، وحذفت الهاء من ﴿عَشْرُ﴾، والأمثال جمع: مثل (٢)، والمثل مذكر؛ لأنه أريد: عشر حسنات أمثالها، ثم حذفت الحسنات وأقيمت الأمثال التي هي صفتها مقامها، وحذف الموصول كثير في الكلام، يقوى هذا قراءة من قرأ ﴿عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ بالتنوين والرفع (٣)، وقال أبو علي: (اجتمع هاهنا أمران، كل واحدٍ منهما يوجب التأنيث، فلما اجتمعا قوي التأنيث، أحدهما: أن الأمثال في المعنى حسنات، فجاز التأنيث، كقوله (٤):\n_________\n(١) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ١٤٨، وابن الجوزي في تفسيره ٣/ ١٥٩.\n(٢) المثل: بكسر فسكون كلمة تسوية ويقال: مثل بالفتح، ويراد به الشبه، والصفة، والشيء الذي يضرب لشيء مثلا فيجعل مثله، انظر: \"اللسان\" ٧/ ٤١٣٣ (مثل).\n(٣) قرأ يعقوب الحضرمي والحسن والأعمش وغيرهم: (عشر) بالتنوين (وأمثالُها) برفع اللام، صفة لعشر، أي: فله عشر حسنات أمثال تلك الحسنة، وقرأ الجمهور: (عشر) بغير تنوين، (أمثالِها) بالخفض على الإضافة، انظر: \"تفسير الطبري\" ٨/ ١١٠، و\"إعراب النحاس\" ١/ ٥٩٥، و\"مختصر الشواذ\" ص ٤١، تفسير السمرقندي ١/ ٥٢٧، والمشكل ١/ ٢٧٨، و\"البحر المحيط\" ٤/ ٢٦١، و\"النشر\" ٢/ ٢٦٦ - ٢٦٧، و\"إتحاف فضلاء البشر\" ص ٢٢٠.\n(٤) الشاهد لعمر بن أبي ربيعة في ديوانه ص ١٢٦، والكتاب ٣/ ٥٦٦، و\"الكامل\" للمبرد ٢/ ٢٥١، و\"الخصائص\" ٢/ ٤١٧، و\"المخصص\" ١٧/ ١١٧ وصدره:\nفَكَانَ مِجَنِّي دُونَ مَنْ كُنْتُ أَتّقَّي\nوالكاعب، بالكسر: التي نهد ثديها، انظر: \"اللسان\" ٧/ ٣٨٨٨ (كعب)، والمعصر، بضم فسكون وكسر الصاد: التي بلغت عصر شبابها، انظر: \"اللسان\" ٥/ ٢٩٦٩ (عصر) والمجن: الترس، والشاهد: معاملة شخوص معاملة المؤنث؛ لأنه أراد النساء.","vol":"8","page":556},{"text":"ثَلاثُ شُخُوصٍ كاعِبَاتٍ (١) ومُعْصِرُ\nفأراد بالشخوص: نساء (٢)، والآخر: أن المضاف إلى المؤنث قد يؤنث وإن كان مذكرًا كقول من قرأ (٣): (تلتقطه بعض السيارة) [يوسف: ١٠] (٤) والأمثال يراد: بها حسنات أمثالها من جهة المجانسة تثبت (٥) لصاحبها، ثم الجزاء يقع لصاحبها على تلك العشر، وليس في الآية ذكر الجزاء بالحسنة، إنما ذكر أن لصاحب الحسنة الواحدة عشر حسنات (٦).\n[و] (٧) قوله تعالى: ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا﴾ قال ابن عباس: (يريد: الخطيئة، قال: وهذا للمؤمنين) (٨) ومعنى: ﴿إِلَّا مِثْلَهَا﴾ إلا جزاء مثلها، يوازيها ويماثلها، لا يكون أكثر منها، وروى أبو ذر (أن\n_________\n(١) هكذا في النسخ: (كاعبات)، ولم أقف عليه بهذا اللفظ، وفي المراجع: (كاعبان) بالنون.\n(٢) في (ش): (نسبًا)، وهو تحريف.\n(٣) قراءة العامة: (يلتقطه بعض السيارة) بالياء، وقرأ مجاهد والحسن وقتادة. (تلتقطه) بالتاء لتأنيث المعنى ولإضافته إلى مؤنث. انظر: \"إعراب النحاس\" ٢/ ١٢٦، و\"مختصر الشواذ\" ص ٦٧، و\"الدر المصون\" ٦/ ٤٤٧، و\"الإتحاف\" ص ٢٦٢.\n(٤) \"التكملة\" لأبي علي ص ٢٧٠، وانظر: تفصيل ذلك في الكتاب ٣/ ٥٦١ - ٥٦٧، ومعاني الأخفش ٢/ ٢٩١، والفراء ١/ ٣٦٦ - ٣٦٧، والزجاج ٢/ ٣٠٩، و\"تفسير الطبري\" ٨/ ١١٠، و\"إعراب النحاس\" ١/ ٥٩٥.\n(٥) في (ش): (يثبت) بالياء.\n(٦) انظر: \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣١٠، و\"تفسير القرطبي\" ٧/ ١٥١.\n(٧) لفظ: \"الواو\" ساقط من (ش).\n(٨) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ١٤٨، والراجح أن المراد بالحسنة والسيئة العموم، وأصل الحسنات التوحيد، وأسوأ السيئات الشرك، وهو اختيار ابن عطية في \"تفسيره\" ٥/ ٤١٢، والرازي ١٤/ ٨، وانظر: \"تفسير ابن كثير\" ٢/ ٢٢٠.","vol":"8","page":557},{"text":"النبي - ﷺ - قال: \"إن (١) الله تعالى قال: الحسنة عشر، أو أزيد، والسيئة واحدة أو أغفر، فالويل لمن غلبت آحاده أعشاره\" (٢).\nوقال - ﷺ -: \"يقول الله: إذا هم عبدي بحسنة فاكتبوها له حسنة، وإن لم يعملها، فإن عملها فعشر أمثالها، وإن هم بسيئة فلا تكتبوها، فإن عملها فسيئة\" (٣).\nوقوله تعالى: ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ قال ابن عباس: (لا ينقص ثواب أعمالهم) (٤).\n_________\n(١) لفظ: (إن الله تعالى قال) ساقط من (ش).\n(٢) في الباب أحاديث كثيرة ثابتة في الصحاح والسنن. انظر: \"صحيح مسلم\" رقم ٢٠٣ - ٢٠٨، و\"تفسير ابن كثير\" ٢/ ٢٢٠، ٢٢١، و\"الدر المنثور\" ٣/ ١١٩، ١٢٠، والأقراب إلى نص الواحدي هو ما أخرجه أحمد في المسند ٥/ ١٨٠، ومسلم (٢٦٨٧)، و\"الحاكم في المستدرك\" ٤/ ٢٤١ عن أبي ذر ﵁ قال: قال: رسول الله - ﷺ -: \"يقول الله ﷿: الحسنة عشرًا أو أزيد، والسيئة واحدة أو أغفرها ..) الحديث. ولفظ: (فالويل لمن غلبت آحاده أعشاره) ذكره الثعلبي في \"الكشف\" ١٨٧ أ، والقرطبي في \"تفسيره\" ٧/ ١٥١.\n(٣) أخرج مسلم في \"صحيحه\" رقم (٢٠٣)، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال: رسول الله - ﷺ -: قال الله ﷿: إذا هم عبدي بسيئة فلا تكتبوها عليه فإن عملها فاكتبوها سيئة، وإذا هم بحسنة فلم يعملها فاكتبوها حسنة فإن عملها فاكتبوها عشرًا\" ا. هـ. وأخرج مسلم رقم (٢٠٧)، والبخاري ٧/ ١٨٧ كتاب الرقاق - باب من هم بحسنة أو سيئة، عن ابن عباس ﵄ عن النبي - ﷺ - فيما يرويه عن ربه ﷿ قال: \"إن الله كتب الحسنات والسيئات، ثم بين ذلك، فمن هم بحسنة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة، وإن هم بها فعملها كتبها الله عنده عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، وإن هم بسيئة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة، وإن هم بها فعملها كتبها الله سيئة واحدة) اهـ.\n(٤) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ١٥٠، وفي \"تنوير المقباس\" ٢/ ٧٧ نحوه.","vol":"8","page":558},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1120>١٦١ </span>- قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا﴾ قال أبو إسحاق: (أما نصب ﴿دِينًا﴾ فمحمول على المعنى؛ لأنه لما قال: ﴿هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ دل على عرفني، فكأنه قال: عرفني ﴿دِينًا﴾ قال: ويجوز أن يكون على البدل من معنى ﴿إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ لأن معناه: هداني صراطًا مستقيمًا دينا، كما قال: ﴿وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [الفتح: ٢] (١).\nوقوله تعالى: ﴿قِيَمًا﴾ قال ابن عباس: (يريد: مستقيمًا) (٢) ونحو ذلك قال الأخفش (٣) والزجاج (٤) في القيم، وهو من باب الميت (٥) والصيب ونحوه، وقرأ أهل (٦) الكوفة ﴿قِيَمًا﴾ مكسورة القاف خفيفة الياء. قال الزجاج: (وهو مصدر كالصغر (٧) والكبر والحول والشيع). قال أبو علي: (وكان القياس أن يصحح فيه الواو كالعوض والحول، ولكنه شذ عن\n_________\n(١) انظر: معاني الزجاج ٢/ ٣١١، وإعراب النحاس ١/ ٥٩٦، والحجة لأبي علي ٣/ ٤٤٠، والمشكل ١/ ٢٧٩، والدر المصون ٥/ ٢٣٨.\n(٢) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ١٥١.\n(٣) \"معاني الأخفش\" ٢/ ٢٩٢.\n(٤) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣١٠، وهو قول الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ١١١، والنحاس في \"معانيه\" ٢/ ٥٢٥.\n(٥) يريد قيم وزنه فَيْعِل وأصله قَيْوِم، اجتمعت الياء والواو، والأولى ساكنة، فقلبت الواو ياء وأدغمت ثم خفف اللفظ إلى قِيَم بكسر القاف وفتح الياء، ومثله مَيِّت وصَيِّب وسَيَّد ونحوه. انظر: اللسان ٦/ ٣٧٨٥ (قوم).\n(٦) قرأ ابن كثير وأبو عمرو ونافع: (قَيِّما) بفتح القاف وكسر الياء مشددة، وقرأ الباقون بكسر القاف وفتح الياء مخففة. انظر: السبعة ص ٢٧٤، والمبسوط ص ١٧٧، والتذكرة ٢/ ٤١٤، والتيسير ص ١٠٨، والنشر ٢/ ٢٦٧.\n(٧) انظر: \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣١٠ - ٣١١، والنصر فيه: (مصدر كالصغر والكبر) فقط، ولفظ: (شيع) من \"الحجة\" لأبي علي ٣/ ٤٣٩، وانظر: \"العضديات\" ص ١٢٢.","vol":"8","page":559},{"text":"القياس نحو ثيرة (١) وجياد في جمع جواد وكان القياس الواو (٢)، كما قالوا: طويل وطوال) (٣) وهذا مما ذكرناه مستقصى (٤) في أول سورة النساء.\nوقوله تعالى: ﴿مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ ﴿مِلَّةَ﴾ بدل عن ﴿دِينًا قِيَمًا﴾ و﴿حَنِيفًا﴾ منصوب على الحال ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾ والمعنى: هداني وعرفني ملة إبراهيم في حال حنيفيته، وهو هاهنا لإبراهيم أحسن منه لغيره لقوله: ﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾؛ قاله (٥) أبو إسحاق (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1121>١٦٢ </span>- وقوله (٧) تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي﴾. قال أهل اللغة (٨):\n_________\n(١) ثمرة، بكسر الثاء وفتح الياء: جمع ثور ذكر البقر، قلبوا الواو ياء. انظر: \"اللسان\" ١/ ٥٢٢ (ثور).\n(٢) قال مكي في \"المشكل\" ١/ ٢٧٩: (من قرأ (قيما) مشدد فأصله قيوم على فَيْعِل، ثم أبدل من الواو ياء، ثم أدغم، ومن خففه بناه على فعل، وكان أصله أن يأتي بالواو فيقول: قوما، كما قالوا: عوض وحول، ولكنه شذ عن القياس) اهـ.\n(٣) \"الحجة\" لأبي علي ٣/ ٤٣٩ - ٤٤٠. وانظر: \"معاني القراءات\" ١/ ٣٩٨، و\"إعراب القراءات\" ١/ ١٧٤، و\"الحجة\" لابن خالويه ص ١٥٢، ولابن زنجلة ص ٢٧٩، و\"الكشف\" ١/ ٤٥٩.\n(٤) انظر: \"البسيط\" النسخة الأزهرية ١/ ٢٢٩ أ.\n(٥) في (ش): (قال)، وهو تحريف.\n(٦) انظر: \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣١١، و\"إعراب النحاس\" ١/ ٥٩٦، و\"المشكل\" ١/ ٢٧٩.\n(٧) وقع في نسخة: (ش) اضطراب في ترتيب الأوراق، فجاء الكلام على هذه الآيات في ١٤٦ ب.\n(٨) النُّسْك، بضم فسكون: العبادة، والطاعة، وكل ما تقرب به إلى الله تعالى، واختصر بأعمال الحج. والنُّسُك -بالضم- والنسيكة: الذبيحة وانظر: \"العين\" ٥/ ٤١٣، و\"الجمهرة\" ٢/ ٨٥٦، و\"الصحاح\" ٤/ ١٦١٢، و\"المجمل\" ٣/ ٨٦٥، و\"المفردات\" ص ٨٠٢، و\"اللسان\" ٧/ ٤٤١٢ (نسك)، ونص الواحدي في \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٥٦٢، وفيه: (النسك، بضم فسكون: الذبيحة) اهـ.","vol":"8","page":560},{"text":"(النسك: العبادة من كل نوع، والنسك الذبيحة بعينها، تقول: من فعل كذا فعليه نسك، أي: دم يهريقه). وروى ثعلب عن ابن الأعرابي قال: (النسك: سبائك الفضة، كل سبيكة منها نسيكة، وقيل للمتعبد: ناسِك لأنه يخلص نفسه من دنس الآثام وصفاها كالسبيكة المخلصة من الخبث) (١). وذكرنا طرفا من هذا (٢) عند قوله: ﴿وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا﴾ [البقرة: ١٢٨].\nقال ابن عباس: ﴿وَنُسُكِي﴾ (يريد: ذبيحتي) (٣)، [وقال مقاتل: (نسكي: حجي) (٤). وقال مجاهد: (ذبيحتي] (٥) في الحج والعمرة) (٦). وقال الزجاج: (النسك كل ما تقربت به إلى الله ﷿ إلا أن الغالب عليه أمر الذبح) (٧).\n_________\n(١) \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٥٦٢.\n(٢) انظر: \"البسيط\" النسخة الأزهرية ١/ ٨٧ أ.\n(٣) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ١٥١، وابن الجوزي في \"تفسيره\" ٣/ ١٦١، وأبو حيان في \"البحر\" ٤/ ٢٦٢.\n(٤) لعل المراد مقاتل بن حيان، فقد أخرجه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٥/ ١٤٣٤ بسند جيد عنه، وذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ١٥١، وفي \"تفسير مقاتل بن سليمان\" ١/ ٩٠٠ قال: (يعني: ذبيحتي) اهـ.\n(٥) ما بين المعقوفين ساقط من: (ش).\n(٦) \"تفسير مجاهد\" ١/ ٢٢٩، وأخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ١١٢، وابن أبي حاتم ٥/ ١٤٣٤ بسند جيد.\n(٧) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ١٥١، وابن الجوزي في \"تفسيره\" ٣/ ١٦١، وفي \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣١١: (النسك: الذبح، والنسك: ما يتقرب به إلى الله جل وعز) ا. هـ. وانظر: \"معاني النحاس\" ٢/ ٥٢٥ - ٥٢٦.","vol":"8","page":561},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي﴾ أي: حياتي وموتي لله، أي: هو يحييني وهو يميتني، وقرأ نافع ﴿وَمَحْيَايَ﴾ (١) ساكنة الياء، ونصبها في ﴿وَمَمَاتِي﴾، وإسكان الياء في ﴿وَمَحْيَايَ﴾ شاذ غير مستعمل؛ لأن فيه جمعًا بين ساكنين لا يلتقيان على هذا الحدّ في نثر ولا نظمٍ (٢).\nقال الزجاج: (أما ﴿وَمَحْيَايَ﴾ فلا بد من فتحها لأن قبلها ساكنا) (٣) ووجه هذه القراءة ما حكى بعض البغداديين: (أنه سمع: التقت حلقتا\n_________\n(١) قرأ نافع: (مَحْيايْ) بسكون ياء المتكلم، (ومَماَتِيَ) بفتح الياء، وقرأ الباقون: (مَحْيَايَ) بفتح الياء و(مَمَاتِي) ساكنة الياء. انظر: \"السبعة\" ص ٢٧٤ - ٢٧٥، و\"المبسوط\" ص ١٧٧، و\"التذكرة\" ٢/ ٤١٥، و\"التيسير\" ص ١٠٨ - ١٠٩، و\"النشر\" ٢/ ١٧٢ - ١٧٣.\n(٢) هذا قول أبي علي في \"الحجة\" ٣/ ٤٤٠ - ٤٤١، وانظر: \"معاني القراءات\" ١/ ٣٩٩. وتسكين الياء له عدة توجيهات، فيحتمل أنه عدل بها عن أصلها استثقالًا للحركة عليها؛ لأن الياء حرف ثقيل فإذا حُرك ازداد ثقلا إلى ثقله، أو أجرى الوصل فيه مجرى الوقف، قال ابن خالويه في \"إعراب القراءات\" ١/ ١٧٤: (وإنما صلح الجمع بين ساكنين؛ لأن الألف حرف لين) ا. هـ وقال مكي في \"المشكل\" ١/ ٢٧٩: (حق الياء الفتح، لكن الحركة في الياء ثقيلة، فمن أسكنها فعلى الاستخفاف، لكنه جمع بين ساكنين، والجمع بين ساكنين جائز إذا كان الأول حرف مد ولين؛ لأن المد الذي فيه يقوم مقام حركة يستراح عليها فيفصل بين الساكنين) اهـ. وقال النحاس في \"إعراب القرآن\" ١/ ٥٩٦: (قرأ أهل المدينة (ومحيايْ) بإسكان الياء في الإدراج، وهذا لم يجزه أحد من النحويين إلا يونس؛ لأنه جمع بين ساكنين، وإنما أجازه لأن قبله ألفًا، والألف المدة التي فيها تقوم مقام الحركة، ومن أراد أن يسلم من اللحن وقف على (محياي) فيكون غير لاحن عند جميع النحويين) ا. هـ. ملخصًا. وانظر: \"الحجة\" لابن خالويه ص ٩٥، و\"البحر المحيط\" ٤/ ٢٦٢.\n(٣) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣١١.","vol":"8","page":562},{"text":"البطان (١) بإسكان الألف مع سكون لام المعرفة)، حكى أيضًا: له (٢) ثلثا المال. ومثل هذا ما جوّزه يونس (٣) من قوله: (اضربان زيدًا واضربنان زيدًا) (٤)، وسيبويه (٥) ينكر هذا من قول يونس (٦)، قال الزجاج: (ومعنى الآية: أنه يخبر بأنه إنما يتوجه بالصلاة (٧) وسائر المناسك إلى الله ﷿ لا إلى غيره، كما كان المشركون يذبحون لأصنامهم، فأعلم أنه لله وحده لا شريك له) (٨).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1122>١٦٣ </span>- وقوله تعالى: ﴿وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ﴾. قال ابن عباس: (يقول: بذلك أوحى الله إلى. ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ قال: يريد: أول من أسلم لله بقلبه ولسانه وجوارحه) (٩). وقال قتادة: (﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ من هذه الأمة) (١٠). وقال\n_________\n(١) البطان، بالكسر: الحزام الذي يجعل تحت بطن البعير، وفيه حلقتان، فإذا التقتا فقد بلغ الشَّدُّ غايته، يضرب مثلًا في الحادثة إذا بلذت النهاية في الشدة والصعوبة. انظر: \"الكامل للمبرد\" ١/ ١٨، و\"جمهرة الأمثال\" ١/ ١٨٨، و\"مجمع الأمثال\" ٣/ ١٤٧، و\"المستقصى\" للزمخشري ١/ ٣٠٦.\n(٢) لفظ: (له) مكرر في (ش).\n(٣) يونس بن حبيب الضبي إمام، تقدمت ترجمته.\n(٤) \"الكتاب\" ٣/ ٥٢٧، و\"إعراب النحاس\" ١/ ٥٩٦.\n(٥) قال في \"الكتاب\" ٣/ ٥٢٧: (هذا لم تقله العرب، وليس له نظير في كلامها، لا يقع بعد الألف ساكن إلا أن يدغم) اهـ.\n(٦) ما سبق في توجيهه القراءة هو قول أبي علي في \"الحجة\" ٣/ ٤٤٠.\n(٧) في: (ش): (إنما يتوجه الصلاة)، وهو تحريف.\n(٨) انظر: \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣١١، و\"معاني النحاس\" ٢/ ٥٢٥ - ٥٢٦.\n(٩) ذكر الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ١٥٢ عن ابن عباس قال: (بذلك أوحي إليّ) ا. هـ. ولم أقف عليه عند غيره.\n(١٠) أخرجه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ١/ ٢/ ٢٢٣، والطبري ٨/ ١١٢، وابن أبي حاتم ٥/ ١٤٣٥ بسند جيد.","vol":"8","page":563},{"text":"الكلبي: (أول من أطاع الله ﷿ من أهل زمانه) (١). وقال مقاتل: (أول المخلصين من أهل مكة) (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1123>١٦٤ </span>- قوله تعالى: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا﴾ [قال ابن عباس: (يريد سيدًا وإلها وهو سيد كل أحد) (٣). وقال غيره: ﴿أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا﴾]، (٤) (من الأوثان أعبدها، وهو رب كل شيء) (٥). قال الزجاج: (أي: هو ابتدع الأشياء كلها، ولا يقدر أحد على ابتداع شيء واحدٍ منها) (٦).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا﴾ أي: لا تجني نفس [ذنبًا] (٧) إلا أخذت به، وكان أثمه على الجاني نفسه. ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [ذكرنا معنى الوزر (٨) عند قوله: ﴿وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ﴾ [الأنعام: ٣١]. قال عطاء عن ابن عباس: (يريد: الوليد بن المغيرة، وكان يقول: اتبعوا سبيلي أحمل أوزاركم فقيل: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾)] (٩) أي: لا تؤخذ [كل] (١٠) نفس آثمة بإثم أخرى، لا يؤخذ أحد بذنب غيره) (١١).\n_________\n(١) ذكره الثعلبي في \"الكشف\" ١٨٧ أ، وأبو حيان في \"البحر\" ٤/ ٢٦٢.\n(٢) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ١٥٢، وفي \"تفسير مقاتل\" ١/ ٦٠٠: (يعني: المخلصين من أهل مكة) اهـ.\n(٣) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ١٥٣، والبغوي في \"تفسيره\" ٣/ ٢١٢.\n(٤) ما بين المعقوفين ساقط من (ش).\n(٥) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١/ ٦٠٠، والطبري ٨/ ١١٣.\n(٦) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣١١.\n(٧) لفظ: (ذنبًا) ساقط من (ش).\n(٨) انظر: \"البسيط\".\n(٩) ما بين المعقوفين ساقط من (ش).\n(١٠) لفظ: (كل) ساقط من (أ).\n(١١) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ١٥٣ - ١٥٤، والبغوي في \"تفسيره\" ٣/ ٢١٢، =","vol":"8","page":564},{"text":"وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾. قال ابن عباس في رواية عطاء: (يريد: إنك يا محمد تخاصمهم عندي يوم القيامة بما كذبوك) (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1124>١٦٥ </span>- قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ﴾ الآية. ذكرنا [ما] (٢) في الخليفة في سورة البقرة. قال المفسرون: (﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ﴾) يا أمة محمد ﴿خَلَائِفَ﴾ الأمم الماضية بأن أهلكهم (٣) وأورثكم الأرض بعدهم، فمحمد (خاتم الأنبياء، وأمته خلفوا سائر الأمم) (٤). وقوله تعالى: ﴿وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾ [قال الكلبي: (فضائل في المعاش) (٥)، وقال مقاتل: (درجات)] (٦) في الفضل والغنى) (٧)، وقال السدي: (في الرزق) (٨).\n_________\n= والقرطبي ٧/ ١٥٧، و\"الخازن\" ٢/ ٢٠٨، وقال السيوطي في \"الدر\" ٣/ ١٢٣: (أخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في الآية قال: (لا يؤخذ أحد بذنب غيره). وانظر: \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣١٢.\n(١) لم أقف عليه. وانظر: \"تنوير المقباس\" ٢/ ٧٩.\n(٢) لفظ: (ما) ساقط من (ش).\n(٣) في (ش): (أن أهلكتهم).\n(٤) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١/ ٦٠٠، و\"معاني الفراء\" ١/ ٣٦٧، و\"تفسير الطبري\" ٨/ ١١٤، و\"معاني الزجاج\" ٢/ ٣١٢، و\"معاني النحاس\" ٢/ ٥٢٦، و\"تفسير السمرقندي\" ١/ ٥٢٩.\n(٥) \"تنوير المقباس\" ٢/ ٧٩ وفيه: \"فضائل بالمال والخدم) ا. هـ وقال الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ١٥٤: (في المعاش والغنى والرزق. قال الكلبي ومقاتل والسدي) اهـ.\n(٦) ما بين المعقوفين ساقط من (ش).\n(٧) \"تفسير مقاتل\" ١/ ٦٠٠ - ٦٠١. وفيه: (يعني: الفضائل والرزق ..) اهـ.\n(٨) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ١١٤، وابن أبي حاتم ٥/ ١٤٣٦ بسند جيد.","vol":"8","page":565},{"text":"وقوله تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ﴾ قال أبو إسحاق: (دل بقوله: ﴿وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾ (١) أنه فضل بعض الناس على بعض في الرزق ليختبرهم فيما رزقهم، وهو جل وعز عالم [بما يكون] (٢) منهم قبل ذلك إلا أنه اختبرهم ليظهر منهم ما يكون عليه الثواب والعقاب) (٣).\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ﴾. قال ابن عباس: (يريد: لأعدائه بعد النبي - ﷺ - بهلاكهم وقتلهم. ﴿وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ يريد: غفور لأوليائه رحيم بهم) (٤).\nوقال غيره (٥): ﴿إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ﴾ (أراد في الآخرة وجعله سريعًا؛ لأن كل ما هو آت قريب)؛ وهو معنى قول الزجاج (٦).\n_________\n(١) لفظ: \"الواو\" ساقط من (ش).\n(٢) لفظ: (بما يكون) ساقط من (ش).\n(٣) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣١٢، وانظر: تفسير الطبري ٨/ ١١٤، و\"معاني النحاس\" ٢/ ٥٢٧.\n(٤) في \"تنوير المقباس\" ٢/ ٧٩ نحوه، وذكر البغوي \"تفسيره\" ٣/ ٢١٢ عن عطاء قال: (سريع العقاب لأعدائه، غفور لأوليائه رحيم بهم) اهـ وانظر: \"تفسير الطبري\" ٨/ ١١٤.\n(٥) ذكره الماوردي في \"تفسيره\" ٢/ ١٩٧، واللفظ عام يشمل الدنيا والآخرة.\n(٦) انظر: \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣١٢، و\"معاني النحاس\" ٢/ ٥٢٧.","vol":"8","page":566},{"text":"المملكة العربية السعودية\nوزارة التعليم العالي\nجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية\nعمادة البحث العلمي\nسلسلة الرسائل الجامعية\nالتَّفْسِيرُ البَسِيْط\nلأبي الحسن على بن أحمد بن محمد الواحدي\n(ت ٤٦٨ هـ)\nسورة الأعراف\nتحقيق\nد. محمد بن منصور الفايز\nأشرف على طباعته وإخراجه\nد. عبد العزيز بن سطام آل سعود ... أ. د. تركى بن سهو العتيبي\nالجزء التاسع","vol":"9","page":1},{"text":"المملكة العربية السعودية\nوزارة التعليم العالي\nجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية\nعمادة البحث العلمي\nسلسلة الرسائل الجامعية\nالتَّفْسِيرُ البَسِيْط\nلأبي الحسن على بن أحمد بن محمد الواحدي\n(ت ٤٦٨ هـ)\nسورة الأعراف\nتحقيق\nد. محمد بن منصور الفايز\nأشرف على طباعته وإخراجه\nد. عبد العزيز بن سطام آل سعود ... أ. د. تركى بن سهو العتيبي\nالجزء التاسع","vol":"9","page":2},{"text":"جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ١٤٣٠هـ\nفهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية أثناء النشر\nالواحدي، على بن أحمد\nالتفسير البسيط لأبي الحسن على بن أحمد بن محمد الواحدي\n(ت ٤٦٨ هـ)./ على بن أحمد الواحدي، محمد بن منصور الفايز،\nالرياض ١٤٣٠ هـ.\n٢٥مج. (سلسلة الرسائل الجامعية)\nردمك:٤ - ٨٥٧ - ٠٤ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (مجموعة)\n٦ - ٨٦٦ - ٠٤ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (ج ٩)\n١ - القرآن تفسير ... ٢ - الواحدي، على بن أحمد\nأ- العنوان ... ب- السلسة\nديوي ٢٢٧.٣ ... ٨٦٨/ ١٤٣٠\nرقم الإيداع: ٨٦٨/ ١٤٣٠هـ\nردمك ٤ - ٨٥٧ - ٠٤ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (مجموعة)\n٦ - ٨٦٦ - ٠٤ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (ج٩)","vol":"9","page":3},{"text":"التَّفْسِيرُ البَسِيْط\nلأبي الحسن على بن أحمد بن محمد الواحدي\n(ت ٤٦٨ هـ)\n[٩]","vol":"9","page":4},{"text":"بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ","vol":"9","page":5},{"text":"التَّفْسِيرُ البَسِيْط\nلأبي الحسن على بن أحمد بن محمد الواحدي\n(ت ٤٦٨ هـ)","vol":"9","page":6},{"text":"[تفسير] <span data-type=\"title\" id=toc-1126>(١) </span>سورة الأعراف\n﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾\n\n١ - ﴿المص﴾ قال أبو إسحاق: (الذي اخترنا (٢) في تفسيرها قول ابن عباس (٣) -﵁- (٤): (إن معناها أنا الله أعلم، وأفضل)، وعلى هذا التفسير: هذه الحروف واقعة في موضع جُمل، والجمل (٥) إذا كانت ابتداء وخبرًا فقط لا موضع لها. مثل قولك: أنا الله أعلم. لا موضع لها من الإعراب، إنما يرتفع بعض ذا ببعض؛ فالله يرتفع [بأنا] (٦)، و(أعلم) خبر مستأنف يراد به: وأنا أعلم (٧)، وإذا كان معنى ﴿المص﴾: أنا الله أعلم كان إعرابها كإعراب الشيء الذي هو تأويل لها) (٨).\n_________\n(١) لفظ: (تفسير) ساقط من (أ).\n(٢) في (ب): (أخبرنا)، وهو تصحيف.\n(٣) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ١١٥، وابن أبي حاتم ٥/ ١٤٣٧، والبيهقي في \"الأسماء والصفات\" ١/ ٢٣٢ عن ابن عباس قال: (أنا الله أفصل) اهـ. وذكره السيوطي في \"الدر\" ٣/ ١٢٥. وفي سنده عطاء بن السائب الثقفي، صدوق اختلط فساء حفظه - انظر \"تهذيب التهذيب\" ٣/ ١٠٣. والراجح أن الحروف المقطعة في أوائل السور حروف هجائية. ذكرت للدلالة على إعجاز القرآن وأن الخلق عاجزون عن معارضته بمثله مع أنه مركب من هذه الحروف التي يتخاطبون بها ليكون عجزهم أبلغ في \"الحجة\" عليهم وهذا اختيار جماعة من المحققين انظر: \"الكشاف\" ١/ ٧٦، و\"تفسير ابن كثير\" ٢/ ٢٢٤، والشوكاني ٢/ ٢٧٣، والشنقيطي ٣/ ٣ - ٧.\n(٤) في (أ): (﵀).\n(٥) في (أ): و(الجملة).\n(٦) في (ب): (يرتفع أنا).\n(٧) لفظ: (الواو) ساقط من (ب)، ويريد أن قوله: \"أعلم خبر بعد خبر\". انظر \"تفسير الرازي\" ١٤/ ١٤، حيث نقل قول الواحدي.\n(٨) انظر: \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣١٣ - ٣١٤","vol":"9","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1127>٢ </span>- قوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾، أجمع النحويون: على أن الكتاب مرفوع بمضمر قبله، المعنى: هذا ﴿كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ (١).\nوأجاز الفراء أن يكون موضع هذه الحروف المعجمة رفعًا بما بعدها، و﴿كِتَابٌ﴾ مرتفع بها كالمبتدأ والخبر، والمعنى: ﴿المص﴾ حروف ﴿كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾، وأطال الكلام في بيان هذا (٢)، ثم أنكر الزجاج (٣) عليه هذا القول، وطال الخطب بينهما، وإذا رجعت إلى كتابيهما عرفت ما أقول.\nوقوله تعالى: ﴿فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ﴾ [الأعراف:٢].\nقال ابن عباس (٤) وأبو العالية: (ضيق) (٥).\nقال أبو إسحاق:\n(معناه: لا يضيق صدرك بالإبلاغ ولا تخافن؛ وذلك أنه يروى عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"أي رب إني أخاف أن يثلغوا (٦) رأسي\" (٧)، فأعلم الله ﷿\n_________\n(١) هذا نص كلام الزجاج في \"معانيه\" ٢/ ٣١٤، وانظر: \"معاني الأخفش\" ٢/ ٢٩٣ \"إعراب النحاس\" ١/ ٩٨، \"المشكل\" ١/ ٢٨١.\n(٢) انظر: \"معاني الفراء\" ١/ ٣٦٩ - ٣٧٠.\n(٣) انظر: \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢١٣ - ٢١٤ \"إعراب النحاس\" ١/ ٥٩٨.\n(٤) \"تنوير المقباس\" ٢/ ٨٠، وذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ١٥٦، وأخرج ابن حسنون في \"اللغات\" ص ٢٣ - ٢٥، والوزان ٣ ب عن ابن عباس قال: (حرج: ضيق بلغة قيس عيلان، وشك بلغة قريش).\n(٥) ذكره الثعلبي في \"الكشف\" ١٨٧ ب، والبغوي في \"تفسيره\" ٣/ ٢١٣.\n(٦) في (ب): (تبلغوا)، وهو تحريف - والثلغ: الشدخ وضرب الشيء الرطب بالشيء اليابس حتى ينشدخ. انظر \"النهاية\" ١/ ٢٢٠.\n(٧) هذا طرف من حديث طويل أخرجه أحمد في \"المسند\" ٤/ ١٦٢، ومسلم في \"صحيحه\" رقم (٢٨٦٥) عن عياض بن حمار المجاشعي، أن رسول الله (قال =","vol":"9","page":8},{"text":"أنه في أمان منهم، فقال: ﴿فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ﴾ أي: فلا يضيقن صدرك من تأدية ما أرسلت به) (١).\nوقال الفراء: (لا يضيق صدرك بالقرآن بأن يكذبوك) (٢). وقال مجاهد (٣) ومقاتل (٤): (فلا يكن في قلبك شك (٥) في القرآن أنه من الله).\nوقال أبو إسحاق: (وتأويل هذا، وقوله: ﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ [البقرة: ١٤٧]، وقوله: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ﴾ الآية [يونس: ٩٤] أن ما خوطب به النبي - ﷺ - فهو خطاب لأمته فكأنه بمنزلة: فلا تشكوا ولا ترتابوا) (٦).\nقال ابن قتيبة: (وأصل الحرج الضيق، والشك في الشيء يضيق صدره؛ لأنه لا يعلم حقيقته فسمي الشك حرجا) (٧) وأما اشتقاق هذا الحرف فقد ذكرناه في سورة الأنعام [١٢٥].\n_________\n= ذات يوم في خطبته: \"إن الله أمرني أن أحرق قريشا، فقلت: رب إذا يثلغوا رأسي فيدعوه خبزة .. \". الحديث. ومعنى يثلغوا رأسي، أي: يشدخوه ويشجوه كما يشدخ الخبز أي: يكسر. أفاده الإِمام النووي رحمه الله تعالى في \"شرح مسلم\" ١٧/ ٢٨٩.\n(١) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣١٥، وانظر: \"معاني النحاس\" ٣/ ٧ - ٨\n(٢) \"معاني الفراء\" ١/ ٣٧٠.\n(٣) \"تفسير مجاهد\" ١/ ٢٣١، وأخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ١١٦، وابن أبي حاتم ٥/ ١٤٣٨ بسند جيد.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٢٩.\n(٥) في (أ): (شيء)، وهو تحريف.\n(٦) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣١٥، ومثله في \"معاني النحاس\" ٢/ ٧ - ٨ والراجح أن المراد بالحرج في الآية الضيق لأن ذلك هو الغالب من معناه في كلام العرب وهو اختيار أبي عبيدة في \"مجاز القرآن\" ١/ ٢١٠، والطبري في \"تفسيره\" ٨/ ١١٦، وابن عطية ٥/ ٤٢٣، وأبي حيان في \"البحر\" ٤/ ٢٦٦.\n(٧) \"تفسير غريب القرآن\" ص ١٧٦.","vol":"9","page":9},{"text":"وقوله: ﴿لِتُنْذِرَ بِهِ﴾. قال الفراء: (اللام في ﴿لِتُنْذِرَ﴾ متعلق بقوله ﴿أُنْزِلَ﴾ على التقديم والتأخير، على تقدير ﴿كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ لتنذر به ﴿فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ﴾) (١).\nوقال ابن الأنباري: (ويجوز أن تكون اللام صلة للكون (٢) على معنى: ﴿فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ﴾ شيء (٣) ﴿لِتُنْذِرَ بِهِ﴾، كما يقول الرجل من العرب للرجل: لا تكن ظالما ليقضي (٤) صاحبك دينه، فتحمل (٥) لام كي على الكون) (٦).\nقال صاحب النظم (٧): (وفيه وجه آخر: وهو أن تكون (٨) اللام بمعنى أن، والمعنى (٩): لا يضيق صدرك ولا يضعف عن أن تنذر به، والعرب تضع هذه اللام في موضع (أن) كقوله تعالى ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا﴾ [التوبة:\n_________\n(١) \"معاني الفراء\" ١/ ٣٧٠، وانظر: \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣١٥، و\"تفسير الطبري\" ٨/ ١١٧، و\"معاني النحاس\" ٣/ ٨.\n(٢) في (ب): (ليكون).\n(٣) في (ب): (شك).\n(٤) في (أ): (لتقضى) بالتاء.\n(٥) في (أ): (فيحمل) بالياء.\n(٦) ذكره الرازي في \"تفسيره\" ١٤/ ١٦، وأبو حيان في \"البحر\" ٤/ ٢٦٦، ونقله السمين في \"الدر\" ٥/ ٢٤٢ - ٢٤٣ عن الواحدي عن ابن الأنباري، وانظر: كلام ابن الأنباري على مادة حرج في \"الزاهر\" ١/ ٢٣٦، و\"المذكر والمؤنث\" ١/ ٢٥٨، و\"شرح القصائد\" ص ٣٢١، ص ٥٨٠، و\"إيضاح الوقف والابتداء\" ٢/ ٦٥٠.\n(٧) صاحب \"النظم\"، أبو علي الحسن بن يحيى الجرجاني. تقدمت ترجمته، وكتابه \"نظم القرآن\" مفقود.\n(٨) في (أ): (يكون) بالباء.\n(٩) في (ب): (فالمعنى).","vol":"9","page":10},{"text":"٣٢] وفي موضع آخر ﴿لِيُطْفِئُوا﴾ [الصف: ٨]، وهما جميعا بمعنى واحد) (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾. قال ابن عباس: (يريد: ومواعظ للمصدقين) (٢). قال الزجاج: (هو اسم في موضع المصدر وفيه ألف التأنيث بمنزلة دعوت دعوى، ورجعت رجعى، واتقيت تقوى) (٣).\nوقال الليث: (الذكرى اسم للتذكرة) (٤) والتفعلة مصدر كالتفعيل نحو قوله تعالى ﴿تَبْصِرَةً وَذِكْرَى﴾ [ق: ٨].\nوأما محل ﴿ذِكْرَى﴾ من الإعراب، فقال الفراء: (يجوز أن يكون في موضع نصب على معنى: ﴿لِتُنْذِرَ بِهِ﴾ وتذكر، قال: ويجوز أن يكون رفعًا بالرد على الكتاب كأنك قلت: كتاب حق وذكرى (٥).\n_________\n(١) ذكره الرازي في \"تفسيره\" ١٤/ ١٦، وأبو حيان في \"البحر\" ٤/ ٢٦٦، ونقله السمين في \"الدر\" ٥/ ٢٤٢ - ٢٤٤، وقال: (هذا قول ساقط جدًّا؛ كيف يكون حرف يختص بالأفعال يقع موقع آخر مختص بالأسماء. ونقل الشيخ أبو حيان في \"البحر\" عن ابن الأنباري وصاحب النظم: أن اللام متعلقة بما تعلق به خبر الكون إذ التقدير: فلا يكن حرج مستقرًا في صدرك لأجل الإنذار، والذي نقله الواحدي عن نص ابن الأنباري في ذلك أن اللام متعلقة بالكون وعن صاحب النظم أن اللام بمعنى أن، فيجوز أن يكون لهما كلامان) اهـ. ملخصًا. وانظر: \"إعراب النحاس\" ١/ ٥٩٩، و\"البيان\" ١/ ٣٥٣، و\"التبيان\" ص ٣٦٧، و\"الفريد\" ٢/ ٢٦٦.\n(٢) ذكره الرازي في \"تفسيره\" ١٤/ ١٧، وذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ١٥٦ بدون نسبة. وفي \"تنوير المقباس\" ٢/ ٨٠ نحوه.\n(٣) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣١٦.\n(٤) \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٢٨٦، وانظر: \"العين\" ٥/ ٣٤٦، وأصل الذكر بالكسر حفظ الشيء وجرى الشيء على اللسان، والذكر والذكرى بالكسر ضد النسيان، انظر: \"الجمهرة\" ٢/ ٦٩٤، و\"الصحاح\" ٢/ ٦٦٤، و\"المجمل\" ٢/ ٣٦٠، و\"المفردات\" ص ٣٢٨، و\"اللسان\" ٣/ ١٥٠٧. (ذكر).\n(٥) انظر: \"معاني الفراء\" ١/ ٣٧٠.","vol":"9","page":11},{"text":"وقال الزجاج: (ويجوز على أن يكون وهو ﴿ذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾، قآل: ويجوز أن يكون خفضًا؛ لأن معنى ﴿لِتُنْذِرَ﴾: لأن تنذر فهو في موضع خفض؛ لأن المعنى للإنذار والذكرى) (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1128>٣ </span>- وقوله تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾. قال الحسن: (يا ابن آدم أمرت باتباع كتاب الله وسنة محمد - ﷺ - (٢)؛ والله ما نزلت آية إلا ويجب أن تعلم فيما أنزلت وما معناها) (٣). ونحو هذا قال الزجاج: (أي: اتبعوا القرآن وما أتى به النبي - ﷺ - فإنه مما أنزل عليه؛ لقوله: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٤) [الحشر: ٧].\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾. قال ابن عباس: (يريد: لا تتخذوا غيره أولياء، ﴿قَلِيلًا﴾ يا معشر المشركين ﴿مَا تَذَكَّرُونَ﴾ يريد: ما تتعظون) (٥). وهذا من قول ابن عباس يدل على أن الآية خطاب\n_________\n(١) انظر: \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣١٥ - ٣١٦، وعلى هذا فيه ثلاثة أوجه: الرفع: عطفًا على كتاب أو على إضمار مبتدأ، والنصب: على المصدر أي وتذكر ذكرى أو على العطف على موضع التنذر). والجر على العطف على المصدر المنسبك في أن المقدرة بعد لام كي أي: للإنذار والتذكير أو على الضمير في (به) وانظر: \"إعراب النحاس\" ١/ ٥٩٩، و\"المشكل\" ١/ ٢٨١، و\"البيان\" ١/ ٣٥٣، و\"التبيان\" ص ٣٦٧، و\"الفريد\" ٢/ ٢٦٦، و\"الدر المصون\" ٥/ ٢٤٤.\n(٢) في (أ): (صلى الله عليه).\n(٣) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ١٥٦، والرازي في \"تفسيره\" ١٤/ ١٨، و\"الخازن\" ٢/ ٢٠٩.\n(٤) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣١٦، ونحوه ذكر الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ١١٧، والنحاس في \"معانيه\" ٣/ ٨ - ٩ والسمرقندي في \"تفسيره\" ١/ ٥٣٠.\n(٥) في \"تنوير المقباس\" ٢/ ٨١ نحوه دون لفظ (المشركين).","vol":"9","page":12},{"text":"للمشركين (١)، و﴿تذكرون﴾ أصله تتذكرون فأدغم تاء تتفعل في الذال لأن التاء مهموسة والذال مجهورة (٢)، والمجهور أزيد صوتًا من المهموس فحسن إدغام الأنقص في الأزيد، و﴿مَا﴾ موصولة بالفعل وهي معه بمنزلة المصدر، والمعنى: قليلًا (٣) تذكركم، وقرأ حمزة (٤) والكسائي وحفص (٥) خفيفة الذال شديدة الكاف حذفوا التاء التي أدغمها الأولون وذلك حسن لاجتماع ثلاثة أحرف متقاربة ويقوى ذلك قولهم: اسطاع (٦).\n_________\n(١) انظر: \"تفسير الطبري\" ٨/ ١١٧، و\"معاني الزجاج\" ٢/ ٣١٦، والنحاس ٣/ ٩.\n(٢) الهمس: الخفاء، وهو جريان النفس عند النطق بالحرف لضعف الاعتماد على مخرجه. وضده الجهر وهو الظهور والإعلان والمراد به انحباس النفس عند النطق بالحرف لقوة الاعتماد على مخرجه، انظر: \"سر صناعة الإعراب\" ١/ ٦٠، و\"غاية المريد\" لعطية نصر ص ١٣٩.\n(٣) في (ب): قليلًا ما تذكركم. والنص من \"الحجة\" ٤/ ٥ - ٧، وانظر: \"الدر المصون\" ٥/ ٢٤٦.\n(٤) قرأ حمزة والكسائي، وحفص عن عاصم - ﴿قيلا ما تذكرون﴾ بالتاء خفيفة الذال مشددة الكاف، وقرأ الباقون ﴿تذكرون﴾ بالتاء مشددة الذال والكاف. وقرأ ابن عامر: ﴿قليلًا ما يتذكرون﴾ بياء وتاء، وتخفيف الذال وتشديد الكاف، وقد روي عنه بتاءين (تتذكرون). انظر: \"السبعة\" ص ٢٧٨، و\"المبسوط\" ص ٢٧٩، و\"التذكرة\" ٢/ ٤١٧، و\"التيسير\" ص ١٠٩، والنشر ٢/ ٢٦٧.\n(٥) حفص عن عاصم، وحفص هو حفص بن سليمان بن المغيرة الأسدي، أبو عمر الكوفي، صاحب عاصم، إمام في القراءة ضابط لها بخلاف حاله في الحديث، فهو متروك الحديث مع إمامته في القراءة، توفي سنة ١٨٠هـ وله تسعون سنة. انظر: \"الجرح والتعديل\" ٣/ ١٧٣، و\"معرفة القراء\" ١/ ١٤٠، و\"غاية النهاية\" ١/ ١٥٤، و\"تهذيب التهذيب\" ١/ ٤٥٠، و\"تقريب التهذيب\" ص ١٧٢ (١٤٠٥).\n(٦) انظر: \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣١٦ - ٣١٧، و\"إعراب النحاس\" ١/ ٥٩٩، و\"المشكل\" ١/ ٢٨١، وقد جاء في سورة الكهف [الآية: ٩٧] قوله تعالى: ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾ [الكهف: ٩٧]. قرأ حمزة بتشديد الطاء، والباقون بالتخفيف. انظر: \"السبعة\" ص٤٠١، و\"الحجة\" لأبي علي ٥/ ١٧٩.","vol":"9","page":13},{"text":"وقرأ ابن عامر ﴿يَتَذَكَّرُونَ﴾ بياء (١) وتاء ووجهه (٢) أن هذا خطاب للنبي (ﷺ) (٣) أي: قليلًا ما يتذكر هؤلاء الذين <span data-type=\"title\" id=toc-1129>(٤) </span>ذكروا بهذا الخطاب (٥).\n٤ - وقوله تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا﴾ الآية.\nقال أبو إسحاق: (موضع ﴿كَمْ﴾ رفع با لابتداء، وخبره ﴿أَهْلَكْنَاهَا﴾ قال: وهو أحسن من أن يكون في موضع نصب؛ لأن قولك: (زيد ضربته) أجود من (زيدًا ضربته) والنصب جيد عربي أيضًا كقوله (٦): ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩] (٧».\nوقال أهل العربية (٨) والمعاني: (الآية من حذف (٩) المضاف لأن\n_________\n(١) هنا وقع اضطراب في نسخة (ب) فوقع الكلام على هذه الآيات في ١٤٠ ب.\n(٢) في (ب): (ووجه)، وهو تحريف.\n(٣) في (أ): (﵇).\n(٤) لفظ: (الذين) ساقط من (ب).\n(٥) هذا كلام أبي علي في \"الحجة\" ٥/ ٤ - ٦. وانظر: \"معاني القراءات\" ١/ ٤٠٠، و\"الحجة\" لابن زنجله ص ٢٧٩، و\"الكشف\" ١/ ٤٦٠.\n(٦) والنصب في هذه الآية أجود، وهي القراءة المشهورة التي عليها الجماعة لأن الفائدة فيه أثر من فائدة الرفع لأن التقدير: خلقنا كل شيء بقدر فيدل على العموم واشتمال الخلق على جميع الأشياء. انظر: \"إعراب النحاس\" ١/ ٥٩٩، و\"المشكل\" ٢/ ٧٠١ - ٧٠٣، \"البيان\" ٢/ ٤٠٦.\n(٧) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣١٨. وانظر: \"إعراب النحاس\" ٢/ ١١٤، و\"المشكل\" ١/ ٢٨١ - ٢٨٢. والنصب على الاشتغال بإضمار فعل يفسره ما بعده ويقدر الفعل متأخرا عن كم لأن لها صدر الكلام والتقدير: وكم من قرية أهلكنا. انظر: \"الدر المصون\" ٥/ ٢٤٨.\n(٨) انظر: \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣١٧، و\"تفسير السمرقندي\" ١/ ٥٣١.\n(٩) الظاهر عدم الحذف لعدم الحاجة إليه؛ لأن إهلاك القرية يمكن أن يقع عليها =","vol":"9","page":14},{"text":"التقدير: وكم من أهل قرية، يدل على هذا قوله: ﴿أَوْ هُمْ قَائِلُونَ﴾ (١) فعاد بالكلام [إلى] (٢) أهل القرية).\nوقوله تعالى: ﴿فَجَاءَهَا بَأْسُنَا﴾ قال الفراء: (يقال: إنما أتاها العباس (٣) من قبل الإهلاك، فكيف تقدم الهلاك؟ قيل: إن الهلاك والبأس يقعان معًا كما تقول: أعطيتني فأحسنت، فلم يكن الإحسان قبل الإعطاء ولا بعده، إنما وقعا معًا) (٤).\nوقال غيره (٥): (هذا على مذهب الإرادة، والتقدير: وكم من قرية أردنا إهلاكها (٦) ﴿فَجَاءَهَا بَأْسُنَا﴾ كقوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا﴾ [المائدة: ٦]. ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ (٧» [النحل: ٩٨].\n_________\n= نفسها ولأن القرية لا تسمى بذلك إلا وفيها مساكن لأهلها وسكان منهم ففي إهلاكها إهلاك من فيها من أهلها.\nأفاده الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ١١٨. وقال: (هذا أولى بالحق لموافقته ظاهر التنزيل المتلو) اهـ. وهو اختيار الزمخشري في الكشف ١/ ٦٧، وأبو حيان في \"البحر\" ٤/ ٢٦٨، والسمين في \"الدر\" ٥/ ٢٤٨.\n(١) في (ب): (هم قائلون).\n(٢) لفظ: (إلى) ساقط من (ب).\n(٣) في (ب): (الناس)، وهو تصحيف.\n(٤) \"معاني الفراء\" ١/ ٣٧١.\n(٥) هذا قول مكي في \"المشكل\" ١/ ٢٨٢ وقال السمين في \"الدر\" ٥/ ٢٤٨: (والجمهور أجابوا عن ذلك بوجهين أحدهما: أنه على حذف الإرادة. والثاني: أن المعنى: أهلكناها أي: خذلناهم ولم نوِّفقهم فنشأ عن ذلك هلاكهم فعبر بالمسبب عن سببه وهو باب واسع) اهـ وانظر: \"تاريخ الطبري\" ١٢/ ٣٠٠ - ٣٠١.\n(٦) في (ب): (هلاكها).\n(٧) في النسخ: (وإذا)، وهو تحريف.","vol":"9","page":15},{"text":"ومعنى ﴿فَجَاءَهَا بَأْسُنَا﴾ يريد: جاءها عذابنا. قاله ابن عباس (١).\nوقوله تعالى: ﴿بَيَاتًا﴾ أي: ليلًا (٢). قال الفراء: (يقال: بات الرجل وهو يبيت بيتًا، وربما قالوا: بياتا، قال: وسمي البيت بيتًا لأنه يبات فيه) (٣).\nوقال الليث: (البيتوتة دخولك في الليل، قال: ومن قال: بات فلان إذا نام فقد أخطأ) (٤).\nوقال ابن كيسان: (بات يجوز أن يجرى مجرى نام وأن يجرى\n_________\n(١) \"تنوير المقباس\" ٢/ ٨١\n(٢) هذا قول الجمهور منهم أبو عبيدة في \"المجاز\" ١/ ٢١٠ وابن قتيبة في \"تفسير غريب القرآن\" ١٧٦، والطبري في \"تفسيره\" ٨/ ١١٨، والزجاج في \"معانيه\" ٢/ ٣١٧، والسمرقندي ١/ ٥٣١، وقال الكرماني في غرائبه ١/ ٣٩٦: (المفسرون عن آخرهم فسروا ﴿بياتا﴾ ليلًا) اهـ. وقال السمين في الدر ٥/ ٢٥٠. (قال الواحدي ﴿بياتًا﴾ أي: ليلًا. وظاهر هذه العبارة أن يكون ظرفًا لولا أن يقال: أراد تفسير معنى) اهـ.\n(٣) ذكره الرازي في \"تفسيره\" ١٤/ ٢١، وفي \"تهذيب اللغة\" ١/ ٢٥٠ عن الفراء قال: (باب الرجل إذا سهر الليل كله في طاعة أو معصية). قال الأزهري: (وقوله تعالى ﴿فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا﴾ أي: ليلًا، والتبييت سمي بيتا لأنه يبات فيه) اهـ. ولم أقف عليه في معاني الفراء.\n(٤) \"تهذيب اللغة\" ١/ ٢٥٠، و\"العين\" ٨/ ١٣٨. وأصل البيت مأوى الإنسان بالليل، ثم يقال للمسكن: بيت من غير اعتبار الليل فيه وجمعه بيوت وهي بالمساكن أخص وأبيات وهي لأبيات الشعر، والبات والتبييت: قصد العدو ليلًا، والبيوت: ما يفعل بالليل، ويقال لكل فعل دبر فيه بالليل: بيت. انظر: \"الجمهرة\" ١/ ٢٥٧، و\"الصحاح\" ١/ ٢٤٤، و\"المجمل\" ١/ ١٣٩، و\"المفردات\" ص ١٥١، و\"اللسان\" ١/ ٣٩٣، (بيت).","vol":"9","page":16},{"text":"مجرى كان) (١).\nوقال الزجاج: (يقال (٢): بات بياتًا حسنًا وبيتة حسنة والمصدر من الأصل بات بيتًا وأصل تسمية البيت من أنه يصلح للمبيت) (٣).\nوقد ذكر هذا الحرف (٤) في قوله تعالى: ﴿إِذْ يُبَيِّتُونَ﴾ [النساء: ١٠٨] و﴿بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨١].\nوقوله تعالى: ﴿أَوْ هُمْ قَائِلُونَ﴾ (٥). قال الفراء: (وفيه واو مضمرة. المعنى: أهلكناها ﴿فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ﴾ فاستثقلوا (٦) نسقًا على أثر نسق، ولو قيل كان صوابًا).\nقال ابن الأنباري: (أضمرت واو الحال لوضوح معناها؛ كما تقول العرب: لقيت عبد الله مسرعًا أو (٧) هو يركض، ولا يضرنك ظالمًا أو (٨) أنت مظلوم، يريدون (أو وأنت) فيحذفون الواو عند أمنهم اللبس؛ لأن الذكر قد عاد على صاحب الحال، ومن أجل أن (أو) حرف عطف والواو كذلك استثقلوا جمعًا بين حرفين من حروف العطف فحذفوا الثاني) (٩).\n_________\n(١) \"تهذيب اللغة\" ١/ ٢٥٠.\n(٢) لفظ: (يقال) ساقط من (أ).\n(٣) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣١٧، وانظر \"الزاهر\" ١/ ٤٤٣.\n(٤) انظر: \"البسيط\" نسخة جستربتي ٢/ ١٢ ب و٢٢ ب.\n(٥) في \"معاني الفراء\" ٤/ ٣٧٢: ﴿بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ﴾.\n(٦) لفظ: (فاستثقلوا) ساقط من (ب).\n(٧) في (ب): (إذ هو)، وهو تحريف.\n(٨) في (ب): (وأنت).\n(٩) ذكره السمين في \"الدر\" ٥/ ٢٥٢.","vol":"9","page":17},{"text":"قال: (و(أو) في هذا الموضع لا يوجب الشك، لكنها دخلت للتفصيل، والتفصيل يضارع الإباحة فيقول الرجل لصاحبه: لأكرمنك منصفًا لي أو ظالمًا، لم يحمل (أو) في هذا على شك بل يُعنى بها التفصيل) (١).\nوقال الزجاج: (لا يحتاج (٢) إلى ضمير الواو كما تقول: جاءني (٣) زيد راجلًا أو هو فارس لم (٤) تحتج إلى واو؛ لأن الذكر قد عاد إلى الأول، قال: و(أو) (٥) هاهنا دخلت على جهة تصرف الشيء ووقوعه إما مرة كذا، وإما مرة كذا على تقدير: جاءهم بأسنا مرة ليلًا ومرة نهارًا فاعتبروا بهلاك من شئتم منهم) (٦).\nقال الليث: (القيلولة نومة نصف النهار وهي القائلة) (٧). قال الفراء: (قال الرجل يقيلُ قيلولةَ وقيلًا وقائلة ومقيلًا) (٨).\n_________\n(١) لم أقف عليه.\n(٢) في (ب): (لا تحتاج) بالتاء.\n(٣) جاء في النسخ: (كم جاءني)، ولعله تحريف.\n(٤) في \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣١٧: (جاءني زيد راجلًا أو وهو فارس أو جاءني زيد وهو فارس) اهـ.\n(٥) في (أ): (قال: الواو).\n(٦) انظر: \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣١٨، وقوله: على تقدير إلى آخره. لم يرد فيه.\n(٧) \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٨٦١، وانظر: \"العين\" ٥/ ٢١٥ (قيل).\n(٨) ذكره أبو حيان في \"البحر\" ٤/ ٢٦٤، وفي \"اللسان\" ٦/ ٣٧٩٦ قيل: (قال الليث: القيلولة نوم نصف النهار وهي القائلة، قال: يقيل، وقد قال القوم: قيلًا وقائلة وقيلولة ومقالًا ومقيلًا الأخيرة عن سيبويه) اهـ.\nانظر: \"الكتاب\" ٤/ ٨٩، و\"الجمهرة\" ٢/ ٩٧٧، و\"الصحاح\" ٥/ ١٨٠٨، و\"المجمل\" ٣/ ٧٣٩، و\"المفردات\" ص ٦٩٠ (قبل).","vol":"9","page":18},{"text":"وقال الأزهري: (القيلولة عند العرب الاستراحة نصف النهار إذا اشتد الحر وإن لم يكن مع ذلك نوم، والدليل على ذلك أن الجنة لا نوم فيها، والله تعالى يقول: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٤]) (١) ومعنى الآية: أنهم جاءهم بأسنا وهم غير متوقعين له؛ إما ليلًا وهم نائمون أو نهارًا وهم قائلون كأنهم غافلون (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1130>٥ </span>- قوله تعالى: ﴿فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ﴾ قال أهل اللغة: (الدعوى اسم (٣) يقوم مقام الادعاء (٤) ومقام الدعاء)، حكى سيبويه: (اللهم أشركنا في صالح دعاء المسلمين ودعوى المسلمين) (٥) وأنشدوا:\nوَإِنْ مَذِلَتْ رِجْلِي دَعَوْتُكِ أَشْتَفِي ... بِدَعْوَاكِ منْ مَذْلٍ بِهَا فَيَهُونُ (٦)\n_________\n(١) \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٨٦١ ولم يذكر الآية.\n(٢) انظر: \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣١٨، و\"معاني النحاس\" ٣/ ٩.\n(٣) الدعوى -بفتح الدال وسكون العين-، والادعاء -بكسر الدال وفتح العين-، والدعاء -بضم الدال وفتح العين-، انظر: \"العين\" ٢/ ٢٢١، و\"الجمهرة\" ٢/ ٦٦٦ و١٠٥٩، و\"الصحاح\" ٦/ ٢٣٣٦، و\"المجمل\" ٢/ ٣٢٦، و\"المفردات\" ص ٣١٦، و\"اللسان\" ٣/ ١٣٨٥ (دعا).\n(٤) في (ب): (الإدغام)، وهو تحريف.\n(٥) \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١١٨٨، وفي \"الكتاب\" ٤/ ٤٠، قال: (الدعوى ما ادعيت، وقال بعض العرب: اللهم أشركنا في دعوى المسلمين) اهـ.\n(٦) الشاهد لكثير عزة في \"ديوانه\" ص ٢٢٧، وبلا نسبة في \"تفسير الطبري\" ٨/ ١٢٠، و\"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٣٦٧، و\"تفسير الثعلبي\" ١٨٧ ب، و\"المخصص\" ٥/ ٨٤، و\"تفسير ابن عطية\" ٥/ ٤٢٨، وابن الجوزي ٣/ ١٦٩، و\"اللسان\" ٧/ ٤١٦٤ (مذل) \"الدر المصون\" ٥/ ٢٥٤، وفي \"الديوان\":\nإذا خدِرَتْ رجلي ذكرتكِ أشتفي ... بذكركِ من مذل بها فيهونُ\nومذلت رجله - بفتح الميم وكسر الذال أي: خدرت، انظر: \"اللسان\" ٧/ ٤١٦٤ (مذل).","vol":"9","page":19},{"text":"قال ابن عباس في معنى الآية: (فما كان تضرعهم ﴿إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا إِلَّا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ فأقروا على أنفسهم بالشرك) (١).\nقال ابن الأنباري: (يريد: فما كان قولهم ﴿إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا﴾ إلا الاعتراف بالظلم والإقرار بالإساءة) (٢)\nوقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ قَالُوا﴾. الاختيار عند النحويين أن يكون موضع ﴿أَنْ﴾ رفعا بكان ويكون الدعوى نصبا (٣) كقوله: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا﴾ [النمل: ٥٦]، وقوله ﴿فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ﴾ [الحشر: ١٧].\nوقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا﴾ (٤) [الجاثية: ٢٥]. ويجوز أن يكون على الضد (٥) من هذا بأن يكون الدعوى رفعًا و﴿أَنْ قَالُوا﴾ نصبًا كقوله تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا﴾ [البقرة: ١٧٧] على قراءة (٦) من رفع ﴿الْبِرَّ﴾\n_________\n(١) ذكره الرازي في \"تفسيره\" ١٤/ ٢١، وأبو حيان في \"البحر\" ٤/ ٢٦٩، وانظر \"تنوير المقباس\" ٢/ ٨١، وفيه: (دعواهم - قولهم).\n(٢) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ١٥٧، وابن الجوزي في \"تفسيره\" ٣/ ١٦٨، والرازي ١٤/ ٢١.\n(٣) فدعواهم: خبر مقدم و﴿إِلَّا أَنْ قَالُوا﴾ اسم كان مؤخر. وهو اختيار الفراء في \"معانيه\" ١/ ٣٧٢، والزجاج ٢/ ٣١٩، والنحاس في \"إعراب القرآن\" ١/ ٦٠٠، والزمخشري في \"الكشاف\" ٢/ ٦٧، وابن عطية في \"تفسيره\" ٥/ ٤٢٤، قال الهمداني في \"الفريد\" ٢/ ٢٧٠: (وهذا أحسن حملًا على ما ورد من نظائره في التنزيل) اهـ.\n(٤) في النسخ: (ومكان) بالواو وهو تحريف.\n(٥) هذا قول مكي في \"المشكل\" ١/ ٢٨٢، والعكبري في \"التبيان\" ص ٣٦٩، واختاره أبو حيان في \"البحر\" ٤/ ٢٦٩.\n(٦) قرأ حمزة وعاصم في رواية: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ﴾ -بفتح الراء-، وقرآ الباقون ﴿البرُ﴾ =","vol":"9","page":20},{"text":"والأصل في هذا الباب أنه إذا (١) اجتمع بعد كان معرفتان فأنت مخير في أن ترفع (٢) أحدهما وتنصب الآخر كقولك: كان زيدٌ أخاك، وإن شئت كان زيدًا أخوك.\nقال الزجاج: (إلا أن الاختيار إذا كانت الدعوى في موضع رفع أن يقول: فما كانت في دعواهم، فلما قال: ﴿كَانَ﴾ دل أن الدعوى في موضع نصب غير أنه يجوز تذكير الدعوى، وإن كانت رفعًا فتقول: كان دعواه [باطلًا] (٣) وباطلة) (٤). وما حكينا من القولين في موضع الدعوى من الإعراب معنى قول الفراء (٥) والزجاج (٦).\nقوله تعالى: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: ٦] قال عطاء عنه: (يُسأل الناس جميعًا عما أجابوا المرسلين، ويُسأل المرسلون عما بلغوا) (٧).\n_________\n= بالرفع فمن رفع جعل ﴿البر﴾ اسم ليس و﴿أن تولوا﴾ الخبر، ومن نصب جعل ﴿البر﴾ خبر مقدم و﴿أن تولوا﴾ اسم (ليس). انظر: \"السبعة\" ص ١٧٦، و\"الحجة\" لأبي علي ٢/ ٢٧٠، و\"المشكل\" ١/ ١١٧.\n(١) انظر \"الحجة\" لأبي علي ٢/ ٢٧٠.\n(٢) في (ب): (يرفع أحدهما وينصب) بالياء.\n(٣) لفظ: (باطلًا) ساقط من (ب).\n(٤) انظر: \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣١٩، وعليه يكون تذكير الفعل قرينة مرجحة لإسناد الفعل إلى (أن قالوا) ولو كان مسندا للدعوى لكان الأرجح (كانت أفاده). السمين في \"الدر\" ٥/ ٢٥٤.\n(٥) انظر: \"معاني الفراء\" ١/ ٣٧٢.\n(٦) انظر: \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣١٩.\n(٧) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ١٢١، وابن أبي حاتم ٥/ ١٤٣٩ بسند جيد، وذكره السيوطي في \"الدر\" ٣/ ١٢٦.","vol":"9","page":21},{"text":"وقال ابن عباس: (يسأل الأمم عما جاءهم من الله، ويسأل (١) النبيين هل بلغتم رسالتي) (٢).\nوقال الضحاك: (﴿الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ﴾ الأمم الذين أتاهم الرسل يُسألون هل بلغكم الرسل ما أرسلوا به إليكم، ﴿وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾ يعني: الأنبياء هل بلغتم قومكم ما أرسلتم به وماذا أجابكم قومكم) (٣).\nوقال السدي: (نسأل (٤) الأمم ماذا عملوا فيما جاءت به الرسل، ونسأل الرسل هل بلغوا ما أرسلوا به) (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1131>٧ </span>- قوله تعالى: ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ﴾ [الأعراف: ٧] قال الضحاك: (لنخبرنهم بما عملوا بعلم منا ﴿وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ﴾ عن الرسل والأمم ما بلغت وما رد عليهم قومهم) (٦).\nوقال ابن عباس: (﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ﴾ ينطق لهم كتاب أعمالهم؛ يقول الله: ﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ﴾) (٧) [الجاثية: ٢٩].\n_________\n(١) في (أ): (نسأل الأمم .. ونسأل النبيين) بالنون.\n(٢) انظر: \"تنوير المقباس\" ٢/ ٨١، و\"تفسير البغوي\" ٣/ ٢١٤، وابن الجوزي ٣/ ١٦٩.\n(٣) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ١٥٧.\n(٤) في (ب): (يسال) بالياء.\n(٥) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ١٢١، بسند جيد.\n(٦) ذكره بدون نسبة الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ١٥٨، والبغوي ٣/ ٢١٤، وابن الجوزي ٣/ ١٦٩.\n(٧) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ١٢٢، وابن أبي حاتم ٥/ ١٤٤٠، بسند ضعيف.","vol":"9","page":22},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1132>٨ </span>- قوله تعالى: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ﴾ يعني: يوم السؤال ﴿وَالْوَزْنُ﴾ ابتداء، وخبره ﴿الْحَقُّ﴾ (١) وابن عباس (٢) وعامة المفسرين (٣) على أن المراد بهذا الوزن أعمال العباد.\nقال ابن الأنباري: (أكد الله به الاحتجاج على العباد وقطع به عذرهم وبين به (٤) لهم عدله وأنه لا يظلم أحدًا) (٥).\nوقوله تعالى: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾ ورد الخبر (أن الله تعالى ينصب ميزانا له لسان وكفتان يوم القيامة فتوزن (٦) به أعمال العباد خيرها وشرها) (٧).\nقال ابن عباس: (يوزن الحسنات والسيئات في ميزان له لسان وكفتان فأما المؤمن فيؤتى بعمله في أحسن صورة فيوضع في كفة الميزان فتثقل (٨)\n_________\n(١) انظر \"معاني الفراء\" ١/ ٣٧٣، و\"إعراب النحاس\" ١/ ٦٠٠، و\"المشكل\" ١/ ٢٨٢.\n(٢) يأتي تخريجه فيما بعد.\n(٣) ذكره مثله الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ١٥٨، والبغوي في \"تفسيره\" ٣/ ٢١٤، وأخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٨٠/ ١٢٢، عن عمرو بن دينار والسدي.\n(٤) لفظ: (به) ساقطة من (ب).\n(٥) لم أقف عليه: وقال ابن الجوزي في زاد المسير ٣/ ١٧١ (في الميزان خمسة حكم - أحدها: امتحان الخلق بالإيمان بذلك في الدنيا، والثانية: إظهار علامة السعادة والشقاوة في الآخرة، والثالثة: تعريف العباد ما لهم من خير وشر، والرابعة: إقامة \"الحجة\" عليهم، والخامسة: الإعلام بأن الله عادل لا يظلم) اهـ.\n(٦) في (ب): (فيوزن) بالياء.\n(٧) لم أقف عليه بهذا اللفظ وهو مشهور من قول ابن عباس، وسيأتي تخريجه. وقال الزجاج في \"معانيه\" ٢/ ٣١٩: (الأولى من هذا أن يتبع ما جاء بالأسانيد الصحاح فإن جاء في الخبر أنه ميزان له كفتان من حيث ينقل أهل الثقة فينبغي أن يقبل ذلك) اهـ.\n(٨) في (ب): (فيثقل) بالياء.","vol":"9","page":23},{"text":"حسناته على سيئاته، فذلك قوله: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ الناجون، قال: وهذا كما قال في سورة الأنبياء: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾) (١) [الأنبياء: ٤٧].\nوقال مقاتل: (﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ﴾ وزن الأعمال يومئذ العدل ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾ من المؤمنين وزن ذرة على سيئاته ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾) (٢). فأما كيفية وزن الأعمال فله وجهان:\nأحدهما: أن أعمال المؤمن تتصور في صورة حسنة، وأعمال الكافر تتصور في صورة قبيحة فتوزن تلك الصورة كما ذكره ابن عباس.\nوالثاني: أن الوزن يعود إلى الصحف التي فيها أعمال العباد مكتوبة، وسئل رسول الله - ﷺ - عما يوزن (٣) يوم القيامة، فقال: \"الصحف\" (٤).\nهذا الذي ذكرنا مذهب عامة المفسرين (٥) وأهل العلم في هذه الآية، وكان مجاهد والضحاك والأعمش (٦) يفسرون الوزن والميزان: (العدل\n_________\n(١) ذكره السمرقندي في \"تفسيره\" ١/ ٥٣١ والثعلبي ١٨٧ ب، والواحدي في \"الوسيط\" ١/ ١٥٨، والبغوي في \"تفسيره\" ٣/ ٣١٥، وابن الجوزي ٣/ ١٧١، والرازي ١٤/ ٢٤، والقرطبي ٧/ ١٦٦، وغيرهم، وذكره السيوطي في \"الدر\" ٨/ ١٢٩، ١٣٠، وقال: (أخرجه البيهقي في شعب الإيمان وأخرجه أبو الشيخ عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس) اهـ.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٣٠.\n(٣) في (ب): (ما يوزن).\n(٤) لم أقف عيه.\n(٥) قال الحافظ ابن كثير في \"تفسيره\" ٢/ ٢٢٦: (يمكن الجمع بين الآثار الواردة في ذلك بأن يكون ذلك كله صحيح فتارة توزن الأعمال وتارة توزن محالها وتارة يوزن فاعلها والله أعلم). وانظر: \"فتح الباري\" ١٣/ ٥٣٧ - ٥٤٠.\n(٦) ذكره الرازي في \"تفسيره\" ٨/ ٢٥، والقرطبي ٧/ ١٦٥، وأبو حيان في \"البحر\" ٤/ ٢٧٠ عن الأعمش.","vol":"9","page":24},{"text":"والقضاء) ويذهبون إلى أن هذا تمثيل وتحقيق للقسط والعدل يومئذٍ، فقال مجاهد: (﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ﴾ والقضاء (١) يومئذٍ العدل) (٢).\nوروى جويبر (٣) عن الضحاك (أن الميزان العدل) (٤). فعلى مذهب هؤلاء: الوزن والميزان عبارة عن العدل كما تقول: هذا الكلام في وزن هذا وفي وزانه أي: أنه يعادله ويساويه وليس هناك وزن في الحقيقة، وقد قال الشاعر:\nقَدْ كُنْتُ قَبْلَ لقائِكُمُ ذا مِرَّةٍ ... عِنْدى لكلِّ مُخَاصِمٍ ميزانُه (٥)\nأراد: عندي لكل مخاصم كلام يُعادل كلامه؛ فجعل الوزن مثلًا للعدل، والميزان مثلا للكتاب الذي فيه أعمال العباد من حيث أنه لا يزيد (٦) فيه ولا يكذب ويخبر بما له وما عليه، فكنى عن الكتب بالموازين، وجعل ما يكثر في الكتاب من الحسنات بمنزلة ما يثقل في الميزان.\nقال أبو إسحاق: (وهذا كله في باب اللغة والاحتجاج سائغ (٧)،\n_________\n(١) لفظ: (الواو) ساقطة من (ب).\n(٢) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ١٢٢، وابن أبي حاتم ٥/ ١٤٤٠ بسند جيد.\n(٣) جويبر -تصغير جابر-: جويبر بن سعيد الأزدي. ضعيف، تقدمت ترجمته.\n(٤) ذكره الزجاج في \"معانيه\" ٢/ ٣١٩، والأزهري في \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٨٨٦، والرازي في \"تفسيره\" ٨/ ٢٥، والقرطبي ٧/ ١٦٥، وأبو حيان في \"البحر\" ٤/ ٢٧٠.\n(٥) لم أهتد إلى قائله، وهو في تفسير ابن الجوزي ٣/ ١٧٠، والرازي ١٤/ ٢٥، و\"اللسان\" ٨/ ٤٨٢٩ (وزن).\n(٦) في (أ): (لا تزيد فيه ولا تكذب).\n(٧) في (ب): (شائع) وقال القرطبي في \"التذكرة\" ص ٣٦٤: (وهذا القول مجاز وليس بشيء وإن كان شائعًا في اللغة للسنة الثابتة في الميزان الحقيقي ووصفه بكفتين ولسان وإن كل كفة منهما طباق السموات والأرض) اهـ. وقال أيضًا في \"تفسيره\" ٧/ ١٦٥: (قد أجمعت الأمة في الصدر الأول على الأخذ بهذه الظواهر من غير =","vol":"9","page":25},{"text":"والأولى من هذا (١) أن يتبع ما جاء في الأسانيد الصحاح من ذكر الميزان) (٢).\nوقال ابن الأنباري: (والقول الأول هو اختيارنا لتتابع الأخبار به واتفاق أكثر أهل العلم عليه ولشهادة ظاهر القرآن له، قال: وإنما جمع الله تعالى فقال: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾ ولم يقل: ميزانه من أجل أن العرب توقع الجمع على الواحد فيقولون: خرج إلى البصرة في السفن، وخرج إلى مكة على البغال. قال: ويجوز أن يكون جمع الميزان إذ (٣) كانت ﴿مَنْ﴾ في معنى (٤) جمع فصرف الكلام إلى معنى ﴿مَنْ﴾ يدل على صحة هذا قوله: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ بالجمع تغليبًا لمعنى ﴿مَنْ﴾ على لفظه) (٥).\nوقال غيره: (الموازين هاهنا جمع موزون لا جمع ميزان وأراد بالموازين الأعمال الموزونة) (٦).\n_________\n= تأويل، وإذا أجمعوا على منع التأويل وجب الأخذ بالظاهر وصارت هذه الظواهر نصوصًا) اهـ. ونحوه ذكر ابن عطية في \"تفسيره\" ٥/ ٤٣٢، والشوكاني ٢/ ٢٧٧، وصديق خان ٤/ ٣٠٥، والقاسمي ٧/ ٢٦١٧.\n(١) في (ب): (والأولى أن يتبع من هذا).\n(٢) انظر: \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣١٩.\n(٣) في (ب): (إذا).\n(٤) في (ب): (موضع).\n(٥) ذكره بدون نسبة الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ١٥٨، وذكره الرازي في \"تفسيره\" ١٤/ ٢٦ عن الزجاج، وانظر: \"معاني الفراء\" ١/ ٣٧٣، و\"تفسير الطبري\" ٨/ ١٢٣.\n(٦) انظر: \"تفسير البغوي\" ٣/ ٢١٦، و\"الرازي\" ١٤/ ٢٧، و\"الدر المصون\" ٥/ ٢٥٦.","vol":"9","page":26},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1133>٩ </span>- قوله تعالى: ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ﴾. قال مقاتل: (يعني: الكفار) (١).\nقال ابن عباس: (يؤتى بعمل الكفار في أقبح سورة، فيوضع في كفة الميزان، فيخف وزنه حتى يقع في النار، ثم يقال للكافر: الحق بعملك، ثم قال: وحق لميزان لا يكون فيها رضوان الله أن يخف، وأما المؤمن فإذا خفت حسناته ثقلت بكتاب كالأنملة (٢) فيه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله فترجح حسناته على سيئاته) (٣).\nوروي أيضًا: (أنه إذا خفت حسنات المؤمن أخرج رسول الله - ﷺ - من حجزته (٤) بطاقة (٥) كالأنملة، فيلقيها في كفة الميزان اليمنى التي فيها حسناته فترجح الحسنات، فيقول ذلك العبد المؤمن للنبي - ﷺ -: بأبي أنت وأمي ما أحسن وجهك وأحسن خلقك فمن أنت؟ فيقول: أنا نبيك محمد، وهذه صلواتك (٦) التي كنت تصلي علي، قد (٧) وفيتك أحوج ما تكون إليها) (٨).\n_________\n(١) \"تفسيرمقاتل\" ٢/ ٣٠.\n(٢) الأنملة -مثلثة الهمزة والميم- المفصل الأعلى الذي فيه الظفر من الإصبع والجمع أنامل وأنملات وهي رؤوس الأصابع. انظر: \"اللسان\" ٨/ ٤٥٥٠ (نمل).\n(٣) سبق تخريجه.\n(٤) حُجْزته، بضم الحاء وسكون الجيم: أصلها موضع شد الإزار، ثم قيل للإزار: حُجْزة للمجاورة، وحجزة الإزار جنبته ومعقد الإزار.\nانظر: \"النهاية\" ١/ ٣٤٤، و\"اللسان\" ٢/ ٧٨٦ (حجر).\n(٥) البطاقة، بالكسر: الورقة ورقعة صغيرة يثبت فيها مقدار ما يجعل فيها إن كان عينًا فوزنه أو عدده وإن كان متاعًا فقيمته، والرقعة الصغيرة تكون في الثوب وفيها ثمنه. انظر: \"النهاية\" ١/ ١٣٥، و\"اللسان\" ١/ ٣٠٢ (بطق).\n(٦) في (ب): (صلاتك).\n(٧) في (ب): (وقد).\n(٨) ذكره الرازي في \"تفسيره\" ٨/ ٢٥، وقال: (رواه الواحدي في \"البسيط\") اهـ. =","vol":"9","page":27},{"text":"وقوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾، قال ابن عباس: (يريد: صاروا إلى العذاب ﴿بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ﴾، قال: يريد: يجحدون بما جاء به محمد ﷺ) (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1134>١٠ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ﴾، قال الزجاج: (معنى التمكين في الأرض: التمليك والقدرة) (٢)، وهو قول ابن عباس قال: (يريد: ملكناكم (٣) في الأرض، يريد: ما بين مكة إلى اليمن، وما بين مكة إلى الشام) (٤).\n_________\n= وذكره القرطبي في \"تفسيره\" ٧/ ١٦٧. وفي \"التذكرة\" ص ٣٦١، وقال: (ذكره القشيري في \"تفسيره\") اهـ. وحديث البطاقة مشهور. أخرجه الإمام أحمد في \"المسند\" ٢/ ٢١٣ - و- ٢٢١ - ٢٢٣، وابن ماجه (٤٣٠٠) كتاب الزهد، باب: ما يرجى من رحمة الله تعالى، والترمذي حديث (٢٦٣٩) كتاب الإيمان، باب: ما جاء فيمن يموت وهو يشهد أن لا إله إلا الله، والحاكم في \"المستدرك\" ١/ ٦ - و- ٥٢٩ - عن عبد الله بن عمرو ﵁ قال: قال رسول الله: \"توضع الموازين يوم القيامة فيؤتى بالرجل فيوضع في كفة فيوضع ما أحصى عليه فتمايل به الميزان، قال: فيبعث به إلى النار: قال: فإذا أدبر به إذا صائح يصيح من عند الرحمن يقول: لا تعجلوا لا تعجلوا فإنه قد بقي له فيؤتى ببطاقة فيها لا إله إلا الله فتوضع مع الرجل في كفة حتى يميل به الميزان\" اهـ. لفظ أحمد، قال الترمذي: (هذا حديث حسن غريب) اهـ. وقال الحاكم: (هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه) اهـ. ووافقه الذهبي في \"التلخيص\"، وقال السيوطي في \"الدر\" ٨/ ١٣١، والشوكاني في \"تفسيره\" ٢/ ٢٧٨، وصديق خان ٣/ ٣٠٧: (إسناده عند أحمد حسن) اهـ. وصححه الشيخ الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة ١/ ٤٣، رقم ١٣٥.\n(١) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ١٥٩ ولم أقف عليه عند غيره.\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ٢/ ٣٢٠، وانظر: \"تفسير الطبري\" ٨/ ١٢٥، و\"معاني النحاس\" ٣/ ١١.\n(٣) في (ب): (مكناكم).\n(٤) \"تنوير المقباس\" ٢/ ٨١ - ٨٢، وذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ١٦٠.","vol":"9","page":28},{"text":"وقولى تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ﴾، يقال: عاش يعيش عيشا ومعاشًا ومعيشة وعيشة ومعيشا بغير هاء (١) ومنه قول رؤبة:\nإليك أشكو شِدَّةَ المَعِيشِ (٢)\nقال الليث: (العيش: المطعم والمشرب (٣) وما يكون به الحياة، والمعيشة: ما يعاش به) (٤)، [وقال الزجاج: (ومعنى المعايش: يحتمل أن يكون ما يعيشون به] (٥) ويمكن أن يكون الوصلة إلى ما يعيشون به) (٦).\nوقد أشار ابن عباس إلى المعنين اللذين ذكرهما الزجاج فقال في قوله: ﴿وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ﴾ (يريد: بما أفضل عليكم في الرزق وما فضلكم به على العرب، وهو أنهم ينسبون إلى الله وإلى حرمه وأمنه والعرب لهم تبع) (٧) فقوله: (بما أفضل عليكم في الرزق) إشارة إلى [الوصلة] (٨) إلى ما يعيشون به؛ لأنهم بذلك التفضيل توصلوا إلى المكاسب والتجارات، وعلى ما ذكره ابن عباس من التفسير تكون الآية خطابًا لقريش.\n_________\n(١) النص من \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٢٨١، وانظر: \"اللسان\" ٥/ ٣١٩٠ (عيش).\n(٢) \"ديوانه\" ص ٧٨، و\"الزاهر\" ١/ ٢٥٠، والقرطبي ٣/ ٨١، و\"الدر المصون\" ٢/ ٤٢٠، ٥/ ٢٥٨، وتمامه:\nومر أعوام نتفن ريشي\nأي أذهبن مالي، وفي \"الديوان\":\nأَشْكُو إِلَيْك شِدَّةَ المعَيشِ ... دهرًا تنقَّى المُخَ بِالتَمشِيشِ\n(٣) في (ب): (والمشروب).\n(٤) \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٢٨١، وانظر: \"العين\" ٢/ ١٨٩، و\"الجمهرة\" ٢/ ٨٧٢، و\"الصحاح\" ٣/ ١٥١٢، و\"المجمل\" ٢/ ٦٣٩، و\"مقاييس اللغة\" ٤/ ١٩٤، و\"المفردات\" ص ٥٩٦ (عيش).\n(٥) ما بين المعقوفين ساقط من (أ).\n(٦) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٢٠، ومثله ذكر النحاس في \"معانيه\" ٣/ ١١.\n(٧) في \"تنوير المقباس\" ٢/ ٨٢ نحوه.\n(٨) لفظ: (الوصلة) ساقط من (أ).","vol":"9","page":29},{"text":"فأما القراءة (١) في المعايش فقال الفراء: (لا تهمز لأنها في الواحدة مفعلة الياء في الفعل فلذلك لم يهمز وإنما يهمز من هذا ما كانت الياء فيه زائدة، مثل: مدينة ومدائن، وقبيلة وقبائل، لما كانت الياء لا يعرف لها أصل ثم قارنتها ألف مجهولة أيضًا همزت. قال: ومثل معايش من الواو [مما لا يهمز (معاون) في جمع معونة، و(مناور) في جمع منارة، وذلك أن الواو] (٢) ترجع (٣) إلى أصلها لسكون الألف قبلها) (٤) هذا مذهب جميع القراء في المعايش لا يهمزونها، وروى خارجة (٥) عن نافع ﴿معائش﴾ بالهمز (٦).\n_________\n(١) قرأ الجمهور ﴿معايش﴾ بالياء، وقرأ عبد الرحمن بن هرمز الأعرج - وزيد بن علي، والأعمش، وخارجة بن مصعب عن نافع، وابن عامر في رواية: ﴿معائش﴾ بالهمز، والقياس بدون همز؛ لأن الياء أصل وإذا كانت زائدة همزت مثل صحيفة وصحائف. لكن قال الفراء في \"معانيه\" ١/ ٣٧٣: (وربما همزت العرب هذا وشبهه يتوهمون أنها فعيلة بشبهها بوزنها في اللفظ وعدة الحروف كما جمعوا مسيل الماء أمسله شبه بفعيل وهو مفعل وقد همزت العرب المصائب وواحدتها مصيبة، شبهت بفعيلة لكثرتها في الكلام) اهـ. وقال أبو حيان في \"البحر\" ٤/ ٢٧١: (رواها عرب فصحاء ثقات فوجب قبولها، وقد ردها نحاة البصرة ولسنا متعبدين بأقوال نحاة البصرة) اهـ. بتصرف. وانظر: \"السبعة\" ص ٢٧٨، و\"إعراب النحاس\" ١/ ٦٠٠، و\"معرفة القراءات\" ١/ ٤٠٠، و\"إعراب القراءات\" ١/ ١٧٦، و\"مختصر الشواذ\" ص ٤٨، و\"المبسوط\" ص ١٧٩، و\"الدر المصون\" ٥/ ٢٥٨.\n(٢) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).\n(٣) في (ب): (فترجع).\n(٤) \"معاني الفراء\" ١/ ٢٧٣.\n(٥) خارجة بن مُصْعَب بن خارجة الضبعي أبو الحجاج الخراساني، فقيه، مقرئ، متروك الحديث. أخذ القراءة عن نافع وغيره، وله شذوذ كثير عنه لم يتابع عليه، توفي سنة ١٦٨ هـ وله ٩٨ سنة. انظر: \"الجرح والتعديل\" ٣/ ٣٧٥، و\"ميزان الاعتدال\" ١/ ٦٢٥، و\"غاية النهاية\" ١/ ٢٦٨، و\"تهذيب التهذيب\" ١/ ٥١٢.\n(٦) ذكرها أكثرهم كما في المراجع السابقة في فقرة رقم (٢).","vol":"9","page":30},{"text":"قال الفراء: (ربما همزت العرب هذا وشبهه يتوهمون أنها فعيلة لشبهها بوزنها في اللفظ وعدة الحروف كما جمعوا مسيل الماء أمسلة (١) شبه بفعيل وهو مفعل) (٢).\nوقال أبو إسحاق: (جميع النحويين البصريين يزعمون أن همز ﴿مَعَايِشَ﴾ خطأ، وذكروا أن الهمز إنما يكون في هذه الياء إذا كانت زائدة نحو: صحيفة وصحائف، فأما ﴿مَعَايِشَ﴾ فمن العيش الياء أصلية، فأما ما (٣) رواه نافع من همز ﴿مَعَايِشَ﴾ فلا أعرف له وجهًا إلا أن لفظ هذه الياء التي من نفس الكلمة أسكن في معيشة فصار على لفظ صحيفة فحمل الجمع على ذلك، ولا أحب القراءة بالهمز) (٤).\nقال أبو علي الفارسي: (قوله: ﴿مَعَايِشَ﴾ العين منه ياء ووزن المعيشة من الفعل عند الخليل (٥) وسيبويه مَفْعِلة، (وكان الأصل مَعْيِشة إلا أن الاسم وافق الفعل في وزنه؛ لأن (معيش) على وزن (يعيش) فأعل كما أعل الفعل وقد وجدنا الاسم إذا وافق الفعل في البناء أعل كما يعل (٦) فمن ذلك إعلالهم لباب ودار ونار ونحوه، لما كان على وزن فعل أعل كما أعل\n_________\n(١) في (أ): (مسله) وهو تحريف.\n(٢) \"معاني الفراء\" ١/ ٣٧٣ - ٣٧٤.\n(٣) في (ب): (فأما رواه)، وهو تحريف.\n(٤) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٢٠ - ٣٢١، وانظر: \"إعراب النحاس\" ١/ ٦٠٠، ٦٠١، و\"المشكل\" ١/ ٢٨٣ - ٢٨٤.\n(٥) في \"الكتاب\" ٤/ ٣٤٩، وكذا في \"الإغفال\" ص٧٣٠ (فمعيشة يصلح أن تكون مَفْعلُة -بفتح الميم وسكون الفاء وضم العين-، أو -مفعلة- بكسر العين) اهـ. وانظر \"الكتاب\" ٤/ ٣٤٩، وص ٣٥٥.\n(٦) في (ب): (كما يعل الفعل)، ثم تكرر قوله: (وقد وجدنا) إلى قوله: (كما يعل).","vol":"9","page":31},{"text":"فأما القراءة (١) في المعايش فقال الفراء: (لا تهمز لأنها في الواحدة مفعلة الياء في الفعل فلذلك لم يهمز وإنما يهمز من هذا ما كانت الياء فيه زائدة، مثل: مدينة ومدائن، وقبيلة وقبائل، لما كانت الياء لا يعرف لها أصل ثم قارنتها ألف مجهولة أيضًا همزت. قال: ومثل معايش من الواو [مما لا يهمز (معاون) في جمع معونة، و(مناور) في جمع منارة، وذلك أن الواو] (٢) ترجع (٣) إلى أصلها لسكون الألف قبلها) (٤) هذا مذهب جميع القراء في المعايش لا يهمزونها، وروى خارجة (٥) عن نافع ﴿معائش﴾ بالهمز (٦).\n_________\n(١) قرأ الجمهور ﴿معايش﴾ بالياء، وقرأ عبد الرحمن بن هرمز الأعرج - وزيد بن علي، والأعمش، وخارجة بن مصعب عن نافع، وابن عامر في رواية: ﴿معائش﴾ بالهمز، والقياس بدون همزة لأن الياء أصل وإذا كانت زائدة همزت مثل صحيفة وصحائف. لكن قال الفراء في \"معانيه\" ١/ ٣٧٣: (وربما همزت العرب هذا وشبهه يتوهمون أنها فعيلة بشبهها بوزنها في اللفظ وعدة الحروف كما جمعوا مسيل الماء أمسله شبه بفعيل وهو مفعل وقد همزت العرب المصائب وواحدتها مصيبة، شبهت بفعيلة لكثرتها في الكلام) اهـ. وقال أبو حيان في \"البحر\" ٤/ ٢٧١: (رواها عرب فصحاء ثقات فوجب قبولها، وقد ردها نحاة البصرة ولسنا متعبدين بأقوال نحاة البصرة) اهـ. بتصرف. وانظر: \"السبعة\" ص ٢٧٨، و\"إعراب النحاس\" ١/ ٦٠٠، و\"معرفة القراءات\" ١/ ٤٠٠، و\"إعراب القراءات\" ١/ ١٧٦، و\"مختصر الشواذ\" ص ٤٨، و\"المبسوط\" ص ١٧٩، و\"الدر المصون\" ٥/ ٢٥٨.\n(٢) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).\n(٣) في (ب): (فترجع).\n(٤) \"معاني الفراء\" ١/ ٢٧٣.\n(٥) خارجة بن مُصْعَب بن خارجة الضبعي أبو الحجاج الخراساني، فقيه، مقرئ، متروك الحديث. أخذ القراءة عن نافع وغيره، وله شذوذ كثير عنه لم يتابع عليه، توفي سنة ١٦٨ هـ وله ٩٨ سنة. انظر: \"الجرح والتعديل\" ٣/ ٣٧٥، و\"ميزان الاعتدال\" ١/ ٦٢٥، و\"غاية النهاية\" ١/ ٢٦٨، و\"تهذيب التهذيب\" ١/ ٥١٢.\n(٦) ذكرها أكثرهم كما في المراجع السابقة في فقرة رقم (٢).","vol":"9","page":32},{"text":"وجميع (١) المتقدمين من النحويين البصريين.\nفإذا جمع معيشة مكسرًا ردت ألف الجمع ثالثة قبل الياء والألف ساكنة والياء أيضًا ساكنة، ومن حكم الساكنين إذا اجتمعا أن يحرك أحدهما أو يحذف، فالحذف هنا لا يجوز لالتباس الجمع بالواحد، وإذا لم يجز الحذف لاجتماعهما لزم تحريك أحدهما، ولا يخلو من أن يكون الأول (٢) أو الثاني، فلا يجوز تحريك الأول لارتفاع دلالته بتحريكه له على الجمع وإذا لم يجز تحريك الأول لزم تحريك الثاني لاجتماع الساكنين، فإذا حركت رجعت (٣) ياء كما أن ما كان من الواو إذا (٤) حركت في الجمع رجعت واوًا صحيحة مثل: (مقاوم) و(مقاول) في جمع (مقام) و(مقال)، أنشد النحويون (٥):\nوإنَّي لَقَوَّامُ مقاوم لَمْ يَكُنْ ... جَرِيرٌ وَلاَ مَوْلَى جَرِيرٍ يَقُومُهَا\n_________\n= و\"معجم الأدباء\" ٧/ ١٠٧، و\"سير أعلام النبلاء\" ١٢/ ٢٧٠، و\"لسان الميزان\" ٢/ ٥٧.\n(١) انظر: \"المنصف\" ٧/ ١٠٧، و\"المقتضب\" ١/ ٢٦١.\n(٢) لفظ: (الأول) غير واضح في (أ)، وفي (ب): (الأول والثاني).\n(٣) في (أ): (رجعت واوًا صحيحة ياء كما أن).\n(٤) في (أ): (وإذا).\n(٥) الشاهد للأخطل في \"ديوانه\" ص ٣٢٢، و\"أمالي القالي\" ٣/ ٧٧، و\"الخصائص\" ٣/ ١٤٥، وللفرزدق في \"المقتضب\" ١/ ٢٦٠، و\"المخصص\" ١٤/ ٢١، وبدون نسبة في \"معاني الزجاج\" ١/ ٢٠٦ - ٢/ ٣٢٠، و\"إعراب النحاس\" ١/ ٦٠١، و\"المنصف\" ١/ ٣٠٦. والشاهد قوله: (مقاوم) في جمع مقامة وأصلها مجلس القوم.","vol":"9","page":33},{"text":"فصحح الواو في الجمع لما لزم تحريكها لاجتماع الساكنين، فبان بهذا أن جمع (معيشة) على (معايش) يزيل مشابهته الفعل في البناء وعلمت بذلك زوال المعنى الموجب للإعلال في الواحد (١) فيلزم التصحيح في التكسير لزوال المشابهة في اللفظ.\nفإن قيل: هل أعل العين إذا كانت ياء أو واوًا في نحو هذا الجمع كما أعلت في قائل وبائع بقلبها همزة لما اعتلا في الفعل؟ والجواب أن إعلال (معايش) لا يلزم؛ لأن زنة الفعل قد بطلت عنه ولزم (٢) تصحيحه كما بينا، فأما قائل وبائع فإنما لزم إعلالها؛ لمشابهتهما الفعل في الزنة وهو الأمر (٣) من المفاعلة، ولأنهما يعملان عمل الفعل، فصار لذلك أدخل في الإعلال وأقرب إليه، ولم يكن ذلك في (معايش) وبابه، ألا ترى أنه لا شيء فيه مما يوجب الإعلال من مشابهته الفعل في زنته وحركاته وسكونه) (٤).\nوقال غير أبي علي [في] (٥) علة همز قايل وبايع: (إنما همز عين فاعل في باب ما اعتلت عينه من ذوات الواو والياء؛ لأن الواو والياء قد انقلبتا ألفين في قال وباع، فلما بني منهما فاعل اجتمعت ألف فاعل مع الألف\n_________\n(١) في \"الحجة\" لأبي علي ٤/ ٧: (فمعيشة موافقة للفعل في البناء ألا ترى أنه مثل يعيش في الزنة وتكسيرها يزيل مشابهته في البناء فقد علمت بذلك زوال المعنى الموجب للإعلال في الواحد في المجمع فلزم التصحيح في التكسير لزوال المشابهة في اللفظ) اهـ.\n(٢) في (أ): (ولزوم).\n(٣) قوله: (وهو الأمر من المفاعلة) ليس في \"الإغفال\".\n(٤) انظر: \"الحجة\" لأبي علي ٤/ ٧ - ٨، و\"الإغفال\" ص ٧٣٠ - ٧٤٠، و\"معجم الإبدال والإعلال\" للخراط ص ١٩٨.\n(٥) لفظ: (في) ساقط من (ب).","vol":"9","page":34},{"text":"المنقلبه عن الواو (١) أو الياء وهما ساكنتان فلم يمكن النطق بهما فهمزت الأخيرة منهما فقيل: قائل وبائع هذا هو الأصل، ثم يجور تحفيف الهمزة فيصير ياء؛ لأن الهمزة المكسورة إذا خففت صارت ياء (٢).\nفأما (معايش) ففي تصحيح يائه ما يغني عن الهمزة) رجعنا إلى كلام أبي علي قال: (فأما قراءة هذا القارئ ﴿معائش﴾ بالهمز، فقال أبو عثمان: (أصل أخذ هذه القراءة عن نافع قال: ولم يكن يدري ما (٣) العربية، وكلام العرب التصحيح في نحو هذا) (٤). قال أبو علي: ومن أعل فهمز ياء ﴿مَعَايِشَ﴾ فمجازه على وجه الغلط كما حكى سيبويه (أن بعضهم قال في جمع مصيبة: مصائب فهمز وهو غلط لأن مصائب مفاعل (٥) فتوهمها فعايل نحو: صحائف وسفائن.\n_________\n(١) في (ب): (عن الواو والياء).\n(٢) ذكره نحو المبرد في \"المقتضب\" ١/ ٢٣٧، وابن جني في \"المنصف\" ١/ ٢٨٠، وانظر: \"الكتاب\" ٤/ ٣٤٥، و\"التصريف\" للجرجاني ص ٨٦، و\"الممتع\" لابن عصفور ١/ ٣٢٧، و\"شرح مختصر تصريف العزي\" للتفتازاني ص ١٣١، و\"شذا العرف\" للحملاوي ص ٧٤.\n(٣) في (أ): (يدري العربية).\n(٤) انظر: \"المنصف\" ١/ ٣٠٧، وقال أبو حيان في \"البحر\" ٤/ ٢٧١ - ٢٧٢: (أما قول المازني (أصل أخذ هذه القراءة عن نافع) فليس بصحيح لأنها نقلت عن ابن عامر والأعرج وزيد بن علي والأعمش، وأما قوله (إن نافعًا لم يكن يدري ما العربية) فشهادة على النفي، ولو فرضنا أنه لا يدري ما العربية وهي هذه الصناعة التي يتوصل بها إلى التكلم بلسان العرب فهو لا يلزمه ذلك، إذ هو فصيح متكلم بالعربية ناقل للقراءة عن العرب الفصحاء، وكثير من هؤلاء النحاة يسيئون الظن بالقراء، ولا يجوز لهم ذلك) اهـ.\n(٥) في \"الكتاب\" ٤/ ٣٥٦، و\"الإغفال\" ص ٧٤١ (وهو غلط، وإنما هو مُفْعِلة وتوهموها فَعْيِلة).","vol":"9","page":35},{"text":"قال: ومنهم من يقول: مصاوب فيجيء به على الأصل والقياس) (١)، وقول (٢) سيبويه: (وهو غلط) يعني: أنه توهم الياء التي في مصيبة -وهي (٣) منقلبة عن العين التي هي واو- الياء التي (٤) للمد في نحو: [سفينة وصحيفة، وهمزوا الياء المنقلبة عن الواو التي هي عين الفعل كما همزوا الياء التي للمد (٥) في نحو] (٦) سفائن وصحائف، ولا يشبه هذه الياء تلك، ألا ترى أن هذه منقلبة عن واو هي عين أصلها الحركة، وتلك زائدة للمد لا حظ لها في الحركة). وقد ذكرنا الكلام مستقصى في المصائب عند قوله (٧): ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ﴾ [البقرة: ١٥٦]، (ومثل هذا مما حمل على الغلط قول بعضهم في جمع مَسِيل: مسلان، فمسيل مفعل والياء فيه عين الفعل، فتوهم من قال في جمعه: مسلان أنها زائدة للمد فجمعه على فعلان كما يجمع قضيب على قضبان، وعلى هذا (٨) التوهم أيضًا جمعوا مسيلًا أمسلة. وقد جاء ذلك في شعر هذيل، قال أبو ذؤيب (٩):\nوَأَمْسِلَةٍ مَدَافِعُها خَلِيفُ (١٠)\n_________\n(١) \"الكتاب\" ٤/ ٣٥٦.\n(٢) في (أ): (وقال)، وهو تحريف.\n(٣) (وهو)، وهو تحريف.\n(٤) في \"الإغفال\" (التي تزاد للمد).\n(٥) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).\n(٦) في \"الإغفال\" ص ٧٤٢: صفائح.\n(٧) انظر \"البسيط\" النسخة الأزهرية ١/ ٩٨ أ.\n(٨) هذا من \"الحجة\" ٣/ ٨.\n(٩) أبو ذؤيب خويلد بن خالد الهذلي. تقدمت ترجمته.\n(١٠) \"شرح ديوان الهذليين\" للسكري ١/ ١٨٥، و\"المخصص\" ٥/ ١٢٣، ١٠/ ١٠٧، و\"الدر المصون\" ٥/ ٢٥٩، وصدره:\nبَوادٍ لا أنِيسَ به يَبَابٍ\nويباب بالفتح؛ خراب فقر ليس فيه أحد.","vol":"9","page":36},{"text":"فتوهموه فعيلًا، وإنما هو مفعل (١)، ومثل هذا من الشواذ والغلط لا يعترض به على الشائع المطرد ولا يحمل غيره عليه، وإنما حكمه أن يعرف أصله ويبين وجه الصواب فيه، ومن أين وقع الشبه الذي جاء من أجله الغلط، فمسلان من سأل خطأ وإن كان قد قيل، فكذلك (٢) همز (٣) معايش غلط) (٤)، فأما الكلام في (مدائن) فسنذكره إذا أتينا إلى قوله: ﴿وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ﴾ (٥) [الأعراف: ١١١] من هذه السورة (٦) إن شاء الله.\nوقوله تعالى: ﴿قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾، قال ابن عباس: (يريد: أنكم غير شاكرين لأنعمي (٧) [ولا] طائعين) (٨). وتقدير هذا تقدير قوله: ﴿قَلِيلًا مَا\n_________\n= انظر: \"اللسان\" ٨/ ٤٩٤٧ (يبب)، وأمسلة، بسكون الميم وكسر السين: جمع مَسِيل وهو: مجرى الماء. انظر: \"اللسان\" ٧/ ٤٢٠٥ (مسل) ومدافعها. المجاري التي تدفع إلى الأودية. انظر: \"اللسان\" ٣/ ١٣٩٤ (دفع)، وخليف بفتح الخاء وكسر اللام: الطريق بين الجبلين انظر: \"اللسان\" ٢/ ١٢٤٢ (خلف).\n(١) إلى هنا انتهى النقل من \"الحجة\".\n(٢) في (ب): (فلذلك).\n(٣) في (أ): (همزة).\n(٤) انظر: \"الإغفال\" ص ٧٣٠ - ٧٤٤، و\"الحجة\" ٤/ ٧ - ٨، وهو أخذ منهما مع بعض التصرف اليسير في العبارة وانظر: \"تفسير الطبري\" ٨/ ٢٥، و\"المشكل\" ١/ ٢٨٣، والمراجع المذكورة في \"القراءة\" ص ٣٠ من هذا الجزء.\n(٥) في (ب): (وأرسل فرعون في المدائن حاشرين) من هذه السورة إن شاء الله. وهذا وهم، وجاء في سورة الشعراء الآية: ٥٣ قوله تعالى: ﴿فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ﴾.\n(٦) انظر تفسير هذه الآية في هذا الجزء ص ٢٦٧.\n(٧) لفظ: (ولا) ساقط من (ب).\n(٨) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ١٦٠، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٣/ ١٧٢، وفي \"تنوير المقباس\" ٢/ ٨٢ نحوه.","vol":"9","page":37},{"text":"تَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٣]. [وقد مر] (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1135>١١ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾. قال ابن عباس: (أما ﴿خَلَقْنَاكُمْ﴾ فآدم (٢)، وأما ﴿صَوَّرْنَاكُمْ﴾ (٣) فذريته) (٤).\nوبيان هذا ما قاله مجاهد: (﴿خَلَقْنَاكُمْ﴾ يعني: آدم ﴿ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾ (٥) في ظهر آدم) (٦)، وإنما ﴿خَلَقْنَاكُمْ﴾ بلفظ الجمع وهو يريد آدم؛ [لأنه أبو البشر وفي خلقه خلق يخرج من صلبه، وعلى هذا أيضًا يجوز أن يكون ﴿صَوَّرْنَاكُمْ﴾ لآدم وحده، وهو قول يونس (٧)، قال: (يجوز أن يكون معنى ﴿صَوَّرْنَاكُمْ﴾ لآدم] (٨) كما تقول: قد ضربناكم وإنما ضربت سيدهم) (٩)، واختار أبو عبيد (١٠) في هذه الآية قول مجاهد لقوله بعده (١١): ﴿ثُمَّ قُلْنَا\n_________\n(١) لفظ: (وقد مر) ساقط من (أ).\n(٢) في (أ): (آدم).\n(٣) في (أ): (ثم صورناكم).\n(٤) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ١٢٦، وابن أبي حاتم ٥/ ١٤٤٢ بسند جيد.\n(٥) لفظ: (ثم) ساقط من (ب).\n(٦) \"تفسير مجاهد\" ١/ ٢٣٢، وأخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ١٢٧، وابن أبي حاتم ٥/ ١٤٤٢ من طرق جيدة، وقال النحاس في \"معانيه\" ٣/ ١٣: (هذا أحسن الأقوال، يذهب مجاهد إلى أنه خلقهم في ظهر آدم، ثم صورهم حين أخذ عليهم الميثاق، ثم كان السجود لآدم بعد، ويقوي هذا: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢]، والحديث أنه أخرجهم أمثال الذر فَأخّذ عليهم الميثاق) اهـ. وسيأتي تخريج الحديث.\n(٧) يونس بن حبيب الضبي، لُغوي. تقدمت ترجمته.\n(٨) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).\n(٩) ذكره الثعلبي في \"الكشف\" ١٨٨ أ.\n(١٠) لم أقف عليه بعد طول بحث عنه.\n(١١) في (ب): (بعد).","vol":"9","page":38},{"text":"لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا﴾، وكان قوله: ﴿لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا﴾ قبل خلق ذرية آدم وتصويرهم في الأرحام، و(ثم) يوجب التراخي (١) والترتيب، فمن جعل الخلق والتصوير في هذه الآية لأولاد آدم في الأرحام لم يكن قد راعى حكم (ثم) في الترتيب، إلا أن يأخذ. بقول الأخفش فإنه يقول: «ثم) هاهنا في معنى الواو) (٢).\nقال الزجاج: (وهذا خطأ لا يجيزه الخليل (٣) وسيبويه (٤) وجميع من يوثق بعلمه) (٥).\nقال أبو عبيد (٦): (وقد بينه مجاهد (٧) حين قال: إن الله خلق آدم [و] صورهم (٨) في ظهره ثم أمر بعد ذلك بالسجود) قال: وهذا بين في حديث [آخر] (٩) وهو أنه أخرجهم من ظهر آدم في سورة الذر) (١٠).\n_________\n(١) انظر: \"حروف المعاني\" للزجاجي ص ١٦، و\"معاني الحروف\" للرماني ص ١٠٥، وذكر عدة أوجه في هذه الآية، و\"رصف المباني\" ص ٢٤٩، و\"المغني\" لابن هشام ١/ ١١٧.\n(٢) \"معاني الأخفش\" ٢/ ٢٩٤.\n(٣) انظر: \"العين\" ٨/ ٢١٨.\n(٤) انظر: \"الكتاب\" ١/ ٢٩١، ١/ ٤٢٩، ٣/ ٨٩، ٣/ ٥٠١.\n(٥) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٢١، ونحوه ذكر النحاس في \"معانيه\" ٣/ ١٢. وقال: (هذا القول خطأ على مذهب أهل النظر من النحويين، ولا يجوز أن تكون، (ثم) بمعنى الواو لاختلاف معنييهما) اهـ.\n(٦) لم أقف عليه.\n(٧) سبق تخريجه.\n(٨) لفظ: (الواو) ساقطة من (ب).\n(٩) لفظ: (آخر) ساقطة من (ب).\n(١٠) أخرج أحمد في \"المسند\" ١/ ٢٧٢، وابن أبي عاصم في \"السنة\" ١/ ٨٩ رقم =","vol":"9","page":39},{"text":"[و] قوله (١) تعالى: ﴿فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ﴾. قال الزجاج: (وهو استثناء ليس من الأول ولكنه ممن أمر بالسجود مع الملائكة بدليل قوله: ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ [الأعراف:١٢] فدل أن إبليس ممن أُمِر بالسجود) (٢)\n_________\n= (٢٠٢)، والنسائي في \"تفسيره\" ١/ ٥٠٦ رقم (٢١١)، والطبري ٩/ ١١١، والحاكم في \"المستدرك\" ١/ ٢٧ - ٢/ ٥٤٤، عن ابن عباس -﵄- عن النبي - ﷺ - قال: \"أخذ الله ﵎ الميثاق من ظهر آدم بنعمان -يعني عرفة- فأخرج من صلبه كل ذرية ذرأها، فنثرهم بين يديه كالذر، ثم كلمهم قبلا\"، قال: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ -إلى- ﴿الْمُبْطِلُونَ﴾) [الأعراف:١٧٢، ١٧٣].\nوصححه الحاكم في \"المستدرك\" ووافقه الذهبي في \"التلخيص\". وقال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" ٧/ ٢٥: (رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح) اهـ. وقال الشوكاني في \"تفسيره\" ٢/ ٣٨٤، وصديق خان ٥/ ٧٣ (إسناده لا مطعن فيه) اهـ. وحسن إسناده الألباني في \"ظلال الجنة في تخريج السنة\" لابن أبي عاصم ١/ ٨٩، وصححه في \"السلسلة الصحيحة\" رقم (١٦٢٣). وفي الباب أحاديث كثيرة بمعناه، انظر: \"الدر المنثور\" ٣/ ٢٦١.\n(١) لفظ: (الواو) ساقط من (ب).\n(٢) \"معاني الزجاج\" ٢/ ١٤، وعلى هذا القول يكون الاستثناء منقطع، وإبليس ليس من الملائكة لكنه أمر بالسجود معهم، وذهب الجمهور إلى أن الاستثناء متصل وإن إبليس من الملائكة أو من طائفة منهم، واختاره الطبري في \"تفسيره\" ١/ ٢٢٤، ٢٢٥، والبغوي ١/ ٨١، وابن عطية ١/ ٢٤٥، ٢٤٦، وغيرهم، والظاهر والله أعلم أنه ليس من الملائكة؛ لأن الملائكة خلقت من نور وإبليس خلق من نار ولأن الملائكة مسخرة لا تعصي الله تعالى وإبليس عصى وكفر ولقوله تعالى: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف: ٥٠] وتوجه الخطاب إليه وأمر بالسجود مع الملائكة لأنه كان في عامتهم ومعهم يعمل بعملهم ويتعبد كما يتعبدون ولكن غلب عليه الطبع الخبيث. أفاده شيخنا محمد بن صالح العثيمين -رحمه الله تعالى- في كتاب \"أحكام من القرآن الكريم\" ١/ ١٦٢ - ١٦٤، وانظر: \"معاني النحاس\" ٣/ ١٤، و\"النكت والعيون\" للماوردي ١/ ١٠٢، و\"زاد المسير\" ١/ ٦٥.","vol":"9","page":40},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1136>١٢ </span>- قوله تعالى: ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ موضع (ما (١» رفع، المعنى: أي شيء منعك من السجود. قال أبو بكر (٢): (ومعنى سؤاله الله ﷿ إبليس عن علة ترك السجود وهو عالم بذلك التوبيخ له [و] التعنيف (٣) وليظهر أنه معاند وأنه ركب المعصية خلافًا لله ﷿، كما يقول الرجل لعبده: ما منعك من طاعتي وقد أحسنت إليك، وما منعك من خدمتي وقد أفضلت عليك، يريد بذلك التوبيخ له) (٤). وهذا معنى قول أبي إسحاق (٥).\nوأما (لا) في قوله ﴿أَلَّا تَسْجُدَ﴾ فقال الفراء: (المعنى: ما منعك أن تسجد وأن في هذا الموضع تصحبها (٦) لا، وتكون صلة، وكذلك قوله: ﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٥] تزاد (٧) للاستيثاق من الجحد والتوكيد له، ومثله: ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ﴾ (٨) [الحديد: ٢٩] المعنى: ليعلم أهل الكتاب) (٩).\n_________\n(١) ﴿مَاَ﴾ اسم استفهام مبتدأ وما بعدها خبرها. انظر: \"إعراب النحاس\" ١/ ٦٠١، و\"المشكل\" ١/ ٢٨٤.\n(٢) أبو بكر بن الأنباري، إمام لغوي. تقدمت ترجمته.\n(٣) لفظ: (الواو): ساقطة من (ب).\n(٤) لم أقف عليه.\n(٥) انظر: \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٢٢، وما نقله هو نص كلامه.\n(٦) في (ب): (تصحتها)، وهو تصحيف.\n(٧) في (ب): (يراد)، وهو تصحيف.\n(٨) في النسخ: (لان لا).\n(٩) في \"معاني الفراء\" ١/ ٤٧٣ (إلا أن معنى الجحد الساقط في لئلا من أولها لا من آخرها المعنى: ليعلم أهل \"الكتاب\" ألا يقدرون) اهـ. وانظر: \"أضداد ابن الأنباري\" ص ٢١١.","vol":"9","page":41},{"text":"وهذا أيضًا قول الكسائي (١)، ونحو هذا قال الزجاج: فقال: (معنى ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ﴾ إلغاء لا وهي مؤكدة؛ المعنى: ما منعك أن تسجد، قال (٢) ومثل إلغاء (لا) قول الشاعر (٣):\nأَبَى جُوُده لا البُخْلَ وَاسْتَعْجَلَتْ بِهِ ... نَعَمْ مِنْ فَتًى لا يَمْنع الجودَ قَاتِلُهْ\nقالوا: معناه: أبى جوده البخل (٤).\n[قال: وقال أبو عمرو بن العلاء: الرواية أبى جوده لا البخلِ] (٥) والذي قاله أبو عمرو حسن، المعنى: أبى جوده (لا) التي تبخِّل الإنسان كأنه إذا قيل له: (لا) تسرف و(لا) تبذر مالك أبي جوده (٦) هذه واستعجلت به (نعم) فقال: نعم، أفعل ولا أترك الجود، وهذان القولان في البيت هما قول العلماء) (٧).\n_________\n(١) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ١٦١، وابن الجوزي في \"تفسيره\" ٣/ ١٧٣، والرازي في \"تفسيره\" ١٤/ ٣١، وقال: (هو قول الأكثرين) اهـ. ومهم أبو عبيدة في \"مجاز القرآن\" ١/ ٢١١، وابن قتيبة في \"تفسير غريب القرآن\" ١/ ١٧٦، و\"تأويل المشكل\" ص ٢٤٤، والنحاس في \"إعراب القرآن\" ١/ ٦٠١، ٦٠٢، ومكي في \"المشكل\" ١/ ٢٨٤.\n(٢) في (ب): وقال مثل إلغاء.\n(٣) الشاهد مشهور لا يعرف قائله، وقد تقدم تخريجه.\n(٤) في (ب): (أبي جوده لا البخل) وهو تحريف.\n(٥) في (أ): (لا البخل) وهو تحريف.\nما بين المعقوفين ساقط من (ب).\n(٦) في \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٢٣، (أبي جوده (لا) هذه).\n(٧) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٢٣.","vol":"9","page":42},{"text":"قال أبو علي: (وهذا البيت أنشده أبو الحسن (١) وقال: فسرته العرب أبي جوده البخل، وزعم يونس (٢) أن أبا عمرو (٣) كان يجر البخل ويجعل لا مضافة إليه، أراد أبى جوده [لا] (٤) التي هي للبخل لأن لا قد تكون (٥) للبخل وللجود فالتي للبخل (٦) معروفة والتي للجود أنه لو قال له: امنع الحق أو لا تعط المساكين فقال: لا كان هذا جودًا فيه (٧» (٨).\nوقد أجاز (٩) أبو إسحاق في البيت قولًا آخر قال: (وهو عندي حسن أرى أن تكون لا غير لغو، وأن يكون البخل منصوبًا بدلًا من (لا) المعنى: أبي جوده (لا) التي هي البخل فكأنك قلت: أبي جوده البخل) (١٠).\n_________\n(١) أبو الحسن سعيد بن مسعدة الأخفش إمام مشهور.\n(٢) يونس بن حبيب الضبي، إمام تقدمت ترجمته.\n(٣) أبو عمرو بن العلاء النحوي القارئ، إمام، تقدمت ترجمته.\n(٤) لفظ: (لا) ساقطة من (أ).\n(٥) في (ب): (يكون) بالياء.\n(٦) في (ب): (فالتي للبخل وللجود فالتي للبخل معروفة) وهو تحريف. ولم ترد عند الأخفش ولا عند أبي علي لفظه: (فالتي للبخل معروفة).\n(٧) في \"معاني الأخفش\" ٢/ ٢٩٥، و\"الإغفال\" ص ٦٩٢، (كان هذا جودا منه).\n(٨) النص في \"معاني الأخفش \" ٢/ ٢٩٤، \"الإغفال \" ص ٦٩٢، و\"الحجة\" لأبي علي ١/ ١٦٩. وانظر: إعرابه وتوجيهه في \"الحجة\" لأبي علي ٣/ ٣٨١، و\"كتاب الشعر\" ١/ ١١٧، و\"أمالي ابن الشجري\" ٢/ ٥٤٢.\n(٩) هذا من قول أبي علي أيضًا في \"الإغفال\" ص ٦٩٢ - ٦٩٣ والنص منه.\n(١٠) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٢٣. وفيه: (المعنى أبي جوده البخل واستعجلت به نعم) اهـ. وقال أبو حيان في \"البحر\" ٤/ ٢٧٣. (وقد خرجته أنا تخريجًا آخر وهو أن ينتصب البخل على أنه مفعول من أجله ولا مفعول له). وقال السمين في \"الدر\" ٥/ ٢٦٢: (ولا حجة في هذا البيت على زيادة لا في رواية النصب، ويتخرج على وجهين: =","vol":"9","page":43},{"text":"وحكى عن أحمد بن يحيى: (أن (لا) في هذه الآية ليست زائدة، ولا توكيدًا؛ لأن معنى قوله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ﴾ من قال لك لا تسجد، فحمل نظم الكلام على (١) معناه) (٢).\nوهذا القول حكاه أبو بكر (٣) عن الفراء.\nوقوله تعالى: ﴿قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ﴾ (٤)، ولم يقل: منعني من السجود أني خير منه فأتى بشيء في معنى الجواب ولفظه غير جواب؛ لأن قوله: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ﴾ [إنما هو] (٥) جواب (أيكما خير)، ولكن الكلام في معنى الجواب لأن قوله: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ﴾ في معنى: منعني من السجود فضلي عليه، وهذا قول الفراء (٦) والزجاج (٧).\nوزاد أبو بكر لهذا بيانًا فقال: (أما قولة إبليس لعنه الله في جواب ربه\n_________\n= أحدهما: أن تكون لا مفعولًا بها، والبخل بدل منها لأن (لا) تقال في المنع فهي مؤدية للبخل.\nوالثاني: أنها مفعول بها أيضًا والبخل مفعول من أجله، والمعنى: أبي جوده لفظ لا لأجل البخل أي: كراهة البخل، ويؤيد عدم الزيادة رواية الجر) اهـ. وانظر: الشاهد وتوجيهه في \"الأضداد\" لابن الأنباري ص ٢١١ - ٢١٦.\n(١) في (أ): (لأن لا)، وهو تحريف.\n(٢) ذكره الثعلبي في \"الكشف\" ١٨٨ أ.\n(٣) انظر \"الأضداد\" لابن الأنباري ص ٢١٥ - ٢١٦. وقال الرازي في \"تفسيره\" ٤/ ٣١: (لا هاهنا مفيدة وليست لغوًا، وهذا هو الصحيح لأن الحكم بأن كلمة من كتاب الله لغو لا فائدة فيها مشكل صعب) اهـ.\n(٤) لفظ: (قال) ساقط من (ب).\n(٥) لفظ: (إنما هو) ساقط من (ب).\n(٦) انظر: \"معاني الفراء\" ١/ ٣٧٤.\n(٧) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٢٣.","vol":"9","page":44},{"text":"عز وتعالى: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ﴾ ففيه [معنى] (١) منعني من السجود له عند نفسي أنني (٢) خير منه؛ إذ كنت ناريًا وكان طينيًا، فلما أتى بكلام فيه معنى الجواب اكتفى به، واقتصر عليه كما يقول الرجل للرجل: لمن الدار؟ فيقول: مالكها زيد، يريد هي لزيد، فيأتي بكلام يرجع إلى معنى الجواب، فخاطب الله ﷿ العرب بلسانها واختصارها، واكتفائها) (٣).\nوقوله تعالى: ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾، قال ابن عباس: (كانت الطاعة أولى بإبليس من القياس، فعصى (٤) ربه وقاس، وأول من قاس إبليس فكفر بقياسه، فمن قاس الدين بشيء من رأيه قرنه الله مع إبليس) (٥).\nفإن قيل: أليس العلماء يقيسون في مسائل، قيل: القياس قياسان: قياس في مخالفة النص فهو مردود كقياس إبليس، وقياس يوافق الأصول عند عدم النص فهو مقبول كقياس العلماء يقيسون (٦) ما لا نص فيه بما فيه\n_________\n(١) لفظ: (معنى) ساقط من (ب).\n(٢) في (ب): (أنه)، وهو تحريف.\n(٣) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ١٦١، والقرطبي ٧/ ١٧٠ - ١٧١ بدون نسبة ونحوه في \"معاني النحاس\" ٣/ ١٥، و\"تفسير البغوي\" ٣/ ٢١٧.\n(٤) قوله: (فعصى) غير واضحة في (أ)، وموضحة في الهامش.\n(٥) ذكره الثعلبي في \"الكشف\" ١٨٨ أ، والواحدي في \"الوسيط\" ١/ ١٦١، والبغوي في \"تفسيره\" ٣/ ٢١٧، والقرطبي ٧/ ١٧١ وغيرهم، ونقله الرازي في \"تفسيره\" ١٤/ ٣٤، عن الواحدي عن ابن عباس.\n(٦) القياس لغة: التقدير، ورد الشيء إلى نظيره، واختلف في تعريفه في الشرع، فقيل: هو حمل مجهول الحكم على معلومه لمساواة بينهما في علة الحكم، والقياس الشرعي عند الجمهور من الصحابة والتابعين والفقهاء أصل من أصول الشريعة يستدل به على الأحكام التي لم يرد بها السمع.\nانظر: \"الرسالة\" للشافعي ص ٤٧٦ وما بعدها، و\"شرح مختصر الروضة\" ٣/ ٢١٨، و\"التعريفات\" للجرجاني ص ١٨١، و\"إرشاد الفحول\" ٢/ ٨٣٩ وما بعدها.","vol":"9","page":45},{"text":"نص ودليل، وابن عباس يقول: (من قاس الدين بشيء من رأيه) ولا يجوز أن يقاس الدين بما يراه الإنسان من رأيه (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1137>١٣ </span>- قوله تعالى: ﴿قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا﴾، قال: ابن عباس: (يريد: من الجنة، وكانوا في جنة عدن، وفيها خلق آدم) (٢)، ونحو هذا قال مقاتل: (﴿﴿فَاهْبِطْ مِنْهَا﴾ يعني: الجنة) (٣).\nوقال مجاهد (٤): (﴿فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا﴾ [في السماء) وهذا يدل على أنه يقول: ﴿فَاهْبِطْ مِنْهَا﴾، يعني: السماء.\nوقوله: ﴿فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا﴾] (٥)، قال ابن عباس: (يريد: أن أهلها ملائكة متواضعون خاشعون، ﴿فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾، قال: يريد:\n_________\n(١) انظر: \"زاد المسير\" ٣/ ١٧٤، و\"تفسير الرازي\" ١٤/ ٣٤، والقرطبي ٧/ ١٧١، و\"فتاوى شيخ الإسلام\" ٥/ ١٥ - ٦.\n(٢) ذكره الرازي في \"تفسيره\" ١٤/ ٣٥، وانظر: \"تفسير السمرقندي\" ١/ ٥٣٣، وابن الجوزي ٣/ ١٧٥.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٣٠.\n(٤) ذكر بدون نسبة في \"تفسير البغوي\" ٣/ ٢١٧، وابن الجوزي ٣/ ١٧٥، والقرطبي ٧/ ١٧٣، وقال: (هو الأظهر) وهذا هو قول الجمهور وهو الظاهر لأنه هو المعلوم عند الإطلاق والأصل في النصوص حملها على ما هو معلوم ومفهوم حتى يقوم دليلُ على خلاف ذلك، فآدم اهبط من السماء من جنة الخلد التي هي مأوى المتقين.\nأفاده شيخنا محمد بن صالح العثيمين -رحمه الله تعالى- في كتاب \"أحكام القرآن\" ١/ ١٦٨ وهو اختيار الواحدي في \"البسيط\" كما تقدم في قصة آدم من سورة البقرة، والقرطبي في \"تفسيره\" ١/ ٣٠٢ وذهب بعضهم -وهو قول المعتزلة والخوارج- إلى أن آدم كان في جنة الدنيا بأرض عدن. انظر: \"تفسير ابن عطية\" ٥/ ٤٤٢، وابن كثير ٢/ ٢٢٨.\n(٥) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).","vol":"9","page":46},{"text":"من المُذلين) (١)، وقد ذكرنا معنى (الصاغر) و(الصغار) عند قوله: ﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ﴾ [الأنعام: ١٢٤].\nقال أبو إسحاق: (إن إبليس قد استكبر بإبائه السجود (٢)، فأعلمه الله ﷿ أنه صاغر بذلك) (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1138>١٤ </span>- قوله تعالى: ﴿قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ أي: أخرني إلى يوم البعث (٤)، قال ابن عباس: (يريد: النفخة الثانية حيث يقوم الناس لرب العالمين) (٥).\n﴿قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ﴾، قال أهل المعاني: (معناه: إنك مُنظر، ولكن ربما يذكر الجماعة في هذا الموضع، ولا يكون المراد به إلا تحقيق الخطاب في واحد) (٦).\nقال ابن عباس: (فأبى الله ذلك عليه) (٧).\n_________\n(١) \"تنوير المقباس\" ٢/ ٨٣، وذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ١٦٢. وذكره القرطبي في \"تفسيره\" ٧/ ١٧٣ بدون نسبة.\n(٢) في (أ): (للسجود).\n(٣) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٢٤.\n(٤) انظر: \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٢٤، و\"تفسير الطبري\" ٨/ ١٣٣.\n(٥) \"تنوير المقباس\" ٢/ ٨٤، وذكره القرطبي في \"تفسيره\" ٧/ ١٧٣ - ١٧٤. وقال الزجاج في \"معانيه\" ٢/ ٣٢٤، والنحاس ٣/ ١٥: (أي: أخرني فلم يجب إلى هذا بعينه فأجيب إلى النظرة إلى يوم الوقت المعلوم) اهـ.\n(٦) الذي عليه أهل التفسير أن قوله: ﴿مِنَ الْمُنْظَرِينَ﴾ أي: داخل في عداد المنظرين بآجالهم إلى ذلك الوقت المعلوم، فقد عم تلك الفرقة إنظار وإن لم يكونوا أحياء مدة الدهر، أفاده الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ١٣٢، وابن عطية ٥/ ٤٤٣، ٤٤٤، وابن الجوزي ٣/ ١٧٥، وأبو حيان في \"البحر\" ٤/ ٢٧٤.\n(٧) ذكره السمرقندي في \"تفسيره\" ١/ ٥٣٣، والقرطبي ٧/ ١٧٣ - ١٧٤.","vol":"9","page":47},{"text":"قال المفسرون: (إن إبليس -لعنه الله- استنظر إلى يوم البعث، وأراد أن يذوق الموت في النفخة الأولى، فلم يُعطه ذلك، وأنظره إلى يوم النفخة الأولى [لا إلى] (١) الثانية؛ لأنه بين مدة المهلة في موضع آخر فقال: ﴿إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾ [الحجر: ٣٨] وهو النفخة الأولى حين يموت الخلق كلهم) (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1139>١٦ </span>- قوله تعالى: ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾، قال ابن عباس: (يريد: فبما أضللتني، مثل قول نوح: ﴿إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾) (٣) [هود: ٣٤].\nقال أبو بكر الأنباري حاكيًا عن أهل اللغة: (الإغواء (٤) إيقاع الغَيِّ في القلب، والغَيُّ: المذموم من الفعل، وقوله: ﴿فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾ أي: فبما أوقعت في قلبي من الغي الذي كان سبب خروجي من الجنة، وكذلك قوله: ﴿إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ [هود: ٣٤] أي: يوقع الشر في قلوبكم\n_________\n(١) لفظ: (لا إلى) ساقط من (ب).\n(٢) انظر: \"تفسير الطبري\" ٨/ ١٣٢، ١٣٣، والسمرقندي ١/ ٥٣٣، والماوردي ٢/ ٢٠٤، ٢٠٥، والبغوي ٣/ ٢١٧ - ٢١٨، وابن عطية ٥/ ٤٤٣ وقال: (هذا أصح وأشهر في الشرع) اهـ. وقال الشنقيطي في \"تفسيره\" ٢/ ٢٩٥: (طلب الشيطان الإنظار إلى يوم البعث، وقد أعطاه الله الإنظار إلى يوم الوقت المعلوم، وأكثر العلماء يقولون: المراد به وقت النفخة الأولى، والعلم عند الله تعالى) اهـ.\n(٣) أخرجه الطبري ٨/ ١٣٣ بسند جيد، وذكره السيوطي في \"الدر\" ٣/ ١٣٥.\n(٤) أصل الإغواء: تزيين الرجل للرجل الشيء حتى يحسنه عنده يقال: غَوَى، بالفتح: الرجل يَغْوَى غَيًّا من الغي، خلاف الرشد، والغواية: الانهماك في الغيَّ، ويأتي الغَيَّ بمعنى الفساد والضلال والجهل والخيبة.\nانظر: \"الطبري\" ٨/ ١٣٣، و\"الجمهرة\" ١/ ٢٤٤، و\"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٧٠٦، و\"الصحاح\" ٦/ ٢٤٥٠، و\"المفردات\" ص ٦٢٠، و\"اللسان\" ٦/ ٣٣٢٠ (غوى).","vol":"9","page":48},{"text":"ويحسن القبيح لكم لما سبق لكم عنده من الشقاء.\nقال: وقال بعضهم: الإغواء الإهلاك، ومنه قوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم: ٥٩] أي: هلاكًا وبلاء، ومنه أيضًا قولهم: غَوِيَ الفصيل يَغْوَى غوى (١)، إذا أكثر من اللبن حتى يفسد جوفه ويشارف (٢) الهلاك والعطب، وفسروا قوله: ﴿إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ [هود: ٣٤] إن كان الله يريد أن يهلككم بعنادكم الحق، وهذا قول تحتمله اللغة، وأهل التفسير على القول الأول) (٣)\nقال أبو إسحاق: (في ﴿أَغْوَيْتَنِي﴾ قولان: قال بعضهم: أضللتني، وقال بعضهم: فبما دعوتني إلى شيء غَويت به، أي: غويت من أجل آدم) (٤).\nقال أبو بكر: (وأما قوله ﷿: ﴿فَبِمَا﴾؛ فإن الباء تحتمل أمرين: أحدهما: القسم؛ أي: بإغوائك إياي ﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ بقدرتك عليَّ ونفاذ سلطانك في لأقعدن لهم على الطريق المستقيم [الذي] (٥)\n_________\n(١) جاء في \"الزاهر\" لابن الأنباري ٢/ ٢٥٢ (يقال: غَوى الرجل يَغْوى غَيًّا وغَواية: إذا جهل وأساء. ويقال: قد غَوِي الفصيل يَغْوَى إذا بشم من لبن أمه عند الإكثار والازدياد منه) اهـ. ونحوه في \"شرح القصائد\" ص ٥٢، وفي مصادر اللغة يطلق ذلك عليه، إذا فقد اللبن حتى كاد يهلك، ويقال أيضًا: إذا أكثر من اللبن فأتخم. انظر: \"العين\" ٤/ ٤٥٦، و\"البارع\" ص ٤٤٣ - ٤٤٥، والمراجع السابقة.\n(٢) في (ب): (ويشارك)، وهو تحريف.\n(٣) ذكر بعضه الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ١٦٢، والبغوي ٣/ ٢١٨، وابن الجوزي ٣/ ١٧٥، وقال: (الجمهور على أنه بمعنى: الإضلال) اهـ. وهو بدون نسبة في \"تفسير الثعلبي\" ١٨٨ أ، والرازي ١٤/ ٣٧\n(٤) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٢٤، وانظر: \"معاني النحاس\" ٣/ ١٦، و\"تفسير السمرقندي\" ١/ ٥٣٣، والماوردي ٢/ ٢٠٦.\n(٥) لفظ: (الذي) ساقط من (ب).","vol":"9","page":49},{"text":"يسلكونه إلى الجنة بأن أزين لهم الباطل وما يكسبهم المآثم، فإذا كان الباء قسمًا كان اللام جواب القسم، و(ما) بتأويل المصدر و﴿أَغْوَيْتَنِي﴾ صلتها ولا عائد لها. قال: ويجوز أن يكون (ما) بتأويل الشرط والباء من صلة الإغواء، والفاء المضمرة جواب الشرط، والتقدير قال: فبأي شيء أغويتني فلأقعدن لهم صراطك، فتضمر (١) الفاء جوابًا للشرط كما تضمرها (٢) في قولك: إلى ما أومأت إني قابله وبما أمرت إني سامع له مطيع) (٣).\nوقوله تعالى: ﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾، قال الزجاج: (أي: على طريقك المستقيم، ولا اختلاف بين النحويين (٤) في أن (على) محذوفة، ومثل ذلك قولك: ضربه زيد الظهر والبطن، والمعنى: على الظهر والبطن) (٥).\n_________\n(١) في (ب): (فيضمر) بالياء.\n(٢) في (ب): (يضمرها) بالياء.\n(٣) ذكر بعضه الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ١٦٢، والوجوه في (الباء) و(ما) في عامة المصادر. انظر: \"تفسير الطبري\" ٨/ ١٣٥، والماوردي ٢/ ٢٠٦، و\"غرائب الكرماني\" ١/ ٣٩٩، و\"تفسير البغوي\" ٣/ ٢١٨، وابن عطية ٥/ ٤٤٤، و\"الفريد\" ٢/ ٢٧٧، وقال أبو حيان في \"البحر\" ٤/ ٢٧٤، والسمين في \"الدر\" ٥/ ٢٦٤ - ٢٦٥: (الظاهر أن الباء للقسم، وما مصدرية) اهـ. وذكر السمين قول ابن الأنباري في أن ما شرطية وقال: (هذا الذي قاله ضعيف جدًّا، فإنه على تقدير صحة معناه يمتنع من حيث الصناعة، فإن فاء الجزاء لا تحذف إلا في ضرورة شعر، فعلى رأي أبي بكر يكون قوله ﴿لَأَقْعُدَنَّ﴾ جواب قسم محذوف، وذلك القسم المقدر، وجوابه جواب الشرط فيقدر دخول الفاء على نفس جملة القسم مع جوابها تقديره: فبما أغويتني، فوالله لأقعدن، هذا يتمم مذهبه) اهـ.\n(٤) انظر: \"الكتاب\" ١/ ٣٤ - ٣٧، و\"معاني الأخفش\" ٢/ ٢٩٥.\n(٥) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٢٤، ونحوه ذكر النحاس في \"إعراب القرآن\" ١/ ٦٠٢، والمعاني ٣/ ١٦، ومكي في \"المشكل\" ١/ ٢٨٤.","vol":"9","page":50},{"text":"وزاد الفراء بيانًا، فقال (١): (المعنى -والله أعلم-: لأقعدن لهم على طريقهم وفي (٢)، وإلقاء الصفة (٣) من هذا جائز، كما تقول: قعدت لك وجه الطريق، وعلى وجه الطريق؛ لأن الطريق ظرف (٤) في المعنى، فاحتمل (٥) ما يحتمله اليوم والليلة، والعام إذا قيل: آتيك غدًا وفي غد) (٦).\nومعنى ﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ كما ذكره أبو بكر فيما حكينا (٧) عنه، قال ابن عباس في تفسير ﴿صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ (يريد: دينك الواضح) (٨). وقال ابن مسعود: (هو كتاب الله) (٩).\n_________\n(١) في (أ): (وقال).\n(٢) في \"معاني الفراء\" (أو في).\n(٣) المراد بالصفة هاهنا -عند الكوفيين-: حرف الجر، وكذلك يطلقونه أيضًا على الظرف انظر: \"معجم المصطلحات النحوية\" للدكتور محمَّد اللبدي ص ٢٤١، و\"حاشية تفسير الطبري\" ١٢/ ٣٣٧.\n(٤) في (ب): (طرقٌ) -وهو تصحيف-، وفي \"معاني الفراء\" ١/ ٣٧٥؛ لأن الطريق صفة في المعنى، وما ذكره الواحدي هو تفسير لذلك؛ لأن الفراء يطلق على الظرف لفظ الصفة كما سبق بيانه.\n(٥) في (ب): (فاحتمله ما يحتمله) وهو تحريف.\n(٦) في \"معاني الفراء\" ١/ ٣٧٥: (آتيك غدًا أو آتيك في غد). وضعف أبو حيان في \"البحر\" ٤/ ٢٧٥، والسمين في \"الدر\" ٥/ ٢٦٦ - ٢٦٨، النصب على إسقاط الخافض لأن حذف حرف الجر لا ينقاس في مثل هذا، ولا يطرد حذفه، بل هو مخصوص بالضرورة. وقالا: (والأولى أن يضمن (لأقعدن) معنى ما يتعدى بنفسه فينتصب الصراط على أنه مفعول به، والتقدير: لألزمن بقعودي صراطك المستقيم) اهـ.\n(٧) سبق تخريجه عن ابن الأنباري\n(٨) \"تنوير المقباس\" ٢/ ٨٤، وذكره ابن القيم كما في \"بدائع التفسير\" ٢/ ١٩٥ عن ابن عباس.\n(٩) ذكره ابن القيم كما في \"بدائع التفسير\" ٢/ ١٩٥، وفي أكثر كتب التفسير عن ابن =","vol":"9","page":51},{"text":"وقال جابر بن عبد الله: (هو الإسلام) (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1140>١٧ </span>- قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾، قال ابن عباس في رواية الوالبي: (﴿مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾ يعني آخرتهم، يقول: أشككهم فيها، ﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾ أرغبهم في دنياهم) (٢).\nوهو قول قتادة، قال: (آتيهم ﴿مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾ فأخبرهم أنه لا بعث ولا جنة ولا نار، ومن ﴿خَلْفِهِمْ﴾ من أمر الدنيا فزيَّنها لهم ودعاهم إليها) (٣)، ونحو هذا قال الكلبي (٤)، وهؤلاء جعلوا الآخرة بين أيديهم لأنهم يردون عليها فهي بين أيديهم، وإذا كانت الآخرة بين أيديهم كانت الدنيا خلفهم لأنهم يخلفونها (٥).\n_________\n= مسعود قال: (طريق مكة).\nانظر: \"تفسير الماوردي\" ٢/ ٢٠٦، وابن الجوزي ٣/ ١٧٦، و\"الدر المنثور\" ٣/ ١٣٥.\n(١) ذكره ابن الجوزي في \"تفسيره\" ٣/ ١٧٦، وابن القيم كما في \"بدائع التفسير\" ٢/ ١٩٥، وما ذكر تنبيه على بعض أنواع الصراط، والظاهر هو العموم، فالصراط: الطريق وسبيل النجاة، وذلك دين الله الحق، والإسلام وشرائعه، وهو اختيار عامة المفسرين.\nانظر: \"تفسير الطبري\" ٨/ ١٣٤، ١٣٥، و\"معاني النحاس \" ٣/ ١٦، و\"تفسير السمرقندي\" ١/ ٥٣٣، و\"البغوي\" ٣/ ٢١٨، و\"ابن عطية\" ٥/ ٤٤٦.\n(٢) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ١٣٦، وابن أبي حاتم ٥/ ١٤٤٤ بسند جيد، وذكره السيوطي في \"الدر\" ٣/ ١٣٦.\n(٣) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ١٣٦ بسند جيد.، وابن أبي حاتم ٥/ ١٤٤٤ بسند جيد عن قتادة عن الحسن وقال: (وروى عن عكرمة نحو ذلك) اهـ.\n(٤) \"تنوير المقباس\" ٢/ ٨٤، وأخرجه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ١/ ٢/ ٢٢٥ بسند جيد عن الكلبي، وذكره السمرقندي ١/ ٥٣٣، والثعلبي ١٨٨ ب.\n(٥) ذكر نحوه النحاس في \"معانيه\" ٣/ ١٨.","vol":"9","page":52},{"text":"وقال الحكم (١) والسدي (٢): ﴿مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾ (يعني الدنيا ﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾، من قبل الآخرة). وهو قول ابن عباس في رواية العوفي، قال: (أما ﴿مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾ فمن قبل دنياهم، وأما ﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾ (٣) فأمر آخرتهم) (٤). فهؤلاء جعلوا (بين أيديهم) الدنيا؛ لأنها بين يدي الإنسان يسعى فيها ويعمل لها والآخرة تأتي (٥) من بعد.\nوقوله تعالى: ﴿وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾، قال الوالبي عن ابن عباس ﴿وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ﴾: (أُشَبِّه عليهم أمر دينهم، ﴿وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾ أُشَهِّي (٦) لهم المعاصي). وقال في رواية عطاء: (﴿وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ﴾ يريد: من قبل الحق، ﴿وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾ يريد: من قبل الباطل) (٧).\n_________\n(١) الحكم بن عتيبة الكندي أبو محمد الكوفي، إمام ثقة فقيه، تقدمت ترجمته، والأثر عنه، أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ١٣٦، ١٣٧ بسند جيد، وذكره ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٥/ ١٤٤٥ وقال: (روي عن مجاهد والنخعي والحكم وأبي صالح والسدي) اهـ. وذكره النحاس في \"معانيه\" ٣/ ١٦ - ١٧، والثعلبي في \"الكشف\" ص ١٨٨/ ب.\n(٢) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ١٣٧ بسند جيد وذكره السمرقندي في \"تفسيره\" ١/ ٥٣٣، والثعلبي ١٨٨ ب.\n(٣) لفظ: (من) ساقط من (أ).\n(٤) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ١٣٦، ١٣٧ بسند جيد عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس. وأخرجه الطبري أيضًا، وابن أبي حاتم ٥/ ١٤٤٤ بسند ضعيف من طريق عطية العوفي، وذكر النحاس في \"معانيه\" ٣/ ١٧ - ١٨ كلا الروايتين من طريق علي بن أبي طلحة وقال: (وذلك القول لا يمتنع؛ لأن الآخرة لم تأت بعد فهي بين أيدينا وهي تكون بعد موتنا فمن هذه الجهة يقال: هي خلفنا) اهـ.\n(٥) في (ب): (يأتي).\n(٦) في (ب): (اشتهى)، والمشهور: (اشَهَّي) وقد سبق تخريجه.\n(٧) لي أقف عليه بهذا اللفظ عن ابن عباس. وذكره ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٣/ ١٧٦ عن مجاهد والسدي.","vol":"9","page":53},{"text":"وهو قول الحكم (١) والسدي، قالا: (﴿وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ﴾ من قبل الحق؛ أصدهم (٢) عنه وأشككهم فيه، ﴿وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾ من قبل الباطل أخففه (٣) عليهم، وأزينه لهم، وأرغبهم فيه).\nوقال (٤) في رواية العوفي: (أما ﴿وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ﴾ فمن قبل حسناتهم، وأمما ﴿وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾ فمن قبل سيئاتهم).\nوهو قول قتادة، قال: (﴿وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ﴾ من قبل حسناتهم بَطَّأَهم عنها ﴿وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾ زين لهم السيئات والمعاصي ودعاهم إليها وأمرهم بها، أتاك يا ابن آدم من كل وجه غير أنه لم يأتك من فوقك لم يستطع أن يحول بينك وبين رحمة الله) (٥).\nقال أبو بكر: (وقولُ من قال: (الأيمان كناية عن الحسنات، والشمائل كناية عن السيئات) حسنٌ؛ لأن العرب تقول: اجعلني في يمينك، ولا تجعلني في شمالك، يريد اجعلني من المقدمين عندك،\n_________\n(١) سبق تخريجه عن الحكم والسدي.\n(٢) في (ب): (اصدقهم)، وهو تحريف.\n(٣) في (ب): (أحققه)، وهو خلاف ما في المصادر.\n(٤) أي ابن عباس من طريق عطية العوفي. وقد سبق تخريجه. وأيضًا أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ١٣٦ بسند جيد عن علي بن أبي طلحة.\n(٥) سبق تخريجه، وذكر النحاس في \"معانيه\" ٣/ ١٦ - ١٨ نحوه عن الحكم بن عتيبة. وقال: (هذا قول حسن وشرطه أن معنى ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾ من دنياهم حتى يكذبوا بما فيها من الآيات وأخبار والأمم السالفة ﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾ من آخرتهم حتى يكذبوا بها، ﴿وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ﴾ من حسناتهم وأمور دينهم، ويدل على هذا قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ﴾ [الصافات: ٢٨] ﴿وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾ يعني: سيئاتهم أي: يتبعون الشهوات لأنه يزينها لهم) اهـ.","vol":"9","page":54},{"text":"ولا تجعلني من المؤخرين، أنشدنا أبو العباس (١) لابن الدمينة (٢):\nأَبِيِنى (٣) أفِي يُمْنَى يَدَيْكِ جَعلْتِنى ... فَأَفْرَحَ أَمْ صَيَّرْتِني في شِمالِكِ) (٤)\nوروى أبو عبيد عن الأصمعي (٥): (هو عندنا باليمين أي: بمنزلة حسنة، وإذا خست منزلته قال: أنت عندي (٦) بالشمال وقال:\nرَأَيْتُ بَنِي العَلَّاتِ لَمّا تَضَافَرُوا ... يَحُوزون سَهْمِي دُونَهْم فيِ الشَّمَائِل (٧)\n_________\n(١) أبو العباس: أحمد بن يحيى الإِمام ثعلب. تقدمت ترجمته.\n(٢) ابن الدُّمَيْنْةَ: هو عبد الله بن عبيد الله بن أحمد الخَثْعَمي، أبو السَّريّ، شاعر إسلامي، له شعر كثير، والدمينة أمه، توفي سنة ١٣٠ هـ.\nانظر: \"الشعر والشعراء\" ص ٤٨٩، و\"الأغاني\" ١٧/ ٩٨، و\"شرح شواهد المغني\" للسيوطي ١/ ٤٢٥، و\"الأعلام\" ٤/ ١٠٢.\n(٣) \"ديوانه\" ص ١٧، و\"أمالي الزجاجي\" ص ١٠٨، و\"الأغاني\" ١٧/ ٩٦، و\"دلائل الإعجاز\" للجرجاني ص ٩٠، و\"بدائع التفسير\" ٢/ ١٩٧، وبلا نسبة في الماوردي ٤/ ٢٩٧، و\"وضح البرهان\" للغزنوي ٢/ ٤٣١، وهو في \"الصناعتين\" ص ٣٥٥ لطرفة ابن العبد وليس في \"ديوانه\"، وفي (ب): (أتيني) وهو خلاف ما في المراجع.\n(٤) \"شرح القصائد\" لابن الأنباري ص ٤١١.\n(٥) في \"الغريب المصنف\" ١/ ٣١٨ قال أبو عبيد: (الشمائل واحدها شمال، وقد تكون من الأخلاف ومن خلفه الجسد)، وفي \"اللسان\" ٨/ ٤٩٦٩ (يمن)، (اليَمين المنزلة، قال الأصمعي: هو عندنا باليمين أي: بمنزلة حسنة) اهـ. وذكره عن أبي عبيد عن الأصمعي، ابن القيم كما في \"بدائع التفسير\" ٢/ ١٩٧.\n(٦) ذكره الأزهري في \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٩٢٩، وصاحب \"اللسان\" ٤/ ٢٣٢٩ (شمل) عن العرب.\n(٧) لم أهتد إلى قائله. وهو في \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٩٣١، و\"اللسان\" ٤/ ٢٣٢٩ (شمل)، و\"الدر المصون\" ٢/ ٢٧٠، و\"بدائع التفسير\" ٢/ ١٩٧، وبنو العلات =","vol":"9","page":55},{"text":"أي: ينزلونني بالمنزلة الخسيسة) (١)، وروى الأزهري في هذه الآية عن بعضهم: (﴿مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾ أي: لأغوينهم حتى يكذبوا بما تقدم من أمور الأمم السالفة، ﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾ بأمر البعث، ﴿وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾ أي: لأضلنهم فيما يعملون؛ لأن الكسب يقال فيه: (ذلك بما كسبت يداك) وإن كانت اليدان لم تجنيا شيئًا؛ لأن اليدين هما الأصل في التصرف، فجعلت مثلًا لجميع ما عمل بغيرهما) (٢).\nوقال ابن الأنباري: (على هذا القول: ﴿وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾ أي: أزهدهم فيما ينبغي أن يعملوا له مما يكسبهم ثواب ربهم، قال: والعرب تذكر (الأيمان) و(الأيدي) عند العمل والفعل فيقول: جنت عليه يده، وكسبت يده، فلما كان ذكر الأيدي مستعملًا في الأفعال والأعمال اكتفى الله تعالى بها من الأفعال) (٣)، وقال آخرون: (ذكر الله تعالى هذه الوجوه للمبالغة في التوكيد، أي: ثم لآتينهم من جميع الجهات)، وهو اختيار أبي إسحاق؛ قال: (الحقيقة -والله أعلم- أي: أنصرف لهم في الإضلال من جميع جهاتهم) (٤).\n_________\n= -بالفتح- بنو أمهات شتى من رجل واحد لأن الذي تزوجها على أولى قد كانت قبلها ناهل ثم عل من هذه، انظر: \"اللسان\" ٥/ ٣٠٨٠ (علل).\n(١) ذكره الرازي في \"تفسيره\" ١٤/ ٤١، عن الأنباري.\n(٢) \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٩٨٥. وذكره عن البعض الزجاج في \"معانيه\" ٢/ ٣٢٥، وصاحب \"اللسان\" ٨/ ٤٩٦٩ (يمن).\n(٣) لم أقف عليه. وانظر: \"المذكر والمؤنث\" لابن الأنباري ١/ ٣٥٦، ص ٣٧٩.\n(٤) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٢٤، وهذا هو اختيار جمهور المفسرين منهم الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ١٣٧، والنحاس في \"إعراب القرآن\" ١/ ٦٠٣، وابن عطية في \"تفسيره\" ٥/ ٤٤٧، وقال القرطبي ٧/ ١٧٦: (ومن أحسن ما قيل في تأويل الآية؛ =","vol":"9","page":56},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾. قال ابن عباس: (يريد: [أن] (١) أكثرهم لإبليس طائعين، ولله عاصين) (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1141>١٨ </span>- قوله تعالى: ﴿قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا﴾، قال الكلبي: (من الجنة) (٣) ﴿مَذْءُومًا﴾؛ قال الليث: (ذَأَمت الرجل فهو مذؤوم أي: محقور، والذَّأم: الاحتقار) (٤).\nونحو ذلك قال الأصمعي (٥) وأبو زيد: (ذَأَمْته أذَأَمه إذا حقرته وذَمَمْته) (٦)، وقال أحمد بن يحيى: (ذَأَمته عِبْتُه) (٧).\nوقال الفراء: (ذَأَمته ذأمًا فأنا أذأمه إذا عبته) (٨).\n_________\n= أي: لأصدنهم عن الحق وأرغبنهم في الدنيا وأشككهم في الآخرة وهذا غاية في الضلالة) فالراجح في الآية أنه يأتيهم حقيقة من جميع الوجوه الممكنة من حيث لا يبصرون، ومن جميع طرق الخير والشر، فالخير يصدهم عنه والشر يحسنه لهم، وانظر: \"تأويل المشكل\" ص ٢٤٨، و\"تفسير ابن كثير\" ٢/ ٢٢٩.\n(١) لفظ: (أن) ساقط من (ب).\n(٢) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ١٦٤، وأخرج الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ١٣٨، وابن أبي حاتم ٥/ ١٤٤٦ بسند جيد عن ابن عباس قال: (موحدين)، وذكره السيوطي في \"الدر\" ٣/ ١٣٦.\n(٣) ذكره السمرقندي في \"تفسيره\" ١/ ٥٣٣، والثعلبي ١٨٨ ب، والواحدي في \"الوسيط\" ١/ ١٦٤، والبغوي في \"تفسيره\" ٣/ ٢١٩.\n(٤) \"العين\" ٨/ ٢٠٣، وذكره عن الليث. الرازي في \"تفسيره\" ١٤/ ٤٣، وأبو حيان في \"البحر\" ٤/ ٢٦٥، والسمين في \"الدر\" ٥/ ٢٧١.\n(٥) \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٢٦٤، وفيه: (ذأمته، ودأمته: إذا حقرته وخزيته) اهـ. وفي ١٤/ ٤١٦، قال: (والذَّام: العيب) اهـ.\n(٦) \"النوادر\" ص ٩٧، و\"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٢٦٤.\n(٧) \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٢٦٤، وفيه زاد: (وذأمته أكثر من ذممته) اهـ.\n(٨) \"الزاهر\" لابن الأنباري ٢/ ٣، و\"زاد المسير\" ٣/ ١٧٨، ولم أقف عليه في \"معانيه\".","vol":"9","page":57},{"text":"وقال ابن الأنباري: (المذؤوم المذموم، يقال: ذَأَمْت الرجل أَذْأَمُه وذِمْتُه أَذِيمُة ذَيْمًا وذَمَمْتُه أَذُمُّه ذَمًّا بمعنى) (١) وأنشد (٢):\nوأقاموا حتى أبيرَوا جميعًا ... في مَقامٍ وكلُّهم مَذْؤُومُ\nوقال أمية في اللغة الثانية:\nوقالَ لإبليسَ ربُّ العبادِ ... [أن] (٣) اخُرجْ دحيرًا لعينًا مذُوما (٤)\n_________\n(١) \"الزاهر\" لابن الأنباري ٢/ ٣، وانظر: \"معاني الأخفش\" ٢/ ٢٩٥، و\"غريب اليزيدي\" ص ١٤٤، والخلاصة: أن مذءوم اسم مفعول من ذَأمه مهموز إذا عابه واحتقره ودحره وذمَّه ذأمًا، وقد تسهل همزة ذأم فتصير ألفًا فيقال: ذام. يقال: ذأمه يذأمه -كرأم- وذامه يذيمه كباعه من غير همز، فمصدر المهموز ذأم -كَرأْس-، وأما مصدر غير المهموز فسمع فيه ذام بألف، وحكى فيه ذَيْمًا كيَنْع، أفاده السمين في \"الدر\" ٥/ ٢٧١.\nوانظر: \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٢٤، و\"الجمهرة\" ٢/ ١٠٩٧، و\"الصحاح\" ٥/ ١٩٢٥، و\"مقاييس اللغة\" ٢/ ٣٦٨، و\"المجمل\" ٢/ ٣٦٤، و\"الأفعال\" للمعافري ٣/ ٦٠٣ - ٦٠٤، و\"المفردات\" ص ٣٣١، و\"اللسان\" ٣/ ١٤٨٢ (ذأم).\n(٢) الشاهد لحسان بن ثابت -﵁- في \"ديوانه\" ص ٢٢٦ برواية:\nلم يُوَلُّوا حَتَّى أُبِيدُوا جَميعًا ... في مَقَامِ وكلُّهمِ مَذْمُومُ\nوهو في \"الزاهر\" ٢/ ٣، و\"زاد المسير\" ٣/ ١٧٨، و\"الدر المصون\" ٥/ ٢٧١، وأبيروا -أي: أهلكوا- انظر: \"اللسان\" ١/ ٣٨٥ (بور). وذكره ابن هشام في \"السيرة\" ٢/ ١٢٤ ضمن قصيدة طويلة يذكر فيها عدة أصحاب اللواء يوم أحد.\n(٣) لفظ: (أن) ساقط من النسخ.\n(٤) الشاهد في \"ديوان أمية بن أبي الصلت الثقفي\" ص ٢٣٥، و\"تفسير الثعلبي\" ١٨٨ ب، والرازي ١٤/ ٤٤، و\"الدر المصون\" ٥/ ٢٧٢، وقال السمين: (أنشده الواحدي على لغة ذامه بالألف، يذيمه بالياء، وليته جعله محتملًا للتخفيف من لغة الهمز) اهـ.","vol":"9","page":58},{"text":"وقال ابن قتيبة: (﴿مَذْءُومًا﴾ [مذمومًا] (١) بأبلغ الذم) (٢). وقوله: ﴿مَدْحُورًا﴾؛ الدحر في اللغة (٣): الطرد والإقصاء والتبعيد يقال: دَحَره دَحْرًا ودُحورًا إذا طرده وبعده، ومنه قوله تعالى: ﴿وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ (٨) دُحُورًا﴾ [الصافات:٨ - ٩]، وقال أمية:\nوبإذنه سجدوا لآدمَ كلهمْ ... إلا لعينًا خاطئًا مَدْحورًا (٤)\nوأما لفظ المفسرين في تفسير هذين الحرفين، فقال ابن عباس: (﴿مَذْءُومًا﴾ ممقوتًا) (٥)، وروى عطية عنه: (﴿مَذْءُومًا مَدْحُورًا﴾ يعني: صغيرًا مقيتًا) (٦).\nوقال في رواية عطاء: (يريد: صاغرًا ملعونًا) (٧)، وكل واحد منهم أتى بلفظ قريب المعنى مما ذكره أهل اللغة.\nوقوله تعالى: ﴿لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ﴾، اللام فيه لام القسم، وجوابه قوله (٨): ﴿لَأَمْلَأَنَّ﴾.\n_________\n(١) لفظ: (مذمومًا) ساقط من (ب).\n(٢) \"تفسير غريب القرآن\" ص ١٧٦، ونحوه ذكر أبو عبيدة في \"المجاز\" ١/ ٢١١، والطبري في \"تفسيره\" ٨/ ١٣٨، ومكي في \"تفسير المشكل\" ص ٨٣.\n(٣) انظر: \"العين\" ٣/ ١٧٧، و\"الجمهرة\" ١/ ٥٠١، و\"تهذيب اللغة\" ٢/ ١١٥٣، و\"الصحاح\" ٢/ ٦٥٥، و\"المجمل\" ٢/ ٣٤٧، و\"مقاييس اللغة\" ٢/ ٣٣١، و\"المفردات\" ص ٣٠٨، و\"اللسان\" ٣/ ١٣٣٣ (دحر).\n(٤) \"ديوان أمية بن أبي الصلت الثقفي\" ص ٢٣٥، و\"تفسير الرازي\" ١٤/ ٤٤، و\"الدر المصون\" ٥/ ٢٧٢.\n(٥) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ١٣٩، وابن أبي حاتم ٥/ ١٤٤٦ بسند جيد.\n(٦) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ١٣٩، وابن أبي حاتم ٥/ ١٤٤٧ بسند ضعيف.\n(٧) لم أقف عليه، وانظر: \"تفسير الماوردي\" ٢/ ٢٠٨، والبغوي ٣/ ٢١٩.\n(٨) انظر: \"معاني الأخفش\" ٢/ ٢٩٥، والزجاج ٢/ ٣٢٥، و\"تفسير الطبري\" =","vol":"9","page":59},{"text":"وقوله تعالى: ﴿مِنْهُمْ﴾ (١). قال أبو بكر: (الكناية تعود على ولد آدم لأنه حين قال: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ﴾ [الأعراف: ١١] كان مخاطبًا لولد آدم فرجع إليهم) (٢).\nقال ابن عباس: (يريد: من أطاعك منهم ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ قال: يريد: المشركين والمنافقين والكافرين وقرنائهم من الشياطين) (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1142>١٩ </span>- قوله تعالى: ﴿وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ (٤)، الآية مفسرة في سورة البقرة (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1143>٢٠ </span>- وقوله تعالى: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ﴾، قال الليث: (الوسوسة: حديث النفس والصوت الخفي من ريح تهز قصبًا أو شيئًا، كالهمس، وبه سمي صوت الحلي وسواسًا) (٦).\n_________\n= ٨/ ١٣٩، و\"إعراب النحاس\" ١/ ١٠٣، وفي هذه اللام وجهان: أظهرهما قول الجمهور أن اللام توطئه لقسم محذوف، و(من) شرطية في محل رفع بالابتداء ﴿لَأَمْلَأَنَّ﴾ جواب القسم المدلول عليه بلام التوطئة، وجواب الشرط محذوف لسد جواب القسم مسده والثاني: أن اللام للابتداء، و(من) موصولة و﴿تَبِعَكَ﴾ صلتها، وهي أيضًا في محل رفع بالابتداء، و﴿لَأَمْلَأَنَّ﴾ جواب قسم محذوف، وهو وجوابه في محل رفع خبرًا لهذا المبتدأ والتقدير: للذي تبعك منهم، والله لأملأن جهنم منكم.\nانظر: \"تفسير ابن عطية\" ٥/ ٤٥٠، و\"التبيان\" ١/ ٣٧٠، و\"الفريد\" ٢/ ٢٧٩، و\"الدر المصون\" ٥/ ٢٧٣.\n(١) في النسخ: ﴿مِنْهُمْ﴾. ويحتمل أنه يريد: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ﴾.\n(٢) ذكره ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٣/ ١٧٨، والرازي في \"تفسيره\" ١٤/ ٤٤.\n(٣) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ١٦٥، وفي \"تنوير المقباس\" ٢/ ٨٤ نحوه.\n(٤) لفظ: ﴿الجَنَّةَ﴾ ساقط من (ب).\n(٥) انظر: \"البسيط\" البقرة: ٣٥.\n(٦) \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٨٩٤.","vol":"9","page":60},{"text":"ثعلب عن ابن الأعرابي: (رجل موسْوِس، ولا يقال: موَسوَس) (١)\n[الأزهري (وإنما قيل: موسوس] (٢)؛ لأن نفسه توسوس له (٣). قال الله تعالى: ﴿وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ (٤) [ق: ١٦]، وقال رؤبة يصف الصياد:\nوَسْوَسَ يَدْعُو (٥) مُخْلِصًا ربَّ الفَلَقْ (٦)\nيقول: لما أحس بالصيد وأراد رميه وسوس في نفسه يخطئ أو يصيب)، قال الأخفش (٧): ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا﴾ (يعني: إليهما) (٨).\n_________\n(١) \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٨٩٤، ومُوَسوِس -بكسر الواو- ولا يقال مُوَسْوَس -بفتح الواو-. انظر: \"الجمهرة\" ١/ ٢٠٥، و\"المجمل\" ٣/ ٩١٢، و\"مقاييس اللغة\" ٦/ ٧٦، و\"المفردات\" ص ٨٦٩ (وسوس).\n(٢) ما بين المعقوفين ساقط من (أ).\n(٣) في \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٨٩٤: (لأنه يحدث نفسه بما في ضميره) اهـ.\n(٤) في (أ): (ويعلم) بالياء، وهو تصحيف.\n(٥) في النسخ: (يدعوا).\n(٦) \"ديوان\" رؤبة بن العجاج ص ١٠٨، و\"تفسير الطبري\" ٨/ ١٤٠، \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٨٩٤، و\"تفسير ابن عطية\" ٥/ ٤٥٦، و\"اللسان\" ٨/ ٤٨٣١ (وسس)، و\"الدر المصون\" ٥/ ٢٧٦، وعجزه:\nسِرُّا وَقَدْ أوَّنَّ تَاَوِينَ العُقُقْ\nقال في \"اللسان\" ٥/ ٣٠٤٤ (علق) في شرحه للشاهد: (أون شربن حتى انتفخت بطونهن فصار كل حمار كالأتان العقوق وهي التي تم حملها وقرب ولادها) اهـ.\n(٧) \"معاني الأخفش\" ٢/ ٢٩٦، وفيه: (والعرب توصل بهذه الحروف كلها الفعل) اهـ. ومثله ذكر الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ١٤٠، والنحاس في \"إعراب القرآن\" ١/ ٦٠٣، والجوهري في \"الصحاح\" ٣/ ٩٨٨ (وسوس)، وقال أبو حيان في \"البحر\" ٤/ ٢٧٨، والسمين في \"الدر\" ٥/ ٢٧٥: (الفرق بين وسوس له ووسوس إليه أن وسوس له بمعنى لأجله، ووسوس إليه ألقى إليه الوسوسة) اهـ.\n(٨) في (أ) جاء تكرار، قوله: (وسوس في نفسه) إلى آخره.","vol":"9","page":61},{"text":"وقوله تعالى: ﴿لِيُبْدِيَ لَهُمَا﴾، هذه اللام تسمى لام العاقبة (١)؛ وذلك أن الشيطان لم يقصد بالوسوسة بدو عورتهما، ولم يعلم أنهما إن أكلا من الشجرة بدت عوراتهما، وإنما كان قصده أن يحملهما على المعصية فقط، فلما بدت عوراتهما وكان ذلك بسبب معصيتهما جاز أن يقال: فعل ذلك لذلك (٢) كما قال تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص: ٨].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1144>٢٠ </span>- قوله تعالى: ﴿مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا﴾ أي: ما ستر؛ من المُواراة يقال: وَاريته فأنا أوَاريه أي: سترته، ويقال: وَارَيْت الميت في التراب أي: دفنته (٣)، ومنه قول النبي - ﷺ - لعلي -﵁- لما أخبره بوفاة أبيه (٤) قال: (اذهب فوارِه) (٥) قال الشاعر:\n_________\n(١) وهي التي يسميها الكوفيون (لام الصيرورة). انظر كتاب \"اللامات\" للزجاجي ص ١١٩، ولمحمد الهروي ص ١٨٢.\n(٢) هذا قول الجمهور أنها للعاقبة والصيرورة، ورجح أبو حيان في \"البحر\" ٤/ ٢٧٨، والسمين في \"الدر\" ٥/ ٢٧٦، وهو الظاهر أنها لام العلة الباعثة على أصلها؛ لأن قصد الشيطان ذلك وهو يعلم ذلك بالإلهام أو بالنظر فهو وسوس لهما لغرض إيقاعهما في المعصية ابتداء ولغرض الإضرار بهما؛ لأن طبعه عداوة البشر، وانظر: \"تفسير ابن عطية\" ٥/ ٤٥٧، وابن عاشور ٨/ ٥٧.\n(٣) انظر: \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٨٨٠، و\"الصحاح\" ٦/ ٢٥٢٣، و\"المفردات\" ص ٨٦٦، و\"اللسان\" ٨/ ٤٨٢٣ (ورى).\n(٤) في (ب): (ابنه)، وهو تصحيف.\n(٥) الحديث أخرجه أحمد في \"المسند\" ٢/ ١١٢، ١٣٦، وأبو داود (٣٢١٤) كتاب الجنائز، باب: الرجل يموت له قرابة مشرك، والنسائي في الطهارة، باب: الغسل من مواراة المشرك ١/ ١١١، وفي الجنائز ٤/ ٧٩، باب مواراة المشرك عن علي ﵁ أنه أتى النبي - ﷺ - فقال: (إن أبا طالب مات قال: \"اذهب فواره\" قال: إنه مات مشركًا. فقال: \"اذهب فواره\" فلما واريته رجعت إليه فقال لي: \"اغتسل\" =","vol":"9","page":62},{"text":"علَى صدى أسود المُواري ... في التُّرْب أمسى وفي الصفيح (١)\nوالسَّوأة فرج الرَّجُل والمرأة، وذلك لأن ظهوره يسوء الإنسان (٢).\nوقال ابن عباس: (كانا قد ألبسا ثوبًا يستر العورة منهما، فلما عصيا تهافت عنهما ذلك الثوب، وذلك قوله: ﴿فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا﴾) (٣) [الأعراف: ٢٢].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1145>٢٠ </span>- وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ﴾، قال ابن الأنباري: (يمكن أن يكون هذا مخاطبة من إبليس لهما، ويمكن أن يكون بوسوسة أوقعه في قلوبهما، والأمران مرويان إلا أن الأغلب والأكثر مخاطبته إياهما بدليل قوله: ﴿وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾) (٤).\nوقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ﴾ تقديره: (إلا أن لا تكونا) عند الكوفيين، وعند البصريين (إلا كراهية أن تكونا) فحذف المضاف (٥).\nفإن قيل: كيف أطمع إبليس لعنه الله آدم في أن يكون ملكًا عند أكله من الشجرة، فانقاد له مؤملًا ذلك، وقد شاهد الملائكة متواضعة ساجدة\n_________\n= ودعا لي) اهـ. وصحح الشيخ أحمد شاكر رحمه الله تعالى إسناده في الحاشية.\n(١) لم أهتد إلى قائله، وهو في \"الدر المصون\" ٥/ ٢٧٧. والصَفِيح: الحجارة العريضة. انظر: \"اللسان\" ٤/ ٢٤٥٥ (صفح).\n(٢) انظر: \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٥٨٣ (ساء)، و\"المفردات\" ص ٤٤١ - ٤٤٢ (سوأ).\n(٣) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ١٦٦، والبغوي ٣/ ٢٢٠، والرازي ١٤/ ٤٦.\n(٤) ذكره الرازي في \"تفسيره\" ١٤/ ٤٧ بدون نسبة.\n(٥) انظر: \"معاني الأخفش\" ٢/ ٢٩٦، و\"تفسير الطبري\" ٨/ ١٤٠، و\"إعراب النحاس\" ١/ ٦٠٤، و\"المشكل\" ١/ ٢٨٤، وقال أبو حيان في \"البحر\" ٤/ ٢٧٩، والسمين في \"الدر\" ٥/ ٢٨٧: (قوله: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَا﴾ استثناء مفرغ وهو مفعول من أجله فقدره البصريون: إلا كراهة أن تكونا، وقدره الكوفيون: إلا أن لا تكونا، وإضمار الاسم أحسن من إضمار الحرف) اهـ. ملخصًا.","vol":"9","page":63},{"text":"له، معترفة بفضله؟ فيقال: إن آدم علم أن الملائكة لا يموتون إلا يوم القيامة، ولم يعلم ذلك لنفسه، فعرض عليه إبليس أن يصير ملكًا في البقاء ولا يموت كما لا يموتون (١)، وكان (٢) ابن عباس يقرأ: ﴿مَلَكَيْنِ﴾ (٣)، ويقول: (ما طمعا في أن يكونا ملَكين، لكنهما استشرفا (٤) إلى أن يكونا مَلِكين، وإنما أتاهما الملعون من جهة المُلك، يدل على هذا قوله: ﴿هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى﴾) (٥) [طه: ١٢٠].\nوقوله تعالى: ﴿أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ﴾، قال ابن عباس: (يريد: لا يموتان) (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1146>٢١ </span>- قوله تعالى: ﴿وَقَاسَمَهُمَا﴾. قال ابن عباس: (حلف لهما) (٧). يقال: أَقْسم (٨) يقسم إقسامًا إذ حلف، والقَسَم اليمين، وكذلك قاسم وهو من المفاعلة التي تكون من واحد (٩).\n_________\n(١) انظر: \"تفسير البغوي\" ٣/ ٢١٩، والرازي ١٤/ ٤٧، والقرطبي ٧/ ١٧٨.\n(٢) في (ب): (فكان).\n(٣) قراءة الجمهور ﴿مَلَكَيْنِ﴾ -بفتح اللام بمعنى ملكين من الملائكة- وقرأ ابن عباس وغيره ﴿مَلَكَيْنِ﴾ -بكسر اللام-، بمعنى ملكين من الملوك، وهي قراءة شاذة. انظر: \"تفسير الطبري\" ٨/ ١٤٠، و\"إعراب النحاس\" ١/ ٦٠٤، و\"مختصر الشواذ\" ص ٤٨.\n(٤) في (ب): (استسرفا).\n(٥) ذكره الرازي في \"تفسيره\" ١٤/ ٤٧، والقرطبي ٧/ ١٧٨ - ١٧٩.\n(٦) \"تنوير المقباس\" ٢/ ٨٥.\n(٧) \"تنوير المقباس\" ٢/ ٨٥، وذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ١٦٦.\n(٨) انظر: \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٩٦١، و\"الصحاح\" ٥/ ٢٠١٠، و\"مجمل اللغة\" ٣/ ٧٥٢، و\"المفردات\" ص ٦٧٠، و\"اللسان\" ٦/ ٣٦٣٠ (قسم).\n(٩) قال البغوي في \"تفسيره\" ٣/ ٢١٩: (أي: وأقسم وحلف لهما وهذا من المفاعلة التي تختص بالواحد) اهـ.\nوقال القرطبي في \"تفسيره\" ٧/ ١٧٩: (وجاء فاعلت من واحد، وهو يرد على من =","vol":"9","page":64},{"text":"قال خالد بن زهير (١):\nوَقَاسَمهُمَا بالله جَهْدًا لأَنْتُمُ ... أَلَذُّ مِنَ السَّلْوَى إذاَ مَا نَشُورُهَا (٢)\nقال قتادة: (حلف لهما بالله حتى خدعهما، وقد يخدع المؤمن بالله) (٣).\nوقوله تعالى: ﴿إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾، قال قتادة: (قال لهما إبليس: إني خلقت قبلكما، وأنا أعلم منكما فاتبعاني أرشدكما) (٤).\nقال أبو علي: (الجار في قوله ﴿لَكُمَا﴾ يتعلق بما بعدها، لأن التقدير إني لمن الناصحين لكما) (٥) وشرح هذا وبيانه مذكور في سورة\n_________\n= قال: إن المفاعلة لا تكون إلا من اثنين) اهـ. وانظر: \"تفسير الزمخشري\" ٢/ ٧٢، وابن عطية ٥/ ٤٥٩، و\"البحر المحيط\" ٤/ ٢٧٩، و\"الدر المصون\" ٥/ ٢٧٩.\n(١) خالد بن زهير الهذلي، شاعر أموي، مشهور، جرت بينه وبين خاله أبي ذؤيب الهذلي أشعار وخصومة.\nانظر: \"الشعر والشعراء\" ص ٤٣٥، و\"شرح أشعار الهذلين\" للسكري ١/ ٢٠٧، و\"الخزانة\" للبغدادي ٥/ ٧٦.\n(٢) \"شرح ديوان الهذليين\" ١/ ٢١٥، و\"تفسير الطبري\" ٨/ ١٤١، و\"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٧٢٦ (سلا)، و\"تفسير ابن عطية\" ٥/ ٤٥٩، و\"اللسان\" ٤/ ٢٠٨٦ (سلا)، و\"البحر المحيط\" ٤/ ٢٧٩، و\"الدر المصون\" ٥/ ٢٧٩، والسَّلْوى هنا العسل، والشور أخذ العسل من الخلية، أفاده السكري والأزهري.\n(٣) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ١٤١، وابن أبي حاتم ٥/ ١٤٥١ بسند جيد، وذكره السيوطي في \"الدر\" ٣/ ١٣٩.\n(٤) هذا تابع للأثر السابق الذي سبق تخريجه.\n(٥) \"الحجة\" لأبي علي الفارسي ٤/ ٣٤٣ - ٣٤٤، وزاد فيه: (يتعلق بما يدل عليه النصح المظهر، وإن لم يسلط عليه والتقدير: إني ناصح لكما من الناصحين) اهـ. وانظر: \"إعراب النحاس\" ١/ ٦٠٤، و\"المشكل\" ١/ ٢٨٥، و\"الدر المصون\" ٥/ ٢٧٩.","vol":"9","page":65},{"text":"هود (١) عند قوله ﴿مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ (٢) [هود: ٤٦].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1147>٢٢ </span>- قوله تعالى: ﴿فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ﴾ الآية، معنى التدلية (٣) في اللغة: التعليق، يقال: دلى فلان الشيء في مهواة، وتدلى ذلك الشيء بنفسه.\nقال أبو عبيدة: (دلاهما: خذلاهما وخلاهما من تدلية الدلو، وهو إرسالها في البئر) (٤).\nوقال أبو إسحاق: (دلاهما في المعصية (٥) بأن غرهما) (٦).\nوذكر أبو منصور الأزهري -﵀- لهذه الكلمة أصلين:\nأحدهما: قال: (أصله الرجل العطشان يدلي في البئر ليروى من الماء فلا يجد فيها ماء، فيكون مدلس فيها بالغرور، فوضعت التدلية موضع الإطماع فيما لا يجدي نفعًا، فيقال: دلاه إذا أطمعه (٧) ومنه قول أبي جندب (٨) الهذلي:\n_________\n(١) انظر: \"البسيط\" النسخة الأزهرية ٣/ ٣٢ أ.\n(٢) لفظ: ﴿بِهِ عِلْمٌ﴾ ساقط من (ب).\n(٣) انظر: \"العين\" ٨/ ٦٩، و\"الجمهرة\" ٢/ ٦٨٢، و\"الصحاح\" ٦/ ٢٣٣٩، و\"المفردات\" ص ٣١٧ (دلو).\n(٤) ذكر الثعلبي في \"الكشف\" ١٨٨ب، ولم أقف عليه في \"مجاز القرآن\".\n(٥) في (ب): (دلاهما في المعصية غرهما بأن غرهما)، وهو تحريف.\n(٦) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٢٧. انظر: \"معاني النحاس\" ٣/ ٢١.\n(٧) في (ب): (إذا أطعمه)، وفي (أ): (إذا طعمه)، وهو تحريف.\n(٨) أبو جُنْدَب بن مُرَّة بن قرد الهذلي، شاعر جاهلي، وهو أحد عشر إخوة كانوا جميعًا شعراء دهاة.\nانظر: \"الشعر والشعراء\" ص ٤٤٠، و\"شرح ديوان الهذليين\" ١/ ٣٤٥، و\"الأغاني\" ٢٢/ ٢٢١، ٢٢٨، ٢٣٠.","vol":"9","page":66},{"text":"أَحُصُّ فلا أجِيرُ وَمنْ أجِرْةُ ... فَلَيْسَ كَمَنْ يُدَلَّى بالغُرُورِ (١)\nأحص: أقطع.\nوالثاني: ﴿فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ﴾، أي جرأهما (٢) إبليس على أكل الشجرة بغروره (٣) [و] (٤) الأصل فيه (٥) دَلَّلهمَا من الدَّالّ (٦) والدَّالَّة: وهي الجرأة) (٧).\nقال شمر: (يقال: ما دَلَّك علي، أي: ما جَرَّأك علي) (٨)، وأنشد لقيس بن زهير (٩):\nأظُنُّ الحِلْمَ دَلَّ عليَّ قْومِي ... وقد يسْتَجْهَلُ الرجلُ الحَليمُ (١٠)\n_________\n(١) \"شرح ديوان الهذليين\" ١/ ٣٥٥، و\"اللسان\" ٣/ ١٤١٨ (دلا)، و\"الدر المصون\" ٥/ ٢٨١، وقال الأزهري في \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٢١٤ في شرح البيت: (أحص: أمنع، وقيل: أقطع ذلك، وقوله: كمن يدلي أي: يُطمع) اهـ.\n(٢) في (أ): (أي أخبرهما)، وهو تحريف.\n(٣) في (ب): (بغرور).\n(٤) لفظ: (الواو) ساقط من (ب).\n(٥) في (ب): (فيهما).\n(٦) في (ب): (من الدلال)، وهو تحريف.\n(٧) \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٢١٤.\n(٨) \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٢٢١.\n(٩) قَيْس بن زُهَيْر بن جَذيِمة العَبْسي، شاعر جاهلي، وفارس عبس وسيدها، ومعدود في الأمراء والدهاة والشجعان والخطباء والشعراء، وهو صاحب الفرسين داحس والغبراء، وكان شريفًا، حازمًا ذا رأي، يضرب بدهائه المثل.\nانظر: \"معجم المرزباني\" ص ١٧٨، و\"الإصابة\" ٣/ ٢٨٢، و\"الأعلام\" ٥/ ٢٠٦.\n(١٠) الشاهد في \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٢٢١، و\"اللسان\" ٣/ ١٤١٣ (دليل)، و\"الدر المصون\" ٥/ ٢٨١، وقال المرزباني في \"معجمه\" ص ١٧٨ في شرح البيت: (ليس قوله: وقد يستجهل الرجل الحليم بمعنى ينسب إلى الجهل، وإنما هو بمعنى =","vol":"9","page":67},{"text":"قال محمد بن حبيب (١): (معناه: جَرَّأهم) (٢).\nقال ابن عباس: (يريد: غرهما باليمين، وكان آدم يظن أنه لا أحد يحلف بالله كاذبًا) (٣).\nوقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا﴾، قال ابن عباس: (يريد: ظهرت عورتهما وتقلص ذلك النور عنهما، فصار أظفارًا (٤) في الأيدي والأرجل) (٥).\nقال وهب (٦): (كان على فرج آدم نور يحول بينه وبين النظر إليه\n_________\n= يستخرج الجهل من الحليم، يريد أن حلمه جرأ عليه قومه فتوعدهم بقوله: وقد يستدعى الجهل من الحليم) اهـ.\n(١) محمد بن حبيب بن أمية بن عمرو الهاشمي -مولاهم- أبو جعفر البغدادي، علامة بالإنساب والأخبار واللغة والشعر، له عدة مصنفات منها المحبر، والمؤتلف والمخلف في النسب، والمنمق، وغيرها، توفي سنة ٢٤٥ هـ.\nانظر: \"تاريخ بغداد\" ٢/ ٢٧٧، و\"إنباه الرواة\" ٣/ ١١٩، و\"معجم الأدباء\" ١٨/ ١١٢، و\"البغية\" ١/ ٧٣، و\"الأعلام\" ٦/ ٧٨.\n(٢) \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٢٢١، وفيه: (دل على قومي أي: جرأهم) اهـ.\n(٣) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ١٦٧، وابن الجوزي في \"تفسيره\" ٣/ ١٨٠، والرازي ١٤/ ٤٩، وانظر: \"تفسير السمرقندي\" ١/ ٥٣٤، والبغوي ٣/ ٢١٩، و\"بدائع التفسير\" ٢/ ٢٠١.\n(٤) في (ب): (أظفرًا).\n(٥) أخرجه الطبري ٨/ ١٤٣ بسند ضعيف عنه نحوه، وذكره السيوطي في \"الدر\" ٣/ ١٣٩، وأخرج الحاكم في \"المستدرك\" ٢/ ٣١٩، عن ابن عباس قال: (كان لباس آدم وحواء مثل الظفر، فلما ذاقا الشجرة، جعلا يخصفان عليهما من روق الجنة، قال: وهو ورق التين) اهـ. قال الحاكم: (هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه) اهـ. ووافقه الذهبي في \"التلخيص\".\n(٦) وهب بن مُنبه بن كامل اليماني، تقدمت ترجمته.","vol":"9","page":68},{"text":"فلا (١) يبصره، فلما عصى بدت عورته) (٢).\nوقال قتادة: (كان لباس آدم وحواء في الجنة ظفرًا (٣) كله، فلما واقعا الذنب كُشِط (٤) عنهما، وبدت سوءاتهما فاستحيا وطفقا يخصفان الورق عليهما) (٥).\nوقال الكلبي: (فلما أكلا منها تهافت لباسهما عنهما، فأبصر كل واحد منهما عورة صاحبه فاستحيا) (٦).\nوقوله تعالى: ﴿وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾، قال الليث: (طَفِق بمعنى علق يفعل كذا، وهو يجمع ظل وبات) (٧). وقال الزجاج: (معنى طلق: أخذ في الفعل) (٨).\n_________\n(١) في (ب): (ولا يبصره).\n(٢) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ١٤٣، وذكره ابن كثير في \"تفسيره\" ٢/ ٢٣١، وقال: (رواه ابن جرير بسند صحيح إليه).\n(٣) قال ابن الأثير في \"النهاية\" ٣/ ١٥٨: (وفي الحديث: \"كان لباس آدم ﵇ الظُّفُر\" بتشديد الظاء والضم، أي شيء يشبه الظُّفُر في بياضه وصفائه وكثافته) اهـ. انظر \"اللسان\" ٥/ ٢٧٥٠ (ظفر).\n(٤) الكشط: القلع والنزع والكشف. انظر: \"اللسان\" ٧/ ٣٨٨٣ (كشط).\n(٥) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ١٤٣ بسند ضعيف. وذكره الثعلبي في \"الكشف\" ١٨٨ ب، والبغوي في \"تفسيره\" ٣/ ٢٢٠.\n(٦) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ١٦٧، والبغوي في \"تفسيره\" ٣/ ٢٢٠.\n(٧) \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٢٠٠، وفيه: (وهو يجمع معنى ظل وبات) اهـ.\nوانظر: \"العين\" ٥/ ١٠٦، و\"الجمهرة\" ٢/ ٩١٥، و\"الصحاح\" ٤/ ١٥١٧، و\"مقاييس اللغة\" ٣/ ٤١٣، و\"المفردات\" ص ٥٢١، و\"اللسان\" ٥/ ٢٦٨١ (طفق).\n(٨) \"معاني القرآن\" ٢/ ٣٢٧، ونحوه ذكر النحاس في \"معانيه\" ٣/ ٢٢.","vol":"9","page":69},{"text":"وقال ابن قتيبة ﴿وَطَفِقَا﴾ أي: علقا وأقبلا، يقال: طفِقْت أفعل كذا) (١).\nوقوله تعالى: ﴿يَخْصِفَانِ﴾ أي: يطبقان (٢) على أبدانهما الورق. وقال الزجاج: (معنى ﴿يَخْصِفَانِ﴾: يجعلان ورقة على ورقة، ومنه قيل للذي يرقع النعل: خَصَّاف وهو يخصِفُ) (٣) والمِخْصَفُ مِثقَبُ ذلك، ومنه قول الهذلي (٤):\n..... رَوْثَةُ أنْفِها كالمِخْصَفِ (٥)\n_________\n(١) \"تفسير غريب القرآن\" ص ١٧٦، وفيه (أي: جعلا وأقبلا ...). ونحوه ذكر الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ١٤٢، ومكي في \"تفسير المشكل\" ص ٨٤.\n(٢) الخصف، بفتح فسكون: الجمع والضم، وكل ما طورق بعضه على بعض، فقد خُصِف.\nانظر: \"الجمهرة\" ١/ ٦٠٤، و\"الصحاح\" ٤/ ١٣٥٠، و\"المجمل\" ٢/ ٢٩٠، و\"المفردات\" ص ٢٨٤ (خصف).\n(٣) \"معاني القرآن\" ٢/ ٣٢٧، ونحوه في \"مجاز القرآن\" ١/ ٢١٢، و\"غريب اليزيدي\" ص ١٤٤، و\"تفسير الغريب\" لابن قتيبة ص ١٦٦، و\"تفسير الطبري\" ٨/ ١٤٢، و\"نزهة القلوب\" ص ٣١١، و\"معاني النحاس\" ٣/ ٢٢، و\"تفسير المشكل\" لمكي ص ٨٤.\n(٤) هو عامر بن الحليس الهُذلي أبو كَبير، تقدمت ترجمته.\n(٥) \"شرح ديوان الهذليين\" ٣/ ١٠٨٩، و\"تهذيب اللغة\" ١/ ١٠٣٩، و\"مقاييس اللغة\" ٢/ ١٨٦، و\"اللسان\" ٢/ ١١٧٤ (خصف)، و\"الدر المصون\" ٥/ ٢٨٣، وهو يصف العقاب وتمامه:\nحَتَّى انْتَهَيْتُ إلى فِرَاشِ عَزِيزِةٍ ... سَوْدَاءَ .................\nوفراش العزيزة يعني: عش العقاب، والروثة: طرف الأنف، المنقار.\nوالمخصف هو: الذي تخصف به أخفاف الإبل يريد أن منقارها حديد دقيق كأنه مِخْصَفُ.","vol":"9","page":70},{"text":"وقال الليث: (خصف العريان على نفسه إذا أخذ ورقًا عريضًا يخصف بعضه على بعض يستتر به) (١).\nوقال الأزهري: (﴿يَخْصِفَانِ﴾ أي: يطابقان بعض الورق على بعض.\nكما يخصف طرائق النعل بعضها على بعض) (٢).\nومنه قول العباس يمدح رسول الله - ﷺ -:\n...... طِبْتَ في الظّلال وفي ... مُسْتَودَع حَيْثُ يُخْصَفُ الوَرَقُ (٣)\nيعني: في الجنة حيث خصف آدم وحواء الورق. قال مجاهد: (﴿يَخْصِفَانِ﴾ يرقعان كهيئة الثوب) (٤).\nوقال الكلبي: (يخرزان بعضه إلى بعض) (٥).\nوقال قتادة: (أقبلا وجعلا يرقعان ويصلان عليهما من ورق الجنة، وهو ورق التين حتى صار كهيئة الثوب) (٦).\n_________\n(١) \"تهذيب اللغة\" ١/ ١٠٤٠، وانظر: \"العين\" ٤/ ١٨٩، وفيهما: (الاختِصَاف أن يأخذ العريان ورقًا عراضًا فَيَخْصِفُ بعضها على بعض ويستتر بها) اهـ.\n(٢) \"تهذيب اللغة\" ١/ ١٠٣٩، وقوله: (كما يخصف النعل ..) لا يوجد فيه، وانظر: \" الزاهر\" ١/ ٣٧٦.\n(٣) تمامه: (مَنْ قَبْلها طبت ..) وهو في \"تأويل مختلف الحديث\" لابن قتيبة ص ٨٨، و\"أمالي الزجاجي\" ص ٤٤، و\"اشتقاق أسماء الله\" للزجاجي ص ٢٣١، و\"تهذيب اللغة\" ١/ ١٠٣٩، و\"أمالي ابن الشجري\" ٣/ ١١٤، و\"اللسان\" ٢/ ١١٧٤ (خصف)، و\"الدر المصون\" ٥/ ٢٨٣.\n(٤) \"تفسير مجاهد\" ١/ ٢٣٣، وأخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ١٤٢، وابن أبي حاتم ٥/ ١٤٥٢ بسند جيد، وذكره السيوطي في \"الدر\" ٣/ ١٤٠.\n(٥) في \"تنوير المقباس\" ٢/ ٨٥ نحوه.\n(٦) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ١٦٧، والبغوي في \"تفسيره\" ٣/ ٢٢٠، وأخرج ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٥/ ١٤٥٣ بسند جيد عن قتادة قال: (يوصلان عليهما من ورق الجنة) اهـ.","vol":"9","page":71},{"text":"قال أبو إسحاق: (وفي هذا دليل على أن أمر التكشف وإظهار السوءة قبيح من لدن آدم، ألا ترى أنهما كيف بادرا إلى التستر لقبح التكشف) (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ﴾ [الأعراف:٢٢]. قال عطاء: (بلغني أن الله ناداهما أفرارًا مني يا آدم؟ قال: بل حياء منك يا رب، ما ظننت أن أحدًا يقسم باسمك كاذبًا، ثم ناداه ربه: أما خلقتك بيدي، أما نفخت فيك من روحي، أما أسجدت لك ملائكتي، أما أسكنتك جنتي في جواري، اخرج من جواري، فإنه لا يجاورني من عصاني) (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾، قال ابن عباس: (بين العداوة حيث أبى السجود وقال: ﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾) (٣) [الأعراف: ١٦].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1148>٢٥ </span>- وقوله تعالى: ﴿قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ﴾ قال ابن عباس: (يريد: الأرض أرض الدنيا) (٤)، والكناية عائدة إلى قوله: ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ﴾ [الأعراف: ٢٤]، قال الكلبي: (في الأرض تعيشون، وفي الأرض قبوركم، ومن الأرض تخرجون من قبوركم للبعث) (٥).\n_________\n(١) انظر: \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٢٧ - ٣٢٨، ومثله ذكر السمرقندي في \"تفسيره\" ١/ ٥٣٤، وابن الجوزي ٣/ ١٨٠، والقرطبي ٧/ ١٨١.\n(٢) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ١٦٧، والرازي في \"تفسيره\" ١٤/ ٤٩.\n(٣) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ١٦٧، والرازي في \"تفسيره\" ١٤/ ٥٠.\n(٤) \"تنوير المقباس\" ٢/ ٨٦.\n(٥) \"تنوير المقباس\" ٢/ ٨٦، وذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ١٦٨.","vol":"9","page":72},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1149>٢٦ </span>- قوله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ﴾ الآية. قال سعيد بن جبير: (﴿أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ﴾ يعني: خلقنا لكم) (١).\nقال أبو علي: (﴿أَنْزَلْنَا﴾ هنا كقوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ﴾ [الحديد: ٢٥]. وكقوله: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ [الزمر: ٦] أي: خلق) (٢).\nوقال صاحب النظم: (هذا من باب التدريج (٣) والترقي، وذلك أن الله تعالى أنزل المطر، فأنبت به النبات، فاتخذ الناس من النبات اللباس، فأوقع الإنزال على اللباس، لما كان بسبب (٤) ما يُنزل وهو المطر) (٥).\nقال ابن عباس: ([و] (٦) ذلك أن أهل مكة كانوا يطوفون حول البيت\n_________\n(١) ذكره القرطبي في \"تفسيره\" ٧/ ١٨٤. وانظر: \"تفسير الرازي\" ١٤/ ٥١، و\"البحر المحيط\" ٤/ ٢٨٢.\n(٢) \"الحجة\" لأبي علي ٤/ ١٢.\n(٣) ذكر نحوه مكي في \"المشكل\" ١/ ٢٨٦، والماوردي ٢/ ٢١٣، وابن عطية ٥/ ٤٧٠، وقال شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى- في \"الفتاوى\" ١٢/ ٢٥٤ - ٢٥٧: (قد تبين أنه ليس في القرآن ولا في السنة لفظ نزول إلا وفيه معنى النزول المعروف، وهذا هو اللائق بالقرآن، فإنه نزل بلغة العرب ولا تعرف العرب نزولًا إلا بهذا المعنى ولو أريد غير هذا المعنى لكان خطابًا بغير لغتها، ومما يبين هذا أنه لم يستعمل فيما خلق من السفليات، وإنما استعمل فيما يخلق في محل عال، وأنزله الله من ذلك المحل كالحديد والأنعام، وقد قيل فيه: خلقناه، وقيل: أنزلنا أسبابه، وقيل: ألهمناهم كيفية صنعته، وهذا الأقوال ضعيفة، واللباس والرياش ينزل من ظهور الأنعام، وكسوة الأنعام منزلة من الأصلاب والبطون، فهو منزل من الجهتين، فإنه على ظهور الأنعام لا ينتفع به حتى ينزل) اهـ. ملخصًا.\n(٤) في (ب): (لما كان لسبب مما ينزل).\n(٥) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ١٦٨ - ١٦٩.\n(٦) لفظ: (الواو) ساقط من (ب).","vol":"9","page":73},{"text":"عراة، فقال الله تعالى: ﴿قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ﴾ (١) يريد: يستر عوراتكم)، ونحو هذا قال مجاهد (٢).\nوقال الكلبي: (يعني: الثياب التي تستر العورة من العُري، وذلك لما ذكر من عُري آدم وحواء منّ علينا باللباس) (٣).\nوقوله تعالى: ﴿وَرِيشًا﴾، وقرئ: ﴿وَرِياشًا﴾ (٤). قال ابن السكيت. (قالت بنو كلاب (٥): الرياش هو الأثاث من المتاع ما كان من لباس أو حشو من فراش أو وثار (٦)، والريش من الأموال، وقد يكون في\n_________\n(١) ذكره أكثر أهل التفسير بدون نسبة. انظر: \"تفسير الثعلبي\" ١٨٩ أ، والماوردي ٢/ ٢١٣، والبغوي ٣/ ٢٢١، وابن عطية ٥/ ٤٧٠، وسيأتي مزيد بيان له في سبب نزول قوله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١].\n(٢) \"تفسير مجاهد\" ١/ ٢٢٣، وأخرجه الطبري ٨/ ١٤٦، ١٤٧، وابن أبي حاتم ٥/ ١٤٥٦ من عدة طرق جيدة، وذكره السيوطي في \"الدر\" ٣/ ١٤٠.\n(٣) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ١٦٨، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٣/ ١٨١ بدون نسبة.\n(٤) قرأ الجمهور (السبعة): ﴿وَرِيشًا﴾ بإسكان الياء من غير ألف، وقرأ جماعة منهم: عثمان وعلي وابن عباس والحسن، وعاصم وأبو عمرو في رواية عنهما: ﴿ورياشا﴾ بفتح الياء وألف بعدها، وهو إما جمع ريش، أو مصدر راش ريشًا ورياشًا.\nانظر: \"تفسير الطبري\" ٨/ ١٤٧، و\"إعراب النحاس\" ١/ ٦٠٦، و\"معاني القراءات\" ١/ ٤٠٢، و\"إعراب القراءات\" ١/ ١٧٨، و\"مختصر الشواذ\" ص ٤٨، و\"التذكرة\" ٢/ ٤١٧، و\"تفسير ابن عطية\" ٥/ ٤٧١، و\"البحر المحيط\" ٤/ ٢٨٢، و\"الدر المصون\" ٥/ ٢٨٧.\n(٥) بنو كلاب: بطن من عامر بن صعصعة، كانت ديارهم في جهات المدينة ثم انتقلوا إلى الشام. انظر: \"نهاية الأرب\" للقلقشندي ص ٣٦٥.\n(٦) الوِثَار، بالفتح والكسر: الفراش الوطيء. انظر: \"اللسان\" ٨/ ٤٧٦٣ (وثر)، وجاء في (أ): (أو دثار)؛ والدثار، بفتح الدال المشددة: ما يتدثر به والثوب الذي =","vol":"9","page":74},{"text":"الثياب (١) دون المال، وإنه لحسن الريش أي: الثياب).\nوروى ثعلب عن ابن الأعرابي قال: (كل شيء يعيش [به] (٢) الإنسان من متاع أو مال ومأكول فهو ريش ورياش) (٣)\nقال ابن الأنباري: (يقال: هما المال، ويقال: هما المعاش) (٤).\nوقال أبو عبيدة: (الريش (٥) ما ظهر من اللباس والشارة (٦)، قال: ويقال: أعطاه رجلًا بريشه يراد: بكسوته [و] (٧) جهازه).\nوقال رؤبة:\n_________\n= يستدفأ به فوق الشَّعار. انظر: \"اللسان\" ٣/ ١٣٢٦ (دثر)، والنص في \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١١٤٧. وانظر: \"إصلاح المنطق\" ص٣٠، وذكر مثله ابن جني في \"المحتسب\" ١/ ٢٤٦ عن أبي الحسن الأخفش.\n(١) في (ب): (النبات)، وهو تصحيف.\n(٢) لفظ: (به) ساقط من (ب).\n(٣) ذكره الرازي في \"تفسيره\" ١٤/ ٥١، وفي \"مجالس ثعلب\" ١/ ٣٥، قال: (الريش والرياش: اللباس الحسن) اهـ. وفي \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٣١٨، عن ثعلب عن ابن الأعرابي قال: (راش فلان صديقه يريشه ريشًا: إذا جمع الرَّيش وهو المال والأثاث) اهـ.\n(٤) انظر: \"الزاهر\" ١/ ٢٥٠ - ٢٥١، وفيه قال: (الرياش في قول جماعة من المفسرين: المال، وكذلك الريش، والرياش: المعاش، ويقال: الرياش ما ستر الإنسان وواراه، وقد تريش الرجل معناه: قد صار إلى معاش ومال) اهـ. ملخصًا.\n(٥) في \"مجاز القرآن\" ١/ ٢١٣: (الرياش والريش واحد وهو ..). وأيضًا قال: (والرياش أيضًا الخصب والمعاش) اهـ.\nومثله ذكر السجستاني في \"نزهة القلوب\" ص ٢٥١.\n(٦) الشارة: الحُسن والهيئة واللباس، وما يلبس من عمامة ونحوهما. انظر: \"اللسان\" ٤/ ٢٣٥٧ (شور).\n(٧) لفظ: (الواو) ساقط من (أ).","vol":"9","page":75},{"text":"إِلَيكَ أشْكُو شِدَّةَ المَعِيشِ ... وَجَهد أَعْوَامٍ نَتَفْنَ ريِشي (١)\nأي: ذهبن بخصبي وجدتي.\nوقال الفراء: (يجوز أن يكون الرياش جمع الريش، ويجوز أن (٢) يكون بمعنى الريش كما قرأ: لِبْس ولباس) (٣).\nوقال الزجاج: (الرياش: اللباس، والريش: كل ما ستر الرجل في معيشته، يقال: تريش فلان أي: صار له ما يعيش به) (٤).\nوأنشد (٥):\nفَرِيشي (٦) مِنْكُمُ وَهَواىَ مَعْكُمْ ... وإنْ كَانَتْ زِيَارَتُكُمْ لِمَامَا\n_________\n(١) \"ديوانه\" ص ٧٨، وقد تقدم تخريجه.\n(٢) في \"معاني الفراء\" ١/ ٣٧٥، قال: (وإن شئت جعلت الرياش مصدرًا في معنى الريش) اهـ.\n(٣) ذكر نحوه الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ١٤٧، وابن خالويه في \"إعراب القراءات\" ١/ ١٧٨، وابن جني في \"المحتسب\" ١/ ٢٤٦، والريش اسم لهذا الشيء المعروف، أو مصدر راشه يريشه ريشًا إذا جعل فيه الرَّيش. قال السمين في \"الدر\" ٥/ ٢٨٧: (ينبغي أن يكون الريش مشتركًا بين المصدر والعين، وهذا هو التحقيق) اهـ.\n(٤) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٢٨.\n(٥) الشاهد لجرير في \"ديوانه\" ص ٤١٠، وللراعي النميري، أيضًا في \"ديوانه\" ص ٢٤٣، و\"الكتاب\" ٣/ ١٨٧، وبلا نسبة في: \"الزاهر\" ١/ ٢٥٠، و\"معاني النحاس\" ٣/ ٢٣، و\"الماوردي\" ٢/ ٢١٤، و\"أمالي ابن الشجري\" ١/ ٣٧٥، و\"ابن الجوزي\" ٣/ ١٨٢، و\"القرطبي\" ٧/ ١٨٤، و\"رصف المباني\" ص ٣٩٤، و\"اللسان\" ٧/ ٤٢٣٤ (معع)، و\"الدر المصون\" ٥/ ٢٨٧، واللمَّام: الشيء اليسير، انظر: \"لسان العرب\" ٧/ ٤٠٧٩ (لمم).\n(٦) في (ب): (وريشي) بالواو وهي كذلك في \"ديوان جرير\"، والراعي وبعض المراجع، وفي هامش نسخة (أ): (وهواي فيكم بدل معكم)، وهو كذلك في \"ديوان جرير\".","vol":"9","page":76},{"text":"وقال عبد الله بن مسلم: (الريش والرياش: ما ظهر من اللباس، وريش الطائر ما ستره الله به) (١) هذا قول أهل اللغة (٢).\nفأما المفسرون فقال ابن عباس (٣) ومجاهد (٤) والضحاك (٥) والسدي (٦): (﴿وَرِيشًا﴾ يعني: مالًا).\n_________\n(١) \"تفسير غريب القرآن\" ص ١٧٦، ونحوه ذكر اليزيدي في \"غريب القرآن\" ص ١٤٥، ومكي في \"تفسير المشكل\" ص ٨٤.\n(٢) انظر: \"العين\" ٢/ ٢٨٣، و\"الجمهرة\" ٢/ ٧٣٦، و\"الصحاح\" ٣/ ١٠٠٨، و\"مقاييس اللغة\" ٢/ ٤٦٦، و\"المجمل\" ٢/ ٤٠٩، و\"المفردات\" ص ٣٧٢، و\"اللسان\" ٣/ ١٧٩٢ (ريش). وقال النحاس في \"معانيه\" ٣/ ٢٣: (الريش عند أكثر أهل اللغة ما ستر من لباس أو معيشة) اهـ. وقال ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٣/ ١٨٢: (على قول الأكثرين الريش والرياش بمعنى) اهـ. وقال شيخ الإسلام في \"الفتاوى\" ١٢/ ٢٥٥: (الصحيح أن الريش هو الأثاث والمتاع) اهـ.\n(٣) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ١٤٨ بسند جيد، وهو في \"تنوير المقباس\" ٢/ ٨٦، و\"مسائل نافع بن الأزرق\" ص ٨٧، وذكر البخاري في \"صحيحه\" ٥/ ١٩٥، عن ابن عباس قال: (﴿ورياشا﴾: المال) وأخرجه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٥/ ١٤٥٧ بسند جيد. وأخرج الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ١٤٨، وابن أبي حاتم ٥/ ١٤٥٧ بسند ضعيف عن ابن عباس قال: (الرياش: اللباس والعيش والنعيم) اهـ.\nانظر: \"الدر المنثور\" ٣/ ١٤١، ولعله يقصد باللباس هنا لباس الزينة والجمال؛ لأن اللباس الضروري لستر العورة ذكر في الآية قبل ذلك، وهذا لا يختلف مع تفسير الريش بالمال، لأنه هو وسيلة الحصول على لباس الزينة والعيش النعيم.\n(٤) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ١٤٨ بسند جيد، وذكره النحاس في \"معانيه\" ٣/ ٢٣، وفي تفسير مجاهد ١/ ٢٣٣ (الرياش المال) اهـ.\n(٥) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ١٤٨ بسند ضعيف، بلفظ: (رياشا)، وذكره ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٥/ ١٤٥٧ عن مجاهد والضحاك.\n(٦) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ١٤٨ بسند جيد بلفظ: (رياشًا) وذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ١٨٩ أ، والبغوي ٣/ ٢٢٢، عن ابن عباس ومجاهد والضحاك والسدي =","vol":"9","page":77},{"text":"وقال الكلبي: (المعيشة والمال) (١).\nوقال ابن زيد: (الريش: الجمال) (٢)، وهو قول زيد (٣) بن علي قال: (اللباس هذا الذي يلبسون ﴿يُوَارِي سَوْآتِكُمْ﴾، والريش والرياش: الذي يتجملون به من الثياب) (٤).\nوقوله تعالى: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى﴾ قُرئ (٥) بالنصب والرفع، فمن نصب فعلى أنه حمل على أنزل من قوله: ﴿قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ﴾. وقوله: ﴿ذَلِكَ﴾ على هذا مبتدأ وخبره ﴿خَيْرٌ﴾، ومن رفع قطع اللباس من الأول واستأنف به\n_________\n= والسدي، وأخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ١٤٨ بسند ضعيف عن عروة بن الزبير، وقال سفيان الثوري في \"تفسيره\" ص ١١٢: (الريش: المال، والرياش: الثياب) اهـ، وذكر هود الهواري في \"تفسيره\" ٢/ ١٢ عن الحسن أنه قال: (الريش: المال والمتاع) اهـ.\n(١) \"تنوير المقباس\" ٢/ ٨٦.\n(٢) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ١٤٨، وابن أبي حاتم ٥/ ١٤٥٧ بسند جيد، ولفظ ابن أبي حاتم: (الرياش).\n(٣) زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي، أبو الحسين المدني، إمام زاهد فقيه، فصيح، ثقة، وهو الذي ينسب إليه الزيدية، خرج في خلافة هشام بن عبد الملك فقتل بالكوفة سنة ١٢٢ هـ، وكان مولده سنة ثمانين من الهجرة.\nانظر: \"وفيات الأعيان\" ٥/ ١٢٢، و\"سير أعلام النبلاء\" ٥/ ٣٨٩، و\"تهذيب التهذيب\" ١/ ٦٦٨، و\"تهذيب تاريخ ابن عساكر\" ٦/ ١٧، و\"الأعلام\" ٣/ ٥٩.\n(٤) أخرجه ابن أبي حاتم ٥/ ١٤٥٦ بسند ضعيف. وذكره السيوطي في \"الدر\" ٣/ ١٤١، وفي \"تفسير غريب القرآن\" لزيد بن علي ص ١٣٩، قال: (الريش والرياش: ما ظهر من اللباس، والرياش أيضًا: المعاش والخِصْب) اهـ.\n(٥) قرأ نافع وابن عامر والكسائي ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى﴾ بنصب ﴿وَلِبَاسُ﴾ وقرأ الباقون بالرفع. انظر: \"السبعة\" ص ٢٨٠، و\"المبسوط\" ص ١٨٠، و\"التذكرة\" ٢/ ٤١٧، و\"التيسير\" ص ١٠٩، و\"النشر\" ٢/ ٢٦٨.","vol":"9","page":78},{"text":"فجعله مبتدأ، وقوله ﴿ذَلِكَ﴾ على هذا صفة (١)، أو بدل أو عطف بيان، ومن، قال إن (ذلك (٢» لغو لم يكن على قوله دلالة؛ لأنه يجوز أن يكون علي أحد ما ذكرنا، و﴿خَيْرٌ﴾ خبر اللباس (٣)، ومعنى قولنا: صفة أن ﴿ذَلِكَ﴾ أشير به إلى اللباس كأنه قيل: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى﴾ المشار إليه ﴿خَيْرٌ﴾ [وقولنا: يجوز أن يكون بدلًا أو عطف بيان؛ لأن المعنى: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى﴾ خير] (٤) وكذلك (٥) هو في قراءة عبد الله (٦)، ثم جعل ﴿ذَلِكَ﴾ مترجمًا عنه\n_________\n(١) وأكثرهم على أنه صفة، وهو قول الفراء في \"معانيه\" ١/ ٣٧٥، والطبري في \"تفسيره\" ٨/ ١٥٠، والأزهري في \"معاني القراءات\" ١/ ٤٠٣، وابن خالويه في \"إعراب القراءات\" ١/ ١٧٨، و\"الحجة\" ص ١٥٤. وقال النحاس في \"إعراب القرآن\" ١/ ٦٠٦: (أولى ما قيل في النصب أنه معطوف، و﴿ذَلِكَ﴾ مبتدأ، وأولى ما قيل في الرفع أن ترفعه بالابتداء و﴿ذَلِكَ﴾ نعته) اهـ.\n(٢) نقل قول الواحدي السمين في \"الدر\" ٥/ ٢٨٨، وقال: (قوله: (لغو) هو قريب من القول بالفصل؛ لأن الفصل لا محل له من الإعراب على قول الجمهور) اهـ، والذي قال هو فصل الحوفي كما ذكره أبو حيان في \"البحر\" ٤/ ٢٨٣، والرماني كما ذكره الهمداني في \"الفريد\" ٢/ ٢٨٦.\nوقال ابن هشام في \"الإعراب عن قواعد الإعراب\" ص ١٠٨ - ١٠٩: (وكثير من المتقدمين يسمون الزائد صلة وبعضهم يسميه مؤكدًا وبعضهم يسميه لَغْوا ولكن اجتناب هذه العبارة في التنزيل واجب) اهـ.\n(٣) هذا نص كلام أبي علي في \"الحجة\" ٤/ ١٢ - ١٣، واختيار أبي حيان في \"البحر\" ٤/ ٢٨٣، والسمين في \"الدر\" ٥/ ٢٨٨، أن يكون ﴿وَلِبَاسُ﴾ مبتدأ، و﴿ذَلِكَ﴾ مبتدأ ثان، و﴿خَيْرٌ﴾ خبر الثاني، والجملة خبر الأول، والرابط هنا اسم الإشارة. قال السمين: (وهذا الوجه هو أوجه الأعاريب في هذه الآية الكريمة) اهـ، وانظر: \"وضح البرهان\" للغزنوي ١/ ٣٥٧.\n(٤) ما بين المعقوفين ساقط من (ب). وانظر: \"تفسير ابن عطية\" ٥/ ٤٧٢.\n(٥) في (أ): (ولذلك).\n(٦) قرأ عبد الله بن مسعود وأبى -﵄-: (ولباس التقوى خير). ذكره =","vol":"9","page":79},{"text":"وبيانًا له، وهذا كله معنى قول الزجاج (١) وأبي علي (٢) وابن الأنباري (٣).\nوأما معنى ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى﴾، فقال ابن عباس في رواية عطاء: (يريد. إن ستر عوراتكم بعضكم من بعض من التقوى فلا تطوفوا عراة) (٤) وهو قول ابن زيد (٥) واختيار الزجاج.\n[قال ابن زيد: (هو ستر العورة؛ يتقي الله فيواري عورته)، وقال الزجاج: (أي] (٦) وستر العورة (لباس المتقين) على أن يكون (لباس التقوى) مرفوعًا بإضمار (هو)، المعنى: وهو ﴿لِبَاسُ التَّقْوَى﴾ أي: اللباس الذي أنزل الله تعالى ليواري سوءاتكم هو ﴿لِبَاسُ التَّقْوَى﴾) (٧) وهذا وجه آخر (٨) في رفع اللباس سوى ما ذكرنا، قال أبو بكر: (وعلى هذا، ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى﴾ هو اللباس الأول، وإنما أعاده الله لما أخبر عنه بأنه خير من التعري\n_________\n= الفراء في \"معانيه\" ١/ ٣٧٥، وابن خالويه في \"إعراب القراءات\" ١/ ١٧٨، و\"مختصر الشواذ\" ص ٤٨، وذكرها النحاس في \"معانيه\" ٣/ ٢٤ عن الأعمش.\n(١) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٢٨، وفيه ﴿ذَلِكَ﴾ صفة.\n(٢) \"الحجة\" ٤/ ١٢ - ١٣، وانظر \"الحجة\" لابن زنجلة ص٢٨٠.\n(٣) ذكره السمين في \"الدر\" ٥/ ٢٨٨ - ٢٨٩، ونحوه ذكر مكي في \"الكشف\" ١/ ٤٦١، وانظر: \"الإيضاح\" لابن الأنباري ٢/ ٦٥٢.\n(٤) لم أقف عليه.\n(٥) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ١٥٠، وابن أبي حاتم ٥/ ١٤٥٨ بسند جيد.\n(٦) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).\n(٧) \"معاني القرآن\" ٢/ ٣٢٩.\n(٨) وعليه يكون ﴿وَلِبَاسُ﴾ خبر مبتدأ محذوف أي: هو، وقوله ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ جملة أخرى من مبتدأ وخبر، وقدره النحاس في \"إعراب القرآن\" ١/ ٦٠٦، ومكي في \"المشكل\" ١/ ٢٨٦، وستر العورة لباس المتقين، وانظر: \"البيان\" ١/ ٣٥٨، و\"التبيان\" ١/ ٣٧١، و\"الفريد\" ٢/ ٢٨٦، و\"الدر المصون\" ٥/ ٢٨٨.","vol":"9","page":80},{"text":"إذ كان جماعة من أهل الجاهلية يتعبدون بالتعري وخلع الثياب في الطواف بالبيت، فجرى هذا في التنكير مجرى قول القائل: (قد عرَّفتُك الصدقَ وأبوابَ (١) البر، والصدقُ خير لك من غيره) فيعيد الصدق لإخباره عنه بالخبر المحدد) (٢).\nوقال قتادة (٣) والسدي (٤) وابن جريج (٥) [(﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى﴾: الإيمان).\nوقال ابن عباس في رواية عطية، (٦) (﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى﴾: العمل الصالح) (٧)، وهو قول سعيد بن جبير (٨)، وروى الذيال (٩) بن عمرو\n_________\n(١) في (ب): (واثواب).\n(٢) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ١٦٩، والبغوي ٣/ ٢٢٢، وابن الجوزي ٣/ ١٨٣، وقال القرطبي ٧/ ١٨٥، وأبو حيان في \"البحر\" ٤/ ٢٨٣: (قال ابن زيد: هو ستر العورة، وهذا فيه تكرار؛ لأنه قد قال: ﴿لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ﴾) اهـ.\n(٣) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ١٤٩ بسند جيد، وذكره السيوطي في \"الدر\" ٣/ ١٤١.\n(٤) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ١٤٩ بسند جيد.\n(٥) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ١٤٩ بسند جيد، وذكره الثعلبي في \"الكشف\" ١٨٩ أ، والماوردي في \"تفسيره\" ٢/ ٢١٤، والبغوي ٣/ ٢٢٢، عن قتادة والسدي، وذكره ابن الجوزي ٣/ ١٨٣ عن قتادة والسدي وابن جريج.\n(٦) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).\n(٧) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ١٤٩، وابن أبي حاتم ٥/ ١٤٥٧ بسند ضعيف.\n(٨) لم أقف عليه، وفي \"الوسيط\" للمؤلف ١/ ١٧٠ عن سعيد بن جبير قال: (السمت الحسن)، وجاء في أصل نسخة: (أ) سعيد بن جريج، ثم ضرب عليه وصحح إلى ابن جبير.\n(٩) الذيال بن عمرو، تابعي روى عنه محمد بن موسى، وعبد الله بن داود الواسطي، وذكر ابن الأثير في \"الكامل\" ٤/ ٣٣٩ في حوادث سنة ٧١ هـ الذيال الكلبي، ولم أجد له سوى ما ذكرت. انظر: \"تهذيب الكمال\" ٤/ ٤٦٨، وتعليق الشيخ أحمد شاكر الملحق في \"تفسير الطبري\" ١٢/ ٥٨٩ (٧).","vol":"9","page":81},{"text":"عنه (١) قال: (هو السمت الحسن).\nوقال الكلبي: (﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى﴾: العفاف والتوحيد؛ لأن المؤمن لا تبدو له عورة، وإن كان عاريًا من الثياب، والفاجر لا يزال تبدو (٢) له عورة وإن كان كاسيًا) (٣).\nوقال معبد (٤): (هو الحياء) (٥)، وينشد على هذا (٦):\nإني كأنّي أرَى مَنْ لاَ حَيَاءَ لَهُ ... وَلاَ أَمَانَةَ بين النَّاسِ (٧) عُرْيانا\nقال أبو علي: (معنى الآية وتأويله: لباس التقوى خير لصاحبه إذا أخذ به، وأقرب له إلى الله مما خلق له من اللباس والرياش الذي يتجمل\n_________\n(١) أي عن ابن عباس -﵄- كما هو ظاهر رواية الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ١٤٩، وذكره الثعلبي في \"الكشف\" ص ١٨٩، وابن الجوزي في \"تفسيره\" ٣/ ١٨٣، وابن كثير ٢/ ٣٢٣.\n(٢) في (أ): (يبدوا).\n(٣) في \"تنوير المقباس\" ٢/ ٨٦، قال: (التوحيد والعفة)، وذكر الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ١٧٠، والبغوي في \"تفسيره\" ٣/ ٢٢٢، وابن الجوزي ٣/ ١٨٣ عنه قال: (العفاف).\n(٤) معبد الجهني، يقال: هو معبد بن خالد، أو معبد بن عبد الله، نزيل البصرة، تابعي، صدوق مبتدع، وهو أول من أظهر القدر بالبصرة، وقد نهى جماعة من التابعين عن مجالسته وقالوا عنه: هو ضال مضل، قتل سنة ٨٠ هـ، انظر: \"سير أعلام النبلاء\" ٤/ ١٨٥، و\"البداية والنهاية\" ٩/ ٣٤، و\"تهذيب التهذيب\" ٤/ ١١٥.\n(٥) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ١٤٩، وابن أبي حاتم ٥/ ١٤٥٨ من عدة طرق جيدة، وذكره ابن الأنباري في \"الزاهر\" ١/ ٢٥٠، والسيوطي في \"الدر\" ٣/ ١٤٢.\n(٦) الشاهد لسَوَّار بن مُضَرَّب في \"النوادر\" لأبي زيد ص ٤٥، و\"الحماسة\" لأبي تمام ٢/ ١٣٨، وبلا نسبة في \"غريب القرآن\" ص١٧٧، و\"تفسير السمرقندي\" ١/ ٥٣٦، والثعلبي ص ١٨٩/ أ، وابن الجوزي ٣/ ١٨٣.\n(٧) في المصادر السابقة (وسط الناس) بدل (بين الناس).","vol":"9","page":82},{"text":"به، قال: وأضيف اللباس إلى ﴿التَّقْوَى﴾، كما أضيف إلى الجوع في قوله: ﴿فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ﴾ [النحل: ١١٢] (١) والمعنى: ما ظهر عليهم من السكينة والإخبات (٢) والعمل الصالح، فاستعير لذلك اسم اللباس، وهذا معنى قول ابن عباس: (﴿ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ أي: أزكى عند الله) (٣).\nوقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ﴾، قال الكلبي: (يعني: اللباس والرياش ﴿مِنْ آيَاتِ اللَّهِ﴾) (٤). قال ابن عباس: (يريد: من فرائض الله) (٥)، يعني: إن ستر العورة مما أوجبه الله بآياته (٦).\nوقال غيره: (أي: إنزاله اللباس وخلقه إياه مما يدل على توحيده) (٧).\nوقوله تعالى: ﴿لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾، قال ابن عباس: (يريد: كي (٨) يتعظوا) (٩).\n_________\n(١) \"الحجة\" لأبي علي ٤/ ١٣.\n(٢) هذا نص كلام ابن قتيبة في \"تأويل المشكل\" ص ١٦٥، والأحسن في معنى الآية العموم، فكل ما يحصل به الاتقاء المشروع فهو من لباس التقوى، وهو يصدق على كل ما فيه تقوى الله فيندرج تحته جميع ما ذكر من الأقوال، فهي كلها مثل ومن لباس التقوى، وهذا اختيار الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ١٥١، وابن عطية ٧/ ٣٩ - ٤٠، والقرطبي ٧/ ١٨٥، وأبو حيان ٤/ ٢٨٣.\n(٣) لم أقف عليه.\n(٤) لم أقف عليه.\n(٥) لم أقف عليه، وفي \"تنوير المقباس\" ٢/ ٨٧: (﴿مِنْ آيَاتِ اللَّهِ﴾ من عجائب الله) اهـ.\n(٦) انظر: \"تفسير القرطبي\" ٧/ ١٨٢.\n(٧) ذكر نحوه مقاتل في \"تفسيره\" ٢/ ٣٣، وانظر: \"تفسير الطبري\" ٨/ ١٥١، والسمرقندي ١/ ٥٣٦.\n(٨) في (ب): (كي يتعطفوا) وهو تحريف.\n(٩) \"تنوير المقباس\" ٢/ ٨٧.","vol":"9","page":83},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1150>٢٧ </span>- قوله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ﴾، قال ابن عباس: (يريد: لا يخدعنكم)، وعنه أيضًا: (لا يضلنكم) (١).\nوقوله تعالى: ﴿كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ﴾، المعنى: كما فتن أبويكم، لكنه ذكر معنى فتنة الأبوين وهو إخراجهما من الجنة دون لفظ الفتنة.\nوقوله تعالى: ﴿يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا﴾، أضاف نزع اللباس إلى الشيطان وإن لم يتول ذلك لأنه كان بسبب منه فأسند إليه، كما تقول: أنت فعلت هذا لمن حصل منه ذلك الفعل بسبب وإن لم يباشره، كذلك لما كان نزع لباسهما بوسوسة الشيطان وغروره أُسند إليه (٢).\nوقوله تعالى: ﴿لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا﴾، قال ابن عباس: (يرى آدم سوءة حواء، وترى حواء سوءة آدم) (٣) واللام في ﴿لِيُرِيَهُمَا﴾ لام المصير (٤) كما ذكرنا في قوله: ﴿لِيُبْدِىَ لَهُمَا﴾ [الأعراف:٢٠].\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ﴾ يعني: إبليس ﴿هُوَ وَقَبِيلُهُ﴾ أعاد الكناية ليحسن العطف (٥) كقوله ﴿اُسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ﴾ [البقرة:٣٥] وقد مضت هذه المسألة (٦) في مواضع. وأما القبيل فقال أبو عبيد عن أبي زيد: (القَبِيل (٧)\n_________\n(١) ذكرهما الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ١٧٠.\n(٢) انظر: \"تفسير ابن عطية\" ٥/ ٤٧٦، وابن الجوزي ٣/ ١٨٤.\n(٣) ذكره الرازي في \"تفسيره\" ١٤/ ٥٣، وفي \"تنوير المقباس\" ٢/ ٨٧ نحوه.\n(٤) انظر: \"إعراب النحاس\" ١/ ٦٠٧.\n(٥) ذكر قول الواحدي السمين في \"الدر\" ٥/ ٢٩٢، وقال: (لا حاجة إلى التأكيد في مثل هذه الصورة لصحة العطف إذ الفاصل هنا موجود، وهو كاف في صحة العطف، فليس نظير ﴿اُسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ﴾) اهـ.\n(٦) انظر: \"البسيط\" البقرة: ٣٥.\n(٧) \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٨٧٦، وانظر: \"الجمهرة\" ١/ ٣٧٢، و\"المنجد\" لكراع ص ٣٠٣، و\"الصحاح\" ٥/ ١٧٩٧، و\"المجمل\" ٢/ ٧٤١ (قبل).","vol":"9","page":84},{"text":"الجماعة يكونون من الثلاثة فصاعدًا من قوم شتى، وجمعه: قُبُل، والقبيلة: بنو أب واحد) (١).\nوقال ابن قتيبة: (﴿وَقَبِيلُهُ﴾: أصحابه وجنده) (٢)، وقال الليث: (﴿هُوَ وَقَبِيلُهُ﴾ أي: هو ومن كان من نسله) (٣)، [وكذا قال المفسرون، قال ابن عباس: (هو وولده) (٤)، وقال ابن زيد (٥): (نسله)] (٦)\nوقال قطرب: (جموعه) (٧) وقال المبرد: (أشياعه) (٨).\n_________\n(١) قال ابن فارس في \"مقاييس اللغة\" ٥/ ٥٣، وابن منظور في \"اللسان\" ٦/ ٣٥١٩ (قبل): (وربما كان القبيل من أب واحد كالقبيلة) اهـ. وقال الراغب في \"المفردات\" ص ٦٥٤: (القبيل جمع قبيلة، وهي الجماعة المجتمعة التي يقبل بعضها على بعض) اهـ.\n(٢) \"تفسير غريب القرآن\" ص ١٧٧، ونحوه قال مقاتل في \"تفسيره\" ٢/ ٣٣، والنحاس في \"معانيه\" ٣/ ٢٤، وقال أبو عبيدة في \"مجاز القرآن\" ١/ ٢١٣، والبخاري في \"صحيحه\" ٥/ ١٩٥: (﴿وَقَبِيلُهُ﴾ جيله الذي هو منه) اهـ، ونحوه ذكر السجستاني في \"نزهة القلوب\" ص ٣٦٦.\n(٣) \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٨٧٦، وانظر: \"العين\" ٥/ ١٦٧.\n(٤) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ١٧٠، والبغوي في \"تفسيره\" ٣/ ٢٢٣، و\"الخازن\" ٢/ ٢٢١.\n(٥) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ١٥٣، وابن أبي حاتم ٥/ ١٤٦٠ بسند جيد.\n(٦) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).\n(٧) لم أقف عليه.\n(٨) لم أقف عليه، وقال اليزيدي في \"غريب القرآن\" ص ١٤٥: (﴿وَقَبِيلُهُ﴾ شيعته وأمته) اهـ. وقال الماوردي في \"تفسيره\" ٢/ ٢١٥: (﴿وَقَبِيلُهُ﴾ قومه وهو قول الجمهور) اهـ. والمعاني متقاربة، والأظهر ولده ونسله وجنده.\nانظر: \"تفسير الطبري\" ٨/ ١٥٣، والسمرقندي ١/ ٥٣٦، والبغوي ٣/ ٢٢٣، وابن عطية ٥/ ٤٤١.","vol":"9","page":85},{"text":"وقوله تعالى: ﴿مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ﴾، قال أبو إسحاق: (ما بعد ﴿حَيْثُ﴾ صلة لها، وليست بمضاف إليه) (١).\nقال أبو علي: (هذا غير مستقيم، ولا يجوز أن يكون ما بعد ﴿حَيْثُ﴾ صلة لها، لأنه إذا كان صلة له وجب أن يكون للموصول فيه ذكر كما أن في سائر صلات الموصولة (٢) ذكرًا من الموصول، فخلو هذه الجملة المتصلة بـ (حيث) من ذكر يعود منها إلى (حيث) دلالة على أنها ليست بصلة، وإذا لم تكن صلة كانت إضافة.\nفإن قيل: نقدر العائد في هذا كما نقدر في غيره من الصلات، كما تقول: الذي ضربت زيد تريد ضربته، كذلك تقدر العائد في قولك: رأيتك حيث قام زيد. كأنك قلت: حيث زيد قائمه، أي قائم فيه، وحيث قام عمرو (٣) أي قامه عمرو أي قام فيه، ثم اتسع فحذف الحرف فوصل الفعل، ثم حذف الراجع على هذا الحد، قيل: لو كان هكذا [لكان] (٤) مستعملًا في كلامهم؛ ألا ترى أن جميع الموصولات إذا وقع في صلاتها حذف واتساع فإن ذلك الأصل الذي عنه وقع الحذف والاتساع مطرد في كلامهم [مستعمل] (٥)، فلو كان الأصل في هذا أيضًا ما ذكرته لوجب أن يستعمل الأصل، فتركهم لذلك يدلك على أنه ليس بموصول، على أنا لم نعلم أحدًا قال في (حيث) الذي قاله) (٦).\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" ٢/ ٣٢٩، وانظر: \"إعراب النحاس\" ١/ ٦٠٧، ٦٠٨.\n(٢) في \"الإغفال\" ص ٧٦٥ (الموصولات).\n(٣) في \"الإغفال\" ص ٧٦٧: (حيث زيد قائم، وحيث قام عمرو كأنه قال: حيث زيد قائمه أي: قام فيه، وحيث قامه عمرو أي: قام فيه ...) اهـ.\n(٤) لفظ: (لكان) ساقط من (أ).\n(٥) لفظ. (مستعمل) ساقط من (أ).\n(٦) هذا بعض ما ذكره أبو علي في \"الإغفال\" ص ٧٦٤ - ٧٦٨، وانظر: \"غرائب =","vol":"9","page":86},{"text":"فأما التفسير، فقال ابن عباس في قوله: ﴿مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ﴾: (وذلك أن الله تعالى جعلهم يجرون من بني آدم مجرى الدم، وصدور بني آدم مساكن لهم إلا من عصم الله، كما قال: ﴿الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ﴾ [الناس: ٥] فهم يرون بني آدم، وبنو آدم لا يرونهم) (١).\nوقال مجاهد: (قال إبليس: جُعل لنا أربع: نرى، ولا نُرى، ونخرج من تحت الثرى، ويعود شيخنا فتى) (٢).\n_________\n= الكرماني\" ١/ ٤٠١، وقال السمين في \"الدر\" ٥/ ٢٩٤: (أبو إسحاق لم يعتقد كونها موصولة بمعنى (الذي) لا يقول بذلك أحد، وإنما يزعم أنها ليست مضافة للجملة بعدها فصارت كالصلة لها أي الزيادة، وهو كلام متهافت، فالرد عليه من هذه الحيثية لا من حيثية اعتقاده لكونها موصولة، ويحتمل أن يكون مراده أن الجملة لما كانت من تمام معناها بمعنى أنها مفتقرة إليها كافتقار الموصول لصلته أطلق عليها هذه العبارة، ويدل على ما قلته أن مكيًا ذكر في علة بنائها فقال: (ولأن ما بعدها من تمامها كالصلة والموصول) إلا أنه يرى أنها مضافة لما بعدها) اهـ. وانظر: \"المشكل\" ١/ ٢٨٧، و\"البيان\" ١/ ٣٥٨ - ٣٨٩.\n(١) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ١٧١، وابن الجوزي في \"تفسيره\" ٣/ ١٨٤، وقال الخازن ٢/ ٢٢١، وصديق خان ٤/ ٣٢٦: (حكى الواحدي وابن الجوزي عن ابن عباس أن النبي - ﷺ - قال ذلك) وقد أخرج مسلم في \"صحيحه\" كتاب السلام، باب: بيان أنه يستحب لمن رئى خاليا بامرأة ... إلخ، حديث رقم (٢١٧٥)، عن صفية بنت حُيَيَّ أن النبي - ﷺ -: \"إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم\" اهـ. وقال شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى- في \"الفتاوى\" ١٥/ ٧: (الذي في القرآن أنهم يرون الإنس من حيث لا يراهم الإنس وهذا حق يقتضي أنهم يرون الإنس في حال لا يراهم الإنس فيها، وليس فيه أنهم لا يراهم أحد من الإنس بحال؛ بل قد يراهم الصالحون وغير الصالحين أيضًا لكن لا يرونهم في كل حال) اهـ، وانظر: \"تفسير ابن عطية\" ٥/ ٤٧٧، والقرطبي ٧/ ١٧٦، و\"البحر المحيط\" ٤/ ٢٨٤.\n(٢) ذكره الثعلبي في \"الكشف\" ١٨٩ أ، والرازي في \"تفسيره\" ١٤/ ٥٤، و\"الخازن\" ٢/ ٢٢١، والسيوطي في \"الدر\" ٣/ ١٤٢، وصديق خان في \"تفسيره\" ٤/ ٣٢٦.","vol":"9","page":87},{"text":"وقوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾، قال أبو إسحاق: (معنى هذا على ضربين: أحدهما: أن يكون الكفار عوقبوا بأن سلطت عليهم الشياطين تزيدهم في غيهم (١)؛ كما قال: ﴿أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ الآية [مريم: ٨٣].\nوالثاني: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ أي: سوينا بين الشياطين وبين الكافرين في الذهاب عن الله ﷿) (٢).\nقوله: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً﴾، قال ابن عباس: (يريد: الشرك) (٣).\nوقال مجاهد: (يعني: طوافهم بالبيت عُريا الرجال والنساء) (٤).\nوقال الزجاج: (الفاحشة: ما يشتد قبحه من الذنوب) (٥).\n_________\n(١) في \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٢٩ (تزيدهم في غيهم عقوبة على كفرهم ...).\n(٢) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٢٩ - ٣٣٠. وانظر: \"تفسير الطبري\" ٨/ ١٥٣، والسمرقندي ١/ ٥٣٦، والبغوي ٣/ ٢٢٣، وابن عطية ٥/ ٤٧٧.\nقال الطبري: (يقول: جعلنا الشياطين نُصراء الكفار الذين لا يوحدون الله ولا يصدقون رسله) اهـ.\n(٣) لم أقف عليه عن ابن عباس، وأكثر المفسرين ذكروه عن عطاء والحسن. ومنهم الماوردي ٥/ ٢١٦، والواحدي في \"الوسيط\" ١/ ١٧١، والبغوي ٣/ ٢٢٣، وابن الجوزي ٣/ ١٨٥.\n(٤) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ١٥٤ من عدة طرق جيدة عن مجاهد وسعيد بن جبير والشعبي والسدي، وأخرجه عن ابن زيد ومحمد بن كعب القرظي، وهذا هو قول أكثر المفسرين. انظر: \"تفسير السمرقندي\" ١/ ٥٣٧، والماوردي ٢/ ٢١٦، والقرطبي ٧/ ١٨٧.\n(٥) \"معاني القرآن\" ٢/ ٣٣٠، وهذا هو الظاهر فيدخل في العموم الشرك، وكشف العورة في الطواف، ويحمل ما ذكر على التمثيل. انظر: \"تفسير الطبري\" ٨/ ١٥٤، والبغوي ٣/ ٢٢٣، وابن عطية ٥/ ٤٧٧.","vol":"9","page":88},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1151>٢٩ </span>- قوله تعالى: ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ﴾، قال ابن عباس: (بلا إله إلا الله) (١)، ونحوه قال الضحاك (بالتوحيد) (٢).\nوقال عطاء (٣) والسدي (٤): (بالعدل).\nقال الزجاج: (هذا رد لقولهم: ﴿وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا﴾ في الآية الأولى) (٥).\nوقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾، قال أبو علي الجرجاني: (نسق الأمر على الخبر (٦)، وجاز ذلك لأن قوله ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي﴾ قول؛ لأن الأمر لا يكون إلا كلامًا، والكلام قول فكأنه قال: قل يقول ربي أقسطوا ﴿وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ﴾) (٧) ﴿عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾، أي: وجهوا\n_________\n(١) \"تنوير المقباس\" ٢/ ٨٨، وذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ١٨٩ أ، والواحدي في \"الوسيط\" ١/ ١٧٢، والبغوي ٣/ ٢٢٣، والرازي ١٤/ ٥٧، والقرطبي ٧/ ١٨٨، و\"الخازن\" ٢/ ٢٢٢.\n(٢) ذكره الثعلبي ١٨٩ أ، والواحدي ١/ ١٧٢، والبغوي ٣/ ٢٢٣.\n(٣) ذكره الرازي في \"تفسيره\" ١٤/ ٥٧، وأبو حيان في \"البحر\" ٤/ ٢٨٧.\n(٤) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ١٥٥ بسند جيد عن مجاهد والسدي، وأخرجه ابن أبي حاتم ٥/ ١٤٦٢ بسند ضعيف عن ابن عباس، وقال: (روي عن مجاهد والسدي وقتادة مثل ذلك) وهو قول الطبري والزجاج في \"معانيه\" ٢/ ٣٣٠، والنحاس ٣/ ٢٥، والمعاني متقاربة، فالقسط العدل والحق والاستقامة فيحمل ما ذى على التمثيل. انظر: \"تفسير ابن عطية\" ٥/ ٤٧٨، وابن كثير ٢/ ١٣٣.\n(٥) انظر: \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٣٠، و\"الفتاوى\" ١٥/ ٨ - ٩، و\"بدائع التفسير\" ٢/ ٢٠٣ - ٢٠٤.\n(٦) ذكره السمين في \"الدر\" ٥/ ٢٩٦ - ٢٩٧ عن الجرجاني صاحب النظم، وفيه: (نسق الأمر على الجر) بدل لفظ (الخبر)، والأمر ﴿وَأَقِيمُوا﴾ والجر ﴿بِالْقِسْطِ﴾.\n(٧) في \"الدر المصون\": (أقسطوا وأقيموا) يعني أنه عطف على المعنى) اهـ. واختار أبو حيان في \"البحر\" ٤/ ٢٨٧، والسمين في \"الدر\" ٥/ ٢٩٥ - ٢٩٧، أنه معطوف على الأمر المقدر الذي ينحل إليه المصدر وهو ﴿بِالْقِسْطِ﴾ وذلك أن القسط =","vol":"9","page":89},{"text":"وجوهكم (١) حيث ما كنتم في الصلاة إلى الكعبة، قال (٢) مجاهد (٣) والسدي وابن زيد (٤).\nوقال عطاء عن ابن عباس: (صلوا لله وحده في كل مسجد) (٥)، وبيان هذا القول ما قاله الضحاك، وهو أنه قال: (إذا حضرت الصلاة وأنتم عند مسجد فصلوا فيه، ولا يقولن أحدكم: أصلي في مسجدي) (٦). ونحو هذا قال الفراء؛ يقول (٧): (إذا أدركتك الصلاة وأنت عند مسجد فصل فيه، ولا تقولن: آتي مسجد قومي) (٨).\n_________\n= مصدر فهو ينحل لحرف مصدري وفعل والتقدير: قل أمر ربي بأن أقسطوا وأقيموا. وانظر: \"تفسير الزمخشري\" ٢/ ٧٥، وابن عطية ٥/ ٤٧٨، والرازي ١٤/ ٥٧، و\"التبيان\" ص ٣٧٢، و\"الفريد\" ٢/ ٢٨٨.\n(١) في (ب): (وجهوا لوجوهكم)، وهو تحريف.\n(٢) في (ب): (قال)، وهو تحريف.\n(٣) \"تفسير مجاهد\" ١/ ٢٣٤. وأخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ١٥٥، وابن أبي حاتم ٥/ ١٤٦٢ من عدة طرق جيدة، وذكره السيوطي في \"الدر\" ٣/ ١٤٣.\n(٤) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ١٥٥ من عدة طرق جيدة عن السدي، وابن زيد، وذكره الثعلبي ١٨٩ أ، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٣/ ١٨٥ عن مجاهد والسدي وابن زيد، وهو قول مقاتل في \"تفسيره\" ٢/ ٣٣، والقرطبي ٧/ ١٨٨.\n(٥) ذكره ابن الجوزي في \"تفسيره\" ٣/ ١٨٥، والرازي ١٤/ ٥٨، وأبو حيان في \"البحر\" ٤/ ٢٨٧.\n(٦) ذكره الثعلبي في \"الكشف\" ١٨٩ أ، والبغوي ٣/ ٢٢٣، وابن الجوزي ٣/ ١٨٥، و\"الخازن\" ٢/ ٢٢٢، وأبو حيان في \"البحر\" ٤/ ٢٨٧.\n(٧) هنا وقع اضطراب في ترتيب نسخة: (ب)، فتقدم تفسير بعض الآيات.\n(٨) \"معاني الفراء\" ٢/ ٣٧٦، وهو قول الكلبي كما ذكره السمرقندي في \"تفسيره\" ١/ ٥٣٧، واختاره ابن قتيبة في \"تفسير غريب القرآن\" ص ١٧٧.","vol":"9","page":90},{"text":"وقال أبو إسحاق: (أي (١): وقت كل صلاة اقصدوه بصلاتكم) (٢) ﴿وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ يريد: وحدوه ولا تشركوا به شيئًا (٣).\nوقوله تعالى: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾، قال ابن عباس: (إن الله تعالى بدأ خلق ابن آدم مؤمنًا و(٤) كافرًا، كما قال جل ثناؤه: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ [التغابن: ٢]، ثم يعيدهم يوم القيامة كما بدأ خلقهم مؤمنًا وكافرًا، فيبعث المؤمن مؤمنًا والكافر كافرًا) (٥)، وهذا قول أكثر المفسرين (٦)، واختيار الفراء (٧).\n_________\n(١) في (أ): (أي في وقت).\n(٢) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٣٠، والظاهر أن المعنى: اقصدوا عبادته وحده وتوجهوا إليه في صلاتكم إلى القبلة في أي وقت ومسجد، وهو ظاهر كلام الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ١٥٥، وأخرجه بسند جيد عن الربيع بن أنس، وانظر: \"تفسير ابن عطية\" ٥/ ٤٧٩، وابن كثير ٢/ ٢٣٣، و\"بدائع التفسير\" ٢/ ٢٠٣ - ٢٠٤، و\"فتح البيان\" لصديق خان ٤/ ٣٢٩.\n(٣) قال الزجاج في \"معانيه\" ٢/ ٣٣١: (أي: مخلصين له الطاعة) اهـ. والمعنى: اعبدوه وحده حال كونكم مخلصين العبادة والدعاء له لا لغيره، وهو ظاهر كلام الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ١٥٥، والسمرقندي ١/ ٥٣٧، وصديق خان ٤/ ٣٢٩.\n(٤) لفظ: (الواو) ساقط من (ب).\n(٥) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ١٥٦، وابن أبي حاتم ٥/ ١٤٦٢ بسند جيد.\n(٦) ومنهم مجاهد في \"تفسيره\" ١/ ٢٣٥، وأخرجه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ١/ ٢/ ٢٢٥ - ٢٢٦ بسند جيد عن مجاهد والكلبي، وأخرجه الطبري ٨/ ١٥٦، ١٥٧ من عدة طرق جيدة عن مجاهد وسعيد بن جبير وأبي العالية والسدي وأخرجه بسند ضعيف عن جابر بن عبد الله ﵁، وأخرجه ابن أبي حاتم ٥/ ١٤٦٣ من عدة طرق جيدة عن مجاهد وأبي العالية، وذكره عن أبي رزين وإبراهيم النخعي وسعيد ابن جبير، وهو قول مقاتل في \"تفسيره\" ٢/ ٣٤، وأخرجه الثوري في \"تفسيره\" ص ١١٢ بسند جيد عن مجاهد.\n(٧) \"معاني القرآن\" ١/ ٣٧٦.","vol":"9","page":91},{"text":"قال عطاء: (يريد: من خلقه للجنة يعود في البعث إلى الجنة، ومن خلقه للنار يعود في البعث إلى النار) (١).\nوقال القرظي (٢): (من ابتدأ الله خلقه على (٣) الشقوة، صار إلى ما ابتدأ عليه خلقه، [وإن عمل بأعمال أهل السعادة، ومن ابتدأ خلقه على السعادة صار إلى ما ابتدأ عليه خلقه] (٤)، وإن عمل بأعمال [أهل] (٥) الشقاء؛ كإبليس والسحرة) (٦).\nوقال الفراء: (يقول بدأكم (٧) في الخلق شقيًا وسعيدًا، فكذلك تعودون على الشقاء والسعادة) (٨)، وهذه أقوال معناها واحد.\nوقال الحسن ومجاهد: (كما بدأكم فخلقكم في الدنيا، ولم تكونوا شيئًا، كذلك تعودون يوم القيامة أحياء) (٩)، وهذا المعنى اختيار الزجاج؛ لأنه قال: (ثم احتج عليهم بإنكارهم البعث فقال: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ أي: فليس بعثكم بأشد من ابتدائكم) (١٠).\n_________\n(١) لم أقف عليه.\n(٢) القرظي: هو محمد بن كعب، إمام. تقدمت ترجمته.\n(٣) في (أ): (إلي).\n(٤) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).\n(٥) لفظ: (أهل) ساقط من (أ).\n(٦) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ١٥٧، وابن أبي حاتم ٥/ ١٤٦٣ بسند ضعيف، وذكره السيوطي في \"الدر\" ٣/ ١٤٤.\n(٧) في (ب): (كما بداكم).\n(٨) \"معاني الفراء\" ١/ ٣٧٦.\n(٩) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ١٥٧ بسند جيد عن مجاهد والحسن وقتادة وابن زيد، وأخرجه عن ابن عباس بسند ضعيف، وأخرجه ابن أبي حاتم ٥/ ١٤٦٣ بسند جيد عن السدي، وأخرجه عن ابن عباس بسند ضعيف.\n(١٠) \"معاني القرآن\" ٢/ ٣٣١، وهو اختيار الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ١٥٨، ١٥٩، =","vol":"9","page":92},{"text":"قال ابن الأنباري: (موضع الكاف في ﴿كَمَا﴾ نصب بـ ﴿تَعُودُونَ﴾ وهو على مذهب العرب في تقديم مفعول الفعل (١) عليه أي: تعودون كما ابتدأ خلقكم) (٢).\n_________\n= والزمخشرى في \"الكشاف\" ٢/ ٧٥ - ٧٦، والقرطبي ٧/ ١٨٨ والظاهر الجمع بين القولين، وأن الآية إعلام بالبعث، أي: كما خلقكم يعيدكم بعد الموت على ما سبق لكم في علم الله تعالى من سعادة أو شقاوة، فمن سبق له العلم بأنه سعيد صار إلى السعادة، ومن سبق له العلم بأنه شقي صار إلى الشقاوة، والآيات الدالة على ذلك كثيرّةً جدَّا، ومنها قوله تعالى بعد هذه الآية: ﴿فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ﴾ [الأعراف:٣٠]. وقوله تعالى: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ [الأنبياء: ١٠٤] وغيرها من الآيات التي يحتج الله سبحانه فيها على النشأة الثانية بالأولى، وعلى المعاد بالمبدأ، فجاء باحتجاج في غاية الاختصار والبيان ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾. وأخرج البخاري في \"صحيحه\" رقم (٤٦٢٥) في كتاب التفسير آخر تفسير سورة المائدة، ومسلم رقم (٢٨٦٠) كتاب الجنة ونعيمها، باب: متاع الدنيا وبيان الحشر يوم القيامة. عن ابن عباس -﵄- قال: (خطب رسول الله - ﷺ - فقال: \"يا أيها الناس إنكم محشورون إلى الله حفاة عراة غُرلًا\" ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٤]) اهـ.\nوأخرج مسلم رقم (٢٨٧٨) كتاب الجنة ونعيمها، باب: الأمر بحسن الظن. عن جابر بن عبد الله -﵄- أن النبي -ﷺ- قال: \"يبعث كل عبد على ما مات عليه\" اهـ قال الشنقيطي في \"أضواء البيان\" ٢/ ٢٩٧ - ٢٩٨: (في هذه الآية الكريمة وجهان من التفسير كل واحد منهما حق ويشهد له القرآن) اهـ. ثم حكى نحو ما ذكره الواحدي. وانظر: \"معاني النحاس\" ٣/ ٢٦، و\"تفسير السمرقندي\" ١/ ٥٣٧، والماوردي ٢/ ٢١٧، والبغوي ٣/ ٢٢٣ - ٢٢٤، وابن عطية ٥/ ٤٧٩، وابن الجوزي ٣/ ١٨٥ - ١٨٦، والرازي ١٤/ ٥٨، و\"بدائع التفسير\" ٢/ ٢٠٤ - ٢٠٦، و\"البحر المحيط\" ٤/ ٢٨٨.\n(١) لفظ: (الفعل) ساقط من (أ) وملحق بالهامش.\n(٢) ذكره السمين في \"الدر\" ٥/ ٢٩٧.","vol":"9","page":93},{"text":"وقال أبو علي الفارسي: (قوله: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾، ليس معنى الكلام على الظاهر؛ لأن الظاهر (تعودون كالبدء) (١)، وليس المعنى على تشبيههم بالبدء، إنما المعنى على إعادة الخلق كما ابتدئ فتقدير ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ (كما بدأ خلقكم) أي: يعود خلقكم عودًا كبدئه (٢)، فكما أنه لم يُعْنَ بالبدء ظاهره من غير حذف المضاف إليه، [كذلك لم يعن بالعود من غير حذف المضاف الذي هو الخلق، فلما حذف قام المضاف إليه] (٣) مقام الفاعل [فصار الفاعلون] (٤) مخاطبين، كما أنه لما حذف المضاف من قوله: كما بدأ خلقكم صار المخاطبون مفعولين في اللفظ)، ومثل هذه الآية في المعنى قوله: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ [الأنبياء: ١٠٤] (٥).\n_________\n(١) في (أ): (على البدء). وفي \"الحجة\" لأبي علي ٥/ ٢٦٣: (تعودون كالبدء).\n(٢) في (ب): (عودًا لبدئه). وفي \"الحجة\" ٥/ ٢٦٣: (فتقدير ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ كما بدأ خلقكم يعود خلقكم أي: يعود خلقكم عودًا كبدئه) اهـ.\n(٣) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).\n(٤) ما بين المعقوفين ساقط من (أ).\n(٥) \"الحجة\" لأبي علي ٥/ ٢٦٣ وفيه: (فكما أنه لم يُعْنَ بالبدء ظاهره من غير حذف المضاف إليه منه، كذلك لا يعني بالعود من غير حذف المضاف إليه منه فَحُذِف المضافُ الذي هو الخلق فلما حذف قام المضاف إليه مقام الفاعل وصار الفاعلون مخاطبين كما أنه لما حُذف المضاف من قوله: (كما بدأ خلقكم) صار المخاطبون مفعولين في اللفظ ومثل ذلك في المعنى ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ والخلق هنا اسم الحدث لا الذي يراد به المخلوق) اهـ.\nوذكره السمين في \"الدر\" ٥/ ٢٩٧، وقال: (يعني: أن الأصل كما بدأ خلقكم يعود خلقكم فحذف الخلق في الموضعين فصار المخاطبون في الأول مفعولين بعد أن كانوا مجرورين بالإضافة، وفيِ الثاني صاروا فاعلين بعد أن كانوا مجرورين بالإضافة أيضًا، وقوله ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ﴾ الكاف في محل نصب نعتًا لمصدر محذوف تقديره: تعودون عودًا مثل ما بدأكم، وهذا أليق بلفظ الآية الكريمة) اهـ. وانظر: =","vol":"9","page":94},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1152>٣٠ </span>- قوله تعالى: ﴿فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ﴾، قال أبو بكر: (نصب (١) ﴿فَرِيقًا﴾، ﴿وَفَرِيقًا﴾ على الحال من الضمير الذي في ﴿تَعُودُونَ﴾، يريد: تعودون كما ابتدأ خلقكم مختلفين؛ بعضكم سعداء، وبعضكم أشقياء، فاتصل (فريق) وهو نكرة بالضمير الذي في ﴿تَعُودُونَ﴾، وهو معرفة فانقطع من لفظه، وعطف الثاني عليه، قال: ويجوز أن يكون الأول منصوبًا على الحال من الضمير، والثاني: منصوبًا بـ (حق عليهم الضلالة)؛ لأنه بمعنى: أضلهم كما يقول القائل: عبدًا لله أكرمته وزيدًا أحسنت إليه، فتنصب زيدًا بأحسنت إليه، بمعنى (٢): نفعته.\nوأنشد (٣):\nأثَعْلَبَةَ الفَوَارِسِ أمْ (٤) رِياحًا ... عَدَلْتَ بهم طُهَيَّةَ والخِشَابَا\n_________\n= \"إعراب النحاس\" ١/ ٦٠٨، و\"المشكل\" ١/ ٢٨٧، و\"البيان\" ١/ ٣٥٩، و\"التبيان\" ص ٣٧٢، و\"الفريد\" ٢/ ٢٨٨.\n(١) لفظ: (نصب) غير واضح في (أ).\n(٢) في (ب): (إذا كان بمعنى نفعته).\n(٣) الشاهد لجرير في \"ديوانه\" ص ٥٩، و\"الكتاب\" ١/ ١٠١ - ١٠٢، و\"مجاز القرآن\" ٢/ ١٧٥، و\"الجمهرة\" ١/ ٢٩٠، و\"الصحاح\" ١/ ١٢٠ (خشب)، و\"أمالي ابن الشجري\" ٢/ ٧٩ وبلا نسبة في \"تأويل المشكل\" ص ٥٤٤، و\"الدر المصون\" ٥/ ٣٠٠، (وثعلبة ورياح) بنو يربوع بن حنظلة من تميم قوم جرير، (وعدلت): سويت، (وطهية، والخشاب)، بنو مالك بن حنظلة من تميم وطهية امرأة مالك، والخشاب أولاد مالك من غير طهية.\nانظر: \"نهاية الأرب\" ص ١٨٥ - ٢٤٧، ٢٩٦، والشاهد: ثعلبة الفوارس حيث نصب الاسم الواقع بعد همزة الاستفهام بفعل محذوف دل عليه (عدلت بهم) تقديره أهنت أو أظلمت.\n(٤) في \"الديوان\" وأكثر المراجع: (أو) بدل: (أم). وانظر: \"الخزانة\" ١١/ ٦٩.","vol":"9","page":95},{"text":"فنصب (ثعلبة) بعدلت بهم طهية، لأنه بمعنى: أهنتهم إذ (١) عدلت بهم من دونهم.\nوقال آخر:\nيا ليت ضيفَكُم الزبيرَ وجارَكم ... إيايَ لبَّس حبَله بحبالي (٢)\nفنصب (إياي) بقوله: لبَّس حبله بحبالي؛ إذ كان معناه خالطني وقصدني.\nقال: وفي قراءة أبي (٣) (تعودون فريقين فريقًا [هدى وفريقًا حق] (٤) عليهم الضلالة) (٥).\nقال الفراء: (وقد يكون الفريق الأول منصوبًا بوقوع (هدى) عليه، ويكون الثاني منصوبًا بما وقع على عائد ذكره من الفعل كقوله: ﴿يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾) [الإنسان: ٣١] (٦).\n_________\n(١) في (أ): (إذا عدلت بهم).\n(٢) لم أهتد إلى قائله، وهو في \"الدر المصون\" ٥/ ٣٠٠.\n(٣) ذكرها أكثرهم. انظر: \"معاني الفراء\" ١/ ٣٧٦، و\"إعراب النحاس\" ١/ ٦٠٨، و\"القطع والائتناف\" للنحاس ١/ ٢٥٠، و\"المشكل\" ١/ ٢٨٨، و\"تفسير ابن عطية\" ٥/ ٤٨٠، و\"البيان\" ١/ ٣٥٩، و\"التبيان\" ص ٣٧٣، و\"الفريد\" ٢/ ٢٨٩، والقرطبي ٧/ ١٨٨، و\"البحر\" ٤/ ٢٨٨، ونسب هذه القراءة الكرماني في \"غرائبه\" ١/ ٤٠١ إلى عبد الله بن مسعود -﵁-.\n(٤) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).\n(٥) ذكره السمين في \"الدر\" ٥/ ٣٠٠، وهو في \"الإيضاح\" ٢/ ٦٥٣ - ٦٥٤، و\"زاد المسير\" ٣/ ١٨٦ مختصرًا.\n(٦) \"معاني الفراء\" ١/ ٣٧٦، وقد ذكر هذه الأوجه كل المراجع السابقة وخلاصتها أن (فريقًا) الأول منصوب على أنه مفعول به مقدم لـ (هدى) أو حال من فاعل تعودون، و(فريقًا) الثاني منصوب بتقدير فعل دل عليه ما بعده أي: وأضل فريقا =","vol":"9","page":96},{"text":"فأما التفسير، فقال ابن عباس: (﴿فَرِيقًا﴾ أرشد إلى دينه وهم أولياؤه ﴿وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ﴾ يريد: أضلهم وهم أولياء الشيطان يخذلهم الله فصاروا أولياء لإبليس) (١).\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾، يدل كلام ابن عباس (على أنهم إنما فعلوا ذلك بخذلان الله إياهم).\nوقوله تعالى: ﴿وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾. قال ابن عباس: (يريد: ما سن (٢) لهم عمرو بن لحي) (٣).\nقال أصحابنا: قوله: ﴿حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ﴾ (يعني: بالكلمة الأزلية والإرادة (٤) السابقة).\n_________\n= أو حال من فاعل تعودون، وأكثرهم على أن الأول منصوب بهدى، والثاني بفعل مقدر.\nانظر: \"الكتاب\" ١/ ٨٩، و\"تفسير الطبري\" ٨/ ١٥٩، و\"الدر المصون\" ٥/ ٢٩٩ - ٣٠٠.\n(١) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ١٧٣ - ١٧٤.\n(٢) في النسخ: (ما بين)، ثم صحح في (أ) إلى (ما سن).\n(٣) ذكره الرازي في \"تفسيره\" ١٤/ ٥٩، وقال: (هذا بعيد؛ بل هو محمول على عمومه). وهذا وأمثاله عن السلف -﵃- محمول على التمثيل وأنه داخل في المعنى.\n(٤) انظر: \"تفسير الطبري\" ٨/ ١٥٩، و\"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٣١، و\"زاد المسير\" ٣/ ١٨٦، وقال القرطبي في \"تفسيره\" ٧/ ١٨٨: (في هذه الآية رد واضح على القدرية ومن تابعهم) اهـ.\nوقال ابن القيم كما في \"بدائع التفسير\" ٢/ ٢٠٥ - ٢٠٦: (أخبر الله ﷾ عن القدر الذي هو نظام التوحيد فقال: ﴿فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ﴾ فتضمنت الآية الإيمان بالقدر، والشرع، والمبدأ، والمعاد، والأمر بالعدل، والإخلاص، ثم ختم الآية بذكر حال من لم يصدق هذا الخبر، ولم يطع هذا الأمر بأنه قد والى الشيطان دون ربه، وأنه على ضلال، وهو يحسب أنه على هدى. والله أعلم) اهـ.","vol":"9","page":97},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1153>٣١ </span>- قوله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ الآية، قال ابن عباس: (كانوا يطوفون بالبيت عراة، فأمرهم الله أن يلبسوا ثيابهم ولا يتعروا) (١).\nقال الكلبي (٢): (والزينة ما وارى العورة، ﴿عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ لصلاة أو طواف).\nوقال مجاهد (٣) وعطاء (٤): (ما يستر به عورته ولو عباءة).\n_________\n(١) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ١٥٩، ١٦٠، وابن أبي حاتم ٥/ ١٤٦٤ بسند جيد، وأخرج مسلم في \"صحيحه\" رقم (٣٠٢٨) كتاب التفسير، باب: في قوله: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ﴾، والنسائي في \"سننه\" ٥/ ٢٣٣ - ٣٣٤ كتاب مناسك الحج، وفي \"التفسير\" ١/ ٤٩٦، والطبري ٨/ ١٥٩، ١٦٠، وابن أبي حاتم ٥/ ١٤٦٤، والحاكم وصححه ٢/ ٣١٩ - ٣٢٠، والواحدي في \"الوسيط\" ١/ ١٧٤، وفي \"أسباب النزول\" ص ٢٢٨، ٢٢٩ من عدة طرق عن ابن عباس قال: (كانت المرأة تطوف بالبيت وهي عريانة وتقول:\nالْيَوْمَ يَبْدُو بَعْضُهُ أو كُلُّهُ ... وَمَا بَدَا مِنْهُ فَلاَ أُحِلُّهُ\nفنزلت هذه الآية ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١]، وعند الحاكم، فنزلت هذه الآية: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ﴾ [الأعراف:٣٢]، فلعل الآيتين نزلتا معًا لهذا السبب، والله أعلم. وأخرج الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ١٦٠، وابن أبي حاتم ٥/ ١٤٦٤ من عدة طرق جيدة عن ابن عباس مثله.\n(٢) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ١٧٤، والبغوي ٣/ ٢٢٥، و\"الخازن\" ٣/ ٢٢٣.\n(٣) أخرجه الطبري ٨/ ١٦١، وابن أبي حاتم ٣/ ١٤٣ أبسند جيد.\n(٤) أخرجه الطبري ٨/ ١٦٠، ١٦١ من عدة طرق جيدة عن عطاء وسعيد بن جبير وطاوس وإبراهيم النخعي والزهري وقتادة والضحاك وابن زيد قالوا: (كانوا يطوفون بالبيت عراة فأمروا أن يلبسوا الثياب). وقال الرازي في \"تفسيره\" ١٤/ ٦١: (أجمع المفسرون على أن المراد بالزينة هاهنا لبس الثوب الذي يستر العورة) اهـ. والظاهر حمل الآية على العموم، وهو ما يتجمل ويتزين به عند الصلاة، وستر العورة واجب مأمور به مطلقًا، وهذا ظاهر كلام الجمهور. قال ابن كثير في =","vol":"9","page":98},{"text":"قال الفراء والزجاج (١): (كانت الجاهلية تطوف بالبيت عراة، ويقولون: لا نطوف في ثياب قد أذنبنا فيها، وكانت المرأة تطوف عريانة أيضًا إلا أنها كانت تلبس شيئًا من سيور مقطعة، تسمي ذلك العرب الرهط (٢».\nقال الفراء (وهو شبيه بالحوف (٣) يواريها بعض المواراة، قالت امرأة تطوف وعليها رهط (٤):\nالْيَوَمَ يَبْدُو بَعْضُهُ أو كُلُّهُ ... وَمَا بَدَا مِنْهُ فَلاَ أُحِلُّهُ (٥)\nتعني: الفرج؛ لأن تلك السيور لا تستر سترًا تامًّا).\n_________\n= \"تفسيره\" ٢/ ٢٣٥: (لهذه الآية وما ورد في معناها من السنة يستحب التجمل عند الصلاة ولا سيما الجمعة ويوم العيد والطيب؛ لأنه من الزينة والسواك؛ لأنه من تمام ذلك، ومن أفضل اللباس البياض) ونحوه قال ابن عطية ٧/ ٤٥، وانظر: \"تفسير الطبري\" ٨/ ١٦٠، ١٦١، والسمرقندي ١/ ٥٣٨، و\"أحكام القرآن\" للكيا الهراسي ٣/ ٣٥٩، ٣٦٠، ولابن العربي ٢/ ٧٧٩، والقرطبي ٧/ ١٨٩، و\"البحر المحيط\" ٤/ ٢٩٠.\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ٢/ ٢٢٣، والنص منه.\n(٢) الرَّهْط، بفتح الراء وسكون الهاء: جلد يشق من أسفله أو جلد يشق سيورًا ليمكن المشي فيه يلبسه الصغار والحائض. انظر: \"اللسان\" ٣/ ١٧٥٣ (رهط).\n(٣) الحوف، بفتح الحاء وسكون الواو: هو الرهط السابق. انظر: \"اللسان\" ٢/ ١٠٥٣ (حوف)\n(٤) \"معاني الفراء\" ١/ ٣٧٧.\n(٥) البيت نسبه الفراء إلى العامرية، وهي ضباعة بنت عامر بن قرط العامرية، كما ذكره ابن العربي في \"أحكام القرآن\" ٢/ ٧٧٧، والقرطبي ٧/ ٨٨٩، والذهبي في \"تجريد أسماء الصحابة\" ٢/ ٢٨٤، وابن حجر في \"الإصابة\" ٤/ ٣٥٣ - ٣٥٤، ونسبه ابن حجر في ٤/ ٢٣٢ إلى أسماء بنت مخربة بن جند التميمية.","vol":"9","page":99},{"text":"قال أصحابنا (١). وهذه الآية دليل على وجوب ستر العورة للصلاة والطواف بالبيت، والطواف صلاة، قال رسول الله - ﷺ -: \"الطواف بالبيت صلاة، إلا أن الله أباح فيه الكلام\" (٢).\n_________\n(١) قال الفقهاء: ستر العورة عن العيون واجب بالإجماع، حكاه النووي في \"المجموع\" ٣/ ٣٦٦ وهي شرط لصحة الصلاة عند الجمهور الشافعي وأحمد وأصحاب الرأي. انظر: \"أحكام القرآن\" لابن العربي ٢/ ٧٧٨، و\"المغني\" ٢/ ٢٨٣، و\"روضة الطالبين\" ١/ ٣٨٨، و\"الفتاوى\" ٢٢/ ١٠٩، و\"نيل الأوطار\" ٢/ ٧٣.\n(٢) الحديث أخرجه أحمد في \"المسند\" ٣/ ٤١٤، ٤/ ٦٤، ٥/ ٣٧٧، والنسائي في \"سننه\" في كتاب المناسك، باب: إباحة الكلام في الطواف ٥/ ٢٢٢ عن الحسن ابن مسلم المكي عن طاوس عن رجل أدرك النبي - ﷺ -، وأخرجه الدارمي ٢/ ١١٦٥ (١٨٨٩) في كتاب المناسك: باب: الكلام في الطواف، والترمذي رقم (٩٦٠) كتاب المناسك، باب: الكلام في الطواف، وابن خزيمة ٤/ ٢٢٢ (٢٧٣٩)، والبيهقي ٥/ ٨٥ من عدة طرق عن عطاء بن السائب عن طاوس عن ابن عباس عن النبي - ﷺ -، وأخرجه الحاكم في \"المستدرك\" ٢/ ٢٦٦ - ٢٦٧ من طرق عن عطاء بن السائب، والقاسم بن أبي أيوب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن النبي - ﷺ -.\nقال الحاكم: (حيث صحيح على شرط مسلم) ووافقه الذهبي في \"التلخيص\"، وقد روي الحديث مرفوعًا تارة وموقوفًا أخرى، ورجح جماعة وقفه كالترمذي وغيره، وقد صححه الألباني في الإرواء ١/ ١٥٤ - ١٥٨. واستقصى طرقه، ثم قال: (وبالجملة الحديث مرفوع صحيح، ووروده أحيانًا موقوفًا لا يعله) اهـ.\nوقال شيخ الإسلام في \"الفتاوى\" ٢١/ ٢٧٣ - ٢٧٤، ٢٦/ ١٢٦ - ١٩٣، ٢١١: (لا يشترط للطواف شروط الصلاة، وهذا قول أكثر السلف، وهو مذهب أبي حنيفة، ورواية عن أحمد، وهذا القول هو الصواب، فإن المشترطين ليس معهم حجة إلا قوله - ﷺ -: \"الطواف بالبيت صلاة\" وهذا حديث يروى موقوفًا ومرفوعًا، وأهل المعرفة بالحديث لا يصححونه إلا موقوفًا ويجعلونه من كلام ابن عباس لا يثبتون رفعه، وبكل حال فلا حجة فيه والأدلة الشرعية تدل على خلاف ذلك، والذين أوجبوا الوضوء للطواف ليس معهم حجة أصلًا فإنه لم ينقل أحد عن النبي - ﷺ - لا بإسناد صحيح ولا ضعيف أنه أمر بالوضوء للطواف ..) اهـ. ملخصًا.","vol":"9","page":100},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا﴾، قال أكثر المفسرون: (كان أهل الجاهلية لا يأكلون من الطعام في أيام حجهم إلا قوتًا، ولا يأكلون دسمًا، يعظمون بذلك حجهم، فقال المسلمون: نحن أحق أن نفعل، فأنزل الله تعالى (١): ﴿وَكُلُوا﴾ يعني: اللحم والدسم، ﴿وَاشْرَبُوا﴾) (٢)، وهذا القول اختيار الفراء (٣).\nوقال عطاء عن ابن عباس: (﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ يريد: حلالًا) (٤)، وهذا القول اختيار الزجاج، وبينه فقال: (إنهم ادعوا (٥) أن الله حرم عليهم شيئًا مما في بطون الأنعام، وحرم عليهم البحيرة والسائبة، وأمرهم الله ﷿ أن يأكلوا ما (٦) زعموا أن الله حرمه مما لم يحرمه، وأن يشربوا مما زعموا أن الله حرمه؛ لأن ألبان البحيرة [والسائبة (٧) كانت عندهم حرامًا) (٨)].\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا تُسْرِفُوا﴾ (٩) معناه على القول الأول: لا تسرفوا حتى يبلغ بكم ذلك تحريم ما أحللت (١٠) لكم. أي: لا تسرفوا بحظركم\n_________\n(١) لفظ: (تعالى) ساقط من (ب).\n(٢) انظر: \"تفسير الطبري\" ٨/ ١٦٢، والسمرقندي ١/ ٥٣٨، والماوردي ٢/ ٢١٨، وحكاه الواحدي في \"أسباب النزول\" ص ٢٣٠ عن الكلبي.\n(٣) \"معاني الفراء\" ١/ ٢٧٧.\n(٤) أخرج الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ١٦٢، وابن أبي حاتم ٥/ ١٤٦٥ بسند جيد عن ابن عباس قال: (أحل الله الأكل والشرب ما لم يكن سَرَفًا أو مَخِيلة).\n(٥) في (ب): (إنهم دعو)، وهو تحريف.\n(٦) في (ب): (مما زعموا).\n(٧) ما بين المعقوفين ساقط من أصل (أ)، وملحق بالهامش.\n(٨) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٣٢ - ٣٣٣.\n(٩) الآية ساقطة من أصل (أ) وملحقة بالهامش.\n(١٠) في (أ): (ما أحلت)، وهو تحريف.","vol":"9","page":101},{"text":"على أنفسكم ما قد أحللته لكم، أي: من اللحم والدسم، وهذا معنى قول الفراء (١).\nوقال الزجاج: (الإسراف أن يأكل ما لا يحل أكله مما حرم الله ﷿؛ أن يؤكل منه شيء، أو يأكل ما أحل الله فوق مقدار الحاجة، فأعلم الله أنه لا يحب من أسرف، ومن لم يحببه الله فهو في النار) (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1154>٣٢ </span>- قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ﴾. قال ابن عباس (٣) والمفسرون (٤): (يريد: اللباس يستر به العورة).\nقال أبو إسحاق: (أي: من حرم أن تلبسوا في طوافكم ما يستركم) (٥).\nوقوله تعالى: ﴿وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ أي: الحلالات من الرزق، يعني ما حرموه على أنفسهم من البحائر والسوائب، قاله ابن عباس (٦)، وقتادة (٧).\n_________\n(١) \"معاني الفراء\" ١/ ٣٣٧.\n(٢) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٣٣، وانظر: \"تفسير الطبري\" ٨/ ١٦٢، والسمرقندي ١/ ٥٣٨، والماوردي ٢/ ٢١٨، والآية عامة في أكل وشرب ما أحله الله تعالى ورسوله - ﷺ - ونهى عن السرف مطلقًا ويدخل فيه من حلل حرامًا أو حرم حلال، وهذا قول عامة أهل العلم. انظر: \"تفسير ابن عطية\" ٥/ ٤٨٢، والرازي ١٤/ ٦٢، والقرطبي ٧/ ١٩١ - ١٩٥، وابن كثير ٢/ ٢٣٦.\n(٣) سبق تخريجه.\n(٤) ذكره الرازي في \"تفسيره\" ١٤/ ٦٣، وقال: (المراد بالزينة اللباس الذي تستر به العورة، وهو قول ابن عباس وكثير من المفسرين) اهـ.\n(٥) \"معاني القرآن\" ٢/ ٣٣٣.\n(٦) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ١٨٩ ب، والبغوي ٣/ ٢٢٥، وابن الجوزي ٣/ ١٨٩ عن ابن عباس وقتادة، وذكره الماوردي ٢/ ٢٤ عن الحسن وقتادة.\n(٧) أخرجه الطبري ٨/ ١٦٤، وابن أبي حاتم ٥/ ١٤٦٧ بسند جيد.","vol":"9","page":102},{"text":"وقال الآخرون (١): (يعني: ما كانوا يحرمونه على أنفسهم أيام حجهم من اللحم والدسم)، وهذا كالاختلاف في قوله: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ [الأعراف: ٣١] في الآية الأولى (٢).\nوقوله تعالى: ﴿قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾\nقال الفراء: (نصب ﴿خَالِصَةً﴾ على القطع (٣) وجعلت خبر (هي (٤» في اللام التي في قوله ﴿لِلَّذِينَ﴾ والخالصة ليست بقطع من هذه اللام، ولكنها قطع من لام أخرى مضمرة، والمعنى والله أعلم: ﴿قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ مشتركة وهي لهم في الآخرة ﴿خَالِصَةً﴾ على القطع) (٥).\nقال أبو علي: (قوله: ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [يحتمل أن يكون ظرفًا لـ (هي)، وخبرها قوله: ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ والتقدير: هي في الحياة الدنيا] (٦)\n_________\n(١) أخرجه الطبري ٨/ ١٦٣ من عدة طرق جيدة عن السدي، وابن زيد، وأخرجه ابن أبي حاتم ٥/ ١٤٦٧ من عدة طرق جيدة عن السدي، وسعيد بن جبير. وانظر: \"الدر المنثور\" ٣/ ١٥٠.\n(٢) والآية عامة في كل ما يتزين به من ملبوس أو غيره، وفي الطيبات من المآكل والمشارب التي أباحها الله تعالى ورسوله - ﷺ - وإنكار عام على كل من أحل ما حرم الله أو حرم ما أحل الله، ومنها ما فعله أهل الجاهلية. قال الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ١٦٣: (يقول الله تعالى ذكره لنبيه - ﷺ - قل لهؤلاء من حرم عليكم زينة الله التي خلقها لعباده؛ أن تتزينوا بها وتتجملوا بلباسها والحلال من رزق الله الذي رزقه خلقه لمطاعمهم ومشاربهم، وقد أجمعوا على أن الزينة ما قلنا) اهـ. ملخصًا.\nوانظر: \"تفسير بن عطية\" ٥/ ٤٨٢، ٤٨٣، والقرطبي ٧/ ١٩٥.\n(٣) يعني بالقطع الحال، أفاده السمين في \"الدر\" ٥/ ٣٠٢، وانظر: \"معجم المصطلحات النحوية\" ص ١٨٨.\n(٤) في \"معاني الفراء\" ١/ ٣٧٧: (وجعلت الخبر في اللام التي في الذين ..) اهـ.\n(٥) \"معاني الفراء\" ١/ ٣٧٧.\n(٦) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).","vol":"9","page":103},{"text":"للمؤمنين مقدرًا خلوصها يوم القيامة، ويحتمل أن يكون قوله: ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ متصلًا بالصلة التي هي (١) (آمنوا)، والمعنى ﴿هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ في حياتهم -أي: الذين لم يكفروا فيها- ﴿خَالِصَةً﴾، فموضع (في) على هذا نصب بآمنوا، والعامل في الحال معنى اللام في: ﴿لِلَّذِينَ﴾، والمعنى: هي تثبت وتستقر ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً﴾.\nقال: ويجوز أن يكون قوله: ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ في موضع حال (٢)، وصاحب الحال هو (هي) والعامل في الحال معنى الفعل في ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾، كما بينا، والمعنى: قل: هي تثبت لهم (٣) مستقرة ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [أي: هي ثابتة للذين آمنوا في حال خلوصها يوم القيامة) (٤)] (٥).\nوقرأ نافع (٦): ﴿خَالِصَةً﴾ رفعًا، قال الزجاج: (ورفعها على أنه خبر بعد خبر كما تقول: زيد عاقل لبيب، والمعنى: قل هي ثابتة للمؤمنين ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ (٧).\nقال أبو علي: (قوله: رفعها على أنه خبر بعد خبر جائز حسن، ويجوز\n_________\n(١) في (أ): (التي هي للذين آمنوا في حياتهم، أي: للذين لم يكفروا ..).\n(٢) في (ب): قال: (وصاحب الحال).\n(٣) في (ب): (قل هي يثبت ويستقر للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة).\n(٤) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).\n(٥) هذا ملخص من \"الإغفال\" ص ٧٧١ - ٧٧٢، و\"الحجة\" ٤/ ١٥ - ١٧.\n(٦) قرأ نافع: في ﴿خَالِصَةً﴾ بالرفع، وقرأ الباقون بالنصب. انظر: \"السبعة\" ص ٢٨٠، و\"المبسوط\" ص ١٨٠، و\"التذكرة\" ٢/ ٤١٨، و\"التيسير\" ص ١٠٩، و\"النشر\" ٢/ ٢٦٩.\n(٧) \"معاني القرآن\" ٢/ ٣٣٣.","vol":"9","page":104},{"text":"أيضًا عندي أن لا يكون خبرًا بعد خبر، ولكن تكون ﴿خَالِصَةً﴾ خبر الابتداء كأنه في التقدير: قل هي خالصة للذين آمنوا في الحياة الدنيا، فيكون ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ متعلقًا بخالصة، وفي موضع نصب به، والمعنى: هي تخلص للذين آمنوا يوم القيامة وإن شركهم غيرهم من الكافرين [في الدنيا)] (١).\nقال ابن عباس: (شارك المسلمين المشركون في الطيبات في الحياة الدنيا؛ فأكلوا من طيبات طعامها، ولبسوا من جياد ثيابها، ونكحوا من صالح نسائها، ثم يخلص الله الطيبات في الآخرة للذين آمنوا، وليس للمشركين فيها شيء) (٢)، وهذا قول الحسن والضحاك وابن جريج وابن زيد (٣).\nوقال عطاء في قوله تعالى: ﴿خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾: (يريد: إن الله جعل لهم الجنة خالصة بطاعتهم الله في الدنيا) (٤) ففسر ﴿الطَّيِّبَاتِ﴾ بالجنة لأنها محل الطيبات في الآخرة.\nقال أبو إسحاق: (أعلم الله ﷿ أن الطيبات تخلص للمؤمنين في\n_________\n(١) لفظ: (في الدنيا) ساقط من (أ)، والنص من \"الإغفال\" ص ٧٧١، و\"الحجة\" ٤/ ١٤ - ١٦، وانظر: في \"توجيه القراءات وإعرابها\"، و\"تفسير الطبري\" ٨/ ١٦٥، و\"إعراب النحاس\" ١/ ٦٠٩، و\"معاني القراءات\" ١/ ٤٠٤، و\"إعراب القراءات\" ١/ ١٨٠، و\"الحجة\" لابن خالويه ص ١٥٤، ولابن زنجلة ص ٢٨١، و\"الكشف\" ١/ ٤٦١ - ٤٦٢، و\"المشكل\" ١/ ٢٨٨ - ٢٩٠.\n(٢) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ١٦٤، وابن أبي حاتم ٥/ ١٤٦٨ بسند جيد.\n(٣) أخرج الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ١٦٤، ١٦٥ من عدة طرق جيدة عن الحسن والضحاك وابن جريج وابن زيد وأخرجه ابن أبي حاتم ٥/ ١٤٦٨ عن الحسن والضحاك وقتادة وعكرمة، وأخرجه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ١/ ٢/ ٢٢٨ بسند جيد عن الحسن. وانظر: \"الدر المنثور\" ٣/ ١٥٠.\n(٤) لم أقف على من ذكره.","vol":"9","page":105},{"text":"الآخرة لا يشركهم فيها كافر) (١).\nوقال بعض أصحاب المعاني: (الأولى أن يكون معنى ﴿الطَّيِّبَاتِ﴾ في هذه الآية المستلذ من الرزق) (٢).\nوقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ﴾، يريد: تفسير ما أحللت من حلالي وما حرمت من حرامي، ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾، يريد: علموا أني أنا الله وحدي لا شريك لي (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1155>٣٣ </span>- قال الكلبي: (فلما نزلت هذه الآية لبسوا الثياب، وطافوا بالبيت فيها، فعيرهم المشركون بذلك، فأنزل الله تعالى (٤) قوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾) (٥). قال ابن عباس: (يريد: سر الزنا وعلانيته) (٦).\nوقال مجاهد: (ما ظهر: نكاح الأمهات ... (٧) في الجاهلية. ﴿وَمَا بَطَنَ﴾ الزنا).\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" ٢/ ٣٣٣.\n(٢) انظر: \"معاني النحاس\" ٣/ ٢٧، و\"تفسير السمرقندي\" ١/ ٥٣٨، و\"تفسير الماوردي\" ٢/ ٢١٩، و\"ابن الجوزي\" ٣/ ١٨٩.\n(٣) انظر: \"تفسير الطبري\" ٨/ ١٦٦، والسمرقندي ١/ ٥٣٨، و\"الخازن\" ٢/ ٢٢٤.\n(٤) لفظ: (تعالى) ساقط من (أ).\n(٥) ذكره القرطبي ٧/ ٢٠٠، وأبو حيان في \"البحر\" ٤/ ٢٩٢.\n(٦) تقدم تخريجه.\n(٧) جاء في النسخ كلمة غير واضحة بعد لفظ (الأمهات)، ولعلها (الذوات، أو الدواب). وذكر النحاس في \"معانيه\" ٣/ ٢٥، والقرطبي ٧/ ٢٠٠ عن مجاهد قال: (﴿مَا ظَهَرَ﴾ نكاح الأمهات في الجاهلية، ﴿وَمَا بَطَنَ﴾ الزنا) اهـ، وأخرج الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ١٦٦ عن مجاهد قال: (﴿مَا ظَهَرَ﴾ الجمع بين الأختين وتزويج الرجل امرأة أبيه من بعده، ﴿وَمَا بَطَنَ﴾ الزنا).","vol":"9","page":106},{"text":"وقال القرظي: (﴿مَا ظَهَرَ﴾ طوافهم بالبيت عراة، ﴿وَمَا بَطَنَ﴾ الزنا) (١).\nوقال عكرمة: (﴿مَا ظَهَرَ﴾ الظلم على الناس، ﴿وَمَا بَطَنَ﴾ الزنا والسرقة) (٢).\nوقال مقاتل (٣) والكلبي (٤) نحو قول ابن عباس. وقد مضى الكلام في هذا في سورة الأنعام.\nوقوله تعالى: ﴿وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾. قال بعض أهل المعاني: (إنما ذكر هذه القبائح مع الفواحش وهي داخلة في الفواحش للبيان عن التفصيل؛ كأنه قيل: الفواحش التي منها الإثم، ومنها البغي، ومنها الإشراك بالله) (٥).\nوقال ابن الأنباري: (إنما فصل الإثم لأنه قصد [به] (٦) الأفاعيل المذمومة التي لا يجب على فاعلها الحد، والفواحش يجب على فاعلها إذا أتاها أو أكثرها الحد، فلهذه العلة فصل الإثم. قال: وهذا جواب مأثور عن ابن عباس) (٧).\n_________\n(١) لم أقف عليه، وأخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ١٦٦ بسند ضعيف عن مجاهد، وأخرجه ابن أبي حاتم ٥/ ١٤٧٠ بسند جيد عن الزهري.\n(٢) أخرجه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٥/ ١٤٧١ بسند ضعيف، وذكره السيوطي في \"الدر\" ٣/ ١٥١.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٣٤\n(٤) \"تنوير المقباس\" ٢/ ٩٠.\n(٥) انظر: \"تفسير القرطبي\" ٧/ ٢٠١.\n(٦) لفظ: (به) ساقط من (ب).\n(٧) لم أقف عليه عن ابن الأنباري، وذكر ابن الجوزي في \"تفسيره\" ٣/ ١٩١ عن ابن عباس قال: (الإثم الذنب الذي لا يوجب الحد) اهـ.","vol":"9","page":107},{"text":"وقال عطاء عن ابن عباس: (﴿وَالْإِثْمَ﴾ يريد: الخمر) (١).\nوقال الحسن (٢): (الإثم: الخمر، تصديق ذلك قوله: ﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾) [البقرة: ٢١٩].\nقال أبو بكر: (الإثم لا يكون من أسماء الخمر؛ لأن العرب ما سمته إثمًا قط في الجاهلية ولا إسلام، ولكن قد تكون الخمر داخلة تحت الإثم لقوله: ﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾) [البقرة: ٢١٩] (٣).\nوقال الضحاك: (الإثم: الذنب دون الحد) (٤).\nوقال السدي: (الإثم المعصية) (٥)، ﴿وَالْبَغْيَ﴾ ظلم الناس والاستطالة بغير حق، وهو أن يطلب ما ليس له، كذا قال جميع أهل التفسير (٦).\n_________\n(١) \"تنوير المقباس\" ٢/ ٩٠، وذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ١٧٦، وابن الجوزي في \"تفسيره\" ٣/ ١٩١ عن عطاء فقط، وذكره السمين في \"الدر\" ٥/ ٣٠٦ عن ابن عباس والحسن.\n(٢) ذكره البغوي في \"تفسيره\" ٣/ ٢٢٦، وابن الجوزي ٣/ ١٩١، والقرطبي ٧/ ٢٠٠.\n(٣) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ١٧٦، والسمين في \"الدر\" ٥/ ٣٠٦، وفي \"تهذيب اللغة\" ١/ ١٢٢، قال ابن الأنباري: (ليس الإثم في أسماء الخمر بمعروف، ولم يصح فيه بيت صحيح) اهـ. وقال السمين في \"الدر\" ٥/ ٣٠٦: (الذي قاله الحذاق إن الإثم ليس من أسماء الخمر) اهـ.\n(٤) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ١٧٦، والبغوي ٣/ ٢٢٦، وابن الجوزي ٣/ ١٩١، وهو قول الفراء في \"معانيه\" ١/ ٣٧٨.\n(٥) أخرجه الطبري ٨/ ١٦٦، وابن أبي حاتم ٥/ ١٤٧١ بسند جيد.\n(٦) وهو قول الفراء في \"معانيه\" ١/ ٣٧٨، والطبري ٨/ ١٦٦، والظاهر أن الإثم الذنب والمعصية عام في الأقوال والأفعال التي يترتب عليها الإثم، والبغي: الظلم وتجاوز الحد فيه، وأخرج الإثم والبغي من الفواحش وهما منه لعظمهما وفحشهما فنص على ذكرهما تأكيدًا لأمرهما وقصدًا للزجر عنهما، وذكر الخمر من باب التمثيل لأنه سبب الإثم، بل هي معظمه، فإنها مؤججة للفتن. وقال ابن كثير في =","vol":"9","page":108},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ﴾ (١)، قال الزجاج: (موضع (أن) نصب، المعنى: وحرم الشرك) (٢).\nوقوله تعالى: ﴿مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾، قال مقاتل: (ما لم ينزل [به] (٣) كتابًا فيه حجة لكم بأن معه شريكًا) (٤).\nوقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾، قال عطاء عن ابن عباس: (يريد: قولهم الملائكة بنات الله) (٥).\nوقال مقاتل: (وحرم أن تقولوا (٦) على الله أنه حرم الحرث والأنعام) (٧).\nوقال أهل المعاني: (هذا عام في تحريم القول في الدين من غير يقين) (٨).\n_________\n= \"تفسيره\" ٢/ ٢٣٦: (وحاصل ما فسر به الإثم أنه الخطايا المتعلقة بالفاعل نفسه، والبغي هو التعدي إلى الناس) اهـ.\nوانظر: \"إعراب النحاس\" ١/ ٦٠٩، ٦١٠، و\"تفسير ابن عطية\" ٥/ ٤٨٨، ٤٨٩، والقرطبي ٧/ ٢٠١.\n(١) في (ب): ﴿وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ﴾.\n(٢) \"معاني القرآن\" ٢/ ٣٣٤، وفيه: (المعنى: حرم الله الفواحش تحريم الشرك) اهـ. وانظر: \"إعراب النحاس\" ١/ ٦١٠، و\"المشكل\" ١/ ٢٩٠.\n(٣) لفظ: (به) ساقط من (ب).\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٣٤، وانظر: \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٣٤، و\"تفسير الطبري\" ٨/ ١٦٦، ١٦٧.\n(٥) لم أقف عليه.\n(٦) في (أ): (يقولوا) بالياء.\n(٧) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٣٤، وزاد فيه: (والألبان والثياب).\n(٨) هذا قول الطبري ٨/ ١٦٧، والبغوي ٣/ ٢٢٦، وابن الجوزي ٣/ ١٩٢.","vol":"9","page":109},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1156>٣٤ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ﴾ الآية، معنى الأجل: الوقت [المؤقت] (١) المضروب لانقضاء المهل (٢).\nوفي هذه الآية قولان: أحدهما: أن المراد بهذا أجل العذاب. وهو قول ابن عباس والحسن (٣) ومقاتل.\nقال ابن عباس في رواية عطاء: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ﴾ (يريد: وقتًا فإذا جاء ذلك الوقت لا يؤخر عنهم العذاب، ولا يقدم قبل ذلك) (٤).\nوقال الحسن: (يريد: أجل الهلاك بعذاب الاستئصال).\nوقال مقاتل: (﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ﴾ بالعذاب، ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ﴾ بالعذاب لا يتأخرون ولا يتقدمون حتى يعذبوا. قال: وذلك حين سألوا النبي - ﷺ - العذاب) (٥).\nالقول الثاني: أن المراد بهذا الأجل أجل العمر، فإذا انقطع ذلك الأجل ﴿لَا يَسْتَأْخِرُونَ﴾ بعد الأجل ساعة، وكأن القول الأول أقوى لقوله: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ﴾، ولم يقل: ولكل أحد أجل. وعلى القول الثاني إنما قال: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ﴾، ولم يقل لكل أحد إخبارًا عن تقارب أعمار أهل كل عصر حتى كأن لها أجلًا واحدًا لتقاربها (٦).\n_________\n(١) لفظ: (المؤقت) ساقط من (ب).\n(٢) انظر: \"العين\" ٦/ ١٧٨، و\"الجمهرة\" ٢/ ١٠٤٣، و\"التهذيب\" ١/ ١٢٤، و\"الصحاح\" ٤/ ١٦٢١، و\"المجمل\" ١/ ٨٨، و\"المفردات\" ص ٦٥، و\"اللسان\" ١/ ٣٢ (أجل).\n(٣) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ١٧٧، والرازي ١٤/ ٦٧، عن ابن عباس والحسن ومقاتل، وذكره البغوي ٣/ ٢٢٦، عن ابن عباس وعطاء والحسن.\n(٤) \"تنوير المقباس\" ٢/ ٩١، و\"الفريد\" للهمداني ٢/ ٢٩٣.\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٣٥.\n(٦) انظر: \"تفسير الرازي\" ١٤/ ٦٨، و\"الخازن\" ٢/ ٢٢٥، وفيهما نص كلام الواحدي =","vol":"9","page":110},{"text":"وقوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً﴾. قال الزجاج: (ولا أقل من ساعة، ولكن ذكرت الساعة لأنها أقل أسماء الأوقات) (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾، إن قيل: ما معنى هذا مع استحالة التقدم على الأجل وقت حضوره، وكيف يحسن قوله: ﴿وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ بعد فناء الأجل؟؛ قيل: هذا على المقاربة؛ لأن العرب تقول: جاء الشتاء إذا قارب وقته. وجاء الصيف، ومع مقاربة (٢) الأجل تصور الاستقدام، وإن كان لا يتصور مع الانقضاء، والمعنى: ﴿لَا يَسْتَأْخِرُونَ﴾ عن (٣) آجالهم إذا انقضت، ﴿وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ عليها إذا قاربت الانقضاء، ولفظ قوله: ﴿إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ﴾ محتمل للمعنيين (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1157>٣٥ </span>- قوله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ إلى آخر الآية\n_________\n= بدون نسبة. والقول الأول أظهر. وهو قول الجمهور، والثاني داخل فيه ومعلوم أن لكل إنسان أجلًا لا يتعداه.\nانظر: \"تفسير الطبري\" ٨/ ١٦٧، والسمرقندي ١/ ٥٣٨، والماوردي ٢/ ٢٢٠، وابن عطية ٥/ ٤٩٠، ٤٩١.\n(١) \"معاني القرآن\" ٢/ ٣٣٤، ومثله ذكر النحاس في \"معانيه\" ٣/ ٣٠.\n(٢) لفظ: (مع مقاربة) عليه طمس في (أ).\n(٣) في (ب): (مع).\n(٤) ذكره الرازي في \"تفسيره\" ١٤/ ٦٨، ونقله عن الواحدي السمين في \"الدر\" ٥/ ٣٠٨، وقال: (هذا بناء منه على أنه معطوف على ﴿لَا يَسْتَأْخِرُونَ﴾ وهو ظاهر أقوال المفسرين، وهذا لا يجوز؛ لأن (إذا) إنما يترتب عليها وعلى ما بعدها الأمور المستقبلية لا الماضية، والاستقدام بالنسبة إلى مجيء الأجل متقدم عليه، فكيف يترتب عليه؟ ويصير هذا من باب الإخبار بالضروريات التي لا يجهل أحد معناها، وهو مستأنف معناه الإخبار بأنهم لا يسبقون أجلهم المضروب لهم، بل لا بد من استيفائهم إياه، كما أنهم لا يتأخرون عنه أقل زمان) اهـ. ملخصًا. وانظر: \"البحر المحيط\" ٤/ ٢٩٣.","vol":"9","page":111},{"text":"مفسر ومشروح في سورة البقرة، وهو قوله: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى﴾ الآية [البقرة: ٣٨]، قال عطاء عن ابن عباس في قوله: ﴿يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي﴾: (يريد: فرائضي وأحكامي، ﴿فَمَنِ اتَّقَى﴾ يريد: اتقاني وخافني، ﴿وَأَصْلَحَ﴾ يريد: ما بيني وبينه، ﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ يريد: يوم الفزع الأكبر (١)، واختلف أهل المعاني في أن المؤمنين هل يلحقهم خوف وحزن عند أهوال القيامة، فبعضهم ذهب إلى: أنه لا يلحقهم ذلك لعموم نفيه في هذه الآية، وذهب بعضهم إلى أنه يلحقهم لقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ﴾ الآية [الحج: ٢].\nوأما قوله: ﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾، معناه: أن أمرهم يؤول إلى الأمن والسرور كقول الطبيب للمريض: لا بأس عليه، أي: أن أمره يؤول إلى العافية والسلامة، وإن كان في الوقت في بأس (٢) من علته (٣)، وجواب قوله: ﴿إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ﴾ هو ما دل عليه الكلام؛ كأنه قيل: فأطيعوهم، هذا قول الأخفش (٤).\nوقال الزجاج: (جوابه في الفاء في قوله: ﴿فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ﴾ (٥)،\n_________\n(١) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ١٧٧، والبغوي ٣/ ٢٢٧، وفي \"تنوير المقباس\" ٢/ ٩١ - ٩٢ نحوه، وجاء عند الواحدي والبغوي عنه في قوله: ﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ قال: (إذا خاف الناس، ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ إذا حزنوا) اهـ.\n(٢) في (ب): (فلا بأس عليه)، وهو تحريف.\n(٣) انظر: \"تفسير السمرقندي\" ١/ ٥٣٩، والرازي ١٤/ ٦٩، والقرطبي ٧/ ٢٠٢.\n(٤) \"معاني القرآن\" ٢/ ٢٧٩.\n(٥) \"معاني القرآن\" ٢/ ٣٣٤، وانظر: \"تفسير الطبري\" ٨/ ١٦٨، و\"إعراب النحاس\" ١/ ٦١٠، و\"الكشاف\" ٢/ ٧٧، و\"تفسير ابن عطية\" ٥/ ٤٩٣، و\"الدر المصون\" ٥/ ٣٠٩.","vol":"9","page":112},{"text":"وقد ذكرنا هذا (١) مستقصى في سورة البقرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1158>٣٧ </span>- قوله تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾. [قال الكلبي] (٢): (فمن أكفر ممن اختلق على الله كذبًا باطلًا، فجعل له صاحبة وولدًا) (٣).\nوقال أبو إسحاق: (أيْ: أيُّ ظلم أشنع من الكذب على الله ﷿) (٤). [و] (٥) قال ابن عباس في قوله: ﴿افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ (يريد: جعل لله شريكًا وجعل له ولدًا) (٦).\nوقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ﴾ اختلفوا في معناه؛ فقال الحسن والسدي وأبو صالح: (ينالهم ما كتب لهم من العذاب) (٧)، ومثله روى حبان (٨) عن الكلبي: ﴿نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ﴾ (أي: من العذاب) (٩).\n_________\n(١) انظر: \"البسيط\" سورة البقرة: ٣٨.\n(٢) لفظ: (قال الكلبي) ساقط من (أ).\n(٣) ذكره السمرقندي في \"تفسيره\" ١/ ٥٣٩، وقال بعده: (قال بعضهم هذا التفسير خطأ لأنه لا يصح أن يقال: هذا أكفر من هذا، ولكن معناه، ومن أشد في كفره) اهـ.\n(٤) \"معاني القرآن\" ٢/ ٣٣٤، ومثله ذكر النحاس في \"معانيه\" ٣/ ٣٠، وانظر: \"تفسير الطبري\" ٨/ ١٦٨.\n(٥) لفظ: (الواو) ساقط من (ب).\n(٦) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ١٧٧ بلفظ: (جعل له صاحبة وولدا وشريكًا) اهـ.\n(٧) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ١٦٩ من عدة طرق عن أبي صالح والحسن والسدي، وأخرجه ابن أبي حاتم ٥/ ١٤٧٤ عن أبي صالح.\n(٨) حبان: هو حبان بن علي العنزي الكوفي، فقيه، فاضل، ضعيف. تقدمت ترجمته.\n(٩) \"تنوير المقباس\" ٢/ ٩٢، و\"تفسير هود الهواري\" ٢/ ١٦.","vol":"9","page":113},{"text":"والسدي بيَّن ذلك العذاب ما هو فقال: (سواد الوجوه وزرقة العيون) (١)، فعلى هذا معنى قوله: ﴿يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ﴾ ما قضى الله عليهم في الكتاب من سواد الوجوه، وزرقة العيون (٢)، ويؤكد هذا التأويل قوله: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ﴾ [الزمر: ٦٠].\nوهذا معنى قول ابن عباس في رواية عطية (٣) قال: (ينالهم ما كتب عليهم، [وقد كتب] (٤) لمن (٥) افترى على الله وجهه مسود) (٦) واحتج بالآية، واختار الفراء هذا فقال: (ينالهم ما قضى الله عليهم في الكتاب من سواد الوجوه وزرقة الأعين) (٧).\nوقال الزجاج: (معنى: ﴿نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ﴾ ما أخبر الله -﷿- من جزائهم؛ نحو قوله: ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى﴾ [الليل: ١٤]، وقوله: ﴿يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا﴾ (٨) [الجن: ١٧]، وقوله: ﴿إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ﴾ الآية [غافر: ٧١]، فهذا نصيبهم من الكتاب على قدر ذنوبهم في كفرهم) (٩).\n_________\n(١) لم أقف عليه.\n(٢) في (أ): (سواد الوجه وزرقة العين).\n(٣) في (ب): (عطاء)، وقد أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ١٧٠ بسند ضعيف عن عطية العوفي عن ابن عباس -﵄-.\n(٤) لفظ: (وقد كتب) ساقط من (ب).\n(٥) في (ب): (بأن يفترى).\n(٦) في (ب): (مسوده)، وعند الطبراني ١٢/ ٤١٣: (أنه وجهه مسود) وهو أولى.\n(٧) \"معاني القرآن\" ١/ ٣٧٨، ونحوه ذكر مقاتل في \"تفسيره\" ٢/ ٣٥.\n(٨) في (ب): ﴿نَسْلُكُهُ﴾ بالنون وهي قراءة ابن عامر وابن كثير وأبي عمرو، ونافع وقرأ الباقون ﴿يَسْلُكُهُ﴾ بالياء. انظر: \"السبعة\" ص ٦٥٦، و\"المبسوط\" ص ٣٨٤، و\"التذكرة\" ٢/ ٧٣٧، و\"النشر\" ٢/ ٣٩٢.\n(٩) \"معاني القرآن\" ٢/ ٣٣٤ - ٣٣٥.","vol":"9","page":114},{"text":"وقال عبد الله بن مسلم: (أي: حظهم مما كتب عليهم من العقوبة) (١) فهذا كله قول من جعل ﴿نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ﴾، العذاب، و﴿الْكِتَابِ﴾ على هذا القول الظاهر أنه القرآن؛ لأنه ذكر عذابهم في القرآن في مواضع كما ذكره (٢) أبو إسحاق، ويجوز أن يكون المراد بالكتاب اللوح المحفوظ.\nوقال سعيد بن جبير، ومجاهد (٣) وعطية العوفي ﴿أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ﴾ (٤) (أي: ما سبق لهم من الشقاوة والسعادة، ثم قرأ العوفي: ﴿فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ﴾ [الأعراف: ٣٠]، يعني: أن هؤلاء ممن أدركهم ما كتب لهم من الشقاوة، وإن كان فيهم أحد كتبت له السعادة أدركته، وعلى هذا المعنى دل كلام ابن عباس في رواية عطاء؛ لأنه قال: (يريد: ما سبق عليهم في علمي في اللوح المحفوظ) (٥).\n_________\n(١) \"تفسير غريب القرآن\" ص ١٧٧، وهو قول مكي في \"تفسير المشكل\" ص ٨٤.\n(٢) في (ب): كما ذكر.\n(٣) \"تفسير مجاهد\" ١/ ٢٣٥ - ٢٣٦، وأخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ١٦٩، ١٧٠ من عدة طرق جيدة عن ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وعطية العوفي، وأخرجه ابن أبي حاتم ٥/ ١٤٧٤ من عدة طرق جيدة عن ابن عباس ومجاهد وعطية العوفي، وقال بعده: (وروي عن سعيد بن جبير والحسن نحوه) اهـ.\n(٤) هنا وقع اضطراب في نسخة (ب) فوقع باقي تفسير الآية في ص ١٤٧ب.\n(٥) ذكره ابن القيم كما في \"بدائع التفسير\" ٢/ ٢٠٩، وقريب منه ما أخرجه الطبري ٨/ ١٧٠، ١٧١، وابن أبي حاتم ٥/ ١٤٧٣ بسند جيد عن ابن عباس قال: (نصيبهم من الأعمال) وفي رواية عند الطبري قال: (ينالهم الذي كتب عليهم من الأعمال)، وفي رواية أخرى: (من الخير والشر)، وفي أخرى: (ما وعدوا مثله) والكل متقارب.","vol":"9","page":115},{"text":"وقال الربيع والقرظي وابن زيد (١): (يعني: ما كتب لهم من الأرزاق والأعمال والأعمار، فإذا فنيت وفرغوا منها ﴿جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ﴾) (٢)\nقال بعض أهل المعاني (٣): (وهذا القول هو وجه التأويل لذكر (حتى) على معنى الانتهاء، يعني: أنهم يستوفون أعمارهم وأرزاقهم إلى الموت)، فعلى هذا القول معنى (حتى) الانتهاء والغاية (٤)، وعلى القولين الأولين ليست (حتى) في هذه الآية التي للغاية (٥)، بل هي التي تدخل على الجمل وينصرف بعدها الكلام إلى الابتداء كـ (أما) (٦) و(إذا) ولا تعلق لقوله ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا﴾ بما قبله، بل هذا ابتداء خبر أُخبر عنهم كقوله:\n_________\n(١) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ١٧١ من عدة طرق عن الربيع بن أنس، ومحمد بن كعب القرظي وابن زيد. وأخرجه ابن أبي حاتم ٥/ ١٤٧٣، عن الربيع والقرظي. وانظر: \"الدر المنثور\" ٣/ ١٥٣، ١٥٤.\n(٢) في (أ): (رسلهم).\n(٣) ومنهم الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ١٧٢، وقال ابن كثير في \"تفسيره\" ٢/ ٢٣٧: (وهذا القول قوي في المعنى والسياق يدل عليه) اهـ.\n(٤) يعني أن مجيء الرسل للتوفي كالغاية لحصول ذلك النصيب فينبغي أن يكون حصول ذلك النصيب متقدمًا على حصول الوفاة والمتقدم على حصول الوفاة ليس إلا العمر والرزق، أفاد ذلك الرازي في \"تفسيره\" ١٤/ ٧١.\n(٥) نقل قول الواحدي السمين في \"الدر\" ٥/ ٣١٠ ثم قال: (هذا غير مرضي منه لمخالفته الجمهور؛ إذ الغاية معنى لا يفارقها، وقوله: لا تعلق لها بما قبلها ممنوع على جميع الأقوال التي ذكرها. والظاهر أنها إنما تتعلق بقوله ﴿يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ﴾) اهـ. ملخصًا.\n(٦) قال سيبويه في \"الكتاب\" ٣/ ١٧ - ١٨: (حتى صارت هاهنا بمنزلة إذا، وما أشبهها من حروف الابتداء) اهـ، وانظر: \"حروف المعاني\" للزجاجي ص ٦٤، و\"معاني الحروف\" للرمانى ص ١١٩، ص١٦٤، و\"المغني\" لابن هشام ١/ ١٢٨.","vol":"9","page":116},{"text":"فَيَاعَجَبِي حَتَّى كُلَيْبٌ تَسُبنُّي (١)\nويؤكد القول الأول أن ذكر عظم الظلم يقتضي ذكر الوعيد (٢) بالعذاب.\n_________\n(١) البيت للفرزدق في \"ديوانه\" ١/ ٤١٩، وعجزه:\nكَأنَّ أَبَاهَا نَهْشَلٌ أَوْ مُجَاشِعُ\nوهو في \"الكتاب\" ٣/ ١٨، و\"الأصول\" ١/ ٤٢٥، و\"نزهة الأعين\" لابن الجوزي ص ٢٤٤، و\"المغني\" لابن هشام ١/ ١٢٩ وبلا نسبة في: \"المقتضب\" ٢/ ٣٩، و\"معاني الحروف\" للرماني ص ١٦٥، و\"الموضح في التفسير\" للحدادي ص ٥٦، و\"رصف المباني\" ص ٢٥٧، و\"الدر المصون\" ٥/ ٣١٠.\nوكليب: هو ابن يربوع بن حنظلة بطن من ربيعة من عامر بن صعصعة، وهو رهط جرير. انظر: \"نهاية الأرب\" ص ٣٦٦، ونهشل: بطن من حنظلة من تميم. انظر: \"نهاية الأرب\" ص٣٧٠. ومجاشع: بطن من دارم من تميم، وهو رهط الفرزدق. انظر: \"نهاية الأرب\" ص ٣٨٦، والشاهد: حتى كليب، حيث جاءت (حتى) حرف ابتداء، ودخلت على الجملة الاسمية، وانظر: \"شرح شواهد المغني\" للسيوطي ١/ ١٤، و\"الخزانة\" ٩/ ٤٧٥.\n(٢) والظاهر والله أعلم هو عموم ما كتب عليهم من أجل وعمل ورزق في أم \"الكتاب\"، وهو اختيار ابن القيم كما في \"بدائع التفسير\" ٢/ ٢٠٩ - ٢١٠، فقد ذكر عامة الأقوال التي ذكر الواحدي ثم قال: (والصحيح القول الأول وهو نصيبهم الذي كتب لهم أن ينالوه قبل أن يخلقوا، ونصيبهم يتناول الأمرين، نصيبهم من الشقاوة، ونصيبهم من الأعمال التي هي أسبابها، ونصيبهم من الأعمار التي هي مدة اكتسابها، ونصيبهم من الأرزاق التي استعانوا بها على ذلك، فعمت الآية هذا النصيب كله، وذكر هؤلاء بعضه، وهؤلاء بعضه هذا على القول الصحيح، وأن المراد ما سبق لهم في أم \"الكتاب\"، ولهذا القول وجه حسن وهو أن نصيب المؤمنين من الرحمة والسعادة، ونصيب هؤلاء من العذاب والشقاوة، فنصيب كل فريق منه ما اختاروه لأنفسهم وآثروه على غيره، كما أن حظ المؤمنين منه كان الهدى والرحمة فحظ هؤلاء منه الضلال والخيبة، فكان حظهم من هذه النعمة أن صارت نقمة وحسرة عليهم) اهـ. ملخصًا. =","vol":"9","page":117},{"text":"وقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ﴾. قال سيبويه (١) والخليل: (لا يجوز إمالة حتى، وإلَّا، وأما، وهذه ألفات ألزمت الفتح، لأنها أواخر حروف جاءت لمعنى ففصل بينها (٢) وبين أواخر الأسماء التي فيها الألف نحو حُبْلَى وهدى، إلا أن (حتى) كتبت بالياء لأنها على أربعة أحرف فأشبهت سَكْرى) (٣).\nوقال بعض النحويين: (لم يجز إمالة (حتى) لأنها حرف لا ينصرف والإمالة ضرب من التصرف «٤).\nقال ابن عباس: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ﴾ (يريد: الملائكة يقبضون أرواحهم) (٥)، ﴿قَالُوا أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ سؤال تبكيت وتقريع، ﴿قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا﴾ أي بطلوا وذهبوا، ﴿وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ﴾، اعترفوا عند معاينة الموت وأقروا على أنفسهم بالكفر، قال ابن عباس في هذه الآية: (يريد: أن الموت قيامة\n_________\n= وانظر: \"معاني النحاس\" ٣/ ٣٠، و\"تفسير السمرقندي\" ١/ ٥٣٩، والماوردي ٢/ ٢٢١، والبغوي ٣/ ٢٢٧، وابن عطية ٧/ ٥٤، وابن الجوزي ٣/ ١٩٣، والرازي ١٤/ ٧٠، ٧١، والقرطبي ٧/ ٢٠٣.\n(١) \"الكتاب\" ٤/ ١٣٥، وفيه قال: (ومما لا يميلون ألفه (حتى) و(أمَّا) و(إلَّا) فرقوا بينها وبين ألفات الأسماء نحو حبلى وعطشى. وقال الخليل: لو سميت رجلًا بها وامرأة جازت فيها الإمالة) اهـ. وانظر: \"المقتضب\" ٣/ ٥٢\n(٢) في (ب): (بينهما).\n(٣) هذا نص الزجاج في \"معانيه\" ٢/ ٣٣٥، وانظر: \"إعراب النحاس\" ١/ ٦١١، و\"التكملة\" لأبي علي ص ٥٣٨، و\"الكشف\" لمكي ١/ ١٩٣.\n(٤) ذكر الرازي في \"تفسيره\" ١٤/ ٧١ مثله.\n(٥) \"تنوير المقباس\" ٢/ ٩٢، وذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ١٧٨.","vol":"9","page":118},{"text":"الكافر، والموت راحة المؤمن) (١) هذا قول أهل التفسير، وذهب بعض أهل المعاني: (إلى أن هذا يكون في الآخرة، ومعنى قوله: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا﴾ أي: ملائكة العذاب ﴿يَتَوَفَّوْنَهُمْ﴾ أي: يتوفون عدتهم وفاة الحشر إلى النار، على معنى: يستكملونهم جميعًا لا يغادرون منهم أحدًا).\nوذكر الزجاج هذه الوجه (٢) في أحد قوليه.\nوهذا يحكى عن الحسن (٣) أيضًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1159>٣٨ </span>- قوله تعالى: ﴿قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ﴾ الآية. الله تعالى يقول ذلك، أخبر عن نفسه، كذلك قال أهل التفسير.\nوقال مقاتل: (هو من كلام خازن النار) (٤).\n_________\n(١) ذكره الرازي في \"تفسيره\" ١٤/ ٧١.\n(٢) \"معاني القرآن\" ٢/ ٣٣٥ - ٣٣٦، وقال: (هو أضعف الوجهين) وكذلك ذكر القولين النحاس في \"معانيه\" ٣/ ٣١ - ٣٢.\n(٣) ذكره هود الهواري في \"تفسيره\" ٢/ ١٦، والماوردي ٢/ ٢٢١، وابن الجوزي ٣/ ١٩٤، والرازي ١٤/ ٧١ والأول أظهر وهو ما رجحه جمهور المفسرين، والمعنى يتمتعون في الدنيا بقدر ما كتب لهم حتى إذا جاءهم ملك الموت وأعوانه يتوفونهم عند الموت أقروا على أنفسهم بالكفر، وانظر: \"تفسير الطبري\" ٨/ ١٧٢، والسمرقندي ١/ ٥٣٩، والبغوي ٣/ ٢٢٧، وابن عطية ٥/ ٤٩٦.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٣٦، وهو قول السمرقندي في \"تفسيره\" ١/ ٥٣٩، وابن عطية ٥/ ٤٩٧، وقال ابن الجوزي ٣/ ١٩٤: (إن الله تعالى يقول لهم ذلك بواسطة الملائكة لأن الله تعالى لا يكلم الكفار يوم القيامة) والأول أظهر وهو اختيار جمهور المفسرين.\nانظر: \"تفسير الطبري\" ٨/ ١٧٣، والبغوي ٣/ ٢٢٨، والزمخشري ٢/ ٧٨، والقرطبي ٧/ ٢٠٤، و\"البحر\" ٤/ ٢٩٥.","vol":"9","page":119},{"text":"وقوله تعالى: ﴿فِي أُمَمٍ﴾، قال عطاء: (يريد في النار مع أمم) (١) وعلى هذا في الآية تقديم وتأخير ومجاز (٢) لأن التقدير: ادخلوا في النار مع أمم قد خلت من قبلكم واستعمال (في) بمعنى (مع) (٣) مجاوز (٤)، ويمكن أن يقال: قوله: ﴿فِي أُمَمٍ﴾ من صلة ﴿ادْخُلُوا﴾، وقوله (٥) ﴿فِي النَّارِ﴾ من تمام (٦) صفة الأمم، يقول: ادخلوا في أمم في النار، فلا يكون في الآية تقديم ولا تأخير ولا مجاز (٧).\nوقوله تعالى: ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ﴾ يعني النار ﴿لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ [قال الفراء: (يعني: التي سبقتها إلى النار، وهي أختها] (٨) في دينها لا في النسب) (٩).\n_________\n(١) لم أقف عليه، وهو قول ابن قتيبة في \"تفسير الغريب\" ص ١٧٧، ومكي في \"تفسير المشكل\" ص ٨٦، وقال النحاس في \"معانيه\" ٣/ ٣٢: (قيل معنى (في) معنى (مع) وهذا لا يمتنع؛ لأن قولك: زيد في القوم معناه مع القوم، ويجوز أن تكون (في) على بابها) اهـ.\n(٢) لفظ: (ومجاز) ساقط من (أ).\n(٣) لفظ: (مع) ساقط من (ب).\n(٤) مجاوز أي -جائز- وانظر: \"حروف المعاني\" للزجاجي ص ٨٣، و\"رصف المباني\" ص ٤٥٣، و\"مغني اللبيب\" ١/ ٤٦٨، وقال الرماني في \"معاني الحروف\" ص ٩٦: (زعم الكوفيون أنها تكون بمعنى (مع) والبصريون يقولون (في) على بابها) وقال شيخ الإِسلام في \"الفتاوى\" ١٣/ ٣٤٨: (والعرب تضمن الفعل معنى الفعل وتعديه تعديته ومن هنا غلط من جعل بعض الحروف تقوم مقام بعض والتحقيق ما قاله نحاة البصرة من التضمين) اهـ.\n(٥) في (ب): (فقوله).\n(٦) في (ب): (مع تمام).\n(٧) وهذا هو الظاهر، واختيار الجمهور. انظر: \"تفسير الطبري\" ٨/ ١٧٣، و\"الكشاف\" ٢/ ٧٨، وابن عطية ٥/ ٤٩٧، ٤٩٨، و\"البحر\" ٤/ ٢٩٥، و\"الدر المصون\" ٥/ ٣١٢.\n(٨) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).\n(٩) \"معاني القرآن\" ١/ ٣٧٨.","vol":"9","page":120},{"text":"قال ابن عباس: (يريد: يلعنون من كان قبلهم) (١).\nوقال الزجاج: ﴿لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾؛ (لأنهم ضل بعضهم باتباع بعض) (٢).\nقال مقاتل: (كلما دخل أهل ملة النار لعنوا أهل ملتهم، يلعن المشركون المشركين، ويلعن اليهود اليهود، وكذلك النصارى، والمجوس، والصابئون، ويلعن الأتباع القادة، يقولون: لعنكم الله، أنتم غررتمونا حتى أطعناكم) (٣).\nوقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا﴾؛ ﴿ادَّارَكُوا﴾ أي: تداركوا، والكلام فيه كالكلام في قوله: ﴿فَادَّارَأْتُمْ﴾ (٤) [البقرة: ٧٢]، وقد مر (٥)، ومعنى تداركوا: تتابعوا (٦)، وتلاحقوا، قال ابن عباس: (توافوا فيها جميعًا) (٧).\nقال الزجاج: (وهو (٨) منصوب على الحال أي: مجتمعين).\n_________\n(١) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ١٧٩، وابن الجوزي ٣/ ١٩٤.\n(٢) \"معاني القرآن\" ٢/ ٣٣٦.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٣٦، وأخرجه الطبري ٨/ ١٧٣، وابن أبي حاتم ٥/ ١٤٧٥ بسند جيد عن السدي.\n(٤) جاء في النسخ: (ادارأتم)، وهو تحريف.\n(٥) انظر: \"البسيط\" البقرة: ٧٢.\n(٦) (اداركوا) أصله (تداركوا) فأدغمت التاء في الدال واجتلبت الألف ليسلم السكون، وتدارك القوم أي: تلاحقوا وتتابعوا ولحق آخرهم أولهم. انظر: \"العين\" ٥٦/ ٣٢٧، و\"الجمهرة\" ٢/ ٦٣٦، و\"تهذيب اللغة\" ٢/ ١١٧٨، و\"الصحاح\" ٤/ ١٥٨٢، و\"المجمل\" ٢/ ٣٢٢، و\"المفردات\" ص ٣١١، و\"اللسان\" ٣/ ١٣٦٣، (درك).\n(٧) \"تنوير المقباس\" ٢/ ٩٣، وفيه: (اجتمعوا في النار) اهـ.\n(٨) يعني قوله: ﴿جَمِيعًا﴾ انظر: \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٣٦، و\"إعراب النحاس\" ١/ ٦١١، و\"المشكل\" لمكي ١/ ٢٩٠.","vol":"9","page":121},{"text":"وقوله تعالى: ﴿قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ﴾، يعني بالأخرى: آخر الأمم، وبالأولى: أول الأمم، وبيانه ما قاله السدي: (﴿أُخْرَاهُمْ﴾ يعني: الذين كانوا في آخر الزمان، ﴿لِأُولَاهُمْ﴾ يعني: الذين شرعوا لهم ذلك الدين) (١). وقال مقاتل: (﴿أُخْرَاهُمْ﴾ يعني: آخرهم دخولًا النار وهم الأتباع ﴿لِأُولَاهُمْ﴾ دخولًا وهم القادة) (٢). وتأويل هذا راجع إلى معنى القول الأول؛ لأن (٣) آخرهم دخولًا النار هم الأتباع، والأولى هم القادة، فالمعنى على القولين جميعًا: قالت الأتباع للقادة: ﴿رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا﴾ (٤).\nقال ابن عباس: (لأنهم شرعوا لنا أن نتخذ من دونك إلها، ﴿فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ﴾، قال: يريد أضعف عليهم العذاب بأشد مما تعذبنا به) (٥).\nوأما معنى الضعف فقال أبو عبيدة: (هو مثل الشيء مرة واحدة) (٦).\n_________\n(١) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ١٧٤، وابن أبي حاتم ٥/ ١٤٧٥ بسند جيد.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٣٦.\n(٣) في (ب): (إلا أن)، وهو تحريف.\n(٤) انظر: \"تفسير الطبري\" ٨/ ١٧٣، و\"معني الزجاج\" ٢/ ٣٣٦، و\"النحاس\" ٣/ ٣٣، و\"تفسير السمرقندي\" ١/ ٥٤٠، والماوردي ٢/ ٢٢٢.\n(٥) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ١٧٩، وابن الجوزي في \"تفسيره\" ٣/ ١٩٥.\n(٦) في \"مجاز القرآن\" ١/ ٢١٤: (أي: عذابين مضعف فصار شيئين)، وفي \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢١١٨، عن أبي عبيدة قال: (معناه يجعل الواحد ثلاثة) اهـ. وضعف الشيء -بالكسر- مثله، ويقال مثلاه، وضعفاه مثلاه، وأضعافه أمثاله، وقال الخليل في \"العين\" ١/ ٢٨٢: (التضعيف أن يزاد على أصل الشيء فيجعل مثلين أو أكثر) اهـ.\nوانظر: \"الجمهرة\" ٢/ ٩٠٣، و\"الصحاح\" ٤/ ١٣٩٠، و\"المجمل\" ٢/ ٥٦٢، و\"المفردات\" ص ٥٠٨، و\"اللسان\" ٥/ ٢٥٨٨ (ضعف).","vol":"9","page":122},{"text":"قال الأزهري: (الذي قاله أبو عبيدة هو ما يستعمله الناس في مجاز كلامهم. وقد قال الشافعي -﵀- ما يقارب هذا في رجل أوصى فقال: (أعطوا فلانًا ضعف ما يصيب ولدي، قال: يعطي مثله مرتين) (١).\nقال الأزهري: والوصايا يستعمل فيها العرف وما يسبق إلى الأفهام، فأما كتاب الله فهو عربي مبين، ويرد تفسيره إلى موضوع كلام العرب الذي هو صيغة ألسنتها، والضعف في كلام العرب المثل إلى ما زاد، وليس بمقصور على مثلين، وجائز في كلام العرب أن تقول: هذا ضعفه (٢) أي: مثلاه وثلاثة أمثاله؛ لأن الضعف في الأصل زيادة غير محصورة، ألا ترى قول الله (٣) ﷿: ﴿فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا﴾ [سبأ: ٣٧]، ولم يرد مثلًا ولا مثلين، وأولى الأشياء به أن يجعل عشرة أمثاله؛ لقوله تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠]، فأقل الضعف محصور وهو المثل، وأكثره غير محصور) (٤).\nونحو هذا قال الزجاج في هذه الآية: ﴿فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا﴾ (أي: عذابًا مضاعفًا؛ لأن الضعف في كلام العرب على ضربين أحدهما: المثل، والآخر: أن يكون في معنى تضعيف الشيء (٥)، أي: زيادته (٦) إلى ما لا يتناهى).\n_________\n(١) انظر: \"المجموع\" ١٥/ ٤٨٠ - ٤٨٢، و\"روضة الطالبين\" ٥/ ١٩٥ وفيهما: (الضعف عند الشافعية هو الشيء ومثله، فإذا أوصى بضعف نصيب ابنه وله ابن واحد، فهي وصية بالثلثين) اهـ. وانظر: \"تفسير الرازي\" ١٤/ ٧٤.\n(٢) في \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢١١٨ (ضعفاه).\n(٣) في (ب): (قول الله تعالى).\n(٤) انظر: \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢١١٨.\n(٥) \"معاني القرآن\" للزجاج ٢/ ٣٧٧، وقوله: (أي زيادته ..) غير موجود فيه.\n(٦) في (ب): (أي زيادة).","vol":"9","page":123},{"text":"فأما اللام في قوله: ﴿لِأُولَاهُمْ﴾، فقال الزجاج: المعنى: (قالت أخراهم: يا ربنا هؤلاء أضلونا، لأولاهم أي تعني أولاهم) (١) فعلى هذا ليست اللام من صلة القول؛ لأنهم قالوا لله تعالى: ﴿رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا﴾، ولم يقولوا لأولاهم شيئًا، ولكن اللام لإبانة (٢) أنهم عنوا بقولهم: ﴿هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا﴾ أولاهم وهم القادة، فاللام هاهنا لام (أجل) أي لأجلهم ولإضلالهم إياهم قالوا: ﴿رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا﴾، فقال الله تعالى: ﴿لِكُلٍّ ضِعْفٌ﴾، قال ابن عباس: (يريد: لأولاكم ضعف ولأخراكم عذاب مضعف) (٣).\nقال الزجاج: (أي: للتابع والمتبوع لأنهم قد دخلوا في الكفر جميعًا أي: لكل عذاب مضاعف.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ﴾، أي: ولكن لا تعلمون أيها المخاطبون ما لكل فريق منكم من العذاب، ويجوز: ولكن لا تعلمون يا أهل الدنيا ما مقدار ذلك) (٤).\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" ٢/ ٣٣٦، وعليه اللام للتعليل أي لأجل ولا تكون للتبليغ؛ لأن خطابهم مع الله لا معهم. انظر: \"الكشاف\" ٢/ ٧٨، و\"الدر المصون\" ٥/ ٣١٥.\n(٢) في (أ): (ولكن اللام بإنه أنهم عنوا).\n(٣) في (أ): عذاب ضعف. والأئر لم أقف عليه، وفي \"تنوير المقباس\" ٢/ ٩٤، قال: (لكل واحد منهم ضعف) أهـ.\nوقال الماوردي في \"تفسيره\" ٢/ ٢٢٢: (أي: فلكم أيها الأتباع ضعف العذاب وهذا قول الجمهور وإن ضعف الشيء زيادة مثله) اهـ. وانظر: \"بدائع التفسير\" ٢/ ٢١١.\n(٤) هذا كله قول الزجاج \"معانيه\" ٢/ ٣٧٧، وانظر: \"تفسير الطبري\" ٨/ ١٧٤، و\"معاني النحاس\" ٢/ ٣٣، و\"تفسير السمرقندي\" ١/ ٥٤٠.","vol":"9","page":124},{"text":"ومن قرأ (١) بالياء فمعناه: ولكن لا يعلم كل فريق مقدار عذاب الفريق الآخر (٢)، فيحمل الكلام على (كل)؛ لأنه وإن كان للمخاطبين فهو اسم ظاهر موضوع للغيبة فحمل على اللفظ دون المعنى (٣).\nقوله تعالى: ﴿فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ﴾، قال الضحاك: (لأنكم كفرتم كما كفرنا، فنحن وأنتم في الكفر شرع سواء، وفي العذاب أيضًا) (٤).\nوقال أبو مِجْلَز (٥): (فما لكم علينا من فضل في ترك الضلال) (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1160>٤٠ </span>- قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾.\nقال أبو إسحاق: (أي: كذبوا بحججنا (٧) وأعلامنا التي تدل على نبوة الأنبياء وتوحيد الله ﷿) (٨).\n_________\n(١) قرأ عاصم في رواية أبي بكر: ﴿وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ بالياء على الغيبة، وقرأ الباقون بالتاء على الخطاب انظر: \"السبعة\" ص٢٨٠، و\"المبسوط\" ص ١٨٠، و\"التذكرة\" ٢/ ٤١٨، و\"التيسير\" ص ١١٠، و\"النشر\" ٢/ ٢٦٩.\n(٢) هذا قول الزجاج في \"معانيه\" ٢/ ٣٣٧، والنحاس في \"معانيه\" ٣/ ٣٣.\n(٣) هذا قول أبي علي في \"الحجة\" ٤/ ١٧، وانظر: \"معاني القراءات\" ١/ ٤٠٥، و\"الحجة\" لابن زنجلة ص ٢٨١، و\"الكشف\" ١/ ٤٦٢.\n(٤) ذكره بدون نسبة السمرقندي في \"تفسيره\" ١/ ٥٤٠، و\"الثعلبي\" ١٩٠ أ، والبغوي ٣/ ٢٢٨.\n(٥) أبو مجلز: لاحق بن حميد بن سعيد السدوسي البصري، إمام، تابعي، ثقة.\n(٦) أخرجه الطبري ٨/ ١٧٥، وابن أبي حاتم ٥/ ١٤٧٦ بسند جيد بلفظ: (يقول: فما فضلكم علينا، وقد بين لكم ما صنع بنا وحذرتم؟) اهـ. وذكره السيوطي في \"الدر\" ٣/ ١٥٤.\n(٧) في (أ): (بحجتنا).\n(٨) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٣٧، وانظر: \"تفسير الطبري\" ٨/ ١٧٥، والسمرقندي ١/ ٥٤٠.","vol":"9","page":125},{"text":"﴿وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا﴾، معنى الاستكبار (١): طلب الترفع بالباطل، وصفة مستكبر صفة ذم في جميع العباد، ومعنى ﴿وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا﴾ ترفعوا (٢) عن الإيمان بها والانقياد لأحكامها.\nوقوله تعالى: ﴿لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ﴾ قرأ (٣) أكثر القراء ﴿تُفَتَّحُ﴾ بالتاء والتشديد، ووجهها قوله ﴿مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ﴾ [ص: ٥٠] فقياس ﴿مُفَتَّحَةً﴾ تُفَتَّح، وقرأ أبو عمرو ﴿تُفَتَّحُ﴾ خفيفة، وحجته قوله: ﴿فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٤٤] ﴿فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ﴾ [القمر: ١١]، [وقرأ حمزة والكسائي ﴿يُفَتَّحُ﴾ بالياء خفيفة، لتقدم الفعل.\nومعنى: ﴿لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ﴾] (٤) لا تصعد أعمالهم إليها (٥).\n_________\n(١) الكبر -بكسر الكاف وسكون الباء- والتكبر والاستكبار تتقارب: وهو العظمة والإعجاب بالنفس وأعظمه الامتناع عن قبول الحق معاندة وبطرًا.\nانظر: \"العين\" ٥/ ٣٦١، و\"الجمهرة\" ١/ ٣٢٧، و\"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٠٩١، و\"الصحاح\" ٢/ ٨٠١، و\"المجمل\" ٣/ ٧٧٦، و\"المفردات\" ص ٦٩٦، و\"اللسان\" ٦/ ٣٨٠٨ (كبر).\n(٢) في (ب): (وقفوا).\n(٣) قرأ أبو عمرو: ﴿تُفَتَّحُ﴾ بالتاء مع إسكان الفاء وتخفيف التاء الثانية، وقرأ حمزة والكسائي مثلها إلا أنه بالياء: ﴿يُفَتَّحُ﴾، وقرأ الباقون: ﴿تُفَتَّحُ﴾ بالتاء مع فتح الفاء وتشديد التاء الثانية. انظر: \"السبعة\" ص ٢٨٠، و\"المبسوط\" ص ١٨٠، و\"التذكرة\" ٢/ ٤١٨ - ٤١٩، و\"التيسير\" ص ١١٠، و\"النشر\" ٢/ ٢٦٩.\n(٤) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).\n(٥) ما تقدم هو قول أبي علي في \"الحجة\" ٤/ ١٨ - ١٩، وانظر: \"معاني القراءات\" ١/ ٤٠٥، و\"إعراب القراءات\" ١/ ١٨٠، و\"الحجة\" لابن زنجلة ص ٢٨٢، و\"الكشف\" ١/ ٤٦٢.","vol":"9","page":126},{"text":"قال ابن عباس: (يريد: لا تفتح لأعمالهم ولا لدعائهم ولا لشيء مما يريدون به الله) (١)، وهذا قول أكثر المفسرين (٢).\nوقال السدي (٣) وغيره (٤): (لا تفتح لأرواحهم أبواب السماء، وتفتح لأرواح المؤمنين).\nيدل على صحة هذا التأويل ما روي في حديث طويل: \"أن روح المؤمن يعرج بها إلى السماء فيستفتح لها فيقال: مرحبًا بالنفس الطيبة التي كانت في الجسد الطيب، فيقال لها ذلك حتى تنتهي إلى السماء السابعة، ويستفتح لروح الكافر فيقال لها: ارجعي ذميمة فإنه لا يفتح لك أبواب السماء\" (٥).\n_________\n(١) أخرجه سفيان الثوري في \"تفسيره\" ص ١١٢، والطبري ٨/ ١٧٦، وابن أبي حاتم ٥/ ١٤٧٧ من عدة طرق جيدة\n(٢) ومنهم الفراء في \"معانيه\" ١/ ٣٧٩، وأخرجه الطبري ٨/ ١٧٦، من طرق عن مجاهد وإبراهيم النخعي وسعيد بن جبير.\n(٣) أخرجه الطبري ٨/ ١٧٥، وابن أبي حاتم ٥/ ١٤٧٦ بسند جيد.\n(٤) أخرجه الطبري ٨/ ١٧٥، ١٧٦، وابن أبي حاتم ٥/ ١٤٧٦ بسند ضعيف عن الضحاك عن ابن عباس.\n(٥) أخرجه ابن ماجه في \"سننه\" رقم (٤٢٦٢) كتاب الزهد، باب: ذكر الموت والاستعداد له، بسند جيد عن أبي هريرة، وأخرج أبو داود الطيالسي في \"مسنده\" ص ١٠٢ - ١٠٣، وعبد الرزاق في \"المصنف\" ٣/ ٥٨٠، وأحمد في \"المسند\" ٤/ ٢٨٧ - ٢٨٨، وأبو داود رقم (٤٧٥٣) كتاب السنة، باب: في المساءلة في القبر، والطبري ٨/ ١٧٧، والحاكم في \"المستدرك\" ١/ ٣٧ - ٤٠، من عدة طرق عن البراء بن عازب -﵁- مطولًا نحوه، وقال الحاكم: (هذا حديث صحيح على شرط الشيخين) أهـ. وله شواهد وطرق أخرى ذكرها السيوطي في \"الدر\" ٣/ ١٥٥، وانظر: مرويات الإِمام أحمد في \"التفسير\" ٢/ ١٠٦ - ١٠٧ و١٧٥ - ١٧٨، وص ٤٣٤ - ٤٣٥.","vol":"9","page":127},{"text":"وأجمل الزجاج كل هذا فقال: (أي: لا تصعد أرواحهم ولا أعمالهم إلى السماء؛ لأن أعمال المؤمنين وأرواحهم تصعد إلى السماء) (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾؛ الولوج معناه: الدخول، والإيلاج: الإدخال (٢)، وسئل ابن مسعود عن الجمل فقال: (الجمل: زوج الناقة) (٣).\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" ٢/ ٣٣٧، وهذا القول هو الظاهر واختيار جمهور المفسرين ومنهم الطبري ٨/ ١٧٦، وابن عطية ٥/ ٥٠٢، وابن كثير ٢/ ٢٣٨، ولا مانع من حمل الآية على ما يعم الأرواح والدعاء والأعمال ولا ينافيه ورود ما ورد من أنها لا تفتح أبواب السماء لواحد من هذه فإن ذلك لا يدل على فتحها لغيره مما يدخل تحت عموم الآية، أفاده الشوكاني في \"فتح القدير\" ٢/ ٢٩٩، وانظر: \"معاني النحاس\" ٣/ ٣٤، و\"تفسير القرطبي\" ٧/ ٢٠٦، و\"بدائع التفسير\" ٢/ ٢١٢.\n(٢) انظر: \"الجمهرة\" ١/ ٤٩٣، و\"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٩٤٩، و\"الصحاح\" ١/ ٣٤٧، و\"المجمل\" ٤/ ٩٣٧، و\"المفردات\" ص ٨٨٢، و\"اللسان\" ٨/ ٤٩١٣ (ولج).\n(٣) أخرجه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ١/ ٢/ ٢٢٩، والطبري ٨/ ١٧٨، من عدة طرق جيدة إلا أنه مرسل؛ لأنه من طريق إبراهيم النخعي ومجاهد وهما لم يسمعا من ابن مسعود، انظر: \"المراسيل\" لابن أبي حاتم ص ٩ وص ٢٠٥، والأثر ذكره السيوطي في \"الدر\" ٥/ ١٥٧: (وزاد نسبته إلى سعيد بن منصور والفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وأبي الشيخ والطبراني في \"الكبير\") وذكره الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" ٧/ ٢٣ وقال: (رواه الطبراني من طريقين ورجال أحدهما رجال الصحيح إلا أن إبراهيم النخعي لم يدرك ابن مسعود والأخرى ضعيفة) اهـ.\n(والجمل) -بالفتح وتخفيف الميم-: معروف وهو زوج الناقة وهو الظاهر وقول جمهور المفسرين وذكر أثر ابن مسعود الزجاج في \"معانيه\" ٢/ ٣٣٨، والنحاس في \"معانيه\" ٣/ ٣٥ وقالا: (كأنه استجهل من سأله عما يعرفه الناس جميعًا).\nوانظر: \"معاني الفراء\" ١/ ٣٧٩، و\"تفسير السمرقندي\" ١/ ٥٤٠، و\"تفسير الماوردي\" ٢/ ٢٢٣١.","vol":"9","page":128},{"text":"قال الليث (١): (وإنما يستحق هذا الاسم إذا بزل) (٢).\nوالسم (٣): ثقب الإبرة، ويقال أيضًا: بالضم، وبه قرأ (٤) ابن سيرين، وكل ثقب في البدن لطيف فهو سم، وجمعه سموم.\nوقال الفرزدق:\nفَنَفَّسْتُ عَنْ سَمَّيْهِ حَتى تَنَفَّسَا ... وقُلتُ لَهُ لاَ تَخْشَ شَيْئًا وَرَائِيا (٥)\nومنه قيل: السم القاتل؛ لأنه ينفذ بلطفه في مسام البدن حتى يصل إلى القلب، و﴿الْخِيَاطِ﴾ (٦): ما يخاط به، قال الفراء: (ويقال: خِيَاط ومِخْيَط\n_________\n(١) \"تهذيب اللغة\" ١/ ٦٥٥، وانظر \"العين\" ٦/ ١٤١، و\"الجمهرة\" ١/ ٤٩١، و\"الصحاح\" ٤/ ١٦٦١، و\"المجمل\" ١/ ١٩٨، و\"المفردات\" ص ٢٠٣، و\"اللسان\" ٢/ ٦٨٣ (جمل).\n(٢) بَزَل البعير يَبْزُل بُزُولًا فطر نابه أي: انشق وطلع. انظر: \"اللسان\" ١/ ٢٧٦ (بزل).\n(٣) السَّمُّ -بفتح السين وضمها لغتان- قال أبو عبيدة في \"مجاز القرآن\" ١/ ٢١٤: (كل ثقب فهو سَمٌّ والجميع سموم) وانظر: \"الجمهرة\" ١/ ١٣٥، و\"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٧٦١، و\"الصحاح\" ٥/ ١٩٥٣، و\"المجمل\" ٢/ ٤٥٥، و\"المفردات\" ص ٤٢٤، و\"اللسان\" ٤/ ٢١٠٢ (سمم).\n(٤) ذكرها النحاس في \"معانيه\" ٣/ ٣٦، وابن عطية ٥/ ٥٠٣، والرازي ١٤/ ٧٦، والقرطبي ٧/ ٢٠٧، وهي قراءة جماعة منهم ابن مسعود وأبو رزين وأبو السمال وقتادة وابن محيصن وطلحة بن مصرف، انظر: \"مختصر الشواذ\" ص ٤٩، و\"زاد المسير\" ٣/ ١٩٨، و\"البحر\" ٤/ ٢٩٧.\n(٥) ليس في \"ديوانه\"، وهو في \"تفسير الطبري\" ٨/ ١٧٨، و\"الدر المصون\" ٥/ ٣١٨، وصدره بلا نسبة في \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٧٦٣، و\"اللسان\" ٨/ ٢١٠٣ (سمم) ويعني بسميه: ثقبي أنفه، أفاده الطبري.\n(٦) الخَيْط، بفتح الخاء وسكون الياء: واحد الخيوط معروف وهو السلك والخياط والمِخْيَط: الإبرة وما يخيط به.\nانظر: \"العين\" ٤/ ٢٩٣، و\"الجمهرة\" ١/ ٦١١، و\"تهذيب اللغة\" ١/ ٩٦٤، =","vol":"9","page":129},{"text":"كما يقال إزار ومِئْزر ولحِاف ومِلْحف وقِناع ومِقْنع) (١)\nقال الزجاج: (والمعنى: لا يدخلون الجنة أبدًا) (٢).\nقال ابن الأنباري: (وإنما خص الجمل من بين الحيوان بالذكر إذ كان أكثر شأنًا عند العرب من سائر الدواب، والعرب تقدمه في القوة علي سائرها من أجل أنه يوقر بحمله وهو بارك فينهض به، ولم تر العرب أعظم منها (٣) جسمًا فيما رأت من الحيوان) (٤).\nوقال أهل المعاني (٥): علق الله تعالى (٦) دخولهم الجنة بولوج الجمل في سم الخياط. فكان ذلك نفيًا لدخولهم الجنة على التأبيد، وذلك أن العرب إذا علقت ما يجوز كونه بما لا يجوز كونه استحال كون (٧) ذلك الجائز الكون؛ كما يقال: لا يكون هذا حتى يَشِيبَ الغُرَاب، وحتى يَبْيَض القار (٨) وكما قال الشاعر:\n_________\n= و\"الصحاح\" ٣/ ١١٢٥، و\"مجمل اللغة\" ٢/ ٣٠٨، و\"المفردات\" ص ٣٠٢، و\"اللسان\" ٣/ ١٣٠٢ (خيط).\n(١) \"معاني الفراء\" ١/ ٣٧٩، ومثله ذكر الطبري ٨/ ١٧٨.\n(٢) \"معاني القرآن\" ٢/ ٣٣٨، وهو قول عامة المفسرين. انظر: \"الطبري\" ٨/ ١٧٨، و\"معاني النحاس\" ٣/ ٣٥، والسمرقندي ١/ ٥٤٠، والماوردي ٢/ ٢٢٢.\n(٣) كذا في النسخ: \"منها\" أي الجمال، والأولى (منه) أي الجمل.\n(٤) ذكره ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٣/ ١٩٧.\n(٥) ذكره الخازن ٢/ ٢٢٩ عن بعض أهل المعاني.\n(٦) لفظ: (تعالى) ساقط من (ب).\n(٧) في (ب): (استحال دون).\n(٨) ذكره ابن قتيبة في \"تفسير غريب القرآن\" ص ١٧٧، وقولهم: (لا يكون هذا حتى يشيب الغراب ويبيض القار) يتمثل به في اليأس عن الشيء. انظر: \"جمهرة الأمثال\" ١/ ٣٦٣، و\"المستقصى\" للزمخشري ٢/ ٥٩.","vol":"9","page":130},{"text":"إذا شَابَ الغُرابُ أَتَيْتُ أهْلي ... وصارَ القارُ كاللَّبنِ الحليبِ (١)\nوقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ﴾. قال الزجاج: (أي: ومثل الذي وصفنا ﴿نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ﴾ (٢)، قال: والمجرمون -والله أعلم- هاهنا الكافرون؛ لأن الذي ذكر من قصتهم التكذيب بآيات الله والاستكبار عنها) (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1161>٤١ </span>- قوله تعالى: ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾.\nقال الليث: (المهاد: اسم جمع (٤) من المهد كالأرض جعلها (٥) الله مهادًا للعباد، وجمع المِهاد: مُهُد، وثلاثة أمْهَده) (٦) الأزهري: (أصل المهد في اللغة التوثير، ويقال للفراش: مهاد لوثارته) (٧).\nوالغواشي (٨): جمع غاشية، وهي كل ما يغشاك أي يُجللك (٩)،\n_________\n(١) الشاهد في \"تفسير الماوردي\" ٢/ ٢٢٣، و\"وضح البرهان\" للغزنوي ٢/ ٧٣، و\"تفسير الخازن\" ٢/ ٢٢٩، و\"الدر المصون\" ٥/ ٣٢٠ من غير نسبة، وفي حاشية وضح البرهان أفاد أنه للقارظ العنزي ونسب لتميم الداري.\n(٢) لفظ: (نجزي المجرمين). ساقط من (أ).\n(٣) \"معاني القرآن\" ٢/ ٣٣٨، ومثله ذكر النحاس في \"معانيه\" ٣/ ٣٦، والسمرقندي ١/ ٥٤١، وقال الطبري ٨/ ١٨١: (يقول: وكذلك نثيب الذين أجرموا في الدنيا ما استحقوا به من الله العذاب الأليم في الآخرة) أهـ.\n(٤) في (ب): (أجمع).\n(٥) في (أ): (جعله).\n(٦) \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٤٦١، وانظر: \"العين\" ٤/ ٣١ - ٣٢، و\"الجمهرة\" ٢/ ٦٨٥، و\"الصحاح\" ٢/ ٥٤١، و\"المجمل\" ٣/ ٨١٨، و\"المفردات\" ٧٨٠، و\"اللسان\" ٧/ ٤٢٨٦ (مهد).\n(٧) \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٤٦١ (مهد).\n(٨) في (ب): (والغواش).\n(٩) انظر: \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٦٦٧، و\"الصحاح\" ٦/ ٢٤٤٦، و\"المجمل\" ٣/ ٦٩٦، و\"المفردات\" ص ٦٠٧، و\"اللسان\" ٦/ ٣٢٥٩ (غشا).","vol":"9","page":131},{"text":"و﴿جَهَنَّمَ﴾ لا ينصرف لاجتماع التأنيث فيها والتعريف. قال بعض أهل اللغة: (واشتقاقها من الجهومة، وهي الغلظ، يقال: رجل جهم الوجه، غليظه، فسميت بهذا (١) لغلظ أمرها في العذاب، نعوذ بالله منها) (٢). قال المفسرون في هذه الآية: (هذا (٣) إخبار عن إحاطة النار بهم من كل جانب، فلهم منها غطاء ووطاء وفراش ولِحاف) (٤).\nفأما التنوين في ﴿غَوَاشٍ﴾، فقال أبو الفتح الموصلي: (ومما يسأل عنه من أحوال التنوين قولهم: جوارٍ وغواشٍ ونحو ذلك، لأية علة لحقه التنوين، وهو غير منصرف لأنه على وزن فواعل (٥)؟ والجواب عن ذلك: ما ذهب إليه الخليل وسيبويه (٦)، وهو أن هذا الضرب جمع، والجمع أثقل من الواحد، وهو أيضًا الجمع الأكثر الذي يتناهى إليه الجموع، فزاده ذلك\n_________\n(١) في (ب): (بها).\n(٢) أكثر النحويين على أنها اسم لنار الله الموقدة وهي أعجمية معربة ممنوعة من الصرف للعلمية والعجمة، وذهب جماعة من المحققين إلى أنها عربية ومنعها للعلمية والتأنيث مأخوذة من قولهم: ركيَّة جِهنام بكسر الجيم والهاء أي: بعيدة القعر، واشتقاق جهنم من ذلك لبعد قعرها ولغلظتها، أفاده السمين في \"عمدة الحفاظ\" ص ١٠٤ وقال: (القول بأنها أعجمية غير مشهور في النقل، بل المشهور عندهم أنها عربية) اهـ. وانظر: \"العين\" ٣/ ٣٩٦، و\"الزاهر\" ٢/ ١٤٦، و\"تهذيب اللغة\" ١/ ٦٨١، و\"الصحاح\" ٥/ ١٨٩٢، و\"المفردات\" ص ٢٠٩، و\"اللسان\" ٢/ ٧١٥ (جهنم).\n(٣) في (ب): (على هذا). وهو تحريف.\n(٤) وهو قول الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ١٨٢، وأخرجه من طرق عن محمد بن كعب القرظي والضحاك والسدي. وانظر: \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٣٨، والنحاس ٣/ ٣٦ و\"تفسير السمرقندي\" ١/ ٥٤١، والماوردي ٢/ ٢٢٣.\n(٥) كذا في \"النسخ\"، وعند ابن جني في \"سر صناعة الإعراب\" ٢/ ٥١١ (مَفاعِل).\n(٦) انظر: \"الكتاب\" ٣/ ٣٠٨ - ٣٠٩.","vol":"9","page":132},{"text":"ثقلًا، ووقعت مع ذلك الياء في آخره وهي مستثقلة، فلما اجتمعت فيه هذه الأشياء خففوه بحذف يائه، فلما حذفت الياء نقص عن مثال فواعل (١)، وصار (غواش) بوزن (جَناح) فدخله التنوين لنقصانه عن هذا المثال، فالتنوين عندهما في (غواش) وبابه إنما هو التنوين الذي هو علم الصرف، يدلك على هذا أنك إذا صرت إلى حال النصب فجرى مجرى الصحيح؛ كما من عادة المنقوص إذا نصب نحو: قاض وغاز فأتممته لم تصرفه، فقلت: رأيت (جواريَ) و(غواشيَ) ونحو ذلك) (٢).\nوقال أبو إسحاق: (زعم الخليل وسيبويه أن النون هاهنا عوض من الياء؛ لأن (غواشي) لا ينصرف الأصل (غواشي) (٣) بالياء والضم إلا أن الضمة تحذف لثقلها في الياء، فيبقى (غواشيْ) بسكون الياء، فإذا ذهبت الضمة أدخلت النون عوضًا منها، كذلك فسر أصحاب سيبويه، فكأن سيبويه يذهب إلى أن النون عوض من ذهاب حركة الياء، والياء سقطت لسكونها، وسكون النون، فإذا وقفت فالاختيار أن تقف (٤) بغير ياء، فتقول (٥): (غواش) لتدل (٦) أن الياء كانت تحذف في الوصل، وبعض العرب إذا وقف قال: (غواشي)، بإثبات الياء، ولا أرى ذلك في القرآن؛\n_________\n(١) في \"سر صناعة الإعراب\" ٢/ ٥١١ (مفاعل).\n(٢) هذا ملخص ما ذكره ابن جني في \"سر صناعة الإعراب\" ٢/ ٥١١ - ٥١٤.\n(٣) في \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٣٨: (الأصل غواشي بإسكان الياء، فإذا ذهبت الضمة أدخلت التنوين عوضًا منها ..) اهـ. ونص الواحدي مثل نصر الفارسي في \"الإغفال\" ص ٧٧٨ عن الزجاج.\n(٤) في (ب): (يقف) بالياء.\n(٥) في (ب): (فيقول) بالياء.\n(٦) في (ب): (ليدل).","vol":"9","page":133},{"text":"لأن الياء محذوفة في المصحف) (١) انتهى كلامه.\nوالذي ذهب إليه أبو إسحاق هو أن التنوين في (غواشي) إنما هو بدل من الحركة الملقاة لثقلها عن الياء، فلما جاء التنوين حذفت الياء لالتقاء الساكنين هي والتنوين، كما حذف من المنصرف في نحو: قاضٍ وغازٍ ومتقٍ (٢) ومتعالٍ، وهذا غير مرضي ولا سائغ في القياس، وقد ترك قول سيبويه والخليل، وخالفهما إلى خلاف الصواب (٣).\nقال أبو علي: (الدليل على أن الحذف لغير التقاء الساكنين أنه لو كان لذلك (٤) لم يجب الحذف؛ ألا ترى أن الساكن [الأول هو الياء ولو ثبتت لم يلحق الساكن] (٥) الثاني لتعاقبهما كما لم يلحق (مساجد) (٦) ونحوه مما يكون من هذا الجمع، فقراءة الناس ﴿غَوَاشٍ﴾ بالتنوين دلالة على أن الياء لم تحذف لالتقاء الساكنين؛ إذ الساكن الأول لو ثبت لم يجتمع معه الساكن الثاني.\nوحكاية أبي إسحاق في قوله: (زعم سيبويه والخليل أن النون عوض من الياء) هذا لعمري صحيح عليه نص سيبويه، إلا أن ما ذكر بعد من قوله: فإذا ذهبت الضمة أدخلت النون عوضًا منها فالقول أن النون عوض من ذهاب الضمة خلاف قول سيبويه، ألا ترى أنه قد نص على أنه عوض من\n_________\n(١) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٣٨ - ٣٣٩، و\"الإغفال\" ص ٧٧٨ - ٧٧٩، وفيهما بعد قوله: (في المصحف \"الكتاب\" على الوقف) أهـ.\n(٢) النص من \"سر صناعة الإعراب\" ٢/ ٥١٢، وفيه: (قاضٍ وغازٍ ومشترٍ ومتعالٍ).\n(٣) هذا نص كلام ابن جني في \"سر صناعة الإعراب\" ٢/ ٥١٢ - ٥١٣.\n(٤) في (ب): (كذلك).\n(٥) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).\n(٦) في (أ): (مساجده)، وهو تحريف.","vol":"9","page":134},{"text":"الياء كما حكاه أبو إسحاق أولًا عنه، ولو كان النون عوضًا من الضمة لكان جديرًا أن يلحق الفعل أيضًا، ألا ترى أن الأفعال قد حذفت الضمة من لاماتها، وقوله: (كأن سيبويه ذهب إلى أن (١) النون عوض من ذهاب حركة الياء) تقدير لا وجه له مع ما حكيناه من نصه على أنه بدل من الياء، وقوله: (والياء سقطت لسكونها وسكون النون) قول لا يذهب إليه أحد، وإن (٢) أضافه إلى سيبويه فخطأ، وإن ذهب هو إليه (٣) ففاسد، لما ذكرنا أن الساكن الأول إذا ثبت عاقب الساكن الثاني، ولم يكن للتنوين مدخل في الكلمة، فأما ما نسبه من التفسير الذي ذكره إلى أصحاب سيبويه (٤)، فإني لم أعلم أحدًا فسر هذا التفسير، فإن فسره مفسر كان خلاف مذهبه) (٥).\nوقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾. قال ابن عباس: (يريد: الذين أشركوا بالله واتخذوا من دونه إلهًا) (٦).\n_________\n(١) لفظ: (أن) ساقط من (أ).\n(٢) في (أ): (فإن).\n(٣) في (ب): تكرار قوله: (أحد وإن أضافه إلى سيبويه فخطأ، وإن ذهب إليه).\n(٤) وكذلك قال النحاس في \"إعرابه\" ١/ ٦١٢: (التنوين عند سيبويه عوض عن الياء وعن أصحابه عوض من الحركة) اهـ.\n(٥) \"الإغفال\" ص ٧٨١ - ٧٨٨، وانظر: \"معاني الأخفش\" ٢/ ٢٩٨، و\"المشكل\" ١/ ٢٩١، و\"غرائب الكرماني\" ١/ ٤٠٣، و\"البيان\" ١/ ٣٦١، و\"التبيان\" ص ٣٧٥، و\"الفريد\" ٢/ ٣٠١، و\"الدر المصون\" ٥/ ٣٢٢.\n(٦) \"تنوير المقباس\" ٢/ ٩٥، وذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ١٨٠، والرازي في \"تفسيره\" ١٤/ ٧٨.\nوذكر ابن الجوزي في \"تفسيره\" ٣/ ١٩٩ عن ابن عباس أنه قال: (الظالمون هاهنا الكافرون) اهـ.","vol":"9","page":135},{"text":"قال الزجاج: (والظالمون -هاهنا أيضًا (١) -: الكافرون) (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1162>٤٢ </span>- قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾. قال الزجاج: (معنى الوسع: ما يقدر عليه) (٣).\nقال مجاهد: (إلا ما افترض عليها) (٤) يعني: أن ما افترض عليها هو وسعها الذي يسعها (٥) ويُقدر عليه ولا تعجز عنه. فقد بينه مقاتل فقال: (إلا طاقتها؛ ولا يكلف الله العباد إلا ما يطيقون) (٦)، فقوله: (إلا طاقتها) ليس معناه: أقصى ما يطيقه؛ لأنه لو كلف ذلك لشق وتعذر، ولكن معناه: إلا مما يطيقه ولا يعجز عنه. ألا ترى أن معاذ بن جبل -﵀- قال في هذه الآية: (إلا يُسرها لا عسرها ولو كلفها طاقتها لبلغ مجهودها) (٧)، فقوله: (لو كلفها طاقتها) أراد أقصى ما تطيقه.\nوقد بيَّن أبو زبيد (٨) الطائي في قوله:\n_________\n(١) لفظ: (أيضًا) ساقط من (ب).\n(٢) \"معاني القرآن\" ٢/ ٣٣٨، ومثله قال النحاس في \"معانيه\" ٣/ ٣٧، والسمرقندي ١/ ٥٤١، وقال الطبري ٨/ ١٨٢: (كذلك نثيب ونكافئ من ظلم نفسه فأكسبها من غضب الله ما لا قبل لها به بكفره بربه وتكذيبه أنبيائه) اهـ.\n(٣) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٣٩، وزاد فيه: (أي: عملوا الصالحات بقدر طاقتهم) اهـ. ونحوه قال الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ١٨٢، والنحاس في \"إعراب القرآن\" ١/ ٦١٢، والسمرقندي ١/ ٥٤١.\n(٤) ذكره الخازن في \"تفسيره\" ٢/ ٢٢٩.\n(٥) لفظ: (الذي وسعها) ساقط من (ب).\n(٦) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٣٧، وفيه: (يقول: لا نكلفها من العمل إلا ما تطيق) اهـ.\n(٧) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ١٨١، والرازي ١٤/ ٧٩.\n(٨) في (ب): (أبو زيد)، وهو تحريف. وهو: حَرْمَلَة بن المُنْذر بن مَعْدِ يَكرِب الطائي.","vol":"9","page":136},{"text":"أُعْطِيهُم الجَهْدَ مِنّي بَلْهَ ما أَسَعُ (١)\nأن ما يسعه (٢) دون أقصى طاقته، وأن أقصى الطاقة يسمى جهدًا لا وسعًا، وغلط من ظن أن الوسع (٣) بذل المجهود، وأكثر أصحاب المعاني (٤) على أن قوله: ﴿لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ اعتراض بين الابتداء والخبر، والخبر الجملة التي هي قوله: ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾، و(٥) هذا فصل بين الابتداء والخبر بما هو من جنس هذا الكلام؛ لأنه لما ذكر عملهم الصالح ذكر أن ذلك العمل مما يسعهم ولا يعسر عليهم، وقد مضت نظائر هذا فيما تقدم (٦)، وعلى هذا لا موضع لقوله: ﴿لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾، وقال قوم من أهل المعاني: (موضعه رفع بأنه الخبر على حذف العائد كأنه\n_________\n(١) الشاهد في \"ديوانه\" ص ١٠٩، و\"الزاهر\" ١/ ٩٤، و\"الصحاح\" ٥/ ٢٠٧٥، و\"اللسان\" ١/ ١٧٨ (أون)، و\"الخزانة\" ٦/ ٢٣٥ - ٢٣٦ وبلا نسبة في \"الجمهرة\" ١/ ٣٨٠، و\"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٨٩٠، و\"كتاب الشعر\" لأبي علي ١/ ٢٥، وأوله:\nحَمَّال أَثْقَال أَهْلِ الوُدَّ آوِنَةً\nوآونة، جمع أوان بمعنى الحين، والجهد بالفتح النهاية والغاية، وقيل: الوسع والطاقة، وَبَلْه أي دع، والوسع الطاقة والجدَة أيضًا. وقال البغدادي في \"الخزانة\" ٦/ ٢٣٧: (المعنى: أني أعطيهم فوق الوسع فتركًا للوسع، أو فدع الوسع، أي: ذكره أو فكيف الوسع لا أعطيه) اهـ. وفي \"اللسان\" ١/ ٣٥٤ (بله) قال: (المعنى: أعطيهم ما لا أجده إلا بجهد ودع ما أحيط به وأقدر عليه) اهـ.\n(٢) كذا في النسخ: (إن ما يسعه) والأولى: (أي ما يسعه).\n(٣) انظر: (وسع) في \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٨٩٠، و\"الصحاح\" ٣/ ١٢٩٨، و\"اللسان\" ٨/ ٤٨٣٤، وبمثل قول الواحدي، قال الرازي ١٤/ ٧٩، و\"الخازن\" ٢/ ٢٢٩.\n(٤) ذكر مثله الرازي ١٤/ ٧٨، و\"الخازن\" ٢/ ٢٢٩.\n(٥) لفظ: (الواو) ساقط من (ب).\n(٦) لم أقف عليه بعد طول بحث عنه في مظانه.","vol":"9","page":137},{"text":"قيل: لا نكلف نفسًا منهم إلا وسعها، وحذف العائد للعلم به) (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1163>٤٣ </span>- قوله تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ﴾، معنى نزع الشيء: قلعه عن مكانه (٢)، والغِلُّ: الحقد الكامن في الصدر (٣).\nقال أهل اللغة (٤): (وهو الذي ينغل بلطفه (٥) إلى صميم القلب، أي: يدخل، ومنه الغُلول، وهو الوصول بالحيلة إلى دقيق الخيانة، يقال: انغل في الشيء وتغلغل فيه، إذا دخل فيه بلطافة (٦) كالحب يدخل في صميم الفؤاد).\n_________\n(١) ذكره أكثرهم، والأول هو قول الزجاج في \"معانيه\" ٢/ ٣٣٩، والنحاس في \"إعراب القرآن\" ١/ ٦١٢، والزمخشري في \"الكشاف\" ٢/ ٧٩، وابن عطية ٥/ ٥٠٥، وانظر: \"البيان\" ١/ ٣٦١، و\"التبيان\" ص ٣٧٥، و\"الفريد\" ٢/ ٣٠١، و\"الدر المصون\" ٥/ ٣٢٣، وفي \"بدائع التفسير\" ٢/ ٢١٢ قال ابن القيم: (اعترض بين المبتدأ والخبر بقوله: ﴿لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ لما تضمنه ذلك من الاحتراز الدافع لتوهم متوهم أن الوعد إنما يستحقه من أتى بجميع الصالحات، فرفع ذلك بقوله: ﴿لَا نُكَلِّفُ﴾، وهذا أحسن من قول من قال: إنه خبر عن الذين آمنوا، ثم أخبر عنهم بخبر آخر فهما خبران عن مخبر واحد، فإن عدم التكليف فوق الوسع لا يخص الذين آمنوا، بل هو حكم شامل لجميع الخلق معه ما في هذا التقدير من إخلاء الخبر عن الرابط، وتقدير صفة محذوفة أي نفسًا منها، وتعطيل هذه الفائدة الجليلة) اهـ.\n(٢) انظر: \"العين\" ١/ ٣٥٧، و\"الجمهرة\" ٢/ ٨١٧، و\"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٥٥٢، و\"الصحاح\" ٣/ ١٢٨٩، و\"المجمل\" ٣/ ٨٦٣، و\"اللسان\" ٧/ ٤٣٩٥ (نزع).\n(٣) انظر: \"معاني الأخفش\" ٢/ ٢٩٨، و\"غريب الحديث\" لأبي عبيد ١/ ٢٠٠، و\"تفسير غريب القرآن\" ص ١٧٧.\n(٤) انظر: \"العين\" ٤/ ٣٤٧، و\"الجمهرة\" ١/ ١٥٩، و\"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٦٨٩، و\"المجمل\" ٣/ ٦٧٩، و\"المفردات\" ص ٦١٠، و\"اللسان\" ص ٣٢٨٥ (غلل).\n(٥) في (ب): (بلفظه)، وهو تحريف.\n(٦) في (ب): (بطاقة)، وهو تحريف.","vol":"9","page":138},{"text":"قال ذو الرمة:\nأَصَابَ خَصاَصَةً فَبَدَا كَليلًا ... كَللا وانْغَلَّ سَائِرُهُ انْغِلالًا (١)\nومعنى نزع الغل: إبطاله بإعدامه من الصدر.\nوذكر أهل التأويل هاهنا قولين محتملين:\nأحدهما: وهو الذي عليه المعظم (٢) أن معناه: أذهبنا الأحقاد التي كانت لبعض على بعض في دار الدنيا، وإلى هذا أشار علي بن أبي طالب -﵁- فقال: (إني لأرجو أن أكون أنا وعثمان وطلحة والزبير من الذين قال الله جل ذكره: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ﴾) (٣).\nوقال الحسن في هذه الآية: (يعني: الجاهلية) (٤).\nوالقول الثاني: أن نزع الغل إنما هو لئلا يحسد بعضهم بعضًا في تفاضل منازلهم وتفاوت مراتبهم في الجنة، واختار الزجاج هذا فقال:\n_________\n(١) \"ديوانه\" ص ٥١٥ هـ. وقال الخطيب التبريزي في \"شرحه\": (خصاصة فرحة، والكليل الضَّعيف، وانغل غاب ودخل، وكلا كقولك: لا) اهـ.\n(٢) انظر: \"معاني النحاس\" ٣/ ٣٧، والسمرقندي ١/ ٥٤١، والماوردي ٢/ ٢٢٤.\n(٣) أخرجه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ١/ ٢/ ٢٢٩، والطبري ٨/ ١٨٣، وابن أبي حاتم ٥/ ١٤٧٨ بسند جيد عن قتادة عن علي -﵁- وهو مرسل، قتادة لم يسمع من علي، انظر: \"المراسيل\" لابن أبي حاتم ص ١٦٨، وأخرجه ابن سعد في \"الطبقات\" ٣/ ١١٣ عن إبراهيم النخعي، ومن طريق جعفر بن محمد بن علي بن الحسين عن أبيه، قال الحافظ ابن حجر في \"الشاف الكاف\" ص ٦٤: (أخرجه ابن سعد والطبري عن علي، وكلاهما منقطع، وأخرجه ابن أبي شيبة عن ربعي بن حراش عن علي وهو متصل) اهـ.\nانظر: \"تخريج أحاديث الكشاف\" للزيلعي ١/ ٤٦٢، و\"الفتح السماوي\" للمناوي ٢/ ٦٣٥ - ٦٣٦.\n(٤) ذكره الماوردي في \"تفسيره\" ٢/ ٢٢٤؛ وأبو حيان في \"البحر\" ٤/ ٢٩٨.","vol":"9","page":139},{"text":"(وحقيقته -والله أعلم- أنه لا يحسد بعض أهل الجنة بعضًا؛ لأن الحسد غل) (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا﴾. قال ابن عباس: (حمدوا الله على (٢) ما أرشدهم إليه ووفقهم له) (٣). وقال مقاتل: (إذا استقروا في منازلهم في الجنة ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا﴾ (٤).\nومعنى ﴿هَدَانَا لِهَذَا﴾ (٥) أي: هدانا لهذا الثواب بالعمل الذي أدّى إليه، وهو معنى قول سفيان الثوري (٦)، ونحو هذا قال الزجاج (٧): (هدانا لما صيرنا إلى هذا (٨».\n_________\n(١) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٣٩، وقال ابن الأنباري في \"الزاهر\" ١/ ٣٦٤: (معناه نزعنا الحسد من قلوبهم؛ لأن أهل الجنة لا يحسد بعضهم بعضًا). والظاهر أنه لا يحسد بعضهم بعضًا في علو المرتبة في الجنة، وفيما كان بينهم في الدنيا، وهو اختيار الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ١٨٣، والنحاس في \"معانيه\" ٣/ ٣٧، وانظر \"تفسير ابن عطية\" ٥/ ٥٠٥، ٥٠٦.\n(٢) في (ب): (إلي).\n(٣) في \"تنوير المقباس\" ٢/ ٩٥ نحوه، ونقل ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٣/ ٢٠١ عن ابن عباس في الآية أنه قال: (يعنون ما وصلوا إليه من رضوان الله وكرامته) اهـ.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٣٨، وزاد فيه: (أي للإسلام ولهذا الخير) اهـ.\n(٥) لفظ: (هدانا) ساقط من (ب).\n(٦) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ١٩٠ أ، والبغوي ٣/ ٢٣٠ بلفظ: (معناه هدانا لعمل هذا ثوابه) اهـ. وانظر: \"إعراب النحاس\" ١/ ٦١٢.\n(٧) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٣٩، ومثله قال النحاس في \"معانيه\" ٣/ ٣٧،وقال الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ١٨٤: (يقول أهل الجنة الحمد لله الذي وفقنا للعمل الذي أكسبنا هذا الذي نحن فيه من كرامة الله وفضله، وصرف عذابه عنا) اهـ. وانظر \"تفسير السمرقندي\" ١/ ٥٤١ - ٥٤٢، والماوردي ٢/ ٢٢٥.\n(٨) لفظ: (إلى هذا) ساقط من (أ).","vol":"9","page":140},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ دليل على أن المهتدي مَنْ هَدَى الله (١) وأن من لم يهده الله لم يهتد (٢).\nوقرأ ابن عامر (٣) ﴿مَا كُنَّا﴾ بغير واو، وكذلك هو في مصاحف أهل الشام (٤)، ووجه الاستغناء (٥) عن حرف العطف [هنا أن الجملة ملتبسة بما قبلها، فأغنى التباسُها به عن حرف العطف] (٦)، وقد تقدم ذكر هذه المسألة (٧).\nوقوله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾)، [هذا من قول (٨) أهل الجنة حين رأوا ما وعدهم الرسل عيانًا قالوا: ﴿لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾] (٩).\n_________\n(١) لفظ: (الله) ساقط من (ب).\n(٢) في (ب): (لم يهتدوا) ومثله ذكر الرازي في \"تفسيره\" ١٤/ ٨١، و\"الخازن\" ٢/ ٢٣٠، وانظر: \"تفسير القرطبي\" ٧/ ٢٠٨.\n(٣) قرأ ابن عامر: ﴿مَا كُنَّا﴾ بغير واوٍ قبل ما، وقرأ الباقون: ﴿وَمَا كُنَّا﴾ بالواو. انظر: \"السبعة\" ص٢٨٠، و\"المبسوط\" ص ١٨٠، و\"التذكرة\" ٢/ ٤١٩، و\"التيسير\" ص ١١٠، و\"النشر\" ٢/ ٢٦٩.\n(٤) ذكره ابن مجاهد في \"السبعة\" ص ٢٨٠، وابن الجزري في \"النشر\" ٢/ ٢٦٩، وقال ابن أبي داود في \"كتاب المصاحف\" ص ٤٥: (في إمام أهل الشام وأهل الحجاز ﴿وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ﴾ وفي إمام أهل العراق: ﴿وَمَا كُنَّا﴾) اهـ.\n(٥) هذا قول أبي علي في \"الحجة\" ٤/ ٢٥، وانظر: \"معاني القراءات\" ١/ ٤٠٧، و\"الحجة\" لابن خالويه ص ١٥٦، و\"الكشف\" ١/ ٤٦٤.\n(٦) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).\n(٧) انظر: \"البسيط\" النسخة الأزهرية ١/ ٨١ ب؛ ٨٢ أ\n(٨) انظر: \"تفسير الطبري\" ٨/ ١٨٥، والسمرقندي ١/ ٥٤٢.\n(٩) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).","vol":"9","page":141},{"text":"وقوله: ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ﴾. قال أبو إسحاق: (أن) في موضع نصب، وهي مخففة من الثقيلة، والهاء مضمرة، المعنى: ونودوا بأنه تلكم الجنة أي: نودوا بهذا القول، قال: والأجود عندي أن تكون (أن) في معنى تفسير النداء، كأن المعنى: ونودوا أي تلكم الجنة (١)، المعنى: قيل لهم تلكم الجنة، كقوله: ﴿وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا﴾ [ص: ٦] يعني (٢) امشوا.\nقال: وإنما قال: ﴿تِلْكُمُ﴾ لأنهم وعدوا بها في الدنيا، فكأنه قيل لهم: هذه تلكم التي وعدتم بها، وجائز أن يكون عاينوها، فقيل لهم من قبل دخولها إشارة إلى ما يرونه: ﴿تِلْكُمُ الْجَنَّةُ﴾.\nوقوله تعالى: ﴿أُورِثْتُمُوهَا﴾ فيه قولان؛ أحدهما، وهو قول أهل المعاني (٣): (أن معناه: صارت إليكم كما يصير الميراث إلى أهله).\n_________\n(١) عند الزجاج في \"معانيه\" ٢/ ٣٤٠: (ونودوا أن تلكم الجنة).\n(٢) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٤٠.\nوقد ذكر الوجهين أكثرهم، انظر: \"تفسير الطبري\" ٨/ ١٨٥، ١٨٦، و\"إعراب النحاس\" ١/ ٢١٦، و\"الكشاف\" ٢/ ٧٩، و\"تفسير ابن عطية\" ٥/ ٥٠٨، و\"التبيان\" ص ٣٧٦، و\"الفريد\" ٢/ ٣٠٢، و\"البحر المحيط\" ٤/ ٣٠٠.\nوقال النحاس في \"معانيه\" ٣/ ٣٨: (يجوز أن يكون المعنى (بأنه تلكم الجنة)، ويجوز أن تكون أن مفسرة للنداء، والبصريون يعتبرونها بأي، والكوفيون يعتبرونها بالقول، والمعنى واحد، كأنه ونودوا قيل لهم تلكم الجنة أي هذه تلكم الجنة التي وعدتموها في الدنيا، ويجوز أن يكون لما رأوها قيل لهم قبل أن يدخلوها تلكم الجنة) اهـ. وانظر: \"الدر المصون\" ٥/ ٣٢٤.\n(٣) انظر: \"تفسير الرازي\" ١٤/ ٨١، ٨٢ فقد ذكر مثله.","vol":"9","page":142},{"text":"والإرث قد يستعمل في اللغة (١) ولا يراد به زوال الملك عن الميت إلى الحي، كما يقال: هذا الأمر يورثك الشرف، ويورثك العار (٢) أي: يصيرك إليه برحمة الله (٣) وليس له في ذلك متعلق؛ لأن العمل الصالح لم ينالوه ولم يبلغوه إلا بالرحمة، وإذا كان العمل الصالح لا يكون إلا برحمته، فإذا دخلوا الجنة بأعمالهم فقد دخلوها برحمته، إذ لم يكن ذلك العمل [الصالح] (٤) إلا برحمته) (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1164>٤٤ </span>- قال ابن عباس: (وجدنا ما وعدنا ربنا في الدنيا من الثواب حقًا، فهل وجدتم ما وعد ربكم من العذاب حقًّا) (٦). وهو سؤال تعيير وتقرير.\nقال الزجاج: (معنى: ﴿أَن﴾ في قوله: ﴿أَن قَدْ وَجَدْنَا﴾ إن شئت كان\n_________\n(١) الإرث: إبقاء الشيء وانتقاله إلى الغير وأصل الميراث هو أن يكون الشيء لقوم، ثم يصير إلى آخرين بنسب أو سبب.\nانظر: \"العين\" ٨/ ٢٣٤، و\"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٨٦٨، و\"الصحاح\" ١/ ٢٩٥، و\"مقاييس اللغة\" ٦/ ١٠٥، و\"المفردات\" ص ٨٦٣، و\"اللسان\" ٨/ ٤٨٠٨ (ورث).\n(٢) في (ب): (القار)، وهو تصحيف.\n(٣) أخرج البخاري في كتاب الرقاق، باب: القصد والمداومة على العمل رقم (٦٤٦٣)، ومسلم في كتاب صفة الجنة والنار، باب: لن يدخل أحد الجنة رقم (٢٨١٦ إلى ٢٨١٨) من طرق عن عائشة وأبي هريرة -﵄- عن رسول الله - ﷺ - قال: \"لن يدخل أحدًا منكم عمله الجنة\". قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: \"ولا أنا إلا أن يتغمدني الله منه بفضل ورحمة\".\n(٤) لفظ: (الصالح) ساقط من (ب).\n(٥) لم أقف عليه عن الجرجاني صاحب \"نظم القرآن\"، وذكر مثل ذلك الرازي في \"تفسيره\" ١٤/ ٨٢، والقرطبي ٧/ ٢٠٩.\n(٦) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ١٨٧، وابن أبي حاتم ٥/ ١٤٨٢ بسند ضعيف.","vol":"9","page":143},{"text":"تفسيرًا لما نادى به أصحاب الجنة، والمعنى: أي: قد وجدنا، وإن شئت كانت المخففة من الثقيلة خففت (١) أنه قد وجدنا) (٢).\nوقوله: ﴿قَالُوا نَعَمْ﴾. قال سيبويه: (نعم عِدَةٌ وتصديق، قال: وإذا استفهمت أجبت بنعم) (٣) قوله (٤): (عِدَة وتصديق) أراد أنه يستعمل عِدَة، ويستعمل تصديقًا، وليس يريد أن العِدَة تجتمع مع التصديق؛ ألا ترى أنه إذا قال: أتعطيني؟ فقال: نعم، كان عدة ولا تصديق في هذا، وإذا قال: قد كان كذا وكذا فقلت: نعم، فقد (٥) صدقته ولا عدة في هذا، وقوله: (إذا استفهمت أجبت نعم)، يريد إذا استفهمت عن مُوجَب كما يقال: أيقوم زيد؟، فتقول: نعم، ولو كان مكان الإيجاب نفيًا لقلت: (بلى) ولم تقل (نعم). كما لا تقول في جواب (٦) الإيجاب. بلى كقوله: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢] وقرأ الكسائي (٧) (نعِم) بكسر العين، قال أبو\n_________\n(١) في (ب): (وخففت).\n(٢) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٤٠. وانظر: \"معاني الأخفش\" ٢/ ٢٩٨ - ٢٩٩، و\"معاني النحاس\" ٣/ ٣٨، و\"إعراب النحاس\" ١/ ٦١٢، ٦١٣.\n(٣) \"الكتاب\" ٤/ ٢٣٤.\n(٤) في (ب): (أريد إذا قوله)، وهو تحريف.\n(٥) في (أ): (قد صدقت).\n(٦) هذا قول أبي علي في \"الحجة\" ٤/ ٢٠ - ٢١، وفيه: (كما تقول في جواب الإيجاب. قال تعالى: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ ولم يقل نعم) اهـ وانظر: \"الزاهر\" ٢/ ٥٠، و\"حروف المعاني\" للزجاجي ص ٦، و\"معاني الحروف\" للرماني ص ١٠٤، و\"رصف المباني\" ص ٤٢٦.\n(٧) قرأ الكسائي: ﴿نعِم﴾ بكسر العين حيث وقع، وقرأ الباقون بفتحها في كل القرآن. انظر: \"السبعة\" ص ٢٨١، و\"المبسوط\" ص ١٨٠، و\"التذكرة\" ٢/ ٤١٩، و\"التيسير\" ص ١١٠، و\"النشر\" ٢/ ٢٦٩.","vol":"9","page":144},{"text":"الحسن (١): (هما لغتان) (٢).\nقال أبو حاتم (٣): (وليس الكسر بمعروف) (٤).\nواحتج الكسائي بكلام يروى عن عمر -﵁- أنه سأل قومًا عن شيء فقالوا: نَعَم، فقال: (أما النَعَم فالإبل، فقولوا (٥) نَعِم) (٦).\nقال أبو عبيد: (ولم نر العرب يعرفون ما رووه عن عمر، ونراه مولدًا) (٧).\n_________\n(١) أبو الحسن الأخفش الأوسط سعيد بن مسعدة المجاشعي، إمام. تقدمت ترجمته.\n(٢) \"معاني الأخفش\" ١/ ٢٥٢، و\"الحجة\" لأبي علي ٤/ ١٩، وانظر: \"معاني القراءات\" ١/ ٤٠٦، و\"الحجة\" لابن خالويه ص ١٥٤ - ١٥٥.\n(٣) أبو حاتم سهل بن محمد السجستاني البصري إمام لغوي. تقدمت ترجمته.\n(٤) ذكره ابن عطية في \"تفسيره\" ٥/ ٥٠٩، والرازي ١٤/ ٨٥، والسمين في \"الدر\" ٥/ ٣٢٦، وهذا قول غريب مردود لأنها قراءة سبعية، ولغة فصيحة مشهورة.\nانظر: \"العين\" ٢/ ١٦٢، و\"الجمهرة\" ٢/ ٩٥٣، و\"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٦١٥، و\"الصحاح\" ٥/ ٢٠٤٢، و\"المجمل\" ٤/ ٨٧٤، و\"المفردات\" ص ٨١٦، و\"اللسان\" ٨/ ٤٤٨٥ (نعم).\n(٥) في (ب): (فقوله: (نعم»، وهو تحريف، ونعم الأولى بالفتح، والثانية بالكسر.\n(٦) هذا أثر مشهور لم أقف على إسناده، وهو في \"الزاهر\" ٢/ ٥١ - ٥٢، و\"إعراب القراءات\" ١/ ١٨١، و\"تفسير السمرقندي\" ١/ ٥٤٢، و\"الحجة\" لابن زنجلة ص ٢٨٣، و\"الكشف\" لمكي ١/ ٤٦٣، و\"تفسير ابن عطية\" ٥/ ٥١٠، و\"منثور الفوائد\" لابن الأنباري ص ٨٤، و\"تفسير الرازي\" ١٤/ ٨٥، و\"النهاية في غريب الحديث\" لابن الأثير ٥/ ٨٤.\n(٧) في (ب): (مؤكدًا)، وذكره السمين في \"الدر\" ٥/ ٣٢٦ عن أبي عبيد بلفظ (مولدًا). وقال بعده: (هذا طعن في المتواتر فلا يقبل) اهـ. والمولد: الكلام المستحدث الذي لم يكن من كلامهم فيما مضى. انظر: \"اللسان\" ٨/ ٤٩١٥ (ولد).","vol":"9","page":145},{"text":"وقال أبو إسحاق: (وفي بعض اللغات (نَعِم) في معنى (نَعَم)، موقوفة الآخر لأنها حرف جاء لمعنى) (١).\n[وقوله: ﴿فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ﴾؛ معنى التأذين في اللغة (٢): النداء، والتصويت] (٣) بالإعلام، والأذان للصلاة إعلام بها، وبوقتها (٤)، وقالوا في معنى: ﴿فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ﴾ (٥) نادى منادٍ نداء أسمع الفريقين (٦). قال ابن عباس: (وذلك المؤذن من الملائكة وهو صاحب الصور) (٧).\nوقوله تعالى: ﴿بَيْنَهُمْ﴾، قال أبو علي: (يحتمل أمرين (٨)؛ الأحسن فيه أن يكون ظرفًا لـ (مؤذن) كما تقول: أعْلَمَ وسْطَهُمْ معلم، ولا تُجعل صفة للنكرة؛ لأن اسم الفاعل إذا أُعمل عمل الفعل لم يوصف كما لا يُصغّر؛ لأن الصفة تخصيص، والفعل وما أُجري مجراه لا يلحقه تخصيص،\n_________\n(١) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٤٠.\n(٢) انظر: \"العين\" ٨/ ١٩٩، و\"تهذيب اللغة\" ١/ ١٤٠، و\"الصحاح\" ٥/ ٢٠٦٨، و\"المجمل\" ١/ ٩١، و\"مقاييس اللغة\" ١/ ٧٥، و\"المفردات\" ص ٧٠، و\"اللسان\" ١/ ٥٢ (أذن).\nوقال سيبويه في \"الكتاب\" ٤/ ٦٢: (آذنت: أعلمت، وأذَّنْتُ النداء والتصويت بإعلان) اهـ. انظر: \"الحجة\" لأبي علي ٤/ ٢٣، و\"الزاهر\" ١/ ٢٩.\n(٣) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).\n(٤) هذا قول الأزهري في \"تهذيب اللغة\" ١/ ١٤٠ (أذن).\n(٥) جاء في الأصول: ﴿أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ﴾ بدون فاء، وفي سورة يوسف الآية ٧٠: ﴿ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾ وانظر: \"تفسير الرازي\" ١٤/ ٨٥.\n(٦) انظر: \"تفسير غريب القرآن\" ص ١٧٧، والطبري ٨/ ١٨٧، والسمرقندي ١/ ٥٤٢.\n(٧) ذكره الرازي في \"تفسيره\" ١٤/ ٨٥، وقال الخازن ٢/ ٢٣١: (وهذا المنادي من الملائكة، وقيل: إنه إسرافيل صاحب الصور، ذكره الواحدي) اهـ.\n(٨) في (أ): (يحتمل لأمرين أحسن فيه).","vol":"9","page":146},{"text":"والتصغير كالوصف، ومن ثم لم (١) يستحسن (هذا ضويرب زيدًا)، كما لا يستحسن (هذا ضارب ظريف زيدًا)، ولأنك في [هذا] (٢) تفصل بين العامل والمعمول بالأجنبي، وذلك أن ﴿مُؤَذِّنٌ﴾ عامل في ﴿أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ﴾، فإذا جعلت ﴿بَيْنَهُمْ﴾ صفة [فقد فصلت بين العامل والمعمول بالأجنبي، وإن شئت جعلت ﴿بَيْنَهُمْ﴾ صفة] (٣)؛ لأن التقدير فأذن مؤذن بينهم بأن لعنة الله، ومعنى الفعل قد يعمل في الجار ويصل إليه وإن فصل بينهما بالصفة، كما تقول: هذا مارّ [أمس] (٤) يزيد، والأول الوجه، والجار المقدر إن شئت جعلته متعلقًا بمؤذن، وإن (٥) جعلته متعلقًا بأذن) (٦).\nوقوله: ﴿أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ قرئ (٧) (أنْ) مخففًا، (لعنةُ الله)\n_________\n(١) في (ب): (ومن ثم لا يستحسن).\n(٢) لفظ: (هذا): ساقط من (ب).\n(٣) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).\n(٤) لفظ: (أمس: ساقط) من (أ).\n(٥) في (أ): (فإن جعلته)، وفي \"الحجة\" ٢/ ٤٠٥: (وإن شئت جعلته) وهو الأولى.\n(٦) \"الحجة\" لأبي علي ٢/ ٤٠٤ - ٤٠٥، وزاد: (وإن شئت جعلت (بين) ظرفًا للمؤذن لا صفة وكل ذلك لا يمتنع)، وقال ابن الأنباري في \"البيان\" ١/ ٣٦٢: (بينهم: منصوب على الظرف والعامل أذن أو مؤذن على اختلاف بين النحويين؛ فالبصريون يختارون أن يكون متعلقًا بمؤذن لأنه أقرب إليه من أذن والكوفيون يختارون (أذن) لأنه الأول والعناية به أكثر فإن جعلت بينهم وصفًا لمؤذن جاز ولكن لا يجوز أن يعمل في أن لأن اسم الفاعل إذا وصفته بطل عمله ولأنه يخرج بذلك عن شبه الفعل) اهـ. وانظر: \"المشكل\" ١/ ٢٩٢، و\"التبيان\" ص ٣٧٧، و\"الفريد\" ٢/ ٣٠٤، و\"الدر المصون\" ٥/ ٣٢٧.\n(٧) قرأ عاصم وأبو عمرو ونافع ﴿أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ﴾ بإسكان النون مخففة ورفع ﴿لَعْنَةُ﴾ وقرأ الباقون بتشديد ﴿أَنْ﴾ ونصب ﴿لَعْنَةُ﴾. انظر: \"السبعة\" ص ٢٨١، و\"المبسوط\" ص ١٨٠، و\"التذكرة\" ٢/ ٤١٩، و\"التيسير\" ص١١٠، و\"النشر\" ٢/ ٢٦٩.","vol":"9","page":147},{"text":"رفعًا، وقرئ (أنَّ) مشددة (ولعنةَ الله) نصبًا، فمن شدّد فهو الأصل، ومن خفف ﴿أَن﴾ فهي مخففة من الشديدة على إرادة إضمار القصة والحديث، تقديره: أنه لعنة [الله] (١)، ومثل ذلك قوله: ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس: ١٠] التقدير: أنه، ولا تخفف (أن) هذه إلا وإضمار القصة والحديث يراد معها (٢).\nقال أبو إسحاق (٣): (ويجوز أن يكون المخففة التي هي للتفسير كأنها تفسير لما أَذَّنُوا به كما ذكرنا في قوله: ﴿أَنْ قَدْ وَجَدْنَا﴾).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1165>٤٥ </span>- قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾، هذه الآية من نعت (٤) قوله: ﴿على الظالمين﴾، ومعنى ﴿يَصُدُّونَ﴾ يجوز أن يكون من (الصدّ) (٥)\n_________\n(١) لفظ: (الله) ساقط من (ب).\n(٢) هذا قول أبي علي في \"الحجة\" ٤/ ٢٣. وانظر: \"معاني القراءات\" ١/ ٤٠٧، و\"إعراب القراءات\" ١/ ١٨٢، و\"الحجة\" لابن زنجلة ص ٢٨٣، و\"الكشف\" ١/ ٤٦٣. قال الأزهري: (من خفف أن منعها عملها ورفع ما بعدها، ومن شدد النون نصب بها الاسم والمعنى واحد) اهـ. ونقل قول الواحدي الرازي في \"تفسيره\" ١٤/ ٨٥.\n(٣) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٤١، وانظر: \"معاني الأخفش\" ٢/ ٢٩٨ - ٢٩٩، و\"تفسير الطبري\" ٨/ ١٨٧، و\"معانى النحاس\" ٣/ ٣٨، و\"إعراب النحاس\" ١/ ٦١٣، و\"المشكل\" ١/ ٢٩٢، وقال: (ويجوز أن تكون في حالة التخفيف بمعنى أي التي للتفسير، فلا موضع لها من الإعراب) اهـ.\n(٤) انظر: \"إعراب النحاس\" ١/ ٦١٣، و\"التبيان\" ص ٣٧٧، و\"الفريد\" ٢/ ٣٠٤.\n(٥) الصد: الإعراض، يقال: صَد يَصُد وصددته عن الأمر إذا عدلته عنه، وصد يَصِد -بكسر الصاد- إذا ضج.\nانظر: \"العين\" ٧/ ٨٠، و\"الجمهرة\" ١/ ١١١، و\"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٩٨٥ و\"المجمل\" ٢/ ٥٣٢، و\"مقاييس اللغة\" ٣/ ٢٨٢، و\"المفردات\" ص ٤٧٧، و\"اللسان\" ٤/ ٢٤٠٩ (صدد).","vol":"9","page":148},{"text":"الذي هو المنع، ويجوز أن يكون من (الصدود) الذي (١) هو الإعراض.\nوقوله تعالى: ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾. قال ابن عباس: (يريد: عن دين الله وطاعة الله) (٢). قال أهل المعاني: (سبيل الله الحق الذي دعا الله إليه) وقيل: (الطريق الذي دل الله (٣) أنه يؤدي إلى الجنة) (٤).\nوقوله تعالى: ﴿وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾، قال ابن عباس: (يريد: يصلون لغير الله، ويعظمون ما لم يعظم الله) (٥).\nومعنى هذا: أنهم طلبوا سبيل الله بالصلاة لغيره، وتعظيم ما لم يعظمه الله، فأخطأوا الطريق وطلبوه ضالين معوجّين عن الطريق (٦)، ﴿عِوَجًا﴾ على هذا المعنى مصدر (٧) في موضع الحال، وقد ذكرنا معنى ﴿وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ مستقصى في سورة آل عمران (٨).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1166>٤٦ </span>- وقوله تعالى: ﴿وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ﴾، والحجاب (٩) الحاجز بين\n_________\n(١) في (أ): (والذي هو) بالواو.\n(٢) \"تنوير المقباس\" ٢/ ٩٦، وأخرج ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٥/ ١٤٨٢ بسند ضعيف عن ابن عباس قال: (عن دين الله) اهـ.\n(٣) في (ب): (الذي دل إليه).\n(٤) انظر: \"تفسير الطبري\" ٨/ ١٨٧، والسمرقندي ١/ ٥٤٢.\n(٥) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ١٨٤، والبغوي ٣/ ٢٣١.\n(٦) انظر: \"تفسير الخازن\" ٢/ ٢٣٢ فقد ذكر مثله.\n(٧) انظر: \"تفسير ابن عطية\" ٥/ ٥١١.\n(٨) انظر: \"البسيط\" النسخة الأزهرية ١/ ٢٠٠/ ب\n(٩) الحجاب، بكسر الحاء: الستر، واسم ما احتجب به، وكل ما حال بين شيئين حجاب، والجمع حجب بالضم. انظر: \"العين\" ٣/ ٨٦، و\"جمهرة اللغة\" ١/ ٢٦٣، و\"تهذيب اللغة\" ١/ ٤٧٣، و\"الصحاح\" ١/ ١٠٧، و\"المجمل\" ١/ ٢٦٦، و\"المفردات\" ص ٢١٩، و\"لسان العرب\" ٢/ ٧٧٧ (حجب).","vol":"9","page":149},{"text":"الشيئين، قال الكلبي: (يعني: بين أهل الجنة وأهل النار، (حجاب) سور) (١) وهو الأعراف التي قال الله تعالى: ﴿وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ﴾ ولذلك عُرِّفت الأعراف لأنه عُني بها الحجاب المذكور (٢) في قوله: ﴿وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ﴾.\nوقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ﴾، ﴿الْأَعْرَافِ﴾ جمع: عُرْف (٣)، وهو كل عالٍ مرتفع، ومنه عُرف الفرس، عُرف الديك، وكل مرتفع من الأرض عُرف، وذلك لأنه بظهوره أعرف مما انخفض منه (٤)، قال عطاء عن ابن عباس: (﴿وَعَلَى الْأَعْرَافِ﴾ يريد: سور الجنة، وهو سور بين الجنة والنار) (٥). وروى أيضًا عنه أنه قال: (الأعراف شرف الصراط) (٦).\nواختلفوا في الرجال الذين هم على الأعراف؛ فقال ابن عباس\n_________\n(١) \"تنوير المقباس\" ٢/ ٩٦ وهو قول أهل التفسير. انظر: الطبري ٨/ ١٨٨، والسمرقندي ١/ ٥٤٢، والماوردي ٢/ ٢٢٥، وابن عطية ٥/ ٥١٢، والبغوي ٣/ ٢٣١، وابن الجوزي ٣/ ٢٠٤، والرازي ١٤/ ٨٦.\n(٢) انظر: \"الدر المصون\" ٥/ ٣٢٨ حيث نقل قول الواحدي.\n(٣) هذا قول الأزهري في \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٤٠٥، وانظر: \"مجاز القرآن\" ١/ ٢١٥، و\"تفسير غريب القرآن\" ص ١٧٨، و\"تفسير المشكل\" ص ٨٤.\n(٤) انظر: \"العين\" ٢/ ١٢١، و\"الجمهرة\" ٢/ ٧٦٦، و\"الصحاح\" ٤/ ١٤٠٠، و\"المجمل\" ٣/ ٦٦١، و\"المفردات\" ص ٥٦١، و\"اللسان\" ٥/ ٢٩٠١ (عرف).\n(٥) أخرجه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ١/ ٢/ ٢٢٩، والطبري ٨/ ١٨٨، ١٨٩، وابن أبي حاتم ٥/ ١٤٨٣، والأزهري في \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٤٠٥ (عرف) من عدة طرق جيدة، وقال الرازي في \"تفسيره\" ١٤/ ٨٧: (الذي عليه الأكثرون أن المراد من الأعراف أعالي ذلك السور المضروب بين الجنة والنار وهذا قول ابن عباس) اهـ.\n(٦) ذكره الرازي في \"تفسيره\" ١٤/ ٨٧، والقرطبي ٧/ ٢١٣، وأخرجه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ١/ ٢/ ٢٢٩ - ٢٣٠، والطبري ٨/ ١٨٩، وابن أبي هاشم ٥/ ١٤٨٣ بسند جيد عن ابن عباس قال: (الأعراف الشيء المشرف)، وانظر: \"الدر المنثور\" ٣/ ١٦٠.","vol":"9","page":150},{"text":"والأكثرون (١): (هم مؤمنون إلا أنهم استوت حسناتهم وسيئاتهم فمنعتهم (٢) حسناتهم من النار، ومنعتهم سيئاتهم من الجنة، فيقومون على سور الجنة، ثم يدخلهم الله الجنة بفضل رحمته، وهم آخر من يدخل الجنة)، وهو قول حذيفة (٣) (٤) وابن مسعود (٥) والكلبي (٦) واختيار\n_________\n(١) أخرجه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ١/ ٢/ ٢٢٩، والطبري ٨/ ١٩٠، ١٩١، وابن أبي حاتم ٥/ ١٤٨٣ من عدة طرق جيدة يقوي بعضها بعضًا عن ابن عباس، وأخرجه الطبري ٥/ ١٤٨٥ من عدة طرق عن عبد الله بن الحارث بن نوفل الهاشمي، وسعيد ابن جبير والضحاك، وأخرجه ابن أبي حاتم ٥/ ١٤٨٥ عن عبد الله بن الحارث، وقال بعده: (وروي عن أبي هريرة) اهـ. وهو قول مجاهد كما في تفسير مسلم بن خالد الزنجي ص ٤٧ - ٤٨، وأخرجه عنه النحاس في \"معانيه\" ٣/ ٤٠، وزاد ابن الجوزي في \"تفسيره\" ٣/ ٢٠٥ نسبة هذا القول إلى الشعبي وقتادة، وانظر: \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٤٢، و\"تفسير السمرقندي\" ١/ ٥٤٢، والماوردي ٢/ ٢٢٦، وابن عطية ٥/ ٥١٥.\n(٢) في (ب): (فمنعهم).\n(٣) حذيفة بن حُسَيْل بن جابر العبسي أبو عبد الله حليف الأنصار، واليمان لقب: حسيل، وهو صحابي جليل من السابقين إلى الإسلام عالم شجاع صاحب سر النبي - ﷺ - في المنافقين، وهو من أعيان المهاجرين شهد أحد، والمشاهد بعدها وله بها ذكر حسن وآثار شهيرة، وفضله ومناقبه وثناء الأئمة عليه كثير، توفي -﵁- سنة ٣٦ هـ. انظر: \"الحلية\" ١/ ٢٧٠، و\"الاستيعاب\" ١/ ٣٩٣ (٥١٠)، و\"سير أعلام النبلاء\" ٢/ ٣٦١، و\"تهذيب التهذيب\" ١/ ٣٦٧، و\"الإصابة\" ١/ ٣١٧، و\"الأعلام\" ٢/ ١٧١.\n(٤) أخرجه الطبري ٨/ ١٩٠، وابن أبي حاتم ٥/ ١٤٨٥، والحاكم في \"المستدرك\" ٢/ ٣٢٠ وقال: (حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه) ووافقه الذهبي في \"التلخيص\".\n(٥) أخرجه الطبري ٨/ ١٩١، والبغوي ٣/ ٢٣٢ بسند ضعيف.\n(٦) \"تنوير المقباس\" ٢/ ٩٦، و\"المطالب العالية\" ٣/ ٣٣٤.","vol":"9","page":151},{"text":"الفراء (١).\nوروي أن النبي - ﷺ - سئل عن أصحاب الأعراف فقال: \"هم قوم (٢) قتلوا في سبيل الله بمعصية آبائهم، فمنعهم النار قتلهم في سبيل الله، ومنعتهم الجنة معصية آبائهم، فهم آخر من يدخل الجنة\" (٣).\n_________\n(١) \"معاني الفراء\" ١/ ٣٧٩ - ٣٨٠ وهو الظاهر، واختيار الطبري ٨/ ١٩٤، والنحاس في \"معانيه\" ٣/ ٤٠، وقال: (وهذا القول أشهر وأعرف) اهـ، وانظر: \"إعراب النحاس\" ١/ ٦١٣، وقال ابن كثير في \"تفسيره\" ٢/ ٢٤٢: (واختلفت عبارات المفسرين في أصحاب الأعراف من هم، وكلها قريبة ترجع إلى معنى واحد وهو: أنهم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم. نص عليه حذيفة، وابن مسعود، وابن عباس، وغير واحد من السلف والخلف ﵏) اهـ. وقال ابن القيم كما في \"بدائع التفسير\" ٢/ ٢١٤ - ٢١٦: (وهذا هو الثابت عن الصحابة، وقد رويت فيه آثار كثيرة مرفوعة لا تكاد تثبت أسانيدها وآثار الصحابة في ذلك المعتمدة) اهـ.\n(٢) في (ب): (هم رجال).\n(٣) أخرجه ابن الأنباري في \"الأضداد\" ص ٣٦٩، والطبري ٨/ ١٩٣، وابن أبي حاتم ٥/ ١٤٨٤ بسند ضعيف، وذكره الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" ٧/ ٢٣ - ٢٤، وقال: (رواه الطبراني في الصغير والأوسط وفيه محمد بن مخلد الرعيني وهو ضعيف، وروى الطبراني نحوه وفيه أبو معشر نجيح بن عبد الرحمن السندي وهو ضعيف) اهـ. وذكره ابن كثير في \"تفسيره\" ٢/ ٢٤٢، وقال: (رواه ابن مردويه، وسعيد بن منصور وابن جرير وابن أبي حاتم من طرق عن أبي معشر به، وكذا رواه ابن ماجه مرفوعًا من حديث أبي سعيد الخدري، وابن عباس -والله أعلم- بصحة هذه الأخبار المرفوعة وقصارها أن تكون موقوفة، وفيه دلالة على ما ذكر) اهـ. وقال الشيخ أحمد شاكر -رحمه الله تعالى- في \"حاشية الطبري\" ١٢/ ٤٥٨ - ٤٥٩: (هذا خبر ضعيف لما فيه من المجاهيل ولضعف أبي معشر) اهـ. وذكره ابن حجر في \"الإصابة\" ٢/ ٤٢٦، ترجمة عبد الرحمن المزني، وفي \"المطالب العالية\" ١٤/ ٦٦٤ (٣٦٠٨)، والسيوطي في \"الدر\" ٣/ ١٦٣، ١٦٤ وفيه زيادة تخريج.","vol":"9","page":152},{"text":"وقال سليمان التيمي (١) وأبو مجلز (٢): (هم ملائكة يعرفون أهل الجنة وأهل النار، قال: فقيل لأبي مجلز، يقول الله تعالى: (﴿وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ﴾ وتزعم أنت أنهم ملائكة؟، فقال: إنهم ذكور ليسوا بإناث) (٣).\nوقوله تعالى: ﴿يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ﴾، قال المفسرون (٤): (إنهم يرون أهل الجنة فيعرفونهم ببياض وجوههم، ويرون أهل النار فيعرفونهم بسواد وجوههم وزرقة عيونهم).\nقال أبو إسحاق: (يعرفون أصحاب الجنة لأن سيماهم إسفار الوجوه والضحِك والاستبشار كما قال ﷿: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (٣٨) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (٣٩)﴾ [عبس:٣٨، ٣٩]، ويعرفون أصحاب النار بسواد وجوههم وغبرة (٥) وزرقة\n_________\n(١) لم أقف عليه، ولعله روى سليمان التيمي عن أبي مجلز بدلالة قوله: (قال: فقيل لأبي مجلز) والقائل هو سليمان التيمي كما أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ١٩٣، وابن أبي حاتم ٥/ ١٤٨٦ من عدة طرق جيدة عن سليمان التيمي عن أبي مجلز، وانظر: \"الدر المنثور\" ٣/ ١٦٤.\n(٢) أبو مجلز: لاحق بن حميد السدوسي، إمام. تقدمت ترجمته.\n(٣) هذا قوله رده أكثر أهل التفسير، قال الطبري ٨/ ١٩٣: (هو قول لا معنى له) اهـ، وقال ابن الجوزي ٣/ ٢٠٦: (فيه بُعد وخلاف للمفسرين) اهـ، وقال ابن كثير ٢/ ٢٤٣: (رواه ابن جرير وهو صحيح إلى أبي مجلز أحد التابعين وهو غريب من قوله، وخلات الظاهر من السياق، وقول الجمهور مقدم على قوله بدلالة الآية على ما ذهبوا إليه) اهـ.\n(٤) هذا قول مجاهد في \"تفسيره\" ١/ ٢٣٧، والفراء في \"معانيه\" ١/ ٣٧٩، والطبري ٨/ ١٩٤، ١٩٥، وأخرجه من عدة طرق جيدة عن ابن عباس ومجاهد والحسن وقتادة والسدي والضحاك وابن زيد، وانظر: \"معاني النحاس\" ٣/ ٣٨، والسمرقندي ١/ ٥٤٣، والماوردي ٢/ ٢٢٦، والبغوي ٣/ ٢٣٣، وابن عطية ٥/ ٥١٥، وابن الجوزي ٣/ ٢٠٦.\n(٥) لفظ: (غبرة) ساقط من (ب).","vol":"9","page":153},{"text":"عيونهم (١) كما قال جل ذكره: ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ (٤٠)﴾ [عبس: ٤٠]) (٢)\nقال ابن الأنباري: (إنما خص الله تعالى هؤلاء بمعرفة الجماعة دون الخلق؛ لأن موضعهم مرتفع عالٍ يرون فيه أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار دون الخلق، وكأن الاختصاص من أجل (٣) هذا المعنى) (٤) وذكرنا معنى السيما (٥) في سورة [البقرة] (٦).\nوقوله تعالى: ﴿وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾، قال الكلبي: (إذا نظروا إلى الجنة سلموا على أهلها فردوا ﵈، وإذا نظروا إلى النار ﴿قَالُوا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾) (٧).\nوقال عطاء عن ابن عباس: ﴿وَنَادَوْا﴾ (يريد: أصحاب الأعراف ﴿أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ (٨)، فردوا ﵈، فقال أصحاب الجنة لخزنة جهنم: ما لأصحابنا على أعراف الجنة لم يدخلوها؟ فقال الملائكة: ﴿وَهُم (٩) يَطْمَعُونَ﴾ (١٠)\n_________\n(١) لفظ: (وزرقة عيونهم) ساقط من (أ) ولا يوجد في \"معاني الزجاج\".\n(٢) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٤٣.\n(٣) في (ب): (من أجله)، وهو تحريف.\n(٤) لم أقف عليه عن ابن الأنباري. وانظر \"الأضداد\" لابن الأنباري ص ٣٦٨ - ٣٧٠.\n(٥) انظر: \"البسيط\" النسخة الأزهرية ١/ ١٦٣أ.\n(٦) لفظ: (البقرة) ساقط من (ب).\n(٧) \"تنوير المقباس\" ٢/ ٩٧، وهو قول أكثر المفسرين، انظر: \"الأضداد\" لابن الأنباري ص ٣٦٨، وتفسير الطبري ١٢/ ٤٦٤، والسمرقندي ١/ ٥٤٣، والبغوي ٣/ ٢٣٣، وابن عطية ٥/ ٥١٦، والرازي ١٤/ ٩٠.\n(٨) لفظ: (أن) ساقط من (ب).\n(٩) في (ب): (وهم).\n(١٠) ذكره السمين في \"الدر\" ٥/ ٣٣٠، وقال: (وهذا يبعد صحته عن ابن عباس إذ لا يلائم فصاحة القرآن) اهـ.","vol":"9","page":154},{"text":"وقولى تعالى: ﴿لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾ بعضه من قول أهل الجنة، وبعضه من كلام الملائكة جوابًا لأهل الجنة، على ما قال عطاء، وعلى قول الباقين هو من كلام الله تعالى، وإخباره أن أصحاب الأعراف لم يدخلوا الجنة وهم يطمعون (١).\nقال حذيفة: (ولم يكن الله ليخيب طمعهم) (٢)، وقال سعيد بن جبير: (طمعوا لأن الله تعالى سلب نور المنافقين وهم على الصراط وبقي نورهم) (٣).\nوروي عن الحسن أنه قال: (هذا طمع اليقين، كقول إبراهيم ﵇: ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي﴾ [الشعراء: ٨٢]) (٤).\n_________\n(١) قال النحاس في \"معانيه\" ٣/ ٣٩: (قال الله ﷿: ﴿لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾. قال أكثر أهل التفسير يعني أصحاب الأعراف) اهـ. فهذا إخبار من الله تعالى أن أصحاب الأعراف لم يدخلوا الجنة وهم يطمعون في دخولها قاله الجمهور. انظر: \"تفسير الطبري\" ٨/ ١٩٦، و\"القطع والائتناف\" للنحاس ١/ ٢٥٣، والسمرقندي ١/ ٥٤٣، والبغوي ٣/ ٢٣٣، وابن الجوزي ٣/ ٢٠٦.\n(٢) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ١٨٥، وانظر: \"إيضاح الوقف والابتداء\" لابن الأنباري ٢/ ٦٥٥.\n(٣) أخرجه الطبري ٨/ ١٩٦، والبغوي ٣/ ٢٣٢ بسند ضعيف عن سعيد بن جبير عن ابن مسعود ﵁.\n(٤) ذكره هود الهواري في \"تفسيره\" ٢/ ٢١، وأخرج عبد الرزاق في \"تفسيره\" ١/ ٢/ ٢٣٠، والطبري ٨/ ١٩٦، وابن أبي حاتم ٥/ ١٤٨٨ بسند جيد عن الحسن قال: (والله ما جعل ذلك الطمع في قلوبهم إلا لكرامة يريدها بهم) اهـ. وانظر: \"الدر المنثور\" ٣/ ١٦٥، وذكره أبو حيان في \"البحر\" ٤/ ٣٠٣ عن ابن مسعود، ثم قال: (وهذا هو الاظهر والأليق بمساق الآية) اهـ. وانظر: \"تفسير ابن عطية\" ٥/ ٥١٦.","vol":"9","page":155},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1167>٤٧ </span>- قوله تعالى: ﴿وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ الآية، التلقاء (١): جهة اللقاء وهي جهة المقابلة، ولذلك (٢) كان ظرفًا من ظروف المكان، هو تلقاءك، كقولك: هو حذاءك، وهو في الأصل مصدر واستعمل ظرفًا مثل البين.\nقرأت على أبي الحسين (٣) بن أبي عبد الله الفسوي (٤)، فقلت: أخبركم حمد بن محمد (٥) قال، أخبرني أبو عمر (٦) محمد بن عبد الواحد (٧) أبنا ثعلب عن الكوفيين، والمبرد عن البصريين قالا: (لم يأت من المصادر على تِفْعال إلا حرفان: تِبْيان، وتِلْقاء، فإذا تركت هذين استوى لك القياس في كلام الناس، فقلت في كل مصدر: تَفعال -بفتح التاء- مثل تَسْيار وتَهمام، وقلت في كل اسم: تِفعال -بكسر التاء- مثل تِقصار وتِمثال) (٨). وتفسير الآية ما ذكرنا من قول الكلبي في الآية الأولى.\n_________\n(١) اللِّقاءُ: مقابلة الشيء ومصادفته، والاسم التلقاء وهو مصدر نادر لا نظير له إلا التَّبْيان. انظر: \"العين\" ٥/ ٢١٥، و\"الجمهرة\" ٢/ ٩٧٧، و\"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٢٩٠، و\"الصحاح\" ٦/ ٢٤٨٤، و\"المجمل\" ٣/ ٨١١، و\"مقاييس اللغة\" ٥/ ٢٦٠، و\"المفردات\" ص ٧٤٥، و\"اللسان\" ٧/ ٤٠٦٥ (لقى).\n(٢) في (ب): (وكذلك قال ظرفًا)، وهو تحريف.\n(٣) في (ب): (أبي الحسن)، وهو تحريف.\n(٤) هو عبد الغافر بن محمد بن عبد الغافر بن أحمد الفسوي أبو الحسين بن أبي عبد الله الفارسي، أحد شيوخ الواحدي. تقدمت ترجمته.\n(٥) حمد بن محمد الخطابي أبو سليمان البستي، إمام، سبقت ترجمته في ص١٩٠.\n(٦) في (أ): (أبو عمرو)، وهو تحريف.\n(٧) محمد بن عبد الواحد بن أبي هاشم البَاورْدَي، تقدمت ترجمته.\n(٨) ذكره الرازي ١٤/ ٧٥ عن الواحدي، وقال السمين في \"الدر\" ٥/ ٣٣١: (التلقاء في =","vol":"9","page":156},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1168>٤٨ </span>- قوله تعالى: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾، قال الكلبي: (وينادي أصحاب الأعراف قومًا من أهل النار من رؤساء المشركين، فيقولون (١) لهم: ﴿مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ﴾ وما كنتم تستكثرون (٢) من الأموال والأولاد، وتستكبرون عن عبادة الله جل وعلا، ثم يرون في الجنة جماعة من مستضعفي المسلمين، مثل بلال، وسلمان (٣)، وعمار، وخباب؛ فيقبلون على المشركين فيقولون: ﴿أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ﴾ [الأعراف:٤٩] أي: حلفتم وأنتم في الدنيا ﴿لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ﴾ برحمته، فيقول الله ﵎ لأصحاب الأعراف: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ﴾ حين يخاف أهل النار ﴿وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ حين يحزنون) (٤).\n_________\n= الأصل مصدر، ثم جعل دالًا على المكان، أي: على جهة اللقاء والمقابلة، قالوا: ولم يجيء من المصادر على تفعال -بكسر التاء- إلا لفظتان: التلقاء، والتبيان، وما عدا ذلك من المصادر فمفتوح نحو الترداد والتكرار، ومن الأسماء مكسور نحو تِمثال وتِمساح وتِقصار) اهـ.\nانظر: \"التبيان\" ص ٣٧٧، و\"الفريد\" ٢/ ٣٠٦، والقرطبي ٧/ ٢١٤.\n(١) في (ب): (فيقول).\n(٢) في (ب): (تستكبرون)، وهو تحريف.\n(٣) سلمان أبو عبد الله الفارسي، ويقال له سلمان الخير، وسلمان ابن الإِسلام، صحابي جليل، زاهد، عالم، حكيم، شهد الخندق وما بعدها، وفضله ومناقبه وثناء الأئمة عليه كثير، توفي -﵁- سنة ٣٤ هـ.\nانظر: \"الحلية\" ١/ ١٨٥، و\"الاستيعاب\" ٢/ ١٩٤ (١٠١٩)، و\"سير أعلام النبلاء\" ١/ ٥٠٥، و\"الإصابة\" ١/ ٦٢، و\"تهذيب التهذيب\" ٢/ ٦٨، و\"الأعلام\" ٣/ ١١١.\n(٤) \"تنوير المقباس\" ٢/ ٩٧ - ٩٨، وذكره ابن الأنباري في \"الأضداد\" ص ٣٦٩ - ٣٧٠، والبغوي ٣/ ٢٣٣، وابن الجوزي ٣/ ٢٠٧ - ٢٠٨.","vol":"9","page":157},{"text":"و(١) قال مقاتل بن سليمان: (﴿أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ﴾ من كلام الملائكة الذين حبسوا أصحاب الأعراف على الصراط، وذلك أن أهل النار يقسمون أن أصحاب الأعراف داخلون معهم النار، فتقول الملائكة الذين حبسوا أصحاب الأعراف على الصراط: ﴿أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ﴾ يا أهل النار ﴿لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ﴾، ثم تقول الملائكة لأصحاب الأعراف ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾ الآية) (٢).\nقال أبو بكر بن الأنباري: (قوله: ﴿أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ﴾ على تفسير الكلبي من كلام أصحاب الأعراف و﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾ من كلام الله تعالى، ويحتاج هاهنا إلى إضمار (قول) بين قوله ﴿بِرَحْمَةٍ﴾ وقوله: ﴿ادْخُلُوا﴾ أي: فقال (٣) لهم هذا كما قال: ﴿يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ﴾ [الشعراء: ٣٥]، وانقطع كلام الملأ (٤) هنا، ثم قال لهم فرعون: ﴿فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ [الشعراء: ٣٥]، فاتصل كلامه بكلامهم، من غير إظهار قول؛ لبيان المعنى) (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1169>٥٠ </span>- قوله تعالى: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ﴾ الآية، قال ابن عباس في رواية عطاء: (لما صار أصحاب الأعراف إلى الجنة طمع أهل النار بفرج بعد الإياس؛ فقالوا (٦): يا رب إن لنا قرابات\n_________\n(١) لفظ: (الواو) ساقط من (ب).\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٣٩.\n(٣) فقال الله لهم.\n(٤) في (ب): (الملائكة)، وهو تحريف.\n(٥) ذكره السمين في \"الدر\" ٥/ ٣٣٢، وذكره الرازي ١٤/ ٩١، ٩٢ بلا نسبة، وانظر: \"إيضاح الوقف والابتداء\" الأبن الأنباري ٢/ ٦٥٧.\n(٦) في (ب): (فقال)، وهو تحريف.","vol":"9","page":158},{"text":"من أهل الجنة فأذن لنا حتى نراهم ونكلمهم، فأمر الله الجنة فتزخرفت حتى نظر أهل جهنم إلى قراباتهم في الجنة وما هم فيه من النعيم فعرفوهم، ونظر أهل الجنة إلى قراباتهم من أهل النار (١) فلم يعرفوهم قد اسودت وجوههم وصاروا خلقًا آخر، فنادى أصحاب النار أصحاب الجنة بأسمائهم، وأخبروهم بقراباتهم ﴿أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ﴾ الآية) (٢).\nوقوله تعالى: ﴿أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾، قال ابن زيد والسدي: (يعني: الطعام) (٣).\nقال أبو إسحاق: (أعلم الله ﷿ أن ابن آدم غير مستغن عن الطعام والشراب، وإن كان معذبًا، فأعلمهم أهل الجنة أن الله حرم طعامهم وشرابهم على أهل النار بقولهم (٤): ﴿إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ﴾) (٥)، [و] هذا (٦) تحريم منع لا تحريم تعبد.\n_________\n(١) في (ب): (أهل جهنم).\n(٢) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ١٨٦، والبغوي ٣/ ٢٣٤، وابن الجوزي ٣/ ٢٠٨، والرازي ١٤/ ٩٢، و\"الخازن\" ٢/ ٢٣٥، وأخرج سفيان الثوري في \"تفسيره\" ص ١١٣، والطبري ٨/ ٢٠١، وابن أبي حاتم ٥/ ١٤٩٠ بسند جيد عن ابن عباس في الآية قال: ينادي الرجل معرفته من أهل الجنة: أغثني يا فلان فقد احترقت، فيقول الله تعالى جل ذكره: ﴿إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ اهـ. وانظر: \"الدر المنثور\" ٣/ ١٦٦.\n(٣) أخرجه الطبري ٨/ ٢٠١، وابن أبي حاتم ٥/ ١٤٩١ بسند جيد عن ابن زيد والسدي، وانظر: \"الدر المنثور\" ٣/ ١٦٦.\n(٤) في (ب): (بقوله).\n(٥) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٤٤.\n(٦) لفظ: (الواو) ساقط من (ب).","vol":"9","page":159},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1170>٥١ </span>- قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا﴾. قال ابن عباس (١): (يريد: المستهزئين المقتسمين) (٢).\nقال أهل المعاني (٣) (معنى اللهو: صرف الهمّ بما لا يحسن، كالإنسان يريد أن يصرف الهمّ والحزن عن نفسه فيشتغل بما لا يجدي عليه، وهؤلاء طلبوا صرف الهمّ عنهم بالتهزّئ بالدين وعيب المؤمنين)، وعلى هذا معنى قوله ﴿دِينَهُمْ﴾ أي: الدين الذي شرع لهم، وهؤلاء تلاعبوا بذلك [الدين] (٤).\nوقوله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا﴾.\nقال ابن عباس: (يريد: نتركهم في جهنم كما تركوا لقاء يومهم هذا) (٥) يريد: التكذيب بالبعث والجنة والنار، ومعنى ﴿نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ﴾\n_________\n(١) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ١٩٠، وابن الجوزي ٣/ ٢٠٩، والرازي ١٤/ ٩٣، و\"الخازن\" ٢/ ٢٣٥.\n(٢) المستهزئين المقتسمين: جماعة لهم قوة وشوكة من كفار قريش نصبوا العداء للرسول - ﷺ -، وتقاسموا عقاب مكة للصد عن ما جاء به، وقد اختلف العلماء في عددهم، وأسمائهم، وكيفية هلاكهم.\nانظر: \"تفسير الماوردي\" ٣/ ١٧٢، و\"زاد المسير\" ٤/ ٤٢١، والرازي ١٩/ ٢١١، و\"الدر المنثور\" ٤/ ١٩٨.\n(٣) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٤٠، والطبري ٨/ ٢٠٢، والسمرقندي ١/ ٥٤٤، وأخرج الطبري ٨/ ٢٠٢ بسند جيد عن ابن عباس في الآية قال: (ذلك أنهم كانوا إذا دعوا إلى الإيمان سخروا ممن دعاهم إليه وهزأوا به اغترارًا بالله) اهـ.\n(٤) لفظ: (الدين) ساقط من (ب).\n(٥) أخرجه الطبري ٨/ ٢٠٢، وابن أبي حاتم ٥/ ١٤٩٢، والبيهقي في \"الأسماء والصفات\" ص ٦٢٠ بسند جيد، وقال البيهقي: (يريد والله أعلم كما تركوا الاستعداد للقاء يومهم هذا) اهـ. وانظر: \"الدر المنثور\" ٣/ ١٦٧.","vol":"9","page":160},{"text":"تركوه بالتكذيب به (١)، كما قال ابن عباس.\nوقال الزجاج: (أي: نتركهم في عذابهم كما تركوا العمل للقاء يومهم) (٢)، وهذا قول الحسن (٣)، ومجاهد (٤)، والسدي (٥)، وجميع المفسرين (٦)؛ قالوا: (إن معنى النسيان هاهنا: الترك).\nقال ابن الأنباري: (فاليوم نتركهم في النار على غير إغفال ونسيان، كما تركوا العمل لنا عامدين لا غافلين، فمعنى تركهم لقاء ذلك اليوم: تركهم العمل بطاعة الله لذلك اليوم) (٧)\nوقال أصحاب المعاني: (معنى ﴿نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا﴾: نعاملهم معاملة من نسي بتركهم (٨) في النار كما فعلوا في الإعراض عن آياتنا وما ندبناهم إلى العمل به، فِعْل من نسي وغفل، فكذلك (٩) نجازيهم بمثل فعلهم،\n_________\n(١) لفظ: (به) ساقط من (ب).\n(٢) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٤١.\n(٣) ذكره الرازي ١٤/ ٩٣، قال: (هو قول الحسن ومجاهد والسدي والأكثرين) اهـ، وقال أبو حيان في \"البحر\" ٤/ ٣٠٥، (وهو قول الحسن والسدي أيضًا والأكثرون).\n(٤) \"تفسير مجاهد\" ١/ ٢٣٨، وأخرجه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ١/ ٢/ ٢٣٠، والطبري ٨/ ٢٠٢ من عدة طرق جيدة.\n(٥) أخرجه ابن أبي حاتم ٥/ ١٤٩٢ من طرق جيدة عن مجاهد والسدي، وانظر: \"الدر المنثور\" ٣/ ١٦٧.\n(٦) انظر: الطبري ٨/ ٢٠٢، و\"معاني النحاس\" ٣/ ٤١، والسمرقندي ١/ ٥٤٤، والبغوي ٣/ ٢٣٤، وابن عطية ٥/ ٥٢١.\n(٧) ذكره ابن الجوزي في \"تفسيره\" ٣/ ٢٠٩، وفي \"الأضداد\" لابن الأنباري ص ٣٩٩ نحوه، وانظر: \"مجاز القرآن\" ١/ ٢١٥، و\"تفسير غريب القرآن\" ص ١٧٨.\n(٨) في (ب): (نتركهم).\n(٩) في (ب): (وكذلك).","vol":"9","page":161},{"text":"فنوقع بهم ما يشبه النسيان بأن لا نجيب لهم دعوة ولا نرحم لهم عبرة) (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾. قال الزجاج: (أي: كجحدهم (٢)، ﴿وَمَا﴾ في موضع جر نسق على ﴿كَمَا﴾ (٣) و(ما) في قوله ﴿كَمَا نَسُوا﴾ وقوله: ﴿وَمَا كَانُوا﴾ بمعنى المصدر، والتقدير: ننساهم نسيانًا كنسيانهم يومهم هذا ولكونهم جاحدين بآياتنا، قاله أبو علي (٤).\nقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ﴾ [الأعراف:٥٢]، قال ابن عباس: (يريد: الذي جاء به محمد - ﷺ -، ﴿فَصَّلْنَاهُ﴾ يريد: بيناه) (٥)، والتفصيل تبيين المعاني بإظهارها مما يلتبس بها، فالتفصيل كالتبيين (٦).\n_________\n(١) ذكره الرازي ١٤/ ٩٣، و\"الخازن\" ٢/ ٢٣٥، وقال ابن كثير في تفسير الآية ٢/ ٢٤٥: (أي: يعاملهم معاملة من نسيهم لأنه تعالى لا يشذ عن علمه شيء ولا ينساه .. وإنما قال تعالى هذا من باب المقابلة) اهـ. ملخصًا.\n(٢) في (ب): (أي ولجحدهم).\n(٣) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٤١.\n(٤) \"الحجة\" لأبي علي ٣/ ٦٠ و٦/ ٢١٦ - ٢١٧ و٢١٩، وهو قول الأكثر. انظر: \"الإيضاح\" لابن الأنباري ٢/ ٦٥٧، و\"إعراب النحاس\" ١/ ٦١٥، و\"المشكل\" ١/ ٢٩٣، و\"البيان\" ١/ ٣٦٤، و\"الفريد\" ٢/ ٣٠٩، و\"الدر المصون\" ٥/ ٣٣٦.\n(٥) \"تنوير المقباس\" ٢/ ٩٩، وهو قول عامة المفسرين. انظر: الطبري ٨/ ٢٠٣، والسمرقندي ١/ ٥٤٤ - ٥٤٥، والبغوي ٣/ ٢٣٥، وابن عطية ٥/ ٥٢٢، وابن الجوزي ٣/ ٢٠٩.\n(٦) التفصيل - التبيين، وأصل الفَصْل القطع والقضاء وإبانة الشيء عن الآخر. انظر: \"العين\" ٧/ ١٢٦، و\"الجمهرة\" ٢/ ٨٩١، و\"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٧٩٥، و\"الصحاح\" ٥/ ١٧٩٠، و\"مقاييس اللغة\" ٤/ ٥٠٥، و\"المفردات\" ص ٦٣٩، و\"اللسان\" ٦/ ٣٤٢٢ (فصل).","vol":"9","page":162},{"text":"وقوله تعالى: ﴿عَلَى عِلْمٍ﴾ أي: فصلناه بعلم لم يقع منا فيه سهو ولا غلط، وقيل: ﴿عَلَى عِلْمٍ﴾ في الكتاب وهو ما أودع من العلوم (١) وبيان الأحكام.\nوقوله تعالى: ﴿هُدًى وَرَحْمَةً﴾، قال الزجاج: (﴿هُدًى﴾ في موضع نصب أي: فصلناه هاديًا وذا رحمة) (٢).\nوقوله تعالى: ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ يدل على أن القرآن جُعل هدى لقوم مخصوصين أريد به هدايتهم دون غيرهم ممن كذب به.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1171>٥٣ </span>- قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ﴾، النظر هاهنا بمعنى: الانتظار (٣)، وقد مر في سورة البقرة (٤)، وإنما قيل لهم ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾، وإن كانوا جاحدين؛ لأنهم في منزلة المنتظر كأنهم ينتظرون ذلك لأنهم\n_________\n(١) أكثرهم قال: (المعنى بيناه على علم منا بما فصلناه به) اهـ. انظر: \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٤٠، والطبري ٨/ ٢٠٣، والسمرقندي ١/ ٥٤٥، والماوردي ٢/ ٢٢٨، والبغوي ٣/ ٢٣٥، وابن الجوزي ٣/ ٢١٠.\n(٢) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٤١، والجمهور على نصبهما على الحال من مفعول ﴿فَصَّلْنَاهُ﴾ أو على أنه مفعول لأجله أي: فصلناه لأجل الهداية والرحمة. قالوا: ويجوز الجر على النعت لكتاب أو البدل منه، والرفع على تقدير مبتدأ أي: هو هدى ورحمة انظر: \"معاني الفراء\" ١/ ٣٨٠، و\"تفسير الطبري\" ٣/ ٢٠٨، و\"إعراب النحاس\" ١/ ٦١٥، و\"المشكل\" ١٢٩٣، و\"البيان\" ١/ ٣٦٤، و\"التبيان\" ص ٣٧٨، و\"الفريد\" ٢/ ٣٠٩، و\"البحر\" ٤/ ٣٠٦، و\"الدر المصون\" ٥/ ٣٦٦.\n(٣) النَّظَر: تقليب البَصَرِ والبَصيرة لإدراك الشيء وتأمله ورؤيته، والنَّظَر: الانتظار يقال: نَظَرْتُه أي انتظَرْتْه، وأَنْظَرْتُه - أخَّرْتُه. انظر: \"الجمهرة\" ٢/ ٧٦٣، و\"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٦٠٤، و\"الصحاح\" ٥/ ٣٨٠، و\"المجمل\" ٣/ ٨٧٣، و\"مقاييس اللغة\" ٥/ ٤٤٤، و\"المفردات\" ص ٨١٣، و\"اللسان\" ٧/ ٤٤٦٦ (نظر).\n(٤) انظر: \"البسيط\" النسخة الأزهرية ١/ ١٢٦ب.","vol":"9","page":163},{"text":"يأتيهم لا محالة، وفيه وجه آخر ذكرناه في قوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ [الأنعام: ١٥٨] في آخر سورة الأنعام.\nوقوله تعالى: ﴿إِلَّا تَأْوِيلَهُ﴾. قال الفراء: (الهاء في ﴿تَأْوِيلَهُ﴾ للكتاب يريد: عاقبته وما وعد الله فيه) (١) [يعني: من البعث والنشور والعقاب والحساب.\nوقال مقاتل (٢): ﴿إِلَّا تَأْوِيلَهُ﴾ عاقبة ما وعدوا] (٣) على ألسنة الرسل. ومضى (٤) الكلام في التأويل في سورة آل عمران (٥) أولًا، ثم في النساء (٦) ثانيًا.\nوقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ﴾. قال ابن عباس: (يريد: يوم القيامة) (٧).\n_________\n(١) \"معاني الفراء\" ١/ ٣٨٠، وانظر: \"مجاز القرآن\" ١/ ٢١٦، و\"تفسير غريب القرآن\" ص ١٧٨.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٤٠، وقال النحاس في \"إعراب القرآن\" ١/ ٦١٦ (في معناه قولان: أحدهما: هل ينظرون إلا ما وعدوا به في القرآن من العقاب والحساب، والقول الآخر: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ﴾ من النظر إلى يوم القيامة) اهـ. وانظر: \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٤١، والطبري ٨/ ٢٠٤، و\"معاني النحاس\" ٣/ ٤١ - ٤٢، والسمرقندي ١/ ٥٤٥، والماوردي ٢/ ٢٢٨.\n(٣) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).\n(٤) في النسخ: (ومعنى) والأولى (ومضى).\n(٥) انظر: \"البسيط\" النسخة الأزهرية ١/ ١٧٥ أ.\n(٦) انظر: \"البسيط\" نسخة جستربتي ٢/ ٤ أ.\n(٧) أخرجه الطبري ٨/ ٢٠٤، وابن أبي حاتم ٥/ ١٤٩٤ بسند ضعيف، وقال ابن القيم كما في \"بدائع التفسير\" ٢/ ٢١٧ - ٢١٨ (فمجيء تأويله مجيء نفس ما أخبرت به الرسل من اليوم الآخر والمعاد وتفاصيله، والجنة والنار ويسمى تعبير الرؤيا تأويلًا بالاعتبارين، فإنه تفسير لها وهو عاقبتها وما تؤول إليه، فتأويل ما أخبرت به الرسل =","vol":"9","page":164},{"text":"قال الزجاج: (﴿يَوْمَ﴾ نصب بقوله ﴿يَقُولُ﴾ (١). قال: [و] (٢) ﴿الَّذِينَ نَسُوهُ﴾ معناه (٣) أنهم صاروا في الإعراض عنه بمنزلة من نسى، وجائز أن يكون ﴿نَسُوهُ﴾ تركوا (٤) العمل له والإيمان له) (٥)، وهذا كما ذكرنا في قوله: ﴿كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا﴾ [الأعراف:٥١].\nوقوله تعالى: ﴿أَوْ نُرَدُّ﴾ نسق على قوله: ﴿فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ﴾، كأنه قيل: هل يشفع لنا شافع، أو هل نرد ﴿فَنَعْمَلَ﴾، منصوب على جواب الاستفهام [بالفاء (٦)] (٧)، ومعنى: ﴿فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾ نوحد الله قاله ابن عباس (٨).\n_________\n= هو مجيء حقيقته ورؤيتها عيانًا ومنه تأويل الرؤيا وهو حقيقتها الخارجية التي ضربت للرائي في عالم المثال) اهـ.\n(١) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٤١، وانظر: \"إعراب النحاس\" ١/ ٦١٦، و\"المشكل\" ١/ ٢٩٣، و\"البيان\" ١/ ٣٦٤، و\"التبيان\" ص ٣٧٨، و\"الفريد\" ٢/ ٣١٠، و\"الدر المصون\" ٥/ ٣٣٧ وكلهم على أنه منصوب على الظرف والعامل فيه ﴿يَقُولُ﴾.\n(٢) لفظ: (الواو) ساقط من (ب).\n(٣) في (ب): (معنا)، وهو تحريف.\n(٤) في (ب): (تركوه العمل)، وهو تحريف.\n(٥) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٤١ - ٣٤٢، وانظر: الطبري ٨/ ٢٠٤، و\"معاني النحاس\" ٣/ ٤٢، والسمرقندي ١/ ٥٤٥، والماوردي ٢/ ٢٢٩.\n(٦) لفظ: (بالفاء) ساقط من (ب).\n(٧) هذا قول الزجاج في \"معانيه\" ٢/ ٣٤٢ وهو المشهور، وقول الجمهور: (فتكون جملة ﴿أَوْ نُرَدُّ﴾ معطوفة على جملة ﴿فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ﴾ داخلة معها في حكم الاستفهام. انظر: \"معاني الفراء\" ١/ ٣٨٠، والأخفش ٢/ ٣٠٠، و\"تفسير الطبري\" ١٢/ ٢٠٥، و\"إعراب النحاس\" ١/ ٦١٦، و\"المشكل\" ١/ ٢٩٣، و\"البيان\" ١/ ٣٦٤، و\"التبيان\" ص ٣٧٨، و\"الفريد\" ٢/ ٣١٠، و\"البحر\" ٤/ ٣٠٦، و\"الدر المصون\" ٥/ ٣٣٧.\n(٨) \"تنوير المقباس\" ٢/ ٩٩ وفيه: (فنؤمن ونعمل غير الذي كنا نعمل في الشرك) اهـ.","vol":"9","page":165},{"text":"قال الله تعالى (١): ﴿قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾، قال ابن عباس: (يريد: قد خسروا النعيم (٢) وصاروا إلى الخزي والعذاب) (٣) ومضى الكلام (٤) في: ﴿خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾.\nوقوله تعالى: ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾، يريد: سقط عنهم ما كانوا (٥) يقولون من أن مع الله إلهًا آخر (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1172>٥٤ </span>- قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ الآية. قال الليث: (السِّتُّ والسِّتة في التأسيس على غير لفظيهما، وهما في الأصل سِدْس وسِدْسَة، ولكنهم أرادوا إدغام الدال في السين فالتقتا عند مخرج التاء فغلبت (٧) عليهما، وبيان ذلك أنك [تصغر] (٨) ستة سُدَيْسة، وكذلك الأسداس، وجميع تصريفهما (٩) على ذلك) (١٠).\n_________\n(١) في (ب) تكرار قال الله تعالى: ﴿قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾.\n(٢) في (ب): (خسروا النعيم)، وهو تصحيف.\n(٣) \"تنوير المقباس\" ٢/ ٩: وفيه (غبنوا أنفسهم بذهاب الجنة ولزوم النار) اهـ.\n(٤) انظر: معنى الخسران في \"البسيط\" البقرة: ٢٧.\n(٥) في (ب) تكرار: (يريد سقط عنهم ما كانوا يفترون يريد سقط عنهم ما كانوا يقولون ...)\n(٦) انظر: \"تفسير الطبري\" ٨/ ٢٠٥، والسمرقندي ١/ ٥٤٥، والبغوي ٣/ ٢٣٥.\n(٧) في (ب): (فقلبت)، وهو تصحيف.\n(٨) لفظ: (تصغر) ساقط من (أ).\n(٩) في (ب): (تصريفها) وعند الأزهري في \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٦٢٣: (تصغيرها).\n(١٠) \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٦٢٣، وانظر: \"العين\" ٧/ ١٨٦ (ست).","vol":"9","page":166},{"text":"ابن السكيت: (يقال: جاء فلان سادسًا، وساديًا، وساتًّا؛ فسادس على لفظ السُّدس، وساتّ على لفظ ستَّة أدغموا الدال في السين فصارت تاء مشددة، ومن قال ساديًا أبدل من السين ياء) (١).\nقال أهل التفسير: (قوله ﴿فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾، أراد: في مقدار ستة أيام؛ لأن اليوم من لدن طلوع الشمس إلى غروبها، فكيف [يكون] (٢) يوم ولا شمس ولا سماء؟ وهذا كقوله: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم: ٦٢] على مقادير البكرة والعشي في الدنيا؛ إذ لا ليل ثم ولا نهار (٣)، فإن قيل: لأي علة ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾، ولو خلقهن في طرفة عين كان أدل على نفاذ قدرته، والله تعالى يقول: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ [القمر: ٥٠]، والجواب: ما قال سعيد بن جبير: (قدر الله على خلق السموات والأرض في لمحة ولحظة، وإنما خلقهن في ستة أيام تعليمًا لخلقه الرفق والتثبت في الأمور) (٤).\nوقال أهل المعاني: (إن تدبير الحوادث على إنشاء شيء بعد شيء\n_________\n(١) \"إصلاح المنطق\" ص ٣٠١، و\"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٦٢٣. وانظر: \"الصحاح\" ١/ ٢٥١ (ستت)، و\"المفردات\" ص ٤٠٣ (سدس)، و\"اللسان\" ٤/ ١٩٣٥ (ستت).\n(٢) لفظ: (يكون) ساقط من (ب).\n(٣) قال ابن الجوزي في \"تفسيره\" ٣/ ٢١١: (أي في مقدار ذلك ولم تكن الشمس حينئذ، قال ابن عباس ومجاهد والضحاك وكعب: مقدار كل يوم من تلك الأيام ألف سنة. ولا نعلم خلافًا في ذلك) اهـ. بتصرف.\nوانظر: \"تفسير السمرقندي\" ١/ ٥٤٥، والبغوي ٣/ ٢٣٥، وابن عطية ٥/ ٥٢٥، والرازي ١٤/ ١١٨، والقرطبي ٧/ ٢١٩.\n(٤) ذكره الثعلبي في \"الكشف\" ١٩١ أ، والبغوي ٣/ ٢٣٥، و\"الخازن\" ٢/ ٢٣٧.","vol":"9","page":167},{"text":"على ترتيب، أدل على عالم مدبر يصرفه على اختياره ويجريه على مشيئته) وقيل: (أراد بذلك زيادة البصيرة للملائكة في يقينهم (١) لما يشاهدونه من ظهور شيء وإنشاء خلق بعد خلق) (٢).\nوقال أبو بكر بن الأنباري: (إن الله (٣) خلق السموات والأرض والليل والنهار تكرمة لآدم وذريته، وقد بيّن هذا في قوله: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً﴾ الآية [البقرة: ٢٢]، وفي قوله: ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ [القصص: ٧٣]، فلما كان خلق هذه الأشياء تكرمة لآدم وولده، وكانت الأيام سبعة أوقع في كل يوم منها ضربًا من التكرمة نبه به الملائكة على عظم شأن آدم وولده عنده، وكان خلق السموات والأرض في ستة أيام عن غير عجز من الله ﷿ أن يكون في لمحة، ولكنه تعالى أراد أن يوقع في كل يوم منها أمرًا من خلقه تستعظمه الملائكة وجميع المشاهدين له) (٤)، وهذا معنى قول مجاهد: (إن ذلك رُتِّب على الأيام: الأحد والاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس والجمعة، فاجتمع الخلق فيه) (٥).\n_________\n(١) في (ب): (في نفسهم).\n(٢) ذكر هذه الأوجه الماوردي ٢/ ٢٣٠، وابن الجوزي ٣/ ٢١٢، والرازي ١٤/ ١١٨ و\"الخازن\" ٢/ ٢٣٧، وقال النحاس في \"إعراب القرآن\" ١/ ٦١٧: (لأنه علم أن ذلك أصلح ليظهر قدرته للملائكة شيئًا بعد شيء) اهـ.\n(٣) في (ب): (الله تعالى).\n(٤) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ١٩١، وابن الجوزي ٣/ ٢١٢ مختصرًا.\n(٥) أخرجه الطبري ٨/ ٢٠٥، والبيهقي في \"الأسماء والصفات\" ٢/ ٢٤٣ بسند جيد، وذكره السيوطي في \"الدر\" ٣/ ١٦٩.","vol":"9","page":168},{"text":"وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ أي: أقبل على خلقه، وقصد إلى ذلك بعد خلق السموات والأرض، وهذا قول الفراء (١) وأبي العباس (٢) والزجاج (٣).\nوقال آخرون: ﴿اسْتَوَى﴾ معناه استولى (٤) واحتجوا بقول البعيث (٥):\nثم اسْتَوَى بِشْرُ على العِرَاقِ ... من غير سيفٍ ودمٍ مُهْرَاقِ (٦)\n_________\n(١) \"معاني الفراء\" ١/ ٢٥ وفيه حكى أوجه منها: (أن يستوي الرجل وينتهي شبابه أو يستوي عن اعوجاج، وبمعنى أقبل، وبمعنى صعد، وكل في كلام العرب جائز).\n(٢) \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٧٩٤، وفي \"مجالس ثعلب\" ١/ ١٧٤ و٢٦٩ قال: (يقال فيه ضروب، الفراء وأصحابنا يقولون أقبل. ويقال: استوى عليه من الاستواء، والمعتزلة يقولون: استولى) اهـ.\n(٣) \"معاني الزجاج\" ١/ ١٠٧ قال: (فيه قولان: عمد وقصد إلى السماء، كما تقول: قد فرغ الأمير من بلد كذا وكذا ثم استوى إلى بلد كذا، معناه قصد الاستواء إليه، وقد قيل أيضًا: استوى أي صعد أمره إلى السماء).\n(٤) هذا قول أهل التأويل من المعتزلة والجهمية والحرورية وغيرهم، وقد اتفق أهل العلم على إبطاله وأجمعوا على أن المراد بالاستواء على العرش، إنما هو الاستعلاء والارتفاع عليه، فهو سبحانه مستو على عرشه استواء يليق بجلاله وعظمته ولا يلزم لهذا أي لازم باطل مما يلزم لاستواء المخلوقين. انظر: \"الإبانة\" ص ٣٦، و\"الأسماء والصفات\" ٢/ ٣٠٦ - ٣٠٨، و\"الفتاوى\" ٥/ ١٤٣ - ١٤٩، و\"مختصر العلو\" للألباني ص ٢٦.\n(٥) البعيث: هو خداش بن بشير بن خالد المجاشعي، أبو مالك البصري المعروف بالبَعِيث، شاعر أموي مجيد وخطيب بني تميم، كانت بينه وبين جرير مهاجاة دامت نحو ٤٠ سنة، توفي سنة ١٣٤. انظر: \"طبقات فحول الشعراء\" ٢/ ٣٨٦، و\"الشعر والشعراء\" ص ٣٢٩، و\"معجم الأدباء\" ٣/ ٢٨٩، و\"الأعلام\" ٢/ ٣٠٢.\n(٦) الشاهد بدون نسبة فى \"الصحاح\" ٦/ ٢٣٨٥ (سوا)، و\"تفسير الماوردي\" ٢/ ٢٢٩، و\"الأسماء والصفات\" للبيهقي ٢/ ٣٠٩، و\"زاد المسير\" ٣/ ٢١٣، والقرطبي ٧/ ٢٢٠، و\"رصف المباني\" ص ٤٣٤، و\"اللسان\" ٤/ ٢١٦٣ (سوا)، و\"الخازن\" =","vol":"9","page":169},{"text":"يعني: بشر بن مروان (١)، وعلى هذا خصّ العرش بالإخبار عن الاستيلاء عليه؛ لأنه أعظم المخلوقات.\nوقال الأخفش: (﴿اسْتَوَى﴾ أي: علا، يقال: استويت على ظهر البيت أي: علوته) (٢) وهذا القول اختيار ابن جرير، قال: (معناه: ارتفع ارتفاع ملك وسلطان، لا ارتفاع انتقال وزوال) (٣)، وهذا يعود إلى معنى الاستيلاء (٤). وقد شرحنا الاستواء في صفة الله تعالى مستقصى في سورة البقرة (٥).\n_________\n= ٢/ ٣٣٩، و\"الدر المصون\" ١/ ٢٤٣، ونسب في \"تاج العروس\" ١٩/ ٥٥١ (سوا)، إلى الأخطل، وفي هذه المراجع (قد استوى)، وقال شيخ الإسلام في \"الفتاوى\" ٥/ ١٤٦: (لم يثبت نقل صحيح أنه شعر عربي، وكان غير واحد من أئمة اللغة أنكروه، وقالوا: إنه بيت مصنوع لا يعرف في اللغة) اهـ. ونسبه ابن كثير في \"البداية والنهاية\" ٩/ ٧ إلى الأخطل، وقال: (الأخطل نصراني، والاستدلال به باطل من وجوه كثيرة) اهـ. وهو ليس في ديوان الأخطل والواحدي نسبه هنا وفي \"الوسيط\" ١/ ١٩٢ (إلى البعيث) وانظر: \"مختصر الصواعق المرسلة\" ٣/ ٨٩٠، ٨٩٨.\n(١) بشر بن مروان بن الحكم بن أبي العاص الأموي: أمير كان سمحًا جوادًا، ولى إمرة العراق لأخيه عبد الملك، وتوفي سنة ٧٥ هـ، وله نيف وأربعون سنة. انظر: \"سر أعلام النبلاء\" ٤/ ١٤٥، و\"البداية والنهاية\" ٩/ ٧، و\"تهذيب تاريخ ابن عساكر\" ٣/ ٢٥١، و\"الأعلام\" ٢/ ٥٥.\n(٢) \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٧٩٤، وانظر: \"معاني الأخفش\" ١/ ٥٥ - ٥٦.\n(٣) \"تفسير الطبري\" ١/ ١٩٢، واختار أن معنى قوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ٢٩]: (علا عليهن وارتفع فدبرهن بقدرته وخلقهن سبع سموات) اهـ.\n(٤) الطبري -رحمه الله تعالى- رجح في معنى الاستواء ما قال به السلف، ثم أخذ يناقش المؤولين، ومن باب إلزام الحجة لهم، قال: (قل علا عليها علو ملك وسلطان) اهـ، وهذه العبارة ليست من نهج السلف في الإثبات، والله اعلم.\n(٥) انظر: \"البسيط\" البقرة: ٢٩.","vol":"9","page":170},{"text":"و﴿الْعَرْشِ﴾ في كلام العرب (١) سرير الملك، يدل على ذلك سرير ملكة سبأ، سماه الله عرشًا فقال: ﴿وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ (٢٣)﴾ [النمل: ٢٣]، والعرش في اللغة: قد يكون عبارة عن الملك، يقال: (٢) ثُلَّ عَرْشُه، إذا ذهب عزه وملكه، ومنه قول زهير:\nتَدَاركتُما الأَحلافَ قد ثُلَّ عَرْشُهَا (٣)\nغير أنه لا يسوغ أن يكون المراد بالعرش في هذه الآية الملك؛ لأنه يوجب أن الله لم يكن مستويًا على ملكه قبل خلق السموات (٤) والأرض.\n_________\n(١) العرش: سرير الملك وسقف البيت، انظر: \"العين\" ١/ ٢٤٩، و\"الجمهرة\" ٢/ ٧٢٨، و\"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٣٩١، و\"الصحاح\" ٣/ ١٠٠٩، و\"المجمل\" ٣/ ٦٥٨، و\"مقاييس اللغة\" ٤/ ٢٦٤، و\"المفردات\" ص ٥٥٨، و\"اللسان\" ٥/ ٢٨٨٠ (عرش).\n(٢) هذا مثل يضرب لمن ذهب عزه وزال قوام أمره وساءت حاله. انظر: \"جمهرة الأمثال\" ١/ ٢٩٠، و\"المستقصى\" للزمخشري ٢/ ٤٣، و\"مجمع الأمثال\" ١/ ٢٧١.\n(٣) \"ديوان زهير\" ص ١٠٥، و\"العين\" ١/ ٢٤٩، و\"المنجد\" لكراع ص ١٠٥، و\"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٣٩٢، و\"الصحاح\" ٣/ ١٠١٠، و\"مقاييس اللغة\" ٤/ ٢٦٥، و\"اللسان\" ٥/ ٢٨٨١ (عرش)، وتمامه:\nوَذُبْيَانَ قد زَلَّتْ بِأَقْدامِهَا النَّعْلُ\nقال ثعلب في \"شرحه\": (الأحلاف عبس وفزارة وثل عرشها هذا مثل أي: أصابها ما كسرها وهدمها) اهـ.\n(٤) هذا هو الصحيح والآيات والأحاديث والآثار تدفع أن يكون المراد بالعرش الملك، وأهل السنة والجماعة يثبتون العرش واستواء الله تعالى عليه كيف يشاء، قال شيخ الإِسلام في \"الفتاوى\" ٦/ ٥٨٤ - ٥٨٥: (العرش موجود بالكتاب والسنة وإجماع الأمة والآيات والأحاديث فيه صريحة متواترة وهو غير الكرسي والكرسي ثابت بالكتاب والسنة وإجماع جمهور السلف) اهـ. ملخصًا.\nوانظر: \"الأسماء والصفات\" ص ٢٧٢، و\"شرح العقيدة الطحاوية\" لابن أبي العز ص ٢٥٦، ٢٥٧.","vol":"9","page":171},{"text":"وقوله تعالى: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ﴾ وقرئ ﴿يُغْشِي﴾ (١) مخففا، والإغشاء (٢).\nوالتغشية: إلباس الشيء (٣) الشيء، وقد جاء التنزيل بالتشديد والتخفيف، فمما جاء (٤) بتضعيف (٥) العين قوله: ﴿فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى﴾ [النجم: ٥٤]، ومما (٦) جاء بنقل الهمزة: ﴿فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ (٧) [يس: ٩]، والمفعول الثاني محذوف على معنى: فأغشيناهم العمى أو فقد الرؤية.\nقال أبو إسحاق: (والمعنى: أن الليل يأتي على النهار ويغطيه ولم يقل: يغشي (٨) النهار الليل؛ لأن في الكلام دليلًا عليه، وقد قال في موضع آخر: ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ﴾ (٩) [الزمر: ٥].\n_________\n(١) قرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم: ﴿يُغْشِي﴾ بفتح الغين، وتشديد الشين، وقرأ الباقون بإسكان الغين وتخفيف الشين. انظر: \"السبعة\" ص ٢٨٢، و\"المبسوط\" ص ١٨٠ - ١٨١، و\"التذكرة\" ٢/ ٤١٩، و\"التيسير\" ص ١١٠، و\"النشر\" ٢/ ٢٦٩.\n(٢) الغِشَاء: الغطاء والإغشاء، والتغشية: تغطية شيء بشيء. انظر: \"العين\" ٤/ ٤٢٩، و\"المنجد\" لكراع ص ٢٧٤، و\"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٦٦٨، و\"الصحاح\" ٦/ ٢٤٤٦، و\"مقاييس اللغة\" ٤/ ٤٢٥، و\"المجمل\" ٣/ ٦٩٦، و\"المفردات\" ص ٦٠٧، و\"اللسان\" ٦/ ٣٢٦١ (غشى).\n(٣) في (ب): (إلباس الشيء بالشيء).\n(٤) في (ب): (فما جاء).\n(٥) في \"الحجة\" لأبي علي ٤/ ٢٧ - ٢٨: (غشى فعل متعدٍّ إلى مفعول واحد فإذا نقلت الفعل المتعدي إلى المفعول الواحد بالهمزة أو بتضعيف العين تعدى إلى مفعولين، وقد جاء التنزيل بالأمرين جميعًا) ثم ذكر نحو ما ذكره الواحدي.\n(٦) في (ب): (وما جاء).\n(٧) في (أ): (وهو لا ينصرون)، وهو تصحيف.\n(٨) في (ب): (ويغشى).\n(٩) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٤٢، ومثله ذكر النحاس في \"معانيه\" ٣/ ٤٢.","vol":"9","page":172},{"text":"قال أبو علي: (وهذا (١) كما قال: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: ٨١]، ولم يذكر تقيكم البرد للعلم بذلك من الفحوى، ومثل هذا لا يضيق، وكل واحد من الليل والنهار منتصب بأنه مفعول به، والفعل قبل النقل غشي الليلُ النهارَ (٢)، فإذا نقلت قلت: أغشى الله الليل النهار، أو غَشَّى الله الليل النهار، فصار ما كان فاعلًا قبل النقل مفعولًا أول) (٣).\nوقوله تعالى: ﴿يَطْلُبُهُ حَثِيثًا﴾، قال الليث: (الحث: الإعجال والاتصال (٤)، تقول: حثثت فلانًا فاحْتث وهو حثيث محثوث: جاد سريع) (٥).\nقال الأعشي:\nتَدَلَّى حثيثًا كَأَنَّ الصِّوَارَ ... أَتْبَعَهُ أَزْرِقيٌّ لَحِمْ (٦)\n_________\n(١) في (ب): (فهذا).\n(٢) في (ب): (بالنهار).\n(٣) \"الحجة\" لأبي علي ٤/ ٢٨، وانظر: \"معاني القراءات\" ١/ ٤٠٨، و\"إعراب القراءات\" ١/ ١٨٥، و\"الحجة\" لابن خالويه ص ١٥٦، ولابن زنجلة ص ٢٨٤، و\"الكشف\" لمكي ١/ ٤٦٤، ونقل قول الواحدي، والرازي في \"تفسيره\" ١٤/ ١١٧.\n(٤) في (ب): (والإيصال)، وعند الأزهري في \"تهذيب اللغة\" ١/ ٧٣٩، عن الليث: (الإعجال في الاتصال).\n(٥) \"تهذيب اللغة\" ١/ ٧٣٩، وانظر: \"الجمهرة\" ١/ ٨١، و\"الصحاح\" ١/ ٢٧٨، و\"المجمل\" ١/ ٢٢١، و\"مقاييس اللغة\" ٢/ ٢٩، و\"المفردات\" ص ٢١٨، و\"اللسان\" ٢/ ٧٧٣ (حثث).\n(٦) \"ديوانه\" ص ١٩٩، وهو في \"تهذيب اللغة\" ١/ ٧٤٠، و\"اللسان\" ٢/ ٧٧٤ (حثث)، و\"الدر المصون\" ٥/ ٣٤٢، وجاء في حاشية \"الديوان\" (الصوار: القطيع من بقر الوحش، وحثيثًا: سريعًا والأزرقي اللحم: الصقر، والمعنى يشبه هذا الفرس بسرعة الصقر الشره إلى أكل اللحم) اهـ.","vol":"9","page":173},{"text":"شبه الفرس في السرعة بالبازي (١).\nقال ابن عباس: (يريد (٢) يطلب الليل النهار لا غفلة له) (٣).\nو(٤) قال المبرد: (يعني: يطلب الليل النهار دائبًا) (٥).\nوقال غيره: (معنى: ﴿يَطْلُبُهُ حَثِيثًا﴾ هو أن يستمر الليل في طلب النهار على منهاج من غير فتور يوجب الاضطراب، كما يكون في السوق الحثيث) (٦)، وهذا معنى قول ابن عباس: (لا غفلة [له)] (٧).\nوقوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ﴾، معنى التسخير: التذليل (٨). قال الزجاج: (وخلق هذه الأشياء جاريات مجاريها بأمره) (٩). وقال المفسرون: (معنى تسخيرهن: تذليلهن لما يراد منها من طلوع وأفول وسير ورجوع؛ إذ لَسْنَ قادرات ولا مميزات، وإنما يتصرفن في متصرفاتهن على حسب إرادة المدبر فيهن) (١٠).\n_________\n(١) في (ب): (شبه الفرس لسرعته بالبازي). والبازي واحد البُزاة التي تَصِيد، ضَرْب من الصُّقور. انظر: \"اللسان\" ١/ ٢٧٨ (بزا).\n(٢) لفظ: (يريد) ساقط من (ب).\n(٣) ينظر: \"تنوير المقباس\" ٢/ ١٠٠، وذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ١٩٣، وأخرج الطبري ٨/ ٢٠٦ بسند جيد عن ابن عباس قال: (يطلبه سريعًا) اهـ.\n(٤) لفظ: (الواو) ساقط من (ب).\n(٥) لم أقف عليه.\n(٦) انظر: \"تفسير الطبري\" ٨/ ٢٠٦، والسمرقندي ١/ ٥٤٦، والماوردي ٢/ ٢٣٠، والرازي ١٤/ ١١٧.\n(٧) لفظ: (له) ساقط من (ب).\n(٨) انظر: \"الصحاح\" ٢/ ٦٧٩، و\"المفردات\" ص ٤٠٢، و\"اللسان\" ٤/ ١٩٦٣ (سخر).\n(٩) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٤٢.\n(١٠) انظر: الطبري ٨/ ٢٠٦، والسمرقندي ١/ ٥٤٦، والماوردي ٢/ ٢٣٠، والبغوي ٣/ ٢٣٦، وابن الجوزى ٣/ ٢١٤، و\"الخازن\" ٢/ ٢٤٠.","vol":"9","page":174},{"text":"وقرأ (١) ابن عامر (٢): ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ﴾ رفعًا كلها، والنصب (٣) هو وجه الكلام لقوله تعالى: ﴿وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ﴾ [فصلت: ٣٧] فكما أخبر في هذه الآية أنه خلق الشمس والقمر، كذلك يُحمل على ﴿خَلَقَ﴾ (٤) في قوله: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ﴾ [الأعراف:٥٤]، وحجة ابن عامر قوله: ﴿وَسَخَّرَ لَكُم مَّا في اَلسَّمَاوَاتِ وَمَا في اَلأَرْضِ﴾ [الجاثية: ١٣]، ومما في السماء الشمس والقمر، فإذا أخبر بتسخيرها حسن الإخبار عنها به، كما أنك إذا قلت: ضربت زيدًا استقام أن تقول: زيد مضروب (٥).\nوقوله تعالى: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾، قال أصحاب المعاني: (﴿لَهُ الْخَلْقُ﴾ لأنه خلقهم، وله أن يأمر فيهم بما أحب (٦)، وله الحكم في الخلق يأمرهم بما يشاء)، وعلى هذا [المعنى] (٧) ﴿الْأَمْرُ﴾ هاهنا الذي هو نقيض\n_________\n(١) في أصل (أ): (وقول) ثم صحح إلى (قرأ).\n(٢) قرأ ابن عامر: (﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ﴾ بالرفع في الأربع، وقرأ الباقون بالنصب غير أن التاء مكسورة من ﴿مُسَخَّرَاتٍ﴾ لأنها تاء جمع المؤنث السالم. انظر: \"السبعة\" ص ٢٨٢ - ٢٨٣، و\"المبسوط\" ص ١٨١، و\"التذكرة\" ٢/ ٤١٩، و\"التيسير\" ص ١١٠، و\"النشر\" ٢/ ١٦٩.\n(٣) وكذا قال مكي في \"الكشف\" ١/ ٤٦٥، ونقل قول الواحدي الرازي في \"تفسيره\" ١٤/ ١١٨.\n(٤) انظر: \"معاني الأخفش\" ٢/ ٣٠٠، و\"إعراب النحاس\" ١/ ٦١٧.\n(٥) هذا نص كلام أبي علي في \"الحجة\" ٤/ ٢٩ غير أنه لم يختر قراءة النصب. وانظر: \"معاني القراءات\" ١/ ٤٠٨، و\"إعراب القراءات\" ١/ ١٨٥ - ١٨٦، و\"الحجة\" لابن خالويه ص ١٥٦ - ١٥٧، ولابن زنجلة ص ٢٨٤.\n(٦) في (ب): (بما حب).\n(٧) لفظ: (المعنى) ساقط من (ب).","vol":"9","page":175},{"text":"النهي (١)، واستخرج سفيان بن عيينة من هذا أن كلام الله لا يجوز أن يكون مخلوقًا فقال: فرّق الله بين الخلق والأمر، فمن جمع بينهما فقد كفر) (٢) يعني: من جعل الأمر الذي هو قوله من جملة ما خلقه فقد كفر. وقال ابن عباس في تفسير قوله: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ (يريد: لم يبق شيء، من وجد بعد ذلك شيئًا فليأخذه) (٣)، وهذا كلامه، ومعنى هذا: أن جميع (٤) ما في العالم لله تعالى، فالخلق له لأنه خلقهم، وجميع الأمور تجري بقضائه وقدره، وهو مجريها ومنشئها فلا يبقى بعد هذا لأحد شيء (٥).\n_________\n(١) انظر: \"تفسير الطبري\" ٨/ ٢٠٦، والسمرقندي ١/ ٥٤٦، والماوردي ٢/ ٢٣٠، والبغوي ٣/ ٢٣٦.\n(٢) \"تفسير سفيان بن عيينة\" ص ٢٤٩، وأخرجه الثعلبي في \"الكشف\" ص ١٩١/ أ، والبيهقي في \"الأسماء والصفات\" ١/ ٥٥٦، وزاد السيوطي في \"الدر\" ٣/ ١٧١ نسبته إلى ابن أبي حاتم، وذكره السمرقندي في \"تفسيره\" ١/ ٥٤٦، والبغوي ٣/ ٢٣٦، والقرطبي ٧/ ٢٢١، و\"الخازن\" ٢/ ٢٤٠، وفي \"أصول السنة\" لأبي بكر الحميدي في مجلة الحكمة ١/ ٢٨٦ قال سفيان بن عيينة: (القرآن كلام الله، ومن قال مخلوق فهو مبتدع لم نسمع أحدًا يقول هذا) اهـ. وقال النحاس في \"معانيه\" ٣/ ٤٢ - ٤٣ في تفسير الآية: (فرق بين الشيء المخلوق وبين الأمر وهو كلام، فدل أن كلامه غير مخلوق، وهو قول \"كن\") اهـ. وقال القرطبي في \"تفسيره\" ٧/ ٢٢٢: (وفي تفريقه بين الخلق والأمر دليل بيّن على فساد قول من قال يخلق القرآن؛ إذ لو كان كلامه الذي هو أمر مخلوقًا لكان قد قال: ألا له الخلق والخلق وذلك عِيٌّ من الكلام ومستهجن ومستغث والله يتعالى عن التكلم بما لا فائدة فيه) اهـ. وهذا هو الحق وأهل السنة والجماعة من السلف والخلف متفقون على أن القرآن كلام الله غير مخلوق. انظر: \"الإبانة\" ص ٢١، و\"الفتاوى\" ١٢/ ٣٧، و\"شرح الطحاوية\" لابن أبي العز ص ١٣٧.\n(٣) لم أقف عليه.\n(٤) في (أ): (أن جميع الخلق ما في العالم). ثم ضرب على لفظ (الخلق) وهو الأولى.\n(٥) ذكره الخازن ٢/ ٢٤٠.","vol":"9","page":176},{"text":"وقوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾، قال الليث: (تفسير ﴿تَبَارَكَ اللَّهُ﴾ تمجيد وتعظيم) (١).\nوقال أبو العباس: (﴿تَبَارَكَ اللَّهُ﴾ ارتفع، والمتبارك المرتفع) (٢).\nوقال ابن الأنباري: (﴿تَبَارَكَ اللَّهُ﴾ باسمه يتبرك في كل شيء) (٣).\nوقال الزجاج: (﴿تَبَارَكَ﴾ تفاعل من البركة، كذلك يقول أهل اللغة) (٤).\nوكذلك روي عن ابن عباس: (ومعنى: البركة الكثرة في كل خير، وقال في موضع آخر: (﴿تَبَارَكَ﴾ تعالى وتعاظم) (٥).\nوقال أصحاب المعاني: (﴿تَبَارَكَ اللَّهُ﴾ أي: ثبت ما به استحق التعظيم فيما لم يزل ولا يزال) (٦)، وأصل الحرف من الثبوت والدوام، وقد ذكرنا هذا في سورة الأنعام عند قوله: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾ [الأنعام: ٩٢].\n_________\n(١) \"تهذيب اللغة\" ١/ ٣١٩، وانظر: \"العين\" ٥/ ٣٦٨، و\"الجمهرة\" ١/ ٣٢٥، و\"الصحاح\" ٤/ ١٥٧٥، و\"المجمل\" ١/ ١٢١، و\"مقاييس اللغة\" ١/ ٢٣٠، و\"المفردات\" ص ١١٩، و\"اللسان\" ١/ ٢٢٦ (برك).\n(٢) \"تهذيب اللغة\" ١/ ٣١٩.\n(٣) \"تهذيب اللغة\" ١/ ٣١٩، وفي \"الزاهر\" ١/ ٥٣، قال ابن الأنباري: (فيه قولان: قال قوم: معنى تبارك: تقدس أي: تطهير، والقدس عند العرب: الطهر، وقال قوم: معنى تبارك اسمك: تفاعل من البركة أي: البركة تُكسب وتنال بذكر اسمك) اهـ.\n(٤) \"تهذيب اللغة\" ١/ ٣١٩، ولم أقف عليه في \"معانيه\".\n(٥) \"تهذيب اللغة\" ١/ ٣١٩، و\"تفسير السمرقندي\" ١/ ٥٤٦، والبغوي ٣/ ٢٣٦، وابن الجوزي ٣/ ٢١٤، و\"الخازن\" ٢/ ٢٤٠، و\"تنوير المقباس\" ٢/ ١٠٠.\n(٦) ذكره البغوي ٣/ ٢٣٦، و\"الخازن\" ٢/ ٢٤٠ عن المحققين.","vol":"9","page":177},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1173>٥٥ </span>- قوله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾، التضرع: التذلل والتخشع، وهو إظهار الذل الذي في النفس من قولهم: ضرع فلان لفلان، وتضرع له إذا ما تخشع له وسأله أن يعطيه، ومضى الكلام في هذا في سورة الأنعام عند قوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ﴾ [الأنعام:٤٢]، والخُفية: خلاف العلانية، وهو من أخفيت الشيء إذا سترته (١)، ويقال: خِفية أيضًا بالكسر (٢) وقد قرئ بالوجهين (٣).\nقال الزجاج: (﴿تَضَرُّعًا﴾ تملقًا، وحقيقته: أن يدعوه خاضعين متعبدين) (٤).\nقال (٥) أهل العلم: والسنة (٦) والأدب في الدعاء أن يكون خفيًا لهذه الآية، ولما روي عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"خير الدعاء ما خفي\" (٧).\n_________\n(١) في (أ): (أي سترته).\n(٢) انظر: \"العين\" ٤/ ٣١٣، و\"الجمهرة\" ١/ ٦١٧ - ٦١٨، و\"تهذيب اللغة\" ١/ ١٠٧٠، و\"الصحاح\" ٦/ ٢٣٢٩، و\"المجمل\" ٢/ ٢٩٧، و\"مقاييس اللغة\" ٢/ ٢٠٢، و\"المفردات\" ص ٢٨٩، و\"اللسان\" ٢/ ١٢١٧ (خفي).\n(٣) قرأ عاصم في رواية أبي بكر هنا وفي الأنعام آية ٦٣: ﴿وَخُفْيَةً﴾ بكسر الخاء، وقرأ الباقون بضمها في السورتين، وهما لغتان مشهورتان. انظر: \"السبعة\" ص ٢٨٣، و\"المبسوط\" ص ١٧٠، و\"التذكرة\" ٢/ ٤٠٠، و\"التيسير\" ص ١٠٣، و\"النشر\" ٢/ ٢٥٩، وانظر: في \"توجيه القراءات \"الحجة\" لأبي علي ٤/ ٢٩ - ٣٠، و\"معاني القراءات\" ١/ ٣٦٢، و\"إعراب القراءات\" ١/ ١٥٩، و\"الحجة\" لابن خالويه ص ١٤١، ولابن زنجلة ص ٢٥٥، و\"الكشف\" ١/ ٤٣٥.\n(٤) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٤٤، وفيه: (قال قوم: تضرعوا تملقًا - حقيقته ..).\n(٥) لفظ: (قال) ساقط من (ب).\n(٦) انظر: \"الفتاوى\" ١٥/ ١٠ - ٢٨، و\"بدائع التفسير\" ٢/ ٢١٩ - ٢٣٨.\n(٧) لم أقف عليه بهذا اللفظ بعد طول بحث، وروي وكيع في \"الزهد\" ١/ ٣٤١ =","vol":"9","page":178},{"text":"وقال أيضًا لقوم رفعوا أصواتهم بالدعاء: \"إنكم لستم تدعون أصمّ ولا غائبًا، إنكم تدعون سميعًا قريبًا، إنه معكم\" (١).\nوقال الحسن: (إن الله يحب القلب النقي والدعاء الخفي، ولقد أثنى علي زكريا فقال: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا﴾ [مريم: ٣]، وبين دعوة السر ودعوة العلانية سبعون ضعفًا، ولقد كان المسلمون يجتهدون في الدعاء و(٢) ما يُسمع لهم صوت، إن كان إلا همسًا بينهم وبين ربهم، وذلك أن الله يقول: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ (٣). وقال الزجاج في قوله ﴿وَخُفْيَةً﴾ (أي: واعتقدوا عبادته في أنفسكم؛ لأن الدعاء معناه: العبادة) (٤).\n_________\n= رقم ١١٨، وابن أبي شيبة ٦/ ٨٦ (٢٩٦٥٤)، وأحمد في \"المسند\" ٣/ ٤٤، و\"الزهد\" ص ١٦، وابن حبان في \"صحيحه\" ٢/ ١٢٥ رقم ٧٩٧، وابن السني في \"القناعة\" ص ٢٦ - ٢٧ رقم ٢٨ - ٢٩ بسند ضعيف عن سعد بن أبي وقاص، أن النبي - ﷺ - قال: \"خير الذكر الخفي، وخير الرزق ما يكفي\" اهـ. وفيه محمد بن عبد الرحمن بن لبيبة لين الحديث، كثير الإرسال. انظر: \"تهذيب التهذيب\" ٣/ ٦٢٧، وانظر: \"المفاسد الحسنة\" للسخاوي ص ٢٤٧.\n(١) أخرجه البخاري رقم (٢٩٩٢) كتاب الجهاد والسير، باب: ما يكره من رفع الصوت في التكبير، ومسلم كتاب الذكر والدعاء، باب: استحباب خفض الصوت بالذكر رقم (٢٧٠٤)، عن أبي موسى الأشعري قال: (كنا مع النبي - ﷺ - في سفر فجعل الناس يجهرون التكبير فقال النبي - ﷺ -: \"أيها الناس اربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبًا، إنكم تدعون سميعا قريبًا وهو معكم\") اهـ.\n(٢) لفظ: (الواو) ساقط من (ب).\n(٣) أخرجه ابن المبارك في \"الزهد\" ص ٤٥ - ٤٦، والطبري في \"تفسيره\" ٨/ ٢٠٦، ٢٠٧ بسند جيد، وأخرجه وكيع في \"الزهد\" ٢/ ٦١٦، وابن أبي شيبة ٦/ ٨٧ (٢٩٦٦٢)، بلفظ: (كانوا يجتهدون في الدعاء ولا تسمع إلا همسًا) اهـ.\n(٤) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٤٤، ونحوه قال النحاس في \"معانيه\" ٣/ ٤٣.","vol":"9","page":179},{"text":"وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ أي: المجاوزين ما أمروا به، قال الكلبي: (﴿لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ بالجهر في الدعاء) (١).\nوقال ابن جريج: (من الاعتداء رفع الصوت والنداء بالدعاء) (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1174>٥٦ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ [الأعراف: ٥٦]. قال عطاء، عن ابن عباس: (يريد: بالشرك بالله، وقطع الأرحام، وتكذيب النبي - ﷺ - بعد توحيد الله والتصديق بما جاء به النبي - ﷺ -) (٣).\nقال المفسرون (٤): (الإفساد في الأرض: العمل فيها بالمعاصي، وسفك الدماء، وقوله تعالى: ﴿بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ أي: بعد إصلاح الله إياها ببعث الرسول، وبيان الشريعة، والدعاء إلى طاعة الله ﷿)، وهذا معنى قول الحسن، والسدي، والضحاك (٥).\n_________\n(١) \"تنوير المقباس\" ٢/ ١٠٠، وذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ١٩٥، وابن الجوزي ٣/ ٢١٥.\n(٢) أخرجه الطبري ٨/ ٢٠٧ بسند جيد، ومحبة الله تعالى لا تنتفي عمن يجهر بالدعاء لمجرد الجهر، فالدعاء مأمور به مطلقًا ﴿الله لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ في كل شيء دعاء كان أو غيره، وأعظمهم الذين يدعون معه غيره أو يعتدون بترك التضرع والدعاء، وكل سؤال يناقض حكمة الله أو يتضمن مناقضة شرعه وأمره أو يتضمن خلاف ما أخبر به فهو اعتداء لا يحبه الله ولا يحب سائله، والدعاء خفية أحب إلى الله تعالى وأفضل، وفيه فوائد عظيمة وكثيرة، ذكرها ابن القيم كما في \"بدائع التفسير\" ٢/ ٢١٩ - ٢٣٣، وانظر: \"أحكام القرآن\" لابن العربي ٢/ ٧٨٤، والقرطبي ٧/ ٢٢٣.\n(٣) في \"تنوير المقباس\" ٢/ ١٠٠ نحوه.\n(٤) انظر: \"تفسير الطبري\" ٨/ ٢٠٧، والسمرقندي ١/ ٥٤٧، والماوردي ٢/ ٢٣١.\n(٥) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ١٩٥، والبغوي ٣/ ٢٣٨، و\"الخازن\" ٢/ ٢٤١ عن الحسن والسدي والضحاك والكلبي، وذكره الماوردي ٢/ ٢٣١، عن الحسن والكلبى، وذكره ابن عطية ٥/ ٥٣٢، عن الضحاك.","vol":"9","page":180},{"text":"وقال عطية: (معناه: لا تعصوا في الأرض فيمسك الله المطر، ويهلك الحرث بمعاصيكم) (١)، وطى هذا معنى قوله ﴿بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ أي: بعد إصلاح الله تعالى إياها بالمطر والخصب (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾، معنى الخوف (٣) الانزعاج لما لا يؤمن من المضار، ومعنى الطمع (٤) توقع المحبوب، قال ابن عباس: (﴿وَادْعُوهُ خَوْفًا﴾ من عقابه، ﴿وَطَمَعًا﴾ في ثوابه) (٥).\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾. قال الفراء: (رأيت العرب (٦) تؤنث القريبة في النسب لا يختلفون فيها، فإذا قالوا: دارك منا قريب، أو فلانة منك قريب، في القرب والبعد ذكروا وأنثوا، وذلك أن\n_________\n(١) ذكره الثعلبي ١٩١ أ، والواحدي في \"الوسيط\" ١/ ١٩٥، والبغوي ٣/ ٢٣٨.\n(٢) والآية عامة في كل فساد قل أو كثر بعد أن أصلح الله خلق الأرض على الوجه الملائم لمنافع الخلق وما جاء من تعيين نوع الفساد والإصلاح ينبغي أن يحمل على التمثيل وهو قول جمهور المحققين.\nانظر: \"تفسير ابن عطية\" ٥/ ٥٣٢، والقرطبي ٧/ ٢٢٦، و\"بدائع التفسير\" ٢/ ٢٣٤، و\"البحر\" ٤/ ٣١١.\n(٣) انظر: \"العين\" ٤/ ٣١٢، و\"تهذيب اللغة\" ١/ ٩٦٦، و\"الصحاح\" ٤/ ١٣٥٨، و\"مقاييس اللغة\" ٢/ ٢٣٠، و\"المفردات\" ص ٣٠٣، و\"اللسان\" ٢/ ١٢٩١ (خوف).\n(٤) انظر: \"العين\" ٢/ ٢٧، و\"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٢١٨، و\"الصحاح\" ٣/ ١٢٥٤، و\"مقاييس اللغة\" ٣/ ٤٢٥، و\"المفردات\" ص ٥٢٤، و\"اللسان\" ٥/ ٢٧٠٤ (طمع).\n(٥) \"تنوير المقباس\" ٢/ ١٠٠، وذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ١٩٥، وهو بدون نسبة في عامة كتب التفسير.\nانظر: الطبري ٨/ ٢٠٧، والسمرقندي ١/ ٥٤٧، والماوردي ٢/ ٢٣١، والبغوي ٣/ ٢٣٨، وابن الجوزي ٣/ ٢١٦.\n(٦) في (ب): (القراء)، وهو تحريف.","vol":"9","page":181},{"text":"القرب إذا لم يكن في النسب كان في معنى المكان، فكأنه في تأويل هي: في مكان قريب، فجعل القريب خلفًا من المكان، كما قال الله (١) تعالى: ﴿وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ [هود: ٨٣] وقال: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾ [الأحزاب: ٦٣]، ولو أنث ذلك فبُني على بعدت فهي بعيدة، وقربت فهي قريبة، كان صوابًا حسنًا. وقال عروة بن حزام (٢):\nعَشِيَّةَ لا عَفْرَاءُ مِنْكَ قَرِيبَةٌ ... فَتدْنُو ولا عَفْرَاءُ مِنْكَ بَعِيدُ (٣)\nفمن أنَّث جمع وثنى، ومن ذكر لم يُثنِّ ولم يجمع؛ لأنه ذهب إلى تأويل المكان) (٤)، وهذا الذي ذكره الفراء هو مذهب أهل الكوفة، وبه قال ابن السكيت.\nأخبرني العروضي (٥)، قال: أخبرني الأزهري عن المنذري (٦) عن الحراني (٧) عن ابن السكيت قال: (تقول العرب: هو قريب مني، وهما\n_________\n(١) لفظ: (الله) ساقط من (ب).\n(٢) عُروة بن حِزام بن مُهاجر العُذْرى، شاعر إسلامي أحد المتيمين الذين قتلهم الهوى، وعامة شعره في بنت عمه عفراء، توفي سنة ٣٠ هـ. انظر: \"الشعر والشعراء\" ص ٤١٣، و\"الأغاني\" ٢٤/ ١٢٢، و\"شرح شواهد المغني\" للسيوطي ١/ ٤١٥، و\"الأعلام\" ٤/ ٢٢٦.\n(٣) الشاهد في \"ديوانه\" ص ٥، و\"معاني الفراء\" ١/ ٣٨١، و\"تفسير الطبري\" ٨/ ٢٠٨، و\"الأغاني\" ٢٤/ ١٢٩، و\"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٩١٦، و\"الخصائص\" ٢/ ٤١٢، و\"تفسير الماوردي\" ٢/ ٢٣٢، وابن عطية ٥/ ٥٣٤، وابن الجوزي ٣/ ٢١٦، و\"اللسان\" ٦/ ٣٥٦٦ (قرب)، و\"البحر المحيط\" ٤/ ٣١٣، و\"الدر المصون\" ٥/ ٣٤٦.\n(٤) \"معاني الفراء\" ١/ ٣٨١.\n(٥) العروضي: هو أحمد بن محمد الصفار. تقدمت ترجمته.\n(٦) المنذري: هو محمد بن أبي جعفر الهروي. تقدمت ترجمته.\n(٧) الحراني: هو عبد الله بن الحسن الأموي. تقدمت ترجمته.","vol":"9","page":182},{"text":"قريب مني، وهم قريب (١) مني، وكذلك المؤنث، توحد قريبًا وتذكره؛ لأنه وإن كان فاعلًا فهو في تأويل (هو في مكان قريب مني)، وقد يجوز قريبة وجيدة بالهاء تبنيها على قربت وبعدت) (٢).\nوأما مذهب البصريين فقال الزجاج: (إنما قيل: ﴿قَرِيبٌ﴾ لأن الرحمة والغفران والعفو في معنى واحد، وكذلك كل تأنيث ليس بحقيقي) (٣).\nونحو هذا قال الأخفش قال: الرحمة بمعنى الإنعام (٤)، فلذلك ذكر.\nومثل هذا قال سعيد بن جبير: (الرحمة هاهنا: الثواب) (٥).\nوأما مذهب أهل الكوفة فقال الزجاج (٦): (وهو غلط؛ كل ما قرب في مكان أو نسب فهو جار على ما يصيبه من التأنيث والتذكير) (٧). والذي قاله الفراء هو مذهب أبي عمرو بن العلاء (٨)، وقول الكسائي (٩) وأبي عبيدة (١٠).\n_________\n(١) في (أ): (قرايب)، وهو تحريف.\n(٢) \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٩١٦ (قرب)، وانظر: \"إصلاح المنطق\" ص ١١٩.\n(٣) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٤٤.\n(٤) في \"معاني الأخفش\" ٢/ ٣٠٠، وكذلك عند الزجاج عن الأخفش (بمعنى المطر).\n(٥) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ١٩٥، والبغوي ٣/ ٢٣٨، و\"الخازن\" ٢/ ٢٤٢، وأبو حيان في \"البحر\" ٤/ ٣١٣.\n(٦) لفظ: (الواو) ساقط من (ب).\n(٧) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٤٥.\n(٨) ذكره الثعلبي في \"الكشف\" ١٩١ ب، والبغوي ٣٣/ ٢٣٨، وانظر: \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٩١٥.\n(٩) لم أقف عليه.\n(١٠) في (ب): (أبو عبيد)، وفي مجاز القرآن ١/ ٢١٦ قال: (هذا موضع يكون في =","vol":"9","page":183},{"text":"وقال النضر بن شميل (١): (الرحمة مصدر، ومن حق المصادر التذكير كقوله: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾) (٢) [البقرة: ٢٧٥]، وهذا راجع إلى قول الزجاج؛ لأنه الموعظة أريد بها الوعظ، فلذلك ذكر (٣) كما قال:\nإنَّ السَّمَاحَةَ والمُرُؤءَةَ ضمِّنا (٤)\nقيل: أراد بالسماحة السخاء، وبالمروءة الكرم (٥).\n_________\n= المؤنثة والثنتين والجميع منها بلفظ واحد ولا يدخلون فيها الهاء لأنه ليس بصفة، ولكنه ظرف لهن، وموضع والعرب تفعل ذلك في قريب وبعيد، فإذا جعلوها صفة في معنى مقتربة قالوا: هي قريبة، وهما قريبتان، وهن قريبات) اهـ.\n(١) ذكره الثعلبي في \"الكشف\" ١٩١ ب، والواحدي في \"الوسيط\" ١/ ١٩٦، والرازي ١٤/ ١٣٧، والقرطبي ٧/ ٢٢٧، وأبو حيان في \"البحر\" ٣١٣، والسمين في \"الدر\" ٥/ ٣٤٤.\n(٢) لفظ: (من ربه) ساقط من (أ).\n(٣) في (ب): (ذكرا).\n(٤) الشاهد لزياد الأعجم في \"ديوانه\" ص ٥٤، و\"معاني الفراء\" ١/ ١٢٨، و\"الشعر والشعراء\" ص ٢٨٠، و\"إعراب النحاس\" ١/ ٦١٧، و\"ذيل أمالي القالي\" ٣/ ٩، و\"المدخل\" للحدادي ص ١٦٨، و\"تفسير الثعلبي\" ١٩١ ب، والرازي ١٤/ ١٣٧، وعجزه:\nقَبْرًا بِمَرْوَ عَلَى الطَرِيقِ الوَاضِحِ\nوالشاهد قوله (ضمنًا) والقياس ضمنتا؛ لأن خبر عن مؤنث وهو السماحة والمروءة.\n(٥) ذكر هذه الوجوه في الآية عامة أهل اللغة والتفسير. انظر: \"تفسير الطبري\" ٨/ ٢٠٨، و\"إعراب النحاس\" ١/ ٦١٧، و\"إعراب القراءات\" ١/ ١٨٧، و\"تفسير السمرقندي\" ١/ ٥٤٧، و\"الخصائص\" ٢/ ٤١١ - ٤١٢، و\"المشكل\" ١/ ٢٩٤ وقد أطال ابن القيم -رحمه الله تعالى- كما في \"بدائع التفسير\" ٢/ ٢٣٢ - ٢٥٨، فذكر اثني عشر مسلكًا في الإخبار عن الرحمة وهي مؤنثة بالتاء بقوله: (قريب) وهو مذكر، وبين ما فيها من الصحيح والمقارب والسقيم، واختار (إن هذا من باب الاستغناء بأحد المذكورين عن الآخر تبعًا له، ومعنى من \"معانيه\"، فالأصل: إن =","vol":"9","page":184},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1175>٥٧ </span>- قوله تعالى: ﴿وهُوَ الذي يرسل الرياح نشرًا (١) بين يدي رحمته﴾، مضى الكلام في الرياح في سورة البقرة (٢) بأبلغ الاستقصاء، فأما قوله: ﴿نُشْرًا﴾. يقال (٣) أنشر الله الريح مثل أحياها فنشرت هي أي: حييت والإنشار بمعنى: الإحياء يستعمل في الريح، وكذلك لفظ الإحياء (٤).\nقال المرّار (٥):\nوَهَبَّتْ لَهُ رِيحُ الجنُوبِ وأحْيَيَتْ ... لَهُ رَيْدَةُ يُحْي المِيَاةَ نَسِيمُهَا (٦)\n_________\n= الله قريب من المحسنين، وإن رحمة الله قريبة من المحسنين، فاستغنى بخبر المحذوف عن خبر الوجود، وسوغ ذلك ظهور المعنى والرحمة صفة قائمة بالموصوف لا تفارقه، وقرب رحمته تبع لقربه هو ﵎، وقربه يستلزم قرب رحمته وهما متلازمان، ففي حذف التاء التأكيد على أن ذلك يستلزم القربين قربه وقربه رحمته، والأعم لا يستلزم الأخص بخلاف قربه، فإنه لما كان أخص، استلزم الأعم هو قرب رحمته، ففي العدول عن قريبة إلى قريب من استدعاء الإحسان وترغيب النفوس فيه ما لا يتخلف بعده إلا من غلبت عليه شقاوته ولا قوة إلا بالله).\n(١) في (ب): ﴿بُشْرًا﴾، وهي قراءة سبعية كما في \"السبعة\" ص ٢٨٣ وستأتي.\n(٢) انظر: \"البسيط\" النسخة الأزهرية ١/ ١٠١ أ.\n(٣) في (ب): (فيقال).\n(٤) انظر: \"العين\" ٦/ ٢٥١، و\"المنجد\" لكراع ص ٣٣٩، و\"الجمهرة\" ٢/ ٧٣٤، و\"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٥٧١، و\"الصحاح\" ٢/ ٨٢٧، و\"المجمل\" ٣/ ٨٦٨، و\"مقاييس اللغة\" ٥/ ٤٣٠، و\"المفردات\" ص ٨٠٥، و\"اللسان\" ٧/ ٤٤٢٣ (نشر).\n(٥) المَرَّارُ بن سعيد بن حبيب الفقْعسي، أبو حسان، شاعر أموي مكثر. انظر: \"الشعر والشعراء\" ص ٤٦٧، و\"الأغاني\" ١٠/ ٣٦٦، و\"معجم المرزباني\" ص ٣٠٤، و\"الأعلام\" ٧/ ١٩٩.\n(٦) الشاهد في \"الحجة\" لأبي علي ٤/ ٣٥ - ٣٦، و\"تفسير ابن الجوزي\" ٣/ ٢١٧، و\"اللسان\" ٣/ ١٧٩٠ (ريد)، و\"البحر المحيط\" ٤/ ٣١٦. وَرْيدَة أي: ريح لينة. انظر: \"اللسان\" ٣/ ١٧٩٠ (ريد).","vol":"9","page":185},{"text":"ومما يدل على ذلك أن الريح قد وصفت بالموت كما وصفت بالحياة. قال:\nإني لأَرْجُو أَنْ تَمُوتَ الرِّيحُ ... فَأُقْعُدُ اليَوْمَ وأَسْتَرِيحُ (١)\nفقوله: ﴿نُشُرًا﴾ جمع: نشُور مثل رَسُول ورُسُل، والنشور بمعنى: المنتشر؛ كالرَّكوب معنى: المركوب، فكأن المعنى: رياح منتشرة، فمن قرأ ﴿الرِّيَاحَ﴾ (٢) بالجمع حسن وصفها بقوله: ﴿نُشُرًا﴾ لأنه وصف الجمع بالجمع، ومن قرأ ﴿الرِّيح﴾ واحدة ﴿نُشُرًا﴾ جمعًا كقراءة ابن كثير، فإنه أراد بالريح الكثرة كقولهم: كثر الدرهم والدينار، والشاء (٣) والبعير، وكقوله: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر: ٢] ثم قال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، فلما كان المراد بالريح الجمع وصفها بالجمع، كقول عنترة:\nفِيهَا اثْنَتَانِ وأَرْبَعُونَ حَلُوبَةً ... سُودًا كَخَافِيَةِ الغُرابِ الأَسْحَمِ (٤)\n_________\n(١) لم أهتد إلى قائله، وهو في \"الحجة\" لأبي علي ٤/ ٣٦، و\"تفسير ابن الجوزي\" ٣/ ٢١٧، و\"اللسان\" ٧/ ٤٢٩٥ (موت) و٧/ ٤٤٢٣ (نشر)، و\"البحر المحيط\" ٤/ ٣١٧، و\"الدر المصون\" ٥/ ٣٤٨.\n(٢) قرأ ابن كثير وحمزة والكسائي: ﴿الرَّيَاحَ﴾ على التوحيد، وقرأ الباقون: ﴿الرِّيَاحَ﴾ بالجمع، وقرأ عاصم ﴿بُشْرًا﴾ بضم الباء وسكون الشين، وقرأ ابن عامر: ﴿نُشْرًا﴾ بضم النون وسكون الشين، وقرأ حمزة والكسائي: ﴿نَشْرًا﴾ بفتح النون، وسكون الشين، وقرأ الباقون: ﴿نُشُرًا﴾ بضم النون والشين. انظر: \"السبعة\" ص ٢٨٣، و\"المبسوط\" ص ١٨١، و\"التذكرة\" ٢/ ٤٢٠، و\"التيسير\" ص ١١٠، و\"النشر\" ٢/ ٢٦٩ - ٢٧٠.\n(٣) في (أ): (الشاة)، وأصل النص في \"الحجة\" لأبي علي ٤/ ٢٣ وفيه: الشاء.\n(٤) \"ديوانه\" ص ١٧، و\"الحجة\" لأبي علي ٤/ ٣٣، و\"الدر المصون\" ٥/ ٣٥٠، والشاهد من معلقته المشهورة قال النحاس في \"شرح المعلقات\" ٢/ ١٣ - ١٤: (الحلوبة المحلوبة يستعمل في الواحد والجميع على لفظ واحد، والخوافي أواخر =","vol":"9","page":186},{"text":"وقرأ ابن عامر: ﴿نُشْرًا﴾ خفف الشين كما يقال: كُتْبٌ ورُسْل، وقرأ حمزة والكسائي ﴿نَشْرًا﴾؛ والنشر مصدر نشرت الشيء ضد طويته، ويراد بالمصدر هاهنا المفعول، والرياح كأنها كانت بانقطاعها كالمطوية فأرسلها الله تعالى منشورة بعد إنطوائها، فقوله: ﴿نَشْرًا﴾ مصدر حال من الرياح، ويجوز أن يكون النشر هاهنا الذي هو الحياة من قولهم: أنشر الله الميت فنشر. قال الأعشى:\nيَا عَجَبَا لِلْمَيِّتِ النَّاشِرِ (١)\nفإذا حملته على ذلك -وهو الوجه- كان المصدر يراد به الفاعل، كما تقول: أتاني ركضًا أي: راكضًا، ويجوز أن يكون انتصاب قوله: ﴿نَشْرًا﴾ انتصاب المصادر لا الحال من باب (صُنْعَ الله)؛ لأنه إذا قال: ﴿يُرْسِلُ اَلريَاحَ﴾ دل هذا الكلام على نشر الريح نشرًا، وقرأ عاصم ﴿بُشْرًا﴾ جمع بشيرًا على (بُشْر) من قوله: ﴿يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ﴾ [الروم: ٤٦] أي: تبشر بالمطر والرحمة. قال الفراء: (النُشر من الرياح الطيبة اللينة التي تنشئ السحاب) (٢). قال ابن الأنباري: (واحدها نشور، وأصل هذا من النَّشْر\n_________\n= ريش الجناح مما يلي الظهر، والأسحم: الأسود) اهـ. وانظر: شرحه في \"شرح القصائد السبع\" لابن الأنباري ص ٣٠٥.\n(١) \"ديوانه\" ص ٩٣، و\"مجاز القرآن\" ٢/ ٧٠، و\"الجمهرة\" ٢/ ٧٣٤، و\"الاشتقاق\" ص ٢٤٢، و\"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٥٧٠، و\"الصحاح\" ٢/ ٨٢٨، و\"الخصائص\" ٣/ ٣٢٥، و\"مقاييس اللغة\" ٥/ ٤٣٠، و\"اللسان\" ٧/ ٤٤٢٣ (نشر)، و\"الدر المصون\" ٥/ ٣٤٧ وصدره: حتَى يقول النَّاسُ مِمَّا رَأَوا. وفي \"حاشية الديوان\": (الناشر الذي بعث من قبره، والمعنى: وعندئذٍ يتعجب الناس مما يرون فيقولون: يا عجبا للميت الذي بعث من جديد) اهـ.\n(٢) \"معاني الفراء\" ١/ ٣٨١.","vol":"9","page":187},{"text":"وهو الرائحة الطيبة) (١). ومنه قول امرئ القيس:\n............ ونَشْرَ القُطُرْ (٢)\nوقال أبو عبيدة: (﴿نُشُرًا﴾ أي: متفرقة من كل جانب) (٣).\nقال أبو بكر: (هي المنتشرة الواسعة الهبوب، والنشر: التفريق، ومنه نشر الثوب، ونشر الخشبة بالمنشار، والنشر المنتشر) (٤).\nوقرأ حمزة والكسائي: ﴿نَشْرًا﴾ يجوز أن يكون من باب حذف المضاف على معنى: ذوات نشر أي: ريح طيبة (٥).\nوقوله تعالى: ﴿بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾، قال ابن عباس: (يريد: بين يدي المطر) (٦).\n_________\n(١) لم أقف عليه.\n(٢) \"ديوانه\" ص ٦٩، و\"المنجد\" لكراع ص ٣٣٩، و\"تفسير الطبري\" ٨/ ٢٠٩، و\"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٥٧١، و\"الصحاح\" ٢/ ٨٢٧، و\"اللسان\" ٧/ ٤٤٢٣ (نشر)، والخزانة ٩/ ٢٣١ وتمامه:\nكَأنَّ المُدَامَ وصَوْبَ الغَمَام ... ورِدحَ الخُزَامىَ ........\nوفي \"حاشية الديوان\": (المدام: الخمر، وصوب الغمام: ماء السحاب، والخزامى: خيري البر وهو نبت حسن الريح، ونشر القطر: ريح العود الذي يتبخر به) اهـ.\n(٣) \"مجاز القرآن\" ١/ ٢١٧، ومثله قال اليزيدي في \"غريب القرآن\" ص ١٤٦.\n(٤) ذكره ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٣/ ٢١٨، وانظر: \"معاني الأخفش\" ٢/ ٣٠١، و\"تفسير غريب القرآن\" ص ١٧٨، و\"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٤٥، و\"تفسير الطبري\" ٨/ ٢٠٩، و\"نزهة القلوب\" للسجستاني ص ٤٥٤، و\"معاني النحاس\" ٣/ ٤٤.\n(٥) ما تقدم في توجيه القراءات هو قول أبي علي في \"الحجة\" ٤/ ٣٢ - ٣٩، وانظر: \"معاني القراءات\" ١/ ٤٠٩، و\"إعراب القراءات\" ١/ ١٨٦، و\"الحجة\" لابن خالويه ص ١٥٧، ولابن زنجلة ص ٢٨٥، و\"الكشف\" ١/ ٤٦٥.\n(٦) لم أقف عليه.","vol":"9","page":188},{"text":"وقال الكلبي: (قدّام مطره) (١).\nوقال أبو إسحاق: (أي: بين يدي المطر الذي هو رحمته) (٢)\nقال أبو بكر: (اليدان تستعملهما العرب في المجاز على معنى التقدمة، يقال: تكون هذه الفتن بين يدي الساعة، يريدون قبيل (٣) أن تقوم، تشبيهًا وتمثيلًا، إذ كانت يد الإنسان تتقدمانه، والرياح تتقدم المطر وتؤذن به) (٤).\nوقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا﴾، يقال: أقلَّ فلان الشيءَ أي (٥) حَمَله، وكذلك استقَلَّه (٦)، والمعنى: حتى إذا حملت هذه الرياح سحابًا ثقالًا بما فيها من الماء، قاله المفسرون (٧).\nوقوله تعالى: ﴿سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ﴾ أي: سقنا السحاب، والسحاب لفظه مذكر وإن كان جمع سحابة، لذلك ذكَّر الكناية، وهو من باب تمر وتمرة وجَوْز وجَوْزة (٨).\n_________\n(١) \"تنوير المقباس\" ٢/ ١٠٠، وذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ١٩٦، وهذا قول أكثر المفسرين. انظر: \"تفسير الطبري\" ٨/ ٢١٠، والسمرقندي ١/ ٥٤٧، والبغوي ٣/ ٢٣٨، وابن عطية ٥/ ٥٣٩.\n(٢) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٤٥، ومثله ذكر النحاس في \"معانيه\" ٣/ ٤٥.\n(٣) في (ب): (قبيل أن يكون تقوم)، وهو تحريف.\n(٤) ذكره الخازن في \"تفسيره\" ٢/ ٢٤٣، ونحوه قال الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ٢١٠.\n(٥) في (ب): (إذا حمله).\n(٦) انظر: \"المفردات\" ص ٦٨١، و\"اللسان\" ٦/ ٣٧٣٨ (قلل).\n(٧) انظر: \"تفسير الطبري\" ٨/ ٢١٠، و\"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٤٥، و\"النحاس\" ٣/ ٤٥، و\"تفسير السمرقندي\" ١/ ٥٤٧.\n(٨) أصل السَّحْب الجَرُّ، ومنه السحاب لجره الماء ولجر الريح له وانسحابه في الهواء =","vol":"9","page":189},{"text":"﴿لِبَلَدٍ مَيِّتٍ﴾. قال ابن عباس: (يريد: ليس فيه نبات) (١). وقال الكلبي: (إلى مكان لا ينبُت) (٢).\nوقال أبو بكر: (أي: سقنا السحاب لبلدِ وإلى بلدٍ محتاج إلى المطر لانقطاعها عنه) (٣). فمنهم من يجعل اللام بمعنى إلى، كما يقال: هديته للدين وإلى الدين، ومنهم من يجعله لام أجل فيقول: سقناه لأجل بلدٍ ميتٍ (٤)، وأما البلد فكل موضع من الأرض عامرٍ أو غير عامر خالٍ أو مسكونٍ فهو بلد، والطائفة منه (بَلْدة)، والجميع البلاد، والفلاة تسمى: بلدة (٥)؛ قال الأعشى (٦):\n_________\n= والجمع سحاب وسُحُب وسحائب. انظر: \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٦٣٧، و\"الصحاح\" ١/ ١٤٦، و\"مقاييس اللغة\" ٣/ ١٤٢، و\"المفردات\" ص ٣٩٩، و\"اللسان\" ٤/ ١٩٤٨ (سحب).\n(١) لم أقف عليه.\n(٢) \"تنوير المقباس\" ٢/ ١٠١.\n(٣) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ١٩٧، وابن الجوزي ٣/ ٢١٩.\n(٤) انظر: \"كتاب اللامات\" للزجاجي ص ١٤٤، وللهروي ص ٢٣، وقال أبو حيان في \"البحر\" ٤/ ٣١٧: (اللام في ﴿لِبَلَدٍ﴾ عندي لام التبليغ كقولك قلت لك) اهـ.\n(٥) هذا قول الليث في \"تهذيب اللغة\" ١/ ٣٨٣.\nوانظر: \"العين\" ٨/ ٤٢، و\"المنجد\" ص ١٤٣، و\"الجمهرة\" ١/ ٣٠١، و\"الصحاح\" ٢/ ٤٤٩، و\"المجمل\" ١/ ١٣٤، و\"مقاييس اللغة\" ١/ ٢٩٨، و\"المفردات\" ص ١٤٢، و\"اللسان\" ١/ ٣٤٠ (بلد).\n(٦) الشاهد في \"ديوانه\" ص ١٤٦، و\"تهذيب اللغة\" ١/ ٣٨٣، و\"تفسير الرازي\" ١٤/ ١٤٢، و\"اللسان\" ١/ ٣٤١ (بلد)، و\"الدر المصون\" ٥/ ٣٥٢، وهو من معلقة أعشى قيس المشهورة، وفي \"حاشية الديوان\": (مثل ظهر الترس: شبهها بظهر الدرع في انبساطها وإقفارها لأنها لا شيء فوق ظهرها، وحافاتها: نواحيها، والزجل: الأصوات المختلطة) اهـ.","vol":"9","page":190},{"text":"وَبَلْدَةٍ مِثْلِ ظَهْرِ التُّرْسِ مُوحِشَةٍ ... للجِنِّ بِاللَّيْلِ في حَافَاتِهَا (١) زَجَلُ\nوقوله تعالى: ﴿فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ﴾، قال الزجاج وابن الأنباري (٢): (جائز أن يكون فأنزلنا بالبلد الماء، وجائز أن يكون فأنزلنا بالسحاب الماء؛ لأن السحاب آلة لإنزال الماء) (٣).\nوقوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾. الظاهر أن الكناية تعود إلى الماء؛ لأن إخراج الثمرات كان بالماء، وقال الزجاج: (وجائز أن يكون فأخرجنا بالبلد من كل الثمرات؛ لأن البلد ليس يخص به هاهنا بلد دون غيره) (٤).\nوقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى﴾ أي: مثل ذلك الإخراج الذي أشرنا إليه نخرج الموتى. وقال أبو بكر: (أي: نحيي الموتى مثل ذلك الإحياء الذي وصفناه في البلد الميت، فإحياء الأموات بعد أن صاروا رفاتا في التراب كإحياء الأرض بالنبات) (٥).\n_________\n(١) في (أ): (في حافتها).\n(٢) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ١٩٧، وابن الجوزي ٣/ ٢١٩، والرازي ١٤/ ١٤٢، و\"الخازن\" ٢/ ٢٤٣.\n(٣) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٤٥، ومثله ذكر النحاس في \"معانيه\" ٣/ ٤٥، والسمرقندي ١/ ٥٤٨، والظاهر عودة الضمير إلى أقرب مذكور وهو بلد أي أنزلنا في ذلك البلد الميت الماء، أفاده أبو حيان في \"البحر\" ٤/ ٣١٧ - ٣١٨.\n(٤) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٤٥، ومثله ذكر النحاس في \"معانيه\" ٣/ ٤٥، والأول أظهر وهو اختيار الزجاج في \"معانيه\"، والسمرقندي ١/ ٥٤٨، وابن عطية ٥/ ٥٤٠، ٥٤١، وقال السمين في \"الدر\" ٥/ ٣٥١: (الأحسن هو العود على الماء ولا ينبغي أن يعدل عنه) اهـ.\n(٥) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ١٩٧، وانظر: \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٤٦، و\"بدائع التفسير\" ٢/ ٢٥٨.","vol":"9","page":191},{"text":"وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾. قال ابن عباس: (يريد: كي تتعظوا) (١).\nوقال الزجاج: (أي: لعلكم بما بينا (٢) لكم تستدلون على توحيد الله ﷿ وأنه يبعث الموتى. و(لعل) ترجٍ، والله يعلم أيتذكرون أم لا، وإنما خوطب العباد على قدر علمهم وما يرجوه بعضهم من بعض) (٣)، وقد مضت هذه المسألة في سورة البقرة (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1176>٥٨ </span>- وقوله تعالى: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾ الآية. قال المفسرون: (هذا مثل ضربه الله تعالى للمؤمن والكافر بالأرض العذبة التربة وبالأرض السبخة الملحة)، وهو قول ابن عباس (٥) ومجاهد (٦) والحسن (٧) وقتادة (٨) والسدي.\nقال أبو بكر: (فشبه المؤمن الذي إذا سمع القرآن فوعاه وعقله وانتفع به فبان أثره عليه بالبلد الطيب؛ إذ كان البلد الطيب يُمرع ويُخصب ويحسن\n_________\n(١) \"تنوير المقباس\" ٢/ ١٠١.\n(٢) في (ب): (لما بينا).\n(٣) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٤٦، ونحوه قال النحاس في \"معانيه\" ٣/ ٤٦.\n(٤) انظر: \"البسيط\" البقرة: ٢١.\n(٥) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ٢١٢، وابن أبي حاتم ٥/ ١٥٠٣ من عدة طرق جيدة عن ابن عباس ومجاهد والسدي.\n(٦) \"تفسير مجاهد\" ١/ ٢٣٩، وذكره السيوطي في \"الدر\" ٣/ ١٧٣.\n(٧) ذكره هود الهواري في \"تفسيره\" ٢/ ٢٥، والقرطبي ٤/ ٢٣١، وذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ١٩٧، والماوردي ٢/ ٢٣٢، عن ابن عباس ومجاهد والحسن وقتادة والسدي.\n(٨) أخرجه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ١/ ٢/ ٣٢٠، والطبري ٨/ ٢١٢ بسند جيد، وذكره السيوطي في \"الدر\" ٣/ ١٧٣.","vol":"9","page":192},{"text":"أثر المطر فيه، وشبه الكافر الذي يسمع القرآن ولا يؤثر فيه أثرًا محمودًا بالبلد الخبيث؛ إذ كان لا يمرع ولا يخصب ولا يتبين أثر المطر فيه) (١).\nوقال الحسين بن الفضل: (شبه الله المؤمن والكافر بالأرض، وشبه نزول القرآن بالمطر، وعلى قدر طيبة (٢) التربة ورداءتها زكاء النبت وزيادته) (٣). وهذا الذي ذكره أبو بكر والحسين هو (٤) معنى قول قتادة (٥).\nوقال الكلبي: (هذا مثل للمؤمن والكافر، المؤمن يعمل عمله طوعًا لله بإذن ربه من غير كد ولا عناء، والكافر لا يعمل عمله إلا في شدة وكدّ لغير الله) (٦)، وفي قوله: ﴿بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾ دليل على أن ما يعمله المؤمن من خير وطاعة لا يكون ذلك إلا بتوفيق من (٧) الله تعالى.\nوقوله تعالى: ﴿وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا﴾. قال الكلبي: (﴿وَالَّذِي خَبُثَ﴾ السبخة من الأرض) (٨). قال الفراء: (يقال: خَبُث الشيء يَخْبثُ خُبْثًا وخَبَاثة) (٩).\n_________\n(١) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ١٩٧، وابن الجوزي ٣/ ٢٢٠ عن المفسرين.\n(٢) في (ب): (طيب).\n(٣) لم أقف عليه، وانظر: \"الأمثال\" للحسين بن الفضل البجلي ص ٤٤.\n(٤) في (أ): (وهو).\n(٥) سبق تخريجه.\n(٦) \"تنوير المقباس\" ٢/ ١٠١، وذكره هود الهواري في \"تفسيره\" ٢/ ٢٥.\n(٧) لفظ: (من) ساقط من (ب).\n(٨) \"تنوير المقباس\" ٢/ ١٠١، وذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ١٩٨.\n(٩) ذكره الرازي في \"تفسيره\" ١٤/ ١٤٥، عن الفراء ولم أقف عليه في \"معانيه\"، والخَبيث والخُبْث، الرِديء خلاف الطيب، وفي \"تهذيب اللغة\" ١/ ٩٧٣، عن الليث قال: (خَبُث الشيء يخبث خبْثًا فهو خبيث، وبه خُبْث وخباثة، وأخبث فهو مُخْبِث إذا صار ذا خُبْث وشر) اهـ. وانظر: \"العين\" ٤/ ٢٤٨ - ٢٤٩، و\"الجمهرة\" =","vol":"9","page":193},{"text":"وقوله تعالى: ﴿إِلَّا نَكِدًا﴾ النكد العسر الممتنع (١) من إعطاء الخير على جهة البخل.\nوقال الفراء: (النَّكَد المصدر يقال: نَكِد نَكَدًا فهو نَكِدٌ) (٢).\nوقال الليث: (النكد الشؤم واللؤم وقلة العطاء وألا يهنأه من يعطاه، ورجل أنَكَد ونَكِد) (٣). وأنشد:\nوَأَعْطِ مَا أَعْطَيْتَهُ طَيِّبًا ... لاَ خَيرْ في المَنْكُودِ والنَّاكِدِ (٤)\nالأزهري: (المنكود: العطاء النزر القليل) (٥).\nوقال أبو بكر: (النكد معناه في اللغة: العسر المبطي البعيد الخير، وهو في صفة البلد) (٦). وأنشد غيره:\n_________\n= ١/ ٢٥٨، و\"الزاهر\" ٢/ ١٣٩، و\"الصحاح\" ١/ ٢٨١، و\"مقاييس اللغة\" ٢/ ٢٣٨، و\"المفردات\" ص ٢٧٢، و\"اللسان\" ٢/ ١٠٨٨ (خبث).\n(١) انظر: \"الجمهرة\" ٢/ ٦٨٠، و\"الصحاح\" ٢/ ٥٤٥، و\"المجمل\" ٣/ ٨٨٤، و\"مقاييس اللغة\" ٥/ ٤٧٥ - ٤٧٦، و\"المفردات\" ص ٨٣٣ (نكد).\n(٢) انظر: \"معاني الفراء\" ١/ ٣٨٢.\n(٣) \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٦٦٠، وانظر: \"العين\" ٥/ ٣٣١ (نكد) وقوله (من يعطاه) الأولى ما يعطاه.\n(٤) لم أعرف قائله، وهو في \"العين\" ٥/ ٣٣١، و\"تفسير الطبري\" ٨/ ٢١١، و\"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٦٦٠، و\"تفسير الماوردي\" ٢/ ٢٣٢، وابن عطية ٥/ ٥٤٢، والرازي ١٤/ ١٤٥، و\"اللسان\" ٨/ ٤٥٣٨ (نكد)، و\"البحر المحيط\" ٤/ ٣١٥، و\"الدر المصون\" ٥/ ٣٥٢.\n(٥) \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٦٦٠، وقال النحاس في \"معانيه\" ٣/ ٤٦: (النَكِد في اللغة: النزر القليل) اهـ. ونحوه في \"مجاز القرآن\" ١/ ٢١٧، و\"تفسير غريب القرآن\" ص ١٧٩، و\"نزهة القلوب\" ص ٤٤٥، و\"تفسير المشكل\" ص ٨٥.\n(٦) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ١٩٨ مع إنشاد الشاهد.","vol":"9","page":194},{"text":"لاَ تُنْجِزُ الوعْدَ إنْ وعَدْتَ وإن ... أَعْطَيْتَ أَعْطَيْتَ تَافِهًا نكدَا (١)\nفقوله: نكدًا نُصب على الحال، وكذلك في الآية كما تقول: لا يخرج فلان إلا راكبًا (٢).\nقال قتادة وأبو روق (٣): (﴿إِلَّا نَكِدًا﴾ إلا عسرًا).\nوقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ﴾ مضى معنى تصريف الآيات في مواضع.\nوقوله تعالى: ﴿لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ﴾. قال عطاء: (يريد لنعم الله، ويوحدونه، ويطيعون أمره) (٤).\nوقال بعض أهل النظر: (ذكر الشكر في آخر الآية، إشارة إلى نعمتين مذكورتين في الآية للمؤمن، وهو أن الله تعالى لم يجعله كالبلد الخبيث، والثاني: أنه أذن له في الإيمان والطاعات كما أذن للبلد الطيب في إخراج النبات) (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1177>٥٩ </span>- قوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا\n_________\n(١) لم أعرف قائله. وهو في \"مجاز القرآن\" ١/ ٢١٧، و\"تفسير الطبري\" ٨/ ٢١١، وابن عطية ٥/ ٥٤٢، وابن الجوزي ٣/ ٢٢٠، و\"اللسان\" ١/ ٤٣٦ (تفه)، و\"تفسير الخازن\" ٢/ ٢٤٤، و\"البحر المحيط\" ٤/ ٣١٥، و\"الدر المصون\" ٥/ ٣٥٢.\n(٢) النصب على الحال هو قول الأكثر، ويجوز نصبه على المصدر على معنى ذا نكد. انظر: \"إعراب النحاس\" ١/ ٦٢٠، و\"المشكل\" ١/ ٢٩٥، و\"البيان\" ١/ ٣٦٦، و\"التبيان\" ص ٣٨٠، و\"الفريد\" ٢/ ٣١٩، و\"الدر المصون\" ٥/ ٣٥٢.\n(٣) لم أقف عليه عنهما.\n(٤) لم أقف عليه.\n(٥) انظر: \"تفسير الطبري\" ٨/ ٢١٢، والسمرقندي ١/ ٥٤٨، والرازي ١٤/ ١٤٥.","vol":"9","page":195},{"text":"لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [قرئ: ﴿غَيْرُهُ﴾ (١)، رفعًا وخفضًا (٢)، فأما من خفض فقال الفراء: (يجعل (غير) نعتًا للإله، وقد يرفع فيجعل تابعًا للتأويل في ﴿إِلَهٍ﴾، ألا ترى أن الإله لو نزعت منه (مِن) (٣) كان رفعًا) (٤)، وقال أبو إسحاق: (الرفع على معنى: ما لكم إله غيره ودخلت (مِنْ) مؤكدةَ، و(مِنْ) خفض جعله صفة لإله) (٥) فقد اتفقا كما ترى على أن (غير) في القراءتين صفة لإلهٍ، الرفع على الموضع، والخفض على (٦) اللفظ، ولا بد من إضمار محذوف في الكلام، وهو خبر ﴿ما﴾؛ لأنك إذا جعلت (غير) من صفة الإله، لم يكن للنفي خبر، والكلام لا يستقل بالصفة والموصوف كقولك: (زيد العاقل)، وتسكت حتى تذكر خبره، ويكون التقدير: ما لكم من إله غيره في الوجود، ونحو ذلك لا بد من هذا الإضمار (٧).\n_________\n(١) في (ب): (قرئ غير).\n(٢) قرأ الكسائي ﴿غيرِه﴾ بكسر الراء، وقرأ الباقون برفعها. انظر: \"السبعة\" ص ٢٨٤، و\"المبسوط\" ص ١٨١، و\"التذكرة\" ٢/ ٤٢٠، و\"التيسير\" ص ١١٠، و\"النشر\" ٢/ ٢٧٠.\n(٣) لفظ: (من) ساقط من (ب).\n(٤) \"معاني الفراء\" ١/ ٣٨٢.\n(٥) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٤٨.\n(٦) انظر: \"إعراب النحاس\" ١/ ٦٢١، و\"المشكل\" ١/ ٢٩٥، و\"البيان\" ١/ ٣٦٧، و\"التبيان\" ص ٣٨٠، و\"الفريد\" ٢/ ٣٢٠.\n(٧) هذا قول أبي علي في \"الحجة\" ٤/ ٤٠، وقال السمين في \"الدر\" ٥/ ٣٥٤: (في الخبر وجهان: أظهرهما أنه ﴿لَكُمْ﴾، الثاني: أنه محذوف أي: ما لكم من إله في الوجود أو في العالم غير الله و﴿لَكُمْ﴾ على هذا تخصيص وتبيين) اهـ.","vol":"9","page":196},{"text":"وقال أبو علي: (وجه من قرأ بالرفع قوله: ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران:<span data-type=\"title\" id=toc-1178> ٦٢]</span>، فكما أن قوله: ﴿إِلَّا اللَّهُ﴾ بدل من قوله: ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ﴾، كذلك قوله: ﴿غَيْرُ اللهِ﴾ (١) يكون بدلًا من قوله ﴿مِنْ إِلَهٍ﴾ و(غير) يكون بمنزلة الاسم الذي بعد إلا). وعلى ما ذكره أبو علي (غير) يكون رفعًا بالاستثناء، ولا يحتاج إلى إضمار الخبر، قال: (وهذا الذي ذكرنا أولى أن يُحمل عليه من أن يجعل غير صفةً لإله على الموضع (٢).\n٦٢ - قوله تعالى (٣): ﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي﴾. وقرأ أبو عمرو (٤) ﴿أُبَلِّغُكُمْ﴾ مخففة من الإبلاغ، وكلا الأمرين قد جاء في التنزيل، فالتخفيف قوله: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ﴾ [هود: ٥٧] والتشديد قوله: ﴿فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ (٥) [المائدة: ٦٧].\n_________\n(١) كذا في \"النسخ\"، و\"الحجة\" لأبي علي (٤/ ٤٠) والأولى: كذلك قوله: ﴿غَيْرُهُ﴾ وجاء في سورهِ الأعراف الآية (٣) قوله تعالى: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾؛ قرأ حمزة والكسائي ﴿غَيْرِ﴾ خفضًا، وقرأ الباقون رفعًا. انظر: \"السبعة\" ص ٢٨٤.\n(٢) \"الحجة\" لأبي علي ٤/ ٤٠، وقال: (لأن كون (إلا) استثناء أعرف وأكثر من كونها صفة، وإنما جعلت صفة على التشبيه بغير) اهـ. وانظر: \"الحجة\" لأبي علي ٤/ ٢٨٥، و\"معاني القراءات\" ١/ ٤١٠، و\"إعراب القراءات\" ١/ ١٨٩، و\"الحجة\" لابن خالويه ص ١٥٧، ولابن زنجلة ص ٢٨٦، و\"الكشف\" ١/ ٤٦٧.\n(٣) تنبيه: (لم يتعرض المؤلف -رحمه الله تعالى- لتفسير باقي الآية: ٥٩ والآيتين: ٦٠ و٦١).\n(٤) قرأ أبو عمرو: ﴿أُبَلِّغُكُمْ﴾ بسكون الباء، وتخفيف اللام، وقرأ الباقون بفتح الباء، وتشديد اللام، انظر: \"السبعة\" ص ٢٨٤، و\"المبسوط\" ص ١٨١، و\"التذكرة\" ٢/ ٤٢٠، و\"التيسير\" ص ١١١، و\"النشر\" ٢/ ٢٧٠.\n(٥) انظر: \"الحجة\" لأبي علي ٤/ ٤١ - ٤٢ و\"معاني القراءات\" ١/ ٤١٠، و\"إعراب القراءات\" ١/ ١٩٠، و\"الحجة\" لابن خالويه ص ١٥٧، ولابن زنجله ص ٢٨٦، و\"الكشف\" ١/ ٤٦٧.","vol":"9","page":197},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَأَنْصَحُ لَكُمْ﴾. قال الفراء: (والعرب لا تكاد تقول: نصحتك، إنما يقولون: نصحت لك، فأنا أنصح لك نصيحة ونصاحةً ونصحًا وقد يجوز نصحتك) (١).\nقال النابغة:\nنصحتُ بَنِي عَوْفٍ فلم يَتَقَبَّلُوا ... رسولي ولم تَنْجَحْ لديهم رسَائِلي (٢)\nومعنى النصح: إخلاص النية من شائب الفساد في المعاملة وهو خلاف الغش (٣).\nقال ابن عباس: (يريد: أدعوكم إلى ما دعاني الله إليه، وأحب لكم ما أحب لنفسي. ﴿وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ يريد: إني أعلم أن ربي غفور رحيم لمن رجع عن معاصيه، وأن عذابه أليم شديد لمن أصرّ على معاصيه) (٤).\nوقال أهل النظر: (في قوله: ﴿وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ حثٌّ لهم\n_________\n(١) \"معاني الفراء\" ١/ ٩٢ فيه: (العرب لا تكاد تقول: شكرتك إنما تقول: شكرت لك ونصحت لك ولا يقولون: نصحتك وربما قيلتا قال النابغة ...) اهـ. يقال: نَصَحْتُك نُصْحا ونَصَاحة وهو باللام أفصح، والاسم النصيحة. انظر: \"الصحاح\" ١/ ٤١٠، و\"كتاب الأفعال\" للسرقسطي ٣/ ١٩٢.\n(٢) \"ديوان النابغة الذبياني\" ص ١٢٨، و\"الصحاح\" ١/ ٤١٠، و\"تفسير الرازي\" ١٤/ ١٥١، و\"اللسان\" ٧/ ٤٤٣٨ (نصح)، وفي \"الديوان\" (وصاتي) بدل (رسولي)، و(وسائلي) بدل (رسائلي)، وبنو عرف قومه وهم بنو عوف بن سعد ابن ذبيان. انظر: \"نهاية الأرب\" ص ٣٤٤.\n(٣) انظر: \"العين\" ٣/ ١١٩، و\"الجمهرة\" ١/ ٥٤٤، و\"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٥٨٢، و\"المجمل\" ٣/ ٧٨٠، و\"المقاييس\" ٥/ ٤٣٥، و\"المفردات\" ص ٨٠٨ (نصح).\n(٤) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ١٩٩، وفي \"تنوير المقباس\" ٢/ ١٠٢ نحوه.","vol":"9","page":198},{"text":"على طلب العلم من جهته، وتحذير من مخالفته) (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1179>٦٣ </span>- قوله تعالى: ﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾، قال ابن عباس: (يريد: موعظة من الله) (٢).\nوقوله تعالى: ﴿عَلَى رَجُلٍ﴾. قال الفراء: (﴿عَلَى﴾ هاهنا بمعنى: (مع) كما تقول: جاءنا الخير على وجهك ومع وجهك، ويجوزان جميعًا) (٣)، وقال ابن قتيبة: (أي: على لسان رجل منكم) (٤).\nوقال غيره (٥): (معناه: ذكر من ربكم منزل على رجل)، فـ (على) من صلة الإنزال المحذوف، وعلى هذا دل كلام ابن عباس في هذه الآية؛ لأنه قال في قوله: ﴿عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ﴾: (يريد أوحى الله إليه، وبعثه إليكم لينذركم) (٦). وقوله: ﴿مِنْكُمْ﴾ أي: يعرفون نسبه، فهو منكم نسبًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1180>٦٤ </span>- وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ﴾، قال ابن عباس: (عميت قلوبهم عن معرفة الله وقدرته وشدة بطشه) (٧).\n_________\n(١) انظر: \"تفسير الرازي\" ١٤/ ١٥١.\n(٢) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ١٩٩، والبغوي ٣/ ٢٤١.\n(٣) \"معاني الفراء\" ١/ ٣٨٣، وانظر: \"تفسير الطبري\" ٨/ ٢١٤.\n(٤) \"تفسير غريب القرآن\" ص ١٧٩، وهو قول مكي في \"تفسير المشكل\" ص ٨٥.\n(٥) الظاهر أنه قول الطبري ٨/ ٢١٤، قال: (أوعجبتم أن جاءكم تذكير من الله وعظة يذكركم بما أنزل ربكم على رجل منكم) اهـ.\n(٦) في \"تنوير المقباس\" ٢/ ١٠٢ نحوه.\n(٧) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٢٠٠، والبغوي ٣/ ٢٤٢، وابن الجوزي ٣/ ٢٢١، والرازي ١٤/ ١٥٣، و\"الخازن\" ٢/ ٢٤٦.","vol":"9","page":199},{"text":"وقال الزجاج: (أي: قد عَمُوا عن الحق والإيمان) (١).\nقال الليث: (يقال (٢) رجل عمٍ إذا كان أعمى القلب) (٣).\nوقال أبو معاذ النحوي (٤): (رجل عم في أمره لا يبصره (٥)، ورجل أعمى في البصر)، قال زهير (٦):\nوَلَكِنِّني عَنْ عِلْمِ مَا فيِ غَدٍ عَمِ\nوعلى هذا الوجه فسر ابن عباس؛ حيث قال: (عميت قلوبهم) (٧). وهو اختيار الحسين (٨) بن الفضل فإنه قال: (عمين في البصائر وأعمى في البصر) (٩)، ألا ترى أن قوم نوح لم يكونوا أَضِرَّاءَ مكافيف، إنما وصفوا\n_________\n(١) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٤٧، وهو قول الطبري ٨/ ٢١٥، وأخرجه من طرق جيدة عن مجاهد وابن زيد.\n(٢) لفظ: (يقال) ساقط من (ب).\n(٣) \"العين\" ٢/ ٢٦٦، وهو في \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٥٧٦ من قول الفراء ونفطويه.\n(٤) أبو معاذ النحوي: الفضل بن خالد المروزي الباهلي مولاهم إمام نحوي، لغوي، مقرئ، روى عنه الأزهري في \"تهذيبه\" ١/ ٢٥ وقال: (له كتاب في القرآن حسن) اهـ. توفي سنة ٢١١ هـ. انظر: \"معجم الأدباء\" ٥/ ٥٦٥، و\"غاية النهاية\" ٢/ ٩، و\"بغية الوعاة\" ٢/ ٢٤٥، و\"طبقات المفسرين\" للداودي ٢/ ٣٢.\n(٥) جاء في (أ): (رجل عم لا يبصره)، ثم كتب عليه: لا بصيرة له، والنص في \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٥٧٧.\n(٦) \"ديوانه\" ص ١١٠، و\"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٥٧٧، والرازي ١٤/ ١٥٣، و\"اللسان\" ٥/ ٣١١٥ (عمى)، و\"الدر المصون\" ٥/ ٣٥٧، وأوله: (وأعلم ما في اليوم والأمس قبله)، وهو من معلقته المشهورة. انظر: \"شرح ديوان زهير\" لثعلب ص ٤٩، و\"شرح القصائد\" لابن الأنباري ص ٢٨٩، وللنحاس ١/ ١٢٥.\n(٧) سبق تخريجه.\n(٨) لفظ: (الحسين) ساقط من (ب).\n(٩) ذكره الثعلبي في \"الكشف\" ١٩١ ب.","vol":"9","page":200},{"text":"بعمى القلب، وقد يكون العمي والأعمى كالخَضِر والأخضر (١)، وفَعِل يأتي كثيرًا في النعوت من فَعِلَ يفعل نحو: حذِرٍ وطمِعٍ وهرِمٍ وعَجِلٍ. ومن المعتل: شجي وصدٍ للعطشان، ونسي، إذا اشتكى نساه فهو أنسى ونسي. ذكره ابن السكيت (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1181>٦٥ </span>- وقوله تعالى: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا﴾ الآية. انتصب: ﴿أَخَاهُمْ﴾ بقوله: ﴿أَرْسَلْنَا﴾ في أول الكلام، وهو قوله: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾ [الأعراف: ٥٩] و(٣) المعنى: وأرسلنا إلى عاد ﴿أَخَاهُمْ هُودًا﴾، وهذا قول الفراء، والزجاج، والأخفش (٤)، ومعنى ﴿أَخَاهُمْ﴾ قال ابن عباس: (يريد: ابن أبيهم) (٥).\n_________\n(١) قال السمين في \"الدر\" ٥/ ٣٥٧: (عَمين: جمع عَم، قيل: عم إذا كان أعمى البصيرة غير عارف بأموره، وأعمى أي: في البصر، وقيل: عم وأعمى بمعنى كخضر وأخضر، وقيل: عمٍ فيه دلالة على ثبوت الصفة واستقرارها كفرح وضيق ولو أريد الحدوث لقيل عام كما يقال: فارح وضائق) اهـ، وانظر: \"الصحاح\" ٦/ ٢٤٣٩، و\"مقاييس اللغة\" ٤/ ١٣٣، و\"المجمل\" ٣/ ٦٢٨، و\"المفردات\" ص ٥٨٨ (عمى).\n(٢) قال ابن السكيت في \"إصلاح المنطق\" ص ١٥٥ وص١٨٠ وص٣٧٠: (رجل عَمِي القلب وعم عن الصواب ورجل شج: إذا غص باللقمة ورجل صَدٍ للعطشان وصَدْيان وصاد، وإذا اشتكى الرجل نساه قلت: نَسِي يَنْسَى نسى فهو نَسٍ وقد نسيت الشيء: إذا لم تذكره، وقد أنسيته ما كان يحفظه، وأنسأته البيع: إذا أخرت ثمنه عليه) اهـ. ملخصًا.\n(٣) لفظ: (الواو) ساقط من (أ).\n(٤) انظر: \"معاني الفراء\" ١/ ٣٨٣، والأخفش ٢/ ٣٠٥، والزجاج ٢/ ٣٤٧، وهو قول الأكثر، انظر: \"تفسير الطبري\" ٨/ ٢١٥، و\"إعراب النحاس\" ١/ ٦٢٢، و\"المشكل\" ١/ ٢٩٦، و\"التبيان\" ص ٣٨١، و\"الفريد\" ٢/ ٣٢٣، و\"الدر المصون\" ٥/ ٣٥٨.\n(٥) ذكره القرطبي ٧/ ٢٣٠.","vol":"9","page":201},{"text":"وقال الكلبي: (ليس بأخيهم في الدين، ولكنه أخوهم في النسب؛ لأنه منهم، فلذلك جعله أخاهم) (١). قال الزجاج: (وقيل للأنبياء: (أخوهم) وإن كانوا كفرة، يعني: أنه قد أتاهم بشر مثلهم من بني أبيهم آدم وهو أحجّ عليهم، قال: وجائز أن يكون (أخاهم)؛ لأنه من قومهم ليكون أفهم لهم بأن يأخذوا عن رجل منهم) (٢).\nوقال بعض أهل النظر: (قوله تعالى: ﴿أَخَاهُمْ﴾ يعني: صاحبهم ورسولهم، والعرب تسمي صاحب القوم أخ القوم، ومنه قوله - ﷺ -: \"إن أخا صداء (٣) قد أذن [و] (٤) إنما يقيم من أذن\" (٥) يريد (٦) صاحبهم، ومن هذا\n_________\n(١) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٢٠٠، والرازي ١٤/ ١٥٤، وذكره السيوطي في \"الدر\" ٣/ ١٧٧، وقال: (أخرجه ابن المنذر من طريق الكلبي عن ابن عباس) اهـ.\n(٢) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٤٧.\n(٣) صُداء: اسم قبيلة من كهلان من القحطانية من اليمن. انظر: \"اللباب\" لابن الأثير\n٢/ ٢٣٦، و\"نهاية الأرب \" ص ٢٨٦، والمراد به هنا: زياد بن الحارث الصُدائي،\nصحابي له وفادة، انظر: \"الإصابة\" ١/ ٥٥٧\n(٤) لفظ: (الواو) ساقط من (ب).\n(٥) أخرجه عبد الرزاق في \"المصنف\" ١/ ٤٧٥ - ٤٧٦، وابن سعد في \"الطبقات الكبرى\" ١/ ٣٢٦ - ٣٢٧، وابن أبي شيبة ١/ ١٩٦ (٢٢٤٦)، وأحمد ٤/ ١٦٩، وابن عبد الحكم في \"فتوح مصر\" ص ٢١٤، وابن ماجه كتاب الأذان والسنة فيه، باب: السنة في الأذان رقم (٧١٧)، وأبو داود كتاب الصلاة، باب في الرجل يؤذن ويقيم آخر رقم (٥١٤)، والترمذي كتاب الصلاة، باب: ما جاء أن من أذن فهو يقيم رقم (١٩٩)، والبيهقي في \"سننه\" ١/ ٣٨١ وص ٣٩٩ وفيه عبد الرحمن زياد بن أنعم الأفريقي قاضيها ضعيف في حففه، قاله الحافظ في \"التقريب\" ص ٣٤٠ (٣٨٦٢) لكن الحديث له طرق. وقال الترمذي: (العمل على هذا عند أكثر أهل العلم أن من أذن فهو يقيم) اهـ.\n(٦) لفظ: (يريد) ساقط من (أ).","vol":"9","page":202},{"text":"قوله تعالى: ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ [الأعراف: ٣٨] أي: صاحبتها وشبيهتها، وهذا كثير في كلامهم) (١).\nوقوله تعالى: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾، قال ابن عباس: (يريد: وحدوا الله ﴿مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ قال: يريد: أفلا تخافون نقمته) (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1182>٦٦ </span>- وقوله تعالى: ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ﴾. قال مقاتل: (أي: في حمق) (٣).\nوقال عبد الله بن مسلم: (أي: في جهل) (٤).\nقال ابن عباس: [(يريد)] (٥) تدعونا إلى دين لا نعرفه) (٦)، ومضى معنى السفاهة في أول سورة البقرة (٧).\n_________\n(١) انظر: \"تفسير الرازي\" ١٤/ ١٥٥.\n(٢) \"تنوير المقباس\" ٢/ ١٠٣، وذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٢٠٠، وأخرج ابن أبي حاتم ٥/ ١٥٠٨ بسند جيد، عن ابن عباس قال: (﴿اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ وحدوه) اهـ.\n(٣) \"تفسيرمقاتل\" ٢/ ٤٥.\n(٤) \"تفسير غريب القرآن\" ص ١٧٩، وقال الزجاج في \"معانيه\" ٢/ ٣٤٧: (السفاهة: خِفة الحلم والرأي، يقال: ثوب سفيه إذا كان خفيفًا) اهـ، ونحوه، قال النحاس في \"معانيه\" ٣/ ٤٧، وقال الطبري ٨/ ٢١٥: (أي: في ضلال عن الحق والصواب) اهـ.\n(٥) لفظ: (يريد) ساقط من (ب).\n(٦) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٢٠٠، والبغوي ٣/ ٢٤٢، وجاء في كتاب \"اللغات\" لأبي عبيد ص ١٥٢، وابن حسنون ص ٢٥، و\"الوزان\" ص ٤ بسند جيد عن ابن عباس قال: (سفاهة: جنون بلغة حمير).\n(٧) انظر: \"البسيط\" البقرة: ١٣.","vol":"9","page":203},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾، قال ابن عباس: (يريدون كاذبًا فيما جئت به) (١).\nوقال مقاتل: (من الكاذبين فيما تقول من نزول العذاب بنا) (٢).\nوقال الكلبي: (من الكاذبين في ادعائك بالنبوة) (٣). وقال أبو إسحاق في قوله: ﴿وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ﴾: (فكفروا به ظانين [لا] (٤) مستيقنين) (٥)، وهو قول الحسن، قال: (كان تكذيبهم إياه على الظن لا على اليقين) (٦). وقال بعض أهل النظر: (الظن هاهنا معناه: العلم، والظن بمعنى العلم كثير في الكلام)، ذكرنا ذلك (٧) في سورة البقرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1183>٦٨ </span>- وقوله تعالى: ﴿وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ﴾. قال الضحاك: (أمين على الرسالة) (٨). وقال الكلبي: (قد كنت فيكم قبل اليوم أمينًا) (٩). والقولان ذكرهما الفراء (١٠)، ومعنى الأمين: الثقة في نفسه، وهو فعيل من أَمِنَ يَأمن\n_________\n(١) \"تنوير المقباس\" ٢/ ١٠٣، وذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٢٠٠.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٤٥.\n(٣) لم أقف عليه.\n(٤) لفظ (لا) عليها طمس في (ب).\n(٥) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٤٧.\n(٦) ذكره الرازي في \"تفسيره\" ١٤/ ١٥٦، وأبو حيان في \"البحر\" ٤/ ٣٢٤، وقال ابن عطية ٥/ ٥٤٩: (هو ظن على بابه لأنهم لم يكن عندهم إلا ظنون وتخرص) اهـ.\n(٧) انظر: \"البسيط\" [البقرة: ٧٨].\n(٨) ذكره الثعلبي في \"الكشف\" ١٩٢ أ، والواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٢٠١، وابن الجوزي ٣/ ٢٢٢.\n(٩) ذكره الثعلبي في \"الكشف\" ١٩٢ أ، والواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٢٠١، والبغوي ٣/ ٢٤٢، وابن الجوزي ٣/ ٢٢٢.\n(١٠) \"معاني الفراء\" ١/ ٣٨٤.","vol":"9","page":204},{"text":"أَمنًا فهو آمِن وأمين بمعنى واحد، ويقال أيضًا: ما كان فلان أمِينًا، ولَقَد أمن يَأمن أمانة فهو أَمِين، والمأمون: الذي يأمنه غيره (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1184>٦٩ </span>- قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾.\nمضى الكلام في الخلفاء والخليفة (٢) والخلائف في مواضع. قال ابن عباس: (يريد: أنكم من ولد نوح، وقد علمتم ما صنع الله بمن كذبه) (٣).\nوقال غيره (٤): (هذا معناه: تذكيرهم النعمة عليهم بأن استخلفهم الله وقال في الأرض بعد هلاك قوم نوح، يقول: اذكروا أن الله أهلكهم واستخلفكم بعدهم.\n﴿وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً﴾. قال الكلبي: (فضيلة (٥) في الطول) (٦) ومضى الكلام (٧) في هذا عند قوله: ﴿وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ [البقرة: ٢٤٧]. قال ابن عباس: (يريد: أنكم أجسم وأتم من آبائكم الذين ولدوكم) (٨).\n_________\n(١) انظر: \"العين\" ٨/ ٣٨٨، و\"تهذيب اللغة\" ١/ ٢٠٩، و\"الصحاح\" ٥/ ٢٠٧١، و\"مقاييس اللغة\" ١/ ١٣٣، و\"المفردات\" ص ٩٠، و\"اللسان\" ١/ ١٤١ (أمن).\n(٢) انظر: \"البسيط\" البقرة: ٣٠.\n(٣) ذكره السيوطي في \"الدر\" ٣/ ١٧٨.\n(٤) هذا قول الأكثر. انظر: \"تفسير الطبري\" ٨/ ٢١٦، وأخرجه من طرق جيدة عن السدي، ومحمد بن إسحاق. وانظر: \"تفسير السمرقندي\" ١/ ٥٥٠، والبغوي ٣/ ٢٤٣، وابن عطية ٥/ ٥٥٠، والرازي ١٤/ ١٥٧، والقرطبي ٧/ ٢٣٦.\n(٥) في (ب): (فصله)، وهو تصحيف.\n(٦) \"تنوير المقباس\" ٢/ ١٠٤.\n(٧) انظر: \"البسيط\" النسخة الأزهرية ١/ ١٥٠ أ.\n(٨) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٢٠١، وأخرج ابن أبي حاتم ٥/ ١٥١٠ بسند ضعيف عن ابن عباس قال: (بصطة) (شدة)، وذكره السيوطي في \"الدر\" ٣/ ١٧٨.","vol":"9","page":205},{"text":"قال الكلبي: (وكان أطولهم مائة ذراع، وأقصرهم ستين ذراعًا) (١).\nوقوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ﴾، قال ابن عباس: (يريد: نِعَم الله عليكم) (٢)، وواحد الآلاء: إلْي وأَلْي وألْو وألَى (٣).\nقال الأعشى (٤):\n_________\n(١) ذكره الثعلبي في \"الكشف\" ١٩٢ أ، و\"عرائس المجالس\" ص ٦١، والبغوي ٣/ ٢٤٣، وهو قول الفراء في \"معانيه\" ١/ ٣٨٤، والزجاج ٢/ ٣٤٨، ونسبه السمرقندي ١/ ٥٥٠، والواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٢٠١، وابن الجوزي ٣/ ٢٢٢ إلى ابن عباس. وجاء عند السمرقندي عن الكلبي قال: (أطولهم مائة وعشرون ذراعًا وأقصرهم ثمانون ذراعًا) اهـ.\n(٢) أخرجه ابن أبي حاتم ٥/ ١٥١٠ بسند جيد وقال: (وروي عن مجاهد، وقتادة، والسدي، وابن زيد نحو ذلك) اهـ. وهذا هو قول أهل اللغة والتفسير، انظر: \"مجاز القرآن\" ١/ ٢١٧، و\"غريب القرآن\" لليزيدي ص ١٤٧، و\"تفسير غريب القرآن\" ص ١٧٩، و\"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٤٨، و\"تفسير الطبري\" ٨/ ٢١٧، و\"نزهة القلوب\" ص ٧٣، و\"معاني النحاس\" ٣/ ٤٩، و\"تفسير المشكل\" ص ٨٥\n(٣) في (ب): (واحد الآلاء: إلى وألا وإلو وإلي). وفي \"تهذيب اللغة\" ١/ ١٧٩، قال: (والآلاء النعم واحدتها إلْيُ، وألْيُ، وأبو، وألَى، وإلَى) اهـ. وهي جمع مفرده: (إلى) بكسر الهمزة وسكون اللام كحِمْل وأحمال، أو أُلي: بضم الهمزة وسكون اللام كقفل وأقفال، أو إلى: بكسر الهمزة وفتح اللام كضلع وأضلاع وعنب وأعناب، أو ألى: بفتحها كقَفَا وأقفاء، أفاده السمين في \"الدر\" ٥/ ٣٦٠، وانظر: المراجع السابقة. \"العين\" ٨/ ٣٥٦، و\"الصحاح\" ٦/ ٢٢٧٠، و\"المجمل\" ١/ ١٠١، و\"المفردات\" ص ٨٤، و\"اللسان\" ١/ ١١٩ (ألا)، ونقل الرازي ١٤/ ١٥٨، عن الواحدي قال: (واحدها إلى وألو وإلي) اهـ.\n(٤) \"ديوانه\" ص ٢٦٧، و\"مجاز القرآن\" ١/ ٢١٨، و\"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٤٨، و\"المجمل\" ١/ ١٠١، و\"تفسير الماوردي\" ٢/ ٢٣٣، وابن عطية ٥/ ٥٥١، وابن الجوزي ٣/ ٢٢٢، والرازي ١٤/ ١٥٨، و\"اللسان\" ١/ ١١٩ (ألا)، و\"البحر المحيط\" ٤/ ٣١٥، و\"الدر المصون\" ٥/ ٣٦٠.","vol":"9","page":206},{"text":"أَبْيَضُ لاَ يَرْهَبُ الْهزال وَلاَ ... يَقْطَعُ رِحْمًا وَلاَ يَخُونُ إلا\nونظير الآلاء الآناء، واحدها إِنْي وأُنْىً وإنًى (١)، وحكى الأخفش (٢) إنْو (٣)\nوقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. قال ابن عباس: (يريد: [كي] (٤) تسعدوا وتبقوا في الجنة) (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1185>٧٠ </span>- قوله تعالى: ﴿فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا﴾. قال ابن عباس والكلبي (٦): (يريدون من العذاب). ﴿إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ إنك تأتينا من العذاب، قاله الكلبي (٧)، وقال ابن عباس: (يريدون أن الله لم يرسلك، يعني: ﴿إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ (٨) في نبوتك وإرسالك إلينا) (٩).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1186>٧١ </span>- قوله تعالى: ﴿قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ﴾ الآية. يقال: وَقَعَ القولُ والحكمُ إذا وَجَبَ، ومنه قوله: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ [النمل: ٨٢]. معناه: إذا وجب، ومثله: ﴿وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ﴾ [الأعراف: ١٣٤] أي: أصابهم ونزل به، وأصله من الوقوع بالأرض، يقال: وقع بالأرض مطر، ووقعت\n_________\n(١) قال السمين في \"الدر\" ٥/ ٣٦٠: (ومثله الآناء: جمع إنْي، أو أُنْي، أو إنًى، وقال الأخفش: إنْو، والآناء: الأوقات) اهـ.\n(٢) \"معاني الأخفش\" ١/ ٢١٣.\n(٣) في (ب): (أنوه).\n(٤) لفظ: (كي) ساقط من (ب).\n(٥) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٢٠١، وفي \"تنوير المقباس\" ٢/ ١٠٤ نحوه.\n(٦) \"تنوير المقباس\" ٢/ ١٠٤، وهو قول أهل التفسير. انظر: الطبري ٨/ ٢٢٢، والسمرقندي ١/ ٥٥١، والبغوي / ٢٤٣، وابن الجوزي ٣/ ٢٢٢.\n(٧) انظر: المراجع السابقة.\n(٨) جاء في (ب) تكرار قول ابن عباس والكلبي، وعليه ضرب.\n(٩) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٢٠١، وابن الجوزي ٣/ ٢٢٢ من قول عطاء.","vol":"9","page":207},{"text":"الإبل إذا بركت (١).\nوقوله تعالى: ﴿مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ﴾، قال ابن عباس: (يريد: عذابًا وسخطًا) (٢). ﴿أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ﴾. قال: (يريد: الأصنام التي كانوا يعبدونها) (٣).\nقال المفسرون: (كانت لهم أصنام يعبدونها وسموها أسماء مختلفة، فلما دعاهم الرسول إلى التوحيد استنكروا عبادة الله وحده) (٤).\nوقوله: ﴿مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ أي: من حجة وبرهان لكم في عبادتها، ﴿فَانْتَظِرُوا﴾. قال ابن عباس: (يريد العذاب) (٥)، ﴿إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾ الذي يأتيكم من الله في تكذيبكم آياتي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1187>٧٣ </span>- قوله تعالى: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾ الآية. الكلام في هذا كهو في قوله: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا﴾ [الأعراف: ٦٥]، وقد مر، والكلام في (ثمود) وجواز إجرائه يذكر في سورة (٦) هود إن شاء الله (٧).\n_________\n(١) هذا من \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٩٣٥، وانظر: \"العين\" ٢/ ١٧٦، و\"الصحاح\" ٣/ ١٣٠١، و\"مقاييس اللغة\" ٦/ ١٣٣، و\"المفردات\" ص ٨٨٠، و\"اللسان\" ٨/ ٤٨٩٥ (وقع).\n(٢) \"تنوير المقباس\" ٢/ ١٠٤، وذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٢٠٢، وابن الجوزي ٣/ ٢٢٣، وأخرج الطبري ٨/ ٢٢٣، وابن أبي حاتم ٥/ ١٥١١ بسند جيد عن ابن عباس قال: (﴿رِجْسٌ﴾ سخط)، وذكره السيوطي في \"الدر\" ٣/ ١٧٩.\n(٣) \"تنوير المقباس\" ٢/ ١٠٥.\n(٤) انظر: الطبري ٨/ ٢٢٣، والسمرقندي ١/ ٥٥١، والماوردي ٢/ ٢٣٤، وذكره البغوي ٣/ ٢٤٣ عن أهل التفسير.\n(٥) \"تنوير المقباس\" ٢/ ١٠٥.\n(٦) لفظ: (سورة) ساقط من (ب).\n(٧) انظر: \"البسيط\" النسخة الأزهرية ٣/ ٣٥ ب وص ٤٤ أ.","vol":"9","page":208},{"text":"وقوله تعالى: ﴿هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً﴾. ﴿آيَةً﴾ (١) نَصْبٌ على الحال (٢) أي: أشير إليها في حال كونها آية، وهذه تتضمن معنى الإشارة، و(آية) في معنى دالة، فلهذا جاز أن يكون حالًا. قال ابن الأنباري: (وهي آية لهم ولغيرهم، ولكنهم اقترحوها، فخصوا بها، وإن كانت فيها عبرة (٣) لجميع الخلق، وكانت هذه الناقة آية من بين سائر النوق؛ لأنها خرجت من حجر صلدٍ بمخض واضطراب كاضطراب المرأة عند الولادة) (٤).\nقال ابن عباس: (الآية فيها أنها كانت ترد يومًا وتغب يومًا، فإذا وردت شربت جميع الماء وتسقيهم مثله لبنًا لم يُشرب مثله قط ألذ وأحلى) (٥)، فتوسعهم من اللبن ما يصدرون منه بريهم ومقدار حاجتهم،\n_________\n(١) لفظ: (آية) ساقط من (ب).\n(٢) هذا قول الأكثر. انظر: \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٤٩، و\"الإيضاح العضدي\" لأبي علي ١/ ٢٣٤، والبغوي ٣/ ٢٤٧، و\"الكشاف\" ٢/ ٨٩، والرازي ١٤/ ١٦٣، و\"التبيان\" ١/ ٣٨٢، و\"الفريد\" ٢/ ٣٢٥ - ٣٢٦، و\"البحر\" ٤/ ٣٢٨، و\"الدر المصون\" ٥/ ٣٦٢.\n(٣) في (ب): (غيره)، وهو تصحيف.\n(٤) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٢٠٢، وابن الجوزي ٣/ ٢٢٤، بلا نسبة وهذا هو قول الأكثر والظاهر. انظر: \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٤٩، والطبري ٨/ ٢٢٤، و\"معاني النحاس\" ٢/ ٥٥١، والسمرقندي ١/ ٥٥١، والماوردي ٢/ ٢٣٥، وقال ابن عطية ٥/ ٥٥٩ - ٥٦٠: (قال الجمهور: كانت الناقة مقترحة وهذا أليق بما ورد في الآثار من أمرهم) اهـ. وقال ابن كثير ٢/ ٢٥٤: (وكانوا سألوا صالحًا أن يأتيهم بآية واقترحوا عليه أن تخرج لهم من صخرة صماء عينوها بأنفسهم) اهـ.\n(٥) لم أقف عليه.","vol":"9","page":209},{"text":"وكانت آية لانفرادها من سائر بعضها بهذا الأمر الذي لم يشاهد مثله في غيرها.\nوقوله تعالى: ﴿فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ﴾، أي: سهل الله أمرها عليكم فليس عليكم رزقها ولا مؤنتها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1188>٧٤ </span>- قوله تعالى: ﴿وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ﴾، قال أبو علي: (هذا على (١) حذف أحد المفعولين كأنه قيل: بَوأكم في الأرض منازل أو بلادًا) (٢).\nوقوله تعالى: ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا﴾. قال ابن عباس: (يريد: تبنون القصور بكل موضع).\n﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالَ بُيُوتًا﴾، قال: (يريد: بيوتًا من الجبال تشققونها (٣) منها، فكانوا يسكنونها شتاء ويسكنون القصور بالصيف) (٤).\nقال الزجاج: (ويروى أنهم لطول أعمارهم كانوا يحتاجون إلى أن ينحتوا بيوتًا في الجبال؛ لأن السقوف والأبنية (٥) كانت تبلى قبل فناء أعمارهم) (٦).\n_________\n(١) لفظ: (على) ساقط من (ب).\n(٢) \"الحجة\" لأبي علي ٤/ ٣١١. وبوأه: أنزله منزلًا وهو يتعدى لاثنين، والثاني: محذوف أي بوأكم منازل. انظر: \"القرطبي\" ٧/ ٢٣٩، و\"الدر المصون\" ٥/ ٣٦٣.\n(٣) في (ب): (يشقونها).\n(٤) \"تنوير المقباس\" ٢/ ١٠٦. وذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٢٠٣، وابن الجوزي ٣/ ٢٢٥، وهو بلا نسبة في \"تفسير السمرقندي\" ١/ ٥٥٢، والبغوي ٣/ ٢٤٧.\n(٥) في (ب): (لأن السقوف في الأبنية).\n(٦) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٥٠ - ٣٥١، وذكره في \"معانيه\" ٣/ ٤٨، والبغوي ٣/ ٢٤٧.","vol":"9","page":210},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1189><span data-type=\"title\" id=toc-1190>٧٥ </span></span>- قوله تعالى: ﴿قَالَ الْمَلَأُ﴾ الآية. قال ابن عباس: (يريد الأشراف) (١). قال أهل اللغة (٢): (هم الذين تملأ الصدورَ هيبتُهم)، كما رُوي في قتلى بدر (أولئك الملأ من قريش) (٣) أي: الأشراف الذين يملؤن النفس هيبة وتعظيمًا.\nوقال الفراء: (الملأ القوم من الرجال ليس فيهم امرأة) (٤).\n\n٧٥ - وقوله تعالى (٥): ﴿الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ﴾ الآية. قال ابن عباس: (يريد عن عبادة الله) (٦).\n_________\n(١) \"تنوير المقباس\" ٢/ ١٠٦، وذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٢٠٣، وهو قول الأكثر. انظر: \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٤٦، و\"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٤٦، والنحاس ٣/ ٤٦، و\"تفسير السمرقندي\" ١/ ٥٥٢، والبغوي ٣/ ٢٤٧.\n(٢) المَلأُ، بالفتح مهموز غير ممدود: الجماعة يجتمعون على رأي، ووجوه القوم: ورؤساؤهم وأشرافهم الذي يرجع إلى قولهم، سموا بذلك لأنهم ملاء بما يحتاج إليه أو لأنهم يملئون الصدور هيبة. انظر: \"العين\" ٨/ ٣٤٦، و\"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٤٣٧، و\"الصحاح\" ١/ ٧٣، و\"مقاييس اللغة\" ٥/ ٣٤٦، و\"المفردات\" ص ٧٧٦، و\"اللسان\" ٧/ ٤٢٥٢ (ملأ).\n(٣) لم أقف على سنده، وهو في \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٤٣٧، و\"إعراب القراءات\" ١/ ١٩٣، و\"النهاية\" ٤/ ٣٥١، و\"اللسان\" ٧/ ٤٢٥٢ (ملأ) قالوا: (روي عن النبي - ﷺ - أنه سمع رجلًا من الأنصار مرجعه من غزوة بدر يقول: ما قتلنا إلا عجائز صلعًا، فقال النبي - ﷺ -: \"أولئك الملأ من قريش لو حضرت فعالهم لاحتقرت فعلك\". أي: أشراف قريش) اهـ.\n(٤) \"معاني الفراء\" ١/ ٣٨٣، ومثله قال الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ٢١٣.\n(٥) لفظ: (وقوله تعالى) ساقط من (أ).\n(٦) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٢٠٣ بلا نسبة وهو قول أهل التفسير. انظر: الطبري ٨/ ٢٣٢، والسمرقندي ١/ ٥٥٢، والبغوي ٣/ ٢٤٧، وابن الجوزي ٣/ ٢٢٥، وفي \"تنوير المقباس\" ٢/ ١٠٦ قال: (استكبروا عن الإيمان) اهـ.","vol":"9","page":211},{"text":"﴿لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ (يريد المساكين) (١)، ﴿لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ﴾ بدل من قوله: ﴿لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ (٢)؛ لأنهم المؤمنون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1191>٧٧ </span>- قوله تعالى: ﴿فَعَقَرُوا النَّاقَةَ﴾ الآية. قال الأزهري: (العقر عند العرب: كشف عرقوب البعير، ثم تجعل النحر عقرًا؛ لأن العقر سبب النحر، وناحر البعير يعقره ثم ينحره، هذا هو الأصل ثم جعل النحر عقرًا وإن لم يكن هناك قطع للعرقوب) (٣)، قال امرؤ القيس:\nوَيوْمَ عَقَرْتُ للِعَذارَى مَطيِّتي (٤)\nوقوله تعالى: ﴿وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ﴾، يقال: عتَا يَعْتُو عُتُوًا (٥) إذا\n_________\n(١) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٢٠٤ بلا نسبة، وهو قول الأكثر. انظر: \"المراجع السابقة\"، وفي \"تنوير المقباس\" ٢/ ١٠٧، قال: (استضعفوا قهروا) اهـ.\n(٢) انظر: \"المسائل البصريات\" لأبي علي ٢/ ٨٣١، و\"غرائب الكرماني\" ١/ ٤١٣، و\"الكشاف\" ٢/ ٩٠، و\"البيان\" ١/ ٣٦٧، و\"زاد المسير\" ٣/ ٢٢٥، و\"التبيان\" ١/ ٣٨٢، و\"الفريد\" ٢/ ٣٢٧، و\"الدر المصون\" ٥/ ٣٦٥.\n(٣) \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٥١٤. والعَقْر: النحر والجرح والقتل، وعَقَرته: أصبت عُقْرَه أي: أصله، وعَقَرت البعير: نحرته، وعقر الفرس بالسيف: إذا ضربت قوائمه. انظر: \"العين\" ١/ ١٤٩، و\"الجمهرة\" ٢/ ٧٦٨، و\"الصحاح\" ٢/ ٧٥٣، و\"المجمل\" ٣/ ٦٢١، و\"المفردات\" ص ٥٧٧، و\"اللسان\" ٥/ ٣٠٣٤ (عقر).\n(٤) \"ديوانه\" ص ١١٢، و\"تهذيب اللغة\" ١٣/ ٢٥١٤، و\"مقاييس اللغة\" ٤/ ٩، و\"اللسان\" ٥/ ٣٠٣٤، و\"البحر\" ٤/ ٣١٥، و\"الدر المصون\" ٥/ ٣٦٦، والبيت من معلقته المشهورة وعجزه: (فَيَا عَجَبًا مِن رَحْلِها المَتحمِّل). قال النحاس في \"شرح القصائد\" ١/ ٩: (العذارى: جمع عذراء، والمطية: الراحلة) اهـ. وانظر: \"شرح القصائد\" لابن الأنباري ص ٣٣.\n(٥) جاء أيضًا: عتيَّا بالكسر. انظر: \"العين\" ٢/ ٢٢٦، و\"الجمهرة\" ٢/ ١٠٣٢، و\"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٣١٣، و\"الصحاح\" ٦/ ٢٤١٨، و\"المجمل\" ٣/ ٦٤٦، و\"مقاييس اللغة\" ٤/ ٢٢٥، و\"المفردات\" ص ٥٤٦، و\"اللسان\" ٥/ ٢٠٨٤ (عتا).","vol":"9","page":212},{"text":"استكبر، ومنه يقال: جبار عَاتٍ.\nقال مجاهد: (العتو (١): الغلو في الباطل).\nقال ابن عباس: (عقروا الناقة عُتُوًا وتكذيبًا بما جاء به صالح) (٢).\nوقال الكلبي (٣) ومقاتل (٤): (﴿وَ(٥) عَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ﴾: عصوا الله وتركوا أمره في الناقة).\nوقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا﴾، أصل: ﴿ائْتِنَا﴾ (٦) اأتنا بهمزتين (٧) أحدهما للوصل، والثانية للأصل، إلا أنه لما لم يجز اجتماع همزتين في موضع واحدة من كلمة واحدة لينت الثانية، فإذا وصل بكلام قبله سقط ألف الوصل فظهرت همزة الأصل في قوله: ﴿يَا صَالِحُ\n_________\n(١) في (ب): (العتو والعلوا)، وهو تحريف، والعلو والغلو كلاهما صحيح وله وجه، وهو في \"تفسير مجاهد\" ١/ ٢٣٩، وأخرجه ابن أبي حاتم ٥/ ١٥١٥ ب بلفظ: (غلوا في الباطل)، وأخرجه الطبري ٩/ ٢٣٢ من عدة طرق جيدة بلفظ (علوا)، وفي رواية: (علوا عن الحق لا يبصرون) اهـ، وذكره السيوطي في \"الدر\" ٣/ ١٨٤ بلفظ (غلوا).\n(٢) في \"تنوير المقباس\" ٢/ ١٠٧ نحوه، وقال الزجاج في \"معانيه\" ٢/ ٣٥١: (أي: جاوزوا المقدار في الكفر) اهـ، ونحوه قال النحاس في \"معانيه\" ٣/ ٤٩، وانظر: \"مجاز القرآن\" ١/ ٢١٨، و\"غريب القرآن\" لليزيدي ص ١٤٧، و\"نزهة القلوب\" ص ٣٢٥.\n(٣) \"تنوير المقباس\" ٢/ ١٠٧.\n(٤) في \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٤٧، ﴿وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ﴾ يعني: التوحيد) اهـ.\n(٥) لفظ: (الواو) ساقط من (ب).\n(٦) لفظ: (ائتنا) ساقط من (ب).\n(٧) انظر: مذهب القراء في الهمزتين في كلمة واحدة في \"السبعة\" ص ١٣٩، و\"المبسوط\" ص ١١٢، و\"التذكرة\" ١/ ١٥٢.","vol":"9","page":213},{"text":"ائْتِنَا﴾ (١) في قراءة من قرأ بالهمز (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1192>٧٨ </span>- وقوله تعالى: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾. قال الفراء والزجاج (٣): (هي الزلزلة الشديدة) وهو قول الكلبي (٤).\nقال الليث: (يقال: رَجَف الشيء يَرْجُف رَجْفًا وَرَجَفَاناَ كَرَجَفان البعير تحت الرَّحْل، وكما يرجُف الشجر إذا رجفته الريح، وَرَجفت الأرض إذا تزلزلت) (٥).\nوقال عمر بن أبي ربيعة (٦):\n_________\n(١) انظر: كلام أبي علي الفارسي في توجيه ذلك في \"البغداديات\" ص ٧٧، ٨٠.\n(٢) قال أبو حيان في \"البحر\" ٤/ ٣٣١: (قرأ ورش والأعمش ﴿يَا صَالِحُ ايتنا﴾، وأبو عمرو إذا أدرج أبدل همزة فاء ﴿ائْتِنَا﴾ واوًا لضمة حاء صالح، وقرأ باقي \"السبعة\" بإسكانها، وقرأ عيسى بن عمرو وعاصم الجحدري ﴿أوتنا﴾ بهمز وإشباع ضم) اهـ. بتصرف، وانظر: \"الكتاب\" ٤/ ٣٣٨، و\"مختصر الشواذ\" ص ٤٩، و\"تفسير ابن عطية\" ٥/ ٥٦٧، و\"الدر المصون\" ٥/ ٣٦٧.\n(٣) \"معاني الفراء\" ١/ ٣٨٤، والزجاج ٢/ ٣٥١، وهو قول أكثرهم، انظر: \"الزاهر\" ٢/ ٣٢٠، و\"نزهة القلوب\" ص ٢٤١، و\"معاني النحاس\" ٣/ ٤٩، و\"تفسير السمرقندي\" ١/ ٥٥٢، والبغوي ٣/ ٢٤٨، وابن عطية ٥/ ٥٦٧.\n(٤) \"تنوير المقباس\" ٢/ ١٠٧، وذكره الثعلبي في \"عرائس المجالس\" ص ١٦٥، والواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٢٠٤، وقال الطبري ٨/ ٢٣٣: (الرجفة: الصيحة التي زعزعتهم وحركتهم للهلاك؛ لأن ثمود هلكت بالصيحة فيما ذكر أهل العلم) اهـ. وأخرجه من طرق جيدة عن مجاهد والسدي.\n(٥) \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٣٧١، وانظر: \"العين\" ٦/ ١٠٩، و\"الصحاح\" ٤/ ١٣٦٢، و\"المجمل\" ٢/ ٤٢٢، و\"مقاييس اللغة\" ٢/ ٤٩١، و\"المفردات\" ص ٣٤٤، وفي \"العين\": (الرجفة: كل عذاب أنزل فأخذ قومًا فهو رجفة وصيحة وصاعقة) اهـ.\n(٦) ليس في \"ديوانه\"، وهو في \"الدر المصون\" ٥/ ٣٦٨، وبلا نسبة في تفسير الثعلبى ١٩٢ ب، والقرطبي ٧/ ٢٤٢، و\"البحر\" ٤/ ٣١٥.","vol":"9","page":214},{"text":"ولَمَّا رَأَيتُ الحجَّ قد حان وقتهُ ... وَظلَّتْ جِمال القومِ بالقومِ تَرْجُفُ\nوقال أبو عبيدة: (الرجف من قولهم: رجفت بهم الأرض إذا تحركت) (١)، يذهب إلى أنها الزلزلة، وأنشد (٢):\nتحنَّى العِظامُ الرَّاجفاتُ مِنَ البلى ... وليس لداء الرُّكبْتَيْنَ طَبيبُ\nوقوله تعالى: ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ﴾ يعني: بلدهم، لذلك وحد الدار، كما يقال: دار الحرب، ومررت بدار البزازين (٣)، وجمع في موضع آخر فقال: ﴿فِي دِيَارِهِمْ﴾ [هود: ٦٧] لأنه أراد منازلهم التي ينفرد كل واحد منهم (٤) بمنزله، وقوله تعالى: ﴿جَاثِمِينَ﴾، قال أبو عبيدة: (الجثوم للناس والطير بمنزلة البروك للإبل) (٥)؛ قال جرير:\nعَرَفْتُ المُنَتَأى وعَرَفْتُ مِنْهَا ... مَطَايَا القِدْرِ كَالحِدَإ الجُثُومِ (٦)\n_________\n(١) لم أقف عليه.\n(٢) لم أقف على قائله، وهو في \"الزاهر\" ١/ ١٨٩ - ٢/ ٣٢٠، و\"اللسان\" ٣/ ١٥٩٥ (رجف)، و\"الدر المصون\" ٥/ ٣٦٨.\n(٣) البَّزَّاز: بالفتح نسبة إلى من يبيع البَزَّ وهو الثياب. انظر: \"اللباب\" ١/ ١٤٦، و\"اللسان\" ١/ ٢٧٤ (بز).\n(٤) انظر: \"تفسير الطبري\" ٨/ ٢٣٣، و\"غرائب الكرماني\" ١/ ٤١٣.\n(٥) ذكره ابن الأنباري في \"شرح القصائد\" ص ٢٤٠، وابن الجوزي ٣/ ٢٢٦، والسمين في \"الدر\" ٥/ ٣٦٩، وفي \"مجاز القرآن\" ١/ ٢١٨ و٢/ ١١٦ قال: (أي: بعضهم على بعض جثوم على الركب) اهـ. ملخصًا. وانظر: \"غريب القرآن\" لليزيدي ص ١٤٧، و\"تفسير غريب القرآن\" ص ١٧٩، و\"نزهة القلوب\" ص ١٩٠، و\"معاني النحاس\" ٣/ ٤٩، و\"تفسير المشكل\" ص ٨٥.\n(٦) \"ديوانه\" ص ٤١١، و\"مجاز القرآن\" ١/ ٢١٨، والطبري ٨/ ٢٣٣، وابن عطية ٥/ ٥٦٧، و\"الدر المصون\" ٥/ ٣٦٩: (والمنتأى: حفر النؤي، ومطايا القدر: الأثافي التي يركبها القدر، والحدأ: جمع حِدأة طائر خبيث معروف) أفاده أحمد شاكر في \"حاشية الطبري\".","vol":"9","page":215},{"text":"وقال أبو العباس: (الجاثم المبارك على رجليه كما يجثم الطير) (١). قال الزجاج: (معنى ﴿جَاثِمِينَ﴾ قد خمدوا من شدة العذاب) (٢). وهو قول ابن عباس: (﴿جَاثِمِينَ﴾ يريد: خامدين ميتين) (٣). وقال الكلبي: (احترقوا بالصاعقة فأصبحوا ميتين قد همدوا رمادًا لا يتحركون) (٤)، وهو قول الفراء: (صاروا رمادًا جاثمًا) (٥).\nوقال ابن الأنباري: (قال المفسرون: معنى ﴿جَاثِمِينَ﴾: بعضهم على بعض، أي: عند نزول العذاب بهم سقط بعضهم على بعض) (٦).\nقوله تعالى: ﴿فَتَوَلَّى عَنْهُمْ﴾ الآية [الأعراف: ٧٩]. قال المفسرون: (إن صالحًا أقبل عليهم بالدعاء إلى توحيد الله وطاعته، فلما خالفوا ونزل بهم العذاب تولى عنهم لليأس منهم) (٧).\n_________\n(١) \"تهذيب اللغة\" ١/ ٥٣٩. وانظر: \"العين\" ٦/ ١٠٠، و\"مجالس ثعلب\" ص ٤٨٥، و\"الجمهرة\" ١/ ٤١٥، و\"الصحاح\" ٥/ ١٨٨٢، و\"المجمل\" ١/ ٢٠٧، و\"مقاييس اللغة\" ١/ ٥٠٥، و\"المفردات\" ص ١٨٧، و\"اللسان\" ١/ ٥٤٥ (جثم).\n(٢) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٥١.\n(٣) \"تنوير المقباس\" ٢/ ١٠٨، وذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٢٠٥.\n(٤) ذكره الزجاج ٢/ ٣٥١، والماوردي ٢/ ٢٣٦١ دون نسبة، وقال الطبري ٨/ ٢٣٣: (يعني: سقوطًا صرعى لا يتحركون لأنهم لا أرواح فيهم، والعرب تقول للبارك: جاثم) اهـ.\n(٥) \"معاني الفراء\" ١/ ٣٨٤.\n(٦) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٢٠٥، وذكره ابن الجوزي ٣/ ٢٢٦ عن المفسرين، وانظر: \"شرح القصائد\" لابن الأنباري ص ٢٤٠.\n(٧) انظر: \"معاني الفراء\" ١/ ٣٨٥، والطبري ٨/ ٢٣٤، والسمرقندي ١/ ٥٥٣، والماوردي ٢/ ٢٣٦، وابن عطية ٥/ ٥٦٨، وابن الجوزي ٣/ ٢٢٧.","vol":"9","page":216},{"text":"وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ﴾.\nقال ابن عباس: (يريد قد خوفتكم من الله ومن عقابه) (١)، وخطابه إياهم (٢) بعد كونهم جاثمين كخطاب النبي - ﷺ - قتلى بدر، وقيل له: أتكلم هؤلاء الجيف؟ قال: \"ما أنتم بأسمع منهم، ولكنهم لا يقدرون على الجواب\" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1193>٨٠ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلُوطًا﴾، ذكر الفراء في كتاب المصادر (٤)\n_________\n(١) \"تنوير المقباس\" ٢/ ١٠٨، وذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٢٠٦.\n(٢) ذهب الفراء والطبري والسمرقندي وغيرهم إلى أنه أعرض عنهم قبل نزول العذاب؛ لأنه لم تهلك أمة ونبيها بين أظهرهم. انظر: \"المراجع السابقة\"، و\"الحلبيات\" لأبي علي ص ٣٠٦، ورجح البغوي ٣/ ٢٤٨، وابن كثير ٢/ ٢٥٦١ أن هذا تقريع من صالح ﵇ لقومه بعد هلاكهم وهم يسمعون ذلك؛ لأن الفاء تدل على حصول التولي بعد موتهم، قال القاسمي في \"تفسيره\" ٧/ ٢٧٨٩: (وهو المتبادر لظهور الفاء في التعقيب والله أعلم)، وانظر: \"تفسير الرازي\" ١٤/ ١٦٧.\n(٣) أخرجه البخاري في \"صحيحه\" رقم (١٣٧٠)، كتاب الجنائز، باب ما جاء في عذاب القبر، عن ابن عمر ﵄ قال: (اطلع النبي - ﷺ - على أهل القليب فقال: \"وجدتم ما وعد ربكم حقًا\" فقيل له: أتدعوا أمواتًا؟ فقال: \"ما أنتم بأسمع منهم ولكن لا يجيبون\") اهـ، وأخرجه من وجه آخر برقم (٣٩٨٠، ٣٩٨١) كتاب المغازي، باب: قتل أبي جهل.\n(٤) \"كتاب المصادر\" للفراء مفقود. انظر: \"مقدمة المذكر والمؤنث\" للفراء ص ٢٣، قال النحاس في \"إعراب القرآن\" ١/ ٦٢٤: (زعم الفراء أن لوطأ مشتقًا من لُطْتُ الحوض) اهـ. وقال الراغب في \"المفردات\" ص ٧٥٠: (لوط اسم علم واشتقاقه من لاَط الشيء بقلبي يَلُوط لَوْطا وليطا أي: لصق) اهـ. وأكثرهم على أنه أعجمي معرب. انظر: \"المعرب\" للجواليقي ص ٥٦٣، وقال السمين في \"عمدة الحفاظ\" ص ٥٢٨: (لوط علم للنبي المشهور، والظاهر أنه لا اشتقاق له لعجمته إلا أنهم قالوا: يجوز أن يكون مشتقًا من لاط الشيء بقلبي يلوط لوطًا أي: لصق) اهـ.","vol":"9","page":217},{"text":"اشتقاق هذا الاسم، وأنكر عليه ذلك أبو إسحاق وقال: (الاسم الأعجمي لا يقال إنه مشتق كإسحاق، لا يقال إنه مشتق من السُّحق، وكتاب الله لا ينبغي أن يُقدم على تأويله إلا برواية صحيحه أو حجة واضحة) (١).\nوقال النحويون: (إنما صرف لوط لخفته بأنه على ثلاثة أحرف ساكن الأوسط) (٢).\nوقوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ﴾، يعني: إتيان الذكران، في قول جميع المفسرين (٣)، ﴿مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾، قالوا: (ما نزا (٤) ذكر على ذكر حتى كان قوم لوط)، قال الزجاج: (وفي هذه الآية دليل على أن فاحشة اللواط لم يفعلها أحد قبل قوم لوط) (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1194>٨١ </span>- قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ﴾ الآية كلهم قرءوا: ﴿إِنَّكُمْ﴾ بالاستفهام، إلا نافعًا فإنه رأ: ﴿إِنَّكُمْ﴾ بغير\n_________\n(١) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٥١ - ٣٥٢.\n(٢) انظر: \"العين\" ٧/ ٤٥٢، و\"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٢١٩، و\"اللسان\" ٧/ ٤٠٩٩ (لوط). وفي \"الكتاب\" ٣/ ٢٣٥. قال سيبويه: (وأما لوط فينصرف على كل حال لخفته) اهـ، وقال الجوهري في \"الصحاح\" ٣/ ١١٥٨ لوط: (لوط: اسم ينصرف من المعجمة والتعريف، وإنما لزم الصرف، لأن الاسم على ثلاثة أحرف أوسطه ساكن وهو على غاية الخفة فقاومت خفته أحد السببين) اهـ.\n(٣) انظر: \"تفسير الطبري\" ٨/ ٢٣٤، و\"معاني النحاس\" ٣/ ٥٠، و\"تفسير السمرقندي\" ١/ ٥٥٣، والبغوي ٣/ ٢٥٥، وابن عطية ٥/ ٥٦٩.\n(٤) في (ب): (ما يرى).\n(٥) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٥٢.","vol":"9","page":218},{"text":"استفهام (١)، فمن استفهم كان (٢) هذا استفهامًا معناه الإنكار، كقوله: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ﴾ [الأعراف: ٨٠]، وكل واحد من الاستفهامين (٣) جملة مستقلة لا تحتاج في تمامها إلى شيء، فمن ألحق حرف الاستفهام جملة، نقلها به من الخبر إلى الاستخبار، ومن لم يُلحقها بقَّاها على الخبر (٤).\nوقوله تعالى: ﴿شَهْوَةً﴾، مصدر. قال أبو زيد: (شَهِي يَشْهى شهوةً، وشَها يشهو إذا اشتَهَى) (٥). قال الشاعر:\nوَأشْعَثَ يَشْهَى النَّوم قلتُ له ارْتَحِلْ ... إذا ما النُّجُومُ أَعْرَضَتْ وَاسْبَكَرَّتِ (٦)\n_________\n(١) يقرأ هنا بالاستفهام والإخبار، فقرأ نافع وحفص عن عاصم ﴿إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ﴾ بكسر الهمزة على الخبر، وقرأ الباقون بهمزتين على لفظ الاستفهام، غير أن ابن كثير يسهل الثانية بين الهمزة والياء، وأبا عمرو يفعل كذلك ويدخل بين الهمزتين ألفًا فيمد. انظر: \"السبعة\" ص ٢٨٥ - ٢٨٦، و\"المبسوط\" ص ١٨١ - ١٨٢، و\"التذكرة\" ١/ ١٥٣ - ١٥٤، و\"التيسير\" ص ١١١، و\"النشر\" ١/ ٣٦٩ - ٣٧١.\n(٢) في (أ): (فمن استفهم هذا كان استفهاما).\n(٣) لفظ: (الاستفهامين) غير واضح في (ب).\n(٤) هذا قول أبي علي في \"الحجة\" ٤/ ٤٨، وقال الأزهري في \"معاني القراءات\" ١/ ٤١٣: (هي لغات كلها جائزة وكل ما قرئ به فهو معروف معانيها متفقة ولا اختلاف في جوازها) اهـ، وانظر: \"إعراب القراءات\" ١/ ١٩٢ - ١٩٣، و\"الحجة\" لابن خالويه ص ١٥٨، ولابن زنجلة ص ٢٨٧ - ٢٨٨، و\"الكشف\" ١/ ٤٦٨.\n(٥) \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٩٤٨، وأصل الشَّهْوَة: نزوع النفس إلى ما تريده انظر: \"العين\" ٤/ ٦٨، و\"الجمهرة\" ٢/ ٨٨٣، و\"البارع\" ص ٩٧، و\"الصحاح\" ٦/ ٢٣٩٧، و\"المجمل\" ٢/ ٥١٣، و\"مقاييس اللغة\" ٣/ ٢٢٠، و\"الأفعال\" للسرقسطي ٢/ ٣٦٣، و\"المفردات\" ص ٤٦٨، و\"اللسان\" ٤/ ٢٣٥٤ (شها).\n(٦) لم أعرف قائله، وهو في \"تفسير الطبري\" ٨/ ٢٣٥، و\"اللسان\" ٤/ ٢٣٥٤ (شها)، و\"الدر المصون\" ٥/ ٣٧٢، واسبكرت أي: جرت وطالت، واسبكر الرجل اضطجع وامتد. انظر: \"اللسان\" ٤/ ١٩٢٩ (سبكر).","vol":"9","page":219},{"text":"وانتصابها على المصدر؛ لأن قوله: ﴿لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ﴾ معناه: أتشهونهم شهوة، وإن [شئت] (١) قلت: إنها مصدر (٢) وقع موقع الحال (٣).\nقال الحسن: (كانوا ينكحون الرجال في أدبارهم، وكانوا لا ينكحون إلا الغرباء) (٤). وقال عطاء عن ابن عباس: (استحكم ذلك فيهم حتى فعل بعضهم ببعض) (٥).\nوقوله تعالى: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾. معنى ﴿بَلْ﴾ هاهنا إضطراب عن الأول إلى جميع المعايب من عبادة الأوثان، وإتيان الذكران، وترك ما قام به البرهان (٦). وعلى هذا المعنى دل (٧) كلام ابن عباس حيث قال: (يريد جمعتم مع الشرك معصية لم يفعلها خلق قبلكم) (٨).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1195>٨٢ </span>- قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ﴾ (٩). يعني: لوطًا واتباعه؛ لأنه قال في غير هذه السورة: ﴿أَخْرِجُوا\n_________\n(١) لفظ: (شئت) ساقط من (ب).\n(٢) في (أ): (مصادر)، وهو تصحيف.\n(٣) شهوة مفعول من أجله أي لأجل الاشتهاء أو مصدر في موضع الحال أي مشتهين أو باقٍ على مصدريته ناصبه: ﴿لَتَأْتُونَ﴾ لأنه بمعنى أتشتهون. انظر: \"التبيان\" ص ٣٨٢، و\"الفريد\" ٢/ ٣٣٠، و\"الدر المصون\" ٥/ ٣٧٢.\n(٤) ذكره هود الهواري في \"تفسيره\" ٢/ ٢٩، والثعلبي ١٩٤ أ، والبغوي ٣/ ٢٥٥، وابن عطية ٥/ ٥٧٠، والقرطبي ٧/ ١٤٥.\n(٥) ذكره الرازي في \"تفسيره\" ١٤/ ١٦٨.\n(٦) انظر: \"التبيان\" ص ٣٨٢، و\"البحر\" ٤/ ٣٣٤، و\"الدر المصون\" ٥/ ٣٧٢.\n(٧) لفظ: (دل) ساقط من (ب).\n(٨) \"تنوير المقباس\" ٢/ ١٠٨، وذكر السيوطي في \"الدر\" ٣/ ١٨٦ نحوه.\n(٩) في \"النسخ\": ﴿فَمَا كَانَ﴾، وهو تحريف، وقد جاء بالفاء في الآية: ٥٦ من (النمل) والآية: ٢٤ و٢٩ من (العنكبوت).","vol":"9","page":220},{"text":"آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ (١) [النمل: ٥٦]، أي (٢): عن إتيان الرجال في أدبارهم، عن ابن عباس (٣) ومجاهد (٤)، وقتادة (٥). والعرب (٦)، تقول: تطهير الرجل إذا تنزه عن الإثم وعما يوقعه فيه، فمعنى قوله: ﴿يَتَطَهَّرُونَ﴾ أي: يتنزهون عما كانوا يأتونه (٧) من المناكير.\nقال أهل المعاني: (هذه الآية بيان عن حال الجهال في ردهم على نبيهم أقبح جواب، واعتلالهم أفسد اعتلالٍ حين جعلوا تنزههم عن الفاحشة سببًا للمباعدة). وهذا معنى قول قتادة: (عابوهم والله بغير عيبٍ) (٨).\n_________\n(١) لفظ: ﴿مِنْ قَرْيَتِكُمْ﴾ ساقط من النسخ.\n(٢) لفظ: (أي) ساقط من (ب).\n(٣) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ٢٣٥ بسند ضعيف، وهو في \"تنوير المقباس\" ٢/ ١٠٩، وذكره السيوطي في \"الدر\" ٣/ ١٨٦.\n(٤) \"تفسير مجاهد\" ١/ ٢٤٠، وأخرجه الطبري ٨/ ٢٣٥، وابن أبي حاتم ٣/ ١٦٤ ب من عدة طرق جيدة، وذكره السيوطي في \"الدر\" ٣/ ١٨٦.\n(٥) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٢٠٧ عن ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، وهو قول عامة أهل التفسير. انظر: \"معاني الفراء\" ١/ ٣٨٥، والزجاج ٢/ ٣٥٣، والنحاس ٣/ ٥١، والسمرقندي ١/ ٥٥٣، والماوردي ٢/ ٢٣٧، والبغوي ٣/ ٢٥٥.\n(٦) طهر: أصل يدل على نقاء وزوال دَنَس، والطهْر خلاف الدَّنَس، والتطهير: التنزه والكف عن الإثم وكل قبيح، وفلان طاهر الثياب: إذا لم يكن دَنِس الأخلاق. انظر: \"العين\" ٤/ ١٩، و\"الجمهرة\" ٢/ ٧٦١، و\"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٢٢٦، و\"الصحاح\" ٢/ ٧٢٧، و\"مقاييس اللغة\" ٣/ ٤٢٨، و\"المجمل\" ٢/ ٥٨٨، و\"المفردات\" ص ٥٢٥، و\"اللسان\" ٥/ ٢٧١٣ (طهر).\n(٧) في (ب): (يأتوه).\n(٨) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ٢٣٥ بسند جيد عن قتادة بلفظ: (عابوهم بغير عيب وذموهم بغير ذم) اهـ، وذكره السيوطي في \"الدر\" ٣/ ١٨٦.","vol":"9","page":221},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1196>٨٣ </span>- وقوله تعالى: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ﴾. قال المفسرون (١): (﴿أَهْلَهُ﴾ ابنتاه)، وهو قول ابن عباس (٢).\nوقوله تعالى: ﴿إِلَّا امْرَأَتَهُ﴾، يعني: زوجته، وجاز أن يقال: امرأة الرجل بمعنى زوجته، ولم يجز أن يقال: مرؤها: بمعنى زوجها؛ لأن الرجل بمنزلة المالك لها، ليست المرأة بمنزلة المالكة للرجل، فإذا أضيفت إلى الرجل بالاسم العام عرفت الزوجية وملك النكاح، والرجل إذا أُضيف إلى المرأة بالاسم العام لم يعرف الزوجية (٣).\nوقوله تعالى: ﴿كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾. يقال: غَبَرَ الرجل يَغبُر غبُورًا إذا مكث وبقي (٤)، قال الهذلي (٥):\n_________\n(١) انظر: \"معاني الفراء\" ١/ ٣٨٥، والزجاج ٢/ ٣٥٣، و\"تفسير السمرقندي\" ١/ ٥٥٣، والماوردي ٢/ ٢٣٧، وابن عطية ٥/ ٥٧١، وابن الجوزي ٣/ ٢٢٨، وقال الطبري ٨/ ٢٣٦، والبغوي ٣/ ٢٥٦ (وأهله: المؤمنين به) اهـ. وقال ابن كثير ٢/ ٢٥٨:\n(يقول: فأنجينا لوطًا وأهله، ولم يؤمن به أحد منهم سوى أهل بيته فقط إلا امرأته فإنها لم تؤمن به) اهـ.\n(٢) \"تنوير المقباس\" ٢/ ١٠٩، وذكره الرازي في \"تفسيره\" ١٤/ ١٧١.\n(٣) ذكره الرازي ١٤/ ١٧١، لكن فيه: (فإذا أضيفت إلى الرجل بالاسم العام عرفت الزوجية وملك النكاح، والرجل إذا أضيف إلى المرأة بالاسم العام تعرف الزوجية) اهـ.\n(٤) وهو من الأضداد غير: بقي ومضى، والغابر الباقي، والغابر الماضي. انظر: \"العين\" ٤/ ٤١٣، و\"الجمهرة\" ١/ ٣٢٠، و\"البارع\" ص ٣١٢، و\"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٦٢٧، و\"الصحاح\" ٢/ ٧٦٥، و\"مقاييس اللغة\" ٤/ ٤٠٨، و\"المجمل\" ٣/ ٦٩٠، و\"المفردات\" ص ٦٠١، و\"اللسان\" ٦/ ٣٢٠٥ (غير).\n(٥) الهذلي: هو أبو ذؤيب خويلد بن خالد، تقدمت ترجمته.","vol":"9","page":222},{"text":"فَغَبَرْتُ بَعْدَهُم بِعيشٍ نَاصِبٍ ... وَإخَالُ أَنّي لاَحِقٌ مُسْتَتْبَعُ (١)\nيعني: بقيت. قال المفسرون (٢): (إنها كانت من الباقين في عذاب الله)، وهو قول الحسن (٣) وقتادة (٤)، ويجوز أن يكون المعنى: من الغابرين عن النجاة، أي: من الذين بقوا عنها ولم يدركوا النجاة. يقال: بقي فلان عن هذا الأمر أي: لم يدركه، وإلى هذا أشار أبو إسحاق (٥) وابن الأنباري.\nوقال أبو بكر: (أي: لم تسر مع لوط وأهله، ولم تدخل في جملة الناجين، وأقامت في الموضع الذي نزل بأهله العذاب) (٦). فعلى هذا يحتمل تأويلين: أحدهما: من الغابرين في موضع الهلاك، والثاني: من الغابرين عن النجاة كما ذكرنا (٧).\n_________\n(١) \"شرح أشعار الهذليين\" ١/ ٨، و\"المفضليات\" ص ٤٢١، و\"جمهرة أشعار العرب\" ٢/ ٦٨٤، و\"تفسير الثعلبي\" ١٩٤ أ، والرازي ١٤/ ١٧١، و\"البحر\" ٤/ ٣١٥، و\"الدر المصون\" ٥/ ٣٧٣، قال السكري في \"شرحه\": (فغبرت، بقيت، ناصب، ذو نصب أي: جهد وتعب، إخال: أظن، وهي هاهنا يقين، لاحق: مُلحِق، مستتبع: مُستلْحَق أي: مذهوب بي إلى ما صاروا إليه) اهـ.\n(٢) انظر: \"تفسير السمرقندي\" ١/ ٥٣٣، والماوردي ٢/ ٢٣٧، والبغوي ٣/ ٢٥٦، وابن عطية ٥/ ٥٧١.\n(٣) لم أقف عليه\n(٤) أخرجه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ١/ ٢/ ٢٣٣، والطبري ٨/ ٢٣٦، وابن أبي حاتم ٥/ ١٥١٩ بسند جيد.\n(٥) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٥٣.\n(٦) \"الزاهر\" ٢/ ٣٢٤، وفيه: (الغابر: الباقي وهو الأشهر عندهم، وقد يقال أيضًا: للماضي وقوله: ﴿الْغَابِرِينَ﴾ أراد في الباقين) اهـ. وانظر: \"الأضداد\" ص ١٢٩، و\"نزهة القلوب\" ص ٣٤٣.\n(٧) وقال أبو عبيدة في \"مجاز القرآن\" ١/ ٢١٨، والطبري ٨/ ٢٣٦: (أي: من المعُمرين قبل هلاكهم ثم هلكت لما جاءهم العذاب) اهـ. والأكثر في اللغة أن =","vol":"9","page":223},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1197>٨٤ </span>- قوله تعالى: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا﴾ الآية. يقال: مطرتنا السماء وأمطرتنا، والأول أفصح (١) وأمطرهم الله مطرًا وعذابًا، وكذلك أمطر عليهم (٢). قال ابن عباس (٣) والمفسرون (٤): (أمطر الله عليهم حجارة من السماء). كما قال في آية أخرى: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ﴾ [الحجر: ٧٤].\n<span data-type=\"title\" id=toc-1198>٨٥ </span>- قوله تعالى: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾. قال المفسرون (٥):\n_________\n= يكون الغابر: الباقي، أفاده النحاس في \"معانيه\" ٣/ ٥٢، وانظر: \"غريب القرآن\" لليزيدي ص ١٤٧، و\"تفسير غريب القرآن\" ص ١٧٩، و\"تفسير المشكل\" ص ٨٥.\n(١) انظر: \"العين\" ٧/ ٤٢٥، و\"الجمهرة\" ٢/ ٧٦٠ و٣/ ١٢٥٩، و\"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٤١٢، و\"الصحاح\" ٢/ ٨١٨، و\"مقاييس اللغة\" ٥/ ٣٣٢، و\"المجمل\" ٣/ ٨٣٤، و\"المفردات\" ص ٧٧٠، و\"اللسان\" ٧/ ٤٢٢٣ (مطر).\n(٢) قال السمين في \"الدر\" ٥/ ٣٧٤ - ٣٧٥ قال بعضهم: (مطر في الرحمة، وأمطر في العذاب، وهذا مردود بقوله تعالى: ﴿هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ [الأحقاف: ٢٤] فإنهم إنما عنوا بذلك الرحمة وهو من أمطر رباعيًا وَمَطَر وأمْطَر بمعنى واحد يتعديان لواحد يقال: مطرتهم السماء وأمطرتهم، و(أمطرنا) ضُمِّن معنى (أرسلنا) ولذلك عدي بعلى) اهـ. بتصرف.\n(٣) \"تنوير المقباس\" ٢/ ١٠٩، وذكره ابن الجوزي في \"تفسيره\" ٣/ ٢٢٨.\n(٤) انظر: \"تفسير الطبري\" ٨/ ٢٣٧، والسمرقندي ١/ ٥٥٣، والبغوي ٣/ ٢٥٦، وابن عطية ٥/ ٥٧٣.\n(٥) انظر: \"تفسير الطبري\" ٨/ ٢٣٧، والسمرقندي ١/ ٥٥٤، والبغوي ٣/ ٢٥٦، وابن عطية ٥/ ٥٧٣، وابن الجوزي ٣/ ٢٢٨، وقال ابن كثير في \"تفسيره\" ٢/ ٢٥٨: (مدين تطلق على القبيلة وهم من سلالة مدين بن إبراهيم، وعلى المدينة وهي التي بقرب معان من طريق الحجاز وهم أصحاب الأيكة) اهـ. وانظر: \"تاريخ الطبري\" ١/ ٣٢٦ - ٣٢٧، و\"عرائس المجالس\" ص ١٦٤ - ١٦٥، و\"معجم البلدان\" ٥/ ٧٧، ٧٨، و\"الكامل\" لابن الأثير ١/ ١٥٧، و\"البداية والنهاية\" ١/ ١٨٤، وقال الخازن ٢/ ٢٦١: (أكثر المفسرين على أن مدين اسم رجل وهو الصحيح لقوله =","vol":"9","page":224},{"text":"(مدين: اسم ولدٍ لإبراهيم، وهو مدين بن إبراهيم الخليل، وشعيب بعث إلى أولاد مدين، ومدين صار اسمًا للقبيلة، كما يقال: بكر وتميم). قال الزجاج: (ولم يصرف (مدين) لأنه اسم للقبيلة، وهو أعجمي) (١).\nوقوله تعالى: ﴿أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾. قال عطاء عن ابن عباس: (هو شعيب ابن توبة بن مدين بن إبراهيم خليل الرحمن) (٢).\nوقوله تعالى: ﴿قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾. قال بعض أهل التفسير: (البينة شعيب) ومعناه: قد جئتكم بالرسالة، ومجيء البينة هاهنا مجيء شعيب. وبهذا قال الفراء؛ فإنه قال: (لم يكن له آية إلا (٣) النبوة) (٤)، وأنكر الزجاج ذلك وجعله (غلطًا فاحشًا؛ لأن شعيبًا دعا إلى أنه رسول، ولا سبيل إلى علم ذلك إلا بمعجزة (٥). ولو ادعى مدعٍ النبوة بغير آية\n_________\n= ﴿أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾ يعني في النسب لا في الدين) اهـ.\n(١) قال الزجاج في \"معانيه\" ٢/ ٣٥٣: (مدين لا ينصرف لأنه اسم للقبيلة أو البلدة، وجائز أن يكون أعجميًّا) اهـ.\nوقال النحاس في \"إعراب القرآن\" ١/ ٦٢٥: (لم تنصرف لأنها اسم مدينة وقيل: إنها اسم قبيلة وقيل: للعجمة وأصحها الأول) اهـ. وانظر: \"الفريد\" ٢/ ٣٣١، و\"الدر المصون\" ٥/ ٣٧٥.\n(٢) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ١٩٤ أ، والبغوي ٣/ ٢٥٦ من قول عطاء فقط، والمشهور أنه شعيب بن ميكيل بن يشجر بن مدين بن إبراهيم ﵇. انظر: \"تاريخ الطبري\" ١/ ٣٢٥، و\"تفسيره\" ٨/ ٢٣٧، و\"عرائس المجالس\" ص ١٦٤، و\"الكامل\" لابن الأثير ١/ ١٥٧، و\"البداية والنهاية\" ١/ ١٨٥، و\"تهذيب تاريخ ابن عساكر\" ٦/ ٣١٩.\n(٣) في (أ): (لم يكن له آية النبوة) ثم صحح في الهامش (إلى إلا النبوة).\n(٤) \"معاني الفراء\" ١/ ٣٨٥.\n(٥) في (ب): (إلا المعجزة).","vol":"9","page":225},{"text":"لم تقبل منه (١)، ومعجزة شعيب لم تذكر في القرآن) (٢).\nوقال عطاء عن ابن عباس: (﴿قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ يريد موعظة) (٣) ﴿فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ﴾. قال المفسرون: (إن قوم شعيب كانوا أهل كفر بالله وبخس للمكيال والميزان (٤). فأمرهم شعيب بتوحيد الله وإتمام الكيل والوزن) (٥).\nقوله تعالى: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾. أي: بعد إصلاح الله تعالى إياها ببعثه شعيب. وهذا معنى قول ابن عباس (٦)، وإلى هذا أشار الزجاج، فقال: (أي: لا تعملوا فيها بالمعاصي وبخس الناس بعد أن أصلحها الله ﷿ بالأمر بالعدل، وإرسال الرسول) (٧). وتفسير هذا\n_________\n(١) في (ب): (لم يقبل منه ومعجز شعيب لم يذكر في القرآن).\n(٢) هذا كله كلام الزجاج في \"معانيه\" ٢/ ٣٥٣ - ٣٥٤، وقال ابن كثير في \"البداية\" ١/ ١٨٥: (﴿قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (أي: دلالة، وحجة واضحة، وبرهان قاطع على صدق ما جئتكم به، وأنه أرسلني، وهو ما أجرى الله على يديه من المعجزات التي لم تنقل إلينا تفصيلًا، وإن كان هذا اللفظ قد دل عليها إجمالًا) اهـ. وانظر: \"تفسير البغوي\" ٣/ ٢٥٦، والزمخشري ٢/ ٩٣، وابن عطية ٥/ ٥٧٤، والرازي ١٤/ ١٧٣.\n(٣) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٢٠٨ من قول عطاء فقط. وانظر \"الخازن\" ٢/ ٢٦١.\n(٤) في (ب): (وبخس المكيال والميزان).\n(٥) انظر: \"تفسير السمرقندي\" ١/ ٥٥٥، والرازي ١٤/ ١٧٤، وفي \"الدر المنثور\" ٣/ ١٨٩، أن ابن عباس قال: (كانوا قومًا طغاة بغاة أهل بخس في مكايلهم وموازينهم مع كفرهم بربهم وتكذيبهم نبيهم) اهـ. ملخصًا.\n(٦) ذكره السيوطي في \"الدر\" ٣/ ١٨٩، وانظر: \"تهذيب تاريخ ابن عساكر\" ٦/ ٣١٩ - ٣٢٠.\n(٧) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٥٤، ونحوه ذكره الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ٢٣٧، والنحاس =","vol":"9","page":226},{"text":"سابق في قوله: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [الأعراف: ٥٦].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1199>٨٦ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ﴾، قال الكلبي: (ولا تقعدوا على طريق الناس تخوفون أهل الإيمان بشعيب بالقتل) (١)، ونحو ذلك قال السدي (٢) ومقاتل (٣)، وقتادة؛ قالوا: (إن مفعول الإيعاد مضمر على معنى: توعدون من أتى شعيبًا وأراد (٤) الإيمان به)، والإيعاء إذا أطلق اقتضى الشر (٥).\n_________\n= في \"معانيه\" ٣/ ٥٢، والسمرقندي ١/ ٥٥٥، وقال ابن عطية ٥/ ٥٧٤: (هو لفظ عام يشمل دقيق الفساد وجليله، وكذلك الإصلاح عام، والمفسرون نصوا على أن الإشارة إلى الكفر بالفساد وإلى النبوات والشرائع بالإصلاح) اهـ. بتصرف.\n(١) \"تنوير المقباس\" ٢/ ١١٠، وذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٢٠٨ عن السدي وقتادة والكلبي.\n(٢) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ٢٣٨ بسند جيد عن السدي وقتادة ومجاهد، وأخرجه ابن أبي حاتم ٥/ ١٥٢١، عن السدي ومجاهد.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٤٨، وذكره الماوردي في \"تفسيره\" ٢/ ٢٣٨، عن ابن عباس ومجاهد والحسن وقتادة، وذكره القرطبي عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي. وقال: (وهو ظاهر الآية) اهـ، وهو قول عامة أهل التفسير. انظر: \"معاني الفراء\" ١/ ٣٨٥، والزجاج ٢/ ٣٥٤، والنحاس ٣/ ٥٣، و\"تفسير الطبري\" ٨/ ٢٣٨، والسمرقندي ١/ ٥٥٥.\n(٤) في (ب): (وأراد به الإيمان به).\n(٥) قال أهل اللغة: الوَعْد يستعمل في الخير والشر، ويقال في الخير: الوَعدُ والعِدَة، وفي الشر: الإيعاد والوعيد، فإذا أدخلوا الباء في الشر جاءوا بالألف أوعدته بالشر. انظر: \"العين\" ٢/ ٢٢٢، و\"الجمهرة\" ٢/ ٦٦٨، و\"الزاهر\" ٢/ ١٢٩، و\"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٩١٥، و\"الصحاح\" ٢/ ٥٥١، و\"مقاييس اللغة\" ٦/ ١٢٥، و\"المجمل\" ٣/ ٩٣١، و\"المفردات\" ص ٨٧٥، و\"اللسان\" ٨/ ٤٨٧١ (وعد).","vol":"9","page":227},{"text":"وقوله تعالى: ﴿بِكُلِّ صِرَاطٍ﴾. يقال: قعد له بمكان كذا، وعلى مكان كذا، وفي مكان كذا، وهذه الحروف تتعاقب (١) في هذا الموضوع لاجتماع معانيها فيه، وذلك أنك إذا قلت: قعد بمكان كذا فـ (الباء) للالتصاق، وهو قد لاصق المكان، و(على) للاستعلاء، وهو قد علا المكان، و(في) للمحل، وهو قد حلّ المكان.\nوقوله تعالى: ﴿وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ﴾ (٢) (٣). قال ابن عباس: (كانوا يجلسون على الطريق فيخبرون من أتى عليهم أن شعيبًا كذّاب فلا يفتنكم عن دينكم) (٤).\nوقال مقاتل: (وتصدون عن دين الله من آمن به) (٥).\nوقال الكلبي: (وتصرفون عن دين الله الإِسلام من آمن بشعيب) (٦). فالكناية في ﴿بِهِ﴾ يجوز أن تعود إلى ﴿سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ لأن المراد به دين الله على قول مقاتل، وعلى قول الكلبي الكناية تعود إلى شعيب، وقال عكرمة:\n_________\n(١) انظر: \"حروف المعاني\" ص ٤٧، و\"معاني الحروف\" للرماني ص ٣٦، والصاحبي ص ١٣٢، و\"مغني اللبيب\" ١/ ١٠١.\nوقال شيخ الإِسلام في \"الفتاوى\" ١٣/ ٣٤٢: (والعرب تضمن الفعل معنى الفعل وتعديه تعديته ومن هنا غلط من جعل بعض الحروف تقوم مقام بعض والتحقيق ما قاله نحاة البصرة من التضمين) اهـ.\nوانظر: \"معاني الأخفش\" ٢/ ٣٠٦، و\"تفسير الطبري\" ٨/ ٢٣٩، و\"إعراب النحاس\" ١/ ٦٢٥، و\"الدر المصون\" ٥/ ٣٧٦.\n(٢) في (ب): (ويصدون) بالياء، وهو تصحيف.\n(٣) في (أ): (من آمن باللهِ)، وهو تحريف.\n(٤) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ٢٣٨، وابن أبي حاتم ٥/ ١٥٢١ بسند جيد.\n(٥) \"تفسيرمقاتل\" ٢/ ٤٨.\n(٦) \"تنوير المقباس\" ٢/ ١١٠.","vol":"9","page":228},{"text":"(﴿مَنْ آمَنَ بِهِ﴾ (١) يعني: بالله) (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾. قال مجاهد: (يلتمسون لها الزيغ) (٣). وقال السدي: (وتبغون هلاك الإِسلام).\nوقال قتادة (٤): (وتبغون عوج السبيل عن الحق)، [و] (٥) قال الحسن: (لا تستقيمون على طريق الهدى) (٦). قال ابن زيد: (وتبغون اعوجاج السبيل) (٧).\nوقال أبو إسحاق: (أي: وتريدون الاعوجاج والعدول عن القصد) (٨). وقد ذكرنا مستقصى معنى ﴿وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ في سورة آل عمران [: ٩٩].\n_________\n(١) في (ب): (من آمن بي).\n(٢) لم أقف عليه. وانظر: \"تفسير ابن عطية\" ٥/ ٥٧٦.\nوقال أبو حيان في \"البحر\" ٤/ ٣٣٩: (والظاهر أن الضمير عائد على ﴿سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وذكره لأن السبيل تذكر وتؤنث وقيل: عائد إلى الله. وأجاز ابن عطية أن يعود على شعيب في قول من رأى القعود على الطريق للرد عن شعيب وهو بعيد لأن القائل ﴿وَلَا تَقْعُدُوا﴾ هو شعيب، ولا يسوغ أن يكون من باب الالتفات إذ لا يحسن أن يقال: يا هذا أنا أقول لك، لا تُهِن من أكرمه أي: من أكرمني) اهـ. بتصرف، وانظر: \"الدر المصون\" ٥/ ٣٧٧ - ٣٧٨.\n(٣) أخرجه الطبري ٨/ ٢٣٩، وابن أبي حاتم ٥/ ١٥٢٢ من عدة طرق جيدة عن مجاهد وقتادة والسدي.\n(٤) أخرجه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ١/ ٢/ ٢٣٣ بسند جيد.\n(٥) لفظ: (الواو) ساقط من (أ).\n(٦) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٢٠٨، وانظر: \"الخازن\" ٢/ ٢٦٢.\n(٧) لم أقف عليه.\n(٨) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٥٤، وانظر: \"مجاز القرآن\" ١/ ٢١٩ - ٢٢٠، و\"إعراب النحاس\" ١/ ٦٢٦.","vol":"9","page":229},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ﴾. قال الزجاج: (يحتمل ثلاثة أوجه: كثر عددكم، وكثركم بالغنى بعد الفقر، وكثركم بالمقدرة بعد الضعف) (١)، ووجه ذلك أنهم إذا كانوا فقراء أو ضعفاء فهم بمنزلة القليل في قلة الغناء، وإلى هذه المعاني أشار ابن عباس فقال: (فكثركم بعد القلة وأعزكم بعد الذلة) (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾. قال الكلبي: (يعني: آخر أمر قوم لوط) (٣). وقال في قوله: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ﴾، (فكثر عددكم، وذلك أنه كان مدين بن إبراهيم وزوجه ريثاء (٤) بنت لوط، فولدت حتى (٥) كثر عدد أولادها) (٦).\n_________\n(١) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٥٥، ومثله ذكر النحاس في \"معانيه\" ٣/ ٥٤.\n(٢) \"تنوير المقباس\" ٢/ ١١٠، وذكره الماوردي في \"تفسيره\" ٢/ ٢٣٩، -وهذا هو قول الأكثر- قال أبو حيان في \"البحر\" ٤/ ٣٤٠: (والتكثير هنا بالنسبة إلى الأشخاص، أو إلى الفقر والغنى، أو إلى قصر الأعمار وطولها، أقوال ثلاثة أظهرها الأول، وقيل: المراد مجموع الأقوال فإنه تعالى كثر عددهم وأرزاقهم وطول أعمارهم وأعزهم ..) اهـ. وانظر: \"تفسير الطبري\" ٨/ ٢٣٩، والسمرقندي ١/ ٥٥٥، والبغوي ٣/ ٢٥٧، والزمخشري ٢/ ٩٤، وابن عطية ٥/ ٥٧٦.\n(٣) \"تنوير المقباس\" ٢/ ١١٠، وذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ١٠٩.\n(٤) في (ب): (ربتاء) بالباء والتاء، وقد اختلف العلماء في ذلك فقال (بعضهم: كان زوج بنت لوط، وذهب البعض إلى أنه ابن بنت لوط). انظر: \"تفسير القرطبي\" ٧/ ٢٤٧.\n(٥) في (ب): (حين)، وهو تحريف.\n(٦) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٢٠٩، وهو قول السمرقندي ١/ ٥٥٤ - ٥٥٥، والرازي ١٤/ ١٧٦، وذكره الماوردي ٢/ ٢٣٩، وعنده (زينا بنت لوط) وعند الرازي (رئيا).","vol":"9","page":230},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1200>٨٨ </span>- قوله تعالى: ﴿أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا﴾. قال الزجاج (١) وابن الأنباري (٢) وجماعة أصحاب المعاني (٣): (هذا يحتمل وجهين (٤): أحدهما أن المعنى: (أو لتصيرن إلى ملتنا)، فوقع (العود) على معنى الابتداء كما تقول العرب: قد عاد عليَّ من فلان مكروه، يريدون قد صار إليَّ منه المكروه ابتداءً وأنشدوا على هذا:\nفإنْ تكُنِ الأيَّامُ أَحْسَنَّ مَرَّةً ... إليَّ فقَدْ عادَتْ لهنَّ ذُنوبُ (٥)\nأراد: لقد صارت لهن ذنوب ولم يخبر أن ذنوبًا كانت [لهن] (٦) قبل الإحسان، والثاني: أن أتباع شعيب كانوا قبل دخولهم في دينه على الكفر موافقين لقومهم، فخاطبوا شعيبًا بخطاب أتباعه وغلَّبوا خطابهم على خطابه لكثرتهم وانفراده.\n_________\n(١) انظر: \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٥٥.\n(٢) ذكره ابن الجوزي في \"تفسيره\" ٣/ ٢٣٠ - ٢٣١ عن ابن الأنباري.\n(٣) انظر: \"تفسير الطبري\" ٩/ ١، و\"معاني النحاس\" ٣/ ٥٤ - ٥٥، والسمرقندي ١/ ٥٥٥، والماوردي ٢/ ٢٤٠.\n(٤) في (ب): (في هذا وجهين).\n(٥) الشاهد لكعب بن سعد الغنوي في: \"الاختيارين\" ص ٧٥٣، و\"جمهرة أشعار العرب\" ص ٢٥١، و\"أمالي القالي\" ٢/ ١٤٩، و\"ديوان المعاني\" ٢/ ١٧٩، وبلا نسبة في \"تفسير الماوردي\" ٢/ ٢٤٠، وابن عطية ٦/ ٢، و\"البيان\" لابن الأنباري ١/ ٣٦٨، وابن الجوزي ٣/ ٢٣١، والرازي ١٤/ ١٧٧، و\"الخازن\" ٢/ ٣٦٢، وفي \"الأصمعيات\" ص ٩٩، نسب إلى عزيقة بن مسافع العبسي، وقال الشيخ أحمد شاكر وعبد السلام هارون -رحمهما الله تعالى- في \"حاشية الأصمعيات\" ص ٩٤: (القصيدة مرثية مشهورة لكعب بن سعد الغنوي يرثي فيها أخاه، لم يخالف في ذلك أحد فيما علمنا) اهـ.\n(٦) لفظ: (لهن) ساقط من (ب).","vol":"9","page":231},{"text":"ومعنى الآية: ليكونن أحد الأمرين: إما الإخراج من القرية، أو عودكم في ملتنا، ولا نُقارّكم (١) في مخالفتنا (٢)، وذكرنا الكلام في هذا مشروحًا عند قوله: ﴿أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ﴾ [إبراهيم: ١٣] في سورة إبراهيم. فقال شعيب: ﴿أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ﴾. [وهذا مختصر معناه: أو لو كنا كارهين] (٣) تجبروننا عليه؟ كقوله: ﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٧٠]. ومعناه: يتبعونهم وإن كانوا بهذه الصفة؟ وقد ذكرنا (٤) ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1201>٨٩ </span>- قوله تعالى: ﴿وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا﴾، معنى العود هاهنا: الابتداء كما ذكرنا، والذي عليه أهل العلم (٥) والسنة\n_________\n(١) في (أ): (ولا نقاركم على مخالفتنا).\n(٢) قال أكثرهم: (عاد تكون بمعنى صار ولا إشكال في ذلك، والمعنى: لتصيرن في ملتنا بعد إن لم تكونوا، وتكون بمعنى رجع إلى ما كان عليه، وشعيب ﵇ لم يكن قط على دينهم وأجيب على ذلك بأوجه منها:\n- إن رؤساءهم قالوا ذلك على سبيل الإبهام والتلبيس على العامة.\n- إن المراد رجوعه إلى حال سكوته عنهم قبل بعثته.\n- تغليب الجماعة على الواحد لأنهم لما صحبوه سحبوا عليه حكمهم في العود.\nقال صديق خان في \"فتح البيان\" ٤/ ٤١٠: (الأولى ما قاله الزجاج أن العود بمعنى الابتداء). ورجح شيخ الإِسلام في \"الفتاوى\" ١٥/ ٢٩ - ٣١ أن شعيبًا والذين آمنوا معه كانوا على ملة قومهم لظاهر الآية ولأنه هو المحاور لهم، وذكر عدة أدلة على ذلك. وانظر: \"تفسير البغوي\" ٣/ ٢٥٧، والزمخشري ٢/ ٩٦، وابن عطية ٦/ ٣، والرازي ١٤/ ١٧٧، و\"البحر\" ٤/ ٣٤٢، و\"الدر المصون\" ٥/ ٣٧٩ - ٣٨٠.\n(٣) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).\n(٤) انظر: \"البسيط\" النسخة الأزهرية ١/ ١٠٤ أ.\n(٥) انظر: \"تفسير الطبري\" ٩/ ٢، و\"معاني النحاس\" ٣/ ٥٥، والسمرقندي ١/ ٥٥٥، والماوردي ٢/ ٢٤٠، والبغوي ٣/ ٢٥٧، وابن عطية ٦/ ٢.","vol":"9","page":232},{"text":"في هذه الآية: إن شعيبًا وأصحابه قالوا: ما كنا لنرجع في ملتكم (١) بعد إذ وقفنا على أنها ضلالة تُكسبُ دخول النار إلا أن يريد الله إهلاكنا، فأمورنا راجعة إلى الله (٢)، غير خارجة عن قبضته، يسعد من يشاء بالطاعة، ويشقي من يشاء بالمعصية، وهذا من شعيب وقومه استسلام للمشيئة، ولم يزل الأنبياء والأكابر يخافون العاقبة وانقلاب الأمر، ألا ترى إلى قول الخليل ﵇ ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم: ٣٥]، وكثيرًا ما كان يقول (٣) نبينا محمد - ﷺ -: \"يا مقلب القلوب والأبصار ثبت قلوبنا على دينك وطاعتك\" (٤).\nوقال أبو إسحاق: (المعنى: وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن\n_________\n(١) في (ب): (ملتهم).\n(٢) في (ب): (راجعة إليه).\n(٣) في (ب): (وكثير ما كان نبينا محمد - ﷺ - يقول).\n(٤) أخرج مسلم في \"صحيحه\" رقم (٢٦٥٤) كتاب القدر، باب: تعريف الله القلوب كيف يشاء، عن عبد الله بن عمرو ﵁، أن رسول الله - ﷺ - قال: \"اللَّهُمَّ مُصَرَفَ القُلُوب صَرِّفْ قُلُوبَنَا عَلَى طَاعَتِكَ\" اهـ، وأخرج ابن أبي شيبة في \"المصنف\" ٦/ ١٦٨ (٣٠٣٩٦)، وأحمد في \"المسند\" ٢/ ١٦٨ و١٧٣، وابن ماجه كتاب المقدمة، باب: فيما أنكرت الجهمية رقم (١٩٩)، رقم ٣٨٣٤، والترمذي كتاب القدر، باب: ما جاء أن القلوب بين أصبعي الرحمن رقم (٢١٤٠)، (٣٥٢٢)، وابن أبي عاصم في \"السنة\" ١/ ١٠١ - ١٠٤، والآجري في \"الشريعة\" ٢/ ٧٣٠، والحاكم في \"المستدرك\" ٢/ ٢٨٨ - ٢٨٩، من عدة طرق جيدة أن النبي - ﷺ - كان يكثر أن يقول: \"يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك\"، قال الترمذي: (حديث حسن)، وصححه الألباني في \"ظلال الجنة في تخريج السنة\"، وانظر: \"سلسلة الأحاديث الصحيحة\" ٤/ ٢٦١ رقم (١٦٨٩).","vol":"9","page":233},{"text":"[يكون] (١) قد سبق في علم الله جل وعز و(٢) في مشيئته أن نعود فيها. وتصديق ذلك قوله: ﴿وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾، قال: وهذا مذهب أهل السنة)، ثم ذكر وجهين آخرين، هما من قول من لا يؤمن بإرادة الله تعالى الخير والشر:\nأحدهما: إن هذا على طريق التبعيد، كما يقال: لا نفعل ذلك إلا أن يبيض القار ويشيب الغراب (٣)، وهذا لا يصح مع قوله: ﴿يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [المدثر: ٣١]، وقوله: ﴿مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ﴾ [الأنعام: ٣٩]، وآيات كثيرة تصرح بأن الله تعالى يشاء [كل] (٤) ما يحدث في العالم.\nوالثاني: أن في ملتهم ما يجوز التعبد به من وجوه البر الذي كانوا يتقربون به إلى الله تعالى (٥)، ويكون معنى الآية: وما يكون لنا أن نعود في بعض ملتكم، وفي معنى من معاني شرائعكم إلا أن يردنا الله إليه بأن يتعبدنا به).\nقال ابن الأنباري: (و(٦) هذا قول مُتَنَاولُهُ بعيد؛ لأن فيه تبعيض الملة) (٧).\nوقال الزجاج: (والقول هو القول (٨) الأول؛ لأن قوله: ﴿بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا\n_________\n(١) لفظ: (يكون) ساقط من (ب).\n(٢) لفظ: (الواو) ساقط من (أ).\n(٣) انظر: شرح ذلك فيما تقدم (سورة الأعراف: آية ٤٠ من هذا المجلد).\n(٤) لفظ: (كل) ساقط من (أ).\n(٥) لفظ: (تعالى) ساقط من (أ).\n(٦) لفظ: (الواو) ساقط من (ب).\n(٧) ذكره السمين في \"الدر\" ٥/ ٣٨٣.\n(٨) لفظ (القول) ساقط من (أ).","vol":"9","page":234},{"text":"اللَّهُ مِنْهَا﴾ أنه النجاة من الكفر ومن أعمال المعاصي، لا من أعمال البر) (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ منصوب على التمييز (٢). قال ابن عباس: (يريد يعلم ما يكون قبل أن يكون) (٣).\nوقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ﴾ [الأعراف:٨٩]. قال ابن عباس (٤)، والحسن، وقتادة (٥)، والسدي: (احكم واقض).\nقال الفراء: (وأهل عُمَان يسمون القاضي الفاتح والفتاح) (٦).\n_________\n(١) انظر: \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٥٥ - ٣٥٧، وانظر: \"تفسير الطبري\" ٩/ ٢، و\"إعراب النحاس\" ١/ ٦٢٦، والسمرقندي ١/ ٥٥٥ - ٥٥٦، والماوردي ٢/ ٢٣٩ - ٢٤٠، والبغوي ٣/ ٢٥٧، وابن عطية ٦/ ٤، و\"البحر\" ٤/ ٣٤٣ - ٣٤٤، وقال ابن كثير في معنى الآية ٢/ ٢٥٩: (هذا رد إلى الله مستقيم فإنه يعلم كل شيء وقد أحاط بكل شيء علمًا) اهـ. وانظر: \"بدائع التفسير\" ٢/ ٢٦١، ونقل قول الواحدي الخازن في \"تفسيره\" ٢/ ٢٦٣.\n(٢) انظر: \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٥٧، و\"الفريد\" ٢/ ٣٣٣، و\"الدر المصون\" ٥/ ٣٨٣.\n(٣) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٢١٠، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٣/ ٢٣١.\n(٤) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٩/ ٢ - ٣ من عدة طرق جيدة عن ابن عباس والحسن وقتادة والسدي.\nوأخرجه ابن أبي حاتم ٥/ ١٥٢٣ بسند جيد عن ابن عباس وفي \"صحيح البخاري\" ٨/ ٢٩٧ كتاب التفسير، في تفسير سورة الأعراف قال ابن عباس: (الفتاح: القاضي، ﴿افْتَحْ بَيْنَنَا﴾: اقض بيننا).\n(٥) أخرجه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ١/ ٢/٢٣٣ بسند جيد وهو قول الأكثر. انظر: \"مجاز القرآن\" ١/ ٢٢٠، و\"غريب القرآن\" لليزيدي ص ١٤٨، و\"تفسير غريب القرآن\" ١/ ١٧٩، و\"تفسير الطبري\" ١٢/ ٥٦٣، و\"الزاهر\" ١/ ٩٣، و\"نزهة القلوب\" ص ١٢٦، و\"معاني النحاس\" ٣/ ٥٥، و\"تفسير المشكل\" ص ٨٥.\n(٦) \"معاني الفراء\" ١/ ٣٨٥، وجاء في \"مجاز القرآن\" ١/ ٢٢١، والطبري ٩/ ٢ - ٣، =","vol":"9","page":235},{"text":"وروي أبو العباس عن ابن الأعرابي: (الفتاح: الحكومة، ويقال للقاضي: الفَتَّاح لأنه يفتح مواضع الحق) (١).\nوروي عن ابن عباس أنه قال: (ما كنت أدري قوله: ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا﴾ حتى سمعت ابنة ذي يزن (٢) تقول لزوجها: تعال أفاتحك، أي: أحاكمك) (٣).\nقال أبو إسحاق: (وجائز أن يكون ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا﴾ أي: أظهر أمرنا حتى ينفتح ما بيننا وبين قومنا وينكشف، فجائز أن يكون يسألون بهذا أن ينزل بقومهم من العذاب والهلكة ما يظهر أن الحق معهم) (٤).\n_________\n= (أن هذا لغة مراد بطن من كهلان من القحطانية) وفي \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٧٣٢، (أنها لغة أهل اليمن).\n(١) \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٧٣٢، والفَتْح أصله من فتح الباب بعد إغلاقه ثم كثر واتسع فيه حتى سمي الحاكم فاتحًا لأنه يفتح المستغلق بين الخصمين ويفتح الباب إلى الحق ويبينه. انظر: \"تفسير أسماء الله الحسنى\" للزجاج ص ٣٩، و\"اشتقاق أسماء الله\" للزجاجي ص ١٨٩.\n(٢) ذو يَزَن -ملك من ملوك اليمن- اسمه النعمان بن قيس الحِمْيَري، وقيل: عامر بن أسلم بن غَوْث، ويزن وادٍ باليمن أضيف إليه، انظر: \"معجم البلدان\" ٥/ ٤٣٦، و\"نزهة الألباء\" لابن حجر ١/ ٣١٣.\n(٣) أخرجه الطبري ٩/ ٢ - ٣، وابن أبي حاتم ٥/ ١٥٢٣ بسند جيد عن قتادة عن ابن عباس، لكن قتادة لم يسمع من ابن عباس. انظر: \"المراسيل\" ص ١٦٨، وذكر الأثر عن ابن عباس. وابن دريد في \"الجمهرة\" ١/ ٣٨٦، والسمرقندي ١/ ٥٥٦، والثعلبي في \"الكشف\" ١٩٤ ب، والماوردي ٢/ ٢٤١، والرازي ١٤/ ١٨٠، والسيوطي في \"الدر\" ٣/ ١٩١.\n(٤) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٥٨.","vol":"9","page":236},{"text":"وعلى هذا فالفتح يراد به الكشف والتبيين، ويؤكد هذا ما روى سعيد (١) عن قتادة في هذه الآية قال: (اقض بيننا وبين قومنا) (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1202>٩٢ </span>- قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا﴾. هذا ترجمة وتفسير للأسماء المكنية التي في قوله: ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ﴾ (٣) [الأعراف: ٩١] علي تأويل: فأصبح ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا﴾ ﴿فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٦٧) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾ [هود:٦٧ - ٦٨]، مثل قوله: ﴿عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٧١]، قاله أبو علي الجرجاني (٤).\nوقوله تعالى: ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾. يقال: غني (٥) القوم في دارهم: إذا طال مقامهم فيها، والمغاني: المنازل التي كان بها أهلوها، واحدها\n_________\n(١) سعيد بن أبي عروبة العدوي مولاهم أبو النضر بن مهران البصري، إمام حافظ ثقة من أثبت الناس في قتادة، وله تصانيف، واختلط في آخر عمره، توفي سنة ١٥٧ هـ أو قبلها. انظر: \"الجرح والتعديل\" ٤/ ٦٥، و\"سير أعلام النبلاء\" ٦/ ٤١٣، و\"تذكرة الحفاظ\" ١/ ١٧٧، و\"تهذيب التهذيب\" ٢/ ٣٣.\n(٢) سبق تخريجه.\n(٣) في (ب): ﴿فىِ دِيَارِهِمْ﴾ والجمع جاء في سورة هود: ٦٧ و٩٤ ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾.\n(٤) لم أقف عليه.\n(٥) الغِنَى مقصور مكسور الأول من اليسار وكثرة المال والغناء ممدود ومفتوح الأول النفع والكفاية، والغناء ممدود مكسور الأول من الصوت، وغَني القوم في دارهم: أقاموا كأنهم استغنوا بها، ومَغَانيهم: منازلهم. انظر: \"العين\" ٤/ ٤٥٠، و\"الجمهرة\" ٢/ ٩٦٤، و\"اشتقاق أسماء الله\" للزجاجي ص ١١٩، و\"البارع\" ص ٤١٩، و\"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٧٠٣، و\"الصحاح\" ٦/ ٢٤٤٩، و\"مقاييس اللغة\" ٤/ ٣٩٧، و\"المجمل\" ٣/ ٦٨٧، و\"المفردات\" ص ٦١٥، و\"اللسان\" ٦/ ٣٣٠٨ (غنى).","vol":"9","page":237},{"text":"مَغْنى، قال الأسود (١) بن يعفر:\nوَلَقَد غَنُوا فِيهَا بِأَنْعَمِ عِيشَةٍ ... فيِ ظِلِّ مُلْكٍ ثَابتِ الأَوتادِ (٢)\nأراد: أقاموا فيها.\nقال المفسرون (٣): (كأن لم يقيموا فيها ولم ينزلوا فيها). قال الزجاج: (ويكون ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾: كأن لم يعيشوا فيها مستغنين، كما قال الشاعر:\nغَنينا زمانًا بالتصَعْلُكِ والغِنى ... وكُلًاّ سَقَاناهُ بكَأسَيهِما الدّهْرُ (٤)\nقال: فمعنى (غنينا زمانًا) أي: عشنا زمانًا، بالتصعلك وهو الفقر) (٥).\n_________\n(١) الأسْوَد بن يَعْفُر بن عبد الأسود النَّهْشَلي، أبو الجراح، أعشى نَهْشل، شاعر جاهلي مقدم فصيح فحل جواد، كان ينادم النعمان بن المنذر، ولما أسن كف بصره. انظر: \"طبقات فحول الشعراء\" ١/ ١٤٣ و١٤٧، و\"الشعر والشعراء\" ص ١٥٢، و\"الأغاني\" ١٣/ ١٧، و\"الأعلام\" ١/ ٣٣٠.\n(٢) الشاهد في \"المفضليات\" ص ٢١٧، و\"الحماسة البصرية\" ٢/ ٤١٢، و\"وضح البرهان\" للغزنوي ١/ ٣٦٢، و\"تفسير الرازي\" ١٤/ ١٨٢، و\"الخازن\" ٢/ ٢٦٤، و\"الدر المصون\" ٥/ ٣٨٧، وهو من قصيدته الدالية المشهورة التي كانت مثار إعجاب الخلفاء والولاة، انظر: \"الأغاني\" ١٣/ ٢٢.\n(٣) انظر: \"تفسير الطبري\" ٩/ ٥، وأخرجه من عدة طرق جيدة عن ابن عباس وقتادة وابن زيد، وانظر: \"معاني النحاس\" ٣/ ٥٥، والسمرقندي ١/ ٥٥٦، والماوردي ٢/ ٢٤٠، والبغوي ٣/ ٢٥٩.\n(٤) الشاهد لحاتم الطائي في \"ديوانه\" ص٥١، و\"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٥٨، و\"تفسير الثعلبي\" ١/ ٦، وابن عطية ٦/ ١١، وابن الجوزي ٣/ ٢٣٢، والقرطبي ٧/ ٢٥٢، و\"البحر\" ٤/ ٣٤٦، وفي \"الديوان\":\nغنينا زمانًا بالتصعلك والغنى ... كما الدّهرُ في أيّامِه العُسْرُ واليُسرُ\nكَسَينا صُرُوفَ الدَّهرِ لِينًا وغِلظَة ... وكُلا سَقَاناه بكأسيهما الدهرُ\n(٥) انظر: \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٥٨.","vol":"9","page":238},{"text":"ووافقه ابن الأنباري على هذا المعنى، فقال في قوله: ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾: (كأن لم يستغنوا فيها، يقال: غني الرجل يغنى (١): إذا استغنى) (٢) وعلى هذا هو من الغنى الذي هو ضد الفقر، وليس من الإقامة (٣) في شيء، يؤكد هذا المعنى ما روي عن قتادة أنه قال في هذه الآية: (كأن لم ينعموا فيها) (٤). ووجه التشبيه في: ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾ أن حال المكذبين يشبه حال من لم يكن قط في تلك الديار، كما قال الشاعر:\nكأنْ لم يكُن بينَ الحَجُونِ إلى الصَّفا ... أنيسٌ ولم يَسْمُرْ بمكَّةَ سَامِرُ\nبَلَى نحنُ كنَّا أهلَهَا فأبادَنا ... صُروُفُ الليالي والجُدُودُ العَواثرُ (٥)\n_________\n(١) لفظ: (يغنى) ساقط من (ب).\n(٢) لم أقف عليه.\n(٣) قال ابن عطية في \"تفسيره\" ٦/ ١٠: (الذي استقريت عن العرب أن غنيت في المكان إنما يقال في الإقامة التي هي مقترنة بتنعم وعيش مرضي) اهـ. والمشهور عن أهل اللغة والتفسير أنها لمطلق الإقامة، قال أبو عبيدة في \"مجاز القرآن\" ١/ ٢٢١: (أي: لم ينزلوا فيها ولم يعيشوا فيها) وانظر: \"غريب القرآن\" لليزيدي ص ١٤٨، و\"تفسير غريب القرآن\" ص ١٧٩، و\"نزهة القلوب\" ص ٤٨٧، و\"تفسير المشكل\" ص ٨٦.\n(٤) أخرجه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ١/ ٢/٢٣٣، والطبري ٩/ ٥، وابن أبي حاتم ٥/ ١٥٢٤ بسند جيد بلفظ: (كأن لم يعيشوا فيها كأن لم ينعموا فيها) اهـ.\n(٥) البيتان في \"السيرة\" لابن هشام ١/ ١٢٦، و\"العقد الفريد\" ٥/ ٥٩، و\"شرح القصائد\" لابن الأنباري ص ٢٥٦، و\"الأغاني\" ١٥/ ١٠ - ١٦ - ٢٣، و\"وضح البرهان\" للغزنوي ١/ ٣٦٢، و\"الروض الأنف\" ١/ ١٢٧، والرازي ١٤/ ١٨٢، و\"معجم البدان\" ٢/ ٢٢٥، و\"الحماسة البصرية\" ٢/ ٤١١، و\"اللسان\" ٢/ ٧٩٢ =","vol":"9","page":239},{"text":"وقوله تعالى: ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾ إبانة عن سوء حال المكذب نبيًا من أنبياء الله في أنه بمنزلة من لم يستمتع بالدنيا؛ إذ حصل في العذاب وصار إلى الخسران.\nوقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ﴾، هذا ابتداء منقطع من الفصل الأول، جملة من المبتدأ والخبر (١). قال ابن الأنباري: (ووقع التكرير لتعظيم الذم لهم و(٢) تفظيع ما يستحقون من الجزاء على جهلهم، والعرب تكرر مثل هذا في التفخيم والتعظيم، فيقول الرجل [للرجل] (٣): أخوك الذي ظلمنا، أخوك الذي أخذ أموالنا، أخوك الذي شتم أعراضنا) (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1203>٩٣ </span>- قوله تعالى: ﴿فَتَوَلَّى عَنْهُمْ﴾، قال الكلبي: (خرج من بين أظهرهم ولم يعذب قومُ نبي حتى يخرج من بينهم) (٥).\n_________\n= (حجن) والبيت الأول في \"الصحاح\" ٥/ ١٠٩٧ (حجن)، و\"الأفعال\" للسرقسطي ٣/ ٥٥٤، وابن عطية ٦/ ٩، و\"البحر\" ٤/ ٣٤٦، وعند الأكثر هما لعمرو بن الحارث الجُرْهُمي، وقيل هما لمُضَاض بن عمرو الجرهمي، وقيل هما للحارث الجرهمي. (والحَجُون) جبل بأعلى مكة. انظر: \"معجم البلدان\" ٢/ ٢٢٥ (والصَّفَا) مكان مرتفع من جبل أبي قبيس بينه وبين المسجد الحرام عرض الوادي الذي هو طريق وسوق، انظر: \"معجم البلدان\" ٣/ ٤١١، والعواثر: جمع عاثرة، وهي الحادثة التي تعثر بصاحبها. انظر: \"اللسان\" ٥/ ٢٨٠٧ (عثر).\n(١) انظر: \"البيان\" ١/ ٣٦٨، و\"التبيان\" ١/ ٣٨٤، و\"الفريد\" ٢/ ٣٣٣ - ٣٣٤، و\"الدر المصون\" ٥/ ٣٨٥ - ٣٨٧.\n(٢) لفظ: (الواو) ساقط من (ب).\n(٣) لفظ: (للرجل) ساقط من (ب).\n(٤) ذكره ابن الجوزي في \"تفسيره\" ٣/ ٢٣٣، وهو عند الرازي ١٤/ ١٨٢ بدون نسبة.\n(٥) \"تنوير المقباس\" ٢/ ١١٢، وذكره الرازي في \"تفسيره\" ١٤/ ١٨٢.","vol":"9","page":240},{"text":"وقال أهل المعاني: (أعرض عنهم إعراضَ آيِسٍ منهم لما نزل العذاب بهم، وذلك أنه كان مقبلًا عليهم بالوعظ والدعاء إلى الحق، فلما تمادوا في غيهم، فأخذهم الله ﷿ ببأسه، تولى عنهم) (١).\nوقوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾. أي: كيف يشتد حزني (٢). يقال: أسِيت (٣) على الشيء آسَى (٤) أسًى إذا اشتد حزنه عليه.\nقال امرؤ القيس:\nيَقُولونَ لاَ تَهْلِكْ أَسًى وتَجَمَّلِ (٥)\nوقوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ آسَى﴾ استفهام معناه الإنكار، أي: لا آسى عليهم. ومعنى الآية: أن شعيبًا -﵇- يتسلى عنهم بما يتذكر من حاله\n_________\n(١) انظر: \"تفسير الطبري\" ٩/ ٦، والسمرقندي ١/ ٥٥٦، وقد سبق لمثل هذا زيادة بيان.\n(٢) انظر: \"مجاز القرآن\" ١/ ٢٢٢، و\"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٥٩، و\"نزهة القلوب\" ص ٧٣، و\"معاني النحاس\" ٣/ ٥٦.\n(٣) الأسى مفتوح مقصور: الحزن. انظر: \"العين\" ٧/ ٣٣٢، و\"الجمهرة\" ١/ ٢٣٨، و\"تهذيب اللغة\" ١/ ١٦٣، و\"الصحاح\" ٦/ ٢٢٦٨، و\"مقاييس اللغة\" ١/ ١٠٦، و\"المفردات\" ص ٧٧، و\"اللسان\" ١/ ٨٢ (أسَى).\n(٤) في (ب): (أسًا).\n(٥) \"ديوانه\" ص ١١١، و\"طبقات فحول الشعراء\" ١/ ٥٩، و\"الشعر والشعراء\" ص ٦٤، و\"جمهرة أشعار العرب\" ص ٩٥، و\"الصناعتين\" ص ٢٢٩، وهو من معلقته المشهورة وأوله:\nوُقوفًا بِها صَحْبِي عَلَيَّ مَطِيَّهُمْ\nقال النحاس في \"شرح المعلقات\" ١/ ٥: (الصحب الجماعة ومطيهم، واحده مطية وهي: الراحلة، والأسى: الحزن، وتجمل أي: أظهر جميلًا) اهـ. وانظر: \"شرح القصائد\" لابن الأنبارى ص ٢٤.","vol":"9","page":241},{"text":"معهم في مناصحته لهم، وبتأديته رسالة ربه إليهم، وأنه لا ينبغي له أن يأسى عليهم مع تمردهم في كفرهم (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1204>٩٤ </span>- قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ﴾، قال ابن عباس: [(يريد] (٢) في مدينة) (٣)، والقرى (٤) في كتاب الله كلها المدائن، وقوله: ﴿مِنْ نَبِيٍّ﴾ محذوف الصفة، والتقدير: من نبي (٥) فكُذب، أو فكذبه أهلها، إلا أخذناهم. كذلك قال أهل التفسير (٦)، وعلى هذا يصح المعنى.\nوقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾. قال ابن عباس: (يريد: الفقر والأسقام) (٧). وقال السدي: (يعني: الفقر والجوع) (٨).\nقال (٩) أبو إسحاق: (قيل: ﴿بِالْبَأْسَاءِ﴾ كل ما نالهم من شدة في أموالهم، ﴿وَالضَّرَّاءِ﴾: ما نالهم من الأمراض، قال: وقيل: على العكس من ذلك) (١٠).\n_________\n(١) انظر: \"تفسير الطبري\" ٩/ ٦، والسمرقندي ١/ ٥٥٦.\n(٢) لفظ: (يريد) ساقط من (أ).\n(٣) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٢١١.\n(٤) قال الزجاج في \"معانيه\" ٢/ ٣٥٩: (يقال لكل مَدينة: قَرية، سميت قرية لاجتماع الناس فيها) اهـ. وانظر: \"الزاهر\" ٢/ ١٠٠ - ١٠١.\n(٥) لفظ: (نبي) ساقط من (أ).\n(٦) انظر: \"تفسير السمرقندي\" ١/ ٥٥٦ - ٥٥٧، والبغوي ٣/ ٢٥٩، وابن عطية ٦/ ١٣، وابن الجوزي ٣/ ٢٣٣، والرازي ١٤/ ١٨٣.\n(٧) ذكره ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٥/ ١٥٢٥، وانظر: \"تفسير الطبري\" ٩/ ٧، والماوردي ٢/ ٢٤٢، وقد سبق له زيادة تخريج.\n(٨) ذكره الثعلبي في \"الكشف\" ٦/ ٢.\n(٩) في (ب): (وقال).\n(١٠) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٥٩، وقال ابن عطية ٦/ ١٣: (البأساء المصائب في =","vol":"9","page":242},{"text":"وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ﴾، قال ابن عباس: (يريد: كي يستكينوا ويرجعوا) (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1205>٩٥ </span>- قوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ﴾، مضى الكلام في حقيقة التبديل عند قوله: ﴿بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ [النساء: ٥٦]، ومعنى: ﴿السَّيِّئَةِ﴾ و﴿الْحَسَنَةَ﴾ هاهنا: الشدة والرخاء. عن ابن عباس (٢) والحسن (٣) وقتادة (٤) ومجاهد (٥).\nقال عطاء عن ابن عباس: (يريد: بدل البؤس والمرض الغنى والصحة) (٦).\nوقال أهل اللغة: (السيئة (٧) كل ما يسوء صاحبه، والحسنة (٨) ما يحسن عليه أثره).\n_________\n= الأموال والهموم وعوارض الزمن، والضراء المصائب في البدن كالأمراض ونحوها، هذا قول ابن مسعود وكثير من أهل اللغة ..) اهـ.\n(١) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ٦/ ٢، والواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٢١١ بلا نسبة.\n(٢) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٩/ ٧، وابن أبي حاتم ٥/ ١٥٢٦ بسند جيد.\n(٣) ذكره الماوردي في \"تفسيره\" ٢/ ٢٤٢، عن ابن عباس والحسن وقتادة ومجاهد.\n(٤) أخرجه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ١/ ٢/ ٢٣٣، والطبري ٩/ ٧ بسند جيد.\n(٥) ذكره الماوردي ٢/ ٢٤٢، وفي \"تفسير مجاهد\" ١/ ٢٤٠ - ٢٤١: (مكان الشر الرخاء والعدل والعافية والولد) اهـ، وأخرجه الطبري ٩/ ٧، وابن أبي حاتم ٥/ ١٥٢٦ بسند جيد، وفي رواية عند الطبري قال: (السيئة الشر، والحسنة الخير) اهـ.\n(٦) في \"تنوير المقباس\" ٢/ ١١٣ نحوه، وذكره المؤلف في \"الوسيط\" ١/ ٢١١ بلا نسبة.\n(٧) انظر: \"العين\" ٧/ ٣٢٧، و\"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٥٨٣، و\"مقاييس اللغة\" ٣/ ١١٣، و\"المفردات\" ص ٤٤١ (سوء).\n(٨) انظر: \"العين\" ٣/ ١٤٣، و\"تهذيب اللغة\" ١/ ٨٢١، و\"المفردات\" ص ٢٣٥ (حسن).","vol":"9","page":243},{"text":"وقال أبو علي: (السيئة والحسنة قد جاءتا في التنزيل على ضربين: أحدهما: سيئة مأخوذ بها، وحسنة مُثَاب عليها، لقوله: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ﴾ ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ﴾ (١) [الأنعام: ١٦٠]، والثاني: لما يستثقل (٢) في الطباع أو يُسْتَحفُّ (٣) كما في هذه الآية، وكقوله: ﴿فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ﴾ الآية [الأعراف: ١٣١]، وكذلك الفساد، قد يكون (٤) فسادًا معاقبًا عليه كقوله: ﴿وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ﴾ الآية [القصص: ٧٧]، ويكون على غير ذلك، كقوله: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ﴾ [الروم: ٤١] يعني: الجدب) (٥)\nوالمعنى: أنه تعالى أخبر أنه يأخذ أهل المعاصي بالشدة تارة وبالرخاء تارة (٦).\nوقوله تعالى: ﴿حَتَّى عَفَوْا﴾ (٧). قال أبو عبيد: (قال الكسائي: يقال: قد عفا الشعر وغيره إذا كثر، يَعْفُو فهو عافٍ، ومنه قوله تعالى: ﴿حَتَّى\n_________\n(١) نص الآية (١٦٠) من سورة الأنعام: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾.\n(٢) في (ب): (ما يستثقل).\n(٣) في (ب): (ويستخف).\n(٤) (وقد يكون).\n(٥) \"الحجة\" لأبي علي ٥/ ١٠٣.\n(٦) انظر: \"تفسير الطبري\" ٩/ ٧، و\"معاني النحاس\" ٣/ ٥٦، والسمرقندي ١/ ٥٥٧.\n(٧) العفُوّ على فَعُول: الكثير العفو وهو: ترك العقوبة، وعفا الشيء: إذا درس ونقص، وعفا إذا زاد وكثر، وأعفيت الشعر وعفوته: إذا كثرته وزدت فيه. انظر: \"العين\" ٢/ ٢٥٨، و\"الأضداد\" لقطرب ص ١١٤، و\"الجمهرة\" ٢/ ٩٣٨، و\"أشتقاق أسماء الله\" للزجاجي ص ١٣٤، و\"الصحاح\" ٦/ ٢٤٣١، و\"مقاييس اللغة\" ٤/ ٥٦، و\"المجمل\" ٣/ ٦١٥، و\"المفردات\" ص ٥٧٤ (عفا).","vol":"9","page":244},{"text":"عَفَوْا﴾ يعني: كثروا، وفي بعض الحديث: (إذا عفا الوَبَر وبرأ الدبر حلت العمرة لمن اعتمر) (١).\nويقال للشعر إذا طال ووَفَى: عما (٢) ومنه قول زهير:\nأَذَلكَ أم أَقَبُّ البَطْنِ جأبٌ ... عليه من عَقِيقَتِهِ عِفَاءُ (٣)\nوقد عَفَّيت الشيء وأعْفَيتهُ لغتان إذا كثرته (٤) ومنه قوله ﵇ أنه:\n_________\n(١) هذا طرف من كلام ابن عباس -﵄- أخرج البخاري رقم (١٥٦٤) كتاب الحج، باب التمتع والإقران والإفراد، وفي رقم (٣٨٣٢) كتاب مناقب الأنصار، باب: أيام الجاهلية، ومسلم في \"صحيحه\" كتاب الحج، باب: تقليد الهدى وإشعاره عند الإحرام رقم (١٢٤٠)، عن ابن عباس قال: (كانوا يرون العمرة في أشهر الحج من الفجور ويجعلون المحرم صفر، ويقولون: إذا برأ الدبر وعفا الأثر حلت العمرة لمن اعتمر ..) قال الإمام النووي في \"شرح مسلم\" ٣/ ٣٠٨ - ٣٠٩: (يعني: أهل الجاهلية، والدبر: يعنون دبر ظهور الإبل بعد انصرافها من الحج فإنها كانت تدبر بالسير عليها للحج، وعفا الأثر أي: درس وامحى والمراد أثر الإبل وغيرها في سيرها عفا أثرها لطول مرور الأيام) اهـ، وانظر: \"النهاية\" ٣/ ٢٦٦.\n(٢) ذكره الأزهري في \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٤٩٠، عن أبي عبيد عن الكسائي، وانظر: \"الكامل المبرد\" ١/ ٤٣٠.\n(٣) الشاهد في \"شرح ديوان زهير\" لثعلب ص ٧٥، و\"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٤٩٠، و\"اللسان\" ٥/ ٣٠٢٠ (عفا)، و\"الدر المصون\" ٥/ ٣٨٩، (والأقب الضامر، والجأب، الغليظ، وعقيقته وبره، والعفاء: صغار الوبر والريش، وهو هنا شعر الحمار الذي ولد وهو عليه، يقول: أذلك الظليم أم هذا الحمار يشبه ناقتي أفاده ثعلب وقال ويروي: أذلك أم شَتِيم الوجهِ جأْب، وشتيم كريه الوجه صاحب شر) اهـ. وهو كذلك في \"ديوانه\" ص ١٥.\n(٤) في (ب): (إذا كثر به).","vol":"9","page":245},{"text":"\"أمر أن تحفى الشوارب وتُعفي اللِّحى\" (١)، يعني: توفر وتكثر) (٢).\nوقال ابن الأنباري (٣): (يقال: عما الشيء: إذا زاد وكثر، وأنشد للبيد:\nولَكِنَّا نُعِضُّ السَّيْفَ مِنهَا ... بأسْوُقِ عَافيَاتِ اللَّحْمِ كُوم (٤)\nأراد: كثيرات اللحم)، فمعنى قوله: ﴿حَتَّى عَفَوْا﴾ أي: كثروا (٥)، في قول ابن عباس (٦)، ومجاهد (٧) والسدي وابن زيد (٨).\n_________\n(١) أخرج البخاري في \"صحيحه\" رقم (٥٨٩٣) كتاب اللباس، باب: إعفاء اللحى، ومسلم كتاب الطهارة، باب: خصال الفطرة رقم (٢٥٩)، عن ابن عمر -﵄- عن النبي - ﷺ -، أنه قال: \"أحفوا الشوارب وأعفوا اللحى\". وفي رواية لمسلم عن النبي - ﷺ -: أنه أمر بإحفاء الشوارب وإعفاء اللحى.\n(٢) أبي عبيد في \"غريب الحديث\" ١/ ٩٣، ونحوه قال ابن الأنباري في \"الزاهر\" ١/ ٤٢٨ - ٤٢٩، و\"شرح القصائد\" ص ٢١ - ٢٢، وانظر: \"النهاية\" ٣/ ٢٢٦، ١/ ٤١٠.\n(٣) \"الأضداد\" لابن الأنباري ص ٨٧، و\"الزاهر\" ١/ ٤٢٩، و\"شرح القصائد\" ص ٢١.\n(٤) \"ديوانه\" ص ١٨٦، و\"مجاز القرآن\" ١/ ٢٢٢، و\"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٤٩٣، و\"اللسان\" ٥/ ٣٠٢١ (عفا)، و\"الدر المصون\" ٥/ ٣٨٩ وبلا نسبة في \"الكامل\" للمبرد ١/ ٤٣٠، و\"تفسير ابن عطية\" ٦/ ١٥.\n(٥) وهو قول عامة أهل اللغة والتفسير، انظر: \"مجاز القرآن\" ١/ ٢٢٢، و\"غريب القرآن\" لليزيدي ص ١٤٨، و\"تفسير غريب القرآن\" ص ١٧٩، و\"الكامل\" للمبرد ١/ ٤٣٠، و\"تفسير الطبري\" ٩/ ٨، و\"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٥٩، و\"نزهة القلوب\" ص ٣٢٥، و\"معاني النحاس\" ٣/ ٥٦، و\"تفسير السمرقندي\" ١/ ٥٥٧، و\"تفسير المشكل\" ص ٨٦.\n(٦) ذكره البخاري في \"صحيحه\" ٥/ ١٩٥، في تفسير سورة الأعراف، وأخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ٩، وابن أبي حاتم ٥/ ١٥٢٦ من عدة طرق جيدة.\n(٧) \"تفسير مجاهد\" ١/ ٢٤١، وأخرجه الطبري ٩/ ٨ من عدة طرف جيدة.\n(٨) أخرجه الطبري ٩/ ٨، من عدة طرف جيدة عن السدي وابن زيد، وأخرجه عن إبراهيم النخعي والضحاك، وذكره الماوردي ٢/ ٢٤٢، عن ابن عباس ومجاهد والسدي.","vol":"9","page":246},{"text":"قال عطاء عن ابن عباس: (يريد: حتى كثروا فسمنوا، وكثرت أموالهم) (١). وروى عنه أيضًا: (حتى جموا) (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ﴾، يعني: لما صاروا إلى الرخاء ﴿وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا﴾ من الدهر الشدة والرخاء، وتلك عادة الدهر، ولم يكن ما مسنا من البأساء والضراء عقوبة من الله، فكونوا على ما أنتم عليه كما كان آباؤكم ولم يقلعوا (٣) عن الكفر بما مسهم من الضراء، والله تعالى أخذهم بالضراء ليعتبروا ويقلعوا عن الكفر، وتكذيب الأنبياء فلم يعتبروا، وقالوا من غرّتهم وجهلهم: قد أصاب آباءنا في الدهر مثل ما أصابنا. وهذا معنى قول المفسرين (٤) في هذه الآية؛ قال ابن عباس: وهذا كما قال في سورة الأنعام: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ الآية (٥) [الأنعام: ٤٤].\n_________\n(١) قوله: كثروا، وكثرت أموالهم، سبق تخريجها، أما قوله: (سمنوا)، فلم أقف عليها عن ابن عباس، وأخرج ابن أبي حاتم ٥/ ١٥٢٧، بسند جيد عن الحسن قال: (حتى سمنوا). وذكره هود الهواري في \"تفسيره\" ٢/ ٣٢، والماوردي ٢/ ٢٤٢، عن الحسن.\n(٢) أخرجه الطبري ٩/ ٨ بسند ضعيف، وذكره الثعلبي ٦/ ٢، وجَمّ الشيء واستجم: كثر، ومال جَمٌّ: كثير. انظر: \"اللسان\" ٢/ ٦٨٦ (جمم).\n(٣) في (ب): (ولم يفعلوا)، وهو تحريف.\n(٤) هذا كلام الزجاج في \"معانيه\" ٢/ ٣٥٩ - ٣٦٠، ونحوه قال النحاس في \"معانيه\" ٣/ ٥٧، والماوردي ٢/ ٢٤٣، والبغوي ٣/ ٢٦٠، وابن عطية ٦/ ١٤، وابن الجوزي ٣/ ٢٣٤، والرازي ١٤/ ١٨٣ - ١٨٤، وانظر: \"تفسير الطبري\" ٩/ ٨، والسمرقندي ١/ ٥٥٧، وابن كثير ٢/ ٢٦٠.\n(٥) لم أقف عليه.","vol":"9","page":247},{"text":"وقوله تعالى: ﴿فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً﴾.\nقال المفسرون (١): (لما فسدوا على الأمرين جميعًا أخذهم الله بغتة آمن ما كانوا؛ ليكون أعظم في الحسرة.\nوقوله تعالى: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾. قال ابن عباس: (يريد بنزول العذاب) (٢).\nوقال أبو إسحاق: (بيّن الله ﷿ تأولهم بخطئهم في قولهم: ﴿وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ﴾، وقد علموا أن الأمم قد أهلكت قبلهم بكفرهم، وإنما أخبر الله تعالى بهذا عن الأمم السالفة لتعتبر أمة محمد - ﷺ -؛ ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا﴾ (٣) [الأعراف:٩٦]، قال ابن عباس: (وحدوا الله واتقوا الشرك) (٤). وقال عطاء عنه: (يريد آمنوا بالله وحده، وصدقوا أنبياءه، وخافوا الوعيد) (٥).\nوقوله تعالى: ﴿لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾. قال المفسرون: (بركات السماء بالقطر، وبركات الأرض بالنبات والثمار) (٦).\n_________\n(١) انظر: \"تفسير الطبري\" ٩/ ٩، والسمرقندي ١/ ٥٥٧، والبغوي ٣/ ٢٦٠.\n(٢) \"تنوير المقباس\" ٢/ ١١٤، وهو قول الأكثر، انظر: السمرقندي ١/ ٥٥٧، والثعلبي ٢/ ١ ب، و\"الوسيط\" للواحدي ١/ ٢١٢، والبغوي ٣/ ٢٦٠، وابن الجوزي ٣/ ٢٣٤، والرازي ١٤/ ١٨٤.\n(٣) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٦٠.\n(٤) \"تنوير المقباس\" ٢/ ١١٤، وذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٢١٢.\n(٥) لم أقف عليه.\n(٦) انظر: \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٦٠، والنحاس ٣/ ٥٧، و\"تفسير السمرقندي\" ١/ ٥٥٧، والماوردي ٢/ ٢٤٣، والبغوي ٣/ ٢٦٠، وابن عطية ٦/ ١٦ - ١٧، وقال أبو حيان =","vol":"9","page":248},{"text":"وقال ابن عباس: (يريد: الأمطار والخصب وكثرة المواشي والأنعام) (١) ومضى الكلام في معنى (٢) البركة والمبارك.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ كَذَّبُوا﴾ يعني: الرسل، ﴿فَأَخَذْنَاهُمْ﴾ بالجدوبة والقحط، ﴿بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ من الكفر والمعصية. قال ابن عباس: (يعني: مدائن معروفة أهلكت بالجدب) (٣).\nقال أصحاب المعاني: (والآية بيان أن الإيمان بالله والاتقاء يوجب إسباغ الإنعام، والتكذيب يوجب الإهلاك والعذاب).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1206>٩٧ </span>- قوله تعالى: ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى﴾ الآية. هذه ألف الاستفهام ومعناها: الإنكار [عليهم أن يأمنوا، وقد ذكرنا قديمًا لم (٤) دخل الاستفهام معنى الإنكار، (٥)، والفاء في ﴿أَفَأَمِنَ﴾ للعطف، وهو عطف جملة على جملة (٦).\nقال ابن عباس: (يعني: مكة وما حولها) (٧).\n_________\n= في \"البحر\" ٤/ ٣٤٨: (الظاهر أن قوله: ﴿بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ لا يراد بها معين، ولذلك جاءت نكرة، والمعنى: لأتيناهم بالخير من كل وجه) اهـ. بتصرف.\n(١) \"تنوير المقباس\" ٢/ ١١٤، وذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٢١٢.\n(٢) انظر: لفظ: (مبارك) في \"البسيط\" النسخة الأزهرية ١/ ١٩٩ ب.\n(٣) لم أقف عليه.\n(٤) انظر: \"البسيط\" البقرة: ٧٥ قوله تعالى: ﴿أفتطمعون﴾.\n(٥) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).\n(٦) انظر: \"معاني الأخفش\" ٢/ ٣٠٧، والزجاج ٢/ ٣٦٠، و\"المسائل المنثورة\" لأبي علي الفارسي ص ١٩٧، و\"تفسير الزمخشري\" ٢/ ٩٨، وابن عطية ٦/ ١٨، و\"البحر\" ٤/ ٣٤٨ - ٣٤٩.\n(٧) \"تنوير المقباس\" ٢/ ١١٤، وذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٢١٢.","vol":"9","page":249},{"text":"قال الزجاج: (أفأمنت الأمة التي كذبت النبي - ﷺ - ﴿أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا﴾) (١)، فعلى هذا المراد بأهل القرى الذين كذبوا محمدًا - ﷺ - وكفروا به، وقال آخرون: (هذا عام و(٢) معناه البيان عما ينبغي أن يكون عليه العباد من الحذر لبأس الله ﷿ وسطواته (٣) بالمبادرة إلى طاعته واتباع مرضاته) (٤)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1207>٩٨ </span>- قوله تعالى: ﴿أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى﴾ الآية. قرأ أكثر القراء (٥) ﴿أَوَأَمِنَ﴾ بفتح الواو، وهو حرف العطف دخلت على همزة الاستفهام، كما دخل في قوله: ﴿أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ﴾ [يونس: ٥١]، وقوله: ﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا﴾ [البقرة: ١٠٠]. وهذه القراءة أشبه بما قبله وما بعده؛ لأن ما قبله: ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى﴾ [الأعراف: ٩٧]، وما بعده: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ﴾ [الأعراف: ٩٩]، ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ﴾ (٦) [الأعراف: ١٠٠].\n_________\n(١) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٦٠، ومثله قال النحاس في \"معانيه\" ٣/ ٥٨.\n(٢) لفظ (الواو) ساقط من (ب).\n(٣) في (ب): (وسلطانه).\n(٤) وأكثرهم على الأول وأنه وعيد للكافرين المعاصرين للرسول أن ينزل بهم مثل ما نزل بالأمم السابقة. انظر: \"تفسير البغوي\" ٣/ ٢٦٠، وابن عطية ٦/ ١٧، والقرطبي ٧/ ٢٥٣، و\"البحر\" ٤/ ٢٤٩.\n(٥) يقرأ: ﴿أَوْ أَمِنَ﴾ بإسكان الواو وتحريكها، فقرأ ابن عامر ونافع وابن كثير: ﴿أَوْ أَمِنَ﴾ بإسكان الواو غير أن ورشًا يلقى حركة الهمزة من ﴿أَمِنَ﴾ على الواو من ﴿أَوْ﴾ على أصله، وقرأ الباقون بفتح الواو. انظر: \"السبعة\" ص ٢٨٦، و\"المبسوط\" ص ١٨٢، و\"التذكرة\" ٢/ ٤٢١، و\"التيسير\" ص ١١١، و\"النشر\" ٢/ ٢٧٠.\n(٦) قال أبو علي في \"الحجة\" ٤/ ٥٥: (فكما أن هذه الأشياء في هذه الآيات حروف عطف دخل عليها حرف الاستفهام كذلك يكون قوله: ﴿أَوَأَمِنَ﴾) اهـ.","vol":"9","page":250},{"text":"وقرأ نافع وابن عامر: ﴿أَوَأَمِنَ﴾ ساكنة الواو، و(أو) يستعمل على ضربين: أحدهما: أن يكون بمعنى أحد الشيئين كقولك: زيدٌ أو عمرو جاء، كما تقول: أحدهما جاء، وهي إذا كانت للإباحة والتمييز كذلك أيضًا؛ لأنها لأحد الشيئين كقولك: جالس الحسن أو ابن سيرين، ويدلك على أنها ليست بمعنى الواو أنه إذا جالس أحدهما فقد ائتمر (١) الأمر ولم يخالف، وإنما جاز له الجمع بين مجالستهما من حيث كان كل واحد منهما مجالسته بمعنى مُجالسة الآخر، ليس من حيث كانت (أو) بمعنى (الواو).\nوالضرب الثاني: أن يكون للإضراب (٢) عما قبلها. كقولك: (أنا أخرج) ثم تقول: (أو أقيم)، أضربت عن الخروج وأثبتَّ الإقامة. كأنك قلت: (لا بل أقيم)، كما أنك في قولك: (إنها لإبل أو (٣) شاء) مُضرِب عن الأول، فوجه هذه القراءة: أنه جعل (أو) للإضراب، لا على أنه أبطل الأول، ولكن كقوله: ﴿الم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) أَمْ يَقُولُونَ﴾ [السجدة:١ - ٣]، فكأن المعنى في هذه الآية: أأمنوا هذه الضروب من معاقبتهم والأخذ لهم، وإن شئت جعلت (أو) هاهنا التي لأحد الشيئين، ويكون المعنى: أفأمنوا إحدى هذه العقوبات (٤).\n_________\n(١) في (ب): (فقد أتم الأمر) وائْتَمر الأمر أي امتثله، انظر: \"اللسان\" ١/ ١٢٧ (أمر).\n(٢) في (ب): (الإضراب)، وهو تحريف.\n(٣) النص كله من \"الحجة\" لأبي علي ٤/ ٥٤، وفيه في قولك: (إنها الإبل أم شاء).\n(٤) ما تقدم هو نص كلام أبي علي في \"الحجة\" ٤/ ٥٣ - ٥٥، وانظر: \"معاني القراءات\" ١/ ٤١٤، و\"إعراب القراءات\" ١/ ١٩٦، و\"الحجة\" لابن خالويه ص ١٥٨، ولابن زنجلة ص ٢٨٩، و\"الكشف\" ١/ ٤٦٨.","vol":"9","page":251},{"text":"وقوله تعالى: ﴿ضُحًى﴾، الضحى (١) صدر النهار في وقت انبساط الشمس، وأصله الظهور من قولهم: ضَحَا للشمس (٢): إذا برز لها. قال أبو الهيثم (٣): (والضُّحَى على فُعَل حين تطلع الشمس فيصفو ضوؤها) (٤). قال الحسن: (والمعنى: إنهم لا يجوز لهم أن يأمنوا ليلًا ولا نهارًا) (٥).\nوقوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾. قال الزجاج: (يقال لمن كان في عمل لا يُجدي عليه أو في ضلال: (إنما أنت لاعب)، وإنما قيل لهم ﴿وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ أي: وهم في غير ما يجدي عليهم) (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1208>٩٩ </span>- قوله تعالى: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ﴾ الآية. قد ذكرنا معنى المكر في اللغة، ومعنى مكر الله في سورة آل عمران عند قوله: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٥٤].\n_________\n(١) الضحى: أصل يدل على بروز الشيء وظهوره، وهو انبساط الشمس وامتداد النهار وسمى الوقت به، والضحى بالضم والقصر لأول ارتفاع الشمس، والضحاء بالفتح والمد لقوة ارتفاعها قبل الزوال. انظر: \"العين\" ٣/ ٢٦٥، و\"الجمهرة\" ٢/ ١٠٥٠، و\"الصحاح\" ٦/ ٢٤٠٦، و\"مقاييس اللغة\" ٣/ ٣٩١، و\"المجمل\" ٢/ ٥٧٤، و\"المفردات\" ص ٥٠٢، و\"اللسان\" ٥/ ٢٥٥٩ (ضحى).\n(٢) في \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٠٩٤: (يقال: ضَحِيَ بفتح ثم كسر يَضْحَى إذا برز الشمس).\n(٣) أبو الهيثم خالد بن يزيد الرازي لغوي، تقدمت ترجمته.\n(٤) \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٠٩٤ (ضحى).\n(٥) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٢١٢.\n(٦) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٦٠، ونحوه قال النحاس في \"معانيه\" ٣/ ٥٨، وانظر: \"تفسير السمرقندي\" ١/ ٥٥٧، والبغوي ٣/ ٢٦٠، وابن عطية ٦/ ١٨، والرازي ١٤/ ١٨٥، والقرطبي ٧/ ٢٥٤، و\"البحر\" ٤/ ٣٤٩، وأكثرهم قال: (ساهون لاهون في غاية الغفلة والإعراض والاشتغال بما لا يجدي).","vol":"9","page":252},{"text":"قال المفسرون: (معنى مكر الله: استدراجه إياهم بالنعمة والصحة، وذلك مما يبطرهم ويحملهم على المعصية والتمادي في الغي فيكون في الحقيقة إضرارًا بهم من حيث لا يشعرون) (١).\nوقال الزجاج في هذه الآية (٢): (أي: فأمنوا (٣) عذاب الله أن يأتيهم بغتة). وهذا القول غير الأول.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1209>١٠٠ </span>- قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا﴾، قال ابن عباس ومجاهد والسدي وابن زيد (٤): (أولم يتبين)، والمراد بقوله: ﴿لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ﴾ كفار مكة ومن حولهم، قاله ابن\n_________\n(١) انظر: \"تفسير الطبري\" ٩/ ٩، والبغوي ٣/ ٢٦٠، وابن عطية ٦/ ١٨.\n(٢) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٦٠، وهو قول النحاس في \"معانيه\" ٣/ ٥٨، و\"السمرقندي\" ١/ ٥٥٧، والمكر: إيصال الشيء إلى الغير بطريق خفي لمن يستحقه عقوبة له. وهو صفة ثابتة لله ﷾ على ما يليق بجلاله وعظمته، والمكر يحمل حقيقة على بابه. انظر: \"الفتاوى\" ٣/ ١١١ - ١١٢، وقال ابن القيم (كما في \"بدائع التفسير\" ٢/ ٢٦١): (قوله تعالى: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ﴾ إنما هو في حق الفجار والكفار، ومعنى الآية: فلا يعصي ويأمن مقابلة الله على مكر السيئات بمكره به ﴿إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾، والذي يخافه العارفون بالله من مكره أن يؤخر عنهم عذاب الأفعال فيحصل منهم نوع إغترار، فيأنسوا بالذنوب فيجيئهم العذاب على غرة وفترة). اهـ.\n(٣) في (ب): (أي أفأمنوا) وهو الأنسب بالسياق، وعند الزجاج في \"معانيه\" ٢/ ٣٦٠: (أي وأمنوا).\n(٤) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٩/ ١٠ من عدة طرق جيدة عن ابن عباس ومجاهد والسدي وابن زيد، وأخرجه ابن أبي حاتم ٥/ ١٥٢٩ بسند جيد عن مجاهد، وهو في \"تفسيره\" ١/ ٢٤١ قال ابن أبي حاتم: (وروي عن السدي وعطاء الخراساني مثل ذلك)، وهذا القول هو قول عامة أهل التفسير واللغة. انظر: \"مجاز القرآن\" ١/ ٢٢٣، و\"معاني الأخفش\" ٢/ ٣٠٧، والزجاج ٢/ ٣٦١، و\"تفسير الطبري\" ٩/ ٩، و\"معاني النحاس\" ٣/ ٥٨، و\"تفسير السمرقندي\" ١/ ٥٥٨.","vol":"9","page":253},{"text":"عباس (١) ومجاهد (٢)، و(٣) أما فاعل الهداية في قوله: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ﴾ فقال (٤) الزجاج: (كأن المعنى: أولم يبين الله أنه لو يشاء) (٥).\nوقال غيره: [المعنى (٦) أولم يهد لهم مشيئتنا) فـ (أن) (٧) في قوله: ﴿أَنْ لَوْ نَشَاءُ﴾ في موضع رفع لأنه فاعل (يهد)، والمعنى: أولم يهد لهم أن لو نشاء أصبناهم بذنوبهم؛ كما قال في آية أخرى: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا﴾ [السجدة: ٢٦]، وهذا هو قول أبي عبيد (٨).\nوقوله تعالى: ﴿أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ﴾. قال ابن عباس: (يريد أخذناهم) (٩). وقال الكلبي (١٠) ومجاهد (١١): (عذبناهم).\n_________\n(١) \"تنوير المقباس\" ٢/ ١١٥، وذكره أبو حيان في \"البحر\" ٤/ ٣٥٠.\n(٢) لم أقف عليه، وهو قول السمرقندي ١/ ٥٥٨، والقرطبي ٧/ ٢٥٤.\n(٣) لفظ: (الواو) ساقط من (ب).\n(٤) في (ب): (قال الزجاج فقال المعنى أو لم يبين)، وهو تحريف.\n(٥) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٦١، وهو قول السمرقندي ١/ ٥٥٨.\n(٦) لفظ: (المعنى) ساقط من (ب).\n(٧) في (ب): (وأن) بالواو.\n(٨) في (ب): (أبو عبيدة) ولم أقف عليه عنهما، وقال السمين في \"الدر\" ٥/ ٣٩٣: (الأظهر في فاعل يهدي أنه المصدر المؤول من أن وما في حيزها والمفعول محذوف والتقدير: أو لم يهد أي يبين ويوضح للوارثين مآلهم وعاقبة أمرهم وإصابتنا إياهم بذنوبهم لو شئنا ذلك، فقد سبكنا المصدر من أن ومن جواب لو) اهـ. وانظر: \"إعراب النحاس\" ١/ ٦٢٧، و\"المشكل\" ١/ ٢٩٦ - ١٩٧، و\"غرائب الكرماني\" ١/ ٤١٥، و\"البيان\" ١/ ٣٦٩، و\"التبيان\" ص ٣٨٤، و\"الفريد\" ٢/ ٣٣٦، وفي الجميع الفاعل قوله: ﴿أَنْ لَوْ نَشَاءُ﴾.\n(٩) لم أقف عليه.\n(١٠) \"تنوير المقباس\" ٢/ ١١٥.\n(١١) لم أقف عليه.","vol":"9","page":254},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾. قال ابن الأنباري: (هذا فعل مستأنف و(١) منقطع من الذي قبله؛ لأن قوله أصبنا ماضٍ، ﴿وَنَطبَعُ﴾ مستقبل) (٢).\nوقال أبو إسحاق: (المعنى: ونحن نطبع على قلوبهم) (٣).\nقال أبو بكر: (ويجور أن يكون معطوفًا على أصبنا إذ كان بمعنى: نصيب، والتأويل: أن لو نشاء نصيبهم ونطبع، فوضع الماضي في موضع المستقبل عند وضوح معنى الاستقبال؛ كقوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ﴾ [الفرقان: ١٠] والمعنى: يجعل؛ يدل علي ذلك قوله: ﴿وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا﴾) (٤) [الفرقان: ١٠].\nقال الفراء: (وجاز أن تُرد (يَفْعَلُ) على (فَعَلَ) في جواب (لو) كما قال: ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ﴾ [يونس: ١١]، قوله: ﴿فَنَذَرُ﴾ مردودة على ﴿لَقُضِيَ﴾ وإذا جاءك جواب (لو) آثرت فيه (فَعَلَ) على (يَفْعَلُ)، وعطف (فَعَلَ) على (يَفْعَلُ)، و(يفعل) على (فَعَلَ)، جائزة لأن التأويل كتأويل الجزاء) (٥). وفي قوله:\n_________\n(١) لفظ: (الواو) ساقط من (ب).\n(٢) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٢١٣، والسمين في \"الدر\" ٥/ ٣٩٤.\n(٣) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٦١ وفيه: (لأنه لو حمل على ﴿أَصَبْنَاهُمْ﴾ لكان و(لطبعنا) لأنه على اللفظ الماضي وفي معناه. ويجوز أن يكون محمولًا على الماضي ولفظه لفظ المستقبل، كما ﴿أَنْ لَوْ نَشَاءُ﴾ معناه: لو شئنا) اهـ.\n(٤) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٢١٣، وابن الجوزي ٣/ ٢٣٥، وأبو حيان في \"البحر\" ٤/ ٣٥١، والسمين في \"الدر\" ٥/ ٣٩٤.\n(٥) انظر: \"معاني الفراء\" ١/ ٣٨٦، وقال أبو حيان في \"البحر\" ٤/ ٣٥٠ - ٣٥١: (الظاهر أنها جملة مستأنفة أي: نحن نطبع على قلوبهم والمعنى: إن من أوضح الله =","vol":"9","page":255},{"text":"﴿وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ تكذيب للقدرية، ودليل على أن الله تعالى إذا شاء وطبع على قلبٍ فلا يعي خيرًا ولا يسمع هدى (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1210>١٠١ </span>- قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا﴾، قال ابن عباس: (﴿تِلْكَ الْقُرَى﴾ التي أهلكتْ أهلها، يعني: قرى قوم نوح وعاد وثمود، وقوم لوط وشعيب، ﴿نَقُصُّ عَلَيْكَ﴾ نتلو عليك من أخبارها كيف أهلكت. قال: يعزي نبيه بما صنعوا بأنبيائهم، وما صنع الله بهم) (٢).\nوقال أهل المعاني: (إنما قصّ الله أنباء القرى لما في ذلك من الاعتبار بما كانوا عليه من الاغترار بطول الإمهال مع اتساع النِعَم حتى توهموا أنهم على صواب) (٣).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾. قال ابن عباس: (يريد: الأنبياء الذين أُرسلوا إليهم) (٤).\nوقوله تعالى: ﴿فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ﴾. قال ابن\n_________\n= له سبل الهدى وذكر له أمثالًا ممن أهلكه الله تعالى بذنوبهم وهو مع ذلك دائم على غيه لا يرعوي يطبع الله على قلبه فينبو سمعه عن سماع الحق) اهـ، وانظر: \"إعراب النحاس\" ١/ ٦٢٧، و\"الكشاف\" ٢/ ٩٩، وابن عطية ٦/ ٢٠، والرازي ١٤/ ١٨٧، و\"الفريد\" ٢/ ٣٣٦، و\"الدر المصون\" ٥/ ٣٩٥.\n(١) انظر: \"تفسير الرازي\" ١٤/ ١٨٧.\n(٢) في \"تنوير المقباس\" ٢/ ١١٥ نحوه، وذكره الثعلبي ٦/ ٣/ أ، والواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٢١٤، والبغوي ٣/ ٢٦١، والقرطبي ٧/ ٢٥٥، و\"الخازن\" ٢/ ٢٦٦ بلا نسبة، وقال أبو حيان في \"البحر\" ٤/ ٣٥٢: (الخطاب للرسول - ﷺ - والقرى هي بلاد قوم نوح وهود وصالح وشعيب بلا خلاف بين المفسرين) اهـ.\n(٣) انظر: \"تفسير الطبري\" ٩/ ١٠، والرازي ١٤/ ١٨٨.\n(٤) لم أقف عليه.","vol":"9","page":256},{"text":"عباس (١) والسدي (٢): (فما كان أولئك الكفار ليؤمنوا عند إرسال الرسل بما كذبوا يوم أخذ ميثاقهم حين أخرجهم من ظهر آدم فآمنوا كرهأ وأقروا باللسان وأضمروا التكذيب).\nوقال مجاهد: (فما كانوا -لو أحييناهم بعد هلاكهم- ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل هلاكهم) (٣).\nوقال آخرون: (﴿وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ بالمعجزات والآيات التي سألوها، فما كانوا ليؤمنوا -بعد ما رأوا العجائب- بما كذبوا من قبل رؤيتهم تلك العجائب) (٤). وهذا الوجه كأنه اختيار أبي إسحاق؛ لأنه\n_________\n(١) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ٦/ ٣، والبغوي ٣/ ٢٦١، وابن الجوزي ٣/ ٢٣٦، والرازي ١٤/ ١٨٨، والقرطبي ٧/ ٢٥٥، و\"الخازن\" ٢/ ٢٦٧، عن ابن عباس والسدي.\n(٢) أخرجه الطبري ٩/ ١١، وابن أبي حاتم ٥/ ١٥٣٠ بسند جيد.\n(٣) \"تفسير مجاهد\" ١/ ٢٤١، وأخرجه الطبري ٩/ ١١، وابن أبي حاتم ٥/ ١٥٣٠، ١٧٠ أبسند جيد، وذكره السيوطي في \"الدر\" ٣/ ١٩٤، ورد هذا القول الطبري في \"تفسيره\" ٩/ ١٢، وقال: (وهو تأويل لا دلالة عليه من ظاهر التنزيل ولا من خبر عن الرسول صحيح) اهـ. وقال الشنقيطي في \"أضواء البيان\" ٢/ ٣٢٩: (هو قول بعيد من ظاهر الآية) اهـ.\n(٤) ذكر هذا القول الثعلبي في \"تفسيره\" ٦/ ٣ ب، وابن الجوزي ٣/ ٢٣٦، وهو اختيار الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٢١٣، والبغوي ٣/ ٢٦١، واختار الطبري ٩/ ١١، أن المعنى: فما كانوا ليؤمنوا بما سبقَ في علم الله يوم أخذ الميثاق أنهم يكذبون به ولم يؤمنوا به؛ لاستحالة التغيير فيما سبق به العلم الأزلي، وأخرجه بسند جيد عن أبي بن كعب والربيع بن أنس، وقال الشنقيطي في \"أضواء البيان\" ٢/ ٣٢٩: (ومعنى الآية: فما كانوا ليؤمنوا بما جاءتهم به الرسل بسبب تكذيبهم بالحق أول ما ورد عليهم وهذا القول حكاه ابن عطية واستحسنه ابن كثير وهو من أقرب الأقوال لظاهر الآية ووجهه ظاهر لأن شؤم المبادرة إلى تكذيب الرسل سبب للطبع على القلوب والإبعاد عن الهدى والآيات الدالة على هذا المعنى كثيرة) اهـ. وانظر: =","vol":"9","page":257},{"text":"قال: (هذا إخبار عن قوم لا يؤمنون، كما قال ﷿ لنُوح: ﴿أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾ [هود: ٣٦]، واحتج على هذا بقوله: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ﴾، قال: وهذا يدل على أنه قد طبع على قلوبهم، قال: والكاف في ﴿كَذَلِكَ﴾ نصب؛ المعنى: مثل ذلك الذي طبع الله على قلوب كفار الأمم الخالية يطبع الله على قلوب الكافرين الذين كتب عليهم أن لا يؤمنوا أبدًا) (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1211>١٠٢ </span>- قوله تعالى: ﴿وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ﴾. قال ابن عباس: (يريد الوفاء. بالعهد الذي عاهدهم وهم في صلب آدم حيث يقول: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾) (٢) [الأعراف: ١٧٢]، ونحو هذا قال مجاهد (٣) ومقاتل (٤).\nقال أصحاب المعاني: (إذا أُخذ على الإنسان العهد فنقضه قيل: ليس له عهد، أي: كأنه لم يعهد إليه، فلما أخذ الله تعالى (٥) على هؤلاء العهد بالتوحيد والمعرفة، وأقروا بذلك، فلما خالفوا ذلك لم يكن لهم عهد، فقال الله تعالى: ﴿وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ﴾ (٦).\n_________\n= \"تفسير ابن عطية\" ٦/ ٢١، و\"بدائع التفسير\" ٢/ ٢٦٢، وابن كثير ٢/ ٢٦٢.\n(١) انظر: \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٦١ - ٣٦٢، والأخفش ٢/ ٣١٧، والنحاس ٣/ ٥٩، و\"إعراب النحاس\" ١/ ٦٢٧.\n(٢) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٢١٤، وابن الجوزي ٣/ ٢٣٦، والرازي ١٤/ ١٨٨، والقرطبي ٧/ ٢٥٥، وأبو حيان في \"البحر\" ٤/ ٣٥٤.\n(٣) أخرجه الطبري ٩/ ١٢، عن أبي بن كعب ومجاهد، وذكره السيوطي في \"الدر\" ٣/ ١٩٥.\n(٤) \"تفسيرمقاتل\" ٢/ ٥٢.\n(٥) لفظ: (تعالى) ساقط من (ب).\n(٦) انظر: \"تهذيب اللغة\" / ٦٠٦ (عهد)، و\"إعراب النحاس\" / ٦٧، و\"تفسير الرازي\" ١٤/ ٨٨.","vol":"9","page":258},{"text":"وروي عن ابن مسعود: (أن العهد هاهنا معناه: الإيمان، كقوله: ﴿إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ (١) [مريم: ٨٧]. يعني: آمن، وقال: لا إله إلا الله) (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ﴾. (٣) قال الزجاج: (دخلت ﴿إِنْ﴾ واللام على معنى التوكيد واليمين) (٤).\nقال ابن عباس: (يريد: لعاصين) (٥). وقال الضحاك: (لناقضين) (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1212>١٠٣ </span>- قوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾، الكناية يجوز أن تعود إلى الأنبياء الذين (٧) جرى ذكرهم، ويجوز أن تعود إلى الأمم الذين تقدم إهلاكهم (٨).\n_________\n(١) لفظ: (الرحمن) ساقط من (ب).\n(٢) ذكره الرازي في \"تفسيره\" ١٤/ ٨٨، وأبو حيان في \"البحر\" ٤/ ٣٥٤، وقال أبو عبيدة في \"مجاز القرآن\" ١/ ٢٢٣، (أي: وفاء ولا حفيظة).\n(٣) لفظ: (أكثرهم) مكرر في (أ).\n(٤) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٦٢، وانظر: \"إعراب النحاس\" ١/ ٦٢٧، و\"المشكل\" ١/ ٢٩٧، و\"التبيان\" ص ٣٨٥، و\"الفريد\" ٢/ ٣٣٧، و\"الدر المصون\" ٥/ ٣٩٩.\n(٥) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٢١٤ بدون نسبة\n(٦) لم أقف عليه، وهذا القول هو قول السمرقندي في \"تفسيره\" ١/ ٥٥٨، والثعلبي ٦/ ٤ أ، والبغوي ٣/ ٢٦١، وقال أبو عبيدة في \"مجاز القرآن\" ١/ ٢٢٣، (أي: الكافرين) وقال الطبري ٩/ ١٢: (أي: ما وجدنا أكثرهم إلا فسقة عن طاعة ربهم تاركين عهده ووصيته) وانظر: الماوردي ٢/ ٢٤٤.\n(٧) وهو قول الأكثر. انظر: الطبري ٩/ ١٣، والسمرقندي ١/ ٥٥٨، والبغوي ٣/ ٢٦٢، وابن الجوزي ٣/ ٢٣٧، والقرطبي ٧/ ٢٥٦.\n(٨) انظر: \"تفسير السمرقندي\" ١/ ٥٥٨ - ٥٥٩، و\"الكشاف\" ٢/ ١٠٠، والرازي ١٤/ ١٨٩، و\"البحر\" ٤/ ٢٥٤، وقال ابن عطية ٦/ ٢٤: (الضمير عائد على الأنبياء المتقدم ذكرهم وعلى أممهم) اهـ، والجمع أولى.","vol":"9","page":259},{"text":"وقوله تعالى: ﴿فَظَلَمُوا بِهَا﴾ (١)، (قال ابن عباس (٢): (فكذبوا بها) يعني: بالعصا والتسع الآيات) (٣). وقال أبو إسحاق: (قوله: ﴿فَظَلَمُوا بِهَا﴾ أي: فظلموا بالآيات التي جاءتهم؛ لأنهم إذا جاءتهم الآيات فكفروا فقد ظلموا أبين الظلم؛ لأن الظلم وضع الشيء في غير موضعه، فجعلوا بدل الإيمان بها الكفر، فذلك معنى: ﴿فَظَلَمُوا بِهَا﴾ (٤)، وقوله: ﴿فَانْظُرْ﴾ أي: بعين قلبك كيف كان عاقبتهم وكيف فعلنا بهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1213>١٠٥ </span>- قوله: ﴿حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لَا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾، وقرأ نافع (٥) ﴿حَقِيقٌ عَلَى﴾ مشددة الياء، و﴿حَقِيقٌ﴾ على هذه القراءة يجوز أن يكون بمعنى: فاعل. قال شمر: (تقول العرب: حَق عليَّ أن أفعل ذلك) (٦).\nوقال الليث: (حَق الشيء معناه: وجب، ويحِق عليك أن تفعل كذا، وحقيق عليَّ أن أفعله، فهذا بمعنى: فاعل) (٧).\n_________\n(١) سقط من (ب) تفسير قوله تعالى: ﴿فَظَلَمُوا بِهَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (١٠٣) وَقَالَ مُوسَى يَا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٠٤) حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لَا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ الآيات ١٠٣، ١٠٥ الأعراف، وهو سقط من الناسخ حيث جاء في نصف ص ١٥٩ أتفسير باقي الآية ١٠٥ بعد الآية ١٠٣.\n(٢) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٢١٤، وابن الجوزي ٣/ ٢٣٧.\n(٣) انظر: تفصيل ذلك في \"عرائس المجالس\" ص ١٩٠، و\"تفسير ابن كثير\" ٢/ ٢٦٣.\n(٤) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٦٢، ومثله قال النحاس في \"معانيه\" ٣/ ٦٠.\n(٥) قرأ نافع: ﴿حَقِيقٌ عَلَى﴾ بتشديد الياء مع فتحها على أنها ياء إضافة وقرأ الباقون ﴿عَلَى﴾ بتخفيف الياء وإسكانها على أنها حرف جر. انظر: \"السبعة\" ص ٢٨٧، و\"المبسوط\" ص ١٨٣، و\"التذكرة\" ٢/ ٤٢١، و\"التيسير\" ص ١١١، و\"النشر\" ٢/ ٢٧٠.\n(٦) \"تهذيب اللغة\" ١/ ٨٧٥ (حق).\n(٧) \"تهذيب اللغة\" ١/ ٨٧٦، وانظر: \"العين\" ٣/ ٦ (حق).","vol":"9","page":260},{"text":"قال الزجاج: (والمعنى: واجب علي ترك القول على الله جل وعز إلا بالحق) (١). ونحو هذا قال ابن عباس في تفسيره هذه الآية فقال: (يقول: الواجب علي ﴿أَنْ لَا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ (٢)، ويجوز أن يكون بمعنى: مفعول. قال الليث: (وحقيق فعيل في موضع مفعول) (٣).\nقال شمر: (وتقول العرب: حق عليّ أن أفعل كذا، وإني لمحقوق عليَّ أن أفعل خيرًا، أي: حقّ عليّ ذاك، بمعنى: استحق) (٤)، هذا معنى كلامه، وعلى هذا تقول: فلان مَحْقُوق عليه أن يفعل كذا، ومَحْقُوق بأن يفعل كذا، ومَحْقُوق أن يفعل كذا (٥) قال الأعشى:\nلَمَحْقوقَةٌ أَنْ تَسْتَجِيبِي لصْوتِهِ ... وَأَنْ تَعْلَمِي أَنَّ الْمُعَانَ مُوفَّقُ (٦)\n_________\n(١) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٦٢.\n(٢) لم أقف عليه.\n(٣) \"تهذيب اللغة\" ١/ ٨٧٦ (حق).\n(٤) \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٣٧٤.\n(٥) انظر: \"الجمهرة\" ١/ ١٠٠، و\"اشتقاق أسماء الله\" للزجاجي ص ١٧٨، والصحاح ٤/ ١٤٦٠، و\"مقاييس اللغة\" ٢/ ١٥، و\"المجمل\" ١/ ٢١٥، و\"المفردات\" ص ٢٤٦، و\"اللسان\" ٢/ ٩٤١ (حق).\n(٦) \"ديوانه\" ص ١٢٠، و\"العين\" ٣/ ٦، و\"مجاز القرآن\" ١/ ٤٤، والصاحبي ص ٣٥٩، و\"الصناعتين\" ص ١٤٣، و\"أمال ابن الشجري\" ٢/ ٥٦، و\"اللسان\" ٢/ ٩٤١ (حق)، و\"الدر المصون\" ٥/ ٤٠٥، وقبله:\nوَإنَّ امْرءًا أَسْرى إلَيْكِ وَدُونَهُ ... فَيَافٍ تَنُوفَاتٌ وَبَيْداءُ خَيْفَقُ\nيقول: إن الذي قطع في سبيلك الليالي الطوال وتفصله عنك الصحارى والقفار التي يخفق فوقها السراب لمن البديهي أن تستجيبي له لأنه أقرب للرشد والصواب، أفاده في \"حاشية الديوان\".","vol":"9","page":261},{"text":"وقال جرير (١):\nقصِرْ فإِنَّكَ بالتَقصِيرِ مَحْقُوقُ\nوحجة نافع في تشديد الياء أن حق يُعَدى بعلى. قال الله تعالى: ﴿فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا﴾ [الصافات: ٣١]، وقال: ﴿فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ﴾ [الإسراء: ١٦]. فحقيق يُوصل بعلى من هذا الوجه أيضًا، فإن ﴿حَقِيقٌ﴾ بمعنى: واجب، فكما أن (وجب) يتعدى بعلى كذلك تعدّى ﴿حَقِيقٌ﴾ به إذا أريد به ما أريد بواجب، وقراءة العامة ﴿حَقِيقٌ عَلَى﴾ مرسلة الياء، و﴿حَقِيقٌ﴾ على هذه القراءة بمعنى: محقوق، و﴿عَلَى﴾ بمعنى الباء (٢).\nقال الفراء: (والعرب تجعل الباء (٣) في موضع على فتقول: رميت على القوس وبالقوس، وجئت على حال حسنة وبحال حسنة) (٤).\nقال الأخفش: (هذا كما قال: ﴿وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ﴾\n_________\n(١) \"ديوانه\" ص ٣١٢، و\"تهذيب اللغة\" ١/ ٨٧٦، و\"اللسان\" ٢/ ٩٤١ (حق)، و\"الدر المصون\" ٥/ ٤٠٥، وصدره:\nقُلْ للأُخَيْطلِ إِذْ جَدّ الجِراءُ بنا\nوفي \"الديوان\" (أقصر) بدل (قصر) وهو هنا يهجو الأخطل والجراء: الإقدام والشجاعة. انظر: \"اللسان\" ١/ ٥٨١ (جرأ).\n(٢) ما تقدم في توجيه القراءة قول أبي علي في \"الحجة\" ٤/ ٥٦ - ٥٧، وانظر: \"معاني المفردات\" ١/ ٤١٤، و\"الحجة\" لابن خالويه ص ١٥٩، ولابن زنجلة ص ٢٨٩، و\"الكشف\" ١/ ٤٦٩ - ٤٧٠.\n(٣) انظر: \"مغني اللبيب\" ١/ ١٠٤ وسبق: أن (الظاهر عدم التناوب والأولى التضمين). قال أبو عبيدة في \"مجاز القرآن\" ١/ ٢٢٤: (مجازه حق علي أن لا أقول إلا الحق، ومن قرأها ﴿حَقِيقٌ﴾ على أن لا أقول ولم يضف ﴿عَلَى﴾ إليه فإنه يجعل مجازه حريص على أن لا أقول أو فحق أن لا أقول) اهـ.\n(٤) \"معاني الفراء\" ١/ ٣٨٦، وذكر مثله الطبري في \"تفسيره\" ٩/ ١٣.","vol":"9","page":262},{"text":"[الأعراف:٨٦] (١)، وكما وقعت الباء في قوله: ﴿بِكُلِّ صِرَاطٍ﴾ موقع على، كذلك ﴿عَلَى﴾ وقعت موضع الباء في قوله: ﴿حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لَا أَقُولَ﴾ ويؤكد هذا الوجه قراءة عبد الله: ﴿حقيق بأن لا أقول﴾ (٢) و﴿حَقِيقٌ﴾ على هذه القراءة يرتفع بتقدير: أنا حقيق بأن لا أقول، وعلى قراءة نافع يرتفع بالابتداء، وخبره ﴿أَنْ لَا أَقُولَ﴾ (٣).\nومعنى قوله: ﴿إِلَّا الْحَقَّ﴾) (٤)]؛ قال ابن عباس: (يريد: أنه لا إله غيره) (٥).\nومعنى هذا: أن موسى يقول: واجب عليّ أن لا أقول في وصف الله إلا ما هو الحق، وهو توحيده وتنزيهه عن الشرك.\nوقوله تعالى: ﴿قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾. قال ابن عباس: (يريد بالعصا) (٦).\n_________\n(١) \"معاني الأخفش\" ٢/ ٣٠٧.\n(٢) قراءة عبد الله بن مسعود ﵁ في \"معاني الفراء\" ١/ ٣٨٦، والنحاس ٣/ ٦١، و\"مختصر الشواذ\" ص ٥٠، و\"إعراب القراءات\" ١/ ١٩٧، و\"تفسير ابن عطية\" ٦/ ٢٥، والرازي ١٤/ ١٩١، وذكرها البغوي ٣/ ٢٦٢، والقرطبي ٧/ ٢٥٦ عن أبي ابن كعب والأعمش. وانظر: \"الكشاف\" ٢/ ١٠٠، و\"البحر\" ٤/ ٣٥٥.\n(٣) انظر: \"إعراب النحاس\" ص ٦٢٨، و\"المشكل\" ١/ ٢٩٧، و\"البيان\" ١/ ٣٦٩، و\"التبيان\" ص ٣٨٥، و\"الفريد\" ٢/ ٣٣٨، و\"البحر\" ٤/ ٣٥٥، و\"الدر المصون\" ٥/ ٤٠١، وعلى قراءة العامة ﴿حَقِيقٌ﴾ عند الواحدي خبر لمبتدأ محذوف تقديره أنا، وعلى قراءة نافع أكثرهم على أنه صفة لرسول أو خبر، وقوله: ﴿أَنْ لَا أَقُولَ﴾ فاعل بحقيق كأنه قال: يحق، ويجب أن لا أقول). قال السمين: (وهذا أعرب الوجوه لوضوحه لفظًا ومعنى) اهـ.\n(٤) ما بين المعقوفين ساقط من (ب)، كما سبق الإشارة إليه.\n(٥) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٢١٥ دون نسبة.\n(٦) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٢١٥، وابن الجوزي ٣/ ٢٣٧.","vol":"9","page":263},{"text":"وقوله تعالى: ﴿فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾. أي: أطلق عنهم وخلهم، وكان (١) فرعون قد استخدمهم في الأعمال الشاقة من نحو ضرب اللبن، ونقل التراب (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1214>١٠٧ </span>- قوله تعالى: ﴿فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ﴾ أي: العصا، وهي مؤنثة، والثعبان: الحية الضخم الذكر في قول جميع أهل اللغة (٣)، وهو أعظم الحيات في قول الفراء (٤). وقوله: ﴿مُبِينٌ﴾. قال الزجاج: (أي: بين أنه حية لا لبس فيه) (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1215>١٠٨ </span>- قوله تعالى: ﴿وَنَزَعَ يَدَهُ﴾، معنى النزع في اللغة: قلع الشيء وإخراجه عن مكانها المتمكن فيه (٦)، قال ابن عباس: (يريد: إخراج يده) (٧).\n_________\n(١) في (ب): (وقال وكان).\n(٢) أخرج الطبري في \"تاريخه\" ١/ ٣٨٦ عن محمَّد بن إسحاق قال: (كان فرعون يعذب بني إسرائيل ويجعلهم خدمًا وخولًا وصنفهم في أعماله، فصنف يبنون، وصنف يحرثون، وصنف يزرعون له، ومن لم يكن في صنعة فعليه الجزية) اهـ، وانظر: \"عرائس المجالس\" ص ١٦٧، و\"البداية والنهاية\" ١/ ٢٣٧.\n(٣) انظر: \"العين\" ٢/ ١١١، و\"الجمهرة\" ١/ ٢٦٠، و\"تهذيب اللغة\" ١/ ٤٨٠، والصحاح ١/ ٩٢، و\"مقاييس اللغة\" ١/ ٣٧٨، و\"المجمل\" ١/ ١٥٩، و\"المفردات\" ص ١٧٣، و\"اللسان\" ١/ ٤٨١ - ٤٨٢ (ثعب).\n(٤) \"معاني الفراء\" ص ٣٨٧، وانظر: \"مجاز القرآن\" ١/ ٢٢٥، و\"غريب القرآن\" لليزيدي ص ١٤٨، و\"معاني النحاس\" ٣/ ٦١.\n(٥) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٦٣، وفيه: (أي مبين أنها حية).\n(٦) انظر: \"العين\" ١/ ٣٥٧، و\"الجمهرة\" ٢/ ٨١٧، و\"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٥٥٢ والصحاح ٣/ ١٢٨٩، و\"مقاييس اللغة\" ٥/ ٤١٥، و\"المجمل\" ٣/ ٨٦٣، و\"المفردات\" ص ٧٩٨، و\"اللسان\" ٧/ ٤٣٩٥ (نزع).\n(٧) أخرجه الطبري ٩/ ١٥، وابن أبي حاتم ٥/ ١٥٣٣ بسند جيد.","vol":"9","page":264},{"text":"قال الزجاج: (والمعنى: إخراجها من جيبه ومن جناحه، يدل على ذلك قوله: ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ﴾ الآية (١) [النمل: ١٢]، وقوله: ﴿وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ﴾ الآية [طه: ٢٢] (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1216>١٠٨ </span>- وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ﴾، قال ابن عباس: (وكان لها نور ساطع يضيء ما بين السماء والأرض) (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1217>١١٠ </span>- قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ﴾. قال ابن عباس: (يريد: من ملككم) (٤).\nقال المفسرون: (لما قال موسى لفرعون: ﴿فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الأعراف: ١٠٥] وآراه الآية، قال الأشراف من قومه: إن هذا ساحر يريد أن يخرجكم معشر القبط من أرضكم ويزيل ملككم بتقوية أعدائكم بني إسرائيل عليكم) (٥).\nقوله تعالى: ﴿فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾. ذكر أبو إسحاق فيه ثلاثة أوجه: (إحداها (٦) أن يكون هذا جوابًا من فرعون لما قال الملأ: ﴿يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ﴾ قال فرعون مجيبًا لهم: ﴿فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾، قال ابن عباس:\n_________\n(١) لفظ: (الآية) ساقط من (ب).\n(٢) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٦٣ وفيه: (يدل على أن معنى نزع يده إخراجها من جيبه وإخراجها من جناحه، وجناح الرجل عضده وقيل: جناح الرجل عِطفُه) اهـ.\n(٣) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ٦/ ٤ ب، ٥ أ، وابن الجوزي ٣/ ٢٣٨، والرازي ١٤/ ١٩٦، والقرطبي ٧/ ٢٥٧، وذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٢١٦ عن الكلبي.\n(٤) لم أقف عليه.\n(٥) انظر: \"تفسير الطبري\" ٩/ ١٦، والسمرقندي ١/ ٥٥٩، والثعلبي ٦/ ٥ أ، والبغوي ٣/ ٢٦٣.\n(٦) في (أ): (أحد لها)، وهو تحريف.","vol":"9","page":265},{"text":"(يريد: تشيرون به عليّ) (١)، فعلى هذا أضمر القول، وتم كلام الملأ عند قوله: ﴿مِنْ أَرْضِكُمْ﴾. والتقدير: قال ﴿فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾، وهذا (٢) الوجه ذكره الفراء (٣) أيضًا.\nقال أبو إسحاق: (وجائز أن يكون ﴿فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ من قول الملأ (٤)؛ كأنهم خاطبوا فرعون ومن يخصه)، قال: (وجائز أن يكون الخطاب لفرعون وحده؛ لأنه يقال للرئيس المطاع: ما ترون (٥) في هذا، أي: ما ترى أنت وحدك) (٦).\nقال ابن الأنباري على هذا الوجه: (والملوك الغالب عليها (٧) أن يكون لها أتباع يأتمرون بأمرها (٨) ويقفون عند قولها (٩)، فلما كان هذا معروفًا للملوك خاطبوه وهو واحد بخطابه ومعه أتباعه وأهل مملكته) (١٠).\n_________\n(١) \"تنوير المقباس\" ٢/ ١١٧، وذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٢١٦، وابن الجوزي ٣/ ٢٣٨، وأخرج ابن أبي حاتم ٥/ ١٥٣٣ بسند جيد عن ابن عباس قال: (استشار الملأ فيما يرى) اهـ.\n(٢) في (أ): (وعلى هذا).\n(٣) \"معاني الفراء\" ١/ ٣٨٧ ولم يذكر غيره، وهو قول أكثرهم. انظر: الطبري ٩/ ١٦، والسمرقندي ١/ ٥٥٩، والثعلبي ٦/ ٥ أ، والبغوي ٣/ ٢٦٣.\n(٤) وهو اختيار ابن عطية ٦/ ٣٠ قال: (الظاهر أنه من كلام الملأ بعضهم إلى بعض) اهـ.\n(٥) في (أ): (ما ترى)، وهو تحريف.\n(٦) في \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٦٤ - ٢٦٥: (أي ما ترى أنت وجندك). وانظر: \"إعراب النحاس\" ٢/ ١٤٢.\n(٧) في (ب): (عليهم).\n(٨) في (ب): (بأمرهم).\n(٩) في (ب): (قولهم).\n(١٠) لم أقف عليه، وانظر: \"الأضداد\" لابن الأنباري ص ٤١٦ - ٤١٩.","vol":"9","page":266},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1218>١١١ </span>- وقوله تعالى: ﴿قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ﴾، وقرئ ﴿أرجِئه﴾ مهموزًا (١)، وهما لغتان قرئ بهما، يقال: أرجأت الأمر وأرجيته: إذا أخرته، ومنه قوله: ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ﴾ [التوبة: ١٠٦]، ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ﴾ [الأحزاب: ٥١]، قرئ في الآيتين (٢) باللغتين (٣)، وكان حمزة وعاصم يقرآن بغير همزة، وجزم الهاء من ﴿أَرْجِهْ﴾؛ قال الفراء: وهي لغة العرب يقفون على الهاء المكني عنها في الوصل إذا تحرك ما قبلها، أنشدني بعضهم:\nفَيُصْلِحُ اليَوْمَ وَيُفْسدُهْ غَدَا (٤)\n_________\n(١) فيها ست قراءات ثلاث مع الهمز وهي:\nأ- قراءة ابن كثير وهشام عن ابن عامر: (أرجئهو) بهمزة ساكنة متصلة بواو في الوصل.\nب- قراءة أبو عمرو: (أرجئه) بضم الهاء من غير إشباع.\nج- قراءة ابن ذكوان عن ابن عامر بهمزة ساكنة وكسر الهاء من غير إشباع.\nوثلاث من غير همز وهي:\nأ- قراءة عاصم وحمزة بكسر الجيم وسكون الهاء وصلًا ووقفًا: ﴿أَرْجِهْ﴾.\nب- قراءة الكسائي بكسر الهاء متصلة بياء في الوصل: (أرجهي) وهي رواية عن عاصم ونافع.\nج- قراءة نافع بكسر الهاء من غير إشباع: ﴿أَرْجِهْ﴾.\nانظر: \"السبعة\": ص ٢٨٧، و\"المبسوط\" ص ١٨٣، و\"التذكرة\" ٢/ ٤٢١، و\"التيسير\" ص ١١١.\n(٢) في (ب): (بالآيتين).\n(٣) قرأ نافع وحمزة والكسائي في آية التوبة ١٠٦: ﴿مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ﴾ وفي آية الأحزاب ٥١: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ﴾ بغير همز فيها، وقرأ الباقون بالهمز: (مرجئون) و: (ترجئ)، وروي عن عاصم الوجهان فيهما، وانظر: \"السبعة\" ص ٢٨٧ و٥٢٣، و\"المبسوط\" ص ١٩٦، ٣٠١، و\"التذكرة\" ٢/ ٤٤٣، و\"التيسير\" ص ١١٩، و\"النشر\" ١/ ٤٠٦.\n(٤) هذا رجز لدويد بن زيد بن نهد القضاعي في \"طبقات فحول الشعراء\" ١/ ٣١ - ٣٢، و\"الشعر والشعراء\" ص ٤٨، و\"جمهرة الأمثال\" ١/ ٨٤، وبلا نسبة في \"معاني الفراء\" =","vol":"9","page":267},{"text":"قال: وكذلك يفعلون بهاء التأنيث فيقولون: هذه طلحهْ قد أقبلت وأنشد:\nلَمَّا رَأى (١) أَنْ لَا دَعَةْ وَلَا شِبَعْ (٢)\nولا وجه لهذا عند البصريين في القياس ولا الاستعمال.\nقال الزجاج: (وهذا شعر لا يعرف قائله، ولا هو بشيء، ولو قاله شاعر مذكور لقيل له: أخطأت؛ لأن الشاعر قد يجوز أن يخطئ) قال: (وهذا مذهب لا يعرج عليه) (٣).\n_________\n= ١/ ٣٨٨، و\"تفسير الطبري\" ٩/ ١٦، وابن عطية ٦/ ٣١، والرازي ١٤/ ١٩٨، وقبله:\nأَنْحَى عَليَّ الدَّهْرُ رِجْلًا وَيدَا ... يُقْسِمُ لاَ يُصْلِحُ إِلا أَفْسَدَا\nفَيُصْلِحُ اليَوْمَ ويُفْسِدُهْ غَدُا\n(١) هذا رجز لمنظور بن حبَّة الأسدي في \"تهذيب إصلاح المنطق\" ١/ ٢٨٢ - ٢٨٣، و\"شذا العرف\" ص ١٣٦، وبلا نسبة في \"معاني الفراء\" ١/ ٢٨٨، و\"إصلاح المنطق\" ص ٩٥، و\"تفسير الطبري\" ٩/ ١٧، و\"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢ (ضجع)، و\"المحتسب\" ١/ ١٠٧، و\"سر صناعة الإعراب\" ١/ ٣٢١، و\"الخصائص\" ٣/ ١٦٣، و\"المنصف\" ٢/ ٣٢٩، و\"الصحاح\" ٦/ ٢٣٥٨ (رطا)، و\"المخصص\" ٨/ ٢٤، و\"كنز الحفاظ\" ١/ ٣٠٢، و\"اللسان\" ٥/ ٢٥٥٤ (ضجع) وعجزه:\nمَالَ إِلى أرْطَأةِ حِقْفٍ فاضْطَجَعْ\nوهو يصف الذئب، والحقف: ما اعوج من الرمل.\n(٢) \"معاني الفراء\" ١/ ٣٨٨، ومثله قال الطبري ٩/ ١٧.\n(٣) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٦٥ - ٣٦٦. وانظر: \"معاني الأخفش\" ٢/ ٣٠٨، و\"إعراب النحاس\" ١/ ٣٦٠، و\"معاني القراءات\" ١/ ٤١٥، و\"إعراب القراءات\" ١/ ١٩٨، و\"الحجة\" لابن خالويه ص ١٥٩، ولأبي علي الفارسي ٤/ ٦٠، ولابن زنجلة ص ٢٨٩، و\"الكشف\" ١/ ٤٧٠، وقال أبو حيان في \"البحر\" ٤/ ٣٦٠: (وما ذهب إليه من غلط هذه القراءة وأنها لا تجوز قول فاسد؛ لأنها قراءة ثابتة متواترة روتها =","vol":"9","page":268},{"text":"فأما التفسير فقال ابن عباس في قوله: ﴿أَرْجِهْ وَأَخَاهُ﴾: (يريد: أرجئ أمره وأمر أخيه ولا تعجل) (١)، ففسره بالتأخير، وهو قول الحسن (٢).\nقال الزجاج: (تفسير ﴿أَرْجِهْ﴾ آخره)، وقال: (ومعنى آخره: أخر أمره، ولا تعجل في أمره بحكم فتكون عجلتك حجة عليك) (٣).\nوقال أهل المعاني (٤): (إنهم طلبوا معارضة المعجزة بالحيلة توهمًا من أنهم يقابلون السحر بالسحر على طريق المكيدة).\nوقال الكلبي وقتادة (٥) في تفسير ﴿أَرْجِهْ﴾: (احبسه)، قال الكلبي: (احبسه وأخاه هارون حتى تنظر في أمره ولا تقتلهما (٦) ولا تؤمن بهما) (٧). قال أصحاب النظر: (القول في تفسير ﴿أَرْجِهْ﴾ هو الأول؛ لأن فرعون قد علم أنه لا يقدر على حبسه بعد ما رأى أمر العصا، مع أن الإرجاء في اللغة\n_________\n= الأكابر عن الأئمة وتلقتها الأمة بالقبول ولها توجيه في العربية فلا وجه لإنكارها) اهـ. وقال السمين في \"الدر\" ٥/ ٤١٢: (تسكين هاء الكناية لغة ثابتة له شواهد كثيرة) اهـ. بتصرف.\n(١) أخرجه ابن أبي حاتم ٥/ ١٥٣٣ بسند ضعيف بلفظ: (أخِره وأخاه)، وذكره الماوردي في \"تفسيره\" ٢/ ٢٤٥، والقرطبي ٧/ ٢٥٧.\n(٢) ذكره الماوردي ٢/ ٢٤٥، وهو قول أكثرهم، قال الطبري ٩/ ١٦: (الإرجاء في كلام العرب التأخير) اهـ، وانظر: \"مجاز القرآن\" ١/ ٢٢٥، و\"غريب القرآن\" لليزيدي ص ١٤٨، و\"تفسير غريب القرآن\" ص ١٧٩، و\"نزهة القلوب\" ص ٧٣، و\"معاني النحاس\" ٣/ ٦٢، و\"تفسير المشكل\" ص ٨٦.\n(٣) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٦٥.\n(٤) انظر: الرازي ١٤/ ١٩٨.\n(٥) أخرجه الطبري ٩/ ١٧، وابن أبي حاتم ٥/ ١٥٣٣ بسند جيد عن قتادة.\n(٦) في (ب): (ولا تقبلهما).\n(٧) \"تنوير المقباس\" ٢/ ١١٧، وهو قول السمرقندي ١/ ٥٥٩.","vol":"9","page":269},{"text":"التأخير لا الحبس) (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ﴾. قال الليث: (المدينة فَعِيلة تهمز في الفعائل؛ لأن الياء زائدة، ولا تهمز ياء (المعايش) لأنها مفاعل والياء أصلية، ونحو ذلك قال الفراء (٢) وغيره، قال: وكل أرض يبنى بها حصن فهي مدينة) (٣).\nوقال أبو القاسم الزجاجي (٤): (اختلف أصحابنا في المدينة فمنهم من يجعلها (فَعِيلة)، ومنهم من يجعلها (مَفْعِلة)، ومنهم من يجعلها مَفْعُولة، أما من قال: إنها فعيلة ذهب إلى قولهم: مَدَن بالمكان يمدن مدُونًا: إذا أقام به، ويستدل بإطباق القراء على همز ﴿الْمَدَائِنِ﴾ وهي فعائل كصحيفة وصحائف، وسفينة وسفائن، والياء إذا كانت زائدة في الواحدة همزت في الجمع كقبيلة وقبائل، وإذا كانت (٥) من نفس الكلمة لم تهمز في الجمع نحو معيشة ومعايش.\nقال ابن الأنباري: (مدن الرجل إذا أتى المدينة) (٦). وهذا يقوي قول من يقول: إنها فعيلة والميم فيها أصل، وكذلك قولهم في الجمع: مُدن هو\n_________\n(١) هذا قول الثعلبي في \"الكشف\" ٥/ ٦.\n(٢) لم أقف عليه في \"معانيه\".\n(٣) \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٣٦٣، وانظر: \"العين\" ٨/ ٥٣، و\"الجمهرة\" ٢/ ٦٨٣، والصحاح ٦/ ٢٢٠١، و\"مقاييس اللغة\" ٥/ ٣٠٦، و\"المجمل\" ٣/ ٨٢٦، و\"المفردات\" ص ٧٦٣، و\"اللسان\" ٧/ ٤١٦١ (مدن).\n(٤) أبو القاسم الزَّجَّاجي هو عبد الرحمن بن إسحاق البغدادي النحوي، تقدمت ترجمته.\n(٥) في (ب): (كان).\n(٦) لم أقف عليه.","vol":"9","page":270},{"text":"على فُعل، والميم أصل، والمدن (١) في الحقيقة: جمع المدين؛ لأن المدينة لا تجمع على مُدن، ولكن تجمع على المداين ومثل هذا سُفن كأنهم جمعوا سفينة على سفين ثم جمعوها على سفن، كذلك المدن، وأما من قال إنها مفعلة فإنه يقول: معنى المدينة: المملوكة من دانه يدينه أي: ساسه وأذاله (٢)، فقولنا: مدينة من (دان) مثل معيشة، وجمعها مداين على مفاعل كمعايش غير مهموز يكون اسمًا للمكان والأرض التي دانهم (٣) السلطان أي: ساسهم وقهرهم، وقال المبرد (٤): (مدينة أصلها (مَدْيونة) من دانه يدينه: إذا قهره وأذله فاستثقلوا حركة الضمة على الياء فسكنوها ونقلوا حركتها إلى ما قبلها، فاجتمع ساكنان: الواو المزيدة (٥) التي هي واو المفعول، والياء التي هي من نفس الكلمة، فحذفت الواو لأنها زائدة، وحذف الزائد أولى من حذف الأصلي، ثم كسروا الدال لتسلم الياء فلا تنقلب واوًا لانضمام ما قبلها فيختلط (٦) ذوات الواو بذوات الياء، وكذلك المبيع والمخيط والمكيل) (٧).\nوكان الأخفش (٨) يذهب إلى أن المحذوف الياء لأنها من نفس الكلمة فهي أولى بالحذف من الواو التي جلبت للمعنى وهي واو المفعول، فقال له\n_________\n(١) في (ب): (مدن).\n(٢) كذا في (أ)، وفي (ب): (وأذاله)، ولعله وأذله.\n(٣) في (ب): (ذانهم).\n(٤) لم أقف عليه في كتبه، وذكره الرازي ١٤/ ١٩٩، والسمين في \"الدر\" ٥/ ٤١٣.\n(٥) في (ب): (والمزيدة).\n(٦) في (أ): (فتختلط).\n(٧) لم أقف عليه في كتبه، وذكره عند الرازي ١٤/ ١٩٩، والسمين في \"الدر\" ٥/ ٤١٣.\n(٨) قال الأخفش في \"معانيه\" ٢/ ٢٩٣: (إنما يهمز ما كان على مفاعل إذا جاءت الياء زائدة في الواحد والألف والواو التي تكون الهمزة مكانها نحو مدائن لأنها فعائل، ومن جعل المداين من دان يدين لم يهمز لأن الياء حينئذ من الأصل) اهـ.","vol":"9","page":271},{"text":"أبو عثمان المازني (١): (فإذا كان المحذوف الياء عندكم، فلم قلبت الواو ياء وقبلها حرف مضموم؟) فقال: (كسرت ما قبل الواو لتنقلب الواو ياء فيفرق بين ذوات الواو (٢) وذوات الياء)، فالياء في قولنا: مبيع ومخيط هي ياء يبيع ويخيط عند سيبويه (٣).\nوعند الأخفش (٤) هي واو (مبيوع) قلبت ياء لانكسار ما قبلها، والمدينة (٥) على رأي المبرّد (مفعوله) وتأنيثها من جهة المعنى، والمراد: الأرض المدينة أو البقعة أو البلدة التي اساسها السلطان.\nوقال الفراء: (تقول العرب: دنته أدينه إذا ملكته، والمدينة الأرض التي ملكها سايسها (٦) ومن هذا يقال للأمة مدينة أي: مملوكة وهي في الأصل مديونة (٧).\nومنه قول الأخطل (٨):\nربَتْ وزكى في كومها ابنُ مَدِينَةٍ ... يَظَلُّ على مِسحاتِهِ يَتركَّلُ (٩)\n_________\n(١) انظر: \"المصنف\" ١/ ٢٩٦ - ٣٠١ و٣١١ - ٣١٤.\n(٢) لفظ: (فيفرق بين ذوات الواو) مكرر في (ب).\n(٣) انظر: \"الكتاب\" ٤/ ٣٤٨ - ٣٤٩.\n(٤) انظر: \"المصنف\" ١/ ٢٩٧.\n(٥) في (ب): (فالمدينة).\n(٦) في (ب): (أسايسها).\n(٧) لم أقف عليه. وانظر: \"الصحاح\" ٦/ ٢٢٠١ (مدن).\n(٨) ما الأخطل: غِيَاث بن غَوْث بن الصَّلت التغلبي، شاعر نصراني، تقدمت ترجمته.\n(٩) \"ديوانه\" ص ٢٢٤، و\"العين\" ٨/ ٥٣، و\"المعاني الكبير\" ١/ ٤٧٢، و\"الجمهرة\" ٢/ ٦٨٤، و\"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٣٦٣، و\"المصنف\" ١/ ٣١٢، و\"الصحاح\" ٤/ ١٧١٣ (ركل)، و\"مقاييس اللغة\" ١/ ٣٣٤، و\"اللسان\" ٧/ ٤١١٦ (مدن) ورواية \"الديوان\":\nربتَ وربَا في حَجرِها ابن مدينة\nوهو يصف الخمر، وابن مدينة أي: العالم بأمرها، ويتركل أي: يفتت الرمل، أفاده في \"حاشية الديوان\".","vol":"9","page":272},{"text":"يعني: ابن أمةٍ.\nفهذا ذكر اختلافهم في هذا الحرف) (١)، والصحيح أنها (فعيلة) لاجتماع القراء على همز ﴿الْمَدَائِنِ﴾، والذين قالوا: إنها مفعلة أو مفعولة. قالوا: إنما همزت المدائن تشبيهًا بالقبائل والصحائف كما همز نافع ﴿المعائش﴾، وقد ذكرنا ذلك مستقصًى عند قوله: ﴿وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ﴾ [الأعراف: ١٠].\nوأما التفسير فقال ابن عباس في قوله: ﴿وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ﴾: (يريد: في مدائن صعيد مصر (٢) رجالًا يحشروا إليك ما في الصعيد من السحرة) (٣).\nقال الكلبي: (وكانت له مدائن فيها السحرة عُدَّة للأشياء؛ إذا حزبه أمر أرسل إليهم) (٤). قال ابن عباس: (وكان رؤساء السحرة بأقصى مدائن الصعيد) (٥).\n_________\n(١) ذكره الرازي ١٤/ ١٩٩، والسمين في \"الدر\" ٥/ ٤١٣ عن الزجاجي ولم أقف عليه فيما لدي من كتبه، وقال أبو حيان في \"البحر\" ٤/ ٣٤٢: (المدينة معروفة مشتقة من مدن فهي فعيلة، ومن ذهب إلى أنها مفعلة من دان فقوله ضعيف لإجماع العرب على الهمز في جمعها قالوا (مدائن) بالهمز ولا يحفظ فيه مداين بالياء، ولا ضرورة تدعو إلى أنها مفعلة، ويقطع بأنها فعيلة جمعهم لها على فُعُل قالوا: مدن كما قالوا: صحف في صحيفة) اهـ، ونحوه قال السمين في \"الدر\" ٥/ ٤١٢.\n(٢) الصعيد بمصر بلاد واسعة كبيرة فيها عدة مدن عظام. انظر: \"معجم البلدان\" ٣/ ٤٠٨.\n(٣) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٢١٧، وأخرج الطبري ٩/ ١٨، وابن أبي حاتم ٥/ ١٥٣٤، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ﴾ قال: (الشرط).\n(٤) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ٦/ ٥ ب، والبغوي ٣/ ٢٦٣ بلا نسبة.\n(٥) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٢١٧، والرازي ١٤/ ١٩٩، وذكره الثعلبي في \"عرائس المجالس\" ص ١٨٥، عن عطاء.","vol":"9","page":273},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1219>١١٢ </span>- قوله تعالى: ﴿يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ﴾، وقرئ (١) ﴿سَحَّار﴾؛ فمن قرأ ﴿سَاحِرٍ﴾ فحجته قوله: ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ﴾ [طه: ٧٠] ﴿لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ﴾ [الشعراء: ٤٠]، والسحرة جمع ساحر مثل كاتب وكتبه، وفاجر وفجرة، ومن حجته أيضًا (٢) قوله تعالى: ﴿سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ﴾ [الأعراف: ١١٦]، واسم الفاعل من سحروا ساحر، ومن قرأ ﴿سَحَّار﴾ فحجته أنه قد وصف بـ (عليم) ووصفه به يدل على تناهيه فيه وحذقه به؛ فحسن لذلك أن يذكر بالاسم (٣) الدال على المبالغة في السحر (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1220>١١٣ </span>- قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ﴾ الآية. في الكلام محذوف يدل عليه باقي الكلام وهو: فأرسل وجاء السحرة، ولا يجوز أن يتأول على أنهم تسامعوا، وجاءوا من غير أن يرسل؛ لأنه خلاف ظاهر الكلام والقصة (٥).\nوقوله تعالى: ﴿قَالُوا إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا﴾ قال ابن عباس: (يريد: المال\n_________\n(١) قرأ حمزة والكسائي: (سَحَّار) على وزن فعال بتشديد الحاء وألف بعدها، وقرأ الباقون: ﴿سَاحِرٍ﴾ على وزن فاعل بتخفيف الحاء وكسرها وألف قبلها. انظر: \"السبعة\" ص ٢٨٩، و\"المبسوط\" ص ١٨٣، و\"التذكرة\" ٢/ ٤٢٢، و\"التيسير\" ص ١١٢، و\"النشر\" ٢/ ٢٧٠.\n(٢) لفظ: (أيضًا) ساقط من (ب).\n(٣) في (ب): (أن يذكر الاسم).\n(٤) ما تقدم هو قول أبي علي في \"الحجة\" ٤/ ٦٤، وانظر: \"معاني القراءات\" ١/ ٤١٦، و\"إعراب القراءات\" ١/ ١٩٩، و\"الحجة\" لابن خالويه ص١٦٠، ولابن زنجلة ص ٢٩١، و\"الكشف\" ١/ ٤٧١.\n(٥) انظر: \"تفسير الطبري\" ٩/ ١٨.","vol":"9","page":274},{"text":"والجوائز) (١)، ولم يقل: فقالوا (٢) لأن المعنى: لما جاءوا قالوا، فلم يصح دخول الفاء على هذا الوجه.\nوقرأ ابن كثير ونافع (٣): ﴿إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا﴾ مكسورة الألف على الخبر، والاستفهام أحسن في هذا الموضع؛ لأنهم يستعملون (٤) عن الأجر وليس يقطعون على أن لهم الأجر. ويقوي ذلك إجماعهم في الشعراء (٥) على الهمز للاستفهام، وحجة ابن كثير ونافع أنهما أرادا همزة الاستفهام ولكنهما حذفا ذلك من اللفظ، وكثيرًا ما تحذف همزة الاستفهام من اللفظ، وهي ثابتة في المعنى كقوله: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ﴾ [الشعراء: ٢٢]، فذهب (٦) كثير من الناس إلى أن معناه: (أو تلك) الاستفهام (٧) وقد جاء\n_________\n(١) في \"تنوير المقباس\" ٢/ ١١٧: (أي: هدية تعطينا) اهـ.\n(٢) ذكره السمين في \"الدر\" ٥/ ٤١٣ - ٤١٤، عن الزمخشري ثم قال: (وهذا قد سبقه إليه الواحدي والأظهر أن الجملة لا محل لها من الإعراب؛ لأنها استئناف جواب لسؤال مقدر ولذلك لم تعطف بالفاء) اهـ، وانظر: \"إعراب النحاس\" ١/ ٦٣١، و\"الكشاف\" ٢/ ١٠٢.\n(٣) قرأ ابن كثير ونافع وحفص عن عاصم ﴿إِنَّ لَنَا﴾ بهمزة واحدة مكسورة على لفظ الخبر، وقرأ أبو عمرو بهمزة ممدودة والباقون بهمزتين على الاستفهام. انظر: \"السبعة\" ص ٢٨٩، و\"المبسوط\" ص ١٨٣، و\"التذكرة\" ١/ ١٥٢ - ١٥٤، و\"التيسير\" ص ١١٢، و\"النشر\" ١/ ٣٧٢.\n(٤) كذا في النسخ: (يستعملون)، ولعلها: (يستعلمون أو يسألون).\n(٥) آية الشعراء هي قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ﴾ [الشعراء: ٤١].\n(٦) في (ب): (يذهب).\n(٧) انظر: \"معاني الأخفش\" ٢/ ٤٢٦، و\"معاني الزجاج\" ٤/ ٨٦ - ٨٧، و\"تفسير الطبري\" ١٩/ ٦٨ - ٦٩، و\"إعراب النحاس\" ٢/ ٤٨٤، ٤٨٥، قال الأخفش: =","vol":"9","page":275},{"text":"ذلك في الشعر (١):\nأَفْرَحُ أَنْ أُزْرَأَ الكِرَامَ وَأَنْ ... أُوْرَثَ ذَوْدًا شَصَائِصًا نَبَلًا (٢)\nوقوله تعالى: ﴿إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ﴾، ﴿نَحْنُ﴾ يجوز أن يكون تأكيدًا للضمير المتصل في ﴿كُنَّا﴾، ويجوز أن يكون فصلًا بين الخبر والاسم فلا موضع له حينئذٍ (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1221>١١٤ </span>- قوله تعالى: ﴿قَالَ نَعَمْ﴾، هذه إجابة من فرعون للسحرة في سؤالهم المال والأجر على الغلبة، ووعد منه إياهم بذلك (٤).\nوقوله تعالى: ﴿وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾، معطوف على معنى الجملة؛\n_________\n= (قوله: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ﴾ فيقال: هذا استفهام كأنه قال: أو تلك نعمة تمنها. ثم فسر فقال: ﴿أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾، وجعله بدلًا من النعمة) اهـ.\n(١) ما تقدم هو قول أبي علي في \"الحجة\" ٤/ ٦٥ - ٦٦، وانظر: \"معاني القراءات\" ١/ ٤١٧، و\"إعراب القراءات\" ١/ ٢٠٠، و\"الحجة\" لابن خالويه ص ١٦١، و\"الكشف\" ١/ ٤٧٢.\n(٢) الشاهد: لحضرمي بن عامر الأسدي في \"أمالي القالي\" ١/ ٦٧، و\"اللسان\" ١/ ٦١٣ (جزأ) و٧/ ٤٧ (شص)، وبلا نسبة في \"العين\" ٨/ ٣٢٩، و\"أدب الكاتب\" ص ١٧٩، و\"الكامل\" للمبرد ١/ ٦٢، و\"الجمهرة\" ١/ ٣٧٩، و\"الأضداد\" لابن الأنباري ص ٩٣، و\"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٨٧٤، و\"الصحاح\" ٣/ ١٠٤٣ (شص)، و\"مقاييس اللغة\" ٥/ ٣٨٣، و\"الدر المصون\" ١/ ٢٥٨، قال ابن منظور في \"اللسان\" ١/ ٦١٣ (جزأ) في شرحه للبيت: شصائص جمع شصوص وهي الناقة قليلة اللبن، نبلًا أي: صغارًا، يريد: أأفرح فحذف الهمزة على طريق الإنكار أي: لا وجه للفرح بموت الكرام من إخواني لإرث شصائص لا ألبان لها) اهـ.\n(٣) انظر: \"البحر\" ٤/ ٣٦١، و\"الدر المصون\" ٤١٤ - ٤١٥.\n(٤) انظر: الطبري ٩/ ١٩، والسمرقندي ١/ ٥٦٠.","vol":"9","page":276},{"text":"كأنه قيل: نعم (١) لكم ذلك، ﴿وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ (٢). قال ابن عباس: (يريد: أشرككم في ملكي وأوليكم على أرضي) (٣).\nوقال الكلبي: (﴿وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ عندي في المنزلة، يعني: أول من يدخل علي وآخر من يخرج) (٤).\nوقال الزجاج: (أي: ولكم من الأجر المنزلة الرفيعة عندي) (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1222>١١٥ </span>- قوله تعالى: ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ﴾.\nروى أبو العباس (٦) عن سلمة (٧) عن الفراء قال: (قال الكسائي في باب إِمَّا وأَمَّا: إذا كنت آمرًا أو ناهيًا أو مخبرًا فهي مفتوحة، وإذا كنت (٨) مشترطًا أو شاكًا أو مخيرًا فهي مكسورة، تقول من ذلك في المفتوحة: أَمَّا الله فاعبد (٩)، وأما الخمر فلا تشربها، وأما زيد فقد خرج، وتقول (١٠) في\n_________\n(١) لفظ: (نعم) ساقط من (ب).\n(٢) انظر: \"الفريد\" ٢/ ٣٤١، و\"البحر\" ٤/ ٣٦١، و\"الدر المصون\" ٥/ ٤١٥.\n(٣) في \"تنوير المقباس\" ٢/ ١١٧، نحوه وأخرج الطبري ٩/ ١٩، وابن أبي حاتم ٥/ ١٥٣٥ بسند جيد عن ابن عباس قال: (قالوا: فما أجرنا إن غلبنا؟ فقال لهم: أنتم قرابتي وخاصتي وأنا صانع إليكم كل شيء أحببتم) اهـ.\n(٤) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ٦/ ٦ أ، والبغوي ٣/ ٢٦٥، و\"الخازن\" ٢/ ٢٧١.\n(٥) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٦٦، وفيه: (أي: لكم مع الأجر المنزلة الرفيعة عندي) اهـ.\n(٦) أبو العباس: هو ثعلب أحمد بن يحيى، إمام، تقدمت ترجمته.\n(٧) سلمة بن عاصم البغدادي، صاحب الفراء، إمام، تقدمت ترجمته.\n(٨) في (ب): (وإذا كان)، وهو تحريف.\n(٩) في (أ): (فاعبدوا).\n(١٠) في (ب): (فتقول).","vol":"9","page":277},{"text":"النوع الثاني إذا كنت مشترطًا: إِمَّا تعطينّ زيدًا فإنه يشكرك، قال الله تعالى: ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ﴾ [الأنفال: ٥٧].\nوتقول في الشك: لا أدري من قام إمَّا زيد وامَّا عمرو.\nوتقول في التخيير (١): لي بالكوفة دار فإما أن أسكنها وإما أن أبيعها) (٢)، والفرق بين (إما) إذا كانت للشك وبين (أو) إنك إذا قلت: جاءني زيد أو عمرو فقد يجوز أن يكون بنيت كلامك على اليقين، ثم أدركك الشك فقلت: أو عمرو. فصار الشك فيهما جميعًا.\nفأول الاسمين (٣) في (أو) يجوز أن يكون خبرًا يحسن السكوت عليه، ثم يعترض الشك فيستدرك بالاسم الآخر، ألا ترى أنك تقول: قام أخوك، وتسكت، ثم تشك فتقول: أو أبوك، وإذا ذكرت (إمّا) فإنما تبني كلامك على الشك من أوله فليس يجوز أن تقول: ضربت إما (٤) عبد الله وتسكت (٥)، وأما (٦) دخول (أن) في قوله: ﴿إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ﴾ [الأعراف:١١٥] وسقوطها من قوله: ﴿إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٦]،\n_________\n(١) في \"تهذيب اللغة\" ١/ ٢٠٧: ذكر (إذا كنت مخيرًا أو مختارًا فهي المكسورة تقول في التخيير: تعلم إما الفقه وإما النحو، وتقول في المختار: لي بالكوفة دار وأنا خارج إليها فإما أن أسكنها وإما أن أبيعها).\n(٢) \"تهذيب اللغة\" ١/ ٢٠٧، (إما، وأما)، وذكره الرازي ١٤/ ٢٠٢، عن الفراء والكسائي.\n(٣) في (أ): (فالأول أسمين)، وهو تحريف.\n(٤) في (ب): (أبا)، وهو تحريف.\n(٥) ما تقدم هو قول الفراء في \"معانيه\" ١/ ٣٨٩، وانظر: \"الكتاب\" ١/ ٩٥ و١٤٢، و٣/ ٣٣٢، و٤/ ٢٣٥، و\"حروف المعاني\" ص ٦٣ - ٦٤، و\"معاني الحروف\" ١٢٩ - ١٣١، و\"الصاحبي\" ص٢٠٦، و\"المغني\" لابن هشام ١/ ٥٥، ٦١.\n(٦) في (ب): (في أما).","vol":"9","page":278},{"text":"قال الفراء: (أدخل ﴿أَنْ﴾ في ﴿إِمَّا﴾ في هذه الآية لأنه في موضع أمر بالاختيار وهي في موضع نصب كقول القائل: اختر ذا أو ذا. كأنهم قالوا: اختر أن تُلقي أو نلقي، وقوله تعالى: ﴿إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ ليس (١) فيه أمر بالتخيير؛ ألا ترى أن الأمر لا يصلح هاهنا فلذلك لم يكن فيه أن) (٢).\nوأما التفسير فقوله: ﴿إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ﴾، فقال ابن عباس: (يريد: عصاه، ﴿وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ﴾ أي: ما معنا من الحبال والعصي) (٣)، فمفعول الإلقاء محذوف من الموضعين جميعًا (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1223>١١٦ </span>- قوله تعالى: ﴿قَالَ أَلْقُوا﴾، يقال على هذا: لم جاز أن يأمرهم موسى بالإلقاء، وهو كفر منهم؟\nوالجواب: إن معناه: ألقوا إن كنتم محقين، وألقوا على ما يصح،\n_________\n(١) لفظ: (ليس) ساقط من (ب)، قال الهمداني في \"الفريد\" ٢/ ٣٤١: (دخلت أن في آية الأعراف لأنه أمر كأنه قيل: اختر إما أن تلقي أنت وإما نحن، والأمر مستقبل و(أن) عَلَم للاستقبال فدخلت لتحقيق هذا المعنى، ولم تدخل في آية التوبة لأنه خبر والخبر لم يحتج إلى أن) اهـ. ملخصًا.\n(٢) \"معاني الفراء\" ١/ ٣٨٩، وقال السمين في \"الدر\" ٥/ ٤١٥ - ٤١٦: (إنما أتى هنا بأن المصدرية بخلاف آية التوبة؛ لأن أن وما بعدها هنا إما مفعول وإما مبتدًا والمفعول به والمبتدأ لا يكونان فعلًا صريحًا بل لا بد أن ينضم إليه حرف مصدري يجعله في تأويل اسم وأما آية التوبة فالفعل بعد إما، إما خبر ثان لآخرون وإما صفة له، والخبر والصفة يقعان جملة فعلية من غير حرف مصدري) اهـ.\n(٣) أخرجه ابن أبي حاتم ٥/ ١٥٣٥ بسند جيد.\n(٤) انظر: \"إعراب النحاس\" ١/ ٦٣١، وقال السمين في \"الدر\" ٥/ ٤١٦: (حذف مفعول الإلقاء للعلم به والتقدير: إما أن تلقي حبالك وعصيك لأنهم كانوا يعتقدون أن يفعل كفعلهم، أو نلقي حبالنا وعصينا) اهـ.","vol":"9","page":279},{"text":"ويجوز دون ما يفسد (١) ولا يجوز (٢).\nوقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَلْقَوْا﴾، يعني: تلك العصي والحبال، وهي مذكررة في قوله: ﴿فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ﴾ [طه: ٦٦] في سورة طه.\nوقوله تعالى: ﴿سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ﴾. قال ابن عباس: (يريد: حيث رأوها حيات) (٣)، قال العلماء من أصحاب المعاني (٤): (﴿سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ﴾ أي: قلبوها عن صحة إدراكها بما تخيل من الأمور المموهة بلطف الحيلة التي تجري مجرى الخفّة والشعبذة مما لا يرجع إلى حقيقة، والمُحدث في العين ذلك التخيل هو الله ﷿ عندما أظهروا من تلك المخاريق، إلا أنه منسوب إليهم لأنهم عرضوها بما لو لم يعملوه لم يقع، كمن جعل طفلًا تحت الثلج فهو القاتل له في الحكم، والله خلق الموت فيه وأماته) (٥).\nوقوله تعالى: ﴿وَاسْتَرْهَبُوهُمْ﴾. قال المبرد: (أرهبوهم، والسين زائدة) (٦). وكذلك قال المؤرج: (أفزعوهم) (٧).\n_________\n(١) في (أ): (ما يفسده)، وهو تحريف.\n(٢) وقيل: إن هذا تهديد أي: ابتدئوا بالإلقاء فسترون ما يحل بكم من الافتضاح، وقيل: أمرهم بذلك ليبين كذبهم وتمويههم، انظر: \"تفسير الرازي\" ١٤/ ٢٠٣، والقرطبي ٧/ ٢٥٩.\n(٣) لم أقف عليه\n(٤) لفظ: (المعاني) ساقط من (ب).\n(٥) انظر: \"تفسير الرازي\" ١٤/ ٢٠٣، وفيه قال: (قال الواحدي: بل المراد ﴿سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ﴾ أي: قلبوها عن صحة إدراكها بسبب تلك التمويهات) اهـ.\n(٦) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٢١٨، والرازي ١٤/ ٢٠٣، والسمين في \"الدر\" ٥/ ٤١٦.\n(٧) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٢١٨.","vol":"9","page":280},{"text":"وقال الزجاج: (أي استدعوا رهبة الناس حتى رهبهم الناس) (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾. قال أهل التفسير: (وذلك أنهم ألقوا حبالًا غلاظًا وخشبًا طوالًا، فإذا هي حيات قد ملأت الوادي يركب بعضها بعضًا) (٢).\nقال أهل المعاني: (قوله: ﴿بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾، أي: عظيم الشأن عند من يراه من الناس بما يملأ الصدر بهوله ويوفي على غيره من السحر ببعد مرام الحيلة فيه وشدة التمويه به فهو لذلك عظيم).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1224>١١٧ </span>- قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ﴾. قال ابن عباس: (يريد: وألهمنا موسى ﴿أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ﴾ (٣)، ﴿فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ﴾ أي: فألقاها ﴿فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ﴾، وقرأ حفص (٤): ﴿تَلْقَفُ﴾ مخففًا.\nقال ابن السكيت: (اللقف (٥) مصدر لقفْت الشيء ألقفه لقفًا إذا أخذته\n_________\n(١) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٦٦، ومثله ذكر النحاس في \"معانيه\" ٣/ ٦٣، وانظر: \"مجاز القرآن\" ١/ ٢٢٥، و\"تفسير غريب القرآن\" ١/ ١٧٩.\n(٢) انظر: \"تفسير الطبري\" ٩/ ٢٠، وأخرج عن السدي وابن إسحاق والقاسم بن أبي بزة بسند جيد نحوه.\nوانظر: \"تفسير السمرقندي\" ١/ ٥٦٠.\n(٣) ذكره الرازي في \"تفسيره\" ١٤/ ٢٠٤، عن الواحدي عن ابن عباس.\n(٤) قرأ حفص عن عاصم: ﴿تَلْقَفُ﴾ بإسكان اللام وتخفيف القاف، وقرأ الباقون بفتح اللام وتشديد القاف. انظر: \"السبعة\" ص ٢٩٠، و\"المبسوط\" ص ١٤٨، و\"التذكرة\" ٢/ ٤٢٣، و\"التيسير\" ص ١١٢، و\"النشر\" ٢/ ٢٧١، وانظر في توجيه القراءات: \"معاني القراءات\" ١/ ٤١٨، و\"إعراب القراءات\" ١/ ٢٠٠، و\"الحجة\" لابن زنجلة ص ٢٩٢، و\"الكشف\" ١/ ٤٧٣.\n(٥) انظر: \"جمهرة اللغة\" ٢/ ٩٦٦، و\"الصحاح\" ٤/ ١٤٢٨، و\"المجمل\" ٣/ ٨١٢، و\"المفردات\" ص ٧٤٤، و\"اللسان\" ٧/ ٤٠٦٢ (لقف).","vol":"9","page":281},{"text":"فأكلته أو ابتلعته، ورجل ثقف لقف سريع الأخذ) (١).\nوقال اللحياني: (ومثله ثقْف لَقْفُ، وثَقِف (٢) لقف، وثقيف لقيف بين الثقافة واللقافة) (٣). قال الفراء: (لقِفت الشيء ألقفه لقفًا ولقفانًا). قال: (وهو في التفسير يبتلع) (٤).\nوقال الليث: (لقفني تلقيفًا فلقفته والتقفته وتلقفته) (٥).\nوقال أبو عبيدة: (تلقف وتلقم واحد) (٦) وأنشد:\nأنت عَصَا موسى التي لم تَزَلْ ... تلقف ما يأْفِكُه السَّاحرُ (٧)\nقال ابن عباس في قوله: ﴿تَلْقَفُ﴾ (يريد: تبتلع) (٨).\n_________\n(١) \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٢٨٨، وفيه: (ويقال: رجل ثقف لقف إذا كان ضابطًا لما يحويه قائمًا به) اهـ. وانظر: \"إصلاح المنطق\" ص ٦٤.\n(٢) في (أ): (وثقف ولقف)، وهو تحريف.\n(٣) في \"تهذيب اللغة\" ١/ ٤٨٩: (روى أبو عبيد عن الأحمر، إنه لثَقْف لقْف، وثَقِف لَقِف، وثقيف لقيف بين الثقافة واللقافة) اهـ. وذكره الرازي في \"تفسيره\" ١٤/ ٢٠٤، عن اللحياني.\n(٤) \"معاني الفراء\" ١/ ٣٩٠، و\"تهذيب اللغة\" ٧/ ٤٠٦٢.\n(٥) \"تهذيب اللغة\" ٧/ ٤٠٦٢ وفيه: (لقَّفَني تلقِيفًا فلقفْتُه والتَقفْتُه) اهـ، وفي \"العين\" ٥/ ١٦٤: (لقفني تلقيفًا فلقفته وتلَقَّفْتُه والتَقَفْتُه أعم) اهـ.\n(٦) \"الحجة\" لأبي علي ٤/ ٦٦، وفي \"مجاز القرآن\" ١/ ٢٢٥: (أي: تلهم ما يسحرون ويكذبون. أي: تلقمه) اهـ.\n(٧) لم أقف على قائله وهو في \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٦٦، و\"تفسير الماوردي\" ٢/ ٢٤٦، والقرطبي ٧/ ٢٦٠، و\"الدر المصون\" ٥/ ٤١٧.\n(٨) أخرجه ابن أبي حاتم ٥/ ١٥٣٦ بسند جيد.","vol":"9","page":282},{"text":"قال المفسرون: (لما ألقى موسى العصا صارت حية عظيمة حتى سدت الأفق، ثم فتحت فاها ثمانين ذراعًا وابتلعت ما ألقوا من حبالهم وعصيهم) (١).\nوقوله تعالى: ﴿مَا يَأْفِكُونَ﴾. معنى الإفك في اللغة: قلب الشيء عن وجهه، ومنه قيل للكذب: إفك؛ لأنه مقلوب عن وجهه (٢). قال ابن عباس: ﴿مَا يَأْفِكُونَ﴾ (٣) (يريد: يكذبون) (٤).\nوقال الزجاج: (معنى ﴿يَأْفِكُونَ﴾: يأتون بالإفك (٥): وهو الكذب، وذلك أنهم زعموا أن عصيهم وحبالهم حيات، وكذبوا في ذلك، إنما جعلوا فيها الزئبق وصوروها يصور الحيات، فاضطرب الزئبق لأنه لا يستقر. قال الله تعالى: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾) (٦) [طه: ٦٦].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1225>١١٨ </span>- قوله تعالى: ﴿فَوَقَعَ الْحَقُّ﴾. قال مجاهد: (ظهر) (٧)، وهو قول الحسن (٨) وغيره (٩)، وقال الفراء: (فتبين الحق من السحر) (١٠).\n_________\n(١) انظر: \"تفسير الطبري\" ٩/ ٢١. وقد أخرج عن قتادة والسدي وابن إسحاق، والقاسم بن أبي بزة، وابن عباس نحوه.\n(٢) انظر: \"العين\" ٥/ ٤١٦، و\"تهذيب اللغة\" ١/ ١٧٤، و\"الصحاح\" ٤/ ١٥٧٢، و\"المجمل\" ١/ ٩٩، و\"مقاييس اللغة\" ١/ ١١٨، و\"المفردات\" ص ٧٩، و\"اللسان\" ١/ ٩٧ (إفك).\n(٣) لفظ: (ما) ساقط من (ب).\n(٤) ذكره الرازي في \"تفسيره\" ١٤/ ٢٠٤.\n(٥) في (ب): (يأتون في الأفك).\n(٦) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٦٦.\n(٧) \"تفسير مجاهد\" ١/ ٢٤٢، وأخرجه الطبري ٩/ ٢٢ من عدة طرق جيدة.\n(٨) ذكره الماوردي في \"تفسيره\" ٢/ ٢٤٦، والواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٢١٩، والبغوي ٣/ ٢٦٥، والرازي ١٤/ ٢٠٥، عن مجاهد والحسن.\n(٩) أخرجه ابن أبي حاتم ٥/ ١٥٣٦ بسند جيد عن ابن عباس.\n(١٠) \"معاني الفراء\" ١/ ٣٩١.","vol":"9","page":283},{"text":"قال أهل المعاني: (الوقوع: ظهور الشيء بوجوده نارلًا إلى مستقره) (١).\nقال المفسرون: (وذلك أن السحرة قالوا: لو كان ما صنع موسى سحرًا لبقيت حبالنا وعصينا وعادت إلى حالها الأولى ولم تُفقد، فلما فُقدت علموا أن ذلك أمر من أمر الله تعالى، فذلك قوله: ﴿فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٢). ﴿مَا﴾ يجوز أن يكون بمعنى (الذي)، فيكون المعنى: بطل الحبال والعصي الذي عملوا به السحر، أي: زال وذهب بفقدانها، ويجوز أن يكون بمعنى المصدر كأنه قيل: بطل عملهم (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1226>١١٩ </span>- قوله تعالى: ﴿فَغُلِبُوا هُنَالِكَ﴾، قال ابن عباس: (يريد: فرعون وملأه وجيشه) (٤)، ومعنى ﴿هُنَالِكَ﴾ أي: عند ذلك المجمع، وهو ظرف مبهم، و(هنا) و(هناك) و(هنالك) كقولك: (ذا) و(ذاك) و(ذلك) (٥)، ودخلت اللام في (هنالك) للدلالة على بعد المكان المشار إليه، كما دخلت في (ذلك) لبعد المشار إليه، فـ (هناك) لما بعد قليلًا، و(هنالك) لما كان أشد بعدًا، والكاف للمخاطبة.\n_________\n(١) انظر: \"تفسير الرازي\" ١٤/ ٢٠٥.\n(٢) هذا قول الفراء في \"معانيه\" ١/ ٣٩١.\n(٣) انظر: \"الفريد\" ٢/ ٣٤٢، و\"الدر\" للسمين ٥/ ٤١٧، ونقل قول الواحدي الرازي في \"تفسيره\" ١٤/ ٢٠٥.\n(٤) أخرجه ابن أبي حاتم ٥/ ١٥٣٦ بسند جيد.\n(٥) انظر: \"الكتاب\" ٢/ ٧٨، وقال السمين في \"الدر\" ٥/ ٤١٨: (هنالك يجوز أن يكون مكانًا أي: غلبوا في المكان الذي وقع فيه سحرهم، وهذا هو الظاهر. قيل: ويجوز أن يكون زمانًا، وهذا ليس أصله، وقد أثبت له بعضهم هذا المعنى ..) اهـ. ملخصًا.","vol":"9","page":284},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ﴾، أي: انصرفوا ذليلين، والصاغر: الذليل من الصغر والصَغار، وقد ذكرنا ذلك (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1227>١٢٠ </span>- قوله تعالى: ﴿وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ﴾. قال ابن عباس: (يريد: خروا لله عابدين سامعين مطيعين) (٢).\nوقال مقاتل: (ألقاهم الله ساجدين) (٣).\nوقال الأخفش: (من سرعة ما سجدوا كأنهم أُلقوا؛ لأنهم لم يتمالكوا أن وقعوا ساجدين، وكأن ملقيًا ألقاهم) (٤).\nوقال غيره (٥): (ألقاهم ما رأوا من عظيم آيات الله ﷿؛ بأن دعاهم إلى السجود له).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1228>١٢١ </span>- قوله تعالى: ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، قيل في التفسير: (إن موسى قال للسحرة: أتؤمنون بي إن غلبتكم؟ فقالوا: لنأتين اليوم بسحر لا يغلبه سحر، ولئن غلبتنا لنؤمنن بك، فلما غلبهم ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾) (٦).\n_________\n(١) سورة الأنعام، الآية: ١٢٤.\n(٢) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٢١٩.\n(٣) ذكره الثعلبي في \"الكشف\" ٦/ ٦ ب، والبغوي ٣/ ٢٦٦، وفي \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٥٤: قال: (﴿وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ﴾ لله) اهـ.\n(٤) ذكره السمرقندي في \"تفسيره\" ١/ ٥٦١، والثعلبي ٦/ ٦ ب، والبغوي ٣/ ٢٦٦، ولم أقف عليه في \"معانيه\".\n(٥) هذا قول الطبري في \"تفسيره\" ٩/ ٢٢، وانظر: \"تفسير الماوردي\" ٢/ ٢٤٦.\n(٦) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٩/ ٢٢، عن ابن عباس، وابن مسعود وناس من أصحاب رسول الله - ﷺ -.","vol":"9","page":285},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1229>١٢٢ </span>- قوله تعالى: ﴿رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾. إنما خصهما بالذكر بعد دخولهما في جملة العالمين؛ لأن فيه معنى الذي دعى إلى الإيمان به موسى وهارون، وقيل: خصهما بالذكر تفضيلًا وتشريفًا كقوله: ﴿وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ [البقرة: ٩٨].\nوقيل في التفسير: (إنهم لما ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ قال لهم فرعون: إياي يعنون. قالوا: ﴿رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1230>١٢٣ </span>- قوله تعالى: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾. قال الكلبي: (يقول: صدقتم بموسى من قبل أمري إياكم) (٢). ونحو ذلك قال الفراء (٣).\nوفي: ﴿آمَنْتُمْ﴾ ثلاثة أوجه من القراءة (٤): إحداها: تحقيق الهمزتين وهو مذهب أهل الكوفة، وأصل ﴿آمَنْتُمْ﴾ أآمنتم على (أفعلتم) إحدى الهمزتين للإفعال، والثانية ألفان فخففت الثانية فدخلت هاهنا همزة الاستفهام واجتمعت مع همزة أفعل فحققهما الكوفيون، وقرأ أبو عمرو ونافع بهمزة بعدها ألف ممدودة تكون في التقدير ألفين، فالهمزة همزة الاستفهام، والألفان الأولى منهما الهمزة التي هي في (٥) أفعلتم خففت،\n_________\n(١) ذكره السمرقندي في \"تفسيره\" ١/ ٥٦١، والثعلبي ٦/ ٦ ب، والبغوي ٣/ ٢٦٦.\n(٢) \"تنوير المقباس\" ٢/ ١١٨، وهو قول مقاتل في \"تفسيره\" ٢/ ٤٥، وذكره عن مقاتل الثعلبي ٦/ ٧ أ، والبغوي ٣/ ٢٦٦.\n(٣) \"معاني الفراء\" ١/ ٣٩١.\n(٤) قرأ حفص عن عاصم: ﴿آمَنْتُمْ﴾ بهمزة واحدة غير ممدودة على لفظ الخبر، وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم: ﴿أءامنتم﴾ بهمزتين، وقرأ الباقون: ﴿ءَآمَنْتُمْ﴾ بهمزة واحدة ممدودة. انظر: \"السبعة\" ص٢٩٠، و\"المبسوط\" ص ١٨٤، و\"التذكرة\" ٢/ ٤٢٣، و\"التيسير\" ص ١١٢، و\"النشر\" ١/ ٣٦٨.\n(٥) لفظ: (في) ساقط من (ب).","vol":"9","page":286},{"text":"والثانية (١) المنقلبة عن فاء الفعل.\nوقرأ حفص ﴿أامنتم﴾ بلفظ الخبر من غير مد، ووجه (٢) الخبر أنه يخبرهم بإيمانهم على وجه التقريع لهم (٣)، والإنكار عليهم، وكذلك أيضًا وجه الاستفهام يوبخهم به وينكره عليهم (٤).\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ﴾. قال الكلبي: (لصنيع صنعتموه فيما بينكم وبين موسى في مصر قبل خروجكم إلى هذا الموضع) (٥)، أي: أنكم تواطأتم على هذا الأمر لتستولوا على مصر فتخرجوا منها أهلها وتتغلبوا عليها بسحركم.\nوقوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾، قال ابن عباس: (يريد تهددًا (٦) منه للذين آمنوا بالله) (٧).\nقال أهل المعاني: (معنى التهديد في هذا اللفظ: أن فيه معنى أقدمتم بالجهل على سبب الشر، ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ما (٨) يظهر لكم مما (٩) يؤدي إليه إقدامكم على ما فعلتم، وهذا أبلغ من الإفصاح به) (١٠).\n_________\n(١) في: (أ): (والثالثة)، وهو تحريف.\n(٢) في (ب): (ولفظ الخبر).\n(٣) لفظ: (لهم) ساقط من (ب).\n(٤) هذا قول أبي علي في \"الحجة\" ٤/ ٦٨ - ٧١. وانظر: \"معاني القراءات\" ١/ ٤١٩، و\"إعراب القراءات\" ١/ ٢٠١، و\"الحجة\" لابن خالويه ص ١٦١، ولابن زنجلة ص ٢٩٣، و\"الكشف\" ١/ ٤٧٣.\n(٥) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٢١٩، وابن الجوزي ٣/ ٢٤٣.\n(٦) في (ب): (يريد تهديدًا).\n(٧) لم أقف عليه.\n(٨) في (ب): (من).\n(٩) في (ب): (ما).\n(١٠) انظر: \"تفسير الطبري\" ٩/ ٢٣.","vol":"9","page":287},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1231>١٢٤ </span>- قوله تعالى: ﴿لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ﴾ الآية. استعمل لفظ التقطيع هاهنا لمكان الأيدي وهي جمع.\nوقوله تعالى: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ﴾. قال عبد العزيز بن يحيى: (على مخالفة، وهو أن يقطع من كل شق طرف كاليد اليمنى مع الرجل اليسرى) (١). قال سعيد بن جبير: (وفرعون أول من فعل ذلك) (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1232>١٢٥ </span>- قوله تعالى: ﴿قَالُوا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ﴾. هذا جواب السحرة لفرعون لما توعدهم بالقطع والصلب. قال ابن عباس في هذه الآية: (يريد: راجعون إلى ربنا بالتوحيد والإخلاص) (٣).\nوقال غيره (٤): (راجعون إلى ثواب ربنا وجنته، ولكنه فخم بالإضافة إلى لله، وهذا يدل على أنهم صبروا على وعيده بما توقعوا من الله تعالى من عظيم الثواب).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1233>١٢٦ </span>- قوله (٥) تعالى: ﴿وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا﴾. يقال: نقمتُ أنقِم إذا بالغت في كراهية الشيء، وقد مرّ عند قوله: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا﴾ [المائدة: ٥٩].\nقال (٦) عطاء عن ابن عباس: (يريد: ما لنا عندك من ذنب ولا ركبنا\n_________\n(١) لم أقف عليه.\n(٢) أخرجه ابن أبي حاتم ٥/ ١٥٣٧ بسند جيد، وذكره الثعلبي ٧/ ٦ أ، وأخرجه الطبري ٩/ ٢٣ بسند لا بأس به عن سعيد بن جبير عن ابن عباس.\n(٣) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٢٢٠.\n(٤) انظر: \"تفسير الطبري\" ٩/ ٢٤، والسمرقندي ١/ ٥٦١.\n(٥) في: (ب) (وقوله).\n(٦) في: (ب) (وقال).","vol":"9","page":288},{"text":"منك مكروهًا تعذبنا عليه ﴿إِلَّا أَنْ آمَنَّا﴾ (١).\nوقال الضحاك: وما تطعن علينا (٢) ﴿إِلَّا أَنْ آمَنَّا﴾، أي. إلا إيماننا ﴿بِآيَاتِ رَبِّنَا﴾. يعنون: ما أتى به موسى من الآيات في العصا واليد، آمنوا بها أنها من عند الله لا يقدر على مثلها إلا الله تعالى (٣).\nقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا﴾، معنى الإفراغ في اللغة: الصّب، يقال: درهم مُفْرَغ إذا كان مصبوبًا في قالب ليس بمضروب، وأصله من إفراغ الإناء؛ وهو صب ما فيه أجمع حتى يخلو الإناء، وهو من الفراغ، فاستعمل في الصب على التشبيه بحال إفراغ الإناء (٤).\nقال مجاهد: (اصبب علينا الصبر عند الصلب والقطع حتى لا نرجع كفارًا) (٥).\nوقال الزجاج: (أي: أنزل علينا صبرًا يشتمل علينا) (٦)، وإنما ذكر لفظ الاشتمال لمعنى (٧) الإفراغ وهو أنك إذا صببت شيئًا على شيء شمله وعمّه.\n_________\n(١) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٢٢٠، والرازي ١٤/ ٢٠٩، وذكره الثعلبي في \"الكشف\" ٦/ ٧ أ، والبغوي ٣/ ٢٦٦ من قول عطاء فقط.\n(٢) ذكره الثعلبي في \"الكشف\" ٦/ ٧ أ، والبغوي ٣/ ٢٦٦.\n(٣) انظر: \"تفسير الطبري\" ٩/ ٢٤، والسمرقندي ١/ ٥٦١.\n(٤) انظر: \"العين\" ٤/ ٤٠٨، و\"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٧٧٧، و\"الصحاح\" ٤/ ١٣٢٤، و\"مقاييس اللغة\" ٤/ ٤٩٣، و\"المفردات\" ص ٦٣٢، و\"اللسان\" ٦/ ٣٣٩٦ (فرغ).\n(٥) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٢٢٠، وابن الجوزي ٣/ ٢٤٣، والرازي ٤/ ٢٠٩.\n(٦) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٦٧، ومثله ذكر النحاس في \"معانيه\" ٣/ ٦٤.\n(٧) في (ب): (بمعنى).","vol":"9","page":289},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾. قال مجاهد: (مخلصين بالعبادة) (١)\nوقال ابن كيسان: (أي: على دين موسى) (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1234>١٢٧ </span>- قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ الآية. هذا إغراء من الملأ وتحريض لفرعون على موسى، وإنكار أن يتركه مقيمًا على مخالفته.\nقال سعيد بن جبير: (كان فرعون قد ملئ رعبًا من موسى، وكان إذا رآه بال كما يبول الحمار، ولم يعلم قوم فرعون ذلك الرعب من فرعون، فأنكروا عليه خلاف عادة الملوك في السطوة لمن خالف عليهم، وشقِّ العصّا ولم يعلموا أنه غير قادر على قهره) (٣).\nوقوله تعالى: ﴿لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾. قال ابن عباس: (يريد: يعبدوا الله ويوحدوه) (٤).\nوقال غيره: (أراد بالإفساد في الأرض دعاؤهم الناس إلى مخالفة فرعون في عبادته وتجهيلهم إياه) (٥)، وهذا راجع إلى ما قاله ابن عباس؛ لأن عبادة الله وتوحيده تتضمن مخالفة فرعون وتجهيله.\nوقوله تعالى: ﴿وَيَذَرَكَ﴾. قال ابن الأنباري: (إنه ينتصب على الصرف (٦) عن الأول، يراد به ﴿أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ وقد\n_________\n(١) لم أقف عليه.\n(٢) لم أقف عليه.\n(٣) لم أقف عليه.\n(٤) \"تنوير المقباس\" ٢/ ١١٩.\n(٥) انظر: \"تفسير الطبري\" ٩/ ٢٤، ٢٥، والسمرقندي ١/ ٥٦٢، والماوردي ٢/ ٢٤٨.\n(٦) واو الصرف: هي واو المعية عند الكوفين. انظر: \"معجم المصطلحات النحوية والصرفية\" ص ١٢٥.","vol":"9","page":290},{"text":"ترك أن يطيعك وأن يعبد ألهتك). وهذا قول الفراء (١)، واحتج على هذا بقراءة أبيّ: (أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض وقد تركوا أن يعبدوك) (٢).\nقال أبو بكر: (وقال بعض النحويين: الواو نائبة عن الفاء، والتقدير: فيذرك وآلهتك) (٣)، وهذا قول أبي إسحاق، قال: (نصب ﴿وَيَذَرَكَ﴾ على جواب الاستفهام بالواو، والمعنى: أيكون منك أن تذر موسى وأن يذرك موسى) (٤). قال أبو بكر: (وحمله بعض الناس على إعراب (يُفسدوا)، وفي هذا بُعدٌ؛ لأن توحيده مع جمع (يفسدوا) يدل على انقطاعه منه) (٥).\nوقوله تعالى: ﴿وَآلِهَتَكَ﴾. قال أبو بكر: (كان ابن عباس ينكر قراءة العامة ويقرأ: (وإلاهتك) أي: عبادتك، ويقول: (٦) إن فرعون كان يُعبد\n_________\n(١) انظر: \"معاني الفراء\" ١/ ٣٩١، وهو قول الطبري في \"تفسيره\" ٩/ ٢٥.\n(٢) ذكر القراءة أيضًا عن أبي: أبو عبيد في \"فضائل القرآن\" ص ١٢٧، والطبري في \"تفسيره\" ٩/ ٢٥، والنحاس في \"إعراب القرآن\" ١/ ٦٣٢، وابن عطية ٦/ ٤٢، والقرطبي ٧/ ٢٦٢، وأبو حيان في \"البحر\" ٤/ ٣٦٧، وجاء عند الجميع إلا النحاس: (وقد تركوك أن يعبدوك).\n(٣) انظر: \"الإيضاح\" لابن الأنباري ٢/ ٦٦٣، وذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٢٢١، وانظر: \"معاني القراءات\" ١/ ٤١٩ - ٤٢٠.\n(٤) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٦٧، وانظر: \"إعراب النحاس\" ١/ ٦٣٢.\n(٥) قال ابن الأنباري في \"الإيضاح\" ٢/ ٦٦٣: (قال اليزيدي: ﴿وَيَذَرَكَ﴾ منصوب على معنى: ﴿لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ وليذرك وآلهتك) اهـ. وقال السمين في \"الدر\" ٥/ ٤٢٣: (في النصب وجهان: أظهرهما أنه على العطف على ﴿لِيُفْسِدُوا﴾، والثاني: النصب على جواب الاستفهام) اهـ.\n(٦) أخرج الطبري ٩/ ٢٥، ٢٦، وابن أبي حاتم ٥/ ١٥٣٨ من طرق جيدة عن ابن عباس أنه قرأ: ﴿وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾ بكسر الألف، وقال: (إنما كان فرعون يُعْبدَ ولا يَعْبُد) =","vol":"9","page":291},{"text":"ولا يَعبد) (١)، وبه قرأ الضحاك وابن مسعود والشعبي وابن أبي إسحاق (٢).\nقال الزجاج: (والمعنى: ويذرك وربوبيتك فـ (إلاهتك) بمنزلة ربوبيتك) (٣). وقرأ العامة ﴿وَآلِهَتَكَ﴾ على جمع إله مثل إزار وآزرة، وقد مرّ مستقصًى شرحه في أول الكتاب (٤)، وعلى هذه القراءة فقد روي عن ابن عباس أنه قال: (كان فرعون صنع لقومه أصنامًا صغارًا، وأمرهم بعبادتها، وقال: أنا ربكم ورب هذه الأصنام، فذلك قوله: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ (٥) [النازعات: ٢٤]، ونحو ذلك قال الزجاج، فقال: (إن فرعون كان له أصنام يعبدها قومه تقربًا إليه) (٦).\n_________\n= اهـ وأخرج أبو عبيد في \"فضائل القرآن\" ص ١٧٢، القراءة بسند جيد، وانظر: \"الدر المنثور\" ٣/ ٢٠٠.\n(١) ذكره عن ابن الأنباري السمين في \"الدر\" ٥/ ٤٢٤، وانظر: \"تفسير الرازي\" ١٤/ ٢١١.\n(٢) ذكرها الثعلبي في \"الكشف\" ٦/ ٧ ب، ٦/ ٨ أعن ابن مسعود وابن عباس وابن أبي إسحاق والضحاك والشعبي، وذكرها البغوي ٣/ ٢٦٧، و\"الخازن\" ٢/ ٢٧٣، عن ابن مسعود وابن عباس والشعبي والضحاك وذكرها عن ابن مسعود وابن عباس أكثرهم. انظر: \"مختصر الشواذ\" ص ٥٥، و\"المحتسب\" ١/ ٢٥٦، وابن عطية ٦/ ٤٣، وابن الجوزي ٣/ ٢٤٤، و\"البحر\" ٤/ ٣٦٧ وهي قراءة مجاهد كما أخرجه الطبري ٩/ ٢٦ بسند جيد.\n(٣) لم أقف عليه في \"معانيه\"، وذكره عن الزجاج ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٣/ ٢٤٤.\n(٤) انظر: \"البسيط\" تفسير البسملة من الفاتحة.\n(٥) ذكره الثعلبي في \"الكشف\" ٦/ ٧ ب، وابن الجوزي ٣/ ٢٤٤، وذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٢٢١ من رواية الكلبي عن ابن عباس.\n(٦) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٦٧.","vol":"9","page":292},{"text":"وقال الحسن: (كان فرعون يعبد الأصنام) (١)، فعلى هذا كان يَعبد ويُعبد. وقال السدي: (كان يعبد ما يستحسن من البقر، وكانوا إذا رأوا بقرة حسناء، أمر قومه أن يعبدوها، وعلى ذلك أخرج السامري عجلًا) (٢)، ونحو هذا روي عن سليمان التيمي (٣).\nوقوله تعالى: ﴿سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ﴾. قال ابن عباس: (كان فرعون قد ترك قتل أبناء بني إسرائيل، فلما أتاه موسى بالرسالة -وكان من أمره ما كان- أمر بإعادة القتل عليهم، فذلك قوله: ﴿سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ﴾ (٤).\nقال أهل المعاني: (إنما دعي فرعون إلى قتل موسى، لكنه لم يطمع في ذلك لما رأى من قوة أمره وعلوّ شأنه، فعدل عن ذلك إلى إضعاف بني إسرائيل بقتل أبنائهم واستحياء نساءهم للمهنة والخدمة) (٥).\nوقوله تعالى: ﴿وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ﴾، قال ابن عباس: (يريد: وإنا على ذلك قادرون) (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1235>١٢٨ </span>- قوله تعالى: ﴿قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ﴾، وهم الذين اتبعوه وآمنوا به. قال ابن عباس: (لما آمنت السحرة اتبع موسى ستمائة ألف من بني إسرائيل)، ﴿اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا﴾ (وذلك أنهم شكوا إلى موسى إعادة\n_________\n(١) أخرجه الطبري ٩/ ٢٥، وابن أبي حاتم ٥/ ١٥٣٨ من عدة طرق جيدة، وذكره الثعلبي ٦/ ٧ ب، والماوردي ٢/ ٢٤٨، والبغوي ٣/ ٢٦٧.\n(٢) أخرجه الطبري ٩/ ٢٥ بسند جيد.\n(٣) أخرج ابن أبي حاتم ٥/ ١٥٣٨ بسند جيد، وذكره النحاس في \"معانيه\" ٣/ ٦٥.\n(٤) ذكره الثعلبي في \"الكشف\" ٦/ ٨ أ، والواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٢٢١، والبغوي ٣/ ٢٦٧.\n(٥) انظر: \"تفسير الماوردي\" ٢/ ٢٤٨، والرازي ١٤/ ٢١١، ٢١٢.\n(٦) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٢٢١.","vol":"9","page":293},{"text":"قتل أبنائهم، فقال موسى: ﴿اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا﴾ على ما يفعل بكم). قاله ابن عباس (١).\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾. هذا إطماع من موسى قومه في أن يورثهم الله أرض فرعون وقومه، أي: يعطيهم بعد إهلاكهم، وذلك معنى الإرث، وهو جعل الشيء للخلف بعد السلف.\nوقوله تعالى: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾. قال ابن عباس: (أي: الجنة لمن اتقى الله في الآخرة) (٢).\nوقال غيره: (العاقبة (٣) هاهنا النصر والظفر) (٤)، ومعنى العاقبة: ما تؤدي إليه البادئة (٥) من خير أو شر، إلا أنه إذا قيل: العاقبة له فهو في الخير (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1236>١٢٩ </span>- قوله تعالى: ﴿قَالُوا أُوذِينَا﴾. قال ابن عباس: (أي: بالقتل الأول، ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا﴾ بالرسالة، ﴿وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا﴾ بإعادة القتل\n_________\n(١) ذكره الثعلبي في \"الكشف\" ٦/ ٨ أ، والبغوي ٣/ ٢٦٧ - ٢٦٨، وأخرج الطبري ٩/ ٢٧ بسند ضعيف عن ابن عباس قال: (لما آمنت السحرة اتبع موسى ستمائة ألف من بني إسرائيل) اهـ.\n(٢) \"تنوير المقباس\" ٢/ ١١٩، وذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٢٢١.\n(٣) في: (ب) (وقال غيره معنى العاقبة)، وهو تحريف.\n(٤) هذا قول الثعلبي في \"الكشف\" ٦/ ٨ أ، والبغوي ٣/ ٢٦٧، وانظر: \"الماوردي\" ٢/ ٢٤٩، والظاهر من الآية مجموع الأمرين النصر والظفر والجنة.\n(٥) في: (ب) (التادية).\n(٦) انظر: \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٥٠٤، و\"اللسان\" ٥/ ٣٠٢٢ (عقب)، وقال الراغب في \"المفردات\" ص ٥٧٥: (العاقبة إطلاقها يختص بالثواب وبالإضافة قد تستعمل في العُقوبة) اهـ.","vol":"9","page":294},{"text":"عليهم والإتعاب في العمل). ﴿قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ﴾، قال (١): (وعسى من الله واجب) (٢)، قال سيبويه: (عسى (٣) طمع وإشفاق) (٤). قال الزجاج: (وما طمع الله ﷿ فيه فهو واجب، وهو معنى قول المفسرين: عسى من الله واجب) (٥).\nوقوله تعالى: ﴿أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ﴾، يعني: فرعون وقومه. ﴿وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ﴾، قال ابن عباس: (يملككم ما كان يملك فرعون) (٦).\nوقوله تعالى: ﴿فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾. قال أبو إسحاق: (أي: يرى ذلك بوقوع ذلك منكم؛ لأن الله لا (٧) يجازيهم على ما يعلمه منهم، إنما يجازيهم على ما يقع منهم) (٨)، وهذه الآية تسلية من موسى لقومه بما وعدهم عن ربه من إهلاك فرعون وقومه وجعلهم بدلًا منهم ليعملوا بطاعته، ثم حقق الله ذلك، فغرق فرعون وقومه واستخلفهم في ديارهم وأموالهم.\n_________\n(١) لفظ: (قال) ساقط من (ب).\n(٢) \"تنوير المقباس\" ٢/ ١٢٠، وأخرج البيهقي في \"سننه\" ٩/ ١٣ بسند جيد عنه قال: (كل عسى في القرآن فهي واجبة) اهـ. وذكره السيوطي في \"الإتقان\" ٢/ ٢٤١.\n(٣) في (ب): (وعسى).\n(٤) \"الكتاب\" ٤/ ٢٣٣.\n(٥) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٦٧، وانظر: \"مجاز القرآن\" ١/ ٢٢٥.\n(٦) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٢٢٢ بلا نسبة، ونقل ابن الجوزي ٣/ ٢٤٦ عن ابن عباس أنه قال: (أرض مصر) اهـ.\n(٧) لفظ: (لا) ساقط من (ب).\n(٨) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٦٧.","vol":"9","page":295},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1237>١٣٠ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ الآية. السنين: جمع السنة (١)، وقد ذكرنا (٢) كيف كانت السنة في الأصل والاختلاف فيها عند قوله: ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ [البقرة: ٢٥٩].\nقال أبو علي الفارسي: (السنة على معنيين؛ أحدهما: يراد بها الحول والعام، والآخر: يراد بها الجدب، وهو (٣) خلاف الخصب، فمما أريد به الجدب هذه (٤) الآية، وقوله - ﷺ -: \"اللهم سنين كسني يوسف\" (٥)، وقول عمر -﵁-: (إنا لا نقطع في عام السنة) (٦). أي: في عام الجدب.\n_________\n(١) انظر: \"العين\" ٤/ ٨، و\"الجمهرة\" ١/ ١٣٥، و\"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٧٨٢، و\"الصحاح\" ٦/ ٢٢٣٥، و\"المجمل\" ٢/ ٤٧٤، و\"مقاييس اللغة\" ٣/ ١٠٣، و\"المفردات\" ص ٤٢٩، و\"اللسان\" ٤/ ٢١٢٧ (سنة).\n(٢) انظر: \"البسيط\" النسخة الأزهرية ١/ ١٥٦ أ.\n(٣) لفظ: (هو) ساقط من (ب).\n(٤) في (ب): (في هذه الآية).\n(٥) الحديث أخرجه البخاري في \"صحيحه\" كتاب الاستسقاء، باب دعاء النبي - ﷺ - رقم (١٠٠٦)، ومسلم رقم (٦٧٥) عن أبي هريرة ﵁، كتاب المساجد، باب: استحباب القنوت، وأخرجه البخاري برقم (٤٨٢١) كتاب التفسير، باب: يغشى الناس في تفسير سورة الدخان، ومسلم رقم (٢٧٩٨) كتاب صفة الجنة والنار، باب: الدخان، عن عبد الله بن مسعود ﵁.\n(٦) الأثر أخرجه عبد الرزاق في \"المصنف\" ١٠/ ٢٤٢، وابن أبي شيبة ٥/ ٥١٦ (٢٨٥٧٧) بسند ضعيف عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: (لا يقطع في عذق، ولا في عام السنة) اهـ، وأورده الحافظ في \"تلخيص الحبير\" ٤/ ٧٠ وقال: (أخرجه إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني في \"جامعه\" عن أحمد بن حنبل وقال: سألت أحمد عنه فقال: العذق النخلة وعام سنة عام المجاعة، فقلت لأحمد تقول به؟ قال: إي لعمري) اهـ، وذكره الألباني في \"إرواء الغليل\" ٨/ ٨٠ وقال: (ضعيف أخرجه ابن أبي شيبة) اهـ.","vol":"9","page":296},{"text":"وقول حاتم (١):\nفإنَّا نُهِينُ المالُ منْ غَيْرِ ظنَّهٍ ... ولا يَشْتَكِينا في السنينَ ضَرِيرُها\nأي: لا يشتكينا الفقر في المحل لأنا نسعفه ونكفيه، ولما كانت السنة يعني بها الجدب اشتقوا منها كما يشتق من الجدب فقيل: أسنتوا كما يقال: أجدبوا) (٢). قال الشاعر (٣):\nوَرِجالُ مَكَّةَ مُسْنِتُونَ عِجَافُ\nوقالوا في جمع السنة: سنون وسنين، وإنما جمعت هذا الجمع للنقصان الذي لحقها، وقد مرّ بيان هذا في هذا الكتاب (٤).\nقال أبو زيد: (وبعض العرب يقول: هذه سنين ورأيت سنينًا فيعرب النون) (٥).\n_________\n(١) \"ديوانه\" ص٦٢، و\"البحر المحيط\" ٤/ ٣٦٩، و\"الدر المصون\" ٥/ ٤٢٧، وفي الديوان (وما) بدل (ولا).\n(٢) \"الحجة\" لأبي علي ٢/ ٣٦٩ - ٣٧٢.\n(٣) الشاهد لعبد الله بن الزِّبَعْرَى في \"ديوانه\" ص ٥٣، و\"الصحاح\" ٥/ ٢٠٥٨ (هشم)، والقرطبي ٧/ ٢٦٤، و\"اللسان\" ٤/ ٢١١١ (سنن)، ولمطرود بن كعب الخزاعي في \"الاشتقاق\" ص ١٣، و\"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٧٦٤ (هشم) ولبنت هاشم بن عبد مناف في \"العين\" ٣/ ٤٠٥، و\"المبهج\" لابن جني ص ٦٠، و\"اللسان\" ٨/ ٤٦٦٨ (هشم) وبلا نسبة في \"النوادر\" لأبي زيد ص ١٦٧، و\"الكامل\" للمبرد ١/ ٢٠٩، و\"المقتضب\" ٢/ ٣١١، ٣١٥، و\"سر صناعة الإعراب\" ٥٣٥، والرازي ١٤/ ٢١٤، و\"البحر\" ٤/ ٣٦٩، و\"الدر المصون\" ٥/ ٤٢٧، وصدره:\nعَمْرُو العُلاَ هَشَمَ الثَّرِيدَ لِقَوْمِهِ\nوعمرو هو ابن هاشم جد النبي - ﷺ - سمي هاشمًا؛ لأنه هشم الخبز فجعله ثريدًا، ومسنتون: أي أصابتهم سنة وقحط وعجاف: هزل وضعف. انظر: \"حاشية ديوان عبد الله بن الزبعرى\" ص ٥٢ - ٥٤.\n(٤) انظر: \"البسيط\" النسخة الآزهرية ١/ ٧٣ أو ١٥٦ أ\n(٥) \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٧٨٢ وزاد: (وبعضهم يجعلها نون الجمع فيقول: هذه سنون،=","vol":"9","page":297},{"text":"ونحو ذلك قال الفراء (١)؛ فمن ذلك قول الشاعر (٢):\nدَعَاني مِنْ نَجْدٍ فَإنَّ سِنِينَهُ ... لَعِبْنَ بِنَا شِيبًا وَشَيَّبْننَا مُرْدًا\nوقال أبو إسحاق: (السنين في كلام العرب: الجدوب، يقال: مستهم السنة، [ومعناه: جدب السنة] (٣) وشدة السنة) (٤).\nقال عطاء عن ابن عباس في قوله: ﴿أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ﴾، (يريد: بالجوع) (٥).\nوقال الفراء: (﴿بِالسِّنِينَ﴾ بالقحط والجدوبة عامًا بعد عام) (٦).\nقال ابن عباس (٧) وقتادة (٨) والمفسرون (٩): (السنون لأهل البوادي، ﴿وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ لأهل القرى).\n_________\n= ورأيت سنين، وهذا هو الأصل لأن النون نون الجمع والسنة سنة القحط) اهـ.\n(١) \"معاني الفراء\" ٢/ ٩٢ وفيه: (وهي لغة كثيرة في أسد وتميم وعامر وأنشدني بعض بني عامر) ثم ذكر الشاهد.\n(٢) الشاهد للصمة بن عبد الله القشيري في \"ديوانه\" ص ٦٠ وبلا نسبة في \"مجالس ثعلب\" ص ١٤٧، ٢٦٦، و\"الحجة\" لأبي علي ٢/ ٣٧٤، و\"التكملة\" لأبي علي ص ٥٠٣، و\"أمالي ابن الشجري\" ٢/ ٢٦١، والرازي ١٤/ ٢١٤، و\"اللسان\" ٧/ ٤٣٤٦ (نجد)، و\"الدر المصون\" ٥/ ٤٢٦، والشاهد: (فإن سنينه) حيث نصب سنين بالفتحة ولم يعاملها معاملة المذكر السالم في نصبها بالياء انظر: \"الخزانة\" ٨/ ٥٨.\n(٣) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).\n(٤) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٦٨ وفيه: (وشدة السنة ونقص الثمرات) اهـ.\n(٥) \"تنوير المقباس\" ٢/ ١٢٠ وفيه: (بالقحط والجوع عامًا بعد عام) اهـ.\n(٦) \"معاني الفراء\" ١/ ٣٩٢.\n(٧) لم أقف عليه.\n(٨) أخرجه الطبري ٩/ ٢٩، وابن أبي حاتم ٥/ ١٥٤٢ بسند جيد.\n(٩) انظر: \"الكشف\" للثعلبي ٦/ ٩ أ، والبغوي ٣/ ٢٦٨ والرازي ١٤/ ٢١٤.","vol":"9","page":298},{"text":"وقال الزجاج: (إنما (١) أخذوا بالضر لأن أحوال الشدة ترق القلب وترغب فيما عند الله وفي الرجوع، ألا ترى إلى قوله: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٦٧]، وقوله: ﴿وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ﴾) (٢) [فصلت: ٥١].\nوقوله تعالى: ﴿لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾، قال ابن عباس: (يريد: كي تتعظوا) (٣).\nوقال أهل المعاني: (في العل) من الله تعالى أن معناه: أنه عاملهم معاملة الشاك إظهارًا للعدل بعد معرفته وعلمه أنَّهم يذّكرون أم لا. كما جاء الابتلاء والاختبار من الله تعالى للعبد على هذا التقدير) (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1238>١٣١ </span>- قوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ﴾، قال ابن عباس (٥) والمفسرون (٦): (معنى ﴿الْحَسَنَةُ﴾ يريد بها: الغيث والخصب والثمار والمواشي والألبان والسعة في الرزق، والعافية والسلامة).\nوقوله تعالى: ﴿قَالُوا لَنَا هَذِهِ﴾. أي: أنَّا مستحقوه (٧) على العادة التي\n_________\n(١) في (ب): (وإنما).\n(٢) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٦٨.\n(٣) سبق تخريجه.\n(٤) نقل هذا القول الرازي ١٤/ ٢١٥، عن الواحدي، وقال الطبري ٩/ ٢٨ في تفسير الآية: (يقول: عظة لهم وتذكيرًا لهم لينزجروا عن ضلالتهم ويفزعوا إلى ربهم بالتوبة) اهـ، وانظر: \"معاني النحاس\" ٣/ ٦٧.\n(٥) \"تنوير المقباس\" ٢/ ١٢٠، وذكره الرازي في \"تفسيره\" ١٤/ ٢١٥.\n(٦) انظر: \"تفسير الطبري\" ٩/ ٢٩، وأخرج عن مجاهد وابن زيد من طرق جيدة نحوه، وانظر: \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٦٨، و\"تفسير السمرقندي\" ١/ ٥٦٣، والثعلبي ٦/ ٩ أ، والماوردي ٢/ ٢٥١.\n(٧) انظر: \"تفسير غريب القرآن\" ص ١٧٩، و\"تأويل مشكل القرآن\" ص ٣٩١.","vol":"9","page":299},{"text":"جرت لنا من نعمنا وسعة أرزاقنا في بلادنا، ولم يعلموا أنه من الله فيشكروا عليه، ويقوموا بحق النعمة فيه.\nوقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾ يريد: القحط والجدب والمرض والبلاء والضرّ، ﴿يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ﴾، أي: يتشاءموا، وقالوا: إنما أصابنا هذا الشر بشؤم موسى وقومه، والتطير: التشاؤم في قول جميع المفسرين (١).\nوقوله تعالى: ﴿يَطَّيَّرُوا﴾ هو في الأصل يتطيروا، فأدغمت التاء في الطاءة لأنهما من مكان واحد من طرف اللسان وأصول الثنايا (٢).\nوقوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾. قال ابن عباس: (يريد شؤمهم عند الله) (٣)، يريد من قبل الله، أي: إنما جاءهم الشؤم بكفرهم بالله وجرأتهم (٤) عليه.\nوقال الكلبي: (يقول إن الذي أصابهم هو من الله) (٥)، وهذا قول\n_________\n(١) انظر: \"تفسير الطبري\" ٩/ ٢٩، وأخرجه من طرق جيدة عن مجاهد وابن زيد. وانظر: \"معاني النحاس\" ٣/ ٥٦٨، و\"تفسير السمرقندي\" ١/ ٥٦٣، والثعلبي ٦/ ٩ أ، والماوردي ٢/ ٢٥١.\n(٢) هذا قول الزجاج في \"معانيه\" ٢/ ٣٦٨.\n(٣) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٢٢٣، والبغوي ٣/ ٢٦٩ بلفظ: (شؤمهم عند الله ومن قبل الله). وأخرج الطبري ٩/ ٣٠ بسند جيد عن ابن عباس قال: (يقول مصائبهم عند الله) اهـ. وفي رواية قال: (الأمر من قبل الله) اهـ، وذكره الثعلبي ٦/ ٩ أ، والبغوي ٣/ ٢٦٩ عنه أنه قال: (طائرهم ما قضى الله عليهم وقدر لهم) اهـ.\n(٤) في (ب): (وجرأتهم على الله عليه)، وهو تحريف.\n(٥) \"تنوير المقباس\" ٢/ ١٢٠.","vol":"9","page":300},{"text":"أكثر المفسرين (١) في الطائر أن معناه هاهنا: الشؤم، ومثل هذا قوله تعالى في قصة ثمود وتشاؤمهم بنبيهم: ﴿قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [النمل: ٤٧].\nقال الفراء: (كما تشاءمت اليهود بالنبي - ﷺ - بالمدينة، فقالوا (٢): غلت أسعارنا، وقلت أمطارنا مُذْ أتانا) (٣).\nقال الأزهري: (وقيل للشؤم: طائر وطَيْر وطِيَرة؛ لأن العرب كان من شأنها عِيَافَةُ الطير وزجرها، والتَّطيُّر ببارحها، وبِنَعيق غربانها، وأخذها ذات اليسار إذا أثاروها، فَسَمَّوا الشؤم طَيْرًا وطائِرًا وطِيَرَة لتشاؤمهم بها.\nثم أعلم الله تعالى على لسان رسوله أن طِيَرَتهم باطلة فقال: \"لا طِيَرة ولا هام\" (٤)، وكان النبي - ﷺ - (٥) يتفاءل ولا يَتَطَير (٦)، وأصل الفأل الكلمة\n_________\n(١) انظر: \"تفسير الطبري\" ٩/ ٢٩، ٣٠، و\"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٦٨ - ٣٦٩، والنحاس ٣/ ٦٨، و\"تفسير السمرقندي\" ١/ ٥٦٣، والماوردي ٢/ ٢٥١.\n(٢) لفظ: (فقالوا) ساقط من (أ).\n(٣) \"معاني الفراء\" ١/ ٣٩٢.\n(٤) حديث متفق عليه. أخرجه البخاري رقم (٥٧٧٠) كتاب الطب، باب: لا هامة، ومسلم رقم (٢٢٢٠) كتاب السلام، باب: لا عدوى ولا طيرة، عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله - ﷺ - قال: \"لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر\" اهـ. والهامة: طائر معروف. وقيل إن عظام الميت وروحه تنقلب هامة تطير، والصفر: داء يأخذ البطن. انظر: \"صحيح مسلم بشرح النووي\" ١٤/ ٣١٠.\n(٥) في (أ): (﵇).\n(٦) أخرج البخاري رقم (٥٧٥٧) كتاب الطب، باب: الفأل. ومسلم رقم (٢٢٢٣ - ٢٢٢٤) كتاب السلام، باب: الطيرة والفال، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: =","vol":"9","page":301},{"text":"الحسنة يَسمعُها عليل فيتأول فيها ما يدل على برئه، والطيرة مضادة للفأل، وكانت العرب مذهبها في الفأل والطِّيَرة واحد (١)، فأثبت النبي - ﷺ - الفأل واستحسنه، وأبطل الطِّيَرة ونهى عنها) (٢).\nوقال أبو عبيدة في قوله: ﴿أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾: (أي: حظهم) (٣)، وهذا معنى ما روي عن ابن عباس أنه قال: (طائرهم ما قُضِي عليهم وقُدر لهم) (٤).\nوالعرب تقول: أطرت المال وَطيَّرته بين القوم فَطَار لكل (٥) منهم سَهْمُه، أي: صار له (٦). ومنه الحديث: \"أطره خُمرًا بين نسائك\" (٧) أي:\n_________\n= \"لا طيرة وخيرها الفأل، قالوا: وما الفأل؟ قال: الكلمة الصالحة يسمعها أحدكم\". وفي رواية لمسلم قال: \"أحب الفأل الصالح\" وأخرجا عن أنس عن النبي - ﷺ - قال: \"لا عدوى ولا طيرة ويعجبني الفأل الصالح الكلمة الحسنة\" اهـ.\n(١) في (أ): (واحدًا).\n(٢) \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢١٥٠ (طير).\n(٣) \"مجاز القرآن\" ١/ ٢٢٦ وفيه: (مجازه إنما طائرهم وتزاد (ألا) للتنبيه والتوكيد، ومجاز طائرهم حظهم ونصيبهم) اهـ.\n(٤) سبق تخريجه.\n(٥) في (ب): (فطار لكل واحد منهم سهمه).\n(٦) النص من \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢١٥٠.\n(٧) أخرج مسلم في \"صحيحه\" رقم (٢٠٧١) كتاب اللباس والزينة، باب: استعمال إناء الذهب والفضة، وأبو داود ٤/ ٣٢٢ رقم (٤٠٤٣)، والنسائي ٨/ ١٩٧ - ١٩٨ كتاب الزينة، باب: ذكر الرخصة للنساء في لبس السيراء، وباب النهي عن لبس الإستبرق، عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: أهديت لرسول الله - ﷺ - حلة سيراء فبعث بها إلى فلبستها، فعرفت الغضب في وجهه فقال: \"إني لم أبعثها إليك لتلبسها، إنما بعثت بها إليك لتشققها خمرًا بين النساء\". وفي رواية: (فأمرني =","vol":"9","page":302},{"text":"فرقة، وطائر كل واحد ما يطير له أي: يخصه، ومنه قول لبيد:\nتَطِيرُ عَدَائِدُ الأشْرَاكِ شَفْعًا ... وَوِتْرًا والزَّعَامَةُ لِلْغُلَامِ (١)\nالأشراك: الأنصباء واحدها شرك أي: قسم المال للذكر مثل حظ الأنثيين فطارت الأنصاب شفعًا ووترًا لمستحقيها، وخلصت الرئاسة للذكور من الأولاد (٢)، وليس هذا من باب الشؤم والتطير في شي، وكلا القولين قد حكاه الزجاج؛ فقال في قوله: ﴿أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾: (ألا إنما الشؤم الذي يلحقهم هو الذي وعدوا به في الآخرة لا (٣) ما ينالهم في الدنيا).\n[قال: (وقال بعضهم (٤): ﴿أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾ حظهم، والمعنى واحد) (٥)، فجعل تفسير قوله: ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ ما وعدوا في الآخرة مما ينالهم في الدنيا] (٦)، يريد: أن جميع ما يصيبهم في الدنيا والآخرة هو من الله تعالى، وجعل معنى القولين في الطائر واحدًا وإن اختلف الأصلان؛ لأن المعنى فيهما: ما يصيبهم من شرّ وضرّ.\n_________\n= فأطرتها بين نسائي) اهـ. وحلة سيراء: أي: مضلعة بالحرير، وأطرتها: أي قسمتها بأن شققتها بينهن، أفاده الخطابي في \"حاشية سنن أبي داود\".\n(١) \"ديوانه\" ص ٢٠٠، و\"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢١٥٠، و\"الدر المصون\" ٥/ ٤٢٩، وتطير: أي تخرج، والعدائد: المال والميراث وقيل: الأنصباء. والأشراك: الشركاء، والزعامة: الرياسة والحظ من المغنم.\n(٢) هذا من \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢١٥٠.\n(٣) في النسخ: (إلى ما ينالهم في الدنيا)، وهو تحريف.\n(٤) هذا قول أبي عبيدة في \"مجاز القرآن\" ١/ ٢٢٦.\n(٥) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٦٩.\n(٦) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).","vol":"9","page":303},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾. قال الكلبي (١): (يعني: أهل مصر لا يعلمون أن الذي أصابهم من الله تعالى (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1239>١٣٢ </span>- قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا﴾ يعني: آل فرعون لموسى ﴿مَهْمَا تَأْتِنَا﴾؛ اختلف النحويون (٣) في أصل ﴿مَهْمَا﴾ على قولين:\nأحدهما: أن أصلها (ما ما) الأولى هي (ما) الجزاء، والثانية: هي التي (٤) تزاد توكيدًا للجزاء، كما تزاد في سائر حروف الجزاء كقولهم: أمَّا ومتى وكيفما (٥)، قال الله تعالى: ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ﴾ [الأنفال: ٥٧] وهو كقولك: إن تثقفنهم، ثم أبدلوا من ألف (ما) الأولى هاء (٦) كراهة لتكرار اللفظ فصار (مهما)، هذا قول الخليل (٧) ومذهب البصريين.\nوقال الكسائي: (الأصل مه (٨) التي بمعنى: الكف، أي: اكفف دخلت على (ما) التي للجزاء كأنهم قالوا: اكفف ما تأتنا به من آية) (٩).\n_________\n(١) لم أقف عليه.\n(٢) لفظ: (تعالى) ساقط من (أ).\n(٣) انظر: \"تأويل مشكل القرآن\" ص ٥٣٢، و\"الأصول\" لابن السراج ٢/ ١٥٩ و٢٢٠، و\"حروف المعاني\" للزجاجي ص ٢٠، و\"الصاحبي\" ص ٢٧٥، و\"مغني اللبيب\" ١/ ٣٣٠.\n(٤) لفظ: (التي) ساقط من (ب).\n(٥) في النسخ: (كقولهم: أما، ومتى ما وكيفما). وأصل النص في \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٤٦٠ وفيه: (مثل إنما ومتى وكيفما).\n(٦) في (ب): (ما)، وهو تحريف.\n(٧) انظر: \"الكتاب\" ٣/ ٥٩ - ٦٠، و\"العين\" ٣/ ٣٥٨.\n(٨) في (ب): (الأصل فيه التي بمعنى الكف)، وهو تحريف.\n(٩) ذكره الثعلبي في \"الكشف\" ٦/ ٩ ب عن الكسائي، وقال سيبويه في \"الكتاب\" ٣/ ٦٠ بعد ذكر قول الخليل السابق: (وقد يجوز أن يكون مَهْ كإذ ضم إليها ما) اهـ.","vol":"9","page":304},{"text":"قال الزجاج: (والتفسير الأول هو الكلام، وعليه استعمال الناس) (١). وقال بعضهم: (هي كلمة على حيالها يجازى بها فيجزم ما بعدها على تقدير إن) (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1240>١٣٣ </span>- قوله تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ﴾. اختلفت الرواية عن ابن عباس في تفسير ﴿الطُّوفَانَ﴾؛ فقال في رواية عطاء: (الموت (٣» (٤) قال: (وكل طوفان في القرآن هو الغرق سوى هذا) (٥). وهو قول مجاهد (٦).\nوروي ذلك مرفوعًا، أخبرناه العروضي ﵀ قراءة وسعيد بن العباس القرشي (٧) كتابة قالا: أبنا (٨) الأزهري، أبنا المنذري عن أبي بكر الخطابي (٩) عن محمد بن يزيد (١٠)، عن يحيى بن يمان (١١) عن المنهال بن\n_________\n(١) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٦٩، ونحوه قال الأزهري في \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٤٦٠ قال: (والقول الأول أقيس) اهـ. وانظر: \"البيان\" ١/ ٣٧١، و\"التبيان\" ص ٣٨٧.\n(٢) انظر: \"إعراب النحاس\" ١/ ٦٣٣، و\"المشكل\" ١/ ٢٩٩، و\"غرائب الكرماني\" ١/ ٤١٩، و\"الدر المصون\" ٥/ ٤٣١.\n(٣) في (ب): (هو الموت).\n(٤) لم أقف عليه عن ابن عباس، وإنما ذكره أكثرهم من قول عطاء بن أبي رباح، وقد أخرجه الطبري ١٣/ ٥١ من عدة طرق جيدة عن عطاء، وذكره النحاس في \"معانيه\" ٣/ ٦٩، والثعلبي في \"تفسيره\" ٦/ ٩ ب، والماوردي ٢/ ٢٥١ عن عطاء.\n(٥) لم أقف عليه.\n(٦) \"تفسير مجاهد\" ١/ ٢٤٤، وأخرجه الطبري ٩/ ٣١ من عدة طرق جيدة.\n(٧) لفظ: (القرشي) ساقط من (ب).\n(٨) في (ب): (أخبرنا الأزهري أخبرنا المنذري).\n(٩) لم أستطع معرفته بعد طول بحث.\n(١٠) محمد بن يزيد بن كثير العجلي أبو هشام الرفاعي الكوفي، قاضي المدائن، إمام، فقيه، مقرئ، محدث، صدوق، فيه لين. توفي سنة ٢٤٨ هـ. انظر: \"الجرح والتعديل\" ٨/ ١٢٩، و\"تاريخ بغداد\" ٣/ ٣٧٥، و\"سير أعلام النبلاء\" ١٢/ ١٥٣، و\"ميزان الاعتدال\" ٤/ ٦٨، و\"تهذيب التهذيب\" ٣/ ٧٣٥.\n(١١) يحيى بن يمان العجلي أبو زكريا الكوفي، إمام، عابد، مقرئ، محدث، =","vol":"9","page":305},{"text":"خليفة (١) عن الحجاج (٢) عن الحكم بن ميناء (٣) عن عائشة قالت: قال رسول الله - ﷺ -: \"الطوفان الموت\" (٤).\nوقال في رواية الضحاك (٥): (الطوفان الغرق).\n_________\n= صدوق، يخطئ، وتغير بآخر عمره. توفي سنة ١٨٩ هـ.\nانظر: \"تاريخ بغداد\" ١٤/ ١٢٠، و\"سير أعلام النبلاء\" ٨/ ٣٥٦، و\"ميزان الاعتدال\" ٤/ ٤١٦، و\"تهذيب التهذيب\" ٤/ ٤٠١.\n(١) المنهال بن خليفة العجلي، أبو قدامة الكوفي، ضعيف، روى عن عطاء بن أبي رباح، وحجاج بن أرطأة وغيرهما، وروى عنه وكيع وعبد الله بن المبارك وغيرهما.\nانظر: \"الجرح والتعديل\" ٨/ ٣٥٧، و\"ميزان الاعتدال\" ٤/ ١٩١، و\"تهذيب التهذيب\" ٤/ ١٦٢، و\"تقريب التهذيب\" ص ٥٤٧ (٦٩١٧).\n(٢) حجاج بن أرطأة بن ثور النخعي أبو أرطأة الكوفي، القاضي، إمام، فقيه، صدوق، كثير الخطأ والتدليس، توفي سنة ١٤٥ هـ.\nانظر: \"الجرح والتعديل\" ٣/ ١٥٣، و\"تاريخ بغداد\" ٨/ ٢٣٠، و\"سير أعلام النبلاء\" ٧/ ٦٨، و\"ميزان الاعتدال\" ١/ ٤٥٨، و\"تهذيب التهذيب\" ١/ ٣٥٦.\n(٣) الحكم بن ميناء الأنصاري المدني من أولاد الصحابة، روى عن بلال وعائشة وابن عمر وابن عباس وأبي هريرة وغيرهم، وهو إمام ثقة. انظر: \"الجرح والتعديل\" ٣/ ١٢٧، و\"تهذيب التهذيب\" ١/ ٤٧٠، و\"تقريب التهذيب\" ص ١٧٦ (١٤٦٣).\n(٤) هذا حديث ضعيف، أخرجه الطبري ٩/ ٣١، ٣٢، وابن أبي حاتم ٥/ ١٥٤٤، والأزهري في \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢١٥٤، وذكره ابن كثير في \"تفسيره\" ٢/ ٢٦٨، وقال: (هو حديث غريب)، وذكره السيوطي في \"الدر\" ٣/ ٥١٩ وزاد نسبته (إلى أبي الشيخ وابن مردويه). وضعفه الشيخ أحمد شاكر رحمه الله تعالى في \"حاشية الطبري\" لضعف المنهال بن خليفة العجلي.\n(٥) قوله: وقال، أي: ابن عباس ﵄ وقد أخرجه الطبري ٩/ ٣١، وابن أبي حاتم ٥/ ١٥٤٥ بسند ضعيف.","vol":"9","page":306},{"text":"وقال في رواية أبي ظبيان (١): (الطوفان أمر من أمر الله [طاف] (٢) بهم) ثم قرأ: ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ﴾ (٣) [القلم: ١٩].\nوروي عنه أيضًا أنه قال: (الطوفان هو الماء؛ أرسل الله عليهم السماء) (٤)، وهذا القول اختيار الفراء فقد قال: (أرسل الله عليهم [السماء] (٥) سبتًا (٦) فلم تقلع ليلًا ولا نهارًا، فضاقت بهم الأرض من تهدم بيوتهم وشغلهم عن ضياعهم فسألوه أن يرفع عنهم فرفع فلم يتوبوا) (٧)، وهذه الأقوال غير خارجة عن مذهب أهل اللغة (٨)؛ فقال الليث (٩): (الطوفان الماء الذي يغشى كل مكان، وشبه العجاج ظلام الليل بذلك فسماه طوفانًا حيث يقول:\nوَعمَّ طُوفَانُ الظلامِ الأثأبَا (١٠)\n_________\n(١) أبو ظبيان هو حصين بن جندب بن عمرو بن الحارث الجنبي الكوفي، إمام، تابعي، ثقه، فقيه، روى عن جرير بن عبد الله، وأسامة بن زيد، وابن عباس وغيرهم، توفي سنة ٩٠ هـ. انظر: \"طبقات ابن سعد\" ٦/ ٢٢٤، و\"الجرح والتعديل\" ٣/ ١٩٠، و\"سير أعلام النبلاء\" ٤/ ٣٦٢، و\"تهذيب التهذيب\" ١/ ٤٤١.\n(٢) لفظ: (طاف) ساقط من (أ).\n(٣) أخرجه الطبري ٩/ ٣١، وابن أبي حاتم ٥/ ١٥٤٤ بسند لا بأس به.\n(٤) أخرجه الطبري ٩/ ٣٢، ص ٦١، وابن أبي حاتم ٥/ ١٥٤٥ من عدة طرق جيدة.\n(٥) لفظ: (السماء) ساقط من (ب).\n(٦) أي أسبوعًا من السبت إلى السبت.\n(٧) \"معاني الفراء\" ١/ ٣٩٢.\n(٨) انظر: \"المنجد\" لكراع ص ٢٥٥، و\"البارع\" ص ٦٨٢، و\"الصحاح\" ٤/ ١٣٩٧، و\"المجمل\" ٢/ ٥٨٩، و\"مقاييس اللغة\" ٣/ ٤٣٢، و\"المفردات\" ص ٥٣٢، و\"اللسان\" ٥/ ٢٧٢٣ (طوف).\n(٩) النصر في \"العين\" ٧/ ٤٥٨.\n(١٠) \"ملحق ديوان العجاج\" ٢/ ٢٦٨، و\"المنجد\" ص ٢٥٥، و\"البارع\" ص ٦٨٢، =","vol":"9","page":307},{"text":"وقال أبو إسحاق: (الطوفان من كل شيء ما كان كثيرًا محيطًا مطيفًا بالجماعة كلها كالغرق الذي يشمل المدن الكثيرة، يقال له: طوفان، وكذلك القتل الذريع طوفان، والموت الجارف طوفان) (١) انتهى كلامه.\nوهو فعلان (٢) من الطواف (٣)؛ لأنه يطوف حتى يعم، قاله الأخفش، قال: (وواحدته في القياس طوفانة) (٤). وأنشد:\nغيَّرَ الْجِدَّةَ من آياتها ... خُرُقُ الرِيحِ وطُوفَانُ المَطَرْ (٥)\nوقال أبو العباس: (الطوفان مصدر مثل الرجحان والنقصان، ولا حاجة به إلى أن نطلب له واحدًا) (٦).\nوأكثر المفسرين على أن معناه هاهنا: المطر الكثير (٧)، فقد قال ابن\n_________\n= و\"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢١٥٤،و\"الصحاح\" ٤/ ١٣٩٧، و\"المجمل\" ٢/ ٥٨٩، و\"مقاييس اللغة\" ٣/ ٤٣٢، و\"اللسان\" ٥/ ٢٧٢٤ (طوف)، و\"الدر المصون\" ٥/ ٤٣٣، وأوله:\nحتَّى إذا مَا يَوْمُهَا تَصَّبْصَبَا\nوفي \"العين\" قال: (الأثأب: شجر شبه الطرفاء إلا أنه أكبر منه) اهـ.\n(١) \"معاني الزجاج\" ٤/ ١٦٤، و\"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢١٥٤.\n(٢) وعليه يكون اسم جنس كقمح وقمحة وشعير وشعيرة، أفاده السمين في \"الدر\" ٥/ ٤٣٢.\n(٣) في (ب): (من الطوف)، وهو تحريف.\n(٤) \"معاني الأخفش\" ٢/ ٣٠٨ وزاد فيه: (وهي من طاف يطوف) اهـ.\n(٥) البيت لحسيل بن عرفطة الأسدي، شاعر جاهلي، في \"النوادر\" لأبي زيد ص ٧٧، و\"تفسير الطبري\" ٩/ ٣٢، والماوردي ٢/ ٢٥٢، وبلا نسبة في \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢١٥٤، و\"الصحاح\" ٤/ ١٣٩٧، و\"المنصف\" ٢/ ٢٢٨، و\"تفسير ابن عطية\" ٦/ ٤٩، و\"اللسان\" ٥/ ٢٧٢٤، و\"البحر\" ٤/ ٣٧٣، و\"الدر المصون\" ٥/ ٤٣٣.\n(٦) \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢١٥٤، وجعله السمين في \"الدر\" ٥/ ٤٣٢، من قول المبرد في آخرين.\n(٧) انظر: \"مجاز القرآن\" ١/ ٢٢٦، و\"تفسير غريب القرآن\" ص ١٨٠، و\"معاني النحاس\" ٣/ ٦٩، و\"تفسير المشكل\" ص ٨٦.","vol":"9","page":308},{"text":"عباس وسعيد بن جبير وقتادة ومحمد بن إسحاق (١): (لما أبى (٢) فرعون وقومه الإيمان دعا عليهم موسى، فقال: يا رب إن عبدك فرعون بغى وعتا، وإن قومه قد نقضوا عهدك، رب فخذهم بعقوبة، فأرسل الله عليهم السماء بالماء فامتلأت بيوت القبط ماء حتى قاموا في الماء إلى تراقيهم من جلس منهم غرق، ولم يدخل بيوت بني إسرائيل من الماء قطرة، ودام ذلك عليهم سبعة أيام، فقالوا لموسى: ادع لنا ربك يكشف عنا فنؤمن لك، فدعا ربه فرفع عنهم الطوفان، فلم يؤمنوا، فأنبت الله لهم في تلك السنة ما لم ينبته قبل ذلك من الكلأ والزرع، فقالوا: هذا ما كنا (٣) نتمنى وما كان ذلك الماء إلا نعمة علينا، فبعث الله عليهم الجراد) وهو معروف، والواحدة: جرادة (٤) ونبت مجرود قد أكل الجراد زورقه (٥).\n[وقال اللحياني: (أرض جَرِدَة ومَجرُودَة قد لحسها الجراد) (٦) وإذا\n_________\n(١) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٩/ ٣٤، من عدة طرق جيدة عن ابن عباس وسعيد بن جبير وقتادة والسدي ومحمد بن إسحاق، وأخرجه ابن أبي حاتم ٥/ ١٥٥٠ من عدة طرق جيدة عن ابن عباس، وأخرجه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ١/ ٢/ ٢٣٤، بسند جيد عن قتادة.\n(٢) في (ب): (لما أتى)، وهو تصحيف.\n(٣) لفظ: (كنا) ساقط من أصل (أ)، وملحق بالهامش.\n(٤) الذكر والأنثى فيه سواء يقال: جرادة ذكر وجرادة أنثى، كنملة وحمامة، مشتق من الجَرْد، أفاده السمين في \"الدر\" ٥/ ٤٣٤.\n(٥) زورقه: أي: خضرته، انظر: \"اللسان\" ٣/ ١٨٢٧ (زرق).\nوفي أصل (أ): (زورقها ثم صحح إلى زورقه)، ولعله ورقه، وفي (ب): (ونبت مجرود قد أكل الجراد والزرع) اهـ. وعند الرازي ١٤/ ٢١٨: (ونبت مجرود قد أكل الجراد ورقه) اهـ.\n(٦) \"تهذيب اللغة\" ١/ ٥٧٣ (جرد).","vol":"9","page":309},{"text":"أصاب الجراد الزرع] (١) قيل: جُرِد الزرع، وأصل هذا كله من الجَرْد وهو: أخذك الشيء من الشيء جرفًا وسحقًا، ومن هذا يقال للثوب الذي قد ذهب زِئْبِرُه (٢): جَرْد، وأرض جَرْداء: لا نبات فيها، ومكان أجْرَد (٣).\nقالوا: (فأكلت الجراد عامة زروعهم (٤) وثمارهم حتى إن كانت لتأكل الأبواب والسقوف حتى تقع دورهم ولا تدخل بيوت بني إسرائيل فعجّوا وأعطوا موسى عهد الله لئن كشف الله ذلك أن يؤمنوا، فدعا موسى فكشف الله الجراد بعد ما أقام عليهم سبعة أيام، وكان قد بقيت من غلاتهم بقية. فقالوا: قد بقي لنا ما هو كافينا فما نحن بتاركي ديننا، فبعث الله عليهم القُمّل).\nواختلفوا فيه. فقال ابن عباس في رواية عطاء: (هو الدبى) (٥) [ومثل ذلك روى الوالبي عنه (٦).\n_________\n(١) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).\n(٢) الزئبر، بالكسر مهموز: ما يعلو الثوب الجديد ويظهر من درز الثوب. انظر: \"اللسان\" ٣/ ١٧٩٩ (زأبر).\n(٣) انظر: \"العين\" ٦/ ٧٥ - ٧٧، و\"المنجد\" ص ١٦٥، و\"الجمهرة\" ١/ ٤٤٦، و\"الصحاح\" ٢/ ٤٥٥، و\"المجمل\" ١/ ١٨٦، و\"مقاييس اللغة\" ١/ ٤٥٢، و\"المفردات\" ص ١٩١، و\"اللسان\" ١/ ٥٨٧ (جرد).\n(٤) في (ب): (زرعهم).\n(٥) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٢٢٨ من رواية عطاء عن ابن عباس.\n(٦) أخرجه الطبري ٩/ ٣٢، ٣٣ من عدة طرق جيدة عن علي بن أبي طلحة، وعطية العوفي، والضحاك عن ابن عباس، وأخرجه ابن أبي حاتم ٥/ ١٥٤٦ من طرق عن عكرمة والضحاك عن ابن عباس.","vol":"9","page":310},{"text":"وهو قول مجاهد (١) والسدي وقتادة (٢) والكلبي (٣) قالوا: (القمل الدبى (٤): الصغار التي لا أجنحة لها] (٥».\nوقال عكرمة: (هي بنات الجراد) (٦). وهذا القول هو اختيار الفراء قال: (القُمّل الدبا التي لا أجنحة لها) (٧).\nوقال (٨) في رواية سعيد بن جبير: (القُمّل: هو السوس الذي يخرج من الحنطة). وهو قول الحسن وسعيد بن جبير قالا (٩): (القُمّل: دواب سود صغار) (١٠). وهو قول الليث في القُمَّل. قال: (هو الذّر الصغار) (١١).\n_________\n(١) \"تفسير مجاهد\" ١/ ٢٤٤.\n(٢) أخرجه الطبري ٩/ ٣٣ من طرق جيدة عن مجاهد وقتادة والسدي، وأخرجه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ١/ ٢/ ٢٣٤ بسند جيد عن قتادة.\n(٣) \"تنوير المقباس\" ٢/ ١٢١. وذكره هود الهواري في \"تفسيره\" ٢/ ٣٨ - ٣٩، والثعلبي ٦/ ١٠ أ، والواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٢٢٨، والبغوي ٣/ ٢٧٠.\n(٤) الدبى: قال في \"اللسان\" ٣/ ١٣٢٥ (دبى): (الدبى الجراد قبل أن يطير، وقيل: هو أصغر ما يكون من الجراد والنمل، وقيل: هو نوع يشبه الجراد) اهـ.\n(٥) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).\n(٦) أخرجه الطبري ٩/ ٣٣ بسند ضعيف.\n(٧) \"معاني الفراء\" ١/ ٣٩٢، وانظر: \"الزاهر\" ١/ ٢٢٢.\n(٨) قوله: (وقال) أي ابن عباس، وقد أخرجه الطبري ٩/ ٣٢، وابن أبي حاتم ٥/ ١٥٤٧ بسند جيد عنه.\n(٩) في (ب): (قال)، وهو تحريف.\n(١٠) أخرجه الطبري ٩/ ٣٣ بسند ضعيف عن سعيد بن جبير والحسن، وأخرجه الطبري ٩/ ٣٣، عن سعيد بن جبير بسند جيد من وجه آخر.\n(١١) \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٣٠٤٧، وانظر: \"العين\" ٥/ ١٧٦.","vol":"9","page":311},{"text":"وقال ابن السكيت: (القُمَّل شيء يقع في الزرع ليس بجراد فيأكل السنبلة وهي غضة قبل أن تخرج، فيطول الزرع ولا سنبل له) (١)، [قال] (٢) الأزهري: (وهذا هو الصحيح) (٣). وذكره عطاء (٤).\nقالوا: (فتتبع القُمّل ما بقي من حروثهم وأشجارهم فأكله ولحس الأرض كلها) هذا على قول من قال: إنه الدبى، ومن قال: إنه السوس، فقال سعيد بن جبير: (كان الرجل يخرج عشرة أقفزة (٥) إلى الرحى فلا يرد منها إلا ثلاثة أقفزة).\nوقال أبو عبيدة (٦) والأخفش (٧): (القُمل عند العرب: الحمنان وهي ضرب من القردان). وروى أبو عبيد عن أبي الحسن العدوي (٨): (القمل\n_________\n(١) \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٣٠٤٧.\n(٢) لفظ: (قال) ساقط من (ب).\n(٣) \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٣٠٤٧، وانظر: \"الجمهرة\" ٢/ ٩٧٤، و\"الصحاح\" ٥/ ١٨٠٥، و\"المجمل\" ٣/ ٧٣٤، و\"مقاييس اللغة\" ٥/ ٢٩، و\"المفردات\" ص ٦٨٤، و\"اللسان\" ٦/ ٣٧٤٣ (قمل).\n(٤) ذكره ابن أبي حاتم ٥/ ١٥٤٧، والثعلبي ٦/ ١٠ أ، والبغوي ٣/ ٢٧٠ عن عطاء الخرساني قال: (هو القَمْل) اهـ.\n(٥) القفيز: من المكاييل معروف، وهو مكيال تتواضع الناس عليه. انظر: \"اللسان\" ٦/ ٣٧٠١ (قفز)، والأثر أخرجه الطبري ٩/ ٣٤ بسند جيد فيه: (فكان الرجل يخرج عشرة أجربة إلى الرحى فلا يرد منها ثلاثة أقفزة) اهـ.\n(٦) \"مجاز القرآن\" ١/ ٢٢٦.\n(٧) ذكره الثعلبي ٦/ ١٠ أعن الأخفش ولم أقف عليه في \"معانيه\".\n(٨) أبو الحسن الأعرابي العدوي، لعله علي بن الحسن بن عبيد بن محمد الشيباني أبو الحسن المعروف بابن الأعرابي البغدادي، صاحب أدب ورواية للأخبار، روى عن أبي خالد يزيد بن يحيى الخزاعي وأبي العتاهية الشاعر وغيرهم، انظر: \"تاريخ بغداد\" ١١/ ٣٧٣، و\"اللباب\" لابن الأثير ١/ ٧٤.","vol":"9","page":312},{"text":"دواب صغار من جنس القردان إلا أنها أصغر منها، واحدتها قُمَّلة) (١) ويؤكد هذا القول ما روي عن أبي العالية (٢) في تفسير هذا الحرف قال: (أرسل الله الحمنان على دوابهم فأكلها حتى لم يقدروا على الميرة) (٣).\nقالوا: (وكان القمل يدخل (٤) بين ثوب أحدهم وبين جلده (٥) فيعضه، وأخذت أشعارهم وأبشارهم ولزم جلودهم كأنه الجُدري عليهم، ومنعهم النوم والقرار، وكل هذا من فعل القُراد، فصرخوا وصاحوا إلى موسى: إنا نتوب ولا نعود فادعُ لنا ربَّك، فدعا (٦) موسى، فرفعَ الله القملَ عنهم، فنكثوا وعادوا لأخبثِ أعمالِهم، فدعا موسى عليهم فأرسل الله عليهم الضفادع يدخل في طعامهم وشرابهم وأوانيهم وفرشهم، فكان أحدهم يُصبح وهو (٧) على فراشه متراكب، ويجلس الرجل إلى ذَقَنه في الضفادع ويهمّ أن يتكلم فيثب الضفدع في فيه، فبكوا وشكوا إلى موسى وقالوا: هذه المرة نتوب ولا نعود، فأخذ عهودهم ومواثيقهم ثم دعا ربه فكشف عنهم الضفادع فعادوا لكفرهم وتكذيبهم، فدعا عليهم موسى فأرسل الله (٨) عليهم\n_________\n(١) \"معاني النحاس\" ٣/ ٧٠، و\"تهذيب اللغة\" ٣/ ٣٠٤٧، وقال بعده النحاس: (وليس هذا بناقض لما قاله أهل التفسير لأنه يجوز أن تكون هذه الأشياء كلها أرسلت عليهم وهي كلها تجتمع في أنها تؤذيهم) اهـ.\n(٢) ذكره الثعلبي في \"الكشف\" ٦/ ١٠ ب.\n(٣) الميرة: الطعام يمتاره الناس ونحوه مما يجلب للبيع. انظر: \"اللسان\" ٧/ ٤٣٠٦ (مير).\n(٤) في (ب): (دخل)، وهو تحريف.\n(٥) في (ب): (جلدهم).\n(٦) في (ب): (لدعا)، وهو تحريف.\n(٧) في (أصل) (أ): (وهي) ثم صحح في الأعلى إلى (وهو) وهو الأولى.\n(٨) لفظ: (الله) ساقط من (ب).","vol":"9","page":313},{"text":"الدم، فسأل النيل عليهم دمًا، وصارت مياههم كلها دمًا، فكان الإسرائيلي إذا اغترف صار ماء، والقبطي يغترف دمًا) (١).\nوقوله تعالى: ﴿آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ﴾. قال المفسرون: (كان العذاب يمكث (٢) عليهم من السبت إلى السبت، وبين العذاب إلى العذاب شهر، فذلك معنى قوله: ﴿آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ﴾ (٣).\nوقال مجاهد: ﴿مُفَصَّلَاتٍ﴾: مبينات ظاهرات) (٤).\nقال الزجاج: (و﴿آيَاتٍ﴾ منصوبة على الحال (٥)، [وقوله: ﴿فَاسْتَكْبَرُوا﴾. قال ابن عباس (٦): (يريد: عن عبادة الله)] (٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1241>١٣٤ </span>- قوله (٨) تعالى: ﴿وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ﴾، ذكرنا معنى ﴿وَقَعَ﴾\n_________\n(١) سبق تخريجه.\n(٢) في (ب): (نكث)، وهو تحريف.\n(٣) انظر: \"تفسير الطبري\" ٩/ ٣٩، ٤٠، أخرجه عن ابن عباس وابن جريج وابن إسحاق من طرق جيدة، انظر: \"معاني الفراء\" ١/ ٣٩٣ والزجاج ٢/ ٣٧٠، و\"تفسير السمرقندي\" ١/ ٥٦٥، الماوردي ٢/ ٢٥٣.\n(٤) ذكره الهمداني في \"الفريد\" ٢/ ٣٤٩، القرطبي ٧/ ٢٧١، أخرج الطبري ٩/ ٤٠ بسند ضعيف عن مجاهد قال: (معلومات) اهـ. وقال ابن قتيبة في \"تفسير غريب القرآن\" ص ١٨٠: (أي: بين الآية والآية فصل ومدة) اهـ. وانظر: \"معاني النحاس\" ٣/ ٧١.\n(٥) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٧٠ انظر: \"إعراب النحاس\" ١/ ٦٣٤، و\"المشكل\" ١/ ٢٩٩، و\"البيان\" ١/ ٣٧١، و\"التبيان\" ص ٣٨٨، و\"الفريد\" ٢/ ٣٤٩، و\"الدر المصون\" ٥/ ٤٣٤.\n(٦) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٢٢٩، \"الرازي\" ١٤/ ٢١٨ بلا نسبة، وفي \"تنوير المقباس\" ٢/ ١٢٢ (أي: عن الإيمان ولم يؤمنوا) اهـ.\n(٧) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).\n(٨) في (ب): (وقوله تعالى).","vol":"9","page":314},{"text":"عند قوله: ﴿قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ﴾ [الأعراف: ٧١]. وذكر (١) الكلام في ﴿الرِّجْزُ﴾ عند قوله: ﴿فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا﴾ [البقرة: ٥٩] في البقرة، وهو اسم للعذاب الذي كانوا فيه من الجراد وما ذكر بعده، في قول ابن عباس (٢) والحسن (٣) ومجاهد وقتادة (٤).\nوقال سعيد بن جبير: ﴿الرِّجْزُ﴾ معناه هاهنا: الطاعون، وهو العذاب السادس؛ أصابهم فمات به من القبط سبعون ألف إنسان في يوم واحد) (٥).\n_________\n(١) لفظ: (وذكر) ساقط من (ب).\n(٢) أخرجه الطبري ٩/ ٣٤، ٣٥ بسند ضعيف، أخرج الطبري ٩/ ٤١، ابن أبي حاتم ٥/ ١٥٥٠، عن ابن عباس بسند جيد قال: (الطاعون).\n(٣) ذكره الماوردي ٢/ ٢٥٣، عن الحسن ومجاهد وقتادة وابن زيد.\n(٤) أخرجه الطبري ٩/ ٤١ من عدة طرق جيدة عن مجاهد وقتادة وابن زيد، وأخرجه ابن أبي حاتم ٥/ ١٥٥٠ بسند جيد عن مجاهد، أخرجه عبد الرزاق ١/ ٢/ ٢٣٤ بسند جيد عن قتادة.\n(٥) أخرجه الطبري ٩/ ٤٠ بسند لا بأس به.\nوالظاهر أن المراد به العذاب المتقدم الذكر من الطوفان وغيره وهو قول الجمهور. قال ابن عطية ٦/ ٥٣ بعد ذكر قول سعيد بن جبير المتقدم: (هذا ضعيف، هذه الأخبار وما شاكلها إنما تؤخذ من كتب بني إسرائيل فلذلك ضعفت) اهـ.\nوقال الرازي ١٤/ ٢١٩: (القول الأول أقوى؛ لأن لفظ الرجز مفرد محلى بالألف واللام فينصرف إلى المعهود السابق، وأما غيرها فمشكوك فيه، فحمل اللفظ على المعلوم أولى من حمله على المشكوك فيه) اهـ.\nوانظر: \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٢٧، و\"تفسير غريب القرآن\" ص ١٨٠، و\"تفسير الطبري\" ٩/ ٤١، و\"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٧٠، والنحاس ٣/ ٧١، و\"تفسير السمرقندي\" ١/ ٥٦٥.","vol":"9","page":315},{"text":"وقوله تعالى: ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ﴾. معنى العهد (١) في اللغة: المتقدم في الأمر، ومن هذا يقال للوصية: عهد؛ لأنه يتقدم فيه بالوثيقة، فمعنى قوله: ﴿بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ﴾، (أي: بما أوصاك وتقدم إليك أن تدعوه به)، وهو قول أبي العالية (٢).\nوقال عطاء عن ابن عباس (٣): (بما نبأك واستخصك).\nوقال المؤرج: (بما أعلمك) (٤). وكل هذا يعود معناه إلى [معنى] (٥) الوصية والتقدم (٦).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾، كانوا قد اخذوا بني إسرائيل بالكد الشديد (٧)، فوعدوا موسى -على دعائه بكشف العذاب عنهم- الإيمان به، والتخلية عن بني إسرائيل وإرسالهم معه يذهب بهم أين يشاء. وذكرنا هذا عند قوله: ﴿فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الأعراف: ١٠٥]\n_________\n(١) أصل العهد حفظ الشيء ومراعاته، والعهد: الوصية والتقدم إلى صاحبك بشيء. واليمين والأمان والموثق والذمة انظر: \"العين\" ١/ ١٠٢، الجمهرة ٢/ ٦٦٨، و\"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٦٠٦، و\"الصحاح\" ٢/ ٥١٥، و\"المجمل\" ٣/ ٦٣٤، و\"مقاييس اللغة\" ٤/ ١٦٧، و\"المفردات\" ص ٥٩١، و\"اللسان\" ٥/ ٣١٤٨ (عهد).\n(٢) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ٢/ ٢٣٠ دون نسبة.\n(٣) ذكره البغوي ٣/ ٢٧٢ عن عطاء فقط.\n(٤) لم أقف عليه.\n(٥) لفظ: \"معنى\" ساقط من (ب).\n(٦) انظر: \"مجاز القرآن\" ١/ ٢٢٧، و\"تفسير الطبري\" ٩/ ٤١، والماوردي ٢/ ٢٥٣، ابن الجوزي ٣/ ٢٥٢.\n(٧) هذا قول الزجاج في \"معانيه\" ٢/ ٣٧٠، وانظر: \"تفسير الطبري\" ٩/ ٤١ و\"معاني النحاس\" ٣/ ٧١.","vol":"9","page":316},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1242>١٣٥ </span>- قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ﴾. قال ابن عباس (١): (يريد: إلى الأجل الذي غرقهم (٢) الله فيه).\nوقوله تعالى: ﴿إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ﴾، أي: ينقضون العهد ولا يوفون بما عاهدوا، وأصل النكث أن تنكث أخلاق (٣) الأخبية والأكسية فتغزل ثانية، وهي تسمى: أنكاثًا وواحدها نِكْثُ، والذي ينكثها نكاث، ثم يقال: نكَث فلان عهده إذا نقضه بعد إحكامه كما ينكث مخيط الصوف بعد إبرامه (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1243>١٣٦ </span>- قوله تعالى: ﴿فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾، معنى الانتقام في [اللغة] (٥)\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي حاتم ٥/ ١٥٥٠ بسند ضعيف، وذكره السيوطي في \"الدر\" ٣/ ٢٠٧.\n(٢) في (ب): (عرفهم) وكذلك جاء عند الواحدي في \"الوسيط\" ٢/ ٢٣٠ وقال البغوي ٣/ ٢٧٢: (يعني إلى الغرق في اليم) اهـ.\nوقال ابن عطية ٦/ ٥٤: (الأجل يراد به غاية كل واحد منهم بما يخصه من الهلاك، والموت هذا اللازم من اللفظ كما تقول: أخذت كذا إلى وقت وأنت لا تريد وقتا بعينه، وقيل: الأجل هنا: الغرق؛ لأن أكثر هذه الطائفة مات منه فالإشارة هنا بالأجل إنما هي إلى الغرق، وهذا ليس بلازم لأنه لا بد أنه مات منهم قبل الغرق عالم وبقي بمصر خلق لم يغرق فأين الغرق من هؤلاء؟ وذكر بعض الناس أن معنى الكلام: ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ﴾ المؤجل ﴿إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ﴾ ومحصول هذا التأويل أن العذاب كان مؤجلًا، والمعنى الأول أفصح لأنه تضمن توعدا ما) اهـ. بتصرف.\n(٣) الأخلق: اللين الأملس المصمت، وثوب خلق بال. انظر: \"اللسان\" ٢/ ١٢٤٧.\n(٤) انظر: \"العين\" ٥/ ٣٥١، و\"الجمهرة\" ١/ ٤٣١، و\"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٦٥٨، و\"الصحاح\" ١/ ٢٩٥، و\"المجمل\" ٣/ ٨٨٤، و\"مقايس اللغة\" ٥/ ٤٧٥، و\"المفردات\" ص ٨٢٢، و\"اللسان\" ٨/ ٤٥٣٦ (نكث)\n(٥) لفظ: \"اللغة\" ساقط من (ب).","vol":"9","page":317},{"text":"سلب النعمة بالعذاب (١)، قال الليث: (انتقم إذا كافأه عقوبة بما صنع) (٢).\nوقوله تعالى: ﴿فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ﴾، أي: في البحر (٣) وأظنه (٤) قد مرَّ.\nوقوله تعالى: ﴿وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ﴾؛ اختلفوا في الكناية في ﴿عَنْهَا﴾؛ فقيل: إنها تعود إلى النقمة التي دلت عليها (انتقمنا)، والمعنى: وكانوا عن النقمة قبل حلولها ﴿غَافِلِينَ﴾ (٥)، وعلى هذا دل كلام ابن عباس؛ لأنه قال في قوله: ﴿عَنْهَا﴾: (عما يراد بهم من الغرق) (٦).\nوقيل: الكناية تعود إلى الآيات، وهو اختيار الزجاج لأنه قال: (أي: كانوا لا يعتبرون بالآيات التي تنزل بهم) (٧).\n_________\n(١) انظر: \"الجمهرة\" ٢/ ٩٧٧، و\"الصحاح\" ٥/ ٢٠٤٥، و\"المجمل\" ٣/ ٨٨٠، و\"مقاييس اللغة\" ٥/ ٤٦٤، و\"المفردات\" ص ٨٢٢، و\"اللسان\" ٨/ ٤٥٣١ (نقم).\n(٢) \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٦٥٤، وانظر: \"العين\" ٥/ ١٨١.\n(٣) هذا هو قول أهل اللغة والتفسير، انظر: \"مجاز القرآن\" ١/ ٢٢٧، و\"تفسير غريب القرآن\" ص ١٨٠، و\"تفسير الطبري\" ٩/ ٤٢، و\"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٧١، والنحاس ٣/ ٧٢، و\"تفسير السمرقندي\" ١/ ٥٦٥، وانظر: \"العين\" ٨/ ٤٣١، و\"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٩٨٤، و\"الصحاح\" ٥/ ٢٠٦٥، و\"مقاييس اللغة\" ٦/ ١٥٣، و\"المفردات\" ص ٨٩٣، و\"اللسان\" ٨/ ٤٩٦٦ (يمم).\n(٤) الظاهر أن لم يمر لأن أول موضع ورد فيه لفظ ﴿الْيَمِّ﴾ في هذه الآية، وانظر تعريف البحر عند الواحدي في \"البسيط\" البقرة: ٥٠.\n(٥) هذا هو قول الطبري في \"تفسيره\" ٩/ ٤٢، والبغوي ٣/ ٢٧٣.\n(٦) لم أقف عليه.\n(٧) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٧١، والنقمة من الآيات، وانظر: \"تفسير ابن الجوزي\" ٣/ ٢٥٢، والرازي ١٤/ ٢٢٠.","vol":"9","page":318},{"text":"فإن قيل على هذا: إن الغفلة حال تعتري الإنسان تنافي (١) الفطنة، وليست من فعل الإنسان، فلم جاء الوعيد على الغفلة؟\nوالجواب: أنهم تعرضوا (٢) لها حتى صاروا لا يفطنون بها، وقيل: إن الغفلة هاهنا المراد بها الإعراض (٣) عن الآيات، وهم أعرضوا عنها حتى صاروا كالغافلين عنها (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1244>١٣٧ </span>- قوله تعالى: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ﴾ الآية. معنى أورثناهم الأرض أي: مكناهم فيها بعد إهلاك من كان بها مع الحكم بأن لهم أن (٥) يتصرفوا فيها (٦).\nوقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ﴾. معنى الاستضعاف في اللغة: طلب الضعف (٧) بالاستطالة والقهر، ثم كثر حتى صار استضعفته\n_________\n(١) في (ب): (تعتري الإنسان ما في الفطنة)، وهو تحريف.\n(٢) في (ب): (يعرضوا).\n(٣) في (أ): (الإعراب).\n(٤) انظر: \"تفسير الطبري\" ٩/ ٤٢، وابن عطية ٦/ ٥٥، والرازي ١٤/ ٢٢١، وقال السمين في الدر ٥/ ٤٣٨: (قال الجمهور: إنهم تعاطوا أسباب الغفلة فذموا عليها كما يذم الناسي علي نسيانه لتعاطيه أسبابه) اهـ.\n(٥) لفظ: (أن) ساقط من (ب).\n(٦) انظر: \"تفسير الطبري\" ١٣/ ٧٦.\n(٧) الضَّعْف والضُّعْف بالفتح والضم لغتان خلاف القوة، وقيل: الضعف بالفتح في العقل والرأي، والضُعف بالضم في البدن، واستضعفته: وجدته ضعيفًا، وأضعفته أي: صيرته ضعيفًا.\nانظر: \"العين\" ١/ ٢٨١، و\"الجمهرة\" ٢/ ٩٠٣، و\"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢١١٩، و\"الصحاح\" ٤/ ١٣٩٠، و\"المجمل\" ٢/ ٥٦٢، و\"مقاييس اللغة\" ٣/ ٣٦٢، و\"المفردات\" ص ٥٠٦، و\"اللسان\" ٥/ ٢٥٨٧ (ضعف).","vol":"9","page":319},{"text":"بمعنى: وجدته ضعيفًا بامتحاني إياه، كأنه طلب حال ضعفه بمحنته فوجده. قال مقاتل (١)، والمفسرون (٢): ﴿يُسْتَضْعَفُونَ﴾ أي: بقتل الأبناء واستحياء النساء.\nوقوله تعالى: ﴿مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا﴾. [قال ابن عباس (٣) وغيره (٤): (يريد: مشارق أرض الشام ومصر، ومغاربها] (٥)، أي: جهات الشرق بها (٦) والغرب)، وهو قول الحسن وقتادة (٧).\nوقال مقاتل: (مشارق الأرض المقدسة ومغاربها) (٨)، فالأرض على هذا مخصوصة.\nوقال الزجاج: (فكان منهم داود وسليمان ملكا الأرض) (٩)، ذهب إلى أن الأرض هاهنا اسم الجنس ولم يخص (١٠).\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٥٩.\n(٢) انظر: \"تفسير الطبري\" ٩/ ٤٣، والماوردي ٢/ ٢٥٤، والبغوي ٣/ ٢٧٣.\n(٣) \"تنوير المقباس\" ٢/ ١٢٣.\n(٤) انظر: \"تفسير السمرقندي\" ١/ ٥٦٥، والماوردي ٢/ ٢٥٤، والبغوي ٣/ ٢٧٣، وابن الجوزي ٣/ ٢٥٣.\n(٥) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).\n(٦) لفظ: (بها) ساقط من (ب).\n(٧) أخرجه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ١/ ٢/ ٢٣٤ - ٢٣٥، والطبري ٩/ ٤٣، وابن أبي حاتم ٥/ ١٥٥١ من عدة طرق جيدة عن الحسن وقتادة، وهو قول سفيان الثوري في \"تفسيره\" ص ١١٣. وانظر: \"الدر المنثور\" ٣/ ٥٢٦.\n(٨) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٥٩، وزاد فيه: (وهي الأردن وفلسطين) اهـ.\n(٩) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٧١، وهو قول النحاس في \"معانيه\" ٣/ ٧٢.\n(١٠) أكثرهم على أن المراد: الشام؛ لأنها هي التي كانت تحت تصرف فرعون والمتصفة بأنها التي بارك فيها، وهو اختيار الطبري ٩/ ٤٣، وابن عطية ٦/ ٥٦، والرازي ١٤/ ٢٢١.","vol":"9","page":320},{"text":"وقوله: ﴿الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ أي: بإخراج الزروع والثمار والنبات والأشجار والعيون والأنهار.\nوقوله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾.\nقال ابن عباس: (يريد: مواعيد ربك التي لا خلف فيها ولا ناقض لها (١). ونحو ذلك قال الزجاج (٢) وغيره: (يعني: ما وعدهم الله من إهلاك عدوهم واستخلافهم في الأرض).\nقال مقاتل: (وهي الكلمة التي في القصص: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿يَحْذَرُونَ﴾ (٣) [القصص: ٥، ٦] وقال أهل المعاني: (معنى تمام الكلمة الحسنى: إنجاز الوعد الذي (٤) تقدم بإهلاك عدوهم واستخلافهم في الأرض، وإنما كان الإنجاز تمامًا (٥) للكلام لتمام (٦) النعمة به، وإنما قيل: ﴿الْحُسْنَى﴾ لأنه وعد بما يحبون) (٧).\nوقوله تعالى: ﴿بِمَا صَبَرُوا﴾. قال ابن عباس: (يريد: على عذاب فرعون وصنيعه بهم) (٨)، وهذا إخبار عن حسن عاقبة الصبر على الحق.\n_________\n(١) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ٢/ ٢٣١.\n(٢) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٧١ وهو قول الطبري ٩/ ٤٤، وأخرجه بسند جيد عن مجاهد.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٥٩، وقال النحاس في \"معانيه\" ٣/ ٧٢ - ٧٣: (قيل: يعني بالكلمة: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ١٢٩]) اهـ.\n(٤) في أصل (أ): (التي ثم صحح إلى الذي).\n(٥) في (أ): (تمام).\n(٦) لفظ: (لتمام) ساقط من (ب).\n(٧) انظر: \"تفسير الماوردي\" ٢/ ٢٥٤، والرازي ١٤/ ٢٢٢\n(٨) \"تنوير المقباس\" ٢/ ١٢٣، وذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٢٣١ بلا نسبة.","vol":"9","page":321},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَدَمَّرْنَا﴾. قال الليث (١): (الدمار استئصال الهلاك، يقال: دَمَرَ القومُ يَدْمُرُون دَمَارا، أي: هلكوا ودَمَرَهم مَقَتَهم ودمَّر عليهم تدميرًا) (٢).\nوقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ﴾. قال ابن عباس: (يريد: المصانع (٣)، ﴿وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ﴾، أي: يسقفون من القصور) (٤) ونحو ذلك.\nقال مجاهد: (أي: يبنون البيوت والقصور والمساكن) (٥).\nقال الزجاج (٦): (يقال: عَرَشَ يعرُش [ويعرِش] (٧) إذا بني).\nوقال مقاتل: (أهلكنا ما عمل فرعون وقومه بأرض مصر وما بنوا من المنازل والبيوت) (٨).\n_________\n(١) \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٢٢٥، وانظر: \"العين\" ٨/ ٣٩، و\"الجمهرة\" ٢/ ٦٣٨، و\"الصحاح\" ٢/ ٦٥٩، و\"المجمل\" ٢/ ٣٣٥، و\"مقاييس اللغة\" ٢/ ٣٠٠، و\"المفردات\" ص ٣١٨، و\"اللسان\" ٣/ ١٤٢٠ (دمر).\n(٢) في \"تهذيب اللغة\" (ودمرهم الله تدميرًا).\n(٣) ذكره الرازي ١٤/ ٢٢٢.\n(٤) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ٢/ ٢٣١، وأخرج الطبري ٩/ ٤٤، وابن أبي حاتم ٥/ ١٥٥٢، عن ابن عباس بسند جيد قال: (يبنون).\n(٥) \"تفسير مجاهد\" ١/ ٢٤٥، وأخرجه \"الطبري\" ٩/ ٤٤، و\"ابن أبي حاتم\" ٥/ ١٥٥٢ من طرق جيدة، وفيه: (يبنون البيوت والمساكن ما بلغت وكان عنبهم غير معروش) اهـ.\n(٦) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٧١.\n(٧) لفظ: (ويعرش) ساقط من (ب)، وهو بكسر الراء، والثاني بضمها عَرش يَعْرش ويَعْرُش. وانظر: \"اللسان\" ٥/ ٢٨٨١ (عرش).\n(٨) \"تفسر مقاتل\" ٢/ ٦٠.","vol":"9","page":322},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1245>١٣٨ </span>- قوله تعالى: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ﴾، يقال: جاوز الوادي إذا قطعه وخلفه وراءه، وجاوز بغيره عبر به (١).\n﴿فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ﴾، قال ابن عباس: (يعبدونها مقيمين عليها) (٢).\nقال الزجاج: (يواظبون عليها و(٣) يلازمونها، يقال لكل من لزم شيئًا وواظب عليه (٤): عكَف يعكُف ويعكِف، ومن هذا قيل لملازم المسجد: معتكف) (٥)، وكل واحد من الكسر والضم في عينى الكلمتين لغة مثل: يعرُش ويعرِش ويبطُش (٦) ويبطِش.\n_________\n(١) الجوز: قطع الشيء يقال: جُزْت الموضع سلكته وسرت فيه وأَجَزتْه خلفته وقطعته وأجزْته نَفذتُه، وجَاوَزْت الشيء إلى غيره وَتَجاوَزته بمعنى جزته.\nانظر: \"العين\" ٦/ ١٦٥، و\"تهذيب اللغة\" ١/ ٥١٩، و\"الصحاح\" ٣/ ٨٧٠، و\"المجمل\" ١/ ٢٠٣، و\"مقاييس اللغة\" ١/ ٤٩٤، و\"المفردات\" ص ٢١١، و\"اللسان\" ٢/ ٧٢٤ (جوز).\n(٢) \"تنوير المقباس\" ٢/ ١٢٣، وذكره الواحدي في \"الوسيط\" ٢/ ٢٣١.\n(٣) (الواو) ساقطة من (ب).\n(٤) في (ب): (عليها)، وهو تحريف\n(٥) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٧١، ونحوه قال النحاس في \"معانيه\" ٣/ ٧٣، وانظر: \"مجاز القرآن\" ١/ ٢٢٧، و\"تفسير غريب القرآن\" ص ١٨٠.\n(٦) هذا قول أبي علي في \"الحجة\" ٤/ ٧٤ - ٧٥ والضم والكسر في ﴿يَعْرِشُونَ﴾ و﴿يَعْكُفُونَ﴾ لغة وقراءة سبعية، قرأ ابن عامر وأبو بكر عن عاصم: ﴿يَعْرِشُونَ﴾ بضم الراء، وقرأ الباقون بكسرها، وقرأ حمزة والكسائي: ﴿يَعْكُفُونَ﴾ بكسر الكاف، والباقون بضمها. انظر: \"السبعة\" ص ٢٩٢، و\"المبسوط\" ص ١٨٤، و\"التذكرة\" ٢/ ٤٢٤، و\"التيسير\" ص ١١٣، و\"النشر\" ٢/ ٢٧١، وانظر توجيه القراءة في \"معاني القراءات\" ١/ ٤٢١، و\"إعراب القراءات\" ١/ ٢٠٤، و\"الحجة\" لابن خالويه ص ١٦٢، ولابن زنجلة ص ٢٩٤، و\"الكشف\" ١/ ٤٧٥.","vol":"9","page":323},{"text":"قال قتادة؛ (١): (كان أولئك القوم من لخم (٢) وكانوا نزولا بالرقة) (٣)\nوقال ابن جريج: (كانت تلك الأصنام تماثيل بقر وذلك أول شأن العجل) (٤).\nوقوله تعالى: ﴿قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾، قال عطاء: (يريد: من دون الله. ﴿قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ يريد: جهلتم نعمة ربكم وما صنع بكم) (٥).\nقال أهل المعاني: (هذه الآية تخبر عن جهل عظيم من بني إسرائيل؛ حيث توهموا أنه يجوز عبادة غير الله بعد ما رأوا الآيات التي توالت على قوم فرعون حتى غرّقهم الله في البحر بكفرهم وعبادتهم غيره، فلم يردعهم ذلك عن أن قالوا لنبيهم: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ (٦).\n_________\n(١) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٢٣٢، والبغوي ٣/ ٢٧٣، وابن الجوزي ٣/ ٢٥٤، وأخرج الطبري ٩/ ٤٥، وابن أبي حاتم ٥/ ١٥٥٣ بسند ضعيف عن قتادة قال: (على أصنام لهم على لخم).\n(٢) لَخْم: قبيلة من كهلان، ولخم أخو جُذام عم كندة وهم حي من اليمن ومنهم كانت ملوك العرب في الجاهلية، ونزلوا الحيرة وهم آل عمرو بن عدي بن نصر اللخمي، وقيل هم آل المنذر.\nانظر: \"اللسان\" ٧/ ٤٠١٨ (لخم)، و\"نهاية الأرب\" ص ٣٦٧.\n(٣) الرَّقَّة، بالفتح: مدينة مشهورة على الفرات من بلاد الجزيرة بينها وبين حَران ثلاثة أيام، ويقال لها: الرقة البيضاء. انظر: \"معجم البلدان\" ٣/ ٥٩.\n(٤) أخرجه الطبري ٩/ ٤٥ بسند جيد.\n(٥) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ٢/ ٢٣٢، عن ابن عباس قال: (جهلتم نعمة ربكم فيما صنع بكم).\n(٦) انظر: \"تفسير الطبري\" ٩/ ٤٥، والسمرقندي ١/ ٥٦٦، وابن الجوزي ٣/ ٢٥٤.","vol":"9","page":324},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1246>١٣٩ </span>- قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ﴾. قال الليث: (التَّبار (١) الهلاك، تَبِرَ الشيءُ يَتْبَرُ تبارًا، والتتبير الإهلاك) (٢). ومنه قوله: ﴿تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا﴾ (٣) [الفرقان: ٣٩]. قال المفسرون: ﴿مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ﴾ مهلك ومدمر (٤).\nوقوله تعالى: ﴿وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. قال ابن عباس: (يريد: أن عملهم للشيطان، وليس لله فيه نصيب) (٥).\nقال أهل المعاني (٦): (ومعنى البطلان انتفاء الشيء بعدمه أو بعدم معناه، والمعنى في بطلان عملهم: إنه لا يعود عليهم بنفع ولا بدفع ضر، فكأنه بمنزلة ما لم يكن من هذا الوجه، وهذا بيان عن حال من عمل لغير الله كيف يصير أمره إلى الهلاك وعمله إلى الشيطان (٧».\n_________\n(١) التبر: الكسر والإهلاك وتبرة تتبيرًا أي: كسره وأهلكه وكل شيء كَسَرته فقد تبرته. انظر: \"الجمهرة\" ١/ ٢٥٣، و\"الصحاح\" ٢/ ٦٠٠، و\"المجمل\" ١/ ١٥٣، و\"مقاييس اللغة\" ١/ ٣٦٢، و\"المفردات\" ص ١٦٢، و\"اللسان\" ١/ ٤١٦ (تبر).\n(٢) \"العين\" ٨/ ١١٧، وفي \"تهذيب اللغة\" ١/ ٤٢٥، عن الليث قال: (تَبِر الشيء يَتْبِرُ تَبارًا).\n(٣) جاء في النسخ: (تبرناهم تتبيرًا)، وهو تحريف.\n(٤) انظر: \"مجاز القرآن\" ١/ ٢٢٧، و\"غريب القرآن\" لليزيدي ص ١٥٠، و\"تفسير غريب القرآن\" ص١٨٠، و\"تفسير الطبري\" ٩/ ٤٦، وأخرجه بسند جيد عن السدي، وانظر: \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٧١، والنحاس ٣/ ٧٣، و\"تفسير السمرقندي\" ١/ ٥٦٦، والماوردي ٢/ ٢٥٥.\n(٥) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ٢/ ٢٣٣.\n(٦) انظر: \"تفسير الطبري\" ٩/ ٤٦، والرازي ١٤/ ٢٢٤\n(٧) في: (ب): (إلى البطلان).","vol":"9","page":325},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1247>١٤٠ </span>- قوله تعالى: ﴿قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا﴾، يقال: بغيت (١) فلانا شيئا وبغيته له، قال الله تعالى: ﴿يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ﴾ [التوبة: ٤٧] أي: يبغون لكم، وقال كعب بن زهير:\nإذا ما نَتَجْنَا أَرْبَعًا عام كُفْأَةٍ ... بَغَاها خَنَاسِيرًا فأهْلَكَ أَرْبَعا (٢)\nأي: بغى لها خناسير وهي الدواهي، وفي انتصاب قوله: ﴿إِلَهًا﴾ وجهان:\nأحدهما: الحال كأنه قيل: أطلب لكم غير الله معبودًا، ونصب (غير) في هذا (٣) على المفعول به.\n[الثاني: أن ينصب: ﴿إِلَهًا﴾ على المفعول به] (٤)، و(غير) على الحال المقدمة التي لو تأخرت كانت صفة، كما تقول: أبغيكم إلهًا غير الله (٥).\n_________\n(١) البغي: بالفتح طلب الشيء. يقال: بَغَيْت الشيء أبغيه: إذا طلبته، وَبَغَيتك الشيء: إذا طلبته لك، وأَبغْيتُك الشيء: إذا أَعْنتُك على طلبه، وأبغيتك الشيء أيضًا جعلتك طالبًا له. انظر: \"العين\" ٤/ ٤٥٣، و\"الجمهرة\" ١/ ٣٧١، و\"البارع\" ٤٣٤، و\"الصحاح\" ٦/ ٢٢٨٢، و\"المجمل\" ٢/ ١٢٩، و\"مقاييس اللغة\" ١/ ٢٧١، و\"المفردات\" ص ١٣٦، و\"اللسان\" ١/ ٣٢٢ (بغي).\n(٢) \"ديوانه\" ص ٤٣، و\"إصلاح المنطق\" ص ١١٣، و\"تهذيب اللغة\" ١/ ٣٦٧، و\"اللسان\" ١/ ٣٢٢ (بغى)، والكفأة: نتاج عام واحد، والخناسير: الدواهي والمصائب. يقول: إنه لا حظ له إذ أنتج أربع نوق عدت عليه عوادي الزمن فأهلكتها، ولم تبق منها شيئًا. انظر: \"حاشية الديوان\"، و\"تهذيب إصلاح المنطق\" ١/ ٣١٥.\n(٣) في (ب): (ونصب غير في هذا الوجه على المفعول به).\n(٤) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).\n(٥) قال السمين في \"الدر\" ٥/ ٤٤٥: (في نصب (غير) وجهان أحدهما: أنه مفعول به لأبغيكم تقديره: أبغي لكم غير الله أي: أطلب لكم، وفي (إلهًا) على هذا وجهان: =","vol":"9","page":326},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾. قال ابن عباس: (يريد: أكرمكم من بين الخلائق أجمعين) (١).\nوفي هذا قولان: أحدهما تخصيص ﴿الْعَالَمِينَ﴾ بأن يقال: عالمي زمانهم، وهو قول الحسن (٢) والمفسرين (٣)، والثاني: التفضيل (٤)، وهو أن يقال: أراد بقوله: ﴿وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ ما خصهم (٥) به من الآيات وإرسال موسى وهارون نبيين منهم، وإهلاك عدوهم في البحر وإنجائهم منهم، إلى غير ذلك مما فضلوا فيه خاصًا على جميع العالمين، ثم غيرهم يفضلهم في غير هذه الآيات، مثال هذا: رجل يعلم علمًا واحدًا ففاخره إنسان يعلم كثيرا من العلوم ولا يعلم ذلك العلم الواحد، فصاحب العلم الواحد يفضل عليه (٦) بذلك العلم الواحد، ثم يفضل صاحب العلوم\n_________\n= أحدهما: وهو الظاهر أنه تمييز لغير. والثاني أنه حال. وفيه نظر. والثاني من وجهي غير: أنه منصوب على الحال من (إلها) و(إلهًا) هو المفعول به لأبغيكم، والأصل: أبغي لكم إلهًا غير الله، فغير الله صفة لإله، فلما قدمت صفة النكرة عليها نصت حالًا) اهـ. ملخصًا.\nوانظر: \"إعراب النحاس\" ١/ ٦٣٥، و\"المشكل\" ١/ ٣٠١، و\"البيان\" ١/ ٣٧٣، و\"التبيان\" ص ٣٨٩، و\"الفريد\" ٢/ ٣٥٤.\n(١) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ٢/ ٢٣٣.\n(٢) لم أقف عليه.\n(٣) انظر: \"تفسير الطبري\" ٩/ ٤٦، والسمرقندي ١/ ٥٦٦، وقال ابن الجوزي في \"تفسيره\" ٣/ ٢٥٤: (قال المفسرون منهم ابن عباس ومجاهد: العالمون هاهنا عالمو زمانهم) اهـ.\n(٤) في (ب): (والثاني تخصيص الفضل وهو أن يقال ..).\n(٥) في (ب): (ما خصصهم).\n(٦) قوله: (يفضل عليه بذلك العلم الواحد) مكرر في (ب).","vol":"9","page":327},{"text":"ويصير حقيقة الفضل له، ولكن لا ينكر تفضيل الأول عليه بما خُص به، وهذا قول أهل النظر (١)، وهذه الأية تضمنت توبيخا لهم حين (٢) طلبوا إلها غير الله، وهو الذي ينال كل الخير وكل النعم منه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1248>١٤١ </span>- قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾. مفسر إلى آخر الآية في سورة البقرة (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1249>١٤٢ </span>- قوله تعالى: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً﴾، قال أبو على الفارسي (٤) وغيره من النحويين (٥): (تقدير الآية: وواعدنا موسى انقضاء ثلاثين ليلة يترقب بعدها المفاجأة). وقد بينا هذا بيانًا شافيا في سورة البقرة (٦).\n_________\n(١) انظر: \"تفسير الرازي\" ١٤/ ٢٢٥، وقال ابن عطية في \"تفسيره\" ٦/ ٦٢: (العالمين لفظ عام يراد به تخصيص عالم زمانهم لأن أمة محمد - ﷺ - أفضل منهم بإجماع، اللهم إلا أن يراد بالفضل كثرة الأنبياء منهم فإنهم فضلوا في ذلك على العالمين بالإطلاق) اهـ.\n(٢) في (ب): (حتى).\n(٣) انظر: \"البسيط\" البقرة: ٤٩.\n(٤) انظر: \"الحجة\" لأبي علي ٢/ ٦٤ - ٦٥، و\"الإغفال\" ص ١١٠٢.\n(٥) انظر: \"معاني الأخفش\" ١/ ٩٣، و\"معاني الزجاج\" ١/ ١٣٣، و\"تفسير الطبري\" ١/ ٢٨٠، و\"إعراب النحاس\" ١/ ٦٣٥، و\"المشكل\" ١/ ٩٤، قال الطبري ١/ ٢٨٠ في معنى آية البقرة ٥٢: ﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾. المعنى: (وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة بتمامها، فالأربعون ليلة كلها داخلة في الميعاد، وقد زعم بعض نحويي البصرة أن معناه: وإذ واعدنا موسى انقضاء أربعين ليلة أي: رأس الأربعين - وذلك خلاف ما جاءت به الرواية عن أهل التأويل وخلاف ظاهر التلاوة) اهـ. وقال ابن عطية ٦/ ٦٥: (وكل المفسرين على أن الأربعين كلها ميعاد) اهـ.\n(٦) انظر: \"البسيط\" البقرة: ٥٢.","vol":"9","page":328},{"text":"قال ابن عباس (١) والمفسرون (٢): (كانت (٣) تلك الثلاثين ذو القعدة، أمره الله تعالى أن يصوم فيها ويتفرد للعبادة، ويعمل فيها بما يقربه إلى الله ﷿ ليكلمه، فلما انسلخ الشهر استاك موسى لمناجاة ربه يريد إزالة (٤) الخلوف) (٥).\nوقال أبو العالية: (أكل من لحاء شجرٍ فأوحى الله إليه: يا موسى لا كلمتك حتى يعود فوك على (٦) ما كان عليه، أما علمت أن رائحة الصائم أحب إلي من ريح المسك، وأمره بصيام عشرة أيام من ذي الحجة ليكلمه بخلوف فيه، فذلك قوله: ﴿وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ﴾) (٧).\nوقوله تعالى: ﴿فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾. الميقات (٨) ما قدر\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي حاتم ٥/ ١٥٥٦ بسند جيد، وذكره الواحدي في \"الوسيط\" ٢/ ٢٣٤، وابن الجوزي ٣/ ٢٥٥، والسيوطي في \"الدر\" ٣/ ٢١٤.\n(٢) أخرج عبد الرزاق في \"تفسيره\" ١/ ٢/ ٢٣٦، والطبري ٩/ ٤٧ - ٤٨ من طرق جيدة عن مجاهد نحوه، وانظر: \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٧٢، والنحاس ٣/ ٧٤، و\"تفسير السمرقندي\" ١/ ٥٦٧، وابن كثير ٢/ ٢٧١.\n(٣) في النسخ: (كان) والأولى (كانت).\n(٤) في (ب): (يريد لإزالة الخلوف).\n(٥) الخلوف، بالضم: تغير رائحة الفم لتأخر الطعام. انظر: \"اللسان\" ٢/ ١٢٤١ (خلف).\n(٦) في (ب): (يعود فوك كما كان عليه).\n(٧) ذكره الثعلبي في \"الكشف\" ١٩٦ أ، والبغوي ٣/ ٢٧٥.\n(٨) الميقات: مصدر الوقت، وهو الوقت المضروب للفعل والموضع. قال السمين في \"الدر\" ٥/ ٤٤٦ - ٤٤٧: (الفرق بين الميقات والوقت، أن الميقات ما قدر فيه عمل من الأعمال، والوقت وقت للشيء من غير تقدير عمل أو تقديره) اهـ. وانظر: \"العين\" ٥/ ١٩٩، و\"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٩٢٨، و\"الصحاح\" ١/ ٢٦٩، و\"مقاييس اللغة\" ٦/ ١٣١، و\"المفردات\" ص ٨٧٩، و\"اللسان\" ٨/ ٤٨٨٧ (وقت).","vol":"9","page":329},{"text":"ليعمل فيه عمل من الأعمال، ولهذا قيل: مواقيت الحج، وهي المواضع التي (١) قدرت للإحرام به، فمعنى قوله: ﴿فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾. أي: تم الوقت الذي قدره الله لصوم موسى وعبادته أربعين ليلة (٢).\nقال أبو علي الفارسي: (هذا كقولك: تم القوم عشرين (٣) رجلًا، والمعنى: تم القوم معدودين هذا العدد، كذلك تم الميقات معدودًا هذا العدد (٤)، وقد جاء (الميقات) في موضع (الميعاد)، كما جاء (الوقت) في موضع الوعد في قوله: ﴿إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾ [الحجر: ٣٨]، ومما يبين تقاربهما قوله: ﴿فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ﴾ (٥) [الأعراف: ١٤٢]، وفي الأخرى ﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ [البقرة: ٥١]، وقال: ﴿وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ﴾ [البروج: ٢]، وقال: ﴿إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾ [الحجر: ٣٨]، وقال: ﴿إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ (٦) [الواقعة: ٥٠]، فإن قيل فلم قال: ﴿فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾، وقد دل ما تقدم على هذا؟، قيل: للبيان الذي لا يجوز معه توهم (٧) أتممنا الثلاثين بعشر منها. كأنه كان عشرين ليلة ثم أتم بعشر فصار ثلاثين (٨).\n_________\n(١) في أصل: (أ): (الذي) ثم صحح إلى (التي).\n(٢) لفظ: (ليلة) ساقط من (أ).\n(٣) في النسخ: (عشرون)، وهو تحريف.\n(٤) وعليه يكون نصب: أربعين على الحال أي: تم ميقات ربه معدودًا أربعين ليلة. انظر: \"المشكل\" ١/ ٣٠١، و\"البيان\" ١/ ٣٧٤، و\"التبيان\" ص ٣٩٠، و\"الفريد\" ٢/ ٣٥٦، و\"الدر المصون\" ٥/ ٤٤٧.\n(٥) لفظ: (فتم) ساقط من (ب).\n(٦) \"الحجة\" لأبي علي ٢/ ٦٥.\n(٧) جاء في هامش (أ) زيادة: (توهم مضاف للجملة ..) وزيادة كلام لم أستطع معرفته.\n(٨) أكثرهم على أن الجملة تأكيد وإيضاح، وقيل: إنها لإزالة توهم أن تكون عشر =","vol":"9","page":330},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي﴾. يقال: (١) خَلَفَ فلان مكان فلان يَخْلُفُ (٢) إذا كان في مكانه. قال المفسرون: (فلما أراد موسى الانطلاق إلى الجبل استخلف أخاه هارون على قومي) (٣). وقال الفراء: (يقال: خلفتك، أي: كنت خليفتك، فأنا أخلفك خلافة) (٤).\nوقوله تعالى: ﴿وَأَصْلِحْ﴾. قال ابن عباس: (يريد: الرفق بهم والإحسان إليهم) (٥)، فعلى هذا معناه: وأصلح أمرهم، ﴿وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾، (أي: طريق العاصين). قاله ابن عباس والكلبي (٦)؛ كأنه يقول: لا تطع من عصى الله ولا توافقه على أمره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1250>١٤٣ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا﴾، قال الزجاج: (أي: في الوقت الذي وقتنا له) (٧)، ﴿وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾. قال المفسرون: (خص الله\n_________\n= ساعات، وقيل: فائدتها إزالة توهم العشر من الثلاثين، وقال السمين في \"الدر\" ٥/ ٤٤٨: (الجملة الظاهر أنها للتأكيد، وقيل: هي للتأسيس لاحتمال أن يتوهم متوهم بعشر ساعات أو غير ذلك وهو بعيد جدًّا) اهـ. ملخصًا. وانظر: \"معاني النحاس\" ٣/ ٧٤، و\"إعراب النحاس\" ١/ ٦٣٥، و\"المشكل\" ١/ ٣٠١، و\"تفسير الماوردي\" ٢/ ٢٥٦، وابن عطية ٦/ ٦٦، وابن الجوزي ٣/ ٢٥٥، الرازي ١٤/ ٢٢٦، و\"الفريد\" ٢/ ٣٥٥، و\"البحر\" ٤/ ٣٨١.\n(١) في (ب): (فقال)، وهو تحريف.\n(٢) الخلافة: النيابة عن الغير، وخلف فلان فلانا قام بالأمر عنه. انظر: \"العين\" ٤/ ٢٦٥، و\"تهذيب اللغة\" ١/ ١٠٨٩، و\"الصحاح\" ٤/ ١٣٥٤، و\"مقاييس اللغة\" ٢/ ٢١٠، و\"المفردات\" ص ٢٩٤، و\"اللسان\" ٢/ ١٢٣٥ (خلف).\n(٣) انظر: \"تفسير الطبري\" ٩/ ٤٨، والسمرقندي ١/ ٥٦٧، والبغوي ٣/ ٢٧٥.\n(٤) لم أقف عليه بعد طول بحث عنه.\n(٥) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ٢/ ٢٣٤، والبغوي ٣/ ٢٧٥، والخازن ٢/ ٢٨١.\n(٦) \"تنوير المقباس\" ٢/ ١٢٥.\n(٧) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٧٢، ونحوه قال الطبري ٩/ ٤٩، والنحاس في \"معانيه\" ٣/ ٧٤.","vol":"9","page":331},{"text":"تعالى (١) موسى ﵇ بأن أسمعه كلامه من غير أن يكون بينهما أحد، فلما سمع كلام الله تعالى ﴿قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾) (٢).\nقال الزجاج: (المعنى: أرني نفسك انظر إليك) (٣)، وهذا يقطع بأن موسى سأل رؤية الباري، ولو كانت الرؤيا لا تصح في وصفه ما سأل موسى ذلك؛ لأنه كان أعلم بالله من أن يسأله ما يستحيل في وصفه، وليس يحتمل قوله: ﴿أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ إلا أنه سأله أن يريه نفسه لينظر إليه، وليس يصح أن يقال: إنه سأل أمرًا عظيما على تقدير: أرني أمرًا، أنظر إلى أمرك، ثم حذف المفعول والمضاف؛ لأن سياق الآية يدل على بطلان هذا، وهو قوله: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ ﴿فَسَوْفَ تَرَانِي﴾ ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ﴾. ولا يجوز أن يحمل جميع هذا على حذف المضاف، ولأنه لو سأل آية وأمرًا لأعطاه الله تعالى ما سأل كما أعطاه سائر الآيات، وأي معنى لإحالته على استقرار الجبل ووقوعه مغشيًا عليه، وتوبته بعد ذلك، هذا كله لا يكون في سؤاله أمرًا وعلامة (٤).\nقال أبو إسحاق: (ليس في الكلام دليل على أن موسى أراد أن يرى أمرًا عظيما من أمر الله ﷿؛ لأن الله تعالى أراه من الآيات ما لا غاية بعده: العصا، واليد، وفرق البحر، فكان يستغنى بما أراه عن أن يطلب أمرًا من أمر الله ﷿ عظيما، ولكنه لما سمع كلام الله تعالى (٥) ﴿قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ\n_________\n(١) لفظ: (تعالى) ساقط من (ب).\n(٢) انظر: \"تفسير الطبري\" ٩/ ٤٩ - ٥٠، وقد أخرجه من طرف جيدة عن السدي وابن إسحاق والربيع بن أنس وانظر: \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٧٣، والسمرقندي ١/ ٥٦٧.\n(٣) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٧٣.\n(٤) انظر: \"بدائع التفسير\" ٢/ ٢٦٤ - ٢٦٦.\n(٥) لفظ: (تعالى) ساقط من (أ).","vol":"9","page":332},{"text":"إِلَيْكَ﴾، أي: قد سمعت كلامك فأنا أحب أن أراك) (١)\nوقوله تعالى: ﴿قَالَ لَنْ تَرَانِي﴾. هذا (٢) أيضًا دليل على جواز الرؤية، لأنه لو كان مستحيل الرؤية لقال: لا أرى، ألا ترى أنه لو كان في يد رجل حجر فقال له إنسان: ناولني هذا لآكل، فإنه يقول: (هذا لا يؤكل)، ولا يقول: لا تأكل، ولو كان في يده بدل الحجر تفاحة لقال: لا تأكل، أي: هذا مما يؤكل ولكنك لا تأكل.\nوفي قوله: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ إبطال قول من يقول: إن موسى سأل الرؤية لقومه؛ لأنهم (٣) قالوا ﴿أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [النساء: ١٥٣]، فسأل موسى الرؤية ليتبين لهم أن ذلك لا يجوز، وذلك أنه لو كان سؤال الرؤية لقومه لقال (٤): لن يروني، ولقال موسى: أرهم (٥)، فلما قال ﴿أَرِنِي﴾ وقيل له: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ بطل أن يكون السؤال لقومه، وقول من قال: إن (لن) (٦) للتأبيد دعوى على أهل اللغة، وليس يشهد لذلك كتاب ولا نقل ولا إسناد ولا أصل (٧)، ولكن معنى قول: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ أي: في الدنيا كما قال عبد العزيز\n_________\n(١) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٧٤ وزاد فيه: (وهذا خطأ لا يعرفه أهل اللغة) اهـ.\n(٢) في (ب): (في هذا أيضًا دليل).\n(٣) انظر: \"الكشاف\" ٢/ ١١٣.\n(٤) في (أ): (قال)، وهو تحريف.\n(٥) في (ب): (أراهم)، وهو تحريف.\n(٦) لفظ: (لن) ساقط من (ب).\n(٧) لن: حرف يدل على النفي في المستقبل، قال ابن هشام في \"المغني\" ١/ ٢٨٤: (لن حرف نفي واستقبال ولا تفيد توكيد النفي ولا تأبيده خلافا للزمخشري وكلاهما دعوى بلا دليل) اهـ. انظر: \"العين\" ٨/ ٣٥٠، و\"الكتاب\" ٤/ ٢٢٠، و\"حروف المعاني\" ص ٨، و\"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٣٠٣، و\"معاني الحروف\" ص ١٠٠، و\"رصف المباني\" ص ٣٥٥، و\"اللسان\" ٧/ ٤٠٨٢ (لن).","vol":"9","page":333},{"text":"بن يحيى الكناني: قال: (قوله: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ جواب قول موسى ﴿أَرِنِي﴾ فلا يقع على الآخرة؛ لأن موسى لم يقل: أرني في الآخرة، إنما سأل الرؤية في الدنيا فأجيب عما سأل) (١)، والجواب يكون على وفق السؤال؛ كيف وقد نص ابن عباس في رواية عطاء في قوله: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾. قال: (لن تراني في الدنيا) (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾. قال مقاتل: (لما قال موسى: ﴿أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ قال له ربه: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾، ولكن اجعل بيني وبينك ما هو أقوى منك، وهو الجبل ﴿فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ﴾ أي: سكن وثبت ﴿فَسَوْفَ تَرَانِي﴾، وإن لم يستقر مكانه فإنك لا تطيق رؤيتي، كما أن الجبل لا يطيق رؤيتي) (٣).\nقال الكلبي (٤) وغيره (٥): (والجبل في قوله: ﴿وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ﴾\n_________\n(١) (ولا أصل) ساقط من (ب)، ونقل قول الواحدي الرازي في \"تفسيره\" ١٤/ ٢٣٣.\n(٢) ذكره الثعلبي في \"الكشف\" ١٩٦ أ.\n(٣) \"تنوير المقباس\" ٢/ ١٢٥. وذكره الواحدي في \"الوسيط\" ٢/ ٢٣٦، وابن الجوزي ٣/ ٢٥٦، وهذا هو الحق ومذهب أهل السنة والجماعة.\nقال ابن كثير ٢/ ٢٧٢: (استدل المعتزلة على نفي الرؤية في الدنيا والآخرة بهذه الآية وهذا أضعف الأقوال؛ لأنه قد تواترت الأحاديث عن رسول الله - ﷺ - بأن المؤمنين يرون ربهم في الدار الآخرة) اهـ.\nوانظر: \"الإبانة\" للأشعري ص ١٣ - ٢١، و\"تفسير الماوردي\" ٢/ ٢٥٧، وابن عطية ٦/ ٦٨، وابن الجوزي ٣/ ٢٥٦، والقرطبي ٧/ ٢٧٨.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٦١.\n(٥) \"تنوير المقباس\" ٢/ ١٢٥، وذكره الواحدي في \"الوسيط\" ٢/ ٢٣٧.","vol":"9","page":334},{"text":"أعظم جبل بمدين (١) يقال (٢) له: زبير (٣» (٤).\nقال أصحابنا: (علَّقَ الله تعالى جواز الرؤية على استقرار الجبل، واستقراره كان جائزًا، ولكن لم يفعل الله، كذلك الرؤية كانت جائزة، ولكن الله لم يخلقها لموسى، وضدّ هذه الآية قوله: ﴿وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف: ٤٠]. علق دخولهم الجنة بما يستحيل وجوده فلا يدخلونها قط).\nوقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾. قال الزجاج (٥) وجميع أهل اللغة (٦): (أي: ظهر وبان، ومنه يقال: جلوت العروس إذا أبرزتها، وجلوت المرآة والسيف إذا أخرجته من الصدى) (٧).\n_________\n(١) ذكره ابن الجوزي ٣/ ٢٥٧، عن ابن عباس، ذكره الثعلبي في \"عرائس المجالس\" ص ٢٠١، عن السدي، وانظر: \"تفسير السمرقندي\" ١/ ٥٦٧، والماوردي ٢/ ٢٥٨.\n(٢) مدين: مدينة على بحر القلزم محاذية لتبوك. انظر: \"معجم البلدان\" ٥/ ٧٧.\n(٣) في (ب): (فقال زبير)، وهو تحريف.\n(٤) الزبير، بفتح الزاء وكسر الباء: اسم للجبل الذي كلم الله تعالى عليه موسى ﵇. انظر: \"معجم البلدان\" ٣/ ١٣٢، و\"اللسان\" ٣/ ١٨٠٦ (زبر).\nوقد أجمع أهل التفسير على أن جبل المناجاة هو الطور، فكأن الزبير اسم آخر له أو لموضع معين من الطور والله أعلم. انظر: \"تفسير مبهمات القرآن\" للبلنسي ٢/ ٧٢٧ - ٧٢٨.\n(٥) ذكره الثعلبي في \"الكشف\" ص ١٩٦ عن المتكلمين من أهل السنة، وانظر: \"زاد المسير\" ٣/ ٢٥٦.\n(٦) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٧٣، وفي \"تهذيب اللغة\" ١/ ٦٢٤، قال الزجاج: (أي: ظهر وبان وهو قول أهل السنة والجماعة) اهـ.\n(٧) انظر: \"العين\" ٦/ ١٨٠، و\"الجمهرة\" ١/ ٤٩٢، و\"الصحاح\" ٦/ ٢٣٠٣، و\"المجمل\" ١/ ١٩٣، و\"مقاييس اللغة\" ١/ ٤٦٨، و\"المفردات\" ص ٢٠٠، و\"اللسان\" ٢/ ٦٧٠ (جلا).","vol":"9","page":335},{"text":"وقوله تعالى: ﴿جَعَلَهُ دَكًّا﴾. قال أبو إسحاق: (يجوز ﴿دَكًّا﴾ بالتنوين و﴿دَكًّاءَ﴾ بغير تنوين، أي: جعله مدقوقًا مع الأرض، يقال: دككت الشيء إذا دققته، أدكه دكا، والدكاء والدكاوات الروابي التي مع الأرض ناشزة عنها لا تبلغ أن تكون جبلًا) (١)، فعلى هذا الدك مصدر والدكاء (٢) اسم.\nأخبرني العروض ﵀ عن الأزهري قال: أخبرني المنذري عن أحمد بن يحيى أنه قال: (قال الأخفش في قوله: ﴿جَعَلَهُ دَكًّا﴾ (٣) بالتنوين، كأنه قال: دكه دكًا مصدر مؤكد (٤)، قال: ويجوز جعله ذا (٥) دك كقوله: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢].\nقال: ومن قرأ (٦) ﴿دَكًّاءَ﴾ ممدودة أراد جعله مثل دكاء فحذف (مثل)، قال: والدكاء الناقة التي لاسنام لها) (٧)، فمعنى (٨) قوله: ﴿جَعَلَهُ دَكًّاءَ﴾ أي: مثل دكاء في أنه بقي أكثره.\n_________\n(١) هذا قول ابن قتيبة في \"تفسير غريب القرآن\" ص١٨٠، وانظر: \"تفسير الطبري\" ٩/ ٥٢، و\"نزهة القلوب\" ص ١٥٨، و\"تفسير المشكل\" ص ٨٧.\n(٢) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٧٣.\n(٣) الدّك - الدق وكسر الشيء وتفتيته، ومنه الناقة الدكاء وهي التي لا سنام لها. انظر: \"العين\" ٥/ ٢٧٤، و\"الجمهرة\" ١/ ١١٤، و\"الصحاح\" ٤/ ١٥٨٣، و\"المجمل\" ٢/ ٣١٨، و\"مقاييس اللغة\" ٢/ ٢٥٨، و\"المفردات\" ص ٣١٦، و\"اللسان\" ٣/ ١٤٠٤ (دك).\n(٤) في (ب): (مؤكدة).\n(٥) في \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٢١٢: (ويجوز جعله أرضًا ذات دك) اهـ.\n(٦) قرأ حمزة والكسائي ﴿دَكًّاءَ﴾ بالمد والهمز من غير تنوين، وقرأ الباقون: ﴿دَكًّا﴾ بالقصر والتنوين من غير مد ولا همز. انظرة \"السبعة\" ص ٢٩٣، و\"المبسوط\" ص ١٨٥، و\"التذكرة\" ٢/ ٤٢٥، و\"التيسير\" ص ١١٣، و\"النشر\" ٢/ ٢٧١ - ٢٧٢.\n(٧) انظر: \"معاني الأخفش\" ٢/ ٣٠٩.\n(٨) في (ب): (ومعنى).","vol":"9","page":336},{"text":"قال أبو العباس: (ولا حاجة به إلى إضمار (مثل)، والمعنى: جعل الجبل أرضًا دكاء) (١).\nفحصل من هذه الأقوال أن من قرأ ﴿دَكًّا﴾ بالتنوين كان الدك مصدرًا بمعنى المفعول على قول (٢) أبي إسحاق، وعلى قول الأخفش ويكون مصدرًا مؤكدًا؛ لأنه يقول معنى قوله: ﴿جَعَلَهُ دَكًّا﴾. أي: دكه دكًا، ويجوز على قوله أيضًا أن يكون بمعنى: ذا دكٍ، أي: ذا كسر فحذف المضاف، ومن قرأ بالمدّ فعلى قول الأخفش (الدكاء) الناقة الذاهبة السنام، والمضاف محذوف، وعلى قول أبي العباس (الدكاء) الأرض غير الغليظة المرتفعة، ولا حاجة إلى تقدير المضاف (٣).\nفأما التفسير فقال المفسرون (٤): (ساح في الأرض فهو يذهب حتى الآن). وهو قول الحسن (٥) وسفيان (٦)، وأبي بكر (٧) الهذلي (٨)، وهذا\n_________\n(١) \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٢١٢ (دك).\n(٢) لفظ: (قول) ساقط من (ب).\n(٣) أكثرهم على أن من قرأ بالمد جعله صفة أي: جعل الجبل أرضًا ملساء دكاء ومن قرأ بالقصر والتنوين جعله مصدرًا.\nانظر: \"الحجة\" لأبي علي ٤/ ٧٥، و\"معاني القراءات\" ١/ ٤٢٢، و\"إعراب القراءات\" ١/ ٢٠٥، و\"الحجة\" لابن خالويه ص ١٦٣، و\"الكشف\" ١/ ٤٧٥.\n(٤) أكثرهم على أن معنى جعله: ﴿دَكًّا﴾ أي: مستويًا ألصقه بالأرض. انظر: \"مجاز القرآن\" ١/ ٢٢٨، و\"غريب القرآن\" لليزيدي ص ١٥٠، و\"تفسير غريب القرآن\" ص ١٨٠، و\"نزهة القلوب\" ص ٢٢٧، و\"تفسير المشكل\" ص ٨٧\n(٥) ذكره الماوردي ٢/ ٢٥٨، عن الحسن وسفيان الثوري.\n(٦) \"تفسير سفيان الثوري\" ص ١١٣، وأخرجه الطبري ٩/ ٥٣، وابن أبي حاتم ٥/ ١٥٦١ من طرق جيدة عن سفيان الثوري.\n(٧) أبو بكر الهذلي البصري مشهور بكنيته وهو سلمى بن عبد الله بن سلمى، وقيل اسمه: روح، روى عن الحسن البصري والشعبي وعكرمة وغيرهم، وهو علامة إخباري متروك الحديث، توفي سنة ١٦٧ هـ. انظر: \"ميزان الاعتدال\" ٤/ ٤٩٧، و\"المغني\" في الضعفاء ٢/ ٧٧٣، و\"تهذيب التهذيب\" ٤/ ٤٩٨.\n(٨) أخرجه الطبري ٩/ ٥٣ بسند جيد.","vol":"9","page":337},{"text":"على قراءة من قرأ بالمد، وقال الكلبي (١): ﴿جَعَلَهُ دَكًّا﴾ أي: كسرا جبالا صغارًا) (٢).\nوروي هذا المعنى مرفوعًا عن أنس بن مالك أن النبي - ﷺ - قال في قوله ﴿جَعَلَهُ دَكًّا﴾: (صار لعظمته ستة أجبل، فوقعت ثلاثة بالمدينة، أحد وورقان، ورضوى (٣)، ووقع ثلاثة بمكة ثور (٤) وثبير وحراء) (٥).\nوهذا التفسير يقوي قراءة من قرأ بالتنوين، والتفسير الموافق للقراءتين مما روي عن (٦) ابن عباس أنه قال: (جعله ترابًا) (٧). ونحو ذلك قول\n_________\n(١) \"تنوير المقباس\" ٢/ ٢٢٥، وذكره الثعلبي ١٩٦ ب، والبغوي ٣/ ٢٧٨.\n(٢) في (ب): أي: (كسرا جبالا لا صغار)، وهو تحريف.\n(٣) أحد، بالضم: جبل أحمر بالمدينة المنورة في شمالها بينه وبينها قرابة ميل، انظر: \"معجم البلدان\" ١/ ١٠٩، وورقان بالفتح ثم الكسر جبل عظيم أسود على يمين المصعد من المدينة إلى مكة، انظر: \"معجم البلدان\" ٥/ ٣٧٢، ورضوى -بالفتح ثم السكون- جبل بالمدينة قرب ينبع، انظر: \"معجم البلدان\" ٣/ ٥١.\n(٤) ثور، بالفتح ثم السكون: جبل مشهور بمكة خلفها على طريق اليمن، انظر: \"معجم البلدان\" ٢/ ٨٦، وثبير، بالفتح ثم الكسر وسكون الياء: جبل بمكة. انظر: \"معجم البلدان\" ٢/ ٧٢، وحراء، بالكسر والتخفيف والمد: جبل مشهور على ثلاثة أميال من مكة انظر: \"معجم البلدان\" ٢/ ٢٣٣.\n(٥) أخرجه ابن أبي حاتم ٥/ ١٥٦٠، والواحدي في \"الوسيط\" ٢/ ٢٣٧ - ٢٣٨ بسند ضعيف جدًّا، فيه، الجلد بن أيوب البصري متروك الحديث، انظر: \"ميزان الاعتدال\" ١/ ٤٢٠، و\"المغني\" في الضعفاء ١/ ١٣٥ \"لسان الميزان\" ٢/ ١٣٣، وذكر الحديث ابن كثير في \"تفسيره\" ٢/ ٢٧٢، وقال: (هذا حديث غريب بل منكر) وذكر الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" ٧/ ٢٤، نحوه عن ابن عباس عن النبي - ﷺ - وقال: (وراه الطبراني في \"الأوسط\" وفيه طلحة بن عمرو المكي وهو متروك) اهـ. وذكره الشوكاني في \"فتح القدير\" ٢/ ٣٥٨، وزاد نسبته إلى (أبي الشيخ وابن مردويه وأبي نعيم في الحلية والديلمي) وانظر: \"الدر المنثور\" ٣/ ٢٢١ - ٢٢٢.\n(٦) في (ب): (ما روي عن أنس عن ابن عباس)، وهو تحريف.\n(٧) أخرجه الطبري ٩/ ٥٣، وابن أبي حاتم ٥/ ١٥٦٠ بسند جيد.","vol":"9","page":338},{"text":"مسروق: (صار صحراء (١) ترابًا) (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾. قال الليث: (الصعق مثل الغشي يأخذ الإنسان) (٣).\nوالصعقة الغشية، يقال: صعِق الرجل وصعَق، فمن قال: صعِق، قال: فهو صعِق، ومن قال: صعَق قال: فهو مصعوق، ويقال أيضا: صعق إذا مات، ومنه قال: ﴿فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ [الزمر: ٦٨] فسروه الموت، ومنه قوله: ﴿يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ﴾ [الطور: ٤٥] أي: يموتون، ويقال: أصعقته الصيحة أي: قتلته.\nوأنشد الفراء:\nأُحَادَ وَمَثْنَى أَصْعَقتها صوَاهِلُهْ (٤)\nأي: قتلها صوته (٥).\n_________\n(١) في: (ب): (صر صخرا ترابا) وهو تحريف.\n(٢) ذكره الثعلبي في \"الكشف\" ١٩٦ ب.\n(٣) \"تهذيب اللغة\" ٢/ ٢٠١٨، وانظر: \"العين\" ١/ ١٢٨، و\"تأويل مشكل القرآن\" ص ٥٠١.\n(٤) الشاهد لابن مقبل في \"ديوانه\" ص ٢٥٢ وصدره:\nترى النُّعَرات الزرق تحت لَبَانه\nوهو في: \"إصلاح المنطق\" ص ٢٠٥، و\"المعاني الكبير\" ص/ ٦٠٦، و\"الأضداد\" لابن الأنباري ص ٣٠٢، و\"الصحاح\" ٤/ ١٥٠٧ (صعق)، و\"المخصص\" ٨/ ١٨٤، و\"اللسان\" ٤/ ٢٤٥٠ (صعق)، وبلا نسبة في \"معاني الفراء\" ١/ ٢٥٥، ٣٤٥، و\"مجالس ثعلب\" ص ١٢٨، و\"التكملة\" لأبي علي ص ٤٢٥، والنُّعَرَات جمع نُعَرَة؛ ذباب يسقط على الدواب، واللبان الصدر، وصواهلة جمع صاهلة، وهو الصهيل والشاعر يصف فرسا بشدة صهيله وأنه يقتل الذباب.\n(٥) النص كله من \"تهذيب اللغة\" ٨/ ٢٠١٢ - ٢٠١٩، وانظر: \"الجمهرة\" ٢/ ٨٨٥، و\"المجمل\" ٢/ ٥٣٣؛ و\"مقاييس اللغة\" ٣/ ٢٨٥، و\"المفردات\" ص ٤٨٤ (صعق).","vol":"9","page":339},{"text":"فأما التفسير: فقال ابن عباس (١)، والحسن (٢)، وابن زيد (٣): (مغشيًّا عليه). وقال قتادة: (ميتًا) (٤).\nوالذي يدل على صحة قول ابن عباس قوله: ﴿فَلَمَّا أَفَاقَ﴾.\nقال الزجاج: (ولا يكاد يقال للميت: قد أفاق من موته، ولكن يقال للذي يغشى عليه والذي قد ذهب عقله: قد أفاق من علته؛ لأن الله ﷿ قال في الذين ماتوا: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ﴾ (٥) [البقرة: ٥٦].\nوقوله تعالى: ﴿سُبْحَانَكَ﴾. أي: تنزيهًا لك (٦) من السوء. ﴿تُبْتُ إِلَيْكَ﴾. أي: من مسألتي الرؤية. قاله (٧) الكلبي (٨) ومجاهد (٩)، والمعنى: من مسألتي الرؤية في الدنيا؛ لأن هذه القصة وقعت من مسألته الرؤية في\n_________\n(١) أخرجه الطبري ٩/ ٥٣، وابن أبي حاتم ٥/ ١٥٦١ من طرق جيدة.\n(٢) ذكره الماوردي ٢/ ٢٥٨، وابن الجوزي ٣/ ٢٥٧ عن ابن عباس والحسن وابن زيد، وذكره البغوي ٣/ ٢٧٨ عن ابن عباس والحسن.\n(٣) أخرجه الطبري ٩/ ٥٣ بسند جيد.\n(٤) أخرجه الطبري ٩/ ٥٣، وابن أبي حاتم ٥/ ١٥٦١ بسند جيد، وذكر النحاس في \"معانيه\" ٣/ ٧٥ عن قتادة أنه قال: (أي: مغشيًا عليه) اهـ.\n(٥) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٧٣ ومثله ذكر الأزهري في \"تهذيب اللغة\" ٢/ ٢٠١٨ (صعق)، وهذا القول أظهر وهو اختيار الجمهور، قال ابن الأنباري في \"الزاهر\" ٢/ ١٢١: (فيه قولان: أحدهما: قد غُشي عليه، والقول الآخر قد مات. والأول هو الكثير المشهور) اهـ. وانظر: \"تفسير غريب القرآن\" ص ١٨٠، والطبري ٩/ ٥٣، وابن عطية ٦/ ٧١، وابن الجوزي ٣/ ٢٥٧، والرازي ١٤/ ٢٣٥.\n(٦) انظر: \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٧٤.\n(٧) في (ب): (قال)، وهو تحريف.\n(٨) \"تنوير المقباس\" ٢/ ١٢٥.\n(٩) أخرجه سفيان الثوري في \"تفسيره\" ص ١١٣، عبد الرزاق ١/ ٢/٢٣٨، والطبري ٩/ ٥٥، وابن أبي حاتم ٥/ ١٥٦٢ من طرق جيدة.","vol":"9","page":340},{"text":"الدنيا.\nوقال أهل العلم: (إن الرؤية وإن كانت جائزة فإن موسى سألها من غير استئذان من الله تعالى، فلذلك (١) تاب لأنه كان بغير إذن، وهذا إجماع من الأمة أن توبته لم تكن عن معصية؛ لأن عندنا سأل الرؤية لنفسه، ولا يكون هذا (٢) السؤال عندنا معصية (٣)، وعند من خالفنا (٤): سأل الرؤية لقومه مع علمه أن ذلك لا يكون، أو سأل أمرًا عظيمًا، وكل واحد من هذين لا يكون معصية) (٥).\nوقوله تعالى: ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾. قال مجاهد: (وأنا أول قومي إيمانًا) (٦)، وقاله السدي أيضًا (٧).\n_________\n(١) في (ب): (فكذلك)، وهو تحريف.\n(٢) في (ب): (لهذا)، وهو تحريف.\n(٣) انظر: \"تفسير الطبري\" ٩/ ٥٥، وابن عطية ٦/ ٧١.\n(٤) انظر: \"الكشاف\" ٢/ ١١٢ - ١١٦.\n(٥) انظر: \"تفسير الماوردي\" ٢/ ٢٥٩، وابن الجوزي ٣/ ٢٥٧، وقال القرطبي ٧/ ٢٧٩: (أجمعت الأمة على أن هذه التوبة ما كانت عن معصية، فإن الأنبياء معصومون، وأيضًا عند أهل السنة والجماعة الرؤية جائزة، وعند المبتدعة سأل لأجل القوم ليبين لهم أنها غير جائزة وهذا لا يقتضى التوبة، فقيل: أي تبت إليك من قتل القبطي، وقيل: قالها على جهة الإنابة إلى الله والخشوع له عند ظهور الآيات) اهـ.\n(٦) أخرجه الطبري ٩/ ٥٦، وابن أبي حاتم ٥/ ١٥٦٢، من طرق جيدة.\n(٧) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ١٩٧ أ، والواحدي في \"الوسيط\" ٢/ ٢٣٨، والبغوي ٣/ ٢٧٩، عن مجاهد والسدي، وأخرجه الطبري ٩/ ٥٦، من طرق جيدة عن السدي عن عكرمة عن ابن عباس، وأخرج الطبري ٩/ ٥٥، وابن أبي حاتم ٥/ ١٥٦٢، من طرق جيدة عن ابن عباس قال: (أنا أول من آمن أنه لا يراك أحد من خلقك في الدنيا) اهـ.","vol":"9","page":341},{"text":"وقال أبو العالية: (وأنا أول من آمن أنه لا يراك أحد قبل يوم القيامة) (١). واختاره الزجاج فقال: (أي: أول المؤمنين بأنك لا ترى في الدنيا) (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1251>١٤٤ </span>- قوله تعالى: ﴿قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ﴾. الاصطفاء (٣): استخلاص الصفوة لما لها من الفضيلة.\nومعنى ﴿اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ﴾. قال ابن عباس: (يريد: فضلتك على الناس) (٤).\nوقال الزجاج: (أي: اتخذتك صفوة على الناس) (٥).\n﴿بِرِسَالَاتِي﴾، وقرئ (٦) ﴿برسالتي﴾، والرسالة تجري مجرى\n_________\n(١) أخرجه الطبري ٩/ ٥٥، بسند لا بأس به، وذكره السمرقندي في \"تفسيره\" ١/ ٥٦٨.\n(٢) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٧٤، وهذا هو الظاهر وهو اختيار الطبري ٩/ ٥٦، وقول الإِمام أحمد رحمه الله تعالى قال في الرد على الجهمية ص ٩٦: (يعني: أول المصدقين أنه لا يراك أحد في الدنيا إلا مات)، وانظر: \"مرويات الإِمام أحمد في التفسير\" ٢/ ١٩٧، وقال ابن كثير ٢/ ٢٧٣: (وهذا قول حسن له تجاه) اهـ. وانظر: \"تأويل مشكل القرآن\" ص ٢٨١.\n(٣) الصَّفْو والصفاء: ممدود خلوص الشيء من الشوب نقيض الكدر وصفوة كل شيء خالصه وخيره، والاصطفاء الاختيار وتناول صفوة الشيء، افتعال من الصفوة: واستصفيت الشيء إذا استخلصته. انظر: \"العين\" ٧/ ١٦٢، و\"الجمهرة\" ٢/ ٨٩٣، و\"تهذيب اللغة\" ٢/ ٢٠٢٢، و\"الصحاح\" ٦/ ٢٤٠١، و\"مقاييس اللغة\" ٣/ ٢٩٢، و\"المجمل\" ٢/ ٥٣٥، و\"المفردات\" ص ٤٨٧، و\"اللسان\" ١٤/ ٢٤٦٨ (صفو).\n(٤) ذكره الرازي في \"تفسيره\" ١٤/ ٢٣٦.\n(٥) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٧٤.\n(٦) قرأ نافع وابن كثير (برسالتي) بغير ألف بعد اللام على التوحيد، وقرأ الباقون ﴿بِرِسَالَاتِي﴾ بألف بعد اللام على الجمع. انظر: \"السبعة\" ص ٢٩٣، و\"المبسوط\" ص ١٦٣، و\"التذكرة\" ٢/ ٤٢٥، و\"التيسير\" ص ١١٣، و\"النشر\" ٢/ ٢٧٢.","vol":"9","page":342},{"text":"المصدر، فيجوز إفرادها في موضع الجمع وإن لم يكن المصدر من (أرسل) (١)، وقد تقدم الكلام في هذا (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَبِكَلَامِي﴾. هذا يدل على أنه سمع كلام الله ﷿ من غير واسطة؛ لأن ما يكون بواسطة يدخل في حد الرسالة، وأشار أبو إسحاق إلى أن معنى اصطفائه: هو تخصيصه بكلامه من غير واسطة؛ لأنه قال: (لأن الملائكة تنزل إلى الأنبياء بكلام الله ﷿) (٣) أي: تفضيله موسى (٤) أنه سمع كلام الله من غير ملك، وإنما كان كلام الله تعالى لموسى من غير واسطة بينه وبينه فضيلة وشرفًا؛ لأن من أخذ العلم عن العالم المعظم كان أجلّ رتبة ممن أخذه عن واحد عنه، كما نقول في الأسانيد إلى النبي - ﷺ -؛ فإن أقربها إليه أعزها وأجلها (٥).\nوقوله تعالى: ﴿فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ﴾. قال ابن عباس: (يريد: ما فضلتك وكرمتك). وقوله ﴿وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾. (يعني: لأنعمي والطائعين لي) (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1252>١٤٥ </span>- قوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ﴾. قال ابن عباس:\n_________\n(١) هذا قول أبي علي في \"الحجة\" ٤/ ٧٧، وانظر: \"معاني القراءات\" ١/ ٣٣٦، و\"إعراب القراءات\" ١/ ٢٠٧، و\"الحجة\" لابن خالويه ص ١٦٣، ولابن زنجلة ص ٢٩٥، و\"الكشف\" ١/ ٤٦٧.\n(٢) انظر: \"البسيط\" نسخة جامعة الإمام ٣/ ٥٨ ب.\n(٣) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٧٥.\n(٤) انظر: \"تفسير البغوي\" ٣/ ٢٧٩، والرازي ١٤/ ١٩٢.\n(٥) انظر: \"معرفة علوم الحديث\" للحاكم ص ١١٢ - ١١٣، وقال ابن الصلاح في \"علوم الحديث\" ص ٢٥٦: (طلب العلو سنة وتستحب الرحلة فيه، وهو يبعد من الخلل وأجل أنواع العلو القرب من رسول الله - ﷺ - بإسناد نظيف غير ضعيف) اهـ.\n(٦) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ٢/ ٢٣٩.","vol":"9","page":343},{"text":"(يريد: ألواح التوراة) (١).\nواختلفوا في الألواح (٢) من أي شيء كانت، وكيف كانت الكتابة. فقال الربيع (٣): (كانت الألواح من بُرْد) (٤).\nوقال الحسن: (كانت من خشب نزلت من السماء) (٥).\nوقال وهب: (كانت من صخرة صماء لينها الله لموسى فقطعها منها بيده) (٦).\nوقال ابن جريج: (كانت من زمرد (٧) أمر الله جبريل حتى جاء بها من\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي حاتم ٥/ ١٥٦٣ بسند جيد، وذكره السمرقندي ١/ ٥٦٩، والواحدي في \"الوسيط\" ٢/ ٢٣٩ والبغوي ٣/ ٢٨٠ - ٢٨١، والخازن ٢/ ٢٨٧.\n(٢) قال محمد أبو شهبة في كتاب \"الإسرائيليات والموضوعات\" في كتب التفسير ص ٢٠١ - ٢٠٣: (ذكر في الألواح مم هي وما عددها، أقوالًا كثيرة، وفيها ما يخالف المعقول والمنقول وهي متضاربة يرد بعضها بعضًا مما نحيل أن يكون مرجعها المعصوم - ﷺ - وإنما هي من الإسرائيليات حملها عنهم بعضهم بحسن نية وليس تفسير الآية متوقفا على كل هذا الذي رووه والذي يجب أن نؤمن به أن الله أنزل الألواح على موسى وفيها التوراة وما ذكروه لا يجب علينا الإيمان به والأولى عدم البحث فيه؛ لأنه لا يؤدي إلى فائدة ولا يوصل إلى غاية) اهـ. ملخصًا.\n(٣) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ١٩٧ ب، والبغوي ٣/ ٢٨١، وأخرجه الطبري ٩/ ٦٦، وابن أبي حاتم ٥/ ١٥٦٣ بسند جيد عن الربيع بن أنس عن أبي العالية.\n(٤) البُرْد، بالضم: ثَوْب مخطط وأكسية يتلحف بها. انظر: \"القاموس\" ص ٣٤١ (برد).\n(٥) ذكره الماوردي في \"تفسيره\" ٢/ ٢٦٠، والبغوي ٣/ ٢٨١، وابن عطية ٦/ ٧٤، وابن الجوزي ٣/ ٢٥٨، والرازي ١٤/ ٢٣٦، والخازن ٢/ ٢٨٧.\n(٦) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ١٩٧ ب، والبغوي ٣/ ٢٨١، وابن الجوزي ٣/ ٢٥٨، والرازي ١٤/ ٢٣٦، والخازن ٢/ ٢٨٧.\n(٧) انظر: \"القاموس\" ص ٢٨٥ (زمرد)، وص ٣٢٥ (ورد).","vol":"9","page":344},{"text":"عدن) (١). ونحو ذلك قال مجاهد (٢) ومقاتل (٣).\nوقال الكلبي (٤): (كانت من زبرجدة (٥) خضراء).\nوأما الكتابة، فقال: ابن جريج: (كتبها جبريل بالقلم الذي كتب به الذكر واستمد من نهر النور فكتب به الألواح) (٦).\nوقال مقاتل: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ﴾ كنقش الخاتم) (٧).\nقال عطاء عن ابن عباس: (وكانت الألواح يومئذ ستة، ثم صارت أربعة وعشرين مِمّ ضُمَّ إليها من الوصايا والمواعظ) (٨).\nوقوله تعالى: ﴿مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾، قيل: من كل شيء يحتاج إليه في دينه من الحلال والحرام، والمحاسن والقبائح (٩). وهذا معنى قول ابن عباس: (يريد: مما افترض وأحلّ وحرّم ونهى وأمر) (١٠).\n_________\n(١) أخرجه الطبري ٩/ ٦٦، بسند جيد، وذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ص ١٩٧/ ب، والبغوي ٣/ ٢٨١، والخازن ٢/ ٢٨٧، والسيوطي في \"الدر\" ٣/ ٢٢٤.\n(٢) أخرجه الطبري ٩/ ٦٦، من طرق جيدة بلفظ: من زمرد وفي رواية (من زمرد أخضر).\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٦٣، وفيه: (كانت من زمرد وياقوت).\n(٤) ذكره الثعلبي ١٩٧ ب، والواحدي في \"الوسيط\" ٢/ ٢٣٩، والبغوي ٣/ ٢٨١، والخازن ٢/ ٢٨٧.\n(٥) الزَّبَرْجَد، بالفتح جَوْهر. انظر: \"القاموس\" ص ٣٦٤ (زبرجد).\n(٦) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ص ١٩٧/ ب، والواحدي في \"الوسيط\" ٢/ ٢٣٩، والبغوي ٣/ ٢٨١، والرازي ١٤/ ٢٣٦، والخازن ٢/ ٢٨٧.\n(٧) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٦٢، وفيه: (نقرا كنقش الخاتم) اهـ.\n(٨) لم أقف عليه.\n(٩) انظر: \"تفسير الطبري\" ٩/ ٥٧، و\"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٧٥، والنحاس ٣/ ٧٦.\n(١٠) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ٢/ ٢٣٩، وأخرج ابن أبي حاتم ٥/ ١٥٦٣ بسند جيد عن ابن عباس قال: (كان الله ﷿ كتب في الألواح ذكر محمد - ﷺ - وذكر أمته وما ادخر لهم عنده ولا يسر عليهم في دينهم وما وسع عليهم فيما أحل لهم) اهـ.","vol":"9","page":345},{"text":"وقوله تعالى: ﴿مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾، قال ابن عباس: (يريد: هداية إلى كل أمر هو لله رضي) (١).\nوقال الكلبي: ﴿مَوْعِظَةً﴾ نهي عن الجهل ﴿وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [من الحلال والحرام (٢).\nوقال مجاهد:] (٣) ﴿وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ مما أمروا به ونهوا عنه (٤) والتفصيل معناه: التبيين (٥)، ذكرنا ذلك في قوله: ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ (٦) [الأنعام: ٥٥].\nوقوله تعالى: ﴿فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ﴾. قال ابن عباس (٧) ومقاتل (٨) والكلبي (٩): (بجد)، وقال الزجاج: ﴿بِقُوَّةٍ﴾ في دينك وحجتك) (١٠).\n_________\n(١) في \"تنوير المقباس\" ٢/ ١٢٦، نحوه، وذكره الواحدي في \"الوسيط\" ٢/ ٢٤٠ دون نسبة، وأخرج ابن أبي حاتم ٥/ ١٥٦٥ بسند جيد عن ابن عباس في قوله: ﴿وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ (قال: تبيانًا لكل شيء) اهـ.\n(٢) قال الماوردي في \"تفسيره\" ٢/ ٢٦٠: (قيل الموعظة: النواهي، والتفصيل: الأوامر وهو معنى قول الكلبي) اهـ.\n(٣) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).\n(٤) \"تفسير مجاهد\" ١/ ٢٤٦، وأخرجه الطبري ٩/ ٥٧ من طرق جيدة.\n(٥) قال محمد أبو شهبة في كتاب \"الإسرائيليات والموضوعات\" في كتب التفسير ص ٢٠٣: (المحققون من المفسرين سلفًا وخلفًا على أن المراد: أن فيها تفصيلًا لكل شيء مما يحتاجون إليه في الحلال والحرام والمحاسن والقبائح مما يلائم شريعة موسى وعصره وإلا فقد جاء القرآن الكريم بأحكام وآداب وأخلاق لا توجد في التوراة قط) اهـ.\n(٦) لفظ: ﴿سَبِيلُ المُجْرِمِينَ﴾ ساقط من (ب).\n(٧) أخرجه الطبري ٩/ ٥٨ بسند ضعيف، وأخرج ابن أبي حاتم ٥/ ١٥٦٥ بسند ضعيف عن ابن عباس قال: (بجد وحزم).\n(٨) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٦٣، وفيه: (يعني: التوراة بالجد والمواظبة عليه) اهـ.\n(٩) \"تنوير المقباس\" ٢/ ١٢٦.\n(١٠) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٧٥، ومثله قال النحاس في \"معانيه\" ٣/ ٧٧.","vol":"9","page":346},{"text":"وقال أهل المعاني: (بصحة عزيمة؛ لأنه لو أخذه بضعف نية لأداه إلى فتور العمل به) (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا﴾. قال ابن عباس في رواية عطاء: (يريد: يحلّوا حلالها ويحرموا حرامها ويتدبروا أمثالها ويعملوا بمحكمها، ويقفوا عند متشابهها) (٢).\nوذكر أبو إسحاق في هذا وجهين: (أحدهما: أنهم أُمروا بالخير ونهوا عن الشرّ، وعرّفوا ما لهم في ذلك، فقيل: ﴿وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا﴾.\nقال: ويجوز أن يكون ما أمرنا به؛ من الانتصار بعد الظلم، ونحو القصاص في الجروح؛ فهذا كله حسن، والعفو أحسن من القصاص، والصبر أحسن من الانتصار، ونظير هذه الآية قوله: ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الزمر: ٥٥]، وقوله: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ (٣) [الزمر: ١٨].\nوقال قُطرب (٤): ﴿يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا﴾، أي: بحسنها وكلها حسن؛ كقوله: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت: ٤٥]).\nوقول الفرزدق:\n_________\n(١) ذكره البغوي ٣/ ٢٨١، والخازن ٢/ ٢٨٨.\n(٢) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ٢/ ٢٤٠، والبغوي ٣/ ٢٨١، والخازن ٢/ ٢٨٨، وأخرج الطبري ٩/ ٥٨ بسند ضعيف عن ابن عباس قال: (أمر موسى أن يأخذها بأشد مما أمر به قومه) اهـ.\n(٣) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٧٥، ونحوه الأزهري في \"تهذيب اللغة\" ١/ ٨٢٣ (حسن).\n(٤) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ١٩٧ ب، والواحدي في \"الوسيط\" ٢/ ٢٤٠، والبغوي ٣/ ٢٨١، وابن الجوزي ٣/ ٢٥٩، والرازي ١٤/ ٢٣٧.","vol":"9","page":347},{"text":"بَيْتًا دَعَائِمُهُ أَعَزُّ وَأَطْوَلُ (١)\nوقال أهل المعاني: (أحسنها الفرائض والنوافل وهي ما يستحق عليها الثواب، وأدونها في الحسن المباح؛ لأنه لا يستحق عليه حمد ولا ثواب) (٢).\nوقوله تعالى: ﴿سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ﴾. قال ابن عباس (٣) في رواية عطاء والحسن (٤) ومجاهد (٥): (هي جهنم). أي: فلتكن منكم على ذُكْر\n_________\n(١) \"ديوانه\" ٢/ ١٥٥، و\"الكامل\" ٢/ ٣٠٨، والصاحبي ص ٤٣٤، وابن الجوزي ٣/ ٢٥٩، والرازي ١٤/ ٢٣٧، و\"اللسان\" ٦/ ٣٨٠٨ كبر، و\"الدر المصون\" ٥/ ٤٥٤، و\"الخزانة\" ٨/ ٢٤٢، وأوله: (إن الذي سمك السماء بني لنا) والشاهد فيه (أعز وأطول) حيث استعمل صيغتي التفضيل في غير التفضيل إذ لو كانتا للتفضيل لكان الفرزدق يعترف بأن لمهجوه وهو جرير بيتا دعائمه عزيزة طويلة وهذا لا يقصده الشاعر.\n(٢) انظر: \"معاني النحاس\" ٣/ ٧٧، و\"تفسير السمرقندي\" ١/ ٥٦٩، والماوردي ٢/ ٢٦٠ - ٢٦١، والبغوي ٣/ ٢٨١، وابن عطية ٦/ ٧٥، وابن الجوزي ٣/ ٢٥٩، وقال الطبري في معنى الآية ٩/ ٥٨: (يقول: يعملوا بأحسن ما يجدون فيها والعمل بالمأمور به أحسن من العمل بالمنهي عنه) اهـ. وانظر: \"الفتاوى\" لشيخ الإسلام ٦/ ١٦، و١٢/ ١٧.\n(٣) \"تنوير المقباس\" ٢/ ١٢٦، وذكره الرازي ١٤/ ٢٣٨، عن ابن عباس ومجاهد والحسن، وذكره الواحدي في \"الوسيط\" ٢/ ٢٤٠ عن عطاء والحسن ومجاهد، وذكره البغوي ٣/ ٢٨١ - ٢٨٢، والخازن ٢/ ٢٨٩، عن عطاء والحسن، وأخرج ابن أبي حاتم ٥/ ١٥٦٦ بسند ضعيف عن ابن عباس قال: (دار الكفار) اهـ.\n(٤) أخرجه الطبري ٩/ ٥٩، وابن أبي حاتم ٥/ ١٥٦٦ من طرق جيدة، وذكره النحاس في \"معانيه\" ٣/ ٧٧، والثعلبي ١٩٧ ب.\n(٥) ذكره الماوردي ٢/ ٢٦١، وابن عطية ٦/ ٧٧، وابن الجوزي ٣/ ٢٦٠، والقرطبي ٧/ ٢٨٢ عن مجاهد والحسن، وفي \"تفسير مجاهد\" ١/ ٢٤٦ قال: (مصيرهم في الآخرة) اهـ، وأخرجه الطبري ٩/ ٥٩، وابن أبي حاتم ٥/ ١٥٦٦ من طرق جيدة، وهذا القول ظاهر وهو اختيار الطبري ٩/ ٥٩، وابن كثير ٢/ ٢٧٥؛ لأن الجملة =","vol":"9","page":348},{"text":"لتحذروا أن تكونوا منهم، وهي (١) تتضمن وعيدًا وتهديدًا لمن خالف أمر الله، كما تقول لمن تخاطبه: سأريك غدًا إلى ما يصير حال من خالف أمري (٢).\nوقال قتادة: (سأدخلكم الشام فأريكم (٣) منازل الكافرين الذين كانوا سكانها من الجبابرة والعمالقة، أي: لتعتبروا بها، وما صاروا إليه من النكال فيها) (٤). وهذا معنى قول الكلبي: ﴿دَارَ الْفَاسِقِينَ﴾ ما مروا عليه إذا سافروا من منازل عاد وثمود والقرون الذين أهلكوا) (٥).\n_________\n= متصلة بما قبلها، فهي من تمامها، وأولى الأمور أن يختم الأمر بالعمل بالوعيد على من ضيعه.\nوقال ابن كثير: (هذا أولى والله أعلم لأن هذا كان بعد إنفصال موسى وقومه عن مصر وهو خطاب لبني إسرائيل قبل دخولهم التيه والله أعلم) اهـ.\n(١) في (ب): (وهو).\n(٢) هذا قول الطبري ٩/ ٥٩.\n(٣) في (ب): (وأيكم).\n(٤) ذكره الثعلبي ١٩٧ ب، والماوردي ٢/ ٢٦١، والواحدي في \"الوسيط\" ٢/ ٢٤١، والبغوي ٣/ ٢٨٢، وابن عطية ٦/ ٧٧، وأخرج عبد الرزاق في \"تفسيره\" ١/ ٢/ ٢٣٦، والطبري ٩/ ٥٩، وابن أبي حاتم ٥/ ١٥٦٦ من طرق جيدة عن قتادة قال: (منازلهم) اهـ. وقال ابن الصلاح في \"علوم الحديث\" ص ٢٨١: (بلغنا عن أبي زرعة الرازي أن يحيى بن سلام المفسر حدث عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة في قوله: ﴿دَارَ الْفَاسِقِينَ﴾ قال: مصر، واستعظم أبو زرعة هذا واستقبحه وذكر أنه في تفسير سعيد عن قتادة: مصيرهم) اهـ.\n(٥) ذكره الثعلبي ١٩٧ ب، والبغوي ٣/ ٢٨٢، وابن عطية ٦/ ٧٧، والرازي ١٤/ ٢٣٨، والخازن ٢/ ٢٨٩، وذهب الزمخشري في \"تفسيره\" ٢/ ١١٧، وابن عطية ٦/ ٧٧، والقرطبي ٧/ ٢٨٢ إلى أن المراد: منازل القرون الذين أهلكوا ومنها مصر دار فرعون وقومه، ويمكن الجمع بين القولين بأن الآية تضمنت الوعد للمؤمنين بدخول الأرض الموعودة ومنازل القرون الماضية والوعيد للفاسقين بهلاكهم ودخولهم جهنم. والله أعلم.","vol":"9","page":349},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1253>١٤٦ </span>- قوله تعالى: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾. قال ابن عباس: (يريد: الذين يتجبرون على عبادي، ويحاربون أوليائي. ويستحلون محارمي حتى لا يؤمنوا بما جئت به) (١)، فالآيات على قول ابن عباس: هي القرآن، و﴿الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ﴾ هم: المشركون.\nقال (٢) ابن الأنباري: (والمعنى على هذا ﴿سَأَصْرِفُ﴾ ﴿الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ﴾ عن قبول آياتي والتصديق بها لعنادهم الحق؛ عوقبوا بأن حرموا الهداية وسُتِرَ عنهم الحق. وهذا كقوله: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥]، وقوله: ﴿ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [التوبة: ١٢٧]). وذكر قولًا آخر، قال: (المعنى: ﴿سَأَصْرِفُ﴾ عن إبطال ﴿آيَاتِيَ﴾ وعن الاعتراض عليها هؤلاء الكفرة، كما تقول: وهو يمنعنى من زيد، أي: من ضربه، وأذاه، وكما قال عبد المطلب لما قصدت الحبشة البيت: (إن لهذا البيت (٣) ربا سيمنع منه) (٤). أي: سيمنع من تخريبه وقتل أهله) (٥).\nوقال ابن جريج: (الآيات خلق السموات والأرض، يعني: أصرفهم\n_________\n(١) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ٢/ ٢٤١، والبغوي ٣/ ٢٨٢، والخازن ٢/ ٢٨٩.\n(٢) في: (ب): (كما قال).\n(٣) هذه كلمة سارت مسير الأمثال، وذلك أن أبرهة الحبشي لما سار لهدم الكعبة وأشرف على مكة وجد إبلا لعبد المطلب وأخذها فذهب عبد المطلب إليه وكلمه في الإبل فعجب أبرهة منه وقال: (أتكلمني في الإبل ولا تكلمني في بيت فيه عزك وشرفك؟ فقال عبد المطلب: (أنا رب الإبل وللبيت رب سيمنعه) وفي رواية (يحميه). انظر: \"السيرة النبوية\" لابن هشام ١/ ٥١، و\"الروض الأنف\" ١/ ٦٩، و\"السيرة النبوية\" لأبي شهبة ص ١٦٧ - ١٦٩.\n(٤) في: (ب): (عنه).\n(٥) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ٢/ ٢٤١.","vol":"9","page":350},{"text":"عن الاعتبار بما فيها) (١). وهو قول ابن زيد (٢) ومقاتل (٣).\nقال أبو إسحاق: (أي: أجعل جزاءهم الإضلال عن هداية ﴿آيَاتِيَ﴾).\nقال: ومعنى: ﴿يَتَكَبَّرُونَ﴾ أنهم يرون أنهم أفضل الخلق، وأن لهم من الحق ما ليس لغيرهم، وهذه الصفة -أعنى: المتكبر- لا تكون إلا لله ﷿ (٤) خاصة؛ لأنه هو الذي له القدرة والفضل الذي ليس لأحد مثله، فبذلك يستحق أن يقال له: المتكبر، وليس لأحد أن يتكبر لأن الناس في الحقوق سواء وليس لأحد ما ليس لغيره، وهو المكبر جل وعز، فأعلم أن هؤلاء ﴿يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ (٥).\nوقال غيره من أهل المعاني (٦): (التكبر: إظهار كبر النفس على غيرها)، وصفة متكبر صفة ذم في جميع العباد، وصفة مدح (٧) في القديم جل وعز؛ لأنه يستحق إظهار الكبر على من سواه لأن ذلك حق، وهذا المعنى في صفة غيره باطل.\n_________\n(١) أخرجه الطبري ٩/ ٦٠ بسند جيد.\n(٢) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ص ١٩٧/ ب، عن ابن زيد وابن جريج.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٦٣، والأكثر على أن الآية عامة أي: سأمنع وأصد عن النظر في الآيات الكونية والشرعية والتفكر والاستدلال بها، انظر: الطبري ٩/ ٦٠، و\"معاني النحاس\" ٣/ ٧٨، والسمرقندي ١/ ٥٦٩، والبغوي ٣/ ٢٨٢، وابن عطية ٦/ ٧٨، وابن الجوزي ٣/ ٢٦٠.\n(٤) في (أ): (جل وعز).\n(٥) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٧٦.\n(٦) انظر: \"معاني النحاس\" ٣/ ٧٩، و\"تفسير السمرقندي\" ١/ ٥٦٩، والماوردي ٢/ ٢٦٢.\n(٧) انظر: \"تفسير أسماء الله الحسنى\" للزجاج ص ٣٥، و\"اشقاق أسماء الله\" للزجاجي ص ١٥٥، ٢٤١، و\"الأسماء والصفات\" للبيهقي ص ٩٣.","vol":"9","page":351},{"text":"وقال أحمد بن يحيى: ﴿يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ من الكِبَر لا من الكِبْر (١)، أي: يتفضلون ويرون أنهم أفضل من غيرهم) (٢)، وهذا الذي قاله أحمد قريبٌ من الأول بل هو بعينه معنى.\nوقوله تعالى: ﴿سَأَصْرِفُ﴾ حجة على القدرية (٣)، و(٤) دليل ذلك أن له أن يصرف عن الإيمان من شاء.\nوقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ﴾ قال ابن عباس: (يريد سبيل الهدى والبيان الذي جاء من الله، ﴿لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا﴾ قال: يريد: لا يتخذوه دينا، ﴿وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ﴾ يريد: طاعة الشيطان وضلالته، ﴿يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا﴾ يريد: دينا) (٥).\nوقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ قال الزجاج: ﴿ذَلِكَ﴾ يصلح أن يكون نصبا على معنى: فعل الله بهم ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ (٦).\n_________\n(١) قوله: (من الكِبَر، هو: بكسر الكاف وفتح الباء لا من الكِبْر هو بفتح الكاف وسكون الباء والتكبر التعظم، وكبَر، بكسر الكاف وفتح الباء الهرم ضد الصغر، وكِبْر، بسكون الباء: العظمة، وكبُر، بفتح الكاف وضم الباء: عظم.\nانظر: \"العين\" ٥/ ٣٦١، و\"الجمهرة\" ١/ ٣٢٧، و\"الصحاح\" ٢/ ٨٠١، و\"المجمل\" ٣/ ٧٧٦، و\"مقاييس اللغة\" ٥/ ١٥٣، و\"المفردات\" ص ٦٩٦، و\"اللسان\" ٥/ ١٢٥ (كبير).\n(٢) \"تهذيب اللغة\" ١٠/ ٢١٠ - ٢١١ (كبر).\n(٣) انظر: \"تفسير الرازي\" ١٥/ ٣ - ٤.\n(٤) لفظ: (الواو) ساقط من (ب).\n(٥) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ٢/ ٢٤١ - ٢٤٢ بدون نسبة، وانظر: \"تفسير الطبري\" ١٣/ ١١٤ - ١١٥، و\"معاني الزجاج\" ٣/ ٣٧٦، والنحاس ٣/ ٧٩، والسمرقندي ١/ ٥٧٠، والماوردي ٢/ ٥٧.\n(٦) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٧٦، وفيه: (ذلك يصلح أن يكون رفعا أي أمرهم ذلك، ويجوز أن يكون نصبا ..) اهـ. وقال أبو حيان في \"البحر\" ٤/ ٣٩٠، والسمين في =","vol":"9","page":352},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ﴾ أي: جحدوا الإيمان بها والنظر فيها والتدبر لها (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1254>١٤٧ </span>- وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ﴾، قال ابن عباس: (يريد: الثواب والعقاب) (٢). وهذا معنى وليس بتفسير، وذلك أن تفسيره: ولقاء (٣) الدار الآخرة، وهي موعد الثواب والعقاب، ومن أنكرها فقد أنكر الثواب والعقاب (٤).\nقوله تعالى: ﴿حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾، أي: صارت كأنها لم تكن. قال ابن عباس: (يريد: ضل سعيهم) (٥) وقوله: ﴿هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. لا بد فيه من تقدير محذوف، أي: إلا بما [كَانُواْ] (٦)، أو على ﴿مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أو جزاء ﴿مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.\n_________\n= \"الدر\" ٥/ ٤٥٧ - ٤٥٨: (الأظهر أنه مبتدأ خبره الجار بعده، أي: ذلك الصرف بسبب تكذيبهم، وجوز فيه النصب فقدره ابن عطية ٧/ ١٦٢، فعلنا ذلك، فجعله مفعولا به، وقدره الزمخشري ٢/ ١١٧، صرفهم الله ذلك الصرف بعينه، فجعله مصدرًا) اهـ، وانظر: \"الفريد\" ٢/ ٣٦٠.\n(١) انظر: \"تفسير الطبري\" ٩/ ٦١، و\"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٧٦، النحاس ٣/ ٨٠\n(٢) لم أقف عليه.\n(٣) قال الطبري ٩/ ٦١ في معنى الآية: (يقول: وهؤلاء المستكبرون في الأرض بغير الحق وكل مكذب حجج الله ورسله وآياته وجاحد أنه يوم القيامة مبعوث بعد مماته ومنكر لقاء الله في آخرته ذهبت أعمالهم فبطلت ..) اهـ.\n(٤) انظر: \"تفسير البغوي\" ٣/ ٢٨٣.\n(٥) لم أقف عليه.\n(٦) لفظ: (كانوا) ساقط من النسخ، وقال الواحدي في \"الوسيط\" ٢/ ٢٤٢ في تفسير الآية: (أي بما كان أو على ما كانوا يعملون) اهـ.\nوقال السمين في \"الدار\" ٥/ ٤٥٨ - ٤٥٩: (قال الواحدي: هنا لا بد من تقدير محذوف أي: إلا بما كانوا أو على ما كانوا أو جزاء ما كانوا، قال السمين: لأن نفس ما كانوا يعملونه لا يجزونه إنما يجزون بمقابله، وهو واضح). اهـ.","vol":"9","page":353},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1255>١٤٨ </span>- قوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ﴾، قال المفسرون (١): (أي: من بعد إنطلاقه ومجيئه إلى الجبل (٢) للميقات).\n﴿مِنْ حُلِيِّهِمْ﴾، قال الليث: (الحَلْي كل حلية حليت بها امرأة، والجمع حُلِي، وتحلت المرأة اتخذت حُليًا ولبسته، وحَلَّيتها أنا أي: ألبستها (٣) واتخذته لها مخال (٤) قال (٥): ولغة حَلِيت المرأة أي: لَبِسَتْه) (٦)\nوأنشد:\nوحَلْي الشَّوَى منها إذا حَلِيَتْ به ... على قَصَباتٍ لا شِخاتٍ ولا عُصْلِ (٧)\nوقال ابن السكيت: (حَلَيْت المرأة وأنا أحليها إذا جعلت لها حليًا. وبعضهم يقول: حلوتها، بهذا المعنى) (٨).\n_________\n(١) انظر: \"تفسير الطبري\" ٩/ ٦٢، و\"معاني النحاس\" ٣/ ٥٠، والسمرقندي ١/ ٥٧٠.\n(٢) في (ب): (إلى الجبل والميقات).\n(٣) في النسخ: (أي لبسته) وهو تحريف.\n(٤) لفظ (لها مخال) ساقط من (ب)، ولم ترد في \"تهذيب اللغة\" ١/ ٨٨٩، ولعلها مَحال بالحاء المهملة، وهو ضرب من الحُلي، انظر: \"القاموس\" ص ١٣٦٥ (محل).\n(٥) لفظ: (قال) ساقط من (أ).\n(٦) \"تهذيب اللغة\" ١/ ٨٨٩، وانظر: \"العين\" ٣/ ٢٩٦.\n(٧) الشاهد لذي الرمة في \"ديوانه\" ص ٥٧، وبلا نسبة في \"تهذيب اللغة\" ١/ ٨٨٩، \"اللسان\" ٢/ ٩٨٥ (حلى)، قال الخطيب التبريزي في \"شرحه\": (يريد بالشوى: يديها ورجليها، والقصبات: العظام التي فيها المخ، ولا شخات أي: لا دقاق، ولا عصل، معوجة) اهـ.\n(٨) \"إصلاح المنطق\" ص ١٣٩، و\"تهذيب اللغة\" ١/ ٨٨٩٠ والحلى بفتح الحاء وسكون اللام جمع (حُلِي) بضم الحاء وكسر اللام: وهو ما تزين به من مصوغ المعادن أو الحجارة.\nانظر: \"الصحاح\" ٦/ ٢٣١٨، و\"مقاييس اللغة\" ٢/ ٩٤، و\"المجمل\" ١/ ٢٤٧، و\"المفردات\" ص ٢٥٤ (حلى).","vol":"9","page":354},{"text":"قال الزجاج: (ويقرأ (١) ﴿مِنْ حُلِيِّهِمْ﴾، فمن قرأ من ﴿حُلِيِّهِمْ﴾ فهو جمع حَلي مثل حقوٍ (٢) وحُقيّ، ومن كسر الحاء أتبع الحاء كسرة اللام) (٣).\nقال أبو علي الفارسي: (يقال: حَلْي وحُلي مثل ثَدْي وثُدِي، ومن الواو حَقْو وحُقِي، وحِلي على وزن (فعول) قلبت واو فعول ياء لوقوعها قبل الياء التي هي لام، كما أبدلت واو مفعول في (مَرْمِي)، وأبدلت من ضمة عين (فُعُول) كسرة، كما أبدلت ضمة عين مفعول في (مَرْمى) وإن كانت اللام واوًا أبدلت منها الياء، وذلك نحو حَقْوٍ وحقي، وإنما أبدلت الواو ياء لإدغامها في الياء، فأما الحاء التي هي فاء في الحُلي، فإنها بقيت مضمومة كما كانت مضمومة في كُعُوب وفُلُوس، ومثال هذا مما أبدلت الواو منها ياء، وأبدلت في ضمتها الكسرة قولهم: أدحي النعام (٤) وآري الدابة (٥)، هما (فاعول) إلا أن اللام من أدحي واو قلبت ياء، ومن آري\n_________\n(١) قرأ حمزة والكسائي: ﴿حِلِيِّهِمْ﴾ -بكسر الحاء واللام والياء مع تشديد الياء- وقرأ الباقون مثلها إلا أنهم ضموا الحاء ﴿حُلِيِّهِمْ﴾، وقرأ يعقوب: ﴿حَلْيِهم﴾ -بفتح الحاء وسكون اللام وكسر الياء مع تخفيفها-، انظر: \"السبعة\" ص ٢٩٤ \"المبسوط\" ص ١٨٥، و\"التذكرة\" ٢/ ٤٢٥، و\"التيسير\" ص ١١٣، و\"النشر\" ٢/ ٢٧٢.\n(٢) الحَقْو: الكَشْح، والإزار أو مقعده، والحقو: الخاصرة وجانب الشيء، والحَقْو: الموضع المرتفع عن السيل وموضع الريش من السهم. انظر: \"اللسان\" ٢/ ٩٤٨ (حقو).\n(٣) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٨٦ وفيه: (فمن قرأ ﴿حَلْيِهِمْ﴾ بالفتح فالحَلْي: اسم لما يحسن به من الذهب والفضة، ومن قرأ ﴿حُلِيِّهِمْ﴾ بضم الحاء فهو: جمع حَلْى مثل حَقْو وحُقَيِّ، ومن كسر الحاء أتبع الحاء كسر اللام) اهـ. وانظر: \"معاني الأخفش\" ٢/ ٣١٠.\n(٤) أدحي النعام: مبيضها في الرمل. انظر: \"اللسان\" ٣/ ١٣٣٨ (دحى).\n(٥) آري الدابة: محبس الدابة. انظر: \"اللسان\" ١/ ٦٨ (أرى).","vol":"9","page":355},{"text":"ياء، والكسرة في البناءين مبدلة (١) من ضمةٍ.\nفأما قراءة من كسر الحاء من (٢) ﴿حُلِيِّهِمْ﴾ فوجه ذلك أن الكسر من الجموع قد غير عما كان الواحد عليه في اللفظ والمعنى، ألا ترى أن الاسم المكسر في الجمع يدل بالتكسير على الكثرة، فغير الفاء أيضًا في التكسير، وذلك أنه لما غير الاسم تغييرين وهو إبدالك الواو ياء، وابدال الضمة كسرة، قوي هذا التغيير على تغيير الفاء، ومثال هذا: الاسم المنسوب إليه، فإنه تغير عما (٣) كان عليه لفظًا ومعنى، فتغير اللفظ ما لحقه من الزيادات، وتغير المعنى هو أنه صار صفة، وكان قبلُ اسمًا فقوي التغيير للنسب على تغيير الفاء حتى قالوا: بِصْري بكسر الباء، ودُهري بضم الدال في النسبة إلى البصرة وإلى الدهر، فهذا وجه كسر الحاء، وقد جاء حرفان نادران من هذا القبيل ولم تقلب الواو ياء في الجمع، وذلك ما حُكي من قولهم: إنكم لتنظرون في نُحُوٍّ كثيرة، وما أنشده أحمد بن يحيى:\nوأصبحتَ من أدنى حُمُوَّتِها حمًا (٤)\n_________\n(١) في (ب): (مبدوله).\n(٢) لفظ: (من) مكرر في (ب).\n(٣) في (ب): (كما كان)، وهو تحريف.\n(٤) الشاهد لعبد الله بن عجلان، شاعر جاهلي، كما في \"الشعر والشعراء\" ص ٤٧٩، وصدره:\nألا إن هندًا أصبحت منك محرمًا\nوهو بلا نسبة في \"العين\" ٣/ ٣١٢، و\"تهذيب اللغة\" ١/ ٩٠٩، و\"اللسان\" ٢/ ١٠١٣ (حمى)، وأوله عندهم:\nلقد أصبحت أسماء حجرًا محرمًا\nوالشاعر كانت له زوجة فطلقها وتزوجها أخوه يقول: أصبحت أخًا زوجها بعد ما كنت زوجها.","vol":"9","page":356},{"text":"فجاءت الواو في الحُمُوَّة مصححةً وكان القياس أن ينقلب ياء من حيث كان جمعًا، ولحاق تاء التأنيث في الحموة على حد عمومة وخيوطة، ومما يؤكد كسر الفاء في ﴿حُلِيِّهِمْ﴾ قولهم: قِسيٌّ من جمع (قوس)، ألا ترى أنا لا نعلم أحدًا يسكن إلى روايته حكى فيه غير الكسر في الفاء، فهذا مما يدل على تمكن الكسرة في هذا الباب الذي هو الجمع، وأما ما كان من هذا النحو واحدًا كالمُضي والصُلي مصدر صَلِيَ، فإن الفاء منه لا يكسر كما كُسِر في المجموع؛ لأن الواحد لم يتغير فيه المعنى كما تغير في الجمع، على أن أبا عمر (١) حكى عن أبي زيد (أوَى إليه إويًا بالكسر) (٢)، فأما قوله: ﴿وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٢١]، وقال في أخرى (٣): ﴿أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا﴾ [مريم: ٦٩] فإن الواو في (العتو) لما كان طرفًا أبدل في الجمع، ولا يلزم فيه البدل كما يلزم في الجمع) (٤).\n_________\n(١) في النسخ: \"عمرو\" والتصحيح من \"الحجة\" لأبي علي ٤/ ٨٦ وهو: صالح بن إسحاق الجرمي مولاهم أبو عمر البصري، إمام نحوي، لغوي، صدوق، ورع، فقيه، أخذ عن أبي زيد وأبي الحسن الأخفش وأبي عبيدة والأصمعي وغيرهم وله مصنفات مفيدة منها \"الفرخ\" في النحو، والأبنية، والعروض، توفي سنة ٢٢٥ هـ. انظر: \"طبقات النحويين\" للزبيدي ص ٨٤، و\"تاريخ بغداد\" ٩/ ٣١٣، و\"أنباه الرواة\" ٢/ ٨٠، و\"معجم الأدباء\" ١٢/ ٥، و\"وفيات الأعيان\" ٢/ ٤٨٥، و\"البلغة\" ص ١١٣.\n(٢) انظر: \"تهذيب اللغة\" ١/ ٢٣٦ (أوى).\n(٣) في (أ): (أخريهم)، وهو تحريف.\n(٤) \"الحجة\" لأبي علي ٤/ ٨٠ - ٨٨ مع بعض الاختصار، وانظر: \"معاني القراءات\" ١/ ٤٢٣، و\"إعراب القراءات\" ١/ ٢٠٧، و\"الحجة\" لابن خالويه ص ١٦٤، ولابن زنجله ص ٢٩٦، و\"الكشف\" ١/ ٤٧٧.","vol":"9","page":357},{"text":"وكانت قصة الحلي والعجل على ما ذكره المفسرون (١): (إن بني إسرائيل كان لهم عيد يتزينون فيه ويستعيرون من القبط الحلي، فاستعاروا حلي القبط لذلك اليوم، فلما أخرجهم الله من مصر وغرقهم بقيت تلك الحلي في أيديهم، فجمع السامري ذلك الحلي، وكان رجلًا مطاعًا فيهم ذا قدر، وكانوا قد سألوا موسى أن يجعل لهم إلهًا يعبدونه كما رأوا قوم فرعون يعبدون أصنامًا، فصاغ السامري عجلًا، وجعله في بيت، وأعلمهم أن إلههم وإله موسى عنده، فذلك قوله: ﴿عِجْلًا جَسَدًا﴾.\nقال الزجاج: (والجسد هو الذي لا يعقل ولا يميز، إنما معنى الجسد معنى الجثة فقط) (٢).\nوقال الفراء: (كان جسدًا مجوفًا) (٣).\nوأكثر أهل التفسير (٤) على: أنه صار جسدًا ذا لحم ودم، قال وهب: (جسدًا لحمًا ودمًا) (٥).\n[و] (٦) قال قتادة: (جعله الله جسدًا لحمًا ودمًا له خوار) (٧).\n_________\n(١) أخرج الطبري في \"تفسيره\" ٩/ ٦٢ قصة الحلي والعجل بسند ضعيف عن ابن عباس وسعيد بن جبير، ومن طرق جيدة عن مجاهد والسدي وابن زيد وابن إسحاق. وانظر: \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٧٧، و\"إعراب القراءات\" لابن خالويه ١/ ٢٠٨، و\"تفسير السمرقندي\" ١/ ٥٧٠.\n(٢) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٧٧ ومثله قال النحاس في \"معانيه\" ٣/ ٨٠ - ٨١.\n(٣) \"معاني الفراء\" ١/ ٣٩٣.\n(٤) انظر: \"تفسير البغوي\" ٣/ ٢٨٣، وذكر هذا القول ابن عطية ٦/ ٨٢، وقال: (وهذا ضعيف لأن الآثار في أن موسى برده بالمبارد تكذب ذلك) اهـ.\n(٥) ذكره الثعلبي في \"الكشف\" ١٩٧ ب، والواحدي في \"الوسيط\" ٢/ ٢٤٣.\n(٦) لفظ: (الواو) ساقط من (أ).\n(٧) أخرجه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ١/ ٢/ ٢٣٦، وابن أبي حاتم ٥/ ١٥٦٨ بسند جيد.","vol":"9","page":358},{"text":"وقال عطاء: (قال الله تعالى لموسى: ﴿قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ﴾ [طه: ٨٥]، قال موسى: يارب هذا السامري أخرج لهم عجلًا من حليهم، فمن (١) جعل له جسدًا؟ يريد الجسم (٢) واللحم والدم، ومن جعل له خوارًا؟ قال الله [تعالى] (٣): أنا، قال موسى: وعزتك وجلالك ما أضلهم غيرك، قال: صدقت يا حكيم الحكماء) (٤).\nوقال الحسن: (قبض السامري قبضة [تراب] (٥) من أثر فرس جبريل يوم قطع البحر، فقذف ذلك التراب في (٦) العجل، فتحول لحمًا ودمًا) (٧).\nقال أبو إسحاق: (ويقال في التفسير: إنه سمع صوته مرة واحدة فقط) (٨). وهذا يروى عن ابن عباس (٩) كما قاله الحسن وأبو إسحاق (١٠): (إن السامري كان قد أخذ قبضة من تراب أثر فرس جبريل، ثم ألقاها في العجل وأنه خار خورة واحدة ولم يثن).\nوقوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا﴾. قال ابن\n_________\n(١) في (ب): (من جعل).\n(٢) في (ب): (يريد بالجسم اللحم والدم).\n(٣) لفظ: (تعالى) ساقط من (أ).\n(٤) لم أقف عليه، وهو أثر غريب منكر.\n(٥) لفظ: (تراب) ساقط من (أ)، وملحق أعلى السطر في (ب).\n(٦) في (أ): (ذلك التراب في فيِ العجل).\n(٧) ذكره هود الهواري في \"تفسيره\" ٢/ ٤٦، والواحدي في \"الوسيط\" ٢/ ٢٤٣.\n(٨) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٧٧، ومثله قال الفراء في \"معانيه\" ١/ ٣٩٣.\n(٩) أخرجه الطبري ٩/ ٦٢ من طرق ضعيفة، وأخرجه ابن أبي حاتم ٥/ ١٥٦٨ من طرق جيدة.\n(١٠) ليس في \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٧٧ أنه أخذ من أثر الفرس، ولعل الواحدي يقصد أنه خار مرة واحدة فقط.","vol":"9","page":359},{"text":"عباس: (يريد: لا يرشدهم إلى دين) (١)، يريد: العجل.\nقال أصحابنا: (هذا يدل على أن من لا يكون متكلمًا لا يجوز أن يكون إلهًا، وأن الإله هو الذي يتكلم ويهدي السبيل) (٢). وقول: ﴿اتَّخَذُوهُ﴾ أي: إلهًا ومعبودًا، كقوله: ﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [البقرة: ٥١]. أي: إلهًا. وقد مر.\nوقوله تعالى: ﴿وَكَانُوا ظَالِمِينَ﴾. قال ابن عباس: (يريد: مشركين) (٣). قال أهل المعاني: (وهذه الآية إخبار عن جهل بني إسرائيل في اتخاذهم العجل إلهًا وهو لا يهديهم سبيلًا، ولا يستطيع كلامًا فيدعو إلى رشدٍ أو يصرف عن غيّ) (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1256>١٤٩ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ﴾، قال ابن عباس (٥) والمفسرون (٦): (أي: ندموا على عبادتهم العجل).\n_________\n(١) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ٢/ ٢٤٣ بلا نسبة. وقال الزجاج ٢/ ٣٧٨ في معنى الآية: (أي: لا يبين لهم طريقًا إلى حجة) اهـ.\n(٢) انظر: \"تفسير الطبري\" ٩/ ٦٢.\n(٣) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ٢/ ٢٤٣، وابن الجوزي ٣/ ٢٦٢.\n(٤) قال الطبري ٣/ ١١٧ في معنى الآية: (يخبر جل ذكره عنهم أنهم ضلوا بما لا يضل بمثله أهل العقل، وذلك أن الرب ﷻ الذي له ملك السموات والأرض ومدبر ذلك لا يجوز أن يكون جسدًا له خوار لا يكلم أحدًا ولا يرشد إلى خير ...) اهـ.\n(٥) \"تنوير المقباس\" ٢/ ١٢٨، وذكره الواحدي في \"الوسيط\" ٢/ ٢٤٤.\n(٦) انظر \"مجاز القرآن\" ١/ ٢٢٨، و\"غريب القرآن\" لليزيدي ص ١٥٠، و\"تفسير غريب القرآن\" ١٨٠ - ١٨١، و\"تفسير الطبري\" ٩/ ٦٢، والسمرقندي ١/ ٥٧١، والبغوي ٣/ ٢٨٣، وقال الرازي ٧/ ١٥: (اتفقوا على أن المراد اشتد ندمهم على عبادة العجل) اهـ.","vol":"9","page":360},{"text":"قال الفراء: (يقال: سُقِط في يده وأُسْقِط من الندامة، وسُقط أكثر وأجود) (١).\nوقال الزجاج: (يقال للرجل النادمِ على ما فعل الخَسِرِ على ما فرط منه: قد سُقِط في يده وأُسْقِط) (٢). قال الأزهري: (وإنما حَسَّنَ قولَهم: سقط في يده، بضم السين غير مسمًّى فاعله الصفةُ وهي قولهم: (في يده)، ومثله قول امرؤ القيس:\nفدع عنك نهبًا صيح في حَجَراته ... ولكن حديثًا ما حديث الرواحل (٣)\nأي: صاح المنتهب في حجراته، وكذلك (٤) المراد: سقط الندم في يده) (٥) انتهى كلامه.\nفقد بان بقول المفسرين وأهل اللغة أن قولهم: (سُقط في يده) معناه: نَدِم، وأن هذا اللفظ يستعمل في صفة النادم، فأما القول في أصله ومأخذه فلم أر لأحد من الأئمة فيه شيئًا أرتضيه إلا ما ذكره أبو القاسم الزجاجي، وهو أنه قال: (قوله: ﴿سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ﴾ بمعنى (٦) ندموا، نظمٌ لم يُسمع قبل القرآن ولا عرفته العرب، ولم يوجد ذلك في أشعارهم، والذي يدل على صحة ذلك أن شعراء الإسلام لما سمعوا هذا النظم واستعملوه في\n_________\n(١) \"معاني الفراء\" ١/ ٣٩٣ وفيه زاد (وأسقط لغة). وانظر: \"معاني الأخفش\" ٢/ ٣١٠.\n(٢) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٧٨، ونحوه قال النحاس في \"معانيه\" ٣/ ٨١.\n(٣) \"ديوانه\" ص ١٣٥، و\"اللسان\" ٤/ ٢٠٣٩ (سقط)، و\"الدر المصون\" ٥/ ٤٦١، وفي \"الديوان\" (دع) بدل فدع، والنهب: الغارة والسلب، وحجراته: نواحيه، والرواحل: النوق.\n(٤) في (ب): (ولذلك)، وهو تحريف.\n(٥) \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٧١٣ (سقط).\n(٦) في (ب): (معناه).","vol":"9","page":361},{"text":"كلامهم خفي عليهم وجه الاستعمال؛ لأن عادتهم لم تَجْرِ بِهِ، فقال أبو نواس (١):\nونشوة سقطت منها في يدي (٢)\nوأبو نواس هو العالم النّحْرِير (٣) فأخطأ في استعمال هذا اللفظ؛ لأن فُعِلتْ لا يبنى إلا من فعل (٤) متعدٍّ وسُقط لازم لا يُعدى إلا بحرف الصفة. لا يُقال: سُقِطت كما لا يقال: رُغِبتُ، وغُضبتُ، إنما يقال: رُغِب فيّ، وغضْبَ عليّ، وذكر أبو حاتم (٥): (سُقط فلان في يده، بمعنى: ندم)، وهذا خطأ مثل قول أبي نواس؛ لأنه لو جاز: سُقط فلان في يده، لجاز: سقطت في يدي، ولو كان الأمر على ما ذكره لكان النظم: ولمّا سُقطوا في أيديهم، أو سقط القوم في أيديهم.\n_________\n(١) أبو نُواس: هو الحسن بن هانئ الحكمي مولاهم أبو علي البصري، شاعر مشهور، عالم باللغة، فصيح، أخذ عن أبي زيد وأبي عبيدة وغيرهما، وهو شاعر مجيد، لكن فسقه ظاهر، أكثر من النظم في المجنون والخمر والغلمان، وغلب عليه اللهو، وذكر عنه التوبة في آخر عمره. توفي سنة ١٩٥ هـ أو بعدها وقد قارب الستين سنة.\nانظر: \"الشعر والشعراء\" ص ٥٣٨، و\"تاريخ بغداد\" ٧/ ٤٣٦، و\"وفيات الأعيان\" ٢/ ٩٥، \"لسان الميزان\" ٧/ ١١٥، و\"تهذيب تاريخ ابن عساكر\" ٤/ ٢٥٧، و\"الإعلام\" ٢/ ٢٢٥.\n(٢) ليس في \"ديوانه\"، ولم أقف على تكملته. ونقله السمين في \"الدر\" ٥/ ٤٦٢ عن الواحدي، وذكره الميداني عن الزجاجي في \"مجمع الأمثال\" ٢/ ٣٣١.\n(٣) النّحْرِير: الحاذق الماهر العاقل المجرب وقيل: الرجل الفطن المُتْقِن البصير في كل شيء، انظر: \"اللسان\" ٧/ ٤٣٦٥ (نحو).\n(٤) انظر: \"تصحيح التصحيف وتحرير التحريف\" للصفدي ص ٣١٤.\n(٥) أبو حاتم: هو سهل بن محمد بن عثمان السجستاني. تقدمت ترجمته؛ والنص عنه في \"مجمع الأمثال\" ٢/ ٣٣١، وانظر \"اللسان\" ٤/ ٢٠٣٨، و\"التاج\" ١٠/ ٢٨٣ (سقط).","vol":"9","page":362},{"text":"وحقيقة معنى السقوط (١): نزول الشيء من أعلى إلى أسفل، ووقوعه على الأرض، ولهذا قالوا: سقط المطر، وسممى الجليد سَقِيطًا، ويقال: سقط من يدي شيء، وأسْقَطت المرأة ولدها، ومنه سَقْط النار والولد، وسِقْطا الخِبَاء: جانباه اللذان يسقطان على الأرض، هذا أصل، ثم توسعوا واستعاروا هذه اللفظة حيث لا يكون هناك نزول من أعلي إلى أسفل تشبيهًا، فقالوا للخطأ من الكلام: سَقَط؛ لأنهم شبهوه بما لا يحتاج إليه فيسقط، ويقال للرجل إذا أخطأ: كان ذلك منه سَقطة (٢)، شبهوا ذلك [بـ] السقطة (٣) على الأرض، ومعنى ﴿سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ﴾ أي: سقط الندم في أيديهم، ولم يذكر الندم، وقيل: سُقط، على ما لم يُسم فاعله، كما يقال: رُغب في فلان، على ما بيَّنا، وذكر اليد هاهنا لوجهين:\nأحدهما: أنه يقال للذي يحصل على شيء، وإن كان ذلك مما لا يكون في اليد: قد (٤) حصل في يده مكروه، يُشَبَّه ما يحصل في النفس وفي القلب بما يرى بالعين، وخصت اليد بالذكر لأن مباشرة الذنوب بها، فاللائمة ترجع عليها لأنها هي الجارحة العظمى فيسند إليها ما لم تباشره كقوله: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ﴾ [الحج: ١٠]، وكثير من الذنوب لم تقدمه اليد (٥).\n_________\n(١) انظر: (سقط) في \"العين\" ٥/ ٧١، و\"الجمهرة\" ٢/ ٨٣٥، و\"الصحاح\" ٣/ ١١٣٢، و\"المجمل\" ٢/ ٤٦٦، و\"مقاييس اللغة\" ٣/ ٨٦، و\"المفردات\" ص ٤١٤.\n(٢) في (ب): (سقطًا).\n(٣) لفظ: (الباء) ساقط من (ب).\n(٤) في (ب): (فقد)، وهو تحريف.\n(٥) انظر: \"تفسير القرطبي\" ٧/ ٢٨٦.","vol":"9","page":363},{"text":"الوجه الثاني: أن الندم حدث يحصل في القلب (١)، وأثره يظهر في اليد؛ لأن النادم (٢) يعض يده ويضرب إحدى يديه على الأخرى، كقوله تعالى: ﴿فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا﴾ [الكهف: ٤٢]. فتقليب الكف عبارة عن الندم؛ لأن من ندم على شيء قلب كفيه وصفق اليمنى على اليسرى تحسرًا على ما فعل.\nومن هذا أيضًا قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ﴾ [الفرقان: ٢٧]، أي: ندمًا وتحسرًا على كفره بالله، فلما كان أثر الندم يحصل في اليد من الوجه الذي ذكرنا أضيف سقوط الندم إلى اليد؛ لأن الذي يظهر للعيون من فعل النادم هو تقليب الكف وعض الأنامل واليد، كما أن السرور معنى في القلب يستشعره الإنسان، والذي يظهر من حاله الاهتزاز والحركة والضحك وما يجري مجراه، والقراءة المشهورة ﴿سُقِطَ﴾ على ما لم يسم فاعله، وهذا الفاعل إذا ظهر لا بد من أن يكون الندم على ما ذكره الزجاج وغيره) (٣)، هذا الذي ذكرناه معنى كلامه، وبعض لفظه، وهو صحيح واضح لا غبار عليه.\n_________\n(١) في (ب): (يحصل بالقلب).\n(٢) انظر: \"مجمع الأمثال\" ٢/ ٣٣١.\n(٣) لم أقف عليه عن الزجاجي في كتبه بعد طول بحث عنه وذكره الميداني في \"مجمع الأمثال\" ٢/ ٣٣١، عن الزجاجي مختصرًا، ونقله السمين في \"الدر\" ٥/ ٤٦٢ - ٤٦٣، وجعل الكلام في ذكر اليد من قول الواحدي، وقال الرازي في \"تفسيره\" ١٥/ ٨: (حكى الواحدي عن بعضهم أن هذا مأخوذ من السقيط، وهو ما يغشى الأرض بالغدوات شبه الثلج، ومعنى سقط في يده أي: وقع في يده السقيط والسقيط يذوب بأدنى حرارة ولا يبقى، فصار مثلًا لكل من خسر في عاقبته ولم يحصل من سعيه على طائل وكانت الندامة آخر أمره) اهـ. ملخصًا. وانظر: \"جمهرة الأمثال\" ٢/ ٢١٦، و\"المستقصى\" ٢/ ١١٩.","vol":"9","page":364},{"text":"[و] (١) قوله تعالى: ﴿وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا﴾ أي: وعلموا أنهم قد ابتلوا بمعصية الله، ﴿قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا﴾ الآية. وهذا الندم والاستغفار إن كان بعد رجوع موسى إليهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1257>١٥٠ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا﴾، اختلفوا في معنى: الأسف؛ فقيل الأسف: الشديد الغضب، وهو قول أبي الدرداء (٢)، وعطاء عن ابن عباس (٣) واختيار الزجاج (٤)، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ [الزخرف: ٥٥]. أي: أغضبونا، واختاره ابن قتيبة أيضًا فقال: (يقال: آسفني فأسفت أي: أغضبني فغضبت، ومنه قوله: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ (٥).\nو(٦) قال ابن عباس (٧) والسدي (٨) والحسن (٩): (الآسف الحزين)،\n_________\n(١) لفظ: (الواد) ساقط من (ب).\n(٢) أخرجه الطبري ٩/ ٦٤ بسند ضعيف، وذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ١٩٧ ب، والبغوي ٣/ ٢٨٤ وابن الجوزي ٣/ ٢٦٣، والرازي ١٥/ ١٠، والقرطبي ٧/ ٢٨٦، ابن كثير ٢/ ٢٧٦، والسيوطي في \"الدر\" ٣/ ٢٣٥.\n(٣) ذكره الرازي ١٥/ ١٠.\n(٤) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٧٨ واختاره أكثرهم. انظر: \"مجاز القرآن\" ١/ ٢٢٨، و\"غريب القرآن\" لليزيدي ص ١٥٠، \"تفسير الطبري\" ٩/ ٦٤، و\"معاني النحاس\" ٣/ ٨٢، و\"نزهة القلوب\" ص ٧٤.\n(٥) \"تفسير غريب القرآن\" ص ١٧٣.\n(٦) (الواو): ساقطة من (ب).\n(٧) أخرجه ابن أبي حاتم ٥/ ١٥٦٩ من طرق جيدة، وذكره الماوردي في \"تفسيره\" ٢/ ٢٦٢، والسيوطي في \"الدر\" ٣/ ٢٣٥.\n(٨) أخرجه الطبري ٩/ ٦٣ بسند جيد، وذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ١٩٧ ب، والبغوي في \"معالم التنزيل\" ٣/ ٢٨٤، والقرطبي في \"الجامع لأحكام القرآن\" ٧/ ٢٨٦ - ٢٨٧ عن ابن عباس والسدي.\n(٩) أخرجه الطبري ٩/ ٦٤ بسند جيد، وذكره ابن الجوزي في \"تفسيره\" ٣/ ٢٦٣ =","vol":"9","page":365},{"text":"ونحو ذلك قال الكلبي (١)، والقولان متقاربان (٢)؛ لأن الغضب من الحزن؛ والحزن من الغضب، فإذا (٣) جاءك ما تكره ممن هو دونك غضبت، وإذا جاءك ممن هو فوقك حزنت، يسمى أحدهما: حزنًا، والآخر: غضبًا، وأصلهما أن يصيبك ما تكره.\nيدل على هذا ما قاله الليث: (الأسَفُ في حال الحُزن، وفي حال الغَضَب إذا جاءك أمر ممن هو دونك فأنت أسف [أي: غضبان، وقد آسَفَك، وإذا جاءك أمر ممن هو فوقك (٤) فحزنت له ولم تطقه فأنت أسف] (٥) أي: حزين) (٦). ومن هذا قال القائل (٧):\nفحُزْنُ كل أخي حزنٍ أخو الغضب\nفبين مقاربة ما بينهما، وعلى هذين المعنيين استعملت العرب الأسف. قال الأعشى:\n_________\n= والرازي ١٤/ ١٠ عن ابن عباس والحسن والسدي.\n(١) \"تنوير المقباس\" ٢/ ١٢٨، وذكره الواحدي في \"الوسيط\" ٢/ ٢٤٤ عن الكلبي والسدي.\n(٢) انظر: \"تفسير ابن عطية\" ٦/ ٨٦، ونقل قول الواحدي، الرازي ١٥/ ١٠.\n(٣) في (ب): (وإذا).\n(٤) في \"العين\" ٧/ ٣١١: (ممن هو فوقك أو من مثلك فأنت أَسِف)، وفي \"تهذيب اللغة\" ١/ ١٦١، عن الليث: (وإذا جاءك أمر فحزنت له ولم تطقه ..).\n(٥) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).\n(٦) \"تهذيب اللغة\" ١/ ١٦١.\n(٧) \"الشاهد\" لأبي الطيب المتنبي في \"ديوانه\" ص ٤٣٦ وبلا نسبة في \"المفردات\" ص ٧٥ (أسف)، و\"الدر المصون\" ٥/ ٤٦٦، و\"عمدة الحفاظ\" ص ١٦، و\"بصائر ذوي التمييز\" للفيروزأبادي ٢/ ١٨٥ وأوله: (جزاك ربك بالأحزان مغفرة). وانظر شرح البيت في \"شرح ديوان\" المتنبي للواحدي ص ٦١١.","vol":"9","page":366},{"text":"أرى رجلًا منهم أسيفًا كأنما ... يضم إلى كشحيه كفًّا مخضبا (١)\nيقول: كأن يده قطعت واختضبت بدمه فغضب لذلك، فهذا في الغضب، وأما في الحزن فما روى في حديث عائشة -﵂ (٢) - أنها قالت: إن أبا بكر رجل أسيف (٣).\nقال أبو عبيد: (الأسيف: السريع الحزن والكآبة (٤)، قال: ويقال من هذا كله: أسفت آسف أسفا) (٥)، فعلى هذا كان موسى غضبان على قومه لأجل عبادتهم العجل ﴿أَسِفًا﴾ حزينًا لأن الله فتنهم، وقد كان قال له: ﴿فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ﴾ [طه: ٨٥].\n_________\n(١) \"ديوانه\" ص ٨٠، و\"مجالس ثعلب\" ص ٣٨، و\"تهذيب اللغة\" ١/ ١٦١، و\"مقاييس اللغة\" ١/ ١٠٣، و\"اللسان\" ١/ ٧٩، و\"الدر المصون\" ٥/ ٤٦٦، وفي \"الديوان\" (رجلًا منكم) بدل (منهم).\n(٢) في: (أ): (عنهما).\n(٣) أخرجه البخاري (٦٦٤) في الأذان باب: حد المريض أن يشهد الجماعة، وفي باب: من أسمع الناس تكبير الإمام، رقم (٧١٢) وفي باب الرجل يأتم بالإمام وبأتم الناس بالمأموم رقم (٧١٣)، وفي كتاب: الأنبياء، باب: قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ﴾ [يوسف: ٧]، وأخرجه مسلم رقم (٤١٨) كتاب الصلاة، باب: استخلاف الإِمام إذا عرض له عذر من مرض وسفر وغيرها رقم (٣٣٨٤)، عن عائشة -﵄- قالت: قال النبي - ﷺ - في مرضه: \"مروا أبا بكر فليصل بالناس\"، فقلت: (إنه رجل أَسيف ..) الحديث.\n(٤) \"تهذيب اللغة\" ١/ ١٦١، و\"غريب الحديث\" لأبي عبيد ١/ ١٠٠ قال: (سريع الحزن والبكاء) اهـ.\n(٥) \"غريب الحديث\" ١/ ١٠٠، و\"تهذيب اللغة\" ١/ ١٦١، وزاد: (والأسف: الغضبان المتلهف على الشيء ومنه قوله تعالى: ﴿غَضْبَانَ أَسِفًا﴾ اهـ. وانظر: \"المنجد\" ص ١٠٨، و\"الصحاح\" ٤/ ١٣٣٠، و\"المجمل\" ١/ ٩٥، و\"مقاييس اللغة\" ١/ ١٠٣، و\"المفردات\" ص ٧٥ (أسف).","vol":"9","page":367},{"text":"وقال الكلبي: ﴿أَسِفًا﴾ حزينًا لعبادة العجل (١).\nوقوله تعالى: ﴿قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي﴾ (٢) (٣). أي: بئسما عملتم بعدي، يقال: خلّفه بما يكره، وخَلَفه بما يحب إذا عمل خلفه ذلك العمل. قال ابن عباس: (يريد: اتخاذهم العجل وكفرهم بالله) (٤).\nوقوله تعالى: ﴿أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ﴾. معنى العَجَلة (٥): المتقدم بالشيء قبل وقته، ولذلك صارت مذمومة، والسرعة غير مذمومة؛ لأن معناها: عمل الشيء في أقل أوقاته.\nقال الفراء (٦) والزجاج (٧): (يقال: عجلت الشيء إذا سبقته، وأعجلته أي: استحثثته).\nومعنى ﴿أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ﴾ (٨). قال ابن عباس: (يعني: ميعاد ربكم فلم تصبروا له) (٩).\n_________\n(١) في النسخ: (إنا قد فتنا)، وهو تحريف.\n(٢) \"تنوير المقباس\" ٢/ ١٢٨، وذكره الواحدي في \"الوسيط\" ٢/ ٢٤٤.\n(٣) في (ب) تكرار: (من بعدي).\n(٤) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ٢/ ٢٤٤.\n(٥) انظر: \"العين\" ١/ ٢٢٧، و\"الجمهرة\" ١/ ٤٨٢، و\"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٣٤١، و\"الصحاح\" ٥/ ١٧٥٩، و\"المجمل\" ٣/ ٦٤٩، و\"مقاييس اللغة\" ٤/ ٢٣٧، و\"المفردات\" ص ٥٤٨، و\"اللسان\" ٥/ ٢٨٢١ (عجل).\n(٦) \"معاني الفراء\" ١/ ٣٩٣، ومثله قال الطبري ٩/ ٦٤.\n(٧) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٧٨.\n(٨) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).\n(٩) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ٢/ ٢٤٥، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٣/ ٢٦٤، والرازي ١٥/ ١١.","vol":"9","page":368},{"text":"وقال الحسن (١): (وعد ربكم الذي وعدتم من الأربعين ليلة، وذلك أنهم قدروا أنه مات لما لم يأت على رأس الثلاثين ليلة).\nوقال عطاء (٢): (يريد: تعجلتم سخط ربكم). وقال الكلبي: (أعجلتم بعبادة العجل قبل أن يأتيكم أمر من ربكم) (٣).\nوقوله تعالى: ﴿وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ﴾. قال ابن عباس: (يريد: التي فيها التوراة) (٤).\nوروي أن النبي - ﷺ - قال: \"يرحم الله أخي موسى ما المُخبَر كالمعاين، لقد أخبره الله بفتنة قومه، فعرف أن ما أخبره ربه حق، وإنه على ذلك لمتمسك بما في يديه، فرجع إلى قومه ورآهم (٥) فألقى الألواح\" (٦).\n_________\n(١) ذكره الماوردي ٢/ ٢٦٣، والواحدي في \"الوسيط\" ٢/ ٢٤٥، والبغوي ٣/ ٢٨٤، وابن الجوزي ٣/ ٢٦٤، والرازي ١٥/ ١١.\n(٢) ذكره الرازي ١٥/ ١١.\n(٣) \"تنوير المقباس\" ٢/ ٢٢٨، وذكره الواحدي في \"الوسيط\" ٢/ ٢٤٥، والبغوي ٣/ ٢٨٤، والرازي ١٥/ ١١.\n(٤) ذكره أكثرهم بلا نسبة. انظر: \"الوسيط\" ١/ ٢٤٥، والبغوي ٣/ ٢٨٤، وابن الجوزي ٣/ ٢٦٤، والرازي ١٥/ ١١.\n(٥) في (ب): (ورآلهم) وهو تحريف.\n(٦) أخرج أحمد في \"المسند\" ٤/ ١٤٧ رقم ٢٤٤٦ - تحقيق أحمد شاكر، وابن أبي حاتم ٥/ ١٥٧٠، والحاكم في \"المستدرك\" ٢/ ٣٢١ من طرق جيدة عن ابن عباس أن النبي - ﷺ - قال: \"ليس الخبر كالمعاينة، إن الله ﷿ أخبر موسى بما صنع قومه في العجل، فلم يلق الألواح، فلما عاين ما صنعوا ألقى الألواح فانكسرت\" اهـ. واللفظ لأحمد. وقال الحاكم: (هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه)، ووافقه الذهبي في \"التلخيص\".\nوذكره السيوطي في \"الدر\" ٣/ ٢٣٥، وزاد نسبته إلى (عبد بن حميد والبزار وابن حبان والطبراني وأبي الشيخ وابن مردويه). =","vol":"9","page":369},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ﴾. قال الكلبي: (بذؤابة أخيه، وشعره بيده اليمنى، ولحيته باليسرى) (١).\nوقال ابن الأنباري: (٨) رجع موسى فوجدهم مقيمين على المعصية أكبر ذلك واستعظمه، وأقبل على أخيه هارون بالملامة، ومد يده إلى رأسه لشدةٍ موجدته عليه، إذ لم يلحق به فيعرفه ما جرى بنو إسرائيل إليه من الأمر العظيم ليرجع فيتلافاهم، وهذا بيِّن في قوله: ﴿قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا﴾ [طه: ٩٢]، فأعلمه هارون أنه إنما أقام بين أظهرهم خوفًا على نفسه من القتل، وهذا بيّن في قوله: ﴿إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي﴾، فكان مد موسى يده إلى رأس أخيه عند توهمه أنه قد عصى الله بمقامه وتركه اللحوق به، وتعريفه ما أحدث قومه بعده، فلما سمع [موسى] (٢) اعتذار هارون، زال عنه ما كان لحقه مما توهمه على أخيه، و﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي﴾ (٣) الآية) (٤).\n_________\n= وأخرج أحمد ٣/ ٢٥٤ رقم ١٨٤٢، والقضاعي في \"مسند الشهاب\" ٢/ ٢٠١ - ٢٠٢ رقم ١١٨٢ - ١١٨٤، والخطيب في \"تاريخ بغداد\" ٣/ ٣٦٠ - و٨/ ٢٨ من طرق جيدة، عن أنس وأبي هريرة وابن عباس أن النبي - ﷺ - قال: \"ليس الخبر كالمعاينة\" اهـ. وانظر: \"المفاسد الحسنة\" للسخاوي ص ٤١٤، و\"كشف الخفاء\" ٢/ ١٦٨.\n(١) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ٢/ ٢٤٥.\n(٢) لفظ: (موسى) ساقط من (ب).\n(٣) لفظ: (﴿وَلِأخَى﴾) ساقط من (أ).\n(٤) ذكر الواحدي في \"الوسيط\" ٢/ ٢٤٥ عن الكلبي نحوه. وذكره ابن الجوزي ٣/ ٢٦٤ بلا نسبة.","vol":"9","page":370},{"text":"وقوله تعالى: ﴿قَالَ ابْنَ أُمَّ﴾ قرئ بكسر الميم وفتحها (١)، [فـ] من (٢) كسر الميم فقال الزجاج: (فإنه أضاف إلى نفسه بعد أن جعلها (٣) اسمًا واحدًا)، فعلى هذا قولهم: يا ابن أُمِ، بمنزلة يا غلامِ أقبل، تحذف الياء؛ لأن النداء باب حذف، وتبقى الكسرة دليلًا على المحذوف.\nقال الفراء: (وذلك أنه كثر في الكلام، فحذفت العرب منه الياء، ولا يكادون يحذفون الياء إلا من الاسم المنادى يضيفه المنادي إلى نفسه إلا قولهم: يا ابن عمِّ ويا ابن أم، وذلك أنه يكثر استعمالهما (٤) في كلامهم، فإذا جاء ما لا يستعمل أثبتوا (٥) الياء فقالوا: يا ابن أبي، ويا ابن أخي، ويا ابن خالتي) (٦). انتهى كلامه.\nومعنى هذا: إن الياء لا تحذف إلا من المنادى إذا أضفته إلى نفسك نحو: يا غلام، ولا تحذف من الاسم مع المضاف إليه المنادى إذا أضفته إلى نفسك نحو (٧): يا غلام غلامي (٨) لا يجوز حذف الياء هاهنا، وكذلك\n_________\n(١) قرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم: ﴿قَالَ ابْنَ أُمَّ﴾ بكسر الميم، وكذلك في آية ﴿يَبْنَؤُمَّ﴾ [طه: ٩٤]، وقرأ الباقون بفتحهما. انظر: \"السبعة\" ص ٢٩٥، و\"المبسوط\" ١٨٥، و\"التذكرة\" ٢/ ٤٢٦، و\"التيسير\" ص ١١٣، و\"النشر\" ٢/ ٢٧٢.\n(٢) لفظ: (الفاء) ساقط من (ب).\n(٣) في (أ): (جعلهما)، وفي \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٧٨ (جعله).\n(٤) في (ب): (استعمالهم).\n(٥) في (ب): (بينوا).\n(٦) \"معاني الفراء\" ١/ ٣٩٤.\n(٧) لفظ: (نحو) ساقط من (ب).\n(٨) في (ب): (يا غلام يا غلامي).","vol":"9","page":371},{"text":"يا ابن أبي، ويا ابن أخي، وجاز في يا ابن أم، ويا ابن عم لكثرتهما (١) في الكلام، فجعل الابن مع الأم والعم اسمًا واحدًا وحذفت الياء كما حذفت من يا غلام، وقد جاء يا ابن أمي بإثبات الياء على الأصل كقول أبي زبيد:\nيا ابن أمي ويا شُقَيِّقَ نفسي ... أنت خَلَّيْتَني لدهر كؤودِ (٢)\nقال سيبويه: (فهذا بمنزلة القصوى الذي استعمل فيه الأصل الذي رفض في غيره) (٣).\nوهذا الذي ذكرنا قول البصريين والكوفيين بلا اختلاف بينهما.\nفأما (٤) من فتح فقال: ﴿ابْنَ أُمَّ﴾ فمذهب البصريين (٥) فيه أنهم جعلوا: ابن وأم شيئًا واحدًا نحو: خمسة عشر، ومذهب الكوفيين أنهم\n_________\n(١) في (ب): (لكثرتها).\n(٢) \"ديوانه\" ص ٤٨، و\"الكتاب\" ٢/ ٢١٣، و\"تفسير الطبري\" ٩/ ٦٧، و\"الأضداد\" لابن الأنباري ص ٢٩٣، و\"الحجة\" لأبي علي ٤/ ٩٠، و\"اللسان\" ٤/ ٢٣٠١ (شقق)، وبلا نسبة في: \"المقتضب\" ٤/ ٢٥٠، و\"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٧٩، و\"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ٦٣٩ - ٦٤٠، و\"إعراب القراءات\" ١/ ٢٠٩، و\"التفسير\" للماوردي ٢/ ٢٦٤، و\"الأمالي\" لابن الشجري ٢/ ٢٩٤، وهذه هي رواية النحاة في كتبهم والشاهد: يا ابن أمي، حيث أثبت الياء وهو قليل، والرواية في الديوان:\nيا ابن خنساء شق نفسي يا ... لجلاج خليتني لدهر شديد\nوهو من قصيدة طويلة يرثى بها ابن أخته لجلاج، انظر: \"الاختيارين\" للأخفش ص ٥٤١٨، و\"جمهرة أشعار العرب\" ص ٢٦٢.\n(٣) هذا نص قول أبي علي الفارسي في \"الحجة\" ٤/ ٩٠، ولم أقف عليه عن سيبويه، وانظر: \"الكتاب\" ٢/ ٢١٣ - ٢١٤.\n(٤) في (ب): (وأما).\n(٥) انظر: \"معاني الأخفش\" ٢/ ٣١٠، و\"الزجاج\" ٢/ ٢٧٨، و\"إعراب النحاس\" ١/ ٤٦٠.","vol":"9","page":372},{"text":"قالوا: يا ابن أم ويا ابن عم فنصبوا كما ينصب المفرد في بعض الأحوال نحو: يا حسرتا ويا ويلتا، فكأنهم قالوا: يا أماه ويا عماه، وهذا قول الفراء (١)، وعلى هذا الفتحة في (ابن) كالفتحة في المنادي المضاف والفتحة في (أم) كالفتحة في أمّاه وعمّاه، والصحيح قول البصريين، وهو أن الفتحة في ابن كالفتحة في خمسة من قولهم: خمسة عشر، والفتحة في أم كالفتحة (٢) في عشر.\nفإن قيل: لما لا يجوز أن يكون المراد يا ابن أمّا فحذف الألف كما حذفت ياء الإضافة في: يا غلام؟ قيل: ليس مثله، ألا ترى أن من حذف الياء من يا غلام أثبتها في يا غلام غلامي فلو كانت الألف مقدرة في يا ابن أم لم تحذف كما لم تحذف في قوله (٣):\n_________\n(١) \"معاني الفراء\" ١/ ٣٩٤، وانظر: \"تفسير الطبري\" ٩/ ٦٧ - ٦٨.\n(٢) هنا في: (أ) وقع تكرار وخلط ففيها: (والصحيح قول البصريين وهو أن الفتحة في ابن كالفتحة في خمسة من قولهم خمسة عشر والفتحة في أم كالفتحة في أماه وعماه والصحيح قول البصريين وهو أن الفتحة في ابن كالفتحة في خمسة من قولهم خمسة عشر والفتحة في أم كالفتحة في عشر فإن قيل ..).\n(٣) \"الشاهد\" لأبي النجم الفضل بن قدامة العجلي في \"ديوانه\" ص ١٣٤، و\"الكتاب\" ٢/ ٢١٤، و\"النوادر\" ص ١٩، و\"الأصول\" ١/ ٣٤٢، و\"الجمل\" للزجاجي ص ١٦٠، و\"الصحاح\" ٥/ ١٩٩٢ (عمم) \"الأمالي\" لابن الشجري ٢/ ٢٩٥، و\"اللسان\" ٥/ ٣١١١ (عمم)، وبلا نسبة في \"المقتضب\" ٤/ ٢٥٢، و\"الحجة\" لابن خالويه ص ١٦٥، و\"الحجة\" لأبي علي ٤/ ٩١، و\"البغداديات\" ص ٥٠٦، و\"العسكريات\" ص ١٣٥، و\"معاني الحروف\" للروماني ص ١٤٨، و\"المحتسب\" ٢/ ٢٣٨، و\"المدخل\" للحدادي ص ٥٤٧، و\"رصف المباني\" ص ٢٣٥، و\"الدر المصون\" ٥/ ٤٦٨، وهو رجز بعده.\nلا تسمعيي منك لومًا واسمعي =","vol":"9","page":373},{"text":"يا ابنة عمَّا لا تلومي واهجعي\nفالألف لا تحذف حيث تحذف الياء، ألا ترى أن من قال: ﴿قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ﴾ [الكهف: ٦٤]، ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ﴾ [الفجر: ٤] فحذف الياء من الفواصل لم يكن عنده في نحو ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾ [الليل: ١ - ٢] إلا الإثبات. فإن قيل: فما تقولون (١) في بيت الكتاب:\nرهط مرجوم ورهط ابن المعلّ (٢)\nوهو يريد: المعلى؟\nوفيما أنشد أبو الحسن:\nفلست بمدرك ما فات مني ... بلهفَ ولا بليتَ ولا لو اني (٣)\n_________\n= الشاهد فيه: يا ابنة عما، والأصل يا ابنة عمي فقلب الياء ألفًا كراهة اجتماع الكسرة والياء.\n(١) في (ب): (فما تقول).\n(٢) الشاهد: للبيد بن ربيعة في ملحق \"ديوانه\" ص ١٩٩، و\"الكتاب\" ٤/ ١٨٨، و\"مجاز القرآن\" ٢/ ١٦٠، و\"طبقات فحول الشعراء\" ٢/ ٤٤٨، و\"كتاب الكتاب\" لابن درستويه ص ١٠٤، و\"الحجة\" لأبي علي ١/ ١٤١، و\"البغداديات\" ص ٥٠٦، و\"الخصائص\" ٢/ ٢٩٣، و\"الأمالي\" لابن الشجري ٢/ ٢٩٣، و\"اللسان\" ٣/ ١٦٠٣ (رجم)، وبلا نسبة في \"الجمهرة\" ١/ ٤٦٦، و\"العسكريات\" ص ١٣٣، و\"المحتسب\" ١/ ٣٤٢، و\"سر صناعة الإعراب\" ٢/ ٥٢٢، و\"المقرب\" ٢/ ٢٩، وصدره:\nوقبيل من لكيز شاهد\nوالشاهد: ابن المعل، والأصل المعلى فحذف للضرورة، وقبيل: القبيلة، وشاهد أي حاضر، ولكيز من عبد قيس، ومرجوم: لقب رجلًا من عبد قيس، وابن المعلى هو جد الجارود بن بشير بن عمرو بن المعلى، أفاده عبد السلام هارون -رحمه الله تعالى- في حاشية الكتاب ٤/ ١٨٨.\n(٣) لم أعرف قائله وهو في: \"معاني الأخفش\" ١/ ٦٥، و\"الحجة\" لأبي علي ٤/ ٩٢، =","vol":"9","page":374},{"text":"يريد: بلهفى، فحذف الألف؟ قال أبو علي الفارسي: (والجواب: أن ذلك يجوز في الشعر (١) ولا يجوز في الاختيار وحال السعة، ولا ينبغي أن جمل قوله: ﴿قَالَ يَبْنَؤُمَّ﴾ (٢) [طه: ٩٤] على هذا) (٣).\nوقال أبو علي في هذه المسألة في سورة طه: (من (٤) قال: ﴿قَالَ يَبْنَؤُمَّ﴾ [طه: ٩٤] أراد يا ابن أمَّا فحذف الألف كما يحذف الياء من غلامي في النداء [إذا قال: يا غلام وحذف الياء، من المضاف إليه، وإن كانت لا تحذف من المضاف إليه] (٥) إذا قال: يا غلام غلامي، كما تحذف من المضاف إذا قال: يا غلام؛ لأن هذا الاسم قد كثر استعماله فيغير عن أحوال النظائر، والفتحة في ﴿ابْنَ﴾ على هذا نصبة كما أنها في قولك: يا غلام أمي، كذلك.\nقال: ويجوز أن يكون جعل ابن وأمّ جميعًا بمنزلة اسم واحد فبناهما على الفتح، والفتحة في الأول ليست بنصبة كما كانت في الوجه الأول، ولكنها بمنزلة الفتحة في خمسة من خمسة عشر، والاسمان في موضع ضم بالنداء، فهذان وجهان. ومن قال: ﴿قَالَ يَبْنَؤُمِ﴾ بالكسر، احتمل أيضًا\n_________\n= و\"العسكريات\" ص ١٣٤، و\"كتاب الشعر\" ١/ ٢٨٢، و\"الخصائص\" ٣/ ١٣٥، و\"سر صناعة الإعراب\" ٢/ ٥٢١، و\"المحتسب\" ١/ ٢٧٧، و\"الأمالي\" ابن الشجري ٢/ ٢٩٣، و\"الإنصاف\" ١/ ٣٩٠، و\"المقرب\" ١/ ١٨١، و\"الممتع\" ٢/ ٦٢٢، و\"اللسان\" ٧/ ٤٠٨٧ (لهف).\n(١) في (ب): (والجواب أن ذلك يجوز في الاختيار وحال السعة)، وهو تحريف.\n(٢) \"الحجة\" لأبي علي ٤/ ٩٢، وما قبله منه أيضًا. انظر: \"الحجة\" ٤/ ٨٩ - ٩٣.\n(٣) أي: بالفتح.\n(٤) في (ب): (ما قال)، وهو تحريف.\n(٥) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).","vol":"9","page":375},{"text":"أمرين: أحدهما: أن يكون أضاف ابنا إلى أم، وحذف الياء من الثاني، وكان الوجه إثباتها مثل: يا غلام غلامي، والآخر: أن يكون جعل الاسم الأول مع الثاني اسمًا واحدًا وأضافه إلى نفسه، ثم حذف الياء، كما تحذف من أواخر المفردة نحو: يا غلام) (١).\nقال المفسرون (٢): (وكان هارون أخا موسى لأبيه وأمّه، وإنما قال. ﴿يَا ابْنَ أُمَّ﴾ ليستعطفه عليه ويرققه) (٣).\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي﴾). قال الكلبي: (استذلوني وقهروني) (٤). ﴿وَكَادُوا﴾ وهمّوا أن ﴿يَقْتُلُونَنِي﴾ ﴿فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ﴾ يعني: أصحاب العجل. ﴿وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ الذين عبدوا العجل، أي: في موجدتك (٥) عليّ، وعقوبتك لي لا تجعلني معهم (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1258>١٥١ </span>- قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي﴾. قال الكلبي: (رب اغفر لي ذنبي أي: ما صنعت إلى أخي) (٧)، يريد: ما أظهرت من الموجدة على هارون وهو بريء مما يوجب العتب عليه؛ لأنه لم يكن منه تقصير في\n_________\n(١) \"الحجة\" لأبي علي ٥/ ٢٤٨، وانظر: \"معاني القراءات\" ١/ ٤٢٥، و\"إعراب القراءات\" ١/ ٢٨٠، و\"الحجة\" لابن خالويه ص ١٦٤، ولابن زنجلة ص ٢٩٧، و\"الكشف\" ١/ ٤٧٨.\n(٢) انظر: \"تفسير الطبري\" ٩/ ٦٨، والسمرقندي ١/ ٥٧١، والبغوي ٣/ ٢٨٤.\n(٣) في (ب): (ويرفقه).\n(٤) \"تنوير المقباس\" ٢/ ١٢٩، وذكره الواحدي في \"الوسيط\" ٢/ ٢٤٦.\n(٥) وَجَدت عليه مَوْجِدَة أي: غضبت، ووجدت عليه أي: حزنت وانظر: \"اللسان\" ٨/ ٤٧٧٠ (وجد).\n(٦) انظر: \"تفسير الطبري\" ٩/ ٦٩، والسمرقندي ١/ ٥٧١.\n(٧) \"تنوير المقباس\" ٢/ ١٢٩.","vol":"9","page":376},{"text":"الإنكار على عبدة العجل. إذ بلغ الأمر به أن (١) هموا بقتله لشدة إنكاره.\nوقوله تعالى: ﴿وَلِأَخِي﴾. إنما استغفر لأخيه لأنه ظنه مقصرًا في الإنكار على عبدة العجل، وإن لم يقع ذلك التقصير منه، [و] (٢) كأنه يقول: اغفر لأخي إن قصر في الإنكار، كذلك (٣) قال أهل المعاني (٤) في استغفار موسى لأخيه هاهنا.\nوقوله تعالى: ﴿وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ﴾. قال عطاء عن ابن عباس (٥): (يريد: في سعة جنتك).\nوقوله تعالى: ﴿وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾. إخبار عن موسى أن الله تعالى بهذه الصفة، وهو يدل على قوة طمع الداعي في نجاح طلبته لأن من هو ﴿أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ يُؤمل منه الرحمة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1259>١٥٢ </span>- قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ﴾ الآية، قد ذكرنا (٦) في مواضع أن المفعول الثاني من مفعولي الاتخاذ محذوف على تقدير: اتخذوا العجل إلهًا (٧) ومعبودًا، يدل على هذا المحذوف قوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى﴾ [طه: ٨٨]، وللمفسرين، وأهل المعاني، في هذه الآية طريقان:\n_________\n(١) في (أ): (إذا بلغ الأمر به لاهموا) وهو تحريف.\n(٢) لفظ: (الواو) ساقط من (ب).\n(٣) في (ب): (لذلك)، وهو تحريف.\n(٤) انظر: \"تفسير الطبري\" ٩/ ٦٩، و\"معاني النحاس\" ٣/ ٨٣، والسمرقندي ١/ ٥٧١.\n(٥) لم أقف عليه، وفي \"تنوير المقباس\" ٢/ ١٢٩: (قال: في جنتك)، وذكر الواحدي في \"الوسيط\" ٢/ ٢٤٦ عن عطاء قال: (أي: في جنتك) اهـ.\n(٦) انظر: \"البسيط\" البقرة: ٥١.\n(٧) انظر: \"تفسير الطبري\" ٩/ ٧٠، و\"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٧٩، والنحاس ٣/ ٨٤.","vol":"9","page":377},{"text":"أحدهما: أن المراد بالذين اتخذوا العجل: الذين باشروا عبادة العجل.\nوقوله تعالى: ﴿سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ﴾. قال عطاء عن ابن عباس: (يريد: في الدنيا) (١)، يعني: أولئك تيب (٢) عليهم بقتلهم أنفسهم فلا يلحقهم الغضب في الآخرة، وتفسير هذا الغضب في الدنيا قاله أبو العالية؛ قال: (هو ما أمروا به من قتلهم أنفسهم) (٣).\nوقوله تعالى: ﴿وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. قال الزجاج: (الذلة لحقتهم بأنهم رأوا أنهم قد ضلوا فذلوا) (٤). وعلى هذا معنى قوله: ﴿سَيَنَالُهُمْ﴾ -وقد نالهم الغضب و[الذلة] (٥)، وهذه السين للاستقبال- هو أن هذه الآية إخبار (٦) عما أخبر الله به موسى حين أخبره بافتتان قومه واتخاذهم العجل، أخبره أيضًا أن أولئك سينالهم غضب وذلة، ويُحتاج إلى تقدير محذوف كأنه قيل: وقلنا لموسى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ﴾ الآية، والقول كثيرًا ما يُضمر في الكلام.\nالثاني: أن المراد بالذين اتخذوا العجل أبناؤهم الذين كانوا في زمن النبي - ﷺ -، وهذا مذهب ابن عباس وعطية العوفي، قال ابن عباس: (هم الذين أدركوا النبي وآباؤهم الذين عبدوا العجل) (٧). وقال في قوله (٨):\n_________\n(١) لم أقف عليه.\n(٢) في (ب): (تبت).\n(٣) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ١٩٨ أ، والبغوي ٣/ ٢٨٥.\n(٤) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٧٩، وفيه: (والذلة ما أمروا به من قتل أنفسهم).\n(٥) لفظ: (الذلة) ساقط من (أ).\n(٦) في (ب): (هو أن هذه الأخبار) وهو تحريف.\n(٧) ذكره الخازن ٢/ ٢٩٢.\n(٨) في (ب): (في قولهم) وهو تحريف.","vol":"9","page":378},{"text":"﴿سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ﴾: (عذاب في الآخرة)، ﴿وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾، قال: (وهي الجزية) (١).\nوقال العوفي: (أراد سينال أولادهم الذين كانوا على عهد رسول الله - ﷺ - غضب وذلة)، قال: (وهو ما أصاب بني قريظة والنضير من القتل والجلاء) (٢).\nوعلى هذا الطريق تحمل الآية على وجهين:\nأحدهما: أن العرب تُعيّر الأبناء بمعاير الآباء وتنسبها إليهم، كما تفعل ذلك في المناقب، وهو كثير في أشعارهم يقولون للأبناء: فعلتم كذا وكذا، وإنما فعل ذلك من مضى من آباءهم، كذلك هاهنا الله تعالى وصف [هؤلاء] (٣) اليهود الذين كانوا في زمن النبي - ﷺ - باتخاذ العجل وإن كان آباؤهم فعلوا ذلك تعييرًا لهم كعادة (٤) العرب.\nالوجه الثاني: أن الآية من باب حذف المضاف على ما ذكره عطية العوفي، والمعنى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ﴾ الذين باشروا ذلك ﴿سَيَنَالُهُمْ﴾ (٥) أي: سينال أولادهم ثم حذف المضاف لدلالة الكلام عليه (٦).\n_________\n(١) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ١٩٨ أ، والبغوي ٣/ ٢٨٥، وابن الجوزي ٣/ ٢٦٥، الخازن ٢/ ٢٩٢.\n(٢) ذكره الثعلبي ١٩٨ أ، والواحدي في \"الوسيط\" ٢/ ٢٤٨، والبغوي ٣/ ٢٨٥، وابن الجوزي ٣/ ٢٦٦، الخازن ٢/ ٢٩٢.\n(٣) لفظ: (هؤلاء) سقط من (ب).\n(٤) في (ب): (لعادة).\n(٥) لفظ: (سينالهم) سقط من (أ).\n(٦) والقول الأول أظهر وهو أن ذلك مختص بالمتخذين للعجل إلهًا لا لمن بعدهم =","vol":"9","page":379},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ﴾. قال ابن عباس: (يريد: كذلك أعاقب من اتخذ إلهًا من دوني أو تولى غيري) (١). وقال أهل المعاني: (كل مفترٍ في دين الله فجزاؤه غضب الله والذلة في الدنيا، يؤكد هذا ما روي عن مالك بن أنس (٢) [﵀] (٣) أنه قال: (ما من مبتدع إلا وهو يجد فوق رأسه ذلة، ثم قرأ هذه الآية) (٤)، والمبتدع مفتر في دين الله.\nقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُوا﴾، قال ابن عباس (٥): (يريد: الشرك، مثل قوله في النساء: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾ [النساء: ١٨]، ﴿ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِهَا﴾ (٦) أي: رجعوا عنها وتركوها،\n_________\n= من ذراريهم، وهو اختيار الجمهور، انظر: \"تفسير الطبري\" ٩/ ٦٩ - ٧٠، و\"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٧٩، و\"تفسير ابن عطية\" ٦/ ٩٠، والقرطبي ٧/ ٢٩١ - ٢٩٢، وقال النحاس في \"معانيه\" ٣/ ٨٤: (وهذا القول أصح لأن الجزية لم تؤخذ منهم وإنما أخذت من ذريتهم) اهـ.\n(١) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ٢/ ٢٤٨، وابن الجوزي ٣/ ٢٦٦.\n(٢) مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر الأصبحي أبو عبد الله المدني من تابعي التابعين، إمام حافظ ثقة، ثبت فقيه محدث، إمام دار الهجرة واحد أئمة المذاهب المتبوعة، أجمع العلماء على إمامته وجلالته وعلو مرتبته في الفقه والحديث، وفضله ومناقبه وثناء الأئمة عليه كثير توفي -﵀- سنة ١٧٩ هـ، وله ٨٦ سنة انظر: \"تهذيب الأسماء واللغات\" ٢/ ٧٥، و\"سير أعلام النبلاء\" ٨/ ٤٨، و\"تذكرة الحفاظ\" ١/ ٢٠٧، و\"تهذيب التهذيب\" ٤/ ٨\n(٣) لفظ: (﵀) ساقط من (ب).\n(٤) أخرجه الثعلبي في \"تفسيره\" ص ١٩٨، وذكره ابن الجوزي ٣/ ٢٦٦، والرازي ١٥/ ١٣، والقرطبي ٧/ ٢٩٢، والخازن ٢/ ٢٩٣، وأخرج الطبري ٩/ ٧٠، وابن أبي حاتم ٥/ ١٥٧١، من عدة طرق جيدة عن أبي قلابة وسفيان بن عيينة نحوه.\n(٥) لفظ: (﴿ثُمَّ تَابُوا﴾) ساقط من (أ).\n(٦) \"تنوير المقباس\" ٢/ ١٢٩، وذكره الواحدي في \"الوسيط\" ٢/ ٢٤٨.","vol":"9","page":380},{"text":"قال ابن عباس: (يعني: قبل حلول العذاب وقبل الموت). وقوله: ﴿وَآمَنُوا﴾، قال: (يريد: صدّقوا أنه لا إله غيري ولا شريك معي) (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1260>١٥٤ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ﴾، قال المفسرون (٢)، وأهل اللغة (٣): (أي: سكن)، والسكوت أصله السكون والإمساك عن الشيء، وإنما يقال: سكت إذا أمسك عن الكلام، وجاز ﴿سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ﴾، ولا يجوز صمت هاهنا؛ لأن ﴿سَكَتَ﴾ بمعنى: سكن وصمت (٤) معناه: سدّ فاه عن الكلام.\nقال أصحاب النظر: (وإنما قيل لسكون الغضب: سكوت، وليس الغضب مما يجوز أن يتكلم (٥) لأنه لما كان بفورته (٦) دالًا على ما في النفس للمغضوب عليه، كان بمنزلة الناطق بذلك، فإذا سكنت تلك الفورة كان بمنزلة الساكت عما كان متكلمًا).\n_________\n(١) لم أقف عليه.\n(٢) انظر: \"مجاز القرآن\" ١/ ٢٢٩، و\"معاني الأخفش\" ٢/ ٣١١، و\"غريب القرآن\" لليزيدي ص ١٥٠، و\"تفسير غريب القرآن\" ص ١٨١، و\"تفسير الطبري\" ٩/ ٧١، و\"نزهة القلوب\" ص ٢٦٤، و\"معاني النحاس\" ٣/ ٨٥، و\"تفسير السمرقندي\" ١/ ٥٧٢، و\"تفسير المشكل\" ص ٨٧\n(٣) انظر: \"العين\" ٥/ ٣٠٥، و\"الجمهرة\" ١/ ٣٩٨، و\"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٧١٨، و\"الصحاح\" ١/ ٢٥٣، و\"المجمل\" ٢/ ٤٦٨، و\"مقاييس اللغة\" ٣/ ٨٩، و\"المفردات\" ص ٤١٦، و\"اللسان\" ٤/ ٢٠٤٦ (سكت).\n(٤) انظر: \"العين\" ٧/ ١٠٦، و\"تهذيب اللغة\" ٢/ ٢٠٥١، و\"الصحاح\" ١/ ٢٥٦، و\"المجمل\" ٢/ ٥٤٠، و\"معجم المقاييس\" ٣/ ٣٠٨، و\"اللسان\" ٤/ ٢٤٩٣ (صمت).\n(٥) في (ب): (يتكلم به).\n(٦) في (ب): (لأنه كان نفورته)، وهو تحريف.","vol":"9","page":381},{"text":"وقال عكرمة: (المعنى: سكت موسى عن الغضب) (١) فقلب؛ كما قالوا: أدخلت القلنسوة (٢) في رأسي، والمعنى: أدخلت رأسي في القلنسوة، قال أبو إسحاق: (والقول الأولى، الذي معناه: سكن، وهو قول أهل العربية) (٣).\nوقوله تعالى: ﴿أَخَذَ الْأَلْوَاحَ﴾؛ لأنه كان قد ألقاها.\nوقوله تعالى: ﴿وَفِي نُسْخَتِهَا﴾. قد ذكرنا معنى النسخ (٤) فيما تقدم، وهو: اكتتابك كتابًا عن كتاب حرفًا بحرف، تقول: نَسَخْتُه وانْتَسَخْته، فالأصل نُسْخةٌ، والمكتوب عنه نُسخةٌ؛ لأنه قام مقامه (٥).\nقال ابن عباس (٦) وعمرو بن دينار (٧): (لما ألقى موسى الألواح تكسرت، فصام أربعين يومًا، فردت عليه، وأعيدت الألواح، وفيها الذي في الأولى) (٨). فعلى هذا معنى: ﴿وَفِي نُسْخَتِهَا﴾. أي: فيما (٩) نسخ منها،\n_________\n(١) ذكره الرازي ١٥/ ١٤، والقرطبي ٧/ ٢٩٣.\n(٢) القَلَنْسُوة: من ملابس الرؤوس معروفة، انظر: \"اللسان\" ٦/ ٣٧٢٠ (قلس).\n(٣) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٧٩، وقال الخازن ٢/ ٢٩٣: (والقول الأول أصح لأنه قول أهل اللغة والتفسير) اهـ. وقال السمين في \"الدر\" ٥/ ٤٧٢: (القول بالقلب ينبغي أن لا يجوز لعدم الاحتياج إليه مع ما في القلب من الخلاف) اهـ.\n(٤) انظر: \"البسيط\" النسخة الزهرية ١/ ٧٨ ب.\n(٥) هذا قول الأزهري في \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٥٥٨ (نسخ).\n(٦) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ١٩٨ أ، والبغوي ٣/ ٢٨٥، والرازي ١٥/ ١٥، والقرطبي ٧/ ٢٩٣، والخازن ٢/ ٢٩٣.\n(٧) عمرو بن دينار لعله: عمرو بن دينار الجمحي، أبو محمَّد المكي الأثرم، تقدمت ترجمته.\n(٨) ذكره الثعلبي ١٩٨ أ، والبغوي ٣/ ٢٨٥، الخازن ٢/ ٢٩٣.\n(٩) في (ب): (أي وفيما).","vol":"9","page":382},{"text":"وإن كانت الألواح لم تتكسر، وأخذها موسى بعينها بعد ما ألقاها، فمعنى: ﴿وَفِي نُسْخَتِهَا﴾. أي: وفي المكتوب فيها، وذلك المكتوب انتسخ من أصل فيسمى نسخة.\nوقوله تعالى: ﴿هُدًى وَرَحْمَةٌ﴾. قال ابن عباس (١) وغيره (٢): (هدى من الضلالة، ورحمة من العذاب). ﴿لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾. قال: (يريد: الخائفين من ربهم) (٣). واختلفوا في وجه دخول اللام في قوله ﴿لِرَبِّهِمْ﴾؛ فقال الكسائي: (٨) تقدم المفعول على الفعل حسنت اللام) (٤)، قال: (وهذا مما مات من الغريب، وقد كان يقال: لك أكرمت، ولك حدثت (٥)، فمات ولو قلت: (أكرمت لك) تريد: أكرمتك، كان قبيحًا، وهو جائز، كما تقول: هو مكرم لك، وهو ضارب لك، بمعنى: مكرمك وضاربك، فحسن في موضع وقبح في آخر والأصل واحد) (٦).\nقال النحويون: (لمّا تقدم المفعول ضعف عمل الفعل فيه، فصار بمنزلة ما لا يتعدى، فأدخل اللام) (٧).\n_________\n(١) \"تنوير المقباس\" ٢/ ١٣٠، وذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ١٩٨ أ، والخازن ٢/ ٢٩٣.\n(٢) انظر: \"تفسير الطبري\" ٩/ ٧١، و\"معاني النحاس\" ٣/ ٨٥، والسمرقندي ١/ ٥٧٢.\n(٣) \"تنوير المقباس\" ٢/ ١٣٥، وذكره ابن الجوزي ٣/ ٢٦٧، والخازن ٢/ ٢٩٣.\n(٤) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ١٩٨ أ، والبغوي ٣/ ٢٨٦.\n(٥) في (ب): (ولك حديث).\n(٦) لم أقف عليه.\n(٧) انظر: \"اللامات\" للزجاجي ص ١٤٧، و\"الهروي\" ص ٣٤، وقال ابن هشام في \"المغني\" ١/ ٢١٧: (هي لام التقوية، وهي المزيدة لتقوية عامل ضعف إما بتأخر نحو ﴿هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ أو بكونه فرعا في العمل) اهـ.","vol":"9","page":383},{"text":"وقال أبو علي الفارسي -وهو قول أكثر النحويين-: (قد يزاد بحروف الجر في المفعول، وإن كان الفعل متعديًا، وذلك نحو: قرأت السورة، وقرأت بالسورة (١)، وألقى يده، وألقى بيده، وفي القرآن ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ [العلق: ١٤]، وفي موضع آخر ﴿وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ﴾ [النور: ٢٥] (٢). فعلى هذا قوله: ﴿لِرَبِّهِمْ﴾ (٣) اللام صلة وتأكيد كقوله: ﴿رَدِفَ لَكُمْ﴾ [النمل: ٧٢].\nوقد ذكرنا مثل هذا في قوله: ﴿وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ [آل عمران: ٧٣]، وقال بعضهم: إنها (٤) لام أجلٍ، والمعنى: هم (٥) لأجل ربهم (٦) ﴿يَرْهَبُونَ﴾. لا رياء ولا سمعة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1261>١٥٥ </span>- قوله تعالى: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ﴾، الاختيار: افتعال من لفظ الخير، يقال: اختار الشيء أي: أخذ خيره وخياره (٧)، وأصل اختار (اختير)، فلما تحركت الياء وقبلها فتحة قلبت ألفًا نحو: قال وباع، وفي الأسماء (دار) و(ناب)، أصلهما (٨) دَوَرٌ ونَيَبٌ، ولهذا استوى لفظ الفاعل والمفعول فقيل فيهما: (مختار) والأصل (مُختَيِر) و(مُختَيَر)، فقلبت الياء فيهما ألفًا فاستويا في اللفظ (٩).\n_________\n(١) في (ب): (نحو قرأت السورة وألقى يده، وفي القرآن) وهو تحريف.\n(٢) \"الإيضاح العضدي\" ١/ ١٩٧ - ١٩٨، وانظر: \"المسائل العسكريات\" ص ١٢٨.\n(٣) في (ب): (﴿لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾).\n(٤) في (ب): (وقال بعضهم ألها لام)، وهو تحريف.\n(٥) في (ب): (والمعنى والذين هم).\n(٦) انظر: \"معاني الأخفش\" ٢/ ٣١١، و\"تفسير الطبري\" ٩/ ٧١، و\"إعراب النحاس\" ١/ ٦٤١، و\"التبيان\" ص ٣٩١، و\"والفريد\" ٢/ ٣٦٧، و\"الدر المصون\" ٥/ ٤٧٢.\n(٧) في (ب): (وختاره).\n(٨) في (ب): (أصلها).\n(٩) انظر: \"العين\" ٤/ ٣٠١، و\"البارع\" ص٢٢٤، و\"تهذيب اللغة\" ١/ ٩٥٩، ٩٦٠، =","vol":"9","page":384},{"text":"قال جماعة النحويين (١): (معناه: واختار موسى [من] (٢) قومه، فحذفت (من) ووصل الفعل فنصب، يقال: اخترت من الرجال زيدًا [واخترت الرجال زيدًا] (٣).\nوأنشدوا قول الفرزدق (٤):\nمنَّا الذي اختير الرِّجالَ سماحة ... وجودًا إذا هبَّ الرِّياح الزَّعازعُ\nقال الفراء: (وإنما استجيز وقوع الفعل عليهم إذا طُرحت (من)؛ لأنه مأخوذ من قولك: هؤلاء خير القوم، وخير من القوم، فلما جازت الإضافة مكان (من) ولم يتغير المعنى استجازوا أن يقولوا: اخترتكم رجلًا، واخترت منكم رجلًا) (٥) وأنشد للراعي (٦):\n_________\n= و\"الصحاح\" ٢/ ٦٥١، و\"المجمل\" ٢/ ٣٠٨، و\"مقاييس اللغة\" ٢/ ٢٣٣، و\"المفردات\" ص ٣٠١، و\"اللسان\" ٣/ ١٢٩٩ (خير).\n(١) انظر: \"الكتاب\" ١/ ٣٧، و\"معاني الأخفش\" ٢/ ٣١٢، و\"المقتضب\" ٤/ ٣٣٠، و\"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٨٠، و\"إعراب النحاس\" ٢/ ١٥٤.\n(٢) لفظ: (من) ساقط من (ب).\n(٣) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).\n(٤) \"ديوانه\" ٢/ ٤١٨، و\"الكتاب\" ١/ ٣٩، و\"الكامل\" ١/ ٣٣، و\"تفسير الطبري\" ٩/ ٧٤، و\"الأمالي\" لابن الشجري ٢/ ١٣١، و\"اللسان\" (٣/ ١٢٩٩ (غير)، و\"الدر المصون\" ٥/ ٤٧٤ وبلا نسبة في \"معاني الأخفش\" ٢/ ٣١٢، و\"المقتضب\" ٤/ ٣٣٠، و\"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٨٠، و\"إعراب النحاس\" ١/ ٦٤٢، وانظر شرحه في \"الخزانة\" ٩/ ١٢٣ - ١٢٥.\n(٥) \"معاني الفراء\" ١/ ٣٩٥.\n(٦) الرّاعي: هو عبيد بن حصين بن معاوية بن جندل النميري أبو جندل البصري، شاعر أموي، لقب بالراعي؛ لكثرة وصفه الإبل، وتوفي بعد سنة ٩٠ هـ. انظر: \"طبقات فحول الشعراء\" ٢/ ٢٩٨، و\"الشعر والشعراء\" ص ٢٦٥، و\"الأغاني\" ٢٤/ ١٦٨، و\"الأعلام\" ٤/ ١٨٨.","vol":"9","page":385},{"text":"فقلت (١) له (٢) اخترها قلوصًا سمينه ... وناب علينا مثلُ نابك في الحيا\nأراد: اختر منها، قال أبو علي: (والأصل في هذا الباب أن من الأفعال ما يتعدى إلى المفعول الثاني بحرف جر، ثم يتسع فيحذف حرف الجر فيتعدى الفعل إلى المفعول الثاني، من ذلك قولك: اخترت من الرجال زيدًا (٣)، ثم يُتسع فيقال: اخترت الرجال زيدًا، وأستغفر الله من ذنبي، [وأستغفر الله ذنبي] (٤)، وكذلك أمرت زيدًا الخير، وأمرته بالخير.\nقال الشاعر:\nأستغفر الله ذنبًا لست مُحْصِيَه (٥)\n_________\n(١) \"ديوانه\" ص ٢٥٩، و\"الدر المصون\" ٥/ ٤٧٣، وبلا نسبة في \"معاني الفراء\" ٢/ ٣٩٥، و\"تفسير الطبري\" ٩/ ٧٥، والقلوص: الفتية من الإبل، والناب: المسنة، والحيا: الخصب والمطر لإحيائه الأرض فتخصب، والحيا: الشحم والسمن، وصدره في الديوان، و\"طبقات فحول الشعراء\" ٢/ ٥٢١:\nفقلت لرب الناب خذها ثنية\n(٢) في (أ): (فقلت لها)، وهو تحريف.\n(٣) النص في \"الإيضاح العضدي\" ١/ ٢٠٠ وفيه: (فمن ذلك قولك: اخترت زيدًا من الرجال ..).\n(٤) لفظ: (واستغفر الله ذنبي) ساقط من (ب)، وفي \"الإيضاح\": (واستغفرت الله ذنبي).\n(٥) لم أعرف قائله وهو في \"الكتاب\" ١/ ٣٧، و\"معاني الفراء\" ١/ ٢٣٣، و\"أدب الكاتب\" ص ٤١٩، و\"تأويل مشكل القرآن\" ص ٢٢٩، و\"المقتضب\" ٤/ ٣٣١، و\"الأصول\" ١/ ١٧٨، و\"الخصائص\" ٣/ ٢٤٧، و\"الصاحبي\" ص ٢٩١، و\"المخصص\" ١٤/ ٧١، و\"اللسان\" ٦/ ٣٢٧٤ (غفر)، و\"الدر المصون\" ٥/ ٤٧٤، وعجزه:\nربُّ العباد إليه الوجه والعمل =","vol":"9","page":386},{"text":"وقال آخر:\nأمرتُك الخير فافعل (١) ما أُمِرت به) (٢)\nوقوله تعالى: ﴿سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا﴾. قال السدي: (أمر الله موسى أن يأتيه (٣) [في] ناس من بني إسرائيل يعتذرون إليه من عبادة العجل، ووعدهم موعدًا، فاختار موسى سبعين رجلًا ليعتذروا) (٤).\nوقال ابن يسار (٥): (اختارهم ليتوبوا إليه مما صنعوا، ويسألوه التوبة على (٦) من ورائهم من قومهم) (٧).\n_________\n= والشاهد: أستغفر الله ذنبًا حيث حذف حرف الجر من ثاني مفعولي (استغفر) الذي تعدى إليه بواسطة الحرف، والأصل: أستغفر الله من ذنب. انظر: \"الخزانة\" ٣/ ١١١.\n(١) في (أ): (وافعل).\n(٢) الشاهد مختلف في نسبته وهو في ديوان عمرو بن معد يكرب ص ٦٣، والعباس بن مرداس ص ١٣١، و\"خفاف بن ندبة\" ص ١٢٦، ونسب إلى زرعة بن السائب أو أعشى طرود، وهو في \"الكتاب\" ١/ ٣٧، و\"معاني الأخفش\" ٢/ ٣١٢، و\"الكامل\" للمبرد ١/ ٣٣، و\"المقتضب\" ٤/ ٣٣١، و\"تفسير الطبري\" ٩/ ٧٤، و\"الأصول\" ١/ ١٧٨، و\"البغداديات\" ص ٢٨٣، و\"المحتسب\" ١/ ٥١، و\"المخصص\" ١٤/ ٧١، و\"الأمالي\" لابن الشجري ٢/ ٥٥٨، و\"الدر المصون\" ٥/ ٤٧٤ وعجزه:\nفقد تركتك ذا مالٍ وذا نشب\nوالنشب: المال الثابت كالضياع ونحوها، والشاهد (أمرتك الخير)، حيث حذف الجار، والأصل أمرتك بالخير. انظر: \"الخزانة\" ٩/ ١٢٤.\n(٣) لفظ: (في) ساقط من (ب).\n(٤) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٩/ ٧٢ بسند جيد.\n(٥) ابن يسار: هو محمد بن إسحاق بن يسار المطلبي، إمام تقدمت ترجمته.\n(٦) في (ب): (عن من ورائهم).\n(٧) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٩/ ٧٢ بسند جيد.","vol":"9","page":387},{"text":"وقال وهب: (إنهم لم يصدقوا موسى أنه يسمع كلام الله وقالوا: يحضرك طائفة منا حتى يكلمك، فيسمعوا كلامه فنؤمن، وتذهب التهمة) (١)\nوقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾. قال ابن عباس: (يريد: ماتوا) (٢). قال الزجاج: (والرجفة الحركة الشديدة، يقال: إنهم رجف بهم الجبل فماتوا) (٣).\nقال ابن يسار، والسدي: (إنما أخذتهم الرجفة لأنهم قالوا: ﴿أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾) (٤) [النساء: ١٥٣]. وقال ابن عباس: (إنهم قالوا في دعائهم: اللهم أعطنا ما لم تعطه أحدًا قبلنا ولا تعطيه أحدًا بعدنا، فكره الله ذلك من دعائهم، فأخذتهم الرجفة) (٥).\nوروى أبو الجوزاء (٦) عنه قال: (إنما أخذتهم الرجفة لأنهم كانوا [لم] (٧) ينهوا عن عبادة العجل) (٨).\nونحو ذلك قال قتادة وابن جريج (٩) والقرظي (١٠) قالوا: (إنهم لم\n_________\n(١) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ١٩٨ أ.\n(٢) \"تنوير المقباس\" ٢/ ١٣٠، وذكره السمرقندي في \"تفسيره\" ١/ ٥٧٣.\n(٣) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٨٠، وانظر: \"معاني النحاس\" ٣/ ٨٦.\n(٤) أخرجه الطبري ٩/ ٧٢ بسند جيد عن السدي وابن إسحاق.\n(٥) أخرجه الطبري ٩/ ٧٢، وابن أبي حاتم ٥/ ١٥٧٤ بسند جيد.\n(٦) أبو الجوزاء البصري: هو أوس بن عبد الله الربعي. تقدمت ترجمته.\n(٧) لفظ: (لم) ساقط من (ب).\n(٨) أخرجه الطبري ٩/ ٧٣، ٧٤ من طرق جيدة\n(٩) أخرجه الطبري ٩/ ٧٤ بسند جيد عن قتادة وابن جريج.\n(١٠) ذكره الثعلبي ١٩٨ ب، والبغوي ٣/ ٢٨٦ عن قتادة وابن جريج ومحمد بن كعب القرظي.","vol":"9","page":388},{"text":"يزايلوا قومهم حين عبدوا العجل، ولم يأمروهم بالمعروف، ولم ينهوهم عن المنكر).\nوقال وهب: (لم تكن تلك الرجفة موتًا، ولكن القوم لما رأوا تلك الهيبة أخذتهم الرعدة ورجفوا حتى كادت أن تبين منهم مفاصلهم، وتنقص ظهورهم، وخاف موسى عليهم الموت، فعند ذلك بكى ودعا فكشف الله عنهم تلك الرجفة) (١).\nوقوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ﴾. قال الزجاج: (أي: لو شئت أمتهم من قبل أن تبتليهم بما أوجب عليهم الرجفة) (٢).\nوقال السدي: (قال موسى: يا رب كيف أرجع إلى بني إسرائيل وقد أهلكت خيارهم، وليس معي رجل واحد، فما الذي يصدقونني به أو يأمنوني (٣) عليه بعد هذا، فأحياهم الله) (٤).\nفمعني قوله: ﴿لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ﴾ ﴿وَإِيَّايَ﴾ أن موسى خاف أن يتهمه بنو إسرائيل على السبعين إذا عاد إليهم، ولم يصدقوه أنهم ماتوا، فقال لربه: لو شئت أهلكتنا قبل خروجنا للميقات، وكانوا (٥) بنو إسرائيل يعاينون ذلك ولا يتهمونني.\nوقوله تعالى: ﴿أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا﴾. قال الفراء: (ظن موسى\n_________\n(١) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ١٩٨ ب، والبغوي ٣/ ٢٨٦، والخازن ٢/ ٢٩٤.\n(٢) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٨٠.\n(٣) في (ب): (أو يأمنونني علي).\n(٤) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٩/ ٧٦، وفي \"التاريخ\" ١/ ٤٢٨ بسند جيد، وذكره الثعلبي ١٩٨ ب، والرازي ١٥/ ١٨.\n(٥) في (ب): (وكان).","vol":"9","page":389},{"text":"أنهم أُهلكوا باتخاذ [أصحابه] (١) العجل، [فقال: ﴿أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا﴾، يعني: عبدة العجل] (٢)، وإنما أهلكوا لمسألتهم الرؤية، وقولهم (٣): ﴿أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ (٤) [النساء: ١٥٣]، و(٥) هذا قول الكلبي (٦) وجماعة.\nوقال قوم: (لا يجوز أن يُظن بموسى أن الله -﷿- يهلك قومًا بذنوب غيرهم، ولكن قوله: ﴿أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا﴾ استفهام على تأويل الجحد، وأراد: لست تفعل ذلك كما تقول: أتهين من يكرمك؟ أي: لست تهين من يكرمك)، وهذا قول ابن الأنباري (٧)، [و] (٨) على هذا أنكر موسى أن يكون سبب إهلاكهم فعل السفهاء، وكأنه لم يعلم سبب إهلاكهم، وأنكر أن يكون فعل السفهاء سبب الإهلاك (٩).\n[و] (١٠) قال المبرد: (هذا استفهام استعطاف أي: لا تهلكنا) (١١).\n_________\n(١) لفظ: (أصحابه) ساقط من (ب).\n(٢) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).\n(٣) في (ب): (وقوله تعالى).\n(٤) \"معاني الفراء\" ١/ ٣٩٥.\n(٥) لفظ: (الواو) ساقط من (ب).\n(٦) ذكره هود الهواري في \"تفسيره\" ٢/ ٤٩، والخازن ٢/ ٢٩٥.\n(٧) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ٢/ ٢٤٩، وابن الجوزي ٣/ ٢٦٩، والسمين في \"الدر\" ٥/ ٤٧٦.\n(٨) لفظ: (الواو) ساقط من (ب).\n(٩) انظر: \"إعراب النحاس\" ١/ ٦٤٢، و\"معاني النحاس\" ٣/ ٨٧\n(١٠) لفظ: (الواو) ساقط من (ب).\n(١١) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ١٩٨ ب، والواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٢٤٩، والبغوي ٣/ ٢٨٧، وابن الجوزي ٣/ ٢٦٩، والرازي ١٥/ ١٩.","vol":"9","page":390},{"text":"وقوله: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ﴾. الكناية في قوله ﴿هِيَ﴾ تعود إلى الفتنة، [كما تقول: إن هو إلا زيد، وإن هي إلا هند، والمعنى: إن تلك الفتنة] (١) التي وقع فيها السفهاء لم تكن ﴿إِلَّا فِتْنَتُكَ﴾ أي: اختبارك، وابتلاؤك، وهذا تأكيد لقوله: ﴿أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا﴾ لأن معناه: لا تهلكنا بفعلهم، فإن تلك الفتنة كانت اختبارًا منك وابتلاءً أضللت بها قومًا فافتتنوا، وهديت قومًا فعصمتهم حتى ثبتوا على دينك (٢)، فذلك معنى قوله: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ﴾ (٣). وهذه الآية من الحجج الظاهرة على القدرية التي لا يبقى لهم معها عذر (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1262>١٥٦ </span>- قوله تعالى: ﴿وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾. أي: أوجب لنا، والكتابة تذكر بمعنى الإيجاب، وقد مضى ذلك، وسؤالهم الحسنة في الدنيا والآخرة كسؤال المؤمنين من هذه الأمة حيث أخبر الله عنهم في قوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً﴾ [البقرة: ٢٠١]. ومضى تفسير هذه الآية.\nو(٥) قال ابن عباس في الآية في هذه السورة: (يريد: اقبل وفادتنا وردنا بالمغفرة والرحمة)، ﴿وَفِي الْآخِرَةِ﴾، قال: (يريد: حسنة، يعني: الجنة) (٦). وقول ابن عباس: (يريد: حسنة)، يعني: إن تقدير الآية:\n_________\n(١) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).\n(٢) انظر: \"تفسير الطبري\" ٩/ ٧٦، و\"معاني النحاس\" ٣/ ٨٨، و\"إعراب النحاس\" ١/ ٦٤٢، و\"تفسير السمرقندي\" ١/ ٥٧٣.\n(٣) لفظ: (﴿وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ﴾) ساقط من (ب).\n(٤) انظر: \"تفسير الرازي\" ١٥/ ١٩، والقرطبي ٧/ ٢٩٦، والخازن ٢/ ٢٩٥.\n(٥) (الواو) ساقطة من (ب).\n(٦) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ٢/ ٢٥٠.","vol":"9","page":391},{"text":"﴿وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ﴾ حسنة.\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾. قال جميع المفسرين (١) وأهل المعاني (٢): (تبنا ورجعنا إليك بتوبتنا). قال الليث: (الهَوْد التوبة) (٣).\nوقوله تعالى: ﴿قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ﴾. قال ابن عباس: (يريد: على الذنب اليسير) (٤).\nوقوله تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾. قد ذكرنا (٥) قديمًا أن رحمة الله تعالى إرادته الخير (٦)، وإرادته الخير تنقسم إلى أقسام كثيرة، وكل خيرٍ من خير الدنيا والآخرة أصاب أحدًا فذلك من رحمته، ثم من تلك الخيرات ما هو أعم وأوسع، ومنها ما هو أخصّ.\nوالأحسن في تفسير هذه الآية ما ذهب إليه الحسن وقتادة (٧)، وهو:\n_________\n(١) انظر: \"تفسير الطبري\" ٩/ ٧٧، ٧٨، وأخرجه من طرق جيدة عن ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وإبراهيم التيمي وقتادة والسدي والضحاك وأبي العالية، وانظر: \"تفسير السمرقندي\" ١/ ٥٧٣، والماوردي ٢/ ٢٦٦.\n(٢) انظر: \"مجاز القرآن\" ١/ ٢٢٩، و\"غريب القرآن\" لليزيدي ص ١٥١، و\"تفسير غريب القرآن\" ص ١٨١، و\"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٨٠، و\"نزهة القلوب\" ص ٤٧٨، و\"معاني النحاس\" ٣/ ٨٨، و\"تفسير المشكل\" ص ٨٧.\n(٣) \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٦٨٩، وانظر: \"العين\" ٤/ ٧٦، (هود)، و\"الزاهر\" ٢/ ٢١٤\n(٤) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ٢/ ٢٥٠.\n(٥) انظر: \"البسيط\" تفسير (بسم الله الرحمن الرحيم) أول الكتاب.\n(٦) الرحمة: صفة من صفات الله تعالى تثبت له كما أثبتها لنفسه ولا يلزم من إثباتها مشابهة صفة المخلوقين ولا نؤولها بإرادة الخير كما يفعل أهل التأويل. انظر: \"تفسير الطبري\" ٩/ ٨٠، و\"مختصر الصواعق\" لابن القيم ٣/ ٨٦٩.\n(٧) أخرجه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ١/ ٢/ ٢٤٣، الطبري ٩/ ٨٠، وابن أبي حاتم ٥/ ١٥٧٨ بسند جيد عن الحسن وقتادة.","vol":"9","page":392},{"text":"(أن رحمته وسعت في الدنيا البار والفاجر، وهي يوم القيامة للمتقين خاصة)، وقد بين [عطية العوفي] (١) هذا أحسن بيان فقال: (إن الكافر يرزق ويدفع عنه بالمؤمن لسعة رحمة الله للمؤمن، فيعيش فيها، فإذا صار إلى الآخرة وجبت للمؤمن خاصة كالمستضيء بنار غيره إذا ذهب صاحب السراج بسراجه) (٢). وهذا اختيار الزجاج (٣)، وذكر أبو بكر بن الأنباري وجهين في هذه الآية:\nأحدهما: (أن الرحمة يراد بها الصنع والأفضال، وما يخلو من صنع الله وأفضاله مؤمنٌ ولا كافر، كالمطر يسمى الرحمة، وما خرج منه كافر ولا غيره)، وهذا معنى ما ذكرنا عن المفسرين أنهم قالوا: (رحمته وسعت في الدنيا البار والفاجر).\nالوجه الثاني: (أن رحمته (٤) تسع كل شيء يجوز أن يدخل فيها، وأن يكون مستحقًا لها (٥)، كقولهم: فلان يحسن كل شيء، يريدون من الأشياء التي يحسنها أمثاله، ومن هذا قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٤٤]، يعني: مما يجوز أن يفتح عليهم، وكذلك (٦): ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٢٣]. معناه: من الأشياء التي يمكن أن يؤتاها مثلها.\n_________\n(١) لفظ: (عطية العوفي) ساقط من (ب).\n(٢) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ١٩٨ ب، والواحدي في \"الوسيط\" ٢/ ٢٥٠، والبغوي ٣/ ٢٨٧.\n(٣) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٨٠.\n(٤) في (ب): (أن رحمته وسعت تسع)، وهو تحريف.\n(٥) انظر: \"معاني الأخفش\" ٢/ ٢١٣.\n(٦) في (ب): (وكذلك في).","vol":"9","page":393},{"text":"وهذا مذهب جماعة المفسرين (١)، وهو أنهم قالوا: هذا من العام الذي أريد به (٢) الخاص) (٣).\nوقوله تعالى: ﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾، يعني: فسأوجبها في الآخرة ﴿لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾، وهذا معنى قول المفسرين (٤): (وهي يوم القيامة للمتقين خاصة)، وهذا تخصيص بعد التعميم باللفظ. وبيان [ذلك] (٥) أن ذلك يجب في الآخرة لمن اتصف بما ذكر في قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ إلى آخر الآية. قال ابن عباس: ﴿لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ (يريد: أمة محمد - ﷺ -) (٦).\nوقوله تعالى: ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾. قال عطاء عن ابن عباس: (يريد: صدقات الأموال عند محلها) (٧).\nوروي أيضًا عنه أنه قال في قوله: ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾: (يطيعون الله ورسوله) (٨)، كأنه ذهب إلى ما يزكي النفس ويطهرها من الأعمال (٩)، وبه\n_________\n(١) انظر: \"تفسير الطبري\" ٩/ ٨٠، والسمرقندي ١/ ٥٧٣، والماوردي ٢/ ٢٦٧.\n(٢) في (ب): (منه).\n(٣) ذكره ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٣/ ٢٧١، وفيه قال ابن الأنباري: (أن الرحمة تسع\nكل الخلق إلا أن أهل الكفر خارجون منها، فلو قدر دخولهم فيها لوسعتهم) اهـ.\n(٤) انظر: \"تفسير الطبري\" ٩/ ٨٠\n(٥) لفظ: (ذلك) ساقط من (ب).\n(٦) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٩/ ٧٩، ٨٠، ٨٢، وابن أبي حاتم ٥/ ١٥٨٠ من عدة طرق جيدة.\n(٧) أخرجه ابن أبي حاتم ٥/ ١٥٨٠ بسند ضعيف، وقال الماوردي في \"تفسيره\" ٢/ ٢٦٧، وابن الجوزي ٣/ ٢٧١ (هذا هو قول الجمهور) اهـ. ورجحه ابن عطية ٦/ ٩٩.\n(٨) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٩/ ٨١، وابن أبي حاتم ٥/ ١٥٨٠ بسند جيد، ولفظ ابن أبي حاتم قال: (يعني: طاعة الله والإخلاص).\n(٩) هذا توجيه الطبري ٩/ ٨١، وانظر الماوردي ٢/ ٢٦٧، وابن الجوزي ٣/ ٢٧١.","vol":"9","page":394},{"text":"قال الحسن (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ﴾. قال: (يريد: بما أنزلت (٢) على محمد والنبيين قبله يصدّقون) (٣).\nقال المفسرون (٤): (إن وقد بني إسرائيل سألوا الله تعالى فقالوا: ﴿وَاكْتُبْ لَنَا﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾. فسألوه النعمة في الدنيا والآخرة، وتقربوا إليه بالتوبة من المعاصي، فأخبرهم الله تعالى أنه واسع الرحمة بقوله: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾، فكانوا هم من جملة من وسعتهم الرحمة، ثم خص أمة محمد - ﷺ - بذكرهم وأوجب لهم الرحمة بقوله: ﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾).\nولهذا قال نوف (٥) البكالي: (ألا تحمدون ربًّا (٦) حفظ غيبتكم وأخذ لكم بسهمكم (٧)، وجعل وفادة بني إسرائيل لكم) (٨).\nوروى عطاء أيضًا عن ابن عباس أيضًا في هذه الآية أنه قال: (هذه الوفادة صارت للصالحين من أمة محمد) (٩)، ثم زاد في البيان أن المراد\n_________\n(١) ذكره الماوردي ٢/ ٢٦٧، وابن الجوزي ٣/ ٢٧١.\n(٢) كذا في (النسخ): (بما أنزلت) والأولى (بما أُنزل).\n(٣) \"تنوير المقباس\" ٢/ ١٣٢.\n(٤) انظر: \"تفسير الطبري\" ٩/ ٨١، وقد أخرجه من عدة طرق جيدة عن قتادة، وابن جريج، وأبي بكر الهذلي ونوف البكالي.\n(٥) نوف بن فضالة الحميري البكالي أبو يزيد الشامي. تقدمت ترجمته.\n(٦) في (ب): (ربنا).\n(٧) في (ب): (لسهمكم).\n(٨) أخرجه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ١/ ٢/ ٢٣٧ - ٢٣٨ والطبري ٩/ ٨٣ من عدة طرق جيدة.\n(٩) أخرجه الطبري ٩/ ٨٢، ٨٣، وابن أبي حاتم ٥/ ١٥٨٠، من عدة طرق جيدة.","vol":"9","page":395},{"text":"بقوله: ﴿لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ هذه الأمة، فقال: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ﴾. [والأمي] (١) الذي لا يكتب ولا يقرأ في قول جميع المفسرين (٢)، قال الزجاج: (معنى ﴿الْأُمِّيَّ﴾: الذي هو على خِلْقَة الأُمَّة، لم يتعلم الكتاب فهو على جبلته) (٣). وقد قال - ﷺ -: \"إنا أمّة أمّية لا نكتب ولا نحسُب\" (٤).\nقال الأزهري: ([وقد] (٥) قيل للنبي - ﷺ -: الأمي؛ لأن أمة العرب لم تكن تكتب ولا تقرأ المكتوب، وبعثه الله رسولًا وهو لا يكتب ولا يقرأ من كتاب، وكانت هذه الخلة إحدى آياته المعجزة؛ لأنه تلا عليهم كتاب الله منظومًا تارة بعد تارة بالنظم الذي أنزل عليه فلم يغيره ولم يبدل ألفاظه، وكان الخطيب من العرب إذا ارتجل خطبة ثم أعادها زاد فيها أو نقص، فحفظه الله على نبيّه كما أنزله وأبانه من سائر من بعثه إليهم بهذه الآية، وفي ذلك أنزل الله: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾\n_________\n(١) لفظ: (والأمي) ساقط من (ب).\n(٢) انظر: \"تفسير الطبري\" ٩/ ٨٠، و\"معاني النحاس\" ٣/ ٨٩، والسمرقندي ١/ ٥٧٤.\n(٣) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٨١، والأُمَّة -بضم الهمزة وفتح الميم المشددة-، انظر: \"اللسان\" ١/ ١٣٨ (أمم) وجبلته -بالكسر- أي خلقته، وقال الزجاج في \"معانيه\" ١/ ١٥٩: (معنى الأمي في اللغة: المنسوب إلى ما عليه جبلة أُمَّته أي: لا يكتب فهو في أنه لا يكتب على ما ولد عليه) اهـ.\nوقال الأزهري في \"تهذيب اللغة\" ١/ ٢٠٤: (قيل للذي لا يكتب: أمي؛ لأن الكتابة مكتسبة فكأنه نُسب إلى ما ولد عليه أي: هو على ما ولدته أُمه عليه) اهـ.\n(٤) أخرجه البخاري رقم (١٩١٣) في كتاب الصوم، باب: قول النبي - ﷺ -: \"لا نكتب ولا نحسب\"، مسلم رقم (١٠٨٠) كتاب الصيام، باب: وجوب صوم رمضان، عن عبد الله ابن عمر ﵄.\n(٥) لفظ: (قد) ساقط من (ب).","vol":"9","page":396},{"text":"الآية (١) [العنكبوت: ٤٨]. وقد مضى صدر من الكلام في معنى الأمّي عند قوله: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ﴾ [البقرة:٧٨].\nوقوله تعالى: ﴿الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾. أي: يجدونه بنعته وصفته، وهو مذكور في الكتابين بنعوته وصفاته، قد عرف ذلك أهلهما.\nوقوله تعالى: ﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾. قال الزجاج: (يجوز أن يكون ﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ استئنافًا، ويجوز أن يكون المعنى ﴿يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ﴾ أنه ﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾) (٢). وعلى هذا يكون الأمر بالمعروف، وما ذكر بعده، من صفته التي (٣) ذكرت في الكتابين.\nوقال أبو علي فيما استدرك عليه: إلا وجه لقوله ﴿يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا﴾ أنه ﴿يَأْمُرُهُمْ﴾ إن كان يعني: إن ذلك مراد؛ لأنه لا شيء يدل على حذفه، ولأنا لم نعلمهم حذفوا هذا في شيء.\nقال: وتفسير الآية: إن وجدت فيها المتعدي إلى مفعولين و﴿مَكْتُوبًا﴾ مفعول ثانٍ، والمعنى: يجدون ذكره أو اسمه مكتوبًا.\nقال سيبويه: (تقول إذا نظرت في هذا الكتاب (٤): هذا عمرو، وإنما المعنى: هذا اسم عمرو، وهذا ذكر عمرو، وقال: إن هذا يجوز على سعة\n_________\n(١) \"تهذيب اللغة\" ١/ ٢٠٤ (أم).\n(٢) \"الإغفال\" لأبي علي ص ٨١٧، وفي \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٨١، قال: (قوله: ﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ يجوز أن يكون ﴿يَأْمُرُهُمْ﴾ مستأنفًا) اهـ.\n(٣) في (ب): (الذي).\n(٤) في \"الكتاب\" ٣/ ٢٦٩، و\"الإغفال\" ص ٨١٨: (تقول إذا نظرت في الكتاب).","vol":"9","page":397},{"text":"الكلام) (١)، فالمفعول الأول في الآية قائم مقام المضاف إليه، يدل على (٢) هذا أن المكتوب عندهم الاسم والذكر لا الرسول نفسه، ألا ترى أن المفعول الثاني هاهنا يجب أن يكون الأول كقوله: وجدت زيدًا منطلقًا، فالمنطلق في المعنى هو الأول، فلو جعلت الهاء في قوله ﴿يَجِدُونَهُ﴾ المفعول الأول دون تقدير حذف المضاف لم يكن المفعول الثاني هو الأول فلا يستقيم ذلك، فأما قوله (٣): ﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ فهو عندي تفسير لما كُتب، كما أن قول: ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: ٩]. تفسير لوعدهم، وكما أن قوله: ﴿خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ﴾ [آل عمران: ٥٩] تفسير للمثل، ولا يجوز أن يكون حالًا من المفعول الأول، ألا ترى أنه إذا كان المعنى: يجدون ذكره أو اسمه، لم يجز أن يكون يأمرهم حالًا منه، لأن الاسم والذكر لا يأمران إنما يأمر المذكور والمسمى) (٤).\nفأما تفسير المعروف، فقال عطاء عن ابن عباس: ﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ يريد: مكارم الأخلاق وخلع الأنداد، وصلة الأرحام) (٥). وقال الكلبي: (أي: بالتوحيد وشرائع الإِسلام) (٦).\n_________\n(١) \"الكتاب\" ٣/ ٢٦٩.\n(٢) في (ب): (يدل على أن هذا أن)، وهو تحريف.\n(٣) في النسخ: (قولهم)، وهو تحريف.\n(٤) \"الإغفال\" ص ٨١٧ - ٨٢٠، وانظر: \"الدر المصون\" ٥/ ٤٧٩ - ٤٨١، وذكر رد الفارسي على الزجاج، وقال: (وهذا الرد تحامل منه عليه لأنه أراد تفسير المعنى وهو تفسير حسن) اهـ.\n(٥) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ٢/ ٢٥٣، وابن الجوزي ٣/ ٢٧٢، وذكره الثعلبي ١٩٩ أ، والبغوي ٣/ ٢٨٩، والقرطبي ٧/ ٢٩٩، الخازن ٢/ ٢٩٨، عن عطاء فقط.\n(٦) \"تنوير المقباس\" ٢/ ١٣٢.","vol":"9","page":398},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾. قال عطاء: (يريد: عن عبادة الأوثان وقطع الأرحام، والكفر بما أنزل الله على النبيين) (١).\nوقال الكلبي: (هو ما لا يعرف في شريعة ولا سنة) (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ﴾. قال عطاء: (يريد: ما حُرّم عليهم في التوراة والإنجيل من لحوم الإبل وشحوم الضأن والمعز والبقر) (٣). وقيل (٤): (هي الحلالات التي كان أهل الجاهلية تحرمها من البحائر والسوائب والوصائل والحوامي).\nوقوله تعالى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾. قال عطاء عن ابن عباس (٥): (يريد: ﴿المَيْتَةَ وَالدَّمَ﴾ وما ذكر (٦) في المائدة [٣] إلى قوله: ﴿ذَلِكُمْ فِسْقٌ﴾.\n[و] (٧) قوله تعالى: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ﴾. ذكرنا معنى (الإصر) في\n_________\n(١) ذكره الثعلبي ١٩٩ أ، والبغوي ٣/ ٢٨٩، والقرطبي ٧/ ٢٩٩، والخازن ٢/ ٢٩٨، وجعله الواحدي في \"الوسيط\" ٢/ ٢٥٣، وابن الجوزي ٣/ ٢٧٢، من قول ابن عباس.\n(٢) ذكره السمرقندي في \"تفسيره\" ١/ ٥٧٤، بلا نسبة.\n(٣) لم أقف عليه، وانظر: \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٨١، النحاس ٣/ ٨٩.\n(٤) هذا هو قول الطبري ٩/ ٨٤، والثعلبي ١٩٩ أ، والماوردي ٢/ ٢٦٩، والبغوي ٣/ ٢٨٩.\n(٥) ذكره الرازي في \"تفسيره\" ١٥/ ٢٤، وأخرج الطبري ٩/ ٨٤، وابن أبي حاتم ٥/ ١٥٨٣ بسند جيد عن ابن عباس قال: (هي لحم الخنزير والربا وما كانوا يستحلونه من المحرمات من المآكل التي حرمها الله) اهـ.\n(٦) في (ب): (وما ذكره) وهو يريد قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ﴾ [المائدة: ٣]\n(٧) لفظ: (الواو) ساقط من (ب).","vol":"9","page":399},{"text":"آخر سورة البقرة. واختلف (١) القراء هاهنا، فقرءوا: ﴿إِصْرَهُمْ﴾ ﴿وآصَارهم﴾ (٢)، قال أبو علي الفارسي: (الإصر مصدر يقع على الكثرة مع إفراد لفظه، ويدل على ذلك إضافته وهو مفرد إلى الكثير، كما قال: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ﴾ (٣) [البقرة: ٢٠]. ومن جمع أراد ضروبًا من العهود (٤). مختلفة، والمصادر قد تجمع إذا اختلفت ضروبها كما تجمع سائر الأجناس) (٥).\nقال ابن عباس: (يريد: العهد (٦) الثقيل الذي كان أخذ على بني إسرائيل بالعمل بما في التوراة) (٧).\nوهو قول الحسن والضحاك والسدي ومجاهد (٨)، والمعنى: ويُسقط عنهم ثقل العهد الذي أُخذ عليهم.\n_________\n(١) في (ب): (واختلفوا).\n(٢) قرأ ابن عامر: (آصَارهم) -بفتح الهمزة والصاد، وألف بعدها على الجمع- وقرأ الباقون: ﴿إِصْرَهُمْ﴾ -بكسر الهمزة وسكون الصاد من غير ألف بعدها على الإفراد-، انظر: \"السبعة\" ص ٢٩٥، و\"المبسوط\" ص ١٨٥، و\"التذكرة\" ٢/ ٤٢٦، و\"التيسير\" ص ١١٣، و\"النشر\" ٢/ ٢٧٢.\n(٣) في (ب): (فلو شاء)، وهو تحريف.\n(٤) في \"الحجة\" لأبي علي ٤/ ٩٤: (أراد ضروبًا من المآثم مختلفة).\n(٥) \"الحجة\" لأبي علي ٤/ ٩٣، وانظر: \"معاني القراءات\" ١/ ٤٢٥، و\"إعراب القراءات\" ١/ ٢١٠، و\"الحجة\" لابن خالويه ص ١٦٥، ولابن زنجلة ص ٢٩٨، و\"الكشف\" ١/ ٤٧٩.\n(٦) في: (أ): (يريد: بالعهد).\n(٧) أخرجه الطبري ٩/ ٨٥، ابن أبي حاتم ٥/ ١٥٨٣ من عدة طرق جيدة.\n(٨) أخرجه الطبري ٩/ ٨٥، من عدة طرق عن مجاهد والحسن والسدي والضحاك، وذكره الثعلبي ١٩٩ أ، والبغوي٣/ ٢٨٩، عن هؤلاء.","vol":"9","page":400},{"text":"قال الزجاج: (والإصر ما عقدته من عقد ثقيل) (١).\nوقال سعيد بن جبير: (هو شدة العبادة) (٢).\nوقال ابن جريج: (من أَتبع محمدًا - ﷺ - من أهل الكتاب وضع عنه ما كان عليه من التشديد في دينه) (٣).\nوقوله تعالى: ﴿وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾. قال المفسرون (٤): (وهي الشدائد التي كانت في العبادة؛ كقطع أثر البول، وقتل النفس في التوبة، وقطع الأعضاء الخاطئة، وتتبع العروق من اللحم).\nقال ابن قتيبة: ﴿وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ﴾ تحريم الله عليهم كثيرًا مما أطلقه الله لأمة محمد - ﷺ -، وجعله أغلالًا لأن التحريم يمنع، كما يقبض الغُل اليد فاستعيرت) (٥).\nوقال الزجاج: (الأغلال تمثيل؛ ألا ترى أنك تقول: قد جعلت هذا طوقًا في عنقك، وليس هناك طوق، وإنما تأويله: أني قد وليتك هذا وألزمتك القيام [به] (٦)، فجعلت لزومه (٧) كالطوق في عنقك. قال:\n_________\n(١) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٨١، وانظر: \"تفسير غريب القرآن\" ص ١٨١، و\"نزهة القلوب\" ص ١٢٣، و\"تفسير المشكل\" ص ٨٧.\n(٢) أخرجه الطبري ٩/ ٨٥، وابن أبي حاتم ٥/ ١٥٨٣، من عدة طرق جيدة.\n(٣) أخرجه الطبري ٩/ ٨٥ بسند جيد عن ابن جريج عن مجاهد، وذكر النحاس في \"معانيه\" ٣/ ٩٠، وقال: (الأقوال فيه متقاربة أي: ما يثقل عليهم) اهـ.\n(٤) انظر: \"تفسير الطبري\" ٩/ ٨٥، وقد أخرجه من طرق عن ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وقتادة وابن زيد.\n(٥) \"تأويل مشكل القرآن\" ص ١٤٨، وانظر: \"تفسير غريب القرآن\" ص ١٨١، وقال القرطبي ٧/ ٣٠٠: (الأغلال عبارة مستعارة لتلك الأثقال، هذا قول جمهور المفسرين) اهـ.\n(٦) لفظ: (به) ساقط من (ب).\n(٧) في: (أ): (لزومه له) وفي \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٨١ (لزومه لك).","vol":"9","page":401},{"text":"﴿وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾؛ أنه من قَتَل قُتِل لا تقبل في ذلك ديةٌ، وكان عليهم إذا أصاب جلودهم شيء من البول أن يقرضوه، وكان عليهم أن لا يعملوا في السبت) (١).\nوقال عطاء عن ابن عباس: (يريد: كانت بنو إسرائيل إذا قامت تصلي لبسوا المسوح (٢)، وغلوا أيديهم إلى أعناقهم تواضعًا لله) (٣)، فعلى هذا القول الأغلال غير مستعارة.\nوقوله تعالى: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ﴾، قال ابن عباس: (يعني: من اليهود) (٤)، ﴿وَعَزَّرُوهُ﴾، (يريد: وقروه) (٥)، وقد ذكرنا الكلام في معنى التعزير مستقصى عند قوله: ﴿وَعَزَّرْتُمُوهُمْ﴾ [المائدة: ١٢].\n﴿وَنَصَرُوهُ﴾ أي: على عدوه، ﴿وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ﴾، قال المفسرون (٦): (يعني: القرآن).\nوقال عطاء: (يريد: الهدى والبيان والرشاد) (٧).\nوقال الزجاج: (أي: اتبعوا الحق الذي بيانه في القلوب كبيان النور) (٨).\n_________\n(١) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٨١، ونحوه قال النحاس في \"معانيه\" ٣/ ٩١.\n(٢) المسُوح جمع مِسْح: وهو الكساء من الشعر، انظر: \"اللسان\" ٧/ ٤١٩٨ (مسح).\n(٣) ذكره الرازي ١٥/ ٢٥، بلا نسبة.\n(٤) \"تنوير المقباس\" ٢/ ١٣٢.\n(٥) أخرجه الطبري ٩/ ٨٥، وابن أبي حاتم ٥/ ١٥٨٥ بسند جيد عن ابن عباس قال: (حموه ووقروه) وانظر: \"الأضداد\" لابن الأنباري ص ١٤٧، و\"اللسان\" ٥/ ٢٩٢٥ (عزر).\n(٦) انظر: \"تفسير الطبري\" ٩/ ٨٦، والسمرقندي ١/ ٥٧٤، والماوردي ٢/ ٢٦٩.\n(٧) ذكره الرازي ١٥/ ٢٥، بلا نسبة.\n(٨) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٨٢، ونحوه قال النحاس في \"معانيه\" ٣/ ٩١.","vol":"9","page":402},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1263>١٥٩ </span>- قوله تعالى: ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ﴾، قال ابن عباس: (يريد: يدعون إلى الحق) (١).\nقال الزجاج: (أي: يدعون الناس إلى الهداية بالحق) (٢). ﴿وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ قال ابن عباس: (يريد: يعملون) (٣). وقال الزجاج: (وبالحق يحكمون) (٤)، والعَدْل: الحكم بالحق، يقال: هو يقضى بالحق، ويعدل، وهو حكم عادل (٥)، ومنه قوله: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ١٢٩]. وقوله: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا﴾ [الأنعام: ١٥٢].\nواختلفوا في هذه الأمة العادلة من قوم موسى، فأكثر المفسرين قالوا: (إنهم قوم وراء الصين آمنوا بالنبي - ﷺ - وتركوا تحريم السبت، يجمعون، ولا يتظالمون، ولا يتحاسدون، لا يصل إلينا منهم أحد، ولا منّا إليهم، ليس لأحد منهم مال دون صاحبه يستقبلون قبلتنا)، وهذا معنى قول عطاء والكلبي والربيع والضحاك وابن جريج والسدي (٦).\n_________\n(١) \"تنوير المقباس\" ٢/ ١٣٣، وهو قول الأكثر، انظر: \"تفسير السمرقندي\" ١/ ٥٧٥، الثعلبي ١٩٩ أ، والبغوي ٣/ ٢٩٠، وابن الجوزي ٣/ ٢٧٤، والرازي ١٥/ ٣٢.\n(٢) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٨٢.\n(٣) \"تنوير المقباس\" ٢/ ١٣٣.\n(٤) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٨٢.\n(٥) هذا قول الليث في \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٣٥٨، وانظر: \"العين\" ٢/ ٣٨، و\"الجمهرة\" ٢/ ٦٦٣، و\"الصحاح\" ٥/ ١٧٦٠، و\"مقاييس اللغة\" ٤/ ٢٤٦، و\"المجمل\" ٣/ ٦٥١، و\"المفردات\" ص ٥٥١، و\"اللسان\" ٥/ ٢٨٣٨ (عدل).\n(٦) أخرجه الطبري ٩/ ٨٨، بسند جيد عن ابن جريج والسدي، وذكره الثعلبي ١٩٩ أ، عن عطاء، والكلبي، والربيع، والضحاك، وابن جريج، والسدي، وذكره البغوي ٣/ ٢٩٠، الخازن ٢/ ٣٠٠، عن الكلبي، والضحاك والربيع، وذكره الماوردي =","vol":"9","page":403},{"text":"وقال أهل النظر (١): (هم قوم كانوا مستمسكين بالحق في وقت ضلالتهم بقتل أنبيائهم)، وقيل (٢): (إنهم من آمن بالنبي - ﷺ - كابن سلام (٣) وغيره من مؤمني أهل الكتاب).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1264>١٦٠ </span>- قوله تعالى (٤): ﴿وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا﴾، قد مضى الكلام في معنى (الأسباط) في سورة البقرة.\nقال الفراء: (إنما قال: ﴿اثْنَتَيْ عَشْرَةَ﴾ والسبط ذكر؛ لأن [ما] (٥) بعده ﴿أُمَمًا﴾ فذهب التأنيث إلى الأمم، ولو كان (اثني عشر) لتذكير السبط كان جائزًا) (٦).\n_________\n= ٢/ ٢٧٠، وابن الجوزي ٣/ ٢٧٤، عن ابن عباس والسدي، وهذا قول غريب ضعفه: ابن عطية ٦/ ١٠٩، والرازي ١٥/ ٣١، والخازن ٢/ ٣٠٠، الألوسي ٩/ ٨٥، وقال محمد أبو شهبة في \"الإسرائيليات والموضوعات\" ص ٢٠٦: (هذا من خرافات بني إسرائيل وأسانيدها ضعيفة واهية، وليس هناك ما يشهد لها من عقل ولا نقل صحيح، وهي مخالفة للمعقول، والمشاهد الملموس) اهـ. بتصرف.\n(١) انظر: \"إعراب النحاس\" ص ٦٤٤، و\"تفسير الماوردي\" ٢/ ٢٧٠، وابن الجوزي ٣/ ٢٧٥.\n(٢) هذا قول الكلبي كما ذكره الماوردي ٢/ ٢٧٠، وابن الجوزي ٣/ ٢٧٤، وانظر: \"تفسير البغوي\" ٣/ ٢٩١، والظاهر أن الآية عامة تشمل الذين تمسكوا بالحق وبه يعدلون في زمن موسى ﵇ والذين آمنوا بمحمد - ﷺ - وهو اختيار محمد أبو شهبة في \"الإسرائيليات والموضوعات\" ص ٢٠٨.\n(٣) هو عبد الله بن سلام بن الحارث الخزرجي أبو يوسف الإسرائيلي، تقدمت ترجمته.\n(٤) في (ب): (وقوله تعالى) بالواو.\n(٥) لفظ: (ما) ساقط من (ب).\n(٦) \"معاني الفراء\" ١/ ٣٩٧.","vol":"9","page":404},{"text":"واحتج النحويون على هذا بقول الشاعر:\nوإنَّ قريشًا كلها عشر أبطن ... وأنت بريء من قبائلها العشر (١)\nذهب بالبطن إلى القبيلة والفصيلة، لذلك (٢) أنث، والبطن مذكر.\nوقال الزجاج: (المعنى: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ﴾ فرقة، ﴿أَسْبَاطًا﴾ [من نعت فرقة، كأنه قال: جعلناهم أسباطًا وفرقناهم أسباطًا، فتكون ﴿أَسْبَاطًا﴾] (٣) بدلًا من ﴿اثْنَتَيْ عَشْرَةَ﴾) (٤)، فحصل من هذا أن التأنيث في العدد [إنما وقع لتقدير الفرقة في الكلام، ولهذا جمع الأسباط، وإن كان العدد] (٥) لا يفسر بالجمع؛ لأن الأسباط في الحقيقة نعتُ المفسر المحذوف وهو الفرقة، ويجوز أن يكون الأسباط كما ذكر بدلًا من العدد، فيكون المعنى: قطعناهم أسباطًا.\n_________\n(١) \"الشاهد\" للنواح الكلابي وهو في \"الكتاب\" ٣/ ٥٦٥ لرجل من بني كلاب، وبلا نسبة في: \"معاني الفراء\" ١/ ١٢٦، و\"الكامل\" للمبرد ٢/ ٢٥٠، و\"المقتضب\" ٢/ ١٤٦، و\"تفسير الطبري\" ٩/ ٨٨، و\"الأصول\" ٣/ ٤٧٧، و\"الأمالي\" للزجاجي ص ٧٥، و\"الصاحبي\" ص ٤٢٥، و\"الخصائص\" ٢/ ٤١٧، و\"المخصص\" ١٧/ ١١٧، و\"الإنصاف\" ص ٦١٨، و\"اللسان\" ٧/ ٣٩١٠ (كلب)، و\"الدر المصون\" ٥/ ٢٣٦، و\"الشاهد\": (عشر أبطن) حيث أنث أبطن وحذف الهاء من عشر حملًا للبطن على معنى القبيلة بقرينة ذكر القبائل بعدها. انظر: \"الخزانة\" ٧/ ٣٩٥، وفي المراجع السابقة:\nوإن كلابًا هذه عشر أبطن\nولم أقف على رواية الواحدي إلا عند الثعلبي ٦/ ١١ ب، والقرطبي ٧/ ٣٠٣، و\"الدر المصون\" ٥/ ٤٨٦.\n(٢) في (ب): (كذلك) وهو تحريف.\n(٣) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).\n(٤) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٨٢ - ٣٨٣ وزاد: وهو الوجه. وانظر: \"معاني الأخفش\" ٢/ ٣١٣، و\"إعراب النحاس\" ١/ ٦٦٤، و\"المشكل\" ١/ ٣٠٣.\n(٥) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).","vol":"9","page":405},{"text":"وقد ذكرنا في أول الكتاب (١) أن البدل يقدر فيه تكرير العامل، ونص أبو علي على هذا القول فقال: (ليس الأسباط بتفسير، ولكنه بدل من ﴿اثْنَتَيْ عَشْرَةَ﴾) (٢).\nوقوله تعالى: ﴿فَانْبَجَسَتْ﴾. بَجْسُ الماء وانبجاسه، انفجاره، يقال: بَجَسَ الماء يبجس [بجسا] (٣) وانبجس وتبجس: إذا تفجر\nهذا قول أهل اللغة (٤) والمفسرين (٥) في معنى معنى الانبجاس والانفجار (٦)\nوأنهما سواء، وفرق قوم بينهما (٧)، فقالوا: (الانبجاس: خروج الجاري بقلة، والانفجار: خروجه بكثرة)، وهذا يروي عن أبي عمرو\n_________\n(١) لم أقف عليه بعد طول بحث عنه في \"مظانه\".\n(٢) كتاب \"التكملة\" ص ٢٦١، وقال السمين في \"الدر\" ٥/ ٤٨٤: (تمييز ﴿اثنتي عشرة﴾ محذوف لفهم المعنى، تقديره: ﴿اثْنَتَيْ عَشْرَةَ﴾ فرقة و﴿أسباطا﴾ بدل من ذلك التمييز لأن أسباط مذكر وجمع) اهـ.\n(٣) (بجسا) ساقط من (أ).\n(٤) انظر: \"العين\" ٦/ ٥٨، و\"الجمهرة\" ١/ ٢٦٧، و\"تهذيب اللغة\" ١/ ٢٧٧، و\"الصحاح\" ٣/ ٩٠٧، و\"المجمل\" ١/ ١١٦، و\"مقاييس اللغة\" ١/ ١٩٩، و\"اللسان\" ١/ ٢١٢ (بجس).\n(٥) انظر: \"مجاز القرآن\" ١/ ٢٣٠، و\"غريب القرآن\" لليزيدي ص ١٥١، و\"تفسير غريب القرآن\" ص ١٨٢، و\"تفسير الطبري\" ٩/ ٨٩، و\"نزهة القلوب\" ص ١٢٦، و\"معاني النحاس\" ٣/ ٩٢، و\"تفسير المشكل\" ص ٨٧\n(٦) انظر: \"العين\" ٦/ ١١١، و\"الجمهرة\" ١/ ٤٦٣، و\"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٧٤٣، و\"الصحاح\" ٢/ ٧٧٨، و\"المجمل\" ٣/ ٧١٢، و\"مقاييس اللغة\" ٤/ ٤٧٥، و\"المفردات\" ص ٦٢٥، و\"اللسان\" ٦/ ٣٣٥١ (فجر).\n(٧) قال الراغب في \"المفردات\" ص ١٠٨: (الانبجاس أكثر ما يقال فيما يخرج من شيء ضيق، والانفجار يستعمل فيه وفيما يخرج من شيء واسع) اهـ.\nوانظر: \"عمدة الحفاظ\" ص ٣٩، و\"الدر المصون\" ٥/ ٤٨٧ - ٤٨٨.","vol":"9","page":406},{"text":"ابن العلاء (١)، ويؤكد هذا الفرق ما قال عطاء: (كان يظهر على كل موضع من الحجر يضربه موسى -﵇- مثل ثدي المرأة فيعرق أولًا ثم يسيل) (٢)، وباقي الآية مفسر (٣) في سورة البقرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1265>١٦٣ </span>- قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ﴾، قال أهل المعاني: (سلهم سؤال توبيخ على ما كان منهم في أمر القرية من فاحش الخطيئة (٤) وشنيع السيئة، والسؤال قد يكون للتقرير والتوبيخ، كما تقول لمن تلومه على جفائه: هل شتمتك؟ هل ضربتك؟ وأنت تعلم أنك لم تفعل، وإنما تسأله لتُقرره وتوبخه.\nومعنى سؤال النبي - ﷺ - أهل الكتاب عن هذه القرية، وقد أخبره الله بقصتها، تقريرهم بقديم كفرهم، وسلوكهم مسلك أسلافهم في المخالفة وارتكاب المعصية وأن يعلمهم ما لا يعلم إلا بكتاب أو وحي)، وهذا معنى قول المبرد (٥) والزجاج (٦) وغيرهما (٧)، وتلك القرية هي أيلة (٨) في رواية\n_________\n(١) ذكره الثعلبي ٦/ ١٢ أ، والبغوي ٣/ ٢٩٢، والرازي ١٥/ ٣٣، والسمين في \"الدر\" ٥/ ٤٨٨.\n(٢) ذكره الثعلبي ٦/ ١٢ أ.\n(٣) انظر: \"البسيط\" البقرة: ٦٠.\n(٤) في (ب): (الخطايا).\n(٥) انظر: \"ما اتفق لفظه واختلف معناه\" للمبرد ص ٤٢.\n(٦) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٨٤.\n(٧) انظر: \"مجاز القرآن\" ١/ ١٨٣ - ١٨٤، و\"تأويل مشكل القرآن\" ص ١٧٩، و\"معاني النحاس\" ٣/ ٩٢.\n(٨) أيلة، بالفتح: مدينة على ساحل بحر القلزم -البحر الأحمر- مما يلي الشام، وقيل: هي مدينة عامرة في بلاد الشام بين الفسطاط ومكة على شاطئ بحر القلزم، انظر: \"معجم البلدان\" ١/ ٢٩٢.","vol":"9","page":407},{"text":"عكرمة والوالبي عن ابن عباس (١)، وقال في رواية (٢) عطاء: (هي الطَبريَة) (٣). وهو قول الزهري (٤).\nوقوله تعالى: ﴿الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ﴾. الحضور نقيض الغيبة، أي: التي هي مجاورة البحر، وبقربه وعلى شاطئه (٥)، كقوله: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٦]. والحضرة (٦) قرب الشيء، تقول: كنت بحضرة الدار.\n_________\n(١) أخرجه الطبري ٩/ ٩٠ - ٩١ من عدة طرق جيدة عن عكرمة وعلي بن أبي طلحة الوالبي، عن ابن عباس، وأخرجه ابن أبي حاتم ٥/ ١٥٩٧، والحاكم في \"المستدرك\" ٢/ ٣٢٢، عن عكرمة عن ابن عباس، وقال الحاكم: (هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه) اهـ. ووافقه الذهبي في \"التلخيص\".\n(٢) لم أقف عليه عن ابن عباس.\n(٣) طبرية: مدينة في الأم من أعمال الأردن مطلة على بحيرة طبرية المشهورة، انظر: \"معجم البلدان\" ٤/ ١٧.\n(٤) أخرجه ابن أبي حاتم ٥/ ١٥٩٧، والنحاس في \"معانيه\" ٣/ ٩٣، بسند جيد، وذكره الثعلبي ٦/ ١٢/ ب، والماوردي ٢/ ٢٧١، والمشهور أنها أيلة وهو قول الأكثر، فقد أخرجه الطبري ٩/ ٩٠ - ٩١، من طرق عن ابن عباس ومجاهد وعبد الله بن كثير والسدي وقتادة، وقال ابن أبي حاتم ٥/ ١٥٩٧: (وروى عن سعيد بن جبير والضحاك) اهـ، وزاد والماوردي ٢/ ٢٧١ نسبته إلى عكرمة، وزاد ابن الجوزي ٣/ ٢٧٦ نسبته إلى ابن مسعود والحسن، وحكاه الأزهري في \"تهذيبه\" ١/ ٢٣٣، عن الليث، وحكاه هود الهواري ٢/ ٥٣ عن الكلبي، وقال الرازي ١٥/ ٣٦: (الأكثرون على أن تلك القرية أيلة) اهـ، وهو اختيار ابن كثير ٢/ ٢٨٦، ورجح الطبري ٩/ ٩١: أنها مدينة حاضرة البحر دون تحديد، لعدم الدليل القاطع، وهذا هو الظاهر لوجود الخلاف في تحديدها، ولأنه لا يترتب على تحديدها كبير فائدة.\n(٥) انظر: \"تفسير الطبري\" ٩/ ٩١.\n(٦) هذا قول الليث في \"تهذيب اللغة\" ١/ ٨٤٧، وانظر: \"العين\" ٣/ ١٠١، و\"الجمهرة\" ١/ ٥١٥، و\"الصحاح\" ٢/ ٦٣٢، و\"مقاييس اللغة\" ٢/ ٧٥، =","vol":"9","page":408},{"text":"وقوله تعالى: ﴿إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ﴾. قال ابن عباس: (يريد: يصيدون الحيتان ويفعلون ما نهوا عنه) (١). والمعنى: إذ يظلمون في السبت، ومضى الكلام في هذا عند قوله: ﴿الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ﴾ (٢) [البقرة: ٦٥]، وقوله: ﴿لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ﴾ (٣) [النساء: ١٥٤]. وموضع ﴿إِذْ﴾ نَصْب؛ لأن المعنى: سلهم إذ عدوا (٤)، وحقيقة السؤال وقع عن الاعتداء لا عن القرية؛ لأن التوبيخ (٥) يقع به، وإنما ذكرت القرية لأنهم بها اعتدوا.\nوقوله تعالى: ﴿إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ﴾. موضع ﴿إِذْ﴾ نصب أيضًا بـ\"يعدون\"، المعنى: سلهم إذ عدوا في وقت الإتيان (٦).\n_________\n= و\"المجمل\" ١٢٤٠، و\"المفردات\" ص ٢٤١، و\"اللسان\" ٢/ ٩٠٦ (حضر).\n(١) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ٢/ ٢٥٧، وأخرج الطبري ٩/ ٩٢، ابن أبي حاتم ٥/ ١٥٩٨ والحاكم في \"المستدرك\" وصححه ٢/ ٣٢٢ - ٣٢٣ من عدة طرق جيدة نحوه.\nوهو قول أهل اللغة والتفسير، انظر: \"مجاز القرآن\" ١/ ٢٣٠، و\"غريب القرآن\" لليزيدي ص ١٥١، و\"تفسير غريب القرآن\" ص ١٨٢، و\"تفسير الطبري\" ٩/ ٩٢، و\"معاني الزجاج\" ٢/ ١٨٤، النحاس ٣/ ٩٣، و\"تفسير السمرقندي\" ١/ ٥٧٧، و\"تفسير المشكل\" ص ٨٧\n(٢) لفظ: (منكم) ساقط من (أ).\n(٣) انظر: \"البسيط\" نسخة جستربتي ٢/ ٣٣ ب.\n(٤) انظر: \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٨٤، و\"إعراب النحاس\" ١/ ٦٤٥، و\"المشكل\" ١/ ٣٠٤.\n(٥) انظر: \"إعراب النحاس\" ١/ ٦٤٥\n(٦) هذا قول الزجاج في \"معانيه\" ٢/ ٣٨٤، وانظر: \"البيان\" ١/ ٣٧٦، و\"التبيان\" ١/ ٣٩٣، و\"الفريد\" ٢/ ٣٧٥، و\"الدر المصون\" ٥/ ٤٩٢.","vol":"9","page":409},{"text":"وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا﴾. أي: ظاهرة على الماء، قاله الزجاج (١) وشرَّع جمع: شارع وشارعة.\nقال شمر: (وكل شيء دان من شيء فهو شارع، ودار شارعة دنت من الطريق، ونجوم شوارع دنت من المغيب) (٢)، وعلى هذا الحيتان كانت تدنو من القرية بحيث يُمكنهم صيدها.\nقال ابن عباس (٣) ومجاهد (٤) والمفسرون (٥): (إن اليهود أُمروا باليوم الذي أمرتم به، يوم الجمعة، فتركوه واختاروا السبت، فابتلوا به، وحُرّم عليهم فيه الصيد، وأمروا بتعظيمه إن أطاعوا لم يؤجروا (٦) وإن عصَوا\n_________\n(١) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٨٤، وهو قول أهل اللغة والتفسير. انظر: \"مجاز القرآن\" ١/ ٢٣٠، و\"تفسير غريب القرآن\" ص ١٨٢، و\"تفسير الطبري\" ٩/ ٩٢، و\"نزهة القلوب\" ص ٢٩٠، و\"معاني النحاس\" ٣/ ٩٣، و\"تفسير السمرقندي\" ١/ ٥٧٧، و\"تفسير المشكل\" ص ٨٧.\n(٢) \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٨٥٩، وانظر: \"العين\" ١/ ٢٥٢، و\"الجمهرة\" ٢/ ٧٢٧، و\"الصحاح\" ٣/ ١٢٣٦، و\"المجمل\" ٢/ ٥٢٦، و\"مقاييس اللغة\" ٣/ ٢٦٢، و\"المفردات\" ص ٤٥٠، و\"اللسان\" ٤/ ٢٢٣٩ (شرع).\n(٣) أخرجه الطبري ٩/ ٩١، وابن أبي حاتم ٥/ ١٥٩٨، والحاكم في \"المستدرك\" ٢/ ٣٢٢ - ٣٢٣، وصححه من عدة طرق جيدة عن ابن عباس نحوه.\n(٤) \"تفسير مجاهد\" ١/ ٢٤٨، وذكره الرازي ١٥/ ٣٧، عن ابن عباس ومجاهد.\n(٥) انظر: \"تفسير الطبري\" ٩/ ٩١، وأخرجه ١٣/ ١٩٠ - ١٩٨، من طرق عن عبد الله بن مسعود والحسن وقتادة، وابن زيد، وأبي صالح ماهان الحنفي، وانظر: \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٨٤، النحاس ٣/ ٩٣، و\"تفسير السمرقندي\" ١/ ٥٧٧، والثعلبي ٦/ ١٣ أ، والماوردي ٢/ ٢٧٢، وذكره الواحدي في \"الوسيط\" ٢/ ٢٥٧، و\"الخازن\" ٢/ ٣٠٢، عن المفسرين.\n(٦) كذا في النسخ: (لم يؤجروا) وكذلك عند الثعلبي ٦/ ١٣/ أ، والأقرب أنه: (إن أطاعوا أجروا).","vol":"9","page":410},{"text":"عُذّبوا، فإذا كان يوم السبت شرعت لهم الحيتان ينظرون إليها في البحر، فإذا انقضى السبت ذهبت فلم تر إلى السبت المقبل، بلاء ابتلوا به، فذلك معنى قوله: ﴿وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ﴾). يقال: سبتت اليهود، أي: قامت بأمر سبتها.\nقال الفراء: (ومعنى ﴿يَسْبِتُونَ﴾ يفعلون سبتهم، ﴿وَيَوْمَ﴾ منصوب بقوله: ﴿لَا تَأْتِيهِمْ﴾) (١).\nوقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ﴾، في قوله: ﴿كَذَلِكَ﴾ وجهان ذكرهما الزجاج وابن الأنباري، أحدهما: قال الزجاج: (أي: مثل هذا الاختبار الشديد نختبرهم، وموضع (٢) الكاف نصب بنبلوهم) (٣).\nوقال أبو بكر: (ذلك) إشارة إلى ما بعده يراد به: ﴿نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾، كذلك البلاء الذي وقع بهم في أمر الحيتان وينقطع الكلام عند قوله: ﴿لَا تَأْتِيهِمْ﴾ (٤).\nالوجه الثاني: قال الزجاج: (ويحتمل على بُعدٍ أن يكون ﴿وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ﴾. أي: لا تأتيهم شرعًا، ويكون ﴿نَبْلُوهُمْ﴾ مستأنفًا) (٥).\n_________\n(١) \"معاني الفراء\" ١/ ٣٩٨، وانظر: \"تفسير الطبري\" ٩/ ٩٢، و\"إعراب النحاس\" ١/ ٦٤٥، و\"المشكل\" ١/ ٣٠٤، و\"التبيان\" ١/ ٣٩٤، و\"الفريد\" ٢/ ٣٧٥، و\"الدر المصون\" ٥/ ٤٩٣.\n(٢) في (أ): (فموضع).\n(٣) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٨٥، وانظر: \"إعراب النحاس\" ١/ ٦٤٥.\n(٤) انظر: \"الإيضاح\" لابن الأنباري ٢/ ٦٦٧، و\"القطع\" للنحاس ١/ ٢٦٤، و\"المكتفى\" للداني ص ٢٧٧.\n(٥) في (ي): (وهم لا يسبتون)، وهو تحريف.","vol":"9","page":411},{"text":"وقال أبو بكر: (وعلى هذا الوجه ﴿كَذَلِكَ﴾ راجعة على الشروع في قوله: ﴿يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا﴾. والتقدير: ﴿وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ﴾ (١) الإتيان بالشروع، وموضع الكاف على هذا الوجه نصب بالإتيان على الحال، أي: لا تأتي مثل ذلك الإتيان) (٢).\nوقوله تعالى: ﴿بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾. قال ابن عباس: (يريد: بعصيانهم رب العالمين خُذلوا) (٣).\nوقال الزجاج: (أي: شددت عليهم المحنة بفسقهم) (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1266>١٦٤ </span>- وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ﴾ الآية. قال أهل التفسير (٥): (افترق أهل القرية ثلاث فرقٍ؛ فرقة صادت وأكلتْ، وفرقة نهت وزجرت، وفرقة أمسكت عن الصيد، وقالت للفرقة الناهية: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ﴾).\nقال الزجاج: (لاموهم على موعظة قوم يعلمون أنهم غير مقلعين،\n_________\n(١) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٨٥، وزاد: (وذلك القول الأول قول الناس وهو الجيد) اهـ.\n(٢) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ٢/ ٢٥٧، والسمين في \"الدر\" ٥/ ٤٩٣ - ٤٩٤، وقال الهمداني في \"الفريد\" ٢/ ٣٧٥: (الكاف في موضع نصب على أنه نعت لمصدر محذوف، وفيه تقديران: أحدهما: نبلوهم بلاءً مثل ذلك البلاء الشديد ويوقف على ﴿تَأْتِيهِمْ﴾، وهو الوجه وعليه الجمهور، والثاني: لا تأتيهم إتيانًا مثل ذلك الإتيان الذي يأتي يوم السبت ويوقف على ﴿كَذَلِكَ﴾) اهـ.\n(٣) \"تنوير المقباس\" ٢/ ١٣٦.\n(٤) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٨٥.\n(٥) أخرجه الطبري ٩/ ٩٣ - ٩٨ من عدة طرق جيدة عن ابن عباس وقتادة، وأخرج عبد الرزاق في \"تفسيره\" ١/ ٢/ ٢٣٩، وابن أبي حاتم ٥/ ١٦٠٠، والحاكم وصححه ٢/ ٣٢٢، من عدة طرق جيدة عن ابن عباس، وانظر: \"تفسير السمرقندي\" ١/ ٥٧٧، والثعلبي ٦/ ١٤ أ، والماوردي ٢/ ٢٧٢ - ٢٧٣.","vol":"9","page":412},{"text":"فقالت الفرقة الناهية للذين لاموهم: ﴿مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ﴾، أي: موعظتنا إياهم ﴿مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ﴾ والمعنى: أن الأمر بالمعروف واجب علينا، فعلينا موعظة هؤلاء عذرًا إلى الله تعالى) (١)، والمعذرة مصدر كالعذر.\nو(٢) قال أبو زيد: (عذرته أعذِره عُذرًا ومعذِرةً وعُذرَى) (٣)، ومعنى عذره في اللغة (٤): قام بعذرهِ، وقبل (٥) عذره، يقال: من يعذرني، أي: من يقوم بعذري، وعذرت فلانًا فيما صنع، أي: قمت بعذره، فعلى هذا معنى قوله: ﴿مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ﴾ أي: قيام منا بعذر أنفسنا إلى الله، فإنا إذا طولبنا بإقامة النهي عن المنكر، قلنا: قد فعلنا، فنكون بذلك معذورين. وقال الأزهري: (المعذرة اسم على مفعلة من عذر يعذر، وأقيم مقام الاعتذار، كأنهم قالوا: موعظتنا اعتذار إلى ربنا، فأقيم الاسم مقام الاعتذار، يقال: اعتذر فلان اعتذارًا وعذرة (٦) ومعذرة من ذنبه فعذرته) (٧).\nوذكرنا معنى الاعتذار وأصله (٨) في اللغة في سورة براءة عند قوله (٩):\n_________\n(١) انظر: \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٨٥، و\"تفسير الطبري\" ٩/ ٩٢، و\"معاني النحاس\" ٣/ ٩٤، و\"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٣٦٥ (عذر).\n(٢) لفظ: (الواو) ساقط من (ب).\n(٣) \"الحجة\" لأبي علي ٤/ ٩٧، و\"تفسير الرازي\" ١٥/ ٣٨.\n(٤) انظر: \"العين\" ٢/ ٩٣، و\"الجمهرة\" ٢/ ٦٩٢، و\"الصحاح\" ٢/ ٧٣٧، و\"المجمل\" ٣/ ٦٥٤، و\"مقاييس اللغة\" ٤/ ٢٥٣، و\"المفردات\" ص ٥٥٥، و\"اللسان\" ٥/ ٢٨٥٤ (عذر).\n(٥) في (ب): (وقيل).\n(٦) لفظ: (وعذرة) ساقط من (ب).\n(٧) \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٣٦٥ (عذر).\n(٨) لم أقف عليه.\n(٩) في النسخ عند قوله: \"قل ﴿لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ﴾ \"، وهو تحريف وفي سورة التوبة قال الله تعالى: ﴿قُلْ لَا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ﴾ [التوبة: ٩٤].","vol":"9","page":413},{"text":"﴿لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ﴾ الآية [التوبة: ٦٦].\nوقال ابن الأعرابي: (يقال: لي في هذا الأمر عُذر وعذرى ومعذرة، أي: خروج من الذنب) (١).\nقال أبو علي: (لم يريدوا أن يعتذروا عذرًا مستأنفًا من أمر ليموا عليه، ولكنهم قيل لهم ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا﴾؟ فقالوا: ﴿مَعْذِرَةً﴾ أي: موعظتنا معذرة (٢)، ومن نصب ﴿مَعْذِرَةً﴾ (٣) فقال سيبويه (٤): \"لو قال رجل لرجل: معذرةً إلى الله، وإليك من كذا وكذا لنصب (٥) \") (٦).\nقال الزجاج (٧): (المعنى: نعتذر معذرةً).\n_________\n(١) \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٣٦٥ (عذر).\n(٢) هذا قول سيبويه في \"الكتاب\" ١/ ٣٢٠، وحكاه الفارسي في \"الحجة\" عنه أيضًا ٤/ ٩٨، وهذا التوجيه على قراءة الرفع عندهما.\n(٣) قرأ حفص عن عاصم: ﴿مَعْذِرَةً﴾ بالنصب وقرأ الباقون بالرفع، انظر: \"السبعة\" ص ٢٩٦، و\"المبسوط\" ص ١٨٦، و\"التذكرة\" ٢/ ٤٢٧، و\"التيسير\" ص ١١٤، و\"النشر\" ٢/ ٢٧٢.\n(٤) \"الكتاب\" ١/ ٣٢٠، وانظر: \"الإيضاح\" لابن الأنباري ٢/ ٦٦٨.\n(٥) في (ب): (وكذا النصب)، وهو تحريف.\n(٦) \"الحجة\" لأبي علي ٤/ ٩٨، وعليه قراءة الرفع خبر لمبتدأ مضمر أي: موعظتنا معذرة، وعلى قراءة النصب مفعول لأجله، أي: وعظناهم لأجل المعذرة، أو على المصدر أي: نعتذر معذرة، وانظر: \"معاني القراءات\" ١/ ٤٢٧، و\"إعراب القراءات\" ١/ ٤١٠، و\"الحجة\" لابن خالويه ص ١٦٦، و\"الحجة\" لابن زنجلة ص ٣٠٠، و\"الكشف\" ١/ ٤٨١، و\"الدر المصون\" ٥/ ٤٩٥.\n(٧) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٨٦، وفيه قال: (ويجوز النصب على معنى يعتذرون معذرة) وانظر: \"معاني الفراء\" ١/ ٣٩٨، و\"تفسير الطبري\" ٩/ ٩٣، و\"إعراب النحاس\" ١/ ٦٤٥، و\"تفسير المشكل\" ١/ ٣٠٤، و\"البيان\" ١/ ٣٧٦، و\"التبيان\" ١/ ٣٩٤، و\"الفريد\" ٢/ ٣٧٦.","vol":"9","page":414},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾. أي: جائز عندنا أن ينتفعوا بالمعذرة فيتقوا الله ويتركوا العَدْو (١).\nوقال بعضهم (٢): (وكانوا فرقتين: فرقة نهت عن السوء، وفرقة عملت بالسوء)، وهذا قول الكلبي (٣)، وحكاه الزجاج (٤)، وعلى هذا فالذين قالوا: ﴿لِمَ تَعِظُونَ﴾ الفرقة المعتدية.\nقال الكلبي: (المعتدية نحو من سبعين ألفًا أتاهم طوائف نحو من اثني عشر ألفًا، وهم الذين كرهوا الصيد في السبت، وقالوا: انتهوا قبل أن ينزل بكم العذاب، فإنا قد علمنا أن الله منزل بكم بأسًا عاجلًا إن لم تنتهوا، فقالوا لهم: فلم تعظوننا إذًا إن كنتم قد علمتم أن الله منزل بنا عذابه) (٥).\nوالقول الأول (٦) أصح؛ لأنهم لو كانوا فرقتين وكان قوله: ﴿مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ﴾ خطابًا من الناهية المعتدية لقالوا: ولعلكم (٧) تتقون.\n_________\n(١) هذا قول الزجاج في \"معانيه\" ٢/ ٣٨٥.\n(٢) أخرجه الطبري ٩/ ٩٢ بسند جيد عن ابن زيد، وانظر: \"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٥٧٨.\n(٣) أخرجه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ١/ ٢/ ٢٣٩، وحكاه الطبري في \"تفسيره\" ٩/ ٩٢، وهود الهواري ٢/ ٥٣ - ٥٤ عن الكلبي.\n(٤) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٨٦.\n(٥) انظر: \"تفسير الثعلبي\" ٦/ ١٣ - ١٤، والبغوي ٣/ ٢٩٣، والقرطبي ٧/ ٣٠٧.\n(٦) هذا قول الثعلبي ٦/ ١٤ أ، ونقله الرازي في \"تفسيره\" ١٥/ ٣٩، عن الواحدي، واختاره ابن عطية ٦/ ١١٧، والخازن ٢/ ٣٠٣، وقال القرطبي ٧/ ٣٠٧: \"القول الأول قول جمهور المفسرين وهو الظاهر من الضمائر في الآية) اهـ.\n(٧) في (ب): (ولعلهم).","vol":"9","page":415},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1267>١٦٥ </span>- قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ﴾، قال ابن عباس: (أي: تركوا ما وعظوا به) (١)، ﴿أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ﴾، يعني: الفرقة الناهية، واختلفوا في الفرقة الممسكة غير الناهية الذين قالوا: ﴿لِمَ تَعِظُونَ﴾، فقال ابن عباس في رواية عطاء بن السائب (٢): (أسمع الله يقول: ﴿أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ﴾ إلى قوله ﴿يَفْسُقُونَ﴾، فليت شعري ما فعل بهؤلاء الذين قالوا ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا﴾) (٣). فمذهبه في هذه الرواية الوقف في الفرقة الممسكة.\nوروي عنه أيضًا أنه قال: (كانوا أثلاثًا؛ ثلثًا نهى، وثلثًا قالوا: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا﴾، وثلثا أصحاب الخطيئة، فما نجا إلا الذين نهوا وهلك سائرهم) (٤).\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي حاتم ٥/ ١٦٠١ بسند جيد وذكره الواحدي في \"الوسيط\" ٢/ ٢٥٨، وانظر: \"تفسير الطبري\" ٩/ ٩٩، و\"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٨٦، والنحاس ٣/ ٩٤، و\"تفسير السمرقندي\" ١/ ٥٧٧، الثعلبي ٦/ ١٤/ ب، والماوردي ٢/ ٢٧٢.\n(٢) عطاء بن السائب بن يزيد الثقفي أبو يزيد الكوفي، إمام تابعي عابد من كبار العلماء، ثقة ساء حفظه في آخر عمره توفي سنة ١٣٦هـ، انظر: \"طبقات ابن سعد\" ٦/ ٣٣٨، و\"الجرح والتعديل\" ٦/ ٣٣٢، و\"سير أعلام النبلاء\" ٦/ ١١٠، و\"تهذيب التهذيب\" ٣/ ١٠٣، ومقدمة \"فتح الباري\" ص ٤٢٥.\n(٣) أخرجه \"عبد الرزاق\" ١/ ٢/ ٢٣٩ - ٢٤٢، والطبري ٩/ ٩٨، والحاكم صححه ٢/ ٣٢٢ - ٣٢٣ من عدة طرق جيدة.\n(٤) أخرجه الطبري ٩/ ٩٧، وابن أبي حاتم ١٦٠٠ من طرق جيدة وذكره ابن كثير في \"تفسيره\" ٢/ ٢٨٧ - ٢٨٨، وقال: (نص الله على نجاة الناهين وهلاك الظالمين وسكت عن الساكتين؛ لأن الجزاء من جنس العمل، فهم لا يستحقون مدحًا فيمدحوا، ولا ارتكبوا عظيمًا فيذموا، ومع هذا فقد اختلف الأئمة فيهم فروي عن ابن عباس بإسناد جيد أنه قال: (ما نجا إلا الذين نهوا وهلك سائرهم)، ولكن رجوعه إلى قول عكرمة في نجاة الساكتين أولى من القول بهذا لأنه تبين حالهم =","vol":"9","page":416},{"text":"وهذا قول ابن زيد أيضًا، قال: (كانوا ثلاث فرقٍ؛ فرقة اعتدت، وفرقة نهت، وفرقة لم تنه، وقالت ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا﴾، فنجت الناهية، وهلكت الفرقتان. قال: وهذه الآية أشد آية في القرآن في ترك النهي عن المنكر) (١).\nوروى ابن جريج عن عكرمة قال: (دخلت على ابن عباس وهو ينظر\nفي المصحف ويبكي قبل أن يذهب بصره، فقلت: ما يبكيك؟ فذكر قصة أصحاب أيلة، ثم قرأ قوله (٢): ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ﴾. الآية، وقال: أسمع الله ذكر الذين نهوا ولا أسمع الذين سكتوا، ونحن نرى أشياء ننكرها فلا نقول فيها ولا نغيرها.\nقال (٣) عكرمة: فقلت له: جعلني الله فداك، ألا تراهم قد أنكروا حين قالوا: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ﴾، وإن لم يقل الله: أنجيتهم، لم يقل أيضًا أهلكتهم، ولم أزل به حتى عرفته أنهم نجوا، قال: فأعجبه ذلك من قولي، فرضي، وأمر لي ببردين فكسانيهما) (٤).\n_________\n= بعد ذلك والله أعلم) اهـ. بتصرف.\nوقال شيخ الإِسلام ابن تيمية في \"الفتاوى\" ١٧/ ٣٨٢: (أنجى الله الناهين، وأما أولئك الكارهون للذنب الذين قالوا ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا﴾ فالأكثرون على أنهم نجوا؛ لأنهم كانوا كارهين فأنكروا بحسب قدرتهم، وأما من ترك الإنكار مطلقًا فهو ظالم يعذب) اهـ.\n(١) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ٦/ ١٣ ب، والواحدي في \"الوسيط\" ٢/ ٢٦٠، والبغوي ٣/ ٢٩٤، والخازن ٢/ ٣٠٣.\n(٢) لفظ: (قوله) ساقط من (ب).\n(٣) في (أ): (وقال).\n(٤) أخرجه عبد الرزاق ١/ ٢/ ٢٤٠ - ٢٤٢، والطبري ٩/ ٦٤، وابن خالويه في \"إعراب =","vol":"9","page":417},{"text":"وهذا أيضًا مذهب الحسن ويمانٍ.\nقال الحسن: (نجت فرقتان، وهلكت فرقة، وهم الذين أخذوا الحيتان) (١).\nوقال يمانٍ: (نجت الطائفتان؛ الذين قالوا: ﴿لِمَ تَعِظُونَ﴾، والذين قالوا: ﴿مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ﴾، وأهلك الله أهل معصيته) (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ﴾، أي: شديد من العذاب، قاله ابن عباس (٣) والحسن (٤) ومجاهد (٥) وقتادة (٦) وابن زيد (٧).\n_________\n= القراءات\" ١/ ٢١٢ - ٢١٤، والحاكم ٢/ ٣٢٢ - ٣٢٣ وصححه من طرق جيدة. وأخرج الطبري ٩/ ٩٥، وابن أبي حاتم ٥/ ١٦٠٠ بسند جيد عن ابن عباس قال: (نجت فرقتان، وأهلك الله أهل معصيته الذين أخذوا الحيتان فجعلهم قردة وخنازير) اهـ.\n(١) ذكره هود الهواري في \"تفسيره\" ٢/ ٥٥، والواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٢٦٠، والبغوي ٣/ ٢٩٤، وابن عطية ٦/ ١١٦، والرازي ١٥/ ٣٨ - ٣٩، والقرطبي ٧/ ٣٠٧، والخازن ٢/ ٣٠٢.\n(٢) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ٦/ ١٤ أ، والبغوي ٣/ ٢٩٤.\n(٣) أخرجه أبو عبيد في كتاب \"اللغات\" ص ١٠٦، و\"ابن حسنون\" ص ٢٥ بسند جيد، وأخرج عبد الرزاق في \"تفسيره\" ١/ ٢/ ٢٤٠ - ٢٤٢، الطبري ٩/ ١٠٠ - ١٠١، وابن أبي حاتم ٥/ ١٦٠٢ بسند ضعيف عن ابن عباس قال: (أليم وجيع) اهـ.\n(٤) لم أقف عليه.\n(٥) \"تفسير مجاهد\" ١/ ٢٤٨، وأخرجه الطبري ٩/ ١٠١، وابن أبي حاتم ٥/ ١٦٠٢ من طرق جيدة بلفظ: (أليم شديد) اهـ.\n(٦) أخرجه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ١/ ٢/ ٢٣٩، والطبري ٩/ ١٠١ من طرق جيدة بلفظ: (موجع).\n(٧) أخرجه الطبري ٩/ ١٠١ بسند جيد وهو قول أهل اللغة والتفسير. انظر: \"مجاز =","vol":"9","page":418},{"text":"قال ابن الأعرابي: (البَئِس (١) والبَيِس على فَعِل العذابُ الشديد) (٢).\nونحو ذلك قال الزجاج (٣).\nقال أبو علي: ﴿بَئِيسٍ﴾ على وزن فعيل يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون فعيلًا من بؤس يبؤس بأسًا: إذا اشتد.\nوالآخر: ما قاله أبو زيد قال: يقال من البؤس وهو الفقر: بَئِسَ الرجل يبأس بؤسًا وبأساء وبئيسًا (٤) إذا افتقر فهو بائس أي: فقير (٥). فوصف العذاب ببئيس وهو مصدر على فعيل كالنذير والنكير والشحيح، والتقدير: بعذاب ذي بئيس أي: ذي بؤس.\nوقرأ نافع (٦): (بيس) جعل (بيس) الذي هو فعل اسمًا، فوصف\n_________\n= القرآن\" ١/ ٢٣١، و\"غريب القرآن\" لليزيدي ص ١٥٢، و\"تفسير غريب القرآن\"\nص ١٨٢، و\"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٨٦، و\"نزهة القلوب\" ص ١٤١، و\"معاني النحاس\" ٥/ ٩٣، و\"تفسير السمرقندي\" ١/ ٥٧٧، والثعلبي ٦/ ١٤ ب، والماوردي ٢/ ٢٧٢، وقال الطبري ٩/ ١٠١: (أجمعوا على أن معناه: شديد) اهـ.\n(١) في النسخ: البيئيس، والبئيس، وهو تصحيف.\n(٢) \"تهذيب اللغة\" ١/ ٤١١ (بئس) وانظر: \"العين\" ٧/ ٣١٦، و\"الصحاح\" ٣/ ٩٠٧، و\"المجمل\" ١/ ١٤١، و\"مقاييس اللغة\" ١/ ٣٢٨، و\"المفردات\" ص ١٥٣، و\"اللسان\" ١/ ١٩٩ (بأس).\n(٣) في \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٨٦، قال: (بئيس أي: شديد يقال: بئس يبؤس بأسًا إذا اشتد) اهـ. وانظر: \"تهذيب اللغة\" ١/ ٤١١ (بئس).\n(٤) في (ب): \"وبيسا\" وهو كذلك في \"الحجة\" لأبي علي ٤/ ١٠٠ عن أبي زيد.\n(٥) هذا وما قبله من قول أبي زيد في \"تهذيب اللغة\" ١/ ٤١١ (بئس) وذكره الجوهري في \"الصحاح\" ٣/ ٩٠٧، وقال: (حكاه أبو زيد في كتاب \"الهمز\") اهـ.\n(٦) قرأ نافع: (بيس) بكسر الباء وسكون الياء من غير همز، وقرأ ابن عامر: ﴿بَئْسَ﴾، بكسر الباء وبعدها همزة ساكنة، وقرأ الباقون: ﴿بَئِيسٍ﴾ بفتح الباء وبعدها همزة مكسورة وبعدها ياء ساكنة، وروى أبو بكر عن عاصم أنه قرأ: (بَيْئسَ) على وزن =","vol":"9","page":419},{"text":"به (١)، ومثل ذلك قوله: \"إن الله ينهى عن قيلَ وقال\" (٢).\nويروى \"قيلٍ وقالٍ\" (٣)، ونحوه: مُذ شُبَّ (٤) إلى دبَّ، ومذ شبِّ إلى\n_________\n= فيعل، بفتح الباء وبعدها ياء ساكنة وبعدها همزة مفتوحة-.\nانظر: \"السبعة\" ص ٢٩٦، و\"المبسوط\" ص ١٨٦، و\"التذكرة\" ٢/ ٤٢٧، و\"التيسير\" ص ١١٤، و\"النشر\" ٢/ ٢٧٢.\n(١) في (ب): (فوصف به العذاب ببيس) ولا يوجد ذلك في \"الحجة\" لأبي علي ٤/ ١٠٠.\n(٢) هذا حديث صحيح أخرجه البخاري في \"صحيحه\" رقم (١٤٧٧١) كتاب الزكاة، باب: قول الله: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ﴾، ومسلم رقم (١٧١٥) كتاب الأقضية، باب النهي عن كثرة السائل من غير حاجة، عن المغيرة بن شعبة ﵁ أن الرسول - ﷺ - قال: \"إن الله كره لكم ثلاثًا: قيل وقال وإضاعة المال وكثرة السؤال\" اهـ. وفيهما قيلَ وقالَ -بالفتح-.\n(٣) يريد الرواية الأولى بالفتح والثانية بالكسر منونًا، وقد أخرج مسلم رقم (١٧١٥) كتاب الأقضية، باب النهي عن كثر المسائل، عن المغيرة بن شعبة أن رسول الله - ﷺ - قال: \"إن الله نهى عن ثلاث: قيلٍ وقالٍ وكثرة السؤال وإضاعة المال\" اهـ. وفيه قيل وقال بالكسر منونًا.\nقال النووي في \"شرح مسلم\" ١٢/ ١٦: (اختلفوا في حقيقة قيل وقال على قولين: أحدهما: أنهما فعلان، فقيل مبني لما لم يسم فاعله، وقال فعل ماض، والثاني: أنهما اسمان مجروران منونان لأن القيل والقال والقول والقالة كلها بمعنى) اهـ. وانظر: \"فتح الباري\" ١٢/ ٤٠٧.\n(٤) في \"الحجة\" ٤/ ١٠١: (مِنْ شب إلى دب ومن شب إلى دب) وأشار المحقق إلى ورود (مد) في بعض النسخ وهذا من أمثال العرب تقول:\n\"أعييتني من شب إلى دبَّ ومن شب إلى دُبِّ\"\nأي: من لدن شببت إلى أن دببت على العصا هرمًا، وهو مثل يضرب للبغيض ولمن يكون في أمر عظيم غير مرضى فيمتد فيه أو يأتي بما هو أعظم منه.\nانظر: \"جمهرة الأمثال\" ١/ ٥٤، و\"مجمع الأمثال\" ١/ ١٩٨، و\"المستقصى\" ١/ ٢٥٧.","vol":"9","page":420},{"text":"دبِّ (١)، فكما استعملت هذه (٢) الألفاظ أسماءً وأفعالًا، كذلك (بيس) جعله اسمًا بعد أن كان فعلًا، فصار وصفًا مثل نِقضٍ (٣) ونضوٍ (٤).\nوقرأ ابن عامر: ﴿بِئْسَ﴾ (٥)، وهو مثل قراءة نافع إلا أنه حقق الهمزة، وروى أبو بكر (٦) عن عاصم (بيأس)، وهو وصف مثل ضيغم (٧) وحيدرٍ (٨)، وهو بناء كثير في الصفة (٩).\n_________\n(١) أي بالفتح والكسر مع التنوين وعدمه، فمن نونه جعله بمنزلة الاسم بإدخال من عليه، ومن لم ينونه جعله على وجه الحكاية للفعل، أفاده الميداني في \"مجمع الأمثال\" ١/ ١٩٨.\n(٢) في (ب): (هذا)، وهو تحريف.\n(٣) نِقْض، بكسر النون وسكون القاف، وهو المهزول من الإبل والخيل، انظر: \"اللسان\" ٨/ ٤٥٢٤ (نقض).\n(٤) نضو - بكسر النون وسكون الضاد: المهزول من جميع الدواب وقد يستعمل في الإنسان، انظر: \"اللسان\" ٧/ ٤٤٥٧ (نصا).\n(٥) في: (أ): (ييئس)، وفي (ب). (بيس)، وهو تصحيف.\n(٦) أبو بكر: هو أبو بكر بن عياش الأسدي أحد الرواة عن عاصم، إمام، تقدمت ترجمته.\n(٧) ضيغم، بفتح الضاء وسكون الياء وفتح الغين: الأسد والواسع الشدق والذي يعَضَ، واسم الشاعر ضيغم الأسدي. انظر: \"اللسان\": ٥/ ٢٥٩٢ (ضغم).\n(٨) حيدر: بفتح الحاء وسكون الياء وفتح الدال اسم، انظر: \"اللسان\" ٢/ ٨٠٣ (حدر).\n(٩) \"الحجة\" لأبي علي ٤/ ١٠٠ - ١٠٢، وانظر: \"معاني القراءات\" ١/ ٤٢٨، و\"إعراب القراءات\" ١/ ٢١١، و\"الحجة\" لابن زنجلة ص ٣٠٠، و\"الكشف\" ١/ ٤٨١، وقال ابن خالويه في \"الحجة\" ص ١٦٦: (هذه القراءات لغات مشهورات مستعملات في القراءة) اهـ.","vol":"9","page":421},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1268>١٦٦ </span>- قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ﴾ الآية. نظم الآية لا يصح إلا بتقدير محذوف؛ لأن معنى العتُو (١): الإباء والعصيان، وإذا عتوا عما نهوا عنه فقد أطاعوا؛ لأنهم أبوا ما نهوا عنه، وهو صيد الحيتان في السبت، ولكن التقدير: فلما عتوا عن ترك ما نهوا عنه ثم حذف المضاف؛ وإذا أبوا ترك المنهي عنه كان ذلك ارتكابًا (٢).\nوقوله تعالى: ﴿قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ مفسر في سورة البقرة (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1269>١٦٧ </span>- قوله تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ﴾، اختلفوا في معنى ﴿تَأَذَّنَ﴾، فقال أهل اللغة (٤): (تأذن بمعنى أذن أي: أعلم)، ونحو\n_________\n(١) عَتَا: أي: استكبر وجاوز الحد، وقال الزجاج ٢/ ٣٨٦: (العاتي الشديد الدخول في الفساد المتمرد الذي لا يقبل موعظة) اهـ.\nوانظر: \"العين\" ٢/ ٢٢٦، و\"الجمهرة\" ٢/ ١٠٣٢، و\"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٣١٣، و\"الصحاح\" ٦/ ٢٤١٨، و\"المجمل\" ٣/ ٦٤٦، و\"مقاييس اللغة\" ٤/ ٢٢٥، و\"المفردات\" ص ٥٤٦، و\"اللسان\" ٥/ ٢٧٩٤ (عتا).\n(٢) انظر: \"تفسير الطبري\" ٩/ ١٠١، و\"إعراب النحاس\" ١/ ٦٤٨، و\"تفسير السمرقندي\" ١/ ٥٧٨، والرازي ١٥/ ٤٠، والخازن ٢/ ٣٠٣، قال الطبري: (أي: تمردوا فيما نهوا عنه وتمادوا فيه) اهـ. وقال النحاس: (أي: تجاوزوا في معصية الله جل وعز) اهـ.\n(٣) انظر: \"البسيط\" البقرة: ٦٦.\n(٤) الأذان: الإعلام، وأذن بمعنى عَلِمَ، وأذن له أذنا استمع، وتأذن فلان أعلم وآذن، وتأذن الأمير في الكلام أي: تقدم وأعلم ونادى فيهم بالتهديد والنهي، وقال الخليل في \"العين\" ٨/ ٢٠٠: (الأذان اسم للتأذين، والتأذن من قولك: تأذنت لأفعلن كذا يراد به إيجاب الفعل في ذلك أي: سأفعل لا محالة وتأذنت تقدمت كالأمير يتأذن قبل العقوبة ومنه: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ﴾) اهـ. وانظر: \"تهذيب اللغة\" ١/ ١٣٩ - ١٤٠، و\"الصحاح\" ٥/ ٢٠٦٨، و\"المجمل\" ١/ ٩١، و\"مقاييس اللغة\" ١/ ٧٥، و\"المفردات\" ص ٧٠، و\"اللسان\" ١/ ٥١ (أذن).","vol":"9","page":422},{"text":"ذلك قال الحسن (١)، وقال ابن عباس: (وإذ قال ربك) (٢)، وهو معنى وليس تفسير، وذلك أن الإعلام يكون بالقول ففي أعلم معنى قال.\nوقال في رواية عطاء: (حتم ربك) (٣). وقال الزجاج: (معناه: تألى ربك) (٤). وأكثر أهل اللغة على (أن التأذن بمعنى: الإيذان وهو الإعلام) (٥).\nوقال أبو علي الفارسي: (قال سيبويه: (آذن أعلم وأذَّن نادى وصاح للأعلام، منه قوله تعالى: ﴿فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ﴾ [الأعراف: ٤٤]. قال: وبعض العرب يجري أذنت مجرى آذنت فيجعل أذن وآذن بمعنى\" (٦). فإذا كان أَذَّن\n_________\n(١) ذكره هود الهواري في \"تفسيره\" ٢/ ٥٦، والماوردي ٢/ ٢٧٣، وابن الجوزي ٣/ ٢٧٩.\n(٢) \"تنوير المقباس\" ٢/ ١٣٧، وذكره الثعلبي ٦/ ١٥ ب، والبغوي ٣/ ٢٩٥.\n(٣) ذكره ابن الجوزي ٣/ ٢٧٩، وأبو حيان في \"البحر\" ٤/ ٤١٣ عن عطاء فقط، وجاء عند الثعلبي ٦/ ١٥ ب، والبغوي ٣/ ٢٩٥ عن عطاء قال: (حكم ربك).\n(٤) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٨٧، وتألى أي: حلف وأقسم.\n(٥) وهو قول أهل التفسير أيضًا، قال النحاس في \"معانيه\" ٣/ ٩٦: (قال أهل التفسير: معناه: أعلم ربك، وهذا قول حسن لأنه يقال: تعلم بمعنى أعلم) اهـ.\nوقال أبو عبيدة في \"مجاز القرآن\" ١/ ٢٣١: (أي: أمر من الإذن وأحل وحرم ونهى) اهـ.\nوانظر: \"غريب القرآن\" لليزيدي ص ١٥٢، و\"تفسير غريب القرآن\" ١/ ١٨٢، و\"تفسير الطبري\" ٩/ ١٠٢، و\"نزهة القلوب\" ص ١٥٨، و\"تفسير السمرقندي\" ١/ ٥٧٨، و\"تفسير المشكل\" ص ٨٧\n(٦) في \"الكتاب\" ٤/ ٦٢ قال سيبويه: (وقد يجيء فعلت وأفعلت في معنى واحد نحو: آذنت وآذنت أعلمت وأذنت النداء والتصويت بإعلان، وبعض العرب يجري أذنت وآذنت مجرىَ سمَّيت وأسميتُ) اهـ.\nوانظر: \"الحجة\" لأبي علي ٢/ ٤٠٤.","vol":"9","page":423},{"text":"أعلم في لغة بعضهم فَتَأَذَّن تَفَعَّل من هذا وليس تفعل هنا بمنزلة تَقَيَّس (١) وتَشَجَّع (٢)، ولكنه بمنزلة (فعَّل) كما أن تَكَبَّر في قوله: ﴿الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ﴾ [الحشر: ٢٣]. ليس على حد (تكبَّر زيد) إذا تعاطى الكبر، ولكن ﴿الْمُتَكَبِّرُ﴾ بمنزلة الكبير، كما أن قوله (٣): ﴿وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [يونس: ١٨] تقديره: علا وليس على حد (تغافل) و(تناسى) إذا أظهر (٤) شيئًا من ذلك ليس فيه، فبناء الفعلين يتفق والمعنى يختلف، كذلك ﴿تَأَذَّنَ﴾ بمنزلة عَلِمَ، ومثل (تَفَعَّلَ) في أنه يراد به (فَعَل)، قول زهير:\nتَعَلَّمْ أن شرَّ الناس قوم ... ينادى في شعارهم يسار (٥)\nليس يريد: تعلَّم هذا عن جهل، كما يريدون بقولهم: تعلم الفقه، وإنما يريد به: اعلم، كذلك ﴿تَأَذَّنَ﴾ معناه عَلِم، ومما يدل على أن معناه العلم وقوع لام اليمين بعده، كما يقع بعد العلم في نحو: علم الله لأفعلن، وكأن المعنى في ﴿تَأَذَّنَ﴾، علم ﴿لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾، فتعلق (٦) الجواب به كما يتعلق بالقسم من حيث استعمل\n_________\n(١) تقيس - بالفتح. يقال: تقيس الرجل أي: انتسب إلى قبيلة قيس. انظر: \"اللسان\" ٦/ ٣٧٩٤ (قيس).\n(٢) انظر: \"الكتاب\" ٤/ ٧١.\n(٣) في: (أ): (قوله): ﴿وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ وهي الآية [النحل:١]، وفي \"الحجة\" ٢/ ٤١١، كما أن قوله ﷿: ﴿وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ﴾ [الإسراء: ٤٣].\n(٤) في (ب): (ظهر).\n(٥) \"ديوانه\" ص ٥١، و\"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٨٧، الثعلبي ٦/ ١٥ ب، وابن عطية ٦/ ١٢٤، و\"ووضح البرهان\" للغزنوي ١/ ٣٦٨، والقرطبي ٧/ ٣٠٩ وتعلم أي: اعلم، والشعار العلامة. ويسار: اسم راعي إبل له، انظر: \"شرح ديوان زهير لثعلب\" ص ٢١٩.\n(٦) في (ب): (يتعلق).","vol":"9","page":424},{"text":"استعمال القسم) (١).\nوقد ذكرنا استعمال العلم بمعنى القسم في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ﴾ [البقرة: ١٠٢]، في سورة البقرة.\nوقوله تعالى: ﴿لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ﴾، يعني: على اليهود. وقوله: ﴿إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾ فيه تقديم وتأخير، أي: ليبعثن عليهم من يسومهم سوء العذاب إلى يوم القيامة] (٢).\nقال ابن عباس (٣) والحسن (٤) وسعيد بن جبير (٥) وقتادة (٦): (هم العرب؛ محمد وأمته بعثهم الله على اليهود يقاتلونهم حتى يسلموا أو يعطوا الجزية)، ومعنى البعث هاهنا: إرسالهم عليهم وأمرهم بذلك.\n_________\n(١) \"الحجة\" لأبي علي ٢/ ٤٠٤ - ٤١٢. وانظر ابن عطية ٦/ ١٢٤، والقرطبي ٧/ ٣٠٩، و\"الدر المصون\" ٥/ ٥٠٠ ومعنى الآية: علم الله ليبعثن، ويقتضي أن ذلك العلم منه مقترن بإنفاذ وإمضاء كما تقول في أمر عزمت عليه غاية العزم: علم الله لأفعلن كذا، وأجري مجرى فعل القسم كعلم الله، ولذلك أجيب بما يجاب به القسم وهو ﴿لَيَبْعَثَنَّ﴾ أفاده ابن عطية والسمين وقالا: (قالت فرقة: تأذن أعلم، وهو قلق من جهة التصريف إذ نسبة تأذن إلى الفاعل غير نسبة أعلم وبين ذلك فرق بين التعدي وغيره) اهـ.\n(٢) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).\n(٣) أخرجه الطبري ٩/ ١٠٢ - ١٠٣ من طرق جيدة عن ابن عباس وسعيد بن جبير وقتادة والسدي وابن زيد وأخرجه ابن أبي حاتم ٥/ ١٦٠٤ من طرق جيدة عن ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وابن زيد.\n(٤) ذكره الماوردي ٢/ ٢٧٣، عن ابن عباس والحسن وسعيد بن جبير وقتادة.\n(٥) أخرجه أيضًا النحاس في \"معانيه\" ٣/ ٩٧ بسند جيد عن سعيد بن جبير، وذكره الثعلبي ٦/ ١٥ ب.\n(٦) أخرجه أيضًا عبد الرزاق في \"تفسيره\" ١/ ٢/ ٢٣٩ - ٢٤٠ بسند جيد عن قتادة.","vol":"9","page":425},{"text":"وقال عطاء: (يريد: بُخْتُ نصَّر (١) وغيره إلى اليوم) (٢).\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ﴾. قال ابن عباس: (يريد: في الدنيا والآخرة) (٣).\nومعنى هذا: أنه سريع العقاب لمن استحق تعجيله؛ لأنه لا يتأخر عن وقت إرادته. عاقب اليهود في الدنيا بسوء العذاب (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1270>١٦٨ </span>- قوله تعالى: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا﴾، قال ابن عباس: (يريد: فرقناهم في جميع البلاد) (٥).\nقال أهل المعاني (٦): (فرقهم الله تعالى فتشتت أمرهم، ولم تجتمع لهم كلمة) (٧).\n_________\n(١) بخت نصر: قائد وملك من ملوك بابل قبل الميلاد، قال في \"القاموس\" ص ٦٢١ (نصر): (بخت نصر بالتشديد أصله بوخت ومعناه: ابن ونصر كبقم صنم وكان وجد عند الصنم ولم يعرف له أب فنسب إليه - خرب بيت المقدس) اهـ. وانظر أخباره في \"تاريخ الطبري\" ١/ ٥٣٨ - ٥٦٠، و\"الكامل\" لابن الأثير ١/ ٢٦١ - ٢٧١.\n(٢) ذكره الرازي ١٥/ ٤٢، والقرطبي ٧/ ٣٠٩ بلا نسبة. والقول الأول هو قول أهل التفسير كما ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ٢/ ٢٦١ وهو اختيار القرطبي ٧/ ٣٠٩، والظاهر أن الآية عامة. قال ابن عطية ٦/ ١٢٥: (الصحيح أنها عامة في كل من حال اليهود معه هذه الحال) اهـ.\n(٣) لم أقف عليه.\n(٤) انظر: \"تفسير الطبري\" ٩/ ١٠٣، والسمرقندي ١/ ٥٧٨.\n(٥) أخرج الطبري ٩/ ١٠٤، وابن أبي حاتم ٥/ ١٦٠٥ بسند جيد نحوه، وفي \"الدر المنثور\" ٣/ ٢٥٥، و\"مسائل نافع بن الأزرق\" ص ١٦٤ عن ابن عباس قال: (﴿أُمَمًا﴾ أي: فرق).\n(٦) لفظ: (قال أهل المعاني فرقهم الله تعالى) ساقط من (أ).\n(٧) انظر: \"مجاز القرآن\" ١/ ٢٣١، و\"تفسير غريب القرآن\" ١/ ١٨٢، و\"تفسير الطبري\" ٩/ ١٠٤، و\"معاني النحاس\" ٣/ ٩٨، و\"تفسير الماوردي\" ٢/ ٢٧٤.","vol":"9","page":426},{"text":"وقوله تعالي: ﴿مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ﴾. قال ابن عباس (١) ومجاهد (٢): (يريد: الذين أدركوا النبي - ﷺ - وآمنوا به).\nوقال الكلبي: (يعني: الذين ذكرهم في قوله: ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ﴾ [الأعراف: ١٥٩]، وهم الذين وراء الصين) (٣).\nوقوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ﴾، قال: (يريد: الذين كفروا) (٤).\nوقوله: ﴿وَبَلَوْنَاهُمْ﴾، أي: عاملناهم معاملة المبتلي المختبر. ﴿بِالْحَسَنَاتِ﴾، وهي: النعيم والخصب والعافية، ﴿وَالسَّيِّئَاتِ﴾ وهي: الجدب والشدائد (٥).\nقال أهل المعاني: (وكل واحد من الحسنات والسيئات يدعو إلى الطاعة، أما النعم فلارتباطها والازدياد (٦) منها، وأما النقم فلكشفها، والسلامة منها) (٧).\n_________\n(١) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ٢/ ٢٦١، والبغوي ٣/ ٢٩٥، والرازي ١٥/ ٤٢، والخازن ٢/ ٣٠٤ عن ابن عباس ومجاهد.\n(٢) أخرجه ابن أبي حاتم ٥/ ١٦٠٥ بسند جيد.\n(٣) \"تنوير المقباس\" ٢/ ١٣٧، وذكره الثعلبي ٦/ ١٥ ب، والبغوي ٣/ ٢٩٥، ورجح الطبري ٩/ ١٠٤، الخازن ٢/ ٣٠٤: أنهم من آمن بالله ورسوله وثبت منهم على دينه قبل مبعث عيسى -﵊ -، قال الخارن: (هذا هو الصحيح ويدل عليه قوله بعد: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾ [الأعراف:١٦٩] والخلف بعد الذين وصفهم بالصلاح من بني إسرائيل) اهـ.\n(٤) انظر: \"تنوير المقباس\" ٢/ ١٣٧.\n(٥) انظر: \"تفسير الطبري\" ٩/ ١٠٤، و\"معاني النحاس\" ٣/ ٩٨، والسمرقندي ١/ ٥٧٨، والماوردي ٢/ ٢٧٤.\n(٦) في (أ): (ولازديادها وأما).\n(٧) انظر: \"تفسير ابن الجوزي\" ٣/ ٢٨٠، والرازي ١٥/ ٤٣، والخازن ٢/ ٣٠٤.","vol":"9","page":427},{"text":"وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾. قال ابن عباس: (يريد: كي يتوبوا) (١).\nقال أهل المعاني: (إنهم مارَّون على وجوههم في جهة الباطل، فدعوا إلى الرجوع عنه إلى جهة الحق، والانصرافُ عن الباطل رجوعٌ إلى الحق).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1271>١٦٩ </span>- قوله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾، قال ابن عباس: (فخلف من بعد هؤلاء الذين قطعناهم خلف من اليهود) (٢).\nوقال في رواية عطاء: (يريد: نسلًا منهم) (٣).\nيعني: أولاد هؤلاء الذين فرقهم في البلاد.\nوقوله تعالى: ﴿خَلْفٌ﴾. قال الزجاج: (يقال للقرن الذي يجيء في أثر قرن: خلف، والخلف ما أخلف عليك بدلًا مما أخذ منك، ويقال في هذا: خلف أيضًا) (٤).\nوقال الفراء: ﴿خَلْفٌ﴾ أي: قرن بجزم اللام، والخَلَف ما استخلفته، تقول: أعطاك الله خلفا مما ذهب لك (٥).\n_________\n(١) \"تنوير المقباس\" ٢/ ١٣٧، وذكره الواحدي في \"الوسيط\" ٢/ ٢٦٢.\n(٢) \"تنوير المقباس\" ٢/ ١٣٨، وذكره ابن الجوزي ٣/ ٢٨٠.\n(٣) لم أقف عليه، ورجح الطبري ٩/ ١٠٥: (أن المراد خلف سوء من اليهود؛ لأنه لا دليل يوجب صحة القول به على صرف الخبر عنهم إلى غيرهم)، وقال النحاس في \"معانيه\" ٣/ ٩٨: (قال مجاهد: يعني: النصارى، وقال غيره: يعني: أبناءهم، وهذا أولى القولين، والله أعلم لأنه يقال لولد الرجل: خلفه) اهـ.\n(٤) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٨٨، وزاد: (فأما ما أخلف عليك بدلا مما ذهب منك فهو الخلف بفتح اللام) اهـ.\n(٥) \"معاني الفراء\" ١/ ٣٩٩، وزاد: (وأنت خلف سوء سمعت من العرب) اهـ.","vol":"9","page":428},{"text":"وقد توافقا في هذا القول، وقال أحمد بن يحيى: (الناس كلهم يقولون: خَلَف صدق وخَلَف سوء، وخَلْف (١) للسوء لا غير، وأبو عبيدة (٢) معهم، ثم (٣) انفرد وحده فقال: ويقال للصدق أيضًا: خَلْف) (٤).\nقال الأزهري: (وأخبرني المنذري بإسناده عن الفراء قال: الخَلْف يذهب به إلى الذم، والخَلَف خلف صالح، وقد يكون في الرديء خَلْف وفي الصالح خَلْف لأنهم يذهبون به (٥) إلى القرن، قال: فأرى الفراء قد أجاز في الصالح خَلْف كما أجازه أبو عبيدة) (٦)، وعلى هذا ينشد لحسان:\nلنا القدم الأولى عليهم وخلفنا ... لأولنا في طاعة الله تابع (٧)\nوقال ابن السكيت: (يقال: هذا خلف صدق، وهذا خلف سوء، وهؤلاء خلف سوء، جمعه وواحده (٨) سواء، وأنشد (٩):\n_________\n(١) أي: بسكون اللام.\n(٢) في \"مجاز القرآن\" ١/ ٢٣٢، قال: (خلْف ساكن ثاني الحروف وإن شئت حركت الحرف الثاني وهما في المعنى واحد كما قالوا: أثر وأثر وقوم يجعلونه إذا سكنوا ثاني حروفه إذا كانوا مشركين وإذا حركوه جعلوه خلفًا صالحًا) اهـ.\n(٣) لفظ: (ثم) ساقط من (ب).\n(٤) \"تهذيب اللغة\" ١/ ١٠٨٦ (خلف).\n(٥) لفظ: (ب) ساقط من النسخ.\n(٦) \"تهذيب اللغة\" ١/ ١٠٨٦ (خلف).\n(٧) \"ديوانه\" ص ٤٨، و\"سيرة ابن هشام\" ٣/ ٣٠٨، و\"تفسير الطبري\" ٩/ ١٠٤، والثعلبي ٦/ ١٦ أ، وابن عطية ٦/ ١٢٧، والقرطبي ٧/ ٣١١، و\"اللسان\" ٢/ ١٢٣٩ (خلف)، والخازن ٢/ ٣٠٥، و\"البحر\" ٤/ ٤١٥، و\"الدر المصون\" ٥/ ٥٠٣، وفي \"الديوان\": (لنا القدم الأولى إليك وخلفنا)، بسكون اللام.\n(٨) في (ب): (وواحد سواء)، وهو تحريف.\n(٩) الشاهد للبيد في \"ديوانه\" ص ٣٦، و\"العين\" ٤/ ٢٦٦، و\"الكامل\" للمبرد ٤/ ٣٣، =","vol":"9","page":429},{"text":"وبقيتُ في خَلْفٍ كجلد الأجرب) (١)\nوقال أصحاب العربية (٢): (الخلفُ المستعمل في الذم مأخوذ من الخَلَف، وهو الفساد، يقال للرديء من القول: خلف، ومنه المثل: نطق خلفًا (٣)، وخَلَف النبيذ يخلف خُلُوفًا وخلفًا إذا فسد، وكذلك الفم إذا تغيرت رائحته).\nوقال النضر: (الخلف بتحريك اللام وإسكانها في القرن السوء واحد، فأما في القرن الصالح فتحريك اللام لا غير، وأنشد (٤):\nإنا وجدنا خلفًا (٥) بئس الخلف) (٦)\n_________\n= و\"جمهرة أشعار العرب\" ص ٦٩، و\"تفسير الطبري\" ٩/ ١٠٥، و\"الجمهرة\" ١/ ٦١٥، و\"أمالي القالي\" ١/ ١٥٨، و\"الصحاح\" ٤/ ١٣٥٤ (خلف)، و\"ديوان المعاني\" ٢/ ١٩٨، و\"تفسير الثعلبي\" ٦/ ١٦ أ، وخلف بسكون اللام وصدره:\nذهب الذين يعاشُ في أكنافهم\n(١) \"إصلاح المنطق\" ص ١٣ و٦٦، و\"تهذيب اللغة\" ١/ ١٠٨٦ (خلف).\n(٢) انظر: \"تفسير الطبري\" ٩/ ١٠٤، و\"أمالي القالي\" ١/ ١٥٨.\n(٣) هذا من أمثال العرب المشهورة يضرب للرجل يطيل الصمت ثم يتكلم بالخطأ يقال: سَكَتَ ألفا ونطق خلفًا، أي: سكت عن ألف كلمة ونطق بواحدة رديئة، انظر: \"إصلاح المنطق\" ص ٦٦، و\"أمالي القالي\" ١/ ١٥٨، و\"جمهرة الأمثال\" ١/ ٥٠٩، و\"مجمع الأمثال\" ١/ ٣٣٠، و\"المستقصى\" ٢/ ١١٩.\n(٤) لم أقف على قائله، وهو في كتب \"الفرق\": لقطرب ص ٦٨، وللأصمعي ص ٧٨ و٧٩، ولأبي حاتم السجستاني ص ٣٦، ولثابت بن أبي ثابت ص ٤٤، و\"الكامل\" للمبرد ٣/ ٣٧٢ - ٣٧٣، و\"الجمهرة\" ١/ ٦٠٧، و\"تهذيب اللغة\" ١/ ١٠٥٠، و\"الصحاح\" ٤/ ١٣٥٢، و\"تفسير القرطبي\" ٧/ ٣١١، و\"اللسان\" ٢/ ١٢٣٨، و\"تاج العروس\" ١٢/ ١٧٤ (خضف)، وعجزه:\nعبدًا إذا ما ناء بالحمل خضف\n(٥) في (ب): (خلفنا) وكذا في \"الدر المصون\" ٥/ ٣٠٥، وفي غيره (خلفًا).\n(٦) \"تفسير الثعلبي\" ٦/ ١٦ أو\"البحر\" ٤/ ٤١٦، و\"الدر المصون\" ٥/ ٥٠٣، وفي =","vol":"9","page":430},{"text":"فجمع اللغتين في المذموم، وأكثر أهل اللغة (١) على هذا إلا الفراء وأبا عبيدة فإنهما أجازا في الصالح جزم اللام (٢).\nوقوله تعالى: ﴿يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى﴾. قال أبو عبيد: (جميع متاع الدنيا عَرَض بفتح الراء، يقال: إن الدنيا عرض حاضر، وأما العَرْض بسكون الراء، فما خالف العين (٣)، الدراهم والدنانير التي هي الثمنات، وجمعه عُروض، وكأن العَرْض من العَرَضِ وليس كل عَرَض عَرْضًا) (٤).\n_________\n= \"تهذيب اللغة\" ١/ ١٠٩٢: (قال النضر بن شميل: الخلف يكون في الخير والشر وكذلك خلف) اهـ.\n(١) انظر: \"العين\" ٤/ ٢٦٥، و\"الجمهرة\" ١/ ٦١٥، و\"الصحاح\" ٤/ ١٣٥٤، و\"المجمل\" ٢/ ٣٠٠، و\"مقاييس اللغة\" ٢/ ٢١٠، و\"المفردات\" ص ٢٩٣، و\"اللسان\" ٢/ ١٢٤١، (خلف)، وقال السمين في \"الدر\" ٥/ ٥٠٣: (هذا قول جماعة أهل اللغة إلا الفراء وأبا عبيدة) اهـ. بتصرف.\n(٢) والحاصل أن خلف بفتح اللام وإسكانها، قيل: بمعنى واحد وقيل: الساكن في الطالح، والمفتوح في الصالح، وأكثرهم على جواز الفتح والسكون في الرديء، وأما الصالح فبالفتح فقط، قال المبرد في \"الكامل\" ٤/ ٣٣: (قلما يستعمل خلف بالسكون إلا في الشر) اهـ. وقال الماوردي ٢/ ٢٧٤: (هو بالتسكين في الذم، وبالفتح في الحمد وهذا أظهر وفي قول الشعراء أشهر) اهـ. وانظر: \"معاني الأخفش\" ٢/ ٣١٣، و\"تفسير غريب القرآن\" ١/ ١٨٢، و\"نزهة القلوب\" ص ٢١٩، و\"تفسير المشكل\" ص ٨٨، و\"زاد المسير\" ٣/ ٢٨٠، و\"البحر\" ٤/ ٤١٥.\n(٣) في \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٣٩٥: (فما خالف الثمنين: الدنانير والدراهم من متاع الدنيا وأثاثها) اهـ.\n(٤) \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٣٩٥ وفيه: (فكل عَرْض داخل في العَرَضَ، وليس كل عَرَض عَرْضًا) اهـ. وانظر: \"العين\" ١/ ٢٧١، و\"مجاز القرآن\" ١/ ٢٣٢، و\"معاني الأخفش\" ٢/ ٣١٣ - ٣١٤، و\"الجمهرة\" ٢/ ٧٤٧، و\"الصحاح\" ٣/ ١٠٨٢، و\"المجمل\" ٢/ ٦٥٩، و\"مقاييس اللغة\" ٤/ ٢٦٩، و\"المفردات\" ص ٥٥٩، و\"اللسان\" ٥/ ٢٨٧٧ (عرض).","vol":"9","page":431},{"text":"قال ابن عباس (١): (يأخذون الطمع إذا عرض لهم حلالًا أو حرامًا من الرشى (٢) وغيرها).\nوقال عطاء عنه: (يريد: ما أشرف لهم من الدنيا) (٣)، و﴿الْأَدْنَى﴾ تذكير (الدنيا) وأراد عرض هذه الدار الدنيا، فلما ترك الاسم المؤنث ذكر النعت (٤)، وفي ﴿الْأَدْنَى﴾ قول آخر (٥) لمجاهد نذكره بعيد.\nقال المفسرون: (ذم الله تعالى بهذه الآية اليهود ﴿وَرِثُوا الْكِتَابَ﴾ فقرؤوه، وعلموه، وضيعوا (٦) العمل به، وخالفوا حكمه، يرتشون في حكم الله وتبديل كتابه وتغيير صفة رسوله) (٧).\n_________\n(١) \"تنوير المقباس\" ٢/ ١٣٨، وفي \"زاد المسير\" ٣/ ٢٨١، عن ابن عباس قال: (يأخذون ما أحبوا من حلال أو حرام) اهـ.\nانظر: \"الدر المنثور\" ٣/ ٢٥٥ - ٢٥٦.\n(٢) الرُّشَي: جمع رشوة، انظر: \"اللسان\" ٣/ ١٦٥٣ (رشا)، وقال الماوردي ٢/ ٢٧٥، في معنى الآية: (يعني: الرشوة على الحكم في قول الجميع) اهـ.\n(٣) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٩/ ١٠٦، بسند ضعيف، وذكره الواحدي في \"الوسيط\" ٢/ ٢٦٢، وأخرج ابن أبي حاتم ٥/ ١٦٠٨ بسند جيد عن عطاء نحوه.\n(٤) هذا قول الثعلبي ٦/ ١٧ أ، والأدنى: الأقرب، والدنو غير مهموز مصدر دنا يدنو إذا قرب.\nانظر: \"العين\" ٨/ ٧٥، و\"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٢٣٣، و\"الصحاح\" ٦/ ٢٣٤١، و\"المجمل\" ٢/ ٣٣٦، و\"مقاييس اللغة\" ٢/ ٣٠٣، و\"المفردات\" ص ٣١٨، و\"اللسان\" ٣/ ١٤٣٦ (دنا).\n(٥) لفظ: (آخر) ساقط من: (أ).\n(٦) في (ب): (وضيعوه العمل وخالفوا)، وهو تحريف.\n(٧) هذا قول الثعلبي ٦/ ١٦ ب، عن المفسرين، وانظر البغوي ٣/ ٢٩٦، والقرطبي ٧/ ٣١١.","vol":"9","page":432},{"text":"﴿وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا﴾. قال ابن عباس (١) والمفسرون (٢): (كانوا يتمنون على الله المغفرة، يقولون: ما عملنا بالليل كفر عنا [بالنهار، وما عملنا بالنهار كفر عنا] (٣) بالليل) و(٤) قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ﴾، قال ابن عباس: (إذا أصابوا عرضًا مثل رشوتهم تلك التي أصابوا بالأمس قبلوه) (٥).\nوقال مجاهد: ﴿يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى﴾، ما أشرت لهم اليوم شيء من الدنيا حلال أو حرام أخذوه وتمنوا على الله المغفرة، وإن وجدوا من الغد مثله أخذوه) (٦)، فالأدنى على هذا عبارة عن اليوم الأدنى، وهو اليوم الذي هم فيه.\nونحو هذا قال قتادة (٧) والسدي (٨) وقالوا: (هذا إخبار عن إصرارهم على الذنوب). وقال الحسن: (هذا إخبار عن حرصهم على الدنيا، وأنهم لا يشبعهم شيء) (٩).\n_________\n(١) \"تنوير المقباس\" ٢/ ١٣٨.\n(٢) انظر: \"تفسير الطبري\" ٩/ ١٠٧، و\"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٨٨، و\"تفسير السمرقندي\" ١/ ٥٧٨، والثعلبي ٦/ ١٦ ب.\n(٣) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).\n(٤) لفظ: (الواو) ساقط من (ب).\n(٥) \"تنوير المقباس\" ٢/ ١٣٨، وهو قول الطبري ٩/ ١٠٦، والسمرقندي ١/ ٥٧٨.\n(٦) \"تفسير مجاهد\" ١/ ٢٤٩، وأخرجه الطبري ٩/ ١٠٧، وابن أبي حاتم ٥/ ١٦٠٧ من طرق جيدة.\n(٧) أخرجه عبد الرزاق ١/ ٢/ ٢٤٠، بسند جيد.\n(٨) أخرجه الطبري ٩/ ١٠٦، من طرق جيدة عن قتادة والسدي.\n(٩) ذكره والماوردي ٢/ ٢٧٥، وابن الجوزي ٣/ ٢٨١، والرازي ١٥/ ٤٤.","vol":"9","page":433},{"text":"وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾. قال عطاء عن ابن عباس: (وكّد الله في التوراة ﴿أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾، فقالوا الباطن).\nقال ابن عباس: (يعني: قولهم: ﴿سَيُغْفَرُ لَنَا﴾، فذلك قولهم على الله غير الحق) (١).\nوقال ابن جريج: (أي: فيما يرجون على الله من مغفرة ذنوبهم التي لا يزالون يعودون لها ولا يتوبون منها، فذلك قولهم على الله غير الحق) (٢).\nوقال الزجاج: (قوله: ﴿وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ﴾ يدل على إصرارهم على الذنب، والله ﷿ وعد بالمغفرة في العظائم التي توجب النار مع التوبة، فقال: ﴿أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾) (٣).\nوبيان هذا ما قاله بعض المفسرين قال: (ليس في التوراة ميعاد المغفرة مع الإصرار) (٤)، وقوله تعالى: ﴿وَدَرَسُوا مَا فِيهِ﴾ أي: فهم ذاكرون لما (٥) أخذ عليهم لأنهم قد قرؤوه (٦).\n_________\n(١) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ٢/ ٢٦٣، وابن الجوزي ٣/ ٢٨١.\n(٢) أخرجه الطبري ٩/ ١٠٦ بسند جيد عن ابن جريج عن ابن عباس، وعبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الأموي المكي إمام، لم يسمع من ابن عباس، انظر: \"سير أعلام النبلاء\" ٦/ ٣٣٤، و\"تهذيب التهذيب\" ٢/ ٦٠١.\n(٣) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٨٨، وانظر: \"تفسير الطبري\" ٩/ ١٠٧، و\"معاني النحاس\" ٣/ ١٠٠، والسمرقندي ١/ ٥٧٨.\n(٤) ذكره البغوي ٣/ ٢٩٦، وابن الجوزي ٣/ ٢٨١، والرازي ١٥/ ٤٤.\n(٥) في (ب): (ذاكرون ما أخذ عليهم).\n(٦) هذا قول الزجاج في \"معانيه\" ٢/ ٣٨٨، وانظر: \"تفسير الطبري\" ٩/ ١٠٧، و\"معاني النحاس\" ٣/ ١٠٠، والسمرقندي ١/ ٥٧٩.","vol":"9","page":434},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1272>١٧٠ </span>- وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ﴾، يقال: مسَّكت (١) بالشيء، وتمسكت به، واستمسكت به، وامتسكت به (٢)، وروى أبو بكر عن عاصم (٣) ﴿يُمْسِكُونَ﴾ مخففه، وحجته قوله: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، وقوله: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ (٤) [الأحزاب: ٣٧]، ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ (٥) [المائدة: ٤]، والتشديد أقوى، لأن التشديد للكثرة، وهاهنا أريد به الكثرة لأنه قال في موضع آخر: ﴿وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ﴾ [آل عمران: ١١٩]. والإيمان بكل الكتاب يوجب التمسك الذي هو للكثرة (٦)، ولأنه يقال: أمسكته، وقيل ما يقال: أمسكت به (٧).\n_________\n(١) مسك أصل يدل على حبس الشيء، وإمساك الشيء التعلق به وحفظه، واستمسكت بالشيء إذا تحريف الإمساك.\nويقال: أمسكت عنه كذا أي: منعته، انظر: \"العين\" ٥/ ٣١٨، و\"الجمهرة\" ٢/ ٨٥٥، و\"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٣٩٦، و\"الصحاح\" ٤/ ١٦٠٨، و\"المجمل\" ٣/ ٨٣٠، و\"مقاييس اللغة\" ٥/ ٣٢٠، و\"المفردات\" ص ٧٦٨، و\"اللسان\" ٧/ ٤٢٠٣ (مسك).\n(٢) لفظ: (به) ساقط من (أ).\n(٣) قرأ: أبو بكر عن عاصم ﴿يُمَسِّكُونَ﴾ بسكون الميم وتخفيف السين، وقرأ الباقون بفتح الميم وتشديد السين، انظر: \"السبعة\" ص ٢٩٧، و\"المبسوط\" ص ١٨٦، و\"التذكرة\" ٢/ ٤٢٨، و\"التيسير\" ص ١١٤، و\"النشر\" ٢/ ٢٧٣.\n(٤) لفظ: (﴿زَوْجَك﴾) ساقط من (أ).\n(٥) في (أ): (وكلوا)، وكذا في \"الحجة\" لأبي علي ٤/ ١٠٣٦، وفي (ب): (كلوا)، وهو تحريف.\n(٦) في (ب): (الذي هو الكثرة).\n(٧) ما تقدم هو قول أبي علي في \"الحجة\" ٤/ ١٠٣ - ١٠٤، وانظر: \"معاني القراءات\" ١/ ٤٢٩، و\"إعراب القراءات\" ١/ ٢١٤، و\"الحجة\" لابن خالويه ص ١٦٦، ولابن زنجلة ص ٣٠١، و\"الكشف\" ١/ ٤٨٢.","vol":"9","page":435},{"text":"قال عطاء عن ابن عباس: (يريد: أمة محمد - ﷺ -) (١).\nوقال عامة المفسرين (٢): (نزلت في مؤمني أهل الكتاب). فعلى قول عطاء المراد بالكتاب: القرآن، وعلى قول المفسرين المراد به: التوراة، وأما معنى التمسك بالكتاب؛ فقال الفراء (٣): (معناه (٤): يأخذون بما فيه). وقال الزجاج: (أي: يؤمنون به ويحكمون بما فيه (٥). وقال غيره: (التمسك بالكتاب ارتباط به على ما بيّن فيه، كالقابض على الشيء الذي يرجو النجاة من قبله والفوز من جهته) (٦).\nوقوله تعالى: ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾. إنما ذكرت ﴿الصَّلَاةَ﴾ مع دخولها في التمسك بالكتاب للبيان عن جلالة موقعها، وعظم منزلتها في طاعة الله، وأنها من أوكد الأمور التي يجب المحافظة عليها (٧)، واختلف النحويون (٨) في إعراب الآية، فقال قوم: هذه الآية معطوفة على ما قبلها، والتقدير:\n_________\n(١) ذكره الثعلبي ٦/ ١٧ ب، والبغوي ٣/ ٢٩٧، عن عطاء فقط.\n(٢) انظر: \"تفسير مجاهد\" ١/ ٢٤٩، وأخرجه الطبري ٩/ ١٠٨، وابن أبي حاتم ٥/ ١٦٠٩، من طرق جيدة عن مجاهد وابن زيد وهو اختيار السمرقندي ١/ ٢٧٩، وابن الجوزي ٣/ ٢٨٢، والقرطبي ٧/ ٢١، والخازن ٢/ ٣٠٦.\n(٣) \"معاني الفراء\" ١/ ٣٩٩.\n(٤) في (ب): (معناه يحكمون يأخذون بما فيه).\n(٥) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٨٩، ومثله قال الأزهري في \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٣٩٧ (مسك).\n(٦) قال الطبري ٩/ ١٠٨ في معنى الآية: (الذي يعملون بما في كتاب الله)، وانظر: \"معاني النحاس\" ٣/ ١٠٠، و\"تفسير السمرقندي\" ١/ ٢٧٩.\n(٧) انظر: \"تفسير الرازي\" ١٥/ ٤٥، والخازن ٢/ ٣٠٦، و\"البحر\" ٤/ ٤١٧.\n(٨) انظر: \"الكشاف\" ٢/ ١٢٨، وابن عطية ٦/ ١٢٩، والرازي ١٥/ ٤٥.","vol":"9","page":436},{"text":"﴿وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾، ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ﴾، وقال الأكثرون منهم: ﴿وَالَّذِينَ﴾ مبتدأ، ثم اختلفوا في خبره، فقال قوم (١): خبره محذوف تقديره: ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ نعطيهم أجرهم، ودل على هذا المحذوف قوله: ﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾؛ [لأن فيه معنى التعليل فكان في ذكر العلة ما يغني عن المعلول.\nوقال الزجاج: (الذي أختار أن يكون التقدير: ﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾] (٢) منهم) (٣)، فعلى هذا الخبر قوله: ﴿إِنَّا﴾، والعائد إلى المبتدأ محذوف وهو (منهم).\nقال ابن الأنباري: (وخص ﴿الْمُصْلِحِينَ﴾ بأن وعدهم حفظ الأجر إذ كان منهم من لم يُصلح فتكاملت آثامه بتضييعه وصايا ربه وإقدامه على تكذيب النبيين ودفع ما يقف على نعته من أمر محمد - ﷺ -).\nقال أبو بكر: (وقال بعض النحويين الراجع إلى المبتدأ قوله: ﴿الْمُصْلِحِينَ﴾، وتلخيص المعنى: إنا لا نضيع أجرهم فأظهرت كنايتهم بالمصلحين كما يُقال: عليُّ لقيتُ الكسائي. وأبو سعيد رويت عن الخدري (٤)، يراد (٥): لقيته ورويتُ عنه، وأنشد:\n_________\n(١) انظر: \"غرائب التفسير\" ١/ ٤٢٦، و\"البيان\" ١/ ٣٧٩، و\"التبيان\" ص ٣٩٥، و\"الفريد\" ٢/ ٣٨٢، و\"الدر المصون\" ٥/ ٥٠٧.\n(٢) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).\n(٣) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٨٨، وهو قول النحاس في \"إعراب القرآن\" ١/ ٦٤٨ - ٦٤٩، ومكي في \"المشكل\" ١/ ٣٠٥.\n(٤) تقدمت ترجمته.\n(٥) في (ب): (يقال لقيته)، وهو تحريف.","vol":"9","page":437},{"text":"فيا ربَّ ليلى أنت في كلِّ موطنٍ ... وأنت الذي في رحمة الله أطمع (١)\nأراد في رحمته (٢) فأظهر الهاء) (٣)، وهذان الوجهان ذكرهما أبو بكر؛ معنى قول الزجاج (٤) في هذه الآية، والأول منهما (٥) اختياره (٦).\n\n﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأعراف:<span data-type=\"title\" id=toc-1273> ١٧١]</span>.\n١٧١ - قوله تعالى: ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ﴾، اختلفت (٧) عبارات أهل اللغة (٨) والتفسير (٩) في معنى ﴿نَتَقْنَا﴾؛ فقال الليث: (النَّتق الجذب، تقول: نتقت الغرب من البئر نتقًا إذا جذبته بمرَّة جذبة، وبعث الله الملائكة فنتقوا جبل طور فاقتلعوه من أصله حتى أطلعوه على عسكر بني إسرائيل) (١٠).\n_________\n(١) الشاهد بلا نسبة في \"زاد المسير\" ٣/ ٢٨٣، و\"مغني اللبيب\" ١/ ٢١٠ - ٢/ ٥٠٤ - و٥٤٦، وقال السيوطي في \"شرح شواهد المغني\" ٢/ ٥٥٩: (قيل: إنه لمجنون بني عامر) اهـ. وهو ليس في \"ديوانه\".\n(٢) في (ب): (في رحمته أطمع فأظهر).\n(٣) ذكره ابن الجوزي ٣/ ٢٨٢ - ٢٨٣.\n(٤) انظر: \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٨٨ - ٣٨٩.\n(٥) في (ب): (منها).\n(٦) قال أبو حيان في \"البحر\" ٤/ ٤١٨: (والظاهر أن قوله: ﴿وَالَّذِينَ﴾ استئناف مرفوع بالابتداء وخبره الجملة بعده، ولا ضرورة إلى ادعاء الحذف) اهـ.\n(٧) في (ب): (اختلف)، وهو تحريف.\n(٨) انظر: \"الجمهرة\" ١/ ٤٠٨، و\"مقاييس اللغة\" ٥/ ٣٨٧، و\"المجمل\" ٣/ ٨٥٤، و\"المفردات\" ص ٧٩٠، و\"اللسان\" ٧/ ٤٣٧٧ (نتق).\n(٩) أخرج الطبري ٨٢/ ١١٠ من طرق جيدة عن ابن عباس وقتادة قالا: (أي: رفعنا)، وأخرجه ابن أبي حاتم ٥/ ١٦١٠ من طرق جيدة عن ابن عباس وعطاء.\n(١٠) \"العين\" ٥/ ١٢٩ - ١٣٠، وفي \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٥٠٥، قال الليث: (النتق =","vol":"9","page":438},{"text":"وقال (١) الفراء في كتاب \"المصادر\": (يقول: علّقنا (٢) الجبل فوقهم فرفعناه، نتقهُ ينتقهُ نتقًا) (٣).\nوقال في المعاني: ﴿نَتَقْنَا﴾ رفعنا (٤). وقال بعض أهل اللغة (٥): (أصل النتق: الزعزعة والنفض، ومن هذا يقال: نتقت السقاء إذا نفضته لتقلع منه زبدته) (٦)، وإلى هذا القول ذهب مجاهد وابن قتيبة، قال مجاهد: ﴿نَتَقْنَا الْجَبَلَ﴾ كما تنتق الزبدة) (٧).\nوقال ابن قتيبة: ﴿نَتَقْنَا الْجَبَلَ﴾ أي: زعزعناه، ومنه يقال: نتقت السقاء، أي: نفضته لتقلع الزبدة منه).\nوقال أبو عبيدة: (أصل النتق: قلع الشيء من موضعه والرمي به، يقال: نتق ما في الجراب إذا رمى به وصبّه، وامرأة ناتق منتاق إذا كثر ولدها، لأنها ترمي بأولادها رميًا) (٨).\n_________\n= الجذب ونتقت الغَرْب من البئر إذا جذبته بمرة) اهـ. والغَرْب بفتح الغين وسكون الراء: الدلو العظيمة، انظر: \"اللسان\" ٦/ ٣٢٢٧ (غريب).\n(١) في (ب): (فقال).\n(٢) في (ب): (علقت).\n(٣) ذكره الثعلبي ٦/ ١٧/ ب، وذكره الطبري ٩/ ١١٠ عن بعض الكوفيين.\n(٤) \"معاني الفراء\" ١/ ٣٩٩، وزاد: (رفع الجبل على عسكرهم فرسخًا فرسخًا) اهـ.\n(٥) ذكره في \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٥٠٥ بلا نسبة، وهو في أكثر المراجع المذكورة.\n(٦) أخرجه الطبري ٩/ ١٠٩، وابن أبي حاتم ٥/ ١٦١٠ بسند ضعيف.\n(٧) \"تفسير غريب القرآن\" ص ١٨٢، وانظر: \"غريب القرآن\" لليزيدي ص ١٥٢، و\"معاني النحاس\" ٣/ ١٠١.\n(٨) ذكره الرازي ١٥/ ٤٥، والسمين في \"الدر\" ٥/ ٥٠٩، وذكره الطبري ٩/ ١١٠، عن بعض البصريين، وقال الشيخ أحمد شاكر في \"الحاشية\" (يعني: أبا عبيدة) وفي \"مجاز القرآن\" ١/ ٢٣٢ قال: (أي: رفعنا فوقهم) اهـ. وفي \"الصحاح\" ٤/ ١٥٥٨ (قال أبو عبيدة: أي: زعزعناه) اهـ.","vol":"9","page":439},{"text":"وأحسن العبارات وأجمعها (١) أن يقال: معنى ﴿نَتَقْنَا الْجَبَلَ﴾: رفعناه باقتلاع له من أصله.\nوقوله تعالى: ﴿كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ﴾ قال عطاء عن ابن عباس: (كأنه سقيفة) (٢)، والظلة (٣): كل ما أظلك من سقف بيت، أو سحابة، أو جناح حائط، والجمع ظلل وظلال (٤). أما (٥) تفسير الآية وقصتها فقد ذكرنا في سورة البقرة عند قوله: ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ﴾ الآية [البقرة: ٦٣].\nوقوله تعالى: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ﴾. قال المفسرون (٦): (علموا\n_________\n(١) هذا هو الظاهر واختيار أكثرهم، انظر: \"تفسير الطبري\" ٩/ ١٥٩، و\"نزهة القلوب\" ص ٤٤٥ - ٤٤٦، و\"تفسير السمرقندي\" ١/ ٥٧٩، و\"تفسير المشكل\" ص ٨٨، و\"تفسير ابن الجوزي\" ٣/ ٢٨٣، والرازي ١٥/ ٤٥، والقرطبي ٧/ ٣١٣، وقال أبو حيان في \"البحر\" ٤/ ٤١٨: (النتق الجذب بشدة وفسره بعضهم بغايته وهو القلع) اهـ. وقال السمين في \"الدر\" ٥/ ٥٠٩ - ٥١٠: (اختلفت فيه عبارات أهل اللغة وكلها معان متقاربة) اهـ. بتصرف.\nوقال ابن عطية ٦/ ١٣٠: (أي: اقتلعنا ورفعنا. وقد جاء في القرآن بدل هذه اللفظة في هذه القصة بعينها ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ﴾ [البقرة: ٦٣]) اهـ.\n(٢) ذكره الرازي ١٥/ ٤٥، وذكره الثعبي ٦/ ١٨ أ، والبغوي ٣/ ٢٩٧ عن عطاء فقط.\n(٣) انظر: \"العين\" ٨/ ١٤٨، و\"الجمهرة\" ١/ ١٥٣، و\"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٢٤٦، و\"الصحاح\" ٥/ ١٧٥٥، و\"المجمل\" ٢/ ٥٩٩، و\"مقاييس اللغة\" ٣/ ٤٦١، و\"المفردات\" ص ٥٣٥ (ظلل).\n(٤) في (ب): (ظلل وأظلال)، وفي \"اللسان\" ٥/ ٢٧٥٥ (ظلل): (كل شيء أظلك فهو ظلَّة ويقال: ظلُّ وظلال وظلة وظلل، والظلُّ بالكسر جمعه أظلال وظلال وظلول) اهـ.\n(٥) في (ب): (فأما).\n(٦) انظر: السمرقندي ١/ ٥٧٩، والثعلبي ٦/ ١٨ أ، والماوردي ٢/ ٢٧٦، والبغوي ٣/ ٢٩٧، وابن الجوزي ٣/ ٢٨٣، والخازن ٢/ ٣٠٦، وذكره عن المفسرين الرازي ١٥/ ٤٥.","vol":"9","page":440},{"text":"وأيقنوا)، وقال أهل المعاني: (قوي في نفوسهم ﴿أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ﴾ إن خالفوا) (١)، وهذا هو الأظهر (٢) في معنى الظن، ومضى الكلام فيه عند قوله: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٤٦].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1274>١٧٢ </span>- وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ﴾، قال الزجاج: (موضع ﴿إِذْ﴾ نصب، المعنى (٣) واذكر ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ﴾) (٤)، وقوله تعالى: ﴿مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ﴾، قوله: ﴿مِنْ ظُهُورِهِمْ﴾ بدل من قوله ﴿مِنْ بَنِي آدَمَ﴾، والمعنى: وإذ أخذ ربك من ظهور بني آدم.\nقاله الزجاج (٥)، وهو معنى قول الكناني (٦)؛ قال: (لم يذكر ظهر آدم، وإنما أخرجوا جميعًا من ظهره؛ لأن الله تعالى أخرج ذرية آدم بعضهم من ظهور بعض على نحو ما يتوالد الأبناء من الآباء، لذلك (٧) قال: ﴿مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ﴾، واستغنى عن ذكر ظهر آدم لما عُلم أنهم كلهم بنوه\n_________\n(١) ذكره الماوردي ٢/ ٢٧٦، والرازي ١٥/ ٤٥.\n(٢) واختاره أيضًا الرازي ١٥/ ٤٥، وقال ابن عطية ٦/ ١٣٣، و\"أبو حيان\" ٤/ ٤٢٠: (قال المفسرون معناه: أيقنوا وليس كذلك بل هو غلبة ظن مع بقاء الرجاء) اهـ.\n(٣) في (ب): (والمعنى).\n(٤) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٩٠، وانظر: \"إعراب النحاس\" ١/ ٦٤٩، و\"المشكل\" ١/ ٣٠٥، و\"البيان\" ١/ ٣٧٩، و\"التبيان\" ص ٣٩٥، و\"الفريد\" ٢/ ٣٨٣.\n(٥) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٩٠، وفيه: (والمعنى: وإذ أخذ ربك ذريتهم وذرياتهم جميعًا) اهـ. وقال السمين في \"الدر\" ٥/ ٥١١: (﴿مِنْ ظُهُورِهِمْ﴾ بدل من قوله ﴿مِنْ بَنِي آدَمَ﴾ بإعادة الجار، والظاهر أنه بدل بعض من كل) اهـ. وهذا قول الأكثر، انظر: \"المشكل\" ١/ ٣٠٦، و\"البيان\" ١/ ٣٧٩، و\"التبيان\" ص ٣٩٥، و\"الفريد\" ٢/ ٣٨٣.\n(٦) الكناني: حجر الإمام عبد العزيز بن يحيى المكي، تقدمت ترجمته.\n(٧) في (ب): (كذلك)، وهو تحريف.","vol":"9","page":441},{"text":"وأخرجوا من ظهره، فترك ذكر ظهر آدم وذكر ظهور (١) بنيه) (٢).\nوقوله تعالي: ﴿ذُرِّيَّتَهُمْ﴾. وقرئ (٣) ﴿ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ جمعًا، وقد ذكرنا معنى الذرية والكلام فيها عند قوله: ﴿قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ [البقرة: ١٢٤].\nوبينا أن الذرية تقع على الواحد والجمع، فمن أفردها هاهنا فلأنه قد استغنى عن جمعه بوقوعه على الجمع، فصار كالبشرة فإنه يقع على الواحد كقوله: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾ [يوسف: ٣١]، وعلى الجمع كقوله: ﴿أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا﴾ [التغابن: ٦]. وقوله تعالى: ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ [إبراهيم: ١٠].\nوكما لم يجمع (بشر) بتصحيح ولا تكسير كذلك لا تجمع الذرية، ومن جمع قال: إن الذرية إن كان واحدًا فلا إشكال في جواز الجمع فيه، وإن كان جمعًا فجمعه أيضًا حسن لأنك قد رأيت المجموع المكسرة قد جُمعت نحو: الطرقات والجُزرات (٤) وصَوَاحبات يوسف (٥).\n_________\n(١) لفظ: (وذكر ظهور) ساقط من (ب).\n(٢) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ١/ ٢٦٦ - ٢٦٧، وهو عند الثعلبي ٦/ ١٩ أ، والبغوي ٣/ ٢٩٩ بلا نسبة.\n(٣) قرأ ابن عامر وأبو عمرو ونافع: ﴿ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ بألف على الجمع مع كسر التاء، وقرأ الباقون: ﴿ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ بجر ألف على التوحيد مع فتح التاء، انظر: \"السبعة\" ص ٢٩٨، و\"المبسوط\" ص ١٨٦، و\"التذكرة\" ٢/ ٤٢٨ \"التيسير\" ص ١١٤، و\"النشر\" ٢/ ٢٧٣.\n(٤) الجُزرات: بالضم جمع الجمع كطُرق وطرقات، وهي جمع جُزُر والجُزُر جمع جَزُور وهي الناقة المجزورة: أي المعدة للذبح، انظر: \"اللسان\" ١/ ٦١٤ (جزر)\n(٥) صَوَاحبات يوسف: أي مثلهن في الإلحاح، جمعوا (صواحب) جمع السلامة، انظر: \"اللسان\" ٤/ ٢٤٠٠ - ٢٤٠١ (صحب)، وقد أخرج أحمد في \"المسند\" ٤/ ٤١٢، وابن ماجة رقم (١٢٣٢ - ١٢٣٥) كتاب إقامة الصلاة، باب: ما جاء في صلاة النبي في مرضه، والنسائي ١/ ٢٩٣ (٩٠٦) كتاب الإمامة من طرق جيدة، =","vol":"9","page":442},{"text":"وأما تفسير الآية ففيه مذهبان: أحدهما -وهو مذهب المفسرين وأهل الأثر- ما روى مسلم (١) بن يسار الجهني: (أن عمر - ﵁ - سُئل عن هذه الآية فقال: سمعت رسول الله - ﷺ - سئل عنها فقال: \"إن الله خلق آدم ثم مسح ظهره فاستخرج منه ذرية [فقال: خلقت هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون، ثم مسح ظهره فاستخرج منه ذرية] (٢) فقال: خلقت هؤلاء للنار وبعمل أهل النار يعملون\".\n_________\n= باب: الائتمام بالإمام، أن النبي - ﷺ - قال في مرضه: \"مروا أبا بكر فليصل بالناس\" فقالت عائشة: إنه رجل رقيق، فقال: \" إنكن صواحبات يوسف مروه فليصل بالناس\" الحديث. وأصله في \"الصحيح\" أخرجه البخاري رقم (٦٦٤١) كتاب الأذان، باب: حد المريض أن يشهد الإمامة، ومسلم رقم (٤١٨ - ٤٢٠)، وفيه: \"إنكن صواحب يوسف\" كتاب الصلاة، باب: استخلاف الإِمام إذا عرض له عذر، قال ابن حجر في \"الفتح\" ٢/ ١٥٣: (صواحب جمع صاحبة والمراد أنهن مثل صواحب يوسف في إظهار خلاف ما في الباطن) اهـ.\nوما تقدم قول أبي علي في \"الحجة\" ٤/ ١٠٥ - ١٠٦، وقال الأزهري في \"معاني القراءات\" ١/ ٤٢٩: (المعنى واحد في الذرية والذريات) اهـ، وانظر: \"إعراب القراءات\" ١/ ٢١٤، و\"الحجة\" لابن خالويه ص ١٦٧، ولابن زنجلة ص ٣٠١، و\"الكشف\" ١/ ٤٨٣.\n(١) مسلم بن يسار الجهني البصري تابعي روى عن نعيم بن ربيعة الأزدي، وقيل: روى عن عمر ﵁ وروى عنه عبد الحميد بن عبد الرحمن العدوي، وثقه العجلي، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال ابن حجر في \"التقريب\" ٥٣١ (٦٦٥٤): (مقبول).\nانظر: \"التاريخ الكبير\" للبخاري ٧/ ٢٧٦، و\"تاريخ العجلي\" ٢/ ٢٧٨ (١٧٢٣)، و\"سير أعلام النبلاء\" ٤/ ٥١٤، و\"ميزان الاعتدال\" ٤/ ١٠٨، و\"تهذيب التهذيب\" ٤/ ٧٤.\n(٢) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).","vol":"9","page":443},{"text":"فقال رجل: يا رسول الله ففيم العمل؟ فقال رسول الله - ﷺ -: \"إن الله إذا خلق العبد للجنة استعمله بعمل أهل الجنة حتى يموت على عمل من أعمال أهل الجنة فيدخله الجنة، وإذا خلق العبد للنار استعمله بعمل أهل النار حتى يموت على عمل من أعمال أهل النار فيدخله الله النار\" (١).\n_________\n(١) أخرجه مالك في \"الموطأ\" ٢/ ٨٩٨، وأحمد ١/ ٢٨٩، رقم ٣١١ تحقيق أحمد شاكر، وأبو داود ٥/ ٧٩ رقم ٤٧٠٣، والترمذي كتاب التفسير، باب: ومن سورة الأعراف رقم ٣٠٧٥، وابن أبي عاصم في السنة ١/ ٨٧ رقم ١٩٦، والنسائي في \"تفسيره\" ١/ ٥٠٤ رقم ٢١٠، والطبري ٩/ ١١٣، وابن أبي حاتم ٥/ ١٦١٢، والنحاس في \"إعراب القرآن\" ١/ ٦٥٠، والآجري في \"الشريعة\" ٢/ ٧٤٣، وابن منده في \"الرد على الجهمية\" ص ١٤٣، ١٤٤، والحاكم في \"المستدرك\" ١/ ٢٧ - ٢/ ٣٢٤ - و٥٤٤، والبيهقي في \"الأسماء والصفات\" ٢/ ١٤٥، والبغوي في \"تفسيره\" ٣/ ٢٩٧، والواحدي في \"الوسيط\" ٢/ ١٦١ من طرق جيدة عن مسلم عن عمر، وهو مرسل، وقال الترمذي: (حديث حسن ومسلم لم يسمع من عمر وقد ذكر بعضهم بين مسلم وعمر رجلًا مجهولًا) اهـ، وقال الحاكم: (هذا حديث صحيح على شرط مسلم) وقال البيهقي والذهبي في \"التلخيص\": (فيه إرسال). وقال الألباني في ظلال الجنة في \"تخريج السنة\" لابن أبي عاصم ١/ ٨٧: (إسناده ضعيف لانقطاعه) اهـ.\nوقد أخرجه البخاري في \"التاريخ الكبير\" ٨/ ٩٨، وأبو داود ٥/ ٨٠ رقم ٤٧٠٤، وابن أبي عاصم في \"السنة\" ١/ ٨٨ رقم ٢٠١، والطبري في \"تفسيره\" ٩/ ١١٣ - ١١٤، عن مسلم عن نعيم بن ربيعة الأزدي عن عمر، وقال الألباني في \"ظلال الجنة\": (إسناده ضعيف لجهالة نعيم) اهـ.\nوالحديث له شواهد مرفوعة عن النبي - ﷺ - مما يجعله صحيحًا لغيره، وذكر الأحاديث ودرجاتها الألباني في \"الصحيحة\" ٤/ ١٥٨ - ١٦٣ وقال: (وجملة القول أن الحديث صحيح بل هو متواتر المعنى وجاء عن الإمام إسحاق بن راهويه أنه قال: أجمع أهل العلم أن الله خلق الأرواح قبل الأجساد واستنطقهم وأشهدهم) اهـ. =","vol":"9","page":444},{"text":"وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"لما خلق الله آدم مسح على ظهره فسقط من ظهره كل نسمة هو خالقها من ذريته (١) إلى يوم القيامة\" (٢). وذكر حديثًا طويلًا.\nوقال ابن عباس في رواية عطاء في: قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ (يريد: نفض (٣) آدم فأراه ذريته مما خلق إلى يوم القيامة) (٤).\nوقال ابن عباس أيضًا: (إن الله خلق آدم ثم أخرج ذريته من صلبه مثل الذر، فقال لهم: من ربكم؟ قالوا: الله ربنا، ثم أعادهم في صلبه حتى يولد كل من أخذ ميثاقه لا يزاد فيهم ولا ينقص منهم إلى أن تقوم الساعة) (٥)\n_________\n= وقال النحاس في \"معانيه\" ٣/ ١٠١: (أحسن ما قيل في الآية ما تواترت به الأخبار عن النبي - ﷺ - أن الله جل وعز مسح ظهر آدم فأخرج منه ذريته أمثال الذر فأخذ عليهم الميثاق) اهـ.\n(١) في (ب): (من ذريتي) ثم صحح إلى ذريته في أعلى السطر.\n(٢) أخرجه الترمذي كتاب التفسير، باب: وفي تفسير سورة الأعراف رقم (٣٠٧٦)، وابن أبي حاتم ٥/ ١٦١٤، وابن منده في \"الرد على الجهمية\" ص ١٤٤، والحاكم ٢/ ٣٢٥، وقال الترمذي: (حديث حسن صحيح روي من غير وجه عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ -) اهـ، وقال ابن منده: (هذا حديث صحيح) اهـ، وقال الحاكم: (حديث صحيح على شرط مسلم) اهـ. ووافقه الذهبي في \"التلخيص\"، وانظر: \"الدر المنثور\" ٣/ ٦٠٣.\n(٣) في النسخ: (نقص) وعلى (أ) تصحيح لم أستطع قراءته ولعلها (نفض).\n(٤) أخرجه الطبري ٩/ ١١١ بسند جيد.\n(٥) أخرجه الطبري في ٩/ ١١٦، وابن أبي حاتم ١٤/ ١٦ بسند جيد، وقد أخرج الطبري ٩/ ١١١ - ١١٨، وابن أبي حاتم ٥/ ١٦١٤ من طرق كثيرة جيدة نحوه.","vol":"9","page":445},{"text":"وقال أبو العالية: (جمعهم يومئذٍ، ثم صورهم، ثم استنطقهم وأخذ عليهم العهد والميثاق، ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾. فقال الله تعالى: فإني أرسل إليكم رسلًا يذكرونكم عهدي وميثاقي، وأنزل عليكم كتبي، قالوا: نشهد أنك إلهنا وربنا، ولا رب ولا إله غيرك) (١).\nوقال ابن جريج: (ضرب الله ظهر آدم فخرجت كل نفس مخلوقة للجنة بيضاء نقية، فقال: هؤلاء أهل الجنة، وخرجت كل نفس مخلوقة للنار سوداء، فقال: هؤلاء أهل النار أمثال الخردل في سورة الذر) (٢).\nوقال القرظي: (أقر له بالإيمان والمعرفة الأرواحُ قبل أن يخلق أجسادها) (٣).\nوقال مقاتل: (إن الله مسح صفحة ظهر آدم اليمنى فأخرج منه ذرية بيضاء كهيئة الذر يتحركون، ثم مسح صفحة ظهره اليسرى فأخرج منه ذرية سوداء كهيئة الذر، فقال: يا آدم هؤلاء ذريتك، ثم قال لهم: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ\n_________\n(١) أخرجه عبد الله بن أحمد في \"زوائد المسند\" ٥/ ١٣٥، والطبري ٩/ ١١١، وابن أبي حاتم ٥/ ١٦١٥، وابن منده في \"الرد على الجهمية\" ص ١٤٣، ١٤٤، والحاكم ٢/ ٣٢٣ - ٣٢٤ عن أبي العالية عن أبي بن كعب -﵁-، وقال الحاكم: (حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه) اهـ ووافقه الذهبي. وقال أحمد شاكر في \"حاشية الطبري\" (إسناده صحيح) اهـ.\nوذكره الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" ٧/ ٢٥ وقال: (رواه عبد الله بن أحمد عن شيخه محمد بن يعقوب الربالي وهو مستور وبقية رجاله رجال الصحيح) اهـ.\nوانظر: \"الدر المنثور\" ٣/ ٦٥٠.\n(٢) أخرجه الطبري ٩/ ١١٤ بسند لا بأس به، عن ابن جريج عن الزبير بن موسى المكي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، وذكره السيوطي في \"الدر\" ٣/ ٢٥٩، وذكره القرطبي ٧/ ٣١٦، عن ابن جريج.\n(٣) أخرجه الطبري ٩/ ١١٧ بسند ضعيف، وذكره السيوطي في \"الدر\" ٣/ ٢٥٩.","vol":"9","page":446},{"text":"قَالُوا بَلَى﴾، فقال للبيض: هؤلاء في الجنة برحمتي، وهم أصحاب اليمين، وقال للسود: هؤلاء في النار ولا أبالي، وهم أصحاب الشمال وأصحاب المشأمة، ثم أعادها جميعًا في صلب آدم، فأهل القبور محبوسون حتى يخرج أهل الميثاق كلهم من أصلاب الرجال وأرحام النساء. قال الله تعالى فيمن نقض العهد الأول: ﴿وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ﴾ (١) [الأعراف: ١٠٢] (٢).\nوهذا أيضًا قول عكرمة (٣) والكلبي وسعيد بن جبير و[سعيد (٤) بن المسيب] والضحاك (٥) وأبي صالح (٦)، هذا كلام أهل التفسير في هذه الآية.\nفأما أصحاب المعاني فقال أبو إسحاق: (جائز أن يكون الله تعالى جعل لأمثال (٧) الذَّر فهمًا يعقل به، كما قال: ﴿قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ﴾ [النمل: ١٨]. وكما قال: ﴿وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ﴾ [الأنبياء: ٧٩]) (٨).\n_________\n(١) لفظ: (الواو) ساقط من (ب).\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٧٢ - ٧٤.\n(٣) ذكره الرازي ١٥/ ٤٧، عن عكرمة والكلبي وسعيد بن جبير وسعيد بن المسيب والضحاك.\n(٤) لفظ: (سعيد بن المسيب) ساقط من (أ)، وذكره عنه ابن القيم في كتاب \"الروح\" ص ٢١٥.\n(٥) أخرجه الطبري ٩/ ١١٤، ١١٧ من طرق جيدة عن سعيد بن جبير، وعطاء والنضر ابن عربي الباهلي والضحاك والسدي والكلبي، وانظر: \"الرد على الجهمية\" لابن منده ص ١٤٤.\n(٦) ذكره ابن القيم في كتاب \"الروح\" ص ٢١٤، عن السدي، عن أبي صالح، عن ناس من الصحابة.\n(٧) في (ب): (جعل الأمثال)، وهو تحريف.\n(٨) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٩٠، وانظر: \"معاني النحاس\" ٣/ ١٠١.","vol":"9","page":447},{"text":"وقال أبو بكر بن الأنباري: (مذهب أصحاب الحديث وكبراء أهل العلم في هذه الآية هو: أن الله ﷿ أخرج ذريات آدم من صلبه وأصلاب أولاده، وهم في صور الذر، وأخذ عليهم الميثاق أنه خالقهم وأنهم مصنوعوه، فاعترفوا بذلك وقبلوا، وذلك بعد أن ركب فيهم عقولًا عرفوا بها ما عرض عليهم، كما جعل للجبل عقلًا حتى خوطب (١)، وكما فعل ذلك بالبعير (٢) لما سجد، وبالنخلة (٣) حين سمعت، وانقادت\n_________\n(١) ذكره الخازن ٢/ ٣٠٩، عن ابن الأنباري وفيه: (كما جعل للجبال عقولًا حتى خوطبوا بقوله تعالى: ﴿يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ﴾ [سبأ: ١٠] اهـ. وأخرج الحاكم في \"المستدرك\" ٢/ ٦٢٠ عن علي ﵁ قال: (كنا مع النبي - ﷺ - بمكة فخرج في بعض نواحيها فما استقبله شجر ولا جبل إلا قال: السلام عليك يا رسول الله) قال الحاكم: (هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه) ووافقه الذهبي. وانظر: \"صحيح مسلم\" رقم (٢٢٧٧) من حديث جابر بن عبد الله، كتاب الفضائل، باب: فضل نسب النبي - ﷺ -، وتسليم الحجر عليه قبل النبوة.\n(٢) أخرج أحمد في \"المسند\" ٦/ ٧٦، عن عائشة: (أن رسول الله - ﷺ - كان في نفر من المهاجرين والأنصار فجاء بعير فسجد له ..) الحديث، وانظر: \"البداية والنهاية\" ٦/ ١٢٣ - ١٥١.\n(٣) أخرج البخاري رقم (٢٠٩٥) في \"البيوع\" -باب النجار- عن جابر بن عبد الله ﵁ - قال: (قعد النبي - ﷺ - يوم الجمعة على منبر صنع له، فصاحت النخلة التي كان يخطب عندها، وبكت على ما كانت تسمع من الذكر حتى كادت أن تنشق فنزل النبي حتى أخذها فضمها إليه فجعلت تئن أنين الصبي الذي يسكت حتى استقرت) وأخرج ابن ماجه رقم (٤٠٢٨) كتاب الفتن، باب: الصبر على البلاء، بسند جيد عن أنس ﵁ قال: (جاء جبريل إلى النبي - ﷺ - وهو جالس حزين فقال، ما لك؟ فقال: \"فعل بي هؤلاء ما فعلوا\" قال: أتحب أن أريك آية؟ قال: \"نعم\" قال: ادع تلك الشجرة، فدعاها فجاءت تمشي حتى قامت بين يديه، قال: قل لها فلترجع، فقال لها فرجعت حتى عادت إلى مكانها ..) وأخرج الحاكم =","vol":"9","page":448},{"text":"حين دعيت) (١).\nوقال صاحب النظم: (ليس بين قول النبي - ﷺ -:\"إن الله مسح ظهر آدم فأخرج منه ذريته\" و[بين] (٢) الآية اختلاف بحمد الله؛ لأنه ﷿ إذا أخذهم من ظهر آدم فقد أخذهم من ظهور ذريته؛ لأن ذرية آدم ذرية لذريته بعضهم من بعض.\nقال: وحصل الفائدة بهذا الفصل، أنه قد أثبت الحجة على كل منفوس ممن بلغ، وممن لم يبلغ بالميثاق الذي أخذه عليهم، وزاد على من بلغ منهم الحجة بالآيات والدلائل التي نصبها في نفسه وفي العالم، وبالرسل المنفذة إليهم، مبشرين ومنذرين، وبالمواعظ والمثلات المنقولة إليهم أخبارها) (٣).\nوقال جماعة من المفسرين: (إن أهل السعادة من الذرية أقروا طوعًا، وإن أهل الشقاوة أقروا تقية وكرهًا، وذلك معنى قوله: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي\n_________\n= في \"المستدرك\" ٢/ ٦٢٠ عن ابن عباس ﵄ قال: (جاء أعرابي إلى النبي - ﷺ - فقال: بم اعرف أنك رسول الله؟ فقال: \"أرأيت إن دعوت عذق هذه النخلة أتشهد أني رسول الله؟ \" قال: نعم، فدعا العذق فنزل وجعل ينقز على الأرض حتى أتى النبي - ﷺ - ثم قال له: \"ارجع\" فرجع حتى عاد مكانه) قال الحاكم: (حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه) ووافقه الذهبي. وانظر: \"الصحيح المسند من دلائل النبوة\" للوادعي ص ٧٣ - ١٩٧.\n(١) ذكره الخازن ٢/ ٣٠٩، وابن القيم في كتاب \"الروح\" ص ٢٢٠، وذكره الألباني في \"الصحيحة\" ٤/ ١٦١ وقال: (في كلامه إشارة لطيفة إلى طريقة الجمع بين الآية والحديث، وهو قوله: إن الله أخرج ذرية آدم من صلبه وأصلاب أولاده) اهـ. وانظر: \"تأويل مختلف الحديث\" لابن قتيبة ص ١٤٥ - ١٤٧.\n(٢) لفظ: (بين) ساقط من (أ).\n(٣) ذكره الخازن ٢/ ٣١٠، وابن القيم في كتاب \"الروح\" ص ٢١٦.","vol":"9","page":449},{"text":"السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ (١) [آل عمران: ٨٣]. وقال مقاتل: من مات صغيرًا دخل الجنة بمعرفته بالميثاق (٢) الأول، ومن بلغ العقل لم يُغن عنه الميثاق الأول شيئًا حتى يؤمن، وكان الميثاق الأول حجة عليهم) (٣)، وهذا الذي ذكره مذهب من يقول: إن أطفال المشركين يدخلون (٤) الجنة، فأما من لا يحكم لهم بالجنة، فإنه يقول: من كان من أهل الشقاوة من الذرية السوداء أقرّ بالمعرفة كرهًا فلم يغن ذلك عنه شيئًا. فأمَّا سوق ألفاظ الآية وما بعدها من هذه القصة على هذا التفسير فقوله: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾. قال الزجاج (٥): (المعنى قال: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ وهو إيجاب للإقرار عليهم بربوبيته).\nوقوله: ﴿قَالُوا بَلَى﴾. قال ابن عباس: (هو جواب منهم له وإقرار له بالربوبية ولأنفسهم بالعبودية) (٦).\nوقوله تعالى: ﴿شَهِدْنَا﴾ قال الكلبي: (٨) (لما أقروا، قال الله للملائكة:\n_________\n(١) انظر: \"تفسير السمرقندي\" ١/ ٥٧٩ - ٥٨٢، و\"الرد على الجهمية\" لابن منده ص ١٤٣، والبغوي ٣/ ٢٩٨.\n(٢) في (أ): (بمعرفته في الميثاق).\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٧٤.\n(٤) قال القرطبي في \"تفسيره\" ٧/ ٣١٧: (هذه المسألة اختلف فيها لاختلاف الآثار، والصحيح أن أطفال المشركين في الجنة) اهـ. وانظر: \"التذكرة\" ص ٥٩٨.\n(٥) هذا قول ابن الجوزي ٣/ ٢٨٤، ولم أقف عليه عن الزجاج، وانظر: \"الزاهر\" ٢/ ٥٠.\n(٦) أخرج ابن منده في \"الرد على الجهمية\" ص ١٤٤ من طرق جيدة عن ابن عباس في الآية قال: (أخذ عليهم كلهم عهودهم على الإيمان والمعرفة له، والتصديق به وأشهدهم على أنفسهم فآمنوا وصدقوا وعرفوا وأقروا) اهـ.","vol":"9","page":450},{"text":"اشهدوا. فقال: ﴿شَهِدْنَا﴾) (١). و(٢) قال ابن عباس في رواية عطاء: (قالت (٣) الملائكة: شهدنا على إقراركم) (٤).\nوقال السدي: (هذا خبر من الله تعالى عن نفسه وملائكته أنهم شهدوا على إقرار بني آدم) (٥). فعلى هذه الأقوال (٦) يحسن الوقف على قوله: ﴿بَلَى﴾؛ لأن كلام الذرية قد انقطع.\nوقوله تعالى: ﴿أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾. يجوز أن يتعلق ﴿أَن﴾ بقوله ﴿شَهِدْنَا﴾، أي شهدنا عليهم بالإقرار لئلا تقولوا، فأسقط (لا) (٧) كما قال: ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [النحل: ١٥]. يريد: لئلا تميد.\nوكما قال القطامي (٨):\nرأينا ما يرى البصراء فيها ... فآلينا عليها أن تباعا (٩)\n_________\n(١) \"تنوير المقباس\" ٢/ ١٤٠، وذكره هود الهواري ٢/ ٥٨، والواحدي في \"الوسيط\" ٢/ ٢٦٨، والبغوي ٣/ ٣٠٠، وابن الجوزي ٣/ ٢٨٥.\n(٢) لفظ: (الواو) ساقط من (ب).\n(٣) في (أ): (قال).\n(٤) لم أقف عليه. وانظر: \"الرد على الجهمية\" لابن منده ص ١٤٣.\n(٥) أخرجه الطبري ٩/ ١١٨ بسند جيد، وذكره الثعلبي ٦/ ٤٩ ب، و\"الواحدي\" ٢/ ٢٦٨، والبغوي ٣/ ٣٠٠، وانظر: الطبري ٩/ ١١٨.\n(٦) انظر: \"تفسير الرازي\" ١٥/ ٥٢\n(٧) لفظ: (لا) ساقط من (أ).\n(٨) تقدمت ترجمته.\n(٩) \"ديوانه\" ص ٤٣، و\"تفسير الطبري\" ٩/ ١١٨، و\"الدر المصون\" ٥/ ٥١٣، وهو يصف ناقته يقول: لا تباع لما رأينا من حسنها.","vol":"9","page":451},{"text":"أراد: أن لا تباعا، هذا مذهب الكوفيين (١)، وعند البصريين المحذوف مضاف بتقدير: شهدنا كراهة أن تقولوا، ومضى الكلام في هذا عند قوله: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦].\nويمكن أن تعلق ﴿أَن﴾ بـ (أشهدهم) وهذا أوضح في التأويل، والمعنى: ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ لئلا تقولوا، أو (٢) كراهية أن تقولوا، ولا يصح الوقف على ﴿شَهِدْنَا﴾ لتعلق ﴿أَن﴾ بما قبله، هذا كله كلام أبي بكر (٣).\n_________\n(١) انظر: \"إعراب النحاس\" ١/ ٦٥١، و\"المشكل\" ١/ ٣٠٦، و\"البيان\" ١/ ٣٧٩، و\"التبيان\" ص ٣٩٥، و\"الفريد\" ٢/ ٣٨٤، و\"الدر المصون\" ٥/ ٥١٣. قال السمين: (قوله: ﴿أَن تَقُولُواْ﴾ مفعول لأجله، والعامل إما ﴿شَهِدْنَا﴾ أي: شهدنا كراهة أن تقول، هذا تأويل البصريين، وأما الكوفيين فقاعدتهم تقدير (لا) النافية أي: لئلا تقولوا) اهـ.\n(٢) في (أ): (لئلا تقولوا وكراهية أن تقولوا).\n(٣) \"الإيضاح\" لابن الأنباري ٢/ ٦٦٩ - ٦٧٠، وقال الداني في \"المكتفى\" ص ٢٧٨ - ٢٨٠: (قال جماعة: ﴿شَهِدْنَا﴾ وقف كافٍ وهو من قول بني آدم أي: شهدنا أنك ربنا وإلهنا وهو قول أُبي وابن عباس.\nوقال ابن الأنباري: ليس بوقف لأن ﴿أَن﴾ متعلقة بما قبلها، وقال جماعة التمام على ﴿بَلَى﴾ و﴿شَهِدْنَا﴾ من قول الملائكة وهو قول مجاهد والضحاك والسدي، وقيل هو من قول الله تعالى والملائكة وهو قول أبي مالك ويروي عن السدي أيضًا ومن قرأ: ﴿أَنْ تَقُولُوا﴾ بالتاء فالوقف على ﴿بَلَى﴾ لأن (أن) متعلقة بما قبل ﴿بَلَى﴾ من قوله ﴿وَأَشْهَدَهُمْ﴾) اهـ. ملخصًا.\nوقال النحاس في القطع ١/ ٢٦٥ - ٢٦٦: (على القراءة بالتاء يجب أن يكون الوقف على ﴿بَلَى﴾ لأن ﴿شَهِدْنَا﴾ عند أهل التأويل ليس من كلام الذين قالوا ﴿بَلَى﴾ ومن قرأ بالياء فأكثر أهل التأويل يقول: التقدير: ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ أن يقولوا، أي: كراهة أن يقولوا أو لأن يقولوا. فالكلام على هذا متصل) اهـ. ملخصًا.","vol":"9","page":452},{"text":"وقال بعضهم: قوله: ﴿شَهِدْنَا﴾ من كلام الذرية، والمعنى: شهدنا على أنفسنا بهذا الإقرار، وهو معنى قول (١) مقاتل، وعلى هذا لا يحسن الوقف على ﴿بَلَى﴾ ولا يتعلق ﴿أَنْ تَقُولُوا﴾ بشهدنا، وإنما يتعلق بقوله: ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ (٢)، وذكر صاحب النظم] (٣) وجهًا آخر في قوله: ﴿شَهِدْنَا﴾ عن بعضهم، وهو: (أن يكون قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ﴾ إلى قوله: ﴿قَالُوا بَلَى﴾. تمام قصة الميثاق، ثم ابتدأ ﷿ خبرًا آخر يذكر ما يقوله المشركون يوم القيامة فقال: ﴿شَهِدْنَا﴾ بمعنى: نشهد، كما قال الحطيئة (٤):\nشَهِدَ الخُطَيْئَةُ حِينَ يَلْقَى رَبَّه (٥)\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٧٢، وفيه: ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ بإقرارهم ﴿قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا﴾ إنك ربنا، قال الله للملائكة: اشهدوا عليهم بالإقرار، قالت الملائكة: قد شهدنا) اهـ.\n(٢) ذكره في الواحدي السمين في \"الدر\" ٥/ ٥١٣، وقال: (كأنه رأى أن التركيب يصير ﴿شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا﴾ سواء قرئ بالغيبة أو الخطاب والشاهدون هم القائلون في المعنى فكان ينبغي أن يكون التركيب شهدنا أن نقول نحن، وهذا غير لازم لأن المعنى: شهد بعضهم على بعض فبعض الذرية قال: شهدنا أن يقول البعض الآخر كذلك) اهـ.\n(٣) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).\n(٤) الحطيئة: جرول بن أوس بن مالك الغطفاني أبو مليكة. تقدمت ترجمته.\n(٥) \"ديوانه\" برواية وشرح ابن السكيت ص ١١٠، و\"سر صناعة الإعراب\" ١/ ٣٩٨، و\"وضح البرهان\" للغزنوي ٢/ ٣٥١، و\"اللسان\" ٢/ ٨٦٦ (حسب)، و\"الدر المصون\" ٥/ ٥١٤، وبلا نسبة في مجالس ثعلب ص ٣٨٨، و\"المدخل\" للحدادي ص ٢٣٤، وعجزه:\nأن الوليد أحق بالعذر\nوالوليد هو الوليد بن عقبة بن أبي معيط الأموي يقال: إنه سكر فأمر بجلده فقال الحطيئة هذه الأبيات، والشاهد: شهد الحطيئة يريد: يشهد فوضع الماضي موضع المستقبل.","vol":"9","page":453},{"text":"أي: يشهد، فيكون تأويله نشهد (١) ﴿أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ أي: إنكم ستقولون ذلك، فتكون القصة الأولى خبرًا عن جميع المخلوقين بأخذ الميثاق عليهم، والقصة الثانية خبرًا عن المشركين خاصة) (٢).\nواختلف القراء في قوله: ﴿أَنْ تَقُولُوا﴾ [الأعراف:١٧٢]، ﴿أَوْ تَقُولُوا﴾ [الأعراف: ١٧٣]، فقرأ (٣) أبو عمرو بالياء (٤) جميعًا؛ لأن الذي تقدم من الكلام على الغيبة وهو قوله: ﴿مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ لئلا يقولوا، وقرأ الباقون بالتاء؛ لأنه قد جرى في الكلام خطاب، وهو قوله: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا﴾، وكلا (٥) الوجهين حسن؛ لأن الغيب هم المخاطبون في المعنى (٦).\nقال المفسرون: (هذه (٧) الآية تذكير بما أخذ على جميع المكلفين من الميثاق، واحتجاج عليهم؛ لئلا يقول الكفار ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا﴾ الميثاق ﴿غَافِلِينَ﴾ لم نحفظه ولم نذكره)، فإن قيل: كيف يحتج عليهم\n_________\n(١) في (ب): (يشهد) بالياء.\n(٢) ذكره ابن القيم في كتاب \"الروح\" ص ٢٢٩، والسمين في \"الدر\" ٥/ ٥١٣ - ٥١٤.\n(٣) قرأ أبو عمرو: ﴿يَقُولوا يَوْمَ القِيامَة﴾ [الأعراف: ١٧٢]، ﴿أو يَقُولوا إنَّما أَشْرَكَ﴾ [الأعراف: ١٧٣] بالياء فيهما على الغيبة، وقرأهما الباقون بالتاء على الخطاب، انظر: \"السبعة\" ص ٢٩٨، و\"المبسوط\" ص ١٨٦، و\"التذكرة\" ٢/ ٤٢٩، و\"التسير\" ص ١١٤، و\"النشر\" ٢/ ٢٧٣.\n(٤) في (أ): (فقرأ أبو عمر وجميعًا بالياء).\n(٥) في: (أ): (فكلا).\n(٦) هذا قول أبي علي في \"الحجة\" ٤/ ١٠٧، وانظر: \"معاني القراءات\" ١/ ٤٢٩، و\"إعراب القراءات\" ١/ ٢١٥، و\"الحجة\" لابن زنجلة ص ٣٠٢، و\"الكشف\" ١/ ٤٨٣.\n(٧) في (أ): \"وهذه\".","vol":"9","page":454},{"text":"بميثاق لا يذكرونه؟ قيل: (١) نسيانهم لذلك لا يسقط الاحتجاج بعد أن أخبر الله تعالى عن أخذ ذلك عليهم على لسان صاحب المعجزة، وإذا صح ذلك بقول الصادق قام في النفوس مقام الذكر، فالاحتجاج به قائم صحيح (٢).\nقال عوف (٣): (وسيذكرون الميثاق يوم القيامة) (٤).\nقوله تعالى: ﴿أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ﴾ الآية [الأعراف:١٧٣]، قال المفسرون: (هذا قطع لعذر الكفار فلا يستطيع أحد من الذرية أن يقول يوم القيامة: ﴿إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ﴾، أي: قبلنا، ونقضوا العهد. ﴿وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ صغارًا وكبارًا فاقتدينا (٥) بهم، ﴿أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾، أي: أفتعذبنا بما فعل المشركون المكذبون بالتوحيد، وإنما اقتدينا بهم وكنا في غفلة عن الميثاق، وعما نطالب به الآن من التوحيد، وآباؤنا أشركوا، وحملونا على مذهبهم في الشرك في صبانا، فجرينا على مذهبهم واقتدينا بهم، فلا ذنب لنا إذ كنا مقتدين بهم، والذنب في ذلك لهم، كما (٦) قالوا في موضع آخر: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾\n_________\n(١) انظر: \"تفسير الطبري\" ٩/ ١١٨، وابن الجوزي ٣/ ٢٨٥.\n(٢) انظر: \"تفسير السمرقندي\" ١/ ٥٨١، والبغوي ٣/ ٣٠٠، وابن الجوزي ٣/ ٢٨٥.\n(٣) لعله: عوف بن أبي جميلة العبدي أبو سهل الأعرابي البصري واسم أبيه رزينة، إمام ثقة من علماء البصرة ومن صغار التابعين رمى بالقدر والتشيع، توفي سنة ١٤٦ هـ أو ١٤٧ هـ، وله ٨٦ سنة، انظر: \"الجرح والتعديل\" ٧/ ١٥، و\"سير أعلام النبلاء\" ٦/ ٣٨٣، و\"ميزان الاعتدال\" ٣/ ٣٠٥، و\"تهذيب التهذيب\" ٣/ ٣٣٦، و\"تقريب التهذيب\" ص ٤٣٣ برقم (٤٢١٩).\n(٤) لم أقف عليه.\n(٥) في (ب): (فاقتديناهم)، وهو تحريف.\n(٦) لفظ: (كما) ساقط من (ب).","vol":"9","page":455},{"text":"الآية [الزخرف: ٢٢]. فلا يمكنهم أن يحتجوا بمثل هذا الكلام، ويكون الآباء على الإشراك بعد تذكير الله تعالى بأخذ الميثاق بالتوحيد على كل واحد من الذرية)، هذا هو الكلام على مذهب أهل الأثر (١).\nفأما مذهب أهل النظر، فقال أبو إسحاق: (وقال بعضهم: إن الله ﷿ أخرج بني آدم بعضهم من ظهور بعض، ومعنى: ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ أن كل بالغ يعلم أن الله ﷿ واحد، لأن كل ما خلق الله دليل على توحيده، فمعنى: ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ دلهم بخلقه على توحيده) (٢).\nوشرح أبو بكر هذا فقال: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ﴾ ذريات (٣) ﴿بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ﴾ أي: أخرجهم وأنشأهم بعد أن كانوا نطفًا في أصلاب الآباء إلى الدنيا على ترتبهم في الوجود ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ أنه ربهم بما أظهر من آياته وبراهينه التي تضطرهم إلى أن يعلموا أنه خالقهم فليس من أحد إلا وفيه من صنعة ربه ما ينبه على أنه بارئه ونافذ الحكم فيه، فلما عرفوا ذلك ودعاهم كل ما يرون ويشاهدون إلى التصديق به كانوا بمنزلة الشاهدين والمشهدين على أنفسهم بصحته، كما قال في غير هذا الموضع: ﴿شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ﴾ [التوبة: ١٧]، يريد: هم بمنزلة الشاهدين وإن لم يقولوا: نحن كفرة، وكما يقول الرجل: قد شهدت جوارحي بقولك، يريد: قد عرفته، فكأن جوارحي لو استشهدت وفي وسعها أن تنطق لشهدت، ومن هذا الباب أيضًا ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [آل عمران: ١٨]،\n_________\n(١) انظر: \"تفسير الطبري\" ٩/ ١١٨، والبغوي ٣/ ٣٠٠، والرازي ٣/ ١٧١، والخارن ٢/ ٣١١.\n(٢) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٩٠.\n(٣) كذا في النسخ، وهو تفسير وليس قراءة.","vol":"9","page":456},{"text":"يريد: أعلم وبين، فأشبه إعلامه وتبيينه ذلك شهادة من يشهد عند الحكام وغيرهم) (١).\nوزاد صاحب النظم لهذا المذهب بيانًا حكايته عن بعضهم، فقال: (إن الله ﷿ لما خلق الخلق ونفذ علمه فيهم بما هو كائن، صار ما لم يكن بعد مما هو كائن كالكائن عنده، إذ علمُه بكونه مانعٌ من غير كونه، فسايغ في مجاز العربية أن يضع ما هو منتظر مما لم يقع بعد موضعَ الواقع لسبق علمه بوقوعه، وكما قال ﷿: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ﴾ [الأعراف: ٥٠] وأمثاله، فيكون تأويل قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ﴾: وإذ يأخذ ربك، وكذلك قوله: ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ أي: ويشهدهم بما يركبه فيهم من العقل الذي يكون به الفهم ويجب به الثواب والعقاب، فكل من ولد وبلغ الحنث وعقل الضر والنفع وفهم الوعد والوعيد والثواب والعقاب صار كأن الله تعالى أخذ عليه الميثاق في التوحيد بما ركب فيه من العقل، وأراه من الآيات والدلائل (٢) على حدوثه وضعفه وأنه لا يجوز أن يكون قد خلق نفسه، وإذا لم يجز ذلك فلا بد من خالق هو غيره ليس كمثله، وكل (٣) من بلغ وعقل فقد أخذ عليه العهد والميثاق إذ جعل فيه السبب الذي به يؤخذ الميثاق وهو العقل، واحتج أصحاب هذا القول بقوله: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأحزاب: ٧٢]، قالوا: فالأمانة هاهنا عهد وميثاق، وامتناع السموات والأرض من حملها خلوهما من العقل الذي يكون به الفهم،\n_________\n(١) ذكره ابن الجوزي ٣/ ٢٨٦، وابن القيم في كتاب \"الروح\" ص ٢٢١.\n(٢) في النسخ: (والدليل)، وهو تحريف.\n(٣) في (ب): (ليس كمثله وهو من بلغ)، وهو تحريف.","vol":"9","page":457},{"text":"وحمل الإنسان إياها (١) لمكان (٢) العقل فيه).\nقال صاحب النظم: (ونحن إلى ما روي (٣) عن رسول الله - ﷺ - وما ذهب إليه أهل العلم والسنة من السلف الصالح، أَمْيَلُ وله أَقْبَلُ وبه آنَسُ (٤) والله ﷿ ولي التوفيق لما هو أولى وأهدى بمنّه) (٥).\n_________\n(١) لفظ: (إياها) ساقط من (أ).\n(٢) في (ب): (مكان)، وهو تحريف.\n(٣) انظر: بعض الأحاديث في مرويات الإِمام أحمد في \"التفسير\" ٢/ ٢٠٩ - ٢١٥.\n(٤) هذا هو الظاهر فالراجح أن الله ﷾ مسح ظهر آدم واستخرج منه ذريته وأخذ عليهم العهد بلسان المقال لثبوته مرفوعًا إلى النبي - ﷺ - وموقوفًا على غيره من الصحابة ﵃ والأحاديث فيه صحيحة بل متواترة المعنى، وقد ذكرها الطبري ٩/ ١١١ - ١١٨، وابن كثير ٢/ ٢٩٣، والسيوطي في \"الدر\" ٣/ ٢٥٨ - ٢٦٥، والشوكاني ٢/ ٣٨٣ - ٣٨٥، والألباني في \"الصحيحة\" ١/ ٦٨ - ٧١، رقم ٤٧ - ٥٠، وص ٩٧ رقم ١٧٢، و٤/ ١٥٨ رقم ١٦٢٣، قال الشوكاني ٢/ ٣٨٣: (هذا هو الحق الذي لا ينبغي العدول عنه ولا المصير إلى غيره لثبوته مرفوعًا إلى النبي - ﷺ - وموقوفًا على غيره من الصحابة ولا ملجئ للمصير إلى المجاز وإذا جاء نهر الله بطل نهر معقل) اهـ.\nوقال الألباني في الصحيحة ٤/ ١٦٢: (جملة القول أن فيه أحاديث صحيحة بل متواترة المعنى وأنه لا تعارض بينها وبين آية أخذ الميثاق فالواجب ضمها إليها وأخذ الحقيقة من مجموعها وبذلك تنجو من مشكلتين بل مفسدتين كبيرتين: الأولى: رد الأحاديث بزعم معارضتها للآية والأخرى: تأويلها تأويلًا يبطل معناها أشبه ما يكون بتأويل المبتدعة) اهـ. بتصرف وهو اختيار جمهور المفسرين ومنهم: النحاس في \"معانيه\" ٣/ ١٠١، والسمرقندي ١/ ٥٧٩ - ٥٨٢، وابن الجوزي ٣/ ٢٨٣ - ٢٨٦، والرازي ١٥/ ٤٦ - ٥٢، والخازن ٢/ ٣٠٧ - ٣١١، والألوسي ٩/ ٩٩ - ١٠٩، الشنقيطي ٢/ ٣٣٤ - ٣٣٨.\n(٥) ذكره ابن القيم في كتاب \"الروح\" ص ٢٢٨.","vol":"9","page":458},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1275>١٧٤ </span>- و(١) قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ﴾، أي: و(١) كما بينا في (٢) أمر الميثاق نبين الآيات ليتدبرها العباد فيرجعوا إلى مدلولها ويعملوا بموجبها دون ما سولت لهم أنفسهم ودعت إليه أهواؤهم، وهو معنى قوله: ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾، أي: ولكي يرجعوا عمّا هم عليه من الكفر والضلالة إلى التوحيد والطاعة (٣)، وقيل: إلى ما أخذ عليهم من الميثاق في التوحيد، والرجوع إلى ذلك الميثاق رجوع إلى التوحيد (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1276>١٧٥ </span>- قوله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا﴾ الآية.\nقال ابن عباس (٥) وابن مسعود (٦) ومجاهد (٧): (نزلت في بلعم بن\n_________\n(١) لفظ: (الواو) ساقط من (أ).\n(٢) لفظ: (الفاء) ساقط من (ب).\n(٣) هذا قول أكثرهم، انظر: \"تفسير الطبري\" ٩/ ١١٩، والسمرقندي ١/ ٥٨٢، والثعلبي ٦/ ١٩ ب، والبغوي ٣/ ٣٠٠، وابن الجوزي ٣/ ٢٨٦.\n(٤) ذكره الرازي ١٥/ ٥٣، والخازن ٢/ ٣١١.\n(٥) أخرجه الطبري ٩/ ١٢٠، وابن أبي حاتم ٥/ ١٦١٧ من طرق جيدة. وفيهما قال: (هو رجل من مدينة الجبارين يقال له: بلعم) وفي رواية عند الطبري (بلعم بن باعر) وعند ابن أبي حاتم (بلعم بن باعوراء). وذكره السيوطي في \"الدر\" ٣/ ٢٦٧ بلفظ: (بلعم بن باعوراء).\n(٦) أخرجه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ١/ ٢/٢٤٣، والنسائي في \"التفسير\" ١/ ٥١٠، والطبري ٩/ ١٢٠، وابن أبي حاتم ٥/ ١٦١٦، والحاكم في \"المستدرك\" ٢/ ٣٢٥ من طرق جيدة، وذكره الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" ٢/ ٢٥، وقال: (رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح) اهـ. وذكره السيوطي في \"الدر\" ٣/ ٢٦٧، والكل بدون ذكر قصته وجاء عند النسائي، والطبراني، ورواية عند الطبري (بلعم) وعند الحاكم (بلعم بن باعوراء) وفي الباقي (بلعم بن أبر).\n(٧) \"تفسير مجاهد\" ١/ ٢٥٠، وأخرجه الطبري ٩/ ١٢٠ من طرق جيدة بدون ذكر قصته.","vol":"9","page":459},{"text":"باعوراء (١»؛ دعا على موسى وقومه، وكان عنده اسم الله الأعظم، فقصد موسى بلده الذي هو فيه، وغزا أهله وكانوا كفارًا، فلم يزل قوم بلعم به حتى دعا عليهم، وقيل (٢) (أجبره (٣) ملكهم على (٤) ذلك، وكان مجاب الدعوة بذلك الاسم الذي كان عنده، فأستجيب له، ووقع موسى وبنو إسرائيل في التيه بدعائه، فقال موسى: يا رب بأي ذنب وقعنا في التيه؟ قال: بدعاء بلعام، قال: فكما سمعت دعاءه عليَّ فاسمع دعائي عليه، فدعا موسى عليه أن ينزع عنه الاسم الأعظم والإيمان فسلخه الله مما كان عليه ونزع منه المعرفة فخرجت من صدره كحمامة (٥) بيضاء (٦)\n_________\n(١) بلعم بن باعور: مختلف فيه فقيل: هو من مدينة الجبارين وقيل: من أهل اليمن وقيل: من الكعنانين، وهو: بلعم بن باعور بن سموم بن فرستم بن مآب بن لوط ابن هارون، أوتي العلم والحكمة، انظر أخباره في: \"تاريخ الطبري\" ١/ ٤٢٧، و\"الكامل\" لابن الأثير ١/ ٢٠٠، و\"تفسير مبهمات القرآن\" للبلنسي ١/ ٤٩٦.\n(٢) هذا قول مقاتل في \"تفسيره\" ٢/ ٧٥.\n(٣) في (ب): (أجبر)، وهو تحريف.\n(٤) لفظ: (على) ساقط من (أ).\n(٥) في (ب): \"نُخامة\" وعند الثعلبي ٦/ ٢١ ب، و\"الوسيط\" ٢/ ٢٧٠، والبغوي ٣/ ٣٠٢ (حمامة).\n(٦) أخرج الطبري ٩/ ١٢٣،١٢٢، وابن أبي حاتم ٥/ ١٦١٧ بسند جيد عن ابن عباس قال: (هو رجل من مدينة الجبارين يقال: له بلعم يعلم اسم الله الأعظم فلما نزل بهم موسى أتاه قومه فقالوا: إن موسى رجل حديد ومعه جنود كثيرة وإنه إن يظهر علينا يهلكنا فادع الله أن يرده عنا، قال: إني إن دعوت عليه ذهبت دنياي وآخرتي، فلم يزالوا به حتى دعا عليهم فسلخ مما كان عليه) اهـ. وذكره الرازي ١٥/ ٥٤، عن ابن مسعود وابن عباس ومجاهد، وذكر الخازن ٢/ ٣١١، ٣١٣، هذا ونحوه وقال: (هذا من الإسرائيليات ولا يلتفت إلى ما يسطره أهل الأخبار إذا خالف الأصول وسبب وقوع بني إسرائيل في التيه عبادة العجل أو قولهم لموسى: =","vol":"9","page":460},{"text":"فهذا (١) قصته.\nقال عطاء عن ابن عباس: (أعان أعداء الله على أوليائه) (٢) يعني: بدعائه. وقوله: ﴿آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا﴾. قال ابن زيد: (هو أنه كان لا يسأل شيئًا إلا أعطاه إياه) (٣). وقال عكرمة (٤): (أوتي كتابًا من كتب الله تعالى (٥».\nوقيل (٦): (هو أنه لما أراد أن يدعو عليهم، قيل له في المنام: لا تدعُ عليهم، ثم هم ثانيًا، فكلمته أتان له قد ركبها، حجة عليه، فقالت: ويحك يا بلعم أتذهب إلى نبي الله والمؤمنين تدعو عليهم فلم ينزع عن ذلك)، وقال أهل المعاني: (﴿آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا﴾. علمناه حجج التوحيد وفهمناه أدلته حتى صار عالمًا بها).\nوقوله تعالى: ﴿فَانْسَلَخَ مِنْهَا﴾. قال عطاء عن ابن عباس: (يريد: خرج من محبة الله (٧) إلى معصيته، ومن رحمة الله إلى سخطه) (٨).\n_________\n= ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا﴾ [الأعراف: ١٣٨] لا دعاء بلعم عليهم، وعلى تقدير صحة القصة فموسى دعا عليه لعلمه بكفره ومقابلة لدعائه عليه) اهـ. بتصرف.\n(١) في (ب): (فلهذا)، وهو تحريف والأولى فهذه.\n(٢) لم أقف عليه.\n(٣) أخرجه الطبري ٩/ ١٢٢ بسند جيد وذكره الثعلبي ٦/ ٢٣ أ، والبغوي ٣/ ٣٠٤.\n(٤) أخرجه ابن أبي حاتم ٥/ ١٦١٨ بسند جيد.\n(٥) لفظ: (تعالى) ساقط من (أ).\n(٦) أخرجه الطبري ٩/ ١٢٥ - ١٢٦ من طرق عن السدي وغيره.\n(٧) انظر: الطبري ٩/ ١٢٤، والرازي ١٥/ ٥٤\n(٨) ذكره الرازي ١٥/ ٥٤ بلا نسبة، وأخرج الطبري ٩/ ١٢٤، وابن أبي حاتم ٥/ ١٦١٨ بسند جيد عن ابن عباس في الآية قال: (نزع منه العلم) وفي \"تنوير المقباس\" ٢/ ١٤٠: (﴿فَانْسَلَخَ مِنْهَا﴾ فخرج منها) اهـ.","vol":"9","page":461},{"text":"ومعنى ﴿انْسَلَخَ﴾ خرج من المِسْلاَخ (١) وهو القشر والجلد، ويقال: الحية تنسلخ (٢) عن جلدها، ثم يقال لكل من فارق شيئًا: انسلخ منه.\nوقوله تعالى: ﴿فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ﴾. قال عبد الله (٣) بن مسلم: (أي: أدركه؛ يقال: أتبعت القوم إذا لحقتهم).\nقال أبو عبيد: (يقال: أتبعت القوم مثال أفعلت (٤) إذا كانوا قد سبقوك فلحقتهم ويقال: ما زلت أتبعهم حتى أتبعتهم أي: حتى أدركتهم) (٥).\nوقال أبو زيد: (تقول: رأيت القوم فأتبعتهم إتباعًا إذا سبقوك فأسرعت نحوهم، ومرُّوا على فاتبعتهم اتباعًا إذا ذهبت معهم ولم يسبقوك) (٦)، فعلى هذا معنى: أتبعه الشيطان أي: أسرع خلفه (٧)، ﴿فَكَانَ مِنَ\n_________\n(١) انظر: \"العين\" ٤/ ١٩٨، و\"الجمهرة\" ١/ ٥٩٨، و\"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٧٣٠، و\"الصحاح\" ١/ ٤٢٣، و\"المجمل\" ٢/ ٤٧٠، و\"مقاييس اللغة\" ٣/ ٩٤، و\"المفردات\" ص ٤١٩، و\"اللسان\" ٤/ ٢٠٦٣ (سلخ).\n(٢) في (أ): (سلخت)، ساقط وملحق بأسفل السطر، وكأنه سلخت الحية عن جلدها.\n(٣) \"تفسير غريب القرآن\" ص ١٨٢، وزاد: (وتبعتهم سرت في إثرهم) اهـ. وانظر: \"غريب القرآن\" لليزيدي ص ١٥٣، و\"تفسير المشكل\" ص ٨٨.\n(٤) لفظ: (أفعلت) غير واضح في (ب) وكأنه (افتعلت).\n(٥) \"تهذيب اللغة\" ١/ ٤٢٥، وزاد: (واتبعتهم مثل: افتعلت إذا مروا بك فمضيت معهم وتبعتهم تبعًا مثله) اهـ.\n(٦) \"الحجة\" لأبي علي ٥/ ١٦٧، وأصل تبع: التلو والقفو، وهل تبعه، وأتبعه بمعنى أو بينهما فرق؟ قيل: بكل منهما وأبدى بعضهم الفرق بأن تبعه مشى في أثره، وأتبعه إذا وازاه في المشي، وقيل: اتبعه بمعنى استتبعه وقال الخليل في \"العين\" ٢/ ٨٨: (وأتبع فلان فلانًا إذا تبعه يريد شرًا، قال تعالى: ﴿فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ﴾) اهـ وانظر: \"الجمهرة\" ١/ ٢٤٥، و\"الصحاح\" ٣/ ١١٨٩، و\"مقاليس اللغة\" ١/ ٣٦٢، و\"المجمل\" ١/ ١٥٣، و\"المفردات\" ص ١٦٢، و\"اللسان\" ١/ ٤١٦ - ٤١٧ (تبع).\n(٧) قال الطبري ٩/ ١٢٣ - ١٢٤: (أي: صيره لنفسه تابعًا ينتهي إلى أمره في معصية الله ويخالف أمر ربه في معصية الشيطان وطاعة الرحمن) اهـ. وانظر: \"معاني النحاس\" ٣/ ١٠٥، و\"تفسير السمرقندي\" ١/ ٥٨٢، والماوردي ٢/ ٢٨٠.","vol":"9","page":462},{"text":"الْغَاوِينَ﴾؛ لأنه أدركه فأضله، هذا الذي ذكره أبو زيد حقيقة معنى الإتباع.\nقوله تعالى: ﴿فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾. قال ابن عباس: (فأطاع الشيطان وكان من الضالين) (١).\nو(٢) قال أهل المعاني: (هذا بيان عن حال من أوتي الهدى، فانسلخ منه إلى الضلال والعمى، ومال مع الهوى حتى تلاعب به الشيطان، فصار إلى الهلاك والردى، وخاب في الآخرة والأولى، قصّ الله قصته ليحذر الناس من مثل حاله) (٣).\nوقال عبد الله بن عمرو (٤) (٥) وسعيد بن المسيب، وزيد بن\n_________\n(١) \"تنوير المقباس\" ٢/ ١٤١، وذكره الواحدي في \"الوسيط\" ٢/ ٢٧٠، وانظر: \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٩١، والماوردي ٢/ ٢٨٢، وابن الجوزي ٣/ ٢٨٩.\n(٢) لفظ: (الواو) ساقط من (ب).\n(٣) انظر: الرازي ١٥/ ٥٥.\n(٤) عبد الله بن عمرو بن العاص بن وائل بن هاشم السهمي القرشي أبو محمد صحابي إمام عابد زاهد أحد السابقين المكثرين واحد العبادلة الفقهاء أسلم قبل أبيه وهاجر قبل الفتح وشهد الفتوح وكتب عن النبي - ﷺ - علمًا كثيرًا، وكان مجتهدًا في العبادة صوامًا قوامًا تاليًا لكتاب الله تعالى، وله مناقب وفضائل ومقام راسخ في العمل والعلم، وثناء الأئمة عليه كثيرة، توفي ﵁ سنة ٦٥ هـ. وله ٧٢ سنة، انظر: \"الحلية\" ١/ ٢٨٣، و\"الاستيعاب\" ٣/ ٨٦ (١٦٣٦)، و\"سير أعلام النبلاء\" ٣/ ٧٩، و\"تذكرة الحفاظ\" ١/ ٧١، و\"الإصابة\" ٢/ ٣٥١، و\"تهذيب التهذيب\" ٢/ ٣٩٣.\n(٥) أخرجه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ١/ ٢/٢٤٣، والنسائي في \"التفسير\" ١/ ٥٠٨، ٥١١، الطبري ٩/ ١٢٢، وابن أبي حاتم ٥/ ١٦١٦، من طرق جيدة وذكر الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" ٧/ ٢٥، وقال: (رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح) اهـ. وذكره ابن حجر في \"الفتح\" ٧/ ١٥٤، وقال: رواه ابن مردويه بإسناد قوي) اهـ. وذكره السيوطي في \"الدر\" ٣/ ٢٦٥، وزاد نسبته إلى (عبد بن حميد وابن المنذر =","vol":"9","page":463},{"text":"أسلم (١)، وأبو روق (٢): (نزلت هذه الآية في أمية (٣) بن أبي الصلت، وكان قد قرأ الكتب وعلم أن الله مرسل رسولًا في ذلك الوقت، ورجا\n_________\n= وأبي الشيخ) وقال ابن كثير في \"تفسيره\" ٢/ ٢٩٤: (قد روى من غير وجه عنه وهو صحيح إليه، وكأنه إنما أراد أن أمية يشبهه؛ فإنه كان قد اتصل إليه علم كثير من علم الشرائع المتقدمة ولكنه لم ينتفع بعلمه فإنه أدرك زمن رسول الله - ﷺ - وبلغته أعلامه وآياته ومعجزاته وظهرت لكل من له بصيرة، ومع هذا اجتمع به ولم يتبعه، وصار إلى موالاة المشركين ومناصرتهم وامتدحهم ورثى أهل بدر من المشركين بمرثاة بليغة قبحه الله، وقد جاء في بعض الأحاديث \"أنه ممن آمن لسانه ولم يؤمن قلبه\" فإن له أشعارًا ربانية وحكمًا وفصاحة ولكنه لم يشرح الله صدره للإسلام) اهـ.\n(١) زيد بن أسلم العدوي العمري مولاهم أبو عبد الله المدني، إمام تابعي ثقة، عالم عابد مفسر فقيه وكان من العلماء الأبرار له حلقة للعلم في مسجد رسول الله - ﷺ - وله تفسير رواه عنه ابنه عبد الرحمن، توفي رحمه الله تعالى سنة ١٣٦ هـ، انظر: \"الجرح والتعديل\" ٣/ ٥٥٤، و\"الحلية\" ٣/ ٢٢١، و\"سير أعلام النبلاء\" ٥/ ٣١٦، و\"تذكرة الحفاظ\" ١/ ١٣٢، و\"تهذيب التهذيب\" ١/ ٦٥٨، و\"تهذيب تاريخ ابن عساكر\" ٥/ ٤٤٢.\n(٢) ذكره الثعلبي ٦/ ٢١ ب، وابن الجوزي ٣/ ٢٨٧، والرازي ١٥/ ٥٤، عن سعيد بن المسيب وزيد بن أسلم وأبي روق، وذكره البغوي ٣/ ٣٠٣، والخازن ٢/ ٣١٣، عن سعيد بن المسيب وزيد بن أسلم، وذكره الواحدي في \"أسباب النزول\" ص ٢٢٧، والقرطبي ٧/ ٣٢٠، عن زيد بن أسلم.\n(٣) في النسخ: (أمية بن الصلت) وهو تحريف، وقد تقدمت ترجمته. وفيها بيان حاله وأخباره، وانظر: \" السيرة النبوية\" للدكتور/ مهدي رزق الله أحمد، ص ٧٢، ٧٦، والقول بأنه بلعام أشهر وعليه الأكثر، أفاده ابن الجوزي ٣/ ٢٨٨، والقرطبي ٧/ ٣٢١، وابن حجر في \"الفتح\" ٧/ ١٥٤، والظاهر العموم كما رجحه الطبري ٩/ ١٢٣، وقال أبو حيان في \"البحر\" ٤/ ٤٢٢ - ٤٢٣: (اختلف المفسرون في ذلك وطولوا في قصته وذكروا ما الله أعلم به والجمهور على أنه شخص معين والأولى في مثل هذا أن يحمل على التمثيل لا على الحصر في معين فإنه يؤدي إلى الاضطراب والتناقض) اهـ. بتصرف.","vol":"9","page":464},{"text":"أن يكون هو، فلما أُرسل محمد - ﷺ - حسده، ثم مات كافرًا، ولم يؤمن بالنبي - ﷺ - وهو الذي قال فيه النبي - ﷺ -: \"آمن شعره وكفر قلبه\" (١)، يريد: أن شعره كشعر المؤمنين، وذلك أنه يوحد الله في شعره ويذكر دلائل توحيده من خلق السماء والأرض وأحوال الآخرة والجنة والنار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1277>١٧٦ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا﴾. قال ابن عباس: (﴿لَرَفَعْنَاهُ﴾ بعلمه بها) (٢)، أي بالآيات، يعني وفقناه للعمل بها، فكنا نرفع بذلك منزلته.\nوقال عطاء (٣) عنه: (يريد: لعصمتُه عن معاصي). وهو اختيار الزجاج لأنه قال: (أي: لو شئنا أن نحول فيما بينه وبين المعصية لفعلنا) (٤). وهذا كالقول الأول، لأنه إذا لم يعصمه عن المعصية لم يوفقه للعمل بالآيات، ولو وفقه عصمه عن المعصية، ولو عصمه أستحق الرفعة بالآيات.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ﴾.\n_________\n(١) قال الألباني في \"الضعيفة\" ٤/ ٥٢ رقم ١٥٤٦: (ضعيف أخرجه ابن الأنباري في المصاحف وفي إسناده أبو بكر الهذلي متروك، وأخرجه الخطيب وابن عساكر في \"التاريخ\" وإسناده ضعيف فيه الكلبي متهم بالكذب) اهـ. بتصرف، وانظر: \"الجامع الصغير\" للسيوطي ١/ ٤، و\"كشف الخفاء\" للعجلوني ١/ ١٩ - ٢٠.\n(٢) أخرجه الطبري ٩/ ١٢٧، بسند ضعيف، وذكره الثعلبي ٦/ ٢٣ ب، والبغوي ٣/ ٣٠٤، والخازن ٢/ ٣١٥، وقال ابن الجوزي ٣/ ٢٩٠: (هاء الكناية تعود إلى الإنسان المذكور وهو قول الجمهور والمعنى: ولو شئنا لرفعنا منزلته بما علمناه) اهـ. وهو اختيار الطبري ٩/ ١٢٧، والسمرقندي ١/ ٥٨٣.\n(٣) ذكره الثعلبي ٦/ ٢٣ ب، والبغوي ٣/ ٣٠٤، والخازن ٣/ ٣١٥، عن عطاء فقط، وانظر: \"تفسير الماوردي\" ٢/ ٢٨٠.\n(٤) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٩١، وهو قول النحاس في \"معانيه\" ٣/ ١٠٦.","vol":"9","page":465},{"text":"قال الفراء: (ركن إليها وسكن). قال: (ويقال: خلد إلى الأرض بغير ألف وهي قليلة) (١). ونحو ذلك قال الزجاج (٢) والكسائي (٣) في خلد وأخلد (٤)، وقال أصحاب العربية: (أصل الإخلاد اللزوم على الدوام، وكأنه قيل: لزم الميل إلى الأرض، ومن هذا يقال: أخلد فلان بالمكان إذا لزم الإقامة به) (٥).\nقال مالك (٦) بن نويرة:\n_________\n(١) هنا في (ب) وقع اضطراب في ترتيب الأوراق فوقع الوجه ب من ص ١٧٧ في ١٨٥ ب.\n(٢) \"معاني الفراء\" ١/ ٣٩٩. وانظر: \"غريب القرآن\" لليزيدي ص ١٥٣، و\"تفسير غريب القرآن\" ١/ ١٨٢، و\"تفسير الطبري\" ٩/ ١٢٨، و\"تفسير المشكل\" ص ٨٨.\n(٣) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٩١. وقال الأخفش في \"معانيه\" ٢/ ٣١٥: إلا نعلم أحدًا يقول: خلد، وقوله ﴿أَخْلَدَ﴾ أي: لجأ إليها) اهـ.\n(٤) \"تهذيب اللغة\" ١/ ١٠٨٠ (خلد). انظر: \"العين\" ٤/ ٢٣١، و\"المنجد\" لكراع ص ٧٨، و\"الجمهرة\" ١/ ٥٧٩، و\"الصحاح\" ٢/ ٤٦٩، و\"المجمل\" ٢/ ٢٩٩، و\"مقاييس اللغة\" ٢/ ٢٠٧، و\"المفردات\" ص ٢٩١، و\"اللسان\" ٢/ ١٢٢٥ (خلد).\n(٥) انظر: \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٣٣، و\"تفسير الطبري\" ٩/ ١٢٨، و\"نزهة القلوب\" ص ٧٤، و\"الدر المصون\" ٥/ ٥١٦.\n(٦) مالك بن نويرة بن جمرة بن شداد اليربوعي التميمي، أبو حنظلة، شاعر فحل، وفارس مغوار، من أرداف الملوك في الجاهلية. يقال له: الجفول، وسمي ذا الخمار نسبة إلى فرسه، أدرك الإسلام فأسلم، وولاه رسول الله - ﷺ - صدقات قومه بني يربوع فبقي كذلك حتى وفاة النبي - ﷺ - ثم اضطرب عمله ولم يحمد، ورأى خالد بن الوليد ما استوجب قتله عنده فقتله، وقيل: ارتد فقتل في حروب الردة، انظر: \"طبقات فحول الشعراء\" ١/ ٢٠٤، و\"الشعر والشعراء\" ص ٢٠٩، و\"الأغاني\" ١٥/ ٢٨٩، و\"معجم المرزباني\" ص ٢٣٢، و\"الإصابة\" ٣/ ٣٥٧، و\"الأعلام\" ٥/ ٢٦٧.","vol":"9","page":466},{"text":"بأبناء حيٍّ من قبائل مالكٍ ... وعمرو بن يربوع أقاموا فأخلدوا (١)\nقال ابن عباس: ﴿وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ﴾ (٢)، يريد: مال إلى الدنيا) (٣). وقال مقاتل: (رضي بالدنيا) (٤).\nوقال الزجاج: (ولكنه سكن إلى الدنيا) (٥). فهؤلاء فسروا ﴿الْأَرْضِ﴾ في هذه الآية بالدنيا، وذلك لأن الدنيا هي الأرض؛ لأن ما فيها من العقار والرباع (٦) والضياع كلها أرض، وسائر متاعها يستخرج من الأرض، فالدنيا كلها هي الأرض (٧)، فصلح أن يعبر عنها بالأرض لأنها هي (٨).\n_________\n(١) \"الشاهد في الأصمعيات\" ص ١٩٣، و\"تفسير الطبري\" ٩/ ١٢٨، والثعلبي ٦/ ٢٣ ب والرازي ١٥/ ٥٦، و\"بدائع التفسير\" لابن القيم ٢/ ٣١٠، و\"الدر المصون\" ٥/ ٥١٦.\n(٢) لفظ: (الواو) ساقط من (ب).\n(٣) \"تنوير المقباس\" ٢/ ١٤١، وذكره الرازي ١٥/ ٥٦.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٧٥، وفيه: (رضي بالدنيا وركن إليها) اهـ.\n(٥) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٩١، وقال أيضًا: (المعنى: أنه سكن إلى لذات الأرض) اهـ. وقال الطبري ١٣/ ٢٦١: (سكن إلى الحياة الدنيا في الأرض ومال إليها وآثر لذاتها وشهواتها على الآخرة) اهـ. وانظر: \"معاني النحاس\" ٣/ ١٠٦، والسمرقندي ١/ ٥٨٣، والماوردي ٢/ ٢٨٢.\n(٦) \"الرِّباع\": جمع ربع، وهي الدار والمحلة والموضع يرتع فيه في الربيع، انظر: \"القاموس\" ص ٧١٨ (ربع).\n(٧) جاء في (ب) بعد قوله: (كلها هي الأرض) تكرار قوله: (سائر متاعها) إلى (كلها هي الأرض) وعليه ضرب.\n(٨) انظر: \"تفسير ابن الجوزي\" ١/ ٢٩٠، والرازي ١٥/ ٥٦، والخازن ٢/ ٣١٥، وقال القرطبي ٧/ ٣٢٢: (كأن المعنى: لزم لذات الأرض، فعبر عنها بالأرض، لأن متاع الدنيا على وجه الأرض) اهـ.","vol":"9","page":467},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾. قال ابن عباس: (يريد: ما زين له الشيطان) (١).\nوقال ابن زيد: (كان هواه مع القوم) (٢).\nوقال أهل المعاني: (انقاد لما دعاه إليه الهوى، والهوى يدعو إلى أمور تجر إلى الهلاك، فكان القابل لدعاه متبعًا له) (٣).\nوقال أهل (٤) العلم: (هذه الآية من أشد الآي على أصحاب العلم، وذلك أن الله تعالى أخبر أنه آتاه آياته من اسمه الأعظم والدعوات المستجابة والعلم والحكمة، فاستوجب بالسكون إلى الدنيا واتباع الهوى تغيير النعمة عليه، والانسلاخ عنها، ومن الذي سلم من هاتين الخلتين، إلا من عصمه الله) (٥).\nوقوله تعالى: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ﴾، قال الليث: (اللَّهث لهث الكلب عند الإعياء وعند شدة الحر، وهو إدلاع اللسان من العطش) (٦). وقال الفراء (٧) في \"المصادر\":\n_________\n(١) لم أقف عليه\n(٢) أخرجه الطبري ٩/ ١٢٨، وابن أبي حاتم ٥/ ١٦٢٠ بسند جيد.\n(٣) انظر: \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٦١.\n(٤) قال النحاس في \"إعراب القرآن\" ١/ ٦٥٢: (في هذه الآية أعظم الفائدة لمن تدبرها، وذلك أن فيها منعًا من التقليد لعالم إلا بحجة يبينها؛ لأن الله ﷿ أخبر أنه أعطى هذا آياته فانسلخ منها فوجب أن يخاف مثل هذا على غيره وأن لا يقبل منه إلا بحجة) اهـ.\n(٥) انظر: \"تفسير البغوي\" ٣/ ٣٠٤، وابن الجوزي ٣/ ٢٠٩، والرازي ١٥/ ٥٦، الخازن ٢/ ٣١٥.\n(٦) \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٣٠٦، وانظر: \"العين\" ٤/ ٤٢ (لهث).\n(٧) لم أقف عليه.","vol":"9","page":468},{"text":"(يقال اللهْثُ واللهَث واللهثان) (١). قال مجاهد: (هذا مثل الذي يقرأ الكتاب ولا يعمل به) (٢). و(٣) قال ابن عباس: (معناه: إن تحمل عليه الحكمة لم يحملها، وإن ترك لم يهتد لخير، كالكلب إن كان رابضًا لهث وإن طرد لهث) (٤).\nوقال الحسن: (هو المنافق لا يُنيب (٥) إلى الحق، دُعي أو لم يدع، وعظ أو لم يوعظ، كالكلب يلهث طردًا وتركًا) (٦).\nوروي معمر (٧) عن بعضهم قال: (هو الكافر؛ ضال إن وعظته وإن لم\n_________\n(١) قال السمين في \"الدر\" ٥/ ٥١٧: (يقال لهث يلهث -بفتح العين في الماضي والمضارع-، لهثًا ولهثًا -بفتح اللام وضمها- وهو خروج لسانه في حال راحته وإعيائه، وأما غيره من الحيوان فلا يلهث إلا إذا أعيا أو عطش) اهـ. وفي \"الصحاح\" ٢/ ٢٩٢: (اللهثان بالتحريك العطش وبالتسكين العطشان وقد لهث لهثًا ولهاثًا مثل سمع سماعًا ولهث بالفتح يلهث لهثًا ولهاثًا بالضم، إذا أخرج لسانه من التعب أو العطش وكذلك الرجل إذا أعيا) اهـ.\nوانظر: \"الجمهرة\" ١/ ٤٣٣، و\"المجمل\" ٣/ ٧٩٦، و\"مقاييس اللغة\" ٥/ ٢١٤، و\"المفردات\" ص ٧٤٨، و\"اللسان\" ٧/ ٤٠٨٣ (لهث).\n(٢) \"تفسير مجاهد\" ١/ ٢٥١، وأخرجه الطبري ٩/ ١٢٩، وابن أبي حاتم ٥/ ١٦٢٠ من طرق جيدة.\n(٣) لفظ: (الواو) ساقط من (ب).\n(٤) أخرجه الطبري ٩/ ١٢٩، وابن أبي حاتم ٥/ ١٦٢٠ بسند جيد.\n(٥) في (ب): (لا يثبت).\n(٦) ذكره الثعلبي ٦/ ٢٤ أ، وفيه: (لا ينيب)، وأخرج الطبري ٩/ ١٢٩ بسند جيد عن الحسن في الآية قال: (هذا مثل الكافر ميت الفؤاد) اهـ.\n(٧) معمر بن راشد بن أبي عمرو الأزدي. تقدمت ترجمته.","vol":"9","page":469},{"text":"تعظه) (١)، فهذا قول المفسرين في تفسير هذا المثل، ويحتاج إلى الشرح حتى يتبين وجه التمثيل بين هذا الكافر وبين الكلب، وهو أن يقال: أراد أن هذا الكافر إن زجرته لم ينزجر، وإن تركته لم يهتد، فالحالتان عنده سواء كحالتي الكلب؛ فإنه إن طرد وحمل عليه بالطرد كان لاهثًا، وإن ترك وربض كان أيضًا لاهثًا، فهو [في الحالتين لاهث كهذا الكافر] (٢) في الحالتين ضال، وذلك أن بلعام زُجر ونهي عن الدعاء على موسى في ينزجر ولم ينتفع بالزجر، يبين هذا ما قاله أبو إسحاق قال: (ضرب الله تعالى للتارك لآياته والعادل عنها أحسن (٣) شيء في أخس أحواله مثلًا فقال: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ﴾، إذا كان الكلب لهثان؛ لأن التمثيل به على أنه على كل حال حملت عليه أو لم تحمل، فمعناه: فمثله كمثل الكلب لاهثًا) (٤).\nفقد بين أبو إسحاق أنه مثل بالكلب إذا كان لاهثًا، واللهث في الكلاب طباع، وقد كشف ابن قتيبة عن هذا المعنى فقال: (كل شيء يَلهثُ\n_________\n(١) أخرجه الطبري ٩/ ١٢٩، بسند جيد عن معمر عن بعضهم، وذكره الثعلبي ٦/ ٢٤ أ، وقال الشيخ أحمد شاكر في \"حاشية الطبري\": (كأنه يعني بقوله عن بعضهم الكلبي ولذلك نكّره) اهـ.\nوقد أخرجه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ١/ ٢/ ٢٤٤، عن معمر عن الكلبي، وذكره هود الهواري ٢/ ٦٠ عن الكلبي.\n(٢) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).\n(٣) في (أ): (أخس شيء في أخس أحواله)، وفي (ب): (أحسن شيء في أحسن أحواله) وعند الزجاج في \"معانيه\" ٢/ ٣٩١: (أحسن مثل في أخس أحواله).\n(٤) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٩١، ونحوه قال النحاس في \"معانيه\" ٣/ ١٠٦.","vol":"9","page":470},{"text":"إنما يلهث من إعباء أو عطش إلا الكلب فإنه يلهث في حال الكلال، وحال الراحة، وحال الري، وحال العطش، فضربه الله مثلًا لهذا الكافر (١) فقال: إن وعظته فهو ضال، وإن تركته فهو ضال كالكلب إن طردته لهث وإن تركته على حاله لهث) (٢) انتهى كلامه، وهذا التمثيل لم يقع لكل كلب إنما وقع بالكلب اللاهث، وذلك بأخس ما يكون وأبشعه (٣) ثم قال عز من قائل: ﴿ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾. فعم بهذا التمثيل جميع المكذبين بآيات الله.\nقال عطاء عن ابن عباس: (يريد: أهل مكة كانوا يتمنون هاديًا يهديهم وداعيًا يدعوهم إلى طاعة الله، فلما جاءهم من لا يشكون في صدقه كذبوه) (٤)، والتمثيل بينهم وبين الكلب كالتمثيل الأول فإنهم لم يهتدوا لما تركوا، ولم يهتدوا أيضًا لما دعوا بالرسول والكتاب، وزجروا بالوعيد، وكانوا ضالين عن الرشد في الحالتين كهذا الكلب اللاهث في الحالتين لاهث طرد أو ترك (٥).\n_________\n(١) في \"تأويل مشكل القرآن\" ص ٣٦٩: (لمن كذب بآياته).\n(٢) \"تأويل مشكل القرآن\" ص ٣٦٩.\n(٣) في (ب): (كأنها أشنعه) وقال القرطبي ٧/ ٣٢٣: (هذا المثل في قول كثير من أهل العلم بالتأويل عام في كل من أوتي القرآن فلم يعمل به وقيل: هو في كل منافق والأول أصح) اهـ. وانظر: \"تفسير الطبري\" ١٣/ ٢٧٣، والسمرقندي ١/ ٥٨٣، و\"بدائع التفسير\" ٢/ ٣١٢ - ٣١٤.\n(٤) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ٢/ ٢٧٢، والرازي ١٥/ ٥٧، وذكره البغوي ٣/ ٣٠٥ بلا نسبة.\n(٥) في (ب): (ترك وطرد)، وانظر: \"تفسير الطبري\" ٩/ ١٢٩، والسمرقندي ١/ ٥٨٣.","vol":"9","page":471},{"text":"وقوله تعالى: ﴿فَاقْصُصِ الْقَصَصَ﴾. قال عطاء (١): (يريد: قصص الذين كفروا وكذبوا أنبيائهم. ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾. يريد: يتعظون) (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1278>١٧٧ </span>- قوله تعالى: ﴿سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ﴾ الآية. قال الليث: (ساء يسوء فعل لازم ومجاوز، يقال: ساء الشيء يسوء فهو سيئ إذا قبح، وهاءه يسوءه مساءة، ويقال: ساء ما فعل صنيعًا، [أي: قبُح صنيعه صنيعًا، ومن هذا الباب قوله: ﴿سَاءَ مَثَلًا﴾] (٣) أي: قبح مثلهم) (٤).\nقال ابن عباس (٥): يريد: بئس مثل القوم ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾.\nفأما: تقدير الآية في الإعراب، فأكثر النحويين (٦) قالوا: (تقديره: ساء مثلًا مثل القوم] (٧) ثم حذف المضاف)، وهو قول أبي إسحاق (٨)،\n_________\n(١) لفظ: (عطاء) ساقط من (ب).\n(٢) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ٢/ ٢٧٢، وابن الجوزي ٣/ ٢٩١، وذكره الرازي ١٥/ ٥٧، بلا نسبة.\n(٣) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).\n(٤) \"تهذيب اللغة\" ١٥٨٣، مع بعض الاختلاف والزيادة، وانظر: \"العين\" ٧/ ٣٢٧، و\"الجمهرة\" ١/ ٢٣٧، و\"الصحاح\" ١/ ٥٥، و\"مقاييس اللغة\" ٣/ ١١٣، و\"المفردات\" ص ٤٤٢، و\"اللسان\" ٤/ ٢١٣٨ (ساء).\n(٥) \"تنوير المقباس\" ٢/ ١٤٢، وذكره الواحدي في \"الوسيط\" ٢/ ٢٧٢.\n(٦) انظر: \"إعراب النحاس\" ١/ ٦٥٢، و\"التبيان\" ص ٣٩٦، و\"الدر المصون\" ٥/ ٥١٨.\n(٧) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).\n(٨) \"معاني القرآن\" ٢/ ٢٩١، وهو قول الأخفش في \"معانيه\" ٢/ ٣١٥، وأبو علي الفارسي في \"الإيضاح\" ص ١٢٨، وقال ابن الشجري في \"أماليه\" ٣/ ١٨٣: (ساء بمنزلة (بئس) وقوله: ﴿سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ﴾) الصواب أن تقديره: (ساء مثلًا مثلُ القوم ومن زعم أن التقدير، ساء مثلًا هم القوم، فقد أخطأ خطأ فاحشًا) اهـ. بتصرف.","vol":"9","page":472},{"text":"وعلى هذا انتصب ﴿مَثَلًا﴾ على التمييز، و﴿سَاءَ﴾ هاهنا بمنزلة (بئس)، ألا ترى أن ابن عباس فسره به، ولو قلت: (بئس) رجلًا زيد، نصبت رجلًا على التشبيه بالمفعول، وهو بمعنى التمييز؛ لأنك إذا قلت: (بئس) جاز أن تذكر شيئًا آخر سوى مثلًا، ورجلًا (١) من حمار وفرس، وأي ما كان (٢)، فإذا ذكرت نوعًا ميزته من سائر الأنواع، وفي (ساء) ضمير فاعل لأنه فعل والفعل لا يخلو من فاعل فصار المميز كالمفعول، وارتفع ﴿الْقَوْمُ﴾ لأنه أقيم مقام المضاف، والمضاف كان يرتفع كما يرتفع (زيد) في قولك: بئس رجلًا زيد، وارتفاعه من وجهين: أحدهما أن يكون مبتدأ ويكون (بئس) وما عملته فيه خبره، والثاني: أن يكون لما قلت: بئس رجلًا، قيل لك: من هو، فقلت: زيد، أي: هو زيد، فيكون رفعه على أنه ابتداء محذوف (٣).\nوقال بعضهم: (تقدير الآية (٤): ساء مثل القوم، ثم حول الفعل من المثل إلى القوم فخرج المثل مفسرًا كقولهم: قَرَّ بِهِ عينًا، وضاق به (٥) ذرعًا، وطاب زيدٌ نفسًا، وألم رأسه، ووجع بطنه) (٦).\n_________\n(١) في (ب): (ورجلًا بين حمار وفرس).\n(٢) انظر: \"الكتاب\" ٢/ ١٧٥ - ١٧٩.\n(٣) ذكره أبو علي في \"الإيضاح\" ص ١٢٦ - ١٢٨، وانظر: \"البيان\" ١/ ٣٨٠، و\"الفريد\" ٢/ ٣٨٦.\n(٤) ذكره الثعلبي ٦/ ٢٤ ب، وقال مكي في \"المشكل\" ١/ ٣٠٦: (في ﴿سَاءَ﴾ ضمير الفاعل و﴿مَثَلًا﴾ تفسير و﴿الْقَوْمُ﴾ رفع بالابتداء وما قبله خبره أو رفع على إضمار مبتدأ تقديره: ساء المثل مثلًا هم القوم الذين. مثل: نعم رجلًا زيدُ) اهـ. وانظر: \"غرائب الكرماني\" ١/ ٤٢٨\n(٥) لفظ: (به) ساقط من (ب).\n(٦) انظر: \"تفسير الثعلبي\" ٦/ ٢٤ ب","vol":"9","page":473},{"text":"قال أهل المعاني: (هذه الآية بيان عن ذم المكذب بآيات الله بأن مثله أسوأ مثل وأن نفسه ظلم وحظه خسر) (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1279>١٧٨ </span>- قوله تعالى: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ﴾. قال ابن عباس (٢): (يريد: من يرشده الله (٣) إلى دينه).\nوقال ابن كيسان (٤): (يريد: من يتول الله تنبيهه وإرشاده ﴿فَهُوَ الْمُهْتَدِي﴾)، يجوز إثبات الياء فيه على الأصل، ويجوز حذفها استخفافًا كما قيل في بيت الكتاب:\nوطرتُ بمنصلي (٥) في يعملاتٍ ... دوامي (٦) الأيدِ يخبطن السريحا\n_________\n(١) لم أقف عليه\n(٢) انظر: \"تنوير المقباس\" ٢/ ١٤٢.\n(٣) في (ب): (من يرشد الله).\n(٤) لم أقف عليه.\n(٥) الشاهد لمضرس بن ربعي الأسدي في \"اللسان\" ١/ ٥٠٩ (ثمن)، ٤٩٥١ (يدي) وبلا نسبة في: \"الكتاب\" ١/ ٢٧ و٤/ ١٩٠، و\"الجمهرة\" ١/ ٥١٢، و\"الإغفال\" ص ٨٨٠، و\"سر صناعة الإعراب\" ٢/ ٥١٩ - ٧٧٢، و\"الخصائص\" ٢/ ٢٦٩ - ٣/ ١٣٣، و\"المنصف\" ٢/ ٧٣، و\"الصحاح \" ٥/ ٢٠٨٩ (ثمن) و٦/ ٢٥٣٩ (يدي)، و\"أمالي ابن الشجري\" ٢/ ٢٨٩، و\"الإنصاف\" ص ٤٢٩، و\"تفسير الرازي\" ١٥/ ٥٩، و\"اللسان\" ٢/ ١٥٩٣ (خبط)، و\"الدر المصون\" ٥/ ٥٢٠، و\"المغني\" لابن هشام ١/ ٢٢٥، وهو لمضرس أو ليزيد بن الطثرية في \"اللسان\" ١/ ٦١٥ (جزر)، و\"شرح شواهد المغني\" للسيوطي ٢/ ٥٩٨، و(المنصُل: السيف، ويعملات: جمع يعملة وهي الناقة القوية على العمل، والسريح: جلود أو خرق تشد على الأخفاف حين تحفى الناقة، والشاهد: الأيد، حيث حذف الياء للضرورة والأصل الأيدي).\n(٦) في (ب): \"دوام\" وكذا في بعض نسخ \"سر صناعة الإعراب\" ٢/ ٥١٩ كما أشار محققه في الحاشية.","vol":"9","page":474},{"text":"ومن أبياته أيضًا:\nكنواح ريش حمامة نجدية ... ومسحت باللثتين عصف الأثمد (١)\nقال أبو الفتح (٢): (يريد: كنواحي، فحذف الياء لأنه شبه المضاف إليه بالتنوين فحذف الياء لأجله كما يحذفها لأجل التنوين، لأنهما يتعاقبان، كما شبه الأول لام المعرفة في الأيد بالتنوين من حيث كانت هذه الأشياء من خواص الأسماء، ومتعقبة عليها فحذف الياء لأجل اللام كما يحذف لأجل التنوين. قال: هكذا أخذت من لفظ أبي علي) (٣).\nوقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُضْلِلْ﴾، قال عطاء عن ابن عباس: (يريد: من يضله (٤) الله ويخذله ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ يريد: خسروا الدنيا والآخرة) (٥).\n_________\n(١) \"الشاهد\" لخفاف بن ندبة الأسدي في \"ديوانه\" ص ٥١٤، و\"الكتاب\" ١/ ٢٧، و\"الإنصاف\" ص ٤٣٠، و\"اللسان\" ١/ ٤٦٠ (تيز)، ٤٩٥١ (يدي)، و\"شرح شواهد المغني\" ١/ ٣٥٤، وبلا نسبة في: \"المنصف\" ٢/ ٢٢٩، \"سر صناعة الإعراب\" ٢/ ٧٧٢، و\"الصحاح\" ٦/ ٢٥٣٩ (يدي)، و\"تفسير الرازي\" ١٥/ ٥٩، و\"الدر المصون\" ٥/ ٥٢٠، و\"المغني\" لابن هشام ١/ ١٠٥، وعصف الأثمد: ما سحق من حجر الكحل، وهو يصف شفتي المرأة ويشبهها بنواحي الريش يقول: (مسحت اللثتين بعصف الأثمد فقلب).\nوالشاهد: \"كنواح\" والأصل كنواحي حيث حذف الياء للضرورة\n(٢) أبو الفتح: عثمان بن جني، نحوي مشهور. تقدمت ترجمته.\n(٣) \"سر صناعة الإعراب\" ٢/ ٧٧٢ - ٧٧٣، وانظر: قول أبي علي الفارسي في \"الإغفال\" ص ٨٨٠ - ٨٨١.\n(٤) في (ب): (يضلله).\n(٥) ذكره \"الواحدي\" ٢/ ٢٧٢، والرازي ١٥/ ٥٩ بلا نسبة.","vol":"9","page":475},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1280>١٧٩ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا﴾ (١). قال عطاء عن ابن عباس: (يريد: لا يعقلون بها ثوابًا ولا يخافون عقابًا) (٢).\nوقال الكلبي: (لا يعقلون بها الخير والهدى) (٣).\n﴿وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا﴾.\nقال عطاء: (يريد: سبيل الهدى والرشاد)، ﴿وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا﴾. قال: (يريد مواعظ الله والقرآن) (٤).\nقال مقاتل: (﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا﴾ الآية. يقول الله تعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ الآية [البقرة: ٧]، فمن ثم لم تفقه قلوبهم، ولم تبصر أعينهم، ولم تسمع آذانهم) (٥).\nوقال أهل المعاني: (إنما نفى عنهم الإدراكات لأنهم يعرضون في جميع ذلك إعراض من لا يدرك فهم في تركهم الحق وإعراضهم عنه بمنزلة من لا يفقه ولا يبصر ولا يسمع) (٦).\nوهذه الآية صريح في الرد على القدرية؛ لأن الله تعالى ذكر أنه خلق كثيرًا من الإنس والجن للنار، وهم الذين حقت عليهم الكلمة الأزلية\n_________\n(١) هنا في (ب): رجوع إلى الأصل في ترتيب الأوراق فوقع تفسير الآية في ١٧٧ ب.\n(٢) ذكره القرطبي ٧/ ٣٢٤ بلا نسبة.\n(٣) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ٢/ ٢٧٤.\n(٤) ذكره أكثرهم بلا نسبة. انظر: \"تفسير الثعلبي\" ٦/ ٢٥ أ، والواحدي في \"الوسيط\" ٢/ ٢٧٤، والبغوي ٣/ ٣٠٦، والقرطبي ٧/ ٣٢٤، والخازن ٢/ ٣١٧.\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٧٦.\n(٦) انظر: \"تفسير ابن الجوزي\" ٣/ ٢٩٢، والخازن ٢/ ٣١٧.","vol":"9","page":476},{"text":"بالشقاوة والعذاب، ومن خلقه الله لجهنم، فلا حيلة له في الخلاص (١).\nوقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ﴾. قال الكلبي: (شبههم بالأنعام في المأكل والمشرب) (٢).\nوقال مقاتل: (يأكلون ويشربون لا يلتفتون إلى الآخرة كما تأكل الأنعام وتشرب لا همة لها إلا الأكل، فهي تسمع ولا تعقل، كذلك الكافر) (٣).\nوقوله تعالى: ﴿بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾.\nقال عطاء: (يريد (٤) إن الأنعام تعرف ربها وتحذر الهلاك) (٥)، وقال الكلبي: (لأن الأنعام مطيعة لله، والكافر (٦) غير مطيع لله) (٧).\nقال مقاتل: (هم أخطأ طريقًا من الأنعام؛ لأن الأنعام تعرف ربها وتذكره، وهم لا يعرفون ربهم ولا يذكرونه) (٨).\nوقال أبو إسحاق في قوله: ﴿بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾: (وذلك أن الأنعام تُبصر منافعها ومضارها فتلزم بعض ما تبصره، وهؤلاء يعلم (٩) أكثرهم أنه معاند فيقدم على النار) (١٠).\n_________\n(١) انظر: \"تفسير الرازي\" ١٥/ ٦٠ - ٦١، والقرطبي ٧/ ٣٢٤.\n(٢) لم أقف عليه.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٧٦.\n(٤) لفظ: (يريد) ساقط من (أ).\n(٥) في القرطبي ٧/ ٣٢٥ قال عطاء: (الأنعام تعرف الله والكافر لا يعرفه) اهـ.\n(٦) لفظ: (والكافر) ساقط من (ب).\n(٧) ذكره الرازي ١٥/ ٦٥، والقرطبي ٧/ ٣٢٥، والخازن ٢/ ٣١٨ بلا نسبة.\n(٨) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٧٦.\n(٩) في (ب): (وهؤلاء لا يعلم)، وهو تحريف.\n(١٠) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٩٢، وانظر: \"معاني النحاس\" ٣/ ١٠٧.","vol":"9","page":477},{"text":"قال مقاتل: (يعني: كفار مكة) (١).\nوقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾.\nقال عطاء: (عما أعد الله لأوليائه (٢) من الثواب، وما أعد لأعدائه من العقاب) (٣).\nوقال الكلبي: (عن أمر الآخرة، وما فيها من العذاب) (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1281>١٨٠ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾. قال المفسرون: (هي ما ذكره أبو هريرة عن النبي - ﷺ - قال: \"إن لله ﵎ تسعة وتسعين اسمًا مائة غير واحدة\" (٥)، ثم ذكرها (٦)، وكل اسم ورد به\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٧٦.\n(٢) في (ب): (عما أعد الله أوليائه)، وهو تحريف.\n(٣) ذكره الرازي ١٥/ ٦٥، وأبو حيان في \"البحر\" ٤/ ٤٢٨.\n(٤) \"تنوير المقباس\" ٢/ ١٤٢، وذكره \"الواحدي\" ٢/ ٢٧٥، وابن الجوزي ٣/ ٢٩٢ بلا نسبة.\n(٥) أخرج البخاري في \"صحيحه\" رقم (٢٧٣٦) كتاب الشروط، باب: ما يجوز من الاشتراط والثُّنْيَا في الإقْرار، ورقم (٧٣٩٢) كتاب الدعوات، باب: لله مائة اسم غير واحدة، ورقم (٦٤١٠) كتاب التوحيد، باب: لله ﷿ مائة اسم غير واحد، ومسلم رقم (٢٦٧٧) كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب: في أسماء الله تعالى وفضل من أحصاها، عن أبي هريرة -﵁- أن رسول الله - ﷺ - قال: \"إن لله تسعة وتسعين اسمًا من أحصاها دخل الجنة\" وفي رواية لمسلم: \"من حفظها\".\n(٦) الحديث الذي فيه ذكر الأسماء، أخرجه ابن ماجه كتاب الدعاء رقم (٣٨٦٠)، والترمذي رقم (٣٥٠٧) كتاب الدعوات عن رسول الله، والحاكم في \"المستدرك\" ١/ ١٦ - ١٧، والبيهقي في \"سننه\" ١٠/ ٢٧، وفي \"الأسماء والصفات\" ص ١٥ - ١٩، عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: \"إن لله تسعة وتسعين اسمًا مائة إلا واحدًا من أحصاها دخل الجنة\" ثم سرد الأسماء وفيها اختلاف وزيادة ونقص، وقال =","vol":"9","page":478},{"text":"التوقيف (١) فهو داخل في هذا، ألا ترى أن الله تعالى ذكر الأسماء بلفظ التعريف، فدل أنها محصورة، محدودة، معلومة بالشرع (٢).\n_________\n= الترمذي: (هذا حديث غريب، وذكر الأسماء ليس له إسناده صحيح) اهـ.\nوقال شيخ الإسلام في \"الفتاوى\" ٦/ ٣٧٩ - ٣٨٢، و٨/ ٩٦ - ٩٧، و٢٢/ ٤٨٢: (إسناده ضعيف وتعيينها ليس من كلام النبي - ﷺ - باتفاق أهل المعرفة بالحديث ولم يرد في تعيينها حديث صحيح عن النبي - ﷺ -) اهـ.\nوقال ابن كثير في \"تفسيره\" ٢/ ٢٩٨: (الذي عول عليه جماعة من الحفاظ أن سرد الأسماء في هذا الحديث مدرج فيه) اهـ.\nوانظر: \"أحكام القرآن\" لابن العربي ٢/ ٨٠٢ - ٨١٦، و\"فتح الباري\" ١١/ ٢١٤ - ٢٢٩، و\"تلخيص الحبير\" ٤/ ١٧٢ - ١٧٤، و\"الدر المنثور\" ٣/ ٢٦٩ - ٢٧٠.\n(١) أسماء الله ﷾ توقيفية لا مجال للعقل فيها فلا يجوز تسميته بما لم يرد به السمع بل يجب الوقوف فيها على ما جاء في الكتاب والسنة؛ لأن ذلك من الأمور الغيبية، ولأن العقل لا يمكنه إدراك ما يستحقه تعالى من الأسماء ولأن تسميته بما لم يسم به نفسه أو إنكار ما سمى به نفسه جناية في حقه تعالى فوجب سلوك الأدب في ذلك والاقتصار على ما جاء به النص، أفاده الشيخ: محمد بن صالح العثيمين -رحمه الله تعالى- في \"القواعد المثلى\" ص ١٣، وانظر: \"شرح أسماء الله الحسنى\" للرازي ص ٣٦.\n(٢) قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين في \"القواعد المثلى\" ص ١٣ - ١٤: (أسماء الله تعالى غير محصورة بعدد معين وما استأثر الله تعالى به في علم الغيب لا يمكن لأحد حصره ولا الإحاطة به والحديث لا يدل على حصر الأسماء بهذا العدد ولو كان المراد الحصر لكانت العبارة: إن أسماء الله تسعة وتسعون اسمًا من أحصاها دخل الجنة أو نحو ذلك، فمعنى الحديث أن هذا العدد من شأنه أن من أحصاها دخل الجنة وعلى هذا فيكون قوله: \"من أحصاها دخل الجنة\" جملة مكملة لما قبلها وليست مستقلة ونظير هذا أن تقول: عندي مدّة درهم أعددتها للصدقة، فإنه لا يمنع أن يكون عندك دراهم أخرى لم تعدها للصدفة) اهـ.\nوقال النووي في \"شرح مسلم\" ١٧/ ٧ - ٨: (اتفق العلماء على أن هذا الحديث ليس فيه حصر لأسمائه ﷾ فليس معناه أنه ليس له أسماء غير هذه التسعة والتسعين وإنما =","vol":"9","page":479},{"text":"وقوله تعالى: ﴿فَادْعُوهُ بِهَا﴾؛ دعاؤه بها تعظيمه بذكرها؛ كقولك: يا قدير يا عليم يا كريم، قال أبو إسحاق (١): إلا ينبغي أنا تدعوه بما لم يصف به نفسه أو لم يسم به نفسه، فلا ينبغي أن يقال: سَخيٌّ بمعنى: جواد، ولا رفيق بمعنى: رحيم، ولا جلد بمعنى: قوي؛ لأنه لم يصف نفسه بهذه الألفاظ).\nوقال غيره: (في هذه الآية دليل على أن من أفضل الدعاء أن تدعوا الله بالأسماء الحسنى كما ذكر الله وأمر به) (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾. وقرأ (٣) حمزة: ﴿يُلْحِدُونَ﴾، ووافقه عاصم (٤) والكسائي في النحل، قال الفراء: (يُلحدون ويَلْحَدُونَ لغتان، يقال: لحدت لحدًا وألحدت) (٥).\n_________\n= مقصود الحديث أن هذه التسعة والتسعين من أحصاها دخل الجنة، فالمراد الإخبار عن دخول الجنة بإحصائها لا الإخبار بحصرها) اهـ. وانظر: \"الأسماء والصفات\" ص ٢٧، و\"الفتاوى\" لشيخ الإسلام ٦/ ٣٨١، و\"فتح الباري\" ١١/ ٢١٤.\n(١) انظر: \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٩٢، وفيه بعض الاختلاف ونحوه قال النحاس في \"معانيه\" ٣/ ١٠٨.\n(٢) انظر: \"بدائع التفسير\" لابن القيم ٢/ ٣١٦.\n(٣) قرأ حمزة: ﴿يُلْحِدُونَ﴾ هنا، وفي النحل: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ﴾ [النحل: ١٠٣]، وفي فصلت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ﴾ [فصلت: ٤٠] بفتح الياء والحاء في الثلاثة، ووافقه الكسائي في النحل، وقرأ الباقون جميع ذلك بضم الياء وكسر الحاء، انظر: \"السبعة\" ص ٢٩٨، و\"المبسوط\" ص ١٨٦، و\"التذكرة\" ٢/ ٤٢٩، و\"التيسير\" ص ١١٤، و\"النشر\" ٢/ ٢٧٣.\n(٤) كذا في النسخ وعند الرازي ١٥/ ٧١، وهو وهم أو تحريف من الناسخ، فعاصم يقرأ بضم الياء وكسر الحاء في الثلاثة المواضع كما سبق، وانظر: سورة النحل في \"السبعة\" ص ٣٧٥، و\"المبسوط\" ص ٢٢٦، و\"التذكرة\" ٢/ ٤٦٤.\n(٥) ذكره الرازي ١٥/ ٧١، ولم أقف عليه في \"معانيه\" وفي \"تهذيب الأزهري\" ٤/ ٣٢٤٣ =","vol":"9","page":480},{"text":"قال أهل اللغة (١): (معنى الإلحاد في اللغة: الميل عن القصد)، وقال ابن السكيت: (الملحد العادل عن الحق المدخل فيه ما ليس فيه، قال: قد ألحد في الدين ولحد) (٢)، وقال غيره من أهل اللغة: (الإلحاد العدل عن الاستقامة والانحراف عنها، ومنه اللَّحد الذي يحفر جانب القبر خلاف الضريح الذي يحفر في وسطه) (٣)، والأجود قراءة العامة؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ﴾ [الحج: ٢٥].\nوالإلحاد أكثر في كلامهم لقولهم: ملحد، ولا تكاد تسمع (٤) العرب\n_________\n= (لحد) \"معاني القراءات\" ١/ ٤٣٠، قال الفراء: (يقرأ ﴿يُلْحِدُونَ﴾ -بالفتح- أي: يميلون إليه وبالضم أي يعترضون) اهـ. بتصرف. وانظر: كتاب \"الأفعال\" للسرقسطي ٢/ ٤١١.\n(١) لفظ: \"اللغة\" غير واضح في (ب).\n(٢) هذا قول الأزهري في \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٢٤٢. وانظر: \"العين\" ٣/ ١٨٢، و\"الجمهرة\" ١/ ٥٠٥، و\"الصحاح\" ٢/ ٥٣٤، و\"مقاييس اللغة\" ٥/ ٢٣٦، و\"المجمل\" ٣/ ٨٠٣، و\"المفردات\" ص ٧٣٧، و\"اللسان\" ٧/ ٤٠٠٥ (لحد).\nوقال ابن الأنباري في \"الزاهر\" ١/ ١٤٣ - ١٤٤: (الملحد في كلام العرب: الجائر عن الحق ويقال: قد لحدت الرجل إذا أدخلته اللحد وألحدته إذا صنعت له لحدًا، ويقال: قد ألحد الرجل ولحد: إذا جار، وفرق الكسائي بينهما فقال: ألحد: جار، ولحد: ركن) اهـ.\n(٣) هذا قول أبي علي في \"الحجة\" ٤/ ١٠٨، ونحوه ذكر اليزيدي في \"غريب القرآن\" ص ١٥٣. وانظر: \"مجاز القرآن\" ١/ ٢٣٣، و\"تفسير غريب القرآن\" ص ١٨٣، و\"نزهة القلوب\" ص ٥٠٩، و\"تفسير المشكل\" ص ٨٨.\n(٤) ذكره السمين في \"الدر\" ٥/ ٥٢٣، عن الواحدي وقال: (امتناعهم عن مجيء اسم فاعل الثلاثي يدل على قلته ومن كلامهم لحده اللاحد) اهـ.","vol":"9","page":481},{"text":"لاحدًا، فمن جمع بينهما في قراءته فكأنه أراد الأخذ بكل واحدة من اللغتين (١).\nقال ابن عباس ومجاهد (٢): (﴿الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ هم المشركون، عدلوا بأسماء الله عما هي عليه فسموا بها أوثانهم، وزادوا فيها ونقصوا منها، واشتقوا اللات من الله، والعزى من العزيز، ومناة من المنان).\nوقال أهل المعاني: (الذين يلحدون في أسماء الله الذين (٣) يسمون الله بما لم يسمّ به نفسه، ولم ينطق به كتاب، ولا دعا إليه رسول) (٤).\nيدل على صحة هذا ما روى عن ابن عباس أنه قال: (﴿يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ أي: يكذبون) (٥).\n_________\n(١) هذا قول أبي علي الفارسي في \"الحجة\" ٤/ ١٠٨، وانظر: \"إعراب القراءات\" ١/ ٢١٥، و\"الحجة\" لابن خالويه ص ١٦٨، ولابن زنجلة ص ٣٠٣، و\"الكشف\" ١/ ٤٨٤ وقال الطبري في \"تفسيره\" ٩/ ١٣٤: (الصواب أنهما لغتان بمعنى واحد، غير أن قراءة الضم أشهر وأفصح) اهـ. وانظر: \"معاني الأخفش\" ٢/ ٣١٥، و\"إعراب النحاس\" ١/ ٦٥٣، و\"معانيه\" ٣/ ١٠٨.\n(٢) أخرج الطبري ٩/ ١٣٣ - ١٣٤ بسند ضعيف عن ابن عباس ومجاهد نحوه، وأخرج ابن أبي حاتم ٥/ ١٦٢٣، بسند ضعيف عن ابن عباس نحوه، وذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ٦/ ٢٥ ب، والماوردي ٢/ ٢٨٢، والواحدي في \"الوسيط\" ٢/ ٢٧٦، والبغوي ٣/ ٣٠٧، والخازن ٢/ ٣١٩، عن ابن عباس ومجاهد، وقال ابن الأنباري في \"الزاهر\" ١/ ١٤٣: (قال المفسرون: هو اشتقاقهم اللات من الله والعزى من العزيز) اهـ.\n(٣) لفظ: (الذين) ساقط من (ب).\n(٤) ذكره الثعلبي ٦/ ٢٥ ب، والبغوي ٣/ ٣٠٧، والخازن ٢/ ٣١٩، عن أهل المعاني.\n(٥) أخرجه الطبري ٩/ ١٣٤، وابن أبي حاتم ٥/ ١٦٢٣ بسند جيد.","vol":"9","page":482},{"text":"وقال زيد بن أسلم: (يميلون عن الحق) (١). فكل من سمّى الله بما لم يرد به توقيف فقد كذب في ذلك (٢) التسمية ومال عن الحق (٣).\nوقوله تعالى: ﴿سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أي: جزاء ما كانوا يعملون في الآخرة (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1282>١٨١ </span>- قوله تعالى: ﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ﴾ الآية. روى قتادة وابن جريج عن النبي - ﷺ -: \"أنها هذه الأمة\" (٥).\nوروي أيضًا أنه قال: \"هذه لكم وقد أعطى الله قوم موسى مثلها\" (٦).\nوقال الربيع بن أنس: (قرأ النبي - ﷺ - هذه الآية فقال: \"إن من أمتي قومًا على الحق حتى ينزل عيسى بن مريم\" (٧).\n_________\n(١) ذكره الثعلبي ٦/ ٢٥ ب.\n(٢) كذا في النسخ: (ذلك)، والأولى (تلك).\n(٣) قال أهل العلم: (الإلحاد في أسماء الله تعالى أنواع أحدها: أن يسمى الأصنام بها، والثاني: تسميته بما لا يليق بجلاله، والثالث: وصفه بما يتعالى عنه ويتقدس من النقائص، الرابع: تعطيل الأسماء عن معانيها وجحد حقائقها وأنها مجرد أعلام فقط وألفاظ مجردة لا تتضمن صفات ولا معاني، الخامس: تشبيه صفاته بصفات خلقه تعالى الله عما يقول المشبهون علوًا كبيرًا)، أفاده ابن القيم في \"بدائع التفسير\" ٢/ ٣١٤، وانظر: \"إعراب النحاس\" ١/ ٦٥٣، و\"أحكام القرآن\" لابن العربي ٢/ ٨١٦، والقرطبي ٧/ ٣٢٨.\n(٤) لفظ: (أي جزاء ما كانوا يعملون) ساقط من (ب).\n(٥) أخرجه الطبري ٩/ ١٣٥ من طرق جيدة عن ابن جريج وقتادة وهو مرسل، وذكره السيوطي في \"الدر\" ٣/ ٢٧٢، وقال: (أخرجه ابن جرير وابن المنذر، وأبو الشيخ عن ابن جريج، وأخرجه عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة) اهـ. وذكره الثعلبي ٦/ ٢٦ أ، والماوردي ٢/ ٢٨٣، عن قتادة وابن جريج.\n(٦) أخرجه الطبري ٩/ ١٣٥ بسند جيد عن قتادة وهو مرسل وتابع لما سبق عن قتادة.\n(٧) أخرجه ابن أبي حاتم ٥/ ١٦٢٣، وهو مرسل، وأخرج البخاري رقم (٧٣١١) =","vol":"9","page":483},{"text":"وقال ابن عباس: (يريد: أمة محمد - ﷺ -، وهم المهاجرون والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان) (١).\nوقوله تعالى: ﴿يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾. قد ذكرنا ما فيه عند قوله: ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ﴾ [الأعراف: ١٥٩].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1283>١٨٢ </span>- قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾، قال الكلبي: (يعني: أهل مكة كذبوا بمحمد والقرآن) (٢).\nوقوله تعالى: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾. الاستدراج في اللغة (٣):\n_________\n= كتاب التوحيد، باب: قول النبي - ﷺ -: \"لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين\"، ومسلم رقم (١٩٢١) كتاب الإمارة، باب: فضل الرمي والحث عليه، عن المغيرة بن شعبة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"لا يزال من أمتي قوم ظاهرين على الناس حتى يأتيهم أمر الله\" اهـ.\n(١) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ٢/ ٢٧٧، والبغوي ٣/ ٣٠٨، وابن الجوزي ٣/ ٢٩٤، والرازي ١٥/ ٧٢، والخازن ٢/ ٤٢٠، وذكره الثعلبي ٦/ ٢٦ أ، عن عطاء فقط، وأكثرهم على أنه في أمة محمد - ﷺ -.\nوقال \"النحاس\" ١/ ٦٥٣: (دل الله جل وعز بهذه الآية أنه لا تخلو الدنيا في وقت من الأوقات من داع يدعو إلى الحق) اهـ، وانظر: السمرقندي ١/ ٥٨٥، ابن عطية ٦/ ١٥٨، و\"البحر\" ٤/ ٤٣٠.\n(٢) \"تنوير المقباس\" ٢/ ١٤٣. وذكره الواحدي في \"الوسيط\" ٢/ ٢٧٧، وهو قول السمرقندي ١/ ٥٨٦، وذكره ابن الجوزي ٣/ ٢٩٤، والرازي ١٥/ ٧٣، والقرطبي ٧/ ٣٢٩، عن ابن عباس، والظاهر العموم وأول ما يدخل كفار مكة، وهو اختيار الرازي ١٥/ ٧٣، والخازن ٢/ ٣٢٠، قال الخازن: (هذا أولى لأن صيغة العموم تتناول الكل إلا ما دل الدليل على خروجه منه) اهـ.\n(٣) انظر: \"العين\" ٦/ ٧٧، و\"الصحاح\" ١/ ٣١٣، و\"مقاييس اللغة\" ٢/ ٢٧٥، و\"المجمل\" ٢/ ٣٢٥، و\"المفردات\" ص ٣١١، و\"اللسان\" ٣/ ١٣٥٢ (درج).","vol":"9","page":484},{"text":"الأخذ بطيِّ منزلةٍ (١) وأصله من الدرج، وهو لفُّ الشيء، يقال: درجته وأدرجته ودرجته، وأدرجت المرأة صبيها في المعاوز (٢)، وأدرج الميت في أكفانة، وأدرجت الكتاب في الكتاب إذا طويته فيه (٣)، والاستدراج هو طي منزلة بعد منزلة، ويجوز أن يكون من الدرجة فيكون معنى الاستدراج في الأمر: أن يحط درجة بعد درجة حتى ينتهي إلى مقصوده، وهذا معنى الاستدراج في اللغة، وهو معنى قول المفسرين (٤) وأهل المعاني (٥).\nوقال أبو عبيدة (٦): والمؤرج (٧): (الاستدراج أن آتيه من حيث لا يعلم)، وهو معنى قول ابن عباس (٨): (سنمكر بهم من حيث لا يعلمون).\nوقال الكلبي: (يزين لهم أعمالهم فيهلكهم) (٩).\n_________\n(١) لفظ: (بطي منزلة) ساقط من (ب).\n(٢) المعاوز، جمع معوز -بكسر الميم وسكون العين وفتح الواو-: وهو الثوب الخلق وخرقة يلف بها الصبي. انظر: \"اللسان\" ٥/ ٣١٦٩ (عوز).\n(٣) ما تقدم في \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١١٦٨ (درج).\n(٤) انظر: \"تفسير الطبري\" ٩/ ١٣٥، والسمرقندي ١/ ٥٨٦، والماوردي ٢/ ٢٨٣.\n(٥) انظر: \"معاني النحاس\" ٣/ ١٠٩.\n(٦) \"مجاز القرآن\" ١/ ٢٣٣ وزاد: (ومن حيث تلطف له حتى تغتره). ونحوه قال اليزيدي في \"غريب القرآن\" ص ١٥٤.\n(٧) ذكره الثعلبي ٦/ ٢٦ ب.\n(٨) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ٢/ ٢٧٧، وذكره الثعلبي ٦/ ٢٦ ب، والبغوي ٣/ ٣٠٨ عن عطاء.\n(٩) ذكره السمرقندي في \"تفسيره\" ١/ ٥٨٦، والثعلبي ٦/ ٢٦ ب والبغوي ٣/ ٣٠٨، والخازن ٢/ ٣٢٠.","vol":"9","page":485},{"text":"وقال الضحاك: (كلما جددوا لنا معصية جددنا لهم نعمة) (١).\nوقال الأزهري: (قيل في قوله تعالى: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾: سنأخذهم قليلًا من حيث لا يحتسبونه، وذلك أنه جل وعز يفتح عليهم من النعيم ما يغتبطون به ويركنون إليه أنسًا به (٢)، ثم يأخذهم علي غرّتهم أغفلَ ما يكونون (٣)، ولهذا قال عمر (٤) -﵁- لما حُمل إليه كنوز كسرى: \"اللهم إني أعوذ بك أن أكون مستدرجًا؛ فإني أسمعك تقول: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾ \") (٥).\nوقال عبد الله بن مسلم: (الاستدراج أن يُدنيهم من بأسه قليلًا، ومنه يقال: درجت فلانًا إلى كذا، واستدرج فلانًا حتى تعرف ما عنده، يراد: لا تجاهره ولا تهجم عليه بالسؤال، ولكن استخرج ما عنده قليلًا قليلًا، قال: وأصل هذا من الدرجة، وذلك أن الراقي فيها والنازل منها ينزل مِرْقاة مرقاة، فاستعير (٦) هذا منها) (٧). والاية وعيد للمكذب بآيات الله ﷿ بأنه يستدرجه إلى العذاب من حيث لا يعلم ما إليه يصير (٨).\n_________\n(١) ذكره الثعلبي ٦/ ٢٦ ب، والواحدي في \"الوسيط\" ٢/ ٢٧٧، والبغوي ٣/ ٣٠٨، وابن الجوزي ٣/ ٢٩٥، والقرطبي ٧/ ٣٢٩، والخازن ٢/ ٣٢٠، وقال السجستاني في \"نزهة القلوب\" ص ٢٦٤ عند شرح كلمة ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ﴾: (جاء في التفسير كلما جددوا خطيئة جددنا لهم نعمة وأنسيانهم الاستغفار) اهـ.\n(٢) في (ب): (أنسيأبهم)، وهو تحريف.\n(٣) في (ب): (ما يكون)، وهو تحريف.\n(٤) ذكره الرازي ١٥/ ٧٣، والخازن ٢/ ٣٢٠، ولم أقف على إسناده بعد طول بحث.\n(٥) \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١١٦٨ - ١١٦٩ (درج).\n(٦) في (ب): (واستعير).\n(٧) \"تأويل مشكل القرآن\" ص ١٦٦.\n(٨) انظر: \"إعراب النحاس\" ١/ ٦٥٣.","vol":"9","page":486},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1284>١٨٣ </span>- قوله تعالى: ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ﴾، الإملاء في اللغة (١) الإمهال وإطالة المدة، وهو نقيض الإعجال، والمليُّ زمان طويل من الدهر، ومنه قوله: ﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ [مريم: ٤٦]. أي: طويلًا، ويقال: مُلوة، ومِلوة (٢)، وملاوة من الدهر أي: زمان طويل (٣). فمعنى ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ﴾. أي: أمهلهم وأطيل لهم مدة عمرهم ليتمادوا في المعاصي، ولا أعاجلهم بالعقوبة على المعصية ليقلعوا عنها بالتوبة والإنابة (٤).\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾، قال ابن عباس (٥): (يريد: إن مكري شديد)، والمتين من كل شيء القوي (٦)، وقد متن متانة (٧)، ومعنى\n_________\n(١) انظر: \"مجاز القرآن\" ١/ ٢٣٤، و\"غريب القرآن\" لليزيدي ص ١٥٤، و\"تفسير غريب القرآن\" ص ١٨٣، و\"نزهة القلوب\" ص ١٠١، ١١٥، و\"تفسير المشكل\" ص ٨٨.\n(٢) لفظ: (وملوة) ساقط من (ب).\n(٣) النص في \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٤٣٨ (ملا)، ومُلوة بالضم، ومِلوة بالكسر، ومَلاوة بالفتح. وانظر: \"العين\" ٨/ ٣٤٤، و\"الصحاح\" ٦/ ٢٤٩٦، و\"المجمل\" ٣/ ٨٤١، و\"مقاييس اللغة\" ٥/ ٣٥٢، و\"المفردات\" ص ٧٧٦، و\"اللسان\" ٧/ ٤٢٥٢ (ملا).\n(٤) انظر: \"تفسير الطبري\" ٩/ ١٣٥، و\"معاني النحاس\" ٣/ ١٠٩، والسمرقندي ١/ ٥٨٦.\n(٥) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ٢/ ٢٧٧، والبغوي ٣/ ٣٠٨، وابن الجوزي ٣/ ٢٩٥، والرازي ١٥/ ٧٤، والخازن ٢/ ٣٢١، و\"البحر\" ٤/ ٤٣١.\n(٦) انظر: \"مجاز القرآن\" ١/ ٢٣٤، و\"غريب القرآن\" لليزيدي ص ١٥٤، و\"تفسير غريب القرآن\" ص ١٨٣، و\"تفسير أسماء الله الحسنى\" للزجاج ص ٥٥، و\"اشتقاق أسماء الله\" للزجاجي ص ١٩٤.\n(٧) انظر: \"العين\" ٨/ ١٣١، و\"الجمهرة\" ١/ ٤١٠، و\"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٣٣٨، و\"الصحاح\" ٦/ ٢٢٠٠، و\"مقاييس اللغة\" ٥/ ٢٩٤، و\"المفردات\" ص ٧٥٨، و\"اللسان\" ٧/ ٤١٣٠ (متن).","vol":"9","page":487},{"text":"كيد (١) الله هنا: استدراجه إياهم (٢). قال المفسرون: (نزلت في المستهزئين من قريش؛ قتلهم الله ﷿ في ليلة واحدة بعد أن أمهلهم حتى صاروا إلى الاغترار بطول السلامة وإسباغ النعمة) (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1285>١٨٤ </span>- وقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾. قال أصحاب المعاني: (التفكير طلب المعنى بالقلب كطلب الشخص بالعين) (٤)، وتقدير الآية ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا﴾ فيعلموا ﴿مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾، كذلك قال ابن كيسان (٥) وغيره، فحذف (يعلموا)؛ لأن التفكر مؤدٍ إلى العلم، فقام مقامه وأغنى عن ذكره، وذكر صاحب النظم أن بعض أهل العربية قال: (إن قوله: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا﴾ تمام الكلام واتصاله بما قبله، وقوله تعالى: ﴿مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾ نفي مبتدأ) (٦).\nوإلى هذا مال ابن الأنباري؛ لأنه قال: (﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا﴾ وقف التمام.\n_________\n(١) انظر: \"العين\" ٥/ ٣٩٦، و\"إعراب النحاس\" ١/ ٦٥٤، و\"نزهة القلوب\" ص ٣٨٥، و\"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٠٧٦، و\"الصحاح\" ٢/ ٥٣٣، و\"المفردات\" ص ٧٢٨ (كيد).\n(٢) انظر: \"القواعد المثلى\" لابن عثيمين ص ٢٠، و\"المفسرون بين التأويل والإثبات\" للمغراوي ص ١٣.\n(٣) ذكره الثعلبي ٦/ ٢٦ ب، والبغوي ٣/ ٣٠٨، والقرطبي ٧/ ٣٣٠، والخازن ٢/ ٣٢١، و\"البحر\" ٤/ ٤٣١، وقد اختلف العلماء في المستهزئين من حيث عددهم وكيفية هلاكهم، انظر: \"مجمع الزوائد\" ٤/ ٤٦، و\"الدر المنثور\" ٣/ ٢٧٢.\n(٤) ذكره الرازي ١٥/ ٧٥، وانظر: \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٨١٨، و\"المفردات\" ص ٦٤٣ (فكر).\n(٥) لم أقف عليه، وضعف هذا القول أبو حيان ٤/ ٤٣٢، والسمين ٥/ ٥٢٥.\n(٦) ذكر هذا القول أبو حيان في \"البحر\" ٤/ ٤٣٢، والسمين في \"الدر\" ٥/ ٥٢٥ بلا نسبة.","vol":"9","page":488},{"text":"قال: ومثل هذا قوله (١): ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [الروم: ٨] ثم تبتدئ ﴿مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ﴾، وقوله في سبأ: ﴿ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا﴾ [سبأ: ٤٦] ثم تبتدئ: ﴿مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾) (٢)، وقد قيل: إن قوله: ﴿مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾، إلى آخر الآية كلام معترض بين كلامين، على نظم ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا﴾، ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ﴾ (٣) [الأعراف: ١٨٥]، وأدخل بينهما قوله: ﴿مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾، فلما انقضى هذا رجع إلى المبتدأ الأول وهو قوله: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا﴾ فجاء به على لفظ سواه، وهو قوله: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا﴾ [ومعناهما جميعًا واحد؛ لأن قولك: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا﴾، ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا﴾ واحد، والمعنى] (٤): أولم يتفكروا في خلق السموات والأرض (٥)،\n_________\n(١) لفظ: (قوله) ساقط من (ب).\n(٢) \"الإيضاح\" لابن الإنباري ٢/ ٦٧١، ومثله ذكر النحاس في \"القطع والائتناف\" ١/ ٢٦٧، والداني في \"المكتفي\" ص ٢٨١.\n(٣) لفظ: (السموات) ساقط من (أ).\n(٤) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).\n(٥) لفظ: (الأرض) ساقط من (ب)، ولم أقف على هذا القول فيما لدي من مراجع، وأما إعراب الآية: فما نافية و﴿بِصَاحِبِهِمْ﴾ خبر مقدم، ومن مزيدة ﴿جِنَّةٍ﴾ مبتدأ أي: ما جنة بصاحبهم، وقيل: ما استفهامية مبتدأ، والخبر ﴿بِصَاحِبِهِمْ﴾ أي: أي شيء استقر بصاحبهم من الجنون وجملة ﴿مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾ في محل نصب مفعول به لفعل التفكر بعد إسقاط الخافض لأن التفكر من أفعال القلوب فيجوز تعليقه، وهذا هو اختيار أبي حيان في \"البحر\" ٤/ ٤٣١، والسمين في \"الدر\" ٥/ ٥٢٥، قال أبو حيان ٤/ ٤٣٢: (هذا هو الظاهر وفي الآية تخريجات ضعيفة ينبغي أن ينزه القرآن عنها وتفكر مما يثبت في اللسان تعليقه فلا ينبغي أن يعدل عنه) اهـ. وانظر: \"غرائب الكرماني\"١/ ٤٢٩، و\"التبيان\" ص ٣٩٦، و\"الفريد\" ٢/ ٣٨٨، و\"الجدول في إعراب القرآن\" ٩/ ١٢١.","vol":"9","page":489},{"text":"والجِنَّة (١) حالة من الجُنون كالجِلسة والرِّكبة ودخول ﴿مِّن﴾ في قوله ﴿مِّن جِنَّةٍ﴾ يوجب أن لا يكون به نوع من أنواع الجنون.\nقال الحسن (٢) وقتادة (٣): (إن نبي الله - ﷺ - قام ليلًا على الصَّفا يدعو قريشًا فخذًا (٤) فيقول: \"يا بني فلان يا بني فلان\" (٥)؛ يحذرهم بأس الله وعقابه، فقال قائلهم: إن (٦) صاحبكم هذا لمجنون بات يصوت حتى الصباح، فأنزل الله تعالى هذا الآية)، وحثهم على التفكر في أمر الرسول ليعلموا أنه إنما دعا للإنذار لا لما نسبه إليه الجهال.\n_________\n(١) انظر: \"مجاز القرآن\" ١/ ٢٣٤، و\"غريب القرآن\" لليزيدي ص ١٥٤، و\"تفسير غريب القرآن\" ص ١٨٣، و\"تهذيب اللغة\" ١/ ٦٧١، و\"الصحاح\" ٥/ ٢٠٩٣ (حسن).\n(٢) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ٢/ ٢٧٨، وابن الجوزي ٣/ ٢٩٦، والرازي ١٥/ ٧٥، و\"البحر\" ٤/ ٤٣١، عن الحسن وقتادة، وذكره الخازن ٢/ ٣٢١ عن المفسرين.\n(٣) أخرجه الطبري ٩/ ١٣٦، وابن أبي حاتم ٥/ ١٦٢٤ بسند جيد عن قتادة مرسلًا. وذكره السيوطي في \"الدر\" ٣/ ٢٧٣، وزاد نسبته إلى (عبد بن حميد وابن المنذر وأبي الشيخ عن قتادة)، وذكره الثعلبي ٦/ ٢٦ ب، والبغوي ٣/ ٣٠٩، و\"الكشاف\" ٢/ ١٣٣، عن قتادة وقال ابن حجر في \"الكافي الشاف\" ص ٦٦٩: (أخرجه الطبري بإسناد صحيح إلى قتادة) اهـ.\nوقد أخرج الطبري ١٩/ ١١٨ - ١٢٣ من عدة طرق جيدة نحوه عن جماعة منه الصحابة، وعن قتادة والحسن وغيرهما بدون ذكر الآية وذلك عندما نزل عليه قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤]، وانظر: \"الدر المنثور\" ٣/ ٢٧٣.\n(٤) فخذ الرجل: نفرة من حيه الذين هم أقرب عشيرته إليه فهو فرقة من الجماعات أولها الشعب ثم القبيلة ثم الفصيلة ثم العمارة ثم البطن ثم الفخذ، انظر: \"اللسان\" ٦/ ٣٣٦٠ (فخذ).\n(٥) لفظ: (يا بني فلان) ساقط من (أ).\n(٦) لفظ: (إن) ساقط من (ب).","vol":"9","page":490},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1286>١٨٥ </span>- قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ الآية. قال أهل المعاني: (حثهم الله على النظر المؤدي إلى العلم، فقال: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾؛ ليستدلوا على أن لها صانعًا مدبرًا دبرها علي ما أراد) (١)، قال الزجاج: (والمعنى: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا﴾ فيما دلهم الله به على توحيده) (٢)، ومضى الكلام في معنى (٣) ﴿مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ في سورة الأنعام. وقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ﴾، أي: وفيما خلق الله من الأشياء كلها، قال ابن عباس: (يريد: من جليل وصغير) (٤).\nوقوله تعالى: ﴿وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ﴾، أي: وفي (أن) لعل آجالهم قريبة، فيهلكوا على الكفر ويصيروا إلى النار. و(أن) في (٥) ﴿وَأَنْ عَسَى﴾ بمعنى: أنه، فهو مخفف (٦) من الثقيل كقول الأعشى (٧):\n_________\n(١) انظر: \"تفسير الطبري\" ٩/ ١٣٦، والبغوي ٣/ ٣٠٩، وابن عطية ٦/ ١٦٢، وابن الجوزي ٣/ ٢٩٦، والرازي ١٥/ ٧٦، والقرطبي ٧/ ٣٣٠.\n(٢) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٩٢.\n(٣) لفظ: (معنى) ساقط من: (أ).\n(٤) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ٢/ ٢٧٨، وانظر: \"أحكام القرآن\" لابن العربي ٢/ ٨١٦.\n(٥) في (ب): (وإن في عسى أن)، وهو تحريف.\n(٦) هذا هو الظاهر فأن مخففة من الثقيلة واسمها ضمير الشأن، وجملة: ﴿عَسَى أَنْ يَكُونَ﴾ خبرها، وهذا اختيار أبي حيان في \"البحر\" ٤/ ٤٣٢، والسمين في \"الدر\" ٥/ ٥٢٦، وانظر: \"التبيان\" ص ٣٩٧، و\"الفريد\" ٢/ ٣٨٩.\n(٧) \"ديوانه\" ص ١٤٧ والبيت:\nفي فتية كسيوف الهند قد علموا ... أن هالك كل من يحفى وينتعل\nهذه رواية النحاة. أما الديوان ففيه:\nأن ليس يدفع عن ذي الحيلة الحيل\nوقد سبق تخريجه والكلام عليه.","vol":"9","page":491},{"text":"قد علموا ... أن هالك .......\nأي: أنه هالك، وقد بينا ذلك في مواضع.\nقال الزجاج: (أي: إن (١) كانوا يسوّفون بالتوبة فعسى ﴿عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ﴾) (٢) قال ابن عباس: (يريد: قتلهم يوم بدر، ويوم أحد) (٣)\nوقوله تعالى: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾. قال: (يريد: فبأي (٤) قرآن غير ما جاء به محمد يصدقون) (٥)، وقال أهل المعاني: (هذا دليل على أن محمدًا خاتم الرسل وأن الوحي ينقطع بعد القرآن) (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1287>١٨٦ </span>- قوله تعالى: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ﴾، قال المفسرون: (ذكر علة إعراضهم عن الإيمان والقرآن وهو إضلال الله إياهم) (٧).\nوقوله تعالى: ﴿وَنَذَرُهُمْ﴾ رَفْعٌ بالاستئناف، وهو مقطوع مما قبله (٨).\n_________\n(١) في (أ): (أي إذ كانوا)، وهو تحريف.\n(٢) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٩٢.\n(٣) ذكره القرطبي ٧/ ٣٣٤، وهو قول مقاتل في \"تفسيره\" ٢/ ٧٨.\n(٤) في (ب): (يريد فبغير قرآن).\n(٥) انظر: \"تنوير المقباس\" ٢/ ١٤٥، وذكره \"الواحدي\" ٢/ ٢٧٩، والبغوي ٣/ ٣٠٩، والقرطبي ٧/ ٣٣٤، بلا نسبة.\n(٦) انظر: \"تفسير الطبري\" ٩/ ١٣٦، والسمرقندي ١/ ٥٨٦، والبغوي ٣/ ٣٠٩.\n(٧) انظر: \"تفسير الطبري\" ٩/ ١٣٧، والثعلبي ٦/ ٢٧ أ، والبغوي ٣/ ٣٠٩، وابن الجوزي ٣/ ٢٩٦، والقرطبي ٧/ ٣٣٤، والخازن ٢/ ٣٢١.\n(٨) هذا على قراءة الرفع، أما الجزم فلا يوقف على ما قبله ولا يبتدأ به لأنه معطوف على موضع الفاء وما بعدها من قوله: ﴿فَلَا هَادِيَ لَهُ﴾ فلا يقطع من ذلك، أفاده الداني في \"المكتفى\" ص ٢٨١، وانظر: \"الإيضاح\" لابن الأنباري ٢/ ٦٧٢، و\"القطع والائتناف\" ص ٢٦٧، و\"التذكرة\" لابن غلبون ٢/ ٤٢٩.","vol":"9","page":492},{"text":"وقرأ (١) أبو عمرو بالياء لتقدم اسم الله (٢) سبحانه، وقرأ حمزة والكسائي بالياء والجزم، ووجه ذلك فيما يقول سيبويه (٣): (إنه عطف على موضع الفاء وما بعدها من قوله: ﴿فَلَا هَادِيَ لَهُ﴾؛ لأن موضع الفاء مع ما بعدها جزم بجواب الشرط). فحمل ﴿وَيَذَرُهُمْ﴾ على الموضع، والموضع جزم، كقول أبي دواد (٤):\nفأبلوني بليتكم (٥) لعلي ... أصالحُكم وأستدرجْ نويَّا (٦)\n_________\n(١) قرأ عاصم وأبو عمرو: ﴿وَيَذَرُهُم﴾ بالياء ورفع الراء، وقرأ حمزة والكسائي بالياء وجزم الراء وقرأ الباقون بالنون ورفع الراء، انظر: \"السبعة\" ص ١٩٨، و\"المبسوط\" ص ١٨٧، و\"التذكرة\" ٢/ ٤٢٩، و\"التيسير\" ص ١١٥، و\"النشر\" ٢/ ٢٧٣.\n(٢) أي: قراءة الياء على الغيبة لتقدم اسم الله تعالى وهو على لفظ الغيبة كما في \"الحجة\" لأبي علي ٤/ ١٠٩، وانظر: \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٩٣، و\"إعراب النحاس\" ١/ ٦٥٤.\n(٣) \"الكتاب\" ٣/ ٩٠، وفيه ذكر قراءة الجزم وقال: (وذلك لأنه حمل الفعل على موضع الكلام؛ لأن هذا الكلام في موضع يكون جوابًا؛ لأن أصل الجزاء الفعل، وفيه تعمل حروف الجزاء ولكنهم قد يضعون في موضع الجزاء غيره) اهـ.\n(٤) أبو دواد الإيادي: جارية بن الحجاج، شاعر جاهلي قديم يضرب به المثل في الجود والإجارة، وأكثر أشعاره في المدح والفخر وأوصاف الخيل، انظر: \"الشعر والشعراء\" ص ١٤٠، و\"الأغاني\" ١٦/ ٤٠٢، و\"الأعلام\" ٢/ ١٠٦.\n(٥) في (ب): (بلوتكم).\n(٦) \"ديوانه\" ص ٣٥٠، و\"العسكريات\" ص ١١٥، و\"العضديات\" ص ١٢٠، و\"الخصائص\" ١/ ١٧٦، و\"سر صناعة الإعراب\" ٢/ ٧٠١، و\"تفسير ابن عطية\" ٦/ ١٦٤، و\"شرح شواهد المغني\" ٢/ ٨٣٩، وبلا نسبة في \"معاني الفراء\" ١/ ٨٨ - ٣/ ١٦٨، و\"تأويل مشكل القرآن\" ص ٥٦، و\"إعراب النحاس\" ٣/ ٤٣٩، و\"الخصائص\" ٢/ ٤٢٤، و\"الأمالي\" لابن الشجري ١/ ٤٢٨، و\"البيان\" ١/ ٣٨٠، و\"اللسان\" ٥/ ٣٠٨٢ (علل)، و\"مغني اللبيب\" ٤٢٣٢، و\"الدر =","vol":"9","page":493},{"text":"حمل (أستدرجْ) على موضع الفاء المحذوفة من قوله: (فلعلي أصالحكم)، والموضع جزم، والحمل على الموضع كثير (١).\nقوله تعالى: ﴿يَسْئَلُونَكَ﴾، قال ابن عباس: (إن قومًا من اليهود قالوا: يا محمد أخبرنا عن الساعة متى تكون إن كنت نبيًا؟) (٢)، وقال الحسن (٣) وقتادة (٤): (هم قريش، لمحمد - ﷺ -: أسرَّ إلينا متى الساعة؟).\n_________\n= المصون\" ٥/ ٥٢٨، ونسبه ابن هشام في \"المغني\" ٢/ ٤٧٧ للهذلي، والبيت قاله في قوم جاورهم فأساءوا جواره يقول: أحسنوا لعلي أرجع إلى جواركم، وقول: فأبلوني، أي اصنعوا بي جميلًا، وأستدرج، أي أرجع أدراجي من حيث أتيت، ونويا: يريد نواي وهي النية، والمراد: الوجه الذي يقصده، والشاهد: وأستدرج، حيث جزم على المعنى على تقدير جزم أصالحكم.\n(١) ما تقدم قول أبي علي في \"الحجة\" ٤/ ١٠٩ - ١١٠ وأكثرهم على أنه جزم عطف على محل قوله: ﴿فَلَا هَادِيَ لَهُ﴾ وقيل: إنه سكون تخفيف لتوالي الحركات. انظر: \"معاني القراءات\" ١/ ٤٣١، و\"إعراب القراءات\" ١/ ٢١٦، و\"الحجة\" لابن خالويه ص ١٦٧، ولابن زنجلة ص ٣٠٣، و\"الكشف\" ١/ ٤٨٥، و\"البحر\" ٤/ ٤٣٣، و\"الدر المصون\" ٥/ ٥٢٨.\n(٢) أخرجه الطبري ٩/ ١٣٧ بسند لا بأس به، وذكره السيوطي في \"الدر\" ٣/ ٢٧٤، وزاد نسبته إلى (ابن إسحاق وأبي الشيخ) وذكره الثعلبي ٦/ ١٧ أ، والماوردي ٢/ ١٨٧، وابن عطية ٦/ ١٦٥ - ١٦٦، وابن الجوزي ٣/ ٢٩٧، والرازي ١٥/ ٨٠، والخازن ٢/ ٣٢١ عن ابن عباس، وهو في \"سيرة ابن هشام\" ٢/ ١٩٨ - ١٩٩ بلا نسبة.\n(٣) ذكره الماوردي ٢/ ١٨٧، والواحدي في \"الوسيط\" ٢/ ٢٨٠، والرازي ١٥/ ٨٠، عن الحسن وقتادة.\n(٤) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٩/ ١٣٧ - ١٣٨ بسند جيد، وذكره السيوطي في \"الدر\" ٣/ ٢٧٤، وزاد نسبته إلى (عبد بن حميد) وذكره أكثرهم، واختار الطبري ٩/ ١٣٨، عدم التخصيص، ولا يبعد حصول السؤال من الجميع، أو أن اليهود أمروا قريش أن تسأل عن ذلك. والله أعلم.","vol":"9","page":494},{"text":"وقوله تعالى: ﴿عَنِ اَلسَّاعَةِ﴾.\nقال عطاء عن ابن عباس: (يريد: التي لا بعدها ساعة) (١).\nوقال الزجاج (٢): (الساعة (٣) هاهنا الساعة التي يموت فيها الخلق)، وقد ذكرنا فيما تقدم معنى الساعة، وقوله تعالى: ﴿أَيّاَنَ﴾ معناه: الاستفهام (٤) عن الوقت الذي لم يجيء، وهو سؤال عن الزمان (٥) على جهة الظرف للفعل كقول الراجز (٦):\n_________\n(١) انظر: \"تنوير المقباس\" ٢/ ١٤٥.\n(٢) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٩٣، وانظر: \"إعراب النحاس\" ١/ ٦٥٤.\n(٣) لفظ: (الساعة) ساقط من (ب).\n(٤) انظر: \"الكتاب\" ٤/ ٢٣٥، و\"تأويل مشكل القرآن\" ص ٥٢٢، و\"حروف المعاني\" للزجاجي ص ١٢، و\"نزهة القلوب\" ص ٧٤، و\"تهذيب اللغة\" ١/ ٢٤٣ (أيان)، و\"المحتسب\" ١/ ٢٦٨، و\"الصحاح\" ٥/ ٢٠٧٦ (أين)، و\"الصاحبي\" ص ٢٠١، وقال أبو حيان في \"البحر\" ٤/ ٤١٩، والسمين في \"الدر\" ٥/ ٥٢٩: (أيان ظرف زمان مبني لا يتصرف ويليه المبتدأ أو الفعل المضارع دون الماضي وأكثر استعمالها في الاستفهام، وقد تأتي شرطية جازمة لفعلين وذلك قليل فيها).\nقال أبو حيان: (وهي عندي حرف بسيط لا مركب وجامد لا مشتق).\nوقال السمين: (الفصيح فتح همزتها وهي قراءة العامة وقرئ بكسرها وهي لغة سليم) اهـ.\nوانظر: \"الإتقان\" للسيوطي ١/ ٢١٤.\n(٥) في (ب): (وهو سؤال عن السؤال على جهة الظرف) وهو تحريف.\n(٦) لم أقف على قائله وهو في: \"مجاز القرآن\" ١/ ٢٣٤، و\"تفسير الطبري\" ٩/ ١٣٨، والثعلبي ٦/ ٢٧ ب، والماوردي ٢/ ٢٨٤، وابن عطية ٦/ ١٦٦، و\"الفريد\" للهمداني ٢/ ٣٩٠، والقرطبي ٧/ ٣٣٥، و\"اللسان\" ١٣/ ٤ (أبن)، و\"البحر\" ٤/ ٤١٩، و\"الدر المصون\" ٥/ ٥٢٩ وتمامه:\nأما ترى لنجحها إبانا","vol":"9","page":495},{"text":"أيان تقضي حاجتي أيانا\nأي: متى أوان قضائها.\nوقوله تعالى: ﴿مُرْسَاهَا﴾. المرسى: مفعل من الإرساء وهو الإثبات، يقال: رسا (١) الشيء يرسو إذا ثبت وأرساه غيره، قال الله تعالى: ﴿وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا﴾ [النازعات: ٣٢].\nوالمرسى (٢) هاهنا مصدر بمعنى: الإرساء كقوله: ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾ [هود: ٤١]. أي: إجراؤها وإرساؤها (٣)، فمعنى ﴿أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾ متى يقع إثباتها، قال قتادة (٤) والسدي (٥): (﴿مُرْسَاهَا﴾ قيامها)، وهو معنى وليس تفسير.\nوقال الزجاج: (متى وقوعها) (٦).\n_________\n= وإبان كل شيء بالكسر والتشديد وقته وحينه الذي يكون فيه انظر: \"اللسان\" ١/ ١٢ (ابن).\n(١) في (ب): \"رسى\".\n(٢) في (ب): \"والمرسا\".\n(٣) انظر: \"العين\" ٧/ ٢٩٠، و\"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٤٠٣، و\"الصحاح\" ٦/ ٢٣٥٦، و\"المجمل\" ٢/ ٣٧٧، و\"مقاييس اللغة\" ٢/ ٣٩٤، و\"المفردات\" ص ٣٥٤، و\"اللسان\" ٣/ ١٦٤٧ (رسا).\n(٤) أخرجه الطبري ٩/ ١٣٨ بسند جيد عن قتادة، وذكره النحاس في \"معانيه\" ٣/ ١١٠، والثعلبي ٦/ ٢٧ ب، والبغوي ٣/ ٣٠٩، عن قتادة.\n(٥) أخرجه ابن أبي حاتم ٥/ ١٦٢٦ بسند جيد عن السدي، وذكره الماوردي ٢/ ٢٨٤، وهو قول الطبري ٩/ ١٣٨، والسمرقندي ١/ ٥٨٧.\n(٦) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٢٩٣ وهو قول اليزيدي في \"غريب القرآن\" ص ١٥٤، والنحاس في \"إعرابه\" ١/ ٦٥٤.","vol":"9","page":496},{"text":"وقال ابن قتيبة: (متى ثبوتها) (١)؛ وذلك أنها إذا أثبتت وقعت وثبتت (٢).\nوقوله تعالى: ﴿قُلْ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي﴾. أي: العلم بوقتها و(٣) وقوعها، وهذا من باب إضافة المصدر (٤) إلى المفعول، والمعنى: أنه مستأثر بذلك العلم فلا يعلمها إلا هو، قال أهل المعاني: (والمعنى في إخفاء أمر الساعة وعلمها عن العباد أنهم إذا لم يعلموا متى تكون كانوا على حذر منها، فيكون ذلك أدعى إلى الطاعة، وأزجر في المعصية) (٥).\nوقوله تعالى: ﴿لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ﴾.\nقال الزجاج (٦) وابن مسلم (٧): (لا يظهرها في وقتها إلا هو)، وهو معنى قول مجاهد (٨): (لا يأتي بها إلا هو)، وقال المبرد: (لا يقيمها عند\n_________\n(١) \"تفسير غريب القرآن\" ١/ ١٨٣، وهو قول مكي في \"تفسير مشكل القرآن\" ص ٨٨، وانظر: \"مجاز القرآن\" ١/ ٢٣٤.\n(٢) \"المعاني متقاربة\"، وقد أخرج الطبري ٩/ ١٣٨، وابن أبي حاتم ٥/ ١٦٢٦ من طرق جيدة عن ابن عباس قال: (منتهاها) قال الطبري: (وهو قريب من معنى من قال: قيامها لأن انتهاءها بلوغها وقتها، وأصل ذلك الحبس والوقوف) اهـ.\n(٣) لفظ: (الواو) ساقط من (ب).\n(٤) انظر: \"التبيان\" ١/ ٣٩٧، و\"الفريد\" ٢/ ٣٩١، و\"الدر المصون\" ٥/ ٥٣٠.\n(٥) ذكره الرازي ١٥/ ٨٠ - ٨١، والخازن ٢/ ٣٢٢، عن المحققين.\n(٦) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٩٣.\n(٧) \"تفسير غريب القرآن\" ص ١٨٤، وهو قول أكثرهم.\nانظر: \"مجاز القرآن\" ١/ ٢٣٥، و\"غريب القرآن\" ص ١٥٥، و\"تفسير الطبري\" ٩/ ١٣٨، و\"نزهة القلوب\" ص ٤٧٩، و\"معاني النحاس\" ٣/ ١١٠، و\"تفسير المشكل\" ص ٨٨.\n(٨) \"تفسير مجاهد\" ١/ ٢٥٢، وأخرجه الطبري ٩/ ١٣٨، وابن أبي حاتم ٥/ ١٦٢٧ من طرق جيدة، وأخرج الطبري بسند جيد عن قتادة والسدي نحوه.","vol":"9","page":497},{"text":"وقتها إلا هو) (١)، نظيره قوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾ [النجم: ٥٨]. والتجلية (٢) إظهار الشيء، والتجلي ظهوره، وقد مر.\nوقوله تعالى: ﴿ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. قال ابن عباس (٣): (يريد: ثقلت على أهل السموات وأهل الأرض) (٤)؛ يريد: كلهم خائفون من الله، المحسن والمسيء؛ وهذا معنى قول الحسن (٥)؛ يقول: (إذا جاءت ثقلت على السموات والأرض وأهلهما (٦)، أي: كبرت وعظمت لما فيها من انتشار النجوم، وتكوير الشمس، وتسيير الجبال).\nونحو من ذلك قال ابن جريج (٧)، وقتادة والكلبي (٨): (ثقل علمها\n_________\n(١) لم أقف عليه، وانظر: \"الكامل\" للمبرد ١/ ٤٤٢ و٢/ ٤٩٦، ١٠٥٢.\n(٢) انظر: \"تهذيب اللغة\" ١/ ٦٢٥، و\"الصحاح\" ٦/ ٢٣٠٣، و\"مقاييس اللغة\" ١/ ٤٦٨ (جلا).\n(٣) أخرج أبو عبيد في كتاب: \"اللغات\" ص ١٠٧، و\"ابن حسنون\" ص ٢٦، بسند جيد عن ابن عباس قال: (﴿ثَقُلَتْ﴾ خفيت بلغة قريش) اهـ.\n(٤) \"تنوير المقباس\" ٢/ ١٤٥، وزكره الواحدي في \"الوسيط\" ٢/ ٢٨١، وابن الجوزي ٣/ ٢٩٨، وأخرج ابن أبي حاتم ٥/ ١٦٢٧ بسند ضعيف عن ابن عباس في الآية، قال: (ليس شيء من الخلق إلا يصيبه من ضرر يوم القيامة) اهـ. وذكره السيوطي في \"الدر\" ٣/ ٢٧٤.\n(٥) أخرجه عبد الرزاق ١/ ٢/ ٢٤٥، والطبري ٩/ ١٣٩، وابن أبي هاشم ٥/ ١٦٢٧ بسند ضعيف، وذكره هود الهواري ٢/ ٦٣، والثعلبي ٦/ ٢٧ ب، والمارودي ٢/ ٢٨٥، والبغوي ٣/ ٣١٠، وابن عطية ٦/ ١٦٧، والرازي ١٥/ ٨١.\n(٦) في (ب): (وأهلها).\n(٧) أخرجه الطبري ٩/ ١٣٩، بسند جيد عن ابن جريج، وقتادة والسدي، وذكره ابن عطية ٦/ ١٦٧، وابن الجوزي ٣/ ٢٩٨، والقرطبي ٧/ ٣٣٥، عن ابن جريج، وقتادة والسدي، وذكره الماوردي ٢/ ٢٨٥، عن ابن جريج والسدي.\n(٨) أخرجه عبد الرزاق ١/ ٢/ ٢٤٤، بسند جيد عن قتادة والكلبي، وأخرجه ابن أبي حاتم ٢/ ٢٨٥، بسند جيد عن قتادة.","vol":"9","page":498},{"text":"على أهل السموات وأهل (١) الأرض (٢)، فلم يطيقوا إدراكًا لها) (٣)، وهو قول السدي (٤)، واختيار الفراء وابن قتيبة.\n[قال الفراء: (ثقل علمها على أهل الأرض والسماء أن يعلموه) (٥).\nوقال (٦) ابن قتيبة: (أي] (٧) خفي علمها على أهل السموات والأرض وإذا خفي الشيء ثقل) (٨)، وذكر أبو إسحاق القولين جميعًا فقال: (قال بعض القوم: ثقل علمها على أهل السموات (٩) والأرض، وقال قوم: ثقل وقوعها على أهل السموات والأرض، ثم أعلم الله ﷿ كيف وقوعها فقال:\n_________\n(١) لفظ: (أهل) ساقط من (ب).\n(٢) في (ب) جاء بعد قوله: (والأرض) تكرار قوله: \"وأهلها أي كبرت وعظمت، إلى (والأرض).\n(٣) إدراكًا لها: أي تحديد وقتها، وأصل الإدراك اللحوق، وأدرك الشيء أي بلغ وقته، انظر: \"اللسان\" ٣/ ١٣٦٣ (درك).\n(٤) أخرجه الطبري ٩/ ١٣٩، وابن أبي حاتم ٥/ ١٦٢٧، بسند جيد، وذكره الرازي ١٥/ ٨١.\n(٥) \"معاني الفراء\" ١/ ٣٩٩، وهو قول ابن الأنباري في \"الإيضاح\" ٢/ ٦٧٣.\n(٦) في (أ): (فقال).\n(٧) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).\n(٨) \"تفسير غريب القرآن\" ص ١٨٤، وهو قول أكثرهم، انظر: \"مجاز القرآن\" ١/ ٢٣٥، و\"نزهة القلوب\" ص ١٨٤، و\"معاني النحاس\" ٣/ ١١١، و\"تفسير المشكل\" ص ٨٨، والظاهر أن الأقوال متقاربة والمعنى: ثقل علمها على أهل السماء والأرض وعظم شأنها وثقل وقوعها، والرب تقول لكل شيء عظيم أو نفيس أو خطير: ثقيل، انظر: \"تهذيب اللغة\" ١/ ٤٩٠ (ثقل).\n(٩) في (ب): خلط فجاء: \"على أهل الأرض والسماء أن يعلموه، وقال ابن قتيبة: أي على أهل السموات والأرض، وقال قوم .. \".","vol":"9","page":499},{"text":"﴿لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً﴾، أي: فجأة) (١) على غفلهَ منكم وذلك أشدّ لها كما قال (٢):\nوأفظع شيء حين يفجؤك (٣) البغتُ\nو(٤) قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا﴾. قال الفراء (٥): (جاء في التفسير عن ابن عباس (٦)، كأنك حفيّ بهم إذا سألوك حين يسألونك عنها\n_________\n(١) لم يذكر الزجاج في \"معانيه\" ٢/ ٢٩٣ إلا القول الثاني مع أنه قال: (قيل: فيه قولان قال: قوم ثقل وقوعها ..).\n(٢) \"الشاهد\" ليزيد بن صبة الثقفي في \"مجاز القرآن\" ١/ ١٩٣، و\"الكامل\" للمبرد ١/ ١٥١، و\"اللسان\" ١/ ٣١٧ (بغت)، و\"عمدة الحفاظ\" ص ٥٦، وبلا نسبة في: \"العين\" ٤/ ٣٩٧، و\"الجمهرة\" ١/ ٢٥٥ - ٢/ ١٠٤٣، و\"الزاهر\" ٢/ ٦، و\"البارع\" ص ٣٥٦، و\"تهذيب اللغة\" ١/ ٣٦٤، و\"الصحاح\" ١/ ٢٤٣، و\"المجمل\" ١/ ١٣٠، و\"مقاييس اللغة\" ١/ ٢٧٢ (بغت)، و\"تفسير الماوردي\" ٢/ ٢٨٥، وأوله: ولكنَّهم بانوا ولم أدر بغتة.\n(٣) في النسخ: (يفجأك)، وهو خلاف ما في المراجع.\n(٤) لفظ: (الواو) ساقط من (ب).\n(٥) لم أقف عليه، وفي \"معاني الفراء\" ١/ ٣٩٩ قال: ﴿كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا﴾ مقدم ومؤخر ومعناه: يسألونك عنها كأنك حفي بها، ويقال: في \"التفسير\" كأنك حفي أي: كأنك عالم بها) اهـ.\nوقال أبو علي الفارسي في \"البصريات\" ص ١/ ٤٦٥: (﴿حَفِيٌّ عَنْهَا﴾ أي: عالم بها) اهـ.\n(٦) أخرج الطبري ٩/ ١٤٠، ١٤١، وابن أبي حاتم ٥/ ١٦٢٨ بسند جيد عن ابن عباس قال: (أي: كأنك يعجبك سؤالهم إياك: ﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ﴾) اهـ. وأخرجا عنه بسند ضعيف قال: (أي: كأنك بينك وبينهم مودة كأنك صديق لهم) اهـ. وأخرج الطبري بسند ضعيف عنها قال: (أي: قرب منهم وتحفى عليهم) اهـ. وقال اليزيدي في \"غريب القرآن\" ص١٥٥: (أي: عالم بها والمعنى: يسألونك =","vol":"9","page":500},{"text":"أي: فرح بهم). لعلى هذا التقدير: يسألونك عنها كأنك حفي بهم أي: بارّ بهم لطيف.\nقال ابن الأعرابي: (يقال: حَفِي بي حفاوة، وتحفى بي تحفيًا، والتحفي: الكلام واللقاء الحسن) (١)، ومنه قوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾ [مريم: ٤٧]. أي: بارًا لطيفًا يجيب (٢) دعائي إذا دعوته، وهو (٣) قول الحسن (٤) وقتادة (٥) والسدي (٦)، ويؤيد هذا القول ما روي في \"التفسير\": (إن قريشًا قالت لمحمد: إن بيننا وبينك قرابة، فأسر إلينا متى الساعة؟ فقال الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ﴾) (٧)، أي: كأنك صديق لهم، بار بهم، فهم يدلون إليك بالقرابة في طلب علم الساعة يعني: أنك لا تكون حفيًّا\n_________\n= كأنك تحفي. وجاء عن ابن عباس أنه قال: كأنك حفي بهم أي: فرح بهم حين يسألونك. ويقال للقاضي والحاكم: الحافي، وقد تحفينا إلى فلان إذا تحاكمنا) اهـ.\n(١) \"تهذيب اللغة\" ١/ ٨٥٩، وانظر: \"العين\" ٣/ ٣٠٥، و\"مجالس ثعلب\" ص ٣٥٠، و\"المنجد\" لكراع ص ١١٧، \"الجمهرة\" ١/ ٥٥٧، و\"الصحاح\" ٦/ ٢٣١٦، و\"المجمل\" ١/ ٢٤٣، و\"مقاييس اللغة\" ٢/ ٨٣، و\"المفردات\" ص ٢٤٥، و\"اللسان\" ٢/ ٩٣٥ (حفًا).\n(٢) في (ب): (ويجيب).\n(٣) في (ب): (وهذا).\n(٤) ذكره هود الهواري ٢/ ٦٣، والرازي ١٥/ ٨٢.\n(٥) أخرجه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ١/ ٢/ ٢٤٥ بسند جيد. وذكره ابن عطية ٦/ ١٦٧، والرازي ١٥/ ٨٢.\n(٦) أخرجه الطبري ٩/ ١٤١ بسند جيد، وذكره الرازي ١٥/ ٨٢.\n(٧) أخرجه عبد الرزاق ١/ ٢/ ٢٤٥، والطبري ٩/ ١٤٠، وابن أبي حاتم ٥/ ١٦٢٨ من طرق جيدة عن قتادة وهو مرسل.","vol":"9","page":501},{"text":"بهم ما داموا على كفرهم، وقال (١) في رواية عطاء: (﴿كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا﴾، يريد: خابرٌ بأمرها) (٢). وهو قول مجاهد (٣). والضحاك وابن زيد (٤) ومعمر (٥) قالوا: (معناه: كأنك عالم بها). واختاره ابن قتيبة، وعلى هذا القول ﴿حَفِيٌّ﴾ فعيل من الإحفاء وهو الإلحاح والإلحاف في السؤال، ومن أكثر (٦) السؤال والبحث عن الشيء علمه، فحقيقة معنى ﴿حَفِيٌّ عَنْهَا﴾ [كأنك أكثرت المسألة، قال ابن قتيبة: ﴿كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا﴾] (٧)، (أي: معنيُّ بطلب علمها، ومنه يقال: تحفى فلان بالقوم) (٨).\n_________\n(١) يعني ابن عباس بعد ذكر رواية الفراء عنه.\n(٢) أخرجه ابن أبي حاتم ٥/ ١٦٢٨ بسند ضعيف، وأخرج ابن حسون في كتاب \"اللغات\" ص ٣٤، و\"الوزان\" ٦ أبسند جيد عنه قال: (عالم بلغة قريش) اهـ.\n(٣) \"تفسير مجاهد\" ١/ ٢٥١ - ٢٥٢. وأخرجه الطبري ٩/ ١٤١٦، وابن أبي حاتم ٥/ ١٦٢٨ من طرق جيدة، وفي رواية عند الطبري قال: (حفي بهم حين يسألونك) وفي رواية: (استحفيت عنها السؤال حتى علمتها)، وصحح هذه الرواية ابن كثير في \"تفسيره\" ٢/ ٣٠١، وجاء في رواية عند ابن أبي حاتم قال: (حفي بهم تشتهي أن يسألونك عنها).\n(٤) أخرجه الطبري ٩/ ١٤١ من طرق جيدة عن الضحاك وابن زيد، وذكره الثعلبي ٦/ ٢٨ أعن ابن عباس وقتادة ومجاهد والضحاك.\n(٥) أخرجه الطبري ٩/ ١٤١ بسند جيد عن معمر بن راشد الأزدي عن بعضهم، ولعله الكلبي كما أخرجه عبد الرزاق ١/ ٢/ ٢٤٥ عن معمر عن الكلبي، وذكره الماوردي ٢/ ٢٨٥، عن مجاهد والضحاك وابن زيد ومعمر.\n(٦) في (ب): (ومن كبر)، وهو تحريف.\n(٧) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).\n(٨) \"تفسير غريب القرآن\" ص ١٨٤، ومثله قال السجستاني في \"نزهة القلوب\" ص ٢٠٣، ومكي في \"تفسير المشكل\" ص ٨٨.","vol":"9","page":502},{"text":"وقال أبو عبيدة: (هو (١) من قولهم: تحفى فلان بالمسألة أي: استقصى) (٢).\nوقال ابن الأنباري: (﴿كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا﴾، أي: سؤول عنها، والحفي الشديد السؤال، ومن ذلك قول الأعشى (٣):\nفإن تسألي عني في ربَّ سائلٍ ... حفي عن الأعشى به حيث أصعدا) (٤)\nوذكر أبو إسحاق القولين وقرب بينهما فقال: (﴿كَأَنَّكَ حَفِيٌّ﴾ أي: كأنك فرح بسؤالهم، يقال: قد تحفيت بفلان في المسألة (٥) إذا سألت عنه سؤالًا، أظهرت فيه المحبة والبر، قال: وأحفى فلان بفلان في المسألة فإنما تأويله: الكثرة، قال: وقيل: ﴿كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا﴾ كأنك أكثرت المسألة عنها) (٦)؛ فالقولان راجعان إلى كثرة السؤال؛ لأن العالم بالشيء هو الذي أكثر السؤال عنه حتى تيقنه، واللطيف البار بالإنسان بكثير (٧) السؤال عنه\n_________\n(١) في (أ): (وهو).\n(٢) \"تفسير الرازي\" ١٥/ ٨٢، وفي \"مجاز القرآن\" ١/ ٢٣٥ قال: (أي: حفي بها ومنه قولهم: تحفيت به في المسألة) اهـ.\n(٣) \"ديوان الأعشى الكبير\" ص ١٥١، و\"العين\" ٣/ ٣٠٦، و\"تهذيب اللغة\" ١/ ٨٥٩، و\"الصحاح\" ٦/ ٢٣١٦، و\"المجمل\" ١/ ٢٤٣، و\"مقاييس اللغة\" ٢/ ٨٣، و\"الفريد\" ٢/ ٣٩٢، و\"تفسير القرطبي\" ٧/ ٣٣٦، و\"اللسان\" ٢/ ٩٣٥ - ٩٣٦ (حقًا)، و\"الدر المصون\" ٥/ ٥٣٢، وحفي أي: سأل عن حاله مبالغ في إكرامه والتلطف به، وأصعد أي: ذهب في البلاد.\n(٤) \"شرح القصائد\" ص ٤٤٧، و\"الزاهر\" ١/ ٣٤٨، و\"تهذيب اللغة\" ١/ ٨٥٩، قال في \"شرح القصائد\" أي: كأنك معني بها مستقصٍ في السؤال عنها.\n(٥) في (ب): (بالمسألة).\n(٦) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٩٣ - ٣٩٤.\n(٧) في (ب): (بكثرة)، وهو تحريف.","vol":"9","page":503},{"text":"وعن أحواله (١).\nقاما قوله ﴿حَفِيٌّ عَنْهَا﴾، والحفاوة إنما توصل بالباء كقوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾ [مريم: ٤٧].\nقال الفراء (٢) والزجاج (٣) وابن الأنباري (٤): (هو على التقديم والتأخير، أي ﴿يَسْأَلُونَكَ﴾ عنها (٥) ﴿كَأَنَّكَ حَفِيٌّ﴾ فعن من صلة السؤال)، وقال قوم (٦): (معنى ﴿حَفِيٌّ﴾ سؤول) كما ذكرنا، وإذا كان بمعنى: السؤال صح أن يوصل بعن كبيت (٧) الأعشى.\nوقال أبو علي الفارسي: (الآية تحتمل أمرين، أحدهما: أن تجعل\n_________\n(١) والراجح -والله أعلم- أن المعنى: كأنك عالم بها وقد أخفى الله علمها على خلقه لأنه ظاهر الآية، قال ابن كثير ٢/ ٣٠٢: (هذا القول أرجح في المقام) اهـ.\nوقال الشوكاني في \"تفسيره\" ٢/ ٣٩٨ - ٣٩٩، وصديق خان في \"فتح البيان\" ٥/ ٩٤: (هذا هو معنى النظم القرآني على مقتضى المسلك العربي) اهـ.\n(٢) \"معاني الفراء\" ١/ ٣٩٩، وهو قول الداني في \"المكتفى\" ص ٢٨٢.\n(٣) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٩٣ وهو قول النحاس في \"معانيه\" ٣/ ١١١، وانظر: \"القطع\" للنحاس ١/ ٢٦٨.\n(٤) \"الزاهر\" ١/ ٣٤٨ وهو قول اليزيدي في \"غريبه\" ص ١٥٥، والسجستاني في \"نزهة القلوب\" ص ٢٠٣، وحكاه النحاس في \"إعرابه\" ١/ ٦٥٤ - ٦٥٥، والثعلبي ٦/ ٢٨/ أعن أهل التفسير، وقال السمين في \"الدر\" ٥/ ٥٣١: (لا حاجة إلى التقديم والتأخير لأن هذه كلها متعلقات للفعل فجملة ﴿كَأَنَّكَ حَفِيٌّ﴾ حال من مفعول ﴿كَأَنَّكَ حَفِيٌّ﴾ معترض وصلتها محذوفة أي: حفي بها أو عن بمعنى: الباء ويضمن معنى شيء يتعدى بعن أي: كأنك كاشف بحفاوتك عنها) اهـ. بتصرف.\n(٥) في (ب): (عنهما)، وهو تحريف.\n(٦) وهو قول الطبري ٩/ ١٤٢، وحكاه النحاس في \"إعرابه\" ١/ ٦٥٥، عن المبرد قال: (المعنى ﴿كَأَنَّكَ حَفِيٌّ﴾ بالمسألة عنها أي: مُلح) اهـ.\n(٧) في (ب): (كقول).","vol":"9","page":504},{"text":"﴿عَنْهَا﴾ متعلقًا بالسؤال كأنه ﴿يَسْأَلُونَكَ﴾ عنها ﴿كَأَنَّكَ حَفِيٌّ﴾ بها فحذف الجار والمجرور، وحسن ذلك لطول الكلام بِعَنْهَا التي من صلة السؤال، قال (١): ويجوز أن يكون ﴿عَنْهَا﴾ بمنزلة بها، وتصل الحفاوة مرة بالباء، ومرة بعن، كما أن السؤال يوصل بهما) (٢)، وذكرنا (٣) ذلك في قوله: ﴿وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾ [البقرة: ١١٩].\nوقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ﴾. أعاد هذا لأن هذا الثاني وصل (٤) بقوله: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾، أي: لا يعلمون أن علمها عند الله حين سألوا محمدًا عما لم يطلعه (٥) الله عليه ولا أحدًا من خلقه (٦)، وهذا معنى قول ابن عباس (٧).\n_________\n(١) هذا هو الثاني وذكر الطبري ٩/ ١٤٠ - ١٤٢ مثله.\n(٢) \"الحجة\" لأبي علي ٢/ ٢١٤، وانظر: \"غرائب الكرماني\" ١/ ٤٣٠، و\"التبيان\" ص ٣٩٧، و\"الفريد\" ٢/ ٣٩١، و\"البحر\" ٤/ ٤٣٥.\n(٣) انظر: \"البسيط\" النسخة الأزهرية ١/ ٨٣ أ.\n(٤) في (أ): (واصل).\n(٥) في (ب): (لم أطلعه عليه)، وهو تحريف.\n(٦) في (ب): (خلقي)، وهو تحريف.\n(٧) أخرجه الطبري ٩/ ١٤٢، وابن أبي حاتم ٥/ ١٦٢٩، بسند ضعيف عن ابن عباس في الآية قال: (لما سأل الناس محمدًا - ﷺ - عن الساعة سألوه سؤال قوم وكأنهم يرون أن محمدًا حفي بهم فأوحى الله إليه: إنما علمها عنده استأثر بعلمها فلم يُطلع عليها ملكًا ولا رسولًا) اهـ.\nوكرر الجواب لتقرير الحكم، وتأكيده ولكل أن ذلك الجواب لا يرجى غيره، وأن الحصر في قوله: ﴿إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي﴾ حقيقي، ولما تضمنه قوله: ﴿كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا﴾ من الزيادة والإنكار، وقيل: السؤال الأول: عن وقت قيام الساعة، والثاني: عن مقدار شدتها ومهابتها. انظر: \"الكشاف\" ٢/ ١٣٤ - ١٣٥، مع \"حاشية ابن المنير\" عليه، وابن عطية ٦/ ١٦٩، والرازي ١٥/ ٨٢، وابن عاشور ٩/ ٢٠٥ - ٢٠٦.","vol":"9","page":505},{"text":"قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي﴾ الآية [الأعراف:١٨٨]. اختلفوا في وجه تفسير هذه الآية، فقال (١) مقاتل: (هذه الآية متصلة بما قبلها، ومعنى قوله: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا﴾ لا أملك أن أسوق إليها خيرًا أو أدفع عنها سوءًا حين ينزل بي، فكيف أعلم وأملك علم الساعة) (٢).\nوقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾. أي: إلا ما شاء الله أن يملكني إياه بالتمكين منه.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ﴾. أي: من معرفته حتى أجيب في كل ما أُسأل عنه من الغيب في الساعة وغيرها، وحتى لا يخفى علي شيء، وتم الكلام (٣) هاهنا. ثم قال: ﴿وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾. أي: ليس بي جنون، وذلك لأنهم نسبوه إلى الجنون كما ذكرنا في قوله: ﴿مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾ (٤) [الأعراف: ١٨٤] فقال: ﴿وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ\n_________\n(١) في (ب): (فقال مقال مقاتل هذه ..).\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٧٨، وذكره الثعلبي ٦/ ٢٨ ب.\n(٣) قال الداني في \"المكتفى\" ص ٢٨٢: (قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٧] وقف تام وقوله: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ [الأعراف: ١٨٨] كافٍ. وقوله: ﴿وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ أكفى منه وقوله ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٨] تام) اهـ. ونحوه قال ابن الأنباري في \"الإيضاح\" ٢/ ٦٧٣ والنحاس في \"القطع\" ١/ ٢٦٨، وذكر قول الواحدي الرازي في \"تفسيره\" ١٥/ ٨٤ - ٨٥، وقال: (هذا عندي بعيد جدًا، يوجب تفكيك نظم الآية) اهـ.\nوقال أبو حيان في \"البحر\" ٤/ ٤٣٧: (هذا القول فيه تفكيك لنظم الكلام واقتصار على أن يكون جواب لو ﴿لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ﴾ [الأعراف:١٨٨] فقط، وتقدير حصول علم الغيب يترتب عليه الأمران، لا أحدهما، فيكون إذ ذاك جوابًا قاصرًا) اهـ.\n(٤) في (ب) كما ذكرنا في قوله: ﴿مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾ وهي الآية (٤٦) من سورة سبأ، وانظر: \"البسيط النسخة الأزهري\" ٤/ ١٧٠ ب سورة سبأ تفسير الآية (٤٦).","vol":"9","page":506},{"text":"إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾.\nقال ابن عباس: (﴿نَذِير﴾ لمن لا يصدق بما جئت به، ﴿بشِيرٍ﴾ لمن اتبعني وآمن بي) (١)، وعلى هذا فلم يذكر إحدى الطائفتين لدلالة الكلام عليه كقوله: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: ٨١].\nويجوز أن يكون نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ للمؤمنين مخصوصًا هاهنا، وإن كان بعث إلى الكافة بالتبشير والإنذار؛ لأن نفع ذلك عاد إلى المؤمنين فاختصوا به واختص بهم كما قال: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا﴾ (٢) [النازعات: ٤٥]. وقد مضى (٣) لهذا ما يشبهه (٤) من النظائر.\nوقال ابن عباس: (إن أهل مكة قالوا: يا محمد ألا يخبرك ربك بالسعر الرخيص قبل أن يغلو فتشتري (٥) لتربح عليه عند الغلاء، وبالأرض التي تريد أن تجدب فترتحل (٦) منها، فأنزل الله هذه الآية) (٧).\nفعلى هذا معنى قوله: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا﴾، أي: اجتلاب نفع بأن أربح، ﴿وَلَا ضَرًّا﴾ أي: دفع ضر بأن أرتحل عن الأرض التي تريد أن\n_________\n(١) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ٢/ ٢٨٢، وأخرج ابن أبي حاتم ٥/ ١٦٣٠، بسند جيد عنه قال: (نذير من النار ومبشر بالجنة) اهـ.\n(٢) في: (أ): (إنما أنا منذر)، وهو تحريف.\n(٣) انظر: \"البسيط\" تفسير سورة البقرة الآية (١١٩).\n(٤) في (ب): (ما يشبه)، وهو تحريف.\n(٥) في (ب): (فنشتري من الرخيص لنربح عليه).\n(٦) في (ب): (فيرتحل).\n(٧) ذكره الثعلبي ٦/ ٢٨ أ، والبغوي ٣/ ٣١٠، وابن الجوزي ٣/ ٢٩٩، والخازن ٢/ ٣٢٣، و\"البحر\" ٤/ ٤٣٥ - ٤٣٦، عن ابن عباس، وذكره السمرقندي ١/ ٥٨٧، والواحدي في \"الوسيط\" ٢/ ٢٨٢، و\"أسباب النزول\" ص ٢٣٢، عن الكلبي.","vol":"9","page":507},{"text":"تجدب (١)، ﴿إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ أن أملكه، ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾ أي: ما يكون قبل أن يكون، ﴿لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ﴾، [أي: لاحتجزت في زمان الخصب لزمن الجدب. ﴿وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾، وما أصابني الضر والفقر.\nوقال ابن جريج (٢): (﴿لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا﴾، يعني: الهدى والضلالة. ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾ متى أموت. ﴿لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ﴾] (٣) من العمل الصالح على حسب علمي به) أي: إن من يعلم الغيب إنما يعمل الأفضل لعلمه بعلوه على الأدون. ﴿وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾، أي: واجتنبت ما سيكون من الشر واتقيته. قاله ابن زيد (٤) وهذا مذهب الحسن (٥) الكلبي (٦)، وقد حصل في تفسير هذه الآية ثلاثة (٧) أوجه، وفيها تكذيب\n_________\n(١) هذا قول الفراء في \"معانيه\" ٢/ ٤٠٠، ورواه ابن أبي حاتم ٥/ ١٦٢٩، بسند ضعيف عن ابن عباس، وذكره الماوردي ٢/ ٢٨٥ - ٢٨٥، وقال: (هذا قول شاذ) اهـ.\n(٢) أخرجه الطبري ٩/ ١٤٢، بسند جيد، وذكره الثعلبي ٦/ ٢٨ أ، والماوردي ٢/ ٢٨٥، والبغوي ٣/ ٣١١، والسيوطي في \"الدر\" ٣/ ٢٧٦.\n(٣) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).\n(٤) أخرجه الطبري ٩/ ١٤٣، وذكره الثعلبي ٦/ ٢٨ ب، والبغوي ٣/ ٣١١، والسيوطي في \"الدر\" ٣/ ٢٧٦.\n(٥) في (ب): \"الحسين\" وهو تصحيف. وذكره الماوردي ٢/ ٢٨٦، وابن الجوزي ٣/ ٣٠٠، والقرطبي ٧/ ٣٣٧، عن الحسن البصري.\n(٦) انظر: \"تنوير المقباس\" ٢/ ١٤٦.\n(٧) والظاهر العموم وعدم التعيين في النفع والضر والغيب وتحمل الأقوال على التمثيل لا الحصر وهذا هو اختيار الجمهور.\nانظر: الطبري ١٤٢ - ١٤٣، و\"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٩٤، و\"النحاس\" ٣/ ١١٢، و\"إعراب النحاس\" ١/ ٦٥٥، و\"تفسير ابن عطية\" ٦/ ١٧٠، وابن الجوزي ٣/ ٢٩٩، والرازي ١٥/ ٨٣ - ٨٤، والقرطبي ٧/ ٣٣٩، و\"البحر\" ٤/ ٤٣٧.","vol":"9","page":508},{"text":"للقدرية (١) حيث جوّزوا أن يستبد الإنسان بقدرة يجتلب بها المنافع ويدفع بها المضار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1288>١٨٩ </span>- و(٢) قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾، قال ابن عباس (٣) والمفسرون (٤): (يعني: آدم). ﴿وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ كما قال في سورة النساء: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ [النساء: ١].\nوقوله تعالى: ﴿لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾. قال ابن عباس: (يريد: ليأنس بها ويأوي إليها) (٥).\nقال أهل المعاني: (والحكمة في أن الله تعالى خلق حواء من ضلع آدم هو أن يكون آدم إليها أميل، ولها آلف وأحب؛ إذ الشكل إلى شكله أحب (٦)، ولذلك كانت الأشياء تحن إلى أشكالها، وتهرب من\n_________\n(١) انظر: \"تفسير الرازي\" ١٥/ ٨٣ - ٨٤\n(٢) لفظ: (الواو) ساقط من (ب).\n(٣) \"تنوير المقباس\" ٢/ ١٤٦، وذكره الرازي ١٥/ ٨٥، والسيوطي في \"الدر\" ٣/ ٢٧٨.\n(٤) انظر: \"تفسير الطبري\" ٩/ ١٤٣، وأخرجه بسند جيد عن قتادة والسدي، وبسند ضعيف عن مجاهد، وأخرجه ابن أبي حاتم ٥/ ١٦٣٠ بسند ضعيف عن الضحاك، وقال ابن أبي حاتم: (وروي عن مجاهد وأبي مالك وقتادة والسدي ومقاتل بن حيان نحو ذلك) اهـ.\nوانظر: \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٩٤، و\"النحاس\" ٣/ ١١٣، و\"تفسير السمرقندي\" ١/ ٥٨٨، والثعلبي ٦/ ٢٨ ب، والماوردي ٢/ ٧٥، وقال القرطبي ٧/ ٣٣٧: (قال جمهور المفسرين: المراد بالنفس الواحدة آدم) اهـ.\n(٥) ذكره الثعلبي ٦/ ٢٨ ب، والواحدي في \"الوسيط\" ٢/ ٢٨٢، والبغوي ٣/ ٣١١، والقرطبي ٧/ ٣٣٧، الخازن ٢/ ٣٢٤ بلا نسبة، ونحوه قال الطبرى ٩/ ١٤٣، وانظر: السمرقندي ١/ ٥٨٨، والماوردي ٢/ ٧٥.\n(٦) لفظ: (أحب) غير واضح في (أ)، وكأنه: (أجذب)","vol":"9","page":509},{"text":"أضدادها) (١)، وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَغَشَّاهَا﴾. قال المفسرون (٢): (جامعها)، قال أبو إسحاق: (كنى به عن الجماع أحسن كناية) (٣)، والغِشيان (٤) إتيان الرجل المرأة، وقد غَشِيها وتغشاها إذا علاها، ومثله تَجلَّلها (٥).\nوقوله تعالى: ﴿حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا﴾، قالوا (٦): (يريد: النطفة والمني)، والحمل (٧) ما كان في البطن أو على رأس الشجر (٨).\n_________\n(١) انظر: الرازي ١٥/ ٨٩، و\"البحر\" ٤/ ٤٣٩.\n(٢) انظر: الطبري ٩/ ١٤٣، السمرقندي ١/ ٥٨٨، والثعلبي ٦/ ٢٨ ب، والماوردي ٢/ ٧٥.\n(٣) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٩٥، وانظر: \"معاني النحاس\" ٣/ ١١٣.\n(٤) انظر: \"العين\" ٤/ ٤٢٩، و\"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٦٦٩، و\"الصحاح\" ٦/ ٢٤٤٦، و\"مقاييس اللغة\" ٤/ ٤٢٥، و\"المفردات\" ص ٦٠٦، و\"اللسان\" ٦/ ٣٢٦٢ (غشى).\n(٥) تَجَلَّلَه، بالفتح: علاه، وجلال كل شيء، بالكسر: غطاؤه، انظر: \"العين\" ٦/ ١٧، و\"تهذيب اللغة\" ١/ ٦٤١، و\"الصحاح\" ٤/ ١٦٥٨، و\"اللسان\" ٢/ ٦٦٤ (جلل).\n(٦) انظر: الطبري ٩/ ١٤٣، و\"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٩٥، والسمرقندي ١/ ٥٨٨، والثعلبي ٦/ ٢٨ أ، والماوردي ٢/ ٧٥.\n(٧) لفظ: (والحمل ما كان في) غير واضح في: وانظر: \"مجاز القرآن\" ١/ ٢٣٦، و\"معاني الأخفش\" ٢/ ٣١٥، و\"غريب القرآن\" ص ١٥٥، و\"نزهة القلوب\" ص ٢٠٣ - ٢٠٨، و\"إعراب النحاس\" ١/ ٦٥٦.\n(٨) الحمل، بفتح الحاء: وما ذكر هو قول الزجاج والمشهور عن أهل اللغة أما الحمل بالكسر فهو ما كان على ظهر أو رأس غير شجرة، وحكي في حمل الشجرة لغتان الفتح والكسر وقيل: ما ظهر فهو حمل بالكسر، وما بطن فهو بالفتح، وقيل: ما كان لازمًا للشيء فهو حمل بالفتح، وما كان بائنًا فهو بالكسر، قال الأزهري في \"تهذيب اللغة\" ١/ ٩٢٥: (الصواب الأول)، وانظر: \"العين\" ٣/ ٢٤٠، و\"الجمهرة\" ١/ ٥٦٦، و\"الصحاح\" ٤/ ١٦٧٦، و\"المجمل\" ١/ ٢٥٢، و\"مقاييس اللغة\" ٢/ ١٠٦، و\"المفردات\" ص ٢٥٧، و\"اللسان\" ٢/ ١٠٠٢ (حمل).","vol":"9","page":510},{"text":"وقوله تعالى: ﴿فَمَرَّتْ بِهِ﴾. أي: استمرت بذلك الحمل الخفيف، وقامت وقعدت لم يُثقلها.\nقال الكلبي (١) والزجاج (٢): وقوله: ﴿فَلَمَّا أَثْقَلَتْ﴾. أي: صارت إلى حال الثقل ودنت ولادتها. ﴿دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا﴾. يعني: آدم وحواء (٣). ﴿لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا﴾ بشرًا سويًا مثلنا، وذلك أنهما أشفقا أن يكون بهيمة أو شيئًا سوى الإنسان، ويأتي بيان هذا في الآية الثانية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1289>١٩٠ </span>- قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾.\nقال المفسرون (٤): (لما حملت حواء أتاها إبليس في غير صورته التي عرفته حواء، وقال لها: ما الذي في بطنك؟ قالت ما أدري. قال: إني أخاف أن يكون بهيمة أو كلبًا أو خنزيرًا، وما يدريك من أين يخرج أمن دبرك فيقتلك أو ينشق بطنك، فخافت حواء، فذكرت ذلك لآدم، فلم يزالا في هم من ذلك، ثم أتاها، وقال: إن سألت الله أن يجعله خلقًا سويًّا\n_________\n(١) \"تنوير المقباس\" ٢/ ١٤٦، وهو قول الأكثر، انظر: \"مجاز القرآن\" ١/ ٢٣٦، و\"تفسير غريب القرآن\" ص ١٨٤، و\"تفسير الطبري\" ٩/ ١٤٤، وقد أخرج من طرق جيدة نحوه عن مجاهد والحسن وقتادة والسدي، وانظر: \"نزهة القلوب\" ص ٢٠٣، و\"معاني النحاس\" ٣/ ١١٣، والسمرقندي ١/ ٥٨٨، والثعلبي ٦/ ٢٨ ب، والماوردي ٢/ ٧٥.\n(٢) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٩٥، وهو قول الفراء في \"معانيه\" ١/ ٤٠٠.\n(٣) انظر: \"تفسير الطبري\" ٩/ ١٤٤، و\"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٩٥، و\"النحاس\" ٣/ ١١٤، والسمرقندي ١/ ٥٨٨، والثعلبي ٦/ ٢٨ ب، والماوردي ٢/ ٧٥.\n(٤) ذكره عن المفسرين ابن قتيبة في \"تأويل مشكل القرآن\" ص ٢٥٨، والواحدي في \"الوسيط\" ٢/ ٢٨٣، وانظر: \"معاني الفراء\" ١/ ٤٠٠، و\"تفسير غريب القرآن\" ١/ ١٨٤، و\"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٩٥، و\"الكامل\" لابن الأثير ١/ ٤٥، والقرطبي ٧/ ٣٣٨.","vol":"9","page":511},{"text":"مثلك، ويسهل عليك خروجه حتى تلقيه من بطنك سهلًا أتسمينه (١) عبد الحارث؟ ثم لم يزل بها حتى غرّها، فلما ولدت ولدًا سويَّ الخلق سمته عبد الحارث برضا آدم وعلمه، وكان اسم إبليس في الملائكة الحارث فذلك قوله: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾)، أي: لما آتاهما ولدًا سويًا ﴿جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ﴾ قال ابن عباس (٢). (يريد: في تسميتهما (٣) عبد الحارث).\nو(٤) قال الفراء: (﴿جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ﴾ إذ قالت: عبد الحارث، ولا ينبغي أن يكون عبدًا إلا لله (٥). قال: ولم تعرفه أنه إبليس) (٦).\nوذكر ابن زيد (إن النبي - ﷺ - قال: \"خدعهما مرتين، خدعهما (٧) في الجنة، وخدعهما في الأرض\") (٨).\n_________\n(١) في (ب): \"تسميه\".\n(٢) أخرجه الطبري ٩/ ١٤٦، وابن أبي حاتم ٥/ ١٦٣٣ - ١٦٣٤، من طرق يقوي بعضها بعضًا، وأخرجه ابن أبي حاتم من طريق ضعيف عن ابن عباس عن أبي بن كعب، وأخرج أيضًا من طريق جيد رجاله رجال الصحيح عن ابن عباس قال: (في هذه الآية ما أشرك آدم وإن أولها شكر وإن آخرها مثل) اهـ. وذكره السيوطي في \"الدر\" ٣/ ٢٧٧، وزاد نسبته إلى ابن المنذر وفيه: (وآخرها مثل ضرب لمن بعده).\n(٣) في (ب): (في تسميتها).\n(٤) لفظ: (الواو) ساقط من (ب).\n(٥) في (ب): (إلا الله)، وهو تحريف.\n(٦) \"معاني الفراء\" ١/ ٤٠٠.\n(٧) لفظ: (خدعهما) ساقط من (ب).\n(٨) أخرجه الطبري ٩/ ١٥٠، وابن أبي حاتم ٥/ ١٦٣٥ بسند جيد عن عبد الرحمن بن زيد وهو مرسل ضعيف وعند ابن أبي حاتم: (قال رسول الله - ﷺ -: \"خدعهما مرتين\"). قال زيد بن أسلم: (خدعهما في الجنة وخدعهما في الأرض).\nوذكره الثعلبي ٦/ ٣٠ ب، والواحدي في \"الوسيط\" ٢/ ٢٨٣، والبغوي ٣/ ٣١٣، والسيوطي في \"الدر\" ٣/ ٢٧٧.","vol":"9","page":512},{"text":"وهذا الذي ذكرنا معنى قول سعيد بن جبير (١) والكلبي (٢) وأكثر أهل التفسير (٣).\n_________\n(١) أخرجه الطبري ٩/ ١٤٧، وابن أبي حاتم ٥/ ١٦٣٤ من طرق جيدة.\n(٢) لفظ: (والكلبي) ساقط من (ب)، وقد أخرجه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ١/ ٢/ ٢٤٥، بسند جيد عن الكلبي، وذكره هود الهواري ٢/ ٦٥، والثعلبي ٦/ ٢٩ أ.\n(٣) انظر: \"تفسير الطبري\" ٩/ ١٤٦ - ١٤٩، والسمرقندي ١/ ٥٨٨، والثعلبي ٦/ ٢٨ ب، والماوردي ٢/ ٢٨٦ - ٢٨٧، و\"الدر المنثور\" ٣/ ٢٧٧، وقال الطبري: (أجمع أهل التأويل على أن المعني بذلك: آدم حواء، وأنهما ﴿جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ﴾ في الاسم لا في العبادة) اهـ. بتصرف.\nوقد أخرج أحمد والترمذي رقم (٣٠٧٧) كتاب تفسير القرآن، باب: ومن سورة الأعراف، والطبري ٩/ ١٤٦، وابن أبي حاتم ٥/ ١٦٣٥، والحاكم في \"المستدرك\" ٢/ ٥٤٥ كلهم عن عمر بن إبراهيم عن قتادة عن الحسن عن سمرة عن النبي - ﷺ - قال: (لما حملت حواء طاف بها إبليس وكان لا يعيش لها ولد فقال: سميه عبد الحارث فإنه يعيش فسموه عبد الحارث فعاش وكان ذلك من وحي الشيطان وأمره) اهـ.\nقال الترمذي: (هذا حديث حسن غريب لا نعرفه مرفوعًا إلا من حديث عمر عن قتادة ورواه بعضهم ولم يرفعه) اهـ.\nوأخرجه ابن عدي في \"الكامل\" ٦/ ٨٩، وقال: (هذا لا أعلم يرويه عن قتادة غير عمر وحديثه عن قتادة مضطرب وهو مع ضعفه يكتب حديثه) اهـ، وقال الحاكم: (هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه) ووافقه الذهبي في \"التلخيص\" وقال في \"الميزان\" ٣/ ١٧٩: (هو حديث منكر) اهـ، والحديث ضعيف لأن فيه عمر بن إبراهيم العبدي قال الحافظ في \"التقريب\" ص ٤١٠ رقم (٤٨٦٤): (صدوق، في حديثه عن قتادة ضعف) اهـ. وقال ابن كثير في \"تفسيره\" ٢/ ٣٠٤ - ٣٠٥، و\"البداية والنهاية\" ١/ ٩٦: (الحديث معلول من ثلاثة أوجه: أحدها: أن عمر وثقه ابن معين، ولكن قال أبو حاتم الرازي: لا يحتج به، الثاني: أنه روى موقوفًا على سمرة، كما أخرجه الطبري ١٣/ ٣١٠، وهذه علة قادحة في الحديث، وهو أشبه، والمقطوع أن رفعه خطأ والصواب وقفه، الثالث: أن الحسن البصري فسر الآية بغير هذا فلو كان =","vol":"9","page":513},{"text":"واختلف القراء في قوله: ﴿شُرَكَاءَ﴾. فقرأ نافع (١) وأبو بكر.\n_________\n= عنده عن سمرة مرفوعًا لما عدل عنه وقد أخرج تفسيره الطبري ٩/ ١٤٨ بأسانيد صحيحة ولو كان هذا الحديث عنده محفوظًا عن رسول الله - ﷺ - لما عدل عنه هو ولا غيره ولا سيما مع تقواه لله وورعه، فهذا يدلك على أنه موقوف على الصحابي ويحتمل أنه تلقاه من بعض من آمن من أهل الكتاب) اهـ. مجموع بتصرف.\nأما الآثار عن الصحابة والتابعين ﵃ فجزم ابن كثير في \"تفسيره\" ٢/ ٣٠٦ أنها مأخوذة عن أهل الكتاب قال: (روى الطبري وابن أبي حاتم عن ابن عباس نحوه، وقد تلقى هذه الآثار عن ابن عباس جماعة من أصحابه كمجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة، ومن الطبقة الثانية قتادة والسدي وغير واحد من السلف وجماعة من الخلف ومن المفسرين من المتأخرين جماعات لا يحصون كثرة وكأنه والله أعلم أصله مأخوذ من أهل الكتاب، وهذه الآثار يظهر عليها والله أعلم أنها من آثار أهل الكتاب وأخبارهم على ثلاثة أقسام، فمنها ما علمنا صحته بما دل عليه الدليل من كتاب الله أو سنة رسوله ومنها ما علمنا كذبه بما دل على خلافة من الكتاب والسنة أيضًا، ومنها ما هو مسكوت عنه فهو المأذون في روايته وهو الذي لا يصدق ولا يكذب، وهذا الأثر هو من القسم الثاني أو الثالث فيه نظر، فأما من حدث به من صحابي أو تابعي فإنه يراه من القسم الثالث) اهـ. ملخصًا.\nوكذلك ضعف الحديث وجعل الروايات من الإسرائيليات ابن العربي في \"أحكام القرآن\" ٢/ ٨١٩ - ٨٢٠، والقرطبي ٧/ ٣٣٧، والألباني في \"سلسلة الأحاديث الضعيفة\" ١/ ٣٤٨ رقم ٣٤٢، والشيخ محمَّد بن صالح العثيمين في القول المفيد على كتاب \"التوحيد\" ٣/ ٦٧، ومحمد أبو شهبة في الموضوعات والإسرائيليات في كتب \"التفسير\" ص ٢٠٩ - ٢١٥، وانظر: \"فتح المجيد شرح كتاب التوحيد\" ٢/ ٦١٤، و\"الدر النضيد على أبواب التوحيد\" ص ٢٨٥، و\"تخريج الأحاديث المنتقدة في كتاب التوحيد\" للشيخ فريج صالح البهلال ص ١٠٩.\n(١) قرأ نافع وأبو بكر عن عاصم: (جَعَلاَ لَهُ شِرْكَا) بكسر الشين وسكون الراء وتنوين الكاف من غير مد ولا همز، وقرأ الباقون: ﴿شُرَكَاءَ﴾ بضم الشين وفتح الراء والمد وهمزة مفتوحة من غير تنوين جمع شريك. =","vol":"9","page":514},{"text":"﴿شِرْكًا﴾ بكسر الشين، وهذا يتوجه على حذف المضاف بتقدير: جعلا له ذا شرك أو ذوي شرك، فإذا جعلا له ذوي شرك فقد جعلا له شركاء، فالقراءتان تؤولان إلى معنى واحد، والضمير في: ﴿لَهُ﴾ يعود إلى اسم الله كأنه ﴿وجَعَلَا﴾ لله ﴿شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾. قال أبو الحسن (١): (وكان ينبغي لمن قرأ: (شركًا) أن يقول المعنى: (جعلا لغيره شركًا)؛ لأنهما لا ينكران أن الأصل لله ﷿، فالشرك إنما يجعل (٢) لغيره)، حكاه الزجاج (٣) وأبو علي هذا (٤) عن أبي الحسن، ثم قال الزجاج (٥): (هذا على معنى: جعلا له ذا شرك، فحذف ذا، مثل: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢].\nوقال أبو علي: (يجوز أن يكون الكلام على ظاهرة ولا يقدر حذف المضاف في قوله: ﴿جَعَلَا لَهُ﴾، وأنت تريد لغيره، ولكن (٦) تقدر حذف المضاف إلى شركٍ، كما ذكرنا (٧) فلا يحتاج إلى تقدير: جعلا لغيره شركًا؛\n_________\n= انظر: \"السبعة\" ص ٢٩٩، و\"المبسوط\" ص ١٨٧، و\"التذكرة\" ٢/ ٤٣٠، و\"التيسير\" ص ١١٥، و\"النشر\" ٢/ ٢٧٣.\n(١) \"معاني الأخفش\" ٢/ ٢١٦.\n(٢) في (أ): (يجعله).\n(٣) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٩٦.\n(٤) كذا في الأصول أي: حكاه أبو علي عن الأخفش، و\"الحجة\" ٤/ ١١١ - ١١٢، وفي \"معاني الأخفش\" ٢/ ٣١٦: (قال بعضهم: (شركًا) لأن الشرك إنما هو الشركة، وكان ينبغي في قول من قال هذا أن يقول: فجعلا لغيره شركًا فيما آتاهما) اهـ، وذكر النحاس في \"إعرابه\" ١/ ٦٥٦.\n(٥) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٩٦، ومثله قال النحاس في \"إعرابه\" ٢/ ٦٥٦ - ٦٥٧.\n(٦) لفظ: (ولكن) ساقط من (أ).\n(٧) جاء بعده في \"الحجة\" ٤/ ١١٢: (فيكون المعنى: جعلا له ذوي شرك وإذا جعلا له ذوي شرك وإن في المعنى مثل جعلا لغيره شركًا) اهـ.","vol":"9","page":515},{"text":"لأن تقدير حذف المضاف من شرك بمنزلة جعلا لغيره شركًا) (١)، وتقدير (٢) حذف المضاف من ﴿شركًا﴾ أحسن وأولى من تقدير حذفه من قوله: ﴿لَهُ﴾ (٣).\nقال الزجاج: (ومن قرأ ﴿شركًا﴾ فهو مصدر شركت الرجل (٤) أشركه شركًا) (٥)، ومن قرأ ﴿شُرَكَاءَ﴾ فحجته (٦) قوله: ﴿أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ﴾ [الرعد: ١٦]، وأراد بالشركاء في هذه الآية إبليس، أوقع الجمع موقع الواحد، وذلك أن من أطاع إبليس فقد أطاع جميع الشياطين (٧)، فإن قيل: كيف أضيف الشرك إلى آدم وحواء مع منزلتهما من دين الله؟، والجواب عن هذا: ما روي عن قتادة أنه قال: (أشركا في الاسم ولم يشركا في العبادة) (٨)، يعني: أنهما لم يذهبا إلى أن الحارث ربهما، لكنهما\n_________\n(١) \"الحجة\" لأبي علي ٤/ ١١١ - ١١٢.\n(٢) انظر: \"المشكل\" ١/ ٣٠٧، و\"البيان\" ١/ ٣٨١، و\"التبيان\" ١/ ٣٩٨، و\"الفريد\" ٢/ ٣٩٤، و\"الدر المصون\" ٥/ ٥٣٥.\n(٣) لفظ: (له) ساقط من (ب).\n(٤) في (ب): (شركت بالرجل)، وهو تحريف.\n(٥) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٩٦.\n(٦) هذا من \"الحجة\" لأبي علي ٤/ ١١٢، وانظر: \"معاني القراءات\" ١/ ٤٣١، و\"إعراب القراءات\" ١/ ٢١٦، و\"الحجة\" لابن خالويه ص ١٦٨، لابن زنجلة ص ٣٠٤، و\"الكشف\" ١/ ٤٨٦.\n(٧) انظر: \"تفسير الطبري\" ١٤٩.\n(٨) أخرجه عبد الرزاق ١/ ٢/ ٢٤٥، والطبري ٩/ ١٤٧، وابن أبي حاتم ٥/ ١٦٣٤، و\"الداني في المكتفى\" ص ٢٨٣ من عدة طرق جيدة وذكره يحيى بن سلام في \"التصاريف\" ص ١٠٦، السمرقندي ١/ ٥٨٨، وذكره السيوطي في \"الدر\" ٣/ ٢٧٩، وزاد نسبته إلى (عبد بن حميد وابن المنذر) قال: و(أخرج عبد بن حميد عن ابن عباس مثله) وذكره الثعلبي ٦/ ٣٠ أعن المفسرين.","vol":"9","page":516},{"text":"قصدا إلى أن الحارث كان سبب نجاة الولد وسلامة أمه، وقد يطلق اسم العبد مضافًا إلى من لا يراد أنه مملوك له كقوله (١):\nوإني لعبد الضيف ما دام ثاويًا\nيريد: أنه خاضع له مطيع، ولم يرد أن الضيف ربه، وقد يقع الاشتراك في الاسم مع وقوع اختلاف في المعنى كما يقال لمملوك زيد: هذا عبد زيد، ثم يقال: إنه عبد الله، فقد جمعهما اللفظ، والمعنى مختلف (٢)، يدل على صحة هذا المعنى ما روي أنه قيل لسعيد بن جبير: (أشرك آدم؟ فقال: معاذ الله، ولكن حواء لما حملت أتاها إبليس فقال: أخبريني عن الذي في بطنك أتلدينه من عينك أم من فيك أم من أنفك؟ قالت: لا علم لي (٣) بذلك.\nقال: فإن سألت الله ﷿ أن يسهل أمر الولادة عليك أتسمينه باسمي؟ قالت: نعم، وخبرها أن اسمه الحارث، فلما ولدت سمت الولد عبد الحارث، فذلك قول الله ﷿: ﴿جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾) (٤).\n_________\n(١) البيت لحاتم الطائي في \"ديوانه\" ص ٤٤، و\"تفسير الثعلبي\" ٦/ ٣٠ أ، والقرطبي ٧/ ٣٣٩، وهو لقيس بن عاصم المنقري في \"الكامل\" للمبرد ٢/ ١٧٩، وللمقنع الكندي في \"أمالي القالي\" ١/ ٢٨١، وبلا نسبة في: \"عيون الأخبار\" ١/ ٢٦٦، و\"الوسيط\" للواحدي ٢/ ٢٨٤، و\"تفسير ابن الجوزي\" ٣/ ٣٥٣، والرازي ١٥/ ٨٨، والخازن ٢/ ٣٢٥ وعجزه:\nوما فيَّ إلا تلك من شيمة العبدِ\n(٢) ذكر الطبري في \"تفسيره\" ٩/ ١٤٨: (إجماع أهل التأويل على أن المراد الشرك في الاسم لا في العبادة).\n(٣) لفظ: (لي) ساقط من (ب).\n(٤) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٩/ ١٤٨، و\"التاريخ\" ١/ ١٤٩ بسند ضعيف.","vol":"9","page":517},{"text":"قال أبو علي: (فعلى هذا التقدير: جعل أحدهما، فحذف المضاف كقوله: ﴿عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١].\nوقوله: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ [الرحمن: ٢٢]) (١)، وهذا يوضح أن حواء ما قصدت الإشراك بالله من حيث الكفر، ولكن قصدت بالتسمية أن الحارث كان سبب سلامة الولد وسلامة أمه، وعلى هذا ينقطع الكلام عند قوله: ﴿آتَاهُمَا﴾.\nثم قال: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (٢). فعاد إلى الخبر عن الكفار ونزه نفسه عن إشراكهم فقال: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. قال ابن عباس: (يريد: أهل مكة) (٣).\nوقال عبد الله بن مسلم: (وإنما جعلا له الشرك بالتسمية لا بالنية\n_________\n(١) \"الحجة\" ٤/ ١١٢ - ١١٣ وزاد فيه: (فيكون الذي جعل له شركًا أحدهما ويخرج آدم من أن ينسب إليه ذلك) اهـ.\nوهذا القول رجحه صديق خان في \"فتح البيان\" ٥/ ٩٩ - ١٠٣، وأطال في تقريره قال: (الجاعل هو حواء دون آدم ولم يشرك آدم قط، وعلى هذا فليس في الآية إشكال، والذهاب إلى ما ذكرناه متعين تبعًا للكتاب والحديث وصونًا لجانب النبوة عن الشرك بالله تعالى، والذي ذكروه في تأويل الآية يرده كله ظاهر الكتاب والسنة، والقول بأنها سمته بإذن آدم يحتاج إلى دليل ولعلها سمته بغير إذنه ثم تابت من ذلك، وصحة إطلاق المثنى على المفرد شائع في كلام العرب وفي القرآن من ذلك الكثير، ولكنهم لم يذهبوا إليه في هذا الآية مع كونه ظاهر الأمر وواضحه، ومع أنهم ذكروه وذهبوا إليه في مواضع من القرآن والحديث، وهذا عجيب منهم غاية العجب) اهـ. ملخصًا.\n(٢) في (ب): (تعالى)، وهو تحريف.\n(٣) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ٢/ ٢٨٤، وذكره الثعلبي ٦/ ٣٠ أ، والبغوي ٣/ ٣١٤ بلا نسبة.","vol":"9","page":518},{"text":"والعقد، وانتهى الكلام في قصة آدم وحواء، ثم ذكر من أشرك بالعقد والنية من ذريتهما فقال: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾، ولو كان أراد آدم وحواء لقال: عما يشركان، وهذا يدلك (١) على العموم) (٢)، ونحو هذا قال مقاتل، قال: (انقطع الكلام (٣) عند قوله: ﴿فِيمَا آتَاهُمَا﴾. ثم ذكر كفار مكة فقال: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ﴾) (٤). قال (٥) السدي: (هذا من الموصول والمفصول يعني: قوله: ﴿جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾ في شأن آدم وحواء، ثم قال: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. قال: عما يشرك المشركون، لم يعنهما) (٦).\nوقال أبو بكر: (قال طائفة من أهل العلم: الذين جعلوا لله شركاء اليهود (٧) والنصارى وغيرهم من الكفار الذين هم أولاد آدم وحواء ﵉، وتأويل الآية: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا﴾ جعل أولادهما له شركاء، فحذف المضاف) (٨). وهذا معنى قول الحسن وقتادة وعكرمة، قال الحسن:\n_________\n(١) في (ب): (يدل).\n(٢) \"تأويل مشكل القرآن\" ص ٢٥٩.\n(٣) قال الداني في \"المكتفى\" ص ٢٨٢: (قوله: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا﴾ وقف كافٍ عند أصحاب الوقف وهو عندي تام لأنه انقضاء قصة آدم وحواء ﵉، وقوله: ﴿عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ يريد مشركي العرب) اهـ.\nوانظر: \"الإيضاح\" لابن الأنباري ٢/ ٦٧٤، و\"القطع\" للنحاس ١/ ٢٦٨.\n(٤) \"تفسيرمقاتل\" ٢/ ٨٠.\n(٥) في (ب): (ثم قال).\n(٦) أخرجه عبد الرزاق ١/ ٢/ ٢٤٦، والطبري ٩/ ١٤٩، وابن أبي حاتم ٥/ ٢٦٣٥ بسند جيد، وذكره السيوطي في \"الدر\" ٣/ ١٧٩، وهذا القول هو اختيار الطبري في \"تفسيره\" ٩/ ١٤٨، والشيخ محمَّد بن صالح العثيمين في \"القول المفيد على كتاب التوحيد\" ٣/ ٦٧.\n(٧) لفظ: (اليهود) ساقط من (ب)\n(٨) ذكره ابن الجوزي في \"تفسيره\" ٣/ ٣٠٤.","vol":"9","page":519},{"text":"(عني بهذا من أشرك من ذرية آدم ولم يعن آدم) (١).\nوروى سعيد (٢) عن قتادة أنه كان يقول هذه الآية ويقول: (هم اليهود والنصارى رزقهم الله أولادًا فهودوا ونصّروا) (٣). وقال عكرمة: (جعلها لمن بعد آدم ممن أشرك بالله) (٤).\nويتوجه قول هؤلاء على ما ذكرنا من حذف المضاف، وهو اختيار ابن كيسان؛ لأنه قال: (هم الكفار جعلوا له شركاء، سموا أولادهم عبد العزى، وعبد اللات، وعبد مناة) (٥).\n_________\n(١) أخرجه عبد الرزاق ١/ ٢/ ٢٤٥، والطبري ٩/ ١٤٨، من طرق جيدة، وقال ابن كثير في \"تفسيره\" ٢/ ٣٠٥: (أخرجه ابن جرير عن الحسن بأسانيد صحيحة وهو من أحسن التفاسير وأولى ما حملت عليه الآية) اهـ.\n(٢) سعيد هو راوية قتادة وأثبت الناس فيه، سعيد بن أبي عروبة البصري، إمام ثقة، تقدمت ترجمته.\n(٣) أخرجه الطبري ٩/ ١٤٨، وابن أبي حاتم ٥/ ١٦٣٤ بسند جيد، وذكره السيوطي في \"الدر\" ٣/ ٢٧٩، وزاد نسبته إلى (عبد بن حميد، وابن المنذر).\n(٤) ذكره النحاس في \"معانيه\" ٣/ ١١٦، والثعلبي ٦/ ٣٠ ب، والبغوي ٣/ ٣١٤، والقرطبي ٧/ ٣٣٩.\n(٥) ذكره الثعلبي ٦/ ٣٠ ب، والبغوي ٣/ ٣١٤، والخازن ٢/ ٣٢٥، وهذا القول هو الظاهر الذي عليه أهل التحقيق، وقد استحسنه البغوي ٣/ ٣١٤، والخازن ٢/ ٣٢٥، وقال النحاس في \"معانيه\" ٣/ ١١٦: (هذا القول أولى والله أعلم، من أن ينسب إلى الأنبياء ﵈ مثل هذا) اهـ.\nوقال في \"إعرابه\" ٢/ ١٦٧: (هذا قول حسن)، وقال القرطبي ٧/ ٣٣٩: (هذا قول حسن وهو الذي يعول عليه) اهـ.\nوقال أبو حيان في \"البحر\" ٤/ ٤٤٠: (من جعل الخطاب للناس وليس المراد في الآية بالنفس وزوجها آدم وحواء أو جعل الخطاب لمشركي العرب ولقريش فيتسق الكلام اتساقًا حسنًا من غير تكَلف تأويل ولا تفكيك). =","vol":"9","page":520},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1290>١٩١ </span>- قوله تعالى: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾، قال ابن عباس: (يريد: أيعبدون ما لا يقدر أن يخلق شيئًا ﴿وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ يريد وهم مخلوقون (١)، يعني: الأصنام) (٢).\nفإن قيل: كيف وحد ﴿يَخلُقُ﴾ وجمع فقال: ﴿وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ وجعل الواو والنون في جمع غير الناس؟ فقال ابن الأنباري: (أما الجمع بعد التوحيد فسائغ (٣) من قبل أن ما يقع على الواحد والاثنين والجميع و(٤) المؤنث بلفظهما، وأوقعها الله ﷿ على الأصنام المعبودة من دونه فوحد ﴿يَخلُقُ﴾ للفظها وبيّن معناها في قوله جل وعز ﴿وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾، وأما جمعه الفعل بالواو والنون وأصحابه غير ناس (٥) فالحجة فيه أن الأصنام لما ادعى عابدوها أنها تعقل وتميز ووصفوها بالسمع والخلق، أجريت مجرى الناس، فجعلت علامة جمعها كعلامة جمع أفعال الناس، وجرى هذا مجرى قوله ﷿: ﴿فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: ٤٠]، وقوله: ﴿رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ [يوسف: ٤]. وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ﴾ [النمل: ١٨].\n_________\n= وقد اختار هذا القول الحافظ ابن كثير في \"تفسيره\" ٢/ ٣٠٥ - ٣٠٦، وأطال في تقريره فأجاد وأفاد -رحمه الله تعالى-، وانظر: \"الكشاف\" ٢/ ١٣٨، وابن عطية ٦/ ١٧٤ - ١٧٦، والرازي ١٥/ ٨٦.\n(١) في (ب): (وهم المخلوقون).\n(٢) انظر: \"تنوير المقباس\" ٢/ ١٤٧، و\"معاني الفراء\" ١/ ٤٠٠.\n(٣) في (ب): (فشائع).\n(٤) لفظ: (الواو) ساقط من (ب).\n(٥) انظر: \"الكتاب\" ٢/ ٤٧، و\"المقتضب\" ٢/ ٢٤٤، و\"المغني\" لابن هشام ٢/ ٣٦٥.","vol":"9","page":521},{"text":"وقول الشاعر (١):\nتمززتها والديك يدعو صباحه ... إذا ما بنو نعشٍ دنوا فتصوبوا) (٢)\nقال أصحابنا: (هذه الآية تدل على أن من لا يقدر على الخلق لا يستحق العبادة، ولا يقدر على خلق القليل والكثير غير الله، فلا يستحق العبادة غيره، والقدرية تقول: إن العباد يخلقون أفعالهم وهي مخلوقة لهم لا لله) (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1291>١٩٢ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ﴾. قال ابن عباس: (يريد: إن الأصنام لا تنصر من أطاعها ولا تنتصر ممن عصاها) (٤).\n_________\n(١) \"الشاهد\" للنابغة الجعدي في \"ديوانه\" ص ٤، و\"الكتاب\" ٢/ ٤٧، و\"مجاز القرآن\" ٢/ ٣٨، و\"الصاحبي\" ص ٤١٩، و\"وضح البرهان\" للغزنوي ١/ ٤٥٠، و\"اللسان\" ٧/ ٤٤٧٤ (نعش)، وبلا نسبة في: \"مجاز القرآن\" ١/ ٢٧٦ و٢/ ٨٣ - و٩٣، و\"معاني الأخفش\" ٢/ ٤٢٤، و\"المقتضب\" ٢/ ٢٢٤، و\"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٦١١، و\"الصحاح\" ٣/ ١٠٢٢ (نعش)، و\"دلائل الإعجاز\" ص ١٣٧، و\"المغني\" لابن هشام ٢/ ٣٦٥، وفي \"الديوان\": شربت بها والديك، وقوله: تمززتها، يعني: الخمر، أي: تمصص الشراب قليلًا قليلًا، مزه يمزه، أي مصه، وبنو نعش: أي بنات نعش وهي منازل القمر شبهت بحملة النعش في تربعها وتصوبوا، دنوا من الأفق للغروب، والشاهد: تذكير بنات نعش لأنه أخبر عنها بالدنو والتصوب كما يخبر عن العقلاء، انظر: \"شرح شواهد سيبويه\" للنحاس ص ١١٤، و\"اللسان\" ٧/ ٤٤٧٤ (نعش)، و\"شرح شواهد المغني\" للسيوطي ٢/ ٧٨٣، و\"الخزانة\" ٨/ ٨٢.\n(٢) ذكره ابن الجوزي في \"تفسيره\" ٣/ ٣٠٤، وانظر: \"تفسير الطبري\" ١٩/ ٥٩، و\"الدر المصون\" ٥/ ٥٣٦.\n(٣) انظر: \"تفسير الرازي\" ١٥/ ٩٠.\n(٤) \"تنوير المقباس\" ٢/ ١٤٧، وذكره الواحدي في \"الوسيط\" ٢/ ٢٨٤.","vol":"9","page":522},{"text":"وقال أهل المعاني في قوله: ﴿وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا﴾: (النَّصر المعونة (١) على العدو، يقول (٢): هذه الأوثان لا تستطيع معونتهم على عدوهم وهم يعبدونها عبادة من يقدر على ضرهم ونفعهم) (٣)، وقال الحسن في قوله: ﴿وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ﴾: (أي: ولا يدفعون عن أنفسهم مكروه من أرادهم (٤) بكسر أو نحوه) (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1292>١٩٣ </span>- قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى﴾. يخاطب المؤمنين؛ يقول: إن تدعوا المشركين إلى الهدى، وهو قول ابن عباس والكلبي (٦)، قال ابن عباس في هذه الآية: (يريد: إني خذلتهم، وأمليت لهم في الضلالة) (٧)، فدل هذا الكلام على أن المراد بقوله: ﴿لَا يَتَّبِعُوكُمْ﴾. المشركون.\nقال الكلبي: (وإن تدعوا المشركين إلى الإِسلام) (٨).\n_________\n(١) انظر: \"العين\" ٧/ ١٠٨، و\"الجمهرة\" ٢/ ٧٤٤، و\"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٥٨٤، و\"الصحاح\" ٢/ ٨٢٩، و\"مقاييس اللغة\" ٥/ ٤٣٥، و\"المفردات\" ص ٨٠٨، و\"اللسان\" ٧/ ٤٤٣٩ (نصر).\n(٢) في (أ): (يقال).\n(٣) انظر: \"تفسير الطبري\" ٩/ ١٥٠، والسمرقندي ١/ ٥٨٨، والبغوي ٣/ ٣١٤، وابن عطية ٦/ ١٧٧، والرازي ١٥/ ٩١.\n(٤) كذا في: (ب)، و\"الوسيط\" ٢/ ٢٨٤، عن الحسن، وفي: (أ) وكذا عند البغوي ٣/ ٣١٤، عن الحسن: (من أراد بهم بكسر) والأولى: (ممن أرادهم).\n(٥) انظر: \"الدر المنثور\" ٥/ ٥٣٦.\n(٦) \"تنوير المقباس\" ٢/ ١٤٧، وهو اختيار البغوي ٣/ ٣١٥.\n(٧) لم أقف عليه.\n(٨) ذكره السمرقندي ١/ ٥٨٨، عن الكلبي قال: (يعني: الآلهة وإن يدع المشركون آلهتهم إلى أمر لا يتبعهم آلهتهم) اهـ.","vol":"9","page":523},{"text":"وقال: قوم (١): (وإن تدعوا الأصنام التي عبدوها لا يتبعونكم لأنها لا تعقل). وهو اختيار الفراء (٢)، والآيات السابقة إخبار عن المشركين، وهذه الآية خطاب للمؤمنين، الدليل على ذلك أن المشركين لا يدعون أحدًا إلى الهدى (٣).\nوقوله تعالى: ﴿لَا يَتَّبِعُوكُمْ﴾. وقرأ نافع (٤) بالتخفيف، وهما لغتان اتبعه اتباعًا وتبعه تبعًا، والمراد به: تركهم الانقياد للحق والإذعان للهدى، والوجه قراءة العامة؛ لأن (اتَّبَع) أكثر في الاستعمال، ألا ترى أنهم أجمعوا على افتعل في قوله: ﴿وَاْتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ (٥) [الأعراف: ١٧٦].\n_________\n(١) هذا قول الجمهور وحكاه النحاس في \"إعرابه\" ١/ ٦٥٧، عن الأخفش، وانظر: \"تفسير الطبري\" ٩/ ١٥٠، والثعلبي ٦/ ٣١ أ، والزمخشري ٢/ ١٣٧، وابن عطية ٦/ ١٧٧ - ١٧٨، والرازي ١٥/ ٩١، والخازن ٢/ ٣٢٦، وابن كثير ٢/ ٣٠٧.\n(٢) \"معاني الفراء\" ١/ ٤٠١.\n(٣) قال أبو حيان في \"البحر\" ٤/ ٤٤١، والسمين في \"الدر\" ٥/ ٥٣٧: (الظاهر أن الخطاب للكفار وضمير النصب للأصنام، والمعنى: وإن تدعو آلهتكم إلى طلب هدى ورشاد كما تطلبونه من الله لا يتابعونكم على مرادكم) قال السمين: (ويجوز أن يكون الضمير للرسول والمؤمنين، والمنصوب للكفار أي: وإن تدعوا أنتم هؤلاء الكفار إلى الإيمان) اهـ.\n(٤) قرأ نافع: ﴿يَتَّبِعُوكُمْ﴾ بسكون التاء وتخفيفها وفتح الباء، من تبع، وقرأ الباقون بفتح التاء وتشديدها وكسر الباء من اتبع، انظر: \"السبعة\" ص ٢٩٩، و\"المبسوط\" ص ١٨٧، و\"التذكرة\" ٢/ ٣٤٠، و\"التيسير\" ص ١١٥، و\"النشر\" ٢/ ٢٧٤.\n(٥) ما تقدم قول أبي علي في \"الحجة\" ٤/ ١١٣ - ١١٤، والجمهور على أنهما بمعنى واحد، وقال بعض أهل اللغة: تبعه مخففًا إذا مضى خلفه ولم يدركه والمعنى: لا يلحقوكم، واتبعه مشددًا إذا مضى خلفه فأدركه، والمعنى لا يسيرون على أثركم ولا يركبون طريقتكم في دينكم، انظر: \"معاني القراءات\" ١/ ٤٣٢، و\"إعراب القراءات\" ١/ ٢١٩، و\"الحجة\" لابن خالويه ص ١٦٩، ولابن زنجلة ص ٣٠٥، =","vol":"9","page":524},{"text":"وقوله تعالي: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ﴾. مثل قوله: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٦]. وذكرنا ما فيه، وهناك عطف الفعل على الفعل، وهاهنا عطف الاسم على الفعل؛ لأن المعنى: أدعوتموهم أم صَمَتُّم، فهما جملتان الأولى مركبة من فعل وفاعل، والثانية من مبتدأ وخبر، ويعود معناها إلى معنى الأولى؛ لأن معناها: صمتم، وقال الفراء: (قوله (١): ﴿أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ﴾. ولم يقل: أم صمتُّم. وأكثر كلام (٢) العرب أن يقولوا: سواء عليَّ أقمت أم قعدت، ويجوز سواء عليَّ أقمت أم أنت قاعد.\nقال: وأنشدني الكسائي:\nسواء عليك الفقر أم بتَّ ليلة ... بأهل القباب من نمير بن عامر (٣)\n_________\n= و\"الكشف\" ١/ ٤٨٦، و\"الدر المصون\" ٥/ ٥٣٧، وفيه: (هما لغتان وهو أظهر) اهـ.\n(١) وكذلك حكى سيبويه في \"الكتاب\" ٣/ ٦٤: (عن الخليل أن الآية بمنزلة أم صمتم) وهو قول ابن السراج في \"الأصول\" ٢/ ١٦١، وأبي علي في كتاب \"الشعر\" ١/ ٢٨١ - ٢/ ٥٤٤، وقال في \"العسكريات\" ص ٩٧، و\"البصريات\" ١/ ٧١١: (اعلم أن بعض الجمل قد تقوم مقام بعض فمن ذلك قوله ﷿: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ﴾ فهذه التي من الابتداء والخبر موقعة موقع التي هي من الفعل والفاعل ألا ترى أنها معادلة كما هو كذلك فقد عادل بالابتداء والخبر الجملة التي هي من الفعل والفاعل والمعنى: أم صمتم) اهـ.\n(٢) في \"معاني الفراء\" ١/ ٤٠١: (وعلى هذا أكثر كلام العرب أن يقولوا ..) اهـ.\n(٣) لم أقف على قائله وهو في: \"تفسير الطبري\" ٩/ ١٥١، وابن عطية ٦/ ١٧٨، و\"البحر\" ٤/ ٤٤٢، و\"الدر المصون\" ٥/ ٥٣٨، وعند الفراء والطبري وأبي حيان: سواء عليك النفر، يريد النفر من مني في أيام الحج وهو اليوم الثاني من أيام التشريق، والشاهد: سواء عليك الفقر أم بت ليلة حيث عادلت أم بين المفرد في قوله: الفقر، وجملة قوله: بت ليلة، وقال أبو حيان: (عطف الجملة الفعلية على =","vol":"9","page":525},{"text":"وأنشد بعضهم:\n..... أو أنت بائت) (١)\nوقال غيره من أهل المعاني (٢): (إنما قال: ﴿أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ﴾ ولم يقل: أم صمتم لإفادة الماضي والحال، و(٣) ذلك أن المقابلة بـ (دعوتم) قد دلت على معنى الماضي، واللفظ قد دل على معنى الحال).\nوقال صاحب النظم: (قوله ﴿سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ﴾ ظاهر هذا النظم أن الاستواء واقع بالداعين، وهو (٤) في المعنى واقع بالمدعوين (٥)؛ لأن حال الداعي في الدعاء والصمات مختلفة، وإنما يتفق ويستوي على المدعوين لأنها أصنام لا تسمع ولا تجيب، فاستوى (٦) عليها الدعاء والصمات،\n_________\n= اسم مقدر بالفعلية إذ الأصل سواء عليك أنفرت أم بت فأوقع النفر موقع أنفرت) اهـ. والقباب، بالكسر، جمع قبَّة -بالضم- بناء من بيوت العرب معروف، انظر: \"اللسان\" ٦/ ٣٥٠٧ (قبب)، ونمير بن عامر بن صعصعة، انظر: \"نهاية الأرب\" ص ٣٨٥.\n(١) \"معاني الفراء\" ١/ ٤٠، ومثله قال الطبري ٩/ ١٥١.\n(٢) انظر: \"إعراب النحاس\" ١/ ٦٥٧، و\"غرائب الكرماني\" ١/ ٤٣١، و\"الكشاف\" ٢/ ١٣٨، و\"التبيان\" ص ٣٩٨، و\"الفريد\" ٢/ ٣٩٥، و\"الدر المصون\" ٥/ ٥٣٨، وقال أبو حيان في \"البحر\" ٤/ ٤٤٢: (الآية من عطف الجملة الاسمية على الفعلية، وكانت الجملة الثانية اسمية لمراعاة رؤوس الآي، ولأن الفعل يشعر بالحدوث واسم الفاعل يشعر بالثبوت والاستمرار، فكانوا إذا دهمهم أمر معضل فزعوا إلى أصنامهم، وإذا لم يحدث بقوا ساكتين فقيل: لا فرق بين أن تحدثوا لهم دعاء وبين أن تستمروا على صمتكم فتبقوا على ما أنتم عليه من عادة صمتكم وهي الحالة المستمرة) اهـ.\n(٣) لفظ: (الواو) ساقط من (ب).\n(٤) في (ب): (وهي)، وهو تحريف.\n(٥) في (أ): (واقع بالمدعو).\n(٦) في (ب): (واستوى).","vol":"9","page":526},{"text":"وإنما جاز ذلك وحسن لأنه إذا استوى عليها الدعاء والصمات كان مرجع هذا الاستواء إلى الداعين لأنهم إنما يدعون ليجابوا، وإذا لم يجابوا بشيء استوى عليهم الدعاء والصمات.\nوقوله تعالى: ﴿أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ﴾ تأويله: أم صمتم، وإنما جاز هذا النظم لأن رؤوس الآيات كانت على النون (١)، وهذا النظم وإن كان قليلًا فقد تكلمت العرب بمثله.\nقال الأعشى (٢):\nإن تركبوا فظهور (٣) الخيل عادتنا ... وإن نزلتم فإنا معشر نزل\n_________\n(١) مجموع فواصل آيات الأعراف: (ن، م، د، ل) الدال في الآية الأولى، واللام في الآيتين ١٠٥، ١٣٤، والميم في الآيات ١٦، ٧٣، ٥٩، ١٠٩، ١١٢، ١١٦، ١٤١، ١٥٣، ١٦٧، ٢٠٠، والباقي بالنون.\n(٢) \"ديوانه\" ص ١٤٩، و\"الكتاب\" ٣/ ٥١، و\"المحتسب\" ١/ ١٩٥، و\"الصاحبي\" ص ٤٧٠، و\"الأمالي\" ابن الشجري ٢/ ٢١٩، و\"الدر المصون\" ٤/ ٨٢، و\"المغنى\" ٢/ ٦٩٣، والرواية عندهم:\nإن تركبوا فركوب الخيل عادتنا ... أو تنزلون فإنا معشر نزل\nوأوله في الديوان:\nقالوا الركوب فقلنا تلك عادتنا\nويروى: قالوا الطرادُ. وهو من معلقته المشهورة، والشاهد: عطف الجملة الاسمية، أو أنتم تنزلون على جملة الشرط (إن تركبوا)، وقيل: هو عطف توهم كأنه قال. أتركبون فذلك عادتنا أو تنزلون في الحرب فنحن معروفون بذلك، انظر: \"شرح القصائد\" للنحاس ٢/ ١٥٣، و\"شرح شواهد المغني\" للسيوطي ٢/ ٥٦٥ - ٥٦٨، و\"الخزانة\" ٨/ ٥٥٢.\n(٣) لفظ: (فظهور)، (ونزلتم) لم أقف عليها إلا في هذه الرواية.","vol":"9","page":527},{"text":"معناه: إن تركبوا ركبنا، وإن تنزلوا نزلنا، فأجاب الشرطين وهما فعلان بخبرين اسمين؛ لأن فيهما دليلًا على الفعل المضمر) (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1293>١٩٤ </span>- قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ (٢). قال المفسرون (٣): (يعني: الأصنام)، وقال عطاء عن ابن عباس: (يريد: الملائكة) (٤)، وهذا القول ضعيف من جهتين أحدهما: إن المشركين في ذلك الوقت كانوا يعبدون الأصنام لا الملائكة، ولأنه قال بعد هذه الآية ﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا﴾ الآية [الأعراف:١٩٥]. فدلت هذه أنه يريد الأصنام التي هي جماد لا توصف بالأيدي الباطشة والأرجل الماشية (٥)، وقد مضى القول في أن الأصنام لما جمعت جمع ما يعقل في قوله: ﴿وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ [الأعراف: ١٩١].\nومعنى الدعاء المذكور هاهنا يحتمل أن يكون العبادة، ويحتمل أن يكون التسمية، كأنه قيل: إن الذين تدعون آلهة من دون الله، ومعنى ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ غير الله.\n_________\n(١) لم أقف عليه.\n(٢) في (أ): (يدعون) بالياء والمشهور بالتاء، وذكر ابن خالويه في \"الشواذ\" ص ٤٨، أنه قرئ بالياء.\n(٣) انظر: \"تفسير الطبري\" ٩/ ١٥١، و\"معاني النحاس\" ٣/ ١١٧، والسمرقندي ١/ ٥٨٩، والثعلبي ٦/ ٣١ أ.\n(٤) لم أقف عليه، وحكاه البغوي ٣/ ٣١٥، والخازن ٢/ ٣٢٦ عن مقاتل، وقالا: (والأول أصح) اهـ.\nوفي \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٨١ قال: (يعني: تعبدون ﴿دُونِ الله﴾ من الآلهة ﴿إنهم عباد أمثالكم﴾ وليسوا بآلهة).\n(٥) انظر: \"البحر\" ٤/ ٤٤٣ - ٤٤٤.","vol":"9","page":528},{"text":"وقوله: ﴿عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ﴾. قال الكلبي: (مملوكون أمثالكم) (١)، وقال الأخفش: (﴿عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ في التسخير) (٢) فعلى هذا معنى ﴿عِبَادٌ﴾ أي: مسخرون مذللون لأمر الله، ومنه سمي الرقيق عبدًا؛ لأنه مسخر بذلك، وقال قطرب: (مخلوقة أمثالكم) (٣). فأما وصفها بأنهم ﴿عِبَادٌ﴾ وهي موات كالحائط والباب والثوب، فقال أبو بكر بن الأنباري: (الأصنام وإن كانت (٤) مواتًا تجري مجرى الباب والثوب والحائط في أنها غير حيوان، فإن المشركين لما ادعوا أنها تعقل وتميز، وتضر وتنفع أجريت مجرى الناس، ولذلك قال: ﴿فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا﴾، ولم يقل: فادعوهن فليستجبن، ولهذا أيضًا قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ﴾ ولم يقل: التي)، وقد سبق (٥) بيان هذا، (فإذا صيرت الأصنام كالناس فأوقع عليها ﴿الَّذِينَ﴾ وقيل في جمعها: فليفعلوا صلح أن يقال لها (٦) ﴿عِبَادٌ﴾، وامتنع ذلك في الأبواب والحيطان والثياب، إذ كانت هذه الأنواع (٧) ما وصفت قط بما يوصف به الناس من العقل والتمييز) (٨).\nوقوله تعالى: ﴿فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ﴾. قال ابن عباس: (يريد:\n_________\n(١) \"تنوير المقباس\" ٢/ ١٤٨، وذكره الواحدي في \"الوسيط\" ٢/ ٢٨٥، وهو قول الطبري ٩/ ١٥١، والسمرقندي ١/ ٥٨٩، والبغوي ٣/ ٣١٥.\n(٢) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ٢/ ٢٨٥، ولم أقف عليه عند غيره.\n(٣) لم أقف عليه.\n(٤) في (ب): (كان).\n(٥) لم أقف عليه.\n(٦) لفظ: (لها) ساقط من (ب).\n(٧) في (أ): (الأبواب)، وهو تحريف.\n(٨) لم أقف عليه. وانظر: \"تفسير الرازي\" ١٥/ ٩٢.","vol":"9","page":529},{"text":"فاعبدوهم هل يثيبونكم (١) أو يجازونكم) (٢).\nوقال أهل المعاني: (معنى هذا الدعاء: طلب المنافع وكشف المضار من جهتهم، وذلك ما يُئِس منه من قبلهم، وعبادة من هذه صفته جهل وسخف، واللام في: ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا﴾ لام الأمر على معنى التعجيز، وهو طلب الفعل إن أمكن) (٣).\nوقوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. أي: إن صدقتم أن لكم عند الأصنام منفعة أو ثوابًا أو شفاعة أو نصرة، قاله ابن عباس (٤)، وسلك صاحب النظم في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ طريقة أخرى؛ فقال: (تأويل قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ﴾ ﴿إِنَّ﴾ على استفهام، وفي الاستفهام طرف من الإنكار كقوله: ﴿أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا﴾ [التغابن: ٦] إلا أنه استثقل همزتان فاقتصر على إحداهما، وقد تستفهم العرب بغير الألف، قال الله تعالى: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ﴾ [الشعراء: ٢٢] بمعنى: أو تلك على الإنكار، ولا يجوز أن يكون هذا خبرًا؛ لأن تعبيده بني إسرائيل لم يكن منّة عليه، ومثله قول الشاعر (٥):\nأفرح أن أرزأ الكرام وأن ... أورث ذودًا شصائصًا نبلا\nأراد: أأفرح لأنه ينتفي من ذلك، ولا يرضى أن يقال له ذلك، وإنما\n_________\n(١) في (ب): \"يثبتونكم\".\n(٢) \"تنوير المقباس\" ٢/ ١٤٨، وذكره الواحدي في \"الوسيط\" ٢/ ٢٨٥، والبغوي ٣/ ٣١٥، والقرطبي ٧/ ٣٤٢.\n(٣) انظر: \"تفسير الرازي\" ١٥/ ٩٢.\n(٤) ذكره البغوي ٣/ ٥١٥ بلفظ: (﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ إن لكم عندها منفعة). وذكره الواحدي في \"الوسيط\" ٢/ ٢٨٥ بلا نسبة.\n(٥) الشاهد لحضرمي بن عامر الأسدي، وقد سبق.","vol":"9","page":530},{"text":"قال ﷿ منكرًا عليهم أن تكون الأصنام عبادًا أمثالهم لقصورها عن أن تكون مثل العباد في الفهم والسمع والبصر، فحقرها وضعفها بهذا الخبر عن أن تبلغ مبلغ العباد فكيف مبلغ الآلهة، ثم قال ﷿: فإن كان كما تقولون أنها تنفع وتضر ﴿فَادْعُوهُمْ﴾ إلى آخر الآية) (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1294>١٩٥ </span>- قوله تعالى: ﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا﴾، قال ابن عباس: (يريد: مثل بني آدم ممن جعلت فيه الروح. ﴿أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا﴾ مثل ما يبطش بنو آدم) (٢)، ومعنى البَطش (٣): التناول عند الصولة، والأخذ الشديد في كل شيء: بَطش، ومنه قوله عز وتعالى: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ [البروج: ١٢].\nقال أهل المعاني في هذه الآية: (إنما أنكر عليهم عبادة من لا رجل له يمشي بها، ولا يد (٤) يبطش بها، لأن من عبد جسمًا هذه صفته فقد عبد ما لا شبهة في اليأس من ضره ونفعه، فهو ألوم (٥) ممن عبد من له جارحة يمكن أن ينفع بها أو يضر، فقد عرفهم بهذا أنهم مفضلون عليهم (٦) فكيف يعبدون من هم أفضل منه، فالقصد بالآية بيان جهالتهم في عبادة الأصنام (٧)\n_________\n(١) لم أقف عليه.\n(٢) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ٢/ ٢٨٦ بلا نسبة.\n(٣) انظر: \"العين\" ٦/ ٢٤٠، و\"الجمهرة\" ١/ ٣٤٢، و\"تهذيب اللغة\" ١/ ٣٤٩، و\"الصحاح\" ٣/ ٩٩٦، و\"مقاييس اللغة\" ١/ ٢٦٢، و\"المفردات\" ص ١٢٩، و\"اللسان\" ٦/ ٣٠١ (بطش).\n(٤) لفظ: (ولا يد) ساقط من (ب).\n(٥) في (ب): (فهو اليوم)، وفي (أ): (اللوم).\n(٦) في (ب): (عليه).\n(٧) لفظ: (الأصنام) ساقط من (ب).","vol":"9","page":531},{"text":"حيث كانوا أفضل من معبوديهم بما خلق الله لهم من هذه الجوارح التي لم يخلقها لمعبوديهم) (١).\nوقوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ﴾. قال ابن عباس (٢): (يريد: الذين تعبدون (٣) من دون الله، ﴿ثُمَّ كِيدُونِ﴾ أنتم وشركاؤكم)، وهذا يتصل بما قبله اتصال استكمال الحجة عليهم؛ لأنهم لما فزعوا بعبادة من لا يملك ضرًا ولا نفعًا، قيل لمحمد: قل لهم معبودي يملك الضر والنفع فلو اجتهدتم في كيدي لم تصلوا إلى ضري لدفعه عني.\nقال الحسن (٤): (إنهم كانوا يخوفونه بآلهتهم فقال الله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ﴾)، واختلفوا في إثبات الياء (٥) في ﴿كِيدُونِ﴾ وحذفها، فقرءوا بالوجهين، ومثله: ﴿فَلَا تُنْظِرُونِ﴾، والقول في ذلك أن الفواصل وما أشبه الفواصل من الكلام التام تجري مجرى القوافي\n_________\n(١) انظر: \"تفسير الطبري\" ٩/ ١٥١، والسمرقندي ١/ ٥٨٩، والماوردي ٢/ ٢٨٧، والبغوي ٣/ ٣١٥، وابن عطية ٦/ ١٨٠، والرازي ١٥/ ٩٢ - ٩٣، وقال ابن الجوزي في \"تفسيره\" ٣/ ٣٠٦: (في الآية تنبيه على تفضيل العابدين على المعبودين وتوبيخ لهم حيث عبدوا من هم أفضل منه) اهـ.\n(٢) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ٢/ ٦ بلا نسبة.\n(٣) في (أ): (تدعون).\n(٤) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ٢/ ٢٨٦، وابن الجوزي ٣/ ٣٠٦، والرازي ١٥/ ٩٣، والخازن ٢/ ٣٢٧.\n(٥) قرأ أبو عمرو (ثُمَّ كِيدُونِي) بإثبات الياء وصلًا وحذفها وقفًا وهي رواية عن ابن عامر ونافع، وقرأ ابن عامر في رواية بإثبات الياء في الوصل والوقف، وحذفيها الباقون في الحالين، وقرأ يعقوب وحده: (فَلَا تُنظِرُونِي) بإثبات الياء في الوصل والوقف، وحذفها الباقون في الحالين، انظر: \"السبعة\" ص ٢٩٩، و\"المبسوط\" ص ١٨٨، و\"التذكرة\" ٢/ ٤٣٢، و\"التيسير\" ص ١١٥، و\"النشر\" ٢/ ٢٧٥.","vol":"9","page":532},{"text":"لاجتماعهما في أن الفاصلة آخر الآية، كما أن القافية آخر البيت، وقد ألزموا (١) الحذف هذه الياءات إذا كانت القوافي كقوله:\nفهل يمنعني ارتيادي البلاد ... من قدر الموت أن يأتِيَنْ (٢)\nوكذلك الياء التي هي لام كقوله:\nيلمس الأحلاس في منزله ... بيديه كاليهودي المصل (٣)\nومن أثبت فلأن الأصل الإثبات (٤). ومعنى قوله: ﴿فَلَا تُنْظِرُونِ﴾. أي: لا تمهلوني واعجلوا في كيدي أنتم وشركاؤكم، وهذه الآية تدل على صحة ما قال صاحب النظم في الآية الأولى، ألا ترى أنه بيّن فضل الآدمي على الأصنام في هذه الآية لما بقي (٥) بالأولى، أن تكون الأصنام أمثالهم.\n_________\n(١) في (ب): (وقد لزموا)، وهو تحريف.\n(٢) الشاهد للأعشى الكبير في \"ديوانه\" ص ٣٥٩، و\"الكتاب\" ٣/ ٥١٣ و٤/ ١٨٧، و\"الحجة\" لأبي علي ٣/ ٢١٩، و\"المحتسب\" ١/ ٣٤٩، و\"تفسير ابن عطية\" ٦/ ١٨٢، و\"الدر المصون\" ٣/ ٩٢، والشاهد حذف الياء من الفعل (يأتيني).\n(٣) الشاهد للبيد في \"ديوانه\" ص ١٤٢، والرازي ١٥/ ٩٣، و\"اللسان\" ٧/ ٤٠٧٢ - ٤٠٧٣ (لمس)، وهو في \"تفسير ابن عطية\" ٦/ ١٨٢ للأعشى ولعله تحريف أو وهم، ويلمس: يطلب، والأحلاس: جمع حلس، وهو كساء رقيق يوضع على ظهر البعير، والمصل المصلي يعني أنه لا يعقل من غلبه النعاس فهو يطلب الأحلاس مائلًا جانبه كأنه يهودي يصلي على شق وجهه، والشاهد حذف الياء من الاسم، وهو المصلي.\n(٤) ما تقدم هو قول أبي علي في \"الحجة\" ٤/ ١١٥، وانظر. \"إعراب القراءات\" ١/ ٢١٩، و\"الحجة\" لابن خالويه ص ١٦٩.\n(٥) كذا في \"الأصول\": يريد أنه ما بقي في الآية السابقة دليل على أن الأنام أمثالهم بل هم أفضل.","vol":"9","page":533},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1295>١٩٦ </span>- قولهم تعالى: ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ﴾ الآية. قرأ القراء (١): ﴿وَلِيِّيَ﴾ بثلاث ياءات، ياء (فعيل) وهي ساكنة، والثانية لام الفعل وهي مكسورة قد أدغمت (٢) الأولى فيها فصارتا ياء مشددة، والثالثة ياء الإضافة.\nوروي عن أبي عمرو بالإدغام (٣) الكبير: ﴿وَلِيِّيَ اللَّهُ﴾ بياء مشددة، ووجه ذلك (٤) أنه حذف الياء التي هي لام فعيل، كما حذفت اللام من قولهم: (ما بليتُ به بالةً) (٥)، وكما حذفت الهمزة التي هي لام في قول أبي\n_________\n(١) اختلف عن أبي عمرو، فقرأ بحذف الياء وإثبات ياء واحدة مفتوحة مشددة، وقرأ بكسر الياء المشددة بعد الحذف، وقرأ الباقون بياءين الأولى مشددة مكسورة، والثانية مخففة مفتوحة. انظر: \"السبعة\" ص ٣٠٠، و\"المبسوط\" ص ٩٧، و\"النشر\" ٢/ ٢٧٤ - ٢٧٥.\n(٢) في (أ): (قد أدغمتا الأولى فصارتا).\n(٣) في (أ): \"في الإدغام\" وقال ابن الجزري في \"النشر\": ٢/ ٢٧٤: (بعضهم يعبر عنه بالإدغام وهو خطأ إذ المشدد لا يدغم في المخفف وبعضهم أدخله في الإدغام الكبير ولا يصح ذلك لخروجه عن أصوله ولأن راويه يرويه مع عدم الإدغام الكبير) اهـ.\n(٤) قال ابن الجزري في \"النشر\": ٢/ ٢٧٤: (اختلف في توجيه الرواية عن أبي عمرو، فخرج فتح الياء على حذف لام الفعل في ولي وهي الياء الثانية وإدغام ياء فعيل في ياء الإضافة وقد حذفت اللام كثيرًا في كلامهم وهو مطرد في اللامات في التحقير، وقد قيل في تخريجها غير ذلك وهذا أحسن، وأما كسر الياء فوجهها أن يكون المحذوف ياء المتكلم لملاقاتها ساكنًا كما تحذف ياءات الإضافة عند لقيها الساكن، والرواية الحذف وصلًا ووقفًا أجري الوقف مجرى الوصل) اهـ.\n(٥) (ما باليتُ به بالة) أي: لم أكترث به، والشاهد: بالة حيث حذف الياء تخفيفًا، والأصل بالية، وفي \"الكتاب\" ٤/ ٤٠٦: (حكي عن الخليل أن من الحذف قولهم: ما أباليه بالة كأنها بالية بمنزلة العافية) اهـ، وفي \"النهاية\" لابن الأثير ١/ ١٥٦ قال: (وفي حديث ابن عباس: (ما أباليه بالة) أي: لم أكترث به)، وفي \"اللسان\" ١/ ٣٥٦ (بلا)،ذكر حديث ابن عباس، وقال: (ومن كلام الحسن: لم يبالهم الله =","vol":"9","page":534},{"text":"الحسن (١) (من أشياء) كما حذفت الهمزة من قولهم: سواية إذا أردت به سوائية مثل الكراهية، وكما استمر الحذف في التحقير في هذه (٢) اللامات نحو: عُطيّ في تحقير عطاء بدليل قولهم: سميَّة في تصغير سماء، فلما حذفت اللام أدغمت ياء فعيل في ياء الإضافة فقلت: ﴿وَلِيِّيَ اللَّهُ﴾. فهذه الفتحة فتحة ياء الإضافة (٣) ولا يجوز أن يدغم الياء التي هي لام في ياء الإضافة؛ لأنه إذا فعل ذلك انفك الإدغام، ويذهب سيبويه إلى (إنك إذا قلت هذا: وليُّ يزيد، وعدو وليد، لم يجز إدغام الياء التي هي لام في ياء يزيد لانفكاك الإدغام من وليّ) (٤)، وكأن أبا عمرو في قوله: ﴿وَلِيَّ اللَّهُ﴾ شبه (٥) المنفصل وهو ياء الإضافة بالمتصل، فحذف إحدى الياءات عن ﴿وَلِيَّ﴾ كما يحذف من عُطيّ، والباقون أجازوا اجتماع ثلاث ياءات؛ لأن\n_________\n= بالة، أي: لا أكترث بهم) اهـ. وأخرج البخاري في \"صحيحه\" رقم (٦٤٣٤) كتاب الرقاق، باب: ذهاب الصالحين، عن مرداس الأسلمي الأسلمي ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: \"يذهب الصالحون الأول فالأول ويبقى حفالة كحفالة الشعير أو التمر لا يباليهم الله بالة\") اهـ. وفي \"النهاية\" ١/ ١٥٦: (أي: لا يرفع لهم قدرًا أو لا يقيم لهم وزنًا، يقال: ما باليته وما باليت به أي: لم أكترث به) اهـ.\n(١) قول الأخفش في \"الحجة\" لأبي علي ٤/ ١١٨، وقال الأزهري في \"تهذيبه\" ٢/ ١٩٥١ (شيء): (لم يختلف النحويون في أن (أشياء) جمع شيء وأنها غير مجراة، وقال الفراء والأخفش أصل أشياء أفعلاء إلا إنه كان في الأصل أشيئاء على وزن أشيعاع فاجتمعت همزتان بينهما ألف، فحذفت الهمزة الأولى). وانظر: \"اللسان\" ٤/ ٢٣٦٩ - ٢٣٧٠ (شيء)، و\"معجم مفردات الإبدال والإعلال\" للخراط ص ١٥٧.\n(٢) لفظ: (في هذه) ساقط من (ب).\n(٣) في (ب): (فتحة بالإضافة)، وهو تحريف.\n(٤) \"الكتاب\" ٤/ ٤٤٢.\n(٥) في (ب): (شبهه)، وهو تحريف.","vol":"9","page":535},{"text":"ياء الإضافة منفصل، ولم يجروا المنفصل مجرى المتصل، ولا يجوز في عُطيّ إلا الحذف لأنه متصل (١).\nومعنى ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ﴾ أي: الذي يتولى حفظي وتصرفي هو الله لا غيره، ﴿الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ﴾ يريد: القرآن، أي: أنه يتولاني وينصرني، كما أيدني بإنزال الكتاب (٢). ﴿وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ﴾ [قال ابن عباس: (يريد: الذين لا يعدلون بالله شيئًا ولا يعصونه) (٣)، وفي هذا مدح الصالحين] (٤) بأن الله ﷿ يتولاهم بنصره فلا يضرهم (٥) عداوة من عاداهم، وفي ذلك يأس المشركين من أن يضره كيدهم ومكرهم. قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ﴾ الآية [الأعراف: ١٩٧] معنى هذه الآية قد مضى في مثلها من قوله: ﴿وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا﴾ [الأعراف: ١٩٢].\nوإنما أعيد هذا المعنى لأن الأول مذكور على جهة التقريع، وهاهنا ذكر على جهة الفرق بين صفة من تجوز له العبادة ومن لا تجوز، كأنه قيل: إن ناصره الله ولا ناصر لكم ممن تعبدون (٦).\n_________\n(١) ما تقدم قول أبي علي في \"الحجة\" ٤/ ١١٦ - ١٢٠، وانظر: \"معاني القراءات\" ١/ ٤٣٢، و\"إعراب القراءات\" ١/ ٢١٧، و\"الحجة\" لابن خالويه ص ١٦٨، و\"البحر\" ٤/ ٤٤٦، و\"الدر المصون\" ٥/ ٥٤٢.\n(٢) انظر: \"تفسير الطبري\" ٩/ ١٥٢، و\"إعراب النحاس\" ١/ ٦٥٩، والسمرقندي ١/ ٥٨٩.\n(٣) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ٢/ ٢٨٦، والبغوي ٣/ ٣١٥ - ٣١٦، والخازن ٢/ ٣٢٧.\n(٤) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).\n(٥) في (ب): (ولا يضرهم).\n(٦) انظر: \"تفسير الرازي\" ١٥/ ٩٥، والخازن ٢/ ٣٢٧، وقال ابن عطية ٦/ ١٨٤: (إنما كرر لأن أمر الأصنام وتعظيمها كان متمكنًا من نفوس العرب في ذلك الزمن ومستوليًا على عقولها فأوعب القول في ذلك لطفًا من الله تعالى بهم) اهـ.","vol":"9","page":536},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1296>١٩٨ </span>- قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَسْمَعُوا وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾. ذهب الحسن (١) إلى أن المراد بهذا (٢): المشركون، فيكون المعنى: وإن تدعوا أيها المؤمنون المشركين إلى ﴿الْهُدَى لَا يَسْمَعُوا﴾ أي: لا يعقلوا (٣) بقلوبهم، ﴿وَتَرَاهُمْ﴾، يا محمد ﴿يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ﴾ بأعينهم (٤) ﴿وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ بقلوبهم، والأكثرون (٥) على أن المراد بالآية الأنام وبيان صفات ما هي عليه من النقص، وظاهر النظم يدل على هذا المقدم (٦).\n_________\n(١) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ٢/ ٢٨٧، والبغوي ٣/ ٣١٦، والخازن ٢/ ٣٢٧، وأخرجه الطبري ٩/ ١٥٢ بسند جيد عن السدي ومجاهد، وهو قول مقاتل في \"تفسيره\" ٢/ ٨١.\n(٢) لفظ: (بهذا) ساقط من (ب).\n(٣) في (أ): (أي يعقلوا).\n(٤) لفظ: (بأعينهم) ساقط من (ب).\n(٥) وهو إختيار أكثرهم قال ابن كثير في \"تفسيره\" ٢/ ٣٠٧: (هذا هو الأولى وقاله قتادة واختاره الطبري ٩/ ١٥٣) اهـ.\nوانظر: \"إعراب النحاس\" ١/ ٦٥٧، والسمرقندي ١/ ٥٨٩، والثعلبي ٦/ ٣١ أ، والبغوي ٣/ ٣١٦، و\"الكشاف\" ٢/ ١٣٨، والقرطبي ٧/ ٣٣٤، والخازن ٢/ ٣٢٧، وقال أبو حيان في \"البحر\" ٤/ ٤٤٧: (تناسق الضمائر يقتضي أن الضمير للأصنام ونفى عنها السماع لأنها جماد لا تحس وأثبت لها النظر على سبيل المجاز بمعنى أنهم صوروهم ذوي أعين فهم يشبهون من ينظر، وقال الحسن ومجاهد والسدي الضمير يعود على الكفار ووصفهم بأنهم لا يسمعون ولا يبصرون إذ لم يتحصل لهم عن الاستماع والنظر فائدة ولا حصلوا منه بطائل وهذا تأويل حسن ويكون إثبات النظر حقيقة لا مجازًا ويحسن هذا التأويل الآية بعد هذه ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩] أي: الذين من شأنهم أن تدعوهم لا يسمعوا وينظرون إليك وهم لا يبصرون فتكون مرتبة على العلة الموجبة لذلك وهي الجهل) اهـ.\n(٦) في (ب): (التقدم) والظاهر أنه يرجح اللأول والله أعلم وهو ظاهر من تقديم قول الحسن هنا، وكذلك في \"الوسيط\" ٢/ ٢٨٧.","vol":"9","page":537},{"text":"وقوله تعالى (١): ﴿وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ﴾. قال الفراء: (يريد: الآلهة أنها صور لا تبصر ولم يقل: وتراها لأن لها أجسامًا وعيونًا، والعرب تقول للرجل والقريب من الشيء: هو ينظر وهو لا يراه، والمنازل تتناظر إذا كان بعضها بإزاء بعض) (٢)، فمعنى ﴿يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ﴾ هاهنا: يقابلونك، ونحو هذا قال ابن الأنباري (٣) فقال: (المعنى: ﴿وَتَرَاهُمْ﴾ يقربون منك ويدنون وهم غير مبصرين)، وذكر وجهًا آخر فقال: (معنى: ﴿وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ﴾ يخيل إليك أنهم يبصرون وهم غير مبصرين) (٤).\nوشرح أبو علي الجرجاني هذه الوجه واختاره فقال: (قوله: ﴿وَتَرَاهُمْ﴾، أي: تحسبهم، والرؤية على وجهين أحدهما: العلم وهو كثير كقوله: ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى﴾ [غافر: ٢٩] أي: ما أعلمكم إلا ما أعلم، والآخر: الشك كقوله: ﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى﴾ [الحج: ٢] أي: تحسبهم كذلك. ومنه قول الشاعر (٥):\nترى الأكم منه سجدًا للحوافر\n_________\n(١) جاء في النسخ بعد قوله: (المقدم). قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ﴾ وهو تكرار.\n(٢) \"معاني الفراء\" ١/ ٤٠١.\n(٣) \"الزاهر\" ١/ ٣٥٢، وفيه قال: (معناه: يواجهونك، يقال: الجبل ينظر إليك، والحائط يراك، أي: يواجهك ويقابلك) اهـ.\n(٤) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ٢/ ٢٨٧.\n(٥) البيت لزيد الخيل وصدره:\nبجمع تضل البلق في حجراته\nوقد سبق تخريجه والكلام عليه.","vol":"9","page":538},{"text":"أي: تحسبها كأنها ساجدة، وليس للرؤية التي هي العلم هاهنا معنى فتأويل قوله: ﴿وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ﴾ (١): تحسبهم ﴿يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ﴾؛ لأن لها أعينًا مصنوعة مركبة بالجواهر حتى يحسب الإنسان أنها تنظر إليه) (٢)، فمعنى الوجه الأول: ﴿وَتَرَاهُمْ﴾ يقابلونك، والوجه الثاني: تحسبهم يرونك ﴿وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1297>١٩٩ </span>- قوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾، قال أهل اللغة: (العفو (٤) الفضل وما أتى بغير كلفة). وقد ذكرنا هذا عند قوله: ﴿قُلِ الْعَفْوَ﴾ [البقرة: ٢١٩] في سورة البقرة.\nقال مجاهد: (أمر أن يأخذ عفو أخلاق الناس) (٥)، وهو قول الحسن (٦) وعروة (٧) بن الزبير (٨) وقتادة (٩)، والمعنى: اقبل الميسور من\n_________\n(١) لفظ: (إليك) ساقط من (ب).\n(٢) لم أقف عليه.\n(٣) والمعنى متقارب، قال الطبري ٩/ ١٥٣: (أي: يقابلونك ويحاذونك وهم لا يبصرونك لأنه لا أبصار لهم، وقيل: ﴿تَرَاهُمْ﴾ ولم يقل: تراها لأنها صور مصورة على صور بني آدم ﵇) اهـ. ونحوه قال ابن كثير في \"تفسيره\" ٢/ ٣٠٧، وانظر: \"إعراب النحاس\" ١/ ٦٥٩، والسمرقندي ١/ ٥٨٩، والبغوي ٣/ ٣١٦، وابن عطية ٧/ ٢٣٢، وابن الجوزي ٣/ ٣٠٧، والرازي ١٥/ ٩٥.\n(٤) هذا من \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٤٨٩ (عما).\n(٥) \"تفسير مجاهد\" ١/ ٢٥٣، وأخرجه الطبري ٩/ ١٥٣، وابن أبي حاتم ٥/ ١٦٣٧، والنحاس في \"معانيه\" ٣/ ١١٩ من طرق جيدة\n(٦) ذكره الماوردي ٢/ ٢٨٨، والواحدي في \"الوسيط\" ٢/ ٢٨٨، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٣/ ٣٠٧.\n(٧) عروة بن الزبير بن العوام بن خويلد الأسدي، تقدمت ترجمته.\n(٨) أخرجه عبد الرزاق ١/ ٢/ ١٤٥، والطبري ٩/ ١٥٣ - ١٥٤ من طرق جيدة، وذكرِه ابن أبي حاتم ٥/ ١٦٣٧.\n(٩) لم أقف عليه.","vol":"9","page":539},{"text":"أخلاق الناس، ولا تستنقص عليهم فيستنقصوا عليك، ويتولد منه البغضاء والعداوة (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾. العرف والعارفة والمعروف واحد، وهو: كل ما تعرفه النفس من الخير (٢) وتبسأ به (٣) وتطمئن إليه (٤). قال مقاتل (٥) وعروة (٦) والضحاك (٧): (وأمر بالمعروف) وهو قول الكلبي (٨).\nوقال أهل المعاني: (المعروف ما يعرف صوابه عند (٩) ذوي العقول السليمة) (١٠).\n_________\n(١) هذا من \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٤٨٩ (عفا)، وانظر: \"مجاز القرآن\" ١/ ٢٣٦، و\"غريب القرآن\" ص ١٥٥، و\"تفسير غريب القرآن\" ١/ ١٨٦، و\"تفسير الطبري\" ٩/ ١٥٤ - ١٥٥.\n(٢) لفظ: (من الخير) ساقط من (أ).\n(٣) تبسأ به أي: تأنس به. انظر: \"اللسان\" ١/ ٢٧٩ (بسأ).\n(٤) هذا من \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٤٠٤ (عرف).\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٨١\n(٦) أخرجه عبد الرزاق ١/ ٢/ ٢٤٥، والطبري ٩/ ١٥٥ من طرق جيدة.\n(٧) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ٢/ ٢٨٨ عن الضحاك، وأخرجه وابن أبي حاتم ٥/ ١٦٣٨ بسند ضعيف عن الضحاك عن ابن عباس وقال: (وروي عن عروة والسدي وسفيان الثوري نحوه) وأخرجه الطبري ٩/ ١٥٦ من طرق جيدة عن السدي وقتادة.\n(٨) \"تنوير المقباس\" ٢/ ١٤٩، وذكره هود الهواري في \"تفسيره\" ٢/ ٦٧، وهذا قول الأكثر، انظر: \"مجاز القرآن\" ١/ ٢٣٦، تفسير سورة الأعراف \"تفسير غريب القرآن\" ص ١٨٦، و\"تفسير الطبري\" ٩/ ١٥٦، و\"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٩٦، و\"نزهة القلوب\" ص ٣٣٦، و\"معاني النحاس\" ٣/ ١٢٠، و\"تفسير السمرقندي\" ١/ ٥٨٩، وقال النحاس في \"ناسخه\" ٢/ ٣٦٣: (هذا هو المعروف في اللغة).\n(٩) لفظ: (عند) ساقط من (ب).\n(١٠) انظر: \"إعراب النحاس\" ١/ ٦٥٩، و\"إحكام القرآن\" لابن العربي ٢/ ٨٢٣ - ٨٢٦.","vol":"9","page":540},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾.\nقال: لم أمره بالإعراض عنهم مع وجوب النكير عليهم بما يردعهم عن جهلهم؟ قيل: إن هذا في حال اليأس من صلاحهم، فيعمل على طريق الاستخفاف بهم، وصيانة النفس عن مقابلتهم (١) على سفههم (٢).\nقال عكرمة: (لما نزلت هذه الآية قال النبي - ﷺ -: \"يا جبريل ما هذا؟ \" قال: \"لا أدري حتى أسأل\"، فذهب، ثم رجع فقال: (يا محمد إن ربك يقول: هو أن تصل من قطعك، وتعطي من حرمك، وتعفو عمن ظلمك\") (٣) وتفسير جبريل (٤) ﵇ لهذه الآية موافق لظاهرها لأن في وصل القاطع عفوًا عن جريمة القطيعة، وإعطاء المحارم من جملة المعروف، والعفو عن الظالم إعراض عن جهله وظلمه.\n_________\n(١) في (ب): (عن).\n(٢) انظر: \"تفسير الطبري\" ٩/ ١٥٦، و\"النا سخ والمنسوخ\" للنحاس ٢/ ٣٦٤.\n(٣) أخرجه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ١/ ٢/ ٢٤٦، والطبري ٩/ ١٥٥، وابن أبي حاتم ٥/ ١٦٣٨ بسند جيد عن أمي بن ربيعة المرادي وهو مرسل، وقال ابن كثير في \"تفسيره\" ٢/ ٣٠٨: (هو مرسل على كل حال، وقد روي له شواهد من وجوه أخر فقد رواه ابن مردويه مرفوعًا عن جابر وقيس بن سعد بن عبادة) اهـ.\nوقال ابن حجر في \"الفتح\" ٨/ ٣٠٦، وفي \"الكافي الشاف\" ص ٦٦: (رواه الطبري مرسلًا وابن مردويه موصولًا من حديث جابر وقيس) اهـ.\nوذكره السيوطي في \"الدر\" ٣/ ٦٢٨، وزاد نسبته: (إلى ابن أبي الدنيا وابن المنذر وأبي الشيخ) اهـ.\nوأخرجه السمرقندي ١/ ٥٩٠ عن أبي هريرة ﵁، وذكره الماوردي ٢/ ٢٨٨، عن ابن زيد، وذكره الرازي ١٥/ ٩٦ عن عكرمة، وانظر مرويات الإمام أحمد في \"التفسير\" ٢/ ٢٢٨.\n(٤) ذكره الرازي ١٥/ ٩٦، عن أهل العلم.","vol":"9","page":541},{"text":"قال قتادة (١): (في هذه الآية أخلاق أمر الله بها نبيه ﵇ ودلَّه عليها).\nوقال عبد الله بن الزبير (٢): (ما أنزل الله هذه الآية إلا في أخلاق الناس) (٣).\n_________\n(١) أخرجه الطبري ٩/ ١٥٦ بسند جيد.\n(٢) عبد الله بن الزبير بن العوام الأسدي أبو بكر القرشي المكي المدني، صحابي، إمام، عالم، عابد، وأول مولود في المدينة بعد الهجرة، وكان فارسًا شجاعًا له مواقف مشهودة، شهد اليرموك وفتح المغرب وغيرهما، وله قدر كبير في العلم والعبادة والشرف والجهاد، وفضله وثناء الأئمة عليه كثير، تولى الخلافة تسع سنين، وقتل ﵁ في ذي الحجة سنة ٧٣ هـ.\nانظر: \"الحلية\" ١/ ٣٢٩، و\"الاستيعاب\" ٣/ ٣٩ رقم (١٥٥٣)، و\"تهذيب الأسماء واللغات\" ١/ ٢٦٦، و\"وفيات الأعيان\" ٣/ ٧١، و\"سير أعلام النبلاء\" ٣/ ٣٦٣، و\"الإصابة\" ٢/ ٣٠٩، و\"تهذيب التهذيب\" ٢/ ٣٣٣.\n(٣) أخرجه البخاري في \"صحيحه\" ٥/ ١٩٨، تفسير سورة الأعراف وأبو داود كتاب التفسير، باب: خذ العفو وأمر بالعرف رقم (٤٦٤٣)، والنسائي في \"التفسير\" ١/ ٥١٢ رقم ٢١٥، والطبري ٩/ ١٥٤، ووقع في طبعتنا (أبي الزبير) والصواب: (ابن الزبير)، وابن أبي حاتم ٥/ ١٦٣٧ كتاب الأدب، باب: باب في التجاوز في الأمر، والنحاس في \"ناسخه\" ٢/ ٣٦٠، والواحدي في \"الوسيط\" ٢/ ٢٨٧، وفي رواية عند البخاري قال: (أمر الله نبيه - ﷺ - أن يأخذ العفو من أخلاق الناس) اهـ. وقال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" ٧/ ٢٥: (رواه الطبراني في \"الأوسط\" عن عبد الله بن عمر ﵁ ورجاله ثقات) اهـ.\nوانظر: \"الدر المنثور\" ٣/ ٢٨٠، وقال النحاس في \"ناسخه\" ٢/ ٣٦٠ بعد الحديث: (هذا أولى ما قيل في الآية لصحة إسناده، وأنه عن صحابي يخبر بنزول الآية، وإذا جاء الشيء هذا المجيء لم يسع أحدًا مخالفته، والمعنى عليه: خذ العفو، أي: السهل من أخلاق الناس، ولا تغلظ عليهم، ولا تعنف بهم، وكذا كانت أخلاقه - ﷺ - أنه ما لقي أحدًا قط بمكروه في وجهه، ولا ضرب أحدًا بيده) اهـ. وانظر: شرح الحديث في \"فتح البارى\" ٨/ ٣٠٥.","vol":"9","page":542},{"text":"وقال الصادق (١): (ليس في القرآن آية أجمع لمكارم الأخلاق من هذه الآية) (٢).\nوقال عبد الله بن مسلم: (جمع الله تعالى بهذه الآية لنبيه - ﷺ - كل خلق عظيم؛ لأن في أخذ العفو صلة القاطعين، والصفح عن الظالمين، وإعطاء المانعين، وفي الأمر بالعرف (٣) تقوى الله وصلة الأرحام، وصون اللسان عن الكذب، وغض الطرف عن الحُرمات، وإنما سمي هذا وما أشبهه عرفًا ومعروفًا؛ لأن كل نفس تعرفه، وكل قلب يطمئن إليه، وفي الإعراض عن الجاهلين الصبر والحلم، وتنزيه النفس عن مماراة السفيه، ومنازعة اللجوج) (٤)، فهذا الذي ذكرنا طريقة حسنة في هذه الآية (٥).\nوللمفسرين (٦) طريق آخر فيها، قال ابن عباس: (﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ أي: (ما (٧) عفا لك من أموالهم، وهو ما فضل من العيال والكلّ (٨)، يقول: ما أتوك به عفوًا فخذه، ولا تسأل ما وراء ذلك، وكان هذا قبل بيان فريضة\n_________\n(١) الصادق هو: جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي، تابعي إمام عابد عالم ثقة، تقدت ترجمته.\n(٢) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ٦/ ٣٢ أ، والبغوي ٣/ ٣١٦، والزمخشري ٢/ ١٣٩، والرازي ١٥/ ٩٦، والقرطبي ٧/ ٣٤٥، والخازن ٢/ ٣٢٨.\n(٣) في (ب): (بالمعروف).\n(٤) \"تأويل مشكل القرآن\" ص ٤، ٥.\n(٥) لفظ: (الآية) ساقط من (ب).\n(٦) في (ب): (والمفسرين)، وهو تحريف.\n(٧) في (ب): (مما عفا لك).\n(٨) الكل، بالفتح واللام: اليتيم، والكلُّ الذي هو عيال وثقل على صاحبه. والكلُّ: الوكيل، وكلَّ الرجل إذا تعب، وكلَّ عنه نبا وضعف، انظر: \"اللسان\" ٧/ ٣٩١٩ (كلل).","vol":"9","page":543},{"text":"الصدقة، فلما نزلت آية وجوب الزكاة نُسخت هذه) (١).\nوهذا قول السدي (٢) ومقاتل (٣) والكلبي والضحاك (٤).\nقال الكلبي: (هو فضل المال كان يأخذه بعد الكل والعيال، ليس فيه شيء مؤقت، ثم نزلت الزكاة المفروضة بعد ذلك فنسخت الفضل) (٥).\nوقوله تعالى: ﴿وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾، قال ابن عباس في رواية عطاء: (يريد: بلا (٦) إله إلا الله)، وقال السدي: (بالفضل (٧) من المال، نسخته الزكاة).\n_________\n(١) أخرجه الطبري ٩/ ١٥٤، وابن أبي حاتم ٥/ ١٦٣٨ بسند جيد، وأخرج ابن أبي حاتم أيضًا عنه بسند جيد قال: (﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ الفضل).\n(٢) أخرجه الطبري ٩/ ١٥٤ بسند جيد.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٨١.\n(٤) أخرجه الطبري ٩/ ١٥٤ بسند ضعيف وذكره النحاس في \"ناسخه\" ٢/ ٣٥٨ - ٣٥٩، والماوردي ٢/ ٢٨٨، عن ابن عباس والسدي والضحاك، وأخرج ابن أبي حاتم ٥/ ١٦٣٨ بسند ضعيف عن الضحاك عن ابن عباس قال: (خذ الفضل: أنفق الفضل) اهـ.\n(٥) \"تنوير المقباس\" ٢/ ١٤٩، وذكره هود الهواري ٢/ ٦٧، عن الكلبي، وذكره الثعلبي ٦/ ٣١/ ب، والبغوي ٣/ ٣١٦، عن ابن عباس والسدي والضحاك، وهو قول أبي عبد الله محمد بن حزم في \"ناسخه\" ص ٣٨، وهبة الله بن سلامة في \"ناسخه\" ص٧٠، والظاهر عدم النسخ، وأن المعنى: أقبل الميسور من أخلاق الناس، وقد يدخل فيه فضل المال ومكان عن ظهر غنى فالآية محكمة وهو اختيار الجمهور، انظر: \"تفسير الطبري\" ٩/ ١٥٥، و\"الناسخ والمنسوخ\" للنحاس ٢/ ٣٦٠، و\"الإيضاح\" لمكي ص ٢٥٣، و\"نواسخ القرآن\" لابن الجوزي ص ٣٤٢، و\"زاد المسير\" ٣/ ٣٠٨، و\"النسخ في القرآن\" للدكتور/ مصطفى زيد ٢/ ٧٣٢.\n(٦) في (ب): (يريد لا إله إلا الله)، والأثر ذكره الثعلبي ٦/ ٣١ ب، والبغوي ٣/ ٣١٦، والقرطبي ٧/ ٣٤٦، والخازن ٢/ ٣٢٨، عن عطاء فقط.\n(٧) في (ب): (الفضل) وقد سبق تخريج الأثر، والظاهر أنه في تفسير قوله: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ وليس في قوله: ﴿وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ لأنه محكم.","vol":"9","page":544},{"text":"﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾. قال الضحاك: (وأعرض عن المشركين) (١). وقال مقاتل (٢) والكلبي (٣): (عن جميع من جهل عليك، وجهل أمرك من مشركي مكة، مثل أبي جهل وغيره، نسخة آية السيف) (٤)، فعلى هذه الطريقة جميع الآية منسوخة إلا قوله: ﴿وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ على قول عطاء (٥)، والأحسن الطريقة الأولى (٦).\nقال ابن زيد (٧): نزلت هذه الآية قال النبي - ﷺ -: \"كيف يا رب والغضب\"؟ فنزل قوله تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ﴾) (٨) [الأعراف: ٢٠٠]، نزغ الشيطان وساوسه ونخسه في القلب بما يسول\n_________\n(١) لم أقف عليه.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٨١ - ٨٢، وهو قول ابن حزم في \"ناسخه\" ص ٣٨.\n(٣) \"تنوير المقباس\" ٢/ ١٤٩، وهو قول هبة الله بن سلامة في \"ناسخه\" ص٧٠.\n(٤) هي الآية -٥ من سورة التوبة، وقد سبق ذكرها.\n(٥) سبق تخريجه، وهو عندهم موصولًا بقوله: (يريد بلا إله إلا الله قال: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ أبي جهل وأصحابه نسخها بآية السيف، وقال القرطبي ٧/ ٣٤٧: (قال عطاء وابن زيد: هي منسوخة بآية السيف، وقال مجاهد وقتادة هي محكمة وهو الصحيح) اهـ. والذين قالوا بالنسخ جماعة ذكرهم المؤلف ولم يذكر عطاء معهم.\n(٦) أي أن الآية محكمة والمعنى: إنه عام فيمن جهل، أمر بصيانة النفس عن مقابلتهم على سفههم وإن وجب الإنكار عليهم، وهذا هو الصحيح واختيار الجمهور.\nانظر: \"تفسير الطبري\" ٩/ ١٥٣ - ١٥٦، و\"الناسخ والمنسوخ\" للنحاس ٢/ ٣٦٣، و\"الإيضاح\" لمكي ص ٢٥٣٦، و\"نواسخ القرآن\" لابن الجوزي ص ٣٤١٤، و\"تفسير ابن عطية\" ١٨٥ - ١٨٧، وابن الجوزي ٣/ ٣٠٨، والرازي ١٥/ ٩٦ - ٩٧، و\"البحر\" ٤/ ٤٤٨، و\"النسخ في القرآن\" لمصطفى زيد ٢/ ٨٣٣.\n(٧) أخرجه الطبري ٩/ ١٥٦ - ١٥٧ بسند جيد عن عبد الرحمن بن زيد وهو مرسل، وذكره الثعلبي ٦/ ٣٢ أ، والواحدي في \"الوسيط\" ٢/ ٢٨٩، والبغوي ١٣/ ٣١٧\n(٨) لفظ: (نزغ) ساقط من (ب).","vol":"9","page":545},{"text":"للإنسان من المعاصي (١)، روي أبو عبيد عن أبي زيد: (نزغت بين القوم إذا أفسدت) (٢). وقال الليث: (النزغ أن تنزغ بين قوم فتحمل بعضهم على بعض بفساد ذات بينهم) (٣).\nقال ابن عباس في رواية عطاء: (يريد: يعرض لك من الشيطان عارض) (٤). وقال مقاتل: (وإما (٥) يفتنك الشيطان فتنة) (٦).\nوقال الزجاج: (المعنى: إن نالك من الشيطان أدنى وسوسة) (٧).\nوقال عبد الله بن مسلم: (وإما يستخفنك الشيطان. قال: ويقال: نزغ بيننا فلان أي: أفسد) (٨).\nوقال بعض أهل المعاني: (معنى النزغ: الإزعاج، وأكثر ما يكون عند الغضب، وأصله الإزعاج بالحركة إلى الشر، وهذه نزغة من الشيطان للخصلة الحاملة عليه) (٩)، وموضع (١٠) ﴿يَنْزَغَنَّكَ﴾ جزم بـ \"إِنْ\"\n_________\n(١) النص في \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٥٥٢، وانظر: \"الجمهرة\" ٢/ ٨٢٠، و\"الصحاح\" ٤/ ١٣٢٧، و\"مقاييس اللغة\" ٥/ ٤١٦، و\"اللسان\" ٧/ ٤٣٩٧ (نزغ).\n(٢) \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٥٥٢.\n(٣) \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٥٥٢، وانظر: \"العين\" ٤/ ٣٨٤، و\"البارع\" ص ٣٣٠.\n(٤) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ٢/ ٢٨٩.\n(٥) لفظ: (الواو) ساقط من (ب).\n(٦) \"تفسيرمقاتل\" ٢/ ٨٢.\n(٧) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٩٦، ونحوه قال النحاس في \"معانيه\" ٣/ ١٢٠.\n(٨) \"تفسير غريب القرآن\" ص ١٨٦، ونحوه في \"مجاز القرآن\" ١/ ٢٣٦، و\"غريب القرآن\" ص ١٥٦، و\"تفسير المشكل\" ص ٨٩.\n(٩) انظر: الرازي ١٥/ ٩٧.\n(١٠) ﴿يَنْزَغَنَّكَ﴾ مضارع مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والنون للتوكيد حسن تأكيده بالنون لما دخلت عليه ما، انظر: \"إعراب النحاس\" ١/ ٦٦٠.","vol":"9","page":546},{"text":"التي للجزاء إلا أنه لا يتبين فيه الإعراب لأنه مبني مع نوع التأكيد بالفتح إذ كانت مشددة ولا بد (١) من تحريك ما قبلها في الجزم لالتقاء الساكنين (٢).\nوقوله تعالى: ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ أي: اطلب النجاة من تلك البلية بالله، ومضى معنى (٣) الاستعاذة والعوذ، ﴿إِنَّهُ سَمِيعٌ﴾ لدعائك ﴿عَلِيم﴾ بما عرض لك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1298>٢٠١ </span>- قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾، قال ابن عباس: (يريد: المؤمنين) (٤). وقال الكلبي: (﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ الكفر والشرك والفواحش) (٥)، ﴿إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ﴾، وقرئ (٦) ﴿طَيْف﴾، اختلفوا في الطيف، فقيل: إنه مصدر.\nقال أبو زيد: (طاف يطوف طوفًا وطوافًا، إذا أقبل وأدبر، وأطاف يُطيف إطافة إذا جعل يستدير بالقوم ويأتيهم من نواحيهم، وطاف الخيال\n_________\n(١) في: (أ): (مشددة أبد من تحريك) وهو تحريف.\n(٢) انظر: \"الكتاب\" ٣/ ٥١٤ - ٥١٩.\n(٣) انظر: \"البسيط\" البقرة: ٦٧، النسخة الأزهرية ١/ ٨٤/ أ.\n(٤) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ٢/ ٢٩٠، وذكره الثعلبي ٦/ ٣٢/ ب، والبغوي ٣/ ٣١٧ بلا نسبة.\n(٥) ذكر الواحدي في \"الوسيط\" ٢/ ٢٩٠ عن ابن عباس قال: (يريد: المؤمنين الذين اتقوا الكفر والشرك والفواحش) اهـ. وقال السمرقندي ١/ ٥٩٠: (يعني: اتقوا الشرك والفواحش) اهـ.\n(٦) قرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي (طيف) بياء ساكنة بعد الطاء من غير ألف ولا همز، وقرأ الباقون ﴿طَائِفٌ﴾ بألف بحد الطاء وهمزة مكسورة بعدها.\nانظر: \"السبعة\" ص ٣٠١، و\"المبسوط\" ص ١٨٧، و\"التذكرة\" ٢/ ٤٣٠، و\"التيسير\" ص ١١٥، و\"النشر\" ٢/ ٢٧٥.","vol":"9","page":547},{"text":"يطيف طيفًا إذا ألم في المنام) (١)، ونحو هذا قال الزجاج (٢)، وأنشدوا (٣):\nأنَّى ألمَّ بك الخيال يطيف\nقال ابن الأنباري: (وجائز أن يكون الطيف أصله طيِّف إلا أنهم أستثقلوا التشديد فحذفوا إحدى اليائين وأبقوا (٤) ياء ساكنة) (٥).\nفعلى القول الأول هو مصدر، و(٦) على ما قاله أبو بكر من باب هَيّن وهَيْن، ومَيّت ومَيْت (٧)، ويشهد بصحة قول أبي بكر قراءة سعيد بن\n_________\n(١) \"الحجة\" لأبي علي ٤/ ١٢٠، وليس فيه (وطوافًا) وفي \"مجمل اللغة\" ٢/ ٥٨٩ قال: (طاف يطوف طوفًا وطوافًا).\n(٢) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٩٦ وفيه: (يقال: طفت أطوف وطاف الخيال يطيف).\n(٣) الشاهد لكعب بن زهير في \"ديوانه\" ص ٤٩، و\"اللسان\" ٥/ ٢٧٣٩ (طيف) وبلا نسبة في: \"مجاز القرآن\" ١/ ٢٣٧، و\"تفسير الطبري\" ٩/ ١٥٧ - ١٥٨، و\"نزهة القلوب\" ص ٣١٢، و\"إعراب القراءات\" ١/ ٢١٩، و\"الصحاح\" ٤/ ١٣٩٧، و\"مقاييس اللغة\" ٣/ ٤٣٢، و\"الكشاف\" ٢/ ١٣٩، و\"تفسير ابن عطية\" ٦/ ١٩٠ - ١٩١، و\"الفريد\" ٢/ ٣٩٨، و\"البحر\" ٤/ ٤٤٩، و\"الدر المصون\" ٥/ ٥٤٦ وتمامه: (ومطافة لك ذكرة وشعوف).\nوأنى أي: كيف، وأم نزل والإلمام الزيارة، والذكرة -بالضم والكسر نقيض النسيان وهو حفظ الشيء أو الشيء يجري على اللسان والشعف- إحراق الحب القلب مع لذة يجدها، وشعفه الهوى إذا بلغ منه، والشعوف الولوع بالشيء حتى لا يعدل عنه، قال في \"اللسان\" ٤/ ٢٢٨٥ - ٢٢٨٦ شعف في شرح بيت كعب: (يحتمل أن يكون جمع شعف ويحتمل أن يكون مصدرا وهو الظاهر) اهـ. وانظر: \"اللسان\" ٤/ ٢٢٧٩ (ذكر) حيث شرح فيه بيت كعب \"شرح شواهد الكشاف\" ٤/ ٤٥٧.\n(٤) في (ب): (واتقوا) وهو تصحيف.\n(٥) ذكره الرازي ١٥/ ٩٩، عن الواحدي عن ابن الأنباري.\n(٦) لفظ: (الواو) ساقط من (ب).\n(٧) قال السمين في \"الدر\" ٥/ ٥٤٦: (طيف قيل: إنه مخفف من فيعل والأصل طيف =","vol":"9","page":548},{"text":"جبير (١) ﴿إِذَا مَسَّهُمْ طَيَّفٌ﴾ بالتشديد، هذا هو الأصل في الطيف (٢) ثم يسمّى الجنون والغضب والوسوسة طيفًا لأنه لمة من الشيطان (٣) يشبه بلمّة الخيال.\nقال الأزهري: (الطَّيف في كلام العرب الجنون، رواه أبو عبيد عن الأحمر (٤).\nوقال الهذلي (٥):\n_________\n= بتشديد الياء فحذف عين الكلمة كقولهم في ميِّت ميت وفي هين هين ثم طيف الذي هو الأصل يحتمل أن يكون من طاف يطيف أو من طاف يطوف والأصل طيوف فقلب وأدغم وهذا قول ابن الأنباري) اهـ.\nوانظر: \"معجم مفردات الإبدال والإعلال\" للخراط ص ١٧٦ (طاف)، وص ٢٥٢ (ميت)، وص ٢٧١ (هين).\n(١) ذكرها النحاس في \"إعرابه\" ١/ ٦٦٠، والسمرقندي ١/ ٥٩٠، والثعلبي ٦/ ٣٢ ب، ومكي في \"الكشف\" ١/ ٤٨٧، وابن عطية ٦/ ١٩٠ - ١٩١، والرازي ١٥/ ٩٩، والقرطبي ٧/ ٣٤٩، و\"البحر\" ٤/ ٤٤٩، وذكرها ابن خالويه في \"مختصر الشواذ\" ص ٢٥٣، عن ابن عباس وسعيد بن جبير، وذكرها ابن زنجلة في \"الحجة\" ص ٣٠٦ عن ابن مسعود. وذكرها ابن الجوزي في \"تفسيره\" ٣/ ٣٠٩ عن ابن عباس وسعيد بن جبير وعاصم الجحدري والضحاك.\n(٢) لفظ: (في الطيف) مكرر في (أ).\n(٣) في (أ): (من الشيطان أن يشبه)، وهو تحريف.\n(٤) الأحمر هو خلف بن حيان، لغوي. تقدمت ترجمته.\n(٥) الهذلي هو أبو العيال بن أبي غثير، مشهور بكنيته، شاعر مخضرم، أسلم مع من أسلم من هذيل، وعمر إلى خلافة معاوية، وهو فصيح مقدم.\nانظر: \"شرح أشعار الهذليين\" للسكري ١/ ٤٠٧، و\"الشعر والشعراء\" ص٤٤٥، و\"الأغاني\" ٢٤/ ١٦٢، و\"الإصابة\" ٤/ ١٤٦.","vol":"9","page":549},{"text":"وإذا بها وأبيك طيف جنون (١)\nوقيل للغضب: طيف لأن عقل من استفزه يعزب حتى يصير في صورة المجنون الذي زال عقله) (٢).\nوأما الطائف فيجوز أن يكون بمعنى: الطيف، مثل العافية والعاقبة، ونحو ذلك مما جاء المصدر فيه على فاعل وفاعلةٍ، قال الأعشى (٣):\nوتصبح (٤) من غبِّ السرى وكأنما (٥) ... ألم بها من طائف الجن أولق\nقال الفراء (٦) في هذه الآية: (الطائف والطيف سواء، وهو ما كان\n_________\n(١) \"شرح أشعار الهذليين\" للسكري ١/ ٤١٥، و\"معاني القراءات\" ١/ ٤٣٣، و\"الصحاح\" ٤/ ١٣٩٧، و\"اللسان\" ٥/ ٢٧٣٩ (طيف)، وبلا نسبة في \"البارع\" ص ٦٨٣، و\"الحجة\" لأبي علي ٤/ ١٢١، وصدره:\nومنحتني فرضيت حين منحتني\nوجاء في \"الأغاني\" ٢٤/ ٢٦٦ (رأي) بدل (حين)، (والله) بدل (وأبيك)، وفي المراجع (فإذا) بدل (وإذا).\n(٢) \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢١٥٥ (طيف).\n(٣) \"ديوانه\" ص ١١٨، و\"مجاز القرآن\" ١/ ٢٣٦، و\"الحجة\" لأبي علي ٤/ ١٢١، و\"مقاييس اللغة\" ٣/ ٤٣٢، و\"تفسير ابن عطية\" ٦/ ١٩١ - ١٩٢، و\"اللسان\" ٥/ ٢٧٢٢ (طوف)، و\"البحر\" ٤/ ٤٤٩، و\"الدر المصون\" ٥/ ٥٤٧، وبلا نسبة في: \"الجمهرة\" ١/ ١٠٩٢، و\"تهذيب اللغة\" ١/ ١٨٤ (ألق)، و\"إعراب القراءات\" ١/ ٢١٨، و\"الحجة\" لابن خالويه ص ١٦٨، وغب الشيء: عاقبته وما يليه، والسرى: السير ليلًا، وألم به خالطه، والطائف ما يلم بالإنسان ويطوف وبه، وأولق أي: جنّ.\n(٤) في: (أ): (ويصبح)، وهو تصحيف.\n(٥) في: (أ): (ولا نما)، وهو تحريف.\n(٦) \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢١٥٥، وفي \"معاني الفراء\" ١/ ٤٠٢: (﴿طَائِفٌ﴾، وقرأ إبراهيم النخعي (طيف) وهو اللمم والذنب) اهـ.","vol":"9","page":550},{"text":"كالخيال، والشيء يُلم بك).\nوقال الليث: (طائف الشيطان، وطيف الشيطان ما يغشى الإنسان من وساوسه) (١).\nومنهم من قال: (الطيف كالخطرة، والطائف كالخاطرة (٢). وهذا أكثر لأن المصدر على فَعْل أكثر منه على فاعل (٣)، وقال أبو عمرو (٤): (الطائف ما يطوف حول الشيء، وهو هاهنا ما طاف به من وسوسة الشيطان، والطيف اللمة والوسوسة) (٥)، فأما التفسير، فقال ابن عباس في\n_________\n(١) \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢١٥٥، وفيه قال الليث: (كل شيء يغشى البصر من وسواس الشيطان فهو طيف والطائف العاس بالليل) اهـ.\nوانظر: \"العين\" ٧/ ٤٥٩، و\"الجمهرة\" ١/ ٩٢٢.\n(٢) لفظ: (كالخاطرة) ساقط من (ب).\n(٣) هذا قول أبي علي في \"الحجة\" ٤/ ١٢١، وانظر: \"الحجة\" لابن زنجلة ص ٣٠٥، و\"الكشف\" ١/ ٤٨٧.\n(٤) أبو عمرو بن العلاء، إمام، مقرئ، لغوي. سبقت ترجمته.\n(٥) ذكره الثعلبي ٦/ ٣٢ ب، والماوردي ٢/ ٢٨٩، والواحدي في \"الوسيط\" ٢/ ٢٩٠، والبغوي ٣/ ٣١٧، وابن الجوزي ٣/ ٣٠٩ - ٣١٠.\nوفي \"تفسير الطبري\" ٩/ ١٥٧ - ١٥٨، و\"معاني النحاس\" ٣/ ١٢٠ عن أبي عمرو قال: (الطيف الوسوسة) اهـ.\nوفي \"معاني النحاس\" عن الكسائي قال: (الطيف اللمم والطائف كل ما طاف حول الإنسان) اهـ.\nوقال النحاس في \"إعرابه\" ٦٦٠: (كلام العرب في مثل هذا طيف بالتخفيف على أنه مصدر من طاف يطيف، ومعناه في \"اللغة\": ما يتخيل في القلب أو يرى في النوم، وكذا معنى طائف) اهـ. ونحوه قال في \"معانيه\" ٣/ ١٢٠، وقال الأزهري في \"معاني القراءات\" ١/ ٤٣٣ - ٤٣٤: (المعنى في الطيف والطائف واحد، وهو في كلام العرب له معنيان أحدهما: الجنون، وقد جعله بعض المفسرين في هذا =","vol":"9","page":551},{"text":"رواية عطاء: (إذا مسهم عارض من وسوسة الشيطان) (١).\n[وروي عنه (٢): (نزغ من الشيطان)] (٣).\nوقال مجاهد (٤) وسعيد بن جبير (٥): (هو الرجل يغضب الغضبة فيذكر الله فيكظم الغيظ).\nوروى ليث (٦) عن مجاهد قال: (هو الرجل يهمّ بالذنب فيذكر الله فيدعه) (٧).\n_________\n= الموضع جنونًا لأن الغضب الشديد يعتريه شيء من الجنون، والمعنى: إذا مسهم غضب يخيل إلى من رآه في تلك الحالة بعد ما كان رآه ساكنًا أنه مجنون، والطيف في غير هذا الخيال الذي تراه في منامك، ومن قرأ: ﴿طَائِفٌ﴾ أراد به تغير حالة الغضبان إذا ثار ثائره فكأنما طاف به شيطان استخفه حتى تهافت فيما يتهافت فيه المجنون من سفك الدم الحرام والتقحم على الأمور العظام) اهـ.\nوانظر: \"معاني الأخفش\" ٢/ ٣١٦، و\"غريب القرآن\" ص ١٥٦، و\"الدر المصون\" ٥/ ٥٤٥.\n(١) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ٢/ ٢٩٠، وأخرج الطبري ٩/ ١٥٩، وابن أبي حاتم ٥/ ١٦٤٠ بسند جيد عنه قال: (الطائف اللَّمة من الشيطان) اهـ.\n(٢) أخرجه الطبري ٩/ ١٥٨ بسند ضعيف، وذكره الثعلبي ٦/ ٣٢ ب.\n(٣) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).\n(٤) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ٢/ ٢٩٠ عن سعيد بن جبير ومجاهد، وفي \"تفسير مجاهد\" ١/ ٢٥٤. وأخرجه الطبري ٩/ ١٥٨ من طرق جيدة قال: (الغضب).\n(٥) ذكره الثعلبي ٦/ ٣٣ أ، والبغوي ٣/ ٣١٨، وأخرج الطبري ٩/ ١٥٨ بسند جيد عنه، قال: (الغضب)، وذكره ابن أبي حاتم ٥/ ١٦٤ عن مجاهد وسعيد بن جبير وعطاء وعبد الرحمن بن زيد.\n(٦) ليث بن أبي سليم الكوفي. تقدمت ترجمته.\n(٧) ذكره الثعلبي ٦/ ٣٣ أ، والواحدي في \"الوسيط\" ٢/ ٢٩٠، والبغوي ٣/ ٣١٨.","vol":"9","page":552},{"text":"ونحو ذلك قال الكلبي (١)، وروى الحكم (٢) عن عكرمة عن ابن عباس في هذه الآية قال: (الطيف الغضب) (٣).\nوقال أهل المعاني: (ينبغي للعاقل إذا أحس من نفسه إفراطًا في الغضب أن يذكر غضب الله على المسرفين فلا يقدم على ما يوبقه) (٤).\nوقوله تعالى: ﴿تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾. قال عطاء عن ابن عباس: (يريد: استعاذوا فأبصروا عظمة الله تعالى) (٥).\nوقال السدي: (معناه: إذا زلُّوا تابوا) (٦)، وقال مقاتل: (يقول: إن المتقي إذا أصابه نزغ من الشيطان تذكر (٧) وعرف أنها معصية فأبصرها ففزع من مخافة الله) (٨)، فعلى هذا معنى (٩) ﴿مُبْصِرُونَ﴾ أي: يبصرون مواقع خطاياهم بالتذكر والتفكر.\n_________\n(١) في \"تنوير المقباس\" ٢/ ١٥٠ قال: (الطائف: الريب والوسوسة) اهـ. وذكر الثعلبي ٦/ ٣٢ ب عن الكلبي قال: (ذنب) اهـ.\n(٢) الحكم هو: الحكم بن أبان العدني، أبو عيسى، إمام، عابد، سيد أهل اليمن، وهو صدوق له أوهام. توفي سنة ١٥٤ هـ وله حوالي ٨٠ سنة.\nانظر: \"الجرح والتعديل\" ٣/ ١١٣، و\"ميزان الاعتدال\" ١/ ٥٦٩، و\"تهذيب التهذيب\" ١/ ٤٦١، و\"تقريب التهذيب\" ص ١٧٤ رقم (١٤٣٨).\n(٣) أخرجه ابن أبي حاتم ٥/ ١٦٤٠ بسند ضعيف، وذكره الأزهري في \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢١٥٥ (طيف).\n(٤) هذا قول الأزهري في \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢١٥٥ (طيف).\n(٥) لم أقف عليه. وأخرج الطبري ٩/ ١٥٩، وابن أبي حاتم ٥/ ١٦٤١ بسند ضعيف عنه في الآية قال: (إذا هم منتهون عن المعصية آخذون بأمر الله عاصون للشيطان) اهـ.\n(٦) أخرجه الطبري ٩/ ١٥٨، ابن أبي حاتم ٥/ ١٦٤١، بسند جيد.\n(٧) في (ب): (تذكروا وعرف)، وهو تحريف.\n(٨) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٨٢.\n(٩) لفظ: (معنى) ساقط من (أ).","vol":"9","page":553},{"text":"وقال أبو إسحاق: (أي: تفكّروا فيما أوضح الله لهم من الحجة فإذا هم على بصيرة) (١).\nوقال الفراء: (﴿فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ أي: منتهون إذا أبصروا) (٢).\nوقوله: ﴿فَإِذَا هُمْ﴾. معنى (إذا) هاهنا: المفاجأة، كقولك: خرجت فإذا زيد، و(إذا) في قوله ﴿إِذَا مَسَّهُمْ﴾ (٣) بمنزلة الجزاء في أن لها جوابًا كجوابه، والفرق (٤) بينها وبين الجزاء أن (إذا) عبارة عن الوقت كقولك: آتيك إذا احمَرَّ البُسْرُ، وليس كذلك (إنْ) كقولك: آتيك إن كان (٥) كذا، فهذا شرط لا عبارة فيه (٦) عن زمان ما، ولهذا قال الشافعي: (إذا قال لامرأته: إذا لم أطلقك فأنت طالق (٧)؛ طلقت في الوقت، وإذا قال: إن لم أطلقك فأنت طالق؛ لم يقع الطلاق ما لم يطلقها) (٨).\n_________\n(١) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٩٦.\n(٢) \"معاني الفراء\" ١/ ٤٠٢، والمعاني متقاربة، والمعنى: تذكروا أمر الله وانتهوا إلى أمره، أفاده الطبري ٩/ ١٥٩، وانظر: \"إعراب النحاس\" ١/ ٦٦١، والماوردي ٢/ ٢٨٩، وابن الجوزي ٣/ ٣١٠، و\"البحر\" ٤/ ٤٥٠.\n(٣) في (ب): (وإذا مسهم)، وهو تحريف.\n(٤) في (ب): (فالفرق).\n(٥) انظر: \"حروف المعاني\" للزجاجي ص ٥٧ وص ٦٣، و\"معاني الحروف\" للرماني ص ٧٤، وص ١١٥، و\"الصاحبي\" ص ١٧٦ وص ١٩٣، و\"رصف المباني\" ص ١٨٦، و\"المغني\" لابن هشام ١/ ٢٧ وص ٨٧.\n(٦) لفظ: (فيه) ساقط من (ب).\n(٧) لفظ: (طالق) ساقط من (ب).\n(٨) ذكره الأزهري في \"تهذيب اللغة\" ١/ ٢٢٤ (إن)، وفي \"روضة الطالبين\" ٦/ ١٢١ قال: (أدوات التعليق تقتضي الفور في طرف النفي إلا لفظة (إن) فإنها للتراخي) اهـ.\nوذكر في \"المجموع\" ١٧/ ١٨٨ قول الشافعي، وقال: (هذا هو الصحيح لأن =","vol":"9","page":554},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1299>٢٠٢ </span>- قوله تعالى: ﴿وَإِخْوَانُهُمْ﴾، اختلفوا في هذه الكناية، فالأكثرون على أن المراد بها: الشياطين، وهو قول الحسن (١) وقتادة (٢) والسدي (٣) والضحاك (٤) والكناني (٥) واختيار الزجاج (٦)، قال: (يعني به: الشياطين؛ [لآن الكفار إخوان الشياطين] (٧) لاجتماعهم على الضلالة)، وعلى هذا المراد بالإخوان: الكفار، وعادت الكناية إلى الشياطين لأنهم قد ذكروا في قوله ﴿طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ﴾ [الأعراف: ٢٠١]، و(٨) هو اسم جنس.\nوقال آخرون: المراد بالإخوان: الشياطين، فقوله: ﴿وَإِخْوَانُهُمْ﴾، أي: إخوان المشركين من الشياطين، وهذا قول ابن عباس (٩) في رواية عطاء،\n_________\n= (إذا) اسم لزمان مستقبل ومعناه: أي وقت، ولهذا يجاب به عن السؤال عن الوقت فيقال: هل ألقاك فتقول: إذا شئت، كما تقول: أي وقت شئت، فكان على الفور، كما لو قال: أي وقت لم أطلقك فأنت طالق، وليس كذلك! فإنه لا يستعمل الزمان، ولهذا لا يجوز أن يقال متى ألقاك فتقول: إن شئت، وإنما يستعمل في الفعل ويجاب بها عن السؤال عن الفعل، فيقال: هل ألقاك فتقول: إن شئت، فيصير معناه: إن فاتني أن أطلقك فأنت طالق، والفوات يكون آخر العمر) اهـ.\n(١) ذكره هود الهواري في \"تفسيره\" ٢/ ٦٨، وذكره القرطبي ٧/ ٣١٥ عن الحسن وقتادة والضحاك.\n(٢) أخرجه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ١/ ٢/ ٢٤٥ - ٢٤٦، والطبري ٩/ ١٦٠، بسند جيد.\n(٣) أخرجه الطبري ٩/ ١٥٩، وابن أبي حاتم ٥/ ١٦٤١ بسند جيد.\n(٤) ذكره النحاس في \"إعراب القرآن\" ١/ ٦٦١.\n(٥) الكناني: هو الإِمام عبد العزيز بن يحيى المكي، ولم أقف على قوله.\n(٦) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٩٧.\n(٧) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).\n(٨) لفظ: (الواو) ساقط من (ب).\n(٩) أخرجه الطبري ٩/ ١٥٩، وابن أبي حاتم ٥/ ١٦٤٢ بسند ضعيف، وأخرج ابن أبي حاتم ٥/ ١٦٤١ بسند جيد عنه قال: (إخوان الشياطين يمدونهم في الغي).","vol":"9","page":555},{"text":"ومجاهد (١) والكلبي، وابن مسلم (٢) وابن جريج (٣) ومقاتل (٤)، قال الكلبي: (لكلّ كافرٍ أخ من الشياطين) (٥). وهذا القول اختيار الفراء (٦) وأبي بكر؛ قال: (والكناية على هذا تعود إلى الجاهلين في قوله: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩]، وهم المشركون، ﴿وَإِخْوَانُهُمْ﴾ وهم الشياطين) (٧).\nو(٨) قوله تعالى: ﴿يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ﴾. هذا من فعل الشياطين على القولين جميعًا، قال مقاتل: (يدعونهم إلى المعصية) (٩)، وقال أبو بكر: (أي: يزينونه لهم ويريدون منهم لزومه والإقامة عليه) (١٠).\n_________\n(١) \"تفسير مجاهد\" ١/ ٢٥٤، وأخرجه الطبري ٩/ ١٦٠ بسند جيد.\n(٢) \"تفسير غريب القرآن\" ص ١٨٧، ونحوه قال مكي في \"تفسير المشكل\" ص ٨٩.\n(٣) أخرجه الطبري ٩/ ١٥٩ بسند جيد.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٨٢\n(٥) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ٢/ ٢٩١، والبغوي ٣/ ٣١٨، والخازن ٢/ ٣٢٩.\n(٦) \"معاني الفراء\" ١/ ٤٠٢.\n(٧) ذكره ابن الجوزي ٣/ ٣١١، وقال النحاس في \"إعرابه\" ١/ ٦٦١: (أحسن ما قيل في هذا قول الضحاك ﴿وَإِخْوَانُهُمْ﴾ أي: إخوان الشياطين وهم الفجار، وعلى هذا يكون الضمير متصلًا، فهذا أولى في العربية، وقيل للفجار: إخوان الشياطين لأنهم يقبلون منهم) اهـ. ونحو قال القرطبي ٧/ ٣٥١، وقال السمين في \"الدر\" ٥/ ٥٤٨: (الضمير في (﴿وَإِخْوَانُهُمْ﴾ يعود على الشياطين لدلالة لفظ الشيطان عليهم، والضمير المنصوب في (يمدوهم) يعود على الكفار والتقدير: وإخوان الشياطين يمدهم الشياطين، وهذا قول الجمهور وعليه عامة المفسرين) اهـ.\nوانظر: \"تفسير السمرقندي\" ١/ ٥٩٠، وابن عطية ٦/ ١٩٢ - ١٩٣، وابن الجوزي ٣/ ٣١٠، والرازي ١٥/ ١٠٠.\n(٨) لفظ: (الواو) ساقط من (ب).\n(٩) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٨٢.\n(١٠) ذكره ابن الجوزي ٣/ ٣١٠ - ٣١١ بلا نسبة.","vol":"9","page":556},{"text":"وقال أهل المعاني: (يطولون لهم الإغواء حتى يستمروا عليه) (١)، وذكرنا معنى المدّ في قوله: ﴿وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [البقرة: ١٥] واختلف القراء (٢) في قوله: ﴿يَمُدُّونَهُمْ﴾ فقرءوا من المدّ والإمداد جميعًا، وعامة ما جاء في التنزيل مما يحمد ويستحب أمددت على أفعلت كقوله: ﴿وَأَمْدَدْنَاهُمْ بِفَاكِهَةٍ﴾ [الطور: ٢٢]. وقوله: ﴿أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ﴾ [النمل: ٣٦] وما كان خلافه يجيء على مددت قال: ﴿وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [البقرة: ١٥]، فالوجه هاهنا قراءة العامة وهو فتح الياء ومن ضم الياء استعمل ما هو للخير في ضده كقوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [آل عمران: ٢١]، وقوله: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل: ١٠] (٣).\nوقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ﴾، قال الليث: (الإقصار الكف عن الشيء) (٤). وقال أبو زيد: (أقصر فلان عن الشيء يقصر إقصارًا إذا كف عنه وانتهى) (٥).\n_________\n(١) هذا قول ابن قتيبة في \"تفسير غريب القرآن\" ص ١٨٧، الثعلبي ٦/ ٣٣ ب، ومكي في \"تفسير المشكل\" ص ٨٩، وانظر: \"مجاز القرآن\" ١/ ٢٣٧، و\"غريب القرآن\" ص ١٥٦، و\"معاني النحاس\" ٣/ ١٢١.\n(٢) قرأ نافع ﴿يَمُدُّونَهُمْ﴾ بضم الياء وكسر الميم من أمدَّ، وقرأ الباقون بفتح الياء وضم الميم من مدَّ، انظر: \"السبعة\" ص ٣٠١، و\"المبسوط\" ص ١٨٨، و\"التذكرة\" ٢/ ٣٤٠، و\"التيسير\" ص ١١٥، و\"النشر\" ٢/ ٢٧٥.\n(٣) ما تقدم هو قول أبي علي في \"الحجة\" ٤/ ١٢٢ - ١٢٣، وانظر: \"إعراب النحاس\" ١/ ٦٦١، و\"معاني القراءات\" ١/ ٤٣٤، و\"الحجة\" لابن زنجلة ص ٣٠٦، و\"الكشف\" ١/ ٤٨٧.\n(٤) \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٩٧٢: وانظر: \"العين\" ٥/ ٥٧ (قصر).\n(٥) \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٩٧٢: وانظر: \"الجمهرة\" ٢/ ٧٤٢، و\"الصحاح\" ٢/ ٧٩٢، و\"المجمل\" ٣/ ٧٥٦، و\"مقاييس اللغة\" ٥/ ٩٦، و\"المفردات\" ص ٦٧٢، و\"اللسان\" ٦/ ٣٦٤٥ (قصر).","vol":"9","page":557},{"text":"قال ابن عباس: (يريد: لا يألون في ضلالتهم) (١).\nوقال ابن زيد: (لا يسأمون ولا يفترون) (٢)، وقال الضحاك (٣) (الشياطين يمدون المشركين (٤) في الضلالة ﴿ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ﴾. يعني: المشركين، بخلاف ما قال في المؤمنين ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠١]) ونحو هذا قال مقاتل بن سليمان: (﴿ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ﴾ عن الضلالة، ولا يبصرونها كما أقصر المتقي عنها حين أبصرها) (٥).\nوهو قول ابن جريج: (لا يقصر الإنسان من أهل الشرك كما يقصر الذين اتقوا) (٦).\nفعلى قول ابن عباس قوله: ﴿ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ﴾ من (٧) فعل الشياطين وعلى قول الباقين من فعل المشركين، وقال قوم: إنه من فعلهم جميعًا.\n_________\n(١) لم أقف عليه، وأخرج الطبري ٩/ ١٥٩، وابن أبي حاتم ٥/ ١٦٤٣ بسند ضعيف عنه قال: (لا يسأمون) اهـ.\n(٢) ذكره الثعلبي ٦/ ٣٣ أ.\n(٣) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ٢/ ٢٩٢، والبغوي ٣/ ٣١٨ عن الضحاك ومقاتل، وذكر النحاس في \"إعرابه\" ١/ ٦٦١، عن الضحاك قال: (أي: إخوان الشياطين وهم الفجار: ﴿يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ﴾ أي: لا يتوبون ولا يرجعون) اهـ.\n(٤) في (ب): (يمدون المشركين والضلالة)، وهو تحريف.\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٨٢.\n(٦) أخرجه الطبري ٩/ ١٥٩، وابن أبي حاتم ٥/ ١٦٤٣ بسند جيد عن ابن جريج عن عبد الله بن كثير المكي.\n(٧) لفظ: (من) ساقط من (ب).","vol":"9","page":558},{"text":"قال مقاتل (١) بن حيان: (﴿ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ﴾ عن المعصية هؤلاء وهؤلاء) (٢).\nوقال الفراء: (﴿ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ﴾ يعني: المشركين وشياطينهم) (٣).\nوروي مثل هذا عن ابن عباس قال: (لا الإنس يقصرون عما يعملون من السيئات، ولا الشياطين يمسكون عنهم) (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1300>٢٠٣ </span>- قوله تعالى: ﴿وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ﴾، قال الكلبي (٥): (يعني: أهل مكة ﴿وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ﴾ سألوكها، وكانوا يسألونه الآيات تعنتًا، فإذا أبطأت ﴿قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا﴾).\nقال الفراء: (العرب تقول: اجتبيت الكلام (٦) واختلقته، وارتجلته (٧) إذا افتعلته من قبل نفسك) (٨).\n_________\n(١) في: (أ) تكرار لفظ: (مقاتل).\n(٢) لم أقف عليه.\n(٣) \"معاني الفراء\" ١/ ٤٠٢.\n(٤) أخرجه الطبري ٩/ ١٥٩، وابن أبي حاتم ٥/ ١٦٤٢ بسند جيد، وذكره ابن الجوزي ٣/ ٣١١ وقال: (وعليه يكون قوله: ﴿يُقْصِرُونَ﴾ من فعل الفريقين، وهذا على القول المشهور) اهـ.\n(٥) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ٢/ ٢٩٢، والبغوي ٣/ ٣١٨، وابن الجوزي ٣/ ٣١١، الخازن ٢/ ٣٣٠.\n(٦) لفظ: (الكلام) ساقط من (ب).\n(٧) في (ب): (وارتجلته وافتعلته)، وهو تحريف.\n(٨) حكاه الطبري ٩/ ١٦١، عن الفراء، وفي \"تهذيب اللغة\" ١/ ٥٢٧، عن الفراء في الآية قال: (هلا اجتبيتها هلا اختلقتها وافتعلتها من قبل نفسك، وهو في كلام العرب جائز أن تقول: لقد اختار لك واجتباه وارتجله) اهـ. وفي \"معاني الفراء\" ١/ ٤٢٠: (يقول: هلا افتعلتها، وهو من كلام العرب جائز أن يقال: اختار الشيء وهذا اختياره) اهـ. وأشار المحقق في الحاشية إلى وجود سقط في النسخ.","vol":"9","page":559},{"text":"وقال أبو زيد: (الاجتباء تقوله العرب في الكلام يبتدئه الرجل من نفسه) (١).\nوقال الزجاج (٢): (﴿لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا﴾ أي: هلا اختلقتها، وأتيت بها (٣) من قبل نفسك).\nونحو هذا قال المفسرون، و(٤) روي عن ابن عباس: (لولا أحدثتها فأنشأتها) (٥).\nوقال مجاهد (٦): (لولا اقتضبتها (٧) وأخرجتها من نفسك).\nوقال ابن زيد (٨): (لولا تقولتها وجئت بها من عندك).\n_________\n(١) حكاه الطبري ٩/ ١٦٢، عن أبي عبيدة عن أبي زيد، وذكره الثعلبي ٦/ ٣٣ ب، وانظر: \"اللسان\" ١/ ٥٤٢ (جبى).\n(٢) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٩٧، ونحوه في \"تفسير غريب القرآن\" ص ١٨٧، و\"معاني النحاس\" ٣/ ١٢١.\n(٣) لفظ: (بها) ساقط من (أ).\n(٤) لفظ: (الواو) ساقط من (ب).\n(٥) أخرجه الطبري ٩/ ١٦١ بسند جيد. وفي رواية قال: (لولا تلقيتها)، وأخرج ابن أبي حاتم ٥/ ١٦٤٣ بسند جيد عنه قال: (لولا أخذتها وتلقيتها فأنشأتها) وفي رواية بسند ضعيف قال: (هلا افتعلتها من تلقاء نفسك) وفي رواية عند الطبري وابن أبي حاتم بسند ضعيف قال: (لولا تقبلتها من الله) اهـ.\n(٦) أخرجه الطبري ٩/ ١٦١ بسند جيد، وفي \"تفسير مجاهد\" ١/ ٢٥٤، وأخرجه ابن أبى حاتم ٥/ ١٦٤٣ بسند جيد قال: (لولا ابتدعتها من قبل نفسك).\n(٧) في (ب): (قتضيتها)، والأولى \"اقتضبتها\" كما في المراجع. واقتضب الكلام ارتجله من غير تهيئة أو إعداد له، انظر: \"اللسان\" ٦/ ٣٦٦٠ (قضب).\n(٨) أخرجه الطبري ٩/ ١٦١ بسند جيد.","vol":"9","page":560},{"text":"وقال قتادة (١): (هلا افتعلتها (٢) [وأنشأتها من قبل نفسك واختيارك).\nوقال الضحاك: (افتعلتها] (٣) من تلقاء نفسك) (٤).\nقال الزجاج: (فأعلمهم - ﷺ - أن الآيات من قبل الله ﷿ لقوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي﴾ (٥) [الأعراف:٢٠٣]، أي: (٦) لو كنت آتي بالآيات من قبل نفسي للزمني تعجيل ما تطلبون مني، لكن ليس الأمر كذلك لأني ﴿أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي﴾.\nوقوله تعالى: ﴿هَذَا﴾ أي: هذا القرآن الذي أتيت به ﴿بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ﴾.\n_________\n(١) ذكره الثعلبي ٦/ ٣٣/ ب، وأخرج عبد الرزاق ١/ ٢/ ٢٤٧، والطبري ٩/ ١٦١ بسند جيد عنه قال: (لولا جئت بها من نفسك)، وفي رواية عند الطبري بسند جيد عنه قال: (لولا تلقيتها من ربك)، وأخرج الطبري ٩/ ١٦١، وابن أبي حاتم ٥/ ١٦٤٤ بسند جيد عنه قال: (لولا أتيت بها من قبل نفسك، هذا قول كفار قريش) اهـ.\n(٢) في (ب): (فعلتها).\n(٣) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).\n(٤) أخرج الطبري ٩/ ١٦١، وابن أبي حاتم ٥/ ١٦٤٣ بسند جيد عنه قال: (لولا أخذتها فجئت بها من السماء) اهـ، والمعاني متقاربة، واختار الطبري ٩/ ١٦١ أن المعنى: (هلا أحدثتها من نفسك) اهـ، واختار النحاس في \"معانيه\" ٣/ ١٢١: (جئت بها من عند نفسك قال: وكذلك هو في اللغة يقال: اجتبيت الشيء وارتجلته واخترعته واختلقته إذا جئت به من عند نفسك) اهـ.\nوقال ابن الجوزي ٣/ ٣١٢: (هلا افتعلتها من تلقاء نفسك قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي وابن زيد والفراء والزجاج وابن قتيبة في آخرين وهو أصح) اهـ. وانظر: \"مجاز القرآن\" ١/ ٢٠٠، و\"تفسير غريب القرآن\" ص ١٨٧، والسمرقندي ١/ ٥٩١، والماوردي ٢/ ٢٩٠.\n(٥) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٩٧.\n(٦) لفظ: (أي) ساقط من (أ)","vol":"9","page":561},{"text":"قال ابن الأعرابي (١): (البصيرة الثبات في الدين).\nوقال غيره: (البصيرة العبرة، يقال: أما لك بصيرة في هذا أي: عبرة تعتبر بها (٢) وأنشد (٣):\nفي الذاهبين الأولين ... من القرون لنا بصائر\nأي: عبر) (٤).\nوقال الفراء (٥) والزجاج (٦): (البصيرة في الدين، وأصلها من ظهور الشيء وبيانه).\nوقال أهل المعاني (٧) في قوله: ﴿هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ﴾: (هذا القرآن، وهذا الوحي دلائل من ربكم تقود إلى الحق، وتهدي إلى الرشد من استدل بها دون من أعرض عنها متعاميًا عما فيها، ومن هذا يقال للطريقة من الدم (٨) يستدل به على الرميَّة: بصيرة).\n_________\n(١) \"تهذيب اللغة\" ١/ ٣٤٢.\n(٢) في (أ): (تعتبرها)، وهو تحريف.\n(٣) البيت لقس بن ساعدة الإيادي في كتاب \"المعمرين\" لأبي حاتم السجستاني ص ٩٦، و\"العقد الفريد\" ٤/ ٢١٥، و\"البيان\" للجاحظ ١/ ٢٩٤، و\"الأغاني\" ١٥/ ٢٣٧، و\"معجم المرزباني\" ص ١٩٩، وبلا نسبة في \"العين\" ٧/ ١١٨، و\"تهذيب اللغة\" ١/ ٣٤٢، و\"اللسان\" ١/ ٢٩١ (بصر).\n(٤) هذا قول الليث في \"تهذيب اللغة\" ١/ ٣٤٢.\n(٥) لم أقف عليه عن الفراء.\n(٦) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٩٧.\n(٧) انظر: \"تفسير الطبري\" ٩/ ١٦٢.\n(٨) في (ب): (الذم) وهو تصحيف، والرمية، هي الطريدة التي يرميها الصائد. انظر: \"اللسان\" ٣/ ١٧٤٠ (رمي).","vol":"9","page":562},{"text":"وقال المفسرون (١): (هذا القرآن حجج وبيان وبرهان من ربكم، وأصلها من ظهور الشيء حتى يبصرها الإنسان فيهتدي إليها وينتفع بها (٢)، فمعنى البصيرة في أصل اللغة (٣) ما يبصر به الشيء، ويدخل في هذا العبرة والحجة والدليل والبرهان).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1301>٢٠٤ </span>- قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾. الإنصات السكوت للاستماع، يقال: نَصَتَ وأَنصت وانتصت بمعنى واحد (٤)، وقد ورد الإنصات متعديًا في شعر الكميت (٥) بمعنى الإسكات وهو قوله (٦):\nأبوك الذي أجدى علي بنصره ... فأنصت عني بعده كلَّ قائل (٧)\n_________\n(١) هذا قول الثعلبي في \"تفسيره\" ٦/ ٣٣ ب، والبغوي ٣/ ٣١٨، ونحوه قال أكثرهم، وانظر: \"مجاز القرآن\" ١/ ٢٣٧، و\"تفسير الطبري\" ٩/ ١٦٢، و\"نزهة القلوب\" ص ١٤٠، و\"تفسير السمرقندي\" ١/ ٥٩١.\n(٢) لفظ: (بها) ساقط من (ب).\n(٣) انظر: \"الجمهرة\" ١/ ٣١٢، و\"الصحاح\" ٢/ ٥٩١، و\"مقاييس اللغة\" ١/ ٢٥٣، و\"المجمل\" ١/ ١٢٧، و\"المفردات\" ص ١٢٧ (بصر).\n(٤) انظر: \"العين\" ٧/ ١٠٦، و\"الجمهرة\" ١/ ٤٠١، و\"الصحاح\" ١/ ٢٦٨، و\"المجمل\" ٢/ ٨٧٠، و\"مقاييس اللغة\" ٥/ ٤٣٤.\n(٥) تقدمت ترجمته.\n(٦) لفظ: (قوله) ساقط من (ب).\n(٧) البيت للكميت في \"البحر\" ٤/ ٤٣٨، و\"الدر المصون\" ٥/ ٥٥١ وهو للراعي النميري في \"ديوانه\" ص ٧٨، و\"مجاز القرآن\" ٢/ ٤٧، و\"الجمهرة\" ١/ ٣٩٨، ٣/ ١٢٦١، و\"الاشتقاق\" ص ١١٠، وبلا نسبة في: \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٥٨٢، و\"اللسان\" ٧/ ٤٤٣٧ (نصت).","vol":"9","page":563},{"text":"قال الأصمعي (١): (يريد: فأسكت عني) (٢). واختلف المفسرون في وجه نزول الآية على قولين أحدهما: أنها نزلت في تحريم الكلام في الصلاة، قال أبو هريرة: (كانوا يتكلمون في الصلاة فنزلت هذه الآية وأُمروا بالإنصات) (٣).\nوقال قتادة: (كان الرجل يأتي وهم في الصلاة فيسألهم كم صليتم وكم بقي، وكانوا يتكلمون في الصلاة بحوائجهم فأنزل الله هذه الآية) (٤) ونحو هذا قال معاوية (٥) بن قرة (٦). وقال ابن مسعود: كنا يسلم بعضنا على بعض في الصلاة؛ سلام على فلان، سلام على فلان، فجاء القرآن: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ الآية) (٧).\nالقول الثاني: أن الآية نزلت في ترك الجهر بالقراءة وراء الإمام، قال ابن عباس: (إن رسول الله - ﷺ - قرأ في الصلاة المكتوبة وقرأ أصحابه وراءه رافعين أصواتهم فخلطوا عليه فنزلت هذه الآية) (٨).\n_________\n(١) وقع هنا في (ب) اضطراب في ترتيب الأوراق حيث وقع باقي تفسير الآية في ١٨٦ ب.\n(٢) \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٥٨٢.\n(٣) أخرجه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" ٢/ ٨٣٨٠، الطبري ٩/ ١٦٣، وابن أبي حاتم ٥/ ١٦٤٥، والبيهقي في \"سننه\" ٢/ ١٥٥ من طرق ضعيفة.\n(٤) أخرجه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ١/ ٢/ ٢٤٧، والطبري ٩/ ١٦٤ من طرق جيدة.\n(٥) معاوية بن قرَّة بن إياس بن هلال المزني أبو إياس البصري، إمام تابعي عابد عالم ثقة، والد القاضي إياس أدرك كثيرًا من الصحابة ﵃، توفي سنة ١١٣ هـ وله ٧٦ سنة، انظر: \"الجرح والتعديل\" ٨/ ٣٧٨، و\"سير أعلام النبلاء\" ٥/ ١٥٣، و\"تهذيب التهذيب\" ٤/ ١١١، و\"تقريب التهذيب\" ص ٥٣٨ (٦٧٦٩).\n(٦) أخرجه البيهقي في \"سننه\" ٢/ ١٥٥ بسند جيد.\n(٧) أخرجه الطبري ٩/ ١٦٢ بسند ضعيف لانقطاعه.\n(٨) أخرجه الطبري ٩/ ١٦٥ بسند جيد","vol":"9","page":564},{"text":"وروى عن أبي هريرة مثل ذلك (١) قال: (نزلت هذه الآية في رفع الأصوات وهم خلف رسول الله - ﷺ - في الصلاة) (٢).\nوروي أيضًا عن ابن مسعود (٣) مثل هذا، وقال الكلبي: (كانوا يرفعون أصواتهم في الصلاة حين يسمعون ذكر الجنة والنار فأنزل الله هذه الآية) (٤).\nوفي الآية قول ثالث: وهو أنها نزلت في السكوت للخطبة؛ أُمِروا بالإنصات للإمام يوم الجمعة، وهذا قول سعيد (٥) بن جبير ومجاهد (٦) وعطاء (٧) وعمرو (٨) بن دينار، وزيد بن أسلم (٩) والقاسم\n_________\n(١) في (ب): (مثل هذا).\n(٢) أخرجه الطبري ٩/ ١٦٣، وابن أبي حاتم ٥/ ١٦٤٥، والدارقطني في \"سننه\" ١/ ٣٢٦، والواحدي في \"الوسيط\" ٢/ ٢٩٣، وفي \"أسباب النزول\" ص ٢٣٣ بسند ضعيف كما قال الدارقطني.\n(٣) أخرجه الطبري ١٣/ ٣٤٦، وابن أبي حاتم ٥/ ١٦٤٦ بسند جيد عنه، قال: (لعلكم تقرأون مع الإِمام قالوا: نعم، قال: ألا تفقهون ما لكم لا تعقلون: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾) اهـ.\nقال الشيخ أحمد شاكر في \"الحاشية\": (فيه بشير بن جابر لم أعرفه وفي المخطوطة (بسير) غير منقوطة ولم أعرف له وجه) اهـ.\n(٤) أخرجه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ١/ ٢/ ٢٤٧ بسند جيد.\n(٥) ذكره البغوي ٣/ ٣١٩، والرازي ١٥/ ١٠٢، والخازن ٢/ ٣٣٠ عن سعيد بن جبير وعطاء، وأخرج الطبري ٩/ ١٦٥ بسند جيد عنه قال: (يوم الأضحى والفطر والجمعة وفي الصلاة) وقال البخاري في القراءة خلف الإمام ص ٦٤: (ذكر عن ابن عباس وسعيد بن جبير أن الآية في الصلاة إذا خطب الإِمام يوم الجمعة) اهـ.\n(٦) أخرجه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" ٢/ ٢٢٦ - ٢٢٧، الطبري ٩/ ١٦٥ من طرق جيدة.\n(٧) ذكره الماوردي ٢/ ٢٩٠، وأخرج الطبري ٩/ ١٦٥ من طرق جيدة.\n(٨) ذكره الواحدي في \"أسباب النزول\" ص ٢٣٣، وابن الجوزي ٣/ ٣١٣، عن سعيد ابن جبير ومجاهد وعطاء وعمرو بن دينار.\n(٩) ذكره الثعلبي ٦/ ٣٤ ب، والقرطبي ٧/ ٣٥٣، عن سعيد بن جبير ومجاهد وعمرو ابن دينار وزيد بن أسلم، والقاسم بن مخيمرة.","vol":"9","page":565},{"text":"بن مخيمرة (١) وجماعة.\nواحتج ابن المبارك (٢) لهذا القول بأن قال: (لا ترى خطيبًا يخطب يوم الجمعة فأراد أن يقرأ في الخطبة (٣) آية من قوارع القرآن إلا قرأ هذه الآية قبل قراءته ثم قرأ القرآن) (٤).\nواختار الفراء (٥)، وأبو إسحاق (٦) القول الأول، وقالا: (كان الناس يتكلمون في الصلاة المكتوبة، يأتي الرجل القوم فيقول: كم صليتم؟ فيقول الناس: كذا وكذا، فنهوا عن ذلك، فحرم الكلام في الصلاة لما نزلت هذه الآية).\nولا حجة في الآية لمن أبى وجوب قراءة الفاتحة في الصلاة خلف الإِمام؛ لأن قوله: ﴿وَأَنْصِتُوا﴾ على القول الأول أمر بالإنصات عن الكلام الذي لا يحل في الصلاة، وعلى القول الثاني أمر بالإنصات عن رفع الأصوات خلف الإِمام، وفي القول الثالث أمر بالإنصات لاستماع القرآن\n_________\n(١) القاسم بن مخيمرة الهمداني، أبو عروة الكوفي نزيل الشام، تابعي إمام عابد فاضل معلم محدث ثقة، توفي سنة ١٠٠ هـ. انظر: \"الجرح والتعديل\" ٧/ ١٢٠، و\"سير أعلام النبلاء\" ٥/ ٢٠١، و\"تهذيب التهذيب\" ٣/ ٤٢١، و\"تقريب التهذيب\" ٣/ ٤٢١.\n(٢) عبد الله بن المبارك بن واضح الحنظلي. تقدمت ترجمته.\n(٣) لفظ: (الخطبة) ساقط من (ب).\n(٤) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ٦/ ٣٤ ب، وهذا القول ضعفه أكثرهم، قال البغوي في \"تفسيره\" ٣/ ٣٢٠: (الأولى أنها في القراءة في الصلاة؛ لأن الآية مكية والجمعة وجبت بالمدينة واتفقوا على أنه مأمور بالإنصات حالة ما يخطب الإمام) وضعفه ابن العربي في \"أحكام القرآن\" ٢/ ٨٢٨، والقرطبي ٧/ ٣٥٣.\n(٥) \"معاني الفراء\" ١/ ٤٠٢.\n(٦) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٩٨.","vol":"9","page":566},{"text":"في الخطبة، وقد قال الأوزاعي (١): (إن الله أمر بالإنصات عن الكلام لا عن قراءة القرآن لأنهم كانوا يتكلمون في الصلاة) (٢).\nفإن احتج بعموم اللفظ ولم يقصر الآية على سببها قيل له: حكم الآية ممتثل (٣) عند الشافعي (٤) -﵁-؛ لأن السنة أن يسكت الإِمام ويتنفس فيقرأ المأموم الفاتحة في حال سكتة الإمام، كما قال أبو سلمة (٥): (للإمام سكتتان فاغتنم القراءة في أيهما شئت) (٦)، على أن الإنصاف هو ترك\n_________\n(١) الأوزاعي: عبد الرحمن بن عمرو بن يُحمد الأوزاعي أبو عمرو الشامي الدمشقي، إمام تابعي عابد فاضل فقيه حافظ ثقة، شيخ الإِسلام وعالم أهل الشام أجمعوا على إمامته وجلالته وعلوّ مرتبته وكمال فضله وأقاويل الأئمة فيه كثيرة مصرحة بورعه وزهده وغزارة فقهه وقيامه بالحق، توفي رحمه الله تعالى سنة ١٥٧ هـ وله ٦٩ سنة.\nانظر: \"الجرح والتعديل\" ١/ ١٨٤، و٥/ ٢٦٦، و\"الحلية\" ٦/ ١٣٥، و\"تهذيب الأسماء واللغات\" ١/ ٢٩٨، و\"سير أعلام النبلاء\" ٧/ ١٠٧، و\"تهذيب التهذيب\" ٢/ ٥٣٧.\n(٢) لم أقف عليه.\n(٣) كذا في النسخ: \"ممتثل\" ولعل المعنى أي: قائم ومتصور. انظر: \"اللسان\" ٧/ ٤١٣٥: (مثل).\n(٤) انظر: \"أحكام القرآن\" للشافعي ١/ ٧٧، و\"روضة الطالبين\" ١/ ٣٤٧، و\"المجموع\" ٣/ ٣٦٣.\n(٥) أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف الزهري القرشي المدني، قيل: اسمه عبد الله، وقيل: إسماعيل، وهو إمام تابعي عالم عابد فقيه ثقة مكثر اتفقوا على جلالته وإمامته وعظم قدره وارتفاع منزلته توفي رحمه الله تعالى سنة ٩٤ هـ، وله ٧٢ سنة، انظر: \"الجرح والتعديل\" ٥/ ٩٣، و\"تهذيب الأسماء واللغات\" ٢/ ٢٤٠، و\"سير أعلام النبلاء\" ٤/ ٢٨٧، و\"تهذيب التهذيب\" ٤/ ٥٣١.\n(٦) أخرجه البخاري في \"القراءة خلف الإمام\"، وذكره ابن قدامة في \"المغني\" =","vol":"9","page":567},{"text":"الجهر، والعرب تسمي تارك الجهر منصتًا وإن كان يقرأ في نفسه إذا لم يُسمع أحدًا، وأيضًا فإن الفاتحة مخصوصة بالقراءة من بين غيرها بالسنة لقوله - ﷺ -: \"إذا كنتم خلفي فلا تقرءوا إلا بفاتحة الكتاب فإنه لا صلاة إلا بها\" (١).\n_________\n= ٢/ ٢٦٦، وابن القيم في \"زاد المعاد\" ١/ ٢٠٨، وقال ابن قدامة في \"المغني\" ١/ ١٦٣: (يستحب أن يسكت الإمام عقيب قراءة الفاتحة سكتة يستريح فيها ويقرأ فيها من خلفه الفاتحة كي لا ينازعوه فيها، وهذا مذهب الأوزاعي والشافعي وإسحاق، وكرهه مالك وأصحاب الرأي) اهـ.\nوانظر: \"سنن البيهقي\" ٢/ ١٩٥، و\"نيل الأوطار\" ٢/ ٢٧٦.\n(١) أخرجه البخاري في \"القراءة خلف الإمام\"، وأبو داود في \"سننه\" رقم (٣٢٣)، والترمذي رقم (٣١١)، و\"النسائي\" ٢/ ١٤١ - كتاب \"الافتتاح\"- باب: قراءة أم القرآن في الجهرية، والدارقطني ١/ ٣١٨، والحاكم في \"المستدرك\" ١/ ٢٣٨ عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: (صلى رسول الله - ﷺ - الصبح فثقلت عليه القراءة، فلما انصرف قال: \"إني أراكم تقرءون وراء إمامكم. قلنا: إي والله. قال: فلا تفعلوا إلا بأم القرآن فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها\") اهـ.\nقال الترمذي: (حديث حسن وله شواهد والعمل عليه في القراءة خلف الإِمام عند أكثر أهل العلم من الصحابة والتابعين وهو قول مالك وابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق) اهـ.\nوقال الدارقطني: (إسناده حسن) اهـ. وذكره الحافظ ابن حجر في \"تلخيص الحبير\" ١/ ٢٣١ وحسنه وقال: (صححه أبو داود والترمذي والدارقطني وابن حبان والحاكم والبيهقي) اهـ.\nوقال البيهقي في \"سننه\" ٢/ ١٦٣: (يقرأ المأموم خلف الإمام بفاتحة الكتاب في السرية والجهرية وهو أصح الأقوال على السنة وأحوطها وبالله التوفيق) اهـ. وهذا هو الظاهر وحديث عبادة نص في ذلك، وهو اختيار الشيخ محمد بن =","vol":"9","page":568},{"text":"فالمأموم ينصت إلا عن الفاتحة. للخبر، على أنا نقول: إن جاز لغيرنا أن يُعدّي الآية إلى غير السبب النازل فيه جاز لنا أن نأوّلها بما ذكره أبو إسحاق، وهو أنه قال: (يجوز أن يكون: ﴿فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾ (١) اعملوا بما فيه، ﴿وَأَنْصِتُوا﴾ لا تجاوزه إلى غيره؛ لأن معنى قول القائل: سمع الله دعاءك تأويله: أجاب الله دعاءك، وفعل ما أردت؛ لأن الله ﷿ سميع لم يزل) (٢)، وعلى هذا فلا معنى لترك القراءة في الآية وليست الآية من ترك القراءة في شيء.\nوذهب قوم من أهل الظاهر (٣) إلى أن هذه الآية عامة، ويجب الإنصاف لقارئ الطريق، ومعلم الصبيان، وليس الأمر على (٤) ما ذهبوا إليه؛ فإن هذا الإنصات إنما يجب في الصلاة، وعند الخطبة يوم الجمعة،\n_________\n= صالح العثيمين قال في \"مجموع دروس الحرم المكي\" ٢/ ٢٣٦: (الصحيح من أقوال أهل العلم أن قراءة الفاتحة واجبة على الإِمام والمأموم والمنفرد في الصلاة السرية والجهرية والدليل حديث عبادة فتكون الأحاديث مخصصة للآية وتحمل الآية في غير الفاتحة لأنه لا بد من قراءتها) اهـ.\n(١) في النسخ: (استمعوا).\n(٢) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٩٨.\n(٣) انظر: \"المغني\" لابن قدامة ٢/ ٢٥٩، و\"الفتاوى\" لشيخ الإِسلام ٢٣/ ٢٦٥ وص ٣٣٠، و\"نيل الأوطار\" ٢/ ٢٤٣ - ٢٥٧، وقال النحاس في \"إعرابه\" ص ٦٦٢: (الإنصات في اللغة عام يجب أن يكون في كل شيء إلا أن يدل دليل على اختصاص شيء) اهـ. ونحوه في \"معانيه\" ٣/ ١٢٢، وقال القرطبي ٧/ ٣٥٣ - ٣٥٤: (الصحيح أن الإنصات عام في الصلاة والخطبة لأنه يجمع جميع ما أوجبته هذه الآية وغيرها من السنة في الإنصات وحكي عن النقاش إجماع أهل التفسير أن هذا في الاستماع في الصلاة المكتوبة وغير المكتوبة) اهـ.\n(٤) في (ب): (إلى ما ذهبوا).","vol":"9","page":569},{"text":"على ما ذكرنا عن الأئمة والسلف (١)؛ يدل على هذا ما روى الجريري (٢) عن طلحة بن عبيد الله بن كريز (٣) قال: (رأيت عبيد بن عمير (٤) وعطاء بن أبي رباح يتحدثان والقاص يقصّ فقلت: ألا تستمعان إلى الذكر وتستوجبان الموعود، فنظرا إليّ وقالا: إنما ذلك في الصلاة: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾. ثم أقبلا علي حديثهما) (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1302>٢٠٥ </span>- قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ﴾، الخطاب في هذا للنبي - ﷺ -، وغيره داخل فيه لأنه عام لسائر المكلفين.\nقال ابن عباس: (يعني بالذكر القراءة في الصلاة) (٦).\n﴿تَضَرُّعًا وَخِيفَةً﴾ قال: (يريد: يتضرع إليّ ويخاف مني) (٧).\n_________\n(١) انظر: \"تفسير الطبري\" ٩/ ١٦٥، ١٦٦، والسمرقندي ١/ ٥٩١، والماوردي ٢/ ٢٩٠، وابن عطية ٦/ ١٩٦ - ١٩٧، وابن الجوزي ٣/ ٣١٢، والرازي ١٥/ ١٠٢ - ١٠٤، وابن كثير ٢/ ٣١١، و\"الدر المنثور\" ٣/ ٢٨٥ - ٢٨٧.\n(٢) الجريري: سعيد بن إياس الجريري، أبو مسعود البصري، إمام، محدث من كبار العلماء، ثقة، اختلط قبل موته بثلاث سنين. توفي سنة ١٤٤ هـ.\nانظر: \"الجرح والتعديل\" ٤/ ١، و\"سير أعلام النبلاء\" ٦/ ١٥٣، و\"تذكرة الحفاظ\" ١/ ١٥٥، و\"تهذيب التهذيب\" ٢/ ٧، و\"تقريب التهذيب\" ص ٢٣٣ (٢٢٧٣).\n(٣) طلحة بن عبد الله بن كريز بن جابر بن ربيعة الخزاعي الكعبي، تقدمت ترجمته.\n(٤) عبيد بن عمير بن قتادة الليثي، إمام مجمع على ثقته، وكان قاضي أهل مكة. تقدمت ترجمته.\n(٥) أخرجه الطبري ٩/ ١٦٣ بسند جيد.\n(٦) ذكره الثعلبي ٦/ ٣٥ أ، والواحدي في \"الوسيط\" ٢/ ٢٩٤، والبغوي ٣/ ٣٢١، وابن الجوزى ٣/ ٣١٣، الخازن ٢/ ٣٣٢.\n(٧) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ٢/ ٢٩٤، والبغوي ٣/ ٣٢١.","vol":"9","page":570},{"text":"ومعناه: (١) استكانة لي وخوفًا من عذابي.\n﴿وَخِيفَةً﴾ قال الزجاج: (أصلها خوفة. فقلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها) ذكر ذلك في سورة طه (٢). ﴿وَدُونَ الْجَهْرِ﴾ دون الرفع ﴿مِنَ الْقَوْلِ﴾ من القرآن.\nقال (٣): (يريد: لا ترفع بذلك صوتك، تسمع نفسك، وإن جاوزك إلى من هو إلى جانبك فلا بأس). ﴿بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾. قال: (يريد: بكرة وعشيًا، يريد: الصلوات) (٤).\nفعلى (٥) هذا القول الآية وردت في القراءة في الصلوات كلها لقوله تعالى: ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ [الأنعام: ٥٢].\nوقد مر، فأمر ان يقرأ في نفسه في بعضها وهو صلاة الإسرار، ودون\n_________\n(١) في (ب): (ومعنا)، وهو تحريف.\n(٢) \"معاني الزجاج\" ٣/ ٣٦٧: (والخيف بالكسر جمع خيفة من الخَوْف، فأصله خوفة سكنت الواو إثر كسر فقلبت ياء) انظر: \"إعراب النحاس\" ١/ ٦٦٢، و\"تهذيب اللغة\" ١/ ٩٦٦ (خاف)، و\"الحجة\" لأبي علي ٣/ ٣١٧، و\"اللسان\" ٣/ ١٢٩٠ (خوف)، و\"معجم مفردات الإبدال والإعلال\" للخراط ص ١٠٣.\n(٣) كأنه يعني بقال ابن عباس ﵄، ولم أقف عليه عنه.\n(٤) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ٢/ ٢٩٥ عن ابن عباس.\n(٥) قال ابن كثير في \"تفسيره\" ٢/ ٣١٢ - ٣١٣: (المراد بالآية الحض على كثرة الذكر من العباد ﴿بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ لئلا يكونوا من الغافلين، ولهذا مدح الملائكة الذين يسبحون الليل والنهار ولا يفترون ليقتدي بهم في كثرة طاعتهم وعبادتهم، وزعم أن المراد بها: أمر السامع للقرآن في حال استماعه بالذكر على هذه الصفة، وهذا بعيد منافٍ للإنصات المأمور به، ثم إن المراد بذلك في الصلاة أو الصلاة والخطبة ومعلوم أن الإنصات إذ ذاك أفضل من الذكر باللسان سواء كان سرًا أو جهرًا فهذا الذي قيل لم يتابع عليه) اهـ. بتصرف.","vol":"9","page":571},{"text":"الجهر في بعضها وهو ما يرفع فيها (١) الصوت بالقراءة والمسنون دون الجهر لقوله: ﴿وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ١١٠].\nوقال قتادة (٢): (أمر الله بذكره ونهى عن الغفلة، أما ﴿بِالْغُدُوِّ﴾ فصلاة الصبح، وأما بالعشي فصلاة العصر)، وعلى هذا القول الآية مقصورة على الصلاتين.\nوقال مجاهد (٣) وابن جريج (٤): (أمر أن تذكروه في الصدور بالتضرع والاستكانة، ويكره رفع الصوت والنداء بالدعاء).\nوعلى هذا الآية وردت في ذكر الله تعالى بالقلب، وترك الصياح في الدعاء (٥).\nوقوله تعالى: ﴿بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾. الغَدْو مصدر، يقال: غَدوت أغدُو (٦) غدوًا وغدوَّا ومنه قوله: ﴿غُدُوُّهَا شَهْرٌ﴾ [سبأ: ١٢] أي: غدوها للسير، ثم سمي وقت الغدو غدوًا كما يقال: دنا الإصباح، أي: وقته، ودنا الإمساء، ويجوز أن يكون الغدو هاهنا جمع غدوة، قال الليث:\n_________\n(١) في (أ): (ما يرفع فيه الصوت).\n(٢) أخرجه الطبري ٩/ ١٦٨ بسند جيد، وفيه ﴿وَالْآصَالِ﴾ بالعشي، وذكره السيوطي في \"الدر\" ٣/ ٢٨٨، وزاد نسبته إلى (عبد الرزاق وعبد بن حميد، وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة).\n(٣) أخرجه الطبري ٩/ ١٦٦ بسند ضعيف، وذكره الثعلبي ٦/ ٣٥ أ، والبغوي ٣/ ٣٢١ عن مجاهد وابن جريج وليس فيه عند الطبري: (ويكره رفع الصوت ..).\n(٤) أخرجه الطبري ٩/ ١٦٧ بسند جيد.\n(٥) قال النحاس في \"معانيه\" ٣/ ١٢٣: (لم يختلف في معنى قوله: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ﴾ أنه في الدعاء.\nوانظر: \"تفسير الطبري\" ٩/ ١٦٦، والسمرقندي ١/ ٥٩١، والماوردي ص ٢٩٠.\n(٦) في (أ): (غدوت أغدوا).","vol":"9","page":572},{"text":"(الغدوُّ جمع مثل الغدوات وواحد الغدوات غدوة) (١).\nقال الراجز (٢):\nجرَّت عليه كلَّ ريح ريدة ... هو جاء سفواء نؤوج الغدوة\nوأما ﴿وَالْآصَالِ﴾، فقال الفراء: (واحدها أُصُل، وواحد الأصل أصيل.\nقال: ويقال: جئناهم مؤصلين، أي: عند الآصال) (٣).\nوقال الزجاج: (الآصال العشيات جمع الجمع) (٤).\n_________\n(١) \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٦٣٦، وليس فيه: (وواحد الغدوات غدوة).\nانظر: \"العين\" ٤/ ٤٣٧، و\"الجمهرة\" ٢/ ٦٧١، و\"البارع\" ص ٤٢٥، و\"الصحاح\" ٦/ ٢٤٤٤، و\"المجمل\" ٢/ ٦٩٢، و\"مقاييس اللغة\" ٤/ ٤١٥، و\"المفردات\" ص ٦٠٣، و\"اللسان\" ٦/ ٣٢٢٠ (غدا).\n(٢) الشاهد لهميان بن قحافة السعدي، شاعر، وراجز، أموي في \"الصحاح\" ٢/ ٤٧٩ (ريد) وهو لعلقمة بن عبدة التيمي الفحل، شاعر، جاهلي في \"تهذيب إصلاح المنطق\" ١/ ٢٨٠، وهو في \"اللسان\" ٣/ ١٧٩٠ (ريد) لهميان أو علقمة وبلا نسبة في: \"إصلاح المنطق\" ص ٩٤، و\"المخصص\" ٩/ ٨٦ و١٥/ ٨١ قال التبريزي في \"تهذيب إصلاح المنطق في شرح الشاهد\": (ريح ريدة لينة الهبوب والهوجاء التي تهب بشدة، والسفواء الخفيفة، والنؤوج المصوتة في هبوبها أخبر أنها تهب في وقت الغدوة) اهـ.\n(٣) ذكره النحاس في \"إعرابه\" ١/ ٦٦٢ - ٦٦٣، والرازي ١٥/ ١٠٩، والقرطبي ٧/ ٣٥٦، ولم أقف عليه في معانيه وهذا القول هو قول الأكثر. انظر: \"مجاز القرآن\" ١/ ٢٣٩، و\"معاني النحاس\" ٣/ ١٢١، وفي \"معاني الأخفش\" ٢/ ٣١٧، و\"غريب القرآن\" لليزيدي ص ١٥٦: (الآصال، واحدها أصيل).\nوانظر: \"تفسير الطبري\" ٩/ ١٦٧، و\"نزهة القلوب\" ص ٨٨.\n(٤) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٩٨ وفيه: (الآصال: جمع أُصل والأصل جمع أصيل فالآصال جمع الجمع وهي العشيات) اهـ.\nوانظر: \"معجم الإبدال والإعلال\" للخراط ص ٢٢.","vol":"9","page":573},{"text":"ومنه قول النابغة (١):\nوقفت فيها أصيلًا كي (٢) أسائلها\nأي: عشية، ويقال: الأصيل (٣) مأخوذ من الأصل وهو أسفل كل شيء، وما بعد العصر ينتهي إليه النهار إلى آخر النهار، فقيل لذلك الوقت: أصيل (٤).\n_________\n(١) \"ديوانه\" ص ٩، و\"الكتاب\" ٢/ ٣٢١، و\"معاني الفراء\" ١/ ٤٨٠، و\"المقتضب\" ٤/ ٤١٤، و\"الجمل\" للزجاجي ص ٢٣٥، و\"اللمع\" لابن جني ص ١٢٢، و\"الصحاح\" ٤/ ١٦٢٣ (أصلَ)، و\"الإنصاف\" ص ١٤٨، والقرطبي ٧/ ٣٥٦، و\"اللسان\" ١/ ٨٩ (أصل) وعجزه:\nعيت جوابًا وما بالربع من أحد\n(٢) في (ب): (أصيلًا لا أسائلها) ورواية الأكثر. (أصيلانًا).\nقال النحاس في \"شرح القصائد المعلقات\" ١/ ١٥٨ في شرح البيت: (يروى: أصيلًا كي أسائلها، وهو واحد وجمعه أصُل وجمع أصل آصال ويروى: أصيلانًا وفيه قولان:\nأحدهما: أنه تصغير أصلان، وأصلان جمع أصيل.\nوالثاني: أنه بمنزلة قولهم: على الله التكلان، وقولهم: غفران، وهذا هو الصحيح، والأول خطأ لأن أصلانًا لا يجوز أن يصغر إلا أن يرد إلى أقل العدد وهو حكم كل جمع كثير.\nوقوله: عيت أي: عجزت عن الإجابة، والربع المنزل في الربيع ثم كثر استعماله في كل منزل) اهـ. بتصرف.\nورواية أصيلال أصله: أصيلان أبدل النون لاما على غير القياس.\n(٣) هذا قول الليث في \"تهذيب اللغة\" ١/ ١٦٨. وانظر: \"العين\" ٧/ ١٥٦، و\"المجمل\" ١/ ٩٧، و\"مقاييس اللغة\" ١/ ١٠٩، و\"المفردات\" ص ٧٨ (أصل).\n(٤) في (ب): (أصل).","vol":"9","page":574},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1303>٢٠٦ </span>- قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾، قال ابن عباس (١) وغيره من المفسرين (٢): (يعني: الملائكة)، قال الزجاج: (تأويله أنه من قرب من رحمة الله ومن فضله فهو عند الله جل وعز) (٣).\nفعلى هذا قوله: ﴿عِنْدَ رَبِّكَ﴾ يراد به: قرب الرحمة والفضل لأقرب المكان (٤).\nوقال غيره من أهل المعاني: (هذا تشريف للملائكة بإضافتهم إلى الله ﷿، يراد بذلك: أنهم بالمكان الذي كلامه وشرفه وجعل الأمور تصدر عنه).\nوقال بعضهم: (إنما قيل في صفة الملائكة ﴿الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ لأنهم رسل الله إلى الإنس، كما يقال: إن عند الخليفة جيشًا عظيمًا وإن كانوا متفرقين في البلدان) (٥).\n_________\n(١) \"تنوير المقباس\" ٢/ ١٥١.\n(٢) قال القرطبي ٧/ ٣٥٦: (يعني: الملائكة بإجماع) اهـ.\nوانظر: \"تفسير غريب القرآن\" ص ١٨٨، والطبري ٩/ ١٦٨، و\"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٩٨، و\"إعراب النحاس\" ٢/ ١٧٣، و\"تفسير السمرقندي\" ١/ ٥٩٢، والثعلبي ٦/ ٣٥ أ، والماوردي ٢/ ٧٩.\n(٣) \"معاني الزجاج\" ٢/ ٣٩٨.\n(٤) انظر: \"تفسير ابن عطية\" ٦/ ١٩٩.\n(٥) ذكر هذه الأقوال النحاس في \"إعرابه\" ١/ ٦٦٣، والثعلبي ٦/ ٣٥ أ، والرازي ١٥/ ١١١، والقرطبي ٧/ ٣٥٦، والذي عليه أهل السنة والجماعة وهو ظاهر الآية أن عندية الملائكة عند ربهم عندية فوقية ومن لوازمها عندية القرب والمكانة والتشريف وما ذكره الواحدي وغيره تأويلات ليس عليها دليل من كتاب الله ولا من سنة رسوله - ﷺ - ولا من صحيح اللغة.\nانظر: \"المفسرون بين التأويل والإثبات في آيات الصفات\" للمغراوي ص ٩٨.","vol":"9","page":575},{"text":"وقوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾. جاء هذا على الجواب لمن استكبر من الناس عن عبادة الله، كأنه قيل: من هو أكبر منك أيها الإنسان لا يستكبر عن عبادة الله (١).\n_________\n(١) انظر: \"تفسير الطبري\" ٩/ ١٦٨، والسمرقندي ١/ ٥٩٢، والماوردي ٢/ ٢٩١. إلى هنا انتهى الموجود في نسخة: (ب) وجاء في نسخة: (أ): (تمت المجلدة الثالثة بحمد الله وجميل صنعه، يتلوها في الرابعة -إن شاء الله تعالى- سورة الأنفال، في الثامن والعشرين من ذي الحجة لشهور سنة ست وستمائة هجرية ٦٠٦هـ.\nوالحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على خير خلقه محمد وآله وصحبه أجمعين. غفر الله لصاحبه وكاتبه ولمن قال آمين من العالمين. بقلم الفقير إلى الله عثمان بصليق الشافعي).","vol":"9","page":576},{"text":"المملكة العربية السعودية\nوزارة التعليم العالي\nجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية\nعمادة البحث العلمي\nسلسلة الرسائل الجامعية\nالتَّفْسِيرُ البَسِيْط\nلأبي الحسن على بن أحمد بن محمد الواحدي\n(ت ٤٦٨ هـ)\nمن أول سورة الأنفال إلى آية (٩٢) من سورة التوبة\nتحقيق\nد. إبراهيم بن علي الحسن\nأشرف على طباعته وإخراجه\nد. عبد العزيز بن سطام آل سعود ... أ. د. تركى بن سهو العتيبي\nالجزء العاشر","vol":"10","page":1},{"text":"المملكة العربية السعودية\nوزارة التعليم العالي\nجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية\nعمادة البحث العلمي\nسلسلة الرسائل الجامعية\nالتَّفْسِيرُ البَسِيْط\nلأبي الحسن على بن أحمد بن محمد الواحدي\n(ت ٤٦٨ هـ)\nمن أول سورة الأنفال إلى آية (٩٢) من سورة التوبة\nتحقيق\nد. إبراهيم بن علي الحسن\nأشرف على طباعته وإخراجه\nد. عبد العزيز بن سطام آل سعود ... أ. د. تركى بن سهو العتيبي\nالجزء العاشر","vol":"10","page":2},{"text":"جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ١٤٣٠هـ\nفهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية أثناء النشر\nالواحدي، على بن أحمد\nالتفسير البسيط لأبي الحسن على بن أحمد بن محمد الواحدي\n(ت ٤٦٨ هـ)./ على بن أحمد الواحدي، إبراهيم بن علي الحسن،\nالرياض١٤٣٠هـ.\n٢٥مج. (سلسلة الرسائل الجامعية)\nردمك:٤ - ٨٥٧ - ٠٤ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (مجموعة)\n٣ - ٨٦٧ - ٠٤ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (ج ١٠)\n١ - القرآن تفسير ... ٢ - الواحدي، على بن أحمد\nأ- العنوان ... ب- السلسة\nديوي ٢٢٧.٣ ... ٨٦٨/ ١٤٣٠\nرقم الإيداع: ٨٦٨/ ١٤٣٠هـ\nردمك ٤ - ٨٥٧ - ٠٤ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (مجموعة)\n٣ - ٨٦٧ - ٠٤ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (ج١٠)","vol":"10","page":3},{"text":"التَّفْسِيرُ البَسِيْط\nلأبي الحسن على بن أحمد بن محمد الواحدي\n(ت ٤٦٨ هـ)","vol":"10","page":4},{"text":"بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ","vol":"10","page":5},{"text":"التَّفْسِيرُ البَسِيْط\nلأبي الحسن على بن أحمد بن محمد الواحدي\n(ت ٤٦٨ هـ)","vol":"10","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1304>تفسير سورة الأنفال</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1305>١ </span>- ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ الآية، قال المفسرون: نزلت الآية حين اختلف أهل بدر في الغنائم، وكان الشبان في ذلك اليوم قتلوا وأسروا، والأشياخ وقفوا مع رسول الله - ﷺ - في المصاف، فقال الشبان: لنا الغنائم؛ لأنا أبلينا، وقال الأشياخ: كنا ردءًا لكم، ولو انهزمتم لانحزتم (١) إلينا فلا تذهبوا بالغنائم دوننا (٢).\nوقال عبادة بن الصامت (٣): فينا معشر أصحاب بدر نزلت حين اختلفنا في النفل، وساءت فيه أخلاقنا؛ فنزعه الله من أيدينا وجعله إلى\n_________\n(١) في (ح): (للجوتم)، ومعناهما متقارب.\n(٢) هذا معنى أثر عن ابن عباس رواه بلفظ مقارب أبو داود (٢٧٣٧)، كتاب الجهاد، باب في النفل، وسنده صحيح. ورواه أيضًا النسائي في \"تفسيره\" ١/ ٥١٥ (٢١٧)، والطبري في \"تفسيره\" ٩/ ١٧٢، والحاكم في \"مستدركه\" ٢/ ١٣٢، وصححه ووافقه الذهبي في \"التلخيص\"، وقال: على شرط البخاري، وانظر الأثر أيضًا في: \"تفسير الثعلبي\" ٦/ ٣٧ ب، وهو مخطوط في المكتبة المحمودية بالمدينة المنورة وله سورة في مكتبة جامعة الإِمام بالرياض (٣٣٢ - ٣٤٠)، و\"تفسير البغوي\" ٣/ ٣٢٣، و\"أسباب النزول\" للمؤلف ص ٢٣٤ - ٢٣٥.\n(٣) هو أبو الوليد عبادة بن الصامت بن قيس الخزرجي الأنصاري من سادات الأنصار، وكان أحد النقباء في بيعة العقبة، وشهد المشاهد كلها مع رسول الله - ﷺ -، توفي عام ٣٤ هـ وقيل غير ذلك.\nانظر: \"سير أعلام النبلاء\" ٢/ ٥، و\"الإصابة في تمييز الصحابة\" ٤/ ٢٧.","vol":"10","page":7},{"text":"رسول الله - ﷺ - فقسمه بيننا على السواء (١).\nوالنفل: الغنيمة (٢) وجمعه الأنفال، ونفلت فلانا نفلًا: أعطيته، والإمام ينفل الجند: إذا جعل لهم ما غنموا، قال الأزهري: وجُماع معنى النفل والنافلة ما كان زيادة على الأصل، وسميت الغنائم أنفالًا لأن\n_________\n(١) رواه الإمام أحمد في \"مسنده\" ٥/ ٣٢٢، وفيه: فقسمه رسول الله فينا عن براء. يقول: على السواء.\nوروى نحوه مطولًا الحاكم في \"المستدرك\" كتاب التفسير، سورة الأنفال ٢/ ٣٢٦. ورواه أيضًا بلفظ مقارب ابن جرير في \"تفسيره\" ٩/ ١٧٢ - ١٧٣.\n(٢) هذا باعتبار اللغة؛ قال عنترة كما في \"ديوانه\" ص ١٩٣:\nإنا إذا حمس الوغى نروي القنا ... ونعف عند مقاسم الأنفال\nوقال أوس بن حجر كما في \"ديوانه\" ص ١٢٤:\nنكصتم على أعقابكم يوم جئتمو ... تزجون أنفال الخميس العرمرم\nوروى البخاري في \"صحيحه\" كتاب التفسير، سورة الأنفال ٨/ ٣٠٦ عن ابن عباس قال: الأنفال: الغنائم اهـ.\nولكن ينبغي التنبيه إلى أن للشارع استعمالا آخر للنفل وهو ما يعطاه المقاتل من الغنيمة زيادة على قسطه منها لنكايته في العدو، أو شجاعته أو اشتراكه في سرية، ونحو ذلك، وقد جاء هذا في أحاديث كثيرة منها حديث ابن عمر -﵄- أن رسول الله - ﷺ - بعث سرية فيها عبد الله بن عمر قبل نجد فغنموا إبلًا كثيرًا فكانت سهامهم اثنى عشر بعيرًا أو أحد عشر بعيرًا، ونفلوا بعيرًا بعيرًا. رواه البخاري في \"صحيحه\" (٣١٣٤) كتاب الخمس، باب: ومن الدليل على أن الخمس لنوائب المسلمين، وعن معن بن يزيد أن رسول الله - ﷺ - قال: \"لا نفل إلا بعد الخمس\". رواه أحمد في \"المسند\" ٣/ ٤٧٠ وسنده صحيح كما في \"صحيح الجامع الصغير\" ٢/ ١٢٥٤ (٧٥٥٢).\nوهذا هو اصطلاح الفقهاء في النفل، انظر: \"بداية المجتهد\" لابن رشد ١/ ٣٩٥، و\"المغني\" لابن قدامة ١٣/ ٥٣، كما رجّح عدد من المفسرين أن هذا المعنى هو المراد في الآية، وسيأتي بيان ذلك عند الرد على من قال إن الآية منسوخة.","vol":"10","page":8},{"text":"المسلمين فضلوا بها على سائر الأمم الذين لم تحل لهم الغنائم، وصلاة (١) التطوع نافلة؛ لأنها زيادة أجر للمؤمن (٢) على ما كتب له من ثواب ما فرض عليه (٣).\nونذكر استقصاء النافلة عند قوله تعالى: ﴿نَافِلَةً لَكَ﴾ [الإسراء: ٧٩] إن شاء الله (٤).\nوأما معنى ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ فقوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ﴾ إخبار عمن لم يسبق ذكره إيجازًا واختصارًا؛ لأن حالة النزول كانت تدل على من سأل وتنبيء عنه، ومثله في القرآن كثير.\nوأكثر أهل العلم قالوا: معنى ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ أي: عن حكمها وعلمها سؤال استفتاء (٥) (٦).\n_________\n(١) في \"تهذيب اللغة\" وسميت صلاة التطوع ... إلخ.\n(٢) في \"تهذيب اللغة\" لأنها زيادة أجر لهم على ما كتب من ثواب ما فرض عليهم.\n(٣) \"تهذيب اللغة\" للأزهري (نفل) ٤/ ٣٦٣٦.\n(٤) قال في هذا الموضع: ﴿نَافِلَةً لَكَ﴾ معنى النافلة في اللغة: ما كان زيادة على الأصل، ذكرنا هذا في قوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ ومعناها أيضًا في هذه الآية الزيادة، قال مجاهد: النافلة للنبي - ﷺ - خالصة؛ من أجل أنه غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فما عمل من عمل سوى المكتوبة فهي نافلة له، من أجل أنه لا يعمل ذلك في كفارة الذنوب، فهي نوافل له خاصة وزيادة، والناس يعملون ما سوى المكتوبة لذنوبهم .. وذهب قوم إلى أن معنى النافلة: التطوع الذي يتبرع به الإنسان، وقالوا: إن صلاة الليل كانت واجبة عليه، ثم نسخت عنه فصارت نافلة، أي: تطوعًا وزيادة على الفرائض ..\n(٥) في (ح): (استقصاء)، وهو خطأ.\n(٦) ذكر هذا القول وجهًا في تفسير الآية أبو الليث السمرقندي في \"تفسيره\" ٣/ ٣٢٥، والثعلبي في \"الكشف والبيان\" ٦/ ٣٧ ب؛ واختاره السمين الحلبي كما في \"الفتوحات الإلهية\" ٢/ ٢٢٥، ولم أجد من ذكره عن مفسري الصحابة والتابعين، =","vol":"10","page":9},{"text":"قال الزجاج: وإنما سألوا عنها لأنها كانت حرامًا على من كان قبلهم (١).\nوقيل: (عن) معناه (من) أي: يسألونك من الأنفال أن تعطيهم، فهذا سؤال استعطاء، يدل على هذا المعنى ما روي عن الخليل أنه كان يقول: (عن) هاهنا زيادة صلة، معناه: (يسألونك الأنفال) (٢)، وكذلك هو في قراءة ابن مسعود، وهو قول الضحاك وعكرمة (٣).\n_________\n= وهو قول فيه نظر من عدة أوجه:\nأولًا: أن الجواب يحدد السؤال، فقوله تعالى: ﴿قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ دليل على أنهم سألوا لمن الأنفال؟، ومن المستحق لها؟ أو أنهم سألوا أن يعطوا منها.\nثانيًا: أن أسباب النزول تعين على فهم المراد، وما ورد في أسباب النزول الآية يدور حول ثلاثة أمور:\nأ- أن بعض الصحابة سألوا شيئًا من الغنيمة، وهذا ما رجحه ابن جرير في \"تفسيره\" ٩/ ١٦٨.\nب- أن بعض الصحابة أراد أن يستأثر بما حازه من غنيمة فنزلت الآية تأنيبًا لهم، وهذا معنى سبب النزول الذي ذكره المؤلف في مطلع السورة، وانظر: \"الدر المنثور\" ٣/ ٢٩١ - ٢٩٥.\nثالثًا: أن رسول الله - ﷺ - وعد قومًا شيئًا من الغنيمة فاختلف أصحابه -﵃- في ذلك بعد انقضاء الحرب، فنزلت الآية لنزع الغنيمة من أيديهم وتسليمها لرسول الله - ﷺ - يصنع فيها ما يشاء، فقسمها رسول الله - ﷺ - بينهم بالعدل.\nانظر: \"تفسير ابن جرير\" ٩/ ١٧١، وابن أبي حاتم ٥/ ١٦٤٩ - ١٦٥٣.\nوبهذا يتبين أن ما ورد من أسباب نزول للآية لا يدل على أن السائل سأل عن حكم الأنفال -كما يقول المؤلف- وإنما سأل عن الأنفال، أو سأل أن يعطى منها.\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" لأبي إسحاق الزجاج ٢/ ٣٩٩.\n(٢) انظر: \"البحر المحيط\" ٥/ ٢٦٩، و\"الدر المصون\" ٥/ ٥٥٥، دون تعيين القائل.\n(٣) رواه عنهما ابن جرير في \"تفسيره\" ٩/ ١٧٥.","vol":"10","page":10},{"text":"وقال صاحب النظم (١): قوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ ليس في هذا بيان أنهم [عن أَيشِ (٢)] (٣) سألوا من حكم الأنفال، فلما قال: ﴿قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ دل ذلك على أن السؤال وقع عن الأنفال لمن هي (٤).\nوقوله تعالى: ﴿قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ أي: أنها لله لا شك في ذلك، وللرسول يضعها حيث يشاء من غير مشاركة فيها، ولا مشاجرة فيما يراه منها (٥)، قال سعد بن أبي وقاص: لما كان يوم بدر جئت بسيف (٦)، قلت: يا رسول الله، هب هذا لي، فقال: \"هذا ليس لي ولا لك لكن اذهب فاطرحه\n_________\n(١) هو: أبو علي الجرجاني، وقد سبق التعريف به وبكتابه.\n(٢) بفتح الهمزة وسكون الياء وكسر الشين المعجمة، ومعناها: أي شيء، قال الفيومي في \"المصباح المنير\" ١/ ٣١١: وقالوا: أي شيء، ثم خففت الياء، وحذفت الهمزة تخفيفًا، وجعلا كلمة واحدة فقيل: أيش، قاله الفارابي اهـ. وفي \"المعجم الوسيط\" ١/ ٣٤: أيش: منحوت من (أي شيء) بمعناه، وقد تكلمت به العرب اهـ. وقال العلامة السهانفوري في \"بذل المجهود\" ١/ ٣٢٤: أيش هذا: مخفف أي شيء، قال في \"مرقاة الصعود\": حكى أبو علي الفارسي في تذكرته: حكى أبو الحسن والفراء أنهم يقولون: أيش لك، والقول فيه عندنا إنه أي شيء لك؟ حذف همزهُ فألقى حركته على الياء فتحرك بالكسر فكره به فسكن فلحقه تنوين فحذف لالتقاء الساكنين، قال: فإن قلت: بقي الاسم على حرف واحد، قيل: حسنه الإضافة اللازمة، فصار لزوم الإضافة مشبهًا له بما في نفس الكلمة، حتى حذف منها كما قيل: فيم، وبم، كذلك أيش اهـ. وقال محمود خطاب في \"المنهل المورود\" ١/ ٦٥: أيش هذا: بفتح الهمزة وسكون المثناة التحتية، وكسر الشين المعجمة، أصلها: أي شيء هذا، فخففت الياء وحذفت الهمزة تخفيفًا لكثرة الاستعمال وجعلا كلمة واحدة، وهو استفهام إنكاري.\n(٣) ما بين المعقوفين ساقط من (ح).\n(٤) سبق التنبيه إلى أن كتاب \"نظم القرآن\" للجرجاني مفقود.\n(٥) هكذا في جميع النسخ.\n(٦) ساقط من (م).","vol":"10","page":11},{"text":"في القبض\" (١)، فلما نزل قوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ قال رسول الله - ﷺ -: \"يا سعد، إنك سألتني السيف وليس لي، وإن قد صار لي فاذهب فخذه\" (٢).\nوقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ أي: بطاعته واجتناب معاصيه، ﴿وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾. قال المفسرون (٣): أمروا بالطاعة والجماعة وترك المفارقة والمخالفة، ومعنى (ذات بينكم). قال أحمد بن يحيى (٤): أي: الحالة التي بينكم (٥)؛ فالتأنيث عنده للحالة، وهو قول الكوفيين (٦).\nوقال الزجاج: معنى ذات بينكم: حقيقة وصلكم، والبين: الوصل (٧)، فذات عنده بمعنى النفس كما يقال: ذات الشيء ونفسه،\n_________\n(١) القبض بفتح الباء بمعنى: المقبوض، وهو ما جمع من الغنيمة قبل أن تقسم. انظر: \"النهاية في غريب الحديث\" ٤/ ٦.\n(٢) روى الحديث بألفاظ مقاربة الإمام أحمد في \"مسنده\" ١/ ١٧٨، وأبو داود (٢٧٤٠) كتاب الجهاد، باب: في النفل، والترمذي (٣٢٧٤) أبواب تفسير القرآن، سورة الأنفال، وقال: حسن صحيح، والحاكم في \"المستدرك\" كتاب قسم الفيء ٢/ ١٣٢، وقال: صحيح الإسناد، ووافقه عليه الذهبي.\nوأصل الحديث في \"صحيح مسلم\" (١٧٤٨) كتاب \"فضائل الصحابة\" باب: في فضل سعد بن أبي وقاص.\n(٣) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٢/ ٤٠٠، و\"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٤، والبغوي ٣/ ٣٢٦.\n(٤) هو: أحمد بن يحيى الشيباني، أبو العباس، الملقب بـ (ثعلب).\n(٥) انظر: كلام أبي العباس ثعلب في \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٢٩٩ (ذات)، وفي \"لسان العرب\" ٣/ ١٤٧٦ (ذات).\n(٦) ذهب الكوفيون إلى أن الاسم في (ذا) الذال وحدها وما عداها تكثير لها، وذهب البصريون إلى أن الذال ليست هي الاسم فيها بل هي بكمالها الاسم.\nانظر \"الإنصاف في مسائل الخلاف\" ص ٥٣٥، و\"تفسير ابن جرير\" ٩/ ١٧٧.\n(٧) \"معاني القرآن وإعرابه\"، له ٢/ ٤٠٠.","vol":"10","page":12},{"text":"وذكرنا معنى (ذات) مستقصى عند قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ * إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ﴾ [آل عمران: ١١٩ - ١٢٠].\nوقال صاحب النظم: (ذات) كناية عن الخصومة والمنازعة هاهنا، وهي الواقعة بينهم.\nوقوله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ قال ابن زيد: أسلموا لله ولرسوله [في الأنفال (١)] فإنهما يحكمان فيها ما أرادا ويضعانها حيث أرادا (٢).\nوقال أبو إسحاق (٣): أي: اقبلوا ما أمرتم به في الغنائم وغيرها (٤).\nهذا الذي ذكرنا معنى الآية وتفسيرها، فأما حكمها فقال مجاهد وعكرمة والسدي (٥): هي منسوخة (٦)، نسخها قوله: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ٤١]، فكانت الغنائم يومئذ للنبي - ﷺ - خاصة، فنسخها الله بالخمس، وهذا قول ابن عباس في رواية الوالبي عنه.\n_________\n(١) ساقط من (م).\n(٢) أخرجه ابن جرير في \"تفسيره\" ٩/ ١٧٨ باختلاف يسير.\n(٣) إذا أطلق المؤلف هذه الكنية فمراده الزجاج.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" للزجاج ٢/ ٤٠٠.\n(٥) هو: إسماعيل بن عبد الرحمن بن أبي كريمة السدي الكبير الكوفي المفسر، اختلف علماء \"الجرح والعديل\" في توثيقه، فقال ابن أبي حاتم: لا يحتج به، وقال الذهبي: حسن الحديث، وقال ابن حجر: صدوق يهم، وقد أخرج له الجماعة إلا البخاري، توفي سنة ١٢٧ هـ.\nانظر. \"الكاشف\" أ ١/ ٧٥، و\"تقريب التهذيب\" ص ٥٢٠ (٦٤٨١)، و\"طقبات المفسرين\" للداودي ١/ ١١٠.\n(٦) أخرج آثارهم ابن جرير في \"تفسيره\" ٩/ ١٧٥.","vol":"10","page":13},{"text":"وقال ابن زيد: الآية ليست بمنسوخة؛ لأن الأنفال لله -لا شك مع الدنيا بما فيها والآخرة-، وللرسول يضعها في مواضعها التي أمره الله ﷿ بوضعها فيها (١). والقول هو الأول؛ لأن قوله: ﴿قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ تمليك له إياها وذلك التمليك نسخ بالخمس (٢)، وابن زيد ذهب إلى أن معنى قوله لله والرسول أن الحكم فيها له، وهذا لم ينسخ.\n_________\n(١) رواه ابن جرير في \"تفسيره\" ٩/ ١٧٦.\n(٢) هذا القول فيه نظر، والراجح أن الآية محكمة غير منسوخة، وبيان ذلك من وجوه: أولًا: لا يصح القول بنسخ الآية اعتمادًا على قول السلف بأن هذه الآية منسوخة حتى نتحقق من وجود التعارض، وعدم إمكانية الجمع، ومعرفة التاريخ؛ لأن عادة السلف التوسع في إطلاق لفظ النسخ، فيطلقونه على بيان المجمل، وتخصيص العام، وتقييد المطلق، ونحو ذلك، كما يطلقونه على المعنى المعروف عند الأصوليين وهو رفع الحكم الكلي للآية.\nانظر: \"الموافقات في أصول الأحكام\" للشاطبي ٣/ ٧٣.\nثانيًا: أن الراجح من أقوال المفسرين أن المراد بالأنفال في الآية: ما يعطى المقاتل زيادة على نصيبه من الغنيمة لسبب من الأسباب، وقد رجح ذلك ابن جرير ٩/ ١٧٥ - ١٧٦، وابن كثير ٢/ ٣١٣ - ٣١٦، والكيا الهراسي في \"أحكام القرآن\" ٣/ ١٤٩.\nويشهد لهذا الترجيح \"أسباب النزول\" فهي وإن كانت متعددة لكنها تعود في الجملة إلى قضية واحدة وهي تنفيل بعض المقاتلين شيئًا من الغنيمة، ومن أصرح ذلك ما رواه أبو أمامة عن عبادة بن الصامت -﵁- قال: سألته عن الأنفال، قال: فينا يوم بدر نزلت، كان الناس على ثلاث منازل: ثلث يقاتل العدو، وثلث يجمع المتاع ويأخذ الأسارى، وثلث عند الخيمة يحرس رسول الله - ﷺ -، فلما جمع المتاع اختلفوا فيه، فقال الذين جمعوه وأخذوه قد نفل رسول الله - ﷺ - كل امرئ ما أصاب فهو لنا دونكم. الحديث رواه الحاكم في \"المستدرك\" كتاب التفسير، تفسير سورة الأنفال ٢/ ٣٢٦، وقال: صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبي.\nوعن ابن عباس قال: قال رسول الله - ﷺ - يوم بدر: \"من فعل كذا وكذا فله من النفل كذا وكذا\" قال: فتقدم الفتيان، ولزم المشيخة الرايات فلم يبرحوها، فلما فتح الله =","vol":"10","page":14},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= عليهم قال المشيخة: كنا ردءًا لكم، لو انهزمتم لفئتم إلينا، فلا تذهبوا بالمغنم ونبقى، فأبى الفتيان وقالوا: جعله رسول الله - ﷺ - لنا فأنزل الله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ﴾ الحديث. رواه أبو داود في \"سننه\" كتاب الجهاد، باب: النفل ٣/ ٧٧، وسنده صحيح، ورواه الحاكم في \"المستدرك\" كتاب قسم الفيء ٢/ ١٣١، وصححه ووافقه عليه الذهبي وقال: هو على شرط البخاري.\nوقد ثبت في \"صحيح البخاري\" ٦/ ٢٤٦ كتاب الخمس، باب: من لم يخمس الأسلاب، ومن قتل قتيلًا فله سلبه أن النبي - ﷺ - نفل -يوم بدر- القاتل سلب قتيله. فإن قيل: قد ثبت عن ابن عباس أنه فسر الأنفال بالغنائم، كما في \"صحيح البخاري\" ٨/ ٣٠٦ كتاب: التفسير، باب: قوله ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ ...﴾.\nفالجواب: أن تفسيره هذا معارض بما ثبت عنه أيضًا أنه فسرها بالتنفيل فقد روى الإمام مالك عن القاسم بن محمد أنه قال: سمعت رجلًا يسأل عبد الله بن عباس عن الأنفال: فقال ابن عباس: الفرس من النفل، والسلب من النفل، قال: ثم عاد الرجل لمسألته، فقال ابن عباس ذلك أيضًا.\nانظر: \"الموطأ\" كتاب الجهاد، ما جاء في السلب في النفل ص ٣٠١.\nوقد روى الأثر نفسه الإِمام عبد الرزاق الصنعاني في \"تفسيره\" ١/ ٢/٢٤٩ عن معمر عن الزهري عن القاسم بن محمد، ورجال سنده كلهم أئمة.\nوبما سبق يتبين لنا القول الراجح في المراد بالأنفال، وأنها الزيادة فيما يعطى المقاتل على نصيبه من الغنيمة، وعلى ضوء ذلك تكون الآيتان المدعى فيهما ناسخ ومنسوخ تبينان موضوعين مختلفين فكيف يكون بينهما تعارض؟\nثالثا: القول بأن غنيمة بدر كانت خالصة لرسول الله، وقد قسمها بين المسلمين ولم يخمسها؛ لأن آية الخمس متأخرة في النزول عن آية الأنفال.\nانظر: \"كتاب الأموال\" لأبي عبيد ص ٤٢٦، قول فيه نظر من وجهين:\nأ- أن تخميس غيمة بدر ثابت في حديث علي - ﵁ - حيث قال: كانت لي شارف من نصيبي من المغنم يوم بدر، وكان النبي - ﷺ - أعطاني شارفًا من الخمس. رواه البخاري (٣٠٩١) كتاب الخمس، باب فرض الخمس ٤/ ١٧٦. والشارف: المسنة من النوق.\nوروى الدارقطني في \"سننه\" كتاب السير ٤/ ١١٠ (٢٦) عن الزبير بن العوام - ﵁ - =","vol":"10","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1306>٢ </span>- قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ الآية.\nيقال: وجل يوجل وجلًا فهو وجل وأوجل: إذا فرق وخاف، وقال معن بن أوس (١):\nلعمرك ما أدري وإني لأوجل ... على أينا تغدو المنية أول (٢)\n_________\n= قال: أعطاني رسول الله - ﷺ - يوم بدر أربعة أسهم، سهمين لفرسي، وسهمًا لي، وسهمًا لأمي من ذوي القربى. ومعلوم أن نصيب ذوي القربى إنما هو من الخمس. فإن قيل: عدم تخميس غنيمة بدر ثابت عن ابن عباس -كما ذكر الواحدي- وعن عبادة بن الصامت كما روى ذلك الحاكم بسند صحيح \"المستدرك\" ٣/ ٣٢٦. فالجواب: أن المثبت مقدم على النافي؛ لأن عند المثبت زيادة علم.\nرابعًا: أنه على القول بأن المراد بالأنفال: الغنائم، فإنه لا تعارض بين الآيتين، ووجه ذلك أن اللام في قوله تعالى: ﴿وَالرَّسُولِ﴾ إما أن تكون للتمليك، أو للاختصاص وبيان حق التصرف والقسمة والحكم، فإن كانت للتميك فالآية الثانية: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ مخصصة لعموم الأولى، وليست ناسخة لها؛ لأنها لم ترفع جميع حكمها وإنما أبقت بعض الغنيمة لله والرسول.\nأما إن كانت اللام للاختصاص وبيان حق التصرف والحكم والقسمة فإن الثانية مبينة لإجمال الأولى، فالأولى حكمت بأن حق التصرف والقسمة مختص بالله ورسوله، والثانية بينت حكم الله وقسمته للغنيمة. وبهذا يتبين عدم صحة دعوى النسخ بأي وجه من الوجوه. والله أعلم.\n(١) هو: معن بن أوس بن نصر المزني، شاعر فحل، أدرك الجاهلية والإسلام، توفي سنة ٦٤هـ. انظر: \"الإصابة\" ٣/ ٤٩٩، و\"خزانة الأدب\" ٧/ ٢٦٠، و\"الأعلام\" ٧/ ٢٧٣.\n(٢) البيت في \"ديوانه\" ص ٢٨، وهو مطلع لاميته المشهورة باسم لامية العجم، والتي يستعطف بها صديقه، وكان معن طلق أخته وتزوج بأخرى، فآلى أخوها أن لا يكلمه. والشاعر يريد في البيت: أنه يؤثر أن يكون هو السابق في الوفاة، وهو وجل أن يبقى بعد وفاة صاحبه فيتألم لفراقه، ويذوق مرارة ذلك.\nانظر: \"شرح ديوان الحماسة\" للتبريزي ٣/ ٤١٣٢ و\"خزانة الآدب\" ٨/ ٢٩١.","vol":"10","page":16},{"text":"قال المفسرون وأهل المعاني (١): هذه الآية تتضمن وصف المؤمنين بوجل القلوب عند ذكر الله (٢).\nقال الزجاج: تأويله: إذا ذكرت عظمة الله جل وعز وقدرته وما خوف به من عصاه وجلت قلوبهم أي: فزعت (٣).\nيقول: إنما المؤمن الذي إذا خوف بالله فرق قلبه وانقاد لأمره خوفًا من عقابه، ومفهومه: ليس المؤمن الذي يخالف الله ورسوله ويترك اتباع ما أنزل في كتابه، والإشارة فيه إلى إلزام أصحاب بدر طاعة الرسول فيما يرى من قسمة الغنيمة.\nقال ابن عباس: ﴿وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾: خافت قلوبهم وخشعت لذكر الله (٤). وقال مجاهد: فرقت قلوبهم (٥).\n_________\n(١) المراد بأهل المعاني: اللغويون الذين تكلموا عن معاني القرآن من جهة اللغة والنحو كالفراء وأبي عبيدة والأخفش والزجاج والنحاس وأبي عبيد وابن قتيبة وابن الأنباري والأزهري، قال الزركشي في \"البرهان\" ١/ ١٩٢: قال ابن الصلاح: وحيث رأيت في كتب التفسير: قال أهل المعاني، فالمراد به مصنفو الكتب في معاني القرآن كالزجاج ومن قبله، وفي بعض كلام الواحدي: أكثر أهل المعاني، الفراء والزجاج وابن الأنباري قالوا كذا.\nوانظر نحو هذا القول في: \"الإتقان\" للسيوطي ١/ ١٤٩.\n(٢) انظر: \"تفسير ابن جرير\" ٩/ ١٧٩، والسمرقندي ٢/ ٤، ولم أجده عند أهل المعاني.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" للزجاج ٢/ ٤٠٠.\n(٤) \"تنوير المقباس\" ص ١٧٧ مختصرًا، وقد روى ابن أبي حاتم عنه مثل قول مجاهد. انظر: \"تفسير ابن أبي حاتم\" ٥/ ١٦٥٥، و\"الدر المنثور\" ٣/ ٢٩٧.\n(٥) رواه ابن جرير ١٣/ ٣٨٦، وابن أبي حاتم ٥/ ١٦٥٥، وهو في \"تفسير مجاهد\" ص ٣٥١.","vol":"10","page":17},{"text":"فإن قيل: قوله: ﴿وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ وقوله في آية أخرى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ﴾ الرعد: ٢٨. كيف يجمع بينهما والآيتان متدافعتان؛ لأن الوجل خلاف الطمأنينة؟ قيل: هذا جهل وذهاب عما عليه الآيتان لأن الاطمئنان إنما يكون من (١) ثلج اليقين (٢)، وشرح الصدور، ولمعرفة التوحيد والعلم به، وما يتبع ذلك من الدرجة الرفيعة والثواب الجزيل الموعود به، والوجل إنما يكون من خوف العقوبة أو عند خوف الزيغ عن الهدى وما يستحق به الوعيد، فتوجل القلوب لذلك فكل واحدة من الحالتين غير صاحبتها فليس هنا إذًا تضاد ولا تدافع وهذان المعنيان المفترقان في هاتين الآيتين اجتمعا في آية واحدة وهو قوله: ﴿تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٢٣]؛ لأن هؤلاء قد سكنت نفوسهم إلى معتقدهم ووثقوا فانتفى عنهم الشك والارتياب فهو معنى قوله: ﴿تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ وهذا كله كلام أبي علي الفارسي (٣).\nوقوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾. قال ابن عباس: يريد تصديقًا ويقينًا (٤)، وزيادة الإيمان الذي هو التصديق (٥) يكون على وجهين:\n_________\n(١) في (س): (عن).\n(٢) في (ح): (النفس)، وهما بمعنى. يقال: ثَلَجَ قلبه وثَلِجَ: تيقن. انظر: \"اللسان\" (ثلج) ١/ ٥٠٠.\n(٣) انظر: \"الحجة للقراء السبعة\" ١/ ٢٢٢.\n(٤) رواه بنحوه ابن جرير ٩/ ١٧٩، وابن أبي حاتم ٥/ ١٦٥٦ أمن رواية علي بن أبي طلحة.\n(٥) التصديق بعض الإيمان، فإن كان المؤلف يريد أن يبين كيفية زيادة هذا البعض فكلامه مقبول، وإن كان يريد أن يفسر الإيمان بالتصديق فقط فكلامه محل نظر إذ إن الثابت عند أهل السنة والجماعة أن الإيمان: تصديق الجنان، وقول اللسان، =","vol":"10","page":18},{"text":"أحدهما: وهو الذي عليه عامة أهل العلم أن ذلك يكون بانشراح الصدور ووضوح الدليل، فكل من زاده الله شرح الصدر واتضاح الدلائل زاده معرفة ويقينًا، وما من آية ظهرت له إلا زاد تصديقه لقوة المعرفة التي تقوي بها البصيرة؛ لأنه يكون من الشك أبعد، واليقين مهما كان احتمال الشك عنه أبعد كان أقوى، وإلى هذا أشار النبي - ﷺ - في قوله: \"لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان أهل الأرض لرجح\" (١).\n_________\n= وعمل الأركان. وزيادة الإيمان تكون بزيادة أحد هذه الثلاثة، فزيادة التصديق تكون بما ذكره المؤلف ﵀ وزيادة الإيمان بالقول والعمل تكون بزيادة ما يحبه الله ويرضاه من القول والعمل والإحسان فيه.\n\nقال الإمام البخاري ﵀ كتبت عن ألف نفر من العلماء وزيادة، ولم أكتب إلا عمن قال: الإيمان قول وعمل. \"شرح أصول اعتقاد أهل السنة\" للإمام اللالكائي ٥/ ٨٨٩. وقال أبو عمر بن عبد البر المالكي: أجمع أهل الفقه والحديث على أن الإيمان قول وعمل، ولا عمل إلا بنية، والإيمان عندهم يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، والطاعات كلها عندهم إيمانا، إلا ما ذكر عن أبي حنيفة وأصحابه فإنهم ذهبوا إلى أن الطاعة لا تسمى إيمانًا، قالوا إنما الإيمان: التصديق والإقرار، إلى أن قال: وأما سائر الفقهاء من أهل الرأي والآثار بالحجاز والعراق والشام ومصر فقالوا: الإيمان قول وعمل، قول باللسان وهو الإقرار، واعتقاد بالقلب، وعمل بالجوارح من الإخلاص. \"التمهيد\" ٩/ ٢٣٨ - ٢<span data-type=\"title\" id=toc-1307>٤</span>٣.\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية: المأثور عن الصحابة، وأئمة التابعين، وجمهور السلف، وهو مذهب أهل الحديث، وهو المنسوب إلى أهل السنة: أن الإيمان قول وعمل. \"مجموع فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيمية\" ٧/ ٥٠٥.\nوقد ذهب بعض العلماء إلى أن الخلاف بين أبي حنيفة وسائر الأئمة فيما يقع عليه اسم الإيمان اختلاف صوري.\nانظر: \"شرح العقيدة الطحاوية\" لابن أبي العز الدمشقي ٢/ ٤٦٢.\n(١) الصحيح أنه من كلام عمر -﵁-، ولا يصح رفعه. انظر: \"الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة\" للشوكانى ص ٢٣٥.","vol":"10","page":19},{"text":"يريد أن معرفته بالله أقوى وإلا فكان غيره من الصحابة يصدق الرسول كما يصدق هو.\nالوجه الثاني في زيادة التصديق: أنهم يصدقون بكل ما يتلى عليهم من عند الله، يصدقون بالأول والثاني والثالث، وكل ما يأتي من عند الله؛ فيزيد تصديقهم؛ لأن من صدق إنسانًا في شيئين كان تصديقه له أكثر من تصديق من صدقه في شيء واحد، وهذا معنى قول أبي إسحاق (١)، يدل على صحة هذا قول مقاتل: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾: تصديقًا مع تصديقهم (٢) بما أنزل عليهم من قبل ذلك من القرآن (٣).\nفعلى هذا ما من آية استأنفوا بها تصديقًا إلا ازدادوا إيمانا.\nوقوله تعالى: ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾. قال ابن عباس: يريد بالله يثقون، لا يرجون غيره (٤).\n\n٤ - قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ الإشارة في قوله (أولئك) إلى من وصف بالأوصاف التي تقدمت.\nقال ابن عباس: يقول: (برئوا من الكفر) (٥)، وقال الكلبي: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ﴾ صدقًا منهم لأنه لم يكن يوم بدر مع رسول الله - ﷺ - إلا الصادق في إيمانه (٦).\n_________\n(١) يعني الزجاج. انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٠١.\n(٢) في \"تفسير مقاتل\": تصديقًا مع إيمانهم مع تصديقهم ... إلخ.\n(٣) انظر: \"تفسير مقاتل بن سليمان\" ١١٨ أ.\n(٤) رواه مختصرًا ابن جرير ٩/ ١٧٩، وابن أبي حاتم ٥/ ١٦٥٦ أ.\n(٥) رواه ابن جرير ٩/ ١٨٠، وابن أبي حاتم ٥/ ١٦٥٧ ب.\n(٦) في \"تنوير المقباس\" ص١٧٧ عن الكلبي عن ابن عباس: صدقًا يقينًا.","vol":"10","page":20},{"text":"وقال مقاتل: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ﴾ لا شك في إيمانهم كشك المنافقين (١)، وقال أهل المعاني: أولئك الذين أخلصوا الإيمان لا كمن كان له اسمه على ظاهر الحال وهم عن ذلك بمعزل لما يشوبه من الفساد (٢).\nفأما وجه انتصاب قوله (حقًّا) فمذهب الفراء فيه أنه انتصب على معنى أخبركم بذلك حقًا (٣)، أي: إخبارًا حقًا، وهذا كما ذكرنا في قوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾ [النساء: ١٥١]، فعنده أن هذا نصب من نية الخبر، ومذهب سيبويه وأصحابه أنه مصدر مؤكد لفعل محذوف دل عليه الكلام (٤)، قال المبرد: (حقوا حقًّا) (٥)، ومعنى حقوا حقًا أي: أتوا ما وصفوا به وفعلوه حقًّا صدقًا، من قول العرب: حققته حذره وأحققته أي: فعلت ما كان يحذر (٦)، وقال الزجاج: (حقًا) منصوب بمعنى دلت (٧) عليه الجملة وهي قوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ أي: أحق ذلك حقًّا (٨).\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ١١٨ أ.\n(٢) ذكر معنى ذلك ابن جرير في \"تفسيره\" ٩/ ١٨٠ ولم أجد من ذكره من أصحاب المعاني كأبي عبيدة والفراء والأخفش والزجاج والنحاس والأزهري.\n(٣) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ١٥٤.\n(٤) انظر: \"كتاب سيبويه\" ١/ ٣٨٣.\n(٥) قال المبرد في \"المقتضب\" ٣/ ٢٦٦: هذا باب ما وقع من المصادر توكيدًا، وذلك قولك: هذا زيد حقًّا؛ لأنك لما قلت: هذا زيد، فخبرت، إنما خبرت بما هو عندك حق، فاستغنيت عن قولك: أحق ذلك، وكذلك: هذا زيد الحق لا الباطل؛ لأن ما قبله صار بدلًا من الفعل.\n(٦) انظر: \"مجمل اللغة\" لابن فارس (حقق) ١/ ٢١٦.\n(٧) في (ح) و(س): (دل)، وما أثبته من (م) وهو موافق للمصدر التالي.\n(٨) انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٠١ وقد تصرف الواحدي في عبارة الزجاج.","vol":"10","page":21},{"text":"ومعنى هذا كأنه قال: أخبركم بذلك أحقه حقًا، ومعنى هذا راجع إلى معنى قول الفراء، فعلى قول الزجاج والفراء يعود هذا التأكيد المذكور بقوله (حقًا) إلى إخبار الله تعالى، وعلى قول المبرد يعود إلى تأكيد إيمانهم وتحقيقه، وعلى هذا فكل من استجمع شرائط الإيمان واعتقادها فهو مؤمن في الحال على الحقيقة من غير استثناء (١)، وإنما الاستثناء للحالة المقابلة؛ لأن العبد على غير أمن من العاقبة فيرجو الموافاة على الإيمان إن شاء الله [والناس مختلفون في هذا فأهل الحديث ذهبوا إلى أن المؤمن يقول: أنا\n_________\n(١) يعني يقول: أنا مؤمن إن شاء الله، ومسألة الاستثناء في الإيمان من المسائل الكلامية التي أشغلت الفكر الإسلامي دون طائل، وقد انقسمت الأمة في هذه المسألة على ثلاث أقوال:\nأ- قيل إن ذلك محرم، وهو مذهب المرجئة والجهمية الذين يرون أن الإيمان شيء واحد لا تفاضل فيه، فالاستثناء في الإيمان شك فيه -كما يرون-.\nب- أن ذلك واجب؛ لأن في تركه تزكية للنفس، وشهادة لصاحبها بأنه من الأبرار المتقين. وهذا قول بعض من ينتسب للحنابلة.\nج- أنه محرم إذا كان للشك، جائز فيما عدا ذلك، وهذا مذهب أهل السنة والجماعة، وقد جوزوا الاستثناء في الإيمان لاعتبارات ثلاث:\n١ - أن الإيمان المطلق يتضمن فعل ما أمر الله به عبده كله، وترك ما نهاه عنه كله، والمؤمن لا يستطيع أن يجزم بذلك.\n٢ - أن الإيمان هو ما مات الإنسان عليه، فلا عبرة بالإيمان قبل الموافاة عليه، فالمستثني لا يشك في إيمانه وإنما أراد عدم علمه بالعاقبة.\n٣ - تعليق الأمر بمشيئة الله تعالى، والإخبار أن إيمانه وعدمه مرهون بمشيئة الله كما قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [الأعراف: ٤٣]، وقوله: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [التكوير: ٢٩].\nانظر: \"مجموع فتاوى شيخ الإسلام\" ٧/ ٤٢٩ - ٤٦٠، و\"شرح العقيدة الطحاوية\" ٢/ ٤٩٤ - ٤٩٨.","vol":"10","page":22},{"text":"مؤمن إن شاء الله] (١) لا على الشك فيما يجب عليه الإيمان به، ولكن على معنى: أن المؤمن الحقيقي من يكون من أهل الجنة، قالوا: وجميع عمر العبد كطاعة واحدة يتوقف بعضها على بعض في الصحة، فإذا شرع في صلاة أو صوم فما لم يفرغ منها ولم يخرج منها على الصحة لا يقال: إنه مصل على الحقيقة وصائم على الحقيقة، وكذلك ما لم تحصل موافاته على السلامة والإيمان لا يعلم أنه مؤمن على الحقيقة (٢)، فأما في علم الله فيجوز أن يكون مؤمنًا على الحقيقة ولكنا لا ندري ذلك.\nوقال قوم من أصحابنا (٣) وهو مذهب الإمام أبي إسحاق الإسفراييني ﵀: إنه يكون في الحال مؤمنًا على الحقيقة وإن جاز أن يتغير في العاقبة (٤)، وليس سلامة العاقبة من شرط استحقاق الاسم على الحقيقة، وتغير (٥) الأحكام في المستقبل لا يمنع ثبوتها في الحقيقة في الحال كالحركة إذا وجدت بالمحل أوجبت له حكم المتحرك، وجواز (٦) وجود السكون لا يمنع من استحقاق حكم المتحرك وكذلك في جميع الأسماء المشتقة من معان، قالوا: والأصل في هذا أن الأسامي مبقاة على استعمال\n_________\n(١) ما بين المعقوفين ساقط من (ح).\n(٢) ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أن هذا التعليل يذكره بعض المتأخرين من أصحاب الحديث، ولكنه ليس قول السلف، وإنما المأثور عن السلف بأن الاستثناء إنما هو لأن الإيمان يتضمن فعل الواجبات كلها فلا يشهدون لأنفسهم بذلك لما فيه من تزكية النفس بلا علم. انظر: \"مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية\" ٧/ ٤٣٩.\n(٣) يعني الأشاعرة، ومنهم أبو المعالي الجويني في كتاب \"الإرشاد\" ص ٣٣٦.\n(٤) في (ح) و(س): (الباني)، من غير نقط.\n(٥) في (ح): (لغير)، وهو خطأ.\n(٦) في (ح): (وهو جواز)، وهذا خطأ من الناسخ.","vol":"10","page":23},{"text":"أهل اللغة، وأهل اللغة لم يطلقوا هذا الاسم بشرط موافاة العاقبة، فللرجل أن يقول: أنا مؤمن حقًا، وأنا مؤمن على الحقيقة، أموت على الإيمان إن شاء الله، وهذا مذهب مخالفينا في هذه المسألة (١).\nوقوله تعالى: ﴿لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ قال عطاء: يعني درجات الجنة يرتقونها بأعمالهم (٢)، ونحو هذا قال أهل المعاني: لهم مراتب بعضها أعلى من بعض على قدر أعمالهم (٣).\nوقوله تعالى: ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ قال أهل اللغة: الكرم اسم جامع لكل ما يحمد ويستحسن (٤)، والكريم: المحمود فيما يحتاج إليه فيه، فالله تعالى يوصف بأنه كريم (٥)، وقال تعالى: ﴿مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ [الشعراء: ٧]، ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٧]، ﴿إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ (٢٩)﴾ [النمل: ٢٩]، ﴿وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ [النساء: ٣١]، ﴿وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾ [الإسراء: ٢٣]، ونذكر شرح كل واحد في موضعه، فالرزق الكريم: هو الشريف الفاضل الحسن الممدوح.\nقال هشام بن عروة: يعني ما أعد الله لهم في الجنة من لذيذ المآكل والمشارب (٦) وهنيء العيش (٧).\n_________\n(١) يعني المعتزلة والكرامية، انظر: \"مجموع فتاوى شيخ الإسلام\" ٧/ ٤٤١.\n(٢) ذكره أبو إسحاق الثعلبي في \"تفسيره\" ٦/ ٣٩ أ.\n(٣) انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" للزجاج ٢/ ٤٠١، وروى نحوه ابن جرير ٩/ ١٨١ عن عبد الله بن محيريز الجمحي.\n(٤) \"تهذيب اللغة\" (كرم) ٤/ ٣١٣٢، و\"لسان العرب\" (كرم) ٧/ ٣٨٦١.\n(٥) كما في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ [الانفطار: ٦].\n(٦) في (م): (المأكل والمشرب).\n(٧) رواه الثعلبي في \"تفسيره\" ٦/ ٣٩ أ، واعتمده ابن جرير تفسيرًا للجملة من الآية =","vol":"10","page":24},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1308>٥ </span>- وقوله تعالى: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ﴾ الآية، اختلفوا في متعلق الكاف في قوله (كما) قال المفسرون: لما رأى النبي - ﷺ - كثرة المشركين يوم بدر وقلة المسلمين قال: من قتل قتيلًا فله كذا وكذا، ومن أسر أسيرًا فله كذا وكذا، ليرغبهم في القتال، فلما أظفر الله بالمشركين وأمكن منهم قال سعد بن عبادة للنبي - ﷺ -: يا رسول الله إن جماعة من أصحابك وقوك (١) بأنفسهم ولم يتأخروا عن القتال جبنًا ولا بخلًا ببذل مهجهم (٢)، ولكنهم أشفقوا عليك من أن تغتال، فمتى أعطيت هؤلاء مما سميته لهم بقي خلق من المسلمين بغير شيء فأنزل الله تعالى ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ يصنع فيها ما يشاء فأمسك المسلمون (٣) وفي أنفس بعضهم شيء من الكراهة لما سمعوا، فأنزل الله ﷿: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ﴾ أي امض لأمر الله في الغنائم كما مضيت لأمره (٤) في الخروج وهم له (٥) كارهون (٦)، وهذا قول الفراء (٧) وأبي إسحاق (٨).\n_________\n= دون أن ينسبه إلى أحد. انظر: \"تفسير ابن جرير\" ٩/ ١٨١.\n(١) في (ح): (وقومك)، وهو خطأ.\n(٢) في (م): (أنفسهم ومهجهم).\n(٣) في \"مفاتح الغيب\" ٨/ ١٢٩: فأمسك المسلمون عن الطلب.\n(٤) في (م): (له).\n(٥) ساقط من (ح).\n(٦) انظر: \"تفسير الثوري\" ص ١١٥، و\"المصنف\" للصنعاني ٥/ ٢٣٩ ولم يذكرا ما بعد الآية الأولى، وذكره الرازي في \"تفسيره\" ٨/ ١٢٩.\n(٧) انظر \"معاني القرآن\" له ١/ ٤٠٣، وفيه: قام سعد بن معاذ، بدل سعد بن عبادة.\n(٨) انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٣٩٩.","vol":"10","page":25},{"text":"قال أبو إسحاق: ﴿قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾، ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ﴾ ويكون تأويله: كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقًا من المؤمنين لكارهون كذلك تنفل من رأيت (١) وإن كرهوا، قال: وموضع الكاف في (كما) نصب، المعنى: الأنفال (٢) ثابتة (٣) مثل إخراج ربك إياك من بيتك بالحق (٤).\nوعلى هذا: الكاف تتعلق بقوله: ﴿قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ وهذا يدل على أن الله نزعها من أيديهم، ويكون التأويل: نزعها الله من أيديهم بالحق كما أخرجك ربك من بيتك بالحق، والكاف بمعنى: مثل، وهو نعت مصدر محذوف على تقدير: الأنفال ثابتة لله والرسول ثبوتًا بالحق مثل إخراج ربك من بيتك بالحق، فالعامل في الكاف: معنى قوله: ﴿قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾.\nقال أبو بكر بن الأنباري: والآية مفتتحة بحرف يتعلق بآية قبلها، وهو سائغ جائز إذ كان أواخر الآيات مجراها مجرى أواخر الأبيات (٥)، وغير مستنكر أن تفتتح الأبيات (٦) بألفاظ تتعلق بما قبلها، من ذلك قول امرئ القيس:\nوقوفًا بها صحبي على مطيهم ... يقولون لا تهلك أسى وتجمل (٧)\n_________\n(١) عند الزجاج: رأينا.\n(٢) في (ج): (أنفال).\n(٣) عند الزجاج: ثابتة لك.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" للزجاج ٢/ ٣٩٩ - ٤٠٠.\n(٥) في (ح): الأثبات)، وفي (س): (الآيات)، وكلاهما خطأ.\n(٦) في (ح): (الأثبات)، وفي (س): (الآيات)، وكلاهما خطأ.\n(٧) انظر \"ديوانه\" ص ٣.","vol":"10","page":26},{"text":"قال أبو عباس (١): كان أصحابنا ينصبون (وقوفًا) على القطع من: الدخول، وحومل، وتوضح والمقراة (٢).\nوقال غيره: نصبه على الحال من الضمير الذي في (نبك) أي: قفا نبك في حال وقوف (٣) صحبي (٤)، ولا يختلف أهل اللغة والنحو في تعلق \"وقوف\" بما ليس بحاضر معه في بيته.\nوقال ابن قتيبة: يريد أن كراهتهم لما فعلته في الغنائم ككراهتهم للخروج معك، كأنه قال: هذا من كراهتهم كما أخرجك وإياهم ربك وهم كارهون (٥).\nوعلى هذا (الكاف) متعلق بمحذوف يدل عليه باقي الكلام؛ لأن\n_________\n(١) يعني المبرد، وانظر قوله في \"شرح القصائد السبع الطوال الجاهليات\" لأبي بكر الأنباري ص ٢٤، وقد ذكر أبو بكر الأنباري أن أبا العباس لم يرتض ما ذكره عن أصحابه، بل مال إلى القول بأن (وقوفًا) نصب على المصدر و(قفا) والتقدير: قفا كوقوف صحبي على مطيهم.\n(٢) قال الأعلم الشنتمري في \"شرح ديوان امرئ القيس\" ص٦٠: الدخول وحومل: بلدان، وتوضح والمقراة: موضعان.\nوقال ابن بليهد في \"صحيح الأخبار\" ١/ ١٦: الدخول وحومل باقيان بهذا الاسم إلى يومنا هذا، أما الدخول فهو ماء عذب معروف الآن بهذا الاسم يقع شمالي الهضب المعروف بين وادي الدواسر ووادي رنية، أما حومل فهو جبل قريب من الدخول، والمقراة: وادٍ ينصب على جهة الجنوب بين الهضب والسوادة، وقد حرف اليوم إلى القمرا.\nوتوضح: أرض قريبة من الهضب، يقال لها اليوم (التوضيحات) تقع عن جبل الحمل جنوبًا، والحمل جبل يقع جنوبي الهضب اهـ باختصار.\n(٣) في (ح): (وقوفي)، وهو خطأ.\n(٤) \"شرح القصائد السبع لابن الأنباري\" ص ٢٤، ولم يعين القائل.\n(٥) \"تأويل مشكل القرآن\" لابن قتيبة ص ٢٢١.","vol":"10","page":27},{"text":"مجادلتهم في الأنفال وتشبيه تلك القصة بإخراج الله إياه على كره منهم يدل على كراهتهم، ثم قال: ومن تتبع هذا من كلام العرب وأشعارهم وجده، قال الشاعر (١):\nفلا تدفنوني إن دفني محرم ... عليكم ولكن خامري أم عامر\nيريد: لا تدفنوني ولكن (٢) دعوني للتي إذا صيدت يقال لها: خامري أم عامر (٣)، يعني الضبع لتأكلني، فحذف وأبقى من الكلام ما يدل على المحذوف (٤).\nوقال بعضهم: (الكاف) متعلق بما بعده وهو قوله: ﴿يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ﴾ وهذا يحكي عن الكسائي (٥) وهو معنى قول مجاهد (٦)، يقول: كما أخرجك ربك من بيتك بالحق على كره فريق من المؤمنين كذلك هم\n_________\n(١) هو: عمرو بن مالك الشنفرى -وهو شاعر جاهلي واحد الخلعاء الذين تبرأت منهم عشائرهم- وقد وقع في الأسر فأنشد هذا البيت مع أبيات. انظر: \"طبقات الشعراء\" ص ٣١، و\"الحماسة بشرح التبريزي\" ٣/ ٦٣، و\"الأغاني\" ٢١/ ١٣٦.\n(٢) كرر ناسخ (ح) بعد (لكن) الشطر الثاني من البيت.\n(٣) خامري: أي استتري، وأم عامر: الضبع، وهو مثل يضرب للأحمق، والعرب تقول: إن الضبع من أحمق الدواب وهي تصدق ما يقال لها، فلا يزال الصائد يروضها بكلمات حتى يوثق يديها ورجليها، ثم يسحبها، ولو شاءت أن تقتله لأمكنها. انظر: \"فضل المقال في شرح كتاب الأمثال\" ص ١٨٧، و\"مجمع الأمثال\" ١/ ٣٣٢.\n(٤) \"تأويل مشكل القرآن\" ص ٢٢١ باختصار.\n(٥) ذكر ذلك عنه النحاس في \"معاني القرآن\" ٣/ ١٣١، وابن عطية في \"المحرر الوجيز\" ٦/ ٢٢٠، ٢٢٢، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٣/ ٣٢٢.\n(٦) روى ابن جرير ٩/ ١٨١ عن مجاهد قال: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ﴾، كذلك يجادلونك في الحق: القتال، اهـ. وقد بين ابن جرير معناه بمثل ما ذكر المصنف، ورواه الثعلبي في \"تفسيره\" ٦/ ٣٩ ب بلفظ المصنف.","vol":"10","page":28},{"text":"يكرهون القتال ويجادلونك فيه (١).\nوهذا الوجه اختيار صاحب النظم، وقد سلك في تحقيق هذا التشبيه طريقًا حسنًا فقال: ظاهر هذا النظم يدل على أنه شبه مجادلتهم في الحق وهو مذموم عنده بإخراج الله تعالى إياه من بيته، وهو غير مذموم لأنه من فعله ﷿، وإذا كان كذلك فلابد من أن نقدر في التشبيه تحريفًا عن موضعه ويكون التشبيه واقعًا في المعنى الباطن على قوله: ﴿وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ﴾ لأن الذم وقع على كراهة المؤمنين للخروج كما هو واقع على مجادلتهم في الحق، ويكون التقدير: كما كانت كراهتهم لإخراج الله إياك بالحق يجادلونك في الحق بعد ما تبين، ويجوز أن يدخل حرف التشبيه على شيء، والمراد به ما بعده مما هو متعلق به داخل في قصته (٢)، كما نقول في حرف الاستفهام، فإنه يدخل على شيء والمستفهم عنه غيره كقوله ﷿: ﴿أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٤].\nوالمعنى: أفهم الخالدون إن مت؛ لأن الاستفهام في الحقيقة واقع على [الخلود دون الموت، وفي ظاهر اللفظ وقع على الموت، وكذلك قوله: ﴿أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ﴾ [آل عمران: ١٤٤] الاستفهام في الحقيقة واقع على الانقلاب، وهو في الظاهر واقع على الموت والقتل، كذلك في هذه الآية دخل حرف التشبيه في الإخراج وهو في الحقيقة واقع\n_________\n(١) هذا القول رجحه ابن جرير في \"تفسيره\" ٩/ ١٨٢، والنحاس في \"معاني القرآن الكريم\" ٣/ ١٣٢، وجعله ابن عطية في تفسيره \"المحرر الوجيز\" ٦/ ٢٢٠ أحد الوجهين المقبولين في تفسير الآية، والوجه الآخر قول الفراء وأبي إسحاق الذي ذكره المصنف.\n(٢) قال الزركشي في \"البرهان\" ٣/ ٤٢٥: قد تدخل الآداة على شيء؛ وليس هو عين المشبه، ولكنه ملتبس به، واعتمد على فهم المخاطب.","vol":"10","page":29},{"text":"على الكراهة] (١).\nوقال أبو عبيدة: الكاف بمعنى حرف القسم، و(ما) بمعنى (الذي) والتقدير: والذي أخرجك من بيتك بالحق يجادلونك.\nقال أبو بكر (٢): وهذا بعيد؛ لأن (الكاف) ليست من حروف الأقسام (٣)، وأما التفسير فقوله: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ﴾ أي أمرك بالخروج من المدينة ودعاك إليه ﴿مِنْ بَيْتِكَ﴾ يعني المدينة قاله مجاهد والحسن، وابن جريج، وعامة المفسرين (٤)، قالوا: إن الله تعالى أمر نبيه بالخروج من\n_________\n(١) ما بين المعقوفين ساقط من (ح).\n(٢) يعني الأنباري، انظر: \"البحر المحيط\" ٥/ ٤٦٠.\n(٣) ذكر أبو حيان في \"البحر المحيط\" ٥/ ٤٥٩ - ٤٦٣، خمسة عشر قولًا في السبب الجالب لهذه الكاف في قوله: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ﴾ ولم يرتض واحدًا منها بل رجح قولًا جديدًا لم يسبق إليه وهو أن الكاف ليست لمحض التشبيه بل فيها معنى التعليل وأن هناك حذفًا، والتقدير: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ﴾ أي بسبب إظهار دينه وقد كرهوا خروجك تهيبًا للقتال، وجادلوك في الحق بعد وضوحه نصرك الله، وأمدك بملائكته. وفي هذا القول نظر من عدة أوجه:\nأ- عدم اعتماده على المأثور عن السلف وهم أعلم بالتأويل.\nب- البعد بين هذه الآية -التي يرى أبو حيان أن فيها حذفًا- والآية التي يراها دليلًا على الحذف وهي قوله تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾ إذ يفصل بينهما ثلاث آيات.\nج- إن كراهتهم للخروج، وجدالهم لرسول الله لا يصلح علة للنصر، بل علة للفشل كما جاء في السورة نفسها الآية ٤٦: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾.\nد- إن الأصل عدم التقدير.\nعـ- إن أبا حيان اعتمد هذا القول بناءً على رؤيا منامية.\n(٤) انظر: \"تفسير ابن جرير\" ٩/ ١٨٢، والثعلبي ٦/ ٣٩، وابن عطية ٦/ ٢٢٢، ونسبه لجمهور المفسرين، وذكر عن ابن بكير أن المعنى كما أخرجك ربك من مكة وقت الهجرة اهـ. وفيه نظر لا يخفى.","vol":"10","page":30},{"text":"المدينة لطلب عير (١) قريش، وكره ذلك طائفة من المؤمنين لأنهم علموا أن قريشًا تمنع عيرها منهم، وأنهم لا يظفرون بالعير عفوًا دون القتال فذلك قوله: ﴿وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ﴾ أي الخروج معك.\nقال أهل المعاني: وهذه الكراهة من المؤمنين كانت كراهة الطبع؛ للمشقة التي تلحق في السفر (٢)، لا كراهة أمر الله ورسوله (٣).\nوقيل: كانت الكراهة قبل أن علموا أن الله أمر به وأن النبي - ﷺ - عزم على ذلك، هذا قول عامة أهل التفسير (٤) في هذه الآية.\n_________\n(١) ساقط من (ح).\n(٢) الأولى أن يقال: كراهة الطبع للقاء العدو والقتال؛ لأنهم علموا أن قريشًا لن تترك عيرها كما ذكر ذلك المؤلف بناء على أن هذه الكراهة للخروج من المدينة لتلقي العير، والذي يظهر من سياق قصة بدر كما ذكرها ابن هشام في \"السيرة\" ٢/ ٣١٣، وكما يدل عليه قوله تعالى: ﴿كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾ أن هذه الكراهة إنما حدثت لبعض المؤمنين بعد تحققهم من ذوات العير، ورغبة رسول الله - ﷺ - في مواجهة الفير؛ ومما يؤيد ذلك ما رواه ابن جرير في \"تفسيره\" ٩/ ١٨٣ عن ابن عباس - ﵄ - قال: لما شاور النبي - ﷺ - في لقاء القوم، وقال له سعد بن عبادة ما قال، وذلك يوم بدر، أمر الناس فتعبوا للقتال، وأمرهم بالشوكة، وكره ذلك أهل الإيمان؛ فأنزل الله: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ (٥) يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾، وهذا الأثر وإن كان سنده ضعيفًا ولكنه يتقوى بما جاء بمعناه بأسانيد صحيحة. انظر: \"المفسر ابن عباس وتحقيق ما روي عنه\". رسالة ماجستير أعدها حمد القرعاوي ص ٢٩٦.\n(٣) لم أقف على مصدره.\n(٤) لم أجد أحدًا من المفسرين ذكر هذا القول وهو مرجوح بدلالة قوله تعالى في الآية نفسها ﴿بَعْدَمَا تَبَيَّنَ﴾ مما يشير إلى أنه لا عذر لهم في جدالهم وكراهتهم، قال أبو حيان في \"البحر المحيط\" ٥/ ٤٦٣: وفي قوله: ﴿بَعْدَمَا تَبَيَّنَ﴾ إنكار عظيم عليهم؛ لأن من جادل في شيء لم يتضح كان أخف عتبًا، أما من نازع في أمر واضح فهو جدير باللوم والإنكار.","vol":"10","page":31},{"text":"وقوله تعالى: ﴿بِاَلحَق﴾ أي بالوحي، كأنه أوحى إليه وأمره بالخروج لأن جبريل نزل وأخبره بعير قريش وأمره بالمسير إليها، هذا معنى قول الكلبي (١)، قال عطاء عن ابن عباس: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ﴾ يريد الهجرة من مكة إلى المدينة (٢)، ﴿وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ﴾ يريد لتركهم مكة وديارهم وأموالهم.\n_________\n(١) روى الثعلبي في \"تفسيره\" ٦/ ٣٩ ب عن الكلبي قال في قوله تعالى: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ﴾ قال: امض على الذي أخرجك ربك من بيتك، وروى الثعلبي أيضًا في \"تفسيره\" ٦/ ٤٠/ ب قصة خروج النبي - ﷺ - لعير قريش عن ابن عباس وابن زيد وابن يسار والسدي وفيه: فنزل جبريل ﵇ وقال: إن الله وعدكم إحدى الطائفتين إما العير وإما قريشًا، وروى نحو ذلك ابن جرير في \"تفسيره\" ٩/ ١٨٧ عن ابن عباس وابن جريج.\n(٢) ذكر هذا القول دون نسبة إلى ابن عباس: البغوي في \"تفسيره\" ٣/ ٣٢٨، وابن الجوزي في تفسيره \"زاد المسير\" ٣/ ٣٢٢ وهو ضعيف لما يأتي:\n١ - مخالفته لسياق الآيات فما قبل هذه الآية وما بعدها حديث عن غزوة بدر.\n٢ - مخالفته لأسباب نزول هذه الآية، انظرها في \"تفسير ابن كثير\" ٢/ ٣١٩ مع التنبه إلى أن كل سبب بمفرده لا يخلو من مقال فبعضها من كلام مجاهد وبعضها من كلام السدي، وما رفع منها ففي سنده عبد الله بن لهيعة، وقد اختلط بعد احتراق كتبه، كما أنه مدلس وقد عنعن.\nانظر: \"إتحاف ذوي الرسوخ بمن رمي بالتدليس من الشيوخ\" ص ٣٣، ولكن مجموع الروايات وأقوال المفسرين مع دلالة السياق يشهد أن الآية نزلت في الخروج إلى بدر.\n٣ - أن الواحدي لم يذكر سند هذه الرواية حتى يحكم عليه صحة وضعفًا ولم أجد من أسندها.\n٤ - أن هذا القول مخالف للقول الثابت عن ابن عباس وهو ما رواه البخاري في (٤٦٤٥) كتاب التفسير، تفسير سورة الأنفال عن سعيد بن جبير؛ قال: قلت لابن عباس -﵁- سورة الأنفال؟ قال: نزلت في بدر اهـ. فلم يخصص منها شيئًا.","vol":"10","page":32},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1309>٦ </span>- قوله تعالى: ﴿يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ﴾ قال المفسرون: إن عير قريش أقبلت من الشام فندب رسول الله - ﷺ - أصحابه وقال: إن الله، ينفلكموها، فخرجت طائفة كارهة، فلما التقوا أمروا بالقتال ولم يكونوا أعدوا له أهبة، فشق ذلك عليهم وقالوا: هلا أخبرتنا فكنا (١) نعد له (٢)، قال ابن عباس وابن إسحاق: وكان جدالهم نبي الله قولهم: لم تعلمنا قتالًا فنستعد له إنما خرجنا للعير (٣).\nوقوله تعالى: ﴿فِي الْحَقِّ﴾ أي في القتال، عن ابن عباس (٤)، ومجاهد (٥).\nوقوله تعالى: ﴿بَعْدَمَا تَبَيَّنَ﴾ (٦) قال السدي: بعد ما تبين لهم أنك لا تصنع إلا ما أمرك الله به (٧).\nوقال أبو صالح عن ابن عباس: يجادلونك في القتال بعد ما أمرت به (٨).\n_________\n(١) في (س): (لكنا).\n(٢) انظر: \"تفسير ابن جرير\" ٩/ ١٨٣، والسمرقندي ٢/ ٥، والبغوي ٣/ ٣٢٨.\n(٣) ذكره عنهما الماوردي في \"النكت والعيون\" ٢/ ٢٩٦، وبمعناه ابن جرير ٩/ ١٨٣ - ١٨٤، ولم أجد قول ابن إسحاق في \"السيرة النبوية\"، ويبدو أن هذا القول لابن جرير تفسيرًا لقول ابن عباس وابن إسحاق. انظر ابن جرير ٩/ ١٨٣ - ١٨٤.\n(٤) رواه ابن جرير ٩/ ١٨٣ - ١٨٤ من رواية الكلبي.\n(٥) رواه ابن جرير في \"تفسيره\" ٩/ ١٨٢، وانظر: \"تفسير الإمام أحمد\" ص ٣٥٢.\n(٦) في (س): (ما بعد)، وهو خطأ.\n(٧) رواه ابن جرير في \"تفسيره\" ٩/ ١٨٤، وابن أبي حاتم ٥/ ١٦٥٩ - ١٦٦٠، وأبو الشيخ كما في \"الدر المنثور\" ٣/ ٣٠٠.\n(٨) رواه ابن جرير في \"تفسيره\" ٩/ ١٨٤.","vol":"10","page":33},{"text":"وقال أبو إسحاق: يجادلونك في الحق بعد ما تبين وعدهم الله ﷿ أنهم يظفرون بأهل مكة أو (١) بالعير (٢)، يريد أن هذا التبين كان بوعد الله إياهم الظفر (٣).\nقال أهل المعاني: إنما كانت تلك المجادلة طلبًا للرخصة لأنهم لم يستعدوا للقتال، وقيل عددهم [وكانوا رجالة] (٤)، ولم يكن فيهم إلا فارسان؛ فخافوا، وحال الصعوبة تخيل إلى النفس الشبهة، وإن كانت الحال ظاهرة والدلالة واضحة (٥).\nوقوله تعالى: ﴿كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾، قال ابن إسحاق: كراهة للقاء القوم (٦)، يريد أنهم لشدة كراهتهم للقتال كأنهم (٧)\n_________\n(١) في (ح): (وبالعير)، وهو كذلك في \"معاني القرآن وإعرابه\" وهو خطأ، والصواب (أو) كما في (م) و(س). لأن الله وعدهم إحدى الطائفتين، ولم يعدهم الطائفتين كلتيهما.\n(٢) اهـ. كلام الزجاج، انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٠١.\n(٣) يعني أن الله وعدهم الظفر بأحد الأمرين كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ﴾ [الأنفال: ٧]. فلما فاتهم العير تبين لهم أنه لا بد من مواجهة النفير وأنهم سيظفرون بهم تحقيقًا لوعد الله.\n(٤) ما بين المعقوفين ساقط من (ح).\n(٥) لم أجد هذا القول فيما بين يدي من كتب أهل المعاني كالفراء والأخفش وأبي عبيدة والزجاج والنحاس والأزهري وابن قتيبة، وهؤلاء وأمثالهم ممن تكلم عن معاني القرآن من جهة اللغة والنحو هم مراد الواحدي بقوله: قال أهل المعاني، قال الزركشي في \"البرهان\" ١/ ٢٩٢ قال ابن الصلاح: وحيث رأيت في كتب التفسير: قال أهل المعاني فالمراد به مصنفو الكتب في معاني القرآن كالزجاج ومن قبله. وفي بعض كلام الواحدي: أكثر أهل المعاني: الفراء والزجاج وابن الأنباري قالوا كذا. وقد ذكر نحوًا من ذلك السيوطي في \"الإتقان\" ٢/ ٣.\n(٦) \"السيرة النبوية\" ٢/ ٣١٣.\n(٧) في (م): (كانوا).","vol":"10","page":34},{"text":"يساقون إلى الموت عيانًا، فذلك معنى قوله: ﴿وَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾، وقال صاحب النظم: أي: يعلمون أنه واقع بهم، ومنه قول النبي (١) - ﷺ -: \"من انتفى من ابنه وهو ينظر إليه\" (٢) أي: يعلم أنه ابنه، وقوله ﷿: ﴿يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾ [النبأ: ٤٠] أي: يعلم (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1310>٧ </span>- قوله ﷿: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ﴾ إحدى: تأنيث أحد على غير بنائه (٤)، كأنهم استأنفوا للمؤنث بناءً كصفراء من أصفر، وعطشى (٥) من عطشان، و(الطائفتان) العير والنفير في قول المفسرين (٦).\n_________\n(١) ساقط من (ح).\n(٢) رواه النسائي في \"سننه\" كتاب الطلاق، باب: التغليظ في الانتفاء من الولد ٦/ ١٧٩ بلفظ: \"أيما رجل جحد ولده وهو ينظر إليه احتجب الله ﷿ منه وفضحه على رؤوس الأولين والآخرين يوم القيامة\". وبهذا اللفظ رواه أيضًا أبو داود (٢٢٦٣) \"سننه\" كتاب الطلاق، باب: التغليظ في الانتفاء، والدارمي في \"سننه\" كتاب النكاح، باب: من جحد ولده وهو يعرفه ٢/ ٢٠٤ (٢٢٣٨)، والحاكم في \"المستدرك\" كتاب الطلاق ٢/ ٢٠٣، وقال: صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي.\nأقول: مدار الحديث على عبد الله بن يونس، وهو مجهول الحال لم يرو عنه إلا يزيد بن الهاد.\nانظر: \"الكاشف\" ١/ ٦١٠، و\"تقريب التهذيب\" ص ٣٣٠ (٣٧٢٢).\n(٣) هذا قول في تفسير الآية وتحتمل معنى آخر وهو: يوم يرى عمله مثبتًا في صحيفته خيرًا كان أو شرًّا. \"زاد المسير\" ٩/ ١٣.\n(٤) انظر: \"لسان العرب\" (وحد) ٨/ ٤٧٧٩.\n(٥) في (ح) كتبت هكذا: (عطشا).\n(٦) انظر: \"تفسير ابن جرير\" ٩/ ١٨٤، و\"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٦، و\"تفسير البغوي\" ٣/ ٣٢٨، و\"الدر المنثور\" ٣/ ٣٠٠ - ٣٠١، والمراد بالعير: الإبل التي تحمل تجارة قريش مقبلة من الشام وفيها أربعون رجلًا بزعامة أبي سفيان بن حرب، وأما =","vol":"10","page":35},{"text":"قوله تعالى: ﴿أَنَّهَا لَكُمْ﴾ (أن) في موضع نصب على البدل من (إحدى) قاله الفراء (١) والزجاج (٢)، قالا: ومثله قوله: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ﴾ [محمد: ١٨] فـ (أن) في موضع نصب كما نصبت الساعة، ومثله: ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ﴾ [الفتح: ٢٥] (أن) في موضع رفع بـ (لولا) (٣)، وقال أبو علي الفارسي: (إحدى) في موضع نصب بأنه المفعول الثاني و(أنها لكم) بدل منه، والتقدير: وإذ (٤) يعدكم الله ثبات إحدى الطائفتين، أو ملك إحدى الطائفتين، ونحو هذا مما يدل عليه (لكم).\nوقوله تعالى: ﴿وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾ قال ابن عباس: يريد التي ليس فيها حرب ولا قتال (٥)، وقال الزجاج: أي تودون أن الطائفة التي ليست فيها حرب ولا سلاح -وهو (٦) الإبل- تكون لكم، و(ذات الشوكة) أي: ذات السلاح (٧).\n_________\n= النفير فهم كفار قريش الذين نفروا بزعامة أبي جهل لحماية عيرهم من رسول الله - ﷺ - وأصحابه. انظر. \"السيرة النبوية\" لابن هشام ٢/ ٢٤٤ - ٢٤٧\n(١) \"معاني القرآن\" له ١/ ٤٠٤.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" له ٢/ ٤٠٢.\n(٣) انظر: المصدرين السابقين، نفس الموضع، والزجاج لم يذكر الآية الأولى وهي قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ﴾.\n(٤) في (م): (والله)، وهو خطأ.\n(٥) \"تنوير المقباس\" ص ١٧٧ بمعناه.\n(٦) في \"معاني القرآن وإعرابه\": وهي، والمقصود: الإبل التي مع أبي سفان وهي العير.\n(٧) \"معاني القرآن وإعرابه\" للزجاج ١/ ٢/ ٤٠٢.","vol":"10","page":36},{"text":"وتأنيث (ذات) لأن المراد بها الطائفة، والمعنى: وتودون أن الطائفة غير ذات الشوكة تكون لكم، وأما (الشوكة) فهي هاهنا السلاح (١)، وأصلها: النبت الذي له حد، شبّه السلاح به، ومنه يقال: رجل شائك السلاح إذا كان حديد السنان والنصل، وهو فاعل من الشوك، ثم يقلب شائك فيقال: شاكي السلاح، كما يقال: جرف هار، وهاير، ومنه قول زهير:\nلدى أسد شاكي السلاح ضبارم (٢) ... له لبد أظفاره لم تقلم (٣)\nقال أبو عبيد: الشاكي والشائك (٤) جميعًا: ذو الشوكة والحد في سلاحه (٥).\nوكما يوصف الرجل بهذا يوصف السلاح أيضًا به، فيقال: سلاح (٦) شاك وشائك، قال عنترة:\n_________\n(١) انظر: \"جمهرة اللغة\" (ش ك و) ٢/ ٨٧٨، و\"الصحاح\" (شوك) ٤/ ١٥٩٥.\n(٢) الضبارم، بضم الضاد: الأسد الشديد الخَلق، ويطلق على الرجل الشجاع الجريء على الأعداء.\nانظر: \"لسان العرب\" (ضبرم) ٤/ ٢٥٤٨.\n(٣) \"ديوانه\" بشرح أبي العباس ثعلب ص ٢٣، وفيه: شاكي السلاح مقذف، وكذلك هو في رواية الشنتمري في \"شرح الديوان\" ص ٢١.\nوالمقذف: الغليظ اللحم، واللبد: الشعر المتراكب على زبرة الأسد، كما في المصدرين السابقين.\n(٤) في (م): (الشائك والشاكي).\n(٥) \"لسان العرب\" ٤/ ٢٣٦٢ - ٢٣٦٣ (شوك).\n(٦) ساقط من (س).","vol":"10","page":37},{"text":"فتعرفوني أنني أنا ذاكم ... شاك سلاحي في الحوادث معلم (١)\nومنه قول المجدث (٢):\nوألبس من رضاه في طريقي ... سلاحًا يذعر الأبطال شاكا (٣)\nوهذا من قولهم: هو شاك السلاح بحذف الياء، كما قالوا رجل مال (٤): ذو مال، ونال من النوال (٥)، وكبش صاف (٦): ذو صوف، وكذلك رجل شاك (٧)، وسلاح شاك (٨)، فأما قولهم: شاكّ في السلاح بالتشديد مع (في) فمعناه: ذو شكة، والشكة: السلاح (٩).\n_________\n(١) نسب المؤلف هذا البيت لعنترة، وليس في \"ديوانه\"، ولم أجد من نسبه له، والصحيح أنه لطريف بن تميم العنبري. كما في \"الأصمعيات\" ص ١٢٨، و\"شرح شواهد الشافعية\" ص ٢٧٠، و\"كتاب سيبويه\" ٣/ ٤٦٦، و\"معاهد التنصيص\" ١/ ٢٠٤.\n(٢) لم يتبين لي من هو ولم يذكر في \"كتاب ألقاب الشعراء\" من سمي بالمجدث أو ما يقاربه.\n(٣) انظر البيت بلا نسبة في \"البحر المحيط\" ٤/ ٤٥٥، و\"الدر المصون\" ٥/ ٥٦٩.\n(٤) في \"لسان العرب\" ٧/ ٤٣٠٠ (مول). رجلٌ مال: ذو مال، وقيل كثير المال، كأنه قد جعل نفسه مالًا، وحقيقته: ذو مال.\n(٥) في \"لسان العرب\" ٨/ ٤٥٨٣ (قول): رجل نال -بوزن بالٍ-: جواد، وهي في الأصل: نائل.\n(٦) في \"لسان العرب\" ٤/ ٢٥٢٧ - ٢٥٢٨ (صوف): (كبش أصوف وصَوِف، على مثال (فَعِل) وصائف وصافٌ وصاف، الأخيرة مقلوبة، وصوفا في كل ذلكَ: كثير الصوف.\n(٧) بضم الكاف وكسرها. انظر \"لسان العرب\" ٤/ ٢٣٠٩ (شكك).\n(٨) في \"القاموس المحيط\" ٤/ ٢٣٦٢ - ٢٣٦٣ (شوط): رجل شاكُ السلاح، وشائكه، وشوكه، وشاكيه، حديده.\nوفي \"لسان العرب\" ١٠/ ٤٥٤ (شوك): رجل شاكي السلاح وشاكُ السلاح، برفع الكاف، مثل جرف هارٍ وهارٌ، ومن قال: شاك السلاح، بحذف الياء فهو كما يقال: رجل مال ونال: من المال والنوال، وإنما هو مائل، ونائل.\n(٩) في \"لسان العرب\" ٤/ ٢٣٠٩ (شكك): الشاكُّ في السلاح: وهو اللابس السلاح التام.","vol":"10","page":38},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ﴾ قال ابن عباس: ﴿يُحِقَّ الْحَقَّ﴾ يظهر الإسلام (١)، وقال أهل المعاني (٢): معنى يحق الحق: يظهره ويعليه لأن الحق حق حيث كان، ولكنه إذا لم يكن ظاهرًا أشبه الباطل؛ لأن من صفة الحق ظهوره، فإظهاره تحقيق له من هذا الوجه (٣).\nوقوله تعالى: ﴿بِكَلِمَاتِهِ﴾، قال ابن عباس: أي بعداته (٤)، وقال عطاء عنه (٥): موعود من الله قد سبق في علمه، ووعد نبيه بذلك في سورة الدخان: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ﴾ (٦) يريد: ننتقم له من أبي جهل (٧)، فـ (كلماته) على هذا ما قد أخبر به من إظهار الحق وإعزازه\n_________\n(١) انظر: \"زاد المسير\" ٣/ ٣٢٤، وقد ورد نحوه في التفسير المنسوب لابن عباس والمطبوع باسم \"تنوير المقباس من تفسير ابن عباس\" ص ١٧٧. وهذا الكتاب مع عدم صحة نسبته إلى ابن عباس فإن جامعه -والمشهور أنه الفيروز أبادي- قد رواه بشده عن محمد بن مروان السدي عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس، وهذه هي سلسة الكذب. انظر: \"الإتقان\" ٣/ ٢١٥.\n(٢) لم أجد هذا القول فيما بين يدي من كتب أهل المعاني، وقد ذكر نحو هذا القول أبو السعود في تفسيره \"إرشاد العقل السليم\" ٤/ ٧.\n(٣) بين الراغب الأصفهاني أن إحقاق الحق على ضربين: أحدهما: بإظهار الأدلة والآيات، والثاني: بإكمال الشريحة وبثها في الكافة. انظر: \"المفردات في غريب القرآن\" ص ١٢٥ (حقق).\n(٤) لم أجد من رواه عنه، وقد ذكر هذا القول ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٣/ ٣٢٤ دون أن ينسبه لأحد، ومعناه: بوعوده السابقة بأن يظهر الدين.\n(٥) ساقط من (س)، وفي (ح): وقال: طاعته موعد ... إلخ. وهو خطأ، ولم أجد من ذكر هذه الرواية.\n(٦) الآية ١٦.\n(٧) هو: عمرو بن هشام بن المغيرة المخزومي القرشي، أحد طواغيت قريش وأبطالها =","vol":"10","page":39},{"text":"بقوله (١): ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ (٢) على ما تقدم به وعده (٣).\nوقال بعضهم: (بكلماته) أي بأمره إياكم أن تجاهدوهم (٤).\n\nقوله تعالى: ﴿وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ﴾ قد ذكرنا الكلام في معنى (الدابر) فيما تقدم (٥)، قال أبو إسحاق: أي: ظَفَركم بذات الشوكة أقطع (٦) لدابرهم (٧)، وفي هذا بيان عن النعمة عليهم بالظفر بقريش حين خرجوا <span data-type=\"title\" id=toc-1311>(٨) </span>يحمون العير، وإن كرهوا هم ذلك، وأن ما أراد الله لهم كان خيرًا مما أرادوا هم.\n٨ - قوله تعالى: ﴿لِيُحِقَّ الْحَقَّ﴾ اللام في صلة قوله (يقطع) أي: يقطع دابرهم ليحق الحق، قال ابن عباس: يريد أن يحق الله مواعيده للمؤمنين (٩)، وذكرنا أن معنى إحقاق الحق إظهاره وإعلاؤه على غيره (١٠).\n_________\n= ودهاتها في الجاهلية، وكان أشد الناس عداوة للنبي - ﷺ - وأصحابه، قتل يوم بدر سنة ٢ هـ. انظر: \"سيرة ابن هشام\" ١/ ٢١٥ - ٤١٧، و\"تهذيب الأسماء واللغات\" ٢/ ٢٠٦، و\"الأعلام\" ٥/ ٨٧.\n(١) الجار والمجرور متعلقان بقوله: أخبر.\n(٢) التوبة: ٣٣، الفتح: ٢٨، الصف: ٩.\n(٣) الذي ذهب إليه ابن جرير في \"تفسيره\" ٩/ ١٨٨ - ١٨٩، والزمخشري في \"الكشاف\" ٢/ ١٤٥ أن المراد بـ (كلماته): آياته المنزلة في قتال الكفار، وذهب مقاتل في \"تفسيره\" ١١٨ ب إلى أن المراد بذلك ما أنزل على محمد - ﷺ -.\n(٤) انظر: التعليق السابق.\n(٥) انظر: \"تفسير البسيط\" الأنعام: ٤٥.\n(٦) في (ح): (أو قطع)، وهو خطأ.\n(٧) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٠٢.\n(٨) في (م): (دخلوا)، وهو خطأ.\n(٩) ذكر نحوه ابن الجوزي دون نسبة إلى ابن عباس، انظر: \"زاد المسير\" ٣/ ٣٢٤.\n(١٠) انظر: تفسير الآية السابقة.","vol":"10","page":40},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ﴾ أي: يعدمه ويهلكه؛ لأن الباطل باطل، وكان الكفر باطلًا قبل بدر، ولكن معنى إبطاله ههنا: إعدامه، كما أن معنى إحقاق الحق: إظهاره، وإلى هذا [أشار ابن عباس في معنى (يبطل الباطل) فقال: يريد: ﴿وَيَقْطَعَ (١) دَابِرَ الْكَافِرِينَ﴾ [الأنفال: ٧] ألا ترى أنه] (٢) أشار إلى إعدامهم وإهلاكهم (٣)، وقال صاحب النظم: ﴿وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ﴾ أي: يفني الكفر، والآية بيان عن إرادة الله تعالى إظهار الحق وإعدام الباطل به على كره من المشركين، وإعزاز للمسلمين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1312>٩ </span>- قوله تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ﴾ الآية، يجوز أن يكون العامل في (إذ)، (ويبطل الباطل) فتكون الآية متصلة بما قبلها (٤)، ويجوز أن تكون الآية مستأنفة على تقدير: واذكر إذ، بمعنى التذكير بالنعمة (٥).\nوقوله تعالى: ﴿تَسْتَغِيثُونَ﴾ أي تطلبون منه المغوثة (٦) [والغوث والإغاثة] (٧)، ويقول الواقع في بلية: أغثني، أي: فرج عني، ومعنى الإغاثة والغوث والمغوثة: سد الخلة في وقت الحاجة (٨)، وقال المفسرون (٩):\n_________\n(١) في (س): (قطع).\n(٢) ما بين المعقوفين مكرر في (ح).\n(٣) لم أجد من روى عن ابن عباس ما ذكره الواحدي سوى الفيروز أبادي في \"تنوير المقباس\" ص ١٧٧، حيث قال: (ويبطل الباطل): يهلك الشرك وأهله.\n(٤) وهذا ما ذهب إليه ابن جرير في \"تفسيره\" ٩/ ١٨٩.\n(٥) في (ج) و(س): التذكر.\n(٦) في (م): (المعونة).\n(٧) ما بين المعقوفين مكرر في (ح).\n(٨) انظر: \"معجم مقاييس اللغة\" (غوث) ٤/ ٤٠٠.\n(٩) انظر: \"تفسير الطبري\" ٩/ ١٨٩، والثعلبي ٦/ ٤١ ب، والبغوي ٣/ ٣٣٢.","vol":"10","page":41},{"text":"﴿تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ﴾: تستجيرون به من عدوكم وتدعونه للنصر عليهم، وذلك أن المهاجرين والأنصار لما رأوا أنفسهم في قلة عدد استغاثوا، قال ابن عباس: حدثني عمر بن الخطاب [﵁] (١)، قال: لما كان يوم بدر ونظر رسول الله - ﷺ - إلى المشركين وهم ألف، وإلى أصحابه وهم ثلاثمائة ونيف (٢) استقبل القبلة (٣) ومد يده يدعو: اللهم أنجز لي ما وعدتني، الله إن تهلك هذه العصابة من أهل (٤) الإسلام لا تعبد في الأرض، فما زال يهتف حتى سقط رداؤه، فأنزل الله تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ﴾ (٥).\nوذكرنا معنى الإمداد في آخر سورة الأعراف وفي سورة آل عمران.\nوقوله تعا لي: ﴿بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ وقرأ نافع (٦) بفتح الدال (٧)،\n_________\n(١) من (م).\n(٢) النيف: من واحد إلى ثلاث، وكل ما زاد على العقد فهو نيف.\nانظر\" \"لسان العرب\" ٨/ ٤٥٧٩ (نوف). ورواية المصنف هذه موافقة لرواية الإمام أحمد في \"المسند\"، وفي \"صحيح مسلم\": ثلاثمائة وتسعة عشر، وفي \"سنن الترمذي\": ثلاثمائة وبضعة عشر.\n(٣) ساقط من (ح).\n(٤) ساقط من (م).\n(٥) رواه بلفظ مقارب مع زيادة: مسلم في \"صحيحه\" (١٨٦٣) كتاب الجهاد والسير، باب: الإمداد بالملائكة في غزوة بدر ٣/ ١٣٨٣ (١٨٦٣)، والترمذي (٣٢٧٥) \"كتاب تفسير القرآن\"، سورة الأنفال، وأحمد في \"المسند\" ١/ ٣٠.\n(٦) هو: نافع بن عبد الرحمن بن أبي نعيم الليثي مولاهم المدني، أحد القراء السبعة، تقدمت ترجمته.\n(٧) انظر: كتاب \"التيسير في القراءات السبع\" لأبي عمرو الداني ص ١١٦، و\"تقريب النشر في القراءات العشر\" لابن الجزري ص ١١٨، وقد قرأ بالفتح أيضًا أبو جعفر ويعقوب، انظر: المصدر السابق، و\"إتحاف فضلاء البشر في القراءات الأربع عشر\" للدمياطي ص ٢٣٦.","vol":"10","page":42},{"text":"قال الفراء: أما (مُرْدِفين) متتابعين، و(مُرْدَفين) فُعل بهم (١)، وقال الزجاج: يقال: أردفت الرجل: إذا جئت بعده، ومعنى (٢) (مردفين) يأتون فرقة بعد فرقة (٣).\nواختلف أهل اللغة في (ردف وأردف) والأكثرون على أنهما بمعنى. [قال] (٤) ثعلب عن ابن الأعرابي (٥): يقال: (ردفته وأردفته واحد) (٦). وقال أبو عبيد عن أبي زيد (٧): ردفت الرجل وأردفته: إذا ركبت خلفه، وأنشد:\nإذا الجوزاء أردفت الثريا ... ظننت بآل فاطمة الظنونا (٨) (٩)\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٤٠٤.\n(٢) في \"معاني القرآن وإعرابه\" للزجاج: فمعنى.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" للزجاج ٢/ ٤٠٢.\n(٤) إضافة من المحقق.\n(٥) هو: محمد بن زياد بن الأعرابي أبو عبد الله الكوفي الهاشمي مولاهم، تقدمت ترجمته.\n(٦) \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٣٩٤ (ردف)، ونصه: ردفته وأردفته بمعنى واحد.\n(٧) هو: سعدي بن أوس بن ثابت الأنصاري أبو زيد البصري، صاحب النحو واللغة، كان صدوقًا علامة حافظًا لنوادر والشعر، توفي سنة ٢١٤ هـ.\nانظر: \"مراتب النحويين\" ص ٧٣، و\"نزهة الألباء\" ص ١٠١، و\"إنباه الرواة\" ٢/ ٣٠، و\"سير أعلام النبلاء\" ٩/ ٤٩٤.\n(٨) البيت لحزيمة بن نهد بن زيد بن ليث القضاعي، وهو شاعر جاهلي قديم. وحزيمة: بالحاء المهملة المفتوحة، وكسر الزاي، وانظر: \" الأغاني\" ١٣/ ٧٨، و\"معجم ما استعجم\" ١/ ١٩، و\"المعارف\" ص ٣٤٢. وقيل إن البيت لخزيمة -بالخاء المعجمة- ابن مالك بن زيد. انظر \"اللسان\" (ردف) ٣/ ١٦٢٥.\nوالمعنى: إذا الجوزاء تبعت الثريا، وذلك إبان اشتداد الحر وجفاف المياه، وتفرق الناس في طلبها، فحينئذٍ تغيب عنه محبوبته فتسيء ظنونه، وتشتد همومه.\n(٩) انظر: قول أبي زيد في \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٣٩٤ (ردف).","vol":"10","page":43},{"text":"ومعناه: جاءت على ردفها، أي: تبعتها ورؤيت (١) خلفها.\nوفصل آخرون بينهما، فقال الزجاج: ردفت الرجل: إذا ركبت خلفه، وأردفته: أركبته خلفي، وأردفت الرجل: إذا جئت بعده (٢).\nوقال شَمِر: ردفت وأردفت: إذا فعلت ذلك بنفسك، فإذا فعلت بغيرك: فأردفت لا غير (٣).\nفمن قرأ (مردِفين) بكسر الدال (٤) فمعناه: أن بعضهم في إثر بعض، كالقوم الذين ترادفوا على الدواب؛ كما ذكره الفراء (٥) والزجاج (٦)، وهو قول قتادة والسدي: متتابعين (٧)، واختار أبو حاتم هذه القراءة، وقال: معناه: بألف من الملائكة جاءوا بعد المسلمين على آثارهم، يقال: ردفه وأردفه: إذا جاء بعده؛ كما قال: أردفت الثريا: أي جاء (٨) بعدها (٩). وروي عن أبي عمرو: أردف بعضهم بعضًا: من الإرداف، وهو أن يحمل الرجل صاحبه خلفه (١٠)، وأنكر أبو عبيد هذا وقال: لم يسمع هذا في صفة الملائكة (١١).\n_________\n(١) في (س): (وردفت).\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٠٢.\n(٣) \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٣٩٤ (ردف).\n(٤) وهي قراءة السبعة غير نافع، انظر: كتاب \"السبعة\" ص ٣٠٤، و\"التيسير في القراءات السبع\" ص ١١٦، و\"تقريب النشر\" ص ١١٨.\n(٥) \"معاني القرآن\" ١/ ٤٠٤.\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٠٢.\n(٧) رواه عنهما ابن جرير ٩/ ١٩١، وابن أبي حاتم ٥/ ١٦٦٣.\n(٨) هكذا في جميع النسخ.\n(٩) انظر: قول أبي حاتم في \"الوسيط\" ٢/ ٤٤٦.\n(١٠) انظر قول أبي عمرو في: \"تفسير ابن جرير\" ٩/ ١٩١، و\"حجة القراءات\" لابن زنجلة ص ٣٠٧.\n(١١) انظر: \"تفسير ابن جرير\" ٩/ ١٩٩، و\"الدر المصون\" ٥/ ٥٧٦.","vol":"10","page":44},{"text":"ومن قرأ بفتح الدال فمعناه: بألفٍ أردف الله المسلمين بهم وأمدهم بهم، وهو قول مجاهد، قال: الإرداف: إمداد المسلمين بهم (١)، واختار أبو عبيد هذه القراءة (٢)، وروي عن الفراء وأبي عبيدة قالا: من فتح الدال أراد: جيء بهم بعدهم وأمدوا بهم، فهم ممدون بهم (٣)، وتفسير ابن عباس يدل على القراءتين لأنه قال: مع كل ملك ملك (٤)، وهذا يحتمل الوجهين؛ لأنك إن كسرت كان معناه: متتابعين، وإن فتحت كان المعني: أنهم جعلوا كذلك، قال أبو علي: من كسر الدال احتمل وجهين أحدهما: أن يكونوا مردفين مثلهم، كما تقولي: أردفت زيدًا دابتي، فيكون المفعول الثاني محذوفًا من الآية، وحذف المفعول كثير (٥).\nويقوي هذا الوجه الذي ذكره أبو علي ما قال عطاء، عن ابن عباس في هذه الآية، قال: يريد ألفًا بعد ألف (٦).\n_________\n(١) في \"تفسير الإمام مجاهد\" ص ٣٥٢، و\"تفسير ابن جرير\" ١٣/ ٤١٣، وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وأبو الشيخ، كما في \"الدر المنثور\" ٤/ ٣٠، عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿مُرْدِفِينَ﴾ قال: ممدّين اهـ. فلعل المصنف ذكر قول مجاهد بالمعنى.\n(٢) انظر: \"حجة القراءات\" لابن زنجلة ص ٣٠٧.\n(٣) في \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٤٠٤: (مردَفين): فعل بهم اهـ. \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ١/ ٢٤١: ومن قرأها بفتح الدال وضعها في موضع (مفعولين) من أردفهم الله من بعد من قبلهم وقدامهم.\n(٤) رواه ابن جرير في \"تفسيره\" ٩/ ١٩٢ بإسناد فيه قابوس بن أبي ظبيان، وهو ضعيف لا يحتج به كما في الكاشف ٢/ ٣٣٤.\n(٥) \"الحجة للقراء السبعة\" ٤/ ١٢٤.\n(٦) أكثر المؤلف من ذكر رواية عطاء عن ابن عباس بل بنى عليها تفسيره هذا وكذلك، و\"الوسيط\"، و\"الوجيز\"، ولم أجد لها ذكرًا في كتب التفسير كـ\"تفسر عبد الرزاق\"، =","vol":"10","page":45},{"text":"قال: والوجه الآخر في (مردفين) أن يكونوا جاءوا بعد المسلمين، قال الأخفش: تقول العرب: بنو فلان يردفوننا، أي: يجيئون بعدنا (١)، وقال أبو عبيدة: (مردفين) جاءوا بعد، وردفني وأردفني واحد (٢)، قال أبو علي: وهذا الوجه كأنه أبين لقوله: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ﴾ الآية، فقوله (مردفين) جائين بعد لاستغاثتكم (٣) ربكم وإمداده إياكم، ومن فتح الدال\n_________\n= و\"ابن جرير\"، و\"ابن أبي حاتم\"، و\"الثعلبي\"، و\"البغوي\"، و\"الدر المنثور\"، وغيرها. وقد يذكرها في أحيان قليلة الفخر الرازي وابن الجوزي، وهما يكثران النقل من \"البسيط\"، وفي القلب شيء من صحة هذه الرواية لما يأتي:\n١ - أن هذه الرواية مفسرة لجميع آيات القرآن، وهذا غير معهود عن السلف، قال الخليلي: هذه التفاسير الطوال التي أسندوها إلى ابن عباس غير مرضية ورواتها مجاهيل. \"الإتقان\" ٢/ ٢٤١.\n٢ - أن الإِمام الشافعي ﵀ قال: لم يثبت في التفسير عن ابن عباس إلا شبيه بمائة حديث.\nانظر: المصدر السابق ص ٢٤٢، ولعل الشافعي لم تصح عنده رواية علي بن أبي طلحة الوالبي إذ هي في الأصل منقطعة، لكن عرفت الواسطة وهو ثقة. انظر: \"التفسير والمفسرون\" ١/ ٧٨.\n٣ - أن هذه الرواية قد تخالف الرواية الصحيحة عن ابن عباس.\nأقول: تبين لي فيما بعد أن هذه الرواية موضوعة، وقد تقدم ذلك عند الحديث عن مصادر المؤلف، في مقدمة التحقيق.\n(١) \"الحجة للقراء السبعة\"٤/ ١٢٥، و\"فتح الباري\" ٨/ ٣٠٧، ولم أجده في \"معاني القرآن\".\n(٢) قول أبي عبيدة هذا ذكره بنصه أبو علي الفارسي في \"الحجة للقراء السبعة\" ٤/ ١٢٥، ونص قول أبي عبيدة في \"مجاز القرآن\" ١/ ٢٤١ (مردفين) مجازه: مجاز فاعلين، من أردفوا، أي جاءوا بعد قوم قبلهم، وبعضهم يقول: ردفني. أي جاء بعدي، وهما لغتان.\n(٣) في (ح): (استغاثتكم).","vol":"10","page":46},{"text":"فهم مردَفون، على: أردفوا الناس أي: أُنزلوا بعدهم (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1313>١٠ </span>- قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ﴾ قال الفراء هذه (الهاء) للإرداف أي: ما جعل الله [الإرداف إلا بشرى (٢)، وقال الزجاج: أي: ما جعل الله المدد] (٣) إلا بشرى (٤)، وهذا أولى لأن الإمداد بالملائكة كانت البشرى (٥)، وقال ابن عباس: كان رسول الله - ﷺ - يوم بدر في العريش قاعدًا يدعو وكان أبو بكر قاعدًا على يمينه معه، ليس معه غيره، فخفق رسول الله - ﷺ - من نعسة نعسها ثم ضرب بيمينه على فخذ أبي بكر فقال: أبشر بنصر الله فلقد رأيت في منامي بقلبي -والأنبياء إذا ناموا لا تنام قلوبهم ينظرون بها كما ينظرون بأبصارهم وهم مستيقظون- جبريل يقدم الخيل فبشره بإمداد الله إياهم بالملائكة (٦)، وهذه الآية مفسرة ومشروحة في سورة آل عمران.\n_________\n(١) \"الحجة للقراء السبعة\" ٤/ ١٢٥، وقد تصرف الواحدي في عبارة أبي علي واختصرها.\n(٢) اهـ. كلام الفراء. انظر: \"معاني القرآن\" ١/ ٤٠٤.\n(٣) ما بين المعقوفين ساقط من (ح).\n(٤) اهـ. كلام الزجاج. انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٠٣.\n(٥) هكذا في جميع النسخ، وعبارة الرازي في \"تفسيره\" ١٥/ ١٣١: وهذا أولى لأن الإمداد بالملائكة حصل بالبشرى، وفي كلتا العبارتين غموض.\n(٦) رواه بلفظ مقارب عن ابن عباس ابن إسحاق، انظر: \"السيرة النبوية\" لابن هشام ٢/ ٢٦٦ - ٢٦٨، وروى البخاري أوله بمعناه في \"صحيحه\" (٢٩١٥) كتاب الجهاد والسير، باب: ما قيل في درع النبي - ﷺ -. وكذلك روى البخاري بعضه بلفظ: أن النبي - ﷺ - قال يوم بدر: \"هذا جبريل آخذ برأس فرسه عليه أداة الحرب\"، \"صحيح البخاري\" (٣٩٩٥) كتاب المغازي، باب: شهود الملائكة بدرًا، كما روى قضية رؤية النبي بقلبه عن أنس بلفظ: فيما يرى قلبه، والنبي - ﷺ - نائمة عيناه ولا ينام قلبه، وكذلك الأنبياء تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم، و\"صحيح البخاري\" كتاب الأنبياء، باب: كان النبي - ﷺ - تنام عينه ولا ينام قلبه ٥/ ٣٣.","vol":"10","page":47},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1314>١١ </span>- قوله تعالى: ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ﴾. قال الزجاج: (إذ) موضعها نصب على معنى: وما جعله الله إلا بشرى في ذلك الوقت، قال: ويجوز أن تكون على (١): اذكروا إذ يغشيكم (٢) النعاس (٣).\nواختلف القراء في ﴿يُغَشِّيكُمُ﴾ فقرؤوا (٤) من غشي ومن أغشى ومن غشّى (٥)، فمن قرأ (يغشاكم) فحجته قوله: ﴿أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى﴾ [آل عمران: ١٥٤] فكما أسند الفعل هناك إلى النعاس أو الأمنة التي هي سبب النعاس؛ كذلك في هذه الآية، ومن قرأ (يُغْشِيكم) أو (يُغَشّيكم) فالمعنى واحد، وقد جاء التنزيل بهما في قوله تعالى: ﴿فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ [يس: ٩] وقال ﴿فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى﴾ [النجم: ٥٤] وقال: ﴿كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ﴾ [يونس: ٢٧]،وإسناد الفعل في هذا إلى الله تعالى أشبه بما بعده من قوله (وينزل) (ويذهب).\nوقوله ﴿أَمَنَةً﴾ منصوب مفعول له كقولك: فعلت ذلك حذر الشر، والتأويل: إن الله جل وعز أمنهم أمنًا حتى غشيهم النعاس بما وعدهم من النصر (٦).\n_________\n(١) عبارة الزجاج هكذا: ويجوز على أن يكون.\n(٢) في (ح) و(س): (يغشاكم)، وما في (م) موافق للمصدر التالي.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" للزجاج ٢/ ٤٠٣.\n(٤) في (ج): (فقريء).\n(٥) إذا كان الفعل (غشي) فالقراءة (يغشاكم)، وإذا كان الفعل (أغشى) فالقراءة (يُغْشِيكم)، وإذا كان الفعل (غشى) فالقراءة (يُغَشّيكم) والقراءة الأولى لابن كثير وأبي عمرو، والثانية لنافع، والثالثة لعاصم وابن عامر وحمزة والكسائي.\nانظر: \"التبصرة في القراءات\" ص ٢٢١، و\"تقريب النشر\" ص ١١٨، و\"إتحاف فضلاء البشر\" ص ٢٣٦.\n(٦) التعليل بأن الأمن بسبب وعدهم بالنصر يحتاج إلى دليل ولم أجده، ويشكل على =","vol":"10","page":48},{"text":"قال ابن مسعود: النعاس في القتال أمنةً من الله، وفي الصلاة من الشيطان (١).\nوغشيان النعاس أصحاب بدر، كغشيانه إياهم يوم أُحد، وقد ذكرنا الكلام فيه وفي قوله ﴿أَمَنَةً﴾، في سورة آل عمران.\nوقوله تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ ذكر أهل التفسير (٢) أن المسلمين لما بايتوا المشركين ببدر أصابت جماعة منهم جنابات احتاجوا لها إلى الماء فساءهم عدم الماء عند فقرهم إليه، وكان المشركون قد سبقوهم إلى الماء وغلبوهم عليه (٣)، فوسوس إليهم الشيطان أن ذلك عون من الله للعدو، وقال لهم: كيف ترجون الظفر عليهم وقد غلبوكم على الماء (٤) وأنتم تصلون مجنبين ومحدثين وتزعمون أنكم أولياء\n_________\n= هذا التعليل نزول الأمن عليهم بعد معركة أحد كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا﴾ [آل عمران: ١٥٤]، ثم إن التعبير بقوله (أمنة منه) في قصة بدر، وبقوله: ﴿أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ﴾ في قصة أحد ما يؤكد أن الأمن فيض من الله، ونفحة من نفحات رحمته على عباده المؤمنين سواء وعدوا بالنصر أم لم يوعدوا.\n(١) رواه ابن جرير ٩/ ١٩٣ - ١٩٤، والسمرقندي ٢/ ٩، والثعلبي ٦/ ٤٢ ب، والبغوي ٣/ ٣٣٤.\n(٢) انظر: \"تفسير ابن جرير\" ١٣/ ٤١٢ - ٤٢٦، والثعلبي ٦/ ٤٣ أ، و\"الدر المنثور\" ٤/ ٣٢، ٣٣.\n(٣) في (ج): (إليه).\n(٤) تضاربت الروايات فيمن غلب على الماء، فالمشهور أن المسلمين غلبوا عليه، وصنعوا حوضًا كبيرًا، وقد روى ذلك البيهقي في \"دلائل النبوة\" ٢/ ٣٢١ عن ابن شهاب وعروة بن الزبير وعاصم بن عمر وموسى بن عقبة، ورواه ابن إسحاق كما في \"سيرة ابن هشام\" ٢/ ٢٥٩ - ٢٦٠ عن رجال من بني سلمة، وكلا الإسنادين غير متصل. وروى ابن جرير ٩/ ١٩٥ عن ابن عباس أن المشركين هم الذين غلبوا على الماء، =","vol":"10","page":49},{"text":"الله وفيكم نبيه؟! فأنزل الله تعالى مطرًا أسال منه الوادي حتى اغتسلوا وتطهروا وزالت الوسوسة؛ فذلك قوله: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ أي من الأحداث والجنابة، ﴿وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ﴾ أي وسوسته التي تكسب عذاب الله وغضبه، ولذلك سمى الوسوسة رجزًا (١)، ومضى الكلام في الرجز وأن معناه العذاب (٢)، ومن المفسرين من يحمل رجز الشيطان على الجنابة وهي من الشيطان (٣).\n_________\n= لكن سند هذه الرواية مسلسل بالضعفاء، وهم أسرة العوفي، انظر: \"تفسير ابن جرير\" ١/ ٢٦٣ حاشية (١)، وقد أبدع المحقق في بيان ذلك.\nوهناك رواية أخرى عن ابن عباس عند ابن جرير ٩/ ١٩٦ تفيد أن المشركين غلبوا على الماء أول الأمر، وسندها ضعيف أيضًا لأن أحد رجالها مدلس وهو ابن جريج، ولم يصرح بالتحديث.\nانظر: \"إتحاف ذوي الرسوخ بمن رمي بالتدليس\" ص ٣٧.\nوالذي صح عن ابن عباس ما رواه ابن جرير ٩/ ١٩٥ من رواية علي بن أبي طلحة أنه قال: نزل النبي - ﷺ - يعني حين سار إلى بدر والمسلمون بينهم وبين الماء رملة دعصة فأصاب المسلمين ضعف شديد، وألقى الشيطان في قلوبهم الغيظ، فوسوس بينهم: تزعمون أنكم أولياء الله وفيكم رسوله وقد غلبكم المشركون على الماء .. إلخ.\nلكن هذه الرواية ليست نصًّا في غلبة المشركين على الماء لاحتمال وصول المسلمين إليه بعد نزول المطر، وأما قوله: (وقد غلبكم المشركون) فهو من وسوسة الشيطان لا حقيقة. والله أعلم.\n(١) قال ابن قتيبة في \"تأويل مشكل القرآن\" ص ٤٧١ الرجز: العذاب. قال تعالى -حكايته عن قوم فرعون-: ﴿لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ﴾ [الأعراف: ١٣٤] أي العذاب، ثم قد يسمى كيد الشيطان رجزًا؛ لأنه سبب العذاب، قال الله تعالى: ﴿وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ﴾.\n(٢) البقرة: ٥٩.\n(٣) انظر: \"البحر المحيط\" ٥/ ٢٨٣، و\"تفسير الفخر الرازي\" ١٥/ ١٣٨.","vol":"10","page":50},{"text":"وقال عطاء: رجز الشيطان: تخويفه إياهم بالعطش (١)، وهذا أيضًا نوع من الوسوسة.\nوقوله تعالى: ﴿وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ﴾ قال ابن عباس: باليقين والعز والنصر (٢)، ومعنى الربط في اللغة: الشد، ذكرنا ذلك في قوله: ﴿وَرَابِطُواْ﴾ [آل عمران:٢٠٠] ويقال: لكل من صبر عل أمر: ربط قلبه، كأنه حبس قلبه عن أن يضطرب، ويقال: رجل رابط الجأش، قال الأصمعي: هو الذي يربط نفسه يكفها بجرأته (٣) وشجاعته (٤)، ومنه قول لبيد:\nرابط الجأش على كل وجل (٥)\nويشبه أن يكون (على) هاهنا صلة، والمعنى وليربط قلوبكم بالصبر (٦) وما أوقع فيها من اليقين فتثبت ولا تضطرب.\nوقوله (٧): ﴿وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ﴾ قال المفسرون: وذلك أن المسلمين كانوا [قد نزلوا] (٨) على كثيب تغوص فيه أرجلهم، فلبده المطر حتى ثبتت عليه الأقدام (٩)، والكناية تعود على الماء.\n_________\n(١) لم أعثر عليه فيما بين يدي من مراجع.\n(٢) لم أجد من ذكره عن ابن عباس، وقد ذكر ابن الجوزي عنه أنه قال: بالصبر، انظر: \"زاد المسير\" ٣/ ٣٢٨.\n(٣) في \"تهذيب اللغة\": لجرأته.\n(٤) انظر: \"تهذيب اللغة\" (ربط) ٢/ ١٣٤٦.\n(٥) هذا عجز بيت وصدره:\nيُسْئِد السير عليها راكب\nانظر: \"ديوانه\" ص ١٧٦، ومعنى: يسئد: يغذّ ويسرع، كما في المصدر نفسه.\n(٦) في (م): (النصر)، واللفظ ساقط من (س).\n(٧) من (م).\n(٨) ما بين المعقوفين ساقط من (ح).\n(٩) انظر: \"تفسير ابن جرير\" ٩/ ١٩٤، و\"تفسير الثعلبي\" ٦/ ٤٣ أ.","vol":"10","page":51},{"text":"قال الزجاج: وجائز أن يكون (به): بالربط؛ لأن (يربط) يدل عليه، فكأنه قال: ويثبت بالربط أقدامكم (١).\n\n١٢ - قوله تعالى: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ﴾ قال أبو إسحاق: إذا (٢) في موضع نصب على: وليربط إذ يوحي، قال: ويجوز أن يكون على: اذكروا (٣).\nومعنى (يوحي ربك) أي: يلقي إليهم من وجه يخفى، هذا حقيقة معنى الإيحاء (٤).\nوقوله تعالى: ﴿إِلَى الْمَلَائِكَةِ﴾ يعني الذين أمد الله بهم المسلمين، وقوله تعالى: ﴿أَنِّي مَعَكُمْ﴾ أي بالعون والنصرة، كما يقال: فلان مع فلان أي معونته معه (٥).\nوقوله تعالى: ﴿فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، قال عطاء عن ابن عباس: يريد ادعوا لهم، ولا يمدن أحد منهم سيفه ليضرب به إلا بادرتموه بسيوفكم (٦)،\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٠٤ بتصرف.\n(٢) ساقط من (ح).\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٠٤.\n(٤) انظر: \"الصحاح\" (وحي) ٦/ ٢٥٢٠.\n(٥) هذه بعض معان المعية الخاصة، وليسر ذلك من التأويل المذموم بل هو مقتضى لغة العرب، قال الإمام ابن القيم ﵀: (مع) في كلامهم لصحبته اللائقة، وهي تختلف باختلاف متعلقاتها ومصحوبها، فكون نفس الإنسان معه لون وكون علمه وقدرته وقوته معه لون، وكون زوجته معه لون، وكون أميره ورئيسه معه لون، وكون ماله معه لون، فالمعية ثابتة في هذا كله مع تنوعها واختلافها. \"مختصر الصواعق المرسلة\" ص ٣٩٤.\n(٦) لم أعثر على مصدره، وفي معناه نظر، إذ لو ثبت هذا لما قتل أحد من المسلمين لكن الواقع أنه استشهد في معركة بدر أربعة عشر رجلا. انظر: \"سيرة ابن هشام\" ٢/ ٣٥٤ - ٣٥٥.","vol":"10","page":52},{"text":"وقال مقاتل: يعني بشروهم بالنصر، وكان الملك يسير أمام الصف في صورة الرجل ويقول: أبشروا فإن الله ناصركم ويرى (١) الناس أنه منهم (٢) (٣).\nوقال عبد العزيز بن يحيى: شجعوهم وقووا عزمهم في الجهاد (٤)، وهذا معني قول الزجاج: جائز أن يكونوا يثبتونهم بأشياء يلقونها في قلوبهم تقوى بها (٥)، قال أبو روق: هو أن الملك كان يتشبه بالرجل الذي يعرفونه فيأتي الرجل منهم ويقول: إني سمعت المشركين يقولون: والله لئن حملوا علينا لننكشفن، فيتحدث بذلك المسلمون ويزدادون جرأة (٦)، وهذا اختيار الفراء (٧) وابن الأنباري، وقال الزجاج: وجائز أن يكونوا يرونهم مددًا فإذا عاينوا نصر الملائكة ثبتوا (٨).\nوذكر أبو بكر (٩) وجهًا آخر فقال: معناه اقتلوا المشركين وأفسدوا صفوفهم فإنكم إذا فعلتم ذلك ثبّتم المؤمنين، وهذا معنى قول المبرد: (وازروهم) (١٠)، وهو قول الحسن قال: (فثبتوا الذين آمنوا) بقتالكم\n_________\n(١) في (ح): (فيرى).\n(٢) في (س): (منكم).\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ل ١١٩ أ.\n(٤) لم أعثر عليه، وقد ذكره الثعلبي ٦/ ٤٣ أبلا نسبة.\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٠٤، ونص عبارة الزجاج: جائز أن يكون أنهم يثبتوهم ... إلخ.\n(٦) رواه الثعلبي في \"تفسيره\" ٦/ ٤٣ ب، والأثر مرسل لأن أبا روق من صغار التابعين ولم يسنده إلى صحابي.\n(٧) انظر: \"معاني القرآن\" له ١/ ٤٠٥.\n(٨) انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٠٤.\n(٩) هو: ابن الأنباري.\n(١٠) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ٦/ ٤٣/ب، وهو قول ابن إسحاق، انظر \"السيرة =","vol":"10","page":53},{"text":"المشركين (١).\nوقوله تعالى: ﴿سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾، قال عطاء: يريد الخوف من أوليائي (٢).\nوقوله تعالى: ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ﴾، قالوا: جائز أن يكون هذا أمرًا للملائكة وهو الظاهر، وجائز أن يكون أمرًا للمؤمنين (٣)، ومعناه: فاضربوا الرؤوس؛ لأنها فوق الأعناق. قال عطاء عن ابن عباس: يريد كل هَامَة وجمجمة (٤)، وقال عكرمة: معناه: فاضربوا الرؤوس فوق الأعناق (٥)، [وقال الفراء: \"علمهم مواضع الضرب فقال: اضربوا الرؤوس (٦)] (٧) \"،\n_________\n= النبوية\" ٢/ ٢٧٣ - ٢٧٤، ومعنى (وازروهم): أعينوهم. انظر: \"القاموس المحيط\" فصل: الواو، باب: الراء ص ٤٩٢.\n(١) \"زاد المسير\" ٣/ ٣٢٩، و\"الوسيط\" ٢/ ٤٤٨، وانظر: \"تفسير الحسن البصري\" ١/ ٣٩٩ جمع وتوثيق د/ محمد عبد الرحيم.\n(٢) رواه البغوي في \"تفسيره\" ٣/ ٣٣٤، وانظر: \"الوسيط\" ٢/ ٤٤٨.\n(٣) رجح هذا القول ابن جرير ١٣/ ٤٣٠، والسمرقندي ٢/ ١٠، والرازي ١٥ - ١٤٠، وانظر القولين في \"تفسير الثعلبي\" ٦/ ٤٣ ب، والبغوي ٣/ ٣٣٤، وابن الجوزي ٣/ ٣٢٩، والرازي ١٥/ ١٤٠، وقتال الملائكة يوم بدر ثابت في \"صحيح مسلم\"، كتاب الجهاد والسير، باب الإمداد بالملائكة رقم (١٧٦٣) ٣/ ١٣٨٣.\n(٤) انظر: \"تفسير القرطبي\" ٧/ ٣٧٨، وبمعناه عند الثعلبي ٦/ ٤٣ ب، والهامة: أعلى الرأس، وقيل: الرأس، وقيل غير ذلك. انظر: \"لسان العرب\" (هوم) ١٢/ ٦٢٤.\n(٥) رواه الثعلبي ٦/ ٤٣ ب، ورواه ابن جرير ١٣/ ٤٣٠، وابن أبي حاتم ٣/ ٢٣١ ب مختصرًا بلفظ: الرؤوس.\n(٦) \"معاني القرآن\" ١/ ٤٠٥، ونصر عبارة الفراء: اضربوا الرؤوس والأيدي والأرجل.\n(٧) ما بين المعقوفين ساقط من (س).","vol":"10","page":54},{"text":"وقال أبو بكر (١): أراد به الرؤوس، وذلك أن الملائكة حين أمرت بالقتال لم تعلم أين تقصد بالضرب من الناس فعلمهم الله تعالى أن يضربوا الرؤوس.\nقال قطرب (٢): يعني ما فوق الأعناق (٣).\nونصب (فوق) يكون بالظرف.\nوقوله تعالى: ﴿وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ يعني الأطراف من اليدين والرجلين، عن ابن عباس (٤)، وابن جريج (٥)، والسدي (٦).\nوفي رواية: (كل بنان) من الأصابع إلى الذراع (٧)، قال الليث (٨):\n_________\n(١) يعني: ابن الأنباري، وانظر قوله هذا في: \"زاد المسير\" ٣/ ٣٢٩، وفي \"تفسير البغوي\" ٣/ ٣٣٥.\n(٢) هو: محمد بن المستنير أبو علي المعروف بقطرب النحوي اللغوي المعتزلي أحد أئمة اللغة والنحو، تتلمذ على سيبويه وغيره من علماء البصرة، توفي سنة ٢٠٦ هـ. انظر: \"نزهة الألباء\" ص ٧٦، و\"إنباه الرواة\" ٣/ ٢١٩، و\"مراتب النحويين\" ص ١٠٩.\n(٣) لم أجد من ذكر هذا القول عنه، ولعله في كتابه \"معاني القرآن\" وهو من الكتب التي لم أعثر عليها، وانظر نحو هذا القول في: \"النكت والعيون\" ٢/ ٣٠٢.\n(٤) انظر: \"تفسير ابن جرير\" ٩/ ١٩٩، وابن أبي حاتم ٥/ ١٦٦٨، والثعلبي ٦/ ٤٣ ب.\n(٥) انظر: \"تفسير ابن جرير\" ٩/ ١٩٩، والثعلبي ٦/ ٤٣ ب.\n(٦) انظر: \"تفسير ابن أبي حاتم\" ٥/ ١٦٦٨، وابن كثير ٢/ ٣٢٤.\n(٧) لم أجد هذه الرواية في كتب التفسير.\n(٨) هو: الليث بن نصر بن سيار الخرساني اللغوي النحوي، وقيل: الليث بن المظفر، وقيل: الليث بن رافع، كان من أكتب الناس في زمانه، بارعًا في الأدب، بصيرًا بالشعر والغريب والنحو، من تلامذة الخليل بن أحمد وراوي كتاب \"العين\" عنه، بل قيل إنه هو مؤلفه، وجزم الأزهري بذلك وتبعه المؤلف.\nانظر: \"تهذيب اللغة\" ١/ ٢٨، و\"إنباه الرواة\" ٣/ ٤٢، و\"لسان الميزان\" ٤/ ٤٩٤، و\"بغية الوعاة\" ٢/ ٢٧٠، وانظر: الرد علي الأزهري في نسبة كتاب العين لليث، وصحة نسبته في مقدمة كتاب \"العين\" ١/ ١٩.","vol":"10","page":55},{"text":"البنان: أطراف الأصابع من اليدين والرجلين، والبنان في كتاب الله هي (الشوى) وهي الأيدي والأرجل (١).\nوبنحو هذا قال الفراء، قال: يعني الأيدي والأرجل (٢)، قال أبو بكر (٣): البنان أطراف الأصابع، اكتفى الله به من جملة اليد والرجل، والعرب تكتفي ببعض الشيء من كله، وأنشد لعنترة:\nعهدي به (٤) مدّ النهار كأنما ... خُضب البنان ورأسه بالعظلم (٥)\nيعني قتيلًا مضرجًا في دمه، وأراد بالبنان [جملة أطرافه.\nوقال عطية والضحاك: كل كان: مفصل (٦)، وهو اختيار أحمد بن يحيى، قال: البنان] (٧) كل طرف ومفصل (٨).\n_________\n(١) \"تهذيب اللغة\" (بنن) ١٥/ ٤٦٨، والنص في كتاب \"العين\" (بن) ٨/ ٣٧٢، وتفسير (الشوى) بالأيدي والأرجل قول لأهل اللغة، وقيل: ظاهر الجلد كله. انظر: \"تهذيب اللغة\" (شوى) ١١/ ٤٤٢، و\"لسان العرب\" (شوى) ١٤/ ٤٤٧.\n(٢) \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٤٠٥ بتصرف.\n(٣) هو: ابن الأنباري، وقد ذكر بعض قوله هذا ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٣/ ٣٣٠، كما ذكره المؤلف في \"الوسيط\" ٢/ ٤٤٨.\n(٤) في (س): (بها).\n(٥) \"ديوانه\" ص ٢٧ بمثل رواية المصنف، وانظر: \"شرح ديوانه\" للشنتمري ص ٢١٣، و\"سر صناعة الإعراب\" ٢/ ٦٠٩، و\"اللسان\" (شدد) ٤/ ٢٢١٤، و\"الدر المصون\" ٥/ ٥٨٠، وفيها جميعًا: شد النهار، وهو بمعنى رواية الديوان، أي: ارتفاعه، انظر: \"اللسان\" (مدد) ٧/ ٤١٥٨.\nوالعِظْلم: بكسر العين: قال الجوهري في \"الصحاح\" (عظلم) ٥/ ١٩٨٨: نبت يصبغ به، وفي \"اللسان\" (عظلم) ٥/ ٣٠٠٤: صبغ أحمر.\n(٦) رواه عنهما ابن جرير ٩/ ١٩٩، وابن أبي حاتم ٥/ ١٦٦٨.\n(٧) ما بين المعقوفين ساقط من (ح).\n(٨) \"فصيح ثعلب\" ص ٤٦ بنحوه.","vol":"10","page":56},{"text":"قال أبو الهيثم (١): وكل مفصل (٢) بنانة (٣)، وقال الزجاج في هذه الآية: أباحهم الله ﷿ قتلهم بكل نوع يكون في الحرب (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1316>١٣ </span>- قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الإشارة تعود إلى ما أمر به من ضربهم؛ يقول: ضرب أعناقهم وبنانهم بما ارتكبوا من الشقاق، وذكرنا معنى الشقاق فيما تقدم (٥).\nوقال أبو إسحاق: شاقوا: جانبوا وصاروا في شق غير شق المؤمنين (٦)، والشق: الجانب، وقال ابن قتيبة: شاقوا: نابذوا وباينوا (٧).\nوقال ابن عباس: ﴿شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ يريد: حاربوا الله وحاربوا رسوله (٨)، وهذا معنى وليس بتفسير؛ وذلك أن المحارب: مباين مخالف، يدل على هذا أنه قد باين (٩) من لا يحارب: فيقال: قد شاق، فحقيقة معنى\n_________\n(١) هو: خالد بن يزيد الرازي أبو الهيثم، اشتهر بكنيته، من أئمة اللغة بارعًا حافظًا عالمًا ورعًا كثير الصلاة، صاحب سنة، توفي عام ٢٧٦ هـ انظر: \"تهذيب اللغة\" ١/ ٤٥ - ٤٦، و\"إنباه الرواة\" ٤/ ١٨٨، و\"بغية الوعاة\" ٢/ ٣٢٩.\n(٢) ساقط من (ح).\n(٣) \"تهذيب اللغة\" (بن) ١/ ٣٩١.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" للزجاج ٢/ ٤٠٥.\n(٥) انظر: البسيط (النسخة الأزهرية) ١/ ٩١ أ، ونص قوله في هذا الموضع: (\"شقاق\": أي خلاف وعداوة، وتأويله: أنهم صاروا في شق غير شق المسلمين، والعداوة تسمى شقاقًا،؛ لأن كل واحد من المعادين يأتي بما يشق على صاحبه، أو لأن كل واحد صار في شق غير شق صاحبه).\n(٦) اهـ كلام الزجاج. انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٠٥.\n(٧) \"تفسير غريب القرآن\" لابن قتيبة ص ١٨٨.\n(٨) \"الوسيط\" ٢/ ٤٤٨.\n(٩) في (م): تباين اهـ. والضمير في قوله (أنه) ضمير الشأن، و(من) فاعل (باين) والمعنى: إن من لا يحارب من الكفار قد باين، ويقال له: قد شاق الله ورسوله، فتبين أن تفسير ابن عباس المشاقة بالمحاربة من باب التمثيل.","vol":"10","page":57},{"text":"الشقاق: الانفصال، من قولهم: انشق انشقاقًا وشقه شاقًّا، والشقان: الجانبان انفصل أحدهما عن الآخر، وشاقه شقاقًا: إذا صار في شق عدوه بأن باينه وخالفه.\nوشاقوا الله: مجاز، وحقيقته (١): شاقوا أولياء الله (٢)؛ ألا ترى أن أبا إسحاق قال: صاروا في شق غير شق المؤمنين (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1317>١٤ </span>- قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ﴾ قال مقاتل: يعني القتل يوم بدر وضرب الملائكة الوجوه والأدبار (٤) فعنده الإشارة تعود إلى ما ذكر (٥)، والصحيح أن الإشارة بقوله ﴿ذَلِكُمْ﴾ تعود على (٦) ما عاد عليه (٧) قوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ﴾ وهذا قريب مما قاله (٨)؛ لأن قتلهم يوم بدر حصل بذلك الضرب.\n_________\n(١) في (ح): (وحقيقة).\n(٢) بل مشاقة الله لا تقتصر على مشاقة أوليائه فهي تعني مخالفته وسبه بادعاء الشركاء والولد له، ومحاربة دينه، وترك شرعه، وغير ذلك من أنواع المشاقة، قال الإمام ابن كثير ٢/ ٣٢٥: ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله، أي: خالفوهما فساروا في شق، وتركوا الشرع والإيمان به واتّباعه في شق.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" للزجاج ٢/ ٤٠٥.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ١١٩ ب، وقد تصرف الواحدي في عبارته.\n(٥) في (ح): (ما ذكره).\n(٦) في (خ) و(س): (إلي).\n(٧) في (ح): (إليه).\n(٨) الفرق بين قول مقاتل وما رجحه الواحدي هو أن مقاتل يرى أن الإشارة تعود إلى القتل والضرب، والواحدي يرى أن الإشارة تعود إلى الضرب فقط وهو ما ذكره ابن جرير ١٣/ ٤٣٣ والخلاف يسير؛ لأن ضرب الأعناق يعني القتل لا سيما من ملك.","vol":"10","page":58},{"text":"وأما محل ﴿ذَلِكُمْ﴾ من الإعراب فقال الزجاج: هو رفع على إضمار الأمر، المعنى: الأمر ذلكم فذوقوه، ولا يجوز أن يكون ﴿ذَلِكُمْ﴾ ابتداء، و﴿فَذُوقُوهُ﴾ الخبر، من قِبلِ أن ما بعد الفاء لا يكون خبرًا للمبتدأ إلا أن يكون المبتدأ اسمًا موصولًا، أو نكرة موصوفة، نحو: الذي يأتيني فله درهم، وكل رجل في الدار فمكرم، فأما: زيد فمنطلق، لا يجوز إلا أن نجعل زيدًا خبرًا لابتداء محذوف، على معنى: هذا زيد منطلق، أي: فهو منطلق، وعلى هذا قول الشاعر (١):\nوقائلة خولان فانكح فتاتهم (٢)\nأي: هؤلاء خولان، وهذا الذي ذكرته معنى قول أبي إسحاق مع شرح أبي علي (٣)، وقال غيره: يجوز أن يكون محل ﴿ذَلِكُمْ﴾ نصبًا بذوقوا، كما تقول: زيدًا فاضربه (٤).\n_________\n(١) هذا البيت من شواهد سيبويه في \"الكتاب\" ١/ ١٣٩ وهو من أبياته الخمسين التي لم يعرف قائلوها، وعجز البيت:\nأكرومة الحيين خلو كما هيا\nوخولان: قبيلة باليمن، وهم أبناء خولان بن عمرو بن مالك بن الحارث. والأكرومة: الكريمة، والحيان: حي أبيها وحي أمها يعني: أنها كريمة النسب من جهة أبيها ومن جهة أمها، خلو: أي لا زوج لها، كما هي: أي بكر كما هي خلقتها الأولى.\nانظر: \"خزانة الأدب\" ١/ ٤٥٥، و\"شرح أبيات سيبويه\" للسيرافي ١/ ٢٧٣.\n(٢) اهـ. كلام أبي إسحاق الزجاج. انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٠٧. وقد نقله الواحدي بالمعنى كما أشار لذلك بقوله: وهذا الذي ذكرته معنى قول أبي إسحاق.\n(٣) \"الإغفال\".\n(٤) ممن جوز ذلك الزمخشري في \"الكشاف\" ٢/ ١٤٨، وأبو البقاء في \"التبيان\" ص ٤٠٦. وقد بين أبو حيان ضعف هذا الوجه، انظر:\"البحر المحيط\" ٤/ ٤٧٢.","vol":"10","page":59},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ﴾، قال الفراء: إن شئت جعلت ﴿أَن﴾ رفعًا بالعطف على ﴿ذَلِكُمْ﴾ (١)، وهو قول أبي إسحاق، قال: المعنى: الأمر ﴿ذَلِكُمْ﴾ والأمر ﴿وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ﴾ (٢)، قال الفراء: ويجوز أن [عمرًا قائمًا، بل يلزمه أن يقول مبتدئًا: عمرًا منطلقًا؛ لأن المخبر مُعلم، ولا (٣) يجوز إضمار (اعلم)] (٤) هاهنا؛ لأن كل كلام تخبر به فأنت مُعلم (٥)، فاستغنى عن إظهار العلم (٦) وإضماره، وهذا القول لم يقله أحد من النحويين (٧).\nومعنى الآية وعيد للكافرين بعذاب النار بعد ما نزل بهم من ضرب (٨) الأعناق وكل بنان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1318>١٥ </span>- قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا﴾. الزحف: معناه في اللغة: الدنو قليلًا قليلًا، يقال: زحف إليه يزحف زحفًا، إذا مشى قليلًا، ويقال أيضًا: أزحفت (٩) للقوم: إذا دنوت لقتالهم، وكذلك تزحّف وتزاحف، قال الأعشى:\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٤٠٥ بالمعنى.\n(٢) نص كلام الزجاج: المعنى: الأمر ذلكم وأن الله، والأمران الله موهن، و\"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٠٧.\n(٣) في \"معاني القرآن وإعرابه\": ولكنه لم يجز.\n(٤) ما بين المعقوفين ساقط من (س).\n(٥) زاد محقق \"معاني القرآن وإعرابه\" بعد هذه الكلمة لفظ: به.\n(٦) في \"معاني القرآن وإعرابه\": أو.\n(٧) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٠٨.\n(٨) في (ح): (ضروب).\n(٩) في (س): (زحفت).","vol":"10","page":60},{"text":"لمن الظعائن سيرهن تزحف (١)\nويقال: أزحف لنا عدونا ازحافًا، أي: صاروا يزحفون [إلينا زحفًا لقتالنا، ويقال أيضًا: ازدحف القوم ازدحافًا] (٢) إذا مشى بعضهم إلى بعض، وقال أحمد بن يحيى (٣): الزحف: المشي قليلًا قليلًا إلى الشيء، ومنه الزحاف في الشعر: يسقط ما بين الحرفين حرف فيزحف (٤) أحدهما إلى الآخر (٥).\nوقال الأزهري: أصل الزحف للصبي، وهو أن يزحف على أسته قبل أن يقوم، وشبه بزحف الصبي مشي الفئتين تتلاقيان (٦) للقتال فتمشي كل فئة مشيًا رويدًا إلى الفئة الأخرى قبل التداني للضراب وهي مزاحف أهل الحرب (٧) انتهى كلامه.\nفالزحف مصدر كما بينّا، ثم تسمى الفئة التي تريد أن تلقى الأخرى للقتال زحفًا، قال الليث: الزحف: جماعة يزحفون إلى عدو لهم بمرة، فهم الزحف، والجميع: الزحوف (٨).\n_________\n(١) وعجزه:\nمثل السفين إذا تقاذَفَ تجدف\nوالبيت لم أجده في \"ديوان الأعشى\"، وقد نسب إليه في \"تفسير الثعلبي\" ٦/ ٤٦ ب، وابن الجوزي ٣/ ٣٣١، و\"الدر المصون\" ٥/ ٥٨٤.\nوهو في \"تاج العروس\" (زحف) من غير نسبة.\n(٢) ما بين المعقوفين ساقط من (س).\n(٣) هو: أبو العباس (ثعلب).\n(٤) في (م) و(س): (فزحف).\n(٥) انظر: \"تهذيب اللغة\" (زحف) ٢/ ١٥١٦. وقد ذكر الواحدي عبارة ثعلب بالمعنى.\n(٦) في \"تهذيب اللغة\": تلتقيان.\n(٧) \"تهذيب اللغة\" (زحف) ٢/ ١٥١٦.\n(٨) \"تهذيب اللغة\" (زحف) ٢/ ١٥١٦، والنص في كتاب \"العين\" (زحف) ٣/ ١٦٣.","vol":"10","page":61},{"text":"فقوله: ﴿إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا﴾ نصب على الحال، ويجوز أن يكون حالًا للكفار، ويجوز أن يكون حالًا للمخاطبين وهم المؤمنون.\nوالزحف: مصدر موصوف به كالعدل والرضا، ولذلك لم يجمع، قال أبو إسحاق في هذه الآية: إذا واقفتموهم (١) للقتال فلا تنهزموا (٢).\nومعنى ﴿فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ﴾: لا تجعلوا ظهوركم مما يليهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1319>١٦ </span>- قوله تعالى ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ﴾ الآية، معنى التحرف في اللغة: الزوال عن جهة الاستواء، يقال: تحرف وانحرف واحرورف، وذكرنا هذا عند قوله ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ (٣) (٤).\nوقوله تعالى: ﴿أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ﴾، قال أبو عبيد (٥): التحيز: التنحي، وفيه لغتان: التحيز والتحوز (٦).\nالليث: يقال: مالك تتحوز إذا لم تستقر على الأرض، والاسم منه: التحوز (٧)، وأصل هذا من الحوز وهو الجمع، يقال: حزته فانحاز وتحوز تحيزًا (٨): إذا انضم واجتمع، ويقال من هذا: الحية تتحوز: إذا انطوت\n_________\n(١) يعني: إذا وقفتم معهم في موقف واحد.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" للزجاج ٢/ ٤٠٥ باختصار.\n(٣) من الآية ٤٦ من سورة النساء، والآية: ١٣ من سورة المائدة.\n(٤) انظر: \"تفسير البسيط\" ٣/ ٥٦٤، تحقيق محمد المحيميد.\n(٥) في (م): (أبو عبيدة).\n(٦) \"تهذيب اللغة (جاز) ٥/ ١٧٨، ونُسب هذا القول في \"لسان العرب\" (حوز) ٥/ ٣٤٠، وفي \"البحر المحيط\" ٥/ ٢٩١ إلى أبي عبيدة. ولم أجده في \"مجاز القرآن\" له.\n(٧) \"تهذيب اللغة\" (حاز) ١/ ٧٠٠، والنص في كتاب \"العين\" (حوز) ٣/ ٢٧٤.\n(٨) ذكر الواحدي عن أبي عبيد أن في الكلمة لغتين: التحوز والتحيز، فكان الأولى أن يقول: تحوز تحوزًا، وتحيز تحيزًا، لكن جاء في اللغة ما يدل على صحة عبارة =","vol":"10","page":62},{"text":"واجتمعت، ثم سمي التنحي تحيزًا؛ لأن المتنحي عن جانب ينضم عنه ويجتمع إلى غيره، فلا يبسط فيه.\nفأما التفسير فقوله: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ وأي: يوم لقاء الكفار، والإشارة تعود إلى قوله: ﴿إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾.\nوقوله تعالى: ﴿إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ﴾ أي: منعطفًا مستطردًا، كأنه يطلب عورة تمكنه إصابتها فينحرف عن وجه وُيرى أنه منهزم (١) ثم يكر.\nقال السدي: أما المتحرف: فالمستطرد يريد العودة (٢)، والمتحيز: إلى إمام وجنده إذا لم يكن له بهم طاقة (٣). وظاهر الآية نهي عن الانهزام بين يدي الكفار إلا أن يكون مستطردًا أو منضمًا إلى جماعة يريدون العود إلى القتال.\nواختلف المفسرون في هذه الآية فقال الحسن وقتادة والضحاك: هذا الوعيد خاص فيمن كان ينهزم يوم بدر (٤)، وهو قول أبي سعيد الخدري،\n_________\n= الواحدي، قال ابن منظور: ومن كلامهم: مالك تحوز كما تحيز الحية، وتحوّز تحيز الحية، وتحوّز الحية. \"لسان العرب\" (حوز) ٢/ ١٠٤٦، وفي المصدر نفسه ٢/ ١٠٤٦: وتحوّز عنه وتحيّز: إذا تنحى، وهي (تفعيل) أصلها (تحيوز) فقلبت الواو ياء لمجاورة الياء، وأدغمت فيها. اهـ.\n(١) في (م): (ينهزم).\n(٢) في (ح): (العورة)، يعني عورة العدو وموطن ضعفه، وما أثبته موافق لتفسير ابن جرير وابن أبي حاتم.\n(٣) رواه ابن جرير ٩/ ٢٠١، وابن أبي حاتم ٥/ ١٦٧٠ بنحوه.\n(٤) انظر أقوالهم في: \"المصنف\" للصنعاني ٥/ ٢٥١، و\"تفسير ابن جرير\" ١٣/ ٤٣٨، وابن أبي هاشم ٣/ ٢٣٢/ ب، والثعلبي ٦/ ٣٧/ أ، وابن كثير ٢/ ٣٠٧، وزاد ابن كثير نسبة هذا الرأي إلى: عمر وابن عمر وابن عباس وأبي هريرة وأبي سعيد وأبي نضرة ونافع وسعيد بن جبير وعكرمة، قال ابن كثير: وهذا كله لا ينفي أن يكون =","vol":"10","page":63},{"text":"وقال: إنما كان ذلك يوم بدر خاصة، لم يكن لهم أن ينحازوا لأنه لم يكن يومئذ في الأرض مسلم ولا للمسلمين فِئَة، فأما بعد ذلك فإن المسلمين بعضهم لبعض فئة (١).\nوقال ابن عباس: الآية عامة في كل من انهزم عن العدو (٢).\n_________\n= الفرار من الزحف حرامًا على غير أهل بدر، وإن كان سبب نزول الآية فيهم اهـ. ويظهر للمتأمل لأقوال من يرى أن الآية خاصة في أهل بدر أنهم يعنون ما عناه أبو سعيد الخدري في قوله الذي ذكره الواحدي، فأهل بدر ليس لهم فئة يفيئون إليها كما قال الرسول - ﷺ -: \"اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض\". رواه مسلم (١٧٧٣)، كتاب الجهاد، باب: الإمداد بالملائكة (١٧٦٣)، وما بقي في المدينة من المسلمين يومئذ أقل من أن يغزوا عدوًا أو يصدوا مهاجمًا.\nوللعلماء قاعدة عظيمة في أصول التفسير وهي: أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ولذا قال ابن جرير ١٣/ ٤٤٠: نزلت في أهل بدر، وحكمها ثابت في جميع المؤمنين، ومما يؤكد ذلك ما رواه البخاري في \"صحيحه\" كتاب الوصايا، باب: قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى﴾ الآية، أن النبي - ﷺ - قال: \"اجتنبوا السبع الموبقات\"، وذكر منهن: التولي يوم الزحف.\n(١) رواه بلفظ مقارب ابن جرير ١٣/ ٤٣٧، ورواه مختصرا أبو داود في \"سننه\" (٢٦٤٦) كتاب الجهاد، باب: في التولي يوم الزحف، وقال: صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي.\n(٢) هذا معنى أثر عن ابن عباس من رواية الوالبي، انظر: \"تفسير ابن جرير\" ٩/ ٢٠٣، والنحاس في \"الناسخ والمنسوخ\" ٢/ ٣٧٧، وانظر: صحيفة علي بن أبي طلحة ص ٢٣٩.\nوقول ابن عباس هذا مقيد بقول الله تعالى: ﴿فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾. وبقول النبي - ﷺ -: \"من فر من ثلاثة فلم يفر، ومن فر من اثين فقد فر\". رواه الطبراني في \"المعجم الكبير\" ١١/ ٩٣ (١١١٥١)، وقال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" ٥/ ٣٢٨: رواه الطبراني ورجاله ثقات. اهـ. ورواه سعيد بن منصور في \"سننه\" ٥/ ٢٢٦ (١٠٠١) موقوفًا على ابن عباس.","vol":"10","page":64},{"text":"فأما حكم الآية: فالمتحرف عن جانب إلى جانب لمكايد القتال غير منهزم، وأما المتحيز، فهو الذي ينهزم [من العدو] (١) وينوي التحيز إلى فئة من المسلمين ليستعين بهم، أو يستمد ويعود إلى القتال فهذا أيضًا مستثنى من الوعيد، وسواء كانت الفئة قريبة أو بعيدة عنه جاز له التحيز إذا نوى العود والاستعانة قلّ العدو أو كثر (٢)، روى جرير (٣)، عن منصور، عن إبراهيم قال: انهزم رجل من القادسية فأتى المدينة إلى عمر فقال: يا أمير المؤمنين هلكت؛ فررت من الزحف، فقال عمر: أنا فئتك (٤)، وقال أيضًا: أنا فئة كل مسلم (٥).\n_________\n(١) ما بين المعقوفين ساقط من (ح).\n(٢) هكذا يرى الواحدي جواز الفرار من الزحف إذا نوى العودة دون قيد آخر، وهذا مذهب جمهور العلماء.\nانظر: \"تفسير ابن جرير\" ٩/ ٢٠١، و\"أحكام القرآن\" للهراسي ٣/ ١٥٤، و\"الثمر الداني شرح رسالة أبي زيد القيرواني\" ص ٤١٣، و\"المغني\" ١٣/ ١٨٧، وبعض العلماء يرى أن الجيش إذا بلغ اثنى عشر ألفًا فليس لهم أن يفروا من عدوهم، وإن كثر عددهم، ما لم يغلب على ظنهم استئصال العدو لهم.\nانظر: \"زاد المسير\" ٣/ ٣٣٢، و\"أحكام القرآن\" للهراسي ٣/ ١٥٤، و\"تفسير القرطبي\" ٧/ ٣٨٢.\n(٣) جرير بن عبد الحميد بن قرط الضبي أبو عبد الله الرازي القاضي، ولد بأصبهان ونشأ في الكوفة ونزل بالري، كان ثقة محدثًا ناشرًا للعلم، يرحل إليه، مات سنة ١٨٨ هـ.\nانظر: \"سير أعلام النبلاء\" ٩/ ٩، و\"تهذيب التهذيب\" ١/ ٢٩٧، و\"تقريب التهذيب\" ص ١٣٩ (٩١٦).\n(٤) رواه الثعلبي في \"تفسيره\" ٦/ ٤٧ أ.\n(٥) رواه الصنعاني في \"المصنف\" ٥/ ٢٥٢، وابن جرير ٩/ ٢٠٣، والثعلبي ٦/ ٤٧ أ، والبغوي ٣/ ٣٣٨.","vol":"10","page":65},{"text":"وأما إذا لم ينو الالتجاء إلى فئة من المسلمين، وانهزم هزيمة على الحقيقة؛ فإن كان المشركون أكثر من ضعف المسلمين لم يعص ولم يأثم، وإن كانوا ضعفهم أو أقل استحق الوعيد وعصى وأثم.\nفإن قيل: إن قوله: ﴿وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ﴾ يدل على أن المنهزم إذا عصى بالهزيمة بقي في النار خالدًا (١)، قلنا: قد ذكرنا أن الآية مخصوصة بأهل بدر على قول الأكثرين، قال يزيد بن أبي حبيب (٢): أوجب الله لمن فر يوم بدر النار، فلما كان يوم أحد بعد ذلك قال: ﴿إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٥]، ثم كان يوم حنين بعد ذلك فقال: ﴿ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ [التوبة: ٢٥]، ﴿ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾ [التوبة: ٢٧] (٣).\n_________\n(١) في (م): (مخلدًا).\n(٢) هو: يزيد بن أبي حبيب أبو رجاء المصري، الإِمام الحجة، مفتي الديار المصرية، كان من جلة العلماء العاملين، ارتفع بالتقوى والعلم مع كونه مولى حبشيًّا، مات سنة ١٣٢٨ هـ.\nانظر: \"التاريخ الكبير\" ٢/ ٤/ ٣٣٦، و\"الكاشف\" ٢/ ٣٨ (٦٢٨٩)، و\"سير أعلام النبلاء\" ٦/ ٣١، و\"تهذيب التهذيب\" ٤/ ٤٠٨.\n(٣) رواه البغوي ٣/ ٣٣٧، ورواه أيضًا مع زيادة ابن جرير ٩/ ٢٠٢، وما جاء في حادثتي أحد وحنين يؤكد تحريم الفرار من الزحف حيث وصف بأنه استزلال من الشيطان وأن الله قد عفا عن الفارين، أما سياق يزيد بن أبي حبيب للآيتين في قصة حنين فقد يفهم منه أن التوبة على الصحابة الفارين وليس الأمر كذلك بل على من أسلم من كفار هوازن بدلالة السياق حيث قال الله تعالى: ﴿وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (٢٦) ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾ وعلى فرض أنه على الصحابة الفارين فإنها تأكيد على تحريم الفرار وأنه من كبائر الذنوب التى تحتاج إلى توبة.","vol":"10","page":66},{"text":"وإن قلنا الآية عامة فقوله: ﴿وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ﴾ لا يفيد التخليد فيكون منتهى مكثه في جهنم إلى الشفاعة والرحمة.\nقال أبو إسحاق: ﴿مُتَحَرِّفًا﴾ منصوب على الحال، [وكذلك ﴿أَوْ مُتَحَيِّزًا﴾] (١) قال: [ويجوز أن يكون النصب فيهما على الاستثناء، أي: إلا رجلًا متحرفًا أو متحيزًا (٢)، قال] (٣): وأصل متحيز: متحيوز، فأدغمت الياء في الواو (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1320>١٧ </span>- وقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ﴾، قال المفسرون: يعني يوم بدر (٥)، قال مجاهد: اختلفوا يوم بدر فقال هذا: أنا قتلت، وقال هذا: أنا قتلت! فأنزل الله ﷿ هذه الآية (٦)\nوأما معنى إضافة القتل إلى الله فقال أكثر أهل المعاني (٧): الله قتلهم بتسبيبه ذلك من المعونة عليه، وتشجيع القلب، وإلقاء الرعب في قلوب\n_________\n(١) ما بين المعقوفين غير موجود في \"معاني القرآن وإعرابه\" لأبي إسحاق الزجاج.\n(٢) ليس هناك فرق بين الإعرابين من حيث المعنى، فهو مستثنى على كلتا الحالتين، وإنما الفرق في تقدير المستثنى منه، فعلى الإعراب الأول هو مستثنى من عموم الأحوال، والتقدير: ومن يولهم دبره في حال من الأحوال إلا في حال التحرف أو التحيز، وعلى الإعراب الثاني هو مستثنى من عموم الرجال، والتقدير: وأي رجل يولهم دبره إلا رجلًا متحرفًا أو متحيزًا.\n(٣) ما بين المعقوفين ساقط من (س).\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" للزجاج ٢/ ٤٠٦.\n(٥) انظر: \"تفسير ابن جرير\" ٩/ ٢٠١، والثعلبي ٦/ ٤٧ ب.\n(٦) رواه الثعلبي في \"تفسيره\" ٦/ ٤٨ ب، ورواه بلفظ مقارب ابن جرير ٩/ ٢٠٤، وابن أبي حاتم ٥/ ١٦٧٢، والبغوي ٣/ ٣٣٩.\n(٧) انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" للزجاج ٢/ ٤٠٦، و\"معاني القرآن\" لأبي جعفر النحاس ٣/ ١٤١، و\"الكشاف\" ٢/ ١٤٩.","vol":"10","page":67},{"text":"المشركين، وكل هذا كان (١) أبلغ في قتلهم من تعمد القاصد إليه وهذا المعنى أراد أبو إسحاق، فقال: أضاف الله ﷿ قتلهم إليه لأنه هو الذي تولى نصرهم، وأظهر في ذلك الآيات المعجزات (٢)، وقال الحسين بن الفضل (٣): الجرح كان إليهم، وإخراج الروح كان إلى الله تعالى، يقول: فلم تميتوهم (٤) ولكن الله أماتهم (٥).\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ قال المفسرون (٦): إن جبريل قال للنبي - ﷺ - يوم بدر: خذ قبضة من تراب فارمهم بها، فخرج رسول الله - ﷺ - من العريش، وأخذ قبضة من حصباء الوادي فرمى به في وجوه القوم وقال: شاهت الوجوه؛ فلم يبق مشرك إلا دخل عينه منها شيء، وشغل بعينه؛ فكان ذلك سبب هزيمتهم، وقال عكرمة: ما وقع منها شيء إلا في عين رجل (٧).\n_________\n(١) ساقط من (م).\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" للزجاج ٢/ ٤٠٦.\n(٣) هو: الحسين بن الفضل بن عمير البجلي الكوفي ثم النيسابوري، العلامة المفسر الإمام اللغوي المحدث، إمام عصره في معاني القرآن وكان آية في ذلك، توفي سنة ٢٨٢ هـ. انظر: \"العبر\" ١/ ٤٠٦، و\"سير أعلام النبلاء\" ١٣/ ٤١٤، و\"طبقات المفسرين\" للداودي ١/ ١٥٩، وللسيوطي ص ٣٧.\n(٤) في (ح): (تميتيهم)، وفي (س): (تميتموهم).\n(٥) \"تفسير الثعلبي\" ٦/ ٤٨ ب، ونص العبارة فيه: قال الحسين بن الفضل: أراد به: فلم تميتوهم ولكن الله أماتهم، وأنتم جرحتموهم؛ لأن إخراج الروح إليه لا إلى غيره.\n(٦) انظر: \"تفسير ابن جرير\" ٩/ ٢٠٤، والثعلبي ٦/ ٤٧ ب، والبغوي ٣/ ٣٣٩، و\"الدر المنثور\" ٣/ ٣١٧.\n(٧) رواه ابن جرير في \"تفسيره\" ٩/ ٢٠٤. ومثل هذا لا يعرف بالرأي، فإن كان عكرمة سمعه من أحد أصحاب النبي - ﷺ - فله حكم الرفع وإلا فهو مردود.","vol":"10","page":68},{"text":"فأما معنى نفيه ما أثبت من رمي الرسول وإسناد ذلك إلى نفسه، فقال أهل المعاني (١): إنه لم يعتد برميه مع رمي الله إياهم، وهكذا كل ما لا يعتد به نحو: تكلمت ولم تتكلم، ولم تصنع شيئًا (٢)، فهذا معنى (٣) نفي الرمي عن الرسول.\nومعنى إسناده إليه فلأنه كان منه التسبيب والتسديد.\nواحتج أصحابنا (٤) بهذه الآية على أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى، وكذلك الأفعال المتولدة من اكتساب العباد، وقالوا: الرمي فعل واحد أضافه الله إلى نبيه، وأثبته له ثم وصف به نفسه، وكان من الله الإنشاء والإيجاد بالقدرة القديمة، ومن الرسول الحذف والإرسال، وهكذا جميع أفعال العباد المكتسبة، من الله تعالى الإيجاد، ومن العباد الاكتساب (٥).\n_________\n(١) لم أجد هذا القول فيما بين يدي من كتب أهل المعاني.\n(٢) يعني: إذا تكلم إنسان بكلام غير مفيد قيل له: لم تتكلم، وإذا صنع شيئًا غير محقق للغرض المطلوب، قيل له: لم تصنع شيئًا.\n(٣) ساقط من (س).\n(٤) يعني الأشاعرة، انظر: \"تفسير الرازي\" ١٥/ ١٣٩، ولم أجد الاستدلال بالآية فيما بين يدي من كتب العقيدة الأشعرية، وانظر المعنى في: \"الإبانة\" للأشعري ص ٢٣، و\"تمهيد الأوائل\" للباقلاني ص ٣٤١، و\"كتاب الإرشاد\" للجويني ص ١٧٤، و\"غاية المرام\" للآمدي ص ٢٠٧.\n(٥) يشير المؤلف ﵀ إلى قضية طالما أشغلت الفكر الإسلامي، وتحددت فيها الآراء، وكثر حولها الجدال، وهي علاقة الخالق -سبحانه- بأفعال العباد.\nوالمؤلف سار على مذهب جمهور الأشاعرة القائلين بنظرية الكسب رغبة في تحقيق الوسطية بين المعتزله القدرية القائلين: إن الإنسان يخلق أفعاله، وبين الجهمية الجبرية القائلين: إن الإنسان مجبور على أفعاله وأنه كالريشة في مهب الريح. =","vol":"10","page":69},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وخلاصة مذهب جمهور الأشاعرة بينه الزنجاني في \"شرح المواقف\" ص ٢٣٧ بقوله: أفعال العباد واقعة بقدرة الله تعالى وحدها وليس لقدرتهم تأثير فيها، بل الله سبحانه أجرى عادته بأن يوجد في العبد قدرة واختيارًا فإذا لم يكن هناك مانع أوجد فيه فعله المقدور مقارنًا لهما، فيكون الفعل مخلوقًا لله إبداعًا وإحداثا، ومكسوبًا للعبد، والمراد بكسبه إياه: مقرنته لقدرته وإرادته، من غير أن يكون هناك منه تأثير أو مدخل في وجوده سوى كونه محلًا له.\nوقول الزنجاني هذا يفسر معنى كسب العباد عند الأشاعرة، والذي عرفه الآمدي في \"غاية المرام من علم الكلام\" ص ٢٢٣ بقوله: إنه المقدور بالقدرة الحادثة، أو المقدور القائم بمحل القدرة، ويوضح هذه النظرية قول الشهرستاني في \"الملل والنحل\" بهامش \"الفصل في الملل والأهواء والنحل\" لابن حزم ١/ ١٢٨: المكتسب هو المقدور بالقدرة الحادثة أو الحاصل تحت القدرة الحادثة، ثم على أصل أبي الحسن: لا تأثير للقدرة الحادثة في الإحداث، غير أن الله تعالى أجرى سننه بأن يخلق عقيب القدرة الحادثة أو تحتها ومعها الفعل الحاصل إذا أراده العبد وتجرد له، وسمي هذا الفعل كسبًا، فيكون من الله تعالى إبداعًا وإحداثًا، وكسبًا من العبد مجعولًا تحت قدرته اهـ. وإذ قد تبين معنى قول المؤلف: \"وهكذا جميع أفعال العباد المكتسبة، من الله تعالى الإيجاد، ومن العباد الاكتساب\" فإن لي حول ذلك وقفتين:\nالأولى: الاستدلال بهذه الآية على نظرية الكسب ونفي أثر قدرة العبد استدلال باطل؛ فإن واقعة الحال وأسباب النزول وأقوال الصحابة المعاصرين لنزول القرآن وتلاميذهم، تفسر مراد الله، وتوضح معناه.\nقال الإمام ابن كثير في \"تفسيره\" ٢/ ٣٢٧: فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم: أي ليس بحولكم وقوتكم قتلتم أعداءكم مع كثرة عددهم وقلة عددكم، أي: بل هو الذي أظفركم عليهم، ثم قال تعالى لنبيه - ﷺ - أيضًا في شأن القبضة من التراب التي حصب بها وجوه الكافرين يوم بدر حين خرج من العريش بعد دعائه وتضرعه واستكانته، فرماهم بها وقال: \"شاهت الوجوه\" ثم أمر أصحابه أن يصدقوا الجملة إثرها ففعلوا فأوصل الله تلك الحصباء إلى أعين المشركين فلم يبق أحد منهم إلا =","vol":"10","page":70},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ناله منها ما شغله عن حاله؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ أي هو الذي بلّغ ذلك إليهم وكبتهم بها لا أنت، قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: رفع رسول الله - ﷺ - يديه -يعني يوم بدر- فقال: \"يا رب إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد في الأرض أبدًا\" فقال له جبريل: خذ قبضة من التراب فارم بها في وجوههم فأخذ قبضة من التراب فرمى بها في وجوههم فما من المشركين أحد إلا أصاب عينيه ومنخريه وفمه تراب من تلك القبضة فولوا مدبرين. ثم ذكر الإمام ابن كثير عدة روايات بهذا المعنى ثم قال: وقد روي في هذه القصة عن عروة عن مجاهد وعكرمة وقتادة وغير واحد من الأئمة أنها نزلت في رمية النبي - ﷺ - يوم بدر اهـ. واذ قد تبين معنى الآية وسبب نزولها فإنه لا يصح حملها على كل رمية أو كل فعل صادر من كل إنسان.\nفإن قيل: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب!\nفالجواب: أن عموم اللفظ هنا ليس أفعال الإنسان كلها، بل كل رمية بلغت ذلك المبلغ، وأثرت ذلك التأثير.\nالثانية: مذهب أهل السنة والجماعة في أفعال العباد أن قدرة العبد لها أثر في فعله كأثر الأسباب في مسبباتها فهو الموجد لفعله باختياره، والله تعالى هو خالق أفعال العبد باعتبار أن خالق الأسباب هو خالق مسبباتها، فالسحاب -مثلًا- سبب المطر، والماء سبب الإنبات، وقد جرت العادة أنه لولا السحاب ما نزل الماء، ولولا الماء ما حصل الإنبات، ومع ذلك فالله تعالى هو المنزل للماء، المنبت للشجر، فكذلك قدرة العبد هي سبب فعله، والله تعالى خالق العبد وخالق فعله، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية \"مجموع الفتاوى\" ٨/ ٤٨٧: الذي عليه السلف وأتباعهم وأئمة أهل السنة وجمهور أهل الإسلام المثبتون للقدر المخالفون للمعتزلة: إثبات الأسباب، وأن قدرة العبد مع فعله لها تأثير سائر الأسباب في مسبباتها، والله تعالى خلق الأسباب والمسببات.\nوقد أحسن إمام الحرمين الجويني المنتسب للمذهب الأشعري في عرض قول أهل السنة والرد على أئمة المذهب الأشعري حيث قال: الركن الأول في قدرة العبد وتأثيرها في مقدورها، فنقول: قد تقرر عند كل حَاظٍ بعقله، مرقى عن مراتب =","vol":"10","page":71},{"text":"وقال أبو إسحاق: أعلم الله أن كفًا من حصى لا يملأ عيون ذلك الجيش الكثير برمية بشر، وأنه جلّ وعزّ تولى إيصال ذلك إلى أبصارهم، فقال: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ أي لم يصب رميك ذلك\n_________\n= التقليد في قواعد التوحيد أن الرب -﷾- مطالب عباده بأعمالهم في حياتهم، وداعيهم إليها، ومثيبهم ومعاقبهم عليها في مآلهم، وتبين بالنصوص التي لا تتعرض للتأويلات أنه أقدرهم على الوفاء بما طالبهم به، فمن أحاط بذلك كله ثم استراب في أن أفعال العباد واقعة على حسب إيثارهم واختيارهم واقتدارهم فهو مصاب في عقله، أو مستقر على تقليده، مصمم على جهله ففي المصير إلى أنه لا أثر لقدرة العبد في فعله قطع طلبات الشرائع، والتكذيب بما جاء به المرسلون، فإن زعم زاعم ممن لم يوفق لمنهج الرشاد أنه لا أثر لقدرة العبد في مقدوره أصلًا، فإذا طولب بمتعلق الله تعالى بفعل العبد تحريمًا وفرضًا، ذهب في الجواب طولًا وعرضًا، وقال: لله أن يفعل ما يشاء ولا يتعرض للاعتراض عليه المعترضون ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣]. قيل: ليس لم جئت به حاصل، كلمة حق أريد بها باطل، ومن زعم أن لا أثر للقدرة الحادثة في مقدورها كما لا أثر للعلم في معلومه، فوجه مطالبة العبد بأفعاله عنده كوجه مطالبته أن يثبت في نفسه ألوانًا وإدراكات، وهذا خروج عن حد الاعتدال، إلى التزام الباطل والمحال، ثم قال: إن قائلًا لو قال: العبد مكتسب، وأثر قدرته الاكتساب، والرب -﵎- مخترع وخالق لما العبد مكتسب، قيل له: فما الكسب؟ وما معناه؟ وأديرت الأقسام المقدرة على هذا القائل، فلا يجد عنها مهربًا.\nفإن قيل: لم لا تذكرون قولًا مقنعًا في الرد على من يزعم أن العبد مخترع، خالق لأفعاله؟\nقلنا: المسلمون بأجمع قاطبة قبل أن ظهرت البدع والآراء ونبغ أصحاب الأهواء، على أنه لا خالق إلا الله تعالى، ثم قال: قدرة العبد مخلوقة لله -﵎- باتفاق العالمين بالصانع، والفعل المقدور بالقدرة الحادثة واقع بها قطعًا، ولكنه مضاف إلى الله -﵎- تقديرًا وخلقًا، وإذا كان مُوقع الفعل -يعني القدرة- خالقًا لله فالواقع به مضاف خلقًا إلى الله تعالى وتقديرًا اهـ. باختصار من كتاب \"العقيدة النظامية في الأركان الإسلامية\" للجويني ص ٤٣ - ٥٠.","vol":"10","page":72},{"text":"[ويبلغ ذلك] (١) المبلغ، بل إنما الله تولى ذلك (٢).\nوروى أبو عمرو (٣) عن أبي العباس (٤) أنه قال: معناه: وما رميت الرعب والفزع في قلوبهم إذ رميت بالحصى، وهذا عدول عن الظاهر.\nوقال المبرد: معناه: ما رميت بقوتك إذ رميت، ولكنك بقوة الله رميت (٥).\nوقوله تعالى: ﴿وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا﴾، قال المفسرون: أي ينعم عليهم نعمةً عظيمة بالنصر والغنيمة والأجر والمثوبة (٦).\nوقال محمد بن إسحاق: أي ليعرف المؤمنين نعمته (٧) عليهم في إظهارهم على عدوهم مع كثرتهم وقلة عدد المؤمنين (٨).\nوقال أبو إسحاق: أي: لينصرهم نصرًا جميلًا، ويختبرهم بالتي هي أحسن (٩).\nوذكرنا معنى البلاء في سورة البقرة، وقال صاحب النظم: وليبلي المؤمنين فعل ذلك.\nوذكرنا نظائر هذا في سورة آل عمران [١٢٦]، عند قوله: ﴿وَلِتَطْمَئِنَّ\n_________\n(١) ما بين المعقوفين ساقط من (م).\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" للزجاج ٢/ ٤٠٧.\n(٣) في (م) و(س): (أبو عمر). وهو أبو عمرو بن العلاء، تقدمت ترجمته.\n(٤) هو: ثعلب، وانظر قوله هذا في: \"تهذيب اللغة\" (رمى) ٢/ ١٤٧٦.\n(٥) المصدر السابق نفسه.\n(٦) انظر: \"تفسير الثعلبي\" ٦/ ٤٩ أ، والبغوي ٣/ ٣٤٠، وبنحو ذلك قال الإمام ابن جرير ٩/ ٢٠٦، والماوردي ٢/ ٣٠٥ ونسبه للمفسرين.\n(٧) في (ح): وقال: نعمته ... إلخ، وفي \"السيرة النبوية\": من نعمته.\n(٨) \"السيرة النبوية\" لابن هشام ٢/ ٢٦٨ مع اختلاف يسير.\n(٩) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٠٧.","vol":"10","page":73},{"text":"قُلُوبُكُم بِهِ﴾، فاللام (١) تتعلق بمحذوف والكناية في قوله ﴿مِنْهُ﴾ (٢) تعود إلى اسم الله تعالى.\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾، قال ابن عباس: ﴿سَمِيعٌ﴾ لدعائهم، ﴿عَلِيمٌ﴾ بنياتهم (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1321>١٨ </span>- قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ﴾ الكلام في ﴿ذَلِكُمْ﴾ ومحله من الإعراب، ومحل ﴿أَن﴾ كما ذكرنا في قوله: ﴿ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ﴾ [الأنفال: ١٤]، وحكى صاحب النظم عن بعض النحويين أنه قال: معنى (ذلك) أنه نقيض (لا) فكما أن (لا) ينفي ما قبله فـ (ذلك) يثبت ما قبله على (٤) مناقضته، وكذلك (كلا): نفي لما قبله (٥)، و(كذلك): تثبيت لما قبله، على مناقضة (كلا).\nوإذا كان كذلك فالمعنى في قوله: ﴿ذَلِكُمْ﴾ إثبات ما ذكر قبله من القتل والرمي، وإبلاء المؤمنين بلاءً حسنًا، وتقدير الإعراب: الأمر ذلكم، والحق ذلكم (٦).\n_________\n(١) يعني في قوله تعالى: ﴿وَلِيُبْلِيَ﴾ والتقدير: فعل ذلك ليبلي.\n(٢) ساقط من (ح).\n(٣) انظر نحوه في: \"تنوير المقباس\" ص ١٧٩، وانظر: \"الوجيز\" ٦/ ٢٥١ وقد ذكر المؤلف في مقدمته أنه اعتمد قول ابن عباس.\n(٤) في (ج): (عن).\n(٥) المشهور عند علماء اللغة أن (كلا) لا تقتصر على مجرد النفي بل تتضمن الزجر والردع، قال ابن قتيبة في \"تأويل مشكل القرآن\" ص ٥٥٨: (كلا: ردع وزجر)، وفي \"لسان العرب\" (كلا) ٧/ ٣٩٠٨، قال الأخفش: معنى (كلا) الردع والزجر، قال الأزهري: وهذا مذهب سيبويه، وإليه ذهب الزجاج في جميع القرآن، وروى ابن شميل عن الخليل أنه قال: كل شيء في القرآن (كلا): رد، يرد شيئًا ويثبت آخر.\n(٦) وإلى هذا الإعراب ذهب أبو البقاء العكبري في \"التبيان\" (٤٠٦)، وكذلك =","vol":"10","page":74},{"text":"وفي قوله: ﴿مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ﴾ وجوه من القراءة: التشديد مع التنوين، والإضافة، والتخفيف معهما (١) أيضًا، ومثله قوله: ﴿كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ﴾ [الزمر: ٣٨]، بالتنوين، وبالإضافة (٢) أيضًا.\nقال أهل المعاني: وتوهينه كيدهم يكون بأشياء: بإطلاع المؤمنين على عوراتهم، وإلقاء الرعب في قلوبهم، وتفريقَ كلمتهم، ونقض ما أبرموا باختلاف عزومهم (٣).\nقال ابن عباس: يهنئ (٤) رسول الله - ﷺ -، يقول: \"إني قد أوهنت كيد\n_________\n= الزمخشري في \"تفسيره\" ٢/ ١٥٠ لكنه قدره بلفظ: الغرض ذلكم.\n(١) قرأ ابن كثير ونافع وأبو جعفر وأبو عمرو (مَوهّنٌ) بفتح الواو، وتشديد الهاء، مع التنوين، ونصب الدال في (كيد) مفعول به.\nوقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي ويعقوب وخلف، وشعبة عن عاصم (موْهِنٌ) بسكون الواو، وتخفيف الهاء، مع التنوين، ونصب الدال في (كيد) أيضًا.\nوقرأ حفص عن عاصم (موْهنُ) بسكون الواو، وتخفيف الهاء من غير تنوين، وخفض الدال في (كيد) على الإضافة.\nانظر: كتاب \"السبعة\" ص ٣٠٤، و\"تحبير التيسير في قراءات الأئمة العشرة\" للجزري ص ١١٨، و\"المستنير في تخريج القراءات المتواترة\" ١/ ٢٥٦.\nومن الجدير بالتنبيه أن المؤلف ذكر من وجوه القراءة: التشديد مع الإضافة، ولم أجد من ذكر ذلك في القراءات المتواترة أو الشاذة، لكن الزجاج ذكر جواز ذلك من الناحية اللغوية. انظر: \"معاني القرآن\" ٢/ ٤٠٧.\n(٢) بالتنوين قرأ أبو عمرو ويعقوب، وقرأ الباقون بالإضافة. انظر: \"تحبير التيسير\" ص ١٧٣، و\"تقريب النشر\" ص ١٦٨.\n(٣) لم أجد هذا القول فيما بين يدي من كتب أهل المعاني، وقد ذكره بحروفه الفخر الرازي في \"تفسيره\" ١٥/ ١٤١.\n(٤) في (ح): (يعني).","vol":"10","page":75},{"text":"عدوك حتى قُتلت جبابرتهم (١) وأُسر (٢) أشرافهم\" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1322>١٩ </span>- قوله تعالى: ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ﴾ الأكثرون على أن هذا خطاب للمشركين (٤)، وذلك أن أبا (٥) جهل قال يوم بدر: اللهم انصر أفضل الدينين وأحقه بالنصر (٦)، وروي أنه قال: اللهم أينا كان أقطع للرحم وأفجر فأحنه (٧) الغداة (٨).\nوقال السدي: إن المشركين لما أرادوا الخروج إلى بدر أخذوا أستار الكعبة وقالوا: اللهم انصر أعلى الجندين، وأهدى الفئتين، وأكرم الحزبين، وأفضل الدينين، فأنزل الله هذه الآية (٩)، فمعنى: ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا﴾ إن تستنصروا لأهدى الفئتين فقد جاءكم النصر، وهذا قول ابن عباس في رواية عطاء (١٠)، والحسن ومجاهد والزهري والسدي\n_________\n(١) في \"تفسير الرازي\": خيارهم.\n(٢) هكذا في جميع النسخ، وفي \"تفسير الرازي\"، و\"الوسيط\" (أسرت).\n(٣) انظر: \"تفسير الرازي\" ١٥/ ١٤١، وبنحوه في \"الوسيط\" ٢/ ٤٥٠.\n(٤) انظر: \"تفسير ابن جرير\" ٩/ ٢٠٧، وابن أبي حاتم ٥/ ١٦٧٥، والثعلبي ٦/ ٤٩.\n(٥) في (ح): (أبو). وهو خطأ.\n(٦) روى نحوه ابن جرير ٩/ ٢٠٩، عن يزيد بن رومان، وبمعناه ابن أبي حاتم ٥/ ١٦٧٥، عن عطية العوفي.\n(٧) أحنه: أهلكه، و(الحين) بفتح الحاء: الهلاك، انظر: \"القاموس المحيط\" (حين) (١١٩٢)، و\"لسان العرب\" (حين) ٢/ ١٠٧٤.\n(٨) رواه ابن جرير ٢٠٧/ ٩ - ٢٠٨، عن الزهري وروى نحوه عن الصحابي عبد الله بن ثعلبة العدوي وكذلك رواه الحاكم في \"المستدرك\" ٢/ ٣٢٨، وقال: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، ورواه أيضًا أحمد في \"المسند\" ٥/ ٤٣١.\n(٩) رواه الثعلبي ٦/ ٤٩ ب، والبغوي ٣/ ٣٤٢، وبنحوه ابن جرير ٩/ ٢٠٨.\n(١٠) رواه بمعناه ابن جرير ٩/ ٢٠٧، وابن أبي حاتم ٥/ ١٦٧٥ من رواية علي بن أبى طلحة.","vol":"10","page":76},{"text":"والضحاك والعوفي (١).\nومضى الكلام في معنى الاستفتاح عند قوله: ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ﴾ (٢)، والاستفتاح على قول هؤلاء (٣): الاستنصار.\nوقال عكرمة: قال المشركون: اللهم لا نعرف ما جاء به محمد فافتح بيننا وبينه بالحق؛ فقال الله تعالى: ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ﴾ ان تستقضوا فقد جاءكم القضاء (٤)، واختار الفراء القول الأول (٥)، وذكر أبو إسحاق القولين جميعًا، وقال: كلا القولين جيد (٦).\nوقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَنْتَهُوا﴾، قال ابن عباس: يريد عن الشرك بالله ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ (٧).\n﴿وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ﴾، قال الحسن: وإن يعودوا لقتال محمد نعد عليهم بالقتل والأسر والهزيمة مثل يوم بدر (٨).\n_________\n(١) روى أقوالهم عدا الحسن البصري ابن جرير ٩/ ٢٠٧ - ٢٠٨.\n(٢) البقرة: ٨٩، وانظر النسخة الأزهرية ١/ ٧٠ ب، وقد قال هناك ما نصه: يستفتحون على الذين كفروا: قال ابن عباس والسدي: هو أنهم إذا حزبهم أمر، وظهر لهم عدو قالوا: اللهم انصرنا بالنبي المبعوث في آخر الزمان، وكانوا يسألون النصر بمحمد وبكتابه.\n(٣) في (س): (على هذا القول).\n(٤) رواه الثعلبي ٦/ ٤٩ ب، والبغوي ٣/ ٣٤٢، ورواه مختصرًا ابن جرير ٩/ ٢٠٧، وابن أبي حاتم ٥/ ١٦٧٥.\n(٥) انظر: كتابه \"معاني القرآن\" ١/ ٤٠٦.\n(٦) انظر: كتابه \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٠٨.\n(٧) ذكره ابن الجوزي ٣/ ٣٣٥ بلفظ: عن قتال محمد - ﷺ - والكفر، ورواه الفيروزأبادي في \"تنوير المقباس\" ص ١٧٩ بلفظ: عن القتال والكفر.\n(٨) لم أجد من ذكره عنه وقد ذكره بلا نسبة الثعلبي في \"تفسيره\" ٦/ ٤٩ب،=","vol":"10","page":77},{"text":"وهو قول ابن عباس (١) وغيره (٢).\n﴿وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا﴾ أي جماعتكم شيئًا ﴿وَلَوْ كَثُرَتْ﴾ في العدد، ﴿وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قرئ بكسر ﴿أَن﴾ وفتحه (٣)، فمن كسر فهو منقطع مما قبله، ويقوي ذلك أن في حرف عبد الله: والله مع المؤمنين (٤).\nومن فتح فوجهه: ﴿وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ﴾ [ولأن الله مع المؤمنين، أي لذلك لن تغني عنكم فئتكم شيئًا] (٥)، قال الفراء: فيكون موضعها نصبًا لأن الخفض يصلح فيها (٦).\n_________\n= والمؤلف في \"الوسيط\" ٢/ ٤٥١.\n(١) ذكره ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٣/ ٣٣٦، والفيروزأبادي في \"تنوير المقباس\" ص ١٧٩.\n(٢) هو قول ابن إسحاق كما في \"السيرة النبوية\" ٢/ ٣١٤، وعروة بن الزبير كما في \"تفسير ابن أبي حاتم\" ٥/ ١٦٧٦، وابن جرير في \"تفسيره\" ٩/ ٢٠٩، والسمرقندي في \"تفسيره\" ٢/ ١٢.\n(٣) قرأ نافع وابن عامر وأبو جعفر وحفص عن عاصم بالفتح، وقرأ الباقون بالكسر. انظر: كتاب \"السبعة\" ص ٣٠٥، وكتاب \"التيسير\" ص ١١٦، و\"تقريب النشر\" ص ١١٨، و\"تحبير التيسير\" ص ١١٨.\n(٤) انظر: كتاب \"المصاحف\" للسجستاني ص ٦٢، و\"تفسير الثعلبي\" ٦٩/ ٥٠ أ، و\"الكشاف\" ٢/ ١٥١، و\"تفسير السمرقندي\" ٢/ ١٢، و\"المحرر الوجيز\" ٦/ ٢٥٤ - ٢٥٥، و\"البحر المحيط\" ٥/ ٢٩٨، فهؤلاء وافقوا المؤلف في نص قراءة ابن مسعود، وخالفه ابن جرير الطبري في \"تفسيره\" ٩/ ٢١٠، والفراء في \"معاني القرآن\" ١/ ٤٠٧، فذكر أن لفظ قراءة ابن مسعود وإن الله لمع المؤمنين.\nهذا: ولم يذكر قراءة ابن مسعود ابن خالويه في \"مختصره في شواذ القرآن\"، ولا ابن جني في \"المحتسب في تفسير شواذ القرآن\".\n(٥) ما بين المعقوفين ساقط من (م).\n(٦) \"معاني القرآن\" ١/ ٤٠٧.","vol":"10","page":78},{"text":"قال ابن عباس في قوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ يريد: وإن كانوا قليلًا، ولا غالب لمن كان الله معه، وقال أيضًا: وأن الله مع المؤمنين في النصر لهم (١).\nوقال أبيّ بن كعب وعطاء الخرساني: قوله: ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ﴾ [خطاب لأصحاب النبي - ﷺ - يقول: إن تستنصروا الله وتسالوه الفتح فقد جاءكم الفتح، (٢) والنصر، ثم عاد إلى خطاب الكفار فقال: ﴿وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ (٣).\nومن أهل المعاني من يجعل جميع الآية خطابًا للمؤمنين على هذا القول (٤) فيقول: معنى قوله: ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ﴾ أي عن المنازعة في الأنفال، ﴿وَإِنْ تَعُودُوا﴾ إلى مثل ما كان منكم من المنازعة فيها نعد للإنكار عليكم، ولن تغني عنكم جماعتكم شيئًا مع منع نصر الله لكم.\n_________\n(١) رواه بمعناه الفيروزأبادي في \"تنوير المقباس\" ص ١٧٩، وإسناده واهٍ؛ لأنه من رواية الكلبي وهو كذّاب مجمع على تركه. انظر: \"تهذيب التهذيب\" ٣/ ٥٦٩ - ٥٧٠.\n(٢) ما بين المعقوفين ساقط من (س).\n(٣) ذكره عنهما الثعلبي ٦/ ٤٩ ب مختصرًا ورواه كذلك ابن أبي هاشم ٥/ ١٦٧٥ عن عطاء، وهو قول ضعيف لما يأتي:\nأولًا: أن في هذا القول تفكيك للضمائر فبعضها يعود إلى المؤمنين وبعضها يعود إلى الكافرين دون ملجيء لذلك، والأصل تناسق الضمائر.\nثانيًا: صحة سبب نزول الآية في أبي جهل وكفار قريش كما تقدم، قال القرطبي ٧/ ٣٨٧: الصحيح أنه خطاب للكفار.\n(٤) ذكره الماوردي في \"النكت والعيون\" ٢/ ٣٠٦، وابن الجوزي في \"تفسيره\" ٣/ ٣٣٥، وابن عطية في \"المحرر الوجيز\" ٦/ ٢٥٤، والرازي في \"التفسير الكبير\" ١٥/ ١٤٢، وهو قول ضعيف جدًّا لعدة أمور منها: =","vol":"10","page":79},{"text":"والوجه ما عليه عامة المفسرين أن الآية بأسرها خطاب للمشركين (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1323>٢٠ </span>- قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ قال أهل المعاني: إنما خص المؤمنين بالأمر دون غيرهم من المكلفين؛ لأن غيرهم بمنزلة من لا يعتد به لتركهم العمل بما يجب عليهم، مع أن إفرادهم بالخطاب إجلال لهم ورفع من أقدارهم (٢)، قال عطاء عن ابن عباس في هذه الآية: يريد: أطيعوا الله والرسول فإن طاعة الرسول طاعة لي، ولا تعرضوا عنه وقد سمعتم موعظتي وما أعددت لأوليائي وأهل طاعتي من الثواب، وما أعددت لأعدائي وأهل معصيتي من العقاب (٣).\nوقال ابن عباس أيضًا: لا تولوا عن رسول الله وأنتم تسمعون ما نزل من القرآن، وتسمعون المواعظ (٤).\n_________\n= أولًا: مخالفته لما صح عن الصحابة -﵃- في سبب نزول الآية.\nثانيًا: في قوله تعالى: ﴿وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ﴾ ما يؤكد أن المخاطبين أعداء الله محاربون له.\nثالثًا: في قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ما يفيد أن الخطاب لغيرهم؛ ولو كان لهم لكان المعنى: وإن تعودوا أيها المؤمنون للمنازعة نعد للإنكار والله معكم، وهذا غير مراد قطعًا لأن الآية إنكار على المخاطبين، ولذا اضطر الرازي ٨/ ١٤٧ لما جوزّ هذا الوجه أن يقيد المؤمنين بقوله: فإن الله لا يكون إلا مع المؤمنين الذين لا يرتكبون الذنوب. اهـ. ولا عصمة إلا للأنبياء.\n(١) وقد اقتصر عليه ابن جرير ١٣/ ٤٥٠، وأبو الليث السمرقندي ٢/ ١٢، وابن كثير ٢/ ٣٠٨، وصححه القرطبي ٧/ ٣٨٧.\n(٢) انظر: \"البحر المحيط\" ٤/ ٤٧٩، وقد ذكر أنه قول الجمهور، ولم أجده فيما بين يدي من كتب أهل المعاني.\n(٣) لم أقف على مصدره.\n(٤) رواه بلفظ مقارب الثعلبي ٦/ ٥٠ أ، وأنظر: \"الوسيط\" ٢/ ٤٥١.","vol":"10","page":80},{"text":"وقال ابن إسحاق: لا تخالفوا أمره وأنتم تسمعون لقوله، وتزعمون أنكم منه (١).\nوقال غيره من أهل المعاني: وأنتم تسمعون دعاءه لكم، نهاهم الله ﷿ عن التولي في هذه الحال، ويسعهم الانصراف في غيرها (٢).\nوهذا القائل حمل التولي على الانصراف، والأولى أن يحمل ذلك على مخالفة الأمر؛ لأنه وإن أقبل على الرسول بوجهه ولم يعتقد طاعته لم يكن مطيعًا.\nوقد حصل في الآية وجهان:\n[أحدهما: لا تولوا] (٣) عن رسول الله - ﷺ - أي: لا تنفضوا عنه، وقد ذم قومًا بالانفضاض عنه في قوله: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا﴾ [الجمعة: ١١] الآية، وفي قوله: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا﴾ [النور: ٦٣].\nوالثاني: أن معنى قوله: ﴿وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ﴾ ولا تعرضوا عن أمره، وتلقوه بالطاعة والقبول، كما قال: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ [النور:٦٣].\nوذكر أبو علي الفارسي الوجهين (٤) جميعًا (٥)، كما حكيناه.\n_________\n(١) انظر: \"السيرة النبوية\" لابن هشام ٢/ ٣١٤.\n(٢) انظر: هذا القول في \"الحجة للقراء السبعة\" ٢/ ٢٣٤، و\"البرهان\" للحوفي ١١/ ٣٥ ب، ورده أبو السعود في \"تفسيره\" ٤/ ١٤ - ١٥.\n(٣) ما بين المعقوفين ساقط من (ح).\n(٤) ساقط من (م).\n(٥) انظر: \"الحجة للقراء السبعة\" ٢/ ٢٣٤.","vol":"10","page":81},{"text":"وعلى الوجه الأول: الخطاب لأصحاب رسول الله - ﷺ - الذين يسمعون كلامه.\nوعلى الثاني: الخطاب عام لكل من بلغته دعوته، وعلى هذا فالله تعالى أوجب طاعة الرسول على من سمع ما أتى به، فدل هذا على أن من لم يسمع ذلك ممن لم تبلغه الدعوة لم تجب الطاعة عليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1324>٢١ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾، قال ابن عباس: يعني اليهود، قريظة والنضير وبني قينقاع (١)، وهو قول الحسن (٢).\nوقال مقاتل: يعني المنافقين (٣) الذين يظهرون الطاعة ويسرون المعصية، ويقولون سمعنا سماع قابل، وليسوا كذلك، وهو قول ابن إسحاق (٤).\nوقيل: هو من صفة المشركين، جُعلوا بمنزلة من لم يسمع؛ لأنهم لم ينتفعوا بالمسموع، وهذا اختيار أبي إسحاق، قال: ومعنى قوله: ﴿سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ أنهم (٥) استمعوا سماع (٦) عداوة وبغضاء فلم يتفهموا (٧)،\n_________\n(١) ذكره ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٣/ ٣٣٧، وانظر: \"الوسيط\" ٢/ ٤٥١.\n(٢) ذكره أبو حيان في \"البحر المحيط\" ٤/ ٤٧٩ - ٤٨٠ بلفظ: هم أهل الكتاب.\n(٣) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١١٩ أ. وما بعد كلمة (المنافقين) من كلام المؤلف توضيحًا لقول مقاتل.\n(٤) انظر: \"السيرة النبوية\" لابن هشام ٢/ ٣١٤.\n(٥) في \"معاني القرآن وإعرابه\" للزجاج: لأنهم.\n(٦) في المصدر السابق: استماع.\n(٧) في (ح): (يتفقهوا). والمثبت موافق للمصدر.","vol":"10","page":82},{"text":"ولم يتفكروا [فيما سمعوا] (١) فكانوا بمنزلة من لم (٢) يسمع (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1325>٢٢ </span>- قوله تعالى: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ﴾ الآية، قال ابن عباس (٤) ومجاهد (٥) ومقاتل (٦): يريد المشركين، نفرًا من بني عبد الدار، وبني عبد العزى، كانوا صمًا عن الحق؛ فلا يسمعونه، بكمًا عن التكلم به.\nوكل ما دب على وجه الأرض فهو من جملة الدواب (٧)، بين الله تعالى أن هؤلاء الكفار شر ما دب على الأرض من الحيوان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1326>٢٣ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ﴾ أي لو خلق فيهم خيرًا؛ لأن ما خلقه الله يعلمه، وما لا يعلمه الله فهو ما لم يخلقه على معنى أنه لا يعلمه مخلوقًا (٨)، كما قال تعالى: ﴿أتنبئون الله بما لا يعلم [في الأرض﴾ [يونس: ١٨] أي: بما لم يجعله ولم يخلقه، ومعنى الآية: ولو\n_________\n(١) ما بين المعقوفين زائد عما في المصدر.\n(٢) في (ح) و(م): (لا)، وما أثبته من (س) موافق للمصدر.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٠٨.\n(٤) رواه مختصرًا البخاري في \"صحيحه\" كتاب التفسير، سورة الأنفال ٦/ ١١٨، وابن جرير ١٣/ ٤٦٠، وابن أبي حاتم ٣/ ٢٣٥ ب.\n(٥) رواه ابن جرير١٣/ ٤٦١ بمعناه.\n(٦) \"تفسير مقاتل\" ١١٩ ب، وقد أورد المؤلف قول مقاتل بمعناه.\n(٧) في \"لسان العرب\" (دبب) ٣/ ١٣١٤: الدابة: اسم لما دب من الحيوان مميزة وغير مميزة، ثم قال في الصفحة التالية: وقد غلب هذا الاسم على ما يركب من الدواب.\n(٨) يشير المؤلف إلى تعلق علم الله بالكون من ناحية الوجود والعدم، وذلك قسمان:\nأحدهما: جملة الموجودات.\nالثاني: جملة المعدومات. فالموجود يعلمه الله موجودًا، والمعدوم لا يعلمه الله موجودًا، بمعنى أنه يعلمه معدومًا.","vol":"10","page":83},{"text":"علم الله أنهم يصلحون بما يورده] (١) من حججه وآياته لأسمعهم إياها ولم يخلف (٢) عنهم شيئًا منها.\nوقال ابن جريج وابن زيد: لأسمعهم الحجج والمواعظ سماع تفهيم وتعليم، ولو أسمعهم بعد أن علم أن لا خير فيهم ما انتفعوا بذلك، ولتولوا وهم معرضون (٣).\nوقال ابن عباس في رواية عطاء: ﴿لَأَسْمَعَهُمْ﴾: يريد: لهداهم (٤).\n﴿وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ رجع ﵎ إلى ما سبق في علمه وقضائه وقدره فأخبر بما كان قبل أن يكون، ومعنى قوله (٥): (لهداهم) أي: لأسمعهم ما يهتدون به سماع تفهيم.\nوشرح أبو علي الجرجاني هذا القول شرحًا شافيًا فقال: إن الله يعلم ما يكون، وما لا يكون، وما لا يكون لو كان كيف يكون، فتأويل قوله: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ﴾ أي ليس فيهم خير فلا يسمعهم؛ لأنه جبلهم على ذلك، وهذا مثل قولك للرجل: لو علمت أنك تفهم لأخبرتك، أي: أنك لا تفهم، ثم قال: ﴿وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ﴾ -أي إسماع الإفهام الذي ينفع (٦) ويجدي إذا كان في الإنسان خير، وكان سعيدًا- ﴿لَتَوَلَّوْا﴾ أيضًا\n_________\n(١) ما بين المعقوفين ساقط من (م).\n(٢) هكذا في جميع النسخ، ولعل الصواب: يخف.\n(٣) ما ذكره المؤلف هو قول ابن زيد كما رواه بلفظ مقارب ابن جرير ٩/ ٢١٢، وأما قول ابن جريج فنصه: ولو علم الله فيهم خيرًا لأسمعهم ولو أسمعهم لقالوا ﴿ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا﴾ [يونس: ١٥] ولقالوا ﴿لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا﴾ [الأعراف: ٢٠٣] ولو جاءهم بقرآن غيره لتولوا وهو معرضون.\n(٤) رواه بمعناه الفيروزأبادى في \"تنوير المقباس\" ص ١٧٩ من رواية الكلبي وهو واهٍ.\n(٥) أى ابن عباس في قوله السابق.\n(٦) في (م): (ينتفع به).","vol":"10","page":84},{"text":"﴿وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ إخبارًا منه ﷿ عما لا يكون لو يكون كيف يكون (١)، ومثل هذا قوله إخبارًا عن المنافقين: ﴿لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ﴾ (٢) [الحشر: ١١] فقال الله تعالى: ﴿لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لَا يَنْصُرُونَهُمْ﴾ (٣) [الحشر: ١٢] فأعلمنا أن ذلك لا يكون منهم، ثم قال: ﴿وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ﴾ [الحشر: ١٢] فأعلم ﷿ عما لا يكون بأنه لو كان كيف يكون.\nوسلك أبو إسحاق في معنى هذه الآية طريقة حسنة فقال: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ﴾ جواب كل ما يسألون عنه، ثم قال (٤): ﴿وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا﴾ أي لو بين لهم كل ما يختلج (٥) في نفوسهم ﴿لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ لمعاندتهم (٦).\nواختاره ابن الأنباري وشرحه فقال: ولو علم الله فيهم خيرًا لأسمعهم جواب كل ما يسألون عنه مما يقترحون ويطالبون (٧) من المعجزات، ولو\n_________\n(١) ساقط من (ح).\n(٢) حذف الجرجاني أو المؤلف بعض الآية ونصه: ﴿وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا﴾ وقد فعل ذلك الرازي أيضًا في \"تفسيره\" ١٥/ ١٥٠ وهو كثير النقل من تفسير الواحدي \"البسيط\".\n(٣) في جميع النسخ: (ولئن). وهو خطأ.\n(٤) في \"معاني القرآن وإعرابه\": ثم قال جل وعز. وفي (م): (وقوله).\n(٥) في المصدر السابق: يعتلج. اهـ، والكلمتان متقاربتان في المعنى، ففي \"لسان العرب\" (خلج) ٣/ ١٢٢٣: اختلج الشيء في صدري وتخالج: احتكأ مع شك، وأصل الاختلاج: الحركة والاضطراب. وفي المصدر نفسه (علج) ٥/ ٣٠٦٥: اعتلج القوم: اتخذوا صراعًا وقتالًا، واعتلج الموت: التطم، وهو منه، وأعتلج الهمّ في صدره، كذلك على المثل.\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه\" للزجاج ٢/ ٤٠٩.\n(٧) ساقط من (ح).","vol":"10","page":85},{"text":"أسمعهم ذلك وأجابهم إلى ما يحبون منه لأعرضوا لعنادهم الحق، وحرصهم على إبطال أعلامه.\nقال أصحابنا (١): وفي الآية دليل واضح على أن المقادير والكفر والإِسلام والخير والشر سابقة ماضية، وأن الشقي لا ينتفع بدعوة الرسول واستماع الحق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1327>٢٤ </span>- قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾، قال ابن عباس: أجيبوا لله وللرسول بالطاعة (٢)، وقال عطاء عنه: سارعوا إلى ما دعاكم رسول الله - ﷺ - إليه (٣) من طاعتي (٤).\nقال أبو عبيدة والزجاج: معنى استجيبوا: أجيبوا (٥)، وأنشد قول الغنوي:\n_________\n(١) يعني الأشاعرة، وهو مذهب أهل السنة والجماعة قاطبة، انظر: \"مقالات الإسلاميين\" للأشعري ٢/ ٣٤٦، و\"عقيدة السلف وأصحاب الحديث\" للصابوني ص ٢٨٤، و\"شرح العقيدة الطحاوية\" ٢/ ٣٥٣، و\"القضاء والقدر في ضوء الكتاب والسنة\" ص ٢٤٧.\n(٢) لم أجد من ذكره عن ابن عباس سوى الفيروزأبادي في \"تنوير المقباس\" ص ١٧٩، وقد ذكر القول دون نسبة أبو عبيدة في \"مجاز القرآن\" ١/ ٢٤٥، والبخاري في \"صحيحه\" كتاب التفسير ٨/ ٣٠٧ والزجاج في \"معاني القرآن\" ٢/ ٤٠٩، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٣/ ٣٣٨.\n(٣) ساقط من (س).\n(٤) لم أقف عليه.\n(٥) انظر: \"مجاز القرآن\" ١/ ٢٤٥، و\"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٠٩، وقد ذكر هذا المعنى ابن منظور في \"لسان العرب\" (جوب) ٢/ ٧١٦، فقال: الإجابة والاستجابة بمعنى. وقال الراغب في \"المفردات\" (جوب) ص ١٠٢: الاستجابة قيل هي الإجابة، وحقيقتها هي التحري للجواب والتهيؤ له، لكن عبر به عن الإجابة لقله انفكاكها منها.","vol":"10","page":86},{"text":"فلم يستجبه عند ذاك مجيب (١)\nوقوله تعالى: ﴿إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ قال السدي: هو الإيمان والإسلام، وفيه الحياة (٢)، وعلى هذا معنى الآية: أجيبوا الرسول إذا دعاكم إلى الإيمان، والإيمان حياة القلب، والكفر موته، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿يُخْرِجُ الحَىَّ مِنَ المَيِّتِ﴾ (٣) قيل: المؤمن من الكافر، وقال قتادة: يعني: القرآن، أي: أجيبوه إلى ما في القرآن ففيه الحياة والنجاة والعصمة (٤)، وعلى هذا القول: القرآن يحيي؛ لأنه سبب الحياة بالعلم، والجاهل حياته موت؛ لأنه يعيش بجهل (٥)، والقرآن لما كان سببًا للإقتداء كان فيه الحياة النافعة.\nوالأكثرون على أن معنى قوله: ﴿لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ هو الجهاد (٦) وهو\n_________\n(١) هذا عجز بيت، وصدره:\nوداعٍ دعا يا من يجيب إلى الندى\nوالبيت للغنوي كما في \"الأصمعيات\" ص ٩٦، و\"نوادر أبى زيد\" ص ٣٧، و\"مجاز القرآن\" ١/ ٦٧، و\"شواهد الكشاف\" ٤/ ٣٣٠.\n(٢) رواه بلفظ مقارب ابن جرير ٩/ ٢١٣، وابن أبي حاتم ٥/ ١٦٨٠، والثعلبي ٦/ ٥٠ ب.\n(٣) الأنعام: ٩٥، يونس: ٣١، الروم: ١٩.\n(٤) رواه بلفظ مقارب ابن جرير ٩/ ٢١٤، والثعلبي ٦/ ٥٠ ب.\n(٥) هذا التعليل فيه نقص بيّن، والأولى أن يقال: إن القرآن يحيي؛ لأنه شامل لجميع ما ذكره المفسرون من أسباب الحياة، فالقرآن داعٍ إلى الإيمان، وداع إلى العمل، وداعٍ إلى الجهاد، وداع إلى الحق، وداع إلى النعيم المقيم، وكل واحد من هذه الأمور سبب للحياة المذكورة في الآية.\n(٦) هذا قول عروة بن الزبير وابن إسحاق وابن قتيبة، ولم يذكر المفسرون غيرهم.\nانظر: \"تفسير ابن جرير\" ٩/ ٢١٤، والثعلبي ٦/ ٥٠ ب، والبغوي ٣/ ٣٤٤، والماوردي ٢/ ٣٠٧، و\"الدر المنثور\" ٣/ ٣٢٠.","vol":"10","page":87},{"text":"قول ابن إسحاق (١)، واختيار أكثر أهل المعاني (٢).\nقال الفراء: إذا دعاكم إلى إحياء أمركم بجهاد عدوكم (٣)، يريد أن أمرهم إنما يقوى بالحرب والجهاد، فلو تركوا الجهاد ضعف (٤) أمرهم، واجترأ عليهم عدوهم.\nوقال أبو إسحاق: أي لما يكون سببًا للحياة الدائمة في نعيم الآخرة (٥)، وسبب هذه الحياة: يعني الجهاد.\nوقال ابن قتيبة: ﴿لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ يعني الشهادة؛ لأن الشهداء ﴿أَحْيَاءُ عِندَ رَبِهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ (٦)، وسبب الشهادة: الجهاد، وقال مجاهد: ﴿لِمَا\n_________\n(١) \"السيرة النبوية\" ٢/ ٢٦٨.\n(٢) انظر: \"تأويل مشكل القرآن\" لابن قتيبة ص ١٥١، وقد نسب الواحدي هذا القول لأكثر أهل المعاني ولم أجد من ذكره منهم سوى ابن قتيبة بينما اختار قولًا غيره كل من الفراء وأبي عبيدة والزجاج والنحاس، ولم يتعرض لتفسير الآية كل من الأخفش واليزيدي والأزهري، وقد يقال: إن ذلك يعود إلى كثرة الكتب المؤلفة في معاني القرآن التي اطلع عليها الواحدي ولم تصل إلينا، ولكن يشكل عليه أن المفسرين القدامى المهتمين بعزو الأقوال إلى أصحابها لم يعزوا هذا القول إلا لابن إسحاق وابن قتيبة.\nانظر: الثعلبي ٦/ ٥٠ ب، والبغوي ٣/ ٣٤٤، وابن الجوزي ٣/ ٣٣٩.\n(٣) \"معاني القرآن\" ١/ ٤٠٧. وجملة: بجهاد عدوكم، ليست موجودة في المطبوعة، وكذلك ذكر ابن الجوزي ٣/ ٣٣٩ قول الفراء دون هذه الجملة، فإما أن تكون موجدة في بعض النسخ دون بعض، وإما أن تكون زيادة من الواحدي للتوضيح.\n(٤) في (س): (لضعف).\n(٥) اهـ. قول أبي إسحاق الزجاج، وما بعده من كلام الواحدي، انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٠٩.\n(٦) آل عمران: ١٦٩، ولم أجد قول ابن قتيبة هذا فيما بين يدي من كتبه، وقد ذكره الثعلبي ٦/ ٥٠ ب، والبغوي ٣/ ٣٤٤، ولابن قتيبة قول آخر في معنى الآية ونصه: =","vol":"10","page":88},{"text":"يُحْيِيكُمْ﴾ أي للحق (١)، وهذا يحتمل كل ما ذكرنا من القرآن والإيمان والجهاد.\nوحكى أبو علي الجرجاني في قوله: ﴿لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ يعني الجنة، واحتج بأن الحياة الدائمة النافعة حياة الجنة كقوله ﷿: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾ [العنكبوت: ٦٤]، أي: الحياة الدائمة، وهذا معنى قول عطاء (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾، قال ابن عباس والضحاك: يحول بين الكافر وبين طاعته، ويحول بين المؤمن وبين معصيته (٣)، وقال عطاء عنه: يحول بين المؤمن وبين أن يكفر به، ويحول بين الكافر وبين أن يؤمن به (٤).\n_________\n= (لما يحييكم) أي إلى الجهاد الذي يحيي دينكم ويعليكم. انظر: \"تأويل مشكل القرآن\" ص ١٥١.\n(١) رواه ابن جرير ٩/ ٢١٣، وابن أبي حاتم ٥/ ١٦٧٩، والثعلبي ٦/ ٥٠ ب، والبغوي ٣/ ٣٤٤.\n(٢) لم أجد من ذكره عنه، وقد ذكر القول دون تعيين القائل السمرقندي ٢/ ١٢، وأبو حيان في \"البحر المحيط\" ٤/ ٤٨١.\n(٣) رواه عن ابن عباس بلفظ مقارب: الحاكم في \"المستدرك\" كتاب التفسير ٢/ ٣٢٨، وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. ورواه أيضًا ابن جرير ٩/ ٢١٥، والثعلبي ٦/ ٥١ أ، والبيهقي في كتاب \"الاعتقاد\" ص ٦٧، وهو من رواية علي بن أبي طلحة الصحيحة. انظر: \"صحيفة علي بن أبي طلحة\" ص٢٥٠. أما قول الضحاك فقد رواه عبد الرزاق الصنعاني في \"تفسيره\" ١/ ٢/ ٢٥٧، وابن جرير ٩/ ٢١٥، والثعلبي ٦/ ٥١ أوغيرهم.\n(٤) روى نحوه البغوي في \"تفسيره\" ٣/ ٣٤٤ من قول عطاء، ورواه بمعناه السمرقندي ٢/ ١٣ من رواية الكلبي عن ابن عباس.","vol":"10","page":89},{"text":"ونحو هذا قال سعيد بن جبير (١). وقال (٢) في رواية خُصيف (٣): يحول بين قلب الكافر وأن يعمل خيرًا. وقال السدي: يحول بين الإنسان وقلبه فلا يستطيع أن يؤمن ولا أن يكفر إلا بإذنه (٤).\nقال ابن الأنباري: وهذا مذهب مجاهد (٥)، واختيار الفراء (٦)، أي: فالأمور مردودة إليه، والسعيد من أسعده، والشقي من أصله وأشقاه، و﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣].\n_________\n(١) رواه الصنعاني في \"تفسيره\" ١/ ٢/ ٢٥٧، وابن جرير ٩/ ٢١٥، والبغوي ٣/ ٣٤٤.\n(٢) ظاهر السياق يدل على أن القائل سعيد بن جبير ويحتمل أن يكون ابن عباس، وخصيف يروي عن سعيد مباشرة وعن ابن عباس بواسطة كما في \"تفسير ابن جرير\" ٤/ ١٥٤ - ١٥٥، ولكن أئمة التفسير يروون هذا القول عن خصيف عن مجاهد كما في \"تفسير ابن جرير\" ٩/ ٢١٦، والثعلبي ٦/ ٥١/ أ، والواحدي اختصر عبارة شيخه الثعلبي فوقع في هذا الخلل، فقد ذكر الثعلبي قول ابن عباس والضحاك وسعيد بن جبير ثم قال: وقال مجاهد يحول بين المرء وقلبه فلا يعقل ولا يدري، وروى خصيف عنه: قال: يحول بين قلب الكافر وأن يعمل خيرًا، وقال السدي: .. إلخ، كما هو موجود في نص الواحدي.\n(٣) هو: خصيف بن عبد الرحمن الجزري أبو عون الحضرمي الأموي مولاهم، رأى أنس بن مالك -﵁-، كان شيخًا صالحًا فقيهًا عابدًا، إلا أنه كان سيء الحفظ، ويخطئ كثيرًا، ضعفه أحمد والجمهور، ووثقه ابن سعد وابن عدي، وقال الحافظ ابن حجر: الإنصاف فيه قبول ما وافق الثقات في الروايات، وترك ما لم يتابع عليه، توفي سنة ١٣٧ هـ.\nانظر: \"التاريخ الكبير\" ٣/ ٢٢٨ (٧٦٦)، و\"الكاشف\" ١/ ٣٧٣ (١٣٨٩)، و\"تهذيب التهذيب\" ١/ ٥٤٣، و\"تقريب التهذيب\" ص ١٩٣ (١٧١٨).\n(٤) رواه ابن جرير ٩/ ٢١٧، والثعلبي ٦/ ٥١ أ.\n(٥) انظر: المصدرين السابقين نفس الموضع.\n(٦) \"معاني القرآن\" ١/ ٤٠٧.","vol":"10","page":90},{"text":"قال أصحابنا (١): وهذه الآية دليل على أن القلوب بيد الله يقلبها كيف شاء، فإذا أراد الكافر أن يؤمن والله تعالى لا يريد إيمانه (٢) حال بينه وبين قلبه (٣) وإذا أراد المؤمن أن يكفر والله لا يريد كفره حال بينه وبين قلبه.\n_________\n(١) يعني الأشاعرة، انظر: كتاب \"تمهيد الأوائل\" ص ٣١٨، و\"الغنية\" ص ١٢٧، و\"تفسير الخازن\" ٢/ ١٧٥، وهذا مذهب أهل السنة قاطبة. انظر: \"شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة\" لأبي القاسم اللالكائي ٤/ ٥٧٨، و\"مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية\" ٨/ ٤٥٩، و\"شرح العقيدة الطحاوية\" ص ١٠٦ - ١٠٧.\n(٢) يعني الإرادة الكونية المستلزمة لوجود المراد، أما من ناحية الإرادة الشرعية فإن الله تعالى يريد إيمان الكافر ولا يريد كفر المؤمن، كما قال تعالى: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ [الزمر: ٧].\nوانظر تفصيل الإرادتين والفرق بينهما في: \"مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية\" ٨/ ٤٤٠، ٤٧٥ - ٤٨٠، و\"مدراج السالكين\" للإمام ابن القيم ١/ ٢٧٥ - ٢٨١، و\"شرح العقيدة الطحاوية\" ص ٦٩، ٧٠.\n(٣) الله ﷻ لا يحول بين العبد وبين الإيمان إلا بسبب من العبد نفسه كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الصف: ٥]. وقال تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام: ١١٠]. وقال تعالى: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾ [البقرة: ٢٦]. والله تعالى لا يظلم أحدًا، وقد مكن العباد من الهداية والطاعة، كما مكنهم من الكفر والمعصية، قال تعالى: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩].\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: إذا أراد العبد الطاعة التي أوجبها عليه إرادة جازمة كان قادرًا عليها، وكذلك إذا أراد ترك المعصية التي حرمت عليه إرادة جازمة كان قادرًا على ذلك، وهذا مما اتفق عليه المسلمون وسائر أهل الملل، ثم قال: فمن قال إن الله أمر العباد بما يعجزون عنه إذا أرادوه إرادة جازمة فقد كذب على الله ورسوله لكن مع قوله ذلك فيجب أن تعلم أنه لا حول ولا قوة إلا بالله، وأنه ما شاء كان وما لم يشاء لم يكن، وأن الله خالق كل شيء فهو خالق العباد وقدرتهم وإرادتهم وأفعالهم، فهو رب كل شيء ومليكه لا يكون شيء إلا بمشيئته وإذنه وقضائه وقدره. \"مجموع الفتاوى\" ٨/ ٤٣٧، ٤٤٠.","vol":"10","page":91},{"text":"قال قتادة: معنى ذلك أنه قريب من قلبه، لا يخفى عليه شيء أظهره أو أسره (١)، قال أبو بكر: فيكون المعنى على هذا: أنه تعالى أقرب إلى المرء من قلبه، ولا تخفى عليه خافية، يدل على ذلك قوله: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ (٢).\nوقال الزجاج: معناه: واعلموا أن الله مع المرء في القرب بهذه المنزلة (٣). وفي هذا تحذير شديد للعباد.\nوحكى الزجاج قولًا آخر وهو أن المعنى: أنه يحول بين الإنسان وما يسوف به نفسه بالموت (٤).\nويكون المعنى على هذا أن الله (٥) يحول بين المرء وما تمنى بقلبه من البقاء وطول العمر فيسوف بالتوبة، ويقدم المعصية، أي: فاعملوا ولا تعتمدوا على ما يقع في قلوبكم من تأميل البقاء، وطول الأجل، فإن ذلك لا يوثق به.\nوحكي عن مجاهد أنه قال: يحول بين المرء وعقله (٦).\n_________\n(١) رواه ابن جرير ٩/ ٢١٧، والثعلبي ٦/ ٥١ ب.\n(٢) ق: ١٦. وهذا القول بناءً على أحد القولين في المراد بالآية وأنه قرب الله تعالى، وفي الآية قول آخر وهو أن المراد بالقرب قرب الملكين الموكلين بالإنسان، انظر: \"تفسير ابن كثير\" ٢/ ٣٣٠، و\"شرح حديث النزول\" لشيخ الإِسلام ابن تيمية ص٣٥٥، وهو القول الراجح بدلالة السياق.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٠٩.\n(٤) المصدر السابق.\n(٥) في (ح): (المرء)، وهو خطأ.\n(٦) رواه ابن جرير ٩/ ٢١٦، ورواه بمعناه ابن أبي حاتم ٥/ ١٦١٨، والثعلبي ٦/ ٥١","vol":"10","page":92},{"text":"قال أبو بكر (١): معناه: فبادروا إلى الأعمال وأنتم تعقلون فإنكم لا تأمنون زوال العقول الذي ترتفع معه (٢) المحنة (٣)، وتحصلون على ما قدمتم قبله (٤) من العمل فإن خيرًا فخيرًا، وإن شرًّا فشرًّا.\nوالقلب هاهنا كناية عن العقل كما قال في غير هذا: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ [ق: ٣٧].\nوحكى هو (٥): ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ بالموت فاعملوا قبل وقوعه، وأنتم أصحاء تصلون إلى الازدياد من الحسنات (٦).\nوذكر أبو إسحاق قولًا آخر حاكيا وهو: أنهم كانوا يفكرون في كثرة عدوهم، وقلة عددهم؛ فيدخل (٧) قلوبهم الخوف؛ فأعلم الله ﷿ أنه يحول بين المرء وقلبه؛ بأن يبدلّه بالخوف أمنًا (٨)، ويبدل عدوهم -بظنهم أنهم\n_________\n(١) هو: ابن الأنباري كما في \"زاد المسير\" ٣/ ٣٣٩.\n(٢) أي مع زوال العقول.\n(٣) المعنى: أنه إذا زال العقل ارتفع مع زواله الامتحان والتكليف، وئبت للإنسان ما قدم قبل زواله من خير أو شر.\nهذا وقد نقل ابن الجوزي قول ابن الأنباري مختصرًا فقال: قال ابن الأنباري: المعنى: يحول بين المرء وعقله، فبادروا الأعمال؛ فإنكم لا تأمنون زوال العقول، فتحصلون على ما قدمتم. \"زاد المسير\" ٣/ ٣٣٩.\nكما نقله الفخر الرازي بمعناه فقال: .. والمعنى: فبادروا إلى الأعمال وأنتم تعقلون، فإنكم لا تأمنون زوال العقول التي عند ارتفاعها يبطل التكليف. \"تفسير الفخر الرازي\" ١٥/ ١٤٩.\n(٤) أي قبل زوال العقول.\n(٥) يعني: ابن الأنباري.\n(٦) ذكره بمعناه ابن الجوزي ٣/ ٣٤٠، كما ذكره الثعلبي ٦/ ٥١ب، بمعناه دون نسبة.\n(٧) في \"معاني القرآن وإعرابه\": فيدخل في.\n(٨) في المصدر السابق: الأمن.","vol":"10","page":93},{"text":"قادرون عليهم- الجبن والخوف (١) (٢).\nقال أبو بكر: وذلك أن المسلمين يوم بدر لما رأوا قلتهم في العدة، وكثرة المشركين جزع بعضهم فقال الله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ أي: أنه قادر على (٣) أن يحوّل الجزع من قلوبكم إلى قلوب المشركين، والشجاعة من قلوبهم إلى قلوبكم حتى يكون ذلك سبب ظفركم بهم (٤).\nوقوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ أي: للجزاء على الأعمال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1328>٢٥ </span>- قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ الآية (٥)، معنى الفتنة هاهنا: البلية التي يظهر فيها باطن (٦) أمر الإنسان، وأصلها من الاختبار -كما ذكرنا قبل (٧) - وسميت البلية فتنة لأنها كالاختبار للناس (٨)؛ فمن تعرض لها وأثارها دل على سوء دخلته، ومن قعد عنها وطلب إماتتها دل على صلاح نيته وحسن سريرته.\nوهذه الآية محتملة وجهين من التفسير والإعراب:\n_________\n(١) في المصدر السابق: الخور.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٠٩ - ٤١٠.\n(٣) ساقط من (س).\n(٤) ذكر هذا القول عن ابن الأنباري بمعناه مختصرًا ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٣/ ٣٤٠، وبنحوه الثعلبي ٦/ ٥١ ب، ولم يعين القائل.\n(٥) ساقط من (س) وكتب الناسخ بدله: للمؤمنين.\n(٦) يعني: ما أخفاه\n(٧) انظر: \"تفسير البسيط\" [الأعراف: ١٥٥].\n(٨) في (م): (للإنسان).","vol":"10","page":94},{"text":"أحدهما: أن هذا أمر باتقاء الفتنة التي تتعدى الظالم فتصيب الصالح والطالح جميعًا ولا تقتصر على الذين ظلموا دون غيرهم، وهذا مذهب ابن عباس؛ لأنه قال في هذه الآية: أمر الله المؤمنين أن لا يقروا المنكر بين أظهرهم فيعمهم الله بالعذاب (١)؛ فعلى هذا الفتنة هو إقرار المنكر وترك التغيير له، ونحو هذا قال أبو روق والكلبي وابن زيد.\nقال أبو روق: تصيب الصالح والطالح (٢).\nوقال الكلبي: تصيب الظالم والمظلوم، ولا يكون بالظلمة وحدهم خاصة، ولكنها عامة (٣).\nوقال ابن زيد: الفتنة: الضلالة (٤)، يعني افتراق الكلمة، ومخالفة بعضهم بعضًا.\nووجه الإعراب على هذا التفسير ما ذكره الفراء (٥) وحكاه الزجاج عنه (٦)، وهو أن قوله: ﴿لَا تُصِيبَنَّ﴾ جزاء فيه طرف من النهي، نحو قولك: أنزل عن الدابة لا تطرحك، ولا تطرحنَّك (٧)، فهو جواب الأمر بلفظ\n_________\n(١) رواه ابن جرير ٩/ ٢١٨، وابن أبي حاتم ٥/ ١٦٨٢، وهو من رواية علي بن أبي طلحة الصحيحة.\n(٢) ذكره هذا القول من غير نسبة: أبو حيان في \"البحر\" ٤/ ٤٨٢ - ٤٨٣، ولم أجد من ذكره عن أبي روق.\n(٣) رواه الفيروزأبادي في \"تنوير المقباس\" ص ١٧٩ مختصرًا عن الكلبي عن ابن عباس.\n(٤) رواه ابن جرير ٨/ ٢١٩، وابن أبي حاتم ٥/ ١٦٨١.\n(٥) انظر: \"معاني القرآن\" ١/ ٤٠٧.\n(٦) لم يصرح الزجاج باسم الفراء بل قال: زعم بعض النحويين ... إلخ. انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤١٠\n(٧) في (ح) و(س): (ولا تطرحك)، وهو خطأ.","vol":"10","page":95},{"text":"النهي، المعنى: إن تنزل عنه (١) لا يطرحك (٢)، فإذا أتيت بالنون الخفيفة والثقيلة كان أوكد للكلام.\nوشرح أبو بكر بن الأنباري هذا القول فقال: إن قال قائل كيف دخلت النون في قوله: ﴿لَا تُصِيبَنَّ﴾ وهو خبر ولا وجه لدخولها في الأخبار.\nفالجواب: أن هذا الكلام تأويله تأويل الخبر؛ إذ كان (٣) المعنى: واتقوا فتنة إن لا تتقوها (٤) لا تصيب الذين ظلموا (٥)، أي: لا تقع بالظالمين دون غيرهم لكنها تقع بالصالحين والطالحين، فلما ظهر الفعل ظهور النهي، والنهي راجع إلى معنى الأمر؛ إذ القائل إذا قال (٦): لا تقم، يريد دع القيام، ووقع هذا جوابًا للأمر أو كالجواب له، فأكد له شبه النهي فدخلت النون المعروف دخولها في النهي، ومثل (٧) هذا قوله تعالى:\n_________\n(١) هكذا في جميع النسخ، وهو كذلك في أصل \"معاني القرآن وإعرابه\" كما أشار المحقق إلى ذلك، لكنه جعل الضمائر كلها بالتذكير وهو صواب إذ في \"لسان العرب\" (دبب) ٣/ ١٣١٤: الدابة: التي تركب، وقد غلب هذا الاسم على ما يركب من الدواب، وهو يقع على المذكر والمؤنث، وحقيقته الصفة اهـ. وكذلك ذكر أبو علي الفارسي الجملة بالتذكير، انظر: \"الإغفال\" ص ٨٣٥.\n(٢) في (ح) و(س): (لا تطرحك).\n(٣) في (م): (لو كان)، وهو خطأ.\n(٤) في \"زاد المسير\": إن لا يتقوها ... إلخ.\n(٥) يعني: خاصة.\n(٦) في \"زاد المسير\": يقول، وسقط: إذا.\n(٧) ذكر ابن الجوزي إن التمثيل بالآية المذكورة لقول آخر عن ابن الأنباري في سبب دخول النون، فقال: الثاني أنه نهي محض، معناه: لا يقصدن الظالمون هذه الفتنة فيهلكوا، فدخلت النون لتوكيد الاستقبال، كقوله: ﴿لَا يَحْطِمَنَّكُمْ﴾.\nانظر: \"زاد المسير\" ٣/ ٣٤٢، وسيذكر المؤلف هذا القول عن ابن الأنباري شرحه للوجه الثاني في الآية.","vol":"10","page":96},{"text":"﴿ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ [سُلَيْمَانُ﴾ (١) [النمل: ١٨] تأويله: إن تدخلوا لا يحطمنكم] (٢)، فدخلت النون على الخبر لشبهه لفظ النهي، قال: وسبيل النون الشديدة والخفيفة أن تدخلا في ستة مواضع: في الأمر، والنهي، والاستفهام، وجواب اليمين، و(إما) إذا كانت جزاء، و(ما) إذا كانت صلة، كقولك: قومن، ولا تقومن، وهل تقومن، وإما تقومن أقم، والله لتقومن، وعن قليل ما تندمن (٣).\n_________\n(١) اهـ. ما نقله ابن الجوزي من كلام ابن الأنباري، انظر: \"زاد المسير\" ٣/ ٣٤٣ باختصار واختلاف يسير.\n(٢) ما بين المعقوفين ساقط من (س).\n(٣) هذه المواضع التي ذكرها المؤلف اقتصر عليها جمهور النحاة، وذهب بعض المحققين كابن هشام إلى جواز التوكيد في مواضع أخرى منها:\nأ- بعد (لا) النافية، كقوله تعالى في الآية المذكورة: ﴿لَا تُصِيبَنَّ﴾ على أحد القولين في معناها، وكقول النابغة الذبياني يخاطب عمرو بن هند:\nلا أعرفنك معرضا لرماحنا ... في جف تغلب واردي الأمرار\nومنع الجمهور من ذلك لأن النفي يضاد التوكيد.\nب- بعد (لم)، كقول الشاعر:\nيحسبه الجاهل ما لم يعلما ... شيخًا على كرسيه معممًا\nجـ- بعد أداة جزاء غير (إما) كقول الشاعرة ابنة مرة الحارثي:\nمن تثقفن منهم فليس بآئب ... أبدًا وقتل بني قتيبة شافي\nويرى سيبويه أن هذا الوجه والذي قبله خاص بالضرورة الشعرية، كما جوز ابن جني في \"اللمع\" ص ٣١٦ قياس دخول نون التوكيد في النفي.\nانظر تفصيل ما سبق بيانه في: \"كتاب سيبويه\" ٣/ ٥١١ - ٥٢١، و\"أوضح المسالك\" ٣/ ١٢٦ - ١٣٥، و\"النحو الوافي\" ٤/ ١٦٧ - ١٨٤، وانظر أيضًا: \"البحر المحيط\" ٤/ ٤٨٣ - ٤٨٤، حيث دليل على جواز دخول نون التوكيد على المنفي بـ (لا).","vol":"10","page":97},{"text":"الوجه الثاني (١): أن هذا أمر باتقاء فتنة تقتصر على الظالم وتصيبه بليتها، وهذا الوجه مروي في التفسير أيضًا عن ابن عباس، روي عنه أنه قال: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [في الرؤوس دون الأتباع، وروى عطاء عنه: يريد: لتصيبن الذين ظلموا منكم خاصة (٢)] (٣)\nوقال الحسن: نزلت في علي وعمار وطلحة والزبير (٤).\nوقال الزبير: لقد قرأناها زمانا وما ندري من عني بها، فإذا نحن المعنيون بها (٥)، وقال ابنه عبد الله: لقد خوفنا بها ونحن مع رسول الله - ﷺ -\n_________\n(١) يعني في سبب دخول النون في قوله: ﴿لَا تُصِيبَنَّ﴾ والوجه الأول ما ذكره قبل هذا الوجه، وكلا الوجهين لابن الأنباري كما في \"زاد المسير\" ٣/ ٣٤٣.\n(٢) وردت قراءة شاذة بهذا اللفظ، رويت عن علي وزيد بن ثابت وأبي جعفر الباقر والربيع بن أنس وأبي العالية وابن جماز، انظر: \"المحتسب\" ١/ ٢٧٧.\n(٣) ما بين المعقوفين ساقط من (م).\n(٤) رواه ابن جرير ٩/ ٢١٨، والثعلبي ٦/ ٥٢ أ، وإيراد هذا القول وما بعده من الأقوال التي تشير إلى أن الآية نزلت في أصحاب رسول الله - ﷺ - يوم الجمل بعد قول المؤلف إن معنى الآية أمر باتقاء فتنة تقتصر على الظالم -أمر في غاية الخطورة، إذ يفهم منه أن من قيل أن الآية نزلت فيهم- وهم أهل يوم الجمل ظالمون، وهذا مخالف لمنهج أهل السنة والجماعة في الكف عما شجر بين أصحاب رسول الله - ﷺ - واعتقاد عدالتهم ونزاهة قصدهم، والترضي عنهم، وسلامة الصدور نحوهم، وأن المقتتلين في يوم الجمل وصفين مجتهدون منهم المصيب المأجور، ومنهم المخطئ المعذور. انظر: \"العواصم من القواصم\" ص ٢٤٨، و\"منهاج السنة النبوية\" ٤/ ٤٤٨ - ٤٥٠. وسيأتي مزيد بيان لذلك.\n(٥) رواه ابن برير ٩/ ٢١٨، وابن أبي حاتم ٥/ ١٦٨٢، وبمعناه أحمد في \"المسند\" ١/ ١٦٥، وذكره السيوطي في \"الدر\" ٣/ ٣٢١، وزاد نسبته إلى ابن أبي شيبة وعبد ابن حميد ونعيم بن حماد في \"الفتن\" وابن المنذر وأبو الشيخ وابن مردويه، وقال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" ٧/ ٩٩. رواه أحمد بإسنادين رجال أحدهما رجال الصحيح.","vol":"10","page":98},{"text":"وما ظننا أنا خصصنا بها خاصة (١).\nوقال السدي: نزلت هذه الآية في أهل بدر خاصة، فأصابتهم يوم الجول فاقتتلوا (٢).\nقال الحسن أيضًا: الذين ظلموا منكم خاصة فلان وفلان، وهو يوم الجمل خاصة (٣)، ونحو هذا قال مقاتل والضحاك (٤) وقتادة (٥): أن هذا في قوم مخصوصين من أصحاب رسول الله - ﷺ - أصابتهم الفتنة يوم الجمل (٦).\n_________\n(١) لم أجد من روى هذا القول عن عبد الله بن الزبير، بل رواه بنحوه عن أبيه -﵄- الصنعاني في \"تفسيره\" ١/ ٢/ ٢٥٧، وابن جرير ٩/ ٢١٨، وذكره ابن كثير ٢/ ٣٣١ بلفظه ونسبه لابن جرير ولم أجده فيه.\n(٢) رواه ابن جرير ٩/ ٢١٨، والثعلبي ٦/ ٥٢ ب، وبمعناه ابن أبي حاتم ٥/ ١٦٨٢، والبغوي ٣/ ٣٤٦.\n(٣) لم أجد من رواه بهذا اللفظ، وقد رواه بمعناه مع تسمية من نزلت فيهم ابن جرير ٩/ ٢١٨، والثعلبي ٦/ ٥٢ أ، وذكره هود بن محكم الهواري في كتابه \"تفسير كتاب الله العزيز\" ٢/ ٨٢، بلفظ: يعني أصحاب النبي ﵇. وسيأتي توضيح المراد منه.\n(٤) رواه البغوي ٣/ ٣٤٦، وعبد بن حميد كما قال السيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ٤٦.\n(٥) رواه البغوي ٣/ ٣٤٦.\n(٦) هذا القول وما روي عن السلف بمعناه يحتاج إلى إيضاح من عدة نقاط:\nأولًا: ليس ما وقع بين الصحابة -﵃- يوم الجمل سبب لنزول الآية؛ لأن العلماء اشترطوا في السبب أن يقع أيام نزول الآية متقدما عليه، انظر: \"البرهان في علوم القرآن\" ١/ ٢٦، و\"الإتقان في علوم القرآن\" ١/ ٤٢، و\"مناهل العرفان\" ١/ ١٠١.\nثانيًا: للسلف مفهوم في معنى قولهم: نزلت هذه الآية في كذا، أوسع من اصطلاح المتأخرين، قال الزركشي في \"البرهان\" ١/ ٣١: عرف من عادة الصحابة والتابعين أن أحدهم إذا قال: نزلت هذه الآية في كذا، فإنه يريد بذلك أن هذه الآية تتضمن هذا الحكم؛ لا أن هذا كان السبب في نزولها اهـ.\nوقد سبقه شيخ الإِسلام ابن تيمية فقال في \"مقدمة أصول التفسير\" ص ١٦ ما نصه: وقولهم: نزلت هذه الآية في كذا، يراد به تارة أنه سبب النزول، ويراد به تارة أن =","vol":"10","page":99},{"text":"ووجه إعراب الآية على هذا القول ما ذكره أبو إسحاق، وهو أن قوله: ﴿لَا تُصِيبَنَّ﴾ [نهي بعد أمر، والمعنى: اتقوا فتنة، ثم نهى بعد، ثم (١) قال ﴿لَا تُصِيبَنَّ﴾] (٢) الفتنة الذين ظلموا أي: لا يتعرضن [الذين ظلموا] (٢) لما ينزل بهم معه العذاب (٣) (٤).\n_________\n= هذا داخل في الآية، وإن لم يكن السبب، كما تقول: عني بهذه الآية كذا.\nثالثًا: على قول من قال من السلف: إن هذه الآية نزلت في أهل يوم الجمل من الصحابة، وقول الزبير: نحن المعنيون بها، يكون معنى الآية: إن هناك من ظلم، وهم قتلة عثمان -ومعلوم أنهم ليسوا من الصحابة- فعمت العقوبة وأصابت من لم يظلم من أصحاب رسول الله - ﷺ -.\nوليس المعنى أن بعض الصحابة ظلم، فأصابت العقوبة الجميع، كما قد يفهم من سياق المؤلف للأقوال، إذ من الثابت أن كلا الطرفين من أصحاب رسول الله - ﷺ - في وقعة الجمل يريد الإصلاح، وإنما أثار الفتنة، وأوقد نار الحرب أولئك البغاة الذين قتلوا عثمان -﵁- وكرهوا اتفاق أصحاب رسول الله - ﷺ - خوفًا من سيف الحق، قال شيخ الإسلام ابن تيمية في \"منهاج السنة\" ٤/ ٤٦٥: لما طلب طلحة والزبير الانتصار من قتلة عثمان، قامت قبائلهم فقاتلوهم؛ ولهذا كان الإمساك عن مثل هذا هو المصلحة، كما أشار به على على طلحة والزبير، واتفقوا على ذلك، ثم إن القتلة أحسوا باتفاق الأكابر، فأثاروا الفتنة، وبدأوا بالحملة على عسكر طلحة والزبير، وقالوا لعلي: إنهم حملوا قبل ذلك، فقاتل كل من هؤلاء وهؤلاء دفعًا عن نفسه، ولم يكن لعلي ولا لطلحة والزبير غرض في القتال أصلًا، وإنما كان الشر من قتلة عثمان.\n(١) هكذا، وفي \"الإغفال\": فقال: وهو الصواب.\n(٢) ما بين المعقوفين ساقط من (س).\n(٣) في \"الإغفال\": من العذاب.\n(٤) هذا قول أبي إسحاق الزجاج كما في \"الإغفال\" ص ٨٣٦، وليس في \"معاني القرآن وإعرابه\"، وقد ذكر الأزهري في \"تهذيب اللغة\" ١/ ٤٦ - ٤٧ أن لهذا الكتاب عدة نسخ مختلفة المخارج، وقد عارض بعضها ببعض حتى حصل منها نسخة أخرى اهـ.\nوالجدير بالذكر أن أبا على الفارسي سمع نسخته من المؤلف، كما في \"الإغفال\" ص ١.","vol":"10","page":100},{"text":"وشرح أبو بكر هذا القول فقال: قوله: ﴿لَا تُصِيبَنَّ﴾ نهي محض معناه: لايقصدن الظالمون هذه الفتنة فيهلكوا فلفظ النهي كأنه للفتنة، وهو للذين ظلموا، ومثله قوله: ﴿لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ﴾ [النمل: ١٨] أمرتهم بالدخول ثم نهتهم أن يحطمهم سليمان فقالت: ﴿لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ﴾ فلفظ النهي لسليمان ومعناه للنمل، كما تقول: لا أرينك هاهنا، فلفظ النهي لنفسك ومعناه: لا تكونن هاهنا فإني أراك (١).\nقال صاحب النظم: تأويل هذا: واتقوا فتنة تصيب الذين ظلموا منكم خاصة (٢)، يريد أن في نهيه بقوله: ﴿لَا تُصِيبَنَّ﴾ [إخبارًا أن تلك الفتنة مصيبة (٣) للذين ظلموا، كما تقول: اتق بلية لا تصيبن] (٤) المتعرض لها، يفهم من هذا أنك أمرت باتقاء فتنة تصيب من تعرّض لها، فقوله: ﴿لَا تُصِيبَنَّ﴾ نهي في موضع وصف النكرة، وتأويله الإخبار بإصابتها الذين ظلموا، يؤكد هذا ما روي في حرف عبد الله: واتقوا فتنة أن تصيب الذين\n_________\n(١) انظر: قول ابن الأنباري مختصرًا في \"زاد المسير\" ٣/ ٣٤٢.\n(٢) ذكره القرطبي في \"تفسيره\" ٧/ ٣٩٣ وهذا القول مرجوح، والأول هو الراجح لأمرين:\nأولًا: موافقته للظاهر المتبادر من الآية.\nثانيًا: أنه مؤيد بقول النبي - ﷺ - لما سئل: أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: \"نعم إذا كثر الخبث\". رواه البخاري (٧٢٩٢) كتاب الفتن، باب: قول النبي: \"ويل للعرب من شرٍّ قد اقترب\". ومسلم (٢٨٨٠١)، كتاب الفتن، باب: اقتراب الفتن.\nوروى الترمذي في \"سننه\" (٢١٦٨) كتاب الفتن، باب: ما جاء في نزول العذاب إذا لم يغير المنكر، عن رسول الله - ﷺ - قال: \"إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه\". قال الترمذي: هذا حديث صحيح.\n(٣) ساقط من (ح).\n(٤) ما بين المعقوفين ساقط من (س)","vol":"10","page":101},{"text":"ظلموا (١)، واختار أبو علي الفارسي الوجه الثاني، وقال: إنه قول أبي الحسن (٢)، ولا يصح عندنا إلا قوله، دون القول الأول، وقال: إنه نهي بعد أمر، واستغني عن استعمال حرف العطف معه لاتصال الجملة الثانية بالأولى كما استغنى عن ذلك بقولهم (٣): ﴿ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ [الكهف: ٢٢]، و﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٣٩]، ومحال أن يكون جواب الأمر بلفظ النهي، [ودخول النون هاهنا يمنع (٤) أن تكون ﴿لَا تُصِيبَنَّ﴾ جوابًا للأمر] (٥)، وأطال الكلام في إبطال القول الأول ونصرة قول أبي الحسن (٦).\n_________\n(١) ذكر هذه القراءة ابن عطية في \"المحرر الوجيز\" ٦/ ٢٦٢ - ٢٦٤، وأبو حيان في \"البحر المحيط\" ٤/ ٤٨٢ - ٤٨٣، وقراءة ابن مسعود المشهورة: (واتقوا فتنة لتصيبن الذين ظلموا).\nانظر: \"مختصر في شواذ القرآن\" لابن خالوية ص ٤٩، و\"زاد المسير\" ٣/ ٣٤٢، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٧/ ٣٩٣، و\"البحر المحيط\" ٤/ ٤٨٢ - ٤٨٣.\n(٢) يعني الأخفش الأوسط، وانظر قوله في كتابه \"معاني القرآن\" ١/ ٣٤٧.\nوهو: سعيد بن مسعدة البلخي ثم البصري، إمام النحو، وأبرع تلاميذ الخليل بن أحمد وسيبويه كان من أعلم الناس بالكلام، وأحذقهم بالجدل لكنه كان معتزليًّا، وله كتب كثيرة في النحو والعروض ومعان القرآن وغيرها، توفي سنة ٢١٥هـ، وقيل غير ذلك.\nانظر: \"أخبار النحويين البصريين\" ص ٦٦، و\"طبقات النحويين واللغويين\" ص ٧٢، و\"نزهة الألباء\" ص ١٠٧، و\"إنباه الرواة\" ٢/ ٣٦، و\"سير أعلام النبلاء\" ١٠/ ٢٠٦.\n(٣) يعني المختلفين في شأن أصحاب الكهف، وفي \"الإغفال\": بقوله.\n(٤) في (ح): (لمنع)، وهو خطأ.\n(٥) ما بين المعقوفين معنى كلام أبي علي الفارسي ونصر كلامه: ومما يدل على أن لفظ أمر فلا يجوز أن يكون جزاء دخول النون فيه، والنون لا تدخل في الجزاء.\n(٦) انظر: \"الإغفال\" ص ٨٣٧، وعمدة أبي علي الفارسي في إبطال القول الأول دخول =","vol":"10","page":102},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [قال عطاء: يريد لمن عطّل حدوده وانتهكها (١)، وفي قوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾] (٢) حث على لزوم الاستقامة خوفًا من الفتنة ومن عقاب الله بالمعصية فيها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1329>٢٦ </span>- قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ﴾ الآية، قال أبو علي: هذا من الذكر الذي يكون عن النسيان، والمعنى: قابلوا حالكم التي أنتم عليها الآن بتلك الحال المتقدمة ليتبين لكم موضع النعمة فتشكروا عليه (٣) (٤)، قال الكلبي (٥) والفراء (٦): نزلت في المهاجرين خاصة.\nوقال عكرمة: يعني النبي ومن معه من قريش وحلفائها ومواليها قبل الهجرة (٧). وقال الكناني: يعني حين كانوا بمكة في عنفوان (٨) الإِسلام قبل أن يكملوا أربعين (٩).\n_________\n= النون على قوله تعالى: ﴿لَا تُصِيبَنَّ﴾ وهو منفي، وقد سبق توجيه المؤلف لذلك، وذهب أبو حيان إلى قياس دخول النون على المنفي وذكر له شواهد عدة، انظر: \"البحر المحيط\" ٤/ ٤٨٢ - ٤٨٥.\n(١) لم أجد من ذكره.\n(٢) ساقط من (س).\n(٣) أي: على موضع النعمة.\n(٤) \"الحجة للقراء السبعة\" ٣/ ٤٢٨.\n(٥) رواه بنحوه الفيروزأبادي في \"تنوير المقباس\" ص١٨٠ عنه عن ابن عباس.\n(٦) \"معاني القرآن\" ١/ ٤٠٧.\n(٧) رواه ابن جرير ٩/ ٢١٩ - ٢٢٠، وانظر: \"النكت والعيون\" ٢/ ٣١٠، و\"معالم التنزيل\" ٣/ ٣٤٧.\n(٨) عنفوان الشيء: أوله، انظر: \"الصحاح\" (عنف) ٤/ ١٤٠٧، و\"مجمل اللغة\" (عنف) ٣/ ٦٣٢.\n(٩) ذكره الثعلي ٦/ ٥٣ أبلا نسبة.","vol":"10","page":103},{"text":"وقوله تعالى: ﴿فِي الْأَرْضِ﴾، قال ابن عباس (١) والكلبي (٢): في أرض مكة.\nوقوله تعالى: ﴿تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ﴾، قال ابن عباس: ﴿تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ﴾ إذ أخرجتم منها، والناس هاهنا: العرب (٣) يريد المشركين، ونحو ذلك قال الكلبي (٤) وغيره (٥)، وقال عكرمة وقتادة: هم كفار قريش (٦)، وقال وهب: يعني فارسًا والروم (٧).\nوقوله تعالى: ﴿فَآوَاكُمْ﴾ أي جعل لكم مأوى ترجعون إليه وتسكنون فيه، قال ابن عباس: فضمكم إلى الأنصار (٨)، وقال السدي والكلبي والكناني: فآواكم إلى المدينة دار الهجرة (٩).\n_________\n(١) ذكره ابن الجوزي ٣/ ٣٤٣، والمؤلف في \"الوسيط\" ٢/ ٤٥٣.\n(٢) ذكره الفيروزأبادي في \"تنوير المقباس\" ص١٨٠ عنه عن ابن عباس، وانظر: \"تفسير القرطبي\" ٧/ ٣٩٤.\n(٣) ذكره ابن الجوزي ٣/ ٣٤٣ بمعناه.\n(٤) انظر: \"تفسير عبد الرزاق الصنعاني\" ١/ ٢/ ٢٥٨، وابن جرير ٩/ ٢٢٠، ورواه الفيروزأبادي في \"تنوير المقباس\" ص١٨٠ عنه عن ابن عباس.\n(٥) كالسدي فيما رواه عنه ابن جرير ٩/ ٢٢٠، وقتادة فيما رواه عنه ابن أبي حاتم ٥/ ١٦٨٢.\n(٦) رواه بمعناه ابن جرير ٩/ ٢١٩ - ٢٢٠، ورواه البغوي ١٣/ ٣٤٧ عن عكرمة بلفظ: كفار العرب. وانظر: القرطبي ٧/ ٣٩٤.\n(٧) رواه ابن جرير ١٣/ ٤٧٨، وابن أبي حاتم ٣/ ٢٣٨ أ، والثعلبي ٦/ ٥٣ أ، والصنعاني ١/ ٢/ ٢٥٨، ولم يذكر الروم، وذكره السيوطي في \"الدر\" ٤/ ٤٧، وزاد نسبته إلى عبد بن حميد وأبي الشيخ.\n(٨) ذكره القرطبي ٧/ ٣٩٤، وبمعناه ابن الجوزي ٣/ ٣٤٣ ن والفيروزأبادي ص ١٨٠ وأبو حيان ٥/ ٣٠٦.\n(٩) رواه ابن جرير ١٣/ ٤٧٩ عن السدي، ونسبه ابن الجوزي في \"زاد المسير\" =","vol":"10","page":104},{"text":"﴿وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ﴾، قال ابن عباس: يريد بقوته (١)، وقال السدي: وأيدكم بالأنصار (٢)، وقال الكلبي والكناني: وأيدكم بنصره يوم بدر بالملائكة (٣).\n﴿وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ يعني الغنائم ببدر في قول ابن عباس (٤) والكلبي (٥) والكناني (٦)، يريد أحلّها لكم ولم تحل لأحد قبلكم.\nوقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾، قال عطاء: يريد: كي تطيعوا (٧)، قال أهل المعاني: وهذا تذكير بالنعمة في تقويتهم بعد الضعف، وأمنهم بعد الخوف، ونصرهم على أعدائهم، وبسط أرزاقهم (٨).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1330>٢٧ </span>- قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ الخون\n_________\n= ٣/ ٣٤٣ إلى ابن عباس والأكثرين، ورواه الفيروزأبادي في \"تنوير المقباس\" ص ١٨٠ عن الكلبي عن ابن عباس.\n(١) رواه الفيروزأبادي ص ١٨٠ بلفظ: أعانكم وقواكم بنصرته يوم بدر.\n(٢) رواه ابن جرير ٩/ ٢٢٠ بمعناه، وذكره السيوطي في \"الدر\" ٣/ ٣٢٢، وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم وأبي الشيخ.\n(٣) رواه البغوي ٣/ ٣٤٧ عن الكلبي، وكذلك المؤلف في \"الوسيط\" ٢/ ٤٥٣، ونسبه ابن الجوزي ٣/ ٣٤٣ إلى الجمهور.\n(٤) رواه الفيروزأبادي في \"تنوير المقباس\" ص ١٨٠، وذكره أبو حيان في \"البحر المحيط\" ٤/ ٤٨٥.\n(٥) رواه البغوي ٣/ ٣٤٧.\n(٦) لم أجد من ذكره عنه.\n(٧) لم أجد من ذكره عنه.\n(٨) لم أجده فيما بين يدي من كتب أهل المعاني، وانظر معناه في: \"تفسير ابن جرير\" ٩/ ٢١٩، و\"البحر المحيط\" ٤/ ٤٨٥.","vol":"10","page":105},{"text":"والخيانة والمخانة: خون الحق (١) الذي قد ضمن فيه التأدية، وخان: يتعدى إلى مفعولين، نحو: اعطى، ويجوز أن يقتصر على أحدهما، ويدلك على تعدي (خان) إلى مفعولين قول أوس:\nخانتك ميّة ما علمت كما ... خان الإخاء خليلَه لبد (٢)\nقال ابن عباس في رواية عطاء (٣)، والزهري (٤) والكلبي (٥) وعبد الله [بن أبي قتادة (٦)] (٧): نزلت هذه الآية في أبي لبابة (٨) حين بعثه رسول الله\n_________\n(١) أي تنقصه وعدم الوفاء به، قال ابن فارس في \"مقاييس اللغة\" (خون) ٢/ ٢٣١: الخاء والواو والنون أصل واحد، وهو التنقص، يقال: خانه يخونه خونًا: وذلك نقصان الوفاء.\n(٢) \"ديوانه\" ص ٢٢. قال ابن منظور: لبد: اسم آخر نسور لقمان بن عاد وتزعم العرب أن لقمان هو الذي بعثته عاد في وفدها إلى الحرم يستسقي لها، فلما أُهلكوا خُيّر لقمان بين بقاء سبع بَعْرات سمْر، من أظْبٍ عفر، في جبل وعر، لا يسمها القطر، أو بقاء سبعة أنسر كلما هلك نسر خلص بعده نسر، فاختار النسور، فكان آخر نسوره يسمى لبدًا، وقد ذكرته الشعراء. \"لسان العرب\" (لبد) ٧/ ٣٩٨٤.\n(٣) ذكرها ابن الجوزي ٣/ ٣٤٤، وأبو حيان ٤/ ٤٨٦، ورواها مختصرة الفيروزأبادي في \"تنوير المقباس\" ص ١٨٠ من رواية الكلبي.\n(٤) رواه عنه ابن جرير ٩/ ٢٢١، والثعلبي ٦/ ٥٣ ب، ورواه مختصرًا مالك في \"الموطأ\" ص ٣٢١، ورواه عن الزهري، عن كعب بن مالك الإمام الصنعاني في \"المصنف\" ٥/ ٤٠٧.\n(٥) رواه الثعلبي ٦/ ٥٣ ب، ورواه مختصرًا الفيروزأبادي ص١٨٠ عنه عن ابن عباس.\n(٦) رواه ابن جرير ٩/ ٢٢٢، وابن أبي حاتم ٥/ ١٦٨٤، وابن إسحاق كما في \"سيرة ابن هشام\" ٣/ ٢٥٤، وذكره السيوطي في \"الدر\" ٣/ ٣٢٣ - ٣٢٤، وزاد نسبته إلى ابن المنذر وسعيد بن منصور وأبي الشيخ.\n(٧) في (ح): (بن أبي، وقتادة)، وهو خطأ وما أثبته موافق للمصادر السابقة، وهو عبد الله بن أبي قتادة الحارث بن ربعي الأنصاري السلمي المدني تابعي ثقة قليل الحديث، توفي سنة ٩٩ هـ. انظر: \"التاريخ الكبير\" ١/ ٣/ ١٧٥، و\"الكاشف\" ١/ ٥٨٦، و\"تهذيب التهذيب\" ٢/ ٤٠٤.\n(٨) هو: أبو لبابة بن عبد المنذر الأوسي الأنصاري أحد نقباء الأنصار، شهد بيعة =","vol":"10","page":106},{"text":"- ﷺ - إلى قريظة لما حاصرهم، وكان أهله وولده فيهم قالوا: يا أبا لبابة ما ترى لنا؟ أننزل على حكم سعد فينا؟ فأشار أبو لبابة إلى حلقه، أي: إنه الذبح فلا تفعلوا، فكانت تلك منه خيانة لله ورسوله (١).\nوقال السدي: كانوا يسمعون الشيء من رسول الله - ﷺ - فيفشونه ويلقونه إلى المشركين فنهاهم الله عن ذلك (٢).\nوقال ابن زيد: نهاهم الله أن يخونوا كما صنع المنافقون؛ يظهرون الإيمان ويسرون الكفر (٣)، ونحو هذا قال محمد بن إسحاق، أي: لا تظهروا له من الحق ما يرضى به منكم ثم تخالفونه (٤) في السر إلى غيره (٥).\n_________\n= بيعة العقبة، وكذلك بدرًا وقيل: بل استعمله النبي - ﷺ - على المدينة حين خرج إلى بدر، وكانت راية بني عمرو معه يوم الفتح، توفي في خلافة علي، ويقال بعد سنة ٥٠ هـ.\nانظر: \"أسد الغابة\" ٥/ ٢٨٤، و\"الإصابة\" ٤/ ١٦٨، و\"تهذيب التهذيب\" ٤/ ٥٧٨.\n(١) جميع روايات الأثر التي ذكرها المؤلف ضعيفة، فروايتا عطاء والكلبي عن ابن عباس ساقطتان، وروايتا الزهري وابن أبي قتادة مرسلتان، وقد رواه عبد الرزاق في \"المصنف\" ٥/ ٤٠٦، عن الزهري، عن كعب بن مالك، والزهري لم يدرك كعبًا الذي مات سنة ٤٠ هـ، والزهري ولد سنة ٥٠ هـ. على أقل تقدير.\nانظر: \"تهذيب التهذيب\" ٨/ ٣٨٤، ٩/ ٣٨٧، وقال ابن جرير ١٣/ ٤٨٣: جائز أن تكون نزلت في أبي لبابة، وجائز أن تكون نزلت في غيره، ولا خبر عندنا بأي ذلك كان يجب التسليم له بصحته.\n(٢) رواه ابن جرير ١٣/ ٤٨٣ مختصرًا.\n(٣) رواه مختصرًا ابن جرير ١٣/ ٤٨٣.\n(٤) في \"السيرة النبوية\": تخالفوه اهـ. وهو الصواب لأنه معطوف على الفعل المجزوم.\n(٥) \"السيرة النبوية\" ٢/ ٦٦٩.","vol":"10","page":107},{"text":"وقال ابن عباس: لا تخونوا الله بترك فرائضه، والرسول بترك سنته (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ﴾، قال الفراء: إن شئت جعلت (وتخونوا) جزمًا على النهي، وإن شئت جعلته صرفًا (٢) ونصبته كقول الشاعر:\nلا تنه عن خلق وتأتي مثله (٣) (٤)\nوالجزم مذهب الأخفش (٥) (٦)، ويدل على صحته ما روي في حرف\n_________\n(١) رواه ابن جرير ٩/ ٢٢٣، وابن أبي حاتم ٥/ ١٦٨٣ - ١٦٨٤، والثعلبي ٦/ ٥٤ أ.\n(٢) الصرف: أن يصرف المتكلم الفعل الثاني عن معنى الفعل الأول المتقدم عليه، وانظر: \"سر صناعة الإعراب\" ١/ ٢٧٥، وقال الفراء في \"معاني القرآن\" ١/ ٣٣: فإن قلت: وما الصرف؟ قلت: أن تأتي بالواو معطوفة على كلام في أوله حادثة لا تستقيم إعادتها على ما عطف عليها، فإذا كان كذلك فهو الصرف.\n(٣) هذا صدر بيت، وعجزه:\nعار عليك إذا فعلت عظيم\nوقد اختلف في قائله، فقيل: هو الأخطل، وهذا رأي سيبويه في \"الكتاب\" ٣/ ٤٢، وقيل: المتوكل الليثي، وقيل: الطرماح بن حكيم، وقيل: سابق البربري، انظر: \"الخزانة\" ٨/ ٥٦٤، و\"معجم شواهد العربية\" ٢/ ٨٨٧.\nقال في خزانة الأدب، الموضع السابق: والصحيح أنه لأبي الأسود الدؤلي اهـ. وهو في \"ديوانه\" ص ٤٠٤، ونسب إليه في \"شرح التصريح\" ٢/ ٢٣٨، و\"شرح شذور الذهب\" ص ٣١٠، و\"همع الهوامع\" ٢/ ١٣.\n(٤) انظر: \"معاني القرآن\" ١/ ٤٠٨ بتصرف.\n(٥) هو: أبو الحسن سعيد بن مسعدة. تقدمت ترجمته.\n(٦) ذكر مذهبه هذا الثعلبي ٦/ ٥٤ أ، ولم يتعرض الأخفش لتفسير الآية في كتابه \"معاني القرآن\"، ولكنه ذكر رأيه في مثلها وهي قوله تعالى: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ﴾ [البقرة: ٤٢]، هو في هذه المواضع يذهب إلى جواز =","vol":"10","page":108},{"text":"عبد الله، (ولا تخونوا أماناتكم) (١)، وقد ذكرنا الوجهين بالشرح في قوله: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ﴾ [البقرة: ٤٢].\nوذهبت طائفة إلى أن قوله: ﴿وَتَخُونُوا﴾ جواب للنهي بالواو (٢)، والعرب تجاوب بالواو كما تجاوب بالفاء (٣)، ومنهم من يجعل الواو بدلًا من الفاء، وكلا الوجهين قد شرحنا في قوله: ﴿يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا﴾ [الأنعام: ٢٧]، في قراءة من قرأ بالنصب (٤).\nوالأمانة هاهنا: مصدر سمي به المفعول (٥) ولذلك جمع، قال ابن عباس في رواية الوالبي: الأمانات: الأعمال التي ائتمن الله عليها العباد، يعني الفرائض، يقول: لا تنقصوها (٦) (٧).\n_________\n= النصب والجزم، حيث قال: إن شئت جعلت (وتكتموا الحق) نصبًا، إذا نويت أن تجعل الأول اسمًا فتضمر مع (تكتموا)، (أن) حتى تكون اسمًا، وإن شئت عطفتها فجعلتها جزمًا على الفعل الذي قبلها. \"معاني القرآن\" للأخفش ١/ ٧١، وانظر تفاصيل الخلاف في المسألة في: \"الإنصاف في مسائل الخلاف\" ص ٤٤٨.\n(١) \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٤٠٨، و\"تفسير الرازي\" ١٥/ ٥٢، ولم يشر إليها أصحاب القراءات الشاذة.\n(٢) ساقط من (م).\n(٣) ذكر هذا القول الثعلبي ٦/ ٥٤ أ، ومكي في \"مشكل إعراب القرآن\" ص ٣١٤، والرازي ١٥/ ١٥٢، وأبو حيان ٤/ ٤٨٦.\n(٤) وهي قراءة حفص وحمزة ويعقوب، انظر: \"الغاية في القراءات العشر\" ص ١٤٣، و\"إرشاد المبتدئ\" ص ٣٠٧، و\"تحبير التيسير\" ص ١٠٨.\n(٥) ساقط من (ح).\n(٦) في (ح): (لا تنقضوها)، وكذلك في \"تفسير الثعلبي\" وابن كثير، وما أثبته موافق لمصادر تخريجه عدا الثعلبي وابن كثير.\n(٧) رواه ابن جرير ٩/ ٢٢٣، وابن أبي حاتم ٥/ ١٦٨٤، والثعلبي ٦/ ٥٤ أ، وانظر: =","vol":"10","page":109},{"text":"وقال الكلبي: أما خيانة الله ورسوله: فمعصية الله ورسوله، وأما خيانة الأمانة: فكل أحد مؤتمن على ما افترض الله عليه إن شاء خانها، وإن شاء أداها لا يطلع عليه أحد إلا الله (١).\nوقال قتادة في قوله: ﴿وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ﴾ إن دين الله أمانة (٢)، فأدوا إلى الله ما ائتمنكم عليه من فرائضه وحدوده (٣).\nوهذه الأقوال توجه على قول من قال: موضع (٤) ﴿وَتَخُونُوا﴾ جزم وعلى هذا الوجه قول ابن زيد: ﴿وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ﴾ قال: يعني دينكم، وقد فعل ذلك المنافقون (٥).\nوقال السدي: إذا خانوا الله ورسوله فقد خانوا أماناتهم (٦)، وهذا يتوجه على قول من يقول بالصرف، أو يجعل الواو جوابًا للنهي، بمعنى: لا تخونوا الله والرسول فتخونوا أماناتكم، أي إنكم إذا خنتم الرسول فقد خنتم أماناتكم.\nواختار أبو علي الجزم وقال: يمكن أن يكون هذا من باب حذف المضاف، فيكون المعنى: ولا تخونوا ذوي أماناتكم، قال: وهذا أشبه بما\n_________\n= \"زاد المسير\" ٣/ ٣٤٥، و\"الوسيط\" ٢/ ٤٥٣، وابن كثير ٢/ ٣٣٣، وصحيفة علي ابن أبي طلحة ص ٢٥١.\n(١) انظر: \"تفسير كتاب الله العزيز\" للشيخ هود بن محكم ٢/ ٢٩.\n(٢) في (ح)، و(س): هي أمانة، وأثبت ما في (م) لموافقته لما في المصدرين التاليين.\n(٣) رواه الثعلبي ٦/ ٥٤ ب، والبغوي ٣/ ٣٤٨.\n(٤) في (س): (في قول من قال في موضع)، وهو خطأ.\n(٥) رواه ابن جرير ١٣/ ٤٨٥، وابن أبي حاتم ٣/ ٢٣٨ ب، والثعلبي ٦/ ٥٤ أ.\n(٦) رواه ابن جرير ١٣/ ٤٨٤، والثعلبي ٦/ ٥٤ أ، والبغوي ٣/ ٣٤٨.","vol":"10","page":110},{"text":"قبله، وذوو الأمانة: نحو المودع والمعير والموكل والشريك ومن يدك في ماله يد أمانة لا يد ضمان (١)، ثم حذفت المضاف (٢)، وقد ذكرت إحدى مفعولي الخيانة، ولم تذكر الثاني وهو المنهي عن الخيانة فيه (٣)، وإذا لم (٤) تقدر حذف المضاف فقد ذكرت المنهي عن الخيانة فيه ولم تذكر صاحب الأمانة، كقولك: أعطيت درهمًا.\nوقوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي تعلمون أنها أمانة من غير شبهة، وقيل: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [ما في الخيانة، خلاف الجهال بتلك المنزلة (٥)، وقال صاحب النظم: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾] (٦) أن ما فعلتم من الإشارة إلى الحلق خيانة لله ورسوله (٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1331>٢٨ </span>- قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ أي محنة (٨)، يظهر بها ما في النفس من اتباع الهوى أو تجنبه فيستحق الثواب أو العقاب.\n_________\n(١) اهـ. كلام أبي علي، انظر: \"الحجة\" ١/ ٢١٨.\n(٢) يعني لفظ (ذوي) في قوله: والمعنى: ولا تخونوا ذوي أماناتكم، وقد ساق المؤلف العبارة على وجه الخطاب للتمثيل، ولا يخفى أنه لا يعني الجملة القرآنية، إذ لا يصح أن يخاطب بشر بأنه حذف شيئًا من القرآن.\n(٣) ساقط من (س).\n(٤) ساقط من (س).\n(٥) ذكر هذا القول الماوردي في \"النكت\" ٢/ ٣١١ ولم يعين القائل.\n(٦) ما بين المعقوفين ساقط من (ح).\n(٧) ذكر هذا القول المؤلف في \"الوسيط\" ٢/ ٤٥٤، كما ذكره البغوي في \"تفسيره\" ٣/ ٣٤٨ لكن من غير نسبة.\n(٨) انظر: \"الصحاح\" (فتن) ٦/ ٢١٧٥.","vol":"10","page":111},{"text":"قال المفسرون: وكان لأبي لبابة مال وأهل وولد في قريظة، ولذلك مال إليهم في إطلاعهم على أن حكم سعد فيهم القتل (١).\nوقال ابن زيد: فتنة: اختبار اختبرتم بها، وقرأ: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء: ٣٥] (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾، قال ابن عباس: يريد لمن نصح لله ولرسوله وللمؤمنين، وأدى أمانته، ولم يخن نفسه ولا ربه ولا نبيه ولا أحدًا من المؤمنين (٣).\nوهذه الآية بيان عن حال الأموال والأولاد في الافتتان بهما حتى يركب الإنسان كل (٤) عظيم لغلبة الهوى فيهما، فيحرم عظيم الأجر لما لا يبقى (٥) عليه من عاجل النفع.\nقال عبد الله بن أبي قتادة (٦): ذكر الله تعالى أن مناصحة أبي لبابة وخيانته إنما كانت لأن أهله كان فيهم (٧).\n_________\n(١) انظر: \"تفسير الثعلبي\" ٦/ ٥٣ أ، والبغوي ٣/ ٣٤٧، وابن الجوزي ٣/ ٣٤٥، و\"أسباب النزول\" ص ٢٣٨ - ٢٣٩ للمؤلف، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٧/ ٣٩٦.\n(٢) رواه ابن جرير ٩/ ٢٢٤، وابن أبي حاتم ٥/ ١٦٨٥، وانظر: \"الدر المنثور\" ٣/ ٣٢٤.\n(٣) ذكره المؤلف في \"الوسيط\" ٢/ ٤٥٤، وذكره مختصرًا من غير نسبة البغوي في \"تفسيره\" ٣/ ٣٤٨.\n(٤) ساقط من (م).\n(٥) في (ح): (لم يبق)، والصواب ما أثبته، والمعنى: يُحرم الإنسان عظيم الأجر لأجل ما لا يدوم عليه من المتاع العاجل بل سيرحل عنه.\n(٦) تابعي من أبناء الأنصار. تقدمت ترجمته.\n(٧) لم أجد من ذكره بهذا اللفظ، وقد رواه ابن جرير ٩/ ٢٢٢ بلفظ: نزلت في أبي لبابة، وزاد ابن أبي حاتم ٥/ ١٦٨٤: حين أشار إلى بني قريظة أنه الذبح.","vol":"10","page":112},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1332>٢٩ </span>- قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ﴾ الآية، قال أصحاب المعاني: إنما جاز الشرط في خبر الله تعالى مع علمه أنهم يتقون أو لا يتقون لأنه يعامل العباد في الجزاء معاملة الشاك للمظاهرة في العدل (١)، وعلى هذا المعنى أيضًا يتوجه ابتلاء الله العباد للبيان (٢) أن الجزاء على ما يظهر من الفعل دون ما في المعلوم مما لم يقع بعد. واتقاء الله ﷿: الامتناع عن معاصيه بأداء فرائضه (٣)، واختلفوا في هذه الآية فمنهم من قال: إنها ابتداء خطاب من الله تعالى للمؤمنين، وليست تتصل بما قبلها (٤).\n_________\n(١) لم أجده عند أهل المعاني، وقد ذكر نحوه الرازي في \"تفسيره\" ١٥/ ١٥٣، وقال القرطبي ﵀: كان الله عالمًا بأنهم يتقون أم لا يتقون، فذكر بلفظ الشرط؛ لأنه خاطب العباد بما يخاطب بعضهم بعضًا. \"الجامع لأحكام القرآن\" ٧/ ٣٩٦. ولا يخفى أن استعمال الشرط يفيد عظيم فائدة التقوى في الحصول على الفرقان، وتكفير السيئات، وغفران الذنوب، فيسعى المؤمن لتحقيق كمالها، ويحذر من التفريط فيها.\n(٢) هكذا، والمعنى: مستقيم.\n(٣) هكذا، ومعلوم أن أداء الفرائض بعض التقوى، ولو قال المؤلف ﵀ تقوى الله: الامتناع عن معاصيه وأداء أوامره، لكان أشمل، قال الإمام البغوي ٣/ ٣٤٨: إن تتقوا الله: بطاعته وترك معصيته. وقال الإِمام ابن كثير ٢/ ٣١٤: من اتقى الله بفعل أوامره، وترك زواجره، وفق لمعرفة الحق من الباطل، وقال القرطبي ٧/ ٣٩٦: فإذا اتقى العبد ربه، وذلك باتباع أوامره واجتناب نواهيه وترك الشبهات، وشحن قلبه بالنية الخالصة، وجوارحه بالأعمال الصالحة، وتحفظ من شوائب الشرك الخفي والظاهر بمراعاة غير الله في الأعمال، والركون إلى الدنيا بالعفة عن المال .. إلخ. والمقصود أن تقوى الله أعم من أداء الفرائض.\n(٤) انظر: \"تفسير السمرقندي\" ٢/ ١٤، وإليه ذهب ابن عاشور في \"التحرير والتنوير\" ٩/ ٣٢٥.","vol":"10","page":113},{"text":"ومنهم من قال: إنها متصلة بقصة الخيانة، يقول: إن تتقوا الله باجتناب خيانته، وخيانة رسوله، وخيانة أمانته يجعل لكم فرقانًا (١)، وقد ذكرنا معنى الفرقان في اللغة وأنه مصدر لـ (فرق) نحو (٢) الرجحان والنقصان (٣).\nواختلفت عبارات المفسرين في تفسير الفرقان هاهنا وكلها راجع إلى معناه في اللغة، فقال ابن عباس في رواية عطاء: يريد: مخرجًا من الشبهات مثل قوله في البقرة: ﴿هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ (٤)، يريد المخرج من الشبهات، وأراد هاهنا بالمخرج: أن الله تعالى يجعل لكم فرقانًا بين حقكم وباطل من يبغيكم السوء من أعدائكم بنصره إياكم عليه، وهذا قول مقاتل (٥).\nوقال عكرمة (٦) والسدي (٧) وعبد الكريم الجزري (٨): (فرقانًا:\n_________\n(١) إلى هذا القول يميل ابن جرير ٩/ ٢٢٤، والثعلبي ٦/ ٥٤ ب، وابن الجوزي ٣/ ٣٤٦.\n(٢) في (ح): (بعض)، وهو خطأ.\n(٣) انظر: \"تفسير البسيط\" البقرة: ٥٣.\n(٤) البقرة: ١٨٥، وقد روى قول ابن عباس من رواية ابن أبي طلحة مختصرًا ابن جرير ١/ ١٤٦، وابن أبي حاتم ٥/ ١٦٨٦، ولفظها: الفرقان: المخرج.\n(٥) هذا قول مقاتل بن حيان كما في: \"تفسير ابن أبي حاتم\" ٥/ ١٦٨٦، والثعلبي ٦/ ٥٤ ب، والبغوي ٣/ ٣٤٩، وهو أيضًا قول مقاتل بن سليمان كما في \"تفسيره\" ١٢ أ.\n(٦) رواه ابن جرير ٩/ ٢٢٥، والثعلبي ٦/ ٥٤ ب.\n(٧) رواه ابن جرير ٩/ ٢٢٥.\n(٨) هو: عبد الكريم بن مالك الجزري أبو سعيد التابعي الإمام الحافظ عالم الجزيرة، كان ثقة ثبتًا كثير الحديث، توفي سنة ١٢٧ هـ.","vol":"10","page":114},{"text":"نجاة) (١)، يريدون أن الله تعالى يفرق بينكم وبين ما تخافون فتنجون، وقد جمع مجاهد بين معنى القولين (٢) فقال: مخرجًا في الدنيا والآخرة (٣)، يعنى: مخرجًا في الدنيا من الشبهات، ونجاة في الآخرة.\n[وقال الضحاك: (بيانًا) (٤)، وهو معنى قول من قال: مخرجًا من الشبهات] (٥).\nوقال ابن زيد وابن إسحاق: هداية في قلوبكم تفرقون بها بين الحق والباطل (٦).\n_________\n= انظر: \"التاريخ الكبير\" ٣/ ٢/ ٨٨، و\"سير أعلام النبلاء\" ٦/ ٨٠، و\"تهذيب التهذيب\" ٢/ ٦٠٢.\n(١) رواه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ١/ ٢/ ٢٥٨، عن عبد الكريم الجزري عن مجاهد، ولم أجد من ذكره عنه.\n(٢) في (س): (المعنيين).\n(٣) رواه ابن جرير ٩/ ٢٢٥، وابن أبي حاتم ٥/ ١٦٨٦، والثعلبي ٦/ ٥٤ ب، وعزاه السيوطي في \"الدر\" ٣/ ٣٢٤، إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وأبي الشيخ. وانظر: \"تفسير مجاهد\" ص ٣٥٤.\n(٤) رواه الثعلبي ٦/ ٥٤ ب، والبغوي ٣/ ٣٤٩.\n(٥) ما بين المعقوفين ساقط من (س).\n(٦) رواه عن ابن زيد بمعناه الثعلبي ٦/ ٥٤ ب، وابن جرير ٩/ ٢٢٦ فيما يظهر بالمقارنة بينه وبين تفسير الثعلبي، إذ أن اسم القائل وسنده ساقط من المخطوطة والمطبوعة كما ذكر المحقق، وبقي القول بنصه كما في \"تفسير الثعلبي\"، وقد ذكره أيضًا الماوردي ٢/ ٣١١، وابن الجوزي ٣/ ٣٤٦، وزادا نسبته إلى ابن إسحاق كالواحدي.\nوالواقع أن بين قولي ابن زيد وابن إسحاق اختلافًا بيِّنًا في المعنى، وإن اشتركا في بعض الألفاظ، فقد جاء قول ابن إسحاق في \"السيرة النبوية\" ٢/ ٣١٥، و\"تفسير ابن جرير\" ٩/ ٢٢٦، والثعلبي ٦/ ٥٤ ب، والبغوي ٣/ ٣٤٩ بلفظ: أي: فصلًا بين الحق والباطل؛ ليظهر الله به حقكم ويطفئ به باطل من خالفكم.","vol":"10","page":115},{"text":"وقال الكلبي: (نصرًا) (١) وهو اختيار الفراء، قال: يقول: فتحًا ونصرًا كقوله: ﴿يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾ [الأنفال: ٤١]، يعني يوم الفتح والنصر (٢)، يريد أن يعز المؤمنين وينصرهم ويدل من خالفهم ويخذلهم فرقًا بينهم وبينهم.\nوقوله تعالى: ﴿وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ أي يمحو عنكم ما سلف من ذنوبكم.\nوقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾، قال عطاء: يريد تفضل على أوليائه بالعصمة بعد ما كفّر سيئاتهم (٣)، وقال أهل المعاني: أي أنه ابتدأكم بالفضل العظيم فلا يمنعكم ما وعدكم على طاعاتكم (٤).\nوقيل: إنه الذي يملك الفضل العظيم فاكتفوا بالطلب من عنده دون غيره (٥).\n_________\n(١) رواه الثعلبي ٦/ ٥٤ ب.\n(٢) \"معاني القرآن\" ١/ ٤٠٨.\n(٣) لم أجد من ذكره، وفي متنه نظر إذ ليس كل ولي معصومًا، بل العصمة مقصورة على الأنبياء، وقد خاطب الله تعالى أصحاب النبي -وهم من خير أولياء الله- بقوله: ﴿وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ [الحجرات: ٢]، وأخبر عنهم بقوله: ﴿حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ١٥٢] ووصف عباده المتقين بقوله: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٣٥].\nثم إن في متن الأثر تناقض وذلك أن ظاهره يدل على أن الأولياء معصومون في وقت دون وقت أو في حال دون حال؛ حيث أثبت لهم سيئات، وهذا يناقض العصمة.\n(٤) لم أجده.\n(٥) ذكره المؤلف في \"الوسيط\" ٢/ ٤٥٤ دون نسبة.","vol":"10","page":116},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1333>٣٠ </span>- قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ هذه الآية راجعة إلى قوله: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ [مُسْتَضْعَفُونَ﴾] (١) يذكرهم الله ﷿ حالهم بمكة ونعمته على رسوله بإبطاله مكر المشركين، وهذه السورة مدنية، قال ابن عباس ومجاهد وقتادة وغيرهم من المفسرين: إن مشركي قريش توامروا (٢) في دار الندوة فقال بعضهم: قيدوه نتربص به ريب المنون، وقال بعضهم: أخرجوه عنكم تستريحوا من أذاه لكم، قال أبو جهل: ما هذا برأي ولكن اقتلوه بأن يجتمع عليه من كل بطن رجل فيضربونه (٣) بأسيافهم ضربة رجل واحد، فإذا قتلوه تفرق دمه في القبائل فلا تقوى بنو هاشم على حرب قريش كلها، فيرضون بأخذ الدية، وأوحى الله ﷿ إلى نبيه بذلك وأذن له بالخروج إلى المدينة فخرج إلى الغار، فذلك قوله: ﴿لِيُثْبِتُوكَ﴾ (٤).\n_________\n(١) في (ح) و(س): (فكثركم) موضع (مستضعفون)، ولا يوجد آية بهذا اللفظ، وفي (م): ﴿اذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ﴾ [الأعراف: ٨٦] وهي خطاب لقوم شعيب، وكلام المؤلف يدل على أنه أراد ما أثبته، وقد اضطررت لتغيير نص المؤلف لكون الخطأ في آية من كتاب الله.\n(٢) هكذا في جميع النسخ، وهي لغة في تآمروا، قال مسجد الدين الجزري: آمروا النساء في أنفسهن: أي شاوروهن في تزويجهن، ويقال فيه: (وامرته، وليس بفصيح). \"النهاية في غريب الحديث\" (أمر) ١/ ٦٦.\n(٣) هكذا في جميع النسخ، والصواب: فيضربوه؛ لأنه معطوف على منصوب.\n(٤) هذا معنى أثر رواه عن ابن عباس، الإمام ابن إسحاق كما في \"سيرة ابن هشام\" ٢/ ٩٣، وأحمد ١/ ٣٤٨، وابن جرير ٩/ ٢٢٦، والثعلبي ٦/ ٥٥ أ، قال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" ٧/ ١٠٠. فيه عثمان بن عمرو والجزري، وثقه ابن حبان وضعفه غيره، وبقية رجاله رجال الصحيح اهـ.\nوقد روى قضية حصار بيت النبي - ﷺ - ومحاولة قتله ودخوله الغار الإمام أحمد =","vol":"10","page":117},{"text":"قال ابن عباس ومجاهد ومقسم (١) وقتادة: (ليوثقوك ويشدوك) (٢)، وكل من شُّد فقد أُثبت؛ لأنه لا يقدر على الحركة، ومن هذا يقال لمن اشتدت به علة أو جراحة منعته الحركة: قد أُثبت فلان فهو مثبت.\nوقال عطاء وعبد الله بن كثير (٣) وابن زيد: (ليسجنوك) (٤)، وهو لفظ الفراء (٥) والزجاج (٦) وابن قتيبة (٧) وابن الأنباري، قال أبو بكر: يريد: ليثبتوك في بيت، فحذف المحل لوضوح معناه.\nوقوله تعالى: ﴿أَوْ يَقْتُلُوكَ﴾ أي: بأجمعهم قتلة رجل واحد كما قال اللعين أبو جهل، ﴿أَوْ يُخْرِجُوكَ﴾ أي: من مكة إلى طرف من أطراف الأرض.\n_________\n= ١/ ٣٣١، والحاكم ٣/ ١٣٣، وقال: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي.\nوانظر: قول قتادة ومجاهد وغيرهما في \"تفسير ابن جرير\" ٩/ ٢٢٦ - ٢٣٠، وابن أبي حاتم ٣/ ٢٣٩، ٢٤٠، و\" الدر المنثور\" ٤/ ٥٠ - ٥٣.\n(١) تقدمت ترجمته.\n(٢) رواه عنهم ابن جرير ٩/ ٢٢٦، والثعلبي ٦/ ٥٦ أ، وقد جمع الواحدي بين قولين، فقتادة يقول: ليشدوك، وغيره يقول: ليوثقوك. والقولان بمعنى واحد.\n(٣) هو: عبد الله بن كثير بن عمرو بن عبد الله الداري المكي الإمام العلم، مقرئ مكة، وأحد القراء السبعة، كان ثقة فصيحًا واعظًا كبير الشأن، مات سنة ١٢٠ هـ.\nانظر: \"سير أعلام النبلاء\" ٥/ ٣١٨، و\"معرفة القراء الكبار\" ١/ ٨٦، و\"غاية النهاية في طبقات القراء\" ١/ ٤٤٣.\n(٤) رواه عنهم ابن جرير ٩/ ٢٢٦، ورواه عن عطاء وابن كثير الإمام ابن أبي حاتم ٥/ ١٦٨٨، والثعلبي ٦/ ٥٦ أ.\n(٥) \"معاني القرآن\" ١/ ٤٠٩، ولفظه: ليحبسوك في البيت.\n(٦) لم يتطرق الزجاج لتفسير الكلمة في كتابه \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤١٠، ولم أجد من ذكره عنه.\n(٧) \"تفسير غريب القرآن\" ص ١٨٩.","vol":"10","page":118},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ﴾، قال أبو إسحاق: ومكر الله ﷿ إنما هو (١) مجازاة ونصر للمؤمنين (٢)، وقال الضحاك: ويصنعون ويصنع الله (٣).\nوقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾، قال عطاء عن ابن عباس: إنه مكر أفضل مما مكروا (٤)، وقال محمَّد بن إسحاق: قال الله: مكرت لك بكيدي المتين حتى خلصتك منهم (٥).\nوتلخيص معنى قوله: ﴿وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ أي أفضل المجازين بالسيئة العقوبة (٦)؛ وذلك أنه أهلك هؤلاء الذين دبروا لنبيه الكيد، وخلصه منهم، وقد ذكرنا معنى المكر في قوله: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ في سورة آل عمران [٥٤].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1334>٣١ </span>- قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا﴾، قال ابن عباس والمفسرون: كان النضر بن الحارث (٧) خرج إلى الحيرة تاجرًا فاشترى\n_________\n(١) ساقط من (م).\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" للزجاج ٢/ ٤١٠.\n(٣) رواه البغوي ٣/ ٣٥٠.\n(٤) رواه بمعناه الفيروزأبادي في \"تنوير المقباس\" ص١٨٠، من رواية الكلبي.\n(٥) \"السيرة النبوية\" ٢/ ٦٦٩.\n(٦) قال الراغب الأصفهاني: المكر: صرف الغير عما يقصده بحيلة وذلك ضربان: مكر محمود، وذلك أن يتحرى بذلك فعل جميل، وعلى ذلك قال: ﴿وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ ومذموم، وهو أن يتحرى به فعل قبيح، قال: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ [فاطر: ٤٣]، و\"المفردات\" (مكر) ص ٤٧١.\n(٧) هو: النضر بن الحارث بن علقمة من بني عبد الدار بن قصي القرشي، كان من شجعان قريش ووجوهها واحد شياطينها وممن آذى رسول الله - ﷺ - وكان له إطلاع على أخبار الأمم السابقة وكتب الفرس، أصيب ببدر مع المشركين فامتنع عن =","vol":"10","page":119},{"text":"أحاديث كليلة ودمنة (١)، فكان يقعد مع المستهزئين والمقتسمين (٢) وهو منهم فيقرأ عليهم أساطير الأولين، فلما قص رسول الله - ﷺ - شأن القرون الماضية، قال النضر: لو شئت لقلت مثل هذا، إن هذا إلا ما استطر الأولون في كتبهم (٣). فذمهم الله تعالى بدفعهم الحق الذي لا شبهة فيه بادعائهم الباطل في زعمهم: ﴿لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا﴾ تكذبا وافتراء بعد ما أبان التحدي إفكهم وأنهم عجزة عن سورة مثله؛ وذكرنا معني الأساطير في سورة الأنعام (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1335>٣٢ </span>- قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ﴾، قال أبو إسحاق: القراءة بنصب (الحق) على خبر كان، ودخلت (هو) للفصل، ولا موضع لها وهي بمنزلة (ما) المؤكدة، ودخلت ليعلم أن\n_________\n= الطعام والشراب حتى مات، وقيل: قتل صبرًا بعد الانصراف من المعركة.\nانظر: \"سيرة ابن هشام\" ١/ ٣١٩، و\"الكامل\" لابن الأثير ٢/ ٧٣، و\"زهرة الآداب\" ١/ ٣٣، و\"جمهرة الإنساب\" ص ١٢٦، و\"نسب قريش\" ص ٢٥٥.\n(١) \"كليلة ودمنّة\" كتاب وضعه الفيلسوف الهندي بيدبا لأحد ملوك الهند، وجعله على ألسنة البهائم والطيور، وقد نقل من اللغة الهندية إلى الفهلوية الفارسية، ثم نقله عبد الله بن المقفع إلى اللغة العربية، ومنها ترجم إلى سائر اللغات الحية، انظر: \"التمهيد لكتاب كليلة ودمنة\" بقلم جورجي زيدان.\n(٢) هم رهط من قريش تحالفوا على أذى رسول الله - ﷺ - والافتراء عليه، وإذاعة ذلك بكل طريق، وإخبار النزاع إليهم به.\nانظر: \"تفسير غريب القرآن\" لابن قتيبة ص ١٩٥، و\"تفسير المشكل من غريب القرآن\" ص ١٢٧، و\"الدر المنثور\" ٣/ ٣٢٧.\n(٣) رواه الثعلبي ٦/ ٥٠ أمختصرًا، ومثله البغوي ٣/ ٣٥١، وكذلك ابن إسحاق في \"السيرة\" ١/ ٣١٩، ورواه ابن جرير ٩/ ٢٣١ بمعناه عن ابن جريج والسدي.\n(٤) انظر: \"تفسير البسيط\" الأنعام: ٢٥.","vol":"10","page":120},{"text":"(الحق) ليس بصفة لـ (هذا)، وأنه (١) خبر، قال: ويجوز: هو الحق، رفعًا، ولا أعلم أحدًا قرأ بها (٢)، ولا اختلاف بين النحويين في إجازتها، ولكن القراءة سنة (٣).\nوقولى تعالى: ﴿فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾، قال الليث: مطرتنا السماء وأمطرتنا وأمطرهم الله مطرًا و(٤) عذابًا (٥).\nوقال أبو عبيدة: ما كان من العذاب يقال فيه: أمطر، ومن الرحمة: مطر (٦)، قال المفسرون: قال النضر بن الحارث: اللهم إن كان هذا الذي يقوله محمد حقًا من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء كما أمطرتها على قوم لوط: ﴿أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ أي: ببعض ما عذبت به الأمم (٧).\n_________\n(١) في \"معاني القرآن وإعرابه\": أو أنه، وهو خطأ ينبغي تصويبه.\n(٢) لعله يعني من القراء المعتبرين، وإلا فقد قرئ بها شذوذًا، وهي قراءة الحسن بن سعيد المطوعي عن الأعمش، وكذلك زيد بن علي، انظر: \"مختصر في شواذ القرآن\" ص ٤٩، و\"الكشاف\" ٢/ ١٥٥، و\"البحر المحيط\" ٥/ ٣١٠، و\"إتحاف فضلاء البشر\" ص ٢٣٦.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤١١، وقد اختصر الواحدي كلام الزجاج.\n(٤) في \"تهذيب اللغة\" وكتاب \"العين\": أو.\n(٥) \"تهذيب اللغة\" (مطر) ١٣/ ٣٤١، والنص بنحوه في كتاب \"العين\" (مطر) ٧/ ٤٢٥.\n(٦) \"مجاز القرآن\" ص ٢٤٥. وقد ذكر الواحدي قول أبي عبيدة بمعناه.\n(٧) رواه ابن جرير ١٣/ ٥٠٥ - ٥٠٦، عن سعيد بن جبير ومجاهد عطاء وكلها مراسيل، وقد أسنده ابن أبي حاتم ٣/ ٢٤١ أعن ابن عباس، ولكن بسند ضعيف إذ فيه راو لم يسم، والثابت أن القائل هو أبو جهل، كما رواه البخاري في \"صحيحه\" كتاب التفسير، سورة الأنفال ٦/ ١١٩، ويمكن الجمع بين القولين بأن كليهما قال ذلك، هذا لو صح ما روي عن النضر بن الحارث.","vol":"10","page":121},{"text":"قال أهل العلم وأصحاب التأويل في هذه الآية: يجوز أن يكون هذا القول عنادًا منهم، وذلك أن المعاند قد تحمله شدة عداوته للمحق (١) على إظهار مثل هذا القول لتوهم أنه على بصيرة من أمره، ويجوز أن يكونوا قالوا هذا على شبهة تمكنت من نفوسهم، ولو عرفوا بطلان ما هم عليه ما قالوا مثل هذا القول؛ فقولهم: ﴿فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ مع علمهم أن الله قادر على ذلك يدل على أنهم لم يعتقدوا ولم يعرفوا أن ما أتى به محمد هو حق من عند الله، وإذا لم يكن هو الحق عندهم لم يصبهم هذا النبلاء الذي طلبوه عند أنفسهم؛ لأنهم شرطوا كونه حقًّا (٢).\nقال عطاء: ثم حاق بالنضر ما سأل من العذاب الأليم يوم بدر؛ لأن رسول الله - ﷺ - قتله صبرًا (٣).\nوقال أهل المعاني: هذه الآية ذم لهم في دفع الحق بأغلظ ما يكون من المناصبة له (٤) حتى طلبوا إمطار الحجارة من السماء به (٥) إيهامًا أنهم على غاية الثقة فيه أنه ليس بحق (٦).\n_________\n(١) في (ح): (للحق).\n(٢) انظر: \"النكت والعيون\" ٢/ ٣١٣، و\"المحرر الوجيز\" ٦/ ٢٧٩، و\"الكشاف\" ٢/ ١٥٥، و\"البحر المحيط\" ٤/ ٤٨٨ - ٤٨٩.\n(٣) رواه الثعلبي ٦/ ٥٧ أ، والبغوي ٣/ ٣٥١ دون ذكر القتل، وقد رويا قتله صبرًا عن سعيد بن جبير، ورواه أيضًا عنه أبو عبيد في كتاب \"الأموال\" ص ١٧١، وابن أبي شيبة في \"المصنف\" ١٤/ ٣٧٢.\n(٤) ساقط من (ح).\n(٥) ساقط من (س).\n(٦) لم أقف عليه.","vol":"10","page":122},{"text":"٣٣ - قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ الآية، هذه اللام تسمى لام الجحود، تدخل في النفي دون الإيجاب لتعلق ما دخلت عليه بحرف النفي، كقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٧٩]، كما دخلت (الباء) في خبر (ما) ولم تدخل في الإيجاب، ولعل هذا مما سبق الكلام فيه.\nقال المفسرون: ما كان الله ليعذب هؤلاء المشركين وأنت فيهم، مقيم بين أظهرهم (١)، قال ابن عباس: لم تعذب قرية حتى يخرج النبي منها والذين آمنوا، ويلحق بحيث أمر (٢).\nوقال أهل المعاني: لم يجز أن يعذبوا مع كون النبي فيهم؛ لأن إرساله رحمة للعالمين يقتضي أن لا يعذبوا وهو فيهم حتى يستحقوا سلب النعمة بأخذه (٣) عنهم (٤).\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ أي: وما كان الله معذب هؤلاء الكفار وفيهم المؤمنون يستغفرون (٥).\n_________\n(١) انظر: \"تفسير الثعلبي\" ٦/ ٥٧ ب، وقد نسب هذا القول إلى سعيد بن عبد الرحمن ابن أبزى وأبي مالك والضحاك، ورواه بمعناه ابن جرير ٩/ ٢٣٤ - ٢٣٩، عن جمع عن مفسري الصحابة والتابعين وغيرهم.\n(٢) رواه ابن جرير ٩/ ٢٣٥، وابن أبي حاتم ٥/ ١٦٩٢، والثعلبي ٦/ ٥٨ أ، والبغوي ٣/ ٣٥٣.\n(٣) في المصدر التالي: بإخراجه. ولم أجده عند أهل المعاني، وانظره في: \"النكت والعيون\" ٢/ ٣١٤.\n(٤) رواه عنهم ابن جرير ٩/ ٢٣٥ - ٢٣٦، والثعلبي ٦/ ٥٧ أ.\n(٥) في (ح): (المستغفرون).","vol":"10","page":123},{"text":"وهذا قول أبي مالك والضحاك وابن أبزى (١)، وإحدى الروايات عن ابن عباس، قال: ﴿وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ يعني المسلمين (٢).\nقال ابن الأنباري على هذا القول: أي: وما كان الله معذبهم والمؤمنون بين أظهرهم يستغفرون، فأوقع العموم على الخصوص، ووصفوا بصفة بعضهم كما يقال: قتل أهل المحلة (٣) رجلًا، وأخذ أهل البصرة فلانًا، ولعله لم يأخذ منهم إلا رجل (٤) أو رجلان، وكما تقول العرب: قتلناكم وهزمناكم، يريدون البعض، وعلى هذا قراءة من قرأ: ﴿فإن قتلوكم فاقتلوهم﴾ (٥).\n_________\n(١) هناك ثلاثة رجال بهذا الاسم: عبد الرحمن بن أبزى الخزاعي مولاهم الصحابي وابناه سعيد وعبد الله.\nوالمذكور هو: سعيد كما نص على ذلك ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٥/ ١٦٩٢، وقد روى الأثر ابن جرير عن جعفر بن أبي المغيرة عن ابن أبزى، وجعفر من رواة سعيد، وهو تابعي ثقة حسن الحديث، توفي بعد المائة الأولى من الهجرة.\nانظر: \"التاريخ الكبير\" ٣/ ٤٩٤ (٦٤٩)، و\"تهذيب التهذيب\" ٢/ ٢٩، و\"تقريب التهذيب\" ص ٢٣٨ (٢٣٤٦).\n(٢) روى هذا القول عن المذكورين ابن جرير ٩/ ٢٣٤ - ٢٣٥، والثعلبي ٦/ ٥٧ - ٥٨ أ، ورواه النحاس في \"الناسخ والمنسوخ\" ٢/ ٣٨٢ - ٣٨٤، عن الضحاك وابن أبزى.\n(٣) في \"زاد المسير\" ٣/ ٣٥٠: المسجد.\n(٤) نقل ابن الجوزي قول ابن الأنباري هذا إلى هذا الموضع، مع تقديم بعض الجمل على بعض، انظر: \"زاد المسير\" ٣/ ٣٥٠.\n(٥) البقرة: ١٩١، وقد قرأ حمزة والكسائي وخلف بحذف الألف، والباقون بإثبات انظر: \"الغاية في القراءات العشر\" ص ١١٣، و\"التبصرة في القراءات\" ص ١٥٩ و\"النشر\" ٢/ ٢٢٧.","vol":"10","page":124},{"text":"وروي عن (١) عبد الوهاب (٢)، عن مجاهد في قوله: ﴿وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ أي: وفي أصلابهم من يستغفر (٣)، قال أبو بكر: والمعنى على هذا القول: وما كان الله مهلكهم وقد سبق في علمه أنه يكون لهم أولاد يؤمنون به ويستغفرونه؛ فوصفوا بصفة ذراريهم وأولادهم وغلبوا عليهم كما غلب بعضهم على كلهم في القول الأول (٤).\nوقال قتادة والسدي وابن زيد: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾، أي: لو استغفروا لم يعذبوا (٥)، كأنه استدعاء إلى الاستغفار يقول: إن القوم لم يكونوا يستغفرون ولو كانوا يستغفرون لم يعذبوا؛ لأنهم لو استغفروا وأقروا بالذنوب لكانوا مؤمنين؛ ولهذا ذهب بعضهم إلى أن الاستغفار هاهنا بمعنى الإسلام فقال: ﴿وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ أي: يسلمون (٦)، يقول: لو أسلموا لما عذبوا، وهذا قول عكرمة (٧)، قال أبو بكر: ومعنى هذا القول: وما كان الله معذبهم لو كانوا يستغفرون؛ فأما ليسوا يستغفرون\n_________\n(١) من (ح).\n(٢) هو: عبد الوهاب بن مجاهد بن جبر المكي المخزومي بالولاء، مجمع على تركه، وكذبه سفيان الثوري، وروايته عن أبيه مرسلة، توفي بعد المائة.\nانظر: \"التاريخ الكبير\" ٣/ ٢/ ٩٨، و\"الضعفاء الصغير\" ص ١٥٦، و\"تهذيب التهذيب\" ٦/ ٣٩٥، و\"تقريب التهذيب\" ١/ ٥٢٨.\n(٣) رواه الثعلبي ٦/ ٥٨ ب، والبغوي ٣/ ٣٥٤.\n(٤) انظر: \"زاد المسير\" ٣/ ٣٥١ مع اختلاف يسير في بعض الكلمات.\n(٥) رواه عنهم ابن جرير ٩/ ٢٣٦، والثعلبي ٦/ ٥٨/ ب، ورواه البغوي ٣/ ٣٥٣، عن قتادة والسدي.\n(٦) هذا نص قول مجاهد، انظر: \"تفسير ابن جرير\" ٩/ ٢٣٧، والثعلبي ٦/ ٥٨ ب، والبغوي ٣/ ٣٥٣، و\"تفسير الإمام مجاهد\" ص ٣٥٤.\n(٧) انظر: المصادر السابقة، عدا \"تفسير مجاهد\"، نفس المواضع.","vol":"10","page":125},{"text":"فإنهم مستحقون للعذاب، قال: وهذا كقول العرب: ما كنت لأكرمك وأنت تهينني، وما كنت لأهينك وأنت تكرمني، يريد: ما كنت لأهينك لو أكرمتني؛ فأما إذ (١) لست تكرمني فإنك مستحق لإهانتي، قال: وهذا قول يختاره اللغويون (٢)، ويذهب إليه المفسرون (٣)، وهو المختار عندنا.\nوقال ابن عباس في رواية الوالبي: ﴿وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ أي: وفيهم من سبق له من الله الدخول في الإيمان (٤)، وشرح أكثر من (٥) هذا في رواية عطاء فقال: يريد أنه كان معهم قوم كان في علم الله أن يسلموا، منهم أبو سفيان بن حرب، وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب (٦)، والحارث بن\n_________\n(١) في (ح) و(س): (إذا).\n(٢) لم أجد من اختار هذا القول من اللغويين سوى الزمخشري في \"الكشاف\" ٢/ ١٥٦، فابن قتيبة في \"تأويل مشكل القرآن\" ص ٧١ اختار أن المراد: وفيهم قوم يستغفرون، وهم المسلمون واستحسنه أيضًا النحاس في \"معاني القرآن\" ٣/ ١٥٠، واختار الزجاج في \"معاني القرآن\" ٢/ ٤١٢ المعنى القائل: وما كان الله ليعذبهم ومنهم من يؤول أمره إلى الإسلام، وقال أبو علي الفارسي في \"الحجة\" ٤/ ٣٤٨: وهم يستغفرون أي: ومؤمنوهم يستغفرون ويصلون. بينما لم يتطرق لمعنى الآية كل من: الفراء، وأبي عبيدة، والأخفش، واليزيدي، والأزهري.\n(٣) رجحه ابن جرير ٩/ ٢٣٨، وهو قول مجاهد وعكرمة وقتادة والسدي وابن زيد كما في \"تفسير الثعلبي\" ٦/ ٥٨ ب، والبغوي ٣/ ٣٥٣.\n(٤) رواه ابن جرير ٩/ ٢٣٧، وابن أبي هاشم ٥/ ١٦٩٢، والنحاس في \"الناسخ والمنسوخ\" ٢/ ٣٨١، والثعلبي ٦/ ٥٨ ب، والبغوي ٣/ ٣٥٣.\n(٥) ساقط من (س).\n(٦) هو: أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم، ابن عم النبي - ﷺ - وأخوه من الرضاعة، واحد اللذين يشبّهون به، واسمه المغيرة، وقيل: اسمه كنيته، وكان شاعرًا، وممن يؤذي النبي - ﷺ - ويهجوه، ثم أسلم قبيل الفتح، وشهد حنينًا وثبت مع النبي - ﷺ -، مات بالمدينة سنة عشرين للهجرة.","vol":"10","page":126},{"text":"هشام (١) وحكيم بن حزام (٢)، وعدد كثير، وهذا الاقول اختيار الزجاج، قال: وما كان الله معذبهم وفيهم من يؤول أمره إلى الإِسلام (٣).\nوالتعذيب في هذه الآية يراد به تعذيب الاستئصال (٤).\nقال أهل المعاني: ودلت هذه الآية على أن في الاستغفار أمانة وسلامة من العذاب، كما في كون النبي - ﷺ - كانت (٥) لهم سلامة من تعجيل\n_________\n= انظر: \"المحبر\" ص ٤٦، و\"سير أعلام النبلاء\" ١/ ٢٠٢، و\"الإصابة\" ٤/ ٩٠ (٥٣٨)\n(١) هو: الحارث بن هشام بن المغيرة المخزومي القرشي، أبو عبد الرحمن، أخو أبي جهل وابن عم خالد بن الوليد، كان حربًا على الإسلام مع أخيه، ثم أسلم يوم الفتح وحسن إسلامه، وكان خيرًا شريفًا كبير القدر، مات في طاعون عمواس سنة ١٨/هـ وقيل: بل قتل في معركة اليرموك.\nانظر: \"سير أعلام النبلاء\" ٤/ ٤١٩، و\"الإصابة\" ١/ ٢٩٣ (١٥٠٤)، و\"تهذيب التهذيب\" ١/ ٤٧٣.\n(٢) هو: حكيم بن حزام بن خويلد الأسدي القرشي، أبو خالد المكي، وعمته خديجة أم المؤمنين. كان من أشراف قريش وعقلائها ونبلائها وأجوادها، ومع ذلك تأخر إسلامه إلى يوم الفتح، وشهد حنينًا والطائف وكان من المؤلفة، توفي سنة ٦٠ هـ، وقيل غير ذلك.\nانظر: \"التاريخ الكبير\" ٣/ ١١ (٤٢)، و\"سير أعلام النبلاء\" ٣/ ٤٤، و\"الإصابة\" ١/ ٣٤٩ (١٨٠٠).\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤١٢.\n(٤) يعني العذاب الذي يبيدهم كعذاب الأمم السابقة في عاقبة أمرهم، أما ما دون ذلك كنقص الأموال والأنفس والثمرات، فلا يمنع وجود الرسول - ﷺ - من ذلك، كما دل عليه قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (١٣٠) فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ﴾ [الأعراف: ١٣١ - ١٣٢]، فوجود موسى -﵇- لم يحل دون أخذ آل فرعون بالسنين، وترادف العقوبات عليهم.\n(٥) كذا في جميع النسخ.","vol":"10","page":127},{"text":"العقوبة عليهم؛ وذلك أن الذنوب سبب البلاء فلا يبعد أن يكون الاستغفار سبب دفعه؛ ولهذا قال ابن عباس: كان فيهم أمانات: نبي الله والاستغفار (١)، وقال أبو موسى: إنه كان فيكم (٢) أمانات: النبي (٣) والاستغفار، فأما النبي - ﷺ - فقد مضى، وأما الاستغفار فهو فيكم إلى يوم القيامة (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1337>٣٤ </span>- وقوله تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ﴾ الآية، معنى (ما) هاهنا: إيجاب (٥) العذاب عليهم، ومخرجها مخرج الاستفهام، وهو أبلغ في معنى الإيجاب، أي: لا جواب لمن سأل عن مثل هذا يصح في نفي العذاب عنهم، والمعنى: لم لا يعذبهم الله وهذا فعلهم (٦)؟ وموضع (أن) في قوله: (ألا) نصب على معنى: أي شيء في ألاّ يعذبهم الله، إلا أنه لما حذف الجار عمل معنى الفعل.\n_________\n(١) رواه ابن جرير ٩/ ٢٣٥، وابن أبي حاتم ٥/ ١٦٩٢، وذكره السيوطي في \"الدر\" ٣/ ٣٢٨، وزاد نسبته إلى ابن المنذر وأبي الشيخ وابن مردويه.\n(٢) في (س): (فيهم).\n(٣) في (م): (نبي الله).\n(٤) رواه ابن جرير ٩/ ٢٣٦ مع زيادة: دائر، ولفظه: فهو دائر فيكم، والثعلبي ٦/ ٥٨/ ب، والبغوي ٣/ ٣٥٣ مع زيادة: كائن، ولفظهما: فهو كائن فيكم، وقد روى الأثر مرفوعًا الترمذي (٣٢٧٧) \"سننه\"، و\" أبواب تفسير القرآن\" (٣٢٧٧)، وقال: هذا حديث غريب، وإسماعيل بن إبراهيم بن مهاجر يضعف في الحديث.\n(٥) في (ح): (لإيجاب).\n(٦) قال أبو حيان في \"البحر المحيط\" ٤/ ٤٩٠: الظاهر أن (ما) استفهامية، أي: أي شيء لهم في انتفاء العذاب، وهو استفهام معناه التقرير، أي: كيف لا يعذبهم وهم يتصفون بهذه الحالة، وقيل (ما) للنفي، فيكون إخبارًا، أي: وليس لهم أن لا يعذبهم الله، أي ليس ينتفي العذاب عنهم مع تلبسهم بهذه الحال.","vol":"10","page":128},{"text":"قال ابن عباس في رواية عطاء في قوله: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ﴾ يريد المقيمين على الشرك حتى ماتوا أو قتلوا ببدر (١)، وكذلك قال عطية (٢)، والضحاك (٣)، والكلبي (٤)، وغيرهم (٥) قالوا: قوله: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ﴾ يعني: المشركين خاصة بعد خروج من عنى بقوله: (وهم يستغفرون) من بينهم.\nواختلفوا في هذا العذاب، فقيل: لحقهم هذا العذاب المتوعد به يوم بدر (٦)، وقال ابن أبزى (٧): هذا العذاب لحقهم يوم فتح مكة (٨)، وقال ابن عباس: هذا عذاب الآخرة، والذي في الآية الأولى: عذاب الدنيا (٩)\nوقوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [قال أبو إسحاق: مفعول الصد محذوف، المعنى: وهم يصدون عن المسجد الحرام\n_________\n(١) رواه بنحوه ابن أبي حاتم ٥/ ١٦٩٣، وانظر: \"تفسير ابن كثير\" ٢/ ٣٣٩.\n(٢) رواه عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ كما في \"الدر المنثور\" ٣/ ٣٢٨.\n(٣) رواه ابن جرير ٩/ ٢٣٤ - ٢٣٥، والنحاس في \"الناسخ والمنسوخ\" ٢/ ٣٨٣.\n(٤) لم أقف عليه.\n(٥) انظر: \"تفسير ابن جرير\" ٩/ ٢٣٤ - ٢٣٥\n(٦) رواه ابن جرير ٩/ ٢٣٧، وابن أبي حاتم ٥/ ١٦٩٣، والنحاس في \"الناسخ والمنسوخ\" ٢/ ٣٨١، عن ابن عباس.\n(٧) هو: سعيد بن عبد الرحمن. تقدمت ترجمته.\n(٨) رواه ابن جرير ٩/ ٢٣٤، وابن أبى حاتم ٥/ ١٦٩٣.\n(٩) رواه ابن جرير ٩/ ٢٣٥.","vol":"10","page":129},{"text":"أولياءه (١)] (٢)، وقال الكلبي: صدوا النبي - ﷺ - وأصحابه أن يطوفوا، قال ابن إسحاق: أي: إياك ومن آمن بك (٣).\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ﴾ قال الحسن: إن المشركين قالوا: نحن أولياء المسجد الحرام؛ فرد الله عليهم (٤)، وقال الكلبي: وما كانت قريش أولياء المسجد الحرام، إن أولياء المسجد إلا (٥) المتقون الكفر والشرك والفواحش (٦)، وأوجز أبو علي القول في معنى الآيتين فقال في قوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾: أي: عذاب الاستئصال؛ لأن أمم الأنبياء إذا أُهلكوا (٧) لم يكن أنبياؤهم فيهم، وعلى هذا قال: ﴿وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ﴾ [الدخان: ٢١]، وقال: ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ﴾ [هود: ٨١]، الآية، ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ أي: ومؤمنوهم يستغفرون ويصلون، ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ﴾ أي: بالسيف في (٨) صدهم\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" للزجاج ٢/ ٤١٢، ولم يذكر أبو إسحاق الزجاج أن المفعول محذوف، بل ذكر المعنى مباشرة، فلعل الواحدي عبر عما فهمه من عبارة الزجاج، أو أن هناك سقطًا في بعض النسخ، ويرجح الأول أن ابن الجوزي نقل قول الزجاج في \"زاد المسير\" ٣/ ٣٥٢، ولم يذكر ما ذكره الواحدي.\n(٢) ما بين المعقوفين ساقط من (س).\n(٣) \"السيرة النبوية\" ٢/ ٣٦٦، ونص قول ابن إسحاق: أي من آمن بالله وعبده، أي أنت ومن اتبعك.\n(٤) رواه البغوي ٣/ ٣٥٤، وانظر: \"زاد المسير\" ٣/ ٣٥٢، و\"الوسيط\" ٢/ ٤٥٨.\n(٥) ساقط من (م).\n(٦) رواه الفيروزأبادي في \"تنوير المقباس\" ص ١٨١، عن الكلبي، عن ابن عباس، وهو في \"تفسير السمرقندي\" ٢/ ١٦ مختصرًا.\n(٧) في (م) و(س): (هلكوا). وما أثبته موافق لما في \"الحجة\".\n(٨) ساقط من (ح).","vol":"10","page":130},{"text":"عن المسجد الحرام المسلمين من غير أن يكون لهم عليه (١) ولاية (٢)، وهذا معنى قوله: ﴿وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ﴾ وهذا العذاب غير الأول، وإنما هو عذاب بالسيف، وليس بانتقام عام شامل كالأول.\nوقال عطاء عن ابن عباس: وما كانوا للنبي بأولياء (٣)، ﴿إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ﴾ يريد: المهاجرين والأنصار، ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ يريد: غيب علمي، وما سبق في قضائي وقدرتي (٤).\n_________\n(١) في (س): (عليهم)، وكذلك هو في \"الحجة\"، وأثبت ما في (ح) و(م) لأنه أصح في المعنى ولأن به يستقيم معنى قول الواحدي: وهذا معنى قوله (وما كانوا أولياءه).\n(٢) اهـ. كلام أبي علي، انظر: \"الحجة للقراء السبعة\" ٤/ ٣٤٨.\n(٣) سبق بيان وهاء هذه الرواية، وهذا القول لا يدل عليه السياق إذ ليس للنبي - ﷺ - ذكر في هذه الآيات بضمير الغائب، وللمفسرين في عود هاء الكناية في هذه الكلمة قولان:\n١ - أنها ترجع إلى المسجد، وهو الراجح لأنه أقرب مذكور، وقد نسب ابن الجوزي ٣/ ٣٥٢ هذا القول إلى الجمهور، واختاره الثعلبي ٦/ ٥٨/ ب، والبغوي ٣/ ٣٥٤، والزمخشري ٢/ ١٥٦، وابن كثير ٢/ ٣٣٩. والمعنى: وما كان المشركون أولياء المسجد الحرام وأهله، وإنما أولياؤه المتقون وهم النبي - ﷺ - ومن آمن به.\n٢ - أنها ترجع إلى الله تعالى، وهذا اختيار ابن جرير ٩/ ٢٣٩. والمعنى: وما كان المشركون أولياء الله.\n(٤) لم أجد أحدًا ذهب إلى هذا المعنى، ولا دلالة في الآية عليه، والذي عليه المفسرون أن المعنى: ولكن أكثرهم لا يعلمون أن أولياء الله المتقون، أو لا يعلمون أن أولياء المسجد هم المتقون، انظر: \" تفسير ابن جرير\" ٩/ ٢٣٩، وابن الجوزي ٣/ ٣٥٢، وأبي السعود ٤/ ٢٠، وذهب السمرقندي ٢/ ١٦ إلى أن المعنى: لا يعلمون توحيد الله.","vol":"10","page":131},{"text":"وقول من قال: إن هذه الآية ناسخة للآية التي قبلها، ليس بشيء، وهذا يروى عن الحسن وعكرمة (١)، وقال أهل العلم وأصحاب المعاني: هذا غلط؛ لأن الخبر لا ينسخ (٢).\nوذكر أبو إسحاق الزجاج معنى آخر لهذه الآية هو أليق بما قبلها وهو أنه قال في قوله: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ﴾: المعنى: وأي شيء لهم في ترك العذاب، أي في دفعه عنهم ﴿وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ (٣).\nومعنى هذا الكلام: وأي شيء لهم في ترك عذابهم، أي: إنا وإن تركنا عذابهم يكفيهم من الخسارة في حالتهم أنهم يصدون عن المسجد الحرام، وأنهم حرموا موالاة محمد - ﷺ - ولو أراد الله بهم خيرًا ما فعلوا ذلك (٤).\n_________\n(١) أخرجه عنهما ابن جرير ٩/ ٢٣٨، ورواه عن الحسن جمع من المفسرين منهم النحاس في: \"الناسخ والمنسوخ\" ٢/ ٣٨١، والثعلبي ٦/ ٥٨ ب، والبغوي ٣/ ٣٥٤.\n(٢) انظر: \"تفسير ابن جرير\" ٩/ ٢٣٨، و\"الناسخ والمنسوخ\" للنحاس ٢/ ٣٨١، و\"المحرر الوجيز\" ٦/ ٢٨٦.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤١٢.\n(٤) هذا فهم الواحدي لعبارة الزجاج، والذي أراه أن الزجاج لم يقصد هذا المعنى، وإنما مراده: وأي شيء يدفع عنهم العذاب وهم يصدون عن المسجد الحرام. ويدل على هذا المعنى كلامه اللاحق، فقد قال بعد تفسير الآية: فأعلم الله النبي - ﷺ - أنه لم يكن ليعذبهم بالعذاب الذي وقع بهم من القتل والسبي وهو بين أظهرهم، ولا ليوقع ذل العذاب بمن يؤول أمره إلى الإسلام منهم، وأعلمه أنه يدفع العذاب من جملتهم الذي أوقعه بهم. \"معانى القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤١٢، فالجملة الأخيرة تفسير لقوله السابق الذي ذكره الواحدي.","vol":"10","page":132},{"text":"وشرح صاحب النظم المذهبين في قوله: ﴿وَمَا لَهُمْ﴾ شرحًا شافيًا فقال: قوله (١): ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ﴾ أصحاب العربية اختلفوا في معنى هذه الكلمة وفي قولهم: ما لزيد قائمًا؟ فزعم بعضهم أن قولك: مالك وما لزيد؟ استفهام عن حال أنكرتها، فإذا قلت: ما لزيد قائمًا؟ فكأنك قلت: ما له في القيام؟ أي: أي شيء [له فيه من نفع أو غيره؟ وهذا وجه قول الزجاج (٢)، قال: وقال بعضهم: إن قولك: (مالك)، مثل قولك: (لم)، وأصل (لم): (لما)، أي: لأي شيء] (٣) كان هذا؟ إلا أنهم إذا جعلوا (ما) مع حرف الصفة في موضع الاستفهام حذفوا ألف (ما) مثل قوله ﷿: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾ [النبأ: ١]، و﴿فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا﴾ [النازعات: ٤٣]، و﴿لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢].\nثم إنهم قدموا (ما) وأخروا اللام، واللام (٤) لا تقوم بنفسها إلا مضافة إلى شيء، فلما تأخرت هاهنا أضافوها إلى (٥) الاسم المستفهم عنه، فقالوا: مالك قائمًا؟ بمعنى: لم قمت؟ أو لم أنت قائم؟ واحتجوا بقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالًا﴾ [ص: ٦٢] بمعنى: لم لا نرى رجالًا؟ فإذا أضفت اللام إلى المستفهم عنه لم يحتج إلى فعل لدلالة النعت بانتصابه على الفعل مثل قولك: مالك قائمًا؟ وإذا أضفت اللام إلى نفسك وأنت مستفهم فلابد من إظهار فعل يدل على الاستفهام مثل قولك: مالي أراك قائمًا؟، كما قال\n_________\n(١) ساقط من (س).\n(٢) يعني قول الزجاج في تفسير الآية: المعنى: أي شيء لهم في ترك العذاب، و\"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤١٢.\n(٣) ما بين المعقوفين ساقط من (ح)\n(٤) ساقط من (س).\n(٥) ساقط من (ح).","vol":"10","page":133},{"text":"تعالى: ﴿مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ﴾ [النمل: ٢٠]، ولا يجوز: مالي قائمًا؟ وأنت تريد أن تستفهم عن غيرك، فإن أنت (١) عنيت نفسك جاز، مثل قولك: مالي ضعيف؟ أي: لِمَ أنا ضعيف؟ فقوله ﷿: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ﴾ [الأنفال: ٣٤] يكون معناه على ما رتبنا: لم لا يعذبهم الله؟ إلا أن اللام منقولة عن موضعها إلى غيره (٢)، و(أن) في قوله: ﴿أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ﴾ زيادة مقحمة (٣)، ألا ترى أنه قال في موضع آخر: ﴿فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الانشقاق: ٢٠] بلا (أن)، وقال: ﴿وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ﴾ [الصافات: ١٠٤]، فزاد (أن)، ومنه قول الشاعر (٤):\nمالك لا تذكر أم عمرو ... إلا لعينيك غروب تجري\nولو قال: مالك أن لا تذكر كان (أن) زيادة.\n_________\n(١) ساقط من (م) و(س).\n(٢) سبق قول أبي علي الجرجاني: ثم إنهم قدموا (ما) وأخروا اللام واللام لا تقوم بنفسها إلا مضافة إلى شيء اهـ، وهو يعني هنا: أن اللام في قوله تعالى: ﴿مَا لَهُمْ﴾ نقلت عن موضعها وأخرت عن (ما) إذا الأصل: لِمَ، ثم أضيفت اللام إلى الاسم المستفهم عنه فصارت الكلمة: مالهم، ثم زيدت (أنَ)، فإذا أعدنا الكلمة إلى أصلها، وحذفنا الزيادة، صارت الجملة: لم لا يعذبهم.\n(٣) ذهب الأخفش في \"معاني القرآن\" ١/ ٣٤٩ أيضًا إلى القول بزيادة (أن) وقد رد عليه النحاس في \"إعراب القرآن\" ١/ ٦٧٥ بقوله: لو كان كما قال لرفع (يعذبهم) و(أن) في موضع نصب، والمعنى: وما يمنعهم من أن يعذبوا، فدخلت (أن) لهذا المعنى اهـ. والجدير بالتنبيه أن قول بعض النحاة عن شيء في كتاب الله: زيادة مقحمة، مما ينافي الأدب مع القرآن إذ العبارة توحي بأن هذا اللفظ مما لا فائدة له، والحق أنه ما من لفظ في كتاب الله إلا جيء به لمعنى، كالتوكيد أو الإشارة إلى معنى خفى.\n(٤) لم يتبين لي من هو، والرجز بلا نسبة في \"تهذيب اللغة\" (غرب) ٣/ ٣٦٤٣. و\"لسان العرب\" (غرب) ٦/ ٣٢٢٨.","vol":"10","page":134},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1338>٣٥ </span>- قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾، الحراني (١) عن ابن السكيت (٢) قال: المكاء: الصفير، يقال: مكا يمكو مكْوًا ومُكوًّا (٣): إذا جمع يديه ثم صفر فيهم (٤). قال: والأصوات مضمومة إلا حرفين: النداء والغناء (٥).\nهذا معنى المكاء في اللغة، ثم [يقال: مكت است الدابة تمكو مكاءً: إذا نفخت بالريح، ذكره أبو عبيد عن أبي زيد (٦)] (٧) ويقال للطعنة إذا فهقت (٨): مكت تمكو، قال عنترة:\n_________\n(١) هو: عبد الله بن الحسن بن أحمد أبو شعيب الحراني، لغوي محدث مؤدب صدوق، لازم ابن السكيت مدة إحدى وعشرين سنة، وتوفي في بغداد سنة ٢٩٥ هـ. انظر: \"تاريخ بغداد\" ٩/ ٤٣٥، و\"إنباه الرواة\" ٢/ ١١٥، و\"سير أعلام النبلاء\" ١٣/ ٥٣٦، و\"البداية والنهاية\" ١١/ ١٠٧.\n(٢) هو: شيخ العربية يعقوب بن إسحاق بن يوسف البغدادي النحوي المشهور بابن السكيت، أخذ عن أبي عمرو الشيباني والأصمعي وأبي عبيدة والفراء وغيرهم، وكان حجة في العربية مع التدين والفضل، له نحو عشرين مصنفًا نافعًا، أشهرها \"إصلاح المنطق\"، توفي سنة ٢٤٤ هـ.\nانظر: \"تاريخ بغداد\" ١٤/ ٢٧٣، و\"إنباه الرواة\" ٤/ ٥٦، و\"نزهة الألباء\" ٢/ ١٣٨، و\"بغية الوعاة\" ٢/ ٥٤٩.\n(٣) في \"المشوف المعلم\": مكاءً. وانظر: \"لسان العرب\" (مكا) ٧/ ٤٢٥.\n(٤) \"المشوف المعلم في ترتيب الإصلاح\" (م ك و) ٢/ ٧٣٠ مختصرًا، وهو كذلك في \"تهذيب اللغة\" (مكا) ٤/ ٣٤٣٢.\n(٥) \"تهذيب اللغة\"، الموضع السابق.\n(٦) المصدر السابق ٤/ ٣٤٣٢ بنحوه\n(٧) ما بين المعقوفين ساقط من (ح).\n(٨) في \"لسان العرب\" (فهق) ٦/ ٣٤٨٠: الفهق: اتساع كل شيء ينبع منه ماء أو دم، وطعنة فاهقة: تفهق بالدم.","vol":"10","page":135},{"text":"تمكو فريصته كشدق الأعلم (١)\nأراد: تصفر فريصته بالدم، قال الأصمعي: قلت لمنتجع بن نبهان (٢): ما تمكو فريصته؟ فشبك أصابعه وجعلها على فمه ونفخ فيها (٣)، وأراد بالأعلم: البعير.\nفأما المكاء: فهو (فعال) من مكا إذا صفر، وهو طائر يألف الريف، وجمعه المكاكي (٤). وأما التصدية: فهو التصفيق، يقال: صدّى يصدي تصدية: إذا صفق بيديه، وأصله من الصدى وهو الصوت الذي يرد عليك الجبل، وأنشد ابن قتيبة (٥):\nضنت بخدّ وجلت عن خدّ ... وأنا من غرو الهوى أصدّي (٦)\nأي: أصفق بيدي من عجيب الهوى.\n_________\n(١) عجز بيت من معلقة عنترة وصدره:\nوحليل غانية تركت مجدلًا\nوهو في \"ديوانه\" ص ٢٠٧، و\"تفسير الطبري\" ٩/ ٢٤٠، و\"شرح القصائد السبع الطوال\" ص ٣٤٠.\n(٢) هو: المنتجع بن نبهان الأعرابي، وهو من بني نبهان من طيِّئ، لغوي أخذ عنه علماء زمانه، وأكثر عنه الأصمعي.\nانظر: \"طبقات النحويين واللغويين\" ص ١٥٧، و\"إنباه الرواة\" ٣/ ٣٢٣.\n(٣) انظر: \"شرح القصائد السبع الطوال\" ص ٣٤١.\n(٤) في (ح): المكائي، وهو خطأ. ففي \"الصحاح\" (مكا) ٦/ ٢٤٩٥: المكاء: بالمد والتشديد: طائر، والجمع: المكاكي، والمكَاء: مخفف، الصفير.\nوفي\"لسان العرب\" (مكا) ٧/ ٤٢٥: المكَّاء: بالضم والتشديد: طائر في ضرب القنبرة إلا أن في جناحيه بلقًا، سمي بذلك لأنه يجمع يديه ثم يصفر فيها صفيرًا حسنا.\n(٥) انظر: \"غريب القرآن\" ص ١٩٠.\n(٦) الرجز لبشار بن برد كما في \"ديوانه\" ٢/ ٢٢٢، وهو بلا نسبة في \"غريب القرآن\" =","vol":"10","page":136},{"text":"وقال أبو عبيدة: أصلها: تصددة، فأبدلت الياء من الدال، قال ومنه قوله: ﴿إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾ [الزخرف: ٥٧] أي: يعجون (١)، وأنكر أبو جعفر الرستمي (٢) هذا القول على أبي عبيدة، وقال: إنما هو من الصدى وهو الصوت، فكيف يكون مضعفًا (٣).\nوقال أبو علي: ليس ينبغي أن يقال هذا خطأ؛ لأنه قد ثبت بقوله ﴿يَصُدُّونَ﴾ وقوع هذه الكلمة على الصوت أو ضرب منه، وإذا كان كذلك لم يمتنع أن يكون (تصدية) منه، فيكون (٤) (تفعلة) من ذلك، وأصله (٥): تَصْددَه، مثل: (التحلة) (٦)، (والتعلّة) (٧). ألا ترى أن أصلهما:\n_________\n= لابن قتيبة ص ١٩٠، و\"زاد المسير\" ٣/ ٣٥٣، وقد ترك ابن قتيبة بيتًا بين هذين البيتين ونصه كما في الديوان:\nثم انثنت كالنفس المرتد\nوقد تحرف في الديوان قوله: غرو، إلى عرق، واحتار المحققان في توجيهه. والغرو: العجب، وغروت: عجبت، ويقال: لا غرو: أي ليس بعجب، انظر: \"الصحاح\" (غرا) ٦/ ٢٤٤٦.\n(١) انظر: قول أبي عبيدة في \"سر صناعة الإعراب\" ٢/ ٧٦٢، ولم يذكره في \"مجاز القرآن\" ١/ ٢٤٦.\n(٢) هو: أحمد بن محمد بن يزديار بن رستم أبو جعفر النحوي الطبري، البغدادي، كان متصدرًا لإقراء النحو، ومؤدبًا لأولاد الوزير ابن الفرات، وصنّف عدة كتب وكان حيًّا عام ٣٠٤ هـ.\nانظر: \"تاريخ بغداد\" ٥/ ١١٥، و\"إنباه الرواة\" ١/ ١٦٣، و\"بغية الوعاة\" ١/ ٣٨٧.\n(٣) \"سر صناعة الإعراب\" ٢/ ٧٦٢.\n(٤) في المصدر السابق: فتكون.\n(٥) في المصدر السابق: أصلها.\n(٦) التحلية: ما كفر به اليمين. انظر: \"لسان العرب\" (حلل) ٢/ ٩٧٥.\n(٧) التعلة: ما يتعلل به، ومنه تعلة الصبي أي ما يعلل به ليسكت، المصدر السابق (علل) ٥/ ٣٠٧٩.","vol":"10","page":137},{"text":"تحلله وتعلله، فلما قلبت الدال الثانية من (تصدده) تخفيفًا اختلف اللفظان (١)؛ فبطل الإدغام (٢).\nقال (٣): ويمكن أن تكون (التصدية) مصدرًا من (صدّ) إذا منع، من قوله (٤):\nصددت الكأس عنا أم عمرو\nبني الفعل منه على (فعّل) للتكثير على حد: ﴿وَغَلَّقَتِ الأَبْوَابَ﴾ (٥)، والمصدر من (فعّل) على (تفعيل) و(تفْعلة) إلا أن (تفعلة) في هذا كالمرفوض في (٦) مصدر التضعيف كأنهم عدلوا عنه إلى (التفعيل) نحو: التحقيق، والتشديد، والتخفيف، لما يكون فيه من الفصل بين المثلين في الحرف الذي بينهما، كما لم يجعلوا شديدة في النسب، كحنيفة وفريضة، وكما لم يجعلوا شديدًا وشحيحًا كفقيه وعليم في الجمع لما كان يلتقي من (٧) التضعيف، فعدلوا عنه إلى (أفعِلاء) و(أفعِلة) نحو: أشداء وأشحة؛ لما لم يظهر المثلان في ذلك، فلما خرج المصدر على ما هو مرفوع (٨) في هذا النحو أبدل من المثل الثاني الياء، وكأن التصفيق منع من المصفق\n_________\n(١) في \"سر صناعة الإعراب\": الحرفان.\n(٢) \"سر صناعة الإعراب\" ٢/ ٧٦٢.\n(٣) يعني أبا علي الفارسي.\n(٤) صدر بيت لعمرو بن كلثوم، وعجزه:\nوكان الكأس مجراها اليمينا\nانظر: \"ديوانه\" ص ٦٥، و\"كتاب سيبويه\" ١/ ٢٢٢.\n(٥) يوسف: ٢٣.\n(٦) في \"الحجة\": من.\n(٧) في \"الحجة\": في.\n(٨) هكذا في جميع النسخ، والصواب: مرفوض، بدلالة قوله السابق إلا أن (تفعلة) في هذا كالمرفوض وكما في\"الحجة\".","vol":"10","page":138},{"text":"للمصفق به [وزجر له] (١)، وفي الحديث: \"التسبيح للرجال، والتصفيق للنساء\" (٢)، هذا كله كلام أبي علي (٣).\nواختار الأزهري مذهب أبي عبيدة فقال: صدى: أصله صدد (٤)، فكثرت الدالات فقلبت إحداهن ياء، كما قالوا: قصّيت أظفاري، قال ذلك أبو عبيد (٥)، وابن السكيت (٦)، وغيرهما (٧)، قال: ومثل هذا قوله: ﴿فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى﴾ [عبس: ٦] أصله: تصدد، من الصدد وهو ما استقبلك وصار قبالتك (٨). فقد صح إذن مذهب أبي عبيدة في هذا الحرف بموافقة الإمامين أبي عبيد وابن السكيت.\nوأما التفسير فقال ابن عباس وابن عمر وعطية ومجاهد والضحاك وقتادة: المكاء: الصفير، والتصدية: التصفيق (٩).\n_________\n(١) ما بين المعقوفين ساقط من (م).\n(٢) رواه البخاري (١٢٠٣، ١٢٠٤) \"صحيحه\" أبواب العمل في الصلاة، باب: التصفيق للنساء، ومسلم (٤٢٢) \"صحيحه\" كتاب الصلاة، باب: تسبيح الرجل وتصفيق المرأة.\n(٣) انظر: \"الحجة للقراء السبعة\" ٤/ ١٤٧ - ١٤٨.\n(٤) في \"تهذيب اللغة\": صد ويصدّد.\n(٥) انظر: \"لسان العرب\" (صدد) ٤/ ٢٤١١.\n(٦) انظر: \"تهذيب إصلاح المنطق\" ص ٥٠٣.\n(٧) قال ابن سيده: التصدية: التصفيق والصوت، على تحويل التضعيف، ونظيره: قصيت أظفاري في حروف كثيرة، قال: وقد عمل فيه سيبويه بابًا، وقد ذكر منه يعقوب وأبو عبيد أحرفًا. \"لسان العرب\" (صدد) ٤/ ٢٤١٠.\n(٨) \"تهذيب اللغة\" (صد) ٢/ ١٩٨٥. وقد تصرف الواحدي بعبارة الأزهري.\n(٩) رواه عن المذكورين جميعًا ابن جرير ٩/ ٢٤٠ - ٢٤٣، وانظر: \"تفسير ابن أبي حاتم\" ٥/ ٦٧٩٦.","vol":"10","page":139},{"text":"قال ابن عباس: كانت قريش يطوفون بالبيت عراة يصفرون ويصفقون (١).\nوقال مجاهد: كانوا يعارضون النبي - ﷺ - في الطواف ويستهزءون به ويصفرون يخلطون عليه طوافه وصلاته (٢).\nوقال مقاتل: كان إذا صلى رسول الله - ﷺ - في المسجد يقومون علي يمينه ويساره بالصفير والتصفيق ليخلطوا عليه صلاته (٣)، وقال حسان يذكر ذلك ويذمهم به (٤):\nإذا قام الملائكة ابتعثتم ... صلاتكم التصدي والمكاء (٥)\nفعلى ما ذكره مجاهد ومقاتل كان التصدية والمكاء إيذاء للنبي - ﷺ -، وعلى قول ابن عباس كان ذلك نوع عبادة لهم، واختار أبو إسحاق هذا [فقال: أعلم الله أنهم كانوا مع صدهم أولياء المسجد الحرام كان تقربهم إلى الله بالصفير والتصفيق (٦)] (٧)، وهذا القول أشبه بظاهر اللفظ؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ﴾ وكأنهم جعلوا ذلك صلاة لهم.\nقال ابن عرفة (٨) وابن الأنباري: المكاء والتصدية ليسا بصلاة، ولكن\n_________\n(١) رواه ابن جرير ٩/ ٢٤١، والثعلبي ٦/ ٥٩ أ، والبغوي ٣/ ٣٥٥.\n(٢) رواه الثعلبي ٦/ ٥٩ أ، والبغوي ٣/ ٣٥٥، ورواه بمعناه ابن جرير ٩/ ٢٤٢، وابن أبي حاتم ٥/ ١٦٩٧.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ل ١٢١ أ، وقد نقل الواحدي معنى قوله.\n(٤) ساقط من (ح).\n(٥) البيت لحسان كما في \"لسان العرب\" (مكا) ٧/ ٤٢٥١ وليس في \"ديوانه\".\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤١٢ مع تصرف يسير.\n(٧) ما بين المعقوفين ساقط من (س).\n(٨) هو: إبراهيم بن محمد بن عرفة بن سليمان بن المغيرة بن المهلب بن أبي صفرة =","vol":"10","page":140},{"text":"الله تعالى أخبر أنهم جعلوا مكان الصلاة التي أمروا بها المكاء والتصدية] (١) فألزمهم ذلك أعظم الأوزار، وهذا كقولك: زرت عبد الله فجعل جفائي صلتي، أي: أقام الجفاء مقام الصلة فاستحق بذلك عيبي ولائمتي، وأنشد أبو بكر:\nقلت (٢) أطعمني عُميم تمرًا ... فكان تمرك كهرة (٣) وزبرًا (٤)\nأي: أقام الصياح عليّ مقام إطعامي التمر (٥)، قال (٦): وفيه وجه آخر وهو أن من كان المكاء والتصدية صلاته فلا صلاة له، كما تقول العرب: ما لفلان عيب إلا السخاء، يريد من السخاء عيبه فلا عيب له، وأنشد:\nفتى كملت أخلاقه غير أنه ... جواد فما يبقي من المال باقيا (٧)\n_________\n= الأزدي، المعروف بنفطويه، الإمام الحافظ النحوي، كان عالمًا بالحديث والعربية، مبرزًا في الفقه الظاهري، توفي سنة ٣٢٣ هـ.\nانظر: \"طبقات النحويين واللغويين\" ص ١٥٤، و\"إنباه الرواة\" ١/ ٢١١، و\"نزهة الألباء\" ص ١٩٤، و\"سير أعلام النبلاء\" ١٥/ ٧٥.\n(١) ما بين المعقوفين ساقط من (ح).\n(٢) في (ح): (قلت له)، وفي (م): (فقلت).\n(٣) في (ح): (نهرة).\n(٤) لم أهتد لقائله.\n(٥) انظر: قول ابن الأنباري مختصرًا في \"تفسير البغوي\" ٣/ ٣٥٥.\n(٦) يعني ابن الأنباري، انظر: قوله هذا في\"زاد المسير\" ٣/ ٣٥٤.\n(٧) البيت للنابغة الجعدي في رثاء أخيه، انظر: \"ديوانه\" ص ١٧٣، و\"كتاب سيبويه\" ١/ ٣٦٧، و\"الخزنة\" ٣/ ٣٣٤.","vol":"10","page":141},{"text":"وقوله تعالى: ﴿فَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾، قال ابن عباس والحسن والضحاك وابن جريج وابن إسحاق: يريد عذاب السيف يوم بدر (١)، وقال بعضهم: يقال لهم في الآخرة: ﴿فَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ (٢).\nوقوله تعالى: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ أي: بما كنتم تجحدون أن الله معذبكم، ومُوقِع بكم ما أوقع يوم بدر، قاله ابن إسحاق (٣)، وقال مقاتل: فذوقوا العذاب ببدر بما كنتم تجحدون توحيد الله (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1339>٣٦ </span>- قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ﴾ الآية، قال سعيد بن جبير (٥)، وابن أبزى (٦)، ومجاهد (٧)، والحكم (٨) بن عتيبة (٩):\n_________\n(١) ذكره عنهم سوى ابن عباس -﵁- الماوردي ٢/ ٣١٦، وانظر قول ابن عباس في: \"تنوير المقباس\" ص ١٨١، وانظر قول الضحاك وابن جريج في: \"تفسير الطبري\" ٩/ ٢٤٤، وقول ابن إسحاق في \"السيرة النبوية\" ٢/ ٣١٧.\n(٢) انظر: \"النكت والعيون\" للماوردي ٢/ ٣١٦، و\"البحر المحيط\" ٤/ ٤٩١.\n(٣) نص عبارة ابن إسحاق في \"السيرة النبوية\" ٢/ ٣١٧: فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون: أي لما أوقع بهم يوم بدر من القتل.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ل ١٢١ أمع اختلاف يسير.\n(٥) رواه ابن جرير ٩/ ٢٤٤، وابن أبي حاتم ٥/ ١٦٩٧، وابن سعد وعبد بن حميد وأبو الشيخ وابن عساكر كما في \"الدر المنثور\" ٣/ ٣٣٤.\n(٦) رواه ابن جرير، الموضع السابق، والثعلبي ٦/ ٥٩ ب.\n(٧) رواه ابن جرير ٩/ ٢٤٥، وعبد بن حميد وأبو الشيخ كما في\" الدر المنثور\" ٤/ ٣٣٤.\n(٨) رواه ابن جرير، الموضع السابق، وابن أبي حاتم ٥/ ١٦٩٧، والثعلبي ٦/ ٥٩ ب، والبغوي ٣/ ٣٥٦.\n(٩) في (ح) و(س): (عيينة)، وكذلك في \"النكت والعيون\" ٢/ ٣١٧، و\"تفسير البغوي\" ٣/ ٣٥٦، وفي\" تفسير الثعلبي\" ٦/ ٥٩ ب: عتبة، والصواب: عتيبة كما في \"تفسير ابن جرير\" ٩/ ٢٤٥، و\"الدر المنثور\" ٤/ ٣٣٤: وهو: الحكم بن عتيبة -مصغر عتبة- أبو محمد الكندي الكوفي تابعي ثقة ثبت فقيه كان صاحب سنة وإتباع، وعبادة وفضل، وهو من كبار أصحاب إبراهيم النخعي، توفي سنة ١١٥ هـ أو قبلها. انظر: \"طبقات ابن سعد\" ٦/ ٣٣١، و\"تذكرة الحفاظ\" ١/ ١١٧، و\"سير أعلام النبلاء\" ٥/ ٢٠٨، و\"تهذيب التهذيب\" ١/ ٤٦٧.","vol":"10","page":142},{"text":"نزلت في أبي سفيان وإنفاقه المال على حرب محمد - ﷺ - يوم أحد، وكان قد استأجر ألفين من أحابيش كنانة (١). وقال مقاتل (٢) والكلبي (٣): نزلت في المطمعين يوم بدر، وكانوا اثنى عشر رجلًا من كبار قريش (٤).\nوقوله تعالى: ﴿لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [إن قيل: لم يعلموا أنها سبيل الله فكيف قيل: ﴿لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾] (٥) قيل: إنهم قصدوا إلى الصد عنها وهي (٦) سبيل الله (٧).\nوقوله تعالى: ﴿فَسَيُنْفِقُونَهَا﴾ أخبر أنهم ينفقون أموالهم، ثم قال: ﴿فَسَيُنْفِقُونَهَا﴾ بمعنى: فسيقع الإنفاق الذي يكون حسرة بذهاب الأموال وفوت المراد، ونصر الله ﷿ المسلمين حتى يغلبوهم.\n_________\n(١) هم: بنو الحارث بن عبد مناة بن كنانة وعقيل والديش والحيا والمصطلق. انظر: \"المحبر\" ص ٢٦٧.\n(٢) \"تفسيره\" ل ١٢١ أ، وانظر: \"تفسير الثعلبي\" ٦/ ٦٠ أ، والبغوي ٣/ ٣٥٦.\n(٣) \" تفسير الثعلبي\"، والبغوي، الموضعين السابقين.\n(٤) القول بنزول الآية في المطعمين يوم بدر أولى من القول بنزولها في المنفقين يوم أحد؛ لأن سورة الأنفال تتحدث على وجه العموم عن غزوة بدر، ولقول ابن عباس فيما رواه البخاري في \"صحيحه\" (٤٦٤٥) لما سئل عن سورة الأنفال، قال: نزلت في بدر اهـ. وعلى كل حال فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فالكفار في كل زمان ينفقون أموالهم ليصدوا عن دين الله، وليطفؤا نور الله، ويأبى الله إلا أن يتم نوره، وينصر أولياءه، ويخذل أعداءه.\n(٥) ما بين المعقوفين ساقط من (ح) و(س)\n(٦) في (س): (وعن).\n(٧) يعني أن غرضهم في الإنفاق الصد عن اتباع محمد وهو سبيل الله وإن لم يعلموا أنه =","vol":"10","page":143},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ خص الكفار ولم يقل: وإلى جهنم يحشرون؛ لأنه كان فيهم من أسلم (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1340>٣٧ </span>- قوله تعالى: ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ الآية فيها طريقان للمفسرين:\nأحدهما: أن المراد بالخبيث والطيب (٢) في هذه الآية: الكافر والمؤمن، وهو قول ابن عباس في رواية الوالبي (٣) ومرة الهمداني (٤)، وعلى هذا (اللام) في قوله: (ليميز) متعلق بقوله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ أي: إنما يحشرون إليها للميز بين المؤمن والكافر، قال الوالبي عن ابن عباس: ليميز أهل الشقاوة من أهل السعادة (٥)، وقال مُرّة: يميز المؤمن في علمه السابق الذي خلقه حيث (٦) خلقه طيبًا من الكافر الذي خلقه خبيثًا في علمه السابق (٧).\n_________\n= كذلك، ويمكن أن يقال بأن زعمائهم كانوا يعلمون ذلك كما قال تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النمل: ١٤].\n(١) يعني سيسلم، وعبارة الثعلبي ٦/ ٦٠ أ: خص الكفار لأجل من أسلم منهم.\n(٢) ساقط من (س).\n(٣) سيذكر المؤلف روايته ورواية مرة.\n(٤) هو: مرة بن شراحيل الهمداني أبو إسماعيل الكوفي، المفسر أدرك النبي - ﷺ - ولم يره، كان عالمًا كبير الشآن بصيرًا بالتفسير، توفي سنة ٧٦ هـ أو قريبًا من ذلك.\nانظر: \"طبقات ابن سعد\" ٦/ ١١٦، و\"حلية الأولياء\" ٤/ ١٦١، و\"تذكرة الحفاظ\" للذهبي ١/ ٦٧، و\"سير أعلام النبلاء\" ٤/ ٧٤، و\"طبقات المفسرين\" للداودي ٢/ ٣١٧.\n(٥) رواه بنحوه ابن جرير ٩/ ٢٤٦.\n(٦) في\" تفسير الثعلبي\": حين.\n(٧) رواه الثعلبي ٦/ ٦٠ أ.","vol":"10","page":144},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ﴾، قال مرة: يلحق بعضهم ببعض فيجعلهم في جهنم (١). وقوله تعالى: ﴿فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا﴾، قال الليث: الركم: جمعك شيئًا فوق شيء حتى تجعله ركامًا مركومًا كركام الرمل والسحاب ونحو ذلك من الشيء المرتكم بعضه على بعض (٢).\nقال المفسرون: ﴿فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا﴾ أي: يجمعه حتى يصير كالسحاب المركوم فيجعله في جهنم (٣).\nووحد الخبر (٤) لتوحيد قوله: ﴿الْخَبِيثَ﴾.\nوروى عطاء عن ابن عباس للآية معنى آخر على هذا الطريق وهو أنه قال في قوله: ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ يريد أنه أخر أجل هذه الأمة إلى يوم القيامة، وكل أمة قبل أمة محمد إذا كذبوا نبيهم لم يؤخروا وعذبوا، فجعل الله ميقات هذه الأمة إلى يوم القيامة فقال: ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ قال: يريد المؤمن والكافر، يريد أن في أصلاب الكفار مؤمنين، وكذلك يميزون يوم القيامة كما قال تعالى: ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ (٥٩)﴾ [يس: ٥٩]، ﴿وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ﴾ يريد في جهنم يضيقها عليهم، ﴿فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا﴾ مثل ما يدرج الثوب، يريد: ﴿فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ﴾ (٥) مثل قوله: ﴿ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ﴾ [الحاقة: ٣٢] كلما يسلك الخرز (٦) في الخيط، يريد يدخل من دبره ويخرج من حلقه\n_________\n(١) لم أقف عليه.\n(٢) في \"تهذيب اللغة\" (ركم) ٢/ ١٤٦٣، والنص في كتاب \"العين\" (ركم) ٥/ ٣٦٩\n(٣) انظر: \"تفسير الثعلبي\" ٦/ ٦٠ ب، والبغوي ٤/ ٣٥٦، وبنحوه في\" تفسير ابن جرير\" ٩/ ٢٤٦ - ٢٤٧.\n(٤) ساقط من (م).\n(٥) الرحمن: ٤١، ونصها: فيؤخذ.\n(٦) في (ح): (الخرزة).","vol":"10","page":145},{"text":"ويجمع بين ناصيته وقدميه (١).\nالثاني: أن المراد بالخبيث والطيب: نفقة الكافر على عداوة محمد - ﷺ - ونفقة المؤمن في جهاد المشركين، وهو قول الكلبي وابن زيد، واختيار أبي إسحاق (٢) وابن الأنباري (٣)، قال الكلبي: يعني العمل الخبيث من العمل الطيب فيثيب على الخبيث النار وعلى الطيب الجنة (٤).\nوقال ابن زيد: يعني الإنفاق الطيب في سبيل الله من الإنفاق الخبيث في سبيل الشيطان، فتجعل نفقاتهم (٥) في قعر جهنم ثم يقال لهم: الحقوا بها (٦).\nوقال أبو إسحاق: أي: ليميز ما أنفقه المؤمنون في طاعة الله مما أنفقه المشركون في معصية الله (٧).\nقال أبو بكر (٨): فإن قيل على هذا: فأي فائدة في إلقاء أموالهم في جهنم وهي لا تستحق تعذيبًا ولا تجد ألمًا (٩)؟\n_________\n(١) ظاهر سياق المؤلف أن الكلام السابق من قوله. روى عطاء، إلى هنا من كلام ابن عباس -﵄- ولم أجد من روى هذا الأثر أو بعضه، وقد سبق بيان أن رواية عطاء عن ابن عباس مفقودة، وهي موضوعة.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" للزجاج ٢/ ٤١٢.\n(٣) لم أقف عليه.\n(٤) رواه الثعلبي ٦/ ٦٠ أ، والبغوي ٣/ ٣٥٦، وذكره السمرقندي ٢/ ١٧.\n(٥) في (ح): (نفاقهم)، وهو خطأ.\n(٦) رواه الثعلبي ٦/ ٦٠ أ، وذكره ابن الجوزي ٣/ ٣٥٦ دون قوله: فيجعل ... إلخ.\n(٧) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤١٢.\n(٨) يعني ابن الأنباري، ولم أقف على قوله هذا.\n(٩) في (ح): (إثمًا)، وهو خطأ.","vol":"10","page":146},{"text":"فيقال: إن الله تعالى يجعل أموالهم الحرام في النار ليعذبهم بها، ويوصل الآلام إليهم من جهتها كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ﴾ [التوبة: ٣٥]، وقد ذكر الزجاج هذا بعينه وقال في قوله: ﴿فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ﴾ أي: يجعل ما أنفقه المشركون بعضه على بعض ويجعل ذلك عليهم في (١) النار فيعذبون به كما قال الله تعالى: ﴿فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ﴾ [التوبة: ٣٥] الآية (٢).\nقال أبو بكر: وجواب آخر وهو أن الله تعالى يدخل أموالهم جهنم (٣) لتعززهم بها وافتخارهم بجمعها وأنه لا شيء كان أجلّ عندهم منها، فأراهم هوانها عليه، والحال الدنية التي أصارها إليه، قال: ويكشفه حديث النبي - ﷺ -: \"إذا كانت القيامةُ تزيَّنت الدُّنيا بأحسنِ هيئتها وتزخرفت بأجملِ زخارفها وقالت: يا ربِّ هبني لوليٍّ من أوليائك، فيقول الله تعالى: أنت أقل شأنًا عندي من ذلك، ثم يأمر بها إلى النار\" (٤) فيرون أنه يفعل ذلك بها ليُري المؤثرين بها قلتها عنده وهوانها عليه.\nقال: واللام في قوله: ﴿لِيَمِيزَ﴾ متعلقة بالكلام المتقدم ﴿فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً﴾ لكي يمييز الله الخبيث من الطيب (٥).\nوقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ يعني الذين كفروا وأنفقوا أموالهم في طاعة الشيطان هم الذين غبنت صفقتهم وخسرت تجارتهم أنهم اشتروا بأموالهم عذاب الله في الآخرة.\n_________\n(١) ساقط من (ح).\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤١٣.\n(٣) في (س): (إلى جهنم).\n(٤) لم أعثر عليه في مظانه من كتب الترغيب والترهيب والموضوعات.\n(٥) لم أقف على قول أبي بكر ابن الأنباري هذا.","vol":"10","page":147},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1341>٣٨ </span>- قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [قال الكلبي] (١): يعني أبا سفيان وأصحابه (٢).\n﴿إِنْ يَنْتَهُوا﴾، قال ابن عباس: يريد عن تكذيبك (٣) وعن الشرك بالله (٤). وقال الكلبي: عن قتال محمد وأصحابه (٥).\n﴿يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ سلف: معناه في اللغة: تقدم، يقال: سلف يسلف سلوفًا، وأسلف في الشيء إذا قدم الثمن فيه، والسالفة: العنق لتقدمها على البدن، والسلافة من الخمر: أخلصها؛ لتقدمها بالتحلب من غير عصر (٦)، قال ابن عباس: ما قد سلف: يريد من الزنا والشرك والقتل والربا وكل مكروه (٧).\n_________\n(١) ساقط من (س).\n(٢) ذكره ابن الجوزي ٣/ ٣٥٦، عن أبي صالح، عن ابن عباس، ومن الجدير بالتنبيه أن البغوي أفاد في مقدمة \"تفسيره\" ١/ ٣٦: أن المراد بتفسير الكلبي هو ما رواه عن أبي صالح، عن ابن عباس. قلت: وقد تقدمت ترجمة الكلبي وبينت فيها أنه متروك متهم بالكذب، وقد مرض يومًا فقال لأصحابه: كل شيء حدثتكم عن أبي صالح كذب.\nانظر: \"الإتقان\" ٤/ ٢٣٩، و\"التفسير والمفسرون\" ١/ ٨١.\n(٣) في (ح): (تكذيهم).\n(٤) رواه بنحوه الفيروزأبادي في \"تنوير المقباس\" ص ١٨١، وذكره بمعناه دون نسبة الماوردي ٢/ ٣١٨، وابن الجوزي ٣/ ٣٥٧.\n(٥) رواه الفيروزأبادي في الموضع السابق، بنحوه، عن الكلبي، عن ابن عباس.\n(٦) في\"تهذيب اللغة\" (سلف) ٢/ ١٧٣٦: والسلافة من الخمر. أخلصها وأفضلها، وذلك إذا تحلب من العنب بلا عصر ولا مرث، وكذلك من التمر والزبيب ما لم يعد عليه الماء بعد تحلب أوله.\n(٧) الفيروزأبادي في \"تنوير المقباس\" ص ١٨١ بنحوه.","vol":"10","page":148},{"text":"قال صاحب النظم: قوله: ﴿إِنْ يَنْتَهُوا﴾ بالياء إنما جاز وحسن لأنه أمره بمخاطبة (١) قوم غيّب فقال: قل لهم ما يكون هذا معناه، ولو كان بالتاء لكان الأمر واقعًا على هذا اللفظ بعينه لأنه يكون حكاية (٢)، وقد ذكرنا مثل هذا في قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ﴾ [آل عمران: ١٢].\nقال العلماء: وهذه الآية كقوله - ﷺ -: \"الإسلام يجب ما قبله\" (٣)، وإذا أسلم الكافر الحربي لم يلزمه قضاء شيء من العبادات البدنية والمالية، وما كان له (٤) من جناية على نفس أو على مال فهو معفو عنه، وهو ساعة إسلامه كيوم ولدته أمه (٥)، وما أظرف ما قال يحيى بن معاذ (٦) في هذه الآية: إن\n_________\n(١) في (ح) و(س): (مخاطبة).\n(٢) انظر: \"المحرر الوجيز\" ٦/ ٣٠٠، ولم ينسبه.\n(٣) رواه الإمام أحمد في \"المسند\" ٤/ ١٩٩، ٢٠٤، ٢٠٥ بلفظ: \"فإن الإسلام يجب ما كان قبله\" ورواه مسلم في \"صحيحه\" (١٩٢) كتاب الإيمان \"باب: كون الإسلام يهدم ما قبله بلفظ: \"إن الإسلام يهدم ما كان قبله\".\n(٤) من (م).\n(٥) انظر: كتاب \"الأم\" للشافعي ٦/ ٥٤، و\"شرح صحيح مسلم\" للنووي ٢/ ١٣٨، و\"تفسير القرطبي\" ٧/ ٤٠٢، وقد ذكر أبو حيان في \"البحر المحيط\" ٥/ ٣١٩ الإجماع على ذلك، قلت: ويدل عليه ما رواه مسلم (١٢٠) \"صحيحه\" كتاب: الإيمان، باب: هل يؤاخذ بأعمال الجاهلية، عن عبد الله، قال: قلنا: يا رسول الله: أنؤاخذ بما عملنا في الجاهلية؟ قال: \"من أحسن في الإسلام لم يؤاخذ بما عمل في الجاهلية\"، وروى أيضًا (١٢١) كتاب: الإيمان، باب: كون الإسلام يهدم ما قبله؛ عن ابن عباس، أن ناسًا من أهل الشرك قتلوا فأكثروا، وزنوا فأكثروا ثم أتوا محمدًا - ﷺ - ... إلخ، وذكر الحديث وفيه بيان لعفو الله عنهم.\n(٦) هو: يحيى بن معاذ الرازي الواعظ، من كبار العباد، وأئمة الزهاد، له مواعظ مشهورة، وكلمات تجري مجرى الحكم، وكان حكيم زمانه، وواعظ عصره، =","vol":"10","page":149},{"text":"توحيدًا لم يعجز عن هدم (١) ما قبله من كفر أرجو أن لا يعجز عن هدم ما بعده من ذنب (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَعُودُوا﴾، قال ابن عباس: يريد: إلى تكذيبك (٣)، وقال الكلبي: ﴿وَإِنْ يَعُودُوا﴾ لقتالك ﴿فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ﴾ بنصر الله رسله ومن آمن على من كفر (٤)، وقال قتادة: مضت السنة من الله في الأولين من الأمم بنصر الله الرسل، ومضت السنة مثل ذلك في هذه الأمة يوم بدر (٥)، وهو كقوله: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ [المجادلة: ٢١] وكقوله: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٧١] الآيات.\n_________\n= توفي سنة ٢٥٨ هـ. انظر: \"صفة الصفوة\" ٤/ ٨٣، و\"العبر\" ١/ ٣٧١، و\"سير أعلام النبلاء\" ١٣/ ١٥، و\"البداية والنهاية\" ١١/ ٣١.\n(١) في (ح): (حمل)، وهو خطأ فاحش.\n(٢) انظر: \"تفسير الثعلبي\" ٦/ ٦٠ ب، والبغوي ٣/ ٣٥٦، وابن الجوزي ٣/ ٣٥٧. قلت: هذا الرجاء بمعنى قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] فهدم التوحيد لما بعده من ذنب معلق بمشيئة الله، أما الجزم به لكل موحد فهو منقوض بالكتاب والسنة، فمن الكتاب قوله تعالى: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣]، ومن السنة الأحاديث الدالة على تعذيب الزناة ومانعي الزكاة ونحوهم، وكذلك الأحاديث الدالة على إخراج الموحدين من النار بعد عذاب طويل.\nانظر: \"معارج القبول\" ٢/ ٤٢٢ - ٤٢٥.\n(٣) لم أقف عليه، وفي معناه نظر؛ لأن لفظة (يعودوا) تتضمن الرجوع إلى حالة تحوّل عنها الإنسان، وهم لم ينفكوا عن التكذيب والكفر. انظر: \"المحرر الوجيز\" ٦/ ٣٠٠.\n(٤) ذكره باختصار السمرقندي في \"تفسيره\" ٢/ ١٨، ورواه بنحوه الفيروزأبادي في \"تنوير المقباس\" ص ١٨١، عن الكلبي، عن ابن عباس.\n(٥) رواه بنحوه ابن جرير ١٥/ ٢٤٧ [طبعة الحلبي].","vol":"10","page":150},{"text":"وقال السدي وابن إسحاق: ﴿فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ﴾ بنصر الله الرسل، والمؤمنين يوم بدر (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1342>٣٩ </span>- قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾، قال ابن عباس والحسن وقتادة والسدي وابن زيد وابن إسحاق: (أي شرك) (٢)، وقال الربيع: حتى لا يفتن مؤمن عن دينه (٣)، وقال عروة بن الزبير: كان المؤمنون يفتنون عن دين الله في أول ما دعا رسول الله - ﷺ - إلى الإسلام، وآمنت به طائفة فكانت فتنة شديدة، فافتتن من افتتن، وعصم الله من شاء، وأمر رسول الله - ﷺ - المسلمين أن يخرجوا إلى الحبشة، وفتنة ثانية وهي: لما بايعت الأنصار رسول الله - ﷺ - بيعة العقبة (٤) توامرت (٥) قريش أن يفتنوا المؤمنين بمكة عن دينهم فأصاب المؤمنين جهد شديد؛ فأنزل الله: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ (٦).\n_________\n(١) لم أجده عنهما بهذا اللفظ. وقد روى ابن جرير ٩/ ٢٤٨ قول السدي بلفظ: فقد مضت سنة الأولين، من أهل بدر، ونص قول ابن إسحاق كما في \"السيرة النبوية\" ٢/ ٣١٨: فقد مضت سنة الأولين، أي من قتل منهم يوم بدر.\nثم إن في عبارة المؤلف قلق، ولعل الصواب: كيوم بدر.\n(٢) انظر: أقوال المذكررين سوى ابن إسحاق، في \"تفسير ابن جرير\" ٩/ ٢٤٨ - ٢٤٩، وابن أبي حاتم ٥/ ١٧٠١، وابن كثير ٢/ ٣٤١، وانظر: قول ابن إسحاق في \"السيرة النبوية\" ٢/ ٣١٨.\n(٣) رواه الثعلبي ٦/ ٦١ أ، والبغوي ٣/ ٣٥٧.\n(٤) في (س): (يوم العقبة).\n(٥) توامرت: لغة غير فصيحة في تآمرت، انظر: \"النهاية في غريب الحديث\" (أمر) ١/ ٦٦، و\"لسان العرب\" (أمر) ١/ ١٢٩.\n(٦) رواه ابن جرير ٩/ ٢٥٠، وقد ذكر المؤلف قول عروة بمعناه مع تصرف وزيادات.","vol":"10","page":151},{"text":"قال الزجاج: أي حتى لا يفتنوا (١) الناس فتنة كفر، ويدل على أن معنى ﴿فِتْنَةٌ﴾: كفر: قوله: ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ (٢).\nقال أهل المعاني: وإنما كان الكفر فتنة لأنه يخلّص صاحبه بالفساد الذي ظهر منه ممن يجب أن يتولى على ظاهره (٣)؛ إذ أصل الفتنة: تخليص الشيء من غيره، من قولهم: فتنتُ الذهب في النار: إذا خلصته من الغش الذي كان فيه (٤).\nوقوله تعالى: ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾، قال ابن عباس: يريد: الدين الذي أرسلتَ به دينًا حنيفيًا (٥)، وقال الربيع: ويكون التوحيد لله خالصًا ليس فيه شرك، ويُخلع ما دونه من الأنداد (٦)، وقال ابن زيد: لا يكون مع دينكم كفر (٧).\n_________\n(١) في \"معاني القرآن وإعرابه\": يفتن.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤١٣.\n(٣) يعني أن الكفر يميز ويفصل بين الكافر الذي تحرم موالاته وبين المؤمن أو المنافق الذي يجب أن يتولى على ظاهره، ويوكل باطنه إلى الله تعالى.\n(٤) لم أقف عليه.\n(٥) لم أجده بهذا اللفظ، وقد رواه الفيروزأبادي في \"تنوير المقباس\" ص ١٨١، بلفظ: حتى لا يبقى إلا دين الإِسلام، ورواه ابن أبي حاتم ٥/ ١٧٠١، بلفظ: يخلص التوحيد لله ﷿، ورواه ابن جرير ٩/ ٢٤٨ بلفظ: حتى لا يكون شرك.\n(٦) رواه الثعلبي ٦/ ٦١ أ، ورواه ابن جرير ٩/ ٢٤٨ - ٢٤٩ بنصه لكن عن ابن جريج، والنص نفسه مذكور في \"السيرة النبوية\" ٢/ ٣١٨ قولًا لابن إسحاق، وقد رجح محمود شاكر في تعليقه على رواية ابن جريج أن القول لابن إسحاق وأن في\"تفسير ابن جرير\" سقطًا ولا دليل على هذا الترجيح إذ لا مانع أن يكون القول لأحد الثلاثة ثم يعتمده غيره فيعتبر قولًا له، وبما أن الرجال الثلاثة كانوا في عصر واحد (توفي الربيع بن أنس عام ١٤٠هـ أو قبلها، وتوفي ابن إسحاق وابن جريج عام ١٥٠ هـ أو بعدها) فإنه يتعذر معرفة السابق بالقول.\n(٧) رواه ابن جرير ٩/ ٢٤٩.","vol":"10","page":152},{"text":"قال أهل العلم: أمر الله تعالى بالقتال إلى أن يعم الإسلام الدنيا كلها ولا يبقى على وجه الأرض كافر، فتكليف القتال ممدود إلى هذا الميعاد (١)، لقوله تعالى: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة: ٣٣].\n_________\n(١) انظر: \"الأم\" ٤/ ٢٤١، و\"أحكام القرآن\" للشافعي ص ٤٦، و\"تفسير أبي الليث السمرقندي\" ٢/ ١٨، وهو قول فيه نظر لدلالة الكتاب والسنة، أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩]، فجعل تكليف القتال ممدودًا حتى إعطاء الجزية لا الإسلام، وأما السنة فأحاديث أخذ الجزية من اليهود والنصارى والمجوس، ومنها: ما رواه مسلم في\"صحيحه\" (١٧٣١) كتاب الجهاد والسير، باب: تأمير الإمام الأمراء ضمن وصية رسول الله - ﷺ - لأمراء الجيوش والسرايا، وفيها: \" .. ادعهم إلى الإسلام فإن أجابوك فأقبل منهم وكف عنهم .... فإن هم أبوا فسلهم الجزية، فإن هم أجابوك فأقبل منهم وكف عنهم\"، قال الحافظ ابن حجر في شرح الحديث: \"أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله .. \" الحديث: فإن قيل: مقتضى الحديث قتال كل من امتنع من التوحيد، فكيف ترك قتال مؤدي الجزية والمعاهد؟\nفالجواب من وجوه:\nأحدها: دعوى النسخ بأن يكون الإذن بأخذ الجزية وإلغاء المعاهدة متأخرًا عن هذه الأحاديث.\nثانيها: أن يكون من العام الذي خص منه البعض.\nثالثها: أن يكون من العام الذي أريد به الخاص، فيكون المراد بالناس في قوله: \"أقاتل الناس\" أي المشركين من غير أهل الكتاب، ويدل عليه رواية النسائي بلفظ: \"أمرت أن أقاتل المشركين\".\nرابعها: أن يكون المراد بما ذكر من الشهادة وغيرها: التعبير عن إعلاء كلمة الله وإذعان المخالفين، فيحصل في بعض بالقتال، وفي بعض بالجزية، وفي بعض بالمعاهدة\nخامسها: أن يكون المراد بالقتال هو أو ما يقوم مقامه من جزية أو غيرها.\nسادسها: أن يقال: الغرض من ضرب الجزية اضطرارهم إلى الإسلام؛ وسبب السبب سبب، فكأنه قال: حتى يسلموا أو يلتزموا ما يؤديهم إلى الإسلام، وهذا أحسن. \"فتح الباري\" ١/ ٧٧ باختصار وبمثل هذا توجه الآية، والله أعلم.","vol":"10","page":153},{"text":"ومنهم من قال: ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ يعني في جزيرة العرب لا يعبد غير الله (١).\nوقوله تعالى: ﴿فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾، ققال ابن عباس: يريد: عالم بمن ينتهي، بصير بأعمالهم (٢)، والمراد بالانتهاء هاهنا: عن الشرك، لا عن القتال؛ لأن المشركين وإن انتهوا عن القتال كان فرضًا على المؤمنين قتالهم (٣).\nقال أهل المعاني: فإن انتهوا فإن الله يجازيهم مجازاة البصير بهم (٤)، وبأعمالهم لا يخفى عليه شيء منها (٥)، وقال صاحب النظم: قوله: ﴿فَإِنِ انْتَهَوْا﴾ راجع [بالمعنى إلى قوله: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا﴾ ثم اعترض قولٌ سواه فقال: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ﴾ ثم] (٦) رجع إلى ما قبله فقال: ﴿فَإِنِ انْتَهَوْا﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1343>٤٠ </span>- قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا﴾، قال ابن عباس: يريد عن الإيمان (٧)، وقال الكلبي: أبوا أن يَدَعُوا الشرك (٨) وقتال محمد (٩).\n_________\n(١) انظر: \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٣٠٢، و\"تفسير الفخر الرازي\" ١٥/ ١٦٤.\n(٢) رواه بمعناه الفيروزأبادي في \"تنوير المقباس\" ص ١٨١.\n(٣) انظر: \"تفسير ابن جرير\" ٩/ ٢٤٨ - ٢٥٠، فقد ذهب إلى هذا القول وردّ على من قال إن المراد الانتهاء عن القتال.\n(٤) ساقط من (ح).\n(٥) لم أقف عليه.\n(٦) ما بين المعقوفين ساقط من (م).\n(٧) \"تنوير المقباس\" ص١٨١.\n(٨) في (ح): (إلى الشرك)، وهو خطأ يخل بالمعنى.\n(٩) لم أقف عليه.","vol":"10","page":154},{"text":"﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ﴾ [قال ابن عباس: يريد ناصركم يا معشر المؤمنين (١)، وقال الزجاج: المعنى: فإن أقاموا على كفرهم وعداوتكم (٢) ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ﴾] (٣) أي: هو الموالي (٤) لكم، ولا تضركم معادتهم (٥).\nوهذا تطييب لنفوس المؤمنين عند إعراض الكافرين بأن العاقبة لهم، ودائرة السوء (٦) على عدوهم؛ لأن الله ناصرهم ومعينهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1344>٤١ </span>- قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ الآية، الغنم: الفوز بالشيء، يقال: غنم يغنم غنمًا فهو غانم.\nوالغنيمة في الشريعة: ما أُوجف عليها بالخيل والركاب من أموال المشركين، وأُخذ قسرًا (٧).\nوقوله تعالى: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ إلى قوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ﴾، قال الكسائي والفراء: (فأن) منصوبة مردودة على قوله: ﴿وَاعْلَمُوا﴾ بمنزلة قوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ﴾ [الحج: ٤]، وقوله: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ﴾ [التوبة: ٦٣] (٨).\nواتفق فقهاء الأمة على أن أربعة أخماس الغنيمة للغانمين الذين\n_________\n(١) \"تنوير المقباس\" ص ١٨١.\n(٢) في \"معاني القرآن وإعرابه\": عداوتهم.\n(٣) ما بين المعقوفين ساقط من (س).\n(٤) في (ح) و(س): (المولى)، وما أثبته موافق للمصدر.\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٣١٤.\n(٦) في (ح): (دائر بالسوء).\n(٧) انظر: \"تهذيب اللغة\" (غنم) ٣/ ٢٧٠٣\n(٨) انظر: قول الفراء في كتابه \"معانى القرآن\" ١/ ٤١١، وقد ذكره المؤلف بمعناه.","vol":"10","page":155},{"text":"باشروا القتال، للفارس عند الشافعي ثلاثة أسهم وللراجل سهم (١)، وعند أبي حنيفة وأهل العراق للفارس سهمان وللراجل سهم (٢).\nوأما الصبيان والعبيد والنساء وأهل الذمة إن خرجوا بإذن الإمام فلهم الرضخ (٣) على ما يرى الإمام، والصحيح أن الرضخ من رأس الغنيمة (٤).\nوهذا الذي ذكرناه لم يتناوله لفظ الآية، غير أنه لا بد من ذكره في معرفة كيفية قسم الغنيمة، والذي ذكر في الآية هو الخمس الباقي؛ لأن الغانمين إذا أخذوا أربعة أخماس بقي خمس واحد.\nواختلفوا في هذا الخمس وفي مصرفه، فقوله: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾،\n_________\n(١) انظر تفصيل مذهب الإمام الشافعي في: كتاب \"الأم\" ٤/ ١٩٠، و\"حاشية الجمل على شرح المنهج\" ٤/ ٩٥، وبمثله قال الإمام أحمد وأكثر أهل العلم كما في \"المغني\" ١٣/ ٨٥.\n(٢) قال السرخسي في \"المبسوط\"١٠/ ٤٠: إذا قسم الغنيمة ضرب للفارس بسهمين وللراجل بسهم في قول أبي حنيفة -رحمه الله تعالى- وهو قول أهل العراق، وفي قولهما -يعني أبا يوسف ومحمد بن الحسن- والشافعي -رحمهم الله تعالى- يضرب للفارس بثلاثة أسهم وهو قول أهل الشام وأهل الحجاز. وانظر أيضًا: \"بدائع الصنائع\" ٩/ ٤٣٦٤.\n(٣) الرضخ: العطية أو العطية القليلة.\nانظر: \"النهاية في غريب الحديث والأثر\" (رضخ) ٢/ ٢٢٨، و\"لسان العرب\" (رضخ) ٣/ ١٦٥٨، وعرّفه الفقهاء بأنه: ما دون السهم لمن لا سهم له من الغنيمة، انظر: \"حاشية الروض المربع\" ٤/ ٢٧٨.\n(٤) رجح شيخ الإسلام الأنصاري في \"شرح المنهج\" أن الرضخ يؤخذ من الأخماس الأربعة لا من رأس الغنيمة، انظر: \"حاشية الجمل على شرح المنهج\" ٤/ ٩٥، وهما قولان للشافعي، ووجهان في مذهب الإمام أحمد، انظر: \"المغني\" ١٣/ ٩٩.","vol":"10","page":156},{"text":"قال الحسن (١)، وقتادة وعطاء وإبراهيم: هذا افتتاح كلام (٢)، قال الزجاج: ومعنى افتتاح كلام: أن الأشياء كلها لله ﷿ فابتدأ وافتتح الكلام بأن قال: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ (٣) كما قال: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ (٤).\n_________\n(١) المراد هنا وفي الموضعين التاليين: الحسن بن محمد بن الحنفية بن علي بن أبي طالب، كما في \"سنن النسائي\" كتاب: قسم الفئ، باب: قسم الفيء ٧/ ١٣٣، و\"المصنف\" لعبد الرزاق ٥/ ٢٣٨، و\"المستدرك\" للحاكم ٢/ ١٢٨، و\"تفسير ابن جرير\" ١٠/ ٣، وهو من أئمة التابعين وعلماء أهل البيت، توفي سنة ١٠٠هـ أو قبلها. انظر: \"سير أعلام النبلاء\" ٤/ ١٣٠.\n(٢) رواه عنهم ابن أبي حاتم ٥/ ٣٠٩، والثعلبي ٦/ ٦١ ب، والبغوي ٣/ ٣٥٧، ورواه ابن جرير بهذا اللفظ عن الحسن بن محمد بن الحنفية ١٠/ ٣، وهو مراد الواحدي لا الحسن البصري، كما رواه ابن جرير عن البقية بمعناه ١٠/ ٣.\n(٣) فسر ابن جرير معنى قول المفسرين: هذا افتتاح كلام بعبارة أوضح من عبارة الزجاج حيث قال عند تفسير قول الله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [آل عمران: ١٨]: فبدأ -جل ثناؤه- بنفسه، تعظيمًا لنفسه وتنزيهًا لها عما نسب الذين ذكرنا أمرهم من أهل الشرك به ما نسبوا إليها، كما سن لعباده أن يبدؤا في أمورهم بذكره قبل ذكر غيره، مؤدبًا خلقه بذلك، واعترض بذكر الله وصفته على ما بينت كما قال جل ثناؤه: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ افتتاحًا باسمه الكلام اهـ. \" تفسير ابن جرير\" ١٠/ ٣ باختصار، وبه يتبين أن معنى: افتتاح كلام، أي افتتاح الكلام بذكر الله، وابتداء باسمه على سبيل التعظيم والتبرك كالبسملة. وقال الحافظ في \"فتح الباري\" ٦/ ٢١٨: أجمعوا على أن اللام في قوله تعالى: ﴿لله﴾ للتبرك إلا ما جاء عن أبي العالية.\n(٤) الأنفال: ١. وإلى هنا انتهى كلام الزجاج انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤١٤، وفي النسخة التي اعتمد عليها المحقق خطأ في قوله: بأن قال: (فأن الله) حيث كتبه الناسخ هكذا: فإن قال قائل (فإن لله ..) إلخ وظن المحقق أن ذلك شرط وأن =","vol":"10","page":157},{"text":"وهذا مذهب الشافعي (١)، وهو رواية الضحاك عن ابن عباس (٢)، ومثله روى عطاء عنه؛ لأنه قال: يريد الخمس الذي لله (٣) هذا مواضعه، يعني من ذكر بعد قوله ﴿لله﴾ (٤) وهؤلاء جعلوا قوله: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ ترتيبًا لافتتاح الكلام، والمعنى: فأن للرسول خمسه [ولمن ذكر بعده، فجعلوا سهم الله وسهم الرسول واحد.\nوقال الربيع وأبو العالية: قوله: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾] (٥) ليس لافتتاح الكلام، وله معنى صحيح وهو أن رسول الله - ﷺ - كان يضرب يده في هذا الخمس فما قبض عليه من شيء جعله للكعبة، وهو الذي يسمى لله (٦)، فعلى قولهما يكون لله تعالى سهم في خمس الغنيمة وهو للكعبة.\n_________\n= جواب لم يذكر. والصواب ما ذكره الواحدي.\n(١) يعني أنه لا يجعل لله نصيبًا معينًا. انظر: \"الأم\" للشافعي ٤/ ٢٠٧، ونصه: (لله) مفتاح كلام، كل شيء له، وله الأمر من قبل ومن بعد.\n(٢) رواها ابن جرير ١٠/ ٣، والثعلبي ٦/ ٦١ ب، وفي سند ابن جرير: نهشل بن سعيد بن وردان، متروك وكذّبه إسحاق بن راهويه، كما في\"التقريب\" ص ٥٦٦ (٧١٩٨).\n(٣) اللفظ ساقط من (ح).\n(٤) اللفظ ساقط من (ح).\n(٥) ساقط من (ح).\n(٦) رواه ابن جرير ١٠/ ٤، وأبو عبيد في كتاب \"الأموال\" ص ٢١، عن أبي العالية، ورواه الثعلبي ٦/ ٦١ ب، عنه أيضًا وعن الربيع بن أنس، وهو حديث مرسل، ورواه ابن المنذر بمعناه عن ابن عباس كما في \"الدر المنثور\" ٣/ ٣٣٦، وقد ضعف هذا القول ابن جرير في \"تفسيره\" ١٠/ ٤، وذكر أنه مخالف لاتفاق أهل العلم.","vol":"10","page":158},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَلِلرَّسُولِ﴾ اختلفوا في سهم الرسول من الخمس قال جماعة من المفسرين منهم إبراهيم (١)، وعطاء (٢)، والحسن (٣)، وقتادة (٤): كان النبي - ﷺ - يحمل سهمه من الخمس ويصنع فيه ما شاء، وكان له خمس الخمس.\nوقال ابن عباس: لم يأخذ النبي - ﷺ - من الخمس شيئًا بل جعل سهمه من الخمس لذوي القربى، قال: كان الخمس يقسم على أربعة فربع لله وللرسول ولذوي القربى، فما كان لله وللرسول فهو لذوي القربى (٥).\n_________\n(١) رواه الثعلبي ٦/ ٦١ ب، وبمعناه ابن جرير ١٠/ ٣.\n(٢) رواه النسائي في \"السنن\"، كتاب قسم الفيء ٧/ ١٣٢، وابن جرير ١٠/ ٣، والثعلبي ٦/ ٦١ ب.\n(٣) هو: ابن محمد بن الحنفية، وقد رواه بنحوه الثعلبي في الموضع السابق، وبمعناه عبد الرزاق في \"المصنف\" كتاب الجهاد، باب: ذكر الخمس ٥/ ٢٣٨، والنسائي في المصدر السابق، الصفحة التالية، وابن جرير ١٠/ ٧، ولفظهم: فأن لله خمسه وللرسول وذي القربى، قال: هذا مفتاح كلام، ثم اختلف الناس في هذين السهمين بعد وفاة رسول الله - ﷺ - .... إلخ.\n(٤) رواه بنحوه ابن جرير ١٠/ ٤، والثعلبي ٦/ ٦١ ب.\n(٥) رواه ابن جرير ١٠/ ٤، بلفظ مقارب وكذلك الثعلبي ٦/ ٦١ ب، وعزاه السيوطي في \"الدر المنثور\" ٣/ ٣٣٦، أيضًا إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم، وهو من رواية علي بن أبي طلحة.\nأقول: قول ابن عباس هذا مخالف لقول رسول الله - ﷺ -: \"يا أيها الناس ليس لي من هذا الفيء مثل هذا إلا الخمس، والخمس مردود فيكم\". رواه أبو داود (٢٧٥٦) كتاب الجهاد، باب. في الإمام يستأثر بشيء من الفيء، وأحمد ٢/ ١٨٤ فالنبي - ﷺ - لم يخص بسهمه ذوي القربي.","vol":"10","page":159},{"text":"ومذهب الشافعي: أن الخمس يقسم على خمسة أسهم: سهم لله ولرسوله يصرف إلى مصالح المسلمين، والأهم السلاح والكراع (١)، قال الزجاج: ويرى الشافعي في سهم رسول الله - ﷺ - أن يصرف في مثل ما كان يصرفه فيه، والذي يروى: أنه كان يصرف الخمس في عدة المسلمين (٢) نحو: اتخاذ السلاح الذي تقوى به شوكتهم (٣).\nقوله تعالى: ﴿وَلِذِي الْقُرْبَى﴾، قال مجاهد: هم بنو هاشم (٤)، وقال الشافعي - ﵁ -: هم بنو هاشم وبنو المطلب خاصة (٥) دون سائر قريش، يقسم\n_________\n(١) انظر: كتاب \"الأم\" ٤/ ١٩٦ ولفظه: والذي أختار أن يضعه الإمام في كل أمر حصن به الإسلام وأهله، من سد ثغر، وإعداد كراع أو سلاح، أو إعطاء أهل البلاء في الإسلام.\n(٢) روى البخاري في \"صحيحه\" (٢٩٠٤) كتاب الجهاد، باب: المجن، ومسلم في \"صحيحه\" (١٧٥٧) كتاب الجهاد، باب حكم الفيء عن عمر قال: كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله مما لم يوجف عليه المسلمون بخيل ولا ركاب، فكانت للنبي - ﷺ - خاصة، فكان ينفق على أهله نفقة سنة، وما بقي يجعله في الكراع والسلاح، عدة في سبيل الله.\nوالكُراع: اسم للخيل أو للسلاح أو لهما كما في \"اللسان\" (كرع) ٧/ ٣٨٥٨، وروى ابن المنذر كما في \"الدر المنثور\" ٣/ ٣٣٧ عن ابن عباس قال: كان النبي - ﷺ - يجعل سهم الله في السلاح والكراع وفي سبيل الله، ويجعل سهم الرسول في الكراع والسلاح ونفقة أهله.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤١٤، وقد تصرف الواحدي في العبارة.\n(٤) رواه الثعلبي ٦/ ٦٢ أ، وبنحوه ابن جرير ١٠/ ٦، ولمجاهد رواية أخرى بأن ذوي القربى هم قرابة النبي - ﷺ - الذين لا تحل لهم الصدقة. انظر: \"سنن النسائي\" ٧/ ١٣٤، و\"تفسير ابن جرير\" ١٠/ ٦، والرواية الأولى مردودة لحديث جبير بن مطعم الآتي.\n(٥) ساقط من (ح).","vol":"10","page":160},{"text":"سهم خمس الخمس حيث كانوا للذكر مثل حظ الأنثيين (١)، وهم الذين حرمت عليهم الصدقات المفروضات، قال رسول الله - ﷺ -: \"إن الله أغناكم عن أوساخ الناس بهذا الخمس\" (٢).\nواحتج الشافعي بما روى الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن جبير ابن مطعم (٣) قال: لما قسم رسول الله - ﷺ - سهم ذي القربى من خيبر على بني هاشم والمطلب، مشيت أنا وعثمان بن عفان فقلنا: يا رسول الله: هؤلاء إخوتك بنو هاشم لا ننكر ضلهم لمكانك الذي جعلك الله منهم، أرأيت إخواننا بني المطلب أعطيتهم وتركتنا وإنما نحن وهم منك بمنزلة واحدة (٤)، فقال: \"إنهم لم يفارقونا في جاهلية ولا إسلام إنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد\"، ثم شبك رسول الله - ﷺ - إحدى يديه بالأخرى (٥).\n_________\n(١) انظر: كتاب \"الأم\" ٤/ ١٩٦، و\"تفسير الثعلبي\" ٦/ ٦٢ أ.\n(٢) رواه مسلم في \"صحيحه\" (١٠٧٢) كتاب الزكاة، باب: ترك استعمال آل النبي على الصدقة بلفظ: \"إن الصدقة لا تنبغي لآل محمد إنما هي أوساخ الناس\"، ورواه ابن أبي حاتم كما في \"الدر المنثور\" ٣/ ٣٣٧ بلفظ: \"رغبت لكم عن غسالة الأيدي؛ لأن لكم في خمس الخمس ما يغنيكم أو يكفيكم\".\n(٣) هو: جبير بن مطعم بن عدي بن عبد مناف بن قصي، شيخ قريش في زمانه، كان من الطلقاء الذين أسلموا يوم فتح مكة وكان موصوفًا بالحلم ونبل الرأي مع الشرف، نوفي سنة ٥٩ هـ.\nانظر: \"التاريخ الكبير\" ٢/ ٢٢٣ (٢٢٧٤)، و\"سير أعلام النبلاء\" ٣/ ٩٥، و\"الإصابة\" (١٠٩١).\n(٤) يعني أن عثمان من بني عبد شمس، وجبير من بني نوفل، وعبد شمس ونوفل وهاشم والمطلب جميعهم بنو عبد مناف. انظر: \"السيرة النبوية\" ٢/ ٥٩.\n(٥) رواه البخاري في \"صحيحه\" (٣١٤٠) كتاب الخمس، باب: ومن الدليل على أن الخمس للإمام مختصرًا، ورواه النسائي في \"سننه\" كتاب قسم الفيء ٧/ ١٣١، وأحمد في \"المسند\" ٤/ ٨١ مع اختلاف يسير.","vol":"10","page":161},{"text":"وقال بعضهم: هم قريش كلها (١).\nواختلفوا في سهم رسول الله - ﷺ - وسهم ذي القربى [بعد موت رسول الله - ﷺ -، وقد ذكرنا مذهب الشافعي فيه، وهو أن سهم الرسول يجعل اليوم في مصالح المسلمين، وسهم ذي القربى] (٢) يقسم بينهم، وقال ابن عباس والحسن: يجعلان في الخيل والسلاح والعدة في سبيل الله (٣)، وكذلك روي عن أبي بكر وعمر ﵄: أنهما كانا يجعلان سهم رسول الله - ﷺ - في الكراع والسلاح (٤)، وهذا حجة الشافعي (٥)، وقال أهل العراق -وهو مذهب أبي حنيفة-: سهم الرسول وسهم ذوي القربى مردودان على الخمس،\n_________\n(١) رواه أبو عبيد في كتاب \"الأموال\" ص ٤١٨ (٨٥١)، وابن جرير ١٠/ ٦، عن ابن عباس قال: كنا نقول: إنا هم، فأبى ذلك علينا قومنا، وقالوا: قريش كلها ذوو قربى. وأصل الحديث في \"صحيح مسلم\" كتاب الجهاد، باب: النساء الغازيات يرضخ لهن، دون قوله (وقالوا: قريش ..) إلخ. وقد تفرد برواية هذه الجملة أبو معشر وفيه ضعف كما في \"التقريب\" ص ٥٥٩ (٧١٠٠)، و\"أضواء البيان\" ٢/ ٣٦٣، وقد أخذ بهذا الرأي الفقيه أصبغ الأموي كما في \"فتح الباري\" ٦/ ٣٤٦.\n(٢) ساقط من (س).\n(٣) رواه عنهما ابن جرير ١٠/ ٦، والثعلبي ٦/ ٦٢ أ، ورواه أيضًا عن الحسن بن محمد، النسائي في \"سننه\" ٧/ ١٣٣، وعبد الرزاق في \"المصنف\" ٥/ ٢٣٨، والحاكم في \"المستدرك\" ٢/ ١٢٨، وأبو عبيد في كتاب\"الأموال\" ص ٤١٦ (٨٤٧)، وفي سند أثر ابن عباس نهشل بن سعيد وهو متروك، كما في \"التقريب\" ص ٥٦٦ (٧١٩٨).\n(٤) رواه الشافعي في كتاب \"الأم\" ٤/ ١٧٨، عن مالك بن أوس، ورواه النسائي في \"سننه\" ٧/ ١٣٣، كتاب: قسم الفئ، وعبد الرزاق في \"المصنف\" ٥/ ٢٣٨، والحاكم في \"المستدرك\" ٢/ ١٢٨، وابن جرير في \"تفسيره\" ١٠/ ٦، عن الحسن بن محمد، ورواه أيضًا ابن جرير ١٠/ ٧، عن ابن عباس بمعناه.\n(٥) انظر: كتاب \"الأم\" ٤/ ١٧٨.","vol":"10","page":162},{"text":"والخمس مقسوم على ثلاثة أسهم: على اليتامى والمساكين وابن السبيل (١).\nوقول: ﴿وَالْيَتَامَى﴾ (٢): وهم أطفال المسلمين الذين هلك آباؤهم.\n﴿وَالْمَسَاكِينِ﴾ (٣)، قال ابن عباس: يريد: المحتاجين وهم أهل الفاقة والحاجة من المسلمين.\nوقوله تعالى: ﴿وَابْنِ السَّبِيلِ﴾، قال ابن عباس: هو الفقير الضعيف (٤) الذي ينزل بالمسلمين (٥)، وقال عطاء عنه: يريد عابر السبيل (٦).\nوقال أهل المعاني: كل من مات أبوه وهو صغير فهو يتيم، ولا يتم بعد البلوغ، وكل ولد يتيم من قبل أمه إلا الإنسان فإنه يتيم من قبل أبيه (٧). وابن السبيل: المنقطع في سفره، وإنما قيل: ابنه، بمعنى (٨) أنه أخرجه إلى هذا المستقر (٩) لَقىً (١٠) محتاجًا كما يخرجه أبوه إلى مستقره من الدنيا لقىً محتاجًا.\n_________\n(١) انظر: كتاب \"المبسوط\" ٥/ ٩، ١٠، و\"بدائع الصنائع\" ٩/ ٤٣٦٢.\n(٢) ساقط من (ح).\n(٣) في (ح): (واليتامى وابن السبيل)، وهو خطأ.\n(٤) هكذا. وانظر: التعليق الآتى.\n(٥) رواه الثعلبي ٦/ ٦٣ أبهذا اللفظ، ورواه أبو عبيد في كتاب \"الأموال\" ص ٤٠٨ (٨٣٥)، وابن جرير ١٠/ ٨، وابن أبي حاتم ٥/ ١٧٠٦ بلفظ: الضيف الفقير .. إلخ. وبهذا يتبين أن التصحيف كان في رواية الثعلبي واعتمدها الواحدي.\n(٦) لم أقف عليه.\n(٧) انظر: \"تهذيب اللغة\" (يتم) ٤/ ٣٩٧٣.\n(٨) في (ح): (لمعنى).\n(٩) في (ح): (السفر).\n(١٠) في \"مجمل اللغة\" (لقى) ٣/ ٨١١: اللَّقى: الشيء الملقى الطريح، وفي \"لسان العرب\" (لقا) ٧/ ٤٠٦٦: اللقى: كل شيء مطروح متروك.","vol":"10","page":163},{"text":"والمسكين (١): المحتاج الذي من شأنه أن تسكنه الحاجة عما ينهض به الغني.\nومذهب الشافعي -﵁- في القسم بين (٢) هؤلاء، قال أبو إسحاق: لا يرى الشافعي أن يترك صنفًا من هذه الأصناف بغير (٣) حظ في القسمة، ويرى أن يفضل بعضهم على بعض على قدر الحاجة (٤).\nوقوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ﴾، قال أبو إسحاق: يجوز أن تكون (إنْ) معلقة بقوله: ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ﴾ أي: أيقنوا أن الله ناصركم (٥) إذ كنتم قد شاهدتم من نصره ما شاهدتم (٦)، قال: ويجوز أن يكون المعنى (٧): ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ يأمران فيه بما يريدان ﴿إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ﴾ أي: فاقبلوا ما أمرتم به في الغنيمة (٨).\n_________\n(١) ساقط من (م).\n(٢) في (ح): (عن).\n(٣) في (ح): (لغير).\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤١٤، وانظر: كتاب \"الأم\" ٤/ ١٩٦.\n(٥) في \"معاني القرآن\": نصركم.\n(٦) اختصر الواحدي عبارة الزجاج فخفي المعنى، ونص عبارته: يجوز أن تكون (إن كنتم) معلقة بقوله: ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾، ﴿إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾ فأيقنوا أن الله نصركم إذ كنتم قد شاهدتم من نصره ما شاهدتم. \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤١٦، والمعنى: اعلموا أن الله مولاكم وناصركم إن كنتم آمنتم به وبما أنزل على عبده.\n(٧) نص عبارة الزجاج: ويجوز أن يكون: (إن كنتم آمنتم باللهِ) معناها: أعلموا .. إلخ.\n(٨) المصدر السابق ٢/ ٤١٦، وهذا هو القول الراجح؛ لأنه المناسب للسياق الموافق لغرض الآية وهدفها، بل قال ابن عطية ٦/ ٣١٣: هذا هو الصحيح.","vol":"10","page":164},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا﴾ يعني الملائكة الذين نصر بهم النبي - ﷺ - يوم بدر في معنى قول الزجاج (١)، وفي معنى قول مقاتل (٢): يعني ما أنزل عليه في شأن الغنيمة يوم بدر، وهو قوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ [الأنفال: ١] الآية؛ لأنه قال: يريد إن كنتم آمنتم بالله فأقرّوا بحكمي وما أنزلت على النبي في الغنيمة يوم الفرقان.\nوالذي أنزل عليه يوم الفرقان قوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ﴾، ويجوز أن يكون المعنيّ (٣) بالإنزال هذه الآية.\nوقوله تعالى: ﴿عَلَى عَبْدِنَا﴾، قال ابن عباس: يريد النبي - ﷺ - ﴿يَوْمَ الْفُرْقَانِ﴾: يريد اليوم الذي فرقت فيه بين الحق والباطل وهو يوم بدر (٤).\nوقال الزجاج: لأن الله أظهر فيه من نصره بإرداف الملائكة والإمداد بهم المسلمين (٥) ما كان فيه فرقان بين الحق والباطل (٦).\nوقوله تعالى: ﴿يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾، قال ابن عباس: يريد حزب الله\n_________\n(١) لم أجد في كلام الزجاج ما يمكن أن يفهم منه ما ذكره المؤلف إلا قوله: وقوله جل وعز: ﴿يَوْمَ الْفُرْقَانِ﴾: هو يوم بدر؛ لأن الله ﷿ أظهر فيه من نصره بإرداف الملائكة، والإمداد بهم للمسلمين ما كان فيه فرقان بين الحق والباطل. \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤١٦، ولم يرد للملائكة ذكر في \"تفسير الزجاج\" لقوله تعالى ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ وقد سبق ذكره في التعليق على قول الزجاج الأسبق.\n(٢) يعني ابن حيان، وقد روى قوله ابن أبي حاتم ٥/ ١٧٠٦، وانظر: \"الدر المنثور\" ٣/ ٣٣٩.\n(٣) في (س): (الغنيمة)، وهو خطأ.\n(٤) \"تنوير المقباس\" ص ١٨٢ بنحوه.\n(٥) في \"معاني القرآن وإعرابه\": للمسلمين.\n(٦) المصدر السابق: ٢/ ٤١٦.","vol":"10","page":165},{"text":"وحزب الشيطان (١)، ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، قال: يريد: قدير على نصركم وأنتم أقلة (٢) وأذلة (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1345>٤٢ </span>- قوله تعالى: ﴿إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا﴾ يجوز أن تتعلق (إذ) بمضمر معناه: واذكروا إذ أنتم، كما قال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ﴾ [الأنفال: ٢٦]، فأضمر هاهنا، ويجوز أن تتعلق بالمصدر الذي هو (الفرقان) في قوله: ﴿يَوْمَ الْفُرْقَانِ﴾ المعنى: يوم فرق الله بين الحق والباطل إذ أنتم بهذا الموضع.\nوأما العدوة: فقال ابن السكيت: عِدوة الوادي وعُدوته: جانبه والجمع عِدىً وعُدَى (٤)، وقال الليث: العُدوة: صلابة من شاطئ الوادي ويقال: عِدوة (٥).\nوقرئ باللغتين جميعًا (٦).\nقال الأخفش: الكسر كلام العرب، لم يسمع منهم غير ذلك (٧)، قال أحمد بن يحيى: الضم في العُدوة أكثر اللغتين (٨).\n_________\n(١) \"تنوير المقباس\" ص ١٨٢ بمعناه\n(٢) في (ج): (قلة).\n(٣) \"تنوير المقباس\" ص ١٨٢ بمعناه\n(٤) \"تهذيب إصلاح المنطق\" ص ٢٩٥، و\"تهذيب اللغة\" (عدا) ٣/ ٢٣٤٨.\n(٥) \"تهذيب اللغة\" (عدا) ٣/ ٢٣٤٨، والنص في كتاب \"العين\" (عدو) ٢/ ٢١٦.\n(٦) قرأ ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب بكسر العين، والباقون بضمها. انظر: كتاب \"السبعة\" ص ٣٠٦، و\"تحبير التيسير\" ص ١١٨.\n(٧) \"الحجة\" ٤/ ١٢٩، و\"تفسير ابن الجوزي\" ٣/ ٣٦١، والفخر الرازي ١٥/ ١٦٧، وأبي حيان ٤/ ٤٩٩، وهو مخالف لقوله في \"معاني القرآن\" ١/ ٣٥٠، فقد ذكر اللغتين ورجح القراءة بالضم.\n(٨) انظر: \"زاد المسير\" ٣/ ٣٦١، ولم أجده في \"فصيح ثعلب\".","vol":"10","page":166},{"text":"و﴿الدُّنْيَا﴾: تأنيث الأدنى، وضده القصوى، وهو تأنيث الأقصى، وكل شيء تنحى عن شيء فقد قصى يقصو (١) قصوًّا، والأقصى والقصوى كالأكبر والكبرى.\nوأما الكلام في اختلاف (الدنيا) و(القصوى) بالياء والواو وهما من باب واحد، فقال الحراني عن ابن السكيت: ما كان من النعوت مثل العليا والدنيا فإنه يأتي بضم أوله وبالياء؛ لأنهم يستثقلون الواو مع ضمة أوله، وليس (٢) فيه اختلاف إلا أن أهل الحجاز قالوا: القصوى، فأظهروا الواو -وهو نادر- أخرجوه على القياس إذ سكن ما قبل الواو، وتميم وغيرهم يقولون: القصيا (٣)، ونحو هذا حكى الليث عن الخليل فقال: كل شيء جاء على (فعلى) من بنات (٤) الواو فإن العرب تحوله إلى الياء نحو: الدنيا من دنوت، وأشباه ذلك غير القصوى، ويقال: القصيا لغة فيه، وجاءت: الفتوى لغة في الفتيا (٥) لأهل المدينة خاصة (٦).\n_________\n(١) في (ح): (يقصى)، والصواب ما أثبته، إذ في كتب اللغة: كل شيء تنحى عن شيء فقد قصى يقصو قصوًا.\nانظر: كتاب \"العين\" (قصو) ٥/ ١٨٧، و\"تهذيب اللغة\" (قصا) ٣/ ٢٩٦٩، و\"لسان العرب\" (قصا) ٦/ ٣٦٥٧، أما الفعل (يقصى) فهو مضارع (قصي) بالكسر يقال: قصي فلان عن جوارنا يقصى قصًا، أي: بعد، انظر: \"لسان العرب\" (قص) ٦/ ٣٦٠٨.\n(٢) في \"تهذيب اللغة\": فليس.\n(٣) \"تهذيب اللغة\" (قصا) ٣/ ٢٩٦٩. وانظر: \"تهذيب إصلاح المنطق\" ص ٣٤٦.\n(٤) يعني: ذوات، كما في \"اللسان\" ٦/ ٣٦٥٧، مادة (قصا).\n(٥) في كتاب \"العين\": الفتيا لغة في الفتوى.\n(٦) كتاب \"العين\" (قصو) ٥/ ١٨٧، وقد تصرف الواحدي بعبارة الخليل بالحذف والزيادة.","vol":"10","page":167},{"text":"قال المفسرون جميعًا: إذ أنتم نزولٌ بشفير (١) الوادي الأدنى إلى المدينة وعدوكم نزولٌ بشفير الوادي الأقصى إلى مكة (٢).\nوكان الجمعان قد نزلا الوادي الذي ببدر على هذه الصفة قد اكتنفا شفيريه.\nقال أهل المعاني: معنى (٣) الآية: اذكروا إذ كنتم بشط الوادي الأقرب (٤) إلى المدينة وهم بالشط الأبعد منها، وهذا كان من لطيف صنع الله لهم؛ لأن الرجل كلما كان أقرب من داره كان أربط لجأشه (٥).\nوقوله تعالى: ﴿وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾، قال ابن السكيت: الركب أصحاب الإبل، وهم العشرة فما فوقها (٦).\nويقال: سفل يسفل سفاله وسفلًا فهو سافل، نقيض علا يعلو، قال المفسرون: يعني أبا سفيان وأصحابه وهم العير التي خرجوا ليأخذوها، كانت في موضع أسفل منكم إلى ساحل البحر (٧).\nقال أبو إسحاق: الوجه أن تنصب (أسفل) -وعليه القراءة- أراد: مكانًا أسفل، ويجوز الرفع على أن تريد: والركب (٨) أشد\n_________\n(١) أي: حده وحرفه، انظر: \"مقاييس اللغة\" (شفر) ٣/ ٢٠٠.\n(٢) انظر: \"تفسير ابن جرير\" ١٠/ ١٠، والثعلبي ٦/ ٦٣ أ، و\"الدر المنثور\" ٣/ ٣٤١.\n(٣) ساقط من (ح).\n(٤) ساقط من (ح).\n(٥) لم أقف عليه.\n(٦) \"المشوف المعلم في ترتيب الإصلاح\" (رك ب) ١/ ٣٠٩، والنص باختصار في \"تهذيب إصلاح المنطق\" ص ١١٤.\n(٧) انظر: \"تفسير ابن جرير\" ١٠/ ١٠، والثعلبي ٦/ ٦٣ أ، والبغوي ٣/ ٣٦٣.\n(٨) ساقط من (ح).","vol":"10","page":168},{"text":"تسفلًا (١)، ونحو هذا قال الفراء سواء (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ﴾، قال ابن إسحاق: أقبل أبو سفيان في الركب من الشام، وخرج رسول الله - ﷺ - وأصحابه ليأخذوها، وخرجت قريش تمنعه، فالتقوا ببدر ولم يشعروا (٣)، فقال الله تعالى: ﴿وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ﴾ لكثرتهم وقلتكم، يعني: لو تواعدتم ثم بلغكم كثرة عددهم مع قلة عددكم لتأخرتم وفنقضتم الميعاد، هذا معنى قول المفسرين (٤).\nوقيل: لو تواعدتم من غير لطف الله لكم لاختلفتم بالعوائق والقواطع (٥).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾ في الكلام حذف واختصار يدل عليه الفحوى، تقديره: ولكن جمعكم الله من غير ميعاد: ﴿لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾ وإن شئت أخرت المقدر فقلت: ﴿وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾ جمعكم من غير ميعاد، قال ابن\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤١٧ مع التقديم والتأخير والحذف.\n(٢) انظر: \"معاني القرآن\" ١/ ٤١١.\n(٣) في \"السيرة النبوية\" ٢/ ٣١٩، كلام يشبه هذا من حيث المعنى، ثم تبين لي أن ابن إسحاق هذا ليس صاحب السيرة بل هو عمير بن إسحاق أبو محمد مولى بني هاشم، تابعي متكلم فيه، لينه ابن معين، وقال الحافظ ابن حجر: مقبول.\nانظر: \"الكاشف\" ٢/ ٩٦ (٤٢٨٢)، و\"التقريب\" ص ٤٣١ (٥١٧٩)، وأثره هذا رواه ابن جرير ٧/ ١١ بلفظ مقارب.\n(٤) انظر: \"تفسير ابن جرير\" ١٠/ ١١، والثعلبي ٦/ ٦٣ ب، والبغوي ٣/ ٣٦٣، وابن الجوزي ٣/ ٣٦٢.\n(٥) هذا قول أحمد بن عمار المهدوي المفسر، انظر. \"المحرر الوجيز\" ٦/ ٣١٩، وقد ذكر هذا القول أيضًا الماوردي ٢/ ٣٢٢ دون نسبة.","vol":"10","page":169},{"text":"عباس: يريد: ليتم الله لنبيه وللمؤمنين موعده؛ ليقر عين نبيه وأعين المؤمنين (١)، وقال أهل المعاني: ليفصل (٢) الله أمرًا كان مفعولًا في علمه وحكمه من عز الإِسلام وعلو أهله على عبدة الأوثان بتدبيره ولطفه (٣).\nقوله تعالى: ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ فهذه اللام مكررة على اللام في قوله: ﴿لِيَقْضِيَ﴾ المعنى: ولكن فعل ذلك ليهلك، وأكثر أهل العلم على أن المراد بالهلاك هاهنا: الكفر والضلال، وبالحياة: الاهتداء والإسلام (٤).\nقال محمد بن إسحاق: ليكفر من كفر بعد حجة قامت عليه وقطعت عذره، ويؤمن من آمن على مثل ذلك (٥)، وقال قتادة: ليضل من ضل عن بينة، ويهتدي (٦) من اهتدى على بينة (٧)، قال الزجاج: جعل الله ﷿ المقاصد للحق بمنزلة الحي، وجعل الضال بمنزلة الهالك (٨).\n_________\n(١) \"تنوير المقباس\" ص ١٨٢ بمعناه.\n(٢) في (ح): (ليقضي).\n(٣) ذكر معنى هذا القول أبو الليث السمرقندي ٣/ ٣٤١، وابن عطية ٦/ ٣٢٠، وأبو حيان ٤/ ٥٠١، ولم أجده عند أهل المعاني.\n(٤) انظر: \"تفسير ابن جرير\" ١٠/ ١٢، و\"معاني القرآن\" للنحاس ٣/ ١٥٩، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" ٥/ ١٧٠٨، والسمرقندي ٢/ ١٩، وابن عطية ٦/ ٣٢١، وابن كثير ٢/ ٣٢٨، وقد ذهب ابن جرير إلى أن المعنى: ليموت من مات عن حجة ويعيش من عاش عن حجة.\n(٥) \"السيرة النبوية\" ٢/ ٣١٩ مع اختلاف يسير.\n(٦) في (ح): (يهدى)، وهو كذلك في \"تفسير البغوي\"، وما أثبته موافق لـ\"تفسير الثعلبي\" وهو أولى لأن الكلمة تفسير لقوله تعالى: ﴿يَحْيَى﴾ ولموافقته لقول قتادة: من اهتدى.\n(٧) رواه الثعلبي ٦/ ٦٣ ب، والبغوي ٣/ ٣٦٣.\n(٨) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤١٨.","vol":"10","page":170},{"text":"وذهب آخرون إلى أن معنى الهلاك هاهنا: الموت (١)، وقال (٢): وأفعل ما فعلت يوم بدر ليكون موت من يموت على بينة رآها وحجة قامت عليه، وكذلك حياة من يحيى؛ لما سبق من وعده ببعثة الرسول قبل العذاب في قوله: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥].\nوقوله تعالى: ﴿وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ﴾ قرئ بيائين، وقرئ بياء واحدة مشددة (حيّ) (٣)، قال أبو إسحاق: أما من أدغم فلاجتماع حرفين من جنس واحد، وأما من أظهر فلأن الحرف الثاني ينتقل من (٤) لفظ الياء تقول: حيي يحيى والمحيا، فعلى هذا يجوز الإظهار (٥)، هذا كلامه وشرحه أبو علي فقال: من أدغم فلأن الياء قد لزمتها الحركة، فصار (٦) بلزوم الحركة له مشابهًا للصحيح، ألا ترى أن من حذف الياء من (جوار) في الجر والرفع لم (٧) يحذفها إذا تحركت بالفتح لمشابهتها بالحركة سائر\n_________\n(١) انظر: \"تفسير ابن جرير\" ١٠/ ١٢، والماوردي ٢/ ٣٢٢، وابن الجوزي ٣/ ٣٦٣، والبغوي ٣/ ٣٦٣.\n(٢) هذا قول الثعلبي، انظر: \"تفسيره\" ٦/ ٦٣ ب.\n(٣) قرأ نافع وأبو بكر، عن عاصم والبزي، عن ابن كثير بالفك وعدم التشديد، وقرأ باقي السبعة بالإدغام والنطق بياء واحدة مشددة انظر \"إرشاد المبتدي\" ص ٣٤٧، و\"تحبير التيسير\" ص ١١٨، و\"الوافي في شرح الشاطبية\" ص٢٨٠.\n(٤) في \"معاني القرآن وإعرابه\": عن.\n(٥) المصدر السابق ٢/ ٤١٨.\n(٦) يعني الحرف، ولذا ذكّره وهو كذلك في بعض نسخ \"الحجة للقراء السبعة\"، وجاء في بعضها: فصارت، بالتأنيث، وكذا في موضعين بعده، ونصه: فصارت بلزوم الحركة لها مشابهة ... إلخ. وهذا ما اختاره المحققان للحجة.\n(٧) ساقط من (ح).","vol":"10","page":171},{"text":"الحروف الصحيحة، وقالوا في الوقف: ﴿كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ﴾ [القيامة: ٢٦] فلم تحذف كما حذفت الياء من قوله: ﴿الْكَبِيرُ الْمُتَعَال﴾ [الرعد: ٩] وهذا يدلك على أنها بالحركة قد صارت في حكم الصحيح، وإذا صار كذلك جاز الإدغام فيها كما جاز في الصحيح، وعلى هذا جاء ما أنشد من قوله (١):\nعَيُّوا بأمرهم كما ... عيّت ببيضتها الحمامه\nوقال المتلبس (٢):\nفهذا أوان العرض حي ذبابة ... زنابيره والأزرق المتلمس (٣)\n_________\n(١) البيت لعبيد بن الأبرص كما في \"ديوانه\" ص ١٣٨، و\"أدب الكاتب\" ص ٥٤، و\"الحيوان\" ٣/ ١٨٩، و\"شرح أبيات سيبويه\" ٢/ ٤٣٠، و\"لسان العرب\" (حيا) ٢/ ١٠٨٠.\n(٢) هو: جرير بن عبد العزى -أو عبد المسيح- من بني ضبيعة من ربيعة، شاعر جاهلي من أهل البحرين، وهو خال طرفة بن العبد، صاحب المعلقة وكان ينادم ملك العراق عمرو بن هند ويمدحه ثم هجاه فأراد عمرو قتله ففر إلى الشام، وتوفي نحو سنة ٥٠ ق هـ. انظر: \"الشعر والشعراء\" ص ٩٩، و\"الأعلام\" ٢/ ١١٩.\n(٣) البيت في \"ديوانه\" ص ١٢٣، وانظر: \"شرح ديوان الحماسة\" للمرزوقي ٢/ ٦٢٢، و\"المعاني الكبير\" ٢/ ٤٠٦.\nقال المرزوقي في الموضع السابق: يروى (جُنّ ذبابه) أي كثر ونشط، والعرض: واد من أودية اليمامة، وكأنه قال: وهذا الذي ذكرت هو في هذا الأوان، وقوله (حيّ ذبابه) أي عاش بالخصب فيه، وزنابيره يرتفع على أنه بدل من الذباب، وذباب الروض قد تسمى زنابير وقوله (والأزرق) إشارة إلى جنس آخر غير الأول، وهو ما كان أخضر ضخمًا، والمتلمس: الطالب اهـ. باختصار.","vol":"10","page":172},{"text":"فجعلوا هذه الأشياء في الإدغام بمنزلة: شموا وعضوا وعبرة هذا: أن [كل موضع لزمت الحركة الياء الأخيرة التي هي لام جاز الإدغام فيه] (١)، فأما قوله: ﴿عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ [القيامة: ٤٠]، فلا يجوز فيه الإدغام؛ لأن حركة النصب غير لازمة، ألا ترى أنها تزول في الرفع وتذهب في الجزم مع الرفع، وإذا لم تلزم لم يجز الاعتداد بها، كأشياء (٢) لم يعتد بها لما لم تلزم، نحو الضمة في: هذه فَخِذٌ، وإن لم يكن في الكلام ضمة قبلها (٣) كسرة لما كانت غير لازمة، وهذا النحو كثير، [وإنما شرطنا لزوم الحركة في المدغم فيه لأن المتحرك لا يدغم في الساكن؛ وذلك أن (٤) المتحرك أقوى من الساكن، ولا يدغم الأقوى في الأضعف، إنما يدغم الأضعف في الأقوى] (٥).\nوأما من أظهر فقال: (حيي) ولم يدغم فلأن حركة اللام في (حيي) تزول لاتصالها بالضمير إذا قلت: حَيِيت، فصار زوال الحركة عن اللام في هذا البناء بمنزلة زوال حركة النصب عن المعرب لحدوث إعراب آخر فيه، ويقوي البيان في هذا ما حكاه يونس عن العرب: أحيياء، وأحييه وفي جمع حي، فبينوا، مع أن الحركة غير مفارقة، فإذا لم يدغموا ما لم تفارقه\n_________\n(١) ما بين المعقوفين نصه في \"الحجة\" هكذا: كل موضع يلزم ياء يخشى فيه الحركة، جاز الإدغام في اللام من حيي اهـ، ولم يظهر لي معناه، وقد نقل ابن عطية هذا القول بلفظ مغاير أيضًا ونصه: قال أبو علي: وعبرة هذا أن كل موضع تلزم الحركة فيه ياء مستقبلية فالإدغام في ماضيه جائز. \"المحرر الوجيز\" ٦/ ٣٢٣.\n(٢) في (ح): (شيئًا).\n(٣) في (س): (ما قبلها).\n(٤) ساقط من (ح).\n(٥) ما بين المعقوفين ليس من كلام أبي علي في \"الحجة\" كالكلام السابق واللاحق له، بل ذكره أبو علي في كتابه \"الإغفال\" ص ٨٢٧، وقد ذكره الواحدي بمعناه.","vol":"10","page":173},{"text":"الحركة فلأن لا يدغموا ما تفارقه الحركة كان (١) أولى (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾، قال ابن عباس: يريد: سميع لدعائكم وابتهالكم وتضرعكم، عليم بنياتكم وحبكم لربكم ونصرتكم لنبيكم وطاعتكم لله (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1346>٤٣ </span>- قوله تعالى: ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا﴾، قال مجاهد: أرى الله (٤) النبي - ﷺ - كفار قريش في منامه قليلًا فأخبر بذلك أصحابه فقالوا: رؤيا النبي حق، القوم قليل، وكان ذلك تثبيتًا (٥) لهم (٦)؛ لأنهم اجترؤا بذلك على حرب عدوهم، وهذا قول الكلبي (٧) ومقاتل (٨) وأكثر أهل التفسير قالوا: قوله: ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ﴾ يعني رؤيا النوم (٩).\nقال محمد بن إسحاق: وكان ما أراه من ذلك نعمة عليهم؛ لأنه شجعهم بها على عدوهم (١٠).\n_________\n(١) ساقط من (ح) و(س).\n(٢) \"الحجة للقراء السبعة\" ٤/ ١٤٠ - ١٤٣، مع تصرف كثير بالحذف والزيادة والتقديم والتأخير.\n(٣) رواه الفيروزأبادي في \"تنوير المقباس\" ص ١٨٢ مختصرًا.\n(٤) في (ح): (أري النبي).\n(٥) في (ح): (تثبيت).\n(٦) رواه ابن جرير ١٠/ ١٢، وعبد الرزاق الصنعاني في \"تفسيره\" ١/ ٢/ ٢٦٠، وابن أبي حاتم ٥/ ١٧٠٩.\n(٧) ذكره ابن الجوزي ٣/ ٣٦٢، عن أبي صالح، عن ابن عباس، وهو سند الكلبي المعروف.\n(٨) انظر: \"تفسيره\" ل ١٢١ أ.\n(٩) انظر: \"تفسير ابن جرير\" ١٠/ ١٢، والسمرقندي ٢/ ٢٠، والثعلبي ٦/ ٦٤ أ، والبغوي ٣/ ٣٦٤، والماوردي ٢/ ٣٢٣، ونسبه للجمهور.\n(١٠) \"السيرة النبوية\" ٢/ ٣١٩.","vol":"10","page":174},{"text":"وكانت، تلك الرؤيا بشارة له وللمؤمنين بالغلبة. قال أهل المعاني: وإنما جاز أن يريه الله الشيء في النوم على خلاف ما هو لأن الرؤيا تخيّل للمعنى من غير قطع عليه، وإن جاء معه قطع من الإنسان (١).\nوروي عن الحسن وابن جريج أنهما ذهبا إلى أن هذه الإراءة كانت في اليقظة، وقالا: المراد بالمنام هاهنا: العين التي هي موضع النوم (٢).\nقال أبو إسحاق: وكثير من أصحاب النحو يذهبون إلى هذا المذهب، ومعناه عندهم: إذ يريكم الله في موضع منامك أي: بعينك ثم حذف الموضع وأقام المنام مقامه (٣).\n_________\n(١) يعني أن الرؤيا رمز وإشارة للمعنى، وتحتاج إلى تأويل، وقد يقطع الإنسان ويجزم بتأويلها ولكن هذا لا يغير من حقيقتها شيئًا، قال ابن عطية في \"المحرر الوجيز\" ٥/ ١٧٠٩: يحتمل أنه رآهم قليلًا عددهم، فكان تأويل رؤياه انهزامهم اهـ.\nوأقول: يستدرك على ما ذكره المؤلف عن أهل المعاني الذي لم أقف على مصدره أن رؤيا الأنبياء حق ويقطع على معناها.\n(٢) رواه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٥/ ١٧٠٩، عن الحسن وفي سنده سهل السراج، قال الحافظ ابن حجر في \"التقريب\" ١/ ٢٥ (٢٦٦٣): صدوق له أفراد، كان القطان لا يرضاه، ورواه البغوي ٣/ ٣٦٣، وفي سنده عمرو بن عبيد المعتزلي، قال الحافظ في \"التقريب\" ص ٤٢٤ (٥٠٧١): كان داعية إلى بدعة، اتهمه جماعة، وقد ذكر ابن كثير في \"تفسيره\" ٢/ ٣٤٨ قول الحسن هذا ثم عقبه بقوله: هذا القول غريب اهـ. وقال الزمخشري في \"الكشاف\" ٢/ ١٦١: هذا تفسير فيه تعسف، وما أحسب الرواية صحيحة فيه عن الحسن، وما يلائم علمه بكلام العرب وفصاحته اهـ. ولم أجد من ذكره عن ابن جريج.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤١٩، وهو أحد قولي أبي عبيدة في \"مجاز القرآن\" ١/ ٢٤٧، وإليه ذهب المازني والنقاش كما في \"المحرر الوجيز\" ٦/ ٣٢٥، وهو قول ضعيف من وجوه: =","vol":"10","page":175},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا﴾ أي: لو أراك الله يا محمد القوم كثيرا في اليقظة -على قول الحسن-، أو في المنام -على قول الباقين- فأخبرت بذلك أصحابك لجبنوا ولم يقدموا على الحرب؛ وذلك قوله: ﴿لَفَشِلْتُمْ﴾، قال أبو إسحاق: لتأخرتم عن حربهم وكِعْتم (١) (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ معنى التنازع في الأمر: الاختلاف الذي يحاول به كل واحد نزع صاحبه عما هو عليه، وهذا ما سبق بيانه (٣)، يقول: لاضطرب أمركم، واختلفت كلمتكم، قال الكلبي: واختلفتم فيما بينكم (٤).\nوقال ابن عباس: ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ﴾ يا محمد ﴿فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا﴾ لتحتقرهم وتجترئ عليهم ﴿وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ﴾ ولكن هذه منتي عليك وعلى المؤمنين حيث أراكهم الله قليلًا، ولم يكن منهم\n_________\n=\n١ - أن في الآية تصريح بالمنام، وحمله على العين التي بها المنام عدول عن الظاهر بلا دليل، انظر: \"تفسير ابن كثير\" ٢/ ٣٤٨.\n٢ - أنه تعالى صرح في الآية التالية برؤية العين فقال: ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا﴾ فعلى هذا القول تكون الآيتان بمعنى واحد، إذ أن النبي - ﷺ - مخاطب في هذه الآية، والأصل عدم التكرار.\n٣ - أنه مخالف لما رواه مجاهد أن النبي - ﷺ - رآهم في منامه قليلًا فأخبر النبي - ﷺ - بذلك. رواه ابن جرير ١٠/ ١٢، وهذا الحديث وإن كان مرسلًا لكن يعضده موافقته لظاهر الآية، وعلى الأقل هو تفسير ثابت عن مجاهد.\n(١) أي جبنتم، يقال: كعت عن الشيء أكيع وأكاع لغة في كععت: إذا هبته وجبنت عنه. انظر: \"لسان العرب\" (كوع) ٧/ ٣٩٥٦.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٣١٩.\n(٣) انظر: تفسير آل عمران: ١٥٢، النساء: ٥٩.\n(٤) \"تنوير المقباس\" ص ١٨٢، عن الكلبي، عن ابن عباس.","vol":"10","page":176},{"text":"فشل ولا منازعة (١) يريد الاختلاف\nوقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ﴾، قال ابن عباس: يريد: عصمكم (٢) كأنه يريد: سلمكم من المخالفة فيما بينكم، وقال ابن عباس أيضًا: سلم الله لهم أمرهم حتى أظهرهم على عدوهم (٣).\n[وقال أبو روق: سلم: أتم أمرهم بالظفر على عدوهم (٤)] (٥).\nوقال الكلبي: ولكن الله سلمكم من الهزيمة يوم بدر (٦).\nوالأظهر أن المعنى: ولكن الله سلمكم من التنازع والفشل على ما حكينا عن ابن عباس أولًا.\nقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾، قال ابن عباس: علم ما في صدوركم من اليقين والحب لله والطاعة لرسوله (٧)، قال الكلبي: أي لما في صدور المؤمنين من أمر عدوهم (٨).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1347>٤٤ </span>- وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ﴾ إن قلنا في الآية الأولى إنه أراهم النبي - ﷺ - في المنام فهذه الثانية كررت لأنها في اليقظة، وإن قلنا أن\n_________\n(١) ذكره مختصرًا المؤلف في \"الوسيط\" ٢/ ٤٦٣، وانظر بعض معناه في: \"تنوير المقباس\" ص ٤٨٢.\n(٢) رواه بمعناه ابن أبي حاتم ٥/ ١٧٠٩، وذكره كذلك القرطبي ٨/ ٢٢.\n(٣) رواه ابن جرير ١٠/ ١٣، والثعلبي ٦/ ٦٤ أ، وابن أبي حاتم ٥/ ١٧٠٩.\n(٤) رواه ابن أبي حاتم ٥/ ١٧١٠ مختصرًا عن أبي روق، عن ابن عباس، وذكره القرطبي ٨/ ٢٢ ولم يعين القائل.\n(٥) ما بين المعقوفين ساقط من (س).\n(٦) لم أقف عليه.\n(٧) رواه البغوي ٣/ ٣٦٣ مختصرًا.\n(٨) رواه بمعناه مختصرًا الفيروزأبادي في \"تنوير المقباس\" ص ١٨٢، عن الكلبي، عن ابن عباس.","vol":"10","page":177},{"text":"الأولى كانت في اليقظة على ما حكينا عن ابن جريج والحسن، فهذه الثانية كررت لأن النبي - ﷺ - أفرد في الأولى بالذكر وعمم هو وأصحابه في هذه، وهذا الذي ذكرنا معنى قول ابن الأنباري وأبي إسحاق (١).\nقال أبو إسحاق: هذه رؤية الإلتقاء، وتلك رؤية النوم، وعلى مذهب الحسن: الأول خطاب للنبي - ﷺ - والثاني خطاب له ولجميع من شاهد الحرب (٢).\nوقوله تعالى: ﴿فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا﴾، قال مقاتل: لما التقوا ببدر قلّل الله المشركين في أعين المؤمنين تصديقًا لرؤيا رسوله (٣).\nوقال ابن مسعود: لقد قللوا في أعيننا يوم بدر حتى قلت لرجل إلى جنبي: تراهم سبعين قال: أراهم مائة، فأسرنا رجلًا (٤) فقلنا: كم كنتم؟ قال: ألفًا! (٥).\nوقوله تعالى: ﴿وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ﴾، قال ابن عباس: ليجترؤا عليكم ولا ينهزموا ولا يرجعوا عن قتالكم (٦)، كما قال أبو جهل ذلك اليوم: إنما محمد وأصحابه أكلة جزور (٧)، خذوهم أخذًا واربطوهم\n_________\n(١) انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" لأبي إسحاق الزجاج ٢/ ٤١٩، ولم أقف على قول ابن الأنباري.\n(٢) المصدر السابق، نفس الجزء والصفحة، وقد تصرف الواحدي في النص المنقول.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ل ١٢٢ أ.\n(٤) في (م): (رجلًا منهم).\n(٥) رواه ابن جرير ١٠/ ١٣، وابن أبي شيبة في \"المصنف\" ١٤/ ٣٧٤، وابن أبي حاتم ٥/ ١٧١٠.\n(٦) روى نحوه مختصرًا الفيروزأبادي في \"تنوير المقباس\" ص ١٨٢، وسنده واهٍ، وانظر: \"الوسيط\" ٢/ ٤٦٣.\n(٧) يعني الناقة الواحدة تكفيهم طعامًا لقلتهم.","vol":"10","page":178},{"text":"بالحبال (١)، قال الكلبي: استقل المؤمنون المشركين والمشركون المؤمنين ليجترئ بعضهم على بعض (٢).\nقال أبو بكر بن الأنباري: إنه قلل المؤمنين في عيون الكافرين ليغتروا بقتلهم فلا يتأهبوا لملاقاتهم ولا يلبسوا من السلاح ما يمنعهم، فإذا لابسهم المسلمون ألفوهم غير مستعدين فظفروا بهم (٣)، وقيل: إنه قللهم في أعينهم ليحملوا عليهم من غير جبن فيغلبهم المسلمون في قلة عددهم عندهم فيكون ذلك آية للمشركين، ومنبهًا لهم على نفاذة قدرة الله تعالى (٤).\nفإن قيل: ما المعنى الذي به قللوا في أعينهم مع رؤيتهم لهم؟ قيل: لطف من ألطاف الله تعالى صدهم به عن رؤية الجميع بحيث ستر بعضهم دون بعض (٥).\nوقال بعض المفسرين: تقليل المسلمين في أعين المشركين كان في أول الأمر فلما نشب القتال وحمي الوطيس (٦) كثُر المسلمون في أعينهم (٧)،\n_________\n(١) رواه ابن جرير ١٠/ ١٤، عن السدي، ورواه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" ١٤/ ٣٦١، عن عكرمة.\n(٢) رواه الثعلبي ٦/ ٦٤ ب، والبغوي ٣/ ٣٦٤، وذكره ابن الجوزي ٣/ ٥٦٤، عن أبي صالح، عن ابن عباس.\n(٣) لم أقف عليه، وقد ذكره بلا نسبة ابن الجوزي ٣/ ٣٦٤.\n(٤) انظر: \"زاد المسير\" ٣/ ٣٦٤.\n(٥) ذهب الزمخشري أيضًا إلى هذا التعليل، انظر: \"الكشاف\" ٢/ ١٦١، ولا داعي له، إذ لا شك في قدرة الله على تقليلهم بغير هذا السبب.\n(٦) الوطيس: كلمة تطلق على المعركة والتنور والحجارة المدورة والضراب في الحرب ووطء الخيل والإبل، وقولهم: حمي الوطيس. عبارة عن اشتباك الحرب وشدتها وقيامها على ساق. انظر: \"لسان العرب\" (وطس) ١/ ٤٨٦٦.\n(٧) ذكر معنى ذلك الزمخشري ٢/ ١٦١، وابن كثير ٢/ ٣٤٩، وأبو حيان ٤/ ٥٠٢.","vol":"10","page":179},{"text":"وذلك قوله تعالى: ﴿يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ﴾ [آل عمران: ١٣].\nوقوله تعالى: ﴿لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾، قال ابن عباس: يريد ما وعد النبي - ﷺ - وهو بمكة وبعدما هاجر (١)، وكذلك سبق في علمه في اللوح المحفوظ.\nوقال الكلبي: كان مفعولًا في علمه بنصر الإسلام وأهله وذل الشرك وأهله (٢)، وقال ابن إسحاق: ﴿كَانَ مَفْعُولًا﴾ [في علمه] (٣) للنقمة ممن أراد الانتقام منه، والإنعام على من أراد النعمة عليه (٤).\nوقال بعض أهل المعاني: إنما كرر: ﴿لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾ [لآن معناه في الأول: ﴿وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ﴾، ﴿وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾] (٥) من الالتقاء على الصفة التي حصلتم عليها، ومعناه في الثاني: يقلل كل فريق في عين صاحبه ليقضي الله أمرًا كان مفعولًا من إعزاز الدين وأهله (٦).\nوقوله تعالى: ﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾، قال ابن عباس: وبعد هذا إليّ مصيركم فأكرم أوليائي وأعاقب أعدائي (٧).\n_________\n(١) لم أجد من خرّج هذا القول، ومعناه: أن الله تعالى وعد رسوله بنصره وهزيمة أعدائه وهو في مكة كما قال تعالى: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ [القمر: ٤٥]، ثم حقق هذا الوعد بعد ما هاجر إلى المدينة، انظر: \"تفسير البغوي\" ٧/ ٤٣٤.\n(٢) رواه الثعلبي ٦/ ٦٤ ب، وبنحوه البغوي ٣/ ٣٦٤.\n(٣) من (م).\n(٤) \"السيرة النبوية\" ٢/ ٣١٩، و\"تفسير ابن جرير\" ١٠/ ١٤.\n(٥) ما بين المعقوفين ساقط من (س).\n(٦) لم أقف عليه عند أهل المعاني، وقد ذكر نحوه الرازي في \"تفسيره\" ٥/ ١٧٠.\n(٧) \"الوسيط\" ٢/ ٤٦٣.","vol":"10","page":180},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1348>٤٥ </span>- ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا﴾، قال الكلبي: إذا لقيتم جماعة العدو فأثبتوا لعدوكم (١)، قال أهل المعاني: المراد: فئة كافرة وحذفت لأن الخطاب للمؤمنين وهم لا يحاربون إلا فئة من المشركين أو الباغين، فحذف للإيجاز من غير إخلال بالمعنى (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾، قال ابن عباس: أمر الله أولياءه بذكره في أشد أحوالهم، ولو أن رجلًا أقبل من المغرب إلى المشرق (٣) ينفق الأموال [سخاءً، والآخر من المشرق إلى المغرب] (٤) يضرب بسيفه في سبيل الله كان الذاكر لله أعظم أجرًا (٥)، وقال قتادة: أمر الله بذكره أشغل ما يكونون عند الضراب بالسيوف (٦).\nومن المفسرين من خص هذا الذكر بالدعاء للنصر والظفر فقال: معناه: ادعوا الله بالنصر عليهم، والظفر بهم، والتوقع لما وعدته من نصر\n_________\n(١) المصدر السابق، الصفحة التالية.\n(٢) انظر: \"الكشاف\" ٢/ ١٦١.\n(٣) في (م): من المشرق إلى المغرب. وما أثبته موافق لـ\"تفسير الرازي\".\n(٤) ما بين المعقوفين ساقط من (ح).\n(٥) ذكر نحوه الفخر الرازي في \"تفسيره\" ٥/ ١٧١. قلت: وقد دل على أن الذاكر لله تعالى أفضل من المنفق ومن المجاهد قول الرسول - ﷺ -: \"ألا أنبئكم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من إنفاق الذهب والورق، وخير لكم من أن تلقوا عدوكم، فتضربوا أعناقهم، ويضربوا أعناقكم؟ ذكر الله\". رواه الترمذي في \"سننه\" (٣٣٧٧) كتاب الدعاء، باب: ما جاء في فضل الذكر، والحاكم في \"المستدرك\" كتاب الدعاء ١/ ٤٩٦، وصححه ووافقه الذهبي، كما صححه الألباني في \"صحيح الجامع الصغير\" ١/ ٥١٣ (٢٦٢٩).\n(٦) رواه الثعلبى ٦/ ٦٤ ب، وبنحوه ابن جرير ١٠/ ١٤، وابن أبي حاتم ٥/ ١٧١١، وانظر: \"الدر المنثور\" ٣/ ٣٤٣.","vol":"10","page":181},{"text":"المؤمنين (١). وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾، قال ابن عباس: يريد: كي تسعدوا أو تبقوا في الجنة فإنما هما خصلتان: إما الغنيمة وإما الشهادة (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1349>٤٦ </span>- قوله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾، قال ابن عباس: يريد: أن طاعة الرسول طاعة الله، ولا تختلفوا فيذهب جَلَدكم وجِدكم (٣)، وقال مجاهد: نُصْرتكم، وذهبت ريح أصحاب رسول الله - ﷺ - حين نازعوه يوم أحد (٤)، وقال السدي: (جرأتكم) (٥)، وقال مقاتل: (حدتكم) (٦)، وقال النضر: (قوتكم) (٧)، وقال الأخفش: (دولتكم) (٨)، وقال الزجاج: (صولتكم) (٩)، وقال أهل المعاني (١٠): الريح هاهنا: كناية عن نفاذ الأمر وجريانه على المراد، والعرب تقول: هبّت ريح فلان: إذا جرى أمره على ما يريد، وركدت ريحه: إذا أدبر أمره،\n_________\n(١) ذكر هذا القول دون الجملة الأخيرة: الثعلبي ٦/ ٦٤ ب، والبغوي ٣/ ٣٦٤، وأشار إليه دون نسبة ابن الجوزي ٣/ ٣٦٥.\n(٢) \"تنوير المقباس\" ص ١٨٢ بمعناه\n(٣) المصدر السابق ص ١٨٣ بمعناه، ورواه الثعلبي ٦/ ٦٤ ب مختصرًا عن عطاء.\n(٤) رواه ابن جرير ١٠/ ١٥، وابن أبي حاتم ٥/ ١٧١٢، والثعلبي ٦/ ٦٤ ب.\n(٥) رواه الثعلبي ٦/ ٦٤ ب، ورواه البغوي ٣/ ٣٦٤ بلفظ: جراءتكم وجدكم.\n(٦) هذا قول مقاتل بن حيان كما في \"تفسير البغوي\" ٣/ ٣٦٤، ورواه أيضًا الثعلبي ٦/ ٦٤ ب.\n(٧) رواه الثعلبي ٦/ ٦٤/ ب، والبغوي ٣/ ٣٦٤.\n(٨) قوله هذا غير موجود في كتابه \"معاني القرآن\"، وقد ذكره عنه الثعلبي ٤/ ٦٤ ب، والبغوي ٣/ ٣٦٤، والسمرقندي ٢/ ٢٠، وهو اختيار اليزيدي في \"غريب القرآن وتفسيره\" ص ١٥٨، والنحاس في \"معاني القرآن\" ٣/ ١٦٢.\n(٩) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٢٥، وقد سقط قول الزجاج من (س).\n(١٠) انظر: \"البرهان\" للحوفي ١١/ ٧٥ ب.","vol":"10","page":182},{"text":"وهذه بلاغة حسنة، قال عبيد (١):\nكما حميناك يوم النعف من شطب ... والفضل للقوم من ريح ومن عدد (٢)\nوقال ابن زيد (٣) وقتادة (٤): يعني ريح النصر، لم يكن نصر قط إلا بريح يبعثها الله يضرب بها وجوه العدو، ومنه قوله - ﷺ -: \"نصرتُ بالصبا\" (٥).\n_________\n(١) هو: عَبيد -بفتح العين- بن الأبرص بن عوف الأسدي، شاعر جاهلي عظيم الذكر عظيم الشهرة معاصر لامرئ القيس وله معه مناظرات ومناقضات، وهو من أصحاب المجمهرات التي تلي المعلقات، توفي نحو سنة ٢٥ ق هـ. ويقال: إن النعمان بن المنذر قتله يوم بؤسه.\nانظر: \"طبقات فحول الشعراء\" ١/ ١٣٨، و\"الشعر والشعراء\" ص ١٦١، و\"الأعلام\" ٤/ ١٨٨.\n(٢) \"ديوانه\" ص ٤٩، و\"تفسير ابن جرير\" ١٠/ ١٥.\nوالنعف: المكان المرتفع في اعتراض، وقيل: هو ما انحدر عن السفح وغلظ وكان فيه صعود وهبوط، وشطب: جبل معروف.\nانظر: \"لسان العرب\" (نعف) و(شطب).\n(٣) رواه الثعلبي ٦/ ٦٤ ب، والبغوي ٣/ ٣٦٤، ورواه ابن جرير ١٠/ ١٦، وابن أبي حاتم ٥/ ١٧١٢ بلفظ: الريح: النصر ... إلخ.\n(٤) رواه البغوي ٣/ ٣٦٤، ورواه مختصرًا ابن جرير وابن أبي حاتم، نفس الموضعين السابقين ولفظهما: ريح الحرب.\n(٥) رواه البخاري في \"صحيحه\" (٧٥٣) كتاب الاستسقاء، باب: قول النبي - ﷺ -: \"نصرت بالصبا\"، ومسلم (٩٠٠) في \"صحيحه\" كتاب الاستسقاء، باب: في ريح الصبا والدبور.\nوالصبا: ريح معروفة تقابل الدبور، وهي تهب من موضع مطلع الشمس إذا أستوى الليل والنهار، وقيل من مطلع الثريا إلى مطلع نبات نعش. انظر: \"لسان العرب\" (صبو) ٤/ ٢٣٩٨.","vol":"10","page":183},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1350>٤٧ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ﴾، قال ابن عباس (١)، ومجاهد (٢)، وقتادة (٣)، وابن جريج (٤)، والضحاك (٥)، والسدي (٦)، والقرظي (٧): هم قريش لما خرجوا ليحموا (٨) عيرهم، لفظ ابن عباس: يريد: النفير ليحوزوا العير، خرجوا بالقيان (٩)، والمعازف والمغنيات، يشربون الخمور، وتعزف عليهم القيان، فلما وردوا الجحفة بعث خفاف بن إيماء الكناني (١٠)، -وكان صديقًا لأبي جهل- إليه بهدايا مع ابن له فلما أتاه قال: إن أبي ينعمك صباحًا ويقول لك: إن شئت أن أمدك بالرجال أمددتك، وإن شئت أن أزحف إليك بمن خف معي من قرابتي\n_________\n(١) سيأتي تخريج أثره\n(٢) رواه بمعناه ابن جرير ١٠/ ٨٠، وابن أبي حاتم ٥/ ١٧١٣ - ١٧١٤، وذكره بنحوه ابن كثير في \"تفسيره\" ٢/ ٣٥٠.\n(٣) انظر: المصادر السابقة. نفس المواضع.\n(٤) ذكره \"جامع تفسير ابن جرير\" ١٠/ ٨٠، ونسبه إلى ابن جرير، ولم أجده في الموضع الذي أحال إليه، بل رواه ابن جريج عن مجاهد وعبد الله بن كثير، انظر: \"تفسير ابن جرير\" ١٠/ ٨٠.\n(٥) رواه ابن جرير ١٠/ ٨٠، وذكره ابن كثير ٢/ ٣٥٠.\n(٦) انظر: المصدرين السابقين، نفس الموضع.\n(٧) رواه ابن جرير، الموضع السابق، بمعناه.\n(٨) في (ح): (ليجمعوا)، وهو خطأ.\n(٩) القيان: جمع قينة، وهي الأمة المغنية. انظر: \"لسان العرب\" (قين) ٦/ ٣٧٩٩.\n(١٠) في \"السيرة النبوية\": الغفاري، وكلاهما صواب؛ لأن غفار من بني كنانة. انظر: \"فتح الباري\" ٧/ ٤٤٦.\nوخفاف: هو ابن إيماء بن رحضة الغفاري، كان إماء بني غفار وخطيبهم وشهد الحديبية، مات في خلافة عمر -﵁-.\nانظر: \"الإصابة\" ١/ ٤٥٢، و\"فتح الباري\" ٧/ ٤٤٦.","vol":"10","page":184},{"text":"فعلت (١)، فقال أبو جهل: قل لأبيك جزاك الله والرحم خيرًا إن كنا نقاتل الله كما يزعم محمد فوالله ما لنا بالله (٢) من طاقة، وإن كنا نقاتل الناس فوالله إن بنا على الناس لقوة، والله لا نرجع عن قتال محمد حتى نرد بدرًا فنشرب فيها الخمور وتعزف فيها القيان، فإن بدرًا موسم من مواسم العرب وسوق من أسواقهم حتى تسمع العرب مخرجنا فتهابنا آخر الأبد (٣)، قال المفسرون: فوردوا بدرًا وسقوا كؤوس المنايا مكان الخمر، وناحت عليهم النوائح مكان القيان (٤).\nوقوله تعالى: ﴿بَطَرًا﴾، قال الزجاج: البطر: الطغيان في النعمة (٥)،\n_________\n(١) في ثبوت هذا القول عن خفاف بن إيماء شك، وذلك أن الحافظ ابن حجر أشار إلى أنه أسلم قبل أبيه \"الإصابة\" ١/ ٩٢، وأبوه أسلم قبل الهجرة كما في \"صحيح مسلم\" (٢٤٧٣) كتاب: فضائل الصحابة، باب: من فضائل أبي ذر قال أبو ذر في قصة إسلامه: حتى أتينا قومنا غفارًا فأسلم نصفهم وكان يؤمهم إيماء بن رخصة الغفاري، وكان سيدهم، وقال نصفهم: إذا قدم رسول الله - ﷺ - المدينة أسلمنا، فقدم رسول الله - ﷺ - المدينة فأسلم نصفهم الباقي، وفي هذا النص دليل على أن غفارًا أسلمت كلها قبل وقعة بدر، وهذا ما يؤكد عدم صحة القصة المذكورة عن خفاف. والله أعلم.\n(٢) في (ح): (به).\n(٣) لم أجد من رواه بهذا السياق، وقد رواه دون قصة خفاف بن إيماء، بلفظ مقارب ابن جرير ١٠/ ١٦ - ١٧، والثعلبي ٦/ ٦٥ أ، وابن إسحاق كما في \"السيرة النبوية\" ٢/ ٣٢٠، وروى ابن إسحاق أيضًا قصة خفاف في موضع آخر ٢/ ٦٢١ لكنه قال: خُفاف بن إيماء بن رحضة الغفاري أو أبوه إيماء بن رحضة الغفاري.\n(٤) انظر: \"تفسير الثعلبي\" ٦/ ٦٥ ب، والبغوي ٣/ ٣٦٦، وابن الجوزي ٣/ ٣٦٦، والنص مختصرًا في \"تفسير ابن جرير\" ١٠/ ١٦ - ١٧.\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ١٥٠. ولم يفسر الزجاج هذه الكلمة في سورة الأنفال، وانظر: \"تهذيب اللغة\" ١/ ٣٤١.","vol":"10","page":185},{"text":"وقال الليث: يقال: بطر فلان نعمة الله: أي: مرح حتى جاوز، وترك الشكر (١)، قال أهل المعاني: معنى (البطر): الخروج عن موجب النعمة من شكرها والقيام بحقها إلى خلافه (٢).\nقوله تعالى: ﴿وَرِئَاءَ النَّاسِ﴾ معنى الرياء: إظهار الجميل ليُرى مع إبطان القبيح، راءي يرائي رياء ومراءاة، والفرق بينه وبين النفاق: أن النفاق إظهار الإيمان مع إبطان الكفر، والرياء عصيان (٣)، والنفاق كفر (٤)،\n_________\n(١) النص في كتاب \"العين\" ٧/ ٤٢٢ مع اختلاف يسير، والمؤلف يرى -كالأزهري- أن كتاب \"العين\" لليث بن المظفر.\n(٢) في \"البرهان\" للحوفي ١١/ ٧٦ أ: البطر: التقوية بنعم الله وما ألبسه من العافية على المعاصي.\n(٣) يعني كبيرة من الكبائر التي لا تخرج من الملة، وإلا فمعلوم أن النفاق والشرك وسائر المكفرات من العصيان؛ إذ أصل العصيان: الخروج عن الطاعة، انظر: \"المفردات في غريب القرآن\" (عصا) ص ٣٣٧.\nوما ذهب إليه المؤلف كون الرياء مطلقًا من كبائر الذنوب هو ظاهر قول الجمهور، وقد دل عليه قول شداد بن أوس: كنا نعد على عهد رسول الله - ﷺ - أن الرياء الشرك الأصغر. رواه الحاكم في \"المستدرك\" كتاب الرقاق ٤/ ٣٢٩، وصححه ووافقه الذهبي، وذهب بعض العلماء أن ذلك مقيد باليسير، أما كثير الرياء فشرك أكبر ونفاق. انظر: \"تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد\" ص ٥٣٣، و\"معارج القبول\" ٢/ ٤٩٢.\n(٤) النفاق قسمان: الأول: النفاق الأكبر، وهو ما ذكره المؤلف وهو كفر مباين لدين الإسلام، الثاني: النفاق الأصغر، وهو من كبائر الذنوب، ويسمى النفاق العملي وهو المذكور في الحديث: \"آية المنافق ثلاث: إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان\". رواه البخاري (٣٣) كتاب الإيمان، باب: إعلان المنافق، ومسلم (٥٨) كتاب: الإيمان، باب: بيان خصال المنافق، والترمذي في \"سننه\" (٢٦٣١) كتاب الإيمان، باب: ما جاء في علامة المنافق، وأعقبه بقوله: إنما كان =","vol":"10","page":186},{"text":"وقال قتادة: هؤلاء أهل مكة خرجوا ولهم بغي وفخر، فقال رسول الله - ﷺ -: \"إن قريشًا أقبلت بفخرها وخيلائها لتحادَّك ورسولك\" (١)، وقال المفسرون: نهى الله سبحانه عباده المؤمنين أن يكونوا مثلهم، وأمرهم بإخلاص النية والحسبة في نصرة الدين، ومؤازرة النبي - ﷺ - حتى لا يكونوا كالذين خرجوا فخرًا وخيلاء ورياء (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾، قال أبو علي الجرجاني: قوله: ﴿بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ﴾ سبب لخروجهم، أي أن البطر والرياء يحملهم على ذلك، ثم عطف عليه قوله: ﴿وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وهو فعل مضارع منسوق على المصدر فيحتمل هذا النظم وجوهًا (٣) منها: أن يكون قوله: ﴿وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ بمنزلة: وصدًا، إلا أنه رد إلى المضارع والمراد به المصدر، كما تقول في الكلام: أتيته ماشيًا ومشيًا وأمشي، ثلاثتها بمعنى واحد، ويجوز أن يكون قوله: ﴿بَطَرًا وَرِئَاءَ﴾ حالًا على تأويل: بطرين ومرائين، فيكون قوله: ﴿وَيَصُدُّونَ﴾ حالًا صرفت إلى الاستقبال، بمعنى: وصادين، ويجوز أن يكون قوله: ﴿بَطَرًا وَرِئَاءَ﴾ بمنزلة\n_________\n= هذا عند أهل العلم نفاق العمل اهـ. وانظر: الفرق بين القسمين في \"مجموع فتاوى شيخ الإسلام\" ١١/ ١٤٠ - ١٤٥.\n(١) رواه مطولًا ابن جرير ١٠/ ١٧، وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ كما في \"الدر المنثور\" ٣/ ٣٤٤، وقد روى قول النبي - ﷺ - ابن إسحاق كما في \"السيرة النبوية\" ٢/ ٢٦١، والبيهقي في \"دلائل النبوة\" ٣/ ١١٠ مرسلًا من حديث الزهري وموسى بن عقبة، وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد نحو هذا الأثر، انظر: \"تفسير مجاهد\" ص ٣٥٦.\n(٢) انظر: \"تفسير الثعلبي\" ٦/ ٦٥ ب، والبغوي ٣/ ٣٦٦، وذكر معناه ابن جرير ١٠/ ١٦.\n(٣) ساقط من (س).","vol":"10","page":187},{"text":"يبطرون ويراؤن، فصح عطف المضارع عليه (١)، وقد يوضع المصدر موضع الفعل المضارع، سيما والمراد به الحال (٢).\nومعنى قوله: ﴿وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾، قال ابن عباس: يريد يضلون (٣) عند دين الله (٤)، قال أهل المعاني: وصدهم عن سبيل الله هو معاداة أهلها، وقتالهم عليها، وتكذيبهم بإجابة (٥) الداعي إليها (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1351>٤٨ </span>- قوله تعالى: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾ كان هذا التزيين على ما قاله ابن عباس (٧) وابن إسحاق (٨) والسدي (٩) والكلبي (١٠):\n_________\n(١) انظر: أحكام عطف الفعل على الاسم وعكسه في: \"أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك\" ٣/ ٦١، و\"النحو الوافي\" ٣/ ٦٤٨ - ٦٥٨.\n(٢) لا يعني صحة إقامة الفعل مقام الاسم وعكسه أن المعنى واحد فيهما، بل الاسم يدل على الثبوت والتمكين والاستمرار، والفعل يدل على الحدوث والتجدد فاختيار الاسم في قوله تعالى: ﴿بَطَرًا وَرِئَاءَ﴾ يدل على ثبوت هذه السمة فيهم وتمكنها منهم حتى كأنها جبلة فيهم، أما اختيار الفعل في قوله تعالى: ﴿وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ فللدلالة على تجدد هذا العمل حينًا بعد حين، أو لتجدد ذلك بعد بعثة النبي - ﷺ -. انظر: \"البرهان الكاشف عن إعجاز القرآن\" ص ١٤٠.\n(٣) في (م): (يصدون)، وما أثبته موافق لـ\"الوسيط\".\n(٤) \"الوسيط\" ٢/ ٤٦٥.\n(٥) هكذا في جميع النسخ، ولفظ (بإجابة) زائد، وعبارة المؤلف في \"الوسيط\" ٢/ ٤٦٥: ويصدون عن سبيل الله، بمعاداة المسلمين وتكذيب الداعي إليها.\n(٦) لم أقف عليه.\n(٧) \"تفسير ابن جرير\" ١٨/ ١٠، وابن أبي حاتم ٥/ ١٧١٤، والثعلبي ٦/ ٦٥ ب.\n(٨) \"تفسير ابن جرير\" ١٠/ ١٩، والثعلبي ٦/ ٦٥ ب، والنصر مختصرًا في: \"السيرة النبوية\" ٢/ ٢٥٠، عن ابن إسحاق، عن عروة بن الزبير.\n(٩) \"تفسير ابن جرير\" ١٠/ ١٨، والثعلبى ٦/ ٦٥ ب.\n(١٠) \"تفسير الثعلبي\"، الموضع السابق.","vol":"10","page":188},{"text":"إن قريشًا لما أجمعت المسير، ذكرت الذي بينها وبين بني كنانة (١)، ومدلج (٢) من الحرب، وكانوا قد قتلوا الفاكه بن المغيرة (٣)، وعوفًا (٤) أبا عبد الرحمن بن عوف ومالك بن الشريد (٥) وكانوا يطلبونهم بدم، وكاد هذا أن يثنيهم عن الخروج من مكة، فتبدا لهم إبليس في جند من الشيطان معه رايته، في صورة سراقة بن مالك بن جعشم الكناني ثم المدلجي، وكان من أشرافهم، فقالوا: نحن نريد قتال هذا الرجل ونخاف من قومك فقال لهم: أنا جار لكم من قومي، فلا غالب لكم اليوم من الناس، ومعنى الجار هاهنا: الدافع عن صاحبه الشر كما يدفع الجار عن جاره، والعرب تقول: أنا جار لك من فلان، أي: حافظ لك من معرّته فلا يصل إليك منه مكروه.\nوقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ﴾ [قال ابن عباس: التقى الجمعان (٦)، قال الزجاج: توافقتا حتى رأت كل واحدة\n_________\n(١) قبيلة كبيرة مشهورة وهم بنو كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان. انظر: \"السيرة النبوية\" ١/ ١، و\"نهاية الأرب\" ص ٣٦٦.\n(٢) هم بنو مدلج بن مرة بن تيم بن عبد مناف بن كنانة.\nراجع: \"الروض الأنف\" ٢/ ٢٣٣، و\"الإصابة في تمييز الصحابة\" ٢/ ١٩ (٣١١٥)، و\"نهاية الأرب\" ص ٣٧٢.\n(٣) هو: الفاكه بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، أحد الفصحاء المقدمين من قريش في الجاهلية. انظر: \"المحبر\" ص ١٧٥، ٢٩٧، و\"التبيين في أنساب قريش\" ص ١٨٩.\n(٤) هو: عوف بن عبد عوف بن عبد الحارث بن زهرة بن كلاب القرشي الزهري. انظر: \"الإصابة في تمييز الصحابة\" ٢/ ٤١٦ (٥١٧٩)، في ترجمة ابنه عبدالرحمن.\n(٥) لم أعثر على ترجمته.\n(٦) \"تنوير المقباس\" ص ١٨٣.","vol":"10","page":189},{"text":"الأخرى (١)] (٢).\n﴿نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ النكوص: الإحجام عن الشيء، نكص ينكص نكوصًا ونكيصًا: إذا تأخر عن الشيء وجبن، وأنشد أبو عبيدة (٣) قول الكميت:\nفما نفع المستأخرين نكيصهم ... ولا ضر أهل السابقات التعجل (٤)\nوزاد الكسائي: نكصانًا (٥)، وقال الزجاج: نكص على عقبيه: رجع بخزي (٦)، وقال القتيبي: رجع القهقرى (٧)، وقال ابن عباس: [رجع موليًا (٨)، وقال الضحاك: ولى مدبرًا (٩)، وقال قطرب: رجع من حيث جاء (١٠).\nقال الكلبي عن ابن عباس:] (١١) لما التقوا كان إبليس في صف المشركين على صورة سراقة آخذًا بيد الحارث بن هشام، فرأى عدو الله\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٢١.\n(٢) ما بين المعقوفين ساقط من (ح).\n(٣) انظر قول أبي عبيدة في معنى (النكوص) في \"مجاز القرآن\" ١/ ٢٤٧، ٢/ ٦٠، ولم أقف على إنشاده البيت.\n(٤) انظر: البيت في \"هاشميات الكميت\" ص١٣٠.\n(٥) لم أقف عليه.\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٢١.\n(٧) \"تفسير غريب القرآن\" لابن قتيبة ص١٩٠.\n(٨) رواه ابن جرير ١٠/ ١٩ من رواية ابن جريج عنه بلفظ: رجع مدبرًا، ورواه أيضًا ١٠/ ١٩ من رواية علي بن أبي طلحة عنه بلفظ: فولى مدبرًا.\n(٩) رواه الثعلبي ٦/ ٦٥ ب، والبغوي ٣/ ٣٦٦.\n(١٠) أخرجه الثعلبي ٦/ ٦٥ ب.\n(١١) ما بين المعقوفين ساقط من (م).","vol":"10","page":190},{"text":"الملائكة حين نزلت من السماء -وهو روحاني يراهم- نكص على عقبيه فقال له الحارث: يا سراق أفرارًا من غير قتال، فقال (١) له: ﴿إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ﴾ ودفع في صدر الحارث وانطلق (٢)، وانهزم الناس (٣)، قال الحسن في قوله: ﴿إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ﴾ أي: جبريل معتجرًا (٤) ببرد (٥)، يمشي بين يدي النبي - ﷺ - وفي يده اللجام يقود الفرس، ما ركب (٦).\nوقال محمد بن إسحاق: رأى جندًا من الملائكة، أيد الله بهم رسوله والمؤمنين (٧).\nوقوله تعالى: ﴿إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ﴾، قال قتادة وابن إسحاق: صدق عدو الله في قوله: ﴿إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ﴾ وكذب في قوله: ﴿إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ﴾ والله ما به مخافة الله (٨)، ولكن علم أنه لا قوة له ولا منعة، فأوردهم وأسلمهم وتلك عادة عدو الله لمن أطاعه (٩)، وقال الكلبي: خاف أن يأخذه\n_________\n(١) ساقط من (س)\n(٢) ساقط من (س).\n(٣) رواه الثعلبي ٦/ ٦٦ أ، والبغوي ٣/ ٣٦٦.\n(٤) الاعتجار: أن يلف العمامة على رأسه، ويرد طرفها على وجهه، ولا يعمل منها شيئًا تحت ذقنه. انظر: \"النهاية في غريب الحديث\" (عجر) ٣/ ١٨٥، و\"لسان العرب\" (عجر) ٥/ ٢٨١٥.\n(٥) في (ح): (برداء)، وما أثبته موافق للمصادر التالية.\n(٦) رواه ابن جرير ١٠/ ٢٠، والثعلبي ٦/ ٦٦ أ، والبغوي ٣/ ٣٦٦.\n(٧) \"السيرة النبوية\" ٢/ ٣٠٩.\n(٨) كفر إبليس كفر إباء واستكبار لا كفر جحود وإنكار؛ ولذا لا يستبعد خوفه من عقاب الله فيما دون الهلاك.\n(٩) ذكر هذا القول عنهما: الثعلبي ٦/ ٦٦ أ، والواقع أنه دمج قوليهما مع اختلافهما في اللفظ. =","vol":"10","page":191},{"text":"جبريل ويعرفهم حاله فلا يطيعون (١)، ولا معنى لهذا؛ لأن إبليس غير مرئي فيعرف بالرؤية، وكيده الوسوسة والتخييل (٢).\nوقال عطاء: إني أخاف الله أن يهلكني فيمن يهلك (٣)، وقال أبو إسحاق: ظن أن الوقت الذي انظر إليه قد حضر (٤)، واختار ابن الأنباري هذا القول وقال: يعني (٥) أخاف أن يكون الوقت المعلوم الذي يزول معه إنظاري قد حضر فيقع بي العذاب، لما عاين الملائكة خاف أن يكون وقت الإنظار قد انقضى (٦)، فقال ما قال اشفاقًا على نفسه (٧) (٨).\nوقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ يجوز أن يكون متصلًا بما أخبر به عن إبليس، ويجوز أن ينقطع كلامه عند قوله: ﴿أَخَافُ اللَّهَ﴾ فقال الله. ﴿وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (٩).\n_________\n= انظر قول قتادة في: \"تفسير ابن جرير\" ١٠/ ١٩، و\"الدر المنثور\" ٣/ ٣٤٥، وانظر قول ابن إسحاق في: \"السيرة النبوية\" ٢/ ٣٠٩، و\"تفسير ابن جرير\" ١٠/ ١٩.\n(١) رواه الثعلبي ٦/ ٦٦ ب، والبغوي ٣/ ٣٦٧.\n(٢) يعني أنه لن يظهر لهم عند كيده بالوسوسة، فالتعريف به لا يفيد ولا يمنع من كيده.\n(٣) رواه الثعلبي ٦/ ٦٦ ب، والبغوي ٣/ ٣٦٦، قلت: هذا القول فيه نظر لأن الله وعد إبليس بالإنظار إلى يوم يبعثون.\n(٤) \"معاني القرآن واعرابه\" ٢/ ٤٢١.\n(٥) في (ح): (معنى)، وهو خطأ.\n(٦) في (م) و(س): (تقضى).\n(٧) ذكر بعض هذا القول مع اختلاف يسير ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٣/ ٣٦٧.\n(٨) في هذا القول أيضًا نظر؛ لأن إبليس يعلم أنه إذا انقضى وقت الإنظار لن يفيد الهرب، والظاهر أن إبليس خاف عقاب الله فيما دون الهلاك.\n(٩) ذكر نحو هذا القول الثعلبي ٦/ ٦٦ ب، والبغوي ٣/ ٣٦٧، وابن الجوزي ٣/ ٣٦٧.","vol":"10","page":192},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1352>٤٩ </span>- قوله تعالى: ﴿إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ الآية، قال ابن عباس في رواية عطاء: المنافقون من الأوس والخزرج، والذين في قلوبهم مرض قوم (١) من قريش، كانوا مسلمين ولم يهاجروا، فلما خرجت قريش لحرب رسول الله - ﷺ - قالوا: نخرج مع قومنا فإن كان محمد في كثرة خرجنا إليه، وإن كان في قلة أقمنا في قومنا، وقد ذكرهم الله تعالى في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ في سورة النساء: [٩٧] (٢)، قال محمد بن إسحاق: ثم قتل هؤلاء جميعًا مع المشركين يوم بدر (٣).\nوقوله تعالى: ﴿غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ﴾، قال ابن عباس: إذ خرج ثلاثمائة وثلاثة عشر يقاتلون ألف رجل (٤).\nوقال الوالبي عنه: إنما قالوا ذلك من قلتهم في أعينهم، وظنوا أنهم سيهزمونهم (٥) لا يشكون في ذلك، قال (٦) الله تعالى (٧): ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (٨) أي: ومن يسلم أمره إلى الله ويثق به\n_________\n(١) ساقط من (ح).\n(٢) ذكره بنحوه ابن الجوزي ٣/ ٣٦٧، ومختصرًا السمرقندي ٢/ ٢١، وأبو حيان ٤/ ٥٠٥ - ٥٠٦، وروى نزول آية النساء فيهم ابن جرير ٥/ ٢٣٤ - ٢٣٥، وقد صح عن ابن عباس من رواية علي بن أبي طلحة أن الذين في قلوبهم مرض هم المشركون. انظر: \"تفسير ابن أبي حاتم\" ٥/ ١٧١٦ - ١٧١٧، وابن الجوزي ٣/ ٣٦٨.\n(٣) \"السيرة النبوية\" ٢/ ٢٨٣ بمعناه.\n(٤) ذكره الرازي ١٥/ ١٧٦.\n(٥) في (ي): (سيهتزمون).\n(٦) في مصادر تخريجه: (فقال).\n(٧) في (م) زيادة نصها: (وقوله)، وهي خطأ.\n(٨) ذكره ابن كثير في \"تفسيره\" ٢/ ٣٥٢، وانظر: \"صحيفة علي بن أبي طلحة\" ص ٢٥٥، وقد روى الأثر بحروفه ابن جرير ١٠/ ٢١ - ٢٢، عن ابن جريج.","vol":"10","page":193},{"text":"وبقضائه فإن الله حافظه وناصره؛ لأنه عزيز لا يغلبه شيء، فجاره منيع، ومن يتوكل عليه فهو مكفي، وقال عطاء عنه: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾ يريد قوي منيع، ﴿حَكِيمٌ﴾ في خلقه يفعل بأعدائه ما شاء من شدة العقاب، وبأوليائه النعيم والسرور (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1353>٥٠ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ﴾ أكثر المفسرين على أن الآية عامة في جميع من قتلوا من المشركين ببدر (٢)، وقال محمد بن إسحاق: نزلت في الذين [ذكروا في الآية الأولى وهم الذين] (٣) تركوا الهجرة إلى رسول الله - ﷺ - فقتلوا مع المشركين (٤).\nوجواب (لو) محذوف بتقدير: لرأيت أمرًا عظيمًا، وأمرًا عجيبًا، وحذف الجواب في القرآن كثير، قد سبق الكلام فيه في مواضع (٥)، والمرئي بقوله: (ترى) مدلول عليه، مفهوم من الكلام؛ لأنه يفهم منه: ولو\n_________\n(١) لم أقف عليه، وقد ذكره بنحوه في \"الوسيط\" ٢/ ٤٦٦ من غير نسبة.\n(٢) انظر: \"تفسير ابن جرير\" ١٠/ ٢٢ - ٢٣، والبغوي ٣/ ٣٦٨، وابن عطية ٦/ ٤٤٩ - ٣٤٠، وقد رجح ابن كثير ٢/ ٣٥٣ أنها عامة في حق كل كافر.\n(٣) ما بين المعقوفين ساقط من (س).\n(٤) بالمقارنة بما في \"السيرة النبوية\" يتبين وهم الواحدي ﵀ في نسبة هذا القول لابن إسحاق، فابن إسحاق ذكر أن هؤلاء المذكورين الذين تركوا الهجرة نزل فيهم قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ [النساء: ٩٧]، أما ما يتعلق في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ﴾ فقد ذكر أنها عامة في الكفار كلهم حيث قال: ثم ذكر الله تعالى أهل الكفر، وما يلقونه عند موتهم، ووصفهم بصفتهم وأخبر نبيه - ﷺ - عنهم.\nانظر: \"السيرة النبوية\" ٢/ ٢٨٣.\n(٥) انظر مثلًا: \"تفسير البسيط\" [البقرة: ١٠٣].","vol":"10","page":194},{"text":"ترى الملائكة يضربون من الكفار الوجوه والأدبار، وبناؤه على المفهوم أحسن من التصريح لأنه أفخم.\nومعنى ﴿يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: يقبضون أرواحهم على استيفائها؛ لأن الموت إنما يكون بإخراج الروح على التمام، وهذا يقتضي أن الإنسان هو الروح؛ لأنه قال: ﴿يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فهذا يوجب أن الإنسان هو الروح، ولولا هذا لم يكن قد توفاه الملك وإنما توفي بعضه وهو الروح، إلا أن يجعل من باب حذف المضاف فيقال: المعنى: يتوفى أرواح الذين كفروا وأنفسهم (١).\nوقوله تعالى: ﴿يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾ مضارع معناه الحال، قال ابن عباس: كان المشركون إذا أقبلوا بوجوههم إلى المسلمين ضربوا وجوههم بالسيوف، وإذا ولوا ضربوا أدبارهم (٢)، ونحو هذا قال مُرة وابن جريج: أي: مقاديمهم ومآخيرهم (٣)، وتقديره: يضربون أجسادهم\n_________\n(١) في \"لسان العرب\" (وفي) ٨/ ٤٨٨٦: الوفاة: الموت، وتوفي فلان وتوفاه الله: إذا قبض نفسه، وفي \"الصحاح\": إذا قبض روحه، وقال غيره: توفي الميت: استيفاء مدته التي وفيت له وعدد أيامه وشهوره وأعوامه في الدنيا اهـ. فإذا عرف أن الوفاة تطلق على قبض الروح لم يلزم من قول القائل: توفي الله الإنسان، أن الإنسان هو الروح ولا أن يجعل ذلك من باب حذت المضاف، وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية الخلاف في المسألة التي ذكرها المصنف فقال: تنازع الناس في مسمى (الإنسان) هل هو الروح فقط أو الجسد فقط؟ والصحيح أنه اسم للروح والجسد جميعًا، وإن كان مع القرينة قد يراد به هذا تارة، وهذا تارة. \"مجموع فتاوى شيخ الإسلام\" ١٢/ ٦٧.\n(٢) رواه ابن جرير ١٠/ ٢٢، والثعلبي ٦/ ٦٧ أ، والبغوي ٣/ ٣٦٨، وفي سنده انقطاع بين ابن جرير وابن عباس، انظر: \"الكشاف\" ٢/ ١٨٥.\n(٣) رواه عنهما الثعلبي ٦/ ٦٧ أبلفظ: (وجوههم) ما أقبل منهم، (وأدبارهم) ما أدبر منهم، وبنحو هذا اللفظ رواه البغوي ٣/ ٣٦٨ عن ابن جريج.","vol":"10","page":195},{"text":"كلها (١)، وقال الحسن: قال رجل يا رسول الله: إني رأيت بظهر أبي جهل مثل الشراك (٢)، قال: \"ذلك ضرب الملائكة\" (٣).\nوقوله تعالى: ﴿وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ فيه إضمار أي: ويقولون ذوقوا، وإنما حذف لدلالة الكلام عليه من جهة أن عقابهم لهم يقتضي أن يقولوا لهم ما يسوؤهم، وحذف القول في القرآن كثير كقوله: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا﴾ [البقرة: ١٢٧] أي: ويقولان (٤) ربنا، ومثله: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا﴾ [السجدة: ١٢] أي: ويقولون ربنا، قال ابن عباس: يقولون لهم هذا بعد الموت (٥)، ونحو ذلك قال الحسن (٦) وغيره (٧).\nوقال بعضهم: كان قول الملائكة لهم: ﴿وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ في الدنيا وذلك أنه كان مع الملائكة مقامع كلما ضربوا التهبت النار في\n_________\n(١) هذا التقدير عدول عن ظاهر الآية بلا دليل، وليس هو التقدير الدقيق لقول مرة وابن جريج. وقد ذكر الزمخشري في \"الكشاف\" ٢/ ١٦٣ علة تخصيص الوجه والدبر فقال: وإنما خصوهما بالضرب لأن الخزي والنكال في ضربهما أشد.\n(٢) الشراك: سير النعل الذي يكون على وجهها. انظر: \"لسان العرب\" (شرك) ٤/ ٢٢٥٠.\n(٣) رواه ابن جرير ١٠/ ٢٢، والثعلبي ٦/ ٦٧ أ، وهو حديث مرسل، وقد اختلف العلماء في مراسيل الحسن البصري، والإمام أحمد يرى أنها من أضعف المراسيل. انظر: \"شرح علل الترمذي\" ١/ ٢٩٠.\n(٤) في (ج) و(س): (ويقولون).\n(٥) رواه البغوي ٣/ ٣٦٨.\n(٦) رواه الثعلبي ٦/ ٦٧ أ، والبغوي ٣/ ٣٦٨.\n(٧) انظر: \"تفسير مقاتل\" ل ١٢٣ أ، وابن الجوزي ٣/ ٣٦٩، والزمخشري ٢/ ١٦٣.","vol":"10","page":196},{"text":"الجراحات، فذلك قوله: ﴿وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ (١) والصحيح أن هذا يقوله الملائكة لهم في الآخرة (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1354>٥١ </span>- قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ هذا إخبار عن قول الملائكة لهم، وأما محل ﴿ذَلِكَ﴾ فيجوز أن يكون رفعًا وخبره: ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ ويجوز أن يكون خبره محذوفًا على تقدير: ذلك جزاؤكم بما قدمت أيديكم، [ويجوز أن يكون محل ذلك نصبًا على معنى: فعلنا ذلك بما قدمت أيديكم] (٣) وهذا معنى قول الفراء (٤).\nو﴿ذَلِكَ﴾ في هذه الآية بمعنى: هذا، أي: هذا العذاب الذي هو عذاب الحريق بما قدمت أيديكم، وذكرنا جواز أن يكون (ذلك) بمعنى: هذا عند قوله: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ [البقرة: ١ - ٢].\nوحكى صاحب النظم في معنى (ذلك) أنه نقيض (لا) فكما أن (لا) ينفي ما قبله (٥)، فـ (ذلك) تثبيت لما قبله على مناقضته [وكذلك (كلا) نفي لما قبله و(كذلك) تثبيت لما قبله] (٦) على مناقضته (كلا).\n_________\n(١) ذكر هذا القول دون نسبة الثعلبي ٦/ ٦٧ أ، والبغوي ٣/ ٣٦٨، والزمخشري ٢/ ١٦٣، وابن الجوزي ٣/ ٣٦٩، وعزاه الرازي في \"تفسيره\" ١٥/ ١٧٨ إلى ابن عباس، وعندي شك في هذا العزو، وذلك أن الرازي فسر هذه الجملة بما ذكره الواحدي هنا تمامًا لكنه أسقط هو أو أحد النساخ قول ابن عباس السابق وما بعده، وعزا هذا القول إلى ابن عباس.\n(٢) وهذا ما ذهب إليه ابن جرير ١٠/ ٢٢، والثعلبي ٦/ ٦٧ أ.\n(٣) ما بين المعقوفين ساقط من (ح) و(س).\n(٤) انظر: \"معاني القرآن\" ١/ ٤١٣.\n(٥) في (س): (قبلها).\n(٦) ما بين المعقوفين من (م).","vol":"10","page":197},{"text":"ومعنى: ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾، قال ابن عباس: جرحت قلوبكم (١)، قال أهل المعاني: إنما قال: ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ مع أن اليد لا تعقل شيئًا للبيان عن أن اعتقاد الكفر بالقلب بمنزلة ما يعمل باليد في الجناية، ولذلك لم يذكر القلوب وإن كان بها معتمد العصيان؛ لأنه قصد إظهار ما تقع به الجنايات في غالب الأمر وتعارف الناس.\nوقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ في محل (أن) وجهان: أحدهما: النصب، بمعنى: وبأن الله، قال الفراء: وهذا إذا جعلت (ذلك) نصبًا (٢)، فإن جعلت (ذلك) في موضع رفع (٣) جعلت (أن) في موضع رفع (٤) أيضًا بمعنى: وذلك أن الله (٥).\nومعنى ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾، قال ابن عباس: يريد: تبين سبيل (٦) الهدى، وعرفتم سبيل الرشاد، وتربصتم عن الهجرة، وشككتم في\n_________\n(١) لم أقف عليه، وما قدمت الأيدي أعم من كسب القلوب. انظر: \"تفسير ابن جرير\" ١٠/ ٢٣.\n(٢) أي تجعله مفعولًا به، والتقدير: فعلنا ذلك.\n(٣) إما مبتدأ خبره الجملة بعده كما قال أبو حيان في \"البحر المحيط\" ٤/ ٥٠٦، أو خبر لمبتدأ محذوف، والتقدير: الأمر ذلك، كما قدره النحاس في \"إعراب القرآن\" ١/ ٦٨١.\n(٤) اهـ. كلام الفراء، انظر: \"معاني القرآن\" ١/ ٤١٣، وقد تصرف الواحدي في عبارته.\n(٥) في محل (أن) وجه ثالث وهو الخفض عطفًا على (ما) في قوله تعالى: ﴿بِمَا قَدَّمَتْ﴾.\nانظر: \"مشكل إعراب القرآن\" ص ٣١٧، و\"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ٦٨١، و\"تفسير ابن جرير\" ١٠/ ٢٣، و\"البيان في غريب إعراب القرآن\" ١/ ٣٩٠، وقد رد هذا الوجه أبو السعود في \"تفسيره\" ٤/ ٢٧.\n(٦) ساقط من (م) و(س).","vol":"10","page":198},{"text":"قدرة الله ونصره رسوله (١)، وهذا الذي ذكره ابن عباس إشارة إلى أن العذاب الذي وقع بهم وقيل لهم: (ذوقوا) استحقوه بكفرهم، وجعل ذلك جزاءً على ما سلف من إجرامهم.\nوالصحيح أن قوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ ابتداء كلام لا يعود معناه إلى ما قبله من قوله: ﴿بِمَا قَدَّمَتْ﴾ لأن قوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ﴾ ليس (٢) بتعليل للعذاب ولا موجب له؛ لأن معناه: نفي الظلم، وإيجاب الحكم بالعدل، لا أنه سبب تعذيبهم فقوله: ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ سبب أوجب الحكم بالتعذيب، وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ نعت لهذا الحكم أنه عدل، وأنه ليس بجور، وإذا كان كذلك لم يحسن أن يقدر في (أن) الباء (٣)، فيقال: المعنى: وبأن الله، والوجه أن تكون (أن) في موضع رفع، ولهذا قال الكسائي: لو كسرت ألف (أن) على الابتداء كان صوابًا (٤).\nفإن قيل: في هذه الآية الله تعالى نفى الظلم عن نفسه، ومن نسب إليه خلق الأفعال ثم استجاز منه العقبة على الذنوب فقد نسب الظلم إليه (٥).\n_________\n(١) لم أقف عليه.\n(٢) في (س): (ليس بظلام أي: بتعليل .. إلخ)، وهو خطأ.\n(٣) ذهب إلى تقديرها الفراء في \"معاني القرآن\" ١/ ٤١٣، والنحاس في \"إعراب القرآن\" ١/ ٦٨١، والزمخشري ١/ ١٦٣، وصرح بأن الباء سببية. وكذلك السمين الحلبي في \"الدر المصون\" ٥/ ٦١٩.\n(٤) يعني من الناحية اللغوية، ولا تجوز القراءة بذلك لعدم ثبوتها، وقد ذكر في قول الكسائي هذا الفخر الرازي في \"تفسيره\" ١٥/ ١٧٩.\n(٥) هذا قول المعتزلة، انظر: \"تفسير الرازي\" ١٥/ ١٧٩، و\"الأصول الخمسة\" للقاضي عبد الجبار ص ٣٤٥.","vol":"10","page":199},{"text":"قيل: إن له أن يتصرف في ملكه بما يشاء، ومن كان له أن يتصرف في ملكه كما يشاء استحال نسبة الظلم إليه، ولهذا نفى الله -تعالى ذكره- الظلم عن نفسه كيلا يتوهم متوهم أنه مع خلقه كفر الكافر وتعذيبه له ظالم، فنفي ذلك وقال إنه ﴿لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ ومن لم يسلك هذه الطريقة نسب العجز إلى الباري ﷾ (١).\n_________\n(١) يقرر المؤلف طريقة الأشاعرة في نفي الظلم عن الله تعالى، وقد اتفق المسلمون على أن الله منزه عن الظلم، ولكن تنازعوا في معناه الذي يجب تنزيه الرب عنه على ثلاثة أقوال:\nالأول: قول المعتزلة، فقد ذهبوا إلى أن الظلم الذي ينزه عنه الخالق من جنس الظلم الذي ينهى عنه المخلوق، فشبهوا الله بخلقه، وأوجبوا عليه جنس ما يجب على المخلوق.\nالثاني: قول الأشاعرة وطوائف من أهل الكلام وبعض أهل الحديث: إن الظلم من الله تعالى ممتنع لذاته، لأن الظلم -عندهم-: التصرف في ملك الغير، أو الخروج عن طاعة من تجب طاعته، وهذان ممتنعان في حق الله تعالى.\nالثالث: قول كثير من أهل السنة وبعض أهل الكلام: إن الظلم وضع الشيء في\nغير موضعه، فالظلم ممكن لذاته، يمتنع وقوعه من الرب تعالى ولا يفعله؛ لكمال عدله ورحمته وغناه، وعلمه بقبحه، ولإخباره أنه لا يفعله، فالله تعالى لا يضع الأشياء في غير مواضعها، كأن يبخس المحسن شيئًا من إحسانه، أو يحمل عليه من سيئات غيره، أو يعاقبه بلا موجب للعقاب، ونحو ذلك، وهذا القول هو الحق الذي دلت عليه النصوص واللغة.\nانظر: \"مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية\" ٨/ ٥٠٥ - ٥١٠، ١٧/ ١٧٥ - ١٨٠، ١٨/ ١٣٧ - ١٥٦، و\"مختصر الصواعق المرسلة\" ص ١٨٩ - ٢٠٦، و\"غاية المرام في علم الكلام\" ص ٢٤٤، ٢٤٥، و\"لسان العرب\" (ظلم) ٥/ ٢٧٥٧.\nوقول المؤلف ﵀: (ومن كان له أن يتصرف في ملكه كما يشاء استحال نسبة الظلم إليه) مردود لما يأتي:\nأولًا: ما جاء في الحديث القدسي. \"يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته =","vol":"10","page":200},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1355>٥٢ </span>- قوله تعالى: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ المشبه محذوف تقديره: دأبهم كدأب آل فرعون، قال الأخفش والمؤرج وأبو عبيدة: كعادة آل فرعون (١)، [وقال أبو إسحاق: معناه: عادة هؤلاء في كفرهم كعادة آل فرعون] (٢) في كفرهم فجوزي هؤلاء بالقتل والسبي كما جوزي أولئك بالإغراق (٣).\nوأصل الدأب في اللغة: إدامة العمل، يقال: فلان يدأب في كذا، أي: يداوم عليه ويواظب ويتعب نفسه (٤)، ثم سمي العادة دأبًا؛ لأن ما هو\n_________\n= بينكم محرمًا\". رواه مسلم (٢٥٧٧) كتاب البر والصلة، باب: تحريم الظلم، وأحمد في \"المسند\" ٥/ ١٦٠. ففي هذا الحديث دلالة واضحة على أن الظلم ممكن غير مستحيل ولكن الله تنزه عنه وحرّمه على نفسه.\nثانيًا: أن الله تعالى تمدح بنفي الظلم عن نفسه كقوله تعالى: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦]، وقوله: ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ﴾ [غافر: ٣١] ولا يليق بالله تعالى أن يتمدح بنفي المستحيل، وبالأمر الذي لا تمكن القدرة عليه، إذ ليس فيه مدح ولا ثناء ولا فائدة، وإنما يكون المدح بترك الأفعال المذمومة المقدور عليها، فتبين من ذلك أن الله قادر على ما نزه نفسه عنه من الظلم، لكنه لا يفعله لأنه حرمه على نفسه، وتنزه عن فعله.\nثالثا: أن الله تعالى: قال: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا﴾ [طه: ١١٢]، ومعلوم بداهة أن الخوف من الشيء يستلزم تصور وجوده وإمكانه، أما ما لا يمكن وجوده فيستحيل الخوف منه، فعلم أن ظلم الله لعباده ممكن غير مستحيل، لكنه لا يفعله تنزهًا، فعباده واثقون بعدله، آمنون من جوره.\nانظر تفصيل ما سبق ذكره في: \"مختصر الصواعق المرسلة\" ص ١٨٩ - ٢٠٦، و\"الأصول الخمسة\" للهمداني ص ٣٤٥ - ٣٥٤، و\"غاية المرام\" ص ٢٤٤.\n(١) ذكره عنهم الثعلبي ٦/ ٦٧ ب، وانظر قول أبي عبيدة في: \"مجاز القرآن\" ١/ ٢٤٧، وقول الأخفش في \"معاني القرآن\" ١/ ٢٠٩.\n(٢) ما بين المعقوفين ساقط من (ح).\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٢٠.\n(٤) انظر: \"مجمل اللغة\" (دأب) ٢/ ٣٤٢، و\"لسان العرب\" (دأب) ٣/ ١٣٧.","vol":"10","page":201},{"text":"عادة فهو مواظب عليه (١).\nقال المفسرون: يريد أن أهل بدر كذبوا كما كذب آل فرعون ونزل بهم كما نزل بآل فرعون (٢)، قال ابن عباس: يريد: هكذا كان دأب آل فرعون أيقنوا أن فرعون كذاب عاد في الأرض وأن موسى نبي من الله فكذبوه، كذلك أنتم جاءكم محمد بالصدق والدين فكذبتموه وجحدتم نبوته فأنزل الله بكم عقوبته كما أنزل بآل فرعون (٣)، وذلك قوله: ﴿كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾ ومضى الكلام في ﴿كَدَأْبِ﴾ مستقصى في سورة آل عمران [١١].\nقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ﴾ أي قادر لا يغلبه شيء ﴿شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ لمن كفر به وكذب رسله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1356>٥٣ </span>- قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً﴾ الآية، (ذلك) إشارة إلى ما تقدم من أخذ الله بالعذاب لمن كفر بآيات الله، فـ (ذلك) ابتداء وخبره ﴿بِأَنَّ اللَّهَ﴾ وهو كما تقول: العقاب بذنوب العباد.\nوقوله تعالى: ﴿لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً﴾ الآية، أكثر النحويين يقولون: إنما حذفت النون لأنها تشبه بما فيها (٤) من الغنة حروف اللين، ووقعت طرفًا فحذفت تشبيهًا بها كما تقول: لم يدع، ولم يرم، ولم يك (٥).\nوهذا ينتقض بقولهم: لم يزن، ولم يخن، ولم يسمع حذف النون في\n_________\n(١) انظر: \"معانى القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٢٠.\n(٢) انظر: \"تفسير الثعلبي\" ٦/ ٦٧ ب، والبغوي ٣/ ٣٦٨، وابن الجوزي ٣/ ٣٧٠.\n(٣) رواه بمعناه مختصرًا البغوي ٣/ ٣٦٨، وذكر نحوه ابن الجوزي ٣/ ٣٧٠.\n(٤) في (س): (بما قبلها)، وهو خطأ.\n(٥) انظر: \"كتاب سيبويه\" ٤/ ١٨٤، و\"حاشية الصبان\" ١/ ٢٤٥.","vol":"10","page":202},{"text":"مثل هذا الموضع إلا من (كان)، وذلك أن (كان) و(يكون) أم الأفعال، من أجل أن (١) كل فعل فيه معنى (كان) على ما تصرف منه، ففي (ضرب) معنى: كان ضربٌ، وفي (يضرب) معنى: يكون ضربٌ، فلما قويت بأنها أم الأفعال، وكثر استعمالها للحاجة إليها احتملت هذا الحذف، ولم تحتمله نظائرها، وهذا تعليل ذكره علي بن عيسى النحوي (٢)، وسنذكر تمام هذه المسألة في سورة هود عند قوله: ﴿فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلَاءِ﴾ [هود: ١٠٩] إن شاء الله تعالى (٣).\nقال الكلبي: إن الله تعالى أطعم أهل مكة من جوع وآمنهم من خوف وبعث إليهم محمدًا رسولًا، وكان هذا كله مما أنعم عليهم، ولم يكن يغير عليهم ذلك لو لم يغيروا هم، وتغييرهم كفرانها، وترك شكرها، فإذا غيروا ذلك غير الله ما بهم فسلبهم النعمة، وأخذهم بالعقاب (٤)، وقال السدي: نعمة الله: محمد ﵇ أنعم به على قريش فكفروا به وكذبوه فنقله إلى الأنصار (٥).\n_________\n(١) ساقط من (ح).\n(٢) لم أقف على هذا القول في كتب الرماني المطبوعة، ولعله في شرحه لكتاب سيبوبه وهو لا يزال مخطوطًا، ولم أتمكن من الاطلاع عليه.\n(٣) انظر: النسخة (ح): ٣/ ٤٥ ب، حيث قال: (لا تك): أصلها لا تكن، وإنما حذفت النون عند سيبويه لكثرة استعمال هذا الحرف، قال أبو إسحاق في قوله: (ولم يك من المشركين): ذكر الحيلة من البصريين أنه اجتمع فيها كثرة الاستعمال ومع ذلك أشبهت النون حروف اللين بأنه تكون علامة كما تكون حروف اللين علامة، وأنها غنة تخرج من الأنف؛ فلذلك حملت الحذف.\n(٤) رواه مختصرًا الثعلبي ٦/ ٦٨ أ، وذكر السمرقندي ٢/ ٢٢ طرفًا منه.\n(٥) رواه ابن جرير ١٠/ ٢٤، وابن أبي هاشم ٥/ ١٧١٨، والثعلبي ٦/ ٦٨ أ، والبغوي ٣/ ٣٦٩.","vol":"10","page":203},{"text":"فعلى هذا هم غيّروا هذه النعمة عليهم بمحمد - ﷺ - بتكذيبهم وقصدهم قتله، فغير الله عليهم ما أعطاهم من نعم الدنيا وأخذهم بعذاب الآخرة.\nوقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾، قال ابن عباس: يريد: سميع لقولكم، عليم بنياتكم (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1357>٥٤ </span>- قوله تعالى: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ يجوز أن تكون الكاف متعلقة بمحذوف قبلها كما ذكرنا في الأولى، ويجوز أن تتعلق بما بعدها وهو قوله: ﴿كَذَّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ﴾ يعني: أهل مكة كذبوا بآيات ربهم كصنيع آل فرعون في التكذيب بما جاء به موسى، ثم قال: ﴿فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ﴾ فذكر عقوبة الفريقين لما شبّه فعل أحدهما بفعل الآخر، ثم قال: ﴿وَكُلٌّ كَانُوا ظَالِمِينَ﴾ يعني آل فرعون وأهل مكة، والمفسرون على أن قوله: ﴿كَذَّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ﴾ من فعل آل فرعون والذين من قبلهم (٢)، قال ابن عباس: يريد: الذين كذبوا قبل قوم فرعون (٣)، والوجه الأول (٤) صحيح مرضي قوي، ويمكن أن يحمل عليه الأول من قوله: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا﴾ (٥) الآية.\n_________\n(١) في \"تنوير المقباس\" ص ١٨٤: (سميع) لدعائكم (عليم) بإجابتكم.\n(٢) انظر: \"تفسير ابن جرير\" ١٠/ ٢٤، والثعلبي ٦/ ٦٨ أ، وابن الجوزي ٣/ ٣٧١.\n(٣) لم أقف عليه.\n(٤) وهو أن المراد بالمكذبين هم أهل مكة، وعطف قوله تعالى: ﴿وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ﴾ على قوله: ﴿فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ﴾ يدل على أن المكذبين المهلكين هم آل فرعون ومن قبلهم لا أهل مكة، ثم شبه أهل مكة بهم في التكذيب والعذاب.\n(٥) الأنفال: ٥٢. والمعنى على هذا الرأي: حال أهل مكة كحال الأمم السابقة؛ إذ كفر أهل مكة فعوقبوا كحال السابقين.\nوالذي عليه المفسرون أن الكفر من صفة آل فرعون ومن قبلهم وشبه بهم أهل مكة. انظر: \"تفسير ابن جرير\" ١٠/ ٢٣، والسمرقندي ٢/ ٢٢، وابن الجوزي ٣/ ٣٧٠.","vol":"10","page":204},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1358>٥٥ </span>- قوله تعالى: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ﴾، قال ابن عباس: يريد: الإنس خاصة (١)، ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ أي: في معلوم الله وفي حكمه، ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ معنى (الفاء) في (فهم) عطف جملة على جملة، وكلاهما من صلة (الذين)، كأنه قيل: كفروا مصممين على الكفر فهم لا يؤمنون (٢).\nقال سعيد بن جبير ومقاتل: نزلت هذه الآية في يهود قريظة (٣)، وكذلك مما بعدها من قوله: ﴿الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ﴾، قال أبو بكر بن عبدس (٤): يريد: عاهدتهم، و(من) صلة (٥)، وقال غيره (٦) دخلت (من) لأن المعنى: أخذت منهم العهد.\nويمكن أن تجعل (من) للتبعيض (٧)؛ وذلك أن المعاهدة إنما تكون مع أشرافهم.\n_________\n(١) في \"تنوير المقباس\" ص ٢٨٤: (الخلق والخليقة) اهـ. وفي \"لسان العرب\" (دبب): الدابة اسم لما دب من الحيوان، مميزة وغير مميزة، وقد غلب هذا الاسم على ما يركب من الدواب.\n(٢) انظر: \"البرهان\" للحوفي ١١/ ٨٩ أ.\n(٣) رواه بمعناه أبوالشيخ عن سعيد كما في \"الدر المنثور\" ٣/ ٣٤٧، وانظر: قول مقاتل في \"تفسيره\" ص ١٢٣ أ.\n(٤) هكذا في (ح) و(س) وفي (م): عياش، وكلاهما خطأ، والصواب: عبدوس، كما في \"تفسيرالثعلبي\" ٦/ ٦٨ أ.\nوهو: الإمام أبو بكر محمد بن أحمد بن عبدوس النيسابوري النحوي الفقيه، من شيوخ الحاكم أبي عبد الله، وله تفسير ذكره الثعلبي في مقدمة تفسيره، توفي سنة ٣٩٦ هـ. انظر: \"إنباه الرواة\" ٣/ ٥٦، و\"سير أعلام النبلاء\" ١٧/ ٥٧.\n(٥) ذكره عنه الثعلبي ٦/ ٦٨ أ، وضعف هذا القول أبو حيان في \"البحر المحيط\" ٤/ ٥٠٨.\n(٦) هو: أبو سهل محمد بن محمد بن الأشعث، كما في \"تفسير الثعلبي\" ٦/ ٦٨ أ، وضعف هذا القول أبو حيان في \"البحر المحيط\" ٤/ ٥٠٨.\n(٧) انظر: \"زاد المسير\" ٣/ ٣٧٢.","vol":"10","page":205},{"text":"وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ﴾، قال بعض أهل المعاني (١): إنما عطف المستقبل على الماضي للبيان أن من شأنهم نقض العهد مرّة بعد مرّة، قال ابن عباس (٢)، والكلبي (٣)، ومجاهد (٤)، وسعيد ابن جبير (٥)، ومقاتل (٦): هم قريظة نقضوا عهد رسول الله - ﷺ - وأعانوا عليه مشركي مكة ثم اعتذروا وقالوا: أخطأنا ونسينا فعاهدهم ثانية فنقضوا العهد يوم الخندق، فذلك قوله: ﴿ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ﴾، قال ابن عباس: يريد: لا يخافون النقمة مني (٧).\nوقال أهل المعاني: نقضوا العهد من غير أن يتقوا عقاب الله في عاجل أمرهم وآجله (٨).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1359>٥٧ </span>- قوله تعالى: ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ﴾، قال الليث: ثقفنا فلانًا في موضع كذا أي: أخذناه، ومصدره: الثقف (٩). وقال ابن دريد: ثقفت الشيء: حذقته، وثقفته: إذا ظفرت به (١٠)، واحتج بالآية، ونحو هذا قال\n_________\n(١) هو: الحوفي في \"البرهان\" ١١/ ٨٩ أ.\n(٢) ذكره بنحوه السمرقندي ٢/ ٢٣.\n(٣) رواه مختصرًا البغوي ٣/ ٣٦٩.\n(٤) رواه بمعناه ابن جرير ١٠/ ٢٥، وابن أبي حاتم ٥/ ١٧١٩، وابن أبي شيبة وابن المنذر وأبو الشيخ كما في \"الدر المنثور\" ٣/ ٣٤٧.\n(٥) رواه بمعناه أبو الشيخ كما في \"الدر المنثور\" ٣/ ٣٤٧.\n(٦) انظر: \"تفسيره\" ١٢٣ أ.\n(٧) في \"تنوير المقباس\" ص ١٨٤ (وهم لا يتقون): عن نقض العهد.\n(٨) هذا قول الحوفي في \"البرهان\" ١١/ ٨٩ ب.\n(٩) \"تهذيب اللغة\" (ثقف) ١/ ٤٨٩، والنص في كتاب \"العين\" (ثقف) ٥/ ١٣٨ مختصرًا.\n(١٠) \"جمهرة اللغة\" لابن دريد (ثقف) ١/ ٤٢٩، و\"تهذيب اللغة\" (ثقف) ١/ ٤٨٩.","vol":"10","page":206},{"text":"ابن قتيبة: تظفر بهم (١)، وقال الزجاج: تصادفنهم (٢). وأصله: الإدراك بسرعة، قال مقاتل: فإن أدركتهم في القتال وأسرتهم (٣).\nوهذا الحرف مما تكلمنا فيه عند قوله: ﴿حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ في سورة البقرة (٤).\nوقوله تعالى: ﴿فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ﴾ معنى التشريد في اللغة: التفريق على اضطراب، يقال: شرد يشرد شرودًا، وشرّده تشريدًا (٥)، ومعنى قوله: ﴿فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ﴾ ما قاله الزجاج وهو: إفعل بهم فعلًا تفرق به (٦) من خلفهم (٧) ثم اختلفوا في ذلك الفعل الذي يفعل بهم، فقال عطاء: أثخن فيهم القتل حتى يخافوك غيرهم من أهل مكة وأهل اليمن (٨)، وقال ابن عباس: نكل بهم تنكيلًا يشرد غيرهم من ناقضي العهد (٩)، وجميع ما قيل\n_________\n(١) \"تفسير غريب القرآن\" ص ١٧٩.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٢٠.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ص ١٢٣ ب مع اختلاف يسير.\n(٤) الآية ١٩١، وانظر النسخة الأزهرية ١/ ١١٨ ب، حيث قال: (ثقفتموهم: قال الليث: ثقفنا فلانًا في موضع كذا: أي أخذناه، ومصدره الثقف، وقال الفراء في \"المصادر\": ثقف يثقف ثقفًا، وربما ثقل فقيل: ثقفًا، قال المفسرون: أي حيث وجدتموهم، وقال الزجاج: معنى الآية: لا تمتنعوا من قتلهم في الحرم وغيره.\n(٥) قال ابن فارس: (شرد) الشين والراء والدال أصل واحد وهو يدل على تنفير وإبعاد، وعلى نفار وبعد في انتشار. \"معجم مقاييس اللغة\" (شرد) ٣/ ٢٦٩.\n(٦) في (م): (بهم).\n(٧) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٢٠.\n(٨) رواه الثعلبي ٦/ ٦٨ ب.\n(٩) ذكره ابن الجوزي ٣/ ٣٧٣، ورواه ابن جرير ١٠/ ٢٥ - ٢٦، وابن أبي حاتم ٥/ ١٧١٩ بلفظ: نكل بهم من بعدهم.","vol":"10","page":207},{"text":"في هذا يعود معناه إلى هذا القول (١)، ولقد أوجز من قال: فرق جمع كل ناقض بما تبلغ من هؤلاء (٢)، وقال مقاتل: فنكل بهم من بعدهم من العدو وأهل عهدك ﴿لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ النكال فلا ينقضون العهد (٣).\nومعنى نكل بهم: أي افعل بهم فعلًا ينكل غيرهم عنك بسبب ذلك الفعل خوفًا منك، وقال صاحب النظم: معنى ﴿فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ﴾ اقتلهم ليخافوك غيرهم فيتفرقوا عنك، وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ معنى راجع إلى (مَنْ خَلْفَهُم)؛ لأنهم إذا قتلوا فليس لذكر قوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ معنى، فهو منظوم بقوله: ﴿مَنْ خَلْفَهُمْ﴾ والتأويل: فشرد بقتلهم والإنكاء (٤) فيهم (مَنْ خَلْفَهُم) أي من بعدهم، يكن ذلك تخويفًا وعظة لهم، وهذا معنى قول ابن عباس: ﴿لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ لكي يتعظوا (٥).\n_________\n(١) اختلاف المفسرين في ذلك الفعل إنما هو اختلاف تنوع وتمثيل، وإذا تبين لنا أن هذه الآية نزلت في بني قريظة فالأولى تفسير التشريد بما فعل رسول الله - ﷺ - فيهم من قتل مقاتليهم وسبي ذراريهم ونسائهم؛ وذلك لأمرين:\nأ- أن فعل رسول الله - ﷺ - امتثال لأمر ربه وهو أعلم بمراده\nب- أن سعد بن معاذ لما حكم فيهم بأن تقتل المقاتلة وأن تسبى الذرية والنساء قال رسول الله - ﷺ -: \"قضيت بحكم الله\". رواه البخاري (٣٨٠٤) كتاب: المناقب، باب: مناقب سعد بن معاذ، ومسلم (١٧٦٨) كتاب: الجهاد، باب: جواز قتال من نقض العهد، والظاهر أن حكم الله هو المذكور في هذه الآية.\n(٢) ذكره الثعلبي ٦/ ٦٨ ب دون ذكر قائله، وروى ابن جرير ١٠/ ٢٦، عن ابن زيد لفظا مقاربًا ونصه: أخفهم بما تصنع بهؤلاء.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ١٢٣ ب.\n(٤) الإنكاء: إكثار الجراح والقتل في العدو حتى يهن ويضعف. انظر: \"لسان العرب\" (نكي) ٨/ ٤٥٤٥، وفي (س): والإنكال، وهو خطأ.\n(٥) رواه الفيروزأبادي في \"تنوير المقباس\" ص ١٨٤ بنحوه.","vol":"10","page":208},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1360>٥٨ </span>- قوله تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً﴾، قال ابن عباس: يريد: تعلمن (١)، وقد ذكرنا الخوف بمعنى العلم عند قوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَخَافَا﴾ [البقرة: ٢٢٩] وقوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾ [النساء: ٣٤] (٢).\nومعنى (خيانة) أي نقضًا للعهد، وقوله تعالى: ﴿فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ﴾، قال الزجاج: أي انبذ عهدهم الذي عاهدتهم (٣) عليه، أي: ارم به إليهم، ﴿عَلَى سَوَاءٍ﴾ أي: لتكون أنت وهم سواء في العداوة (٤)؛ فلا يتوهموا أنك نقضت العهد بنصب الحرب، وقال ابن قتيبة: يقول: إن كان بينك وبين قوم هدنة وعهد فخفت منهم خيانة ونقضًا فأعلمهم أنك قد نقضت ما شرطت لهم، وآذنهم بالحرب لتكون أنت وهم في العلم بالنقض على استواء (٥).\nهذا معنى الآية، فأما حكمها فإن حملنا الخوف على العلم كما ذكره ابن عباس فلا إشكال فيه، والإمام إذا علم الخيانة ونقض العهد ممن هادنهم من المشركين بأمر ظاهر مستفيض استغنى عن نبذ العهد وإعلامهم بالحرب لأنه حينئذ لا يكون خائنًا إذا ناصبهم الحرب، وإن علم الخيانة بأمارات ظاهرة تلوح وتتضح له من غير أمر مستفيض، فحينئذ يجب على الإمام أن ينبذ العهد إليهم، وهذا هو (٦) المعني بالآية.\n_________\n(١) المصدر السابق، نفس الموضع.\n(٢) قال في هذا الموضع: (إلا أن يخافا: أي يعلما، وإنما كان الخوف بمعنى العلم؛ لأن الخوف مضارع للظن، وحكى الفراء: العرب تقول للرجل: قد خرج غلامك بغير إذنك، فيقول له: قد خفت ذاك، يريد: قد ظننته وتوهمته ..).\n(٣) في (ح) و(س): (عاهدتم)، وهو خطأ.\n(٤) اهـ. كلام الزجاج. انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٢٠.\n(٥) \"تأويل مشكل القرآن\" ص ٢١.\n(٦) ساقط من (ح).","vol":"10","page":209},{"text":"قال المفسرون وأهل العلم (١): إذا ظهرت آثار الخيانة من عدوك وخفت وقوعهم بك فألق إليهم السلم وآذنهم بالحرب، وذلك كالذي كان من قريظة إذ أجابوا (٢) أبا سفيان ومن معه من المشركين إلى مظاهرتهم على رسول الله - ﷺ - بعد العهد الذي كانوا عاهدوه، فكان ذلك موجبًا لرسول الله - ﷺ - خوف الغدر منهم به وبأصحابه، وكذلك الحكم في كل قوم كانوا أهل موادعة للمؤمنين ظهر للإمام منهم من دلائل الغدر مثل الذي ظهر لرسول الله - ﷺ - من قريظة، فحق على الإمام أن ينبذ إليهم على سواء ويؤذنهم بالحرب.\nوإذا اشتهرت دلائل النقض أغنت عن النبذ كما فعل رسول الله - ﷺ - بأهل مكة لما نقضوا العهد بقتل خزاعة وهم في ذمة النبي - ﷺ - لم (٣) يرعهم إلا جيش رسول الله - ﷺ - بمر الظهران، وذلك على أربعة (٤) فراسخ من مكة.\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾، قال ابن عباس: يريد الذين خانوا مع النبي - ﷺ - (٥)، وقال الزجاج: الذين يخونون في عهودهم (٦) وغيرها (٧).\n_________\n(١) انظر: \"الطبري\" ١٠/ ٢٧، والزمخشري ٢/ ١٦٥، والبغوي ٣/ ٣٧٠، و\"المغني\" ١٣/ ١٥٨، والنص للحوفي في \"البرهان\" ١١/ ٩٤ إلى قوله: وإذا اشتهرت.\n(٢) في (ح): (جابوا).\n(٣) في (ح): (ثم لم).\n(٤) في (ح): (أربع).\n(٥) \"تنوير المقباس\" ص ١٨٤ بمعناه.\n(٦) في (م) و(س): (عهدهم).\n(٧) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٢٠ بتصرف.","vol":"10","page":210},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1361>٥٩ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ﴾، قال الزجاج: معناه لا تحسبن من أفلت من هذا (١) الحرب قد سبق إلى الحياة (٢) (٣).\n﴿إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ﴾ قال ابن عباس: يريد أنهم لا يعجزونني، وما أعجز عن خلقي، ولا أضعف (٤)، وقال ابن الأنباري: معنى الآية هو: أن أولئك الذين انهزموا من ذلك (٥) العرب أشفقوا من هلكة تنزل بهم في ذلك الوقت، [فلما لم (٦) تنزل طغوا وبغوا، فقال الله ﷿: لا تحسبن] (٧) أنهم سبقونا بسلامتهم الآن فإنهم لا يعجزوننا فيما يستقبلون من الأوقات (٨).\nوذكرنا فيما مضى أن الحسبان يقتضي مفعولين، ولا يجوز الاقتصار على أحدهما، إلا أن المفعول الثاني خبر عن الأول، والفعل الذي هو (حسبت) متعلق بما دلت عليه الجملة.\nوالآية بيان عن اقتدار الله ﷿ الذي لا ينفع معه حسبان للنجاة من\n_________\n(١) هكذا في جميع النسخ، وفي \"معاني القرآن وإعرابه\": هذه، قال ابن منظور: العرب: نقيض السلم، أنثى، ... وحكى ابن الأعرابي فيها التذكير .. قال: والأعرف تأنيثها. \"لسان العرب\" (حرب) ٢/ ٨١٥ - ٨١٦\n(٢) في (م): (الخيانة).\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٢١.\n(٤) \"تنوير المقباس\" ص ١٨٤ بمعناه، وفي \"البرهان\" للحوفي ١١/ ٩٥ أ: لا يفوتون.\n(٥) في \"الوسيط\" ٢/ ٤٦٨: (يوم بدر) بدلًا من قوله: (من ذلك الحرب). وانظر: التعليق السابق رقم (٥).\n(٦) ساقط من (ح).\n(٧) نص ما بين المعقوفين في \"زاد المسير\" هو: فلما سلموا قيل: لا تحسبن ... إلخ.\n(٨) \" الوسيط\" ٢/ ٤٦٨، وذكره ابن الجوزي \"زاد المسير\" ٣/ ٣٧٤ باختصار.","vol":"10","page":211},{"text":"العقاب، وأكثر القراء قرؤوا ﴿تَحْسَبَنَّ﴾ بالتاء (١) على مخاطبة النبي - ﷺ - و﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ المفعول الأول، و﴿سَبَقُوا﴾ المفعول الثاني، وموضعه نصب، والمعنى: لا تحسبن الذين كفروا سابقين، ومن قرأ بالياء (٢) فقال أبو إسحاق: وجهها ضعيف عند أهل العربية (٣)؛ إلا أنها جائزة على أن\n_________\n(١) وبها قرأ ابن كثير وشعبة، عن عاصم وأبو عمرو ونافع والكسائي ويعقوب وخلف. انظر: الغاية في القراءات العشر ص ١٦٢، و\"تقريب النشر\" ص ١١٩، و\"تحبير التيسير\" ص ١١٨.\n(٢) وبذلك قرأ ابن عامر وحفص عن عاصم وأبو جعفر وحمزة. انظر: المصادر السابقة نفس المواضع.\n(٣) وصف الزمخشري أيضًا هذه القراءة بأنها ليست نيرة، في \"الكشاف\" ٢/ ١٦٥، وتضعيف قراءة متواترة يُعلم قطعًا أن رسول الله - ﷺ - تلقاها عن ربه وأقرأها أصحابه وهم أهل العربية، من خطل القول، سببه الغلو في أقيسة علماء اللغة، وقصور العلم عن الإحاطة بالأوجه القوية للقراءة، وقد ذكر الواحدي عدة أوجه لهذه القراءة وهناك أوجه أخرى منها:\nأ- أن الفاعل ضمير يعود إلى المذكورين في الآية السابقة والتقدير: ولا يحسبن من خلفهم الذين كفروا سبقوا، وهذا اختيار أبي جعفر النحاس في \"إعراب القرآن\" ١/ ٦٨٢.\nب- أن الفاعل ضمير يعود للكفار لتقدم ذكرهم في قوله: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾، وفي قوله: ﴿ثُمَّ يَنْقُضُونَ﴾، و﴿لَا يَتَّقُونَ﴾، و﴿لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾، ذكره مكي بن أبي طالب في \"مشكل إعراب القرآن\" ص ٣١٨.\nج - أن الفاعل محذوف يفهم من السياق والتقدير: ولا يحسبن حاسب أو أحد. انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٢١، و\"البحر المحيط\" ٤/ ٥١٠ - ٥١١، و\"التحرير والتنوير\" ١٠/ ٥٤.\nوإذا تبين أن لهذه القراءة أكثر من وجه قائم على تقدير المحذوف، حسن التنبيه إلى أن أسلوب الحذف من الأساليب البلاغية العاليه لتذهب النفس في تقدير المحذوف كل مذهب لائق بالمقام.","vol":"10","page":212},{"text":"يكون المعنى: ولا يحسبن الذين كفروا أن سبقوا؛ لأنها في حرف ابن مسعود (أنهم سبقوا) (١) فإذا كانت كذلك فهي بمنزلة قولك: حسبت أن أقوم، وحسبت أقوم، على حذف (أن)، ويكون أقوم وقام ينوب عن الاسم والخبر، هذا كلامه (٢).\nوحذف (أن) قد جاء في غير شيء (٣) كقوله تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ﴾ [الزمر: ٦٤]، قال سيبويه: حذف (أن) والمعنى: أن أعبد (٤).\nوهو كثير في الشعر (٥)، فإذا وجهته على هذا سد (أن سبقوا) مسد المفعولين؛ كما أن قوله: ﴿أحسبت الناس أن يتركوا﴾ [العنكبوت: ٢] كذلك، وذكر أبو الحسن (٦) وجهًا آخر: وهو أنه أضمر فاعلًا (٧) للحسبان،\n_________\n(١) ذكر هذه القراءة عنه، الزمخشري في \"الكشاف\" ٢/ ١٦٥، وأبو حيان في \"البحر\" ٤/ ٥١٠ - ٥١١، ولم يذكرها ابن أبي داود في \"المصاحف\"، ولا ابن جني في \"المحتسب\" ولابن خالويه في \"المختصر\".\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٢١.\n(٣) يعني في أكثر من موضع.\n(٤) هذا القول مفهوم من عبارة سيبويه، حيث جعل الآية بمنزلة قول طرفة:\nألا أيهذا الزاجري أحضر الوغى\nبعد بيان أن (أن) محذوفة في قوله (أحضر). انظر: \"كتاب سبويه\" ٣/ ١٠٠، و\"الحجة\" ٤/ ١٥٥، وضعف السيرافي هذا الوجه. انظر: \"حاشية كتاب سيبويه\" ١/ ٤٥٢، ط/ بولاق.\n(٥) انظر بعض الأبيات في \"الحجة\" ٤/ ١٥٦.\n(٦) يعني الأخفش الأوسط، انظر قوله في: \"الحجة للقراء السبعة\" ٤/ ١٥٥، لم يذكره في كتاب \"معاني القرآن\".\n(٧) في (م): (فاعلًا آخر).","vol":"10","page":213},{"text":"وجعل (الذين كفروا) المفعول الأول (١)، وقال: التقدير: ولا يحسبن النبي الذين (٢) كفروا، وذكر أبو علي وجهًا ثالثًا وقال: يجوز أن يكون أضمر المفعول الأول، التقدير: لا يحسبن الذين كفروا أنفسهم أو إياهم سبقوا (٣).\nوأكثر القراء على كسر (إن) (٤) في قوله: ﴿إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ﴾ وهو الوجه (٥)؛ لأنه ابتداء كلام غير متصل بالأول، كقوله: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا﴾ [العنكبوت: ٤] وتم الكلام ثم قال: ﴿سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ فكما أن قوله: ﴿سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ منقطع من الجملة التي قبلها، كذلك قوله: ﴿إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ﴾.\nوقرأ ابن عامر: (أنهم) بفتح الألف (٦)، جعله متعلقًا بالجملة الأولى فيكون التقدير: لا تحسبهم سبقوا لأنهم لا يفوتون (٧) فهم (٨) يجزون على كفرهم (٩).\nوقال أبو عبيد: لا أعرف لفتح (أن) وجهًا إلا أن تجعل (لا) صلة،\n_________\n(١) ساقط من (م).\n(٢) في (ح): (والذين)، وهو خطأ.\n(٣) \"الحجة للقراء السبعة\" ٤/ ١٥٥.\n(٤) هذه قراءة الجمهور، ولم يخالف إلا ابن عامر الذي قرأ بالفتح، انظر: \"الغاية في القراءات العشر\" ص ١٦٢، و\"التبصرة في القراءات\" ص ٢١٢، و\"تقريب النشر\" ص ١١٩.\n(٥) انظر: \"الحجة للقراء السبعة\" ٤/ ١٥٧، و\"حجة القراءات\" لابن زنجلة ص ٣١٢، و\"إعراب القراءات\" لابن خالويه ١/ ٢٣٠.\n(٦) انظر التخريج السابق لقراءة الجمهور.\n(٧) في (ح): (يقولون)، وهو خطأ.\n(٨) في (س): (منها)، ولا معنى له.\n(٩) انظر هذا التوجيه في: \"الحجة للقراء السبعة\" ٤/ ١٥٨، و\"حجة القراءات\" ص ٣١٢.","vol":"10","page":214},{"text":"فتقول: لا تحسبن أنهم يعجزون (١)، قال ابن الأنباري: فتح (أن) بتكرير الفعل، التقدير: لا يحسبن الذين كفروا سبقوا لا يَحْسبُنَّ أنهم يعجزون، و(لا) توكيد للكلام، كقوله تعالى: ﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٥] (٢).\nوهذا الوجه من كون (لا) زيادة ذكره الفراء (٣) وأبو إسحاق (٤) أيضًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1362>٦٠ </span>- قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الآية، قال الليث:] (٥) القوة: من تأليف قاف، وواو، وياء؛ فأدغمت الياء في الواو، ويقال: قوي الرجل يقوى قوة فهو قوي، وجمع القوة: قوى، قال تعالى: ﴿شَدِيدُ الْقُوَى﴾ [النجم: ٥] (٦).\nوقد يسمى ما يتقوى به على أمر قوة، كالذي في هذه الآية، قال ابن عباس: يريد السلاح والقسي (٧) (٨)، وقال مقاتل: السلاح\n_________\n(١) ذكر بعض هذا القول الرازي في \"تفسيره\" ١٥/ ١٨٤ وأشار إليه النحاس في \"إعراب القرآن\" ١/ ٦٨٣، وأبو حيان في \"البحر المحيط\" ٤/ ٥١٠، والسمين في \"الدر المصون\" ٥/ ٦٢٥.\n(٢) انظر: قول ابن الأنباري في \"زاد المسير\" ٣/ ٣٧٤ بنحوه.\n(٣) \"معاني القرآن\" ١/ ٤١٥.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٢٢، وقد ضعف أبو إسحاق الزجاج هذا الوجه، وعلل ذلك بقوله: لأن (لا) لا تكون لغوًا في موضع يجوز أن تقع فيه غير لغو.\n(٥) ما بين المعقوفين ساقط من (م).\n(٦) \"تهذيب اللغة\" (قوى) ٣/ ٣٠٧٠، وقد اختصر الواحدي القول وغيّر ترتيب بعض الجمل، والقول أيضًا في كتاب \"العين\" (قوي) ٥/ ٢٣٦ مختصرًا.\n(٧) القسي: جمع قوس والقوس معروفة، من آلات الرمي، انظر: \"لسان العرب\" (قوس) ٦/ ٣٧٧٣.\n(٨) \"تنوير المقباس\" ص ١٨٤، ولم يذكر القسي.","vol":"10","page":215},{"text":"والنشاب (١) (٢)، وروي أن النبي - ﷺ - قرأ على المنبر: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ فقال: \"ألا إن القوة الرمي\" ثلاثًا (٣)، قال أهل التحقيق (٤): الأولى أن يقال: هذا عام في كل ما يتقوى به على حرب العدو، ولا نخص شيئًا دون شيء (٥)، فكل ما هو من آلة الغزو والجهاد فهو من جملة ما عني الله بقوله: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾، كما روي ليث، عن مجاهد أنه رؤي مع (٦) جوالق (٧)، وهو يتجهز للغزو فقيل: ما\n_________\n(١) النشاب: النبل والسهام. انظر: \"لسان العرب\" (نشب) ٧/ ٤٤٢٠.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ١٢٣ ب، ولفظه: السلاح: وهي الرمي.\n(٣) رواه مسلم (١٩١٧) كتاب: الإمارة، باب: فضل الرمي، وأبو داود (٢٥١٣) كتاب: الجهاد، باب: في الرمي، والترمذي (٣٠٨٣) كتاب تفسير القرآن، سورة الأنفال، وأحمد ٤/ ١٥٧ وغيرهم. انظر: \"الدر المنثور\" ٣/ ٣٤٩.\n(٤) انظر: \"تفسير ابن جرير\" ١٠/ ٣٢، و\"البرهان\" للحوفي ١١/ ٩٦ أ.\n(٥) الأولى أن يعطى تفسير رسول الله - ﷺ - مزية وخصوصية فيقال: إن الحديث دليل على فضل الرمي وأنه أعظم القوة، وأنكأ للعدو، وأجل ما يحقق النصر، فينبغي أن يخص بمزيد اهتمام، فهذا الحديث الآخر: \"الحج عرفة\" فهو يدل على أن هذا المذكور أفضل المقصود وأجله، ولا ينفي اعتبار غيره، وذهب الإمام النووي إلى الوقوف على ظاهر الحديث حيث قال: هذا تصريح بتفسيرها -يعني القوة- ورد لما يحكيه المفسرون من الأقوال سوى هذا. \"صحيح مسلم بشرح النووي\" ١٣/ ٦٤، ومثله الشوكاني في \"تفسيره\" ٢/ ٤٦٦ حيث قال: والمصير إلى التفسير الثابت عن رسول الله - ﷺ - متعين.\nوأقول: إن من يتأمل حال الحرب في عصرنا الحديث يشهد أن تفسير الرسول - ﷺ - القوة بالرمي من آياته التي تشهد أنه لا ينطق عن الهوى، فالقوة في هذا العصر تكاد تنحصر في الرمي.\n(٦) هكذا في جميع النسخ، والصواب: معه، وفي \"تفسير ابن جرير\": لقي رجل مجاهدًا بمكة ومع مجاهد جوالق، وفي \"تفسير ابن أبي حاتم\" ومعه جوالق.\n(٧) الجوالق: بكسر الجيم واللام وبضم الجيم وفتح اللام وكسرها: وعاء. انظر =","vol":"10","page":216},{"text":"هذا؟ قال: هذا من القوة (١).\nوتفسير النبي - ﷺ - القوة بالرمي لا يدل على أن المراد بالقوة الرمي دون غيره من السيف والرمح، بل الرمي أحد معاني القوة، ولم يقل: هو الرمي دون غيره.\nوتمام (٢) الخبر: \"ألا إن الله سيفتح لكم الأرض وستكفون المؤونة (٣)، فلا يعجزن أحدكم أن يلهو بأسهمه\" (٤).\nوهذه الآية دليل على أن الاستعداد للجهاد بالنبل والسلاح وتعلم الفروسية والرمي فريضة، غير أنها من فروض الكفايات.\nوقوله تعالى: ﴿وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ ذكرنا في آخر سورة آل عمران أن أصل الرباط من مرابطة الخيل وهو ارتباطها بإزاء العدو (٥)، وأكثر المفسرين على أن المراد برباط الخيل هاهنا: ربطها واقتناؤها للغزو، وهي من أقوى عدد الجهاد (٦)، وقد روي أن رجلًا قال لابن سيرين: إن فلانًا\n_________\n= انظر: \"القاموس المحيط\" باب: القاف، فصل: الجيم ص ٨٧٢.\n(١) رواه بنحوه ابن جرير ١٠/ ٣٠، من رواية رجاء بن أبي سلمة، أما رواية ليث فهي عند ابن أبي حاتم ٥/ ١٧٢٢ لكن بلفظ: القوة: ذكور الخيل.\n(٢) في (ح): (وتمام الله الخير)، وهو خطأ.\n(٣) أي مؤونة القتال وتعب الجهاد. انظر: \"تحفة الأحوذي\" ٨/ ٤٧٤، وتطلق المؤونة أيضًا على النفقة كما في \"لسان العرب\" (مون) ٧/ ٤٣٠٢، لكن السياق يدل على أن الأول هو المراد.\n(٤) رواه الترمذي (٣٠٨٣) كتاب تفسير القرآن، باب: سورة الأنفال، وابن المنذر كما في \"الدر المنثور\" ٣/ ٣٤٨.\nورواه بنحوه مسلم (١٩١٨) في \"صحيحه\" كتاب الإمارة، باب: فضل الرمي.\n(٥) انظر: \"البسيط\" آل عمران: ٢٠٠.\n(٦) يعني في وقتهم.","vol":"10","page":217},{"text":"أوصى بثلث ماله للحصون، فقال ابن سيرين: يُشترى به الخيل فتربط في سبيل الله ويغزى عليها، فقال (١): الرجل أوصى للحصون. فقال: هي الخيل، ألم تسمع قول الشاعر (٢):\nولقد علمت على تجنبى (٣) الردى ... أن الحصون الخيل لا مدر (٤) القرى (٥)\nوقال عكرمة: ﴿وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ الإناث (٦)، وهو قول الفراء، قال: يريد إناث الخيل (٧).\nووجه هذا القول: أن العرب تسمي الخيل إذا ربطت بالأفنية وعُلّفت: رُبُطًا، واحدها: ربيط (٨)، وتجمع (٩) الرُّبُط رباطًا (١٠)، وهو جمع الجمع (١١)، فمعنى الرباط هاهنا: الخيل المربوطة في سبيل الله، وفسر\n_________\n(١) في (ج) و(س): (وقال).\n(٢) البيت لأشعر الجعفي، انظر: \"لسان العرب\" (حصن) ٣/ ٩٠٣، و\"شرح شواهد الكشاف\" ٤/ ٤٠٤.\n(٣) في \"لسان العرب\" (حصن) ٣/ ٩٠٣: توقي.\n(٤) في (ح): (مدن)، وهو خطأ.\n(٥) ذكر الأثر الزمخشري في \"الكشاف\" ٢/ ١٦٦ بلفظ مقارب، ولم يخرجه الزيلعي في كتابه \"تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في تفسير الكشاف\".\n(٦) رواه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" كتاب الجهاد، باب: الخيل ١٢/ ٤٨٣، وابن جرير ١٠/ ٣٠، وأبو الشيخ والبيهقي في شعب الإيمان كما في \"الدر المنثور\" ٣/ ٣٤٩.\n(٧) \"معاني القرآن\" ١/ ٤١٦.\n(٨) في (ج): (ربيطة).\n(٩) في (م): (والجمع).\n(١٠) في (ج): (ربطًا).\n(١١) انظر: \"تهذيب اللغة\" (ربط) ٢/ ١٣٤٦.","vol":"10","page":218},{"text":"بالإناث لأنها أولى ما تربط لتناسلها ونمائها بأولادها، فارتباطها أولى من ارتباط الفحول.\nوقوله تعالى: ﴿تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [قال مجاهد] (١): قال ابن عباس: يريد: تخيفون به (٢).\nوالكناية تعود إلى (ما) في قوله: ﴿مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ ويجوز أن تعود إلى الإعداد؛ لأن قوله: ﴿وَأَعِدُّوا﴾ يدل عليه.\nوقوله تعالى: ﴿عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾، قال مجاهد ومقاتل: يعني: مشركي مكة وكفار العرب (٣).\nوقوله تعالى: ﴿وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾، قال مجاهد ومقاتل: يعني: قريظة (٤).\n_________\n(١) ساقط من (م) و(س).\n(٢) لفظ الرواية عن ابن عباس: (تخزون به). إذ بهذا اللفظ رواه الثوري في \"تفسيره\" ص ١٢٠، والطبري ١٠/ ٣٠، عن مجاهد، عن ابن عباس، وكذلك رواه الثعلبي ٦/ ٦٩/ ب، والفريابي وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ كما في \"فتح القدير\" للشوكاني ٢/ ٤٦٨، بل أشار ابن خالويه في كتابه \"مختصر في شواذ القرآن\" ص ٥٠، والزمخشري في \"الكشاف\" ٢/ ١٦٦ إلى أن ابن عباس ومجاهد كانا يقرآن: (تخزون به)، وقد ذكر الحوفي في \"البرهان\" ١١/ ٩٥ ب رواية ابن عباس بلفظ مقارب لما ذكره المؤلف ونصه: (تخوفون به).\n(٣) انظر قول مقاتل في: \"تفسيره\" ١٢٣ ب، ولفظه: كفار العرب، ورواه ابن أبي حاتم ٥/ ١٧٢٣ بلفظ: (من المشركين). ولم أجد فيما بين يدي من مراجع إشارة إلى قول مجاهد، ومن الجدير بالتنبيه أن تحديد الأعداء هنا وفي الموضع بعده إنما هو باعتبار ملابسات النزول وأسبابه، والعبرة بعموم اللفظ وصلاحيته لكل زمان ومكان.\n(٤) رواه عن مجاهد الإمام ابن جرير ١٠/ ٣١، وابن أبي حاتم ٥/ ١٧٢٣، والثعلبي =","vol":"10","page":219},{"text":"وقال السدي: هم أهل فارس (١)، وقال الحسن وابن زيد: هم المنافقون، لا تعلمونهم لأنهم معكم يقولون: لا إله إلا الله، ويغزون معكم (٢)، قال الحسن: لا كل منافق علم به رسول الله - ﷺ -، قال: ونظير هذه الآية قوله: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾ (٣)، ودل كلام ابن عباس في رواية عطاء على هذا المعنى فقال: يريد قومًا معه (٤)، وهذا يدل على أنه أراد المنافقين (٥).\nوروى ابن جريج عن سليمان بن موسى (٦) قال: هم كفار الجن، قال: وبلغني أنه لا يقرب جني صاحب فرس أبدًا (٧)، وهذا التفسير مع هذا\n_________\n= ٦/ ٦٩ ب، والبغوي ٣/ ٣٧٣، وهو في \"تفسير مجاهد\" ص ٣٥٧، ورواه عن مقاتل بهذا اللفظ البغوي ٣/ ٣٧٣، وفي \"تفسير مقاتل\" ١٢٣ ب، والسمرقندي ٢/ ٢٤، وابن الجوزي ٣/ ٣٧٥: اليهود.\n(١) رواه ابن جرير ١٠/ ٣١، والثعلبي ٦/ ٦٩ ب، والبغوي ٣/ ٣٧٣.\n(٢) رواه عنهما البغوي ٣/ ٣٧٣، ورواه عن ابن زيد الإمام ابن جرير ١٠/ ٣٢ - ٣٣، والثعلبي ٦/ ٦٩ ب، وذكره الهواري ٢/ ١٠٣، عن الحسن مختصرًا.\n(٣) التوبة: ١٠١، ولم أقف على قول الحسن هذا.\n(٤) لم أقف على مصدره، وسبق أن رواية عطاء مكذوبة على ابن عباس.\n(٥) في (ح): (المنافقون).\n(٦) هو: سليمان بن موسى الأشدق الدمشقي الأموي مولاهم، الإمام الكبير، ومفتي دمشق، وفقيه أهل الشام في زمانه، توفي سنة ١١٩ هـ.\nانظر: \"التاريخ الكبير\" ٢/ ٢/ ٣٨، و\"سير أعلام النبلاء\" ٥/ ٤٣٣، و\"تهذيب التهذيب\" ٢/ ١١١.\n(٧) رواه بمعناه ابن المنذر كما في \"الدر المنثور\" ٣/ ٣٥٩ انظر: \"تفسير الرازي\" ١٥/ ١٨٦، وذكره الثعلبي ٦/ ٦٩ ب بلا نسبة.","vol":"10","page":220},{"text":"المعنى روي مرفوعًا، وهو أن النبي - ﷺ - قال: \"إنهم الجن\" (١) في (٢) قوله تعالى: ﴿وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ﴾ ثم قال: \"إن الشيطان لا يخبل أحدًا في دارٍ فيها فرس عتيق\" (٣).\nقال بعض المفسرين (٤): وهذا القول هو الأولى بالصواب؛ لأن الله تعالى قال: ﴿لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ ولا شك أن المؤمنين كانوا عالمين بعداوة قريظة وفارس، وأما المنافقون فلم تكن تروعهم (٥) خيل المؤمنين وسلاحهم (٦)؛ لأنهم كانوا يعدون أنفسهم من جملتهم، ويؤكد هذا ما روي عن الحسن أنه قال: إن صهيل الخيل يرهب الجن (٧)، ومع هذا فقول من قال: إنهم المنافقون قريب؛ لأنهم يُرهبون (٨) بعدد المسلمين، ويوجسون الخليفة بظهورهم على عدوهم.\n_________\n(١) رواه ابن أبي حاتم ٤/ ١٥ أ، قال ابن كثير في \"تفسيره\" ٢/ ٣٣٥: وهذا الحديث منكر لا يصح إسناده ولا متنه.\n(٢) ساقط من (ح) و(س).\n(٣) رواه الطبراني في \"الكبير\" ١٧/ ١٨٩ (٥٠٦)، والحارث بن أبي أسامة وأبو يعلى وابن المنذر وابن قانع في \"معجمه\" وأبو الشيخ وابن منده والروياني في \"مسنده\"، وابن مردويه وابن عساكر كما في \"الدر المنثور\" ٣/ ٣٥٩، قال ابن كثير في \"تفسيره\" ٢/ ٣٥٦: وهذا الحديث منكر لا يصح إسناده ولا متنه.\n(٤) هو الإمام ابن جرير، انظر \"تفسيره\" ١٠/ ٣٢ - ٣٣، وقد ذكر الواحدي قوله بمعناه.\n(٥) في (ح): (تردعهم)، وما أثبته موافق لتفسير ابن جرير.\n(٦) إلى هنا انتهى قول ابن جرير، وفي قوله: أما المنافقون فلم تكن تروعهم خيل المؤمنين. نظر؛ لأن سبب النفاق قوة المؤمنين وضعف الكافرين الذين بين ظهرانيهم فيسترون كفرهم، ومتى ما شعروا بقوتهم وضعف المؤمنين انقضوا عليهم وأظهروا كفرهم.\n(٧) ذكره الزمخشري ٢/ ١٦٦، والرازي ١٥/ ١٨٦، لكن الزمخشري لم ينسبه للحسن.\n(٨) في (ح): (يرتبون)، وهو خطأ.","vol":"10","page":221},{"text":"وقال قوم من أهل التأويل: هم كل عدو للمسلمين لا يعرفون عداوته (١)\nوقال المبرد (٢): في قوله: ﴿لَا تَعْلَمُونَهُمُ﴾ اكتفى للعلم بمفعول واحد لأنه أراد: لا تعرفونهم (٣)، وأنشد (٤):\nفإن الله يعلمني ووهبًا ... وأنا سوف يلقاه كلانا\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، قال ابن إسحاق وغيره: من آلةٍ وسلاح وصفراء وبيضاء في طاعة الله: ﴿يُوَفَّ إِلَيْكُمْ﴾ (٥)،\n_________\n(١) ذكر هذا القول الماوردي في \"تفسيره\" ٢/ ٣٣٠، ونسبه لبعض المتأخرين، ورجحه القرطبي في \"تفسيره\" ٨/ ٣٨ فقال: لا ينبغي أن يقال فيهم شيء؛ لأن الله سبحانه قال: ﴿وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾؛ فكيف يدعي أحد علمًا بهم، إلا أن يصح حديث جاء في ذلك عن رسول الله - ﷺ - وهو قوله في هذه الآية: \"هم الجن\"، قلت: والحديث لم يصح كما سبق بيانه، وهذا القول أعم الأقوال إذ يدخل فيه كل من لا يعلم المؤمنون عداوته كالمنافقين، والمتربصين بالمؤمنين الدوائر، والدول التي ظاهرها المسالمة، وباطنها العداء والمحاربة.\n(٢) في (ح): (المبرك).\n(٣) انظر قول المبرد دون إنشاد البيت في: \"المقتضب\" ٣/ ١٨٩.\n(٤) البيت للنمر بن تولب العكلي كما في \"ديوانه\" ص ٣٩٥، و\"شرح المفصل\" ص ٢١٣، وكان وهب المذكور نازع النمر بن تولب الشاعر في بئر، فقال في ذلك قصيدة منها البيت المذكور وقبله:\nيريد خيانتي وهب وأرجو ... من الله البراءة والأمانا\n(٥) لم أجد هذا القول لابن إسحاق، ونص قوله في \"السيرة النبوية\" ٢/ ٣٢٠، و\"تفسير ابن جرير\" ١٠/ ٣٣: أي لا يضيع لكم عند الله أجره في الآخرة، وعاجل خلفه في الدنيا، وقال ابن جرير ١٠/ ٣٣: في شراء آلة حرب من سلاح أو حراب أو كراع ... يخلفه الله عليكم. وانظر أيضًا \"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢٤.","vol":"10","page":222},{"text":"قال ابن عباس: يريد: يخلف لكم (١)، والمعنى: يوفر لكم أجره، أي: لا يضيع لكم عند الله أجره في الآخرة وعاجل خلفه في الدنيا.\nوقوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾، قال ابن عباس: يريد: لا تنقصون من الثواب، وتلا قوله: ﴿آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [الكهف: ٣٣] (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1363>٦١ </span>- قوله تعالى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾ الآية، قال النضر: جنح الرجل إلى فلان وجنح له: إذا تابعه وخضع له (٣)، والرجل يجنح: إذا أقبل على الشيء يعمله بيده، وأنشد قول لبيد:\nجنوح الهالكيّ على يديه ... مكبًا يجتلي (٤) نقب النصال (٥)\nوقال أبو زيد: جنح الرجل يجنح جنوحًا: إذا أعطى بيده، أو عدل إلى ما يحب القوم (٦).\n_________\n(١) ذكره بمعناه الرازي في \"تفسيره\" ١٥/ ١٨٧، والفيروزأبادي في \"تنوير المقباس\" ص ١٨٤.\n(٢) ذكره الرازي في \"تفسيره\" ١٥/ ١٨٧.\n(٣) إلى هنا انتهى قول النضر بن شميل فيما نقله عنه الأزهري، وقد نقله الواحدي بمعناه، ونصه: جنح الرجل إلى الحرورية، وجنح لهم: إذ تابعهم وخضع لهم اهـ. وقد نسب الأزهري ما بعده مع الاستشهاد بالبيت المذكور إلى الليث، وهو بنصه في كتاب \"العين\" (جنح) ٤/ ٨٣ انظر: \"تهذيب اللغة\" (جنح) ١/ ٦٦٥ - ٦٦٦.\n(٤) في (م): (يحتكى).\n(٥) البيت في \"ديوان لبيد\" ص ١٠٥ن ونسب إليه أيضًا في \"سيرة ابن هشام\" ٢/ ٣٢١، و\"تهذيب اللغة\" (جنح) ١/ ٦٦٥، و\"لسان العرب\" (جنح) ٢/ ٦٩٧.\nوالهالكي: الحداد، نسبة للهالك بن عمرو الأسدي أول من عمل الحدادة من العرب، والنقب: الصدأ، انظر: \"لسان العرب\" (هلك) و(نقب).\n(٦) \"الحجة للقراء السبعة\" ٤/ ١٥٨، ولم أجده في كتاب \"النوادر في اللغة\" لأبي زيد.","vol":"10","page":223},{"text":"والمفسرون وأهل المعاني قالوا في هذه الآية: إن مالوا إلى الصلح فمل إليه (١)، قال ابن الأنباري: [تأويل الآية] (٢): وإن مالوا إلى المسالمة وترك القتال فمل إلى ذلك (٣).\nوأنث الهاء في (لها) لأنه قصد بها قصد (الفَعْلَة) و(الجنحة) كقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأعراف: ١٥٣] أراد من بعد فَعْلَتهم، ويجوز أن تكون الهاء والألف للسلم في لغة من يؤنثه (٤)، أنشد أبو العباس (٥)، عن سلمة (٦)، عن الفراء:\nفلا تضيقن إن السلم واسعة ... ملساء ليس بها وعث ولا ضيق (٧)\n_________\n(١) ساقط من (ح).\n(٢) انظر: \"تفسير غريب القرآن\" لابن قتيبة ص ١٩١، و\"تفسير ابن جرير\" ١٠/ ٣٣، و\"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٢٢، و\"الحجة للقراء السبعة\" ٤/ ١٥٨، و\"تفسير الثعلبي\" ٦/ ٦٩ ب، والبغوي ٣/ ٣٧٣، والزمخشري ٢/ ١٦٦.\n(٣) لم أقف عليه.\n(٤) قال ابن فارس في \"مجمل اللغة\" (سلم) ٢/ ٤٦٨: السلم: الصلح يذكر ويؤنث اهـ.\nوقال الزمخشري في \"الكشاف\" ٢/ ١٦٦: والسلم تؤنث تأنيث نقيضها وهي الحرب.\n(٥) هو: أحمد بن يحيى (ثعلب)، تقدمت ترجمته.\n(٦) هو: سلمة بن عاصم النحوي الكوفي، أبو محمد، راوية الفراء وناشر كتبه، كان أديبًا فاضلًا عالمًا؛ مع ورعٍ شديد، وتأله عظيم، وكثرة عباده، توفي بعد سنة ٢٧٠ هـ.\nانظر: \"مراتب النحويين\" ص ١٤٩، و\"إنباه الرواة\" ٢/ ٥٦، و\"طبقات القراء\" لابن الجزري ١/ ٣١١، و\"بغية الوعاة\" ١/ ٥٩٦.\n(٧) لم أعثر على قائله، وهو بلا نسبة في \"المذكر والمؤنث\" للفراء ص٢٠، و\"المذكر والمؤنث\" لابن الأنباري ١/ ٤٨٥، و\"شرح القصائد السبع\" ص ٢٦٢، و\"شرح المعلقات\" للتبريزي ص ١٦٨، و\"اللمع\" لابن جني ص ٣١٠.","vol":"10","page":224},{"text":"والقولان للفراء (١) ذكرهما أبو بكر، قال: وأما قوله: (لها) وهو يريد: إليها؛ فلأن (اللام) تنوب عن (إلى)، و(إلى) عنها، وأنشد (٢):\nومكاشح لولاك أصبح جانحًا ... للسلم يرقى حَيّتي وضِبابي (٣)\nوالكلام في السلم قد مضى في سورة البقرة [٢٠٨].\nقال مجاهد (٤)، والكلبي (٥) في قوله: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ﴾: يعني: قريظة. وقال الحسن: يعني: المشركين وأهل الكتاب (٦).\n_________\n(١) قال الفراء في \"معاني القرآن\" ١/ ٤١٦: (فاجنح لها): إن شئت جعلت (لها) كناية عن السلم لأنها مؤنثة، وإن شئت جعلته للفعلة كما قال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، ولم يذكر قبله إلا فعلًا، فالهاء للفعلة.\n(٢) أنشد أبو بكر البيت في \"المذكر والمؤنث\" ١/ ٤٨٦، ولم يذكر ما قبله في هذا الكتاب.\n(٣) البيت لإبراهيم بن هرمة كما في \"ديوانه\" ص ٧٠.\nوالمكاشح: المضمر العداوة. ومعنى يرقى: يتعوذ. والضباب: قال في \"لسان العرب\" (ضبب) ٤/ ٢٥٤٣ الضَّب والضَّب: الغيظ والحقد، وقيل: هو الضغن والعداوة، وجمعه ضباب، قال الشاعر:\nفما زالت رقاك تسل ضغني ... وتخرج من مكامنها ضبابي\nوالمعنى: لولا المخاطب لجنح الخصم للسلم ومال إليه، وصار يتودد للشاعر ليسل غيظه وحقده.\n(٤) رواه ابن جرير ١٠/ ٣٤ وابن أبي حاتم ٥/ ١٧٢٥، والثعلبي ٦/ ٧٠ أ، وهو في \"تفسير مجاهد\" ص ٣٥٧.\n(٥) \"الوسيط\" ٢/ ٤٦٩، ورواه الفيروزأبادي في \"تنوير المقباس\" ص ١٨٤ عنه، عن ابن عباس.\n(٦) ذكره هود بن محكم \"تفسيره\" ٢/ ١٠٢ دون ذكر أهل الكتاب، وكذلك المصنف في \"الوسيط\" ٢/ ٤٦٩.","vol":"10","page":225},{"text":"وأكثر المفسرين على أن هذا منسوخ (١) وهو قول قتادة (٢)، وعكرمة (٣)، والحسن (٤)، وابن زيد (٥) قالوا: نسخها قوله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥]، وقوله: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [التوبة: ٢٩]، ونحو ذلك روى عطاء الخرساني، عن ابن عباس (٦)، وقال\n_________\n(١) لعله يعني مفسري السلف وقد ذهب كثير من المتأخرين إلى أنها محكمة كابن جرير ١٠/ ٣٤، والسمرقندي ٢/ ٢٤، والزمخشري ٢/ ١٦٦، وابن كثير ٢/ ٣٥٦ وغيرهم؛ لإمكان الجمع بين الآيات فالمشركون يقاتلون كافة حتى يجنحوا إلى السلم، ولا يجوز للمسلمين أن يبدؤا بطلب الصلح ابتداءً وقت قوتهم وعلوهم، ومال بعضهم إلى القول بالنسخ كالكيا الهراسي في \"أحكام القرآن\" ٣/ ١٦٥، والثعلبي ٦/ ٦٩/ ب، والبغوي ٣/ ٣٧٣ إذ لم يذكروا غير القول به، وجوّزه ابن الجوزي ٣/ ٣٧٦ بناءً على من أريد بهذه الآية، ويحسن التنبيه إلى ما سبق بيانه إلى أن اصطلاح السلف في النسخ أوسع من اصطلاح المتأخرين فلا ينبغي الاغترار به، والحكم على رفع حكم الآية من جميع الوجوه بناءًا عليه، وانظر في القول بنسخ هذه الآية: \"تفسير الطبري\" ١٠/ ٣٤، و\"الإيضاح\" لمكي ص ٢٥٩، و\"تفسير ابن كثير\" ٢/ ٣٥٦ - ٣٥٧، و\"النسخ في القرآن الكريم\" ١/ ٥٦٦.\n(٢) رواه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ٢/ ١/ ٣٦١، وابن جرير ١٠/ ٣٤، وابن أبي حاتم ٥/ ١٧٢٥، والنحاس في \"الناسخ والمنسوخ\" ٢/ ٣٨٥.\n(٣) رواه ابن جرير وابن أبي حاتم في الموضعين السابقين.\n(٤) انظر المصدرين السابقين، نفس الموضع، و\"تفسير البغوي\" ٣/ ٣٧٣.\n(٥) رواه ابن جرير ١/ ٣٤، وابن أبي حاتم، الموضع السابق.\n(٦) رواه أبو عبيد في \"الناسخ والمنسوخ\" ص ١٩٤، وابن الجوزي في \"الناسخ والمنسوخ\" ص ٣٤٧، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٥/ ١٧٢٥ أ. والبيهقي في \"السنن الكبرى\" كتاب السير، باب: ما جاء في نسخ العفو عن المشركين ٩/ ٢٠، وانظر: \"الدر المنثور\" ٣/ ٣٦٠، وفي سنده عثمان بن عطاء الخرساني، ضعيف كما في \"الكاشف\" ٢/ ٢٢٢، ثم إن أباه لم يسمع من ابن عباس كما في \"تهذيب التهذيب\" ٣/ ٧١ - ٧٢.","vol":"10","page":226},{"text":"بعضهم (١): الآية غير منسوخة ولكنها تتضمن الأمر بالصلح إذا كان الصلاح فيه، فإذا رأى الإمام مصالحتهم والقوة (٢) للمسلمين فلا يجوز أن يهادنهم سنة كاملة، إذ لا يجوز أن تمضي سنة كاملة ولا يكون للإمام فيها غزوة إما بنفسه وإما ببعض سراياه، وإن كانت القوة -والعياذ بالله- للمشركين جاز مهادنتهم عشر سنين، [ولا تجوز الزيادة عليها (٣)، اقتداء برسول الله - ﷺ - فإنه هادن أهل مكة عشر سنين (٤)] (٥)، ثم إنهم نقضوا العهد قبل كمال المدة (٦).\nوقوله تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ قال مجاهد: وثق بالله (٧)، ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ قال عطاء: يريد لقولكم ﴿الْعَلِيمُ﴾ بما في قلوبكم من الوفاء، وقلوبهم من النقض (٨).\n_________\n(١) لعله القشيري فقد نقل عنه القرطبي ٨/ ٤٠ بعض هذا القول، وهو صاحب تفسير كبير اسمه: \"التيسير في التفسير\"، فرغ منه قبل عام ٤١٠ هـ، ووصف بالجودة. انظر: \"معجم المفسرين\" ١/ ٣٠٠، وانظر: معنى هذا القول في كتاب \"الأم\" ٤/ ٢٣٦، ٢٦٩، ٢٧٠.\n(٢) في (ج): (والعزة).\n(٣) انظر: أحكام الصلح مع الكفار في كتاب \"الأم\" ٤/ ٢٦٨ - ٢٧٢، و\"المغني\" ١٣/ ١٥٥ - ١٦٣، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٨/ ٣٩ - ٤١.\n(٤) روى ذلك الإمام أحمد ٤/ ٣٢٥ في ثنايا قصة صلح الحديبية، وكذلك ابن إسحاق في \"السيرة\" ٣/ ٣٦٦، وأصل القصة في \"الصحيحين\"، و\"صحيح البخاري\" (٤١٨٠)، (٤١٨١) كتاب: المغازي، باب: غزوة الحديبية ٥/ ٢٥٨، و\"صحيح مسلم\" كتاب الجهاد، باب: صلح الحديبية ٣/ ١٤٠٩ (١٧٨٣).\n(٥) ساقط من (س).\n(٦) انظر: \"السيرة النبوية\" ٤/ ١٠.\n(٧) لم أقف عليه، وقد ذكره المؤلف في \"الوسيط\" ٢/ ٤٦٩، والسمرقندي في \"تفسيره\" ٢/ ٢٤ بلا نسبة.\n(٨) لم أقف عليه، وقد ذكر في المصدرين السابقين، الموضوع نفسه، بلا نسبة.","vol":"10","page":227},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1364>٦٢ </span>- قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ﴾، قال الكلبي: أي بالصلح لتكف عنهم (١)، وقال أبو إسحاق: أي: إن أرادوا بإظهار الصلح خديعتك ﴿فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ﴾ أي: فإن الذي يتولى كفايتك الله (٢).\n﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ﴾ يريد: قواك وأعانك بنصره يوم بدر، قاله الكلبي (٣) وغيره (٤).\n﴿وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾ قال ابن عباس وغيره: يعني الأنصار (٥)، وهذا بيان عما ينبغي أن يكون عليه المحق من الثقة بالله إذا خاف مكر المبطل به في أن يكفيه شر كيده لئلا يضطرب أمره في تدبيره.\n_________\n(١) رواه الفيروزأبادي في \"تنوير المقباس\" ص ١٨٥ عنه، عن ابن عباس مختصرًا.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٢٢.\n(٣) رواه الفيروزأبادي في \"تنوير المقباس\" ص ١٨٥ عنه، عن ابن عباس.\n(٤) هذا أيضًا قول مقاتل في \"تفسيره\" ص ١٢٣/ ب، وانظر: \"تفسير ابن جرير\" ١٠/ ٣٥، و\"زاد المسير\" ٣/ ٣٧٦.\n(٥) رواه ابن مردويه، عن ابن عباس، كما في \"الدر المنثور\" ٢/ ٣٥٧، ورواه ابن جرير ١٠/ ٣٥، والثعلبي ٦/ ٧٠ أ، عن السدي، وهو قول مقاتل كما في \"تفسيره\" ١٢٣ ب، وابن جرير، الموضع السابق، والسمرقندي ٢/ ٢٤.\nوقد يقال: أي حاجة مع نصر الله لنصر المؤمنين؟\nفالجواب: إن النصر والتأييد كله من الله تعالى، لكنه على قسمين:\nأحدهما: ما يحصل من غير واسطة أسباب معلومة معتادة.\nوالثاني: ما يحصل بواسطتها.\nفالأول هو المراد من قوله: ﴿أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ﴾، والثاني هو المراد بقوله: ﴿وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾.\nانظر: \"تفسير الرازي\" ١٥/ ١٨٩.","vol":"10","page":228},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1365>٦٣ </span>- قوله تعالى: ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾، قال الليث: كل شيء ضممت بعضه إلى بعض فقد ألفته تأليفًا (١)، وقال غيره (٢): التأليف: جمعٌ على تشاكل، ولهذا قيل: هذه الكلمة تأتلف مع هذه ولا تأتلف مع تلك، قال ابن عباس والمفسرون: يعني بين قلوب الأوس والخزرج وهم الأنصار (٣).\nوقوله تعالى: ﴿لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾، قال عطية: يعني للعداوة التي كانت بينهم (٤)، ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾، قال ابن عباس: يريد: إن قلوبهم بيده يؤلفها كيف شاء (٥)، ﴿إِنَّهُ عَزِيزٌ﴾ أي: قدير لا يمتنع عليه شيء ﴿حَكِيمٌ﴾ عليم بما يفعله (٦).\n_________\n(١) كتاب \"العين\" (ألف) ٨/ ٣٣٦.\n(٢) هو: الحوفي في \"البرهان في علوم القرآن\" ١١/ ١٠١ ب، وقد اختصر المؤلف قوله.\n(٣) رواه ابن مردويه، عن ابن عباس والنعمان بن بشير، كما في \"الدر المنثور\" ٣/ ٣٦٢، ورواه ابن جرير ١٠/ ٣٥ - ٣٦، عن السدي وبشير بن ثابت وابن إسحاق، كلهم بمعناه وهو قول الفراء ١/ ٤١٧، والثعلبي ٦/ ٧٠/ أ، والبغوي ٣/ ٤٧٤ وغيرهم.\n(٤) لم أقف عليه، وقد ذكره المؤلف في \"الوسيط\" ٢/ ٤٦٩ بلا نسبة.\n(٥) \"تنوير المقباس\" ص ١٨٥ بمعناه.\n(٦) تفسير الحكمة بالعلم معروف في اللغة.\nقال الجوهري: الحكيم: العالم وصاحب الحكمة. انظر: \"الصحاح\" (حكم) ٥/ ١٩٠١، والمشهور في معنى الحكمة: وضع الأشياء في مواضعها من الإتقان، قال ابن الأثير في \"النهاية\" (حكم) ١/ ٤١٨: الحكيم: فعيل بمعنى فاعل، أو هو الذي يحكم الأشياء ويتقنها فهو فعيل بمعنى مفعل، وقال ابن جرير ١/ ٥٥٨: الحكيم: الذي لا يدخل تدبيره خلل ولا زلل.","vol":"10","page":229},{"text":"قال أبو إسحاق: أعلم الله ﷿ أن تأليف قلوب المؤمنين من الآيات العظام، وذلك أن النبي - ﷺ - بعث إلى قوم أنفتهم شديدة، ونصرة بعضهم لبعض بحيث لو لطم رجل من قبيلة لطمة قاتل (١) عنه قبيلته حتى يدركوا ثأره؛ فألف الإيمان بين قلوبهم حتى قاتل الرجل أخاه وأباه وابنه، فأعلم الله ﷿ أن هذا ما تولاه منهم إلا هو (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1366>٦٤ </span>- قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، قال أهل المعاني: كرر في ﴿حَسْبُكَ اللَّهُ﴾ بعد ما ذكر في قوله: ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ﴾؛ لأن المعنى هناك: إن أرادوا خداعك كفاك الله أمرهم، والمعنى هاهنا عام في كل كفاية تحتاج إليها (٣). روى سعيد ابن جبير، عن ابن عباس: أن هذه الآية نزلت في إسلام عمر (٤)، وقال سعيد بن جبير: أسلم مع النبي - ﷺ - ثلاثة وثلاثون رجلًا وست نسوة ثم أسلم عمر فنزلت هذه الآية (٥).\n_________\n(١) هكذا في جميع النسخ، وكذلك في \"الوسيط\" ٢/ ٤٦٩، باعتبار معنى القبيلة، وفي \"معاني القرآن\": فيقاتل عنه حتى يدرك ثأره، بالبناء للمجهول.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٢٣، وقد نقل الواحدي قوله بتصرف واختصار.\n(٣) لم أجد من ذكر هذا القول من أهل المعاني، وقد ذكره بمعناه الفخر الرازي ١٥/ ١٩١، والقرطبي ٨/ ٤٢.\n(٤) رواه المصنف في \"أسباب النزول\" ص ٢٤١ - ٢٤٢، والطبراني في \"المعجم الكبير\" ١٢/ ٦٠ (١٢٤٧٠)، وأبو الشيخ وابن مردويه كما في \"الدر المنثور\" ٣/ ٣٦٢، وهو موضوع؛ إذ مداره على إسحاق بن بشر الكوهلي، قال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" ٧/ ١٠١ (١١٠٣٢): هو كذاب اهـ. وقال ابن أبي هاشم في \"الجرح والتعديل\" ٢/ ٢١٤ (٧٣٤): كان يكذب، يحدث عن مالك وأبي معشر بأحاديث موضوعة.\n(٥) رواه الثعلبي ٦/ ٧٠ أ، والبغوي ٣/ ٣٧٤، وهو مرسل، ثم إن في سندهما إبراهيم =","vol":"10","page":230},{"text":"قال أهل التفسير فعلى هذا القول هذه الآية مكية كتبت في سورة مدنية بأمر رسول الله - ﷺ - (١)، وعن ابن عباس أيضًا: نزلت هذه الآية [بالبيداء في غزوة بدر قبل القتال، قال: وسورة الأنفال كلها مدنية غير هذه الآية] (٢)؛\n_________\n= ابن نصر، قال ابن حجر في \"تعجيل المنفعة\" ص ٢٢: كذبه ابن معين، وقال صالح جزرة: كان يكذب عشرين سنة، وأشكل أمره على أحمد حتى ظهر بعد، وقال النسائي: ليس بثقة، وذكره ابن حبان في الثقات. اهـ. باختصار.\nوفي السند المذكور أيضًا جعفر بن أبي المغيرة، قال عنه الحافظ ابن حجر في \"تقريب التهذيب\" ص ١٤١ (٩٦٠): صدوق يهم، والأثر رواه ابن أبي حاتم ٥/ ١٧٢٨، وفي سنده جعفر المذكور، ويحيى الحماني: شيخ حافظ، لكنه متهم بسرقة الحديث كما في \"تقريب التهذيب\" ص ٥٩٣ (٧٥٩١).\nوعلى فرض صحة السند فإن المتن لا يصح لما يأتي:\n١ - قال الحافظ ابن كثير في \"تفسيره\" ٢/ ٣٥٨ معلقًا على هذه الرواية: وفي هذا نظر لأن هذه الآية مدنية وإسلام عمر كان بمكة بعد الهجرة إلى أرض الحبشة وقبل الهجرة إلى المدينة.\nوقال أبو سليمان الدمشقي: هذا لا يحفظ، والسورة مدنية بإجماع. \"زاد المسير\" ٣/ ٣٧٧.\n٢ - أن الثابت تاريخيًا أن عدد المهاجرين إلى أرض الحبشة من المؤمنين ثلاثة وثمانون رجلًا سوى النساء والأبناء.\nانظر: \"السيرة النبوية\" لابن هشام ١/ ٣٤٣ - ٣٦٣ وإسلام عمر كان بعد هذه الهجرة.\n٣ - أن المعنى الصحيح للآية -كما سيأتي إيضاحه-: يا أيها النبي يكفيك الله ويكفي أتباعك، بينما هذا الأثر يقتضي أن يكون المعنى: يكفيك الله ويكفيك أتباعك من المؤمنين مثل عمر.\nانظر: \"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢٥، وهذا المعنى فاسد كما سيأتي بيانه.\n(١) هذا قول القشيري، كما في \"تفسير القرطبي\" ٨/ ٤٢، وانظر: \"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢٥، وابن عطية ٦/ ٣٦٢، والرازي ١٥/ ١٩١.\n(٢) ما بين المعقوفين ساقط من (ح).","vol":"10","page":231},{"text":"فإنها نزلت بالبيداء (١) (٢). وقال مقاتل في قوله: ﴿وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ يعني الأنصار (٣)، وقال عطاء، عن ابن عباس: يعني المهاجرين والأنصار (٤).\nواختلفوا في محل (من) في قوله: ﴿وَمَنِ اتَّبَعَكَ﴾. نحو اختلاف المفسرين فقال الفراء: الكاف في (حسبك) خفض و(من) في موضع نصب على معنى: يكفيك الله ويكفي من اتبعك، كما قال الشاعر:\nإذا كانت الهيجا وانشقت العصا ... فحسبك والضحاك سيف مهند (٥)\nقال: وليس بكثير من كلامهم أن يقولوا: حسبك وأخاك حتى يقولوا: حسبك وحسب أخيك، ولكنا أجزناه؛ لأن في (حسبك) معنى واقع من الفعل فرددنا (من) (٦) على تأويل (الكاف) لا على لفظها (٧) كقوله: ﴿إِنَّا\n_________\n(١) الأرجح في تعريف المكي والمدني أن المكي ما نزل قبل الهجرة، والمدني ما نزل بعدها، سواء نزل بمكة أم بالمدينة أم بسفر من الأسفار. انظر: \"الإتقان\" ١/ ٣٦، وعلى هذا فالآية مدنية أيضًا.\n(٢) ذكره مختصرًا الماوردي ٢/ ٣٣١، والقرطبي ٨/ ٤٣٠، عن الكلبي، وذكره ابن عطية ٦/ ٣٦٢ بلا نسبة.\n(٣) لم أجد من ذكره عنه، وقد ذكر الأنصار في الآية السابقة مرتين، انظر \"تفسيره\" ١٢٣ ب. أما قوله في هذه الآية فنصه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ﴾ وحسب من اتبعك من المؤمنين الله ﷿.\n(٤) \"تنوير المقباس\" ص ١٨٥ بنحوه من رواية الكلبي، وكلا الروايتين موضوعتان.\n(٥) البيت لجرير كما قال البغدادي في \"ذيل الأمالي\" ص ١٤٠، وليس في \"ديوانه\"، وانظره بلا نسبة في: \"خزانة الأدب\" ٧/ ٥٨١، و\"سمط اللآلئ\" ٢/ ٨٩٩، و\"لسان العرب\" (حسب) ٢/ ٨٦٥.\n(٦) ساقط من (س).\n(٧) يعني: إن لفظ (الكاف) في محل جر بالإضافة، وتأويلها في محل نصب مفعول به؛ لأن معنى (حسبك) يكفيك.","vol":"10","page":232},{"text":"مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ﴾ [العنكبوت: ٣٣] فرد الأهل على تأويل (الكاف) (١).\nوهذا الوجه من الإعراب في محل (من) على قول ابن زيد [وإحدى الروايتين عن الشعبي، قال ابن زيد] (٢) إن الله حسبك وحسبهم (٣)، وقال الشعبي في رواية: حسبك الله وحسب من شهد معك (٤)، قال الفراء: وإن شئت جعلت (من) في موضع رفع وهو أحب الوجهين إليّ (٥)، قال (٦) الزجاج ومن رفع فعلى العطف على الله ﷿، والمعنى: فإن حسبك الله وتُبّاعك (٧) من المؤمنين (٨).\nوذكر الكسائي الوجهين أيضًا في محل (من) (٩).\nفإذا قلنا أن في محل (من) رفع فهو معنى قول الشعبي: حسبك الله وحسبك من اتبعك (١٠)، ونحو ذلك قال الحسن (١١). وقال بعض أهل\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" ١/ ٤١٧ مع اختلاف يسير.\n(٢) ما بين المعقوفين ساقط من (ح).\n(٣) رواه بنحوه ابن جرير ١٠/ ٤٧، وابن أبي حاتم ٥/ ١٧٢٧.\n(٤) انظر المصدرين السابقين، نفس الموضع.\n(٥) \"معاني القرآن\" ١/ ٤١٧.\n(٦) في (ح): (وهو قول).\n(٧) بضم التاء وتشديد الباء.\n(٨) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٢٣.\n(٩) انظر: \"عناية القاضي\" للخفاجي ٤/ ٢٨٩، و\"محاسن التأويل\" ٨/ ٣٠٣٢.\n(١٠) ذكر السيوطي في \"الدر المنثور\" ٣/ ٣٦٢ أنه أخرجه البخاري في \"تاريخه\"، وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، ولم أجد هذه الرواية في \"تفسير ابن أبي حاتم\"، بل ذكر عنه الرواية الأولى.\n(١١) انظر: \"تفسير القرطبي\" ٨/ ٤٣، و\"البحر المحيط\" ٤/ ٥١٦، و\"الدر المصون\" ٥/ ٦٣٢، وفي هذا القول نظر من عدة أوجه منها: =","vol":"10","page":233},{"text":"المعاني: قد عني الله جل ثناؤه الوجهين جمعيًا بالآية (١).\n_________\n= أولًا: نظائر هذه الآية تدل على أن المعنى الصحيح للآية هو: يا أيها النبي يكفيك الله وحده ويكفي أتباعك المؤمنين، قال تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر: ٣٦]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣]، وقال تعالى: ﴿قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [الزمر: ٣٨]، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ﴾ [الأنفال: ٦٢]، وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧]، ومعلوم أن خير ما يفسر القرآن القرآن نفسه، وقد ذهب إلى هذا المعنى الصحيح جمهور المفسرين، انظر: \"زاد المسير\" ٣/ ٣٧٧.\nثانيًا: قال الإمام ابن القيم في سياق بيان أوجه التقدير في الآية: وفيه تقدير رابع، وهو خطأ من جهة المعنى، وهو أن تكون (من) في موضع رفع عطفا على اسم (الله) ويكون المعنى: حسبك الله وأتباعك، وهذا -وإن قاله بعض الناس- فهو خطأ محض، لا يجوز حمل الآية عليه، فإن (الحسب) و(الكفاية) لله وحده، كالتوكل والتقوى والعبادة، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ٦٢]؛ ففرق بين الحسب والتأييد، فجعل الحسب له وحده، وجعل التأييد له بنصره وبعباده، وأثنى الله سبحانه على أهل التوحيد والتوكل من عباده حيث أفردوه بالحسب، فقال تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣]، ولم يقولوا: حسبنا الله ورسوله، فإذا كان هذا قولهم ومدح الرب تعالى لهم بذلك فكيف يقول لرسوله: الله وأتباعك حسبك، وأتباعه قد أفردوا الرب تعالى بالحسب، ولم يشركوا بينه وبين رسوله فيه، فكيف يشرك بينهم وبينه في حسب رسوله؟ هذا من أمحل الأمحال، وأبطل الباطل. \"زاد المعاد\" ١/ ٣٦.\nثالثًا: قال جمال الدين القاسمي بعد أن ذكر رد الخفاجي قول ابن القيم محتجًا بأن الفراء والكسائي رجحا وجه الرفع: أقول: هذا من الخفاجي من الولع بالمناقشة، كما هو دأبه، ولو أمعن النظر فيما برهن عليه ابن القيم وأيده بما لا يبقى معه وقفة لما ضعفه، والفراء والكسائي من علماء العربية، ولأئمة التأويل فقه آخر، فتبصر ولا تكن أسير التقليد. \"محاسن التأويل\" ٨/ ٣٠٣٢.\n(١) انظر: \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ٦١٤ - ٦٨٥ بمعناه.","vol":"10","page":234},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1367>٦٥ </span>- قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ﴾ الآية، معنى التحريض في اللغة كالتحضيض وهو الحث على الشيء، قال ابن عباس: يريد: الحث على نصر دين الله (١)، وذكر أبو إسحاق في اشتقاقه وجهًا بعيدًا فقال: تأويل التحريض في اللغة: أن يحث الإنسان على شيء حثًا يعلم معه أنه حارض إن تخلف عنه، والحارض: الذي قد قارب الهلاك (٢).\nأشار بهذا إلى أن المؤمنين لو تخلفوا عن القتال بعد حث النبي - ﷺ - كانوا حارضين أي: هالكين، فعنده التحريض مشتق من لفظ الحارض والحرض (٣).\nوقوله تعالى: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾، قال ابن عباس: يريد: الرجل بعشرة (٤).\nوقال الليث: قلت للخليل: ما معنى العشرين؟ قال: جماعة (٥) عِشر (٦)، قلت: والعِشْر كم يكون؟ قال: تسعة أيام، قلت: فعشرون ليست\n_________\n(١) \"تنوير المقباس\" ص ١٨٥ بمعناه\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٢٣.\n(٣) قال صاحب القاموس في مادة (حرض) ص ٦٣٩: الحَرَض: الفساد في البدن وفي المذهب وفي العقل، والرجل الفاسد المريض، كالحارضة والحرِض ككتف، والكالّ المعيي، والمشرف على الهلاك اهـ. وفي \"مجمل اللغة\" (حرض) ١/ ٢٢٦: الحرض: المشرف على الهلاك، قال الله -جل ثناؤه-: ﴿حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا﴾ وحرضت فلانًا على كذا: إذا أمرته به، وهو من الأول؛ لأنه إذا خالف فقد هلك، كذا فسر بعض أهل العلم قوله تعالى: ﴿حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ﴾.\n(٤) رواه بنحوه البخاري في \"صحيحه\" (٤٦٥٣) كتاب التفسير، باب: الآن خفف الله عنكم، وابن جرير ١٠/ ٣٨، وابن أبي حاتم ٥/ ١٧٢٨.\n(٥) في (ح): (جمع جماعة عشر)، وما أثبته موافق للمصدر التالي.\n(٦) بكسر العين وإسكان الشين، قال الخليل في كتاب \"العين\" (عشر): العِشْر: ورد =","vol":"10","page":235},{"text":"بتمام إنما هو عشران ويومان، قال: لما مر من العِشر الثالث يومان جمعته بالعشرين، قلت: وإن لم يستوعب الجزء الثالث؟ قال: نعم، ألا ترى إلى قول أبي حنيفة (١): إذا طلقها تطليقتين وعُشْر تطليقة فإنه يجعلها ثلاثًا (٢)، وإنما من التطليقة الثالثة جزء، فالعشرون هذا قياسه (٣).\nقال النحويون: وهذا خطأ فاسد من الكلام، ولم يقل الخليل هذا (٤)، ومتى كان كلام العرب قياسًا على قول أبي حنيفة، ولكن (عشرين)\n_________\n= الإبل اليوم العاشر، وفي حسابهم: العِشْر: التاسع، وإبل عواشر: وردت الماء عشرًا.\n(١) هو: النعمان بن ثابت بن زوطي الكوفي، التيمي مولاهم، الإمام، فقيه الملة، وعالم العراق، وصاحب المذهب المشهور، ولد سنة ٨٠ هـ في حياة صغار الصحابة، ورأى أنس بن مالك، عني بطلب الآثار، وصار إليه المنتهى في الرأي وغوامض الفقه، توفي سنة ١٥٠ هـ.\nانظر: \"تاريخ بغداد\" ١٣/ ٣٢٣، و\"سير أعلام النبلاء\" ٦/ ٣٩٠، و\"تهذيب التهذيب\" ٤/ ٢٢٩.\n(٢) انظر: مذهب أبي حنيفة في احتساب بعض التطليقة تطليقة كاملة في \"تحفة الفقهاء\" للسمرقندي ٢/ ٢٦٨، و\"بدائع الصنائع\" ٤/ ١٨٨٥، وكتاب \"المبسوط\" ٦/ ١٣٩.\n(٣) \"تهذيب اللغة\" (عشر) ٣/ ٢٤٤٥ - ٢٤٤٧ مع اختلاف يسير، كتاب \"العين\" للخليل (عشر) ١/ ٢٤٦ بمعناه.\n(٤) الراوي عن الخليل هو الليث بن المظفر راوي كتاب \"العين\" للخليل، وقد أثنى عليه خصمه ومتتبع زلاته وهو الأزهري صاحب \"تهذيب اللغة\" فقال عن كتاب \"العين\" الذي ينسبه لليث: فلا تشكن فيه من أجل أنه زل في حروف معدودة، هي قليلة في جنب الكثير الذي جاء به صحيحًا، كما نقل وصف الإمام إسحاق بن راهويه الرجل بالصلاح.\nانظر: \"مقدمة تهذيب اللغة\" ١/ ٢٨ - ٢٩، وانظر: تحامل النحاة البصريين على =","vol":"10","page":236},{"text":"كأنه في الظاهر جمع (عشر) و(ثلاثون) جمع (ثلاث)، و(أربعون) جمع (أربع)، وليس الأمر كذلك؛ لأن (العِشْر) غير معروف إلا في إظماء الإبل، ولو كان (ثلاثون) جمع ثلاث لوجب أن يستعمل في (تسعة) وفي (اثنى عشرة) وفي كل عدد [الواحد من تثليثها ثلاث] (١) وكذلك القول في (الأربعين) (٢) و(خمسين) إلى (التسعين) كالقول في (ثلاثين)، فقد ثبت أن (ثلاثين) ليس جمع (ثلاث)، وكذلك سائر العقود، ولكن (عشرين) و(ثلاثين) جار مجرى (فلسطين) في أنه اسم موضوع على سورة الجمع لهذا العدد، فإن (٣) اعتقد له واحد وإن لم يجر به استعمال [كأن (عشرًا) و(ثلاثًا) و(ثلاث): جماعة] (٤) فكأنه قد كان ينبغي أن تكون فيه الهاء فعرض من ذلك الجمع بالواو والنون، وعاد الأمر فيه إلى قصة (أرض) و(أرضون) (٥) وقد ذكرنا الكلام فيه.\nوقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾\n_________\n= الليث في \"مقدمة كتاب العين\" ١/ ١٨ - ٢٧ للدكتور مهدي المخزومي، والدكتور إبراهيم السامرائي.\n(١) هكذا في جميع النسخ، والعبارة مضطربة، ونص ما بين المعقوفين في \"سر صناعة الإعراب\": الواحد من تثليثها فوق العشرة نحو (ثلاثة وثلاثين)؛ لأن الواحد من تثليث هذه (أحد عشر).\n(٢) في \"سر صناعة الإعراب\": أربعين.\n(٣) في (ج): (فإنه).\n(٤) نص ما بين المعقوفين في \"سر صناعة الإعراب\": فكأن (ثلاثين) جمع (ثلاث) و(ثلاث): جماعة.\n(٥) انظر: \"سر صناعة الإعراب\" ٢/ ٦٢٦، ٦٢٧، وقد تصرف الواحدي في عبارته كثيرًا وزاد بعض الجمل.","vol":"10","page":237},{"text":"قرئ (يكن) (١) بالياء والتاء (٢)، فمن قرأ بالياء فلأنه يراد بالمائة المذكر لأنهم رجال في المعنى فحمل الكلام على أنهم مذكرون في المعنى، يدلك على ذلك قوله: (يغلبوا) كما جاء: ﴿فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠] فأنث الأمثال على المعنى لما كانت حسنات.\nومن قرأ بالتاء حمل الكلام على اللفظ، واللفظ مؤنث، وكان أبو عمرو يقرأ هذا بالياء، وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ﴾ بالتاء (٣)؛ لأن التأنيث هاهنا أشد مشاكلة لقوله: (صابرة) من التذكير، وقرأ الأول بالياء؛ لأنه أخبر عنه بقوله: ﴿يَغْلِبُوا﴾ فكان التذكير أشد مشاكلة لـ ﴿يَغْلِبُوا﴾ (٤).\nوأما الكلام في (مائة) فقال الفراء: إنها منقوصة من آخرها نحو: السنة وبابها، قال: وقد أتم بعض الشعراء المائة فقال (٥):\n_________\n(١) ساقط من (ح) و(س).\n(٢) في قوله ﴿يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ﴾، وقوله: ﴿فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ﴾: قرأ الكوفيون بالياء في الموضعين، ووافقهم البصريان في الموضع الأول فقط، والباقون بالتاء على التأنيث في الموضعين. انظر: \"التبصرة في القراءات\" ص ٢١٢، و\"تحبير التيسير\" ص ١١٨، و\"إتحاف فضلاء البشر\" ص ٢٣٨.\n(٣) انظر: تخريج القراءة في التعليق الأسبق، وكتاب \"السبعة\"ص ٣٠٨، و\"التيسير\" ص ١١٧.\n(٤) القراءة سنة ينقلها السابق للاحق، وليس للقراء إنشاؤها وابتداؤها، ولعل المؤلف يقصد بيان سبب اختيار أبي عمرو لهذه القراءة دون غيرها.\n(٥) البيت لتميم بن مقبل كما في \"المقاصد النحوية\" ٢/ ٣٧٦، ولم أجده في \"ديوانه\" ولا \"ذيله\"، وله أو لأبي شبل الأعرابي كما في \"الدرر اللوامع\" ١/ ١٣٠، وانظره بلا نسبة في: \"تذكرة النحاة\" ص ٥٠٨، و\"لسان العرب\" (ضربج) ٥/ ٢٥٧٠.","vol":"10","page":238},{"text":"فقلت والمرء قد تخطيه مُنْيَته (١) ... أدنى عطيته إياي مئيات (٢)\nمثل: مِعْيات (٣)، فأخرج الياء (٤).\nابن السكيت: أمأت الدراهم: إذا صارت مائة، وأمأيتها أنا، وجمع مائة: مئين، ومئ (٥) مثل: مِعٍ، وأنشد:\nوما زودوني غير سحق عمامة ... وخمسمئٍ منها قسي وزائف (٦)\n_________\n(١) في (ح): (ميتته)، وفي \"لسان العرب\": مُنْيَتُه، مفرد أماني، وضبطه صاحب \"المعجم المفصل\" ١/ ١٣٦ هكذا: مُنِيَّته، مفرد منايا، والصواب ما ورد في اللسان بدلالة سياق الأبيات ونصها:\nقد كنت أحجو أبا عمرو أخًا ثقة .. حتى أمت بنا يومًا ملمات\nفقلت ولا مرء قد تخطيه مُنْيَتُه ... أدنى عطياته إياي مئيات\nفكان ما جاد لي لا جاد من سعة ... دراهم زائفات ضربجيات\nانظر: \"لسان العرب\" (ضربج) ٢/ ٣١٥.\n(٢) في \"الدرر اللوامع\": ميآت، وما أثبته موافق لـ \"تذكرة النحاة\"، و\"لسان العرب\".\n(٣) في (ح): (ميعاد).\n(٤) لم أقف على مصدره.\n(٥) هكذا وهو موافق لما في \"إصلاح المنطق\"، وفي \"المشوف المعلم\": مئي، مثل: مِعي، وانظر ما ذكره ابن منظور في: رد (مئٍ) في \"لسان العرب\" (مأي) ٧/ ٤١٢٤، وقال الأخفش: قولهم: ثلاث مئي، فإنهم أرادوا بمئي جماعة المائة، كتمرة وتمر، تقول فيه: رأيت مئْيًا، مثل: معْيًا، وقولهم: رأيت مِئًا، مثل: مِعًا، خطأ؛ لأن الميء إنما جاءت في الشعر.\n(٦) البيت لمزرد بن ضرار كما في \"ديوانه\" ص ٥٣، و\"إصلاح المنطق\" ص ٣٠٠، و\"الصحاح\" للجوهري (مأى) ٦/ ٢٤٨٩، \"لسان العرب\" (مأى) ٧/ ٤١٢٤، ونص الشطر الأول في الديوان:\nفكانت سراويل وجردٌ خميصة ... والسحق: الخَلقِ البالي.\nودرهم قسي: رديء، وقيل: هو ضرب من الزيوف لرداءة فضته وصلابتها. انظر: \"لسان العرب\" (سحق) و(قسا).","vol":"10","page":239},{"text":"قال: ولو قلت: مِئات على وزن مِعَات جاز (١).\nوذكر أبو علي الفارسي في \"المسائل الحلبية\" (٢): إن (مائة) وزنها (فِعْلَة) وأصلها: مِئْيَة فحذفت اللام منها، وجمع للنقص الذي لحقه بالواو والنون، ومثله (رئة) في حذف اللام منه ويدل على ذلك قولهم: رأيت الرجل: إذا ضربت (٣) رئته، وأنشد أبو زيد:\nفغظناهم حتى أتى الغيظ منهم ... قلوبًا وأكبادًا لهم، ورئينا (٤)\nفهذا مثل مئين، فأما ما أنشده أبو زيد (٥):\nوحاتم الطائي وهاب المئي\nفالقول في المئي: إنها جمع مائة على (فعول) وقلبت الواو ياءً كما قالوا: حقو وحقين ودلو ودلي، وفي التنزيل: ﴿حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ﴾ [طه: ٦٦]، وقالوا (٦): إنكم لتنظرون في نُحُوّ كثيرة فشذ هذا الحرف، وصحت\n_________\n(١) \"إصلاح المنطق\" ص ٣٠٠، و\"المشوف المعلم\" ٢/ ٧٠٩.\n(٢) في \"المسائل الحلبيات\" ص ٦١، بعض هذا القول من قوله: يدل على ذلك .... إلى آخر البيت الأول، ولم أجد أول القول فيها، والنسخة المطبوعة فيها نقص كبير، كما أشار المحقق في المقدمة (ص: د).\n(٣) في (ج): (أصبت).\n(٤) البيت للأسود بن يعفر وهو في \"ديوانه\" ص ٦٣، وذكره أبو زيد في \"نوادر اللغة\" ص ٢٤ ونسبه له.\n(٥) \"نوادر اللغة\" ص ٩١، ونسبه لامرأة من بني عقيل، وقبله:\nحيدة خالي ولقيط وعلي\nوانظر: \"المسائل العسكريات\" ص ١٧٧، و\"لسان العرب\" (مأي) ٧/ ٤١٢٤، و\"خزانة الأدب\" ٧/ ٣٧٥، ونسبه في \"المفاسد النحوية\" ٤/ ٥٦٥ لقصي بن كلاب.\n(٦) يعني العرب، قال ابن منظور في \"لسان العرب\" (نحا) (٤٣٧١): في بعض كلام العرب: إنكم لتنظرون في نحو كثيرة، أي في ضروب من النحو.","vol":"10","page":240},{"text":"الواو فيه، ومثله: سَنَة وسني، أنشد أبو زيد (١):\nيأكل أزمان الهزال والسني\nوهذا على لغة من جعل اللام من (سنة) واوًا ثم أبدل من الواو ياءً، كما أبدلت في حِقِي وعِصِي (٢)، وقلب واو (فعول) ياءً لوقوعها ساكنة قبل الياء التي في موضع اللام، ثم أبدل من الضمة كسرة كما أبدلت منها في (مرمى) ونحوهن فصار مثل عصي، وصار (مائة) في قوله: وهاب المئي، [في موضع اللام] (٣)، مثل (خلي) ثم خففت الياء لوقوعها في القافية، والحروف المشددة إذا وقعن حرف روي خففن، كما أنشد سيبويه (٤):\nولا أسمع أجراس المطي\n_________\n(١) \"نوادر اللغة\" ص ٩١، وهو تابع للرجز السابق، وقبل هذا البيت:\nولم يكن كخالك العبد الدعي\n(٢) حقي وعصي: جمعا حقو وعصا، والحقو: الخصر ومشد الإزار من الجنب. \"اللسان\" (حقو) ٢/ ٩٤٨، ويقصد بالإبدال فيهما أن أصلهما: حُقُوْوُ وعُصُوْوُ، على وزن (فعول) ثم قلبت الواو الأخيرة ياء، فصارا في التقدير: حُقُوْي، وعُصُوْي ثم قلبت الواو ياء لسكونها ووقوعها قبل ياء مسبوقة بساكن، فصار: حُقُييْ، وعُصُيْ، ولكي تسلم الياء أبدلت حركة الحرف السابق لها كسرة، وأدغمت الياء في الياء، ثم جاز إبدال ضمة الفاء كسرة إتْباعًا لكسرة العين.\nانظر: \"المقتضب\" ١/ ١٨٣ فقد نص على الميزان الصرفي لجمع (عصا).\n(٣) ساقط من (م) و(س).\n(٤) انظر \"كتاب سيبويه\" ٣/ ٩٥، وهو بعض عجز بيت نصه:\nمتى أنام لا يؤرقني الكرِي ... ليلًا ولا أسمع أجراس المطي\nوهو من شواهد سيبويه الخمسين التي لا يعرف قائلها، وهو أيضًا بلا نسبة في \"جمهرة اللغة\" (ركي) ٢/ ٨٠١، و\"خزانة الأدب\" ١٠/ ٣٢٣، و\"الصحاح\" (شمم) ٥/ ١٩٦٢، و\"لسان العرب\" (شمم) ٤/ ٢٣٣٣، و\"المنصف\" ٢/ ١٩١.","vol":"10","page":241},{"text":"قال (١): ويجوز في (الميء) وجه آخر وهو أن مائة (فِعْلَة) و(فَعَلٌ) قد عاقبت (فِعْلا) نحو: شَبَهٌ، وشِبْهٌ، وبابه، و(فَعَل) جمع على (فُعْل) كقولهم: أسَد وأَسْد، ووَثَن، ووثْن، كذلك جمعوا (فَعَلًا) على (فُعْلٍ) حيث كان بمنزلته لتعاقبهما على الكلمة الواحدة (٢)، ثم أبدل من ضمة الفاء كسرة كما قالوا: مِغيرة ومِنتن، وأتبعوا العين حركة الفاء، وحذفوا اللام التي هي محذوفة (٣) من (مائة) فصار: (مئٍ) وعلى هذا يحمل قوله (٤):\nوخمسمئٍ منها قسي وزائف\nفإن قيل: فلم لا يكون (المئي) على فِعِل؟\nقيل: لا يستقيم ذلك لقلة هذا الوزن في الآحاد، ألا ترى أن سيبويه إنما حكى منه الإِبِل (٥)، والمراد بالمئي الجمع، ولا يعلم شيئًا من الجمع على (فِعِل)، فإذا لم يجيء في الجمع البته وكان مجيئه في الآحاد على ما ذكر من القلة لم يكن للحمل عليه مساغ.\n_________\n(١) يعني الفارسي في \"المسائل الحلبيات\"، ولم أجده فيها، ولعله من الجزء الناقص، انظر \"مقدمة المحقق\" (ص: د)، وكذلك لم أجده في كتبه الأخرى التي بين يدي.\n(٢) قال أبو علي الفارسي في كتاب \"التكملة\" ص ٤١٢: وكسروا حروفًا على (فُعْل) كما كسّروا عليه (فَعَلًا) نحو: أَسَد وأُسْد، وذلك أن (فُعْلًا) مثل (فَعَلٌ) في نحو: البُخْل والبَخَل، والسُّقْم والسَّقَم، اهـ ومعنى كسروا: جمعوا جمع تكسير.\n(٣) في (ح): (منير)، قال الجوهري في \"الصحاح\" (نتن) ٦/ ٢٢١٠: نتن الشيء وأنتن بمعنى، فهو مُنتن ومِنتن، كسرت الميم اتباعًا لكسرة التاء؛ لأن (مِفْعِلًا) ليس من الأبنية. اهـ. وفي \"كتاب سيبويه\" ٤/ ١٠٩: وأما الذين قالوا: مِغِيرة ومِعِين فليس على هذا، ولكنهم أتبعوا الكسرة الكسرة، كما قالوا: مِنتن.\n(٤) سبق تخريجه في أول الأنفال.\n(٥) انظر: \"كتاب سيبويه\" ٣/ ٥٧٤.","vol":"10","page":242},{"text":"وقوله تعالى: ﴿بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ﴾، قال ابن (١) إسحاق: أي: لا يقاتلون على بينة (٢) ولا حق ولا معرفة (٣)، وقال المفسرون (٤): معنى قول: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ﴾ أي: من أجل أن المشركين قوم يقاتلون علي غير احتساب، ولا طلب ثواب؛ فهم لا يثبتون إذا صدقتموهم القتال خشية أن (٥) يقتلوا، وقال أهل المعاني: معنى ﴿لَا يَفْقَهُونَ﴾ أي هم على جهالة، خلاف من يقاتل على بصيرة يرجو به ثواب الآخرة (٦)، وقال ابن عباس والمفسرون: هذه الآية نسخها قوله: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾ الآية (٧)، وقال الوالبي عن ابن عباس: في هذه الآية أمر الله الرجل من المؤمنين أن يقاتل عشرة من الكفار، فشق ذلك عليهم فرحمهم فقال: ﴿فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ الآية (٨)، وقال عطاء عنه: لما نزلت هذه الآية ضج المهاجرون، وقالوا: يا رب نحن جياع وعدونا شباع، ونحن في غربة وعدونا في أهليهم، ونحن قد أخرجنا من ديارنا وأموالنا،\n_________\n(١) في (م) و(س): (أبو)، وهو خطأ.\n(٢) هكذا، وفي \"السيرة النبوية\"، و\"تفسير ابن جرير\" ١٠/ ٤١: نية.\n(٣) \"السيرة النبوية\" ٢/ ٣٢٢ وفيها: ولا معرفة بخير ولا شر.\n(٤) اللفظ لأبي إسحاق الثعلبي، انظر \"تفسيره\" ٦/ ٧٠ ب، ونحوه في \"تفسير ابن جرير\" ١٠/ ٣٨، والزمخشري ١/ ١٦٧.\n(٥) في (ح): (لئن لا)، وهو خطأ.\n(٦) ذكر نحوه الحوفي في \"البرهان\" ١١/ ١٠٢ ب.\n(٧) انظر: \"تفسير ابن جرير\" ١٠/ ٣٨ - ٤١، وابن أبي حاتم ٥/ ١٧٢٩، والثعلبي ٦/ ٧٠ ب، و\"الدر المنثور\" ٣/ ٣٦٢ - ٣٦٤، فقد ذكروه عن ابن عباس وسعيد ابن جبير والحسن البصري ومجاهد وعطاء بن أبي رباح وعكرمة وزيد بن أسلم وعطاء الخرساني والضحاك.\n(٨) رواه ابن جرير ١٠/ ٣٩.","vol":"10","page":243},{"text":"وقال الأنصار: شغلنا بعدونا، وواسينا إخواننا، فنزل التخفيف (١)، وقال عكرمة: إنما أمر الرجل أن يصبر لعشرة، والعشرة لمائة إذ المسلمون قليل فلما كثروا خفف الله عنهم (٢)، ولهذا قال ابن عباس: أيما رجل فرّ من ثلاثة فلم يفر، فإن فر من اثنين فقد فر (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1368>٦٦ </span>- قوله تعالى: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾ الآية، قال أهل العلم بالتفسير: هذه الآية نزلت بعد الأولى بمدة طويلة وإن كانت إلى جنبها، وكان رسول الله - ﷺ - يبعث المسلمين غزاة على حكم الآية الأولى، والمسلمون يصابر الواحد منهم العشرة من الكفار، بعث حمزة في ثلاثين راكبًا قبل بدر فلقيهم أبو جهل في ثلاثمائة راكب (٤)، قال ابن عباس: فلما تضرعوا واشتكوا إلى الله ضعفهم نزل: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾ (٥)، قال\n_________\n(١) لم أجد من ذكر هذه الرواية بلفظها سوى الفخر الرازي ١٥/ ١٩٥، وقد روى هذا الأثر عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس مختصرًا ابن جرير ١٠/ ٣٩، وابن إسحاق في \"السيرة النبوية\" ٢/ ٣٢٣.\nورواه بمعناه من طريق آخر البخاري (٤٦٥٣) كتاب التفسير، باب: الآن خفف الله عنكم ٦/ ١٢٢، وأبو داود (٢٦٤٦) كتاب الجهاد، باب: في التولي يوم الزحف.\n(٢) رواه بمعناه ابن جرير ١٠/ ٤٠، ورواه في الموضع نفسه بلفظه عن ابن عباس.\n(٣) رواه الطبراني في \"الكبير\" ١١/ ١١٣ (١١١٥١)، ورجاله ثقات كما في \"مجمع الزوائد\" ٥/ ٥٩١، ورواه بنحوه الصنعاني في \"المصنف\" ٥/ ٢٥٢، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" ٩/ ١٣٠.\n(٤) انظر: \"السيرة النبوية\" لابن هشام ٢/ ٢٢٩ - ٢٣٤، و\"الكشاف\" ٢/ ١٦٧، ونسب القول لابن جريج، وانظر أيضًا: \"تفسير الرازي\" ١٥/ ١٩٤.\n(٥) لم أجده بلفظه، وقد ورد معناه في روايات كثيرة، انظر: \"تفسير ابن جرير\" ١٠/ ٣٩ - ٤١، و\"الدر المنثور\" ٣/ ٣٦٢ - ٣٦٤.","vol":"10","page":244},{"text":"الكلبي: هون الله عليكم (١)، ﴿وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا﴾ [وقرئ (ضُعفًا) (٢)] (٣)، قال سيبويه: وهما لغتان مثل: (الفَقْر والفُقر) (٤).\nوقوله (٥): ﴿فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾، قال ابن عباس: صار الرجل برجلين (٦)، وذهب بعض المفسرين (٧) إلى قوله: ﴿فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ شرط وجزاء محض، يعني أن المائة إذا صبرت غلبت مائتين من المشركين، وكل مائة من المسلمين لا تغلب مائتين من المشركين فإنها ليست بصابرة، ولو كانت صابرة لغلبت المائتين وعدًا من الله، وهذا معنى قول مجاهد: إن صبروا غلبوهم (٨)، والآية على هذه الطريقة معناها الإخبار، ولو وقفت مائة صابرة في مقابلة مائتين (٩) لغلبوهم بكل حال؛ فإن الخبر من الله تعالى لا يجوز أن يقع بخلاف مخبره، والصحيح أن هذا خبر معناه الأمر والتكليف، أي: إذا كانت منكم\n_________\n(١) \"تنوير المقباس\" ص ١٨٥، عن الكلبي، عن ابن عباس.\n(٢) قرأ عاصم وحمزة بفتح الضاد، وقرأ الباقون بضمها.\nانظر: كتاب \"السبعة\" ص ٣٠٨، و\"التبصرة في القراءات\" ص ٢١٢، و\"تقريب النشر\" ص ١١٩.\n(٣) ما بين المعقوفين ساقط من (ح).\n(٤) انظر: \"كتاب سيبويه\" ٤/ ٣١، ٣٣.\n(٥) ساقط من (ح) و(س).\n(٦) رواه مطولًا ابن جرير ١٠/ ٣٩، وإسحاق بن راهويه في \"مسنده\"، وابن المنذر والطبراني في \"الأوسط\"، وأبو الشيخ وابن مردويه كما في \"الدر المنثور\" ٣/ ٣٦٣.\n(٧) هو: محمد بن بحر أبو مسلم الأصفهاني كما في \"تفسير الرازي\" ١٥/ ١٩٥، وانظر: \"الكشاف\" ٢/ ١٦٧.\n(٨) رواه مطولًا ابن جرير ١٠/ ٤١.\n(٩) في (ح): (ألف).","vol":"10","page":245},{"text":"مائة فليصابروا ليغلبوا المائتين كقوله: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٨]. ألا ترى أن المفسرين كلهم اتفقوا على أن قوله في الآية الأولى: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ أمر لا خبر بدليل ورود النسخ عليه والنسخ لا يجوز وروده على الخبر (١)، وصاحب النظم قد أحسن في شرح هذا المشكل فقال: الخبر خبران: خبر ماض وخبر مؤتنف، والشرط بينهما موقوف؛ لأنه غير ماض ولا واجب، وإنما هو شيء منتظر، وربما أظهرت العرب الشرط والجزاء على صورة الخبر (٢) فيغلط فيه الناقد البصير فكيف من دونه وقد جاء الجزاء دون الشرط على سورة الخبر ومعناه، نحو قول القطامي:\nوالناس من يلق خيرًا قائلون له ... ما يشتهي ولأم المخطىء الهبل (٣)\nفقوله: من يلق خيرًا شرط ومعناه الخبر؛ لأن معناه: من لقي خيرًا قالوا له ما يشتهي، وتأويل الآية: إن يصبر منكم عشرون لمائتين من المشركين يغلبوهم، فهو شرط محض وجزاء خالص، والشرط غير واجب فكيف يكون خبرًا؟ والخبر واجب إما ماضيًا وإما منتظرًا وهذا شيء وعده المؤمنين (٤) بما شرط إذا فعلوه.\nفإن قيل: فقد كان يجب على العشرين أن يصابروا المائتين كما يجب الآن على المائة أن يصابروا المائتين والشرط غير (٥) واجب.\n_________\n(١) انظر: \"تفسير ابن جرير\" ١٠/ ٤١، والثعلبي ٦/ ٧٠ ب، والبغوي ٣/ ٣٧٥، والسمرقندي ٢/ ٢٥.\n(٢) في (ج): (خبر).\n(٣) البيت في \"ديوانه\" ص ٢٥، ونسبه إليه أيضًا ابن قتيبة في كتاب \"المعاني الكبير\" ٣/ ١٢٦٦.\n(٤) في (م) و(س): (للمؤمنين).\n(٥) ساقط من (م).","vol":"10","page":246},{"text":"قيل: إن الله تعالى كان قد أنزل قبل هذا قوله (١): ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [الأنفال: ١٦] فعظم الفرار من الزحف، وهول في العقاب، ولا يقع العقاب إلى في واجب، ولم يصف الله تعالى حالة الفرار كيف هو أو كم من كم؟، ثم بينه بقوله ﷿: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ﴾ [الأنفال: ٦٥] فأعلم أن عشرين إذا صبروا أوجب لهم غلبة مائتين بشريطة الصبر، ووعده ناجز لا خلف فيه، فكان في ذلك بيان لكيفية الفرار التي حرمها، والصفة التي يكون المولي بها فارًّا مستوجبًا للعقاب إلا أنه ثقل عليهم ثبوت الواحد للعشرة فخفف ذلك عنهم بالآية الأخرى، فعلى ما ذكر: الآيتان لفظهما شرط، والشرط كما ذكر لا يكون واجبًا إلا أن الوجوب استفيد من تحريم الفرار، وتحريم الفرار مجمل فبيّن في الآيتين أنه مع كم يجب أن يصبر، ومن كم يجوز الفرار.\nوهذا طريق حسن في هاتين الآيتين، والحكم في هذه الآية أن كل مسلم بالغ مكلف وقف بإزاء مُشْرِكَيْن عبدًا كان أو حرًا فالهزيمة عليه حرام ما دام معه سلاح يقاتل، فإن لم يبق سلاح فله أن ينهزم، وإن قاتله ثلاثة حلت له (٢) الهزيمة، والصبر أحسن، وقف جيش مؤته وهم ثلاثة آلاف، وأمراؤهم على التعاقب زيد بن حارثة، ثم جعفر بن أبي طالب (٣)، ثم\n_________\n(١) ساقط من (م).\n(٢) ساقط من (ح).\n(٣) هو: جعفر بن أبي طالب بن عبد المطلب، أبو عبد الله وابن عم رسول الله - ﷺ - السيد الشهيد الكبير الشأن، هاجر إلى الحبشة، ثم قدم منها يوم فتح خيبر، وولاه رسول الله - ﷺ - قيادة جيش مؤتة بعد زيد، واستشهد فيها سنة ٨ هـ.\nانظر: \"سير أعلام النبلاء\" ١/ ٢٠٦، و\"تهذيب التهذيب\" ١/ ٣٠٨.","vol":"10","page":247},{"text":"عبد الله بن رواحة (١)، وقفوا في مقابلة مائتي ألف من المشركين، مائة من الروم، ومائة ألف من المستعربة وهم لخم وجذام (٢) (٣).\nوقوله تعالى: ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ فيه بيان أنه لا تقع الغلبة إلا أن يريد الله ذلك (٤)؛ لأن معنى الإذن: الإطلاق في الفعل، فما لم يطلق الله لهم الغلبة لم يغلبوا.\nوقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾، قال ابن عباس: يريد الذين صبروا على دينهم وعلى طاعة الله (٥). والمعنى: ومعونته مع الصابرين، ولكن فخّم بذكر الله ﷿ تشريفًا له.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1369>٦٧ </span>- قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى﴾ الآية، قال عكرمة (٦)، عن ابن عباس: لما أسروا الأسارى يوم بدر قال رسول الله - ﷺ -\n_________\n(١) هو: عبد الله بن رواحة بن ثعلبة الأنصاري الخزرجي، أحد النقباء، وأحد شعراء الرسول - ﷺ - شهد بيعة العقبة وبدر، وأمّره الرسول - ﷺ - على جيش مؤته بعد زيد وجعفر فقتل فيها سنة ٨ هـ.\nانظر: \"سير أعلام النبلاء\" ١/ ٢٣٠، و\"تهذيب التهذيب\" ٢/ ٣٣٣.\n(٢) لَخْم: بفتح اللام وسكون الخاء المعجمة، قبيلة عربية كبيرة، ينسبون إلى لخم وهو مالك بن عدي بن الحارث بن مرة بن أدد، وأما جُذام فبضم الجيم بعدها ذال غير مشددة، قبيلة عربية كبيرة أيضًا وهم إخوة للخم وينسبون إلى عمرو بن عدي بن الحارث، وقيل: هم من ولد أسد بن خزيمة. انظر: \"فتح الباري\" ٨/ ٧٥.\n(٣) انظر تفاصيل معركة مؤته في: \"السيرة النبوية\" لابن هشام ٣/ ٤٢٩ و\"الفصول في سيرة الرسول\" ص ١٩٣، و\"فتح الباري\" ٧/ ٥١٠ - ٥١٦.\n(٤) في (ح): (وذلك)، وهو خطأ.\n(٥) \"الوسيط\" ٢/ ٤٧٠، وفي \"تنوير المقباس\" ص ١٨٥: الصابرين في الحرب.\n(٦) هو: عكرمة بن عمار العجلي كما في سند مسلم وأحمد وابن أبي شيبة وابن جرير وليس عكرمة بن عبد الله مولى ابن عباس كما هو المتبادر، وقد رواه عكرمة هذا =","vol":"10","page":248},{"text":"\"ما ترون في هؤلاء الأسارى؟ \"، فقال أبو بكر: هم بنو العم والعشيرة، أرى أن نأخذ منهم فدية تكون لنا قوة على الكفار، وعسى الله أن يهديهم للإسلام، فقال رسول الله - ﷺ - \"ما ترى يا ابن الخطاب؟ \" قال: لا والله ما أرى الذي رأى أبو بكر، ولكن أرى أن تمكننا منهم فتمكن عليًا من عقيل (١) حتى يضرب عنقه، وتمكن حمزة (٢) من أخيه العباس حتى يضرب عنقه، وتمكنّي من فلان -نسيب لعمر- فأضرب عنقه، فإن هؤلاء أئمة الكفر حتى يعلم ربنا أنه ليس في قلوبنا للكفار هوادة، قال عمر: فهوى رسول الله - ﷺ - ما قال أبو بكر (٣).\n_________\n= عن أبي زميل، عن ابن عباس، عن عمر بن الخطاب، كما في رواية مسلم. انظر: مصادر تخريج الأثر التالية.\n(١) هو: عقيل بن أبي طالب بن عبد المطلب الهاشمي أخو علي بن أبي طالب، شهد بدرًا مشركًا، وأخرج إليها مكرهًا فأسر ولم يكن له مال ففداه عمه العباس، ثم أسلم قبل صلح الحديبية، وشهد مؤته، وتوفي في أول خلافة يزيد بن معاوية.\nانظر: \"التاريخ الكبير\" ٧/ ٥٠ (٢٣٠)، و\"سير أعلام النبلاء\" ١/ ٢١٨، و\"تهذيب التهذيب\" ٢/ ١٢٩.\n(٢) هو: حمزة بن عبد المطلب بن هاشم، الإمام البطل الضرغام أسد الله، وسيد الشهداء، وعم رسول الله - ﷺ - استشهد في معركة أحد سنة ٣ هـ.\nانظر: \"الاستيعاب\" ١/ ٤٢٣ (٥٥٩)، و\"سير أعلام النبلاء\" ١/ ١٧١، و\"الإصابة\" (١٨٢٦).\n(٣) رواه بنحوه مسلم في \"صحيحه\" (١٧٦٣) كتاب الجهاد والسير، باب: الإمداد بالملائكة في غزوة بدر وإباحة الغنائم، ٣/ ١٣٨٣ - ١٣٨٥ (١٧٦٣)، وأحمد في \"المسند\" ١/ ٣٠، ٣٢، وابن أبي شيبة في \"المصنف\" ١٤/ ٣٦٦، وابن جرير ١٠/ ٤٤.","vol":"10","page":249},{"text":"قال ابن مسعود: ثم قال رسول الله -ﷺ-: \"أنتم (١) اليوم عالة فلا ينفلتن (٢) أحد منهم إلا بفداء أو ضرب عنق\" (٣)، وعن عبيدة السلماني (٤) قال: قال رسول الله -ﷺ- لأصحابه في أسارى بدر: \"إن شئتم قتلتموهم وإن شئتم فاديتموهم واستشهد منكم بعدتهم\"، وكانت الأسارى سبعين، فقالوا: بل نأخذ الفداء نستمتع به، ونتقوى به على عدونا، ويستشهد منا بعدتهم (٥).\n_________\n(١) في (ح): (هل أنتم)، ولا داعي لهذه الزيادة وليست موجودة في مصادر تخريجه.\n(٢) في (م): (يفلتن)، وفي (س): (يلفتن)، والأخير خطأ.\n(٣) رواه مطولًا الترمذي في \"سننه\" (٣٠٨٤) كتاب تفسير القرآن، باب: سورة الأنفال، وأحمد ١/ ٣٨٣، وابن أبي شيبة في \"المصنف\" ١٤/ ٣٧٠، وابن جرير ١٠/ ٤٤، والواحدي في \"أسباب النزول\" ص ٢٤٢، وفي \"الوسيط\" ٢/ ٤٧١، والحاكم في \"المستدرك\" كتاب المغازي ٣/ ٢٢، وصححه ووافقه الذهبي، وقال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" ٦/ ١١٧: فيه أبو عبيدة، ولم يسمع من أبيه، ولكن رجاله ثقات.\n(٤) هو: عبيدة بن عمرو، وقيل: ابن قيس بن عمرو السلماني المرادي، أبو عمرو الكوفي، أسلم قبل وفاة النبي -ﷺ- بسنتين ولم يلقه، كان من أئمة العلم، فقيهًا محدثًا ثقة، توفي سنة ٧٢ هـ على المشهور.\nانظر: \"الكاشف\" ١/ ٦٩٤ (٣٦٤٧)، و\"تهذيب التهذيب\" ٣/ ٤٥.\n(٥) رواه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" ١٤/ ٣٦٨ (١٨٥٣٣)، والترمذي (١٥٦٧) كتاب السير، باب: ما جاء في قتل الأسارى أو الفداء، وقال: حديث حسن غريب ورواه أيضًا ابن حبان في \"صحيحه\" الإحسان ١١/ ١١٨ (٤٧٩٥)، والحاكم في \"المستدرك\" ٢/ ١٤٠، وقال صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي.\nقال ابن كثير في \"تفسيره\" ٢/ ٣٦٠، بعد سياق الحديث: هذا حديث غريب جدًا، ومنهم من روى هذا الحديث عن عبيدة مرسلًا، فالله أعلم. اهـ.\nوقال العلامة علي القاري في \"مرقاة المفاتيح\" ٤/ ٢٥١: قال التوربشتي: هذا الحديث مشكل جدًا لمخالفته ما يدل على (كذا) ظاهر التنزيل، ولما صح من=","vol":"10","page":250},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= الأحاديث في أمر أسارى بدر أن أخذ الفداء كان رأيًا رأوه فعوتبوا عليه، ولو كان هناك تخيير بوحي سماوي لم تتوجه المعاتبة عليه، وقد قال الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى﴾ إلى قوله: ﴿لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ وأظهر لهم شأن العاقبة بقتل سبعين منهم بعد غزوة أحد عند نزول قوله تعالى: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا﴾ [آل عمران: ١٦٥]، وممن نقل عنه هذا التأويل من الصحابة علي -﵁- فلعل عليًا ذكر هبوط جبريل في شأن نزول هذه الآية وبيانها، فاشتبه الأمر فيه على بعض الرواة، ومما جرأنا على هذا التقدير سوى ما ذكرناه هو أن الحديث تفرد به يحيى بن زكريا بن أبي زائدة عن سفيان، من بين أصحابه، فلم يروه غيره، والسمع قد يخطئ، والنسيان كثيرًا يطرأ على الإنسان، ثم إن الحديث روي عنه متصلًا وروي عن غيره مرسلًا، فكان ذلك بما يمنع القول بظاهره.\nوقال الطيبي: أقول -وبالله التوفيق-: لا منافاة بين الحديث والآية؛ وذلك أن التخيير في الحديث وارد على سبيل الاختبار والامتحان، ولله أن يمتحن عباده لما شاء، امتحن الله تعالى أزواج النبي -ﷺ- بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ﴾ الآيتين [الأحزاب: ٢٨، ٢٩]، وامتحن الناس بتعليم السحر في قوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ [البقرة: ١٠٢]، وامتحن الناس بالملكين، وجعل المحنة في الكفر والإيمان بأن يقبل العامل تعلم السحر فيكفر، ويؤمن بترك تعلمه، ولعل الله تعالى امتحن النبي -ﷺ- وأصحابه بين أمرين: القتل، والفداء، وأنزل جبريل﵇- بذلك هل هم يختارون ما فيه رضا الله تعالى من قتل أعدائه، أم يؤثرون العاجلة من قبول الفدية، فلما اختاروا الثاني عوتبوا بقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾.\nقلت -بعون الله- (القائل علي القاري): إن هذا الجواب غير مقبول؛ لأنه معلول ومدخول؛ فإنه إذا صح التخيير، لم يجز العتاب والتعيير، فضلًا عن العذاب والتعزير، وأما ما ذكره من تخيير أمهات المؤمنين، فليس فيه أنهن لو اخترن الدنيا لعذبن في العقبى ولا في الدنيا، وغايته أنهن يحرمن من مصاحبة المصطفى، لفساد اختيارهن الأدنى بالأعلى، وأما قضية الملكين وقضية تعلم السحر، فنعم امتحان من الله وابتلاء، لكن ليس فيه تخيير لأحد؛ ولهذا قال المفسرون في قوله تعالى: =","vol":"10","page":251},{"text":"قال عبيدة: طلبوا الخيرتين (١) كلتيهما فقتل منهم يوم أحد (٢)، فعند ابن عباس وجميع المفسرين: نزلت الآية في فداء أسارى بدر، فادوهم بأربعة آلاف أربعة آلاف، فأنزل الله هذه الآية ينكر على نبيه ذلك، يقول: ما كان لنبي أن يحبس كافرًا قدر عليه من عبدة الأوثان للفداء أو للمنّ قبل الإثخان في الأرض، قال قتادة: كان هذا يوم بدر فاداهم رسول الله -ﷺ- بأربعة آلاف أربعة آلاف، ولعمري ما كان أثخن رسول الله -ﷺ- يومئذٍ، وكان أول قتال قاتل المشركين (٣).\nقال صاحب النظم: (كان) يقع في الكلام في أحوال مختلفة:\nمنها أن يكون دلالة على المضي كقولك: كان زيد قائمًا، فمعناه كان فيما مضى.\nومنها أن يكون بمعنى وقع وحدث كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠].\n_________\n= ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩] إنه أمر تهديد لا تخيير، وأما قوله: أم يؤثرون الأعراض العاجلة من قبول الفدية، فلما اختاروه عوتبوا بقوله: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ﴾ الآية، فلا يخفى ما فيه من الجرأة العظيمة، والجناية الجسيمة، فإنهم ما اختاروا الفدية إلا للتقوية على الكفار، وللشفقة على الرحم، ولرجاء أنهم يؤمنون، أو في أصلابهم من يؤمن، ولا شك أن هذا وقع منهم اجتهادًا وافق رأيه - ﷺ - غايته أن اجتهاد عمر وقع أصوب عنده تعالى، فيكون من موافقات عمر -﵁-. وانظر: قول الطيبي في شرحه \"مشكاة المصابيح\" ٨/ ١٩.\n(١) يعني: الغنيمة والشهادة.\n(٢) رواه بنحوه ابن جرير ١٠/ ٤٦، والثعلبي ٦/ ٧٢ ب.\n(٣) رواه الثعلبي ٦/ ٧١ ب، وبنحوه ابن جرير ١٠/ ٤٥، ومختصرًا ابن المنذر كما في \"الدر المنثور\" ٣/ ٣٦٧.","vol":"10","page":252},{"text":"وقد يكون ماضيًا وراهنا، مثل قوله -﷿- في مواضع: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (١) أي: كان وهو كذلك، ومنه قول الشاعر:\nله في الذاهبين أروم صدق ... وكان لكل ذي حسب أروم (٢)\nأي: ولكل ذي (٣) حسب أروم في كل وقت وزمان.\nويكون بمعنى الاستقبال كقول عدي (٤):\nواستيجاب ما كان في غد\nمعناه: ما يكون في غد، وقد يكون زيادة كقوله (٥):\nوجيران لنا كانوا كرامِ\n_________\n(١) النساء: ٩٦، ١٠٠، ١٥٢، الفرقان: ٧٠، الأحزاب: ٥، ٥٠، ٥٩، ٧٣، الفتح: ١٤.\n(٢) البيت لزهير بن أبي سلمى وهو في \"ديوانه\" ص ١٥٢، وانظر: \"لسان العرب\" (أرم) ١/ ٦٦، وهو يمدح هرم بن سنان المري.\nوأرم: جمع أرومة، وهي الأصل، والذاهبين: الموتى. انظر: \"شرح الديوان\" ص ٢٠٦، ٢١١.\n(٣) ساقط من (ح).\n(٤) لم يتبين لي من هو، والمعروف أن البيت للطرماح بن حكيم كما في \"ذيل ديوانه\" ص ٥٧٢، و\"لسان العرب\" مادة (كون) ٧/ ٣٩٦٢، و\"معجم شواهد العربية\" ص ١١٣، و\"المعجم المفصل\" ١/ ٢٦٣، ونص البيت:\nفإني لآتيكم تشكر ما مضى ... من الأمر واستيجاب ما كان في غد\n(٥) عجز بيت، وصدره:\nفكيف ولو مررت بدار قوم\nوالبيت للفرزدق وهو في \"شرح ديوانه\" ٢/ ٨٣٥، ونسب إليه أيضًا \"خزانة الأدب\" ٩/ ٢٢٢، و\"كتاب سيبويه\" ٢/ ١٥٣، و\"لسان العرب\" (كنن) مادة (كون) ٧/ ٣٩٦١.\nوقد ذهب سيبويه إنى زيادة (كان) أيضًا. انظر: الموضع السابق، وقال ابن منظور=","vol":"10","page":253},{"text":"ويكون بمعنى صار، كقوله: ﴿فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ﴾ [الرحمن: ٣٧] معناه: فصارت، وإذا كان بمعنى صار حسن دخول (كان) عليه، مثل قولك: كان زيد كان مريضا، بمعنى كان صار مريضًا، فالأول للمضي (١)، أي: كان ذلك فيما مضى، والثاني للمصير إليه، فقوله: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ﴾ مثل هذا المعنى، أي: ما كان لنبي أن يصير له أسرى، على النفي والتنزيه، أي ما يجب وما ينبغي أن يستأسر أحدًا، ولكن يقتلهم حتى يثخن في الأرض.\nقال: وقد قيل: إن معنى (كان) وجب وانبغى، على تأويل: ما انبغى لنبي وما وجب له أن يكون له أسرى.\nقال أبو عبيد: يقول: لم يكن لنبي ذلك فلا يكن لكم (٢).\nوقرأ أبو عمرو (٣): (أن تكون) بالتاء (٤)، على لفظ الأسرى؛ لأن الأسرى وإن كان المراد به التذكير والرجال فهو مؤنث اللفظ، ومن قرأ بالياء فلأن الفعل متقدم، والأسرى مذكّرون في المعنى، وقد وقع الفصل بين الفعل والفاعل، وكل واحد من ذلك إذا انفرد يذكر (٥) الفعل معه، مثل:\n_________\n= قال أبو العباس: إن تقديره: وجيران كرام كانوا لنا، قال ابن سيده: وهذا أسوغ؛ لأن (كان) قد عمل في موضع الضمير وفي موضع (لنا) فلا معنى لما ذهب إليه سيبويه أنها زائدة هنا. \"لسان العرب\"، الموضع السابق.\n(١) في (ح): (للماضي).\n(٢) انظر: \"تفسير الرازي\" ١٥/ ١٩٧.\n(٣) لفظ (عمرو) ساقط من (ح).\n(٤) قرأ أبو عمرو من السبعة بتاء التأنيث، وقرأ الباقون بالياء على التذكير. انظر: كتاب \"السبعة في القراءات\" ص ٣٥٩، و\"التبصرة في القراءات\" ص ٢١٣.\n(٥) بياض فى (ح).","vol":"10","page":254},{"text":"جاء الرجال، وحضر قبيلتك، وحضر القاضي امرأةٌ (١)، فإذا اجتمعت هذه الأشياء كان التذكير أولى، والكلام في الأسرى والأسارى قد مضى في سورة البقرة (٢).\nقوله تعالى: ﴿حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾، قال الفراء: حتى يغلب على كثير من الأرض (٣)، وقال الزجاج: معناه: حتى يبالغ في قتل أعدائه، قال: ويجوز أن يكون: حتى يتمكن في الأرض، والإثخان في كل شيء: قوة الشيء (٤) وشدته، يقال: قد أثخنه (٥) المرض: إذا اشتدت قوقه عليه، وكذلك: أثخنه الجراح، قال أبو عبيدة: حتى يغلب ويبالغ (٦).\nوروى ثعلب (٧)، عن ابن الأعرابي: أثخن: إذا غلب وقهر (٨).\n_________\n(١) امرأة: فاعل مؤخر.\n(٢) انظر: النسخة الأزهرية ١/ ٦٨ب، وقد قال في هذا الموضع: أسير: (فعيل) في معنى (مفعول) فجمعه يكسر على (فعلى) نحو: لديغ ولدغى، وقتيل وقتلى، وجريح وجرحى، وإذا كان كذلك فالأقيس: الأسرى، وهو أقيس من الأسارى، كما أن الأسارى أقيس من قولهم: أُسراء، وأطال الكلام حول هذه الكلمة.\n(٣) \"معاني القرآن\" ١/ ٤١٨، وفيه زيادة (في) قبل (الأرض)، وذكر الواحدي هذا القول في \"الوسيط\" ٢/ ٣٧٢، دون هذه الزيادة أيضًا.\n(٤) في (ح): (قوته).\n(٥) في \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٢٥ (أثخنته)، ولم يُذكر في المطبوعة الكلام الذي بعده مما يدل على أن في المخطوطة التي اعتمد عليها المحقق سقط، وكلام الزجاج ينتهي عند قوله: قوته عليه، بدلالة \"زاد المسير\" ٣/ ٣٨٠.\n(٦) \"مجاز القرآن\" ١/ ٢٥٠.\n(٧) ساقط من (ح).\n(٨) \"تهذيب اللغة\" (ثخن) ١/ ٤٧٥.","vol":"10","page":255},{"text":"قال ابن عباس: حتى يثخن فيهم القتل (١)، وقال مجاهد: الإثخان: القتل (٢)، وقال الكلبي: حتى يغلب في الأرض (٣).\nوقال أهل المعاني: الإثخان ههنا معناه: تغليظ الحال بكثرة القتل، والثخانة: الغلظ، وكل شيء غليظ فهو ثخين (٤).\nوقوله تعالى: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا﴾ مضى الكلام في العرض عند قوله: ﴿يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى﴾ [الأعراف: ١٦٩]، قال ابن عباس: تريدون الفداء (٥)، ونحو ذلك قال المفسرون (٦)، وقوله: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾، قال ابن عباس: يريد لكم الجنة (٧)، قال محمد بن إسحاق: أي بقتلهم، لظهور الدين الذي يريد إظهاره، الذي تدرك به الآخرة (٨).\nوقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾، قال ابن عباس: يريد منيع (٩) قوي حكيم في خلقه (١٠).\n_________\n(١) \"تنوير المقباس\" ص ١٨٥ بنحوه، ورواه ابن أبي حاتم ٥/ ١٧٣٢ بلفظ: حتى يظهر على الأرض.\n(٢) رواه ابن جرير ١٠/ ٤٣، وابن أبي حاتم ٥/ ١٧٣٢، وابن أبي شيبة وابن المنذر كما في \"الدر المنثور\" ٣/ ٣٦٧.\n(٣) \"تنوير المقباس\" ص ١٨٥ عنه، عن ابن عباس، ولفظه: حتى يغلب في الأرض بالقتال.\n(٤) القول للحوفي في \"البرهان\" ١١/ ١٠٧ أ.\n(٥) \"تنوير المقباس\" ص ١٨٥ بنحوه، وفي \"تفسير الثعلبي\" ٦/ ٧٢ أ، أثرًا طويلًا عنه وفيه: أسرع المؤمنون في الغنائم وأخذ الفداء.\n(٦) انظر: \"تفسير ابن جرير\" ١٠/ ٤٢ - ٤٤، والثعلبي ٦/ ٧٢ ب، والبغوي ٣/ ٣٧٦.\n(٧) \"زاد المسير\" ٣/ ٣٨١، و\"الوسيط\" ٢/ ٤٧٢.\n(٨) \"السيرة\" لابن هشام ٢/ ٣٢٣.\n(٩) ساقط من (ح).\n(١٠) لم أقف له على مصدر، وفي \"تنوير المقباس\": (عزيز): بالنقمة من أعدائه، (حكيم): بالنصرة لأوليائه.","vol":"10","page":256},{"text":"قال أهل التفسير (١): يقول: إن أنتم طلبتم الآخرة لم يغلبكم عدوكم؛ لأن الله ﴿عَزِيزٌ﴾ لا يقهر ولا يغلب، ﴿حَكِيمٌ﴾ في تدبير أمور خلقه.\nوالآية بيان عما يجب أن يجتنب من اتخاذ الأسرى للمن والفداء قبل الإثخان في الأرض بالقتل الذي يدعو إلى الحق، ويصد عن الشرك، مع الإعراض عن العمل للدنيا إلى العمل للآخرة بالباقية، قال الوالبي، عن ابن عباس في هذه الآية قال: ذلك يوم بدر، والمسلمون قليل، فلما كثروا واشتد سلطانهم أنزل الله بعد هذا في الأسارى ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ [محمد: ٤]، فجعل الله النبي والمؤمنين بالخيار، إن شاءوا [قتلوهم وإن شاءوا] (٢) استبعدوهم، وإن شاءوا فادوهم (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1370>٦٨ </span>- قوله تعالى: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ الآية، قال عطاء عن ابن عباس: لولا كتاب من الله سبق يا محمد أن الغنائم لك ولأمتك حلال ﴿لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ﴾ من الفداء ﴿عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (٤)، ونحو هذا قال سعيد ابن جبير (٥).\n_________\n(١) اللفظ لابن جرير في \"تفسيره\" ١٠/ ٤٢.\n(٢) ما بين المعقوفين ساقط من (ح).\n(٣) رواه بنحوه ابن جرير ١٠/ ٤٢، والثعلبي ٦/ ٧١ ب، وأبو عبيد في \"الناسخ والمنسوخ\" ص ٢٠٩، والنحاس في \"الناسخ والمنسوخ\" ٢/ ٣٩٠، والبيهقي في كتاب \"السنن الصغرى\" كتاب السير، باب: ما يفعل بالرجال البالغين من أهل الحرب بعد الأسر ٣/ ٣٨٤ (٣٥٥٠).\n(٤) لم أجد من ذكر هذه الرواية، وقد رواه ابن أبي حاتم ٥/ ١٧٣٤ من رواية الوالبي بلفظ: لولا كتاب من الله سبق، يعني في الكتاب الأول أن المغانم والأسارى حلال لكم، ﴿لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾، ورواه أبن جرير ١٠/ ٤٥ من رواية العوفي بلفظ: كان قد سبق من الله في قضائه أن المغنم له ولأمته حلال.\n(٥) رواه ابن أبي حاتم ٥/ ١٧٣٤.","vol":"10","page":257},{"text":"وقال قتادة: سبق لهم الخير، وأنه سيحل لهم الغنائم (١)، وهذا قول عطية (٢)، والأعمش (٣).\nورواية الوالبي وابن (٤) الجوزاء، عن ابن عباس: أن الكتاب الذي سبق هو أن الله كتب أنه يحل الغنيمة وفداء الأسارى لمحمد ولأمته (٥). وقال الحسن: إنهم أخذوا الفداء قبل أن يؤمروا به فعاب الله ذلك عليهم وقال: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ في أنه أطعم هذه الأمة الغنيمة (٦).\nوقال محمد بن إسحاق: لولا كتاب من الله سبق أني لا أعذب إلا بعد النهي -ولم يكن نهاهم- لعذبتكم فيما صنعتم (٧)، وهو قول ابن مسعود (٨).\nونحو هذا قال مجاهد فقال: لولا كتاب من الله سبق، لقوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ [التوبة: ١١٥] سبق أن لا يؤاخذ قومًا فعلوا شيئًا بجهالة (٩).\n_________\n(١) رواه ابن جرير ١٠/ ٤٧.\n(٢) هو: العوفي، وقد روى قوله ابن جرير ١٠/ ٤٥ عنه، عن ابن عباس.\n(٣) انظر: قوله في \"تفسير عبد الرزاق\" ١/ ٢/ ٢٦٢، وابن جرير ١٠/ ٤٥ - ٤٦.\n(٤) هكذا، والصواب: أبو، انظر: \"الوسيط\" ٢/ ٤٧٢.\n(٥) انظر: \"الوسيط\" ٢/ ٤٧٢، ورواه ابن أبي حاتم ٥/ ١٧٣٤ من رواية الوالبي، ورواه ابن جرير ١٠/ ٤٥ من رواية عطية العوفي.\n(٦) رواه بنحوه ابن جرير ١٠/ ٤٥.\n(٧) \"سيرة ابن هشام\" ٢/ ٣٢٣.\n(٨) انظر: \"الوسيط\" ٢/ ٤٧٢، ولم أقف عليه في مصدر آخر.\n(٩) رواه ابن جرير ١٠/ ٤٧ وفيه زيادة.","vol":"10","page":258},{"text":"وقال ابن زيد: سبق من الله العفو عنهم والرحمة لهم (١)، وقال جماعة من المفسرين: سبق أنه لا يعذب أحدًا ممن شهد بدرًا مع النبي -ﷺ- (٢).\nوقال أبو علي الفارسي: المراد بقوله: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ﴾ ما في الآية الأخرى من قوله: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ﴾ [الأنعام: ٥٤] الآية (٣).\nوقال ابن زيد: لم يكن أحد من المسلمين ممن حضر إلا أحب الغنائم غير عمر جعل لا يلقى أسيرًا إلا ضرب عنقه، وقال: يا رسول الله: مالنا والغنائم، نحن قوم نجاهد في دين الله حتى يعبد الله، فقال رسول الله - ﷺ -: \"لو عذبنا في هذا الأمر ما نجا غيرك\" (٤).\nوقال ابن إسحاق: قال رسول الله -ﷺ-: \"لو نزل عذاب من السماء لم ينج إلا سعد بن معاذ لقوله: يا رسول الله: كان الإثخان في القتل أحب إليّ من استبقاء الرجال\" (٥).\n_________\n(١) رواه ابن جرير ١٠/ ٤٧، وابن أبي حاتم ٥/ ١٧٣٤.\n(٢) هذا قول مجاهد والحسن البصري وقتادة وسعيد بن جبير. انظر: \"تفسير ابن جرير\" ١٠/ ٤٦ - ٤٧، وابن الجوزي ٣/ ٣٨٢.\n(٣) \"المسائل الحلبيات\" ص ٣٠٥ - ٣٠٦.\n(٤) رواه ابن جرير ١٠/ ٤٨، وابن أبي حاتم ٥/ ١٧٣٥، والأثر ضعيف؛ لأن عبد الرحمن ابن زيد بن أسلم من الطبقة الثامنة (الطبقة الوسطى من أتباع التابعين)، وهو ضعيف. انظر: \"تقريب التهذيب\" ص ٣٤٠ (٣٨٦٥).\n(٥) رواه ابن جرير ١٠/ ٤٨، عن ابن إسحاق، ولم أجده في مظانه في \"سيرة ابن هشام\"، وقد روى ابن إسحاق قول سعد دون قول الرسول - ﷺ -. انظر: \"سيرة ابن هشام\" ٢/ ٢٦٩.","vol":"10","page":259},{"text":"وروى عطاء، عن ابن عباس [و] (١) قال (٢): قال رسول الله - ﷺ -: \"لو نزل عذاب ما سلم منه إلا عمر، ولو بعث بعدي نبي لبعث عمر\" (٣)؛ لأنه أشار على النبي -ﷺ- أن يقتل الأسارى (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1371>٦٩ </span>- قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا﴾، قال المفسرون: لما نزل قوله: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ﴾ الآية، أمسكوا عن مد أيديهم إلى شيء من الغنائم فنزل: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ﴾ (٥)، قال الزجاج: ودخلت الفاء على تقدير: قد أحللت لكم الغنائم فكلوا، قال: و﴿حَلَالًا﴾ منصوب على الحال (٦).\nوقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، قال ابن عباس: يريد: غفر لكم ما أخذتم من الفداء ورحمكم لأنكم أولياؤه (٧).\n_________\n(١) هكذا في جميع النسخ، وهي زيادة لا معنى لها.\n(٢) ساقط من (م) و(س).\n(٣) لم أجده بهذا السياق، وقد ذكر شطره الأول المصنف في\"الوسيط\" ٢/ ٤٧٣، وذكره الزمخشري ٢/ ١٦٨ دون ذكر الراوي، ورواه ابن جرير ١٠/ ٤٨، عن ابن زيد، كما رواه ابن المنذر وأبو الشيخ وابن مردويه، عن ابن عمر كما في \"الدر المنثور\" ٣/ ٣٦٦ وروى شطره الثاني الترمذي في\"سننه\" كتاب المناقب ٥/ ٦١٩ (٣٦٨٦)، وأحمد في\"المسند\" ٤/ ١٥٤، والحاكم في\"المستدرك\" كتاب معرفة الصحابة ٣/ ٨٥ وصححه، ووافقه الذهبي.\n(٤) هذا التعليل للشطر الأول فقط كما هو ظاهر.\n(٥) هذا معنى أثر عن أبي هرير -﵁-، ورواه ابن مردويه كما في \"الدر المنثور\" ٣/ ٣٦٨ - ٣٦٩، وانظر: \"الوسيط\" ٢/ ٤٧٣، و\"تفسير البغوي\" ٣/ ٣٧٧.\n(٦) هذا القول غير موجود في \"معاني القرآن وإعرابه\" المطبوع، تحقيق د/ عبد الجليل عبده شلبي. وقد ذكره بلفظ مقارب ابن الجوزي ٣/ ٣٨٢.\n(٧) \"الوسيط\" ٢/ ٤٧٣.","vol":"10","page":260},{"text":"وقال رسول الله -ﷺ-: \"لم تحل الغنائم لمن كان قبلنا ذلك بأن الله رأى ضعفنا وعجزنا فطيبها لنا\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1372>٧٠ </span>- قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى﴾، قال المفسرون يعني أسرى المشركين الذين أخذ منهم الفداء ﴿إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا﴾: إسلامًا (٢).\nقال الزجاج: إرادة للإيمان (٣)، قال أهل المعاني: معنى الخير ههنا: البصيرة في فى دين الله، وحسن النية في أمر الله (٤)، ﴿يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ﴾ من الفدية.\nقال أبو إسحاق: فجائز أن يكون: يجازيكم في الآخرة، وجائز أن يكون: يخلف عليكم في الدنيا (٥)، ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ أي: ما كان من كفركم به، وقتالكم رسوله.\nقال ابن عباس وغيره: نزلت هذه الآية في العباس، كان أحد العشرة (٦) الذين ضمنوا طعام أهل بدر، وكان خرج بعشرين\n_________\n(١) رواه البخاري (٣١٢٤)، كتاب الخمس، باب: قول النبي -ﷺ-: \"أحلت لكم الغائم\"، ومسلم (١٧٤٧)، كتاب الجهاد والسير، باب: تحليل الغنائم لهذه الأمة خاصة واللفظ له.\n(٢) انظر: \"تفسير ابن جرير\" ١٠/ ٤٨ واللفظ له، و\"تفسير الثعلبي\" ٦/ ٧٣ ب، والبغوي ٣/ ٣٧٨.\n(٣) ليس موجودًا في كتاب \"معاني القرآن وإعرابه\" المطبوع.\n(٤) لم أقف عليه، وفي \"البرهان\" للحوفي ١١/ ١١٦ أ: إن يعلم الله في قلوبكم إسلامًا.\n(٥) ليس موجودًا في كتاب \"معاني القران وإعرابه\" المطبوع.\n(٦) ذكر ابن إسحاق أن المطعمين في بدر اثنا عشر رجلًا هم: العباس بن عبد =","vol":"10","page":261},{"text":"أوقية (١) من ذهب ليطعم به الناس، فأخذت منه في العرب، ولم تحسب من فدائه، وكلف فداء بني أخيه عقيل بن أبي طالب، ونوفل بن الحارث، فقال العباس: يا محمد تركتني أتكفف قريشًا ما بقيت؛ فأنزل الله هذه الآية، فقال العباس -بعدما أسلم-: فأبدلني الله عشرين عبدًا أدناهم يضرب بعشرين ألف درهم مكان العشرين أوقية، وأعطاني زمزم، ومما أحب أن لي بها جميع أموال أهل (٢) مكة، وأنا أنتظر المغفرة من ربي (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1373>٧١ </span>- قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ﴾، قال المفسرون: نزلت في العباس وأصحابه من الأسارى (٤).\n_________\n= المطلب، وعتبة بن ربيعة بن عبد شمس، والحارث بن عامر بن نوفل، وطعيمة بن عدي بن نوفل، وأبو البختري بن هشام، وحكيم بن حزام بن خويلد، والنضر بن الحارث، وأبو جهل بن هشام، وأمية بن خلف، ونبيه ومنبه ابنا الحجاج بن عامر السهمي، وسهيل بن عمرو. انظر: \"سيرة ابن هشام\" ٢/ ٣١١.\n(١) الأوقية: اسم لأربعين درهمًا، انظر: \"النهاية في غريب الحديث والأثر\" ٥/ ٢١٧٨، و\"لسان العرب\" (وقي) ١/ ٤٩٠٣.\n(٢) ساقط من (س).\n(٣) رواه الثعلبي ٦/ ٧٣ أ- ب وفيه زيادة، وبنحوه المصنف في \"أسباب النزول\" ص ٢٤٥، عن الكلبي. وقد روي الأثر بمعاه بعدة روايات مطولًا ومختصرًا، فرواه أحمد في \"المسند\" ١/ ٣٥٣، وابن جرير ١٠/ ٤٩ - ٥٠، وابن أبي حاتم ٥/ ١٧٣٦، والحاكم في \"المستدرك\" كتاب معرفة الصحابة ٣/ ٣٢٤، وقال: صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي، وقال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" ٧/ ١٠٢: رواه الطبراني في \"الأوسط\" و\"الكبير\" باختصار ورجال \"الأوسط\" رجال \"الصحيح\"، غير ابن إسحاق وقد صرح بالسماع. وأصل قضية فداء العباس في \"صحيح البخاري\" (٣٠٤٩) كتاب الجهاد، باب. فداء المشركين ٤/ ١٦١.\n(٤) انظر: \"تفسير ابن جرير\" ١٠/ ٥٠، وابن أي حاتم ٥/ ١٧٣٧، والثعلبي ٦/ ٧٣ أ.","vol":"10","page":262},{"text":"قال ابن عباس: إنهم قالوا للنبي - ﷺ - آمنا بما جئت به، ونشهد أنك رسول الله لننصحن لك على قومنا (١)، يقول الله تعالى: إن خانوك في هذا وكان قولهم خيانة.\nوقال ابن جريج: أراد بالخيانة هاهنا: الخيانة في الدين وهو الكفر (٢)، يعني إن كفروا بك فقد خانوا الله من قبل أن كفروا بالله: ﴿فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ﴾ ببدر، وهذا تهديد لهم إن عادوا إلى القتال، وأرادوا الخيانة لرسول الله - ﷺ - وقال الحسن: وإن يريدوا خيانتك مرة أخرى فيرجعوا إلى الكفر بعد ما مننت عليهم، ويخونوك بالقتال معك (٣)، والعون عليك: ﴿فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ﴾ وقاتلوك ﴿فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ﴾ فإن رجعوا مرة أخرى أمكنك المرة الأولى (٤).\nوقال ابن كيسان: ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ﴾ يعني: نكث ما أعطوا من أنفسهم لئلا يقاتلوك ﴿فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ﴾ فأعطوا العهود فيما كان ينزل بهم من البلاء، ويسألونه الرزق، ويقولون: ﴿لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ﴾ [يونس: ٢٢] و﴿لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٨٩] فامكن منهم (٥)، وهذا القول يدل على أن أولئك الأسارى عاهدوا أن لا يقاتلوه.\n_________\n(١) رواه ابن جرير ١٠/ ٥٠.\n(٢) رواه البغوي ٣/ ٣٧٩ بنحو، وانظر: \"الوسيط\" ٢/ ٤٧٣.\n(٣) كذا في جميع النسخ.\n(٤) ذكره هود ٢/ ١٠٥ بمعاه.\n(٥) لم أقف على مصدره، وقد ذكره مختصرًا الرازي في \"تفسيره\" ١٥/ ٢٠٦ من غير نسبة.","vol":"10","page":263},{"text":"وقال تعالى: ﴿فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ﴾ قال الأزهري: يقال: أمكنني الأمر يمكنني (١) فهو ممكن، ولا يقال: أنا أُمكنه، بمعنى أستطيعه، يقال: لا يمكنك الصعود إلى الجبل، ولا يقال: أنت تمكن الصعود إلى الجبل (٢).\nومفعول الإمكان محذوف على معنى: فأمكن المؤمنين منهم، أو فأمكنك منهم.\nوقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ أي: عليم بخيانةٍ إن خانوها، حكيم في تدبيره عليهم، ومجازاته إياهم، قاله أبو إسحاق (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1374>٧٢ </span>- قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ يعني المهاجرين الذين هجروا قومهم وديارهم إلى المدينة في نصرة الدين، ﴿وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا﴾ يعني الأنصار أسكنوا المهاجرين (٤) ديارهم ونصروهم على أعدائهم ﴿أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾، قال ابن عباس والمفسرون كلهم: يعني في الميراث، جعل الله تعالى الميراث للمهاجرين والأنصار دون ذوي الأرحام (٥)، وكانوا يتوارثون في الهجرة والنصرة، وكان الذي آمن ولم يهاجر لا يرث من أجل أنه لم يهاجر، ولم ينصر، وهو\n_________\n(١) ساقط من (ح).\n(٢) \"تهذيب اللغة\" (مكن) ٤/ ٣٤٤٧ بتصرف يسير.\n(٣) ليس موجودًا في كتابه\"معاني القرآن وإعرابه\" المطبوع، وقد ذكره ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٣/ ٣٨٤.\n(٤) في (ح): (أمكنوا للمهاجرين).\n(٥) رواه عن ابن عباس البخاري كتاب الفرائض، باب: ذوي الأرحام (٦٧٤٧)، وأبو داود (٢٩٢١) كتاب الفرائض، باب: نسخ ميراث العقد، وانظر: \"تفسير ابن جرير\" ١٠/ ٥١ - ٥٤، والثعلبي ٦/ ٧٤ ب، والسمرقندي ٢/ ٢٨، والبغوي ٣/ ٣٧٩، وابن الجوزي ٣/ ٣٨٥، و\"الدر المنثور\" ٣/ ٣٧٠ - ٣٧٢.","vol":"10","page":264},{"text":"قوله (١): ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾، وقال قتادة: كان المسلمون يتوارثون بالهجرة والإسلام (٢)، وكان الرجل يسلم ولا يهاجر فلا يرث أخاه (٣)، وهذا قول مجاهد (٤)، والحسن (٥)، والكلبي (٦)، والسدي (٧).\nوقرئ قوله: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ﴾ بكسر الواو وفتحه (٨)، قال الزجاج: من فتح (٩) جعلها من النصرة والنسب، قال: والولاية التي بمنزلة الإمارة مكسورة؛ ليفصل بين المعنيين، وقد يجوز كسر (الولاية)؛ لأن في تولي بعض القوم بعضًا جنسًا من الصناعة نحو: القِصارة (١٠)، والخياطة،\n_________\n(١) ساقط من (م).\n(٢) في (م): بالإسلام والهجرة.\n(٣) رواه بنحوه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ١/ ٢/ ٢٦٢، وابن جرير ١٠/ ٥٣، والنحاس في \"الناسخ والمنسوخ\" ٢/ ٣٩٤، وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، كما في \"الدر المنثور\" ٣/ ٣٧١ - ٣٧٢.\n(٤) رواه ابن جرير ١٠/ ٥٢، وأشار إليه ابن كثير ٢/ ٣٦٣ - ٣٦٤.\n(٥) رواه ابن جرير ١٤/ ٨٠، وذكره الهواري ٢/ ١٠٧ بغير سند.\n(٦) \"تنوير المقباس\" ص ١٨٦ عنه، عن ابن عباس.\n(٧) رواه ابن جرير ١٠/ ٥٣.\n(٨) قرأ حمزةُ وحده بكسر الواو، والباقون بفتحها، انظر: كتاب \"السبعة\" ص ٣٠٩، و\"الغاية\" ص١٦٣، و\"تحبير التيسير\" ص١١٩.\n(٩) في (م): (فتحها).\n(١٠) القصارة: حرفة القصار، قال ابن منظور: قصر الثوب قِصَارة، عن سيبويه، وقصَّره، كلاهما: حوَّره ودقَّه، ومنه سمي القصار، وقصرت الثوب تقصيرًا، مثله، والقصّار والمقصّر: المحور للثياب؛ لأنه يدقها بالقَصَرَة التي هي القطعة من الخشب، وحرفته القِصَارة. \"لسان العرب\" (قصر) ٦/ ٣٦٤٩. وفي \"المعجم الوسيط\" (قصر) ٢/ ٢٦٧: القصّار: المبيض للثياب، وهو الذي يهيئ النسيج بعد نسجه ببله ودقه بالقصرة، والقصرة: مدقة القصار.","vol":"10","page":265},{"text":"فهي مكسورة، قال: والولاية على الإيمان واجب (١)، والمؤمنون بعضهم أولياء بعض، ويقال: وليٌّ بين الولاية، ووال بين الولاية (٢).\nقال الفراء: وقد سمعنا الفتح في المعنيين جميعًا (٣)، قال أبو علي: الفتح أجود هاهنا؛ لأن الولاية هاهنا من الدين (٤)، والكسر في السلطان، قال أبو الحسن: وكسر الواو لغة في الأخرى (٥).\nقال ابن عباس والمفسرون: ثم نسخ هذا الحكم بقوله: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ (٦).\nقال أبو بكر بن الأنباري: كان الله تعالى تعبدهم في أول الهجرة بأن لا يرث المسلمين (٧) المهاجرين إخوانُهم الذين لم يهاجروا، ولا يرثون هم إخوانهم، ثم نسخ ذلك بقوله: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ فصار الثاني هو المعمول به، ورفض الأول.\n_________\n(١) في\"تهذيب اللغة\": واجبة.\n(٢) أقوال الزجاج السابقة ساقطة من كتاب \"معاني القرآن وإعرابه\" المطبوع، وقد ذكر أكثرها الأزهري في \"تهذيب اللغة\" (ولي) ٤/ ٣٩٥٥، وذكر بعضها ابن الجوزي في \"تفسيره\" ٣/ ٣٨٥.\n(٣) \"معاني القرآن\" ١/ ٤١٩.\n(٤) اهـ. كلام أبي علي، انظر: \"الحجة\" ٤/ ١٦٦.\n(٥) \"معاني القرآن\" لأبي الحسن الأخفش ١/ ٣٥٢ وقد اختصر الواحدي عبارته فلم يظهر المعنى، ونص قوله: ما لكم من ولايتهم من شيء، وهو في (الولاء)، وأما في (السلطان) فـ (الوِلاية)، ولا أعلم كسر (الواو) في الأخرى إلا لغة اهـ. يعني بالأخرى (الولاية) من الولاء، وقد نص الفراء أيضًا على ثبوت هذه اللغة، انظر: \"معاني القرآن\" ١/ ٤١٩.\n(٦) هذا بعض أثر ابن عباس السابق.\n(٧) مفعول به مقدم.","vol":"10","page":266},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾ أي: إن (١) استنصركم المؤمنون الذين لم يهاجروا فلا تخذلوهم وانصروهم، إلا إن استنصروكم على قوم بينكم وبينهم عهد فلا تغدروا، ولا تنقضوا العهد، وهذا يدل على أن ولاية الإيمان واجبة.\nوقال بعض المفسرين: لما نزل قوله: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ قام الزبير فقال: هل نعينهم على أمر إن استعانوا بنا؟ فنزل: ﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ﴾ (٢).\nقال قتادة: في هذه الآية نُهي المسلمون عن النصر على قوم بينهم ميثاق، فوالله لأخوك المسلم أعظم عليك حرمة (٣) وحقًا (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1375>٧٣ </span>- قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾، قال السدي: قال رجل: نورث ذوي أرحامنا من المشركين، فنزلت: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآية (٥)، وقال محمد بن إسحاق: حض الله المؤمنين على التواصل؛ فجعل المهاجرين والأنصار أهل ولايته في الدين دون من سواهم، وجعل الكفار بعضهم أولياء بعض (٦).\n_________\n(١) ساقط من (م).\n(٢) لم أجده فيما بين يدي من المصادر إلا في \"تفسير الرازي\" ١٥/ ٢١٠ - ٢١١.\n(٣) يعني إذا كان المسلم منهيًّا عن نصرة أخيه المسلم على الكافر ذي الميثاق، فنصرته على أخيه المسلم إذا اقتتلا أشد نهيًا.\n(٤) رواه ابن أبي حاتم ٥/ ١٧٤٠، وأبو الشيخ كما في\"الدر المنثور\" ٣/ ٣٧٢.\n(٥) رواه عن السدي، عن أبي مالك الإمام سفيان الثوري في \"تفسيره\" ص ١٢٢، وابن جرير ١٠/ ٥٥، وابن أبي حاتم ٥/ ١٧٤١.\n(٦) \"سيرة ابن هشام\" ٢/ ٣٢٤.","vol":"10","page":267},{"text":"ثم قال: ﴿إِلَّا تَفْعَلُوهُ﴾، وهو أن يتولى المؤمن الكافر (١) دون المؤمنين، وقال ابن جرير: يقول: إلا تعاونوا وتناصروا في الدين تكن فتنة (٢).\nفحصل في الكناية في قوله: ﴿إِلَّا تَفْعَلُوهُ﴾ قولان:\nأحدهما: أن الكناية تعود إلى الموالاة، وذلك أن قوله: ﴿أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ معناه: بعضهم (٣) يوالي بعضًا، وهذا يدل على المصدر، فكني عنه، كقوله: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا﴾ [فاطر: ٤٢] أي: مجيء النذير، وقد مرّ مثل ذلك كثيرًا (٤)، وهذا على قول ابن إسحاق (٥)، ومعنى قول ابن عباس؛ لأنه قال في قوله: ﴿إِلَّا تَفْعَلُوهُ﴾: إلا تأخذوا في الميراث بما أمرتكم به (٦).\nقال ابن الأنباري (٧): فتكون الهاء عائدة على التوارث، أي: إن لا تفعلوا التوارث على ما حد الله لكم تكن فتنة في الأرض، وهذا القول كالأول؛ لأن الوراثة كانت بالولاية، فسواء عادت الكناية إلى التوارث، أو إلى الموالاة فالمعنى واحد.\nوعلى معنى قول ابن جرير تكون الكناية راجعة على التناصر، قال أبو بكر: معناه: إن لا تناصروا ويعن بعضكم بعضًا على أعدائكم يكن ترككم ذلك فتنة وفسادًا، فكنى عنهما لتقدم ما يدل عليهما.\n_________\n(١) في (س): (المؤمنين الكافرين)، وهو خطأ.\n(٢) رواه ابن جرير ١٠/ ٥٦.\n(٣) ساقط من (م).\n(٤) انظر: مثلًا: \"تفسير البسيط\" البقرة: ٤٥، ١٧٤.\n(٥) يعني الذي سبق ذكره.\n(٦) رواه ابن جرير ١٠/ ٥٥، وابن أبي حاتم ٥/ ١٧٤١، من رواية علي بن أبي طلحة.\n(٧) هو: أبو بكر، ولم أعثر على كتابه في \"معاني القرآن\".","vol":"10","page":268},{"text":"والقولان في رجوع الكناية ذكرهما الفراء (١)، والزجاج (٢)، ولابد من تقدير تقديم وتأخير في الكلام؛ لأنا إن قلنا: تعود إلى الموالاة فكأن قيل (٣): أولئك بعضهم أولياء بعض إلا تفعلوه تكن فتنة، [وإن قلنا] (٤): تعود على (٥) التناصر فكأنه قيل: فعليكم النصر إلا تفعلوه تكن فتنة.\nومعنى الفتنة في هذه الآية: الشرك في قول ابن عباس (٦).\nقال أهل المعاني (٧): وذلك أنه إذا لم يتول المؤمن المؤمن توليًا يدعو غيره ممن لا يكون مؤمنا إلى مثل ذلك لحسن التواد والتعاطف، ولم يتبرأ من الكافر بما يصرفه عن كفره أدى ذلك إلى الضلال، وكذلك في التناصر، وذلك أن المسلمين كانوا قليلًا، ولم يكن مسلم إلّا وله أقارب من الكفار فإذا هجر أقاربه الكفار، ونصر أقاربه المسلمين كان ذلك أدعى إلى الإسلام وترك الكفر لأقاربه الكفار.\nوقال أهل العلم في قوله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ هذا دليل على أن الكفار في الموارثة مع اختلاف مللهم كأهل ملة واحدة، هو\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" ١/ ٤١٩.\n(٢) هذا مما سقط من \"معاني القرآن وإعرابه\" المطبوع.\n(٣) في (ح): (قال)، وما أثبته موافق لما بعده.\n(٤) ما بين المعقوفين ساقط من (س).\n(٥) في (ح): (إلى).\n(٦) \"تنوير المقباس\" ص ١٨٦، ورواه ابن جرير ٩/ ٢٤٨، وابن أبي حاتم ٥/ ١٧٠١، عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [الأنفال:٣٩].\n(٧) لم أجده في كتب أهل المعاني التي بين يدي، وذكره ابن الجوزي ٣/ ٣٨٦، والمؤلف في \"الوسيط\" ٢/ ٤٧٤ من غير نسبة.","vol":"10","page":269},{"text":"مذهب عامة الفقهاء (١)؛ فالمجوسي يرث الوثني، والنصراني يرث المجوسي؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1376>٧٤ </span>- قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ إلى قوله: ﴿هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾، قال المفسرون: أولئك الذين [حققوا إيمانهم بما يقتضيه من الهجرة والنصرة، خلاف من أقام بدار الشرك (٢).\nوقال أهل المعاني: أولئك الذين] (٣) حقق الله إيمانهم بالبشارة التي بشرهم بها في قوله: ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [ولم يكن لمن لم يهاجر، ولم ينصر مثل هذا (٤).\nومعنى قوله: ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾] (٥)، قال ابن عباس: يريد: في الجنة ثواب عظيم (٦).\nقال أهل المعاني: الرزق الكريم: طعام الجنة لا يستحيل في أجوافهم نجوًا، ولكن يصير كالمسك رشحًا (٧).\n_________\n(١) هذا مذهب أبي حنيفة والشافعي وداود الظاهري وإحدى الروايتين عن الإمام أحمد. انظر: \"المغني\" ٩/ ١٥٦، و\"حاشية الجمل على شرح المنهج\" ٤/ ٢٥.\n(٢) انظر: \"تفسير الثعلبي\" ٦/ ٧٤ ب، والبغوي ٣/ ٣٨٠، و\"زاد المسير\" ٣/ ٣٨٧، و\"الكشاف\" ٢/ ١٧٠.\n(٣) ما بين المعقوفين ساق من (م).\n(٤) لم أقف على مصدره.\n(٥) ما بين المعقوفين ساقط من (م).\n(٦) رواه الفيروزأبادي في \"تنوير المقباس\" ١٨٦ بنحوه.\n(٧) \"البرهان\" للحوفي ١١/ ١٢٤ أ، وذكر نحوه ابن جرير في \"تفسيره\" ١٠/ ٥٧، وقد ثبت هذا المعنى بقول الرسول - ﷺ -: \"إن أهل الجنة يأكلون فيها ويشربون ولا يتفلون ولا يبولون ولا يتغوطون ولا يمتخطون\" قالوا: فما بال الطعام؟ قال: \"جشاء ورشح كرشح المسك\" رواه مسلم (٢٨٣٥)، كتاب الجنة، باب: في صفات الجنة وأهلها.","vol":"10","page":270},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1377>٧٥ </span>- قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ﴾، قال ابن عباس: يريد: الذين هاجروا بعد الحديبية وهي الهجرة الثانية (١) التي فيها الصلح (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾، قال ابن عباس: يريد: إن أولي الأرحام لم يكونوا يتوارثون، وكان من واخى بينهم رسول الله - ﷺ - أولى بالميراث، كان إذا أسلم الأخوان فهاجر أحدهما فمات (٣) لم يرثه الذي لم يهاجر، وكان الذي واخى بينهم رسول الله -ﷺ- أولى بالميراث وإن كان بعيدًا (٤) في النسب حتى فتحت مكة فرد الله المواريث إلى أولي الأرحام فقال: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ يريد: في فرائض الله، هذا كلام ابن عباس (٥).\nقال أصحابنا (٦): فليس في الآية حجة لمن قال بتوريث العمة والخالة وذوي الأرحام؛ لأن الله تعالى أراد بهذه الآية نقل الموارثة عن الحلف إلى القرابة.\n_________\n(١) يعني إلى المدينة بعد صلح الحديبية، انظر: \"تفسير ابن عطية\" ٦/ ٣٩٤، والقرطبي ٨/ ٥٨.\n(٢) ذكره ابن الجوزي ٣/ ٣٨٧، وأبو حيان في \"البحر المحيط\" ٥/ ٣٦٠.\n(٣) ساقط من (ح).\n(٤) في (ح): (بعيد).\n(٥) رواه بلفظ مقارب: البغوي ٣/ ٣٧٩، ورواه بمعناه ابن جرير ١٠/ ٥١ - ٥٢، وابن مردويه كما في \"الدر المنثور\" ٣/ ٣٧٤.\nورواه مختصرًا الطبراني في \"المعجم الكبير\" ١١/ ٢٨٤، ورجاله رجال \"الصحيح\" كما في \"مجمع الزوائد\" ٧/ ١٠٢.\n(٦) يعني أئمة الشافعية، انظر. \"الأم\" للشافعي ٤/ ١٠٦، و\"مختصر المزني\" ص ١٥٣، و\"الحاوي الكبير\" للماوردي ٨/ ٧٣، ١٧٤، و\"المجموع\" للنووي ١٦/ ٥٣، ٥٥.","vol":"10","page":271},{"text":"وهذا إجماع من المفسرين أن قوله: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ نسخ للميراث بالهجرة والحلف (١).\nومعنى قوله: ﴿فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾، قال الزجاج: أي في حكم الله كقوله: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ [المجادلة: ٢١] أي: حكم الله (٢)، قال الزجاج: وجائز أن تكون هذه الأشياء (٣) مكتوبة في اللوح المحفوظ، كقوله: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ﴾ إلى قوله: ﴿إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ [الحديد: ٢٢] (٤).\n_________\n(١) انظر: \"الناسخ والمنسوخ\" لأبي عبيد ص ٢٢٤، وللنحاس ٢/ ٣٩٤، و\"تفسير ابن جرير\" ١٠/ ٥٢، والبغوي ٣/ ٣٨١، وقول المؤلف: هذا إجماع من المفسرين، فيه نظر، فقد ذهب الإمام ابن جرير إلى أنه ليس في الآيات ناسخ ولا منسوخ، فعند تفسير قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآية، قال: وهذه الآية تنبيء عن صحة ما قلنا: إن معنى قوله الله: ﴿بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ في هذه الآية، وقوله: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ إنما هو النصرة والمعونة، دون الميراث؛ لأنه جل ثناؤه عقب ذلك بالثناء على المهاجرين والأنصار، والخبر عما لهِم عنده، دون من لم يهاجر، بقوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا﴾ الآية، ولو كان مرادًا بالآيات قبل ذلك الدلالة على حكم ميراثهم، لم يكن عقيب ذلك إلا الحث على إمضاء الميراث على ما أمر، وفي صحة ذلك كذلك الدليل الواضح على أن لا ناسخ في هذه الآيات لشيء ولا منسوخ.\n\"تفسير الطبري\" ١٠/ ٥٧، وانظر: \"النسخ في القرآن\" ٢/ ٧٣٧.\n(٢) هذا القول ليس موجودًا في \"معاني القرآن وإعرابه\" المطبوع، وقد ذكره ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٣/ ٣٨٧، والمصنف في \"الوسيط\" ٢/ ٤٧٤.\n(٣) (ح): (الآية)، وهو خطأ.\n(٤) ليس موجودًا في \"معاني القرآن وإعرابه\" المطبوع، ومراده أن معنى (في كتاب الله) أي في اللوح المحفوظ، ولا يريد جواز ذلك وجواز عدمه كما قد يتبادر إلى الذهن من عبارته.","vol":"10","page":272},{"text":"وذكر أبو علي وجهين آخرين فقال: ﴿فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ أي فيما فرض لهم من السهام في المواريث (١)، وذلك في سورة النساء، وذكرنا أن (كتب) بمعنى فرض يأتي في القرآن عند قوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة: ١٧٨]، وهذا يقوي قول من لا يقول بتوريث ذوي الأرحام (٢)؛ لأنه لم يفرض لهم سهم في الميراث عند ذكر فرض السهام، قال: ويجوز أن يُعْنَى بالكتاب ههنا: التنزيل، أي: هم في فرض كتاب الله أولى بأرحامهم، قال: وأن يحمل الكتاب على المكتتب أولى، وذلك كقوله في سورة الأحزاب [٦]: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾ والمسطور إنما يسطر في صحف أو ألواح، فَرَدُّ المطلق منهما إلى هذا المقيد أولى؛ لأنه أمر واحد (٣).\nوقوله تعالى: ﴿أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾، قال ابن عباس: يريد: كل شيء خلق، وكل شيء فرض، وكل شيء حد (٤).\n_________\n(١) اهـ. كلام أبي علي، انظر: \"الحجة\" ٢/ ٤٥٦.\n(٢) وهم: زيد بن ثابت ومالك والأوزاعي والشافعي وأبو ثور وداود الظاهري وابن جرير، وهؤلاء يجعلون الباقي إذا لم يكن للميت من يعصبه لبيت المال.\nانظر: \"المغني\" ٩/ ٨٢، و\"الشرح الكبير\" ٤/ ٤٩.\n(٣) \"الحجة للقراء السبعة\" ٢/ ٤٥٦ بتصرف.\n(٤) لم أقف على مصدره، وفي \"تنوير المقباس\": \"إن الله بكل شيء من قسمة المواريث وصلاحكم وغيرهما (عليم) \"، وفي \"الوسيط\" ٢/ ٤٧٤: \"إن الله بكل شيء: مما خلق وفرض وحد (عليم) \". ولم ينسبه.","vol":"10","page":273},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1378>سورة براءة\n(التوبة)</span>","vol":"10","page":275},{"text":"تفسير سورة براءة\nاختلفوا في سبب ترك التسمية في أول هذه السورة، فروي بطرق مختلفة عن ابن عباس أنه قال: \"قلت لعثمان بن عفان -﵁- ما حملكم على (١) أن عمدتم (٢) إلى الأنفال وهي من (٣) المثاني، وإلى براءة وهي من (٤) المئين فقرنتم بينهما ولم تكتبوا بينهما سطر بسم الله الرحمن الرحيم الله ووضعتموها في السبع الطول (٥)؟ فقال: كانت الأنفال مما نزل على النبي -ﷺ- بالمدينة، وكانت براءة آخر القرآن نزولًا، وكانت قصتهما شبيها بعضها ببعض، وقبض رسول الله - ﷺ - ولم يتقدم إلينا فيهما (٦) بشيء؛ فلذلك قرنا بينهما ولم نكتب بينهما سطر بسم الله الرحمن الرحيم، وكانتا تدعيان\n_________\n(١) في (ى): (إلى).\n(٢) في (ج): (عهدتم).\n(٣) ساقط من (ح).\n(٤) ساقط من (ح).\n(٥) بضم الطاء وفتح الواو جمع طولى، ورواية المصنف موافقة لما في \"سنن الترمذي\" و\"صحيح ابن حبان\"، و\"تفسير الطبري\"، وفي بقية المصادر: الطوال، والمراد بالسبع الطوال: البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنعام والأعراف ويونس، وقيل: آخرها: براءة. والمراد بالمئين: ما ولي السبع الطوال؛ سميت بذلك لأن كل سورة منها تزيد على مائة آية قليلًا أو تقاربها. انظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ٤٥ - ٤٦، و\"الإتقان\" ١/ ٢٢٠.\n(٦) في (م): (فيها).","vol":"10","page":277},{"text":"القرينتين فوضعناهما في السبع الطوال\" (١).\nوروي أيضًا عن ابن عباس قال: \"سألت علي بن أبي طالب لِمَ لم تكتب في براءة بسم الله الرحمن الرحيم؟، قال: لأن بسم الله الرحمن الرحيم أمان، وبراءة نزلت بالسيف ليس فيها أمان (٢) (٣)، وبهذا قال سفيان بن عيينة: \"التسمية رحمة والرحمة أمان وهذه السورة نزلت [في المشركين] (٤)\n_________\n(١) رواه أبو داود (٧٨٦) كتاب: الصلاة، باب من جهر بها - يعني البسملة، ورواه مع زيادة الترمذي (٣٠٨٦) كتاب: التفسير، باب: ومن سورة التوبة، وقال: هذا حديث حسن، وابن حبان كما في \"الإحسان\" ١/ ٢٣١ رقم (٤٣)، والحاكم في \"المستدرك\"، كتاب التفسير، تفسير سورة التوبة ٢/ ٢٢١، ٣٣٠، وقال في الموضع الثاني: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي، ورواه أيضًا بتلك الزيادة أحمد في \"المسند\" ١/ ٥٧، ٦٩، والطبري في \"تفسيره\" ١/ ٤٥، والنحاس في \"الناسخ والمنسوخ\" ٢/ ٣٩٦، وقد علق العلامة أحمد شاكر على هذا الحديث بكلام نفيس، وجزم بأن هذا الحديث ضعيف جدًا، بل لا أصل له؛ لأن إسناده يدور على \"يزيد الفارسي\" وقال: يزيد الفارسي الذي انفرد برواية هذا الحديث، يكاد يكون مجهولًا، حتى شبه على مثل ابن مهدي وأحمد والبخاري أن يكون هو ابن هرمز أو غيره، ويذكره البخاري في الضعفاء، فلا يقبل منه مثل هذا الحديث ينفرد به، وفيه تشكيك في معرفة سور القرآن، الثابتة بالتواتر القطعي، قراءة وسماعًا وكتابة في المصاحف، وفيه تشكيك في إثبات البسملة في أوائل السور، كأن عثمان كان يثبتها برأيه، وينفيها برأيه، وحاشاه من ذلك، فلا علينا إذا قلنا: إنه حديث لا أصل له، تطبيقًا للقواعد الصحيحة التي لا خلاف فيها بين أئمة الحديث\". انظر: المسند للإمام أحمد (بشرح أحمد شاكر) ١/ ٣٢٩ رقم (٣٩٩).\n(٢) قوله: ليس فيها أمان، يعني على وجه التغليب، وإلا فقد ورد الأمان فيها في عدة مواضع، كما في الآيات: ٢، ٤، ٦، ٧، ٢٩.\n(٣) رواه الحاكم في\"المستدرك\"، كتاب التفسير، سورة الأنفال ٢/ ٣٣٠، ورواه بمعناه أبو الشيخ وابن مردويه، كما في \"الدر المنثور\" ٤/ ٣٧٧.\n(٤) في (ح): (بالمشركين).","vol":"10","page":278},{"text":"والمنافقين بالسيف ولا أمان لهم\" (١)، وبقريب من نحو هذا قال المبرد، وهو أنه قال: لم (٢) تفتتح (٣) هذه السورة ببسم الله الرحمن الرحيم؛ لأن التسمية افتتاح للخير، وأول براءة وعيد ونقض عهود فلذلك لم تفتتح بالتسمية\" (٤)، وسئل أبيّ بن كعب عن هذا فقال: \"إنها نزلت في آخر القرآن وكان رسول الله - ﷺ - يأمر في أول كل سورة ببسم الله الرحمن الرحيم، ولم يأمر في سورة براءة بذلك، فضمت (٥) إلى سورة الأنفال لشبهها بها\" (٦).\nقال الزجاج: \"يعني أن أمر العهود مذكور في الأنفال، وهذه نزلت بنقض العهود فكانت ملتبسة بالأنفال بالشبه\" (٧)، وكان قتادة يقول: \"إنهما سورة واحدة\" (٨).\n_________\n(١) رواه الثعلبي ٦/ ٧٥ ب، وذكره ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٣/ ٣٩٠ بلفظ مقارب دون ذكر المشركين.\n(٢) ساقط من (ى).\n(٣) في (م): (تفتح).\n(٤) انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" للزجاج ٢/ ٤٢٧، و\"معاني القرآن\" للنحاس ٣/ ١٨٠.\n(٥) في (ح) و(ى): (وضمت).\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٢٧، و\"زاد المسير\" ٣/ ٣٩٠، و\"المحرر الوجيز\" ٦/ ٣٩٨.\n(٧) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٢٧.\n(٨) لم أتمكن من تخريجه عن قتادة، وهو قول ضعيف لما يأتي:\nأ- مخالفته لما ثبت عن بعض الصحابة -﵃- من أن براءة سورة مستقلة، فقد روى البخاري عن البراء قال: (آخر آية نزلت ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ [النساء: ١٧٦] وآخر سورة نزلت: براءة). \"صحيح البخاري\" (٤٦٥٤)،كتاب التفسير، باب: قوله: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾.\nب- كثرة أسماء سورة براءة التي تزيد على العشرة وكثير منها ثابت عن الصحابة -﵃-. انظر: \"الكشاف\" ٢/ ١٧١، و\"زاد المسير\" ٣/ ٣٨٩، و\"الدر المنثور\" =","vol":"10","page":279},{"text":"ونحو هذا روى الزهري عن سعيد بن المسيب <span data-type=\"title\" id=toc-1379>(١)</span>.\n١ - قوله -﷿-: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ الآية، ومعى البراءة في اللغة: انقطاع العصمة، يقال: برئت من فلان أبرأ براءة، أي: انقطعت بيننا العصمة ولم يبق بيننا علقة، ومن هذا يقال: برئت من الدين، وليس فيها إلا لغة واحدة، كسر العين في الماضي، وفتحها في المستقبل، ويقال: بريء إلى فلان من كذا، أي: أخبره أنه (٢) بريء منه.\nومعنى ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ أي: براءة الله، فلما نون أدخل \"من\" كما تقول: هذا فضل الله، ورحمة الله، ثم ينون فتدخل \"من\"، فتقول: فضل من الله ورحمة منه.\nقال المفسرون: \"أخذت العرب تنقض عهودًا بينهم (٣) وبين\n_________\n= ٢/ ٣٧٦ - ٣٧٧، ولم أجد من قال: إن هذا الأسماء تطلق على سورة الأنفال.\nج- حديث أبي هريرة في تأمير أبي بكر على الحج سنة ثمان وفيه: (ثم أردف النبي -ﷺ- بعلي بن أبي طالب فأمره أن يؤذن ببراءة). رواه البخاري (٤٦٥٥)، كتاب التفسير، باب قوله ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ﴾.\nفالحديث يوحي بأنها سورة مستقلة، وأن أولها قوله تعالى: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ﴾.\nد- حديث علي -﵁- قال: \"لما نزلت عشر آيات من براءة على النبي -ﷺ- دعا النبي -ﷺ- أبا بكر، فبعثه بها ليقرأها على أهل مكة\" الحديث، رواه عبد الله بن أحمد في زوائده على \"المسند\" ١/ ١٥١. قال أحمد شاكر: إسناده حسن. انظر: \"المسند\" بشرح أحمد شاكر ٢/ ٣٢٢ رقم (١٢٩٦).\nوقال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" ٧/ ١٠٤ رقم (١١٠٣٩): (فيه محمد بن جابر السحيمي، وهو ضعيف، وقد وثق. اهـ. والحديث نص في بيان أول سورة براءة.\n(١) لم أعثر على مصدر هذا القول.\n(٢) في (ى): (أني).\n(٣) في (م): (بينها).","vol":"10","page":280},{"text":"رسول الله - ﷺ - فأمره الله تعالى أن ينقض عهودهم وأن ينبذ ذلك إليهم ففعل ما أمر به\" (١).\n\nقال أبو إسحاق: \"أي قد بريء الله ورسوله من إعطائهم العهود والوفاء بها إذ نكثوا\" <span data-type=\"title\" id=toc-1380>(٢)</span>.\nوالخطاب في ﴿عَاهَدْتُمْ﴾ لأصحاب رسول الله -ﷺ-[والمتولي للعقد رسول الله -ﷺ-] (٣) والمعنى: إلى الذين عاهد (٤)، ولكن أدخلوا في الخطاب لأنهم راضون بفعله، فكأنهم عقدوا وعاهدوا.\nو﴿بَرَاءَةٌ﴾ ترتفع على وجهين: أحدهما: على خبر الابتداء، على معنى: هذه الآيات براءة من الله، وعلى الابتداء (٥)، ويكون الخبر: ﴿إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ﴾؛ لأن براءة موصولة بـ\"من\" و﴿مِنَ اللَّهِ﴾ صفة لها، والوجهان ذكرهما الزجاج (٦)، واختار الفراء الوجه الأول، ومثله بقولك إذا نظرت إلى رجل: جميلٌ والله، تريد: هذا جميل والله (٧).\n\n٢ - قوله تعالى: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ الآية (٨)، قال ابن\n_________\n(١) انظر نحو هذا القول في: \"معاني القرآن وإعرابه\" للفراء ١/ ٤٢٠، و\"تفسير الثعلبي\" ٦/ ٧٦ أ، و\"زاد المسير\" ٣/ ٣٩٠.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٢٨ بمعناه.\n(٣) ما بين المعقوفين ساقط من (ح) و(ى).\n(٤) يعني رسول الله - ﷺ - وفي (ح): (عاهدتم، والصواب ما أثبته وهو موافق لما في \"تفسير ابن جرير\" ١٠/ ٥٨ - ٥٩.\n(٥) هذا هو الوجه الثاني للرفع.\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٢٨.\n(٧) \"معاني القرآن\" ١/ ٤٢٠.\n(٨) ساقطة من (م).","vol":"10","page":281},{"text":"الأنباري: \"قال اللغويون (١): أصل السياحة الضرب في الأرض، والاتساع في السير، والبعد عن المدن ومواضع العمارة مع الإقلال من الطعام والشراب، وقيل للصائم: سائح، لأنه يشبه السائح لتركه المطعم والمشرب\" (٢)، قال الفراء: \"يقال: ساح يسيح سياحة وسيوحًا\" (٣).\nقال الزجاج: \"معناه: اذهبوا فيها وأقبلوا وأدبروا\" (٤).\nقال ابن الأنباري: \"ويضمر القول على تقدير: فقل لهم: سيحوا، ويكون هذا رجوعًا من الغيبة إلى الخطاب، كقوله: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ﴾ ثم قال: ﴿إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ ...﴾ الآية [الإنسان: ٢٢].\nقال المفسّرون: \"هذا تأجيل من الله للمشركين أربعة أشهر، فمن كانت مدّة عهده أكثر من أربعة أشهر حطه إلى الأربعة أشهر (٥)، ومن كانت\n_________\n(١) في (ح) و(ى): (النحويون).\n(٢) انظر: \"لسان العرب\" (سيح) ٤/ ٢١٦٧.\n(٣) لم أقف عليه.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٢٩.\n(٥) هذا القول غير صحح؛ بل من كانت مدة عهده أكثر من أربعة أشهر فعهده باقٍ إلى إتمام مدته ويدل على ذلك لأدلة التالية:\nأ- قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ﴾ [التوبة: ٤].\nب- قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾ [التوبة:٧].\nجـ- عن زيد بن أثيع قال: \"سألنا عليًا: بأي شيء بعثت؟ يعني يوم بعثه النبي -ﷺ- مع أبي بكر في الحجة، قال: بعثت بأربع: لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة، ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان بينه وبين النبي -ﷺ- عهد فعهده إلى مدته، ولا يحج المشركون والمسلمون بعد عامهم هذا\". رواه الترمذي (٨٧١)، ئ ب الحج، باب ما جاء في كراهية الطواف عريانًا، وقال: حديث حسن، ورواه أيضًا أحمد في=","vol":"10","page":282},{"text":"مدته أقل أربعة أشهر رفعه إلى الأربعة، ومن لم يكن له مدة جعل له خمسين يوما أجلًا\" (١).\nوروى الوالبي عن ابن عباس في هذه الآية قال: \"حدّ الله للذين عاهدوا رسول الله أربعة أشهر يسيحون فيها حيثما شاؤا، وأجل من ليس له عهدٌ عند انسلاخ الأشهر الحرم، من يوم النحر إلى انسلاخ المحرم، خمسين ليلة، فإذا انسلخ الأشهر الحرم أمره بأن يضع السيف فيهم حتى يدخلوا في الإسلام\" (٢)، قال (٣) \"ولم يبق لأحد من المشركين عهد ولا ذمة منذ نزلت \"براءة\" وانسلخ الأشهر الحرم، ومدّة من كان له عهد من المشركين قبل أن تنزل \"براءة\" عادت إلى أربعة أشهر، من يوم أذّن بـ\"براءة\" إلى عشر من ربيع الآخر وذلك أربعة أشهر\".\nوقال محمد بن إسحاق: \"من كانت مدة عهده أقل من أربعة أشهر أمهل تمام الأربعة، ومن كانت مدة عهده بغير أجل محدود قصر به على أربعة أشهر، ليرتاد لنفسه ثم هو حرب بعد ذلك لله ولرسوله وللمؤمنين يقتل\n_________\n= \"المسند\" ٢/ ٣٢ (تحقيق: أحمد شاكر) وقال المحقق: إسناده صحيح، وصححه الألباني في \"إرواء الغليل\" رقم (١١٠١)، والقول بأن صاحب العهد عهده باق إلى تمام مدته ذهب إليه ابن جرير ١٠/ ٦٥، وابن كثير ٢/ ٣٦٦.\n(١) انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" للفراء ١/ ٤٢٠، و\"تفسير البغوي\" ٤/ ٨، ونحوه في تفسير الثعلبي ٦/ ٧٥ أ، وابن جرير ١٥/ ٥٩ - ٦١، والماوردي ٢/ ٣٣٨، ونسبه لابن عباس والضحاك وقتادة\n(٢) رواه بنحوه ابن جرير ١٠/ ٦٠، وابن أبي حاتم ٦/ ١٧٤٦، وابن المنذر كما في \"الدر المنثور\" ٣/ ٣٨٠.\n(٣) يعني ابن عباس، وهذا القوك ليس من رواية الوالبي الصحيحة كما يبدو من صنيع المؤلف بل من رواية العوفي وهي ضعيفة جدًا. انظرها في: \"تفسير ابن جرير\" ١٠/ ٦٠.","vol":"10","page":283},{"text":"حيثما أدرك، وأما من لم يكن له عهد فإنما أجله انسلاخ الأشهر الحرم وذلك خمسون يومًا، وابتداء هذا الأجل يوم النحر وانقضاؤه إلى عشر (١) من شهر ربيع الآخر لمن كانت مدته أربعة أشهر\" (٢).\nوقال الزهري: \"الأربعة أشهر شوال، وذو القعدة، وذو الحجة والمحرم؛ لأن هذه الآية نزلت في شهر شوال\" (٣).\nوقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ﴾، قال ابن عباس: \"يريد: حيثما كنتم وحيثما توجهتم لا يعجز الله عن نقمته فيكم\" (٤).\nوقال الزجاج: \"إي وإن أُجلتم هذه الأربعة أشهر فلن تفوتوا الله\" (٥)،\nوقال غيره (٦): \"المعنى أنكم فائتين كما يفوت ما يعجز عنه لأنكم حيثما (٧) كنتم في ملك الله وسلطانه\".\n_________\n(١) في (جـ): (عشرين)، وهو تصحيف بين، والصواب ما أثبته.\n(٢) لم أجد هذا القول في \"السيرة النبوية\"، وقد ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ٦/ ٧٥ أمنسوبًا إلى محمد بن إسحاق وغيره، وذكر بعضه ابن جرير ١٠/ ٥٩ شارحًا به قول محمد بن إسحاق. والذي يظهر لي أن أصل القول لابن جرير موضحًا به قول ابن إسحاق، ونقله عنه الثعلبي بهذا المعنى وزاد عليه زيادات، فتوهم الواحدي أنه قول ابن إسحاق، والله أعلم.\n(٣) رواه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ١/ ٢٤٠، وابن جرير ١٠/ ٦٢، والنحاس في \"الناسخ والمنسوخ\" ٢/ ٤١٢، وهو قول مردود بدلالة أن علي بن أبي طالب -﵁- إنما قرأ على المشركين هذه الآية في ذي الحجة، يوم الحج الأكبر، فيجب أن يكون هذا اليوم أول الشهور. انظر: \"الناسخ والمنسوخ\" للنحاس، الموضع السابق.\n(٤) \"الوسيط\" ٢/ ٤٧٦، وفي \"تنوير المقباس\" (١٨٧): \"غير فائتين من القتل\".\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٢٩.\n(٦) ذكر نحو هذا القول: ابن جرير ١٠/ ٦٧.\n(٧) في (م): (حيث).","vol":"10","page":284},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ﴾ قال ابن عباس: \"بالقتل في الدنيا، والعذاب في الآخرة\" (١)، وقال الزجاج: \"هذا ضمان من الله -﷿- نصرة المؤمنين (٢) على الكافرين\" <span data-type=\"title\" id=toc-1381>(٣)</span>. والإخزاء (٤): الإذلال بما فيه الفضيحة والعار، والخزي: النكال (٥) الفاضح.\n٣ - وقوله تعالى: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ﴾ الآية، أذان: رفع بالعطف على براءة قاله الفراء (٦)، والزجاج (٧)، ومعنى الأذان: الإعلام في قول المفسرين (٨) وأهل المعاني (٩).\nقال الأزهري: \"يقال: آذنته أوذنه إيذانًا وآذانًا، فالأذان اسم (١٠) يقوم مقام الإيذان، وهو المصدر الحقيقي\" (١١).\nقال أبو علي: قوله: ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ صفة لـ ﴿وَأَذَانٌ﴾ وكذلك ﴿إِلَى النَّاسِ﴾ (١٢).\nومعناه: للناس، كما يقال: هذا غلام من فلان لك واليك، وأراد\n_________\n(١) \"الوسيط\" ٢/ ٤٧٦، و\"تفسير الرازي\" ١٦/ ٢٢٠.\n(٢) في (م): (نصرة للمؤمنين)، وفي\"معاني القرآن\" للزجاج: بنصرة المؤمنين.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٢٩.\n(٤) في (ح): (والآخر)، وفي (م): (والأخرى)، وكلاهما خطأ.\n(٥) في (ى): (والنكال).\n(٦) \"معاني القرآن\" ١/ ٤٢٠.\n(٧) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٢٩.\n(٨) انظر: \"تفسير ابن جرير\" ١٠/ ٦٧، والسمرقندي ٢/ ٣٣، والزمخشري ٢/ ١٧٣.\n(٩) انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" للزجاج ٢/ ٤٢٩، و\"غريب القرآن وتفسيره\" لليزيدي ص ١٦١، و\"تفسير المشكل من غريب القرآن\" ص ٩٥.\n(١٠) في (م): (أهم).\n(١١) \"تهذيب اللغة\" (أذن) ١/ ١٣٩.\n(١٢) \"الحجة للقراء السبعة\" ٢/ ٤٠٥.","vol":"10","page":285},{"text":"بالناس: المؤمن والمشرك؛ لأن الكل داخلون في هذا الإعلام.\nوقوله تعالى: ﴿يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ﴾، قال أبو علي: \"يجوز أن يتعلق الظرف بالصفة ويجوز أن يتعلق بالخبر الذي هو: ﴿أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ ولا يجوز أن يتعلق بـ\"أذان\" لأنك قد وصفته والموصوف إذا وصفته لم يتعلق بشيء\" (١).\nواختلفوا في يوم الحج الأكبر فقال ابن عباس في رواية عكرمة: \"إنه يوم عرفة\" (٢)، وهو قول عمر وسعيد بن المسيب وابن الزبير وعطاء وطاووس وإحدى الروايتين عن علي -﵁- (٣)، ورواية المسور بن مخرمة عن رسول الله - ﷺ - وهو أنه قال: خطب رسول الله - ﷺ - عشية عرفة فقال: \"أما بعد إن هذا يوم الحج الاكبر\" (٤).\nوقال ابن عباس في رواية عطاء: \"يوم الحج الأكبر يوم النحر\" (٥)، وهو قول الشعبي والنخعي والسدي وابن زيد وإحدى الروايتين عن علي وقول المغيرة بن شعبة وسعيد بن جبير (٦).\nوروى ابن جريج عن مجاهد قال: \"يوم الحج الأكبر أيام منى\n_________\n(١) \"الحجة للقراء السبعة\" ٢/ ٤٠٦.\n(٢) رواه ابن جرير ١/ ٦٩، والثعلبي ٦/ ٧٧ ب.\n(٣) رواه عنهم جميعًا ابن جرير ١٠/ ٦٧ - ٦٩ إلا أنه قال: طاوس عن أبيه، ورواه عنهم أيضًا عدا طاوس، الثعلبي ٦/ ٧٧ ب، ٧٨ أ، ورواه أيضًا عنهم ابن أبي حاتم ٦/ ١٧٤٧ إلا أن روايته عن علي مرفوعة، وانظر: \"تفسير ابن الجوزي\" ٣/ ٣٩٦، وابن كثير ٢/ ٣٦٩.\n(٤) رواه ابن أبي حاتم وابن مردويه كما في \"الدر المنثور\" ٣/ ٣٨٢، ورواه ابن جرير ١٠/ ٦٩، وابن أبي حاتم ٦/ ١٧٤٨ عن محمد بن قيس مرسلًا.\n(٥) رواه ابن جرير ١٠/ ٧٠ من رواية عكرمة، ١٠/ ٧٢ من رواية سعيد بن جبير.\n(٦) أخرج آثارهم ابن جرير ١٠/ ٦٩ - ٧٤، والثعلبي ٦/ ٧٨ أ.","vol":"10","page":286},{"text":"كلها\" (١)، وهو مذهب سفيان الثوري، وكان يقول: يوم الحج الأكبر أيامه كلها مثل يوم صفين ويوم الجمل ويوم بعاث (٢) يراد به الحين والزمان؛ لأن كل حرب من هذه الحروب دامت أيامًا كثيرة (٣).\nفمن قال: إنه يوم عرفة احتج بأن معظم الحج يقضى فيه وهو الوقوف، ومن قال: إنه يوم النحر احتج بأن أعمال الحج وقضاء المناسك يوم النحر؛ لأن في ليلة نهار (٤) يوم النحر الوقوف بعرفة غير فائت إلى طلوع الفجر، وفي صبيحتها تعمل أعمال الحج، فالحج كله يوم النحر (٥)، ومعنى الحج الأكبر: الحج بجميع أعماله، والحج الأصغر: العمرة، وهذا قول ابن عباس في رواية عطاء (٦)، والزهري (٧) والشعبي (٨).\n_________\n(١) رواه ابن جرير ١٠/ ٧٤، والثعلبي ٦/ ٧٨ ب.\n(٢) يوم بعاث: بضم الباء: يوم كانت فيه حرب بين الأوس والخزرج في الجاهلية، وبعاث: حصن للأوس. انظر: \"السيرة النبوية\" لابن هشام ٢/ ١٨٣، و\"لسان العرب\" (بعث) ١/ ٣٠٧.\n(٣) ذكره بلفظه الثعلبي ٦/ ٧٨ ب، ورواه مختصرًا ابن جرير ١٠/ ٧٤.\n(٤) ساقطة من (م).\n(٥) قلت: بل أقوى من هذا التعليل ما رواه البخاري تعليقًا عن ابن عمر﵄- قال: وقف النبي -ﷺ- يوم النحر بين الجمرات في الحجة التي حج بهذا، وقال: \"هذا يوم الحج الأكبر\". \"صحيح البخاري\"، كتاب الحج، باب الخطبة أيام منى ٣/ ٥٧٤، ورواه موصولًا أبو داود في \"سننه\" ١٩٤٥، كتاب المناسك، باب يوم الحج الأكبر، والحاكم في \"المستدرك\"، كتاب التفسير، تفسير سورة التوبة ٢/ ٣٣١ مطولًا، وقال: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي.\n(٦) ذكره المؤلف في \"الوسيط\" ٢/ ٤٧٧.\n(٧) رواه الثعلبي ٦/ ٧٩ أ، والبغوي ٤/ ١٢، ورواه بمعناه إخبارًا عن قول أهل الجاهلية عبد الرازق ١/ ٢/ ٢٦٦، وابن جرير ١٠/ ٧٦.\n(٨) رواه ابن جرير ١٠/ ٧٦، والثعلبي ٦/ ٧٩ أ، والبغوي ٤/ ١٢.","vol":"10","page":287},{"text":"قالوا: الحج الأكبر: الوقوف بعرفة والحج الأصغر: العمرة لنقصان عملها عن (١) عمل الحج.\nقوله تعالى: ﴿أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾، قال أبو علي: \"لا بد من تقدير الجار في قوله ﴿أَنَّ اللَّهَ﴾ فتقول: بأن الله، لأن (٢) ﴿اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ لا يكون الإعلام، كما يكون الثاني الأول في نحو قولك: خبرك أنك خارج (٣)، وخبر الابتداء يجب أن يكون الأول إذ له فيه ذكر، و﴿وَأَذَانٌ﴾ ابتداء فلا يكون ﴿أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ﴾ خبره إلا بتقدير الجار، ومعنى الآية: إن الله بريء من عهد المشركين، فهو من باب حذف المضاف، و\"ورسوله\" رفع بالابتداء وخبره مضمر على معنى: ورسوله أيضًا بريء، ودل الخبر عن الله على الخبر عن الرسول ومثله.\nفإني وقيارٌ بها لغريب (٤)\nوقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تُبْتُمْ﴾ رجع إلى خطاب المشركين، قال ابن عباس: \"يريد: فإن رجعتم عن الشرك إلى توحيد الله\" (٥)، ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ من الإقامة على الشرك ﴿وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾ يريد: عن الإيمان ﴿فَاعْلَمُوا\n_________\n(١) في (م): (من).\n(٢) في \"الحجة\": لأن \"أن الله .. \".\n(٣) أ. هـ. كلام أبي علي، انظر: \"الحجة للقراء السبعة\" ٢/ ٤٠٦.\n(٤) عجز بيت وصدره.\nفمن يك أمسى بالمدينة رحله\nوالبيت لضابئ بن الحارث البرجمي كما في \"الأصمعيات\" (ص١٨٤)، \"وخزانة الأدب\" ٩/ ٣٢٦، و\"الشعر والشعراء\" ص٢١٩، و\"كتاب سيبويه\" ١/ ٧٥، و\"نوادر أبي زيد\" (ص٢٠)، وقوله: قيار، هكذا بالرفع، وهو كذلك في بعض المصادر، قال الجوهري في \"الصحاح\" (قير) ٢/ ٨٠١: قيار: اسم جمل ضابئ بن الحارث، ثم ذكر البيت ثم قال: برفع قيار على الموضع.\n(٥) \"تنوير المقباس\" (ص١٨٧) بنحوه من رواية الكلبي، وحاله لا تخفى.","vol":"10","page":288},{"text":"أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ﴾ أي: إنكم لا تفوتون بأنفسكم من أن يحل بكم عذابه في الدنيا، ثم أوعدهم بعذاب الآخرة فقال: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾، قال المفسرون: \"لما فتح الله مكة على رسول الله -ﷺ- سنة ثمان من الهجرة وخرج رسول الله -ﷺ- إلى غزاة تبوك وتخلف من تخلف من المنافقين وأرجفوا الأراجيف جعل المشركون ينقضون عهودهم فأمر الله رسوله بإلقاء عهودهم إليهم ليأذنوا بالحرب، فلما كانت سنة تسع أراد رسول الله -ﷺ- الحج ثم قال: \"إنه يحضر المشركون فيطوفون عراة فلا أحب أن أحج حتى لا يكون ذلك\" (١) فبعث رسول الله -ﷺ- أبا بكر تلك السنة أميرًا على الموسم ليقيم للناس الحج وبعث معه بأربعين آية من صدر براءة ليقرأها على أهل الموسم، فلما سار دعا رسول الله -ﷺ- عليًا فقال: \"اخرج بهذه القصة من صدر براءة وأذن بذلك فى الناس إذا اجتمعوا\" فخرج علي -﵁- على ناقة رسول الله -ﷺ- العضباء حتى أدرك أبا بكر بذي الحليفة فرجع أبو بكر إلى النبي -ﷺ- فقال: يا رسول الله بأبي أنت وأمي أنزل في شأني شيء قال: \"لا، ولكن لا يبلغ عني غيري أو رجل مني، أما ترضى يا أبا بكر أنك كنت معي في الغار وأنك صاحبي على الحوض؟! \" (٢)، قال: بلى يا رسول الله، فسار أبو بكر أميرًا على الحج، وعليّ ليؤذن ببراءة، فقدما مكة، فلما كان قبل\n_________\n(١) رواه ابن جرير ١٠/ ٦١ - ٦٢ مرسلًا عن مجاهد، وطواف المشركين عراة مخرج في \"صحيح البخاري\" (١٦٦٥)، كتاب الحج، باب الوقوف بعرفة، وفي \"صحيح مسلم\" (١٢١٩)، كتاب الحج، باب في الوقوف.\n(٢) رواه ابن جرير (١٠/ ٦٥) عن السدي، ورواه بنحوه ١٠/ ٦٤ عن ابن عباس، وروى صدره بمعناه الترمذي (٣٠٩٠)، كتاب التفسير، باب: ومن سورة التوبة، وقال: حديث حسن غريب من حديث أنس، وكذلك رواه أحمد في المسند ١/ ٣.","vol":"10","page":289},{"text":"التروية بيوم قام أبو بكر فخطب الناس وحدثهم عن مناسكهم، وأقام للناس الحج، والعرب إذ ذاك في تلك السنة على منازلهم التي كانوا عليها في الجاهلية من الحج، حتى إذا كان يوم النحر قام علي بن أبي طالب فأذن في الناس بالذي أمره به، وقرأ عليهم سورة براءة، فقال المشركون: \"نحن نبرأ من عهدك وعهد ابن عمك إلا من الطعن والضرب\" (١).\nوذكر أبو إسحاق السبب في تولية علي تلاوة براءة على المشركين قال: \"وذلك لأن العرب جرت عادتها في عقد عهدوها (٢) ونقضها أن يتولى ذلك على القبيلة رجل منها، وكان جائزًا أن تقول العرب إذا تُلي عليها نقض العهد من الرسول - ﷺ - هذا خلاف ما يعرف فينا في نقض العهود، فأزاح رسول الله -ﷺ- العلة في ذلك\" (٣).\nوقال عمرو (٤) بن بحر: \"إن النبي -ﷺ- بعث أبا بكر أميرًا على الحاج وولاه الموسم وبعث عليًّا يقرأ على الناس آيات من سورة براءة فكان أبو\n_________\n(١) تفسير الثعلبي ٦/ ٧٦ أونسبه إلى محمد بن إسحاق ومجاهد وغيرهما، وقد ذكر الزمخشري في \"تفسيره\" ٢/ ١٧٢ نحو هذا الأثر، وعلق عليه ابن حجر بقوله: \"هذا ملفق من مواضع\". انظر: حاشية \"تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في تفسير الكشاف\" للزيلعي ٢/ ٤٩.\n(٢) في \"معاني القرآن وإعرابه\": عقودها.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٢٨.\n(٤) في (ح): (عمر)، وهو: عمرو بن بحر بن محبوب، أبو عثمان الجاحظ، البصري المعتزلي، العلامة المتبحر في فنون الأدب وصاحب التصانيف المشهورة، كان أحد الأذكياء الحفاظ، لكنه كان ماجنًا قيل الدين، كثير الكذب وتوليد الحكايات، توفي سنة ٢٥٥ هـ.\nانظر: \"تاريخ بغداد\" ١٢/ ٢١٢، و\"نزهة الألباء\" ص ١٤٨، و\"سير أعلام النبلاء\" ١١/ ٥٢٦.","vol":"10","page":290},{"text":"بكر الإمام وعلي المؤتم، وكان أبو بكر الخطيب وعلي المستمع، وكان أبو بكر الدافع بالموسم ولم يكن لعلي أن يدفع حتى يدفع أبو بكر، وأما قوله - ﷺ - \"لا يبلغ عني إلا رجل مني\" (١) فإن النبي -ﷺ- لم يقل ذلك تفضيلًا منه لعلي على غيره في الدين، ولكن عامل العرب على مثل ما كان بعضهم يتعارفه من بعض، وكعادتهم في عقد الحلف وحل العقد، وكان السيد منهم إذا عقد لقوم حلفًا أو عاهد عهدا لم يحل ذلك العقد غيره أو رجل من رهطه دنيا (٢) كأخ أو عم فلذلك قال النبي -ﷺ- ذلك القول (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1382>٤ </span>- قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ الآية، قال أبو إسحاق: \"الذين\" في موضع نصب، أي: وقعت البراءة من المعاهدين الناقضين للعهود، إلا الذين عاهدتم ثم لم ينقصوكم أي ليسوا داخلين في البراءة\" (٤)، قال المفسرون (٥) في هذه الآية: \"هؤلاء قوم مخصوصون أمر النبي -ﷺ- بإتمام عهده وهم بنو ضمرة وبنو كنانة ومن اتبعهم وكان بقي لهم من مدتهم تسعة أشهر فأمر باتمامها لهم\".\nوقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا﴾ أي من شروط العهد شيئًا ﴿وَلَمْ\n_________\n(١) رواه الترمذي (٣٠٩٠)، كتاب تفسير القرآن، باب: ومن سورة التوبة، وأحمد في \"المسند\".\n(٢) في \"لسان العرب\" (دنا): (قالوا: \"هو ابن عمي دنية، ودنيًا، منون، ودنيا، غير منون، ودنيا، مقصور: إذا كان ابن عمه لحا .. وكأن أجل ذلك كله (دنيا) أي: رحمًا أدنى إليّ من غيرها\".\n(٣) انظر قول الجاحظ في كتابه العثمانية ص ١٢٩ بنحوه، و\"زاد المسير\" ٣/ ٣٩٢.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٣٠ باختصار يسير.\n(٥) انظر: \"تفسير الثعلبي\" ٦/ ٧٩ ب، والبغوي ٤/ ١٢، وهو قول السدي رواه أبو الشيخ كما في \"الدر المنثور\" ٣/ ٣٨٣ - ٣٨٤.","vol":"10","page":291},{"text":"يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا﴾، قال ابن عباس: \"ولم يعاونوا عليكم عدوًا\" (١)، وقوله (٢): ﴿فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ﴾ معناه: إلى انقضاء مدتهم، ومعنى المدة زمان طويل (٣) للفسحة؛ لأنه من مددتُ له في الأجل للمهلة، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ أي: يحب من اتقاه بطاعته وأداء فرائضه واجتناب معاصيه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1383>٥ </span>- قوله تعالى ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ﴾، قال الليث: \"يقال سلخت الشهر إذا خرجت منه فصرت في آخر يومه (٤)، وانسلخ (٥) الشهر\" (٦)، وكشف أبو الهيثم (٧) عن هذا المعنى فقال: \"يقال: أهللنا هلال شهر كذا أي دخلنا فيه ولبسناه فنحن نزداد كل ليلة إلى مضي نصفه (٨) لباسًا منه ثم نسلخه عن أنفسنا [بعد تكامل النصف منه جزءًا فجزءًا حتى نسلخه عن أنفسنا] (٩) كله فينسلخ، وأنشد (١٠):\nإذا ما سلخت الشهر أهللت مثله ... كفى قاتلا سلخي الشهور وإهلالي (١١)\n_________\n(١) \"تنوير المقباس\" ص ١٨٧.\n(٢) ساقط من (ح) و(ى).\n(٣) في \"لسان العرب\" ٧/ ٤١٥٨ (مدد): المدة: طائفة من الزمان تقع على القليل والكثير، ومادّ فيها أي أطالها.\n(٤) في كتاب\"العين\" و\"تهذيب اللغة\": في آخر يوم منه.\n(٥) في النسخة (ح): (فانسلخ). وما أثبته موافق لكتاب \"العين\" و\"تهذيب اللغة\".\n(٦) \"تهذيب اللغة\" (سلخ) ٢/ ١٧٣٠، والنص في كتاب\"العين\" (سلخ) ٤/ ١٩٨.\n(٧) تقدمت ترجمته.\n(٨) في (ى): (نفسه)، وهو خطأ.\n(٩) ما بين المعقوفين ساقط من (ح).\n(١٠) البيت بغير نسبة في: \"تهذيب اللغة\" (سلخ) ٢/ ١٧٣١، و\"أساس البلاغة\" (سلخ) ٢/ ٤٥٣، و\"لسان العرب\" (سلخ) ٤/ ٢٠٦٣.\n(١١) اهـ كلام أبي الهيثم، انظر: \"تهذيب اللغة\" (سلخ) ٢/ ١٧٣١.","vol":"10","page":292},{"text":"واختلفوا في معنى الأشهر الحرم هاهنا فمنهم من حملها على ذي القعدة وذي الحجة والمحرم ويحل (١) القتال بانسلاخ المحرم على الإطلاق عند من جعل تاريخ (٢) الأشهر الأربعة من أول شوال وهو وقت نزول براءة (٣)، ومن قال: إن تاريخ الأشهر الأربعة من يوم النحر حمل قوله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [على التخصيص، ومعناه: فإذا انسلخ الأشهر الحرم ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾] (٤) الذين أمهلناهم خمسين يومًا وهم الذين لم يكن لهم ذمة سابقة مع رسول الله -ﷺ-، هذا على قول من يقول الأشهر الحرم هذه الثلاثة التي تعرف بالحرم (٥) ومنهم من قال: المراد بالأشهر الحرم شهور العهد (٦)، قيل لها: حرم لأن الله تعالى حرم على المؤمنين فيها دماء المشركين، فإذا مضت قد (٧) حل قتالهم عامًا مطلقًا، وهذا قول الحسن (٨)، ومجاهد (٩)،\n_________\n(١) ساقط من (ح).\n(٢) في (م): (من تاريخ).\n(٣) هذا قول الزهري وحده، وقد سبق تخريجه، وانظر رد هذا القول هناك، وفي \"الناسخ والمنسوخ\" للنحاس ٢/ ٤١٢.\n(٤) ما بين المعقوفين ساقط من (ح) و(ى).\n(٥) روى هذا القول ابن جرير ١٠/ ٦٠ - ٦١، عن ابن عباس والضحاك وقتادة.\n(٦) يعني شهور السياحة التي ذكرها الله بقوله: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ [التوبة: ٢]. إذ أن هذا هو قول جميع من نسب إليهم المؤلف هذا القول، وذكر الشوكاني في تفسيره ٢/ ٣٣٧ احتمالًا آخر للمراد بها، وأنها المشار إليها بقوله تعالى: ﴿فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ﴾.\n(٧) في (ح): (ذلك)، وفي (ى): (دلل)، ولا معنى لهما.\n(٨) ذكره عنه الهواري ٢/ ١١٤، والماوردي ٢/ ٣٤٠، وابن الجوزي ٣/ ٣٩٨.\n(٩) رواه ابن جرير ١٠/ ٧٩، والثعلبي ٦/ ٧٩ ب، والبغوي ٤/ ١٣، وأبو الشيخ كما في \"الدر المنثور\" ٣/ ٣٨٤ - ٣٨٥، وهو في \"تفسير مجاهد\" ص ٣٦٣.","vol":"10","page":293},{"text":"وابن إسحاق (١)، وابن زيد (٢)، وعمرو بن شعيب (٢)، والسدي (٣).\nوقوله تعالى: ﴿حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ يوجب تعميم الحل والحرم، قال الفراء: \"في الأشهر الحرم وغيرها في الحل والحرم\" (٤) ﴿وَخُذُوهُمْ﴾ أي (٥) بالأسر، والأخيذ: الأسير ﴿وَاحْصُرُوهُمْ﴾ معنى الحصر: المنع عن الخروج من محيط، قال ابن عباس: يريد: إن تحصنوا فاحصروهم\" (٦)، وقال الفراء: \"حصرهم: أن يمنعوا من البيت الحرام\" (٧)، وقال ابن الأنباري: \"يريد: أن احبسوهم واقطعوهم عن البيت الحرام\".\nوقوله تعالى: ﴿وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ المرصد: الموضع الذي يرقب فيه العدو، من قولهم: رصدت فلانًا أرصده: إذا ترقبته، قال المفسرون (٨): يقول: اقعدوا لهم على كل طريق يأخذون فيه إلى البيت أو إلى تجارة، قال أبو عبيدة في قوله: ﴿كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ المعنى: كل طريق\" (٩)، وقال أبو الحسن الأخفش: \" (على) محذوفة، المعنى: على كل مرصد، وأنشد (١٠):\n_________\n(١) انظر: \"السيرة النبوية\" ٤/ ٢٠٤.\n(٢) رواه ابن جرير ١٠/ ٧٩، والثعلبي ٦/ ٧٩ ب.\n(٣) رواه ابن جرير ١٠/ ٧٩، وابن أبي حاتم ٦/ ١٧٥٢ - ١٧٥٣.\n(٤) \"معاني القرآن\" ١/ ٤٢١.\n(٥) ساقط من (م).\n(٦) ذكره ابن الجوزي في\"زاد المسير\" ٣/ ٣٩٨.\n(٧) \"معاني القرآن\" ١/ ٤٢١.\n(٨) انظر: \"تفسير ابن جرير\" ١٠/ ٧٨، والسمرقندي ٢/ ٣٤، والثعلبي ٦/ ٧٩ ب، والبغوي ٤/ ١٣.\n(٩) \"مجاز القرآن\" ١/ ٢٥٣ بمعناه.\n(١٠) البيت لرجل من قيس، كما في كتاب \"المعاني الكبير\" ١/ ٣٨٦، وهو بلا نسبة في \"معاني القرآن\" للأخفش ١/ ٨٥، و\"لسان العرب\" (رخص) ٣/ ١٦١٦.","vol":"10","page":294},{"text":"نغالي اللحم للأضياف نيئًا ... ونرخصه إلا نضج القدور\nالمعنى نغالى باللحم (١)، فحذف الباء هاهنا فكذلك حذف (على)، قال الزجاج: \" ﴿كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ ظرف، كقولك: ذهبت مذهبًا، وذهبت طريقًا، وذهبت كل طريق، فلست تحتاج أن تقول في هذا إلا بما تقوله في الظروف نحو: خلف وأمام وقدام\" (٢).\nقال أبو علي: \"ذهب أبو الحسن إلى أن المرصد اسم للطريق كما فسره أبو عبيدة، وإذا (٣) كان اسمًا (٤) للطريق كان مخصوصًا، وإذا كان مخصوصًا وجب ألا يصل الفعل الذي لا يتعدى إليه إلا بحرف جر (٥) نحو: ذهبت إلى زيد، وقعدت على الطريق، إلا أن يجيء في ذلك اتساع فيكون الحرف معه محذوفًا كما حكاه سيبويه (٦) من قولهم: ذهبت الشام ودخلت البيت فالأسماء المخصوصة إذا تعدت إليها الأفعال التي لا تتعدى فإنما هو على الاتساع، والحكم في تعديها إليها والأصل أن يكون بالحرف، وقد غلط أبو إسحاق في قوله (٧): ﴿كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ ظرف كقولك ذهبت مذهبًا في أن جعل الطريق ظرفًا كالمذهب وليس الطريق بظرف، ألا ترى [أن الطريق] (٨) مكان مخصوص كما أن البيت والمسجد مخصوصان، وقد نص\n_________\n(١) اهـ كلام الأخفش، انظر: \"معاني القرآن\" له ١/ ٣٥٣.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٣١.\n(٣) في (ح): (فإذا)، وما أثبته موافق لما في \"الإغفال\".\n(٤) في (ح): (اسم).\n(٥) كلمة (جر) ليست موجودة في \"الإغفال\".\n(٦) انظر: \"كتاب سيبويه\" ١/ ٤١٤.\n(٧) في \"الإغفال\": قوله -﷿-.\n(٨) ما بين المعقوفين ساقط من (ح) و(ي)، وفي \"الإغفال\": إلا أنه مكان ... إلخ.","vol":"10","page":295},{"text":"سيبويه على اختصاصه (١) والنص به ليس كالمذهب والمكان، ألا ترى أنَّه حمل قول ساعدة (٢):\nلَدْنٌ بهز الكف (٣) يعسل متنه ... فيه (٤) كما عسل الطريق الثعلب (٥)\nعلى أنه حذف الحرف اتساعًا، كما حذف عنده من ذهبت الشام (٦)، وقال أبو إسحاق في هذا المعنى خلاف ما قاله هنا، [وهو أنه قال في قوله -﷿- (٧): ﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الأعراف: ١٦]: أي على طريقك، قال: ولا اختلاف بين النحويين أن (على) محذوفة\" (٨)، وإذا كان كذلك بلا خلاف لم يجز أن يجعله ههنا مثل ما هو ظرف (٩) بلا خلاف من\n_________\n(١) انظر: \"كتاب سيبويه\" ١/ ٣٥.\n(٢) هو: ساعدة بن جؤية الهذلي، من شعراء هذيل المجيدين، وشعره محشو بالغريب والمعاني الغامضة، وهو من مخضرمي الجاهلية والإسلام، وقد أسلم، ولم يلق النبي -ﷺ-.\nانظر: \"خزانة الأدب\" ١/ ٤٧٦، و\"سمط اللآلئ\" ص ١١٥، و\"الأعلام\" ٣/ ٧٠.\n(٣) في (ى): (الكهف).\n(٤) ساقطة من (م).\n(٥) البيت لساعدة بن جؤية كما في \"شرح أشعار الهذليين\" ص ١١٢٠، و\"كتاب سيبويه\" ١/ ٣٦، و\"لسان العرب\" (عسل) ٥/ ٢٩٤٦، و\"نوادر أبي زيد\" ص١٥.\nورواية المصدر الأول: لذٌ. أي تلذ الكف بهزه.\nومعنى: لدن: أي لين. والمتن: الظهر، ويعسل: يضطرب، وعسل الطريق الثعلب: أي اضطرب في الطريق.\nوالشاعر يصف سنانًا مرهفًا يهتز في الكف. انظر: \"شرح أشعار الهذليين\" ص ١١١٩، ١١٢٠، و\"لسان العرب\" (عسل) ٥/ ٢٩٤٦.\n(٦) انظر: \"كتاب سيبويه\" (١/ ٣٥، ٣٦).\n(٧) في\"الإغفال\": ألا ترى أنه قال في قوله \"لأقعدن .... \" إلخ.\n(٨) انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٣٢٤.\n(٩) في \"الإغفال\": مبهم ظرف.","vol":"10","page":296},{"text":"قوله: ذهبت مذهبًا، وإذا كان الصراط [اسمًا للطريق وكان اسمًا مخصوصًا ومما لا يصح أن يكون ظرفًا لاختصاصه فالمرصد] (١) أيضًا (٢) مثله في الاختصاص، وأن لا يكون ظرفًا، كما لم يكن الصراط والطريق ظرفًا\" (٣).\nوقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا﴾، قال ابن عباس: \"يريد: من الشرك\" (٤)، ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ قال أصحابنا (٥): هذه الآية دليل على أن تارك اصلاة يقتل؛ لأن الله أباح في دماءهم، ثم قال: \"فإن تابوا\" يعني من الشرك \"وأقاموا الصلاة\" وهذا اللفظ للفعل لا للاعتقاد؛ ولأن الاعتقاد مندرج تحت التوبة، فإذا لم يقم الصلاة بقي دمه على الإباحة، وإن تاب من الشرك بحكم ظاهر الآية، ودل الظاهر على التسوية بين الصلاة والزكاة فاقتضى الإجماع ترك الظاهر في الزكاة.\nوقوله تعالى: ﴿وَآتَوُا الزَّكَاةَ﴾، قال ابن عباس: \"يريد: زكاة الأموال من العين والمواشي والثمار\" (٦)، وقوله تعالى: ﴿فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ قيل: يعني: إلى البيت الحرام، وقيل: إلى التصرف في أمصاركم للتجارة وغيرها، وقوله (٧): ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ لمن تاب وآمن.\n_________\n(١) ما بين المعقوفين ساقط من (ى).\n(٢) في (ى): (هاهنا).\n(٣) انظر: \"الإغفال\"، سورة التوبة، المسألة الأولى ص ٨٤٨ - ٨٥٢.\n(٤) \"تنوير المقباس\" ١٨٧.\n(٥) يعني أئمة الشافعية. انظر: \"كتاب الأم\" ١/ ٤٢٤، و\"أحكام القرآن\" للهراس ٣/ ١٧٧.\n(٦) لم أقف عليه، وقد ذكره في \"الوسيط\" ٢/ ٤٧٩ بلا نسبة.\n(٧) ساقط من (ح) و(ى).","vol":"10","page":297},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1384>٦ </span>- قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ﴾ الآية، قال الفراء: ﴿اسْتَجَارَكَ﴾ في موضع جزم وإن فرق بين الجازم والمجزوم بـ\"أحد\" وذلك سهل في (إن) خاصة دون حروف الجزاء؛ لأنها شرط وليست باسم، فلم يحفلوا أن يفرقوا بينها وبين المجزوم بالمرفوع والمنصوب، فأما المنصوب فمثل قولك: إن أخاك ضربت ظلمت، والمرفوع مثل قوله: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ﴾ [النساء: ١٧٦] ولو حولت \"هلك\" إلى (يهلك) (١) لجزمته (٢)، ونحو هذا قال الزجاج، فقال: وإنما يجوز الفصل في باب (إن) لأن (إن) أم الجزاء، لا تزول (٣) عنه إلى غيره، فأما أخواتها فلا يجوز ذلك فيها إلا في الشعر، قال الشاعر (٤):\nفمتى واغل يزرهم (٥) يحيوه ... وتُعطفْ عليه كأس الساقي (٦)\nقال ابن عباس: \" ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ﴾ ممن لم يكن له عهد\" (٧)، وقال محمد بن إسحاق: \"أي: من هؤلاء الذين أمرتك بقتالهم\" (٨)، وقال سعيد بن جبير: \"جاء رجل من المشركين إلى علي بن\n_________\n(١) في \"معاني القرآن\": إن يهلك.\n(٢) \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٤٢٢.\n(٣) في (ح) و(ي): (لا تزال)، والمثبت من (م) وهو موافق لـ \"معاني القرآن وإعرابه\".\n(٤) البيت لعدي بن زيد العبادي، كما في ملحق \"ديوانه\" ١٥٦، و\"خزانة الأدب\" ٣/ ٤٦، و\"كتاب سيبويه\" ٣/ ١١٣.\n(٥) في النسخة (ح) و(م): (ينبهم)، وأثبت ما في النسخة (ى) لأنه موافق لما في \"معاني القرآن وإعرابه\"، والواغل: الداخل على القوم في شرابهم أو طعامهم ولم يدع. انظر: \"مجمل اللغة\" (وغل) ٤/ ٩٣١، و\"القاموس المحيط\"، باب اللام، فصل الواو ص ١٠٦٩.\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٣٢.\n(٧) لم أقف على مصدره.\n(٨) \"السيرة النبوية\" ٤/ ٢٠٢.","vol":"10","page":298},{"text":"أبي طالب: فقال: إن (١) أراد الرجل منا أن يأتي محمدًا بعد انقضاء هذا الأجل فيسمع كلام الله أو يأتيه لحاجة قتل؟! فقال علي: لا؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ﴾ الآية (٢)، وقال الزجاج: \"المعنى: إن طلب منك أحد منهم أن تجيره من القتل إلى أن يسمع كلام الله فأجره\" (٣). وقوله تعالى: ﴿حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾، قال السدي (٤) ومقاتل (٥): \"يعني القرآن\"، وقال عطاء عن ابن عباس: \"يريد: ما أعد (٦) الله لأوليائه من الثواب ولأعدائه من العقاب وما افترض في دينه من الصلاة والزكاة وصيام شهر رمضان وحج البيت وجميع الفرائض\" (٧).\nوقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ قال: \"يريد: الموضع الذي يأمن فيه\" (٨) يريد: إذا لم يتب، فإن تاب ﴿فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾، وقال ابن زيد: \"يقول: إن لم يوافقه ما تتلو (٩) عليه فأبلغه مأمنه\" (١٠).\nوقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ﴾ يعني: يفعل كل هذا لأنهم جهلة، لا يعلمون دين الله وتوحيده وما افترض عليهم، وقال\n_________\n(١) في (ح): (إذا)، وما أثبته موافق للمصدر الثاني.\n(٢) \"تفسير الثعلبي\" ٦/ ٨١ أ.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٣١.\n(٤) رواه ابن جرير ١٤/ ٨٠، وأبو الشيخ كما في \"الدر المنثور\" ٣/ ٣٨٦.\n(٥) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٢٦ أ.\n(٦) في (ي): (ما عطا)، وسقطت (ما) من النسخة (ح).\n(٧) لم أعثر عليه.\n(٨) رواه بمعناه الفيروزأبادي في \"تنوير المقباس\" ص ١٨٧.\n(٩) في (ح): (يتلى)، والمثبت موافق لـ\"تفسير ابن جرير\".\n(١٠) رواه ابن جرير ١٠/ ٨٠، وبنحوه ابن أبي حاتم ٦/ ١٧٥٦.","vol":"10","page":299},{"text":"أبو إسحاق \"أي: الأمر ذلك، أي: وجب أن يعرّفوا ويجاروا؛ لجهلهم بالعلم فربما يتبينون به الإسلام\" (١).\nوهذا بيان عن حال الطالب للعلم (٢)، وليس له عهد من الإمام، حتى يسمع الدليل على الحق، ثم يُردّ إلى مأمنه لينظر في أمره، وقال الحسن في هذه الآية: \"إن استعاذك فأعذه حتى يسمع كلام الله، فتقيم عليه حجة الله، وتبين له دين الله، فإن أسلم فقد دخل في عز الإسلام وإن أبى فأبلغه مأمنه ولا تعرض له\" (٣).\nوقال أهل العلم: \"الكافر الحربي إذا دخل دار الإسلام كان مغنومًا مع ماله إلا أن يدخل مستجيرًا لغرض شرعي، كاستماع كلام الله رجاء الإسلام، أو دخل لتجارة، فإن دخل بأمان صبي أو مجنون فأمانهما شبهة أمان (٤)، فيجب تبليغه مأمنه، وهو أن يبلغ محروسًا في نفسه وماله إلى مكانه الذي هو مأمن له، ومن دخل منهم دار الإسلام رسولًا فالرسالة له (٥)\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٣١.\n(٢) في (ى): (طالب العلم).\n(٣) لم أعثر عليه في مظانه من كتب التفسير.\n(٤) أمان المجنون لا يصح بالإجماع كالصبي غير المميز، أما الصبي المميز فللعلماء في أمانه قولان:\nالأول: لا يصح أمانه، وهو قول أبي حنيفة والشافعي وإحدى الروايتين عن أحمد.\nالثاني: يصح أمانه، وهو قول مالك، والرواية المشهورة عن أحمد، وهو الصحيح، لقول الرسول - ﷺ - \"ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم\". رواه البخاري (٣١٧٩)، كتاب الجزية، باب: إثم من عاهد ثم غدر ٤/ ٢١٧، ومسلم (١٣٧٠)، كتاب الحج، باب فضل المدينة. وانظر: \"المهذب\" ٢/ ٢٣٥، و\"المغني\" ١٣/ ٧٧.\n(٥) ساقط من (م).","vol":"10","page":300},{"text":"أمان (١)، ومن دخل ليأخذ مالًا له في دار الإسلام، ولماله أمان فأمان ماله أمانه (٢) \" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1385>٧ </span>- قوله تعالى: ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ﴾ الآية، قال الفراء: \"هذا على التعجب [كما تقول: كيف] (٤) يستبقى مثلك؟ أي لا ينبغي أن يستبقى، قال: وإذا استفهمت بشيء من حروف الاستفهام فلك أن تدعه استفهامًا ولك أن تنوي به الجحد، من ذلك قولك: هل أنت إلا كواحد (٥) منا؟! [معناه: ما أنت إلا واحد منا\" (٦)] (٧) وقال غيره من أهل المعاني: \"في الآية محذوف تقديره: كيف يكون للمشركين عهد مع إضمار الغدر فيما وقع من العهد\" (٨).\nوقوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾، قال الزجاج: \"أي: ليس العهد إلا لهؤلاء الذين لم ينكثوا\"، قال: \"وموضع \"الذين\" نصب بالاستثناء\" (٩).\nواختلفوا في المعنيّ بقوله: ﴿الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ﴾ والذي يشهد له ظاهر اللفظ أنهم بنو ضمرة وبنو كنانة الذين ذكروا في قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ\n_________\n(١) ساقط من (ى).\n(٢) في (ى): (أمان).\n(٣) انظر: \"المهذب في فقه الإمام الشافعي\" ٢/ ٢٦٣ بنحوه\n(٤) ما بين المعقوفين ساقط من (ى).\n(٥) في (م): (واحدًا).\n(٦) \"معاني القرآن\" ١/ ٤٢٣.\n(٧) ما بين المعقوفين ساقط من (ح).\n(٨) هذا القول للحوفي في \"البرهان\" ١١/ ١٤٢ ب، وذكره الرازي ١٥/ ٢٢٩، والقرطبي ٨/ ٧٨ دون تعيين القائل.\n(٩) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٣٢.","vol":"10","page":301},{"text":"عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا﴾ [التوبة: ٤] وهو قول السدي (١) وابن إسحاق (٢) والكلبي (٣) قالوا: \"هم قبائل بني جذيمة (٤) وبنو مدلج (٥) وبنو ضمرة (٦) وبنو الدئل (٧) من بني بكر (٨).\nوكذلك قال ابن جريج (٩).\nقال محمد بن إسحاق: \"هم قبائل من بني بكر (١٠) الذين (١١) كانوا دخلوا في عهد قريش مع النبي -ﷺ- يوم الحديبية إلى المدة التي كانت بين النبي -ﷺ- وبين قريش، فلم يكن نقضه إلا هذا الحي من قريش (١٢) فأمر\n_________\n(١) رواه الثعلبي ٦/ ٨١ أ، والبغوي ٤/ ١٥، ورواه ابن جرير ١٠/ ٨١ بلفظ: هم بنو جذيمة بن الدئل، ورواه ابن أبي حاتم كما في \"الدر المنثور\" ٣/ ٣٨٦ بلفظ: هم بنو خزيمة بن فلان.\n(٢) انظر: \"السيرة النبوية\" ٤/ ٢٠٢ وسيذكر المؤلف لفظه.\n(٣) سقط اسم الكلبي من النسخة (ح)، وانظر قوله في: \"تفسير الثعلبي\" ٦/ ٨١ أ، والبغوي ٤/ ١٥.\n(٤) هم بنو جذيمة بن عامر بن عبد كنانة. انظر: \"جمهرة أنساب العرب\" ١٨٧.\n(٥) هم بنو مدلج بن مرة بن عبد مناة بن كنانة انظر: المصدر السابق، نفس الموضع.\n(٦) هم بنو ضمرة بن بكر بن عبد مناة بن كنانة. المصدر السابق ص ١٨٥، و\"نهاية الأرب\" ص ٢٩٣.\n(٧) هم بنو الدئل بن بكر بن عبد مناة بن كنانة. انظر: \"جمهرة أنساب العرب\" ص ١٨٤، و\"نهاية الأرب\" ص ٦١.\n(٨) هم بنو بكر بن عبد مناة بن كنانة بن خزيمة. انظر: \"جمهرة أنساب العرب\" ص١٨٠، و\"نهاية الأرب\" ١٨٠، وليس لبكر من هذه القبائل سوى بني ضمرة وبني الدئل، أما بنو جذيمة وبنو مدلج فهم أبناء أخويه.\n(٩) لم أقف على من ذكره، وقد رواه ابن جرير ١٠/ ٨١ عنه عن محمد بن عباد.\n(١٠) في السيرة النبوية: من بني بكر.\n(١١) ساقط من (ح) و(ى).\n(١٢) في المصدر السابق زيادة. وبنو الدئل من بني بكر. اهـ. وهو الصواب.","vol":"10","page":302},{"text":"النبي -ﷺ- باتمام العهد لمن لم يكن نقض من بني بكر\" (١).\nوقوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾، قال ابن عباس: \"يريد ما أوفوا بعهدهم أوفوا بعهدكم\" (٢)، وقال الزجاج: \"أي ما أقاموا على الوفاء بعهدهم فأقيموا أنتم\" (٣).\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ يعني من اتقى الله وراقبه في أداء فرائضه، والوفاء بعهده لمن عاهده.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1386>٨ </span>- قوله تعالى: ﴿كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ﴾ الآية، قال الفراء (٤) والزجاج (٥) وابن الأنباري وجميع أهل المعاني (٦): \"أي كيف يكون لهم عهد وحالهم ما وصف في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا﴾ الآية، ولكنه حذف ما يتعلق به (كيف)؛ لأنه قد ذكر قبل هذا في الآية المتقدمة فاكتفى به، قال الفراء: \"وإذا أعيد الحرف وقد مضى معناه استجازوا حذف الفعل، وأنشدوا (٧):\n_________\n(١) المصدر السابق ٤/ ٥٤٤.\n(٢) رواه بنحوه الفيروزأبادي في \"تنوير المقباس\" ص١٨٨.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٣٢، وجملة: فأقيموا أنتم ليست من كلام الزجاج.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ١/ ٤٢٤.\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٣٣.\n(٦) انظر: \"معاني القرآن\" للنحاس ٣/ ١٨٦، و\"إعراب القرآن\" له ٢/ ٦، و\"مشكل إعراب القرآن\" لمكي بن أبي طالب ص ٣٢٤، و\"البرهان\" للحوفي ١١/ ١٤٣.\nقلت: قوله \"جميع أهل المعاني\" فيه نظر؛ فإن الأخفش الأوسط قدر المضمر بقوله: كيف لا تقتلونهم. انظر: \"معاني القرآن\" له ١/ ٣٥٥، وجوز أبو البقاء أن يكون المقدر: كيف تطمئنون إليهم. انظر: \"التبيان في إعراب القرآن\" ص ٤١٥.\n(٧) في \"معاني القرآن\": كما قال الشاعر.","vol":"10","page":303},{"text":"وخبرتماني أنما الموت في القرى ... فكيف وهذي هضبة وكثيب (١) (٢)\nأي فكيف مات وليس بقرية، وأنشد أبو إسحاق (٣) وأبو بكر قول الحطيئة:\nفكيف ولم أعلمهُم خذلوكمُ ... على معظَم ولا أديمكمُ قدُّوا (٤)\nأراد: فكيف يكون ما تقولون حقًّا والأمر على ما أصف.\nوقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ﴾ يقال: ظهرت على فلان: إذا علوته، وظهرت على السطح: إذا صرت فوقه، قال الليث: \"الظهور: الظفر بالشيء\" (٥)، وأظهر الله المسلمين على المشركين أي أعلاهم عليهم، ومنه قوله تعالى: ﴿فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾ [الصف: ١٤] وقوله: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة: ٣٣، الفتح: ٢٨، الصف: ٩]، أي: ليعليه (٦)، قال\n_________\n(١) البيت لكعب بن سعد الغنوي من قصيدة يرثي فيها أخاه أبا المغوار الذي مات في البادية، وكان أخوه فرّ به من وباء المدينة انظر: \"الأصمعيات\" ص٩٧، و\"شرح أبيات سيبويه\" ٢/ ٢٦٩، و\"كتاب سيبويه\" ٣/ ٤٨٧، و\"لسان العرب\" (تفسير هذا) ٦/ ٣٧٨٠ (قول).\nيقول الشاعر: لقد أخبرني الناس أن الموت يكون في القرى حيث الوباء، فكيف مات أخي في الصحراء حيث الهضاب والكثبان وطيب الهواء.\n(٢) \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٤٢٤.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٣٣.\n(٤) \"ديوانه\" ص ١٤٠، وفيه: على موطن، ونسب إليه أيضًا في \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٤٢٤، و\"معاني القرآن\" للزجاج ٢/ ٤٧٩، و\"الدر المصون\" ٦/ ١٦.\nوقوله: على معظم: أي أمر عظيم. والأديم: الجلد، وقده: شقه، والمراد: لم يطعنوا في أعراضكم ولم يأكلوا لحومكم بالغيبة.\n(٥) \"تهذيب اللغة\" (ظهر) ٣/ ٢٢٥٩ ت والنص في كتاب \"العين\" (ظهر) ٤/ ٣٧.\n(٦) ساقط من (ى).","vol":"10","page":304},{"text":"أهل المعاني: \"الظهور: العلو بالغلبة (١)، وأصله خروج الشيء إلى حيث يصلح أن يدرك\" (٢)، قال ابن عباس: \"يريد: أن يقدروا عليكم\" (٣).\nوقوله تعالى: ﴿لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً﴾، قال الليث: \"رقب الإنسان يرقبه رقبة ورقوبًا (٤)، وهو أن ينتظره، ورقيب القوم حارسهم\" (٥)، وقوله: ﴿وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ [طه: ٩٤] أي لم تحفظه، وقيل: لم تنتظر (٦)، وهذان معنيان يرجعان إلى واحد، وهو أن معنى الرقوب: العمل في الأمر على ما تقدم به العهد، فالحفظ والانتظار داخل في هذا، قال ابن عباس: \"لا يحفظوا\" (٧)، وقال الضحاك: \"لا ينتظروا\" (٧)، وقال قطرب: \"لا يراعوا\" (٧).\nواختلفوا في معنى الإل (٨)، فقال أبو عبيدة: \"الإل: العهد\" (٩)، وقال الفراء: \"الإل: القرابة\" (١٠)، وقال إسحاق: \"وقيل (١١): الإل: الحلف،\n_________\n(١) ساقط من (ى).\n(٢) في \"المفردات\" (ظهر) ص ٣١٨: (\"ظهر الشيء: أصله أن يحصل شيء على ظهر الأرض ثم صار مستعملًا في كل بارز مبصر\". اهـ. باختصار.\n(٣) \"تنوير المقباس\" ص ١٨٨ بمعناه.\n(٤) في \"تهذيب اللغة\" وكتاب العين: رقبانًا.\n(٥) \"تهذيب اللغة\" (رقب) ٢/ ١٤٤٨، ونحوه في كتاب \"العين\" (رقب) ٥/ ١٥٤.\n(٦) هذا قول ابن جريج، والأول قول ابن عباس، رواه عنهما ابن المنذر كما في \"الدر المنثور\" ٤/ ٥٤٨.\n(٧) انظر: \"تفسير الثعلبي\" ٦/ ٨١ ب، والبغوي ٤/ ١٥.\n(٨) في (ى): (الأول)، وهو خطأ.\n(٩) \"مجاز القرآن\" ١/ ٢٥٣ ونص قوله: العهد والعقد واليمين.\n(١٠) \"تهذيب اللغة\" (أل) ١/ ١٨٤، و\"لسان العرب\" (ألل) ١/ ١١٢.\n(١١) ساقط من (ي).","vol":"10","page":305},{"text":"يعني الجوار، وقيل: الإل: اسم من أسماء الله -﷿-\" (١).\nوأما قول المفسرين: فقال ابن عباس والضحاك: \"قرابة\" (٢)، وهو رواية منصور (٣) عن مجاهد (٤)، وقال قتادة: \"الإل: الحلف\" (٥)، وقال السدي وابن زيد: \"هو العهد\" (٦)، وهو إحدى الروايات عن مجاهد (٧)، وقال في سائر الروايات: \"الإل هو الله -﷿-\" (٨)، وهو قول أبي مجلز (٩) (١٠)، وبكل هذه المعاني في الإل جاءت الأشعار، قال حسان:\nلعمرك إن إلك من قريش ... كإل السقب (١١) من رأل النعام (١٢)\nيعني القرابة، وقال أوس بن حجر:\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٣٣.\n(٢) رواه عنهما ابن جرير ١٠/ ٨٤، والثعلبي ٦/ ٨١ أ، وابن أبي حاتم ٦/ ١٧٥٨.\n(٣) هو ابن المعتمر.\n(٤) رواه بمعناه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٦/ ١٧٥٨ من رواية ابن أبي نجيح.\n(٥) رواه ابن جرير ١٠/ ٨٤، والثعلبي ٦/ ٨١ أ، والبغوي ٤/ ١٥.\n(٦) رواه عنهما ابن جرير ١٠/ ٨٤، والثعلبي ٦/ ٨٢ أ.\n(٧) هي رواية ابن أبي نجيح وخصيف عنه. انظر: \"تفسير ابن جرير\" ١٠/ ٨٥، و\"تفسير الإمام مجاهد\" ص ٣٦٥.\n(٨) انظر: \"تفسير ابن جرير\" ١٠/ ٨٣، والثعلبي ٦/ ٨٢ أ، وابن أبي حاتم ٦/ ١٧٥٨.\n(٩) هو: لاحق بن حميد الشيباني السدوسي البصري، من كبار التابعين، إمام ثقة، مشهور بكنيته، توفي سنة ١٠٦هـ على القول المشهور.\nانظر: \"الكاشف\" ٣/ ٢١٧، و\"تهذيب التهذيب\" ٤/ ٥٨٢، و\"تقريب التهذيب\" ص ٥٨٦ (٧٤٩٠).\n(١٠) رواه ابن جرير ١٠/ ٨٣، والثعلبي ٦/ ٨٢ أ، قال ابن حجر في\"فتح الباري\" ٦/ ٢٦٧: \"عن مجاهد: الإل: الله، وأنكره عليه غير واحد\".\n(١١) في (ح): (السيف)، وهو خطأ.\n(١٢) \"ديوانه\" ص ٢١٦، و\"تفسير ابن جرير\" ١٠/ ٨٥، و\"لسان العرب\" (ألل) ١/ ١١٣. =","vol":"10","page":306},{"text":"لولا بنو مالك والإل مرقبة ... ومالك فيهم الإلاء والشرف (١)\nيعني الحلف، وقال آخر (٢):\nوجدناهم كاذبًا إِلّهم ... وذو الإِلّ والعهد لا يكذب\nيعني العهد، وفي حديث أبي بكر أنه قال: \"إن هذا الكلام لم يخرج من إل\" (٣)، يعني الله -﷿-.\nقال أبو إسحاق: \"وليس عندنا بالوجه قول من قال: الإل اسم من أسماء الله معروفة ومعلومة كما تُليت في القرآن، وسمعت في الأخبار، ولم يسمع الداعي يقول في الدعاء يا إل، قال: وحقيقة \"الإل\" عندي على (٤) ما توجبه اللغة: تحديد الشيء (٥)، فمن ذلك الألة: الحربة (٦) وأذن مؤَلَّلة (٧)، فالإل يخرج في جميع ما فسر من العهد والقرابة والجوار من (٨) هذا،\n_________\n= والسقب: الذكر من ولد الناقة، كما في \"الصحاح\" (سقب) ١/ ١٤٨، والرأل: ولد النعام، كما في المصدر نفسه (رأل) ٤/ ١٧٠٣. والمعنى: ما قرابتك من قريش إلا كقرابة ولد الناقة من ولد النعام، فأنت دعي ملصق فيهم.\n(١) \"ديوانه\" ص٣١، وتفسير الثعلبي ٦/ ٨١ ب.\n(٢) لم أهتد إلى قائله، وهو بلا نسبة في \"تفسير الطبري\" ١٠/ ٨٥، والثعلبي ٦/ ٨٢ أ، و\"البرهان\" للحوفي ١١/ ١٤٥ ب، و\"الدر المصون\" ٦/ ١٧.\n(٣) ذكر هذا الأثر أبو عبيد في غريب الحديث ١/ ١٠٠، والثعلبي في \"تفسيره\" ٦/ ٨٢ أ، ونصه عنده: إن ناسًا قدموا على أبي بكر -﵁- من قوم مسيلمة فاستقرأهم أبو بكر كتاب مسيلمة فقرءوا، فقال أبو بكر: إن هذا ... إلخ.\n(٤) ساقطة من (ى).\n(٥) في (ى): (تحديدًا للشيء)، وما أثبته موافق لسائر النسخ، و\"معاني القرآن وإعرابه\"، و\"تهذيب اللغة\".\n(٦) في (ح): (الجزية)، وهو خطأ.\n(٧) في \"معاني القرآن وإعرابه\"، و\"تهذيب اللغة\". آذن مؤللة: إذا كانت محددة.\n(٨) في\"معاني القرآن وإعرابه\" و\"تهذيب اللغة\": على.","vol":"10","page":307},{"text":"إذا (١) قطت في العهد: بينهما إلّ، [فتأويله أنهما قد حددا في أخذ العهود] (٢) (٣)، وكذلك في الجوار والقرابة، وقال الأزهري: \"إيل من أسماء الله -﷿- بالعبرانية، فجائز أن يكون أعرب فقيل: إل (٤) \" (٥).\nوقال بعض أهل المعاني: \"الأصل في جميع ما فسر به الإل: العهد، وهو مأخوذ من قولهم ألّ يؤلّ (٦) إلا، إذا صفا وبرق ولمع، ومنه الألّه للمعانها، وأذن مؤللة: مشبهة بالحربة في تحديدها، فالعهد سمي إلا (٧) لظهوره وصفائه من شائب الغدر\" (٨).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا ذِمَّةً﴾ الذمة: العهد، وجمعها ذمم وذمام، وهو كل حرمة تلزمك إذا ضيعتها المذمة، وقال أبو عبيدة: \"الذمة: ما يتذمم منه\" (٩). يعني ما يجتنب فيه الذم، يقال: تذمم فلان أي: ألقى عن نفسه الذم، نحو: تحوب (١٠) وتأثم وتحرج، وذُكر في التفسير الوجهان في معنى\n_________\n(١) هكذا في جميع النسخ و\"تهذيب اللغة\"، وفي\"معاني القرآن وإعرابه\": فإذا.\n(٢) ما بين المعقوفين ساقط من \"معاني القرآن وإعرابه\" المطبوع، كما يظهر بالمقابلة مع هذا النص ومع \"تهذيب اللغة\" و\"لسان العرب\" (ألل).\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٣٤، و\"تهذيب اللغة\" (أل) ١/ ١٨٤ - ١٨٥ مع اختلاف يسير.\n(٤) في\"تهذيب اللغة\": إسرائيل.\n(٥) \"تهذيب اللغة\" (أل) ١/ ١٨٤ - ١٨٥، وقد نسب الأزهري الجملة الأولى لابن السكيت.\n(٦) في (ى): (يؤول).\n(٧) في (ح) و(ى): (الإل).\n(٨) ذكر نحو هذا القول الرازي في \"تفسيره\" ١٥/ ٢٣١.\n(٩) \"مجاز القرآن\" ١/ ٢٥٣، ونص قوله: \"الذمة: التذمم ممن لا عهد له\".\n(١٠) تحوب: قال أبو عبيد في \"غريب الحديث\" ٢/ ٢٢١: \"قد يكون التحوب: التعبد=","vol":"10","page":308},{"text":"الذمة، فقال الأكثرون: العهد، وهو قول ابن عباس (١)، ومن فسر الإلّ بالعهد قال: \"إنما كرر لاختلاف اللفظين للتأكيد والمعنى واحد\" (٢)، وهو مذهب المبرد (٣)، وحكى محمد بن جرير (٤): \"إن الذمة في هذا الموضع: التذمم ممن لا عهد له\".\nوقوله تعالى: ﴿يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ [وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ] (٥)﴾، قال ابن عباس: \"يريد: يقولون بألسنتهم كلاما حلوًا، وفي القلب (٦) ضمير لا يحبه الله\" (٧)، وقال سعيد بن جبير: \"يرضونكم بالحسن من القول وتأبى قلوبهم الوفاء به\" (٨).\nوقوله تعالى: ﴿وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ﴾، قال ابن عباس: \"يريد: كاذبون\" (٩)، وقال غيره: \"ناقضون العهد\" (١٠)، وقال أهل المعاني:\n_________\n= والتجنب للمأثم\" اهـ. وفي \"لسان العرب\" (حوب) ٢/ ١٠٣٦، يقال: \"تحوب: إذا تعبد، كأنه يلقي الحُوب عن نفسه، كما يقال: تأثم، وتحنث\".\n(١) رواه ابن جرير ١٠/ ٨٤، وابن أبي حاتم ٦/ ١٧٥٨.\n(٢) هذا قول ابن زيد، انظر: \"تفسير ابن جرير\" ١٠/ ٨٤، و\"البرهان\" للحوفي ١١/ ١٤٥ أ.\n(٣) لم أقف على مصدره.\n(٤) يعني الطبري، انظر: \"تفسيره\" ١٠/ ٨٥، والقول لأبي عبيدة كما في \"مجاز القرآن\" ١/ ٢٥٣.\n(٥) ما بين المعقوفين ساقط من (ى).\n(٦) في (ى): (قلوبهم).\n(٧) \"تنوير المقباس\" ص ١٨٨ بمعناه.\n(٨) لم أقف على مصدره.\n(٩) ذكره ابن الجوزي ٣/ ٤٠٣ بمعناه.\n(١٠) هذا قول ابن جرير باختصار، انظر: \"تفسيره\" ١٠/ ٨٥.","vol":"10","page":309},{"text":"\"الكفار كلهم فاسقون وتخصيص أكثرهم ههنا (١) على وجهين: أحدهما: أنه أراد المتمردين، والثاني: أنه وضع الخصوص موضع العموم\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1387>٩ </span>- قوله تعالى: ﴿اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ أي استبدلوا بالقرآن متاع الدنيا، ومضى الكلام في حقيقة معنى هذا في مواضع (٣)، قال مجاهد: \"أطعم أبو سفيان بن حرب حُلفاءه وترك حلفاء النبي -ﷺ-\" (٤)، فنقضوا العهد الذي كان بينهم وبين النبي -ﷺ- بتلك الأكلة (٥).\nقوله تعالى: ﴿فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ﴾ أي: فأعرضوا عن طاعة الله، وقال عطاء: \"كان أبو سفيان يعطي البعير والناقة والطعام ليصد الناس بذلك عن متابعة النبي -ﷺ-\" (٦)، وعلى هذا: معنى \"فصدوا عن سبيله\": منعوا الناس (٧) به عن الدخول في الإسلام، وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أي من اشترائهم (٨) الكفر بالإيمان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1388>١٠ </span>- قوله تعالى: ﴿لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً﴾ يعني هؤلاء الناقضين للعهد الذين اشتروا بآيات الله ثمنًا قليلًا، وهذا ذم لهم بترك\n_________\n(١) ساقط من (ى).\n(٢) انظر: \"البحر المحيط\" ٥/ ١٣.\n(٣) انظر: \"البسيط\" آل عمران: ٧٧، ١٨٧، ١٩٩، المائدة: ٤٤.\n(٤) رواه ابن جرير ١٠/ ٨٦، وابن أبي حاتم ٦/ ١٧٥٩، وابن المنذر وأبو الشيخ، كما في \"الدر المنثور\" ٣/ ٣٨٧، وانظر: \"تفسير الإمام مجاهد\" ص ٣٦٥.\n(٥) هذا التعليل من كلام المؤلف، ولعل المقصود أن أبا سفيان اشترى ذمم حلفائه بمثل ذلك الإطعام، فنقضوا عهد النبي -ﷺ-.\n(٦) ذكره الثعلبي ٦/ ٨٢ ب.\n(٧) ساقط من (ح) و(ى).\n(٨) في (ى): (اشتراء).","vol":"10","page":310},{"text":"المراقبة للعهد والذمة للمؤمن، وقوله تعالى: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ﴾، قال الكلبي: \"أي المعتدون للحلال إلى الحرام بنقض العهد\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1389>١١ </span>- قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا﴾، قال ابن عباس: \"يريد: عن الشرك\" (٢).\n﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ﴾ قال ابن مسعود: \"أُمرتم بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة جميعًا ولم يُزك فلا صلاة له\" (٣)، وقال ابن زيد: \"افترضت الصلاة مع الزكاة جميعًا ولم يفرق بينهما وأبى الله أن يقبل الصلاة إلا بالزكاة\" (٤)، وقال: \"يرحم الله أبا بكر ما كان (٥) أفقهه\" (٦).\nوقال أهل العلم: \"هذه الآية دليل على أن الصلاة والزكاة مقرونتان بالشهادة في كف السيف وحقن الدم ودليل على أن المؤاخاة بالإسلام بين المسلمين موقوفة على فعل الصلاة والزكاة جميعًا لأن الله تعالى شرطهما في إثبات المؤاخاة ومن لم يكن من أهل وجوب الزكاة وجب عليه أن يقر بحكمها فإذا أقر بحكمها دخل في الصفة التي تجب بها الأخوة\" (٧).\nوقوله تعالى: ﴿فَإِخْوَانُكُمْ﴾، قال الفراء: \"معناه: فهم إخوانكم، يرتفع مثل هذا من الكلام بأن يضمر له اسمه مكنيًا عنه كقوله (٨): ﴿فَإِنْ لَمْ\n_________\n(١) رواه الفيرزأبادي في \"تنوير المقباس\" ص ١٨٨ عن الكلبي عن ابن عباس.\n(٢) المصدر السابق، نفس الموضع.\n(٣) رواه ابن جرير ١٠/ ٨٧، والثعلبي ٦/ ٨٢ ب، والبغوي ٤/ ١٦.\n(٤) رواه ابن جرير ١٠/ ٨٧، والثعلبي ٦/ ٨٢ ب.\n(٥) (كان) ساقطة من (ى).\n(٦) هذا الأثر تابع للأثر السابق. وانظره في المصدرين السابقين.\n(٧) انظر نحو هذا القول في كتاب \"الأم\" ١/ ٤٢٤، و\"أحكام القرآن\" للهراسي ٣/ ١٧٧، و\"الإكليل استنباط التنزيل\" ص١١٦.\n(٨) في (ى): (قوله)، وفي \"معاني القرآن\": ومثله.","vol":"10","page":311},{"text":"﴿تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [الأحزاب: ٥] أي: فهم إخوانكم\" (١).\nقال أبو حاتم: \"قال أهل البصرة أجمعون: \"الإخوة\" في النسب، و\"الإخوان\" في الصداقة، قال: وهذا غلط، يقال للأصدقاء وغير الأصدقاء: إخوة وإخوان قال الله سبحانه (٢) وتعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠] لم يعن (٣) النسب، وقال -﷿-: ﴿أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ﴾ [النور: ٦١] وهذا في النسب\" (٤).\nقال ابن عباس: \"حرمت هذا الآية دماء أهل القبلة\" (٥).\n﴿وَنُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [أي: نبينها، يعني آيات القرآن ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾] (٦) أنها من عند الله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1390>١٢ </span>- قوله تعالى: ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ﴾ يقال: نكث فلان عهده: إذا نقضه بعد إحكامه كما ينكث خيط الصوف بعد إبرامه (٧)، وهو الغزل من الصوف والشعر يُبرم وُينسج، فإذا أخلقت (٨) النسيجة قطعت ونكثت (٩) خيوطها المبرمة وخلطت بالصوف وميشت (١٠)، ثم غزل ثانية،\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" ١/ ٤٢٥.\n(٢) في (ح): (قال الله تعالى)، وفي \"تهذيب اللغة\": قال الله جل وعز.\n(٣) في (ى): (يعني).\n(٤) \"تهذيب اللغة\" ١/ ١٢٨ بنحوه.\n(٥) رواه ابن جرير ١٠/ ٨٧ وفي سنده رجل لم يسم.\n(٦) ما بين المعقوفين ساقط من (ى).\n(٧) في (م): (انبرامه).\n(٨) في (ى): (اختلفت)، وما أثبته موافق لما في \"تهذيب اللغة\" (نكث) ٤/ ٣٦٥٨، وفي \"مجمل اللغة\" (نكث) ٤/ ٨٨٤: النكث: أن تنقض أخلاق الأكسية، وتغزل ثانية.\n(٩) في (م): (ونكث).\n(١٠) الميش: خلط الشعر بالصوف، انظر: \"تهذيب اللغة\" (ماش) ٤/ ٣٣٢٦، و\"القاموس المحيط\"، فصل الميم، باب الشين ص ٦٠٦.","vol":"10","page":312},{"text":"ومنه قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا﴾ [النحل: ٩٢] والأيمان: جمع يمين، بمعنى الحلف والقسم، وقيل للحلف يمين باسم اليد، وكانوا يبسطون أيمانهم إذا حلفوا أو تحالفوا أو تعاقدوا، وقيل: سمي القسم يمينًا ليمن البرّ فيه.\nقال (١) المفسرون: يعني مشركي قريش، يقول: \"إن نقضوا عهودهم\" (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ﴾ [قال ابن عباس: يريد: اغتابوكم وغمصوا عليكم في دينكم] (٣)، يقال: طعنه بالرمح يطعنه، وطعن بالقول السيىء (٤) يطعن (٥)، قال الليث: \"وبعضهم يقول: يطعُن بالرمح ويطعَن بالقول، فيفرق بينهما\" (٦)، وقال الزجاج: \"وهذه الآية توجب قتل الذمي إذا أظهر الطعن في الإسلام؛ لأن العهد معقود عليه ألا يطعن فإن طعن فقد نكث\" (٧).\n_________\n(١) في (ى): (وقال).\n(٢) انظر: \"تفسير ابن جرير\" ١٠/ ٨٧ - ٨٩، والبغوي ٤/ ١٧، و\"زاد المسير\" ٣/ ٤٠٤.\n(٣) ما بين المعقوفين ساقط من (ي) والغمص: الاحتقار والاستصغار. انظر: \"لسان العرب\" (غمص) (٧/ ٦١.\n(٤) في (م): (السيء الذي).\n(٥) بضم العين. قال الكسائي: لم أسمع أحدًا من العرب يقول: يطعَن بالرمح ولا في الحسب، وإنما سمعت \"يطعُنُ\". وقال الفراء: سمعت أنا \"يطعَن\" بالرمح. انظر: \"تهذيب اللغة\" (طعن) ٣/ ٢١٩٥.\n(٦) \"تهذيب اللغة\" (طعن) ٣/ ٢١٩٥، ونحوه في كتاب \"العين\" (طعن) ٢/ ١٥، وقد رد الخليل هذا القول، وقال: كلاهما مضموم.\n(٧) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٣٤.","vol":"10","page":313},{"text":"قال أصحابنا (١): \"إذا بلغنا عن طائفة من أهل الذمة الطعن في ديننا انتقض بذلك عهدهم لقوله: ﴿وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾.\nقال ابن عباس والمفسرون: \"هم رؤوس قريش وصناديدها\" (٢)،\nوقال الزجاج: \"أئمة الكفر: رؤساء الكافرين وقادتهم لأن الإمام متبع (٣)، وذكرنا معنى (٤) الإمام عند قوله: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا (٥)﴾ (٦) وفي:\n_________\n(١) يعني أئمة الشافعية انظر: \"روضة الطالبين\" ١٠/ ٣٣٧.\n(٢) انظر أقوال المفسرين سوى ابن عباس في: \"تفسير ابن جرير\" ١٠/ ٨٨، وابن أبي حاتم ٦/ ١٧٦١، وروياه عن ابن عباس بلفظ مغاير، قال: يعني أهل العهد من المشركين، وأثر ابن عباس الذي ذكره المصنف ذكره أيضًا في \"أسباب النزول\" ص ٢٤٦، ورواه أبو الشيخ كما في \"الدر المنثور\" ٣/ ٣٨٨، والبغوي ٤/ ١٧، قال القرطبي ٨/ ٨٤: هذا بعيد؛ فإن الآية في سورة \"براءة\" حين نزلت وقرئت على الناس كان الله قد استأصل شأفة قريش فلم يبق إلا مسلم أو مسالم\". قلت: ومما يؤيد قول القرطبي -﵀- ما رواه ابن جرير ١٠/ ٨٨، وابن أبي حاتم ٦/ ١٧٦١ عن حذيفة قال: ما قوتل أهل هذه الآية بعد، وأصله في صحيح البخاري (٤٦٥٨)، كتاب التفسير: ﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ ..﴾.\nولا يقال إن هذه الآية نزلت قبل فتح مكة ثم ضمت إلى سورة \"براءة\" لثبوت بعث علي -﵁- بصدر سورة \"براءة\" وقت نزولها، وثبوت أن المبعوث معه كان أربعين آية. انظر: \"تفسير ابن جرير\" ١٠/ ٦٥، وقد صحح المحقق السند كما في المصدر نفسه ٥/ ١٧٠.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٣٤.\n(٤) ساقط من (ى).\n(٥) ساقط من (ح).\n(٦) من الآية: ١٢٤ من سورة البقرة. وانظر \"النسخة الأزهرية\" ١/ ٨٥ أ، وقد قال هناك: \"الإمام: كل من ائتم به قوم كانوا على الصراط المستقيم أو كانوا ضالين، والنبي إمام أمته، والخليفة إمام رعيته، والقرآن إمام المسلمين ... إلخ\".","vol":"10","page":314},{"text":"\"أئمة\" قراءتان (١) بتحقيق الهمزتين، وقلب الثانية ياء (٢).\nقال أبو إسحاق: \"الأصل في أئمة أَأْمِمَة (٣)؛ لأنها جمع إمام، مثل: قال وأمثلة، ولكنّ الميمين لما اجتمعتا أدغمت الأولى في الثانية وأُلقيت حركتها (٤) على الهمزة فصارت أئمة فأبدل من الهمزة المكسورة الياء (٥)؛ لكراهة اجتماع الهمزتين في كلمة واحدة، هذا هو الاختيار عند جميع النحويين (٦)، وذكرنا وجه هذا عند قوله: ﴿أَأَنْذَرْتَهُمْ﴾ [البقرة: ٦].\nقال الزجاج: ومن قرأ بهمزتين فينبغي (٧) أن يقرأ أَأْدم بهمزتين، والإجماع أن آدم فيه همزة واحدة، والاختلاف يرد إلى الإجماع وليس \"أئمة\" باجتماع الهمزتين من مذهب (٨) أصحابنا (٩) وإلا ما يحكى عن ابن\n_________\n(١) قرأ ابن عامر والكوفيون (أئمة) بتحقيق الهمزتين، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ونافع على المشهور عنه (أيمة) بهمزة بعدها ياء. انظر: كتاب \"السبعة\" ص ٣١٢، و\"إرشاد المبتدئ\" ص ٣٥٠، و\"التبصرة في القراءات\" ٢١٤.\n(٢) ساقط من (ى).\n(٣) في (ى): (أممة)، وما أثبته موافق لما في \"معاني القرآن واعرابه\" و\"تهذيب اللغة\" (أم) ١/ ٢٠٦.\n(٤) في (ى): (لحركتها)، وما في (ح) موافق لما في \"معاني القرآن وإعرابه\" و\"تهذيب اللغة\" (أم) ١/ ٢٠٦.\n(٥) اهـ. كلام الزجاج، انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٣٥.\n(٦) نسبه للنحويين أيضًا الزجاج في \"معاني القرآن\" ٢/ ٤٣٤، وانظر: \"كتاب سيبويه\" ٣/ ٤٤٣، و\"المقتضب\" ١/ ١٥٩، و\"تهذيب اللغة\" (أم) ١/ ٢٠٦، و\"الخصائص\" لابن جني ٣/ ١٤٣، و\"أوضح المسالك\" ٣/ ٣٢٤ - ٣٢٦.\n(٧) في (ح): (فينبغي له)، والزيادة غير موجودة في \"معاني القرآن وإعرابه\" ولا في \"تهذيب اللغة\" (أم).\n(٨) في (م): (مذاهب).\n(٩) يعني البصريين، انظر: \"كتاب سيبويه\" ٣/ ٥٥١، وكتاب \"التكملة\" ص ٢١٩.","vol":"10","page":315},{"text":"أبي إسحاق (١) أنه كان يُجيز اجتماعها\" (٢).\nواختلفوا في التفضيل في الإمامة فعند المازني يقال: \"هذا أومّ من هذا بالواو؛ لأن الأصل أأمّ فلم يمكن أن يبدل من الهمزة الثانية ألفًا لاجتماع الساكنين فجعلت واوًا مفتوحة كما قالوا في جمع آدم: أوادم، وآخر: أواخر (٣).\nوعند الأخفش يقال: أيمّ (٤)؛ لأن الهمزة الثانية من هذه الكلمة كلما تحركت (٥) أبدل (٦) منها ياء، نحو: أيمة، قال الزجاج: \"والقياس\n_________\n(١) في \"معاني القرآن وإعرابه\": ابن إسحاق، وفي \"تهذيب اللغة\" (أم)، و\"لسان العرب\" (أمم): أبي إسحاق، وما ذكره الواحدي موافق لما في \"الحجة للقراء السبعة\" ١/ ٢٧٤.\nوالصواب ما ذكره الواحدي؛ إذ هو عبد الله بن أبي إسحاق زيد بن الحارث الحضرمي مولاهم البصري النحوي المقرئ، من قدماء النحويين، وهو أول من مد القياس في النحو، وشرح العلل، وتوسع في ذلك، توفي سنة ١١٧هـ، وقيل ١٢٩ هـ. انظر: \"طبقات النحويين واللغويين\" ص٣١، و\"غاية النهاية\" ١/ ٤١٠.\nوانظر: مذهب ابن أبي إسحاق في اجتماع الهمزتين في \"كتاب سيبويه\" ٣/ ٤٤٣، و\"المقتضب\" ١/ ١٥٩، و\"إعراب القرآن للنحاس\" ٢/ ٧، و\"الحجة\" ١/ ٢٧٤.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٣٤ - ٤٣٥ بتصرف.\n(٣) انظر رأي المازني في \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٣٥، و\"لسان العرب\" (أمم) ١/ ١٣٣، هكذا نقل عن المازني وفي \"المنصف شرح التصريف\" ٢/ ٣١٨: قال أبو عثمان -يعني المازني-: \"والقياس عندي أن أقول في \"هذا أفعل من هذا\" من \"أممت\" وأخواتها: هذا أيم من هذا\".\n(٤) انظر: \"معاني القرآن\" له ١/ ٣٥٥، و\"معاني القرآن وإعرابه\" للزجاج ٢/ ٤٣٥، وفي \"المنصف شرح التصريف\" ٢/ ٣١٥، سألت أبا الحسن -يعني الأخفش- عن. \"هذا أفعل من هذا من أممت، أي قصدت\" فقال: أقول: \"هذا أوم من هذا\".\n(٥) في (ح): (تحرك).\n(٦) في (ي): (أبدلت).","vol":"10","page":316},{"text":"هو الأول\" (١).\nقوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ﴾، قال الفراء: \"أي لا عهود لهم\" (٢)، وفيه قراءتان: فتح الهمزة وكسرها (٣).\nقال الزجاج: \"من قرأ: ﴿لَا أَيْمَانَ لَهُمْ﴾ فقد وصفهم بالنكث في العهود وهو أجود القراءتين (٤) \" (٥).\nوالذي يقوي الفتح قوله: ﴿قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ﴾ [التوبة: ١٣] ولأنه إذا قال: ﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾ عُلم أنه لا إيمان لهم، فالفتح في قوله: ﴿لَا أَيْمَانَ﴾ أولى؛ لأنه لا يكون تكريرًا إذ لم يقع عليه دلالة من الكلام الذي تقدمه كما وقع على الكسر.\nومعنى ﴿لَا أَيْمَانَ لَهُمْ﴾ أي لا أيمان لهم صادقة؛ لأنه قد أثبت لهم الأيمان في قوله: ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ﴾ [وفي قوله: ﴿قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ﴾] (٦) [التوبة: ١٣] فالمنفي هاهنا غير الموجب هناك؛ لأن معنى المنفي: لا أيمان لهم يفون بها، ولا أيمان لهم صادقة كما قال (٧):\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٣٥.\n(٢) \"معاني القرآن\" ١/ ٤٢٥.\n(٣) قرأ ابن عامر بكسر الهمزة من كلمة \"إيمان\" وقرأ الباقون بفتحها.\nانظر: \"كتاب السبعة\" ص٣١٢، و\"الغاية في القراءات العشر\" ص١٦٤، و\"التبصرة في القراءات\" ص ٢١٤، و\"تقريب النشر\" ص ١٢٠.\n(٤) كلا القراءتين سبعيتان متواترتان عن رسول الله -ﷺ- وقد خفي ذلك على الإمام ابن جرير -﵀- فرد قراءة ابن عامر، وزعم أن القراءة بها لا تجوز.\nانظر: \"تفسيره\" ١٠/ ٨٩، وانظر الرد عليه في كتاب: \"القراءات المتواترة التي أنكرها ابن جرير\" ص ٤٥٢.\n(٥) اهـ. كلام الزجاج. انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٣٥.\n(٦) ما بين المعقوفين ساقط من (ح).\n(٧) لم أهتد إلى القائل، والبيت بلا نسبة في \"تفسير الثعلبي\" ٦/ ٨٣ أ، و\"الجامع=","vol":"10","page":317},{"text":"وإن حلفت لا ينقض النأيُ عهدها ... فليس لمخضوب البنان يمين\nأي ليس لها (١) يمين تقي بها.\nومن قرأ بالكسر فقال الفراء: \"يريد: أنهم كفرة لا إسلام لهم\" قال: \"وقد يكون المعنى: لا تُؤمنوهم، فيكون مصدر قولك: آمنته إيمانًا\" (٢).\nوذكر أبو إسحاق أيضًا الوجهين (٣).\nوشرح أبو علي هذا فقال: \"الإيمان ههنا يراد به الذي هو ضد التخويف، أي: ليس لأئمة الكفر من المشركين إيمان كما يكون لذوي الذمة من أهل الكتاب؛ لأن المشركين لا يقرون على دينهم، فلا يكون على هذا: الإيمان الذي هو خلاف الكفر، فيكون تكريرًا لدلالة ما تقدم من قوله: ﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾ على أن أهل الكفر لا إيمان لهم\" (٤).\nوقوله تعالى: ﴿لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ﴾، قال ابن عباس: \"يريد: كي ينتهوا عن الشرك بالله\" (٥).\nوقال الزجاج: \"أي ليرجى منهم الانتهاء\" (٦).\n_________\n= لأحكام القرآن\" للقرطبي ٨/ ٨١، و\"الدر المصون\" ٦/ ٢٦، والنأي: البعد كما في الصحاح (نأي) ٦/ ٢٤٩٩.\n(١) ساقط من (ح).\n(٢) \"معاني القرآن\" ١/ ٤٢٥، وفي \"لسان العرب\" (أمن) ١/ ١٤١: \"يقال: آمن فلانٌ العدو إيمانًا، فأمن يأمن والعدو مؤمن\".\n(٣) انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٣٥، ٤٣٦.\n(٤) \"الحجة للقراء السبعة\" ٤/ ١٧٨ باختصار وتصرف.\n(٥) ذكر الأثر المصنف في \"الوسيط\" ٢/ ٤٨١.\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٣٦.","vol":"10","page":318},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1391>١٣ </span>- قوله تعالى: ﴿أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ﴾ الآية، قال ابن عباس: \"هذا تحريض من الله لأوليائه على أعدائه\" (١)، وقال الزجاج: \"هذا على جهة التوبيخ، ومعناه: الحض على قتالهم\" (٢).\nقال أهل المعاني: \"إذا قلت: ألا (٣) تفعل كذا (٤)، فإنما [تستعمل ذلك في فعل تقدر وجوده، وإذا قلت: ألست تفعل؟] (٥) فإنما تقول ذلك في فعل تحقق وجوده، والفرق (٦) بينهما أن (لا) يُنفى بها المستقبل، فإذا (٧) دخلت عليها الألف صار (٨) تحضيضًا [على فعل ما يستقبل] (٩)، و(ليس) إنما تستعمل لنفي الحال، فإذا (١٠) دخلت عليها الألف صار (١١) لتحقيق الحال\" (١٢).\n_________\n(١) \"تنوير المقباس\" ص١٨٨ بمعناه.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٣٦.\n(٣) في (ى): (لا).\n(٤) في (ح): (ألا تفعل ذلك كذا).\n(٥) ما بين المعقوفين ساقط من (ى).\n(٦) في (ح): (والفرقة).\n(٧) في (ى): (وإذا).\n(٨) هكذا في جميع النسخ، وكذلك في \"تفسير الرازي\" ١٥/ ٢٣٥، والسياق يقتضي أن يقول: صارت.\n(٩) ما بين المعقوفين ساقط من (ح).\n(١٠) في (م): (وإذا).\n(١١) كذا في جميع النسخ وكذلك في \"تفسير الرازي\" ١٥/ ٢٣٥ - ٢٣٦، والسياق يقتضي أن يقول: صارت.\n(١٢) ذكره عن أهل المعاني الرازي في \"تفسيره\" ١٥/ ٢٣٥ نقلًا عن الواحدي.\nوانظر في (ألا) \"شر المفصل\" ٨/ ١١٣، و\"المغني\" ص٧٧، و\"همع الهوامع\" ٢/ ٧٠.","vol":"10","page":319},{"text":"وقوله تعالى: ﴿أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ﴾ يدل على أن قتال الناكثين أولى من قتال غيرهم من الكفارة ليكون ذلك زجرًا لغيرهم، قال محمد بن إسحاق والسدي والكلبي: \"نزلت في كفار مكة نكثوا أيمانهم بعد عهد الحديبية وأعانوا بني بكر على خزاعة\" (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ﴾، قال المفسرون: \"كانوا هموا بذلك بأن (٢) يخرجوه من مكة على حالة فظيعة فصان الله رسوله عنها، وأمره بالهجرة إلى المدينة، وحين جلسوا (٣) في دار الندوة للمكر به، كان من رأي بعضهم إخراجه من مكة\" (٤).\nفبان بهذا أنهم قصدوا إخراجه، وهموا به فلم يمكنهم الله من ذلك (٥).\n_________\n(١) انظر: قول السدي في \"تفسير ابن جرير\" ١٠/ ٩٠، وابن أبي حاتم ٦/ ١٧٦٢، وانظر قول الكلبي في: \"تفسير هود بن محكم\" ٢/ ١١٧، والقرطبي ٨/ ٨٥ بمعناه، ورواه الفيروزأبادي في \"تنوير المقباس\" ص١٨٨، عن الكلبي عن ابن عباس.\nأما قول محمد بن إسحاق فلم أجده بهذا المعنى، ولفظه كما في \"السيرة النبوية\" ٤/ ١٠، و\"تفسير ابن جرير\" ١٠/ ٩٠: \"ثم أمر رسوله - ﷺ - بجهاد أهل الشرك، ممن نقض من أهل العهد الخاص، ومن كان من أهل العهد العام، بعد الأربعة الأشهر التي ضرب لهم أجلًا إلا أن يعدو فيها عاد منهم فيقتل بعدائه، فقال: ﴿أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ ...﴾ الآيات\" اهـ. ومعلوم أن أهل مكة أسلموا قبل نزول هذه الآيات فالقول بأنها نزلت فيهم فيه نظر.\n(٢) في (م) و(ى): (وأن).\n(٣) في (ح): (حبسوا)، وهو خطأ.\n(٤) انظر: \"السيرة النبوية\" ٢/ ٩٣، ٩٤، و\"الكشاف\" ٢/ ١٧٧، و\"زاد المسير\" ٣/ ٤٠٥، وفي الآية أقوال أخرى انظرها في \"المحرر الوجيز\" ٦/ ٤٢٨، و\"البحر المحيط\" ٥/ ١٦.\n(٥) لعله يعني على الحالة الفظيعة التي ذكرها؛ وإلا فقد أخرجوا رسول الله - ﷺ - والمؤمنين من مكة كما قال تعالى: ﴿يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا﴾ [الممتحنة: =","vol":"10","page":320},{"text":"قوله تعالى: ﴿وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾، قال ابن عباس: \"يريد: بالقطيعه والهجرة والعداوة\" (١)، وذكر المفسرون في هذا قولين: أحدهما: أنه أراد بدؤكم بالقتال يوم بدر (٢)؛ لأنهم حين سلم العير قالوا: لا ننصرف حتى نستأصل محمدًا ومن معه، والثاني: أنه أراد أنهم قاتلوا حلفاءك خزاعة فبدؤا بنقض العهد وهذا قول الأكثرين (٣)، واختيار الفراء (٤) والزجاج (٥).\nوقوله تعالى: ﴿أَتَخْشَوْنَهُمْ﴾، قال الزجاج: \"المعنى: أتخشون أن ينالكم من قتالهم مكروه فتتركون قتالهم؟ ﴿فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ﴾ أي: فمكروه عذاب الله أحق أن يخشى في ترك قتالهم (٦) ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أي: مصدقين بعقاب الله وثوابه\" (٧)، ودلت هذه الآية على أن المؤمن ينبغي أن يخشى ربه دون غيره.\n_________\n= ١]. وكما قال الرسول - ﷺ -: \"لولا أني أخرجت منك ما خرجت\"، رواه الإمام أحمد ٤/ ٣٠٥، وغيره وسنده صحيح كما في \"صحيح الجامع الصغير\" ٢/ ١١٩٢، ولذا قال المفسرون: هموا بإخراج الرسول وفعلوا، انظر: \"تفسير ابن جرير\" ١٠ - ٨٩ - ٩٠، وابن عطية ٦/ ٤٢٨ - ٤٢٩.\n(١) لم أقف عليه.\n(٢) ذكر هذا القول ابن جرير ١٠/ ٩٠، ورواه عن السدي وهو قول مقاتل، انظر: \"تفسيره\" ١٢٦ ب، وانظر أيضًا: \"تفسير الثعلبي\" ٦/ ٨٣ ب، والبغوي ٤/ ١٨.\n(٣) انظر: \"تفسير ابن جرير\" ١٠/ ٩٠، وابن أبي حاتم ٦/ ١٧٦٢، والثعلبي ٦/ ٨٣ أ، وابن الجوزي ٣/ ٤٠٥، و\"الدر المنثور\" ٣/ ٣٨٩.\n(٤) \"معاني القرآن\" ١/ ٤٢٥.\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٣٦.\n(٦) قوله: \"في ترك قتالهم\" ليس موجودًا في \"معاني القرآن وإعرابه\" المطبوع.\n(٧) ا. هـ. كلام الزجاج. المصدر السابق، نفس الموضع.","vol":"10","page":321},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1392>١٤ </span>- قوله تعالى: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ﴾ \" [قال مقاتل: وعدهم الله النصر بهذه الآية\" (١)، ومعنى: ﴿يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ﴾] (٢) يقتلهم بسيوفكم ورماحكم، في معنى قول ابن عباس والمفسرين (٣).\nوقوله تعالى: ﴿وَيُخْزِهِمْ﴾، قال ابن عباس: \"بعد (٤) قتلكم إياهم\" (٥). وهذا يدل على أن هذا الإخزاء وقع بهم في الآخرة، وقال آخرون: \"معناه: يذلهم بالقهر والأسر\" (٦).\nوقوله تعالى: ﴿وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾، قال ابن عباس والسدي ومجاهد: \"يعني بني خزاعة\" (٧)، وذلك حين أعانت قريش بني بكر عليهم حتى نكوا (٨) فيهم (٩)، فشفى الله صدورهم من بني بكر واستوفى\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ١٢٦ ب.\n(٢) ما بين المعقوفين ساقط من (ح).\n(٣) انظر: \"تفسير ابن جرير\" ١٠/ ٩٠ - ٩١، والثعلبي ٦/ ٨٣ ب، والسمرقندي ٢/ ٣٦. وانظر قول ابن عباس في: \"تنوير المقباس\" ص ١٨٩، ولا يخفى ضعف سند هذا التفسير إذ هو من رواية الكلبي الباطلة. انظر: \"الإتقان\" ٤/ ٢٣٩.\n(٤) في (ى): (يريد)، والصواب ما أثبته من غيرها بدلالة استنباط المؤلف من الرواية.\n(٥) لم أقف عليه.\n(٦) انظر: \"تفسير ابن جرير\" ١٠/ ٩٠ - ٩١، والسمرقندي ٢/ ٣٦، والثعلبي ٦/ ٨٣ ب، والبغوي ٤/ ١٨.\n(٧) انظر: قول ابن عباس في \"زاد المسير\" ٣/ ٤٠٦، و\"تنوير المقباس\" (ص ١٨٩)، وانظر: قول السدي ومجاهد في \"تفسير ابن جرير\" ١٠/ ٩١، وابن أبي حاتم ٦/ ١٧٦٣ ب، و\"الدر المنثور\" ٣/ ٣٨٩.\n(٨) بغير همز، يقال: نكيت في العدو أنكي نكاية فأنا ناك: إذا أكثرت فيهم الجراح والقتل فوهنوا لذلك، أما بالهمز فيقال: نكأت القرحة: إذا قرفتها وقشرقها. انظر: \"القاموس المحيط\" (نكى) ١٣٤٠، و\"لسان العرب\" (نكى) ٨/ ٤٥٤٥.\n(٩) في (م): (نكأوا عليهم).","vol":"10","page":322},{"text":"ثأرهم بالنبي - ﷺ - والمؤمنين حين استووا في القتل، وذلك أنه لما جاء المستغيث من خزاعة رسول الله -ﷺ- وأنشد (١):\nاللهمَّ إني ناشد محمدًا ... حلف أبينا وأبيه الأتلدا (٢)\n.. الأبيات.\nقال رسول الله -ﷺ-: \"لا نُصرت إن لم أنصركم\" (٣) وغضب لهم، وخرج إلى مكة ونصر الله رسوله وشفى صدور خزاعة.\n_________\n(١) هو: عمرو بن سالم الخزاعي سيد خزاعة، وقد انحاز هو وقبيلته إلى النبي -ﷺ- ودخلوا في عقده وعهده وذلك حين تم صلح الحديبية بين المسلمين وكفار قريش، بينما دخلت بنو بكر في عقد قريش وعهدهم، واستمرت الهدنة بين القبيلتين عدة أشهر، ثم إن بني بكر وثبوا على خزاعة ليلًا، وبيتوهم على ماء لهم قرب مكة، وأعانتهم قريش، وأمدوهم بالسلاح للضغن على رسول الله -ﷺ-، فركب عمرو بن سالم وقدم المدينة وأخبره بما كان من بني بكر وقريش، وأنشد:\nاللهم إني ناشد محمدًا ... حلف أبينا وأبيه الأتلدا\nكنا والدًا وكنت ولدًا ... ثمت أسلمنا ولم ننزع يدًا\nفانصر رسول الله نصرًا عندًا ... وادع عباد الله يأتوا مددًا\n.. إلى أن قال:\nهم بيتونا بالهجير هجدًا ... وقتلونا ركعًا وسجدًا\nانظر: \"السيرة النبوية\" ٤/ ١٠، و\"الاستيعاب\" ٣/ ٢٥٩، و\"مجمع الزوائد\" ٦/ ٢٤٠، و\"الدر المنثور\" ٣/ ٣٨٩.\n(٢) في (ى): (الألتدا)، وهو خطأ، والأتلد: الأقدم. انظر: \"لسان العرب\" (تلد) ١/ ٤٣٩.\n(٣) ذكره الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" ٦/ ٢٣٧ - ٢٤١ بألفاظ مقاربة وقال في أحدها: رواه أبو يعلى عن حزام بن هشام بن حبيش، عن أبيه، وقد وثقهما ابن حبان، وبقية رجاله رجال الصحيح\" وقال الهيثمي في لفظ آخر: \"رواه الطبراني في الصغير والكبير، وفيه يحيى بن سليمان بن نضلة، وهو ضعيف\".","vol":"10","page":323},{"text":"قال أبو إسحاق: \"وفي هذه الآية، دليل على تثبيت النبوة؛ لأنه وعدهم النصر ووفى به، فدل به على صدق ما أتى به محمد - ﷺ -\" (١)، ودلّ كلام أبي إسحاق (٢) في تفسير قوله: ﴿وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾ أن هذا يراد به أصحاب النبي -ﷺ- لا حلفاؤه من خزاعة؛ لأنه قال: \"فيه دليل على أنهم اشتد غضبهم لله ﷿\" (٣)، فعنده الشفاء إنما هو من داء الغضب لله ولدينه ورسوله، وعند غيره من المفسرين: الشفاء من داء الحقد لخزاعة على بني بكر وقريش (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1393>١٥ </span>- قوله تعالى: ﴿وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ﴾، قال المفسرون: \"يعني: كربها ووجدها بمعونة قريش بكرًا عليهم\" (٥).\n﴿وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾ يعني (٦) من المشركين كأبي سفيان وعكرمة ابن أبي جهل (٧) وسهيل بن عمرو (٨)، تاب الله عليهم، وهداهم للإسلام.\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٣٦ بنحوه.\n(٢) (إسحاق) ساقط من (ى).\n(٣) المصدر السابق، نفس الموضع.\n(٤) هذا قول مجاهد وعكرمة وقتادة والسدي. انظر: \"تفسير ابن جرير\" ١٠/ ٩١، وابن أبي حاتم ٦/ ١٧٦٣، و\"الدر المنثور\" ٣/ ٣٨٩.\n(٥) هذا نص قول الثعلبي في \"تفسيره\" ٦/ ٨٣ ب، ومثله البغوي ٤/ ١٨، وبنحوه قال ابن جرير ١٠/ ٩١.\n(٦) من (م).\n(٧) هو: عكرمة بن أبي جهل عمرو بن هشام بن المغيرة المخزومي القرشي المكي، الشريف الشهيد، كان سيد بني مخزوم بعد قتل أبيه، ثم أسلم وحسن إسلامه، وأبلى في الإسلام بلاءً حسنًا، وقتل في معركة أجنادين أو اليرموك سنة ١٣ هـ أو ١٥هـ. انظر: \"المعارف\" ص١٨٨، و\"سير أعلام النبلاء\" ١/ ٣٢٣، و\"البداية والنهاية\" ٧/ ٤، ٣٢، و\"الإصابة\" ٤/ ٤٩٦.\n(٨) هو: سهيل بن عمرو بن عبد شمس العامري القرشي خطيب قريش وفصيحهم، =","vol":"10","page":324},{"text":"قال الزجاج: \"قوله تعالى: ﴿وَيَتُوبُ اللَّهُ﴾ ليس بجواب لقوله: ﴿قَاتِلُوهُمْ﴾ ولكنه مستأنف؛ لأن ﴿يَتُوبُ﴾ ليس من جنس ما يجاب به ﴿قَاتِلُوهُمْ﴾ \" (١).\nوقال الفراء: \"رفع قوله: ﴿وَيَتُوبُ اللَّهُ﴾ لأن معناه ليس من شروط الجزاء، إنما هو استئناف، كقولك للرجل: ائتني أعطك، وأحبُّك بعد وأكرمُك، استئناف ليس بشرط للجزاء، ومثله قوله: ﴿فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ﴾ [الشورى:٢٤] تم الجزاء ههنا، ثم استأنف: ﴿وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ﴾ (٢) \" (٣).\nوقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾، قال ابن عباس: \"يريد: \"عليم\" بنيات المؤمنين وحبهم لله \"حكيم\" فيما قضى في الذين نقضوا القضية (٤) \" (٥).\n_________\n= ومن أشرافهم، أسلم بعد فتح مكة وحسن إسلامه، وكان سمحًا جوادًا مفوهًا، كثير الصلاة والصوم والصدقة، مات في طاعون عمواس سنة ١٨هـ، وقيل: بل قتل في معركة اليرموك سنة ١٣هـ أو ١٥هـ.\nانظر: \"المعارف\" ١٦١، و\"سير أعلام النبلاء\" ١/ ١٩٤، و\"الإصابة\" ٣/ ٩٣.\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٣٧.\n(٢) قوله (يمح) كتبت في جميع النسخ هكذا: \"يمحو\" بإثبات الواو، وهي في رسم المصحف العثماني وفي \"معاني القرآن\" للفراء بإسقاط الواو، قال العكبري في \"التبيان في إعراب القرآن\" ص ٤١٦: و\"يمح\": مرفوع مستأنف، وليس من الجواب؛ لأنه يمحو الباطل من غير شرط، وسقطت الواو من اللفظ لالتقاء الساكنين، ومن المصحف حملًا على اللفظ). وانظر أيضًا: \"البيان في غريب إعراب القرآن\" ٢/ ٣٤٧ فقد ذكر نحو ذلك.\n(٣) \"معاني القرآن\" ١/ ٤٢٦ بتصرف يسير.\n(٤) في (ى): (العهد).\n(٥) في \"تنوير المقباس\" ص ١٨٩: \"والله عليم\" بمن تاب وبمن لم يتب منهم \"حكيم\" فيما حكم عليهم.","vol":"10","page":325},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1394>١٦ </span>- قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا﴾ الآية، قال الفراء: \"هذا من الاستفهام الذي يتوسط الكلام فيجعل بـ\"أم\" ليفرق بينه وبين الاستفهام المبتدأ الذي لم يتصل بكلام، ولو أريد به الابتداء لكان بالألف أو بـ\"هل\" (١) \" وهذا مما قد (٢) أحكمناه (٣) في سورة البقرة (٤).\nقال ابن عباس: \"الخطاب في هذه الآية للمنافقين كانوا يتوسلون إلى رسول الله -ﷺ- بالخروج معه إلى الجهاد تعذيرا، والنفاق في قلوبهم\" (٥).\nومعنى: ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ﴾ أي: العلم الذي يجازي عليه؛ لأنه إنما يجازي على ما عملوا (٦)، قاله الزجاج (٧)، وهذا مما ذكرناه في سورة البقرة عند قوله: ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ﴾ (٨) وفي سورة آل عمران [١٤٢].\n﴿الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ﴾، قال ابن عباس: \"يريد: بنية صادقة\" (٩).\n_________\n(١) اهـ. \"معاني القرآن\" ١/ ٤٢٦.\n(٢) ساقط من (ى).\n(٣) في (ى): (حكيناه).\n(٤) انظر: \"البسيط\" البقرة: ٢١٤.\n(٥) ذكر الأثر عنه ابن الجوزي في: \"زاد المسير\" ٣/ ٤٠٦ بمعناه.\n(٦) قال ابن الجوزي في المصدر السابق، الصفحة التالية: \"ولما يعلم الله\" أي: ولم تجاهدوا فيعلم الله وجود ذلك منكم، وقد كان يعلم ذلك غيبًا، فأراد إظهار ما علم ليجازي عليه.\n(٧) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٣٧.\n(٨) من الآية: ١٤٣ من سورة البقرة، وقال في هذا الموضع: \"إلا لنعلم\" والله تعالى عالم لم يزل، ولا يجوز أن يحدث له علم، واختلف أهل المعاني في وجه تأويله، فذهب جماعة إلى أن العلم له منزلتان: علم بالشيء قبل وجوده، وعلم به بعد وجوده، والحكم للحلم بعد الوجود؛ لأنه يوجب الثواب والعقاب ... الخ).\n(٩) لم أقف على مصدره.","vol":"10","page":326},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً﴾، قال الكفراء: \"الوليجة: البطانة من المشركين يتخذونهم فيفشون إليهم أسرارهم\" (١).\nوقال أبو عبيدة: \"كل شيء أدخلته في شيء ليس منه فهو وليجة، والرجل يكون في القوم وليس منهم: وليجة\" (٢).\nوأصله من الولوج، فوليجة الرجل: من يختصه بدخلة أمره دون الناس، يقال هو وليجتي وهم وليجتى للواحد والجمع.\nقال ابن عباس في قوله: ﴿وَلِيجَةً﴾ \"يريد: أولياء من المشركين\" (٣).\nوقال قتادة: \"خيانة\" (٤)، وقال الضحاك: \"خديعة\" (٥).\nوهذان القولان ليسا تفسيرًا للوليجة، بل هما تفسير لعلة اتخاذ الوليجة، كأنهما قالا: ولم يتخذوا وليجة للخيانة والخديعة؛ لأن اتخاذ الوليجة من الكفار خيانة وخديعة، قال ابن عباس: \"إن الله لا يرضى أن يكون الباطن خلافًا للظاهر ولا الظاهر خلافًا للباطن، إنما يريد الله من خلقه الاستقامة كما قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [فصلت: ٣٠]، الأحقاف: ١٣] (٦) \".\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" ١/ ٤٢٦.\n(٢) اهـ. كلام أبي عبيدة، انظر: \"مجاز القرآن\" ١/ ٢٥٤.\n(٣) ذكره المصنف في \"الوسيط\" ٢/ ٤٨٢، وروى ابن أبي حاتم ٦/ ١٧٦٤، وابن المنذر وأبو الشيخ كما في \"الدر المنثور\" ٣/ ٣٩٠ عنه قال: الوليجة: البطانة من غير دينهم.\n(٤) رواه الثعلبي ٦/ ٨٤ أ، وعبد بن حميد وابن المنذر كما في \"الدر المنثور\" ٣/ ٣٩٠، و\"فتح القدير\" ٢/ ٣٤٣، وقد تصحف في \"الدر\" إلى: حنانة.\n(٥) رواه الثعلبي ٦/ ٨٤ أ.\n(٦) لم أقف عليه في مظانه.","vol":"10","page":327},{"text":"وقال أبو (١) إسحاق: \"لما فرض القتال تبين المنافق من غيره، ومن يوالي المؤمنين ممن يوالي أعداءهم فأنزل الله هذه الآية\" (٢).\nوتقدير لفظ الآية مع المعنى: ولما يعلم الله المجاهدين والممتنعين من اتخاذ الوليجة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1395>١٧ </span>- قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ الآية، قال ابن عباس: \"لما أسر العباس يوم بدر أقبل عليه المسلمون فعيروه بكفره بالله وقطيعة الرحم وأغلظ عليّ القول، فقال العباس: ما لكم تذكرون مساوئنا ولا تذكرون محاسننا؟ قال له علىّ: ألكم محاسن؟! فقال: نعم، إنا لنعمر المسجد الحرام، ونحجب الكعبة ونسقي الحاج ونفك العاني، فأنزل الله -﷿- ردًا على العباس ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ (٣).\nومعنى ما كان لهم ذلك: أنه أوجب على المسلمين منعهم عن ذلك، وأكثر المفسرين حملوا العمارة ههنا على دخول المسجد الحرام (٤) والقعود فيه (٥)، وهو قول ابن عباس والحسن، قال (٦) في رواية عطاء: \"يريد: لا يدخلوه ولا يقعدوا فيه كما كانوا قبل ذلك\" (٧).\n_________\n(١) في (ى): (ابن)، وهو خطأ.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٣٧.\n(٣) ذكره الثعلبي ٦/ ٨٤ أ، والمصنف في \"أسباب النزول\" ص ٢٤٦ بغير سند، ورواه مختصرًا بن جرير ١٠/ ٩٥، وابن أبي حاتم ٥/ ١٧٦٥ من طريق الوالبي.\n(٤) من (م).\n(٥) انظر: \"تفسير الثعلبي\" ٦/ ٨٤ ب، والبغوي ٤/ ٢٠، والسمرقندي ٢/ ٣٨، والآية التالية وسبب النزول الذي ذكره المؤلف يدلان على أن المراد بالعمارة العمارة المعروفة من البناء والترميم.\n(٦) لفظ: (قال) ساقط من (ح). والقائل ابن عباس، وسيأتي قول الحسن وتخريجه.\n(٧) لم أقف عليه فيما بين يديّ من مصادر.","vol":"10","page":328},{"text":"وقال الحسن: \"يقول (١): ما كان للمشركين أن يتركوا فيكونوا أهل المسجد الحرام\" (٢). وقال الكلبي: \"ما كان للمشركين أن يدخلوا المسجد وهم مشركون\" (٣).\nوذهب آخرون إلى (٤) العمارة المعروفة من رم المسترم (٥) من أبنية المسجد (٦)، وهذا محظور على الكافر يمنع منه ولا يمكن.\nواختلف القراء في قوله: ﴿مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ فقرأ أبو عمرو وابن كثير على التوحيد (٧) وحجتهما قوله: ﴿وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ ومن جمع فحجته أن المشركين ليسوا بأولياء لمساجد المسلمين، لا المسجد الحرام ولا غيره [وإذا لم يكونوا أولياءها لم يكن لهم عمارتها، إنما عمارتها للمسلمين الذين هم أولياؤه (٨) فدخل في ذلك المسجد الحرام وغيره، (٩)، ويدل على\n_________\n(١) ساقط من (ى).\n(٢) ذكره الثعلبي ٦/ ٨٤ ب، والمصنف في \"الوسيط\" ٢/ ٤٨٢، والبغوي ٤/ ٢٠.\n(٣) لم أقف عليه يما بين يديّ من مصادر.\n(٤) في (ح): زيادة (أن) بعد (إلى).\n(٥) في (ى): (المستهدم، وهما بمعنى واحد، قال في \"لسان العرب\" (رم) ٣/ ١٧٣٦: \"الرم: إصلاح الشيء الذي فسد .. واسترام الحائط: أي حان له أن يرم إذا بعد عهده بالتطيين\".\n(٦) انظر: \"تفسير ابن جرير\" ١٠/ ٩٣، والبغوي ٤/ ١٩، وابن الجوزي ٣/ ٤٠٩، والقرطبي ٨/ ٩٠.\n(٧) وكذلك يعقوب، وقرأ باقي العشرة بالجمع. انظر: \"الغاية في القراءات العشر\" ص ١٦٤، و\"تقريب النشر\" ص١٢٠، و\"تحبير التيسير\" ص ١١٩.\n(٨) هكذا في (ى) و(م) و\"الحجة للقراء السبعة\" ٤/ ١٨٠ الذي نقك المؤلف النص منه، والسياق يقتضي أن يقول: أولياؤها.\n(٩) ما بين المعقوفين ساقط من (ح).","vol":"10","page":329},{"text":"أنهم ليس لهم عمارة المسجد قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ﴾ [الأنفال: ٣٤]، قال الفراء في هذه الآية: \"ربما ذهبت العرب بالواحد إلى الجمع، ألا ترى الرجل على البرذون (١) فتقول: قد أخذتَ في ركوب البراذين؟ وترى الرجل كثير الدراهم فتقول: إنه لكثير الدرهم (٢)، وتقول العرب: عليه أخلاق نعلين، وأخلاق ثوب، ومنه قول الشاعر (٣):\nجاء الشتاء وقميصي أخلاق (٤)\nوقوله تعالى: ﴿شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ﴾، قال الزجاج: \"شاهدين\" (٥) حال، المعنى: ما كانت (٦) لهم عمارة المسجد في حال إقرارهم بالكفر\" (٧).\n_________\n(١) قال الأزهري في \"تهذيب اللغة\" (برذن) ١/ ٣٠٧: \"البراذين من الخيل: ما كان من غير نتاج العراب\".\n(٢) في (ح) و(ى): (الدراهم، وهو خطأ).\n(٣) صدر بيت وعجزه:\nشراذم بعجب منه التواق\nولم أهتد إلى قائله، وقال البغدادي في \"الخزانة\" ١/ ٢٣٤: \"نسب أبو حنيفة الدينوري في كتاب النبات هذا البيت إلى بعض الأعراب\" اهـ. والبيت بلا نسبة في \"لسان العرب\" (توق).\nوثوب أخلاق -بالجمع- إذا بلي كله. وثوب شراذم: قطع، والتواق: اسم ابن الشاعر. انظر: \"خزانة الأدب\"، الموضع السابق.\n(٤) اهـ. كلام الفراء من \"معاني القرآن\" ١/ ٤٢٧ مع اختلاف يسير.\n(٥) في (ح): زيادة \"على أنفسهم بالكفر\" وهذه الزيادة غير موجودة في المصدر.\n(٦) في (ى): (كان).\n(٧) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٣٧.","vol":"10","page":330},{"text":"ومعنى: ﴿شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ﴾: قال ابن عباس في رواية الضحاك: \"شهادتهم على أنفسهم بالكفر: سجودهم لأصنامهم وإقرارهم أنها مخلوقة\" (١)، وقال في رواية عطاء: \"يريد: حين اتخذوا لله شفعاء وأندادًا\" (٢)، وهذا معنى القول (٣) الأول.\nوقال الحسن: \"لم يقولوا نحن كفار ولكن كلامهم بالكفر شاهد عليهم بكفرهم\" (٤) يعني أن (٥) فيما يخبرون به دليلًا على كفرهم، لا أنهم يقولون نحن كفار، ولكن كما تقول للرجل: كلامك يشهد أنك ظالم، وقال السدي: \"شهادتهم على أنفسهم بالكفر هو أن النصراني يُسأل ما أنت؟ فيقول: نصراني واليهودي يقول: يهودي، وعابد الوثن يقول: مشرك\" (٦).\nوذكر ابن الأنباري في هذا وجهين:\nأحدهما: أنه قال: شهادتهم على أنفسهم بالكفر عدولهم عن أمر النبي -ﷺ- وهو حق لا يخفى على مميز، ولا يرتاب به عاقل، فكانوا (٧) في ذلك بمنزلة من شهد على نفسه بالكفر.\nوالثاني: أنهم آمنوا بأنبياء (٨) شهدوا لمحمد - ﷺ - بالصدق فلما آمنوا\n_________\n(١) رواه الثعلبي ٦/ ٨٥ أ، وفي سنده جويبر وهو ضعيف جدًا، ثم إن الضحاك لم يلق ابن عباس كما في \"تهذيب التهذيب\" ٢/ ٢٢٦، ورواه البغوي ٤/ ٢٠ مختصرًا.\n(٢) لم أقف عليه.\n(٣) في (ى): (قول).\n(٤) رواه الثعلبي ٦/ ٨٥ أ، والبغوي ٤/ ٢٠.\n(٥) ساقط من (ى).\n(٦) رواه بنحوه ابن جرير ١٠/ ٩٣، وابن أبي حاتم ٦/ ١٧٦٥، والثعلبي ٦/ ٨٥ أ، والبغوي ٤/ ٢٠.\n(٧) في (م): (كانوا).\n(٨) في (ي): (بالأنبياء).","vol":"10","page":331},{"text":"بهم وكذبوه دلوا على كفرهم (١)، وجرى ذلك مجرى الشهادة منهم على أنفسهم بالكفر\" (٢).\nوقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾، قال ابن عباس: \"يريد: أن أعمالهم لغير الله\" (٣).\nوقال الزجاج: \"أي كفرهم قد أذهب ثواب أعمالهم\" (٤).\nودلت هذه الآية مع ما ذكرنا من التفسير في العمارة أن الكافر ممنوع من عمارة مسجد من مساجد المسلمين، ولو أوصى بها (٥) لم تقبل وصيته، ويمنع عن دخول المساجد، فإن دخل بغير إذن مسلم استحق التعزير، وإن دخل بإذن لم يعزر، والأولى تعظيم المساجد ومنعهم منها للآية، وقد أنزل رسول الله - ﷺ - وفد ثقيف في المسجد وهم كفار (٦)، وشد ثمامة (٧) بن أثال\n_________\n(١) هذا الوجه يصح في حق أهل الكتاب دون مشركي العرب فإنهم ما كانوا يؤمنون بالأنبياء، ولا يعرفون الوحي، كما قال تعالى: ﴿بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ [ق: ٢]، وقال تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٤].\n(٢) ذكر قول ابن الأنباري بلفظ مقارب ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٣/ ٤٠٨.\n(٣) لم أقف عليه.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٣٧.\n(٥) أي بالعمارة، وفي (ى): (لها)، أي للمساجد، وأثبت ما في (م) و(ح) لموافقته ما في\"تفسير الرازي\" ١٦/ ٧ - ٨ نقلًا عن الواحدي.\n(٦) انظر: \"مسند الإمام أحمد\" ٤/ ٢١٨، و\"سنن أبي داود\"، (٣٠٢٥) كتاب الخراج والإمارة والفيء، باب ما جاء في خبر الطائف.\n(٧) هو: ثمامة بن أثال بن النعمان الحنفي أبو أمامة اليمامي الصحابي، كان سيد أهل اليمامة، وقد حاصر أهل مكة أقتصاديًا ولما ارتد أهل اليمامة في فتنة مسيلمة ثبت هو على إسلامه وقاتل المرتدين من أهل البحرين، وقتل غيلة سنة١٢هـ. =","vol":"10","page":332},{"text":"الحنفي على سارية من سواري المسجد وهو كافر (١)، وليس في الآية حجة لمن جعل دخول الكافر المسجد وصلاته فيه إيمانًا منه؛ لأنا (٢) لا نأمن أن تكون صلاته قبل سماع الشهادتين منه سخرية واستهزاءً، ولا يكون فعله (٣) عمارة للمسجد ما لم تتقدم منه كلمة الإيمان، وإن حملنا العمارة على عمارة البناء سقط هذا الاستدلال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1396>١٨ </span>- قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ أي: إنما يعمرها بحقها من آمن بالله، وقال رسول الله -ﷺ- \"إذا رأيتم الرجل يعتاد المسجد فاشهدوا له بالايمان؛ فإن الله -﷿- يقول ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ \" (٤)، وهذا يدل على أن المراد بالعمارة دخول المسجد والقعود فيه.\n_________\n= انظر: \"الاستيعاب\" ١/ ٢٨٧ (٢٨٢)، و\"الإصابة\" ١/ ٢٠٣ (٩٦١).\n(١) رواه البخاري (٤٦٩)، كتاب الصلاة، باب دخول المشرك المسجد ١/ ٢٠٢.\n(٢) (لأنا) ساقط من (ح).\n(٣) يعني دخوله المسجد وصلاته فيه.\n(٤) رواه الترمذي في \"سننه\" (٣٠٩٣)، كتاب التفسير، باب ومن سورة التوبة، وقال: حديث حسن غريب، ورواه أيضًا الدارمي في \"سننه\"، كتاب الصلاة، باب المحافظة على الصلوات، رقم (١٢٢٣) ١/ ٣٠٢، وأحمد في \"المسند\" ٣/ ٦٨، ٧٦، والحاكم في \"المستدرك\"، كتاب الصلاة ١/ ٢١٢ وصححه، وتعقبه الذهبي بأن في سنده دراجًا وهو كثير المناكير.\nقلت: وجميع أسانيد هذا الحديث في مصادره السابقة تدور على دراج بن سمعان عن أبي الهيثم وهي ضعيفة.\nقال الحافظ ابن حجر في ترجمته في \"التقريب\" ص ٢٠١ (١٨٢٤): (صدوق، في حديثه عن أبي الهيثم ضعف. وضعف الحديث أيضًا الألباني في \"ضعيف الجامع الصغير وزياداته\" رقم (٦٠٨) ١/ ١٨٤.","vol":"10","page":333},{"text":"وقوله تعالى: ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿وَآتَى الزَّكَاةَ﴾، قال ابن عباس: \"يعني المهاجرين والأنصار والتابعين بإحسان\" (١)، والإيمان بالله يجمع الصلاة والزكاة، ولكنهما من أوكد أقسام الإسلام وما أوجبه الإيمان، فذكرهما، قال الزجاج: \"ولم يذكر الرسول - ﷺ - في هذا (٢)؛ لأن في قوله: ﴿وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ﴾ دليل على تصديقه؛ لأن المعنى: وآتى الزكاة التي أتى بتحديدها الرسول - ﷺ - (٣).\nقال أهل المعاني: \"يريد من كان بهذه الصفة كان من أهل عمارة المسجد، وليس المعنى أن من عمرها كان بهذه الصفة\" (٤)، غير أنه قلَّ من يعمرها إلا وقد جمع هذه الصفات، كما قال رسول الله -ﷺ- في الخبر الذي ذكرنا.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ﴾، قال الزجاج: \"تأويله: لم يخف في باب الدين إلا الله جل وعز\" (٥).\nوقال أهل المعاني: \"يعني: لا يترك هذه العبادات لخشية أحد ولكن يخشى الله فيقيم ذلك، والخشية من غير الله المنهي عنها أن يترك أمر الله لخشية غيره، فأما أن يخشى الناس خشية لا تؤديه إلى ترك أمر الله فليس بمنهى عنه\" (٦).\n_________\n(١) لم أقف على مصدره.\n(٢) في (ى): (في هذه الآية)، وما أثبته موافق لما في المصدر التالى.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٣٨ بتصرف.\n(٤) انظر: \"زاد المسير\" ٣/ ٤٠٩، و\"الوسيط\" ٢/ ٤٨٤، ولم أجده في كتاب أهل المعاني.\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٣٨، وليس فيه لفظ (جل وعز).\n(٦) ذكر العلماء أن الخشية والخوف أربعة أقسام: =","vol":"10","page":334},{"text":"وقوله تعالى: ﴿فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ أي فأولئك هم المهتدون، وعسى من الله واجبة، ولكن ذكر بلفظ \"عسى\" ليكونوا على رجاء وطمع وحذر، وابن عباس والمفسرون يقولون: \"عسى واجبة من الله\" (١)، ومعنى الاهتداء ههنا الإمساك بطاعة الله التي تؤدي إلى الجنة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1397>١٩ </span>- قوله تعالى: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ﴾ الآية، ذكر المفسرون أقوالًا في نزول هذه الآية فقال ابن عباس في رواية الوالبي: \"قال العباس: لئن كنتم سبقتمونا بالإسلام والهجرة والجهاد لقد كنا نعمر المسجد الحرام ونسقي الحاج، فأنزل الله هذه الآية\" (٢)، وقال في رواية العوفي: \"إن المشركين قالوا: عمارة بيت الله وقيام على السقاية خير من الإيمان\n_________\n= الأول: خوف السر، وهو أن يخاف من غير الله أن يصيبه بما يشاء من مرض أو فقر ونحو ذلك بقدرته ومشيئته، فهذا الخوف لا يجوز تعلقه بغير الله أصلًا، ومن خاف غيره هذا الخوف فهو مشرك شركًا أكبر. قال تعالى: ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ [البقرة: ٤٠].\nالثاني: أن يترك الإنسان ما يجب عليه من الطاعة من غير عذر إلا خوف الناس، فهذا محرم.\nالثالث: خوف وعيد الله الذي توعد به العصاة، وهذا من أعلى مراتب الإيمان.\nالرابع: الخوف الطبيعي، كالخوف من عدو أو سبع ونحو ذلك، فهذا لا يذم، وهو الذي ذكره الله عن موسى﵇- في قوله تعالى: ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ [القصص: ٢٢]. انظر: \"تيسير العزيز الحميد\" ص ٤٨٦، و\"فتح المجيد\" ص ٣٥٢.\n(١) رواه عن ابن عباس، ابن جرير ١٠/ ٩٤، وابن أبي حاتم ٦/ ١٧٦٦ من طريق علي ابن أبي طلحة الوالبي وهو في صحيفته ص٢٦٠، وقد ذهب إلى هذا القول الثعلبي ٦/ ٨٥ ب، والبغوي ٤/ ٢٠، والماوردي ٢/ ٣٤٨، والقرطبي ٨/ ٩١ وغيرهم، ولم أجده عن الحسن.\n(٢) رواه الثعلبي ٦/ ٨٦ أ، والبغوي ٤/ ٢٢، وبنحوه ابن جرير ١٠/ ٩٥، وابن أبي حاتم ٦/ ١٧٦٨.","vol":"10","page":335},{"text":"والجهاد، فأنزل الله هذه الآية\" (١).\nوقال الحسن والشعبي والقرظي: \"افتخر علي والعباس وطلحة بن شيبة (٢): فقال طلحة: أنا صاحب البيت بيدي مفتاحه؛ ولو أشاء بتُّ فيه، وقال العباس: [أنا صاحب السقاية والقائم عليها، وقال علي] (٣): أنا صاحب الجهاد، فأنزل الله هذه الآية\" (٤).\nوالسقاية: الموضع الذي يتخذ فيه (٥) الشراب في المواسم وغيرها، ومنه قوله تعالى: ﴿جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ﴾ [يوسف: ٧٠]، يعني إناء، قاله الليث (٦)، قال: وسقاية الحاج: سقيهم الشراب\" (٧).\nفالسقاية يجوز أن تكون اسمًا، ويجوز أن تكون مصدرًا، كالرعاية\n_________\n(١) رواه ابن جرير ١٠/ ٩٥، وابن أبي حاتم ٦/ ١٧٦٨، والثعلبي ٦/ ٨٦ أ.\n(٢) قال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"طلحة بن شيبة لا وجود له، وإنما خادم الكعبة هو شيبة بن عثمان بن أبي طلحة\". انظر: \"منهاج السنة\" ٥/ ١٨.\n(٣) ما بين المعقوفين ساقط من (ى).\n(٤) ذكر الأثر عنهم الثعلبي ٦/ ٨٦ أ، والواحدي في \"أسباب النزول\" ٢٤٨، والبغوي ٤/ ٢٢، ورواه ابن جرير ١٠/ ٩٦ عن القرظي بلفظه، وعن الحسن والشعبي بمعناه مختصرًا، وفي سند ابن جرير عن القرظي علتان: جهالة أحد رواته، والإرسال، قال شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج السنة ٥/ ١٨ - ١٩: \"هذا اللفظ لا يعرف في شيء من كتب الحديث المعتمدة، بل ودلالات الكذب عليه ظاهرة\".\n(٥) في (ح): (منه).\n(٦) \"تهذيب اللغة\" (سقي) ٢/ ١٧١٥، والنص موجود بنحوه في كتاب \"العين\" (سقي) ٥/ ١٨٩.\n(٧) المصدرين السابقين، نفس الموضع.","vol":"10","page":336},{"text":"والحماية (١)، فإن جعلته اسمًا فالمعنى: أجعلتم أهل (٢) سقاية الحاج أو (٣) أصحابها؟ ثم حذفت المضاف، وإن جعلته مصدرًا فهو مصدرٌ يراد به الفاعل على تقدير: أجعلتم ساقي الحاج [أو سقاة (٤) الحاج] (٥) وعمار (٦) المسجد، كمن آمن (٧)، وإن شئت تركتها مصدرًا وأضمرت المضاف في قوله: ﴿كَمَنْ آمَنَ﴾ فقلت: التقدير: أجعلتم سقاية الحاج كإيمان من آمن؟ وهذه الوجوه ذكرها الفراء (٨) والزجاج (٩) وابن الأنباري (١٠)، وقد استقصينا ما في هذا عند قوله: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ (١١)، قال الحسن: \"وكانت\n_________\n(١) في (ى): (والرعاية)، وهو خطأ.\n(٢) \"أهل\" ساقط من (ى).\n(٣) في (ى): (و).\n(٤) في (ح): (سقاية). وهو خطأ.\n(٥) ما بين المعقوفين ساقط من (ى).\n(٦) في (ح) و(ى): (وعمارة)، وهو خطأ.\n(٧) قال ابن جني: ولست أدفع مع هذا أن يكون \"سقاية الحاج\" جمع ساق، و\"عمارة المسجد الحرام\" جمع عامر، فيكون كقائم وقيام، وصاحب وصحاب، وراع ورعاء، إلا أنه أنث (فعالًا) على ما مضى فصار كحجارة وعيارة ... إلخ\". \"المحتسب\" ١/ ٢٨٦.\n(٨) \"معاني القرآن\" ١/ ٤٢٧ وقد ذكر وجهًا واحدًا وهو أن \"السقاية\" و\"العمارة\" مصدر يكفي من الاسم.\n(٩) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٣٨، وقد ذكر وجهًا واحدًا، وهو أن المضاف محذوف، والتقدير: أهل سقاية الحاج وأهل عمارة المسجد.\n(١٠) في كتابه \"معاني القرآن\" ولم يُعثر عليه حتى الآن.\n(١١) من الآية: ١٧٧ من سورة البقرة. وانظر \"النسخة الأزهرية\" ١/ ١٠٧ ب وقد قال في هذا الموضع: \"ولكن البر من آمن بالله\" البر مصدر، ولا يخبر عن المصادر بالأسماء و(من) اسم، واختلف النحويون وأهل المعاني في وجهه، وقال أبو عبيدة: البر ههنا بمعنى البار، والفاعل قد يسمى بالمصدر .. وحكى الزجاج أن معناه: ذا البر فحذف كقوله \"هم درجات عند الله\" أي ذو درجات، وقال قطرب والفراء: معناه: ولكن البر بر من آمن فحذف المضاف ..).","vol":"10","page":337},{"text":"السقاية نبيذ زبيب\" (١) وقوله تعالى: ﴿وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾، قال ابن عباس: \"يريد: تجميره وتخليقه (٢) \" (٣).\nوقوله تعالى: ﴿كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ﴾ قال العوفي عن ابن عباس: \"أخبر أن عمارتهم المسجد الحرام، وقيامهم على السقاية لا ينفعهم عند الله مع الشرك (٤) بالله، [وأن الإيمان بالله والجهاد مع نبيه خير مما هم عليه\" (٥)] (٦).\nوقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ أي قد هدى المؤمنين الذين وصفهم، ولم يهد الذين سووا بهم (٧)، وقال مقاتل: \"لا يستوون عند الله في الفضل\" (٨)، وقال الكلبي: \"في الثواب\" (٩)، وقال الأشتر بن\n_________\n(١) ذكره الثعلبي ٦/ ٨٦ ب، وابن الجوزي ٣/ ٤١٠.\n(٢) التجمير: التبخير بالعود، والتخليق: الطلي بالخلوق، والخلوق: طيب معروف يتخذ من الزعفران وغيره من أنواع الطيب، وتغلب عليه العمرة والصفرة. انظر: \"لسان العرب\" (جمر) ٢/ ٦٧٥ و(خلق) ٢/ ١٢٤٧.\n(٣) ذكر الأثر ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٣/ ٤١١، والمؤلف في \"الوسيط\" ٢/ ٤٨٦.\n(٤) في (م): (الشريك).\n(٥) رواه الثعلبي ٦/ ٨٦ أبهذا اللفظ، ورواه ابن جرير ١٠/ ٩٥ بنحوه مع تقديم ما بين المعقوفين على ما قبلها.\n(٦) ما بين المعقوفين ساقط من (ح).\n(٧) يعني التسوية المذكورة في قوله تعالى: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ الآية، وعبارة المؤلف ليست على إطلاقها فإن ممن سوي بهم العباس وشيبة بن عثمان، وقد هداهما الله تعالى.\n(٨) \"تفسير مقاتل\" ص ١٢٧ ب.\n(٩) \"تنوير المقباس\" ص١٨٩ عنه عن ابن عباس.","vol":"10","page":338},{"text":"عبد الله (١). \"الذين زعموا أنهم أهل العمارة سماهم الله ظالمين بشركهم فلم تغن عنهم العمارة شيئًا\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1398>٢٠ </span>- ثم نعت المهاجرين فقال: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ إلى قوله: ﴿أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ﴾ أي من الذين افتخروا بعمارة البيت وسقي الحاج، فإن قيل: إنهم كانوا كفارًا فكيف جاز في صفة المؤمنين أنهم أعظم درجة عند الله منهم، ولا درجة لهم عند الله؟ قيل: هذا على ما كانوا يقدرون هم لأنفسهم وإن كان ذلك التقدير خطأ (٢)، كقوله (٣): ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا﴾ [الفرقان: ٢٤]، وقال الزجاج: \"المعنى: أعظم من غيرهم درجة\" (٤)، فيدخل في هذا كل ذي درجة ويحصل للمهاجرين المزية.\nوقوله تعالى: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ معنى الفوز في اللغة: الظفر بالبغية وإدراك الطلبة (٥)، قال الزجاج: \"والفائز: الذي يظفر بأمنيته من الخير\" (٦)، وهذا مما قد سبق (٧).\n_________\n(١) هكذا في (م) و(ى) وفي (ح): (الأشترين عند الله)، ولم أجد فيما بين يدي من مصادر من اسمه الأشتر بن عبد الله، وأرجح أن في النص تصحيف، والصواب: وقال -يعني الكلبي-: الأشرين عند الله الذين زعموا .. الخ، ويؤكد هذا أن الأثر قد رواه ابن جرير ١٠/ ٩٥، وابن أبي حاتم ٦/ ١٧٦٩ عن ابن عباس من طريق العوفي دون قوله \"الأشرين عند الله\"، وقد روي عن العرب صيغة أفعل التفضيل \"أشر\" وإن كانت لغة قليلة ورديئة كما في \"الصحاح\" (شرر) ٢/ ٦٩٥، و\"لسان العرب\" (شرر) ٤/ ٢٢٣٢.\n(٢) في (ح): حقًّا، والصواب ما أثبته من (ى) و(م).\n(٣) (كقوله) ساقط من (ح).\n(٤) اهـ. كلام الزجاج، انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٣٨.\n(٥) انظر: \"الصحاح\" (فوز) ٣/ ٨٩٠، و\"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٧١٨ (فاز).\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٣٩.\n(٧) انظر: \"البسيط\" آل عمران: ١٨٥.","vol":"10","page":339},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1399>٢١ </span>- قوله تعالى: ﴿يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ﴾ الآية، قال أبو إسحاق: \"أي: يعلمهم في الدنيا مالهم في الآخرة\" (١) [وقوله تعالى: ﴿لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ﴾ النعيم: نقيض البؤس، وهو لين العيش من النعمة (٢)، وهي اللين، والمقيم: الدائم الذي لا يزول ولا يبرح (٣)، وهذه الآية والتي بعدها (٤) في المهاجرين خاصة] (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1400>٢٣ </span>- قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ الآية، قال ابن عباس في رواية الضحاك: \"لما أمر الله المسلمين بالهجرة وكان قبل فتح مكة من آمن ولم يهاجر، لم يقبل الله إيمانه حتى يجانب الآباء والأقرباء إن كانوا كفارًا\" (٦)، وقال في رواية أبي صالح (٧): \"لما أمر رسول الله -ﷺ- لناس بالهجرة إلى المدينة فمن الناس من يوافقه أهله وزوجته وأقاربه على الهجرة، ومنهم من تتعلق به زوجته وعياله وولده، فيقولون: ننشدك الله أن تضيعنا، فيرق فيجلس ويدع الهجرة، فأنزل الله هذه الآية\" (٨)، فقوله تعالى: ﴿لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ أي: بطانة وأصدقاء، تؤثرون المقام بين أظهرهم على الهجرة إلى دار الإسلام.\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٣٩.\n(٢) انظر: \"الصحاح\" (نعم) ٥/ ٢٠٤٢.\n(٣) انظر: \"لسان العرب\" (قوم) ٦/ ٣٧٨١.\n(٤) يعني قوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ ودليل التخصيص الآية السابقة: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا ...﴾ إلخ.\n(٥) ما بين المعقوفين ساقط من (ح).\n(٦) رواه الثعلبي ٦/ ٨٧ أمطولًا، وفي سنده جويبر ضعيف.\n(٧) هو: باذام. تقدمت ترجمته، وقد روى تفسيره الكلبي.\n(٨) رواه الثعلبي ٦/ ٨٧ أ، والبغوي ٤/ ٢٤ مختصرًا عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس.","vol":"10","page":340},{"text":"وقال ابن عباس: \"يريد: لا تتولوهم في شيء من أمورهم، لا في النكاح ولا في الميراث ولا في الطعام ولا في الشراب ولا في السلام ولا في الكلام حتى يؤمنوا ويوحدوا الله\" (١).\nوقوله تعالى: ﴿إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ﴾ الاستحباب: طلب المحبة، ثم يقال: استحب كذا بمعنى أحبه كأنه طلب محبته، كما يقال: استجاب بمعنى أجاب.\nوقوله (٢): ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾، قال ابن عباس: \"يريد: مشرك مثلهم\" (٣)، وقال الحسن: \"من تولى المشرك فهو مشرك، وذلك أنه راض بشركه كما أن من تولى الفاسق فهو فاسق لرضاه بفسقه\" (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1401>٢٤ </span>- قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ﴾ الآية، قال ابن عباس في رواية الضحاك: \"لما أمر المسلمون بالهجرة ومجانبة أقاربهم الكفرة قالوا: يا نبي الله، إن نحن اعتزلنا من خالفنا في الدين نقطع آباءنا وعشائرنا وتذهب تجارتنا وتخرب ديارنا فأنزل الله هذه الآية\" (٥).\nوقوله تعالى: ﴿وَعَشِيرَتُكُمْ﴾ عشيرة الرجل: أهله الأدنون، وهم الذين يعاشرونه وقريء \"وعشيراتكم\" بالجمع (٦)، وذلك أن كل واحد من\n_________\n(١) لم أقف عليه.\n(٢) من (م).\n(٣) \"تفسير الرازي\" ١٦/ ١٨، والقرطبي ٨/ ٩٤.\n(٤) لم أقف على مصدره، وقد ذكره من غير نسبة هود بن محكم في \"تفسيره\" ٢/ ١٢١.\n(٥) رواه الثعلبي ٦/ ٨٧ أمطولًا، وانظر: \"زاد المسير\" ٣/ ٤١١ وسنده ضعيف؛ لأن الضحاك لم يلق ابن عباس كما في \"تهذيب التهذيب\" ٢/ ٢٢٦.\n(٦) وهي قراءة شعبة عن عاصم وحده، وقرأ حفص عن عاصم وباقي القراء العشرة بالإفراد. انظر: \"الغاية في القراءات العشر\" ص ١٦٤، و\"التبصرة في القراءات\" ص ٢١٤، و\"تقريب النشر\" ص ١٢٠.","vol":"10","page":341},{"text":"المخاطبين له عشيرة، فإذا جُمعت قيل: \"وعشيراتكم\"، ومن أفرد قال: العشيرة واقعة على الجمع فاستغنى عن جمعها، ويقوي ذلك أن الأخفش قال: \"لا تكاد العرب تجمع عشيرة: عشيرات، إنما يجمعونها (١) عشائر\" (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا﴾ الاقتراف: الاكتساب، قال ابن عباس: \"يريد [كسبتموها\" (٣).\nوقوله تعالى: ﴿فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ قال ابن عباس] (٤): \"يريد: فتربصوا بما تحبون فليس لكم عند الله ثواب في إيمانكم\" (٥)، ومعنى (٦): ﴿حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ يعني فتح مكة في قول مجاهد (٧) ومقاتل (٨) والأكثرين (٩)، ومعنى هذا: إن كنتم تؤثرون المقام في دوركم\n_________\n(١) في (ج): (يجمعونه).\n(٢) انظر: \"الحجة للقراء السبعة\" ٤/ ١٨٠، و\"الوسيط\" ٢/ ٤٨٦، و\"زاد المسير\" ٣/ ٤١٢، و\"لسان العرب\" (عشر) ٥/ ٢٩٥٥، وقول الأخفش هذا ليس موجودًا في كتابه \"معاني القرآن\".\n(٣) \"الوجيز\" ٦/ ٤٤٦.\n(٤) ما بين المعقوفين ساقط من (ى).\n(٥) ذكره المصنف في \"الوسيط\" ٢/ ٤٨٧.\n(٦) ساقط من (ى).\n(٧) رواه ابن جرير ١٠/ ٩٩، وابن أبي حاتم ٦/ ١٧٧٢، وابن أبي شيبة وابن المنذر وأبو الشيخ كما في \"الدر المنثور\" ٤/ ١٥٧، والقول في \"تفسير مجاهد\" ص ٣٦٦.\n(٨) \"تفسير مقاتل\" ص ١٢٧ ب.\n(٩) لم يذكره ابن جرير وابن أبي حاتم والماوردي والسيوطي إلا عن مجاهد، وزاد الثعلبي مقاتل، وقد ذكر ما ذكره المصنف من أنه قول الأكثرين. البغوي ٤/ ٤٨٧، وابن الجوزي ٣/ ٤١٣. قال الشيخ ابن عاشور في \"التحرير والتنوير\" ١٠/ ١٥٤: =","vol":"10","page":342},{"text":"وأهليكم وتتركون الهجرة فأقيموا غير مثابين حتى يفتح الله مكة فيسقط فرض الهجرة، ولا يكون الأمر بالتربص أمر إباحة (١) بل هو أمر تهديد، وقال الحسن: ﴿حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ أي: من عقوبة عاجلة أو آجلة\" (٢)، وهذا أقرب؛ لأنه أليق بالوعيد.\nوقوله (٣): ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ أي: الخارجين عن طاعته إلى معصيته، وهذا أيضًا تهديد لهؤلاء بحرمان الهداية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1402>٢٥ </span>- قوله تعالى: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ﴾ الآية، النصر: المعونة على العدو خاصة، والمواطن، وهو كل مقام أقام به الإنسان لأمر، ومثله الوطن (٤)، والأوطان: كالمواطن، وأوطن فلان أرض كذا: أي: اتخذها محلا ومسكنًا يقيم فيها (٥)، قال الزجاج: \"في مواطن: أي في أمكنة\" (٦)، وقال الفراء: \"مواطن لا تنصرف؛ لأنه مثال لم يأت عليه شيء من الأسماء المفردة (٧)، وأنه غاية للجمع إذا انتهى الجمع إليه فينبغي\n_________\n= (ومن فسر أمر الله بفتح مكة فقد ذهل؛ لأن هذه السورة نزلت بعد الفتح). وانظر ما يؤكد قوله في: \"تفسير ابن جرير\" ١٠/ ٩٨.\n(١) في (ى): (أمرًا بإباحة)، والصواب ما أثبته.\n(٢) ذكره الماوردي في \"النكت والعيون\" ٢/ ٣٤٩، والزمخشري في \"الكشاف\" ٢/ ١٨١، وبمعناه ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٣/ ٤١٣.\n(٣) من (م).\n(٤) في (ى): (الموطن).\n(٥) انظر: كتاب \"العين\" (وطن) ٧/ ٤٥٤، و\"تهذيب اللغة\" (وطن) ٤/ ٣٩١١.\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٣٩.\n(٧) يعني الأسماء التي تدل على الواحد، قال الزجاج في \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٤٠: \"ومعنى ليس على مثال الواحد: أي ليس في ألفاظ الواحد ما جاء على لفظه، وأنه ألا يجمع كما يجمع الواحد جمع تكسير\". =","vol":"10","page":343},{"text":"أن لا يجمع، ألا ترى أنك لا تقول: دراهمات ولا دنانيرات ولا مساجدات، وربما اضطر إليه الشاعر فجمعه وليس يوجد [في الكلام] (١) ما يجوز في الشعر، قال الشاعر (٢):\nفهن يجمعن حدائداتها\nفهذا من المرفوض (٣) إلا في الشعر\" (٤). انتهى كلامه.\nومعنى هذا أن الجمع من العلل المانعة للصرف، وهذا النوع من [الجمع غاية] (٥) المجموع، فكأن الجمع قد تكرر فيه فصارت هذه العلة تقوم مقام علتين فأوجبت ترك الصرف.\nوقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ﴾، قال الزجاج (٦): \"أي: وفي يوم حنين، أي: ونصركم في يوم حنين\" (٧)، ونحو ذلك قال ابن عباس:\n_________\n(١) ما بين المعقوفين ساقط من (ى).\n(٢) هو: الأحمر كما في \"لسان العرب\" (حدد) ٢/ ٨٠٠، وانظر البيت بلا نسبة في: \"معاني القرآن\" للزجاج ٢/ ٤٣٩، و\"الخصائص\" ٣/ ٢٣٦، وكتاب \"الحلل\" (ص ٤٠٥)، و\"المذكر والمؤنث\" لابن الأنباري ٢/ ٣٠٥، و\"خزانة الأدب\" ١/ ٢٠٨. ورواية البيت في جميع هذه المصادر: فهن يعلكن ... إلخ.\nوالبيت ضمن أبيات في وصف الخيل منها:\nأصبحن في قرح وفي داراتها ... سبع ليال غير معلوفاتها\nفهن يعلكن ... إلخ.\n(٣) في (ى): (الفروض)، وهو تصحيف.\n(٤) \"معاني القرآن\" ١/ ٤٢٨ بتصرف يسير.\n(٥) ما بين المعقوفين ساقط من (ى).\n(٦) ساقط من (ى).\n(٧) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٣٩.","vol":"10","page":344},{"text":"\"ونصركم يوم حنين\" (١)، قال قتادة: \"حنين: واد بين مكة والطائف قاتل عليه نبي الله - ﷺ - هوازن وثقيفًا\" (٢).\nوجرى (٣) (حنين) لأنه اسم مذكر [سمي به مذكر] (٤) نحو: بدر وأحد وحراء وثبير (٥)، وربما جعلت العرب حنين (٦) وبدرًا اسمًا للبلدة والبقعة فلا يُجْرونه (٧) نحو قول الشاعر (٨):\nألسنا أكثر الثقلين رحلًا ... وأعظمهم ببطن حراء نارًا\nوقال آخر (٩):\nنصروا نبيهم وشدوا أزره ... بحنين حين تواكل الأبطال\n_________\n(١) \"تنوير المقباس\" ص١٩٠بمعناه.\n(٢) رواه ابن أبي حاتم ٦/ ١٧٧٢.\n(٣) إجراء الاسم عند الكوفيين: صرفه وتنوينه، وعدم إجرائه: منع صرفه.\n(٤) ما بين المعقوفين ساقط من (ي)، وليس موجودا في \"معاني القرآن\" للفراء.\n(٥) ثبير: جبل معروف عند مكة المكرمة انظر: \"النهاية في غريب الحديث والأثر\" (ثبر) ١/ ٢٠٧.\n(٦) هكذا في جميع النسخ، والأولى: حنينًا؛ لأنه صرف بدرًا بعده.\n(٧) بضم الياء وإسكان الجيم.\n(٨) هو: جرير كما في \"كتاب سيبويه\" ٢/ ٢٤، و\"لسان العرب\" (حرى) ٢/ ٨٥٣، وليس في ديوانه، وانظر البيت بلا نسبة في: \"الصحاح\" (حرا) ٦/ ٢٣١٢، و\"المقتضب\" ٣/ ٣٥٩، و\"الدر المصون\" ٦/ ٣٧، وصدر البيت عند سيبويه والمبرد هكذا:\nستعلم أينا خيرٌ قديمًا\nقال ابن بري: هكذا أنشده سيبويه، وهو لجرير، وأنشده الجوهري: ألسنا أكرم الثقلين طرًّا .. \" اهـ \"لسان العرب\"، الموضع السابق.\n(٩) هو: حسان بن ثابت -﵁- والبيت في \"ديوانه\" ص ١٩٤، و\"لسان العرب\" (حنن) ٢/ ١٠٣٢، وبلا نسبة في \"الصحاح\" (حنن) ٥/ ٢١٠٥، ورواية الديوان والفراء وغيرهما هكذا: يوم تواكل الأبطال.","vol":"10","page":345},{"text":"هذا قول الفراء وكلامه (١).\nقال المفسرون: \"لما افتتح رسول الله -ﷺ- مكة وقد بقيت عليه أيام من شهر رمضان، خرج متوجهًا إلى حنين لقتال هوازن وثقيف\" (٢).\nوقوله تعالى: ﴿إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ﴾، قال قتادة: \"كانوا اثنى عشر ألفًا\" (٣). وقال مقاتل: \"كانوا أحد (٤) عشر ألفًا وخمسمائة\" (٥). وقال الكلبي: \"كانوا عشرة آلاف، وكانوا يومئذ أكثر ما كانوا قط\" (٦).\nوقال عطاء عن ابن عباس: \"خرج رسول الله -ﷺ- من مكة إلى حنين في ستة عشر ألفًا، وكان معه رجل من الأنصار يقال له: سلمة بن سلامة بن وقش (٧) فعجب لكثرة الناس، فقال: لن نغلب اليوم من قلة، فساء رسول الله - ﷺ - كلامه، ووكلوا إلى كلمة الرجل، فذلك قوله تعالى: ﴿إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ﴾ \" (٨).\n_________\n(١) يعني من قوله: وجرى (حنين)، انظر: \"معاني القرآن\" ١/ ٤٢٩.\n(٢) انظر: \"تفسير ابن أبي حاتم\" ٦/ ١٧٧٢ - ١٧٧٣، والثعلبي ٦/ ٨٨ أ، والبغوي ٤/ ٢٥، وانظر الآثار الواردة في غزوة حنين في \"الدر المنثور\" ٣/ ٤٠٤ - ٤٠٨.\n(٣) رواه ابن جرير ١٠/ ١٠٠، والثعلبي ٦/ ٨٨ أ، والبغوي ٤/ ٢٦.\n(٤) في (ى): (إحدى)، والصواب ما أثبته، وهو موافق لما في \"تفسير مقاتل\".\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ص١٢٧ ب.\n(٦) \"تفسير الثعلبي\" ٦/ ٨٨ أ، والبغوي ٤/ ٢٦، والرازي ١٥/ ٢١.\n(٧) هو: سلمة بن سلامة بن وقش بن زغبة الأشهلي الأنصاري شهد العقبتين وبدرًا وأحدًا والمشاهد، توفي سنة ٣٤ هـ، وقيل سنة ٤٥ هـ.\nانظر: \"التاريخ\"الكبير\" ٤/ ٦٨ (١٩٨٦)، و\"سير أعلام النبلاء\" ٢/ ٣٥٥، و\"الإصابة\" ٢/ ٩٥ (٣٣٨١).\n(٨) ذكره المصنف في \"الوسيط\" ٢/ ٤٨٧، وذكر بعضه الزمخشري في الكشاف ٢/ ١٨٢، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٣/ ٤١٣.","vol":"10","page":346},{"text":"وقوله تعالى: ﴿فَلَمْ (١) تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا﴾ معنى الإغناء: إعطاء ما يدفع الحاجة.\nوقوله: ﴿فَلَمْ (١) تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا﴾ أي لم تعطكم شيئًا يدفع حاجتكم، قال الزجاج: \"أعلمهم الله أنهم ليس بكثرتهم يغلبون، وأنهم إنما يغلبون بنصر الله إياهم\" (٢)، فوكلوا ذلك اليوم إلى كثرتهم؛ فانهزموا ثم تداركهم الله بنصره حتى ظفروا.\nوقوله تعالى: ﴿وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ﴾ يقال: رحب يرحب رحبًا ورحابة، قال ابن شميل: \"ضاقت عليه بما رحبت (٣): أي: على رحبها وسعتها\" (٤)، فمعنى قوله: ﴿بِمَا رَحُبَتْ﴾ أي برحبها، ومعناه: مع رحبها، و\"ما\" ههنا مع الفعل بمنزلة المصدر كقوله: ﴿لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (٢٦) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي﴾ [يس: ٢٦، ٢٧] أي بمغفرته لي، ومعنى الآية: إنكم لشدة ما لحقكم من الخوف ضاقت عليكم الأرض فلم تجدوا فيها موضعًا يصلح لكم لفراركم عن عدوكم.\nقال ابن عباس: \"يقول: هي واسعة، ولكم فيها رحاب ومتسع، فضاقت عليكم لموضع العجب\" (٥).\nقال الزجاج: \"جعل الله عقوبتهم على إعجابهم بالكثرة أن رَعَبهم (٦)\n_________\n(١) في (ي): (فلن)، وهو خطأ محض.\n(٢) اهـ كلام الزجاج، انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٤٠.\n(٣) هكذا، وفي \"تهذيب اللغة\": \"ضاقت عليهم الأرض بما رحبت\" ... إلخ.\n(٤) \"تهذيب اللغة\" (رحب) ٢/ ١٣٨٧.\n(٥) \"تنوير المقباس\" ص١٩٠ بمعناه مختصرًا.\n(٦) بفتح العين غير المشددة، أي: أفزعهم وأخافهم، و\"لسان العرب\" (رعب) ٣/ ١٦٦٧.","vol":"10","page":347},{"text":"حتى ولّوا مدبرين\" (١).\nقال البراء بن عازب: كانت هوازن رماة، وإنا لما حملنا عليهم انكشفوا وأكببنا (٢) على الغنائم فاستقبلونا (٣) بالسهام فانكشف المسلمون عن رسول الله -ﷺ-، ولم يبق معه إلا العباس بن عبد المطلب وأبو سفيان بن الحارث\" (٤)، قال البراء: \"والذي لا إله إلا هو ما ولى رسول الله -ﷺ- دبره قط، لقد رأيته، وأبو سفيان آخذ بالركاب (٥)، والعباس آخذ بلجام الدابة، وهو يقول:\n\"أنا النبي لا كذب ... أنا ابن عبد المطلب\"\nوطفق يركض بغلته نحو الكفار لا يألو، وكانت بغلة شهباء، ثم قال للعباس: \" [ناد: يا معشر الأنصار، يا معشر المهاجرين، وكان العباس رجلًا صيتًا، فجعل ينادي: يا عباد الله] (٦)، يا أصحاب (٧) الشجرة، يا أصحاب سورة البقرة، فجاء المسلمون حين سمعوا صوته عنقًا واحدًا (٨)، وأخذ رسول الله -ﷺ- بيده كفًا من الحصباء فرماهم بها، وقال:\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٤٠.\n(٢) في (ى): (وانحنينا)، وفي \"الصحيحين\": فأكببنا.\n(٣) في (ى): (فاستقبلوا).\n(٤) رواه مختصرًا البخاري في \"صحيحه\" (٤٣١٥)، كتاب: المغازي، باب قول الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ ...﴾، ومسلم في \"صحيحه\" (١٧٧٦)، كتاب الجهاد والسير.\n(٥) الركاب: موضع في سرج الدابة، وهو كالغرز للرجل. انظر \"القاموس المحيط\"، فصل الراء، باب الباء ٩١٥٥، و\"لسان العرب\" (ركب) ٣/ ١٧١٣.\n(٦) ما بين المعقوفين ساقط من (ح).\n(٧) في (ح): يا معشر أصحاب الشجرة.\n(٨) العنق: الجماعة الكثيرة من الناس، وجاء القوم عنقًا عنقًا: أي طوائف. انظر: \"لسان العرب\" (عنق) ١٠/ ٢٧٣.","vol":"10","page":348},{"text":"\" شاهت الوجوه\"، فما زال أمرهم مدبرًا، وحدهم كليلًا حتى هزمهم الله، ولم يبق منهم أحدٌ يومئذٍ إلا وامتلأت عيناه من ذلك التراب\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1403>٢٦ </span>- فذلك قوله: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ السكينة: ما يسكن إليه القلب والنفس، قال الليث: \"السكينة: الوداعة والوقار\" (٢)، وقيل (٣): السكينة: الأمنة والطمأنينة\" (٤)، وهي المراد ههنا؛ لأن الرعب يوجب الاضطراب والهزيمة، وضده الأمنة التي توجب الطمأنينة والوقار، قال ابن عباس: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ﴾: يريد رحمته\"، يعني أن تلك السكينة إنما أنزلت عليهم من رحمة الله.\nوقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ قال (٥): يريد الملائكة\" وقال\n_________\n(١) هذا الأثر ملفق من عدة روايات، وليس للبراء وحده كما يدل عليه صنيع المؤلف، وهو نقله عن الثعلبي مع التصرف، والثعلبي صرح بأنه لفقه من عدة روايات فقال: (وكانت قصة حنين على ما ذكره المفسرون بروايات كثيرة لفقتها ونسقتها لتكون أقرب إلى الأفهام، وأحسن للنظام). \"تفسير الثعلبي\" ٦/ ٨٨ أ، بل إن الثعلبي ميّز قول البراء من قول غيره، وعلى أي حال فهذا الأثر ملفق من الروايات التالية:-\n١ - رواية البراء، وقد رواها الثعلبي ٦/ ٨٨/ ب بلفظ المؤلف، وهي تنتهي عند لفظ \"عبد المطلب\" وبنحوها رواها البخاري (٤٣١٥)، كتاب: المغازي، باب قول الله تعالى: ﴿ويوم حنين ..﴾ ٥/ ٣١٠، ومسلم (١٧٧٦)، كتاب الجهاد والسير.\n٢ - رواية العباس بن عبد المطلب، رواها مسلم (١٧٧٥)، كتاب الجهاد والسير، باب في غزوة حنين، وأحمد في \"المسند\" ١/ ٢٠٧.\n٣ - رواية قتادة، رواها ابن جرير ١٠/ ١٠٤.\n٤ - رواية سلمة بن الأكوع، رواها مسلم (١٧٧٧)، كتاب الجهاد، باب في غزوة حنين.\n(٢) كتاب \"العين\" (سكن) ٥/ ٣١٣.\n(٣) في (ى): (وقال)، وأثبت ما في (ح) و(م) لعدم وجود هذا القول في كتاب العين.\n(٤) هذا قول ابن جرير ١٠/ ١٠٤، والثعلبي ٦/ ٩١ ب.\n(٥) يعني ابن عباس، كما صرح بذلك في \"الوسيط\" ٢/ ٤٨٨، وذكره أيضًا ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٣/ ٤١٦.","vol":"10","page":349},{"text":"سعيد بن جبير: \"أمدّ الله نبيه بخمسة آلاف من الملائكة\" (١)، وقال سعيد بن المسيب: \"حدثني رجل كان (٢) في (٣) المشركين يوم حنين قال: لما كشفنا المسلمين جعلنا نسوقهم إذ (٤) انتهينا إلى صاحب (٥) البغلة الشهباء (٦)، فتلقانا رجال بيض الوجوه حسان، فقالوا لنا: شاهت الوجوه ارجعوا فرجعنا وركبوا أكتافنا\" (٧).\nوقال الزجاج: \"أنزل الله -﷿- عليهم السكينة حتى عادوا وظفروا، فأراهم الله في ذلك اليوم من آياته ما زادهم تثبيتًا بنبوة النبي -ﷺ\" (٨).\nوقوله تعالى: ﴿وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، قال ابن عباس: \"يريد بأسيافكم ورماحكم\" (٩).\n_________\n(١) رواه ابن أبي حاتم ٦/ ١٧٧٤، وذكره بغير سند الثعلبي ٦/ ٨٩ أ، وابن الجوزي ٣/ ٤١٦.\n(٢) لفظ: (كان) ساقط من (ح)، وهو موجود في مصادر التخريج التالية.\n(٣) في (ى): (من)، وأثبت ما في (ح) و(م) لموافقته لمصادر التخريج التالية.\n(٤) هكذا في جميع النسخ، وكذلك في \"تفسير الثعلبي\"، وفي \"الوسيط\": حتى إذا. وفي \"تفسير الرازي\" وأبي حيان: فلما.\n(٥) (إلى صاحب) مكرر في (ى).\n(٦) يعني رسول الله - ﷺ - انظر: \"صحيح مسلم\" (١٧٧٥) كتاب: الجهاد والسير، باب في غزوة حنين، و\"تفسير الثعلبي\" ٦/ ٨٩ ب.\n(٧) ذكره الثعلبي ٦/ ٨٩ ب، والمؤلف في \"الوسيط\" ٢/ ٤٨٨، والرازي في \"تفسيره\" ١٦/ ٢٢، وأبو حيان في \"البحر\" ٥/ ٢٥.\n(٨) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٤٠.\n(٩) لم أقف عليه إلا في \"الوجيز\" للمؤلف ٦/ ٤٥٠، وفي \"تنوير المقباس\" ص١٩٠: \"وعذب الذين كفروا\": بالقتل والهزيمة.","vol":"10","page":350},{"text":"وقال غيره: \"أي بالقتل والأسر، وسبي العيال، وسلب الأموال، مع الصَّغار والإذلال\" (١)، ﴿وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1404>٢٧ </span>- قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾ فيهديه إلى الإسلام ولا يؤاخذه بما سلف منه، قال ابن عباس: \"يريد ممن كان في علم الله أن يهديه للإسلام\" (٢)، ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ﴾ لمن اهتدى ﴿رَحِيمٌ﴾ لمن آمن.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1405>٢٨ </span>- قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ الآية، قال الفراء: \"لا تكاد العرب تقول: نجس إلا وقبلها رجس، فإذا أفردوا قالوا: نجس لا غير، ولا يجمع ولا يؤنث، وهو مثل دنف (٣) \" (٤).\nوقال الليث: \"النجس: الشيء القذر من الناس ومن كل شيء (٥)، ورجل نجس وقوم أنجاس، ولغة أخرى (٦): رجل نجس وقوم نجس وامرأة نجس\" (٧)، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ أي أخباث أنجاس.\n_________\n(١) هذا قول الثعلبي في \"تفسيره\" ٦/ ٩١ ب دون قوله: مع الصغار والإذلال، وبلفظ الثعلبي ذكره ابن الجوزي في \"تفسيره\" ٣/ ٤١٦، ونسبه للبعض دون تحديد، وقال ابن جرير ١٠/ ١٠٤ \"بالقتل وسبي الأهلين والذراري، وسلب الأموال والذمة\".\n(٢) \"تنوير المقباس\" ص١٩١ بمعناه.\n(٣) الدنَف (بفتح النون): (المرض الملازم، وبكسرها: المريض الذي براه المرض حتى أضفى على الموت. \"لسان العرب\" (دنف) ٣/ ١٤٣٢.\n(٤) \"معاني القرآن\" ١/ ٤٣٠.\n(٥) في \"تهذيب اللغة\": ومن كل شيء قذرته، وفي كتاب \"العين\": وكل شيء قذرته فهو نجس.\n(٦) يعني في الكملة أخرى باعتباره مصدرًا فلا يثنى ولا يؤنث ولا يجمع.\n(٧) \"تهذيب اللغة\" (نجس) ٤/ ٣٥١٩ - ٣٥٢٠، ونحوه مختصرًا في كتاب \"العين\" (نجس) ٦/ ٥٥.","vol":"10","page":351},{"text":"قال ابن عباس في رواية عطاء: \"يريد لا يغتسلون من الجنابة، ولا يتوضؤون لله، ولا يصلون له\" (١)، ونحو هذا قال قتادة: سماهم نجسًا لأنهم يجنبون ولا يغتسلون، ويحدثون ولا يتوضؤون\" (٢).\nقال أهل العلم وأصحاب (٣) المعاني: \"هذه النجاسة التي وصف الله بها المشركين نجاسة الحكم لا نجاسة العين، سموا نجسًا على الذم، ولو كانت أعيانهم نجسة لما طهرهم الإسلام، ولكن شركهم يجري مجرى القذر في أنه يوجب نجسهم فسموا نجسًا لهذا المعنى\" (٤)، وقال أبو علي: معنى قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ أي: ليسوا من أهل الطهارة وإن لم تكن عليه (٥) نجاسة من نحو البول والدم والخمر، والمعنى: إن الطهارة الثابتة للمسلمين هم خارجون عنها (٦)، ومباينون لها، وهذه الطهارة هي ما ثبتت لهم في قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣] (٧).\n_________\n(١) ذكره المصنف في \"الوسيط\" ٢/ ٤٨٨، والرازي في \"تفسيره\" ١٦/ ٢٥.\n(٢) رواه البغوي ٤/ ٣١، ورواه مختصرًا عبد الرزاق الصنعاني في \"تفسيره\" ١/ ٢/٢٧١، وابن جرير ١٠/ ١٠٥، وابن أبي حاتم ٦/ ١٧٧٥.\n(٣) في (ح): (إلى أصحاب)، وهو خطأ بين.\n(٤) انظر: \"تفسير الثعلبي\" ٦/ ٩٢ أ، والبغوي ٤/ ٣١، وابن الجوزي ٣/ ٤١٧، وأحكام القرآن للهراسي ٤/ ٣٦، و\"أحكام القرآن\" لابن العربي ٢/ ٩١٣، و\"تفسير ابن كثير\" ٢/ ٣٨٢.\n(٥) أي على أحدهم.\n(٦) ساقط من (ح).\n(٧) \"الحجة للقراء السبعة\" ٤/ ٣٠٧.","vol":"10","page":352},{"text":"وقوله تعالى: ﴿فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ [قال المفسرون: \"أراد منعهم من دخول الحرم وذلك أنهم إذا دخلوا الحرم فقد قربوا المسجد الحرام\" (١)] (٢).\nوقال بعضهم: \"المراد بالمسجد الحرام: الحرم\" (٣)، وهو كقوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الإسراء:١] وإنما رفع من بيت أم هانئ (٤) (٥)، وهذا مذهب عطاء، وقال: الحرم كله قبلة ومسجد\" (٦)، وتلا هذه الآية.\nوقوله تعالى: ﴿بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾، قال قتادة: \"يعني عام حج بالناس أبو بكر، وتلا علي سورة براءة\" (٧)، وقال عطاء عن ابن عباس:\n_________\n(١) انظر: \"تفسير ابن جرير\" ١٠/ ١٠٥، والثعلبي ٦/ ٩٢ أ.\n(٢) ما بين المعقوفين ساقط من (ح).\n(٣) هذا قول ابن عباس وسعيد بن جير ومجاهد وعطاء وابن شهاب كما في \"تفسير ابن أبي حاتم\" ٦/ ١٧٧٦، ورواه ابن جرير ١٠/ ١٠٥، والثعلبي ٦/ ٩٢ أعن عطاء.\n(٤) هي: أم هانئ بنت أبي طالب بن عبد المطلب، بنت عم النبي -ﷺ- وأخت علي أمير المؤمنين -﵁-، اسمها فاختة، وقيل: فاطمة، وقيل: هند، لها أحاديث في الكتب الستة، وتوفيت بعد سنة ٥٠ هـ.\nانظر: \"الكاشف\" ٢/ ٥٢٨، و\"الإصابة\" ٤/ ٥٠٣.\n(٥) رفع النبي -ﷺ- من بيت أم هانئ رواه الطبراني في الكبير ٢٤/ ٤٣٢، ٤٣٤، قال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" ١/ ٢٤٦: \"فيه عبد الأعلي بن أبي المشاور، متروك كذاب\" اهـ.\nورواه أيضًا ابن جرير ١٥/ ٢ (طبعة الحلبي) من طريق ابن إسحاق عن محمد بن السائب الكلبي، والكلبي متهم بالكذب.\n(٦) رواه ابن جرير ١٠/ ١٠٥، والثعلبي ٦/ ٩٢ أ.\n(٧) رواه ابن جرير ١٠/ ١٠٦، وابن أبي حاتم ٦/ ١٧٧٦، وابن المنذر وأبو الشيخ كما في \"الدر المنثور\" ٣/ ٤٠٨.","vol":"10","page":353},{"text":"\"يريد: يوم الفتح\" (١)، وقال الزجاج: \"هذا وقع سنة تسع من الهجرة، أُمر المسلمون بمنع المشركين من الحج\" (٢).\nفأما الكلام في حكم هذه الآية: فروى جابر عن النبي -ﷺ- قال (٣): \"لا يدخل الحرم إلا أهل الجزية أو عبد رجل من المسلمين\" (٤).\nقال أصحابنا (٥): \"الحرم حرام على المشركين، ولو كان الإمام بمكة فجاء رسول من المشركين فليخرج إلى الحل لاستماع الرسالة، وإن دخل مشرك الحرم متواريًا فمرض فيه أخرجناه مريضًا، وإن مات ودفن ولم يعلم نبشناه وأخرجنا عظامه إذا أمكن، فليس لهم الاستيطان ولا الاجتياز، وإن التجؤا إلى مكة لم يجز لنا نصب القتال عليهم، إنما أحلت لرسول الله - ﷺ - ساعة من نهار، فإن بدؤنا فيها بالقتال حلت المدافعة، فأما من وجب عليه القصاص أو الحد فلاذ بالحرم (٦)\n_________\n(١) \"الوجيز\" ٦/ ٤٥٣ وفيه نظر إذ أن الثابت أن المشركين لم ينهوا عن الحج إلا في السنة التاسعة، كما في \"صحيح البخاري\" (٤٦٥٥)، كتاب: التفسير، سورة براءة، باب: قوله \"فسيحوا في الأرض أربعة أشهر\".\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٤١.\n(٣) (قال) ساقط من (ى).\n(٤) ذكره الثعلبي ٦/ ٩٢ أبدون سند، ورواه بمعناه أحمد في \"المسند\" ٣/ ٣٩٢، وابن أبي حاتم ٦/ ١٧٧٦ ولفظهما: \"لا يدخل المسجد الحرام\" وفي سنده ثلاث علل:\nأ- أشعث بن سوار الكندي، قال في \"تقريب التهذيب\" ص ١١٣ (٥٢٤): (ضعيف).\nب- شريك بن عبد الله، قال في التقريب ص ٢٦٦ (٢٧٨٧): (صدوق يخطئ).\nج- عنعنة الحسن البصري، وهو مدلس كما في إتحاف ذوي الرسوخ (ص ٢٢).\n(٥) يعني الشافعية: انظر \"المهذب في فقه الإمام الشافعي\" ٢/ ٢٥٨، وبعض القول في \"الأم\" (٤/ ٢٥٢، ٢٥٣، ٤١٣).\n(٦) ساقط من (ح).","vol":"10","page":354},{"text":"فالحرم لا يعيذ (١) عاصيًا (٢) عندنا (٣)، وقد مضى الكلام في هذا، فأما جزائر العرب فقد قال رسول الله -ﷺ- \"لئن عشت إلى قابل لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب\" (٤)، فلا يجوز تمكين المشركين من استيطانها بعدما أجلاهم عمر -﵁- بوصية رسول الله -ﷺ-، ويجوز لهم الاجتياز بشرط ألا يقيم المجتاز [في موضع] (٥) أكثر من ثلاثة أيام، هذه سنة عمر فيهم (٦). وقد أكثروا في تحديد جزيرة العرب، وقد قال الشافعي -وهو أعلم الناس بذلك-: \"جزيرة العرب: مكة والمدينة واليمامة ومخاليفها\" (٧).\n_________\n(١) في (م): (لا يصير)، وهو خطأ.\n(٢) ذهب المحققون من العلماء إلى التفريق بين الجاني في الحرم وبين الجاني في الحل ثم لاذ بالحرم فالأول يقام عليه الحد والثاني لا يقام عليه الحد؛ بل الحرم يعيذه ويحميه، قال الإمام ابن القيم في \"زاد المعاد\" ٣/ ٤٤٤: \"وهذا قول جمهور التابعين ومن بعدهم، بل لا يحفظ عن تابعي ولا صحابي خلافه، وإليه ذهب أبو حنيفة ومن وافقه من أهل العراق، والإمام أحمد ومن وافقه من أهل الحديث، وذهب مالك والشافعي إلى أنه يستوفى منه في الحرم\"، ثم ساق ابن القيم أدلة الفريقين، وفند أدلة القول المرجوح، وبين الفرق بين الجاني في الحرم واللاجيء إليه، فانظره هناك فإنه بحث قيم.\n(٣) يعني الشافعية، انظر: \"الأم\" (٤/ ٤١٣، ٤١٤).\n(٤) رواه بنحوه مسلم في (١٧٦٧)، كتاب الجهاد والسير، باب إخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب، وأبو داود (٣٠٣٩)، كتاب الخراج والإمارة والفيء، باب في إخراج اليهود من جزيرة العرب، والترمذي (١٦٠٦)، كتاب السير، باب في إخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب، وأحمد في \"المسند\" ١/ ٣٢.\n(٥) ما بين المعقوفين ساقط من (ى).\n(٦) رواه عبد الرزاق الصنعاني في المصنف، كتاب أهل الكتاب، باب لا يدخل مشرك المدينة رقم (٩٩٧٧) ٦/ ٥١، وانظر \"المغني\" ١٣/ ٢٤٤.\n(٧) انظر: \"المهذب في فقه الإمام الشافعي\" ٢/ ٢٥٧، والشافعي -﵀- إنما فسر بذلك الحجاز، ونص عبارته: \"وإن سأل من تؤخذ منه الجزية أن يعطيها =","vol":"10","page":355},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾ العيلة: الفقر، يقال (١): عال الرجل يعيل عيلة فهو عائل إذا افتقر، قال ابن عباس: \"يريد خفتم حاجة\" (٢)، قال مجاهد (٣) ومقاتل (٤) وقتادة (٥) والمفسرون (٦): \"لما منع المشركون من دخول الحرم قال المسلمون: إنهم كانوا يأتون بالمير (٧) ويتبايعون، فالآن تنقطع المتاجر ويضيق العيش فأنزل الله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾، قال ابن عباس: \"يريد: يتفضل عليكم بما هو أوسع وأكثر\" (٨)، قال مقاتل: \"أسلم أهل جدة وصنعاء\n_________\n= ويجري عليه الحكم على أن يسكن الحجاز لم يكن ذلك له، والحجاز: مكة والمدينة واليمامة مخاليف كلها\" كتاب \"الأم\" ٤/ ٢٥١، ثم قال في الصفحة التالية بعد أن بين أن اليمن ليست بحجاز: فأما سائر البلدان -ما خلا الحجاز- فلا بأس أن يصالحوا على المقام بها\".\nوفي\"تهذيب اللغة\" (جزر) ١/ ٥٩٦: \"جزيرة العرب: محالها، سميت جزبرة لأن البحرين بحر فارس، وبحر السودان أحاطا بجانبيها، وأحاط بالجانب الشمالي دجلة والفرات، وهي أرض العرب ومعدنها\".\n(١) (يقال) ساقط من (ح).\n(٢) رواه الفيروزأبادي في \"تنوير المقباس\" ص ١٩١.\n(٣) رواه بمعناه ابن جرير ١٠/ ١٠٨، وابن أبي حاتم ٦/ ١٧٧٧، وهو في \"تفسير مجاهد\" ص ٣٦٧.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ص ١٢٨ أبمعناه.\n(٥) رواه بمعناه ابن جرير ١٠/ ١٠٨، وابن أبي حاتم ٦/ ١٧٧٧، وابن المنذر وأبو الشيخ كما في \"الدر المنثور\" ٣/ ٤٠٨.\n(٦) انظر: \"تفسير ابن جرير\" ١٠/ ١٠٥ - ١٠٩، وابن أبي حاتم ٦/ ١٧٧٧، و\"الدر المنثور\" ٣/ ٤٠٨ - ٤١٠.\n(٧) المير: جمع ميرة، وهي جلب الطعام. انظر: \"لسان العرب\" (مير) ٧/ ٤٣٠٦.\n(٨) ذكره المؤلف في \"الوسيط\" ٢/ ٤٨٨.","vol":"10","page":356},{"text":"وجرش (١) وحملوا الطعام إلى مكة وكفاهم الله ما كانوا يتخوفون\" (٢)، وقال الضحاك وقضادة: \"أغناهم الله عما خافوا من العيلة بالجزية\" (٣)، وقوله تعالى: ﴿إِنْ شَاءَ﴾ قال أهل المعاني: \"شرط المشيئة في الغنى (٤) لأنه علم أن فيهم من لا يبلغ هذا الغنى (٥) الموعود، وقيل لتنقطع الآمال إلى الله -﷿- كما قال: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [الفتح: ٢٧].\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾، قال ابن عباس: \"عليم بما يصلحكم، حكيم فيما حكم في المشركين\" (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1406>٢٩ </span>- وقوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ الآية، هذه الآية نزلت في أهل الكتاب، قال مجاهد: \"نزلت حين أمر رسول الله -ﷺ- بحرب الروم فغزا (٧) بعد نزولها غزوة تبوك\" (٨)، وقال الكلبي: \"نزلت في قريظة والنضير من اليهود وأراد رسول الله -ﷺ- قتالهم\n_________\n(١) جرش: مدينة في اليمن وفي الأردن، انظر: \"معجم البلدان\" ٢/ ١٢٧، والمراد بها هنا التي باليمن؛ لأن أهلها أسلموا في عهد رسول الله -ﷺ- أما بلاد الأردن والشام فلم تفتح إلا في عهد أبي بكر وعمر.\n(٢) ذكره عنه الثعلبي ٦/ ٩٢ ب، وهو في \"تفسير مقاتل\" ١٢٨ أبلفظ: \"فكفاهم الله ما كانوا يتخوفون فأسلم أهل نجد وجرش وأهل صنعاء فحملوا الطعام\".\n(٣) رواه عنهما ابن جرير ١٠/ ١٠٧ - ١٠٨، وابن أبي حاتم ٦/ ١٧٧٧.\n(٤) في (ى): (المعنى).\n(٥) في (ج): (المعنى).\n(٦) ذكره ابن الجوزي في\"زاد المسير\" ٣/ ٤١٨، والمؤلف في \"الوسيط\" ٢/ ٤٨٨.\n(٧) في (ى): (فغزوا)، وأثبت ما في (ح) و(م) لأنه أسد في انتظام الكلام، ولموافقته لما في تفسير الثعلبي.\n(٨) رواه الثعلبي ٦/ ٩٢ ب وهو كذلك في تفسير مجاهد ص ٣٦٧.","vol":"10","page":357},{"text":"فصالحوه، فكانت أول جزية أصابها أهل الإسلام، وأول ذل أصاب أهل الكتاب بأيدي المسلمين\" (١).\nوإذا كانت الآية نازلة فيهم فمعنى قوله: ﴿لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ أن إقرارهم عن غير معرفة فليس بإيمان، وهذا معنى قول أبي إسحاق: \"إنهم لا يؤمنون بالله إيمان الموحدين، فأعلم الله -﷿- أن ذلك غير إيمان، وأن إيمانهم بالبعث ليس على جهة الإيمان لأنهم لا (٢) يقرون بأن (٣) أهل الجنة يأكلون ويشربون (٤) \" (٥).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾، قال ابن عباس: \"يريد من الميتة والدم ولحم الخنزير\" (٦)، وقال الكلبي: \"يعني الخمر\" (٧)، وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ﴾، قال الكلبي: \"ولا يعبدون عبادة الحق\" (٨)، والحق هو الله تعالى، وروى شيبان (٩) عن قتادة: الحق هو الله\n_________\n(١) ذكره الثعلبي ٦/ ٩٢ ب.\n(٢) (لا) ساقطة من (ح).\n(٣) في (ى): (أن)، وما أثبته موافق لـ\"معاني القرآن وإعرابه\".\n(٤) قال الإمام ابن كثير في \"تفسيره\" ٢/ ٣٨٢: \"لما كفروا بمحمد - ﷺ - لم يبق لهم إيمان صحيح بأحد الرسل، ولا بما جاؤوا به، وإنما يتبعون آراءهم وأهواءهم وآباءهم فيما هم فيه، لا لأنه شرع الله ودينه؛ لأنهم لو كانوا مؤمنين بما بأيديهم إيمانًا صحيحًا لقادهم ذلك إلى الإيمان بمحمد - ﷺ -؛لأن جميع الأنبياء بشروا به وأمروا باتباعه\"ا. هـ.\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٤١، وقد اختصر المؤلف كلام الزجاج.\n(٦) لم أقف على مصدره.\n(٧) لم أقف على مصدره، وقد رواه ابن أبي حاتم ٦/ ١٧٧٨، عن سعيد بن جبير.\n(٨) في \"تنوير المقباس\" عنه عن ابن عباس ص ١٩١: (\"لا يخضعون لله بالتوحيد\").\n(٩) هو: شيبان بن عبد الرحمن التيمي مولاهم، أبو معاوية البصري، المؤدب، كان =","vol":"10","page":358},{"text":"ودينه الإسلام، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩]: (١) [وقال أبو عبيدة: معناه] (٢) ولا يطيعون الله طاعة أهل الإسلام، وكل من أطاع ملكًا أو ذا سلطان فقد دان له، ومنه قول زهير (٣):\nلئن حللت (٤) بجوٍ في بني أسد ... في دين عمرو وحالت بيننا فدك (٥)\nأي في طاعة عمرو، وطى هذا التقدير: لا يدينون دين أهل الحق، أي طاعة أهل الإسلام فحذف المضاف، وقوله تعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾، قال ابن عباس: \"يريد من اليهود والنصارى والصابئين\" (٦)،\n_________\n= معلمًا صدوقًا ثقة صاحب كتاب، روى عن قتادة والحسن البصري وغيرهما، وتوفي سنة ٦٤١ هـ. انظر: \"الكاشف\" ١/ ٤٩١، و\"تقريب التهذيب\" ص ٣٦٩ (٢٨٣٣)، و\"تهذيب التهذيب\" ٢/ ٤٧٥.\n(١) انظر قول قتادة في تفسير الثعلبي ٦/ ٩٣ أ، والبغوي ٤/ ٣٤.\n(٢) ما بين المعقوفين من (م).\n(٣) البيت في \"شرح ديوانه\" ص ١٨٣، و\"تفسير ابن جرير\" ١٠/ ١٠٩.\nو\"جو\": موضع في ديار بني أسد، و\"عمرو\": هو عمرو بن هند بن المنذر بن ماء السماء، و\"فدك\": قرية معروفة شمال الحجاز.\nوالشاعر يخاطب الحارث بن ورقاء الأسدي، الذي أغار على إبل زهير، وأسر راعيه وكانت بنو أسد تحت نفوذ عمرو بن هند ملك العراق، فهدد زهير الحارث بهجاء لاذع إن لم يرد الإبل والراعي، يقول بعد البيت المذكور:\nليأتينك مني منطق قذع ... باق، كما دنس القبطية الودك\nانظر: \"شرح الديوان\" ص ١٦٤، ١٨٣.\n(٤) (حللت) ساقط من (ى).\n(٥) اهـ. كلام أبي عبيدة، انظر: \"مجاز القرآن\" ١/ ٢٥٥.\n(٦) \"تنوير المقباس\" ص١٩١، دون ذكر الصابئين، وقد اختلف المؤرخون والمفسرون في حقيقة دين الصابئة، والصححيح أن هذا الاسم يطلق على فرقتين:\nالأولى: الصابئة الحرانية، وهؤلاء هم امتداد قوم إبراهيم -﵇-، ويذكر الدكتور =","vol":"10","page":359},{"text":"وقوله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ﴾، قال الحسن: \"قاتل رسول الله، - ﷺ - أهل هذه (١) الجزيرة من العرب على الإسلام ولم يقبل منهم غيره، وكان أفضل الجهاد، وكان بعده جهاد آخر على هذه الطعمة (٢) -يعني الجزية- في شأن أهل الكتاب وهو قوله: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ﴾ إلى قوله: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ (٣).\nوالجزية هي (٤): ما يعطي المعاهد على عهده، وهي (فِعْلة) من جزى يجزي إذا قضى ما عليه، وقوله: ﴿عَنْ يَدٍ﴾، قال ابن عباس: \"هو أنهم\n_________\n= النشار نقلًا -عن البيروني- أن هؤلاء الوثنيين عباد الكواكب إنما تسموا باسم الصابئة أيام المأمون بفتوى شيخ فقيه من أهل حران حتى ينجوا من القتل أو إلزامهم بالإسلام.\nالثانية: الصابئة على وجه الحقيقة، وهؤلاء قوم من اليهود تخلفوا ببابل بعد عودة قومهم إلى فلسطين، ووضعوا مذهبًا ممتزجًا من اليهودية والمجوسية، ويتجهون في صلاتهم نحو القطب الشمالي ولا يزال لهم وجود في العراق.\nانظر: \"المصنف\" للصنعاني ٦/ ١٢٤، و\"الملل والنحل\" للشهرستاني (الهامش في) ٢/ ٩٥، و\"المغني\" ١٣/ ٢٠٣، و\"تفسير الرازي\" ١٦/ ٣١، و\"نشأة الفكر الفلسفي\" د. النشار ١/ ٢٠٩ - ٢١٩.\n(١) ساقط من (ي).\n(٢) هذا يوحي بأن جهاد أهل الكتاب من أجل الجزية، والواقع أن الهدف من القتال نشر نور الله في الآفاق، والقضاء على الحواجز التي تحول دون إبلاغ الناس كلام الله، والجزية ضريبة على المعاهد الذي رغب البقاء على دينه، وهي في مقابل حمايته والدفاع عنه، وتأمين الأمن له في ظل الدولة الإسلامية.\n(٣) رواه الثعلبي ٦/ ٩٣ ب، لكنه لم يقل: يعني الجزية ورواه أيضًا ابن أبي شيبة وأبو الشيخ كما في \"الدر المنثور\" ٣/ ٤١٢ لكن لفظهما \"على هذه الأمة\" بدل \"على هذه الطعمة\" وبه يزول الإشكال.\n(٤) ساقط من (ى).","vol":"10","page":360},{"text":"يعطونها بأيديهم يمشون بها كارهين ولا يجيئون بها ركبانًا، ولا يرسلون بها\" (١).\nوهو قوله: ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ أي: ذليلون مقهورون يتلتلون بها تلتلة (٢)، يريد أنهم يُجرّون إلى الموضع الذي تقبض منهم فيه (٣) بالعنف حتى يؤدوها من يدهم، وروى يحيى بن آدم (٤) عن عثمان البُري (٥) في قوله: ﴿عَنْ يَدٍ﴾ قال: \"نقد (٦) ليس بنسيئة\" (٧).\n_________\n(١) رواه الثعلبي ٦/ ٩٤ ب، ورواه مختصرًا البغوي ٤/ ٣٣، وأشار إليه ابن جرير ١٠/ ١١٠ بقوله: وذلك قول روي عن ابن عباس من وجه فيه نظر.\n(٢) في (ى): (ثلثله)، والتلتله: الشدة والعنف في السوق، انظر: \"لسان العرب\" (تلل) ١/ ٤٤٢.\n(٣) (فيه) ساقط من (ى).\n(٤) هو: يحيى بن آدم بن سليمان، أبو زكريا الأموي مولاهم الكوفي، العلامة الحافظ المجود، كان ثقة، كثير الحديث، من كبار أئمة الاجتهاد، توفي سنة ٢٠٣ هـ.\nانظر: \"التاريخ الكبير\" ٨/ ٢٦١، و\"تذكرة الحفاظ\" ١/ ٣٥٩، و\"سير أعلام النبلاء\" ٩/ ٥٢٢، و\"تهذيب التهذيب\" ٤/ ٣٣٧.\n(٥) هو: عثمان بن مقسم البري، أبو سلمة الكندي مولاهم البصري أحد فقهاء البصرة المفتين، على ضعف في حديثه وبدعة فيه، وقد تركه النسائي والقطان وابن معين وغيرهم. انظر: \"التاريخ\" ٦/ ٢٥٢، وكتاب \"الضعفاء الصغير\" ص ١٦٤، و\"سير أعلام النبلاء\" ٧/ ٣٢٥، و\"ميزان الاعتدال\" ٣/ ٤٥٣.\nملحوظة: عثمان المذكور روى له الترمذي (١٩٤١)، كتاب: البر، باب: ما جاء في الخيانة والغش حديثًا من طريق زيد بن الحباب عن أبي سلمة الكندي عن فرقد. وقد اعتبر ابن حجر في \"تقريب التهذيب\" ص ٦٤٦ (٨١٤٦) أبا سلمة مجهولًا، والصحيح أنه هو عثمان البري. انظر: السير، الموضع السابق.\n(٦) هكذا في جميع النسخ، وفي \"تهذيب اللغة\": نقدًا. ومراد المؤلف: عن نقد، كما في \"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٣.\n(٧) \"تهذيب اللغة\" (يدى) ٤/ ٣٩٧٥، ولفظه: قال: نقدًا عن ظهر يد، ليس بنسيئة.","vol":"10","page":361},{"text":"وذكر أهل المعاني في قوله: ﴿عَنْ يَدٍ﴾ أقوالًا:- روى أبو عبيد عن أبي عبيدة قال: \"كل من انطاع (١) لمن قهره فأعطى عن غير طيبة نفس فقد أعطى عن يد\" (٢)، ومعنى هذا أنه أعطى عن ذل واستسلام كما يقال: أعطى فلان بيده: إذا ذل واعترف بالانقياد، ودل على هذا قوله: ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾، قال القتيبي: \"يقال أعطاه عن يد، وعن ظهر يد: إذا أعطاه مبتدئًا غير مكافيء\" (٣)، وهذا بالعكس أولى؛ فإنهم يبذلون الجزية دفعًا عن رقابهم ومكافأة للمسلمين بإقرارهم على دينهم، ولكن المعنى ههنا \"عن يد\" أي عن غير مكافأة [منكم إياهم] (٤) بما أعطوا من المال (٥)، وذكر أبو إسحاق فيه أوجهًا (٦):\nأحدها (٧): ﴿عَنْ يَدٍ﴾ أي عن ذلٍ واعترافٍ للمسلمين بأن أيديهم فوق أيديهم.\nوالثاني: ﴿عَنْ يَدٍ﴾ عن قهر وذلٍ، كما تقول اليد في هذا لفلان أي: الأمر النافذ لفلان (٨).\n_________\n(١) في (م): (أطاع).\n(٢) اهـ. كلام أبي عبيدة، انظر: \"مجاز القرآن\" ١/ ٢٥٦.\n(٣) اهـ. كلام القتيبي، انظر: \"تفسير غريب القرآن\" ص ١٨٤.\n(٤) في (ح): (ومنكم أتاهم)، وهو خطأ.\n(٥) ابن قتيبة ينفي مكافأة أهل الذمة للمسلمين، بل يدفعون الجزية بلا مقابل، والمؤلف ينفي مكافأة المسلمين لهم، فهم إذا دفعوا الجزية لا يرد المسلمون مكافأة لها.\n(٦) في (ي): (وجهًا).\n(٧) في (ى): (آخر).\n(٨) ساقط من (ى).","vol":"10","page":362},{"text":"والثالث: ﴿عَنْ يَدٍ﴾ أي: عن إنعام عليهم بذاك؛ لأن قبول الجزية منهم (١) وترك أنفسهم لهم نعمة عليهم ويد من المعروف جزيلة (٢) \" (٣).\nوحكى غيره: ﴿عَنْ يَدٍ﴾ أي: عن جماعة، لا يعفى عن ذي فضل منهم لفضله\" واليد: جماعة القوم، يقال: القوم على يد واحدة أي هم مجتمعون (٤)، ومنه قوله - ﷺ - (٥) \"وهم يد على من سواهم\" (٦) يعني هم جميعًا، كلمتهم ونصرتهم واحدة على جميع الملل، وقال أبو علي: \"ويجوز ﴿عَنْ يَدٍ﴾: عن ظهور عليهم وغلبة لهم من قولهم: لا يد لي (٧) به أي لا قوة لي عليه\" (٨).\nوقوله تعالى: ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ قد ذكرنا قولًا واحدًا فيه عن ابن عباس، وهو أنهم يمشون بها من غير ركوب ولا توكيل (٩)، وقال عطاء: \"يريد ذليلًا قائمًا على رجليه وهو صاغر\" (١٠)، يعني أنه يعطي ذلك عن قيام\n_________\n(١) في (ى): (منكم).\n(٢) ساقط من (ح).\n(٣) انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٤٢ بنحوه، والنص منقول من \"تهذيب اللغة\" (يدي) ١٤/ ٢٤٠.\n(٤) في \"لسان العرب\" (يدي) ٨/ ٤٩٥٤: \"يد الرجل: جماعة قومه وأنصاره، عن ابن الأعرابي\".\n(٥) من (م) وفي سائر النسخ: ﵇.\n(٦) رواه ابن ماجه (١٦٨٣)، كتاب الديات، باب المسلمون تتكافأ دماؤهم، وأحمد في \"المسند\" ٢/ ٢١٥، وسنده حسن كما في \"صحيح الجامع الصغير\" رقم (٦٧١٢) ٢/ ١١٣٧.\n(٧) في (ى): (له).\n(٨) لم أجده فيما بين يدي من كتب أبي علي الفارسي.\n(٩) تقدم تخريجه.\n(١٠) لم أجد من ذكره.","vol":"10","page":363},{"text":"ولا يجلس، وهذا قول عكرمة (١)، وقال الكلبي: \"هو أنه إذا أعطى الجزية صفع في قفاه\" (٢)، وقيل: معنى الصغار ههنا: \"هو إعطاؤهم إياها\" (٣).\nفأما حكم هذه الآية: فاعلم أن المشركين فريقان: فريق هم عبدة الأوثان، وعبدة ما استحسنوا، فهؤلاء لا يقرون على دينهم بأخذ الجزية ويجب قتالهم حتى يقولوا: لا إله إلا الله، وفريق هم أهل الكتاب وهم اليهود والنصارى والصابئون (٤) والسامرة (٥) وهذان الصنفان (٦) سبيلهم في أهل الكتاب سبيل أهل البدع فينا، وكذلك المجوس سبيلهم سبيل أهل الكتاب؛ لأن النبي -ﷺ-: \"سنوا بهم سنة أهل الكتاب\" (٧)، ويروى أنه\n_________\n(١) رواه ابن جرير ١٠/ ١٠٩، والبغوي ٤/ ٣٣.\n(٢) ذكره الثعلبي ٦/ ٩٤ أ، والبغوي ٤/ ٣٣.\n(٣) ذكر هذا القول من غير نسبة ابن جرير ١٠/ ١٠٩، والثعلبي ٦/ ٩٤ أ، والبغوي ٤/ ٣٤، والماوردي ٢/ ٣٥٢، وابن الجوزي ٣/ ٤٢١.\n(٤) سبق التعريف بهم.\n(٥) السامرة: فرقة من اليهود لهم توراة غير التوراة التي بأيدي سائر اليهود وينكرون نبوة من عدا موسى وهارون ويوشع بن نون ﵈ والنبي المنتظر، وقبلتهم جبل بنابلس، ولا يعرفون حرمة لبيت المقدس، وهم فرقتان: الدوستانية الألفانية، والكوسانية، والأولى لا تقر بالبعث في الآخرة.\nانظر: \"الفصل في الملل والأهواء والنحل\" ١/ ٩٨، و\"الملل والنحل\" (بهامش الفصل) ٢/ ٥٨.\n(٦) يعني الصابئين والسامرة.\n(٧) رواه مالك في \"الموطأ\"، كتاب الزكاة (٤٢) ١/ ٢٣٣، ومن طريقه رواه الشافعي في \"الأم\" ٤/ ٢٤٦، والبيهقي في \"السنن الصغير\"، كتاب الجزية رقم (٣٧٠٣) ٤/ ٤، و\"الكبرى\"، كتاب الجزية، باب المجوس ٩/ ٣١٩، وابن أبي شيبة في \"المصنف\" كتاب الجهاد، باب ما قالوا في المجوس رقم (١٢٦٩٧) ١٢/ ٢٤٣، وهو حديث ضعيف كما في \"فتح الباري\" ٦/ ٢٦١، و\"إرواء الغليل\" رقم (١٢٤٨) ٥/ ٨٨.","vol":"10","page":364},{"text":"﵊ أخذ الجزية من مجوس هجر (١)، فهؤلاء يجب قتالهم حتى يعطوا الجزية، ويعاهدوا المسلمين على أداء الجزية.\nوأما قدرها فقال أنس: \"قسم رسول الله -ﷺ- على كل محتلم دينارًا\" (٢)، وقسم عمر -﵁- على الفقراء من أهل الذمة اثنى عشر درهمًا، وعلى الأوساط (٣) أربعة وعشرين، وعلى أهل الثروة ثمانية وأربعين درهما (٤)، قال أصحابنا: \"وأقل الجزية دينار ولا يزاد على الدينار إلا بالتراضي (٥)، فإذا رضوا والتزموا الزيادة ضربنا على المتوسط دينارين وعلى الغني أربعة دنانير، والاختيار في الابتداء إليهم، فإذا قبلوا وجب\n_________\n(١) رواه البخاري (٣١٥٧)، كتاب الجزية، باب: الجزية والموادعة (١٥٨٦)، وأبو داود، (٢٥٠١) كتاب الخراج والإمارة والفيء، باب في أخذ الجزية من المجوس والترمذي، كتاب السير، باب ما جاء في أخذ الجزية من المجوس، والدارمي، كتاب الجهاد، باب في أخذ الجزية من المجوس، رقم (٢٥٠١) ٢/ ٣٠٧، وأحمد في \"المسند\" ١/ ١٩١.\n(٢) ذكره الثعلبي ٦/ ٩٣ ب مع أثر عمر الذي بعده، بغير سند، والحديث مشهور عن معاذ، فقد رواه عنه أبو داود (١٥٧٦)، كتاب الزكاة، باب في زكاة السائمة، والترمذي (٦٢٣)، كتاب الزكاة، باب ما جاء في زكاة البقر، والنسائي، كتاب الزكاة، باب زكاة البقر ٥/ ٢٥، والحاكم ١/ ٣٩٨ قال الترمذي: حديث حسن، وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي.\n(٣) في (ح): (الأوسط).\n(٤) رواه أبو عبيد في كتاب \"الأموال\" (ص ٥٠)، وابن أبي شيبة في \"المصنف\"، كتاب الجهاد، باب ما قالوا في وضع الجزية رقم (١٢٦٨٩) ١٢/ ٢٤١ بنحوه عن محمد ابن عبد الله الثقفي.\n(٥) هذا مذهب الشافعي -﵀- انظر: \"الأم\" ٤/ ٢٥٣ - ٢٥٦، وفي المسألة أقوال للفقهاء انظرها في كتاب \"الأموال\" لأبي عبيد ص ٤٩ - ٥٢، و\"المغني\" ١٣/ ٢٠٩ - ٢١٢.","vol":"10","page":365},{"text":"على الإمام تقريرهم في بلاد الإسلام، إلا أن يخاف فتنة، فالمصلحة مفوضة إلى اجتهاده، فإن قبل الواحد منهم أربعة دنانير ثم بدا له وأراد أن يقر في بلاد الإسلام بدينار واحد لم يكن له إلى ذلك سبيل، فإن نقض العهد كلفناه (١) الخروج إلى دار الحرب، فإن قبل بعد النقض دينارا واحدا لزمنا (٢) تقريره (٣)، قال المفسرون: \"وإنما أقر هؤلاء على دينهم بأخذ الجزية حرمة لآبائهم الذين انقرضوا على الحق من شريعة التوراة والإنجيل؛ ولأن في أيديهم كتابهم فربما يتفكرون وينظرون فيعرفون صدق محمد - ﷺ - ونبوته، فأمهلوا لهذا المعنى\" (٤).\nومصرف الجزية مصرف الفيء ولا يجوز صرف شيء منها إلى مصرف الصدقات (٥).\n_________\n(١) في (ح): (كلفنا).\n(٢) في (ى): (ألزمناه).\n(٣) انظر: كتاب \"الأم\" ٤/ ٢٦٧، وهذا بناء على أن الاختيار في الابتداء إليهم، وناقض العهد يعتبر مبتدئًا.\n(٤) انظر: \"لباب التأويل في معاني التنزيل\" ٢/ ٢١٥، و\"تفسير الرازي\" ١٦/ ٣٢.\n(٥) قال أبو إسحاق الشيرازي في \"المهذب في فقه الإمام الشافعي\" ٢/ ٢٤٨، ٢٤٩: \"اختلف قول الشافعي -﵁- فيما يحصل من مال الفيء بعد رسول الله -ﷺ- فقال في أحد القولين: يصرف في المصالح؛ لأنه مال راتب لرسول الله - ﷺ - فصرف بعد موته في المصالح كخمس الخمس، فعلى هذا يبدأ بالأهم، وهو سد الثغور، وأرزاق المقاتلة، ثم الأهم فالأهم، وقال في القول الثاني: هو للمقاتلة ... ولا يعطى من الفيء صبي ولا مجنون ولا عبد ولا امرأة ولا ضعيف لا يقدر على القتال؛ لأن الفيء للمجاهدين\".\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"اتفق العلماء على أن يصرف منه -يعني الفيء- أرزاق الجند المقاتلين، الذين يقاتلون الكفار، فإن تقويتهم تذل الكفار، فيؤخذ منهم الفيء، وتنازعوا هل يصرف في سائر مصالح المسلمين، أم تختص به =","vol":"10","page":366},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1407>٣٠ </span>- قوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ الآية، قال ابن عباس في رواية سعيد بن جبير وعكرمة (١): \"أتى رسول الله -ﷺ- جماعة من اليهود: سلام بن مشكم (٢) والنعمان بن أوفى (٣) وشاس (٤) بن قيس ومالك ابن الصيف (٥) فقالوا: كيف نتبعك وأنت (٦) قد تركت قبلتنا، وأنت لا تزعم\n_________\n= المقاتلة؟ على قولين للشافعي، ووجهين في مذهب الإمام أحمد، لكن المشهور في مذهبه، وهو مذهب أبي حنيفة ومالك: أنه لا يختص به المقاتلة، بل يصرف في المصالح كلها\" ثم قال: \" .. فيصرف منه إلى كل من للمسلمين به منفعة عامة كالمجاهدين، وكولاة أمورهم، من ولاة الحرب، وولاة الديوان، وولاة الحكم ... ويصرف منه إلى ذوي الحاجات منهم أيضًا\". \"مجموع فتاوى شيخ الإسلام\" (٢٨/ ٥٦٥، ٥٦٦).\n(١) هكذا قال الواحدي تبعًا للثعلبي في \"تفسيره\" ٦/ ٩٤/ ب، والصواب: أو عكرمة كما في \"تفسير ابن جرير\" و\"تفسير ابن أبي حاتم\".\n(٢) هو أحد بني النضير وزعيم من زعمائها، وصاحب كنزهم الذي يعدونه لنوائبهم، وقد شمر عن ساعد الجد في العداوة لرسول الله، والسعي لإطفاء نور الله، وزوجه زينب بنت الحارث التي وضعت السم لرسول الله - ﷺ -.\nانظر: \"السيرة النبوية\" ٢/ ١٣٦، ١٧٣، ١٩٧، ٤٢٢، ٤٢٣.\n(٣) أبو أنس، من أحبار يهود بني قينقاع، كما في \"السيرة النبوية\" ٢/ ١٣٧، ٢٠٠.\n(٤) في (ى): (شماس، وفي (ح): (شاتين، والصواب ما أثبته من (م) وهو موافق لمصادر تخريج الأثر. وهو شاس بن قيس من أحبار يهود بني قينقاع الذين ناصبوا رسول الله -ﷺ- العداء، وكان شيخًا قد عمي، عظيم الكفر شديد الضغن على المسلمين، شديد الحسد لهم، وهو الذي سعى لتذكير الأوس والخزرج بما كان بينهما من حروب في الجاهلية حتى كاد الحيان أن يقتتلا.\nانظر: \"السيرة النبوية\" ٢/ ١٣٧، ١٩٦.\n(٥) من أحبار يهود بني قينقاع، وكان ممن يتعنت في سؤال رسول الله -ﷺ- للبس الحق بالباطل. انظر: \"السيرة النبوية\" (٢/ ١٣٧، ١٧٤، ١٩٧)\n(٦) ساقط من (ح).","vol":"10","page":367},{"text":"أن عزيرًا بن الله؟ فأنزل الله في قولهم هذه الآية\" (١).\nوقال عبيد (٢) بن عمير: \"إنما قال هذه المقالة رجل واحد من اليهود اسمه فنحاص بن عازوراء (٣) \" (٤)، فعلى هذا أوقع الله عليه (٥) اسم الجماعة على مذهب العرب في قولها: ركبت البغال ولعله (٦) لم يركب إلا واحدًا قاله ابن الأنباري (٧)، وقال غيره: \"إذا كان فيهم من يذهب إلى هذا القول جاز أن ينسب إليهم كما تقول: المعتزلة تقول كذا، وإن كانت طائفة منهم تقوله\" (٨).\nوأما السبب الذي لأجله قالوا هذه المقالة فقال ابن عباس في رواية عطية: \"إن اليهود أضاعوا التوراة وعملوا بغير الحق فرفع الله عنهم التابوت، وأنساهم التوراة، ونسخها من صدورهم، فدعا الله عزير وابتهل إليه أن يرد إليه الذي نسخ من صدورهم، فنزل نور من السماء فدخل جوفه فعاد إليه الذي كان ذهب (٩) من جوفه [من التوراة] (١٠)، فنادى في قومه: قد\n_________\n(١) رواه ابن جرير ١٠/ ١١٠ - ١١١، وابن أبي حاتم ٦/ ١٧٨١، وابن إسحاق في \"السيرة\" ٢/ ٢٠٢، وأبو الشيخ وابن مردويه كما في \"الدر المنثور\" ٣/ ٤١٣.\n(٢) في (م): (عبيدة)، وهو خطأ.\n(٣) من أحبار يهود بني قينقاع الذين نصبوا لرسول الله - ﷺ - العداوة، وهو القائل: إن الله فقير ونحن أغنياء، تعالى الله عما يقول الظالمون علوًّا كبيرًا.\nانظر: \"السيرة النبوية\" (٢/ ١٣٧، ١٨٧، ٢٠١).\n(٤) ذكره الثعلبي ٦/ ٩٥ أ، والبغوي ٤/ ٣٦، ورواه ابن جرير ١٠/ ١١٠ عن عبد الله ابن عبيد بن عمير.\n(٥) في (م): (عليهم).\n(٦) ساقط من (ى).\n(٧) لم أقف عليه.\n(٨) انظر: \"المحرر الوجير\" ٦/ ٤٦١، و\"تفسير الطبري\" ١٠/ ١١٠.\n(٩) ساقط من (ى).\n(١٠) ما بين المعقوفين من (ح).","vol":"10","page":368},{"text":"رد الله إليّ التوراة، وطفق يعلمهم، ثم إن التابوت نزل بعد ذلك فعرضوا ما كان فيه على الذي كان عزير يعلمهم فوجدوه مثله، فقالوا: والله ما أُوتي عزير هذا إلا لأنه (١) ابن الله\" (٢)، فسبب هذه المقالة عند جميع المفسرين تجديد عزير التوراة لهم عن ظهر قلبه بعد ذهابها عنهم، وإن اختلفوا في كيفية الذهاب، فابن عباس في رواية عطية ذهب إلى ما ذكرنا، وذهب الكلبي إلى قتل بُخْتُنَصَّر (٣) علماءهم (٤)، وذهب السدي إلى أن العمالقة ظهرت عليهم فقتلوهم (٥).\nواختلف القراء في\"عزير\" فقرؤوه بالتنوين وبغيره (٦)، قال أبو إسحاق: \"الوجه إثبات التنوين؛ لأن \"ابن\" (٧) خبر، وإنما يحذف التنوين\n_________\n(١) في (ى): (أنه).\n(٢) رواه ابن جرير ١٠/ ١١١، وابن أبي حاتم ٦/ ١٧٨١، والثعلبي ٦/ ٩٥ أ، والبغوي ٤/ ٣٧، وسنده ضعيف جدًّا، وهو من الإسرائيليات التي لا تصدق ولا تكذب.\n(٣) أحد ملوك بابل الجبابرة قبل ميلاد عيسى﵇- وهو الذي هدم بيت المقدس، وفي القاموس (نصر): (بُختُنصَّر: معروف وهو الذي كان خرب بيت المقدس -عمره الله تعالى- قال الأصمعي: \"إنما هو (بُوخَتْنَصَّر) فأعرب، وبوخت: ابن، ونصَّر: صنم، وكان وجد عند الصنم، ولم يعرف له أب، فقيل هو ابن الصنم\" اهـ. وانظر شيئًا من أخباره في \"تاريخ الطبري\" ١/ ٥٣٨ - ٥٦٠، و\"الكامل\" لابن الأثير ١/ ١٤٧ - ١٥٤، و\"البداية والنهاية\" ٢/ ٣٤ - ٣٩.\n(٤) رواه مطولًا الثعبي ٦/ ٩٦ أ، والبغوي ٤/ ٣٧، وهو من الإسرائيليات التي لا يعرف صدقها من كذبها، والأولى تنزيه كتب التفسير منها.\n(٥) رواه مطولًا ابن جرير ١٠/ ١١١، وابن أبي حاتم ٦/ ١٧٨١، وهو من الإسرائيليات التي تسللت إلى كتب التفسير، وفي بقية الخبر مبالغات تبدو عليها سيما الكذب.\n(٦) قرأ عاصم والكسائي ويعقوب بالتنوين، وقرأ الباقون بغير تنوين. انظر: \"الغاية\" ص ١٦٤، و\"التبصرة\" ص٢١٤، و\"تقريب النشر\" ص ١٢٠.\n(٧) في \"معاني القرآن وإعرابه\". ابنًا.","vol":"10","page":369},{"text":"في الصفة نحو قولك: جاءني زيد بن عمرو، فيحذف التنوين لالتقاء الساكنين ولأن النعت والمنعوت كالشيء الواحد، فإذا كان خبرًا فالتنوين، [وقد يجوز حذف التنوين] (١) على ضعف لالتقاء الساكنين وقد قرئت ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص:١،٢] فحذف (٢) التنوين (٣) لسكونه وسكون اللام (٤)، وفيه وجه آخر أن يكون الخبر محذوفًا ويكون معناه: عزير ابن الله معبودنا (٥) فيكون \"ابن\" نعتا (٦)، ولا اختلاف بين النحويين أن إثبات التنوين أجود\" هذا كلامه (٧).\nوقد شرح أبو علي وأبو الفتح (٨) ما ذكره أبو إسحاق وهو أن من نون \"عزيرًا\" جعله مبتدأ وجعل \"ابن\" خبره، وإذا كان كذلك فلا بد من إثبات التنوين في حال السعة والاختيار؛ لأن \"عزيرًا\" ونحوه ينصرف عجميًا كان أو عربيًا، وأما من حذف التنوين فإن حذفه على وجهين: أحدهما: أنه\n_________\n(١) ما بين المعقوفين ساقط من (ى).\n(٢) في \"معاني القرآن وإعرابه\": بحذف.\n(٣) يعني تنوين \"أحد\" وقد رواها هارون عن أبي عمرو، وقرأ بها أيضًا أبان بن عثمان وزيد بن علي ونصر بن عاصم وابن سيرين والحسن وابن أبي إسحاق وأبو السمال وآخرون، وحكم عليها ابن خالويه بالشذوذ. انظر: كتاب \"السبعة في القراءات\" (ص٧٠٠)، و\"مختصر في شواذ القرآن\" ص ١٨٣، و\"مشكل إعراب القرآن\" ٢/ ٨٥٢، و\"البحر المحيط\" ١٠/ ٥٧١.\n(٤) يعني اللام في لفظ الجلالة المذكور في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ وفي \"معاني القرآن وإعرابه\": وسكون الباء في قوله: ﴿عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ اهـ.\n(٥) في (ى): (معبودًا)، وهو خطأ من الناحية الإعرابية.\n(٦) وهذا الوجه ضعيف؛ لأنه لا دليل على الخبر المحذوف.\n(٧) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٤٢ بنحوه.\n(٨) (وأبو الفتح) ساقط من (ى) وهو ابن جني.","vol":"10","page":370},{"text":"جعل الصفة والموصوف بمنزلة اسم واحد نحو قولهم: لا رجل ظريف، وحذف التنوين ولم يحرك لالتقاء الساكنين كما يحرك في زيد العاقل؛ لأن الساكنين كأنهما التقيا في تضاعيف كلمة واحدة فحذف الأول منهما ولم يحرك لكثرة الاستعمال، ولا يجوز إثبات التنوين إذا كان الابن صفة وإن كان الأصل؛ لأنهم جعلوه من الأصول المرفوضة كما أن إظهار الأول من المثلين في نحو ضننوا لا يجوز في الكلام، وإذا كان \"عزير\" مع \"ابن\" بمنزلة اسم مفرد، والاسم المفرد لا يكون جملة مستقلة مفيدة في هذا النحو فلا بد من إضمار جزء آخر يقدر انضمامه إليه ليتم جملة وتجعل الظاهر [إما مبتدأ و] (١) إما خبر المبتدأ فيكون التقدير: صاحبنا أو نسيبنا أو نبينا عزير ابن الله، إن قدرت المضمر المبتدأ، وإن قدرته بعكس ذلك جاز، فهذا أحد (٢) الوجهين.\nفإن قلت (٣): فإن من أجرى ابنا صفة على عزير ولم ينون فقد أخبر عنه أيضًا بأنه ابن كما أخبر عنه من نون عزيرًا فأي فرق بين الحالين (٤)؟\nوالجواب عن ذلك: أنك إذا قلت: زيد ظريف فجعلت ظريفًا خبرًا عن زيد، فقد استأنفت الآن تعريف هذه الحال وإفادتها للسامع، وإذا قلت: هو زيد الظريف، فإنما أخبرت عن ذلك المضمر بأنه زيد، وأفدت هذا من حاله ثم حليته بالظريف، أي هو زيد المعروف قديمًا بالظرف،\n_________\n(١) ما بين المعقوفين ساقط من (ى).\n(٢) في (م): (آخر).\n(٣) الإشكال والجواب عليه لابن جني في \"سر صناعة الإعراب\" ٢/ ٥٣٣، وما قبله لأبي علي في \"الحجة\" ٤/ ١٨١ - ١٨٣.\n(٤) في (ى): (الحالتين).","vol":"10","page":371},{"text":"وليس غرضك أن تفيد الآن أنه حينئذٍ (١) استحق عندك (٢) الوصف بالظرف فهذا أحد الفروق بين الخبر والوصف، فكذلك أيضًا لو كان تقديره: هو عزير الذي عرف قديما بأنه ابن الله، تعالى الله عن قولهم علوًا كبيرًا (٣) جاز حذف التنوين وساغ، بل وجب ذلك، وليس المعنى كذلك، إنما ذكر الله عنهم أنهم أخبروا بهذا الخبر، واعتقدوا هذا الاعتقاد (٤).\nالوجه الآخر: أن لا تجعلهما اسما واحدًا ولكن تجعل الأول المبتدأ والآخر الخبر، فيكون المعنى فيه على هذا كالمعنى في إثبات التنوين، وتكون القراءتان (٥) متفقتين، إلا أنك حذفت التنوين لالتقاء الساكنين، كما تُحذف حروف اللين لذلك في نحو: رمى القوم، وقاضي البلد، ويدعو الإنسان، كذلك (٦) حذف التنوين لالتقاء الساكنين وهو مراد؛ لأنه ضارع حروف اللين بما فيه من الغنة، ألا ترى أنه قد جرى مجراها في نحو: لم يك زيد منطلقا، وقد أدغم [في الياء والواو كما أدغم] (٧) كل واحد منهما في الآخر بعد قلب الحرف إلى ما يدغم فيه (٨)، وأبدلوا الألف من النون\n_________\n(١) في (ى) زيادة (أنه) بعد كلمة (حينئذٍ).\n(٢) في (ح): (عند).\n(٣) في (ح): (كثيرًا).\n(٤) اهـ. كلام أبي الفتح ابن جني في \"سر صناعة الإعراب\" ٢/ ٥٣٣ بتصرف. وما بعده من كلام أبي علي وأبي الفتح.\n(٥) في (ى): (القراءتين). وهو خطأ.\n(٦) في (ح): (لذلك).\n(٧) ما بين المعقوفين ساقط من (ح).\n(٨) اختصر الواحدي عبارة أبي علي اختصارًا مخلًا ونصها: \"في نحو: لم يك زيد منطلقًا، وفي نحو: صنعاني، وبهراني، وقد أدغم .. \"إلخ، فقول أبي علي. وقد أدغم .. إلخ إنما هو في كلمتي صنعاني وبهراني.","vol":"10","page":372},{"text":"نحو: رأيت زيدًا، و﴿لَنَسْفَعًا﴾ [العلق: ١٥] فإذا اجتمعت النون مع حروف اللين في هذه المواضع وشابهتها جاز أن تتفق معها في الحذف لالتقاء الساكنين، وعلى هذا ما يروى من قراءة بعضهم: \"أحدُ الله\" (١)، وقد جاء ذلك في الشعر كثيرًا، قال حميد (٢):\nحميدُ الذي أمج داره ... أخو الخمر ذو الشيبة الأصلع\nوقال ابن الرقيات (٣):\nتذهل الشيخ عن بنيه وتبدي ... عن خدام العقيلةُ العذراءُ (٤)\nوأنشد أبو زيد (٥):\n_________\n(١) يعني بحذف التنوين من (أحد) وقد سبق تخريج القراءة والآية قبل عدة أسطر.\n(٢) البيت لحميد الأمجي نسبة إلى (أمَج) وهي بلدة قرب المدينة، وكان معاصرًا لعمر ابن عبد العزيز.\nوالشاهد في البيت حذف التنوين من (حميد). انظر: \"الكامل\" ١/ ٢٥٢، و\"المقتضب\" ٢/ ٣١٣، و\"المسائل العسكريات\" (ص ١٧٧)، و\"معجم البلدان\" (أمج) ١/ ٢٥٠.\n(٣) هو: عبيد الله أو عبد الله بن قيس بن شريح العامري القرشي، شاعر قريش في العصر الأموي، ويعرف بابن قيس الرقيات لأنه كان يتغزل بثلاث نسوة، يقال لهن جميعًا: رقية، وكان أكثر شعره الغزل، توفي سنة ٨٥ هـ تقريبًا. انظر: \"الأغاني\" ٤/ ١٥٤، و\"سمط اللآلي\" (ص ٢٩٤)، و\"الشعر والشعراء\" (ص ٣٥٩).\n(٤) البيت في ديوانه (ص ٩٥) وقبله:\nكيف نومي على الفراش ولما ... تشمل الشام غارةٌ شعواء\nوالخدام: جمع الخدمة، وهي الخلخال، والعقيلة: المرأة الكريمة.\nوالشاهد: عدم تنوين \"خدام\". انظر: أمالي ابن الشجري ٢/ ١٦٣.\n(٥) \"نوادر أبي زيد\" ص ٣٢١ وقبله: =","vol":"10","page":373},{"text":"إذا غطيف السلمي فرا\nوأنشد أبو العباس (١):\nعمرو (٢) الذي هشم الثريد لقومه\nوقال آخر (٣):\nوحاتم الطائي وهاب المئي\n_________\n= لتجدني بالأمير برًّا ... وبالقناة مدعسًا مكرًا\nإذا غطيف .. الخ.\nوانظر: الأبيات في \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٤٣١، و\"الأمالي الشجرية\" ٣/ ٥٣، و\"ضرائر الشعر\" ص ١٠٦، واللسان (دعس) ٣/ ١٣٨٠.\n(١) يعني المبرد، وقد تقدمت ترجمته، وانظر البيت في كتابيه: \"الكامل\" ١/ ٢٥٢، و\"المقتضب\" ٢/ ٣١٢، وقد اعترض علي بن حمزة في كتابه \"التنبيهات على أغاليط الرواة\" على المبرد في رواية هذا البيت، وقال: الرواية: عمرو العلا.\nقلت: قد ذكر المبرد البيت بهذه الرواية في \"المقتضب\" ٢/ ٣١٦، ولا شاهد في هذه الرواية لأنه مضاف.\n(٢) في (ح): (وعمرو)، وهو هاشم بن عبد مناف جد الرسول - ﷺ -، قال السهيلي في \"الروض الأنف\" ١/ ٩٤: \"ذكر أصحاب الأخبار أن هاشمًا كان يستعين على إطعام الحاج بقريش فيرفدونه بأموالهم ويعينونه، ثم جاءت أزمة شديدة فكره أن يكلف قريشًا أمر الرفادة، فاحتمل إلى الشام بجميع ماله، واشترى به أجمع كعكًا ودقيقًا، ثم أتى الموسم فهشم ذلك الكعك هشيمًا، ودقه دقًا، وصنع للحاج طعامًا مثل الثريد، وبذلك سمي هاشمًا، ودقه دقًا؛ لأن الكعك اليابس لا يثرد وإنما يهشم هشمًا، فبذلك مُدح حتى قال شاعرهم فيه: وهو عبد الله بن الزبعرى .. \"، وذكر البيت ضمن أبيات، وذُكر البيت أيضًا في اللسان (سنت، مح) منسوبًا لابن الزبعرى، وفي \"هشم\" لابنة هاشم، وفي \"الاشتقاف\" لابن دريد ص١٣ لمطرود الخزاعي، وفي \"نوادر أبي زيد\" ص ١٦٧ بلا نسبة.\n(٣) تقدم تخريج البيت.","vol":"10","page":374},{"text":"وأنشدوا أيضًا (١):\nوالله لو كنت لهذا خالصًا ... لكنت عبدًا آكل الأبارصا\nأي آكلًا\" (٢)، وهو في الشعر كثير.\nقال أبو علي: \"الوجه في هذه القراءة: الحمل على الوجه الأول؛ لأنه لم يستمر (٣) حذف التنوين في الكلام، وإن حصلت المشابهات بين النون وحروف (٤) اللين (٥) \" (٦).\nوقال أبو الفتح: الاختيار: الوجه الثاني، وإن كان فيه ضرورة؛ لأنه أشبه، لموافقته معنى (٧) قراءة من نون وجعل \"ابنًا\" خبرًا عن\"عزير\" (٨).\nوقوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾، قال المفسرون في سبب شرك النصارى بهذه الكلمة: \"إنهم كانوا على الحق بعدما رفع\n_________\n(١) البيت غير منسوب في كتاب \"الحيوان\" ٤/ ٣٠٠، و\"أدب الكاتب\" ص ١٦٦. قال البطليوسي في \"الاقتضاب\" ص ٣٥٥: (\"هذا البيت لا أعلم قائله، ولا ما يتصل به، والظاهر من معناه أن قائله سليم خطة ولم يرضها ورأى قدره يجل عنها، فقال: لو كنت ممن يرضى بما سمتموني إياه، وأهّلتموني له لكنت كالعبد الذي يأكل الوزغ\" اهـ، وانظر البيت أيضًا في \"المنصف\" ٢/ ٣٣٢، و\"الصحاح\" (برص) ٣/ ١٥٣٠، و\"اللسان\" (برص) ١/ ٢٥٨.\n(٢) انظر: \"الحجة للقراء السبعة\" ٤/ ١٨١ - ١٨٦، و\"سر صناعة الإعراب\" ٢/ ٥٣٢ - ٥٣٦.\n(٣) في \"الحجة\": يستقر.\n(٤) في (ى): (حرف).\n(٥) ساقط من (ح).\n(٦) \"الحجة للقراء السبعة\" ٤/ ١٨٦.\n(٧) في (ى): (مع).\n(٨) \"سر صناعة الإعراب\" ٢/ ٥٣٢ بمعناه.","vol":"10","page":375},{"text":"عيسى حتى وقع حرب بينهم وبين اليهود، وكان في اليهود رجل شجاع يقال له: بولس (١) قتل جملة من أصحاب عيسى (٢)، ثم قال لليهود: إن كان الحق مع عيسى فقد كفرنا والنار مصيرنا، ونحن مغبونون إن دخلوا الجنة ودخلنا النار، وإني أحتال فأضلهم، فعرقب فرسه (٣)، وأظهر الندامة مما كان صنع، ووضع على رأسه التراب (٤)، وقال: نوديت من السماء: ليست لك توبة إلا أن تتنصر وقد تبت، فأدخله النصارى الكنيسة ومكث سنة لا يخرج، وتعلم الإنجيل، فصدقوه وأحبوه، ثم مضى إلى بيت المقدس واستخلف عليهم رجلًا اسمه نسطور (٥)، وعلمه أن عيسى ومريم\n_________\n(١) هو: شاول اليهودي ولد في طرسوس ونشأ في مدينة القدس، وكان من أشد أعداء النصارى، ثم انتقل فجأة إلى النصرانية، وتسمى باسم بولس، وكان قوي الشخصية دائب الحركة، مؤثرًا ذكيا، وقد استطاع بمكره وكيده أن يحرف كثيرًا من تعاليم المسيح وأن يطمس معالمها الصحيحة، يقال: إنه قتل في اضطهادات نيرون للنصارى سنة ٦٦ م.\nانظر: \"الديانات والعقائد في مختلف العصور\" ٣/ ٢٥٤، و\"محاضرات في النصرانية\" لأبي زهرة ص ٨٢.\n(٢) جاء في أول الإصحاح التاسع من سفر أعمال الرسل: \"أما شاول (اسم بولس قبل تنصره) فكان لم يزل ينفث تهددًا وقتلًا على تلاميذ الرب\". انظر: \"محاضرات في النصرانية\" ص ٨٧.\n(٣) عرقب الدابة: قطع عرقوبها، وعرقوب الدابة في رجلها بمنزلة الركبة في يدها، وعرقوبا الفرس: ما ضم ملتقى الوظيفين (ما فوق الرسغ إلى مفصل الساق) والساقين من مآخرهما من العصب. انظر: \"القاموس المحيط\"، فصل: العين، باب الباء ١/ ١٠٣، و\"لسان العرب\" (عرقب) ٥/ ٢٩٠٩، انظر: معنى (الوظيفين) في كتاب \"العين\" (وظف) ٨/ ١٦٩، و\"تهذيب اللغة\" (وظف) ٤/ ٣٩١٣.\n(٤) في (ى): (فوضع التراب على رأسه).\n(٥) لم أقف له على ترجمة.","vol":"10","page":376},{"text":"والإله كانوا ثلاثة (١)، ثم توجه إلى الروم وعلمهم اللاهوت والناسوت (٢)، وقال: لم يكن عيسى بإنس ولا جسم ولكنه ابن الله، وعلم رجلًا يقال له: يعقوب (٣) ذلك، ثم دعا رجلًا يقال له: ملكا (٤) فقال له: إن الإله لم يزل ولا يزال عيسى، ثم دعا هؤلاء الثلاثة وقال لكل واحد منهم: أنت خالصتي فادع الناس إلى نحلتك، ولقد رأيت عيسى في المنام فرضي عني، وإني غدًا أذبح نفسي لمرضاة عيسى، ثم دخل المذبح فذبح نفسه (٥)، ودعا كل واحد من هؤلاء الثلاثة الناس إلى نحلته، فتبع كل واحد طائفة من الناس، واقتتلوا واختلفوا إلى يومنا هذا\" (٦)، فجميع النصارى من الفرق الثلاث.\n_________\n(١) يعني آلهة.\n(٢) قال أبو البقاء الكفوي في \"الكليات\" ص ٧٩٨: (\"اللاهوت: الخالق، والناسوت: المخلوق، وربما يطلق الأول على الروح والثاني على البدن وربما يطلق أيضًا على العالم العلوي، والثاني على العالم السفلي .. \" الخ. والمراد به هنا اجتماع العنصر الإلهي والعنصر الإنساني في المسيح كما يزعم النصارى. انظر: \"محاضرات في النصرانية\" ص ١٦٨.\n(٣) لم أقف له على ترجمة.\n(٤) لم أقف له على ترجمة.\n(٥) ذكر بعض المؤرخين أن بولس قتل في اضطهادات الإمبراطور نيرون للنصارى. انظر: \"محاضرات في النصرانية\" ص٨٩.\n(٦) ذكره الثعلبي ٦/ ٩٦ ب، والبغوي ٤/ ٣٧، والرازي ١٦/ ٣٤، والخازن ٢/ ٢١٥ وهذا من الإسرائيليات التي ينبغي تنزيه كتب التفسير منها، وليس لدى المؤرخين مستند يثبت صحة هذا، والمعروف أن تأليه عيسى -﵇- حدث بسبب المجامع الكنسية بعد اعتناق الرومان الديانة النصرانية بعد الميلاد بثلاثمائة سنة.\nانظر: \"البداية والنهاية\" ٢/ ٩٦.","vol":"10","page":377},{"text":"وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾، قال ابن عباس: \"يريد: كذبا منهم وافتراءً\"، وقال أهل المعاني: \"أي يقولونه بألسنتهم من غير علم وليس يرجع قولهم إلى معنى صحيح (١) فهو لا يجاوز الفم، والمعنى الصحيح ما رجع إلى اضطرار (٢) أو (٣) برهان\" (٤)، قال الزجاج: \"المعنى: إنه ليس فيه برهان ولا بيان إنما هو قول بالفم لا معنى تحته صحيح، لأنهم (٥) معترفون بأن الله لم يتخذ صاحبة فكيف يزعمون أن له ولدًا، فإنما هو تكذيب (٦) وقول فقط\" (٧)، وقال ابن الأنباري: \"القول يكون باللسان ويكون بالقلب، وقول القلب هو الذي يقع عليه اسم الظن، ولهذا المعنى ذهبت العرب بالقول مذهب الظن، فقالوا (٨): أتقول عبد الله خارج؟، ومتى تقول: محمد منطلق؟ يريدون متى تظن، قال الشاعر (٩):\nأما الرحيل فدون بعد غد ... فمتى تقول الدار تجمعنا؟\nولو لم يقل: ﴿بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ لجاز أن يذهب الوهم إلى قول القلب وقد\n_________\n(١) في (ح): (معنى علم صحيح).\n(٢) في (ح): (الاضطرار).\n(٣) في (ى): (وبرهان).\n(٤) انظر: \"مفاتيح الغيب\" ١٦/ ٣٧، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٨/ ١١٨ ولم أقف عليه عند أهل المعاني.\n(٥) لفظ: (نهم) ساقط من (ى).\n(٦) في\"معاني القرآن وإعربه\": تكذب، وهو أولى، قال ابن منظور: \"تكذّب فلان: إذا تكلف الكذب\". \"لسان العرب\" (كذب) ٧/ ٣٨٤١.\n(٧) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٤٣.\n(٨) في (ح): (وقالوا).\n(٩) البيت لعمر بن أبي ربيعة وهو في \"ديوانه\" ص ٣٩٤. وانظر: \"خزانة الأدب\" ٢/ ٤٣٩، و\"شرح أبيات سيبويه\" ١/ ١٧٩، و\"كتاب سيبويه\" ١/ ١٢٤.","vol":"10","page":378},{"text":"بين الله -﷿- هذا في قوله: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾ [المنافقون:١] الآية، فلم كذب الله قول ألسنتهم بل كذب قول قلوبهم.\nوقوله تعالى: ﴿يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ﴾ المضاهاة: المشابهة، قال الفراء: \" [يقال ضاهيته] (١) ضهًا ومضاهاة\" (٢)، هذا قول أْكثر أهل اللغة في المضاهاة (٣)، وقال شمر: \"قال قالد بن جنبه (٤): المضاهاة: المتابعة، فلان يضاهي فلانًا أي: يتابعه\" (٥)، قال ابن عباس: \"يريد (٦): يتشبهون بقول الأمم الخالية\" (٧)، وهذا قول مجاهد والحسن واختيار أبي علي، قال مجاهد: \"يضاهئون قول المشركين حين قالوا: اللات والعزى ومناة بنات الله\" (٨)، وقال الحسن: \"شبه كفرهم بكفر الذين مضوا من الأمم الكافرة\" (٩).\n_________\n(١) ما بين المعقوفين ساقط من (ى).\n(٢) ذكره الرازي في \"تفسيره\" ١٦/ ٣٦، وفي\"تهذيب اللغة\" (ضهي) ٣/ ٢١٤١: قال الفراء: \"يضاهون: يضارعون قول الذين كفروا\" وسقط لفظ \"يضارعون\" من كتابه \"معانى القرآن\" ١/ ٤٣٣.\n(٣) انظر: \"الصحاح\" (ضهى) ٦/ ٢٤١٠، و\"القاموس\"، فصل الضاد، باب الواو والياء ١٣٠٦.\n(٤) لم أجد ترجمته فيما بين يدي من المصادر.\n(٥) \"تهذيب اللغة\" (ضهى) ٣/ ٢١٤٢.\n(٦) ساقط من (ح).\n(٧) رواه مختصرًا بمعناه ابن جرير ١٠/ ١١٢، وابن أبي حاتم ٦/ ١٧٨٣، والثعلبي ٦/ ٩٧ أ، والبغوي ٤/ ٣٨.\nوذكره البخاري في \"صحيحه\" معلقًا ٨/ ٣١٦، كتاب التفسير، باب: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾.\n(٨) رواه الثعلبى ٦/ ٩٧ ب، والبغوي ٤/ ٣٨\n(٩) المصدرين السابقين، نفس الموضع.","vol":"10","page":379},{"text":"وقال أبو علي: \"يشبه أن يكون \"الذين (١) كفروا\": المشركين الذين لا كتاب لهم لأنهم ادعوا في الملائكة أنها بنات الله، قال: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ﴾ [النحل: ٥٧] وقال: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (٢١)﴾ [النجم: ٢١] وقال: ﴿وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٠٠] (٢).\nوقال ابن الأنباري: \"يشابهون في قولهم قول (٣) المشركين إذ زعموا أنهم يعبدون ثلاثة: الله وعيسى ومريم، وقال المشركون: نعبد اللات والعزى ومناة\" (٤)، وعلى ما ذكر ابن الأنباري: الفعل في ﴿يُضَاهِئُونَ﴾ يرجع إلى النصارى دون اليهود، وهو قول قتادة والسدي إلا أنهما جعلا المشابهة من وجه آخر وهو أنهما قالا: \"ضاهت النصارى قول اليهود من قبل، فقالت النصارى: المسيح ابن الله، كما قالت اليهود: عزيرٌ ابن الله\" (٥) فجعلا (٦) ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ﴾ اليهود، وهو قول ابن عباس في رواية الوالبي قال: \"ضاهت النصارى قول اليهود قبلهم (٧) \" (٨).\n_________\n(١) ساقط من (ح).\n(٢) اهـ كلام أبي علي، انظر: \"الحجة للقراء السبعة\" ٤/ ١٨٦.\n(٣) ساقط من (ى).\n(٤) ذكره مختصرًا دون تعيين القائل القرطبي في \"تفسيره\" ٨/ ١١٨.\n(٥) رواه عنهما الثعلبي ٦/ ٩٧ ب، والبغوي ٤/ ٣٨، ورواه الصنعاني في \"تفسيره\" ١/ ٢/ ٢٧١ عن قتادة، ورواه ابن جرير ١٠/ ١١٢، وابن أبي حاتم ٦/ ١٧٨٣ مختصرًا عن قتادة بلفظه، وعن السدي بمعناه.\n(٦) في (ح) و(م): (فجعل)، وهو خطأ.\n(٧) في (ى): (قولهم)، وهو خطأ.\n(٨) لم أجد من ذكره عن ابن عباس بهذا اللفظ، وقد أخرج رواية الوالبي ابن جرير ١٠/ ١١٢، وابن أبي حاتم ٦/ ١٧٨٣، والثعلبي ٦/ ٩٧ أ، والبخاري تعليقًا في \"صحيحه\" ٨/ ٣١٦ كتاب التفسير باب: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ﴾ جميعهم بلفظ =","vol":"10","page":380},{"text":"وقال الزجاج: \"معناه (١): يشابهون في قولهم هذا من تقدم من كفر منهم، أي إنما قالوه اتباعًا لمن تقدم منهم، الدليل على هذا قوله: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١] أي قبلوا فهم أن (٢) العزير والمسيح ابنا الله\" (٣)، وهذا اختيار ابن قتيبة؛ لأنه قال: \"يريد أن من كان في عصر النبي -ﷺ- من اليهود والنصارى يقولون ما قاله أولوهم\" (٤)، فأما قول المفسرين في معنى: ﴿يُضَاهِئُونَ﴾ فقد ذكرنا قول ابن عباس، وقال مجاهد: \"يواطئون\" (٥)، وقال الحسن: \"يوافقون\" (٦).\nوقرأ عاصم ﴿يُضَاهِئُونَ﴾ مهموزًا (٧)، قال أحمد بن يحيى (٨): لم يتابع عاصمًا أحد (٩) على الهمز (١٠) \" (١١)، قال الليث: \"وربما همزوا\n_________\n= \"يشبهون\". أما اللفظ الذي ذكره المؤلف فقد أخرجه ابن جرير ١٠/ ١١٢، وابن أبي حاتم ٦/ ١٧٨٣، عن قتاد فلعل المؤلف -﵀- وهم فنسبه لابن عباس.\n(١) ساقط من (ى).\n(٢) ساقط من (ح).\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٤٣.\n(٤) \"تفسير غريب القرآن\" (ص ١٨٤).\n(٥) رواه الثعلبي ٦/ ٩٧ ب، والبغوي ٤/ ٣٨.\n(٦) انظر: المصدرين السابقين، نفس الموضع.\n(٧) انظر: \"الغاية في القراءات العشر\" ص ١٦٥، وكتاب \"إرشاد المبتدي\" ص ٣٥٢، و\"تقريب النشر\"، باب الهمز المفرد ص ٣٤.\n(٨) أبو العباس ثعلب.\n(٩) في (م): (أحد عاصمًا).\n(١٠) يعني من أصحاب القراءات المتواترة، وقد قرأ بها من غيرهم طلحة بن مصرف. انظر: \"إعراب القرآن\" للنحاس ٢/ ٢١٠، و\"المحرر الوجيز\" ٦/ ٤٦٥، و\"البحر المحيط\" ٥/ ٤٠٣.\n(١١) \"الحجة للقراء السبعة\" ٤/ ١٨٦، و\"زاد المسير\" ٣/ ٤٢٥.","vol":"10","page":381},{"text":"فيه\" (١)، وحكى ابن الأنباري: \"ضاهيت وضاهأت\" (٢)، قال أبو علي (٣): \"يشبه أن يكون ما قرأ به عاصم من الهمز لغة (٤) فيكون في الكلمة لغتان، مثل أرجيت وأرجأت\" (٥).\nوقوله تعالى: ﴿قَاتَلَهُمُ اللَّهُ﴾، قال ابن عباس وأكثر المفسرين: \"لعنهم\" (٦).\nقال الأزهري: \"وليس هذا من القتال الذي هو بمعنى المحاربة بين اثنين؛ لأن قولهم: قاتله بمعنى لعنه، من واحد\" (٧)، وقال ابن جريج: \" ﴿قَاتَلَهُمُ اللَّهُ﴾ أي قتلهم الله، وهو بمعنى التعجب\" (٨).\n_________\n(١) \"تهذيب اللغة\" (ضهي) ٣/ ٢١٤١، والنص في كتاب \"العين\" (ضهي) ٤/ ٧٠.\n(٢) \"زاد المسير\" ٣/ ٤٢٥.\n(٣) في (ى): (أبو عبيد)، والصواب ما أثبته إذ النص في \"الحجة للقراء السبعة\" ٤/ ١٨٧ من قول أبي علي الفارسي.\n(٤) هذا من عجيب القول إذ كيف لا يجزم بثبوت اللغة بقراءة متواترة، وأمثاله من اللغويين يثبتونها ببيت شعري، أو جملة منقولة عن أعرابي، وقد أثبت الفراء أن الهمز لغة أهل الطائف، وذكر ابن جرير ١٠/ ١١٣ أنها لغة ثقيف، كما أثبت الخليل بن أحمد اللغتين في الكلمة. انظر: كتاب \"العين\" (ضهي) ٤/ ٧٠، و\"تفسير ابن جرير\" ١٠/ ٢١٣، و\"الحجة\" ٤/ ١٨٧، و\"لسان العرب\" (ضهي) ٥/ ٢٦١٧.\n(٥) \"الحجة للقراء السبعة\" ٤/ ١٨٧.\n(٦) رواه عن ابن عباس الإمام ابن جرير ١٠/ ١١٣، وابن أبي حاتم ٦/ ١٧٨٣، والثعلبي ٦/ ٩٧، وابن المنذر وأبو الشيخ كما في \"الدر المنثور\" ٣/ ٤١٥، وقد نسب هذا القول إلى المفسرين أبو منصور الأزهري في \"تهذيب اللغة\" (قتل) ٢/ ٢٨٨٤.\n(٧) \"تهذيب اللغة\" ٢/ ٢٨٨٤.\n(٨) رواه الثعلبي ٦/ ٩٧ ب، ورواه البغوي ٤/ ٣٨ بلفظ: قتلهم الله، وذكره القرطبي ٨/ ١١٩: بلفظ: هو بمعنى التعجب.","vol":"10","page":382},{"text":"وقال أهل المعاني: \"عاداهم الله\" (١)، فعبر عن هذا بالمقاتلة لما بين المقاتلين (٢) من العداوة، وقال ابن الأنباري: \"وهذا تعليم لنا الدعاء عليهم، معناه: قولوا إذا دعوتهم عليهم: قاتلهم الله، أي لعنهم الله\" (٣)، كذا قال المفسرون في: ﴿قَاتَلَهُمُ اللَّهُ﴾، والمقاتلة أصلها من المقتول أُخبر عن الله بها كانت بمعنى اللعنة؛ لأن من لعنه الله فهو بمنزلة المقتول الهالك.\nوقوله تعالى: ﴿أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ الإفك: الصرف، يقال: أُفك الرجل عن الخير أي قلب وصرف، ورجل مأفوك: أي مصروف عن الخير، يقول: كيف يصدون ويصرفون عن الحق بعد وضوح الدليل حتى يجعلوا لله الولد (٤)؟! وهذا التعجب (٥) إنما هو راجع إلى الخلق، والله لا يتعجب من شيء (٦)، ولكن هذا الخطاب على عادة العرب في مخاطباتهم، والله تعالى\n_________\n(١) هذا قول ابن الأنباري كما في \"تهذيب اللغة\" (قتل) ٢/ ٢٨٨٤، و\"زاد المسير\" ٣/ ٤٢٥.\n(٢) كذا في جميع النسخ، وهو يريد المتقاتلين.\n(٣) لم أقف على مصدره.\n(٤) في (ى): (ولدًا).\n(٥) في (ى): (التعجيب)، وأثبت ما في النسخ الأخرى لأنه أسد في المعنى ولموافقته لما في \"تفسير الرازي\" ١٦/ ٣٦ الذي نقل تفسير الجملة عن الواحدي بلفظه دون أن يشير لذلك.\n(٦) مذهب السلف إثبات العجب لله كغيره من الصفات الثابتة في الكتاب أو السنة، وإن لم تعرف كيفيتها. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"الفرقة الناجية -أهل السنة والجماعة- يؤمنون بذلك -يعني أحاديث الصفات- كما يؤمنون بما أخبر الله به في كتابه العزيز من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل\".\nوقال: وأما قوله -يعني النافي صفة التعجب-: \"التعجب استعظام للمتعجب منه\"!!. فيقال: نعم. وقد يكون بجهل بسبب التعجب، وقد يكون لما خرج عن نظائره، =","vol":"10","page":383},{"text":"عجيب نبيه من تركهم الحق وإتيانهم الباطل (١) في زعمهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1408>٣١ </span>- قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ﴾، قال أبو عبيد: الأحبار: \"الفقهاء\" (٢)، واختلفوا في واحده فبعضهم يقول: حَبْر، وبعضهم يقول حِبْر، قال: وقال الفراء: \"إنما هو حِبْر، يقال ذلك للعالم\".\nوقال الأصمعي: \"لا أدري أهو الحَبر أو الحِبر للرجل العالم\" (٣).\n_________\n= والله تعالى بكل شيء عليم، فلا يجوز عليه أن لا يعلم سبب ما تعجب منه، بل يتعجب لخروجه عن نظائره تعظيمًا له، والله تعالى يعظم ما هو عظيم، إما لعظمة سببه، أو لعظمته، فإنه وصف بعض الخير بأنه عظيم، ووصف بعض الشر بأنه عظيم\". \"مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية\" ٣/ ١٤١، ٦/ ١٢٣.\nوقد دل على صفة العجب قوله تعالى: ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ﴾ [الصافات: ١٢] بضم التاء على قراءة الكوفيين غير عاصم كما في \"الغاية\" ص ٢٤٩، وقول النبي - ﷺ - \"عجيب الله من قوم يدخلون الجنة في السلاسل\". رواه البخاري (٣٠١٠)، كتاب الجهاد، باب الأسارى في السلاسل ٤/ ١٤٥، انظر: \"تفسير ابن جرير\" ٢٣/ ٤٣ (ط الحلبي)، و\"قطف الثمر في بيان عقيدة أهل الأثر\" ص ٦٩.\n(١) في (ج): (بالباطل).\n(٢) لم أجده إلا في \"تفسير الرازي\" ١٦/ ٣٧، وهو كثير النقل من \"البسيط\" للواحدي، ويغلب على الظن أنه وهم من المؤلف فإن عبارة أبي عبيد في \"غريب الحديث\" ١/ ٦٠ نصها: وأما الحبر من قول الله تعالى: ﴿مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ﴾ فإن الفقهاء يختلفون فيه فبعضهم يقول: حَبْرٌ، وبعضهم يقول: حِبْرٌ، وقال الفراء: \"إنما هو حِبْرٌ يقال للعالم ذلك\".\nفلعل المؤلف نظر نظرة عجلى إلى هذا النص وحسب أن كلمة (الفقهاء) فيه تفسير للأحبار، لا سيما أنه موطن اشباه، والله أعلم.\n(٣) ا. هـ. كلام أبي عبيد، و\"غريب الحديث\" ١/ ٦١، وانظر: قول الفراء أيضًا في \"تهذيب اللغة\" (حبر) ١/ ٧٢١، و\"تفسير ابن جرير\" ١٠/ ١١٣ - ١١٤ ولم أجده في \"معاني القرآن\".","vol":"10","page":384},{"text":"وكان أبو الهيثم يقول: واحد الأحبار حَبر بالفتح لا غير، وينكر الكسر (١) (٢).\nابن السكيت عن ابن الأعرابي: حِبْر وحَبْر للعالم (٣).\n[وقال الليث: \"هو حِبْر وحَبْر للعالم] (٤) ذميا كان أو مسلما بعد (٥) أن يكون من أهل الكتاب\" (٦).\nوالكلام في الرهبان قد مضى عند قوله: ﴿قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا﴾ [المائدة: ٨٢] (٧).\nوقال أهل المعاني: \"الحبر: العالم الذي صناعته تحبير المعاني بحسن البيان عنها، والراهب: الخاشي الذي يظهر عليه لباس الخشية، وكثير استعماله في متنسكي النصارى\" (٨).\nقال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ﴾: فقهاؤهم\n_________\n(١) ساقط من (ح).\n(٢) \"تهذيب اللغة\" (حبر) ١/ ٧٢١.\n(٣) \"إصلاح المنطق\" ص ٣٢، والمصدر السابق، نفس الموضع.\n(٤) ما بين المعقوفين ساقط من (ى).\n(٥) في عبارة النسخة (ى) اضطراب، ونصها: ذميًّا كان أو مسلمًا بعد حبر وحبر أن يكون ... إلخ.\n(٦) \"تهذيب اللغة\" (حبر) ١/ ٧٢١، والنص في كتاب \"العين\" (حبر) ٣/ ٢١٨، وانظر إطلاق الحبر على العالم المسلم ولو لم يكن من أهل الكتاب في \"صحيح البخاري\" (٦٧٣٦)، كتاب الفرائض، باب ميراث ابنة ابن مع ابن.\n(٧) انظر: النسخة (ح) ٢/ ٦٧ أحيث قال: (وأما الرهبان فهو جمع راهب، مثل راكب وركبان، وفارس وفرسان، قال الليث: الرهبانية مصدر الراهب، والترهب: التعبد في صومعة .. وأصل الرهبانية من الرهبة بمعنى المخافة).\n(٨) انظر: \"تفسير الرازي\" ١٦/ ٣٧.","vol":"10","page":385},{"text":"وعبادهم\" (١). وقال الضحاك: \"علماؤهم وقراؤهم\" (٢).\nوقال عدي بن حاتم: \"انتهيت إلى رسول الله -ﷺ- وهو يقرأ من سورة براءة فقرأ هذه الآية، فقلت له: إنا لسنا نعبدهم! وكان عدي نصرانيا، فقال: \"أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه، ويحلون ما حرم الله فتحلونه (٣)؟ \" فقلت بلى، فقال: \"فتلك عبادتهم\" (٤).\nوقال أبو البختري (٥) في هذه الآية: \"أما إنهم لم يصلوا لهم، ولو\n_________\n(١) ذكره المصنف في \"الوسيط\" ٢/ ٤٩٠، ورواه ابن أبي حاتم ٦/ ١٧٨٤ بلفظ: الأحبار: القراء، وفي \"تنوير المقباس\" ص١٩١: \"اتخذوا أحبارهم\": علماءهم.\n(٢) رواه ابن جرير ١٠/ ١١٤، وابن أبي حاتم ٦/ ١٧٨٤.\n(٣) في (م): (فتستحلونه).\n(٤) رواه الترمذي (٣٠٩٥)، كتاب التفسير، باب: ومن سورة التوبة، والبيهقي في \"السنن الكبرى\"، كتاب آداب القاضي، رقم (٢٠٣٥٠) ١٠/ ١٩٨، وابن جرير ١٠/ ١١٤، وابن أبي حاتم ٦/ ١٧٨٤، وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٣/ ٤١٥، وزاد نسبته إلى ابن سعد وعبد بن حميد وابن المنذر والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه، وفي سند الترمذي والبيهقي وابن جرير وابن أبي حاتم غطيف بن أعين، وهو ضعيف كما في \"تقريب التهذيب\" ص ٤٤٣ (٥٣٦٤)، وكتاب \"الضعفاء والمتروكين\" ص٣٢٤، وقال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث عبد السلام بن حرب، وغطيف بن أعين ليس بمعروف في الحديث.\nلكن للحديث طرق انظرها في: \"كتاب تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في تفسير الكشاف\" ٢/ ٦٦.\n(٥) هو: سعيد بن فيروز الطائي مولاهم، أبو البختري الكوفي، تابعي فقيه ثقة، وكان مقدم الصالحين القراء الذين ثاروا على الحجاج في فتنة ابن الأشعث، وقتل في وقعة الجماجم سنة ٨٣ هـ.\nانظر: \"سيرأعلام النبلاء\" ٤/ ٢٧٩، و\"تهذيب التهذيب\" ٢/ ٣٨، و\"شذرات الذهب\" ١/ ٩٢.","vol":"10","page":386},{"text":"أمروهم أن يعبدوهم من دون الله ما أطاعوهم، ولكنهم أمروهم فجعلوا حلال الله حرامه، وحرامه حلاله فأطاعوهم، فكانت تلك الربوبية\" (١).\nوقال الربيع: \"قلت لأبي العالية: كيف كانت تلك (٢) الربوبية في بني إسرائيل؟ فقال: إنهم وجدوا في كتاب الله ما أمروا به وما نهوا عنه، (فقالوا (٣): لن نسبق أحبارنا بشيء) (٤)، فما أمرونا به ائتمرنا، وما نُهينا (٥) عنه انتهينا، فاستنصحوا الرجال ونبذوا كتاب الله وراء ظهورهم\" (٦).\nقال أهل المعاني: \"معناه: اتخذوا أحبارهم ورهبانهم كالأرباب حيث (٧) أطاعوهم في كل شيء، كقوله: ﴿حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا﴾ [الكهف: ٩٦] أي كنار\" (٨).\nوهذا بيان أن مخالف أمر الله في التحريم والتحليل كالمشرك في عبادة الله، لأن استحلال ما حرم الله كفر بالإجماع، وكل كافر مشرك، ومن اعتقد طاعة أحد لعينه أو لصفة فيه فأطاعه في خلاف ما أمر الله فهو من الذين ذكروا في هذه الآية أنهم كانوا يعتقدون وجوب طاعة أحبارهم،\n_________\n(١) رواه الثعلبي ٦/ ٩٨ أ، ورواه بمعناه ابن جرير ١٠/ ١١٥.\n(٢) من (م).\n(٣) في (ى): (فقال).\n(٤) ما بين القوسين تحرف في تفسير ابن جرير (تحقيق: شاكر) هكذا: \"قال: لم يسبوا أحبارنا بشيء مضى\" وأشار المحقق إلى أنه لم يهتد للصواب، وحذفت الجملة برمتها في طبعة الحلبي، فليصحح.\n(٥) هكذا في جميع النسخ، والأولى: نهونا، كما في تفسير ابن جرير والثعلبي.\n(٦) رواه الثعلبي ٦/ ٩٨ب، وبنحوه ابن جرير ١٠/ ١١٥، وأشار إليه ابن أبي حاتم ٦/ ١٧٨٤.\n(٧) ساقط من (ح).\n(٨) ذكره الثعلبي ٦/ ٩٨ ب، والقرطبي ٨/ ١٢٠ منسوبا إلى أهل المعاني دون تعيين.","vol":"10","page":387},{"text":"فأخبر الله تعالى أنهم اتخذوهم أربابًا.\nوقوله تعالى: ﴿وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾، قال ابن عباس: \"يريد: اتخذوه ربًا\" (١).\n[وقوله -﷿-] (٢) ﴿وَمَا أُمِرُوا﴾، قال: يريد في التوراة والإنجيل\" (٣)، ﴿إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا﴾ وهو الذي ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ (٤) سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ نزه نفسه أن يكون له ولدٌ، أو شريك، قال الزجاج: \"معناه: تنزيها له عن شركهم\" (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1409>٣٢ </span>- وقوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾، قال ابن عباس: \"يريدون أن يخمدوا دين الله بتكذيبهم\" (٦)، فمعنى نور الله في قول أكثرهم: الإسلام (٧)، يعني أنهم يكذبون به، ولعرضون عنه، يريدون إبطاله بذلك.\nوقال الكلبي: \"يردون (٨) القرآن بألسنتهم تكذيبًا له\" (٩)، وقوله تعالى: ﴿وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ﴾.\n_________\n(١) ذكره المصنف في \"الوسيط\" ٢/ ٤٩٠، ورواه الفيروزأبادي في \"تنوير المقباس\" ص ١٩١ بلفظ: اتخذوا المسيح ابن مريم إلهًا.\n(٢) من (م).\n(٣) ذكره المصنف في \"الوسيط\" ٢/ ٤٩٠، ورواه الفيروزأبادي ص ١٩١ بلفظ: في جملة الكتب.\n(٤) في (م): (وهو الذي لا إله غيره).\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٤٤٤.\n(٦) ذكره ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٣/ ٤٢٦، والمصنف في \"الوسيط\" ٢/ ٤٩١، وبنحوه الفيروزأبادي في \"تنوير المقباس\" ص ١٩٢.\n(٧) انظر: \"تفسير ابن جرير\" ١٠/ ١١٦، وابن أبي حاتم ٦/ ١٧٨٤، والثعلبي ٦/ ٩٨ ب.\n(٨) في (ح): (يريدون)، وهو خطأ.\n(٩) رواه الثعلبي ٦/ ٩٨ ب، والبغوي ٤/ ٣٩.","vol":"10","page":388},{"text":"قال الفراء: \"لم يجىء عن العرب حرف على (فعل) (يفعل) مفتوح العين في الماضي والغابر إلا وثانيه أو ثالثه أحد حروف الحلق، غير أبى يأبى، جاء نادرًا\" (١)، ويقال: رجل أبيٌّ، وأبيان (٢)، وأباء: ذو إباء شديد، وأخذه إباء (٣): إذا كان يأبى الطعام فلا يشتهيه.\nوقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ﴾، قال ابن عباس: \"إلا أن يظهر دينه\" (٤).\nقال الفراء: \"دخلت (إلا) لأن في (أبيت) طرفًا من الجحد، ألا ترى أن (أبيت) كقولك: لم أفعل (٥)، ولا أفعل، ولولا ذلك لم يجز دخول (إلا) كما إنك لا تقول: ضربت إلا أخاك، ولا ذهب إلا أخوك، [دون أن تقول: ضربت القوم، وذهب القوم] (٦) وأنشد:\nفهل (٧) لي أم غيرها إن تركتها ... أبى الله إلا أن أكون لها ابنما (٨) (٩)\n_________\n(١) \"تهذيب اللغة\" (أبى) ١/ ١١٣، وقد زاد اللغويون: قلى يقلى، وغشى يغشى، وشجى يشجى، وجبى يجبى. انظر: المصدر السابق، نفس الموضع.\n(٢) ساقط من (ى).\n(٣) في (ح): (إباءة)، والصواب ما أثبته وهو موافق لما في \"تهذيب اللغة\" (أبى) ١/ ١١٣.\n(٤) رواه الفيروزأبادي في \"تنوير المقباس\" ص ١٩٢.\n(٥) في النسخة (ح) اضطراب وتحريف، ونص قول الفراء فيها: ودخلت (إلا) أن في أثبت طرفًا من الجحد ألا ترى أن أثبت لقولك لم أفعل ... إلخ، وما في (م) و(ى) موافق لما في \"معاني القرآن\".\n(٦) ما بين المعقوفين ليس موجودًا في \"معاني القرآن\" ١/ ٤٣٣.\n(٧) في \"معاني القرآن\": وهل.\n(٨) في (ح) و(م): (ابنا، والصواب ما في (ي) كما في \"معاني القرآن\" ١/ ٤٣٣.\n(٩) البيت للمتلمس، وهو في \"ديوانه\" ص٣٠ وانظر: \"الأصمعيات\" ص ٢٤٥، و\"خزانة الأدب\" ١٠/ ٥٨، و\"المقاصد النحوية\" ٤/ ٥٦٨، و\"المقتضب\" ٢/ ٩٣.","vol":"10","page":389},{"text":"وقال الزجاج: \"دخلت (إلا) ولا جحد في الكلام، وأنت لا تقول: ضربت إلا زيدا؛ لأن الكلام غير دال على المحذوف، وإذا قلت: ﴿وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ﴾ فالمعنى: ويأبى الله كل شيء إلا إتمام نوره، والحذف مستعمل مع الإباء\" (١)، وأنكر قول الفراء فقال: \"لو جاز ما قال على أن فيه طرفًا من الجحد لجاز: كرهت إلا أخاك، ولا دليل ههنا على المكروه ما هو؟ ولا من هو؟ فـ (كرهت) مثل (أبيت) [إلا أن أبيت] (٢) الحذف مستعمل معها (٣) \" (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1410>٣٣ </span>- قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ﴾، قال ابن عباس: \"يريد: محمدًا - ﷺ - (٥) ﴿بِالْهُدَى﴾ قال: بالقرآن (٦)، وقيل: بالبيان الذي يؤدي إلى نعيم الثواب في الجنة\" (٧)، ﴿وَدِينِ الْحَقِّ﴾، قال ابن عباس: \"يريد الحنيفية\" (٨)، ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [قال ابن عباس: \"ليظهر الرسول على الدين كله\" (٩)] (١٠) يعني (١١): ليعلمه شرائع الدين كلها فيظهر\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٤٤.\n(٢) ما بين المعقوفين ساقط من: (ح).\n(٣) ساقط من: (ح).\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٤٤ وأكثر الجمل منقولة بالمعنى.\n(٥) رواه الفيروزأبادي في \"تنوير المقباس\" ص ١٩٢.\n(٦) رواه الثعلبي ٦/ ٩٩ أ، والفيروزأبادي ص ١٩٢.\n(٧) ذكره بنحوه الثعلبي في الموضع السابق، ولم يعين القائل.\n(٨) رواه الفيروزأبادي ص ١٩٢ بلفظ: \"دين الإسلام، شهادة أن لا إله إلا الله\".\n(٩) رواه ابن جرير ١٠/ ١١٧، وابن أبي حاتم ٦/ ١٧٨٦، والبيهقي في \"سننه\" ٩/ ٣٠٦، والثعلبي ٦/ ٩٩ أوهو من رواية علي بن أبي طلحة.\n(١٠) ما بين المعقوفين ساقط من (ي).\n(١١) من (م).","vol":"10","page":390},{"text":"عليها حتى لا يخفى عليه منها شيء.\nوقال في رواية عطاء: \"ليعليه على جميع الأديان\" (١)، وعلى هذا اختلفوا: فقال أبو هريرة والضحاك: \"ذلك عند خروج عيسى\" (٢).\nوقال السدي: \"ذلك عند خروج المهدي لا يبقى أحد إلا دخل في دين الإسلام، أو أدى الخراج\" (٣)، وقال الكلبي: \"لا تقوم الساعة حتى يكون ذلك\" (٤).\nوقال أهل المعاني: \"معناه: ليعلي دين الإسلام على كل دين بالحجة\n_________\n(١) رواه بمعناه ابن أبي حاتم ٦/ ١٧٨٦ ب، والبيهقي في \"السنن الكبرى\"، كتاب النكاح، رقم (١٣٩٨٦) ٧/ ٢٨٠ من رواية عكرمة.\nقال الإمام الشافعي: \"فقد أظهر الله جل ثناؤه دينه الذي بعث به رسول الله -ﷺ- على الأديان بأن أبان لكل من سمعه أنه الحق وما خالفه من الأديان باطل، وأظهره بأن جماع الشرك دينان: دين أهل الكتاب، ودين الأميين فقهر رسول الله - ﷺ - الأميين .. وقتل من أهل الكتاب وسبق حتى دان بعضهم الإسلام، وأعطى بعضٌ الجزية صاغرين وجرى عليهم حكمه - ﷺ - وهذا ظهور الدين كله\".\n\"سنن البيهقي الكبرى\"، كتاب السير، باب ظهور دين النبي ٩/ ٣٠١.\n(٢) رواه عن أبي هريرة الإمام ابن جرير ١٠/ ١١٦، وفي سنده راوٍ لم يسم. ورواه أيضًا عبد بن حميد وأبو الشيخ كما في \"الدر المنثور\" ٤/ ١٧٦، وذكره عنه بغير سند الثعلبي ٦/ ٩٩ أ، والبغوي ٤/ ٤٠ وقد روياه في نفس الموضع عن الضحاك. وقد جاء في \"الصحيحين\" ما يشهد له من بعض الوجوه، وهو قول النبي -ﷺ-: \"لا تقوم الساعة حتى ينزل فيكم ابن مريم حكمًا مقسطًا، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد\". رواه البخاري (٢٤٧٦)، كتاب المظالم، باب كسر الصليب، ومسلم (١٥٥)، كتاب الإيمان، باب نزول عيسى -﵇- ...\n(٣) رواه الثعلبي ٦/ ٩٩ أ، وذكره القرطبي ٨/ ١٢١.\n(٤) رواه الثعلبى في الموضع السابق.","vol":"10","page":391},{"text":"والغلبة\" (١)، وقد صح ظهوره عليها فحجة هذا الدين أقوى الحجج، والغلبة لهذا الدين على سائر الأديان؛ فإن أهل الإسلام يغزون أهل سائر الملل، [وأهل سائر الملل] (٢) لا يغزون أهل الإسلام (٣).\nوقيل: أراد في جزيرة العرب (٤)، وحصل ذلك بإجلاء أهل الذمة منها، وظهور الدين فيها كلها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1411>٣٤ </span>- قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ﴾ قال ابن عباس: \"يريد أن كثيرًا من الفقهاء والعباد من أهل\n_________\n(١) رواه بنحوه الثعلبي ٦/ ٩٩ ب، عن الحسين بن الفضل الموصوف بأنه إمام عصره في معاني القرآن كما في \"طبقات المفسرين\" للسيوطي ص ٣٧، وهو أيضًا قول النحاس في \"إعراب القرآن\" ٢/ ١٤.\n(٢) ما بين المعقوفين ساقط من (ح).\n(٣) هذا يوم كان المسلمون أمة واحدة معتصمين بحبل الله، مستمسكين بدينه، وكان الله يدافع عنهم، ويعلي شأنهم، ويقذف الرعب في قلوب أعدائهم، أما اليوم بعد أن طال على المسلمين الأمد، وقست قلوبهم، وتفرقت كلمتهم، وقذف في قلوبهم الوهن -حب الحياة وكراهية الموت- فقد تسلط عليهم الأعداء، وأصبحت بلاد المسلمين نهبًا لكل طامع، وصدق فيهم قول نبيهم - ﷺ -: \"يوشك أن تداعى عليكم الأمم من كل أفق، كما تداعى الأكلة إلى قصعتها، قيل: يا رسول الله! فمن قلة يومئذٍ؟ قال: لا، ولكنكم غثاء كغثاء السيل\". رواه أحمد ٥/ ١٧٨ بسند صحيح كما في \"صحيح الجامع الصغير\" رقم (٨١٨٣).\n(٤) ذكره بمعناه الثعلبي ٦/ ٩٩ ب، والبغوي ٤/ ٤٠، وبلفظه القرطبي ٨/ ١٢٢، وأبو حيان ٥/ ٣٣، ولم يعين أحد منهم القائل.\nوهذا القول فيه نظر؛ فقد صح عن النبي -ﷺ- أنه قال: \"ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين بعز عزيز أو بذل ذليل، عزًا يعز الله به الإسلام وذلًا يذل الله به الكفر\". رواه أحمد في \"المسند\" ٤/ ٦،١٠٣/ ٤.","vol":"10","page":392},{"text":"الكتاب\" (١)، وقال السدي: \"أما الأحبار فمن اليهود، وأما الرهبان فمن النصارى\" (٢).\nوقوله تعالى: ﴿لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ﴾ هو ما ذكرنا في مواضع من أخذهم الرشى (٣) في الحكم وما كانوا يصيبونه من المآكل من سفلتهم، وخافوا ذهاب ذلك عنهم بتصديق النبي -ﷺ- لو صدقوه، فصرفوا الناس عن الإيمان به، فذلك قوله (٤): ﴿وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾، قال ابن عباس: \"يريد قريظة والنضير وصدهم (٥) عن طاعة الله\" (٦)، قال أهل المعاني: \"أراد بقوله: ﴿لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ﴾ يتملكونها، فوضع يأكلون موضعه؛ لأن الأكل عرّضهم لذلك\" (٧).\nوقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ ذكر في محل \"الذين\" قولان: أحدهما: النصب بالعطف على اسم إن، فيكون المعنى\n_________\n(١) ذكره السمرقندي ٢/ ٤٦ بلفظ: الأحبار: العلماء، والرهبان: أصحاب الصوامع، وبنحوه في \"تنوير المقباس\" ص ٢٩٢.\n(٢) رواه ابن جرير ١٠/ ١١٧، وابن أبي حاتم ٦/ ١٧٨٧، وأبو الشيخ كما في \"الدر المنثور\" ٣/ ٤١٧.\n(٣) الرشى: بضم الراء وكسرها، جمع رشوة، وهي ما يعطاه من يعين على الباطل. انظر: \"النهاية في غريب الحديث والأثر\" (رشا) ٢/ ٢٢٦، و\"لسان العرب\" (رشا) ٣/ ١٦٥٣.\n(٤) ساقط من (ح).\n(٥) في (ح) و(ى): (فصدهم).\n(٦) في \"تنوير المقباس\" ص ١٩٢: (\"ويصدون عن سبيل الله\": عن دين الله وطاعته.\n(٧) انظر: \"زاد المسير\" ٣/ ٤٢٨، و\"مفاتيح الغيب\" ١٦/ ٤٣ ولبم أجد من ذكره من أهل المعاني.","vol":"10","page":393},{"text":"ويأكلها الذين يكنزون. والثاني: الرفع بالاستئناف (١)، والقولان مبنيان على سبب النزول.\nواختلفوا في نزول الآية، فالأكثرون على أن قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ﴾ إلى آخره مستأنف نازل في هذه الأمة، قال ابن عباس في رواية عطاء: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ يريد: من المؤمنين\" (٢)، وقال السدي: \"أما الذين يكنزون الذهب والفضة فهم أهل القبلة\" (٣)، وروي عن ابن عباس أنه قرأ هذه الآية فقال: هم أهل الكتاب، وهي خاصة [عامة] (٤)، قال أهل العلم: \"أراد أن الآية نازلة في أهل الكتاب وهي خاصة] (٥) فيمن لم يؤد الزكاة من المسلمين، عامة في جميع أهل الكتاب من أنفق ومن (٦) لم ينفق؛ لأنهم كفار لا تقبل منهم نفقاتهم وإن أنفقوا\" (٧)، وقال أبو ذر: \"كنت بالشام فقرأت هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ فقال معاوية: ليست هذه الآية فينا، إنما هذه الآية في أهل الكتاب، فقلت: إنها لفينا وفيهم\" (٨).\n_________\n(١) انظر: \"إعراب القرآن\" للنحاس ٢/ ١٤ - ١٥، و\"البحر المحيط\" ٥/ ٣٦، و\"الدر المصون\" ٦/ ٤١.\n(٢) ذكره بنحوه ابن الجوزي ٣/ ٤٢٩.\n(٣) رواه ابن جرير ١٠/ ١١٨، وابن أبي حاتم ٦/ ١٧٨٨.\n(٤) رواه ابن جرير ١٠/ ١٢٠ من رواية العوفي.\n(٥) ما بين المعقوفين ساقط من (ح).\n(٦) من (م).\n(٧) القول لابن جرير، انظر: \"تفسيره\" ١٠/ ١٢١، والمتبادر إلى الذهن أن معنى قول ابن عباس -إن صح عنه -: هي خاصة في أهل الكتاب، عامة فيمن فعل فعلهم من المسلمين.\n(٨) رواه بهذا اللفظ ابن أبي شيبة في \"المصنف\"، كتاب الزكاة، باب ما ذكر في الكنز .. =","vol":"10","page":394},{"text":"وأصل الكنز في كلام العرب: الجمع، وكل شيء جمع بعضه إلى بعض فهو مكنوز، على ظهر الأرض كان أو في بطنها، يدل على ذلك قول الهذلي (١):\nلا دَرَّ دَرّي إن أطعمت نازلكم ... قِرْف الحتيّ وعندي البر مكنوز (٢)\nوقال الليث: \"يقال: كنز الإنسان مالًا يكنزه، والكنز: اسم للمال إذا أحرز في وعاء\" (٣)، يقال: كنزت البر في الجراب فاكتنز، واختلفوا في المراد بهذا الكنز، وترك هذا الإنفاق، فالذي عليه الأكثرون -وهو الإجماع اليوم- أن المراد بهذا الكنز هو جمع المال الذي لا تؤدى زكاته (٤).\n_________\n= ٣/ ٢١٢، ورواه مطولًا البخاري (١٤٠٦)، كتاب: الزكاة، باب ما أدي زكاته فليس بكنز، وابن جرير ١٠/ ١٢١ - ١٢٢، والثعلبي ٦/ ١٠٣ ب.\n(١) هو: المتنخل الهذلي، وهو مالك بن عويمر أو عمرو بن عثمان بن حبيث الهذلي، أبو أثيلة، شاعر مجيد، من نوابغ شعراء هذيل. انظر: \"خزانة الأدب\" ٢/ ١٣٥، و\"الشعر والشعراء\" ص ٤٣٨، و\"الأعلام\" ٥/ ٢٦٤.\n(٢) البيت منسوب للمتنخل في \"شرح أشعار الهذليين\" ٣/ ١٢٦٣، و\"جمهرة اللغة\" (برر) ١/ ٦٧، و\"شرح أبيات سيبويه\" ١/ ٥٥٠، و\"لسان العرب\" (برر) ١/ ٢٥٤، كتاب \"المعاني الكبير\" ١/ ٣٨٤، ونسب البيت لأبي ذؤيب الهذلي في كتاب \"الحيوان\" ٥/ ٢٨٥، و\"شرح شواهد الشافية\" ص ٤٨٨، ونسب أيضًا للمتلمس، وهو في ملحق \"ديوانه\" ص ٢٩١.\nقال ابن قتيبة: \"يقال: لا در در فلان: أي لا كانت له حلوبة ولا رزق، والحتي: سويق المقل، والقرف: ما انقشر منه\" كتاب \"المعاني الكبير\" ١/ ٣٨٤.\n(٣) \"تهذيب اللغة\" (كنز) ٤/ ٣١٩٢، ونحوه في كتاب \"العين\" (كنز) ٥/ ٣٢١.\n(٤) انظر: \"المصنف\" للصنعاني ٤/ ١٠٦ - ١٠٨، ولابن أبي شيبة ٣/ ١٩٠، و\"تفسير ابن جرير\" ١٠/ ١١٧ - ١٢٢، وابن أبي حاتم ٦/ ١٧٨٨ - ١٧٨٩، والثعلبي ٦/ ١٠٠ أ - ١٠١ ب، و\"الدر المنثور\" ٣/ ٤١٧ - ٤١٩.","vol":"10","page":395},{"text":"ومعنى قوله: ﴿وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ لا يؤدون زكاتها وهذا مذهب عمر وابنه وجابر، وقول ابن عباس (١) والضحاك (٢) والسدي (٣)، قال ابن عمر: \"كل ما أدي زكاته فليس بكنز وإن كان تحت سبع أرضين، وكل مال لم تؤد زكاته فهو كنز، وإن كان فوق الأرض\" (٤)، وقال عمر: \"ما أدي (٥) زكاته فليس بكنز\" (٦)، وقال جابر: \"إذا أخرجت الصدقة من مالك فقد أذهبت عنه شره وليس بكنز\" (٧).\nوقال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ \"يريد: الذين لا يؤدون زكاة أموالهم\" (٨).\n_________\n(١) سيأتي تخريج قول ابن عباس ومن ذكر قبله.\n(٢) رواه الثعلبي ٦/ ١٠٠ أ.\n(٣) رواه ابن جرير ١٠/ ١١٨، والثعلبي ٦/ ١٠٠ أ.\n(٤) رواه الصنعاني في \"المصنف\"، كتاب الزكاة، باب إذا أديت زكاته فليس بكنز، رقم (٧١٤١) ٤/ ١٠٧، وابن جرير ١٠/ ١١٨، وابن أبي حاتم ٦/ ١٧٨٨، والثعلبي ٦/ ١٠٠ أ، والبيهقي في \"السنن الكبرى\"، كتاب الزكاة، باب تفسير الكنز رقم (٧٢٣٠) ٤/ ١٣٩، ورواه مختصرًا مالك في \"الموطأ\"، كتاب الزكاة، باب ما جاء في الكنز ١/ ٢١٨، وابن أبي شيبة في \"المصنف\"، كتاب الزكاة، باب ما قالوا في المال الذي تؤدى زكاته فليس بكنز ٣/ ١٩٠.\n(٥) في (ى): (ما أدري).\n(٦) رواه الصنعاني وابن أبي شيبة وابن جرير وابن أبي حاتم والثعلبي في المصادر السابقة، نفس المواضع.\n(٧) المصادر السابقة، نفس المواضع، عدا ابن جرير وابن أبي حاتم، ورواه أيضًا البيهقي في \"السنن الكبرى\"، كتاب الزكاة، باب الدليل على أن من أدى فرض الله ... إلخ رقم (٧٢٣٩) ٤/ ١٤١.\n(٨) رواه ابن جرير ١٠/ ١٢١، وابن المنذر كما في \"الدر المنثور\" ٣/ ٤١٧، وهو من رواية علي بن أبي طلحة.","vol":"10","page":396},{"text":"وذهب آخرون إلى أن المراد بهذا جمع المال وإن أديت الزكاة، قال (١) علي -﵁-: \"كل مال زاد على أربعة آلاف فهو كنز أديت منه (٢) الزكاة أو لم تؤد\" (٣)، وقال عبد الواحد بن زيد (٤): \"كل ما فضل من المال عن حاجته (٥) صاحبه إليه فهو كنز\" (٦)، وروى ثوبان عن رسول الله -ﷺ- أنه قال لما نزلت هذه الآية: \"تبًا للذهب تبًا للفضة يقولها ثلاثًا\" قالوا: يا رسول الله: فأي المال نتخذ؟ قال: \"لسانا ذاكرًا، وقلبا شاكرًا، وزوجة مؤمنة تعين أحدكم على دينه\" (٧).\n_________\n(١) في (ى): (وقال)، وهو خطأ.\n(٢) في (ح): (عنه).\n(٣) رواه الصنعاني في \"المصنف\"، كتاب الزكاة، باب كم الكنز؟ رقم (٧١٥٠) ٤/ ١٠٩، وابن جرير ١٠/ ١١٩، وابن أبي حاتم ٦/ ١٧٨٨، والثعلبي ٦/ ١٠٠ ب.\n(٤) هو: عبد الواحد بن زيد القاص، أبو عبيدة البصري، عابد قاص مشهور، له حكايات في الزهد والرقائق، لكنه لبس له علم بالحديث، قال البخاري: منكر الحديث، يذكر بالقدر، وقال الجوزجاني: سيء المذهب، ليس من معادن الصدق، وقال ابن عبد البر: أجمعوا على ضعفه. انظر: \"حلية الأولياء\" ٦/ ١٥٥، و\"صفة الصفوة\" ٣/ ٢١٧، و\"تعجيل المنفعة\" ١/ ٨٣٠.\n(٥) ساقط من (ح).\n(٦) \"تفسير الثعلبي\" ٦/ ١٠٠ ب.\n(٧) رواه الترمذي (٣٠٩٤)، كتاب تفسير القرآن، سورة براءة، وابن ماجه، (١٨٥٦) كتاب النكاح، باب أفضل النساء، وأحمد في \"المسند\" (٥/ ٢٧٨، ٢٨٢، ٣٦٦)، وابن جرير ١٠/ ١١٩، والواحدي في \"أسباب النزول\" (ص ٢٥٠)، وصححه الألباني كما في \"صحيح ابن ماجه\" (١٥٠٥)، وقال الترمذي: حديث حسن، وقال الزيلعي في \"تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في تفسير الكشاف\" ٢/ ٧١: حديث ضعيف لما فيه من الاضطراب.","vol":"10","page":397},{"text":"وعن أبي ذر قال: أتيت رسول الله -ﷺ- وهو في ظل الكعبة، فلما رآني قد أقبلت قال: \"هم الأخسرون ورب الكعبة، [هم الأخسرون ورب الكعبة] (١) \" قلت: من هم فداك أبي وأمي؟ قال: \"الأكثرون، إلا من قال بالمال في عباد الله هكذا وهكذا، عن يمينه وعن شماله ومن خلفه، وقليل ما هم\" (٢).\nوروي هنا أيضًا عن جماعة من الصحابة أنهم ذهبوا إلى أن (٣) هذه الآية فيمن ادخر المال عن الإنفاق في سبيل الله بعد الزكاة أيضًا (٤).\nوالصواب: القول الأول؛ لأنه لا وعيد لمن جمع المال من الحلال وأدى الزكاة لقوله - ﷺ -: \"من أدى زكاة ماله فقد أدى الحق الذي عليه\" (٥)، وقوله - ﷺ -: \"نعما بالمال الصالح للرجل الصالح\" (٦)، وقول ابن عمر\n_________\n(١) ما بين المعقوفين ساقط من (ى).\n(٢) رواه البخاري (٦٦٣٨)، كتاب الأيمان والنذور، باب كيف كانت يمين النبي؟ ومسلم (٩٩٠)، كتاب الزكاة، باب تغليظ عقوبة من لا يؤدي الزكاة، والترمذي (٦١٧)، كتاب الزكاة، باب ما جاء عن رسول الله -ﷺ- في منع الزكاة من التشديد، والنسائي، كتاب الزكاة، باب التغليظ في حبس الزكاة ٥/ ١٠، ١١.\n(٣) ساقط من (ى).\n(٤) ذكر منهم علي بن أبي طالب وأبو ذر وأبو هريرة وعمار بن ياسر. انظر: \"تفسير الثعلبي\" ٦/ ١٠١ أ، وابن كثير ٢/ ٣٨٨، وبعض الأسانيد إليهم ضعيفة.\n(٥) حديث ضعيف، رواه أبو داود في \"المراسيل\" عن الحسن عن النبي -ﷺ-، كما في \"تلخيص الحبير\" ٢/ ١٦٠، ومن طريق أبي داود رواه البيهقي في \"السنن الكبرى\"، كتاب الزكاة، باب الدليل على أن من أدى فرض الله ... إلخ رقم (٧٢٤١) ٤/ ١٤٢، وانظر \"ضعيف الجامع الصغير\"، رقم (٥٣٧٩).\n(٦) رواه الإمام أحمد في \"المسند\" ٤/ ٢٠٢، وذكره البغوي في \"شرح السنة\"، كتاب الرقاق، باب استحباب طول العمر ... ٧/ ٣١٩ بغير سند.","vol":"10","page":398},{"text":"-وسئل عن هذه الآية-، فقال: \"من كنزها فلم يؤد زكاتها فويل له، وما أبالي لو كان لي مثل أحد ذهبًا أعلم عدده أزكيه وأعمل بطاعة الله فيه\" (١)، فعلى هذا من كان له دراهم أو دنانير فدفنها تحت الأرض وهو (٢) يؤدي زكاتها فهو بمعزل عن (٣) الوعيد المذكور في هذه الآية، ولا يطلق اسم الكنز بالشرع على ذلك المال (٤)، وإن كان له مال فوق الأرض وهو لا يؤدي زكاته فذلك المال بالشرع يسمى (٥) كنزًا، ولحقه الوعيد.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، قال الفراء والزجاج: \"إن شئت جعلت الكناية (٦) راجعة إلى مدلول عليه، وهو الكنوز كأنه قال: ولا\n_________\n(١) رواه ابن ماجه (١٧٨٧)، كتاب الزكاة، باب ما أدي زكاته فليس بكنز، والبيهقي في \"السنن الكبرى\"، باب تفسير الكنز .. رقم (٧٢٢٩) ٤/ ١٣٩، ورواه البخاري (١٤٠٤) مختصرًا، كتاب الزكاة، باب ما أدي زكاته فليس بكنز.\n(٢) من (م).\n(٣) في (ى): (من).\n(٤) ومما يؤيد ذلك ما يأتي:\nأ- أن الله تعالى شرع الوصية والمواريث، ولو كان انفاق جميع المال واجبًا لما كان لمشروعية ذلك فائدة.\nب- نهي النبي -ﷺ- سعدًا أن يتصدق بجميع ماله، بل وأن يتصدق بأكثر من الثلث وذلك في مرضه الذي غلب على ظنه موته فيه، ثم تعليل النبي -ﷺ- ذلك بقوله: \" .. فالثلث والثلث كثير، إنك إن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس في أيديهم\" رواه البخاري في \"صحيحه\"، كتاب الوصايا، باب أن يترك ورثته أغنياء خير .. ٤/ ٤٧، وهذا الحديث كان بعد فتح مكة كما جاء في أوله، فهو مبين ما استقر عليه الإسلام.\n(٥) في (م): (يسمى بالشرع) ... إ الخ.\n(٦) يقصد الضمير في قوله تعالى: ﴿وَلَا يُنْفِقُونَهَا﴾ بالإفراد، وهو يعود إلى الذهب والفضة، وكان الظاهر أن يقول: ولا ينفقونهما.","vol":"10","page":399},{"text":"ينفقون الكنوز\" (١)، قال الزجاج: \"ويجوز أن يكون محمولًا على الأموال (٢)؛ لأن الأموال هي الذهب والفضة، قال: ويجوز أن تكون: ولا ينفقون الفضة، وحذف الذهمب لأنه داخل في الفضة\" (٣)، وهذا معنى قول الفراء: \"وإن شئت اكتفيت بذكر أحدهما من صاحبه، كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا﴾ [الجمعة:١١] فجعله (٤) للتجارة، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا﴾ [النساء: ١١٢] (٥) فجعله للإثم، وأنشدوا (٦):\nنحن بما عندنا وأنت بما عندك ... راض والرأي مختلف (٧)\nوأنشد الفراء للفرزدق:\nإني ضمنت لمن أتاني ما جنى ... وأبي (٨) وكان وكنت غير غدور (٩)\n_________\n(١) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٤٣٤، و\"معاني القرآن وإعرابه\" للزجاج ٢/ ٤٤٥.\n(٢) اهـ. كلام الزجاج، المصدر السابق، نفس الموضع.\n(٣) المصدر السابق، نفس الموضع.\n(٤) في (ج): (فجعلها).\n(٥) قد كرر ناسخ (ح) ذكر هذه الآية وزاد بعد الموضع الأول قوله: فجعله للتجارة.\n(٦) عبارة الفراء: وقال الشاعر في مثل ذلك.\n(٧) البيت لعمرو بن امرئ القيس الخزرجي كما في \"مجاز القرآن\" ١/ ٣٩، و\"شرح أبيات سيبويه\" ١/ ٢٧٩، و\"شرح شواهد الإيضاح\" ص١٢٨، و\"اللسان\" (فجر) وقيل: هو لقيس بن الخطيم، كما في \"زيادات ديوانه\" ص٢٣٩، و\"تلخيص الشواهد\" ص ٢٠٥، و\"الدرر اللوامع\" ٥/ ٣١٤، و\"كتاب سيبويه\" ١/ ٧٥، ونسب في \"الإنصاف\" ص ٨٥ لدرهم بن زيد الأنصاري.\n(٨) في (ح): (وأتى).\n(٩) البيت للفرزدق كما في: \"الإنصاف\" ٨٥٥٥، و\"شرح أبيات سيبويه\" ١/ ٢٢٦، و\"كتاب سيبويه\" ١/ ٧٦، و\"لسان العرب\" (قعد) ٦/ ٣٦٨٨ وليس في ديوانه.","vol":"10","page":400},{"text":"ولم يقل غدورين، وذلك لاتفاق المعنى يكتفى بذكر الواحد\" (١).\nوهذا أيضًا مذهب أبي عبيدة قال: \"صار الخبر عن أحدهما كالخبر (٢) عنهما، وأنشد قول ضابيء البرجمي (٣):\nفمن يك أمسى بالمدينة رحله ... فإني وقيار بها لغريب (٤) (٥)\nوإلى هذا ذهب صاحب النظم وزاد بيانًا فقال: \"الذهب والفضة في أنهما جميعًا ثمنان للأشياء كلها (٦) ويكنزان، وهما جميعًا جوهران يدخران يجريان في عامة الأمور مجرى واحدًا، فاقتصر في الكناية عن أحدهما دون الآخر؛ إذ (٧) في ذكر أحدهما ذكر لهما (٨) جميعًا\"، وقال أبو بكر بن الأنباري: \"اكتفى بإعادة الذكر على الفضة لأنها أقرب إلى العائد وأعم وأغلب، كقوله: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا﴾ [البقرة: ٤٥] ردّ الكناية إلى الأغلب والأقرب\" (٩).\nوقوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ أي ضع الوعيد بالعذاب\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" ١/ ٤٣٤.\n(٢) في (ى): (عن الآخر).\n(٣) هو بن الحارث بن أرطاة البرجمي التميمي. تقدمت ترجمته.\n(٤) البيت لضابىء البرجمي كما في \"الأصمعيات\" ص ١٨٤، و\"الإنصاف\" ص ٨٥، و\"خزانة الأدب\" ٩/ ٣٢٦، و\"كتاب سيبويه\" ١/ ٧٥، و\"لسان العرب\" (قير) ٦/ ٣٧٩٣، و\"نوادر أبي زيد\" ص ٢٠.\n(٥) \"مجاز القرآن\" ١/ ٢٥٧ بنحوه.\n(٦) ساقط من (ى).\n(٧) ساقط من (ى).\n(٨) في (ح) و(ى): (ذكرهما).\n(٩) ذكر قول ابن الأنباري بلفظ مقارب الثعلبي في \"تفسيره\" ٦/ ١٠٢ أ.","vol":"10","page":401},{"text":"الأليم موضع (١) البشرى بالنعيم، ويجوز أن يكون المعنى: فأخبرهم؛ لأن أصل البشرى: ما يظهر في بشرة الوجه من فرح أو غم، إلا أنه أكثر (٢) في الفرح، وكلا القولين بما مضى الكلام فيه (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1412>٣٥ </span>- وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ﴾ الآية، \"يوم\" ظرف للعذاب الأليم في قوله: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾.\nوقوله: ﴿يَوْمَ يُحْمَى﴾: قال الأصمعي: \"أحميت الحديدة في النار فأنا أحميها إحماءً حتى حميت تحمى (٤) حميا\" (٥)، وذلك إذا أوقدت عليها، وقوله: ﴿عَلَيْهَا﴾ ليس منه (٦) صلة الإحماء؛ لأنه يقال: أحميت الحديدة ولا يقال: على الحديدة، إلا إذا جعل (على) من صلة معنى الإحماء، وهو الإيقاد فمعنى قوله: \"يحمى عليها\" أي يوقد عليها، أنشد ابن السكيت (٧):\nإن كنت جلمود بصر (٨) لا أؤبسه ... أوقد عليه فأحميه فينصدع (٩)\n_________\n(١) في (ى): (مع).\n(٢) في (م): (كثر).\n(٣) انظر: \"تفسير البسيط\" البقرة: ٩٧.\n(٤) ساقط من: (ى).\n(٥) اهـ. كلام الأصمعي، انظر: \"تهذيب اللغة\" (حمي) ١٠١٣.\n(٦) ساقط من (ح).\n(٧) انظر: \"تهذيب إصلاح المنطق\" ص٨٣، و\"تهذيب اللغة\" (أبس) ١/ ١٠٧.\n(٨) في (ح): (نصرًا)، وهو خطأ.\n(٩) البيت لعباس بن مرداس. انظر \"ديوانه\" ص ٨٦، و\"تهذيب إصلاح المنطق\" ص ٨٣، و\"لسان العرب\" (أبس) و(بصر).\nوالجلمود: الصخر الغليظ، والبصر: الحجارة الرخوة تضرب إلى البياض، =","vol":"10","page":402},{"text":"والكناية (١) في ﴿عَلَيْهَا﴾ تعود إلى ما عادت في قوله: ﴿وَلَا يُنْفِقُونَهَا﴾ (٢)، قال ابن عباس: ﴿يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا﴾ أي: على الكنوز\" (٣)، وقوله تعالى: ﴿فَتُكْوَى بِهَا﴾ معنى الكي في اللغة: إلصاق الحار من نار (٤) أو حديدة بالعضو حتى يحترق الجلد، يقال: كوى البيطار (٥) بالمكواة يكوي كيًا، وقوله تعالى: ﴿جِبَاهُهُمْ﴾ جمع الجبهة وهي مستوى ما بين الحاجبين إلى الناصية، والأجبه: الرجل العريض الجبهة، وجبهت الرجل: إذا استقبلته بمكروه، كأنك ضربت به جبهته.\nوالجنوب: جمع الجنب، وهو الجانب المشبك بالعظام المقوسة، قال المفسرون: \"من كان له مال في الدنيا لم يؤد زكاته أحمي دراهمه ودنانيره في نار جهنم وكوي بها في هذه المواضع، لا يوضع دينار مكان دينار ولا درهم مكان درهم، ولكن يوسع جلده، فيوضع بكل درهم ودينار\n_________\n= ومعنى أؤبسه: أذللَه. انظر: \"لسان العرب\" (أبس، بصر، جلمد)، قال ابن السكيت: \"يقول: إني أقدر عليك على كل وجه، ولو كنت حجرًا لا يذلل لأوقدت عليه حتى يتفتت\". \"تهذيب إصلاح المنطق\" ص ٨٣.\n(١) ساقط من (ح).\n(٢) في (ى): (زيادة نصها: \"إلصاق الحار من النار\"، ولا معنى لها في هذا الموضع، وسيأتي موضعها عند قوله تعالى: ﴿فَتُكْوَى بِهَا﴾.\n(٣) ذكره المصنف في \"الوسيط\" ٢/ ٤٩٢، والفيروزأبادي في \"تنوير المقباس\" ص ١٩٢.\n(٤) في (ي): (بالنار).\n(٥) البيطار: \"معالج الدواب\". انظر: \"لسان العرب\" (بطر) ١/ ٣٠١.","vol":"10","page":403},{"text":"كية على جلده\" (١)، وهذا معنى قول ابن مسعود (٢) وابن عباس (٣)، وكان أبو ذر يقول: \"بشر الكانزين بكي في الجباه وكي في الجنوب وكي في الظهور حتى يلتقي الحر في أجوافهم\" (٤)، ولهذا المعنى الذي أشار إليه أبو ذر خصت هذه المواضع [بالكي؛ لأن داخلها جوف بخلاف اليد والرجل، وكان أبو بكر الوراق (٥) يقول: خُصت هذه المواضع] (٦)؛ لأن صاحب المال إذا رأى الفقير قبض جبهته وزوى ما بين عينيه وطوى عنه كشحه (٧)، وولاه ظهره\" (٨).\nوقوله تعالى: ﴿هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ﴾ أي: يقال لهم: هذا الذي تكوون به ما جمعتم لأنفسكم وبخلتم به عن حق الله، وإضمار القول كثير في القرآن.\n_________\n(١) انظر: \"تفسير الثعلبي\" ٦/ ١٠٢ ب، والبغوي ٤/ ٤٤، و\"الدر المنثور\" ٣/ ٤١٩ - ٤٢٠.\n(٢) رواه ابن جرير ١٠/ ١٢٤، وابن أبي حاتم ٦/ ١٧٩٠، والثعلبي ٦/ ١٠٢ ب، والطبراني وأبو الشيخ كما في \"الدر المنثور\" ٣/ ٤١٩. قال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" ٧/ ١٠٤: \"رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح\".\n(٣) رواه مختصرًا ابن المنذر، كما في \"الدر المنثور\" ٣/ ٤١٩.\n(٤) رواه بنحوه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ١/ ٢/ ٢٧٣، وابن جرير ١٠/ ١٢٣.\n(٥) هو: محمد بن إسماعيل بن العباس، أبو بكر الوراق، الإمام المحدث، كان حافظًا ثقة من شيوخ الدارقطني والبرقاني، ولد سنة ٢٩٣ هـ، وتوفي سنة ٣٧٨ هـ. انظر: \"تاريخ بغداد\" ٢/ ٥٣، و\"سير أعلام النبلاء\" ١٦/ ٣٨٨، و\"شذرات الذهب\" ٣/ ٩٢.\n(٦) ما بين المعقوفين ساقط من (ى).\n(٧) الكشح: ما بين الخاصرة إلى الضلع من الخلف، وقيل غير ذلك، وطوى عنه كشحه: أي قاطعه وعاداه، وقيل: أعرض عنه وتباعد.\nانظر: \"مجمل اللغة\" (كشح) ٣/ ٧٨٦، و\"لسان العرب\" (كشح) ٧/ ٣٨٨٠.\n(٨) ذكره البغوي ٤/ ٤٤، والمؤلف في \"الوسيط\" ٢/ ٤٩٣، وبمعناه الثعلبي ٦/ ١٠٢ ب.","vol":"10","page":404},{"text":"وقوله تعالى: ﴿فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ من باب حذف المضاف، أي: ذوقوا عذاب ما كنتم تكنزون، وحديث أبي هريرة يفسّر هذه الآية، وهو ما أخبرنا الأستاذ أبو إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم (١) [﵀ قال (٢): أنا (٣) أبو محمد عبد الله بن حامد الأصفهاني قال: أخبرنا (٤) أبو يحيى أحمد بن محمد بن إبراهيم] (٥) السمرقندي (٦) قال: ثنا محمد بن نصر المروزي (٧) قال: ثنا محمد بن عبد الملك ابن أبي الشوارب (٨) قال: ثنا عبد العزيز بن المختار (٩) قال: ثنا\n_________\n(١) هو الثعلبي، شيخ المؤلف، وقد تقدمت ترجمته عند ذكر شيوخه.\n(٢) سقطت كلمة: (قال) من (ح) و(م) في جميع السند على عادة المحدثين.\n(٣) في (م): (حدثنا) في جميع السند دون اختصار الكلمة.\n(٤) في (ى): (أنا)، على عادة المحدثين.\n(٥) ما بين المعقوفين ساقط من (م).\n(٦) هو: أحمد بن محمد بن إبراهيم بن حازم أبو يحيى السمرقندي الكرابيسي، روى عن محمد بن نصر وابن خزيمة، اتهم في إكثاره من الرواية عن ابن نصر، وقد ثبت أن ابن نصر أجاز له بما صح عنده عنه.\nانظر: \"ميزان الاعتدال\" ١/ ١٢٩، و\"لسان الميزان\" ١/ ٢٥١.\n(٧) هو: محمد بن نصر بن الحجاج المروزي، الإمام شيخ الإسلام أبو عبد الله الحافظ، إمام عصره في الحديث بلا مدافعة، وكان من أعلم أهل زمانه بالاختلاف، وأكثرهم صيانة في العلم، مع حسن العبادة، وجودة التصنيف، توفي سنة ٢٩٤ هـ.\nانظر: \"تذكرة الحفاظ\" ٢/ ٦٥٠، و\"البداية والنهاية\" ١١/ ١٠٢، و\"تهذيب التهذيب\" ٣/ ٧١٧.\n(٨) هو: محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب محمد بن عبد الله الأموي، أبو عبد الله البصري، إمام ثقة محدث فقيه، من رجال مسلم، توفي سنة ٢٤٤ هـ.\nانظر: \"تاريخ بغداد\" ٢/ ٣٤٤، و\"سير أعلام النبلاء\" ١١/ ١٠٣، و\"تهذيب التهذيب\" ٣/ ٦٣٤.\n(٩) هو: عبد العزيز بن المختار الأنصاري، أبو إسحاق الدباغ البصري، مولى حفصة =","vol":"10","page":405},{"text":"سهيل (١) عن أبيه (٢) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله -ﷺ: \"ما من صاحب كنز لا يؤدي زكاته إلا أحمي عليه في نار جهنم، فيجعل صفائح، فتكوى بها جبينه وجنباه، حتى يحكم الله بين عباده في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة مما تعدون، ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار\" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1413>٣٦ </span>- قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا﴾ الآية، قد ذكرنا معنى العدة والشهر في سورة البقرة (٤)، قال أبو إسحاق: \"أعلم\n_________\n= بنت سيرين، ثقة مكثر، من رجال البخاري ومسلم، وهو من الطبقة السابعة الذين توفوا بعد سنة ١٠٠ هـ. انظر: \"الكاشف\" ٢/ ٦٥٨، و\"تقريب التهذيب\" ٣٥٩/ ٤١٢٠، و\"تهذيب التهذيب\" ٢/ ٥٩٣.\n(١) هو: سهيل بن أبي صالح ذكوان السمان، أبو يزيد المدني، محدث مكثر، وثقه الجمهور وضعفه ابن معين وغيره، وقد تغير حفظه بآخره، وهو من رجال مسلم، وروى له البخاري مقرونًا بغيره، توفي سنة ١٣٨ هـ.\nانظر: \"الكاشف\" ٢/ ٤٧١، و\"تقريب التهذيب\" ٢٥٩/ ٢٦٧٥، و\"تهذيب التهذيب\" ٢/ ١٢٨.\n(٢) هو ذكوان، أبو صالح السمان الزيات، مولى جويرية بنت الأحمس الغطفاني، تابعي ثقة ثبت من أجل الناس وأوثقهم، كثير الحديث، مات سنة ١٠١هـ.\nانظر: \"الكاشف\" ٢/ ٣٨٦، و\"تقريب التهذيب\" ٢٠٣ (١٨٤٢)، و\"تهذيب التهذيب\" ١/ ٥٧٩.\n(٣) رواه مسلم في \"صحيحه\" (٩٨٧)، كتاب الزكاة، باب إثم مانع الزكاة، وأبو داود في \"سننه\" (١٦٥٨)، كتاب الزكاة، باب في حقوق المال، وأحمد في \"المسند\" ٢/ ٢٦٢، ٣٨٣.\n(٤) انظر النسخة الأزهرية: (١/ ١١٢ ب) وقد قال هنا: (والعدة: (فعله) من العد، وهو بمعنى المعدود، كالطحن بمعنى المطحون، ومنه يقال للجماعة المعدودة من الناس: عدة، وعدة المرأة من هذا) اهـ. وقال في نفس النسخة (١/ ١١٣ ب): (الشهر مأخوذ من الشهرة، تقول: شهر الشيء يشهره شهرًا، إذا أظهره، وسمي الشهر شهرًا لشهرة أمره في حاجة الناس إليه في معاملاتهم ... إلخ).","vol":"10","page":406},{"text":"الله -﷿- أن عدة شهور المسلمين التي تُعبدوا بأن يجعلوها لسنتهم اثنا عشر شهرًا، على منازل القمر، واستهلال الأهلة، وكان أهل الكتاب يعملون على أن السنة ثلثمائة وخمس وستون يومًا وبعض يوم، على هذا يجري أمر النصارى واليهود، فأعلم الله -﷿- أن سني المسلمين على الأهلة\" (١).\nقوله تعالى: ﴿فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾، قال الواقدي: \"يعني اللوح المحفوظ\" (٢)، وهو قول عامة أهل التأويل (٣)، ونحو هذا يحكى عن ابن عباس ﴿فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ قال: \"في الإمام (٤) الذي عند الله كتبه يوم خلق السموات والأرض\" (٥).\nقال أبو علي الفارسي: \" [لا يجوز تعلق] (٦) الكتاب بالعدة؛ لأن فيه (٧) فصلًا بين الصلة والموصول بالخبر الذي هو اثنا عشر، ولكنه يتعلق بمحذوف على أن يكون صفة للخبر تقديره: \"اثنا عشر شهرًا مكتوبًا في كتاب الله\"، قال: والكتاب لا يكون إلا مصدرًا، ولا يجوز أن يعني به كتاب من الكتب؛ وذلك لتعلق اليوم به، وسائر الظروف لا تتعلق بأسماء الأعيان؛ لأنه لا معاني في أسماء الأعيان للفعل، (لا تقول: غلامك يوم الجمعة)، على أن يتعلق اليوم بالغلام، فبهذا يعلم أنه\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١٤٥ باختصار وتصرف.\n(٢) لم أجده في كتابه \"المغازي\".\n(٣) انظر: \"تفسير ابن جرير\" ١٠/ ١٢٤ - ١٢٩، والثعلبي ٦/ ١٠٥ أ، وابن الجوزي ٣/ ٤٣٢.\n(٤) في (م): (الأيام)، وهو خطأ.\n(٥) ذكر، ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٣/ ٤٣٢، والمؤلف في \"الوسيط\" ٢/ ٤٩٤.\n(٦) في (ح): (يجوز أن لا يعلق)، وما أثبته موافق لما في \"الحجة للقراء السبعة\".\n(٧) في (ف): (فيها)، وما أثبته موافق لما في \"الحجة\".","vol":"10","page":407},{"text":"مصدر\" هذا كلامه (١).\nويمكن أن يكون الكتاب اسمًا على ما ذكره أهل التفسير (٢)، ويضمر للظرف ما (٣) يتعلق به على أن يكون المعنى: ﴿فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾: كتبه يوم خلق السموات والأرض، على ما يحكى عن ابن عباس (٤)، وذكر أبو علي هذه الآية في \"المسائل الحلبية\"، فقال: \"الفائدة في قوله: ﴿فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ بعد قوله: ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ أن في ﴿كِتَابِ اللَّهِ﴾ من الاختصاص ما ليس في قوله: ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ ألا ترى أنه قد توصف أشياء بأنها عنده ولا توصف بأنها في كتابه كقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [لقمان: ٣٤] ففي ﴿كِتَابَ اللَّهِ﴾ معنى زائد على ما في ﴿عِنْدِ اللَّهِ﴾ فجرى في هذا المعنى مجرى قولك: خرج من الدار من البيت (٥) و﴿عِنْدِ اللَّهِ﴾ متعلق بالمصدر الذي هو العدة وهو العامل فيه.\nوقوله تعالى: ﴿فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ متعلق بمحذوف لأنه صفة لـ (اثني عشر) قال: ويجوز أن يكون متعلقا بـ\"حرم\" على تقدير: منها أربعة حرم في كتاب الله، أي: فيما كتب الله يوم خلق السموات والأرض، والمعنى: أن الحرم منها في كتاب الله أي فيما فرض كونه (٦) حرمًا أربعة أشهر لا أكثر\n_________\n(١) \"الحجة للقراء السبعة\" ٢/ ٤٥٨ بتصرف، والجملة التي بين القوسين مزيدة في كلام أبي علي.\n(٢) سبق ذكر قول ابن عباس وعامة أهل التأويل.\n(٣) في (ح): (وما).\n(٤) سبق تخريجه عند ذكر أول الآية.\n(٥) في (ى): (خرج من البيت)، والصواب ما في (ح) و(م)، وهو موافق لما في المسائل الحلبيات.\n(٦) في (ى): (من كونه)، وما في (ح) و(م) موافق لما في \"المسائل الحلبيات\".","vol":"10","page":408},{"text":"منه (١)، فإذا نسأتم أنتم المشهور فجعلتم (٢) أكثر من أربعة أشهر وحللتم ما حرم الله وحرمتم ما أحل الله كان ذلك زيادة في الكفر، كما ذمهم الله بفعل ذلك\" (٣).\nوقوله تعالى: ﴿مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ وهي: رجب وذو القعدة وذو الحجة والمحرم (٤)، في قول الجميع، ومعنى الحرم: أنه يعظم انتهاك المحارم فيها بأشد (٥) مما يعظم في غيرها، وكانت العرب تعظمها حتى لو لقي الرجل منهم قاتل أبيه لم يهجه.\nقال أهل المعاني: \"وفي جعل بعض المشهور أعظم حرمة من بعض فوائد من المصلحة في الكف عن الظلم فيها لعظم منزلتها في حكم خالقها، فربما أدى ذلك إلى ترك الظلم رأسًا؛ لانطفاء الثائرة في تلك المدة\" (٦).\n_________\n(١) في \"الحلبيات\": منها.\n(٢) هكذا في جميع النسخ، وفي \"الحلبيات\": جعلتم، وتصرف الواحدي يغيّر المعنى الذي يريده أبو علي؛ فمعنى عبارة أبي علي: إن الله حرّم أربعة أشهر فقط فإذا نسأتم المشهور كانت الحرم أكثر من أربعة، بينما جملة (فجعلتم أكثر من أربعة أشهر) في عبارة الواحدي تفسير لمعنى النسيء ولا يتم بها المعنى، ولذا اضطر لزيادة جملة (كان ذلك زيادة في الكفر) ليتم المعنى، وهذه الجملة بهذا المعنى مقحمة في كلام أبي علي.\n(٣) \"المسائل الحلبيات\" ص ٣٠٧ بتصرف.\n(٤) في (ح) و(ى): (رجب والمحرم ... إلخ.\n(٥) في (ى): (أشد)، وقد أثبت ما في (ح) و(م) لموافقته لما في \"الوسيط\" ٢/ ٤٩٤.\n(٦) ذكره بنحوه الماوردي في \"النكت والعيون\" ٢/ ٣٦٠، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٣/ ٤٣٤ دون نسبة، ولم أجده في كتب أهل المعاني التي بين يدي.","vol":"10","page":409},{"text":"وقد ذكرنا هذا مستقصى عند قوله: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ [المائدة: ٩٧] (١) الآية.\nوقوله: ﴿ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ الدين له معان كثيرة في اللغة، ومناه ههنا (٢): الحساب، ومنه قيل: \"الكيس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت\" (٣) أي: حاسبها، و\"القيم\": معناه المستقيم، وقد ذكرناه عند قوله:\n_________\n(١) انظر النسخة (ح) ٢/ ٧٤ أحيث قال: (اختلف المفسرون وأصحاب المعاني في هذه الآية، فقال ابن عباس في بعض الروايات: \"قوله ﴿قيامًا للناس﴾ قيامًا لدينهم ومعالم لحجهم\"، وقال سعيد بن جير: \" ﴿قيامًا للناس﴾ صلاحًا لدينهم\"\nفعلى هذا، القيام مصدر قولك: قام قيامًا والمعنى: إن الله جعل الكعبة سببًا لقيام الناس إليها للحج وقضاء النسك، فيصلح بذلك دينهم، لأنه يحط عنهم الذنوب والأوزار عندها ..\nوقال جماعة من المفسرين وأكثر أصحاب المعاني: القيام ههنا يراد به القوام، وهو العماد الذي يقوم به الشيء، والتقدير فيه: جعل الله الحج للكعبة البيت الحرام قيامًا لمعاش الناس ومكاسبهم ..) إلخ.\n(٢) ساقط من (ى).\n(٣) هذا بعض حديث رواه الترمذي (٢٤٥٩)، كتاب صفة القيامة، وابن ماجه (٢٤٦٠) في \"السنن\"، كتاب الزهد، باب ذكر الموت، وأحمد في \"المسند\" ٤/ ١٢٤، والحاكم في \"المستدرك\"، كتاب الإيمان ١/ ٥٧، والبيهقي في \"السنن الكبرى\"، كتاب الجنائز، باب ما ينبغي لكل مسلم .. رقم (٦٥١٤) ٣/ ٥١٧، والبغوي في \"شرح السنة\"، كتاب الرقاق، باب الاجتناب عن الشهوات، رقم (٤٠١١) ٧/ ٣٣٣.\nقال الترمذي: حديث حسن، وقال الحاكم: حديث صحيح على شرط البخاري، وتعقبه الذهبي بقوله: لا والله، أبو بكر واه.\nقلت: والحديث في جميع المصادر السابقة يدور على هذا الراوي الضعيف وهو أبو بكر ابن عبد الله بن أبي مريم الغساني الشامي، قال الحافظ في \"تقريب التهذيب\" ص ٦٢٣ (٧٩٧٤): \"ضعيف، وكان قد سرق بيته فاختلط\".","vol":"10","page":410},{"text":"﴿دِينًا قِيَمًا﴾ [الأنعام: ١٦١]. قال المفسرون وأهل المعاني: \"ذلك الحساب المستقيم الصحيح، والعدد المستوي\" (١). وقال الحسن: \" ﴿ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾: الذي (٢) لا يبدل ولا يغير\" (٣)، فالقيم على هذا بمعنى (٤): القائم الدائم الذي لا يزول.\nقال أهل العلم: \"فالواجب على المسلمين بدليل هذه الآية أن يعتبروا به في بيوعهم، ومُدد ديونهم، وأحوال زكاتهم، وسائر أحكامهم، السنة العربية بالأهلة، ولا يجوز لهم (٥) اعتبار السنة العجمية والرومية (٦) (٧).\nقوله تعالى: ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾، قال ابن عباس في رواية عطاء: \"تحفّظوا من أنفسكم فيها واجتنبوا الخطايا، فإن الحسنات فيها\n_________\n(١) انظر: \"تفسير غريب القرآن\" ص ١٩٤، و\"معاني القرآن\" للنحاس ٣/ ٢٠٦، و\"النكت والعيون\" ٢/ ٣٦٠، و\"زاد المسير\" ٣/ ٤٣٢.\n(٢) في (ى): (أي).\n(٣) ذكره الفخر الرازي في \"تفسيره\" ١٦/ ٥٣.\n(٤) في (ج): (معنى).\n(٥) ساقط من: (ى).\n(٦) السنة العجمية هي السنة الفارسية وهي اثنا عشر شهرًا، كل شهر ثلاثون يومًا عدا شهر واحد فإنه خمسة وثلاثون يومًا، وأما السنة الرومية فهي أيضًا اثنا عشر شهرًا، لكن الشهور مختلفة فشهر ثمانية وعشرون يومًا، وشهر ثلاثون يومًا وشهر واحد وثلاثون يومًا، وتعرف اليوم بالسنة الميلادية.\nانظر تفصيل ما سبق في: \"أحكام القرآن\" لابن العربي ٢/ ٩٣٦.\n(٧) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٢/ ٤٤٥، و\"أحكام القرآن\" لإلكيا الهراسي ٤/ ١٩٩، و\"تفسير الرازي\" ١٦/ ٥٥، و\"الجامع الأحكام القرآن\" للقرطبي ٨/ ١٣٣.","vol":"10","page":411},{"text":"تضعف والسيئات فيها تضعف (١) \" (٢)، فعلى هذا القول: الكناية تعود إلى الحرم، وهو قول قتادة، قال: \"الظلم في الأشهر الحرم أعظم وزرًا من الظلم فيما سواها، وإن كان الظلم على كل حال عظيما، ولكن الله يعظم من أمره ما يشاء، فاصطفى من الملائكة رسلًا، ومن الناس، ومن الأرض والمساجد، والأيام والشهور والليالي، فعظموا ما عظم الله\" (٣).\n_________\n(١) السيئة لا تضعف بالمعنى المتبادر للتضعيف، وإنما يجزى بمثلها من غير زيادة كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [الأنعام: ١٦٠]، ولكن السيئة تعظم لسبب من الأسباب فيعظم جزاؤها، ومن ذلك: حرمة الزمان كما في هذه الآية وحرمة المكان كالحرم، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥] ومن ذلك أيضًا مكانة الشخص، قال تعالى: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ [الأحزاب: ٣٠]، وكون الشخص ممن يقتدى به، قال تعالى: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [النحل: ٢٥]، وغير ذلك من أسباب عظمة السيئة، وعلى هذا يحمل قول ابن عباس المذكور -ولا يصح عنه- وقد جاء ذلك مصرحًا به في رواية الوالبي الصحيحة، ونصها: \"ثم خص من ذلك أربعة أشهر فجعلهن حرمًا، وعظم حرماتهن، وجعل الذنب فيهن أعظم، والعمل الصالح والأجر أعظم\". انظر تخريج الرواية في الهامش التالي.\n(٢) \"الوسيط\" ٢/ ٤٩٤، وقد سبق بيان أن رواية عطاء مكذوبة ورواه بمعناه من رواية الوالبي الإمام ابن جرير ١٠/ ١٢٦، وابن أبي حاتم ٦/ ١٧٩٣، وابن المنذر والبيهقي في \"شعب الإيمان\" كما في \"الدر المنثور\" ٣/ ٤٢٥ وفيه زيادة.\n(٣) ذكر المؤلف قول قتادة بمعناه، وقد أخرجه ابن جرير ١٠/ ١٢٧، وابن المنذر وأبو الشيخ كما في \"الدر المنثور\" ٣/ ٤٢٥، ورواه مختصرًا ابن أبي حاتم ٦/ ١٧٩٣، والثعلبي ٦/ ١٠٥ ب.","vol":"10","page":412},{"text":"وقال محمد بن إسحاق: ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ بأن تجعلوا حرامها حلالًا، وحلالها حرامًا كما فعل أهل الشرك في النسيء\" (١)، وعلى هذا: الكناية تعود إلى الشهور كلها [وقد روي عن ابن عباس أنه (٢) قال: \" ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ (٣): في الشهور كلها\" (٤)] (٥)، وحكى الزجاج القولين جميعًا، وقال: \"من قال في الأربعة: أراد تعظيم شأن المعاصي فيهن كما قال تعالى: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧]، وهذه الأشياء لا تجوز في غير الحج، ولكنه -﷿- عرّف الأيام التي تكون فيها المعاصي أكثر إثمًا وعقابًا\" (٦)، واختار الفراء أن تكون الكناية راجعة إلى الأربعة لقوله: ﴿فِيهِنَّ﴾ ولم يقل (فيها) كما قال: ﴿مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ لما عادت الكناية إلى كلها، قال: وكذلك كلام العرب لما بين الثلاثة إلى العشرة يقولون: لثلاث خلون، إلى العشرة [(فإذا جُزت العشرة) (٧) قالوا: خلت، ويقولون لما بين الثلاثة إلى العشرة] (٨): (هن) و(هؤلاء) (٩) فإذا جزت العشرة قالوا: (هي) و(هذه) إرادة أن تُعرف\n_________\n(١) \"سيرة ابن هشام\" ٢/ ٢٠٦.\n(٢) ساقط من (ى).\n(٣) ساقط من (ح).\n(٤) رواه ابن جرير ١٠/ ١٢٦، وابن أبي حاتم ٦/ ١٧٩٢، واللفظ له، وابن المنذر والبيهقي في \"شعب الإيمان\" كما في \"الدر المنثور\" ٣/ ٤٢٥.\n(٥) ما بين المعقوفين ساقط من (م).\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٤٦ بنحوه.\n(٧) ما بين القوسين ساقط من (ى).\n(٨) ما بين المعقوفين ساقط من (م).\n(٩) من (م).","vol":"10","page":413},{"text":"سمة القليل من الكثير، قال: \"ويجوز في كل واحد ما جار في صاحبه\"، وأنشد:\nأصبحن في قُرح وفي داراتها ... سبع ليال غير معلوفاتها (١) (٢)\nولم يقل: غير معلوفاتهن وهي سبع، وكل صواب؛ إلا أن المؤْثر ما فسرت لك (٣).\nوالأصل في هذا أن جمع القلة يكنى عنه كما يكنى عن جماعة مؤنثة، ويكنى عن جمع الكثرة كما يكنى عن واحدة مؤنثة، كما قال حسان:\nلنا الجفنات الغر يلمعن بالضحى (٤) ... وأسيافنا يقطرن من نجدة (٥) دما (٦)\nفقال: يلمعن ويقطرن؛ لأن الأسياف والجفنات جمع قلة، ولو جمع جمع (٧) الكثرة لقال: تلمع وتقطر، هذا هو الاختيار، ويجوز إجراء أحدهما مجرى الآخر، كقول النابغة:\nولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب (٨)\n_________\n(١) في (ى): (معروفاتها)، وهو خطأ.\n(٢) سبق تخريج هذا الرجز عند تفسير الآية ٢٥ من سورة براءة.\nوقد بين ابن منظور في \"لسان العرب\" ٦/ ٣٥٧٤ أن (قُرْح) بضم القاف وسكون الراء: اسم وادي القرى أو سوق فيه.\nوالدارات: جمع دارة وهي كل أرض واسعة بين جبال. المصدر نفسه (دور) ٤/ ٢٩٦.\n(٣) \"معاني القرآن\" ١/ ٤٣٥ باختصار.\n(٤) في (ى): (في الضحى)، والمثبت موافق لديوانه.\n(٥) في (م): (حدة)، والمثبت موافق لديوانه.\n(٦) انظر: \"شرح ديوان حسان\" ص ٢٢١ وقال الشارح: الجفنات: القصاع، والغر: البيض من كثرة الشحم وبياض اللحم، يصف حسان قومه بالندى والبأس.\n(٧) ساقط من (ى).\n(٨) انظر: البيت في \"ديوان النابغة\" ص ٣٢، ونسب إليه أيضًا في \"إصلاح المنطق\" ص ٢٤، و\"خزانة الأدب\" ٣/ ٣٢٧، و\"كتاب سيبويه\" ٢/ ٣٢٦.","vol":"10","page":414},{"text":"فقال: بهن والسيوف جمع كثرة، وروي عن ابن عباس أيضًا أنه قال: \" ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ باستحلال القتل والغارة فيهن\" (١)، وهذا يوجب ترك القتال في الأربعة الحرم، وبقاؤها على ما كانت قبل الإسلام، وقد ذكرنا الخلاف في هذا الحكم في سورة البقرة (٢)، في قوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢١٧].\nوقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾، قال ابن عباس: \"كافة: جميعًا\" (٣)، يريد: قاتلوهم كلهم ولا تُحابوا (٤) بعضهم بترك القتال؛ كما أنهم يستحلون قتال جميعكم، ويجوز أن يكون المعنى: قاتلوهم بأجمعكم، مجتمعين على قتالهم كما يفعلون هم، يريد:\n_________\n(١) رواه الثعلبي ٦/ ١٠٥ ب، والبغوي ٤/ ٤٥.\n(٢) انظر النسخة الأزهرية: ١/ ١٣٢ أحيث قال: (وأما حكم القتال في الشهر الحرام اليوم فالعلماء فيه مختلفون، قال ابن جريج: \"حلف لي عطاء بالله ما يحل للناس أن يغزوا في الحرم ولا في الشهر الحرام، إلا أن يقاتلوا\"، وروى أبو الزبير عن جابر قال: \"لم يكن رسول الله -ﷺ- يغزوا في الشهر الحرام إلا أن يغزا، فإذا حضر ذلك أقام حتى ينسلخ\"، وسئل سعيد بن المسيب هل يصلح للمسلمين أن يقاتلوا الكفار في الشهر الحرام؟ قال: نعم، وقال ذلك سليمان بن يسار، وهو مذهب قتادة وغيره من العلماء، يرون القتال في الشهر الحرام، قال أبو عبيدة: والناس اليوم بالثغور جميعًا على هذا القول).\n(٣) رواه ابن جرير ١٠/ ١٢٨، وابن أبي حاتم ٦/ ١٧٩٣، وابن المنذر والبيهقي في \"شعب الإيمان\" كما في \"الدر المنثور\" ٣/ ٤٢٥، وهو من رواية علي بن أبي طلحة.\n(٤) في (ى): (تخافوا)، وأثبت ما في (ح) و(م) لموافقته لـ\"الوسيط\" ٢/ ٤٩٤، و\"تفسير الرازي\" ١٦/ ٥٤، والمحاباة: قال الخليل في كتاب \"العين\" (حبو) ٣/ ٣٠٩: \"الحباء: عطاء بلا مَنٍّ ولا جزاء، حبوته أحبوه حباء، ومنه أخذت المحاباة\". وفي \"لسان العرب\" (حبو) ٢/ ٧٦٦: \"حابى الرجل حباء: نصره واختصه ومال إليه\".","vol":"10","page":415},{"text":"تعاونوا وتناصروا على ذلك ولا تتجادلوا، وكلا المعنيين يحتمله قوله (١): جميعًا، والمعنى الثاني يوجب تعين فرض القتال على كل أحد، ونذكر الخلاف فيه في قوله -﷿-: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ [التوبة: ٤١] الآية.\nقال الفراء: \"كافة يقول: جميعًا، والكافة لا تكون مذكرة ولا مجموعة على عدد الرجال، فتقول: كافّين أو كافات للنسوة، ولكنها (كافة) بالهاء والتوحيد؛ لأنها وإن كانت على لفظ (فاعلة) فإنها في مذهب مصدر مثل: الخاصة والعاقبة والعافية (٢)؛ لذلك لم تُدخل فيها العرب الألف واللام؛ لأنها في (٣) مذهب قولك: قاموا معًا، [وقاموا جميعًا\" (٤)] (٥).\nوقال الزجاج: ﴿كَافَّةً﴾ منصوب على الحال، وهو مصدر على (فاعلة) كما قالوا: العاقبة والعافية، ولا يجوز أن يثنى ويجمع، كما أنك إذا قلت: قاتلوهم عامة لم تثن ولم تجمع، وكذلك (خاصة)، هذا مذهب النحويين\" (٦).\n_________\n(١) يعني ابن عباس.\n(٢) من (ى).\n(٣) في (ى): (من)، وأثبت ما في (ح) و(م) لموافقته و\"معاني القرآن\" للفراء.\n(٤) اهـ. كلام الفراء، انظر: \"معاني القرآن\" ١/ ٤٣٦.\n(٥) ما بين المعقوفين ساقط من (ى).\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه\" للزجاج ٢/ ٤٤٦ باختصار.\nانظر نسبة القول للنحويين في: \"تهذيب اللغة\" (كف) ٤/ ٣١٦٤، و\"لسان العرب\" (كفف) ٧/ ٣٩٠٥، وانظر توضيح المسألة في: \"البحر المحيط\" ٢/ ١٢٠، و\"الكليات\" لأبي البقاء ص ٧٧٥.","vol":"10","page":416},{"text":"وقد أحكمنا الكلام في هذا الحرف عند قوله: ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ [البقرة: ٢٠٨] (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾، قال ابن عباس: \"يريد مع أوليائه الذين يخافونه فيما كلفهم من أمره ونهيه\" (٢)، قال الزجاج: \"تأويله أنه ضامن لهم النصر\" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1414>٣٧ </span>- قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ الآية، قال أبو زيد: \"نسأت الإبل عن الحوض فأنا أنسأها نسأ: إذا أخرتها عنه (٤)، وأنساته الدين إنساءً: إذا أخرته عنه، واسم ذلك النسيئة والنسء\" (٥).\nقال (٦) [أبو عبيد عن الأصمعي: \"أنسأ الله فلانا أجله [ونسأ في أجله] (٧): [أي أخره\" (٨)] (٩)، [وذكر الزجاج في باب الوفاق: \"نسأ الله في\n_________\n(١) انظر: النسخة الأزهرية: ١/ ١٢٦ ب حيث قال: ومعنى (الكافة) في اللغة: الحاجزة المانعة، يقال: كففت فلانًا عن السوء فكفّ يكف كفًّا .. وقيل لطرف اليد كف لأنه يكف بها عن سائر البدن، ورجل مكفوف: كف بصره من أن ينظر، فالكافة معناها المانعة، ثم صارت اسمًا للجملة الجامعة؛ لأنها تمنع من الشذوذ والتفرق.\n(٢) \"الوجيز\" ٦/ ٤٨٦ مختصرًا.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٤٧، والمراد أن هذه معية خاصة لأوليائه، تستلزم النصر والتأييد والحفظ والرعاية.\n(٤) ساقط من (ح).\n(٥) \"تهذيب اللغة\" (نسأ) ٤/ ٣٥٦٦ بلفظ مقارب، وبعضه في \"الحجة\" ٤/ ١٩٣.\n(٦) من (ى).\n(٧) ما بين المعقوفين ساقط من (ح).\n(٨) \"تهذيب اللغة\" (نسأ) ٤/ ٣٥٦٦، وهو في \"غريب الحديث\" لأبي عبيد ١/ ٢٣ من غير نسبة.\n(٩) ما بين المعقوفين ساقط من (م) و(ى)، وهو كذلك غير موجود في المصدرين التاليين.","vol":"10","page":417},{"text":"أجله وأنسأ أجله: أي أخره\" (١)] (٢)، فالنسيء في اللغة: معناه: التأخير على ما ذكره أهل اللغة (٣).\nوكان النسيء في الشهور: تأخير حرمةٍ لشهر إلى شهر آخر ليست له تلك الحرمة، قال الفراء: \"النسيء: المصدر، ويكون المنسوء، مثل قتيل ومقتول\" (٤).\nوقال الأزهري: \"النسيء في هذه الآية بمعنى الإنساء، اسم وضع موضع المصدر الحقيقي من أنسأت، قال: وقد قال بعضهم: نسأت في هذا الموضع بمعنى أنسأت، ومنه قول عمير بن قيس بن جذل الطعان (٥):\nألسنا الناسئين على معد ... شهور الحل نجعلها حراما (٦) (٧)\n_________\n(١) اهـ. كلام الزجاج، انظر: كتاب \"فعلت وأفعلت\" ص ٤٠، و\"معاني القرآن وإعرابه\" ١/ ١٩٠ ولعل الزجاج ذكره في كتاب آخر فيه باب الوفاق، ولم أعثر عليه.\n(٢) ما بين المعقوفين ساقط من (ح).\n(٣) انظر أيضًا: \"الصحاح\" (نسأ) ١/ ٧٦، و\"مجمل اللغة\" (نسى) ٣/ ٧٦٦.\n(٤) \"معاني القرآن\" ١/ ٤٣٧.\n(٥) هو: عمير بن قيس أحد بني علقمة بن فراس بن غنم بن ثعلبة بن مالك بن كنانة، وجذل الطعان: لقب لجده علقمة، وقيل: بل لقب له، والأول هو الظاهر من مصادر تخريج البيت، وسمي بذلك لثباته في الحرب كأنه جذل شجرة واقف، وقيل: لأنه كان يستشفى برأيه ويستراح إليه كما تستريح البهيمة الجرياء إلى الجذل تحتك به.\nانظر: \"سيرة ابن هشام\" ١/ ٤٥، و\"الروض الأنف\" ١/ ٢٥١.\n(٦) انظر البيت منسوبًا لعمير بن قيس في \"سيرة ابن هشام\" ١/ ٤٦، و\"تهذيب اللغة\" (نسأ) ٤/ ٣٥٥٦، و\"لسان العرب\" (نسأ) ٧/ ٤٤٠٣.\n(٧) اهـ. كلام الأزهري، انظر: \"تهذيب اللغة\" (نسأ) ٤/ ٣٥٥٦.","vol":"10","page":418},{"text":"قال أبو علي: \"النسيء: مصدر كالنذير والنكير، ولا يجوز أن يكون (فعيلا) بمعنى (مفعول)؛ لأنه إن (١) حمل على ذلك كان معناه (٢): إنما المؤخَّر زيادة في الكفر (٣)، والمؤخر الشهر؛ وليس الشهر نفسه زيادة في الكفر إنما الزيادة في الكفر تأخير حرمة الشهر إلى شهر آخر ليست له تلك الحرمة، فأما نفس الشهر فلا\" (٤)، فقد وافق أبو علي الأزهريَّ في أن النسيء موضوع (٥) موضع المصدر.\nوهذا قراءة العامة (٦)، وروي عن ابن كثير (٧) من طريق شبل (٨):\n_________\n(١) ساقط من: (ى).\n(٢) في (ى): (المعنى).\n(٣) في (ح): (بالكفر).\n(٤) \"الحجة للقراء السبعة\" ٤/ ١٩٣.\n(٥) ساقط من (ى).\n(٦) \"كتاب السبعة\" (ص ٣١٤)، و\"التبصرة في القراءات\" ص ٢١٥، و\"تقريب النشر\" ص ٣٤، وقد أفاد المصدران الأخيران أن ورشًا وافق الجمهور في إحدى الروايتين عنه، وله رواية أخرى لفظها: (إنما النسىُّ) بغير همز ولا مد، والياء مشددة.\n(٧) هو: عبد الله بن كثير بن عمرو بن عبد الله الداري أبو معبد المكي، إمام المكيين في القراءة، واحد القراء السبعة، كان فصيحًا بليغًا مفوهًا، عليه سكينة ووقار، توفي سنة ١٢٠هـ.\nانظر: \"معرفة القراء الكبار\" ١/ ٨٦، و\"سير أعلام النبلاء\" ٥/ ٣١٨، و\"تقريب التهذيب\" ص٣١٨ (٣٥٥٠)، و\"غاية النهاية\" ١/ ٤٤٣.\n(٨) في (ى): (ابن شبل)، والصواب ما في (ح) و(م) كما في كتاب \"السبعة في القراءات\" ص ٣١٤، و\"الحجة للقراء السبعة\" ٤/ ١٩٣، وهو شبل بن عباد المكي، صاحب ابن كثير، ومقرئ مكة، وأحد شيوخ حمزة الزيات، كان ثقة من رجال البخاري، توفي بعد سنة ١٥٠ هـ.\nانظر: \"معرفة القراء الكبار\" ١/ ١٢٩، و\"الكاشف\" ١/ ٤٧٨، و\"تقريب التهذيب\" ص ٢٦٣ (٢٧٣٧).","vol":"10","page":419},{"text":"(النَّسء) بوزن النسع (١)، وهو المصدر الحقيقي كقولهم: نَسَأت: أي أخرت، وروي عنه أيضًا (النسي) مخففة الياء (٢)، ولعله لغة في (النسء) بالهمز مثل: أرجيت وأرجأت (٣)، وروي عنه أيضًا (النسيُّ) مشددة الياء بغير همز (٤)، وهذا على التخفيف القياسي، كما أن (مقروة) في (مقرؤة) في (مقرؤة) تخفيف قياسي (٥).\nفأما معنى \"النسيء\" في هذه الآية، قال العلماء وأهل التفسير: \"إن العرب كانت تحرم الشهور الأربعة، وكان ذلك ما تمسكت به من ملة إبراهيم وإسماعيل -﵉- وكانت العرب أصحاب حروب وغارات، فشق عليهم أن يمكثوا ثلاثة أشهر متوالية لا يُغيْرون فيها، وقالوا: لئن (٦) توالت علينا ثلاثة أشهر حرم لا نصيب فيها شيئًا لنهلكن، فكانوا يؤخرون تحريم المحرم إلى صفر، فيحرمونه، ويستحلون المحرم، [وكانوا يمكثون بذلك زمانا يحرمون صفر وهم يريدون به المحرم] (٧)، ويقولون: هو أحد الصفرين\" (٨).\n_________\n(١) كتاب \"السبعة\" ص ٣١٤، و\"الحجة للقراء السبعة\" ٤/ ١٩١، و\"إعراب القراءات السبع وعللها\" لابن خالويه ١/ ٢٤٧.\n(٢) انظر: المصادر السابقة، نفس المواضع، لكن ابن خالويه جعلها بالألف المقصورة على وزن: الدُّمى.\n(٣) كررت الكلمة في (ى).\n(٤) انظر: المصادر السابقة، نفس المواضع.\n(٥) انظر: \"الحجة\" ٤/ ١٩٤، و\"لسان العرب\" (قرأ) ٦/ ٣٦١٨.\n(٦) في (ح): (التي).\n(٧) ما بين المعقوفين ساقط من (ى).\n(٨) انظر: \"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٤٨، والثعلبي ٦/ ١٠٦ ب، والبغوي ٤/ ٤٥، وابن الجوزي ٣/ ٤٣٥، والرازي ١٦/ ٥٧، وقد رواه ابن حاتم في \"تفسيره\" ٦/ ١٧٩٤ بمعناه عن السدي.","vol":"10","page":420},{"text":"ولقد تأول بعض الناس قوله - ﷺ -: \"لا صفر\" (١) على هذا (٢).\nقال أبو عبيدة: \"كانوا يؤخرون المحرم وذلك نسء الشهور، ولا يفعلون ذلك إلا في ذي الحجة، إذا اجتمعت العرب للموسم فينادي مناد: أن افعلوا ذلك، لحرب أو لحاجة وليس كل سنة يفعلون ذلك، فإذا أرادوا أن يحلوا المحرم نادوا: هذا صفر وإن المحرم الأكبر صفر (٣)، فيذهب الناس إلى منازلهم إذا نادى المنادي بذلك، وكانوا يسمون المحرم وصفر صفرين، ويقدمون صفرًا سنة ويؤخرونه\" (٤).\nقال ابن عباس والضحاك وقتادة ومجاهد: \"أول من نسأ النسيء: بنو مالك بن كنانة (٥)، وكانوا ثلاثة (٦): أبو ثمامة جنادة بن عوف بن أمية\n_________\n(١) رواه البخاري (٥٧١٧) في \"صحيحه\"، كتاب الطب، باب لا صفر وهو داء يأخذ البطن، ومسلم (٢٢٢٠) في \"صحيحه\"، كتاب السلام، باب لا عدوى ..، وتفسير البخاري للحديث هو المشهور عند العلماء، انظر: \"فتح الباري\" ١٠/ ١٧١.\n(٢) هذا تأويل الإمام مالك -﵀- انظر: \"فتح الباري\" ١٠/ ١٧١، وقد ذكر التأويل من غير نسبة أبو عبيد في غريب الحديث ١/ ٢٦، والثعلبي في \"تفسيره\" ٦/ ١٠٦ ب.\n(٣) نص عبارة أبي عبيدة: (نادى مناد: إن المحرم في صفر، وكانوا يسمون المحرم وصفر: الصفرين، والمحرم صفر الأكبر، وصفر المحرم الأصغر).\n(٤) \"مجاز القرآن\" ١/ ٢٥٨ بمعناه مع الزيادة وتقديم بعض الجمل.\n(٥) هم بنو مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر. انظر: \"جمهرة أنساب العرب\" ص ١٠، و\"نسب قريش\" ص ١١.\n(٦) لم يذكر من الثلاثة في هذه الرواية سوى واحد، وكذلك ابن جرير ١٠/ ١٣٠ - ١٣١، والثعلبي ٦/ ١٠٧ أ، والبغوي ٤/ ٤٦، وقد ذكر المفسرون والعلماء أكثر من ثلاثة منهم:\n١ - عمرو بن لحي بن قمعة بن خندف، رواه الثعلبي ٦/ ١٠٧ ب، والبغوي ٤/ ٤٧ عن بن عباس بسند واه. =","vol":"10","page":421},{"text":"الكناني (١)، كان يوافي الموسم على حمار فيقول: إني لا أعاب ولا أحاب (٢) ولا مردّ لما أقول: إن آلهتكم قد أقسمت لتحرمنّ -وربما قال: لتحلّن- هذا الشهر -يعني: المحرم-، فيحلونه (٣) ويحرمون صفرًا، وإن\n_________\n= ٢ - أبو ثمامة صفوان بن أمية أحد بني الحارث بن مالك الكناني، رواه ابن جرير ١٠/ ١٣١ عن قتادة، وانظر: \"المحبر\" (ص ١٣٣)، و\"أمالي القالي\" ١/ ٢٤٠.\n٣ - الحارث بن ثعلبة، ذكره عن مجاهد الحافظ ابن حجر في \"الإصابة\" ١/ ٢٧٥.\n٤ - نعيم بن ثعلبة، رواه الفيروزأبادي في \"تنوير المقباس\" (ص ١٩٣) من رواية الكلبي عن ابن عباس، ورواه الثعلبي ٦/ ١٠٧ أ.\n٥ - ٩ - القلمس، وهو حذيفة بن عبد بن فقيم الكناني، ثم ابنه عباد بن حذيفة، ثم ابنه قلع بن عباد، ثم ابنه أمية بن قلع، ثم ابنه عوف بن أمية، ذكرهم ابن إسحاق في \"السيرة النبوية\" ١/ ٤٥.\n١٠ - أبو ثمامة جنادة بن عوف بن أمية الكناني، وكان آخرهم وفي زمنه أبطل الله النسيء، انظر: \"تفسير ابن جرير\" ٧/ ١٣٠، و\"السيرة النبوية\" ١/ ٤٥، و\"الإصابة في تمييز الصحابة\" ١/ ٢٤٦.\n(١) هو: جنادة بن عوف بن أمية بن قلع من بني فقيم ثم من بني مالك بن كنانة، أبو ثمامة الكناني، نسأ الشهور أربعين سنة، وكان أبعد النسأة ذكرًا، وأطولهم أمدًا، وقد أسلم، وأدرك زمن عمر﵄-.\nانظر: \"السيرة النبوية\" ١/ ٤٥، و\"الإصابة\" ١/ ٢٤٦.\n(٢) أحاب: بالحاء المهملة في (ح) و(م)، وكذلك في \"المحبر\" ص ١٥٧، وهو من الحوب، أي الإثم، انظر: \"لسان العرب\" (حوب)، والمعنى: لا أنسب إلى الإثم، وفي النسخة (ى) و\"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٤٣٦: أجاب، وفي \"تفسير الثعلبي\": أخاب من الخيبة، أي: لا يُخيّب لي قول ولا يرد، أما معنى أجاب، فأقرب ما وجدت من معانيه أنه من المجاوبة: أي التحاور، والمعنى: لا أحاور ولا أجادل فيما أقول، وقد ذكر ابن منظور في \"لسان العرب\" (جوب): (أن المجاوبة والتجاوب: التحاور.\n(٣) ساقط من: (ى).","vol":"10","page":422},{"text":"حرموه أحلوا صفرًا\" (١)، وقال الكلبي: \"أول من فعل ذلك رجل من بني كنانة يقال له: نُعيم بن ثعلبة (٢)، وكان من بعده جنادة بن عوف وهو الذي أدركه رسول الله -ﷺ-\" (٣)، ونحو هذا قال الفراء (٤)، وقال جويبر عن الضحاك عن ابن عباس: \"أول من فعل ذلك عمرو بن لحي بن قمعة بن خندق (٥) \" (٦)، قال أبو بكر بن الأنباري: \"وكان الذي يلي النسيء يظفر بالرئاسة، ويشرف ولده والمنتمون إليه، بعلوه وترئيس (٧) العرب إياه.\nقال الشاعر (٨) مفتخرًا بذلك:\nوكان الناسئين على معد ... شهور الحل نجعلها حرامًا\n_________\n(١) ذكر الأثر عنهم جميعًا الثعلبي ٦/ ١٠٧ أوهو لفّقه من رواياتهم جميعًا، وذكر الإمام ابن جرير تلك الروايات مفصلة، انظر \"تفسيره\" ١٠/ ١٢٩ - ١٣٢.\n(٢) لم أقف له على ترجمة، ولم يذكره سوى الكلبي وحاله لا تخفى.\n(٣) ذكره الثعلبي ٦/ ١٠٦ أ، والبغوي ٤/ ٤٦.\n(٤) انظر: \"معاني القرآن\" ١/ ٤٣٦.\n(٥) جد جاهلي قديم، وزعيم من طواغيت العرب، وقد صح في شأنه أمور منها:\nأ- أن اسمه عمرو بن لحي بن قمعة بن خندف، رواه البخاري في (٣٥٢٠)، كتاب المناقب، باب قصة خزاعة\nب- أنه جد خزاعة القبيلة العربية المعروفة، رواه البخاري في الموضع السابق، لكن بعض العلماء يرى أن الحديث تصحف على بعض الرواة فقال: أبو خزاعة، والصواب: أخو خزاعة وهذا هو المشهور، انظر: \"البداية والنهاية\" ٢/ ١٨٩.\nج- أنه أول من غير دين إبراهيم ﵇ فقد روى مسلم في \"صحيحه\" أن رسول الله -ﷺ- قال: \"رأيت عمرو بن لحي يجر قصبه في النار، وكان أول من سيب السوائب، وبحر البحيرة، وغير دين إسماعيل\".\n(٦) رواه الثعلبي ٦/ ١٠٧ ب، والبغوي ٤/ ٤٧.\n(٧) في (م): (وتزيين)، ولا معنى له.\n(٨) سبق تخريج هذا البيت عند تفسير أول الآية.","vol":"10","page":423},{"text":"وقال آخر (١):\nنسؤا المشهور بها وكانوا أهلها ... من قبلكم والعز لم يتحول\nوأكثر العلماء على أن هذا التأخير كان من المحرم إلى صفر على ما ذكرنا (٢)، وقال جماعة من العلماء: \"ربما كانوا يحتاجون إلى تأخير صفر إلى الشهر الذي بعده كحاجتهم إلى تأخير المحرم، فيؤخرون تحريمه إلى ربيع، ثم يمكثون بذلك ما شاء الله، ثم يحتاجون إلى مثله، ثم كذلك، وكذلك تتدافع شهرًا بعد شهر حتى استدار التحريم على السنة كلها، فقام الإسلام وقد رجع المحرم إلى موضعه الذي وضعه الله به، وذلك بعد دهر طويل (٣) \" (٤)، فذلك حين قال رسول الله -ﷺ- في خطبته في\n_________\n(١) لم أهتد إليه، والبيت بلا نسبة في كتاب \"الأمالي\" للقالي ١/ ٤، و\"تفسير ابن عطية\" ٦/ ٤٨٩، و\"البحر المحيط\" ٥/ ٤٠، و\"الدر المصون\" ٦/ ٤٧.\n(٢) انظر: \"تفسير ابن جرير\" ١/ ١٣٠ - ١٣٢، وابن أبي حاتم ٦/ ١٧٩٤، والثعلبي ٦/ ١٠٦، والبغوي ٤/ ٤٥، وابن الجوزي ٣/ ٤٣٥، و\"السيرة النبوية\" لابن هشام ١/ ٤٤ - ٤٥.\n(٣) في (ح): (دهور طويلة). والمثبت موافق لما في \"تفسير الثعلبي\".\n(٤) هذا معنى قول عبد الله بن عمرو كما في \"الدر المنثور\" ٣/ ٤٢٦، وقول مجاهد كما في \"تفسير ابن جرير\" ١٠/ ١٣١، وقول ابن أبي نجيح كما في \"تفسير ابن أبي حاتم\" ٦/ ١٧٩٤، والعبارة للثعلبي في \"تفسيره\" ٦/ ١٠٦ ب، واعتبره الرازي ١٦/ ٥٧ هو الصحيح في تفسير الآية، وأقول: إن المتأمل في مجموع الروايات الواردة في هذه القضية يتبين له أن النسيء عند العرب على ضربين:\nالأول: تأخير تحريم شهر محرم إلى صفر؛ لحاجتهم إلى الغزو والنهب، وهذا هو المذكور في هذه الآية بدلالة قوله تعالى: ﴿يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا﴾.\nالثاني: تأخيرهم الحج عن وقته، ليكون ثابتًا في فصل من فصول السنة، كالأشهر في السنة الشمسية، فقد روى الطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه كما في \"الدر المنثور\" ٣/ ٤٢٥ عن عبد الله بن عمرو \"أن العرب كانوا لا يصيبون الحج -يعني =","vol":"10","page":424},{"text":"حجة (١) الوداع: \"ألا إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض، السنة اثنا عشر شهرًا منها أربعة حرم، ثلاث (٢) متواليات: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان\" (٣)،\n_________\n= في شهر ذي الحجة- إلا في كل ست وعشرين سنة مرة\". وروى عبد الرزاق في \"تفسيره\" ١/ ٢/ ٢٧٥، وابن جرير ١٠/ ١٣١ عن مجاهد قال: \" .. فكانوا يحجون في كل شهر عامين\" ومما يدل على هذا النوع من النسيء ما روي أن حجة أبي بكر -﵁- سنة تسع كانت في ذي القعدة، قال الحافظ ابن حجر في \"فتح الباري\" ٨/ ٨٢: ذكر ابن سعد وغيره بإسناد صحيح عن مجاهد أن حجة أبي بكر وقعت في ذي القعدة، ووافقه عكرمة بن خالد فيما أخرجه الحاكم في \"الإكليل\" ا. هـ وأنكر الإمام ابن كثير في \"تفسيره\" ٢/ ٣٩٣ ذلك بشدة.\nهذا وقد بين الرازي في \"تفسيره\" ١٦/ ٥٦ - ٥٧ أن غرضهم من ذلك هو المواءمة بين موسم الحج ومواسم التجارة في سائر البلدان.\nواختار الإمام أبو عبيد القول الثاني؛ لقول النبي -ﷺ- \"إن الزمان قد استدار كهيئة يوم خلق الله السموات والأرض\" وليس في التفسير الآخر استدارة. انظر: \"غريب الحديث\"، له ١/ ٢٩١، ٢٩٣.\n(١) في (ى): (خطبة حجة الوداع).\n(٢) هكذا في النسخ، وهو موافق لرواية البخاري (٧٤٤٧) كتاب التفسير، سورة براءة، ورواية أبي داود وأحمد، قال الحافظ ابن حجر: (قال ابن التين: الصواب: ثلاثة متوالية؛ يعني لأن المميز الشهر، قال: ولعله أعاده على المعنى، أي ثلاث مدد متواليات. انتهى، أو باعتبار العدة، مع أن الذي لا يذكر التمييز معه يجوز فيه التذكير والتأنيث). \"فتح الباري\" ٨/ ٣٢٥، والجدير بالتنبيه أن البخاري روى الحديث في موضع آخر بلفظ: ثلاثة.\n(٣) رواه البخاري في \"صحيحه\" في عدة مواضع منها كتاب بدء الخلق، باب ما جاء في سبع أرضين (٤٦٦٢)، وكتاب التفسير، سورة براءة (٧٤٤٧)، وكتاب التوحيد، باب قوله الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾، ورواه أيضًا مسلم (١٦٧٩)، كتاب القسامة، باب تغليظ تحريم الدماء، وأبو داود (١٩٤٧)، كتاب المناسك، باب الأشهر الحرم، وأحمد في \"المسند\" ٥/ ٣٧.","vol":"10","page":425},{"text":"أراد إن الأشهر الحرم رجعت إلى مواضعها، فهذا الذي ذكرنا أكثر قول (١) أهل اللغة في النسيء والمفسرين.\nوقال قطرب: \"معنى النسيء وأصله: من الزيادة يقال: نسأ في الأجل وأنسأ: إذا زاد فيه (٢)، وكذلك قيل للبن: النسيء؛ لزيادة الماء فيه ونُسئت المرأة: إذا حبلت، جعل زيادة الولد فيها كزيادة الماء في اللبن، وقيل للناقة: نسأتها: أي زجرتها ليزداد سيرها، وكل زيادة حدثت في شيء فهو نسيء\" (٣)، وهذا مذهب قتادة من المفسرين قال: \"إنهم عمدوا فزادوا صفرًا في الأشهر الحرم فقرنوه بالمحرم في التحريم، وأشركوا بينهما في الاسم فقالوا للمحرم وصفر: صفران\" (٤)، والصحيح: القول الأول، وأن أصل النسيء: التأخير، ونُسِئت المرأة: إذا حبلت؛ لتأخر حيضها، ونَسَأتُ الناقة معناه: زجرتها عن التأخير، ونَسَأتُ اللبن: إذا أخرته حتى كثر الماء فيه (٥)، وقول قتادة: \"أنهم زادوا صفرا في الحرم، فذلك يعود إلى تأخيرهم التحريم من المحرم إليه ولم يزيدوه (٦) زيادة أصل تبلغ به عدد الحرم خمسة أشهر؛ لأن الله تعالى قال: ﴿يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ﴾ فبين أنهم لم يزيدوا في العدد وإنما نقلوا التحريم من موضعه.\n_________\n(١) هكذا في جميع النسخ.\n(٢) ساقط من (ى).\n(٣) ذكر قول قطرب الرازي ١٦/ ٥٥ - ٥٦، وبنحوه الثعلبي ٦/ ١٠٦ أ.\n(٤) رواه بمعناه مختصرًا ابن جرير ١٠/ ١٣١، والثعلبي ٦/ ١٠٦ أ، وابن المنذر كما في \"الدر المنثور\" ١٦/ ٤٢٦.\n(٥) من عادة اللبن أن الماء يطفو فوقه إذا ترك فترة.\n(٦) في (ي): (ولا يزيدونه).","vol":"10","page":426},{"text":"وقوله تعالى: ﴿زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾، قال ابن عباس: يريد زيادة في كفرهم حيث أحلوا ما حرم الله وحرموا ما أحل الله (١)، قال أهل المعاني: والزيادة في الكفر هو منه وفي معناه؛ لأنه كفر، كالزيادة في الدار هي منها؛ لأنها تصير معها دارًا واحدة (٢).\nوقوله تعالى: ﴿يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وهذه قراءة العامة (٣)، وهو حسن؛ لإسناد الضلال إلى الذين كفروا؛ لأنهم إن كانوا ضالين في أنفسهم حسن إسناد الضلال إليهم، وإن كانوا مضلين لغيرهم حسن أيضًا؛ لأن المضل لغيره ضال بفعله إضلال غيره.\nوقرأ أهل الكوفة ﴿يُضَلُّ﴾ بضم الياء وفتح (٤) الضاد (٥)، ومعناه: أن كبراءهم يضلونهم بحملهم على هذا التأخير في الشهور، فأسند\n_________\n(١) ذكره المصنف في \"الوسيط\" ٢/ ٤٩٥، ورواه بمعناه مطولًا ابن جرير ١٠/ ١٣٠ من رواية علي بن أبي طلحة.\n(٢) انظر: \"تفسير الأصفهاني\" ٤/ ٣٥ ب بمعناه ولم أجده في كتب أهل المعاني التي بين يدي، وقد زاد القرطبي هذا المعنى إيضاحًا فقال: قوله تعالى: ﴿زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ بيان لما فعلته العرب من جمعها أنواعًا من الكفر، فإنها أنكرت وجود الباري -تعالى- فقالت: (وما الرحمن) في أصح الوجوه، وأنكرت البعث فقالت: (من يحيى العظام وهي رميم) وأنكرت بعثه الرسل فقالوا: (أبشرًا واحدًا نتبعه) .. إلخ. \"تفسير القرطبي\" ٨/ ١٣٩.\n(٣) يعني بفتح الياء وكسر الضاد، وهي قراءة ابن كثير ونافع وابن عامر وأبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر، انظر: \"كتاب السبعة\" ص ٣١٤، و\"الغاية في القراءات العشر\" ص ١٦٥، و\"تقريب النشر\" ص١٢٠.\n(٤) في (ي): (وضم)، وهو خطأ.\n(٥) هذه قراءة حمزة والكسائي وعاصم في رواية حفص. انظر: المصادر السابقة، نفس المواضع.","vol":"10","page":427},{"text":"الفعل إلى المفعول كقوله في هذه الآية: ﴿زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ﴾ أي: زين لهم ذلك حاملوهم وداعوهم (١) إليه، وقرأ أبو عمرو في رواية أوقية (٢) من طريق ابن مقسم (٣): (يُضِلُّ بهِ الذين كَفَروا) بضم الياء وكسر الضاد (٤)، وله ثلاثة أوجه: أحدها: يضل الله به الذين كفروا، والثاني: يضل الشيطان (٥) به الذين كفروا، والثالث: وهو أقواها يضل به الذين كفروا تابعيهم والآخذين بذلك، وإنما كان هذا الوجه أقوى لأنه لم يجر ذكر الله ولا ذكر الشيطان فيبنى الفعل لهما، والكناية في (به) تعود إلى النسيء.\nوقوله تعالى: ﴿يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا﴾، قال ابن عباس: يريد: إذا قاتلوا فيه أحلوه وحرموا مكانه صفرًا، وإذا لم يقاتلوا فيه حرموه (٦)، والكناية في ﴿يُحِلُّونَهُ﴾ و﴿وَيُحَرِّمُونَهُ﴾ تعود إلى النسيء (٧)، أي: يحلون التأخير عاما، وهو العام الذي يريدون أن يقاتلوا في المحرم، ويحرمون\n_________\n(١) في (ح): (ودعواهم)، وهو خطأ.\n(٢) هو: عامر بن عمر بن صالح أبو الفتح الموصلي، المعروف بأوقية، مقرئ حاذق، وتولى قضاء الموصل، توفي سنة ٢٥٠ هـ. انظر: \"معرفة القراء الكبار\" ١/ ٢٢٠، و\"غاية النهاية\" ١/ ٣٥٠.\n(٣) هو: محمد بن الحسن بن يعقوب بن الحسن البغدادي، أبو بكر ابن مقسم العطار، كان إمامًا مقرئًا نحويًا، ثقة، ومن أحفظ الناس لنحو الكوفيين، وأعرفهم بالقراءات، وصنف في التفسير والمعاني، توفي سنة ٣٥٤ هـ. انظر: \"تاريخ بغداد\" ٢/ ٢٠٦، و\"إنباه الرواة\" ٣/ ١٠٠، و\"غاية النهاية\" ٢/ ١٢٣.\n(٤) انظر: \"الغاية في القراءات العشر\" ص ١٦٥، و\"البحر المحيط\" ٥/ ٤٠.\n(٥) في (م): (الشياطين).\n(٦) ذكره المؤلف في \"الوسيط\" ٢/ ٤٩٥، و\"الوجيز\" ٦/ ٤٩١.\n(٧) وإلى هذا ذهب أيضًا ابن جرير ١٠/ ١٣٠، والثعلبي ٦/ ١٠٨ أ، والبغوي ٤/ ٤٧.","vol":"10","page":428},{"text":"التأخير عامًا، وهو العام الذي يدعون (١) المحرم على تحريمه.\nوقوله تعالى: ﴿لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ﴾، قال أهل اللغة: ليوافقوا. يقال: واطأت فلانًا على كذا: إذا وافقته عليه (٢)، قال الزجاج: المواطأة: الموافقة على الشيء (٣)، وقال المبرد: يقال: واطأت القوم على كذا، وتواطئوا (٤) هم: إذا اجتمعوا على أمر واحد، كأنّ كل واحد (٥) يطأ حيث يطأ صاحبه، والإيطاء (٦) في الشعر من هذا، وهو أن يأتي في القصيدة بقافيتين على لفظ واحد ومعنى واحد (٧).\nقال ابن عباس: ليواطؤا أربعة أشهر؛ لأن الله حرم منها أربعة (٨).\nقال المؤرج: هو أنهم لم يحلوا شهرًا من الحرم إلا حرموا مكانه شهرًا من الحلال (٩)، [ولم يحرموا شهرًا من الحلال إلا أحلوا مكانه شهرًا\n_________\n(١) في (ي): (الذي يريدون أن يدعوا .. إلخ). ولم أثبت هذه الزيادة لثلاثة أسباب:\nأ- عدم وجودها في (ح) و(م).\nب- أن الرازي نقل الجملة منسوبة للواحدي وليس فيها هذه الزيادة، انظر: \"مفاتيح الغيب\" ١٦/ ٥٩.\nجـ- كثرة الأخطاء والسقط في النسخة (ي).\n(٢) انظر: \"تهذيب اللغة\" (وطئ) ٤/ ٣٩١٢، و\"الصحاح\" (وطأ) ١/ ٨١.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٤٧ ولفظه: المواطأة: المماثلة والاتفاق على الشيء.\n(٤) في (ي): (وواطؤهم).\n(٥) في (ح): (أحد).\n(٦) في (ح): (ولا يطأ)، وهو خطأ.\n(٧) انظر معنى الإيطاء في \"تهذيب اللغة\" (وطئ) ٤/ ٣٩١٢، و\"طبقات فحول الشعراء\" ١/ ٧٢، ولم أقف على مصدر قول المبرد.\n(٨) رواه بمعناه مطولًا ابن مردويه كما في \"الدر المنثور\" ٣/ ٤٢٦.\n(٩) في (ح): (الحرم)، والصواب ما في (م) و(ي)، وهو موافق لما في \"تفسير الثعلبي\".","vol":"10","page":429},{"text":"من الحرم] (١) لئلا تكون الحرم أكثر من الأربعة كما حرم الله، فتكون موافقة للعدد، فذلك المواطأة (٢). وقال الزجاج: يجعلون صفرًا كالمحرم في العدد، ويقولون: إن هذه أربعة (٣) بمنزلة أربعة (٤)، وقال الفراء: يقول (٥): لا يخرجون من تحريم أربعة أشهر (٦) (٧).\nوقوله تعالى: ﴿زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ﴾، قال ابن عباس والحسن: يريد، زين لهم الشيطان هذا (٨).\nوقوله (٩): ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾، قال: يريد: لا يرشد كل كفار أثيم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1415>٣٨ </span>- قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآية، أجمع المفسرون على أن هذه الآية حثٌ لمن تثاقل عن غزوة تبوك، وذلك كان في زمان (١٠) عسرة من الناس، وجدب من البلاد، وشدة من الحر، حين أخرفت النخل، وطابت الثمار، فعظم ذلك على الناس وشق عليهم الخروج إلى القتال، فأنزل الله هذه الآية (١١) يحرض\n_________\n(١) ما بين المعقوفين ساقط من (ج).\n(٢) انظر: قول مؤرج في \"تفسير الثعلبي\" ٦/ ١٠٨ أ.\n(٣) في (ي): (الأربعة)، وما أثبته موافق لما في \"معاني القرآن وإعرابه\".\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٤٧.\n(٥) في (ي): (يقولون)، وما أثبته موافق لما في \"معاني القرآن\".\n(٦) ساقط من (م).\n(٧) \"معاني القرآن\" ١/ ٤٣٧.\n(٨) انظر: \"تفسير البغوي\" ٤/ ٤٧، والرازي ١٦/ ٥٨، و\"الوسيط\" ٢/ ٤٩٥.\n(٩) من (م).\n(١٠) في (ي). (زمن)، وأثبت ما في (ح) و(م) لموافقته لـ\"الوسيط\" و\"تفسير الثعلبي\".\n(١١) ساقط من (ج).","vol":"10","page":430},{"text":"أولياءه على ذلك (١)، وقوله تعالى: ﴿مَا لَكُمْ﴾ استفهام معناه التوبيخ، كقولك لمن تستبطئه في أمر: مالك متباطئًا عن هذا الأمر؟!.\nوقوله تعالى: ﴿إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا﴾ يقال: استنفر الإمام الناس لجهاد (٢) العدو (٣) فنفروا ينفرون نفرًا ونفيرًا: إذا حثهم ودعاهم إليه، ومنه قول النبي -ﷺ-: \"وإذا استنفرتم فانفروا\" (٤)، وأصل النفر: الخروج إلى مكان لأمر هاج عليه (٥)، واسم ذلك القوم الذين يخرجون: النفير، ومنه قولهم: فلان لا في العير ولا في النفير (٦).\n_________\n(١) انظر: \"تفسير ابن جرير\" ١٠/ ١٣٣، وابن أبي حاتم ٦/ ١٧٩٦، والسمرقندي ٢/ ٤٩، والثعلبي ٦/ ١٠٨أ، والبغوي ٤/ ٤٨، و\"أسباب النزول\" ص٢٥٠ - ٢٥١، و\"الوسيط\" للمؤلف ٢/ ٤٩٥، وذكر الزجاج أيضًا إجماع المفسرين على ذلك، انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٤٧.\n(٢) في (ي): (للجهاد).\n(٣) ساقطة من (ي).\n(٤) رواه البخاري (٢٨٢٥) في عدة مواضع، منها كتاب: الجهاد، باب: وجوب النفير، ورواه مسلم (١٣٥٣)، كتاب: الإمارة، باب: تحريم رجوع المهاجر إلى استيطان وطنه، والنسائي في \"سننه\" كتاب: البيعة، باب: ذكر الاختلاف في انقطاع الهجرة ٧/ ١٤٦، والترمذي (١٥٩٠) كتاب: السير، باب: ما جاء في الهجرة، وأبو داود (١٤٧٩) كتاب: الجهاد، باب: الهجرة هل انقطعت، وأحمد في \"المسند\" ١/ ٢٢٦.\n(٥) عبارة الطبري ١٠/ ١٣٣: لأمر هاجه على ذلك، وعبارة \"الوسيط\" ٢/ ٤٩٦: لأمر أوجب الخروج.\n(٦) قال الأزهري: قيل هذا المثل لقريش من بين العرب، وذلك أن النبي -ﷺ- لما هاجر إلى المدينة، ونهض منها ليلقى عير قريش سمع مشركو قريش بذلك فنهضوا ولقوه ببدر ليأمن عيرهم المقبل من الشام مع أبي سفيان، فكان من أمرهم بما كان، ولم يكن تخلف عن العير والقتال إلا زمن أو من لا خير فيه، فكانوا يقولون لمن لا =","vol":"10","page":431},{"text":"وقوله تعالى: ﴿اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ﴾، قال ابن عباس: يريد أحببتم المقام (١)، وقال الزجاج: معناه تثاقلتم إلى الإقامة بأرضكم، قال: ويجوز: اثاقلتم إلى شهوات الدنيا (٢)، وهذا نحو قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ١٧٦] وقد مر.\nواثاقلتم: أصله: تثاقلتم [ومعناه: تباطأتم] (٣)، وهو نحو قوله: ﴿فَادَّارَأْتُمْ﴾ [البقرة: ٧٢] و﴿اطَّيَّرْنَا﴾ [النمل: ٤٧] وقد مرّ.\nوقوله تعالى: ﴿أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ﴾، قال ابن عباس: يريد: قدّمتم الدنيا على الآخرة (٤) يريد بالآخرة الجنّة، قال الزجاج: \"أي رضيتم بنعيم الحياة الدنيا من نعيم الآخرة، وقال أبو علي الفارسي: المعنى (٥): أرضيتم بالحياة الدنيا بدلًا من الآخرة، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ﴾ (٦) أي بدلًا منكم (٧).\nقال الراعي:\n_________\n= يستصلحونه لمهم: فلان لا في العير ولا في النفير، فالعير من كان منهم مع أبي سفيان، والنفير: من كان منهم مع عتبة بن ربيعة قائدهم يوم بدر. \"تهذيب اللغة\" (نفر) ٤/ ٣٦٢٨.\n(١) \"تنوير المقالة\" ص ١٩٣ بمعناه.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٤٧.\n(٣) ما بين المعقوفين ساقط من (ح).\n(٤) ذكره المؤلف في \"الوسيط\" ٢/ ٤٩٦.\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٤٧.\n(٦) ساقط من (ح).\n(٧) \"الحجة للقراء السبعة\" ٢/ ٢٤.","vol":"10","page":432},{"text":"أخذوا المخاض من الفصيل غُلَّبة ... ظلمًا ويكتب للأمير فصيلًا (١)\nأراد: بدلًا من الفصيل.\n﴿فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾، قال ابن عباس: يريد: الدنيا كلها (٢). ﴿إِلَّا قَلِيلٌ﴾ عند شيء من الجنة (٣)، وقال الزجاج: أي ما يتمتع به في الدنيا قليل عند ما يتمتع به أولياء الله في الجنة (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1416>٣٩ </span>- قوله تعالى: ﴿إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾، قال مقاتل: إلا تنفروا مع نبيكم إلى الجهاد يعذبكم عذابًا أليمًا (٥)، وروي عن ابن عباس أنه قال: هذا العذاب المتوعد به على ترك النفير هو إمساك المطر (٦)، قال: استنفر رسول الله -ﷺ- حيًّا من الأحياء فتثاقلوا عنه فأمسك عنهم المطر (٧)، وقال الزجاج: هذا وعيد شديد في التخلف عن\n_________\n(١) انظر: \"ديوان الراعي\" ص ١٤٥، و\"جمهرة أشعار العرب\" ص ٣٣٦، و\"شرح أبيات المغني\" الشاهد رقم (٥٢٩) ١/ ٣٤٢. والمخاض: الناقة الحامل. والفصيل: ولد الناقة المفصول عن الرضاعة. انظر: \"لسان العرب\" (مخض وفصل). والشاعر يشكو جباة الزكاة ويذكر ظلمهم.\n(٢) ذكره المؤلف في \"الوسيط\" ٢/ ٤٩٦، ورواه بمعناه الفيروزأبادي في \"تنوير المقباس\" ص ١٩٣.\n(٣) روى مسلم في (٢٨٥٨)، كتاب: الجنة، باب: فناء الدنيا عن المستورد بن شداد أن رسول الله -ﷺ- قال: \"والله ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم أصبعه هذه -وأشار يحيى (أحد الرواة) بالسبابة- في اليم فلينظر بم ترجع\".\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٤٨.\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ١٢٩ أ، ولفظه: إلا تنفروا في غزاة تبوك إلى عدوكم يعذبكم عذابًا أليمًا.\n(٦) هذا هو معنى أثر ابن عباس التالي.\n(٧) رواه ابن جرير ١٠/ ١٣٤، والحاكم في \"المستدرك\" ٢/ ١١٨، وصححه، ووافقه =","vol":"10","page":433},{"text":"الجهاد (١)، قال عكرمة والحسن: هذه الآية منسوخة بقوله: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ [التوبة: ١٢٢] (٢)، قال المفسرون: الصحيح أن هذه الآية خاصة فيمن استنفره رسول الله -ﷺ- (٣).\nوقوله تعالى: ﴿وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾، قال ابن عباس: يريد: من التابعين بإحسان (٤)، وهذا كالاستعتاب من الله تعالى لأولئك القوم، والتوعد لهم أنهم إن تركوا الغزو مع رسول الله -ﷺ-، أتى الله بقوم آخرين ينصر بهم الدين، وهم التابعون في قول ابن عباس (٥)، وقال سعيد بن\n_________\n= الذهبي، ورواه أيضًا البيهقي في \"السنن الكبرى\"، كتاب: الجهاد، باب: النفير، رقم (١٧٩٤٣) ٩/ ٨٣، ورواه مختصرًا أبو داود (٢٥٠٦)، كتاب: الجهاد، باب: في نسخ نفير العامة بالخاصة.\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٤٨.\n(٢) رواه عنهما ابن جرير ١٠/ ١٣٥، وابن أبي حاتم ٦/ ١٧٩٧ - ١٧٩٨، والصواب أن هذه الآية، وكذلك الآية التالية ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ محكمتان غير منسوختين؛ لأنه لا تنافي بينهم وبين الآية المدعى أنها ناسخة، وذلك لإمكان توجيه كل آية لحالة غير التي للأخرى، فالآيتان الأوليان لبيان حكم النفير حالة كون الجهاد فرض عين كحالة غلبة العدو على بلاد الإسلام، أو استنفار الإمام قومًا معينين، أو احتيج للجميع، أو كان النبي -ﷺ- خارجًا للجهاد.\nأما قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ فهي لبيان حكم النفير حالة كون الجهاد فرض كفاية، فالآية تبين أن النفر في هذه الحالة واجب على بعضهم دون بعض. انظر: \"الناسخ والمنسوخ\" للنحاس ٢/ ٤٣٦، و\"الناسخ والمنسوخ\" لابن العربي ٢/ ٢٤٩، و\"الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه\" لمكي بن أبي طالب ص ٢٧٣، و\"زاد المسير\" ٣/ ٤٣٨، و\"تفسير ابن كثير\" ٢/ ٣٩٥.\n(٣) انظر: \"تفسير ابن جرير\" ١٠/ ١٣٥، وابن الجوزي ٣/ ٤٣٨، والرازي ١٦/ ٥٩.\n(٤) انظر: \"تفسير الرازي\" ١٦/ ٦١.\n(٥) سبق ذكره وتخريجه.","vol":"10","page":434},{"text":"جبير: هم أبناء فارس (١)، وقال أبو روق: هم أهل اليمن (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا﴾ الكناية في قول الحسن راجعة إلى الله تعالى (٣) أي: لا تضروا الله لأنه غني عنكم، وعن كل شيء، وفي قول الباقين: تعود إلى الرسول - ﷺ - (٤)، أي: لا تضروه لأن الله عصمه عن (٥) الناس، ولأنه لا يخذله إن تثاقلتم عنه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1417>٤٠ </span>- قوله تعالى: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآية، قال أبو إسحاق: أعلمهم (٦) الله أنهم إن تركوا نصره فلن يضره ذلك شيئًا، كما لم يضره قلة ناصريه حين كان بمكة (٧)، وهم به الكفار ما هموا، فتولى الله تعالى نصريه ورد كيد من ناوأه خائبًا، ومعنى قوله: ﴿فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: أعانه على أعدائه حين مكر به المشركون، وهو أن بعث إليه جبريل حتى أمره بالخروج (٨)، وجعل كيدهم في تباب، وأراد بقوله: ﴿إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ حين قصدوا إهلاكه، وذكرنا ذلك في قوله: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ﴾\n_________\n(١) رواه الثعلبي ٦/ ١٠٩ أ، والبغوي ٤/ ٤٨.\n(٢) انظر: \"تفسير الثعلبي\" ٦/ ١٠٩ أ، والبغوي ٤/ ٤٨، والرازي ١٦/ ٦١. قال الشوكاني في \"فتح القدير\" ٢/ ٥٢٦: ولا وجه للتعيين بدون دليل أقول: إن مراد السلف التمثيل لا الحصر، والله أعلم.\n(٣) انظر: \"زاد المسير\" ٣/ ٤٣٨، و\"تفسير الرازي\" ١٦/ ٦١، والماوردي ٢/ ٣٦٣.\n(٤) انظر المصادر السابقة، نفس المواضع.\n(٥) كذا، والأصح أن يقول: من.\n(٦) في (م): (أعلم)، وما أثبته موافق للمصدر التالي.\n(٧) اهـ. كلام أبي إسحاق الزجاج، انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٤٨.\n(٨) رواه ابن إسحاق كما في \"سيرة ابن هشام\" ٤/ ٢٠٦ وفي سنده راوٍ لم يسم.","vol":"10","page":435},{"text":"[الأنفال: ٣٠] الآية، وأضاف إخراجه إلى الكفار لأنهم لما هموا بقتله صعب عليه المقام، واحتاج (١) إلى الخروج من مكة، فأضيف الإخراج إليهم لما كانوا السبب في خروجه، قال ابن عباس في قوله: ﴿إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: يريد: من مكة هاربًا منهم (٢)، وأما قوله: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ﴾ [الأنفال: ٥] يريد: أمره إياه بالخروج (٣).\nوقوله تعالى: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ﴾ أي واحد اثنين، قال الزجاج: وهو نصب على الحال، المعنى: فقد نصره الله أحد اثنين أي نصره منفردًا (٤) إلا من أبي بكر (٥) (٦)، وهذا معنى قول الشعبي: عاتب الله -﷿- أهل الأرض جميعًا في هذه الآية غير أبي بكر (٧)، قال ابن عباس: والجمع في قوله:\n_________\n(١) في (ج): (فاحتاج).\n(٢) \"تنوير المقباس\" ص ١٩٣ بمعناه.\n(٣) عبارة المؤلف توحي بأنه يرى أن الإخراج المذكور في الآيتين واحد، وهو الإخراج من مكة، ومن ثم جمع بين الآيتين، والصحيح أن الإخراج المذكور في آية الأنفال إنما هو من المدينة إلى بدر. انظر: \"تفسير ابن جرير\" ٩/ ١٨٢.\n(٤) في (ي): (مفردًا)، وما أثبته موافق لما في \"معاني القرآن وإعرابه\".\n(٥) في (ي): (هو أبو بكر)، وهو خطأ.\n(٦) اهـ. كلام الزجاج، انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٤٩.\n(٧) رواه الثعلبي ٦/ ١١٠ أ، وابن المنذر كما في \"الدر المنثور\" ٣/ ٤٣٥، وفي سند الثعلبي داود بن المحبر وهو متروك، كما في \"تقريب التهذيب\" ٢٠٠ (١٨١١)، كما أن في متن هذا الأثر نظرًا من ثلاثة أوجه:\nأحدها: أن الله تعالى هو الذي كف أيدي أصحاب نبيه - ﷺ - عن نصرته في مكة كما أفاد ذلك قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ﴾ [النساء: ٧٧].\nالثاني: أنه ليس في الآية ما يفيد أن الصحابة -﵃- كلفوا بنصرة نبيهم بمكة فتخلوا عنه حتى تكون عتابًا، أما قوله تعالى: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ﴾ فهو إخبار عن مستقبل، وقد قام الصحابة بذلك خير قيام وفدوه بالنفس والمال، ويكفي شاهدًا على ذلك أنه لم =","vol":"10","page":436},{"text":"﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ﴾ هو وأبو بكر (١)، ويقال: فلان ثاني اثنين أي هو أحدهما مضاف، ولا يقال: هو ثان اثنين بالتنوين، وقد مرّ تفسيره مشبعًا في قوله: ﴿ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ [المائدة: ٧٣] (٢)، وقال صاحب النظم: (ثاني اثنين) أي: أحد اثنين ولو ذهب فيه مذهب الفعل كما تقول: كان واحدًا فثنيته أي صيرته اثنين بنفسي لقيل: (ثاني واحد)، وكذلك قوله: (ثالث ثلاثة) أي: أحد ثلاثة، ولو ذهب به مذهب الفعل لقيل: (ثالث اثنين).\nوقوله تعالى: ﴿إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾، الغار: نقب في الجبل عظيم، قال قتادة: هو غار في جبل بمكة يقال له: ثور (٣)، قال مجاهد: مكثا في\n_________\n= يتخلف عنه في غزوة تبوك من المؤمنين الصادقين الذين لا عذر لهم سوى بضعة نفر على الرغم من بعد الشقة وحرج الموقف.\nالثالث: أن هناك من أصحاب رسول الله -ﷺ- من شارك أبا بكر في نصرة النبي -ﷺ- أيام هجرته منهم علي بن أبي طالب الذي نام في فراش النبي -ﷺ- وتسجى ببردته، وعرض نفسه للخطر، وعبد الله بن أبي بكر الذي كان يتحسس أخبار المشركين ثم يخبر بها النبي -ﷺ- وصاحبه، وكذلك بنتا أبي بكر اللتان جهزتا الراحلتين، وعامر ابن فهيرة الذي كان يرعى حولهما الغنم فيشربان من لبنها. انظر: \"صحيح البخاري\" (٣٩٠٥) كتاب: المناقب، باب: هجرة النبي -ﷺ-، و\"مسند الإمام أحمد\" ١/ ٣٣١.\n(١) في (ي): (هو أبو بكر)، والصواب ما أثبته وهو موافق لما في \"الوسيط\" ٢/ ٤٩٧، ولم ينسبه فيه لأحد، وانظر: قول ابن عباس في \"تنوير المقباس\" ص ١٩٣ بنحوه.\n(٢) انظر النسخة (ج) ٢/ ٦٥ أوقد قال هنا: قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾. قال الفراء: ثالث ثلاثة لا يكون إلا مضافًا ولا يجوز التنوين في (ثالث) فينصب الثلاثة، وكذلك قوله: (ثانى اثنين) لا يكون (اثنين) إلا مضافًا؛ لأن المعنى مذهب اسم، كأنك قلت: واحد من اثنين، وواحد من ثلاثة، ولو قلت أنت: ثالث اثنين، جاز الإضافة وجاز التنوين ونصب الاثنين ... إلخ.\n(٣) رواه ابن جرير١٠/ ١٣٦، وأبو الشيخ كما في \"الدر المنثور\" ٣/ ٤٣٥.","vol":"10","page":437},{"text":"الغار ثلاثًا (١)، وقال عروة بن الزبير: وكان عامر بن فهيرة (٢) يروح عليهما بغنم لأبي بكر (٣)، وقال قتادة: كان عبد الرحمن بن أبي بكر (٤) يختلف إليهما (٥)، فلما أراد رسول الله -ﷺ- الخروج جاءهما بناقتين (٦) (٧).\n_________\n(١) رواه ابن جرير ١٠/ ١٣٦، والثعلبي ٦/ ١٠٩ ب، وابن أبي شيبة كما في \"الدر المنثور\" ٣/ ٤٣٦.\n(٢) هو: عامر بن فهيرة التيمي مولاهم، يقال: إن أصله من الأزد، أو من عنز بن وائل، استرق في الجاهلية فاشتراه أبو بكر الصديق، ثم أعتقه، وهو من السابقين إلى الإسلام وممن كان يعذب في الله، وقد هاجر وشهد بدرًا وأحدًا واستشهد يوم بئر معونة سنة ٤ هـ.\nانظر: \"سيرة ابن هشام\" ١/ ٢٧٢، و\"الإصابة\" ٢/ ٢٥٦ (٤٤١٥)، و\"تهذيب التهذيب\" ٢/ ٢٧٠.\n(٣) رواه ابن جرير ١٠/ ١٣٦، والثعلبي ٦/ ١٠٩ ب، وقد رواه موصولًا عن عروة عن عائشة الإمام البخاري (٣٩٠٥) في \"صحيحه\"، كتاب: المناقب، باب: هجرة النبي -ﷺ- ضمن حديث الهجرة الطويل.\n(٤) هو: عبد الرحمن بن أبي بكر عبد الله بن أبي قحافة عثمان القرشي التيمي، أبو محمد، أكبر ولد أبي بكر الصديق، تأخر إسلامه إلى أيام صلح الحديبية ثم أسلم وحسن إسلامه، كان رجلًا صالحًا شجاعًا راميًا لم يجرب عليه كذبة قط، توفي فجأة قرب مكة سنة ٥٨ هـ. انظر: \"المعارف\" ص ١٠٢، و\"الإصابة\" ٢/ ٣٩٢ (٢٥٨٨). وانظر التعليق التالي.\n(٥) الثابت في \"صحيح البخاري\" (٣٩٠٥)، كتاب: المناقب، باب: هجرة النبي - ﷺ - أن الذي كان يختلف إليهما عبد الله بن أبي بكر، وهو الصواب، وقد أسلم قديمًا مع آل أبي بكر، أما أخوه عبد الرحمن فقد تأخر إسلامه، كما مر في ترجمته.\n(٦) في \"صحيح البخاري\" في الموضع السابق، حديث الهجرة الطويل وفيه: واستأجر رسول الله -ﷺ- وأبو بكر رجلًا من بني الديل .. أمناه فدفعا إليه راحلتيهما ووعداه غار ثور بعد ثلاث ليال براحلتيهما.\n(٧) رواه الثعلبي ٦/ ١٠٩ ب.","vol":"10","page":438},{"text":"وقوله تعالى: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ﴾ خطب أبو بكر -﵁-، فقال: أيكم يقرأ سورة التوبة؟ فقال رجل: أنا، [قال: اقرأ] (١) فلما بلغ: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ﴾ بكى أبو بكر، وقال: أنا صاحبه (٢)، قال المفسرون: وهذه الصحبة كانت بأمر الله؛ لأن جبريل لما أمر رسول الله -ﷺ- بالخروج قال: \"ومن يخرج معي؟ \" قال: أبو بكر (٣) (٤)، قال الحسين ابن الفضل: من أنكر أن يكون عمر أو عثمان أو أحد (٥) من الصحابة كان صاحب رسول الله -ﷺ- فهو كذاب مبتدع، ومن أنكر أن يكون (٦) أبو بكر صاحب رسول الله -ﷺ- كان كافرًا؛ لأنه رد نص القرآن (٧).\nوقوله تعالى: ﴿لَا تَحْزَنْ﴾، قال ابن عباس: خرج رسول الله -ﷺ- وأبو بكر معه إلى الغار ليلًا، وأصبح المشركون يطلبونهما فاقتصوا الأثر إلى الغار، فحزن أبو بكر، وقال: أتينا يا رسول الله، فقال: \"اللهم أعم أبصارهم\" فعميت أبصارهم، وجعلوا يضربون يمينًا وشمالًا حول الغار (٨).\n_________\n(١) ما بين المعقوفين ساقط من (ي).\n(٢) رواه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٦/ ١٨٠٠.\n(٣) في (ج): تكررت جملة: (قال: أبو بكر).\n(٤) ذكره الزمخشري في \"الكشاف\" ٢/ ١٩٠ بصيغة التمريض، وذكره الزيلعي في \"تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في تفسير الكشاف\" ٣/ ٧٥ ولم يذكر من أخرجه.\n(٥) في (ج): (واحد)، وما أثبته موافق لما في \"الوسيط\".\n(٦) ساقط من (ي).\n(٧) انظر: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٩، و\"الوسيط\" ٢/ ٩٩.\n(٨) أخرجه ابن عساكر كما في \"الدر المنثور\" ٣/ ٤٣٣ بنحوه، وذكر الثعلبي ٦/ ١٠٩ ب قول الرسول - ﷺ - وما بعده، عن الزهري.","vol":"10","page":439},{"text":"وقال المفسرون: قال أبو بكر لرسول الله - ﷺ - لما خاف (١) الطلب: يا رسول الله: إن قتلتُ فأنا رجل واحد، وإن قتلت هلكت الأمة، وكان حزنه شفقة (٢) على رسول الله -ﷺ-، وخوفًا أن يُطِّلَع عليه (٣)، فقال رسول الله -ﷺ-: \"لا تحزن إن الله معنا\" (٤)، قال الزجاج: لما أصبح المشركون اجتازوا بالغار فبكى أبو بكر، فقال رسول الله -ﷺ- \"ما يبكيك؟ \" فقال: أخاف أن تقتل فلا يعبد الله بعد اليوم، فقال له رسول الله -ﷺ: \"لا تحزن إن الله معنا\" أي إن الله -﷿- يمنعهم منا وينصرنا، قال: أهكذا يا رسول الله؟ قال: \"نعم\" فرقأ دمع أبي بكر وسكن (٥)، وقال أبو بكر: قلتُ للنبي - ﷺ - ونحن في الغار: لو [أن واحدًا] (٦) نظر إلى قدميه لأبصرنا، فقال: \"يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما\" (٧) فهذا معنى قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾.\n_________\n(١) في (ي): (ضاق).\n(٢) في (ج): (شفقته)، والصواب ما أثبته بدلالة السياق.\n(٣) في هذا أبلغ الرد على الرافضة الذين ينتقصون أبا بكر بحزنه المذكور، وانظر تفصيل ذلك في: \"أحكام القرآن\" لابن العربي ٢/ ٩٥٣.\n(٤) انظر: \"تفسير الثعلبي\" ٦/ ١٠٩ أ، والبغوي ٤/ ٤٩.\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٤٨، وقد روى الأثر بمعناه مختصرًا ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٦/ ١٧٩٨ - ١٧٩٩ ولفظه: فقلت: هذا الطلب قد لحقنا يا رسول الله وبكيت، فقال: \"ما يبكيك؟ \" فقلت: أما والله ما على نفسي أبكي، ولكن أبكي عليك. لكن هذا في مسيرهما إلى المدينة وليس في الغار.\n(٦) ما بين المعقوفين ساقط من (ي).\n(٧) رواه بنحوه البخاري (٤٣٨١) كتاب التفسير، باب قوله ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾، ومسلم (٢٣٨١) كتاب: فضائل الصحابة، باب: من فضائل أبي بكر الصديق.","vol":"10","page":440},{"text":"وقوله تعالى: ﴿فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ﴾ اختلفوا في رجوع الكناية من (عليه)، فقال أبو روق: على النبي -ﷺ- (١)، قال الزجاج: لأن الله ألقى في قلبه ما سكن به وعلم أنهم غير واصلين إليه (٢)، وقال ابن عباس: على أبي بكر، فأما النبي -ﷺ- فكانت (٣) السكينة عليه من (٤) قبل ذلك (٥)، قال أهل المعاني: وهذا أولى لأنه الخائف الذي احتاج إلى الأمن، والنبي - ﷺ - كان آمنًا؛ لأنه كان قد وعد بالنصر، فكان ساكن القلب (٦)، وقال عطاء، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ﴾ يريد: رحمته على نبيه وعلى صاحبه (٧)، وعلى هذا: الكناية راجعة إليهما، وهو مذهب المبرد، قال: ويجوز أن تكون عليهما فاكتفى بذكر أحدهما كقوله: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: ٦٢] (٨).\nوذكر ابن الأنباري هذه الأقوال في رجوع الكناية، ونصر مذهب المبرد، وقال: التقدير: فأنزل الله سكينته عليهما وأيدهما، فاكتفى بإعادة الذكر على أحدهما من إعادته عليهما جميعًا كما قال: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ\n_________\n(١) لم أجد من ذكره عنه، وقد رواه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٦/ ١٨٠١ عن حبيب بن أبي ثابت، وذكره ابن الجوزي في \"تفسيره\" ٣/ ٤٤٠ عنه وعن علي وابن عباس.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٤٩، وهذا أولى لأن في القول الثاني تفكيك للضمائر.\n(٣) في (ج): (كانت).\n(٤) ساقط من (ج).\n(٥) رواه ابن أبي حاتم ٦/ ١٨٠١، والثعلبي ٦/ ١١٠ ب، وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في \"الدلائل\" وابن عساكر في \"تاريخه\" كما في \"الدر المنثور\" ٣/ ٤٣٩.\n(٦) ذكره بمعناه ابن قتيبة في \"غريب القرآن\" ٢/ ١٢، والنحاس في \"معاني القرآن الكريم\" ٣/ ٢١٠، وفي \"إعراب القرآن\" ٢/ ٢١٥.\n(٧) ذكره مختصرًا الماوردي في \"النكت\" ٢/ ٣٦٤، وأبو حيان في \"البحر المحيط\" ٥/ ٤٣.\n(٨) لم أجده في كتب المبرد التي بين يدي.","vol":"10","page":441},{"text":"أَنْ يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: ٦٢] الآية، وكما قال: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا﴾ [الجمعة: ١١] (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا﴾، قال ابن عباس: يريد: وقواه بجنود لم تروها (٢)، يريد: الملائكة يدعون الله له (٣)، وقال الزجاج: أيده بملائكة يصرفون وجوه الكفار وأبصارهم عن أن يروه (٤)، وقال غيره: يعني ما كان من تقوية الملائكة لقلبه بالبشارة بالنصر من ربه، ومن إلقاء اليأس في قلوب المشركين حتى انصرفوا خائبين (٥)، وهذه الأقوال على أن هذا التأييد بالملائكة كان في الغار، والكلام في الكناية في قوله: (وأيده) كالكلام في الكناية في (عليه) غير أنه لا يجوز أن تكون الهاء في (وأيده) عائدة على أبي بكر خاصة؛ لأن المؤيد بالجنود هو رسول الله - ﷺ -، والاختيار أن تكون الكناية الأولى راجعة على أبي بكر، والثانية راجعة على النبي -ﷺ-.\nوقال الكلبي: وأيده بجنود لم تروها أي: قواه وأعانه بالملائكة يوم بدر (٦)، ونحو هذا قال مجاهد، قال: ذكر الله ما كان في أول شأنه (٧)،\n_________\n(١) ذكر قول ابن الأنباري باختصار ابن الجوزي في \"تفسيره\" ٣/ ٤٤١ ولم أجده في كتبه المطبوعة.\n(٢) \"الوسيط\" ٢/ ٤٤٩، وبمعناه الفيروزأبادي في \"تنوير المقباس\" ص ١٩٣.\n(٣) هذا التخصيص لا دليل عليه، وليس في سياق الرواية ما يشعر به.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٤٩.\n(٥) ذكر معنى هذا القول مختصرا ابن عطية في \"تفسيره\" ٦/ ٥٠٠.\n(٦) رواه البغوي في \"تفسيره\" ٤/ ٥٣، وانظر: \"الوسيط\" ٢/ ٤٤٩.\n(٧) رواه ابن جرير ١٠/ ١٣٦، وابن أبي حاتم ٦/ ١٨٠١، وعزاه إلى السدي، وابن أبي شيبة وابن المنذر وأبو الشيخ كما في \"الدر المنثور\" ولفظه عندهم: قال: ذكر=","vol":"10","page":442},{"text":"ومعنى قول الكلبي: أن الله تعالى أخبر أنه صرف عنه كيد أعدائه ثم أظهر نصره بالملائكة يوم بدر، ومعنى قول مجاهد: أن هذه السورة من آخر ما نزل في القرآن، ويوم بدر كان في حدثان قدوم النبي -ﷺالمدينة، فذكر في هذه السورة (١) ما كان من نصره إياه في أول شأنه وهو يوم بدر (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا﴾. قال ابن عباس: (السفلى) كلمة (٣) الشرك، و(العليا) لا إله إلا الله (٤)، وكان هذا يوم بدر، وهذا قول مقاتل (٥)، واختيار الفراء (٦)، وقال عطاء عن ابن عباس: يريد ما كادوا به النبي -ﷺ- ومكروا جعله في ضلالة وندامة ﴿وَكَلِمَةُ اللَّهِ﴾: يريد: موعد الله ومكره هو\n_________\n= ما كان في أول شأنه حين بعث يقول الله: فأنا فاعل ذلك به وناصره كما نصرته إذ ذاك وهو ثاني اثنين، وهو في \"تفسير مجاهد\" ٣٦٩ بلفظ: قال: ذكر ما كان من أول شأنه حين أخرجوه، فالله ناصره كما نصره وهو ثاني اثنين.\n(١) في (ي): (تكرار لبعض ما سبق ذكره، ولفظ الزيادة: من آخر ما نزل في القرآن، وذكر في هذه السورة.\n(٢) هذا معنى قول مجاهد عند المؤلف، والمتأمل في لفظي قول مجاهد -وقد سبق ذكرهما في التعليق الأسبق- يظهر له أن معناه: لقد ذكر الله تعالى نصرته لعبده في أول شأنه حين بعث إذ كان ثاني اثنين في الغار، فالله ناصره بعد ذلك كما نصره في تلك الحادثة.\n(٣) في (ج): (كلمة السفلى: الشرك).\n(٤) رواه ابن جرير ١٠/ ١٣٧، وابن أبي حا تم ٦/ ١٨٠١، والثعلبي ١١٠/ ٦ ب، والبيهقي في كتاب: \"الأسماء والصفات\"، باب: ما جاء في فضل الكلمة الباقية .. ١/ ١٨٤ وهو من رواية علي بن أبي طلحة، ولفظ: \"وكان هذا يوم بدر\" ليس من كلام ابن عباس حسب المصادر السابقة.\n(٥) انظر: \"تفسيره\" ٢٩ أ.\n(٦) انظر: \"معاني القرآن\" ١/ ٤٣٨، ولم يذكر الفراء أن ذلك كان يوم بدر.","vol":"10","page":443},{"text":"الأعلى (١)، وهذا اختيار ابن كيسان، قال: ﴿كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: ما قدروا بينهم في الكيد به ليقتلوه فلم ينالوا أملهم، ﴿وَكَلِمَةُ اللَّهِ﴾: وعد الله أنه ناصره هو الحق (٢) (٣).\nوالاختيار في قوله: ﴿وَكَلِمَةُ اللَّهِ﴾ هو الرفع (٤)، وهو قراءة العامة (٥) على الائتناف من غير در الفعل الذي هو (جعل)، قال الفراء: ويجوز: ﴿وَكَلِمَةُ اللَّهِ﴾ بالنصب (٦) ولست أستحب ذلك لظهور اسم الله؛ لأنه لو نصبها والفعل فعله كان أجود الكلام أن يقال: وكلمته هي العليا، ألا ترى أنك تقول: قد أعتق أبوك غلامه، ولا تكاد تقول: أعتق أبوك غلام أبيك، وقال الشاعر في إجازة ذلك:\nمتى تأتي زيدًا قاعدًا عند حوضه ..... لتهدم ظلمًا حوض زيد تقارع (٧)\n_________\n(١) ذكره مختصرًا ابن الجوزي في \"الزاد\" ٣/ ٤٤١، وأبو حيان في \"البحر\" ٥/ ٤٤، وأشار إليه المصنف في \"الوسيط\" ٢/ ٤٩٩.\n(٢) هكذا في جميع النسخ، ولعل الصواب: وهو الحق.\n(٣) \"الوسيط\" ٢/ ٤٤٩ دون جملة: هو الحق.\n(٤) على الابتداء و(هي) الخبر، أو تكون فصلًا والخبر (العليا).\n(٥) قرأ بها العشرة غير يعقوب، انظر: \"الغاية في القراءات العشر\" ص ١٦٥، و\"تقريب النشر\" ص ١٢٠، و\"إتحاف فضلاء البشر\" ص ٢٤٢، وهذه القراءة أبلغ لأن الجملة الاسمية تدل على الدوام والثبوت بخلاف الجملة الفعلية التي تدل على الحدوث والتجدد، ولأن كلمة الله في ذاتها عالية ثابتة فلا حاجة إلى جعلها كذلك.\n(٦) وقرأ بها يعقوب والحسن والأعمش في رواية المطوعي. انظر: \"إتحاف فضلاء البشر\" ص ٢٤٢ عطفًا على (كلمة الذين كفروا)، والمعنى: وجعل كلمة الذين كفروا، وجعل كلمة الله هي العليا.\n(٧) لم أهتد إلى قائله. وانظر البيت بلا نسبة في: \"شرح أبيات معاني القرآن\" ص ٢١٤.","vol":"10","page":444},{"text":"فذكر زيدًا مرتين ولم يكن عنه في الثانية، والكناية وجه الكلام (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾، قال ابن عباس: عزيز في ملكه، حكيم في خلقه (٢).\nوقال ابن كيسان: عزيز في انتقامه من أهل الكفر، حكيم في تدبيره خلقه (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1418>٤١ </span>- قوله تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ الآية، اختلفوا في تفسير الخفاف والثقال، فقال ابن عباس في رواية عطاء: شبانا وكهولًا (٤)، وهو قول أنس والضحاك ومجاهد وقتادة وعكرمة وشمر بن عطية (٥)، ومقاتل بن\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" ١/ ٤٣٨ وقد رد النحاس قول الفراء هذا فقال: قرأ الحسن ويعقوب (وكلمةَ الله) بالنصب عطفًا على الأول، وزعم الفراء أن هذا بعيد؛ قال: لأنك تقول: أعتق فلان غلام أبيه، ولا تقول: غلام أبي فلان. قال أبو جعفر: الذي ذكره الفراء لا يشبه الآية، ولكن يشبهها ما أنشده سيبوبه:\nلا أرى الموت يسبق الموت شيء ..... نغص الموت ذا الغنى والفقيرا\nوهذا جيد حسن؛ لأنه لا إشكال فيه، بل يقول النحويون الحذاق: إن في إعادة الذكر في مثل هذا فائدة وهي أن فيه معنى التعظيم، قال الله ﷿: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا (١) وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا﴾ [الزلزلة: ١ - ٢] فهذا لا إشكال فيه. \"إعراب القرآن\" للنحاس ٣/ ٧٥٢.\n(٢) لم أعثر على مصدره.\n(٣) لم أعثر على مصدر هذا القول، وقد ذكره ابن الجوزي في \"تفسيره\" ٣/ ٤٤٢، والمؤلف في \"الوسيط\" ٢/ ٤٩٩ من غير نسبة.\n(٤) ذكره ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٦/ ١٨٠٢ بغير سند وبصيغة التمريض.\n(٥) هو: شمر بن عطية بن عبد الرحمن الأسدي الكاهلي الكوفي، راوٍ صدوق، له أحاديث صالحة، وثقه النسائي وابن معين وغيرهما، توفي بعد سنة ١٠٠ هـ. انظر: \"الكاشف\" ١/ ٤٩٠، و\"تقريب التهذيب\" ٢٦٨١ (٢٨٢١)، و\"تهذيب التهذيب\" ٢/ ١٧٩.","vol":"10","page":445},{"text":"حيان والحسن، هؤلاء قالوا: شبانًا وشيوخًا، وشبانا وشيبًا (١)، وروى عطاء عنه أيضًا: (رجّالة وركبانا) (٢) وهو قول عطية (٣)، وروى طاوس عنه: نشاطًا وغير نشاط (٤)، وروي عنه أيضًا: ﴿خِفَافًا﴾ أهل الميسرة من المال، ﴿وَثِقَالًا﴾: أهل العسرة (٥)، وهو اختيار الزجاج، قال: موسرين ومعسرين (٦).\nوعلى العكس من هذا قال أبو صالح: ﴿خِفَافًا﴾ من المال، أي فقراء، ﴿وَثِقَالًا﴾ منه، أي أغنياء (٧)، وهو اختيار الفراء قال: \"الخفاف: ذوو العسرة وقلة العيال، والثقال: ذوو العيال والميسرة (٨) \".\nقال أهل المعاني: الأولى أن يقال: هذا عام في كل حال، وفي كل أحد؛ لأنه ما من أحد إلا وهو ممن تخف عليه الحركة أو تثقل، فهو ممن\n_________\n(١) ذكره عنهم جميعًا الثعلبي ٦/ ١١٠ ب، وكذلك -عدا أنس- الإمام ابن جرير ١٠/ ١٣٨، وابن أبي حاتم ٦/ ١٨٠٢.\nوالجدير بالتنبيه أن في تفسير ابن جرير: بثمر بن عطية، وذكر المحقق أن في اسمه اضطرابًا ولم يهتد للصواب، والصواب: شمر بن عطية،، كما ذكره الواحدي وابن أبي حاتم والثعلبي، فليصحح.\n(٢) ذكره ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٣/ ٤٤٢، والمؤلف في \"الوسيط\" ٢/ ٤٤٩.\n(٣) ذكره الثعلبي ٦/ ١١١ أ، والبغوي ٤/ ٥٣.\n(٤) رواه ابن جرير ١٠/ ١٣٩، من وراية العوفي وكذلك ابن أبي حاتم ٣/ ١٨٠٣، وذكره الثعلبي ٦/ ١١١ أدون ذكر الراوي عنه.\n(٥) ذكره البغوي ٤/ ٥٣ بصيغة التمريض، وكذلك ابن الجوزي في \"تفسيره\" ٣/ ٤٤٢، والمؤلف في \"الوسيط\" ٢/ ٤٩٩.\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٩٩.\n(٧) رواه الثعلبي ٦/ ١١١ أ، وبنحوه ابن جرير ١٠/ ١٣٩، والبغوي ٤/ ٥٣.\n(٨) \"معاني القرآن\" ١/ ٤٣٩.","vol":"10","page":446},{"text":"أمر في هذه الآية بالنفير (١) ألا ترى إلى (٢) ما روي عن أبي أيوب الأنصاري أنه شهد بدرًا ثم لم يتخلف عن غزوة للمسلمين (٣)، وكان يقول: قال الله تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ ولا أجدني إلا خفيفًا أو ثقيلًا (٤)، وقيل للمقداد بن الأسود، وهو يريد الغزو وكان قد كبر وأسن: قد أعذر الله إليك، يعني: في القعود عن (٥) الغزو، فقال: أبت علينا سورة براءة ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ (٦) وروي أيضًا أن أبا طلحة (٧) قرأ هذه الآية فقال لبنيه: جهزوني جهزوني، فقالوا: لقد غزوت مع النبي -ﷺ- ومع أبي بكر وعمر حتى ماتوا فنحن نغزو عنك، فقال: لا، جهزوني جهزوني (٨)، ما أرى الله إلا يستنفرنا شبانا وشيوخًا (٩).\n_________\n(١) ذكره المؤلف في \"الوسيط\" ٢/ ٤٩٩، وبمعناه النحاس في \"معاني القرآن الكريم\" ٣/ ٢١٢.\n(٢) في (ج): (أن).\n(٣) بل ذكرت المصادر التالية أن أبا أيوب -﵁- تخلف عامًا واحدًا، وذكر بعضها أنه ندم على ذلك.\n(٤) رواه ابن جرير ١٤/ ١٣٨، والحاكم في \"المستدرك\"، كتاب \"معرفة الصحابة\" ٣/ ٤٥٨، وابن سعد في \"الطبقات\" ٣/ ٢/٤٩.\n(٥) في (ج): (في).\n(٦) رواه ابن جرير ١٠/ ١٣٩ - ١٤٠، والحاكم في \"المستدرك\" كتاب: معرفة الصحابة ٣/ ٣٤٩، وقال: صحيح الإسناد، وابن أبي حاتم ٦/ ١٨٠٢.\n(٧) هو: زيد بن سهل بن الأسود النجاري الخزرجي، أبو طلحة الأنصاري صاحب رسول الله -ﷺ- ومن بني أخواله، وأحد أعيان البدريين، واحد النقباء الاثني عشر ليلة العقبة، توفي سنة ٣٤ هـ. انظر: \"المعارف\" ١٥٤، و\"سير أعلام النبلاء\" ٢/ ٢٧، و\"الإصابة\" ١/ ٥٦٦.\n(٨) ساقط من (ج) و(م).\n(٩) رواه الحاكم في \"المستدرك\"، كتاب: معرفة الصحابة، ذكر مناقب أبي طلحة =","vol":"10","page":447},{"text":"وهذه الآية مما دل بظاهره على وجوب (١) الجهاد بكل حال، قال عطاء الخراسانى عن ابن عباس في هذه الآية: نسختها ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ [التوبة: ١٢٢] (٢) الآية، وقد ذكرنا في سورة البقرة أن الجهاد كان واجبًا على الأعيان، وهل ذلك يجب (٣) اليوم كما كان يجب؟ ذكرنا الاختلاف فيه في قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ [البقرة:٢١٦] (٤).\n_________\n= ٣/ ٣٥٣، وابن حبان في \"صحيحه\" (الإحسان) كتاب: المناقب، ذكر الموضع الذي مات فيه أبو طلحة، رقم (٧١٨٤) ١٦/ ٥١٢، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٦/ ١٨٠٢، وصححه الحاكم، وقال: على شرط مسلم، وقال الذهبي: على شرط الشيخين.\n(١) في (ج): (وجود)، وهو خطأ.\n(٢) رواه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٦/ ١٨٠٣، والبغوي في \"تفسيره\" ٤/ ٥٤ بغير سند، والبيهقي في \"السنن الكبرى\"، كتاب: السير، باب: النفير .. رقم (١٧٩٣٨) ٩/ ٨١ وفي سنده عثمان بن عطاء الخرساني، قال الحافظ ابن حجر في \"تقريب التهذيب\" ٣٨٥ (٤٥٠٢): (ضعيف. اهـ. وفيه علة أخرى وهي الإرسال؛ فإن عطاء الخرساني لم يسمع من ابن عباس كما في \"العبر\" ١/ ١٤٠، و\"تهذيب التهذيب\" ٣/ ٧١، ٧٢، وقد سبق بيان التحقيق في نسخ هذه الآية عند قوله تعالى: ﴿إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ﴾.\n(٣) في (ي): (وهل يجب ذلك).\n(٤) انظر: \"النسخة الأزهرية\" ١/ ١٣١ أوقد قال في هذا الموضع: اختلف العلماء في حكم هذه الآية، فمذهب عطاء أن المعني بهذا أصحاب رسول الله -ﷺ- خاصة دون غيرهم؛ لأنه قال: كان القتال مع النبي -ﷺ- فريضة .. وقال بعضهم: كان الجهاد في الابتداء من فرائض الأعيان، ثم صار فرض كفاية، لقوله ﷿ ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ ولو كان القاعد مضيعًا فرضًا ما كان موعودًا بالحسنى، وقال بعضهم: لم يزل الجهاد فرض كفاية، غير أن رسول الله -ﷺ- كان إذا استنفرهم تعين عليهم النفير، لوجوب طاعته، .. والإجماع اليوم على أنه من فروض الكفاية، إلا أن =","vol":"10","page":448},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، قال أهل العلم: هذا يدل على أن الموسر يجب عليه الجهاد بالمال إذا عجز عن الجهاد ببدنه لزمانة (١) أو علة، فوجوب الجهاد بالمال كوجوب الجهاد بالبدن على الكفاية (٢)، وقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ قيل: ذلكم خير لكم من التثاقل إلى الأرض إذا استنفرتم (٣)، وقيل: معناه: أن الخير فيه لا في تركه (٤)، فـ (خير) هاهنا ليس بالذي يصحبه (من)، وليس للتفضيل؛ لأن (خيرًا) (٥) تستعمل بمعنيين: أحدهما (٦) بمعنى: هذا خير من ذاك، والثاني أنه بمعنى: خير في نفسه، كقوله: ﴿إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص: ٢٤]: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ﴾ [العاديات: ٨] ومثله كثير.\n_________\n=أن يدخل المشركون ديار المسلمين فإنه يتعين على كافة المسلمين إلى أن يقوم بكفايتهم من يصرف وجوههم.\n(١) الزمانة: العاهة والبلوى، انظر: \"القاموس المحيط\"، فصل الزاي، باب: النون ص ١٢٠٣، و\"مختار الصحاح\" (ز م ن) ص ٢٧٥.\n(٢) انظر: \"تفسير ابن الجوزي\" ٣/ ٤٤٣، والرازي ١٦/ ٧٠ - ٧١، والخازن ٢/ ٢٢٨، و\"حاشية الروض المربع\" ٤/ ٢٥٦، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: والعاجز عن الجهاد بنفسه يجب عليه الجهاد بماله في أصح قولي العلماء .. فإن الله أمر بالجهاد بالمال والنفس في غير موضع من القرآن، و\"مجموع فتاوى شيخ الإسلام\" ٢٨/ ٨٧.\n(٣) هذا قول ابن جرير، انظر \"تفسيره\" ١٠/ ١٤٠.\n(٤) ذكر هذا القول الماوردي في \"النكت والعيون\" ٢/ ٣٦٦، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٣/ ٤٤٤.\n(٥) في (ج): (ص).\n(٦) في (ج): (أحد).","vol":"10","page":449},{"text":"وقوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾: قال ابن عباس: إن كنتم تعلمون ما لكم من الثواب (١) والجزاء، وقيل: [إن كنتم] (٢) تعلمون الخير في الجملة فاعلموا أن هذا خير (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1419>٤٢ </span>- وقوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا﴾ الآية، قال المفسرون: نزلت هذه الآية في المنافقين الذين تخلفوا عن غزوة تبوك (٤)، قال الكلبي: لما رجع رسول الله -ﷺ- من تبوك أبدى الله نفاقهم، وأنزل هذه الآية (٥)، قال الزجاج والمبرد وغيرهما: لو كان ما دعوا إليه أو (٦) لو كان المدعو إليه سفرًا قاصدًا، فحذف اسم (كان) لدلالة ما تقدم من الكلام عليه (٧) و﴿عَرَضًا قَرِيبًا﴾ يريد: من عرض الدنيا، قاله ابن عباس (٨)، وقال الضحاك: غنيمة قريبة (٩).\n_________\n(١) لم أجد من ذكره سوى المؤلف في \"الوجيز\" ١/ ٤٦٥.\n(٢) ما بين المعقوفين ساقط من (ج).\n(٣) لم أهتد إلى القائل.\n(٤) انظر: \"تفسير ابن جرير\" ١٠/ ١٤١، والثعلبي ٦/ ١١١ ب، والبغوي ٤/ ٥٤، وابن الجوزي ٣/ ٤٤٤، و\"أسباب النزول\" للمؤلف ص ٢٥١.\n(٥) ذكره بمعناه الهواري في \"تفسيره\" ٢/ ١٣٤.\n(٦) في (ج): (و).\n(٧) انظر: قول الزجاج في \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٤٩، وانظر أيضًا: \"تفسير الطبري\" ١٠/ ١٤١، والثعلبي ٦/ ١١١ ب، والبغوي ٤/ ٥٤، وابن الجوزي ٣/ ٤٤٤، وأبي حيان ٥/ ٤٥، ولم أجد مصدر قول المبرد، ولعله في كتابه \"معاني القرآن\" الذي لم أعثر عليه.\n(٨) رواه بمعناه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٦/ ١٨٠٤، والفيروزأبادي في \"تنوير المقباس\" ص ١٩٤.\n(٩) لم أجد من ذكره عنه، وقد رواه ابن أبي حاتم في المصدر السابق، نفس الموضع عن الضحاك عن ابن عباس.","vol":"10","page":450},{"text":"وقال الكلبي: مالًا قريبًا (١)، ومضى الكلام في العرض عند قوله: ﴿يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى﴾ [الأعراف: ١٦٩].\nوقوله تعالى: ﴿وَسَفَرًا قَاصِدًا﴾، قال الليث: القصد (٢): استقامة الطريقة يقال: قصد يقصد قصدًا فهو قاصد (٣)، قال ابن عباس: سفرًا قاصدًا يريد: قريبًا (٤)، وقال الكلبي: هينا (٥)، وقال الزجاج: أي سهلًا قريبًا (٦)، وقال أهل المعاني: وسفرًا قاصدًا سهلًا باقتصاده من غير طول في أمره، وإنما قيل للعدل قصد لأنه مما ينبغي أن يقصد (٧)، وقال المبرد: قاصدًا: ذا قصد، أي ذا اعتدال في غير طول، أو ذا لين وسهولة واستقامة، كقولهم: لابن (٨) ورامح (٩) وتامر (١٠).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ﴾، قال الليث: الشقة: بعد مسير إلى أرض بعيدة، يقال: شقة شاقة (١١)، قال الضحاك: ﴿بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ\n_________\n(١) ذكره الهواري في \"تفسيره\" ١/ ١٣٤ بنحوه.\n(٢) ساقط من (ج).\n(٣) \"تهذيب اللغة\" (قصد) ٣/ ٢٩٧١، والنص في كتاب: \"العين\" (قصد) ٥/ ٥٤.\n(٤) \"تنوير المقباس\" ١٩٤ بمعناه.\n(٥) ذكره الهواري في \"تفسيره\" ٢/ ١٣٤.\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٤٩.\n(٧) ذكر نحو هذا القول الرازي في \"تفسيره\" ١٦/ ٧٢، ولم أجد من ذكره من أهل المعاني.\n(٨) لابن: أي ذو لبن. انظر: \"لسان العرب\" (لبن) ٧/ ٣٩٨٩، (رمح) ٣/ ١٧٢٤.\n(٩) رامح: أي ذو رمح. انظر: المصدر السابق (رمح) ٣/ ١٧٢٤.\n(١٠) الكلمة ساقطة من (ي)، ومعناها: ذو تمر. انظر: الممدر السابق، نفس الموضعين.\n(١١) \"تهذيب اللغة\" (شق) ٢/ ١٩٠٦، والنص في كتاب: \"العين\" (شق) ٥/ ٧ دون قوله: يقال .. إلخ.","vol":"10","page":451},{"text":"الشُّقَّةُ﴾: المسافة (١)، وقال الكلبي: يعني السفر إلى الشام (٢)، وقال الزجاج: بعدت عليهم الغاية التي تقصدها (٣)، ونحوه قال ابن كيسان (٤)، وقال قطرب: الشقة: السفر البعيد؛ لأنه يشق على الإنسان (٥)، وقال غيره: الشقة: القطعة من الأرض التي يشق ركوبها على صاحبها (٦).\nوقوله تعالى: ﴿وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ﴾، قال الكلبي: يعني: لو قدرنا وكان لنا سعة في المال (٧)، قال أهل المعاني: وفي هذا دلالة على نبوة محمد - ﷺ - لأنه أخبر أنهم سيحلفون، ثم جاءوا فحلفوا كما أخبر أنه سيكون منهم (٨).\nوقوله تعالى: ﴿يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾، قال ابن عباس: بالكذب والنفاق (٩)، وقوله (١٠): ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾، قال قتادة: لأنهم كانوا يستطيعون الخروج ولكن كانت تبطئة من عند أنفسهم زهادة في\n_________\n(١) لم أعثر على من خرجه، وقد رواه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٦/ ١٨٠٤ عن الضحاك عن ابن عباس بلفظ: المسيرة.\n(٢) ذكره المؤلف في \"الوسيط\" ٢/ ٥٠٠.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٥٠.\n(٤) انظر قوله في \"تفسير الثعلبي\" ٦/ ١١١ ب.\n(٥) انظر قوله في المصدر السابق، نفس الموضع.\n(٦) هذا قول علي بن عيسى الرماني. انظر: \"البحر المحيط\" ٥/ ٤٥.\n(٧) لم أجد من ذكره عنه، وقد ذكره من غير نسبة المؤلف في \"الوسيط\" ٢/ ٥٠٠، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٣/ ٤٤٤، والماوردي في \"النكت والعيون\" ٢/ ٣٦٧.\n(٨) القول للحوفي في كتابه \"البرهان\" ١١/ ١٨٥ أ، وانظر: \"الكشاف\" ٢/ ١٩١، و\"مفاتيح الغيب\" ١٦/ ٧٥.\n(٩) ذكره الفيروزأبادي في \"تنوير المقباس\" ص ١٩٤ بلفظ: بالحلف الكاذبة.\n(١٠) من (م).","vol":"10","page":452},{"text":"الخير (١)، وقال الحسن: لكاذبون: أي مستطيعون (٢) للخروج (٣) (٤)، وقال مجاهد: أي ذلك الذي قالوا بألسنتهم مخالف لما في قلوبهم (٥).\nفإن قيل: أليس عندكم لو استطاعوا لخرجوا وإذ (٦) لم يخرجوا فلأنهم لم يستطيعوا، والله تعالى قد كذبهم في قولهم (٧) لم نستطيع، فبان أنهم استطاعوا ولم يخرجوا؟ (٨)\nقلنا: الاستطاعة ههنا معناه: الزاد والسلاح والمركوب وكانوا مياسير ذوي عدة فاستطاعتهم كان بالعدة وكُذّبوا في قولهم: لم نستطع (٩).\n_________\n(١) رواه ابن جرير ١٠/ ١٤١، وعبد بن حميد وابن المنذر كما في \"الدر المنثور\" ٣/ ٤٤١.\n(٢) في (ي): (مستطيعين).\n(٣) ساقط من (ج).\n(٤) لم أقف عليه.\n(٥) لم أعثر عليه في المصادر التي بين يدي.\n(٦) في (ج): (فإذا).\n(٧) في (ج) و(ي): (قوله)، وهو خطأ.\n(٨) ذكر الرازي أن ممن اعترض هذا الاعتراض أبا على الجبائي والكعبي. انظر: \"تفسير الفخر الرازي\" ١٦/ ٧٢ - ٧٣.\n(٩) يشير المؤلف -﵀- إلى خلاف محتدم بين المعتزلة والأشاعرة في باب الاستطاعة والقدرة، وفي المسألة عدة أقوال أبرزها:\nالأول: قول المعتزلة، وهو أن الاستطاعة قبل الفعل، يقول عبد الجبار الهمداني: وجملة ذلك أن من مذهبنا أن القدرة متقدمة لمقدورها، وعند المجبرة أنها مقارنة له. \"شرح الأصول الخمسة\" ص ٣٩٨، وانظر أيضًا: \"مقالات الإسلاميين\" ١/ ٣٠٠، و\"الفرق بين الفرق\" ص ١٣٧، و\"شرح العقيدة الطحاوية\" ٢/ ٦٣٣.\nالثاني: قول الأشاعرة ومن وافقهم، وهو أن الاستطاعة تكون مع الفعل، ولا يجوز أن تتقدمه البتة، يقول الجويني في \"الإرشاد\" ص ٢١٩. والدليل على أن الحادث =","vol":"10","page":453},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1420>٤٣ </span>- وقوله تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾، قال المفسرون: أذن رسول الله -ﷺ- لطائفة في التخلف عنه فأنزل الله هذه الآية (١)، قال الحسين بن الفضل: هذا من لطيف المعاتبة ولو لم يفتتح الخطاب بالعفو ما كان يقوم لقوله: ﴿لِمَ (٢) أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ فطيب الله نفسه بتصدير العفو، وذلك أنه أذن لهم من غير مؤامرة (٣)، ولم (٤) يكن (٥) له أن يمضي (٦) شيئًا\n_________\n= مقدور، وأن الاستطاعة تقارن الفعل، أن نقول: القدرة من الصفات المتعلقة، ويستحيل تقديرها دون متعلق لها، فإن فرضنا قدرة متقدمة، وفرضنا مقدورًا بعدها في حالتين متعاقبتين فلا يتقرر على أصول المعتزلة تعلق القدرة بالمقدور، فإنا إذا نظرنا إلى الحالة الثانية فلا تعلق للقدرة فيها، فإذا لم يتحقق في الحالة الأولى إمكان، ولم يتقرر في الحالة الثانية اقتدار، فلا يبقى لتعلق القدرة معنى. أهـ. وانظر أيضًا: \"غاية المرام من علوم الكلام\" ص ٢٤٥، و\"شرح العقيدة الطحاوية\" ٢/ ٦٣٣.\nالثالث: قول عامة أهل السنة ومحققي المتكلمين، وهو أن الاستطاعة قسمان:\nأ- استطاعة للعبد بمعنى الصحة والوسع، وسلامة الآلات والتمكن وانتفاء الموانع، فهذه قد تتقدم الفعل، وهي المذكورة في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧]، وكذا في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ [المجادلة: ٤]، فالمراد من الاستطاعة في الآيتين استطاعة الأسباب والآلات وانتفاء المانع.\nب- استطاعة للعبد تكون موجبة للفعل، محققة له، فيها يتحقق وجوده، ويظهر كيانه، وهذه الاستطاعة مقارنة للفعل لا تتقدمه. انظر: \"مجموع فتاوى شيخ الإسلام\" ٨/ ٣٧٢، و\"شرح العقيدة الطحاوية\" ٢/ ٦٣٣.\n(١) انظر: \"تفسير ابن جرير\" ١٠/ ١٤٢، وابن أبي حاتم ٦/ ١٨٠٥، والسمرقندي ٢/ ٥٣، وابن الجوزي ٣/ ٤٤٥.\n(٢) ساقط من (ج).\n(٣) يعني: من غير أمر الله له بذلك.\n(٤) ساقط من (ج).\n(٥) في (ج): (لكن).\n(٦) في (ج): (ينهي).","vol":"10","page":454},{"text":"إلا بوحي (١)، قال قتادة وعمرو بن ميمون (٢): اثنان فعلهما رسول -ﷺ- ولم يؤمر فيهما بشيء: إذنه للمنافقين، وأخذه الفداء من الأسارى، فعاتبه الله كما تسمعون (٣)\nوقوله تعالى: ﴿لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾، قال ابن عباس: يريد في التخلف (٤)، قال أهل المعاني: وهذا يدل على أنه فعل ما لم يؤذن له فيه، لأنه لا يقال: لم فعلت: فيما أذن له في فعله (٥). وقوله: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ﴾ أي: حتى تعرف من له العذر منهم في تخلفه ومن لا عذر له، فيكون إذنك لمن أذنت له على عذر، وقال ابن عباس: وذلك أن رسول الله -ﷺ- لم يكن يعرف يومئذ المنافقين، وما عرفهم إلا بعدما نزلت (٦) سورة (٧) براءة (٨)، وقال أهل المعاني: هذه الآية بيان عما توجبه العجلة في الأمر قبل التبين من التنبيه على ما ينبغي من التثبت حتى تظهر الحال فيعامل كل فريق بما يستحقه من التقريب أو\n_________\n(١) لم أجد من ذكره عنه، وكتاب الحسين بن الفضل في معان القرآن مفقود.\n(٢) هو: عمرو بن ميمون الأودي، أبو عبد الله الكوفي، أسلم في حياة النبي -ﷺ- ولم يلقه، كان ثقة عابدًا كثير الحج، وتوفي سنة ٧٤ هـ. انظر: \"الكاشف\" ٢/ ٨٩، و\"تهذيب التهذيب\" /٣٠٧ - ٣٠٨.\n(٣) انظر: \"تفسير ابن جرير\" ١٠/ ١٤٢، والثعلبي ٦/ ١١١ ب، والبغوي ٤/ ٥٤، وابن الجوزي ٣/ ٤٤٥، والقرطبي ٨/ ١٥٤.\n(٤) \"تنوير المقباس\" ١٩٤ بنحوه.\n(٥) انظر: \"إعراب القرآن\" للنحاس ٢/ ٢١.\n(٦) في (ي): (بعد نزول).\n(٧) ساقط من (ي).\n(٨) ذكره بنحوه البغوي ٤/ ٥٥، وإبن الجوزي ٣/ ٤٤٥، والقرطبي ٨/ ١٥٥، والمؤلف في \"الوسيط\" ٢/ ٥٠١.","vol":"10","page":455},{"text":"الإبعاد (١)، وذكر ابن الأنباري وغيره من أهل الحقائق في قوله: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ﴾ وجها آخر سوى ما ذكرنا، وهو أنه قال: لم يأت النبي -ﷺ- مأثمًا ولم يخاطب بالذي خوطب به لجرم أجرمه، لكن الله تعالى وقره (٢) ورفع من شأنه بافتتاح الكلام بالدعاء له (٣) كما يقول الرجل لمخاطبه إذا كان كريمًا عنده: عفا الله عنك، ما صنعت في حاجتي؟ ورضي الله عنك، ألا زرتني؟ وعافاك الله، ألا عرفت حقي؟ فلا يقصد فيما يفتتح به من الدعاء إلا قصد التبجيل لمخاطبه والرفع لمحله (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1421>٤٤ </span>- وقوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ الآية.\nقال ابن عباس: هذا تعيير للمنافقين حين استأذنوا في القعود عن الجهاد (٥)، [وقال الزجاج:] (٦) أعلم الله نبيه أن علامة النفاق في ذلك الوقت الاستئذان (٧).\n_________\n(١) ذكره الرازي بمعناه ولم ينسبه لأحد. انظر: \"تفسيره\" ١٦/ ٧٣.\n(٢) في (ي): (وفقه)، وهو خطأ. وما أثبته موافق لـ\"زاد المسير\".\n(٣) ساقط من (ج).\n(٤) ذكر أكثره ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٣/ ٤٤٥ عن ابن الأنباري، واعتبره النحاس قولًا مرجوحًا في الآية. انظر: \"إعراب القرآن\" له ٢/ ٢١٧، وحكاه القرطبي في \"تفسيره\" ٨/ ١٥٤، عن مكي والمهدوي، وضعفه الشوكاني في \"فتح القدير\" ٢/ ٥٣٢، وقبله الكرماني في \"غرائب القرآن\" ١/ ٤٥٥.\n(٥) رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم ٦/ ١٨٠٦، والنحاس في \"الناسخ والمنسوخ\" ٢/ ٤٣٩.\n(٦) ما بين المعقوفين ساقط من (ي).\n(٧) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٥٠، وبقية النص: في التخلف عن الجهاد.","vol":"10","page":456},{"text":"وقوله تعالى: ﴿أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾، قال: موضع (أن) نصب، المعنى: لا يستأذنك هؤلاء في أن يجاهدوا (١)، ولكن (في) حذفت فأفضى الفعل فنصب (أن) (٢). قال سيبويه: ويجوز أن يكون موضعه (٣) جرًا لأن حذفها هاهنا جاز من ظهور (أن) فلو أظهرت المصدر لم تحذف (في)، لا يجوز: لا يستأذنك القوم الجهاد (٤) [حتى تقول: في الجهاد، ويجوز: لا يستأذنك القوم أن يجاهدوا] (٥) (٦).\n_________\n(١) ذكر النحاس في \"إعراب القرآن\" ٢/ ٢١ هذا التقدير عن الزجاج ثم قال: قال غيره: هذا غلط، وإنما المعنى ضد هذا، ولكن التقدير: (إنما يستأذنك الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر) في التخلف لئلا يجاهدوا، وحقيقته في العربية: كراهة أن يجاهدوا كما قال جل وعز: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦]. وانظر: \"الكشاف\" ٢/ ١٩٢ وحاشيته، فقد جوّز الزمخشري ما ذهب إليه الزجاج، وزاده إيضاحًا ابن المنير، واعتبره أدبًا إسلاميًا يجب أن يقتفى فلا يليق بالمرء أن يستأذن أخاه أن يسدي إليه معروفًا.\nوأقول: إن أسباب النزول وسياق الآيات لا سيما قوله تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ يدل على ضعف هذا القول، فما كان الله ليعاتب نبيه على إذنه لهم بالجهاد، بل على إذنه بالتخلف عن الجهاد، وهذا يدل على أنهم استأذنوه القعود لا في الجهاد.\n(٢) القول للزجاج في \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٥٠.\n(٣) في \"معاني القرآن وإعرابه\": موضعها.\n(٤) في (ج): (أن يجاهدوا)، والصواب ما أثبته وهو موافق لـ\"معاني القرآن وإعرابه\".\n(٥) ما بين المعقوفين ساقط من (ج).\n(٦) انظر قول سيبويه في \"معاني القرآن وإعرابه\" للزجاج ٢/ ٤٥٠ ولم أجده في مظانه في كتاب سيبويه، كما أن الأستاذين د/ محمد عبد الخالق عضيمة، وعبد السلام هارون لم يذكرا هذه الآية في فهرسيهما لكتاب سيبويه، وقد ذكر سيبويه النصب على نزع الخافض في عدة مواضع في كتابه منها: ١/ ٣٨، ١٥٩، ٣/ ١٢٧، ١٣٥، ١٣٧ ومن أقواله في كتابه ٣/ ١٥٤: واعلم أن اللام ونحوها من حروف =","vol":"10","page":457},{"text":"قال أصحاب الحقائق (١): ليست هذه الآية على ظاهرها؛ لأن ترك الاستئذان عن (٢) الإمام في الجهاد مذموم، وهؤلاء محمودون في هذه الآية بترك الاستئذان (٣)، وهاهنا إضمار وهو أحد شيئين: أحدهما: أن يكون التقدير: لا يستأذنك هؤلاء أن يجاهدوا فحذف (لا)، والثاني: لا يستأذنك هؤلاء كراهية أن يجاهدوا (٤)، وقد ذكرنا نحو هذا في قوله تعالى: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦] وفي غيره من المواضع، والذي دل على هذا المحذوف ذم المنافقين وسياق القصة، وهو قوله: ﴿لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ إنما كان ذلك إذنًا في القعود عن الجهاد لا في الجهاد، ويدل عليه أيضًا ما بعده من قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ أي في القعود عن الجهاد.\nوقال صاحب النظم: ظاهر نظم (٥) هذه الآية والتي بعدها يوهم أن الاستئذان في الجهاد مذموم، وهذا غير سائغ في المعنى؛ لأن الذم إنما وقع على من يستأذن في القعود عن الجهاد، فالتأويل: لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر في القعود عن الجهاد، فجاء هذا النظم على سبق\n_________\n=الجر قد تحذف من (أن) كما حذفت من (أنَّ)، جعلوها بمنزلة المصدر حين قلت: فعلت ذلك حذر الشر، أي لحذر الشر، ويكون مجرورًا على التفسير الآخر.\n(١) أهل الحقائق عند المؤلف هنا هم أهل المعاني كابن الأنباري كما بين ذلك من قبل.\n(٢) هكذا في جميع النسخ، والصواب: (من)، عبارة المؤلف في \"الوسيط\" ٣/ ٥٠١: .. وإلا فالاستئذان من الإمام في القعود عن الجهاد غير مذموم.\n(٣) في (ي): (الإيذان).\n(٤) ذكر بعض هذا القول النحاس في \"إعراب القرآن\" ٢/ ٢١، والرازي في \"تفسيره\" ١٦/ ٧٦.\n(٥) ساقط من (ي).","vol":"10","page":458},{"text":"العلم من الجميع إلى أنه (١) لا يقع الذم في مثل هذا إلا على من يستأذن (٢) في ترك الجهاد والقعود عنه، ومثله قوله: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ [النساء:١٢٧] فهذا أيضًا ظاهره أنهم يرغبون في نكاحهن والمعنى على خلافه؛ لأن هذا ورد في عضل الولي (٣) عن التزويج وامتناعه من أن يتزوجها، والعرب تقول: رغبت أن أفعل كذا بمعنى: عن أن أفعله، ورغبت أن أفعله [بمعنى في أن أفعله] (٤) ولا يعرف ذلك إلا بالاعتبار بمكانه (٥) الذي وقع به، والقصة التي حدث فيها، من ذلك قول الخنساء:\nيا صخر ورّاد ماء قد تناذره .... أهل الموارد ما في ورده عار (٦)\nظاهر قولها: ما (٧) في ورده عار، أن معناه [: ما على من ورده عار] (٨) ومعناه في الباطن: ما في ترك ورده مخافة عار؛ لأنها عنت: ماء ورده في موضع مخوف يتناذره الناس ويتحامونه، تقول: فهو يرد هذا الماء لشجاعته وجرأته، وإن ترك ورده تارك لم يكن عليه عار لهول ما فيه.\n_________\n(١) في (ي): (لأنه).\n(٢) في (ي): (يستأذنك).\n(٣) في \"الصحاح\" (عضل) ٥/ ١٧٦٧: عضل الرجل أيمه: إذا منعها من التزويج.\n(٤) ما بين المعقوفين ساقط من (ج).\n(٥) في (ج): (لمكانه)، وهو خطأ.\n(٦) انظر: \"ديوان الخنساء\" ص ٤٨، ومعنى تناذره: أنذر بعضهم بعضًا، والموارد: جمع مورد، وهو المنهل والماء الذي يورد للسقيا. وهي تعني الموت، أي لإقدامه وشجاعته.\nانظر: \"الكامل\" ٤/ ٤٨، و\"أنيس الجلساء في شرح ديوان الخنساء\" ص٧٥.\n(٧) لفظ: (ما) ساقط من (ج).\n(٨) نص ما بين المعقوفتين في (ي) هكذا: (على ما ورده عار)، وهو خطأ ظاهر.","vol":"10","page":459},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ﴾، قال ابن عباس: يريد: ليس فيهم منافق (١).\nقال أهل المعاني: لم يخرجهم من (٢) صفة المتقين إلا لأنه علم أنهم ليسوا منهم (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1422>٤٥ </span>- قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ الآية، أجمعوا على أن هذا الاستئذان في القعود عن الجهاد، وإخبار أن من فعل ذلك غير مؤمن بالله (٤).\nوقوله تعالى: ﴿وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ﴾، قال ابن عباس: يريد: شكوا في دينهم، ﴿فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾، قال: يريد في شكهم يتمادون (٥) (٦).\nوقال أهل المعاني: هذه صفة الشاك المتحير في دينه الذي ليس (٧) على بصيرة من أمره، لا يجد ثقة الإيمان لما هو عليه من الحيرة\n_________\n(١) في \"تنوير المقباس\" ص ١٩٤: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ﴾ الكفر والشرك.\n(٢) ساقط من (ج).\n(٣) \"البرهان\" للحوفي ١١/ ١٩٢ ب بنحوه.\n(٤) انظر: \"تفسير ابن جرير\" ١٠/ ١٤٣، والسمرقندي ٢/ ٥٣، والبغوي ٤/ ٥٥، وقول المؤلف: وإخبار أن من فعل ذلك غير مؤمن بالله، ليس على إطلاقه، فإن الاستئذان في التخلف عن الجهاد قد يكون عن ريبة وشك ونفاق، وقد يكون جنبًا أو كسلًا، وقد قيد بعض العلماء الآية بزمن رسول الله -ﷺ-، قال الزجاج في \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٥٠: أعلمه -جل وعلا- أن علامة النفاق في ذلك الوقت الاستئذان في التخلف عن الجهاد. وانظر: \"تفسير ابن جرير\" ١٠/ ١٤٣، والرازي ١٦/ ٧٦ - ٧٧، والقرطبي ٨/ ١٥٥.\n(٥) في (م): (يتمارون)، وما أثبته موافق لـ\"الوسيط\" و\"الوجيز\".\n(٦) \"الوسيط\" ٢/ ٥٠١، و\"الوجيز\" ٦/ ٥٠٨ - ٥٠٩، ونحوه في \"تنوير المقباس\" ص ١٩٤.\n(٧) في (ي): (ليس له).","vol":"10","page":460},{"text":"والاضطراب حتى زهد في الجهاد، واستأذن في المقام بما لا يجوز من الاعتذار، وقال أبو إسحاق: أعلم الله -جل وعز- أن من ارتاب وشك في الله وفي البعث فهو كافر (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1423>٤٦ </span>- وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً﴾، قال ابن عباس: يريد: من الزاد والماء وما يركبون؛ لأن سفرهم بعيد، وفي زمان شديد (٢)، وقال الزجاج: فتركهم العدة دليل على إرادتهم التخلف (٣)، وقال غيره: هذا إشارة إلى أنهم كانوا مياسير قادرين على أخذ العدة لو أرادوا الخروج إلى الجهاد (٤).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ﴾ الانبعاث: الانطلاق في الأمر، يقال: بعثت (٥) البعير فانبعث، وبعثته لأمر كذا فانبعث: أي نفذ فيه (٦)، ومنه الحديث في عقر الناقة: \"فانبعث لها رجل عارم (٧) \" (٨).\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٥٠.\n(٢) ذكره الرازي في \"تفسيره\" ١٦/ ٧٨، وأبو حيان في \"البحر المحيط\" ٥/ ٤٨، وبمعناه ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٣/ ٤٤٦.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٥٠.\n(٤) ذكر ذلك من غير تعيين الرازي في: \"تفسيره\" ١٦/ ٧٨، والمؤلف في \"الوسيط\" ٢/ ٥٠١، و\"الوجيز\" ٦/ ٥١٠ - ٥١١.\n(٥) في (م): (بعث).\n(٦) انظر: \"تهذيب اللغة\" (بعث) ١/ ٣٥٤، و\"الصحاح\" (بعث) ١/ ٢٧٣.\n(٧) عارم: أي خبيث شرير، والعُرام: الشدة والقوة والبطش. انظر: \"النهاية في غريب الحديث والأثر\" (عرم) ٣/ ٢٢٣.\n(٨) رواه مطولًا البخاريَ (٤٩٤٢)، كتاب: التفسير، سورة الشمس وضحاها، ومسلم (٢٨٥٥)، كتاب: الجنة، باب: النار يدخلها الجبارون، والجنة يدخلها الضعفاء، والترمذي (٣٣٤٣)،كتاب: تفسير القرآن، باب: ومن سورة الشمس وضحاها، =","vol":"10","page":461},{"text":"قال ابن عباس في تفسير ﴿انْبِعَاثَهُمْ﴾: يريد: خروجهم معك ونحوه قول (١) الزجاج: (كره الله أن يخرجوا معكم) (٢)، قال أصحابنا: معنى: (كره الله): لم يرد الله؛ لأن الكراهة للشيء ضد الإرادة له (٣).\nوقوله تعالى: ﴿فَثَبَّطَهُمْ﴾ التثبيط: ردُّك الإنسان عن الشيء يفعله، قال ابن عباس: يريد: فخذلهم وكسلهم عن الخروج (٤)، وعنه أيضًا: (فحبسهم) في رواية الضحاك (٥)، والأول في رواية عطاء، وقال الحسن: (خذلهم) (٦)، وهذا ظاهر في أن الله تعالى يخلق الخذلان والكفر، ألا\n_________\n= وأحمد في \"المسند\" ٤/ ١٧.\n(١) في (ج): (قال).\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٥٠.\n(٣) انظر: \"رسالة إلى أهل الثغر\" للأشعري ص٢٣١، وكتاب: \"أصول الدين\" للبغدادي ص ١٠٢.\nوهذا القول من تأويل الأشاعرة لصفات الله الفعلية وردّها إلى الإرادة، ومذهب السلف إثبات صفة الكراهة، بناء على قاعدتهم بأن الله يوصف بما وصف به نفسه، وبما وصفته به رسله نفيًا وإثباتًا، من غير تكييف ولا تمثيل، ومن غير تحريف ولا تعطيل.\nانظر: \"عقيدة السلف\" للصابوني ص ١٨٩، ٢٢٣، وكتاب: \"الأسماء والصفات\" للبيهقي ٢/ ١١٣، و\"مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية\" ٣/ ٣، ١٧، و\"شرح العقيدة الطحاوية\" ٢/ ٦٨٥، و\"مدارج السالكين\" ١/ ٢٧٨، و\"معارج القبول\" ١/ ٣٤٦، ٣٥٦.\n(٤) ذكره المؤلف في \"الوسيط\" ٢/ ٥٠١، و\"الوجيز\" ١/ ٤٦٦، وبنحوه أبوحيان في \"البحر المحيط\" ٥/ ٤٨.\n(٥) أخرجها ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٦/ ١٨٠٧، ومثلها رواية الكلبي كما في\"تنوير المقباس\" ص ١٩٤.\n(٦) لم أعثر عليه.","vol":"10","page":462},{"text":"تري (١) أنه (٢) أضاف حبسهم ومنعهم من الخروج إلى نفسه في قوله: ﴿فَثَبَّطَهُمْ﴾ (٣).\nوقوله تعالى: ﴿وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾، قال ابن عباس: يعني: أولى الضرر والزمنى (٤)، وقال عطية: يعني الصبيان والنساء (٥)، واختلفوا في أن هذا القول ممن كان؟ فقال بعضهم: رسول الله قال لهم لما (٦) استأذنوا: اقعدوا مع الخالفين غضبًا منه عليهم، ولم يقصد بذلك سوى الوعيد فاغتنموا هذه اللفظة، وقالوا: قد أذن لنا رسول الله -ﷺ- (٧)، فقال\n_________\n(١) في (ج): (ألا تراه).\n(٢) ساقط من (ج) و(م).\n(٣) وهذا مذهب أهل السنة قاطبة، انظر: \"شرح العقيدة الطحاوية\" ٢/ ٦٤٠، ولكن يجدر بالتنبيه أن الله تعالى لا يخلق الكفر في نفس إنسان إلا إذا باشر أسباب ذلك كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥].\n(٤) لم أجد من ذكره إلا المؤلف في \"الوجيز\" ١/ ٤٦٦.\n(٥) ذكره الثعلبي ٦/ ١٣٥، والبغوي ٤/ ٨١، عند تفسير قوله تعالى: ﴿فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ﴾ دون تعيين القائل.\n(٦) في (ج): (كما)، وهو خطأ.\n(٧) ذكر هذا القول مختصرًا النحاس في: \"إعراب القرآن\" ٢/ ٢٢، والماوردي في \"النكت والعيون\" ٢/ ٣٦٨، والخازن في \"تفسيره\" ٢/ ٢٣٠، والقرطبي في \"الجامع لأحكام القرآن\" ٨/ ١٥٦. ولا يخفى ضعف هذا القول لما يأتي:\nأ- أن الأصل في اللفظ الحقيقة، ولا يجوز تجريد نفظ كلام الله من حقيقته إلا ببرهان قاطع، وليس ثمت برهان.\nب- أن الآية صُدّرت بقوله تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ﴾ المشعر بأن رسول الله -ﷺ- خالف الأولى، فدد ذلك على أنه أذن للمنافقين بالقعود إذنًا حققيًّا لا صوريًّا.\nجـ- أن جميع من ذكر هذا القول لم يسنده إلى شاهد حال، وإنما قيل على وجه الظن والتخمين.","vol":"10","page":463},{"text":"الله تعالى: ﴿لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ والمراد لفظ الإذن لا حقيقته (١)، وقال مقاتل: وحيًا إلى قلوبهم (٢)، يعني أن الله ألهمهم أسباب الخذلان، وأوحى إلى قلوبهم: ﴿اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾ ويجوز أن يكون بعضهم قال لبعض (٣).\nوقوله تعالى: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ﴾ الآية، قال ابن زيد: هذا تسلية للنبي - ﷺ - عن حزنه على تخلف من تخلف عنه من المنافقين فقال: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا﴾ (٤)، وقال الزجاج: أعلم الله تعالى لم كره خروجهم بقوله: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ﴾ الآية (٥)، قال ابن عباس: لو خرجوا معكم (٦).\nوقوله تعالى: ﴿مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا﴾ الخبال: الفساد والشر في كل شيء (٧)، وهو مما ذكرناه في سورة آل عمران [١١٨]، والمراد بالخبال هاهنا: الاضطراب في الرأي، وذلك (٨) بتزيين أمر لفريق وتقبيحه عند فريق ليختلفوا فتفترق كلمتهم ولا تنتظم، يقول: لو خرجوا لأفسدوا عليكم أمركم، هذا معنى قول المفسرين (٩).\n_________\n(١) في (ج): (لا حقيقة الإذن).\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ص ١٢٩.\n(٣) وهذا ما اعتمده البغوي في \"تفسيره\" ٤/ ٥٥، وانظر: \"الكشاف\" ٢/ ١٩٣.\n(٤) هذا معنى أثر ابن زيد، وقد رواه ابن جرير ١٠/ ١٤٥، وابن أبي حاتم ٦/ ١٨٠٧.\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٥٠.\n(٦) رواه الفيروزأبادي في \"تنوير المقباس\" ١٩٤ من رواية الكلبي، وسنده لا يخفى.\n(٧) انظر: \"الصحاح\" (خبل) ٤/ ١٦٨٢، و\"الكشاف\" ٢/ ١٩٤.\n(٨) ساقط من (ي).\n(٩) انظر: \"تفسير ابن جرير\" ١٠/ ١٤٤، والثعلبي ٦/ ١١٢ أ، والبغوي ٤/ ٥٦.","vol":"10","page":464},{"text":"قال ابن عباس في قوله: ﴿مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا﴾ يريد: عجزًا وجبنا (١)، يعني: أنهم يجبنونهم (٢) عن لقاء العدو بتهويل الأمر عليهم، وقال الكلبي: \"إلا شرًّا\" (٣) وقال مرة (٤): \"إلا غشًّا\" (٥)، وقال يمان (٦): \"إلا مكرًا\" (٧)، وقال الضحاك: \"إلا غدرًا\" (٨).\nقال أصحاب النحو والعربية: هذا أمر الاستثناء المنقطع بتقدير: ما زادوكم قوة لكن طلبوا لكم الخبال، وذلك أنهم لم يكونوا على خبال فيزداودا ذلك (٩)، ويجوز أن يكونوا (١٠) على تلون في الرأي لما يعرض في النفس، فكانوا يصيرونه خبالًا (١١) فلا يكون استثناء منقطعًا.\n_________\n(١) ذكره المؤلف في \"الوسيط\" ٢/ ٥٠١، وذكره أيضا الماوردي في \"النكت والعيون\" ٢/ ٣٦٨ بلفظ: فسادًا.\n(٢) في (م): (يجبنوهم).\n(٣) رواه الثعلبي ٦/ ١١٢ ب.\n(٤) في (ي): (المرة) والصواب ما أثبته، وهو مرة الهمداني.\n(٥) لم أجده.\n(٦) هو: يمان بن رئاب (بكسر الراء) البصري الخراساني، وهو ضعيف في باب الرواية.\n(٧) ذكره الرازي في \"تفسيره\" ١٦/ ٨٠.\n(٨) رواه الثعلبي ٦/ ١١٢ ب.\n(٩) انظر: \"البحر المحيط\" ٥/ ٤٩، و\"الدر المصون\" ٦/ ٥٩، وقد أنكر الزمخشري ذلك في \"كشافه\" ٢/ ١٩٤، فقال: (\"إلا خبالًا\": ليس من الاستثناء المنقطع في شيء كما يقولون؛ لأن الاستثناء المنقطع هو أن يكون المستثنى من غير جنس المستنثى منه، كقولك: ما زادوكم خيرًا إلا خبالًا، والمستثنى منه في هذا الكلام غير مذكور، وإذا لم يذكر وقع الاستثناء من أعم العام الذي هو الشيء فكان استثناء متصلًا؛ لأن الخبال بعض أعم العام كأنه قال: ما زادوكم شيئًا إلى خبالًا).\n(١٠) في (ي): (يكون).\n(١١) المعنى: أنه قد يطرأ على نفوس الصحابة شيء من اختلاف الرأي ونحوه، فإذا =","vol":"10","page":465},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ﴾، قال النضر: وضع البعير إذا عدا، وأوضعته أنا: إذا حملته عليه (١)، ونحو ذلك قال أبو زيد (٢)، وأنشد الليث (٣):\nلماذا (٤) تردّين امرأ جاء لا يرى .... كودّك ودًا قد أكل (٥) وأوضعا (٦)\nوقال الفراء: العرب تقول: أوضع الراكب، ووضعت الناقة، وربما قالوا للراكب: وضع، وأنشد:\nإني إذا ما كان يوم ذو فزع .... ألفيتني محتملًا بزّي (٧) أضع (٨)\n_________\n= وُجد هؤلاء المفسدون ضخموا هذا العارض، وتلونوا في آرائهم لتفريق الصف، وتصيير الخبال.\n(١) انظر قول النضر بن شميل في: \"تهذيب اللغة\" (وضع) ٤/ ٣٩٠٥.\n(٢) انظر: \"النوادر في اللغة\" لأبي زيد ص ٢٢١.\n(٣) انظر: \"تهذيب اللغة\" (وضع) ٤/ ٣٩٠٥. ولم أجده في مادة (كل) و(وضع) من كتاب: العين.\n(٤) في \"تهذيب اللغة\" بماذا.\n(٥) في (ج): (أذل)، وأثبت ما في (م) و(ي) لموافقته ما في المصدر السابق.\n(٦) لم أهتد إلى قائله، وانظر البيت بلا نسبة في: \"تهذيب اللغة\" (وضع) ١/ ٣٩٠٥، و\"لسان العرب\" (وضع) ٨/ ٤٨٥٩.\n(٧) هكذا في جميع النسخ و\"تهذيب اللغة\"، وفي \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٤٤٠، و\"لسان العرب\" (وضع): (بذي. والبز: الثياب، انظر: \"لسان العرب\" (بزز) ١/ ٢٧٤.\nأما علي رواية الفراء فقد قال المحقق في حاشية الموضع السابق: قوله: بذي، كأنه يريد: بذي الناقة، أو بذي الفرس، وقد يكون المراد: محتملًا رحلي -على صيغة اسم الفاعل- بالبعير الذي أضعه، فذي هنا موصول على لغة الطائيين.\n(٨) لم أهتد لقائلهما، والبيت الثاني بلا نسبة في \"تهذيب اللغة\" (وضع) ١/ ٣٩٠٥، و\"لسان العرب\" (وضع) ٨/ ٤٨٥٩، وهما بلا نسبة أيضًا في \"شرح أبيات معاني القرآن\" ص ٢٠١.","vol":"10","page":466},{"text":"وقال الأخفش: يقال: أوضعت (١) وجئت موضعًا ولا توقعه على شيء، قال: وقد يقول بعض قيس (٢): أوضعت بعيري، فلا يكون لحنا (٣)، وقال أبو عبيد: فيما روي عنه - ﷺ - أنه أفاض من عرفة وعليه السكينة، وأوضع في وادي محسر (٤)، الإيضاع: سير مثل الخبب (٥)، فحصل من هذه الأقوال أن الإيضاع في قول أكثر أهل اللغة معناه حمل البعير على العدو، حتى لا يجوز أن يقال: أوضع الرجل: إذا سار بنفسه سيرًا حثيثًا، [وعند الأخفش وأبي عبيد يجوز أن يقال: أوضع بمعنى سار سيرًا حثيثًا] (٦) من غير أن يراد أوضع ناقته أو بعيره، وأكثر ما جاء في الشعر (أوضع) إنما جاء من غير إيقاع على شيء، قال لبيد (٧):\n_________\n(١) في (ج): (وضعت)، وأثبت ما في (م) و(ي) لموافقته لـ\"تهذيب اللغة\".\n(٢) هو جد قديم، وهو قيس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان، وبنوه قبائل كثيرة منه \"هوازن\" و\"سليم\" و\"غطفان\" و\"باهلة\". انظر: \"جمهرة أنساب العرب\" ص ٢٣٢، و\"الأعلام\" ٥/ ٢٠٧.\n(٣) انظر: قول الأخفش في \"تهذيب اللغة\" (وضع) ١/ ٣٩٠٥.\n(٤) رواه النسائي في \"سننه\"، كتاب: مناسك الحج، باب: الأمر بالسكينة في الإفاضة ٥/ ٢٥٨، والدارمي في \"سننه\"، كتاب: المناسك، باب: الوضع في وادي محسر رقم (١٨٩١) ٢/ ٨٤، وأحمد في \"المسند\" ٣/ ٣٣٢، ٣٦٧، ٣٩١، وبنحوه الترمذي (٨٨٦) كتاب: الحج، باب: ما جاء في الإفاضة من عرفات.\n(٥) \"غريب الحديث\" لأبي عبيد ١/ ٤٦٠.\n(٦) ما بين المعقوفين ساقط من (ج).\n(٧) لم أجد من ذكر البيت للبيد سوى الرازي ١٦/ ٨١ وهو ناقل النص من الواحدي بدلالة السياق، والمشهور أنه لامرئ القيس وهو في \"ديوانه\" ص ٤٣ ونسب إليه أيضًا في \"الصحاح\" (سحر) ٢/ ٦٧٩ مع الشك في ذلك، وعبارته: ويُنشد لامريء القيس، وذكر البيت، كما نسب إليه أيضًا في \"البحر المحيط\" ٥/ ٤٩، و\"الدر المصون\" ٢/ ٣١، و\"لسان العرب\" (سحر) ٤/ ١٩٥٢ وبعده في الديوان: =","vol":"10","page":467},{"text":"أرانا موضعين لحتم غيب ... ونسحر بالطعام وبالشراب\nأرد: مسرعين، ولا يجوز أن يريد: موضعين (١) الإبل أو المطية؛ لأنه لم يرد السير في الطريق، وقال عمر بن أبي ربيعة:\nتبالهن (٢) بالعرفان لما عرفنني ..... وقُلن امرؤ باغ أكلَّ وأوضعا (٣)\nوالآية أيضًا تشهد لقول الأخفش وأبي عبيد.\nوقوله تعالى: ﴿خِلَالَكُمْ﴾ أي: فيما بينكم، ومنه (٤) قوله: ﴿وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا﴾ [الكهف: ٣٣]، وقوله: ﴿فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ﴾ [الإسراء: ٥]، وأصله من الخلل وهو الفرجة بين الشيئين، وجمعه خلال (٥).\nومنه قوله: ﴿فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ﴾ [النور: ٤٣] (٦)، وقرئ:\n_________\n= عصافير وذبان ودود .... وأجرأُ من مجلحة الذئاب\nوينسب البيت أيضًا لزهير وهو في \"ديوانه\" ص ١٠٠ (طبعة دار صادر ودار بيروت عام ١٣٧٩ هـ) وبعده:\nكما سحرت به إرم وعاد ...... فأضحوا مثل أحلام النيام\nومعنى (نسحر): (نعلل، أو نخدع، وقوله: (لحتم غيب): (في المصادر السابقة: لأمر غيب، وهو يريد الموت، انظر: \"البحر المحيط\" و\"لسان العرب\"، نفس الموضع السابق.\n(١) في (ي): (موضعين لحتم)، وهو خطأ.\n(٢) في (ج): (تناهلن)، والصواب ما أثبته كما في \"شرح الديوان\"، وفيه: تباهلن: تصنعن البله وتكلفنه، وأكل: أتعب راحلته، وأوضع: أي سار أشد السير.\n(٣) انظر: \"شرح ديوانه\" ص ١٧١.\n(٤) ساقط من (ي).\n(٥) في (ج): (خلا)، وهو سهو من الناسخ.\n(٦) الودق: المطر. انظر: \"تفسير البغوي\" ٦/ ٥٤.","vol":"10","page":468},{"text":"(من خَلله) (١) وهي مخارج مصب القطر، وقال الأصمعي: \"تخللت القوم: إذا دخلت من (٢) خللهم وخلالهم\" (٣)، ويقال: جلسنا خلال بيوت الحي، وخلال دورهم، أي جلسنا بين البيوت ووسط الدور.\nقال أهل المعاني: ومعنى الإيضاع هاهنا: إسراعهم في الدخول بينهم للتضريب (٤) ينقل الكلام على التحريف (٥)، وعلى هذا المعنى دل كلام المفسرين، قال عطاء عن ابن عباس في قوله: ﴿وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ﴾ يريد: أضعفوا شجاعتكم (٦)، يعني: بالتضريب بينهم لتفترق الكلمة فتجبنوا عن العدو، وقال الحسن: ﴿وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ﴾ بالنميمة لإفساد ذات بينكم (٧)، هذا هو المعنى الصحيح، وقال الكلبي: يعني ساروا بينكم يبغونكم العنت (٨)، وعلى هذا قوله: ﴿وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ﴾ عبارة عن سيرهم فيما بينهم\n_________\n(١) بفتح الخاء وبلا ألف على الإفراد، وهي قراءة ابن مسعود وابن عباس والضحاك ومعاذ العنبري، عن أبي عمرو والزعفراني والأعمش، انظر: \"مختصر في شواذ القرآن\" ص ١٠٢، و\"البحر المحيط\" ٦/ ٤٦٤، و\"إتحاف فضلاء البشر\" ص ٣٢٥.\n(٢) في (م): (تخللت بين).\n(٣) تهذيب اللغة\" (خل) ١/ ١٠٩٧.\n(٤) في\"لسان العرب\" (ضرب) ٥/ ٢٥٦٨: ضربت الشيء بالشيء وضربته: خلطته، وضربت بينهم بالشر: خلطت، والتضريب بين القوم: الإغراء.\n(٥) ذكر معناه ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٣/ ٤٤٨ عن الحسن ولم أجده فيما بين يدي من كتب أهل المعاني.\n(٦) لم أجده بهذا اللفظ، وانظر المعنى في: \"الوجيز\" ٦/ ٥١٢.\n(٧) ذكره ابن الجوزي في: \"زاد المسير\" ٣/ ٤٤٨، وابن القيم كما في \"التفسير القيم\" ٢/ ٣٥٨.\n(٨) رواه الثعلبي ٦/ ١١٢ ب، والبغوي ٣/ ٥٦، لكنه تصحف في \"تفسير البغوي\"، فقال: العيب.","vol":"10","page":469},{"text":"فقط، وقوله تعالى: ﴿يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ﴾ حال لهذا السير ولهم، وقال أصحاب العربية في قوله: ﴿وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ﴾: أي أوضعوا مراكبهم خلالكم (١)، وهو قول أبي الهيثم (٢)، ونحوه الكسائي: خيبوا (٣) ركائبهم فيما بينكم (٤).\nولا يكون في (٥) هذا ذمًا لهم إلا أن يحمل هذا على معنى قول الكلبي، وقال ابن الأعرابي: أي: لأسرعوا في الهرب خلالكم (٦)، ونحوه قال ابن الأنباري: أسرعوا الفرار في أوساطكم (٧)، وهذا قول بعيد؛ لأن لفظ الآية ليس يدل على معنى الهرب، [وأي فائدة لقوله في (٨) ﴿خِلَالَكُمْ﴾ لو أراد بالإيضاع: الهرب] (٩)، وقال أبو إسحاق: أي: ولأسرعوا فيما يخل بكم (١٠)، وهذا راجع إلى القول الأول وهو أنه إسراع بالنميمة، والنميمة (١١) مما يخل بهم.\n_________\n(١) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٤٤٠، و\"تهذيب اللغة\" (وضع) ٤/ ٣٩٠٦، و\"لسان العرب\" (وضع) ٨/ ٤٨٥٩.\n(٢) انظر: قوله في \"تهذيب اللغة\" (وضع) ٤/ ٣٩٠٦.\n(٣) الخبب: ضرب من العدو. انظر: \"مجمل اللغة\" (خب) ٢/ ٢٧٧.\n(٤) لم أجده فيما بين يدي من مصادر.\n(٥) في (ي): (على).\n(٦) لم أجده فيما بين يدي من مصادر.\n(٧) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ٦/ ١١٢ ب، وأبو حيان في \"البحر المحيط\" ٥/ ٤٩.\n(٨) كذا. ولا معنى لذكر لفظ (في).\n(٩) ما بين المعقوفين ساقط من (ي).\n(١٠) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٥١.\n(١١) ساقط من (ي).","vol":"10","page":470},{"text":"وقوله (١): يخل بكم، ليس من لفظ الخلال (٢)، ولا بتفسير له، بل هو مضمن في الإيضاع يعني: ولأوضعوا مخلين بكم بالنميمة، وليس الخلال من الإخلال في شيء، هذا معنى قول أبي إسحاق (٣)، وكتب في المصاحف ﴿وَلَأَاوْضَعُوا﴾ بزيادة ألف ومثله: ﴿أَوْ لَأَاذْبَحَنَّهُ﴾ [النمل: ٢١] في بعضها، قال الفراء: وهو من سوء هجاء الأولين، وقال الزجاج: إنهم كانوا في ذلك الزمان يكتبون الفتحة ألفًا ولم يكن ذلك من هجاء العرب، والكتابة بالعربية ابتدئ به بقرب نزول القرآن فوقع فيه زيادات في أمكنة (٤)\n_________\n(١) يعني الزجاج في قوله السابق.\n(٢) في (ي): (الخيال)، وهو خطأ.\n(٣) يعني الذي تقدم ذكره.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٥٢، ووافقه الزمخشري أيضًا في \"الكشاف\" ٢/ ١٩٤ وخالفهم الإمام أبو عمرو الداني الذي بين أن زيادة الألف هنا لفائدة فقال: أما زيادة الألف في (لأاوضعوا) و(لأاذبحنه) فلمعان أربعة، هذا إذا كانت الزائدة فيهما المنفصلة عن اللام، وكانت الهمزة هي المتصلة باللام، وهو قول أصحاب المصاحف: فأحدها: أن تكون صورة لفتحة الهمزة، من حيث كانت الفتحة مأخوذة منها.\nوالثاني: أن تكون الحركة نفسها، لا صورة لها، على مذهب العرب في تصوير الحركات حروفًا.\nوالثالث: أن تكون دليلًا على إشباع فتحة الهمزة وتمطيطها في اللفظ؛ لخفاء الهمزة، وبعد مخرجها، وفرقًا بين ما يحقق من الحركات، وبين ما يختلس منهن، وليس ذلك الإشباع والتمطيط بالمؤكد للحروف، إذ ليس من مذهب أحد من أئمة القراءة، وإنما هو إتمام الصوت بالحركة لا غير.\nوالرابع: أن تكون تقوية للهمزة وبيانًا لها.\nوإذا كانت الزائدة من إحدق الألفين المتصلة في الرسم باللام، وكانت الهمزة هي المنفصلة عنها وهو قول الفراء وأحمد بن يحيي من النحاة -فزيادتها لمعنيين: =","vol":"10","page":471},{"text":"وقوله تعالى: ﴿يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ﴾ أي: يبغون لكم، قال كعب بن زهير:\nإذا ما نتجنا أربعًا عام كفأة ... بغاها خناسيرًا فأهلك أربعًا (١)\nأي: بغى لها خناسير، وهي الدواهي، ومعنى بغى هاهنا: طلب.\nالأصمعي: يقال ابغني كذا أي: اطلبه لي، ومعنى ابغني وابغ لي سواء، وإذا قال: أبغني فمعناه أعنيِّ على بُغائه (٢).\nأبو عبيد عن الكسائي: أبغيتك (٣) الشيء، إذا أردت: أعنته على\n_________\n= أحدهما: الدلالة على إشباع فتحة اللام وتمطيط اللفظ بها.\nوالثاني: تقوية للهمزة، وتأكيدًا لها وبيانًا. \"المحكم في نقط المصاحف\" للداني ص ١٧٦، ١٧٧.\n(١) البيت في \"شرح ديوان كعب بن زهير\"، ونسب إليه أيضًا في \"تهذيب اللغة\" (بغى) ١/ ٣٦٧، و\"تهذيب إصلاح المنطق\" ص ٢٩٢.\nوفي المصدر الأخير: نتج فلان إبله كَفأة وكُفأة: وهو أن يفرق إبله فرقتين، فيُضرب الفحل العام إحدى الفرقتين، ويدع الأخرى، فإذا كان العام المقبل أرسل الفحل في الفرقة التي لم يكن أضربها الفحل في العام الماضي، وترك التي أضربها في العام الماضي؛ لأن أفضل النتاج أن يُحمل على الإبل الفحول عاما، وتترك عامًا .. ونتج الرجل الناقة: إذا ولدت عنده، يقول: إذا نُتجت أربع من إبله أربعة أولاد، هلك من إبله الكبار أربع، فيكون ما هلك منه أعظم مما أصاب، والخناسير: الهُلاك، لا واحد له وفي (بغاها) ضمير من الجد -يعني: الحظ- هو الفاعل. \"تهذيب إصلاح المنطق\" ٢٩١ - ٢٩٢ مختصرًا.\nوقال السكري في \"شرح الديوان\" ص ٢٢٧: يقول: إنه من شؤم حظه إذا نتج أربع نوق أتت الدواهي فأهلكتهن.\n(٢) \"تهذيب اللغة\" (بغى) ١/ ٣٦٧.\n(٣) في (ج) و(ي): (بغيتك)، هنا أثبته من (م) وهو موافق لمصدري تخريج القول.","vol":"10","page":472},{"text":"طلبه، فإذا أردت أنك فعلت ذلك له (١) قلت: بغيته، وكذلك أعكمتك (٢)، وأحلبتك (٣): إذا أعنته، وعكمتك العكم (٤): أي فعلته لك (٥)، ونحو هذا قال الفراء (٦)، ومعنى الفتنة هاهنا: النفاق في قول ابن عباس (٧)، والشرك، في قول محمد بن مسلم (٨)، باختلاف كلمتهم وافتراقهم فيما بينهم وذلك شرك ونفاق، وهو أن يختلفوا على النبي -ﷺ- (٩)، وقال الكلبي: يبغونكم العنت، يبطئونكم (١٠) (١١).\n_________\n(١) ساقط من (ي).\n(٢) في (ج): (علمتك، وما في (ي): (موافق لما في \"تهذيب اللغة\" \"لسان العرب\"، يقال: عكم المتاع يعكمه عكمًا: شده بثوب، وهو أن يبسطه ويجعل فيه المتاع ويشده، ويسمى حينئذ عكمًا، والعكام، ما عكم به، وهو الحبل الذي يعكم عليه. \"لسان العرب\" (عكم) ٥/ ٣٠٦.\n(٣) كذا في جميع النسخ، وكذلك في \"تفسير الثعلبي\"، ولفظ \"تهذيب اللغة\" و\"لسان العرب\":\nأحملتك، أي: أعنتك على حمل المتاع، ومعنى أحلبتك: أعنتك على حلب الناقة ونحوها كما فسره الثعلبي في \"الكشف والبيان\" ٦/ ١١٢ ب.\n(٤) في (ج): (علمتك العلم)، والصواب ما أثبته وهو موافق لمصدري تخريج القول.\n(٥) انظر: قول الكسائي في \"تهذيب اللغة\" (بغى) ١/ ٣٦٧، و\"لسان لعرب\" (بغا) ١/ ٣٢٢.\n(٦) انظر: \"معاني القرآن\" له ١/ ٤٤٠.\n(٧) لم أقف على مصدر هذا القول.\n(٨) يعني ابن قتيبة، انظر: \"تفسير غريب القرآن\"، له ص ١٩٦.\n(٩) قال الإمام ابن كثير في \"تفسيره\" ٢/ ٣٩٧ - ٣٩٨ عند تفسير قول الله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾: فليحذر وليخشى من خالف شريعة الرسول باطنًا وظاهرًا (أن تصيبهم فتنة) أي: في قلوبهم، من كفر أو نفاق أو بدعة.\n(١٠) في (ي): (يبغونكم الفتنة يثبطونكم).\n(١١) رواه الثعلبي في \"تفسيره\" ٦/ ١١٢ ب، والبغوي في \"تفسيره\" ٤/ ٥٦ بلفظ: العنت والشر.","vol":"10","page":473},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾ أي: عيون لهم ينقلون إليهم ما يسمعون منكم، هذا قول مجاهد (١) وابن زيد (٢) والكلبي (٣)، وقال قتادة: وفيكم من يسمع كلامهم ويطيعهم (٤)، وقال ابن إسحاق: وفيكم قوم أهل محبة لهم وطاعة [فيما يدعونهم إليه لشرفهم فيهم (٥)، ومعناه على هذا: وفيكم أهل سمع لهم وطاعة] (٦) لو صحبهم هؤلاء المنافقون أفسدوهم عليكم (٧) بتثبيطهم إياهم عن (٨) السير معكم، وكل هذا إخبار عن حال المنافقين من حرصهم على خبال المؤمنين وطلب الغوائل لهم (٩).\nوقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾، قال ابن عباس: (يريد المنافقين) (١٠).\n_________\n(١) رواه ابن جرير١٠/ ١٤٦، وابن أبي حاتم ٦/ ١٨٠٩، وابن أبي شيبة وابن المنذر وأبو الشيخ كما في \"الدر المنثور\" ٣/ ٤٤٣.\n(٢) رواه ابن جرير١٠/ ١٤٦، وابن أبي حاتم ٦/ ١٨٠٩.\n(٣) لم أقف على مصدر قوله.\n(٤) رواه ابن جرير ١٠/ ١٤٦، والثعلبي ٦/ ١١٢ ب.\n(٥) \"السيرة النبوية\" لابن هشام ٤/ ٢٠٨.\n(٦) ما بين المعقوفين ساقط من (ج).\n(٧) في (ي): (عليك).\n(٨) في (ي): (على).\n(٩) المنافق لا يخرج للجهاد إلا تقية وخوفًا من المسلمين، أو طمعًا في غنيمة، ثم هو ذو قلب حائر يبث الخور والضعف في الصفوف، وذو نفس خائنة تمثل خطرًا على الجيش، فمثله لا يزيد المسلمين قوة، بل فوضى واضطرابًا، وفتنة وتفريقًا، وهي العامل الأساسي في انهيار الجيوش وهزيمتها.\n(١٠) \"تنوير المقباس\" ص ١٩٤، و\"الوسيط\" ٢/ ٥٠١.","vol":"10","page":474},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1424>٤٨ </span>- قوله تعالى: ﴿لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ﴾، قال ابن عباس: \"طلبوا لك العنت والشرمن قبل تبوك\" (١)، قال العوفي وابن جريج: وهو أن اثني عشر رجلًا من المنافقين وقفوا على ثنية الوداع ليلة العقبة (٢) ليفتكوا بالنبي - ﷺ - (٣).\nوقال كثير من المفسرين: يعني: طلبوا صد أصحابك عن الدين وردهم إلى الكفر وتخذيل الناس عنك قبل هذا، وهو ما فعل عبد الله بن أبي يوم أحد حين انصرف عنك بأصحابه (٤)، فمعنى الفتنة هاهنا: الاختلاف الموجب للفرقة بعد الألفة، وهو الذي طلبه المنافقون للمؤمنين فسلمهم الله منهم (٥).\n_________\n(١) \"تنوير المقباس\" ص ١٩٥، بنحوه وهو في \"زاد المسير\" ٣/ ٤٤٨ مختصرًا.\n(٢) المراد بذلك: ليلة هبوط العقبة في غزوة تبوك كما سيأتي.\n(٣) ذكره عن ابن جريج الإمام القرطبي في \"تفسيره\" ٨/ ١٥٧، وأبو حيان في \"البحر المحيط\" ٥/ ٥٠، وقد روى القصة الإمام أحمد في \"المسند\" ٥/ ٤٥٣ عن أبي الطفيل، قال: لما أقبل رسول الله -ﷺ- من غزوة تبوك، أمر مناديًا فنادى إن رسول الله - ﷺ - آخذ العقبة فلا يأخذها أحد، فبينما رسول الله -ﷺ- يقوده حذيفة، ويسوق به عمار إذا أقبل وهي متلثمون على الرواحل غشوا عمارًا وهو يسوق برسول الله - ﷺ - أو أقبل عمار يضرب وجوه الرواحل، فقال رسول الله -ﷺ- لحذيفة: \"قد قد\" حتى هبط رسول الله - ﷺ - فلما هبط رسول الله -ﷺ- نزل، ورجع عمار، فقال: \"يا عمار هل عرفت القوم؟ \" فقال: قد عرفت عامة الرواحل، والقوم متلثمون، قال: \"هل تدري ما أرادوا؟! \" قال: الله ورسوله أعلم، قال: \"أرادو اأن ينفروا برسول الله - ﷺ - فيطرحوه\" الحديث، وأصله في \"صحيح مسلم\" (٢٧٧٩/ ١١)، كتاب: صفات المنافقين.\n(٤) انظر: \"تفسير ابن جرير\" ١٠/ ١٤٧، والثعلبي /١١٣ أ، والبغوي ٤/ ٥٦، وكان عبد الله بن أبي انخزل عن رسول الله - ﷺ - يوم أحد بثلث الجيش. انظر: \"السيرة النبوية\" ٤/ ٢٠٨.\n(٥) وهذا ما اعتمده الشوكاني في \"تفسيره\" ٢/ ٥٣٤، ويري ابن جرير أن الفتنة: صد =","vol":"10","page":475},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ﴾ تقليب الأمر: تصريفه وترديده للتدبير يعني: اجتهدوا في الحيلة عليك، والكيد بك، قال ابن عباس وابن إسحاق: \"أداروا (١) لك الأمور، وبغوا لك الغوائل ليخذلوا عنك أصحابك ويردوا عليك أمرك\" (٢).\nوقوله تعالى: ﴿حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ﴾ إلى آخره، أي: حتي أخزاهم الله بإظهار الحق، وإعزاز الدين على رغم منهم وكره (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1425>٤٩ </span>- وقوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي﴾، قال ابن عباس والمفسرون كلهم: نزلت في جد بن قيس (٤) المنافق، قال له رسول الله -ﷺ- لما أرادوا غزو تبوك: \"هل لك يا جد العام في جلاد بني الأصفر -[يعني:\n_________\n= المؤمنين عن دينهم، وحصرهم على رده إلى الكفر بالتخذيل عنه، و\"تفسير ابن جرير\" ١٠/ ١٤٧.\n(١) في (ي): (إذا رأوا)، وسقط لفظ (لك) من (م).\n(٢) لفظ ابن عباس: بغوا لك الغوائل، كما في \"زاد المسير\" ٣/ ٤٤٨، و\"تنوير المقباس\" ص ١٩٥، ولفظ ابن إسحاق: ﴿وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ﴾: أي: ليخذلوا عنك أصحابك، ويردوا عليك أمرك) كما في \"السيرة النبوية\" ٤/ ٢٠٨.\n(٣) في (م): (على كره منهم ورغم).\n(٤) هو: جد بن قيس بن صخر بن خنساء أحد بني جشم بن الخزرج ثم من بني سلمة، كان سيد بني سلمة، وروى الطبراني وابن منده بسند قوي -كما يقول الحافظ ابن حجر- أنه ممن شهد بيعة العقبة، وذكر عنه عدة روايات تصمه بالنفاق، لكن أسانيدها لا تخلو من ضعف، وروى عبد الرزاق عن معمر، عن قتادة في قوله تعالى: ﴿خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا﴾ قال: هم نفر ممن تخلف عن غزوة تبوك منهم أبو لبابة ومنهم جد بن قيس ثم تيب عليهم، مات الجد في خلافة عثمان.\nانظر: \"تفسير عبد الرزاق\" ١/ ٢/ ٢٨٦، و\"الإصابة في تمييز الصحابة\" ١/ ٢٢٨ (١١١٠).","vol":"10","page":476},{"text":"الروم] (١) - تتخذ منهم سراري ووصفاء؟ \" وكان (٢) رسول الله -ﷺ- حرض المؤمنين على غزاة بني الأصفر، وقال: \"إن الله تعالى أمرني أن أغزوهم\"، وقال (٣): \"إنكم لن تغزوا أكرم أحسابًا (٤)، ولا أصبح وجوهًا، ولا أعذب أفواهًا منهم (٥) \". فقال جد: ائذن لي في القعود عنك، وأعينك بمالي فقد عرف قومي أني مغرم بالنساء، وإني أخشى إن رأيت بنات الأصفر ألا أصبر عنهن، فأنزل الله هذه الآية: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ﴾ (٦).\nقال ابن عباس: يريد جد بن قيس، ﴿ائْذَنْ لِي﴾ في التخلف، ﴿وَلَا تَفْتِنِّي﴾، قال: يريد لصباحة وجوههم، وعذوبة أفواههم (٧)، يعني: لا تفتني ببنات الأصفر، [فإني مستهتر (٨) بالنساء، وهذا قول مجاهد (٩)،\n_________\n(١) ما بين المعقوفين ساقط من (ج).\n(٢) في (ج): (قال).\n(٣) في (ج): زيادة لا معنى لها، ونصها: (إن الله تعالى).\n(٤) في (ج): (أجسامًا).\n(٥) ساقط من (ج).\n(٦) رواه بنحوه الطبراني في \"الكبير\" (١٢٦٥٤) ١٢/ ١٢٢ من طريق الضحاك عن ابن عباس، وإسناده ضعيف كما في \"مجمع الزوائد\" ٧/ ١٠٦، ورواه مختصرًا ابن جرير من طريق حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس. وفي سنده انقطاع بين ابن عباس وابن جريج، ورواه مختصرًا أيضًا الطبراني في \"الكبير\" رقم (١١٠٥٢) ١١/ ٦٣ دون ذكر الاسم، قال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" ٧/ ١٠٦ فيه أبو شيبة إبراهيم بن عثمان، وهو ضعيف.\n(٧) رواه بنحوه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ١/ ٢/ ٢٧٧ عن الكلبي.\n(٨) في (م): (مشتهر)، ومعناهما متقارب، إذ الاستهتار، الولوع بالشيء والإفراط فيه انظر: \"لسان العرب\" (هتر) ٥/ ٢٤٩.\n(٩) رواه ابن جرير ١٠/ ١٤٨ وهو مرسل.","vol":"10","page":477},{"text":"وقتادة (١)، وابن جريج (٢)، واختيار الفراء (٣)، والزجاج (٤)، قال ابن عباس: اعتل جد بن قيس بقوله: ولا تفتني ببنات الأصفر] (٥) ولم يكن له علة إلا النفاق، وكراهة الخروج (٦)، وقال الحسن: ﴿وَلَا تَفْتِنِّي﴾ لا تهلكني في ضيعتي ومالي بالخروج معك (٧)، ونحو هذا قال ابن زيد: ﴿وَلَا تَفْتِنِّي﴾ أي: إن لم تأذن لي افتتنت وعصيت (٨)، وقال الضحاك: إلا تحرجني) (٩)، وقال قتادة: (لا تؤثمني) (١٠)، وقال أبو العالية: (لا تعرضني\n_________\n(١) لم أجد من ذكره عن قتادة، لكن روى ابن جرير ١٠/ ١٤٨ عنه تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَا تَفْتِنِّي﴾ قال: ولا تؤثمني، ألا في الإثم سقطوا، ولم يذكر الجد، وقد روى عبد الرزاق في \"تفسيره\" ١/ ٢/٢٨٦ بسند صحيح ما يدل على أن قتادة يرى أن الجد بن قيس من المؤمنين الذين خلطوا عملًا صالحًا وآخر سيئًا، وقد تيب عليه، وليس من المنافقين.\n(٢) المذكور في \"كتب التفسير\" قول ابن جريج، عن ابن عباس، انظر: \"تفسير ابن جرير\" ١٠/ ١٤٨.\n(٣) \"معاني القرآن\" ١/ ٤٤٠.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٥١ ولم يسم المنافق الذي قال ذلك.\n(٥) ما بين المعقوفين ساقط من (ج).\n(٦) رواه البغوي ٤/ ٥٧ بنحوه، وفي تفسير البغوي إشكال علمي أفقده بعض قيمته العلمية، حيث أنه ذكر أسانيده في المقدمة فقط، فإذا كان المفسر كابن عباس مثلًا له عدة أسانيد بعضها صحيح، وبعضها ضعيف أو مكذوب، اختلطت الأقوال ببعضها، ولم يستطع الباحث الحكم على الأثر ما لم يرد في كتاب آخر الأسانيد مفصلة، ومثل البغوي أبو إسحاق الثعلبي.\n(٧) أشار إلى معناه ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٣/ ٤٤٩.\n(٨) رواه ابن جرير ١٠/ ١٤٩.\n(٩) رواه أبو الشيخ مطولًا كما في \"الدر المنثور\" ٣/ ٤٤٥.\n(١٠) رواه ابن جرير ١٠/ ١٤٩، والثعلبي ٦/ ١١٣ أ.","vol":"10","page":478},{"text":"للفتنة) (١)، فقول قتادة وأبي العالية يحتمل الوجهين (٢).\nوقوله تعالى: ﴿أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا﴾، قال ابن كيسان: يريد أن اعتلالهم بالباطل هو الفتنة لأنها الشرك والكفر (٣)، وقال الزجاج: أعلم الله أنهم قد سقطوا في الإثم (٤)، وقال قتادة: فما سقط فيه من الفتنة بتخلفه عن رسول الله -ﷺ-، والرغبة بنفسه عنه أعظم (٥)، قال المفسرون: أي في الشرك والإثم وقعوا بنفاقهم وخلافهم أمر رسول الله -ﷺ- (٦)، قال أهل المعاني: وهذا بيان عما يوجبه التعليل (٧) بالباطل من أنه ينقلب على صاحبه حتى يقع به (٨)، وجمع الكناية في قوله: ﴿سَقَطُوا﴾ لأنه أراد جدًّا وأصحابه من المنافقين المتخلفين.\nوقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ يقول (٩): هي من ورائهم يصيرون إليها بأعمالهم الخبيثة، وقال يمان: هي محدقة بمن كفر بالله جامعة لهم (١٠).\n_________\n(١) لم أقف عليه.\n(٢) يعني الفتنة بالنساء أو الفتنة بالتخلف وعصيان أمر رسول الله -ﷺ-.\n(٣) ذكره في \"الوسيط\" ٢/ ٥٠٢.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٥٢.\n(٥) هذا اللفظ رواه ابن جرير في \"تفسيره\" ١٠/ ١٤٨ عن ابن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة وغيره، والنص في \"سيرة ابن هشام\"، أما ما روي عن قتادة في هذه الجملة فلفظه: \"ألا في الإثم سقطوا\". انظر: \"تفسير ابن جرير\" ١٠/ ١٤٩.\n(٦) انظر: \"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٥٤، والثعلبي ٦/ ١٣ أ، والبغوي ٤/ ٥٧.\n(٧) في المصدر التالي: (التعلل)، وهو أصوب.\n(٨) \"البرهان في علوم القرآن\" للحوفي ١١/ ١٩٧.\n(٩) من (م).\n(١٠) ذكره المؤلف في \"الوسيط\" ٢/ ٥٠٢.","vol":"10","page":479},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1426>٥٠ </span>- قوله تعالى: ﴿إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ﴾، قال ابن عباس والمفسرون: يريد النصر والغنيمة ﴿وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ﴾ من القتل والهزيمة (١)، ﴿يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ﴾، قال ابن عباس: يريد: قد أخذنا حذرنا حين تخلفنا (٢)، ونحو ذلك قال مجاهد (٣)، ووَال الزجاج: أي قد عملنا بالحزم في التخلف (٤)، قال أهل المعاني: كأنه قيل: قد أخذنا أمرنا عن مواضع الهلكة، فسلمنا مما وقعوا (٥) فيه (٦).\nوقوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ أي: من قبل هذه المصيبة ﴿وَيَتَوَلَّوْا﴾، قال الكلبي: (عن الإيمان) (٧)، ﴿وَهُمْ فَرِحُونَ﴾: معجبون بذلك (٨) وهذا بيان عما توجبه العداوة من الاغتمام بتجدد النعمة والفرح بلحاق المصيبة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1427>٥١ </span>- قوله تعالى: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ أي: لن يصبنا خير وشر وشدة ورخاء إلا وهو مقدر علينا، مكتوب في اللوح\n_________\n(١) رواه بنحوه الفيروزأبادي في \"التنوير المقباس\" ص ١٩٥، وبمعناه ابن جرير ١٠/ ١٥٠، وهو قول مجاهد وقتادة والسدي كما في \"الدر المنثور\" ٣/ ٤٤٥، واعتمده الثعلبي في \"تفسيره\" ٦/ ١٣ ب، والبغوي ٤/ ٥٧، والسمرقندي ٢/ ٥٥ وغيرهم.\n(٢) رواه الفيروزأبادي في \"تنوير المقباس\" ص ١٩٥، وانظر: \"الوجيز\" ٦/ ٥١٧.\n(٣) رواه ابن جرير١٠/ ١٥٠ وابن أبي حاتم ٦/ ١٨١١، وهو في \"تفسير مجاهد\" ص ٣٧٠.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٥٢.\n(٥) في (ج): (وقعنا)، وهو خطأ.\n(٦) \"البرهان\" للحوفي ١١/ ٢٠١ بنحوه.\n(٧) لم أقف عليه في مصدرآخر.\n(٨) ساقط من (ي).","vol":"10","page":480},{"text":"المحفوظ، وهذا معنى قول الحسن (١)، ومقاتل (٢)، ونظير هذه الآية قوله: (ما أَصابَ (٣) مِنْ مُصِيْبَةٍ في الأَرْضِ ولا في أَنْفُسِكُم (٤» الآية [الحديد: ٢٢]، وقال ابن عباس: يريد: ما قضى الله لنا من الشهادة (٥)، وهذا كأنه جواب لهم عن شماتتهم بهم (٦) إذا أصابتهم مصيبة، أي إن أعظم ما يصيبنا القتل وهو شهادة لنا، فليس يصيبنا غير هذا، وعلى هذا القول ﴿مَا كَتَبَ اللَّهُ﴾ مخصوص هاهنا بالشهادة، وفي القول الأول عام في كل ما يصيب.\nقال الزجاج: وفيه وجه آخر: ﴿لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ أي: بين الله لنا في كتابه من أنا نظفر فيكون ذلك حسنى لنا، أو نقتل فتكون الشهادة حسنى لنا أيضًا، أي فقد كتب الله ما يصيبنا وعلمنا ما لنا فيه من الحظ (٧).\nوالأكثرون من المفسرين على القول الأول (٨)، وقالوا: هذا يدل على أن أمر (٩) العباد يجري على تقدير قد أحكم، وتدبير قد أبرم (١٠)،\n_________\n(١) ذكره الماوردي في \"النكت والعيون\" ٢/ ٣٧١.\n(٢) انظر: \"تفسيره\" ص ١٣٠ أ.\n(٣) في (ي): (ما أصابكم)، وهو خطأ.\n(٤) في (ج): (ولا في السماء)، وهو خطأ.\n(٥) ذكره ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٣/ ٤٥٠، والفيروزأبادي في \"تنوير المقباس\" ص ١٩٥ مختصرًا.\n(٦) من (م).\n(٧) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٥٢ بتصرف وهذا القول فيه بعد وتكلف، والظاهر هو القول الأول وأنه عام في كل مصيبة، وهو الذي تدل عليه نظائر الآية.\n(٨) وهو ما اعتمده ابن جرير١٠/ ١٥٠، والثعلبي ٦/ ١٣ ب، والبغوي ٤/ ٥٧، وابن كثير ٢/ ٣٩٩.\n(٩) في (ج): (من)، هو خطأ.\n(١٠) في (في): (أدبر).","vol":"10","page":481},{"text":"فلا يحدث في الكائنات شيء إلا وقد جرى به قضاء سابق.\nوقوله تعالى: ﴿هُوَ مَوْلَانَا﴾، قال ابن عباس: (ناصرنا) (١)، وقيل: الذي يتولى حياطتنا ودفع الضرر عنا (٢)، ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾، أي: وإليه فليفوض المؤمنون أمورهم على الرضا بتدبيره والثقة بحسن اختياره، قال أصحاب المعاني: وهذا بيان عما يوجبه إظهار شماتة الأعداء من الإقرار بأنه لا يصيب العبد إلا ما قضى (٣) عليه والتسليم لأمره، والتوكل عليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1428>٥٢ </span>- قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ الآية، يقال: فلان يتربص بفلان الدوائر: إذا كان ينتظر وقوع (٤) مكروه (٥) به، وهذا مما سبق الكلام فيه (٦)، وقال أهل المعاني: التربص: التمسك بما ينتظر به مجيء حينه، وكذلك قيل: تربص بالطعام إذا تمسك به إلى حين زيادة سعره (٧)، وابن عباس والمفسرون يقولون في التربص هاهنا: الانتظار (٨) والحسنى: تأنيث الأحسن.\n_________\n(١) ذكره الماوردي في \"النكت والعيون\" ٢/ ٣٧١ من غير نسبة.\n(٢) انظر: \"الوسيط\" ٢/ ٥٠٣، و\"البحر المحيط\" ٥/ ٥٢.\n(٣) هكذا في جميع النسخ، والسياق يقتضي أن يقول: ما قضى الله عليه.\n(٤) ساقط من (م).\n(٥) في (ي): (المكروه).\n(٦) انظر: \"تفسير البسيط\" المائدة: ٥٢.\n(٧) انظر معنى التربص في: \"تهذيب اللغة\" (ربص) ٢/ ١٣٤٤، و\"لسان العرب\" (ربص) ٣/ ١٥٥٨.\n(٨) \"البرهان\" للحوفي ١١/ ٢٠٣ أ، و\"تنوير المقباس\" ص ١٩٥، و\"الوسيط\" ٢/ ٥٠٣، عن ابن عباس، وانظر: \"تفسير ابن جرير\" ١٠/ ١٥١، والثعلبي ٦/ ١١٤ أ، والبغوي ٤/ ٥٧.","vol":"10","page":482},{"text":"قال ابن عباس وجميع المفسرين في: ﴿إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ يعني الغنيمة والفتح، أو (١) الشهادة والمغفرة (٢)، وقد قال رسول الله -ﷺ- \"تضمن الله لمن خرج في سبيله لا يخرج إلا إيمانًا بالله وتصديقًا لرسوله أن يرزقه الشهادة، أو يرده إلى أهله مغفورًا نائلًا ما نال من أجر وغنيمة\" (٣).\nأخبرناه (٤) الأستاذ أبو إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم (٥)، قال: أخبرنا الحسن بن محمد بن الحسن المفسر (٦) قال (٧): أنبأ أبو بكر محمد ابن أحمد بن جعفر العدل (٨)، ثنا أبو (٩) عبد الله محمد بن إبراهيم\n_________\n(١) في (ج): (و).\n(٢) أخرجه ابن عباس الإمام ابن جرير ١٠/ ١٥١، وابن أبي حاتم ٦/ ١٨١٢، وهو قول مجاهد وقتادة وابن جريج.\nانظر: \"تفسير ابن جرير\" ١٠/ ١٥١، والبغوي ٤/ ٥٧.\n(٣) رواه بنحوه البخاري (٣١٢٣)، كتاب: الخمس، باب: قول النبي -ﷺ-: \"أحلت لكم الغنائم\" رقم، ومسلم (١٨٧٦) كتاب: الإمارة، باب: فضل الجهاد، ورواه بلفظه الثعلبي في \"تفسيره\" ٣/ ١١٤ أ.\n(٤) في (ج): (أخبرنا).\n(٥) هو: الثعلبي المفسر.\n(٦) هو: الحسن بن الحسن بن حبيب بن أيوب، أبو القاسم النيسابوري الواعظ المفسر، كان إمام عصره في معاني القرآن وعلومه، أديبًا نحويًّا، عارفًا بالمغازي والسير، وسمع الحديث الكثير، وله مصنفات في القراءات والتفسير والآداب، توفي سنة ٤٠٦ هـ.\nانظر: \"العبر\" ٢/ ٢١٢، و\"طبقات المفسرين\" للداودي ١/ ١٤٤.\n(٧) ساقط من (ج) و(م).\n(٨) لم أقف على ترجمة له فيما بين يدي من مصادر.\n(٩) ساقطة من (ي).","vol":"10","page":483},{"text":"العبدي (١)، ثنا أبو بكر أمية بن بسطام (٢)، أنبأ يزيد بن زريع (٣)، عن روح ابن القاسم (٤)، عن سهيل، عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ - فذكر الحديث.\nوأخبرناه أبو منصور عبد القاهر بن طاهر بن محمد بن إبراهيم بن يحيي التميمي (٥) أنبا أبو عمرو إسماعيل بن أبي أحمد السلمي (٦)، أنبا،\n_________\n(١) هو: محمد بن إبراهيم بن سعيد بن عبد الرحمن العبدي، أبو عبد الله البوشنجي المالكي النيسابوري الإمام العلامة الحافظ، ذو الفنون، شيخ أهل الحديث في عصره بنيسابور، ارتحل في طلب الحديث ولقي الكبار، وصنف، وسار ذكره، وبعد صيته. توفي في غرة محرم سنة ٢٩١ هـ.\nانظر: \"سير أعلام النبلاء\" ١٣/ ٥٨١، و\"تذكرة الحفاظ\" ٢/ ٦٥٧، و\"تهذيب التهذيب\" ٣/ ٤٨٩.\n(٢) هو: أمية بن بسطام بن المنتثسر، أبو بكر العيشي البصري، الحافظ الثقة، حدث عنه البخاري ومسلم في صحيحيهما، ومات سنة ٢٣١ هـ.\nانظر: \"التاريخ الكبير\" ٢/ ١١، و\"سير أعلام النبلاء\" ١١/ ٩، و\"تهذيب التهذيب\" ١/ ١٨٧.\n(٣) هو: يزيد بن زريع العيشي، أبو معاوية البصري، ثقة ثبت حافظ، إليه المنتهى في التثبت بالبصرة، وهو من رجال الصحيحين والسنن الأربع، توفي سنة ١٨٢ هـ. انظر: \"الكاشف\" ٢/ ٣٨٢، و\"تقريب التهذيب\" ٦٠١ (٧٧١٣)، و\"تهذيب التهذيب\" ٤/ ٤١١.\n(٤) هو: روح بن القاسم التميمي العنبري، أبو غياث البصري، كان ثقة ثبتًا حافظًا متقنًا، وهو من رجال الكتب الستة، توفي سنة ١٤١ هـ. انظر: \"الكاشف\" ١/ ٣٩٩، و\"تقريب التهذيب\" ٢١١ (١٩٧٠)، و\"تهذيب التهذيب\" ١/ ٦١٦.\n(٥) تقدمت ترجمته عند ذكر شيوخ الواحدي.\n(٦) هو: إسماعيل بن نُجيد بن أحمد بن يوسف السلمي، النيسابوري، الصوفي، كبير الطائفة، وصنمه الذهبي بقوله: شيخ عصره، ومسند مصره. سمع عبد الله بن أحمد ابن حنبل ومحمد بن إبراهيم العبدي وغيرهما، وروى عنه جماعة منهم أبو منصور =","vol":"10","page":484},{"text":"العبدي فذكره بإسناده، وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٧٤].\nوقوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ﴾، قال ابن عباس: ننتظر بكم (١)، ﴿أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ﴾ (٢)، قال: يريد بقارعة من السماء (٣)، وقال الكلبي: بعذاب من عنده كما أصاب الأمم الخالية (٤).\nوقوله تعالى: ﴿أَوْ بِأَيْدِينَا﴾، قال ابن عباس: يريد بإذن الله لنا في قتلكم فنقتلكم (٥)، وقال ابن كيسان: أي إن أظهرتم ما في قلوبكم قتلناكم (٦).\nوقوله تعالى: ﴿فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ﴾، قال ابن عباس: فانتظروا (٧) إنا معكم منتظرون (٨)، وقال الحسن: فتربصوا مواعيد الشيطان\n_________\n= البغدادي وأبو عبد الله الحاكم، وتوفي سنة ٣٦٥ هـ. انظر: \"سير أعلام النبلاء\" ١٦/ ١٤٦، و\"تاريخ الإسلام\" (وفيات سنة ٣٦٥ هـ) ص ٢٣٥، و\"الإكمال\" لابن ماكولا ١/ ١٨٨.\n(١) ذكره المؤلف في \"الوسيط\" ٢/ ٥٠٣، والفيروزأبادي في \"تنوير المقباس\" ص ١٩٥.\n(٢) في (ي): (زيادة نصها: كما أصاب الأمم الخالية. اهـ. وهي التباس من الناسخ بسبب الجملة التالية.\n(٣) رواه الثعلبي في \"تفسيره\" ٦/ ١١٤ أبلفظ: الصواعق، ومثله ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٣/ ٤٥١.\n(٤) لم أجد من نسبه للكلبي، وقد اعتمده الثعلبي في \"تفسيره\" ٦/ ١١٤ أ، والبغوي ٤/ ٥٨، والقرطبي ٨/ ١٦٠ وغيرهم.\n(٥) ذكره ابن جرير في \"تفسيره\" ١٠/ ١٥١، مختصرًا من رواية ابن جريج وهي منقطعة.\n(٦) لم أجد من ذكره عنه، وقد اعتمده الثعلبي في\"تفسيره\" ٦/ ١١٤ أ.\n(٧) في (ج): (وانتظروا).\n(٨) \"تنوير المقباس\" ص ١٩٥.","vol":"10","page":485},{"text":"إنا معكم متربصون مواعبد الله، من إظهاره دينه واستئصال من خالفه (١) وكان الشيطان يمني المنافقين موت النبي -ﷺ- وهو قوله: ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ﴾ [الطور: ٣٠].\nوقال أبو إسحاق: يقول أنتم تربصون بنا إحدى الحسنيين، ونحن نتربص بكم إحدى السوأتين (٢) فبين ما تنتظرونه وننتظر (٣) فرق عظيم (٤).\nوقال أهل المعاني: ومعنى صيغة الأمر في قوله: فتربصوا التهدد (٥)، وذلك أن تربصهم تمسك بما يؤدي إلى الهلاك، وتربص المؤمنين تمسك بما يؤدي إلى النجاة، وهذا بيان عما يوجبه اختلاف أحوال المحق والمُبطل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1429>٥٣ </span>- قوله تعالى: ﴿قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾، قال ابن عباس: نزلت في جد بن قيس حين قال للنبي - ﷺ -: ائذن لي في القعود وهذا مالي أعينك به (٦)، قال الفراء والزجاج: هذا لفظ أمر، ومعناه معنى الشرط والجزاء، المعنى: إن أنفقتم طائعين أو مكرهين لن يتقبل منكم، وأنشدا قول كُثّير:\n_________\n(١) رواه الثعلبي ٦/ ١١٤ أ، والبغوي ٤/ ٥٨.\n(٢) في \"معاني القرآن وإعرابه\": الشرتين. وفي \"الوسيط\" ٢/ ٠٥٠٣ السوأتين أيضًا لكن المحققين أبدلوا اللفظ إلى: الشرين.\n(٣) في (ج): (وينتظرون)، وفي \"معاني القرآن وإعرابه\": وننتظره.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٥٢.\n(٥) انظر: \"مفاتيح الغيب\" ١٦/ ٩٠ ولم أجده عند أهل المعاني.\n(٦) رواه ابن جرير في \"تفسيره\" ١٠/ ١٥٢ بسند منقطع. ورواه أيضًا الثعلبي ٦/ ١١٤ أ، والبغوي ٤/ ٥٨، وقد سبق بيان أن أسانيد الثعلبي والبغوي لا يتميز غثها من سمينها وصحيحها من ضعيفها بسبب اكتفائهما بذكر الأسانيد في المقدمة.","vol":"10","page":486},{"text":"أسيئي بنا أو أحسني لا ملومة ..... لدينا ولا مقلية إن تقّلت (١) (٢)\nقال الزجاج: فلم يأمرها بالإساءة ولكن أعلمها أنها إن أساءت أو أحسنت فهو على عهدها (٣)، ووقوع الأمر في موقع الخبر كوقوع لفظ الخبر في معني الأمر في الدعاء كقولك: غفر الله لفلان ورحمه، ومعناه: اغفر له وارحمه. قال الفراء: ومثل هذه الآية في قوله: ﴿أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [المنافقون: ٦] الآية (٤)، ونذكره في موضعه إن شاء الله (٥)، وقال ابن عباس في قوله: ﴿طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾ يريد: طائعين أو كارهين (٦).\nوقوله تعالى: ﴿لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ﴾ الآية، قال (٧): يريد [أنه (٨) لا يتقبل من أعدائه صدقاتهم ونفقاتهم (٩)، ﴿إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ قال:\n_________\n(١) انظر: \"ديوانه\" ١/ ٥٣، ونسب إليه في \"لسان العرب\" (قلا) ٦/ ٣٧٣١، و\"زاد المسير\" ٣/ ٤٥١، ومعنى (تقلت) أي: تقلبت بمعنى: تبغضت. انظر: \"اللسان\"، الموضع السابق.\n(٢) الكلام السابق كله للزجاج في \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٥٣، وللفراء نحوه في \"معاني القرآن\" ١/ ٤٤١.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\"، الموضع السابق.\n(٤) \"معاني القرآن\" ١/ ٤٤١.\n(٥) قال في هذا الموضع: (.. ثم ذكر أن استغفاره لا ينفعهم، فقال: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ﴾. قال قتادة ومقاتل: نزلت هذه الآية بعد قوله: ﴿أَسْتَغْفَرَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ الآية، ولك أنها لما نزلت قال نبي الله - ﷺ -: \"خيرني ربي فلأزيدنهم على السبعين\"، فأنزل الله هذه الآية).\n(٦) \"تنوير المقباس\" ص ١٩٥ بمعناه.\n(٧) ساقط من (ج) والقائل ابن عباس.\n(٨) ساقط من (ج).\n(٩) ذكره المؤلف في \"الوسيط\" ٢/ ٥٠٤.","vol":"10","page":487},{"text":"يريد] (١) عاصين لله على غير طريقة الإسلام (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1430>٥٤ </span>- وقوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ﴾ وقرئ: يقبل بالياء (٣)، فمن قرأ بالتاء فلأن الفعل مسند إلى مؤنث، ومن قرأ بالياء ذهب إلى أن النفقات (٤) بمعنى الإنفاق (٥)، كقوله: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ﴾ [البقرة: ٢٧٥].\nقال الفراء والزجاج وجميع النحويين: موضع (أن) الأولى نصب، والثانية في قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ رفع، والتقدير: وما منعهم قبول نفقاتهم إلا كفرهم (٦)، قال أهل العلم: وهذه الآية دليل على أن الكافر لا يقبل له عمل ولا يكتب له معروف، فإن أسلم كتب له ما أتاه من طاعة في الشرك (٧).\n_________\n(١) ما بين المعقوفين ساقط من (م).\n(٢) \"الوسيط\"، الموضع السابق. وفي \"تنوير المقباس\" ص ١٩٥: منافقين.\n(٣) قرأ حمزة والكسائي وخلف (أن يقبل) بالياء، والباقون بالتاء. انظر: \"الغاية في القراءات العشر\" ص ١٦٥، و\"إرشاد المبتدي\" ٣٥٣، و\"تحبير التيسير\" ص ١٢٠.\n(٤) في (ي): (النفاق)، وهو خطأ.\n(٥) ذكر أبو علي الفارسي في \"الحجة\" ٤/ ١٩٦ وجهًا آخر للقراءة بالياء وهو أن التأنيث غير حقيقي.\n(٦) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٤٤٢، و\"معاني القرآن واعرابه\" للزجاج ٢/ ٤٥٣، و\"إعراب القرآن\" للنحاس ٢/ ٢٥، و\"مشكل إعراب القرآن\" لمكي ص ٣٣٠.\n(٧) انظر: \"المحرر الوجيز\" ٦/ ٥٢٤، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٨/ ١٦١، و\"صحيح مسلم بشرح النووي\" ٢/ ١٤٠، و\"فتح الباري\" ١/ ٩٩، وقد ذكر النووي ﵀ أقوالًا كثيرة ثم قال: (وذهب ابن بطال وغيره من المحققين إلى أن الحديث -يعني: حديث حكيم الذي ذكره المؤلف- على ظاهره، وأنه إذا أسلم الكافر ومات على الإسلام يثاب على ما فعله من الخير في حال الكفر واستدلوا بحديث أبي سعيد الخدري -﵁-، قال: قال رسول الله -ﷺ-: \"إذا أسلم الكافر فحسن إسلامه =","vol":"10","page":488},{"text":"قال حكيم بن حزام لرسول (١) الله - ﷺ -: إنا كنا نتحنث بأعمال في الجاهلية، فقال رسول الله - ﷺ -: \"أما أنت فقد أسلمت على ما قدمت من الخير\" (٢).\nقوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى﴾ مضى الكلام في (كسالى) في سورة النساء [١٤٢].\nقال عطاء عن ابن عباس: يريد إن كان في جماعة صلى، وإن كان\n_________\n= كتب الله تعالى له كل حسنة زلفها، ومحا عنه كل سيئة زلفها\" .. قال ابن بطال رحمه الله تعالى: بعد ذكره الحديث: \"ولله تعالى أن يتفضل على عباده بما يشاء، لا اعتراض لأحد عليه\" .. ثم قال النووي: وأما قول الفقهاء لا يصح من الكافر عبادة، يعتد بها، فمرادهم أنه لا يعتد له بها في أحكام الدنيا، وليس فيه تعرض لثواب الآخرة، فإن أقدم قائل على التصريح بأنه إذا أسلم لا يثاب عليها في الآخرة رد قوله بهذه السنة الصحيحة)، و\"صحيح مسلم بشرح النووي\" ٢/ ١٤٠ - ١٤٣، وقال الحافظ ابن حجر: قال المازري: (الكافر لا يصح منه التقرب، فلا يثاب على العمل الصالح الصادر منه في شركه؛ لأن من شرط المتقرب أن يكون عارفًا لمن يتقرب إليه والكافر ليس كذلك)، ثم نقل رد النووي هذا القول، ثم قال: والحق أنه لا يلزم من كتابة الثواب للمسلم في حال إسلامه تفضلًا من الله وإحسانًا أن يكون ذلك لكون عمله الصادر منه في الكفر مقبولًا، والحديث إنما تضمن كتابة الثواب ولم يتعرض للقبول، ويحتمل أن يكون القبول يصير معلقًا على إسلامه فيقبل ويثاب إن أسلم وإلا فلا، وهذا قوي، و\"فتح الباري\" ١/ ٩٩. قلت: والقول الأخير سالم من الاعتراضات وما قيل في غيره من مخالفة القواعد، وله نظائر في الشريعة ككون الدعاء يرد القضاء، وصلة الرحم تزيد العمر أي أن ذلك معلق بذلك، فإن دعا رد عنه القضاء، وإن وصل رحمه زاد عمره وإلا فلا.\n(١) في (ج): (يا رسول).\n(٢) رواه البخاري في (١٤٣٦)، كتاب: الزكاة، باب: من تصدق في الشرك ثم أسلم، ومسلم (١٢٣)، كتاب: الإيمان، باب: بيان حكم عمل الكافر إذا أسلم بعده، وأحمد في \"المسند\" ٣/ ٤٠٢.","vol":"10","page":489},{"text":"وحده لم يصل (١)، يريد إن صلى لم يرجُ لها ثوابًا، وإن تركها لم يخف عليها عقابًا، هذا معنى يأتونها (٢) كسالى، فإن قيل: أي صلاة تصح لهم حتى ذُموا بالكسل عنها؟\nقيل: إنما ذمّوا بأنهم صلوها (٣) على غير الوجه الذي أمروا به من النفاق الذي يبعث على الكسل عنها، دون الإيمان الذي يبعث على النشاط لها (٤).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ﴾، قال المفسرون: وذلك أنهم يعدون الإنفاق مغرمًا ومنعه مغنمًا (٥)، وهذا يوجب أن تكون النفس طيبة عند أداء الزكاة والإنفاق في سبيل الله؛ لأن الله ذم المنافقين بكراهتهم الإنفاق وهذا معنى قوله -ﷺ-: \"وأدوا زكاة أموالكم طيبة بها أنفسكم\" (٦) فإن أداها وهو كاره لذلك كان من علامات الكفر والنفاق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1431>٥٥ </span>- قوله تعالى: ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ﴾ الآية، معنى الإعجاب،\n_________\n(١) ذكره الرازي في \"تفسيره\" ١٦/ ٩٠ ونسبه للمفسرين.\n(٢) في (ي): (يأتوها)، والصواب ما أثبته.\n(٣) في (ي): (صلوا).\n(٤) في (م): (بها).\n(٥) انظر: \"تفسير الثعلبي\" ٦/ ١١٤ ب، والبغوي ٤/ ٥٨، وابن الجوزي ٣/ ٤٥٢.\n(٦) هذا الحديث جزء من خطبة خطبها النبي -ﷺ- في حجة الوداع، وقد رواه بلفظ المصنف الإمام أحمد في \"المسند\" ٥/ ٢٦٢، ورواه بنحوه الترمذي (٦١٦)، كتاب: أبواب الصلاة، باب: ما ذكر في فضل الصلاة، وابن حبان في \"صحيحه\" (الإحسان)، كتاب: السير، باب: طاعة الأئمة، رقم (٤٥٦٣) ١٠/ ٤٢٦، والحاكم في \"المستدرك\" كتاب: الزكاة ١/ ٣٨٩، وقال: صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي.","vol":"10","page":490},{"text":"السرور بما يتعجب منه، قال المفسرون: يقول لا تستحسن (١) ما أنعمنا عليه من الأموال الكثيرة والأولاد، فإن العبد إذا كان مستدرجًا كثر ماله وولده (٢)، قال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَلَا أَوْلَادُهُمْ﴾ هو أن كثيرًا من المنافقين كان لهم أولاد أتقياء كحنظلة بن أبي (٣) عامر (٤)، غسلته الملائكة وعبد الله بن عبد الله بن أبيّ (٥)، شهد بدرًا وكان من الله بمكان، وهم بشرٌ كثيرٌ صالحون أبرياء من النفاق (٦)، يريد أن صلاح أولادهم لأنفسهم وهم لا يغنون عن هؤلاء شيئًا، وعلى هذا يحتمل (٧) أن يكون المعنى في أموالهم (٨) ما ينفقون منها في سبيل الله ولا ينفعهم ذلك فإنه لا يقبل منهم (٩).\n_________\n(١) في (ي): (ما يستحسن).\n(٢) انظر: \"تفسير الثعلبي\" ٦/ ١١٤ ب، والبغوي ٤/ ٥٩.\n(٣) ساقط من (ي).\n(٤) هو: حنظلة بن أبي عامر بن صيفي الأوسي الأنصاري، المعروف بغسيل الملائكة، وكان أبوه في الجاهلية يعرف بالراهب، ويذكر البعث ودين الحنيفية، فلما بعث النبي -ﷺ- حسده وعاداه، وخرج إلى مكة ثم إلى الروم للتأليب على المسلمين، وكان ابنه حنظلة حسن الإسلام، واستأذن النبي -ﷺ- في قتل أبيه فلم يأذن له، ولما سمع الهيعة يوم أحد خرج وعليه جنابة فقتل فغسلته الملائكة. انظر: \"الاستيعاب\" ١/ ٤٣٢، و\"الإصابة\" ١/ ٣٦٠ - ٣٦١.\n(٥) هو: عبد الله بن عبد الله بن أبي بن مالك الخزرجي الأنصاري، والده رأس المنافقين المعروف بابن أُبي بن سلول، وكانت سلول جدة له فعرف بها. كان عبد الله الابن حسن الإسلام، وشهد بدرًا، واستأذن النبي -ﷺ- في قتل أبيه فنهاه، واستشهد باليمامة في قتال مسيلمة الكذاب سنة ١٢ هـ. انظر: \"الاستيعاب\" ٣/ ٧١، و\"الإصابة\" ٢/ ٣٣٥ - ٣٣٦.\n(٦) لم أقف على مصدره.\n(٧) في (ي): (محتمل).\n(٨) في (ي). (أولادهم)، وهو وهم من الناسخ.\n(٩) حكى هذا القول القشيري كما في \"البحر المحيط\" ٥/ ٥٤ والمعنى المشهور أن =","vol":"10","page":491},{"text":"[وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا﴾، قال النحويون: في الآية مقدر كأنه قيل: إنما يريد الله أن يملي لهم فيها ليعذبهم، فتكون هذه اللام لام العاقبة (١)، ويجوز أن تكون هذه اللام بمعنى (أن) تعاقبها (٢)] (٣).\nوقوله تعالى: ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾، قال مجاهد (٤)، وقتادة (٥)، والسدي (٦): المراد بهذا: التقديم، على تقدير: أموالهم (٧) وأولادهم في الحياة الدنيا، إنما يريد الله ليعذبهم بها في الآخرة، وهذا يروى عن ابن عباس أيضًا: رواه الوالبي (٨)، ومن المفسرين من أقره في موضعه (٩)، قال\n_________\n= الآية كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾ وقوله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ﴾. انظر: \"تفسير ابن جرير\" ١٠/ ١٥٣، وابن عطية ٦/ ٥٢٥، وابن كثير ٢/ ٣٩٩.\n(١) ذكر أبو حيان أن هذا القول للرماني المعتزلي، واستنكره. انظر: \"البحر المحيط\" ٥/ ٥٤.\n(٢) يعني أن اللام و(أن) تعتقبان وتحل إحداهما مكان الأخرى، كقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ [النساء: ٢٦] أي: أن يبين لكم.\n(٣) ما بين المعقوفين ساقط من (ج).\n(٤) رواه الثعلبي ٦/ ١١٤ ب، والبغوي ٤/ ٥٩.\n(٥) رواه ابن جرير ١٠/ ١٥٣، وابن أبي حاتم ٦/ ١٨١٣، والثعلبي والبغوي، نفس الموضعين السابقين.\n(٦) رواه ابن أبي حاتم والثعلبي، نفس الموضعين السابقين.\n(٧) اختصر المؤلف الجملة، وفي \"تفسير الثعلبي\" والبغوي وغيرهما: فلا تعجبك أموالهم ... إلخ.\n(٨) رواه ابن جرير ١٠/ ١٥٣، وابن المنذر كما في \"الدر المنثور\" ٣/ ٤٤٧.\n(٩) منهم الإمام ابن جرير حيث قال في \"تفسيره\" ١٠/ ١٥٣: (وأولى التأويلين بالصواب في ذلك عندنا، التأويل الذي ذكرنا عن الحسن؛ لأن ذلك هو الظاهر من =","vol":"10","page":492},{"text":"الحسن: إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا بأخذ الزكاة والنفقة في سبيل الله (١)، وقال ابن زيد: يعذبهم بها في الحياة الدنيا بالمصائب فيها، فهي لهم عذاب وللمؤمن أجر (٢)، وقيل: بالتعب في جمعه والوجل في حفظه والكره في إنفاقه (٣)، والقولان ذكرهما الفراء (٤)، والزجاج (٥).\nوقوله تعالى: ﴿وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ﴾، قال ابن عباس: (يريد: وتموت أنفسهم) (٦)، يقال: زهقت نفسه فهي تزهق: أي تذهب (٧)، قال الكسائي: زهقت نفسه وزهقت لغتان (٨)، وقال أبو زيد: (زهقت نفسه وزهق الباطل، وزهق إذا سبق، ليس في شيء منه زهق) (٩)، قال الزجاج: المعنى وتخرج أنفسهم وهم على الكفر (١٠).\n_________\n= التنزيل، فصرف تأويله إلى ما دل عليه ظاهره أولى من صرفه إلى باطن لا دلالة على صحته)، واختاره أيضًا ابن كثير في \"تفسيره\" ٢/ ٣٩٩، والقرطبي في \"الجامع لأحكام القرآن\" ٨/ ١٦٤.\n(١) رواه ابن جرير ١٠/ ١٥٣، والثعلبي ٦/ ١١٤ ب، والبغوي ٤/ ٥٩.\n(٢) رواه ابن جرير ١٠/ ١٥٣، وابن أبي حاتم ٦/ ١٣.\n(٣) انظر: \"تفسير الثعلبي\" ٦٩/ ١١٥ أ، والبغوي ٤/ ٥٩، ولم يعينا القائل.\n(٤) \"معاني القرآن\" ١/ ٤٤٢.\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٥٤.\n(٦) رواه بمعناه الفيروزأبادي في \"تنوير المقباس\" ص ١٩٦.\n(٧) انظر: \"الصحاح\" (زهق) ٤/ ١٤٩٣.\n(٨) \"تهذيب اللغة\" (زهق) ٢/ ١٥٧١.\n(٩) المصدر السابق، نفس الموضع، بنحوه، والمقصود أن الفعل (زهق) دائمًا مفتوح الهاء، وقال الجوهري في \"الصحاح\" (زهق) ٤/ ١٤٩٣ حكى بعضهم: زهقت نفسه تزهق زهوقًا بالكسر، لغة في زهقت.\n(١٠) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٥٤، لكن بلفظ: وتخرج أنفسهم، أي: يغلظ عليهم المكروه حتى تزهق أنفسهم.","vol":"10","page":493},{"text":"قال أصحابنا: وهذا نص في أن الله يريد أن يموتوا كافرين (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1432>٥٦ </span>- قوله تعالى: ﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ﴾، قال أبو إسحاق: أي يحلفون بالله أنهم مؤمنون كما أنتم مؤمنون فأكذبهم الله بقوله: ﴿وَمَا هُمْ مِنْكُمْ﴾ (٢)، قال ابن عباس: يريد أنهم ليسوا بأنصار ولا كرامة (٣)، وقال الزجاج: لأنهم يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1433>٥٧ </span>- وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ﴾ أي: [يفرقون أن] (٥) يظهروا (٦) ما هم عليه فيقتلوا، قال الضحاك: أي إنما يحلفون تقية (٧)، والفرق: الخوف، ومنه قيل: رجل فروقة وهو الشديد الخوف.\nقوله تعالى: ﴿لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً﴾ الملجأ: المكان الذي يتحصن فيه، ومثله اللجأ مقصور ومهموز (٨)، قال الزجاج (٩): وأصله من لجأ إلى\n_________\n(١) انظر: معنى هذا القول في \"رسالة إلى أهل الثغر\" ص ٢٥٢، و\"الغنية في أصول الدين\" ص ١٣٠، وكتاب: \"الإرشاد إلى قواطع الأدلة\" ص١٩٢، و\"تفسير الرازي\" ١٦/ ٩٥، والإرادة المذكورة هي الإرادة الكونية التي تستلزم الوقوع، فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، أما من ناحية الإرادة الشرعية فالله لا يريد الكفر، كما قال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٥، ٥٦] وهذه الإرادة لا تستلزم الوقوع.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٥٤ بنحوه.\n(٣) \"تنوير المقباس\" ص ١٩٦ بمعناه.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٥٤.\n(٥) ما بين المعقوفين ساقط من (م).\n(٦) في (ي): (نظهر).\n(٧) رواه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٦/ ١٨١٤، وأبو الشيخ كما في \"الدر المنثور\" ٣/ ٤٤٧.\n(٨) في (ي): (مقصور مهموز)، وما أثبته موافق لـ\"معاني القرآن وإعرابه\".\n(٩) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٥٤.","vol":"10","page":494},{"text":"كذا يلجأ لجأ، بفتح اللام وسكون الجيم، ومثله: إلتجأ (١)، وألجأته إلى كذا أي: اصطررته (٢) إليه، قال ابن عباس: يريد مهربًا (٣).\nوقوله تعالى: ﴿أَوْ مَغَارَاتٍ﴾ هي جمع مغارة، وهي الموضع الذي تغور فيه أي: تستتر، قال أبو عبيدة: كل شيء غرت فيه فغبت فهي مغارة (٤) لك (٥)، ومنه (٦) غار الماء في الأرض وغارت العين، قال عطاء، عن ابن عباس: يعني سراديب (٧).\nوقوله تعالى: ﴿أَوْ مُدَّخَلًا﴾، قال الزجاج: أصله مدتخل والتاء بعد الدال تبدل دالًا؛ لأن التاء مهموسة والدال مجهورة، وهما من مكان واحد (٨)، وهو (مفتعل) من الدخول كالمتلج (٩) من (١٠) الولوج، ومعناه\n_________\n(١) كررت الكلمة في (ي).\n(٢) في (ي): (أضررته)، وهو خطأ.\n(٣) ذكره المؤلف في \"الوسيط\" ٢/ ٥٠٤، ورواه ابن جرير ١٠/ ١٥٥، وابن أبي حاتم ٦/ ١٨١٤، بلفظ: الملجأ: الحرز في الجبال، كما رواه الثعلبي ٦/ ١١٥ أ، والبغوي ٤/ ٥٩، عن عطاء بلفظ المؤلف.\n(٤) في (ي): (مغارات).\n(٥) عبارة أبي عبيدة في \"مجاز القرآن\" ١/ ٢٦٢: (ما يغورون فيه فيدخلون فيه ويغيبون). اهـ. أما اللفظ الذي ذكره المؤلف فقد عزاه الثعلبي في \"تفسيره\" ٦/ ١١٥ أإلى الأخفش.\n(٦) في (ي): (مثله)، وما أثبته من (ح) و(م) موافق لما في \"تفسير الثعلبي\".\n(٧) ذكره المؤلف في \"الوسيط\" ٢/ ٥٠٤، والقرطبي ٨/ ١٦٥، ورواه ابن جرير ١٠/ ١٥٥، وابن أبي حاتم ٦/ ١٨١٤ بلفظ: (الغيران في الجبال)، كما رواه الثعلبي ٦/ ١١٥/ أ، والبغوي ٤/ ٥٩ بلفظ المؤلف عن عطاء.\n(٨) اهـ. كلام الزجاج، انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٥٥، وقد نقله الواحدي بمعناه.\n(٩) في (ج): (المبتلج).\n(١٠) في (ي): (في).","vol":"10","page":495},{"text":"المسلك الذي يتدسس بالدخول فيه، قال قتادة: سربا (١)، وقال الكلبي وابن زيد: نفقا كنفق اليربوع (٢)، وقال الضحاك: مأوى (٣)، وقال الحسن: وجهًا يدخلونه (٤).\nوقوله تعالى: ﴿لَوَلَّوْا إِلَيْهِ﴾، قال ابن قتيبة: لرجعوا إليه (٥) [وأدبروا إليه] (٦)، يقال: ولي إليه بنفسه إذا انصرف، وولى غيره: إذا صرفه (٧).\nوقوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَجْمَحُونَ﴾ أي: يسرعون إسراعًا لا يرد وجوههم شيء، ومن هذا يقال: جمح الفرس، وهو فرس جموح وهو (٨) الذي إذا حمل لم (٩) يرده اللجام (١٠)، قال ابن عباس: ﴿وَهُمْ يَجْمَحُونَ﴾ (١١): يريد مثل ما يجمع الفرس (١٢)، قال ابن كيسان والزجاج وغيرهما: معنى الآية\n_________\n(١) رواه ابن جرير ١٠/ ١٥٥، والثعلبي ٦/ ١١٥ أ، والبغوي ٤/ ٥٩.\n(٢) رواه عنهما الثعلبي ٦/ ١١٥ أ، كما رواه عن الكلبي، البغوي ٤/ ٥٩.\n(٣) رواه الثعلبي، في المصدر السابق، نفس الموضع، ورواه ابن أبي حاتم ٦/ ١٨١٥ عن الضحاك عن ابن عباس.\n(٤) رواه الثعلبي ٦/ ١١٥ ب، والبغوي ٤/ ٥٩ ولفظه عندهما: (وجهًا يدخلونه على خلاف رسول الله -ﷺ) اهـ. فالحسن -﵀- يقصد أن هؤلاء المنافقين يتحينون الفرصة للخلاف والمشاقة والمعاندة، لا يقصد محسوسًا يسلكونه.\n(٥) اهـ. كلام ابن قتيبة، انظر: \"تفسير غريب القرآن\" له ص ١٩٦.\n(٦) ما بين المعقوفين ساقط من (ج).\n(٧) في (ي): (أصرفه).\n(٨) في (ج): (وهذا)، وما أثبته موافق لما في \"تهذيب اللغة\".\n(٩) في (ي): (لا)، وأثبت ما في (ح) و(م) لموافقته لما في \"تهذيب اللغة\".\n(١٠) انظر: \"تهذيب اللغة\" (جمح) ١/ ٦٤٥.\n(١١) ما بين المعقوفين ساقط من (م).\n(١٢) في \"تنوير المقباس\" ص ١٩٦: يهرولون هرولة.","vol":"10","page":496},{"text":"أن هؤلاء المنافقين لا بصيرة لهم في الدين ولا احتساب، وإنما هم فيه كالمسخرين، حتى لو وجدوا أحد هذه الأشياء التي ذكرت لأسرعوا إليه طلبًا للفرار (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1434>٥٨ </span>- وقوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ الآية، قال أبو سعيد الخدري: بينما رسول الله -ﷺ- يقسم مالًا إذ جاءه ابن ذي (٢) الخويصرة التميمي وهو حرقوص بن زهير (٣)، أصل الخوارج، فقال:\n_________\n(١) لم أعثر على هذا القول في مظانه من كتب التفسير، ولم يذكره الزجاج في \"معاني القرآن وإعرابه\"، ومعناه في \"البرهان\" للحوفي ١١/ ٢٠٩ أمنسوبًا لابن عباس ومجاهد وقتادة.\n(٢) في (ج) و(ي): (ابن الخويصرة. وآثرت ما في (م) لموافقته لما في \"صحيح البخاري\"، و\"تفسير الثعلبي\"، و\"أسباب النزول\" للمؤلف.\n(٣) هو: حرقوص بن زهير السعدي التميمي، ذكره الطبري في \"تاريخه\" ٤/ ٧٦ فقال: (إن الهرمزان الفارسي -صاحب خوزستان- كفر ومنعه ما قبله، واستعان بالأكراد، فكثف جمعه، فكتب سلمى ومن معه بذلك إلى عتبة بن غزوان، فكتب عتبة إلى عمر بن الخطاب، فكتب إليه عمر يأمره بقصده، وأمدّ المسلمين بحرقوص بن زهير السعدي، وكانت له صحبة من رسول الله -ﷺ-، وأمَّره على القتال وعلى ما غلب عليه، فاقتتل المسلمون والهرمزان، وانهزم الهرمزان، وفتح حرقوص سوق الأهواز، ونزل بها، وله أثر كبير في قتال الهرمزان، وبقي حرقوص إلى أيام علي، وشهد معه صفين، ثم صار من الخوارج، ومن أشدهم على علي بن أبي طالب، وكان من الخوارج لما قاتلهم علي، فقتل يومئذ سنة ٣٧ هـ. اهـ. وانظر: \"أسد الغابة\" ١/ ٤٧٤، و\"الإصابة\" ١/ ٣٢٠. وعندي شك أن ابن ذي الخويصرة هو حرقوص المذكور، فقد روى البخاري في \"صحيحه\"، (٦٩٣٣) كتاب استتابة المرتدين، باب: من ترك قتال الخوارج للتألف ٩/ ٣٠ عن أبي سعيد قال: بينا النبي -ﷺ- يقسم جاء عبد الله بن ذي الخويصرة التميمي فقال: اعدل يا رسول الله - ﷺ -:فقال. \"ويلك من يعدل إذا لم أعدل؟! \" قال عمر بن الخطاب: دعني أضرب عنقه، قال: \"دعه، فإن له أصحابًا يحقر أحدكم صلاته مع صلاته، وصيامه مع صيامه، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرَّميَّة .. \"الحديث فهذا يفيد: =","vol":"10","page":497},{"text":"اعدل يا رسول الله، فقال: \"ويلك ومن يعدل إذا لم أعدل؟! \" فنزلت هذه الآية (١). وقال الكلبي: نزلت في المؤلفة قلوبهم وهم المنافقون (٢)، قال رجل منهم يقال له أبو الجواظ (٣):\nلم تقسم بالسوية فأنزل الله هذه الآية (٤). ونحو ذلك قال ابن زيد. هؤلاء المنافقون قالوا: والله (٥) ما يعطيها محمد إلا من (٦) أحب ولا يؤثر\n_________\n= أولًا: أن اسم ابن ذي الخويصرة عبد الله.\nثانيًا: أن عمر -﵁- كان حاضرًا القصة وكان شديدًا على الرجل، فهل يليق بالفاروق أن يوليه قيادة الجيوش، وإمرة ما فتح بعد أن سمع نعته من رسول الله -ﷺ-؟!.\nويؤكد هذا الشك ما ذكر الحافظ ابن حجر عن الهيثم بن عدي قال: إن الخوارج تزعم أن حرقوص بن زهير كان من أصحاب النبي -ﷺ- وأنه قتل معهم يوم النهروان، قال: فسألت عن ذلك، فلم أجد أحدًا يعرفه. \"الإصابة\" ١/ ٣٢٠.\n(١) رواه بنحوه مطولًا البخاري في \"صحيحه\" في عدة مواضع منها (٦٩٣٣) كتاب استتابة المرتدين .. باب: من ترك قتال الخوارج للتألف، ومسلم (١٤٨)، كتاب: الزكاة، باب: ذكر الخوارج وصفاتهم، وأحمد في \"المسند\" ٣/ ٥٦، ورواه بلفظ المؤلف مطولًا الثعلبي في \"تفسيره\" ٦/ ١١٦ أ، ومن طريقة المؤلف في \"أسباب النزول\" ص ٢٤٨.\n(٢) المؤلفة قلوبهم في عهد رسول الله -ﷺ- ليسوا منافقين، بل صنفان:\nالأول: كفار صرحاء فأعطاهم النبي تأليفًا لهم على الإسلام كصفوان بن أمية. انظر: \"الإصابة\" ٢/ ١٨٧.\nالثاني: حديثو عهد بإسلام ولم يتمكن الإيمان من قلوبهم، كأبي سفيان بن حرب، والحارث بن هشام، وعيينة بن حصن وغيرهم. انظر: \"المعارف\" ص ١٩٢.\n(٣) لم أجد له ترجمة، والكلبي كذاب لا يوثق بروايته، انظر: \"تهذيب التهذيب\" ٣/ ٥٦٩.\n(٤) رواه الثعلبي ٦/ ١١٦ ب، والبغوي ٤/ ٦٠، وذكره المؤلف بغير سند في \"أسباب النزول\" ص ٢٥٣ - ٢٥٤.\n(٥) ساقط من (ي)، وما أثبه موافق لـ \"تفسير ابن جرير\".\n(٦) في (ي): (لمن)، وما أثبته موافق لـ\"تفسير ابن جرير\".","vol":"10","page":498},{"text":"بها (١) إلا هواه (٢).\nقال الليث: اللمز كالغمز في الوجه، رجل لمزة يعيبك في وجهك [ورجل همزة يعيبك بالغيب (٣)] (٤)، وقال الزجاج: يقال: لمزتُ الرجل ألمزه بكسر الميم، ولَمُزت بضم الميم (٥): [إذا عبته] (٦) وكذلك همزته أهمزه: إذا عبته، والهمزة اللمزة الذي يغتاب الناس ويغضهم (٧)، وكذلك قال ابن السكيت، ولم يفرق بينهما (٨)، وكذلك قال الفراء (٩).\nقال الأزهري: وأصل الهمزة واللمز الدفع، قال الكسائي: يقال: همزته ولمزته ولهزته (١٠): إذا دفعته (١١).\n_________\n(١) ساقط من (ي). واللفظ ثابت في (ج) و(م) و\"تفسير ابن جرير\".\n(٢) رواه ابن جرير ١٠/ ١٥٧.\n(٣) \"تهذيب اللغة\" (لمز) ٤/ ٣٢٩٦، ونحوه في كتاب \"العين\" (لمز) ٧/ ٢٧٢.\n(٤) ما بين المعقوفين ساقط من (ي).\n(٥) اضطرب قول الزجاج في النسخة (ج) ونصه فيها: (يقال: لمزه الرجل بكسر الميم، واللُمزة بضم الميم: إذا عبته) وما أثبته موافق لما في \"معاني القرآن وإعرابه\".\n(٦) ما بين المعقوفين ساقط من (ي).\n(٧) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٥٥، وتفسير الهمزة اللمزة ليس فيه، بل في \"تهذيب اللغة\" (لمز) ٤/ ٣٢٩٦.\n(٨) انظر: \"المشوف المعلم في ترتيب الإصلاح على حروف المعجم\" (لمز) ٢/ ٦٨٢، و(همز) ٢/ ٨١٠ حيث لم يفرق ابن السكيت بينهما، وانظر أيضًا: \"تهذيب اللغة\" (لمز) ٤/ ٣٢٩٦.\n(٩) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٨٩ وعبارته: .. يهمز الناس ويلمزهم: يغتابهم ويعيبهم.\n(١٠) في (ي): (ونهرته)، والصواب ما أثبته وهو موافق لما في \"تهذيب اللغة\".\n(١١) \"تهذيب اللغة\" (لمز) ٤/ ٣٢٩٦، والكسائي يعني أن أصل تلك الكلمات: =","vol":"10","page":499},{"text":"قال ابن عباس في رواية عطاء: يلمزك يغتابك (١).\nوقال قتادة: يطعن عليك (٢).\nوقال الكلبي: ﴿يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ أي: يعيبك في أمرها، ويطعن عليك فيها (٣).\nوقال أبو علي: المعنى في حذف الإضافة والتقدير: يعيبك في تفريق الصدقات (٤).\nوقال أهل المعاني: هذه (٥) الآية بيان عما يوجبه الخلق الدني (٦) من الشره إلى الصدقة حتى يعيب ما لا عيب فيه إذا لم يعطه ما يرضيه (٧).\nوقال جويبر عن الضحاك في هذه الآية: كان رسول الله -ﷺ- يقسم بينهم ما آتاه الله من قليل المال وكثيره، وكان المؤمنون يرضون بما أعطوا ويحمدون الله عليه، وأما المنافقون فإن أعطوا كثيرًا فرحوا، وإن أعطوا قليلًا سخطوا (٨).\n_________\n= الدفع كما بينه أبو منصور الأزهري في الموضع نفسه، ولا يعني أن معنى الآية كذلك.\n(١) رواه الثعلبي ٦/ ١١٦ ب عن عطاء.\n(٢) رواه ابن جرير ١٠/ ١٥٦.\n(٣) ذكره مختصرًا الرازي في \"تفسيره\" ١٦/ ٩٨، ونحوه في \"تنوير المقباس\" ص ١٩٦ عنه عن ابن عباس.\n(٤) \"الحجة للقراء السبعة\" ٤/ ١٩٨.\n(٥) ساقط من (ج).\n(٦) في (ج): (الذي)، وهو خطأ.\n(٧) القول بنصه للحوفي في \"البرهان\" ١١/ ٢١١ أ.\n(٨) رواه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٦/ ١٨١٦.","vol":"10","page":500},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1435>٥٩ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا﴾ الآية، جواب (لو) محذوف بتقدير: لكان خيرًا لهم، وأعود عليهم (١)، قال ابن عباس: ولكن غلب عليهم النفاق، ولم يحق الإيمان في قلوبهم، فيتوكلوا على الله حق توكله (٢).\nثم إن الله تعالى بين لمن الصدقات فقال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1436>٦٠ </span>- ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ الآية، قال ابن عباس: يريد صدقات الأموال (٣). وذكرنا معنى الصدقة عند قوله: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة: ٢٧١] الآية (٤).\nواختلفوا في معنى الفقير والمسكين، والكلام في اشتقاقهما قد سبق (٥)، فأما معناهما: فقال ابن عباس والحسن وجابر بن زيد (٦) والزهري\n_________\n(١) رواه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٦/ ١٨١٦. في \"لسان العرب\" (عود) ٥/ ٣١٥٧: قال الليثُ: هذا الأمر أعود عليك: أي أرفق بك وأنفع؛ لأنه يعود عليك برفق ويسر.\n(٢) لم أقف على مصدره.\n(٣) لم أقف على مصدره.\n(٤) انظر: \"النسخة الأزهرية\" ١/ ١٦١ أحيث قال: الصدقة تطلق على الفرض والنفل، والزكاة لا تطلق إلا على القرض، قال الزجاجي: (ص د ق) على هذا الترتيب موضوع للصحة والكمال، من ذلك قولهم: رجل صدق النظر، وصدق اللقاء وصدقوهم القتال، وفلان صادق المودة .. وسمى الله تعالى الزكاة صدقة؛ لأن المال بها يصح ويكمل، فهي سبب لكمال المال.\n(٥) ذكر الكلام في اشتقاق المسكنة عند تفسير الآية ٦١ من سورة البقرة، وذكر اشتقاق الفقير عند قوله تعالى: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ﴾ [البقرة: ٢٦٨]، وأصله في اللغة: المفقور الذي نزعت فقرة من فقر ظهره، فكأنه انقطع ظهره من شدة الفقر، فصرف من مفقور إلى فقير، كما قيل: مجروح وجريح. انظر: \"تهذيب اللغة\" (فقر) ٣/ ٢٨١٢ - ٢٨١٣، و\"اللسان\" (فقر) ٦/ ٣٤٤٤.\n(٦) هو: جابر بن زيد الأزدي اليحمدي مولاهم، البصري، المعروف بأبي الشعثاء، كان عالم أهل البصرة، في زمانه، وفي طبقة الحسن البصري وابن سيرين، ومن كبار تلاميذ ابن عباس، كان لبيبًا مجتهدًا في العبادة، توفي سنة ٩٣هـ. =","vol":"10","page":501},{"text":"ومجاهد وابن زيد: الفقير: المتعفف الذي لا يسأل الناس (١)، والمسكين الذي يسأل (٢)، وهذا اختيار الفراء، قال: الفقراء أهل الصفة لم تكن لهم عشائر ولا مال كانوا يأوون إلى مسجد رسول الله -ﷺ- والمساكين: الطوافون على الأبواب (٣) (٤).\nوسئل أبو العباس عن تفسير الفقير والمسكين فقال: قال أبو عمرو بن العلاء فيما روى عنه (٥) الأصمعي: الفقير [الذي له ما يأكل، والمسكين الذي لا شيء له (٦).\nوقال يونس (٧):] (٨) الفقير يكون له بعض ما يقيمه، والمسكين الذي لا شيء له، وقال (٩): قلت لأعرابي أفقير أنت؟ قال: لا والله بل مسكين، قال: فالمسكين أسوأ حالًا من الفقير، والفقير الذي له بلغة من العيش (١٠)،\n_________\n= انظر: \"التاريخ الكبير\" ٢/ ٢٠٤، و\"حلية الأولياء\" ٣/ ٨٥، و\"سير أعلام النبلاء\" ٤/ ٤٨١، و\"تهذيب التهذيب\" ٢/ ٢٧٩.\n(١) ساقط من (م).\n(٢) أخرج آثارهم بألفاظ متقاربة ابن جرير ١٠/ ١٥٨ - ١٦٠، والثعلبي ٦/ ١١٧ أ، كما خرج أكثرها السيوطي في \"الدر المنثور\" ٣/ ٤٤٩ - ٤٥٠.\n(٣) \"معاني القرآن\" ١/ ٤٤٣ بتصرف ويعني الفراء التمثيل بأهل الصفة لا الحصر.\n(٤) رجح هذا القول أبو جعفر النحاس في \"الناسخ والمنسوخ\" ٢/ ٤٤٦ وأيده بالحجج النقلية واللغوية، ورد ما يمكن أن يعترض به عليه. وقد قال قبل ذلك: إن قول من قال: المسكين كذا، والفقير كذا، لم يقل إنه لا يقال لغيره مسكين ولا فقير. وانظر أيضًا: \"تفسير الطبري\" ١٠/ ١٥٩ - ١٦٠ فهو يؤيد هذا القول.\n(٥) في (ج): (عن)، وما أثبته موافق لما في \"تهذيب اللغة\".\n(٦) \"تهذيب اللغة\" (فقر) ٣/ ٢٨١٢.\n(٧) هو: يونس بن حبيب البصري.\n(٨) ما بين المعقوفين ساقط من (ي).\n(٩) ساقط من (ي)، والقائل يونس كما بينه الأزهري المصدر التالي.\n(١٠) انظر أقوال يونس في \"تهذيب اللغة\" (فقير) ٣/ ٢٨١٣.","vol":"10","page":502},{"text":"ونحو هذا قال ابن السكيت (١) وابن قتيبة (٢)، وهو مذهب أهل العراق (٣)، واحتجوا على هذا بقول الراعي:\nأما الفقير الذي كانت حلوبته ... وفق العيال فلم يترك له سبد (٤)\nفسماه فقيرًا، وله حلوبة تكفيه وعياله (٥).\nوقال محمد بن مسلمة (٦) (٧): الفقير الذي له المسكن يسكنه والخادم\n_________\n(١) انظر: \"المشوف المعلم في ترتيب الإصلاح على حروف المعجم\" (فقر) ٢/ ٥٧٢.\n(٢) انظر: \"تفسير غريب القرآن\"، له ص ١٩٦.\n(٣) انظر: \"بدائع الصنائع\" ٢/ ٩٠١، و\"المغني\" لابن قدامة ٩/ ٣٠٦، ٣٠٧، و\"تفسير البغوي\" ٤/ ٦٢، و\"حاشية ابن عابدين\" ٢/ ٣٣٩.\n(٤) انظر: \"ديوانه\" ص ٦٤ ونسب إليه أيضًا في: \"طبقات فحول الشعراء\" ١/ ٥١١، و\"لسان العرب\" (فقر)، و\"المخصص\" ١٢/ ٢٨٥.\nوالسبد: الوبر، والعرب تقول: ما له سبد ولا لبد، أي ماله ذو وبر ولا صوف متلبد، انظر: \"لسان العرب\" (سبد) ٤/ ١٩١٨، والشاعر يشكو السعاة والعاملين على الصدقات من قبل عبد الملك بن مروان، ويقول: إنهم لم يرحموا أحدًا حتى الفقير الذي لا يملك إلا ناقة حلوبًا على قد عياله، أخذت منه، ولم يترك له شيء.\n(٥) ذكر الأزهري أنه لا حجة في هذا البيت؛ لأن المعنى: كانت لهذا الفقير حلوبة فيما مضى دون الحالة الحاضرة. انظر: \"تهذيب اللغة\" (فقر) ٣/ ٢٨١٣، وسبقه أبو بكر بن الأنباري في \"الزاهر في معاني كلمات الناس\" ١/ ١٢٨.\n(٦) في (ي): (سلمة)، وما أثبته موافق لمصدري تخريج القول.\n(٧) هو: محمد بن مسلمة بن الوليد، أبو جعفر الواسطي الطيالسي، محدث معمر، قال الدارقطني: لا بأس به، وقال الخطيب: رأيت أبا القاسم اللالكائي والحسن بن محمد الخلال يضعفانه، قال: وله مناكير، توفي سنة ٢٨٢ هـ.\nانظر: \"تاريخ بغداد\" ٣/ ٣٠٥، و\"سير أعلام النبلاء\" ١٣/ ٣٩٥.\nأقول: هذا ما ترجح لدي أنه المذكور، ولست على يقين بذلك وأستبعد أن يكون هو محمد بن مسلمة ألأنصاري الصحابي كما جزم بذلك مفهرس \"تفسير القرطبي\" ٢٢/ ٣٢٦؛ ألأن النص في \"تفسير الثعلبي\" طويل، وفيه تعليلات لم يعهد مثلها في =","vol":"10","page":503},{"text":"يخدمه (١)، والمسكين الذي لا ملك له (٢)، وهؤلاء قالوا (٣): كل محتاج إلى شيء فهو مفتقر إليه وإن كان غنيًا عن غيره، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ﴾ [فاطر: ١٥] والمسكين المحتاج إلى كل شيء، ألا ترى كيف حض على إطعامه وجعل الكفارات من الأطعمة له ولا فاقة أعظم من سد الجوعة.\nوقال الشافعي: الفقراء: الزمنى الضعاف الذي لا حرفة لهم وأهل الحرفة الضعيفة التي لا تقع حرفته من حاجتهم موقعًا، [والمساكين: السؤال ممن لهم حرفة تقع موقعًا] (٤) ولا تغنيه وعياله (٥)، فالفقير أشدهما حالًا عند الشافعي وإلى هذا ذهب جماعة (٦)، وقال أحمد بن عبيد (٧): المسكين أحسن\n_________\n= كلام الصحابة، ونص قوله: .. (والمسكين: الذي لا ملك له، قال: وكل محتاج إلى شيء فهو مفتقر إليه، وإن كان غنيًا عن غيره، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ﴾ [فاطر: ١٥]، والمسكين المحتاج إلى كل شيء، ألم تر كيف حض على إطعامه ..) إلخ. انظر: \"تفسير الثعلبي\" ٦/ ١١٧ ب.\n(١) هذا خلاف ما رواه مسلم عن عبد الله بن عمرو، وسأله رجل فقال: ألسنا من فقراء المهاجرين؟ فقال له عبد الله: ألك امرأة تأوي إليها؟ قال: نعم، قال ألك مسكن تسكنه؟ قال: نعم. قال: فأنت من الأغنياء، قال: فإن لي خادمًا، قال: فأنت من الملوك. \"صحيح مسلم\" (٢٩٧٩) كتاب: الزهد.\n(٢) \"تفسير الثعلبي\" ٦/ ١١٧ ب، والقرطبي ٨/ ١٧١.\n(٣) في \"تفسير الثعلبي\" القائل هو: محمد بن مسلمة.\n(٤) ما بين المعقوفين ساقط من (ج).\n(٥) \"الأم\" ٢/ ١١٠.\n(٦) ساقط من (ج). وانظر: \"كتاب الأموال\" ص ٧١٧ - ٧١٩؛ و\"المغني\" ٩/ ٣٠٦، و\"لسان العرب\" (فقر) ٦/ ٣٤٤٤ - ٣٤٤٥.\n(٧) هو: أحمد بن عبيد بن ناصح الديلمي ثم البغدادي، أبو جعفر النحوي، المعروف =","vol":"10","page":504},{"text":"حالًا من الفقير؛ لأن الفقير أصله في اللغة المفقور الذي نزعت فقرة من فقر ظهره، فصرف عن مفقور إلى فقير كما قيل: مطبوخ وطبيخ ومجروح وجريح (١). وقال خالد بن يزيد (٢): كأن الفقير إنما سمي فقيرًا لزمانة تصيبه مع حاجة شديدة، تمنعه الزمانة من التقلب في الكسب على نفسه فهذا هو الفقير (٣)، ولا حال في الإقلال والبؤس هي أوكد من هذه الحال، وأنشدوا للبيد:\nلما رأى لبد النسور تطايرت ... رفع القوادم (٤) كالفقير الأعزل (٥)\n_________\n= بأبي عصيدة، من نحاة الكوفة، كان نحويًّا محدثًا رأسًا في العربية من أهل الصدق، وهو من تلاميذ الأصمعي ومن شيوخ أبي بكر بن الأنباري، توفي سنة ٢٧٨ هـ. انظر: \"تاريخ بغداد\" ٤/ ٢٥٨، و\"نزهة الألباء\" ص ١٥٨، و\"وإنباه الرواة\" ١/ ١١٩.\n(١) ذكره بنحوه أبو بكر بن الأنباري في كتابه \"الزاهر في معاني كلمات الناس\" ١/ ١٢٨، وانظر أيضًا: \"تهذيب اللغة\" (فقر) ٣/ ٢٨١٣، (سكن) ٢/ ١٧٢٤.\n(٢) هو أبو الهيثم الرازي.\n(٣) اهـ. كلام خالد بن يزيد في \"تهذيب اللغة\" (فقر) ٣/ ٢٨١٣.\n(٤) في (ي): (الفقير)، وهو خطأ.\n(٥) البيت في \"ديوان لبيد\" ص٣٤، وفي \"شرحه\" ص ٢٧٤، ونسب إليه أيضًا في \"تهذيب اللغة\" (فقر) ٣/ ٢٨١٣، و\"لسان العرب\" (فقر) ٦/ ٣٤٤٥. ولبد: هو النسر السابع من نسور لقمان بن عاد، والأعزل من الخيل: المائل الذنب.\nوالشاعر يذكر قصة متداولة عند العرب؛ إذ يقال أن لقمان بن عاد خُيّر في عمره، فاختار أن يكون كعمر سبعة أنسر، فكان يأخذ فرخ النسر فيجعله في فجوة في الجبل الذي هو في أصله، فيعيش الفرخ خمسمائة سنة أو أقل أو أكثر، فإذا مات أخذ آخر مكانه، حتى هلكت ستة، فأخذ السابع وسماه لبدًا، وكان أطولها عمرًا حتى ضرب به المخل، فقيل: طال الأبد على لبد، ثم هلك النسر، فمات لقمان، وقد زعموا أنه عاش ثلاثة آلاف وخمسمائة سنة. انظر: \"شرح ديوان لبيد\" ص ٢٧٤، و\"مجمع الأمثال\" ١/ ٤٢٩.","vol":"10","page":505},{"text":"قال ابن الأعرابي في هذا البيت: الفقير: المكسور الفقار يضرب مثلًا لكل ضعيف لا ينفذ في الأمور (١).\nوقال قتادة: الفقير: الزمن المحتاج، والمسكين: الصحيح المحتاج (٢)، فجعل الفقير أسوأ حالًا، ومما يدل على صحة هذا القول أن الله ابتدأ بذكرهم، فدل أنهم أولى الأصناف بالصدقات لسوء حالهم، وما روي أن رسول الله -ﷺ- تعوذ من الفقر (٣)، وروي عنه أنه قال: \"اللهم أحيني مسكينًا، وأمتني مسكينًا (٤)، واحشرني في زمرة المساكين\" (٥).\n_________\n(١) \"تهذيب اللغة\" (فقر) ٣/ ٢٨١٣.\n(٢) رواه ابن جرير ١٠/ ١٥٨، وابن أبي حاتم ٦/ ١٨١٩ - ١٨٢٠، وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٣/ ٤٤٩، وزاد: عبد الرزاق وابن المنذر والنحاس وأبو الشيخ.\n(٣) رواه أبو داود (١٥٤٤) كتاب: الصلاة، باب: في الاستعاذة، والنسائي في \"سننه\" كتاب: الاستعاذة، الاستعاذة من القلة ٨/ ٢٦١، وابن ماجه (٢٨٤٢)، كتاب: الدعاء، باب: ما تعوذ منه رسول الله -ﷺ-، وأحمد في \"المسند\" ٢/ ٣٠٥، والحاكم في \"المستدرك\"، كتاب: الدعاء ١/ ٥٤١. وقال: صحيح الإسناد. اهـ. ولفظ الحديث عنده وعند أحمد: \"اللهم إني أعوذ بك من الفقر والقلة .. \" الحديث.\n(٤) قال ابن الأثير: أراد به التواضع والإخبات، وأن لا يكون من الجبارين المتكبرين. \"النهاية في غريب الحديث\" (سكن) ٢/ ٣٨٥، ونحوه في \"السنن الكبرى\" للبيهقي ٧/ ١٩.\n(٥) رواه الترمذي (٢٣٥٢) كتاب: الزهد، باب: ما جاء أن فقراء المهاجرين يدخلون الجنة قبل أغنيائهم، وقال: حديث غريب، وابن ماجه (٤١٢٦)، كتاب: الزهد، باب. مجالسة الفقراء، والحاكم في \"المستدرك\" كتاب: الرقاق ٤/ ٣٢٢، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي، وهو وهم منهما؛ لأن جميع أسانيد الحديث لا تخلو من قادح، ولذا قال الألباني بعد أن ذكر من صححه: (وهذا عجيب منهم، خاصة الذهبي فقد أورد يزيد بن خالد هذا في \"الضعفاء\" ص ٢٠٧، =","vol":"10","page":506},{"text":"فلو كان المسكين أسوأ حالًا من الفقير لتناقض الحديثان؛ لأنه يتعوذ من الفقر ثم يسأل حالًا أسوأ منه، ولا تناقض بينهما؛ لأنه تعوذ بالله من الضر (١)، وسوء الحال، وسأله الخضوع وأن لا يجعله من الجبارين.\nوالمسكنة حرف مأخوذ من السكون، يقال: تمسكن الرجل: إذا لان وتواضع وخشع، ومنه قول النبي -ﷺ-: \"تبأس وتمسكن\" (٢) يريد: تواضع وتخشع، فيجوز أن يكون الرجل يملك شيئًا، وله حالة من الدنيا، ويكون مسكينًا على ما ذكرنا، ألا ترى أن الله تعالى استجاب دعاء نبيه -﵇- وأعاذه من الفقر؛ لأنه قبضه موسرًا غنيًا بما أفاء عليه، وإن كان لم يضع درهمًا على درهم، والله -﷿- يقول: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾ [الضحى: ٨]. هذا الذي ذكرنا كلام ابن قتيبة في هذين الحديثين (٣).\nواحتد ابن الأنباري لهذه (٤) الطريقة بقوله: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ\n_________\n= و\"الميزان\" ٦/ ٩٥، وساق أقوال الأئمة فيه، وكلها تتفق على تضعيفه، وساق له أحاديث فيما أنكرت عليه هذا أحدها).\nثم ساق الألباني شاهدين ضعيفين للحديث ثم قال: (والخلاصة: أن جميع طرق الحديث لا تخلو من قادح، إلا أن مجموعها يدل على أن للحديث أصلًا، فإن بعضها ليس شديد الضعف كحديث أبي سعيد وعبادة، والأحاديث تصل بمجموعها إلى درجة الحسن. يعني: الحسن لغيره). انظر: \"إرواء الغليل\" رقم (٨٦١١) ٣/ ٣٥٨ - ٣٦٣.\n(١) في (ج): (الضرر).\n(٢) هذا بعض حديث رواه أبو داود (١٢٩٦)، كتاب: الصلاة، باب: في صلاة النهار، وابن ماجه (١٣٢٥)، كتاب: إقامة الصلاة، باب: ما جاء في صلاة الليل والنهار مثنى مثنى.\n(٣) انظر: \"تأويل مختلف الحديث\" ص ١٩٦.\n(٤) في (ج): (بهذه).","vol":"10","page":507},{"text":"لِمَسَاكِينَ﴾ [الكهف: ٧٩] الآية، فوصف بالمسكنة من له سفينة من سفن البحر تساوي جملة من الدنانير (١)، وبقوله تعالى: ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (١٥) أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ (١٦)﴾ [البلد: ١٤ - ١٦]، ومسكين ذو متربة: هو الفقير الذي قد لصق بالتراب من شدة الفقر، والمسكين الذي ليس بذي متربة هو أحسن حالًا من الفقير؛ لأنه ذو مال، ونعت الله تعالى هذا المسكين بأنه ذو متربة يدل على أن ثم مسكينًا ليس بذي متربة يخالف المنعوت ولا يبلغ منزلته في شدة الفقر.\nوأما احتجاجهم ببيت الراعي، قلنا: قد ذكر الفقير وحده وكل فقير أفردته بالاسم جاز إطلاق المسكين عليه، وكذلك إطلاق الفقير على المسكين، وإنما يتبين مقصود هذه المسألة عند الجمع بينهما وفائدة هذا الخلاف لا تبين في تفريق الصدقات، وإنما تبين في الوصايا، وهو أن رجلًا لو (٢) قال: أوصيت للفقراء بمائتين وللمساكين بخمسين وجب (٣) دفع المائتين إلى من هو أسوأ حالًا من الفريقين.\nومن الناس من سوى بين الفقير والمسكين وقال: هما واحد إلا أنه\n_________\n(١) ليس في هذا دليل على ما ذكر؛ لأن العرب تطلق لفظ المسكين على الذليل الخاضع، فإن كان الذي أذله هو الفقر، كان فقيرًا مسكينًا، وإن كان الذي أذلة غير الفقر، فهو مسكين غير فقير، كما أشار إلى ذلك المؤلف، قال ابن عرفة بعد أن ذكر نحو ما سبق: \"إذا كان مسكينًا قد أذله سوى الفقر فالصدقة لا تحل له، إذ كان شائعًا في اللغة أن يقال: ضرب فلان المسكين، وظلم المسكين، وهو من أهل الثروة واليسار\". \"لسان العرب\" (فقر) ٦/ ٣٤٤٤.\n(٢) ساقط من (ي).\n(٣) في (ج): (يوجب).","vol":"10","page":508},{"text":"ذكر (١) بالصفتين لتأكيد أمره (٢).\nوالظاهر من هذه الأقوال الذي يوافق اللغة قول قتادة، هو أن الفقير ذو الزمانة سنة من أهل الحاجة، والمسكين الصحيح منهم، وهو في اللغة (مفعيل) من السكون مثل المنطيق من النطق، ومضى الكلام فيه عند قوله تعالى: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ﴾ [البقرة: ٦١].\nوحدّ الفقير والمسكين الذي يجوز دفع الزكاة إليه هو من لا يفي دخله بخرجه.\nوقوله تعالى: ﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾، قال ابن عباس: يريد الذين يستخرجونها (٣). وقال الزهري وابن زيد: هم السعاة لجباية الصدقة (٤).\nوهؤلاء يعطون من الصدقات بقدر أجور أمثالهم، وهو مذهب الشافعي (٥)، وقول عبد الله بن عمرو (٦)، وابن زيد (٧)، وقال مجاهد والضحاك: يعطون الثُّمُن من الصدقات (٨).\n_________\n(١) في (ي): (ذكرنا).\n(٢) ذكر القرطبي في \"تفسيره\" ٨/ ١٦٩، ١٧٠ أن هذا أحد قولي الشافعي، وإليه ذهب أبو يوسف وابن القاسم وسائر أصحاب مالك، وانظر: \"حاشية ابن عابدين\" ٢/ ٣٣٩.\n(٣) رواه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٦/ ١٨٢١ بلفظ: السعاة أصحاب الصدقة.\n(٤) رواه ابن جرير ١٠/ ١٦٠ مختصرًا عن الزهري، وبمعناه عن ابن زيد.\n(٥) انظر: \"الأم\" ٢/ ١١١.\n(٦) في (ي): (عمر)، والصواب ما أثبته، وانظر قوله في \"تفسير ابن جرير\" ١٠/ ١٦١، والثعلبي ٦/ ١١٨ ب.\n(٧) رواه ابن جرير ١٠/ ١٦١، والثعلبي ٦/ ١١٨ ب.\n(٨) رواه ابن جرير ١٠/ ١٦٠ - ١٦١ بإسنادين ضعيفين، ففي سنده عن مجاهد مجهول، ومسلم بن خالد الزنجي قال الحافظ ابن حجر في \"تقريب التهذيب\" ص ٥٢٩ (٦٦٢٥): صدوق كثير الأوهام، وفي سنده عن الضحاك ضعيف، وهو جويبر.","vol":"10","page":509},{"text":"والصحيح أن الهاشمي والمطلبي (١) لا يجوز أن يكون عاملًا على الصدقات [بعمالة منها؛ لأن رسول الله -ﷺ- أبي أن يبعث أبا رافع (٢) عاملًا على الصدقات] (٣)، وقال: \"أما علمت أن مولى القوم منهم؟! \" (٤).\nوقوله تعالى: ﴿وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾، قال ابن عباس: هم قوم من أشراف العرب استألفهم رسول الله - ﷺ - ليردوا عنه قومهم ويعينوه على عدوه، منهم عباس بن مرادس السلمي، وعيينة بن حصن الفزاري (٥)، والأقرع بن حابس\n_________\n(١) الهاشمي: نشة إلى هاشم بن عبد مناف بن قصي، والمطلبي: نسبة إلى المطلب بن عبد مناف بن قصي. انظر: \"السيرة النبوية\" ١/ ١١٨.\n(٢) للنبي - ﷺ - موليان بهذا الاسم، أبو رافع عبد أبي أحيحة، وقد أعتق كل من بنيه نصيبه منه سوى واحد فإنه وهب نصيبه للنبي - ﷺ - فأعتقه، والثاني أبو رافع القبطي وقد أفاد الذهبي أنه هو المذكور في حديث الصدقة، واختلف في اسمه، فقيل: أسلم، وقيل: إبراهيم، وقيل غير ذلك، والأول أشهر، كان عبدًا للعباس فوهبه للنبي - ﷺ -، فلما أن بشر النبي -ﷺ- بإسلام العباس أعتقه، وكان ذا علم وفضل، وقد شهد غزوة أحد وما بعدها، وتوفي بالكوفة سنة ٤٠ هـ. وقيل قبل ذلك: انظر: \"المعارف\" ص ٨٥، و\"سير أعلام النبلاء\" ٢/ ١٦، و\"الإصابة\" ٤/ ٦٧ - ٦٨ (٣٩٦).\n(٣) ما بين المعقوفين ساقط من (ج).\n(٤) رواه النسائي في \"سننه\"، كتاب: الزكاة، باب: مولى القوم منهم ٥/ ١٠٧، والترمذي (٦٥٧)، كتاب: الزكاة، باب: ما جاء في كراهية الصدقة للنبي ..، وأبو داود (١٦٥٠)، كتاب: الزكاة، باب: الصدقة على بني هاشم، وأحمد في \"المسند\" ٦/ ٨، والحديث بنحوه دون ذكر أبي رافع في \"صحيح البخاري\" (٦٧٦١)، كتاب: الفرائض، باب: مولى القوم من أنفسهم.\n(٥) هو: عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر الفزاري، أبو مالك، زعيم فزارة وغطفان، أسلم قبل فتح مكة وشهدها، وشهد حنينًا والطائف، ثم ارتد في عهد أبي بكر ثم عاد إلى الإسلام، وكان من المؤلفة قلوبهم، وفيه جفاء البادية، مع حمق وتيه، توفي في خلافة عثمان -﵁-.","vol":"10","page":510},{"text":"التميمي (١)، والحارث بن هشام المخزومي، وأبو سفيان بن حرب الأموي، وجماعة (٢)، وهذا قول الكلبي (٣) والأكثرين (٤).\nوكان رسول الله -ﷺ- يعطيهم سهمًا من الزكاة، فأما اليوم فقد أغنى الله المسلمين عن ذلك إنما كانوا على عهد رسول الله -ﷺ- خاصة، وهذا قول الحسن (٥) والشعبي (٦)، فإن رأى الإمام على مقتضى الحال يريد أن يؤلف قلوب قوم على الإسلام فله الإعطاء إذا كانوا مسلمين، إذ لا يجوز صرف شيء من زكاة الأموال إلى المشركين، فأما المؤلفة من المشركين فإنما يعطون من مال الفيء لا من الصدقات (٧).\n_________\n= انظر: \"المعارف\" ص ١٧١، و\"الإصابة\" ٣/ ٥٤ (٦١٥١).\n(١) هو: الأقرع بن حابس بن عقال بن محمد المجاشعي الدارمي التميمي، من زعماء بني تميم، أسلم قبل فتح مكة وشهد فتحها وحنينًا والطائف، وكان من المؤلفة قلوبهم، ثم حسن إسلامه، وكان حكيمًا شريفًا في الجاهلية والإسلام، قتل بجوزجان في خلافة عثمان ﵄.\nانظر: \"السيرة النبوية\" ٤/ ١٣٥، ١٤١، ١٤٣، و\"الإصابة\" ١/ ٥٨.\n(٢) ذكر نحوه الرازي في \"تفسيره\" ١٦/ ١١١، وروى ابن جرير ١٠/ ١٦١ عن ابن عباس قال: (هم قوم كانوا يأتون رسول الله -ﷺ- قد أسلموا .. فإذا أعطاهم من الصدقات فأصابوا منها خيرًا قالوا: هذا دين صالح؛ وإن كان غير ذلك عابوه وتركوه). وانظر: \"إرواء الغليل\" ٣/ ٣٦٩.\n(٣) رواه الثعلبي ٦/ ١١٨.\n(٤) مثل يحيي بن أبي كثير، ومجاهد. والحسن، وقتادة والضحاك وسعيد بن جبير والشعبي، انظر: \"تفسير ابن جرير\" ١٠/ ١٦١ - ١٦٢، و\"الدر المنثور\" ٣/ ٤٥٠ - ٤٥١.\n(٥) رواه ابن جرير ١٠/ ١٦٢، والثعلبي ٦/ ١١٦.\n(٦) انظر المصدرين السابقين، نفس الموضع، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" ٦/ ١٨٢٢.\n(٧) انظر: كتاب \"الأم\" للإمام الشافعي ٢/ ٩٧، ومذهب الإمام أحمد جواز إعطاء المؤلفة قلوبهم من الزكاة ولو كانوا مشركين، انظر: \"المغني\" ٩/ ٣١٨.","vol":"10","page":511},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾، قال ابن عباس: (يريد المكاتبين) (١)، وقال الزجاج: (كأن يعاون المكاتب حتى يفك رقبته) (٢).\nوهذا على حذف المضاف؛ لأن المعنى: وفي فك الرقاب، وقد مضى مثل هذا في سورة البقرة [١٧٧] في قوله تعالى: ﴿وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ﴾.\nوسهم الرقاب موضوع في المكاتبين (٣) ليعتقوا به، وهذا مذهب الشافعي (٤) والليث بن سعد (٥).\nومذهب مالك (٦) وأحمد (٧) وإسحاق (٨): أنه موضوع (٩) لعتق الرقاب يشترى به عبيد فيعتقون.\nومذهب (١٠) أبي حنيفة وأصحابه أنه لا يعتق من الزكاة رقبة كاملة،\n_________\n(١) \"تنوير المقباس\" ص ١٩٦، و\"تفسير الرازي\" ١٦/ ١١٢، و\"الوسيط\" ٢/ ٥٠٦.\n(٢) اهـ. كلام الزجاج، انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٥٦.\n(٣) المكاتب: العبد يكاتب على نفسه بثمنه، فإذا دفع ثمنه لسيده عتق. انظر: \"معجم مقاييس اللغة\" (كتب) ٥/ ١٥٩، و\"لسان العرب\" (كتب) ٦/ ٣٨١٧.\n(٤) انظر: كتاب \"الأم\" ٢/ ١١٣.\n(٥) انظر: \"فتح الباري\" ٣/ ٣٣٢.\n(٦) هذه إحدى الروايات عن الإمام مالك، انظر: \"أحكام القرآن\" لابن العربي ٢/ ٩٦٧، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي ٨/ ١٨٢.\n(٧) هذه إحدى الروايات عن الإمام أحمد، لكن لا يعني ذلك أن المكاتبين لا يعانون من الزكاة عنده، بل يعان منها المكاتب ويعتق منها العبيد، واستحب أن لا يعتق الفرد من زكاته رقبة كاملة انظر: \"المغني\" ٩/ ٣٩١ - ٣٢١.\n(٨) انظر قوله في: \"المغني\" ٩/ ٣٢٠، و\"فتح الباري\" ٣/ ٣٣٢، والمذكور هو إسحاق ابن إبراهيم بن مخلد الحنظلي التميمي أبو يعقوب المروزي.\n(٩) في (ى): (موضع)، والصواب ما أثبته بدلالة ما قبله.\n(١٠) من هنا إلى قوله: فيعتقون، مكرر في (ح).","vol":"10","page":512},{"text":"ولكن يعطى منها رقبة ويعان بها مكاتب (١)، وهذا قول سعيد بن جبير (٢) والنخعي (٣).\nوقال الزهري: (سهم الرقاب نصفان نصف للمكاتبين المسلمين، ونصف يشترى به رقاب ممن صلوا وصاموا وقدم إسلامهم، فيعتقون، من الذكور والإناث) (٤).\nقال أصحابنا: (والاحتياط في سهم الرقاب دفعه إلى السيد بإذن المكاتب (٥» (٦)، وهذا معنى تغيير اللفظ على ما ذكره صاحب \"النظم\"، وهو أنه قال: قوله: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ﴾ إلى قوله: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ فصل جاء بنظم له معنى خاص دون ما بعده، وذلك أن الله تعالى قصد به دفع الصدقات إلى هؤلاء ليعملوا فيما يعطون ما شاؤوا في نفقاتهم وغيرها، ثم\n_________\n(١) انظر: \"بدائع الصنائع\" ٢/ ٩٠٦.\n(٢) رواه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" ٣/ ١٧٩ كتاب: الزكاة، باب: في الرقبة تعتق من الزكاة، وأبو عبيد في كتاب \"الأموال\"، باب: سهم الرقاب والغارمين ص ٧٢٣، ولفظه عند أبي عبيد: (لا تعتق من زكاة مالك فإنه يجر الولاء).\n(٣) رواه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" ٣/ ١٧٩، كتاب: الزكاة، باب: في الرقبة تعتق من الزكاة، وأبو عبيد في كتاب \"الأموال\"، باب: سهم الرقاب والغارمين ص ٧٢٣، ولفظه عند أبي عبيد: (قال: يعان منها في الرقبة ولا يعتق منها)، ورواه ابن المنذر كما في \"الدر المنثور\" ٣/ ٤٥٢، ولفظه: (لا يعتق من الزكاة رقبة تامة، ويعطى في رقبة، ولا بأس أن يعين بها مكاتبًا).\n(٤) ذكره عن الزهري، الثعلبي في \"تفسيره\" ٦/ ١٢٠ أ، والصواب أن الزهري رواه عن عمر بن عبد العزيز كما في \"تفسير ابن أبي حاتم\" ٦/ ١٨٢٤، وانظر: \"الدر المنثور\" ٣/ ٤٥١.\n(٥) في (ح): (بإذن عبد المكاتب)، وهو خطأ ولا معنى له.\n(٦) انظر: \"روضة الطالبين\" ٢/ ٣١٥.","vol":"10","page":513},{"text":"قال: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ إلى آخر الآية (١) فجاء هذا بنظم غير ذلك النظم، فكأنه -﷿- أمر بأن يوضع ما يقدر لهم في المواضع التي بها استحقوا الصدقة دون أن يدفع إليهم فيصرفوه في غيره، فيجب أن يوضع في الرقاب بأن يؤدى عنهم، وكذلك: ﴿وَالْغَارِمِينَ﴾ ويصرف ما أوجب للسبيل وابنه إلى ما يحتاجون إليه من آلة ونفقة، دون دفعه إليهم، وإنما قلنا هذا على ظاهر النظم لأنه لم يجعله فصلين بنظمين مختلفين إلا وقد قصد به معنيين متغايرين.\nوقوله تعالى: ﴿وَالْغَارِمِينَ﴾، قال ابن عباس: (يريد أهل الدين) (٢)، وقال مجاهد (٣) وقتادة (٤) والزهري (٥): (الغارمون: الذين لزمهم الديون في غير معصية ولا إسراف).\nقال الشافعي: (وهم صنفان: صنف أدانوا في مصلحتهم أو معروف أو غير معصية ثم عجزوا عن أداء ذلك في العرض والنقد، فيعطون في غرمهم، وصنف أدانوا في حمالات وصلاح ذات بين، ولهم عروض إن بيعت أضر بهم فيعطى هؤلاء وتوفر عروضهم (٦)، وذلك إذا كان دينهم في غير فسق ولا تبذير ولا معصية، فأما من أدان في معصية الله فلا أرى أن\n_________\n(١) في (ى): (آخرها).\n(٢) \"تنوير المقباس\" ١٩٦.\n(٣) رواه ابن أبي شيبة في \"المصنف\"، كتاب: الزكاة، باب: ما قالوا في الغارمين منهم ٣/ ٢٠٧، وابن جرير ١٠/ ١٦٤، وابن أبي حاتم ٦/ ١٨٢٤.\n(٤) رواه ابن جرير ١٠/ ١٦٤، والثعلبي ٦/ ١٢٠ ب.\n(٥) رواه ابن أبي شيبة، وابن جرير في المصدرين السابقين، نفس الموضع.\n(٦) \"الأم\" ٢/ ٩٧ بتصرف يسير واختصار، والكلام التالي ذكره الشافعي في كتاب \"الأم\" ٢/ ١١٣.","vol":"10","page":514},{"text":"يعطى)، قال الزجاج: (لأن ذا المعصية إن أدي عنه الدين كان ذلك تقوية له على المعاصي) (١).\nوأصل الغرم في اللغة: لزوم ما يشق ويتعذر، والغرام: العذاب اللازم أو (٢) العشق أو الشر اللازم، وفلان مغرم بالنساء: -إذا كان مولعًا بهن- من هذا (٣).\nوقوله تعالى: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ يعني: الغزاة والمرابطين، عند عامة المفسرين (٤)، قال الزجاج: (أي للمجاهدين حق في الصدقة) (٥).\nومذهب الشافعي في هذا: أن المغازي يجوز أن يعطى وإن كان غنيا إذا طلب (٦) وهو مذهب مالك (٧) وإسحق (٨) وأبي (٩) عبيد (١٠).\nوقال أبو حنيفة وصاحباه (١١): (لا يعطى المغازي إلا أن يكون\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٥٦.\n(٢) في (ح): (و).\n(٣) انظر: \"اللسان\" (غرم) ٦/ ٣٢٤٧.\n(٤) انظر: \"تفسير ابن جرير\" ١٠/ ١٦٥، وابن أبي حاتم ٦/ ١٨٢٤ - ١٨٢٥، و\"الدر المنثور\" ٣/ ٤٥٢.\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٥٦.\n(٦) \"الأم\" ٢/ ٩٨.\n(٧) انظر: \"أحكام القرآن\" لابن العربي ٢/ ٩٦٩، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي ٨/ ١٨٥.\n(٨) انظر: \"المغني\" ٩/ ٣٢٦.\n(٩) في (ى): (ابن)، وهو خطأ.\n(١٠) كتاب: \"الأموال\"، له ص ٧٢٦.\n(١١) هما أبو يوسف ومحمد بن الحسن.","vol":"10","page":515},{"text":"محتاجًا (١)، واحتج (٢) الشافعي بما روي أن النبي -ﷺ- قال: \"لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة: رجل عمل عليها، أو رجل اشتراها بماله، أو في سبيل الله (٣)، أو ابن السبيل (٤)، أو رجل كان له جار فتصدق عليه فأهداها له\" (٥).\nوقوله تعالى: ﴿وَابْنِ السَّبِيلِ﴾، قال ابن عباس: (يريد عابر السبيل) (٦)، قال المفسرون: (المسافر المنقطع يأخذ من الصدقة وإن كان\n_________\n(١) انظر: \"بدائع الصنائع\" ٢/ ٩٠٧، و\"المغني\" ٩/ ٣٢٦.\n(٢) في (ح): (واحتاج).\n(٣) في (ح): (سبيل)، دون لفظ الجلالة.\n(٤) هكذا ذكر الواحدي: (ابن السبيل) ومثله ابن جرير ١٠/ ١٦٥، والثعلبي ٦/ ١٢٠ ب، ولم يذكره الشافعي ولا غيره ممن أخرج الحديث ممن سيأتي ذكرهم، وإنما ذكروا مكانه (الغارم).\nورواية ابن جرير ضعيفة للإرسال ولضعف ابن وكيع، فهو ساقط الحديث كما بينه ابن حجر في \"التقريب\" ص ٢٤٥ (٢٤٥٦)، أما الثعلبي فقد ذكر الحديث بغير سند.\n(٥) انظر: \"الأم\" ٢/ ٩٨، وقد ذكر الواحدي رواية ابن جرير، ولفظه عند الشافعي: (لا تحل الصدقة إلا لغاز في سبيل الله أو لعامل عليها، أو لغارم، أو لرجل اشتراها بماله، أو لرجل له جار مسكين فتصدق على المسكين فأهدى المسكين للغني) ولفظه عند غيره: (لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة، لغاز ..) إلخ، رواه أبو داود (١٦٣٥)، كتاب: الزكاة، باب: من يجوز له أخذ الصدقة وهو غني، وابن ماجه (١٨٤١)، كتاب: الزكاة، باب: من تحل له الصدقة، وأحمد في \"المسند\" ٣/ ٥٦، والحاكم في \"المستدرك\"، كتاب: الزكاة ٢/ ٤٠٧، وقال: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي.\n(٦) في (ح): سبيل، وقد روى الأثر ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" كما في \"الدر المنثور\" بلفظ: المسافر.","vol":"10","page":516},{"text":"غنيًا في بلده (١)، وهذا قول مجاهد (٢) والزهري (٣)، وقال الزجاج: (هو الذي قطع عليه الطريق) (٤).\nقال الشافعي: (ابن السبيل المستحق للصدقة: هو الذي يريد السفر في غير معصية، فيعجز عن بلوغ سفره إلا بمعونة) (٥)، قال أصحابنا: (ومن أنشأ السفر من بلده لحاجة جاز أن يدفع إليه سهم ابن السبيل كالمجتاز ببلدك) (٦).\nوقوله تعالى: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾، قال الزجاج: (منصوب على التوكيد؛ لأن قوله: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ﴾ لهؤلاء كقوله: فرض الله الصدقات (٧) لهؤلاء) (٨).\n﴿فَرِيضَةً﴾، قال ابن عباس: (يريد أن الله ﵎ افترض هذا على الأغنياء في أموالهم) (٩) ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾ بخلقه ﴿حَكِيمٌ﴾ بما حكم فيهم (١٠).\n_________\n(١) انظر: \"تفسير ابن جرير\" ١٠/ ١٦٥، و\"الدر المنثور\" ٣/ ٤٥٢.\n(٢) رواه ابن جرير ١٠/ ١٦٦.\n(٣) رواه ابن أبي شيبة في \"المصنف\"، كتاب: الزكاة، باب: ما قالوا في الغارمين من هم ٣/ ٢٠٧، وابن جرير ١٠/ ١٦٦.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٥٦.\n(٥) \"الأم\" ٢/ ٩٨.\n(٦) انظر: \"المهذب في فقه الإمام الشافعي\" ١/ ١٧٣، و\"روضة الطالبين\" ٢/ ٣٢٥.\n(٧) في (ى): (الصدقة الصدقات)، وهذه الزيادة لا معنى لها، وليست في \"معاني القرآن وإعرابه\".\n(٨) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٥٧. ومراد الزجاج أن المعنى: فرض الله الصدقات لهؤلاء فريضة.\n(٩) \"الوجيز\" ٦/ ٥٤٦.\n(١٠) في (ح): (فيه).","vol":"10","page":517},{"text":"فأما حكم هذه الآية فقال قوم: قاسم الصدقة له أن يضعها في أي هؤلاء الأصناف شاء، وإنما سمى (١) الله الأصناف الثمانية (٢) إعلامًا منه أن الصدقة لا تخرج من هذه الأصناف إلى غيرها، وهذا قول عمر وحذيفة وابن عباس وابن جبير وعطاء وأبي العالية وإبراهيم (٣)، ومذهب أبي حنيفة (٤) (٥).\n_________\n(١) في (ى): أسمي، وأثبت ما في (ح) و(م) لموافقته لما في \"تفسير الثعلبي\".\n(٢) في (ح): الثلاثة، وهو خطأ.\n(٣) روى أثر إبراهيم ومن قبله ابن أبي شيبة في \"المصنف\"، كتاب: الزكاة، باب: ما قالوا إذا وضع الصدقة في صنف واحد ٣/ ١٨٢، وابن جرير ١٠/ ١٦٦ - ١٦٧، وابن أبي حاتم ٦/ ١٨١٧، والثعلبي ٦/ ١٢١ أ، والبيهقي في \"السنن الكبرى\"، كتاب: قسم الصدقات، باب: من جعل الصدقة في صنف واحد ٧/ ١١، ١٢.\n(٤) انظر: \"بدائع الصنائع\" ٢/ ٩٠٨. وهو أيضًا مذهب الحنابلة كما في \"المغني\" ٤/ ١٢٧.\n(٥) قلت: ومن أقوى أدلة هذا القول حديث سلمة بن صخر الذي ظاهر من امرأته ثم واقعها، وفيه: (اذهب إلى صاحب صدقة بني زريق، فقل له: فليدفعها إليك)، رواه أبو داود رقم (٢٢١٣)، كتاب: الطلاق، باب: في الظهار، والترمذي رقم (٣٢٩٩)، كتاب التفسير، باب: ومن سورة المجادلة، وابن ماجه رقم (٢٠٦٢)، كتاب: الطلاق، باب: الظهار، وأحمد ٤/ ٣٧، والحاكم ٢/ ٢٠٣، وقد حسنه الترمذي، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي، وقال الألباني في \"إراوء الغليل\" ٧/ ١٧٩: (وبالجملة فالحديث بطرقه وشاهده صحيح).\nوالشاهد فيه أن النبي -ﷺ- أعطاه صدقة بني زريق كلها ولم يقسمها على الأصناف الثمانية.\nوكذلك قول النبي -ﷺ- لمعاذ حين بعثه إلى اليمن: \"فإن هم أطاعوك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم\"، رواه البخاري (١٣٩٥)، كتاب: الزكاة، باب: وجوب الزكاة، فلم يأمره النبي -ﷺ- أن يقسم الزكاة على الأصناف الثمانية.","vol":"10","page":518},{"text":"وكان الشافعي يجري الآية على ظاهرها ويقول: ذكر الله تعالى ثمانية أصناف فبين أن كل صنف منهم يستحق سهمه فلا يجوز حرمان صنف موجود، وكيف يجوز مع هذه القسمة (١) التي تولاها سبحانه ثم أكدها بقوله: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾ فإذا تولى رب المال قسمها فإن عليه وضعها في ستة أصناف [لأن سهم] (٢) المؤلفة ساقط، وسهم العاملين (٣) يبطل بقسمة إياها، ولا يجزئه أن يعطي من كل صنف منهم أقل من ثلاثة أنفس، ولا يصرف منها سهم ولا شيء منه عن أهله ما دام من أهله أحد (٤) يستحقه، ولا يخرج من بلد وفيه أهله، وترد حصة من لم يوجد من أهل السهمان على من وجد منهم) (٥)، وهذا قول عمر (٦) بن عبد العزيز (٧) وعكرمة (٨) والزهري (٩).\n_________\n(١) في (ى): (التسمية).\n(٢) ما بين المعقوفين ساقط من (ى).\n(٣) في (ى): الغارمين، والصواب ما أثبته وهو موافق لما في كتاب: \"الأم\".\n(٤) ساقط من (ح).\n(٥) انظر: أول قول الشافعي إلى قوله (فريضة من الله) في كتاب: \"الأم\" ٢/ ٩٤ - ٩٦ بمعناه، وانظر: بقية قوله في المصدر نفسه ص ١٠٦ بتصرف.\n(٦) هو: عمر بن عبد العزيز بن مروان الأموي، أبو حفص، أمير المؤمنين، وخامس الخلفاء الراشدين، ومضرب المثل في العدل وحسن السياسة، وكان أحد الأئمة المجتهدين، توفي سنة ١٠١هـ.\nانظر: \"العبر\" ١/ ٩١، و\"تقريب التهذيب\" ص ٤١٥ (٤٩٤٠).\n(٧) رواه ابن أبي حاتم مفرقًا في مواضع من \"تفسيره\"، انظر ٤/ ٥٩ أ- ٦٠ ب- ٦١ أ، وانظر أيضًا \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١٢١ ب.\n(٨) ذكره الثعلبي ٦/ ١٢١ ب، والبغوي ٤/ ٦٥، وقد روى عنه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" ٣/ ١٨٣ مثل قول الجمهور.\n(٩) ذكره الثعلبي ٦/ ١٢١ ب.","vol":"10","page":519},{"text":"قال أصحابنا: (أقل عدد كل صنف ثلاثة فصاعدًا، للفظ الجمع في (١) الآية، فإن دفع سهم الفقراء إلى فقيرين ضمن نصيب الثالث، وهو ثلث سهم الفقراء، يضمنه لفقير واحد أو (٢) أكثر) (٣).\nوأما كيفية قسمها فهو أن تنظر فإن وجدت خمسة أصناف وقد لزمك أن تتصدق بعشرة دراهم، جعلت العشرة خمسة أسهم، كل سهم درهمان، ولا يجوز التفاضل، ثم يلزمك أن تدفع إلى كل صنف درهمين، وأقل عددهم ثلاثة ولا تلزمك التسوية بينهم، ولك أن تعطي فقيرًا درهمًا، وفقيرًا خمسة أسداس، وفقيرًا سدس درهم، هذه صفة قسم الصدقات على مذهب الشافعي (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1437>٦١ </span>- قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ﴾، قال المفسرون: (نزلت في رجل من المنافقين يقال له نبتل بن الحارث (٥) وجماعة معه، كانوا يؤذون رسول الله -ﷺ- ويبلغون حديثه إلى المنافقين ويعيبونه، ويقولون فيما بينهم: نقول ما شئنا ثم نأتيه ونحلف له ونقول: ما قلنا فيصدقنا؛ لأنه أذن، فأنزل الله تعالى: ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ﴾ (٦)\n_________\n(١) ساقط من (ح).\n(٢) في (ح): (و).\n(٣) انظر: \"المهذب في فقه الإمام الشافعي\" ١/ ١٧٣، و\"روضة الطالبين\" ٢/ ٣٢٩.\n(٤) انظر: \"الأم\"، كتاب: قسم الصدقات ٢/ ٩٤ وما بعدها، و\"روضة الطالبين\" ٢/ ٣٣٠.\n(٥) هو: نبتل بن الحارث بن قيس الأوسي، أخو بني عمرو بن عوف، ذكره ابن إسحاق في المنافقين، على وجه الظن من غير سند واعتمد قوله من جاء بعده. وقال الحافظ ابن حجر: (يحتمل أن يكون أبو عبيدة اطلع على أنه تاب). انظر: \"السيرة النبوية\" ٤/ ٢٠٨، و\"تفسير ابن جرير\" ١٠/ ١٦٨، و\"الإصابة\" ٣/ ٥٤٩.\n(٦) انظر: \"تفسير ابن جرير\" ١٠/ ١٦٨، والثعلبي ٦/ ١٢٢ أ، والبغوي ٤/ ٦٧، و\"السيرة النبوية\" لابن هشام ٤/ ٢٠٨، و\"أسباب النزول\" للمؤلف ص ٢٥٤.","vol":"10","page":520},{"text":"يعني (١) من المنافقين من يوذيه بنقل حديثه، وعيبه ﴿وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ﴾ أي يسمع من كل أحد ما يقول ويقبله، وقال (٢) الحسن: (قالوا: ما هذا الرجل إلا أذن، من شاء صرفه كيف شاء، ليست له عزيمة (٣).\nوقرأ نافعٌ (أذن) بالتخفيف (٤)، مثل عنق وظفر وطنب، وكل ذلك يجيء فيه (٥) التخفيف، والأذن في الأصل عبارة عن جارحة مخصوصة، ويجوز أن يطلق على الجملة، ويوصف به، كما قال الخليل في الناب من الإبل: (إنه سميت به لمكان الناب البازل (٦) فسميت الجملة كلها به (٧» (٨).\nوكما قالوا للربيئة (٩)، وهو عين القوم، ويجوز أن يجري الاسم وصفًا للشيء إذا وجد معنى ذلك الاسم فيه (١٠)، وذلك كما أنشد أبو عثمان (١١):\n_________\n(١) ساقط من (ى).\n(٢) في (ى): (قال).\n(٣) ذكره عن الحسن، الشيخ هود بن محكم في \"تفسيره\" ٢/ ١٤٥، والرازي في \"تفسيره\" ١٦/ ١١٦، والمؤلف في \"الوسيط\" ٢/ ٥٠٧.\n(٤) انظر: \"كتاب السبعة في القراءات\" ص ٣١٥، و\"إتحاف فضلاء البشر\" ص ٢٤٣.\n(٥) في (ى): (في).\n(٦) قال الجوهري في \"الصحاح\" (بزل) ٤/ ١٦٣٣: (بزل البعير يبزل بزولًا: فطر نابه، أي انشق، فهو بازل، ذكرًا كان أو أنثى وذلك في السنة التاسعة، وربما بزل في السنة الثامنة، والبازل أيضًا: اسم للسن التي طلعت).\n(٧) في (ح): (بها).\n(٨) انظر: \"كتاب سيبويه\" ٣/ ٤٨٣، و\"الحجة للقراء السبعة\" ٤/ ١٩٩.\n(٩) قال ابن فارس في \"مجمل اللغة\" (ربو) ٢/ ٤١٧: (الربيئة: عين القوم، يكون فوق مربأ من الأرض)، ونحوه في \"تهذيب اللغة\" (ربا) ١/ ١٣٣٤.\n(١٠) ساقط من (ح).\n(١١) هو: بكر بن محمد، أبو عمان المازني.","vol":"10","page":521},{"text":"مئبرة العرقوب إشفى المرفق (١)\nفوصف المرفق بالإشفى لما أراد من الدقة (٢) والهزال، وخلاف الدرم (٣).\nوقال آخر (٤):\nفلولا الله والمهر المفدى ... لأبت وأنت غربال الإهاب\nفجعله غربالًا لكثرة الخروق فيه من آثار الطعن، فكذلك ﴿هُوَ أُذُنٌ﴾ أجرى على الجملة اسم الجارحة لإرادة (٥) كثرة استعمالها (٦) في الاصغاء بها، ويجوز أن تكون (فعلا) من أذن يأذن: إذا استمع، ويكون معناه: إنه كثير الاستماع، وفي التنزيل: ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾ (٧) أي استمعت، وقالوا: ائذن لكلامي: أي استمع له، وفي الحديث: \"ما أذن الله لشيء كإذنه لنبي\n_________\n(١) لم أهتد إلى قائله، وانظر الرجز بلا نسبة في: \"الخصائص\" ٢/ ٢٢١، ٣/ ١٩٥، و\"المخصص\" ١٥/ ١٠٦، و\"الممتع في التصريف\" ١/ ٧٤.\nوالمئبر: ما رقّ من الرمل، وإبرة الفرس: ما انحد من عرقوبيه. اللسان (أبر).\nوالإشفى: المثقب. المصدر السابق (شفا).\nيقول: إنها حادة العرقوب، حادة المرفق بسبب الهزال.\n(٢) في (ى): (الذمة)، وهو خطأ.\n(٣) الدرم في الكعب: أن يوازيه اللحم حتى لا يكون له حجم، ودرم الكعب والعرقوب والساق درمًا: استوى، والأدرم: الذي لا حجم لعظامه، وكل ما غطاه الشحم واللحم وخفي حجمه فقد درم. انظر: \"اللسان\" (درم) ٣/ ١٣٦٦.\n(٤) البيت لمنذر بن حسان كما في \"المقاصد النحوية\" ٣/ ١٤٠، وهو بلا نسبة في \"الخصائص\" ٢/ ٢٢١، و\"الدرر اللوامع\" ٢/ ١٣٦، و\"شرح الأشموني\" ٢/ ٣٦٢، و\"لسان العرب\" (غربل) ٦/ ٣٢٣١، و\"المخصص\" ١٥/ ١٠٦.\n(٥) في (ح) و(ي): (لإرادته).\n(٦) في (م): (استعماله لها).\n(٧) الآية: ٢ والآيه: ٥ من سورة الانشقاق.","vol":"10","page":522},{"text":"يتغنى بالقرآن\" (١)، ومنه قول عدي (٢):\nفي سماع يأذن الشيخ له ... وحديث مثل ماذي مشار (٣)\nويقوي هذا الوجه أن أبا زيد قال: رجل أُذُنٌ، ويَقَنٌ: إذا كان يصدق بكل ما يسمع (٤)، فكما أن يَقَنٌ صفة كبطل (٥)، كذلك أُذُن كأنُف.\nوقوله تعالى: ﴿قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ﴾ أي مستمع خير وصلاح ومصغ إليه، لا مستمع شر وفساد، وروى الأعشى (٦) والبرجمي (٧): (أذنٌ\n_________\n(١) الحديث بهذا اللفظ رواه مسلم في \"صحيحه\"، كتاب صلاة المسافرين، باب استحباب تحسين الصوت بالقرآن، (رقم ٢٣٤) ١/ ٥٤٦، وبنحوه رواه البخاري، كتاب فضائل القرآن، باب من لم يتغن بالقرآن، (رقم ٤٢) ٦/ ٣٢٨.\n(٢) هو: عدي بن زيد بن حمار العبادي التميمي، شاعر جاهلي، من دهاة العرب، كان يسكن الحيرة، ويحسن الفارسية فاتخذه كسرى ترجمانًا بينه وبين العرب، وعلماء العربية لا يرون شعره حجة لتأثره بالعجم، قتله النعمان بن المنذر نحو سنة ٢٥ ق هـ. انظر: \"طبقات فحول الشعراء\" ١/ ١٣٧، ١٤٠، و\"الشعر والشعراء\" ص ١٣٠، و\"الأعلام\" ٤/ ٢٢٠.\n(٣) البيت لعدي بن زيد كما في \"ديوانه\" ص ٩٥، و\"شرح حماسة التبريزي\" ٤/ ٢٤، والمرزوقي ص ١٤٥١، و\"اللسان\" (شور) ٤/ ٢٣٥٦.\nوالماذي: العسل الأبيض، والمشار: المجتنى. انظر: \"لسان العرب\"، الموضع السابق.\n(٤) \"النوادر في اللغة\"، له ص ٣٢١، و\"الحجة للقراء السبعة\" ٤/ ٢٠١.\n(٥) ساقط من (ى).\n(٦) هو: يعقوب بن محمد بن خليفة الكوفي، أبو يوسف الأعشى، أجل تلاميذ شعبة، كان قارئًا مجيدًا ضابطًا، توفي نحو سنة ٢٠٠ هـ.\nانظر: \"معرفة الاقراء الكبار\" ١/ ١٥٩، و\"غاية النهاية\" ٢/ ٣٩٠.\n(٧) هو: عبد الحميد بن صالح بن عجلان البرجمي التميمي، أبو صالح الكوفي، مقرئ ثقة، من تلاميذ شعبة، توفي سنة٢٣٠هـ.\nانظر: \"معرفة القراء الكبار\" ١/ ٢٠٢، و\"غاية النهاية\" ١/ ٣٦٠.","vol":"10","page":523},{"text":"خيرٌ) (١) على وصف الأذن بـ (خير) ومعناه: أن يسمع منكم ويصدقكم خير لكم من أن يكذبكم ولا يقبل قولكم، و﴿خَيْرٍ﴾ في القراءة الأولى بمعنى صلاح (٢)، وفي الثانية بمعنى أصلح، قال أبو إسحاق: (من قرأ (أذنٌ خيرٌ) بالتنوين، فالمعنى: قل من يسمع منكم، ويكون قريبًا منكم، قابلًا للعذر، خير لكم (٣).\nوالقراءة هي الأولى؛ لأن ما بعده يؤكده، وهو قوله: ﴿يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي يسمع ما ينزله (٤) الله جل وعز عليه (٥) فيصدق به ويصدق المؤمنين فيما يخبرونه به، فهو أذن خير، لا أذن شر، وقال عطاء عن ابن عباس في قوله: ﴿قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ﴾ (يريد: يسمع كلام جبريل فينهاكم عن معاصي الله، ويأمركم بطاعته، ولتطرحوا عنكم ما علم الله في قلوبكم من النفاق) (٦)، وقال الفراء في قوله: ﴿يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾: أي يصدق بالله، و﴿وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ويصدق المؤمنين أراد: لكنه لا يصدقكم إنما يصدق المؤمنين، قال: وهو كقوله: ﴿لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٤] أي يرهبون ربهم (٧).\n_________\n(١) يعني بالرفع والتنوين في الكلمتين، وقد روى هذه القراءة الأعشى والبرجمي عن أبي بكر عن عاصم، انظر: \"الغاية في القراءات العشر\" ص ١٦٥، و\"حجة القراءات\" لابن زنجلة ص ٣١٩، و\"تفسير البغوي\" ٤/ ٦٧.\n(٢) في (ى): (صاد).\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٥٧.\n(٤) في (ح): (ما بين).\n(٥) من (م).\n(٦) هذا الأثر من رواية عطاء التي لم أعثر على مصدرها.\n(٧) \"معاني القرآن\" ١/ ٤٤٤.","vol":"10","page":524},{"text":"ويقال: آمن به وآمنه وآمن له، أي: صدقه، وقال أبو علي: اللام في ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ على حدها في قوله ﴿رَدِفَ لَكُمْ﴾ [النمل: ٧٢] أو على المعنى؛ لأن معنى يؤمن: يصدق، فعدى باللام كما عدي مصدق به في نحو: ﴿وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ﴾ [المائدة: ٤٦] (١).\nقال المفسرون (٢): وهذا تكذيب من الله للمنافقين، كأنه قال: إن محمدًا يصدق الله ويصدق المؤمنين، قال: وهو كقوله: ﴿لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٤].\nوتكلم صاحب \"النظم\" في هذه الآية فأفاد، وهو أنه قال: من قرأ بترك الإضافة فقوله: ﴿أُذُنٌ﴾ رفع بالابتداء في الظاهر، وموضعه في الباطن نصب على الحال؛ لأن تأويله: قل هو أذنًا خير لكم، أي: إذا كان أذنًا خير لكم، و(خير) بمنزلة (أفعل) لأنه يقبل منكم ما تقولون فيما تعتذرون به، وليس ذلك راجعًا عليه بعيب، ويكون قوله: (هو) -لو ظهر- مبتدأ، وقوله تعالى: (أذنًا) (٣) بعده حال.\nوقوله تعالى: ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ خبر للمبتدأ، كما تقول في الكلام: هو حافظًا خير لك (٤)، [أي: في حال الحفظ خير لك] (٥)، فلما كف -﷿- ذكره (هو) وضع ما بعده من الحال موضعه فصار مبتدأ، كما تقول في الكلام: هو حافظ خير لك، والعرب تضمر (هو) في الكلام، كقوله: ﴿سَيَقُولُونَ\n_________\n(١) \"الحجة\" ٤/ ٢٠٤.\n(٢) القول للإمام ابن جرير، انظر: \"تفسيره\" ١٠/ ١٦٩، وانظر معناه في: \"تفسير الثعلبي\" ٦/ ١٢٢ ب، والبغوي ٤/ ٦٧.\n(٣) يعني في حالة التأويل.\n(٤) في (ح): (لكم)، وأثبت ما في (م) و(ى) لموافقته للموضعين بعده.\n(٥) ما بين المعقوفتين ساقط من (ى).","vol":"10","page":525},{"text":"ثَلَاثَةٌ﴾ [الكهف: ٢٢] الآية (١).\nومن قرأ بالإضافة في (خير) ليس على (أفعل) وتقديره (٢) تقدير (فضل) و(نفع) [بمعنى: قل هو أذن نفع] (٣) لكم، لما (٤) تجدون فيه وعنده من السهولة والمسامحة فيما يبلغه عنكم، ثم بين الله -﷿- ذلك بقوله: ﴿يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي يصدقهم كما قال -﷿-: ﴿وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ [آل عمران: ٧٣] أي: لا تصدقوا، والمؤمنون هاهنا: المنافقون (٥) الذين آمنوا بألسنتهم ولم (٦) يخلصوا بقلوبهم، فقبل - ﷺ - ظاهرهم، وخلطهم بالمؤمنين في الأحكام، ومنه قوله: ﴿إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠] [فسماهن مؤمنات بإقبالهن إلى الهجرة ثم قال: ﴿فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾] (٧) ولا يقع الامتحان إلا على من لا يُعرف إيمانه، ثم قال: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ﴾ أي بما يظهرن من الإيمان بألسنتهن.\nوأما قوله: ﴿وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ فهم (٨) المخلصون؛ لأن الرحمة لا تنال إلا من أخلص إيمانه، وقد يحتمل أن يكون قوله: ﴿وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي يصدق المؤمنين المخلصين فأما غير المخلصين فإنه يسمع منهم\n_________\n(١) انظر: قول صاحب النظم في \"تفسير الرازي\" ١٦/ ١١٧ - ١١٨ وقال: هذا الوجه شديد التكلف.\n(٢) ساقط من (ح).\n(٣) ما بين المعقوفين ساقط عن (ح).\n(٤) في (ح): (ما).\n(٥) في (ى): (المنافقين)، وهو خطأ.\n(٦) في (ح): (وإن لم).\n(٧) ما بين المعقوفين ساقط من (ى).\n(٨) ساقط من (ح).","vol":"10","page":526},{"text":"ما يقولون ولا يظهر لهم التكذيب، ويكل أمرهم إلى الله -﷿ (١) -، والله أعلم بما أراد من ذلك.\nوقوله تعالى: ﴿وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ﴾، قال الزجاج: (أي وهو رحمة؛ لأنه كان سبب إيمان المؤمنين) (٢)، فجعله الرحمة لكثرة هذا المعنى منه، وعلى هذا: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧].\nوقرأ حمزة (ورحمةٍ) بالجر (٣)، عطفا على خير، كأنه: أذن خير ورحمة، أي مستمع رحمة، وجاز هذا كما جاز مستمع خير، ألا ترى أن الرحمة من الخير، فإنه قيل: فهلا (٤) استغنى بشمول الخير للرحمة وغيرها عن (٥) تقدير عطف الرحمة عليه؟ فالقول: إن ذلك لا يمتنع، كما لم يمتنع ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: ١]، ثم خص فقال: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾ [العلق: ٢] كذلك الرحمة، وإن كانت من الخير، لم يمتنع أن تُعطف عليه (٦) فتخصص (٧) الرحمة بالذكر من بين ضروب الخير لغلبة ذلك في وصف النبي -ﷺ- وكثرته، قال أبو عبيد: (هذه القراءة بعيدة في مذهب\n_________\n(١) وهذا الوجه هو اختيار ابن جرير في تفسيره ١٠/ ١٦٩ حيث قال: يقول جل ثناؤه: إنما محمد - ﷺ - مستمع خير، يصدق بالله وبما جاء من عنده، ويصدق المؤمنين، لا أهل النفاق والكفر بالله.\n(٢) اهـ. كلام الزجاج، كما في \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٥٧.\n(٣) كتاب: \"السبعة\" ص ٣١٥، وكتاب: \"التيسير\" ص ١١٨.\n(٤) في (ى): (هلا)، وأثبت ما في (ح) و(م) لموافقة لما في \"الحجة للقراء السبعة\"؛ لأن النص منقول منه حرفيًّا.\n(٥) في (ى): (من)، وأثبت ما في (ح) للسبب السابق.\n(٦) ساقط من (ى).\n(٧) في (ح): (فتخص).","vol":"10","page":527},{"text":"النحو (١)؛ لأنه تباعد عن الذي عطفته عليه) (٢).\nقال أبو علي: (البعد بين (٣) الجار وما عطف عليه لا يمنع من العطف، ألا ترى أن من قرأ ﴿وَقِيلِهِ يَا رَبِّ﴾ [الزخرف: ٨٨] إنما يحمله على: (﴿وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ وعلم قيله (٤» (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1438>٦٢ </span>- قوله تعالى: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ﴾ أي يحلف هؤلاء المنافقون فيما بلغكم عنهم من أذى رسول الله -ﷺ- والطعن عليه أنهم بما أتوا ذلك، قال الزجاج: (حلفوا أنهم ما قالوا ما حكي عنهم ليرضوا المؤمنين بيمينهم) (٦).\nوقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ ولم يقل: يرضوهما لأن المعنى يدل عليه، فحذف استخفافًا؛ لأن رضا الرسول - ﷺ - برضا الله -﷿-.\nوهذه المسألة قد مضت عند قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ [التوبة: ٣٤] وفي (٧) غيرها من الآيات (٨).\nوقوله تعالى: ﴿إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ﴾، قال الزجاج: (أي إن كانوا\n_________\n(١) في (ى): (النحويين).\n(٢) انظر: \"تفسير الرازي\" ١٦/ ١١٨ ولم أجد قول أبي عبيد في مصدر آخر، وانظر اختياره لقراءة الجمهور في \"تفسير الثعلبي\" ٦/ ١٢٢ ب.\n(٣) في (م): (من).\n(٤) يعني أنه قد بعد ما بين المعطوف والمعطوف عليه، فإن قوله: ﴿وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ من الآية ٨٥ من السورة نفسها.\n(٥) \"الحجة للقراء السبعة\" ٤/ ٢٠٤.\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٥٨ مع تصرف يسير.\n(٧) ساقط من (ى).\n(٨) انظر مثلًا: تفسير الآية: ٢٠، والآية: ٢٤ من سورة الأنفال.","vol":"10","page":528},{"text":"على ما يظهرون، فكان (١) ينبغي ألا يعيبوا النبي -ﷺ- فيكونوا بقبولهم (٢) قوله، وترك عيبه مؤمنين (٣» (٤)، وهذا تهجين لهؤلاء السفهاء بطلب مرضاة العباد مع ترك مرضاة رب العباد، والرسول المبعوث لصلاح العباد (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1439>٦٣ </span>- قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ﴾ الآية، قال ابن عباس والكلبي: (نزلت في المنافقين الذين تخلفوا عن غزوة تبوك (٦)، قال أهل المعاني: معنى قولك: ألم تعلم [لمن لا يعلم] (٧): [الاستبطاء له] (٨) في تخلفه عن ذلك العلم (٩).\nوقوله تعالى: ﴿أَنَّهُ﴾ (١٠) الكناية فيه ضمير الشأن والقصة، قال أبو علي الجرجاني: (وذلك أن (أن) يتضمن ما بعده من المبتدأ والخبر، ويشتمل عليهما (١١) حتى يصير معهما (١٢) قصة وشأنًا، مثل قولك: زيد\n_________\n(١) ساقط من (م).\n(٢) في (ى): (بقولهم)، وفي \"معاني القرآن وإعرابه\": بتوليهم النبي.\n(٣) في (ى): (المؤمنين)، والصواب ما أثبته وهو موافق لما في \"معاني القرآن وإعرابه\".\n(٤) اهـ. كلام الزجاج، انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٥٨.\n(٥) في (ى): (المبعوث من رب العباد).\n(٦) ذكره عن الكلبي سببًا لنزول الآية السابقة الثعلبي ٦/ ١٢٣ أ، والبغوي ٤/ ٦٨، وابن الجوزي ٣/ ٤٦١، وفي \"تنوير المقباس\" ص ١٩٧: (ألم يعلموا): يعني جلاسًا وأصحابه.\n(٧) ما بين المعقوفين ساقط من (ح).\n(٨) في (ح) و(ى): (الاستطالة).\n(٩) ذكره بمعناه مع النسبة إلى أهل المعاني، الرازي في \"تفسيره\" ١٦/ ١١٩، والخازن في \"تفسيره\" ٢/ ٢٣٨ ولم أجده في كتبهم التي بين يدي.\n(١٠) ساقط من (ي).\n(١١) في (ح): (عليها).\n(١٢) في (ح): (معها)، وفي (ى): (معًا).","vol":"10","page":529},{"text":"مريض، فإذا أردت أن تعلم غيرك مرضه قلت: اعلم أن زيدًا (١) مريض، ولو قلت: اعلم زيدًا مريضًا، كان العلم واقعًا على زيد نفسه دون المرض وانتقل المعنى عما كان عليه، فإذا قلت: اعلم أنه زيد مريض فقد تضمن (أن) ما بعده من المبتدأ والخبر، وجمع معناهما في الهاء التي وقع عليها (٢) (أن) وعمل (أن) فيها، وشغل بها عن غيرها، فصارت الهاء كناية عن القصة والشأن، وارتفع ما بعدها من المبتدأ والخبر لشغلك (أن) بالهاء، وصار ما بعد الهاء من المبتدأ والخبر بيانا لما في الهاء من نية تلك القصة لأنها مبهمة، فقوله -﷿-: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ﴾ الهاء (٣) قد تضمنت ما بعدها من المبتدأ وخبره، وما بعدها من قوله: ﴿مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ﴾ مبتدأ، ولذلك (٤) جزم لأنه شرطٌ مبتدأ (٥).\nوقوله تعالى: ﴿مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ قال الليث: (حاددته أي: عاصيته (٦) وخالفته، والمحادة كالمجانبة والمخالفة والمعاداة، وذكر الزجاج اشتقاقه من الحد، قال: (ومعنى حاد فلان فلانًا: أي: صار في حد غير حده، كقولك: شاقه، ومعنى: ﴿مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ﴾ أي يصير في حد غير حد أولياء الله بالمخالفة) (٧).\n_________\n(١) في (ى): (زيد)، وهو خطأ.\n(٢) في (ح): (عليهما).\n(٣) ساقط من (ح).\n(٤) في (ح): (وكذلك)، وهو خطأ.\n(٥) (من) الجازمة شرطية، وهي اسم باتفاق. انظر: \"أوضح المسالك\" ٣/ ١٨٩.\n(٦) اهـ. الكلام المنسوب لليث، انظر: \"تهذيب اللغة\" (حد) ١/ ٧٦٠، والنص في كتاب: \"العين\" للخليل (حد) ٣/ ٢٠.\n(٧) ذكر الزجاج بعفر معنى هذا القول في \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٥٨، والبعض الآخر في المصدر السابق: نفسه ٥/ ١٣٦.","vol":"10","page":530},{"text":"قال ابن عباس: (يعني من يخالف الله ورسوله بتكذيب نبيه، والإظهار باللسان خلاف ما في القلب) (١)، وقال الأخفش: ﴿يُحَادِدِ اللَّهَ﴾: يحارب الله) (٢)، وقال قطرب: (يعاند الله) (٣)، وقال الزجاج: (يعاد (٤) الله) (٥).\n﴿فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ﴾ [المعنى: فله نار جهنم] (٦) ولكنه لما طال الكلام أعيد (أن) ليكون أوكد، ويجوز كسر (فإن) على الاستئناف بعد الفاء، والقراءة بالفتح (٧)، هذا معنى كلام أبي إسحاق (٨)، والكلام في إعراب هذه الآية يأتي (٩) في قوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ﴾ [الحج: ٤] (١٠).\n_________\n(١) انظر: \"زاد المسير\" ٣/ ٤٦٢، و\"الوسيط\" ٢/ ٥٠٧.\n(٢) لم أجده، وقد ذكره من غير تعيين القائل الرازي ١٦/ ١١٩ - ١٢٠، و\"الخازن\" ٢/ ٢٣٨.\n(٣) انظر: المصدرين السابقين، نفس الموضع، دون تعيين القائل.\n(٤) في (م): (يضاد)، وفي \"معاني القرآن\": يعادي، وذكره الرازي ١٦/ ١٢٠ بمثل ما أثبته.\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٥٨.\n(٦) ما بين المعقوفين ساقط من (ح).\n(٧) يعني القراءة المتواترة، وقد قرأ ابن أبي عبلة وأبو رزين وأبو عمران وغيرهما بالكسر، انظر: \"المحرر الوجيز\" ٦/ ٥٥٢ - ٥٥٣، و\"زاد المسير\" ٣/ ٤٦٢، و\"البحر المحيط\" ٥/ ٦٤.\n(٨) انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٥٩ لكنه قال: (القراءة بالفتح والكسر). وكذلك قال أبو البقاء العكبري في \"التبيان في إعراب القرآن\" ص ٤٢٣، وأنكر قراءة الكسر ابن جرير في \"تفسيره\" ١٠/ ١٧٠ - ١٧١، ولا شك أنها شاذة، انظر التعليق السابق.\n(٩) في (ح): (بأن).\n(١٠) انظر: \"النسخة الأزهرية\" ٤/ ٣ أحيث قال: (قال أبو إسحاق: ﴿كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ﴾ (أنه) في موضع رفع ﴿فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ﴾ عطف عليه، والفاء الأجود فيها أن =","vol":"10","page":531},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1440>٦٤ </span>- قوله تعالى: ﴿يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ﴾ الآية، قال مجاهد والكلبي: (كان المنافقون يعيبون رسول الله - ﷺ - فيما بينهم، يقولون: عسى الله أن لا يفشي علينا سرنا، فأنزل الله هذه الآية) (١).\nوقوله تعالى: ﴿يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ﴾ إخبار عنهم بما كانوا يفرقون من هتكهم وفضيحتهم، قال الزجاج: (ويجوز أن يكون لفظه خبرًا ومعناه أمرًا) (٢)، وهذا بعيد، وآخر الآية دليل على أن المراد بقوله: ﴿يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ﴾ (٣) الخبر وهو قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ﴾.\nوقوله: ﴿أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ﴾ الظاهر أن الكناية عائدة على المنافقين، والوجه أن ترجع إلى المؤمنين، [والمعنى: أن تنزل على المؤمنين، (٤) سورة تنبئهم بما في قلوب المنافقين (٥)، [ونحو هذا قال الحسن (٦).\n_________\n= تكون في معنى الجزاء، وجائز كسر (إن) مع الفاء، وتكون جزاء لا غير، .. وحقيقة (أن) الثانية أنها مكررة على جهة التوكيد؛ لأن المعنى: كتب عليه أنه من تولاه أضله) ثم ذكر رأي أبي علي الفارسي وأطال في ذلك.\n(١) رواه عن مجاهد بنحوه ابن جرير ١٠/ ١٧١، وابن أبي حاتم ٦/ ١٨٢٩، والثعلي ٦/ ١٢٣ أولم أجد من ذكره عن الكلبي.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٥٩ بنحوه.\n(٣) من (ى).\n(٤) ما بين المعقوفين ساقط من (ى).\n(٥) في (ى): (قلوبهم).\n(٦) ذكر عن الحسن عدة أقوال بهذا المعنى، فروى عنه الثعلبي في \"تفسيره\" ٦/ ١٢٣ أأنه قال: (كان المسلمون يسمون هذه السورة الحفارة حفرت في قلوب المنافقين فأظهرته)، وذكره عنه الهواري في \"تفسيره\" ٢/ ١٤٧ بلفظ: (كانت تسمى حافرة، أنبأت بما في قلوب المنافقين)، وقال ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٣/ ٤٦٣: في =","vol":"10","page":532},{"text":"وقوله تعالى: ﴿تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾] (١) قال ابن عباس: (يريد: ينزل الله في تلك السورة [ما استتروا به من الناس) والمعنى: يظهر] (٢) ما في قلوبهم من الحسد لرسول الله - ﷺ - والمؤمنين وما كانوا ينطوون (٣) عليه من العداوة لهم.\nوقوله تعالى: ﴿قُلِ اسْتَهْزِئُوا﴾ أمر وعيد ﴿إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ﴾ مظهر ﴿مَا تَحْذَرُونَ﴾ ظهوره، قال عطاء عن ابن عباس: (أنزل الله أسماء المنافقين وكانوا سبعين رجلًا فأنزل الله أسماءهم، وأسماء آبائهم وعشائرهم في القرآن، ثم نسخ تلك الأسماء رأفة منه ورحمة؛ لأن أولادهم كانوا مسلمين، والناس يعير بعضهم بعضًا) (٤)، فعلى هذا قد أنجز الله وعده بإظهار ذلك في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ﴾، وقال بعضهم: (إن الله أخرج ذلك حيث ألهم النبي -ﷺ- معرفتهم فقال: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ [محمد: ٣٠] (٥)، قال عطاء ومقاتل وقتادة: (كانت تسمى هذه السورة الفاضحة والمثيرة والمبعثرة، أثارت مخازي المنافقين وفضحتهم) (٦) فإن قيل: أكان\n_________\n= قوله (يحذر المنافقون) قولان:\nأحدهما: أنه إخبار من الله -﷿- عن حالهم، قاله الحسن .. إلخ.\n(١) ما بين المعقوفين ساقط من (ى).\n(٢) ما بين المعقوفين ساقط من (ى).\n(٣) في (ى): (ينطون)، بلا نقط في جميع الحروف.\n(٤) رواه البغوي في \"تفسيره\" ٤/ ٦٨ بنحوه.\n(٥) ذكره القرطبي في \"تفسيره\" ٨/ ١٩٦ ولم يعين القائل، واعتمد هذا القول المؤلف في \"الوسيط\" ٢/ ٥٠٧.\n(٦) رواه عن قتادة بلفظه الثعلبي ٦/ ١٢٣، والبغوي ٤/ ٦٨، وبنحوه ابن جرير ١٠/ ١٧١، وابن أبي حاتم ٦/ ١٨٢٩، وانظر: قول مقاتل في \"تفسيره\" ١٣١ أمختصرًا، ولم أجد من ذكره عن عطاء.","vol":"10","page":533},{"text":"المنافقون يحذرون هذا وهم ينطوون (١) على الكفر ومجانبة الإيمان؟.\nقيل: هذا لا يلزم على مذهب الزجاج، حيث جعل (٢) قوله: (يحذر) بمعنى الأمر (٣)، وإن جعلته خبرًا فالمنافقون كانوا ينحرفون عن النبي -ﷺ- حسدًا له (٤) وبغيًا، وقلوبهم تشهد بصدقه، وهم يخافون نزول سورة عليه يكشف فيها أمرهم، إذا كانوا لا يشكون في نزول الملائكة عليه، وأن الله يطلعه من الغيب على ما هو مستور عن غيره، هذا كلام ابن الأنباري (٥)، وقد أشار الزجاج إلى هذه الجملة حيمث قال في قوله: ﴿يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ﴾: (ويجوز أن يكون خبرًا عنهم؛ لأنهم كانوا يكفرون عنادًا وحسدًا) (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1441>٦٥ </span>- وقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ﴾، قال ابن عمر، وزيد بن أسلم والقرظي: (قال رجل من المنافقين في غزوة تبوك: ما رأيت مثل هؤلاء أرغب بطونًا، ولا أكذب ألسنًا، ولا أجبن عند اللقاء، يعني رسول الله -ﷺ- والمؤمنين، فقال له عوف بن مالك (٧): كذبت، ولكنك منافق [لا خير فيك] (٨)، لأخبرن رسول الله -ﷺ-، فذهب عوف ليخبره فوجد القرآن قد\n_________\n(١) في (ى): (يبطنون)، بلا نقط.\n(٢) في (م): (يجعل).\n(٣) انظر: \"معاني القرآن واعرابه\" ٢/ ٤٥٩.\n(٤) ساقط من (ى).\n(٥) ذكره ابن الجوزي ٣/ ٤٦٣ بمعناه مختصرًا، وأشار إلى أن محمد بن القاسم بن الأنباري اختاره.\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٥٩.\n(٧) هو: عوف بن مالك بن أبي عوف الأشجعي، صحابي مشهور، من مسلمة الفتح، وقيل: إنه شهد الفتح، وكانت معه راية أشجع، توفي سنة ٧٣ هـ. انظر: \"الكاشف\" ٢/ ١٠١، و\"الإصابة\" ٣/ ١٨٢، و\"تقريب التهذيب\" ص ٤٣٣ (٥٢١٧).\n(٨) ما بين المعقوفين ساقط من (م).","vol":"10","page":534},{"text":"سبقه، فجاء ذلك الرجل إلى رسول الله -ﷺ- وقد ارتحل وركب ناقته، فقال: يا رسول الله -ﷺ-، إنما كنا نلعب ونتحدث بحديث الركب نقطع به عناء الطريق، قال ابن عمر: كأني انظر إليه متعلقًا بنسعة (١) ناقة رسول الله - ﷺ - وإن الحجارة لتنكب رجليه، وهو (٢) يقول: إنما كنا نخوض ونلعب، ورسول الله - ﷺ - يقول: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ ما يلتفت إليه، وما يزيده عليه (٣).\nوقال قتادة والحسن: \"إن المنافقين قالوا في غزوة تبوك أيرجو هذا الرجل أن يفتح قصور الشام وحصونها، هيهات هيهات (٤)، فأطلع الله (٥) نبيه على ما قالوا (٦) \" (٧)، فقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ﴾، قال الزجاج: (عما كانوا فيه من الاستهزاء) (٨).\n_________\n(١) النسع: سير عريض، تشد به الرحال، والقطعة منه نسعة، وسمي نسعًا لطوله \"القاموس المحيط\"، فصل النون، باب: العين ص ٧٦٦.\n(٢) ساقط من (م).\n(٣) ذكره عنهم بنحو هذا اللفظ الثعلبي في \"تفسيره\" ٦/ ١٢٣ ب، ورواه عنهم ابن جرير بألفاظ مختلفة. انظر: \"تفسيره\" ١٠/ ١٧٢ - ١٧٣، وانظر: \"تفسير ابن أبي حاتم\" ٦/ ١٨٢٩ - ١٨٣٠.\n(٤) ساقط من (ح).\n(٥) ساقط من (ى).\n(٦) في (ح): (قاله).\n(٧) ذكره عنهما بهذا اللفظ الماوردي في \"النكت والعيون\" ٢/ ٣٧٨، ورواه عن قتادة مطولًا ابن جرير ١٠/ ١٧٢، وابن أبي حاتم ٦/ ١٨٣٠، والثعلبي ٦/ ١٢٤ أ.\n(٨) لم يذكر الزجاج هذا القول عند تفسير هذه الآية في \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٥٩.","vol":"10","page":535},{"text":"وقال غيره: هذا سؤال تأنيب كقولك للإنسان: لم فعلت هذا القبيح (١)؟ وكذلك قيل لهم: لم طعنتم في الدين بالباطل والزور؟ فأجابوا بما لا عذر فيه، بل هو وبال على المجيب، وهو قولهم: ﴿إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾ وأصل الخوض الدخول في مائع، مثل الماء والطين، ثم كثر حتى صار في كل دخول فيه تلويث وأذى، فمعنى ﴿نَخُوضُ﴾: أي: في الباطل من الكلام كما يخوض الركب يقطعون به الطريق، ﴿وَنَلْعَبُ﴾، فأجابهم الرسول - ﷺ - ﴿أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ﴾، قال عطاء عن ابن عباس: (يريد: حدوده وفرائضه ﴿كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾.\nوذكر الكلبي ومقاتل بن سليمان وغيرهما في سبب نزول هذه الآية غير ما ذكرنا أولًا، وهو أنهم قالوا: كان رسول الله -ﷺ- راجعًا من غزوة تبوك في مسيره، وثلاثة نفر (٢) يسيرون بين يديه، فجعل رجلان منهم يستهزآن بالقرآن ورسول [الله - ﷺ -] (٣) والثالث يضحك، فنزل جبريل وأخبر رسول الله -ﷺ-، فقال رسول الله -ﷺ- للمؤمنين: \"أتدرون ما يتحدث به هؤلاء النفر الثلاثة (٤)؟ \" قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: \"فإنهم يستهزؤن بالله ورسوله وبالقرآن، نزل علي جبريل فأخبرني بذلك، ولئن أرسلت إليهم فسألتهم مم كانوا يضحكون؟ ليقولن: كنا نتحدث بحديث الركب ونضحك\"، ثم قال لعمار بن ياسر: \"انطلق فاسألهم عما كانوا (٥) يضحكون\n_________\n(١) لم أعثر فيما بين يدي من المصادر على هذا القول.\n(٢) في \"تفسير مقاتل\": النفر الأربعة، وقد جاء في السيرة النبوية ٤/ ٢٠٩ تسمية اثنين منهما هما وديعة بن ثابت، ومخشي بن حمير.\n(٣) ما بين المعقوفين ساقط من (ى).\n(٤) في (ح): (الثلاثة النفر).\n(٥) من (م).","vol":"10","page":536},{"text":"ويتحدثون، وقل لهم: [احترقتم أحرقكم الله\"، فأتبعهم عمار فلحقهم، وقال لهم:] (١) مم تضحكون وتتحدثون؟ قالوا: نتحدث بحديث الركب ونضحك بيننا، فقال: صدق الله ورسوله (٢)، احترقتم أحرقكم الله (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1442>٦٦ </span>- قوله تعالى: ﴿لَا تَعْتَذِرُوا﴾، قال المفضل بن سلمة: (معنى الاعتذار هو أثر الموجدة، من قولهم اعتذرت المنازل إذا درست) (٤)، يقال: مررت بمنزل معتذر بال. قال ابن أحمر في الاعتذار بمعنى الدروس:\nقد كنت تعرف آيات فقد جَعَلت ... أطلال إلفك بالودكاء تعتذر (٥)\nوأخذ الاعتذار من هذا؛ لأن من اعتذر شاب اعتذاره بكذب (٦) يعفي على ذنبه.\n_________\n(١) ما بين المعقوفين ساقط من (ى).\n(٢) في (ى): (صدق رسول الله).\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ١٣١ أبنحوه، وذكره بلفظ مقارب ابن الجوزي في \"تفسيره\" ٣/ ٤٦٤ عن أبي صالح عن ابن عباس، ورواه عن الكلبي مختصرًا عبد الرزاق في \"تفسيره\" ١/ ٢/ ٢٨٢، وابن المنذر وأبو الشيخ كما في \"الدر المنثور\" ٣/ ٤٥٦، وروى بعضه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٦/ ١٨٣٠ عن كعب بن مالك، وانظر: \"السيرة النبوية\" ٤/ ٢٠٩.\n(٤) اهـ. كلام المفضل، انظر: \"تهذيب اللغة\" (عذر) ٣/ ٢٣٦٨.\n(٥) البيت لابن أحمر كما في \"تهذيب اللغة\" (عذر) ٣/ ٢٣٦٨، و\"لسان العرب\" ٥/ ٢٨٥٩، و(ودك) ١٠/ ٥٠٩.\nوالودكاء: موضع، أو رملة. انظر: \"لسان العرب\"، الموضع السابق الأخير.\nوالشاعر يذكر شيخوخته وزوال شبابه، إذ يقول في بيت سابق:\nبان الشباب وأفنى ضعفه العمر ... لله درك، أي العيش تنتظر\nيقول: عشت ضعف عمر رجل، فما معنى البقاء والانتظار، ثم إن الآيات والعلامات في بقايا وأطلال المكان الذي كنت آلفه قد بدأت تندرس وتزول.\n(٦) في (ح): (بكدر)، وأتبت ما في (م) و(ى) لموافقته لما في \"تهذيب اللغة\" (عذر).","vol":"10","page":537},{"text":"وقال ابن الأعرابي: (اعتذرت إليه: هو قطع ما في قلبه) (١)، ومنه عذرة الغلام لقُلفته، وهي ما يقطع عند الختان، وعذرة الجارية سميت عذرة بالعذر وهو القطع، قاله اللحياني (٢)، لأنها إذا خفضت (٣) قطعت نواتها، وإذا افترعت (٤) انقطع حاتم عذرتها، ومن هذا يقال: اعتذرت المياه إذا انقطعت، وعلى هذا معنى العذر (٥): قطع اللائمة عن الجاني، فالقولان قريبان من السواء لأن هو أثر الموجدة قطع له.\nوقوله تعالى: ﴿قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾، قال أبو إسحاق: (تأويله: قد ظهر كفركم بعد إظهاركم الإيمان) (٦).\nوقوله تعالى: ﴿إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً﴾، قال المفسرون: (الطائفتان كانوا ثلاثة نفر هزيء اثنان وضحك واحد على ما بينا) (٧)، فالطائفة الأولى الضاحك، والأخرى الهازئان، قال مجاهد في\n_________\n(١) اهـ. كلام ابن الأعرابي، انظر: \"تهذيب اللغة\" (عذر) ٣/ ٢٣٦٨.\n(٢) انظر قوله في: \"تهذيب اللغة\" (عذر) ٣/ ٢٣٦٨.\n(٣) الخفض للجارية: كالختان للغلام. \"لسان العرب\" (خفض).\n(٤) في \"لسان العرب\" (فرع) ٦/ ٣٣٩٥: افترع البكر: افتضها، والفرعة: دمها، وقيل له: افتراع لأنه أول جماعها.\n(٥) ساقط من (ح).\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٥٩، وقول الزجاج هذا بناء على أنهم كانوا كفارًا منافقين قبل هذا القول، لكن لفظ الآية أعم بما ذكره الزجاج، فالاستهزاء بالله أو رسوله أو شيء بما جاء به الإسلام يعد باب من أبواب الكفر الأكبر؛ لأنه يدل على الاستخفاف والاستصغار، وأساس الإيمان تعظيم الله تعالى وما يمت إليه بسبب بأقصى ما يمكن.\n(٧) انظر: \"تفسير ابن جرير\" ١٠/ ١٧٣، و\"الدر المنثور\" ٣/ ٤٥٦ - ٤٥٧.","vol":"10","page":538},{"text":"قوله، تعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٢]، أقلها واحد (١)، وقال عطاء: أقلها اثنان (٢).\nوقال أبو إسحاق: (الطائفة في اللغة: أصلها الجماعة؛ لأنها المقدار الذي يطيف بالشيء، وقد يجوز أن يقال (٣) للواحد: طائفة يراد نفسٌ طائفة) (٤).\nوقال ابن الأنباري: (العرب توقع الجمع على الواحد فتقول: خرج فلان إلى مكة على الجمال، والله تعالى يقول (٥): ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ﴾ [آل عمران: ١٧٣] يعني نعيم بن مسعود. قال: ويجوز أن تكون الطائفة إذا أريد بها الواحد يكون أصلها طائفا فتدخل الهاء للمبالغة) (٦).\nوروى الفراء بإسناده عن ابن عباس قال: (الطائفة: الواحد فما فوقه) (٧)، قال الكلبي: (الذي ضحك هو المعفو عنه) (٨)، وقال محمد بن\n_________\n(١) رواه ابن جرير ١٨/ ٦٩ (ط. الحلبي) وعبد الرزاق في \"تفسيره\" ٢/ ٥٠، والبغوي في \"تفسيره\" ٦/ ٨، وابن المنذر وابن أبي حاتم، كما في \"الدر المنثور\" ٣/ ٤٥٧.\n(٢) رواه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ٢/ ٥٠، والبغوي ٦/ ٨\n(٣) في (ى): (تكون)، وهو خطأ.\n(٤) \"معاني القرآن واعرابه\" ٢/ ٤٦٠.\n(٥) ساقط من (ح).\n(٦) انظر: \"زاد المسير\" ٣/ ٤٦٦ مختصرًا.\n(٧) \"معاني القرآن\" ٢/ ٢٤٥ وسنده واهٍ؛ إذ هو من رواية الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس.\n(٨) رواه بمعناه عبد الرزاق في\"تفسيره\" ١/ ٢/ ٢٨٢، وابن المنذر وأبو الشيخ كما في \"الدر المنثور\" ٣/ ٤٥٦، وذكره بلفظ مقارب ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٣/ ٣٦٤.","vol":"10","page":539},{"text":"إسحاق: (الذي عفي عنه رجل واحد يقال له: مخشي (١) بن حُمير الأشجعي (٢)، أنكر (٣) عليهم بعض ما سمع، وجعل يسير مجانبًا لهم، فلما نزلت هذه الآية بريء من النفاق) (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1443>٦٧ </span>- قوله تعالى: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾، قال ابن عباس: (أي على دين بعض) (٥).\nقال أبو علي: (أي بعضهم يلابس بعضا، ويوالي بعضا، وليس المعنى على النسل (٦) والولادة؛ لأنه قد يكون من نسل المنافق مؤمن، ومن نسل المؤمن منافق) (٧).\nوقال أبو إسحاق: (هذا يتلو قوله: ﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ﴾ [التوبة: ٥٦] أي ليس المنافقون من المؤمنين) (٨).\n_________\n(١) في السيرة النبوية: مخشن، وقد أشار ابن هشام في موضع سابق ٤/ ٥٢٤ إلى الاختلاف في اسمه، وأثبت ابن حجر في \"الإصابة\" ٣/ ٣٩١ ما ذكره المؤلف، ولم يشر إلى الخلاف، بل إن ابن جرير رواه في \"تفسيره\" ١٠/ ١٧٣ عن ابن إسحاق بلفظ المؤلف، وهذا يدل على أنه الراجح في اسمه.\n(٢) هو: مخشي بن حُمير -مصغرًا- الأشجعي، كان ممن نزل فيه قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾ فكان ممن عفي عنه، فقال يا رسول الله: غير اسمي واسم أبي، فسماه عبد الله بن عبد الرحمن، فدعا ربه أن يقتل شهيدًا حيث لا يعلم به، فقتل يوم اليمامة ولم يعلم له أثر.\nانظر: \"السيرة النبوية\" ٤/ ٢٠٩، و\"الإصابة\" ٣/ ٣٩١.\n(٣) في (ح): (نكر).\n(٤) \"السيرة النبوية\" ٤/ ٢٠٩.\n(٥) ذكره ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٣/ ٤٦٧، والمؤلف في \"الوسيط\" ٢/ ٥٠٨.\n(٦) في (ح): (النسك)، وهو خطأ.\n(٧) \"الحجة للقراء السبعة\" ١/ ١٧٢.\n(٨) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٦٠.","vol":"10","page":540},{"text":"وقال غيره من أهل المعاني: (معنى ﴿بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ يضاف إلى بعض بالاجتماع على النفاق (١)، كما تقول للإنسان (٢): أنت مني وأنا منك، أي أمرنا واحد لا ينفصل) (٣)، وقد ذكرنا هذا عند قوله: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ [النساء: ٢٥].\nوقوله تعالى: ﴿يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ﴾، قال عطاء عن ابن عباس: (يريد: بالنفاق والتثبيط عن الجهاد في سبيل الله، والتكذيب برسول الله -ﷺ-) (٤)، وقال الضحاك: (يأمرون بالكفر بمحمد) (٥)، ونحوه قال الزجاج (٦).\n﴿وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ﴾، قال ابن عباس: (عن اتباع رسول الله -ﷺ- (٧)، وقال عطاء عنه: (الإخلاص لله بنية صادقة) (٨)، وقال الزجاج: (عن الإيمان بمحمد -ﷺ-) (٩). وقال الضحاك: (عن الإسلام وأداء الصدقات إلى رسول الله -ﷺ-) (١٠).\n_________\n(١) ذكره الماوردي في \"النكت والعيون\" ٢/ ٣٧٩، والبغوي في \"تفسيره\" ٤/ ٧١، دون تعيين القائل.\n(٢) في (ح): (يقول الإنسان).\n(٣) لم أجده عند أهل المعاني، وانظر معناه في: \"تفسير الرازي\" ١٦/ ١٢٦.\n(٤) رواه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٦/ ١٨٣١ من رواية علي بن أبي طلحة بلفظ: التكذيب، ورواه الفيروزأبادي في \"تنوير المقباس\" ص ١٩٧ من رواية الكلبي عن أبي صالح عنه بلفظ: (بالكفر ومخالفة الرسول).\n(٥) لم أقف عليه.\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٦٠.\n(٧) رواه الفيروزأبادي في \"تنوير المقباس\" ص ١٩٧ بلفظ: (عن الإيمان وموافقة الرسول).\n(٨) رواه بمعناه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٦/ ١٨٣٢ من رواية علي بن أبي طلحة.\n(٩) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٦٠.\n(١٠) لم أجد من أخرجه فيما بين يدي من المصادر.","vol":"10","page":541},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ﴾، قال ابن عباس: (عن النفقة في سبيل الله) (١)، وهو قول الحسن (٢) ومجاهد (٣).\nوقال قتادة: (لا يبسطونها بخير) (٤)، وقال القرظي: (يقبضون أيديهم عن كل خير) (٥).\nوقال الزجاج: (أي: لا يصدقون ولا يزكون) (٦).\nوالأصل في هذا أن (٧) المعطي يمد يده ويبسطها بالعطاء، فقيل لمن بخل ومنع: قد قبض يده، وقد ذكرنا هذا المعنى (٨) مستقصى في (٩) قوله: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة: ٦٤] (١٠).\n_________\n(١) \"زاد المسير\" ٣/ ٤٦٧، و\"تنوير المقباس\" ص ١٩٧.\n(٢) ذكره الماوردي في \"النكت والعيون\" ٢/ ٣٧٩، وابن الجوزي في \"زاد المسير\"\n٣/ ٤٦٧.\n(٣) رواه ابن جرير ١٠/ ١٧٤، وابن أبي حاتم ٦/ ١٨٣٢، وابن أبي شيبة وابن المنذر وأبو الشيخ كما في \"الدر المنثور\" ٤/ ٢٣٣.\n(٤) رواه ابن جرير ١٤/ ٣٣٨، وابن أبي حاتم ٤/ ٦٥ أ، وبنحوه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ١/ ٢/٢٨٣.\n(٥) لم أجد من ذكره فيما بين يدي من المصادر.\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٦٠.\n(٧) ساقط من (ى).\n(٨) ساقط من (ى).\n(٩) في (ى): (عند).\n(١٠) انظر النسخة (ج) ٢/ ٦١ ب وقد قال في هذا الموضع: (قوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾: [قال ابن عباس في رواية عطاء: (يريد الإمساك عن الرزق) وقال في رواية الوالبي: ليسوا يعنون بذلك أن يده موثقة، ولكن يقولون: إنه بخيل أمسك ما عنده) .. قال الفراء: (أرادوا ممسكة عن الإنفات والإسباغ علينا).","vol":"10","page":542},{"text":"وقوله تعالى: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾، قال ابن عباس: (تركوا ما أمرهم [به من] (١) طاعته (٢)، وحضهم عليه من الجهاد في سبيله، فتركهم وخذلهم في الشك في قلوبهم) (٣)، وقال الضحاك: ([تركوا أمر الله فتركهم من كل خير) (٤)، وقال أهل المعاني: (معناه:] (٥): تركوا أمره حتى صار بمنزلة المنسي بالسهو عنه، فجازاهم بأن صيرهم بمنزلة المنسي من ثوابه ورحمته، وجاء هذا على مزاوجة الكلام) (٦).\n﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ أي: العاصون الله (٧) والخارجون عن أمره وطاعته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1444>٦٨ </span>- قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ﴾ الآية، يقال: وعده بالخير وعدًا، ووعده بالشر وعيدًا، وقوله تعالى: ﴿نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ﴾ [العامل في الحال محذوف بتقدير: أن يصلوها (٨) ﴿خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ﴾ (٩)، قال الزجاج وغيره: (هي كفاية (١٠) ذنوبهم، ووفاء\n_________\n(١) ما بين المعقوفين ساقط من (ى).\n(٢) في (ى): (بطاعته).\n(٣) رواه بنحوه ابن أبي حاتم ٦/ ١٨٣٢ وأبو الشيخ كما في \"الدر المنثور\" ٣/ ٤٥٨، ولفظ ابن أبي حاتم: (تركوا الله فتركهم من ثوابه وكرامته).\n(٤) رواه أبو الشيخ كما في \"الدر المنثور\" ٣/ ٤٥٨.\n(٥) ما بين المعقوفين ساقط من (ى).\n(٦) انظر موضوع مزاوجة الكلام وتشابه الألفاظ مع اختلاف المعنى في: \"تأويل مشكل إعراب القرآن\" ص ٢٧٧، و\"الحجة للقراء السبعة\" ١/ ٣١٥.\n(٧) في (ى): (لله).\n(٨) في (ح): (أي يصلونها).\n(٩) ما بين المعقوفين ساقط من (ى).\n(١٠) في (ى): (كناية)، والصواب ما في (ح) و(م).","vol":"10","page":543},{"text":"لجزاء عملهم، كما يقال: عذبتك حسب فعلك، وحسب فلان ما نزل به، أي ذلك على قدر فعله) (١) (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1445>٦٩ </span>- قوله تعالى: ﴿كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ هذا الرجوع من الخبر إلى الخطاب، قال الفراء: (فعلتم كأفعال الذين من قبلكم) (٣)، يعني أن قوله: ﴿يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ﴾ وصف لهم بهذه الأفعال، ثم قال: ﴿كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ أي فعلتم هذه الأفعال [كأفعال الذين من قبلكم] (٤) فيكون المعنى على حذف المضاف، وقال الزجاج: (موضع الكاف نصب، أي وعدهم الله -﷿- على الكفر به كما وعد الذين من قبلكم (٥» (٦)، فعلى هذا: قوله: ﴿كَالَّذِينَ﴾ أي: كوعد الذين، والكاف متعلق بقوله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ﴾.\nوقال غيره (٧): (شبه المنافقون في عدولهم عن أمر الله للاستمتاع بلذات الدنيا بمن قبلهم) فعلى هذا: الكاف في محل الرفع بأنه خبر (٨) ابتداء محذوف على تقدير: أنتم كالذين من قبلكم (٩). قال ابن عباس: (يريد الأمم الخالية) (١٠).\n_________\n(١) في (ح): (فعلك). وأثبت ما في (م) و(ى) لموافقته لما في \"معاني القرآن وإعرابه\".\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٦٠.\n(٣) \"معاني القرآن\" ١/ ٤٤٦.\n(٤) ما بين المعقوفين ساقط من (ح).\n(٥) في المصدر التالي: قبلهم. وهو أولى لتناسق الضمائر.\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٦٠.\n(٧) هو الحوفي في \"البرهان\" ١١/ ٢٣٣ أ.\n(٨) في (ح): (في خبر).\n(٩) هذا أحد قولي الزمخشري في \"كشافه\" ٢/ ٢٠١، وانظر: \"تفسير القرطبي\" ٨/ ٢٠٠، و\"البحر المحيط\" ٥/ ٦٨\n(١٠) رواه بمعناه ابن جرير ١٠/ ١٧٦، وابن أبي حاتم ٦/ ١٨٣٤.","vol":"10","page":544},{"text":"وقوله تعالى: ﴿فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ﴾، قال: (يريد: بنصيبهم في الدنيا) (١)، قال الفراء: (يقول رضوا بنصيبهم في الدنيا من (٢) أنصبائهم (٣) في الآخرة) (٤)، وقوله تعالى: ﴿فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ﴾ يعني: أن هؤلاء استمتعوا بنصيبهم من الخير العاجل، وباعوا بذلك الخير الآجل فهلكوا بشر استبدال، وقال الفراء: (أي أردتم ما أراد الذين من قبلكم) (٥).\nوقوله تعالى: ﴿وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا﴾، قال: يريد: كخوضهم الذي خاضوا (٦)، فـ (الذي) صفة مصدر محذوف، دل عليه الفعل، قال ابن عباس: (يريد في الطعن علي أنبيائهم)، وقال أهل المعاني: (يعني في كل باطل؛ لأن الخوض الدخول فيما يؤدي إلى تلويث صاحبه).\nوقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ أي: بطلت حسناتهم في الدنيا بأنها لا تقبل منهم، وفي الآخرة بأنهم لا (٧) يثابون عليها، وقوله تعالى: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾، قال عطاء عن ابن عباس: (يريد في الدنيا مقتهم المؤمنون، وفي الآخرة العذاب والخزي) (٨)، ويروى عنه: الخاسرون أنفسهم ومنازلهم وخدمهم في الجنة، وورثها المؤمنون) (٨).\n_________\n(١) رواه بنحوه الفيروزأبادي في \"تنوير المقباس\" ص١٩٨، وذكره ابن الجوزي ٣/ ٤٦٧.\n(٢) ساقط من (ى).\n(٣) في (ح): (أصابهم).\n(٤) \"معاني القرآن\" ١/ ٤٤٦.\n(٥) المصدر السابق: السابق، نفس الموضع.\n(٦) اهـ. كلام الفراء، المصدر السابق، نفس الموضع، وانظر: \"المسائل العضديات\" ص ١٧٠، حيث نسب هذا التقدير للبغداديين أيضًا.\n(٧) ساقط من (ح).\n(٨) لم أقف عليه.","vol":"10","page":545},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1446>٧٠ </span>- قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ الآية، احتج الله -﷿- على الكفار والمنافقين بالكفار الماضية، أي أنهم إذا هلكوا بعلة التكذيب فلم يأمن هؤلاء أن ينزل بهم مثل ما نزل بمن قبلهم؟ قال الزجاج: (أي ألم يأتهم خبر الذين أهلكوا في الدنيا بذنوبهم (١) فيتعظوا؟) (٢) وهذا الاستفهام للتنبيه والتحذير والتوبيخ.\nوقوله تعالى: ﴿وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ﴾، قال ابن عباس: (يريد: نمرود بن كنعان (٣» (٤).\nوقوله تعالى: ﴿وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ﴾ مدين (٥): اسم البلد الذي كان فيه قوم شعيب [قال المفسرون: يعني قوم شعيب] (٦) أهلكوا بعذاب يوم الظلة (٧).\nوقوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَاتِ﴾ قال المفسرون: يعني (٨) قريات قوم لوط (٩)، وهي جمع مؤتفكة، ومعنى الائتفاك في اللغة: الانقلاب (١٠)،\n_________\n(١) ساقط من (ى).\n(٢) اهـ. كلام الزجاج، انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٦١.\n(٣) يقال: إنه النمرود بن كنعان بن كوش بن سام بن نوح، وكان أحد ملوك إلى الدنيا، وقد طغا وبغى وتجبر، وادعى الربوبية، وأنكر الخالق ﷻ وسعى لإحراق إبراهيم -﵇-، ويذكر أن سبب هلاكه بعوضة دخلت في منخره. والله أعلم.\nانظر: \"تاريخ ابن جرير\" ١/ ٢٣٣ - ٢٤٢، و\"البداية والنهاية\" ١/ ١٤٨.\n(٤) ذكره ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٣/ ٤٦٨، والمؤلف في \"الوسيط\" ٢/ ٥٠٩.\n(٥) ساقط من (ح).\n(٦) ما بين المعقوفين ساقط من (ى).\n(٧) انظر: \"تفسير ابن جرير\" ١٠/ ١٧٧، والثعلبي ٦/ ١٢٦ أ، والبغوي ٤/ ٧٢.\n(٨) ساقطة من (ى).\n(٩) انظر المصادر السابقة، نغسر المواضع.\n(١٠) قال ابن فارس: أئتفكت البلدة بأهلها: انقلبت. \"مجمل اللغة\" (أفك) ١/ ٩٩.","vol":"10","page":546},{"text":"وتلك القرى ائتفكت بأهلها، أي انقلبت بأهلها (١) فصار أعلاها أسفلها و(المؤتفكات) معطوفة على (مدين) يعني: وأصحاب المؤتفكات.\nويقال: أفكه فائتفك أي: قلبه فانقلب (٢).\nوقوله تعالى: ﴿أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾، قال عطاء عن ابن عباس: (لوط وحده) (٣) فعلى هذا قال المفسرون: (كان لوط قد بعث في كل قرية رسولًا يدعوهم إلى الله) (٤)، ويجوز أن يكون هذا من الجمع الذي أريد به الواحد كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ [المؤمنون: ٥١] ولم يكن في عصره سواه رسول، وقال آخرون: (الكناية في الرسل تعود إلى جميع الأمم المذكورة) (٥).\nوقوله تعالى: ﴿فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾، قال ابن عباس: (يريد ليهلكهم حتى يبعث إليهم نبيا ينذرهم) (٦) ﴿وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [قال أبو إسحاق: (أعلم الله -﷿- أن تعذيبهم كان باستحقاقهم وأن ذلك عدل منه) (٧)] (٨).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1447>٧١ </span>- قوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾، قال ابن\n_________\n(١) من (ى).\n(٢) انظر: \"لسان العرب\" (أفك) ١/ ٩٧.\n(٣) لم أقف عليه.\n(٤) ذكر هذا التوجيه ابن جرير ١٠/ ١٧٨، والقرطبي ٨/ ٢٠٢، وأبو حيان في \"البحر المحيط\" ٥/ ٧٠.\n(٥) انظر: \"تفسير ابن جرير\" ١٠/ ١٧٨، وابن الجوزي ٣/ ٤٦٨، وهود بن محكم ٢/ ١٥٠، واستظهر هذا القول أبو حيان في \"البحر المحيط\" ٥/ ٤٥٨.\n(٦) ذكره ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٣/ ٤٦٨، والمؤلف في \"الوسيط\" ٢/ ٥٠٩.\n(٧) \"معاني والقرآن وإعرابه\" للزجاج ٢/ ٤٦١.\n(٨) ما بين المعقوفين ساقط من (ى).","vol":"10","page":547},{"text":"عباس: (يريد في الرحمة والمحبة) (١).\nقال أبو علي: (المعنى فيه أن بعضهم يوالي بعضًا ولا يبرأ بعضهم من بعض كما يبرؤون ممن خالفهم وشاقهم، ولكنهم يد واحدة في النصرة والموالاة، فهم أهل كلمة واحدة لا يفترقون، ومن ثم قالوا في خلاف الولاية: العداوة، ألا ترى أن العداوة من عدا الشيء: إذا جاوزه، فمن ثم كانت (٢) خلاف الولاية) (٣).\nوقوله تعالى: ﴿يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾، قال ابن عباس: (بأنه لا إله إلا الله) (٤) ﴿وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ يريد: عن الشرك بالله) (٤)، قال أبو العالية: (كل ما ذكر الله في كتابه من الأمر بالمعروف فهو الدعاء إلى الإسلام، والنهي عن المنكر: النهي عن عبادة الأوثان) (٥). وقال بعض أهل المعاني: [ذكر الله المنافقين] (٦)، فقال: ﴿بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ وذكر المؤمنين فقال: ﴿بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ وذلك أن المعنى في المنافقين: أن بعضهم يضاف إلى بعض بالاجتماع على النفاق، ولا يكون بينهم موالاة؛ لأن قلوبهم تكون مختلفة، ولا تكون كقلوب المؤمنين في التواد والتعاطف) (٧).\n_________\n(١) ذكره المؤلف في \"الوسيط\" ٢/ ٥٠٩، ورواه بمعناه أبو الشيخ كما في \"الدر المنثور\" ٣/ ٤٥٩.\n(٢) في (ح): (كأنه)، وما أثبته موافق للمصدر التالي.\n(٣) \"الحجة للقراء السبعة\" ٢/ ٢٣٣.\n(٤) رواه بمعناه الفيروزأبادي في \"تنوير المقباس\" ص ١٩٨.\n(٥) رواه بنحوه ابن جرير ١٠/ ١٧٩، والثعلبى ٦/ ١٢٦، والفيروزأبادي ص ١٩٨.\n(٦) ما بين المعقوفين ساقط من (ح).\n(٧) ذكر هذا القول بنحوه القرطبي في \"تفسيره\" ٨/ ٢٠٣، وبمعناه ابن عطية في \"المحرر الوجيز\" ٣/ ٥٨، ولم ينساه لأحد.","vol":"10","page":548},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1448>٧٢ </span>- قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً﴾ قال عطاء عن ابن عباس: (يريد قصور الزبرجد والدر والياقوت يفوح طيبها من مسيرة خمسمائة عام) (١)، ونحوه قال الحسن (٢).\nوقوله تعالى: ﴿فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾، قال الأزهري: (العدن مأخوذ من قولك: عدن فلان بالمكان إذا أقام به يعدن عدونًا، قال ذلك أبو زيد وابن الأعرابي.\nوقال شمر: تقول العرب: تركت إبل بني فلان عوادن بمكان كذا، وهو أن تلزم الإبل المكان فتألفه ولا تبرحه، قال: ومنه المعدن لإنبات الله -﷿- الجوهر فيه وإنباته إياه في الأرض حتى عدن فيها أي ثبت) (٣)، ونحو هذا قال أبو عبيدة وغيره من أهل اللغة: (إن معنى: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾: جنات إقامة) (٤).\n_________\n(١) ذكره المؤلف في \"الوسيط\" ٢/ ٥٠٩، كما ذكره من غير نسبة القرطبي في \"تفسيره\" ٨/ ٢٠٤، وأبو حيان في \"البحر المحيط\" ٥/ ٧١.\n(٢) روى ابن جرير في \"تفسيره\" ١٠/ ١٧٩، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٦/ ١٨٣٩ - ١٨٤٠ أثرًا نحو هذا الأثر عن الحسن عن عمران بن حصين وأبي هريرة عن النبي -ﷺ-، وفي سنده جسر بن فرقد، قال البخاري في \"التاريخ الكبير\" ٢/ ٢٤٦: (ليس بذاك) وذكره الدارقطني في كتابه \"الضعفاء والمتروكون\"، رقم (١٤٦) ص ١٧١، وقال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" ٧/ ١٠٦ بعد أن ساق الخبر: رواه البزار والطبراني في الأوسط، وفيه: جسر بن فرقد، وهو ضعيف، وقد وثقه سعيد بن عامر، وبقية رجال الطبراني ثقات.\n(٣) اهـ. كلام الأزهري، انظر: \"تهذيب اللغة\" (عدن) ٣/ ٢٣٦٢ - ٢٣٦٣ وقد تصرف الواحدي في عبارته.\n(٤) انظر: قول أبي عبيدة في \"مجاز القرآن\" ١/ ٢٦٣، وانظر: \"تهذيب إصلاح المنطق\" (العدن) ص ١٥٦، و\"مجمل اللغة\" (عدن) ٣/ ٦٥٢.","vol":"10","page":549},{"text":"قال ابن مسعود: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾: (بطنان الجنة) (١)، قال الأزهري: (وبطنانها وسطها، وبطنان الأودية: المواضع التي يستنقع فيها ماء السيل فيكرُم نباتها واحدها بطن) (٢).\nوقال عطاء عن ابن عباس: (هي قصبة الجنة، وسقفها عرش الرحمن) (٣).\nوقال الضحاك: (هي مدينة الجنة، وفيها الرسل والأنبياء والشهداء وأئمة الهدى، والناس حولهم بعد، والجنات حولها) (٤).\n[وقال مقاتل والكلبي: (عدن: أعلى درجة في الجنة وفيها عين التسنيم، والجنان حولها] (٥) محدقة بها وهي مغطاة من يوم خلقها الله حتى ينزلها (٦) أهلها الأنبياء والصديقون والشهداء والصالحون، وفيها قصور الدر والياقوت والذهب، فتهب ريح طيبة من تحت العرش فتدخل عليهم كثبان المسك الأبيض) (٧).\nوقال عبد الله بن عمرو (٨): (إن في الجنة قصرًا يقال له: عدن، حوله\n_________\n(١) رواه ابن جرير ١٠/ ١٨١، وابن أبي حاتم ٦/ ١٨٤٠.\n(٢) \"تهذيب اللغة\" (عدن) ٣/ ٢٣٦٢ - ٢٣٦٣.\n(٣) ذكره المؤلف في \"الوسيط\" ٢/ ٥١٠، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٣/ ٤٦٩، ورواه الثعلبي في \"تفسيره\" ٦/ ١٢٧ أعن عطاء.\n(٤) رواه ابن جرير ١٠/ ١٨٢، والثعلبى ٦/ ١٢٧ أ.\n(٥) ما بين المعقوفين ساقط من (ح).\n(٦) في (ى): (يتركها)، وهو خطأ مخالف للنسختين الآخرين ولمصادر تخريج الأثر التالية.\n(٧) رواه عنهما الثعلبي في \"تفسيره\" ٦/ ١٢٧ أ، والبغوي ٤/ ٧٣، وهو في \"تفسير مقاتل\" ص ١٣٢ أمختصرًا.\n(٨) في (ح): (عمر). وما أثبته موافق لمصادر تخريج الأثر.","vol":"10","page":550},{"text":"البروج والمروج (١)، له خمسة آلاف باب، على كل باب خمس آلاف حبرة (٢)، لا يدخله (٣) إلا نبي أو صديق أو شهيد) (٤)، فعلى قول المفسرين وأهل الأثر: جنات عدن مخصوصة من سائر الجنات، كما ذكرنا (٥)، وعلى قول أهل اللغة: هي عامة؛ لأن الجنات كلها جنات إقامة، إذ أهلها مخلدون فيها لا يظعنون عنها.\nوقوله تعالى: ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾، قال ابن عباس: (أي أكبر مما يوصف) (٦)، وقال أبو إسحاق: (أي أكبر مما هم فيه من النعيم) (٧)، وقال أهل المعاني: (إنما صار الرضوان أكبر من الثواب؛ لأنه لا يوجد شيء منه إلا بالرضوان، إذ هو الداعي إليه، والموجب له) (٨)، وقال الحسن: (لأن ما يصل إلى قلبه من السرور برضوان الله -﷿- أكبر من جميع ذلك) (٩).\n_________\n(١) في (ى): (المروح)، وفي (م): (البرج)، وفي \"تفسير الطبري\" (في كلا الطبعتين): (الروح). وما أثبته من (ح) وهو موافق لما في \"تفسير الثعلبي والبغوي\".\n(٢) الحبرة: بكسر الحاء وفتح الباء، وبفتحهما: ضرب من برود اليمن منمر، والحبرة: الوشي، والحبير من البرود: ما كان موشيًا مخططًا. \"لسان العرب\" (حبر) ٢/ ٧٤٩، فكأن المراد: على كل باب ستور موشية، وفي (م): (خيرة).\n(٣) في (ح): (لا يدخلها)، وما أثبته موافق لما في مصادر التخريج.\n(٤) رواه ابن جرير ١٠/ ١٨٢، والثعلبى ٦/ ١٢٦ ب، والبغوي ٤/ ٧٣.\n(٥) في (ح) و(ى): (ذكروا).\n(٦) ذكره ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٣/ ٤٦٩، والمؤلف في \"الوسيط\" ٢/ ٥١١.\n(٧) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٦١.\n(٨) ذكره نحوه مختصرًا بن الجوزي في \"زاد المسير\" ٣/ ٤٦٩، ولم أقف عليه عند أهل المعاني.\n(٩) ذكره بنحوه هود بن محكم في \"تفسيره\" ٢/ ١٥٢.","vol":"10","page":551},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1449>٧٣ </span>- قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾، قال ابن عباس في رواية علي بن أبي طلحة: (أمره الله بجهاد الكفار بالسيف، والمنافقين باللسان) (١)، وزاد عطاء عنه بيانًا فقال: (يريد جاهد الكفار بالسيوف والرماح والنبل، والمنافقين باللسان وشدة الانتهار وترك الرفق) (٢)، ونحو هذا قال ابن جريج والضحاك: (بتغليظ الكلام) (٣).\nوقال عبد الله (٤) في قوله: ﴿جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ قال: بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، فمن لم يستطع فليكفهر في وجهه (٥) إذا لقيه (٦).\nقال أبو إسحاق: (لما كشفت حال المنافقين أمر بجهادهم، والمعنى: جاهدهم بالحجة، فالحجة على المنافق جهاد لهم) (٧)، وعلى هذا الاحتجاج على المنافقين والملحدين والرادين للكتاب (٨) والسنة، والمخالفين لهما من الجهاد.\n_________\n(١) رواه ابن جرير ١٠/ ١٨٣، وابن أبي حاتم ٦/ ١٨٤١ - ١٨٤٢، وابن المنذر وابن مردويه والبيهقي كما في \"الدر المنثور\" ٣/ ٤٦٢.\n(٢) ذكر بعض هذا الأثر ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٣/ ٤٧٠، والمؤلف في \"الوسيط\" ٢/ ٥١٢.\n(٣) رواه عنهما الثعلبي ٦/ ١٢٧ ب، ورواه عن الضحاك أيضًا البغوي ٤/ ٧٤، وبمعناه ابن جرير ١٠/ ١٨٣، وابن أبي حاتم ٦/ ١٨٤٢.\n(٤) يعني ابن مسعود كما في مصادر تخريج قوله.\n(٥) فليكفهر في وجهه: أي ليلقه بوجه عابس قطوب لا طلاقة فيه ولا انبساط. انظر: \"لسان العرب\" (كفهر) ٧/ ٣٩٠٧.\n(٦) رواه ابن جرير ١٠/ ١٨٣، وابن أبي حاتم ٦/ ١٨٤١، والثعلبي ٦/ ١٢٧ ب، والبغوي ٤/ ٧٤، وانظر: \"الدر المنثور\" ٣/ ٤٦٢.\n(٧) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٦١.\n(٨) في (ح): (الكتاب).","vol":"10","page":552},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ يقال: غلظ الشيء يغلظ غلظا في الخلقة، ثم يقال: رجل غليظ: إذا كان فظا، وغلظ له القول وأغلظ: إذا لم يرفق به، وهذا نحو قوله: ﴿وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً﴾ [التوبة: ١٢٣]، قال أهل المعاني: (وهي قوة القلب على إحلال الألم بصاحبه، كما (١) أن الرقة ضعف القلب عن ذلك) (٢).\nقال ابن عباس: (يريد شدة الانتهار، والنظر بالبغضة، والمقت) (٣).\nوقال ابن مسعود: (هو أن تكفهر في وجوههم) (٤)، قال عطاء: (وهذه الآية نسخت كل شيء من العفو والصفح) (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1450>٧٤ </span>- قوله تعالى: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا﴾ الآية، نزلت حين بلغ النبي -ﷺ- أن المنافقين يسيؤون فيه القول ويطعنون فيه، وفي الدين والقرآن، فأنكر ذلك عليهم فحلفوا ما قالوا فكذبهم الله تعالى فقال: ﴿وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ﴾ (٦) يعني سبهم الرسول، وطعنهم في الدين، وقال قتادة: (قالوا (٧): ﴿لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ [المنافقون:\n_________\n(١) في (ى): (على).\n(٢) \"البرهان\" للحوفي ١١/ ٢٣٤ مختصرًا.\n(٣) \"زاد المسير\" ٣/ ٤٧٠.\n(٤) سبق تخريجه عند تفسير أول هذه الآية.\n(٥) رواه الثعلبي في \"تفسيره\" ٦/ ١٢٧ ب، والبغوي ٤/ ٧٤، وذهب إلى هذا القول القرطبي في \"تفسيره\" ٨/ ٢٠٥، والصواب عدم النسخ، وقد سبق بيان ذلك وذكر أقوال بعض العلماء عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾ [الأنفال: ٦١].\n(٦) انظر: \"تفسير ابن جرير\" ١٠/ ١٨٥، والثعلبي ٦/ ١٢٧ ب، و\"أسباب النزول\" للمؤلف ص ٢٥٦.\n(٧) ساقطة من (ي).","vol":"10","page":553},{"text":"٨] فسعي بها إلى النبي -ﷺ-، فدعاهم فحلفوا ما قالوا) (١)، وكان هذا في غزوة تبوك (٢)، وقال السدي: (قالوا: إذا قدمنا المدينة عقدنا على رأس عبد الله بن أبي تاجًا يباهي به رسول الله -ﷺ-) (٣).\nوقوله تعالى: ﴿وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا﴾، قال ابن عباس ومجاهد: (هم المنافقون بقتل المؤمن الذي أنكر عليهم طعنهم في الرسول (٤)، قال (٥): وهو عامر بن قيس (٦) الذي سعى بهم، وقال السدي: (هو أنهم لم ينالوا ما\n_________\n(١) رواه بنحوه ابن جرير ١٠/ ١٨٦، وابن أبي حاتم ٦/ ١٨٤٢ - ١٨٤٣، والثعلبي ٦/ ١٢ ب.\n(٢) قوله: (وكان هذا في غزوة تبوك) ليس من كلام قتادة وفيه نظر؛ لأن القائل: (لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل) عبد الله بن أُبي كما في \"صحيح البخاري\" (٣٥١٨)، كتاب: المناقب، باب: ما ينهى عن دعوى الجاهلية، و\"صحيح مسلم\" (٢٧٧٢)، كتاب: صفات المنافقين، وقد بين الحافظ ابن حجر في \"فتح الباري\" ٦/ ٥٤٧ أن ذلك كان في غزوة المريسيع، وكذلك ابن إسحاق كما في \"السيرة النبوية\" ٣/ ٣٣٤ - ٣٣٦ ثم إن أبيا كان ممن تخلف عن غزوة تبوك، كما في المصدر السابق ٤/ ٤٠٧ - ٢٠٨.\n(٣) رواه الثعلي في \"تفسيره\" ٦/ ١٢ ب، وبنحوه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٦/ ١٨٤٣ - ١٨٤٤.\n(٤) ذكره عن ابن عباس -﵁- ابن الجوزي ٣/ ٤٧٠، ورواه الثعلبي ٦/ ١٢٨ أعن الكلبي، كما رواه عن مجاهد الإمام ابن جرير ١٠/ ١٨٧، وابن أبي حاتم ٦/ ١٨٥٤، والثعلبي ٦/ ١٢ ب، والبغوي ٤/ ٧٥.\n(٥) ساقط من (ى): والقائل ابن عباس كما في تفسير الثعلبي وابن الجوزي، ولم يصح عنه لأنه من رواية الكلبي.\n(٦) هكذا رواه الكلبي عن ابن عباس، وقد روى ابن أبي حاتم ٦/ ١٨٤٣، ٧٠/ أعن ابن عباس، وكعب بن مالك أن المؤمن هو: عمير بن سعد، وكذلك أخرج عبد الرزاق وابن المنذر وأبو الشيخ عن عروة، كما في \"الدر المنثور\" ٤/ ٤٦٤، وانظر: \"السيرة النبوية\" ٤/ ٢٠٨، قال الحافظ ابن حجر في \"الإصابة\" ٢/ ٢٥٦: =","vol":"10","page":554},{"text":"هموا به من عقد التاج على رأس عبد الله بن أبي) (١)، وقال الكلبي: (هموا أن يفتكوا بالنبي - ﷺ - ليلًا ويغتالوه فأعلمه الله ذلك فأمر من نحاهم عن طريقه وسماهم رجلًا رجلًا، وكانوا خمسة عشر رجلًا) (٢)، وهذا اختيار أبي إسحاق (٣).\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾، قال ابن عباس: (يريد مما كانوا غنموا حتى صارت لهم العقد (٤) والأموال من العين (٥) والحيوان) (٦).\n_________\n= (عامر بن قيس الأنصاري، ابن عم الجلاس بن سويد، ذكره موسى بن عقبة في \"المغازي\"، وأنه أحد من سمع الجلاس بن سويد يقول: إن كان ما يقول محمد حقًا لنحن شر من الحمر، فبلغ ذلك النبي -ﷺ- فحلف الجلاس ما قال ذلك، فنزلت ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ﴾ الآية، وكذلك ذكره أبو الأسود عن عروة، ونقله الثعلبي عن قتادة والسدي، والقصة مشهورة لعمير بن سعد).\nوعمير بن سعد هو: عمير بن سعد بن عبيد الأوسي الأنصاري، كان يتيمًا في حجر الجلاس بن سويد، وشهد فتوح الشام، وكان يعجب عمر بن الخطاب، ويسميه نسيج وحده، وولاه حمص، فقام بعمله خير قيام مع الزهد والورع، وتوفي في خلافة عمر وقيل غير ذلك.\nانظر: \"سير أعلام النبلاء\" ٢/ ١٠٣، و\"الإصابة\" ٣/ ٣٢.\n(١) رواه بمعناه الثعلبي ٦/ ١٢ ب.\n(٢) رواه الثعلبي ٦/ ١٢ ب، وذكره المؤلف في \"الوسيط\" ٢/ ٥١٢.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٦١.\n(٤) في\"تهذيب اللغة\" (عقد) ٣/ ٢٥١٢. العقد: كل ما يعتقده الإنسان من العقار فهو عقدة له. وفي \"القاموس المحيط\" فصل العين، باب: الدال ص٣٠٠: العقدة: الولاية على البلد، ج: كصرد، والضيعة والعقار الذي اعتقده صاحبه ملكًا.\n(٥) العين: الدينار والذهب. انظر: \"القاموس المحيط\" (عين) ص ١٢١٨، و\"لسان العرب\" (عين) ٦/ ٣١٩٨.\n(٦) ذكره المؤلف فى \"الوسيط\" ٢/ ٥١٢","vol":"10","page":555},{"text":"وقال الكلبي: (كانوا قبل قدوم النبي -ﷺ-، في ضنك من عيشهم لا يركبون الخيل، ولا يحوزون الغنيمة، فلما قدم عليهم رسول الله -ﷺ-، استغنوا بالغنائم) (١)، وذكرنا معنى ﴿نَقَمُوا﴾ عند قوله: ﴿هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا﴾ [المائدة: ٥٩] (٢).\nقال أهل المعاني في هذه الآية: (إنهم عملوا بضد الواجب فجعلوا موضع شكر الغني أن نقموه فهذا معنى قوله: ﴿وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ﴾ (٣) ويجوز أن يكون المعنى: إنهم بطروا النعمة (٤) بالغني فنقموا بطرُا وأشرًا (٥)، وقال ابن قتيبة: (أي: ليس ينقمون شيئًا ولا يتعرفون من الله إلا الصنع (٦)، [وهذا كقول الشاعر:\nما نقموا من بني أمية إلا ... أنهم يحلمون إن غضبوا] (٧)\nوهذا ليس مما ينقم، وإنما أراد: إن الناس لا ينقمون عليهم (٨) شيئا كقول النابغة:\n_________\n(١) رواه الثعلبي ٦/ ١٢٩ أ، والبغوي ٤/ ٧٥، وذكره المؤلف في \"الوسيط\" ٢/ ٥١٢، وابن الجوزي ٣/ ٤٧٢، والقرطبي ٨/ ٢٠٨.\n(٢) انظر: النسخة (ح) ٢/ ٤٠ أوقد قال في هذا الموضع: (قوله تعالى: ﴿هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا﴾ يقال: نقمت على الرجل أنقم، ونقمت عليه أنقم، والأجود فتح الماضي، وهو الأكثر في القراءة، قال الله تعالى: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ﴾ [البروج: ٨] ومعنى نقمت: بالغت في كراهة الشيء، فمعنى (تنقمون) أي تكرهون وتنكرون).\n(٣) \"البرهان\" للحوفي ١١/ ٢٤٥ بمعناه.\n(٤) في (ح): (ذو النعمة).\n(٥) في (ى): (شرًّا).\n(٦) في (ح): (لصنيع)، وما في (ى) موافق لما في \"تفسير غريب القرآن\" لابن قتيبة، والصنع: مصدر قولك: صنع إليه معروفًا وجميلًا. انظر: \"اللسان\" (صنع).\n(٧) ما بين المعقوفين ساقط من (ح) والبيت لابن قيس الرقيات.\n(٨) في (ح): (عليه)، وما أثبته موافق لما في \"تفسير غريب القرآن\".","vol":"10","page":556},{"text":"ولا عيب فيهم غير إن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب (١)\nأي ليس فيهم عيب) (٢).\nوقوله تعالى: ﴿فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ﴾، قال الكلبي: (لما نزلت هذه الآية قام (٣) الجلاس بن سويد (٤)، وكان ممن طعن علي النبي -ﷺ-، فقال: أسمع الله قد عرض علي التوبة، وأنا أستغفر الله وأتوب إليه بما قلته فقبل رسول الله -ﷺ- توبته) (٥)، ونحو هذا روى عطاء عن ابن عباس.\nوقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَتَوَلَّوْا﴾ أي يعرضوا عن الإيمان، قال ابن عباس: ([يريد كما تولى ابن أبي) (٦). ﴿يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا﴾ بالقتل، قال الزجاج] (٧): (لأنهم (٨) أمر بقتلهم) (٩) وفي ﴿الْآخِرَةِ﴾: بالنار، ﴿وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾، قال عطاء: (يريد لا يتولاهم أحد من الأنصار) (١٠).\n_________\n(١) انظر: \"ديوان النابغة الذبياني\" ص ٤٤، و\"إصلاح المنطق\" ص ٢٩، و\"خزانة الأدب\" ٣/ ٣٢٧.\n(٢) \"تفسير غريب القرآن\" ص ١٩٨.\n(٣) في (ى): (قال).\n(٤) هو: جلاس بن سويد بن الصامت الأنصاري، كان من المنافقين ثم تاب وحسنت توبته، وكان زوج أم عمير بن سعد، وكان عمير في حجره، فسمعه يقول: لئن كان محمد صادقًا لنحن شر من الحمير، فبلغ عمير رسول الله -ﷺ-، ونزل في الجلاس قرآن، ثم تاب وأحسن لعمير. انظر: \"الاستيعاب\" ١/ ٣٣٠، و\"الإصابة\" ١/ ٢٤١.\n(٥) رواه الثعلبي ٦/ ١٢٨ أ، والبغوي ٤/ ٧٤.\n(٦) ذكره ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٣/ ٤٧٢، والمؤلف في \"الوسيط\" ٢/ ٥١٢.\n(٧) ما بين المعقوفين ساقط من (ى).\n(٨) في (م): (لأنه). وما أثبته موافق للمصدر التالي.\n(٩) اهـ. كلام الزجاج، و\"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٦٢، وعذاب الله في الدنيا أشمل من القتل، ولعل مراد الزجاج أن المنافق إذا أظهر كفره جاز قتله.\n(١٠) ذكره المؤلف في \"الوسيط\" ٢/ ٥١٢ عن ابن عباس.","vol":"10","page":557},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1451>٧٥ </span>- قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ﴾ الآية، المعاهدة: معاقدة بعزيمة تتحقق بذكر الله، نحو: علي عهد (١) الله لأفعلن كذا، قال ابن عباس وسعيد بن جبير وقتادة: (أتى ثعلبة بن حاطب (٢) مجلسًا من الأنصار\n_________\n(١) في (ح): (عبد)، وهو خطأ جلي.\n(٢) هو: ثعلبة بن حاطب بن عمرو بن عبيد بن أمية بن زيد بن عوف بن عمرو بن عوف الأوسي الأنصاري صحابي جليل شهد بدرًا وأحدًا، واختلف في وفاته فقيل: إنه قتل يوم أحد، وقيل: يوم خيبر، وقيل: مات بعد ذلك، وهو بريء من هذه القصة المفتراة، وللعلماء في تبرئته منها طريقتان:\nالأولى: بيان زيف هذه القصة، وهذا دليل على براءة هذا الصحابي البدري منها، وسيأتي بيان ذلك.\nالثانية: أن صاحب هذه القصة رجل آخر غير البدري موافق له في الاسم، وهذا رأي الحافظ ابن حجر حيث ذكر في \"الإصابة\" ١/ ١٩٨ رجلين بهذا الاسم، أحدهما البدري، والآخر صحاب القصة وهو ممن شارك في بناء مسجد الضرار، ثم قال: (وفي كون صاحب القصة إن صح الخبر ولا أظنه يصح هو البدري قبله نظر، وقد تأكدت المغايرة بينهما بقول ابن الكلبي: (إن البدري استشهد بأحد، ويقوي ذلك أيضًا أن ابن مردويه روى في \"تفسيره\" من طريق عطية عن ابن عباس في الآية المذكورة، قال: وذلك أن رجلًا يقال له ثعلبة بن أبي حاطب من الأنصار أتى مجلسًا فأشهدهم فقال: ﴿لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ﴾ الآية، فذكر القصة بطولها، فقال: إنه ثعلبة بن أبي حاطب، والبدري اتفقوا على أنه ثعلبة بن حاطب، وقد ثبت أنه -ﷺ- قال: \"لا يدخل النار أحد شهد بدرًا والحديبية\"، وحكى عن ربه أنه قال لأهل بدر: (اعملوا ما شئتم قد غفرت لكم) فمن يكون بهذه المثابة كيف يعقبه الله نفاقًا في قلبه، وينزل فيه ما نزل؟ فالظاهر أنه غيره).\nومحاولة الحافظ ابن حجر إثبات شخصية تلصق بها القصة إنما هو لتبرئة البدري، وهو بريء منها دون هذه المحاولة التي لم تستند إلى برهان علمي لما يأتي:\n١ - أن الحافظ ابن حجر قال في الكلام السابق: (إن صح الخبر وما أظنه يصح)، وجزم بعدم صحته في \"تخريج أحاديث الكشاف\" فقال: (هذا إسناد ضعيف جدًا) اهـ. والخبر الضعيف جدًا لا يثبت شيئًا. =","vol":"10","page":558},{"text":"فأشهدهم وقال: (لئن آتاني الله من فضله آتيت منه كل ذي حق حقه، وتصدقت منه، ووصلت منه القرابة، فابتلاه الله، فلم يف بما قال) (١).\n_________\n= ٢ - أن حديث ابن عباس الذي ذكره باطل كما سيأتي، فكيف يؤكد المغايرة بين الشخصين.\n٣ - أن ابن الكلبي -وهو هشام بن محمد المؤرخ النسابة- متروك. انظر: \"المغني في الضعفاء\" ٢/ ٧١١ بل متهم بالوضع والاختلاق، كما في كتاب \"التنبيه على حدوث التصحيف\" ص ١١٨، ١١٩ فخبر مثله لا يؤكد شيئًا ولا يقويه.\nوبهذا يتأكد أنه لا يوجد إلا شخص واحد بهذا الاسم، وقد جزم بذلك الإمام الذهبي فلم يذكر في كتابه \"تجريد أسماء الصحابة\" ١/ ٦٦ سوى البدري، ونسبة القصة إليه محض اختلاق كما سيأتي بيان ذلك.\n(١) الأثر عن ابن عباس رواه ابن جرير في \"تفسيره\" ١٠/ ١٨٩، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٦/ ١٨٤٧، بسند مسلسل بالضعفاء وبعضهم أشد ضعفًا من بعض، ومنهم:\nأ- الحسين بن الحسن بن عطية العوفي، قال ابن معين والنسائي وأبو حاتم: ضعيف، وقال ابن حبان: يروي أشياء لا يتابع عليها .. لا يجوز الاحتجاج بخبره، وقال الجوزجاني: واهي الحديث، وقال ابن سعد: كان ضعيفًا في الحديث.\nانظر: \"تاريخ بغداد\" ٨/ ٢٩، وضعفاء العقيلي ١/ ٢٥٠، و\"المجروحين\" لابن حبان ١/ ٢٤٦، و\"الكامل\" ٣/ ٢٣٧ (٤٩٢)، و\"طبقات ابن سعد\" ٧/ ٣٣١، و\"لسان الميزان\" ٢/ ٢٧٨.\nب- الحسن بن عطية بن سعد العوفي، قال ابن حبان في كتاب \"المجروحين\" ١/ ٢٣٤: (منكر الحديث، فلا أدري البلية في أحاديثه منه أو من أبيه أو منهما معًا؟ لأن أباه ليس بشيء في الحديث، وأكثر روايته عن أبيه، فمن هنا اشتبه أمره، ووجب تركه).\nوقال البخاري في \"التاريخ الكبير\" ٢/ ٣٠١: (ليس بذاك).\nوقال الحافظ ابن حجر في \"تقريب التهذيب\" ص ١٦٢ (١٢٥٦): (ضعيف).\nجـ- عطية بن سعد العوفي قال ابن حبان في كتاب \"المجروحين\" ٢/ ١٧٦: (لا يحل الاحتجاج به، ولا كتابة حديثه إلا على جهة التعجب) اهـ. =","vol":"10","page":559},{"text":"وقال أبو أمامة الباهلي: (عاود ثعلبة رسول الله -ﷺ- مرارًا كل ذلك يقول: ادع الله أن يرزقني مالًا ورسول الله -ﷺ- يقول له: \"قليل تؤدي شكره خير من كثير لا تطيقه\" حتى قال: والذي بعثك بالحق نبيًا (١) لئن رزقني الله مالًا لأعطين كل ذي حق حقه، فقال رسول الله -ﷺ-: \"اللهم ارزق ثعلبة مالًا\" فاتخذ غنمًا وكثر ماله حتى اشتغل به عن الصلاة مع رسول الله -ﷺ-، وخرج عن المدينة، ومنع الزكاة، وبلغ من أمره ما قص الله في كتابه) (٢).\n_________\n= ومن عجائبه أنه كنى الكلبي المتهم بالكذب أبا سعيد، ثم حدث عنه بهذه الكنية فيتوهم من يسمعه أنه يحدث عن أبي سعيد الخدري، ذكر ذلك عنه الحافظ ابن حجر في \"تهذيب التهذيب\" ٣/ ١١٤، ثم ذكر من ضعفه ومنهم علي بن المديني وأحمد وأبو داود والساجي وأبو زرعة وأبو حاتم والنسائي وابن عدي، وشذ ابن سعد فقال: (ثقة إن شاء الله، وله أحاديث صالحة ومن الناس من لا يحتج به). وبهذا يتبين أن خبر ابن عباس هذا ضعيف جدًّا.\nوأما أثر سعيد بن جبير فقد ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ٦/ ١٣٠ ب بغير سند، إذ أن الثعلبي ذكر أسانيده في المقدمة ولم يذكر سنده إلى سعيد بن جبير.\nوأما أثر قتادة فقد رواه ابن جرير ١٠/ ١٩٠ بلفظ: (ذكر لنا أن رجلًا من الأنصار أتى على مجلس من الأنصار فقال: لئن آتاه الله مالًا ليؤدين إلى كل ذي حق حقه، فأتاه الله مالًا فصنع فيه ما تسمعون). وفي هذا الأثر مجهول، إذ لم يسم قتادة من حدثه به، ثم إنه ليس في هذا الأثر ذكر لثعلبة ولا لغيره.\n(١) ساقط من (ى).\n(٢) هذا بعض أثر طويل رواه ابن جرير في \"تفسيره\" ١٠/ ١٨٩، والبيهقي في \"دلائل النبوة\" ٥/ ٢٨٩، والطبراني في \"المعجم الكبير\" ٨/ ٢٦٠ رقم (٧٨٧٣)، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٦/ ١٨٤٧ - ١٨٤٩، وغيرهم كما في \"الدر المنثور\" ٣/ ٤٦٧ وفي سنده عدة رجال مجروحين منهم:\nأ- معان بن رفاعة السلامي الدمشقي، وثقه أحمد وعلي بن المديني ودحيم، وقال أبو حاتم: لا يحتج به، وقال ابن معين: ضعيف، وقال الجوزجاني: ليس بحجة، وقال ابن حبان: منكر الحديث، يروي مراسيل كثيرة، ويحدث عن أقوام =","vol":"10","page":560},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= مجاهيل، لا يشبه حديثه حديث الأثبات، فلما صار الغالب في رواياته ما ينكره القلب استحق ترك الاحتجاج به، وقال ابن عدي: عامة ما يرويه لا يتابع عليه. ولخص الحافظ ابن حجر حاله فقال في \"التقريب\": (لين الحديث، كثير الإرسال). انظر ترجمته في: \"الضعفاء\" للعقيلي ٤/ ٢٥٦، و\"الكامل\" ٨/ ١٨٠٨، و\"الميزان\" ٥/ ٢٥٩ (٨٦١٩)، و\"تهذيب التهذيب\" ٤/ ١٠٤.\nب- علي بن يزيد الألهاني الشامي، قال البخاري: (منكر الحديث) وقال النسائي: (متروك) وكذلك قال الأزدي والدارقطني والبرقي، وقال الحاكم أبو أحمد: (ذاهب الحديث) وقال الساجي: (اتفق أهل العلم على ضعفه). وقال ابن حبان: (إذا اجتمع في إسناد خبر عبيد الله بن زحر وعلي بن يزيد والقاسم أبو عبد الرحمن لم يكن متن ذلك الخبر إلا مما عملته أيديهم) اهـ. وعلق الحافظ ابن حجر على هذا القول بقوله: (وليس في الثلاثة من اتهم إلا علي بن يزيد).\nانظر: \"التاريخ الكبير\" ٢/ ٣/ ٣٠١، و\"الكامل\" ٦/ ١٣٣٨، و\"المجروحين\" ٢/ ١١٠، و\"تهذيب التهذيب\" ٣/ ١٩٩، ٣٣٤.\nجـ- القاسم بن عبد الرحمن الشامي أبو عبد الرحمن الدمشقي، كان عابدًا متقشفًا وثقه البخاري وابن معين والترمذي وغيرهم، وقال الإمام أحمد: (منكر الحديث، ما أرى البلاء إلا من قبل القاسم)، وقال ابن حبان: (يروي عن أصحاب رسول الله -ﷺ- المعضلات، ويأتي عن الثقات بالأشاء المقلوبات حتى يسبق إلى القلب أنه كان المتعمد لها).\nانظر: \"الضعفاء\" للعقيلي ٣/ ٤٧٦، و\"المجروحين\" ٢/ ٢١١، و\"تهذيب التهذيب\" ٨/ ٢٨٠.\nوبهذا يتين تهافت هذا الخبر، قال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" ٧/ ١٠٨ (فيه علي بن يزيد الألهاني وهو متروك).\nوقال الحافظ ابن حجر في \"الكافي الشافي\" ص ٧٧: (رواه الطبراني والبيهقي في \"الدلائل\" و\"الشعب\" وابن أبي حاتم، والطبري وابن مردويه كلهم من طريق علي ابن يزيد الألهانى عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبي أمامة، وهذا إسناد ضعيف جدًا). =","vol":"10","page":561},{"text":"وقوله تعالى: ﴿لَنَصَّدَّقَنَّ﴾، قال الزجاج: (الأصل: لنتصدقن ولكن التاء أدغمت في الصاد لقربها منها) (١).\nقال الليث: (المتصدق: المعطي والمتصدق: السائل) (٢)، وأنكر ذلك (٣) أهل اللغة، ولم يجيزوا أن يقال للسائل: متصدق، قال ذلك الفراء (٤) والأصمعي (٥) وغيرهما، فالمتصدق المعطي، قال الله تعالى: ﴿وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ﴾ [يوسف: ٨٨].\nوقوله تعالى: ﴿وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ أي لنعملن ما يعمل أهل الصلاح في أموالهم من صلة الرحم، والنفقة في الخير، وقال عطاء عن ابن عباس: (يريد الحج) (٦)، لأن ثعلبة كان مسكينًا فعاهد الله لئن وسع الله عليه (٧) ليصدقن وليحجن.\n_________\n= وقال القرطبي في \"تفسيره\" ٨/ ٢١٠: (ثعلبة بدري أنصاري، وممن شهد الله له ورسوله بالإيمان .. فما روي عنه غير صحيح).\nوقال العلامة محمود شاكر في تعليقه على \"تفسير ابن جرير\" ١٤/ ٣٧٣: (ضعيف كل الضعف، وليس له شاهد من غيره، وفي بعض رواته ضعف شديد).\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٦٢.\n(٢) \"تهذيب اللغة\" (صدق) ٢/ ١٩٩١ وقد وهم الأزهري في فهم عبارة كتاب \"العين\"، إذ نص العبارة فيه: والمتصدق: المعطى للصدقة، وأصدق: أخذ الصدقات من الغنم، قال الأعشى:\nودَّ المصَدّق من بني عمرو ... أن القبائل كلها غنم\nكتاب \"العين\" (صدق) ٥/ ٥٧. فهو يريد بالمصدق العامل على الصدقات وليس السائل بدلالة استشهاده ببيت الشعر، ثم هو لم يقل المتصدق، كما قال الأزهري.\n(٣) ساقط من (ى).\n(٤) \"تهذيب اللغة\" (صدق) ٢/ ١٩٩١.\n(٥) المصدر السابق، نفس الموضوع.\n(٦) ذكره الزمخشري في \"الكشاف\" ٢/ ٢٠٣.\n(٧) في (ي): (علينا).","vol":"10","page":562},{"text":"وقال الضحاك: (نزلت هذه الآيات في رجال من المنافقين سماهم، بسط الله لهم الدنيا فبخلوا بها بعدما عاهدوا أن يتصدقوا) (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1452>٧٧ </span>- قوله تعالى: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ الآية، قال الليث: (يقال أعقبت (٢) فلانًا ندامة: إذا صيرت عاقبة أمره ذلك، وأنشد للهذلي (٣):\nأودى (٤) بني وأعقبوني حسرة ..... بعد الرقاد وعبرة لا (٥) تقلع (٦)\nقال الأزهري: (ويقال: أكل فلان أكلة أعقبته سقمًا، وأعقبه الله خيرًا بإحسانه (٧) بمعنى عوضه وأبدله، وهو معنى قول النابغة (٨):\nومن أطاع فأبدله (٩) بطاعته ...... كما أطاعك واد لله على الرشد (١٠)\n_________\n(١) رواه الثعلبي في \"تفسيره\" ٦/ ١٣١ أ.\n(٢) في (ح): (أعقب).\n(٣) هو: أبو ذؤيب. انظر: \"شرح أشعار الهذليين\" ١/ ٦، و\"خزانة الأدب\" ١/ ٤٢٠، و\"كتاب العين\" (عقب) ١/ ١٧٩، و\"لسان العرب\" (عقب) ٥/ ٣٠٢٤.\n(٤) أودى: هلك، و\"لسان العرب\" (ودى) ١/ ٣٨٩٥.\n(٥) في (م) و(ى): (ما)، وما أثبته موافق لـ\"الشرح\" و\"الخزانة\".\n(٦) لم أجد هذا النص المنسوب لليث في \"تهذيب اللغة\" (عقب) ولا في كتاب \"العين\" (عقب)، وقد استشهد الخليل بالبيت المذكور في نفس الموضع على أن (أعقب) لغة في (عقب) وقال في نفس الموضع: (أعقب هذا ذاك: أي صار مكانه، وأعقب عزه ذلًا: أي: أبدل منه). كتاب: \"العين\" (عقب) ١/ ١٨٠ فلعل المؤلف فهم من هذا القول ما ذكره عن الليث، وأغلب النحاة -لاسيما البصريين- ينسبون كتاب \"العين\" لليث بن المظفر، انظر: مقدمة كتاب \"العين\" ١/ ١٩.\n(٧) في (ح): (بإحسانًا)، وما أثبته موافق للمصدر.\n(٨) هو الذبياني، انظر \"ديوانه\" ص ٢١ والشاعر يخاطب النعمان بن المنذر ممدوحه.\n(٩) في (ح): (فأعقبهم)، وفي \"الديوان\"، و\"تهذيب اللغة\": (فأعقبه).\n(١٠) أهـ. كلام الأزهري، وقد جمع المؤلف بين قولين له، انظر: \"تهذيب اللغة\" (عقب) ٣/ ٢٥٠٦، ٢٥٠٨.","vol":"10","page":563},{"text":"فإن (١) شئت قلت في قوله: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا﴾ صير عاقبة أمرهم ذلك، وإن شئت قلت (٢): عوضهم وأبدلهم والمعنى واحد؛ لأنه التصيير إلى حالة (٣) مخصوصة في العاقبة بخير أو بشر، فالخير ما ذكره النابغة، والشر ما ذكره الله في هذه الآية، قال عطاء عن ابن عباس: (فأعقبه الله نفاقًا حتى مات) (٤).\nوقال مجاهد: (أعقبهم الله ذلك بحرمان التوبة كما حرم إبليس) (٥).\nقال الزجاج: ([والمعنى: أضلهم بفعلهم، قال: ويجوز أن يكون لما قال: ﴿بَخِلُوا بِهِ﴾ قال: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا﴾، (٦) أي فأعقبهم بخلهم نفاقًا) (٧).\nوقوله تعالى: ﴿إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾ هذا دليل على أنه مات منافقا، فقد روي أنه أتى النبي -ﷺ- بصدقته فقال: \"إن الله منعني أن أقبل منك صدقتك\" ثم لم يقبلها أبو بكر ولا عمر ولا عثمان، ومات في خلافته (٨)، فمن قال:\n_________\n(١) في (ى): و(إن).\n(٢) في (ح): (قلت في قوله ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا﴾ وعوضهم .. إلخ).\n(٣) في (ى): (حالة واحدة).\n(٤) ذكره بمعناه ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٣/ ٤٧٥، والفيروزأبادي في \"تنوير المقباس\" ١٩٩.\n(٥) لم أجد من ذكره عن مجاهد سوى المؤلف هنا وفي \"الوسيط\" ٢/ ٥١٤، وقد رواه بلفظ مقارب ابن جرير ١٠/ ١٩١ عن عبد الرحمن بن زيد.\n(٦) ما بين المعقوفين ساقط من (ى).\n(٧) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٦٢ بمعناه.\n(٨) هذا بعض حديث أبي أمامة الذي سبق تخريجه وبيان ضعفه الشديد، وهذا النص يؤكد بطلان القصة إذ أن الله تعالى يقول: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨].","vol":"10","page":564},{"text":"أعقبهم الله (١) رد الضمير في ﴿يَلْقَوْنَهُ﴾ إلى اسم الله ﷿، ومن قال: أعقبهم بخلهم، رد الضمير إليه، بمعنى: يلقون جزاء بخلهم (٢).\nوقوله تعالى: ﴿بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ هذا بيان عما يوجبه الكذب مع إخلاف الوعد من النفاق، فمن أخلف في المواثيق مع الله فقد تعرض للنفاق، وكان جزاؤه من الله إفساد قلبه بما يكسبه (٣) النفاق، فأما ما روي عن النبي -ﷺ-: \"ثلاث من كن فيه فهو منافق وإن صلى وصام وزعم أنه مؤمن، إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان\" (٤)، فقد أجرى هذا الخبر على ظاهره الحسن (٥) وعبد الله بن عمرو (٦) ومحمد بن كعب (٧)، وقال عطاء بن أبي (٨) رباح: (حدثني جابر بن\n_________\n(١) في (ى): (بخلهم)، وهو خطأ واضح بدلالة السياق.\n(٢) قال ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٣/ ٤٧٥: في الضمير في (أعقبهم) قولان: أحدهما: أنها ترجع إلى الله، فالمعنى: جازاهم الله بالنفاق، وهذا قول ابن عباس ومجاهد. والثاني: أنها ترجع إلى البخل، فالمعنى: أعقبهم بخلهم بما نذروا إانفاقًا. قاله الحسن.\n(٣) في (ى): (كسبه)، وفي (م): (يكسب).\n(٤) رواه مسلم (١٠٩)، كتاب: الإيمان، باب: بيان خصال المنافق، وأحمد في \"المسند\" ٢/ ٣٩٧، ورواه مختصرًا البخاري (٣٣)، كتاب: الإيمان، باب: علامة المنافق، والترمذي (٢٦٣١)، كتاب: الإيمان، باب: ما جاء في علامة المنافق.\n(٥) انظر: \"تفسير ابن جرير\" ١٠/ ١٩٢ - ١٩٣، والثعلبي ٦/ ١٣٢ وفي سنده محمد المحرم، منكر الحديث كما قال البخاري في \"التاريخ الكبير\" ١/ ٢٤٨، ثم إن في آخر الحديث ما يفيد رجوع الحسن عن رأيه.\n(٦) انظر: \"تفسير ابن جرير\" ١٠/ ١٩١ - ١٩٢ وليس في خبره ما يشعر أن عبد الله بن عمرو أجراه على ظاهره، بل ذكر آية المنافق، واستشهد على قوله بالآية المذكورة.\n(٧) انظر: المصدر السابق، الصفحة التالية.\n(٨) ساقط من (ح).","vol":"10","page":565},{"text":"عبد الله أن رسول الله -ﷺ- إنما قال هذا الحديث في المنافقين خاصة، الذين حدثوا النبي -ﷺ- فكذبوه، وائتمنهم على سره (١) فخانوه، ووعدوا أن يخرجوا معه في الغزو فأخلفوه) (٢) فعنده هذا الحديث خاص في المنافقين (٣).\n_________\n(١) ساقط من (ى).\n(٢) رواه ابن جرير في \"تفسيره\" ١٠/ ١٩٢، والثعلبي في \"تفسيره\" ٦/ ١٣٣ أ، وفي سنده محمد المحرم، وهو منكر الحديث كما قال البخاري في \"التاريخ الكبير\" ١/ ٢٤٨.\nوقد قال الحافظ ابن حجر في \"فتح الباري\" ١/ ٩١: (منهم من ادعى أنها للعهد -يعني ال في المنافق- فقال: إنه ورد في حق شخص معين، أو في حق المنافقين في عهد النبي -ﷺوتمسك هؤلاء بأحاديث ضعيفة).\n(٣) للعلماء في توجيه الحديث عدة أجوبة منها:\nأولًا: قال النووي في \"شرح صحيح مسلم\" ٢/ ٤٧: (هذا الحديث ليس فيه بحمد الله إشكال، ولكن اختلف العلماء في معناه، فالذي قاله المحققون والأكثرون وهو الصحيح المختار: إن معناه أن هذه الخصال خصال نفاق، وصاحبها شبيه بالمنافقين في هذه الخصال ومتخلق بأخلاقهم، فإن النفاق هو إظهار ما يبطن خلافه، وهذا المعنى موجود في صاحب هذه الخصال، ويكون نفاقه في حق من حدثه ووعده وائتمنه وخاصمه وعاهده من الناس لا أنه منافق في الإسلام فيظهره وهو يبطن الكفر).\nثانيًا: ذهب بعض العلماء إلى أن هذا الحديث من أحاديث الوعيد التي قصد بها الترهيب، وظاهرها غير مراد، وهذا ما ارتضاه الخطابي كما في \"فتح الباري\" ١/ ٩٠.\nثالثًا: أن النفاق قسمان، نفاق العمل، وهو المذكور في الحديث، وهو غير مخرج من الإسلام، ونفاق الاعتقاد وهو إظهار الإسلام وإبطان الكفر وهو مخرج من الإسلام، وهذا الوجه عليه كثير من المحققين، قال الترمذي في \"سننه\" ٥/ ٢٠ بعد إيراد الحديث: (وإنما معنى هذا عند أهل العلم نفاق العمل، وإنما كان نفاق =","vol":"10","page":566},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1453>٧٩ </span>- قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ﴾ الآية، مضى الكلام في اللمز عند قوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ [التوبة: ٥٨].\nوالمطوعون: المتطوعون (١)، والتطوع التنفل، وهو الطاعة لله ﷿ فيما ليس بواجب، ومضى الكلام في إدغام التاء في الطاء عند قوله: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ [البقرة: ١٥٨] (٢)، وقوله: ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] (٣)، قال المفسرون: حث النبي -ﷺ- على الصدقة فجاء عمر وعثمان وعبد الرحمن بن عوف، بصدقة عظيمة، وجاء رجل يقال له: أبو عقيل الأنصاري (٤) بصاع من تمر وكان قد أجر نفسه ليلة إلى الصبح يسقي نخل رجل، فأخذ أجرته فجعل نصفها صدقة لوجه الله تعالى ونصفها\n_________\n= التكذيب على عهد رسول الله -ﷺ-، هكذا روي عن الحسن البصري شيئًا من هذا أنه قال: النفاق نفاقان: نفاق العمل، ونفاق التكذيب) اهـ.\nوانظر: \"مجموع فتاوى شيخ الإسلام\" ١١/ ١٤٠، ٢٨/ ٤٣٥، و\"فتح الباري\" ١/ ٩٠.\n(١) في (م): (والمطوعين المتطوعين).\n(٢) انظر: \"النسخة الأزهرية\" ١/ ١٠٠ أوقد قال هنا: (الوجه الثاني من القراءة (يطوع) بالياء وجزم العين، وتقديره يتطوع، إلا أن التاء أدغم في الطاء لتقاربهما).\n(٣) انظر: \"النسخة الأزهرية\" ١/ ١٣٥ ب وقد قال في هذا الموضع: (حتى يطهرن) أي: يتطهرن، ومعناه يغتسلن بالماء بعد النقاء من الدم، فأدغمت الثاني بالطاء، هذه قراءة أهل الكوفة).\n(٤) أبو عقيل الأنصاري، صحابي أنصاري معروف بكنيته، واختلف في اسمه اختلافًا كثيرًا، فقيل: الحبحاب، وقيل: الحثحاث، وقيل: هذا لقب له واسمه سهل بن رافع، وقيل: هو عبد الرحمن بن بيحان، وقيل: هو أبو عقيل بن عبد الله بن ثعلبة البلوي شهد بدرًا، واستشهد باليمامة، وقيل غير ذلك.\nانظر: \"فتح الباري\" ٨/ ٣٣١، و\"الأصابة\" ٤/ ١٣٦ (٧٧٦).","vol":"10","page":567},{"text":"لعياله، فلمزهم المنافقون وقالوا: ما أخرج هؤلاء صدقاتهم إلا رياء، وأما أبو عقيل فإنما جاء بصاعه ليذكر نفسه، وإن كان الله ورسوله لغنيين عن صاعه، فأنزل الله هذه الآية (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ﴾ يعني أبا عقيل، وقال عطاء عن ابن عباس: هو سهل بن نافع (٢).\nقال الليث: الجهد شيء قليل يعيش به المقل (٣).\nوقال الزجاج: (إلا جهدهم) و(جهدهم) بالفتح والضم (٤).\n_________\n(١) انظر: \"تفسير ابن جرير\" ١٠/ ١٩٤ - ١٩٨، و\"الدر المنثور\" ٣/ ٤٦٩ - ٤٧٢، وقد روى نحوه البخاري (٤٦٦٨)، كتاب: التفسير، باب: قوله الذين يلمزون المطوعين، ومسلم (١٠١٨)، كتاب: الزكاة، باب: الحمل أجرة يتصدق بها، والنسائي، كتاب: الزكاة، [باب] جهد المقل ٥/ ٥٩.\n(٢) هكذا في النسخ التي بين يدي، ولم يذكر ابن حجر في \"الإصابة\" أحدًا من الصحابة بهذا الاسم، فلعل في اسمه تصحيف والصواب سهل بن رافع، أحد بني النجار الأنصاري الخزرجي، فقد قال الحافظ ابن حجر في ترجمته في \"الإصابة\" ٢/ ٨٧: (يقال: إنه صاحب الصاع قال ابن منده: شهد أحدًا، ومات في خلافة عمر، وروى عيسى بن يونس عن سعيد بن عثمان البلوي عن جدته بنت عدي عن أمها عميرة بنت سهل بن رافع صاحب الصاع الذي لمزه المنافقون، خرج بزكاته صاع تمر وبابنته عميرة إلى النبي -ﷺ- فقال: ادع الله لي ولها بالبركة فما لي غيرها فوضع يده عليها فدعا له). وقد رجح الحافظ في \"فتح الباري\" ٨/ ٣٣١ تعدد من جاء بالصاع فلمزه المنافقون.\n(٣) \"تهذيب اللغة\" (جهد) ١/ ٦٧٥ والنص في كتاب: \"العين\" للخليل بن أحمد (جهد) ٣/ ٣٨٦.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٦٢، والقراة بالفتح شاذة قرأ بها الأعرج وعطاء ومجاهد.\nانظر: \"مختصر في شواذ القرآن\" من كتاب \"البديع\" لابن خالويه ص ٥٤.","vol":"10","page":568},{"text":"قال الفراء: الضم لغة أهل الحجاز والفتح لغيرهم (١)، وحكى (٢) ابن السكيت عنه الفرق بينهما فقال: الجُهد: الطاقة، تقول: هذا جهدي أي طاقتي، والجهد: المشقة، تقول: اجهد جهدك (٣). وقال الشعبي: الجهد في العمل، والجهل في القوت (٤).\nوقوله تعالى: ﴿فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ﴾ الكناية تعود إلى الذين لا يجدون إلا جهدهم، وقوله تعالى: ﴿سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ﴾ خبر الابتداء الذي هو قوله: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ﴾ ومعناه: جازاهم جزاء سخريتهم، ومضى الكلام في هذا (٥)، قال ابن عباس: (يريد حيث صاروا إلى النار) (٦).\nوقال صاحب \"النظم\": قوله: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ﴾ صفة للمكني المتصل بقوله في الآية التي قبل هذه: ﴿سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ﴾ [التوبة: ٧٨] ولا يحتمل أن يكون قوله: (الَّذِينَ (٧) يَلْمِزُونَ) مبتدأ؛ لأنه لم يجيء له جواب، وقوله تعالى: ﴿سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ﴾ لا يحتمل أن يكون جوابًا لأنه فعل ماض (٨)، وهذه السخرية لا تكون إلا في الآخرة، فكان هذا القول دعاء،\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" ١/ ٤٤٧ بمعناه.\n(٢) في (م): (وقال).\n(٣) \"تهذيب إصلاح المنطق\" (جهد) ص ٢٢٧، و\"المشوف المعلم في ترتيب الإصلاح على حروف المعجم\" (جهد) ١/ ١٧١ بنحوه.\n(٤) رواه ابن جرير ١٠/ ١٩٨، وبمعناه ابن أبي حاتم ٦/ ١٨٥٣.\n(٥) انظر: \"البسيط\" البقرة: ٢١٢.\n(٦) ذكره القرطبي في \"تفسيره\" ٨/ ٢١٥.\n(٧) ساقط من (ى).\n(٨) ذهب النحاس في \"إعراب القرآن\" ٢/ ٢٠٦، والقرطبي في \"تفسيره\" ٨/ ٢١٥ إلى أن (الذين يلمزون) مبتدأ و(سخر الله منهم) خبره، وذكر أبو البقاء العكيري عدة وجوه في الخبر: =","vol":"10","page":569},{"text":"وقد قال بعضهم (١): ﴿الَّذِينَ﴾ مبتدأ منقطع مما قبله وقوله: ﴿سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ﴾ خبره، دعاء كان أو خبرًا، في الدنيا كان أو في الآخرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1454>٨٠ </span>- قوله تعالى: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ الآية، قال الفراء: (ظاهر الآية أنه أمر ونهي، خيره بينهما، وإنما (٢) هو على تأويل الجزاء، بمعنى إن تستغفر لهم أو لا تستغفر لهم) (٣)، وقد ذكرنا هذا عند قوله: ﴿قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾ [التوبة: ٥٣] الآية، وقال غيره من أهل المعاني: (معنى صيغة الأمر والنهي في هذه الآية: المبالغة في اليأس من المغفرة بأنه لو طلبها طلب المأمور بها، أو (٤) تركها ترك المنهي عنها لكان ذلك سواء في أن الله لا يوقعها (٥» (٦).\nوقوله تعالى: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ قال المتأخرون من أهل التفسير: (السبعون عند العرب غاية مستقصاة؛ لأنه جمع سبعة والسبعة تتمة عدد الخلق كالسماوات والأرض والبحار (٧)\n_________\n= الأول: (فيسخرون) ودخلت الفاء لما في (الذين) من الشبه بالشرط.\nالثاني: أن الخبر (سخر الله منهم).\nالثالث: أن الخبر محذوف، تقديره: منهم الذين يلمزون.\nانظر: \"التبيان في إعراب القرآن\" ص ٤٢٥.\n(١) انظر التعليق السابق.\n(٢) في (ى): (وانهما)، وهو خطأ.\n(٣) \"معاني القرآن\" ١/ ٤٤١ بمعناه.\n(٤) في (ح): (و).\n(٥) في (م): (يرفعها).\n(٦) لم أقف عليه.\n(٧) لم يتبين لي مراده بذلك، والبحار المعروفة أكثر من سبعة.","vol":"10","page":570},{"text":"والأقاليم (١) والنجوم (٢) والأعضاء (٣» (٤)، وذكر في بعض الكتب (٥): (إن تستغفر لهم سبعين مرة) إنما خص هذا العدد لأنه يروى أن النبي -ﷺ- صلى على حمزة سبعين تكبيرة، فكأنه قيل: إن تستغفر لهم سبعين مرة بإزاء صلاتك على حمزة) (٦).\nوقال الأزهري: (العرب تضع التسبيع (٧) في موضع التضعيف، حكى أبو عمرو أن رجلًا أعطى أعرابيًا درهمًا، فقال (٨): سبع الله له الأجر، قال: أراد التضعيف، وفي نوادر الأعراب: سبع الله لفلان تسبيعًا وتبع له تتبيعًا، أي: تابع له الشيء [بعد الشيء] (٩).\n_________\n(١) لم يتين لي المراد بذلك، ولا يمكن أن يقال: إن مراده القارات السبع؛ لأن ثلاثًا منها على الأقل لم تكشف إلا بعد وفاة المؤلف بدهر.\n(٢) يعني النجوم السيارة في المجموعة الشمسية، وقد كان المعروف منها زمن المؤلف سبع.\nانظر: \"تفسير الرازي\" ١٦/ ١٤٨. وقد اكتشف فيما بعد غيرها.\n(٣) لعله يعني الأعضاء السبعة التي يسجد عليها المصلي، وذكر ابن عطية في \"المحرر الوجيز\" ٦/ ٥٨٢ - ٥٨٣ نحو هذا القول، وفسر الأعضاء بالجوارح التي بها يطيع الإنسان ربه ويعصيه، وهي عيناه وأذناه ولسانه وبطنه وفرجه ويداه ورجلاه، وفيه نظر لأن الطاعة والمعصية ليست محصورة بهذه الأعضاء فالأنف قد يشم ما حرم الله، والقلب قد يحمل حقدًا وحسدًا واحتقارًا لمسلم، والمرأة قد تعصي ربها بإبداء زينتها ووجهها لأجنبي.\n(٤) هذا القول للثعلبي، انظر: \"تفسيره\" ٦/ ١٣٤ ب.\n(٥) في (ى): (بعض أهل الكتب)، وهو خطأ.\n(٦) انظر: \"تفسير الثعلبي\" ٦/ ١٣٤ ب، ولم يذكر سنده.\n(٧) في (ح): (السبع).\n(٨) في (ى): (فقال له)، وأثبت ما في (ح) و(م) لموافقته لما في \"تهذيب اللعة\".\n(٩) ما بين المعقوفين ساقط من (ى).","vol":"10","page":571},{"text":"قال: والأصل في هذا: قول الله ﷿: ﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ﴾ [البقرة: ٢٦١]، وقال ﵇ \"الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة\" (١) فلما ذكر الله تعالى ورسوله هذا العدد في موضع التضعيف صار أصلًا فيه، فقوله: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً﴾ من باب التكثير والتضعيف لا من باب حصر العدد، ولم يرد الله أنه (٢) إن زاد على السبعين غفر لهم، ولكن المعنى: إن استكثرت من الدعاء بالاستغفار للمنافقين لم يغفر الله لهم (٣).\nهذا الذي ذكرنا في هذه الآية مذهب أهل اللغة وأصحاب المعاني (٤)، وأما المفسرون فإنهم أجروا الآية على ظاهرها، فقالوا: إن قوله: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ تخيير، وقوله: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً﴾ حصر بهذا العدد (٥)، ورووا في هذا عن النبي -ﷺ- ما يوافق هذا\n_________\n(١) رواه البخاري (٤١، ٤٢)، كتاب: الإيمان، باب: حسن إسلام المرء، ومسلم (١٦٤)، كتاب: الصيام، باب: فضل الصيام، والنسائي في \"سننه\"، كتاب: الإيمان، باب: حسن إسلام المرء ٨/ ١٠٥، وابن ماجه (١٦٣٨)، كتاب: الصيام، باب: ما جاء في فضل الصيام، وأحمد في \"المسند\" ١/ ٤٤٦.\n(٢) ساقط من (ى) و(م).\n(٣) اهـ. كلام الأزهري، انظر: \"تهذيب اللغة\" (سبع) ٢/ ١٦١٧.\n(٤) انظر: \"تهذيب اللغة\" (سبع) ٢/ ١٦١٧، و\"لسان العرب\" (سبع) ٣/ ١٩٢٤.\n(٥) نسبة المؤلف هذا القول للمفسرين على وجه العموم فيه نظر، إذ هم فريقان في هذه المسألة، فبعضهم ذهب إليه، وقد ذكر القرطبي بعضهم في \"تفسيره\" ٨/ ٢٢٠ حيث قال. (وقالت طائفة - منهم الحسن وقتادة وعروة: إن شئت استغفر لهم، وإن شئت لا تستغفر) اهـ. واعتمد هذا القول السمرقندي في \"تفسيره\" ٢/ ٦٥، والمؤلف في \"الوسيط\" ٢/ ٥١٥، وابن عطية في \"المحرر الوجيز\" ٦/ ٥٨٠، وابن العربي في \"أحكام القرآن\" ٢/ ٩٩٠ ولم تذكر كتب الرواية كـ\"تفسير ابن جرير\" وابن أبي حاتم =","vol":"10","page":572},{"text":"المذهب، وهو ما روي أن النبي -ﷺ- لما أراد الصلاة علي عبدالله بن أبي قال له عمر: أتصلي على عدو الله القائل يوم كذا: كذا وكذا؟! فقال: \"إني خيرت فاخترت، قد قيل لي: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ \" (١).\n_________\n= و\"الدر المنثور\" قولًا لأحد المفسرين السابقين بهذا المعنى، وإنما ذكرت عن جمع من مفسري السلف -منهم عروة وقتادة- رواية عن النبي -ﷺ- بالتخيير، فلعل من نسب هذا القول إلى الرواة بناء على أن الراوي لا يخالف روايته، وهذا ليس على إطلاقه.\nوقد خالف هذا القول كثير من المفسرين، فابن جرير قال في تفسير الآية ١٠/ ١٩٨ هذا كلام خرج مخرج الأمر، وتأويله الخبر، ومعاه: إن استغفرت لهم يا محمد أو لم تستغفر لهم فلن يغفر الله لهم، وقال الثعلبي في \"تفسيره\" ٦/ ١٣٤/ ب: (لفظه أمر، ومعاه جزاء، تقديره: إن استغفرت لهم أو لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم).\nوقال البغوي في \"تفسيره\" ٤/ ٧٩: (لفظه أمر، ومعاه خبر، تقديره: استغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم .. وذكر عدد السبعين للمبالغة في اليأس عن طمع المغفرة).\nوقال الماوردي في \"النكت والعيون\" ٢/ ٣٨٦: (قوله ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً﴾ ليس بحد لوقوع المغفرة بعدها، وإنما هو على وجه المبالغة بذكر هذا العدد). وانظر: \"تفسير الزمخشري\" ٢/ ١٩٥، ٢٠٤، وابن كثير ٢/ ٤١٤.\nوعلى أي حال فالقول بأن قوله تعالى: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ تخيير للنبي -ﷺ- هو الصحيح؛ لقوله -ﷺ-: \"إني خيرت فاخترت\"، وهذا الحديث نص في هذه المسألة فلا ينبغي العدول عنه.\n(١) رواه البخاري (٤٦٧٠)، كتاب: التفسير، باب: قوله ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾، ومسلم (٢٤٠٠)، كتاب: فضائل الصحابة، باب: من فضائل عمر، والنسائي، كتاب: الجنائز، [باب] الصلاة على المنافقين ٤/ ٦٧، والترمذي (٣٠٩٧)، كتاب: تفسير القرآن، باب: ومن سورة التوبة ٥/ ٢٧٩، وأحمد في \"المسند\" ١/ ١٦.","vol":"10","page":573},{"text":"وقال الضحاك: لما نزلت هذه الآية قال رسول الله -ﷺ-: \"إن الله رخص لي فسأزيدن (١) على السبعين لعل الله أن يغفر لهم\" (٢)، ونحو هذا قال عروة بن الزبير والحسن وقتادة: إن النبي -ﷺ- قال: \"لأزيدن علي السبعين\" فأنزل الله: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [المنافقون: ٦] (٣)، قال مقاتل: (فصار قوله: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ منسوخًا بقوله تعالى: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ﴾ (٤).\nفهذا الذي ذكرنا من قولهم يدل على أنهم جعلوا قوله: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ [أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ] (٥)﴾ تخييرًا، وقوله تعالى: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً﴾ حصرًا لهذا العدد لا تكثرًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1455>٨١ </span>- قوله تعالى: ﴿فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ﴾، قال ابن عباس وغيره: (يريد المنافقين الذين تخلفوا عن رسول الله -ﷺ- في غزوة تبوك) (٦)، والمخلف:\n_________\n(١) في \"تفسير البغوي\": (فلأزيدن)، وفي \"تفسير الثعلبي\": (فسأزيد).\n(٢) رواه الثعلبي في \"تفسيره\" ٦/ ١٣٤ ب، والبغوي في \"تفسيره\" ٤/ ٧٩، وهو ضعيف لإرساله، وقال القشيري: لم يثبت أنه قال: \"لأزيدن على السبعين\". \"تفسير القرطبي\" ٨/ ٢١٩.\n(٣) رواه ابن جرير ١٠/ ١٩٨ - ٢٠٠ عن عروة وقتادة، ورواه عن عروة أيضًا ابن أبي حاتم ٦/ ١٨٥٤، وأشار القرطبي في \"تفسيره\" ٨/ ٢٢٠ إلى قول الحسن، وأقوالهم هذه مراسيل.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ١٣٣ أبنحوه.\n(٥) ما بين المعقوفين ساقط من (ى).\n(٦) \"تنوير المقباس\" ص ٢٠٠، وبنحوه قال قتادة والضحاك وابن الجوزي وغيرهم. انظر: \"زاد المسير\" ٣/ ٤٧٨، و\"الدر المنثور\" ٣/ ٤٧٤.","vol":"10","page":574},{"text":"المتروك خلف (١) من مضى.\nوقوله تعالى: ﴿بِمَقْعَدِهِمْ﴾، قال عطاء عن ابن عباس: (يريد: المدينة) (٢) فعلى هذا، المقعد: اسم المكان، وقال مقاتل: (بمقعدهم: بقعودهم) (٣)، وعلى هذا هو اسم للمصدر، قال أبو علي: (المقعد هاهنا: مصدر في معنى القعود ولا يكون اسمًا للمكان؛ لأن أسماء الأماكن لا يتعلق بها شيء) (٤).\nوقوله تعالى: ﴿خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ﴾، قال قطرب والمؤرج: (يعني مخالفة رسول الله -ﷺ- حين سار وأقاموا) (٥)، واختاره الزجاج، فقال: (معناه: مخالفة رسول الله -ﷺ-، قال: وهو منصوب؛ لأنه مفعول له، المعنى: بأن قعدوا لمخالفة رسول الله -ﷺ-) (٦)، وعلى هذا القول: فالخلاف مصدر مضاف (٧) إلى المفعول به.\nوزعم أبو عبيدة: أن معناه: بعد رسول الله -ﷺ- (٨)، ونحو هذا قال الأخفش: إن (خلاف): في معنى (٩): خلف، وأن يونس روى ذلك عن\n_________\n(١) في (ح): (وخلف).\n(٢) ذكره الرازي في \"تفسيره\" ١٦/ ١٤٩.\n(٣) المصدر السابق، نفس الموضع، ولعل هذا القول لمقاتل بن حيان؛ لأن مقاتل بن سليمان لم يذكره في \"تفسيره\".\n(٤) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ١١٤.\n(٥) انظر: \"تفسير الثعلبي\" ٦/ ١٣٥ أ، و\"البحر المحيط\" ٥/ ٧٩، و\"الدر المصون\" ٦/ ٩١.\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٦٣.\n(٧) في (م): (يضاف).\n(٨) \"مجاز القرآن\" ١/ ٢٦٤.\n(٩) في (ح): (بمعنى).","vol":"10","page":575},{"text":"عيسى (١) قال: ومعناه: بعد رسول الله -ﷺ-) (٢)، ولقوي هذا الوجه قراءة من قرأ (خَلْفْ رَسُولِ اللهِ) (٣) وعلى هذا القول، الخلاف (٤): اسم للجملة كالخلف، وهو على حذف المضاف كأنه خلاف خروج (٥) رسول الله -ﷺ-، ونحو هذا قال ابن عباس في رواية عطاء قال: (يريد بعد خروج رسول الله -ﷺ- إلى تبوك) ففسر الخلاف ببعد، وذكر المضاف المحذوف، و(خلاف) بمعنى (خلف) مستعمل، أنشد أبو عبيدة (٦) للأحوص (٧):\n_________\n(١) هو: عيسى بن عمر الثقفي، أبو عمر البصري، العلامة، إمام النحو، وشيخ الخليل بن أحمد، كان مقرئًا نحويًّا عالمًا ثقة، وهو من أوائل من وضع النحو وصنف فيه، توفي سنة ١٤٩ هـ على قول القفطي، وقال الذهبي: لعله بقي إلى بعد سنة١٦٠ هـ.\nانظر: \"أخبار النحويين البصريين\" ص ٤٩، و\"إنباه الرواة\" ٢/ ٣٧٤، و\"سير أعلام النبلاء\" ٧/ ٢٠٠.\n(٢) ذكر قول الأخفش هذا وروايته الرازي في \"تفسيره\" ١٦/ ١٤٩، وأشار إليه أبو حيان في \"البحر المحيط\" ٥/ ٧٩، والسمين الحلبي في \"الدر المصون\" ٦/ ٩١، أما الأخفش في \"معاني القرآن\" ١/ ٣٦٢ فقد نسب هذا القول إلى غيره، ورجح هو أن (خلاف) بمعنى خالفة، وأنه مصدر (خالفوا).\n(٣) هي قراءة شاذة قرأ بها ابن عباس وأبو حيوة وعمرو بن ميمون، انظر: \"مختصر في شواذ القرآن\" ص ٥٤، و\"البحر المحيط\" ٥/ ٧٩.\n(٤) ساقط من (ح).\n(٥) ساقط من (ح).\n(٦) انظر: \"مجاز القرآن\" ١/ ٢٦٤.\n(٧) هو: عبد الله بن محمد بن عبد الله الأنصاري، الملقب بالأحوص لضيق مؤخر عينيه، كان شاعر هجاء وغزل، وجعله ابن سلام في الطبقة السادسة من الإسلاميين، وكان معاصرًا لجرير والفرزدق، وتوفي سنة ١٠٥ هـ.\nانظر: \"طبقات فحول الشعراء\" ٢/ ١٤٨، ٦٥٥، و\"الشعر والشعراء\" ص ٣٤٥، و\"الأعلام\" ٤/ ١١٦.","vol":"10","page":576},{"text":"عَقَبَ الربيعُ خلافهم فكأنما ..... بَسَطَ الشواطبُ بينهن حصيرًا (١)\nوقوله تعالى: ﴿لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ﴾ يعني مع محمد إلى تبوك: ﴿لْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ﴾، قال ابن عباس: (يريد: يفهمون ويعقلون أن مصير المنافقين إليها) (٢)، وهذا ذم للمنافقين بفرحهم بالقعود عن الجهاد، والفرار من حر الشمس إلى حر الجمر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1456>٨٢ </span>- قوله تعالى: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا﴾، قال أبو رزين (٣): (يقول الله تعالى: مقامهم (٤) في الدنيا قليل فليضحكوا فيها ما شاؤوا، فإذا صاروا إلى الآخرة بكوا (٥) بكاء (٦) لا ينفعهم فذلك الكثير) (٧).\nوقال الحسن: (قوله: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا﴾ وعيد من الله لهم، يقول: فإن ذلك منهم قليل لأن الدنيا كلها قليل يفنى وينقطع، [فضحكهم قليل فيها،\n_________\n(١) نسب المؤلف البيت للأحوص، والصحيح أنه للحارث بن خالد المخزومي كما في \"ديوانه\" ص ٦٣، و\"مجاز القرآن\" ١/ ١٦٤، و\"الأغاني\" ١٥/ ١٢٨، و\"لسان العرب\" (خلف) ٢/ ١٢٣٧. ورواية \"الديوان\": عقب الرذاذ.\nوالشواطب: النساء اللواتي يشققن الخوص، ويقشرن العسب، ليتخذن منه الحصر. انظر: \"اللسان\" (شطب) ٤/ ٢٢٦١.\n(٢) \"تنوير المقباس\" ص ٢٠٠ مختصرًا.\n(٣) هو: مسعود بن مالك الأسدي مولاهم، أبو رزين الكوفي، تابعي ثقة، من رجال مسلم، توفي سنة ٨٥ هـ.\nانظر: \"الكاشف\" ٢/ ٢٥٧، و\"تهذيب التهذيب\" ٤/ ٦٣، و\"تقريب التهذيب\" ص ٥٢٨ (٦٦١٢).\n(٤) ساقط من (ح).\n(٥) في (ح): (يكون)، وهو خطأ.\n(٦) في (ح): (نكالًا)، وهو وهم من الناسخ.\n(٧) رواه بنحوه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٦/ ١٨٥٥، وابن جرير١٠/ ٢٠٢ وابن أبي شيبة كما في \"الدر المنثور\" ٣/ ٤٧٤.","vol":"10","page":577},{"text":"وسرورهم وفرحهم قليل لأنه ينقطع] (١)، وكل شيء ينقطع فهو قليل. ﴿وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا﴾ في النار لا انقطاع له (٢)، قال ابن عباس: (إن أهل النفاق ليبكون (٣) في النار عمر الدنيا فلا يرقأ لهم دمع) (٤)، وقال أبو موسى: (حتى لو أجريت السفن في دموعهم لجرت) (٥).\nقال صاحب \"النظم\": (هذا فصل (٦) جاء مجيء الأمر وتأويله الخبر، أي (٧): أنهم سيضحكون قليلا وسيبكون كثيرًا، يدل (٨) على ذلك قوله تعالى: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾.\nوقال أبو إسحاق: (﴿جَزَاءً﴾ مفعول له، المعنى: وليبكوا لهذا الفعل) (٩).\nوقال ابن عباس: في قوله: ﴿بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (أي: في الدنيا من النفاق والتكذيب) (١٠).\n_________\n(١) ما بين المعقوفين ساقط من (ح).\n(٢) رواه ابن جرير ١٠/ ٢٠٢ مختصرًا، وذكر بعضه ابن أبي حاتم ٦/ ١٨٥٦ بغير سند، ورواه بمعناه مختصرًا عبد الرزاق في \"تفسيره\" ١/ ٢/ ٢٨٤.\n(٣) في (ى): (ليبكوا).\n(٤) رواه الثعلبى ٦/ ١٣٥ ب.\n(٥) رواه أحمد في كتاب: \"الزهد\" ٢/ ١٥٢، وأبو نعيم في \"الحلية\" ١/ ٢٦١، ورواه الحاكم عنه مرفوعًا \"المستدرك\" ٤/ ٦٠٥، وقال: صحيح الإسناد، قلت: في سنده محمد بن الفضل عارم، قال الحافظ ابن حجر في \"تقريب التهذيب\" ص٥٠٢ (٦٢٢٦): ثقة ثبت تغير، في آخر عمره.\n(٦) هكذا في النسخ ولعل الصواب: (فعل).\n(٧) ساقط من (ى).\n(٨) في (م): (دل).\n(٩) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٦٣، وعبارته: جزاء لهذا الفعل.\n(١٠) \"تنوير المقباس\" ص ٢٠٠ بمعناه.","vol":"10","page":578},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1457>٨٣ </span>- قال تعالى: ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ﴾، قال ابن عباس: (يريد: إن ردك الله إلى المدينة) (١) ومعنى الرجع: تصيير الشيء إلى المكان الذي كان فيه، يقال: رجعته رجعًا، كقولك: رددته ردًّا.\nوقوله تعالى: ﴿إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ﴾، قال ابن عباس: (يريد المنافقين خاصة) (٢)، قال المفسرون: (إنما خصص لأن جميع من أقام بالمدينة ما كانوا منافقين بل كان بعضهم مسلمين (٣) مخلصين معذورين، وبعضهم لا عذر له (٤) ثم عفى الله عنه) (٥).\nوقوله تعالى: ﴿فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ﴾، قال (٦): (يريد للغزو معك).\nوقوله (٧): ﴿فَقُلْ (٨) لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا﴾ إلى غزاة. قال ابن عباس: (وذلك أنه لم يكن يومئذ بقي أحد من المشركين إلا لحق بالشام، وصار في مملكة الروم، ودخل في الإسلام سائرهم) (٩)، ﴿وَلَنْ (١٠) تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا﴾ قال: (يريد: من أهل الكتاب) (١١)، ﴿إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ يعني\n_________\n(١) ذكره المؤلف في \"الوسيط\" ٢/ ٥١٦، وبمعناه الفيروزأبادي في \"تنوير المقباس\" ص ٢٠٠.\n(٢) \"تنوير المقباس\" ص ٢٠٠ بنحوه.\n(٣) من (م).\n(٤) في (ح): (لهم)، وما أثبته موائم لما بعده.\n(٥) انظر: \"تفسير الثعلبي\" ٦/ ١٣٥ ب، والبغوي ٤/ ٨١، وابن الجوزي ٣/ ٤٧٩، والقرطبي ٨/ ٢١٧.\n(٦) القائل ابن عباس، وانظر: \"الوسيط\" ٢/ ٥١٦، و\"تنوير المقباس\" ص ٢٠٠.\n(٧) من (م).\n(٨) في (ى) و(م): (قل).\n(٩) لم أقف عليه.\n(١٠) في (ح): (ولم)، وهو خطأ.\n(١١) \"الوسيط\" ٢/ ٥١٦ ولا دليل على هذا التخصيص.","vol":"10","page":579},{"text":"لم (١) تخرجوا إلى تبوك.\nوقوله تعالى: ﴿فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ﴾ ذكروا في المخالفين قولين:\nقال الأخفش وأبو عبيدة: (الخالف الذي خلفني فقعد بعدي) (٢)، ومنه قولهم: (اللهم اخلفني في أهلي) (٣).\nوقال المؤرج: (الخالف من يخلف) (٤).\nوقال ابن قتيبة: (﴿مَعَ الْخَالِفِينَ﴾ واحدهم خالف، وهو من يخلف الرجل (٥) في قومه وماله) (٦).\nوقال الفراء: (﴿مَعَ الْخَالِفِينَ﴾ من الرجال) (٧)، يريد الذين يخلفون في البيت فلا يبرحون، وهذا القول هو معنى ما ذكره المفسرون.\nقال ابن عباس: (﴿مَعَ الْخَالِفِينَ﴾ [مع الرجال] (٨) الذين تخلفوا بغير (٩) عذر) (١٠)، يريد الذين خلفوا من سار فأقاموا بعدهم.\n_________\n(١) في (ى): (لن)، وهو خطأ.\n(٢) انظر: قول أبي عبيدة في \"مجاز القرآن\" ١/ ٢٦٥، وذكره الرازي في \"تفسيره\" ١٦/ ١٥١ عن الأخفش، ولم أجده في كتابه \"معاني القرآن\".\n(٣) روى الدارمي في \"سننه\" ٢/ ٣٧٣ حديث دعاء المسافر وفيه: (اللهم اصحبنا في سفرنا واخلفنا في أهلنا بخير).\n(٤) لم أجد من ذكره.\n(٥) ساقط من (ى).\n(٦) \"تفسير غريب القرآن\"، له ص ١٩٩.\n(٧) \"معاني القرآن\" ١/ ٤٤٧.\n(٨) ما بين المعقوفين ساقط من (ى).\n(٩) في (ى): (من غير)، وما أثبته موافق لرواية الثعلبي.\n(١٠) رواه الثعلبي ٦/ ١٣٥ ب، والبغوي ٤/ ٨١، وبنحوه ابن المنذر كما في \"الدر المنثور\"، ورواه مختصرًا ابن جرير١٠/ ٢٠٤، وابن أبي حاتم ٦/ ١٨٥٧.","vol":"10","page":580},{"text":"وقال الحسن (١) والضحاك (٢) وقتادة (٣): (يعني النساء والصبيان)، وهؤلاء هم الذين يخلفون الذاهبين إلى السفر والغزو فعلى هذا القول، الخالف: كل من تأخر عن الشاخص.\nالقول الثاني في المخالفين: أن معناه: المخالفين، قال الفراء: (يقال: عبد (٤) خالف وصاحب خالف: إذا كان مخالفًا) (٥).\nوقال الأخفش: (فلان خالفة أهل بيته: إذا كان فاسدًًا) (٦).\nوقال أبو عبيدة: (فلان خالفة أهله أي: مخالفهم لا خير فيه) (٧).\nوقال الليث: (هذا رجل خالفةٌ: أي مخالف كثير الخلاف، وقوم خالفون، وكذلك رجل راوية ولحانة ونسابة ونحو ذلك، فإذا جمعت (٨) قلت: الخالفون والراوون) (٩).\n_________\n(١) ذكره الماوردي في \"تفسيره\" ٢/ ٣٨٨، والمؤلف في \"الوسيط\" ٢/ ٥١٦، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٣/ ٤٨٠، وذكره القرطبي في \"تفسيره\" ٨/ ٢١٨ بلفظ: مع النساء والضعفاء من الرجال، وذكره هود بن محكم في \"تفسيره\" ٢/ ١٥٨ بلفظ: مع النساء.\n(٢) رواه الثعلبي في \"تفسيره\" ٦/ ١٣٥ ب.\n(٣) ذكره الماوردي في \"تفسيره\" ٢/ ٣٨٨، والمؤلف في \"الوسيط\" ٢/ ٥١٦، وقد رواه ابن جرير ١٠/ ٢٠٤ بلفظ: مع النساء.\n(٤) في (ى): (عبده)، وما أثبته موافق للمصدر التالي.\n(٥) \"معاني القرآن\" ١/ ٤٤٧.\n(٦) لم أجده عن الأخفش، وانظر: المعنى في \"لسان العرب\" (خلف) ٢/ ١٢٤٠.\n(٧) \"مجاز القرآن\" ١/ ٢٦٥.\n(٨) في (ى): (اجتمعت)، وما أثبته موافق لكتاب \"العين\".\n(٩) كتاب \"العين\" (خلف) ٤/ ٢٦٩ وذكره باختصار الأزهري في \"تهذيب اللغة\" (خلف) ١/ ١٠٩١.","vol":"10","page":581},{"text":"وقال الأصمعي: (يقال: خلف فلان عن كل خير، فهو يخلف خلوفًا إذا فسد ولم يفلح (١) فهو خالف وخالفة (٢» (٣)، فجاء من هذه الأقوال أن الخالف يكون بمعنى المخالف وبمعنى الفاسد، وكلاهما يجوز في الآية، وقول ابن عباس في هذه الآية: ﴿مَعَ الْخَالِفِينَ﴾ مع الرجال الذين تخلفوا) (٤)، يجوز أن يكون من هذا؛ لأن من تخلف عنك فقد خالفك، وقال جماعة من المفسرين: (يريد مع أهل الفساد) (٥)، وهذا معنى ما ذكرنا من قولهم خلف فلان: إذا فسد، ومثله خلف اللبن وخلف النبيذ.\nوهذه الآية دليل على أن من ظهر منه نفاق وتخذيل لا يجوز للإمام أن يستصحبه في الغزو، اقتداءً برسول الله - ﷺ - فيما أمره الله به (٦) من مباعدتهم عن الجماعة التي تصحب في السفر وتنصر على العدو من أهل الطاعة (٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1458>٨٤ </span>- وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾، ﴿مَات﴾ (٨) في موضع جر؛ لأنه صفة للنكرة كأنه قيل: على أحد منهم ميت، و﴿أَبَدًا﴾ ظرف لـ ﴿تُصَلِّ﴾، كأنه قيل: ولا تصل أبدًا على أحد منهم.\n_________\n(١) في (ى): (يخلف)، وما أثبته موافق لـ\"تهذيب اللغة\".\n(٢) في \"تهذيب اللغة\": وهي (خالفة).\n(٣) \"تهذيب اللغة\" (خلف) ١/ ١٠٨٨.\n(٤) سبق تخريجه قبل عدة أسطر.\n(٥) انظر: \"تفسير ابن جرير\" ١٠/ ٢٠٤، والثعلبي ٦/ ١٣٥ ب، والرازي ١٦/ ١٥١.\n(٦) ساقط من (ح).\n(٧) انظر: \"المغني\" لابن قدامة ١٣/ ١٥، و\"حاشية الروض\" ٤/ ٢٦٣.\n(٨) ساقط من (ح).","vol":"10","page":582},{"text":"قال عامة المفسرين: (لما مرض عبد الله بن أبي أرسل (١) إلى رسول الله -ﷺ- يسأله أن يكفنه في قميصه الذي يلي بدنه ويصلي عليه، فلما مات فعل ذلك رسول الله -ﷺ-، وشهد دفنه، ودلاه في قبره، فما لبث إلا يسيرًا حتى نزلت هذه الآية، ثم كُلم رسول -ﷺ- فيما فعل بعبد الله بن أبي، فقال: \"وما يغني عنه قميصي وصلاتي من الله، والله إني كنت أرجو أن يسلم به ألف من قومه\" فيروى أنه أسلم ألف من الخزرج لما رأوه يطلب الاستشفاء بثوب رسول الله -ﷺ- (٢).\nقال أبو إسحاق: ويروى أنه -ﷺ- إنما أجاز الصلاة عليه لأن ظاهره كان الإسلام فأعلمه الله ﷿ أنه إذا علم منه النفاق فلا صلاة عليه) (٣)، وقال\n_________\n(١) هذه رواية قتادة كما في \"تفسير ابن جرير\" ١٠/ ٢٠٦ورواية \"الصحيحين\" عن ابن عمر أن السائل عبد الله بن عبد الله بن أبي، وجمع الثعلبي في \"تفسيره\" ٦/ ١٣ أبين الأمرين بأن عبد الله بن أبي طلب ذلك من النبي -ﷺ-، فلما مات عبد الله انطلق ابنه إلى النبي -ﷺ- ودعاه إلى جنازة أبيه. اهـ. ويؤيد ذلك ما رواه ابن جرير وابن ماجه والبزار وأبو الشيخ وابن مردويه (كما في \"الدر المنثور\" ٣/ ٤٧٥). عن جابر قال: مات رأس المنافقين بالمدينة، فأوصى أن يصلي عليه النبي -ﷺ- وأن يكفنه في قميصه، فجاء ابنه إلى النبي -ﷺ- فقال: أبي أوصى أن يكفن في قميصك ..) إلخ، فتبين من مجموع الروايات أن ابن أبي طلب من النبي -ﷺ- ذلك، وحرص عليه، وأوصى به، وأن ابنه نفذ وصيته، وشفع له عند النبي -ﷺ- حتى تم الأمر.\n(٢) انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٦٣، و\"تفسير ابن جرير\" ١٠/ ٢٠٤ - ٢٠٦، والثعلبي ٦/ ١٣٦ أ، والبغوي ٤/ ٨١، و\"الدر المنثور\" ٣/ ٤٧٦، وأصل القصة في \"صحيح البخاري\" (٤٦٧٠)، كتاب: التفسير، باب: قوله ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾، و\"صحيح مسلم\" (٢٤٠٠)، كتاب: فضائل الصحابة، باب: من فضائل عمر.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٦٤.","vol":"10","page":583},{"text":"أنس: (أراد النبي -ﷺ- أن يصلي عليه فأخذ جبريل بثوبه (١)، وقال: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ (٢) مَاتَ أَبَدًا﴾ الآية (٣).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾، قال الزجاج: (كان رسول الله -ﷺ- إذا دفن الميت وقف على قبره ودعا له) (٤)، وقال الكلبي: (لا تدفنه ولا تله) (٥)، وهذا من قولهم: قام فلان بأمر فلان إذا كفاه أمره وتولاه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1459>٨٥ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلَادُهُمْ﴾ قد تقدم تفسير هذه الآية في قوله تعالى: ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ﴾ [التوبة: ٥٥].\nقال أهل المعاني: (إنما كرر هذه الآية للبيان عن قوة هذا المعنى فيما ينبغي أن يحذر منه مع أنه للتذكير به في موطنين يبعد أحدهما عن الآخر فتجب العناية بأمره، قالوا: ويجوز أن يكون في فريقين من المنافقين، فيجري مجرى قول القائل: (لا تعجبك حال زيد، لا تعجبك حال عمرو) (٦).\n_________\n(١) ساقط من (ح).\n(٢) ساقط من (ى).\n(٣) رواه ابن جرير ١٠/ ٢٠٥، وأبو يعلى وابن مردويه كما في \"الدر المنثور\" ٣/ ٤٧٦، وفي سند ابن جرير ضعيف بل متروك، وهو يزيد بن أبان الرقاشي كما في \"تهذيب التهذيب\" ٤/ ٤٠٣، ثم إن في الأثر علة قادحة لمخالفته رواية \"الصحيحين\" السابقة وفيها أن النبي -ﷺ- صلى عليه.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٦٤، والحديث رواه أبو داود (٣٢٢١)، كتاب: الجنائز، باب: الاستغفار عن القبر للميت، وهو حديث صحيح كما في \"صحيح الجامع وزياداته\"، رقم (٤٧٦٠) ٢/ ٨٦٥.\n(٥) ذكره بنحوه الرازي في \"تفسيره\" ١٦/ ١٥٣.\n(٦) انظر: \"تفسير الرازي\" ١٦/ ١٥٥ - ١٥٦، و\"الخازن\" ٢/ ٢٥١، ولم أجده في كتب أهل المعاني.","vol":"10","page":584},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1460>٨٦ </span>- قوله تعالى: ﴿وَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ﴾ موضع (أن) نصب بحذف حرف الجر على تقدير: بأن آمنوا، كأنه قيل بالإيمان.\nقال أهل المعاني: (ومعنى الأمر للمؤمنين بالإيمان: الدوام عليه والتمسك به في مستقبل الأوقات) (١)، مع أن هذا أمر عام يدخل فيه أمر المنافقين بالإيمان، ثم الجهاد؛ لأنه لا ينفعهم ذاك مع النفاق.\nوقوله تعالى: ﴿أُولُو الطَّوْلِ﴾، قال ابن عباس والحسن: (استأذنك أهل الغنى في التخلف) (٢).\nوقال مقاتل: (أهل السعة في المال) (٣).\nوقال ابن كيسان: (يعني الكبراء المنظور إليهم) (٤)، وخص هؤلاء بالذكر لأن الذم لهم ألزم بكونهم قادرين على الجهاد والسفر، ومضى الكلام في الطول (٥)، والصحيح أنه ذكر ﴿أُولُو الطَّوْلِ﴾ لأن من لا مال له ولا قدرة على السفر لا يحتاج إلى الاستئذان في القعود؛ لأنه معذور، وهؤلاء لا عذر لهم في القعود، فيستأذنون ويقعدون، وقد فضح الله ﷿ المنافقين بهذه الصفات التي ذكرهم بها أشد الفضيحة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1461>٨٧ </span>- قوله تعالى: ﴿رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ﴾، قال المفسرون:\n_________\n(١) انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" للزجاج ٢/ ١١٩، و\"معاني القرآن الكريم\" للنحاس ٢/ ٢١٥.\n(٢) رواه عن ابن عباس بنحوه ابن جرير ١٠/ ٢٠٧، وابن أبي حاتم ٦/ ١٨٥٨، وذكره عن الحسن بمعناه الرازي في \"تفسيره\" ١٦/ ١٥٦، وأبو حيان في \"البحر المحيط\" ٥/ ٨٢.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ١٣٣ ب.\n(٤) انظر: \"تفسير الرازي\" ١٦/ ١٥٦، و\"البحر المحيط\" ٥/ ٨٢.\n(٥) انظر: \"تفسير البسيط\" النساء: ٢٥.","vol":"10","page":585},{"text":"(يعني النساء) (١)، قال الفراء: (النساء الخوالف: اللاتي يخلفن في البيت ولا يبرحن) (٢).\n[وقال الزجاج] (٣): (أي رضوا بأن يكونوا في تخلفهم عن الجهاد كالنساء، قال: وقد (٤) يجوز أن يكون جمع خالفة في الرجال والخالفة: الذي هو غير نجيب (٥)، ولم يأت (فاعل) صفة جمعه (فواعل) إلا حرفان، قالوا: فارس وفوارس، وهالك وهوالك (٦) (٧).\nوذكرنا الكلام في الخالف مستقصى في قوله تعالى: ﴿فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ﴾ [التوبة: ٨٣].\nوقوله تعالى: ﴿وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾، قال ابن عباس: (يريد بالنفاق) (٨)، ﴿فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ﴾، قال الضحاك: (لا يعلمون أمر الله) (٩).\n_________\n(١) انظر: \"تفسير ابن جرير\" ١٠/ ٢٠٨، وابن أبي حاتم ٦/ ١٨٥٩، و\"الدر المنثور\" ٣/ ٤٧٧.\n(٢) \"معاني القرآن\" ١/ ٤٤٧.\n(٣) ما بين المعقوفين ساقط من (ى).\n(٤) ساقط من (ى).\n(٥) في \"معاني القرآن وإعرابه\": منجب. وفي \"إعراب القرآن\" للنحاس ٢/ ٣٤ مثل ما ذكره المؤلف. والنجيب: الكريم الفاضل. انظر: \"لسان العرب\" (نجب) ٧/ ٤٣٤٢\n(٦) زاد الأزهري في \"تهذيب اللغة\" (خلف) ١/ ١٠٩٠، نقلًا عن بعض النحويين: خالف وخوالف. ويرى النحاس أن (خوالف) في الآية جمع (خالفة) ولا يجمع (فاعل) صفة على (فواعل) إلا في الشعر إلا في الحرفين المذكورين. انظر: \"إعراب القرآن\"، له ٢/ ٣٤.\n(٧) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٦٥.\n(٨) ذكره المؤلف في \"الوسيط\" ٢/ ٥١٧.\n(٩) لم أعثر على من ذكره عنه.","vol":"10","page":586},{"text":"وقال الحسن: (ليسوا بفقهاء ولا علماء، ولو كانوا فقهاء لما تخلفوا عن الجهاد معه) (١)، وذكرنا الكلام في هذا عند قوله: ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾ [النساء: ١٥٥]، وقوله: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [البقرة: ٧].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1462>٨٨ </span>- قوله تعالى: ﴿وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ﴾ (٢)، قال الأخفش (٣) وأبو عبيدة (٤) والمبرد (٥): (الخيرات جمع خيرة، وهن الجواري الفاضلات الحسان)، أبو زيد: يقال: (هي خيرة النساء، وشرة النساء) (٦)، وأنشد أبو عبيدة:\nربلات هند خيرة الملكات (٧)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1463>٩٠ </span>- قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ﴾ الآية، ذكرنا معنى العذر والاعتذار وأصله في اللغة عند قوله: ﴿قُلْ لَا تَعْتَذِرُوا﴾\n_________\n(١) لم أجده.\n(٢) هذه الجملة بعض قول الله تعالى: ﴿لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ الآية، وإتيان المؤلف ببعض الآية لا ينسجم مع ما قبلها.\n(٣) كتاب: \"معاني القرآن\"، له ١/ ١٣٥.\n(٤) \"مجاز القرآن\" ١/ ٢٦٧.\n(٥) لم أقف على قوله.\n(٦) \"تهذيب اللغة\" (خار) ١/ ٩٥٩.\n(٧) هذا عجز بيت، وصدره:\nولقد طعنت مجامع الربلات\nذكره أبو عبيدة في \"مجاز القرآن\" ١/ ٢٦٧، ونسبه لرجل جاهلي من بني عدي، عدي تميم، ومثله ابن منظور في \"لسان العرب\" (خير) ٤/ ١٢٩٨، ومعنى الربلات: جمع ربلة، بتسكين الباء وتحريكها وهي كل لحمة غليظة، وقيل: هي باطن الفخذ، وقيل: أصول الأفخاذ. انظر: \"لسان العرب\" (ربل) ٣/ ١٥٧١.","vol":"10","page":587},{"text":"[التوبة: ٦٦]، وتقول: أعذر (١) فلان أي كان منه ما يُعذر به، ومنه قولهم: قد أعذر من أنذر، واعتذر اعتذارًا: إذا أتى بعذر صدق فيه أو كذب، وعذر تعذيرًا: أي قصر ولم يبالغ. يقال: قام فلان قيام (٢) تعذير فيما استكفتيه: إذا لم يبالغ، وقصر فيما اعتمد عليه، فمن قرأ (المُعَذِرُون) بالتخفيف وهو قراءة جماعة من الصحابة والتابعين (٣)، فمعناه المجتهدون المبالغون في العذر، روى الضحاك عن ابن عباس أنه قرأ: (وجاء المعذرون) (٤)، وقال (لعن الله المعذرين) (٥) ذهب إلى أن المعذرين هم الذين لا عذر لهم (٦).\n_________\n(١) في (ح): (عذر). وأثبت ما في (م) و(ى) لموافقته لما في \"تهذيب اللغة\" (عذر) ٣/ ٢٣٦٦.\n(٢) في (ح): (مقام). وأثبت ما في (م) و(ى) لموافقته لما في \"تهذيب اللغة\" (عذر) ٣/ ٢٣٦٦ إذ النص منقول منه.\n(٣) روى هذه القراءة ابن جرير عن ابن عباس ومجاهد، وهي أيضًا قراءة زيد بن علي والضحاك والأعرج وأبو صالح وعيسى بن هلال، ومن العشرة يعقوب والكسائي في رواية، وقرأ الباقون بالتشديد. انظر: \"تفسير ابن جرير\" ١٠/ ٢٠٩ - ٢١١، و\"الغاية في القراءات العشر\" ١٦٦، و\"تقريب النشر\" ص ١٢١، و\"البحر المحيط\" ٥/ ٨٣ - ٨٤.\n(٤) \"تفسير ابن جرير\" ١٠/ ٢١٠، وابن أبي حاتم ٤٦/ ١٨٦٠، وفي سنده بشر بن عمارة، قال البخاري: يُعرف وينكر، وقال الدارقطني: متروك. انظر: \"كتاب الضعفاء الصغير\" ص٤٦، و\"الضعفاء والمتروكون\" ص ١٦٠، و\"تهذيب التهذيب\" ١/ ٢٣٠، ثم إن في الأثر علة أخرى حيث إن الضحاك لم يلق ابن عباس على القول الصحيح، انظر: \"تهذيب التهذيب\" ٢/ ٢٢٦.\n(٥) رواه الفراء في \"معاني القرآن\" ١/ ٤٤٨ وعنه ابن الأنباري في \"كتاب الأضداد\" ص ٣٢١ بإسنادين شديدي الضعف، إذ في أحدهما الكلبي وهو متهم بالكذب كما في \"التقريب\" ص٤٧٩ (٥٩٠١)، وفي الثاني جويبر البلخي، وهو ضعيف جدًّا كما في \"المصدر السابق\" ص ١٤٣ (٩٨٧).\n(٦) في (م): (الذين لهم عذر)، وهو خطأ.","vol":"10","page":588},{"text":"و﴿الْمُعَذِّرُونَ﴾ (١) بالتشديد: الذين يعتذرون بلا عذر، كأنهم المقصرون الذين لا عذر لهم، وعلى هذه القراءة، معنى الآية: إن الله تعالى فصل بين أصحاب العذر وبين الكاذبين، قال ابن عباس: (هم الذين تخلفوا بعذر بإذن رسول الله -ﷺ-) (٢).\nوقال عطاء عنه: (يريد الأعراب [الذين يعتذرون] (٣) إلى النبي -ﷺ- في تخلفهم ليؤذن لهم في التخلف) (٤).\nوقال الضحاك: (هم وهي عامر بن الطفيل (٥) جاؤا (٦) إلى رسول الله -ﷺ-، وقالوا: إن نحن غزونا معك تُغير أعراب طيء على حلائلنا (٧) وأولادنا ومواشينا فعذرهم رسول الله -ﷺ-) (٨).\nونحو هذا قال مجاهد: (هم أهل العذر) (٩)، ومن قرأ: ﴿الْمُعَذِّرُونَ﴾\n_________\n(١) في (ى): (والمعذر).\n(٢) رواه الثعلبي في \"تفسيره\" ٦/ ١٣٧ أ، وبنحوه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٦/ ١٨٦٠، وابن جرير ١٠/ ٢١٠.\n(٣) ما بين المعقوفين ساقط من (ى).\n(٤) \"تنوير المقباس\" ص ٢٠١ بنحوه من رواية الكلبىِ.\n(٥) هو: عامر بن الطفيل بن مالك العامري سيد بني عامر بن صعصعة، كان من فرسان العرب وفتاكها وشعرائها، وهو الذي فتك بأصحاب رسول الله -ﷺ- في بئر معونة، ثم حال الغدر بالنبي -ﷺ- وظل جادًا في سعيه لإطفاء نور الله، حتى هلك سنة ١١هـ. انظر: \"السيرة النبوية\" ٣/ ١٨٥، ٤/ ٢٣٣، و\"الشعر والشعراء\" ص ٢٠٧، و\"الإصابة\" ٣/ ١٢٥.\n(٦) في (ح): (جاء).\n(٧) الحلائل: جمع حليلة وهي الزوجة. انظر: \"الصحاح\" (حلل) ٤/ ١٦٧٣.\n(٨) رواه الثعلبي ٦/ ١٣٧ أ، والبغوي ٤/ ٨٣.\n(٩) رواه ابن جرير ١٠/ ٢١٠.","vol":"10","page":589},{"text":"بالتشديد وهو قراءة العامة (١) فله وجهان من العربية والتأويل:\nأحدهما: ما ذكره الفراء والزجاج وابن الأنباري: (وهو أن الأصل في هذا اللفظ عند النحويين: المعتذرون فحولت فتحة التاء إلى العين وأبدلت الذال من التاء، وأدغمت في الذال التي بعدها فصارتا ذالًا مشددة (٢» (٣).\nوالاعتذار ينقسم في كلام العرب على قسمين، يقال: اعتذر (٤): إذا كذب في عذره، قال الله تعالى: ﴿يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ﴾، فدل على فساد عذرهم بقوله (٥): ﴿قُلْ لَا تَعْتَذِرُوا﴾ [التوبة: ٩٤]، ويقال: اعتذر: إذا جاء بعذر صحيح، ومنه قول لبيد:\nومن يبك حولًا كاملًا فقد اعتذر (٦)\n_________\n(١) هي قراءة العشرة عدا يعقوب، وقتيبة عن الكسائي. انظر: \"الغاية في القراءات العشر\" ص ١٦٦، و\"تقريب النشر\" ص ١٢١.\n(٢) في (م): (مشدودة).\n(٣) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٤٤٧، و\"معاني القرآن وإعرابه\" للزجاج ٢/ ٤٦٤، و\"كتاب الأضداد\" لابن الأنباري ص ٣٢١.\n(٤) في (ح): (اعتذرت).\n(٥) في (ح): (لقوله).\n(٦) هذا عجز بيت، وصدره:\nإلى الحول ثم اسم السلام عليكما\nوهو للبيد بن ربيعة العامري في \"ديوانه\" ص ٢١٤، و\"كتاب الأضداد\" لابن الأنباري ص ٣٢١، و\"تهذيب اللغة\" (عذر)، و\"الخصائص\" ٣/ ٢٩، و\"لسان العرب\" (عذر) ٥/ ٢٨٥٥.\nوالشاعر يوصي ابنتيه بالبكاء عليه بعد موته حولًا كاملًا، وقبل هذا البيت قال:\nفقوما فقولا بالذي قد علمتما ... ولا تخمشا وجهًا ولا تحلقا شعر","vol":"10","page":590},{"text":"يريد فقد جاء بعذر صحيح.\n(الوجه الثاني من العربية - أن يكون ﴿الْمُعَذِّرُونَ﴾ (١) على (مفعلين) من التعذير الذي هو التقصير على ما بينا، فإن قلنا: المعذرون (٢) [معناه: المعتذرون بعذر] (٣) صحيح فوجهه من التأويل ما ذكرنا في قراءة من خفف، وإن قلنا أن معناه: المعتذرون بعذر باطل، أو أخذناه من التعذير فوجهه من التأويل ما قال قتادة) (٤): (هم الذين اعتذروا بالكذب) (٥)، ونحو هذا قال محمد بن إسحاق: (هم أعراب من غفار، اعتذروا فلم يعذرهم الله) (٦).\nفإن قيل على هذا: إذا كانوا مقصرين فلم أفردوا من الكاذبين الله ورسوله؟\nوالجواب عن هذا ما أخبرني العروضي (٧) عن الأزهري قال أخبرني\n_________\nوقولا هو المرء الذي لا خليله ... أضاع، ولا خان الصديق ولا غدر\nإلى الحول .. إلخ.\n(١) في (ى): (المعذورون)، وهو خطأ.\n(٢) في (ى): (المعذورون)، وهو خطأ.\n(٣) ما بين المعقوفين ساقط من (ح) و(ى).\n(٤) ما بين القوسين مضطرب في النسخة (ح) وفيه تقديم وتأخير ونقص ضاع معه المعنى، ونصه: (الوجه الثاني من العربية أن يكون المعذرون صحيح فوجهه من التأويل ما ذكرنا في قراءة من خفف وإن قلنا إن معناه المعتذرون بعذر باطل على (مفعلين) من التعذير الذي هو التقصير على ما بينا، فإن قلنا: المعذرون باطل أو أخذنا من التعذير فوجهه من التأويل ما قال قتادة).\n(٥) رواه ابن جرير ١٠/ ٢١٠.\n(٦) \"السيرة النبوية\" لابن هشام، و\"تفسير ابن جرير\" ١٠/ ٢١١.\n(٧) هو: أحمد بن محمد النيسابوري، تقدمت ترجمته عند ذكر شيوخ المؤلف.","vol":"10","page":591},{"text":"المنذري عن ابن فهم (١) عن محمد بن سلام (٢) عن يونس النحوي أنه سأله عن قوله: ﴿وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ﴾، قال: قلت ليونس (المعذرون) مخففة كأنها أقيس؛ لأن المعذر الذي له عذر، والمعذر الذي يعتذر ولا عذر له، فقال يونس: (قال أبو عمرو (٣) بن العلاء: كلا الفريقين كان (٤) مسيئًا، جاء قوم فعذروا، وجلح (٥) آخرون فقعدوا) (٦)، يريد أن قومًا تكلفوا عذرًا بالباطل، فهم الذين عناهم (٧) الله بقوله: ﴿وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ﴾ وتخلف آخرون (٨) من غير تكلف عذر وإظهار علة جرأة على الله ورسوله، وهو معنى قوله: وجلح آخرون فقعدوا).\n_________\n(١) هو: الحسين بن محمد بن عبد الرحمن بن فهم البغدادي، حافظ علامة نسابة أخباري، وكان متفننًا في العلوم، كثير الحفظ للحديث، ولأصناف الأخبار والنسب والشعر، والمعرفة بالرجال، وتوفي سنة ٢٨٩ هـ.\nانظر: \"تاريخ بغداد\" ٨/ ٩٢، و\"سير أعلام النبلاء\" ١٣/ ٤٢٧، و\"البداية والنهاية\" ١١/ ٩٥، و\"طبقات الحفاظ\" للسيوطي ص ٢٩٩\n(٢) هو: محمد بن سلام بن عبيد الله الجمحي مولاهم، أبو عبد الله البصري، كان عالمًا أخباريًّا، أديبًا بارعًا، إمامًا في رواية الشعر، من أهل الصدق، وهو صاحب \"طبقات فحول الشعراء\" المشهور، توفي سنة ٢٣١ هـ.\nانظر: \"تاريخ بغداد\" ٥/ ٣٢٧، و\"مراتب النحويين\" ص٦٧، و\"طبقات النحويين واللغويين\" ص ١٨٠، و\"سير أعلام النبلاء\" ١٠/ ٦٥١.\n(٣) في (ى): (قال عمرو)، وهو خطأ.\n(٤) في (ى): (جاء)، وفي (ح): (كانا).\n(٥) في (ى): صلح، وما أثبته موافق لما في \"تهذيب اللغة\"، ومعنى جلح: ركب رأسه، والتجليح: الإقدام الشديد والتصميم في الأمر والمضي، والمجالح: المكابر. انظر: \"لسان العرب\" (جلح) ٢/ ٦٥٢.\n(٦) \"تهذيب اللغة\" (عذر) ٣/ ٢٣٦٦.\n(٧) في (ى): (أغناهم)، وهو خطأ.\n(٨) في (ح): (الآخرون).","vol":"10","page":592},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾، قال عطاء عن ابن عباس: (يريد لم يصدقوا نبيه واتخذوا إسلامهم جنة) (١)، فبان بهذا أنه ليس يريد الكذب في العذر إنما يريد كذبهم في قولهم (٢): إنا مؤمنون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1464>٩١ </span>- ثم ذكر الله تعالى أهل العذر فقال: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ﴾، قال ابن عباس: (يريد الزمنى والمشايخ والعجزة) (٣)، ﴿وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ﴾ يعني المقلين من المؤمنين، ﴿إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾، قال ابن عباس: (يريد لم يعدلوا بالله شيئًا، وعرفوا الله بتوحيده، وأن ما جاء به محمد - ﷺ - حق وصدق، وغضبوا لله ورسوله، وأبغضوا من أبغض الله وأحبوا أولياء (٤) الله) (٥)، ففسر ابن عباس النصح لله ورسوله بما ذكر.\nوقال أهل المعاني: (معنى النصح إخلاص العمل من الغش) (٦)، ومنه التوبة النصوح، فمعنى: ﴿نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ أخلصوا أعمالهم من الغش والنفاق لهما.\nوفائدة قوله: ﴿إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ بعدما ذكر عذرهم أن المعذور يكون على قسمين: أحدهما فريق منهم يغتنمون عذرهم، فهؤلاء [ليسوا ممن نصح لله ورسوله، وفريق يتمنون أن لم يكن لهم عذر فيتمكنوا من\n_________\n(١) \"تنوير المقباس\" ص ٢٠١ بمعناه من رواية الكلبي.\n(٢) في (ى): (قوله).\n(٣) رواه الثعلبي ٦/ ١٣٧ ب، والبغوي ٤/ ٨٤.\n(٤) في (ى): (وأحبوا من أحب الملة).\n(٥) لم أقف عليه.\n(٦) انظر: \"تهذيب اللغة\" (نصح ٤/ ٥/ ٨٥، و\"تفسير القرطبي\" ٨/ ٢٢٧.","vol":"10","page":593},{"text":"الجهاد، فهؤلاء] (١) هم (٢) الذين نصحوا لله ورسوله، وهم الذين أرادهم الله بقوله: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾، قال ابن عباس: (من إثم) (٣).\nوقال أهل المعاني: (من طريق العقاب) (٤)، يعني أنه قد سد بإحسانه طريق العقاب على نفسه.\n﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، قال ابن عباس: (يريد لمن كان على هذه الخصال) (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1465>٩٢ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ﴾، قال المفسرون: (نزلت هذه الآية في البكائين) (٦)، قال ابن عباس (٧) ومقاتل (٨) ومحمد بن كعب (٩) ومحمد بن إسحاق (١٠): (هم سبعة نفر من قبائل شتى، وذكروا أسماءهم (١١).\n_________\n(١) ما بين المعقوفين ساقط من (م).\n(٢) ساقط من (م) و(ى).\n(٣) \"تنوير المقباس\" ص ٢٠١ بمعناه.\n(٤) انظر: \"زاد المسير\" ٣/ ٤٨٥، و\"البحر المحيط\" ٥/ ٨٥، ولم أجده في كتب أهل المعاني.\n(٥) لم أقف عليه.\n(٦) انظر: \"تفسير ابن جرير\" ١٠/ ٢١٢ - ٢١٣، والثعلبي ٦/ ١٣٧ ب، والبغوي ٤/ ٨٤.\n(٧) رواه ابن جرير ١٠/ ٢١٢، وابن أبي حاتم ٦/ ١٨٦٣، لكن من غير ذكر العدد.\n(٨) \"تفسيره\" ١٣٣ ب.\n(٩) هو القرظي، وانظر قوله في: \"تفسير ابن جرير\" ١٠/ ٢١٣.\n(١٠) انظر: \"السيرة النبوية\" ٤/ ١٧٢، و\"تفسير ابن جرير\" ١٠/ ٢١٣.\n(١١) هناك خلاف في أسمائهم، وقد روى ابن جرير في \"تفسيره\" ١٠/ ٢١٣ عن محمد بن كعب وغيره أنهم سبعة نفر وهم: سالم بن عمير، وهرمي بن عمرو، وعبد الرحمن=","vol":"10","page":594},{"text":"وقال مجاهد (١): (هم ثلاثة إخوة: معقل (٢) وسويد (٣) والنعمان (٤) بنو مقرن، سألوا رسول الله -ﷺ- أن يحملهم على الخفاف المرقوعة والنعال المخصوفة ليغزوا، فقال النبي -ﷺ-: \"لا أجد ما أحملكم عليه\" فتولوا وهم يبكون) (٥)، وقال ابن عباس: (سألوه أن يحملهم على الدواب، فقال النبي -ﷺ-: \"لا أجد ما أحملكم عليه\" (٦) لأن الشقة بعيدة، والرجل يحتاج إلى بعيرين بعير يركبه، وبعير يحمل ماءه وزاده.\nوقال الحسن: نزلت في أبي موسى الأشعري وأصحابه أتوا رسول\n_________\n= ابن كعب، وسلمان بن صخر، وعبد الرحمن بن يزيد، وعمرو بن غنمة، وعبد الله ابن عمرو المزني.\nواتفق معه ابن إسحاق في أربعة أسماءهم: سالم بن عمير، وعبد الرحمن بن كعب، وعبد الله بن عمرو المزني، وهرمي بن معمرو، واختلف معه في الباقين فذكر بدلًا منهم: عُلبة بن زيد، وعمرو بن حمام بن الجموح، وعرباض بن سارية. انظر: \"السيرة النبوية\" لابن هشام ٤/ ١٧٢.\n(١) في (ى): (محمد).\n(٢) هو: معقل بن مقرن بن عائذ المزني، أبو عمرة، صحابي أعرابي، ثم سكن الكوفة، انظر: \"الاستيعاب\" ٣/ ٤٨٤، و\"الإصابة\" ٣/ ٤٤٧.\n(٣) هو: سويد بن مقرن بن عائذ المزني، أبو عدي، صحابي مشهور، روى عن النبي -ﷺ- وحديثه عند مسلم وأصحاب السنن.\nانظر: \" الاستيعاب\" ٢/ ٢٣٩، و\"تهذيب التهذيب\" ٢/ ١٣٦، و\"الإصابة\" ٢/ ١٠٠.\n(٤) هو: النعمان بن مقرن المزني، أبو حكيم، أو أبو عمرو، صاحب رسول الله -ﷺ-، أسند إليه لواء قومه يوم فتح مكة، ثم ولاه عمر قيادة الجيش الذي فتح نهاوند، واستشهد يومئذٍ سنة ٢١ هـ. وكان -﵁- شجاعًا مجاب الدعوة. انظر: \"الاستيعاب\" ٤/ ٦٧ - ٦٩، و\"سير أعلام النبلاء\" ٢/ ٢٥٦، و\"الإصابة\" ٣/ ٥٦٥.\n(٥) رواه مختصرًا ابن جرير ١٠/ ٢١٢، وابن أبي حاتم ٦/ ١٨٦٣، والثعلبي ٦/ ١٣٨ أ.\n(٦) \"معالم التنزيل\" ٤/ ٨٤، و\"زاد المسير\" ٣/ ٤٨٦.","vol":"10","page":595},{"text":"الله - ﷺ - يستحملونه، ووافق ذلك منه غضبًا فقال: \"والله لا أحملكم ولا أجد ما أحملكم عليه\" فتولوا يبكون، فدعاهم رسول الله -ﷺ- وأعطاهم ذودًا (١) غر الذرى (٢)، فقال أبو موسى: ألست حلفت (٣) يا رسول الله؟ فقال: \"أما إني [إن شاء الله] (٤) لا أحلف بيمين (٥) فأرى غيرها خيرًا منها إلا أتيت الذي هو خير وكفرت عن يميني\" (٦).\nوقوله تعالى: ﴿قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ﴾ [قال صاحب \"النظم\": (جاء قوله: ﴿قُلْتَ لَا أَجِدُ﴾ مجيء الخبر لقوله: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ﴾ وليس بخبر، وإنما هو منسوق على ما قبله، وتأويله: ولا على الذين إذا ما\n_________\n(١) الذود: القطيع من الإبل ما بين الثلاثة إلى التسع، وقيل: أكثر من ذلك. انظر: \"لسان العرب\" (ذود) ٣/ ١٥٢٥.\n(٢) غر الذرى: قال النووي في \"شرح صحيح مسلم\" ١١/ ١٠٩: (أما الذرى: فبضم الذال وكسرها، وفتح الراء المخففة: جمع ذروة، بكسر الذال وضمها، وذروة كل شيء أعلاه، والمراد هنا الأسنمة، وأما الغر: فهي البيض، .. ومعناه: أمر لنا بإبل بيض الأسنمة).\n(٣) ساقط من (ى).\n(٤) ما بين المعقوفين ساقط من (ى).\n(٥) في (ى): (يمينًا).\n(٦) رواه بنحوه البخاري في عدة مواضع في \"صحيحه\" (٦٦٢١)، منها كتاب الإيمان والنذور، باب: قول الله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾، ومسلم (١٦٤٩)، كتاب: الأيمان، باب: ندب من حلف يمينًا .. الخ، والنسائي في \"سننه\"، كتاب: الأيمان والنذور، باب: الكفارة قبل الحنث ٧/ ٩، وابن ماجه (١٢٠٧)، كتاب: الكفارات، باب: من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها، ولم يذكره أحد من هؤلاء عن الحسن، ولا ذكروا بكاء الأشعريين ولا نزول الآية فيهم، وذكره عز الحسن الرازي في \"تفسيره\" ١٦/ ١٦٢، والقرطبي في \"تفسيره\" ٨/ ٢٢٨.","vol":"10","page":596},{"text":"أتوك لتحملهم وقلت لا أجد ما أحملكم عليه] (١) فهو مبتدأ منسوق على ما قبله بغير واو، والجواب في قوله: ﴿تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا﴾ ومعناه جرت أعينهم من (٢) امتلاء من (٣) حزن في قلوبهم).\n_________\n(١) ما بين المعقوفين ساقط من (ى).\n(٢) في (م): (عن).\n(٣) ساقط من (ى).","vol":"10","page":597},{"text":"المملكة العربية السعودية\nوزارة التعليم العالي\nجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية\nعمادة البحث العلمي\nسلسلة الرسائل الجامعية\nالتَّفْسِيرُ البَسِيْط\nلأبي الحسن على بن أحمد بن محمد الواحدي\n(ت ٤٦٨ هـ)\nمن آية (٩٣) من سورة التوبة إلى آخر سورة يونس\nتحقيق\nد. إبراهيم بن علي الحسن\nسورة هود\nتحقيق\nد. عبد الله بن إبراهيم الريس\nأشرف على طباعته وإخراجه\nد. عبد العزيز بن سطام آل سعود ... أ. د. تركي بن سهو العتيبي\nالجزء الحادي عشر","vol":"11","page":1},{"text":"التَّفْسِيرُ البَسِيْط\nلأبي الحسن على بن أحمد بن محمد الواحدي\n(ت ٤٦٨ هـ)\n[١١]","vol":"11","page":2},{"text":"جامعة الامام محمد بن سعود الاسلامية ١٤٣٠ هـ\nفهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية أثناء النشر\nالواحدي، علي بن أحمد\nالتفسير البسيط لأبي الحسن علي بن أحمد بن محمد الواحدي\n(ت ٤٦٨ هـ)./ علي ن أحمد الواحدي، إبراهيم بن علي الحسن،\nعبد الله بن إبراهيم الريس، الرياض ١٤٣٠ هـ.\n٢٥ مج. (سلسلة الرسائل الجامعية)\nردمك:٤ - ٨٥٧ - ٠٤ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (مجموعة)\n٠ - ٨٦٨ - ٠٤ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (ج ١١)\n١ - القرآن تفسير ... ٢ - الواحدي، علي بن أحمد\nأ- العنوان ... ب- السلسلة\nديوي ٢٢٧.٣ ... ٨٦٨/ ١٤٣٠\nرقم الإيداع: ٨٦٨/ ١٤٣٠ هـ\nردمك ٤: - ٨٥٧ - ٠٤ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (مجموعة)\n٠ - ٨٦٨ - ٠٤ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (ج ١١)","vol":"11","page":3},{"text":"المملكة العربية السعودية\nوزارة التعليم العالي\nجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية\nعمادة البحث العلمي\nسلسله الرسائل الجامعية\n- ١٠٦، ١٠٧ -\nالتَّفْسِيرُ البَسِيْط\nلأبي الحسن علي بن أحمد بن محمد الواحدي\n(ت ٤٦٨ هـ)\nمن آية (٩٣) من سورة التوبة إلى آخر سورة يونس\nتحقيق\nد. إبراهيم بن علي الحسن\nسورة هود\nتحقيق\nد. عبد الله إبراهيم الريس\nأشرف على طباعته وإخراجه\nد. عبد العزيز بن سطام آل سعود ... أ. د. تركي بن سهو العتيبي\nالجزء الحادي عشر","vol":"11","page":4},{"text":"بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ","vol":"11","page":5},{"text":"التَّفْسِيرُ البَسِيْط\nلأبي الحسن علي بن أحمد بن محمد الواحدي\n(ت ٤٦٨ هـ)\nمن آية (٩٣) من سورة التوبة إلى آخر سورة يونس\nتحقيق\nد. إبراهيم بن علي الحسن","vol":"11","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1466>٩٤ </span>- قوله تعالى: ﴿يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ﴾، قال ابن عباس: (يريد بالأباطيل (١» (٢) ﴿إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ﴾ من غزوة تبوك، ﴿قُلْ لَا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ﴾ لن نصدقكم ﴿قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ﴾ يريد: قد أخبرنا الله بسرائركم وما تخفي صدوركم ﴿وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ﴾ أي فيما تستأنفون، تبتم عن النفاق أو أقمتم عليه ﴿ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ يريد: يعلم ما غاب عنا من ضمائركم ونياتكم، ومعنى: ﴿ثُمَّ تُرَدُّونَ﴾ أي للجزاء ﴿فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ قال (٣): يريد: يخبركم بما كنتم (٤) تكتمون وتسرون.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1467>٩٥ </span>- قوله تعالى: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ﴾ أي إذا (٥) رجعتم إليهم من تبوك، والمحلوف عليه محذوف من الآية على معنى: يحلفون بالله لكم أنهم ما قدروا على الخروج، أو ما أشبه هذا ﴿لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ﴾ أي: لتصفحوا عنهم فلا تؤنبوهم (٦). والمعنى: لتعرضوا عن لائمتهم، فهو من باب حذف المضاف.\nقال الله تعالى: ﴿فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ﴾، قال ابن عباس: (يريد ترك الكلام والسلام والموالاة) (٧).\n_________\n(١) في (م): (بالباطل).\n(٢) ذكره بمعناه ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٣/ ٤٨٦.\n(٣) يعني ابن عباس، وانظر قوله بمعناه في: \"تنوير المقباس\" ص ٢٠٢.\n(٤) قوله: (تعملون. قال يريد يخبركم بما كنتم) ساقط من (ح).\n(٥) ساقط من (ى).\n(٦) في (ح): (تؤنبهم)، وفي (ى): (تونههم) بلا نقطة على النون.\n(٧) رواه الثعلبي ٦/ ١٣٨ أ، والبغوي ٤/ ٨٥.","vol":"11","page":7},{"text":"وقال مقاتل: (قال النبي -ﷺ- حين قدم المدينة: \"لا تجالسوهم ولا تكلموهم\" (١). وقال أهل المعاني: (هؤلاء طلبوا إعراض الصفح، فأعطوا إعراض المقت) (٢).\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ رِجْسٌ﴾، قال ابن عباس: (يريد: إن عملهم رجس من عمل الشيطان ليس لله برضى) (٣)، فعلى هذا يكون التقدير: إنهم ذوو رجس أي ذوو عمل قبيح، وذكرنا الكلام في معنى الرجس عند قوله: ﴿رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ [المائدة: ٩٠] (٤).\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ١٣٤ أ، وقد روى الحديث ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٦/ ١٨٦٥ مرسلًا عن السدي، ثم هو من رواية أسباط بن نصر عنه، وهو ضعيف عند أكثر الأئمة، ولخص الإمام ابن حجر حاله فقال: صدوق كثير الخطأ يغرب) انظر: \"تقريب التهذيب\" ص٩٨ (٣٢١)، و\"تهذيب التهذيب\" ١/ ١٠٩، ثم إن في المتن نكارة وهو مخالفته لحديث كعب بن مالك المتفق عليه، ولفظه عند البخاري: (ولم ينه عن كلام أحد من المتخلفين غيرنا)، ولفظه عند مسلم: (ونهى رسول الله -ﷺ- عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف عنه). انظر: \"صحيح البخاري\"، كتاب: التفسير، باب: وعلى الثلاثة .. ٦/ ١٣٤، و\"صحيح مسلم\" (٢٧٦٩)، كتاب: التوبة، رقم (٢٧٦٩) ٤/ ٢١٢٤.\n(٢) \"تفسير الرازي\" ١٦/ ١٦٤، و\"الخازن\" ٢/ ٢٥٤. منسوبًا لأهل المعاني، ولم أجده فيما بين يدي من كتبهم.\n(٣) رواه الثعلبي في \"تفسيره\" ٦/ ١٣٨ أمختصرًا عن عطاء.\n(٤) انظر \"النسخة\" (ح) ٢/ ٦٩ أحيث قال: (الرجس في اللغة: اسم لكل ما استقذر من عمل، يقال: رجس الرجل رجسًا، ورجس: إذا عمل عملًا قبيحًا، وأصله من الرجسر -بفتح الراء- وهو شدة الصوت، يقال: سحاب رجاس: إذا كان شديد الصوت بالرعد .. فكأن الرجس العمل الذي يقبح ذكره جدًا، ويرتفع في القبح).","vol":"11","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1468>٩٦ </span>- قوله تعالى: ﴿يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ﴾، قال مقاتل: (وذلك أن عبد الله بن أبي حلف للنبي - ﷺ - بالله الذي لا إله إلا هو أن لا يتخلف عنه وليكونن (١) معه على عدوه، وطلب إلى النبي -ﷺ- أن يرضى عنه) (٢) [وحلف عبد الله بن سعد بن أبي سرح (٣) لعمر بن الخطاب أن يرضى عنه] (٤) فأنزل الله هذه الآية (٥)، قال عطاء عن ابن عباس في هذه الآية: (يريد أن المؤمن إذا حلف له بالله اطمأن قلبه، فأحب الله أن يخبر المؤمنين بما في قلوبهم حتى لا يصدقوهم) (٦).\nوقد كان رسول الله -ﷺ- إذا اعتذر إليه أحد بعذر وإن كان كاذبًا قبل علانيته، ووكل سريرته إلى الله، حتى أخبره الله بنفاق المنافقين وأسمائهم\n_________\n(١) في (ى): (وليكون)، وأثبت ما في (ح) و(م) لموافقته لتفسير مقاتل.\n(٢) أهـ. كلام مقاتل، انظر: \"تفسيره\" ١٣٤ أ، و\"تفسير الثعلبي\" ٦/ ١٣٦ أ، والبغوي ٤/ ٨٥.\n(٣) هو: عبد الله بن سعد بن أبي سرح العامري القرشي، أبو يحيى، كان أخًا لعثمان من الرضاعة، وأسلم وجعله النبي -ﷺ- من كتابه، ثم أزله الشيطان فارتد ولحق بالمشركين، وأهدر النبي -ﷺ- دمه يوم الفتح، وشفع له عثمان وقبلت شفاعته، فأسلم وحسن إسلامه، وتولى إمرة الصعيد في خلافة عمر، وضم إليه عثمان مصر كلها، وكان محمودًا في ولايته، كثير الغزو، وهو الذي فتح بلاد النوبة وغزا أفريقيا، ونازل الروم في وقعة ذات الصواري، ثم اعتزل أيام الفتنة، وتوفي سنة ٥٩ هـ.\nانظر: \"التاريخ الكبير\" ٥/ ٢٩، و\"سير أعلام النبلاء\" ٣/ ٣٣، و\"الإصابة\" ٢/ ٣١٦ - ٣١٧.\n(٤) ما بين المعقوفين ساقط من (ح).\n(٥) انظر: \"زاد المسير\" ٣/ ٤٨٧.\n(٦) لم أقف عليه.","vol":"11","page":9},{"text":"وأسماء آبائهم وقبائلهم (١).\nوقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾، قال ابن عباس: (يريد الذين ألسنتهم مخالفة لما في قلوبهم) (٢)، والله لا يرضى أن يكون ما في اللسان غير ما في القلب، وقال أهل المعاني: (هذا بيان عن التفصيل الذي يحتاج إليه لئلا يتوهم متوهم أن رضي المؤمنين عنهم يقتضي أن يرضي الله تعالى عنهم، فجاء على اليأس من هذا) (٣)، وهذه الآية وما قبلها دليل على أن المنافقين تحقن دماؤهم بسبب الشهادتين، ولا تجوز موالاتهم والرضا عنهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1469>٩٧ </span>- قوله تعالى: ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا﴾، قال ابن عباس: (نزلت في أعاريب أسد وغطفان وأعراب من حوالي المدينة) (٤).\nقال العلماء من أهل اللغة: (يقال رجل عربي إذا كان نسبه في العرب ثابتًا، وجمعه العرب، كما يقال: مجوسي ويهودي، ثم تحذف ياء النسبة في الجمع فيقال: المجوس واليهود، ورجل أعرابي -بالألف- إذا كان بدويًا صاحب نجعة وانتواء (٥)، وارتياد للكلأ، وتتبع لمساقط الغيث، وسواء كان من العرب أو من مواليهم، ويجمع الأعرابي على الأعراب\n_________\n(١) ساقط من (ى).\n(٢) ذكره المؤلف في \"الوسيط\" ٢/ ٥١٩، ومعناه في \"تنوير المقباس\" ص ٢٠٢.\n(٣) لم أقف عليه.\n(٤) ذكره ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٣/ ٤٨٨، رواه بنحوه أبو الشيخ كما في \"الدر المنثور\" ٣/ ٤٨١ عن الكلبي، وانظر \"تنوير المقباس\" ص ٢٠٢.\n(٥) النجعة: المذهب في طلب الكلأ في موضعه، والانتواء: البعد. انظر: \"لسان العرب\" (نجع) ٧/ ٤٣٥٣ و(نأى) ٧/ ٤٣١٤.","vol":"11","page":10},{"text":"والأعاريب، والأعرابي إذا قيل له: يا عربي فرح بذلك، والعربي إذا قيل له يا أعرابي غضب له، فمن نزل البادية أو جاور البادين وظعن بظعنهم فهم أعراب، ومن استوطن القرى العربية فهم عرب) (١).\nقال الأزهري: (والذي لا يفرق بين الأعراب والعرب والأعرابي والعربي (٢) ربما تحامل على العرب بما يتأوله في هذه الآية، ولا يجوز أن يقال للمهاجرين والأنصار أعراب، إنما هم عرب) (٣)، وهم مقدمون في مراتب الدين على الأعراب، ولذلك قال رسول الله -ﷺ-: \"لا تَؤُمَّنَّ امرأة رجلًا، ولا فاسق مؤمنًا، ولا أعرابي مهاجرًا\" (٤).\nوقال أهل العلم: (إنما سمي العرب عربًا؛ لأن أولاد إسماعيل نشأوا بعربة (٥) وهي من تهامة فنسبوا إلى بلدهم، وكل من سكن بلاد العرب وجزيرتها ونطق بلسان أهلها فهو منهم، وسموا عربًا باسم بلدهم عربة) (٦).\n_________\n(١) انظر: \"تهذيب اللغة\" (عرب) ٣/ ٢٣٨١ والنص منقول منه، وانظر أيضًا: \"مجمل اللغة\" (عرب) ٣/ ٦٦٤، و\"مختار الصحاح\" (عرب) ص ٤٢١، و\"لسان العرب\" (عرب) ٥/ ٢٨٦٤.\n(٢) ساقط من (ى).\n(٣) أهـ. كلام الأزهري، انظر: \"تهذيب اللغة\" (عرب) ٣/ ٢٣٨١.\n(٤) رواه مطولًا ابن ماجه (١٠٨١)، كتاب: إقامة الصلاة، باب: فرض الجمعة، وفي سنده متهم بوضع الحديث وآخر ضعيف كما في \"التلخيص الحبير\"، رقم (٥٦٩) ٢/ ٣٢.\n(٥) عربة هي مكة المكرمة، انظر: \"معجم البلدان\" ٤/ ١٠٩.\n(٦) انظر: \"تهذيب اللغة\" (عرب) ٣/ ٢٣٨١، و\"لسان العرب\" (عرب) ٥/ ٢٨٦٤، وذكره القرطبي في \"تفسيره\" ٨/ ٢٣٣ عن القشيري.","vol":"11","page":11},{"text":"قال إسحاق بن الفرج (١): عربة باحة العرب ودار إسماعيل بن إبراهيم، وفيها يقول قائلهم (٢):\nوعربة أرض ما يُحل حرامها ... من الناس إلا اللوذعي الحُلاحل\nيعني النبي -ﷺ-: (أحلت له مكة ساعة من النهار) (٣).\nواضطر الشاعر إلى شيئين: سكون الراء من عربة وهي مفتوحة، وكان [يجب أن يقول أحلت له فقال يُحل هو (٤).\nوقال (٥): أقامت قريش بعربة وانتشر سائر] (٦) العرب في جزيرتها،\n_________\n(١) هو: إسحاق بن الفرج، أبو تراب الخراساني لغوي معروف بكنيته، وهو من تلاميذ شِمْر الهروي، وله تصانيف في اللغة منها \"الاعتقاب\" و\"الاستدراك على الخليل\". قال الأزهري: (أملى بهراة من كتاب الاعتقاب أجزاء ثم عاد إلى نيسابور وأملى بها باقي الكتاب، وقد قرأت كتابه فاستحسنته) أ. هـ وذكر ابن النديم أنه ممن لا يعرف اسمه وخبره على استقصاء.\nانظر: \"تهذيب اللغة\" ١/ ٤٥، و\"الفهرست\" لابن النديم ص ١٢٤، و\"إنباه الرواة\" ٤/ ١٠٢، و\"معجم البلدان\" لياقوت ٤/ ١٠٩ وهو الذي نص على اسمه.\n(٢) البيت لأبي طالب بن عبد المطلب كما يقول ياقوت الحموي في \"معجم البلدان\" ٤/ ١٠٩، وعندي شك في ذلك لأن أبا طالب توفي قبل الهجرة، ومكة إنما أحلت للنبي - ﷺ - في سنة ٨ هـ. وانظر البيت بلا نسبة في: \"الدر المصون\" ٦/ ٤٣٠، و\"لسان العرب\" (عرب) ٥/ ٢٨٦٤.\nواللوذعي: الذكي الظريف، والحلاحل: السيد الركين. انظر: \"الصحاح\" (الذع) و(حلل).\n(٣) انظر: \"صحيح البخاري\" (١١٢) كتاب: العلم، باب: كتابة العلم.\n(٤) \"تهذيب اللغة\" (عرب) ٣/ ٢٣٨١.\n(٥) يعني إسحاق بن الفرج، وانظر قوله في المصدر السابق، نفس الموضع.\n(٦) ما بيق المعقوفيق ساقط من (ى).","vol":"11","page":12},{"text":"فنسبوا كلهم إلى عربة؛ لأن أباهم إسماعيل -﵇- بها (١) نشأ وربل (٢) أولاده بها (٣) وكثروا فلما لم تحتملهم البلد انتشروا وأقامت قريش بها.\nوقال أهل المعاني: (هذه الآية دليل على أن اللفظ العام يرد للخاص؛ لأن الأعراب لفظ عام (٤) وليس المراد به جميع الأعراب) (٥).\nوقوله تعالى: ﴿أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا﴾، قال أبو إسحاق: (كفرهم أشد لأنهم أقسى وأجفى من أهل المدر (٦)، وهم أيضًا أبعد عن سماع التنزيل، وإنذار الرسول -ﷺ-) (٧). والمعنى: أشد كفرًا من أهل الحضر لجفاء صدورهم [ونبو طباعهم (٨)، وكذلك الأكراد والأتراك، وسائر أهل الخباء (٩) أو العمد (١٠)] (١١).\n_________\n(١) ساقط من (ى).\n(٢) في (ح) و(ى): (ربا) أي نما وزاد، وأثبت ما في (م) لموافقته لمصدر القول إذ فيه: وربل أولاده: أي كثروا.\n(٣) ساقط من (ى).\n(٤) في (ى): (العام).\n(٥) انظر: \"المحرر الوجيز\" ٧/ ٦، ولم أجده في كتب أهل المعاني.\n(٦) في (ى): (المدن). وما أثبته موافق للمصدر التالي، وهما بمعنى واحد كما في \"اللسان\" (مدر).\n(٧) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٦٥.\n(٨) في (ح): (باطنكم عنهم)، وهو وهم من الناسخ.\n(٩) في (ح): الخبت، وهي المفازة كما في \"مجمل اللغة\" (خبت) ٢/ ٣١٠، والخباء: من بيوت الأعراب، وهو ما كان من وبر أو صوف، ولا يكون من شعر، وهو على عمودين أو ثلاثة. انظر: \"لسان العرب\" (خبا) ٢/ ١٠٩٨.\n(١٠) العمد -بفتح العين- اسم للجمع، وأهل العمد: أصحاب الأخبية الذين ينتقلون إلى الكلأ حيث كان، والعمود: الخشبة التي تقوم عليها الخيمة وبيت الشعر.\nانظر: \"لسان العرب\" (عمد) ٥/ ٣٠٩٧.\n(١١) ما بين المعقوفين ساقط من (ى).","vol":"11","page":13},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَأَجْدَرُ﴾: أي أولى وأخلق، قال الليث: (يقال فلان جدير لذلك الأمر: أي خليق له، وما كان جديرًا، ولقد جدر جدارة، وأجدر به) (١)، وإنه لجدير، وإنهما لجديران، وإنهم لجديرون، قال زهير:\nجديرون يومًا أن ينالوا ويستعلوا (٢) (٣)\n[والمرأة جديرة، والنساء جديرات وجدائر قاله اللحياني (٤)، وهو مأخوذ من حيدر الحائط وهو رفعه بالبناء له، فقولهم: ذاك أجدر أن تظفر] (٥) بحاجتك: أي أقرب أن تستعلي عليها، فكذلك هؤلاء أقرب أن يستعلوا على الجهل بالتمكن فيه، وقوله تعالى: ﴿أَلَّا يَعْلَمُوا﴾، قال الفراء والزجاج: (أن) في موضع نصب لأن الباء محذوفة (٦).\nوقوله تعالى: ﴿حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ [قال ابن عباس: (يريد\n_________\n(١) اهـ. الكلام المنسوب لليث، انظر: \"تهذيب اللغة\" (جدر) ١/ ٥٥٨، والنص بنحوه في كتاب: العين (جدر) ٦/ ٧٥.\n(٢) في (م): (فيستعلوا). وما أثبته موافق لرواية الديوان.\n(٣) هذا عجز بيت، وصدره:\nبخيل عليها جنة عبقرية\nانظر: \"ديوان زهير\" ص١٠٣، و\"المحتسب\" ٢/ ٣٠٦، و\"لسان العرب\" (عبقر) ٥/ ٢٧٨٨. وجنة: جمع جن. وعبقرية: أي منسوبة إلى عبقر وهو موضع بالبادية تكثر فيه الجن كما تقول العرب. انظر: \"اللسان\" (عبقر) ٥/ ٢٧٨٨.\n(٤) \"تهذيب اللغة\" (جدر) ١/ ٤٢، وبدايته من نهاية الكلام المنسوب لليث. واللحياني هو: علي بن حازم أبو الحسن اللحياني، من كبار أهل اللغة ومن مشهوري نحاة الكوفة، كان معاصرًا للفراء وتصدر في أيامه، وله كتاب حسن في \"النوادر\".\n(٥) ما بين المعقوفين مكرر في (ى).\n(٦) \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٤٩٩، و\"معاني القرآن وإعرابه\" للزجاج ٢/ ٤٦٥.","vol":"11","page":14},{"text":"فرائض ما أنزل الله على رسوله) (١)] (٢) ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾ بما في قلوب خلقه، ﴿حَكِيمٌ﴾ بما فرض من فرائضه.\nوقال يمان: وأجدر ألا يعلموا الحلال والحرام (٣)، وقال ابن كيسان: (يعني حجج الله في توحيده وتثبيت رسالة (٤) رسوله - ﷺ -؛ لأنهم لا ينظرون فيها) (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1470>٩٨ </span>- قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا﴾ الآية، المغرم مصدر كالغرم، ومعنى الغرم لزوم نائبة في المال من غير جناية (٦) فيثقل ذلك على الإنسان، ومضى الكلام في هذا عند قوله: ﴿وَالْغَارِمِينَ﴾ [التوبة: ٦٠] يعني: يتخذ ما ينفق في الجهاد والغزو مغرمًا، قال ابن عباس: (يريد: لا يرجو له ثوابًا، ولا يخاف على إمساكه عقابًا) (٧).\nوقوله تعالي: ﴿وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ﴾ الدوائر (٨): جمع دائرة، وهي الحال المنقلبة عن (٩) النعمة إلى البلية، وخصت بانقلاب النعمة دون انقلاب النقمة لأن النعمة أغلب وأعم، إذ كل أحد فعليه نعمة من الله، وليس كذلك النقمة؛ لأنها خاصة، مع أنه قد يقال: (دارت [الدوائر:\n_________\n(١) ذكره السمرقندي في \"تفسيره\" ٢/ ٦٩ عن الكلبي.\n(٢) ما بين المعقوفين ساقط من (ح) ومكرر في (م).\n(٣) لم أجده فيما بين يدي من المراجع.\n(٤) ساقط من (ى).\n(٥) ذكره بنحوه القرطبي في \"تفسيره\" ٨/ ٢٣٢.\n(٦) في (ح): (خيانة).\n(٧) رواه الثعلبي ٦/ ١٣٨ ب، والبغوي ٤/ ٨٦.\n(٨) ساقط من (ح).\n(٩) في (م): (من).","vol":"11","page":15},{"text":"أي) (١) دارت لهم] (٢) الدنيا، بخلاف ما دامت عليهم، ومضى الكلام في هذا عند قوله: ﴿نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ﴾ [المائدة: ٥٢] (٣).\nقال ابن عباس في قوله: ﴿وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ﴾ يعني الموت أو القتل (٤)، ونحوه قال الفراء (٥) والزجاج (٦).\nوقال يمان: (أي ينتظر أن تقلب الأمور عليكم، فيموت الرسول ويظهر (٧) عليكم المشركون) (٨).\n﴿عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾ الدائرة هاهنا: يجوز أن تكون [واحدة الدوائر، وتكون صفة غالبة، ويجوز أن تكون] (٩) مصدرًا، كالعاقبة والعافية، قال أبو علي: (والصفة أكثر في الكلام فينبغي أن يحمل عليها، والمعنى فيها: أنها خلة تحيط بالإنسان حتى لا يكون له منها مخلص) (١٠).\n_________\n(١) ما بين القوسين ساقط من (م).\n(٢) ما بين المعقوفين ساقط من (ح).\n(٣) انظر: النسخة (ح) ٢/ ٥٧ ب وقد قال في هذا الموضع: (الدائرة: من دوائر الدهر كالدولة، وهي التي تدور من قوم إلى قوم، والدائرة التي تخشى كالهزيمة والدبرة والقحط والحوادث المخوفة، قال عبد الله بن مسلم: نخشى أن يدور الدهر علينا بمكروه، ويعنون الجدب فلا تميروننا).\n(٤) \"تنوير المقباس\" ص ٢٠٢ بنحوه.\n(٥) \"معاني القرآن\" ١/ ٤٤٩.\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٦٥.\n(٧) في (ح): (ويذهب)، وهو خطأ.\n(٨) ذكره بنحوه الثعلبي ٦/ ١٣٨ ب، والبغوي ٤/ ٨٦\n(٩) ما بين المعقوفين ساقط من (ي).\n(١٠) \"الحجة للقراء السبعة\" ٤/ ٢٠٧.","vol":"11","page":16},{"text":"وقوله: ﴿السَّوْءِ﴾ قرئ بفتح السين وضمه (١)، قال الفراء: (فتح السين هو وجه الكلام؛ لأنه مصدر قولك: سؤته سوءًا ومسائية ومساءة (٢) وسوائية، فهذه مصادر (٣)، ومن رفع السين جعله اسمًا كقولك: عليهم دائرة البلاء والعذاب، ولا يجوز ضم السين في قوله: ﴿مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ﴾ [مريم: ٢٨] ولا في قوله: ﴿وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ﴾ [الفتح: ١٢] لأنه ضد لقولك: هذا رجل صدق، وثوب صدق، فليس للسوء هاهنا معنى في عذاب ولا بلاء فيضم) (٤).\nوقال الأخفش وأبو عبيد: (من فتح السين فهو كقولك: رجل سوء، وامرأة سوء، ثم تدخل الألف واللام فتقول: رجل السوء، وأنشد الأخفش:\nوكنت كذئب السوء لما رأى دمًا ... بصاحبه يوما أحال (٥) على الدم (٦)\n_________\n(١) قرأ ابن كثير وأبو عمرو بضم السين، وباقي العشرة بفتحها. انظر: \"الغاية في القراءات العشر\" ص ١٦٦، وكتاب \"إرشاد المبتدي\" ص ٣٥٥، و\"تقريب النشر\" ص ١٢١.\n(٢) كررت في (خ).\n(٣) ذكر هذه المصادر ابن منظور في \"لسان العرب\" (سوأ)، وزاد: سوءا -بضم السين- وسواء وسواءة وسواية ومساية ومساء.\n(٤) \"معاني القرآن\" ١/ ٤٥٠.\n(٥) في (ح): (أخاك).\n(٦) البيت للفرزدق، انظر: ديوانه ٢/ ١٨٧، و\"طبقات فحول الشعراء\" ١/ ٣٦٢، و\"كتاب الحيوان\" ٦/ ٢٩٨.\nوقوله: أحال على الدم: قال الجاحظ: (الذئبان ربما أقبلا على الإنسان إقبالًا واحدًا، وهما سواء على عداوته، والجزم على أكله، فإذا أدمي أحدهما وثب على صاحبه المدمي فمزقه وأكله، وترك الإنسان). انظر: \"كتاب الحيوان\" ٦/ ٢٩٨.","vol":"11","page":17},{"text":"ومن ضم السين أراد بالسوء: المضرة والشر والمكروه والبلاء، كأنه قيل: عليهم دائرة الهزيمة والمكروه، وبهم يحيق ذلك) (١)، وعلى هذا القياس تقول: رجل السوء (٢)، [قال (٣): وذا (٤) ضعيف، ودائرة السوء أحسن من رجل السوء (٥)] (٦) [والرجل لا يضاف إلى السوء كما يضاف هذا (٧).\n_________\n(١) انظر: قول الأخفش في كتاب \"معاني القرآن\"، له ١/ ٣٦٣، وقول أبي عبيد في \"تفسير الرازي\" ١٦/ ١٦٧، وقد دمج المؤلف قول الأخفش في قول أبي عبيد.\n(٢) قوله: وعلى هذا القياس تقول: رجل السوء، ليس في كتاب \"معاني القرآن\" وهو في \"الحجة للقراء السبعة\" ٤/ ٢٠٩.\n(٣) يعني: الأخفش.\n(٤) عبارة الأخفش: (وقد قرئت (دائرة السوء) وذا ضعيف) أهـ. فالإشارة تعود إلى القراءة بضم السين لا إلى قول القائل: رجل السوء، كما يوهم صنيع أبي علي الفارسي الذي نقل المؤلف عبارته علمًا أن هذا القول ضعيف أيضًا عند الأخفش كما في التعليق التالي، والجدير بالتنبيه أن القراءة بضم السين قراءة سبعية فلا يصح الطعن فيها.\n(٥) ضُبطت في كتاب \"معاني القرآن\" بفتح السين، ولعل الصواب الضم، قال ابن بري: قد أجاز الأخفش أن يقال: (رجل السوء، ورجل سَوء، فتح السين فيهما، ولم يجوز رجل سُوء، بضم السين لأن السوء اسم للضر وسوء الحال، وإنما يضاف إلى المصدر السابق: الذي هو فعله، كما يقال: رجل الضرب والطعن، فيقوم مقام قولك: رجلٌ ضراب وطعان، فلهذا جاز أن يقال: رجل السوء، بالفتح، ولم يجز أن يقال: هذا رجل السوء، بالضم). \"لسان العرب\" (سوأ) ٤/ ٢١٦٠.\n(٦) ما بين المعقوفين ساقط من (م).\n(٧) \"كتاب معاني القرآن\" ١/ ٣٦٤ وبقية عبارته: الآن هذا يفسر به الخير والشر). وقد جعلت المحققة اسم الإشارة (هذا) بين علامتي تنصيص مما زاد في غموض العبارة، واسم الإشارة يعود إلى الدائرة.","vol":"11","page":18},{"text":"قال أبو علي الفارسي: (الدائرة لو لم تضف إلى السوء] (١) أو السوء عرف منها معنى الشر؛ لأن الدائرة من دوائر الدهر تستعمل للمكروه، ووجه الإضافة هاهنا التوكيد والزيادة في التبيين، كقولك لَحْيَا رأسه، وشمس النهار، فأما السوء فإنه يراد به الرداءة والفساد، ودائرة السوء: دائرة الضرر والمكروه (٢» (٣).\nوقال يمان: (عليهم يدور النبلاء والحزن فلا يرون في محمد ودينه إلا ما يسوؤهم) (٤).\nوقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾، قال ابن عباس: (يريد: سميع لقولهم عليم بنياتهم) (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1471>٩٩ </span>- قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾، قال ابن عباس: (يعني من أسلم من أعراب أسد وجهينة وغفار) (٦)، وقال مجاهد: (هم بنو مقرن من مزينة) (٧)، وقال الضحاك:\n_________\n(١) ما بين المعقوفين ساقط من (ح).\n(٢) قال المؤلف في \"الوسيط\" ٢/ ٥١٩: السوء بالفتح: الرداءة والفساد، وبالضم: الضرر والمكروه.\n(٣) أهـ. كلام أبي علي، انظر: \"الحجة\" ٤/ ٢٠٧، ٢٠٨، وقد اختصر المؤلف عبارته وتصرف فيها.\n(٤) ذكره البغوي في \"تفسيره\" ٤/ ٨٦.\n(٥) \"تنوير المقباس\" ص ٢٠٢ بنحوه.\n(٦) \"زاد المسير\" ٣/ ٤٨٩، وبنحوه رواه الثعلبي في \"تفسيره\" ٦/ ١٣٩ أ، والبغوي في \"تفسيره\" ٤/ ٨٦ عن الكلبي.\n(٧) رواه ابن جرير ١١/ ٥، وابن أبي حاتم ٦/ ١٨٦٧، وسنيد وابن المنذر وأبو الشيخ كما في \"الدر المنثور\" ٣/ ٤٨٢.","vol":"11","page":19},{"text":"(يعني عبد الله ذا البجادين (١) ورهطه) (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [قال ابن عباس] (٣): (يريد: يتقرب بذلك من الله) (٤)، قال الزجاج: (يجوز (٥) في القربات ثلاثة أوجه: ضم الراء وإسكانها وفتحها) (٦).\nوقوله تعالى: ﴿وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ﴾، قال قتادة: (يعني دعاءه بالخير والبركة) (٧)، وقال ابن عباس والحسن: (يعني استغفار الرسول لهم) (٨).\nوقال عطاء: (يريد: يرغب (٩) في دعاء الرسول (١٠) - ﷺ -) (١١)، ويجوز\n_________\n(١) هو: عبد الله بن عبد نهم بن عفيف المزني، المشهور بلقبه ذي البجادين؛ لأنه لما أسلم ضيق عليه قومه حتى لم يتركوا معه شيئًا فأخذ بجادًا من شعر -وهو الكساء- فقطعه نصفين فاتزر نصفًا، وارتدى نصفًا، وهاجر ولزم النبي -ﷺ- حتى مات في غزوة تبوك، وكان من الأواهين، كثير الذكر وتلاوة القرآن.\nانظر: \"حلية الأولياء\" ١/ ١٢١، و\"صفة الصفوة\" ١/ ٦٧٧، و\"الإصابة\" ٣٣٨ - ٣٣٩.\n(٢) رواه الثعلبي في \"تفسيره\" ٦/ ١٣٩ أ.\n(٣) ما بين المعقوين ساقط من (ى).\n(٤) ذكره المؤلف في \"الوسيط\" ٢/ ٥١٩.\n(٥) ساقط من (ى).\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٦٥.\n(٧) رواه مختصرًا بن جرير ١١/ ٥، وابن أبي حاتم ٦/ ١٨٦٧.\n(٨) رواه عن ابن عباس الإمام ابن جرير ١١/ ٥، وابن أبي حاتم ٦/ ١٨٦٧، وابن المنذر وابن مردويه كما في \"الدر المنثور\" ٣/ ٤٨٢، ولم أجد من ذكره عن الحسن.\n(٩) في (ى): (ترغيب)، وفي المصدرين التاليين: يرغبون.\n(١٠) في (م): (رسول الله).\n(١١) \"تفسير البغوي\" ٤/ ٨٧، و\"الوسيط\" ٢/ ٥١٩.","vol":"11","page":20},{"text":"عطف الصلوات على (ما) في قوله: ﴿وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ﴾ [والمعنى أنه] (١) يتقرب بصدقته ودعاء الرسول إلى الله، ويجوز عطفها (٢) على (القربات)، كأنه يتخذ إنفاقه قربة، ويلتمس به (٣) صلوات الرسول ودعاءه كما يلتمس القربات.\nوقوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ﴾ القربة: ما يدني من رحمة الله من فعل خير وإسداء عرف، وقرأ نافع في بعض الروايات (قربة) بضم الراء (٤)، وهو الأصل، ثم تخفف نحو كتُب ورسُل وطنُب، فالأصل الضم، والإسكان تخفيف، ومثله ما حكاه محمد بن يزيد (٥): بُسْرة وبُسُرة وهُدْبة وهُدُبة، قال أبو علي الفارسي: (ولا يجوز أن يكون الأصل التخفيف ثم يثقل لأن ذلك إنما يجوز إما في الوقف كقوله (٦):\nأنا ابن ماوية إذ جد النُّقُرْ\n_________\n(١) ما بين المعقوفين ساقط من (ح)، وقد وضع الناسخ مكانه ما نصه: (قربات عند الله)، قال ابن عباس: يريد .. وهو خطأ من الناسخ والتباس بما ذكره المؤلف في الجملة المذكورة.\n(٢) في (ى): (عطفًا).\n(٣) ساقط من (ح).\n(٤) هي رواية ورش وابن جماز وإسماعيل بن جعفر وغيرهم عنه، أما رواية قالون وابن أبي أويس والمسيبي عنه فبالتخفيف كباقي العشرة، انظر \"كتاب السبعة\" ص ٣١٧، و\"الغاية في القراءات العشر\" ص ١٦٦، و\"تقريب النشر\" ص ١١٩.\n(٥) هو: المبرد، وانظر قوله في: \"الحجة للقراء السبعة\" ٤/ ٢١٢.\n(٦) البيت من الرجز، وبعده:\nوجاءت الخيل أثابي زمر\nوقد اختلف في قائله، ففي \"لسان العرب\" (نقر) نسب لعبيد بن ماوية الطائي، =","vol":"11","page":21},{"text":"حرك القاف بالحركة التي كانت تكون للام في الإدراج، وإما في إتباعٍ (١) لما قبلها للضرورة نحو قول الشاعر (٢):\nإذا تجرد نوح قامتا معه ... ضربا أليمًا بسبتٍ يلعج الجِلِدا\nكسر اللام إتباعًا لحركة فاء الفعل للضرورة، ولا يجوز واحد من الوجهين في الآية؛ لأن قوله: (قُربة) ليس موقوفًا عليه، ولا يجوز أن تحمل حركة الراء على إتباع ما قبلها؛ لأن ذلك إنما يجوز في الضرورة، وإذا لم يجز الحمل على واحد من الأمرين علمت أن الحركة هي الأصل (٣). قال ابن عباس في قوله: ﴿أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ﴾، يريد نور (٤) لهم ومكرمة (٥) عند الله (٦).\n_________\n= ونسب له أو لفدكي بن عبد الله في \"الدرر اللوامع\" ٦/ ٣٠٠، ولفدكي المنقري في القاموس (فصل النون، باب الراء) ٤٨٦، ولبعض السعديين في \"كتاب سيبويه\" ٤/ ١٧٣.\nوالنقر: قال الفيروزأبادي في الموضع السابق: (أن تلزق طرف لسانك بحنكك ثم تصوت، أو هو اضطراب اللسان، أو هو صويت تزعج به الفرس).\nأما الأثابي: فهي الجماعات. انظر: \"لسان العرب\" (ثبا) ١/ ٤٧٠.\n(١) هذا هو الوجه الثاني في جواز أن يكون الأصل التخفيف ثم يثقل.\n(٢) هو: عبد مناف بن ربع الهذلي، كما في \"شرح أشعار الهذليين\" ٢/ ٦٧٢، و\"جمهرة اللغة\" (علج) ١/ ٤٨٣، و\"لسان العرب\" (لعج) ٧/ ٤٠٤١، و\"نوادر أبي زيد\" ص ٣٠.\n(٣) \"الحجة\" ٤/ ٢٠٩ - ٢١٢ باختصار وتصرف.\n(٤) ساقط من (ح).\n(٥) في (م): (تكرمة).\n(٦) \"الوسيط\" ٢/ ٥١٩.","vol":"11","page":22},{"text":"قوله تعالى: ﴿سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ﴾ قال يريد: (في جنته) (١)، ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ لذنوبهم ﴿رَحِيمٌ﴾ بأوليائه وأهل طاعته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1472>١٠٠ </span>- قوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ﴾، قال ابن عباس في رواية عطاء: (يريد الذين صدقوا النبي وهاجروا إلى المدينة) (٢).\nوقال أبو موسى وسعيد بن المسيب وقتادة وابن سيرين: هم الذين صلوا القبلتين (٣).\nوقال عطاء بن أبي رباح: هم الذين شهدوا بدرًا (٤).\nوقال الشعبي: (هم الذين شهدوا بيعة الرضوان) (٥) فهؤلاء السباق من المهاجرين (٦)، وسباق الأنصار أهل بيعة العقبة الأولى [وكانوا سبعة،\n_________\n(١) \"زاد المسير\" ٣/ ٤٩٠، و\"تنوير المقباس\" ص ٢٠٢.\n(٢) لم أقف عليه.\n(٣) ذكر آثارهم ابن جرير ١١/ ٦ - ٨، وابن أبي حاتم ١٦ - ١٨٦٨، والثعلبي ٦/ ١٣٩ ب، والبغوي ٤/ ٨٧، والمؤلف في \"الوسيط\" ٢/ ٥١٩.\n(٤) ذكره البغوي ٤/ ٨٧، وابن الجوزي ٣/ ٤٩٠، والمؤلف في \"الوسيط\" ٢/ ٥٢٠.\n(٥) رواه ابن جرير ١١/ ٦، وابن أبي حاتم ١٦/ ١٨٦٨، والبغوي ٤/ ٨٧. وبيعة الرضوان هي البيعة التي تمت في الحديبية لما أشيع أن المشركين قتلوا عثمان -﵁-، فقال النبي -ﷺ-: \"لا نبرح حتى نناجز القوم\"، ودعا الناس إلى البيعة على الموت أو عدم الفرار، وفي هذه البيعة نزل قول الله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: ١٨]. انظر: السيرة النبوية ٣/ ٣٦٤.\n(٦) في تخصيص المهاجرين بما ذكر نظر فإن جميع الأقوال التي ذكرها المؤلف عدا قول ابن عباس يشترك فيها المهاجرون والأنصار، فكثير من الأنصار صلوا القبلتين، وشهدوا بدرًا، وبايعوا بيعة الرضوان، وقد ذكر ابن جرير أقوال المفسرين في السابقين بعد قوله: اختلف أهل التأويل في المعنى بقوله: (والسابقون الأولون) أ. هـ ثم ذكر الأقوال جميعًا سواء ذكرت المهاجرين =","vol":"11","page":23},{"text":"والثانية] (١) وكانوا سبعين، والذين آمنوا بالمدينة حين قدم عليهم مصعب بن عمير يعلمهم القرآن. قاله ابن عباس وغيره (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ﴾، قال عطاء عن ابن عباس: (يريد: يذكرون المهاجرين والأنصار بالجنة والرحمة والدعاء لهم، ويذكرون محاسنهم ويسألون الله أن يجمع بينهم) (٣)، وقال في رواية أخرى: (والذين اتبعوهم على دينهم من أهل الإيمان إلى أن تقوم الساعة) (٤)، ونحوه قال الزجاج: (أي من اتبعهم إلى يوم القيامة) (٥).\nوقال الفراء: (ومن أحسن من بعدهم إلى يوم القيامة) (٦).\n_________\n= والأنصار، أو المهاجرين وحدهم. وكذلك فعل البغوي ٤/ ٨٧، والماوردي ٢/ ٣٩٤، وابن الجوزي ٣/ ٤٩٠، وابن كثير ٢/ ٤٢١ فما قيل في السابقين من المهاجرين يقال في السابقين من الأنصار، أما ما ذكره المؤلف عن سباق الأنصار فإن غيره ذكره في مبحث أول الناس إسلامًا وهو أخص من السبق المذكور في الآية، انظر: \"تفسير الثعلبي\" ٦/ ١٤١ ب، والبغوي ٤/ ٨٨.\n(١) ما بين المعقوفين ساقط من (ى).\n(٢) ذكره بمعناه الماوردي في \"تفسيره\" ٢/ ٣٩٥، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٣/ ٤٩١، دون تعيين القائل، وانظر قصة بيعة العقبة الأولى والثانية، وعلام كانتا، ومن بايع فيهما في \"السيرة النبوية\" ٢/ ٣٩ - ٧٤، و\"زاد المعاد\" ٣/ ٤٤ - ٤٩.\n(٣) رواه الثعلبي في \"تفسيره\" ٦/ ١٣٩ أ، والبغوي في \"تفسيره\" ٤/ ٨٨، وانظر: \"الوسيط\" ٢/ ٥٢١، و\"زاد المسير\" ٣/ ٤٩١.\n(٤) ذكره الرازي في \"تفسيره\" ١٦/ ١٧٢، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٣/ ٤٩١، والمؤلف في \"الوسيط\" ٢/ ٥٢١.\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٦٦.\n(٦) \"معاني القرآن\" ١/ ٤٥٠.","vol":"11","page":24},{"text":"وقال الكلبي: (السابقون من الفريقين الذين سبقوا بالإيمان والهجرة والجهاد والنصرة، ثم من اتبعهم على منهاجهم إلى قيام الساعة) (١).\nوقوله تعالى: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ يريد: رضي الله أعمالهم ورضوا ثواب الله [قاله ابن عباس (٢)، ونحوه قال الزجاج: (رضي الله أفعالهم (٣) ورضوا ما جازاهم به) (٤)] (٥).\nوروي عن أبي صخر حميد (٦) بن زياد (٧) أنه قال: قلت يوما لمحمد ابن كعب القرظي: ألا تخبرني عن أصحاب رسول الله (٨) -ﷺ- فيما كان بينهم، وإنما أريد الفتن (٩)، فقال لي: إن الله -﷿- قد غفر لجميع أصحاب النبي -ﷺ-[وأوجب لهم الجنة، (في كتابه محسنهم ومسيئهم، قلت له: وفي أي موضع أوجب الله لهم الجنة؟) (١٠) قال: سبحان الله! ألا\n_________\n(١) \"تنوير المقباس\" ص ٢٠٣ بنحوه عن الكلبي عن ابن عباس.\n(٢) رواه بمعناه الفيروزأبادي في \"تنوير المقباس\" ص ٢٠٣.\n(٣) في (ى): (رضي أفعالهم).\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٦٦.\n(٥) ما بين المعقوفين ساقط من (م).\n(٦) ساقط من (ح).\n(٧) هو: حميد بن صخر بن أبي المخارق، أبو صخر المدني الخراط، اختلف في توثيقه، فقال الإمام أحمد: لا بأس به، وقال الحافظ ابن حجر: صدوق يهم، وتوفي سنة ١٨٩ هـ.\nانظر: \"الكاشف\" ١/ ٣٥٣، و\"تقريب التهذيب\" ص ١٨١ (١٥٤٦)، و\"تهذيب التهذيب\" ١/ ٤٩٥.\n(٨) في (ى): (محمد).\n(٩) يعني وقعة الجمل وصفين ونحو ذلك.\n(١٠) ما بين القوسين من (م).","vol":"11","page":25},{"text":"تقرأ قوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾ إلى آخرها (١)، فأوجب الله لجميع أصحاب النبي -ﷺ-] (٢) الجنة والرضوان، وشرط على التابعين شرطًا لم يشرطه عليهم، قلت: وما ذلك الشرط؟ قال: اشترط عليهم (٣) أن يتبعوهم بإحسان، يقول: فاقتدوا بأعمالهم الحسنة ولا تقتدوا بهم في غير ذلك، قال أبو صخر (٤): (فوالله لكأني لم أقرأها قط، وما عرفت تفسيرها حتى قرأها علي محمد بن كعب) (٥)، فعلى هذا يراد بالسابقين الأولين جميع (٦) أصحاب محمد -ﷺ- من المهاجرين والأنصار، وهم أول هذه الأمة، والأولية لجميعهم ثابتة بإدراكهم النبي -ﷺ-[وصحبتهم معه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1473>١٠١ </span>- قوله: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ﴾] (٧)، قال ابن عباس والمفسرون: (يريد: مزينة وأسلم وجهينة وغفار ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ﴾ يريد الأوس والخزرج (٨).\n_________\n(١) ساقط من (م).\n(٢) ما بين المعقوفين ساقط من (ح) إلى قوله (الأعراب).\n(٣) ساقط من (ح).\n(٤) في (م): (ابن صخر)، وفي (ح): (أصحاب صخر)، وكلاهما خطأ.\n(٥) أخرجه أبو الشيخ وابن عساكر كما في \"الدر المنثور\" ٣/ ٤٨٥ - ٤٨٦، وذكره البغوي في \"تفسيره\" ٤/ ٨٨ بغير سند.\n(٦) في (ى): (من).\n(٧) ما بين المعقوفين بياض في (ح).\n(٨) ذكره ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٣/ ٤٩١، عن ابن عباس، وانظر: \"تفسير الثعلبي\" ٦/ ١٤٢ ب، والبغوي ٤/ ٨٩، والقرطبي ٨/ ٢٤٠.","vol":"11","page":26},{"text":"وقوله (١): ﴿مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ﴾، قال الزجاج: ﴿مَرَدُوا﴾ متصل بقوله: ﴿مُنَافِقُونَ﴾ على التقديم والتأخير) (٢)، بتقدير: وممن حولكم من الأعراب ومن أهل المدينة منافقون (٣) مردوا على النفاق، قال ابن الأنباري: (ويجوز أن يكون التقدير: ومن أهل المدينة من مردوا على النفاق، فأضمر (مَن) لدلالة (٤) (مِن) عليها، كما قال تعالى: ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصافات: ١٦٤]: يريد: إلا من) (٥)، ومضت نظائر هذا (٦).\nومعنى: ﴿مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ﴾ يقال: مرد يمرد مرودًا فهو مارد ومريدٌ: إذا عتا وطغى وأعيا خبثًا، قال الليث: (والمرادة: مصدر المارد، والمريد من شياطين الإنس والجن، وقد تمرد علينا أي عتا ومرد على الشر، وتمرد: أي عتا وطغى) (٧).\nوقال ابن الأعرابي: (المرد: التطاول بالكبر والمعاصي، ومنه قوله: ﴿مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ﴾ أي تطاولوا (٨).\n_________\n(١) من (م).\n(٢) أهـ. كلام الزجاج، انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٦٧.\n(٣) ساقط من (ى).\n(٤) في (ح) و(ى): (بدلالة).\n(٥) \"زاد المسير\" ٣/ ٤٩٢، وتفسير الرازي ١٦/ ١٧٣.\n(٦) انظر مثلًا: \"تفسير البسيط\" تفسير الآية: ٣ من سورة التوبة\n(٧) \"تهذيب اللغة\" (مرد) ٤/ ٣٣٧٣، والنص بنحوه في \"كتاب العين\"، مادة: (مرد) ٨/ ٣٧.\n(٨) \"تهذيب اللغة\" (مرد) ٤/ ٣٣٧٣.","vol":"11","page":27},{"text":"وقال الفراء: (يريد: مرنوا عليه وجرنوا (١)، كقولك: تمردوا) (٢).\nوأصل الحرف اللين والملاسة، ومنه صرح ممرد، وغلام أمرد، والمرداء الرملة التي لا تنبت شيئًا (٣)، قال محمد بن إسحاق: (لجوا فيه وأبوا غيره) (٤)، وقال ابن زيد: (أقاموا (٥) عليه ولم يتوبوا كما تاب الآخرون) (٦)، وقوله تعالى: ﴿لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾ هو كقوله: ﴿لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠].\n﴿سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء: (يريد: الأمراض في الدنيا، وعذاب الآخرة، وذلك (٧) أن من مرض من المؤمنين كفر الله سيئاته، ومحص ذنوبه، وأبدله لحمًا ودمًا خيرًا بما ذهب منه، وأعقبه ثوابًا عظيمًا، ومن مرض من المنافقين زاده نفاقًا وإثمًا (٨) وضعفًا) (٩).\n_________\n(١) هكذا في جميع النسخ، وهو موافق لما في \"تهذيب اللغة\" (مرد) ٤/ ٣٣٧٣، وفي \"معاني القرآن\" للفراء: جرؤوا. ويبدو أنه تصحيف من النساخ أو المحقق، ومعنى جرنوا: قال في \"لسان العرب\" (جرن) ١/ ٦٠٨: (جرن فلان على العذال ومرن ومرد بمعنى واحد، ويقال للرجل والدابة إذا تعود الأمر ومرن عليه: قد جرن يجرُن جرونا).\n(٢) كلام الفراء في \"معاني القرآن\" ١/ ٤٥٠.\n(٣) في الصحاح (مرد): (رملة مرداء: لا نبت فيها .. وتمريد البناء: تمليسه).\n(٤) \"السيرة النبوية\" لابن هشام ٤/ ٢١٢.\n(٥) في (ى): (نالوا).\n(٦) رواه ابن جرير ١١/ ٩، وابن أبي حاتم ١٦/ ١٨٦٩.\n(٧) ساقطة من (ى).\n(٨) من (م).\n(٩) رواه الثعلبي في \"تفسيره\" ٦/ ١٤٣ ب عن عطاء.","vol":"11","page":28},{"text":"وقال في رواية السدي عن أبي مالك عنه: قام رسول الله -ﷺ- خطيبًا (١) يوم (٢) الجمعة فقال: اخرج يا فلان فإنك منافق [اخرج يا فلان فإنك منافق] (٣) فأخرج من المسجد ناسًا وفضحهم، فهذا العذاب الأول، والثاني عذاب القبر) (٤).\n[وقال مجاهد: (بالقتل والسبي وعذاب القبر) (٥).\nوقال قتادة: (بالدبيلة (٦) وعذاب القبر) (٧)] (٨) وذلك أن النبي -ﷺ- أسر\n_________\n(١) ساقط من (ح).\n(٢) في (ى): (بعد)، وما أثبته موافق لمصادر تخريج القول.\n(٣) ما بين المعقوفين ساقط من (ى).\n(٤) رواه ابن جرير في \"تفسيره\" ١٠/ ١١، وابن أبي حاتم ١٦/ ١٨٧٠، والثعلبي ٦/ ١٤٣ أ، والطبراني في \"الأوسط\" رقم (٧٩٦) ١/ ٤٤١ وفي سنده الحسين بن عمرو العنقزي وهو ضعيف كما قال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" ٧/ ١١١ ثم إنه لم يروه عن السدي إلا أسباط بن نصر كما ذكر الزيلعي في تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في \"تفسير الكشاف\" ٢/ ٩٧، وأسباط صدوق كثير الخطأ يغرب كما قال الحافظ ابن حجر في \"التقريب\" ١/ ٥٣ فمثله لا يحتمل تفرده، ولا يقويه رواية الكلبي للأثر كما في \"تفسير البغوي\" ٦/ ٨٩، و\"الوسيط\" ٢/ ٥٢١، لأن الكلبي متهم بالكذب.\n(٥) رواه الثعلبي ٦/ ١٤٣ أ، ورواه ابن جرير ١٠/ ١١، وابن أبي حاتم ١٦/ ١٨٧١، والبغوي ٤/ ٨٩ بلفظ: (القتل والسبي)، ولابن جرير رواية أخرى لفظها: (بالجوع وعذاب القبر).\n(٦) الدبيلة في عرف العرب: خراج ودمل كبير يظهر في الجوف، ويقتل غالبًا. انظر: \"لسان العرب\" (دبل) ٣/ ١٣٢٤.\n(٧) رواه الثعلبي ٦/ ١٤٣ أ، والبغوي ٤/ ٨٩.\n(٨) ما بين المعقوفين ساقط من (ح).","vol":"11","page":29},{"text":"إلى حذيفة اثني عشر رجلًا من المنافقين وقال: \"ستة يكفيهم الله بالدبيلة، سراج من نار تأخذ أحدهم حتى تخرج من صدره، وستة يموتون موتًا\" (١).\nوقال الحسن: (بأخذ الزكاة من أموالهم وعذاب القبر) (٢).\nوقال محمد بن إسحاق: (هو ما يدخل عليهم من غيظ الإسلام ودخولهم فيه من غير حسبة (٣)، ثم عذابهم في القبور) (٤).\nوقال إسماعيل بن أبي زياد (٥): (أحد العذابين ضرب الملائكة الوجوه والأدبار، والثاني عند البعث، يوكل بهم عنق من نار) (٦).\n﴿ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ﴾ يعني: الخلود في النار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1474>١٠٢ </span>- قوله تعالى: ﴿وَآخَرُونَ﴾ أي ومن أهل المدينة آخرون ﴿اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾ الاعتراف: الإقرار [بالذنب أو بالذل والمهانة والرضا به، واعترف فلان] (٧) إذا ذل وانقاد، قال أصحاب العربية: (ومعناه الإقرار\n_________\n(١) رواه ابن جرير ١١/ ١١ عن قتادة، وفي سنده مجهول.\n(٢) انظر: \"تفسير ابن جرير\" ١١/ ١١، والثعلبي ٦/ ١٤٣ أ.\n(٣) في (ح): (خشيتهم)، وهو خطأ.\n(٤) \"السيرة النبوية\" لابن هشام ٤/ ٢١٢.\n(٥) هو: إسماعيل بن أبي زياد الكوفي الشامي قاضي الموصل، واسم أبيه مسلم، وقيل زياد، له كتاب في التفسير شحنه بأحاديث لا يتابع عليها، قال الدارقطني: يضع الحديث، كذاب، متروك، وقال ابن حجر: متروك كذبوه.\nانظر: \"الضعفاء والمتروكون\" ص ١٣٩، \"تهذيب الكمال\" ٣/ ٢٠٦، و\"تقريب التهذيب\" ص ١٠٧ (٤٤٦)، و\"تهذيب التهذيب\" ١/ ١٥١ - ١٥٢، و\"طبقات المفسرين\" للداودي ١/ ١٠٨.\n(٦) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ٦/ ١٤٣ ب.\n(٧) ما بين المعقوفين ساقط من (ى).","vol":"11","page":30},{"text":"بالشيء عن معرفة (١) (٢).\nوقال أهل التفسير: (نزلت في قوم من المؤمنين، كانوا تخلفوا عن رسول الله -ﷺ- عن (٣) غزوة تبوك ثم ندموا على ذلك، وتذمموا، وقالوا نكون في الكن (٤) والظلال مع النساء ورسول الله - ﷺ - وأصحابه في الجهاد، والله لنوثقن أنفسنا بالسواري فلا نطلقها حتى يكون رسول الله - ﷺ - هو يطلقنا ويعذرنا، فأوثقوا أنفسهم بسواري المسجد، فلما رجع رسول الله - ﷺ - أقسم لا يطلقهم ولا يعذرهم حتى يؤمر بذلك، فأنزل الله هذه الآية، فأطلقهم وعذرهم) (٥).\nوقوله تعالى: ﴿خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا﴾، قال ابن عباس: (يريد نية صادقة وبراءة من النفاق) (٦)، وقال الكلبي: ﴿اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾ يعني التخلف عن الغزو، و﴿خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا﴾ يعني التوبة، ﴿وَآخَرَ سَيِّئًا﴾ تقاعدهم عن الغزو) (٧).\n_________\n(١) في (ى): (معروفه)، وهو خطأ.\n(٢) انظر: \"المفردات في غريب القرآن\" ص٣٣٢، و\"لسان العرب\" (عرف) ٥/ ٢٨٩٩، والقول بنصه للزهري كما في \"زاد المسير\" ٣/ ٤٩٥.\n(٣) في (ح): (في).\n(٤) الكن: البيت ووقاء كل شىء وستره. انظر: \"القاموس المحيط\"، فصل الكاف، باب: النون.\n(٥) انظر: \"تفسير عبد الرزاق\" ١/ ٢/ ٢٨٦، وابن جرير ١١/ ١٢ - ١٣، وابن أبي حاتم ٦/ ١٨٧٢، و\"دلائل النبوة\" للبيهقي ٥/ ٢٧٢، و\"أسباب النزول\" للمؤلف ص ٢٦٣، و\"لباب النقول\" ص ١٢٣، ١٢٤.\n(٦) لم أقف عليه.\n(٧) ذكره الزمخشري في \"الكشاف\" ٢/ ٢١٢ بنحوه.","vol":"11","page":31},{"text":"وقال الحسن: (العمل الصالح: خروجهم إلى الجهاد مع النبي -ﷺ- قبل هذا، والسيء: تخلفهم عن تبوك) (١)، وذكر الفراء القولين جميعًا (٢).\nوالعرب تقول: خلطت الماء باللبن، وخلطت الماء واللبن.\n[قال أهل المعاني: (من قال بالواو فلأنه أراد معنى الجمع كأنه يقول: جمعت بينهما] (٣) كما تقول: جمعت زيدًا وعمرًا، والواو في الآية أحسن من الباء؛ لأنه أريد معنى الجمع لا حقيقة الخلط، ألا ترى أن العمل الصالح لا يختلط بالسيء كما يختلط الماء باللبن، ولكن قد يجمع بينهما.\nوقوله تعالى: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾، قال ابن عباس والمفسرون: «عسى) من الله واجب) (٤). لأنه قال: ﴿فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ﴾ [المائدة: ٥٢] ففعل ذلك، وكذلك تاب على هؤلاء، وقال أهل المعاني: (لفظ (عسى) هاهنا بيان عن أنه ينبغي أن يكونوا على الطمع والإشفاق؛ لأنه أبعد من الاتكال والإهمال) (٥).\n_________\n(١) المصدر السابق: نفس الموضع.\n(٢) \"معاني القرآن\" ١/ ٤٥٠، ٤٥١.\n(٣) ما بين المعقوفين ساقط من (ى).\n(٤) رواه عن ابن عباس الإمام ابن جرير ١١/ ١٣، وابن أبي حاتم ٦/ ١٨٧٤، والبيهقي في \"السنن الكبرى\"، كتاب: السير، باب: ما جاء في عذر المستضعفين رقم (١٧٧٥٣) ٩/ ٢٣ وهو قول الحسن ومجاهد وسعيد بن جبير وأبي مالك، كما في \"الدر المنثور\" ١/ ٤٣٨، ٣/ ٤٨٩ وقول الضحاك كما في \"تفسير ابن جرير\" ١١/ ١٤.\n(٥) انظر: \"زاد المسير\" ٣/ ٤٩٥، و\"تفسير الرازي\" ١٦/ ١٧٦ ولم أجده في كتب أهل المعاني.","vol":"11","page":32},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1475>١٠٣ </span>- قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾، قال المفسرون: (لما عذر رسول الله - ﷺ - هؤلاء وأطلقهم قالوا: يا رسول الله هذه أموالنا التي خلفتنا عنك، فتصدق بها عنا وطهرنا واستغفر لنا، فقال رسول الله - ﷺ -: \"ما أمرت أن آخذ من أموالكم شيئًا\" فأنزل الله هذه الآية (١)، فأخذ رسول الله - ﷺ - ثلث أموالهم وترك الثلثين؛ لأن الله تعالى قال: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ ولم يقل (٢) أموالهم) (٣).\nقال الحسن: (هذه الصدقة هي كفارة الذنوب التي أصابوها وليست بالزكاة المفروضة) (٤)، ونحو هذا قال ابن كيسان (٥)، وقال عكرمة: (هي صدقة الفرض) (٦)، وقال أهل العلم: (الآية وإن كانت نازلة في صدقة التطوع، فهي عامة الحكم) (٧).\nوالإمام أولى بأن يتولى أخذ الصدقات [ومعنى الجمع في الأموال يقتضي أنه يأخذ بعض كل صنف من المال: الثمار والمواشي والنقود.\n_________\n(١) انظر: \"تفسير ابن جرير\" ١١/ ١٦ - ١٨، وابن أبي حاتم ٦/ ١٨٧٤ - ١٨٧٥، والثعلبي ٦/ ١٤٤ أ، والبغوي ٤/ ٩٠، وأسباب النزول للمؤلف ص ٢٥٨.\n(٢) في (ى): (ولم يقل خذ)، والمثبت موافق لتفسير الثعلبي.\n(٣) انظر: \"تفسير الثعلبي\" ٦/ ١٤٥ أ، والبغوي ٤/ ٩١، وروى نحوه مطولًا عبد الرزاق في \"تفسيره\" ١/ ٢/ ٢٨٦، وابن جرير في \"تفسيره\" ١١/ ١٥ عن الزهري لكنه مرسل.\n(٤) ذكره الرازي في \"تفسيره\" ١٦/ ١٧٧، والمؤلف في \"الوسيط\" ٢/ ٥٢٢.\n(٥) انظر قوله في: \"تفسير الثعلبي\" ٦/ ١٤٥ ب، والبغوي ٤/ ٩٢.\n(٦) ذكره الماوردي في \"النكت والعيون\" ٢/ ٣٩٨، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٣/ ٤٩٦، والمؤلف في \"الوسيط\" ٢/ ٥٢٢، والقرطبي في \"تفسيره\" ٨/ ٢٤٤.\n(٧) انظر: \"أحكام القرآن\" للإمام الشافعي ١/ ١٢٠، و\"فقه الزكاة\" للقرضاوي ١/ ٢٤.","vol":"11","page":33},{"text":"وقوله] (١) تعالى: ﴿تُطَهِّرُهُمْ﴾، قال ابن عباس: (يريد: تطهرهم من الذنوب) (٢)، قال أبو إسحاق: (يصلح (٣) أن يكون: ﴿تُطَهِّرُهُمْ﴾ [نعتًا للصدقة كأنه قال خذ من أموالهم صدقة مطهرة، والأجود أن يكون ﴿تُطَهِّرُهُمْ﴾] (٤) للنبي - ﷺ -؛ المعنى خذ من أموالهم صدقة فإنك تطهرهم بها) (٥).\nقال أبو علي: (من جعل (التاء) في ﴿تُطَهِّرُهُمْ﴾ ضمير الصدقة ولم يجعله ضمير (٦) فعل المخاطب فلِما جاء من أن الصدقة أوساخ الناس (٧)، فإذا أخذت منهم كان كالدفع (٨) لذلك، ودفعه (٩) تطهيره) (١٠)، ويجوز أن\n_________\n(١) ما بين المعقوفين بياض في (ح).\n(٢) \"زاد المسير\" ٣/ ٤٩٦، و\"تنوير المقباس\" ص ٢٠٣.\n(٣) في (ى): (يجوز)، وما أثبته موافق للمصدر.\n(٤) ما بين المعقوفين ساقط من (ى).\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٦٧.\n(٦) في (ى): (ضمير الصدقة)، وهو وهم من الناسخ.\n(٧) وذلك في الحديث الذي رواه مسلم (١٠٧٢)، كتاب: الزكاة، باب: ترك استعمال آل النبي على الصدقة، ولفظه: \"إن الصدقة لا تنبغي لآل محمد، إنما هي أوساخ الناس\".\n(٨) في\"الحجة\": كالرفع. والمعنيان متقاربان، وقد اعتمد الرازي المعنى الذي ذكره المحؤلف فقال: (وإنما حسن جعل الصدقة مطهرة لما جاء أن الصدقة أوساخ الناس، فإذا أخذت الصدقة اندفعت تلك الأوساخ، فكان اندفاعها جاريًا مجرى التطهير). تفسير الرازي ١٦/ ١٧٩، والرازي كثير الاعتماد على \"البسيط\"، وعبارته تؤكد أن الواحدي أراد الدفع وليس الرفع.\n(٩) في \"الحجة\": (ورفعه)، وانظر التعليق السابق.\n(١٠) أهـ. كلام أبي علي، انظر: \"الحجة للقراء السبعة\" ٢/ ٣٢٤.","vol":"11","page":34},{"text":"تكون طهارة من جهة الحكم وإن لم تُزِل شيئًا نجسًا عن (١) أبدانهم كما (٢) أثبت نجاسة الحكم للمشركين في قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨] أثبت طهارة الحكم للمسلمين بالصدقة، وعلى هذا الوجه في ﴿تُطَهِّرُهُمْ﴾ تجعل: ﴿وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [منقطعًا عن الأول، أي: وأنت تزكيهم بها] (٣)، ويجوز أن تجعل (التاء) في في ﴿تُطَهِّرُهُمْ﴾ ضمير المخاطب، ويكون المعنى: تطهرهم أنت أيها الآخذ بأخذها (٤) منهم، ويقوي هذا الوجه قوله تعالى: ﴿وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ لأن قوله: (تزكي) للآخذ (٥)، فكذلك (تطهير)، ولا يحسن الانقطاع مع إمكان الاتصال (٦).\nوقوله: ﴿وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ أي: ترفعهم بهذه الصدقة من منازل المنافقين (٧) إلى منازل المخلصين، وإلى هذا المعنى أشار ابن عباس في تفسير هذا الحرف فقال: أقبل منهم (٨) وأتوب عليهم (٩).\n_________\n(١) في (ح): (من).\n(٢) السياق يقتضي أن يقول: (فكما).\n(٣) ما بين المعقوفين ساقط من (ى).\n(٤) في (ح): (بما تأخذها).\n(٥) في (ح): (الآخذ).\n(٦) في (ح): (الانفصال)، وهو خطأ.\n(٧) لم يثبت أن هؤلاء كانوا منافقين، بل من عصاة المؤمنين، كما أخبر الله عنهم بقوله في الآية السابقة ﴿خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا﴾ وليس في قول ابن عباس المذكور ما يؤيد ما ذكره المؤلف.\n(٨) في (ح): (نبيهم)، وهو خطأ.\n(٩) لم أجد من ذكره، ولفظ الأثر ومعناه غير متوافق مع الآية، وقد ذكر ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٣/ ٤٩٦ عنه في تفسير قوله تعالى: ﴿وَتُزَكِّيهِمْ﴾ قال: (تصلحهم).","vol":"11","page":35},{"text":"﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾، قال يريد: (ادع لهم) (١)، وذكرنا أن معنى الصلاة في اللغة: الدعاء، وهذا دليل على أن السنة للإمام إذا أخذ الصدقة أن يدعو للمتصدق فيقول: آجرك الله فيما أعطيت، وبارك لك فيما أبقيت (٢)، وقال رسول الله -ﷺ-: \"اللهم صل على آل أبي أوفى\" (٣) [لما أتاه أبو أوفى] (٤) بصدقته (٥).\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ وقرئ (صلاتك) على واحدة (٦)، قال أبو عبيد (٧): (الصلاة عندي أكثر من الصلوات؛ لأن الصلوات للجمع القليل، كقولك: ثلاث صلوات، وأربع (٨) وخمس) (٩).\n_________\n(١) رواه بمعناه ابن جرير ١١/ ١٦، ١٧، ١٨، وابن أبي حاتم ٦/ ١٨٧٦.\n(٢) روى أبو داود (١٥٨٣)، كتاب: الزكاة، باب: في زكاة السائمة، حديثًا طويلًا في الزكاة، وفيه: (فأمر رسول الله -ﷺ- بقبضها -يعني زكاة ماله- ودعا له في ماله بالبركة).\n(٣) هو: عبد الله بن أبي أوفى علقمة بن خالد الأسلمي، صحابي شهد الحديبية وعُمّر بعد النبي -ﷺ-، مات سنة ٨٧ هـ وهو آخر من مات بالكوفة من الصحابة.\nانظر: \"الإصابة\" ٢/ ٢٧٩، و\"تقريب التهذيب\" ٢٩٦ (٣٢١٩)\n(٤) ما بين المعقوفين ساقط من (ح).\n(٥) رواه البخاري (١٤٩٧)، كتاب: الزكاة، باب: صلاة الإمام ودعائه لصاحب الصدقة، ومسلم (١٠٧٨)، كتاب: الزكاة، باب: الدعاء لمن أتى بصدقته.\n(٦) قرأ حمزة والكسائي وخلف وحفص عن عاصم (إن صلاتك) بالتوحيد، وقرأ الباقون (إن صلواتك) بالجمع، انظر: \"الغاية في القراءات العشر\" ص ١٦٦، و\"تقريب النشر\" ص ١٢١.\n(٧) في (ى): (أبو عبيدة)، وهو خطأ.\n(٨) في (ح): (أربع صلوات)، وهذه الزيادة ليست في المصدر التالي.\n(٩) انظر: \"تفسير الثعلبي\" ٦/ ١٤٥ ب.","vol":"11","page":36},{"text":"وقال أبو حاتم: (من زعم أن الجمع بالتاء تقليل فقد غلط؛ لأن الله تعالى قال: ﴿مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ [لقمان: ٢٧]، لم يرد القليل) (١).\nقال أبو علي الفارسي: (الصلاة مصدر يقع على الجميع والمفرد بلفظ واحد كقوله سبحانه: ﴿لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ [لقمان: ١٩] [فإذا اختلفت جاز أن يُجمع لاختلاف ضروبه كما قال: ﴿إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾] (٢) [لقمان: ١٩] ومن المفرد الذي يراد به الجميع قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾ [الأنفال: ٣٥]، وقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ (٣) والمصدر إذا سمي به صار (٤) بالتسمية وكثرة الاستعمال كالخارجة (٥) عن حكم المصادر، وإذا (٦) جمعت (٧) المصادر إذا اختلفت نحو قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ﴾ [لقمان: ١٩] فأن يجمع ما صار بالتسمية كالخارج عن حكم المصادر أجدر) (٨).\n_________\n(١) انظر: المصدر السابق، نفس الموضوع.\n(٢) ما بين المعقوفين ساقط من (ح).\n(٣) [البقرة: ٤٣، ٨٣، ١١٠، النساء: ٧٧، يونس: ٨٧، النور: ٥٦، الروم: ٣١، المزمل: ٢٠].\n(٤) في (ى): (جاز)، وهو خطأ.\n(٥) هكذا في جميع النسخ، والسياق يقتضي التذكير، وقد تصرف الواحدي في عبارة أبي علي ونصها: (وحسن ذلك جمعها حيث جمعت لأنه صار بالتسمية بها وكثرة الاستعمال لها كالخارجة عن ..) الخ.\n(٦) ساقط من (ح).\n(٧) في (ح): (اجتمعت)، وهو خطأ.\n(٨) \"الحجة للقراء السبعة\" ٤/ ٢١٤، ٢١٥ باختصار وتصرف.","vol":"11","page":37},{"text":"وقال بعضهم: (الصلوات) في هذه السورة وفي هود (١) وفي المؤمنين (٢) مكتوبات (٣) في المصحف بالواو، والتي في (سأل سائل) مكتوبة بغير واو (٤)، فإذا اتجه الإفراد والجمع في العربية ورجح أحدَ (٥) الوجهين الموافقةُ لخط المصحف كان ذلك ترجيحًا يجعله أولى بالأخذ به، قال: (ومن زعم أن (الصلاة) أولى لأن (الصلاة) للكثرة (٦) و(الصلوات) للقليل (٧) فليس قوله بمتجه؛ لأن الجمع بالتاء قد يقع على الكثير كقوله: ﴿وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ﴾ [سبأ: ٣٧]، وقوله: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥] (٨).\nوقوله تعالى: ﴿سَكَنٌ لَهُمْ﴾ السكن في اللغة: ما سكنت إليه، فالمعنى: إن دعواتك مما تسكن إليه نفوسهم، قال ابن عباس: (يريد: دعاؤك رحمة لهم) (٩). وقال قتادة: (وقار لهم) (١٠).\n_________\n(١) يعني قوله تعالى: ﴿قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ﴾ [هود: ٨٧].\n(٢) في (ى): المؤمنون، وما أثبته موافق للمصدر التالي، والمقصود قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ [المؤمنون: ٩].\n(٣) ساقط من (ى).\n(٤) يعني قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ [المعارج: ٣٤].\n(٥) في (ح): (إحدى).\n(٦) في (ح): (لكثرة).\n(٧) في (ح): (للتقليل).\n(٨) \"الحجة للقراء السبعة\" ٤/ ٢١٧ ولم يعين القائل.\n(٩) رواه مختصرًا دون قوله (دعاؤك) ابن جرير ١١/ ١٨، وابن أبي حاتم ٦/ ١٨٧٦، والثعلبي ٦/ ١٤٥ ب، ورواه بلفظ المؤلف البغوي في \"تفسيره\" ٤/ ٩١.\n(١٠) رواه ابن جرير ١١/ ١٨، وابن أبي حاتم ٦/ ١٨٧٦، والثعلبي ٦/ ١٤٥ ب.","vol":"11","page":38},{"text":"وقال الكلبي: (طمأنينة لهم أن الله قد قبل منهم) (١).\nوقال الكفراء: (استغفر لهم؛ فإن استغفارك لهم تسكن إليه قلوبهم، وتطمئن بأن قد تاب الله عليهم) (٢).\nوقوله (٣): ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ﴾ لقولهم ﴿عَلِيمٌ﴾ بندامتهم ورجوعهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1476>١٠٤ </span>- قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا﴾ الآية، قال أهل التفسير: (لما نزلت توبة هؤلاء، قال الذين لم يتوبوا من المتخلفين: هؤلاء كانوا بالأمس معنا لا يكلمون ولا يجالسون فما لهم؟ فقال الله -﷿-: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ﴾ (٤).\nومعنى صيغة الاستفهام هاهنا: التنبيه على ما يجب أن يعلموا، وقوله تعالى: ﴿وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ﴾، قال المفسرون وأهل المعاني: (معناه: يقبلها) (٥)، ولكن ذكر بلفظ الأخذ ترغيبًا في الصدقة ودعاء إليها.\nقال بعض أهل (٦) المعاني: (معنى أخذ الله الصدقات تضمنه الجزاء عليها ولما كان هو المجازي بها والمثيب عليها أسند الأخذ إلى نفسه وإن كان السائل يأخذها كمن أهديت إليه شيئًا فأخذه بعض من أقامه لأخذ\n_________\n(١) الثعلبي ٤/ ١٤٥ ب، وابن الجوزي ٣/ ٤٩٦، والمؤلف في \"الوسيط\" ٢/ ٥٢٢.\n(٢) \"معاني القرآن\" ١/ ٤٥١.\n(٣) من (م).\n(٤) انظر: \"تفسير ابن جرير\" ١١/ ١٩، وابن أبي حاتم ٦/ ١٨٧٦، والثعلبي ٦/ ١٤٥ ب.\n(٥) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٢/ ٤٦٧، و\"تفسير غريب القرآن\" لابن قتيبة ص ١٩٩، و\"تأويل مشكل القرآن\"، له ص ٥٠٢، و\"معاني القرآن الكريم\" للنحاس ٢/ ٢٥١، و\"تفسير الثعلبي\" ٦/ ١٤٦ أ، والبغوي ٤/ ٢٩.\n(٦) في (م): (أصحاب)، ولم أجد قولهم هذا فيما بين يدي من مصادر.","vol":"11","page":39},{"text":"الهدايا كان الأخذ منسوبًا إلى المهدي إليه وإن لم يتول الأخذ بنفسه لأنه هو المقصود بتلك الهدية).\nوقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ يريد: يرجع إلى من رجع إليه بالرحمة والمغفرة، قاله ابن عباس (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1477>١٠٥ </span>- وقوله تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا﴾، قال عطاء عن ابن عباس يريد: (يا معشر عبادي المحسن والمسيء (٢» (٣) ﴿فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ يريد: إن الله تعالى يطلع (٤) المؤمنين على ما في قلوب إخوانهم من الخير والشر؛ إن كان خيرًا أوقع في قلوبهم لهم المحبة، وإن كان شرًا أوقع في قلوبهم لهم (٥) البغضة، وقد قال رسول الله -ﷺ-: \"لو (٦) أن رجلًا عمل في صخرة لا باب لها ولا كوة لخرج عمله إلى الناس كائنًا ما كان\" (٧) ومعنى: ﴿وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ﴾ سيحدث المرئي فتصح الصفة (برأى) (٨)\n_________\n(١) انظر: \"الوسيط\" ٢/ ٥٢٣.\n(٢) ساقط من (ى).\n(٣) ذكره المؤلف في \"الوسيط\" ٢/ ٥٢٣.\n(٤) في (ح): (مطلع)، وما أثبته موافق لما في \"الوسيط\".\n(٥) ساقط من (م) و(ى).\n(٦) ساقط من (ح).\n(٧) رواه أحمد في \"المسند\" ٣/ ٢٨، والحاكم في \"المستدرك\" ٤/ ٣١٤ وقال صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي، ووراه أيضًا ابن حبان في \"صحيحه\" (الإحسان) رقم (٥٦٧٨) ١٢/ ٤٩١، وقد ضعف الحديث الشيخ الألباني، انظر: \"ضعيف الجامع الصغير\"، رقم (٤٨٠٢) ٥/ ٤٠، وكذلك الشيخ شعيب الأرنؤوط في تعليقه على \"صحيح ابن حبان\".\n(٨) ساقط من (ح) وفي (ى): (يرى)، والمعنى: سيحدث المرئي فيرى الله ذلك، وحينئذٍ يصح وصف الله برأى فيقال: رأى الله ما حدث.","vol":"11","page":40},{"text":"وإذا لم يحدث استحالت إذ كانت الرؤية تدل على وجود المرئي.\nوقوله تعالى: ﴿فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، قال ابن عباس: (يوقفكم على أعمالكم فيثيب المحسن ويعاقب المسيء) (١)، كما (٢) قال تعالى: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا﴾ [النجم:٣١] الآية، ومثل هذه الآية قد تقدم في هذه السورة (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1478>١٠٦ </span>- وقوله تعالى: ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ﴾ الآية، ذكرنا الكلام في معنى الإرجاء في سورة الأعراف، وهو تأخير الأمر إلى وقت، وسميت المرجئة (٤) لأنهم لا يجزمون القول بمغفرة التائب ولكن يؤخرونها (٥) إلى مشيئة الله تعالى.\n_________\n(١) ذكره المؤلف في \"الوسيط\" ٢/ ٥٢٣.\n(٢) من (ى).\n(٣) يعني الآية: ٩٤.\n(٤) المرجئة فرق شتى ومذاهب مختلفة، وهم أربعة أصناف: مرجئة الخوارج، ومرجئة القدرية، ومرجئة الجبرية، والمرجئة الخالصة، وإذا أطلق لفظ المرجئة فالمراد بهم الصنف الأخير، وهم القائلون إن فعل الأعمال الصالحة، وترك المحظورات البدنية لا يدخل في مسمى الإيمان، وقد افترقوا في تعريف الإيمان إلى اثنتي عشرة فرقة، كما ذكر الأشعري، وذكر ابن تيمية أنهم صاروا على ثلاثة أقوال:\nالأول: قول علمائهم وأئمتهم إن الإيمان تصديق القلب وقول اللسان.\nالثاني: قول الجهمية إن الإيمان تصديق القلب فقط.\nالثالث: قول الكرامية إن الإيمان قول اللسان فقط.\nانظر: مقالات الإسلاميين ١/ ٢١٣، و\"الملل والنحل\" للشهرستاني ١/ ١٣٩، و\"مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية\" ١٢/ ٤٧١، ١٣/ ٥٥.\n(٥) في (ي): (يرجونها).","vol":"11","page":41},{"text":"وقال الأوزاعي: (لأنهم يؤخرون (١) العمل من الإيمان) (٢)، قال ابن عباس وعامة المفسرين: (نزلت هذه الآية في ثلاثة نفر: كعب بن مالك (٣) من بني سلمة، وهلال بن أمية الواقفي (٤)، ومرارة بن الربيع الزبيدي (٥) كانوا تخلفوا عن غزوة تبوك وكانوا مياسير، ثم (٦) لم يتسع لهم العذر كما اتسع للآخرين الذي ذكروا قبل هذا (٧)، ولم يبالغوا في التنصل والاعتذار كما فعل الآخرون، ولم يوثقوا أنفسهم بالسواري، فوقف رسول الله -ﷺ- أمرهم، ونهى الناس عن مكالمتهم ومخالطتهم، حتى نزل قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ [التوبة: ١١٨] الآيات بعد خمسين ليلة (٨).\n_________\n(١) في (ى): (لا يؤخرونها)، وهو خطأ مخالف لقول المرجئة.\n(٢) انظر: \"تهذيب اللغة\" (رجا) ٢/ ١٣٦٢.\n(٣) هو: كعب بن مالك بن عمرو بن القين السلمي الأنصاري، شاعر رسول الله -ﷺ- وصاحبه وممن بايع بيعة العقبة، وأحد الثلاثة الذين خلفوا، فتاب الله عليهم، وتوفي في خلافة علي.\nانظر: \"سير أعلام النبلاء\" ٢/ ٥٢٣، و\"الإصابة\" ٣/ ٣٠٢، و\"تقريب التهذيب\" ص ٤٦١ (٥٦٤٩).\n(٤) هو: هلال بن أمية بن عامر بن قيس الواقفي الأنصاري صحابي جليل، شهد بدرًا وما بعدها، وتخلف عن غزوة تبوك ثم تاب الله عليه.\nانظر: الاستيعاب ٤/ ١٠٣، و\"الإصابة\" ٣/ ٦٠٦.\n(٥) هو: مرارة بن الربيع الأوسي الأنصاري، من بني عمرو بن عوف، ويقال إنه حليف لهم وأصله من قضاعة، شهد بدرًا، وتخلف عن غزوة تبوك ثم تاب الله عليه.\nانظر: \" الاستيعاب\" ٣/ ٤٣٩، و\"الإصابة\" ٣/ ٣٩٦ - ٦٩٧.\n(٦) ساقط من (م).\n(٧) يعني الذين ربطوا أنفسهم بالسواري.\n(٨) انظر: \"تفسير ابن جرير\" ١١/ ٢١ - ٢٢، وابن أبي حاتم ٦/ ١٨٧٨، والثعلبي ٦/ ١٤٦ أ، والبغوي ٤/ ٩٢.","vol":"11","page":42},{"text":"ومعنى: ﴿مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ﴾، قال ابن عباس: (مؤخرون ليقضي فيهم ما هو قاضٍ) (١).\nوقوله تعالى: ﴿إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾، قال أبو إسحاق: «إما) لأحد الشيئين، والله -﷿- عالم بما يصير إليه أمرهم، إلا أن هذا للعباد، خوطبوا بما يعلمون، المعنى: ليكن أمرهم عندكم على هذا أي على الخوف والرجاء) (٢)، فجعل أناس يقولون: هلكوا إذ لم ينزل لهم (٣) عذر، وجعل آخرون يقولون: عسى الله أن يغفر لهم.\nوقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾ أي بما تؤول إليه حالهم ﴿حَكِيمٌ﴾ فيما يفعله بهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1479>١٠٧ </span>- قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا﴾ الآية، قرأ نافع وابن عامر: (الذين) بغير واو (٤)، وكذلك هي في مصاحف الشام والمدينة (٥)، فمن ألحق (٦) الواو جعله معطوفًا على ما قبله من قوله: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ﴾ [التوبة: ١٠١] [(وآخرون اعترفوا)] (٧) ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ﴾ [التوبة: ١٠٦] أي ومنهم\n_________\n(١) \"تنوير المقباس\" ص ٢٠٣ بمعناه.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ١/ ٤٦٨ بتصرف.\n(٣) في (ح): (بهم).\n(٤) وكذلك قرأ أبو جعفر المدني، وقرأ الباقون بالواو، انظر: \"الغاية في القراءات العشر\" ص ١٦٧، و\"التبصرة في القراءات\" ص ٢١٦، و\"تقريب النشر\" ص ١٢١.\n(٥) انظر: \"كتاب المصاحف\" لأبي بكر ابن أبي داود ص ٤٩، و\"كتاب السبعة في القراءات\" ص ٣١٨.\n(٦) في (ح): لحق.\n(٧) [التوبة: ١٠٢] وهي ساقطة من النسخة (ح).","vol":"11","page":43},{"text":"آخرون، ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا﴾ أي: ومنهم الذين اتخذوا، ومن لم يلحق الواو لم (١) يجز أن يكون (الذين) بدلًا من قوله: ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ﴾ كما تبدل المعرفة من النكرة؛ لأن أولئك غير هؤلاء الذين اتخذوا مسجدًا (٢)، وإذا لم يكونوا هم لم يجز أن يبدلوا منهم، ولكن من لم يلحق الواو جاز (٣) على أمرين أحدهما: أن تضمر: ومنهم الذين اتخذوا؛ كما أضمرت الحرف مع الفعل في قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ﴾ [آل عمران: ١٠٦] أي فيقال لهم: أكفرتم؛ فكذلك حذف الخبر مع الحرف اللاحق له هاهنا.\nوالثاني: أن تضمر الخبر على تقدير: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا﴾ إلى قوله: ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ منهم، وحسن حذف الخبر لطول الكلام بالمبتدأ وصلته، ومثله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَالْبَادِ﴾ [الحج: ٢٥] والمعنى فيه: ينتقم منهم، أو يعذبون، ونحو ذلك مما يليق بهذا المبتدأ (٤).\nقال ابن عباس ومجاهد وقتادة وعامة أهل التفسير: (هؤلاء كانوا اثني (٥) عشر رجلًا من المنافقين بنوا مسجدًا يضارون به مسجد قباء) (٦).\n_________\n(١) في (ح): (ولم)، وهو خطأ.\n(٢) ساقط من (ى).\n(٣) في \"الحجة للقراء السبعة\" ٤/ ٢٤٠ الذي نقل منه هذا النص: جاز قوله على ... إلخ.\n(٤) انظر: \"الحجة للقراء السبعة\" ٤/ ٢٤٠ - ٢٤١.\n(٥) في (ح): (اثنا).\n(٦) انظر: \"تفسير ابن جرير\" ١١/ ٢٢ - ٢٦، وابن أبي حاتم ٦/ ١٨٩٨، والبغوي ٤/ ٩٣، وابن الجوزي ٣/ ٤٩٩، والرازي ١٦/ ١٩٣، و\"الدر المنثور\" ٣/ ٤٩٤ - ٤٩٥.","vol":"11","page":44},{"text":"والضرار محاولة التفسير، كما أن الشقاق محاولة ما يشق، قال أبو إسحاق: (وانتصب (ضرارًا) لأنه (١) مفعول له، المعنى: اتخذوه للضرار ولما ذكر بعده، فلما حذفت اللام أفضى الفعل فنصب، قال: وجائز أن يكون مصدرًا محمولًا على المعنى [لأن معنى] (٢) قوله: ﴿اتَّخَذُوا مَسْجِدًا﴾: ضاروا به ضرارًا (٣» (٤).\nوقوله تعالى: ﴿وَكُفْرًا﴾، قال ابن عباس: (يريد ضرارًا للمؤمنين وكفرًا بالنبي - ﷺ - وما جاء به) (٥)\nوقال الزجاج: (لأن عناد النبي - ﷺ - كفر) (٦)، وقال غيره: (اتخذوه ليكفروا فيه بالطعن علي النبي - ﷺ - والإسلام) (٧).\nوقوله تعالى: ﴿وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، قال المفسرون: (يفرقون به جماعتهم؛ لأنهم كانوا يصلون جميعًا في مسجد قباء فبنوا مسجد الضرار ليصلي فيه بعضهم فيختلفوا (٨) بسبب (٩) ذلك، ويفترقوا عن النبي - ﷺ -،\n_________\n(١) في (ى): (كأنه)، وهو خطأ.\n(٢) ما بين المعقوفين ساقط من (ى).\n(٣) عبارة الزجاج: لأن اتخاذهم المسجد على غير التقوى معناه ضاروا به ضرارًا. أهـ. وعبارة الواحدي لا تؤدي هذا المعنى.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٦٨ بتصرف.\n(٥) ذكره الرازي في \"تفسيره\" ١٦/ ١٩٣، والمؤلف في \"الوسيط\" ٢/ ٥٢٤.\n(٦) \" معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٦٩.\n(٧) ذكره الرازي في \"تفسيره\" ١٦/ ١٩٣ دون تعيين القائل ولم أجد من عينه.\n(٨) في (ح): (فيتخلفوا)، والصواب ما في (م) و(ى) وهو موافق لما في \"تفسير ابن جرير\" والثعلبي.\n(٩) في (ى): (بشرك)، وهو خطأ.","vol":"11","page":45},{"text":"فيؤدي إلى التحزب، واختلاف الكلمة وبطلان الألفة) (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ قالوا: يعني أبا عامر الراهب (٢) الذي سماه رسول الله - ﷺ - الفاسق، وكان قد تنصر في الجاهلية وترهب، فلما خرج رسول الله - ﷺ - عاداه، وقال: لا أجد قومًا يقاتلونك (٣) إلا قاتلتك معهم، فلم يزل يقاتله إلى يوم حنين، فلما انهزمت هوازن خرج إلى الشام وأرسل إلى المنافقين أن استعدوا بما استطعتم من قوة وسلاح (٤) وابنوا لي مسجدًا فإني آتٍ من عند قيصر بجند فأخرج محمدًا وأصحابه، فبنوا هذا المسجد، وانتظروا مجيء أبي عامر ليصلي بهم في ذلك المسجد) (٥).\nقال الزجاج: (والإرصاد: الانتظار) (٦).\nوقال ابن قتيبة: (﴿وَإِرْصَادًا﴾ أي ترقبًا بالعداوة (٧» (٨)، وقال\n_________\n(١) انظر: \"تفسير الطبري\" ١١/ ٢٣، والثعلبي ٦/ ١٤٨ أ، والبغوي ٤/ ٩٢ بمعناه.\n(٢) هو: عبد عمرو ويقال عمرو بن صيفي بن مالك بن أمية الأوسي، المعروف بأبي عامر الراهب، كان في الجاهلية يذكر البعث ودين الحنيفية، فلما بُعث الرسول - ﷺ - عانده وحسده وخرج عن المدينة، وشهد مع قريش وقعة أحد، ثم خرج إلى الروم فمات هناك سنة تسع أو عشر. انظر: \"السيرة النبوية\" ٣/ ١٢، و\"الإصابة\" ١/ ٣٦٠ - ٣٦١.\n(٣) في (ى): (يقاتلونكم).\n(٤) في (ى): (السلاح).\n(٥) انظر: \"تفسير ابن جرير\" ١١/ ٢٤، والبغوي ٤/ ٩٤، و\"الدر المنثور\" ٣/ ٤٩٤.\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه \" ٢/ ٤٦٨.\n(٧) في (ى): (للعداوة)، وما أثبته موافق للمصدر التالي.\n(٨) \"تفسير غريب القرآن\" ص ١٩٩.","vol":"11","page":46},{"text":"الأكثرون: (الإرصاد: الإعداد) (١)، روى أبو عبيد عن الأصمعي والكسائي: (رصدت فلانا أرصده: إذا ترقبته، وأرصدت له شيئًا أرصده: إذا أعددت له) (٢)، قال الأعشى:\nإذا أنت لم ترحل بزاد من التقى ... ولاقيت بعد الموت من قد تزودا\nندمت على أن لا تكون كمثله ... وأنك لم ترصد كما كان أرصدا (٣)\nوقال الليث: (يقال أنا لك مُرصد بإحسانك حتى أكافئك به) (٤)، قال: (والإرصاد في المكافأة بالخير) (٥)، وقال ابن الأعرابي: (أرصدت في الخير والشر جميعًا بالألف) (٦).\n[وقوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ يعني من قبل بناء مسجد الضرار] (٧)، وقوله تعالى: ﴿وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى﴾ أي: ليحلفن ما أردنا ببنائه إلا الفعلة الحسنى، وهو الرفق بالمسلمين والتوسعة على أهل الضعف والعلة والعجز عن المصير إلى مسجد رسول الله - ﷺ -[وذلك أنهم قالوا لرسول الله\n_________\n(١) انظر: \"تفسير ابن جرير\" ١١/ ٢٣، والثعلبي ٦/ ١٤٨ أ، والبغوي ٤/ ٩٤، والزمخشري ٢/ ٢١٤، و\"المفردات في غريب القرآن\" (رصد) ص ١٩٦، و\"تهذيب اللغة\" (رصد) ٢/ ١٤١٤.\n(٢) \"تهذيب اللغة\" (رصد) ٢/ ١٤١٣.\n(٣) البيتان في ديوان أعشي قيس ص ٤٦ من قصيدة طويلة يمدح بها النبي - ﷺ - ويذكر بعض أساسيات الدين، ومعالم الأخلاق.\n(٤) ساقط من (ح).\n(٥) \"تهذيب اللغة\" (رصد) ٢/ ١٤١٤، والنصان في كتاب: العين (رصد) ٧/ ٩٦.\n(٦) \"معاني القرآن الكريم\" للنحاس ٣/ ٢٥٣ بنحوه.\n(٧) ما بين المعقوفين ساقط من (ى).","vol":"11","page":47},{"text":"-ﷺ-] (١): إنا قد بنينا مسجدًا لذي العلة والحاجة، والليلة المطيرة، والليلة الشاتية) (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾، قال الزجاج: (أطلع الله نبيه -ﷺ- على طويتهم وعلى أنهم سيحلفون كاذبين) (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1480>١٠٨ </span>- قوله تعالى: ﴿لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا﴾ الآية، قال المفسرون: (إن أهل مسجد الضرار قالوا للنبي - ﷺ -: إنا نحب أن تأتينا فتصلي لنا فيه وتدعو بالبركة، فنهاه الله عن ذلك، وقال: ﴿لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا﴾ (٤)، قال ابن عباس وغيره: (يريد لا تصل فيه أبدًا) (٥).\nثم بين أي المسجدين أحق بالقيام فيه، فقال: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى﴾ اللام تأكيد للقسم، كأنه قيل: والله لمسجد أسس، أي (٦) بنيت حدوده ورفعت من قواعده، هذا معنى التأسيس، والتقوى: خصلة من الطاعة يحذر بها العقوبة، ثعلب عن ابن الأعرابي: (التقاة والتقية والتقوى والاتقاء: كله واحد) (٧)، والتقوى اسم، وموضع التاء واو وهي (فَعْلى) من\n_________\n(١) ما بين المعقوفين ساقط من (ح) و(ى).\n(٢) رواه ابن إسحاق وابن مردويه كما في \"الدر المنثور\" ٣/ ٤٩٥، وانظر: \"السيرة النبوية\" ٤/ ١٨٥.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٦٩.\n(٤) رواه عن ابن عباس بنحوه ابن جرير ١١/ ٢٤، وابن أبي حاتم ٦/ ١٨٨١، وانظر \"الدر المنثور\" ٣/ ٤٩٤ - ٤٩٥.\n(٥) رواه البغوي ٤/ ٩٥، والفيروزأبادي في \"تنوير المقباس\" ص ٢٠٤، وانظر: \"تفسير ابن جرير\" ١١/ ٢٦، وابن الجوزي ٣/ ٥٠٠.\n(٦) في (ى): (أو بني أر بنيت)، وهو خطأ.\n(٧) \"تهذيب اللغة\" (تقي) ١/ ٤٤٣.","vol":"11","page":48},{"text":"وقيت مثل (شروى) من شريت وهذا بما قد تقدم الكلام فيه، قال ابن عباس: (أسس على التقوى: بني على الطاعة، وبناه المتقون الموحدون) (١)، وقوله تعالى: ﴿مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾ (من) هاهنا: تدل على البداية؛ لأنها نقيضة (إلى) كقولك من كذا إلى كذا، قال زهير:\nلمن الديار بقُنَّة الحِجْر (٢) ... أقوين من حِجَج ومن شَهْر (٣)\nوقوله تعالى: ﴿أَوَّلِ يَوْمٍ﴾ معناه أول الأيام إذا ميزت يومًا يومًا، كما تقول: أعطيت كل رجل في الدار، أي كل الرجال إذا ميزوا رجلًا رجلًا (٤)\n﴿أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ﴾، قال الزجاج: (أن) في موضع نصب، المعنى: أحق بأن تقوم فيه) (٥)، وهذا كما قلنا في قوله: ﴿وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا﴾\n_________\n(١) رواه الفيروزأبادي في \"تنوير المقباس\" ص ٢٠٤ مختصرًا.\n(٢) ساقط من (ى).\n(٣) البيت مطلع قصيدة في \"شرح ديوان زهير\" ص ٨٦، ونسب إليه أيضًا في \"زاد المسير\" ٣/ ٥٠٠، و\"خزانة الأدب\" ٩/ ٤٤٣.\nوالقنة: الجبل الصغير الذي ليس بمنتشر، أر الجبل السهل المنبسط على الأرض. وأقوين: خلون من السكان. وقوله: من شهر: أراد: من شهور، ورواية ثعلب: ومن دهر. والحجر: بكسر الحاء، موضع، والمعروف بهذا الاسم منازل ثمود، أما بفتح الحاء فهي مدينة اليمامة. انظر: \"شرح الديوان\" و\"خزانه الأدب\" نفس الموضعين السابقين، و\"لسان العرب\" (قنن).\n(٤) ذكر ابن جرير معنيين لقوله تعالى: ﴿مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾ فقال: (من أول يوم): ابتدئ في بنائه .. وقيل: معنى قوله (من أول يوم) مبدأ أول يوم، كما تقول العرب: لم أره من يوم كذا، بمعنى: مبدؤه، و(من أول يوم) يراد به: من أول الأيام، كقول القائل: (لقيت كل رجك)، بمعنى (كل الرجال). \"تفسير ابن جرير\" ١١/ ٢٦.\n(٥) اهـ. كلام الزجاج، انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٦٩.","vol":"11","page":49},{"text":"[التوبة: ٩٧] فإن قيل لم قال: ﴿أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ﴾ مع أنه لا يجوز قيامه في الآخر؟ قيل: للمظاهرة في الحجة بأنه لو كان من الحق الذي يجوز لكان هذا أحق.\nواختلفوا في المسجد الذي أسس على التقوى فقال ابن عُمر، وزيد ابن ثابت، وأبو سعيد الخدري، وابن المسيب: هو مسجد رسول الله -ﷺ- بالمدينة) (١). وروي ذلك عن النبي -ﷺ- أنه قال: \"هو مسجدي\" رواه الخدري (٢) وأُبي بن كعب (٣)، وهذا قول ابن عباس في رواية عطاء، وقال في رواية الوالبي والعوفي: هو مسجد قباء (٤)، وهو قول الحسن (٥) وابن زيد (٦) وعروة بن الزبير (٧) واختيار الزجاج (٨).\n_________\n(١) انظر آثارهم في \"تفسير ابن جرير\" ١١/ ٢٦ - ٢٧، والثعلبي ٦/ ١٤٨/ ب، و\"الدر المنثور\" ٣/ ٤٩٦.\n(٢) رواه عنه مسلم (١٣٩٨)، كتاب: الحج، باب: بيان أن المسجد الذي أسس .. إلخ، والترمذي (٣٥٩٩)، كتاب: تفسير القرآن، والنسائي في \"سننه\"، كتاب: المساجد، ذكر المسجد الذي أسس على التقوى ٢/ ٣٦، وأحمد في المسند ٣/ ٨.\n(٣) رواه عنه أحمد في \"المسند\" ٥/ ١١٦، وابن جرير ١١/ ٢٨، وابن أبي شيبة وابن المنذر وأبو الشيخ وابن مردويه والخطيب والضياء في \"المختارة\" كما في \"الدر المنثور\" ٣/ ٤٩٦.\n(٤) أخرج رواية الوالبي، ابن جرير في \"تفسيره\" ١١/ ٢٧، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٦/ ١٨٨٦، والبيهقي في \"دلائل النبوة\" ٥/ ٢٦٢، وأخرج رواية العوفي، ابن جرير ١١/ ٢٧، والثعلبي ٦/ ١٤٩/ أ، والبغوي ٤/ ٩٦.\n(٥) انظر: \"تفسير هود بن محكم\" ٢/ ١٦٨، و\"البحر المحيط\" ٥/ ٩٧.\n(٦) انظر: \"تفسير ابن جرير\" ١١/ ٢٨، والثعلبي ٦/ ١٤٩/ أ، وابن أبي حاتم ٦/ ١٨٨٢.\n(٧) انظر المصادر السابقة، نفس المواضع.\n(٨) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٦٩.","vol":"11","page":50},{"text":"وقوله تعالى: ﴿فِيهِ رِجَالٌ﴾، قال ابن عباس: (يريد الأنصار) (١)، ﴿يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾، قال الحسن: (أي من الذنوب) (٢)، وقال ابن عباس والكلبي وغيرهما: (يعني غسل الأدبار بالماء) (٣)، ويروى أن رسول الله -ﷺ- أتاهم وهم في مسجدهم فقال: \"إن الله قد أحسن الثناء عليكم في طهوركم فبم تتطهرون؟ \" فقالوا: نغسل أثر الغائط بالماء، فقال النبي - ﷺ - \"دوموا عليه\" (٤).\nقال المفسرون: (كان من عادة هؤلاء في الاستنجاء [استعمال الأحجار ثم الماء بعدها وهو الأكمل والأفضل في باب الاستنجاء) (٥)] (٦)، وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ أي: من الشرك والنفاق والأنجاس، قالوا: فلما نزلت هذه الآية أمر رسول الله - ﷺ - أصحابه (٧) فقال: \"انطلقوا إلى هذا المسجد الظالم أهله فأحرقوه واهدموه\" (٨) ففعلوا ذلك، وأمر أن\n_________\n(١) لم أقف عليه.\n(٢) انظر: \"تفسير هود بن محكم\" ٢/ ١٦٨.\n(٣) رواه عن ابن عباس، الفيروزأبادي في \"تنوير المقباس\" ص ٢٠٤، ورواه عن الكلبي، الثعلبي في \"تفسيره\" ٦/ ١٤٩ ب، وانظر: \"الوسيط\" ٢/ ٥٢٥، و\"تفسير البغوي\" ٤/ ٩٦، و\"الدر المنثور\" ٣/ ٤٩٧.\n(٤) رواه بنحوه ابن ماجه في (٣٥٤)، في الطهارة، باب: الاستنجاء بالماء، وأحمد ٣/ ٤٢٢، والحاكم في \"المستدرك\"، في الطهارة ١/ ١٥٥ وصححه، ووافقه الذهبي، وقال الألباني: صحيح باعتبار شواهده. انظر: \"إرواء الغليل\" ١/ ٨٥.\n(٥) ذكره الزمخشري في \"الكشاف\" ٢/ ٢١٤ بغير سند.\n(٦) ما بين المعقوفين ساقط من (ح).\n(٧) من (ى).\n(٨) رواه بنحوه ابن جرير ١١/ ٢٣، والثعلبي ٦/ ١٤٧ ب، والبغوي ٤/ ٩٤، وانظر: \"سيرة ابن هشام\" ٢/ ١٨٥، و\"الدر المنثور\" ٣/ ٤٩٥.","vol":"11","page":51},{"text":"يتخذ كناسة تلقى فيها الجيف (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1481>١٠٩ </span>- قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ﴾ الآية، البنيان: مصدر الغفران، يراد به المبني هاهنا، نحو ضرب الأمير ونسج اليمن، قال أدو زيد: (يقال بني يبنى بنيًا وبناءً وبنية وبنيانًا، وأنشد:\nبني السماء فسواها ببنيتها ... ولم تُمد بأطناب ولا عُمُد (٢) (٣)\nوجمع البنية: بني، ويجوز أن يكون البنيان جمع بنيانة إذا جعلته اسمًا؛ لأنهم قد قالوا: بنيانة في الواحد، قال الشاعر (٤):\nكبنيانة القريي موضع رحلها ... وآثار نسعيها من الدف أبلق (٥)\nوقرأ نافع وابن عامر (أُسِّس) بضم الألف، (بنيانُه) رفعًا (٦)، فمن قرأ\n_________\n(١) انظر: \"تفسير الثعلبي\" والبغوي، الموضعين السابقين.\n(٢) لم أهتد إلى قائله، وهو في المصدر التالي بلا نسبة.\n(٣) انظر قول أبي زيد في: \"الحجة للقراء السبعة\" ٤/ ٢١٩.\n(٤) من (م).\n(٥) البيت لكعب بن زهير كما في ديوان أبيه زهير بشرح ثعلب ٢٥٧ من قصيدة مشتركة بينهما، وليس في ديوان كعب، و\"الأغاني\" ١٧/ ٨٩، و\"البحر المحيط\" ٥/ ١٠٣، و\"المحرر الوجيز\" ٣/ ٨٤ بلفظ: القاري، ونسبه الفارسي في \"الحجة\" ٤/ ٢١٩، و\"إيضاح الشعر\" ص ٣٤٣ إلى أوس بن حجر، وليس في ديوانه.\nوالقريي: ساكن القرية، والدف: الجنب، والنسع: سير تشد به الرحال، والأبلق: الأبيض في سواد.\nوالشاعر يصف دابته، ويشهها ببنيان القرية. انظر: \"شرح الديوان\"، الموضع السابق، و\"لسان العرب\" (نسع) و(بلق).\n(٦) وقرأ الباقون (أسس) بفتح الألف والسين (بنيانه) بنصب النون. انظر: \"الغاية في القراءات العشر\" ص ١٦٧، و\"إرشاد المبتدي\" ص ٣٥٦، و\"تقريب النشر\" ص ١٢١.","vol":"11","page":52},{"text":"بفتح الألف بني الفعل للفاعل (١) الباني (٢) والمؤسس، فأسند الفعل إليه، كما أضاف البنيان إليه في قوله (بنيانه) وكما أن المصدر مضاف إلى الفاعل كذلك الفعل يكون (٣) مبنيًّا له، ويدل على ترجيح هذا الوجه اتفاقهم على قوله: ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ﴾، ومن بني الفعل للمفعول لم يبعد أن يكون في المعني كالأول؛ لأنه إذا أسس بنيانه فتولى ذلك غيره بأمره كان كبنيانه (٤) هو له، والقراءة الأولى أرجح (٥).\nوقوله تعالى: ﴿عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ﴾، قال ابن عباس: (يريد مخافة من الله، ورجاء ثوابه ورضوانه) (٦)، يريد أنهم طلبوا مرضاة الله في بنيانه (٧).\nوقوله تعالى: ﴿خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ﴾ قال الحسن: (هذا مثل لنفاقهم، أي مثلهم كمثل من أسس بنيانه على سهل وتراب ليس له أجل، فانهار ولم يثبت (٨) البناء) (٩).\n_________\n(١) في (م): اللفظ)، وهو خطأ.\n(٢) في (ح): (الثا)، وفي (م): (الثاني)، وكلاهما خطأ.\n(٣) ساقط من (ح) وفي (م): (يكون الفعل مبنيًّا).\n(٤) في (خ) و(ى): (كبنائه).\n(٥) لعله يعني من حيث المعنى، وقد قال ابن جرير في \"تفسيره\" ١١/ ٣٢: (وهما قراءتان متفقتا المعنى فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب، غير أن قراءته بتوجيه الفعل إلى (من) إذ كان هو المؤسس أعجب إلى).\n(٦) \"تنوير المقباس\" ص ٢٠٤ بمعناه.\n(٧) في (خ) و(ى): (بنائه).\n(٨) في (ى) و(م): (لم يلبث)، وما أثبته موافق للمصدر التالي.\n(٩) ذكره هود بن محكم في \"تفسيره\" ٢/ ١٦٩ بنحوه.","vol":"11","page":53},{"text":"وقال أبو إسحاق: (المعنى أن من أُسس بنيانه على التقوى خير ممن أُسس بنيانه على الكفر، وهذا مَثَل، المعنى: إن بناء هذا المسجد الذي بني ضرارًا كبناءٍ على جرف جهنم تتهور بأهلها فيها) (١).\nقال ابن عباس في قوله: ﴿فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ﴾، يريد: صيرهم النفاق إلى النار (٢).\nوشرح أبو علي الفارسي هذه الآية أبلغ شرح فقال: (يجوز أن تكون المعادلة وقعت بين البانئين ويجوز أن يكون بين البناءين، فإذا عادلت بين البانئين كان المعنى: المؤسس بنيانه متقيًا خير أم المؤسس بنيانه غير متق؟ لأن قوله: ﴿عَلَى شَفَا جُرُفٍ﴾ يدل على أن بانيه غير متق لله، ولا خاش له، وإن عادلت بين البناءين قدرت حذف المضاف كأنه قيل: أبناء من (٣) أسس بنيانه متقيًا خير أم بناء من أسس بنيانه على شفا جرف (٤)؟ والبنيان يراد به المبني لأنه إنما يؤسس المبني، والجار من قوله: ﴿عَلَى تَقْوَى﴾ في موضع نصب على الحال تقديره: أفمن أسس بنيانه متقيًا، وكذلك قوله: ﴿عَلَى شَفَا جُرُفٍ﴾ لأ ن معناه غير متق، أو معاقبًا على بنائه) (٥).\n_________\n(١) جمع المؤلف بين قولين للزجاج، انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٦٩، ٤٧٠.\n(٢) رواه البغوي في \"تفسيره\" ٤/ ٩٧.\n(٣) ساقط من (ى).\n(٤) في (ى): (جرف هار)، وما أثبته موافق للمصدر التالي.\n(٥) اهـ. كلام أبي علي، انظر: \"الحجة للقراء السبعة\" ٤/ ٢٢٢، ٢٢٣ باختصار، ونصب قوله (أو معاقبًا) بناء على أنه حال، والجملة مقدرة، ونص عبارة أي علي: (والمعنى: أمن أسس بنيانه غير متق، أو: من أسس بنيانه معاقبًا على بنائه).","vol":"11","page":54},{"text":"قال أبو عبيدة: (الشفا: هو الشفير) (١)، وشفا الشيء: حرفه، ومنه يقال: أشفى على كذا: إذا دنا منه، والجرف: ما ينجرف بالسيول من الأودية، وهو جانبها الذي ينحفر بالماء أصله، فيبقى واهيًا، قال شِمْر (يقال: جُرْف وأجراف وجُرْفَةٌ وهي المهواة) (٢)، وأصله من الجرف والاجتراف، وهو اقتلاع الشيء من أصله، فالجرف ما جرفه السيل، ويقرأ (جُرْفٍ) و﴿جُرُفٍ﴾ مخففًا ومثقلًا (٣) وهما لغتان كالشُغْل والشُغُل والعُنْق والعُنُق.\nوقوله تعالى: ﴿هَارٍ﴾، قال الليث: (الهور: مصدر هار [الجرف يهور إذا انصدع من خلفه وهو ثابت بعد مكانه وهو (٤) جرف هار] (٥) هائر، فإذا سقط فقد إنهار وتهور) (٦)\n[وقال الزجاج: (هار: هائر] (٧) وهذا من المقلوب، كما قالوا: لاث الشيء به إذا دار (٨)، فهو لاثٍ، والأصل لائث) (٩).\n_________\n(١) أهـ. كلام أبي عبيدة، انظر: \"مجاز القرآن\" ١/ ٢٦٩.\n(٢) أهـ. كلام شمر، انظر: \"تهذيب اللغة\" (جرف (١/ ٥٨٥.\n(٣) قرأ ابن عامر وحمزة وخلف وأبو بكر عن عاصم (جرف) بإسكان الراء، والباقون بضمها. انظر: \"كتاب السبعة\" ص ٣١٨، وكتاب \"إرشاد المبتدي\" ص ٣٥٦، و\"تحبير التيسير\" ص ١٢١.\n(٤) هكذا، وكذلك هو في \"تهذيب اللغة\"، وفي كتاب \"العين\" (فهو) وهو أليق بالسياق.\n(٥) ما بين المعقوفين ساقط من (ى).\n(٦) \"تهذيب اللغة\" (هور) ٤/ ٣٦٩١، والنص في كتاب \"العين\" (هور) ٤/ ٨٢.\n(٧) ما بين المعقوفين ساقط من (ى).\n(٨) في (ح): (أراد)، وهو خطأ.\n(٩) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٧٠.","vol":"11","page":55},{"text":"قال أبو علي: (الهمزة من (١) (هائر) منقلبة عن الواو؛ لأنهم قد قالوا: تهور الناء: إذا تساقط وتداعى، وتهور الليل: إذا مضى أكثره، وهذا في الليل كالمثل والتشبيه بالباء، ويجوز في العين إذا قلبت همزة في هذا النحو ضربان، أحدهما: أن يُعل بالحذف كما أعل بالقلب، فيقال هار (٢) وشاك السلاح، والآخر أن يُعلّ بقلبها إلى موضح اللام فيصير في التقدير: (فالع)، ويجوز في قوله:\nخيلان من قومي ومن أعدائهم ... خفضوا أسنتهم فكلٌّ ناعي (٣)\nأن يكون مقلوبا من النائع الذي يراد به العطشان، من قوله:\nوالأسلَ النياعا (٤) (٥)\nأي العطاش إلى دماء من يغزون (٦)، ويجوز أن يكون من قولك: نعى ينعى، وهو أن تقول: يالثارات فلان، ويجوز في (هار) أن يكون على قول من حذف. فيقال: جرف هارٌ، وفي محل الخفض: جرفٍ (٧) هارٍ، ووزنه\n_________\n(١) في (ى): (في)، والمثبت موافق للمصدر التالي.\n(٢) كررت في (ح).\n(٣) البيت للأجدع بن مالك الهمداني كما في \"اللسان\" (نوع) ٨/ ٤٥٧٩ و(نعا) ٨/ ٤٤٨٦، و\"الأصمعيات\" ص ٦٩، و\"التنبيه\" للبكري ص ٢٥.\n(٤) في (ى): (النياعيا).\n(٥) البيت بتمامه:\nلعمر بني شهاب ما أقاموا ... صدور الخيل والأسل النياعا\nوهو للقطامي كما في \"المخصص\" ١٤/ ٣٥، و\"لسان العرب\" (نوع) ٨/ ٤٥٧٩ أو لدريد بن الصمة كما في \"الصحاح\" (نوع) ٣/ ١٢٩٤. والأسل: أطراف الأسنة.\n(٦) في (ح): (لا يغزون)، وهو خطأ.\n(٧) ساقط من (ى).","vol":"11","page":56},{"text":"من (فعل) (قال) لأن العين محذوفة (١)، ويجوز أن يكون على القلب، كأنه هاري، وإذا دخل التنوين سقط الياء لالتقاء الساكنين نحو قاضٍ ورامٍ، قال الأخفش: (ويقال هار يهار، مثل خاف يخاف) (٢).\nوقرى (٣) (هار) بالإمالة (٤)، وهي حسنة لما في الراء من التكرير، فكأنك قد لفظت براءين مكسورتين وبحسب كثرة الكسرات تحسن الإمالة.\nوقوله تعالى: ﴿فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ﴾ الانهيار والانهيال متقاربان في المعنى كما تقاربا في اللفظ، قال الشاعر (٥):\nكمثل هيل نقًا طاف الوليد به ... ينهار حينًا وينهاه الثرى حينا\nوفاعل (انهار): البنيان، والكناية في ﴿بِهِ﴾ تعود إلى الباني أي انهار البنيان بالباني ﴿فِي نَارِ جَهَنَّمَ﴾؛ لأنه معصية وفعل لما كرهه الله من الضرار والكفر والتفريق بين المؤمنين، وهذه الآية بيان عما يوجبه تأسيس البنيان\n_________\n(١) ما بين العلامين ليس من كلام أبي علي في \"الحجة\".\n(٢) أهـ. كلام أبي علي، انظر: \"الحجة للقراء السبعة\" ٤/ ٢٢٥ - ٢٢٧ باختصار وتصرف، ولم أجد كلام الأخفثس في كتابه \"معاني القرآن\".\n(٣) في (ى): (ويقال).\n(٤) وهي قراءة أبي عمرو والكسائي ويحيى عن أبي بكر عن عاصم، وقالون عن نافع، والداجوني عن ابن عامر. انظر: \"كتاب السبعة\" ص ٣١٩، و\"إرشاد المبتدي\" ص ٣٥٦، و\"تحبير التيسير\" ص ١٢١.\n(٥) هو: تميم بن أُبي بن مقبل، والبيت في \"ديوانه\" ص٣٢٦، و\"الشعر والشعراء\" ص ٢٩٩، ورواية البيت فيهما:\nيمشين هيل النقا مالت جوانبه ... ينهال حينًا وينهاه الثرى حينًا\nوانظر: البيت بلا نسبة بمثل رواية المؤلف في \"الحجة\" ٤/ ٢٢٩.\nوالشاعر يصف نسوة كما في \"الشعر والشعراء\"، الموضع السابق، والنقا: الكثيب من الرمل. انظر: \"لسان العرب\" (نقا) ٨/ ٤٥٣٢.","vol":"11","page":57},{"text":"على التقوى من الله والرضوان من أن صاحبه هو الأفضل، مما يجب له من ثواب الله وكرامته، خلاف من أسسه على الفساد، فكان كمن بني على شفير النار، قال أبو إسحاق: (وفي هذا دليل على أن جهنم في الأرض؛ لأن البناء إنما ينهار إلى أسفل) (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1482>١١٠ </span>- قوله تعالى: ﴿لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ﴾ الآية، ذكرنا الكلام في ﴿لَا يَزَالُ﴾ عند قوله تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾\n_________\n(١) لم أجد من ذكر هذا القول، ولم يتبين لي من أبو إسحاق هذا، ويبعد أن يكون الزجاج؛ لأنه يرى الانهيار -المذكور من باب التمثيل حيث قال في تفسير قوله تعالى: ﴿فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ﴾: وهذا مثل، المعنى: (أن بناء هذا المسجد الذي بني ضرارًا وكفرًا كبناء على جرف جهنم يتهور بأهله فيها). \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٧٠، كما يبعد أن يكون أبا إسحاق الثعلبي؛ لأنه فسر الآية بمثل تفسير الزجاج فقال: (هذا مثل لضعف نياتهم وقلة بصيرتهم في عملهم)، \"تفسير الثعلبي\" ٦/ ١٥٠ أوإلى مثل قولهما ذهب كثير من المفسرين كابن جرير ١١/ ٣٢، والسمرقندي ٢/ ٧٥، والزمخشري ٢/ ٢١٥، وذهب بعض المفسرين إلى ظاهر اللفظ، قال القرطبي في \"تفسيره\" ٨/ ٢٦٥: اختلف العلماء في قوله تعالى: ﴿فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ﴾ هل ذلك حقيقة أو مجاز على قولين:\nالأول: أن ذلك حقيقة، وأن النبي - ﷺ - إذ أرسل إليه فهدم رؤي الدخان يخرج منه، من رواية سعيد بن جبير، وقال بعضهم: (كان الرجل يدخل فيه سعفة من سعف النخل فيخرجها سوداء محترقة)، وذكر أهل التفسير أنه كان يحفر ذلك الموضع الذي انهار فيخرج منه دخان، وروى عاصم بن أبي النجود عن زر بن حبيش عن ابن مسعود أنه قال: (جهنم في الأرض ثم تلا ﴿فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ﴾ وقال جابر ابن عبد الله: (أنا رأيت الدخان يخرج منه على عهد رسول الله - ﷺ -).\nوالثاني: أن ذلك مجاز، والمعنى: صار البناء في نار جهنم فكأنه انهار إليه، وهوى فيه، وهذا كقوله تعالى: ﴿فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ﴾ [القارعة: ٩]، والظاهر الأول؛ إذ لا إحالة في ذلك، والله أعلم.","vol":"11","page":58},{"text":"[البقرة: ٢١٧] (١).\nوقوله تعالى: ﴿بُنْيَانُهُمُ﴾ هو مصدر يراد به المفعول، وإذا كان كذلك كان المضاف محذوفًا تقديره: لا يزال بناء (٢) المبني الذي بنوه ريبة، ومعنى: ﴿الَّذِي بَنَوْا﴾ مع قوله: ﴿بُنْيَانُهُمُ﴾ يبين معنى ذلك البناء، إذ قد يجوز أن يراد به المستقبل لو لم يوصف بالماضي، وقوله تعالى: ﴿رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ﴾ الريبة والريب: الشك، قال ابن عباس: (يريد شكًا في قلوبهم، كما قال في سورة البقرة لأهل العجل: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ﴾ [البقرة: ٩٣] (٣) وهذا قول ابن زيد (٤) والضحاك (٥).\nوقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ﴾، قال ابن عباس: (يريد الموت) (٦)، وقال الضحاك: (يقول: لا يزالون في شك منه إلى\n_________\n(١) انظر: النسخة الأزهرية ١/ ١٣٢ أوقد قال في هذا الموضع: (وقوله تعالى: (ولا يزالون) يعني مشركي مكة، وهو فعل لا مصدر له يقال: ما يزال يفعل كذا أو لا يزال، ولا يقال منه فاعل ولا مفعول، ومثله من الأفعال كثير .. ومعنى (لا يزالون): أي يدومون، وكأن هذا مأخوذ من قولهم: زال عن الشيء، أي تركه، فقولك: ما زال يفعل كذا، أي لم يتركه).\n(٢) في (ح): (بنيان).\n(٣) رواه بنحوه الثعلبي ٦/ ١٥٠ أ، والبغوي ٤/ ٩٧، ورواه مختصرًا من رواية علي بن أبي طلحة الوالبي الإمام ابن جرير ١١/ ٣٣، وابن أبي حاتم ٦/ ١٨٨٤، والبيهقي في \"دلائل النبوة\" ٥/ ٢٦٢.\n(٤) رواه ابن جرير ١١/ ٣٤، وابن أبي حاتم ٦/ ١٨٨٤.\n(٥) ذكره مختصرًا الماوردي في \"تفسيره\" ٢/ ٤٠٥، والمؤلف في \"الوسيط\" ٢/ ٥٢٥، والقرطبي في \"تفسيره\" ٨/ ٢٦٦، وأشار إليه ابن أبي حاتم ٦/ ١٨٨٥.\n(٦) رواه ابن جرير ١١/ ٣٣، وابن أبي حاتم ٦/ ١٨٨٥، والبيهقي في دلائل النبوة ٥/ ٢٦٢.","vol":"11","page":59},{"text":"الموت) (١)، ونحو هذا قال مجاهد وقتادة: (إلى الممات) (٢)، وقال أبو عمرو: (معناه حتى يموتوا فيستيقنوا) (٣)، هذا الذي ذكرنا قول المفسرين، ومعنى الآية على ما قالوا: إن الريبة في التردد هي المعنى بالحيرة، يقول: لا يزالون شاكين مترددين في الحيرة، يحسبون أنهم كانوا في بنائه محسنين، كما حُبب (٤) العجل إلى قوم موسى، قال أبو علي: (والمعنى: لا يخلص لهم إيمان ولا ينزعون (٥) عن النفاق، ولا تثلج قلوبهم بالإيمان أبدًا، ولا يندمون على الخطيئة التي كانت منهم في بناء المسجد) (٦)، قال أبو إسحاق: يجوز أن يكون الله -جل وعز- جعل عقوبتهم أن ألزمهم الضلال بركوبهم هذا الأمر الغليظ) (٧).\nوقوله تعالى: ﴿إِلَأ أَن﴾ (إلا) هاهنا بمعنى (حتى) لأنها استثناء من الزمان المستقبل، والاستثناء منه منتهي إليه، فاجتمعت مع (حتى) في هذا الموضع على هذا المعنى، وموضع (أن) نصب، وفي ﴿تُقَطَّعَ﴾ قراءتان: ضم التاء (٨)، ومعناه: إلا أن تبلى وتتفتت قلوبهم بالموت، وقرأ حمزة وابن\n_________\n(١) رواه الثعلبي ٦/ ١٥٠ ب، والبغوي ٤/ ٩٧، وأشار إليه ابن أبي حاتم ٦/ ١٨٨٥.\n(٢) رواه عنهما ابن جرير ١١/ ٣٣.\n(٣) لم أجد من ذكره، ولم يتبين لي من أبو عمرو هذا، والقول في \"تفسير الثعلبي\" ٦/ ١٥٠ ب منسوبًا لقتادة والضحاك.\n(٤) في (ح): (تحبب)، وهو خطأ.\n(٥) في (ى): (يرجعون)، والمثبت موافق للمصدر التالي.\n(٦) \"الحجة للقراء السبعة\" ٤/ ٢٣٠ باختصار.\n(٧) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٧٠.\n(٨) وهي قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو والكسائي، وأبي بكر عن عاصم، وخلف. انظر: \"كتاب السبعة\" ص ٣١٩، و\"تقريب النشر\" ١٢١، و\"إتحاف فضلاء البشر\" ٢٤٥.","vol":"11","page":60},{"text":"عامر ﴿تَقَطَّعَ﴾ بفتح التاء (١)، بمعنى تتقطع، ومعنى هذه القراءة كمعنى قراءة الأولى؛ إلا أن الفعل أسند إلى القلوب لمّا (٢) كانت هي البالية المتقطعة، وهذا مثل: مات زيد، ومرض عمرو، وسقط الحائط، ونحو ذلك مما يسند الفعل فيه إلى من حدث فيه، وإن لم يكن له، ويدل على صحة ما قلنا إن معنى (إلا) هاهنا: الغاية، ما روي أن في حرف أُبىَّ: (حتى الممات) (٣) وهذا يدل على أنهم يموتون على نفاقهم، فإذا ماتوا عرفوا بالموت ما كانوا تركوه من الإيمان، وأخذوا به من الكفر، وفي قراءة الحسن (إلى أن) (٤) مخففة بمعنى حتى، وهو اختيار أبي حاتم ويعقوب (٥) (٦)، هذا الذي ذكرنا مذهب عامة المفسرين وقول أصحاب المعاني (٧)، وفي الآية قول آخر زعم المبرد أن الآية على تقدير حذف\n_________\n(١) وهي كذلك قراءة أبي جعفر ويعقوب، وحفص عن عاصم. انظر المصادر السابقة، نفس المواضع.\n(٢) في (ى): (وما)، وهو خطأ.\n(٣) انظر: \"الحجة للقراء السبعة\" ٤/ ٢٣١، و\"البحر المحيط\" ٥/ ١٠١، وهي قراءة شاذة مخالفة لرسم المصحف.\n(٤) \"إتحاف فضلاء البشر\" ص ٢٤٥، و\"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٤٥٢، و\"تفسير ابن جرير\" ١١/ ٣٣ - ٣٤.\n(٥) هو: يعقوب بن إسحاق بن زيد بن عبد الله الحضرمي مولاهم، أبو محمد البصري، أحد القراء العشرة، وإمام أهل البصرة ومقرئها، كان عالمًا بالعربية ووجوهها، والقراءات واختلافاتها، فاضلًا نقيًا تقيًا، توفي سنة ٢٠٥ هـ.\nانظر: \"معرفة القراء الكبار\" ١/ ١٥٧، و\"غاية النهاية في طبقات القراء\" ٢/ ٣٨٦.\n(٦) انظر: \"تفسير الثعلبى\" ٦/ ١٥٠ ب، و\"تقريب النشر\" ١٢١، و\"إتحاف فضلاء البشر\" ص ٢٤٥.\n(٧) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٤٥٢، وللزجاج ٢/ ٤٧١، و\"تفسير ابن جرير\" ١١/ ٣٤ - ٣٥، والبغوي ٤/ ٩٧، و\"الدر المنثور\" ٣/ ٥٠٠.","vol":"11","page":61},{"text":"المضاف كأنه قيل لا يزال هدم بنيانهم الذي بنوا ريبة، أي: حزازة وغيظًا في قلوبهم منكم ﴿إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ﴾ أي إلا أن يتوبوا توبة تتقطع بها قلوبهم ندمًا وأسفًا على تفريطهم (١)، وهذا قول السدي (٢) وحبيب بن أبي ثابت (٣) (٤)\nوالقول هو الأول (٥)، والآية بيان عما يوجبه البناء على الفساد من كون القلب على الريبة الموجبة للحيرة، حتى تتقطع حسرة حين لا تنفع الندامة، ولا يمكن استدراك الخطيئة، أو حتى تنقطع بالموت، فحينئذ يستيقن أنه كان مسيئًا بما فعل من النفاق، وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾، قال ابن عباس: (يريد بخلقه، الصادق منهم والشاك ﴿حَكِيمٌ﴾ فيما جعل للصادقين من الثواب، وللكاذبين (٦) من العقاب) (٧).\n_________\n(١) انظر قول المبرد في: \"تفسير الثعلبي\" ٦/ ١٥٠ ب، وابن الجوزي ٣/ ٥٠٣، ولم أجده فيما بين يدي من كتب المبرد.\n(٢) رواه الثعلبي ٦/ ١٥٠ أ، والبغوي ٤/ ٩٧، ورواه مختصرًا ابن جرير ١١/ ٣٤.\n(٣) هو: حبيب بن أبي ثابت قيس بن دينار الأسدي مولاهم، أبو يحيي الكوفي، تابعي ثقة فقيه جليل، وكان مفتي الكوفة، وتوفي سنة ١١٩ هـ.\nانظر: \"تذكرة الحفاظ\" ١/ ١١٦، و\"تهذيب التهذيب\" ١/ ٣٤٧، و\"تقريب التهذيب\" ص١٥٠ (١٠٨٤).\n(٤) انظر قوله في \"تفسير الثعلبي\" ٦/ ١٥٠ ب، ورواه مختصرًا ابن جرير ١١/ ٣٤، وابن أبي حاتم ٦/ ١٨٨٥.\n(٥) يعني القول بأن معنى (تقطع قلوبهم) أي يموتوا، وقد رواه ابن جرير ١١/ ٣٣ - ٣٥ عن ابن عباس من رواية علي بن أبي طلحة، وعن مجاهد وقتادة وحبيب بن أبي ثابت وابن زيد.\n(٦) في (ى): (للكافرين).\n(٧) لم أقف عليه.","vol":"11","page":62},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1483>١١١ </span>- قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى﴾ الآية، قال القرظي: (لما بايعت الأنصار رسول الله -ﷺ- ليلة العقبة بمكة، وهم سبعون نفسًا، قال عبد الله بن رواحة: اشترط لربك ولنفسك ما شئت فقال: \"أشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا، ولنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأموالكم\" قالوا فإذا فعلنا ذلك فماذا لنا قال: (الجنة) قالوا ربح البيع لا نقيل (١) ولا نستقيل فنزلت هذه الآية) (٢)، قال مجاهد ومقاتل (٣): ثامنهم (٤) فأغلى ثمنهم) (٥).\nقال أبو إسحاق: (وهذا مثل، كما قال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى﴾ [البقر: ١٦] (٦).\n_________\n(١) ساقط من (ى). ومعنى لا نقيل ولا نستقيل: لا نفسخ البيعة ولا نطلب فسخها، يقال: أقاله يقيله إقالة، وتقايلا: إذا فسخا البيع، وعاد المبيع إلى مالكه والثمن إلى المشتري. انظر: \"لسان العرب\" (قيل) ٦/ ٣٧٩٨.\n(٢) رواه ابن جرير ١١ - ٣٥ - ٣٦، والثعلبي ٦/ ١٥٠ ب، والبغوي ٤/ ٩٨، ورواه عن جابر بنحوه مطولًا أحمد في \"المسند\" ٣/ ٢٢٢، والحاكم في \"المستدرك\" ٢/ ٦٢٤، وقال: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي.\n(٣) ساقط من (ى).\n(٤) أي قرر معهم ثمنه، يقال: ثامنت الرجل في المبيع أثامنه إذا قاولته في ثمنه وساومته على بيعه واشترائه. \"النهاية في غريب الحديث والأثر\" (ثمن) ١/ ٢٢٣.\n(٥) ذكره عنهما الرازي في \"تفسيره\" ١٦/ ١٩٩ ومقاتل هذا يبدو أنه ابن حيان إذ لم أجد هذا القول في تفسير مقاتل بن سليمان، وعندي شك في صحة نسبته إلى مجاهد، إذ أن المؤلف في \"الوسيط\" ٢/ ٥٢٦، وغيره من المفسرين ذكروه عن قتادة، انظر مثلًا: \"تفسير ابن جرير\" ١١/ ٣٥، والثعلبي ٦/ ١٥١ أ، والبغوي ٤/ ٩٨، وابن الجوزي ٣/ ٥٠٤، وابن كثير ٢/ ٤٣٠، و\"الدر المنثور\" ٣/ ٥٠٢.\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٧١.","vol":"11","page":63},{"text":"قال أهل المعاني: (لا يجوز أن يشتري الله شيئًا في الحقيقة (١)؛ لأن المشتري إنما (٢) يشتري ما لا يملك، لكن هذا أجري -لحسن المعاملة والتلطف في الدعاء إلى الطاعة- مجرى ما لا يملكه (٣) المعامل فيه) (٤)، وحقيقة هذا أن المؤمن متى ما قاتل في سبيل الله حتى يقتل فتذهب روحه، أو أنفق ماله في سبيل الله، أخذ من الله في الآخرة الجنة جزاءً لما فعل، فجعل هذا استبدالًا واشتراء، هذا معنى قوله: ﴿اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾، قال ابن عباس: (يريد بالجنة) (٥)، وكذا قرأه عمر بن الخطاب والأعمش (٦).\nقال الحسن: (اسمعوا والله بيعة ربيحة بايع الله بها كل مؤمن، والله ما على الأرض مؤمن إلا وقد دخل في هذه البيعة) (٧).\nوقال الصادق (٨): (ليس لأبدانكم ثمن إلا الجنة فلا تبيعوها إلا\n_________\n(١) في (ح) و(ى): (بالحقيقة).\n(٢) ساقط من (ى).\n(٣) في (ح): (يمكنه)، وفي (ى): (يملك).\n(٤) ذكره الرازي في \"تفسيره\" ١٦/ ١٩٩، والخازن في \"تفسيره\" ٢/ ٢٦٤ عن أهل المعاني. وانظر: \"المحرر الوجيز\" ٧/ ٥٠، و\"تفسير القرطبي\" ٨/ ٢٦٧.\n(٥) رواه ابن جرير ١١/ ٣٥، وابن أبي حاتم وابن المنذر كما في \"الدر المنثور\" ٣/ ٥٠٥، وهو من طريق علي بن أبي طلحة.\n(٦) انظر: \"تفسير الثعلبي\" ٦/ ١٥١ أ، والبغوي ٤/ ٩٨، وهي قراءة شاذة ولم يذكرها ابن خالويه ولا ابن جني.\n(٧) رواه ابن أبي حاتم ٦/ ١٨٨٦، والثعلبي ٦/ ١٥١ أ، ورواه البغوي ٤/ ٩٨ مختصرًا.\n(٨) هو جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، المعروف بالصادق.","vol":"11","page":64},{"text":"بها) (١).\nوقال ابن عباس في قوله: ﴿وَأَمْوَاَلَهُم﴾: (يريد التي ينفقونها في سبيل الله، وعلى أنفسهم وأهليهم وعيالاتهم (٢) فتفنى، اشترى (٣) الجنة التي لا تفنى ولا تبيد ولا تذهب) (٤).\nوقوله تعالى: ﴿فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ﴾، قال ابن عباس: (فيقتلون عدو المه ويقتلون في طاعتي ومحبتي) (٥)، هذه قراءة العامة قدموا الفعل (٦) المسند إلى الفاعل على المسند إلى المفعول؛ لأنهم يَقتُلون أولًا ثم يُقتلون، وقرأ حمزة والكسائي (فيُقتَلون ويَقتُلون) على تقديم الفعل المسند إلى المفعول به على المسند إلى الفاعل (٧)، وله وجهان: أحدهما: أن هذا في المعنى كالذي تقدم؛ لأن المعطوف بالواو يجوز أن يراد به التقديم، والثاني: أن معنى قوله (يَقتُلون) بعد قوله (يُقتَلون) أي من بقي منهم بعد قتل من قتل، كما أن قوله: ﴿فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا﴾ [آل عمران: ١٤٦]، أي ما وهن من بقي منهم.\n_________\n(١) انظر: \"تفسير الثعلبي\" ٦/ ١٥١ أ، والرازي: ١٦/ ١٩٩.\n(٢) كذا، والمعروف في جمع العيال: عيائل. انظر: \"لسان العرب\" (عول) ٥/ ٣١٧٦.\n(٣) هكذا في جميع النسخ، والجملة غير متناسقة مع ما قبلها، ولعل الصواب: اشتروا بها الجنة .. الخ.\n(٤) لم أقف عليه.\n(٥) ذكره المؤلف في \"الوسيط\" ٢/ ٥٢٦، ونحوه في \"تنوير المقباس\"، ص ٢٠٤.\n(٦) من (م).\n(٧) قرأ حمزة والكسائي وخلف (فيُقتَلون ويَقتُلون) ببناء الأول للمفعول والثاني للفاعل، وقرأ الباقون ببناء الأول للفاعل والثاني للمفعول. انظر: \"إرشاد المبتدي\" ص ٣٥٧، و\"تقريب النشر\" ص ١٠٣، و\"إتحاف فضلاء البشر\" ص ٢٤٥.","vol":"11","page":65},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا﴾ هو [قال أبو إسحاق: (نصب ﴿وَعْدًا﴾ للمعني؛ لأن معنى قوله: ﴿بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ وعدهم الجنة) (١)، وقوله: ﴿حَقًّا﴾]، (٢)، قال ابن عباس: [لآن مالهم من الله لا خلف فيه (٣» (٤).\nوقوله تعالى: ﴿فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ﴾، قال الزجاج: (هذا يدل على أن كل أهل ملة أمروا بالقتال ووعدوا عليه الجنة) (٥).\nوقال ابن عباس: (يريد شهدت لهم بهذه الشهادة وهذا الثواب في التوراة والإنجيل والقرآن الذي أنزل على محمد - ﷺ -) (٦)، والمعنى أن الله تعالى بين في الكتابين أنه اشترى من أمة محمد - ﷺ - أنفسهم وأموالهم بالجنة، كما بين في القرآن، والقول هذا (٧)، لا ما قاله أبو إسحاق.\nوقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ﴾ قال ابن عباس: (يريد بوعده) (٨)، وهذا استفهام معناه الإنكار، أي: لا أحد أوفى بما وعد من الله تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1484>١١٢ </span>- قوله تعالى: ﴿التَّائِبُونَ﴾، قال الفراء: (استؤنفت بالرفع لتمام الآية قبلها وانقطاع الكلام، فحسن الاستئناف) (٩)، وقال صاحب النظم:\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٧١.\n(٢) ما بين المعقوفين ساقط من (ى).\n(٣) في (ى): (له).\n(٤) \" تنوير المقباس\" ص ٢٠٤ بمعناه.\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٧١.\n(٦) لم أقف عليه.\n(٧) وهو ما ذهب إليه أيضًا ابن جرير ١١/ ٣٥ والبغوي ٤/ ٩٨.\n(٨) \"تنوير المقباس\" ص ٢٠٤ بمعناه.\n(٩) \"معاني القرآن\" ١/ ٤٥٣.","vol":"11","page":66},{"text":"(زعم بعضهم أن قوله: ﴿التَّائِبُونَ﴾ منظوم بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ على النعت للمؤمنين، وإنما رفع كما رفع قوله: ﴿جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا (٣٦) رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [النبأ: ٣٦، ٣٧] (١)، وقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا (٨) رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ [المزمل: ٨، ٩] (٢)، وذكر أبو إسحاق في رفع قوله: ﴿التَّائِبُونَ﴾ وجوهًا: أحدها: المدح كأنه قال: هؤلاء التائبون، أو هم التائبون.\nوالثاني: أن يكون على البدل، المعنى يقاتل التائبون، قال: وهذا مذهب أهل اللغة (٣)، والذي عندي أن قوله ﴿التَّائِبُونَ﴾ رفع بالابتداء وخبره مضمر، المعنى: ﴿التَّائِبُونَ﴾ إلى آخر الآية: لهم الجنة أيضًا، أي: من لم يجاهد غير معاند ولا قاصد لترك الجهاد فله الجنة أيضًا) (٤)، وهذا الذي اختاره أبو إسحاق وجه حسن لأنه وعدٌ لجميع المؤمنين بالجنة، وإذا جعل\n_________\n(١) وقد قرأ الكوفيون ويعقوب وابن عامر (رب السموات) بالخفض، وقرأ الباقون بالرفع. انظر: \"كتاب السبعة\" ص ٦٦٩، و\"تحبير التيسير\" ص ١٩٧، و\"إتحاف فضلاء البشر\" ص ٤٣١.\n(٢) وقد قرأ ابن عامر وحمزة الكسائي ويعقوب وخلف وأبو بكر عن عاصم (رب السموات) بالخفض، وقرأ الباقون بالرفع. انظر: \"كتاب السبعة\" ص ٦٥٨، و\"تحبير التيسير\" ص ١٩٤، و\"الإتحاف\" ص ٤٢٦.\n(٣) لم أجد من اعتمد هذا المذهب دون غيره، بل قال النحاس في \"إعراب القرآن\" ٢/ ٤٣: (التائبون) رفع على إضمار مبتدأ عند أكثر النحويين، أي: (هم التائبون)، وهذا ما اعتمده أبو البقاء العكبري في \"التبيان\" ص ٤٣١، وابن جني في \"المحتسب\" ١/ ٣٠٥، والزمخشري في \"الكشاف\" ٢/ ٢١٦، وقد ذكر المذهب المذكور بصيغة التمريض (قيل) الزمخشري في الموضع السابق، وأبو حيان في \"البحر المحيط\" ٥/ ١٠٣.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٧١.","vol":"11","page":67},{"text":"قوله: ﴿التَّائِبُونَ﴾ تابعًا لأول الكلام كان الوعد بالجنة خاصًا للمجاهدين الموصوفين بهذه الصفات (١).\nوأما التفسير فقال ابن عباس في قوله: ﴿التَّائِبُونَ﴾ يريد: (الراجعون عن الشرك) (٢)، وقال قتادة: (التائبون من الشرك ثم لم ينافقوا في الإسلام) (٣)، وقال الزجاج: (الذين تابوا من الكفر) (٤).\nوقال أهل المعاني: (كل من أخلص هذه الصفات مما يحبطها استحق إطلاق هذه الأوصاف عليه) (٥).\nوقوله تعالى: ﴿الْعَابِدُونَ﴾، قال ابن عباس: (الذين يرون عبادة الله واجبة عليهم) (٦).\nوقال الزجاج: (الذين عبدوا الله وحده) (٧)، وهو معنى قول الكلبي:\n_________\n(١) هذا التعليل فيه نظر؛ إذ إن تخصيص المجاهدين بالوعد في موضع لا يعني عدم شمول غيرهم في مواضع أخرى، وإلا فقد خص الله المجاهدين بالوعد بالجنة في قوله تعالى: ﴿فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [آل عمران: ١٩٥] ثم إن السياق يدل على أن المحذوف هو المبتدأ وليس الخبر.\n(٢) ذكره الرازي في \"تفسيره\" ١٦/ ٢٠٢، وأبو حيان في \"البحر المحيط\" ٥/ ١٠٤، والمؤلف في \"الوسيط\" ٢/ ٥٢٧.\n(٣) رواه ابن جرير ١١/ ٣٦، وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ كما في \"الدر المنثور\" ٣/ ٥٠٣.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٧٢.\n(٥) لم أقف عليه.\n(٦) ذكره عنه الرازي في \"تفسيره\" ١٦/ ٢٠٣، وبمعناه ابن الجوزي في \"زاد الميسر\" ٣/ ٥٠٥.\n(٧) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٧٢.","vol":"11","page":68},{"text":"(الذين أخلصوا لله العبادة) (١)، وقال الحسن: (هم الذين عبدوا الله باتباع أمره) (٢).\nوقوله تعالى: ﴿الْحَامِدُونَ﴾، قال ابن عباس: (يريد: الله (٣) على كل حال) (٤)، ﴿السَّائِحُونَ﴾، قال عامة المفسرين: (الصائمون) (٥)، قال الوالبي عن ابن عباس: (كل ما ذكر في القرآن من السياحة فهو الصيام) (٦)، وقال النبي -ﷺ-: \"سياحة أمتي الصيام\" (٧). وروى معمر (٨) عن الحسن قال:\n_________\n(١) ذكره بنحوه ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٣/ ٥٠٥، عن أبي صالح عن ابن عباس، وهو سند تفسير الكلبي.\n(٢) رواه بنحوه ابن جرير ١١/ ٣٧، وابن أبي حاتم ٦/ ١٨٨٨، وابن المنذر وابن أبي شيبة وأبو الشيخ كما في \"الدر المنثور\" ٣/ ٥٠٣.\n(٣) في (م) و(ى): (لله)، وما أثبته موافق لما في \"الوسيط\"، والمراد: الحامدون الله.\n(٤) انظر: \"الوسيط\" ٢/ ٥٢٧ دون نسبة.\n(٥) انظر: \" تفسير ابن جرير\" ١١/ ٣٧ - ٣٩، وابن أبي حاتم ٦/ ١٨٨٩ - ١٨٩٠، و\"الدر المنثور\" ٣/ ٥٠٣ - ٥٠٤.\n(٦) رواه ابن جرير ١١/ ٣٨، وابن المنذر كما في \"الدر المنثور\" ٣/ ٥٠٣، وبنحوه ابن أبي حاتم ٦/ ١٨٩٠، والبغوي ٤/ ٩٩.\n(٧) أجده بهذا اللفظ عند أئمة الرواية، وقد ذكره الرازي في \"تفسيره\" ١٦/ ٢٠٣ والمؤلف في \"الوسيط\" ٢/ ٥٢٧، والقرطبي في \"تفسيره\" ٨/ ٢٧٠، ورواه ابن جرير في \"تفسيره\" ٣٩/ ١١ موقوفًا على عائشة، وفي سنده إبراهيم بن يزيد الخوزي، وهو متروك الحديث كما في \"تقريب التهذيب\" ص ٩٥ (٢٧٢).\nوقد روى أبو داود (٢٤٨٦)، كتاب: الجهاد، الحديث بلفظ: (إن سياحة أمتي الجهاد) وهو صحيح كما في \"صحيح الجامع الصغير\" رقم (٢٠٩٣).\n(٨) هو: معمر بن راشد الأزدي مولاهم أبو عروة البصري، نزيك اليمن، الإمام الحافظ، كان ثقة فاضلًا من أوعية العلم، مع الصدق والورع، وتوفي سنة ١٥٤هـ. انظر: \"التاريخ الكبير\" ٧/ ٣٧٨، و\"تذكرة الحفاظ\" ١/ ١٩٠، و\"وسير أعلام النبلاء\" ٧/ ٥، و\"تقريب التهذيب\" ص ٥٤١ (٦٨٠٩).","vol":"11","page":69},{"text":"(هذا صوم القرض) (١)، وقيل (٢): هم الذين يديمون الصيام) (٣)، وقال الزجاج: (وقول الحسن أبين) (٤).\nوقال الأزهري: (وقيل للصائم سائح لأن الذي يسيح في الأرض متعبدًا لا زاد معه فحين يجد الزاد يطعم، والصائم لا يطعم أيضًا فلشبهه به سمى سائحًا) (٥)، وهذا معنى قول سفيان بن عيينة: (إنما قيل للصائم سائح لأنه تارك اللذات كلها من المطعم والمشرب والنكاح) (٦)، يريد أنه كالمسافر في تركه هذه الأشياء.\nوقال أهل المعاني: (أجل السياحة: الاستمرار بالذهاب في الأرض كما يسيح الماء، فالصائم مستمر على الطاعة في ترك المنهي من المأكل والمشرب والمنكح) (٧)، وهذا اشتقاق، وقد روى لي الأستاذ أبو إسحاق (٨) -﵀- بإسناده عن عكرمة أنه قال هم: طلبة العلم) (٩)،\n_________\n(١) ذكره الزجاج في \"معاني القرآن\" ٢/ ٤٧٢، والمؤلف في \"الوسيط\" ٢/ ٥٢٧، ورواه بمعناه ابن جرير في \"تفسيره\" ص ٥٤١ (٦٨٠٩).\n(٢) في (ى): (وقال).\n(٣) هذا القول لأبي عمرو العبدي. انظر: \"تفسير ابن جرير\" ١٤/ ٥٠٤، وابن أبي حاتم ٤/ ١٠١ أ، و\"الدر المنثور\" ٣/ ٥٠٤.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٧٢.\n(٥) \"تهذيب اللغة\" (ساح) ٢/ ١٥٨٦.\n(٦) رواه الثعلبي ٦/ ١٥١ ب، وابن المنذر كما في \"الدر المنثور\" ٣/ ٥٠٤، وذكره بنحوه ابن جرير ١١/ ٣٩ بغير سند.\n(٧) انظر: \"معاني القرآن الكريم\" للنحاس ٣/ ٢٥٨.\n(٨) يعني الثعلبي.\n(٩) \"تفسير الثعلبي\" ٦/ ١٥٢ أ، ورواه أيضًا ابن أبي حاتم ٦/ ١٨٩٠، والبغوي ٤/ ٩٩.","vol":"11","page":70},{"text":"يريد: الذين يسافرون لأجل طلب العلم والحديث، والقول هو الأول.\nوقوله تعالى: ﴿الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ﴾، قال ابن عباس: (يريد الذين يصلون لله بنية صادقة (١» (٢).\nوقال الزجاج: (الذين أدوا (٣) ما افترض عليهم من الركوع والسجود) (٤)، وهو قول الحسن، قال: (هذا صلاة الفرض) (٥).\nقوله تعالى: ﴿الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾، قال عامة المفسرين: (بالإسلام والإيمان بالله) (٦)، وقال عطاء: (يريد بفرائض الله وحدوده وتوحيده).\nوقوله تعالى: ﴿وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾، قال: (يريد عن ترك فرائض الله وحدوده والشرك به) (٧).\nوقال الكلبي: (عن اتباع الجبت والطاغوت) (٨)؛ والأولى أن هذا عام في كل معروف ومنكر.\nوأما دخول الواو في قوله: ﴿وَالنَّاهُونَ﴾ فإن العرب قد تنسق بالواو\n_________\n(١) ساقط من (ى).\n(٢) ذكره المؤلف في \"الوسيط\" ٢/ ٥٢٧.\n(٣) في (ى): (يؤدون)، وما أثبته موافق للمصدر التالي.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٧٢.\n(٥) رواه بنحوه ابن جرير ٣٩/ ١١، وابن أبي حاتم ٦/ ١٨٩١، وابن أبي شيبة وابن المنذر وأبو الشيخ كما في \"الدر المنثور\" ٣/ ٥٠٣.\n(٦) رواه ابن جرير ١١/ ٣٩ بنحوه عن أبي العالية، وهو قول الزجاج في \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٧٢، والبغوي في \"تفسيره\" ٤/ ٩٩، وانظر: \"النكت والعيون\" ٢/ ٤٠٨، و\"المحرر الوجيز\" ٧/ ٥٦.\n(٧) \"تنوير المقباس\" ص ٢٠٥ بمعناه.\n(٨) لم أقف عليه.","vol":"11","page":71},{"text":"وغير الواو، منه قوله (١) -﷿-: ﴿حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٢) غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ﴾ [غافر: ١ - ٣]،وجاء بعض بالواو وبعض بغير الواو، ومنه قول الخرنق:\nلا يبعدنْ قومي الذين هم ... سم العداة وآفة الحزر\nالنازلين بكل معترك ... والطيبون معاقد الأزر (٢)\nوإنما يفعل ذلك لالتباس الكلام بعضه ببعض.\nوقال صاحب النظم: قوله: ﴿التَّائِبُونَ﴾ إلى قوله: ﴿السَّاجِدُونَ﴾ مبتدأ يقتضي جوابًا، وجاء بهذا (٣) النظم منسوقًا بعضه على بعض بلا واو العطف، ثم أجاب هذا المبتدأ بقوله: ﴿الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ فلما كان الفصل الأول مبتدأ جعل له نظمًا غير نظم الجواب، ونظم الجواب نسق بواو العطف فرقًا بينهما، ولولا هذا الفرق لما امتاز\n_________\n(١) في (ى) زيادة نصها: (قوله: والناهون) وقوله ... إلخ).\n(٢) انظر: \"ديوان الخرنق\" ص ٢٩، و\"أوضح المسالك\" ١/ ١٠، و\"كتاب سيبويه\" ١/ ٢٠٢.\nلا يبعدن: أي لا يهلكن. سم العداة: أي هم كالسم لعدوهم.\nآفة الجزر: أي هم آفة للإبل التي تجزر لكثرة ما ينحرون منها. والمعترك: موضع ازدحام الناس في المعركة.\nومعقد الإزار: موضع عقده، والإزار: ما يستر النصف الأسفل من البدن، وطيبها كناية عن العفة والبعد عن الفاحشة.\nقال ابن هشام بعد ذكر البيتين: يجوز فيه رفع (النازلين) و(الطيبين) على الإتباع لـ (قومي) أو على القطع بإضمار (هم)، ونصبها بإضمار (أمدح) و(أذكر) ورفع الأول ونصب الثاني على ما ذكرنا، وعكسه على القطع فيهما. أوضح المسالك ٣/ ١٢.\n(٣) في (ى): (هذا).","vol":"11","page":72},{"text":"الخبر من المبتدأ، فالتأويل: ﴿التَّائِبُونَ﴾ إلى قوله: ﴿السَّاجِدُونَ﴾ هم الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر، أي الذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، وعلى هذا التأويل دخله واو العطف، لأنه ذهب به مذهب الفعل (١) بعضه في إثر بعض.\nوقوله تعالى: ﴿وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ﴾، قال مجاهد: (حدود الله: فرائضه) (٢)، ومعناه: العاملون بما افترض الله عليهم)، وقال الزجاج: (القائمون بما أمر الله به) (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1485>١١٣ </span>- قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآية، قال عامة المفسرين: (إن النبي - ﷺ - عرض على عمه أبي طالب الإسلام عند وفاته، وذكر له وجوب حقه عليه، وقال: \"أعني على نفسك بكلمة أشفع لك بها عند الله يوم القيامة\"، فأبى أبو طالب، فقال النبي - ﷺ -: \"لأستغفرن لك حتى أنهى عن ذلك\" فاستغفر له بعدما مات، فاستغفر المسلمون لآبائهم وذوي قراباتهم، فنزلت هذه الآية (٤)، وهذا قول الزهري (٥) وسعيد بن المسيب (٦)\n_________\n(١) في (ح): (الفصل).\n(٢) لم أجده فيما بين يدي من المصادر.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٧٢.\n(٤) انظر: \"تفسير ابن جرير\" ١١/ ٤١ - ٤٣، وابن أبي حاتم ٦/ ١٨٩٤، والثعلبي ٦/ ١٥٢ أ، والبغوي ٤/ ١٠٠، والحديث في \"صحيح البخاري\"، كتاب: الجنائز، باب: إذا قال المشرك: لا إله إلا الله، و\"صحيح مسلم\" (٣٩)، كتاب: الإيمان،\nباب: الدليل على صحة إسلام من حضره الموت.\n(٥) لم أجد من ذكره عنه، وإنما يروى عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبيه، انظر: المصادر السابقة، نفس المواضع.\n(٦) رواه ابن جرير ١١/ ٤٢.","vol":"11","page":73},{"text":"وعمرو بن دينار (١) ومحمد بن كعب (٢)، واستبعده الحسين بن الفضل؛ لأن هذه السورة من آخر القرآن نزولًا، ووفاة أبي طالب كانت بمكة في عنفوان الإسلام (٣)، والله أعلم.\nوقال عطاء عن ابن عباس: إن رسول الله - ﷺ - سأل جبريل عن قبر أبيه وأمه فأرشده فذهب إليهما وكان يدعو لهما، وعلي يؤمن فنزلت هذه الآية) (٤) [وهذا قول أبي هريرة (٥).\nوقال الوالبي عنه (٦): كانوا يستغفرون لأمواتهم المشركين فنزلت هذه الآية (٧)] (٨) وهو قول قتادة، وقال: استأذنوا رسول الله - ﷺ - أن يستغفروا لآبائهم فقال: \"وأنا والله لأستغفرن لأبي كما استغفر إبراهيم لأبيه\" فنزلت هذه الآية) (٩).\n_________\n(١) رواه ابن جرير ١١/ ٤١ - ٤٢.\n(٢) رواه ابن أبي حاتم ٦/ ١٨٩٤ - ١٨٩٥، والثعلبي ٦/ ١٥٢ ب، وأبو الشيخ كما في \"الدر المنثور\" ٣/ ٥٠٥.\n(٣) انظر قول الحسين بن الفضل في \"تفسير الثعلبي\" ٦/ ١٥٢ ب واعتراضه هذا محل نظر؛ فإن السور المدنية قد يتخللها بعض الآيات المكية، لاسيما وقد صح نزول الآية في قصة أبي طالب وخرجها البخاري ومسلم كما تقدم، وثمة احتمال آخر وهو أن النبي - ﷺ - استمر في الاستغفار لعمه حتى نزلت عليه هذه الآية في المدينة، والله أعلم.\n(٤) لم أجده.\n(٥) ذكره الثعلبي ٦/ ١٥٣ ب، والبغوي ٤/ ١٠١ بغير سند.\n(٦) يعني عن ابن عباس كما في المصادر التالية.\n(٧) رواه ابن جرير ١١/ ٤٢، وابن أبي حاتم ٦/ ١٨٩٣، والثعلبي ٦/ ١٥٣ ب.\n(٨) ما بين المعقوفين ساقط من (ح).\n(٩) رواه ابن جرير ١١/ ٤٣، والثعلبي ٦/ ١٥٣ ب، والبغوي ٤/ ١٠١.","vol":"11","page":74},{"text":"قال أهل المعاني: قوله ﴿مَا كاَنَ لِلنَّبِيِّ﴾ حظر وتحريم ونهي، وقد يأتي في القرآن بمعنى النفي البتة، كقوله: ﴿مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا﴾ [النمل: ٦٠] و﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٤٥] (١).\nوالاستغفار طلب المغفرة، وليس يجوز أن يطلب من الله غفران الشرك؛ لأنه طلب ما أخبر أنه لا يفعل (٢).\nوقوله تعالى ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾، قال أبو إسحاق: (أي من بعد ما تبين لهم أنهم ماتوا كافرين، ثم أعلم الله -﷿- كيف كان استغفار إبراهيم لأبيه [فقال: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ﴾ (٣) الآية] (٤).\nقال عطاء عن ابن عباس: (كان أبو إبراهيم وعد إبراهيم أن يؤمن بالله ويخلع الأنداد، فلما مات على الكفر (٥) تبين لإبراهيم عداوة أبيه لله فترك الدعاء له) (٦)، فعلى هذا قوله: ﴿وَعَدَهَا إِيَّاهُ﴾ الكناية في ﴿إِيَّاهُ﴾ تعود\n_________\n(١) ذكره عنهم دون تعيين الثعلبي في \"تفسيره\" ٦/ ١٥٣ ب بنحوه، وانظر: \"تفسير القرطبي\" ٨/ ٢٧٤.\n(٢) يعني في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨، ١١٦].\n(٣) اهـ. كلام أبي إسحاق الزجاج، انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٧٣.\n(٤) ما بين المعقوفين ساقط من (ى).\n(٥) ساقط من (ى).\n(٦) ذكره المؤلف في \"الوسيط\" ٢/ ٥٢٨، والقرطبي في \"تفسيره\" ٨/ ٢٧٤، وبدون نسبة الزجاج في \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٧٣، والثعلبي ٦/ ١٥٤ أ، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٣/ ٥٠٩.\nوقد سبق بيان أن رواية عطاء عن ابن عباس مكذوبة، ثم إن هذا القول مستبعد من =","vol":"11","page":75},{"text":"على إبراهيم، والواعد أبوه، ويجوز أن تعود على أبي إبراهيم ويكون الواعد إبراهيم، وذلك أنه وعد أباه [أن يستغفر له رجاء إسلامه وأن ينقل الله أباه باستغفاره له] (١) من الكفر إلى الإسلام، فلما مات مشركًا ويئس (٢) من مراجعته الحق تبرأ منه، وقطع الاستغفار له، والدليل على صحة هذا قراءة الحسن (وعدها أباه) بالباء (٣)، وهذا الوعد من إبراهيم ظاهر في قوله تعالى: ﴿سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي﴾ [مريم: ٤٧] وقوله: ﴿لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾ [الممتحنة: ٤].\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ﴾ روي عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"الأواه: الخاشع المتضرع\" (٤).\nويروى أن عمر سأل رسول الله - ﷺ - عن الأواه فقال: \"الأواه\n_________\n= أبي إبراهيم لقوله فيما أخبر الله عنه: ﴿قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا (٤٦) قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي﴾ [مريم: ٤٦ - ٤٧] والآية الثانية تدل على أن إبراهيم وعده بالاستغفار وهو مصر على كفره.\n(١) ما بين المعقوفين ساقط من (ى).\n(٢) في (م): (تبين)، وهو خطأ.\n(٣) انظر: \"تفسير الثعلبي\" ٦/ ١٥٤ ب، و\"الكشاف\" ٢/ ٢١٧، والبغوي ٤/ ١٠١. ونسبها ابن خالويه إلى حماد الراوية وقال: (يقال إنه صحفه). انظر: \" مختصر في شواذ القرآن\" ص ٥٥، وزاد أبو حيان في \"البحر المحيط\" ٥/ ١٠٥ نسبتها إلى ابن السميفع وأبي نهيك ومعاذ القارئ.\n(٤) رواه ابن جرير ١١/ ٥١، وابن أبي حاتم ٦/ ١٨٩٦، والثعلبي ٦/ ١٥٤ ب، وأبو الشيخ وابن مردويه كما في \"الدر المنثور\" ٣/ ٥٠٩ عن عبد الله بن شداد وهو تابعي فالحديث مرسل، ولم أجد من ذكره موصولًا، ثم إن في سنده شهر بن حوشب، متكلم فيه، قال ابن حجر: صدوق كثير الإرسال والأوهام، وقال ابن عدي: (ضعيف جدًا). \"تقريب التهذيب\" ١/ ٣٥٥، و\"تهذيب التهذيب\" ٤/ ٣٣٨.","vol":"11","page":76},{"text":"الدعاء\" (١).\nقال ابن عباس (٢) في رواية عطاء: (الأواه: الدعاء (٣) الكثير البكاء) (٤).\nوقال في رواية عطية: (الأواه: المؤمن [بالحبشية) (٥)، وقال في رواية الوالبي: (الأواه: المؤمن التواب) (٦)] (٧).\nوقال في رواية أبي ظبيان: (الأواه: الموقن) (٨) وهو قول مجاهد (٩).\nوقال الفراء: (هو الذي يتأوه من الذنوب) (١٠).\nوقال ابن مسعود والحسن وقتادة: (الأواه: الرحيم) (١١).\n_________\n(١) ذكره الرازي في \"تفسيره\" ١٦/ ٢١١ ولم أجد من ذكره غيره، وذكر الثعلبي بغير سند عن أنس قال: تكلمت امرأة عند رسول الله -ﷺ- بشيء كرهه فنهاها عمر -﵁- فقال رسول الله -ﷺ-: \"دعوها فإنها أواهة\"، قيل يا رسول الله وما الأواهة؟ قال: \"الخاشعة\". \"تفسير الثعلبي\" ٦/ ١٥٤ ب.\n(٢) في (ى): (ابن إسحاق)، وهو خطأ.\n(٣) ساقط من (م).\n(٤) ذكره المؤلف في \"الوسيط\" ٢/ ٥٢٨.\n(٥) رواه ابن جرير ١١/ ٥٠، والثعلبي ٦/ ١٥٥ أ.\n(٦) رواه ابن جرير ١١/ ٥٠، وابن أبي حاتم ٦/ ١٨٨٦، والثعلبي ٦/ ١٥٥ أ، والبغوي ٤/ ١٠٢.\n(٧) ما بين المعقوفين ساقط من (ح).\n(٨) رواه ابن جرير ١١/ ٤٩، والثعلبي ٦/ ١٥٥/ أ.\n(٩) انظر: المصدرين السابقين، نفس الموضع، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" ٦/ ١٨٩٦، والبغوي ٤/ ١٠٢.\n(١٠) \"معاني القرآن\" ٢/ ٢٣، ونسبة هذا القول للفراء فيها نظر؛ فإن نصر عبارته: (قوله (أواه): دعاء، ويقال: هو الذي يتأوه من الذنوب).\n(١١) رواه عنهم ابن جرير ١١/ ٤٧ - ٤٩، وابن أي حاتم ٦/ ١٨٩٦، والثعلبي ٦/ ١٥٥ أ.","vol":"11","page":77},{"text":"وقال أبو عبيدة: (الأواه: المتأوه شفقًا وفرقًا، المتضرع يقينًا ولزومًا للطاعة) (١).\nقال الزجاج: (انتظم قول أبي عبيدة أكثر ما روي في الأواه) (٢)، ويقال: تأوه الرجل تأوهًا، وأوه تأويهًا إذا قال: آه للتوجع ومنه قوله:\nتأوهُ آهة الرجل الحزين (٣)\nويقال لتلك الكلمة: آه وهاه وآهة (٤) وأوه، قال أبو تراب: (وهو توجع الحزين الكئيب يخرج نفسه بهذا الصوت لينفرج عنه بعض ما به، ولو جاء من الأواه فعل لكان آه يؤوه أوهًا، مثل قال يقول قولًا) (٥).\nوقوله تعالى: ﴿حَلِيمٌ﴾، قال ابن عباس: (لم يعاقب أحدًا إلا لله ولم ينتصر من أحد إلا لله) (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1486>١١٥ </span>- قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ﴾ الآية، لما حرم الاستغفار للمشركين على المؤمنين بين أنه لم يكن الله\n_________\n(١) \"مجاز القرآن\" ١/ ٢٧٠ بنحوه، والنص بلفظ المؤلف عند \"الثعلبي\" ٦/ ١٥٥ ب.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٧٣.\n(٣) عجز بيت، وصدره:\nإذا ما قمت أرحلها بليل\nوالبيت للمثقب العبدي في \"ديوانه\" ص ١٩٤، و\"الصحاح\" (أوه)، و\"مجازالقرآن\" ١/ ٢٧٠، \"المفضليات\" ص ٢٩١.\nوالشاعر يتحدث عن دابته، وأنها تشكو كثرة أسفاره.\n(٤) في (ي): (هاهه).\n(٥) لم أقف عليه.\n(٦) ذكره المؤلف في \"الوسيط\" ٢/ ٥٢٩، واعتبره القرطبي ٨/ ٢٧٦ أحد قولين في الكلمة لكن لم ينسبه لابن عباس.","vol":"11","page":78},{"text":"ليأخذهم به من غير أن يدلهم على أنه يجب أن يتقوه، فهذا أمان بما يخاف من تلك الحال، وهذا معنى قول مجاهد (١).\nقال ابن الأنباري: (والتأويل (٢): حتى يبين لهم ما يتقون فلا يتقونه فعند ذلك يستحقون الإضلال، فحذف ما حذف لبيان معناه، كما تقول العرب أمرتك بالتجارة فكسبت الأموال، يريدون فتجرت وكسبت) (٣)، قال: واختلف الناس في تفسير الإضلال هاهنا فقالت فرقة: تأويله: وما كان الله ليحكم عليهم بالضلالة حتى يكون منهم ذا (٤)، واحتجوا بقول الكميت:\nفطائفة قد أكفروني بحبكم (٥)\nأي نسبوني إلى الكفر وحكموا علي به.\nوقال آخرون: وما كان الله ليوقع الضلالة في قلوبهم بعد الهدى حتى يكون منهم الأمر الذي يُستحق عليه العقاب، وأبطلوا القول الأول، وقالوا: العرب إذا أرادت ذلك المعنى قالت: ضلل يضلل، واحتجاجهم\n_________\n(١) رواه ابن جرير ١١/ ٥٣ - ٥٤، وابن أبي حاتم ٦/ ١٨٩٧، والثعلبي ٦/ ١٥٥ ب، والبغوي ٤/ ١٠٣.\n(٢) في (ى): (والمعنى).\n(٣) ذكره ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٣/ ٥١٠.\n(٤) هذا أحد أقوال المعتزلة، انظر: \"مقالات الإسلاميين\" ١/ ٣٢٥، و\"شفاء العليل\" ١/ ٢١٧.\n(٥) صدر بيت، وعجزه:\nوطائفة قالوا مسيء ومذنب\nانظر: \"هاشميات الكميت\" ص ٣٥.","vol":"11","page":79},{"text":"ببيت الكميت باطل؛ لأنه قياس في اللغة، [واللغة لا تؤخذ قياسًا] (١) وليس كل موضع تكلم فيه بفعل يصلح في موضعه (٢) أن يقال (أفعل) (٣) في النسبة (٤) إلى ذلك الفعل، فلا يقال: أكسر ولا أضرب، فليس علينا إلا اتباع العرب في استعمال ما استعملوا ورفض ما رفضوا) (٥) هذا كلامه، والآية بيان عما توجبه حال من لم (٦) يدل على (٧) ما يجب (٨) أن يجتنب (٩) من الأمر السمعي من أنه لا يطالب (١٠) باجتنابه ولا يضل بإتيانه حتى يُبين له أمره وتقرر عنده منزلته، فحينئذ يجازى به.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1487>١١٧ </span>- قوله تعالى: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾ الآية، يروى عن ابن عباس في معنى التوبة على النبي - ﷺ - أن ذلك لإذنه للمنافقين في التخلف عنه (١١)، وقد مر ذلك.\nوقال أبو عبيدة: (هو مفتاح كلام كقوله تعالى: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ٤١] (١٢).\n_________\n(١) ما بين المعقوفين ساقط من (ى).\n(٢) ساقط من (ى).\n(٣) ساقط من (ح).\n(٤) في (ى): (اللغة).\n(٥) ذكر الرازي في \"تفسيره\" ١٦/ ٢١٣ بعض كلام ابن الأنباري بنحوه.\n(٦) ساقط من (ى).\n(٧) في (ى): (عليه).\n(٨) في (ج): (يوجب).\n(٩) ساقط من (ح).\n(١٠) في (ح): (يطلب).\n(١١) ذكره القرطبي في \"تفسيره\" ٨/ ٢٧٨.\n(١٢) ذكره الثعلبي ٦/ ١٥٦ أ، وابن الجوزي ٣/ ٥١١، والقرطبي ٨/ ٢٧٨، و\"الخازن\" ٢/ ٢٦٨، منسوبًا لأهل المعاني ولم أجد من ذكره عن أبي عبيدة، وليس في كتابه \"مجاز القرآن\".","vol":"11","page":80},{"text":"ومعني هذا أن ذكر النبي - ﷺ -[بالتوبة عليه] (١) هاهنا تشريف للمهاجرين والأنصار، كما أن ضم اسم الله تعالى إلى اسم الرسول إنما هو تشريف للرسول فقط، فأما توبة الله على المهاجرين والأنصار فمن ميل (٢) قلوب بعضهم إلى التخلف عنه وهو قوله: ﴿كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ﴾ ويذكر ذلك، ولكن الله تعالى قدم ذكر التوبة فضلًا منه، ثم ذكر ذنبهم.\nوقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾، قال أبو إسحاق: (معناه في وقت العسرة لأن الساعة تقع على كل الزمان) (٣) فهي عبارة (٤) عن جميع وقت تلك الغزوة، وهذا معنى قول الكلبي: (في حين العسرة) (٥).\nوقال غيره: (يريد أشد الساعات التي مرت بهم في تلك الغزوة) (٦)، وهي الساعة التي كادت قلوبهم تزيغ فيها، والعسرة: تعذر الأمر وصعوبته، قال جابر: (هي عسرة الظهر، وعسرة الماء، وعسرة الزاد) (٧).\nأما عسرة الظهر فقال الحسن: (كان العشرة من المسلمين يخرجون على بعير يعتقبونه بينهم) (٨).\n_________\n(١) ما بين المعقوفين ساقط من (ح).\n(٢) في (ح): (مثل).\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٧٤.\n(٤) في (ح): (جماعة)، وهو خطأ.\n(٥) \"تنوير المقباس\" ص ٢٠٥.\n(٦) انظر: \"المحرر الوجيز\" ٧/ ٦٧ - ٦٨، و\"تفسير القرطبي\" ٨/ ٢٧٨.\n(٧) رواه ابن جرير ١١/ ٥٥، وابن المنذر وابن مردويه كما في \"الدر المنثور\" ٣/ ٥١٢، وذكره بغير سند الثعلبي ٦/ ١٥٦ أ.\n(٨) \"تفسير الثعلبي\" ٦/ ١٥٦ أ، والبغوي ٤/ ١٠٤، والقرطبي ٨/ ٢٧٩.","vol":"11","page":81},{"text":"وعسرة الزاد أنه (١) ربما مص التمرة الواحدة جماعة يتناوبونها حتى لا يبقى من التمرة إلا النواه (٢)، وأما عسرة الماء فقال عمر -﵁ -: (خرجنا في قيظ شديد، وأصابنا فيه عطش شديد، حتى إن الرجل لينحر بعيره فيعصر فرثه فيشربه) (٣).\nوقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ﴾، قال ابن عباس: (يريد: يميل بعض من كان فيها إلى التخلف والعصيان) (٤).\nوقال الكلبي: (هم أناس من المسلمين هموا بالتخلف ثم لحقوه) (٥).\nوقال أبو إسحاق: (أي من بعد ما كادوا يقفلون عن غزوتهم للشدة ليس أنه زائغ (٦) عن الإيمان، إنما هو أن كادوا يرجعون) (٧).\nوقرأ حمزة (يَزِيغُ) بالياء (٨) [فمن قرأ] (٩) بالتاء فله وجهان:\n_________\n(١) ساقط من (ى).\n(٢) هذا معنى قول مجاهد وقتادة فيما رواه عنهما ابن جرير ١١/ ٥٥، وقول الحسن فيما رواه عنه الثعلبي ٦/ ١٥٦ أ، والبغوي ٤/ ١٠٤.\n(٣) رواه ابن جرير ١١/ ٥٥، وابن حبان في \"صحيحه\" (الإحسان) رقم (١٣٨٣) ٤/ ٢٢٣، والحاكم ١/ ١٥٩، وقال: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي.\n(٤) \"تنوير المقباس\" ص ٢٠٥ بمعناه.\n(٥) ذكره ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٣/ ٥١٢، والبغوي في \"تفسيره\" ٤/ ١٠٥، والمؤلف في \"الوسيط\" ٢/ ٥٢٩.\n(٦) في \"معاني القرآن وإعرابه\": يزيغ.\n(٧) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٧٤.\n(٨) وكذلك هي قراءة حفص عن عاصم وقرأ الباقون بالتاء، انظر: \"السبعة\" ص ٣١٩، و\"التيسير في القراءات السبع\" ص١٢٠، و\"رشاد المبتدي\" ص ٣٥٧، و\"إتحاف فضلاء البشر\" ص ٢٤٥.\n(٩) ما بين المعقوفين ساقط من (ى).","vol":"11","page":82},{"text":"أحدهما: أن يضمر فاعل كاد، ويكون تقدير الكلام: كاد الحزب (١) أو القوم تزيغ قلوب فريق منهم (٢).\nوالثاني: أن يكون فاعل (كاد) القلوب، كأنه: من بعد ما كاد قلوب فريق منهم تزيغ، ولكنه قدم (تزيغ) كما تقدم خبر كان في قوله: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: ٤٧]، وجاء تقديمه وإن كان فيه ذكر من القلوب (٣)، ولم يمتنع من حيث يمتنع الإضمار قبل الذكر، لما كان النية به التأخير، كما لم يمتنع: ضرب غلامه زيد، لما كان التقدير به التأخير، [ألا ترى أن حكم الخبر أن يكون بعد الاسم، كما أن حكم المفعول به أن يكون بعد الفاعل، وعلى هذا التقدير يجب التأنيث في (تزيغ)؛ لأن المراد به التأخير] (٤) وجاز التذكير في (كاد) لتقدم الفعل، وهذان الوجهان ذكرهما أبو علي الفارسي (٥)، وذكر الفراء وجهين آخرين:\nأحدهما: أن يكون الكلام على النظم الذي هو عليه، والفعل المسند إلى المؤنث إذا تقدم عليه جاز تذكيره وتأنيثه، فلما جاز الوجهان ذكر الفعل الأول لما وقع من الحيلولة بينه وبين المؤنث بالفعل الذي هو (يزيغ) فصار كقولهم: حضر القاضي امرأةٌ، وأنث الفعل الثاني لأنه ملتزق بالقلوب.\nالوجه الثاني: أن (كاد) ليس بفعل متصرف كغيره من الأفعال، ألا\n_________\n(١) في جميع النسخ لم توضع نقطة فوق الزاي والتصحيح من\"الحجة للقراء السبعة\".\n(٢) في (ح) زيادة نصها: (تزيغ ولكنه قدم) وهي وهم من الناسخ وتكرار لبعض ما ذكر في الوجه الثاني.\n(٣) يعني أن فيه ضميرًا يعود على القلوب.\n(٤) ما بين المعقوفين ساقط من: (ح).\n(٥) انظر: \"الحجة للقراء السبعة\" ٤/ ٢٣٦.","vol":"11","page":83},{"text":"ترى أنه لا يبنى منه فاعل ولا مفعول فصار كـ (ليس)، و(ليس) يجوز تذكيره وإن أسند إلى مؤنث كقولك: ليس تخرج جاريتك (١).\nومن قرأ (يزيغ) بالياء فوجهه تقدم الفعل (٢) فذكر (يزيغ) كما ذكر (كاد) ليتشابه الفعلان ويتشاكلا.\nقوله تعالى: ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ﴾ كرر ذكر التوبة وهما واحد لأنه ليس في ابتداء الآية ذكر ذنبهم، فقدم الله ذكر التوبة فضلا منه، ثم ذكر ذنبهم، ثم أعاد ذكر التوبة، وقيل: إن المراد بالتوبة بعد التوبة رحمة بعد رحمة، وقد قال رسول الله - ﷺ -: \"إن الله تعالى ليغفر ذنب الرجل المسلم (٣) عشرين مرة\" (٤)، وهذا معنى قول ابن عباس في قوله: ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ﴾ يريد (ازداد عنهم رضًا) (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1488>١١٨ </span>- قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ الآية، هؤلاء هم المعنيون بقوله: ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ﴾ الآية، وقد ذكرنا هناك من هم، والمعنى: وتاب على الثلاثة الذين خلفوا، قال ابن عباس ومجاهد: (خلفوا عن التوبة عليهم) (٦).\n_________\n(١) لم أجد قول الفراء بهذا السياق، والوجه الأول في كتابه \"معاني القرآن\" ١/ ٤٥٤ مختصرًا، وذكره كذلك المؤلف في \"الوسيط\" ٢/ ٥٢٩.\n(٢) من (م).\n(٣) ساقط من (ى).\n(٤) لم أجده في المصادر التي بين يدي سوى \"تفسير الرازي\" ١٦/ ٢١٦.\n(٥) ذكره الرازي في \"تفسيره\" ١٦/ ٢١٦.\n(٦) ذكره عنهما ابن الجوزي ٣/ ٥١٣، والمؤلف في \"الوسيط\" ٢/ ٥٢٩، ورواه عن عكرمة الإمام ابن جرير ١١/ ٥٦.","vol":"11","page":84},{"text":"وقال كعب بن مالك الشاعر -وكان أحد الثلاثة الذين تخلفوا بغير عذر-: (ما هذا من تخلفنا إنما هو تأخير رسول الله -ﷺ- أمرنا) (١) لثير بذلك إلى قوله تعالى: ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١٠٦].\nوقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ﴾ قال المفسرون: (ضيق الأرض عليهم بأن المؤمنين منعوا من كلامهم ومعاملتهم، وأمر (٢) أزواجهم باعتزالهم، وكان النبي - ﷺ - معرضًا عنهم، إلى أن أنزل الله توبتهم وأمر بالرجوع لهم بعد خمسين يومًا (٣» (٤)، ومعنى ضاقت الأرض بما رحبت ذكرناه في هذه السورة (٥).\nوقوله تعالى: ﴿وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ يعني ضيق صدورهم بالهم الذي حصل فيها، قال ابن عباس: (يريد من الوحشة) (٦)، يعني حين لم يكلمهم أحد من المؤمنين، وقوله تعالى: ﴿وَظَنُّوا﴾ أي أيقنوا ﴿أَ ﴿أَنْ لَا مَلْجَأَ﴾ معتصم من الله إلا به (٧)، أي من عذاب الله إلا به.\n_________\n(١) رواه بنحوه البخاري (٤٦٧٧)، كتاب التفسير، سورة براءة، ومسلم (٢٧٦٩)، كتاب التوبة، باب حديث توبة كعب، والإمام أحمد في \"المسند\" ٤/ ٤٥٧.\n(٢) في (م): (وأمروا).\n(٣) في (ى): (ليلة).\n(٤) انظر: \"تفسير هود\" ٢/ ١٧٤، والماوردي ٢/ ٤١٣، وابن الجوزي ٣/ ٥١٣، والرازي ١٦/ ٢١٨.\n(٥) يعني عند قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَت﴾ [التوبة: ٢٥].\n(٦) لم أقف عليه.\n(٧) هكذا في جميع النسخ، ولذا لم أجعل الجملة من القرآن، وتفسير المؤلف للجملة يوحي أنه يريد قول الله تعالى: (من الله إلا إليه) وعبارته في \"الوسيط\": (لا ملجأ) لامعتصم (من الله) من عذاب الله (إلا إليه) إلا به.","vol":"11","page":85},{"text":"وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ﴾، قال صاحب النظم: قول: ﴿وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ﴾ معرفة منهم بالذنب وإضمار للتوبة وطلب لها، والله -﷿- يقبل النية الصالحة، فلما كان هذا نيتهم أضمر الله -﷿- في الكلام أنه قبل ذلك منهم ورحمهم، ثم نسق بـ (ثم) على هذا الإضمار، على تأويل: حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت، وعلموا (١) ألا ملجأ من الله إلا إليه رحمهم، ثم تاب عليهم) انتهى كلامه، وقوله: ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ﴾ إعادة للتوكيد؛ لأن ذكر التوبة على هؤلاء قد مضى في قوله: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾، قال ابن عباس: (يريد: ازداد لهم رضا وعصمة) (٢)، وقد ذكرنا نظير هذا في الآية الأولى.\nومعنى: ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾ أي لطف لهم (٣) في التوبة ووفقهم لها، وهذا دليل على أنه ما (٤) لم يرد الله تعالى توبة العبد ولم يوفقه لها لا يمكنه ذلك.\nوقال ابن الأنباري: (معناه: ثم تاب عليهم ليدوموا على التوبة، ولا يراجعوا ما يبطلها، قال: ويجوز أن يكون المعنى: ثم تاب عليهم لينتفعوا بالتوبة (٥) ويتوفر عليهم ثوابها، وهذان لا يقعان إلا بعد توبة الله عليهم) (٦).\n_________\n(١) في (ج): (واعملوا).\n(٢) ذكره الرازي في \"تفسيره\" ١٦/ ٢١٦.\n(٣) في (ى): (بهم)، وما في (م) و(ح) موافق لما في \"الوسيط\" ٢/ ٥٣٣.\n(٤) ساقط من (ى).\n(٥) في (ح): (في التوبة).\n(٦) \"تفسير الرازي\" ١٦/ ٢١٩ بلا نسبة.","vol":"11","page":86},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1489>١١٩ </span>- وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾، قال ابن عباس ومقاتل: (يعني به مؤمني أهل الكتاب يأمرهم بالجهاد وأن يكونوا مع المهاجرين) (١)، قال ابن عباس: (سمى الله المهاجرين في هذه السورة صادقين وفي الحجرات ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ﴾ إلى قوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحجرات: ١٥] [وفي الحشر ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحشر:]] (٢).\nوقال نافع (٣): (يريد بالصادقين محمدًا - ﷺ - والأنبياء) (٤)، أي كونوا معهم في الجنة بالعمل الصالح، وقال سعيد بن جبير والضحاك: مع أبي بكر وعمر) (٥).\n_________\n(١) انظر قول ابن عباس في: \"تفسير هود بن محكم\" ٢/ ١٧٤، والزمخشري ٢/ ٢١٩ وانظر قول مقاتل -وهو ابن حيان- في \"تفسير ابن أبي حاتم\" ٦/ ١٩٠٦، والماوردي ٢/ ٤١٣ وقد ذكر قولهما المؤلف في \"الوسيط\" ٢/ ٥٣٣، وليس هناك دليل على تخصيص مؤمني أهل الكتاب بالخطاب، والأصل حمل كلام الله على العموم، فالخطاب موجه إلى كافة المؤمنين في كل زمان ومكان.\n(٢) ما بين المعقوفين ساقط من (ى).\n(٣) هو: نافع المدني أبو عبد الله القرشي مولاهم، مولى ابن عمر وراويته، الإمام المثبت المفتي، عالم أهل المدينة، وأحد فقهائها، مات سنة ١١٧ هـ.\nانظر: \"تذكرة الحفاظ\" ١/ ٩٩، و\"سير أعلام النبلاء\" ٥/ ٩٥، و\"تقريب التهذيب\" ص ٥٥٩ (٧٠٨٦).\n(٤) رواه ابن جرير عن نافع بلفظ محمد - ﷺ - وأصحابه ١١/ ٦٣، والثعلبي ٦/ ١٦ ب، والبغوي ٤/ ١٠٩، ورواه ابن أبي حاتم ٦/ ١٩٠٦ عنه عن ابن عمر، ولفظه عندهم جميعًا: مع محمد - ﷺ - وأصحابه.\n(٥) رواه عنهما ابن جرير ١١/ ٦٣.","vol":"11","page":87},{"text":"و(مع) تقتضي المصاحبة، والمعنى على (١) أنهم أمروا بأن يكونوا مع النبي - ﷺ - في الشدة والرخاء، قاله أبو إسحاق (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1490>١٢٠ </span>- وقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ﴾ قال ابن عباس: (يعني مزينة وجهينة وأشجع وأسلم وغفار) (٣)، ﴿أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ﴾، قال: يريد لا يرضوا لأنفسهم بالخفض والدعة، ورسول الله - ﷺ - في الحر والمشقة (٤)، يحرضهم ويحضهم على الجهاد، يقال رغبت بنفسي عن هذا الأمر: أي ترفعت عنه\n_________\n(١) في (ح): (علم)، وسقطت الكلمة من (ى)، وما أثبته من (م) موافق لما في \"الوسيط\" ٢/ ٥٣٣ ونص العبارة في \"المصدر السابق\": (.. وكونوا مع الصادقين) على نسق الكلام يدل على أنهم أمروا ... إلخ.\nأقول: وقد ذكر الزجاج قولًا آخر في الآية فقال: (يجوز أن يكون ممن يصدق ولا يكذب في قول ولا فعل)، وذكر هذا القول أيضًا ابن جرير ١١/ ٦٣ تفسيرًا لقراءة ابن مسعود (وكونوا من الصادقين) لكنه لم يرتض هذا المعنى محتجًا بأنه مخالف للقراءة الموافقة لرسم المصحف، واحتجاجه هذا فيه نظر؛ لأن (مع) في لغة العرب للصحبة اللائقة، ولا تستلزم المخالطة والممازجة، بل تختلف باختلاف مصحوبها، فكون الله تعالى مع المتقين لون، وكون عقل الإنسان معه لون، وكون زوجته معه لون، وكون أميره معه لون .. وهكذا، فإذا علم هذا كان المعنى اللائق بقوله تعالى: ﴿وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ كونوا منهم؛ لأن الإنسان لا يمكن أن يكون مع مجموعة جمعهم الصدق إلا إذا كان صادقًا موافقًا لهم في الخصلة الي جمعتهم. والله أعلم.\nوانظر مبحث المعية في \" مختصر الصواعق المرسلة\" ٢/ ٢٦٥، و\"لسان العرب\" (معع) ٧/ ٤٢٣٤، و\"البحر المحيط\" ٥/ ١١١.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٧٥.\n(٣) انظر: \"زاد المسير\" ٣/ ٥١٥، و\"الوسيط\" ٢/ ٥٣٤.\n(٤) انظر المصدرين السابقين، نفس الموضع.","vol":"11","page":88},{"text":"وتركته (١)، وأنا أرغب بفلان عن هذا الأمر: أي أبخل به عليه (٢)، ولا أتركه له.\nوقال عطية العوفي: (ولا يرغبوا بأنفسهم عن الأمر الذي بذل له رسول الله - ﷺ - نفسه) (٣).\nوقال قطرب: (أي ليس لهم أن يكرهوا لأنفسهم ما يرضاه الرسول لنفسه) (٤).\nوقال الحسن: (لا يرغبون بأنفسهم أن يصيبهم من الشدائد مثل ما يصيب رسول الله - ﷺ -) (٥)، وهذه ألفاظ معناها متقارب.\nوقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ﴾ الإشارة ﴿ذَلِكَ﴾ تعود إلى ما تقدم من النهي عن التخلف، وقال: ذلك النهى لما يحصل من الأجر والثواب في مقاساة كلف السفر، وهو قوله: ﴿لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ﴾ وهو شدة العطش، يقال: ظمئ فلان يظمأ ظمأً (٦) على (فَعِلَ) إذا اشتد عطشه، وهو ظمئ وظمآن، ويجوز في المصدر: ظمأة وظماء، قال ابن عباس: (يريد عطشٌ في الطريق) (٧).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا نَصَبٌ﴾ النصب: الإعياء من العناء، يقال:\n_________\n(١) ساقط من (ح).\n(٢) ساقط من (م).\n(٣) لم أجده.\n(٤) لم أقف عليه، وقد ذكره الرازي ١٦/ ٢٢٣ - ٢٢٤ بلا نسبة.\n(٥) رواه الثعلبي ٦/ ١٦١ أ، والبغوي ٤/ ١٠٩.\n(٦) ساقص من (م).\n(٧) \"تنوير المقباس\" ص ٢٠٦.","vol":"11","page":89},{"text":"نصب ينصب، وأنصبني هذا الأمر، قال ابن عباس: (يريد التعب من شدة الحر) (١)، (ولا مخمصة) مضى الكلام فيها (٢)، قال ابن عباس: (يريد: مجاعة) (٣)، ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ في طاعة الله، ﴿وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ﴾، قال: يريد: (ولا يضع قدمه ولا حافر فرسه ولا خف بعيره) (٤)، وقال الحسن: (ولا يقفون موقفًا) (٥).\nوقوله تعالى: ﴿يَغِيظُ الْكُفَّارَ﴾، قال ابن الأعرابي: (يقال غاظه وغيظه وأغاظه بمعنى واحد) (٦)، أي أغضبه ﴿وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا﴾، قال ابن عباس والحسن (٧): (أسرًا وقتلًا وهزيمة، قليلًا ولا كثيرًا، إلا كان ذلك قربة لهم عند الله) (٨).\nقال العوفي: (وفي الآية من الفقه أن من قصد طاعة الله كان قيامه وقعوده ونصبه ومشيته وحركاته كلها حسنات مكتوبة له، وكذلك في المعصية، فما أعظم بركة الطاعة، وما أعظم شؤم المعصية) (٩).\n_________\n(١) المصدر السابق، نفس الموضع، مختصرًا.\n(٢) انظر: \"تفسير البسيط\" المائدة: ٣.\n(٣) رواه ابن جرير ٦/ ٨٥، وابن أبي حاتم ٦/ ١٩٠٨، وابن المنذر كما في \"الدر المنثور\" ٢/ ٤٥٨.\n(٤) لم أجده، وقد ذكر الرازي ١٦/ ٢٢٤ نحوه بلا نسبة.\n(٥) لم أجده.\n(٦) اهـ. كلام ابن الأعرابي، انظر: \"تهذيب اللغة\" (كاظ) ٣/ ٢٦٢٢، و\"لسان العرب\" (غيظ) ٦/ ٣٣٢٧.\n(٧) ساقط من (ح).\n(٨) رواه الفيروزأبادي في \"تنوير المقباس\" ص ٢٠٦، عن ابن عباس مختصرًا، ولم أجد من ذكره عن الحسن.\n(٩) ذكره المؤلف في \"الوسيط\" ٢/ ٥٣٤.","vol":"11","page":90},{"text":"وأما حكم هذه الآية فقال قتادة: هذه خاصة لرسول الله - ﷺ - إذا غزا بنفسه فليس لأحد أن يتخلف عنه إلا بعذر (١).\nوقال ابن زيد: (هذا حين كان المسلمون قليلًا، فلما كثروا نسخها الله بقوله: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ (٢).\nوقال عطية: (وما كان لهم أن يتخلفوا عن رسول الله إذا دعاهم وأمرهم) (٣)، وهذا هو الصحيح، أن تتعين الإجابة والطاعة لرسول الله - ﷺ - إذا أمر، وكذلك غيره من الولاة والأئمة إذا ندبوا وعينوا؛ لأنا لو سوغنا للمندوب أن يتقاعد لم يختص بذلك بعض دون بعض، ولأدى ذلك إلى تعطيل الجهاد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1491>١٢١ </span>- وقوله تعالى: ﴿وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً﴾ قال ابن عباس: يريد تمرة فما فوقها ولا أدنى منها (٤)، وروي عنه: ولو عِلاقة سوط (٥)، وروى جماعة من الصحابة عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"من غزا بنفسه وأنفق في وجهه ذلك فله بكل درهم سبعمائة ألف (٦) درهم\" (٧).\n_________\n(١) رواه الثعلبي ٦/ ١٦١ ب، والبغوي ٤/ ١١٠، وبنحوه ابن جرير ١١/ ٦٤، وابن أبي حاتم ٦/ ١٩٠٩.\n(٢) رواه ابن جرير ١١/ ٦٥، والثعلبي ٦/ ١٦١ ب، والبغوي ٤/ ١١٠.\n(٣) ذكره الرازي في \"تفسيره\" ١٦/ ٢٢٤.\n(٤) ذكره ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٣/ ٥١٥، والمؤلف في \"الوسيط\" ٢/ ٥٣٤، دون الجملة الأخيرة.\n(٥) لم أجده، وفي \"تنوير المقباس\" ص ٢٠٦: قليلة ولا كثيرة في الذهاب والمجيء.\n(٦) ساقط من (ى).\n(٧) رواه ابن ماجه (٢٧٦١) كتاب الجهاد، باب: فضل النفقة في سبيل الله، والثعلبي في \"تفسيره\" ٦/ ١٦٢ أ، وهو حديث ضعيف؛ لأن في سنده الخليل بن عبد الله وهو مجهول كما في \"تهذيب التهذيب\" ١/ ٥٥٤.","vol":"11","page":91},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا﴾، قال الليث: الوادي كل مَفْرج بين جبال وآكام وتلال يكون مسلكًا للسيل (١)، والجمع: الأودية، مثل: ناد وأندية (٢)، وقال ابن الأعرابي: يجمع الوادي أوداء على (أفعال) مثل صاحب وأصحاب (٣).\nقال ابن عباس: ولا يجاوزون واديًا في مسيرهم مقبلين أر مدبرين ﴿إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ﴾ يعني آثارهم وخطاهم (٤).\n﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ﴾ أي: بأحسن، ﴿مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، وهذا يدل على أن الجهاد من أحسن أعمال العباد.\nقال أكثر المفسرين: هذه الآية خاصة في صحبة النبي - ﷺ - والخروج معه (٥)، وقال الأوزاعى، وابن المبارك: هى لآخر هذه الأمة وأولها (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1492>١٢٢ </span>- وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ الآية، قال أبو إسحاق: هذا لفظ خبر فيه معنى أمر كقوله: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ (٧) [التوبة: ١١٣]، وقال صاحب النظم: هذا نفي معناه الحظر.\n_________\n(١) في (ح) و(ى): (للسبيل)، والمثبت موافق للمصدرين التاليين.\n(٢) \"تهذيب اللغة\" (ودي) ٤/ ٣٨٦٥، والنص في كتاب \"العين\" (ودى) ٨/ ٩٨ بنحوه.\n(٣) \"تهذيب اللغة\" (ودى) ٤/ ٣٨٦٥.\n(٤) ذكره المؤلف في \"الوسيط\" ٢/ ٥٣٤.\n(٥) هذا قول قتادة واعتمده ابن جرير وابن عطية والقرطبي وأبو حيان، انظر: \"تفسير ابن جرير\" ١١/ ٦٥ - ٦٦، وابن أبي حاتم ٦/ ١٩٠٩، وابن عطية ٧/ ٧٥ - ٧٦، والقرطبي ٨/ ٢٩٢، \"البحر المحيط\" ٥/ ١١٢.\n(٦) رواه عنهما ابن جرير ١١/ ٦٥، ٦٦، ٦٩، وابن أبي حاتم ٦/ ١٩٠٩.\n(٧) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٧٥.","vol":"11","page":92},{"text":"واختلفوا في سبب نزول هذه الآية؛ فالذي عليه الجمهور أنه لما عيب من تخلف عن غزوة تبوك قال المؤمنون: والله لا نتخلف عن غزوة يغزوها رسول الله - ﷺ -[ولا عن سرية أبدًا، فلما أمر رسول الله - ﷺ -] (١) [بالسرايا إلى العدو نفر المسلمون جميعًا إلى الغزو وتركوا رسول الله - ﷺ -] (٢) وحده بالمدينة، فأنزل الله تعالى هذه الآية، وهذا قول ابن عباس في رواية الكلبي (٣)، وقتادة (٤)، واختيار الفراء (٥)، والزجاج (٦)، وعلى هذا معنى الآية: ليس لهم أن يخرجوا جميعًا إلى الغزو.\nوقوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾ (لولا) إذا دخل على الفعل كان بمعنى التحضيض مثل (هلّا).\nقال صاحب النظم: وإنما جاز أن يكون (لولا) بمعنى (هلّا) كلمتان: (هل) وهو استفهام وعرض و(لا) وهو جحد، فـ (هلا) تنتظم معنيين الجحد وهو (لا) والعرض وهو (هل)، وذلك أنك إذا قلت للرجل [هل تأكل] (٧) هل تدخل؛ كأنك تعرض ذلك (٨) عليه، وإنما جمعوا بين (هل) و(لا) (٩)؛\n_________\n(١) ما بين المعقوفين ساقط من (ى).\n(٢) ما بين المعقوفين ساقط من (ح).\n(٣) انظر: \"تفسير الثعلبي\" ٦/ ١٦٢ أ، وابن الجوزي ٣/ ٥١٦، والبغوي ٤/ ١١١، \"أسباب النزول\" للمؤلف.\n(٤) انظر: \"تفسير ابن جرير\" ١١/ ٦٧ - ٦٨، وابن أبي حاتم ٦/ ١٩١٠.\n(٥) \"معاني القرآن\" ١/ ٤٥٤.\n(٦) \" معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٧٥.\n(٧) ما بين المعقوفين ساقط من (ح).\n(٨) ساقط من (م).\n(٩) في (ح): (ألا).","vol":"11","page":93},{"text":"لأنهم أرادوا أن (١) يخبروا بأنه لم يفعل ذلك (٢)، وكان يجب عليه أن يفعله، وكذلك (لولا)؛ لأن (لو) شبيهة المعنى بـ (هل)؛ لأنك إذا قلت: لو دخلت إليّ، ولو أكلت عندي، فمعناه أيضًا عرض (٣) وإخبار عن سرورك به لو فعل، فلذلك اشتبها في المعنى، وكذلك (لوما) بمنزلة (هلّا) (ولولا)؛ لأن (لا) و(ما) بمنزلة واحدة في النفي ومنه قوله: ﴿لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَة﴾ [الحجر: ٧]، ومعنى الآية: فهلا خرج إلى الغزو من كل قبيلة جماعة، ويبقى مع النبي - ﷺ - جماعة؛ لئلا يبقى وحده.\nوقوله تعالى: ﴿لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ قال ابن عباس: يريد: يتعلموا القرآن والسنن والحدود والفرائض (٤)، ويريد بالتفقه الفرقة القاعدين عن الغزو، ونظم الكلام يصح بإضمار واختصار كأنه قيل: فلو نفر من كل فرقة طائفة [وأقام طائفة] (٥) ليتفقهوا في الدين، فاقتصر من ذكر إحدى الطائفتين على الأخرى، ﴿وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ﴾ يعني النافرين إلى الغزو، ﴿إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ﴾، قال أبو إسحاق: المعنى أنهم إذا بقيت منهم بحضرة النبي - ﷺ - بقية فسمعوا منه علمًا (٦) أعلموا الذين نفروا ما علموا فاستووا في العلم (٧).\n_________\n(١) في (ح): (لآن).\n(٢) ساقط من (م).\n(٣) في (ى): (بعوض).\n(٤) ذكره بمعناه ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٣/ ٥١٧، والفيروزأبادي في \"تنوير المقباس\" ص ٢٠٦.\n(٥) ما بين المعقوفين ساقط من (م).\n(٦) في \"معاني القرآن وإعرابه\": وحيًا.\n(٧) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٧٥.","vol":"11","page":94},{"text":"قال المفسرون: إذا رجعت السرايا وقد نزل بعدهم قرآن وتعلمه القاعدون قالوا لهم إذا رجعوا: إن الله تعالى قد أنزل بعدكم على نبيكم قرآنًا، وقد تعلمناه فتتعلم السرايا ما أنزل الله على نبيهم بعدهم، فذلك قوله: ﴿وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ﴾ أي: وليعلموهم بالقرآن ويخوفوهم به، ﴿لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ ولا يعملون بخلافه، وهذا الذي ذكرنا معنى قول ابن عباس في رواية الوالبي (١)، وعطاء الخراساني عنه (٢).\nوقال الحسن: هذا التفقه والإنذار راجع إلى الفرقة النافرة (٣)، ومعنى الآية: ليتفقهوا: أي: ليتبصروا وليتيقنوا بما يريهم الله -﷿- من الظهور على المشركين، ونصرة الدين، ولينذروا قومهم من الكفار إذا رجعوا إليهم من الجهاد، فيخبروهم بنصرة الله النبي والمؤمنين [وأنهم لا يدان لهم بقتال النبي - ﷺ - والمؤمنين] (٤) ﴿لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ أن ينزل بهم ما نزل بغيرهم من الكفار.\nقال أبو إسحاق: وفي هذه الآية دليل على أن فرض الجهاد يجزئ فيه\n_________\n(١) رواه ابن جرير ٦٨/ ١١، وابن أبي حاتم ٦/ ١٩١٣، وابن المنذر وابن مردويه والبيهقي في \"المدخل\" كما في \"الدر المنثور\" ٣/ ٥٢١.\n(٢) رواه ابن أبي حاتم ٦/ ١٩١٣، وابن مردويه وأبو داود في \"ناسخه\" كما في \"الدر المنثور\" ٣/ ٥٢١.\n(٣) هذا معنى قول الحسن.\nانظر: \"تفسير ابن جرير\" ١١/ ٦٩ - ٧٠، و\"ابن أبي حاتم\" ٦/ ١٩١٣، و\"الصنعاني\" ١/ ٢/ ٢٩١، وقد ذكره بنحو ما ذكره المؤلف، \"الثعلبي\" ٦/ ١٦٢/ ب، و\"البغوي\" ٤/ ١١١.\n(٤) ما بِن المعقوفين ساقط من (ح).","vol":"11","page":95},{"text":"الجماعة [عن الجماعة (١)] (٢).\n[قال أبو عبيد (٣)] (٤): لولا هذه الآية لكان الجهاد حتمًا واجبًا (٥) على كل مؤمن في خاصة نفسه وماله، كسائر الفرائض، ولكن هذه الآية جعلت للناس الرخصة في قيام بعضهم بذلك عن بعض (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1493>١٢٣ </span>- قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ﴾ يريد: الذين يقربون منكم، قال ابن عباس: أمر الله المؤمنين أن يقاتلوا الأدنى فالأدنى (٧) من عدوهم من المدينة مثل قريظة النضير وخيبر وفدك (٨)، وقال في رواية عطاء: يريد الشام من الروم والعرب الكفار، وذلك أن الشام كانت أقرب إلى المدينة من العراق (٩).\nوقيل: إن النبي - ﷺ - كان ربما تخطى في حربه الذين يلونه من الأعداء ليكون أهيب له، فأمر بقتال من يليه (١٠)، وهذا دليل أنه إنما\n_________\n(١) \" معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٧٥.\n(٢) ما بين المعقوفين ساقط من (ح) وفي (ى): عن الجهاد، والمثبت موافق لـ\"معاني القرآن وإعرابه\".\n(٣) في (م): (أبو عبيدة).\n(٤) ما بين المعقوفين ساقط من (ى).\n(٥) من (م).\n(٦) لم أجده في كتاب \"الأموال\"، وكتاب \"غريب الحديث\" لأبي عبيد، ولا في \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة، ولم تذكره المصادر التي بين يدي.\n(٧) ساقط من (ى).\n(٨) رواه مختصرًا الثعلبي ٦/ ١٦٣ ب، والبغوي ٤/ ١١٣، ونحوه في \"تنوير المقباس\" ص ٢٠٧.\n(٩) ذكره بنحوه الثعلبي ٦/ ١٦٣ ب، والبغوي ٤/ ١١٤ دون تعيين القائل.\n(١٠) انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٧٦.","vol":"11","page":96},{"text":"ينبغي أن يقاتل أهل كل ثغر الذين يلونهم، وفيه فوائد: خفة المؤنة على بيت المال بقرب الطريق، وأن كل طائفة من المسلمين أهدى إلى مكايد من يليهم وإلى عوراتهم؛ ولأن المسلمين إذا تباعدوا وخلفوا بالقرب منهم طائفة من المشركين لم يأمنوا أن يهجموا على ذراريهم فتوجل لذلك قلوب الغزاة.\nقوله تعالى: ﴿وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً﴾، قال الزجاج: فيها ثلاث لغات: فتح الغين وضمها وكسرها (١)، قال ابن عباس: يريد شجاعة (٢)، وقال مجاهد: شدة (٣)، وقال الحسن: صبرًا منكم على الجهاد (٤)، وقال الضحاك: عنفًا (٥).\nوقال أهل المعاني: الغلظة ضد الرقة وهي الشدة في إحلال النقمة، وذلك أدل على البصيرة في الإيمان، وأزجر عن الكفر باللهِ، وأهيب لأعداء الله، وهذا مثل قوله تعالى: ﴿وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التحريم: ٩]، وقوله تعالى في صفة الصحابة: ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ﴾ [الفتح:]، وقوله: ﴿أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة:٥٤].\nويخرج الكلام في هذه الآية على الأمر بالوجود، وإنما هو بالغلظة كانه قيل: اغلظوا عليهم بحيث يجدون ذلك.\nوقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾، قال أبو إسحاق: أي أن\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤٧٦ بمعناه\n(٢) ذكره ابن الجوزي في \"تفسيره\" ٣/ ٥١٨، والمؤلف في \"الوسيط\" ٢/ ٥٣٥.\n(٣) انظر: المصدرين السابقين، نفر الموضع.\n(٤) رواه الثعلبي ٦/ ١٦٣ ب، والبغوي ٤/ ١١٤.\n(٥) رواه الثعلبي، الموضع السابق.","vol":"11","page":97},{"text":"الله ناصر من أَمَرَهُ بالحرب (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1494>١٢٤ </span>- قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ﴾ (ما) صلة مؤكدة، ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ﴾ يعني من المنافقين، قاله جميع أهل التفسير (٢).\n﴿أَيُّكُمْ زَادَتْهُ﴾ هذه السورة ﴿إِيمَانًا﴾ يقوله المنافقون بعضهم لبعض هزؤًا، فقال الله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾، قال ابن عباس: يريد: تصديقًا ويقينًا وقربة من الله (٣).\nومعنى الزيادة ضم الشيء إلى غيره بما يشاركه في صفته، فالمؤمنون إذا أقروا بالسورة عن ثقة ازدادوا تصديقًا إلى ما كانوا عليه من التصديق، وفي هذا دليل على زيادة الإيمان.\nوقوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ أي: يفرحون بنزول السورة، قاله ابن عباس في رواية الضحاك (٤)، وقال في رواية عطاء: يستبشرون بالنعيم الدائم والرضوان الكبير (٥)، ومعنى الاستبشار: استدعاء البشارة بتذكر ما فيه النعمة، كأن المؤمنين (٦) يتذكرون ما بشروا به من النعيم فيفرحون به.\nوقال ابن كيسان في هذه الآية: كلما نزلت سورة كانت بينة لهم\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٧٦.\n(٢) انظر: \"تفسير ابن جرير\" ١١/ ٧٢، والثعلبي ٦/ ١٦٣ ب، والبغوي ٤/ ١١٤، وابن الجوزي ٣/ ٥١٨، \"الدر المنثور\" ٣/ ٥٢٣.\n(٣) ذكره المؤلف في \"الوسيط\" ٢/ ٥٣٥، ورواه ابن أبي حاتم ٦/ ١٩١٥، مختصرًا من رواية الوالبي.\n(٤) رواه بمعناه ابن جرير ١١/ ٧٢، وابن أبي حاتم ٦/ ١٩١٥، من رواية العوفي، وكذلك الفيروزأبادي في \"تنوير المقباس\" ص ٢٠٧ من رواية الكلبي.\n(٥) لم أقف عليه.\n(٦) في (ح) و(ى): (كان المؤمنون).","vol":"11","page":98},{"text":"وحجة ازدادوا إخلاصًا ويقينًا (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1495>١٢٥ </span>- وقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾، قال المفسرون: شك ونفاق (٢)، وسمي الشك في الدين مرضًا؛ لأنه فساد في القلب يحتاج إلى علاج كالفساد في البدن.\nوقوله تعالى: ﴿فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾، قال الحسن والأكثرون: زادتهم كفرًا إلى كفرهم (٣)، قال أبو إسحاق: لأنهم كلما كفروا بسورة ازداد كفرهم (٤)، وقال عطاء ومقاتل: أي إثمًا وعذابًا إلى ما أعد لهم من الخزي والعذاب (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1496>١٢٦ </span>- قوله تعالى: ﴿أَوَلَا يَرَوْنَ﴾ الآية، هذه واو العطف دخل عليها ألف الاستفهام فهو متصل بذكر المنافقين وفي ﴿يَرَوْنَ﴾ قراءتان الياء والتاء (٦)، فمن قرأ بالتاء فهو خطاب للمؤمنين على معنى التنبيه، وقال سيبويه عن الخليل في قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾\n_________\n(١) لم أجده.\n(٢) انظر: \"تفسير ابن جرير\" ١١/ ٧٣، وابن أبي حاتم ٦/ ١٩١٠، والثعلبي ٦/ ١٦٤ أ، والبغوي ٤/ ١١٤.\n(٣) انظر: \" تأويل مشكل القرآن\" ص ٤٧١، \"تفسير الطبري\" ١١/ ٧٣، والسمرقندي ٢/ ٨٤، والثعلبي ٦/ ١٦٤ أ، والبغوي ٤/ ١١٤، ولم أجد من ذكره عن الحسن.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٧٦.\n(٥) انظر: قول مقاتل في \"تفسيره\" ص ١٣٧/ أ، والثعلبي ٦/ ١٦٤/ أ، والماوردي ٢/ ٤١٦، وابن الجوزي ٣/ ٥١٩ مختصرًا، ولم أجد من ذكره عن عطاء.\n(٦) قرأ حمزة ويعقوب بالتاء، وقرأ الباقون بالياء.\nانظر: \"الغاية في القراءات العشر\" ١٦٨٩، \"إرشاد المبتدي\" ص ٣٥٧، \"تقريب الشر\" ص ١٢١.","vol":"11","page":99},{"text":"[الحج:٦٣]، المعنى: انتبه! أنزل الله من السماء ماءً، فكان كذا وكذا (١)، والمعنى في هذه الآية: أن المؤمنين نُبِّهوا على إعراض المنافقين عن النظر والتدبر لما ينبغي أن ينظروا فيه (٢) ويتدبروه.\nومن قرأ بالياء فمعناه التقريع بالإعراض عن التوبة للمنافقين من غير أن يُصرف التنبيه إلى المسلمين (٣) في الخطاب؛ لأن المسلمين قد عرفوا ذلك من أمرهم.\nوالرؤية على ما ذكرنا بمعنى العلم، ويجوز أن تكون من رؤية العين المتعدية إلى مفعولين وسدَّ (أن) مسدهما، وهذا الوجه أولى؛ لأن معنى الآية أنهم يُستبطؤون (٤) على مشاهدة ما يفتتنون (٥) به في الاعتبار والإقلاع عما هم عليه من النفاق، وهذا أبلغ في هذا الباب؛ ألا ترى أن تارك الاستدلال أعذر من المضرب عما يحس ويشاهد.\nوقوله تعالى: ﴿أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ﴾، قال ابن عباس في رواية عطاء: يمتحنون بالمرض في كل عام مرة أو مرتين (٦).\n_________\n(١) \"كتاب سيبويه\" ٣/ ٤٠بنحوه، وذكره أبو علي الفارسي في \"الحجة\" ٤/ ٢٣٢ بلفظ المؤلف.\n(٢) ساقط من (ح).\n(٣) في (ى): (المؤمنين).\n(٤) في (ى): (يستبطنون)، والصواب: ما أثبته وهو موافق لما في \"الحجة للقراء السبعة\" ٤/ ٢٣٣، الذي نُقل منه النص.\n(٥) في (م): (يفتنون).\n(٦) ذكره الرازي في \"تفسيره\" ١٦/ ٢٣٣، ورواه بمعناه مختصرًا بن أبي حاتم ٦/ ١٩١٥ من رواية الضحاك.","vol":"11","page":100},{"text":"﴿ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ﴾ من النفاق، ولا يتعظون بذلك المرض، كما يتعظ المؤمن إذا مرض ذكر ذنوبه وموقفه بين يدي الله، فيزيده ذلك إيمانًا وخوفًا من الله، وازداد الله له رحمة ورضوانًا.\nوهذا قول عطية قال: يفتنون بالأمراض والأوجاع وهن روائد الموت (١)، وهذا اختيار أبي علي قال: إنهم يمتحنون بالأمراض والأسباب التي لا يؤمن معها الموت، فلا يرتدعون عن كفرهم، ولا ينزجرون عما هم عليه من النفاق، ولا يُقَدِّمون عملًا صالحًا يقدمون عليه إذا ماتوا (٢).\nوقال مجاهد: يفتنون بالقحط والجوع (٣).\nوقال قتادة: بالغزو والجهاد (٤)؛ وذلك أنهم كانوا إذا نقضوا العهد بعث إليهم رسول الله - ﷺ - بالسرايا فيقتلونهم (٥)، وكل هذا من أسباب\n_________\n(١) رواه الثعلبي ٦/ ١٦٤ ب.\n(٢) \"الحجة\" للقراء السبعة ٤/ ٢٣٢.\n(٣) رواه ابن جرير ١١/ ٧٣، ٧٤، وابن أبي حاتم ٤/ ١١٣ ب، والثعلبي ٦/ ١٦٤ ب، والبغوي ٤/ ١١٥.\n(٤) المصادر السابقة، نفس الموضع.\n(٥) ليس للمنافقين عهد حتى ينقضوه، وليسوا من أهل الحرب حتى يبعث إليهم النبي - ﷺ - بالسرايا، بل ظاهرهم الإسلام والولاء والطاعة، ولذا تعليل المؤلف قول قتادة بما ذكره فيه نظر، بل قول قتادة يحتمل أحد ثلاثة أمور:\nأ- أنهم يفتنون بالغزو والجهاد فيتخلفون بغير عذر فيظهر نفاقهم.\nب- أنهم يفتنون بالغزو والجهاد فيخرجون ويتعرضون للقتل قبل التوبة والإيمان الصحيح.\nج- أنهم يبتلون بالغزو والجهاد فيرون تصديق ما وعد الله - ﷺ - رسوله من النصر والظفر، وهذا معنى قول الحسن البصري كما في \"تفسير الثعلبي\" ٦/ ١٦٤ ب، بل نسبه القرطبي ٨/ ٢٩٩ إلى قتادة نفسه.","vol":"11","page":101},{"text":"الموت التي يجب أن يتعظوا ويعتبروا بها.\nوقال مقاتل (١): يفضحون بإظهار نفاقهم، وهذا اختيار ابن الأنباري؛ قال: إنهم كانوا يجتمعون على ذكر رسول الله - ﷺ - بالطعن عليه، وكان جبريل يخبره بذلك فيوبخهم ويعظهم، فلا يتعظون ولا يرجعون عن ذلك (٢).\nقال أهل المعاني: وهذه الآية بيان عما يوجبه تقلب الأحوال مرة بعد مرة من تذكر العبرة التي تدعو إلى إخلاص الطاعة والتوبة من كل خطيئة لشدة الحاجة إلى من يكشف البلية ويسبغ النعمة (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1497>١٢٧ </span>- قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ﴾ الآية، قال ابن عباس: كان إذا نزلت سورة فيها عيب المنافقين، وخَطَبَهم رسول الله - ﷺ - فعرض بهم في خطبته شق ذلك عليهم، فنظر بعضهم إلى بعض، يريدون الهرب من عند رسول الله - ﷺ -، ﴿هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ﴾ إن (٤) قمتم (٥)، فإن لم يرهم أحد خرجوا من المسجد، وإن علموا أن أحدًا يراهم ثبتوا مكانهم حتى يفرغ من خطبته، ﴿ثُمَّ انْصَرَفُوا﴾ من (٦) الإيمان (٧)، فعلى هذا قوله:\n_________\n(١) هو ابن حيان، انظر قوله في \"تفسير الثعلبي\" ٦/ ١٦٤ ب، والبغوي ٤/ ١١٥، وابن الجوزي ٣/ ٥١٩.\n(٢) ذكر هذا القول الرازي في \"تفسيره\" ١٦/ ٢٣٣ دون تعيين القائل.\n(٣) لم أقف عليه.\n(٤) ساقط من (ح).\n(٥) في (م) و(ى): أقمتم، وما أثبته من (ح) أليق بالسياق وهو موافق لما في المصادر.\n(٦) هكذا في جميع النسخ، ولم يذكر المؤلف هذه الجملة في \"الوسيط\"، وفي \"تفسير الثعلبي\"، والبغوي وابن الجوزي: (عن الإيمان)، وبهذا اللفظ سيذكره المؤلف بعد عدة أسطر.\n(٧) ذكره المؤلف في \"الوسيط\" ٢/ ٥٣٥، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٣/ ٥٢٠، كما ذكره من غير نسبة الثعلبي ٦/ ١٦٥ أ، والبغوي ٤/ ١١٥ بنحوه.","vol":"11","page":102},{"text":"﴿نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ﴾ فيه إضمار أي: نظر بعضهم إلى بعض [وقال هل يراكم من أحد.\nوقال الأخفش: معنى ﴿نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾] (١) [قال بعضهم لبعض] (٢)؛ لأن نظرهم في هذا المكان كان (٣) قولًا (٤). فعلى هذا لا يحتاج إلى إضمار؛ لأن نظرهم قام مقام قولهم: ﴿هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ﴾ في المفهوم، وذلك أنه لما جرت عادتهم بأنهم إذا نظر بعضهم إلى بعض أرادوا هذا المعنى صار كأنهم تلفظوا به.\nوقوله تعالى: ﴿هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ﴾ إن أضمرنا (٥) القول في الآية كان هذا ملفوظًا به، وإن جعلنا النظر بمعنى القول لم يكن ملفوظًا به، وعرف ذلك بدلالة الحال.\nوالمعنى: هل يراكم من أحد إن خرجتم، على ما ذكرنا وفيه حذف، ويصح المعنى من غير حذف وهو أن المعنى هل يراكم أحد (٦) من المؤمنين أنكم هاهنا، يقولون ذلك استسرارًا وتحرزًا أن يُعلم بهم مخافة القتل، وهذا معنى قول الضحاك (٧)، والزجاج (٨).\n_________\n(١) ما بين المعقوفين ساقط من (م).\n(٢) ما بين المعقوفين ساقط من (ى).\n(٣) ساقط من (ى).\n(٤) كتاب \"معاني القرآن\" للأخفش ١/ ٣٦٨، وعبارته: لأن نظرهم في هذا المكان كان إيماء أو شبيهًا به.\n(٥) ساقط من (م).\n(٦) رواه الثعلبي ٦/ ١٦٥ أ.\n(٧) رواه الثعلبي ٦/ ١١٦٥.\n(٨) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٧٧.","vol":"11","page":103},{"text":"وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ انْصَرَفُوا﴾ ذكرنا فيه قول ابن عباس: إن المعنى: ثم انصرفوا عن الإيمان به، ونحوه قال مقاتل (١).\nوقال الحسن: ثم انصرفوا على عزم الكفر والتكذيب بمحمد - ﷺ - وما جاء به (٢).\nقال الزجاج: جائز أن يكونوا ينصرفون عن العمل بشيء بما يسمعون (٣).\nوهذا كما (٤) حكينا عن المفسرين، قال: وجائز أن يكونوا ينصرفون عن المكان الذي استمعوا فيه (٥)، وعلى هذا لا إضمار؛ لأن المعنى أنهم ينظرون (٦) بعضهم إلى بعض ثم ينصرفون.\nوقوله تعالى: ﴿صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾، قال ابن عباس: عن كل رُشْد وخير وهدى (٧).\nوقال الحسن: صرف الله قلوبهم فطبع عليها بكفرهم ونفاقهم (٨)،\n_________\n(١) انظر: \"تفسيره\" ١٣٧ أ.\n(٢) ذكره ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٣/ ٥٢٥، والمؤلف في \"الوسيط\" ٢/ ٥٣٥، وبمعناه مختصرًا هود بن محكم في \"تفسيره\" ٢/ ١٤٨.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٧٧.\n(٤) ساقط من (ى).\n(٥) المصدر السابق، نفس الموضع.\n(٦) كذا في جميع النسخ، وقد جرى المؤلف على لغة لبعض العرب غير مشهورة، وجمهور العرب يوجبون توحيد فعل الفاعل مع جمعه كحالته مع الإفراد والتثنية. انظر: \"أوضح المسالك\" ١/ ٣٤٥.\n(٧) ذكره الرازي في \"تفسيره\" ١٦/ ٢٣٤، وأبو حيان في \"البحر المحيط\" ٥/ ١١٧، ورواه بمعناه الفيروزأبادي في \"تنوير المقباس\" ص ٢٠٧.\n(٨) ذكره الرازي في \"تفسيره\" ١٦/ ٢٣٤، وأبو حيان في \"البحر المحيط\" ٥/ ١١٧.","vol":"11","page":104},{"text":"﴿بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ﴾ عن الله دينه وما دعاهم إليه.\nوقال الزجاج: أي أضلهم الله مجازاةً على فعلهم (١)، وهذا معنى قول الحسن (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1498>١٢٨ </span>- قوله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾، قال ابن عباس: يريد: محمدًا - ﷺ -، وليس في العرب قبيلة إلا وقد ولدت النبي - ﷺ - مُضَريُّها (٣) وربعيها (٤) ويمانيها (٥) (٦)، وقال السدي: من المحرب من بني إسماعيل (٧).\nقال الزجاج: أي: هو بشر مثلكم فهو أوكد للحجة عليكم؛ لأنكم تفهمون ممن هو مثلكم (٨)، وذكرنا الكلام في هذا مستقصى في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٤].\n_________\n(١) معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٧٧.\n(٢) يعني السابق.\n(٣) نسبة إلى مضر بن نزار بن معد بن عدنان، وهو جد جاهلي تنتسب إليه كثير من القبائل العدنانية.\nانظر: \"سيرة ابن هشام\" ١/ ١.\n(٤) هكذا في جميع النسخ، وفي مصادر التخريج عدا \"تفسير الثعلبي\": ربيعيها، وفي \"تفسير الثعلبي\": ربيعتها، وهو يعني القبائل المنسوبة إلى ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان. انظر: \"سيرة ابن هشام\" ١/ ٩.\n(٥) يعني القبائل القحطانية.\n(٦) رواه الثعلبي ٦/ ١٦٥ أ، وعبد بن حميد والحارث بن أبي أسامة في \"مسنده\"، وابن المنذر وابن مردويه وأبو نعيم في \"دلائل النبوة\"، وابن عساكر، كما في \" الدر المنثور\" ٣/ ٥٢٤، ورواه البغوي في \"تفسيره\" ٤/ ١١٥ مختصرًا.\n(٧) رواه الثعلبي ٦/ ١٦٥ أ، والبغوي ٤/ ١١٥.\n(٨) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٧٧.","vol":"11","page":105},{"text":"قوله تعالى: ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ﴾، قال ابن عباس: يريد: يعز عليه مشقتكم وكل مضرة تصيبكم (١).\nوقال أهل المعاني: معنى: ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ﴾ شديد عليه بامتناعه من إمكان زواله (٢) (٣)، ﴿مَا عَنِتُّمْ﴾ ما يلحقكم من الضرر، ومعنى عزّ عليّ كذا: أي اشتد (٤) عليّ بامتناعه (٥) من إزالته (٦)، ويقال: عَنَتَ الرجل يعنت عنتًا: إذا وقع في مشقة شديدة، أو أذى لا يهتدى للمخرج منه، وأعنته غيره إعناتًا، وقد سبق الكلام في هذا في مواضع (٧).\nوقال الزجاج: معناه: عزيز عليه عنتكم، وهو لقاء الشدة والمشقة (٨).\nوقال الفراء: (ما) في موضع رفع، معناه: عزيز عليه عنتكم (٩)،\nوقوله تعالى: ﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ﴾ قال أبو إسحاق: أي: حريص على إيمانكم (١٠)، وهو قول الكلبي (١١)، فعلى هذا هو من باب حذف\n_________\n(١) رواه بنحوه ابن أبي حاتم ٦/ ١٩١٧، وأبو الشيخ كما في \"الدر المنثور\" ٣/ ٥٢٩.\n(٢) المعنى: شديد عليه لكونه ممتنعًا من إمكانية الإزالة.\n(٣) انظر: \"معاني القرآن الكريم\" للنحاس ٣/ ٢٧١ مختصرًا.\n(٤) في (م): (استغز).\n(٥) في (م): (من امتناعه).\n(٦) في \"مختار الصحاح\" (عزر)، \"لسان العرب\" (عزز): عز عليّ ذلك: أي حقَّ واشتد.\n(٧) انظر مثلًا: تفسير آية ١٢٥ من سورة النساء.\n(٨) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٧٧ بنحوه.\n(٩) \"معاني القرآن\" ١/ ٤٥٦.\n(١٠) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٤٧٧.\n(١١) ذكره السمرقندي في \"تفسيره\" ٢/ ٨٥، ورواه الفيروزأبادي في عنه، عن ابن عباس في \"تنوير المقباس\" ص ٢٠٧.","vol":"11","page":106},{"text":"المضاف. وقال الحسن: حريص عليكم أن تؤمنوا (١).\nوقال الفراء: الحريص الشحيح بأن تدخلوا النار (٢)، والمعنى على هذا: شحيح عليكم أن تدخلوا النار، والحرص على الشيء: الشح عليه أن يضيع ويهلك، وتم الكلام هاهنا، ثم استأنف فقال: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾، قال عطاء، عن ابن عباس: سماه الله تعالى باسمين من أسمائه (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1499>١٢٩ </span>- قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾، قال ابن عباس: يريد: المشركين والمنافقين والكفار (٤).\nوقال الكلبي: أعرضوا عن الإيمان وعنك يا محمد فلم يؤمنوا بك (٥).\nوقال الحسن: تولوا عن طاعة (٦)، ﴿فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ﴾ أي: الذي يكفيني الله -﷿-، ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾، قال النحويون: موضع هذه الجملة نصب؛ لأنه في موضع الحال بتقدير: حسبي الله مستحقًّا لإخلاص العبادة، والإقرار بأن لا إله إلا هو (٧).\n_________\n(١) ذكره الماوردي في \"النكت والعيون\" ٢/ ٤١٨، وابن الجوزي في \"الزاد\" ٣/ ٥٢١.\n(٢) \"معاني القرآن\" ١/ ٤٥٦.\n(٣) ذكره ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٣/ ٥٢١، والرازي في \"تفسيره\" ١٦/ ٢٣٧، والمؤلف في \"الوسيط\" ٢/ ٥٣٦.\n(٤) رواه مختصرًا ابن جرير ٧٨/ ١١، وابن أبي حاتم ٦/ ١٩١٩، وابن المنذر وأبو الشيخ كما في \"الدر المنثور\" ٣/ ٥٢٩.\n(٥) \"تنوير المقباس\" ٢٠٧ بنحوه، عن الكلبي، عن ابن عباس.\n(٦) ذكره الماوردي في \"النكت والعيون\" ٢/ ٤١٩، ولفظه: عن طاعة الله.\n(٧) انظر: \"إعراب القرآن وبيانه\" ٤/ ١٩٩، \"الجداول في إعراب القرآن\" ٦/ ٦٩.","vol":"11","page":107},{"text":"﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾، قال أهل المعاني: إنه رب كل شيء، وخص العرش بالذكر؛ لأنه لما ذكر الأعظم دخل فيه الأصغر (١)، ويجوز أن يكون التخصيص تشريفًا للعرش وتفخيمًا لشأنه.\n_________\n(١) انظر: \"زاد المسير\" ٣/ ٥٢٢، \"تفسير القرطبي\" ٨/ ٣٠٢. ولم أجده في كتب أهل المعاني.","vol":"11","page":108},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1500>سورة يونس</span>","vol":"11","page":109},{"text":"سورة يونس -﵇-\nبسم لله الرحمن الرحيم\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1501>١ </span>- ﴿الر﴾ قال عطاء، عن ابن عباس: يريد: أنا الله الرحمن (١)، وعنه أيضًا: أنا الله أرى (٢)، وهو قول الضحاك (٣).\nوقال قتادة: (الر) اسم من أسماء القرآن (٤)، وقال أبو روق (٥): ﴿الر﴾ فاتحة السورة (٦)، وعلى هذا هي صلة وابتداء واستفتاح للكلام (٧)،\n_________\n(١) ذكره ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٤/ ٦٤، والمؤلف في \"الوسيط\" ٢/ ٥٣٧، ومكي بن أبي طالب في \"تفسير المشكل من غريب القرآن\" ص ١٠١، وبنحوه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٦/ ١٩٢١ من رواية عكرمة عنه، ولفظه: (الر) حروف الرحمن مفرقة، ورواه ابن جرير ١١/ ٧٩ بلفظ: (الر) و(حم) و(ن) حروف الرحمن مفرقة.\n(٢) رواه ابن جرير ١١/ ٧٩، وابن أبي حاتم ٦/ ١٩٢١، والنحاس في \"معاني القرآن الكريم\" ٣/ ٢٧٥، والبيهقي في كتاب \"الأسماء والصفات\" باب: ما جاء في حروف المقطعات في فواتح السور ١/ ٢٣٢، والثعلبي ٧/ ٣ أ، والبغوي ٤/ ١١٩، وغيرهم. انظر: \"الدر المنثور\" ٣/ ٥٣٤، والأثر ضعيف؛ لأن في سنده شريك، وهو صدوق يخطئ كثيرًا، وفيه عطاء بن السائب وهو صدوق اختلط.\n(٣) رواه ابن جرير ١١/ ٧٩، وابن أبي حاتم ٦/ ١٩٢١، والثعلبي ٧/ ٣ أ، والبغوي ٤/ ١١٩.\n(٤) رواه ابن جرير ١١/ ٧٩، وابن أبي حاتم ٦/ ١٩٢١، والثعلبي ٧/ ٣ أ.\n(٥) هو: عطية بن الحارث الهمداني.\n(٦) رواه الثعلبي ٧/ ٣ أ.\n(٧) في (م): (الكلام).","vol":"11","page":111},{"text":"والمعنى: كأنه ابتدأ فقال: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ﴾.\nوقال أبو عبيدة: الله أعلم بما أراد بهذه الحروف (١) (٢).\nوقرأ القراء الراءَ بالإمالة في ﴿الر﴾ وتركها (٣)، فمن ترك الإمالة فلأن كثيرًا من العرب لا تميل ما يجوز فيه الإمالة عند غيرهم، والأصل ترك الإمالة في هذه الحروف، نحو: (ما)، و(ولا)؛ لأن ألفاتها لا تكون منقلبة عن الياء، وأما من أمال فلأن هذه الحروف أسماء لما (٤) يلفظ به من\n_________\n(١) في \"مجاز القرآن\" ١/ ٢٧: (الم) افتتاح، مبتدأ كلام، شعار للسورة، ولم أجد من ذكره بلفظ المؤلف.\n(٢) ذهب كثير من المحققين إلى أن الحروف المقطعة ذكرت في أوائل بعض السور بيانًا لإعجاز القرآن، وأن الخلق عاجزون عن معارضته بمثله، مع أنه مركب من هذه الحروف المقطعة التي يتخاطبون بها، وقد قرر هذا القول الزمخشري في \"كشافه\" ١/ ٩٥ - ٩٨، ونسبه الرازي في \"تفسيره\" ١/ ٦ إلى المبرد والمحققين، وحكاه القرطبي في \"تفسيره\" ١/ ١٥٥، عن الفراء وقطرب، وذهب إليه ابن كثير وشيخ الإسلام ابن تيمية والحافظ المزي، انظر: \"تفسير ابن كثير\" ١/ ٣٨.\nوالذي أختاره هو الرأي القائل بان هذه الحروف مما استأثر الله بعلمه فلا يصل أحد إلى معرفة المراد منها حيث لم يصح عن الرسول - ﷺ - بيان المراد منها، ولم يجمع العلماء فيها على شيء معين، وليس مع أحد المختلفين حجة قاطعة، فالوقف في مثل هذه الحالة أسلم حتى يتبين الحق في هذا المقام. أما وصف القرآن بأنه هدى وتبيان فلا يبطله أن تجيء في أوائل بعض سوره مثل هذه الحروف؛ إذ لا تعلق لها بتكليف ولا خبر، وقد يكون ورودها تنبيهًا على القدرة التامة في جانب الرب، والقصور في جانب العبد، كأسرار الله في الكون والتكاليف. والله أعلم.\n(٣) قرأ ابن كثير وأبو جعفر وقالون ويعقوب وحفص بالفتح، وقرأ ورش بين اللفظين، وقرأ الباقون بالإمالة. انظر: \"التيسير في القراءات السبع\" ص١٢٠، \"تحبير التيسير\" ص١٢١، \"إتحاف فضلاء البشر\" ص ٢٤٦.\n(٤) في (ح): (لا)، وهو خطأ.","vol":"11","page":112},{"text":"الأصوات المقطعة في مخارج الحروف، فجازت الإمالة فيها من حيث (١) كانت أسماء (٢) ولم تكن الحروف التي تمتنع فيها (٣) الإمالة (٤)، نحو: (ما) (٥) و(لا) وما أشبههما، فقصد بإمالة هذه الحروف -التي هي أسماء للأصوات- الإعلام بأنها أسماء (٦) ليست بحروف.\nوفإن قلت: فإن الأسماء لا تكون على حرفين أحدهما حرف لين، وإنما تكون على هذه الصفة الحروف نحو: (لا) و(ما)، فالقول: إن هذه الأسماء لم تمتنع أن تكون على حرفين أحدهما حرف لين؛ لأن التنوين لا يلحقها، فيؤمن لامتناع التنوين من اللحاق لها أن تبقى على حرف واحد، وإذا أمن ذلك لم يمتنع أن يكون الاسم على حرفين أحدهما حرف لين ألا ترى أنهم قالوا: هذه شاة (٧)، فجاء على حرفين، أحدهما حرف لين لما أمن لحاق التنوين له لاتصال علامة التأنيث به، وكذلك قوله: رأيت رجلًا ذا مال؛ لاتصال المضاف إليه به، وكذلك قولهم: كسرت فا زيدٍ.\nومثل شاة في كونها على حرفين أحدهما حرف لين لما دخلت (٨) عليه\n_________\n(١) ساقط من (ى).\n(٢) في (ى): (الأسماء).\n(٣) ساقط من (ى).\n(٤) في (ى): (إلي).\n(٥) ساقط من (ى).\n(٦) ساقط من (ى).\n(٧) في \"لسان العرب\": (شوه) والشاة: أصلها شاهية فحذفت الهاء الأصلية، وأثبتت هاء العلامة التي تنقلب تاء في الإدراج.\n(٨) في (م): (دخل).","vol":"11","page":113},{"text":"علامة التأنيث قولهم في الباءة: باه، كأنه أراد: الباءة (١)، فأبدل من الهمزة الألف كما أبدلها في قوله (٢):\n... لا هَنَاكِ المَرْتَعُ\nفاجتمع ألفان فحذف أحدهما لالتقاء الساكنين فبقي الاسم على حرفين أحدهما حرف لين، أنشد اليزيدي (٣):\nفياشرَّ مُلْكٍ ملْكِ قيس بن عاصم ... على أن قيسًا لم يطأ باه مَحْرَم (٤)\n_________\n(١) الباءة: النكاح والتزوج، وفيه لغات: الباهُ والباءُ والباءة والباهة. انظر: \"مجمل اللغة\" (بوأ) ١/ ١٣٨، \"لسان العرب\" (بهه) ١/ ٣٨٠، \"النهاية في غريب الحديث والأثر\" (بوأ) ١/ ١٦٠.\n(٢) هو الفرزدق، وتمام البيت كما في \"ديوانه\" ١/ ٤٠٨:\nومضت لمسلمة الركاب مودعًا ... فارعي فزارة لا هناك المرتع\nوالبيت منسوب للفرزدق أيضًا في: \"شرح أبيات سيبويه\" ٢/ ٢٩٤، و\"طبقات فحول الشعراء\" ٢/ ٣٤٠، و\"كتاب سيبويه\" ١/ ١٨٤، و\"المقتضب\" ١/ ١٦٧ وروايته في هذه المصادر:\nراحت بمسلمة البغال عشية ... فارعي فزارة .......... إلخ\nوالبيت من قصيدة يهجو بها الفرزدق الأمير عمر بن هبيرة الفزاري لما تولى العراق بعد عزل عبد الملك بن بشر عن البصرة، وسعيد بن عمرو عن الكوفة، ورحيل مسلمة بن عبد الملك إلى الشام.\n(٣) هو: يحيى بن المبارك بن المغيرة العدوي البصري أبو محمد النحوي، المعروف باليزيدي لاتصاله بالأمير يزيد بن منصور خال المهدي لتأديب أولاده، وقد أدب المأمون أيضًا، وكان ثقة عالمًا حجة في القراءة، أخباريًّا نحويًّا لغويًّا، نظيرًا للكسائي، وتوفي سنة ٢٠٢ هـ. انظر: \"تاريخ بغداد\" ١٤/ ١٤٦،\"نزهة الألباء\" ص ٦٩، \"الحجة للقراء السبعة\" ٤/ ٢٤٥، فقد نص أبو علي في هذا الموضوع أن المذكورر أبو محمد لا غيره.\n(٤) لم أهتد لمصادره.","vol":"11","page":114},{"text":"ومثل هذا ما رواه الفراء عن الكسائي أنه سمع: اسقني شربة مًا يا هذا (١)، يريد شربة ماء، فقصر (٢) وأخرجه على لفظ (من)، هذا إذا مضى فإذا (٣) وقف قال: ما، والقول في هذا كالقول في باهٍ؛ إلا أن باهًا (٤) أحسن من مًا، لتكثرها بعلامة التأنيث.\nولم يعد ﴿الر﴾ آية كما عد ﴿طه﴾؛ لأن آخره لا يشاكل رؤوس الآي التي بعده [إذ هي بمنزلة المردف بالباء، و﴿طه﴾ عدّ؛ لأنه يشاكل رؤوس الآي التي بعده (٥)] (٦).\nقوله تعالى ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ﴾ قال أبو عبيدة: المعنى هذه آيات (٧)، وقال الزجاج: أي تلك الآيات التي جرى ذكرها آيات الكتاب الحكيم (٨)، وقد بينّا في أول سورة البقرة جواز (تلك) و(ذلك) بمعنى (هذه) و(هذا).\nوقال صاحب النظم: نظم هذه الفاتحة مثل نظم قوله تعالى: ﴿الم\n_________\n(١) \"الحجة للقراء السبعة\" ٤/ ٢٤٥.\n(٢) ساقط من (ى).\n(٣) في (م): (وإذا).\n(٤) في (ح): (أباه)، وهو خطأ، وفي (ى) و(م): (باهً)، إلا أنها لم تشكل في (ى)، وانظر النص في \"الحجة للقراء السبعة\" ٤/ ٢٤٦.\n(٥) الصحيح أن الآية إنما تعلم بتوقيف من الشارع، ولا مجال للقياس في ذلك، وما ذكره المؤلف غير مطرد؛ فإن (المص) آية في سورة الأعراف، وآخرها لا يشاكل رؤوس الآي التي بعدها. وانظر: \"البرهان\" للزركشي ١/ ٢٥٢، \"الإتقان\" ١/ ٨٨.\n(٦) ما بين المعقوفين ساقط من (ى).\n(٧) \"مجاز القرآن\" ١/ ٢٧٢.\n(٨) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٥.","vol":"11","page":115},{"text":"(١) ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ إلا أن الكتاب مذكر فقال (ذلك) والآيات مؤنثة وقال (تلك) قال: وربما أخرج ذلك على ما تقدم وربما أخرج علي ما تأخرج وأخرج هاهنا (١) على ما تأخرة لأن (ذلك) و(ذاك) و(تلك) و(أولئك) إشارات تقع على ما يقصد بالإشارة إليه، وقد قال عطاء عن ابن عباس: يريد هذه الآيات التي أنزلتها على محمد - ﷺ - (٢).\nوأراد بـ ﴿الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾ القرآن في قول أكثر المفسرين (٣)، والحكيم: الحاكم (فعيل) بمعنى (فاعل) دليله قوله: ﴿وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [البقرة: ٢١٣] وقيل: إنه بمعنى المحكم (٤)، قال مقاتل: المحكم من الباطل لا كذب فيه ولا اختلاف (٥)، وقد بينا قبل هذا أن الأحكام معناه المنع من الفساد، ويدل على أن الحكيم هاهنا بمعنى المحكم قوله: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾ [هود: ١].\nقال الأزهري: وهذا سائغ في اللغة، والقرآن يبين بعضه بعضًا، وإنما جاز ذلك؛ لأن (حكمت) تجري مجرى (أحكمت) في المعنى فرد إلى الأصل والله أعلم (٦).\nوقد قال الأعشى:\n_________\n(١) ساقط من (م).\n(٢) ذكره المؤلف في \"الوسيط\" ٢/ ٥٣٨.\n(٣) انظر: \"تفسير ابن جرير\" ١١/ ٨٠، والسمرقندي ٢/ ٨٧، والثعلبي ٧/ ٣ ب، والبغوي ٤/ ١١٩.\n(٤) هذا قول أبي عبيدة في \"مجاز القرآن\" ١/ ٢٧٢.\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ١٣٧ ب.\n(٦) \"تهذيب اللغة\" (حكم) ١/ ٨٨٦ بنحوه.","vol":"11","page":116},{"text":"وغريبة تأتي الملوك حكيمة ... قد قلتها ليقال من ذا قالها (١)\nيذكر قصيدته ويعني بالحكيمة المحكمة.\n\nوقال الحسن في قوله: ﴿الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾ حكم فيه بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وحكم فيه بالنهي عن الفحشاء والمنكر والبغي، وحكم فيه بالجنة لمن أطاعه، وبالنار لمن عصاه <span data-type=\"title\" id=toc-1502>(٢)</span>، فعلى هذا الحكيم بمعنى المحكوم فيه.\n٢ - قوله تعالى: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا﴾ الآية، قال ابن عباس والمفسرون: عجبت قريش من إرسال الله (٣) محمدًا - ﷺ - إلى العباد، وقالوا أما (٤) وجد الله تعالى من يرسله إلينا إلا يتيم أبي طالب؟! فأنزل الله تعالى قوله: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا﴾ (٥) والألف فيه للتوبيخ والإنكار، ويعني بالناس أهل مكة.\nوقوله تعالى: ﴿أَنْ أَوْحَيْنَا﴾ (أن) في محل الرفع؛ لأنه اسم لِكان بمنزلة قولك: إيحاؤنا.\nوقوله تعالى: ﴿أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ﴾ (أن) نصب بـ (أوحينا)، قال عطاء، عن ابن عباس: عجبوا أن اخترت من خلقي رجلًا منهم يعرفونه ويعرفون\n_________\n(١) البيت للأعشى الكبير في \"ديوانه\" ص ١٥١، \"خزانة الأدب\" ٤/ ٢٥٩، \"الدرر اللوامع\" ١/ ٢٦٩.\n(٢) رواه الثعلبي ٧/ ٣ ب، والبغوي ٤/ ١١٩.\n(٣) في (ح) و(ي): (إرسال محمد).\n(٤) في (ح) و(ي): (ما).\n(٥) ذكره النحاس في \"معاني القرآن الكريم\" ٣/ ٢٧٦، والزمخشري في \"الكشاف\" ٢/ ٢٢٤، ورواه عن ابن عباس بمعناه ابن جرير ١١/ ٨١، وابن أبي حاتم ٦/ ١٩٢٢، والثعلبي ٧/ ٣ ب، وأبو الشيخ وابن مردويه كما في \"الدر المنثور\" ٣/ ٥٣٥.","vol":"11","page":117},{"text":"أباه وأمه، وفيهم وُلد ونشأ يسمونه الأمين، لا يعدلون به أحدًا في صغره، ولا شابًا في شبابه، ولا كهلًا في سنه، فكذبوه ورموه بكل (١) ما ليس فيه وإنما بعثه الله مبشرًا (٢) ونذيرًا فذلك قوله: ﴿أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾.\nقال الليث وأبو الهيثم: القدم: السابقة، وكذلك القُدمة، والمعنى أنه قد سبق لهم عند الله خير (٣).\nوقال ذو الرّمة:\nوأنت امرؤ من أهل بيت ذؤابةٍ ... لهم قدم معروفة ومفاخر (٤)\nقال: القدم السابقة وما تقدموا فيه غيرهم (٥).\nوقال أحمد بن يحيى في هذه الآية: القدم كل ما قدمت من خير، قال: وتقدَّمَتْ فيه لفلان قدم: أي تقدم في الخير (٦).\nوقال ابن الأنباري: القدم: كناية عن العمل الذي يتقدم فيه ولا يقع فيه تأخر ولا إبطاء؛ لأن العادة جارية بتقدم الساعي على قدميه، فالقدم كنت (٧) من العمل الصالح، وسدّت مسدّ السبق.\n_________\n(١) ساقط من (ى).\n(٢) في (م): (بشيرًا).\n(٣) \"تهذيب اللغة\" (قدم) ٣/ ٢٩٠٢، ونحوه في كتاب \"العين\" (قدم) ٥/ ١٢٢، وليس لأبي الهيثم سوى الكلمتين الأوليين.\n(٤) البيت في \"ديوان ذي الرمة\" ٢/ ١٠٤٤، و\"تهذيب اللغة\" (قدم) ٣/ ٢٩٠٢، و\"لسان العرب\" (قدم) ٦/ ٣٥٥٢.\n(٥) النص في \"تهذيب اللغة\"، الموضع السابق، دون تعيين القائل.\n(٦) \"تهذيت اللغة\" (قدم) ٣/ ٢٩٠٢.\n(٧) في (ي): (كفت)، وفي (م): (كعب)، وكلاهما خطأ.","vol":"11","page":118},{"text":"وأنشد لحسان يخاطب (١) النبي - ﷺ -:\nلنا القدم الأولى إليك وخلفنا ... لأولنا في طاعة (٢) الله تابع (٣) (٤)\nهذا الذي ذكرنا معنى القدم في اللغة.\nفأما التفسير فقال ابن عباس: أجرًا حسنًا بما قدموا من أعمالهم (٥)، وعلى هذا، المعنى: أن لهم أجر قدم صدق أو ثوابه، على تقدير حذف المضاف.\nوقال مجاهد والحسن: يعني الأعمال الصالحة (٦)، وعلى هذا لا حذف.\nوقال الوالبي عن ابن عباس: سبقت لهم السعادة (٧).\nوقال ابن زيد: محمد - ﷺشفيع لهم (٨)، واختار ابن الأنباري أن\n_________\n(١) في (ح) و(ز): (مخاطبًا).\n(٢) في \"الزاهر\" ملة. وما ذكره الواحدي موافق لديوان حسان.\n(٣) البيت في \"ديوان حسان\" ص ١٤٨.\n(٤) \"الزاهر في معاني كلمات الناس\" ١/ ٣٥٣ بنحوه، وذكر بعضه الرازي في \"تفسيره\" ١٧/ ٧.\n(٥) رواه ابن جرير ١١/ ٨١، والثعلبي ٧/ ٤ أ، والبغوي ٤/ ١٢٠.\n(٦) رواه عن مجاهد الإمام ابن جرير ١١/ ٨١، وبنحوه ابن أبي حاتم ٦/ ١٩٢٣ - ١٩٢٤، ورواه عن الحسن بنحوه الثعلبي ٧/ ٤ أ، والبغوي ٤/ ١٢٠.\n(٧) رواه ابن جرير ١١/ ٨٢، وابن أبي حاتم ٦/ ١٩٢٢ - ١٩٢٣، والثعلبي ٧/ ٤ أ، والبغوي ٤/ ١٢٠، وابن المنذر وأبو الشيخ كما في \"الدر المنثور\" ٣/ ٥٣٥، وعند جميعهم زيادة نصها: في الذكر الأول.\n(٨) لم أجده من ذكره عن ابن زيد وإنما روي عن أبي زيد، فقد رواه عنه الثعلبي ٧/ ٤ أ، وبنحوه البغوي ٤/ ١٢٠، وذكره البخاري معلقًا في \"صحيحه\" كتاب التفسير، سورة يونس، وابن جرير ١١/ ٨٢.","vol":"11","page":119},{"text":"يكون المراد بالقدم العمل الصالح (١)، وأنشد:\nصَلِّ لذي العرش واتخذ قدما ... تنجيك يوم العثار والزلل (٢)\nوأكثر أهل التفسير والمعاني على هذا (٣)، وهو قول مقاتل (٤)، وسعيد بن جبير (٥)، والشعبي، وقطرب (٦)، والقتيبي (٧)، وأبي عبيدة (٨)، وذكرنا (٩) أيضًا عن الحسن، ومجاهد.\nوقوله تعالى: ﴿قَالَ الْكَافِرُونَ﴾ تم الكلام عند قوله: ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ ثم ابتدأ فقال: ﴿قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ﴾، قال عطاء، عن ابن عباس: أخرجوا محمدًا من علمهم فيه بالأمانة والصدق إلى غير علمهم\n_________\n(١) \"المذكر والمؤنث\" ١/ ٢٢٩ لكنه لم يذكر فيه البيت المذكور وقد ذكره في كتابه \"الزاهر\" ١/ ٣٥٣ لكنه لم يختر قولًا معينًا بعد أن ذكر في الآية أربعة أقوال، وانظر: \"تفسير الرازي\" ١٧/ ٧، \"البحر المحيط\" ٥/ ١٢٠.\n(٢) البيت لوضاح اليمن، كما في \"تفسير القرطبي\" ٨/ ٣٠٧، \"البحر المحيط\" ٥/ ١٢٢، \"الدر المصون\" ٦/ ١٤٦، وقبل هذا البيت:\nما لَكَ وضاحُ دائم الغزل ... ألست تخشى تقارب الأجل\n(٣) انظر: \"تفسير ابن جرير\" ١١/ ٨١ - ٨٣، \"معاني القرآن\" للنحاس ٣/ ٢٧٦.\n(٤) يعني ابن سليمان، انظر: \"تفسيره\" ص ١٣٧ ب.\n(٥) لم تذكر المصادر التي بين يدي قوله هذا، وقد رواه ابن جرير ١١/ ٨٢ عنه، عن قتادة بلفظ: سلف صدق عند ربهم.\n(٦) لم أقف على قولهما.\n(٧) \"تفسير غريب القرآن\" له ص ١٩٤.\n(٨) \"مجاز القرآن\" ١/ ٢٧٣ ولفظه: قدم صدق عند ربهم: مجازه: سابقة صدق عند ربهم، ويقال: له قدمٌ في الإسلام وفي الجاهلية. وانظر: \"تفسير الثعلبي\" ٧/ ٤ ب.\n(٩) هكذا في جميع النسخ، والأولى أن يقول: وذكرناه.","vol":"11","page":120},{"text":"فكفروا (١).\nوقرئ: (لساحر) بالألف (٢)، والوجهان يحتملهما قوله: ﴿أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ﴾ فمن قال (ساحر) أراد به الرجل، ومن قال (سحر) أراد الذي أُوحي سحر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1503>٣ </span>- قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ﴾ إلى قوله: ﴿عَلَى الْعَرْشِ﴾ مفسَّر في سورة الأعراف [٥٤].\nوقوله تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾، معنى التدبير: تنزيل الأمور في مراتبها على أحكام عواقبها، قال ابن عباس: يخلق ما يكون (٣)، وقال مقاتل: يقضيه وحده (٤).\nوقوله تعالى: ﴿مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ﴾، قال أبو إسحاق: الذي اقتضى ذكر الشفيع أنهم كانوا يقولون إن الأصنام شفعاؤهم عند الله، وقد ذكر الله هذا عنهم في هذه السورة في قوله: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ﴾ [يونس: ١٨] [يونس:١٨] الآية، فأيسهم الله عن ذلك بقوله: ﴿مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ﴾ (٥).\nقال الكلبي: ما من شفيع من الملائكة والنبيين (٦) إلا من بعد أمره في\n_________\n(١) ذكره المؤلف في \"الوسيط\" ٢/ ٥٣٨.\n(٢) قرأ الكوفيون وابن كثير وخلف (لساحر) بالألف، وقرأ الباقون (لسحر) من غير ألف. انظر كتاب \"السبعة\" ص ٣٢٢، \"إرشاد المبتدي\" ص ٣٠١، \"النشر في القراءات العشر\" ٢/ ٢٥٦.\n(٣) ذكره المؤلف في \"الوسيط\" ٢/ ٥٣٨، وبمعناه القرطبي في \"تفسيره\" ٨/ ٣٠٨.\n(٤) \"تفسيره\" ١٣٧ ب.\n(٥) اهـ. كلام الزجاج، انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٦ بتصرف.\n(٦) ساقط من (ى).","vol":"11","page":121},{"text":"الشفاعة (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1504>٤ </span>- قوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا﴾، قال ابن عباس: يريد: إليّ (٢) مصيركم يوم القيامة وعندي الثواب والعقاب (٣)، فالمرجع بمعنى الرجوع، ومعنى الرجوع إلى الله الرجوع إلى جزائه (٤)، وهذا مما سبق بيانه (٥).\nو﴿جَمِيعًا﴾ نصب على الحال.\nوقوله تعالى: ﴿وَعْدَ اللَّهِ﴾ منصوب على معنى وعدكم الله وعدًا؛ لأن قوله: ﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ﴾ معناه الوعد بالرجوع. قاله الزجاج (٦)، قال: و﴿حَقًّا﴾ منصوب على أحق ذلك حقًا (٧).\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ رد على المشركين الذين أنكروا البعث فاحتج الله عليهم بالنشأة (٨) الأولى.\nوقوله تعالى: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ﴾، قال ابن\n_________\n(١) ذكره المؤلف في \"الوسيط\" ٢/ ٥٣٨، ورواه الفيروزأبادي في \"تنوير المقباس\" ص ٢٠٨، عن الكلبي، عن ابن عباس بنحوه.\n(٢) في (ى): (إليه)، وهو غير مناسب للسياق.\n(٣) \"تنوير المقباس\" ص ٢٠٨ بمعناه.\n(٤) الجزاء يقتضي الرجوع إلى الله، أما الرجوع إلى الله فهو بمعنى الإتيان المذكور في قوله تعالى: ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدً﴾ [مريم: ٩٥]، فيترك النص على ظاهره وينزه الله مما يتوهم من لوازم باطله.\n(٥) انظر: \"تفسير البسيط\" البقرة: ٢٨.\n(٦) المصدر التالي، نفس الموضع.\n(٧) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٧.\n(٨) في (ح): (بالبشارة)، وهو خطأ.","vol":"11","page":122},{"text":"عباس: يريد بالعدل جزاءً لا يصفه الواصفون (١).\nفإن قيل: لم أفرد المؤمنين بالقسط دون غيرهم وهو يجزي الكافر أيضًا بالقسط؟ قال ابن الأنباري: لو جمع الله الصنفين بالقسط لم يتبين ما يقع بالكافرين من العذاب الأليم، ففصلهم من المؤمنين ليبين ما يجزيهم به مما هو عدل غير جور، فلهذا خص المؤمنين بالقسط، وأفرد الكافرين بخبر يرجع إلى تأويله بزيادة في الإبانة والفائدة (٢).\nوقوله تعالى: ﴿لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ﴾ الحميم: الذي قد أسخن بالنار حتى انتهى حره، يقال: حممت الماء: أي أسخنته، أحميه (٣) فهم حميم، ومنه الحمام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1505>٥ </span>- قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً﴾، قال أبو علي: الضياء لا يخلو من أحد أمرين: إما أن يكون جمع ضوء، كسوط وسياط، وحوض وحياض، أر مصدر ضاء يضوء ضياءً، كقولك قام قيامًا، وصام صيامًا (٤)، وعلى أي الوجهين حملته فالمضاف محذوف، والمعنى: جعل الشمس ذات ضياء، والقمر ذا نور، ويجوز أن يكون جُعلا النور والضياء لكثرة ذلك منهما (٥).\n_________\n(١) رواه مختصرًا ابن أبي حاتم ٦/ ١٩٢٧، من رواية الضحاك وفيها انقطاع، وكذلك الفيروزأبادي في \"تنوير المقباس\" ص ٢٠٨، من رواية الكلبي، وحاله لا تخفى، لكن المعنى صحيح.\n(٢) ذكره مختصرًا بن الجوزي في \"زاد المسير\" ٤/ ٨.\n(٣) في (ح) و(ى): (أحمه).\n(٤) في \"الحجة\": عاد عيادةً.\n(٥) اهـ. كلام أبي علي، انظر: \"الحجة للقراء السبعة\" ٤/ ٢٥٨.","vol":"11","page":123},{"text":"وروي عن ابن كثير من طريق قنبل (١) (ضئاءً (٢) بهمزتين (٣)، وأكثر الناس على تغليطه في ذلك (٤)؛ لأن ياء (٥) ضياء منقلبة عن واو، مثل ياء قيام وصيام فلا وجه للهمز فيها، وعلى البعد يجوز أن يقال: الهمزة في موضع العين [من (ضياء) يكون على القلب كأنه قَدَّم اللام التي هي همزة إلى موضع العين] (٦) وأخَّر العين التي هي واو إلى موضع اللام، فلما وقعت طرفًا بعد ألف زائدة انقلبت [همزة كما انقلبت] (٧) في سقاء (٨) وبابهن وهذا إذا قدر الضياء جمعا كان أسوغ، ألا ترى أنهم قالوا: [قوس\n_________\n(١) هو: محمد بن عبد الرحمن بن محمد المخزومي مولاهم، أبو عمر المكي، مقرئ أهل مكة في عصره، وراوية الإمام ابن كثير، وانتهت إليه رئاسة الإقراء بالحجاز، وتوفي سنة ٢٩١ هـ.\nانظر: \"معرفة القراء الكبار\" ١/ ٢٣٠، \"غاية المنتهى\" ٢/ ١٦٥، \"النشر في القراءات العشر\" ١/ ١١٥.\n(٢) ساقط من (م).\n(٣) انظر: \"السبعة\" ص ٣٢٣، \"التيسير\" ص ١٢٠، \"إرشاد المبتدي\" ص ٣٥٩، \" النشر\" ١/ ٤٠٦.\n(٤) انظر: \"السبعة\" ص ٣٢٣، \"النشر\" ١/ ٤٠٦، \"البحر المحيط\" ٥/ ١٢٥، ولا وجه لتغليط قنبل إذ وافقه الحلواني عن القواس، عن ابن كثير، انظر: \"حجة القراءات\" لابن زنجلة ص ٣٢٨، \"النشر\" ١/ ٤٠٦، وانظر توجيه القراءة والرد على من ضعفها في \"الدر المصون\" ٦/ ١٥١ - ١٥٢.\n(٥) ساقط من (ح).\n(٦) ما بين المعقوفين ساقط من (ى).\n(٧) ما بين المعقوفين ساقط من (ح) و(ز).\n(٨) أجل سقاء، سقاي؛ لأنه من سقى يسقي، فلما تطرفت الياء بعد ألف زائدة انقلبت همزة.","vol":"11","page":124},{"text":"وقسي؛ فصححوا الواحد وقلبوا في الجمع (١)، وإذا قدرته مصدرًا كان أبعد؛ لأن المصدر يجري على فعله في الصحة والاعتلال، والقلب ضرب من الاعتلال فإذا لم يكن في الفعل امتنع أن يكون في المصدر أيضًا، ألا ترى أنهم قالوا] (٢): لاوذ لواذا، وبايع بياعا فصححوهما (٣) في المصدر لصحتهما في الفعل، وقالوا: قام قيامًا، فأعلوه (٤) ونحوه؛ لاعتلاله في الفعل (٥).\nوقوله تعالى: ﴿وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ﴾، قال الفراء (٦)، والزجاج (٧)، وابن الأنباري وغيرهم (٨): خص القمر بالعائد لأن به تعرف المشهور دون الشمس فلحقه الاختصاص، قالوا: ويجوز أنه أراد: وقدرهما، فاكتفى بإعادة الذكر على أحدهما اختصارًا، ولهذا نظائر قد تقدمت (٩).\n_________\n(١) قال الجوهري: أصل قسي: قووس؛ لأنه (فعول) إلا أنهم قدموا اللام وصيروه قسو على (فلوع) ثم قلبوا الواو ياء وكسروا القاف كما كسروا عين عِصِيّ، فصارت فسي على (فِليع). \"الصحاح\" (قوس)، \"لسان العرب\" (قوس).\n(٢) ما بين المعقوفين ساقط من (ح) و(ز).\n(٣) في (ى): (فصححوا)، والمثبت موافق لـ\"الحجة\"، وهو أنسب للسياق.\n(٤) في (ح): (علّوه).\n(٥) نقل الواحدي توجيه القراءة من \"الحجة للقراء السبعة\" ٤/ ٢٥٨.\n(٦) \"معاني القرآن\" ١/ ٤٥٨.\n(٧) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٧.\n(٨) انظر: \"تفسير ابن جرير\" ١١/ ٨٦، والثعلبي ٧/ ٥ أ، والبغوي ٤/ ١٢١، و\"إعراب القرآن\" للنحاس ٢/ ٥٠.\n(٩) انظر مثلًا: تفسير قول الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: ٦٢].","vol":"11","page":125},{"text":"ومعنى قدر: أي هيأ ويسر (١)، وقوله: ﴿وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ﴾ يتوجه علي أحد وجهين (٢): إما أن يقال: المعنى: قدر له منازل، فحذف الجار وأفضى الفعل، وإما إن يقال: قدره (٣) ذا منازل، فحذف المضاف (٤)\nوقوله تعالى: ﴿لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾، قال ابن عباس: يقول: لو جعلت شمسين شمسًا بالنهار وشمسًا بالليل ليس فيها ظلمة (٥) ولا ليل لم تعلموا عدد السنين والحساب (٦).\nقال الكلبي: يعني حساب المشهور والسنين والأيام والساعات (٧).\nوقوله تعالى: ﴿مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ يعني ما تقدم (٨) ذكره من الشمس والقمر ومنازله، ﴿ذَلِكَ﴾ يُشار به إلى أكثر من الواحد، وذكرناه في قوله: ﴿عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٦٨] مستقصى مشروحًا (٩).\nوقوله تعالى: ﴿بِالْحَقِّ﴾، قال ابن عباس: يريد بالعدل؛ لأنه هو الحق، وكل ما جاء من عنده هو الحق (١٠)، وعلى هذا، المعنى: ما خلق\n_________\n(١) في \"لسان العرب\" (قدر) تقدير الله الخلق: تيسيره كلًّا منهم لما علم أنهم صائرون إليه من السعادة والشقاء.\n(٢) في (خ): (الوجهين).\n(٣) ساقط من (ح).\n(٤) انظر الوجهين في \"التبيان في إعراب القرآن\" ص ٤٣٣.\n(٥) في (خ): (ظل).\n(٦) ذكره القرطبي في \"تفسيره\" ٨/ ٣١٠.\n(٧) \"تنوير المقباس\" ص ٢٠٨ عنه، عن ابن عباس مختصرًا.\n(٨) ساقط من (ي).\n(٩) ساقط من (ح).\n(١٠) لم أقف عليه.","vol":"11","page":126},{"text":"الله ذلك إلا عادلًا في خلقه لم يخلقه ظلمًا ولا باطلًا، بل إظهارًا لصنعه ودلالة على قدرته وحكمته، وقال بعضهم: الباء هاهنا بمعنى اللام، والمعنى ما خلق الله ذلك إلا للحق (١)، وهو ما ذكرنا من إظهار صنعه وقدرته ووحدانيته، وذكرنا وجهًا آخر في قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ﴾ في سورة الأنعام (٢).\nوقوله تعالى: ﴿نُفَصِّلُ الْآيَاتِ﴾ أي نبينها ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ أي يتدلون بالأمارات والبراهين على قدرة الله، ولهذا خص العلماء؛ لأنهم المستدلون دون الجُهّال الذين لا يبلغون هذه المنزلة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1506>٦ </span>- قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ إلى قوله: ﴿لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ﴾، قال ابن عباس: يريد اتقَوُا الله، ولم (٣) يشركوا به شيئًا (٤) يعني لقوم يؤمنون باللهِ فيعلمون ويقرون، وذلك أن من كفر ولم يستدل بما ذكر في هذه الآيات فليست له دلالة فيما خلق الله في السموات والأرض.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1507>٧ </span>- قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا﴾، قال ابن عباس (٥)، ومقاتل (٦)، والكلبي (٧): لا يخافون البعث، والمعنى أنهم لا يخافون\n_________\n(١) انظر: \"زاد المسير\" ٤/ ٩، \"البحر المحيط\" ٥/ ١٢٦.\n(٢) الآية ٧٣. من \"تفسير البسيط\" ونصه: (وهو الذي خلق السماوات والأرض بالحق: أي بكمال قدرته وشمول علمه، وإتقان صنعه، وكل ذلك حق) اهـ. ثم أحال على آية سورة يونس.\n(٣) في (ح): (ولا).\n(٤) لم أقف عليه.\n(٥) انظر: \"زاد المسير\" ٤/ ١٠، \"مفاتيح الغيب\" ١٧/ ٤٠، \"الوسيط\" ٢/ ٥٣٩.\n(٦) انظر: \"تفسيره\" ١٣٨ أ.\n(٧) انظر: \"مفاتيح الغيب\"، الموضع السابق، والنص في \"تنوير المقباس\" ص ٢٠٧ بنحوه عنه، عن ابن عباس.","vol":"11","page":127},{"text":"ذلك؛ لأنهم لا يؤمنون بها فلا يوجلون منها كما يوجل المؤمنون المصدقون بها المعنيون بقوله: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا﴾ [النازعات: ٤٥] ٤٥]، وبقوله: ﴿وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٤٩]، ويكون الرجاء هاهنا الخوف، كما قال تعالى: ﴿لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾ (١) [نوح:١٣]، وقال الهذلي:\nإذا لسعته النحل لم يَرجُ لسعها ... وخالفها في بيت نوب (٢) عوامل (٣) (٤)\nوقال آخرون في قوله: ﴿لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا﴾: لا يطمعون في ثوابنا (٥)، فيكون الرجاء هاهنا الذي خلافه اليأس، كما قال: ﴿قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ﴾ [الممتحنة: ١٣]، وذكرنا معنى لقاء الله في قوله: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٤٦].\nوقوله تعالى: ﴿وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ أي بدلًا من الآخرة، كما قال: ﴿أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ﴾ [التوبة: ٣٨]، وقد مر.\n_________\n(١) وفي الآية أقوال أخرى، انظرها في: \"تفسير ابن جرير\" ١١/ ٨٧ - ٨٨، ٩٤ - ٩٥، وقد رجح ما ذكره المؤلف.\n(٢) في (ح): (قول)، وهو خطأ. والنوب: النحل. انظر: \"الصحاح\" (نوب) ١/ ٢٢٩.\n(٣) في \"تفسير ابن جرير\"، \"لسان العرب\" عواسل.\n(٤) البيت لأبي ذؤيب الهذلي كما في \"شرح ديوان الهذليين\" ١/ ١٤٣، \"الصحاح\" (نوب)، \"تهذيب اللغة\" (رجا)، \"المخصص\" ١٧/ ١١، \"لسان العرب\" (رجا)، \" تفسير ابن جرير\" ١١/ ٨٧.\n(٥) انظر: \"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٨٩، والماوردي ٨/ ٤٢٣، والرازى ١٧/ ٣٨، و\"البحر المحيط\" ٥/ ١٢٦، و\"السامع لأحكام القرآن\" ٨/ ٣١١.","vol":"11","page":128},{"text":"وقوله تعالي: ﴿وَاطْمَأَنُّوا بِهَا﴾، قال ابن عباس والمفسرون: أي ركنوا إليها؛ لأنهم لا يؤمنون بشيء من الثواب والعقاب (١)، كما قال: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا﴾ [الجاثية: ٢٤] الآية، فهؤلاء فرحهم يكون للدنيا، وغمهم لها، ورضاهم وسخطهم لها.\n﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ﴾، قال ابن عباس (٢): يريد ما أنزلت من حلالي وحرامي وفرضت من شرائعي (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1508>٩ </span>- قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ﴾، معناه: يهديهم ربهم إلى الجنان ثوابًا لهم بإيمانهم [وأعمالهم الصالحة، هذا معنى قول المفسرين في هذه الآية (٤)، قال مجاهد في قوله: ﴿يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ﴾ [(٥) يكون لهم نور يمشون به (٦)،] يعني أن الله تعالى يهديهم بذلك النور إلى الجنة، ونحو هذا قال مقاتل: يهديهم بالنور\n_________\n(١) انظر: \"زاد المسير\" ٤/ ١٠، \"الوسيط\" ٢/ ٥٣٩، \"معالم التنزيل\" ٤/ ١٢٢، ولم أجد من ذكره عن ابن عباس بهذا اللفظ بل ذكره عنه ابن الجوزي في الموضع السابق بلفظ: (آثروها)، وذكره الفيروزأبا في في \"تنوير المقباس\" ص ٢٠٩ بلفظ: (رضوا بها).\n(٢) ساقط من (ى).\n(٣) لم أجد من ذكره عنه بهذا اللفظ، وقد رواه الثعلبي ٧/ ٦، والبغوي ٤/ ١٢٢، والفيروزأبادي ص ٢٠٩، وابن الجوزي ٤/ ١٠ بلفظ: (عن آياتنا): (محمد - ﷺ - والقرآن).\n(٤) انظر: \"تفسير ابن جرير\" ١١/ ٨٨، والثعلبي ٧/ ٦ أ، والبغوي ٤/ ١٢٢، وابن الجوري ٤/ ١٠، والماوردي ٢/ ٤٢٣.\n(٥) ما بين المعقوفين ساقط من (ح).\n(٦) رواه ابن جرير ١١/ ٨٩، وابن أبي حاتم ٦/ ١٩٢٩، والبغوي ٤/ ١٢٢.","vol":"11","page":129},{"text":"على الصراط إلى الجنة (١)، وهو قول أبي روق (٢).\nوقال قتادة: إن المؤمن يُصوّر له عمله في صورة حسنة، فيقول له: من أنت؟ فيقول: أنا عملك، فيكون له نورًا وقائدًا إلى الجنة، والكافر على ضد ذلك، فلا يزال به عمله حتى يدخله النار (٣).\nوقال ابن الأنباري: يجوز أن يكون المعنى: إن الله تعالى يزيدهم هداية بخصائص وألطاف وبصائر ينور بها قلوبهم، ويزيل بها الشكوك عنهم كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى﴾ [محمد: ١٧] الآية (٤)، ويجوز أن يكون المعنى يثبتهم على الهداية كما قلنا في قوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦].\nوقوله تعالى: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ﴾ أي من (٥) بين أيديهم، وهم يرونها من علو أسِرَّتهم وقصورهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1509>١٠ </span>- قوله تعالى: ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ﴾ الآية، الدعوى: مصدر كالدعاء، ذكرنا ذلك في قوله: ﴿فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ﴾ [الأعراف: ٥]، قال ابن عباس في رواية سعيد بن جبير: كلما اشتهى أهل الجنة شيئا قالوا: ﴿سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ﴾ فجاءهم ما يشتهون، فإذا طعموا بما يشتهون قالوا:\n_________\n(١) انظر: \"تفسير الثعلبي\" ٧/ ٦ أ، والسمرقندي ٢/ ٨٩، ولعل القول لمقاتل بن حيان إذ لم أجده في \"تفسير مقاتل بن سليمان\".\n(٢) \"تفسير الثعلبي\" ٧/ ٦ أ، والقرطبي ٨/ ٣١٢.\n(٣) رواه عنه بنحوه مرفوعًا ابن جرير ١١/ ٨٨، ورواه ابن أبي حاتم ٦/ ١٩٢٩، عن قتادة عن الحسن مرفوعًا أيضًا، وهو حديث مرسل، وانظر: \"تفسير ابن كثير\" ٢/ ٤٤٨.\n(٤) ذكره بنحوه الرازى في \"تفسيره\" ١٧/ ٤٢، وأبو حيان في \"البحر المحيط\" ٥/ ١٢٧.\n(٥) ساقط من (م).","vol":"11","page":130},{"text":"﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (١) وقال ابن جرير: إذا مر بهم الطير يشتهونه قالوا: ﴿سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ﴾ فيؤتون به، فإذا نالوا منه شهوتهم قالوا: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٢).\nوقال الكلبي: قوله: ﴿سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ﴾ علم بين أهل الجنة والخدام، فإذا سمعوا ذلك من قولهم أتوهم بما يشتهون (٣).\nوقوله تعالى: ﴿وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ﴾، قال ابن عباس والكلبي: يحيي بعضهم بعضًا بالسلام (٤)، وقال آخرون: تحية الملائكة إياهم، وتحية الله إياهم سلام (٥)، وعلى هذا أضيف المصدر إلى المفعول.\nوقوله تعالى: ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ﴾ الآية، ذكرنا فيه قول ابن عباس وابن جرير.\nوقال الكلبي: إذا فرغ أحدهم من كلامه (٦) يقول: الحمد لله رب العالمين (٧).\n_________\n(١) ذكره ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٤/ ١٠، والمؤلف في \"الوسيط\" ٢/ ٥٣٩، ورواه الفيروزأبادي في \"تنوير المقباس\" ص ٢٠٩ بنحو.\n(٢) رواه ابن جرير ١١/ ٨٩، وابن المنذر وأبو الشيخ كما في \"الدر المنثور\" ٣/ ٥٣٩.\n(٣) ذكره الرازي في \"تفسيره\" ١٧/ ٤٤، ورواه بنحوه الفيروزأبادي في \"تنوير المقباس\" ص ٢٠٩، عن الكلبي، عن ابن عباس.\n(٤) ذكره عن ابن عباس بنحوه ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٤/ ١١، ورواه الفيروزأبادي في \"تنوير المقباس\" ص ٢٠٩، عن الكلبي، عن ابن عباس.\n(٥) انظر: \"الكشاف\" ٢/ ٢٢٧، \"معاني القرآن وإعرابه\" للزجاج ٣/ ٨، \"معاني القرآن الكريم\" للنحاس ٣/ ٢٧٩، \"تفسير البغوي\" ٤/ ١٢٣.\n(٦) كذا، والمعنى: يختمون كلامهم بالتحميد.\n(٧) لم أجده.","vol":"11","page":131},{"text":"وقال ابن زيد: إذا فرغوا وشربوا قالوا: الحمد لله على ما أعطاهم (١).\nوقال الحسن في هذه الآية عن النبي - ﷺ -: \"إن أهل الجنة يلهمون الحمد والتسبيح كما تلهمون أنفاسكم\" (٢)، [قال ذلك في هذه الآية وقال] (٣) أبو إسحاق: أعْلَمَ اللهُ -﷿- أنهم يبتدئون بتعظيم الله -﷿- وتنزيهه، ويختمون بشكره والثناء عليه (٤).\nوقوله تعالى: ﴿أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ (أن) هي المخففة من الشديدة فلذلك لم تعمل لخروجها بالتخفيف عن شبه الفعل كقوله (٥):\nأن هالك كل من يحفى وينتعل\nعلى معنى: أنه هالك، وقال صاحب النظم: (أن) هاهنا زائدة (٦).\n_________\n(١) لم أجده، وانظر القول بلا نسبة في \"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٩٠.\n(٢) رواه الثعلبي في \"تفسيره\" ٧/ ٦ ب، عن الحسن مرسلًا، والحديث في \"صحيح مسلم\" (٢٨٣٥) كتاب: الجنة وصفة نعيمها، باب: في صفات الجنة وأهلها، عن جابر.\n(٣) ما بين المعقوفين مضطرب في (ى)، وموضوع في غير موضعه.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٨ مختصرًا، وقد ذكره المؤلف في \"الوسيط\" ٢/ ٥٤٠ بهذا اللفظ.\n(٥) عجز بيت، وصدره:\nفي فتية كسيوف الهند قد علموا\nوالبيت للأعشى في \"ديوانه\" ١٤٧، \"خزانة الأدب\" ٥/ ٤٢٦، \"الدرر اللوامع\" ٢/ ١٩٤، \"شرح أبيات سيبويه\" ٢/ ٧٦، \"كتاب سيبويه\" ٢/ ١٣٧، ٣/ ٧٤، \"المحتسب\" ١/ ٣٠٨، \"مغني اللبيب\" ١/ ٣١٤، ورواية عجز البيت في \"الديوان\":\nأن ليس تدفع عن ذي الحيلة الحيل\n(٦) ذكره الرازي ١٧/ ٤٧ وأنكره، وكذلك أبو حيان في \"البحر المحيط\" ٥/ ١٢٨.","vol":"11","page":132},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1510>١١ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ﴾، قال مجاهد: هو (١) قول الإنسان لولده وماله إذا غضب: اللهم لا تبارك فيه والعنه (٢). وقال قتادة: هو دعاء الرجل على نفسه وولده وأهله وماله بما يكره أن يستجاب له (٣)، والتعجيل: تقديم الشيء قبل وقته، والاستعجال: طلب العجلة.\nقال الفراء: ﴿اسْتِعْجَالَهُمْ﴾ منصوب بوقوع الفعل وهو (يعجل) كما تقول: قد ضربت اليوم ضربك (٤)، والمعنى كضربك (٥).\nوقال أبو إسحاق: نصب (استعجالهم) على [معنى: مثل استعجالهم، على] (٦) نعت مصدر محذوف، المعنى: ولو يعجل الله للناس الشر تعجيلًا مثل استعجالهم بالخير (٧)، وهذا نحو قول الفراء وتفسير له؛ لأنه قد قال: هو مثل قولك ضربت اليوم ضربك، أي: كضربك فيكون المعنى تعجيلًا كاستعجالهم (٨)، فالقولان سواء،\n_________\n(١) ساقط من (م).\n(٢) رواه ابن جرير ١١/ ٩٢، وابن أبي حاتم ٦/ ١٩٣٢، والثعلبي ٧/ ٧ أ، وابن أبي شيبة وابن المنذر وأبو الشيخ كما في \"الدر المنثور\" ٣/ ٥٣٩.\n(٣) رواه ابن جرير ١١/ ٩٢، وابن أبي حاتم ٦/ ١٩٣٢، والثعلبي ٧/ ٧ أ، والبغوي ٤/ ١٢٣.\n(٤) في (ح): (مضربك).\n(٥) \" معاني القرآن\" ١/ ٤٥٨.\n(٦) ما بين المعقوفين ساقط من (ي).\n(٧) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٨.\n(٨) \"معاني القرآن\" ١/ ٨ بمعناه.","vol":"11","page":133},{"text":"و(استعجالهم) نصب بـ (تعجيك) (١) في الظاهر على ما قاله الفراء، وهو في الحقيقة نعت مصدر محذوف كما قال أبو إسحاق، واستعجالهم معناه طلبهم العجلة، وهو مصدر مضاف إلى الفاعل، والمعنى: أن الناس لو أجيبوا في الدعاء على أنفسهم وأهليهم عند الغضب كقول الرجل لابنه وحميمه: فعل الله بك وأماتك الله، وعجلوا في ذلك الشر على ما يطلبون كما يطلبون العجلة بالخير.\nوزاد ابن قتيبة بيانًا فقال: إن الناس عند الغضب وعند الضجر قد يدعون على أنفسهم وأهليهم وأولادهم بالموت وتعجيل البلاء، كما قد يدعونه بالرزق والرحمة وإعطاء السؤال، يقول: فلو أجابهم الله إذا دعوه بالشر الذي يستعجلونه به استعجالهم بالخير لقضي إليهم أجلهم، قال: وفي الكلام حذف واختصار كأنه قال: ولو يعجل الله للناس إجابتهم في الشر الذي يستعجلونه استعجالهم بالخير (٢)، وعلى (٣) هذا، الاستعجال مصدر لفعل محذوف، والمصدر يدل على الفعل، كما أن الفعل يدل على المصدر، وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ﴾ فعل من الله -﷿-، وقوله تعالى: ﴿اسْتِعْجَالَهُمْ﴾ فعل من المخلوقين.\nوقال مقاتل في هذه الآية: لو استجيب لهم في الشر كما يحبون أن يستجاب لهم في الخير (٤).\n_________\n(١) هكذا في جميع النسخ، وفي \"معاني القرآن\" للفراء: يعجل، وانظر نقل المؤلف النص قبل بضعة أسطر.\n(٢) \"تأويل مشكل القرآن\" ص ٣٩٣.\n(٣) في (م): (فعلى).\n(٤) هذا قول مقاتل بن سليمان، انظر: \"تفسيره\" ١٣٨ ب.","vol":"11","page":134},{"text":"وسلك أبو علي الفارسي في الآية طريقة أخرى فقال: المعنى والله أعلم: ولو يعجل الله للناس الشر (١)، أي: ما يدعون به (٢) من الشر على أنفسهم في حال ضجر وبطر استعجاله إياهم (٣) بدعاء الخير فأضيف المصدر إلى المفعول به، وحذف الفاعل، كقوله: ﴿مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ﴾ [فصلت: ٤٩] في حذف ضمير الفاعل قال: والتقدير: ولو يعجل الله للناس الشر (٤) استعجالًا مثل استعجالهم بالخير (٥)، وهذا مذهب الكلبي في هذه الآية، فإنه قال: يقول: لو يعجل الله للناس إذا دعوا بالعقوبة كما يعجل لهم الخير إذا دعوا بالرحمة والرزق والعافية فيرزق ويعطي (٦)، وعلى هذا: التعجيل والاستعجال كلاهما من الله -﷿-.\n_________\n(١) في \"الحجة\" دعاء الشر.\n(٢) في (م): (إليه).\n(٣) هكذا في جميع النسخ، وكذلك هو في إحدى نسخ \"الحجة\" كما أشار إليه المحقق، ونص بقية النسخ: استعجالهم إياه، ولعل صواب عبارة أبي علي ما ذكره المؤلف ويدل على ذلك ما يأتي:\nأ- قول أبي علي: فأضيف المصدر إلى المفعول به، وحذف الفاعل، دليل على أنه أراد ما ذكره المؤلف، إذ إنه على العبارة الثانية يكون المصدر مضافًا إلى الفاعل.\nب- بيان المؤلف أن عبارة الكلبي بمعنى عبارة أبي علي وهذا لا يتحقق إلا على ما ذكره المؤلف.\nج- قول المؤلف: وعلى هذا: التعجيل والاستعجال كلاهما من الله، لا يتحقق إلا بالعبارة التي ذكرها المؤلف، إذ إن العبارة الثانية تفيد أنه أراد العبارة الأخرى؛ لأنه لو أراد العبارة التي ذكرها المؤلف لقال: استعجالًا مثل استعجاله لهم بالخير. فليتأمل.\n(٤) ساقط من (ح).\n(٥) \"الحجة للقراء السبعة\" ٤/ ٢٥٤.\n(٦) ذكره بنحوه السمرقندي في \"تفسيره\" ٢/ ٩٠.","vol":"11","page":135},{"text":"وقوله تعالى: ﴿لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ﴾، قال عامة المفسرين: أي لماتوا وهلكوا جميعًا وفرغ من هلاكهم (١)، وقال أبو عبيدة: لفرغ عن أجلهم (٢)، والتقدير: لفرغ من أجلهم ومدتهم المضروبة للحياة، فإذا انتهت مدتهم المضروبة للحياة هلكوا، ومعنى الفراغ من المدة: انقضاؤها، والشيء إذا انقضى فرغ منه، ونحو هذه الآية قوله: ﴿وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ﴾ [الإسراء: ١١].\nفأما ما يتعلق به الجار في قوله: ﴿إِلَيْهِمْ﴾، قال أبو علي: لما كان معنى (قضى): فرغ [وكان فرغ] (٣) قد يتعدى بها الحرف نحو قوله (٤):\nألان فقد فرغت إلى نمير ... فهذا حين صرت لهم عذابا\nفلما تعلق (إلى) بفرغ كذلك تعلق بقضى (٥).\nوتحقيق التأويل: لو أجيبوا إلى ما يدعون به من الشر والعذاب لفرغ إليهم من أَجَلِهم بأن ينقضي الأجل فيموتوا ويحصلوا في البلاء والعذاب.\nوقرأ ابن عامر: (لقَضَى إليهم أجلَهم) على إسناد الفعل إلى\n_________\n(١) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٨، و\"تفسير ابن جرير\" ١١/ ٩٢، والثعلبي ٧/ ٧ أ، والبغوي ٤/ ١٢٤، و\"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٨.\n(٢) \"مجاز القرآن\" ١/ ٢٧٥ ولفظه: لفرغ ولقطع ونبذ إليهم. وقد ذكره أبو علي في \"الحجة\" ٤/ ٢٥٤ بلفظ المؤلف.\n(٣) ما بين المعقوفين ساقط من (ى).\n(٤) هو: جرير كما في \"لسان العرب\" (أين) ١/ ١٩٣، ولم أجده في \"ديوانه\"، ورواية \"اللسان\": الآن وقد نزعت ... إلخ\nونمير: قبيلة عربيته معروفة منها الراعي النميري، وكان بينه وبين جرير هجاء ومناقضات. انظر: \"طبقات فحول الشعراء\" ٢/ ٤٣٦.\n(٥) \"الحجة للقراء السبعة\" ٤/ ٢٥٦ بنحوه.","vol":"11","page":136},{"text":"الفاعل (١)؛ لأن ذكر الفاعل قد تقدم وهو الله -﷿-، في قوله: ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ﴾.\nوذكر عن بعض المفسرين (٢): أن هذه الآية نزلت في النضر بن الحارث حين قال: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ﴾ [الأنفال: ٣٢] الآية، يدل على صحة هذا قوله: ﴿فَنَذَرُ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾، يعني الكفار الذين لا يخافون البعث.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1511>١٢ </span>- قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ﴾ أي: مضطجعا على جنبه؛ ولهذا المعنى عطف عليه بالحال، كقوله: ﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا﴾ [آل عمران: ٤٦] فنسق ﴿وَكَهْلًا﴾ على ﴿فِي الْمَهْدِ﴾؛ لأن معناه: ويكلم الناس صغيرًا وكبيرًا، قال ابن الأنباري: وهذا كما يقول القائل إنا بخير وكثير صيدنا، فيعطف (كثيرًا) على الباء، إذ تأويلها: إنا مخصبون (٣).\nقال ابن عباس: إذا أصاب الكافر ما يكره من فقر أو مرض أو بلاءً أو شدة أخلص في الدعاء مضطجعًا كان أو قائمًا أو قاعدًا (٤)، وإنما يريد جميع حالاته؛ لأن الإنسان لا يخلو من هذه الحالات.\nقال أبو إسحاق: وجائز أن يكون: وإذا مس الإنسان الضر لجنبه أو\n_________\n(١) كتاب \"السبعة\" ص ٣٢٣، \"إرشاد المبتدي\" ص ٣٦٠، \" النشر\" ٢/ ٢٨٢، وقد وافقه يعقوب كما في المصدرين الأخيرين.\n(٢) هو: مقاتل بن سليمان كما في \"تفسيره\" ١٣٨ ب، \"تفسير القرطبي\" ٨/ ٣١٥.\n(٣) لم أجده.\n(٤) ذكره المؤلف في \"الوسيط \" ٢/ ٥٤٠، وبنحوه ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٤/ ١٢، والفيروزأبادي في \"تنوير المقباس\" ص ٢٠٩.","vol":"11","page":137},{"text":"مسه قاعدًا أو مسه قائمًا دعانا (١)، والمعنى: وإذا مسَّ الإنسان الضر في حال من الأحوال دعانا، قال أبو بكر: وفي هذا القول عندي بُعد؛ لأن إزالة ألفاظ القرآن إلى معنى غامض يُتطلب لها مكروهة؛ إذِ استعمال الظاهر إذا لم يدعُ إلى الغامضِ ضرورةٌ أولى (٢).\nقال: ومما يزيد هذا القول فسادًا أنّ اللام في قوله (لجنبه) إذا انتصب بـ (مس) لم يجز أن يدخل بين (دعانا) وما يتعلق به كتعلق الصلة، والفاء في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا﴾ يتصل ما (٣) بعدها بـ (دعانا) وغير جائز أن تقول: دعوت فأجابني عبد الله فأحسن)، من قِبَل أنّ (أحسن) ينعطف على أجابني، فدخول منصوب الأول بينهما لا وجه له (٤).\nوقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ﴾ [قال ابن عباس: فلما كشفنا عنه] (٥) مرضه مرّ طاغيا على ترك الشكر (٦).\nوقال الفراء: استمر على طريقته الأولى قبل أن يصيبه البلاء (٧).\nوقال الزجاج: مرّ في العافية على ما كان عليه قبل (٨) أن يبتلى ولم\n_________\n(١) اهـ. كلام أبي إسحاق الزجاج، انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٩.\n(٢) ساقط من (م).\n(٣) في (ى): (بما)، وهو خطأ.\n(٤) لم أجد مصدره، وانظر: \"التبيان في إعراب القرآن\" ص ٤٣٤، فقد ضعف أبو البقاء أيضًا قول الزجاج المذكور.\n(٥) ما بين المعقوفين ساقط من (ح).\n(٦) ذكره المؤلف في \"الوسيط\" ٢/ ٥٤٠ مختصرًا، و\"زاد المسير\" ٤/ ١٢ بلا نسبة.\n(٧) \"معاني القرآن\" ١/ ٤٥٩.\n(٨) ساقط من (ى).","vol":"11","page":138},{"text":"يتعظ بما ناله (١)، وهذا بيان عن حال الجاهل (٢) من الإعراض عما يجب عليه من الشكر على كشف الضر الذي نزل به.\nوقوله تعالى: ﴿كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ﴾، قال الأخفش: ﴿كَأَنْ لَمْ﴾ يريد: كأنه لم، فخففت، ومثله: ﴿كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا﴾ (٣) [يونس: ٤٥]، وهذا مثل ما ذكرنا في (أن) الخفيفة في مواضع، وقال الحسن: نسي ما دعى الله فيه، وما صنع الله به (٤) فيما كشف عنه من ذلك النبلاء (٥).\nوقال صاحب النظم في هذه الآية: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ﴾: (وإذا) موضوعة للمستقبل، ثم قال: ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا﴾ وهذا واجب ماضٍ، فهذا النظم محمول على الاشتراك من أن المعنى فيه: إنه هكذا كان فيما مضى، وهكذا يكون في المستأنف، فدل ما فيه من [الفعل المستأنف على ما فيه من المعنى المستأنف، وما فيه من] (٦) الماضي على الماضي (٧).\nوقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، قال المفسرون: [يقول: كما زُين لهذا الكافر الدعاء عند البلاء والإعراض عند الرخاء، زُين للمسرفين عملهم (٨)، والمعنى: زُين للمسرفين عملهم تزيينًا\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٩.\n(٢) في (ى): (الجاهلية).\n(٣) انظر: \"معاني القرآن\" للأخفش ١/ ٣٦٩.\n(٤) في (م): (فيه).\n(٥) ذكره المؤلف في \"الوسيط\" ٢/ ٥٤٠، ولم أجده عند غيره.\n(٦) ما بين المعقوفين ساقط من (ح).\n(٧) ذكره بنحوه الرازي في \"تفسيره\" ١٧/ ٥٢، وأبو حيان في \"البحر المحيط\" ٥/ ١٣٠.\n(٨) انظر: \"تفسير الثعلبي\" ٧/ ٧ ب، والبغوي ٤/ ١٢٤، وابن الجوزي ٤/ ١٣.","vol":"11","page":139},{"text":"مثل تزيين عمل هذا الكافر، فموضع الكاف في (كذلك) نصب أي: جعل الله جزاءهم الإضلال [بإسرافهم (١) في كفرهم؛ لأن تزيينهم لهم ما يعملون إضلال] (٢) وهذا معنى قول الزجاج في هذه الآية (٣).\nقال ابن عباس: يريد بالمسرفين: المشركين (٤).\nقال ابن كيسان: أسرفوا على أنفسهم إذ عبدوا الوثن (٥)، قال عطاء: نزلت هذه الآية في عتبة بن ربيعة (٦) والوليد بن المغيرة (٧) (٨).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1512>١٣ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا﴾ [الآية] (٩)، قال المفسرون: يخوف كفار مكة بمثل عذاب الأمم الخالية (١٠).\n_________\n(١) في (م): (بإسرارهم)، وهو خطأ.\n(٢) ما بين المعقوفين ساقط من النسخ عدا (م).\n(٣) انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٩.\n(٤) رواه الفيروزأبادي في \"تنوير المقباس\" ص ٢٠٩.\n(٥) \"الوسيط\" ٢/ ٥٤٠، ولم أجده في مصدر آخر.\n(٦) هو: عتبة بن ربيعة بن عبد شمس، أبو الوليد، كبير قريش، واحد ساداتها في الجاهلية، أدرك الإسلام ولم يسلم، بل عاند وتكبر، وشهد بدرًا مع المشركين وقتل فيها سنة ٢ هـ. انظر: \"السيرة النبوية\" ١/ ٢٧٦، \"الأعلام\" ٤/ ٢٠٠.\n(٧) هو: الوليد بن المغيرة بن عبد الله المخزومي، أبو عبد شمس، كان من قضاة العرب في الجاهلية، ومن زعماء قريش وأثريائها، أدرك الإسلام وهو هرم، فقاوم دعوته، وسعى لإطفاء نوره حتى هلك سنة ١ هـ.\nانظر: \"السيرة النبوية\" ١/ ٢٧٧، \"الأعلام\" ٨/ ١٢٢.\n(٨) \"زاد المسير\" ٣/ ١٢، \"الوسيط\" ٢/ ٥٤٠.\n(٩) ما بين المعقوفين ساقط من (ح) و(ز).\n(١٠) انظر: \"تفسير الثعلبي\" ٧/ ٨ أ، والبغوي ٤/ ١٢٥، والسمرقندي ٢/ ٩١، وأصل القول لمقاتل بن سليمان كما في \"تفسيره\" ١٣٨ ب.","vol":"11","page":140},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾، قال ابن الأنباري: ألزمهم الله ترك الإيمان لمعاندتهم الحق، وايثارهم الباطل، يدل على هذا قوله: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ﴾ (١).\nوقال أبو إسحاق (٢): أعلم الله ﷿ أنهم لا يؤمنون ولو بقّاهم (٣) أبدًا، فجائز أن يكون جعل الله جزاءهم الطبع على قلوبهم، كما قال: ﴿رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا (٤) مِنْ قَبْلُ﴾ الآية في سورة الأعراف (٥)، والدليل أنه طبع على قلوبهم جزاءً لهم قوله (٦) تعالى: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ﴾ [قال: وجائز أن يكون أعلم (٧) ما قد علم منهم (٨) (٩)، وعلى هذا معنى قوله: كذلك نجزي القوم المجرمين] (١٠)، أي نعاقب ونهلك المشركين المكذبين بمحمد - ﷺ - كما فعلنا بمن قبلهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1513>١٤ </span>- قوله تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾، قال\n_________\n(١) ذكره ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٣/ ٣٣٠، والمؤلف في \"الوسيط\" ٢/ ٥٤٠.\n(٢) في (ى): (ابن عباس)، وهو خطأ.\n(٣) هكذا، وهو صحيح كما في \"اللسان\" (بقى) ١/ ٣٣٠، \"معاني القرآن\" للنحاس ٣/ ٢٨١، واللفظ في المصدر: أبقاهم.\n(٤) في جميع النسخ (كذبوا به)، وهو خطأ.\n(٥) رقم: ١٠١، وبقيتها: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ﴾.\n(٦) في (م): (وقوله)، وهو خطأ.\n(٧) في (ى): (أعلمهم).\n(٨) أي أن الله سبحانه علم موتهم على الكفر فأخبر في هذه الآية بذلك.\n(٩) اهـ. كلام الزجاج، انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٠، وقد قدم المؤلف بعض الجمل على بعض.\n(١٠) ما بين المعقوفين ساقط من (م).","vol":"11","page":141},{"text":"ابن عباس: يريد أهل مكة (١).\nوقوله تعالى: ﴿لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾، قال ابن عباس: يريد لنختبر أعمالكم، وهو يعلم ما يكون قبل أن يكون (٢).\nوقال أهل المعاني: معنى النظر هو طلب العلم، وجاز في وصف الله تعالى للمظاهرة في العدل بأنه يعامل العباد معاملة من يطلب العلم بما يكون منهم ليجازيهم بحسبه كقوله: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ (٣) [الملك: ٢]، وقد مرّ نظائر هذا (٤).\nوقال رسول الله - ﷺ -: \"إن الدنيا خضرة حلوة وإن الله مستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون\" (٥) [وقال قتادة: صدق الله ربنا؛ ما جعلنا خلفاء إلا لينظر إلى أعمالنا، فأروا الله من أعمالكم خيرًا بالليل والنهار (٦).\n_________\n(١) ذكره المؤلف في \"الوسيط\" ٢/ ٥٤١.\n(٢) المصدر السابق، نفس المصدر.\n(٣) وانظر معنى هذا القول في \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٤٧٢، وللنحاس ١/ ٤٨٢.\n(٤) انظر مثلًا: تفسير قوله تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٠]، وقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا﴾ [آل عمران: ١٤٢] في \"البسيط\".\n(٥) رواه مسلم في \"صحيحه\" (٢٧٤٢) كتاب الرقاق، باب: أكثر أهل الجنة الفقراء، والترمذي في \"سننه\" (٢١٩١) كتاب: الفتن، باب: ما جاء ما أخبر النبي - ﷺ - أصحابه، وابن ماجه في \"سننه\" (٤٠٠٠) كتاب: الفتن، باب: فتنة النساء، وأحمد في \"المسند\" ٣/ ١٩.\n(٦) ذكره عنه ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٤/ ١٣، والرازي في \"تفسيره\" ١٧/ ٥٤، والمؤلف في \"الوسيط\" ٢/ ٥٤١، ولا أرى نسبته إلى قتادة إلا وهمًا، إذ رواه ابن جرير ١١/ ٩٤، والثعلبي ٧/ ٨ أ، وابن أبي حاتم ٦/ ١٩٣٤، وابن المنذر وأبو الشيخ كما في \"الدر المنثور\" ٣/ ٥٤٠، عن قتادة، عن عمر.","vol":"11","page":142},{"text":"وقال أبو إسحاق: موضع (كيف) نصب بقوله (تعملون)] (١)؛ لأنها حرف الاستفهام الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله، لو قلت لننظر خيرًا تعملون أم شرًا، كان العامل في (خير) و(شر): تعملون (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1514>١٥ </span>- قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ﴾ الآية، قال قتادة (٣)، ومقاتل (٤)، والكلبي (٥): نزلت في مشركي مكة؛ قالوا للنبي - ﷺ -: ائت بقرآن غير هذا، ليس فيه ترك عبادة آلهتنا، قال الزجاج: (بينات) منصوب على الحال (٦).\nوقوله تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا﴾، قال ابن عباس (٧)، والكلبي (٨)، وغيرهما (٩): يعني الذين لا (١٠) يخافون البعث.\nوقوله تعالى: ﴿ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا﴾ أي بقرآن ليس فيه عيب آلهتنا وذكر البعث والنشور ﴿أَوْ بَدِّلْهُ﴾ أي تكلم به من ذات نفسك فبدل منه ما\n_________\n(١) ما بين المعقوفين مكرر في (ى).\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٠.\n(٣) رواه ابن جرير ١٥/ ٤٢، وابن أبي حاتم ٦/ ١٩٣٤، والثعلبي ٧/ ٨ ب، والبغوي ٤/ ١٢٥.\n(٤) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٣٨ ب، والثعلبي ٧/ ٨ ب، والبغوي ٤/ ١٢٥.\n(٥) انظر: \"تفسير الثعلبي\" ٧/ ٨ ب، والسمرقندي ٢/ ٩١، \"أسباب النزول\" للمؤلف ص ٢٧٠.\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٠.\n(٧) \"تنوير المقباس\" ص ٢١٠.\n(٨) \"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٩١.\n(٩) انظر: \"تفسير ابن جرير\" ١١/ ٩٥.\n(١٠) ساقط من (ى).","vol":"11","page":143},{"text":"نكرهه، قاله المفسرون (١).\nوقال أهل المعاني: الفرق بين الإتيان بقرآن غيره وبين تبديله أن الإتيان بغيره قد يكون معه فأما تبديله فلا يكون إلا برفعه ووضع آخر في مكانه أو في شيء منه (٢)، وهذا تعنت وتحكم منهم وإيهام أن الأمر موقوف على ما يرضون به، وليس (٣) يرضون بهذا فيريدون غيره.\nوقوله تعالى: ﴿قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي﴾، قال الكلبي (٤): ما ينبغي لي أن أغيره من قبل نفسي، ولم أومر به (٥).\nوقال أهل المعاني: معناه ليس لي أن أتلقاه بالتبديل، كما ليس لي أن أتلقاه بالرد (٦). ومعنى التلقاء: جهة مقابلة (٧) الشيء، وقد يجعل ظرفًا، فيقال: هو تلقاءه، كما يقال هو حذاءه وإزاءه وقبالته.\nوقوله تعالى: ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ قال ابن عباس: يريد ما أخبركم إلا ما أخبرني الله به (٨).\n_________\n(١) انظر: \"تفسير الثعلبي\" ٧/ ٨ ب، والبغوي ٤/ ١٢٥، و\"الوسيط\" ٢/ ٥٤١.\n(٢) انظر نحو هذا القول في: \"تفسير الرازي\" ١٧/ ٥٥ - ٥٦، والقرطبي ٨/ ٣١٩.\n(٣) هكذا في جميع النسخ، والسياق يقتضي الجمع.\n(٤) في (ى) ابن عباس والكلبي، ولم أثبت ابن عباس لعدم ذكره في سائر النسخ (ح) و(م) و(ز).\n(٥) لم أعثر على مصدره، وانظر معناه في: \"تنوير المقباس\" ص ٢١٠ عنه، عن ابن عباس.\n(٦) ذكر نحو هذا القول الماوردي في \"النكت والعيون\" ٢/ ٤٢٧، والقرطبي في \"تفسيره\" ٨/ ٣١٩، ولم أجده في كتب أهل المعاني.\n(٧) ساقط من (م).\n(٨) ذكره المؤلف في \"الوسيط\" ٢/ ٥٤١، وانظره بمعناه في: \"تنوير المقباس\" ص ٢١٠.","vol":"11","page":144},{"text":"وقال مقاتل: يقول إذا أُمرت بأمر فعلته، ولا أبتدع ما لا (١) أومر به (٢)، وقال الزجاج: تأويله [إن الذي أتيت به من عند الله لا من عند نفسي فأبدله (٣)] (٤).\nوالآية بيان عن (٥) حال الجاهل في التحكم في سؤال الدلالات كما يقول السفيه: [لست أريد هذه الحجة، فهات غيرها] (٦)، جهلًا منه بما يلزمه فيها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1515>١٦ </span>- قوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ﴾، قال ابن عباس [والمفسرون: يقول: لو شاء الله ما قرأت عليكم] (٧) القرآن (٨) ﴿وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ﴾ أي: ولا أخبركم ولا أعلمكم الله به، يقال: دريت الشيء وأدراني به الله [والمعنى: أنه لو شاء الله أن لا ينزل القرآن] (٩) ما أعلمهم به، ولا (١٠) أمر النبي - ﷺ - بتلاوته عليهم.\n_________\n(١) في (م): (لم).\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ص ١١٧ مختصرًا عند تفسير قوله تعالي: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي﴾ [الأعراف:٢٠٣].\n(٣) \" معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١١\n(٤) ما بين المعقوفين بياض في (ح).\n(٥) ساقط من (ى).\n(٦) ما بين المعقوفين بياض في (ح)\n(٧) ما بين المعقوفين بياض في (ح)\n(٨) ذكره الفيروزأبادي في \"تنوير المقباس\" ص٢١٠، والمؤلف في \"الوسيط\" ٢/ ٥٤١، وبمعناه رواه ابن جرير ١١/ ٩٥.\n(٩) ما بين المعقوفين بياض في (ح)\n(١٠) ساقط من (ح).","vol":"11","page":145},{"text":"قال سيبويه: يقال دريته ودريت به، قال: والأكثر [في الاستعمال بالباء (١). ويبين ما قاله (٢)] (٣). قوله: ﴿وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ﴾ ولو كان على اللغة الأخرى لكان (٤): ولا أدراكموه، وأدرى: (أفعل) من الدراية وهي [التأني (٥) والتعمل (٦) لعلم الشيء، وعلى] (٧) هذا المعنى ما تصرف من هذه الكلمة نحو: درى وأدرى بمعنى ختل، وقالوا: داريت الرجل إذا [لاينته وختلته، وإذا كان الحرف] (٨) على هذا فالداري في وصف الله لا يجوز، فأما قول الراجز:\nلا هُمّ لا أدري وأنت الداري (٩)\n[فإنما استجاز ذلك لتقدم لا أدري] (١٠) كقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٩٤] ونحوه، ولو لم يتقدم ذكر الاعتداء لم\n_________\n(١) انظر قول سيبويه في \"الحجة\" لأبي علي ٤/ ٢٦٠، و\"الكتاب\" لسيبويه ١/ ٢٣٨ تحقيق هارون، ونصه: (ومثل ذلك دريت في أكثر كلامهم؛ لأن أكثرهم يقول: ما دريت به، مثل: ما شعرت به).\n(٢) في (ح): (قالوا).\n(٣) ما بين المعقوفين بياض في (ح).\n(٤) في (م): (لقال).\n(٥) هكذا في (م) و(ز) و(ص)، وبدون نقط في (ى)، وبهذا اللفظ في: \"الحجة للقراء السبعة\" ٤/ ٢٦٠، الذي نقل منه المؤلف النص، ولعل الصواب: التأتي بدلالة قوله: والتعمل.\n(٦) في (ى): (العمل)، والتعمل: التعني، تقول: سوف أتعمل في حاجتك: أي أتعنى.\nانظر: \"لسان العرب\" (عمل) ٥/ ٣١٠٨.\n(٧)، (٨) ما بين المعقوفين بياض في (ح).\n(٩) الرجز للعجاج، انظر: \"ديوانه\" ١/ ١٢٠ وبعده:\nكل امرئ منك على مقدار\n(١٠) ما بين المعقوفين بياض في (ح).","vol":"11","page":146},{"text":"يحسن في الابتداء [الأمر بالاعتداء، على أن الأعراب] (١) ربما ذكروا (٢) أشياء لا مساغ لها (٣) كقوله (٤):\nاللهم إن كنت الذي بعهدي ... ولم تُغيرك الأمور بعدي\nوقوله تعالى: ﴿فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ﴾.\nقال ابن عباس: يريد أقمت فيكم أربعين سنة لا أحدثكم شيئًا ولا آتيكم [به (٥).\n﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ أنه ليس من قبلي] (٦) أتيتكم به.\nوقال الزجاج: أي قد لبثت فيكم من قبل أن يوحى إليّ لا أتلو كتابًا ولا أخطه بيميني، وهذا دليل على أنه أوحي إليّ، إذ كنتم تعرفونني بينكم (٧)، نشأت لا أقرأ الكتب، فإخباري إياكم بأقاصيص الأولين من غير\n_________\n(١) بياض في (ح).\n(٢) ساقط من (ى).\n(٣) يعني أنه ليس كل ما ورد عن العرب يجوز وصف الله به، بل يجب الاقتصار على الوارد في الكتاب والسنة.\n(٤) لم أهتد إلى قائله، ونسبه الفارسي في \"الحجة\" ١/ ٢٦١، إلى بعض جفاة الأعراب، وانظر البيت بلا نسبة في \"المخصص\" ٣/ ٤، \"لسان العرب\" (روح) ٣/ ١٧٦٧، وفي هذه المصادر: لاهم. وفي \"المخصص\"، \"اللسان\": ولم تغيرك السنون.\n(٥) ذكره بلفظه ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٤/ ١٥، والمؤلف في \"الوسيط\" ٢/ ٥٤١، ورواه بمعناه البخاري في \"صحيحه\" (٣٨٥١) كتاب المناقب، باب: مبعث النبي - ﷺ -، وأحمد في \"المسند\" ١/ ٣٧١، والثعلبي في \"تفسيره\" ٧/ ٩/ أ.\n(٦) ما بين المعقوفين بياض في (ح).\n(٧) ساقط من (ى).","vol":"11","page":147},{"text":"كتاب ولا تلقين يدل على أنه إنما أتيت به من عند الله (١) جل وعز (٢)\nوقال غيره: يقول قد أتى عليّ عُمُر وأنا بهذه الصفة لا أتلوه عليكم ولا يعلمكم به الله، حتى أمرني به وشاء إعلامكم (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1516>١٧ </span>- قوله تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ الآية (فمن) هاهنا استفهام معناه الجحد، أي لا أحد أظلم ممن هذه صفته، والمعنى: لا أحد أظلم ممن يظلم ظلم الكفر، كأنه قيل: لا أحد أظلم من الكافر.\nقال ابن عباس: يريد: إني لم أفتر على الله ولم أكذب عليه، وأنتم فعلتم ذلك حيث زعمتم أن معه شريكًا وعبدتم الأوثان وكذبتم نبيه وما جاء به من عند الله (٤).\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ﴾، قال: يريد: لا يسعد من كذب أنبياء الله (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1517>١٨ </span>- قوله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ﴾\n_________\n(١) هذا أحد وجوه إعجاز القرآن، لكنه ليس الوجه الذي تُحديت به البشرية، ودل على صدق الرسول لكافة الناس، بل نظم القرآن ونسقه، وتركيب جمله، وبراعة بلاغته، هو الذي حير الألباب، وأخرس ألسنة المعاندين، وأجبرهم على الإقرار بالعجز عن الإتيان بمثله.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١١ بنحوه.\n(٣) ذكر نحو هذا القول النحاس في \"إعراب القرآن\" ٢/ ٥٤.\n(٤) ذكره ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٤/ ١٥، والمؤلف في \"الوسيط\" ٢/ ٥٤١.\n(٥) ذكره المؤلف في \"الوسيط\" ٢/ ٥٤١.","vol":"11","page":148},{"text":"يعني أهل مكة، قال أبو إسحاق: المعنى: ما لا يضرهم إن لم يعبدوه، ولا بنفعهم إن عبدوه (١).\nوذمّ هؤلاء بعبادة الوثن الذي لا يضر ولا ينفع؛ لأن هذا غاية الجهل حيث عبدوا جمادًا فهم أجهل (٢) ممن عبد من دون الله من ينفع ويضر في الظاهر.\nوقوله: ﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾، قال أهل المعاني: توهموا أن عبادتها أشد في تعظيم الله من قصده بالعبادة، فعبدوها وأحلوها محل الشافع عند الله (٣).\nوقال الحسن: شفعاء في إصلاح معاشهم في الدنيا؛ لأنهم لا يقرون بالبعث؛ ألا تسمعه يقول: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ﴾ (٤) [النحل: ٣٨].\nوقوله تعالى: ﴿قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ قال الضحاك: أتخبرون الله [أن له شريكًا ولا يعلم الله لنفسه شريكًا في السموات ولا في الأرض؛ لأنه لا شريك له، فذلك لا يعلمه ولو كان لعلم (٥).\n_________\n(١) اهـ. كلام الزجاج، انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١١.\n(٢) في (ى): (أهل جهل)، وهو خطأ.\n(٣) ذكر نحو هذا القول الرازي في \"تفسيره\" ١٧/ ٥٩ - ٦٠، ولم أجده في كتب أهل المعاني.\n(٤) ذكره ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٤/ ١٦، والمؤلف في \"الوسيط\" ٢/ ٥٤٢. وأبو حيان في \"البحر المحيط\" ٥/ ١٣٢.\n(٥) ذكره ابن الجوزى في \"زاد المسير\" ٤/ ١٦، والمؤلف في \"الوسيط\" ٢/ ٥٤٢.","vol":"11","page":149},{"text":"قال أهل المعاني] (١): هذا على طريق الإلزام؛ لأنه ينكر ما يخبرون به من عبادة الأوثان وكونها شافعة، يقول: أتخبرون الله بالكذب وبما يعلم أنه ليس (٢)؛ لأنه لا يشفع عند الله إلا من أذن له بالشفاعة (٣).\nوقوله تعالى: ﴿عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [وقرئ (تُشركون)] (٤) بالتاء (٥)؛ فمن قرأ بالتاء فلقوله: ﴿قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ﴾، ومن قرأ بالياء فكأنه قيل للنبي - ﷺ -: قل أنت: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. ويجوز أن يكون هو سبحانه نزه نفسه عما افتروه، فقال: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1518>١٩ </span>- قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ أي مجتمعة على دين واحد، قال عطاء، عن ابن عباس: يعني من لدن إبراهيم إلى أن غيّر الدين عمرو بن لحي، فاختلفوا واتخذوا الأصنام أربابًا وأندادًا مع الله (٧).\n_________\n(١) ما بين المعقوفين بياض في (ح).\n(٢) هكذا في جميع النسخ (ح) و(ى) و(م) و(ز) و(ص)، والكلام غير مرتبط بما بعده، ولعل المعنى: ليس شفيعًا، أو ليس مأذونًا له بالشفاعة.\n(٣) لم أعثر على مصدر هذا القول.\n(٤) ما بين المعقوفين ساقط من (ى).\n(٥) قرأ حمزة والكسائي وخلف بالتاء على الخطاب، وقرأ الباقون بالياء. انظر: \"إرشاد المبتدي\" ص ٣٦١، \"النشر\" ٢/ ٢٨٢، \"إتحاف فضلاء البشر\" ص ٢٤٨.\n(٦) انظر: توجيه القراءة في \"الحجة\" ٤/ ٢٦٤.\n(٧) رواه الثعلبي في \"تفسيره\" ٧/ ١٠ أ، عن عطاء، وانظر: \"تفسير الوسيط\" للمؤلف ٢/ ٥٤٢.","vol":"11","page":150},{"text":"وقال الكلبي: يعني أمة كافرة على عهد إبراهيم، فاختلفوا فآمن بعضهم وكفر بعضهم (١).\nوقال مجاهد: كانوا على ملة الإسلام إلى أن قتل أحد بني آدم أخاه (٢)، وهو قول السدي (٣).\nوحكى الزجاج وابن الأنباري: أن الناس هاهنا العرب، وكان دينهم في أول دهرهم (٤) الكفر ثم اختلفوا بعد ذلك فمنهم من آمن ومنهم من كفر (٥).\nوقد ذكرنا الاختلاف في هذا في قوله: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [البقرة: ٢١٣] الآية (٦).\n_________\n(١) انظر المصدرين السابقين، نفس الموضع، \"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٩٢.\n(٢) رواه الثعلبي في \"تفسيره\" ٧/ ٩ أ، ورواه بنحوه ابن جرير في \"تفسيره\" ١١/ ٩٨، وابن أبي حاتم ٦/ ١٩٣٦، وابن أبي شيبة وابن المنذر وأبو الشيخ كما في \"الدر المنثور\" ٣/ ٥٤٢.\n(٣) رواه الثعلبي في نفس الموضع، وذكره أيضًا المصنف في \"الوسيط\" ٢/ ٥٤٢.\n(٤) في (ى): (الدهر).\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" للزجاج ٣/ ١٢ بنحوه، ولم أعثر على قول ابن الأنباري.\n(٦) قال في هذا الموضع: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ الآية، قال ابن عباس: كان الناس على عهد إبراهيم -﵇- أمة واحدة كفارًا كلهم، وولد إبراهيم في جاهلية، فبعث الله إليهم إبراهيم وغيره من النبيين، وقال الحسن وعطاء: كان الناس من وقت وفاة آدم إلى مبعث نوح أمة واحدة على ملة الكفر، قال ابن الأنباري على هذا القول: وإن كان فيما بينهم من لم يكن بهذا الوصف نحو هابيل وإدريس فإن الغالب كان الكفر، والحكم للأغلب، وقال الكلبي والواقدي: هم أهل سفينة نوح كانوا مؤمنين كلهم ثم اختلفوا.","vol":"11","page":151},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾، قال ابن عباس (١)، والكلبي (٢)، والحسن (٣)، والمفسرون (٤): سبق من الله أنه أخر هذه الأمة، ولا يهلكهم بالعذاب كما أهلك الذين من قبلهم.\nومعنى ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ [لفصل بينهم ﴿فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾، قال ابن عباس: بنزول العذاب (٥)] (٦).\nوقال أبو روق: بإقامة الساعة (٧).\nوقال الحسن: بإدخال المؤمنين الجنة بأعمالهم، والكافرين النار\n_________\n(١) رواه الفيروزأبادي في \"تنوير المقباس\" ص ٢١٠ من رواية الكلبي.\n(٢) رواه الثعلبي ٧/ ١٠ أ، والبغوي ٤/ ١٢٧، والسمرقندي ٢/ ٩٢.\n(٣) لم أجده بهذا اللفظ، وقد ذكره هود بن محكم في \"تفسيره\" ٢/ ١٨٧ بلفظ: يعني المؤمنين والكافرين، لولا أن الله قضى ألا يحاسب بحساب الآخرة في الدنيا لحسابهم في الدنيا بحساب الآخرة. ونحوه عند القرطبي ٨/ ٣٢٢.\n(٤) لم أجد أحدًا من المفسرين المصنفين ذهب إلى هذا القول سوى المؤلف في \"الوسيط\" ٢/ ٥٤٢، وهذا القول فيه نظر إذ ليس للأمة ذكر في الآية، والضمير يعود إلى الناس في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ والمراد بهم عامة الناس أو العرب خاصة، كما بينه المؤلف، وقد ذهب ابن جرير ١١/ ٩٨، والبغوي ٤/ ١٢٧، والسمرقندي ٢/ ٩٢، وابن عطية ٧/ ١٢٣، وغيرهم إلى أن معنى الجملة: لولا أنه سبق من الله أن لا يهلك قومًا إلا بعد إنقضاء آجالهم المقدرة لقضي بين المختلفين.\n(٥) رواه الفيروزأبادي في \"تنوير المقباس\" ص ٢١٠ بمعناه، وذكره أبو حيان في \"البحر المحيط\" ٥/ ١٣٥، عن الكلبي، كما أشار إليه ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٤/ ١٧ دون تعيين القائل.\n(٦) ما بين المعقوفين ساقط من (ى).\n(٧) رواه الثعلبي ٧/ ١٠ أ.","vol":"11","page":152},{"text":"بكفرهم ولكنه (١) سبق من الله الأجل فجعل موعدهم يوم القيامة (٢).\nوقال أهل المعاني: لولا كلمة سبقت من ربك في أنه لا يعاجل العصاة بالعقوبة إنعامًا عليهم في التأني بهم لقضي بينهم في اختلافهم بما يضطرهم إلى علم المحق من المبطل (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1519>٢٠ </span>- قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ﴾ يعني أهل مكة ﴿لَوْلَا﴾ هلا ﴿أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾، قال ابن عباس: يريدون مثل العصا وما أنزل على موسى؛ سألوه أن يأتيهم بآية من ربه كما جاءت الأنبياء (٤)، هذا قول المفسرين (٥).\nوقال أهل المعاني: سألوا آية تضطر إلى المعرفة، ولم يطلبوا معجزة؛ لأنه قد أتاهم بمعجزة، وإنما طلبوا آية يعلم بها صحة النبوة لا محالة من غير أن يوكلوا إلى الاستدلال بالآية (٦).\nوقال بعضهم: طلبوا آية غير القرآن (٧).\n_________\n(١) في (ى): (وقد).\n(٢) رواه الثعلبي ٧/ ١٠ أ، والبغوي ٤/ ١٢٧.\n(٣) ذكره الرازي في \"تفسيره\" ١٧/ ٦٣ دون تعيين القائل، وبنحوه قال الزمخشري في \"كشافه\" ٢/ ٢٣٠، ولم أجده في كتب أهل المعاني.\n(٤) لم أعثر على مصدره.\n(٥) انظر: \"تفسير هود بن محكم\" ٢/ ١٨٧، وابن الجوزي ٤/ ١٧، والقرطبي ٨/ ٣٢٣، وابن كثير ٢/ ٤٥٢، وأبو حيان ٥/ ١٣٦.\n(٦) وإلى هذا القول ذهب ابن عطية في \"المحرر الوجيز\" ٧/ ١٢٣.\n(٧) انظر: \"تفسير الرازي\" ١٧/ ١٦٤، وقال الزمخشري في \"الكشاف\" ٢/ ٢٣٠: وكفى بالقرآن وحده آية باقية على وجه الدهر بديعة غريبة في الآيات، دقيقة المسلك من بين المعجزات، وجعلو نزولها كلا نزول.","vol":"11","page":153},{"text":"وقوله تعالى: ﴿فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّه﴾ [قال المفسرون: يعني قل لهم: إن قولكم هلا أنزل عليه آية غيب، وإنما الغيب لله] (١) لا يعلم أحد لِمَ لَمْ يفعل ذلك، وهل يفعله أم لا، وإن فعله متى يفعل (٢)؟ وهذا على التسليم أنه مما لا يعلمه العباد فيجب أن يوكل إلى علام الغيوب (٣).\nوقوله تعالى: ﴿فَانْتَظِرُوا﴾ أي نزول الآية ﴿إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾ لنزولها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1520>٢١ </span>- قوله تعالى: ﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ﴾، قال ابن عباس وغيره: يعني كفار مكة (٤) ﴿رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ﴾ يعني مطرًا وخصبًا وغنى من بعد قحط وبؤس وفقر، قال أهل المعاني: قيل: أذقناهم رحمة، على طريق البلاغة لشدة إدراك الحاسة (٥).\nوقوله تعالى: ﴿إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آيَاتِنَا﴾، قال عطاء وابن عباس:\n_________\n(١) ما بين المعقوفين ساقط من (ى).\n(٢) انظر معنى هذا القول في: \"تفسير الطبري\" ١١/ ٩٩، والثعلبي ٧/ ١٠ أ، والبغوي ٤/ ١٢٧.\n(٣) في (م): (الغيب).\n(٤) رواه عن ابن عباس بنحوه الفيروزأبادي في \"تنوير المقباس\" ص ٢٢١، وهو قول مقاتل بن سليمان كما في \"تفسيره\" ١٣٦ ب، وبه قال الثعلبي ٧/ ١٠ أ، والبغوي ٤/ ١٢٧، والنحاس في \"معاني القرآن الكريم\" ٣/ ٢٨٤، وغيرهم، لكنهم لم يخصوا كفار مكة، بل قال أبو حيان في \"البحر المحيط\" ٥/ ١٣٦: وهذه وإن كانت في الكفار فهي تتناول من العاصين من لا يؤدي شكر الله عند زوال المكروه عنه، ولا يرتدع بذلك عن معاصيه، وذلك في الناس كثير. وسبقه إلى ذلك ابن عطية في \"المحرر الوجيز\" ٧/ ١٢٣.\n(٥) لم أقف عليه.","vol":"11","page":154},{"text":"(قول بالتكذيب في آياتنا) (١).\nوقال مجاهد: (استهزاء وتكذيب) (٢)، وعلى هذا، الآيات يراد به (٣) القرآن، والمعني أنهم إذا أخصبوا بطروا وكذبوا بالقرآن، وسمي تكذيبهم بآيات الله مكرًا؛ لأن المكر صرف الشيء عن وجهه على طريق الحيلة فيه، وهؤلاء يحتالون لدفع آيات الله بكل ما يجدون إليه السبيل من شبهة أو تخليط في مناظرة أر غير ذلك من الأمور الفاسدة.\nوقال مقاتل (٤): يعني لا يقولون هذا رزق الله، إنما يقولون سقينا بنوء كذا، وعلى هذا، المراد بالآيات: إذاقة الرحمة والخصب بعد القحط، وإنزال المطر بعد الجدوبة.\nقال أبو إسحاق: قوله تعالى: ﴿إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ﴾ جواب الجزاء، وهذا كقوله: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ [الروم: ٣٦] المعنى: وإن تصبهم سيئة قنطوا، ﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ﴾ (٥) مكروا، فـ (إذا) تنوب عن جواب الشرط كما ينوب الفعل (٦)، وكما تنوب الفاء، وزاد\n_________\n(١) رواه عن ابن عباس بنحوه الفيروزأبادي في \"تنوير المقباس\" ص ٢٢١، ولم أعثر على مصدر قول عطاء، لكنّ أبا حيان قال في \"البحر المحيط\" ٥/ ١٣٦: قاله جماعة.\n(٢) رواه ابن جرير ١١/ ٩٩، وابن أبي حاتم ٦/ ١٩٣٨، والثعلبي ٧/ ١٠ ب، والبغوي ٤/ ١٢٧، وابن أبي شيبة وابن المنذر وأبو الشيخ كما في \"الدر المنثور\" ٣/ ٥٤٢.\n(٣) هكذا في جميع النسخ بالتذكير.\n(٤) هو: ابن حيان كما في \"تفسير الثعلبي\" ٧/ ١٠ ب، وابن الجوزي ٤/ ١٨.\n(٥) ألحق محقق \"معاني القرآن\" بالجملة قوله تعالى: ﴿رَحْمَةً﴾ وأشار إلى أنها زيادة يقتضيها السياق، وليست بالنسخ الخطية للكتاب.\n(٦) اهـ. كلام الزجاج، \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٢.","vol":"11","page":155},{"text":"الفراء فقال: وكذلك يفعلون بـ (إذ) كقول الشاعر (١):\nبينما هن بالأراك معًا ... إذ أتى راكب على جمله\nقال: وأكثر الكلام في هذا الموضع أن تطرح (إذ) كقوله (٢):\nبينا تَبغّيه العشاء وطوفه ... سقط العشاء به على سرحان (٣)\nوهذا الفصل يأتي مشروحًا في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ [الروم: ٣٦] في سورة الروم إن شاء الله (٤).\nوقوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا﴾، قال عطاء: أسرع نقمة (٥)، والمعنى جزاءً على المكر، وذلك أنهم جعلوا جزاء النعمة المكر مكان الشكر، فقوبلوا بما هو أشد، وتأويل قوله: ﴿أَسْرَعُ مَكْرًا﴾ أن ما يأتيهم من العقاب (٦) أسرع في\n_________\n(١) هو: جميل بن معمر العذري، انظر: \"ديوانه\" ص ٨٥، و\"شرح شواهد المغني\" ٢/ ٧٢٢، و\"الأغاني\" ٨/ ٩٩، و\"خزانة الأدب\" ٨/ ٥٨، ١٠/ ٢٣، و\"مغني اللبيب\" ص ٤١٠، و\"القاموس المحيط\" (ما).\n(٢) هو: عبد الله بن عثمة الضبي كما في \"الأيام والليالي والشهور\" للفراء ص ٦٢، \"لسان العرب\" (قمر) ٦/ ٣٧٣٦، \"شرح أبيات معاني القرآن\" ص ٣٧٧، ولصدر البيت رواية أخرى هي:\nأبلغ عثيمة أن راعي إبله ... سقط ................ إلخ\n(٣) اهـ. كلام الفراء، انظر: \"معاني القرآن\" ١/ ٤٥٩.\n(٤) اقتصر في هذا الموضع ما نصه: وإن تصبهم سيئة يعني شدة وبلاء، وبما قدمت أيديهم، أي بما عملوا من السيئات، إذا هم يقنطون (إذا) جواب الشرط، وهو مما يجاب به الشرط، قوله: (إذا هم يقنطون) في موضح قنطوا.\n(٥) لم أعثر على مصدر قوله.\n(٦) في (ى): (العذاب).","vol":"11","page":156},{"text":"إهلاكهم مما أتوه من المكر في إبطال آيات الله، وهذا معنى قول مقاتل: فقتلهم الله يوم بدر (١)، يعني: جزاء مكرهم في آياته بعقاب ذلك اليوم، فكان (٢) أسرع في إهلاكهم من كيدهم في إهلاك محمد - ﷺ - وإبطال ما أتى به.\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ﴾ وعيد لهم على المجازاة وبه (٣) في الآخرة، ويعني بالرسل الحفظة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1521>٢٢ </span>- قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ الآية، يقال سيرت القوم من بلدة إلى بلدة: أي أشخصتهم، وقرأ ابن عامر: (ينشركم) (٤) من النشر بعد الطي، والمعنى: يفرقكم ويبثكم، وحجته قوله: ﴿فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [الجمعة: ١٠].\nوقوله: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ﴾، قال بعضهم: في الآية إضمار على تقدير: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ فتسيرون ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ﴾ (٥)، وذكرنا الكلام في الفلك في سورة البقرة (٦).\nوقوله تعالى: ﴿وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾، قال أبو إسحاق: ابتداء\n_________\n(١) ذكره المؤلف في \"الوسيط\" ٢/ ٥٤٢، ولعل القول لمقاتل بن حيان؛ إذ ليس موجودًا في \"تفسير مقاتل بن سليمان\".\n(٢) في (ح) و(ز): (في)، وهو خطأ.\n(٣) في (ى): (له).\n(٤) انظر: كتاب \"السبعة\" ص ٣٢٥، \"النشر\" ٢/ ٢٨٢، \"إرشاد المبتدي\" ص ٣٦١، وقد وافقه أبو جعفر كما في المصدرين الأخيرين.\n(٥) انظر: \"تفسير الكشاف\" ٢/ ٢٣١، والرازي ١٧/ ٦٩.\n(٦) البقرة: ١٦٤، وقال في هذا الموضع: الفلك: واحد وجمع، ويذكر ويؤنث، وأصله من الدوران، وكل مستدير فلك، وفلك السماء اسم لأطواق سبعة تجري فيها النجوم، والسفينة سميت فلكًا؛ لأنها تدور بالماء أسهل دور ... إلخ.","vol":"11","page":157},{"text":"الكلام خطاب، وبعد ذلك إخبار عن غائب؛ لأن كل من أقام الغائب مقام من يخاطب جاز له أن يرده إلى الغائب، وأنشد:\nأسيئي بنا أو أحسني لا ملومة ... لدينا ولا مقلية (١) إن تقلت (٢) (٣)\nفقوله (تقلت)، خبر عن غائب بعد المخاطبة.\nوقوله تعالى: ﴿جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ﴾، قال الفراء: يعني الفلك، فقال: ﴿جَاءَتْهَا﴾ وقد قال: ﴿وَجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ ولم يقل وجرت، وكلٌ صواب، تقول: النساء قد ذهبت وذهبن، والفلك يؤنث ويذكر، ويكون واحدًا (٤) وجمعًا (٥).\nوقوله تعالى: ﴿عَاصِفٌ﴾، قال الزجاج والفراء: ريح عاصف وعاصفة وقد عصفت عصوفًا وأعصفت، فهي معصف ومعصفة (٦).\nقال الفراء: والألف (٧) لغة بني أسد (٨) ومعنى عصفت الريح: اشتدت، وأصل العصف السرعة، يقال: ناقة عاصف وعصوف: سريعة،\n_________\n(١) في (ح): (مقلة)، وهو خطأ.\n(٢) البيت لكثير عزة من تائيته المشهورة، انظر: \"ديوانه\" ٢/ ١٣، \"أمالي القالي\" ٢/ ١٠٩، \"لسان العرب\" (قلا) ٦/ ٣٧٣١، وهو في \"الصحاح\" (قلا) بلا نسبة.\n(٣) اهـ كلام الزجاج، انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٣.\n(٤) في \"معاني القرآن\": واحدة.\n(٥) \"معاني القرآن\" ١/ ٤٦٠، وانظر التذكير والتأنيث للفلك في \"المذكر والمؤنث\" لابن الأنباري ١/ ٢٧٨.\n(٦) انظر قول الفراء في المصدر السابق، نفس الموضع، وقول الزجاج في \"زاد المسير\" ٣/ ١٩، \"تفسير الرازي\" ١٧/ ٧٠، ولم أجده في كتابه \"معاني القرآن\".\n(٧) في \"معاني القرآن\" (وبالألف) يعني: أعصفت.\n(٨) \"معاني القرآن\" ١/ ٤٦٠.","vol":"11","page":158},{"text":"وإنما قيل ريح عاصف؛ لأنه يراد ذات عصوف، كما قيل لابن، وتامر (١)، أو لأن لفظ الريح مذكر (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ﴾، الموج ما ارتفع من الماء فوق الماء، ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ﴾، قال أبو عبيدة والقتيبي: أي دنوا من الهلاك (٣)، وأصل هذا أن العدو إذا أحاط بقوم أو بلد فقد دنوا من الهلاك، وذكرنا ما في هذا عند قوله: ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ (٤) [البقرة: ٨١].\nوقوله تعالى: ﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾، قال ابن عباس: يريد تركوا الشرك فلم يشركوا به من آلهتهم شيئًا، وأخلصوا لله الربوبية والوحدانية (٥)، وقالوا: ﴿لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ﴾ أي: من هذه الريح\n_________\n(١) في \"لسان العرب\" (تمر) ١/ ٤٤٥: يقال: رجل تأمر ولابن: أي ذو تمر وذو لبن.\n(٢) قال ابن الأنباري: الريح من الرياح مؤنثة، والريح: الأرَج والنشر -وهما حركتا الريح- مذكر، أنشدنا أبو العباس، عن سلمة، عن الفراء، قال: أنشدني بعض بني أسد:\nكم من جراب عظيم جئت تحمله ... ودهنة ريحها يغطي على التفل\nقال: أنشدنيه عدة من بني أسد كلهم يقول: يغطي، فيذكرونه على معنى النشر، ويجوز أن يكون ذكَّروه إذ كانت الريح لا علامة فيها للتأنيث موجودة. \"المذكر والمؤنث\" ١/ ٢٥٧، وانظر: \"اللسان\" (روح) فقد نص على أن الريح مؤنثة.\n(٣) \"مجاز القرآن\" ١/ ٢٧٧، \"تفسير غريب القرآن\" ص ٢٠٢.\n(٤) قال هناك ما نصه: ويكون المعنى في (أحاطت به خطيئته) أهلكته، من قوله: ﴿لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾، وقوله: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ﴾، قال ابن السراج: أحاطت به خطيئته: أي. سدت عليه مسالك النجاة.\n(٥) \"زاد المسير\" ٤/ ٢٠، \"الوسيط\" ٢/ ٥٤٣، \"مفاتيح الغيب\" ١٧/ ٧٣، \"البحر المحيط\" ٥/ ١٣٩.","vol":"11","page":159},{"text":"العاصف، ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ قال (١): يريد من الموحدين والطائعين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1522>٢٣ </span>- قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾، قال الزجاج: المعنى: فلما أنجاهم بغوا (٢)، وذلك أن (إذا) تقع موقع الفعل كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ [بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ] (٣) إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ [الروم: ٣٦]، [على معنى قنطوا، ونذكر الكلام في هذا عند قوله ﴿إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ (٤)] (٥).\n﴿إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ﴾، أي: يعملون بالفساد والمعاصي بغير الحق، قال ابن عباس: يريد بالفساد (٦) والتكذيب والجرأة على الله (٧)، ومعنى البغي: قصد الاستعلاء بالظلم، وأصله من الطلب (٨).\nوقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ يريد: أهل مكة، ﴿إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ أي: بغي بعضكم على بعض متاع في الدنيا، وليس مما يقرب إلى الله، وإنما تأتونه لحبكم العاجلة.\n_________\n(١) يعني ابن عباس، انظر: \"تنوير المقباس\" ص ٢١١، \"الوسيط\" ٢/ ٥٤٣.\n(٢) اهـ. كلام الزجاج، انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٤.\n(٣) ما بين المعقوفين ساقط من (ح) و(ى) و(ز) و(ص).\n(٤) يعني آية سورة الروم السابقة.\n(٥) ما بين المعقوفين ساقط من (ى).\n(٦) في (ى): (بالمعاصي والفساد ... إلخ)، ولم أثبت الكلمة لعدم وجودها في المصدر ولا في سائر النسخ.\n(٧) \"تفسير الرازي\" ١٧/ ٧١.\n(٨) في \"تهذيب اللغة\" (بغى) ١/ ٣٦٧: يقال: ابغني كذا وكذا: أي اطلبه لي، ومعنى ابغني وابغ لي سواء، فإذا قال: ابغني كذا وكذا فمعناه أعني على بُغائه واطلبه معي.","vol":"11","page":160},{"text":"قال أبو إسحاق: ﴿مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ تقرأ بالرفع وبالنصب (١)، فالرفع من جهتين: أحدهما: أن يكون ﴿مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ خبرًا لقوله: ﴿بَغْيُكُمْ﴾، ويجوز أن يكون خبر الابتداء ﴿عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ ويكون ﴿مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ رفعا على إضمار (هو) ومعنى الكلام: إن ما تنالونه بهذا الفساد والبغي إنما تتمتعون به في الحياة الدنيا ﴿ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ﴾، ومن نصب فعلى المصدر، المعنى: [تمتعون متاع الحياة] (٢) الدنيا؛ لأن قوله: ﴿إِنَّمَا بَغْيُكُمْ﴾ يدل على أنهم يتمتعون (٣).\nوزاد أبو علي الفارسي بيانًا فقال: قوله: ﴿عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ يحتمل تاويلين؛ أحدهما: أن يكون متعلقًا بالمصدر؛ لأن فعله متعد بهذا الحرف يدل على ذلك قوله: ﴿ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ﴾ [الحج: ٦٠]، وقوله تعالى: ﴿بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ﴾ [ص: ٢٢]، فإذا جعلت الجار من صلة المصدر كان الخبر ﴿مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [والمعنى: ما ذكرنا أن بغي بعضكم على بعض متاع] (٤) في الدنيا (٥).\n_________\n(١) قرأ بنصب (متاع) حفص وحده، وقرأ الباقون بالرفع، انظر: \"الغاية في القراءات العشر\" ص١٧٠، \"تقريب النشر\" ص ١٢٢، وقد وافق حفصًا جمع من القراء غير العشرة، انظر: \"زاد المسير\" ٤/ ٢٠، \"البحر المحيط\" ٥/ ١٤٠.\n(٢) ما بين المعقوفين هكذا نصه في (ح) تمتعون به في الحياة، وهو خطأ سببه الجملة السابقة المشابهة لهذه الجملة في لفظها.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٤.\n(٤) ما بين المعقوفين ساقط من (ى).\n(٥) ما بين العلامتين من كلام المؤلف، وهو بمعناه في \"الحجة\"، وفيها زيادة.","vol":"11","page":161},{"text":"ويجوز أن تجعل (١) (على) خبر المبتدأ ولا تجعله من صلة المصدر، وحينئذ يكون خبرًا للمصدر، ويكون متعلقًا بمحذوف على تقدير: إنما بغيكم عائد على أنفسكم، أي: عملكم بالظلم يرجع إليكم، كما قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾ (٢) [فصلت: ٤٦]، [الجاثية: ١٥]، وهذا في (٣) المعنى كقوله: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ [فاطر: ٤٣]، وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ [الفتح: ١٠]، فإذا رفعت ﴿مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ على هذا التأويل كان خبر (٤) مبتدأ محذوف، كأنك قلت: ذاك متاع الحياة الدنيا، أو هو متاع الحياة الدنيا (٥)، ومن نصب ﴿متاعَ﴾ جعل (على) من صلة المصدر، فيكون الناصب للمتاع هو المصدر الذي هو البغي، ويكون خبر المبتدأ محذوفًا، وحسن حذفه لطول الكلام، وهذا المحذوف لو أظهرته لكان يكون: مذموم (٦) أو مكروه أو منهي عنه، ويجوز أن تجعل (على) خبر المبتدأ وتنصب (متاع) على: تمتعون متاعًا، فيدل (٧) انتصاب المصدر على المحذوف (٨).\n_________\n(١) في (م): (تحمل).\n(٢) ما بين العلامتين من كلام المصنف، وليس موجودًا في \"الحجة\".\n(٣) ساقط من (ى).\n(٤) في (ى): (خبره)، وهو خطأ يجعل الجملة لا معنى لها.\n(٥) ساقط من (ى).\n(٦) في (م): (مذمومًا أو مكروهًا أو منهيًا عنه)، وفي بقية النسخ و\"الحجة\" بالرفع، والتقدير: إنما بغيكم على أنفسكم مذموم أو مكروه.\n(٧) في (م): (فظهر)، وهو خطأ.\n(٨) اهـ. كلام أبي علي. انظر: \"الحجة للقراء السبعة\" ٤/ ٢٦٦ - ٢٦٨ بتصرف واختصار.","vol":"11","page":162},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1523>٢٤ </span>- قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ﴾ الآية، معناه: إنما القول في تشبيه حال الحياة الدنيا كالقول في ماء (١) علي ما ذكر من صفته؛ لأن معنى المثل: قول يشبّه فيه حال الثاني بالأول، ويجوز أن يكون المعنى: صفة الحياة الدنيا كماء، وذكرنا الكلام في معنى المثل (٢)، وأراد بالحياة الدنيا الحياة الفانية في هذه الدار.\nوقوله تعالى: ﴿فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ﴾ معنى الاختلاط تداخل الشيء بعضه في بعض، يعني فاختلط -بسبب ذلك الماء الذي أنزلناه- نبات الأرض ﴿مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ﴾ من البقول والحبوب والثمار ﴿وَالْأَنْعَامُ﴾ من المراعي والكلأ ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ﴾، قال ابن عباس: يريد زينتها وحسنها وخصبها (٣).\nقال الزجاج: الزخرف كمال حسن الشيء (٤).\nوقال غيره: يعني: حسن ألوان الزهر الذي يروق البصر (٥)، ومضى الكلام في معنى الزخرف عند قوله: ﴿زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام: ١١٢].\nوقوله تعالى: ﴿وَازَّيَّنَتْ﴾ قال ابن عباس: يريد بالحبوب\n_________\n(١) في (خ) و(ز): (الماء).\n(٢) انظر: \"تفسير البسيط\" البقرة: ٢٦.\n(٣) ذكره المؤلف في \"الوسيط\" ٢/ ٥٤٣، ورواه الفيروزأبادي في \"تنوير المقباس\" ص ٢١١ مختصرًا، وفي \"تفسير ابن جرير\" ١١/ ١٠٢، عن ابن عباس، قال: فنبت بالماء كل لون.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٥.\n(٥) لم يتبين لي القائل، وقد ذكره المؤلف في \"الوسيط\" ٢/ ٥٤٣، وذكر نحوه الرازي في \"تفسيره\" ١٧/ ٧٣، والبغوي في \"تفسيره\" ٤/ ١٢٨.","vol":"11","page":163},{"text":"والثمار (١)، وقيل: بنباتها (٢).\nقال (٣) الزجاج: يعني: تزينت، فأدغمت التاء في الزاي [وسكنت الزاي] (٤) فاجتلبت لها ألف الوصل (٥). وهذا مثل ما ذكرنا في: ﴿فَادَّارَأْتُمْ﴾ (٦) [البقرة: ٧٢]، و﴿ادَّارَكُوا﴾ [الأعر اف: ٣٨].\nوقوله تعالى: ﴿وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا﴾، قال ابن عباس: يريد أهل تلك الأرض أنهم قادرون على حصادها وجدادها وقطعها (٧)، وقال الزجاج: أي قادرون على الانتفاع بها (٨).\nوقال أهل المعاني: أخبر عن الأرض، والمعنى للنبات إذ كان مفهومًا (٩)، وقيل رد الكناية إلى الغلة؛ لأن ما سبق من الكلام يدل عليها فكأنها قد ذكرت (١٠).\n_________\n(١) رواه ابن جرير ١١/ ١٠٢، وابن المنذر كما في \"الدر المنثور\" ٣/ ٥٤٥، والفيروزأبادي في \"تنوير المقباس\" ص ٢١١، تفسيرًا لقوله تعالى: ﴿مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ﴾ وهو أولى بما ذكره المؤلف.\n(٢) رواه بنحوه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ١/ ٢/ ٢٩٣، وابن جرير ١١/ ١٠٢، وابن أبي حاتم ٦/ ١٩٤١، عن قتادة.\n(٣) في (م): (وقال).\n(٤) ما بين المعقوفين ساقط من (ى).\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٥.\n(٦) يعني في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا﴾.\n(٧) ذكره الرازي في \"تفسيره\" ١٧/ ٧٤، والمؤلف في \"الوسيط\" ٢/ ٥٤٣.\n(٨) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٥.\n(٩) هذا قول قطرب، انظر: \"تفسير الثعلبي\" ٧/ ١١ ب.\n(١٠) ذكره الثعلبي في المصدر السابق، نفس الموضع، والبغوي في \"تفسيره\" ٤/ ١٢٩، وأبو حيان في \"البحر المحيط\" ١٧/ ١٤٠.","vol":"11","page":164},{"text":"وقوله تعالى: ﴿أَتَاهَا أَمْرُنَا﴾، قال ابن عباس: يريد عذابنا (١)، والمعنى: أمرنا بهلاكها.\nوقوله تعالى: ﴿فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا﴾، قال ابن عباس: لا شيء فيها (٢).\nوقال الضحاك: يعني المحصود (٣)، وعلى هذا المراد بالحصيد [الأرض التي حصد نبتها، ويجوز أن يكون المراد بالحصيد] (٤) النبات والغلة، قال أبو عبيدة: الحصيد المستأصل (٥).\nوقال غيره: الحصيد: المقطوع والمقلوع (٦).\nوقوله تعالى: ﴿كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ﴾، قال الليث: يقال للشيء إذا فني: كأن لم يغن بالأمس، أي كأن لم يكن، من قولهم: غني القوم في دارهم، إذا أقاموا بها (٧). وهذا معنى قول ابن عباس: كأن لم تكن أمس (٨)، وعلى هذا، المراد به الغلة.\nوقال الزجاج: كأن لم تعمر بالأمس، والمغاني: المنازل التي يعمرها أهلها بالنزول (٩)، ونحو هذا قال ابن قتيبة: كأن لم تكن عامرة\n_________\n(١) ذكره الرازي في \"تفسيره\" ١٧/ ٧٤، والمؤلف في \"الوسيط\" ٢/ ٥٤٣.\n(٢) ذكره الرازي في المصدر السابق، نفس الموضع.\n(٣) المصدر السابق، نفس الموضع.\n(٤) ما بين المعقوفين ساقط من (ى).\n(٥) \"مجاز القرآن\" ١/ ٢٧٧.\n(٦) هذا قول الثعلبي، انظر: \"تفسيره\" ٧/ ١١ ب.\n(٧) النص في كتاب \"العين\" (غني) ٤/ ٤٥١ بنحوه، وهو في \"تهذيب اللغة\" (غني) ٣/ ٢٧٠٤، لكنه جعله نصين وذكر كل نص في موضع.\n(٨) \"تنوير المقباس\" ص ٢١١.\n(٩) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٥.","vol":"11","page":165},{"text":"بالأمس (١)، وعلى هذا، المراد به الأرض.\nوقال بعض أهل المعاني: معناه (٢): كأن لم تقم على تلك الصفة فيها قبل (٣)، وهذا القول جامع للأرض والغلة جميعًا، والكلام في (أمس) يأتي عند قوله: ﴿كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ﴾ [القصص: ١٩]، إن شاء الله (٤).\nوقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ﴾ أي: كما بينا هذا المثل للحياة الدنيا كذلك نبين آيات القرآن.\nوقوله (٥): ﴿لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ في المعاد، هذا الذي ذكرنا تفسير الآية ومعناها على ما ذكره المفسرون وأصحاب المعاني، وتأويلها: أن الله تعالى ضرب مثلا للحياة الدنيا في هذه الدار الفانية بما أنزله من السماء، فجعله سببا لالتفاف النبات وكثرته، حتى تتزين به الأرض وتظهر بهجتها بحمرة النوار وبياض الزهر وخضرة العشب، وظن الناس أنهم منتفعون ومستمتعون بجميع ذلك، فبينا هم على ذلك الظن جُعلوا (٦) على غير شيء؛ لأن القادر عليهم وعليها أهلكها (٧)، وردها إلى الفناء حتى كأن لم تكن،\n_________\n(١) \"تفسير غريب القرآن\" لابن قتيبة ص ٢٠٢.\n(٢) ساقط من (ى).\n(٣) لم أقف عليه عند أهل المعاني، وانظره بنحوه في: \"تفسير هود بن محكم\" ٢/ ١٨٩.\n(٤) قال في هذا الموضع: (أمس) اسم لليوم الماضي الذي هو قبل يومك، وهو مبني على الكسر لالتقاء الساكنين، وقال الكسائي: بني على الكسر؛ لأنه فعل سمي به، ومن العرب من يبنيه على الفتح، قال الفراء: ومن العرب من يخفض الاسم وإن أدخل عليه الألف واللام، وأنشد ... إلخ.\n(٥) ساقط من النسخ عدا (م).\n(٦) في (م): (حصلوا).\n(٧) ساقط من (ى).","vol":"11","page":166},{"text":"كذلك الحياة في (١) الدنيا سبب (٢) اجتماع (٣) المال وزهرة الدنيا وعروضها وما فيها مما يروف ويعجب (٤)، حتى إذا كثر ذلك واجتمع منه شيء كثير عند صاحبه، وظن أنه متمتع (٥) به، سلب ذلك عنه بموته أو بحادثة تأتي على ما قد جمعه بالإهلاك والتبديد، وهذا بيان عما يوجب الحذر عن (٦) الركون إلى الدنيا، والحياة فيها (٧)، والاغترار بها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1524>٢٥ </span>- قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ﴾ أي: ببعث الرسول، ونصب الأدلة يدعو إلى الجنة، ودار السلام هي الجنة، وذكرنا الكلام فيها عند قوله تعالى: ﴿لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [الأنعام: ١٢٧]، وذكرنا في السلام قولين؛ أحدهما: أنه اسم الله تعالى؛ لأنه سلم مما يلحق الخلق من الغير والفناء (٨)، وقال المبرد: تأويله: أنه ذو السلام أي الذي يملك السلام الذي هو تخليص من المكروه (٩)، وعلى هذا (السلام) مصدر سلم.\n_________\n(١) ساقط من (ى).\n(٢) ساقط من (ى).\n(٣) في (ى): (جمع).\n(٤) في (ح): (يروق العجب ويعجب). ولا معنى له.\n(٥) في (م): (ممتع).\n(٦) هكذا في جميع النسخ، والصواب: (من).\n(٧) لعل المقصود: الحياة فيها بفسق وفجور وطول أمل، أر نحو ذلك مما يناسب السياق.\n(٨) انظر: \"اشتقاق أسماء الله\" للزجاجي ص ٢١٥.\n(٩) رواه عنه الزجاج في\"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٢٥٣، والأزهرى في \"تهذيب اللغة\" (سلم) ٢/ ١٧٤٢، على أن السياق في الموضعين يحتمل أن القول للزجاج، لكن ابن منظور أثبت القول للمبرد، انظر: \"لسان العرب\" (سلم) ٤/ ٢٠٧٨.","vol":"11","page":167},{"text":"وقال النضر بن شميل: سمى نفسه سلامًا؛ لأن الخلق سلموا من ظلمه (١)، وهذا أيضًا مثل قول المبرد؛ لأن معناه ذو السلام، قال ابن الأنباري: وعلى هذا هو من باب حذف المضاف كقوله: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ﴾ [البقرة: ٩٣] وأمثاله (٢).\nالقول الثاني: أن السلام جمع سلامة، ومعنى دار السلام: الدار التي من دخلها سلم من الآفات؛ كالموت والمرض والألم والمصائب ونزغات الشيطان والكدّ والعناء، وخوف العاقبة، وغير ذلك بما يكون في الدنيا.\nوقال قوم: سميت الجنة دار السلام؛ لأن الله تعالى يسلم على أهلها، قال الله تعالى: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس: ٥٨]، والملائكة يسلمون عليهم أيضًا] (٣)، قال الله تعالى: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الرعد: ٢٣، ٢٤]، وهم أيضًا يحيّي بعضهم بعضًا بالسلام، قال الله تعالى عنهم: ﴿تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ﴾ (٤) [إبراهيم: ٢٣]، وهذا معنى قول الحسن: إن السلام لا ينقطع عن أهل الجنة، وهو تحيتهم (٥)، وكنا وعدنا في تفسير قوله: ﴿دَارُ السَّلَام﴾ [الأنعام: ١٢٧] زيادة بيان هاهنا.\n_________\n(١) انظر: \"زاد المسير\" ٨/ ٢٥، ولم يعين القائل.\n(٢) \"الزاهر\" ١/ ٦٤ بنحوه.\n(٣) ما بين المعقوفين ساقط من (ح).\n(٤) ذكر نحو هذا القول مختصرًا الثعلبي ٧/ ١٢ ب، والبغوي ٤/ ١٢٩.\n(٥) رواه الثعلبي ٧/ ١٢ ب.","vol":"11","page":168},{"text":"وقول (١): ﴿وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾، قال المفسرون وأصحاب الحقائق (٢): عَمّ بالدعوة وخَصّ بالهداية من شاء؛ لأن الحكم له في خلقه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1525>٢٦ </span>- قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا﴾، قال ابن عباس: يريد للذين قالوا لا إله إلا الله (٤).\nورُوي عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"للذين أحسنوا العمل في الدنيا الحسنى وهي الجنة\" (٥).\n_________\n(١) ساقط من (ح).\n(٢) أصحاب الحقائق عرفًا هم الباحثون في السلوك وأعمال القلوب، المتعرفون إلى الله عن طريق الذوق والكشف، وغالب ما يدعونه من الحقائق بدع وأهواء. انظر: \"مجموع فتاوى شيخ الإسلام\" ١٠/ ١٥٦، ١٥٩، ١٧١. والظاهر أن المؤلف هنا يعني علماء الكلام، وانظر النص بنحوه في: \"الإبانة عن أصول الديانة\" ص ٢١٦، وكتاب \"الإرشاد إلى قواطع الأدلة\" ص ١٩١، وكتاب \"أصول الدين\" لأبي منصور البغدادي ص ١٤٠.\n(٣) انظر: \"تفسير الثعلبي\" ٧/ ١٢ ب، والبغوي ٤/ ١٢٩، والسمرقندي ٢/ ٩٤، \"الوسيط\" للمؤلف ٢/ ٥٤٤.\n(٤) رواه ابن جرير ١١/ ١٠٨، وابن أبي حاتم ٦/ ١٩٤٤، والبيهقي في كتاب \"الأسماء والصفات\" باب: ما جاء في فضل الكلمة الباقية ١/ ٨٤، والطبراني في كتاب \"الدعاء\" ٣/ ١٥٠٩، من رواية علي بن أبي طلحة.\n(٥) رواه الثعلبي في \"تفسيره\" ٧/ ١٢ ب، وإبن مسنده في \"الرد على الجهمية\" ص ٩٦، وأبو الشيخ والدارمي في \"الرؤية\"، وابن مردويه واللالكائي والخطيب وابن النجار، كما في \"الدر المنثور\" ٣/ ٥٤٧، وفي سند ابن منده والثعلبي متروك وهو: نوح بن أبي مريم كما في \"الكاشف\" ٧/ ٣٢، \"تهذيب التهذيب\" ٣٤٧، ولم أطلع على سنده في المصادر الأخرى.","vol":"11","page":169},{"text":"ونحو ذلك قال ابن عباس في الحسنى؛ أنها الجنة (١).\nوروى ليث، عن عبد الرحمن بن سابط (٢) أنه قال: الحسنى: النضرة التي ذكرها الله -﷿- في قوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ (٣) [القيامة: ٢٢، ٢٣]، والحسنى في اللغة تأنيث الأحسن، وهي جامعة للمحاسن.\nقال ابن الأنباري: والعرب توقعها على الخلّة المحبوبة والخصلة المرغوب فيها المفروح بها، ولذلك لم توصف هاهنا ولم تنعت بشيء؛ لأن ما يعرفه العرب من أمرها يغني عن نعتها، يدل على ذلك قول امرئ القيس:\nفصرنا إلى الحسنى ورق كلامنا ... ورُضْتُ فذلت صعبة أي إذلال (٤)\nأراد: فصرنا إلى الأمر المحبوب المأمول (٥).\nوقوله تعالى: ﴿وَزِيَادَةٌ﴾، اختلفوا في هذه الزيادة؛ فروى أنس بن مالك أن النبي - ﷺ - سئل عن هذه الآية فقال: \"الحسنى الجنة والزيادة النظر\n_________\n(١) انظر تخريج أثر ابن عباس السابق، نفس المواضع.\n(٢) هو: عبد الرحمن بن عبد الله بن سابط الجمحي المكي، تابعي ثقة كثير الإرسال، وكان من أصحاب ابن عباس الفقهاء، وتوفي سنة ١١٨ هـ. انظر: \"الكاشف\" ١/ ٦٢٨ (٣١٩٨)، \"تهذيب التهذيب\" ٢/ ٥٢٢، \"تقريب التهذيب\" ص ٣٤٠ (٣٨٦٧).\n(٣) وانظر قول ابن سابط في \"تفسير ابن جرير\" ١١/ ١٠٧، وابن أبي حاتم ٦/ ١٩٤٥، \"الدر المنثور\" ٣/ ٥٤٨.\n(٤) البيت في \"ديوان امرئ القيس\" ص ١٢٥، وانظر: \"خزانة الأدب\" ٩/ ١٨٧، \"لسان العرب\" (روض) ٣/ ١٧٧٦.\n(٥) انظر قول ابن الأنباري في \"زاد المسير\" ٤/ ٢٣، وذكر بعضه الرازي في \"تفسيره\" ١٧/ ٧٧.","vol":"11","page":170},{"text":"إلى وجه الله الكريم\" (١).\nونحو هذا (٢) روى أبيّ بن كعب (٣). وهذا قول أبي بكر الصديق (٤)، وحذيفة (٥)، وأبي موسى (٦)، وصهيب (٧)، وعبادة بن الصامت (٨)، وابن\n_________\n(١) رواه الثعلبي ٧/ ١٢ ب، وابن منده في \"الرد على الجهمية\" ص ٩٦، وأبو الشيخ والدارقطني في \"الرؤية\" وابن مردويه واللالكائي والخطيب وابن النجار، كما في \"الدر المنثور\" ٣/ ٥٤٧ - ٥٤٨ وفي سند الثعلبي وابن منده متروك وهو نوح بن أبي مريم، لكن أجل الحديث ومعناه في \"صحيح مسلم\" (٢٩٧) كتاب الإيمان، باب: إثبات رؤية المؤمنين في الآخرة ربهم.\n(٢) في (م): (ذلك).\n(٣) رواه ابن جرير ١١/ ١٠٧، وابن أبي حاتم ٦/ ١٩٤٥، وفي سندهما مجهول، وذكره السيوطي عنهما، وزاد الدارقطني وابن مردويه واللالكائي والبيهقي في كتاب \"الرؤية\". انظر: \"الدر المنثور\" ٣/ ٥٤٧.\n(٤) رواه ابن خزيمة في كتاب \"التوحيد\" ١/ ٤٥٠، وابن جرير في \"تفسيره\" ١١/ ١٠٦، وابن منده في \"الرد على الجهمية\" ص ٩٥، والبيهقي في كتاب \"الأسماء والصفات\" ٢/ ٣٣، من رواية عامر بن سعد، وهو لم يلق أبا بكر، فروايته عنه مرسلة كما في \"تهذيب التهذيب\" ٢/ ٢٦٣ ورواه ابن خزيمة في المصدر السابق ٢/ ٤٥٣، والدارمي في \"الرد على الجهمية\" ص٦١، من رواية عامر بن سعد، عن سعيد بن نمران عنه، وسعيد مجهول كما في \"ميزان الاعتدال\" ١/ ٣٩٢، و\"لسان الميزان\" ٣/ ٤٦ فالأثر ضعيف. وانظر: \"تفسير الطبري\" ١٥/ ٦٣ ت: شاكر).\n(٥) رواه ابن خزيمة في كتاب \"التوحيد\" ١/ ٤٥٢، وابن جرير ١٥/ ٦٤، وابن أبي حاتم ٦/ ١٩٤٥ وغيرهم. انظر: \"الدر المنثور\" ٣/ ٥٤٨.\n(٦) المصادر السابقة، نفس المواضع عدا الأول ففي ١/ ٤٥٦.\n(٧) ذكره عنه الثعلبي في \"تفسيره\" ٧/ ١٢ بغير سند، وكذلك القرطبي ٨/ ٣٣٠، وبمعناه رواه أبو الشيخ وابن مردويه كما في \"الدر المنثور\" ٣/ ٥٤٧.\n(٨) ذكره عنه بغير سند الثعلبي ٧/ ١٢ ب، والبغوي ٤/ ١٣٠، وابن القيم في \"حادي الأرواح\" ص ٤١٢.","vol":"11","page":171},{"text":"عباس في رواية عطاء (١)، وأبي الجوزاء (٢) (٣)، وهو قول الضحاك (٤)، والسدي (٥)، ومقاتل (٦).\nوقال آخرون: الزيادة تضعيف الحسنات بواحدة عشرة إلى سبعمائة، وهو قول ابن عباس في رواية العوفي (٧)، والحسن (٨)، وعلقمة (٩)، وقال مجاهد: الزيادة: مغفرة من الله تعالى ورضوان (١٠).\nوروى الحكم، عن علي -﵁- قال: الزيادة غرفة من لؤلؤة واحدة لها أربعة أبواب (١١).\n_________\n(١) رواه البيهقي في كتاب \"الأسماء والصفات\" ١/ ١٨٤ من رواية عكرمة، وذكره ابن الجوزي في \"تفسيره\" ٤/ ٢٤، وابن القيم في \"حادي الأرواح\" ص ٤١٢، كما أشار إليه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٦/ ١٩٤٤.\n(٢) هو: أوس بن عبد الله الربعي.\n(٣) ذكره عنه الثعلبي ٧/ ١٢ ب.\n(٤) رواه الثعلبي ٧/ ١٢ ب، والبغوي ٤/ ١٣٠، وذكره بغير سند ابن أبي حاتم ٦/ ١٩٤٤، وابن الجوزي ٤/ ٢٤، والمؤلف في \"الوسيط\" ٢/ ٥٤٥.\n(٥) المصادر السابقة، نفس المواضع.\n(٦) المصادر السابقة، نفس المواضع، وانظر: \"تفسيره\" ١٤٠ أ.\n(٧) رواه ابن جرير ١١/ ١٠٧، والثعلبي ٧/ ١٣ أ، والبغوي ٤/ ١٣٠.\n(٨) رواه ابن جرير ١١/ ١٠٧ - ١٠٨، وابن المنذر كما في \"الدر المنثور\" ٣/ ٥٤٩.\n(٩) رواه ابن جرير ١١/ ١٠٧، وابن أبي حاتم ٦/ ١٩٤٦.\n(١٠) انظر المصدرين السابقين، نفس الموضع، \"تفسير الثعلبي\" ٧/ ١٢ أ، والبغوي ٤/ ١٣٠.\n(١١) رواه ابن جرير ١١/ ١٠٧، وابن أبي حاتم ٦/ ١٩٤٥، والثعلبي ٧/ ١٣ أ، والأثر ضعيف؛ لأنه من رواية الحكم، عن علي وهو لم يسمع منه، فقد ولد سنة ٥٠ هـ، انظر: \"تهذيب التهذيب\" ١/ ٤٦٦ - ٤٦٧.","vol":"11","page":172},{"text":"وقال ابن زيد: الزيادة ما أعطاهم في الدنيا من النعيم، لا يحاسبهم به يوم القيامة، بخلاف أهل النار؛ فإن ما يعطيهم الله تعالى في الدنيا من النعمة في مقابلة ما يأتون من حسنة ولا ثواب لهم يوم القيامة على أعمالهم (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ﴾ أي لا يغشاها، يقال: رهقه ما يكرهه: أي غشيه ومصدره (٢) الرهق، قال ابن عباس: يريد ولا يصيب وجوههم (٣).\nوقال تعالى: ﴿قَتَرٌ﴾، القتر والقترة: غبرة تعلوها سواد كالدخان، قال ابن عباس وقتادة (٤): يعني سواد الوجوه من الكآبة (٥).\nوقال عطاء: يريد دخان جهنم (٦)، ﴿وَلَا ذِلَّةٌ﴾ كما تصيب أهل جهنم، قال ابن أبي ليلى: هذا بعد نظرهم إلى ربهم (٧).\n_________\n(١) رواه بنحوه ابن جرير ١١/ ١٠٨، ورواه مختصرًا بن أبي حاتم ٦/ ١٩٤٦، والثعلبي ٧/ ١٣ أ.\n(٢) في (ح) و(ز): (ومصدر).\n(٣) ذكره بلفظه المؤلف في \"الوسيط\" ٢/ ٥٤٥، وذكره السيوطي بمعناه في \"الدر المنثور\" ٣/ ٥٤٩، وعزاه إلى ابن جرير وابن أبي حاتم، ولم أجده عندهما.\n(٤) ساقط من (ى).\n(٥) رواه عنهما الثعلبي ٧/ ١٣ ب، والبغوي ٤/ ١٣٠، ورواه عن ابن عباس الإمام ابن جرير ١١/ ١٠٩، وابن أبي حاتم ٦/ ١٩٤٦، ولم تذكر هذه المصادر لفظ: من الكآبة.\n(٦) ذكره ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٤/ ٢٥، والمؤلف في \"الوسيط\" ٢/ ٥٤٥.\n(٧) رواه ابن جرير ١١/ ١٠٩، وابن أبي حاتم ٦/ ١٩٤٦، والثعلبي ٧/ ١٣ ب، والبغوي ٤/ ١٣٠، وقد ضعف القرطبي هذا القول فقال: هذا فيه نظر؛ فإن الله -﷿- يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ إلى قوله: =","vol":"11","page":173},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1526>٢٧ </span>- قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ﴾، قال ابن عباس في رواية الكلبي: يريد عملوا الشرك (١)، مثل قوله: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾ [النساء: ١٨].\nوقوله تعالى: ﴿جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا﴾ [قال الفراء: رفعت الجزاء بإضمار (لهم)؛ كأنك قلت: فلهم جزاء السيئة بمثلها] (٢)، كما قال: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ﴾ [البقرة: ١٩٦]، أي: فعليه، قال: وإن (٣) شئت رفعت الجزاء بالباء في قوله: ﴿بِمِثْلِهَا﴾ والأول أعجب إليّ (٤). هذا كلامه، وزاد ابن الأنباري بيانًا فقال: إذا رفعت الجزاء بالباء أضمرت العائد إلى الموصول، على تقدير: جزاء سيئة منهم بمثلها، فالجزاء مرتفع بالباء و(الذين) يرتفعون برجوع الهاء المضمرة عليهم، وصلح إضمار (منهم) في ذا الموضع كما تقول: رأيت القوم صائم وقائم، يراد: منهم صائم وقائم، كما أنشد الفراء (٥):\n_________\n= ﴿لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ﴾ [الأنبياء: ١٠١ - ١٠٣]، وقال في غير آية: ﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٣٨]، وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا﴾ الآية [فصلت: ٣٠]، وهذا عام فلا يتغير -بفضل الله في موطن من المواطن لا قبل النظر ولا بعده- وجهُ المحسن بسواد من كآبة ولا حزن، ولا يعلوه شيء من دخان جهنم ولا غيره. \"الجامع لأحكام القرآن\" ٨/ ٣٣٢.\n(١) \"تنوير المقباس\" ص ٢١٢، \"زاد المسير\" ٤/ ٢٥، \"الوسيط\" ٢/ ٥٤٥.\n(٢) ما بين المعقوفين ساقط من (ى).\n(٣) في (م): (فإن)، والمثبت موافق لما في \"معاني القرآن\".\n(٤) \"معاني القرآن\" ١/ ٤٦١.\n(٥) انظر: \"معاني القرآن\" ١/ ١٩٣.","vol":"11","page":174},{"text":"حتى إذا ما أضاء النجم في غلس ... وغودر البقل ملوي ومحصود (١)\nمعناه: منه ملوي ومنه محصود.\nوعلى الجواب الأول يرتفع الجزاء باللام المضمرة؛ لأن التقدير: لهم جزاء سيئة بمثلها، والباء صلة الجزاء و(الذين) يرتفعون برجوع الهاء عليهم، وصلح إضمار (لهم) كما تضمره العرب في قولهم: رأيت لعبد الله ذكاءً وفطنة وعلم واسع، يريدون وله علم واسع، أنشد الفراء (٢):\nهزئت هنيدة أن رأت لي رثة ... وفمًا (٣) به قصم وجلد أسود (٤)\nأراد ولي جلد أسود (٥). انتهى كلامه.\nوهذا مذهب الكوفيين في هذه الآية (٦).\n_________\n(١) البيت لذي الرمة في \"ديوانه\" ٢/ ١٣٦٦، والرواية فيه:\nحتى إذا ما استقل النجم في غلس ... وأحصد البقل ملوي ومحصود\n(٢) انظر: \"معاني القرآن\" ٢/ ٢٣٤، ورواية صدره فيه:\nهزئت حميدة إن رأت بي رتة\n(٣) في (م): (وفم)، وهو خطأ بدلالة السياق، إذ إن قوله (وجلد) مرفوع على الرغم من عطفه على قوله: (لي رثة وفمًا). وهم منصوبان، وقد وجه ابن الأنباري ذلك.\n(٤) البيت لسليك بن سلكة السعدي كما في \"الأشباه والنظائر\" ٢/ ٢٧١، \"تذكرة النحاة\" ٦٨٠، \"شرح أبيات معاني القرآن\" ص ١١١، طى اختلاف في الروايات، وذكره بلا نسبة بمثل رواية المصنف، الفارسي في \"الحجة للقراء السبعة\" ٣/ ٢٠٧.\nوالرثة: الخلق الخسيس البالي من كل شيء، والرتة: عيب في النطق، والقصم: كسر في الثنية من الأسنان. انظر: \"اللسان\" (رث ورت وقصم).\n(٥) انظر قول ابن الأنباري مختصرًا في: \"زاد المسير\" ٤/ ٢٦، \"مفاتيح الغيب\" ١٧/ ٨٤.\n(٦) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٤٦١، وانظر الخلاف بين البصريين والكوفيين في مثل هذه المسألة في: \"الإنصاف\" ص٥٣.","vol":"11","page":175},{"text":"وأما عند أهل البصرة (١) فقال أبو عثمان (٢): الباء في قوله (بمثلها) زائدة، وتقديره عنده: جزاء سيئة مثلها، واستدل على هذا بقوله في موضع آخر: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠].\nقال أبو الفتح الموصلي (٣): وهذا مذهب حسن، واستدلال صحيح؛ إلا أن الآية تحتمل مع صحة هذا القول تأويلين آخرين، أحدهما: أن تكون الباء مع ما بعدها هو الخبر، فكأنه قال: وجزاء سيئة كائن بمثلها، كما تقول: إنما (٤) أنا بك، أي كائن موجود بك.\nوالثاني: أن تكون الباء في (بمثلها) متعلقة بنفس الجزاء، ويكون الجزاء مرتفعًا (٥) بالابتداء، وخبره محذوف كأنه قال: وجزاء سيئة بمثلها كائن أو واقع، وحذف الخبر حسن متجه، قد حذف في عدة مواضع.\nهذان القولان حكاهما أبو الفتح (٦)، وذكرهما أبو علي في \"المسائل الحلبية\" (٧) في قوله -﷿-: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥]، وعلى هذه الأقوال في الباء، الجزاء مرتفع بالابتداء، والجملة -التي هي ابتداء وخبر- فيها خبر الابتداء الأول وهو قوله: ﴿وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ﴾\n_________\n(١) انظر: \"معاني القرآن\" للأخفش ١/ ٣٧٢.\n(٢) هو المازني.\n(٣) هو ابن جني.\n(٤) ساقط من (ى).\n(٥) في (ح) و(ى) و(ز) و(ص): (مرتفَعُهُ)، وما أثبته من (م)، وهو موافق لما في \"سر صناعة الإعراب\".\n(٦) \"سر صناعة الإعراب\" ١/ ١٣٨ - ١٤٠ باختصار.\n(٧) لم أجد ذلك في الكتاب المطبوع، ومخطوطته ناقصة كما أشار المحقق في المقدمة.","vol":"11","page":176},{"text":"والمعني: يجزون السوء، وعلى هذا المعنى عطف قوله: ﴿وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ﴾، هذا كلام النحويين من الفريقين في هذه الآية، وكلهم جعلوا الموصول مبتدأ (١)، ويجوز أن تجعله عطفًا على الموصول الأول وهو قوله: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى﴾ فكأن التقدير: وللذين كسبوا السيئات جزاء سيئة، فيرتفع الجزاء باللام في الآية الأولى، والباء في (بمثلها) من صلة الجزاء، وحسن النظم من غير إضمار ولا تكلف.\nوقوله تعالى: ﴿وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ﴾، قال ابن عباس: يصيبهم الذل والخزي (٢) والهوان (٣).\nوقوله تعالى: ﴿مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ﴾ ما لهم من عذاب الله من مانع يمنعهم ﴿كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ﴾ ألبست (٤) ﴿وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ القِطْع: [اسم لِما (٥) قطع فسقط، ويراد به هاهنا بعض من الليل.\nقال ابن السكيت: القِطْع] (٦) الطائفة من الليل (٧)، ومعنى الآية وصف وجوههم بالسواد حتى كأنها ألبست سوادًا من الليل كقوله: ﴿تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ﴾ [الزمر: ٦٠]، وكما قيل في قوله تعالى: ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ﴾ [الرحمن: ٤١] أي (٨): أنه سواد الوجوه وزرقة\n_________\n(١) انظر: \"التبيان في إعراب القرآن\" ص ٤٣٧.\n(٢) في (ى): (الحزن).\n(٣) رواه بمعناه ابن جرير ١١/ ١٠٩، وابن أبي حاتم ٦/ ١٩٤٦.\n(٤) ساقط من (ى).\n(٥) في (ى): (ما).\n(٦) ما بين المعقوفين ساقط من (ح) و(ز).\n(٧) \"المشوف المعلم\" ٢/ ٦٤٨، \"تهذيب إصلاح المنطق\" ص ٣٨.\n(٨) ساقط من (م).","vol":"11","page":177},{"text":"الأعين (١)، والعرب تستعمل لون الليل في السواد.\nقال الشاعر (٢):\nودوية مثل السماء اعتسفتها ... وقد صبغ الليل الحصى بسواد\nجعل ما يعلو الحجارة من ظلمة الليل صبغا منه إياها بالسواد.\nوقوله تعالى: ﴿مُظْلِمًا﴾ قال الفراء (٣)، والزجاج (٤): هو نعت لقوله: ﴿قِطَعًا﴾.\nو[قال أبو علي] (٥) يجوز أن تجعله حالًا من الذكر الذي في الظرف -يريد بالظرف الليل- كأنه قيل: قطعًا من الليل وهو مظلم، أي الليل، قال: والقول الأول (٦) أحسن؛ لأنه على قياس قوله: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾ [الأنعام: ٩٢، ١٥٥]، وصفت الكتاب بالمفرد بعدما وصفته بالجملة، وأجريته على النكرة (٧) كذلك هاهنا، تصف ﴿قِطَعًا﴾ بكونه مظلما بعدما وصفته بقوله ﴿مِنَ اللَّيْلِ﴾.\n_________\n(١) هذا قول الحسن وقتادة والضحاك وابن جريج، انظر: \"تفسير ابن جرير\" ٢٧/ ١٤٣، ط. الحلبي، \"الدر المنثور\" ٧/ ٧٠٤.\n(٢) هو: ذو الرمة، انظر:\"ديوانه\" ٢/ ٦٨٥، \"شرح شواهد الإيضاح\" ص ٣٨٢. والدوية: الصحراء الملساء، واعتسفتها: ركبتها على غير هداية.\n(٣) \"معاني القرآن\" ١/ ٤٦٢، وهذا القول أحد الوجهين الذين ذكرهما الفراء.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٦، وهو كالفراء ذكر وجهين في إعراب الكلمة هذا أحدهما.\n(٥) ما بين المعقوفين ساقط من (ح) و(ز).\n(٦) يعني ما ذكره عن الفراء والزجاج.\n(٧) اهـ. كلام أبي علي، انظر: \"الحجة للقراء السبعة\" ٤/ ٢٧٠ بتصرف.","vol":"11","page":178},{"text":"وقرئ ﴿قِطَعًا﴾ مفتوحة الطاء (١)، وهي جمع قِطْعة، ومعنى الآية في القراءتين واحد؛ لأنهم إذا أغشيت وجوههم قِطْعًا من الليل مظلمًا اسودت منها، كما أنه إذا أغشيت قِطَعا التي (٢) هي جمع قطعة اسودت و﴿مُظْلِمًا﴾ على هذه القراءة حال من الليل، المعنى أغشيت وجوههم قِطَعا من الليل في حال ظلمته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1527>٢٨ </span>- قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا﴾، قال ابن عباس (٣)، ومقاتل (٤)، والكلبي (٥): ويوم نجمع المشركين وشركاءهم والكفار (٦) وآلهتهم، والحشر: الجمع من كل أوب (٧) إلى الموقف.\nوقوله تعالى: ﴿ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ﴾، قال الزجاج: مكانكم منصوب على الأمر؛ كأنه (٨) قيل لهم: انتظروا مكانكم حتى نفصل بينكم، قال: والعرب تتوعد فتقول: مكانك، وانتظر، وهي كلمة جرت على الوعيد (٩).\n_________\n(١) قرأ ابن كثير والكسائي ويعقوب (قِطْعًا) بإسكان الطاء، وقرأ الباقون بفتحها. انظر: \"إرشاد المبتدي\" ص ٣٦٢، \"تحبير التيسير\" ص ١٢٢، \"النشر\" ٢/ ٢٨٣.\n(٢) ساقط من (ح) و(ز).\n(٣) ذكره المؤلف في \"الوسيط\" ٢/ ٥٤٦، وذكره مختصرًا بن الجوزي في \"زاد المسير\" ٤/ ٢٦، والفيروزأبادي في \"تنوير المقباس\" ص ٢١٢.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ١٤٠ أ.\n(٥) \"تنوير المقباس\" ص ٢١٢ عنه، عن ابن عباس.\n(٦) في (ى): (وشركاءهم الكفار).\n(٧) من كل أوب: أي من كل وجه، وجاءوا من كل أوب: أي من كل طريق ووجه وناحية. \"لسان العرب\" (أوب) ١/ ١٦٨.\n(٨) في (ى): (كأنهم)، وهو مخالف لما في المصدر.\n(٩) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٦.","vol":"11","page":179},{"text":"وقوله تعالى: ﴿أَنْتُمْ﴾ مبتدأ ﴿وَشُرَكَاؤُكُمْ﴾ عطف عليه، والخبر في قوله: ﴿مَكَانَكُمْ﴾ على ما ذكرنا من التقدير كأنه قيل: ثم نقول أنتم وشركاؤكم انتظروا مكانكم، واثبتوا وقفوا والزموا مكانكم، ومعنى ﴿شُرَكَاؤُكُمْ﴾ أي: الذين جعلتموهم شركاء في العبادة وفي أموالكم من الأوثان، كما قالوا: ﴿هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا﴾ [الأنعام: ١٣٦].\nوقوله تعالى: ﴿فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ﴾ جاء هذا على لفظ المضي بعد قوله ﴿ثُمَّ نَقُولُ﴾ وهو منتظر؛ لأن الكائن (١) يومًا في علم الله تعالى وقدره كالكائن الراهن (٢) الآن، وذكرنا نظير هذا في قوله: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ (٣) [الأعراف: ٤٤]. ومعنى (زيلنا) فرقنا وميزنا، ومنه قوله الفرزدق:\nأنت الفداء لذكر عام لم يكن ... نحسًا ولا بين الأحبة زيلا (٤)\nوأنشد المبرد فقال (٥):\nسائل مجاور جَرْم هل جنيت لهم ... حربًا تُزيّل بين الجيرة الخُلُطِ (٦)\nقال أبو إسحاق: هو (٧) من قولك [زلت الشيء عن مكانه أزيله،\n_________\n(١) في (ى): (الكافرين)، وهو خطأ جلي.\n(٢) ساقط من (ح) و(ز).\n(٣) انظر تفسير الآية في \"تفسير البسيط\" ولم يذكر المؤلف هذا المعنى في تفسيرها.\n(٤) \"ديوان الحماسة\" ٢/ ٥٥ غير منسوب، وبعده (وقال الفرزدق) فيبدو أن هذا سبب الخطأ في النسبة.\n(٥) ساقط من جميع النسخ عدا (م)، وانظر إنشاد المبرد في \"الكامل\" ١/ ٢٧٣.\n(٦) البيت لوعلة الجرمي كما في \"الأغاني\" ١٩/ ١٤٠. وجرم: هو جرم بن ربان بن حلوان، جد جاهلي من قضاعة، ينتسب إليه بنو جشم وبنو قدامة، وبنو عوف. انظر: \"جمهرة الإنساب\" ص ٤٥١، \"اللباب\" ١/ ٢٢٢.\n(٧) في (ى): (هذا)، والضمير غير موجود في \"معاني القرآن وإعرابه\".","vol":"11","page":180},{"text":"وزيّلنا -للكثرة- من (١) هذا: إذا نحيته (٢). وحكى سلمة (٣)، عن الفراء في قوله: ﴿فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ﴾، قال: ليس من زُلت، إنما هي من زِلت الشيء فأنا أزيله: إذا فرقت ذا من ذا (٤)، ونحو هذا قال الكسائي، قال: وتقول العرب زلت الضأن من المعز فلم تزل ومزتها فلم تنمز (٥). هذا كلامه، فالزيل (٦) والتزييل والمزايلة: التمييز والتفريق، قال ذو الرمة:\nوبيضاء لا تنحاش منا وأمها ... إذا ما رأتنا زيل منا زويلها (٧)\nأراد بيض النعامة وأن البيضة لا تنفر منا، وأن النعامة التي باضتها فإنها إذا رأتنا نفرت، وزيل منا زويلها، أي نُحي عنا حركة شخصها.\nوقرئ (فَزَيَلْنَا بَيْنَهُمْ) (٨)، وهو مثل: (فَزَيَّلْنَا) والتزايل والانزيال:\n_________\n(١) في \"معاني القرآن وإعرابه\": ومن.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٦.\n(٣) هو ابن عاصم النحوي.\n(٤) \"تهذيب اللغة\" مادة: (زول) ٢/ ١٥٧٧، والنص بنحوه في \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٤٦٢.\n(٥) انظر النص بلا نسبة في: \"الصحاح\" (زيل) ٤/ ١٧٢٠، \"تفسير الرازي\" ١٧/ ٦٧، و\"البحر المحيط\" ٥/ ١٥٤.\n(٦) في (م): (والزيل).\n(٧) انظر: \"ديوان ذي الرمة\" ١/ ٥٥٤، و\"البصريات\" للفارسي ١/ ٥٨٤، و\"الصحاح\" (زيل) ٤/ ١٧٢٠، و\"لسان العرب\" (زول) ٣/ ١٨٩١، و\"خزانة الأدب\" ٤/ ٢٤٢، و\"غريب الحديث\" للخطابي ٢/ ٤٨٤، و\"جمهرة اللغة\" ٢/ ٨٢٧، و\"مقاييس اللغة\" (حوش - زول).\n(٨) هي قراءة شاذة قرأ بها ابن أبي عبلة كما في \"زاد المسير\" ٤/ ٢٧، وذكرها بلا نسبة الفراء في \"معاني القرآن\" ١/ ٤٦٢، وابن جرير ١١/ ١١١، والزمخشري ٢/ ٢٣٥، ولم يذكر هذه القراءة ابن جني ولا ابن خالويه في كتابيهما في الشواذ.","vol":"11","page":181},{"text":"التباين والافتراق، والزيال بمعنى الفراق (فِعَال) من المزايلة.\nوقال ابن قتيبة في هذه الآية: هو من زال يزول وأزلته أنا (١).\nقال الأزهري: هذا غلط وأراه لم يميز بين زال يزول، وزال يزيل، وبينهما بنون بعيد، والقول ما قال الفراء، وكان القتيبي قليل البصر بمقاييس النحو والتصريف وهو مع ذلك ذو بيان عذب (٢).\nقال المفسرون: فرقنا بين المشركين وبين شركائهم من الآلهة\n_________\n(١) \"تفسير غريب القرآن\" ص ٢٠٣.\n(٢) \"تهذيب اللغة\" (زول) ٢/ ١٥٧٧ - ١٥٧٨، وقد لطف الواحدي عبارة الأزهري ونصها: إلا أنه منحوس الحظ من النحو والصرف ومقاييسهما. اهـ. والأزهرى متأثر بالهجمة الشرسة الموجهة ضد ابن قتيبة بغير حق والتي قادها جمع من الأدباء والعلماء وفي مقدمتهم أبو بكر ابن الأنباري.\nانظر: \"مقدمة تأويل مشكل القرآن\" ص٧٠، \"مقدمة تهذيب اللغة\" ١/ ٥٠، ولعل الأزهري -﵀- نسي ثناءه العطر على ابن قتيبة حيث قال في صدد التعريف به وبأبي تراب: وكانا من المعرفة والإتقان بحيث تثنى بهما الخناصر، وهما من الشهرة وذهاب الصيت والتأليف الحسن بحيث يعفى لهما عن خطيئة غلط، ونبذ زلة تقع في كتبهما.\n\"تهذيب اللغة\" ١/ ٥٢، كما أن ابن قتيبة ليس وحده قال هذا القول، فأبو البقاء العكبري جزم بصوابه حيث قال: قوله: (فزيلنا) عين الكلمة واو؛ لأنه من زال يزول، وإنما قلبت ياء؛ لأن وزن الكلمة (فعيل) أي: زَيْوَلنا، مثل: بيطر وبيقر، فلما اجتمعت الياء والواو على الشرط المعروف قلبت ياء، وقيل: هو من زلت ... إلخ.\n\"التبيان في إعراب القرآن\" ص ٤٣٧ - ٤٣٨، وإلى ذلك ذهب أيضًا السمرقندي في \"تفسيره\" ٢/ ٩٦، واعتبر الجوهري قول القائل: زِلت الشيء من مكانه أزيله زيلًا، لغة في أزلته، ورد عليه ابن بري، انظر: \"لسان العرب\" (زيل) ٣/ ١٨٩١.\nوبذلك يتبين أن المسألة موضع نظر، ومحل اجتهاد، فلا يشنع على من خالف غيره، ولو لم يحالفه الصواب.","vol":"11","page":182},{"text":"والأصنام، وانقطع ما كان بينهم من التواصل في الدنيا، وذلك حين يتبرأ كل معبود من دون الله ممن عبده (١)، وهو قوله تعالى: ﴿وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ﴾، قال ابن عباس: أنكروا عبادتهم (٢).\nقال مجاهد: يقول ذلك كل شيء يعبدون من دون الله يعني أن الله تعالي ينطق الأوثان فتقول: ما كنا نشعر بأنكم إيانا تعبدون (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1528>٢٩ </span>- قوله تعالى: ﴿فَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ الآية، هذا من كلام معبوديهم (٤)، لما تبرؤوا منهم قالوا: يشهد الله على علمه فينا ما كنا عن عبادتكم إلا غافلين؛ لأنه لم يكن فينا روح وما كنا نسمع ولا نبصر، وقوله تعالى: ﴿إِنْ كُنَّا﴾ (إن) هاهنا هي المخففة من الثقيلة، ودليله إلحاق اللام في الخبر للفرق بين (إن) الجحد و(إن) المؤكدة، والتقدير: إنا (٥) كنا عن عبادتكم لغافلين، ثم خففت وحذف الضمير، كقوله:\nإن هالك كل من يحفى وينتعل (٦)\nوقد ذكرنا نظائر هذا فيما تقدم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1529>٣٠ </span>- قوله تعالى: ﴿هُنَالِكَ﴾، قال أبو إسحاق: (هنالك) (٧) ظرف،\n_________\n(١) انظر: \"تفسير الثعلبي\" ٧/ ١٤ أ، والبغوي ٤/ ١٣١، وبنحوه في \"تفسير ابن جرير\" ١١/ ١١١.\n(٢) ذكره المؤلف في \"الوسيط\" ٢/ ٥٤٦، وبنحوه ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٤/ ٢٧.\n(٣) هذا معنى أثر طويل عن مجاهد، رواه ابن جرير ١١/ ١١١، وابن أبي حاتم ٦/ ١٩٤٨، وابن أبي شيبة وابن المنذر وأبو الشيخ كما في \"الدر المنثور\" ٣/ ٥٥٠.\n(٤) في (ح) و(ز) و(ص): (معبودهم)، وهو خطأ.\n(٥) في (ح) و(ز) و(ص): (إن)، وهو خطأ.\n(٦) سبق تخريجه.\n(٧) ساقط من (ح).","vol":"11","page":183},{"text":"المعنى: في ذلك الوقت، و(هنا) غير متمكن، واللام زائدة، وكسرت لالتقاء الساكنين (١).\nقال صاحب النظم: ويجوز أن يكون معنى ﴿هُنَالِكَ﴾ هاهنا (٢): الإشارة إلى محل؛ لأن ما ذكر الله تعالى من هذه القصة لا يكون إلا في محل، وقد أحكمنا الكلام في هذا الفصل عند قوله: ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّه﴾ [آل عمران: ٣٨].\nقوله تعالى: ﴿تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ﴾، قال ابن عباس والمفسرون: أي (٣) تختبر (٤)، والبَلْو: الاختبار (٥)، ومنه قوله: ﴿وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ﴾ [الأعراف: ١٦٨]، ويقال: [البلاء ثم] (٦) الثناء أي: الاختبار ينبغي أن يكون قبل الثناء [ليكون الثناء] (٧) على علم بما يوجبه، ومعنى اختبارها ما أسلفت: أنه إن قدم خيرًا أو شرًا جوزي عليه فيختبر الخير ويجد ثوابه، ويختبر الشر ويجد عقابه، ولهذا قيل في التفسير في قوله: (تبلو) تعلم (٨)؛ لأن الاختبار سبب العلم.\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٧ بتصرف.\n(٢) يعني في هذه الاَية.\n(٣) في (ح) و(ز): (كي)، واللفظ ساقط من (ى).\n(٤) انظر: \"تفسير ابن جرير\" ١١/ ١١٢ - ١١٣، والثعلبي ٧/ ١٤ أ، والبغوي ٤/ ١٣١، ولم أجده من ذكره عن ابن عباس.\n(٥) في \"لسان العرب\" (بلا) ١/ ٣٨٠: بلوت الرجل بلوًا وبلاءً وابتليته: اختبرته.\n(٦) و(٧) ما بين المعقوفين ساقط من (ى).\n(٨) رواه الفيروزأبادي في \"تنوير المقباس\" ص ٢١٢، عن ابن عباس، ونسبه القرطبي في \"تفسيره\" ٨/ ٣٣٤ إلي الكلبي، وانظر: \"تفسير الثعلبي\" ٧/ ١٤ أ.","vol":"11","page":184},{"text":"وقرئ (تَتُلُو) بتاءين (١)، ومعناه: تقرأ، كذلك قال الأخفش (٢)، والفراء (٣)، وغيرهما (٤)، ومعناه تقرأ كتابها، وما كتب من أعماله (٥) التي قدمها كقوله: ﴿فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ﴾ [الإسراء: ٧١].\nقال الزجاج: وفسروه أيضًا تتبع كل نفس ما أسلفت (٦)، من حسنة وسيئة، ومعنى أسلفت: قدمت.\nوقوله تعالى: ﴿وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ﴾، الرد في اللغة الرجع إلى الشيء بعد الذهاب عنه، وهؤلاء ذهبوا عن أمر الله فأعيدوا إليه.\n[وقوله تعالى] (٧): ﴿مَوْلَاهُمُ﴾ أي: الذي يملك تولي أمرهم.\n_________\n(١) وهي قراءة حمزة والكسائي وخلف، وقراءة الباقين (تبلو) بالتاء وبعدها باء موحدة. انظر: \"كتاب السبعة\" ص ٣٢٥، \"النشر\" ٢/ ٢٨٣، \"إتحاف فضلاء البشر\" ص ٢٤٨.\n(٢) انظر قول الأخفش في: \"معاني القرآن وإعرابه\" للزجاج ٣/ ١٧، \"معاني القرآن\" للنحاس ٣/ ٢٩٢، \"حجة القراءات\" ص ٣٣١، وفسرها الأخفش في كتابه \"معاني القرآن\" ١/ ٣٧٣ بقوله: تتبعه\n(٣) \"معاني القرآن\" ١/ ٤٦٣.\n(٤) انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" للزجاج ٣/ ١٧، \"الحجة للقراء السبعة\" ٤/ ٢٧١، \"الحجة في القراءات\" ص ١٨١.\n(٥) في (ى): (أعمالها)، أما الضمير التالي ففي جميع النسخ بالتذكير، وقد أعاد الضمير على مذكر باعتبار المعنى؛ لأن النفس يراد بها الإنسان.\n(٦) اهـ. كلام الزجاج كما في \"معاني القرآن واعرابه\" ٣/ ١٧، والجدير بالذكر أن لهذا الكتاب نسخًا متفاوتة، يزيد بعضها على بعض كما بينه الأزهري في مقدمة كتابه \"تهذيب اللغة\" ١/ ٤٦ - ٤٧، فلعل بقية القول من نسخة أخرى، أو من توضيح الواحدي وزيادته كما هي عادته في عدم التقيد باللفظ في النقل.\n(٧) ما بين المعقوفين بياض في (م).","vol":"11","page":185},{"text":"وقوله تعالى: ﴿الْحَقِّ﴾ هو من (١) صفة الله -جل وعز- وجاز وصفه بالحق كما جاز وصفه بالعدل للمبالغة في الصفة، إذ كل حق من قِبَله؛ يدل على هذا قول ابن عباس في قوله: ﴿مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ﴾ يريد الذي يجازيهم بالحق (٢)، ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ﴾ أي: زال وبطل، ﴿مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ في الدنيا من التكذيب.\nوقال صاحب النظم في هذه الآية: قوله: ﴿هُنَالِكَ﴾ خبر لقوله: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ﴾؛ لأنه مبتدأ يقتضي جوابا، وهو ظرف للجواب الذي هو قوله: ﴿هُنَالِكَ تَبْلُو﴾ وبني عليه ﴿هُنَالِكَ﴾ وهو محل، فجعل كناية عن الظرف -الذي هو وقت- على السعة والاستعارة (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1530>٣١ </span>- قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ يريد من ينزل (٤) القطر من السماء ويخرج النبات من الأرض، قاله ابن عباس (٥)، والمفسرون (٦).\n﴿أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ﴾ [قال (٧): يريد من جعل لكم السمع\n_________\n(١) ساقط من (ى).\n(٢) \" الجامع لأحكام القرآن\" ٨/ ٣٣٤.\n(٣) المعنى: (هنالك) ظرف للمكان والمحل فمعناه: في ذلك الموقف، لكن معناه في الآية: في ذلك الوقت، وهذا من باب استعارة ظرف المكان للزمان.\n(٤) في (ى): (يخرج).\n(٥) رواه بنحوه الفيروزأبادي في \"تنوير المقباس\" ص ٢١٢.\n(٦) انظر: \"تفسير ابن جرير\" ١١/ ١١٣، و\"تفسير البغوي\" ٤/ ١٣٢، وابن الجوزي \"زاد المسير\" ٤/ ٢٨.\n(٧) يعني ابن عباس، وانظر القول بنحوه في: \"تنوير المقباس\" ص ٢١٢","vol":"11","page":186},{"text":"والأبصار، وعلى هذا، المعنى: أم من يملك (١) خلق السمع والأبصار] (٢).\n﴿وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ أي المؤمن من الكافر، والنبات من الأرض، والإنسان من النطفة، والطير من البيضة، والسنبلة من الحب، والنخلة من النواة، كل هذا قد (٣) قيل (٤)، وعلى الضد من ذلك: ﴿وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾.\n﴿وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾ أمر الدنيا والآخرة، ﴿فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾ أي: الله هو الذي يفعل (٥) هذه الأشياء، وذلك أنهم علموا أن الرازق والمدبر هو الله، فإذا أقروا بعوإلاحتجاج عليهم ﴿فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ قال ابن عباس: أفلا تخافون فلا تشركوا به شيئًا (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1531>٣٢ </span>- قوله تعالى: ﴿فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ﴾، قال الزجاج: لما خوطبوا بما لا يقدر عليه إلا الله تعالى: وأقروا به قيل لهم: ﴿فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ﴾ (٧)، قال ابن عباس: يريد: الذي هذا كله فعله هو الحق ليس هؤلاء الذين جعلتم معه شركاء لا يملكون شيئًا من هذا (٨).\nوقوله: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾، قال: يريد الذي أنتم فيه وما\n_________\n(١) ساقط من (ى).\n(٢) ما بين المعقوفين ساقط من (ح) و(ز).\n(٣) ساقط من (م).\n(٤) انظر: \"تفسير ابن جرير\" ٣/ ٢٢٦، والبغوي ٢/ ٢٤، \"الدر المنثور\" ٢/ ٢٧.\n(٥) في (م): (جعل).\n(٦) \"الوسيط\" ٢/ ٥٤٧، وذكره ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٤/ ٢٨ بلفظ: أفلا تتعظون.\n(٧) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٨ بمعناه.\n(٨) \"الوسيط\" ٢/ ٥٤٧، ورواه الفيروزأبادي في \"تنوير المقباس\" ص ٢١٢ مختصرًا.","vol":"11","page":187},{"text":"اتخذتم من الآلهة غير الله (١)، وقال مقاتل: فماذا بعد الحق (٢): يعنى بعد (٣) عبادة الله إلا الضلال، يعني عبادة الشيطان (٤).\n﴿فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾، قال ابن عباس: يريد: كيف تصرف عقولكم إلى عبادة مالا يرزق ولا يحيى ولا يميت (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1532>٣٣ </span>- قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾، قال الزجاج: الكاف في موضع نصب أي مثل أفعالهم جازاهم ربك (٦) هذا كلامه. وشرحه أبو بكر (٧) فقال: (ذلك) إشارة إلى مصدر ﴿تُصْرَفُونَ﴾ تلخيصه: مثل ذلك الصرف حقت كلمة ربك، وموضع ﴿ذَلِكَ﴾ خفض بالكاف، والكاف موضعها نصب (٨) بـ ﴿حَقَّتْ﴾ على تقدير: حقت الكلمة مثل ذلك الصرف (٩).\nوقال بعض أهل المعاني: المشبه به في ﴿كَذَلِكَ﴾ معنى قوله: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾ [ومعناه ليس بعد الحق إلا الضلال] (١٠) كذلك حقت الكلمة، وعلى هذا: الكاف في موضسع رفع بالابتداء، وخبره ﴿حَقَّتْ﴾\n_________\n(١) \"تنوير المقباس\" ص ٢١٢ بمعناه.\n(٢) في (ح) و(ز) زيادة: (إلا الضلال).\n(٣) ساقط من (ى).\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ١٤٠ أبنحوه.\n(٥) \"زاد المسير\" ٤/ ٢٩، \"الوسيط\" ٢/ ٥٤٧.\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٨.\n(٧) هو ابن الأنباري.\n(٨) ساقط من (ى).\n(٩) ذكر قوله ابن الأنباري مختصرًا بن الجوزي في \"زاد المسير\" ٤/ ٣٠.\n(١٠) ما بين المعقوفين ساقط من (ى).","vol":"11","page":188},{"text":"وذكر أبو بكر قولًا آخر في ﴿كَذَلِكَ﴾ وهو أنه بمعنى هكذا (١) إشارة إلى الحاضر وهو مصدر ﴿حَقَّتْ﴾ ويكون موضع ﴿كَذَلِكَ﴾ نصبًا بـ ﴿حَقَّتْ﴾ ولا تكون الكاف فيه منفصلة مما بعدها، وتقديره إذا لم تفصل الكاف منه: هذا الحق حقت كلمة ربك [وقد ترفع (كذلك) إذا استحق الرفع، وهذا المعنى ذهب إليه مقاتل بن سليمان (٢)، والكلبي (٣)، وجماعة من المفسرين (٤)، أعني أنهم يقولون: معنى الحرف: هكذا حقت كلمة ربك] (٥)، والدليل على أن (هكذا) يرفع وينصب ويخفض بكماله وجملته ولا يُقضى عليه بانفصال (٦) بعضه من بعض حكايته الفراء عن أبي ثروان (٧): ليس بهكذا (٨)، فدخول الباء على (هكذا) يكشف أنه مشبه بـ (هذا)، ويؤكد هذا الفصل ما ذكره صاحب النظم أن (كذلك) قد تكون تحقيقًا وإثباتًا لما قبله من الخبر، كما أن (كلا) ردٌ وإبطال لما قبله من الخبر، وعلى هذا (كذلك) كلمة (٩) بكماله وجملته، ولا يُقضى عليه بانفصال بعضه عن بعض.\n_________\n(١) \"زاد المسير\" ٤/ ٣٠.\n(٢) لم أجده في \"تفسيره\".\n(٣) رواه الثعلبي ٧/ ١٤ أ، والبغوي ٤/ ١٣٢.\n(٤) انظر: \"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٩٨، وابن الجوزي ٤/ ٣٠.\n(٥) ما بين المعقوفين ساقط من (ح).\n(٦) في (ح) و(ز): (انفصال).\n(٧) هو: أبو ثروان العكلي، من بني عُكْل، أعرابي فصيح مصنف، له من الكتب \"خلق الإنسان\"، وكتاب \"معاني الشعر\". انظر: \"الفهرست\" ص ٧٣، \"إنباه الرواة\" ٤/ ١٠٥، ولم أجد من ترجم له ترجمة وافية.\n(٨) في (م): (هكذا)، وهو خطأ.\n(٩) في (ى): (كذلك حقت كلمة)، وهو خطأ.","vol":"11","page":189},{"text":"وقوله تعالى: ﴿كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾ وقرئ كلمات ربك (١)، وذكر المفسرون في معناها (٢) قولين، أحدهما: حق وعد ربك الذي بينه في غير موضع من كتابه من تعذيبه أهل الكفر وإصارته إياهم إلى الهلاك والبوار، وهذا معنى قول الزجاج: أي: مثل أفعالهم جازاهم (٣).\nأما توحيد الكلمة وجمعها، فمن وحدها فإنه أراد الجمع؛ لأن ما أوعد الله -﷿- به وتهدد به الكفار كلام يجمع حروفًا وألفاظًا (٤)، كقوله: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ﴾ [السجدة: ٢٠] الآية، فجعل هذه الجملة وغيرها من آي الوعيد كلمة وإن كانت في الحقيقة كلمات؛ لأنهم قد يسمون القصيدة والخطبة كلمة، وهذا نحو قوله: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى﴾ [الأعراف: ١٣٧]، يعني بالكلمة قوله: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [القصص: ٥] الآية، فجعلها كلها كلمة؛ وذلك لأنها إذا كانت الكلمات في معنى واحد كانت كأنها كلمة واحدة، هذا قول أبي بكر، وأبي علي (٥).\nقال أبو بكر: ويجوز أن يكون أراد الكلمات، فأوقع الواحد موقع الجمع كقوله:\n_________\n(١) يعني الجمع، وهي قراءة نافع وابن عامر وأبي جعفر، وقرأ الباقون بالتوحيد. انظر: كتاب \"السبعة\" ص ٣٢٦، \"تحبير التيسير\" ص ١٢٢، \"إتحاف فضلاء البشر\" ص ٢١٦.\n(٢) ساقط من (ح).\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٨.\n(٤) في (م): (ألفاظًا وحروفًا).\n(٥) يعني الفارسي، انظر: \"الحجة\" ٤/ ٢٧٣.","vol":"11","page":190},{"text":"وأما جلدها فصليب (١)\nيعني جلودها، وقال أبو علي: ويجوز أن تكون: ﴿كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾ التي يراد بها الجنس، وقد أوقع على بعض الجنس، كما أوقع اسم الجنس على بض، كقوله: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ﴾ [الصافات: ١٣٧، ١٣٨]، فأوقع اسم الليل على ذلك الوقت الذي يقرون فيه عليهم وهو بعض الجنس (٢).\nالقول الثاني: في معنى الكلمة، أنه أراد: حق عليهم ما سبق من علم الله فيهم وما جبلهم عليه من الشقاء، وهذا قول ابن عباس (٣)، وقوله تعالى: ﴿عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا﴾، قال ابن عباس: يريد كذبوا (٤).\nقال أهل المعاني: فسقوا في كفرهم، أي تمردوا فيه، والفسق\n_________\n(١) هذا بعض بيت، وهو بكماله:\nبها جِيَف الحسرى فأما عظامها ... فبِيضٌ وأما جلدها فصليب\nوالبيت لعلقمه الفحل في \"ديوانه\" ص ٤٠، \"خزانة الأدب\" ٧/ ٥٥٩، \"شرح أبيات سيبويه\" ١/ ٩٣، \"كتاب سيبويه\" ١/ ٢٠٩.\nوالشاعر يصف طريقًا شاقًا قطعه حتى يصل إلى ممدوحه، والحسرى: جمع حسير، وهو البعير الذي كلّ وانقطع سيره إعياء أو هزالًا فيتركه أصحابه، وابيضت عظامه: يعني أكلت السباع والطيور ما عليها من لحم، وجلد صليب: أي يابس، أو لم يدبغ. انظر: \"شرح أبيات سيبويه\"، \"خزانة الأدب\"، نفس الموضعين السابقين.\n(٢) اهـ. كلام أبي علي، انظر: \"الحجة للقراء السبعة\" ٤/ ٢٧٣.\n(٣) رواه بمعناه مختصرًا ابن أبي حاتم ٦/ ١٩٥١، وأبو الشيخ كما في \"الدر المنثور\" ٣/ ٥٥١.\n(٤) \"تنوير المقباس\" ص ٢١٢، ولفظه: كفروا.","vol":"11","page":191},{"text":"الخروج في المعصية إلى الكبيرة، فإن كانت كفرا فالخروج إلى أكبره (١).\nوقوله تعالى: ﴿أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ موضع (أن) رفع (٢) بدل من (كلمة ربك) قاله الزجاج (٣)، وابن الأنباري، وهذا على القول الثاني في تفسير الكلمه، وعلى القول الأول تكون (أن) (٤) منصوبة، لحذف الخافض، ويكون المعنى: حقت الكلمة عليهم؛ لأنهم لا يؤمنون، أو بأنهم لا يؤمنون، ذكره الفراء (٥)، والزجاج (٦) جميعًا، ويقول الكسائي: موضعها خفض بالخافض المضمر معها (٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1533>٣٤ </span>- قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ﴾، قال ابن عباس (٨)، ومقاتل (٩)، والمفسرون (١٠): يعني آلهتهم التي يعبدون من دون الله، وذكرنا معنى إضافة الشركاء إليهم في قوله: ﴿أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ﴾ [يونس: ٢٨].\nوقوله تعالى: ﴿مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ﴾ أي: يرشد إلى دين الإسلام، ﴿قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ﴾ أي: إلى الحق.\nقال أبو إسحاق: تقول هديت إلى الحق وهديت للحق بمعنى\n_________\n(١) انظر: \"المفردات في غريب القرآن\" (فسق) ص٣٨٠ بمعناه.\n(٢) ساقط من (ى).\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٨.\n(٤) ساقط من النسخ عدا (م).\n(٥) \"معاني القرآن\" ١/ ٤٦٣.\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٨.\n(٧) لم أعثر على مصدره.\n(٨) \"تنوير المقباس\" ص ٢١٣.\n(٩) \"تفسير مقاتل\" ١٤٠ أ.\n(١٠) \"تفسير ابن جرير\" ١١/ ١١٥، والسمرقندي ٢/ ٩٨، \"الدر المنثور\" ٣/ ٥٥٢.","vol":"11","page":192},{"text":"واحد (١) وهذا مما ذكرناه في أول الكتاب (٢).\nقال ابن عباس: يريد (٣) يرشد إلى الحق أهل الحق (٤).\nقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي﴾ أي: آلله الذي يهدي ويرشد إلى الحق أهل الحق أحق أن يتبع أمره، أو الأصنام التي لا تهدي أحدًا ولا تهدي إلى خير؟! وهذا معنى قول ابن عباس (٥)، والحسن (٦)، والمفسرين (٧).\nوقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يُهْدَى﴾، قال ابن عباس: يريد يرشد، وما ذلك إلا بيد الله، وما يفعله إلا بأوليائه (٨).\nوقال مقاتل: ﴿إِلَّا أَنْ يُهْدَى﴾ يعني: هذا الذي يعبد الأوثان (٩)، فعلى هذا الهداية لا ترجع إلى الوثن إنما ترجع إلى عابده، وتصحيحه في النظم أن يكون التقدير: أمن (١٠) لا يهدي غيره أو عابده أو أحدًا، ثم\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٩.\n(٢) في أول البقرة [٢].\n(٣) ساقط من (ى)، وفي (ح): (يريد به).\n(٤) ذكره بمعناه ابن زنجلة في \"حجة القراءات\" ص ٣٣٢.\n(٥) انظر: \"تنوير المقباس\" ص ٢١٣، \"حجة القراءات\" ص ٣٣٢.\n(٦) لم أعثر على قوله.\n(٧) انظر: \"تفسير ابن جرير\" ١١/ ١١٦، والثعلبي ٧/ ١٤ ب، والسمرقندي ٢/ ٩٨، والبغوي ٤/ ١٣٣، وابن كثير ٢/ ٤٥٧.\n(٨) لم أقف عليه.\n(٩) نص عبارة مقاتل: إلا أن يهدى، وبيات ذلك في: ﴿وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ﴾ [النحل: ٧٦] انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٤٠ ب.\n(١٠) في (ح): (أم لا).","vol":"11","page":193},{"text":"حذف المفعول وتم الكلام، ثم قال: ﴿إِلَّا أَنْ يُهْدَى﴾ على الاستثناء المنقطع بمعنى: لكن إن هدي ذلك العابد اهتدى، أي إن هداه الله اهتدى، فأما الصنم فلا هداية عنده، وهذا المعنى على قراءة من قرأ (أَمَّنْ لَا يَهْدي)\nساكنة الهاء خفيفة الدال (١).\nوقرئ (يَهَدّي) (٢)، و(يِهِدّي) (٣)، و(يَهِدّي) (٤)، و(يَهْدّي) (٥)، ومعانيها كلها (يفتعل) وإن اختلفت ألفاظها.\nوالجميع أدغموا التاء في الدال لمقاربتها لها؛ ألا ترى أن التاء والطاء والدال من حيز واحد.\nواختلفوا في تحرك الهاء، فمن فتح الهاء ألقى حركة الحرف المدغم وهي الفتحة على الهاء كما ألقاها على ما قبل (٦) المدغم في مُعِدّ ومُمِدّ، ومن حرك الهاء بالكسر فلأن الكلمة عنده تشبه المنفصلة، فلم يُلق حركة المدغم على ما قبله نحو (قومْ موسى) إذا أدغم (٧) لا يلقى على الساكن منه\n_________\n(١) وبهذا قرأ حمزة والكسائي وخلف. انظر كتاب \"السبعة\" ص ٣٢٦، \"إرشاد المبتدي\" ص ٣٦٢، \"تقريب النشر\" ص ١٢٢، \"إتحاف فضلاء البشر\" ص ٢٤٩.\n(٢) بفتح الياء والهاء وتشديد الدال، وهي قراءة ابن كثير وابن عامر وورش وأبي عمرو في أحد الوجهين. انظر المصادر السابقة، نفس المواضع.\n(٣) بكسر الياء والهاء وتشديد الدال، وهي قراءة أبي بكر عن عاصم.\n(٤) بفتح الياء وكسر الهاء وتشديد الدال، وهي قراءة حفص عن عاصم، ويعقوب.\n(٥) بإسكان الهاء وتشديد الدال، وهي قراءة نافع وأبي عمرو، غير أن أبا عمرو كان يشم الهاء شيئًا من الفتح. انظر المصادر السابقة، نفس المواضع.\n(٦) في (ى): (قبلها).\n(٧) في \"الحجة للقراء السبعة\" ٤/ ٢٧٧ الذي نقل منه النص: واسم موسى لا يُلقى على الساكن منه حركة المدغم.","vol":"11","page":194},{"text":"حركة المدغم فلما لم يجز ذلك تركت الهاء على سكونها، فالتقت مع (١) الحرف المدغم، وهما ساكنان فحرك الأول منهما بالكسر لالتقاء الساكنين، ومن سكّن الهاء جمع بين الساكنين، وقد بينا حكم الجمع بين ساكنين في هذا النحو فيما تقدم.\nومن قرأ (يِهِدّي) بكسر الياء والهاء فقال الزجاج: هي رديئة لثقل الكسر في الياء (٢).\nقال أبو علي: أتبع الياء ما بعدها من الكسر، وليس الكسر في الياء على لغة من يكسر حروف المضارعة من التاء والنون في نحو تِعلم ونِعلم؛ لأن من يقول تِعلم (٣) لا يقول يِعلم (٤)، ومن قال (٥): أنت تِهتدي (٦) لا يقول: هو يِهتدي (٧)، ولكن الكسرة في الياء للإتباع، كما أنه لم تكسر الياء في: يِيْجل (٨)، من حيث كسرت التاء في تِعلم، ولكن كسرت لتنقلب الواو\n_________\n(١) في (ح): (على).\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٩، ولا معنى لوصفها بالرداءة وهي قراءة متواترة، قال السمين الحلبي في \"الدر المصون\" ٦/ ١٩٩ بعد أن نقل رأي سيبويه في منع كسر ياء المضارعة: وهذا فيه غض من قراءة أبي بكر، لكنه قد تواتر قراءة، فهو مقبول، وانظر رأي سيبويه في \"كتابه\" ٤/ ١١٠، وانظر توجيه القراءة لغة في \"الحجة للقراء السبعة\" ٤/ ٢٧٩، \"حجة القراءات\" لابن زنجلة ص ٣٣٢.\n(٣) بكسر التاء.\n(٤) بكسر الياء.\n(٥) في (ى): (قرأ)، وهو خطأ.\n(٦) بكسر التاء.\n(٧) بكسر الياء.\n(٨) رسمت الكلمة في النسخ بلا نقط، والكلمة في \"الحجة للقراء السبعة\" ٤/ ٢٧٩،= =","vol":"11","page":195},{"text":"ياء، كذلك هاهنا كسرت للإتباع. هذا وجه القراءة في ﴿أَمَّنْ لَا يَهِدِّي﴾.\nفأما معنى لا تهتدي إلا أن تهدى، وهي لا تهتدي وإن هديت؛ لأنها موات من حجارة وأوثان ولكن الكلام نزل على أنها إن هديت اهتدت، وإن لم تكن في الحقيقة كذلك؛ لأنهم لما اتخذوها آلهة عبر عنها كما يعبر عمن يعلم ويفعل (١) ويعقل، ألا ترى أنه تعالى قال: ﴿مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [النحل: ٧٣]، وكما قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ [الأعراف: ١٩٤]، وإنما هي موات؛ ألا ترى أنه قال: ﴿فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ﴾ [الأعراف: ١٩٤]، ﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٩٥]، وكذلك قوله: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ﴾ [فاطر: ١٤] الآية، وأجرى اللفظ على الأوثان على حسب ما يجري على من يعلم، كذلك هاهنا وصف بصفة من يعقل وإن لم يكن في الحقيقة كذلك، و(إِلَّا) على هذا بمنزلة (حتى) كأنه قال (٢): أمن لا يهدي (٣) حتى يُهدى، أي من لا يَعلم حتى يُعلم، ولا يستدل على شيء حتى يُدل عليه، وإن كان لو دُل أو أُعلم لم يعلم ولم يستدل.\n_________\n=وقال سيبويه في \"كتابه\" ٤/ ١١٠: وأما يوجل ونحوه فإن أهل الحجاز يقولون: يوجل، فيجرونه مجرى علمت، وغيرهم من العرب سوى أهل الحجاز يقولون في توجل: هي تيجل، وأنا إيجل، ونحن نِيجل، وإذا قلت (يفعل) فبعض العرب يقولون: ييجل، كراهية الواو مع الياء.\n(١) ساقط من (ح).\n(٢) ساقط من (م).\n(٣) في (م): (يهتدي).","vol":"11","page":196},{"text":"وهذا الذي ذكرنا وجه آخر في قراءة من قرأ: (أَمَّن لَا يَهْدِي إلا أن يُهدى) (١) [أي أمن لا يهدي] (٢) غيره ولكن يُهدى، أي [لا يعلم شيئًا ولا يعرفه لكن] (٣) يُهدى، أي لا هداية له، ولو هدي أيضًا لم يهتد (٤)، إلا أن اللفظ جرى عليه، هذا كلام أبي علي الفارسي (٥)، وهو وجه الآية.\nوذكر المتأخرون من أهل التفسير وجهين في قوله: ﴿أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى﴾ لا يساوي واحد منهما أن يحكى فتركته (٦)، ولم أر للمتقدمين فيه شيئًا (٧)، وتأويل الآية أنهم نُسبوا إلى غاية الذهاب عن الحق والزيغ عنه (٨) في معادلتهم الآلهة بالله - ﷺ -.\n_________\n(١) يعني قراءة حمزة ومن معه، انظر: \"الحجة للقراء السبعة\" ٤/ ٢٧٦.\n(٢) ما بين المعقوفين ساقط من (ى).\n(٣) ما بين المعقوفين ساقط من (ى).\n(٤) في العبارة غموض؛ إذ قوله: (ولكن يُهدى) يناقض قوله: (ولو هدي أيضًا لم يهتد)، والعبارة هكذا أيضًا في \"الحجة\" ٤/ ٣٧٦، وقال ابن عطية في \"المحرر الوجيز\" ٧/ ١٤٧: والذي أقول: إن قراءة حمزة والكسائي تحتمل أن يكون المعنى: (أمن لا يهدي أحدًا إلا أن يُهدى ذلك الأحد بهداية من عند الله).\n(٥) \"الحجة للقراء السبعة\" ٤/ ٢٧٥ - ٢٨٠، مع التقديم والتأخير والاختصار.\n(٦) الوجهان للثعلبي في \"تفسيره\" ٧/ ١٥ أ، ونص عبارته: في معنى الآية وجهان: فصرفها قوم إلى الرؤساء والمضلين، أراد لا يرشدون إلا أن يُرشدوا، وحملها الآخرون على الأصنام وهو وجه الكلام، والمعنى: لا يمشي إلا أن يحمل، ولا ينتقل عن مكانه إلا أن ينقل.\n(٧) بل روى ابن جرير في \"تفسيره\" ١١/ ١١٦، عن مجاهد: أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أم من لا يهدي إلا أن يهدى، قال: الأوثان، الله يهدي منها ومن غيرها من شاء لما شاء، ولم يتبين لي مراده.\n(٨) في (ى): (عنهم).","vol":"11","page":197},{"text":"وقوله تعالى: ﴿فَمَا لَكُمْ﴾، قال الزجاج: (ما لكم) كلام تام كأنهم قيل: لهم أي شيء لكم في عبادة الأوثان؟ ثم قيل لهم: ﴿كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ علي أي حال تحكمون؟ وموضع (كيف) نصب بـ ﴿تَحْكُمُونَ﴾ (١).\nوقال مقاتل: كيف تقضون حين زعمتم أن مع الله شريكًا (٢).\nوقال عطاء: بئسما حكمتم إذ جعلتم لله شريكًا ليس (٣) بيده منفعة ولا مضرة (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1534>٣٦ </span>- قوله تعالى: ﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ﴾، قال ابن عباس: هم الرؤساء، وأما السفلة فلا يعلمون شيئًا إلا ما قالت (٥) الرؤساء (٦).\nوقوله تعالى: ﴿إِلَّا ظَنًّا﴾ يعني: ما يستيقنون أنها آلهة.\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ قيل: لا يغني من عذاب الله شيئًا، ولا يدفع شيئًا من العذاب (٧)، و(الحق) على هذا هو الله، وظنهم أن الأصنام آلهة، وأنها تشفع لهم لا يغني عنهم شيئًا، وقال عطاء عن ابن عباس: يريد ليس الظن كاليقين (٨)، يريد بالحق: اليقين، والمعنى على\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٠.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ١٤٠ أبنحوه، والنص في \"الوسيط\" ٢/ ٥٤٧.\n(٣) في (ى) و(م): (من ليس).\n(٤) لم أقف عليه.\n(٥) في (ح): (قال).\n(٦) لم أقف عليه.\n(٧) هذا قول مقاتل في \"تفسيره\" ١٤٠ ب بمعناه، وابن عباس في رواية الكلبي كما في \"تنوير المقباس\" ص ٢١٣.\n(٨) ذكره المؤلف في \"الوسيط\" ٢/ ٥٤٧، عن عطاء.","vol":"11","page":198},{"text":"هذا: إن الظن لا يقوم مقام العلم، وفي هذا دليل على أن من كان في مسائل الأصول ظانًّا لم يكن مؤمنًا.\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾، قال (١): يريد من كفرهم] (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1535>٣٧ </span>- قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾، قال الزجاج (٣)، وابن الأنباري (٤): هذا جواب لقولهم ﴿ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا﴾ [يونس: ١٥] و(أن) مع (يُفْتَرَى) مصدر مقضيًا عليه بالنصب تقديره: وما كان هذا القرآن افتراءً من دون الله، كما تقول: ما كان هذا الكلام كذبًا.\n﴿وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [أي: ولكن كان تصديق الذي بين يديه] (٥) من الكتب وأنباء الأمم السالفة وأقاصيص أنبيائهم، وهذا قول المفسرين (٦). قال أبو إسحاق: ويجوز أن يكون المعنى: ولكن تصديق الذي بين يديه (٧) القرآن، أي تصديق الشيء الذي تقدمه القرآن، أي يدل\n_________\n(١) يعني ابن عباس، وانظر القول في \"تنوير المقباس\" ص ٢١٣ بمعناه.\n(٢) ما بين المعقوفين ساقط من (ح).\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٠ بنحوه.\n(٤) \"زاد المسير\" ٤/ ٣٢ مختصرًا.\n(٥) ما بين المعقوفين ساقط من (ى).\n(٦) انظر: \"تفسير ابن جرير\" ١١/ ١١٧، والماوردي ٢/ ٤٣٥، والبغوي ٤/ ١٣٤.\n(٧) في \"معاني القرآن وإعرابه\" المطبوع: يدي، والصواب ما ذكره الواحدي؛ لأن القرآن قبل البعث، ولو قيل: البعث بين يدي القرآن لكان المعنى: البعث قبيل القرآن، وهذا لا يصح، وفي \"لسان العرب\" (يدي) ٨/ ٤٩٥٤: يقال: بين يديك كذا لكل شيء أمامك، قال الله -﷿-: ﴿مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾ [الأعراف: ١٧] ويقال: إن بين يدي الساعة أهوالًا، أي: قدامها.","vol":"11","page":199},{"text":"على أمر البعث والنشور (١)، فعلى القول الأول الكناية في ﴿يَدَيْهِ﴾ تعود إلى القرآن، وعلى القول الثاني تعود إلى الذي قال ابن الأنباري (٢).\nتحقيق القول الأول: ولكن تصديق الوحي الذي بين يدي القرآن من الكتب، فالقرآن شاهد لما تقدمه من الكتب أنها حق، وموافق لها في الأخبار وشاهد لها، إذ جاء على ما تقدمت به البشارة فيها.\nوتحقيق القول الثاني: ولكن تصديق البعث الذي القرآن بين يديه؛ لأن القرآن يخبر بالبعث، ويدعو إلى الاستعداد له، قال أبو بكر: ويحتمل أن يكون المعنى ولكن تصديق النبي (٣) الذي بين يدي القرآن (٤)؛ [لأنهم شاهدوا النبي - ﷺ - وعرفوه قبل أن يسمعوا منه القرآن (٥)] (٦).\nوقوله تعالى: ﴿وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ﴾ أراد وتفصيل ما في الكتاب من الحلال والحرام والفرائض والسنن والأحكام، وما في الكتاب هو الكتاب لذلك قال: ﴿وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ﴾ كأن المعنى وتفصيل المكتوب من هذه الأشياء، والتفصيل: التبيين، وقد مر، وهذا معنى قول ابن عباس (٧).\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٠.\n(٢) لم يرد لابن الأنباري قول في هذه الجملة من الآية، ولا يمكن أن يكون مراده قول ابن الأنباري الآتي، لعدم اتفاقه مع معنى القول الثاني، ولعل المؤلف يريد قول أبي إسحاق الزجاج.\n(٣) في (ح): (الشيء)، وهو خطأ.\n(٤) يعني محمدًا - ﷺ -، وانظر تفسير القول في \"الجامع لأحكام القرآن\" ٨/ ٣٤٤.\n(٥) ذكره ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٤/ ٣٢.\n(٦) ما بين المعقوفين ساقط من (ح).\n(٧) \"تنوير المقباس\" ص ٢١٣.","vol":"11","page":200},{"text":"وقال الحسن: ﴿وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ﴾ الوعد لمن آمن بالنعيم، والوعيد لمن عصي بالعذاب الأليم (١)، والمعنى على هذا أيضًا: تفصيل المكتوب من الوعد والوعيد، والقرآن أتى ببيان هذا، وقوله تعالى: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ أي في كونه ونزوله من رب العالمين، قال ابن عباس: يريد أنه من عند رب العالمين (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1536>٣٨ </span>- وقوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾ الآية، قال الزجاج وغيره: هذا تقرير لهم لإقامة الحجة عليهم (٣)، وهي إلزامهم أن يأتوا بسورة مثله إن كان كما يقولون، وتقديره: بل أتقولون.\nوقد ذكرنا حكم هذا الاستفهام عند قوله: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا﴾ (٤) [البقرة: ١٠٨]، وهذا احتجاج عليهم بعد احتجاج؛ لأن الآية الأولى أوجبت كونه من عند الله بتصديقه الذي بين يديه، وفي هذه الآية ألزموا أن يأتوا بسورة مثله إن كان مفترى.\nوقوله تعالى: ﴿وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾، قال الزجاج: وادعوا إلى أن يعينكم على ذلك من استطعتم ممن هو في التكذيب مثلكم وإن خالفكم في أشياء (٥).\n_________\n(١) لم أجده.\n(٢) \"تنوير المقباس\" ص ٢١٣ بمعناه.\n(٣) اهـ. كلام الزجاج، انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢١، وانظر: \"تفسير ابن جرير\" ١١/ ١١٧، والسمرقندي ٢/ ٩٩ بمعناه.\n(٤) قال هناك: (أم) تقع عاطفة بعد الاستفهام، كقولك: أخرج زيد أم عمرو، وأزيد عندك أم عمرو، فيكون معنى الكلام: أيهما عندك، ولا تكاد تكون عاطفة إلا بعد الاستفهام. وأطال الكلام حولها.\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢١.","vol":"11","page":201},{"text":"وقال غيره: معناه: ادعوا إلى معاونتكم على المعارضة كل من تقدرون عليه (١)، واستقصاء تفسير هذه الآية قد مضى في سورة البقرة عند (٢) قوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ﴾ [البقرة: ٢٣] الآية، وقوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ أي في أنه اختلقه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1537>٣٩ </span>- قوله تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ﴾ يعني: القرآن، أي كذبوا به لما لم يعلموه، قال عطاء: يريد أنه ليس خلقٌ يحيط بجميع علم القرآن (٣)، وقال الحسين بن الفضل: هذا كقوله تعالى: ﴿وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ﴾ (٤) [الأحقاف: ١١].\nوقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾، قال أبو إسحاق: أي: لم يكن معهم علم تأويله، وهذا دليل أن علم التأويل ينبغي أن ينظر فيه (٥)، وقال ابن كيسان في هذه الآية: يقول: لم يعلموه تنزيلًا، ولا علموه تأويلًا، فكذبوا به (٦)، وتلخيص هذا المعنى يعود إلى أنهم جهلوا القرآن وعلمه وعلم تأويله فعادوه (٧) بالتكذيب، وفي الآية قول آخر وهو أن معنى قوله: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ﴾ أي بما في القرآن من الجنة والنار والبعث والقيامة والثواب والعقاب.\n_________\n(١) \"تفسير الثعلبي\" ٧/ ١٥ ب بنحوه من قول ابن كيسان، ورواه ابن أبي حاتم ٦/ ١٩٥٣، عن ابن عباس بمعناه.\n(٢) في (ى): (في).\n(٣) لم أجده.\n(٤) ذكره بنحوه الثعلبي ٧/ ١٥ ب، وابن الجوزي ٤/ ٣٣، والقرطبي ٨/ ٣٤٥.\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢١.\n(٦) لم أجده.\n(٧) في (ى): (فعادوا).","vol":"11","page":202},{"text":"وقوله تعالى. ﴿وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾ أي: لم يأتهم بعد حقيقة ما وعدوا في الكتاب بما يؤول إليه أمرهم من العقوبة (١)، ويدل على صحة هذا التأويل قوله: ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أي: بالبعث [والقيامة، وتكذيب الكفار من الأمم الخالية كان بالبعث] (٢) والقيامة، لا (٣) بالقرآن، وعلى القول الأول شبّه تكذيبهم بالقرآن والنبي بتكذيب الأمم الخالية أنبياءهم فيما وعدوهم به، والقولان في الآية أشار إليهما أبو إسحاق (٤).\nوذُكر قول ثالث، هو أن معنى قوله: ﴿بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ﴾ أي يقول: لم يعلموه يقينًا (٥)، ويعني قولهم: ﴿افْتَرَاهُ﴾ مهو يقول: بل كذبوا القرآن بقولهم افتراه، وأنه مفترى وهم شاكون في قولهم هذا، ولم يتيقنوا أنه مفترى [وهذا معنى قول الزجاج: هذا والله أعلم، قيل في الذين كفروا (٦) وهم شاكون (٧).\nوقوله: ﴿وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾ أي: لم يأتهم حقيقة ما يقولون أنه مفترى] (٨)، والتأويل ما يؤول إليه الأمر، وقوله: ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ\n_________\n(١) \"زاد المسير\" ٤/ ٣٣، ورواه الثعلبي ٧/ ١٥ ب، عن الضحاك مختصرًا، وذكره الزجاج في \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢١ مختصرًا أيضًا.\n(٢) ما بين المعقوفين ساقط من (ح) و(ز).\n(٣) في (ى): (ولا).\n(٤) انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢١.\n(٥) انظر: \"معاني القرآن الكريم\" للنحاس ٣/ ٢٩٤، \"زاد المسير\" ٤/ ٣٣.\n(٦) في (م): (كذبوا).\n(٧) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢١.\n(٨) ما بين المعقوفين ساقط من (ح).","vol":"11","page":203},{"text":"﴿الظَّالِمِينَ﴾ ﴿كَيْفَ﴾ في موضع نصب على خبر (كان) ولا يجوز أن يعمل (١) فيها (انظر)؛ لأن ما قبل الاستفهام لا يعمل فيه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1538>٤٠ </span>- قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ﴾ الآية، قال المفسرون: أخبر الله تعالى عن إيمان قوم علم (٢) أنهم يؤمنون، وعن كفر قوم علم (٣) أنهم لا يؤمنون، وهذا إخبار عما سبق في علم الله تعالى (٤)، قال الكلبي: نزلت في أهل مكة (٥).\nوقوله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ﴾، قال عطاء: يريد المكذبين (٦)، وهذا تهديد لهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1539>٤١ </span>- قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ﴾ الآية، قال مقاتل (٧)، والكلبي (٨): هذه الآية منسوخة بآية الجهاد (٩).\n_________\n(١) في (خ) و(ز): (يجوز).\n(٢) ساقط من (ى).\n(٣) ساقط من (ى).\n(٤) انظر معناه في \"تفسير ابن جرير\" ١١/ ١١٨، والثعلبي ٧/ ١٥ ب، والبغوي ٤/ ١٣٤.\n(٥) ذكره المؤلف في \"الوسيط\" ٢/ ٥٤٨، وهو أحد قولين ذكرهما الفيروزأبادي في \"تنوير المقباس\" ص ٢١٣ عنه، عن ابن عباس، والقول الثاني لفظه: من اليهود، وهو ما ذكره السمرقندي ٢/ ٩٩، وابن الجوزي ٤/ ٣٤.\n(٦) \"زاد المسير\" ٤/ ٣٤، \"الوسيط\" ٢/ ٥٤٨.\n(٧) رواه الثعلبي ٧/ ١٦ أ، والبغوي ٤/ ١٣٥، وذكره أيضًا بغير سند المؤلف في \"الوسيط\" ٢/ ٥٤٨، والقرطبي في \"تفسيره\" ٨/ ٣٤٦، ولعل القول لمقاتل بن حيان، إذ لم أجده في \"تفسير مقاتل بن سليمان\".\n(٨) المصادر السابقة، نفس المواضع، \"زاد المسير\" ٤/ ٣٤.\n(٩) ليس بين هذه الآية وآيات الجهاد منافاة حتى يحكم بالنسخ، بل هذه الآية بمعنى =","vol":"11","page":204},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1540>٤٢ </span>- قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾ الآية، قال ابن عباس: نزلت في المستهزئين؛ كانوا يستمعون إلى النبي - ﷺ - للاستهزاء والتكذيب فلم ينتفعوا باستماعهم (١)، قال الله تعالى: ﴿أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ﴾، قال أبو إسحاق: أي: ظاهرهم ظاهر من يستمع (٢)، وهم لشدة عداوتهم وبغضهم بمنزلة الصم (٣).\n_________\n= قولى تعالى: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون: ٦] فهي إخبار بالبراءة منهم، والمفاصلة معهم، وأما ما قد يفهم منها من المتاركة وعدم التعرض لهم بسوء فإنه -إن كان الأمر كذلك- من أحكام حالة ضعف المسلمين، وعدم قدرتهم على الجهاد وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فالحكم موقوف بتلك الحالة، ويزول بزوالها، والسلف يطلقون على هذا الحكم لفظ النسخ، وليس هو كذلك في اصطلاح المتأخرين، قال الزركشي في \"البرهان\" ٢/ ٤٢٣ بعد أن ذكر للنسخ أقسامًا: (الثالث: ما أمر به لسبب ثم يزول السبب، كالأمر حين الضعف والقلة بالصبر وبالمغفرة للذين لا يرجون لقاء الله، ونحوه من عدم إيجاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد ونحوها، ثم نسخه إيجاب ذلك، وهذا ليس بنسخ في الحقيقة، وإنما هو نسء ...، وبهذا التحقيق تبين ضعف ما لهج به كثير من المفسرين في الآيات الآمرة بالتخفيف أنها منسوخة بآية السيف، وليس كذلك، بل هي من المنسأ، بمعنى أن كل أمر ورد يجب امتثاله في وقت ما لعلة توجب ذلك الحكم، ثم ينتقل بانتقال تلك العلة إلى حكم آخر وليس بنسخ، إنما النسخ الإزالة حتى لا يجوز امتثاله أبدًا). وقال الأصفهاني في \"تفسيره\" ٤/ ٧٥ أ، بعد أن ذكر قول الكلبي ومقاتل في نسخ الآية: وهذا بعيد؛ لأن شرط الناسخ أن يكون رافعًا لحكم المنسوخ، ومدلول هذه الآية اختصاص كل واحد بأفعاله، وبثمرات أفعاله من الثواب والعقاب، وذلك لا ينافي وجوب الجهاد، فلا تكون آية الجهاد رافعة لشيء من مدلولات هذه الآية.\n(١) \"زاد المسير\" ٤/ ٣٤.\n(٢) في (ي): (يسمع).\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٢.","vol":"11","page":205},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ﴾، قال ابن عباس: يريد أنهم شر من الصم؛ لأن الصم لهم عقول وقلوب، وهؤلاء قد أصم الله قلوبهم (١).\nوقال الزجاج: أي (٢): ولو كانوا مع ذلك جهالًا (٣)، أخبر الله تعالى أن هؤلاء يستمعون استماع استهزاء لا استماع انتفاع، فهم بمنزلة الصم الجهال؛ إذ لم ينتفعوا بما سمعوا، وقال قوم: هذه الآية والتي قبلها إخبار أنه (٤) لا يؤمن إلّا من وفقه الله تعالى، فذكر أن هؤلاء الكفار يستمعون القرآن وهم كالصم الذين لا يعقلون لعدم التوفيق، وصرف الله قلوبهم عن الانتفاع بما سمعوا، فقوله: ﴿أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ﴾ مثلٌ ضربه الله لنبيه - ﷺ -، يقول: كما لا تقدر أن تسمع من سلبته السمع، كذلك لا تقدر أن تسمعهم إسماعًا ينتفعون به، وقد حكمت عليهم أن (٥) لا يؤمنوا (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1541>٤٣ </span>- قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ﴾، قال عطاء عن ابن عباس: يريد متعجبين منك (٧)، ﴿أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُوا لَا يُبْصِرُونَ﴾ يريد: أن الله أعمى قلوبهم فلا يبصرون شيئًا من الهدى كما يبصر المؤمنون، وهذا كما قال: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦].\n_________\n(١) \"زاد المسير\" ٤/ ٣٥.\n(٢) ساقط من (ى).\n(٣) اهـ كلام الزجاج، انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٢.\n(٤) في (ى): (لأنه).\n(٥) في (ح): (لأن).\n(٦) انظر معنى هذا القول في \"تفسير ابن جرير\" ١١/ ١١٩، والثعلبي ٧/ ١٦ أ، والبغوي ٤/ ١٣٥، والقرطبي ٨/ ٣٤٦.\n(٧) \"زاد المسير\" ٤/ ٣٥، \"الوسيط\" ٢/ ٥٤٨.","vol":"11","page":206},{"text":"وقال أبو إسحاق: ومنهم من يقبل إليك بالنظر وهو كالأعمى من بغضه لك، وكراهته ما يراه من آياتك (١)، هذا على القول الأول في الآية الأولى (٢)، وعلى القول الثاني (٣) معناه: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ﴾ فيبصرك ويراك ولا يؤمن بك، وأنت (٤) لا تقدر على أن توفقه للإيمان كما لا تقدر أن تخلق للأعمى بصرًا يهتدي به، وذكر ابن قتيبة: أن الله فضل السمع على البصر حيث قرن بذهاب السمع ذهاب العقل، ولم يقرن بذهاب النظر إلا ذهاب البصر (٥).\nقال ابن الأنباري: وهذا عندي غلط؛ لأن الذي نفاه الله مع السمع بمنزلة الذي نفاه مع البصر؛ إذ كان الله -﷿- أراد إبصار القلوب، ولم يرد إبصار العيون، فالذي يبصره القلب هو الذي يعقله. وهذا الذي ذكره أبو بكر يكون على القول الأول في الآيتين، وعلى القول الثاني: يقال: إن الله تعالى نفى العقل [عن (٦) الصم لا من حيث أن فقد السمع يوجب فقد العقل، ولكنه زاد نفي العقل] (٧) تأكيدًا؛ يقول: لا تقدر أن تسمع الصم الذين لا يعقلون؛ لأن الأصم إذا كان غير عاقل كان أبعد من الانتفاع بما يقال له، فإنه لا يفهم الإشارة أيضًا، وإذا كان عاقلًا فهم الإشارة، فقامت له مقام\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٢.\n(٢) وهو أنهم لشدة بغضهم لمحمد بمنزلة الصم.\n(٣) وهو أنهم يستمعون القرآن وهم بمنزلة الصم لعدم التوفيق.\n(٤) في (ح) و(ز): (وإنك).\n(٥) \"تأويل مشكل القرآن\" ص ٧.\n(٦) في (ى): (على)، وهو خطأ.\n(٧) ما بين المعقوفين ساقط من (ح) و(ز).","vol":"11","page":207},{"text":"السمع، يؤكد ما قلناه أنا نشاهد الصم عاقلين، فلو كان الأمر على بما ذكره بن قتيبة وجب أن لا يوجد أصم عاقلًا.\nقال أبو بكر: وكيف يكون السمع أفضل وبالبصر يكون جمال الوجه، وبذهابه شينه، وذهاب السمع لا يكسب الوجه شينًا، والعرب تسمي العينين (الكريمتين)، ولا تصف السمع بمثل هذا؛ ومنه الحديث: يقول الله تعالى: من أذهبت كريمتيه فصبر (١) لم أرض له ثوابًا دون الجنة (٢) \" (٣).\nوأنشد لبعض من أصيب بعينيه:\n_________\n(١) في (م): (فصبر واحتسب).\n(٢) رواه نحوه البخاري في \"صحيحه\" (٥٦٥٣) كتاب المرضى، باب: فضل من ذهب بصره، والترمذي في \"سننه\" (٢٤٠٠) كتاب الزهد، باب: ما جاء في ذهاب البصر، والدارمي في \"سننه\" كتاب الرقاق، باب: فيمن ذهب بصره فصبر ٢/ ٢١٧ (٢٧٩٥)، وأحمد في \"المسند\" ٣/ ١٤٤.\n(٣) ذكر بعض قول ابن الأنباري هذا الرازي في \"تفسيره\" ١٧/ ١٠٢، ولابن الأنباري كتاب في الرد على ابن قتيبة لم يكمله، ولعل هذا النص منه.\nانظر مقدمة \"تأويل مشكل القرآن\" ص٧٠، وقول ابن الأنباري هذا يذكرنا بقول الشريف المرتضى في كتابه \"غرر الفوائد ودرر القلائد\" المعروف بـ\"الأمالي\" ٢/ ١٣، بعد أن ذكر رأيًا لابن الأنباري: وهذا الذي ذكره ابن الأنباري غير صحيح، ونظن أن الذي حمله على الطعن في هذا الوجه حكايته له عن ابن قتيبة؛ لأن من شأنه أن يرد كل ما يأتي به ابن قتيبة وإن تعسف في الطعن عليه اهـ. وأقول: الواقع يؤيد رأي ابن قتيبة في تفضيل السمع على البصر، فكم من كفيف بلغ شأوًا عظيمًا في العلم والتعليم والنبوغ والتصنيف وقيادة الأمم، ولم نسمع ذلك في شأن الصم الذين ولدوا كذلك.","vol":"11","page":208},{"text":"أصغي إلى قائدي لمخبرني ... إذا المقينا عمن يحييني\nلله عينن التي فجعت بها ... لو أن دهرًا بها يواتيني\nلو كنت خُيِّرت ما أَخَذْتُ ... بها تعميرَ نوح في ملك قارون (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1542>٤٤ </span>- وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا﴾ الآية، قال أرباب الأصول (٢) وأصحاب المعاني: لما ذكر الله تعالى في الآيتين السابقتين فريقين ووصفهما بالشقوة ينظرون ويسمعون ولا يعقلون ولا يؤمنون، وذلك للقضاء السابق عليهم، أخبر الله في هذه الآية أن تقدير الشقوة عليهم ما كان ظلما منه؛ لأنه يتصرف (٣) في ملكه كيف شاء (٤)، وإذا كسبوا المعاصي فقد ظلموا أنفسهم؛ لأن الفعل منسوب إليهم وإن كان القضاء لله تعالى (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1543>٤٥ </span>- قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا﴾ الآية (كأن) هذه هي المخففة من الثقيلة، التقدير: كأنهم لم يلبثوا، كقول النابغة:\n_________\n(١) الأبيات للخريمي كما في \"عيون الأخبار\" ٤/ ٥٧، و\"الحيوان\" للجاحظ ٣/ ١١٣، و\"معاهد التنصيص\" ١/ ٢٥٣، و\"الشعور بالعور\" ١/ ٢٤٦، و\"الشعر والشعراء\" ص ٨٥٤، و\"نكت الهيمان\" ص ٧١.\n(٢) يعني علماء أصول الدين والعقيدة، وانظر: المسألة في \"الإبانة عن أصول الديانة\" ص ١٥٨، و\"عقيدة السلف وأصحاب الحديث\" ص ٢٨٠، وكتاب \"الإرشاد إلى قواطع الأدلة\" ص ١٨٩، و\"الغنية في أصول الدين\" ص ١٢٩.\n(٣) في (ح) و(ز): (لا ينصرف)، وهو خطأ.\n(٤) سبق بيان مذهب الأشاعرة في استحالة نسبة الظلم إلى الله والرد عليه.\n(٥) لم أجده في كتب المعاني، وانظر نحوه في: \"زاد المسير\" ٤/ ٣٥، \"الجامع لأحكام القرآن\" ٨/ ٣٤٧.","vol":"11","page":209},{"text":"وكأن قد (١)\nوقول آخر:\nكأن ظبية تعطو إلى ناضر (٢) السلم (٣)\nوقوله تعالى: ﴿إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ﴾، قال ابن عباس: كأن لم يلبثوا في قبورهم إلا قدر ساعة من النهار (٤).\nوقال الزجاج: أي قرب عندهم ما بين موتهم وبعثهم كما قال: ﴿قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ (٥) [المؤمنون: ١١٣].\n_________\n(١) بعض بيت للنابغة الذبياني في \"ديوانه\" ص ١٠٥ وتمامه:\nأزف الترحل غير أن ركابنا ... لمّا تَزُلْ برحالنا وكأن قد\nوانظر: \"خزانة الأدب\" ٧/ ١٩٧، \"شرح شواهد المغني\" ص ٤٩٠.\n(٢) في (ى): (ناظر)، وهو خطأ، وفي المصادر التالية: وارق.\n(٣) عجز بيت، وصدره:\nويومًا توافينا بوجه مقسَّم\nوقد اختلف في نسبة البيت، فهو لباغت بن صريح اليشكري في \"تخليص الشواهد\" ص٣٩٠، \"شرح المفصل\" ٨/ ٨٣، \"كتاب سيبويه\" ٢/ ١٣٤، ولأرقم بن علباء في \"شرح شواهد سيبويه\" ١/ ٥٢٥، ولعلباء بن أرقم في \"الأصمعيات\" ص ١٥٧، ولأحد الثلاثة أو لراشد بن شهاب اليشكري في \"خزانة الأدب\" ١٠/ ٤١٣، وصحح البغدادي نسبته لعلباء بن أرقم. والشاعر يصف امرأته حالة رضاها، ويشبهها بظبية مخصبة. والمقسَّم: المحسن، وتعطو: تتطاول إلى الشجر لتتناول منه. انظر: \"شرح الأعلم على كتاب سيبويه\" ١/ ٢٨١، \"لسان العرب\" (قسم) و(عطو).\n(٤) \"تفسير الثعلبي\" ٧/ ١٦ ب، والسمرقندي ٢/ ١٠٠، والبغوي ٤/ ١٣٥، وابن الجوزي ٤/ ٣٦، و\"تنوير المقباس\" ص ٢١٤.\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٢.","vol":"11","page":210},{"text":"وقال الضحاك وابن الأنباري: قصر عندهم مقدار الوقت الذي بين موتهم (١) وبعثهم فصار في تقديرهم كالساعة من النهار من هول ما استقبلوه من أمر البعث والقيامة (٢).\nوقال آخرون: إنما قصرت عندهم مدة لبثهم في الدنيا لا مدة كونهم في البرزخ، فقوله: ﴿كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا﴾ أي: في الدنيا إلا ساعة من النهار (٣).\nوقوله تعالى: ﴿يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ﴾، قال ابن عباس (٤)، والضحاك (٥)، ومقاتل (٦): يتعارفون بينهم حين بعثوا من القبور يعرف بعضهم بعضًا كمعرفتهم في الدنيا، ثم تنقطع المعرفة فلا يعرف أحد أحدًا، قال أبو إسحاق: وفي معرفة بعضهم بعضًا وعلم بعضهم بإضلال بعض التوبيخ لهم وإثبات الحجة عليهم (٧)، وزاد ابن الأنباري بيانًا فقال: ﴿يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ﴾ بتوبيخ (٨) بعضهم بعضًا، فيقول كل فريق للآخر: أنت أضللتني يوم كذا،\n_________\n(١) ساقط من (ح).\n(٢) انظر قول الضحاك في \"الوسيط\" ٢/ ٥٤٩، \"زاد المسير\" ٤/ ٣٦، وبمعناه في \"بحر العلوم\" ٢/ ١٠٠.\n(٣) هذا قول آخر للضحاك رواه الثعلبي ٧/ ١٦ أ، والبغوي ٤/ ١٣٥، وهو قول مقاتل ابن سليمان في \"تفسيره\" ١٤٠ ب، والزمخشري في \"كشافه\" ٢/ ٢٣٩.\n(٤) \"تفسير الثعلبي\" ٧/ ١٦ ب، والبغوي ٤/ ١٣٥، والسمرقندي ٢/ ١٠٠، وابن الجوزي ٤/ ٣٦، وقد تبين من \"تفسير السمرقندي\" أن الأثر من رواية الكلبي ولا يخفى تهافتها.\n(٥) \"تفسير السمرقندي\" ٢/ ١٠٠.\n(٦) \"تفسير مقاتل\" ١٤٠ ب بمعناه.\n(٧) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٢.\n(٨) في (ج) و(ز): (توبيخ).","vol":"11","page":211},{"text":"وأنت كسّبتني دخول النار بما علمتنيه وزينته لي، فهذا تعارف توبيخ وتعنيف، وتباعد وتقاطع، لا تعارف عطف وإشفاق، ومن هذه الجهة وافق قوله: ﴿وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾ [المعارج: ١٠]، يريد لا يسأله سؤال رحمة وعطف. هذا كلامه (١)، والمفسرون حملوا الآيتين على حالتين فقالوا: يتعارفون إذا بعثوا ثم تنقطع المعرفة، فلذلك لا يسأل حميم حميمًا (٢)، وقال أبو علي: معنى ﴿يَتَعَارَفُونَ﴾ يحتمل أمرين؛ أحدهما: أن يكون المعنى يتعارفون مدة إماتتهم التي وقع حشرهم بعدها، وحذف المفعول للدلالة عليها (٣) كما حذف في مواضع كثيرة، وعدي (تفاعل) (٤) كما عدي فيما أنشد أبو عبيدة (٥):\nتخاطأت (٦) النبل أحشاءه\n_________\n(١) ذكره بنحوه الرازي في \"تفسيره\" ١٧/ ١٠٤ - ١٠٥، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٤/ ٣٦ دون نسبة.\n(٢) انظر: \"تفسير ابن جرير\" ١١/ ١٢٠، والسمرقندي ٢/ ١٠٠، والماوردي ٢/ ٤٣٧، والثعلبي ٧/ ١٦ ب، والبغوي ٤/ ١٣٥، والرازي ١٧/ ١٠٥.\n(٣) هكذا في جميع النسخ، والضمير يعود إلى (مدة) إذ هي المفعول، وفي \"الحجة\" عليه، ومعنى (يتعارفون مدة إماتتهم) أي: يسأل بعضهم بعضًا كم لبثتم في القبور.\n(٤) يعني وزن: تعارف.\n(٥) \"مجاز القرآن\" ٢/ ٥، ونسبه إلى أوفى بن مطر المازني، وهو صدر بيت عجزه:\nوأُخِّر يومي فلم يُعجل\nوانظر: \"سمط اللآلي\" ١/ ٤٦٥، \"شرح أبيات المغني\" ٧/ ٤١، \"اللسان\" (خطأ) ٢/ ١١٩٣.\n(٦) في (ح) و(ز) و(ص): (تخطأت)، وهو موافق لرواية \"لسان العرب\"، وما أثبته من (ى) و(م) موافق لرواية أبي عبيدة في \"مجاز القرآن\" وبقية المصادر، ومعنى تخاطأت: أخطأت، كما في \"شرح أبيات المغني\"، الموضع السابق.","vol":"11","page":212},{"text":"أو يكون أعمل الفعل الذي دلّ عليه (يتعارفون)؛ ألا ترى أنه دل علي يستعلمون ويتعرفون، وتعرّفوا مدة اللبث هاهنا، كما تعّرفوها (١) [في قوله: ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ [المؤمنون: ١١٢] الآية، والآخر في التعارف: بما جاء في قوله: ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ] (٢) يَتَسَاءَلُونَ (٥٠) قَالَ قَائِلٌ﴾ [الصافات: ٥٠، ٥١]، وقال في موضع آخر ﴿قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا﴾ (٣) [الطور: ٢٦] الآية، وتعرّفهم يكون على أحد هذين الوجهين (٤)، وذكر (٥) تقدير الآية فقال: يحتمل قوله: ﴿كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا﴾ ثلاثة أوجه:\nأحدها: أن يكون صفة لليوم، ويكون التقدير: كأن لم يلبثوا قبله إلا ساعة، فحذفت الكلمة لدلالة المعنى علمها، ومثله قوله: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ٢] أي أمسكوهن قبله، وكذلك قوله: ﴿فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ﴾ [البقرة: ٢٢٦] أي قبل انقضاء الأربعة الأشهر، ويجوز أن يكون على هذا التقدير حذف (قبل) الذي هو مضاف إلى الهاء، وأقيم المضاف إليه مقامه ثم حذفت الهاء من الصفة، كقولك: الناس رجلان رجل أكرمت ورجل أهنت، ومثل هذا قوله: ﴿تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ﴾ [الشورى: ٢٢] والتقدير: وجزاؤه واقع بهم، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه.\n_________\n(١) في (ز): (يعرفونها).\n(٢) ما بين المعقوفين ساقط من (ز).\n(٣) وقد ذكر أبو علي الآية بتمامها والآية التي قبلها.\n(٤) \"الحجة للقراء السبعة\" ٤/ ٣٠٢.\n(٥) يعني أبا علي الفارسي.","vol":"11","page":213},{"text":"الوجه الثاني: أن تجعله صفة للمصدر على تقدير: ويوم نحشرهم حشرًا (١) كأن لم يلبثوا قبله، ثم فُعِلَ بـ (قبله) ما ذكرنا في الوجه الأول.\nالوجه الثالث: أن تجعله حالًا من الضمير المنصوب في ﴿نَحْشُرُهُمْ﴾ والمعنى: نحشرهم مشابهةً أحوالُهم أحوال من لم يلبث إلا ساعة، وأما (يوم) فإنه يصلح أن يكون معمولًا لأحد شيئين؛ أحدهما: أن يكون معمول ﴿يَتَعَارَفُونَ﴾، وينتصب على وجهين؛ أحدهما: أن يكون ظرفًا معناه: يتعارفون في هذا اليوم، والآخر: أن يكون مفعولًا على السعة على:\nيا سارقَ الليلةَ أهلِ الدار (٢)\nوأهل الدار ما سرقوا وإنما سرق منهم، ولكن جعلوا مفعولًا على السعة، كذلك هاهنا تعارفوا في اليوم فجعل اليوم مفعولًا على السعة، والآخر (٣): أن يكون ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ﴾ معمول ما دلّ عليه قوله: ﴿كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا﴾ ألا ترى أن المعنى: تشابه أحوالهم أحوال من لم يلبث، فيعمل في الظرف هذا المعنى، ولا يمنع المعنى من أن يعمل في الظرف وإن تقدم الظرف عليه، كقولهم: أكلَّ يوم لك ثوب؟ غير أن هذا الوجه ضعيف؛ لأن قوله: ﴿كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا﴾ لا يخلو من أن يكون على أحد (٤) الأوجه الثلاثة التي\n_________\n(١) في (ي): (نحشرهم جميعًا حشرًا) والجملة ليست من كلام أبي علي في هذا الموضع.\n(٢) رجز مجهول القائل وهو من شواهد سيبويه في \"الكتاب\" ١/ ١٧٥، وانظره بلا نسبة في: \"خزانة الأدب\" ٣/ ١٠٨، \"شرح ديوان الحماسة\" للمرزوقي ص ٦٥٥، \"المحتسب\" ٢/ ٢٩٥.\n(٣) يعني الوجه الثاني في العامل في (يوم).\n(٤) في (ح) و(ز): (احدى).","vol":"11","page":214},{"text":"ذكرنا، فإن جعلته صفة المصدر لم يجز أن يعمل في (يوم)؛ لأن الصفة لا يتقدم عليها ما تعمل فيه، وإن جعلته صفة لليوم فالصفة لا تعمل في [الموصوف كما أن الصلة لا تعمل في] (١) الموصول؛ لأنها بعضه، وإنْ قدرته تقدير الحال على ما ذكرنا لم يجز أن يكون (يوم) معمولًا له؛ لأن العامل [في الحال] (٢) (نحشر) و(نحشر) قد أضيف اليوم إليه فلا يجوز أن يعمل في المضاف المضاف إليه، ولا ما يتعلق بالمضاف إليه؛ لأن ذلك يوجب تقديمه على المضاف، فلهذا (٣) قلنا: إن هذا الوجه ضعيف (٤).\nوقوله تعالى: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ﴾، قال المفسرون: خسر ثواب الجنة الذين كذبوا بالبعث (٥).\nقال ابن الأنباري: ووجه اتصال خسرانهم بتعارفهم هو أن الله -﷿- لما ذكر البعث وذكر ما يصير إليه أحوال المبعوثين، وصله بتخسير المكذبين بالبعث (٦)، وهذا معنى قول أبي إسحاق: يجوز أن يكون هذا إعلامًا من الله ﷿بعد أن بين أمر البعث- أنه من كذب به فقد خسر (٧).\nقال أبو بكر: وفيه قول (٨) آخر: قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله في\n_________\n(١) ما بين المعقوفين ساقط من (ى).\n(٢) ما بين المعقوفين ساقط من (ح) و(ز).\n(٣) في (ح): (فلذلك).\n(٤) \"الحجة للقراء السبعة\" ٤/ ٣٠٠ - ٣٠٤ بتصرف واختصار، وإضافة بعض الجمل.\n(٥) انظر: \"زاد المسير\" ٤/ ٣٦، \"الوسيط\" ٢/ ٥٤٩، وبنحوه في \"تفسير ابن جرير\" ١١/ ١٢٠.\n(٦) لم أجده.\n(٧) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٢.\n(٨) فى (ى): (وجه).","vol":"11","page":215},{"text":"حال التعارف؛ لأن تلك حالٌ لا تقبل فيها توبة ولا يرجى معها إقالة (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1544>٤٦ </span>- وقوله تعالى: ﴿وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ﴾، قال ابن عباس والمفسرون: يريد ما (٢) ابتلوا به يوم بدر (٣)، ﴿أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾ أو أتوفأك قبل ذلك، فلا فوت عليّ، ولا يفوتني شيء، وهو قوله: ﴿فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ﴾، قال الربيع (٤): أي: فنعذبهم في الآخرة (٥)، وقال مقاتل: ﴿فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ﴾ بعد الموت فنجزيهم بأعمالهم (٦)، ﴿ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ﴾ أي: من محاربتك وتكذيبك، قاله ابن عباس (٧).\nقال أهل المعاني: أعلم الله تعالى نبيه -﵇- أنه ينتقم من بعض هذه الأمة، ولم يعلمه أيكون ذلك بعد وفاته أو قبله (٨)، فقال المفسرون: كانت وقعة بدر ما أراه في حال حياته (٩).\nوقال أبو إسحاق: الذي (١٠) تدل عليه الآية أن الله أعلمه أنه إن لم\n_________\n(١) ذكره القرطبي في \"تفسيره\" ٨/ ٣٤٨ بنحوه، دون تعيين القائل.\n(٢) في (ى): (من)، وهو خطأ.\n(٣) انظر: \"تفسير الثعلبي\" ٧/ ١٦ ب، والبغوي ٤/ ١٣٦، وابن الجوزي ٤/ ٣٦، والقرطبي ٨/ ٣٤٨، ولم أجد من ذكره عن ابن عباس.\n(٤) هو: ابن أنس.\n(٥) لم أعثر عليه في مظانه من كتب التفسير.\n(٦) \"تفسير مقاتل\" ١٤١ أبنحوه.\n(٧) \"تنوير المقباس\" ٢١٤ بمعناه.\n(٨) هذا قول الزجاج في \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٣.\n(٩) انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٣، و\"تفسير مقاتل\" ١٤١ أ، و\"معاني القرآن\" للنحاس ٣/ ٢٩٨، و\"الثعلبي\" ٧/ ١٦ ب، والبغوي ٤/ ١٣٦، \"الوسيط\" ٢/ ٥٤٩.\n(١٠) ساقط من (ى).","vol":"11","page":216},{"text":"ينتقم منهم في العاجل انتقم منهم في الآجل (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1545>٤٧ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾، ذكر المفسرون (٢)، وأصحاب المعاني (٣) في هذه الآية قولين:\nأحدهما: أن مجيء الرسول والقضاء بينهم في الدنيا، وهو قول ابن عباس في رواية عطاء، قال: فإذا كذبوا رسولهم قضي بينهم بالعدل (٤)، وقال عطية العوفي: يقول الله تعالى: أرسلت إلى كل أمة رسولًا، فإذا جاء رسولهم وبلغهم الكتاب وكذبوه قضي بينهم وبين رسولهم في الدنيا بالعدل؛ فعُذب المكذبون (٥)، ونجا (٦) الرسل (٧) والمؤمنون.\nالقول الثاني: أن المراد بمجيء الرسول والقضاء ما يكون في القيامة، وهو قول مقاتل ومجاهد وابن عباس في بعض الروايات (٨)، قال مجاهد: فإذا جاء رسولهم يوم القيامة (٩)، وقال مقاتل: فإذا جاء رسولهم في الآخرة (١٠).\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٣.\n(٢) انظر: \"تفسير السمرقندي\" ٢/ ١٠٠، والثعلبي ٧/ ١٦ ب، والبغوي ٤/ ١٣٦.\n(٣) انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٣، \"إعراب القرآن\" للنحاس ٢/ ٦٣.\n(٤) ذكره ابن الجوزي ٤/ ٣٧ بنحوه، عن عطاء بن السائب.\n(٥) في (ح) و(ز): (المكذبين).\n(٦) في (ى): (ونجي).\n(٧) في (ى): (الرسول).\n(٨) منها رواية الكلبي كما في \"تفسير الماوردي\" ٢/ ٤٣٧.\n(٩) رواه ابن جرير ١١/ ١٢١، وابن أبي حاتم ٦/ ١٩٥٥، والثعلبي ٧/ ١٢ ب، والبغوي ٤/ ١٣٦.\n(١٠) \"تفسير مقاتل\" ١٤١ أ، والثعلبي ٧/ ١٢ ب، والبغوي ٤/ ١٣٦.","vol":"11","page":217},{"text":"وقال ابن عباس: إن الله تعالى يقول لهم يوم القيامة: ألم يأتكم رسلي بكتبي؟ فيقولون: ما أتانا لك رسول ولا كتاب (١)، ثم يؤتى بالرسول فيقول: قد أبلغتهم كتابك، فذلك قوله: ﴿فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ (٢).\nقال أبو إسحاق: ودليل القول الأول: قوله: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]، وقوله: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ [النساء: ١٦٥] الآية، أعلم أنه لا يعذب قومًا إلا بعد الإعذار والإنذار، ودليل القول الثاني قوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣]، وقوله: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان: ٣٠]، أعلَم الله أن كل رسول شاهد على أمته بإيمانهم وكفرهم (٣).\nوزاد ابن الأنباري بيانًا ومعنى فقال في القول الأول: ولكل أمة رسول يرسله الله إليهم سفيرًا بينه وبينهم، مبشرًا ومنذرًا، فإذا جاءهم الرسول في الدنيا ﴿قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ أي: حكم عليهم عند اتباعه وعناده (٤) بالمعصية والطاعة والضلالة والهدى (٥)، فالقضاء بالقسط على\n_________\n(١) في (ح) و(ز): (بكتاب).\n(٢) أورده القرطبي في \"تفسيره\" ٨/ ٣٤٩ بمعناه.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٣/ ٢٤ بتصرف بالزيادة وترتيب الجمل، وقد يكون ذلك بسبب اختلاف النسخ، كما أشار إليه الأزهري في \"مقدمة التهذيب\" ١/ ٢٧.\n(٤) في \"الوسيط\" عند اتباع المؤمنين وعناد الكافرين.\n(٥) ذكره المؤلف في \"الوسيط\" ٢/ ٥٤٩، أشار إليه ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٤/ ٣٧ دون تعيين القاتل.","vol":"11","page":218},{"text":"هذا وقع في الدنيا على القبول من الرسل والسعادة باتباعهم (١)، أو (٢) كذيب الرسل والشقاوة بعصيانهم، وهذا معنى آخر سوى ما ذكرنا من قول المفسرين؛ لأنهم فسروا (القضاء بالقسط في الدنيا) بعذاب الكافرين ونجاة المؤمنين، وقال (٣) في القول الثاني: ولكل أمة رسول يرسل إليهم مبينًا الضلالة والهدى، ومرغبًا في ثواب الله، ومخوفًا غضب الله، فإذا جاء رسولهم في الآخرة شاهدًا عليهم بما كان منهم في الدنيا قضي بينهم هنالك (٤) بدخول الجنة والنار، يدل على صحة هذا قوله ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا﴾ [النساء: ٤١] الآية.\nوقوله تعالى: ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾، قال عطاء، عن ابن عباس: يريد لا ينقص الذين صدقوا، ويُجازى الذين كذبوا (٥)، وقال مقاتل: لا ينقصون من محاسنهم ولا يزادون على مساوئهم ما لم يعملوا (٦) (٧)، وقال العوفي: لا يُعذب أحد بغير ذنب ولا على غير حجة (٨).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1546>٤٨ </span>- قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ﴾، قال مقاتل: وذلك حين\n_________\n(١) في (ح) و(ز): (وبإتباعهم)، وهو خطأ.\n(٢) في (ى): (و).\n(٣) يعني ابن الأنباري، ولم أجد من ذكره عنه.\n(٤) من (م)، وفي بقية النسخ: (هناك).\n(٥) \"الوسيط\" ٢/ ٥٤٩ بنحوه عن عطاء، وبمعناه الفيروزأبادي في \"تنوير المقباس\" ص ٢١٤.\n(٦) في (م): (يعلموا)، وهو خطأ.\n(٧) \"تفسير مقاتل\" ١٤١ أبنحوه.\n(٨) لم أجده.","vol":"11","page":219},{"text":"أخبرهم النبي - ﷺ - بقوله (١): ﴿وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ﴾ الآية، فقالوا: متي هذا الوعد الذي تعدنا يا محمد (٢)، وقال غيره: يريدون متى قيام الساعة (٣) ﴿إِنْ كُنْتُمْ﴾ أي أنت يا محمد وأتباعك ﴿صَادِقِينَ﴾، وقال الكلبي في هذه الآية: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى﴾ يعني: كل أمة كذبت رسولها تقول ذلك لرسولها (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1547>٤٩ </span>- قوله: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي﴾ الآية إلى آخرها مفسرة في آيتين من سورة الأعراف [٣٤، ١٨٨].\n<span data-type=\"title\" id=toc-1548>٥٠ </span>- قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتًا أَوْ نَهَارًا﴾ الآية، هذا جواب لقولهم: متى هذا الوعد، وهذا استعجال منهم للعذاب (٥)، فقيل للنبي - ﷺ -: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ﴾ أي أعلمتم (٦)، والرؤية هاهنا من رؤية القلب لا من رؤية العين، ﴿إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ﴾ أي عذاب الله ﴿بَيَاتًا﴾، قال الزجاج: البيات: كل ما كان بليل، وهو منصوب على الوقت (٧) (٨)، ﴿أَوْ نَهَارًا مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ﴾ [يجوز أن يكون (ماذا) اسمان، فيكون (ما) استفهامًا، و(ذا) بمعنى (الذي)، ويكون المعنى ما الذي يستعجل منه\n_________\n(١) ساقط من (ح) و(ز).\n(٢) \" تفسير مقاتل\" ١٤١ أبمعناه.\n(٣) هذا قول ابن جرير في \"تفسيره\" ١١/ ١٢١، وذكره الثعلبي ٧/ ١٦ ب، والبغوي ٤/ ١٣٦ دون تعيين القائل.\n(٤) \"تنوير المقباس\" ص ٢١٤، عن الكلبي، عن ابن عباس، \"زاد المسير\" ٤/ ٣٧، عن ابن عباس.\n(٥) في (م): (للعقاب).\n(٦) في (ى): (علمتم).\n(٧) يعني نصب على الظرفية.\n(٨) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٤.","vol":"11","page":220},{"text":"المجرمون؟] (١) كقولك: أي شيء الذي يستعجل من العذاب المجرمون؟ أي يستعجله؛ فـ (ما) على هذا في موضع رفع، و(ذا) بمعنى (الذي) خبره، والعائد إن صلته إليه الهاء المقدر في (يستعجل)، فإن جعلت (٢) (ما) و(ذا) اسمًا واحدًا كان في موضع نصب كأنه في التمثيل: أي شيء يستعجل المجرمون من العذاب أو من الله؟ هذا كلام أبي علي الفارسي (٣) في شرح كلام أبي إسحاق، وذكر أبو إسحاق أن (ما) في (٤) موضع (٥) رفع من جهتين (٦)، وأنكر أبو علي أن تكون في موضع رفع إلا من جهة واحدة، وهي ما ذكرنا من الابتداء، وذكر الكلام عليه في \"المسائل المصلحة\" (٧). قال أبو إسحاق: والأجود أن تكون الهاء في (منه) تعود على العذاب (٨).\nوأما معنى هذا الاستفهام فقال ابن الأنباري وصاحب النظم: معناه: التهويل والتحذير والتفظيع، أي: ما أعظم ملتمسهم، وأشد وقوع الذي يبغون، ونزوله بهم، وهذا كقولك لمن هو في أمر تستوخم (٩) عاقبته: ماذا\n_________\n(١) ما بين المعقوفين ساقط من (ح) و(ز).\n(٢) في (ح): (جعل).\n(٣) انظر: \"الإغفال\" ص ٨٦٥، وما بعدها.\n(٤) ساقط من (ح) و(ز).\n(٥) في (ح) و(ز): (موضعه).\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٤، وعبارته: (ما) في موضع رفع من جهتين، إحداهما: أن يكون (ذا) بمعنى (ما الذي)، ويجوز أن يكون (ماذا) اسمًا واحدًا، ويكون المعنى: أي شيء يستعجل منه المجرمون.\n(٧) يعني \"الإغفال\"، انظر ص ٨٦٥.\n(٨) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٤.\n(٩) تستوخم: أي تستردئ وتستثقل. انظر: \"اللسان\" (وخم) ١٢/ ٦٣١.","vol":"11","page":221},{"text":"تجني على نفسك؟ (١)، وكقول الشاعر (٢):\nهوت أمه ما يبعث الصبح غاديًا ... وماذا يؤدي الليل حين يؤوب\nفهذا الاستفهام معناه التعظيم لشأن من ذكر، والتهويل منه.\nوقال بعض أصحاب المعاني (٣): تقدير الآية ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ﴾ أي أعلمتم؛ لأن هذا من رؤية القلب فيكون معناه العلم، ماذا يستعجل المجرمون من العذاب إن أتاكم بياتًا أو نهارًا؟ أي: أعلمتم أي شيء استعجلوه (٤) إن أتاكم، يعني في العظم (٥) والفظاعة، وهذا على التقديم والتأخير.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1549>٥١ </span>- وقوله تعالى: ﴿أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ﴾، دخول ألف الاستفهام على (ثم) للتقرير والتوبيخ، ومعناه: إن أهل الكفر قالوا: نكذب بالعذاب ونستعجله، ثم إذا ما وقع آمنا به، فقال الله -﷿- موبخًا ومقررًا: أثم إذا ما وقع وحلّ بكم آمنتم به؟ يقول لنبيه ﵇: قل لهم: أثم تؤمنون به بعد أن نزل بكم فلا يقبل منكم الإيمان، ويقال لكم: الآن تؤمنون وقد كنتم به تستعجلون في الدنيا مستهزئين ومعاندين للحق؟.\n_________\n(١) ذكره القرطبي في \"تفسيره\" ٨/ ٣٥٠ دون نسبة.\n(٢) هو: كعب بن سعد الغنوي يرثي أخاه. انظر: \"الصحاح\" (هوى) ٦/ ٢٥٣٩، \"تهذيب اللغة\" (هوى) ٦/ ٤٩٢، \"الأمالي\" للقالي ٢/ ١٥٠، \"التكملة\" للصغاني (هـ وى) ٦/ ٥٤٠، \"لسان العرب\" (هوا) ١٥/ ٣٧٣.\nومعنى هوت أمة: أي هلكت، كما في المصدر الأخير، نفس الموضع.\n(٣) يعني الحوفي، انظر: \"البحر المحيط\" ٦/ ٦٨، \"الدر المصون\" ٦/ ٢١٥، والنسخة التي بين يدي من كتابه \"البرهان\" ينقصها سورة يونس، وبعض سورة التوبة.\n(٤) هكذا، والسياق يقتضي أن يقول: استعجلتموه.\n(٥) في (ج): (العلم).","vol":"11","page":222},{"text":"قال ابن عباس: يريد لا أقبل إيمانًا عند نزول العذاب (١)، وذكر الفراء الكلام في (الآن) هاهنا، وذكر أقوالًا (٢)، ورد عليه الزجاج (٣)، وأبو علي (٤)، وأكثر كلامهم ذكرناه في سورة البقرة في قوله: ﴿قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾ [البقرة: ٧١].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1550>٥٣ </span>- قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ﴾، قال ابن عباس وغيره: يستخبرونك (٥) ﴿أَحَقٌّ هُوَ﴾، قال ابن عباس: يريد الذي جئت به (٦).\nوقال الكلبي: أحق ما جئتنا به من نزول العذاب بنا والبعث (٧).\n﴿قُلْ إِي وَرَبِّي﴾، قال الليث: إي: يمين (٨). وقال الزجاج. معناه: نعم وربي (٩)، ونحو ذلك روى أحمد بن يحيى، عن ابن الأعرابي (١٠)، قال الأزهري: وهذا هو القول الصحيح (١١).\n_________\n(١) \"تنوير المقباس\" ص ٢١٤ بمعناه.\n(٢) قال الفراء: (الآن) حرف بني على الألف واللام لم تخلع منه، وأصل (الآن) إنما كان (أوان) حذفت منها الألف وغيرت واوها إلى الألف، وإن شئت جعلت (الآن) أصلها من قولك: (أن لك أن تفعل، أدخلت عليها الألف واللام ..). \"معاني القرآن\" ١/ ٤٦٧.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٤.\n(٤) \"الإغفال\" ص ٢٥٤ - ٢٥٦.\n(٥) رواه الفيروزأبادي في \"تنوير المقباس\" ص ٢١٤، وهو قول ابن جرير ١٥/ ١٠٢، والثعلبي ٧/ ١٧ أ، والبغوي ٤/ ١٣٧، وابن الجوزي ٤/ ٣٨ وغيرهم.\n(٦) رواه الفيروزأبادي في \"تنوير المقباس\" ص ٢١٤ بلفظ: يعني العذاب والقرآن.\n(٧) ذكره الماوردي في \"تفسيره\" ٢/ ٤٣٨ مختصرًا.\n(٨) \"تهذيب اللغة\" (إى) ١٥/ ٦٥٧، وبخحوه في كتاب \"العين\" (أي) ٨/ ٤٤٠.\n(٩) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٥.\n(١٠) و(١١) \"تهذيب اللغة\" (إي) ١٥/ ٦٥٧.","vol":"11","page":223},{"text":"﴿إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾، قال الكلبي: يعني العذاب، ﴿لَحَقٌّ﴾ نازل بكم (١). ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾، قال ابن عباس: يريد: أن الله لا يعجزه شيء (٢)، ولا يفوته شيء (٣). وقال الكلبي: ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ بعد الموت (٤).\nوقال الزجاج: أي لستم ممن يُعجز أن يجازى على كفره (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1551>٥٤ </span>- وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ﴾، قال ابن عباس وغيره: أشركت (٦)، ﴿مَا فِي الْأَرْضِ لَافْتَدَتْ بِهِ﴾ أي: لبذلته لدفع العذاب عنها، قال ابن عباس: يريد إن قبل الله ذلك منها، ﴿وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ﴾ أي: أخفى الرؤساء الندامة من السفلة الذين أضلوهم، أي كتموهم ذلك ولم يطلعوهم عليه، هذا قول عامة المفسرين (٧)، وأصحاب المعاني (٨)، قال الفراء: يعني الرؤساء من المشركين أسروها من سفلتهم الذين أضلوهم، أي أخفوها (٩).\n_________\n(١) \"تنوير المقباس\" ص ٢١٤ مختصرًا عنه، عن ابن عباس.\n(٢) من (م) وفي النسخ الأخرى: يريد أنه لا يعجز الله شيء، وأثبت ما في (م) لموافقتها لما في المصدر التالي.\n(٣) \"الوسيط\" ٢/ ٥٥٠.\n(٤) في \"تنوير المقباس\" ص ٢١٤، عن الكلبي، عن ابن عباس: وما أنتم بفائتين من عذاب الله.\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٥.\n(٦) \"تنوير المقباس\" ص ٢١٤، \"زاد المسير\" ٤/ ٣٩، \"الوسيط\" ٢/ ٥٥٠.\n(٧) انظر: \"تفسير ابن جرير\" ١١/ ١٢٣، والسمرقندي ٢/ ١٠٢، والثعلبي ٧/ ١٧ أ، وابن الجوزي ٤/ ٣٩.\n(٨) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٤٦٩، \"معاني القرآن وإعرابه\" للزجاج ٣/ ٢٥، \"معاني القرآن الكريم\" للنحاس ٣/ ٢٩٩.\n(٩) \"معاني القرآن\" ١/ ٤٦٩.","vol":"11","page":224},{"text":"ونحو هذا قال الزجاج (١).\nوقال ابن الأنباري: إنما يقع هذا الكتمان منهم (٢) قبل إحراق النار ولهم، فإذا أحرقتهم النار ألهتهم عن هذا التصنع لمن كان يتبعهم في الدنيا، يدل على هذا قوله: ﴿قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا﴾ [المؤمنون: ١٠٦] الآيات، فهم في هذه الحال (٣) لا يكتمون ندمهم (٤)، وروى أبو عبيد عن أبي عبيدة: أسررت الشيء: أخفيته، وأسررته: أعلنته، قال: ومن الإصهار قول الله تعالى: ﴿وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ﴾ أي أظهروها، وأنشد للفرزدق (٥):\nفلما رأى الحجاجَ جرد سيفه ... أسر الحروري الذي كان أضمرا (٦)\nأراد أظهر الحروري، قال شِمْر: لم أجد هذا البيت للفرزدق، وما قال غير (٧) أبي عبيدة في قوله: ﴿وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ﴾ أي أظهروها، ولم أسمع ذلك لغيره (٨).\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٥.\n(٢) من (م) فقط.\n(٣) في (ى): (الحالات).\n(٤) لم أجده، وقد ذكر القول من غير نسبة القرطبي في \"تفسيره\" ٨/ ٣٥٢.\n(٥) البيت ليس في \"ديوانه\"، وقد نسب إليه في كتاب \"الأضداد\" للأصمعي ص ٢١، وكتاب \"الأضداد\" لابن الأنباري ص ٤٦ وأخرى غيرها، وشكك في صحة نسبته للفرزدق أبو حاتم السجستاني كما سيأتي.\n(٦) اهـ. كلام أبي عبيدة، انظر كتاب \"الأضداد\" للسجستاني ص ١١٥، \"تهذيب اللغة\" (سر) ٢/ ١٦٧٠، \"لسان العرب\" (سرر) ٤/ ١٩٨٩، ولم يفسر أبو عبيدة هذه الآية في كتابه \"مجاز القرآن\".\n(٧) ساقط من (ى).\n(٨) \"تهذيب اللغة\" (سر) ٢/ ١٦٧٠، وإلى ذلك ذهب أبو حاتم السجستافي حيث قال: =","vol":"11","page":225},{"text":"وذكر المفضل، عن الأصمعي وغيره: أسر بمعنى أظهر (١)، واختار المفضل الإظهار، وقال: ليس ذلك اليوم يوم تكبُّر ولا تصبُّر (٢).\nومعنى الندامة: الحسرة على ما كان يتمنى أنه لم يكن، والتأسف علي ما وقع منه، ويود أنه لم يكن أوقعها، هذا معنى الندامة والندم، فأما أصله فإن (٣) موضوعه (٤) اللزوم، ومنه سمي النديم؛ لأنه يلازم المجلس (٥)، ويقوي هذا قولهم: نادم وسادم، والسَّدَم (٦): اللهج بالشيء، وقالوا للرجل: ندم وسدم إذا اهتم بالشيء الفائت؛ لأن هذا الهمّ ألزم للقلب من الهمّ العارض للشيء الحادث؛ فإن هذا يزول بزوال ما حدث، والفائت لا سبيل إلى رده، فاستعملوا فيه الندم والسدم.\nويقوي هذا المذهب أيضًا أن أصحاب القلب (٧) ذكروا أن الندم قلب\n_________\n= وكان يقول -يعني أبا عبيدة- في هذه الآية: ﴿وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ﴾ أظهرها، ولا أثق بقوله في هذا، والله أعلم، وقد زعموا أن الفرزدق قال ..، وذكر البيت ثم قال: ولا أثق أيضًا بقول الفرزدق في القرآن، ولا أدري لعله قال: الذي كان أظهرا، أي كتم ما كان عليه، والفرزدق كثير التخليط في شعره ..، فلا أثق به في القرآن. كتاب \"الأضداد\" له ص ١١٥، وقال الأزهري: وأهل اللغة أنكروا قول أبي عبيدة أشد الإنكار، \"لسان العرب\" (سرر) ٤/ ١٩٨٩.\n(١) انظر قول الأصمعي في كتابه: \"الأضداد\" ص ٢١.\n(٢) انظر: \"زاد المسير\" ٤/ ٣٩، \"الوسيط\" ٢/ ٥٥٠.\n(٣) في (م): (بأن).\n(٤) في (ح) و(ز): (ممنوعة).\n(٥) في (ى): (المسجد).\n(٦) في \"مختار الصحاح\": (سدم) السَّدَم -بفتحتين- الندم والحزن، وبابه: طَرِب، ورجل سادم نادم، وسلمان ندمان، وقيل: هو إتباع.\n(٧) يعني علماء اللغة الذين لهم عناية بالكلمات المقلوبة، قال ابن منظور: يقال: =","vol":"11","page":226},{"text":"الدمن (١)، وهو اللزوم.\nوقال ابن الأعرابي (٢): فلان نديم الخمر أي مدمن لها، والدمن ما اجتح في الدار وتلبد من الأبوال والأبعار، سمي بذلك للزومه، والدمنة: الحقد الكامن في الصدر اللازم، وهذا من المقلوب الذي يستعمل كل واحد من الأصل والمقلوب في معنى غير المعنى الآخر بعد أن يكونا يرجعان إلى أصل واحد.\nوقوله تعالى: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ أي: بين الرؤساء والسفلة، ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾؛ لأنهم يجازون بشركهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1552>٥٥ </span>- قوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَلَا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ قال ابن عباس: يريد ما وعد لأوليائه من [الثواب والنعيم، وما أوعد أعداءه من] (٣) العذاب والخِزي والهوان، ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾، قال: يريد: المشركين (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1553>٥٧ </span>- قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ يعني قريشًا (٥) ﴿قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ\n_________\n= المنادمة مقلوبة من المدامنة؛ لأنه يدمن شرب الشراب من نديمه؛ لأن القلب في كلامهم كثير كالقسي من القووس، وجذب وجبذ، وما أطيبه وأيطبه ... إلخ. \"لسان العرب\" (ندم) ٧/ ٤٣٨٦.\n(١) قال الأزهري: دمّن فلان فناء فلان: إذا غشيه ولزمه، ومدمن الخمر: الذي لا يقلع عن شربها، واشتقاقه من دمن البعر. \"تهذيب اللغة\" (دمن) ٣/ ١٤٢٨.\n(٢) في (م): (ابن الأنباري).\n(٣) ما بين المعقوفين ساقط من (ى).\n(٤) ذكره مختصرًا ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٤/ ٤٠، والمؤلف في \"الوسيط\" ٢/ ٥٥٠.\n(٥) هذا التخصيص من رواية ابن عباس التي اعتمدها المؤلف. انظر: \"الوسيط\" ٢/ ٥٥٠، \"زاد المسير\" ٤/ ٤٠، وقد ذهب إلى هذا التخصيص =","vol":"11","page":227},{"text":"مِنْ رَبِّكُمْ﴾ يريد القرآن وما فيه، ومعنى الموعظة: الإبانة عما يدعو إلي الصلاح بطريق الرغبة والرهبة، والقرآن داع إلى كل صلاح بهذا الطريق.\nوقوله تعالى: ﴿وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ﴾ أي: دواء لداء الجهل، وذلك أن داء الجهل أضر للقلب من داء المرض للبدن، فالمزيل له أجلّ شفاء وأعظمه موقعًا، والقرآن بحمد الله مزيل للجهل، وكاشف لعمى القلب ﴿وَهُدًى﴾ وبيان من الضلالة ﴿وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾، قال ابن عباس: ونعمة من الله لأصحاب محمد (١) - ﷺ - (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1554>٥٨ </span>- قوله تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ﴾ الآية، قال أبو علي: الجار في قوله: ﴿بِفَضْلِ اللَّهِ﴾ متعلق بمضمر استغني عن ذكره لدلالة ما تقدم من قوله: ﴿قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ﴾ عليه، كما أن قوله: ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ﴾ [يونس: ٩١] يتعلق الظرف فيه بمضمر يدل عليه ما تقدم ذكره من الفعل، وكذلك قوله: ﴿آلْآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ (٣) [يونس: ٥١] معناه الآن تؤمنون، ودل عليه: ﴿أَثُمَّ إِذاَ مَا وَقَعَءَامَنُم﴾ [يونس: ٥١]، ونحو هذا قال ابن الأنباري، فقال (٤): (الباء الأولى في الآية خبر لاسم مضمر، وتأويله:\n_________\n= أيضًا السمرقندي ٢/ ١٠٢، والقرطبي ٨/ ٣٥٣، والأصل بقاء الخطاب على عمومه، وإلى ذلك ذهب ابن جرير ١١/ ١٢٤، وقال ابن عطية في \"المحرر الوجيز\" ٧/ ١٦٧: هذه آية خوطب بها جميع العالم.\n(١) القرآن نعمة لأصحاب محمد ولمن جاء بعدهم مؤمنًا إلى يوم القيامة، فلا وجه لهذا الحصر والتخصيص، وقد أشار الفراء في \"معاني القرآن\" ١/ ٤٦٩ إلى هذا التخصيص تفسيرًا لقراءة زيد بن ثابت (فبذلك فلتفرحوا) بالتاء، وسيأتي.\n(٢) \"الوسيط\" ٢/ ٥٥٠.\n(٣) اهـ. كلام أبي علي، انظر: \"الحجة للقراء السبعة\" ٤/ ٢٨٠.\n(٤) هكذا في جميع النسخ.","vol":"11","page":228},{"text":"هذا الشفاء وهذه الموعظة بفضل الله، خذف الاسم وأبقى خبره) (١).\nومعنى الإضافة في قوله: ﴿بِفَضْلِ اللَّهِ﴾، قال بعض أهل المعاني: الفضل هاهنا موضع الإفضال، كما أن النبات في موضع الإنبات في قوله: ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا﴾ [نوح: ١٧]، والمعنى بإفضال الله (٢)، ويجوز أن تكون الإضافة بمعنى الملك، كما يضاف العبد إلى الله بمعنى أن مالك له.\nوقوله تعالى: ﴿وَبِرَحْمَتِهِ﴾ أعاد الجار على الأصل كقوله (٣):\nيا دار عفراء ودار البَخْدَنِ\nوكقولهم: مررت بأخيك وبأبيك، وهذا مما سبق بيانه قديمًا، ومعنى الآية على ما ذكرنا: جاءتكم هذه الموعظة وهذا الشفاء -ويعني به القرآن- بإفضال الله عليكم، وإرادته الخير بكم، ثم قال: ﴿فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ أشار بذلك إلى القرآن؛ لأن المراد بالموعظة والشفاء القرآن، فترك اللفظ وأشار إلى المعنى. وقال ابن الأنباري: (ذلك) إشارة إلى معنى الفضل والرحمة، تلخيصه: بذلك التطول (٤) فليفرحوا (٥).\nقال أبو علي: الجار في قوله ﴿فَبِذَلِكَ﴾ متعلق بـ (ليفرحوا)؛ لأن هذا\n_________\n(١) ذكره ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٤/ ٤١.\n(٢) لم أقف عليه عند أهل المعاني، وقد ذكره مختصرًا في \"تفسيره\" ٢/ ٢٩٨.\n(٣) البيت لرؤبة في \"ديوانه\" ص ١٦١، وبعده:\nبك المها من مطفل ومشدن\nوكتاب سيبويه ٢/ ١٨٨، و\"المحكم\" ٥/ ٣٤٣، و\"اللسان\" (بخدن) و\"الجمهرة\" (١١١٦).\n(٤) في (ج): (التطويل)، وهو خطأ، والتطول: التفضل. انظر: \"القاموس المحيط\" (طول) ص ١٠٢٦.\n(٥) \"زاد المسير\" ٤/ ٤١.","vol":"11","page":229},{"text":"الفعل يصل به، يقال: فرحت بكذا، والفاء في قوله: ﴿فَلْيَفْرَحُوا﴾ زيادة (١) كقول الشاعر (٢):\nوإذا هلكت فعند ذلك فاجزعي\nوالفاء في (فاجزعي) زيادة، كما كانت التي في قوله: ﴿فَلْيَفْرَحُوا﴾ كذلك (٣)، هذا الذي ذكرنا مذهب النحويين في هذه الآية (٤).\nومذهب المفسرين غير هذا، فإن ابن عباس (٥)، والحسن (٦)،\n_________\n(١) زيادة المبني تدل على زيادة المعنى، وليس في القرآن زيادة لا فائدة لها، ولعل أبا علي وسائر النحويين يقصدون بالزيادة عدم تأثير حذف ما قيل بزيادته من الناحية الإعرابية، وقال الزركشي: ومعنى كونه زائدًا أن أصل المعنى حاصل بدونه دون التأكيد، فبوجوده حصل فائدة التأكيد، والواضع الحكيم لا يضع الشيء إلا لفائدة. \"البرهان في علوم القرآن\" ١/ ٧٤.\n(٢) هو النمر بن تولب، وصدر البيت:\nلا تجزعي إن منفسًا أهلكته\nانظر: \"ديوانه\" ص ٧٢، \"خزانة الأدب\" ١/ ٣١٤، \"شرح أبيات سيبويه\" ١/ ١٦٠، \"كتاب سيبويه\" ١/ ١٣٤، والمنفس: الشيء النفيس. والشاعر يخاطب امرأته لما لامته على إنفاق ماله على ضيوفه. انظر: \"الخزانة\"، شرح الأبيات نفس الموضعين السابقين.\n(٣) \"الحجة للقراء السبعة\" ٤/ ٢٨١ بتصرف.\n(٤) انظر: \"إعراب القرآن\" للنحاس ٢/ ٦٥، \"البحر المحيط\" ٥/ ١٧١ - ١٧٢، \"الدر المصون\" ٦/ ٢٢٤.\n(٥) رواه عنه ابن جرير ١١/ ١٢٥، وابن أبي حاتم ٦/ ١٩٥٩، وهو صحيح من رواية ابن أبي طلحة.\n(٦) رواه عبد الرازق في \"تفسيره\" ٢/ ٢/ ٢٩٦، وابن جرير ١١/ ١٢٥، وذكره ابن أبي حاتم ٦/ ١٩٥٩ بغير سند.","vol":"11","page":230},{"text":"وقتادة (١)، ومجاهدًا (٢)، وغيرهم (٣)، قالوا: فضل الله: الإسلام، ورحمته القرآن.\nوقال أبو سعيد الخدري: فضل الله: القرآن، ورحمته أن جعلهم من أهله (٤)، وعلى هذا: الباء في ﴿بِفَضْلِ اللَّهِ﴾ تتعلق بمحذوف يفسره ما بعده، كأنه قيل: قل (٥) فليفرحوا بفضل الله وبرحمته.\n[وقوله تعالى: ﴿فبَذَلِك﴾، قال الزجاج: هو بدل من قوله: ﴿بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ﴾] (٦).\nوقال صاحب النظم: قوله: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ﴾ يقتضي جوابًا فلم يجىء حين قال مبتدئًا: ﴿فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾، وأكثر ما يجيء أن يكون المبتدأ مجملًا، ثم تجيء الترجمة والبيان بعد، وهاهنا جاءت الترجمة قبل، وجاء الإجمال بعد البيان؛ لأن قوله: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ﴾ معروف ما هما، فلو قال نسقًا عليه ﴿فَلْيَفْرَحُوا﴾ لكان تامًّا مفهومًا، فلما قال: (فبذلك) أجمل به ما تقدم من الترجمة؛ لأن قوله (ذلك) يحمل ما قبله قلّ أم كثر، ذكرًا كان أم أنثى، واحدًا كان أم اثنين، كما قال تعالى: ﴿لَا فَارِضٌ﴾\n_________\n(١) رواه ابن جرير ١١/ ١٢٥، والثعلبي ٧/ ١٧ أ، والبغوي ٤/ ١٣٨.\n(٢) المصادر السابقة، نفس المواضع.\n(٣) منهم هلال بن يساف وزيد بن أسلم وابنه وأبو العالية وسالم بن أبي الجعد\nوالضحاك والربيع بن أنس، كما في \"تفسير ابن أبي حاتم\" ٦/ ١٩٥٩.\n(٤) رواه ابن جرير ١١/ ١٢٤، وابن أبي حاتم ٦/ ١٩٥٨، وذكره بغير سند السمرقندي ٢/ ١٠٢، والثعلبي ٧/ ١٧ أ، والبغوي ٤/ ١٣٨، وابن الجوزي ٤/ ٤٠.\n(٥) ساقط من (ى).\n(٦) ما بين المعقوفين (ى)، وانظر قول الزجاج في \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٥.","vol":"11","page":231},{"text":"وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٦٨] أي بين البكر والفارض (١).\nوقوله تعالى: ﴿فَلْيَفْرَحُوا﴾ هو أمر للمؤمنين بالفرح.\nومعنى الفرح: لذة في القلب بإدراك المحبوب ونيل المشتهى، يقول: ليفرح المؤمنون بفضل الله ورحمته، فإن ما آتاهم الله من الموعظة وشفاء ما في الصدور، وثلج اليقين بالإيمان، وسكون النفس إليه، خير مما يجمع غيرهم من أعراض الدنيا مع فقد هذه الخلال.\nفإن قيل: كيف جاء الأمر للمؤمنين (٢) بالفرح (٣) وقد ذم ذلك في غير (٤) موضع من التنزيل؛ من ذلك قوله: ﴿لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ [القصص: ٧٦]، وقوله: ﴿إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾ [هود: ١٠]؟\nقيل: إن عامة ما جاء مقترنًا بالذم من هذه اللفظة إذا جاءت مطلقة، فإذا قيد (٥) لم يكن ذمًا، كقوله: ﴿فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [آل عمران: ١٧٠]، وقد قيد في هذه الآية بقوله تعالى: (بذلك).\nوقوله: ﴿فَلْيَفْرَحُوا﴾ بالياء، قال الفراء: وقد ذُكر عن زيد بن ثابت أنه قرأ بالتاء (٦)، وقال: معناه: فبذلك فلتفرحوا يا أصحاب محمد - ﷺ -، هو\n_________\n(١) الفارض: المسنة الهرمة. انظر: \"تفسير ابن جرير\" ١/ ٣٤١، ٣٤٢، ٢٤٣، \"القاموس المحيط\" فصل: الفاء، باب: الضاد ٦٥٠.\n(٢) في (م): (المؤمن).\n(٣) ساقط من (م).\n(٤) ساقط من (ح) و(ز).\n(٥) في (ى): (قيل)، وهو خطأ.\n(٦) وهي قراءة رويس عن يعقوب -من العشرة- والحسن البصري وغيرهما. انظر: \"الغاية في القراءات العشرة\" ص ١٧١، \"النشر\" ٢/ ٢٨٥، \"إتحاف فضلاء البشر\" ص ٢٥٢، \"المحتسب\"١/ ٣١٣، وذِكْرها في السواد وهْمٌ من ابن جني.","vol":"11","page":232},{"text":"خير مما يجمع الكفار، قال: وقوى هذه القراءة قراءةُ أُبيّ (فبذلك فافرحوا) (١)، والأصل في الأمر للمخاطب والغائب اللام، نحو: لتقم يا زيد، وليقم زيد، يدل على هذا أن حكم الأمرين واحد، إلا أن العرب حذفت (٢) اللام من فعل المأمور المواجه (٣) لكثرة استعماله، وحذفوا التاء أيضًا وأدخلوا ألف الوصل، نحو: اضرب واقتل؛ ليقع الابتداء به، كما قالوا (٤): ﴿ادَّارَكُوا﴾ [الأعراف: ٣٨]، و﴿اثَّاقَلْتُمْ﴾ [التوبة: ٣٨]، وكان الكسائي يعيب قولهم: فلتفرحوا؛ لأنه وجده قليلًا فوجده (٥) عيبًا، وهو الأصل، ولقد سُمع عن النبي - ﷺ - أنه قال في بعض المشاهد: \"لتأخذوا مصافكم\" (٦)\n_________\n(١) ذكرها عنه أبو جعفر النحاس في \"إعراب القرآن\" ٢/ ٦٥، وأبو علي الفارسي في \"الحجة\" ٤/ ٢٨٢، وابن جني في \"المحتسب\" ١/ ٣١٣، وهي قراءة شاذة مخالفة لرسم المصحف.\n(٢) في (ى): (حدثت)، وهو خطأ.\n(٣) يعني الحاضر الذي يوجّه له الخطاب.\n(٤) هكذا في جميع النسخ، وفي \"معاني القرآن\": (قال)؛ لأن القول المذكور من القرآن، ولعل الواحدي لم يرد ذلك.\n(٥) هكذا في جميع النسخ، وفي \"معاني القرآن\" فجعله، وهو أصوب.\n(٦) لم أجده مسندًا، وقال الزيلعي في \"تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في تفسير الكشاف\" ٢/ ١٢٧: غريب، ولم يذكر له مخرجًا، وقد ذكره بغير سند الفراء في \"المعاني\" ١/ ٤٧٠، والزمخشري في \"الكشاف\" ٢/ ٢٤٢، والقرطبي ٨/ ٣٥٤، وأبو حيان في \"البحر\" ٥/ ١٧٢، وروى معناه في الصلاة الترمذي (٣٢٣٥) في التفسير سورة ص، وأحمد ٥/ ٢٤٣، ولفظهما: على مصافكم كما أنتم، ولا شاهد فيه بهذا اللفظ، ويشهد لهذا الحديث من الناحية اللغوية قول الرسول - ﷺ -: \"لتأخذوا مناسككم\" رواه مسلم (١٢٩٧) في الحج، باب: استحباب رمي جمرة العقبة يوم النحر راكبًا، قال المحقق: هذه اللام لام الأمر، ومعناه: خذوا مناسككم.","vol":"11","page":233},{"text":"يريد به خذوا (١)، هذا كلام الفراء مع زيادة شرح لابن الأنباري.\nقال أبو علي: اللام إنما تدخل عل فعل الغائب؛ لأن المواجهة (٢) استغني فيه عن اللام بقولهم: افعل، فصار مشبهًا للماضي في (يدع) الذي استغني عنه بـ (ترك)، ولو قلت: (فلتفرحوا) فألحقت التاء لكنت مستعملًا لما هو كالمرفوض وإن كان الأصل، فلا تُرجِّح القراءة بالتاء أن ذلك هو الأصل، لما قد ترى كثيرًا من الأصول المرفوضة، وحجة من قرأ بالتاء أنه اعتبر الخطاب وهو قوله: ﴿قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ﴾ [يونس: ٥٧]، وقرئ (تجمعون) بالتاء (٣) أيضًا، ووجه قول من قرأ ذلك أنه عني المخاطبين والغُيَّب جميعا، إلا أنه غلّب المخاطب على الغائب كما يغلب التذكير على التأنيث، وكأنه أراد المؤمنين وغيرهم (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1555>٥٩ </span>- قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ﴾ قال المفسرون: الخطاب في هذه الآية لكفار مكة (٥) و(ما) هاهنا فيه وجهان، أحدهما: أن يكون بمعنى: الذي، فينتصب بـ (رأيتم)، والآخر: أن يكون بمعنى: أي، في الاستفهام، فينتصب بـ (أنزل) وهو قول الزجاج؛ لأنه\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٤٧٠، وقد أشار المؤلف إلى انه أدخل فيه كلام ابن الأنباري.\n(٢) هكذا في جميع النسخ، وهو كذلك في إحدى نسخ \"الحجة\"، كما بين ذلك المحقق، لكنه اعتمد لفظ: المواجه، وهو أجدر بالسياق.\n(٣) هي قراءة ابن عامر وأبي جعفر ورويس عن يعقوب.\nانظر: \"الغاية\" ص ١٧١، \"النشر\" ٢/ ٢٨٥، \"إتحاف فضلاء البشر\" ص ٢٥٢.\n(٤) \"الحجة للقراء السبعة\" ٤/ ٢٨٢ بتصرف.\n(٥) انظر: \"تفسير ابن جرير\" ١١/ ٢٧١، والثعلبي ٧/ ١٧ ب، والبغوي ٤/ ١٣٨.","vol":"11","page":234},{"text":"قال: (ما) في موضع نصب بـ (أنزل) (١)، ومعنى (أنزل) هاهنا: خلق وأنشأ، كقوله: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ [الزمر: ٦] وقد مرّ، وجاز أن يعبر عن الخلق بالإنزال؛ لأن كل ما في الأرض من رزق فمما أنزل من السماء (٢)، من ضرع وزرع وغيره، فلما كان إيجاده بالإنزال سمي إنزالًا، كقوله:\nتعلّى الندى في متنه وتحدرا (٣)\nيعني الشحم، سماه ندى؛ لأنه بالندى يكون النبات، وبالنبات يكون الشحم، وقوله تعالى: ﴿فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا﴾، قال ابن عباس والحسن\n_________\n(١) اهـ. كلام الزجاج، انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٥.\n(٢) يعني أمر الله تعالى وتقديره، كما في قوله: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ [الذاريات: ٢٢]، وهو ظاهر سياق كلام المؤلف، ويجوز أن يكون المراد المطر، قال القرطبي ٨/ ٣٥٥: فيجوز أن يعبر عن الخلق بالإنزال؛ لأن الذي في الأرض من الرزق إنما هو بما ينزل من السماء من المطر.\nوانظر نحوه في: \"تفسير الرازي\" ١٧/ ١١٩، \"الدر المصون\" ٦/ ٢٢٧.\n(٣) عجز بيت وصدره:\nكثور العداب الفرد يضربه الندى\nوالبيت لعمرو بن أحمر الباهلي كما في \"ديوانه\" ص ٨٤، \"أدب الكاتب\" ص ٧٦، \"الاقتضاب\" ص ٣١٩، \"لسان العرب\" (ندى) ٥/ ٤٣٨٧، والبيت بلا نسبة في: \"الصحاح\" (ندى)، \"تهذيب اللغة\" (ندى)، \"المخصص\" ١٥/ ١٣١.\nوالعداب: منقطع الرمل ومسترقه، والفرد: منتمطع النظير الذي لا مثيل له في جودته أو عظمته، والندى الأولى: المطر، والثانية: الشحم.\nوالشاعر يصف ناقته القصواء التي أعدها للهرب عند الخوف، ويقول بأنها صارت كثور وحشي في موقع مخصب بعيد عن الناس. انظر: \"الاقتضاب في شرح أدب الكتاب\" ص٣١٩، \"لسان العرب\" (عدب) و(فرد) و(ندي).","vol":"11","page":235},{"text":"ومجاهد: يعني ما حرموا من الحرث والأنعام لآلهتهم من البحائر والسوائب (١)، وهو ما ذكر في سورة الأنعام في قوله: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ﴾ [الأنعام: ١٣٦] الآية، وقوله تعالى: ﴿قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ﴾ أي: في هذا التحريم والتحليل؛ وذلك أنهم كانوا يقولون: الله (٢) أمرنا بها. ثم قال: ﴿أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ بمعنى: بل على الله تفترون، تقولون على الله الكذب.\nقال أبو علي: (قل) في قوله: ﴿قُلْ آللَّهُ﴾ توكيد؛ لأن ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ بمعنى (٣) أخبروني، والاستفهام في قوله: في موضع المفعول الثاني [وإذا\n_________\n(١) البحائر والسوائب: جمع بحيرة وسائبة، وهما مما حرم أهل الجاهلية على أنفسهم من أنعامهم، أما كيفية ذلك فقد اختلف فيه اختلافا كثيرًا، فقال الزجاج: أثبت ما روينا في تفسير هذه الأسماء عن أهل اللغة، البحيرة: ناقة كانت إذا نتجت خمسة أبطن وكان آخرها ذكرًا بحروا أذنها -أي شقوها- وامتنعوا من ركوبها وذبحها، ولا تطرد عن ماء، ولا تمنع من مرعى، وإذا لقيها المعيي لم يركبها.\nوالسائبة: كان الرجل إذا نذر لقدوم من سفر أو برء من علة أو ما أشبه ذلك، قال: ناقتي هذه سائبة، فكانت كالبحيرة في أن لا يتفع بها، وأن لا تجلى عن ماء، ولا تمنع من مرعى. \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٢١٣.\nوقيل السائبة: أم البحيرة، كانت الناقة إذا ولدت عشرة أبطن كلهن إناث سيبت فلم تركب ولم يشرب لبنها إلا الضيف وشقت أذن بنتها الأخيرة وسميت البحيرة، وهي بمنزلة أمها في أنها سائبة، وثمة أقوال أخرى، انظر: \"الصحاح\"، \"لسان العرب\" (سيب) و(بحر). قال الطبري: أما كيفية عمل القوم في ذلك، فما لا علم لنا به، وقد وردت الأخبار بوصف عملهم ذلك على ما قد حكينا، وغير ضائر الجهل بذلك إذا كان المراد من علمه المحتاج إليه، موصولًا إلى حقيقته، وهو أن القوم كانوا يحرمون من أنعامهم على أنفسهم ما لم يحرمه الله. \"الطبري\" ١١/ ١٢٧.\n(٢) لفظ الجلاله لم يكتب في (ى).\n(٣) ساقط من (ح) و(ز).","vol":"11","page":236},{"text":"كان كذلك لزم أن يكون (قل) تكريرًا؛ ليقع الاستفهام بعدها في موضع المفعول الثاني] (١)، ومثله في التوكيد والاعتراض بين المفعول الأول والثاني، قوله (٢): ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ﴾ (٣) [الأحقاف: ٤] ونذكر الكلام فيه إذا انتهينا إليه إن شاء الله تعالى (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1556>٦٠ </span>- قوله تعالى: ﴿وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ الظرف متعلق بالظن على معنى: ما ظنهم في ذلك اليوم؟ وهو استفهام تقريع وتوبيخ، قال مقاتل: وما ظن الذين يتقولون على الله الكذب بأن الله أمرهم بتحريمه (٥) يوم القيامة إذا لقوه (٦)؟\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ﴾، قال ابن عباس: يريد: أهل مكة حين جعلهم في أمن وحرم (٧) كما قال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا\n_________\n(١) ما بين المعقوفين ساقط من (ح) و(ز).\n(٢) ساقط من (م).\n(٣) اهـ. كلام أبي علي، انظر: \"المسائل الحلبيات\" ص ٧٦ بتصرف واختصار.\n(٤) أحال في هذا الموضع إلى سورة فاطر وقال هناك ٤/ ١٧٧ أ: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ﴾ الآية، قال أبو إسحاق: معناه: أخبروني عن شركائكم، ﴿مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ﴾ قال أبو علي: قوله: ﴿مَاذَا خَلَقُوا﴾ في موضع نصب، وقال مقاتل: ﴿مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ﴾ كما خلق الله آدم إن كانوا آلهة، قال الفراء: أي أنهم لم يخلقوا شيئًا، فعلى هذا (من) بمعنى (في).\n(٥) في (م): (بتكذيبه)، وهو خطأ.\n(٦) \"الوسيط\" ٢/ ٥٥١، ولفظه في \"تفسير مقاتل\" ١٤١ ب: ﴿وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ﴾ في الدنيا، ﴿عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ فزعموا أن له شريكًا ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾.\n(٧) \"الوجيز\" ٧/ ١٧١، ولا دليل على هذا التخصيص، والأصل بقاء اللفظ على عمومه.","vol":"11","page":237},{"text":"حَرَمًا آمِنًا﴾ [العنكبوت: ٦٧]، وقال: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا﴾ [القصص: ٥٧].\n﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ﴾، قال: يريد: لا يوحدون ولا يطيعون (١)، وقال مقاتل: إن الله لذو فضل على الناس، حين لا يعجل عليهم بعقوبة افترائهم (٢)، وقوله: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ﴾ تأخير العذاب عنهم (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1557>٦١ </span>- وقوله: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ﴾ الآية، قال الفراء: (ما) هاهنا جحد لا موضع لها (٤)، والشأن: الخطب، والجمع الشؤون، والعرب تقول ما شأن فلان: أي: ما حاله.\nقال الأخفش: وتقول ما شأنتُ شأنه أي: ما عملت عمله (٥).\nوقال غيره: يقال: أتاني فلان وما شأنتُ شأنه، إذا لم تكترث له (٦)، ويقال: لأشأنن شأنهم، أي لأفسدن أمرهم (٧)، فالشأن اسم إذا كان بمعنى الخطب، وإذا كان بمعنى المصدر كان معناه القصد (٨)، والذي في هذه الآية يجوز أن يكون المراد به اسم الأمر وهو قول المفسرين (٩).\n_________\n(١) \"الوجيز\" ٧/ ١٧١.\n(٢) \" تفسير مقاتل\" ١٤١ ب بنحوه.\n(٣) ساقط من (ى).\n(٤) اهـ. كلام الفراء، \"معاني القرآن\" ١/ ٤٧٠.\n(٥) \"الكشف والبيان\" ٧/ ١٨ أ، \"تفسير الرازي\" ١٧/ ١٢١، والقرطبي ٨/ ٣٥٦، ولم يذكره الأخفش في كتابه \"معاني القرآن\" كما لم أجد من أشار إليه من أهل اللغة.\n(٦) هذا قول الأزهري، انظر: \"تهذيب اللغة\" (شأن) ٣/ ١٨١٤.\n(٧) \"الصحاح\" (شأن) ٥/ ٢١٤٢.\n(٨) في (م): (الفسد)، وهو خطأ.\n(٩) انظر: \"تفسير ابن جرير\" ١٧/ ١٢١، والسمرقندي ٢/ ١٠٣، والثعلبي ٧/ ١٨ أ.","vol":"11","page":238},{"text":"قال ابن عباس: (وما تكون) يا محمد (في شأن) يريد من أعمال البر (١).\nوقال الحسن: في شأن من شأن الدنيا، وحوائجك فيها (٢)، ويجوز أن يكون المراد به المصدر يعني قصد الشيء، قال الشاعر (٣):\nيا طالب الجود [إن الجود] (٤) مكرمة ... لا البخل منك ولا من شأنك الجودا (٥)\nأي ولا من قصدك الجود، وقوله تعالى: ﴿وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ﴾ اختلفوا في الكناية في (منه)، فقيل: إنه كناية عن القرآن (٦)، على تأويل: وما تتلو من القرآن، أي من جميعه ﴿مِنْ قُرْآنٍ﴾ أي من (٧) شيء؛ لأن عامته قرآن وبعضه أيضًا قرآن، وقد سبق ذكر القرآن في معنى قوله: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ﴾ [يونس: ٥٨] والمعنى وما تتلو من القرآن من سورة.\nوقال بعض أهل المعاني: ذكر القرآن بالإضمار ثم بالإظهار لتفخيم ذكره، على نحو قوله: ﴿إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (٨) [النمل: ٩]، وقد قيل: إن معناه من الله (٩)، أي ما تتلو من قرآن من الله، أي نازل منه، ويجوز أن\n_________\n(١) ذكره الرازي في \"تفسيره\" ١٧/ ١٢١.\n(٢) ذكره الرازي في \"تفسيره\" ١٧/ ١٢١، والمؤلف في \"الوسيط\" ٢/ ٥٥١.\n(٣) \"مقاييس اللغة\" ٣/ ٢٣٨.\n(٤) ما بين المعقوفين ساقط من (ح) و(ز).\n(٥) في (م): (الجودُ)، والصواب ما أثبته إذ هو مفعول به للمصدر (شأن) الذي هو بمعنى القصد كما بينه المؤلف.\n(٦) هذا قول ابن جرير ١١/ ١٢٩، واحد قولي الزمخشري في \"كشافه\" ٢/ ٢٤٢.\n(٧) ساقط من (ح).\n(٨) وقد اعتمد هذا القول الزمخشري ٢/ ٢٤٢، وانظر: \"الدر المصون\" ٦/ ٢٢٨.\n(٩) هذا قول السمرقندي ٢/ ١٠٣، والثعلبي ٧/ ١٨ أ، والبغوي ٤/ ١٣٩، وهو القول الآخر للزمخشري ٢/ ٢٤٢.","vol":"11","page":239},{"text":"يعود الضمير إلى الشأن (١)، كأنه قيل من الشأن من قرآن (٢)، أي وما تتلو فيما تعمل من شأنك من قرآن، وهذا الوجه اختيار الزجاج (٣)، وذكر صاحب النظم الأوجه الثلاثة.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ﴾، قال ابن عباس: خاطبه وأمته جميعًا (٤). قال ابن الأنباري: قوله: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو﴾ خطاب للنبي - ﷺ -، وأمته داخلون فيه، ومعنيون به، ومعروف عندهم أن يخاطب الرئيس والمراد هو وأتباعه إذ كان هو زعيمهم، يدل على هذا قوله ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [الطلاق: ١]، ثم جمع في قوله: ﴿وَلَا تَعْمَلُونَ﴾ ليدل على أنهم داخلون في الفعلين الأولين الذين أفردا (٥) لخطاب النبي - ﷺ - (٦).\nوقوله تعالى: ﴿إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا﴾، قال الفراء: يقول: الله شاهد على كل شيء، وهو كقوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧] يقول: إلا هو شاهدهم (٧)، قال: وهو جمع (٨) ليس\n_________\n(١) هذا قول الزجاج في \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٦، وذكره عن الفراء أبو جعفر النحاس في \"إعراب القرآن\" ٢/ ٦٥، ومكي في \"مشكل إعراب القرآن\" ١/ ٣٤٨.\n(٢) قال النحاس في \"إعراب القرآن\" ٢/ ٦٥ بعد ذكر قول الفراء: وهذا كلام يحتاج إلى شرح، يكون المعنى: وما تتلو من الشأن، أي من أجل الشأن، أي يحدث شأن فيتلى من أجله القرآن ليعلم كيف حكمه، أو ينزل فيه قرآن فيتلى.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٦.\n(٤) \"الوجيز\" ١/ ٥٠٢.\n(٥) في (ى): (افردوا)، وهو خطأ.\n(٦) ذكر بعض قول ابن الأنباري هذا ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٤/ ٤٥، والمؤلف في \"الوسيط\" ٢/ ٥٥٣.\n(٧) \"معاني القرآن\" ١/ ٤٧٠.\n(٨) ساقط من (ى).","vol":"11","page":240},{"text":"بمصدر، والمعنى: إلا نعلمه فنجازيكم به (١).\nوقوله تعالى: ﴿إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾، معنى الإفاضة هاهنا: الدخول في العمل على جهة الانصباب إليه، وهو الانبساط في العمل، قال ابن الأنباري: ﴿إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ إذ تندفعون فيه وتنبسطون في ذكره، يقال: قد أفاض القوم في الحديث: إذا اندفعوا (٢) فيه، وقد أفاضوا من عرفة: إذا دفعوا منه بكثرتهم فتفرقوا (٣) (٤).\nوقال الزجاج: إذ تنتشرون فيه، وأفاض القوم في الحديث: إذا انتشروا فيه (٥)، وهو قول ابن كيسان (٦).\nوقال ابن عباس: يقول الله تعالى: شهدت ذلك منكم إذ تأخذون فيه (٧).\nقال صاحب النظم: (إذ) هاهنا بمعنى حين، ولذلك جاز في المستقبل، والمعنى حين تفيضون فيه.\n_________\n(١) لم يذكره الفراء في \"معاني القرآن\"، وقد ذكره المؤلف في \"الوسيط\" ٢/ ٥٥٢.\n(٢) في (ى): (انتشروا).\n(٣) في (م): (فتعرفوا)، وفي (ح) و(ز): (فنفروا)، وأثبت ما في (ى) لأمرين:\nأ- ما جاء في \"تهذيب اللغة\" (فاض) ونصه: كل ما في اللغة من باب الإفاضة فليس يكون إلا عن تفرق وكثرة.\nب- موافقته لـ\"تفسير الرازي\"، وهو كثير النقل من \"البسيط\".\n(٤) ذكره مختصرًا البغوي ٤/ ١٣٩، والمؤلف في \"الوسيط\" ٢/ ٥٥٢.\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٦.\n(٦) انظر: \"تفسير الثعلبي\" ٧/ ١٨/ أ، والقرطبي ٨/ ٣٥٦.\n(٧) رواه بمعناه مختصرًا ابن جرير ١١/ ١٢٩، وابن أبي حاتم ٦/ ١٩٦٢، والثعلبي ٧/ ١٨ أ، وذكره بلفظه مختصرًا المؤلف في \"الوسيط\" ٢/ ٥٥٢.","vol":"11","page":241},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ﴾ أي: وما يبعد وما يغيب، قاله ابن عباس (١)، وغيره (٢)، ومعنى العزوب (٣): ذهاب المعنى عن المعلوم، وأصله من البعد، ومنه (٤) يقال: كلأ عازب، إذا كان بعيد المطلب، وعزب الرجل بإبله: إذا راعها بعيدًا عن الحلة، لا يأوي إليهم، وعزب الشيء عن علمي: إذا بعد، وفيه لغتان: عَزَبَ يعزُب وعَزَبَ يَعْزِب (٥).\nوقوله تعالى: ﴿مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ﴾ أي وزن ذرة، ومثقال الشيء: ميزانه من مثله، والمعنى: ما يزن ذرة، والذر صغار النمل، واحدها ذرة (٦)، وهي خفيفة الوزن جدًّا، ﴿فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ﴾ ويقرآن بالرفع (٧)، قال الفراء: فمن نصبهما فإنما يريد الخفض يُتْبعهما المثقال أر الذرة، ومن رفعهما أتبعهما معنى المثقال؛ لأنك لو ألقيت من المثقال (من) كان رفعًا، وهو كقولك ما أتاني من أحد عاقلٍ (٨)،\n_________\n(١) رواه ابن أبي حاتم ٦/ ١٩٦٣، والثعلبي ٧/ ١٨ أ، وانظر كتاب \"غريب القرآن\" لابن عباس ص ٤٨.\n(٢) انظر: \"غريب القرآن\" لليزيدي ص ١٧١، ولابن قتية ص ٢٠٣، \"تفسير ابن جرير\" ١١/ ١٣١، \"نزهة القلوب\" للسجستاني ص ٤٩٨، \"تفسير الثعلبي\" ٧/ ١٨ أ.\n(٣) في (ى): (العزب).\n(٤) ساقط من (ى).\n(٥) وقد قرأ الكسائي بكسر الزاي، وقرأ الباقون بضمها. انظر كتاب \"السبعة\" ص ٣٢٨، \"الغاية\" ص ١٧٢، \"النشر\" ٢/ ٢٨٥.\n(٦) انظر: \"لسان العرب\" (ذرر) ٣/ ١٤٩٤، وفيه أيضًا في نفس الموضع: وقيل: الذرة ليس لها وزن، ويراد بها ما يرى في شعاع الشمس الداخل في النافذة.\n(٧) قرأهما بالرفع حمزة ويعقوب وخلف، والباقون بالنصب. انظر المصادر السابقة، نفس المواضع.\n(٨) في (ح): (واحد).","vol":"11","page":242},{"text":"وعاقلٌ (١)، وكذلك قوله: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٥٩، ٦٥، ٧٣، ٨٥]، [هود: ٥٠، ٦١، ٨٤]، [المؤمنون: ٢٣، ٣٢] وغَيْرِهِ (٢). هذا كلامه (٣).\nوشرحه أبو علي الفارسي فقال: من فتح الراء من ﴿وَلَا أَصْغَرَ﴾، ﴿وَلَا أَكْبَرَ﴾؛ فلأن (أفعل) في الموضعين في موضع جر؛ لأنه صفة للمجرور الذي هو (مثقال)، وإنما فتح لأن (أفعل) إذا اتصل به (من) كان صفة، [وإذا كان صفة] (٤) لم ينصرف في النكرة، ومن رفع حمله على موضع الموصوف، وذلك (٥) أن الموصوف الذي هو ﴿مِن مِّثقَالِ﴾ الجار والمجرور فيه في موضع رفع، كما كان (٦) في موضعه في قوله: ﴿كَفَى بِاللَّهِ﴾ (٧) [الرعد: ٤٣]، [الإسراء: ٩٦]، [العنكبوت، ٥٢] وقوله:\nألم يأتيك والأنباء تنمي ... بما لاقت .............. (٨)\n_________\n(١) يعني بالجر والرفع، فجره باعتباره صفة لأحد، ورفعه باعتبار معنى (أحد) لأنك لو حذفت (من) لكان فاعلًا مرفوعًا.\n(٢) قال الإمام ابن الجزري: قرأ أبو جعفر والكسائي (من إله غيره) بخفض الراء وكسر الهاء بعدها، والباقون بالرفع والضم حيث وقع. \"تقريب النشر\" ص ١١٥، وانظر: \"حجة القراءات\" لابن زنجلة ص ٢٨٦.\n(٣) \"معاني القرآن\" ١/ ٤٧٠.\n(٤) ما بين المعقوفين ساقط من (ح).\n(٥) في (م): (وقال)، وهو خطأ.\n(٦) في \"الحجة\": (كانا).\n(٧) وقد وردت أيضًا في مواضع كثيرة مسبوقة بالواو.\n(٨) وعجزه بتمامه:\nبما لاقت لبون بني زياد\nوالبيت لقيس بن زهير، كما في \"الأغاني\" ١٧/ ١٣١، \"خزانة الأدب\" ٨/ ٣٥٩، \"شرح أبيات سيبويه\" ١/ ٣٤٠، \"شرح شواهد الشافية\" ص ٤٠٨، \"الخصائص\" ١/ ٣٣٣.\nوكان قيس هذا استاق إبل الربيع بن زياد العبسي وباعها بمكة؛ لأن الربيع كان قد أخذ منه درعًا ولم يردها عليه فقال قيس في ذلك قصيدة مطلعها هذا البيت.","vol":"11","page":243},{"text":"فحمل الصفة على الموضع، ومما يجوز أن يكون محمولًا على الموضع قوله: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ وقوله: ﴿فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [المنافقون: ١٠]، وقول الشاعر:\nفلسنا بالجبال ولا الحديدا (١)\nقال: وقد يجوز أن يعطف قوله: ﴿وَلَا أَصْغَرَ﴾ على ﴿ذَرَّةٍ﴾ فيكون التقدير: وما يعزب عن ربك مثقال ذرة ولا مثقال أصغر، فإذا حمل على هذا لم يجز فيه إلا الجر؛ لأنه لا موضع للذرة غير لفظها كما كان لقوله: ﴿مِنْ مِثْقَالِ﴾ (٢) موضع غير لفظه، ولا يجوز على قراءة من قرأ بالرفع أن يكون معطوفًا على (ذرة) كما جاز في قراءة الباقين؛ لأنه إذا عطف على ﴿ذَرَّةٍ﴾ وجب أن يكون مجرورًا (٣)، وإنما فتح؛ لأنه لا ينصرف، وكذلك يكون على قول من عطفه على الجار الذي هو (من) (٤).\nوقوله تعالى: ﴿إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾، قال ابن عباس: يريد: اللوح المحفوظ (٥)، وذكرنا معنى إثبات الله الكائنات في اللوح المحفوظ عند\n_________\n(١) عجز بيت وصدره:\nمعاوي إننا بشر فأَسْجِح\nوالبيت لعقبة أو عقيبة الأسدي كما في \"خزانة الأدب\" ٢/ ٢٦٠، \"سر صناعة الإعراب\" ١/ ١٣١، \"شرح أبيات سيبويه\" ١/ ٣٠٠، \"شرح شواهد المغني\" ٢/ ٨٧٠، \"كتاب سيبويه\" ١/ ٦٧، \"لسان العرب\" (غمز) ٦/ ٣٢٩٦.\nومعنى الإسجاح: حسن العفو والتسهيل. انظر: \"لسان العرب\" (سجح) (١٩٤٤).\n(٢) في \"الحجة\": من مثقال ذرة.\n(٣) في \"الحجة\": وجب أن يكون (أصغر) مجرورًا.\n(٤) \"الحجة للقراء السبعة\" ٤/ ٢٨٥ بتصرف.\n(٥) ذكره ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٤/ ٤٣، والمؤلف \"الوسيط\" ٢/ ٥٥٢،=","vol":"11","page":244},{"text":"قوله: ﴿وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩] مشروحًا، وذكر أبو علي الجرجاني هاهنا فصلًا لابد من الوقوف عليه وهو أنه قال: قول: ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَا أَكْبَرَ﴾ كلام تام نفى الله ﷿ (١) به عن نفسه عزوب شيء من الأحداث، وهاهنا انقطاعه (٢)، وقوله تعالى: ﴿إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ خبرآخر منقطع بما قبله؛ لأنه لو كان متصلًا بما قبله فيكون محققًا من قوله: ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ﴾؛ وجب أن يكون قوله: ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ﴾ نفيًا منتظرًا له تحقيق، وإذا كان النفي منتظرًا له التحقيق كان نفيًا (٣) إذا خلا من الحال التي تحقق ما قبلها، مثل قولك: ما ينام زيد إلا بجهد، وما يصبح عمرو إلا مريضًا، فأنت لم تنف النوم عن زيد ولا الإصباح عن عمرو، إلا بخلاف الحال التي حققت النوم والإصباح بها؛ لأن التأويل (هكذا ينام زيد، وهكذا يصبح عمرو)، فلو كان قوله: ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ متصلًا بقوله: ﴿إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ لوجب أن يكون قد عزب عن الله أو يعزب عنه مثقال ذرة وأصغر وأكبر (٤) منها إلا في الحال التي (٥) استثناها، وهو قوله: ﴿إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ فيكون ما يعزب عنه من ذلك مستدركًا في الكتاب وفي هذا ما فيه، ونظيره من الكلام قول القائل (ما يغيب عني زيد إلا في بيته)، فالغيبة\n_________\n= وبنحوه رواه عبد بن حميد وابن أبي حاتم عند تفسير آية الأنعام كما في \"الدر المنثور\" ٣/ ٢٩.\n(١) ساقط من (ح) و(ز).\n(٢) في (ى): (تحقيق).\n(٣) ساقط من (ح) و(ز).\n(٤) في (ي): (أو أكبر أو أصغر).\n(٥) ساقط من (م).","vol":"11","page":245},{"text":"واجبة بهذه الحال.\nوإذا كان كان آخر الكلام منقطعًا من الأول لم يؤد (١) إلى هذا النوع من الفساد، فكأنه قال: لا يعزب عنه شيء في السماء ولا في الأرض لا صغيرًا ولا كبيرًا، وانقطع الكلام هاهنا ثم استأنف خبرًا آخر بقوله: ﴿إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [أي: وهو أيضًا في كتاب مبين] (٢)، والعرب تضع (إلا) موضع واو النسق كثيرًا على معنى الابتداء، كقوله تعالى: ﴿إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (١٠) إِلَّا مَنْ ظَلَمَ﴾ [النمل: ١٠، ١١] يعني ومن ظلم، وقوله: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ (٣) [البقرة: ١٥٠] يعني: والذين ظلموا (٤). وهذا مذهب أبي عبيدة في تلك الآية (٥)، وقد ذكرنا في سورة البقرة ما احتج به من الأبيات (٦)، فقد ثبت أن (إلا) بمعنى واو النسق تستعمل، فقوله: ﴿إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ معنى (إلا) هاهنا: واو النسق، وأضمر بعده (هو)، والعرب تضمر\n_________\n(١) في (خ) و(ز): (يرد).\n(٢) ما بين المعقوفين ساقط من (ى).\n(٣) وقد كتب نساخ (ح) و(ز) و(ى) و(ص) الآية هكذا: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ ﴿إلا الذين ظلموا﴾ وأسقط ناسخ (م) لفظ (للناس) ولا توجد آية بأحد هذين اللفظين، وفي قول الله تعالى: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٦٥]، ودلالة السياق تدل على أن المؤلف أراد آية سورة البقرة وعندها ذكر أبو عبيدة مذهبه.\n(٤) انظر قول أبي علي الجرجاني في \"تفسير الرازي\" ١٧/ ١٢٤، \"الدر المصون\" ٦/ ٢٣١ مختصرًا، وقال الرازي: هذا الوجه في غاية التعسف. اهـ. وقال السمين الحلبي: هذا الذي قاله الجرجاني ضعيف جدًا، ولم يثبت ذلك بدليل صحيح.\n(٥) انظر: \"مجاز القرآن\" ١/ ٦٠، وانظر أيضًا: \"معاني القرآن\" للأخفش ١/ ١٦٢ فهو يجيز أن تكون (إلا) بمنزلة الواو.\n(٦) انظر النسخة الأزهرية ١/ ٩٧ أ.","vol":"11","page":246},{"text":"(هو) وما يتصرف منه كقوله: ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ [البقرة: ٥٨، الأعراف: ١٦١]، أي: هي حطة، وقوله: ﴿وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ﴾ [النساء: ١٧١] أي: هم ثلاثة، ومما جاء من (١) مثل هذا النظم قوله: ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا﴾ [الأنعام: ٥٩] إلى قوله: ﴿وَلَا يَابِسٍ﴾ فهذا تمام، ثم قال: ﴿إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [المعنى: وهو في كتاب مبين] (٢) كهذه الآية سواء.\nوذكر أبو إسحاق على قراءة من قرأ (ولا أصغرُ، ولا أكبرُ) رفعًا وجهًا للرفع سوى ما ذكرنا يستغنى فيه عن هذا التطويل الذي ذكره الجرجاني، وهو (٣) أنه قال: يجوز رفعه على الابتداء، فيكون المعنى وما أصغر من ذلك وما أكبر ﴿إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ (٤)، فجعل ﴿إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ خبر المبتدأ، وهذا مستقيم، ولكن لا يستقيم هذا الوجه في قراءة من قرأ بالفتح وهو قراءة أكثر القراء (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1558>٦٢ </span>- قوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ الآية، الأولياء جمع الولي، وذكرنا معنى الولي في اللغة في سورة البقرة (٦)، فأما هؤلاء الذين ذكروا هاهنا فقال رسول الله - ﷺ - فيما روى\n_________\n(١) ساقط من (ى).\n(٢) ما بين المعقوفين ساقط من النسخ عدا (م).\n(٣) في (ح) و(ز): (وهذا).\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٦ بمعناه.\n(٥) سبق تخريج القراءة عند أول تفسير الجملة.\n(٦) انظر: النسخة الأزهرية ١/ ١٥٤ ب، حيث قال في هذا الموضع: الولي: (فعيل) فهو وال وولي، وأصله من (الولْي) الذي هو القرب .. ومن هذا المعنى يقال للنصير المعاون المحب: ولي؛ لأنه يقرب منك بالمحبة والنصرة ولا يفارقك .. فالولي في اللغة هو القريب من غير فصل، والله تعالى ولي المؤمنين، على معنى أنه يلي أمورهم، أي يتولاها ... إلخ.","vol":"11","page":247},{"text":"عنه الخدري: \"هم الذين يُذكر الله لرؤيتهم\" (١)، وروى عمر -﵁- أن النبي -ﷺ- قال: \"هم قوم تحابوا في الله على غير أرحام بينهم، ولا أموال يتعاطونها، فوالله إن وجوههم لنور، وإنهم لعلى منابر من نور، لا يخافون إذا خاف الناس، ولا يحزنون إذا حزن الناس\" ثم قرأ هذه الآية (٢).\nوقال ابن كيسان: هم الذين تولى الله هديهم بالبرهان الذي أتاهم وتولوا القيام بحقه (٣)، وهذا تفسير على مقتضى اللغة.\n_________\n(١) رواه بهذا اللفظ ابن المبارك في كتاب \"الزهد\" ١/ ٢٤٥، وابن جرير ١١/ ١٣١، ١٣٢، وابن أبي حاتم ٦/ ١٩٦٤، والثعلبي ٧/ ١٨ ب، والطبراني في \"المعجم الكبير\" (١٢٣٢٥)، وغيرهم متصلًا من حديث ابن عباس أو أبي مالك الأشعري، أو مرسلًا عن سعيد بن جبير عن النبي - ﷺ -. وله شاهد عند أحمد في \"المسند\" ٦/ ٤٥٩، وابن ماجه في \"السنن\" (٤١١٩)، كتاب الزهد، باب: من لا يؤبه له، من حديث أسماء بنت يزيد، وفي \"سنده\" شهر بن حوشب؛ قال الحافظ ابن حجر في \"التقريب\" ص ٣٦٩ (٢٨٣٠): (صدوق كثير الإرسال والأوهام).\n(٢) رواه أبو داود في \"سننه\" (٣٥٢٧) كتاب البيوع، باب: في الرهن، وهناد في كتاب \"الزهد\" ١/ ٥٦٤، وابن جرير ١١/ ١٣٢، وابن أبي حاتم ٦/ ١٩٦٣ - ١٩٦٤، وأبو نعيم في \"الحلية\" ١/ ٥، وفي سنده انقطاع، فإن أبا زرعة لم يسمع من عمر كما في \"تفسير ابن كثير\" ٢/ ٤٦٣، \"تهذيب التهذيب\" ٤/ ٥٢٣. وللحديث شاهد من حديث أبي مالك، أخرجه عبد الرزاق في \"المصنف\" ١١/ ٢٠١، وأحمد في \"المسند\" ٥/ ٣٤١، ٣٤٣، والطبري في \"تفسيره\" ١١/ ١٣٢، والبغوي في \"شرح السنة\" ١٣/ ٥٠، وفي \"تفسيره\" ٤/ ١٤٠، وفي سنده شهر بن حوشب السالف الذكر. وكذلك له شاهد آخر من حديث ابن عمر، أخرجه الحاكم ٤/ ١٧٠، وصححه وأقره الذهبي. وله شاهد ثالث من حديث أبي هريرة، أخرج ابن حبان في \"صحيحه\" (الإحسان) ٢/ ٣٣٢ (٥٧٣)، ورجاله ثقات سوى عبد الرحمن بن صالح الأزدي فهو صدوق بتشيع، كما في \"تقريب التهذيب\" ص ٣٤٣ (٣٨٩٨).\n(٣) رواه الثعلبي في \"تفسيره\" ٧/ ١٩ أ.","vol":"11","page":248},{"text":"وقال ابن زيد: هم الذين وصفوا فيما بعد ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ (١)، وهذا إذا جعلت (الذين) نعتًا للأولياء، فإن جعلت (الذين) مستأنفًا (٢) وجعلت الخبر (٣) قوله: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى﴾ لم يكن قوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ نعتًا للأولياء.\nقال ابن عباس: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ هو يريد: الذين صدقوا النبي - ﷺ - وخافوا مقامهم بين يديّ (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1559>٦٣ </span>- قوله تعالى: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾، روى عبادة بن الصامت وأبو الدرداء عن النبي - ﷺ - أنه قال في هذه الآية: \"هي الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له\" (٥).\n﴿وَفِي اَلأَخِرَةِ﴾ الجنة، يريد أن الرؤيا الصالحة بشرى للمسلم في الدنيا ويبشر في الآخرة بالجنة، وقال ابن عباس في رواية عطاء ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى\n_________\n(١) رواه ابن جرير ١١/ ١٣٢.\n(٢) في (م): (سابقًا)، وهو خطأ.\n(٣) ساقط من (ى).\n(٤) \"الوسيط\" ٢/ ٥٥٣.\n(٥) روى حديث عبادة الإمام الترمذي في \"سننه\" (٢٢٧٥) كتاب الرؤيا، باب: قوله: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾، وابن ماجه (٣٨٩٨) كتاب تعبير الرؤيا، باب: الرؤيا الصالحة، والدارمي في \"سننه\" كتاب الرؤيا، ٢/ ١٦٥ (٢١٣٦)، وأحمد في \"المسند\" ٥/ ٣١٥، ٣٢١، والحاكم في \"المستدرك\" ٢/ ٣٤٠، ٤/ ٣٩١، وصححه ووافقه الذهبي، وقال الحافظ ابن حجر في \"فتح الباري\" ١٢/ ٣٧٥: رواته ثقات إلا أن أبا سلمة لم يسمعه من عبادة. وروى حديث أبي الدرداء الإمام الترمذي في الموضع السابق (٢٢٧٣) كتاب: الرؤيا، باب: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ وحسنه، أحمد في \"المسند\" ٦/ ٤٤٥، وابن أبي حاتم ٦/ ١٩٦٦، والطبري ١١/ ١٣٣ - ١٣٤، وفي سنده من لم يسم.","vol":"11","page":249},{"text":"فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾: يريد عند الموت، تأتيهم ملائكة الرحمة بالبشرى من الله ﴿وَفِي الْآخِرَةِ﴾ يريد: عند خروج نفس المؤمن إذا خرجت يعرجون (١) بها إلى الله تزف كما تزف العروس تبشر برضوان الله (٢)، وهذا قول الزهري (٣)، وقتادة (٤)، والضحاك (٥) قالوا: هي بشارة الملائكة للمؤمن عند الموت.\nوقال الحسن: هي ما بشرهم الله ﷿ به في كتابه من جنته وكريم ثوابه، في قوله: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ٢٥]، ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: ٤٧]، ﴿وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ﴾ (٦) [فصلت: ٣٠]، وهذا اختيار الفراء (٧)، والزجاج (٨)، قالا: ويدل على صحة هذا قوله بعد هذا ﴿لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ﴾ (٩)، قال ابن عباس: يريد لا خلف لمواعيد الله، وذلك أن مواعيده بكلماته، فإذا لم تبدل كلماته بوضع غيرها بدلًا منها لم تبدل مواعيده (١٠).\n_________\n(١) في (ى): (بغير حق)، وهو تصحيف.\n(٢) رواه الثعلبي ٧/ ١٩ ب، والبغوي ٤/ ١٤١، والمؤلف في \"الوسيط\" ٢/ ٥٥٣.\n(٣) رواه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ١/ ٢/ ٢٩٦، والطبري ١١/ ١٣٨، وابن أبي حاتم ٤/ ١٣٦ أ، والثعلبي ٧/ ١٩ ب، والبغوي ٤/ ١٤١.\n(٤) المصادر السابقة، نفس المواضع.\n(٥) المصادر السابقة عدا عبد الرزاق والبغوي، نفس المواضع.\n(٦) رواه الثعلبي ٧/ ١٩ ب، والبغوي ٤/ ١٤١.\n(٧) \"معاني القرآن\" ١/ ٤٧١، ولم يصرح باختياره، بل جوّز أن يكون المراد ذلك.\n(٨) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٦.\n(٩) القول بنحوه للزجاج، وأما عبارة الفراء فنصها: ثم قال: ﴿لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ﴾ أي الخلف لوعد الله.\n(١٠) ذكره ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٤/ ٤٤، والمؤلف في \"الوسيط\" ٢/ ٥٥٤.","vol":"11","page":250},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1560>٦٥ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ﴾، قال ابن عباس: (تكذيبهم) (١). وقال الزجاج: أي: لا يحزنك إنكارهم وتكذيبهم وتظاهرهم عليك (٢).\nوقال غيره من أهل المعاني: معنى: ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ﴾ التسلية عن قولهم الذي يؤذونه به (٣).\nوالنهي في اللفظ للقول، وإنما هو عن السبب المؤدي إلى التأذي بقولهم، ومثله (لا أرينك هاهنا) (٤) والمعنى لا تكن هاهنا فمن كان هاهنا رأيته، فكذلك لا تعبأ بقولهم فمن عبأ به آذاه.\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾، قال الفراء: هذا استئناف، ولم يقولوا هم ذاك فيكون حكاية (٥).\nوقال غيره: هذا استئناف بالتذكير (٦) لما ينفي الحزن، لا (٧) لأنها بعد القول (٨)؛ لأنها ليست حكايته عنهم (٩).\n_________\n(١) انظر المصدرين السابقين، وبمعناه رواه أبو الشيخ كما في \"الدر المنثور\" ٣/ ٥٦٣.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٧.\n(٣) انظر نحو هذا القول في: \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٢٧، \"معاني القرآن\" للنحاس ٣/ ٣٠٤، \"البحر المحيط\" ٥/ ١٧٦.\n(٤) ساقط من (ح).\n(٥) \"معاني القرآن\" ١/ ٤٧١.\n(٦) في (ى): (زيادة أخلت بالمعنى ونص الجملة فيها: وقال غيره: هذا استئناف ويقولوا لهم ذاك بالتذكير اهـ. والناسخ أدخل في هذه الجملة شيئًا من الجملة السابقة.\n(٧) لفظ: (لا) ساقط من (ز).\n(٨) يعني أن الجملة ليست مقول القول الذي سبقها.\n(٩) انظر نحو هذا القول في: \"الكشاف\" ٢/ ٢٤٣، \"البحر المحيط\" ٥/ ١٧٦.","vol":"11","page":251},{"text":"ومعنى ﴿إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾، قال الزجاج: أي: إن الغلبة لله، وهو ناصرك وناصر دينك (١)، وقال غيره: العزة: القدرة على كل جبار بما لا يرام ولا يضام (٢)، والمعنى: إنه الذي يعزك حتى تصير أعز ممن ناوأك.\nوليست هذه الآية مضادة لقوله: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨]؛ لأن عزة الرسول والمؤمنين بالله فهي كلها لله.\nوقوله تعالى: ﴿هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ أي: يسمع قولهم ويعلم ضميرهم فيجازيهم بما تقتضيه حالهم، ويدفع عنك شرهم، وهذه الآية بيان عما توجبه العزة لله من التسلي عن قول الجاهلين، وأذى المبطلين؛ لأنهم في سلطان الله حتى يعاملهم بما تقتضيه حالهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1561>٦٦ </span>- قوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾، قال ابن عباس: يريد: لا ملك إلا لله في السموات ولا في الأرض (٣).\nوقال الزجاج: أي: يفعل بهم وفيهم ما يشاء (٤).\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ﴾ ذكر أهل التفسير والمعاني في (ما) هاهنا قولين: أحدهما: أنه نفي وجحد كأنه قيل: وما يتبعون شركاء على الحقيقة؛ لأنهم يعدونها شركاء شفعاء لهم، وليست على ما يظنون، فإذن ما يتبعون شركاء.\nالثاني: أن (ما) استفهام كأنه قيل: أي شيء يتبع الذين يدعون من\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٧.\n(٢) انظر معنى هذا القول في: \"مجمل اللغة\" (عز) ٣/ ٦١٣، \"المفردات في غريب القرآن\" (عز) ص ٣٣٣.\n(٣) \"تنوير المقباس\" ص ٢١٦ بمعناه من رواية الكلبي.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٧، وليس فيه لفظ: بهم.","vol":"11","page":252},{"text":"دون الله شركاء؟ تقبيحًا (١) لفعلهم يعني أنهم ليسوا على شيء؛ لأن هذا الاستفهام معناه الإنكار (٢).\nوذكر صاحب النظم في هذا قولين آخرين:\nأحدهما: أن التأويل: وما يتبع الذين يَدْعُون من دون الله فيما يدعون من الشركاء من يجب اتباعه في ذلك من نبي دعاهم إلى ذلك فهم يتبعونه فيه، كما يقال في الكلام: فلان متبع وفلان مبتدع، والمتبع (٣) الذي يتبع السنة، فاعلم أنهم لا يتبعون [ولكن يبتدعون، فلما كف عن هذا البيان وأضمره، بَيَّنَ في قوله: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ] (٤) إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ أنّ اتباعهم فيما يدعون من دون الله إنما هو ظن وتخرص (٥)، فعلى هذا القول: الشركاء منصوبة بـ (يدعون) لا بـ (يتبع) ويكون مفعول (يتبع) محذوفًا على ما ذكر من التقدير (٦).\nالقول الثاني: أن قوله: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ﴾ تكرير لقوله: ﴿وَمَا يَتَّبِعُ﴾\n_________\n(١) في (ى): (تفخيمًا)، وهو خطأ.\n(٢) انظر القولين في: \"مشكل إعراب القرآن\" ص ٣٤٨، \"معالم التنزيل\" ٤/ ١٤٢، \"الكشاف\" ٢/ ٢٤٤، \"مفاتيح الغيب\" ١٧/ ١٣٧، \"التبيان في إعراب القرآن\" ٥/ ١٧٦ - ١٧٧، \"البحر المحيط\" ٥/ ١٧٦ - ١٧٧، \"الدر المصون\" ٦/ ٢٣٥، واقتصر على القول الأول المؤلف في \"الوسيط\" ٢/ ٥٥٤، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٤/ ٤٥، وعلى الثاني \"الطبري\" ١١/ ١٣٩، و\"السمرقندي\" ٢/ ١٠٥، و\"الثعلبي\" ٧/ ٢٠ ب.\n(٣) في (م): (فالمتبع).\n(٤) ما بين المعقوفين ساقط من (ح).\n(٥) من (م) وفي غيرها: (تخريص).\n(٦) في (ى): (التقدير الأول).","vol":"11","page":253},{"text":"والتأويل (١): وما يتبع الذين يدعون شركاء من دون الله إلا الظن، أي: يتبعون الظن ويعملون به، فيكون قوله: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ﴾ مكررًا على قوله: ﴿وَمَا يَتَّبِعُ﴾ و(ما) و(إن) الخفيفة جحدان معناهما واحد، ومثاله من الكلام: ما يأكل الذي يغصب ويظلم الناس ويأخذ أموالهم، إن يأكل إلا النار، فيكون قوله: إن يأكل، توكيدًا لقوله: ما يأكل، ومثل هذا من التكرير قوله: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١١٠] النحل: ١١٠]، فكرر قوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ﴾ [على قوله] (٢) ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ﴾ ولو لم يكرر الآخر لكان في الأول كفاية، وقوله تعالى: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾ يريد: ظنهم أنها تشفع لهم يوم القيامة. ﴿وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ قال ابن عباس: يقولون ما لا يكون (٣)، وذكرنا معنى الخرص في سورة الأنعام عند قوله: ﴿إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ﴾ (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1562>٦٧ </span>- قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ﴾ أي خلق، وذكرنا معنى الجعل عند قوله: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ﴾ (٥) [المائدة: ١٠٣].\n_________\n(١) ساقط من (ى).\n(٢) ساقط من (ى).\n(٣) \"تنوير المقباس\" ص ٢١٦ بلفظ: يكذبون للسفلة، وفي كتاب \"غريب القرآن\" لابن عباس: (يخرصون) يكذبون بلغة هذيل. وانظر: \"زاد المسير\" ٤/ ٤٦، وفي \"تفسير غريب القرآن\" لابن قتيبة ص ٢٠٤: (يخرصون) يحدسون ويحزرون اهـ. وبكلا المعنيين جاءت اللغة كما في \"لسان العرب\" (خرص) ٢/ ١١٣٣.\n(٤) من الآية ١٤٨.\n(٥) قال في هذا الموضع: وأما (جعل) فلها أحوال منها: جعل: صير، ومنها جعل: أوجب، ومنها جعل: خلق، ومنها جعل: صلة لما بعده، مثل: جعل يعرفه، نحو طفق وأنشأ وأقبل، كل منها صلة لما بعده من الفعل.","vol":"11","page":254},{"text":"وقوله تعالي: ﴿لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾، قال ابن عباس: يقول جعلت الليل راحة لكم لتسكنوا فيه مع أزواجكم وأولادكم (١).\nوقال أهل المعاني: جعل الليل ليزول التعب والكلال بالسكون فيه، وجعل النهار مبصرًا: أي: مضيئًا لتهتدوا به في حوائجكم بالإبصار، والمبصر الذي يبصر، والنهار يبصر فيه وإنما جعله مبصرًا على طريق استعارة صفة الشيء لسببه للمبالغة (٢)، كما قال جرير:\nلقد لمتنا يا أم غيلان في السرى (٣) ... ونمت وما ليل المطي بنائم (٤)\nوقال رؤبة:\nفنام ليلي وتجلى همي (٥)\nومثله قوله: ﴿فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ﴾ [إبراهيم: ١٨]، وذكرنا الكلام هناك بأبسط من هذا (٦).\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ يريد: يسمعون\n_________\n(١) \"تنوير المقباس\" ص ٢١٦ بمعناه مختصرًا.\n(٢) لم أقف عليه عند أهل المعاني، وقد ذكره من غير نسبة الرازي في \"تفسيره\" ١٧/ ١٣١.\n(٣) في (خ) و(ز): (بالسرى).\n(٤) \"ديوان جرير\" ص ٩٩٣، \"خزانة الأدب\" ١/ ٤٦٥، \"كتاب سيبويه\" ١/ ١٦٠.\n(٥) البيت في \"ديوان رؤبة\" ص ١٤٢، وفيه: وتقضى همي.\n(٦) قال في هذا الموضع: قال الفراء: جعل العصوف تابعًا لليوم في إغوائه، وإنما العصوف للرياح، وذلك جائز على وجهين، أحدهما: أن العصوف وإن كان للريح فإن اليوم قد يوصف به؛ لأن الريح تكون فيه، وقال أبو عبيدة: العرب تفعل ذلك في الظرف، قال الفراء: الوجه الآخر: أن يريد: في يوم عاصف الريح، فيحذف الريح؛ لأنها قد ذكرت في أول الكلام.","vol":"11","page":255},{"text":"سماع اعتبار، أنه مما لا يقدر عليه إلا عالم قاصد مدبر لهما، وأنه نعمة على العباد بما لهم فيه من الانتفاع والصلاح.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1563>٦٨ </span>- قوله تعالى: ﴿قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾، قال ابن عباس والمفسرون: يعني: زَعَم المشركون أن الملائكة بنات الله (١)، قال الكلبي: نزلت في أهل مكة، وهذه مقالتهم (٢)، ﴿سُبْحَانَهُ﴾ تعظيمًا له وتنزيهًا عما قالوا: ﴿هُوَ الْغَنِيُّ﴾، قال ابن عباس: الغني أن تكون له زوجة أو ولد (٣).\nوقوله تعالى: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [هذا كقوله: (سبحانه أن يكون (له ولد) (٤) له ما في السموات وما في الأرض)] (٥) [النساء: ١٧١] وقد مر.\nقوله: ﴿إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ﴾ ما عندكم من (٦) حجة بهذا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1564>٦٩ </span>- وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾، قال ابن عباس: يريد لا يسعدون (٧).\n_________\n(١) ذكره عن ابن عباس بنحوه ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٤/ ٤٧، والفيروزأبادي في \"تنوير المقباس\" ص ٢١٦، وهو قول ابن جرير ١١/ ١٤٠، والسمرقندي ٢/ ١٠٥، والثعلبي ٧/ ٢٠ ب، والبغوي ٤/ ١٤٢ وغيرهم.\n(٢) \"تنوير المقباس\" ص ٢١٦ بنحوه عنه، عن ابن عباس.\n(٣) \" تنوير المقباس\" ص ٢١٦ بنحوه، وذكره من غير نسبة المؤلف في \"الوسيط\" ٢/ ٥٥٤، \"الوجيز\" ٧/ ١٨٢، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٤/ ٤٧.\n(٤) ساقط من جميع النسخ عدا (م).\n(٥) ما بين المعقوفين ساقط من (ى).\n(٦) ساقط من (ح) و(ز).\n(٧) \"تنوير المقباس\" ص ٢١٦ بمعناه، وذكره ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٤/ ٤٧ دون تعيين القائل.","vol":"11","page":256},{"text":"قال أهل المعاني: إنهم لا يفلحون وإن اغتروا بطول السلامة والمظاهرة في النعمة، قال الزجاج: هذا وقف التمام (١) (٢)، ثم قال: ﴿مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا﴾ وارتفاعه على أنه خبر ابتداء محذوف، قال الزجاج: يعني: ذلك متاع في الدنيا (٣)، وقال الفراء: ومثله التي في النحل ﴿مَتَاعٌ قَلِيلٌ﴾ (٤)، وقوله: ﴿لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلَاغٌ﴾ [الأحقاف: ٣٥] كله مرفوع بشيء مضمر قبله إما (هو) وإما (ذاك) (٥).\nوقال الأخفش: المعنى: لهم متاع (٦) (٧)، وإضمار (لهم) هاهنا أظهر وأكشف للمعنى من إضمار (هو) أو (ذاك)؛ لأنه لم يتقدم ما يضمر أو ما (٨) يشار إليه، والمعنى: لهم متاع في الدنيا يتمتعون به أيامًا يسيرة، ثم إلينا مرجعهم، ودل (٩) على هذا المحذوف ما هو معلوم (١٠) من حالهم.\n_________\n(١) في (م): (وهذا وقف للتمام)، وما أثبته موافق للمصدر.\n(٢) اهـ. كلام الزجاج، انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٧.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٧، وعبارة الزجاج: متاع في الدنيا، مرفوع على معنى: ذلك ... إلخ.\n(٤) الآية ١١٧.\n(٥) \"معاني القرآن\" ١/ ٤٧٢.\n(٦) في (ى): (عذاب)، وهو خطأ.\n(٧) \"الكشف والبيان\" ٧/ ٢١ أ، \"الجامع لأحكام القرآن\" ٨/ ٣٦١، ولم يفسر الأخفش هذه الآية في كتابه \"معاني القرآن\"، وقد فسر الآية رقم (٢٣) من هذه السورة على قراءة الجمهور فقال: وقال: ﴿إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ أي: وذلك متاعُ الحياة الدنيا، أو أراد: متاعكم متاعُ الحياة الدنيا. كتاب \"معاني القرآن\" له ١/ ٣٧١.\n(٨) لفظ: (ما) ساقط من (ى).\n(٩) في (ح) و(ز): (وقيل)، وهو خطأ.\n(١٠) ساقط من (ح).","vol":"11","page":257},{"text":"وقال صاحب النظم: افتراؤهم متاع في الدنيا، ودل ﴿يَفْتَرُونَ﴾ علي الافتراء، كما قال: ﴿وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ [الزمر: ٧] فكنى عن الشكر؛ لأن ﴿تَشْكُرُوا﴾ دلّ عليه. وعلى ما ذكره (١) يجوز أن يعود ما أضمره الفراء والزجاج من قولهما (هو) أو (ذاك) (٢) إلى الافتراء الذي دل عليه ﴿يَفْتَرُونَ﴾.\nوقوله: ﴿ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ﴾، قال ابن عباس: الغليظ: الذي لا ينقطع (٣)، ﴿بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾، قال: يريد: بنعم الله ويجحدون ربوبيته (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1565>٧١ </span>- قوله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي﴾ الآية، قال: كَبِرَ يكبَر كِبَرًا في السنن، وكَبُر الأمر والشيء: إذا عظم يَكْبُر كِبَرًا وكَبَارة (٥).\nقال ابن عباس: يريد ثقل عليكم (٦)، ومعناه شق عليكم، وعظم أمره عندكم.\nوالمقام -بضم الميم-: مصدر كالإقامة، يقال: أقام بين أظهركم\n_________\n(١) يعني الجرجاني صاحب النظم.\n(٢) انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" للزجاج ٣/ ٢٧، \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٤٧٢، ولم يقدر الزجاج لفظ (هو).\n(٣) \"تنوير المقباس\" ص ٢٠٦ مختصرًا.\n(٤) في المصدر السابق، نفس الموضع: \"بما كانوا يكفرون\" بمحمد - ﷺ - والقرآن ويكذبون على الله.\n(٥) انظر: \"تهذيب اللغة\" (كبر) ٤/ ٣٠٩٠ - ٣٠٩٣، \"الصحاح\" (كبر) ٢/ ٨٠١.\n(٦) \"تنوير المقباس\" ص ٢١٧ بنحوه، وذكره الرازي في \"تفسيره\" ١٧/ ١٠٣٦ نقلًا عن \"البسيط\" للواحدي.","vol":"11","page":258},{"text":"مقامًا وإقامة، والمقام -بفتح الميم-: الموضع الذي تقوم (١) فيه، وأراد بالمقام هاهنا لبثه ومكثه فيهم، وقوله تعالى: ﴿وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ﴾، قال ابن عباس: يريد وعظي وتخويفي إياكم عقوبة الله ونقمته (٢).\nوقوله تعالى: ﴿فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ﴾ جواب الشرط، مع أن شأنه التوكل كيف تصرفت حاله؛ ليبين أنه متوكل في هذا على التفصيل، لِمَا (٣) في إعلامه قومه ذلك من زجرهم عنه؛ لأن الله -جل وعز- يكفيه أمرهم (٤).\nوقال ابن الأنباري: معنى الآية: إن كان عظم عليكم كوني بين أظهركم (٥)، ولم تحبوا نصرتي فإني أتوكل على من ينصرني ويمنع عني (٦)، فأدى قوله: ﴿فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ﴾ عن هذا المعنى، وقال صاحب النظم: ليس هذا جوابًا للشرط؛ لأنه ليس بِطِبْق له ولا بِلِفْق، وجوابه قوله: ﴿فَأَجْمِعُوا﴾، وهذا كلام اعترض بين الشرط وجوابه، كما تقول في الكلام: إن كنت أنكرت عليّ شيئًا فالله حسبي فأعمل ما تريد (٧).\nوقوله تعالى: ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ﴾، قال الفراء: الإجماع: الإعداد، والعزيمة على الأمر.\n_________\n(١) ساقط من (ح).\n(٢) ذكره المؤلف في \"الوسيط\" ٢/ ٥٥٥، وبنحوه رواه الفيروزأبادي في \"تنوير المقباس\" ص ٢١٧.\n(٣) في (ح) و(ز): (بما)، وهو خطأ.\n(٤) انظر: \"مفاتيح الغيب\" ١٧/ ١٤٣، \"الجامع لأحكام القرآن\" ٨/ ٣٦٢.\n(٥) في (ح) و(ز): (أظهرهم)، وهو خطأ.\n(٦) في النسخ عدا (م): (مني).\n(٧) انظر معنى هذا القول في: \"غرائب التفسير\" ١/ ٤٩٠، \"الدر المصون\" ٦/ ٢٣٩ دون تعيين القائل.","vol":"11","page":259},{"text":"وأنشد الشاعر (١):\nيا ليت شعري والمُنَي لا تنفع\nهل أغدُوَنْ يومًا وأمري مجمع (٢)\nفإذا أردت جمع المتفرق قلت: جمعت القوم فهم مجموعون (٣)، وقال الأصمعي: جمعت الشيء إذا جئت به من هنا وهنا، وأجمعته إذا صيرته جميعًا، وأنشد:\nوأولات (٤) ذي العرجاء نهب مجمع (٥) (٦)\nوقال أبو الهيثم: أجمع أمره: أي جعله جميعًا بعد ما كان متفرقًا،\n_________\n(١) لفظ: (الشاعر) ساقط من النسخ عدا (م)، واللفظ موجود في المصدر.\n(٢) الرجز مجهول القائل، وانظره بلا نسبة في \"إصلاح المنطق\" ص ٢٦٣، \"الأضداد\" لابن الأنباري ص ٤١، \"أمالي المرتضى\" ١/ ٥٥٩، \"تهذيب اللغة\" (جمع)، \"الحجة\" ٣/ ٢٠٩، ٤/ ٢٨٧، \"الخصائص\" ٢/ ١٣٦، \"الدرر اللوامع\" ٤/ ٢٠، \"شرح شواهد المغني\" ٢/ ٨١١، \"لسان العرب\" (جمع)، ونوادر أبي زيد ص ١٣٣.\n(٣) اهـ. كلام الفراء، \"معاني القرآن\" ١/ ٤٧٣ باختصار.\n(٤) رسمت في المخطوطات: وآلات، والصواب: وأولات، كما في مصادر تخريج البيت.\n(٥) عجز بيت لأبي ذؤيب الهذلي يصف حُمرًا، وصدره:\nفكأنها بالجزع بين نُبايع\nانظر: \"ديوان الهذليين\" ١/ ٦، \"المفضليات\" ص ٤٢٣، \"تهذيب اللغة\" (جمع) ١/ ٦٥٢، \"اللسان\" (جمع) ٢/ ٦٨١.\nوالنهب المجمع: إبل القوم التي أغار عليها اللصوص وكانت متفرقة في مراعيها، فجمعوها من كل ناحية حتى اجتمعت لهم ثم طردوها وساقوها. انظر: \"اللسان\" نفس الموضع السابق.\nوالجزع ونبايع وأولات ذي العرجاء: أسماء مواضع.\n(٦) اهـ. قول الأصمعي، انظر: \"تهذيب اللغة\" (جمع) ١/ ٦٥٢.","vol":"11","page":260},{"text":"قال: وتفرُّقه أنه جعل يدبّره فيقول مرة: أفعل كذا، ومرة أفعل كذا، فلما عزم على أمر محكم أجمعه، أي جعله جميعًا (١).\nوقد كشف أبو الهيثم عن حقيقة معنى إجماع الأمر، ومن هذا قوله وتعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ﴾ [يوسف: ١٠٢]، وقال الشاعر (٢):\nأجمعوا أمرهم بليل فلما ... أصبحوا أصبحت لهم ضوضاء\nهذا الذي ذكرنا معنى إجماع الأمر، ثم صار بمعنى العزم حتى وُصِلَ بـ (على) فقيل: أجمعت على الأمر، أي: عزمت عليه، والأصل أجمعت الأمر.\nوقوله تعالى: ﴿وَشُرَكَاءَكُمْ﴾، قال الفراء: وادعوا شركاءكم [دعاء استغاثة (٣) بهم والتماس لمعونتهم] (٤) وكذلك هي في قراءة عبد الله (٥)، قال: والضمير هاهنا يصلح إلقاؤه كما قال الشاعر (٦):\nورأيت زوجك في الوغى ... متقلدًا سيفًا ورمحًا\n_________\n(١) المصدر السابق، نفس الموضع.\n(٢) البيت للحارث بن حلزة كما في \"ديوانه\" ص ٢٤، \"لسان العرب\" (ضوا) ٥/ ٢٦٢١.\n(٣) في (م): (استعانة)، وما أثبته موافق لما في \"الوسيط\" ٢/ ٥٥٥.\n(٤) ما بين المعقوفين غير موجود في \"معاني القرآن\" للفراء. ولم يذكره من نقل الجملة عنه كالنحاس في \"إعراب القرآن\" ٢/ ٣٦٢، وفي \"معاني القرآن\" ٣/ ٣٠٥، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٤/ ٤٨.\n(٥) يعني ابن مسعود، ولم أجد من نسب إليه هذه القراءة سوى الفراء والمؤلف في \"الوسيط\" ٢/ ٥٥٥، والمشهور نسبتها إلى أبيّ بن كعب كما في \"الحجة\" ٤/ ٢٨٩، \"المحتسب\" ١/ ٣١٤، \"تفسير الثعلبي\" ٧/ ٢١/ ب، والزمخشري ٢/ ٢٤٥، \"البحر المحيط\" ٥/ ١٧٨ - ١٧٩، \"الدر المصون\" ٦/ ٢٤١.\n(٦) البيت لعبد الله بن الزبعرى في \"ديوانه\" ص ٣٢، وسيأتي تخريجه.","vol":"11","page":261},{"text":"نصب الرمح بضمير (١) الحمل (٢).\nقال الزجاج: الذي قاله الفراء غلط في إضمار (وادعوا)؛ لأن الكلام لا فائدة فيه (٣)؛ لأنهم إن كانوا يدعون شركاءهم لأن يجمعوا أمرهم، فالمعنى: فأجمعوا أمركم مع شركائكم، [وإن كان الدعاء لغير شيء فلا فائدة فيه (٤)] (٥)، قال: والواو بمعنى (مع) كقولك: لو تركت الناقة وفصيلها لرضعها (٦)، وذكر أبو علي القولين جميعًا فقال: وقول الفراء انتصاب الشركاء بإضمار فعل آخر كأنه: فأجمعوا أمركم وأجمعوا شركاءكم، فدل المنصوب على الناصب كقول الشاعر:\nعلفتها تبنًا وماءً باردًا (٧)\n_________\n(١) في (م): (ضمير). وما أثبته موافق للمصدر، والمعنى: نصب الرمح بإضمار لفظ مناسب والتقدير: وحاملًا رمحًا.\n(٢) \"معاني القرآن\" ١/ ٤٧٣.\n(٣) ساقط من (م).\n(٤) ساقط من (م).\n(٥) ما بين المعقوفين غير موجود في \"المعاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٢٨، وقد ذكره عنه النحاس في \"معاني القرآن\" ٣/ ٣٠٥، ولفظه: وإن كان يذهب إلى الدعاء فقط فلا معنى لدعائهم لغير شيء.\nقلت: يمكن حمل كلام الفراء على معنى مستقيم تقديره: فأجمعوا أمركم وادعوا شركاءكم ليجمعوا أمرهم، وهذا يفيد أن الشركاء لن يجمعوا أمرهم إلا بدعوة منهم، وهذه النكتة لا يؤديها تقدير الزجاج فلا وجه للاعتراض.\nولقد كان لكفار العرب شركاء عقلاء تمكن دعوتهم كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ﴾، وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ﴾ [الأنعام:١٣٧].\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٧، ٢٨.\n(٧) البيت من الرجز، وبعده: حتى شتت همالة عيناها","vol":"11","page":262},{"text":"وقال آخر:\nشَرَّاب ألبان وتمر وأقط (١)\nوقال آخر:\nمتقلدًا سيفًا ورمحًا (٢)\nلما لم يجز أن يحمل الرمح على التقلد (٣) أضمر له فعلًا، كذلك يُضمر لنصب الشركاء -لما لم يجز الحمل على (أجمعوا) - فعل آخر، قال: وزعموا أن في حرف أُبي (وادعوا شركاءكم) (٤) فحمل الكلام في قراءة العامة على الذي يراد به الانتصاب، كقوله: ﴿وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ\n_________\n= وبعضهم يجعل قبله: لما حططت الرحل عنها واردًا\nوالبيت لبعض بني أسد يصف فرسه كما في \"معاني القرآن\" للفراء١/ ١٤، وهو بلا نسبة في: \"الأشباه والنظائر\" ٢/ ١٠٨، \"أمالي المرتضى\" ٢/ ٢٥٩، \"أوضح المسالك\" ٢/ ١٥٧، \"الخصائص\" ٢/ ٤٣١، \"الدرر اللوامع\" ٦/ ٧٩، \"شرح ديوان الحماسة\" للمرزوقي ص ١١٤٧، \"شرح شواهد المغني\" ١/ ٥٨، \"اللسان\" (زجج) ٣/ ١٨١٢.\n(١) الرجز بلا نسبة في: \"الإنصاف\" ص ٤٨٨، \"الحجة\" ١/ ٣١٢، \"الكامل\" ١/ ٣٣٤، \"لسان العرب\" (زجج) ٣/ ١٨١٢، \"المقتضب\" ٢/ ٥١.\n(٢) عجز بيت وصدره:\nيا ليت زوجك قد غدا\nوالبيت لعبد الله بن الزبعري في \"ديوانه\" ص ٣٢، وفي بعض نسخ \"الكامل\". انظر: حاشية رقم (٥) ١/ ٣٣٤. والبيت بلا نسبة في \"الأشباه والنظائر\" ٢/ ١٠٨، \"أمالي المرتضى\" ١/ ٥٤، \"خزانة الأدب\" ٢/ ٢٣١، \"الخصائص\" ٢/ ٤٣١، \"لسان العرب\" (زجج) ٣/ ١٨١٢، \"المقتضب\" ٢/ ٥١، وانظر ما ذكره محقق \"الحجة\" ١/ ٣١١ حاشية (٢).\n(٣) في (م): (التقليد). وفي \"اللسان\" (زيد): (تقلد الأمر: احتمله) وكذلك تقلد السيف.\n(٤) سبق تخريج هذه القراءة مع قراءة ابن مسعود قريبًا.","vol":"11","page":263},{"text":"اللَّهِ﴾ [هود: ١٣]، ﴿وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٣]، قال: ويجوز أن يكون انتصاب الشركاء على أنه مفعول معه، أي أجمعوا أمركم مع شركائكم، كقولهم: استوى الماء والخشبة، وجاء البرد والطيالسة (١)، قال: ويدلك على جوازه أن الشركاء فاعلة في المعنى كما أن الطيالسة كذلك، ومن ثم قرأ الحسن (وشركاؤكم) (٢) رفعًا (٣).\nقال أبو الفتح الموصلي: الواو التي بمعنى (مع) كقولهم (٤): لو خُليت والأسد لأكلك، ولو تركت الناقة وفصيلها لرضعها، وكيف تصنع وزيدًا، وكيف تكون وقصعة ثريد، واجتمع زيد وأبا محمد، ومن أبيات (٥) الكتاب (٦):\nوكونوا (٧) أنتم وبني أبيكم ... مكان الكليتين من الطحال (٨)\n_________\n(١) الطيالسة: جمع، ومفرده الطيلسان والطيلس، وهو ضرب من الأكسية، يميل إلى السواد، وأصل اللفظ فارسي معرب. انظر: \"الصحاح\" (طلس) ٣/ ٩٤٤، \"لسان العرب\" (طلس) ٥/ ٢٦٨٩.\n(٢) انظر: \"تفسير ابن جرير\" ١١/ ١٤٢، \"المحتسب\" ١/ ٣١٤، ومختصر في \"شواذ القرآن\" ص ٥٧، وليست هذه القراءة شاذة كما يوهم ذكرها ضمن القراءات الشاذة، بل قرأ بها من العشرة يعقوب كما في \"إرشاد المبتدي\" ص ٣٦٥، \"النشر\" ٢/ ٢٨٦، \"إتحاف فضلاء البشر\" ص ٢٥٣.\n(٣) اهـ. كلام أبي علي، انظر: \"الحجة\" ٤/ ٢٨٨ بتصرف.\n(٤) في (ى): (كقولك).\n(٥) في (ى): (آيات)، وهو خطأ فاحش.\n(٦) انظر: \"كتاب سيبويه\" ١/ ٢٩٨.\n(٧) في مصادر تخريجه: فكونوا.\n(٨) اختلف في نسبة البيت فهو لشعبة بن قمير كما في \"نوادر أبي زيد\" ص ١٤١، أو للأقرع بن معاذ كما في \"سمط اللآلي\" ص ٩١٤ لكن صدره فيهما: =","vol":"11","page":264},{"text":"أي مع بني أبيكم، فلما حذف (مع) وأقام الواو مقامها أفضى الفعل الذي قبل الواو إلى الاسم الذي بعدها فنصبها (١) بوساطة (٢) الواو، وذلك أن الواو قوية فأوصلته إليه (٣).\nوزاد غيره فقال: الواو في مثل هذا للجمع دون العطف، ألا ترى أن ليس قبلها منصوب يعطف عليه بالواو، والواو معنى الجمع فيه أعم من معنى العطف (٤)، ولا تكون الواو عاطفة إلا وهي للجمع، وقد تكون للجمع ولا تكون عاطفة وهي واو الحال، والواو في هذه المسألة جامعة، نحو قولك: استوى الماء والخشبة، الواو (٥) جمعت الخشبة مع الماء (٦)، والخشبة منصوبة بـ (استوى) بتوسط الواو، وعلى هذا، التقدير: فأجمعوا أمركم مع شركائكم (٧).\nقال ابن الأنباري: وهذا الوجه خطأ في قول الكوفيين (٨)؛ لأنه لا\n_________\n= وإنا سوف نجعل موليينا\nوالبيت بلا نسبة في: \"أوضح المسالك\" ٢/ ٥٤، \"سر صناعة الإعراب\" ١/ ١٢٦، \"شرح أبيات سيبويه\" ١/ ٤٢٩، \"كتاب سيبويه\" ١/ ٢٩٨.\n(١) هكذا في جميع النسخ، وفي \"سر صناعة الإعراب\" فنصبه، وهو الصواب.\n(٢) في (ى): (بواسطة)، والمثبت موافق للمصدر.\n(٣) \"سر صناعة الإعراب\" ٢/ ٦٤٠.\n(٤) ساقط من (ح) و(ز).\n(٥) في (ى): (والواو).\n(٦) في (م): (الواو)، وهو خطأ.\n(٧) لم يتبين لي صاحب هذا القول، وانظر معناه في: \"الأصول في النحو\" لابن السراج ص ٢٠٩ - ٢١٢، \"الإيضاح العضدي\" ١/ ٢١٥ - ٢١٧، \"الإنصاف في مسائل الخلاف\" ص ٢٠٦.\n(٨) ذهب الكوفيون إلى أن المفعول معه منصوب على الخلاف، بمعنى أنه لا يحسن فيه تكرير الفعل ولا يصح، فانتصب ما بعد الواو على الخلاف. وذهب البصريون إلى أنه منصوب بالفعل الذي قبل الواو بتوسط الواو وتقويته به فتعدى إلى الاسم فنصبه، وإن كان في الأصل غير متعد. انظر: \"الإنصاف في مسائل الخلاف\" ص ٢٠٦، \"ائتلاف النصرة\" ص ٣٦.","vol":"11","page":265},{"text":"ينصب الثاني مع الواو التي تأويلها (مع) إلا بأن لا يحسن تكرير معرب الأول على الثاني، ألا ترى أنه لا يحسن أن يقال استوى الماء واستوت الخشبة [لأن الخشبة] (١) لم تكن معوجة فتستوي ولا يمكن أن يقال: جاء البرد وجاءت الطيالسة، إذ كانت الطيالسة لا تَقْدَم، والشركاء هاهنا يحسن أن نضمر معهم الدعاء (٢) فينصبهم، وما صلح إضمار فعل ناصب معه انقطع من المعرب الأول، وكان الفعل المضمر أملك به (٣) وأغلب عليه.\nهذا كله في قراءة من قرأ ﴿فَأَجْمِعُوا﴾ بقطع الألف، وهو قراءة عامة القراء (٤)، وروى الأصمعي عن نافع: (فاجمعوا أمركم) بوصل الألف (٥) من جمعت.\nقال أبو علي: والمعنى على هذا: فاجمعوا أمركم، أراد ذوي الأمر منكم، أي رؤساؤكم ووجوهكم، فحذف المضاف وجرى على المضاف إليه ما كان يجري على المضاف لو ثبت، ويجوز أن يراد بالأمر ما كانوا\n_________\n(١) ساقط من (ى).\n(٢) يعني يصح تقدير: وادعوا شركاءكم.\n(٣) ساقط من (ى).\n(٤) هذه هي القراءة المشهورة عن العشرة، لكن وردت روايات يسيرة عن بعضهم بالقراءة بوصل الألف، فقد روى ذلك عصمة عن أبي عمرو، والأصمعي عن نافع، وأيضًا رويس في أحد طرقه عن يعقوب.\nانظر: كتاب \"السبعة\" ص ٣٢٨، \"النشر\" ٢/ ٢٨٥، \"إتحاف فضلاء البشر\" ص ٢٥٣.\n(٥) انظر: كتاب \"السبعة\" ص ٣٢٨.","vol":"11","page":266},{"text":"يجمعونه من كيدهم الذي يكيدونه به (١) (٢).\nقال ابن الأنباري: ولكون المعنى: لا تَدَعوا من أمركم شيئًا إلا أحضرتموه. وانتصاب الشركاء في هذه القراءة بالنسق على الأمر، يراد به: أجمعوا شركاءكم للمعونة لكم، ولا تدعوا منها (٣) غائبًا عنكم، ليكون ذلك أبلغ لما تؤملونه (٤) من نصرتها. وقرأ الحسن وجماعة من القراء (فأجمعوا) بقطع الألف (وشركاؤكم) رفعًا (٥) بالعطف على الضمير المرفوع في (٦) (فأجمعوا) وجاز ذلك من غير تأكيد الضمير، كنحو قوله: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٣٥]، [الأعراف: ١٩]؛ لأن قوله: ﴿أَمْرَكم﴾ فصل بين الضمير وبين المنسوق فكان كالعوض من التوكيد، وقد شرحنا (٧) هذا عند قوله: (فاذهب (٨) أنت وربك) [المائدة: ٢٤]، وكان الفراء يستقبح هذه القراءة لخلافها المصحف (٩)، فإن الواو لم تكتب (١٠) في المصاحف ولأن\n_________\n(١) من (م) واللفظ موجود في المصدر.\n(٢) \" الحجة للقراء السبعة\" ٤/ ٢٨٧ بتصرف.\n(٣) في (ح) و(ز): (منه).\n(٤) في (م): (تأملونها).\n(٥) هذه قراءة الحسن وأبي عبد الرحمن وابن أبي إسحاق وعيسى الثقفي وسلام ويعقوب. انظر: \"مختصر في شواذ القرآن\" ص ٥٧، \"المحتسب\" ١/ ٣١٤، \"البحر المحيط\" ٥/ ١٧٨ - ١٧٩، \"الغاية\" ص ١٧٢، \"النشر\" ٢/ ٢٨٦، والقراءة ليست شاذة كما يوهم صنيع ابن خالويه وابن جني في ذكرها في \"الشواذ\".\n(٦) ساقط من (ح).\n(٧) الكلام لأبي بكر ابن الأنباري وكتابه مفقود.\n(٨) في جميع النسخ: اذهب.\n(٩) انظر: \"معاني القرآن\" ١/ ٤٧٣.\n(١٠) في (ي): (تكن).","vol":"11","page":267},{"text":"شركاءهم هي الأصنام، والأصنام لا تعمل ولا تجمع (١)، انتهى كلام أبي بكر (٢).\nوقوله تعالى: ﴿لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً﴾، قال أبو الهيثم: أي مبهمًا، من قولهم غُم علينا الهلال فهو مغموم: إذا التبس، قال طرفة:\nلعمرك ما أمري عليّ بغمة ... نهاري ولا ليلي عليّ بسرمد (٣) (٤)\nوقال الليث: إنه لفي غمة من أمره: إذا لم يهتد له (٥).\nقال الزجاج: أي ليكن أمركم [ظاهرًا منكشفًا (٦).\nوذكر صاحب النظم أن قوله: (ثم لا يكن أمركم] (٧) عليكم غمة) يجوز أن يكون نهيًا على غير المواجهة كما ذكره الزجاج (٨)، والنهي في الظاهر واقع على الأمر، ولكن المراد به صاحب الأمر كما قال: ﴿وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ﴾ [الكهف: ٢٨] النهي واقع على العينين، ولكنه لما خاطب صاحب العينين حسن ذلك.\n_________\n(١) الأصنام بعض شركاء العرب، وكان لهم شركاء عقلاء كالجن وطواغيت البشر، قال تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ﴾ [الأنعام:١٠٠]، وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٧]، وقال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٤٢].\n(٢) ذكر بعضه الرازي في \"تفسيره\" ١٧/ ١٤٠، لكنه نسبه للواحدي.\n(٣) \"ديوان طرفة\" ص ٤٧، \"الدر المصون\" ٦/ ٢٤٣، \"لسان العرب\" (غمم) ٦/ ٣٣٠٢.\n(٤) اهـ. كلام أبي الهيثم، انظر: \"تهذيب اللغة\" (غم)، \"المستدرك\" ص ١١٥.\n(٥) انظر المصدر السابق، الصفحة التالية. والنص في كتاب \"العين\" (غمم) ٤/ ٣٥٠.\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٨.\n(٧) ما بين المعقوفين ساقط من (ى).\n(٨) يعني في قوله السابق.","vol":"11","page":268},{"text":"قال: وقد قيل: إن (ثم) هاهنا زائدة، وحروف النسق قد تزاد في أضعاف الكلام مثل قوله: (كالأعمى والأصم والبصير (١) والسميع) (٢) [هود: ٢٤].\nوقد ذكرنا هذا في الواو التي تكرر (٣) في النعوت، نحو قوله:\nإلى الملك القرم وابن الهمام (٤)\nوكقوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ [الزمر: ٧٣]، وزيادة الفاء ذكرناها أيضًا في مواضع، ومنها [قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا﴾ إلى قوله: ﴿فَلَهُمْ﴾ (٥) [البروج: ١٠] فالفاء زيادة (٦)، وكذلك قوله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا\n_________\n(١) في (م): (والسميع البصير)، وهو خطأ.\n(٢) وانظر زيادة (ثم) في \"الصاحبي\" ص ١٥٢.\n(٣) في (ى): (تكون).\n(٤) صدر بيت، وعجزه:\nوليث الكتيبة في المزدحم\nوهو مجهول القائل، وانظره بلا نسبة في: أبيات النحو في تفسير \"البحر المحيط\" ١/ ٢٠٢، \"الإنصاف\" ص ٤٧٦، \"خزانة الأدب\" ٥/ ١٠٧، \"شرح أبيات معاني القرآن\" ص ٣١٠، \"شرح قطر الندى\" ص ٢٩٥، \"الكشاف\" ١/ ١٣٣، ولم ينسبه محب الدين في \"تنزيل الآيات على الشواهد\" (ملحق بالكشاف) ٤/ ٥١٢. والقرم: الفحل المكرم الذي لا يحمل عليه، ويطلق على السيد من الناس، والكتيبة: الجيش، والمزدحم: المراد به هنا المعركة؛ لأنها موضع المزاحمة والمدافعة. انظر تنزيل الآيات، الموضع السابق، \"لسان العرب\" (قرم).\n(٥) لم يذكر في هذا الموضع زيادة الفاء.\n(٦) في (م): (زائدة). وقد سبق بيان مراد النحويين بالزيادة وأضيف هنا ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية حول الموضوع بعد بيانه وجود الزيادة في \"كلام العرب\"، ونصه: فليس في القرآن من هذا شيء، ولا يذكر فيه لفظًا زائدًا (كذا) إلا لمعنى زائد، وإن كان في ضمن ذلك التوكيد، وما يجيء من =","vol":"11","page":269},{"text":"وَكَذَّبُوا] (١) بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ﴾ [الحج: ٥٧]، ومثله قوله: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ إلى قوله تعالى: ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١١٨]، و(حتى) (٢) لا يقتضي (ثم) في جوابه، وكذلك قوله: ﴿ثُمَّ لَا يَكُنْ﴾ فيكون تأويله: فأجمعوا أمركم وشركاءكم لا يكن أمركم عليكم (٣) إذا فعلتم ذلك غمة، فيكون جزمه على جواب الأمر.\nوقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ﴾ قال مجاهد: اقضوا إليّ ما في أنفسكم (٤).\nقال ابن الأنباري: معناه: ثم امضوا إليّ بمكروهكم وما توعدونني به، كما تقول العرب: قد قضى فلان، يريدون مات ومضى (٥)، وهذا معنى قول الفراء (٦)، وقال الزجاج: ثم افعلوا ما تريدون (٧).\nوقال ابن عرفة (٨): قضاء (٩) الشيء إحكامه وإمضاؤه والفراغ منه،\n_________\n= زيادة اللفظ في مثل: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾، وقوله: ﴿قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ﴾، وقوله: ﴿قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ فالمعنى مع هذا أزيد من المعنى بدونه، فزيادة اللفظ لزيادة المعنى، وقوة اللفظ لقوة المعنى. \"مجموع فتاوى شيخ الإسلام\" ١٦/ ٥٣٧.\n(١) ما بين المعقوفين ساقط من (ح).\n(٢) يعني في قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ﴾ في الآية نفسها.\n(٣) في (ى): (عليكم غمة).\n(٤) رواه ابن جرير ١١/ ١٤٣، وابن أبي حاتم ٦/ ١٩٧٠، وانظر: \"تفسير مجاهد\" ص ٣٨٢.\n(٥) ذكره ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٤/ ٤٨.\n(٦) انظر: \"معاني القرآن\" ١/ ٤٧٤.\n(٧) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٩.\n(٨) هو: إبراهيم بن محمد بن عرفة نفطويه.\n(٩) في (م): (قضى)، وفي (ى): (أقضى).","vol":"11","page":270},{"text":"وبه (١) سمي القاضي؛ لأنه إذا حكم فقد فرغ، فقوله: ﴿ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ﴾ أي: افرغوا من أمرع، وأمضوا ما في أنفسكم، واقطعوا ما بيني وبينكم، ومن هذا قولى تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ﴾ [الإسراء: ٤] أي: أعلمناهم إعلامًا قاطعًا.\nوهذا من أقوى آيات النبوة أن يقول النبي لقومه وهم متعاونون عليه: افعلوا بي بما شئتم، قال ابن عباس في هذه الآية: يريد: لا تألوا في الجمع والقوة فإنكم لا تقدرون على مساءتي ولا مضرتي؛ لأن لي إلهًا يمنعني، مثل قوله في هود: ﴿فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ﴾ (٢).\nوقال المفسرون: هذا إخبار من الله ﷾ عن نبيه نوح -﵇- أنه كان بنصر الله واثقًا، ومن كيد قومه وبوائقهم (٣) غير خائف، علما منه بأنهم وآلهتهم لا تنفع ولا تضر شيئًا إلا أن يشاء الله، وتعزية لنبيه محمد - ﷺ - وتقوية لقلبه؛ لأن سبيله في (٤) قومه كسبيل الأنبياء من قبله (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1566>٧٢ </span>- قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾، قال ابن عباس: يريد: عن الإسلام وعن عبادة الله، ﴿فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ﴾، قال: يريد: من مال تعطونيه (٦).\nقال أهل المعاني: هذا بيان عن إخلاص الدعاء إلى الله جل وعز من\n_________\n(١) ساقط من (ح).\n(٢) من الآية ٥٥. ولم أقف على قول ابن عباس هذا.\n(٣) البوائق: الغوائل والشر والغشم والبلايا. انظر: \"الصحاح\" (بوف) ٤/ ١٤٥٢، \"لسان العرب\" (بوق) ١/ ٣٨٨.\n(٤) في (م): (مع).\n(٥) انظر: \"تفسير ابن جرير\" ١١/ ١٤٥، والثعلبي ٧/ ٢٢ أ، والبغوي ٤/ ١٤٣.\n(٦) رواه بنحوه الفيروزأبادي في \"تنوير المقباس\" ص ٢١٧.","vol":"11","page":271},{"text":"ترك الأجر لتتوفر الدواعي إلى الحق، وذلك أن الناصح إذا طلب على نصحه أجرًا ربما كان ذلك سببًا لامتناع الناس عن القبول منه، والإقبال عليه، وإذا لم يطلب الأجر كان ذلك أدعى إلى قبول قوله (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1567>٧٣ </span>- قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ﴾ (٢) جعل الذين نجوا مع نوح خلفاء ممن هلك بالغرق، قال ابن عباس: يريد: أن الخلق جميعًا من يومئذٍ من ولد نوح كما قال (٣): ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾ (٤) [الصافات: ٧٧]، يريد إن الناس كانوا من ذريته بعد الغرق، وهلك أهل الأرض جميعًا بتكذيبهم لنوح ﵇ سوى ذريته الذين نجوا معه، وهذا تحذير للكفار من التكذيب كي لا يؤول أمرهم بالإهلاك إلى مثل ما آل أمر قوم نوح.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1568>٧٤ </span>- قوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِ﴾ أي من بعد نوح، ﴿رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ﴾، قال ابن عباس: يريد: إبراهيم وهودًا وصالحًا ولوطًا (٥) وشعيبًا (٦). ﴿فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ يريد بان لهم أنهم رسل الله، ﴿فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾ أي: أولئك الأقوام الذين بُعث إليهم الرسل، ﴿بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ﴾ يعني قوم نوح، أي: لم يصدقوا بما كذب به قوم نوح [هذا معنى قول\n_________\n(١) لم أقف عليه.\n(٢) هكذا في جميع النسخ، وتفسير المؤلف لهذه الجملة يقتضي أن يذكر قوله تعالى: ﴿خَلَائِفَ﴾.\n(٣) في (ح) و(ز): (قلنا)، وهو خطأ.\n(٤) وقد روى الأثر ابن جرير في \"تفسيره\" (٦٨/ ٢٣) (طبعة الحلبي)، من رواية علي بن أبي طلحة، ورواه بنحوه البغوي في \"تفسيره\" ٧/ ٤٣ من رواية الضحاك.\n(٥) ساقط من (ى).\n(٦) ذكره ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٤/ ٤٩، والمؤلف في \"الوسيط\" ٢/ ٥٥٥.","vol":"11","page":272},{"text":"ابن عباس (١)، وقد علموا أن الله أغرق قوم نوح] (٢) بتكذيبهم نوحًا، أي إن هؤلاء الآخرين لم يؤمنوا بما كذب به أولهم أيام نوح، أي: إنهم مثلهم في الكفر والعتو.\nثم قال: ﴿كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ﴾، قال ابن عباس: يريد: أن الله طبع على قلوبهم فأعماها (٣) وأصمها فلا يبصرون سبيل الهدى (٤)، والمعنى: أن هؤلاء ومن قبلهم معتدون قد طبع (٥) على قلوبهم.\nوقال بعضهم: يحتمل نظم الآية أن يقال فيه: إن الأمم كذبوا رسلهم قبل أن جاءوهم بالمعجزات فجاءوهم بالمعجزات، ﴿فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ﴾ (٦)، والآية دلالة ظاهرة على أن الله تعالى إذا طبع على قلوب قوم استحال منهم الإيمان، فمن قال إنه [لا يطبع] (٧) على قلوب قوم ويأمرهم بالإيمان فذلك القائل ممن طبع الله (٨) على قلبه ولم يهده بكتابه (٩).\n_________\n(١) انظر: \"تنوير المقباس\" ص ٢١٧.\n(٢) ما بين المعقوفين ساقط من (ى).\n(٣) في (م): (وأعماها)، والمثبت موافق لما في \"الوسيط\".\n(٤) ذكره المؤلف في \"الوسيط\" ٢/ ٥٥٥.\n(٥) في (ى): (طبع الله).\n(٦) روي نحو هذا القول عن الكلبي كما في \"بحر العلوم\" ٢/ ١٠٦، واعتمده ابن كثير ٢/ ٤٦٧، وانظر: \"الدر المصون\" ٦/ ٢٤٥.\n(٧) في (ى): (إذا طبع).\n(٨) ما في (ي): (ممن طبع على قلبه).\n(٩) يشير المؤلف إلى المعتزلة القائلين بأن الله لا يطبع على قلوب الكافرين طبعًا يمنعهم من الإيمان، بل المراد بذلك عندهم سواد في القلب ليكون سمة لهم =","vol":"11","page":273},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1569>٧٧ </span>- قوله (١) تعالى: ﴿قَالَ مُوسَى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ أَسِحْرٌ هَذَا﴾ [الآية، يقال في هذا: لِمَ دخل الاستفهام في قولهم: ﴿أَسِحْرٌ هَذَا﴾] (٢) وهم قد قالوا هو سحر بغير استفهام ولا شك؟ وذكر (٣) الفراء في هذا ثلاثة أوجه:\nأحدها: قال قوم: قد يكون هذا من قولهم على أنه سحر عندهم وإن استفهموا، كما ترى الرجل تأتيه الجائزة فيقول: أحق هذا؟ وهو يعلم أنه حق لا شك فيه (٤)، وزاد أبو بكر لهذا (٥) بيانًا فقال: إنهم أدخلوا الاستفهام على جهة تفظيع الأمر والزيادة فيه كما يقول الرجل إذا نظر إلى الكسوة الفاخرة: أكسوة هذه؟! يريد بالاستفهام تعظيمها وأنها تزيد على معاني الكسى، وتأتي الرجل جائزة فيقول: أحق ما أرى، معظمًا لما ورد عليه منها (٦).\nالوجه الثاني: قال (٧): ويكون أن تزيد الألف في قولهم، وإن كانوا\n_________\n= تعرفهم الملائكة بها، وقال بعضهم: الطبع هو شهادة الله بأنهم لا يؤمنون، وقال آخرون: هو تسمية الرب تعالى الكفرة بالكفر والضلال.\nانظر: \"مقالات الإسلاميين\" ١/ ٣٢٣، \"الإرشاد إلى قواطع الأدلة\" ص ١٩٢.\n(١) لم يتطرق المؤلف لتفسير آيتين قبل هذه الآية، وقد بين في \"الوسيط\" ٢/ ٥٥٥، علة ذلك بعد أن ترك عدة آيات حيث قال بعد بيان معنى الطبع في الآية السابقة: وما بعد هذا ظاهر التفسير.\n(٢) ما بين المعقوفين ساقط من (ى).\n(٣) هكذا في جميع النسخ، ولم يسبق ذكر قولٍ يستوجب هذا العطف.\n(٤) \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٤٧٤.\n(٥) في (ج) و(ز): (هذا).\n(٦) انظر: \"زاد المسير\" ٤/ ٥٠.\n(٧) يعني الفراء.","vol":"11","page":274},{"text":"لم يقولوها، فيخرج الكلام على لفظه وإن كانوا لم يتكلموا به كما يقول الرجل: فلان أعلم منك، فيقول المتكلم (١): أقلت أحد أعلم بذا مني (٢)؟ [فحكى (٣) قوله على غير لفظه الذي قال.\nوقال أبو بكر في هذا الجواب: إن ألف الاستفهام دخلت في كلام قوم فرعون على معنى رد الخبر على (٤) موسى إذ كان هو المخبر والمتكلم، كما يقول رجل لرجل: فلان أعلم منك، فيقول له المخاطب: أقلت أحد أعلم بذا مني] (٥) فبدّل (٦) الياء من الكاف؛ لأنه صرف الكلام إلى نفسه، وإن كان مخبرًا به عن غيره، وحقيقة هذا الكلام أنه أخبر عنهم كما كان موسى يقوله إذا أجابهم (٧).\nالوجه الثالث: أن تجعل القول بمنزلة الصلة؛ لأنه فصل في الكلام، ألا ترى أنك تقول للرجل: أتقول عندك مال؟ ويكفيك أن تقول: ألك مال؟ فالمعنى قائم ظهر القول أو لم يظهر (٨).\nقال أبو بكر: تقدير هذا الجواب: قال موسى أسحر هذا؟ فدخل القول توكيدًا للكلام، كما ذكره الفراء من المثال، قال: وفيه وجه آخر وهو أن يكون التقدير: أتقولون للحق لما جاءكم هو سحر؟ ثم قال: أسحر هذا؟\n_________\n(١) هكذا وهو موافق لما في \"معاني القرآن\"، والصواب: المكلَّم. وستأتي الجملة على الصواب.\n(٢) اهـ. كلام الفراء، انظر: \"معاني القرآن\" ١/ ٤٧٤.\n(٣) في (ى): (فحكوا).\n(٤) في (م): (إلى).\n(٥) ما بين المعقوفين ساقط من (ح) و(ز).\n(٦) في (ح) و(ز): (فيبدل).\n(٧) لم أعثر على مصدر كلام ابن الأنباري هذا.\n(٨) \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٤٧٤.","vol":"11","page":275},{"text":"فأضمر (هو سحر) بعد القول؛ لأن الكلام المحكي يصلح إضماره إذا ظهر ما يدل عليه، والإضمار مع القول أمكن منه مع غيره، والدليل على المضمر قوله: ﴿أَسِحْرٌ هَذَا﴾ قال الشاعر (١):\nقلنا لهم وقالوا ... وكل له (٢) مقال\nفأضمر المحكي مع القول ثقة بعلم المخاطب به ولم يذكر أَيش (٣) قالوا، وأَيش قيل لهم.\nوقال أبو إسحاق: قوله: ﴿أَسِحْرٌ هَذَا﴾ هو تقرير لقوله: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ثم قررهم فقال (٤): ﴿أَسِحْرٌ هَذَا﴾ (٥)، وهذا من كلامه (٦) يدل على أنه اختار الوجه الثالث من الأوجه التي ذكرها الفراء، وهو أنه جعل قوله: ﴿أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ﴾ صلة.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ﴾ قال (٧): المفلح الذي يفوز بإرادته (٨)، أي: فكيف يكون هذا سحرًا، وقد أفلح الذي أتى به، أي فاز وفلح (٩) في حجته.\n_________\n(١) البيت من أمثلة العروض المشهورة.\n(٢) في (ح) و(ز): (لهم).\n(٣) سبق بيان معنى هذه الكلمة في أول الأنفال، ومعناها: أي شيء.\n(٤) في (ى): (فقالوا)، والمثبت موافق للمصدر.\n(٥) اهـ كلام الزجاج، انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٩.\n(٦) يعني الزجاج.\n(٧) يعني الزجاج، انظر المصدر السابق، نفس الموضع.\n(٨) أي: بما يريد.\n(٩) هكذا في جميع النسخ بالحاء، وهو كذلك في \"معاني القرآن وإعرابه\"، قال الجوهري في \"الصحاح\" (فلح) ١/ ٣٩٢: الفلح لغة في الفلاح، وفي \"لسان =","vol":"11","page":276},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1570>٧٨ </span>- قوله تعالى: ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا﴾، قال ابن عباس: يريد لتردنا (١)، ومعنى اللفت في اللغة: الصرف عن أمر (٢)، وأصله اللّي، يقال: لَفَتَ عنقه: إذا لواها، ومن هذا يقال: التَفَتَ إليه: أي عدل وجهه وأماله إليه.\nالأزهري: لَفَتَ الشيء وفَتَله: إذا لواه (٣)، وهذا من المقلوب.\nوقوله تعالى: ﴿وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ﴾، قال ابن عباس (٤)، ومجاهد (٥)، وابن جريج (٦)، والمفسرون (٧): أي: ويكون لكما الملك والعز في أرض مصر، والخطاب لموسى وهارون.\nوقول أهل اللغة في الكبرياء أيضًا أنها الملك (٨)، قال الزجاج: وسُمي الملك كبرياء لأنه أكبر ما يطلب من أمر الدنيا (٩).\n_________\n=العرب\" (فلح) ٦/ ٣٤٥٨: الفلح والفلاح: الفوز والنجاة. ويظهر من السياق أن صحة الكلمة: فلج، بالجيم، وفي \"لسان العرب\" (فلج) ٦/ ٣٤٥٧: الفلج: الظفر والفوز، وفلج بحجته وفي حجته كذلك.\n(١) رواه بنحوه الفيروزأبادي في \"تنوير المقباس\" ص ٢١٧.\n(٢) انظر: \"الصحاح\" (لفت) ١/ ٢٦٤، \"مجمل اللغة\" (لفت) ٣/ ٨١١.\n(٣) اهـ. كلام الأزهري، انظر: \"تهذيب اللغة\" (فتل) ٦/ ٣٣٤٤، ولفظه: لفت فلانًا عن رأيه وفتله: إذا صرفه ولواه.\n(٤) \"زاد المسير\" ٤/ ٥٠، \"تنوير المقباس\" ص ٢١٧.\n(٥) \"تفسير ابن جرير\" ١١/ ١٤٧، وابن أبي حاتم ٦/ ١٩٧٣، وانظر: \"تفسير مجاهد\" ص ٣٨٢، \"الدر المنثور\" ٣/ ٥٦٤.\n(٦) رواه ابن جرير ١١/ ١٤٧، عن ابن جريج، عن مجاهد، ولم أجده في موضع آخر.\n(٧) انظر: \"تفسير ابن جرير\" ١١/ ١٤٧، والسمرقندي ٥/ ١٠٧، والثعلبي ٧/ ٢٢ ب.\n(٨) انظر: \"لسان العرب\" (كبر) ٦/ ٣٨٠٧.\n(٩) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٩.","vol":"11","page":277},{"text":"وقال الفراء: إنما قالوا ذلك لهما؛ لأن النبي إذا صُدِّق صارت مقاليد أمته وملكهم إليه (١)، وهذا بيان عن جهلهم حيث توهموا أن الصواب في اتباع الأسلاف وأن الداعي إلى خلافه إنما يريد التملك عليهم باتباعهم إياه وانقيادهم له (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1571>٨١ </span>- قوله تعالى: ﴿قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ﴾، (ما) هاهنا موصولة بمعنى (الذي) وهي مرتفعة بالابتداء وخبرها (السحر)، قال الفراء: وإنما قال: ﴿السِّحْرُ﴾ بالألف واللام؛ لأنه جواب لكلام (٣) قد سبق، ألا ترى أنهم قالوا لما جاءهم به موسى ﴿هَذَا سِحْرٌ﴾ (٤) فقال موسى: بل ما جئتم به السحر (٥).\nقال أبو بكر: فوجب دخول الألف واللام؛ لأن النكرة إذا عادت عادت معرفة، يقول الرجل لمخاطبه: لقيت رجلًا، فيقول له: من الرجل؟ فيعيده بالألف واللام، ولو قال له من رجل؟ لم يقع في وهمه أنه يسأله عن الرجل الذي ذكره له (٦).\n_________\n(١) اهـ. كلام الفراء، انظر: \"معاني القرآن\" ١/ ٤٧٥، ولم يذكر المؤلف بقية عبارة الفراء التي توضح مقصوده، ولفظها: فقالوه على ملك ملوكهم من التكبر اهـ. يعني أن عادة الأنبياء إذا ملكوا تخالف عادة الملوك من التكبر والتعاظم والجبروت، لكن قائلي هذه المقولة حسبوا أن عادة الأنبياء كعادة غيرهم من الملوك.\n(٢) ساقط من (ى).\n(٣) من (م) وفي بقية النسخ: (الكلام)، والصواب ما أثبته وهو موافق للمصدر.\n(٤) ورد قولهم هذا في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [النمل: ١٣].\n(٥) اهـ. كلام الفراء، انظر: \"معاني القرآن\" ١/ ٤٧٥.\n(٦) ذكره الرازي في \"تفسيره\" ١٧/ ١٤٢، لكنه لم ينسبه لابن الأنباري، بل أدخله ضمن قول الفراء.","vol":"11","page":278},{"text":"وقرأ أبو عمرو (آلسحر) بالاستفهام (١) و(ما) على هذه القراءة استفهام يرتفع بالابتداء، و﴿جِئْتُمْ بِهِ﴾ في موضع الخبر كأن قيل: أي شيء جئتم به؟ ثم قال على وجه التقرير والتوبيخ (آلسحر)؟ كقوله تعالى: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ﴾ [المائدة: ١١٦] ونحوه كثير، و(آلسحر) بدل من المبتدأ، ولزم أن يلحقه الاستفهام ليساوي المبدل منه في أنه استفهام، كما تقول: كم مالك؟ أعشرون أم ثلاثون؟ فجعلت (أعشرون) بدل من كم، ولا يلزم أن يضمر للسحر خبر؛ لأنك (٢) إذا أبدلته من المبتدأ صار في موضعه، وصار ما كان خبرًا لما أبدلت (٣) منه في موضع خبر البدل (٤).\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ﴾ سيهلكه ويظهر فضيحة صاحبه، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ أي: لا يجعله ينفعهم؛ لأن معنى إصلاح العمل تقويمه على ما ينفع بدلا بما يضر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1572>٨٢ </span>- قوله تعالى: ﴿وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ﴾ معنى إحقاق الحق: إظهاره وتمكينه بالدلائل الواضحة والآيات البينة حتى يرجع الطاعن عليه حسيرًا، والمناصب (٥) له مغلوبًا، وهذا معنى (٦) قول ابن عباس في هذه الآية:\n_________\n(١) انظر: كتاب \"السبعة\" ص ٣٢٨، \"إرشاد المبتدي\" ص ٣٦٥، \"النشر\" ١/ ٣٧٨، \"إتحاف فضلاء البشر\" ص ٢٥٣.\n(٢) في (ح) و(ز): (خبرًا أنك) وهو خطأ.\n(٣) في (ح) و(ز): (أنزلت) وهو خطأ.\n(٤) انظر هذا التوجيه للقراءة في: \"الحجة للقراء السبعة\" ٤/ ٢٩٠.\n(٥) المناصب: المعادي، يفال: نصبت فلان نصبًا: إذا عاديته. انظر: \"الصحاح\" (نصب) ١/ ٢٢٥.\n(٦) ساقط من (ى).","vol":"11","page":279},{"text":"يريد: حيث ألقى موسى عصاه فتلقفت كل كذب وسحر جاء به فرعون فأحق الله الحق (١).\nوذكرنا هذا المعنى في قوله: ﴿لِيُحِقَّ الْحَقَّ﴾ [الأنفال: ٨] الآية، وقوله تعالى: ﴿بِكَلِمَاتِهِ﴾، قال الحسن: بوعده موسى (٢)، وقيل: بما سبق من حكمه في اللوح المحفوظ بأن ذلك يكون (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1573>٨٣ </span>- قوله تعالى: ﴿فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ﴾ الآية، قال الفراء: فسر المفسرون الذرية: القليل (٤)، قال ابن الأنباري: من المفسرين من يذهب إلى أن الذرية معناها هاهنا تقليل عدد المؤمنين؛ لأن الأكابر وأولي الأنساب (٥) العالية ممن لم يؤمنوا كانوا أكثر عددًا من الذرية، وهذا قول ابن عباس في رواية قتادة قال: الذرية: القليل (٦).\n_________\n(١) لم أعثر عليه.\n(٢) ذكره هود بن محكم ٢/ ٢٠٤، والرازي ١٧/ ١٤٣ - ١٤٤ بلا نسبة.\n(٣) ذكر نحوه الرازي ١٧/ ١٤٣ - ١٤٤، ولم يعين القائل، وللزمخشري في \"الكشاف\" ٢/ ٢٤٨ معنى هذا القول ولفظه: بأمره ومشيئته.\n(٤) \"معاني القرآن\" ١/ ٤٧٦.\n(٥) من (ى) وفي بقية النسخ: (الأسنان)، وما أثبته أولى بالسياق.\n(٦) رواه ابن جرير ١١/ ١٤٩، وابن أبي حاتم ٦/ ١٩٧٥، وابن المنذر وأبو الشيخ كما في\"الدر المنثور\" ٣/ ٥٦٥، وقد بين ابن عطية مراد ابن عباس فقال: هيئة قوله (فما آمن) يعطي تقليل المؤمنين به؛ لأنه نفى الإيمان ثم أوجبه للبعض، ولو كان الأكثر مؤمنًا لأوجب الإيمان أولًا ثم نفاه عن الأقل، وعلى هذا الوجه يترجح قول ابن عباس في الذرية: إنه القليك، لا أنه أراد أن لفظة (الذرية) هي بمعنى القليل كما ظنه مكي وغيره. \"المحرر الوجيز\" ٧/ ١٩٧ - ١٩٨.\nوقد ذهب الزمخشري في \"كشافه\" ٢٤٨/ ٢، إلى أن هذا في أول أمر موسي، =","vol":"11","page":280},{"text":"واختلفوا في هؤلاء الذرية من هم؛ فقال ابن عباس: كانوا ستمائة ألف من بني إسرائيل (١)، وعلى هذا سموا ذرية؛ لأن يعقوب ﵇ دخل مصر في اثنين وسبعين إنسانًا، فتوالدوا بمصر حتى بلغوا ستمائة ألف، كانوا ذرية ذلك القوم الذين دخلوا مصر مع يعقوب من أولاده (٢)، وهذا معنى قول ابن عباس في رواية عطاء (٣).\nوقال مجاهد: أراد بهم أولاد الذين أرسل إليهم موسى من بني إسرائيل، لطول الزمان هلك الآباء (٤)، وبقي الأبناء (٥)، وهذا القول اختيار\n_________\n= وفي بداية دعوته، وهذا الرأي هو الظاهر من السياق، إذ إن الفاء في قوله تعالى: ﴿فَمَا آمَنَ﴾ للتعقيب، أي: إن الله أيد موسى بالمعجزة الكبرى وأبطل كيد السحرة وأظهر الحق فما آمن من بني إسرائيل في تلك اللحظة إلا القليل من الشباب خوفًا من بطش فرعون، ولا يعني هذا أن غيرهم لم يؤمن بعد، كما توهمه ابن عطية في \"المحرر\" ٧/ ١٩٨.\nوبهذا يتبين الجواب عن القول بأن السحرة وبعض آل فرعون آمنوا، وكذلك القول بأن جميع بني إسرائيل تابعوا موسى وخرجوا معه من مصر، فكيف يقال بأنه لم يؤمن إلا القليل من ذرلة بني إسرائيل؟ فالآية تتحدث عمن آمن من قوم موسى في أول أمره والله أعلم.\n(١) رواه ابن جرير ١١/ ٤٩١ - ١٥٠، وابن أبي حاتم ٦/ ١٩٧٥، وابن المنذر وأبو الشيخ كما في \"الدر المنثور\" ٣/ ٥٦٥، لكنهم لم يذكروا العدد، ورواه الثعلبي ٧/ ٢٣ أ، فذكر العدد ولم يذكر لفظ (من بني إسرائيل).\n(٢) انظر: \"تفسير الثعلبي\" ٧/ ٢٣ أ، والسمرقندي ٢/ ١٠٧.\nوهذا الخبر من القسم الثالث من أقسام الإسرائيليات وهو ما لم يرد في شرعنا ما يؤيده أو ينفيه فلا يصدق ولا يكذب.\n(٣) رواه الثعلبي في \"تفسيره\" ٧/ ٢٣ أ.\n(٤) في (ى) هلك الآباء فلم يؤمنوا وبقي ... إلخ، وهذه الزيادة غير موجودة في مصادر تخريج الأثر.\n(٥) رواه الثعلبي ٧/ ٢٣/ أ، وبنحوه ابن جرير ١١/ ١٤٩ - ١٥٠، وابن أبي شيبة وابن =","vol":"11","page":281},{"text":"إسحاق؛ لأنه قال: إنه (١) مكث يدعو الآباء فلم يؤمنوا وآمنت طائفة من أولادهم (٢)، وعلى هذين القولين (٣) (الهاء) في (قومه) كناية عن موسى.\n_________\n= المنذر وأبو الشيخ كما في \"الدر المنثور\" ٣/ ٥٦٥، ومعناه: إن من أُرسل إليهم موسي من قومه لم يؤمنوا به، وطال الزمن حتى كان لهم ذرية آمنت به ثم هلك الآباء الذين لم يؤمنوا، وبقي الأبناء المؤمنون. وهذا القول غير صحيح لعدة أوجه:\nأ- قول الله تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٢٧]، يدل على أن قوم موسى صغارًا وكبارًا آمنوا به وتركوا ما كان يعبد فرعون.\nب- أن مواقف بني إسرائيل المخزية مع نبيهمِ موسى ﵇ كأقوالهم فيما أخبر الله عنهم ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا﴾، و﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾، و﴿أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا﴾، و﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا﴾، وغير ذلك كثير، يدل دلالة واضحة أن جلّ بني إسرائيل آمنوا على كبر، وليس المؤمنون منهم ذريةً صغيرة نشأت على يد موسى وغذاها بغذاء الإيمان.\nج- أن المفسرين ذكروا أن الحكمة من ضرب التيه على بني إسرائيل هلاك الآباء ونشوء ذرية تتربى على عين موسى.\nانظر: \"تفسير ابن جرير\" ١٠/ ١٩٧، \"في ظلال القرآن\" ٢/ ٨٧١، وقول مجاهد يقتضي أن هلاك الآباء كان في أرض مصر.\nد- أن تاريخ بني إسرائيل لا يؤيد قول مجاهد هذا، إذ إن من تتبع قصة بني إسرائيل في القرآن الكريم وفي ما ورد من أخبارهم يعلم يقينًا أنهم أمة قد نالها من ذل فرعون وطغيانه ما جعلهم يأملون الخلاص من ظلمه على يد نبي منهم، فالعقل والعادة يقتضيان إطباقهم على الإيمان بموسى قناعة بما جاء به، أو رغبة في إصلاح دنياهم وتغيير أوضاعهم ودرء الظلم عنهم، ومجاهد يقول إن الآباء لم يؤمنوا.\n(١) ساقط من (ح) و(ز).\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٣٠، وليس في كلامه ما يدل على أنه اختار هذا القول، بل صدّره بقوله: قيل: إنه مكث ... إلخ. وهو أسلوب يقتضي عادة عدم القناعة التامة.\n(٣) في (ي): (الوجهين).","vol":"11","page":282},{"text":"وقال ابن عباس في رواية عطية: هم ناس يسير من قوم فرعون آمنوا، منهم امرأة فرعون (١) وماشطة ابنته (٢)، ومؤمن آل فرعون (٣) ونفر\n_________\n(١) هي آسية بنت مزاحم المؤمنة الصابرة زوج الطاغية فرعون، وقد جاء في شأنها عدة روايات تبين فضلها، منها:\nأ- روى أحمد في \"المسند\" ١/ ٣١٦، والحاكم في \"المستدرك\" ٢/ ٥٩٤، وصححه ووافقه الذهبي عن رسول الله - ﷺ - قال: \"أفضل نساء الجنة خديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد - ﷺ -، ومريم بنت عمران وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون\".\nب- وعن أبي هريرة أن فرعون وتد لامرأته أربعة أوتاد في يديها ورجليها، فكانوا إذا تفرقوا عنها أظلتها الملائكة.\nقال السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ٣٧٧ - ٣٧٨: أخرجه أبو يعلى والبيهقي بسند صحيح اهـ، وقد رواه أيضًا الحاكم بنحوه في \"المستدرك\" ٢/ ٤٩٩، عن سلمان وصححه ووافقه الذهبي.\nج- روى الطبراني كما في \"الدر المنثور\" ٦/ ٣٧٨، عن سعد بن جنادة قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"إن الله زوجني في الجنة مريم بنت عمران وامرأة فرعون وأخت موسى\" لكن سنده ضعيف كما في \"ضعيف الجامع الصغير\" ٢/ ٩٠.\n(٢) روى الإمام أحمد في \"المسند\" ١/ ٣٠٩، عن رسول الله - ﷺ - قال: \"لما كانت الليلة التي أسري بي فيها أتت عليّ رائحة طيبة، فقلت يا جبريل: ما هذه الرائحة الطيبة؟ فقال: هذه ماشطة ابنة فرعون وأولادها، قال: قلت وما شأنها؟ قال: بينا هي تمشي ابنة فرعون ذات يوم إذ سقطت المدرى من يديها فقالت: بسم الله، فقالت لها ابنة فرعون: أبي؟ قالت: لا، ولكن ربي ورب أبيك الله، قالت: أخبره بذلك؟ قالت: نعم، فأخبرته فدعاها فقال: يا فلانة وإن لك ربًا غيري؟ قالت: نعم، ربي وربك، فأمر ببقرة من نحاس فأحميت ثم أمر بها أن تلقى هي وأولادها فيها، قالت: إن لي إليك حاجة، قال: وما حاجتك؟ قالت: أحب أن تجمع عظامي وعظام ولدي في ثوب واحد وتدفننا، قال: ذلك لك علينا من الحق\".\n(٣) قيل كان أسمه سمعان، وقيل كان اسمه حبيبًا. انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" =","vol":"11","page":283},{"text":"يسير (١)، وروي عنه أيضًا: أنهم قوم كان (٢) آباؤهم من القبط وأمهاتهم من بني إسرائيل (٣).\nقال الفراء: وهؤلاء إنما سموا ذرية؛ لأن أمهاتهم كن من غير جنس آبائهم، كما سمي أولاد الفرس الذين سقطوا إلى اليمن فتزوجوا نساء اليمن الأبناء (٤)، وعلى هذا الهاء في ﴿قَوْمَهِ﴾ تعود على فرعون (٥).\nوقوله تعالى: ﴿عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ﴾، قال الفراء: إنما قال: ﴿وَمَلَئِهِمْ﴾ وفرعون واحد؛ لأن الملك يُخبَر عنه بخبر الجمع؛ لأن الوهم يذهب إليه وإلى من معه من تُبّاعه (٦) كما يقال: قدم الخليفة فغلت\n_________\n= ٤/ ٣٧١، \"الدر المنثور\" ٧/ ٢٨٥، وانظر قصته ومناظرته فرعون وقومه في سورة غافر، الآيات (٢٨ - ٤٥).\n(١) رواه ابن جرير ١١/ ١٥٠ بلفظ: من قوم فرعون يسير، منهم امرأة فرعون ومؤمن آل فرعون وخازن فرعون وامرأة خازنه، ورواه الثعلبي ٧/ ٢٤ أ، والبغوي ٤/ ١٤٥ بنحو رواية ابن جرير وزادا: (وماشطته) هكذا والأثر من رواية عطية العوفي المسلسلة بـ\"الضعفاء\".\n(٢) في (خ) و(ز): (كانوا).\n(٣) رواه الثعلبي ٧/ ٢٣ أ، وبنحوه البغوي ٤/ ١٤٥.\n(٤) \"معاني القرآن\" ١/ ٤٧٦، والفراء يعني أن هذا اصطلاح لبني إسرائيل كاصطلاح أهل اليمن على إطلاق الأبناء على أولاد الفرس من أمهات عرب، لا أن اللغة تقتضي ذلك.\n(٥) رجح هذا القول ابن عطية في \"المحرر الوجيز\" ٧/ ١٩٨ - ١٩٩، بينما رده ابن جرير في \"تفسيره\" ١١/ ١٥٠، ورجح عود الضمير إلى موسى ﵇؛ لأنه أقرب مذكور يعود إليه الضمير ولظهور اسم فرعون في قوله تعالى: ﴿عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ﴾ ولو كان الضمير الأول يعود إليه لقال: على خوف منه.\n(٦) في \"لسان العرب\" (تبع) ١/ ٤١٦: التابع: التالي، والجمع: تُبّع وتُنّاع وتبعة.","vol":"11","page":284},{"text":"الأسعار وكثر الناس واتسعت الأموال يراد بمن معه (١)، وهذا معنى قول الزجاج: لأن فرعون (٢) ذو أصحاب يأتمرون له، قال الفراء وابن الأنباري: وقد يكون هذا من باب حذف المضاف؛ كأنه أريد بفرعون آل فرعون (٣)، وعلى القول الذي يقول الكناية [في ﴿قَوْمِهِ﴾] (٤) تعود إلى فرعون جاز أن تعود الكناية في ﴿وَمَلَئِهِمْ﴾ إلى القوم.\nوقوله (٥) تعالى: ﴿أَنْ يَفْتِنَهُمْ﴾ أي: يصرفهم عن دينهم بمحنة وبلية يوقعهم فيها، وهو إخبار عن فرعون؛ لأن الملأ كانوا على مثل ما كان عليه، ﴿وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الْأَرْضِ﴾، قال ابن عباس: يريد: متطاول في أرض مصر (٦).\n﴿وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ﴾ الإسراف: الإبعاد في مجاوزة الحد، قال المفسرون: وإسرافه أنه كان عبدًا فادعى الربوبية (٧).\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" ١/ ٤٧٦ بمعناه.\n(٢) في \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٣٠: جاز أن يقال: (وملئهم) لأن فرعون .. إلخ.\n(٣) انظر قول الفراء في \"معاني القرآن\" ١/ ٤٧٧، وانظر القول غير منسوب في \"تفسير الرازي\" ١٧/ ١٤٤ - ١٤٥، \"التبيان\" للعكبري ص ٤٤٣، قال العكبري: وهذا عندنا غلط؛ لأن المحذوف لا يعود إليه ضمير؛ إذ لو جاز ذلك لجاز أن تقول: زيد قاموا، وأنت تريد غلمان زيد قاموا، وانظر رد هذا القول أيضًا: \"إعراب القرآن\" للنحاس ٢/ ٧١ - ٧٢، \"المحرر الوجيز\" ٧/ ١٩٩.\n(٤) ساقط من (ى).\n(٥) بياض في (م).\n(٦) \"الوسيط\" ٢/ ٥٥٦، \"زاد المسير\" ٤/ ٥٣.\n(٧) انظر: \"تفسير الثعلبي\" ٧/ ٢٣ ب، والبغوي ٤/ ١٤٧، وابن الجوزي ٤/ ٥٣، ومعناه في \"تفسير ابن جرير\" ١١/ ١٥١.","vol":"11","page":285},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1574>٨٤ </span>- قوله تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ﴾ الآية، قال أهل المعاني: أعيد ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ بعد ﴿إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ﴾ (١) لتبين المعنى بالصنفين من الإيمان والإِسلام، وبالتقييد والإطلاق (٢).\nودلت الآية على أن التوكل والتفويض إلى الله من كمال الإيمان، وأن من كان يؤمن بالله فليتوكل على الله ويسلم أمره إليه عند نزول الشدائد على الثقة بحسن تدبيره له (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1575>٨٥ </span>- قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾، قال أبو مجلز، وأبو الضحى: يعني: لا تظهرهم علينا فيروا أنهم خير منا فيزدادوا طغيانًا (٤).\nوقال مجاهد: لا تهلكنا بعذاب على (٥) أيدي قوم فرعون، ولا بعذاب من عندك، فيقول قوم فرعون: لو كانوا على حق ما عذبوا ولا سلطنا عليهم فيفتتنوا (٦).\n_________\n(١) نص الآية: ﴿وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾.\n(٢) لم أقف عليه عند أهل المعاني، وذكر نحوه ابن عطية في \"المحرر الوجيز\" ٧/ ٢٠٢.\n(٣) ساقط من (ى).\n(٤) ذكره عنهما الثعلبي ٧/ ٢٣ ب، ورواه ابن جرير ١١/ ١٥٢، وابن أبي حاتم ١١/ ١٩٧٦، عن أبي مجلز، وروياه أيضًا عن أبي الضحى لكن بلفظ: قال: لا تسلطهم عليا فيزدادوا فتنة.\n(٥) ساقط من (ح) و(ز).\n(٦) رواه ابن جرير ١١/ ١٥٢، وابن أبي حاتم ٦/ ١٩٧٦، الثعلبي ٧/ ٢٣ ب، والبغوي ٤/ ١٤٦.","vol":"11","page":286},{"text":"قال ابن الأنباري: معنى دعائهم والذي التمسوه: ألا (١) يغلبهم الكفار فيفتتنوا بذلك ويظنوا أنهم لم يغلبوا إلاَّ وهم (٢) أولياء حق وأصحابه (٣)، قال: والفتنة في اللغة تكون إحراقًا وإهلاكًا، فكأن (٤) معنى الآية لا تجعلنا سبب هلاكهم وإحراقهم وإيقاع عذابك الأليم بهم (٥). هذا طريق في معنى الآية عليه أكثر أهل التأويل (٦)، وعلى هذا سألوا ألا تقع الفتنه بقوم فرعون بسبب تسلطهم وتمكنهم منهم.\nوفي الآية قول آخر، وهو قول عطية، قال: معناها: لا تسلطهم علينا فيفتنوننا (٧) (٨)، أي لا تمكنهم من ظلمنا بما يحملنا على الانصراف عن ديننا، وعلى هذا القول سألوا ألا تقع بهم الفتنة بسبب قوم فرعون، والفتنة أريد به المفعول؛ أي مفتونين بهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1576>٨٦ </span>- قوله تعالى: ﴿وَنَجِّنَا﴾ الآية، وذلك أنهم كانوا يستعبدونهم\n_________\n(١) في (خ) و(ز): (لا).\n(٢) في (ى): (أولادهم)، وهو خطأ.\n(٣) لم أقف عليه.\n(٤) في جميع النسخ لم توضع الهمزة على الألف، وقد وضعتها؛ لأن ابن الأنباري لم يجزم بأن هذا المعنى هو المراد في الآية بدلالة قوله السابق.\n(٥) لم أقف عليه.\n(٦) ذكره الرازي في \"تفسيره\" ١٧/ ١٤٦ - ١٤٧، وابن عطية في \"المحرر\" ٧/ ٢٠٢ - ٢٠٣، وضعفه وكذلك أبو حيان في \"البحر\" ٥/ ١٨٥، ولم أجده عند غيرهم من أهل التفسير بالأثر أو الرأي أو أهل المعاني أو الغرائب فيما اطلعت عليه، بل إن المؤلف اعتمد غيره في \"الوسيط\" ٢/ ٥٥٦، وفي \"الوجيز\" ١/ ٥٠٦.\n(٧) في (م): (يفتنونا)، وما أثبته موافق لمصدر التخريج.\n(٨) رواه الثعلبي في \"تفسيره\" ٧/ ٢٣ ب، وذهب إليه مجاهد أيضًا في إحدى الروايتين عنه، انظر: \"تفسير ابن جرير\" ١١/ ١٥٢.","vol":"11","page":287},{"text":"ويأخذونهم بالأعمال الشاقة والمهن الخسيسة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1577>٨٧ </span>- قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا﴾، قال أبو علي: التبوء: فعل يتعدى إلى مفعولين، واللام في قوله: ﴿لِقَوْمِكُمَا﴾ في قوله: ﴿رَدِفَ لَكُمْ﴾ [النمل: ٧٢] ألا ترى أن المطاوع من الأفعال على ضربين، أحدهما: ألا يتعدى نحو: انشوى وانتأى (١)، في مطاوع [شويته ونأيته، والآخر: أن يتعدى كما تعدى ما هو مطاوع] (٢) له؛ وذلك نحو تعلقته وتقطعته فـ (تعلقته) يتعدى كما تعدى (علقته) وليس فيه أن ينتقص مفعول المطاوع عما (٣) كان يتعدى إليه ما هو مطاوع له (٤)، فإذا كان كذلك كان اللام على الحد الذي ذكرنا (٥). فعلى ما ذكر أبو علي يجوز أن تقول: تبوأت زيدا مكانًا، أي اتخذت له، ولم أر هذا لغيره؛ لأنه يقال: تبوأ المكان دارًا، فيُعدونه إلى مفعولين كما ذكر، ويقال: تبوأ لزيد منزلًا، أي اتخذه له، فلا يُعدون إلى زيد إلا باللام.\nوقوله تعالى: ﴿بِمِصْرَ بُيُوتًا﴾، قال ابن عباس في رواية عطاء: يريد مساجد (٦)، فالبيوت هاهنا هي المساجد، لا المنازل المسكونة، كقوله\n_________\n(١) كذا في جميع النسخ وهو بمعنى: بعد، انظر: \"اللسان\" (نأى)، وفي \"الحجة\": انثأى، وهو من الثأي بمعنى الإفساد أو القتل أو خرم الخرز. انظر: \"لسان العرب\" (ثأي).\n(٢) ما بين المعقوفين ساقط من (ح) و(ز).\n(٣) من (ى) وفي بقية النسخ: كما، وما أثبته موافق لما في \"الحجة\" وهو الصواب.\n(٤) ساقط من (ح) و(ز).\n(٥) \"الحجة للقراء السبعة\" ٤/ ٣٠٩ بتصرف.\n(٦) رواه الفيروزأبادي في \"تنوير المقباس\" ص ٢١٨ من رواية الكلبي، ورواه تفسيرًا للجملة التالية ابن جرير ١١/ ١٥٣ - ١٥٦، وابن أبي حاتم ٦/ ١٩٧٧، والفريابي =","vol":"11","page":288},{"text":"تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ [النور: ٣٦].\n﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾، قال (١) يريد: إلى الكعبة (٢)، وعلى هذا، التقدير: واجعلوا بيوتكم؛ أي مساجدكم قِبَل القبلة، أي (٣) إلى القبلة، وهذا قول مجاهد (٤)، والحسن (٥)، وابن جريج عن ابن عباس قال: كانت الكعبة قبلة موسى ومن معه (٦).\n_________\n= وابن المنذر وأبو الشيخ وابن مردويه كما في \"الدر المنثور\" ٥/ ٥٦٦، وهو من رواية عكرمة.\n(١) يعني ابن عباس، وقد رواه ابن جرير ١١/ ١٥٤.\n(٢) في هذا القول نظر لما يأتي:\nأ- أن تشريع القبلة تجاه بيت المقدس في أول الإسلام يدل على أنها قبلة الأنبياء السابقين، وليست مما غيره أهل الكتاب من دينهم.\nب- أن هذا الأثر عند ابن جرير من رواية محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن المنهال بن عمرو الأسدي؛ والأول سيء الحفظ جدًا، فاخش الخطأ، كثير المناكير كما في \"تهذيب التهذيب\" ٣/ ٦٢٧، والثاني صدوق ربما وهم كما في \"التقريب\" (٦٩١٨).\n(٣) في (م): (أو)، وهو خطأ.\n(٤) رواه ابن جرير ١١/ ١٥٤ - ١٥٥ من طريقين أحدهما من رواية ابن جريج وهي ضعيفة لعنعنة ابن جريج وهو مدلس كما في \"التقريب\" ص ٣٦٣ (٤١٩٤)، والثانية من رواية ابن أبي نجيح وهي ضعيفة أيضًا؛ لأن في سندها أبا حذيفة؛ وهو صدوق سيء الحفظ وكان يصحف، ولم يخرج له البخاري إلا في المتابعات، كما في المصدر السابق ٢/ ٢٨٨.\n(٥) ذكره هود بن محكم في \"تفسيره\" ٢/ ٢٠٥، لكن بلفظ: مستقبلة القبلة، ومعلوم أن القبلة أعم من الكعبة كما قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ﴾ [البقرة: ١٤٥].\n(٦) رواه الثعلبي ٧/ ٢٤ أ، والبغوي ٤/ ١٤٦، وفي سنده ابن جريج وقد عنعنه وهو مدلس كما في \"تقريب التهذيب\" ص ٣٦٣ (٤١٩٣)، وانظر التعليق على قول ابن عباس السابق.","vol":"11","page":289},{"text":"وعلى هذا القول أمر موسى وأخوه باتخاذ المساجد لقومهما بمصر على رغم أعدائهما وأعداء قومهما؛ لأن الله ﷿ يمنعهم من أعدائهم حتى لا (١) يَصِلُوا إيقاع مكروه بهم.\nوقال أكثر المفسرين: لما أُرسل (٢) موسى أمر فرعون بمساجد بني إسرائيل فخربت كلها، ومُنعوا من الصلاة، فأُمروا أن يتخذوا مساجد في بيوتهم ويصلوا فيها خوفًا من فرعون (٣)، وهذا قول ابن عباس في رواية عكرمة (٤)، وإبراهيم (٥)، وابن زيد (٦)، والربيع (٧)، وأبي مالك (٨)، والسدي (٩)، والضحاك (١٠)، واختيار الفراء (١١)، والزجاج (١٢).\nقال الزجاج: وقوله تعالى: ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾ أي: صلوا\n_________\n(١) ساقط من (ح) و(ز).\n(٢) في (ى): (أرسل الله).\n(٣) انظر: \"تفسير الثعلبي\" ٧/ ٢٣ ب، والسمرقندي ٢/ ١٠٨، والبغوي ٤/ ١٤٦، وابن الجوزي ٤/ ٥٤.\n(٤) انظر: \"تفسير ابن جرير\" ١١/ ١٥٤، والثعلبي ٧/ ٢٣ ب، والبغوي ٤/ ١٤٦.\n(٥) يعني النخعي، وانظر قوله في: المصادر السابقة \"تفسير ابن أبي حاتم\" ٦/ ١٩٧٧.\n(٦) انظر: \"تفسير ابن جرير\" ١١/ ١٥٤، والثعلبي ٧/ ٢٣ ب.\n(٧) انظر: المصدرين السابقين، نفس الموضع.\n(٨) رواه ابن جرير ١١/ ١٥٤، وابن أبي حاتم ٦/ ١٩٧٧، والثعلبي ٧/ ٢٣ ب.\n(٩) رواه ابن جرير، الموضع السابق.\n(١٠) المصدر السابق، نفس الموضع.\n(١١) \"معاني القرآن\" ١/ ٤٤٧.\n(١٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٣٠.","vol":"11","page":290},{"text":"في بيوتكم لتأمنوا من الخوف (١)، وقال الفراء: أمروا أن يتخذوا المساجد في جوف الدور لتخفى من القبط، ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾ أي إلى الكعبة (٢).\nوقال ابن الأنباري: ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾ أي قبلا، يعني مساجد فاكتفى بالواحد من الجمع، كقول العباس بن مرداس:\nفقلنا أسلموا إنا أخوكم ... فقد برئت من الإحن الصدور (٣)\n[أراد إنا إخوتكم (٤).\nوقال عكرمة عن ابن عباس: واجعلوا بيوتكم مساجد (٥)] (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1578>٨٨ </span>- قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾، قال ابن عباس: كان لهم من لدن فسطاط مصر إلى أرض الحبشة جبال فيها معادن ذهب وفضة وزبرجد وياقوت (٧).\n﴿رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ﴾، اختلفوا في هذه اللام؛ فقال الفراء:\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٣٠.\n(٢) \"معاني القرآن\" ١/ ٤٧٧، ولفظه: لتخفى من فرعون.\n(٣) انظر: \"ديوان العباس بن مرداس\" ص ٥٢، \"لسان العرب\" (أخا) ١/ ٤١، \"المقتضب\" ٢/ ١٧٤، وقبل هذا البيت:\nكأن بني معاوية بن بكر ... إلى الإسلام ضائنة تخور\n(٤) \"زاد المسير\" ٤/ ٥٥، وذكره مختصرًا الرازي في \"تفسيره\" ١٧/ ١٤٧.\n(٥) رواه ابن جرير ١١/ ١٥٣، ١٥٤، وابن أبي حاتم ٦/ ١٩٧٧، والفريابي وابن المنذر وأبو الشيخ وابن مردويه كما في \"الدر المنثور\" ٣/ ٥٦٦.\n(٦) ما بين المعقوفين ساقط من (ى).\n(٧) \"الوسيط\" ٢/ ٥٥٧، \"زاد المسير\" ٤/ ٥٥.","vol":"11","page":291},{"text":"(إنها (١) لام كي) (٢) وعلى هذا، المعنى: إنك جعلت هذه الأموال سببًا لضلالهم؛ لأنهم بطروا فيها فاستكبروا عن الإيمان، وطغوا في الأرض.\nوققال الأخفش: اللام في ﴿لِيُضِلُّوا﴾ إنما هو لما يؤول إليه الأمر، والمعنى: إنك آتيت فرعون وملأه زينة فضلوا، كما أن معنى ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص: ٨] أي: فكان كذلك (٣)، وهذا قول الزجاج، وأكثر أهل المعاني (٤).\nقال الزجاج: المعنى: أصارهم ذلك إلى الضلال، كما قال: ﴿لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص: ٨] أي: فالتقطوه (٥) فآل أمرهم إلى أن صار عدوًّا وحزنًا، لا أنهم قصدوا ذلك (٦)، فعلى هذا هي لام العاقبة والصيرورة، وفتح الياء في (ليَضلوا) (٧) حسن لهذا المعنى؛ لأنهم ضلوا وطغوا لما أوتوه من الزينة والأموال، ومن قرأ: ﴿لِيُضِلُّوا﴾ من الإضلال فقد ذكرنا وجه ذلك في قوله: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ﴾ سورة الأنعام [١١٩].\nوقال ابن الأنباري: هذه لام الدعاء، وهي مكسورة تجزم المستقبل\n_________\n(١) ساقط من (ى).\n(٢) اهـ. كلام الفراء، انظر: \"معاني القرآن\" ١/ ٤٧٧.\n(٣) كتاب \"معاني القرآن\" للأخفش ١/ ٣٧٧ بمعناه.\n(٤) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٠، \"معاني القرآن الكريم\" للنحاس ٣/ ٣١٠، \"إعراب القرآن\" له ٢/ ٧٢ - ٧٣، \"الحجة للقراء السبعة\" ٣/ ٢٩١، ٣٩٥.\n(٥) في (ى): (فالتقطه)، والمثبت موافق للمصدر وهو الصواب.\n(٦) اهـ. كلام الزجاج، انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٣٠.\n(٧) قرأ عاصم وحمزة والكسائي وخلف بضم الياء من الفعل (أضل)، وقرأ الباقون بفتحها من الفعل (ضل). انظر: \"الغاية\" ص ١٤٩، \" إرشاد المبتدي\" ص ٣١٧٤، \"النشر\" ٢/ ٢٦٢، \"إتحاف فضلاء البشر\" ص ٢٥٣.","vol":"11","page":292},{"text":"ويفتتح به (١) الكلام، فيقال: ليغفر الله للمؤمن (٢)، وليعذب الله الكافر، وتأويلها (٣): ربنا ابتلهم بالضلال عن سبيلك (٤) (٥).\nوقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ﴾، ذكرنا معنى الطمس عند قوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا﴾ (٦) [النساء: ٤٧]، ومعناه هاهنا المسخ.\nقال الأزهري فيما روى عن شمر: ويكون الطموس بمنزلة المسخ للشيء، قال الله: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ﴾ قالوا: صارت حجارة (٧).\nوهذا قول ابن عباس (٨)، [وقتادة (٩)، والقرظي (١٠)، والسدي (١١)، وابن زيد (١٢)، والربيع (١٣) والضحاك (١٤):\n_________\n(١) هكذا في جميع النسخ، والأولى بالسياق أن يقول: بها.\n(٢) في (ح) و(ز): (للمؤمنين).\n(٣) في (م): (تاويله).\n(٤) في (ح) و(ز): (سبيله).\n(٥) انظر قول ابن الأنباري في: \"زاد المسير\" ٤/ ٥٦.\n(٦) وهذه الآية مع تسع آيات مفقودة في النسخ التي بين يدي.\n(٧) اهـ. كلام شمر، انظر: \"تهذيب اللغة\" (طمس) ٣/ ٢٢١٨.\n(٨) رواه الثعلبي ٧/ ٢٤ أ، والبغوي ٤/ ١٤٧.\n(٩) رواه الصنعاني في \"تفسيره\" ١/ ٢/ ٢٩٦، وابن جرير ١١/ ١٥٨، وابن أبي حاتم ٦/ ١٩٧٩، والثعلبي ٧/ ٢٤ أ، والبغوي ٤/ ١٤٧.\n(١٠) رواه ابن جرير ١١/ ١٥٨، وابن أبي حاتم ٦/ ١٩٧٩، والثعلبي ٧/ ٢٤ أ، والبغوي ٤/ ١٤٧.\n(١١) المصادر السابقة، عدا ابن جرير.\n(١٢) رواه ابن جرير ١١/ ١٥٨، والثعلبي ٧/ ٢٤ ب، ولفظه: طمس على أموالهم فصارت حجارة ذهبهم ودراهمهم وعدسهم وكل شيء، وانظر التعليق الآتي على قول السدى.\n(١٣) رواه ابن جرير ١١/ ١٥٧.\n(١٤) رواه ابن جرير في الموضع السابق، وابن أي حاتم ٦/ ١٩٧٩.","vol":"11","page":293},{"text":"قال ابن عباس] (١): بلغنا أن الدراهم والدنانير صارت حجارة منقوشة كهيئتها صحاحًا وأثلاثًا وأنصافًا (٢)\nوقال القرظي: جعل سكرهم (٣) حجارة.\nوقال قتادة: بلغنا أن حروثًا لهم صارت حجارة.\nوقال السدي: مسخ الله أموالهم حجارة؛ النخل والثمار والدقيق والأطعمة (٤).\n_________\n(١) ما بين المعقوفين ساقط من (ى).\n(٢) انظر تخريج هذا الأثر والآثار التالية في التعليقات السابقة.\n(٣) بضم السنن وتشديد الكاف، وهو معروف، أو بفتح السين والكاف من غير شديد، وهو نقيع التمر الذي لم تمسه النار، أو الخمر، أو النبيذ، وكان إبراهيم والشعبي وأبو رزين يقولون: السَّكَر: خمر. وقال أبو عبيدة: الطعام. واحتج بقول الآخر:\nجعلت أعراض الكرام سكرا\nانظر: \"تهذيب اللغة\" (سكر) ٢/ ١٧١٩، \"التكملة والذيل والصلة\" (سكر) ٣/ ٣٣، \"لسان العرب\" (سكر) ٤/ ٢٠٤٧.\n(٤) الظاهر أن هذا القول وما في معناه مما تلقاه المفسرون عن أهل الكتاب، ولو صح ما ذكره السدي وابن زيد لهلكوا، ومعلوم أن هلاكهم كان غرقًا في اليم، ثم إن قوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٧) وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٥٨) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء: ٥٧ - ٥٩]، وقوله تعالى: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٢٥) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٢٦) وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ (٢٧) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ﴾ [الدخان: ٢٥ - ٢٨] يدل على بطلان القول بعموم مسخ أموالهم وطعامهم وزروعهم، ولم يرد دليل صحيح على مسخ البعض، وعلى ضوء ذلك فالراجح ما رواه ابن جرير ١١/ ١٥٨، عن ابن عباس ومجاهد بأن معنى الآية: دمر عليهم وأهلك أموالهم، وهذا موافق لقوله تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ﴾ إلى قوله: ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ﴾ [الأعراف:١٣٣ - ١٣٥]، وكشف الرجز عنهم يبين وجه الجمع بين الآيات الدالة على هلاك أموالهم والآيات الدالة على بقائها بعد غرقهم.","vol":"11","page":294},{"text":"وقال عطاء عن ابن عباس: لم يبق لهم معدن إلا [طمس الله عليه فلم ينتفع به أحد بعد (١).\nقال الزجاج: تأويل طمس الشيء: إذهابه عن] (٢) صورته والانتفاع به على الحال الأولى التي كانت عليها (٣) (٤).\nوقوله تعالى: ﴿وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾، قال ابن عباس: يريد: امنعهم عن الإيمان (٥)، وتأويله: أقسها واطبع عليها حتى لا تلين ولا تنشرح للإيمان، وهذا دليل على أن الله يفعل ذلك بمن يشاء (٦)، ولولا ذلك لما حسن من موسى هذا السؤال.\nوقوله تعالى: ﴿فَلَا يُؤْمِنُوا﴾، قال المبرد: هو عطف على قوله: ﴿لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ﴾ أي: ربنا إنك آتيتهم ليضلوا فلا يؤمنوا (٧).\nوهذا اختيار أبي علي، قال: هو عطف على النصب الحادث من اللام في ﴿لِيُضِلُّوا﴾، وما بين ذلك من قوله: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ﴾\n_________\n(١) ذكره القرطبي ٨/ ٣٧٤، وأبو حيان ٥/ ١٨٧، وانظر التعليق السابق.\n(٢) ما بين المعقوفين ساقط من (ح) و(ز).\n(٣) في (ى): (عليه).\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٣١، والطمس في اللغة: الدروس والانمحاء، وطمس الكواكب: ذهاب نورها. انظر: \"اللسان\" (طمس).\n(٥) ذكره المؤلف في \"الوسيط\" ٢/ ٥٥٧، والقرطبي ٨/ ٣٧٤، وأبو حيان ٥/ ١٨٧، ورواه بمعناه ابن جرير ١١/ ٥٨١، وابن أبي حاتم ٦/ ١٩٧٩.\n(٦) لكن وفق حكمته وعدله كما قال تعالى: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾ [البقرة: ٢٦]، وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥].\n(٧) ذكر قول المبرد هذا: الزجاج في \"معاني القرآن\" ٣/ ٣١، وانظر: \"زاد المسير\" ٤/ ٥٧.","vol":"11","page":295},{"text":"اعتراض (١) بين ﴿آتَيْتَ﴾ وما يتصل به، وهذا الضرب من الاعتراض كثير (٢).\nوقال الفراء (٣)، والزجاج (٤): ﴿فَلَا يُؤْمِنُوا﴾ دعاء عليهم كأنه قال: اللهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم.\n[قال ابن الأنباري: والتأويل فلا آمنوا (٥) حتى يروا العذاب (٦)] (٧) وموضع ﴿يُؤْمِنُوا﴾ على هذا التأويل جزم بـ (لا) قال الأعشى:\nفلا ينبسط من بين عينيك ما انزوى ... ولا تلقني إلا وأنفك راغم (٨)\nقال أبو بكر: ويجوز أن يكون ﴿يُؤْمِنُوا﴾ في موضع جزم بالنسق على (يضلوا)، و(يضلوا) منجزم بلام الدعاء (٩).\nوقال الفراء: وإن شئت جعلت ﴿فَلَا يُؤْمِنُوا﴾ جوابًا لمسألة موسى ﵇ لأن المسألة خرجت على لفظ الأمر، فـ (لا يؤمنوا) (١٠) في موضع\n_________\n(١) ساقط من (ى).\n(٢) \"الحجة للقراء السبعة\" ٣/ ٣٩٥.\n(٣) \"معاني القرآن\" ١/ ٤٧٧ واللفظ له.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\"، ولفظه: فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم، دعاء أيضًا عليهم.\n(٥) من (م) وفي بقية النسخ: فلا يؤمنوا، وما أثبته موافق للمصدر التالي.\n(٦) \"زاد المسير\" ٤/ ٥٧.\n(٧) ما بين المعقوفين ساقط من (ى).\n(٨) البيت للأعشى الكبير من قصيده يهجو بها يزيد بن مسهر الشيباني، انظر: \"ديوانه\" ص ١٧٨، \"زاد المسير\" ٤/ ٥٧، \"لسان العرب\" (زوى) ٣/ ١٨٩٤.\n(٩) ساقط من (ى).\n(١٠) عبارة الفراء: فتجعل (فلا يؤمنوا) في موضع نصب.","vol":"11","page":296},{"text":"نصب على الجواب، فيكون كقول الشاعر (١):\nيا ناق سيري عنقًا فسيحًا ... إلى سليمان فنستريحا (٢)\nقال ابن الأنباري: وذهب بعض الناس إلى أن معنى قوله: ﴿فَلَا يُؤْمِنُوا﴾ فلن يؤمنوا، فأبدلت الألف من النون الخفيفة [وهذا خطأ لأن النون الخفيفة] (٣) لا تبدل ألفًا في وصل الكلام، ويلزم هذا القائل أن يجيز: لا يقومَ عبد الله، بنصب الميم، وذلك محال من كل وجه، وهذا القول الذي حكاه عن بعض الناس هو قول صاحب النظم.\nوقوله تعالى: ﴿حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ يريد الغرق (٤)، قال ابن جريج عن ابن عباس: فلا يؤمنوا حتى يروا الغرق (٥)، قال: وما آمن فرعون حتى أدركه الغرق (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1579>٨٩ </span>- قوله تعالى: ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾ الآية، قال ابن عباس في رواية عطاء: وذلك أن موسى كان يدعو، وهارون يؤمن (٧)، وهذا قول\n_________\n(١) هو: أبو النجم العجلي يمدح سليمان بن عبد الملك، انظر: \"الدرر اللوامع\" ٣/ ٥٢، \"كتاب سيبويه\" ٣/ ٣٥، \"لسان العرب\" (نفخ) ٨/ ٤٤٩٥، و(عنق) ٥/ ٣١٣٤، والعنق: ضرب من السير. انظر: \"لسان العرب\" (عنق).\n(٢) اهـ. كلام الفراء، انظر: \"معاني القرآن\" ١/ ٤٧٨.\n(٣) ما بين المعقومن ساقط من عدا (م).\n(٤) انظر: \"تفسير ابن جرير\" ١١/ ١٥٨، والثعلبي ٧/ ٢٤ ب.\n(٥) رواه ابن جرير ١١/ ١٦٠، ورواه أيضًا ابن أبي حاتم ٦/ ١٩٨٠، من رواية عطية العوفي.\n(٦) رواه ابن جرير ١١/ ١٦٠، وبنحوه ابن أبي حاتم ٦/ ١٩٨٠، من رواية علي بن أبي طلحة الوالبي.\n(٧) رواه أبو الشيخ كما في \"الدر المنثور\" ٣/ ٥٦٧، وبمعناه ابن جرير ١٥/ ١٨٧.","vol":"11","page":297},{"text":"الربيع وابن زيد وعكرمة وأبي العالية والقرظي كلهم قالوا: دعا موسي وأمّن هارون فلذلك قال: ﴿دَعْوَتُكُمَا﴾ فأضاف إليهما (١).\nقال الزجاج: والمؤمّن على دعاء الداعي داع أيضًا؛ لأن قوله (آمين) تأويله: استجيب، فهو سائل كسؤال الداعي (٢).\nوقوله تعالى: ﴿فَاسْتَقِيمَا﴾ فامضيا لأمري، قال عكرمة: فهو الاستقامة، عن ابن عباس (٣)، وقال المفسرون: فاستقيما على الرسالة والدعوة إلى أن يأتيهم العذاب (٤).\nقال ابن جريج: إن فرعون لبث بعد هذه الآية (٥) أربعين سنة (٦).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعَانِّ﴾، قال أبو إسحاق: موضعه جزم إلا أن\n_________\n(١) ذكر أقوالهم ابن جرير في \"تفسيره\" ١١/ ١٦٠ - ١٦١، والسيوطي في \"الدر المنثور\" ٣/ ٥٦٧.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٣١.\n(٣) هكذا في جميع النسخ، وفي العبارة قلق، وقد روى ابن جرير في \"تفسيره\" ١١/ ١٦١، أثري ابن عباس وعكرمة، ولفظ ابن عباس: (فاستقيما) فامضيا لأمري، وهي الاستقامة، وهو من رواية ابن جريج عنه. ولفظ عكرمة: أمن هارون على دعاء موسى، فقال الله: قد أجيبت دعوتكما فاستقيما.\n(٤) انظر: \"تفسير ابن جرير\" ١١/ ١٦١، والثعلبي ٧/ ٢٤ ب، والبغوي ٤/ ١٤٨.\n(٥) يعني الدعوة الواردة في هذه الآية، ورواية المؤلف موافقة لما في مخطوطة تفسير ابن جرير، كما أشار إلى ذلك محققه ١٥/ ١٨٧، وقد أثبت المحقق ما في الطبعة السابقة. انظر طبعة الحلبي ١١/ ١٦١، \"الدر المنثور\" ٣/ ٥٦٧، ولفظه: بعد هذه الدعوة.\n(٦) رواه ابن جرير ١١/ ١٦١، والثعلبي ٧/ ٢٤ ب، وأشار البغوي ٤/ ١٤٧، إلى أن هذا من القصص، يعني الذي لا يمكن التثبت من صحته.","vol":"11","page":298},{"text":"النون الشديدة دخلت للنهي مؤكدة وكسرت لسكونها (١) وسكون النون التي قبلها فاختير لها الكسرة؛ لأنها بعد الألف تشبه نون الاثنين (٢)، قال أبو علي: إنما شبهتها؛ لأنها زائدة مثلها وداخلة لمعنى كدخولها (٣)، فإن قيل: المكسورة في (تتبعان) ليست بعد ألف فكيف تكسر تشبيهًا بنون رجلان وهي بعد ألف؟ قيل: النون الأولى من المشددة لما كانت ساكنة وجَمعت إلى السكون الخفاء لم يعتد (٤) بها، وصارت المكسورة كأنها وليت الألف، وقد لا يعتدون بالحاجز لخفائه، وإن كان متحركًا، كما أجمعوا -فيما زعم سيبويه (٥) - على (رُدَّهَا) بفتح الدال ولم يضموا كما أجازوا الضم في (رُدُّ)؛ لأن الدال في (ردها) صارت كأنها وليت الألف لخفاء الهاء (٦)، وهذا مما ذكرناه في أول هذا الكتاب.\nفأما قراءة ابن عامر (٧) (وَلَا تَتَّبِعَانِ) بتخفيف النون (٨) فلها ثلاثة أوجه: أحدهما: أن يكون خفف الثقيلة للتضعيف كما حذفوا (رب) و(إن)\n_________\n(١) في (ح) و(ز): (وسكونها)، وما أثبته موافق للمصدر.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٣١.\n(٣) في (ى): (كمعنى دخولها)، والمثبت موافق للمصدر.\n(٤) في (ى): (يعرر)، وهو خطأ.\n(٥) انظر: \"كتابه\" ٣/ ٥٣٤.\n(٦) اهـ. كلام أبي علي، انظر: \"الحجة\" ٢٩٣/ ٤ بمعناه.\n(٧) في (ى): (ابن عباس)، وهو خطأ.\n(٨) انظر: \"الغاية في القراءات العشر\" ص ١٧٣، \"إرشاد المبتدي\" ص ٣٦٥، \"تقريب النشر\" ص ١٢٣.","vol":"11","page":299},{"text":"ونحوهما من المضاعف، إلا أنه حذف الأولى (١) من المثلين، كما أبدلوا الأولى في نحو قيراط ودينار (٢)، ولزم ذلك في هذا الموضع؛ لأن الحذف لو لحق الثانية للزم التقاء الساكنين على غير ما يستعمل في الأمر الشائع، وغلط بعضهم فزعم أن هذا على مذهب يونس فإنه يجيز (٣) إدخال النون الخفيفة في فعل الاثنين وفعل جماعة النساء (٤)، وهذا غلط؛ لأن تلك النون الخفيفة ساكنة غير متحركة، وأجاز يونس في ذلك الجمع بين ساكنين، وابن عامر يقرأ بالتخفيف والتحريك (٥) وجميع أهل النحو خالفوا يونس في ذلك الوجه (٦).\nالثاني: أن قوله (لا تتبعان) على هذه القراءة على لفظ الخبر، ومعناه الأمر، كقوله: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨، ٢٣٤]، و﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ﴾ [البقرة: ٢٣٣] أي: لا ينبغي ذلك.\n_________\n(١) في (ح): (للأولى)، وفي \"الحجة\" الأول، وكذا في الموضع التالي، وهو أولى.\n(٢) أجل قيراط: قرّاط، بتشديد الراء، ثم قبلت إحدى الراءين ياء، وكذلك أصل دينار: دنّار فقلبت إحدى النونين ياء وذلك لئلا يلتبس بالمصادر التي تجيء على وزن فِعّال ككذّاب. انظر: \"لسان العرب\" (دنر) و(قرط).\n(٣) في (ح) و(ز): (يجوز).\n(٤) انظر قول يونس ورد سيبويه عليه في: \"كتاب سيبويه\" ٣/ ٥٢٧، \"الإنصاف\" ص ٥٢٣، \"ائتلاف النصرة\" ص ١٣١.\n(٥) انظر: \"النشر\" ٢/ ٢٨٦، \"إتحاف فضلاء البشر\" ص ٢٥٣.\n(٦) انظر: \"كتاب سيبويه\" ٣/ ٥٢٧، \"الأصول في النحو\" لابن السراج ٢/ ٢٠٣، \"الحجة\" ٣/ ٤٤١، \"الإيضاح العضدي\" ١/ ٣٣٥، \"أوضح المسالك\" ٣/ ١٣٦، وقول المؤلف: وجميع أهل النحو خالفوا يونس غير صحيح، فقد وافقه جميع الكوفيين، انظر: \"الإنصاف\" ص ٥٢٣، \"ائتلاف النصرة\" ص ١٣١.","vol":"11","page":300},{"text":"وإن شئت جعلته حالًا من ﴿استقيما﴾، وتقديره: استقيما غير متبعين، وهذا هو الوجه الثالث، ويدل على هذا (١) قول الشاعر (٢):\nولا أسقي ولا يَسقي شريبي ... ويرويه إذا أوردت مائي\nوقول الفرزدق:\nبأيدي رجال لم يشيموا سيوفهم ... ولم تكثر القتلى بها حين سلت (٣)\nومعنى الآية: ولا تسلكا طريق الذين يجهلون حقيقة وعدي فتستعجلا قضائي، فإن وعدي لا خلف له، ووعيدي نازل بفرعون وقومه، كذا قال المفسرون (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1580>٩٠ </span>- قوله تعالى: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ﴾ هذا مذكور في سورة الأعراف، وقوله: ﴿فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُه﴾ الإتباع طلب اللحاق بالأول واستقصاء هذا مذكور في قوله: ﴿فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ﴾ [الأعراف: ١٧٥].\nوقوله تعالى: ﴿بَغْيًا وَعَدْوًا﴾ البغي: طلب الاستعلاء بغير حق،\n_________\n(١) ساقط من (ح).\n(٢) لم أهتد له، والبيت بلا نسبة في \"أمالي القالي\" ٢/ ٢٦٣، \"الحجة\" ٤/ ٢٩٤، \"سمط اللآلي\" ٢/ ٩٠١، \"المعاني الكبير\" لابن قتيبة ٣/ ١٢٦٥ قال ابن قتيبة في الموضع نفسه: شريبه: الذي يشرب معه، والمعنى: لا أسقي حتى يسقي شريبي.\n(٣) لم أجده في ديوانه، \"شرح ديوان الحماسة\" اللمرزوقي ص ١٢٢،\"لسان العرب\" (شيم) ٤/ ٢٣٨٠، \"المعاني الكبير\" ٣/ ١٢٦٥. وقد بين المبرد في \"الكامل\" ١/ ٣٠٨، أن هذا البيت ظريف عند أصحابي المعاني، وتأويل لم يشيموا: لم يغمدوا، ولم تكثر القتلى: أي لم يغمدوا سيوفهم إلا وقد كثرت بها القتلى حين سلت.\n(٤) انظر: \"تفسير ابن جرير\" ١١/ ١٦١ - ١٦٢، والثعلبي ٧/ ٢٥ أ، والبغوي ٤/ ١٤٨.","vol":"11","page":301},{"text":"والعدْو: الظلم، وهذا ما سبق القول فيه (١)، وقوله تعالى: ﴿قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ﴾، وقرئ بكسر الألف (٢)، فمن فتح الألف فلأن هذا الفعل يصل بحرف الجر نحو: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة: ٣] فلما حذف الحرف وصل الفعل إلى (أن) فصار (٣) في موضع نصب أو خفض على الخلاف في ذلك، ومن (٤) كسر الألف حمله على القول المضمر، كأنه: آمنت فقلت إنه، وإضمار القول في هذا النحو كثير، ولإضمار القول من المزية هنا أن قلت: إنه لا إله إلا الله في المعنى إيمان (٥)، فإذا قال: آمنت، فكأنه قد ذكر ذلك.\nقال ابن عباس في هذه الآية: فلم يقبل الله إيمانه عند [نزول العذاب، وقد كان في مهل، ولم يفعل الله ذلك بأحد عند] (٦) نزول العذاب، أو غرغرة الموت من المشركين، إلا قوم يونس (٧) وهذا قول جميع المفسرين (٨)، قالوا: إن فرعون تلفظ بما ذكر الله عنه من قوله: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ\n_________\n(١) انظر المصدر السابق ١/ ٣٨١.\n(٢) قرأ حمزة والكسائي وخلف (إنه) بكسر الهمزة والباقون بفتحها. انظر: كتاب \"السبعة\" ص ٣٣٠، \"إرشاد المبتدي\" ص ٣٦٥، \"تقريب النشر\" ص ١٢٣.\n(٣) في (ى): (صار).\n(٤) في (ى): (وإن)، وهو خطأ.\n(٥) يعني: أن قول كلمة الإخلاص إيمان، فقولها بمعنى قول: آمنت.\n(٦) ما بين المعقوفين ساقط من النسخ عدا (م).\n(٧) لم أجده بهذا السياق، وقد ذكر أوله ابن الجوزي ٤/ ٥٩، وروى نجاة قوم يونس عنه جمع من المفسرين. انظر: \"الدر المنثور\" ٣/ ٥٦٨ - ٥٦٩.\n(٨) انظر: \"تفسير ابن جرير\" ١١/ ١٦٢، والسمرقندي ٢/ ١١٠، والزمخشري ٢/ ٢٥١، وابن الجوزي ٤/ ٦٠٢، والرازي ١٧/ ١٥٤.","vol":"11","page":302},{"text":"لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ﴾ فلم ينفعه ذلك؛ لأن التوبة مقبولة إلى أن يعاين ملك الموت وأعوانه من الملائكة، وعدو الله فرعون جنح إلى التوبة حين أغلق بابها بحضور الموت، ومعاينة الملائكة، فقيل له (١) (آلآن وقد عصيت قبل) (٢) يراد الآن تتوب وقد أضعت التوبة في وقتها وآثرت دنياك الفانية على الآخرة؟! والظرف متعلق بمحذوف تدل عليه الحال، تقديره: الآن آمنت أو تؤمن أو تتوب، والمفسرون على أن جبريل خاطب فرعون بهذا الخطاب (٣).\nوقال صاحب النظم: قوله: ﴿آمَنَتْ﴾ إلى آخر الآية، قد يعلم الجميع أن الغريق -سيّما من يكون غرقه نقمة من الله- لا يمكنه أن يلفظ بمثل هذا المنطق (٤) لما يكون فيه من الشغل بالموت، والمعنى إن شاء الله: إن الله ﷿ علم ما وقع في قلبه حينئذ من اليقين والندامة على ما فرط منه، فذكر ذلك عنه وجعله قولًا، كما قال: ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ﴾ [المجادلة: ٨] فأخرج إضمارهم مخرج القول، ومثله قوله: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ﴾ [الإنسان: ٩] الآية. وجاء في الخبر: إن الله أثنى عليهم بما في ضميرهم، وهم لم يقولوا ذلك، ولكن الله علم ذلك من ضمائرهم\n_________\n(١) ساقط من (ح) و(ز).\n(٢) في (ى): (وكنت من المفسدين)، ولم أثبت هذه الزيادة لانفراد النسخة (ى) بذلك مع كثرة أخطائها، ثم إن المؤلف لم يتطرق إلى تفسير هذه الجملة.\n(٣) انظر: \"تفسير الثعلبي\" ٧/ ٢٦ ب، والبغوي ٤/ ١٤٨، وابن الجوزي ٤/ ٦٠، وقد ذهب فريق من المفسرين إلى أن المخاطب له هو تعالى، وإليه ذهب ابن جرير ١١/ ١٦٤، والسمرقندي ٢/ ١١٠، وهو الظاهر ويدل عليه قوله تعالى بعد ذلك: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ﴾.\n(٤) ساقط من (ي).","vol":"11","page":303},{"text":"فمدحهم به حتى كأنهم قالوا ذلك (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1581>٩١ </span>- وقوله تعالى بعد هذا ﴿آلْآنَ﴾ وما بعدها، كله على الخبر أنه فعله به، لا على أنه خاطبه بهذا القول (٢).\nوالصحيح ما ذكرنا أولًا من مذهب المفسرين، يدل عليه ما روى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: إن فرعون لما أدركه الغرق جعل جبريل يحشو التراب في فيه خشية أن يؤمن (٣).\nوروي أيضًا عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"قال لي جبريل رأيتني يا محمد وأنا أدس الطين في فيه مخافة أن تدركه الرحمة\" (٤).\n_________\n(١) الخبر عن مجاهد، ولفظه: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ﴾ الآية، قال: لم يقل القوم ذلك حين أطعموهم، ولكن علم الله من قلوبهم فأثنى به عليهم. رواه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ٢/ ٣٣٧، وابن جرير ٢٩/ ٢١١ (طبعة الحلبي).\n(٢) اهـ. كلام صاحب النظم.\n(٣) رواه ابن جرير ١١/ ١٦٣، وابن أبي حاتم ٦/ ١٩٨٢. وهو بمعنى الحديث المرفوع التالي.\n(٤) رواه الترمذي (٣١٠٧)، (٣١٠٨) كتاب: التفسير، باب: ومن سورة يونس، وقال: هذا حديث حسن، ثم ذكر رواية أخرى وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه. ورواه أيضًا الحاكم في \"المستدرك\" ١/ ٥٧، ٤/ ٢٤٩، وصححه ووافقه الذهبي، ورواه ابن حبان (الإحسان) ١٤/ ٩٨، وقال محققه: إسناده صحيح على شرط الشيخين. ورواه كذلك أحمد في \"المسند\" ١/ ٢٤٥، ٣٠٩، وابن جرير في \"تفسيره\" ١١/ ١٦٣ - ١٦٤.\nهذا وقد زعم الزمخشري في \"الكشاف\" ٢/ ٢٥١ أن ما جاء في الحديث من قول جبريل -﵇- \"خشية أن تدركه الرحمة\" من زيادات الباهتين لله وملائكته، وقال: فيه جهالتان: أحدهما: أن الإيمان يصح بالقلب كإيمان الأخرس، فحال البحر لا يمنعه، والأخرى: أن من كره إيمان الكافر وأحب بقاءه على الكفر فهو كافر؛ =","vol":"11","page":304},{"text":"والذي ذكره صاحب النظم شيء لا تبعده طريقة أهل اللغة والمعاني.\n_________\n= لأن الرضا بالكفر كفر. وقد رد عليه الإمام ابن حجر في \"الكافي الشاف\" ٨٥ - ٨٦ فقال: وهذا إفراط منه في الجهل بالمنقول والغض من أهله، فإن الحديث صحيح الزيادات، وقد أخرجه الترمذي وصححه والنسائي وابن حبان والحاكم، ثم ذكر الروايات ثم قال: وأما الوجهان اللذان ذكرهما الزمخشري فللحديث توجيه وجيه لا يلزم منه ما ذكره الزمخشري، وذلك أن فرعون كان كافرًا كفر عناد؛ ألا ترى إلى قصته حيث توقف النيل، وكيف توجه منفردًا وأظهر أنه مخلص، فأجري له النيل، ثم تمادى على طغيانه وكفره، فخشي جبريل أن يعاود تلك العادة فيظهر الإخلاص بلسانه فتدركه رحمة الله فيؤخره في الدنيا، فيستمر في غيه وطغيانه فدس في فمه الطين، ليمنعه التكلم بما يقتضي ذلك، هذا وجه الحديث، ولا يلزم منه جهل ولا رضي بكفر بل الجهل كل الجهل من اعترض على المنقول الصحيح برأيه الفاسد. وأيضًا فإن إيمانه في تلك الحال -على تقدير أنه كان صادقًا بقلبه- لا يقبل؛ لأنه وقع في حال الاضطرار ولذلك عقب الآية بقوله: ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ﴾ وفيه إشارة في قوله تعالى: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ [غافر: ٨٥] اهـ.\nقلت: ويمكن أن يضاف إلى ما ذكره الحافظ وجهان آخران: الأول: أن الملِائكة عالم غيبي مفطور على الطاعة ومعصوم من المعصية: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦]، ولذا فلا ينبغي أن تنزل أفعال الملائكة منزلة أفعال الثقلين في الحكم، لاختلاف الطبيعة والتكليف والجزاء. الثاني: أن الملائكة لا تنزل إلا بأمر الله، ولا تفعل إلا بإذنه كما قال تعالى: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ [مريم: ١٦٤]، وقال -﷿-: ﴿لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٧]، ولذا ينبغي أن يحمل فعل جبريل -﵇- على أنه بأمر الله وإذنه فلا يكون جهلًا ولا رضي بكفر، بل هو كسجود الملائكة لآدم -عليه وعليهم السلام - والله تعالى يفعل بالأسباب كما يفعل بددونها، فإذا لم يرد الله شيئًا منع أسبابه، وبما أن الدعاء وإظهار الإخلاص سبب الرحمة فقد أرسل الله جبريل لمنع هذا السبب الذي يقتضي مسببه عادة بإذن الله.","vol":"11","page":305},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1582>٩٢ </span>- قوله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ﴾، قال ابن عباس (١) عامة المفسرين (٢): لما غرّق الله فرعون وقومه جحد بعض بني إسرائيل غرق فرعون، وقالوا: هو أعظم شأنًا من أن يغرق، فأخرجه الله حتى رأوه فذلك قوله: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ﴾ أي: نلقيك على نجوة من الأرض، وهي المكان المرتفع، وهذا قول أبي عبيدة (٣)، وأبي عمرو بن العلاء (٤)، ويونس (٥)، واختيار الزجاج (٦)، وابن قتيبة (٧)، وروى ثعلب، عن ابن الأعرابي قال: إنهم -أحسبها- شكوا في غرقه؛ فأمر الله أن يقذفه على دكة\n_________\n(١) رواه بنحوه ابن جرير ١١/ ١٦٥ - ١٦٦، والبغوي ٤/ ١٤٨، وذكره المؤلف في \"الوسيط\" ٢/ ٥٥٨، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٤/ ٦١.\n(٢) منهم قتادة ومجاهد وقيس بن عباد وابن جريج وغيرهم.\nانظر: \"تفسير ابن جرير\" ١١/ ١٦٥ - ١٦٦، \"الدر المنثور\" ٣/ ٥٧٨. قال الحافظ ابن حجر في \"فتح الباري\" ٨/ ٣٤٨ بعد أن ذكر أثر قيس بن عباد: هذا موقوف، رجاله ثقات.\n(٣) \"مجاز القرآن\"١/ ٢٨١.\n(٤) لم أجد من ذكره بعد طول بحث، وقد نسبه ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٤/ ٦٠ إلى اللغويين، وذكره ابن سيده في \"المخصص\" ١٠/ ٧٩، ونسبه لأبي عبيد والخليل والأصمعي ونسبه الأزهري في \"تهذيب اللغة\" (نجا) ٤/ ٣٥١٠ للزجاج وأبي زيد والنضر بن شميل.\n(٥) رواه ابن الأنباري وأبو الشيخ كما في \"الدر المنثور\" ٣/ ٥٧٠، وانظر: \"زاد المسير\" ٤/ ٦٠.\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٣٢، وعبارة الزجاج تدل على أنه لم يختر هذا القول، ونصها: (ننجيك ببدنك) نلقيك عريانًا، وقيل: (ننجيك ببدنك) نلقيك على نجوة من الأرض.\n(٧) \"تفسير غريب القرآن\" ص ٢٠٤.","vol":"11","page":306},{"text":"في (١) البحر (٢).\nوذهب بعضهم إلى أن هذا من النجاة والتخليص، ومعنى ننجيك نخرجك من البحر بعد الغرق (٣) وهو معنى قول الكلبي (٤)، ونحو ذلك قال عطاء عن ابن عباس: فأخرجه الله حتى رأوه (٥).\nواختلفوا في معنى البدن هاهنا؛ فأهل اللغة ذهبوا إلى أن معناه الدرع (٦)، قال الليث: البدن: شبه الدرع، إلا أنه قصير قدر ما يكون على المجسد، قصير الكمين (٧).\nوقال ابن الأعرابي في هذه الآية: ببدنه: بدرعه (٨)، وأنشد ابن الأنباري:\nترى الأبدان فيها مسبغات ... على الأبطال واليلب الحصينا (٩)\n_________\n(١) ساقط من (ى).\n(٢) \"تهذيب اللغة\" (بدن) ١/ ٢٩٥، وفيه: فأمر الله البحر أن يقذفه.\n(٣) انظر: \"تفسير ابن جرير\" ١١/ ٦٤١ - ١٦٦، وهود بن محكم ٢/ ٢٠٧، والسمرقندي ٢/ ١١٠، والزمخشري ٢/ ٢٥١.\n(٤) رواية الكلبي عن ابن عباس في \"تنوير المقباس\" ص ٢١٩ موافقة للقول الأول، ولم أجد من ذكر قول الكلبي هذا.\n(٥) ذكره المؤلف في \"الوسيط\" ٢/ ٥٥٨، وبنحوه رواه ابن جرير ١١/ ١٦٦ من رواية عطية العوفي.\n(٦) انظر: \"الصحاح\" (بدن) ٥/ ٢٠٧٧، \"مجمل اللغة\" (بدن) ١/ ١١٩.\n(٧) \"تهذيب اللغة\" (بدن) ١/ ٢٩٥، والنص في كتاب \"العين\" (بدن) ٨/ ٥١.\n(٨) \"تهذيب اللغة\"، الموضع السابق.\n(٩) البيت لكعب بن مالك في \"تفسير القرطبي\" ٨/ ٣٨٠، \"فتح القدير\" للشوكاني ٢/ ٦٨١، وبلا نسبه في \"البحر المحيط\" ٥/ ١٨٩، \"الدر المصون\" ٦/ ٢٦٥، وليس في \"ديوانه\". =","vol":"11","page":307},{"text":"هذا قول ابن عباس قال: كانت عليه درع من ذهب يعرف بها وهو البدن (١)، والمعنى على هذا: إنا نرفع فرعون فوق الماء بدرعه المشهورة ليعرفوه بها أو نخرجه من الماء بدرعه، على الخلاف في ﴿نُنَجِّيكَ﴾.\nوقال آخرون: معنى البدن هاهنا جسده بغير روح (٢)، روى ابن أبي نجيح عن مجاهد ﴿بِبَدَنِكَ﴾ قال: معناه بجسدك (٣)، ونحوه قال الكلبي (٤).\nوقال بعض المفسرين: إنه طفا عريانًا، وكان ناجيًا ببدنه المجرد لينظر إليه نكالًا من كان يعتقده إلهًا (٥)، قال ابن الأنباري: وعلى هذا القول أهل التفسير (٦)، والقول الأول في البدن [عليه أهل اللغة واختاره الكسائي (٧) أيضًا.\nوقوله تعالى: ﴿لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾] (٨)، قال الكلبي: لتكون\n_________\n= والأبدان: الدروع، واليلب: الدروع اليمانية، كانت تتخذ من الجلود يخرز بعضها على بعض، وهو اسم جنس، والواحدة: يلبة. \"الصحاح\" (يلب) ١/ ٢٤٠.\n(١) \"الوسيط\" ٢/ ٥٥٨، \"مفاتيح الغيب\" ١٧/ ١٦٤.\n(٢) انظر: \"تفسير ابن جرير\" ١١/ ١٦٦، والثعلبي ٧/ ٢٧ أ، والبغوي ٤/ ١٤٩، والزمخشري ٢/ ٢٥٢، \"الدر المنثور\" ٣/ ٥٧٠، واختاره الأخفش ورد القول الأول، انظر كتاب \"معاني القرآن\" ١/ ٣٧٨.\n(٣) رواه ابن جرير ١١/ ١٦٦، وابن أبي حاتم ٦/ ١٩٨٣، وابن المنذر وابن الأنباري في \"المصاحف\"، وأبو الشيخ كما في \"الدر المنثور\" ٣/ ٥٧٠.\n(٤) لم أقف عليه، ورواية الكلبي في \"تنوير المقباس\" ص ٢١٩ توافق القول السابق، وأن المراد بالبدن الدرع.\n(٥) هذا قول الزجاج في \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٣٢.\n(٦) يعني القول بأن المراد بالبدن الجسد.\n(٧) انظر: \"تفسير الثعلبي\" ٧/ ٢٧ أ.\n(٨) ما بين المعقوفين ساقط من (ى).","vol":"11","page":308},{"text":"نكالًا لمن خلفك فلا يقولوا مثل مقالتك (١).\nقال أبو بكر: وتلخيص الحرف (٢): لتكون لمن بعدك من الأمم عبرة، وأمرًا (٣) معجوبًا منه معتبرًا به (٤).\nوقال أبو إسحاق: وإنما كان ذلك آية؛ لأنه كان يدعي أنه رب وكان يعبده قوم (٥)، فبين الله -﷿- أمره وأنه عبد، وفيه من الآية أن غرق مع وأخرج هو من بينهم فكان في ذلك آية (٦).\nوقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾ الناس (٧) هاهنا عامة، وقوله: ﴿عَنْ آيَاتِنَا﴾ أي: عن الإيمان بآياتنا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1583>٩٣ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ﴾ ذكرنا معنى ﴿بَوَّأْنَا﴾ عند قوله: ﴿تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ﴾ [آل عمران: ١٢١]، وقال أبو زيد: بوأت فلانًا منزلًا تبوئةً وتبوُّئًا (٨)، والاسم: البيئة (٩) (١٠)، وقال أبو\n_________\n(١) \"الوسيط\" ٢/ ٥٥٩، وذكره ابن الجوزي ٤/ ٦١، عن أبي صالح، عن ابن عباس، وهو سند الكلبي في \"تفسيره\"، وليس للكلبي أقوال في التفسير بل نسب ذلك كله إلى ابن عباس.\nوقد ذكره أيضًا بنحوه الفيروزأبادي في \"تنوير المقباس\" ص ٢١٩، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس.\n(٢) في (م): (الحدف).\n(٣) ساقط من (ى).\n(٤) لم أقف عليه\n(٥) في المصدر: قومه.\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٣٢.\n(٧) ساقط من (ى).\n(٨) في \"تهذيب اللغة\"، \"اللسان\": تبويئًا.\n(٩) في \"تهذيب اللغة\" المباءة.\n(١٠) \"تهذيب اللغة\" (باء) ١/ ٢٤٦، \"لسان العرب\" (بوأ) ١/ ٣٨٢ هع اختلاف يسير.","vol":"11","page":309},{"text":"علي: قوله: ﴿مُبَوَّأَ صِدْقٍ﴾ يجوز أن يكون مصدرًا، أي تبوّؤ (١) صدق، ويكون المفعول الثاني محذوفًا، ويجوز أن يكون مفعولًا ثانيًا فيجعل المبوأ اسمًا غير ظرف كما قال الشاعر (٢):\nوأنت مكانك من وائل ... مكان القراد من است الجمل (٣)\nومعنى (صدق) هاهنا أن العرب إذا مدحت شيئًا أضافته إلى الصدق؛ لأن الصدق محمود في الأحوال كلها؛ فتقول: رجل صدق؛ [وقدم صدق] (٤)، وفلان صديقك الصدق (٥).\nوقال بعض أهل المعاني: معناه أن هذا المنزل يصدق فيما يدل عليه من جلالة النعمة (٦)، قال ابن عباس في قوله: ﴿وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ قال: يريد: قريظة والنضير وبني قينقاع، ﴿مُبَوَّأَ صِدْقٍ﴾، قال: يريد: أنزلناهم منزل صدق ما بين المدينة والشام، ﴿وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾، قال:\n_________\n(١) في (م): (تبؤى)، وفي بقية النسخ: (تبوي)، وآثرت الرسم المثبت لمناسبته للحركة، وانظر: \"الحجة\" ٤/ ٣١٠، وكلام المحقق في الحاشية رقم (٢).\n(٢) اختلف في قائل هذا البيت، فهو في \"ديوان جرير\" ص ٤٨٦، وهو للأخطل في \"الأغاني\" ٨/ ٢٨، \"خزانة الأدب\" ١/ ٤٦٠، \"سمط اللآلي\" ص ٨٥٤، \"العقد الفريد\" ٣/ ٣٦٠، وليس في \"ديوان الأخطل\".\nوله أو لعتبة بن الوغل في \"شرح أبيات سيبويه\" للسيرافي ١/ ٣٧٨.\nوالبيت لعتبة بن الوغل في \"المؤتلف والمختلف\" للآمدي ص ٨٤، ونسب أيضًا لكعب ابن جعيل في \"خزانة الأدب\" ١/ ٤٦٠، وهو من شواهد سيبويه ١/ ٤١٧ بلا نسبة.\n(٣) اهـ. كلام أبي علي، انظر: \"الحجة\" ٤/ ٣١٠.\n(٤) ما بين المعقوفين ساقط من (ح) و(ز).\n(٥) في (ى): (صدق). وانظر: \"تهذيب اللغة\" (صدق) ٢/ ١٩٩٠ - ١٩٩١.\n(٦) لم أقف عليه.","vol":"11","page":310},{"text":"يريد: من أرض يثرب من النخل وما فيها من الرطب والتمر الذي ليس في البلاد مثلها طيبًا (١).\nوقال بعض أهل المعاني: قد دلت الآية على اتساع أرزاقهم (٢).\nوعلى هذا التفسير يريد ببني إسرائيل: اليهود الذين كانوا في زمان النبي - ﷺ -، وذهب قوم إلى أنه أراد الذين كانوا في زمن موسى فمن بعدهم فقالوا في قوله: ﴿مُبَوَّأَ صِدْقٍ﴾ يعني الشام ومصر (٣)، وهو قول الضحاك (٤).\nوقال قتادة: الشام وبيت المقدس (٥).\nوقال الحسن: مصر، وهو منزل صالح خصيب آمن (٦)، والصحيح قول ابن عباس؛ لأن قوله: ﴿فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جَاءَهُمُ الْعِلْمُ﴾ من صفة الذين كانوا في عهد النبي - ﷺ - (٧)، فكذلك ما قبله.\n_________\n(١) \"الوسيط\" ٢/ ٥٥٩، \"مفاتيح الغيب\" ١٧/ ١٦٥.\n(٢) لم أقف عليه.\n(٣) انظر: \"تفسير ابن جرير\" ١١/ ١٦٦، والسمرقندي ٢/ ١١٠، والثعلبي ٧/ ٢٧ أ، والبغوي ٤/ ١٤٩، وابن الجوزي ٤/ ٦٣.\n(٤) رواه ابن جرير ١١/ ١٦٦، وابن أبي حاتم ٦/ ١٩٨٥، والثعلبي ٧/ ٢٧ أ، والبغوي ٤/ ١٤٩.\n(٥) رواه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ١/ ٢/ ٢٩٧، وابن جرير ١١/ ١٦٦، وابن أبي حاتم ٦/ ١٩٨٥.\n(٦) ذكره مختصرًا هود بن محكم في \"تفسيره\" ٢/ ٢٠٧.\n(٧) وإلى هذا ذهب ابن جرير ١١/ ١٦٧، والثعلبي ٧/ ٢٧/ أ، والبغوي ٤/ ١٥٠، وغيرهم. وذهب السمرقندي ٢/ ١١٠، والزمخشري ٢/ ٢٥٢، وابن عطية ٧/ ٢١٦، والرازي ١٧/ ١٥٩ إلى أن هذا من صفة اليهود السابقين الذين كانوا على عهد موسي -﵇- والمعني: ما اختلف بنو إسرائيل في دينهم وما تفرقوا فيه إلا من =","vol":"11","page":311},{"text":"وعلى (١) قول هؤلاء يحمل أول الآية على العموم وآخرها على الخصوص (٢)، ومعنى ﴿فَمَا اخْتَلَفُوا﴾ أي: في تصديق النبي - ﷺ - وأنه نبي حق مبعوث (٣).\nقال المفسرون: كانوا يخبرون بمبعث محمد (٤) - ﷺ -، ويفخرون على سائر الناس بما يعلمونه من صدقه وخروجه والدخول في جملته، حتى بُعث فكذبوه حسدًا وبغيًا وإيثارًا لبقاء الرئاسة، وآمن فريق منهم وصدقه، فذلك اختلافهم حين جاءهم العلم (٥).\n_________\n= بعد ما جاءهم العلم بالدين الحق عن طريق التوراة وتعاليم موسى، وعلموا أن الاختلاف مذموم، فهو اختلاف عناد ومكابرة وإعراض عن الحق.\n(١) في (ح) و(ز): (فعلى)، والصواب ما أثبته.\n(٢) بل من حمل أول الآية على العموم وقال إن المراد هم جميع بني إسرائيل الذين على عهد موسى -﵇-، حمل آخرها أيضًا على العموم وقال بأن المختلفين هم قوم موسى، انظر المراجع السابقة، نفس المواضع.\n(٣) هذا على قول ابن عباس المذكور ومن وافقه في المراد ببني إسرائيل، أما من قال بالعموم فقد حمل الاختلاف المذكور على العموم، قال السمرقندي ٢/ ١١٠: فما اختلفوا في الدين حتى جاءهم البيان، يعني جاءهم موسى -﵇- بعلم التوراة. وقال الزمخشري ٢/ ٢٥٢: (فما اختلفوا) في دينهم وما تشعبوا فيه شعبًا إلا من بعد ما قرءوا التوراة وكسبوا العلم بدين الحق، ولزمهم الثبات عليه واتحاد الكلمة، وعلموا أن الاختلاف فيه تفرق عنه. وقال ابن عطية ٧/ ٢١٦: إن بني إسرائيل لم يكن لهم اختلاف على موسى في أول حاله فلما جاءهم العلم والأوامر وغرف فرعون اختلفوا.\n(٤) في (ى): (النبي).\n(٥) انظر: \"تفسير ابن جرير\" ١١/ ١٦٧، والثعلبي ٧/ ٢٧ ب، والبغوي ٤/ ١٥٠، وابن الجوزي ٤/ ٦٣.","vol":"11","page":312},{"text":"قال ابن عباس: يريد القرآن الذي جاء به محمد - ﷺ - (١) وعلى هذا، القرآن سمي علمًا؛ لأنه دليل مؤد إلى العلم، وقال الفراء: العلم يعني به محمدًا - ﷺ - وصفته (٢)، وعلى هذا أريد بالعلم المعلوم، وذلك أنهم كانوا يعملونه قبل خروجه بنعته وصفته حق العلم، هذا الذي ذكرنا مذهب عامة أهل التأويل (٣).\nوقال الحسن (٤) وابن زيد (٥): قوله: ﴿فَمَا اخْتَلَفُوا﴾ يعني أنهم كانوا قبل مبعث محمد - ﷺ - كانوا كفارًا كلهم، حتى جاءهم العلم فاختلفوا بأن آمن فريق وكفر فريق، فنفي الاختلاف في القول الأول يعود إلى التصديق بمحمد - ﷺ - قبل مبعثه، وفي قول الحسن وابن زيد نفي الاختلاف عن كفرهم ثم ظهر الاختلاف بإيمان بعضهم، والقول هو الأول.\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾، قال ابن عباس: يريد: من أمرك (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1584>٩٤ </span>- قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ﴾ الآية، معنى الشك في موضوع (٧) اللغة: ضم بعض الشيء إلى بعض، يقال: شك\n_________\n(١) \"الوسيط\" ٢/ ٥٥٩، \"زاد المسير\" ٤/ ٦٣، ورواه الفيروزأبادي في \"تنوير المقباس\" ص ٢١٩ بنحوه.\n(٢) \"معاني القرآن\" ١/ ٤٧٨.\n(٣) يعني الذين ذهبوا مذهبه في المراد ببني إسرائيل هنا، وقد سبق ذكر الخلاف.\n(٤) ساقط من (ح) و(ز) ولم أقف على قوله، وقد ذكر هذا القول بلا نسبة الرازي في \"تفسيره\" ١٧/ ١٥٩.\n(٥) روى قوله ابن جرير ١١/ ٦٧ بمعناه.\n(٦) ذكره المؤلف في \"الوسيط\" ٢/ ٥٥٩ بلا نسبة.\n(٧) في (ح) و(ز): (موضع).","vol":"11","page":313},{"text":"الجواهر في العقد: إذا ضم بعضها إلى بعض، وشككت الصيد: إذا رميته فنظمت يده إلى يده أو رجله إلى رجله، لا يكون الشك إلا كذلك والشكائك من الهوادج (١): ما شك بعضها في بعض، والشكاك: البيوت المصطفة، والشكائك الأدعياء؛ لأنهم يشكون أنفسهم إلى قوم ليسوا منهم، أي: يضمون، وشك الرجل في السلاح إذا دخل فيه وضمه إلى نفسه [وألزمه إياها (٢)، فإذا قالوا شك فلان في الأمر أرادوا أنه وقف نفسه] (٣) (٤) بين شيئين فيجوّز هذا (٥) ويجوّز ذاك، فهو يضم إلى ما يتوهمه شيئًا آخر خلافه (٦).\nواختلفوا في هذا الخطاب لمن هو؟ فقال أكثر أهل العلم: هذا الخطاب للرسول -﵇- والمراد غيره من الشكاك (٧)؛ لأن القرآن نزل عليه بمذاهب العرب كلها، وهم قد يخاطبون الرجل بالشيء يريدون غيره،\n_________\n(١) الهودج: مركب للنساء يصنع من العصي ثم يجعل فوقه الخشب فيقبب. انظر: \"لسان العرب\" (هدج) ٨/ ٤٦٣٠ - ٤٦٣١.\n(٢) أي ألزم نفسه السلاح.\n(٣) ما بين المعقوفين ساقط من (ح) و(ز).\n(٤) في (ح) و(ز): (من).\n(٥) ساقط من (ى).\n(٦) انظر: \"تهذيب اللغة\" (شك) ٢/ ١٩١٤ - ١٩١٥، \"اللسان\" (شك) ٤/ ٢٣٠٩ - ٢٣١٠.\n(٧) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٢، \"تفسير ابن جرير\" ١١/ ١٦٨ - ١٦٩، \"غريب القرآن\" لابن قتيبة ص ٢٠٤ - ٢٠٥، \"تأويل مشكل القرآن\" له ص ٢٧٠، \"معاني القرآن\" للنحاس ٣/ ٣١٦، \"المحرر الوجيز\" ٧/ ٢١٧.","vol":"11","page":314},{"text":"وكذلك يقول متمثلهم: إياك أعني واسمعي يا جارة (١)، ومثل هذا قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ﴾ [الأحزاب: ١] الآية، الخطاب للنبي - ﷺ - والمراد بالوصية والعظة المؤمنون، يدل علي ذلك قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢] ولم يقل بما تعمل.\nوقال أبو إسحاق: إن الله -﷿- يخاطب النبي - ﷺ - وذلك الخطاب شامل للخلق، والمعنى فإن كنتم في شك فاسألوا (٢)، والدليل علي ذلك قوله في آخر السورة: ﴿إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ﴾ [يونس: ١٠٤] الآية، فَأعْلَم الله أن نبيه ليس في شك، وأمره أن يتلو عليهم ذلك، وهذا أحسن الأقوال. انتهى كلامه (٣)، وهذا (٤) الذي ذكرنا مذهب ابن عباس (٥)، والحسن (٦)، وأكثر أهل التأويل (٧).\nقال ابن عباس في هذه الآية: لم يرد النبي - ﷺ -؛ لأنه لم يشك في الله، ولا فيما أوحى إليه، ولكن يريد من آمن به وصدقه، أمرهم أن يسألوا لئلا ينافقوا كما شك المنافقون.\n_________\n(١) المثل يضرب لمن يتكلم بكلام ويقصد به شيئًا آخر، انظر: \"مجمع الأمثال\" ١/ ٨٣، \"جمهرة الأمثال البغدادية\" ١/ ٥٥٦.\n(٢) في (ح) و(ز): (قالوا)، وهو خطأ.\n(٣) انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٣٢ بتصرف واختصار.\n(٤) في (ح) و(ز): (وهو)، وهو خطأ.\n(٥) سيأتي تخريج قوله.\n(٦) رواه ابن الأنباري في \"المصاحف\" كما في \"الدر المنثور\" ٣/ ٥٧١.\n(٧) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٢، \"تفسير ابن جرير\" ١١/ ١٦٨ - ١٦٩، \"غريب القرآن\" لابن قتيبة ص ٢٠٤ - ٢٠٥، \"تأويل مشكل القرآن\" له ص٢٧٠، \"معاني القرآن\" للنحاس ٣/ ٣١٦، \"المحرر الوجيز\" ٧/ ٢١٨.","vol":"11","page":315},{"text":"وقال ابن قتيبة: الناس كانوا في عصر النبي - ﷺ - أصنافًا؛ منهم كافر به مكذب لا يرى إلا أن ما جاء به الباطل، وآخر: مؤمن به مصدق يعلم أن ما جاء به الحق، وشاك في الأمر لا يدري كيف هو، فهو يقدم رجلًا ويؤخر رجلًا، فخاطب الله هذا الصنف من الناس فقال: فإن كنت أيها الإنسان (١) في شك مما أنزلنا إليك من الهدى على لسان محمد - ﷺ - فأسأل، قال: ووحد وهو يريد الجمع، كما قال: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ [الانفطار: ٦]، و﴿أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ﴾ [الانشقاق: ٦]، ﴿فَإِذَا (٢) مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ﴾ [الزمر: ٤٩]، ولم يرد في جميع هذا (٣) إنسانًا بعينه إنما هو لجماعة الناس، قال: وهذا وإن كان جائزًا حسنًا، فإن المذهب الأول (٤) أعجب إليّ؛ لأن الكلام اتصل حتى قال: ﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٩٩]، وهذا لا يجوز أن يكون إلا لرسول الله - ﷺ - (٥)، فجعل ابن قتيبة (٦) هذا الذي ذكره جوابًا آخر، ثم (٧) اعترض عليه بما ذكر، والأولى أن يقال: الخطاب للنبي - ﷺ - والمراد به هذا الصنف الشاك الذي ذكره ابن قتيبة، فيكون هذا تأكيدًا وبيانًا للقول الأول، ويسقط ذلك الاعتراض الذي ذكر. وذكروا في هذه الآية أقوالًا متكلفة بعيدة فلم\n_________\n(١) في (ى): (الناس)، وهو خطأ.\n(٢) في (م): (وإذا)، وهو صواب موافق للآية ٨ من سورة الزمر.\n(٣) في (ى): (هذا الجميع).\n(٤) \"الوسيط\" ٢/ ٥٥٩، ومعناه في \"تنوير المقباس\" ص ٢١٩.\n(٥) يعني أن الخطاب للرسول - ﷺ - والمراد غيره.\n(٦) \"تأويل مشكل القرآن\" ص ٢٦٩ - ٢٧٤ باخصار.\n(٧) ساقط من (ح) و(ز).","vol":"11","page":316},{"text":"أحكها (١).\nوقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ﴾، قال ابن عباس (٢)، والضحاك (٣)، ومجاهد (٤)، وابن زيد (٥): يعني من آمن من أهل، الكتاب، كعبد الله بن سلام وأصحابه فسيشهدون (٦) على صدق محمد - ﷺ - ويخبرونك بنبوته، وما قدمه الله في الكتب من ذكره، وباقي الآية والتي تليها (٧) حكمه على ما ذكرنا من أنه خطاب للنبي - ﷺ - والمراد به غيره من الشاكين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1585>٩٦ </span>- قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾،\n_________\n(١) ذكر النحاس في \"معاني القرآن\" ٣/ ٣١٦ أربعة أقوال، وذكر الثعلبي ٧/ ٢٧، ٢٨ ثمانية أقوال، وكذلك الرازي ١٧/ ١٦٠ - ١٦١، ولأبي حيان توجيه بديع للآية حيث قال: والذي أقوله: إِنّ (إنْ) الشرطية تقتضي تعليق شيء على شيء، ولا تستلزم تحتم وقوعه ولا إمكانه، بل قد يكون ذلك في المستحيل عقلًا كقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ [الزخرف: ٨١]، ومستحيل أن يكون له ولد، فكذلك هذا مستحيل أن يكون في شك، ولما خفي هذا الوجه على أكثر الناس اختلفوا في تخريج هذه الآية. \"البحر المحيط\" ٥/ ١٩١.\n(٢) رواه ابن جرير ١١/ ١٦٨، والبغوي ٤/ ١٥٠، وأبو الشيخ عن الحسن كما في \"الدر\" ٣/ ٥٧١.\n(٣) رواه ابن جرير ١١/ ١٦٨، وابن أبي حاتم ٦/ ١٩٨٦، والبغوي ٤/ ١٥٠.\n(٤) رواه ابن جرير والبغوي، في الموضع السابق نفسه.\n(٥) رواه ابن جرير وابن أبي حاتم، في الموضع السابق نفسه.\n(٦) في (ى): (فيشهدون).\n(٧) يعني قوله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (٩٤) وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾.","vol":"11","page":317},{"text":"قال ابن عباس: قول ربك بالسخط عليهم (١)، وقال قتادة: سخط ربك بما عصوه (٢)، وقال أهل المعاني: معنى (حقت عليهم [كلمة ربك) أي: وقعت على تحقيق من غير شرط ولا تقييد بأنهم لا يؤمنون، والمعنى: إن الذين حقت عليهم] (٣) الكلمة (٤) بأنهم لا يؤمنون [لا يؤمنون] (٥) ولو جاءتهم كل آية (٦)، وقال مقاتل: وجبت عليهم كلمة العذاب (٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1586>٩٧ </span>- ومعنى ﴿وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ﴾، قال المفسرون: كانوا يسألون رسول الله - ﷺ - أن يأتيهم بالآيات حتى يؤمنوا، [فقال الله: (لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية حتى يروا] (٨) العذاب الأليم) فلا ينفعهم حينئذ إيمانهم كما لم ينفع فرعون إيمانه حين أدركه الغرق.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1587>٩٨ </span>- قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا﴾ الآية، في هذه الآية طريقان:\nأحدهما: وهو طريق المفسرين أن (لولا) معناها (٩) النفي، قال أبو مالك صاحب ابن عباس: كل ما في كتاب الله من ذكر (لولا) فمعناها:\n_________\n(١) \"الوسيط\" ٢/ ٥٦٠، وبنحوه رواه ابن أبي حاتم ٦/ ١٩٨٦.\n(٢) رواه ابن جرير ١١/ ١٦٨، وابن أبي حاتم ٦/ ١٩٨٦، والبغوي ٤/ ١٥١.\n(٣) ما بين المعقوفين ساقط من (ز).\n(٤) في (ى): (كلمة العذاب).\n(٥) ما بين المعقوفين ساقط من جميع النسخ عدا (م) ولا يتم المعنى إلا بها.\n(٦) لم أقف عليه.\n(٧) \"تفسير مقاتل بن سليمان\" ١٤٣ أ.\n(٨) ما بين المعقوفين ساقط من (ى).\n(٩) في (م): (معناه).","vol":"11","page":318},{"text":"(هلَّا)، إلا حرفين ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا﴾ معناها: فما كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها، وكذلك ﴿فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [هود: ١١٦] معناه فما كان من القرون (١).\nوقال ابن عباس في رواية عطاء: فما كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس: قال: يريد لم أفعل هذا بأمة قط ﴿إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا﴾ عند نزول العذاب، كشفنا عنهم العذاب (٢) (٣).\nوقال قتادة في هذه الآية: لم يكن هذا معروفًا لأمة من الأمم؛ كفرت ثم آمنت عند نزول العذاب فكشف عنهم، إلا قوم يونس كشف عنهم العذاب بعد ما تدلى عليهم (٤).\nوقال مقاتل: كان العذاب فوق رؤوسهم قدر ميل (٥).\nوقال ابن الأنباري (٦): كشف الله عنهم العذاب وقَبِل توبتهم لما علم من حسن نيتهم وأنهم يقيمون على شكره وحمده، ولا يزالون يوحدونه\n_________\n(١) ذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٣/ ٥٧٢، ونسبه لابن أبي حاتم، ورواه ابن أبي حاتم في تفسير سورة يونس ٦/ ١٩٨٧ مختصرًا.\n(٢) ساقط من (م) و(ى).\n(٣) \"الوسيط\" ٢/ ٥٦٠، ورواه بمعناه ابن جرير ١١/ ١٧١ من رواية عطاء الخراساني، ورواه أيضًا ابن المنذر وأبو الشيخ كما في \"الدر المنثور\" ٣/ ٥٧٢.\n(٤) رواه بنحوه ابن جرير ١١/ ١٧٠ - ١٧٢، وابن أبي حاتم ٦/ ١٩٨٨، وابن المنذر وأبو الشيخ كما في \"الدر المنثور\" ٣/ ٥٧٢.\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ص ١٤٣ أ.\n(٦) ذكر قوله مختصرًا ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٤/ ٦٧.","vol":"11","page":319},{"text":"ويعبدونه ويتأسفون (١) على ما فرط (٢) منهم من الكفر، بخلاف ما علم من سوء نيات الأمم المهلكين، يدل على صحة ما ذكرنا (٣) ما روي عن ابن مسعود أنه قال: بلغ من توبتهم أن ترادوا المظالم بينهم حتى إن كان الرجل ليأتي الحجر وقد وضع عليه أساس بنيانه فيقتلعه (٤) فيرده (٥).\nوانتصب قوله تعالى: ﴿إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ﴾ على أنه استثناء منقطع من الأول؛ لأن أول الكلام جرى على القرية وإن كان المراد أهلها، ووقع استثناء القوم من القرية فكان كقوله (٦):\n_________\n(١) في (ح) و(ز): (ينافسون)، وهو خطأ.\n(٢) في (ى) فرطوا، وهو خطأ، ومعنى فرط: سبق وتقدم. انظر: \"لسان العرب\" (فرط) ٦/ ٣٣٨٩.\n(٣) في (ى): (هذا).\n(٤) في (م): (فيقلعه)، وما أثبته موافق لما في \"تفسير القرطبي\".\n(٥) ذكره القرطبي في \"تفسيره\" ٨/ ٣٨٤، وبنحوه الزمخشري ٢/ ٢٥٤، والرازي ١٧/ ١٦٥، ورواه بمعناه ابن جرير ١١/ ١٧٠ - ١٧٢، وابن مردويه كما في \"الدر المنثور\" ٣/ ٥٧٣.\n(٦) هو النابغة الذبياني وما ذكره المؤلف بعض بيتين نصهما:\nوقفت فيها أصيلالًا أسائلها ... عيت جوابًا وما بالربع من أحد\nإلا الأواريّ لأيًا ما أبينها ... والنُّؤْيُ كالحوض بالمظلومة الجلد\nانظر: \"ديوانه\" ص ٩، \"إصلاح المنطق\" ص ٤٧، \"الإنصاف\" ص ٢٣٤، \"خزانة الأدب\" ٤/ ١٢٢، \"كتاب سيبويه\" ٢/ ٣٢١. وقوله: اصيلالًا: أي عشاء، وذلك أن الأصيل هو العشي، وجمعه أُصُل (بضمتين) وأُصْلان (بضم فسكون) ثم صغروه فقالوا: أصيلان، ثم أبدلوا من النون لامًا فقالوا: أُصيلالا. قوله: عيت: أي عجزت عن الكلام. والأوارى: جمع آريّ: وهو محبس الدابة. ولأيًا: أي بعد جهد وإبطاء. والنؤْي: الحاجز من تراب حول البيت.","vol":"11","page":320},{"text":"وما بالربع من أحد\nإلا أواريَّ .................\nوذكر صاحب النظم أوجهًا سوى هذا، وهو أنه قال: معنى (لولا): هلا، وهلا: حث على الشيء، ويكون تبكيتًا وتنديمًا على فأئت، وفي ذلك دليل بالاعتبار على أنه لم يكن، فقوله: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ﴾ أي: لم تكن آمنت عند حلول العذاب فنفعها إيمانها، ثم استثنى قوم يونس فقال: (إلا قوم يونس) (١) وإنما نصب وقبله معنى جحد ونفي؛ لأنه لم يجىء على لفظ [النفي والجحد، وإنما جاء على لفظ] (٢) التبكيت والخبر، ولو كان نفيًا خالصًا لكان رفعًا، قال: وقد يكون نصبه على أن الكلام تم وانقطع عن قوله: ﴿فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا﴾ ثم جاء قوله: ﴿إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ﴾ بعد التمام كما نصب [من قرأ (ما فعلوه إلا قليلا منهم) [النساء: ٦٦] بالنصب (٣)] (٤)، وقد شرحنا وجه النصب هناك (٥) وأنه إنما\n_________\n= والمظلومة: الأرض التي حفرت ولم تكن حفرت من قبل، وهو يعني أرضًا مروا بها في برية فتحوضوا حوضًا سقوا فيه إبلهم وليست بموضع تحويض. والجلد: الأرض الصلبة المستوية المتن الغليظة. انظر: \"لسان العرب\" (أصل وعيى وأري ولأي وظلم وجلد).\n(١) ساقط من (م).\n(٢) ما بين المعقوفين ساقط من (م).\n(٣) وهي قراءة ابن عامر وحده، وكذا هو في مصحف الشام. انظر كتاب \"السبعة\" ص ٢٣٥، \"إرشاد المبتدي\" ص ٢٨٥، \"النشر\" ٢/ ٢٥٠.\n(٤) ما بين المعقوفين ساقط من (ى).\n(٥) السياق يدل على أن القائل هو الجرجاني صاحب \"نظم القرآن\"، وقد شرح المؤلف وجه النصب عند تفسير الآية، فهي جملة اعتراضية من المؤلف.","vol":"11","page":321},{"text":"يجوز النصب بعد النفي إذا كان ما قبله كلامًا تامًا كقولك ما مر بي أحدٌ إلا زيدًا، [ولا يجوز ما مر بي إلا زيدًا] (١)، قال: وقد قيل إن نصبه علي أن يكون مستثنى من قوله: ﴿فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا﴾ على تأويل: لم ينفع قرية آمنت إيمانها إلا قوم يونس، أي: أن الإيمان نفع قوم يونس لما آمنوا.\nهذا الذي ذكرنا طريقة المفسرين (٢).\nالثاني: وهو طريقة الزجاج، وذكرها ابن الأنباري أيضًا، وهو أن معنى الآية حث على الإيمان حين ينفع الإيمان، يقول (٣): هلا كانت قرية آمنت في وقت ينفعهم الإيمان.\nوهذا تبكيت لفرعون؛ لأنه آمن لما أدركه الغرق فلم ينفعه، يدل على صحة هذا المعنى أن هذه الآية ذكرت عقيب قصته، وعلى هذا (لولا) يكون على ما هو موضوع له.\nوقوله تعالى: ﴿إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ﴾، قال الزجاج: وقوم يونس -والله أعلم- لم يقع بهم العذاب، إنما رأوا الآية التي تدل على العذاب فلما آمنوا كشف عنهم، ومثل ذلك العليل الذي يتوب في مرضه وهو يرجو في مرضه العافية ويخاف (٤) الموت فتوبته صحيحة.\n_________\n(١) ما بين المعقوفين ساقط من (م).\n(٢) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٤٧٩، \"تفسير ابن جرير\" ١١/ ١٧٠ - ١٧٢، والسمرقندي ٢/ ١١١، والثعلبي ٧/ ٢٨ ب، والبغوي ٤/ ١٥١.\n(٣) يعني الزجاج، انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٣٤، ولم أقف على قول ابن الأنباري.\n(٤) في \"معاني القرآن وإعرابه\" المطبوع: ولا يخاف، والصحيح ما أثبته المؤلف، بل إن توبة المريض صحيحة ولو لم يرج العافية، ما لم يغرغر وتبلغ روحه حلقومه، =","vol":"11","page":322},{"text":"وقال ابن الأنباري: قوم يونس تابوا (١) بعد آية ظهرت لهم تدل على قرب العذب، ولو عاين القوم العذاب كانت قصتهم في الهلكة قصة عاد وثمود، وعلى هذا قوله: ﴿إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ﴾ من الاستثناء المنقطع؛ معناه: لكن قوم يونس لما آمنوا في وقت ينفعهم الإيمان ﴿كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [قال ابن عباس: يريد: سخط الله في الحياة الدنيا (٢)] (٣)، وقال أهل المعاني: عذاب الهوان (٤) الذي يفضح صاحبه (٥)، ﴿وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾، قال ابن عباس: يريد حين آجالهم (٦).\n_________\n= وقد دل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ [النساء: ١٨]، وقول الرسول - ﷺ - \"إن الله ﷿ يقبل توبة العبد ما لم يغرغر\"، رواه الترمذي (٣٥٣٧) كتاب الدعوات، باب: في فضل التوبة، وقال: حسن غريب.\nرواه أيضًا أحمد في \"المسند\" ٢/ ١٣٢، والحاكم في \"المستدرك\" ٤/ ٢٥٧، وصححه، ووافقه الذهبي، وحسنه الألباني كما في \"صحيح الجامع الصغير\" (١٩٠٣). انظر: \"تفسير الطبري\" ١١/ ١٧٠ - ١٧٢، \"شرح صحيح مسلم\" ١/ ٢١٣، \"تفسير القرطبي\" ٥/ ٩٢، \"محاسن التأويل\" ٥/ ١١٥٥.\nوكلام الزجاج هذا في \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٣٤.\n(١) في (ح) و(ز): (قالوا)، وهو خطأ.\n(٢) \"الوسيط\" ٢/ ٥٦٠.\n(٣) ما بين المعقوفين ساقط من (ى).\n(٤) في (م): (الهون).\n(٥) لم أقف عليه عند أهل المعاني، وانظر القول بنحوه في: \"بحر العلوم\" ٢/ ١١٢، \"زاد المسير\" ٤/ ٦٥.\n(٦) \"الوسيط\" ٢/ ٥٦٠، وبمعناه رواه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٦/ ١٩٩٠.","vol":"11","page":323},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1588>٩٩ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ﴾ الآية، قال ابن عباس: كان رسول الله - ﷺ - حريصًا على أن يؤمن جميع الناس ويتابعوه على الهدى، فأخبره الله أنه لا يؤمن إلا من سبق له من الله [سعادة في الذكر الأول، ولا يضل إلا من سبق له من الله] (١) الشقاء (٢) في الذكر الأول (٣)، وروي عنه أيضًا أنه قال (٤): كان رسول الله - ﷺ - حريصًا على إسلام أبي طالب، فأبى الله عليه إلا من علم في سابق علمه (٥)، وقال في قوله: ﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ﴾ يريد أبا طالب (٦).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1589>١٠٠ </span>- قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ قد مضى الكلام في مثل هذه اللام عند قوله: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ [آل عمران: ١٦١]، و﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ [التوبة: ١١٣]، و﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ﴾ [الأنفال: ٣٣]، ومعنى ﴿إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾، قال ابن\n_________\n(١) ما بين المعقوفين ساقط من (ى).\n(٢) في (ى): (شقاوة)، وما أثبته موافق لما في \"تفسير ابن جرير\"، وقوله: (من الله الشقاء) ساقط من (ح) و(ز).\n(٣) رواه ابن جرير في \"تفسيره\" ١١/ ١٧٣، والبيهقي في كتاب \"الأسماء والصفات\" ١/ ١٤٧، وفي كتاب \"الاعتقاد\" ص ١٠٦، والثعلبي في \"تفسيره\" ٧/ ٣٠ ب، وهو من رواية علي بن أبي طلحة.\n(٤) ساقط من (ح) و(ز).\n(٥) رواه بنحوه الفيروزأبادي في \"تنوير المقباس\" ص ٢١٩، وبمعناه أبو سهل السري بن سهل كما في \"الدر المنثور\" ٦/ ٤٢٩، وأصله في \"صحيح مسلم\" (٢٤، ٢٥) كتاب الإيمان، باب: الدليل على صحة إسلام من حضره الموت ما لم يشرع في النزع من حديث المسيب وأبي هريرة.\n(٦) انظر: \"تنوير المقباس\" ص ٢٢٠.","vol":"11","page":324},{"text":"عباس في رواية عطاء وهو قول عطية: إلا ما سبق لها (١) في قضاء الله وقدره (٢)، وقال عطاء (٣): بمشيئة الله (٤).\nوقال أبو إسحاق: وما كان لنفس الوصلة إلى الإيمان إلا بتوفيق الله -﷿- وهو إذنه (٥)، وهذا قول الكناني (٦)، قال ابن الأنباري: لأنه ليس كل مأمور بالإيمان يوفق للقبول (٧).\nوقوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾، قال الحسن: الرجس: العذاب (٨)، وهو قول الفراء (٩)، والزجاج (١٠)، وعلى هذا هو بمعنى الرجز، وروي عن ابن عباس أنه قال: الرجس السخط (١١)، وهذا كالأول؛ لأن (١٢) السخط سبب العذاب.\nوقال الكسائي (١٣)، وابن الأنباري (١٤): الرجس النتن، قال أبو علي\n_________\n(١) في (م): (له).\n(٢) انظر قول ابن عباس في \"الوسيط\" ٢/ ٥٦٠، \"زاد المسير\" ٤/ ٦٧، وانظر قول عطية العوفي في \"تفسير الثعلبي\" ٧/ ٣٠ ب.\n(٣) في (ى): (عطية)، وهو خطأ.\n(٤) انظر: \"تفسير الثعلبي\" ٧/ ٣٠ ب، وابن الجوزي ٤/ ٦٧.\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٣٦.\n(٦) \"تفسير الثعلبي\"، الموضع السابق، والكناني هو: عبد العزيز بن يحيى.\n(٧) ذكره بمعناه ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٤/ ٦٧.\n(٨) المصدر السابق ٤/ ٦٨، \"الوسيط\" ٢/ ٥٦١.\n(٩) \"معاني القرآن\" ١/ ٤٨٠، ولفظه: العذاب والغضب.\n(١٠) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٣٦.\n(١١) رواه ابن جرير ١١/ ١٧٤، وابن أبي حاتم ٦/ ١٩٩٠، من رواية علي بن أبي طلحة.\n(١٢) ساقط من (ى).\n(١٣) \"الحجة للقراء السبعة\" ٤/ ٣٠٧.\n(١٤) لم أقف على قوله، وهو سند أبي علي في روايته عن الكسائي هذا القول.","vol":"11","page":325},{"text":"فكأن (١) الرجس على الوجهين (٢):\nأحدهما: أن يكون في معنى الرجز، وهو العذاب، والمعنى في قوله: ﴿وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾ أنهم يعذبون، كما قال: ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ﴾ [الفتح: ٦].\nوالآخر: أن يُعنى به النجس والقذر، ومن ذلك قوله: ﴿أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥]، ويكون المعنى فيه أنه يحكم بأنهم رجس كما قال: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨]، أي: ليسوا من أهل الطهارة، فذموا على خروجهم منها، وإن لم تكن عليهم نجاسة من نحو البول والدم والخمر، والمعنى: إن الطهارة الثابتة للمسلمين هم خارجون عنها، ومباينون لها، وهذه الطهارة هي ما تثبت لهم من قوله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة:١٠٣]، وهي طهارة من جهة الحكم وإن لم تُزل شيئًا نجسًا عن (٣) أبدانهم (٤).\nوقوله تعالى: ﴿عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾، قال ابن عباس: يريد لا يؤمنون (٥)، والمعنى: لا يعقلون عن الله أمره ونهيه وما يدعوهم إليه، وقال أبو بكر: معناه: لا يعقلون القرآن ووصاة الأنبياء عن الله -جل وعز- عنادًا للحق، وهم يعقلون غيره، كما يقول القائل: فلان أصم (٦) عن كلامي،\n_________\n(١) من (م) وفي بقية النسخ: وكأن، وأثبت ما في (م) لموافقته لما في \"الحجة\".\n(٢) في \"الحجة\" ضربين.\n(٣) في (ح): (على).\n(٤) \"الحجة للقراء السبعة\" ٤/ ٣٠٧، ٣٠٨ بتصرف واختصار.\n(٥) \"الوسيط\" ٢/ ٥٦١.\n(٦) في (م): (صم).","vol":"11","page":326},{"text":"يريد لا يسمعه، وما يزال يعرض عنه، فهو فيه كالأصم، ولو كان سميعا لغيره (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1590>١٠١ </span>- قوله تعالى: ﴿قُلِ انْظُرُوا﴾ الآية، قال المفسرون: قل المشركين الذين يسألونك الآيات على توحيد الله ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [أي: انظروا بالتفكر والاعتبار ﴿مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (٢) من الآيات والعبر التي تدل على وحدانية (٣) الله تعالى ونفاذ قدرته (٤).\nقال ابن عباس: أما آيات السموات: فالشمس والقمر والنجوم، وأما آيات الأرض: فالجبال والشجر والبحار وسائر الآيات، وهي الأنهار والثمار والأشجار (٥)، وهذا قول عامة المفسرين (٦).\nقال أهل المعاني: وكل هذا يقتضي مدبرًا لا يشبه الأشياء ولا تشبهه، وهذا أمر بالاستدلال على القديم (٧) بالمحدث.\n_________\n(١) لم أقف عليه.\n(٢) ما بين المعقوفين من (م).\n(٣) في (م): (وحدانيته ونفاذ ... إلخ)، وما أثبته موافق لما في \"الوسيط\".\n(٤) ذكر هذا القول ابن الجوزي ٤/ ٦٨، ونسبه للمفسرين وكذلك المؤلف في \"الوسيط\" ٢/ ٥٦١، وبنحوه البغوي ٤/ ١٥٣، وبمعناه ابن جرير ١١/ ١٧٥، والثعلبي ٧/ ٣٠ ب.\n(٥) رواه بنحوه الفيروزأبادي في \"تنوير المقباس\" ص ٢٢٠.\n(٦) انظر: \"تفسير السمرقندي\" ٢/ ١١٢، الثعلبي ٧/ ٣١ أ، والبغوي ٤/ ١٥٣.\n(٧) اسم القديم مما يطلقه علماء الكلام، م والفلاسفة على الله -﷿- وقلدهم بعض العلماء كالإمام البيهقي في كتاب \"الأسماء والصفات\" ١/ ٣٥، والحليمي في \"المنهاج في =","vol":"11","page":327},{"text":"قال ابن الأنباري: أبهم قوله: ﴿مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، ولم يخصصه بما ذكره المفسرون من الآيات لكثرة ترددها في القرآن، وإن معرفة المخاطبين بالقرآن أغنى عن ذكر ما هو معلوم عندهم، يدل على هذا قول الشاعر (١):\nذري ماذا علمت سأتقيه ... ولكن بالمغيب نبئيني\n_________\n= شعب الإيمان\" ١/ ١٨٨. وحول هذا الإطلاق على الباري ﷻ الملحوظات التالية: أولًا: أن اصطلاح علماء الكلام يخالف لغة العرب التي نزل بها القرآن، إذ مرادهم بذلك الأول الذي لم يسبقه عدم، والقديم في لغة العرب: المتقدم على غيره، كما في قوله تعالى: ﴿كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ [يس: ٣٩]، وقوله تعالى: ﴿قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٧٥) أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ﴾ [الشعراء: ٧٥، ٧٦] فلفظ القديم والأقدم يعني المتقدم على غيره وإن كان مسبوقًا بعدم.\nثانيًا: أن من عقائد السلف أن أسماء الله وصفاته توقيفية فلا يتجاوز بها الوارد في الكتاب والسنة، وليس للاستحسان والاجتهاد دخل في ذلك.\nثالثًا: أنه قد جاء في الكتاب والسنة ما يقوم مقام هذا اللفظ ويغني عنه، وهو اسم الله الأول كما في قوله تعالى: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ﴾ [الحديد: ٣]، وقوله - ﷺ -: \"اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء\" \"صحيح مسلم\" (٢٧١٣) كتاب الذكر، باب: ما يقول عند النوم، واسمه تعالى: (الأول) أحسن من (القديم)؛ لأنه يشعر بأن ما بعده آيل له، وتابع له، بخلاف القديم والله تعالى له الأسماء الحسنى، لا الحسنة. انظر: \"مجموع فتاوى شيخ الإسلام\" ١/ ٢٤٥، \"شرح العقيدة الطحاوية\" ١/ ٧٧، \"مختصر الأسئلة والأجوبة الأصولية\" ص ٢٧.\n(١) اختلف فيه، فالبيت للمثقب العبدي في \"ديوانه\" ص ٢١٣، \"خزانة الأدب\" ٧/ ٤٨٩، ولمزرد بن ضرار في \"ديوانه\" ص ٦٨، ولسحيم بن وثيل أو للمثقب العبدي أو لأبي زبيد الطائي في \"المقاصد النحوية\" ١/ ١٩٢، ولأبي حيه النميري في \"لسان العرب\" (أبي) ١/ ١٨، وقد ذكر ابن منظور قبل هذا البيت بيتًا آخر هو:\nأبالموت الذي لا بد أني ... ملاق لا أباكِ تخوفيني؟","vol":"11","page":328},{"text":"أراد ماذا علمت من الأمور المكروهة المذمومة فلما وثق بمعرفة من يخاطبه بها استغنى عن ذكرها\nوذكرنا الكلام في (ماذا) (١) وأنه يكون بمعنيين (٢)، فإن قلنا إنه بمعنى (الذي) فموضعه نصب بقوله ﴿انْظُرُوا﴾ وإن قلنا معناه (أي شيء)، فموضع (ما) رفع بالابتداء، وخبره ﴿فِي السَّمَاوَاتِ﴾، والجملة في موضع نصب.\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾، يجوز أن تكون (ما) نفيًا بمعنى ما تغني عنهم شيئًا بدفع الضرر واجتلاب (٣) النفع، كقولك: [ما يغني عنك المال إذا لم تنفق، ويجوز أن يكون استفهامًا كقولك] (٤): أي شيء يغني عنهم؟ والنذر: جمع نذير، وهو صاحب النذارة، وهي الإعلام بموضع المخافة ليحترز منه، وقوله تعالى: ﴿عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [قال المفسرون: أي عمن سبق في علم الله وقضائه] (٥) أنه لا يؤمن (٦)، يقول: الإنذار غير نافع لهؤلاء ولا مجدٍ عليهم.\nوقال أهل المعاني: ﴿عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ أي: عن قوم استشعروا\n_________\n(١) في (ح) و(ز): (ذا).\n(٢) ذكر ذلك عند تفسير الآية ٥٠ من هذه السورة.\n(٣) في (ح): (اختلاف)، وهو خطأ.\n(٤) ما بين المعقوفين من (م) فقط، والنص في \"تفسير الرازي\" ١٧/ ١٧٠.\n(٥) ما بين المعقوفين ساقط من (ى).\n(٦) انظر: \"تفسير ابن جرير\" ١١/ ١٧٥، والثعلبي ٧/ ٣١ ب، والبغوي ٤/ ١٥٤، والقرطبي ٨/ ١٨٦، وهو قول مجاهد كما في \"تفسير ابن أبي حاتم\" ٦/ ١٩٩١، وقول أبي العالية كما في \"تفسير السمرقندي\" ٢/ ١١٣.","vol":"11","page":329},{"text":"عناد الحق وتركوا الإيمان، فهؤلاء لا تغني عنهم الآيات؛ لأنهم لا يستدلون بها، ولا النذر؛ لأنهم لا ينتفعون بإنذارهم ووعظهم (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1591>١٠٢ </span>- قوله تعالى: ﴿فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ الآية، ذكرنا في سورة البقرة والأنعام معنى هذا الاستفهام عند قوله: ﴿فَهَلْ يَنْظِرُونَ﴾، [البقرة: ٢١٠]، [الأنعام: ١٥٨]، وقوله تعالى: ﴿إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ﴾ يعني: إلا أيامًا مثل أيام الأمم الماضية المكذبة في وقوع العذاب والحسرة [حين لا تنفع الندامة، ولا يحتاج إلى ذكر العذاب والحسرة] (٢)؛ لأن أيام تلك الأمم في وقوع العذاب بهم معروفة مشهورة، وقال أكثر المفسرين: إلا مثل وقائع الله تعالى فيمن سلف قبلهم من الكفار، مثل قوم نوح وعاد وثمود (٣)، وروى الحراني، عن ابن السكيت: العرب تقول: الأيام، في معنى الوقائع، يقال هو عالم بأيام العرب، يريد: وقائعها، وأنشد:\nوقائع في مُضَر تسعة ... وفي وائل كانت العاشرة (٤)\nفقال: تسعة، وكان ينبغي أن يقول: تسع، ولكنه ذهب إلى\n_________\n(١) لم أقف عليه.\n(٢) ما بين المعقوفين ساقط من (ى).\n(٣) انظر: \"تفسير ابن جرير\" ١١/ ١٧٥ - ١٧٦، والثعلبي ٧/ ٣١ أ، والبغوي ٤/ ١٥٤، والزمخشري ٢/ ٢٥٥، والقول مروي عن قتادة، انظر: \"الدر المنثور\" ٣/ ٥٧٤.\n(٤) لم أهتد لقائله، وانظره بلا نسبة في: المصدر التالي، وفي \"لسان العرب\" (يوم) ٨/ ٤٩٧٥، و\"الأشباه والنظائر\" ٥/ ٢٣٦، ٢٥٧، و\"الإنصاف\" ٢/ ٧٦٩، و\"الدرر اللوامع\" ٦/ ١٦٩، و\"مجالس ثعلب\" ٢/ ٤٩٠، و\"بدائع الفوائد\" ٣/ ٢٣٥، و\"همع الهوامع\" ٣/ ٢٥٤.","vol":"11","page":330},{"text":"الأيام (١): وقال شمر: جاءت لأيام بمعنى الوقائع والنعم، وإنما خصوا الأيام دون ذكر الليالي في الوقائع لأن حروبهم كانت نهارًا، وإذا كانت ليلًا ذكروها (٢).\nوقال ابن الأنباري: العرب تكني بالأيام عن الحروب والشرور، يقال: قتل فلان يوم صفين، يعنون في حرب صفين؛ يدل على ذلك أن الحرب كانت بصفين في أيام كثيرة، فتوحيد اليوم بمعنى الحرب والوقعة، وأنشد:\nشهدت الحروب فشيبنني ... ولم أر يومًا كيوم الجمل (٣)\nأراد حربًا كحرب الجمل، وقد تذكر العرب الأيام وهي تقصد بها قصد السرور والنعم، وبكلى (٤) الوجهين فُسّر قوله: ﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾ (٥) [إبر اهيم: ٥].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1592>١٠٣ </span>- قوله تعالى: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآية، هذا إخبار عما كان الله يفعل في الأمم الماضية من إنجاء الرسل والمصدقين لهم عما\n_________\n(١) اهـ. كلام ابن السكيت، انظر: \"تهذيب اللغة\" (يوم) ٤/ ١٩٩١.\n(٢) المصدر السابق ص ٦٤٧.\n(٣) لم أقف عليه، ويوم الجمل معركة وقعت بين الإمام علي -﵁- من جهة والزبير وطلحة وعائشة -﵃- من جهة أخرى سنة ٣٦ هـ. انظر المصدر السابق ٧/ ٢٣٠.\n(٤) هكذا في (ح) و(ز) و(ى)، وفي (م): (بكل). ومعلوم أن (كلا) و(كلتا) لا يعربان إعراب المثنى إلا إذا أضيفا إلى مضمر فإن أضيفا إلى ظاهر لزمتهما الألف. انظر: \"أوضح المسالك\" ١/ ٣٦.\n(٥) انظر: \"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢٠٠، والبغوي ٤/ ٣٣٥، وانظر قول ابن الأنباري مختصرًا في \"زاد المسير\" ٤/ ٦٩.","vol":"11","page":331},{"text":"يعذب به من كفر، وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ﴾ أي: مثل ذلك الإنجاء ننجي المؤمنين بمحمد - ﷺ - من عذابي، والتأويل: ننجي المؤمنين إنجاءً مثل ذلك الإنجاء، وقوله تعالى: ﴿حَقًّا عَلَيْنَا﴾ أي واجبًا علينا، قاله ابن عباس (١) وغيره (٢)، ومعنى الوجوب هاهنا: أنه أخبر بذلك ولا خلف لوعده، وما أخبر به [فهو واجب] (٣) الوجود.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1594>١٠٤ </span>- قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾، قال ابن عباس: يريد أهل مكة (٤)، ﴿إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي﴾، قال: يريد من توحيد الله الذي جئت به والحنيفية التي بعثت بها (٥)، ﴿فَلَا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾، يقال في هذا: لِمَ جعل جواب ﴿إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ﴾، ﴿لَآ أَعْبُدُ﴾ وهؤلاء يعبدون غير الله شكوا أو لم يشكوا؟ قيل: لأن المعنى: لا تشككوني (٦) بشككم حتى أَعبد غير الله كعبادتكم، كأنه قيل: ﴿إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلَا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ بشككم ﴿وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ﴾، قال أهل المعاني: إنما خص التوفي هاهنا بالذكر دون الإحياء؛ لأنه يتضمن تهديدًا لهم؛ لأن وفاة المشركين ميعاد عذابهم (٧).\n_________\n(١) رواه الفيروزأبادي في \"تنوير المقباس\" ص ٢٢٠.\n(٢) انظر: \"تفسير السمرقندي\" ٢/ ١١٣، والثعلبي ٧/ ٣١ أ، والبغوي ٤/ ١٥٤.\n(٣) ما بين المعقوفين ساقط من (ح) و(ز).\n(٤) \"زاد المسير\" ٤/ ٦٩، \"تنوير المقباس\" ص٢٢٠، ولا دليل على هذا التخصيص.\n(٥) انظر المصدرين السابقين، نفس الموضع، بمعناه.\n(٦) في (ى): (لا تشكون)، وهو خطأ.\n(٧) لم أجده عند أهل المعاني، وانظره في \"الوسيط\" ٢/ ٥٦١، \"زاد المسير\" ٤/ ٧٠.","vol":"11","page":332},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ (١) أَكُونَ﴾، قال المبرد: أي وقع الأمر لهذا ومن أجل هذا (٢)، كما قال (٣):\nأريد لأنسى ذكرها ...........\nأي: إرادتي لنسيان (٤) ذكرها، وقوله تعالى: ﴿أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ يعني أول مؤمني هذه الأمة، كما قال: ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٣].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1595>١٠٥ </span>- قوله تعالى: ﴿وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا﴾، قال صاحب النظم: لا يجوز في الظاهر أن ينسق هذا على ﴿أَنْ أَكُونَ﴾، إلا أن الأمر قول وكلام، فكان قوله: ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ﴾ قيل لي: كن من المؤمنين وأقم وجهك، ومعنى الآية: استقم بإقبالك على ما أمرت به بوجهك (٥)، إذ من أقبل على الشيء بوجهه جمع همته له وله يُضْجِعُ (٦) فيه، وهذا معنى قول\n_________\n(١) في جميع النسخ: (لأن)، وهو خطأ. وإنما ذلك في سورة الزمر، الآية: ١٢، وهي التي ذكرها المبرد، لا آية سورة يونس.\n(٢) اهـ. كلام المبرد، انظر: \"المقتضب\" ٢/ ٣٦، وقد ذكر بيت كثير في \"الكامل\" ٣/ ٩٧، دون ذكر ما قبله وما بعده.\n(٣) هو: كثير، وما ذكره المؤلف بعض بيت، ونصه:\nأريد لأنسى ذكرها فكأنما ... تمثَّلُ لي ليلى بكل سبيل\nانظر: \"ديوان كثير عزة\" ص ١٠٨، \"أمالي القالي\" ٢/ ٦٣، \"خزانة الأدب\" ١٠/ ٣٢٩، \"لسان العرب\" (رود) ٣/ ١٧٧٢.\n(٤) في (م): (نسيان).\n(٥) في (ح) و(ز): (وجهك)، وهو خطأ.\n(٦) يقال: ضَجَعَ الرجل في الأمر يَضْجَع، وأضجع يُضْجِع وضجّع يُضَجِّع: إذا وهن وتوانى وقصر فيه.\nانظر: \"جمهرة اللغة\" (ج ض ع) ١/ ٤٧٩، \"الصحاح\" (ضجع) ٣/ ١٢٤٨.","vol":"11","page":333},{"text":"ابن عباس: وجهك عملك (١)، ومعنى إقامة الشيء: نصبه المنافي لإضجاعه، ومضى الكلام في الحنيف والحنيفية عند قوله: ﴿قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ (٢) [البقرة: ١٣٥].\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾، نهي عن الإشراك على (٣) التصريح؛ لتأكيد التحذير والذم لأهله؛ لأنه إذا قيل: لا تكن منهم اقتضى أنهم على نهاية الخزي والمقت.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1596>١٠٦ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ الآية، الدعاء يكون على وجهين:\nأحدهما: النداء كقولك: يا زيد، ويا عمرو، وعلى هذا، معنى: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي: لا تدعه إلهًا، لا تقل لما دون الله: يا إله، كما يدعو المشركون أوثانهم آلهة.\nوالثاني: الدعاء إلى أمر (٤)، وهو طلب الفعل من القادر بصيغة الأمر، وعلى هذا معنى الآية: لا تدع من دون الله دعاء الله في العبادة بدعائه.\nوقوله تعالى: ﴿مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ﴾ أي: شيئًا ما؛ لأنه لا يتحقق النفع والضر إلا من الله تعالى، ولا تدع من دون الله شيئًا.\n_________\n(١) رواه الثعلبي ٧/ ٣١ أ، والبغوي ٤/ ١٥٤، والفيروزأبادي ص ٢٢٠.\n(٢) قال في هذا الموضع ما نصه: وأما معنى الحنيف: فقال ابن دريد: الحنيف: العادل عن دين إلى دين، وبه سمي الإسلام الحنيفية؛ لأنها مالت عن اليهودية والنصرانية ..، وروى ابن نجدة عن ابن زيد أنه قال: الحنيف: المستقيم .. إلخ.\n(٣) في (م): (عن).\n(٤) في (م): (أحد)، وهو خطأ.","vol":"11","page":334},{"text":"وقال بعض أهل المعاني: ما لا ينفعك ولا يضرك نفع الإله وضره (١)، وقيل: إنما قال: ﴿مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ﴾ -وهو إن نَفَع وضرَّ لم تجز عبادته- لأنه أخسر للصفقة، وأبعد من الشبهة، عبادةُ ما (٢) لا ينفع ولا يضر، ﴿فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾، قال ابن عباس: يريد بذلك مخاطبة لجميع من بعث إليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1597>١٠٧ </span>- قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ﴾، الباء هاهنا للتعدية، والمعني يجعل الضر يمسك بحلوله فيك، كأنه قيل: يمسك الضر، والضر: اسم لكل ما يتضرر به الإنسان، قال ابن عباس: يريد: بمرض وفقر، ﴿فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ﴾، معنى الكشف رفع الساتر، ولما جعل الضر بما يمس جعل دفعه كشفًا له] (٣) أي: لا مزيل لما غشاك وألبسك من الضر ﴿إِلَّا هُوَ﴾\nوقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ﴾ هو من المقلوب، معناه: وإن يرد بك الخير، ولكنه لما تعلق كل واحد منهما بالإرادة جاز: يريدك بالخير، ويريد بك الخير. ﴿فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ لا مانع لما يفضل به عليك من رخاء ونعمة وصحة ونصر، وقوله تعالى: ﴿يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ يجوز (٤) أن يريد بكل واحد مما ذكر، ويجوز أن تعود الكناية إلى الخير الذي هو أقرب، والخبر عنه يكون كالخبر (٥) عن الخير والضر؛ لأنهما ذكرا\n_________\n(١) لم أقف عليه\n(٢) في (ى): (من).\n(٣) ما بين المعقوفين ساقط من النسخ عدا (م).\n(٤) في (ح) و(ز) و(ى): (ويجوز).\n(٥) في (م): (لخبر).","vol":"11","page":335},{"text":"معًا، فالإخبار عن أحدهما كالإخبار عن الآخر، وهذه الآية تحقق ما ذكرنا في الآية الأولى أنه لا يتحقق النفع والضر إلا من الله؛ لأنه إذا لم يتهيأ لأحد [دفع نفع يريده بعبد فهو النافع على الحقيقة، وإذا لم يتهيأ لأحد] (١) منع ضر يحل به أو بغيره فهو الضار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1598>١٠٨ </span>- قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ قالوا: يعني أهل مكة (٢)، ﴿قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ القرآن الذي جاء به محمد - ﷺ -، قاله ابن عباس (٣) وغيره (٤)، وفيه البيان والأدلة التي نصبت ليهتدي بها العباد، ﴿فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾، قال ابن عباس: يريد من صدق محمدًا - ﷺ - فإنما يحتاط لنفسه (٥)، ﴿وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا﴾ أي: إنما يكون وبال ضلاله على نفسه، كما أن ثواب اهتدائه لنفسه، ﴿وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾ أي: في منعكم من اعتقاد الباطل، فانظروا لأنفسكم نظر من يطالب بعمله من غير أن يطالب غيره بحفظه، كأنه قيل: بحفيظ من الهلاك كما يحفظ الوكيل المتاع من الهلاك.\n_________\n(١) ما بين المعقوفين ساقط من (ح) و(ز) و(م).\n(٢) انظر: \"تفسير السمرقندي\" ٢/ ١١٤، \"الوسيط\" ٢/ ٥٦٢، \"تنوير المقباس\" ص ٢٢٠، وقد ذكر الزركشي في \"البرهان\" ١/ ١٨٧: أن بعض العلماء يرى أن ما كان خطابًا بـ (يا أيها الناس) فالمراد بهم أهل مكة.\nوانظر رد هذا القول في: \"مناهل العرفان\" ١/ ١٨٦.\n(٣) ذكره بنحوه الفيروزأبادي في \"تنوير المقباس\" ص ٢٢٠.\n(٤) انظر: \"تفسير ابن جرير\" ١١/ ١٧٨، والسمرقندي ٢/ ١١٤، والثعلبي ٧/ ٣١ ب، والبغوي ٤/ ١٥٥.\n(٥) \"الوسيط\" ٢/ ٥٦٢.","vol":"11","page":336},{"text":"قال ابن عباس: نسختها آية القتال (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1599>١٠٩ </span>- قوله تعالى: ﴿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾، قال ابن عباس: هي منسوخة نسختها آية السيف؛ فحكم الله بقتل المشركين والجزية على أهل الكتاب (٢) (٣).\n_________\n(١) رواه الثعلبي ٧/ ٣١ ب، والبغوي ٤/ ١٥٥، وانظر: \"زاد المسير\" ٤/ ٧١، \"تفسير القرطبي\" ٨/ ٣٨٩، وانظر رد هذا القول في: \"نواسخ القرآن\" لابن الجوزي ص ٣٧٤، \"زاد المسير\" ٤/ ٧١.\n(٢) انظر: \"الوسيط\" ٢/ ٥٦٢، \"زاد المسير\" ٤/ ٧١، وهذا مذهب ابن زيد كما في \"تفسير الطبري\" ١١/ ١٧٨، وانظر رده في: المصدرين السابقين الأخيرين.\n(٣) في النسخة (م) كتب ناسخها بعد هذا ما نصه:\nهذا آخر الجزء الثالث، ويتلوه الجزء الرابع أول سورة هود -إن شاء الله تعالى- كتابته على يد العبد الضعيف محمد بن محمد بن محمود العنبري الحسيني في مستهل رجب المبارك من شهور سنة تسع وخمسين وسبعمائة والحمد لله وحده وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم.","vol":"11","page":337},{"text":"التَّفْسِيرُ البَسِيْط\nلأبي الحسن علي بن أحمد بن محمد الواحدي\n(ت ٤٦٨ هـ)\nسورة هود\nتحقيق\nد. عبد الله بن إبراهيم الريس","vol":"11","page":339},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1600>سورة هود</span>\nبسم الله الرحمن الرحيم\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1601>١ </span>- ﴿الر﴾ قال ابن عباس (١): يريد أنا الله الرحمن. وذكرنا الكلام في تفسير هذا الحرف في فاتحة يونس (٢).\n_________\n(١) الطبري ١١/ ٩١، وابن أبي حاتم ٦/ ١٩٩٤، وأبو الشيخ كما في \"الدر\" ٣/ ٥٣٤، \"زاد المسير\" ٤/ ٤، ابن عطية ٧/ ٩٤.\n(٢) مسألة الحروف المقطعة في أوائل سور القرآن من المسائل التي كثرت فيها أقوال العلماء فسأذكر أبرز أقوالهم بإيجاز، مع تعيين الراجح منها:\nالقول الأول: أنها من المتشابه الذي لا يعلمه إلا الله.\nالثاني: أنها حروف كل حرف يرمز إلى معنى، واختلفوا فيما يرمز إليه كل حرف.\nالثالث: أنها للتنبيه ولفت نظر المشركين إلى القرآن وتدبره.\nالرابع: أنها أسماء السور التي افتتحت بها.\nالخامس: أنها من أسماء الله تعالى.\nالسادس: أنها أقسام أقسم الله بها.\nالسابع: أنها ذكرت بيانًا لإعجاز القرآن، فمع أن القرآن مركب من هذه الحروف التي يتخاطبون بها ومع ذلك فهم عاجزون عن معارضته بمثله. وهذا هو القول الراجح الذي ذهب إليه جمهور المحققين، ويدل عليه أن السور التي افتتحت بالحروف المقطعة يذكر فيها دائما عقب الحروف المقطعة الانتصار للقرآن، وبيان إعجازه، وأنه الحق الذي لا شك فيه. وممن قال بهذا القول: الفراء، وقطرب، والمبرد، وابن كثير، وابن تيمية، وأبو الحجاج المزي، والزمخشري، وغيرهم.\nانظر: الطبري ١/ ٨٦ - ٩٦، البغوي ١/ ٥٨، ٤/ ١٥٩، \"زاد المسير\" ١/ ٢٠، ابن عطية ١/ ١٣٨ - ١٤١، ابن كثير ١/ ٣٨ - ٤١، الألوسي ١/ ٩٩، المنار ١/ ١٠٣، \"أضواء البيان\" ٣/ ٣، رسالة \"الحروف المقطعة في القرآن\"، دراسة ورأي عبد الجبار شرارة.","vol":"11","page":341},{"text":"وقوله تعالى ﴿كِتَابٌ﴾، قال الفراء (١): رفعت بالهجاء الذي قبله. قال الزجاج (٢): وهذا غلط (٣)؛ لأنه جعل كتاب خبر ﴿الر﴾ و﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾ ليس هو ﴿الر﴾ وحدها، قال الفراء: وإن شئت أضمرت له ما يرفعه، كأنك قلت: هذا كتاب، ووافقه الزجاج على هذا القول.\nوقول تعالى: ﴿أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾، ذكرنا أن معنى الإحكام في اللغة منع الفعل من الفساد (٤)، قال الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس: أحكمت آياته: أي لم تنسخ بكتاب كما نسخت الكتب والشرائع بها، وقال قتادة (٥) ومقاتل (٦): أحكمت آياته من الباطل.\nقال ابن الأنباري (٧): فعلى قول الكلبي: المعنى أحكمت بعض آياته بأن جعل ناسخا غير منسوخ، وما نسخ من القرآن لا يدخل في هذا الإحكام، وأوقعت الآيات على بعضها على مذهب العرب في إيقاع اسم\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٣.\n(٢) \"معاني القرآن إعرابه\" للزجاج ٣/ ٣٧.\n(٣) وتعقب هذا القول أيضًا الطبري ١١/ ١٧٩ فقال: \"فأما قول من زعم أن قوله ﴿الر﴾ مراد به سائر حروف المعجم التي نزل بها القرآن، وجعلت هذه الحروف دلالة على جميعها، وأن معنى الكلام: \"هذه الحروف كتاب أحكمت آياته\" فإن الكتاب على قوله ينبغي أن يكون مرفوعًا بقوله: ﴿الر﴾ اهـ.\n(٤) انظر: \"تهذيب اللغة\" ١/ ٨٨٦ (حكم)، \"مقاييس اللغة\" ٢/ ٩١، \"لسان العرب\" ٢/ ٩٥٢ (حكم).\n(٥) الطبري ١١/ ١٨٠، وعبد الرزاق ٢/ ٣٠١، وابن أبي حاتم ٦/ ١٩٩٥، وابن المنذر وأبو الشيخ كما في \"الدر\" ٣/ ٥٧٨، و\"زاد المسير\" ٤/ ٧٣، والبغوي ٤/ ١٥٩.\n(٦) تفسير مقاتل ١٤٣ ب، الثعلبي ٧/ ٣٢ ب، \"زاد المسير\" ٤/ ٧٣.\n(٧) انظر: \"زاد المسير\" ٤/ ٧٤.","vol":"11","page":342},{"text":"الجنس علي النوع حين يقولون: أكلت طعام (١) زيد، يعنون بعض طعامه، وعلى قول قتادة تلخيص معنى الآية: أحكمت آياته بعجيب النظم، وبديع المعاني، ورصين اللفظ الذي يحسم طمع كل مفتر في التشبيه به، وآيات القرآن كلها معجزة غير مقدور على مثلها لبديع نظمها.\nوقوله تعالى: ﴿ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾ قال ابن عباس (٢) في رواية الكلبي: بينت بالأحكام من الحلال والحرام، وهو قول قتادة (٣).\nوقال الحسن (٤): فصلت بالثواب والعقاب، وهو معنى قول أبي العالية (٥): بالوعد والوعيد.\nقال أبو إسحاق (٦): المعنى -والله أعلم-: إن آياته أحكمت وفصلت بجميع ما يحتاج إليه من الدلالة على التوحيد وتثبيت نبوة الأنبياء وإقامة الشرائع.\nوقوله تعالى: ﴿مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾، قال ابن عباس (٧): من عند حكيم في خلقه، خبير بمن يصدق نبيه ويوحده، وبمن يكذب نبيه ويتخذ\n_________\n(١) في (ي): (الطعام).\n(٢) \"تنوير المقباس\" ١٣٨، \"زاد المسير\" ٤/ ٧٤، البغوي ٤/ ١٥٩.\n(٣) الطبري ١١/ ١٨٠، وابن أبي حاتم ٦/ ١٩٥٩، وابن المنذر وأبو الشيخ كما في \"الدر\" ٣/ ٥٧٨.\n(٤) الطبري ١١/ ١٧٩، الثعلبي ٧/ ٥٣٢، ابن أبي حاتم ٦/ ١٩٩٥، ابن المنذر وأبو الشيخ كما في \"الدر\" ٣/ ٥٧٨، \"زاد المسير\" ٤/ ٧٤.\n(٥) الثعلبي ٧/ ٣٢ ب، القرطبي ٩/ ٣.\n(٦) \"معانى القرآن وإعرابه\" ٣/ ٣٧.\n(٧) \"تنوير المقباس\" ١٣٨ بمعناه.","vol":"11","page":343},{"text":"معه إلهًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1602>٢ </span>- قوله تعالى: ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ﴾، قال الزجاج (١): [المعنى أحكمت وفصلت لئلا تعبدوا إلا الله، وهو معنى قول الفراء (٢)، وقال الزجاج <span data-type=\"title\" id=toc-1603>(٣)] </span>(٤)، ويجوز أن يكون المعنى: أمركم ألا تعبدوا إلا الله، وموضع (أن) نصب على كل حال (٥).\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّنِي لَكُمْ﴾، قال صاحب النظم (٦): هذا مضاف إلى النبي - ﷺ -، ولو كان الخطاب عن الله تعالى لقال إنه لكم، والتأويل في النظم: قل لهم يا محمد ﴿الر كِتَابٌ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ﴾ إلي قوله: ﴿فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ﴾، فهذا كله من كلام النبي - ﷺ - مأمورًا به أن يقوله، وقد قيل: إن نظمه مثل نظم قوله: ﴿الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ﴾ [إبراهيم: ١] الآية .. وعلى تأويل] (٧) ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ ليقول للناس ويأمرهم ألا يعبدوا إلا الله.\n\n٣ - قوله تعالى: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾ الآية، (أن) هذه معطوفة على (أن) في قوله (أن لا تعبدوا)، وهي في محل النصب بإلقاء الخافض في\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٣٨.\n(٢) \"معاني القرآن\" ٢/ ٣.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٣٨.\n(٤) ما بين المعقوفين ساقط من (ي).\n(٥) أي على القولين وأنها منصوبة.\n(٦) هو: أبو علي الحسن بن يحيى بن نصر الجرجاني،\n(٧) ما بين المعقوفين ساقط من (ي).","vol":"11","page":344},{"text":"قول الفراء (١) والزجاج (٢).\nوقال الكسائي (٣) في قوله ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا﴾: التقدير فيه (بأن لا تعبدوا) و(بأن استغفروا)، وعلى هذا الجار يتعلق بالنكرة الموصوفة وهي قوله ﴿كِتَابٌ﴾ كأنه قيل كتاب بهذا، وما بعد قوله ﴿كِتَابٌ﴾ إلى قوله ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا﴾ من صفة النكرة، ويعود التأويل إلى ما قاله الفراء (٤): كتاب فصلت آياته بأن لا تعبدوا، وبأن استغفروا ثم ألقى الخافض (٥).\nوقوله تعالى: ﴿ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾، قال أهل المعاني (٦): إنما رتبت التوبة بعد الاستغفار؛ لأن المعنى اطلبوا المغفرة تم توصلوا إلى مطلوبكم بالتوبة (٧)، فالمغفرة أول في الطلب وآخر في السبب، وقيل: المعنى استغفروا ربكم من ذنوبكم السالفة، ثم توبوا من المستأنفة متى وقعت منكم المعصية. وحكي عن الفراء (٨) أنه قال: ﴿ثُمَّ﴾ هاهنا بمعنى الواو، ومعناه: وتوبوا إليه.\nوقوله تعالى: ﴿يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾، قال ابن عباس (٩):\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" ٢/ ٣.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٣٨.\n(٣) \"إعراب القرآن\" للنحاس ٢/ ٢٧٢.\n(٤) \"معاني القرآن\" ٢/ ٣.\n(٥) ما سبق موجود في الثعلبي ٧/ ٣٢ بمعناه.\n(٦) القرطبي ٩/ ٣ بنحوه، \"فتح القدير\" ٢/ ٦٩٥.\n(٧) في (ي): (بالمغفرة فالتوبة).\n(٨) البغوي ٦/ ١٥٩، \"زاد المسير\" ٤/ ٧٥، الثعلبي ٧/ ٣٢.\n(٩) \"زاد الميسر\" ٤/ ٧٥.","vol":"11","page":345},{"text":"[في رواية عطاء] (١): يريد أن يتفضل عليكم بالرزق والسعة (٢) حلالًا طيبًا إلى أجل الموت، قال مقاتل (٣): فأبوا، فدعا عليهم رسول الله - ﷺ - (٤) وابتلوا بالقحط سبع سنين حتى أكلوا العظام المحرقة، والقد (٥)، والكلاب، والجيف.\nوقال أبو إسحاق (٦) في قوله: ﴿يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا﴾: أي يبقكم ولا يستأصلكم بالعذاب كما استأصل أهل القرى الذين كفروا.\nوقوله تعالى: ﴿وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾ قال قتادة (٧): يعني في\n_________\n(١) ما بين المعقوفين ساقط من (ي).\nقال ابن حجر: \"ومن طريق ابن جريج ﵁ عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس لكن فيما يتعلق بالبقرة وآل عمران، وما عدا ذلك يكون عطاء -﵁- هو الخراساني، وهو لم يسمع من ابن عباس ﵄ فيكون منقطعًا إلا إن صرح ابن جريج بأنه عطاء بن أبي رباح. \"العجاب في بيان الأسباب\" / ٥ أ. وانظر: \"الدر\" ٣/ ٥٧٨.\n(٢) ساقط من (ي).\n(٣) القرطبي ٩/ ٤، \"تفسير مقاتل\" ١٤٣ب.\n(٤) أخرجه البخاري (٤٨٢١، ٤٨٢٢)، كتاب: تفسير سورة الدخان، باب: قوله: ﴿يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، باب: قوله: ﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ﴾، وأحمد ١/ ٣٨١ بلفظ: \"إنما كان هذا؛ لأن قريشا لما استعصت على النبي - ﷺ - دعا عليهم بسنين كسني يوسف، فأصابهم قحط وجهدوا حتى أكلوا العظام .. الحديث\". وأخرجه البخاري بلفظ \"اللهم أعني عليهم بسبع كسبع يوسف فأخذتهم السنة حتى حصت كل شيء حتى أكلوا العظام والجلود\".\n(٥) القد: الجلد. انظر: \"تهذيب اللغة\" (قدد) ٣/ ٢٨٩٥، \"اللسان\" (قدد) ٦/ ٣٥٤٣.\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٣٨. وانظر: \"التهذيب\" (متع) ٤/ ٣٤٥٩.\n(٧) الطبري ١٥/ ٢٣١، البغوي ٤/ ١٦٠، القرطبي ٩/ ٤، ابن أبي حاتم ١٦/ ١٩٩٧.","vol":"11","page":346},{"text":"الآخرة، والمعنى: يعطي كل ذى عمل صالح أجره وثوابه، فسمى الجزاء باسم الابتداء (١) وأراد: ويؤت كل ذي فضل ثواب فضله أو جزاء فضله، فحذف المضاف، وهذا أقوى بما قال ابن عباس: يريد أن منازل الآخرة بعضها أفضل من بعض، كما أن صلاح الناس في الدنيا بعضهم أفضل من بعض، ونحو هذا قال أبو العالية (٢): من كثرت طاعاته في الدنيا زادت درجات في الجنة؛ لأن الدرجات تكون بالأعمال.\nوقال أبو إسحاق (٣): أي من كان ذا فضل في دينه، فضله الله في الثواب، وفضله في المنزلة. وهذه الأقوال معناها واحد، والفضل معناه فضل الدين والصلاح وكثرة الطاعة.\nوقال مجاهد (٤): هو ما يحتسبه الإنسان من كلام يقوله بلسانه، أو عمل يعمله بيده أو رجله، أو ما تطوع به من ماله؛ وعلى هذا، الفضل يعني به: ما تبرع به الإنسان من عمل صالح ببدنه أو بماله.\nوقوله تعالى: ﴿فَضْلَهُ﴾ أي ثواب ذلك الفضل وجزاؤه. وقال ابن عباس (٥)، وابن مسعود (٦)، والكلبي (٧): ﴿وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ﴾ كل من فضلت حسناته على سيئاته ﴿فَضْلَهُ﴾ يعني الجنة، وهي فضل الله، والكناية\n_________\n(١) العبارة السابقة من كلام الثعلبي ٧/ ٣٣ أ.\n(٢) الثعلبي ٧/ ٣٣ أ، البغوي ٤/ ١٦٠.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٣٨.\n(٤) الطبري ١١/ ١٨٢، الثعلبي ٧/ ٣٣ أ، القرطبي ٩/ ٤، ابن أبي حاتم ٦/ ١٩٩٨.\n(٥) الثعلبي ٧/ ٣٣ أ، البغوي ٤/ ١٦٠.\n(٦) الطبري ١١/ ١٨٢، الثعلبي ٧/ ٣٣أ، ابن عطية ٧/ ٢٣٦، ابن كثير ٢/ ٤٧٧.\n(٧) \"تنوير المقباس\" ١٣٨.","vol":"11","page":347},{"text":"في ﴿فَضْلَهُ﴾ على هذا تعود إلى الله تعالى ذكره. وهذا القول أحسن الأقوال وعليه المفسرون (١)، قال ابن عباس: من زادت حسناته على سيئاته دخل الجنة.\nوقال ابن مسعود في هذه الآية: الحسنة بعشر، والسيئة واحدة، فويل لمن غلبت آحادُه أعشارَه. وهذا ترغيب في عمل الخير.\nوقوله: ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي﴾، قال ابن عباس (٢): يريد عن الإسلام، ﴿أَخَافُ عَلَيْكُمْ﴾ في الآخرة، ﴿عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ﴾، وهو يوم القيامة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1604>٥ </span>- قوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ﴾ الآية، قوله: ﴿يَثْنُونَ﴾ أصله من ثنيت الشيء إذا حنيته وعطفته وطويته، وانثوى (٣) صدره على البغضاء، أي انحنى وانطوى (٤).\nوروي عن ابن عباس (٥): [أنه قرأ ﴿ثنوني صدورهم﴾ وكل شيء عطفته فقد ثنيه.\n_________\n(١) الطبري ١١/ ١٨٢، الثعلبي ٧/ ٣٣ أ، القرطبي ٩/ ٤.\nوالقول الآخر هو: أن الكناية في ﴿فَضْلَهُ﴾ تعود على العبد، والمعنى: ويؤت كل من زاد في إحسانه وطاعاته ثواب ذلك الفضل الذي زاده\". \"زاد المسير\" ٤/ ٧٥، ابن عطية ٧/ ٢٣٦.\n(٢) \"تنوير المقباس\" ١٣٨ بمعناه، \"زاد المسير\" ٤/ ٧٦.\n(٣) في (ي): (أثوى)، وفي \"تهذيب اللغة\" ١/ ٥٠٤: (اثنوني صدره ..).\n(٤) ما سبق من \"تهذيب اللغة\" ١/ ٥٠٤، وانظر: \"اللسان\" ١/ ٥١١ - ٥١٢.\n(٥) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٣، \"معاني القرآن وإعرابه\" للزجاج ٣/ ٣٩، \"الطبري\" ١١/ ١٨٥. ونسب ابن عطية هذه القراءة أيضًا إلى مجاهد، وابن يعمر، وابن بزي، ونصر بن عاصم، والجحدري، وابن إسحاق، وأبي رزين، وعلي بن الحسين، وأبي جعفر محمد بن علي، ويزيد بن علي، وجعفر بن محمد، والأسود، والضحاك. ابن عطية ٧/ ٢٣٩، البحر المحيط ٥/ ٢٠٢.","vol":"11","page":348},{"text":"قال ابن عباس] (١) في رواية الكلبي: نزلت في الأخنس (٢) بن شريق؛ وكان رجلا حلو المنطق، يلقى رسول الله - ﷺ - بما يحب، وينطوي له (٣) على ما يكره، ويضمر في قلبه خلاف ما يظهر، واختار الفراء (٤) هذا القول وقال: \"نزلت في بعض من كان يلقى النبي - ﷺ - بما يحب، وينطوي له على العداوة والبغض، فذلك الثني وهو الإخفاء، وبنحو من هذا قال الزجاج (٥)\n_________\n(١) ما بين المعقوفين ساقط من (ي).\n(٢) الثعلبي ٧/ ٣٣ أ، \"أسباب النزول\" للواحدي ص ٢٧١، \"زاد المسير\" ٤/ ٧٦، \"البحر المحيط\" ٥/ ٢٠٢.\nوالقول بأنها نزلت في الأخنس بن شريق فيه نظر من وجوه:\nأولًا: عدم ثبوت الرواية بذلك.\nثانيًا: قد صحت الرواية في سبب نزول الآية غير هذا، وهو ما أخرجه البخاري عن ابن عباس قال: أناس كانوا يستحبون أن يتخلوا فيفضوا إلى السماء وأن يجامعوا نساءهم فيفضوا إلى السماء، فنزل ذلك فيهم.\nثالثًا: أن الآية مكية، والنفاق ظهر في المدينة فكيف تكون الآية نازلة في المنافقين؟!\nرابعًا: أن الأخنس في عداد الصحابة كما ذكر ابن حجر في \"الإصابة\" ١/ ٢٥ قال: \"أسلم الأخنس فكان من المؤلفة، ثم شهد حنينا، ومات في أول خلافة عمر .. وذكر الذهلي في الزهريات بسند صحيح عن الزهري عن سعيد بن المسيب أن أبا سفيان وأبا جهل والأخنس اجتمعوا ليلًا يسمعون القرآن سرًا فذكر القصة: وفيها أن الأخنس أتى أبا سفيان فقال: ما تقول؟ قال: أعرف وأنكر، قال أبو سفيان: فما تقول أنت؟ قال: أراه الحق\" وقد عدّه في الصحابة: ابن شاهين، وابن فتحون عن الطبري ا. هـ.\nانظر: \"روح المعاني\" للآلوسي١١/ ٢١١، \"أضواء البيان\" ٣/ ١٢.\n(٣) ساقط من (ب).\n(٤) \"معاني القرآن\" ٢/ ٣.\n(٥) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٨. وانظر: \"تهذيب اللغة\" (غشى) ٣/ ٢٩٦٩.","vol":"11","page":349},{"text":"فقال: قيل إن طائفة من المشركين قالوا: إذا أغلقنا أبوابنا وأرخينا ستورنا، واستغشينا ثيابنا، وثنينا صدورنا على عداوة محمد، كيف يعلم بنا، فأنبأ الله -﷿- عما كتموه، ومعنى: ﴿يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ﴾ أي: يعطفونها ويطوونها على عداوة محمد - ﷺ -، وفي الآية محذوف تقديره: يثنون صدورهم على عداوته أو على بغضه؛ لأنَّ ثنَي الصدر عطفُه على ما أضمره.\nوقوله تعالى: ﴿لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ﴾، أي ليتواروا عنه ويكتموا عداوته؛ لئلا يظهروا (١) بعداوته، والهاء تعود على محمد - ﷺ -.\nوقال الحسن (٢) ومجاهد (٣): يعني من الله، وهذا جهل منهم بالله -﷿-، فقال الله تعالى: ﴿أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ قال قتادة (٤): وذلك أخفى ما يكون ابن آدم إذا حتى صدره واستغشى ثوبه وأضمر ما كنه في نفسه.\nوقال ابن الأنباري (٥): أعلم الله أن سرائرهم يعلمها كما يعلم مظهراتهم، فإن الذي يسترونه ويغيبونه ظاهر عند الله غير غائب عنه، وفي الآية قولان آخران (٦):\n_________\n(١) في (ب): يظهر.\n(٢) الطبري ١١/ ١٨٤، القرطبي ٩/ ٥، ابن أبي حاتم ٦/ ٢٠٠٠.\n(٣) الطبري ١١/ ١٨٤، والثعلبي ٧/ ٣٣ ب، وابن أبي حاتم ٦/ ٢٠٠٠، وابن المنذر وأبو الشيخ كما في \"الدر المنثور\" ٣/ ٥٧٩، والبغوي ٤/ ١٦١، وابن عطية ٧/ ٢٤١.\n(٤) الطبري ١١/ ١٨٤، ابن أبي حاتم ٦/ ٢٠٠٠، وابن المنذر وأبو الشيخ كما في \"الدر المنثور\" ٣/ ٥٨٠، والثعلبي ٧/ ٣٣ ب، و\"زاد المسير\" ٤/ ٧٨، والقرطبي ٩/ ٦، وعبد الرزاق ٢/ ٣٠١.\n(٥) \"زاد المسير\" ٤/ ٧٨. \"البحر المحيط\" ٥/ ٢٠٣.\n(٦) ساقط من (ي).","vol":"11","page":350},{"text":"أحدهما: أن هذه الآية نزلت في قوم كانوا لشدة عداوتهم لرسول الله - ﷺ -[وبعدهم عن الحق إذا سمعوا رسول الله - ﷺ -]، (١) يقرأ القرآن حنوا صدورهم، ونكسوا رؤوسهم، وتغشوا ثيابهم ليبعد عنهم صوت رسول الله - ﷺ - ولا يدخل أسماعهم شيء من القرآن (٢)، فنعى الله عليهم هذا القبيح من فعلهم، وأعلم أنه يعرف معتقداتهم، ولا يخفى عليه مخبآتهم، ومن كان علمه بهم هذا العلم كان حقيقًا أن تتقى سطواته، وهذا معنى قول مقاتل (٣) وقتادة: كانوا ينكسون رؤوسهم على صدورهم كراهية لاستماع القرآن.\nوقال قتادة (٤): يحنون صدورهم لكيلا يسمعوا كتاب الله -﷿- ولا ذكره.\nقال ابن الأنباري: فالهاء في هذا القول عائدة على رسول الله - ﷺ -، وعلى القول الأول احتمل أمرين.\nالقول الثاني -وهو قول عبد الله بن شداد (٥) - قال: نزلت في بعض المنافقين، كان إذا مرَّ برسول الله - ﷺ - ثنى صدره وظهره، وطأطأ رأسه، وغطى وجهه لئلا يراه النبي - ﷺ - (٦)، وهذا القول هو الأليق بظاهر اللفظ،\n_________\n(١) ما بين المعقوفين ساقط من (ي).\n(٢) من كلام ابن الأنباري. انظر: \"زاد المسير\" ٤/ ٧٧، \"البحر\" ٥/ ٢٠٣.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ١٤٣ ب.\n(٤) \"زاد المسير\" ٤/ ٧٧، والطبري ١٥/ ٢٣٥، وابن المنذر وابن أبي حاتم ٦/ ٢٠٠٠، وأبو الشيخ كما في \"الدر المنثور\" ٣/ ٥٨٠.\n(٥) هو: عبد الله بن شداد بن الهاد الليثي أبو الوليد المدني، ولد على عهد النبي - ﷺ -، وذكره العجلي من كبار التابعين الثقات، وكان معدودًا في الفقهاء، قتل سنة ٨١، وقيل ٨٣ هـ. انظر: \"التقريب\" ص ٣٠٧ (٣٣٨٢)، \"الكاشف\" ١/ ٥٦١.\n(٦) الطبري ١١/ ١٨٣، وسعيد بن منصور وابن المنذر وأبي حاتم ٦/ ١٩٩٩، =","vol":"11","page":351},{"text":"ولا يحتاج معه إلى إضمار (١).\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾، قال ابن عباس (٢): يريد بما (٣) في النفوس: يعني من الخير والشر. قال أبو بكر: معناه بحقيقة ما في القلوب من المضمرات؛ فتأنيث ﴿بذات﴾ لهذا المعنى.\nقوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ﴾ الآية، قال القرظي (٤) يعني (٥): ما من حيوان يدب، وأدخلت الهاء في الدابة؛ لأنه أريد به الجماعة التي تدب.\nوقال أبو إسحاق (٦): الدابة اسم لكل حيوان مميز وغيره، وعلى هذا، الدابة: اسم من الدبيب، بني على هاء التأنيث وأطلق على كل حيوان ذي روح ذكر (٧) كان أو أنثى.\n_________\n= وأبو الشيخ كما في \"الدر المنثور\" ٣/ ٥٧٩، والبغوي ٤/ ١٦١، و\"زاد المسير\" ٤/ ٧٦، والقرطبي ٩/ ٥.\n(١) قلت: بل الراجح بخلاف ذلك، فإن الهاء في (منه) تعود على اسم (الله) ولم يرد ذكر النبي - ﷺ -، ولذا أخبرهم جل وعلا أن استخفاءهم عن الله جهلٌ منهم فقال: ﴿أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾. وقد رجح هذا القول الطبري ١١/ ١٨٥، وابن عطية ٧/ ٢٤١ قال: \"هذا هو الأفصح الأجزل في المعنى\" وابن كثير ٢/ ٤٧٨.\n(٢) \"تنوير المقباس\" ١٣٨.\n(٣) بياض في (ب).\n(٤) هذا القول ذكره البغوي ٤/ ١٦١، \"زاد المسير\" ٤/ ٧٨.\n(٥) ساقط من (ب).\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٥٠ عند قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ﴾ النور: ٤٥.\n(٧) كذا في النسخ، والصحيح (ذكرًا) بالنصب.","vol":"11","page":352},{"text":"وقوله تعالى: ﴿إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾، قال المفسرون (١): فضلا لا وجوبا، والله تعالى تكفل بذلك بفضله، وذهب بعض أهل المعاني إلى أن ﴿عَلَى﴾ هاهنا بمعنى (من) كقول الشاعر (٢):\nإذا رضيت عليَّ بنو قشير\nأي: مني، ويدل على صحة هذه قول مجاهد (٣): ما جاءها من رزق فمن الله، وربما لم يرزقها حتى تموت جوعًا.\nوقوله تعالى: ﴿وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا﴾ أي: حيث تؤوي إليها، ﴿وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾ حيث تموت، وهو قول ابن عباس (٤) والربيع (٥) واختيار الفراء (٦) والزجاج (٧) وابن الأنباري.\nقال الفراء: ﴿وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾ حيث تأوي ليلًا أو نهارًا، ومستودعها\n_________\n(١) الثعبي ٧/ ٥٣٣، البغوي ٤/ ١٦١، \"زاد المسير\" ٤/ ٧٨، القرطبي ٩/ ٦.\n(٢) هو: قحيف العقيلي، وعجزه:\nلعمر الله أعجبني رضاها\nوهو في \"النوادر\" ص٤٨١، \"الكامل\" ٢/ ١٩٠، \"الخصائص\" ٢/ ٣١١، ٣٨٩، \"الهمع\" ٤/ ١٧٦، \"اللسان\" ٣/ ١٦٦٣ (رضي)، \"الخزانة\" ١٠/ ١٣٢.\n(٣) الطبري ١٢/ ١، ابن أبي حاتم ٦/ ٢٠٠١، ابن المنذر وأبو الشيخ كما في \"الدر المنثور\" ٣/ ٥٨٠. الثعلبي ٧/ ٣٣ ب، البغوي ٤/ ١٦١ - ١٦٢، \"زاد المسير\" ٤/ ٧٨، القرطبي ٩/ ٦.\n(٤) الطبري ١٢/ ٢، عبد الرزاق ٢/ ٣٢٠، ابن أبي حاتم ٦/ ٢٠٠١، ٢٠٠٣، ابن المنذر وأبو الشيخ كما في \"الدر المنثور\" ٣/ ٥٨١، البغوي ٤/ ١٦٢، الثعلبي ٧/ ٣٤ أفي الهامش، القرطبي ٩/ ٨.\n(٥) الثعلبي ٧/ ٣٤ أ، القرطبي ٩/ ٨، الطبري ١٢/ ٢، ابن أبي حاتم ٦/ ٢٠٠٣.\n(٦) \"معانى القرآن\" ٢/ ٤.\n(٧) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٣٩.","vol":"11","page":353},{"text":"موضعها الذي تموت فيه أو تدفن، ونحو هذا قال الزجاج وأبو بكر، ومضى استقصاء تفسير المستقر والمستودع في سورة الأنعام (١).\nقوله تعالى: ﴿كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾، قال ابن عباس (٢) والمفسرون (٣): اللوح المحفوظ.\nقال الزجاج (٤): والمعنى أن ذلك ثابت في علم الله -﷿- ومثله قوله (٥): ﴿إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ [الحديد: ٢٢] وذكرنا قبل هذا فائدة إثبات ذلك في قوله: ﴿وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1605>٧ </span>- قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ مضى تفسير هذا القدر من الآية في سورة \"الأعراف\" [٥٤].\nوقوله تعالى: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ يعني قبل أن يخلق السماء والأرض، قال كعب (٧): خلق الله ياقوتة خضراء، ثم نظر إليها بالهيبة\n_________\n(١) خلاصة ما ذكره في سورة الأنعام عند قوله تعالى: ﴿فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ﴾ أن المستقر في الرحم والمستودع في أصلاب الرجال.\n(٢) \"تنوير المقباس\" ١٣٨.\n(٣) الثعلبي ٧/ ٣٤ أ، البغوي ٤/ ١٦٢، \"زاد المسير\" ٤/ ٧٩، \"تفسير مقاتل\" ١٤٤ أ.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٣٩.\n(٥) ساقط من (ب).\n(٦) الأنعام: ٥٩. وقد نقل هنالك عن ابن الأنباري قوله: \"وفائدة كتب الله ذلك في اللوح المحفوظ مع علمه، وأنه لا يفوته شيء، هو أنه -﷿- كتب هذه الأشياء وأحصاها قبل أن تكون؛ لتقف الملائكة على نفاذ علمه، وأنه لا يغيب عنه مما في السموات والأرض شيء، فيكون في ذلك عبرة للملائكة الموكلين باللوح؛ لأنهم يقابلون به ما يحدث من الأمور فيجدونه موافقًا له\".\n(٧) الثعلبي ٧/ ٣٤ أ، البغوي ٤/ ١٦٢، القرطبي ٩/ ٨. قلت: هذا من الإسرائيليات، ويؤيدها ما روى الطبري ١٢/ ٥، وابن أبي حاتم ٦/ ٢٠٠٥ من طريق سعيد بن =","vol":"11","page":354},{"text":"فصارت ماء يرتعد، ثم خلق الريح فجعل الماء على متنها، ثم وضع العرش على الماء.\nوقال أهل المعاني: وفي وقوف العرش على الماء، والماء غير قرار أعظم الاعتبار لأهل الأفكار.\nقال أبو إسحاق (١): وهذا يدل على أن العرش والماء كانا قبل السموات والأرض.\nوقوله تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ قال ابن عباس (٢): أيكم أعمل بطاعة الله. قال أبو بكر: معناه: ليختبركم فيعلم وقوع الفعل منكم، الذي به تستحقون الثواب أو العقاب؛ وذلك أن الله تعالى لا يثيب ولا يعاقب بالسابق في علمه، لكنه يجازي بأفعال الفاعلين بعد وقوعها، فقال: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ﴾ وهو يعني [ليعلم] (٣) إحسان المحسن وإساءة المسيء بعد وقوعها، وهذا معنى قول أبي إسحاق (٤).\nوقال آخر من أهل المعاني: ليعاملكم معاملة المختبر المبتلي مظاهرة في العدل؛ لئلا يتوهم أنه مجازي العباد بحسب ما في المعلوم أنه يكون منهم قبل أن يفعلوه.\n_________\n= جبير قال: سئل ابن عباس عن قول الله: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾. قال: على أي شيء كان الماء؟ قال: على متن الريح. قال أحمد شاكر: رواه الحاكم في المستدرك ٢/ ٣٤١، وقال: (هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه) ووافقه الذهبي.\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٤٠.\n(٢) \"زاد المسير\" ٤/ ٧٩، الثعلبي ٧/ ٣٤ أ، القرطبي ٩/ ٩.\n(٣) ما بين المعقوفين ساقط من (ي).\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٤٠.","vol":"11","page":355},{"text":"قال أبو بكر: واللام في ﴿لِيَبْلُوَكُمْ﴾ متعلقة بالفعل الأول ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ يعني لكي يختبركم بالمصنوعات فيها من آياتها، فيثيب المطيع المعتبر بما يرى ويشاهد، ويعاقب أهل العناد للحق.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ﴾ إلى آخر الآية، قال أبو إسحاق (١): أعلمهم الله -﷿- أن القدرة على خلق [السموات والأرض] (٢) تدل على بعث الموتى، ومعنى هذا ما ذكره؛ أبو بكر؛ وهو أنه قال: إنما ذكر الله تعالى جحد أهل الكفر البعث بعد خلق السموات والأرض للابتلاء؛ لأن الكفار كانوا معترفين بابتداء خلق الله الأشياء وأنكروا البعث، فعجب من أنهم يجحدون من البعث ما ابتداء (٣) الخلق أعظم منه، فمن اعترف بالعظيم لزمه أن لا يجحد ما يصغر شأنه في جنب ما قد صدقه.\nوقوله تعالى: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾، وليس هذا القول الذي ذكره الله -﷿- يوجب أن ينسب إلى السحر؛ لأن هذا خبر وليس بفعل ناقض للعادة، وقال أبو إسحاق (٤): السحر باطل عندهم، وكأنهم قالوا إن هذا إلا باطل بيّن، يعني هذا القول الذي يقول لنا: أنا نبعث بعد الموت. وقال صاحب النظم: معنى السحر هاهنا الخداع، ومن هذا قوله: ﴿إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ (٥) أي مخدوعًا؛ لأن به سحرًا قد عمل به.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1606>٨ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ﴾ الآية، اللام في\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٤٠.\n(٢) في (ج): (الأشياء).\n(٣) هكذا في (ب)، وفي (ي): يجحدون من البعث من ما ابتداء الخلق أعظم منه. اهـ.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٤٠.\n(٥) الإسراء: ٤٧، الفرقان: ٨.","vol":"11","page":356},{"text":"﴿وَلَئِنْ﴾ لام القسم، وقوله تعالى: ﴿إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ﴾: إلى أجل وحين معلوم، قاله ابن عباس (١)، ومجاهد (٢)، وأهل التفسير (٣).\nقال ابن الأنباري (٤): والأمة هاهنا: المدة من أوقات الزمان. وفي قوله تعالى: ﴿مَعْدُودَةٍ﴾ [إشارة إلى القلة أو إلى العلم بتلك المدة؛ لأن الله تعالى قضى في سابق علمه لعذابهم وقتًا مؤقتًا وأمة معدودة] (٥). وذكرنا ما قيل في الأمة عند قوله ﴿أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ (٦).\nوقوله تعالى: ﴿لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ﴾ أي: ما يحبس العذاب عنا؛ تكذيبًا واستهزاءًا وإنكارًا لوقوعه.\nفقال الله -﷿-: ﴿أَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ﴾ قال ابن عباس (٧):\n_________\n(١) الطبري ١٢/ ٧، عبد الرزاق ٢/ ٣٠٢، ابن أبي حاتم ٦/ ٢٠٠٧.\n(٢) الطبري ١٢/ ٦، ابن أبي حاتم ٦/ ٢٠٠٧.\n(٣) الطبري ١٢/ ٦، الثعلبي ٧/ ٣٤ ب، البغوي ٤/ ١٦٣، القرطبي ٩/ ٩، \"زاد المسير\" ٤/ ٨٠.\nوقد روي هذا القول عن قتادة والضحاك وغيرهما كما في: الطبري ١٢/ ٦.\n(٤) \"الزاهر\" ١/ ١٥٠.\n(٥) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).\n(٦) البقرة: ١٢٨. وقال هناك: وقال الضحاك: \"الأمة في اللغة تكون على وجوه: الأمة: الجماعة من كل شيء، من ذلك أمة محمد - ﷺ -، ويقال: فلان أمة وحده، أي يسد مسد جماعة، ويقال: فلان حسن الأمة، إذا مدح بالتمام واستجماع الخلق على الاستواء، ومنه قوله: ﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾، بعد حين من الدهر وذلك لجماعة الشهور والأعوام .. \".\n(٧) القرطبي ٩/ ١٠، وغيره، وراجع هذا القول في تفسير سورة الحجر: ٩٥، \"البحر المحيط\" ٥/ ٢٠٥.","vol":"11","page":357},{"text":"وهو قتل جبريل المستهزئين، وقتل المؤمنين (١) المشركين يوم بدر. قال أبو بكر (٢): يريد: إذا أخذتهم سيوف محمد - ﷺ - وأصحابه [لم تغمد عنهم] (٣) حتى يباد أهل الكفر وتعلوا كلمة الإخلاص، قال أبو إسحاق (٤): ﴿يَوْمَ﴾ منصوب بمصروف، والمعنى: ليس العذاب مصروفًا عنهم يوم يأتيهم.\n\nقوله تعالى: ﴿وَحَاقَ بِهِمْ﴾، قال ابن عباس (٥): حلّ بهم، وقال مقاتل (٦): دار بهم، وقال يمان (٧): أحاط بهم، وقال الأخفش (٨): نزل، [وقال الزجاج <span data-type=\"title\" id=toc-1607>(٩): </span>أحاط بهم العذاب الذي هو جزاء ما كسبوا، وكانوا به يستهزءون، فقوله: ﴿مَا﴾ المضاف إليه محذوف أي: جزاء ما كانوا به يستهزءون] (١٠) وهو العذاب؛ لأنهم كانوا يستهزءون وينكرون وقوع العذاب بهم.\n٩ - قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً﴾، قال\n_________\n(١) في (ي): (المستهزئين).\n(٢) \"زاد المسير\" ٤/ ٨٠.\n(٣) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٤٠.\n(٥) ابن عطية ٧/ ٢٤٦ - ٢٤٧.\n(٦) \"تفسير مقاتل\" ٤٤ أ.\n(٧) ابن عطية ٧/ ٢٤٧، القرطبي ٩/ ١١١،\"معاني القرآن للنحاس\" ٣/ ٣٣٣.\n(٨) البغوي ٤/ ١٦٣، \"زاد المسير\" ٤/ ٨٠، القرطبي ٩/ ١٠، \"مجاز القرآن\" ١/ ٢٨٥، الطبري ١٢/ ٧، \"هو سعيد بن مسعدة مولى بني مجاشع يلقب بالراوية، أحذق أصحاب سيبويه توفي سنة ٢١٥ هـ. انظر: \"تاريخ العلماء النحويين\" ص ٨٥، الأعلام ٣/ ١٠٢.\n(٩) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٤١، \"تهذيب اللغة\" ١/ ٧٠٨ (حاق).\n(١٠) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).","vol":"11","page":358},{"text":"المفسرون (١) يعني بهذا الوصف المذكور في هذه الآية والتي بعدها: الكافرين.\nوقال الزجاج (٢): الرحمة هاهنا: الرزق، والإنسان اسم الجنس في معنى الناس، قال ابن عباس (٣): نزلت في الوليد بن المغيرة، وقال غيره (٤): في عبد الله بن أبي أمية المخزومي.\nوقوله تعالى: ﴿لَيَئُوسٌ كَفُورٌ﴾، قال ابن عباس (٥): يريد يؤوسٌ (٦) من رحمته كافر بالنعمة.\nوقال أهل المعاني: الآية صفة ذم؛ لأنه للجهل بسعة رحمة الله التي توجب قوة الأمل يستشعر اليأس (٧)، وبيان عما يوجبه الخلق السوء من القنوط من الرحمة عند نزول الشدة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1608>١٠ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ﴾، قال ابن عباس (٨): يريد صحة وسعة في الرزق بعد مرض وفقر، وقال أهل المعاني: النعماء: إنعام يظهر أثره على صاحبه، والضراء مضرة تظهر الحال بها؛ لأنها أخرجت مخرج الأحوال الظاهرة من نحو (حمراء)\n_________\n(١) \"زاد المسير\" ٤/ ٨٠ نسبة إلى ابن عباس. القرطبي ٩/ ١٠، \"معاني القرآن\" للنحاس ٣/ ٣٣٤، البغوي ٤/ ١٦٣، وضعف هذا القول ابن عطية ٧/ ٢٤٧ - ٢٤٨.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٤١.\n(٣) \"زاد المسير\" ٤/ ٨٠، \"البحر المحيط\" ٥/ ٢٠٦، والقرطبي ٩/ ١٠.\n(٤) \"زاد المسير\" ٤/ ٨٠، القرطبي ٩/ ١٠.\n(٥) رواه الطبري ١٢/ ٧ عن ابن جريج بنحوه. البغوي ٤/ ١٦٣، الثعلبي ٧/ ٣٤ ب.\n(٦) في (ب): (مؤنس).\n(٧) في (ب): (الناس).\n(٨) \"زاد المسير\" ٤/ ٨٠، القرطبي ٩/ ١١، الطبري ١٢/ ٨ بمعناه.","vol":"11","page":359},{"text":"و(عوراء)، وهذا فرق بين النعمة والنعماء.\nوقوله تعالى: ﴿لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي﴾، يريد: الضُّرَّ والفقر، ومعنى السيئات: الخصال التي تسوء صاحبها.\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾، قال ابن عباس (١): يريد يفاخر أوليائي بما وسعت عليه، وهذا بيان عما يوجبه بطر النعمة من تناسي حال الشدة، وترك الاعتراف بنعمة الله وحمده على ما صرف عنه من الضرّ مع المرح والتكبُّر على عباد الله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1609>١١ </span>- قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُو﴾ يعني (٢) أصحاب النبي - ﷺ -، والمؤمنين، مدحهم بالصبر على الشدة والمكاره، وهذا استثناء منقطع، وليس من الأول، ومعناه: لكن الذين صبروا، وهذا قول الأخفش (٣)، والزجاج (٤)، وابن الأنباري.\nوقال الفراء (٥): هو استثناء متصل من قوله: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ﴾؛ لأنه (٦) في تأويل جمع كما قال: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [العصر: ٢، ٣].\nقال أبو بكر: هذا ضعيف؛ لأنه يوجب أن تحت \"الإنسان\" مؤمنين وكافرين، وقد بين الله اختصاص الكفر معه بقوله: ﴿إِنَّهُ لَيَئُوسٌ\n_________\n(١) \"زاد المسير\" ٤/ ٨١.\n(٢) \"زاد المسير\" ٤/ ٨١. ابن أبي حاتم ٦/ ٢٠٠٨ عن زيد بن أسلم.\n(٣) \"معاني القرآن\" ٢/ ٥٧٥.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٤١.\n(٥) \"معاني القرآن\" ٢/ ٤.\n(٦) في (ي): (الآية).","vol":"11","page":360},{"text":"كَفُورٌ﴾، فإن ذهب ذاهب إلى أن المراد به كفر النعمة كان اتصال الاستثناء محتملا على ضعفه، وأهل العلم بالقرآن على الأول.\nوقوله تعالى: ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، أي: في الشدة والنعمة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1610>١٢ </span>- قوله تعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ﴾ الآية، قال أهل التفسير (١): قال المشركون للنبي - ﷺ -: ائتنا بكتاب ليس فيه سب آلهتنا حتى نتبعك ونؤمن بكتابك. وقال له بعضهم: هلا ينزل عليك ملك يشهد لك بالصدق، أو تعطى كنزًا تستغني به أنت وأتباعك، قال مقاتل (٢): فَهَمَّ رسول الله - ﷺ - أن يدع سب آلهتهم، فأنزل الله هذه الآية.\nومعنى قوله: ﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ﴾ أي أنه لعظيم ما يرد على قلبك من تخليطهم، تتوهم أنهم يزيلونك عن بعض ما أنت عليه من أمر ربك.\nقال ابن الأنباري: وقد علم الله تعالى أن النبي - ﷺ - لا يترك شيئًا مما يوحى إليه إشفاقًا من موجدة أحد أو غضبه، ولكنه أكد عليه في متابعة الإبلاغ، كما قال: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة: ٦٧] الآية، وقال ابن عباس: هذا أدب من الله لنبيه - ﷺ -، وتحريض على طاعته، والله من وراء ذلك له في العصمة.\nقوله تعالى: ﴿وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ﴾، الضائق بمعنى الضيق، والفرق\n_________\n(١) الثعلبي ٧/ ٣٥ أ، البغوي ٤/ ١٦٤، \"زاد المسير\" ٤/ ٨٢، الرازي ١٧/ ١٩٣، \"البحر المحيط\" ٥/ ٢٠٧.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ١٤٤ أبمعناه، \"زاد المسير\" ٤/ ٨٢، البغوي ٤/ ١٦٤، القرطبي ٩/ ١٢، ورد على هذا القول ابن عطية ٧/ ٢٤٩ قال: \"فإنه لم يرد قط ترك شيء مما أوحي إليه ولا ضاق صدره، وإنما ذكر ذلك للرد على أقوالهم\".","vol":"11","page":361},{"text":"بينهما أن الضائق يكون بضيق عارض خلاف اللازم وضائق هاهنا أحسن، من وجهين:\nأحدهما: أنه عارض.\nوالآخر: أنه أشكل بـ (تارك).\nوقوله تعالي: ﴿أَنْ يَقُولُوا﴾، قال الفراء (١): تقديره: مخافة أن يقولوا\nوقال الزجاج (٢): كراهة أن يقولوا.\nوقال غيرهما (٣): التقدير (بأن يقولوا) أو (لأن يقولوا)، والمعنى: لعلك تارك بعض ما يوحى إليك مخافة [هذا القول منهم، أو كراهة هذا القول، أو تارك إياه لهذا القول منهم (٤)، على ما ذكرنا من التقديرات، ومحل (أن) نصب؛ لأن الخافض ألقي فوصل الفعل، و(أن) من صلة قوله ﴿تَارِكٌ﴾؛ لأن هذا القول منهم هو الحامل على أن يترك بعض ما يوحى إليه] (٥)، والتأويل: قولهم (لولا أنزل عليه كنز أو جاء معه ملك) باعثك على أن نترك بعض ما يوحى إليك، والكناية في قوله ﴿وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ﴾ تعود إلى (ما) (٦) ﴿بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ﴾ (٧)، وإنما يضيق صدرك؛ لأنه يخاف الله في كتمانه وترك إظهاره، ويخاف لائمتهم في الإظهار فيضيق صدره.\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" ٢/ ٥.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٤١.\n(٣) الثعلبي ٧/ ٣٥ أ.\n(٤) هنا زيادة: (أو لهذا القول منهم).\n(٥) ما بين المعقوفين مكرر في (ي).\n(٦) ساقط من (ي).\n(٧) هكذا في جميع النسخ والأولى أن يقول: في قوله تعالى: ﴿بَعْضَ مَا يُوحَى﴾.","vol":"11","page":362},{"text":"وقال ابن الأنباري: التأويل وضائق بإظهاره صدرك. قال: ويجوز أن تكون ﴿أَنَ﴾ في موضع خفض بالرد على الهاء في به، يراد: وضائق صدرك بأن يقولوا لولا أنزل عليه (١) كنز.\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ﴾، قال الزجاج (٢): أي إنما عليك أن تنذرهم وتأتيهم من الآيات بما يوحى إليك، وليس عليك أن تأتيهم بشهواتهم في الاقتراح، ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾، أي حافظ لكل شيء، وذكرنا بيان هذا عند قوله ﴿وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾ (٣) في آخر سورة يونس (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1611>١٣ </span>- قوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ﴾ يعني مثل القرآن في البلاغة؛ وذلك أن القرآن من البلاغة في أعلاها، وأعلى البلاغة معجز.\nوقوله تعالى ﴿مُفْتَرَيَاتٍ﴾ أي: بزعمكم، أي إن أصبتم في تكذيب القرآن وقولكم فيه إنه مُفترى، يوجب عليكم أن تأتوا بالمعارضة، كما ادعيتم على النبي - ﷺ -، فقوله ﴿مُفْتَرَيَاتٍ﴾ للمقابلة لا لتحقيق وصف القرآن بأنه مفترى (٥) ﴿وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي إلى المعاونة على\n_________\n(١) في (ي): (عليه).\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٤١.\n(٣) في الأصل: (عند قوله .. ﴿وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾) وهو خطأ.\n(٤) قال عند قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾ يونس: ١٠٨: \"أي: في منعكم من اعتقاد الباطل، فانظروا لأنفسكم نظر من يطالب بعمله، من غير أن يطالب غيره بحفظه، كأنه قيل: بحفيظ من الهلاك، كما يحفظ الوكيل المتاع من الهلاك\".\n(٥) وهذا كثير في أسلوب القرآن، ومنه قوله تعالى: كلي وَ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ =","vol":"11","page":363},{"text":"المعارضة، وهذا أتمّ ما لِكون من التحدي (١) في المحاجة ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ في قولكم افتراه. وتفسير مثل هذه الآية قد سبق في سورة يونس عند قوله: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ﴾ [يونس: ٣٨].\nقوله تعالى: ﴿فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ﴾ [يعني المشركين، لم يستجيبوا لكم] (٢) إلى المعارضة، والخطاب في قوله ﴿لَكُمْ﴾ (٣) للنبي - ﷺ -[وأصحاب في قول مجاهد (٤)؛ لأنه قال: عني به أصحاب محمد - ﷺ -.\nقال الفراء (٥): هذا كقوله: ﴿عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ﴾، [يونس:٨٣] يريد أن خطاب النبي - ﷺ - في الآية الأولى كخطاب أصحاب النبي - ﷺ -]، (٦)، فكأنه قال: قولوا: فأتوا بعشر سور، كما قال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [الطلاق: ١].\nقال ابن الأنباري (٧): العرب قد تذكر الاسم موحدًا ثم ترجع إلى قوم الاسم وأهله وأصحابه فيجمعون، من ذلك قول الشاعر (٨):\nدالت علينا (٩) يمينًا لا تكلمنا ... من غير (١٠) بأس ولا من ريبة حلفوا\n_________\n= مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ النحل: ١٢٦، وقوله: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ الشوري: ٤٠.\n(١) ساقط من (ب).\n(٢) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).\n(٣) ساقط من (ي).\n(٤) الطبري ١٢/ ١٠، الثعلبي ٧/ ٣٥ أ، أبو الشيخ كما في \"الدر\" ٣/ ٥٨٣.\n(٥) \"معاني القرآن\" ٢/ ٥.\n(٦) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).\n(٧) \"زاد المسير\" ٤/ ٨٣، القرطبي ٩/ ١٣، الثعلبي ٧/ ٣٥ أ، البغوي ٤/ ١٦٥.\n(٨) لم أقف عليه، وهو من بحر البسيط.\n(٩) في (ب): (عليها).\n(١٠) في (أ، ب، ج): بزيادة (ما) وبها ينكسر البيت.","vol":"11","page":364},{"text":"فجعل دالت لواحدة مؤنثة ثم رجع إليها وإلى قومها فجمع\nوقوله تعالى: ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللهِ﴾، قال ابن الأنباري: هذا خطاب لأهل الكفر بإضمار قول قبله، يراد به: فقولوا لهم: اعلموا أنما أنزل بعلم الله، أي أنزل والله ﷿ عالم بإنزاله، وعالم أنه حق من عنده، ويجوز أن يكون معنى (بعلم الله) أي بما أنبأ الله به من غيب ودلَّ (١) على ما سيكون وما سلف مما لم (٢) يقرأ به النبي - ﷺ - كتابًا، والوجهان ذكرهما أبو إسحاق (٣).\nوقال أبو بكر: اعلموا أنما أنزل بعلم الله الذي لكم فيه النفع والشفاء والرشد من أمره ونهيه ووعده ووعيده، وغير ذلك من تعليمه وتشديده، هذا الذي ذكرنا من أن قوله: ﴿فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ﴾ خطاب للنبي - ﷺ - وأصحابه، مذهب المفسرين وأصحاب المعاني (٤) وقال بعضهم (٥): الخطاب فيه للمشركين؛ أي فإن لم يستجيبوا (٦) لكم من تدعونهم إلى المعاونة ولا تهيأ لكم المعارضة، فقد قامت عليه الحجة ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ﴾.\nوقوله تعالى: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ استفهام (٧) معناه الأمر، وقد\n_________\n(١) ساقط من (ب).\n(٢) ساقط من (ي).\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٤٢.\n(٤) الثعلبي ٧/ ٣٥ أ، البغوي ٤/ ١٦٥، ابن عطية ٧/ ٢٥٢، \"زاد المسير\" ٤/ ٨٣، القرطبي ٩/ ١٣، ابن كثير ٢/ ٤٨١.\n(٥) رجحه الطبري ١٢/ ١٠، واستبعد الأول، ابن عطية ٧/ ٢٥٢، القرطبي ٩/ ١٣، ورجحه الرازي ١٧/ ١٩٦، أبو حيان في \"البحر\" ٥/ ٢٠٩.\n(٦) في (ب): (يستجيب).\n(٧) ساقص من (ب).","vol":"11","page":365},{"text":"ذكرنا ما فيه (١) عند قوله في تحريم الخمر: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ (٢)، والآية بيان عما يوجبه ترك المعارضة -مع التحدي بها، وتوفر الدواعي إليها- من ظهور المعجز المؤدي إلى العلم بصحة الأمر فيه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1612>١٥ </span>- قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾، المعنى: من يريد الحياة الدنيا، و(كان) في تقدير الزيادة، ولذلك جزم جوابه، وهو قوله: ﴿نُوَفِّ إِلَيْهِمْ﴾، هذا معنى قول الفراء (٣)؛ لأن المعنى فيما بعد ﴿كَانَ﴾ (٤)؛ فكأن ﴿كَانَ﴾ تبطل في المعنى، وحكى الزجاج (٥) عن المبرد أن معنى ﴿كَانَ﴾ و(تكون) العبارة عن الأحوال فيما مضى وفيما يستقبل، و﴿كَانَ﴾ تستعمل فيهما جميعًا، فعلى هذا معنى ﴿كَانَ﴾ في الشرط والاستقبال؛ لأن الشرط لا يقع بالماضي، والمعنى: من يكن يريد الحياة الدنيا كقول زهير:\nومن هاب أسباب المنايا ينلنه\nأي من يهبها، واختلفوا في نزول هذه الآية والتي بعدها، فقال ابن\n_________\n(١) في (ب): قبله.\n(٢) المائدة:٩١. وقال هناك: \"بين تحريم الخمر في قوله: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ إذ كان معناه فانتهوا، قال الفراء: ردد عليّ أعرابي: هل أنت ساكت؟ هل أنت ساكت؟ وهو يريد: اسكت! اسكت!. وقال غيره: إنما جاز في صيغة الاستفهام أن تكون على معنى النهي؛ لأن الله تعالى ذم هذه الأفعال وأظهر قبحها، وإذا ظهر قبح الفعل للمخاطب، ثم استفهم عن تركه لم يسعه إلا الإقرار بالترك\".\n(٣) \"معاني القرآن\" ٢/ ٥.\n(٤) في (ي): (قدكان).\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٤٢. وانظر: \"معاني الأخفش\" ١/ ٤٥٥.","vol":"11","page":366},{"text":"عباس (١) في رواية عطاء: من كان يريد تعجيل الدنيا فلا يؤمن بالبعث ولا بالثواب ولا (٢) بالعقاب، وهذا يدل على أن الآية نازلة في أهل الكفر.\nوقال قتادة (٣): من كانت الدنيا همه وسدمه (٤) ونيته وطلبته، جازاه الله في الدنيا بحسناته، ثم يفضي إلى الآخرة وليس له حسنة يجازى بها، وأما المؤمن فيجازى في الدنيا بحسناته ويثاب عليها في الآخرة، واختار قوم (٥) هذا الوجه في النزول، وقالوا: الآية في الكفار بدليل الآية التي بعدها، وقالوا: المؤمن يريد الدنيا والآخرة، وإرادته الآخرة غالبة على إرادته الدنيا، وعلى هذا معنى الآية أن من أتى من الكافرين فعلًا حسنًا من إطعام جائع، وكسوة عار، ونصرة مظلوم من المسلمين عجل له ثواب ذلك في دنياه؛ بالزيادة في ماله، والتوسعة عليه في الرزق، وإقرار العين فيما خول، وهذا معنى قول سعيد بن جبير (٦): ﴿نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا﴾، قال: ثواب ما عملوا من خير أعطوا في الدنيا، وليس له في الآخرة إلا النار، فإذا جاء هذا الكافر في الآخرة رد منها على عاجل الحسرة؛ إذ لا حسنة لها هناك.\n_________\n(١) \"زاد المسير\" ٤/ ٨٤.\n(٢) ساقط من (ب).\n(٣) الطبري ١٢/ ١٢، وأبو الشيخ كما في \"الدر\" ٣/ ٥٨٥، والثعلبي ٧/ ٣٥ أ، وابن كثير ٢/ ٤٨١، ورواه الدارمي في المقدمة ١/ ٨١ عن الحسن.\n(٤) السَّدَم -بفتحتين-: الولوع بالشيء واللهج به، وفي الحديث: \"من كانت الدنيا همه وسدمه .. \". لسان العرب (سدم) ٤/ ١٩٧٦، \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٦٦٠.\n(٥) البغوي ٤/ ١٦٥، \"زاد المسير\" ٤/ ٨٤، الرازي ١٧/ ١٩٨، الثعلبي ٧/ ٣٥ ب.\n(٦) الطبري ١٢/ ١١، وأبو الشيخ كما في \"الدر\" ٣/ ٥٨٤ - ٥٨٥، و\"المحرر الوحيز\" ٧/ ٢٥٤، و\"زاد المسير\" ٤/ ٨٤.","vol":"11","page":367},{"text":"وقال ابن عباس (١) في رواية الكلبي عن أبي صالح عنه أنها نزلت في أهل القبلة، وقال مجاهد (٢): هم أهل الرياء.\nوقال الضحاك (٣): من عمل عملًا صالحًا من أهل الإيمان من غير تقوى، عجل له ثواب عمله في الدنيا، واختار الفراء (٤) هذا القول وقال: يقول (٥): من أراد بعمله من أهل القبلة ثواب [الدنيا عجل له] (٦) ثوابه ولم يبخس أي لم ينقص في الدنيا، ويؤكد هذا ما يروى أن معاوية لما أخبر بحديث أبي هريرة (٧) عن النبي - ﷺ - في أهل الرياء من القراء وأصحاب الأموال والمقاتلين، إذا قيل لهم في الآخرة إنما فعلتم ليقال فلان قارئ، فلان سخي، وفلان جريء، فقد قيل ذلك، والحديث طويل، وفي آخره أن هؤلاء أول خلق الله تسعر بهم النار يوم القيامة، ولما أخبر معاوية بهذا بكى بكاء شديدًا، ثم قال: صدق الله ورسوله ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ﴾، وقرأ الآيتين.\n_________\n(١) \"زاد المسير\" ٤/ ٨٤.\n(٢) الطبري ١٢/ ١٢، الثعلبي ٧/ ٣٥ ب، \"المحرر الوجيز\" ٧/ ٢٥٣، البغوي ٤/ ١٦٥، \"زاد المسير\" ٤/ ٨٤، أبو الشيخ كما في \"الدر\" ٣/ ٥٨٤.\n(٣) الطبري ١٢/ ١٢، ابن أبي حاتم ٦/ ٢٠١١.\n(٤) \"معاني القرآن\" ٢/ ٦.\n(٥) ساقط من (ب).\n(٦) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).\n(٧) أخرج الترمذي (٢٣٨٢) كتاب: الزهد، باب الرياء والسمعة، وأخرجه مسلم (١٩٠٥) كتاب: الإمارة، باب: من قاتل للرياء والسمعة استحق النار، \"شرح النووي\" بنحوه، والطبري ١٢/ ١٣، الثعلبي ٧/ ٣٥ ب.","vol":"11","page":368},{"text":"قال ابن الأنباري: فعلى هذا القول، المعني [بهذا الوصف] (١) قوم من أهل الإسلام يعملون العمل الحسن لتستقيم به دنياهم، غير متفكرين في الآخرة وما ينقلبون إليه، فهؤلاء يعجل لهم جزاء حسناتهم في الدنيا، فإذا جاءت الآخرة كان جزاؤهم عليها النار، إذا لم يريدوا بها وجه الله، ولم يقصدوا التماس ثوابه وأجره، فإن قيل: على هذا القول الآية الثانية توجب تخليد المؤمن في النار؛ لأنه قال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ﴾، قيل: من مات على الإيمان [لم يخلد في النار] (٢) وظاهر هذه الآية يدل على أن من راءا بعمله ولم يلتمس ثواب الآخرة، ونوى بعمله الدنيا، بطل إيمانه عند الموافاة؛ لأن قوله تعالى ﴿وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ شامل للإيمان وفروعه.\nوقال ابن الأنباري: إن القوم لا يخلدون في النار، إذ كان عموم التوحيد معهم، وإنما يحرقون بالنار بالذنوب السابقة، ثم يخرجون منها إلى الجنة (٣).\n_________\n(١) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).\n(٢) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).\n(٣) مذهب أهل السنة والجماعة أن الموحد لا يخلد في النار وإن دخلها فإن مآله إلى الجنة، قال الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب: فإن قيل الآية تقتضي تخليد المؤمن المريد بعمله الدنيا في النار، قيل: إن الله سبحانه ذكر جزاء من يريد بعمله الدنيا وزينتها وهو النار، وأخبر بحبوط عمله وبطلانه، فهذا أحبط ما ينجو به وبطل، لم يبق معه ما ينحيه، فإن كان معه إيمان لم يرد به الحياة الدنيا وزينتها بل أراد به الله والدار الآخرة لم يدخل هذا الإيمان في العمل الذي حبط وبطل، ونجاه هذا الإيمان من الخلود في النار، وإن دخلها بعمله الذي به النجاة المطلقة، فالإيمان إيمانان. إيمان يمنع دخول النار وهو الإيمان الباعث على أن =","vol":"11","page":369},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1613>١٧ </span>- قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ﴾، يعني بهذا النبي - ﷺ - في قول عامة المفسرين (١)، وأما البينة فقال ابن عباس (٢) في قوله ﴿عَلَى بَيِّنَةٍ﴾: يريد على يقين، وقال الكلبي (٣): البينة هاهنا الدين، وقال مقاتل ابن سليمان (٤): البينة البيان، وقيل (٥): يعني بها القرآن.\nوقوله تعالى: ﴿وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ﴾، أي ويتبعه، [والهاء تعود على (من)، (شاهد منه)؛ اختلفوا في هذا الشاهد] (٦)؛ فقال ابن عباس (٧) في رواية الضحاك: الشا هد جبريل ﵇، ونحو ذلك روى عكرمة (٨) عنه، وهذا قول علقمة (٩) وإبراهيم (١٠)، ومجاهد (١١)، وأبي صالح (١٢) وأبي\n_________\n= تكون الأعمال لله وحده، وإيمان يمنع الخلود في النار، فإن كان مع المرائي شيء منه، وإلا كان من أهل الخلود، فالآية لها حكم نظائرها من آيات الوعيد. \"تيسير العزيز الحميد\" ص ٥٣٦.\n(١) الثعلبي ٧/ ٣٦ أ، الطبري ١٢/ ١٤ - ١٥، \"الدر المنثور\" ٣/ ٥٨٦، \"المحرر الوجيز\" ٧/ ٢٥٧، \"زاد المسير\" ٤/ ٨٥.\n(٢) انظر: \"تفسير كتاب الله العزيز\" ٢/ ٢١٨، \"البحر\" ٥/ ٢٠١.\n(٣) \"زاد المسير\" ٤/ ٨٥.\n(٤) \"زاد المسير\" ٤/ ٨٥، \"تفسير مقاتل\" ١٤٤ ب.\n(٥) ذكره ابن أبي حاتم ٦/ ٢٠١٣ عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم.\n(٦) ما بين المعقوفين ساقط من (ي).\n(٧) الثعلبي ٧/ ٣٦ ب، والطبري ١٢/ ١٦، وابن أبي حاتم ٦/ ٢٠١٤، وابن المنذر وأبو الشيخ وابن مردويه كما في \"الدر المنثور\" ٣/ ٥٨٧.\n(٨) الثعلبي ٧/ ٣٦ ب، الطبري ١٢/ ١٦، ابن أبي حاتم ٦/ ٢٠١٤.\n(٩) الثعلبي ٧/ ٣٦ ب.\n(١٠) الثعلبي ٧/ ٣٦ ب، الطبري ١٥/ ٢٧٣.\n(١١) الثعلبي ٧/ ٣٦ ب، الطبري ١٢/ ١٦.\n(١٢) الثعلبى ٧/ ٣٦ ب، الطبري ١٢/ ١٦.","vol":"11","page":370},{"text":"العالية (١)، واختيار الفراء (٢)، والزجاج (٣)، وابن قتيبة (٤).\nقال ابن قتيبة: والشاهد من الله للنبي - ﷺ - جبريل؛ يريد أنه يتبعه ويؤيده ويسدده ويشهده.\nوقال ابن عباس (٥) في رواية عطاء ﴿وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ﴾ يريد: لسان النبي - ﷺ -، وهو قول الحسن (٦)، وقتادة (٧)، ورواية محمد بن الحنفية (٨) عن علي ﵁ قال: قلت لأبي أنت التالي، قال: وما تعني بالتالي؟ قلت: قوله: ﴿وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ﴾، قال: وددت أني هو، ولكن لسان الرسول - ﷺ -، وعلى هذا المعنى قال الزجاج (٩): ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ وكان معه من الفضل ما يبين تلك البينة، وعلى هذا الكناية في ﴿مَنْ﴾، تعود على ﴿مِّن﴾ وقيل: الشاهد هو: النبي - ﷺ -، وهو قول\n_________\n(١) الثعلبي ٧/ ٣٦ ب، الطبري ١٢/ ١٦.\n(٢) \"معاني القرآن\" ٢/ ٦.\n(٣) \"معاني القرآن\" ٣/ ٤٣.\n(٤) \"مشكل القرآن وغريبه\" ١/ ٢٠٩.\n(٥) \"تفسير عطاء\" / ١٠٦، وانظر: \"الدر المصون\" ٦/ ٣٠٠.\n(٦) الطبري ١٢/ ١٤، الثعلبي ٢/ ٣٧٧، \"زاد المسير\" ٤/ ٨٥، \"تفسير كتاب الله العزيز\" ٢/ ٢١٨.\n(٧) الطبري ١٢/ ١٥، الثعلبي ٧/ ٣٦، ابن أبي حاتم ٦/ ٢٠١٤، البغوي ٤/ ١٦٧، \"زاد المسير\" ٤/ ٨٥.\n(٨) الطبري ١٢/ ١٤، والثعلبي ٧/ ٣٦ ب، وابن المنذر وابن أبي حاتم ٦/ ٢٠١٤، والطبراني في \"الأوسط\" ٧/ ٢٢٤ برقم (٦٨٢٤). قال الهيثمي: وفيه خليد بن دعيج وهو متروك \"المجمع\" ٧/ ٣٧، وأبوالشيخ كما في \"الدر\" ٣/ ٥٨٦، \"زاد المسير\" ٤/ ٨٥.\n(٩) \"معاني القرآن\" ٣/ ٤٣.","vol":"11","page":371},{"text":"الحسين (١) بن علي ﵄، وابن زيد (٢)، وعلى هذا أراد أن صورة النبي - ﷺ - ووجهه ومخائله كل ذلك يشهد له؛ لأن من نظر إليه بعقله علم أنه ليس بمجنون ولا كذاب ولا ساحر ولا كاهن، والكناية في ﴿مِنْهُ﴾ تعود على ﴿مَنْ﴾ ويراد به: النبي - ﷺ -.\nوحكى ابن الأنباري أن بعض أهل العلم ذهب إلى أن الشاهد ما يشهد بإعجاز القرآن العالمين وإفحامِه أهلَ البلاغة، فالشاهد ما يشهد بأن القرآن غير مقدور على مثله وهو معنى تحت ألفاظ القرآن، وهذا قول الحسين بن الفضل (٣)، قال: هو نظم القرآن وإعجازه، وعلى هذا الكناية في (منه) تعود إلى معنى البينة، ومعناها البيان والبرهان، أي ويتلوه شاهد من ذلك البيان وهو نظمه وإعجازه، قال ابن قتيبة (٤): وهذا أعجب إليّ؛ لأنه يقول: ﴿وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى﴾ يعني التوراة قبل القرآن تشهد له بما قدم الله فيها من ذكره، قال أبو بكر: وذهب آخرون إلى أن الشاهد الإنجيل، ومعنى ﴿وَيَتْلُوهُ﴾ على هذا القول أي: ويتلو البينة التي معناها\n_________\n(١) الطبري ١٢/ ١٥، الثعلبي ٧/ ٣٦ ب، \"زاد المسير\" ٤/ ٨٦، ابن أبي حاتم ٦/ ٢٠١٤.\nوقد خطأ أحمد شاكر في تعليقه على الطبري ١٥/ ٢٧١ النسبة إلى الحسين؛ لأن في \"التاريخ الكبير\" للبخاري ٢/ ٢/ ٣١، \"الجرح والتعديل\" لابن أبي حاتم ٢/ ١/١٥٣ عند ترجمة سليمان العلاف الراوي هنا عن الحسين قالا: (إنه بلغه عن الحسن) والله أعلم.\n(٢) الطبري ١٢/ ١٥، القرطبي ٩/ ١٧، ذكره الثعلبي ٧/ ٣٦ ب، ولم يعزه.\n(٣) الثعلبي ٧/ ٣٦ ب، \"زاد المسير\" ٤/ ٨٦، البغوي ٤/ ١٦٧، القرطبي ٩/ ١٧.\n(٤) \"مشكل القرآن وغريبه\" ١/ ٢٠٩.","vol":"11","page":372},{"text":"القرآن [في التصديق] (١)، شاهد من الله وهو الإنجيل، قال الفراء (٢): ﴿وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ﴾ يعني الإنجيل يتلو القرآن، وإن كان قد (٣) أنزل قبله، يذهب إلى أن يتلوه بالتصديق، فعلى هذا جعله الإنجيل تاليا للقرآن في تصديق محمد - ﷺ -. وقال ابن الأنباري (٤): معنى يتلوه على هذا القول هو: أن الله تعالى ذكر محمدًا في الإنجيل وأمر بالإيمان به، فهو تال لمحمد - ﷺ - لهذا المعنى، وإن كان نزوله قبل مولده وزمانه.\nوقوله تعالى: ﴿وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً﴾، أي ومن قبل القرآن، أو من قبل محمد - ﷺ -، أو من قبل الإنجيل، وارتفع ﴿كِتَابُ مُوسَى﴾ بمضمر بعده، تأويله: ومن قبله كتاب موسى كذلك، أي تلاه في التصديق على ما ذكرنا في الإنجيل، قاله ابن الأنباري (٥)، قال: ويجوز أن يكون رفعًا على أنه فاعل، أي ويتلوه كتاب موسى في التصديق.\nوذكر أبو إسحاق (٦) أيضًا هذا الوجه فقال: ويكون ﴿كِتَابُ مُوسَى﴾ عطفًا على قوله ﴿شَاهِدٌ مِنْهُ﴾ أي: وكان يتلوه ﴿كِتَابُ مُوسَى﴾؛ لأن النبي - ﷺ - بشر به موسى وعيسى في التوراة والإنجيل. قال: ويجوز أن يكون المعنى: وكان من قبل هذا كتاب موسى دليلًا على أمر النبي - ﷺ -، قال: ونصب ﴿إِمَامًا﴾ على الحال لأن كتاب موسى معرفة.\n_________\n(١) ساقط من (ب).\n(٢) \"معاني القرآن\" ٢/ ٦.\n(٣) ساقط من (ي).\n(٤) \"زاد المسير\" ٤/ ٨٦.\n(٥) \"زاد المسير\" ٤/ ٨٧\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه\" للزجاج ٣/ ٤٤.","vol":"11","page":373},{"text":"وقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ وما اتصل به إلى قوله: ﴿إِمَامًا وَرَحْمَةً﴾ يقتضي جوابًا بحرف التشبيه وضد معناه، كما قال في موضع آخر: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا﴾ [السجدة: ١٨] وهاهنا ترك الجواب.\nقال أبو إسحاق (١): والتقدير أفمن هذه حاله كان هو وغيره ممن ليس على (٢) بينة سواء، فترك ذكر المضاد له؛ لأن فيما بعده دليلًا عليه وهو قوله: ﴿مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ﴾ [هود: ٢٤] الآية، ونحو هذا قال الفراء (٣) فقال: ربما تركت العرب (٤) جواب الشيء المعروف معناه، كما قال الشاعر (٥):\nفأقسم لو شيء أتانا رسوله ... سواك ولكن لم نجد لك مدفعًا\nومثل هذا من التنزيل قوله: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ﴾ [الزمر: ٩] الآية. ولم يؤت له بجواب، اكتفاء بما بعده من قوله: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾؛ فالقانتون آناء الليل والنهار الذين يعلمون،\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" ٣/ ٤٣ بنحوه.\n(٢) ساقط من (ب).\n(٣) \"معاني القرآن\" ٢/ ٦.\n(٤) ساقط من (ب).\n(٥) هو امرؤ القيس يريد: لو شيء أتانا رسوله سواك دفعناه بدليل قوله: \"ولكن لم نجد لك مدفعًا\". وفي الديوان ٢٤٢ (أجدك لو شيء ..).\n\"الخزانة\" ٤/ ٢٢٧، الطبري ١٢/ ١٨، \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٣٨٤٥ (وحد)، \"معاني القرآن\" ٢/ ٧، \"شرح المفصل\" ٩/ ٧، ٩٤، كتاب \"الصناعتين\" / ١٨٢، \"اللسان\" (وحد) ٨/ ٤٧٨٣.","vol":"11","page":374},{"text":"[وأضدادهم الذين لا يعملون] (١)، فاكتفى من الجواب بما تأخر من القول إذ كان فيه دليل عليه.\nوقال ابن قتيبة (٢): هذا كلام مردود على ما قبله، محذوف منه الجواب للاختصار، وذلك أن الله تعالى ذكر قبل هذا الكلام قومًا ركنوا إلى الدنيا، ورضوا بها عوضًا من الآخرة فقال (٣): ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [هود: ١٥] الآية. ثم قايس بين هؤلاء وبين النبي - ﷺ -، وصحابته فقال: ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ [هود: ١٧] كهذا الذي يريد الحياة الدنيا وزينتها، فاكتفى من الجواب بما تقدم، إذ كان فيه دليل عليه، وفي ذكر النبي - ﷺ - ذكر لأصحابه ولمن آمن واتبعه، ألا ترى أنه قال ﴿أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾، قال ابن عباس (٤) في رواية عطاء: يريد الذين صدقوا النبي - ﷺ - من أهل الكتاب، فمن قال بهذا القول قال: يعني أصحاب موسى وعيسى من كان منهم على الطريقة المثلى، واستقام على المنهاج، آمن بمحمد - ﷺ -.\nوقال عبد الله بن مسلم (٥): يعني أصحاب محمد - ﷺ -.\nقال ابن الأنباري (٦) قوله: ﴿أُولَئِكَ﴾ هو إشارة إلى أهل الحق والمتمسكين بالصواب من أمم موسى وعيسى ومحمد ﵈، وذلك أنه عز وعلا لما وصف محمدًا بما فضله به؛ من تمسكه بالهدى،\n_________\n(١) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).\n(٢) \"مشكل القرآن وغريبه\" ١/ ٢٠٨، وفيه اختلاف يسير.\n(٣) ساقط من (جـ).\n(٤) \"تنوير المقباس\" /١٣٩، الثعلبي ٧/ ٣٧ ب.\n(٥) هو ابن قتيبة، ذكره في \"مشكل القرآن وغريبه\" ١/ ٢٠٩.\n(٦) \"زاد المسير\" ٤/ ٨٨.","vol":"11","page":375},{"text":"وشهادة التوراة والإنجيل بصدقه، أشار إلى المؤمنين به، المتمسكين بما يوجد في التوراة والإنجيل والقرآن من صدقه ووضوح أمره، فكانت الإشارة إلى القوم الذين دلَّ ما تقدم على ذكرهم، والكناية في ﴿بِهِ﴾ تعود إلى محمد - ﷺ -.\nوقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ﴾، قال ابن عباس (١): يريد الذين كذبوا الأنبياء. والأحزاب: الفرق الذين كذبوا الأنبياء، سموا أحزابًا لأنهم تحزبوا على مخالفة أنبيائهم أي اجتمعوا.\nوقال الفراء (٢): من الأحزاب أي من أصناف الكفار، فيدخل فيهم اليهود، والنصارى، والمجوس.\nوقال قتادة (٣): هم اليهود والنصارى؛ يدلّ على صحة هذا ما روى سعيد بن جبير عن أبي موسى أن النبي - ﷺ - قال: \"لا يسمع بي يهودي ولا نصراني فلا يؤمن بي، إلا كان من أهل النار\" (٤)، قال أبو موسى: فقلت في\n_________\n(١) روي من طرق عن سعيد بن جبير. انظر: \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٣٠٣، الطبري ١٢/ ١٩.\n(٢) \"معاني القرآن\" ٢/ ٨.\n(٣) الطبري ١٢/ ٢٠، و\"زاد المسير\" ٤/ ٨٨، وأخرجه أبو الشيخ كما في \"الدر المنثور\" ٣/ ٥٨٧، وابن أبي حاتم ٦/ ٢٠١٦.\n(٤) أخرجه أحمد ٤/ ٣٩٦، وأخرجه الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" ٨/ ٢٦١، ٢٦٢، وقال: رواه الطبراني واللفظ له، وأحمد بنحوه، ورجال أحمد رجال الصحيح، والبزار أيضًا باختصار. وأخرجه النسائي في \"التفسير\" ١/ ٥٨٥. وأخرجه الحاكم ٢/ ٣٤٢ من حديث ابن عباس مرفوعًا وصححه ووافقه الذهبي. وأخرجه مسلم (١٥٣) كتاب: الإيمان، باب: وجوب الإيمان برسالة نبينا محمد - ﷺ - إلى جميع الناس ونسخ الملل بملته من حديث أبي هريرة، والطبري ١٢/ ١٩ من طرق.","vol":"11","page":376},{"text":"نفسي: إن النبي - ﷺ - لا يقول مثل هذا إلا عن (١) القرآن، فوجدت الله يقول: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾. قال صاحب النظم: لما قال: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾ دل ذلك على أن من يؤمن به فهو في الجنة؛ لأنه إذا أوجد الشيء بصفة وجب أن يوجد بضد تلك الصفة ضد ذلك الشيء.\nوقوله تعالى: ﴿فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾، قال مقاتل بن سليمان (٢): الهاءان تعودان على القرآن، والمعنى فلا تك في مرية من القرآن إنه من الله، إن القرآن هو الحق من ربك [لا كما يقول المشركون من أنك تأتي به من قبل نفسك، قال الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس (٣): فلا تك في مرية من أن موعد الكافر النار، إن ذلك هو الحق من ربك] (٤).\nقال أبو بكر: فمن بني على هذا التأويل أعاد الهاءين على التعذيب؛ لأن قوله ﴿فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾ معناه: فهو معذب، فرجعت الهاء على معنى الكلام، وكان تلخيصها (فلا تك في مرية من تعذيبه؛ إن تعذيبه الحق من ربك)، ولا يستنكر رجوع الهاء على حرف غير مذكور إذا كان المذكور يدلّ عليه. وقال ابن قتيبة (٥): الخطاب في قوله: ﴿فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ﴾ للنبي - ﷺ - والمراد به غيره.\n_________\n(١) في (ب): (علي).\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ١٤٤ ب، \"زاد المسير\" ٤/ ٨٩.\n(٣) \"زاد المسير\" ٤/ ٨٩، \"تنوير المقباس\" ١٣٩.\n(٤) ما بين المعقوفين ساقط من (ي).\n(٥) \"تأويل مشكل القرآن\" ٣٩٦.","vol":"11","page":377},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ يعني أهل مكة (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1614>١٨ </span>- وقوله تعالي: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ معناه لا أحد أظلم منه، إلا أنه خرج مخرج الاستفهام، مبالغة في أنه أظلم لنفسه من كل ظالم، إذ لا يصح الجواب عمن هو أظلم منه، قال ابن عباس: يريد كذب على الله، مثل قولهم: هؤلاء شفعاؤنا عند الله، وذكرنا ما في هذا في سورة الأنعام (٢).\nوقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ﴾، ذكرنا معنى العرض عند قوله: ﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ﴾ (٣)، قال أبو إسحاق (٤): والخلق كلهم يعرضون على ربهم، وذكر عرض هؤلاء، توكيدًا لما لهم في الانتقام منهم.\nقال ابن الأنباري: ومعناه أن العذاب نازل بهم غير مندفع (٥) عنهم، فذكر عرضهم تصحيحًا لتعذيبهم، وتحقيقًا لما ينزل بهم، فوقع الاختصاص في الآية لما كان المعنى: أولىك لا يفوتون الله ولا يسبقون (٦) عذابه.\n_________\n(١) \"زاد المسير\" ٤/ ٨٩.\n(٢) آية:٢١. وقد نقل هنالك عن ابن عباس قوله: \"ومن أكفر ممن اختلق على الله كذبًا فأشرك به الآلهة\"، وقال أهل المعاني: (هذا الاستفهام معناه الجحد، أي لا أحد أظلم منه؛ لأنه جوابه كذلك فاكتفى من الجواب بما يدل عليه).\n(٣) البقرة:٣١. قال هنالك: \"ومعنى العرض في اللغة: الإظهار، ومنه عرض الجارية وعرض الجند، الليث: ويقال أعرض الشيء، أي بدا وظهر\".\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٤٤.\n(٥) في (ي): (منتفع).\n(٦) في (ب): (يشفعون).","vol":"11","page":378},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ﴾، الأشهاد: يجوز أن يكون جمع شاهد، مثل صاحب وأصحاب، وناصر وأنصار، ويجوز أن يكون جمع شهيد مثل: شريف وأشراف (١)، قال أبو علي: وهذا كأنه أرجح؛ لأن ما جاء من ذلك في التنزيل جاء على (فعيل) كقوله: ﴿وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣] و﴿وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ﴾ [النحل: ٨٩].\nقال ابن عباس (٢): يريد الأنبياء والملائكة، وقال مجاهد والأعمش (٣): هم الملائكة الذين كانوا يحفظون أعمالهم عليهم في الدنيا.\nوقال قتادة (٤): يعني الخلائق، ونحو هذا قال مقاتل بن سليمان (٥): الأشهاد: الناس؛ كما يقال على رؤوس [الأشهاد، يعني على رؤوس] (٦) الناس، فالأشهاد على هذه الأقوال: الأنبياء والملائكة والمؤمنون.\nقال ابن الأنباري (٧): والفائدة في إخبار الأشهاد بما الله يعلمه، تعظيم الأمر على المشهود عليه، وحسم طمعه من أن يجد سبيلا إلى\n_________\n(١) ما سبق من كلام أبي عبيدة. \"مجاز القرآن\" ١/ ٢٨٦.\n(٢) \"زاد المسير\" ٤/ ٨٩، والبغوي ٤/ ١٦٨، و\"القرطبي\" ٩/ ١٨، وهو قول الطبري ١٢/ ٢٠.\n(٣) الطبري ١٢/ ٢٠ - ٢١ عن مجاهد والأعمش وغيرهم.\nوانظر: \"زاد المسير\" ٤/ ٨٩، والبغوي ٤/ ١٦٨، والقرطبي ٩/ ١٨.\n(٤) \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٣٠٤، وابن أبي حاتم ٤/ ١٥٨ ب.\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ١٤٤ ب، \"زاد المسير\" ٤/ ٨٩.\n(٦) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).\n(٧) \"زاد المسير\" ٤/ ٨٩.","vol":"11","page":379},{"text":"التخلص، بمجاحدة أو مدافعة. وقال غيره: هو توبيخ لهم من الشهداء، وهتك سترهم، وإظهار فضيحتهم.\nوقوله تعالى: ﴿هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ﴾، قال ابن عباس: زعموا أن لله ولدًا وشريكًا، ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ قال: يريد المشركين، قال الزجاج (١): ومعنى لعنة الله: إبعاده من رحمته وعفوه (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1615>١٩ </span>- قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ مضى تفسيره مشبعًا في سورة آل عمران (٣).\nقوله تعالى: ﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾، قال الزجاج (٤): ذكر ﴿هُمْ﴾ ثانية على جهة التوكيد لشأنهم في الكفر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1616>٢٠ </span>- قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ﴾، معنى الإعجاز: الامتناع من المراد بما لا يمكن معه إيقاعه؛ يقال: أعجزني فلان: أي امتنع عن مرادي فيه، ومعنى ﴿مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ﴾ فائتين هربًا فيها، كما يهرب الهارب من عدو قد جدّ في طلبه، هذا معنى قول المفسرين في (معجزين)، فإن ابن عباس قال (٥): سابقين.\n_________\n(١) في (ي): (الحجاج).\n(٢) \"معاني القرآن\" ٣/ ٤٤.\n(٣) آل عمران: ٩٩، وخلاصة ما ذكره هنالك ما نقله عن أهل المعاني \"تأويل الآية: يطلبون أن يعوجوا سبيل الله، وأن يكون فيها عوج؛ لأن معنى ﴿سَبِيلِ اللهِ﴾ الطريق التي هي الوصلة إلى رضا الله، فهم يطلبون أن يعوجوا هذا الطريق، حتى لا يصل إلى رضا الله من سلكها.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٤٥.\n(٥) ابن أبي حاتم ٨/ ٢٠.","vol":"11","page":380},{"text":"وقال مقاتل (١): فائتين، وقال قتادة: هُرَّابا (٢).\nقال ابن الأنباري (٣): خصّ الله الأرض بالذكر، وهم لا يخرجون عن قبضته في كل موضع، على عادة العرب في قولهم: لا مهرب لك مني، ولا وزر (٤) ولا نفق يعصمانك من عقابي، يعنون بالوزر الجبل، وبالنفق السَّرَب، وكلاهما من الأرض يلجأ إليه الخائف المطلوب، أعلم الله أن هؤلاء الكافرين لا يسبقونه هربًا، ولا يجدون ما يحجز بينهم وبين عذابه من جميع ما يستر من جبال الأرضين وغوامض أمكنتها، وقد قال عطاء عن ابن عباس (٥) في هذه الآية: يريد لم يعجزوني أن آمر الأرض فتخسف بهم.\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾، قال ابن عباس (٦): يريد ممن يعبدون فتمنعهم مني.\nوقال أبو إسحاق (٧) في هذه الآية: أخبر الله أنه لا يعجزه انتقام في دار الدنيا، وأنه لا وَليّ لهم يمنعهم من انتقام الله ﷿.\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ١٤٥ أ.\n(٢) ما سيق ذكره عنهم الثعلبي ٧/ ٣٨ أ، وقال به مقاتل بن حيان، ولم أجده في تفسير مقاتل بن سليمان. وانظر: ابن عطية ٧/ ٢٦٤، \"زاد المسير\" ٤/ ٩٠، القرطبي ٩/ ١٩، ابن كثير ٢/ ٤٨٣.\n(٣) \"زاد المسير\" ٤/ ٩٠ بنحوه.\n(٤) الوزر هو: الجبل المنيع عند أهل اللغة. انظر: \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٨٨٣، اللسان (وزر) ٨/ ٤٨٢٣ - ٤٨٢٤.\n(٥) \"زاد المسير\" ٤/ ٩٠، القرطبي ٩/ ١٩.\n(٦) \"زاد المسير\" ٤/ ٩٠، وهو قول الطبري ١٢/ ٢٢ - ٢٣.\n(٧) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٤٥ بنحوه.","vol":"11","page":381},{"text":"قال ابن الأنباري (١): وهذا يقتضي محذوفًا تلخيصه: من أولياء يمنعونهم من عذاب الله، ويحاولون نصرتهم، فحذف عند شهرة المعنى، ثم استأنف فقال: ﴿يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ﴾، قال ابن عباس: يعني يوم القيامة، وقال الزجاج (٢): وصف مضاعفة العذاب على قدر ما وصف من عظيم كفرهم بنبيه - ﷺ - وبالبعث والنشور، وقال أبو بكر (٣): استحقوا مضاعفة العذاب لإضلالهم الأتباع، واقتداء غيرهم بهم (٤).\nوقوله تعالى: ﴿مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ﴾، قال عطاء عن ابن عباس: ما كانوا يستطيعون أن يسمعوا شيئًا من عظمتي وجبروتي، يريد: أني حلت بينهم وبين الإيمان (٥). وقال قتادة (٦): هم صم عن الحق فلا يسمعون، وعمي فلا يبصرون ولا يهتدون، وقال الوالبي عن ابن عباس (٧): حال الله بين أهل الكفر وبين أهل الطاعة في الدنيا والآخرة، فأما في الدنيا ففي قوله: ﴿مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ﴾، وأما في الآخرة ففي قوله: ﴿وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [القلم: ٤٢]، وهذا مذهب المفسرين في هذه الآية، ذكره الفراء وابن الأنباري.\n_________\n(١) \"زاد المسير\" ٤/ ٩٠.\n(٢) \"معاني القرآن\" ٣/ ٤٥.\n(٣) \"زاد المسير\" ٤/ ٩٠، والبغوي ٤/ ١٦٩.\n(٤) في (ب): (به).\n(٥) الطبري ١٢/ ٢٢ - ٢٣، الثعلبي ٧/ ٣٨ أ، صحيفة علي بن أبي طلحة / ٢٨٤، \"زاد المسير\" ٤/ ٩١، البغوي ٤/ ١٦٩.\n(٦) الطبري ١٢/ ٢٢، الثعالبي ٧/ ٣٨ أ، ابن أبي حاتم ٦/ ٢٠١٨.\n(٧) الطبري ١٢/ ٢٢، الثعلبي ٧/ ٣٨ أ، البغوي ٤/ ١٦٩، ونصه: \"أخبر الله سبحانه أنه حال بين أهل الشرك وبين طاعته في الدنيا والآخرة ... إلخ \".","vol":"11","page":382},{"text":"قال الفراء (١): ﴿مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ﴾ أي أضلهم الله عن ذلك في اللوح المحفوظ.\nوقال ابن الأنباري: ما كانوا يستطيعون السمع للحق والإبصار إليه لما سبق لهم عند الله من الشقاء.\nوذكر الفراء (٢) وجها آخرًا فقال: فسره بعض المفسرين: يضاعف لهم العذاب بما كانوا يستطيعون السمع ولا يفعلون، ثم حذفت الباء، ومثله في الكلام: لأخزينك بما عملت وما عملت، قال أبو بكر (٣): وموضع (ما) (٤) على هذا الجواب نصب بسقوط الخافض، والناصب لها ﴿يُضَاعَفُ﴾؛ كما يقولون: تعلقت بعبد الله، وتعلقت عبد الله، قال الشاعر (٥):\nنغالي اللحم للأضياف نيا ... ونبذله إذا نضج القدور\nوذكر أبو إسحاق (٦) وجهًا آخر: أي من شدة كفرهم وعداوتهم للنبي - ﷺ - ما كانوا يستطيعون أن يتفهموا ما يقوله.\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" ٢/ ٨.\n(٢) \"معاني القرآن\" ٢/ ٨.\n(٣) \"زاد المسير\" ٤/ ٩١.\n(٤) ساقط من (ي).\n(٥) البيت لرجل من قيس في \"جمهرة اللغة\" ٣/ ١٣١٧، و\"أساس البلاغة\" (غلو)، ومعناه: نشتريه غاليًا ثم نبذله ونطعمه إذا نضج في قدورنا. وبلا نسبة في: \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٣٨٥، ٣/ ٢٦٨٢، \"اللسان\" مادة (رخص) ٣/ ١٦١٦، \"زاد المسير\" ٣/ ٣٩٨، \"معاني الفراء\" ٢/ ٣٨٣، \"تاج العروس\" ٩/ ٢٨٨ (رخص)، (غلا)، \"ديوان الأدب\" ٤/ ١٢١.\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٤٥.","vol":"11","page":383},{"text":"قال أبو بكر (١): ومعنى هذا: ما كانوا يستمعون الحق ولا يبصرون ما فيه لهم (٢) الرشد؛ لعنادهم وشدة عداوتهم، فصاروا لملازمتهم الإعراض عن الخير بمنزلة من لا يستطيعه، وإن كان مستطيعًا له في الحقيقة، كما تقول للرجل: ما تستطيع أن تنظر إلى من شدة العداوة، أي أنت بإيثارك الإعراض عني، بمنزلة من لا يستطيع النظر إلى، ومعلوم أنه لو شاء أن ينظر إليه لنظر.\nثم بين جل وعز أن ضرر ذلك راجع عليهم، فقال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾، قال ابن عباس: أي صاروا إلى النار، وخسران النفس أعظم الخسران؛ لأنه ليس منها عوض.\nوقوله تعالى: ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ أي: بطل افتراؤهم في الدنيا فلم ينفعهم في الآخرة شيئًا (٣)، قال الحسن (٤): ذهبت عنهم الأوثان التي كانوا يؤملون بها الانتفاع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1617>٢٢ </span>- قوله تعالى: ﴿لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ﴾ [اختلفوا في معنى \"لا جرم\"؛ فقال ابن عباس (٥): يقول: حقا إنهم في الآخرة هم الأخسرون] (٦)، وكذلك قال أكثر (٧) المفسرين.\n_________\n(١) \"زاد المسير\" ١/ ٣٤٦، \"البحر\" ٢/ ٧٦٦.\n(٢) ساقط من (ي).\n(٣) انظر: \"البحر المحيط\" ٥/ ٢١٢، ابن كثير ٢/ ٤٨٣، القرطبي ٩/ ٢٠، ابن عطية ٧/ ٢٦٦.\n(٤) انظر: \"تفسير كتاب الله العزيز\" ٢/ ٢٢١.\n(٥) \"زاد المسير\" ٤/ ٩١.\n(٦) ما بين المعقوفين ساقط من (ي).\n(٧) ساقط من (ي).","vol":"11","page":384},{"text":"قال الفراء (١): \"لا جرم\" كلمة كانت في الأصل بمنزلة (٢) (لا بد) و(لا محالة)، فكثر استعمالها حتى صارت بمنزلة (حقا)، ألا ترى أن العرب يقول: لا جرم لآتينك، فتراها بمنزلة اليمين، وكذلك فسرها المفسرون (٣) في قوله تعالى: ﴿لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ﴾ حقا (٤)، انتهى كلامه، وعلى هذا معنى ﴿لَا جَرَمَ﴾ أي لا قطع قاطع عن أنهم في الآخرة هم الأخسرون، إلا أنه كثر حتى صار كالمثل، فإذا قالوا: لا جرم، فكأنهم قالوا: حقًا، والأصل مما ذكرنا، ووضع موضع القسم في قولهم: لا جرم لأفعلن كذا، كما قالوا: حقًا لأفعلن، إذ جعلوه بدلًا من اليمين، وهذا قول في هذه الكلمة.\nوقال الزجاج (٥): معنى لا جرمِ: (لا) نفي لما ظنوا أنه ينفعهم، كأن المعنى: لا ينفعهم ذلك، ﴿جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ﴾ أي: كسب ذلك الفعل لهم الخسران، وذكرنا ﴿جَرَمَ﴾ هو بمعنى كسب في قوله: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ﴾ (٦).\nقال الأزهري (٧): وهذا من أحسن ما قيل فيه.\nقال ابن الأنباري: (جرم) على هذا القول فعل ماض، وفاعله مضمر\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" ٢/ ٨.\n(٢) ساقط من (ي).\n(٣) انظر: الطبري ١٢/ ٢٣، البغوي ٤/ ١٦٩، ابن عطية ٧/ ٢٦٦ - ٢٦٨، \"البحر المحيط\" ٥/ ٢١٢، الرازي ١٧/ ٢٠٨، القرطبي ٩/ ٢٠.\n(٤) ساقط من (ب).\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٤٦.\n(٦) المائدة: ٢. قال هنالك: وأكثر أهل اللغة والمعاني يقولون: لا يكسبنكم، ونقل ذلك عن جماعة منهم الفراء وابن الأنباري وأبو علي الفارسي وغيرهم.\n(٧) \"تهذيب اللغة\" ١/ ٥٨٧ - ٥٨٨ (جرم)، قال: \"وهذا من أبين ما قيل فيه\".","vol":"11","page":385},{"text":"فيه (١) من ذكر الكفر، و(أنَّ) منصوبة بـ (جرم) كما يقول القائل: كسب جفاؤك زيدًا غضبه عليك، وقد قال الأزهري: [وقد قيل] (٢): (لا) صلة في ﴿لَا جَرَمَ﴾ والمعنى: كسب لهم عملهم الندامة، وقال قوم: (لا) رد على أهل الكفر كما ذكرنا، وجرم معناه أحق صحيح، والتأويل: حق كفرهم ووقوع العذاب والخسران بهم، وهذا مذهب الأخفش (٣)، وسيبويه (٤)، واحتجوا بقول الشاعر (٥):\nولقد طعنت أبا عيينة طعنة ... جرمت فزارة بعدها أن يغضبوا\nأراد: أحقت الطعنة فزارة الغضب، ورواه بعضهم فزارةُ بالرفع يعني: حققت فزارة الغضب، وأنكر الفراء وأبو العباس هذا القول، قال الفراء (٦): جرمت فزاره بالنصب، والمعنى جرمتهم الطعنة أن يغضبوا.\n_________\n(١) ساقط من (ي).\n(٢) ما بين المعقوفين ساقط من (ي).\n(٣) \"معاني القرآن\" ٢/ ٤٥٩.\n(٤) \"الكتاب\" ٣/ ١٣٨، \"إعراب القرآن\" للنحاس ٢/ ٨٤ - ٨٥.\n(٥) هو: أبو أسماء بن الضريبة، أو عطية بن عفيف، كما في \"مجاز القرآن\" ١/ ٣٥٨، وقد ورد في \"معاني القرآن\" للأخفش ٢/ ٤٥٩، و\"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٩، والزجاج ٢/ ٤٥، والخزانة ٤/ ٣١٠، والكتاب ٣/ ١٣٨.\nوقبله:\nيا كرز إنك قد قتلت بفارس ... بطل إذا هاب الكماة وجببوا\nكان كرز قد طعن أبا عيينة حصن بن حذيفة الفزاري في يوم الحاجر فقتل به فرثاه الشاعر، وقوله \"جببوا\" أي فروا.\nوانظر: \"اللسان\" (جرم) ١/ ٦٠٥، \"تهذيب اللغة\" للأزهري ١/ ٥٨٨، (جرم).\n(٦) \"معاني القرآن\" ٢/ ٩.","vol":"11","page":386},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1618>٢٣ </span>- قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ﴾، معنى الإخبات في اللغة: الخشوع والتواضع والطمأنينة، وأصله من الخبت وهو ما تطامن من الأرض، قال العدوي (١): الخبت الخفي المطمئن، وخبت ذكره أي خفي، ومنه المخبت من الناس. أخبت إلى ربه أي اطمأن إليه، وقال الفراء (٢): ومعنى الإخبات الخشوع.\nوقال غيره: هو سكون الجوارح على جهة الخصوع لله، هذا معناه في اللغة.\nفأما التفسير فقال مجاهد (٣) فيما روى عنه ابن جريج وابن أبي نجيح (٤): اطمأنوا، قال ابن الأنباري: ولهذا المعنى عدي بـ\"إلى\"؛ لأنه أريد بالإخبات الطمأنينة، والطمأنينة (٥) تصحبها (إلى)، والإخبات يستعمل مع اللام يقال: قد أخبت فلان لفلان.\n_________\n(١) \"تهذيب اللغة\" ١/ ٩٧٣، مادة (خبت)، و\"اللسان\" ٢/ ١٠٨٧ (خبت)، والعدوي هو: أبو النضر سعيد بن أبي عروبة مهران العدوي البصري، محدث، ثقة، حافظ، توفي سنة ١٥٥هـ أو سنة ست أو سبع. انظر: العبر ١/ ٢٢٥، \"التهذيب\" ٢/ ٣٣ - ٣٥، \"تاريخ العلماء النحويين\" /٩٦.\n(٢) \"معاني القرآن\" ٢/ ١٠.\n(٣) \"الطبري\" ١٢/ ٢٤، والثعلبي ٧/ ٣٨ ب، وأبو الشيخ كما في \"الدر المنثور\" ٣/ ٥٩٠، وابن أبي حاتم ٦/ ٢٠١٩، والبغوي ٤/ ١٧٠، و\"زاد المسير\" ٤/ ٩٣.\n(٤) هو: أبو يسار عبد الله بن أبي نجيح المكي الثقفي بالولاء، ثقة رمي بالقدر والاعتزال ربما دلس، توفي ١٣١هـ. انظر: \"الميزان\" ٢/ ٥١٥، \"التقريب\" ص ٣٢٦ (٣٦٦٢).\n(٥) زيادة من (ي).","vol":"11","page":387},{"text":"وقال قتادة (١): تابوا إلى ربهم، ودخلت (إلى) على هذا القول لمعنى التوبة (٢).\nوقال مقاتل بن سليمان (٣): أخلصوا إلى ربهم، ودخلت (إلى) علي هذا القول؛ لأنه محمول على: وجهوا إخلاصهم إلى ربهم.\nوقال عطاء عن ابن عباس (٤) خشعوا، وهو اختيار الفراء (٥)، وعلى هذا جعلت (إلى) بدلًا من اللام لتضارعهما في قولك: هديته للموضع وإلى الموضع، ذكره الفراء.\nقال أبو بكر (٦): ويصلح أن يقال (إلى) (٧) مصروفة إلى معنى وجهوا خشوعهم إلى ربهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1619>٢٤ </span>- قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ﴾ الآية، قال المفسرون (٨): قوله ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ﴾ إلى قوله ﴿هُمُ الْأَخْسَرُونَ﴾ نزل في المستهزئين ورؤساء المشركين، ثم نزل في أصحاب رسول الله - ﷺ - قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآية، ثم نزلت هذه الآية مثلا جامعًا للفريقين\n_________\n(١) الطبري ١٢/ ٢٤، وابن أبي حاتم ٦/ ٢٠٢٠، الثعلبي ٧/ ٣٨ ب، البغوي ٤/ ١٧٠، \"زاد المسير\" ٤/ ٩٢، وكلهم نقلوا عنه: أنابوا إلى ربهم.\n(٢) في (ي): (التوحيد).\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ١٤٥ أ، \"زاد المسير\" ٤/ ٩٣.\n(٤) رواه الطبري عن قتادة ١٥/ ٢٩٠، وعبد الرزاق ٢/ ٣٠٤، وأبو الشيخ كما في \"الدر\" ٣/ ٥٩٠، وهو في \"تنوير المقباس\" / ١٣٩.\n(٥) \"معاني القرآن\" ٢/ ١٠.\n(٦) \"زاد المسير\" ٤/ ٩٣، والقرطبي ٩/ ٢٢.\n(٧) في (ي): (أن).\n(٨) \"زاد المسير\" ٤/ ٩٣.","vol":"11","page":388},{"text":"فقال: ﴿مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ﴾ أي مثل (١) فريق الكافرين وفريق المسلمين. والفريق: الطائفة من الناس.\n﴿كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ﴾ ذكرنا معناه في قوله: ﴿مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ﴾ [هود: ٢٠]، قال قتادة (٢): هو مثل ضربه الله للمؤمن والكافر؛ فأما الكافر فصمّ عن الحق فلا يسمعه، وعمي عنه فلا يبصره، وأما المؤمن فسمع الحق فانتفع به، وأبصره فوعاه قلبه وعمل به.\nوقوله تعالى: ﴿هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا﴾، قال الفراء (٣): كان حقه هل يستوون، ولكن الأعمى والأصم [والبصير والسميع] (٤) كأنهما واحد؛ لأنهما من وصف المؤمن والكافر (٥)، وشرح ابن الأنباري (٦) هذا الجواب فقال: الأعمى والأصم صفتان لكافر، والبصير والسميع لمؤمن، فرد الفعل إلى الموصوفين بالأوصاف الأربعة، وليس بمحظور (٧) عطف النعوت بعضها على بعض بحرف العطف والموصوف واحد، وقد ذكرنا هذا عند قوله: ﴿وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ﴾ (٨)\n_________\n(١) ساقط من (ب).\n(٢) الطبري ١٢/ ٢٥، ابن أبي حاتم ٦/ ٢٠٢٠، \"زاد المسير\" ٤/ ٩٣، القرطبي ٩/ ٢١.\n(٣) \"معاني القرآن\" ٢/ ٧.\n(٤) ما بين المعقوفين ساقط من (ي).\n(٥) ساقط من (ي).\n(٦) \"زاد المسير\" ٤/ ٩٤، وانظر: الطبري ١٢/ ٢٥، وابن عطية ٧/ ٢٦٨.\n(٧) في (ب): (بمخصوص).\n(٨) البقرة: ٥٣. وفي الأصل: (وآتينا موسى ..) وهو خطأ. وقد ذكر عند هذه الآية ما ملخصه: أن الكتاب هو الفرقان، والعرت تكرر الشيء إذا اختلفت ألفاظه. ويمكن أن يراد بالفرقان انفراق البحر، ويمكن أن يكون الفرقان نعتًا للكتاب، يريد: وإذ =","vol":"11","page":389},{"text":"وأنشد (١):\nيظن سعيد وابن عمرو بأنني ... إذا سامني ذلا أكون به أرضى\nفنسق ابن عمرو على سعيد في المعنى، وهذا أعرب من الأول، إذا (٢) نسق نعتًا (٣) على اسم، ونسق النعت [على النعت] (٤) أبعد من اللبس.\nوقوله تعالى: ﴿مَثَلًا﴾ نصب على التفسير، ﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ قال ابن عباس (٥): أفلا تتعظون يا أهل مكة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1620>٢٥ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي﴾ ويقرأ بكسر الألف، فمن فتح (٦) حمل على أرسلنا، أي أرسلناه بأني لكم نذير، وكان الوجه بأنه لهم نذير، ولكنه على الرجوع من الغيبة إلى خطاب (٧) نوح قومه كما قال: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ﴾ [الأعراف: ١٤٥] ثم قال: ﴿فَخُذْهَا\n_________\n= آتينا موسى الكتاب الفرقان، أي الفارق بين الحلال والحرام، زيدت الواو كما تزاد في النعوت، فيقال: فلان حسن طويل وسخي. ولعل هذا القول هو المناسب لإيراده هنا.\n(١) البيت من الطويل، ولم ينسبه الواحدي، وهو بلا نسبة في \"زاد المسير\" ٤/ ٧٨، والمخاطب بهذا البيت هو سعيد بن عمرو بن عثمان بن عفان.\n(٢) كذا في النسخ ولعله (إذْ).\n(٣) ساقط من (ب).\n(٤) ساقط من (ب).\n(٥) \"تنوير المقباس\" /١٣٩، البغوي ٤/ ١٧٠.\n(٦) وبها قرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي، انظر: \"السبعة\" ٣٣٢، \"التبصرة\" ٥/ ٥٣٧، \"الكشف عن وجوه القراءات السبع\" لمكي ١/ ٥٢٥، \"الحجة\" ٤/ ٣١٥، الثعلبي ٧/ ٣٨ ب.\n(٧) في (ي): (الخطاب).","vol":"11","page":390},{"text":"بِقُوَّةٍ﴾، ذكره أبو علي (١)، ومن كسر (٢) حمله على القول المضمر؛ لأنه مما قد أضمر كثيرًا في القرآن، والتقدير: فقال لهم: إني نذير مبين، والكلام في هذا على وجهه ولم يرجع إلى الخطاب بعد الغيبة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1621>٢٦ </span>- قوله تعالى: ﴿أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ﴾، حمل أبو إسحاق قوله ﴿أَنْ لَا تَعْبُدُوا﴾ على معنى نذير مبين؛ فقال (٣): المعنى: لقد أرسلنا نوحًا إلى قومه بالإنذار ﴿أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ﴾ أي (٤) أنذركم لتوحدوا الله وتتركوا عبادة غيره، وحمل أبو علي (٥) ﴿أَنْ لَا تَعْبُدُوا﴾ على الإرسال، كما حمل ﴿إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ كأنه قال نوح: أرسلت بأني لكم نذير مبين، وبأن لا تعبدوا إلا الله، ومن قرأ \"إني\" بكسر الألف (٦) كان قوله: ﴿إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ اعتراضًا بين الفعل والمفعول، هذا معنى كلامه، وقول أبي إسحاق أظهر.\nوقوله تعالى: ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾، قال الزجاج (٧): إنما وصف اليوم بالأليم؛ لأن الإيلام فيه يقع، والمعنى عذاب يوم مؤلم.\n_________\n(١) \"الحجة\" ٤/ ٣١٥.\n(٢) سيأتي تخريج القراءة بعدُ.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٤٦.\n(٤) في (ي): (أني).\n(٥) \"الحجة\" ٤/ ٣١٦.\n(٦) بها قرأ نافع وابن عامر وحمزة. انظر: \"السبعة\" ٣٣٢، \"التبصرة\" ٥٣٨، \"الكشف عن وجوه القراءات السبع\" لمكى ١/ ٥٢٥، \"الحجة\" ٤/ ٣١٥، الثعلبي ٧/ ٣٨ ب.\n(٧) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٤٦، وعبارته (إنما وصف اليوم بالألم؛ لأن الألم فيه يقع، والمعنى عذاب يوم مؤلم أي: موجع).","vol":"11","page":391},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1622>٢٧ </span>- قوله تعالى: ﴿فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ﴾، قال ابن عباس (١) والمفسرون (٢): يعني: الأشراف ورؤساء القوم وكبراءهم ﴿مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا﴾ لا فضل لك علينا ﴿وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا﴾ أي لم يتبعك الملأ منا وإنما اتبعك أخساؤنا، قال ابن عباس (٣): يريد: المساكين الذين لا عقول لهم ولا شرف ولا مال، وهذا كقوله في الشعراء: ﴿أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ﴾ [الشعراء: ١١١].\nقال الزجاج (٤): نسبوهم إلى الحياكة، والصناعات لا تضر في باب الديانات، والرذل (٥) الدون من كل شيء في منظره وحالاته، ورجل رذل الثياب، والفعل رذل يرذل رذالة، وأرذل الشيء جعله رذلًا؛ يقال: أرذل فلان دراهمي، فالأراذل (٦) يجوز أن تكون جمع الجمع، والواحد رذل والجمع أرذل (٧) ثم يجمع على أراذل، كقولك: كلب وأكلب وأكالب، ويجوز أن يكون جمع الأرذل إذا جعلته اسمًا كالأساود في جمع الأسود من الحيات، هذا قول بعضهم، قال: الأصل فيه هو أرذل من كذا ثم كثر حتى قالوا هو الأرذل، فصارت الألف واللام عوضًا من الإضافة.\n_________\n(١) \"تنوير المقباس\" ١٤٠.\n(٢) البغوي ٤/ ١٧١، ابن عطية ٧/ ٢٧٠، ابن كثير ٢/ ٤٨٤، الرازي ١٧/ ٢١١، \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٤٧، \"تفسير مقاتل\" ١٤٥ أ.\n(٣) القرطبي ٩/ ٢٣.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٩٥، القرطبي ٩/ ٢٣، \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٣٩٧ (رذل).\n(٥) في (ب): (الرذال).\n(٦) في (ب): (فالأرذال).\n(٧) في (ب): (أرذال).","vol":"11","page":392},{"text":"وقوله تعالى: ﴿مَا نَرَاكَ﴾، ﴿نَرَاكَ﴾ عند الفراء (١) لغو اعترض به وكأنه قيل: وما اتبعك، قال أبو علي (٢): لا يجوز أن يكون \"نراك\" اعتراضًا؛ لأنه قد تعدى إلى المفعول فلا يحسن الاعتراض به، ولو لم يتعد لحسن، كما تقول: زيد ظننت منطلق، ولو ألغيته وقد عديته إلى مفعول لم يجز، فإن قلت فقد قال الشاعر (٣):\nوما أراها تزال ظالمة ... تحدث لي قرحة وتنكأها\nفعدى أرى إلى الضمير، وجعل أراها اعتراضًا، قيل: إن الضمير في قوله (أراها) كناية عن المصدر [فلا يقتضي مفعولًا ثانيًا، وفي قوله \"نراك\" المفعول للخطاب، والخطاب لا يكون كناية عن المصدر] (٤)، فلا تكون الآية في قياس البيت.\nوقوله تعالى: ﴿بَادِيَ الرَّأْيِ﴾، البادي (٥): الظاهر، من قولك: بدا\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" ٢/ ١١، ولم يقل الفراء بأنها لغو، وإنما قال: \"كأنه حذف (نراك)، وقال ﴿وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا﴾.\n(٢) \"الحجة\" ٤/ ٣٢٠.\n(٣) ابن هرمة. هو: أبو إسحاق إبراهيم بن علي بن سلمة بن عامر بن هرمة القرشي من الخلج وهم من قيس بن الحارث بن فهر. سكن المدينة وهو من آخر الشعراء الذين يحتج بشعرهم، مات سنة ١٥٠هـ تقريبًا. انظر: \"طبقات الشعراء\" ٢٠، و\"تاريخ بغداد\" ٦/ ١٢٧.\nوالبيت في \"ديوانه\" (٥٦) وفيه: تظهر لي قرحة وتنكؤها، وانظر: السيوطي ٢٧٧، ٢٧٩، \"تاج العروس\" (اقط) ١٩/ ١٣٤، أساس البلاغة /٤٠٢ (لبأ)، الدرر ١/ ٨١، ٢٠٧، وهو بلا نسبة في الهمع ١/ ١١١، ٢٤٨، \"تهذيب اللغة\" ١٥/ ٤٨٣، \"اللسان\" (أنف) ٩/ ١٤.\n(٤) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).\n(٥) \"تهذيب اللغة\" (بدا) ١/ ٢٨٧ - ٢٨٨.","vol":"11","page":393},{"text":"الشيء إذا ظهر، ومنه يقال للبرية: بادية لظهورها وبروزها للناظر، واختلفوا في معنى ﴿بَادِيَ الرَّأْيِ﴾ فذكر أبو إسحاق (١) فيه وجهين:\nأحدهما: اتبعوك في الظاهر، وباطنهم على خلاف ذلك.\nقال: ويجوز أن يكون: اتبعوك في ظاهر الرأي، ولم يتدبروا ما قلت ولم يتفكروا.\nوالوجه الأول روى معناه عطاء الخراساني عن ابن عباس (٢): في قوله ﴿بَادِيَ الرَّأْيِ﴾ قال: فيما ظهر لنا.\nوذكر ابن الأنباري (٣) وجهًا آخر، فقال: معناه اتبعك سفلتنا أو سقطاؤنا، فيما يظهر من أمرهم لنا ولغيرنا، أي الذي وصفناهم به من الانتقاص لهم والازدراء بهم ظاهر لجميع من يراهم، وليس ذلك أمرًا يغيب ويغمض فيخالفنا فيه غيرنا.\nقال: وإلى هذا المعنى ذهب مقاتل بن سليمان (٤)، و﴿الرَّأْيِ﴾ على هذا من رأي العين، لا من رأي القلب، وكذلك في الوجه الأول الذي ذكره الزجاج، ويؤكد ما ذكره ابن الأنباري من مذهب مقاتل بن سليمان: ما رواه عبد الوهاب بن مجاهد (٥)، عن أبيه (٦) قال: معناه إلا الذين هم أراذلنا رأي\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٤٧، وانظر: \"تهذيب اللغة\" (بدا) ١/ ٢٨٧ - ٢٨٨.\n(٢) الطبري ١٢/ ٢٨، وابن المنذر كما في \"الدر\" ٣/ ٥٩٠.\n(٣) \" الزاهر\" ١/ ٢٢٦، \"زاد المسير\" ٤/ ٩٦.\n(٤) \"زاد المسير\" ٤/ ٩٦، \"تنوير المقباس\" ١٤٥ أ.\n(٥) هو: عبد الوهاب بن مجاهد بن جبر، روي عن أبيه، كذبه الثوري وضعفه وكيع وأحمد وابن معين وأبو حاتم، وقال ابن عدي: عامة ما يرويه لا يتابع عليه.\nانظر: \"طبقات ابن سعد\" ٥/ ٤٩٦، \"تهذيب التهذيب\" ٢/ ٦٤٠.\n(٦) في (ب): (مجاهد).","vol":"11","page":394},{"text":"العين (١).\nهذا كله على قراءة من قرأ (بادي) من غير همز (٢)، ومن قرأ بادئ بالهمز (٣) فقال أبو عليّ الفارسي (٤): هاتان الكلمتان يعني: بادي وبادئ متقاربتان في المعنى؛ لأن الهمز فيها بمعنى: ابتداء الشيء وأوله، واللام إذا كانت واوًا كان المعنى: الظهور، وابتداء الشيء يكون ظهورًا، وإن كان الظهور قد يكون ابتداء وغير ابتداء، ولذلك ما (٥) تستعمل كل واحدة من الكلمتين في موضع الأخرى كقولهم: أما بادي بدء فإني أحمد الله، وأما بادئ باد فإني أحمد الله.\nوأما المعنى على هذه القراءة، فقال أبو إسحاق (٦) والزجاج (٧): اتبعوك ابتداء الرأي، أي حين ابتدأوا ينظرون، ولو فكروا [لم يتبعوك، ونحو هذا قال ابن الأنباري (٨): أي ابتدءوك أول ما ابتدؤوا ينظرون، ولو فكروا] (٩) لم يعدلوا عن موافقتنا في تكذيبك.\n_________\n(١) البغوي ٤/ ١٧١، الثعلبي ٧/ ٣٩ أ.\n(٢) وقرأ بها السبعة غير أبي عمرو، \"السبعة\" ص ٣٣٢، \"التبصرة\" ص ٥٣٨، \"الكشف\" ١/ ٥٢٦، \"الحجة\" ٤/ ٣١٦.\n(٣) وقرأ بها أبو عمرو، \"السبعة\" ٣٣٢، \"التبصرة\" ص ٥٣٨، \"الكشف\" ١/ ٥٢٦، \"الحجة\" ٤/ ٣١٦.\n(٤) \"الحجة\" ٤/ ٣١٧.\n(٥) هكذا في النسخ، ولعل الصواب: ولذلك كثيرًا ما تستعمل. \"الحجة\" ٤/ ٣١٧.\n(٦) هو الثعلبي ٧/ ٣٩ أ.\n(٧) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٤٧.\n(٨) \"تهذيب اللغة\" (بدا) ١/ ٢٨٧ - ٢٨٨، \"زاد المسير\" ٤/ ٩٦.\n(٩) ما بين القوسين، ساقط من (ب) و(ج).","vol":"11","page":395},{"text":"ونحوه قال أبو علي (١): أراد اتبعوك في أول الأمر من غير أن يتبعوا الرأي بفكر وروية فيه.\nوهذه الأقوال معناها واحد، وذكرتها لزيادة البيان، قال غير هؤلاء: معنى قوله: ﴿أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ﴾ أول ما نراهم نزدريهم ونسترذلهم.\nقال ابن الأنباري (٢): ويجوز لمن ترك الهمز في بادي أن ينوي اصطحاب الهمز ويحتج بأن الهمز مُلَيَّن ومعناه مطلوب، وبنحو من هذا قال أبو علي (٣)، وقد يجوز في قول من همز أن يخفف ويقول: بادي، فتقلب الهمزة ياء لانكسار ما قبلها، فيكون كقولهم (٤): (مِيَر) في جمع ميرة، و(ذِيَب) في جمع ذيبة.\nقال أبو بكر: وانتصاب المهموز وغير المهموز بالاتباع على مذهب المصدر، أي اتبعوك اتباعًا ظاهرًا أو اتباعًا مبتدأ.\nوقال أبو إسحاق (٥): فأما نصب ﴿بَادِيَ الرَّأْيِ﴾ فعلى اتبعوك في ظاهر الرأي، وعلى ظاهر الرأي، ومن قال: بادي فعلى ذلك نصبه. وهذا الذي قاله أبو إسحاق مخالف لما قاله أبو بكر، وشرح أبو علي (٦) قولة أبي إسحاق، وذلك أنه لما قال: في ظاهر الرأي، وعلى ظاهر الرأي جعله ظرفًا فقال أبو علي: اسم الفاعل جاز أن يكون ظرفًا كما جاز في (فعيل)\n_________\n(١) \"الحجة\" ٤/ ٣١٧.\n(٢) \"زاد المسير\" ٤/ ٩٦.\n(٣) \"الحجة\" ٤/ ٣١٨ بنحوه.\n(٤) في (ب): (قولهم من غير كاف).\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٤٧.\n(٦) \"الحجة\" ٤/ ٣١٨ بتصرف.","vol":"11","page":396},{"text":"نحو قريب ومليء؛ لأن (فاعلًا) و(فعيلًا) يتعاقبان على المعنى، نحو عالم وعليم وشاهد وشهيد ووالي وولي، قال: والعامل في هذا الظرف هو قولى: \"اتبعك\"، التقدير: ما اتبعك في أول رأيهم، أو في ما ظهر من رأيهم، إلا أراذلنا، فأخّر الظرف، وأوقع بعد (إلا) ولو كان بدل الظرف غيره لم يجز، ألا ترى أنك لو قلت: ما أعطيت أحدًا إلا زيدًا درهمًا، فأوقعت بعد (إلا) اسمين لم يجز؛ لأن الفعل أو معنى الفعل في الاستثناء يصل إلى ما انتصب بتوسط الحرف [ولا يصل الفعل بتوسط الحرف] (١) إلى أكثر من مفعول، ألا ترى أنك لو قلت: استوى الماء والخشبة، فنصبت الخشبة لم يجز أن تتبعه اسمًا آخر ينصبه، كذلك المستثنى إذا لحقته (إلا) وأوقعت بعدها اسمًا مفردًا لم يجز أن تتبعه آخر، وجاز ذلك في الظرف لأن الظرف قد اتسع فيه في مواضع، ألا ترى أنهم قالوا: كم في الدار رجلًا ففصلوا بينهما في الكلام (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ﴾، قال ابن عباس (٣): يريد التكذيب له ولما جاء به من النبوة، وهل الفضل كله إلا بالنبوة، ﴿بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ﴾ يريد ليس هذا من الله.\nقال ابن الأنباري (٤): وجمعت الكاف في خطاب نوح بعد توحيدها\n_________\n(١) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).\n(٢) إلى هنا انتهى النقل من \"الحجة\" ٤/ ٣١٩.\n(٣) لم أجده عن ابن عباس، وهو قول الطبري ١٢/ ٢٧، ابن عطية ٧/ ٢٧٣، القرطبي ٩/ ٢٤.\n(٤) الطبري ١٢/ ٢٧ - ٢٨.","vol":"11","page":397},{"text":"في أول الآية؛ لأنه ذهب إلى مخاطبة نوح وأصحابه، كما قال عزت أسماؤه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [الطلاق: ١] فجمع بعد التوحيد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1623>٢٨ </span>- قوله تعالى: ﴿قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾، قال ابن عباس: يريد على يقين من ربوبية ربي (١) وعظمته، وروي عنه: على بصيرة ومعرفة (٢).\nوقال أهل المعاني: عني بالبينة هاهنا: البرهان من جهة المعجزة التي تشهد بصحة النبوة، وخصهم بهذا في المناظرة؛ إذ هو طريق العلم بالحق، لا ما التمسوا من (٣) اختلاف الخلق في قولهم ﴿مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا﴾.\nقال ابن الأنباري (٤): ودخول الشرط في قوله ﴿إِن كُنتُ﴾ لا يوجب شكًا لحق النبي في أمره، لكن الشك لاحق للمخاطبين، وتلخيص الكلام: قل أرأيتم إن كنت على بينة من ربي عندكم، وفيما يصح من عقولكم وتقبله أفهامكم، فدخل الشرط في كلام (٥) النبي - ﷺ - لهذا الترتيب.\nوقوله تعالى: ﴿وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ﴾، قال ابن عباس (٦): يريد النبوة، قال أبو بكر: وإنما جعلت رحمة؛ لأن الله ﷿ ينتاش (٧) بها الخلق\n_________\n(١) ساقط من (ي).\n(٢) البغوي ٤/ ١٧١، \"زاد المسير\" ٤/ ٩٦، الطبري ١٢/ ٢٨، \"مشكل القرآن وغريبه\" ص ٢١٠.\n(٣) في (ي): (أما).\n(٤) \"زاد المسير\" ٤/ ٩٦.\n(٥) ساقط من (ب).\n(٦) \"تنوير المقباس\" /١٤٠، \"زاد المسير\" ٤/ ٩٧، القرطبي ٩/ ٢٥، ابن كثير ٢/ ٤٨٥.\n(٧) في (ي): (ساتين). ومعنى ينتاش، من نوش، ومن التناوش أي التناول. مختار =","vol":"11","page":398},{"text":"من العطب والهلكة، وقال بعض أهل المعاني (١): وذكر الرحمة هاهنا نقضًا عليهم فيما ادّعوه من أنه ليس عليهم (٢) فضل، فبين ذلك بالنبوة والهداية إلى الحق من جهة البرهان المؤدي إلى العلم.\nوقوله تعالى: ﴿فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ﴾، ذكر ابن الأنباري (٣)، وأبو علي (٤) وغيرهما، فيه وجهين:\nأحدهما: أن معناه: فخفيت عليكم؛ لأن الله ﷿ سلبكم علمها ومنعكم معرفتها لعنادكم الحق، وأنشد أبو علي قول رؤبة (٥):\nومهمه أطرافه في مهمه ... أعمى الهدى في الحائرين العمه\nأي خفي الهدى. ألا ترى أن الهدى ليس بذي جارحة تلحقها هذه الآفة، قال: ومن هذا قيل للسحاب العما؛ لإخفائه ما يخفيه كما قيل له الغمام.\nالوجه الثاني: أن يكون عموا هم عنها، ألا ترى أن الرحمة لا تعمى وإنما يُعمى عنها، فيكون هذا كقولهم: أدخلت القلنسوة في رأسي، ونحو\n_________\n= الصحاح ٦٨٥. ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ سبأ: ٥٢.\n(١) \"زاد المسير\" ٤/ ٩٧.\n(٢) في (ب): تكرار (فيما ادعوه من أنه ليس عليهم). وقوله: (ليس عليهم فضل) كذا في جميع النسخ ولعل فيه سقط هنا (له) فيكون: ليس له عليهم فضل.\n(٣) \"زاد المسير\" ٤/ ٩٧.\n(٤) \"الحجة\" ٤/ ٣٢٢.\n(٥) البيت لرؤبة بن العجاج، من أرجوزة يصف بها نفسه، برواية \"الجاهلين\" بدلًا من \"الحائرين\" في ديوانه، والرجل العمه: المتردد في رأيه أو أعمى القلب. انظر: ديوانه / ١٦٦، و\"اللسان\" ٥/ ٣١١٤، (عمه)، و\"شرح شواهد الشافية\" ٢٠٢، و\"شرح شواهد العيني\" ٣/ ٣٤٥.","vol":"11","page":399},{"text":"ذلك مما يقلب إذ لم يكن فيها إشكال، وفي التنزيل: ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ﴾ (١)، قال الشاعر (٢):\nترى الثور فيها مدخل الظل رأسه ... وسائره باد إلى الشمس أجمع\nوهذا مذهب الفراء (٣)، والوجه الأول معناه (٤): خفيت عليكم بإخفاء الله تعالى؛ لأنكم لم تسلكوا الطريق المؤدي إليها، والوجه الثاني معناه القلب، وهو تصرف في الكلام من غير إخلال بالمعنى (٥)، إذ هو ظاهر للأفهام، وهذا قراءة عامة القراء (٦)، ويؤكده إجماعهم على قوله ﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ﴾ (٧) أنه بالتخفيف.\nوقرأ أهل الكوفة (٨) ﴿فَعَمِيَتْ﴾ مشددة مضمومة العين، قال أبو\n_________\n(١) إبراهيم: ٤٧.\n(٢) من شواهد سيبويه، أراد مدخل رأسه الظل، الكتاب ١/ ٩٢، أمالي المرتضى ١/ ٥٥، \"تأويل مشكل القرآن\" /١٩٤، \"معاني القرآن\" ٢/ ٨٠، السيرافي ١/ ٢٤٥، \"الدرر\" ٢/ ١٥٦، الهمع ٢/ ١٢٣.\n(٣) \"معاني القرآن\" ٢/ ١٢.\n(٤) ساقط من (ي).\n(٥) ساقط من (ب).\n(٦) قرأ بها ابن كثير وأبو عمرو ونافع وابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر، (فعميت) بتخفيف الميم وفتح العين، \"السبعة\" /٣٣٢، \"الحجة\" ٤/ ٣٢١، \"التبصرة\" / ٥٣٨، \"الكشف\" ١/ ٥٢٧، إتحاف ص ٢٥٥ - ٢٥٦، النشر ٣/ ١١٤.\n(٧) القصص / ٦٦، وقد قرئت بالتخفيف بإجماع القراء. انظر: \"التبصرة\" ٥/ ٥٣٨، \"الكشف\" ١/ ٥٢٧، \"إتحاف فضلاء البشر\" ص ٢٥٥ - ٢٥٦، \"النشر\" ٣/ ١١٤.\n(٨) قرأ بها حمزة والكسائي وحفص عن عاصم، السبعة / ٣٣٢، \"الحجة\" ٤/ ٣٢٢، \"التبصرة\" / ٥٣٨، \"الكشف\" ١/ ٥٢٧، \"إتحاف\" ص ٢٥٥ - ٢٥٦، \"النشر\" ٣/ ١١٤.","vol":"11","page":400},{"text":"بكر (١): معناه: فعماها الله تعالى عليكم؛ إذ كنتم ممن حكم عليه بالشقاء، يؤكد هذا التأويل وهذه القراءة: قراءة أبي \"فعماها عليكم\" (٢)؛ يعني: الله؛ لأنه اتصل بذكره جل وعز، قال أبو إسحاق (٣): هذا ما أجابهم به من قولهم: إن الذين اتبعوك إنما اتبعوك غير محققين، [فأعلمهم أنهم محققون] (٤) بهذا القول؛ لأنه إذا كان على بينة فمن آمن به فعالم بصير، ومن لم يفهم البينة فقد عمي عليه الصواب.\nقوله تعالى: ﴿أَنُلْزِمُكُمُوهَا﴾، قال أبو بكر (٥): الهاء تعود على الرحمة والمعنى: أنلزمكم قبولها، قال: وإلي هذا المعنى ذهب مقاتل بن سليمان\nقال المفسرون وأهل المعاني (٦): يقول: لا نقدر أن نلزمكم من ذات أنفسنا ما أنتم له كارهون، والدليل على صحة هذا التأويل قراءة ابن عباس \"أنلزمكموها من شطر أنفسنا\" (٧) يعني من تلقاء أنفسنا، وهذا استفهام معناه الإنكار، يعني لا نقدر على ذلك، والذي عليّ أن أدل بالبينة، وليس عليّ\n_________\n(١) \"زاد المسير\" ٤/ ٩٧.\n(٢) ذكرها مكي في كتاب الكشف ١/ ٥٢٧، وعزاها للأعمش، وعزاها في الإتحاف ص ٢٥٥ - ٢٥٦ لأبي والأعمش، وعزاها القرطبي ٩/ ٢٥، لأبي، وعزاها الطبري ١٢/ ٢٨ لابن مسعود.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٤٧.\n(٤) ما بين المعقوفين ساقط من (ي).\n(٥) \"زاد المسير\" ٤/ ٩٧.\n(٦) الطبري ١٢/ ٢٨، \"زاد المسير\" ٤/ ٩٧، القرطبي ٩/ ٢٥، ابن عطية ٧/ ٢٧٦، \"مشكل القرآن وغريبه\" ١/ ٢١٠، \"معاني القرآن\" للنحاس ٣/ ٣٤٣.\n(٧) الطبري ١٢/ ٢٨، ٢٩، وذكر أيضًا أنها قراءة أبي، ابن عطية ٧/ ٢٧٦، \"الدر المنثور\" ٣/ ٥٩١.","vol":"11","page":401},{"text":"أن أضطركم إلى المعرفة إذ كرهتم.\nوروى سعيد عن قتادة (١) قال: والله لو استطاع نبي الله لألزمها قومه، ولكنه لم يملك ذلك ولم يملكه (٢)، وفي ﴿أَنُلْزِمُكُمُوهَا﴾ ثلاث مضمرات: ضمير المتكلم، وضمير المخاطب، وضمير الغائب، وأجاز الفراء (٣) إسكان الميم الأولى، وروى ذلك عن أبي عمرو؛ قال: وذلك أن الحركات توالت فسكنت الميم، وهي أيضًا مرفوعة وقبلها كسرة، وتستثقل كسرة بعدها ضمة، أو ضمة بعدها كسرة، قال الزجاج (٤): وجميع النحويين البصريين لا يجيزون إسكان حرف الإعراب إلا في اضطرار الشعر، فأما ما يروى عن أبي عمرو فلم يضبطه عنه الفراء (٥)، وروى عنه سيبويه أنه كان يخفف الحركة ويختلسها، وهذا هو الحق، وإنما يجوز الإسكان في الشعر كقوله (٦):\n_________\n(١) الطبري ١٢/ ٢٩ وفيه (ولكن لم يستطع ذلك ولم يملكه)، ابن أبي حاتم ٦/ ٢٠٢٣.\nوانظر البغوي ٤/ ١٧١، \"زاد المسير\" ٤/ ٩٧، القرطبي ٩/ ٢٦، \"الدر المنثور\" ٣/ ٥٩١.\n(٢) في (ي): (لم يهلك ذلك ولم يملكه).\n(٣) \"معاني القرآن\" ٢/ ١٢.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٤٨، وعبارته: \"وسيبويه والخليل لا يجدان إسكان حرف الإعراب إلا في اضطرار، فأما ما روي عن أبي عمرو من الإسكان فلم يضبط ذلك عنه\".\n(٥) الصحيح (القراء). انظر: \"البحر المحيط\" ٥/ ٢١٧.\n(٦) البيت لامرئ القيس، عجزه:\nإثما من الله ولا واغل\nوفي \"ديوانه\" ص ١٢٢:\n(فاليوم أسقي ..)، وانظر: \"الكتاب\" ٢/ ٢٩٧، \"إعراب القرآن\" للنحاس ٢/ ٨٧، =","vol":"11","page":402},{"text":"فاليوم أشربْ غير مستحقب\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1624>٢٩ </span>- قوله تعالى: ﴿وَيَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْه﴾، قال ابن الأنباري (١): الكناية تعود (٢) على معنى الرحمة في قوله: ﴿وَآتَانِي رَحْمَةً﴾، وهي معنى الهدى والإيمان. وقال غيره (٣): الهاء (٤) كناية عن تبليغ الرسالة، وقد سبق معناه فاستدل عليه وكنى عنه، وكذا قال المفسرون: لا أسألكم جعلًا على تبليغ الرسالة، وقال عطاء: يريد على ما أدعوكم إليه.\nقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾، قال ابن جريج (٥): إنهم سألوه طرد الذين آمنوا به ليؤمنوا به؛ أنفة من أن يكونوا معهم على سواء.\nوقال أبو إسحاق (٦): هذا يدل على أنهم سألوه أن يطردهم.\nوقال ابن الأنباري: سألوه (٧) طرد المؤمنين عنه، الذين هم سفلة عندهم، [فقال: لا يجوز لي طردهم إذ كانوا يلقون ربهم فيجزيهم بإيمانهم] (٨)، ويأخذ لهم ممن ظلمهم وصغر شؤونهم، وهذا معنى قول أبي\n_________\n= واحتقب الإثم واستحقبه احتمله، ومعناه: \"حلت لي الخمر فلا آثم بشربها إذ قد وفيت بنذري فيها. وكان قد نذر ألا بشربها حتى يدرك ثأر أبيه\" القرطبي ٩/ ٢٦ وانظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" للزجاج ٤/ ٢٧٥.\n(١) \"زاد المسير\" ٤/ ٩٧.\n(٢) في (ي): (تفرد).\n(٣) الثعلبي ٧/ ٣٩ أ، الطبري ١٢/ ٢٩، البغوي ٤/ ١٧١، القرطبي ٩/ ٢٦.\n(٤) في (ي): (إنها).\n(٥) الطبري ١٢/ ٢٩ - ٣٠، \"زاد المسير\" ٤/ ٩٨.\n(٦) كذا في جميع النسخ ولعله ابن إسحاق. البغوي ٤/ ١٧١، ابن عطية ٧/ ٢٧٦.\n(٧) في (ب): (ساموه).\n(٨) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).","vol":"11","page":403},{"text":"إسحاق (١) في قوله ﴿إِنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾، قال ابن عباس:\nيريد: تجهلون ربوبية ربكم وعظمته (٢)، وقال أهل المعاني: تجهلون أن هؤلاء خير منكم لإيمانهم بربهم وكفركم به.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1625>٣٠ </span>- قوله تعالى: ﴿وَيَا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ﴾، قال الفراء (٣): يقول: من يمنعني من عذاب الله، وكذلك ما في القرآن منه (٤)، والنصر من كذا: المنع منه، ومعنى الآية إذا طردت المؤمنين كان ذلك ذنبًا ارتكبته، فمن يدفع عني عذاب الله، وهذا دليل على أن العالم يلزمه مصابرة المتعلم، ولا يجوز له طرده والامتناع عما يطلب من العلم، ولو لم يصبر كان تعرض للعقوبة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1626>٣١ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ﴾، ذكرنا معنى الخزائن في مثل هذه الآية في سورة الأنعام (٥)، قال ابن عباس في هذه الآية: يريد مفاتيح الغيب. قال أبو بكر (٦): الخزائن هاهنا يعني بها غيوب\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٤٨.\n(٢) الطبري ١٢/ ٣٥، \"زاد المسير\" ٤/ ٩٨.\n(٣) \"معاني القرآن\" ٢/ ١٣، وفيه \"من يمنعني من الله\".\n(٤) يعني: ما جاء في القرآن بهذا اللفظ فهو بالمعنى الذي ذكره.\n(٥) وهو قوله: ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ﴾ [الأنعام:٥٠]. قال: \"الخزائن جمع الخزانة، وهي اسم المكان الذي يخزن فيه الشيء، وخزن الشيء: إحرازه بحيث لا تناله الأيدي. والخزانة أيضًا: عمل الخازن\" اهـ.\n(٦) \"زاد المسير\" ٤/ ٩٨، والبغوي ٤/ ١٧٢، \"تهذيب اللغة\" للأزهري ١/ ١٠٢٧، (خزن).","vol":"11","page":404},{"text":"الله وما هو مطوي عن الخلق، وإنما وجب أن يكون هذا جوابًا من نوح ﵇ لهم لما قالوا: ﴿وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ﴾ الآية، فادَّعوا أن هؤلاء المؤمنين اتبعوه في ظاهر ما يرى منهم، وهم في الحقيقة غير متبعين له، فقال مجيبًا لهم: ﴿وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ﴾ غيوب الله التي يعلم منها ما ينطوي عليه الناس ويضمرونه، ولا أعلم ما يغيب عني مما يسترونه في نفوسهم؛ فسبيلي قبول إيمانهم الذي يظهر لي، ومضمراتهم لا يعلمها إلا الله، فقيل للغيوب: خزائن لغموضها على الناس واستتارها عنهم، كما يقال: خزن المال: إذا غيبه.\n[وقوله: ﴿وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ﴾، هذا جواب لقولهم: ﴿مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا﴾ أي: لا ينبغي أن تحتجوا عليّ بأمر لا أدعيه] (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ﴾، قال أبو إسحاق (٢): ﴿تَزْدَرِي﴾ تستقل وتستبخس (٣)، يقال: أزريت على (٤) الرجل: إذا عبت عليه وخسست فعله، وأصل تزدري: تزتري، إلا أن هذه التاء تبدل بعد الزاي دالًا؛ لأن التاء من حروف الهمس، وحروف الهمس خفية، والتاء بعد الزاي تخفى فأبدل منها الدال لجهرها، وكذلك (يفتعل) من الزينة والزيادة (٥).\n_________\n(١) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٣٨ بنحوه.\n(٣) في (ب): (تستحسن)، وهو وهم من الناسخ.\n(٤) في (ب): (في).\n(٥) يعني: تزدان، وتزداد.","vol":"11","page":405},{"text":"وقال ابن عباس (١): ﴿لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ﴾ يريد: تحتقر وتستصغر، يعني المؤمنين.\n﴿لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا﴾ [وذلك أنهم قالوا: هم أراذلنا، فقال نوح: لا أقول إن الله لا يؤتيهم خيرًا] (٢)، ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ﴾، قال الزجاج (٣): أي إن كنتم تزعمون أنهم إنما اتبعوني في ظاهر الرأي، فليس علي أن أطلع على ما في نفوسهم، فإذا رأيت من يوحد الله عملت على ظاهره، ورددت علم ما في نفوسهم إلى الله.\nوقوله تعالى: ﴿إِنِّي إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾، قال ابن الأنباري (٤): أي إن طردتهم تكذيبًا لظاهرهم ومبطلًا لإيمانهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1627>٣٤ </span>- قوله تعالى: ﴿إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾، قال ابن عباس (٥) في رواية عطاء: يريد أن يضلكم، وقال الحسن (٦): يهلككم، وهو معنى وليس بتفسير؛ وذلك أنه لما كان يؤدي إلى الإهلاك فسر به.\nوقال ابن الأنباري (٧): في قوله تعالى: ﴿أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ ثلاثة أجوبة للمفسرين وأهل اللغة: منها أن يوقع الغي في قلوبكم لما سبق لكم من\n_________\n(١) قال به الطبري ١٢/ ٣٠، \"زاد المسير\" ٤/ ٩٩، البغوي ٤/ ١٧٢، القرطبي ٩/ ٢٧.\n(٢) ما بين المعقوفين ساقط من (ي).\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٤٩ بمعناه.\n(٤) \"زاد المسير\" ٤/ ٩٩.\n(٥) \"زاد المسير\" ٤/ ١٠٠، البغوي ٤/ ١٧٢، ابن عطية ٧/ ٢٨١، القرطبي ٩/ ٢٨.\n(٦) قال به الطبري ١٢/ ٣٢، وانظر: ابن عطية ٧/ ٢٨١، \"زاد المسير\" ٤/ ١٠٠، القرطبي ٩/ ٢٨.\n(٧) \"زاد المسير\" ٤/ ١٠٠، \"البحر المحيط\" ٥/ ٢١٩.","vol":"11","page":406},{"text":"الشقاء، وقال بعضهم: أن يهلككم، قال: وهذا الجواب مرغوب عنه؛ لأنه يخالف الآثار، ومذاهب الأئمة، ولا يعرف الصادقون من أهل اللغة هذا من كلام العرب؛ إذ المعروف عندهم: أغويت فلانًا إذا أضللته بشر دعوته إليه وحسنته له، وغوي هو إذا ضل، [ويروى عن غير واحد من الصحابة أنه فسر يغويكم: يضلكم، هذا كلامه] (١).\nقال أصحابنا: فبان بهذه الآية أن الإغواء بإرادة الله تعالى، وأنه إذا أغوى فلا هادي لذلك الغاوي (٢).\nثم ذكر نوح ﵇ دليل المسألة فقال: ﴿هُوَ رَبُّكُمْ﴾، قال ابن عباس: يريد: هو إلهكم وسيدكم وخالقكم، وتأويله: أنه إنما يتصرف في ملكه فله التصرف كيف شاء (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1628>٣٥ </span>- قوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾، هذا من الاستفهام المتوسط (٤)، وقد ذكرناه في مواضع، ومعنى ﴿افْتَرَيْتُهُ﴾ اختلقه وافتعله\n_________\n(١) ما بين المعقوفين ساقط من (ي).\n(٢) لا شك أن الهداية والضلال من الله تعالى كما قال ﷿: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ﴾ [الأعراف: ١٨٦]، وقال: ﴿مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأنعام: ٣٩]، ﴿إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ﴾ [النحل: ٣٧]، ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ﴾ [الإسراء: ٩٧]، فالهداية من الله، والاهتداء من العبد، فالاهتداء الذي هو فعل العبد هو أثر فعله سبحانه، فهو الهادي والعبد المهتدي. انظر: \"شفاء العليل\" لابن القيم ص ١٧٠.\n(٣) \"زاد المسير\" ٤/ ١٠٠.\n(٤) قلت: المراد بالاستفهام المتوسط أن يكون معنى الآية: أيكتفون بما أوحيت إليك من القرآن، أم يقولون إنه ليس من عند الله. قاله ابن القشيري. انظر: \"البحر المحيط\" ٥/ ٢٠٨، \"الدر المصون\" ٤/ ٨٣.","vol":"11","page":407},{"text":"وجاء به من عند نفسه، والهاء تعود إلى الوحي الذي أتاهم به.\nوقوله تعالى: ﴿فَعَلَيَّ إِجْرَامِي﴾، الإجرام: اقتراف السيئة واكتسابها. قال الزجاج (١): ويقال جرم في معنى أجرم، ورجل مجرم وجارم، وهذا من باب حذف المضاف؛ لأن المعنى فعليّ إثم إجرامي أو عقوبة إجرامي. قاله أبو علي (٢) وغيره.\nوقال أهل المعاني (٣): في الآية محذوف دل عليه الكلام، وهو أن المعنى إن كنت افتريته فعلي عقاب إجرامي، وإن كانت الأخرى فعليكم عقاب تكذيبي، فحذف ما حذف لدلالة الباقي عليه، كقوله: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ﴾ [الزمر: ٩]، ولم يذكر المشبه به.\nوقوله تعالى: ﴿وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ﴾ أي: من الكفر والتكذيب، والمعنى: أنه ليس علي من إجرامكم عائدُ ضرر، وإنما عائد الضرر عليكم، فاعملوا على تذكر هذا المعنى، وأكثر المفسرين (٤) على أن هذا من محاورة نوح قومه. وقال مقاتل (٥): ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾ يعني (٦) محمدًا - ﷺ -، يقول المشركون: افترى القرآن، وهذه الآية معترضة بين قصة نوح ﵇.\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٤٩ بنحوه.\n(٢) انظر:\"الحجة\" ٣/ ١٩٧.\n(٣) القرطبي ٩/ ٢٩، البغوي ٤/ ١٧٣.\n(٤) البغوي ٤/ ١٧٣، القرطبي ٩/ ٢٩، ابن عطية ٧/ ٢٨٣.\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ١٤٥ب، البغوي ٤/ ١٧٣، القرطبي ٩/ ٢٩، وبه قال الطبري ١٢/ ٣٢، ابن عطية ٧/ ٢٨٢.\n(٦) ساقط من (ي).","vol":"11","page":408},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1629>٣٦ </span>- قوله تعالى: ﴿وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾، قال ابن عباس (١) وغيره: لما جاءه هذا من عند الله دعا على قومه، فقال: ﴿لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح: ٢٦] الآية وما بعدها.\nوقوله تعالى: ﴿فَلَا تَبْتَئِسْ﴾، قال الفراء (٢) والزجاج (٣): لا تحزن ولا تستكن، قال ابن عباس (٤): يريد فلا تُغم، وقال أبو زيد (٥): ابتأس الرجل إذا بلغه شيء يكرهه، وأنشد أبو عبيد (٦):\nما يُقْسِمِ الله أَقْبَلَ غير مبتئسٍ ... منه وأقعُدْ كريمًا ناعم البال\nأي غير حزين ولا كاره، قال المفسرون (٧): يقول لا تحزن فإني مهلكهم ومنقذك، وهذا تسلية من الله ﷿ لنوح عن قومه بما أعلمه (٨) من حالهم.\n_________\n(١) رواه الطبري ١٢/ ٣٣ عن الضحاك، وأحمد في \"الزهد\"، وابن المنذر وأبو الشيخ كما في \"الدر\" ٣/ ٥٩٢ عن الحسن، والبغوي ٤/ ١٧٣، و\"زاد المسير\" ٤/ ١٠٠، وابن عطية ٧/ ٢٨٤، والقرطبي ٩/ ٢٩.\n(٢) \"معاني القرآن\" ٢/ ١٣.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٥٠.\n(٤) الطبري عن ابن عباس \"فلا تحزن\" ١٢/ ٣٢، وكذا عن مجاهد أيضًا وقتادة. وابن أبي حاتم ٦/ ٢٠٢٥ في الحاشية.\n(٥) \"تهذيب اللغة\" ١/ ٤١١ (بئس).\n(٦) \"تهذيب اللغة\" ١/ ٤١١ (بئس).\nوالبيت لحسان كما في \"ديوانه\" ص ١٨٩، اللسان (بأس) ١/ ٢٠٠، \"التنبيه والإيضاح\" ٢/ ٢٦١، \"تاج العروس\" (بأس) ٨/ ١٩٦، \"أساس البلاغة\" (بأس)، وبلا نسبة في \"مقاييس اللغة\" ١/ ٣٣٨، و\"المخصص\" ١٢/ ٣١٧.\n(٧) الثعلبي ٧/ ٣٩ ب، والطبري ١٢/ ٣٣.\n(٨) في (ي): (أعلمهم).","vol":"11","page":409},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1630>٣٧ </span>- قوله تعالى: ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا﴾، قال ابن عباس (١): بمرأى منا، وقال الضحاك (٢): بمنظر منا، وقال الربيع (٣): بحفظنا، وقال الزجاج (٤): بإبصارنا إياك وحفظنا لك. هذا كلامهم، والمعنى بحيث نراها، فكنى عن يرى بأعين على طريق البلاغة، وتأويله: بحفظنا إياك حفظ من يراك، ويملك (٥) دفع السوء عنك، وقيل (٦): بأعين أوليائنا من الملائكة (٧) الموكلين بك، وحكى ابن الأنباري عن بعض المفسرين بأبصارنا إليك، وهذا معنى ما ذكرنا، هذا (٨) طريقة المحققين، وهي موافقة لما حكينا من أقوال أئمة المفسرين.\nوقال أبو بكر (٩): جمع العين هاهنا على مذهب العرب في إيقاعها الجمع على الواحد، وهذا قول أصحاب الأثر والنقل يقولون الأعين يُعنى بها العين، وعين الله لا تفسر بأكثر من ظاهرها، ولا يسع أحدًا أن يقول: كيف هي أو ما صفتها، وهذه طريقة السلف (١٠).\n_________\n(١) البغوي ٤/ ١٧٣، \"زاد المسير\" ٤/ ١٠١، \"تنوير المقباس\" / ١٤٠، الثعلبي ٧/ ٤٠أ، ابن أبي حاتم ٦/ ٢٠٢٦ عنه قال: بعين الله.\n(٢) الثعلبي ٧/ ٤٠ أ.\n(٣) \"زاد المسير\" ٤/ ١٠١، البغوي ٤/ ١٧٣، القرطبي ٩/ ٣٠، الثعلبي ٧/ ٤٠ أ.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٥٠.\n(٥) في (ي): (يعلم).\n(٦) القرطبي ٩/ ٣٠، \"البحر المحيط\" ٥/ ٢٢٠.\n(٧) ساقط من (ي).\n(٨) هكذا في النسخ.\n(٩) \"تهذيب اللغة\" (عان) ٣/ ٢٢٩٣، \"زاد المسير\" ٤/ ١٠١.\n(١٠) انظر: \"اللسان\" ٥/ ٣١٩٦ (عين)، ومذهب السلف في هذه الصفه وغيرها =","vol":"11","page":410},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَوَحْيِنَا﴾، قال ابن عباس (١): وذلك أنه (٢) لم يعلم كيف صنعة الفلك، فأوحى الله إليه أن يصنعها على مثل جؤجؤ الطائر، فعلى هذا المعنى اصنعها على ما أوحينا إليك من صفتها وحالها، ويجوز أن يكون المعنى بوحينا إليك أن اصنعها.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا تُخَاطِبْنِي﴾، قال الخليل (٣): الخطاب مراجعة الكلام، يقال: خاطبته خطابًا. فجعل الخطاب اسمًا لما يتردد بين المتكلمين من ابتداء وجواب، والكلام إذا تضمن المسألة قيل فيه خاطب، ومنه قوله: ﴿وَلَا تُخَاطِبْنِي﴾ أي لا تسألني في معناهم (٤)، قال ابن عباس (٥):\n_________\n= من الصفات هو الإثبات، أعني إثبات الصفة وتفويض الكيفية إلى الله تعالى، على ما قال الإمام مالك ﵀: الاستواء معلوم والكيف مجهول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة، أما تفويض الصفة والكيف فهو مذهب المبتدعة الذين لا يثبتون الصفة بل يفوضونها، وما نقله المؤلف هنا ظاهره الحق، ولكنه لا يتسق مع مذهبه الأشعري فلعله فهم منه التفويض والله أعلم. انظر: \"التوحيد\" لابن خزيمة ص ٤٢، \"الإبانة\" لأبي الحسن ٥٣، \"شرح أصول اعتقاد أهل السنة\" لللالكائي ٢/ ٤١٢، \"الاعتقاد\" للبيهقي ٤١، \"شرح الواسطية\" ٦٧.\n(١) الطبري ١٢/ ٣٤، الثعلبي ٧/ ٤٠ أ، وابن أبي حاتم ٦/ ٢٠٢٥ - ٢٠٢٦، وانظر: \"الدر\" ٣/ ٥٩٢.\n(٢) في (ي): (أنهم).\n(٣) \"العين\"٤/ ٢٢٢، \"تهذيب اللغة\" ١/ ١٠٥٣، (خطب)، \"اللسان\" ٢/ ١١٩٤. عن الليث.\n(٤) هكذا في النسخ والمعنى غير واضح.\n(٥) رواه الطبري ١٢/ ٣٤ عن ابن جريج، وأبو الشيخ عن ابن جريج أيضًا كما في \"الدر\" ٣/ ٥٩٢، وأخرج ابن أبي حاتم ٦/ ٢٠٢٦، وأبو الشيخ عن قتادة نحوه. \"الدر المنثور\" ٣/ ٥٩٢.","vol":"11","page":411},{"text":"يريد: لا تراجعني ولا تحاورني ولا تسألني.\nوقوله تعالى: ﴿فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾، قال الزجاج (١) وأبو بكر: في إمهال الذين ظلموا، أو في تأخير العذاب عنهم، ويراد بالذين ظلموا قومه، قال ابن الأنباري: فدعا نوح بعد هذا القول طاعة لله واتباعًا لأمره علي قومه، فقال: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ﴾ [نوح: ٢٦] الآية، وقيل: المراد بالذين ظلموا امرأته وابنه كنعان (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1631>٣٨ </span>- قوله تعالى: ﴿وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ﴾، قال أبو علي الجرجاني: معناه: وأقبل يصنع فاقتصر على قوله: ﴿وَيَصْنَعُ﴾.\nوقوله تعالى: ﴿وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ﴾، قال محمد بن إسحاق (٣): قالوا: يا نوح صرت بعد النبوة نجارًا؟ وقال عامة المفسرين (٤): إنهم رأوه ينجر الخشب، ويبني شبه البيت العظيم، فإذا سألوه عن ذلك قال: أعمل سفينة تجري في الماء، ولم يكونوا رأوا قبل ذلك السفينة، ولا ماء هناك يحمل مثلها، فكانوا يتضاحكون ويتعجبون من عمله لها، فقال نوح: ﴿إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ﴾، قال أبو إسحاق (٥): إن تستجهلونا فإنا نستجهلكم كما تستجهلون. وقال ابن الأنباري (٦): إن تسخروا منا لما ترون من صنعة الفلك فإنا نعجب من\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٥٠.\n(٢) البغوي ٤/ ١٧٤، \"البحر المحيط\" ٥/ ١٢١.\n(٣) الطبري ١٢/ ٣٦، \"زاد المسير\" ٤/ ١٠٣، البغوي ٤/ ١٧٥، ابن عطية ٧/ ٢٩٠.\n(٤) البغوي ٤/ ١٧٥، \"زاد المسير\" ٤/ ١٠٣، القرطبي ٩/ ٣٢.\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٥٠ بمعناه.\n(٦) \"زاد المسير\" ٤/ ١٠٣.","vol":"11","page":412},{"text":"غفلتكم عما قد أظلكم من العذاب.\nوقال بعض المفسرين (١). إن تسخروا منا الساعة، فإنا نسخر منكم بعد الغرق، ووقوع البوار بكم. وقال أهل المعاني (٢): سمى الثاني سخرية، [وليس بسخرية] (٣) في الحقيقة؛ ليتفق اللفظان فيكون اتفاقهما أخف على اللسان، وقد مضى لهذا نظائر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1632>٣٩ </span>- قوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ﴾ الآية، قال ابن عباس (٤): هذا وعيد وتهديد، وقال الزجاج (٥): أعلمهم ما يكون عاقبة أمرهم، أي فسوف تعلمون من أحق بالخزي ومن هو أحمد عاقبة.\nوفي قوله: ﴿مَنْ يَأْتِيهِ﴾ وجهان:\nأحدهما: أن يكون استفهامًا بمعنى (أي)، كأنه قيل: فسوف تعلمون أينا يأتيه عذاب، وعلى هذا محله رفع بالابتداء.\nوالثاني: أن يكون بمعنى (الذي) ويكون في محل النصب.\nوقوله تعالى: ﴿وَيَحِلُّ عَلَيْهِ﴾ أي: يجب عليه وينزل به، وسنذكر استقصاء هذا الحرف عند قوله: ﴿فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي﴾ في سورة طه [٨١] إن شاء الله.\nوقوله تعالى: ﴿عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ يعني عذاب الآخرة.\n_________\n(١) البغوي ٤/ ١٧٥، \"زاد المسير\" ٤/ ١٠٣، القرطبي ٩/ ٣٣، \"تفسير مقاتل\" ١٤٦ أ.\n(٢) البغوي ٤/ ١٧٥، \"زاد المسير\" ٤/ ١٠٣.\n(٣) ما بين المعقوفين ساقط من (ي).\n(٤) انظر: ابن عطية ٧/ ٢٩٠، \"زاد المسير\" ٤/ ١٠٤، القرطبي ٩/ ٣٣، \"البحر المحيط\" ٥/ ٢٢٢، ابن كثير ٢/ ٤٨٧.\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٥٠.","vol":"11","page":413},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1633>٤٠ </span>- قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا﴾ أي: أمرنا بعذابهم وإهلاكهم.\nوقوله تعالى: ﴿وَفَارَ التَّنُّورُ﴾، اختلفوا في معنى التنور؛ فقال ابن عباس (١) في رواية الضحاك: ظهر الماء على وجه الأرض، وقيل لنوح ﵇: إذا رأيت الماء على وجه الأرض، فاركب أنت وأصحابك، وهذا قول عكرمة والزهري وابن عيينة (٢)، ورواية الوالبي أيضًا عن ابن عباس (٣).\nوقال قتادة (٤): ذكر لنا (٥) أنه أرفع الأرض وأشرفها، جعل ذلك علامة بين نوح ﵇ وبين ربه ﷿.\nقال أبو بكر (٦): والمعنى على هذا: ونبع الماء من أعالي الأرض ومن الأمكنة المرتفعة، فشبهت لعلوها بالتنانير.\nروي عن علي (٧) ﵁ أنه قال: هو تنوير الصبح، ومعناه: طلع الفجر، قال أبو بكر: ومن ذهب إلى هذا قال: المعنى وبرز النور\n_________\n(١) الطبري ١٢/ ٣٨، الثعلبي ٧/ ٤١ ب، وأخرجه أيضًا سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم ٦/ ٢٠٢٩، وأبو الشيخ كما في \"الدر\" ٣/ ٥٩٦، ابن عطية ٧/ ٢٩١.\n(٢) رواه عنهم الطبري ١٢/ ٣٨، الثعلبي ٧/ ٤١ ب، \"زاد المسير\" ٤/ ١٠٥، البغوي ٤/ ١٧٦.\n(٣) ابن أبي حاتم ٦/ ٢٠٢٩.\n(٤) الطبري ١٢/ ٣٩، الثعلبي ٧/ ٤١ ب، وأبو الشيخ كما في \"الدر\" ٣/ ٥٩٦، وروي هذا القول عبد بن حميد وابن أبي حاتم ٦/ ٢٠٢٩، وأبو الشيخ عن ابن عباس كما في \"الدر\" ٣/ ٥٩٦.\n(٥) في (ي): (له).\n(٦) \"زاد المسير\" ٤/ ١٠٥.\n(٧) الطبري ١٢/ ٣٩، الثعلبي ٧/ ٤١ ب، وابن المنذر وابن أبي حاتم ٦/ ٢٠٢٩، وأبو الشيخ كما في \"الدر\" ٣/ ٥٩٦.","vol":"11","page":414},{"text":"وظهر الضوء، وتقضى الليل، فشبه تتابع الأضواء والأنوار بخروج النار من التنور.\nوقال ابن عباس (١) في رواية عطية وعطاء: يريد التنور الذي يخبز فيه، قال الحسن (٢): وكان تنورًا من حجارة، وكان لآدم وحواء حتى صار إلى نوح، وقيل له: إذا رأيت الماء يفور من التنور فاركب أنت وأصحابك.\nوقال مقاتل بن سليمان (٣) عن عدة من أهل التفسير: فار التنور من أقصى دار نوح بعين وردة من أرض الشام.\nوقال مجاهد (٤): نبع الماء من التنور فعلمت به امرأته فأخبرته، وكان ذلك بناحية الكوفة، وهو قول الشعبي (٥) واختيار الفراء (٦)، قال: هو تنور الخابز، ونحو هذا قال الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس (٧).\nقال أبو بكر (٨): والقول الذي يذهب إليه: هو أن التنور تنور الخبز؛\n_________\n(١) الطبري ١٢/ ٣٩، الثعلبي ٧/ ٤٢ أ، \"زاد المسير\" ٤/ ١٠٥، البغوي ٤/ ١٧٦، ابن عطية ٧/ ٢٩١.\n(٢) الطبري ١٢/ ٤٠، الثعلبي ٧/ ٤١ ب، البغوي ٤/ ١٧٦، وذكره ابن الجوزي عن ابن عباس. انظر: \"زاد المسير\" ٤/ ١٠٥.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ١٤٦ أ، \"زاد المسير\" ٤/ ١٠٦، البغوي ٤/ ١٧٦.\n(٤) الطبري ١٢/ ٤٠، الثعلبي ٧/ ٤٢ أ، \"زاد المسير\" ٤/ ١٠٥، البغوي ٤/ ١٧٦.\n(٥) الطبري ١٢/ ٤٠، الثعلبي ٧/ ٤٢ أ، البغوي ٤/ ١٧٦، \"زاد المسير\" ٤/ ١٠٥.\n(٦) \"معاني القرآن\" ٢/ ١٤.\n(٧) \"زاد المسير\" ٤/ ١٠٥.\n(٨) ما ذكره عن ابن الأنباري هو الذي رجحه الطبري ١٢/ ٤٠، وهو قول أكثر المفسرين كما قال البغوي ٤/ ١٧٦، وقال ابن كثير ٢/ ٤٨٨: هذا قول جمهور السلف وعلماء الخلف.","vol":"11","page":415},{"text":"لأن الحمل على الظاهر الذي (١) هو حقيقة أولى من العمل على المجاز، والتمثيل. وأما التنور في اللغة (٢)؛ فقال الليث (٣): التنور عمت بكل لسان وصاحبه تنار (٤).\nقال الأزهري: وهذا يدل على أن الاسم أعجمي فعربته العرب [فصار عربيًا] (٥) علي بناء فعول، والدليل على ذلك أن أصل بنائه تنر، ولا يعرف في كلام العرب نون قبل راء، وهو نظير ما دخل من كلام العجم في كلام العرب، مثل الديباج والدينار والسندس والاستبرق ولما تكلمت بها العرب صارت عربية.\nوقوله تعالى: ﴿قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾، قال أبو الحسن الأخفش (٦): يقال للاثنين هما زوجان، قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ﴾ [الذاريات: ٤٩] قال الحسن (٧): السماء زوج، والأرض زوج، والشتاء زوج، والصيف زوج، والليل زوج، والنهار زوج، حتى يصير الأمر إلى الله ﷻ الفرد الذي لا يشبهه شيء، ويقال للمرأة هي\n_________\n(١) ساقط من (ب).\n(٢) هذا النقل إلى نهايته من \"تهذيب اللغة\" للأزهري ١/ ٤٥٦ (تنر).\n(٣) الليث هو: ابن نصر بن سيار الخراساني، ويقال ابن المظفر بن نصر، إمام لغوي، من أصحاب الخليل، ويقال هو صاحب (العين). انظر: \"تهديب اللغة\" ١/ ٤٧، \"معجم الأدباء\" ١٧/ ٤٣.\n(٤) ساقط من (ي).\n(٥) ما بين المعقوفين ساقط من (ي).\n(٦) \"معاني القرآن\" للأخفش ١/ ٣٢٧، \"الحجة\" ٤/ ٣٢٤.\n(٧) ذكره الطبري ١٢/ ٤١ من غير إسناد.","vol":"11","page":416},{"text":"زوج، وللرجل (١) هو زوجها، وقال تعا لي: ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ [النساء: ١] [يعني المرأة، فالواحد يقال له زوج كما ذكرنا، وقد يقال للاثنين هما زوج] (٢)؛ قال لبيد (٣):\nزوج عليه كِلَّة وقِرامُها\nففسر الزوج بشيئين، ويدل على أن الزوج يقع على الواحد قوله تعالى: ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٤٣) وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ﴾ (٤) فالزوجان في قوله: ﴿مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ﴾ يراد بهما الشياع، وليس يراد بذلك الناقص عن الثلاثة، قال ابن عباس (٥) في قوله: ﴿احْمِلْ فِيهَا﴾ يريد في السفينة ﴿مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ﴾؛ الذكر زوج والأنثى زوج، وهو قول الحسن (٦) ومجاهد (٧)\n_________\n(١) ساقط من (ب).\n(٢) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).\n(٣) من معلقته، وصدره:\nمن كل محفوف يُظلُ عصيه\nالمحفوف: الهودج الذي ستر بالثياب، عصيه: عصى الهودج، والزوج: النمط الواحد من الثياب، والكلة من الستور: ما خيط فصار كالبيت، القرام: الغطاء، وهو الستر المرسل على جانب الهودج، انظر: \"ديوانه\" ص ٩٦، \"شرح المعلقات السبع\" ص ٥٣١، \"اللسان\" ٣/ ١٨٨٦ (زوج)، \"معاني القرآن\" للأخفش ١/ ٣٢٨، \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٥٧٤.\n(٤) الأنعام: ١٤٣، ١٤٤، ومن هنا بدأ النقل عن \"الحجة\" ٤/ ٣٢٧.\n(٥) البغوي ٤/ ١٧٦، \"زاد المسير\" ٤/ ١٠٦، الطبري ١٢/ ٤٠.\n(٦) انظر: الرازي ١٧/ ٢٢٦.\n(٧) الطبري ١٢/ ٤٠، وابن المنذر وابن أبي حاتم ٦/ ٢٠٣٠ وأبو الشيخ كما في \"الدر\" ٣/ ٦٠١.","vol":"11","page":417},{"text":"وقتادة (١) والضحاك (٢)، قالوا ذكرا وأنثى.\nوقرأ حفص (٣) ﴿مِن كُلٍّ﴾ بالتنوين أراد من كل شيء، ومن كل زوج زوجين اثنين، فحذف المضاف إليه، ويكون انتصاب اثنين على أنه صفة لزوجين، أتي به للتأكيد، كما قال: ﴿لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ [النحل: ٥١] وقد جاء في غير هذا من الصفات ما مصرفه إلى التأكيد، كقولهم: نعجة أنثى، وأمس الدابر، وقوله: ﴿نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ (٤)، وعلى قراءة العامة نصب اثنين بالحمل، وليس صفة لزوجين (٥).\nوقوله تعالى: ﴿وَأَهْلَكَ﴾، أي احمل أهلك، قال المفسرون (٦): يعني ولده وعياله، ﴿إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ﴾، قال ابن عباس: يريد من كان في علمي أنه يغرق بفعله وكفره، قالوا (٧): يعني: امرأته واعلة، وابنه كنعان، ﴿وَمَنْ آمَنَ﴾، يريد واحمل من صدقك، ﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾، قال ابن عباس (٨): ثمانون إنسانًا وكان فيهم ثلاثة من بنيه: سام وحام ويافث،\n_________\n(١) الطبري ١٢/ ٤١.\n(٢) الطبري ١٢/ ٤١.\n(٣) \"التبصرة\" / ٥٣٨، \"السبعة\" ٣٣٣، \"النشر\" ٣/ ١١٤، \"إتحاف\" ٢/ ١٢٥، \"الحجة\" ٤/ ٣٢٤.\n(٤) الحاقة: ١٣. وفي (ي): (نعجة)، وهي في سورة ص: الآية ٢٣.\n(٥) إلى هنا انتهى النقل عن \"الحجة\" ٤/ ٣٢٨ بتصرف.\n(٦) الطبري ١٢/ ٤١، الثعلبي ٧/ ٤٢ ب، البغوي ٤/ ١٧٦، \"زاد المسير\" ٤/ ١٠٦.\n(٧) الثعلبي ٧/ ٤٢ ب، البغوي ٤/ ١٧٦ - ١٧٧، \"زاد المسير\" ٤/ ١٠٦، القرطبي ٩/ ٣٥.\n(٨) الطبري ١٢/ ٤٣، الثعلبي ٧/ ٤٢ ب، البغوي ٤/ ١٧٧، \"زاد المسير\" ٤/ ١٠٧، وابن المنذر وابن أبي حاتم ٦/ ٢٠٣٢، وأبو الشيخ كما في \"الدر المنثور\" ٣/ ٦٠١، القرطبي ٩/ ٣٥.","vol":"11","page":418},{"text":"وثلاث كنائن له، ونحو ذلك قال مقاتل بن سليمان (١) وغيره، وقالوا: قرية الثمانين (٢) بناحية الموصل، إنما سميت لأن هؤلاء لما خرجوا من السفينة بوها، فسميت بهم، وعلى هذا سمى الله ثمانين قليلًا.\nقال أبو إسحاق: لأن ثمانين (٣) قليل في جملة أمة نوح.\nقال ابن الأنباري: ووحد القليل؛ لأنه لفظ مبني للجمع لما كان الواحد لا يوصف (٤) به ولا الاثنين، فلما كان مبناه للجمع استغنى عن علامة الجمع، وجمع في قوله: ﴿لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ [الشعراء: ٥٤] استيثاقًا من الجمع، لما كان (قليل) لفظه لفظ الواحد، كما جمعت العرب البيوت وهي جمع؛ للاستيثاق فقالوا: بيوتات، قال: ويجوز أن يقال في توحيد القليل إنه وصف لجمع خرج على تقطيع الواحد، تقديره وما آمن معه إلا نفر قليل، وقيل: أراد الجمع فاكتفى بالواحد منه، كقوله (٥):\n_________\n(١) الثعلبي ٧/ ٤٢ ب، البغوي ٤/ ١٧٧، \"زاد المسير\" ٤/ ١٠٧.\n(٢) قال ياقوت الحموي: بُليدة عند جبل الجودي، قرب جزيرة ابن عمر التغلبي فوق الموصل، كان أول من نزله نوح -﵇ -، لما خرج من السفينة ومعه ثمانون إنسانًا، فبنوا لهم مساكن بهذا الموضع وأقاموا به، فسمي الموضع بهم، \"معجم البلدان\" ٢/ ٨٤.\n(٣) في جميع النسخ (ثمانون) والصواب ما ذكرته، كما هو في \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٥٢.\n(٤) في (ب): (يصف).\n(٥) البيت لجرير من قصيدة له في هجاء تيم بن قيس من بكر بن وائل، وصدره:\nالواردون وتيم في ذرى سبأ\nوالشاهد أنه قال: جلد ولم يقل جلود. انظر: ديوانه ص٢٥٢، \"معاني القرآن\" ١/ ٣٠٨، ومعني البيت أن تيم يحتمون بسبأ ويمتنعون بها، ولا عصمة لهم من =","vol":"11","page":419},{"text":"قد عض أعناقهم جلد الجواميس\nوقد مرَّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1634>٤١ </span>- قوله تعالى: ﴿وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا﴾، يعني قال نوخ لقومه الذين أمر بحملهم: \"اركبوا\"، والركوب العلو على ظهر الشيء، فمنه ركوب الدابة، وركوب السفينة، وركوب البر، وركوب البحر، وكل شيء علا شيئًا فقد ركبه، وركبه الدين، قال الليث: وتسمي العرب من يركب السفينة ركاب السفينة، وأما الرُّكْبَانُ والأرْكوب والرَّكب فراكبو الدّواب والإبل، قال الأزهري (١): وقد جعل ابن أحمر ركاب السفينة ركبانًا فقال (٢):\nيهل بالفرقد ركبانها ... كما يُهِلُّ الراكب المعتمر\nوقوله تعالى: ﴿فِيهَا﴾ لا يجوز أن تكون (في) من صلة الركوب؛ لأنه يقال: ركبت السفينة، ولا يقال: ركبت في السفينة، والوجه هاهنا أن يقال: مفعول (اركبوا) محذوف على تقدير: اركبوا الماء في السفينة، فيكون\n_________\n= أنفسهم. \"الخزانة\" ٣/ ٣٧٢، \"الطبري\" ١٤/ ١١٧، \"اللسان\" ٥/ ٢٥٩٠، \"المخصص\" ١/ ٣١، ٤/ ٤١.\n(١) \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٤٥٦ (ركب).\n(٢) قائل البيت هو ابن أحمر، عمرو بن أحمر الباهلي، كان من شعراء الجاهلية، وأدرك الإسلام فأسلم ومدح عمر فمن بعده إلى عبد الملك بن مروان. وقيل: توفي في خلافة عثمان. انظر: \"طبقات فحول الشعراء\" ٢/ ٥٧١، ٥٨٠، \"خزانة الأدب\" ٦/ ٢٥٦.\nوالبيت يعني قومًا ركبوا سفينة فغمت السماء ولم يهتدوا، فلما طلع الفرقد كبروا لأنهم اهتدوا للسمت الذي يؤمونه، انظر: \"ديوانه\" ص ٦٦، \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٤٥٦، مادة (ركب)، اللسان ٣/ ١٧١٤، \"جمهرة اللغة\" ص ٧٧٢، \"ديوان الأدب\" ٣/ ١٦٤، \"تاج العروس\" ٢/ ٣٥ (ركب)، \"أساس البلاغة\" (هلل)، وبلا نسبة في \"اللسان\" (هلل) ٨/ ٤٦٨٩، و\"تاج العروس\" (هلل).","vol":"11","page":420},{"text":"قوله: ﴿فِيهَا﴾ حالًا من الضمير في (اركبوا)، ويجوز أن يقال المعنى: اركبوها أي الفلك، وزاد (في) للتأكيد كقوله: ﴿لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾ [يوسف: ٤٣]، وفائدة هذه الزيادة أنه أمرهم أن يكونوا [في جوف الفلك لا على ظهرها، فلو قال: (اركبوها) لتوهموا أنه أمرهم أن يكونوا] (١) على ظهر السفينة.\nوقوله: ﴿وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾ المُجرى: مصدر كالإجراء، ومثله قوله: ﴿مُنْزَلًا مُبَارَكًا﴾ [المؤمنون: ٢٩]، و﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾ (٢)، وقرئ ﴿مَجْراها﴾ (٣) بفتح الميم وهو أيضًا مصدر مثل الجري، واحتج صاحب هذه القراءة بقوله: ﴿وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ﴾ [هود: ٤٢] ولو كان (مُجراها) لكان (وهي تُجرَى بهم)، فكأنه قال: (وهي تجريهم) (٤).\nوأما المرْسَى: فهو أيضًا مصدر كالإرساء يقال: وما الشيء يرسو: إذا ثبت، وأرساه غيره، قال الله تعالى: ﴿وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا﴾ [النازعات: ٣٢]. قال ابن عباس (٥) في رواية عطاء: يريد تجرى باسم الله وقدرته، وقال الضحاك (٦): كان إذا أراد أن تجري قال: باسم الله فجرت، وإذا أراد أن\n_________\n(١) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).\n(٢) الإسراء: ٨٠. في الأصل (وأدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق) وهو خطأ.\n(٣) قرأ بها حمزة والكسائي وحفصر عن عاصم وخلف، \"السبعة\" ٣٣٣، \"التبصرة\" ٥٣٨، \"النشر\" ٣/ ١١٤، \"إتحاف\" ص ٢٥٦.\n(٤) \"الحجة\" لأبي على ٤/ ٣٣١، وأيّد هذا الوجه الطبري ١٢/ ٤٣ - ٤٤.\n(٥) روى الطبري ١٢/ ٤٤ نحوه عن مجاهد.\n(٦) الطبري ١٢/ ٤٤ - ٤٥، الثعلبي ٧/ ٤٣ ب، وابن أبي حاتم ٦/ ٢٠٣٣.","vol":"11","page":421},{"text":"ترسو قال: (باسم الله) فرست (١).\nقال أبو إسحاق (٢): أي بالله تجري وبه تستقر، ومعنى قولنا: باسم الله أي بالله، وهذه الأقوال معناها واحد، وأما تقدير الإعراب فقال الفراء (٣): إن شئت جعلت (مجراها) و(مرساها) في موضع رفع بالباء، كما يقال: إجراؤها وإرساؤها باسم الله، وبأمر الله، وإن شئت جعلت (باسم الله) ابتداء مكتفيًا بنفسه، كقول القائل عند المأكل: بسم الله، ويكون (مجراها) و(مرساها) في موضع نصب، يريد: بسم الله في مجراهما ومرساها، وزاد ابن الأنباري لهذا بيانًا فقال: في هذه الآية (٤) قولان:\nأحدهما: أن يرتفع المجرى بالباء الزائدة، وتفتقر الباء إلى المجرى؛ لأنها خبره ورافعته، والتقدير: إجراؤها باسم الله، وموضع الباء نصب لخلافها المجرى، إذ المجرى اسم، والباء ليست باسم، إنما هي حرف معنى ملحق بالمَحَالّ، يريد أن التقدير: إجراؤها يقع باسم الله، أو يحصل باسم الله، فالباء في محل النصب بهذا التقدير وهي في الظاهر رفع لخبر المبتدأ، وليس هذا كقولهم: زيد قائم؛ لأن قائمًا هو زيد، وليس بمخالف (٥) له، وهذا كقوله: زيد عندك، هذا معنى قول أبي بكر لخلافها المجرى المفصل.\nالقول الثاني: أن يكون المجرى في موضع نصب على مذهب الوقت\n_________\n(١) في (ب): عكس الجملتين.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٥٢.\n(٣) \"معاني القرآن\" ٢/ ١٤.\n(٤) ساقط من (ب).\n(٥) في (ب): (المخالف).","vol":"11","page":422},{"text":"ومنهاج المحل، تلخيصه باسم الله في مجراها ومرساها، فإذا سقط الخافض قضى على ما بعده بالنصب، كما تقول: أتيتك يوم الخميس، هزان القولان هما قولا الفراء (١) وشرحهما.\nوقال أحمد بن يحيى: الباء منصوبة بفعل محذوف يدل عليه ويكنى (٢) منه، والمجرى مرفوع بالباء التي خلفت الفعل الذي لو ظهر لكان هو الرافع للمجرى، وتمثيله: يقع باسم الله مجراها ومرساها، فكان افتقار الباء إلى المجرى كافتقار الفعل لو ظهر إلى فاعله.\nقال أبو علي الفارسي (٣): قوله تعالى: ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾ يجوز أن يكون حالًا من الضمير في (اركبوا)، على حد قولك: ركب في سلاحه، وخرج بثيابه، والمعنى ركب مستعدًا بسلاحه، وملتبسا بثيابه، وفي التنزيل: ﴿وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ﴾ [المائدة: ٦١]، فكان المعنى: اركبوا متبركين باسم الله ومتمسكين بذكر اسم الله، والمجرى والمرسى على هذا ظرف، بنحو (مَقْدَمَ الحاج)، و(خُفُوقَ النجم)، كأنه: متبركين بهذا الاسم، أو متمسكين في وقت الجري والإجراء على حسب الخلاف بين القراء فيه، ولا يكون الظرف متعلقًا باركبوا؛ لأن المعنى ليس (٤) عليه، ألا ترى أنه لا يراد اركبوا فيها في وقت الجري، والثبات، إنما المعنى اركبوا الآن متبركين باسم الله في الوقتين الذي لا ينفك الراكبون فيها منهما، فموضع مجراها\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" ٢/ ١٤.\n(٢) في (ي): (يكفى).\n(٣) \"الحجة\" ٤/ ٣٣٠ باختصار وتصرف.\n(٤) في (ب): (يسمى).","vol":"11","page":423},{"text":"نصب على هذا الوجه بأنه ظرف عمل فيه المعنى (١)، وهذا الوجه الذي ذكره أبو علي وجه آخر في التفسير سوى ما ذكرنا عن ابن عباس والضحاك.\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، قال ابن عباس (٢): يريد غفور لأصحاب السفينة رحيم بهم، قال أهل المعاني: اتصال هذا بما قبله اتصال المعنى بما يشاكله؛ لأنه لما ذكرت النجاة بالركوب في السفينة، ذكرت النعمة بالمغفرة والرحمة لتجتلب بالطاعة (٣) كما اجتلبت النجاة.\n\n٤٢ - قوله تعالى: ﴿وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ﴾ [هود: ٤٢] أي الفلك ﴿فِي مَوْجٍ﴾ جمع موجة، وهي قطعة عظيمة ترتفع عن جملة الماء الكثير، وأعظم ما يكون ذلك إذا اشتدت (٤) الريح وماج البحر، وتموج: إذا اضطربت أمواجه وتحركت، ﴿وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ﴾، قال محمد بن إسحاق (٥): كان كافرًا واسمه يام، وقال الكلبي ومقاتل (٦): اسمه كنعان.\n﴿وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ﴾، قال أبو إسحاق (٧) وابن الأنباري: أي من دين نوح؛ لأنه كان كافرًا مخالفًا عن نوح، خارجا عن (٨) جمعه أهل دينه، قالا: ويجوز أن يكون في معزل من السفينة، قال أبو بكر: وهذا أشبه\n_________\n(١) إلى هنا انتهى النقل من أبي على الفارسي، \"الحجة\" ٤/ ٣٣١.\n(٢) القرطبي ٩/ ٣٧، \"البحر المحيط\" ٥/ ٢٢٥.\n(٣) في (ب): (باتصال).\n(٤) ساقط من (ب).\n(٥) \"زاد المسير\" ٤/ ١٠٩، القرطبي ٩/ ٣٨، ابن كثير ٢/ ٤٨٩، الطبري ١٢/ ٤٥.\n(٦) \"تفسير مقاتل\" ١٤٦ أ، البغوي ٤/ ١٧٨، \"زاد المسير\" ٤/ ١٠٩، القرطبي ٩/ ٣٨، الثعلبي ٧/ ٤٣ ب.\n(٧) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٥٤.\n(٨) في (ب): (من).","vol":"11","page":424},{"text":"بظاهر القرآن، لأنه اعتزل السفينة وهو يظن أن الجبل يمنعه من الغرق، والمعزل في اللغة معناه: موضع منقطع عن غيره، وأصله من العزل وهو التنحية والإبعاد. يقال: كنت بمعزل عن كذا، أي بموضع قد عزل منه.\nوقوله تعالى: ﴿يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا﴾، وقرئ (١) بفتح الياء، قال أبو علي (٢): الوجه الكسر، وذلك أن اللام من ابن \"ياء\" (٣) أو \"واو\"، فإذا حقرت ألحقت ياء التحقير، فلزم أن ترد اللام التي حذفت؛ لأنك لو لم تردها لوجب أن تحرك ياء التحقير بحركات الإعراب، وتعاقبها عليها، وهي لا تحرك أبدًا بحركة الإعراب ولا غيرها؛ لأنها لو حركت للزم أن تنقلب كما تنقلب سائر حروف اللين، إذا كانت حرف إعراب نحو: عصا وقفا، ولو انقلبت بطلت دلالتها على التحقير، فلهذا ردت اللام، فإذا رددتها وأضفت إلى نفسك اجتمعت ثلاث ياآت: الأولى منها للتحقير، والثانية لام الفعل، والثالثة التي للإضافة، تقول: (هذا بني)، فإذا ناديته جاز فيه وجهان: إثبات الياء وحذفها، والاختيار حذف الياء التي للإضافة وإبقاء الكسرة دلالة عليه نحو: يا غلامِ، وهذا الوجه هو الجيد عنهم؛ وذلك أن الياء ينبغي أن تحذف في هذا الموضع لمشابهتها التنوين، وذاك من أجل ما بينهما من المقاربة، ومن ثم أدغم في الواو والياء وهو على\n_________\n(١) اختلف القراء في (يا بني) فقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وحمزة وابن عامر والكسائي (يا بُني) مضافة بكسر الياء. وقرأ حفص عن عاصم (يا بنيَّ) بالفتح في كل القرآن، ووافقه في هذا الموضع فقط أبو بكر عن عاصم. \"السبعة\" ٣٣٤، \"التبصرة\" ٥٣٩، \"النشر\" ٣/ ١١٥، \"إتحاف\" ص ٢٥٦، \"الحجة\" ٤/ ٣٣٣.\n(٢) \"الحجة\" ٤/ ٣٣٣ - ٣٤١ باختصار وتصرف.\n(٣) ساقط من (ي).","vol":"11","page":425},{"text":"حرف، كما أن التنوين كذلك، فأجريت الياء مجرى التنوين في حذفها من المنادى، ومن قرأ (يا بنيَّ) بفتح الباء فإنه أراد الإضافة (١) أيضًا كما أرادها من قرأ بالكسر، لكنه أبدل من الكسرة الفتحة ومن الياء الألف فصار يا بنيا كما قال (٢):\nيا ابنة عما لا تلومي واهجعي\nثم حذف الألف كما تحذف الياء في ياء بني، وقد حذفت الياء التي للإضافة إذا أبدلت الألف منها، أنشد أبو الحسن (٣):\nفلست بمدرك ما فات مني ... بـ (لهف) ولابـ (ليت) ولا (لو اني)\nقال: قوله بلهف إنما هو بلهفا فحذف الألف، والألف بدل عن ياء الإضافة.\n_________\n(١) في (ي): (إضافته).\n(٢) القائل هو: أبو النجم العجلي في أرجوزة له يخاطب امرأته أم الخيار. وهي ابنة عمه، ولها يقول:\nقد أصبحت أم الخيار تدعي ... عليّ ذنبًا كله لم أصنع\nوقوله: (واهجعي) أي: اسكني أو نامي. انظر: سيبويه ١/ ٣١٨، \"المحتسب\" ٤/ ٢٣٨، \"شرح أبيات المغني\" ٦/ ١٥٩ - ١٦١، \"الحجة\" ٤/ ٩١.\n\"تهذيب اللغة\" (هجع) ٤/ ٣٧٢٠، \"اللسان\" (هجع) ٨/ ٤٦٢١، \"خزانة الأدب\" ١/ ٣٦٤، \"الدرر\" ٥/ ٥٨، اللسان (عمم) ٥/ ٣١١١، \"المقاصد النحوية\" ٤/ ٢٢٤، \"نوادر أبى زيد\" ١٩.\n(٣) البيت لم ينسب، وهو من شواهد \"الخصائص\" ٣/ ١٣٥، \"المحتسب\" ١/ ٢٧٧، ٣٢٣، الخزانة ١/ ٦٣، \"اللسان\" ٧/ ٤٠٨٧، (لهف)، وانظر: \"معاني القرآن\" للأخفش ١/ ٢٤١، \"الأشباه والنظائر\" ٢/ ٦٣، ١٧٩، \"الإنصاف\" ص ٣٣٠، \"أوضح المسالك\" ٤/ ٣٧، \"سر صناعة الإعراب\" ٢/ ٥٢١، \"المقاصد النحوية\" ٤/ ٢٤٨.","vol":"11","page":426},{"text":"وقال أبو عثمان (١): وضع الألف مكان الياء في الإضافة مطرد، وأجاز: يا زيدا أقبل إذا أردت الإضافة، قال: وعلى هذا قراءة من قرأ: (يا أبت) بالفتح، وأنشد (٢):\nلقد زَعَموا أنّي جَزعتُ عَليهما ... وهل جزعٌ أن قلتُ وابأبا هما (٣)\nوكل ما ذكرنا هاهنا معنى كلام أبي إسحاق (٤) وزاد فقال: يجوز أن يكون حذف ياء الإضافة في قول من كسر؛ لسكونها وسكون الراء في ﴿أرْكَب﴾، والآية بيان عن حال ما عظم شأنه، وتفاقم أمره، من سفينة تجري في موج كالجبال، بماء قد طبق الأرض وعمّ الخلق إلا من نجاه الله، ومع ذلك فابن نوح يرى هذا كله فلا يؤمن ويقول: ﴿سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ﴾\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1636>٤٣ </span>- قوله تعالى: ﴿قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ﴾، قال ابن عباس (٥): يريد أنضم إلى جبل يعصمني من الماء، يريد: يمنعني من الماء فلا أغرق، والعصمة: المنع من الآفة، قال الزجاج (٦): والمعنى\n_________\n(١) \" الخصائص\" لابن جني ٣/ ١٣٥.\n(٢) البيت لعمرة الخثعمية في \"شرح ديوان الحماسة\" للمرزوقي / ١٠٨٢، ولها أو لدرنا بنت عبعبة في \"المقاصد النحوية\" ٣/ ٤٧٢، البيت مع آخر بعده في \"النوادر\" ٣٦٥، نسبهما لامرأة من بني سعد جاهلية، وفي \"اللسان\" ١/ ١٧ مادة (أبي) ونسبهما إلى درني بنت سيار بن ضبرة ترثي أخويها، ويقال لعمرة الخيثمية، وقولها (وابأبا هما) تريد: وإبأبي هما. وبلا نسبة في \"شرح المفصل\" ٢/ ١٢.\n(٣) إلى هنا انتهى النقل عن أبي علي من \"الحجة\" ٤/ ٣٣٣ - ٣٤١، باختصار وتصرف.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٥٤.\n(٥) قال به الطبري ١٢/ ٤٥، البغوي ٤/ ١٨٧، \"زاد المسير\" ٤/ ١١٠، القرطبي ٩/ ٣٩.\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٥٤.","vol":"11","page":427},{"text":"يمنعني من تغريق الماء. قال نوح: ﴿لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ لا مانع اليوم من عذاب الله ﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ﴾ استثناء منقطع، المعنى: لكن من رحم الله فإنه معصوم، وعلى هذا محل ﴿مَن﴾ نصب كقوله (١):\nإلا أوّاري .......................\nوهذا قول الفراء والزجاج، قال الفراء (٢): ومن أجاز في الاستثناء المنقطع أن يكون رفعًا نحو:\n................. . إلا اليعافير (٣)\nلم يجز له الرفع في (من)؛ لأن الذي قال إلا اليعافير جعل أنيس البر\n_________\n(١) جزء من بيت للنابغة، والبيت هو:\nإلا أواريّ لأيًا ما أبينها ... والنؤي كالحوض بالمظلومة الجلد\nوقبل هذا البيت بيتان هما:\nيا دار ميّة بالعلياء فالسند ... أقوت وطال عليها سالف الأبد\nوقفت فيها أصيلانا أسائلها ... عيَّت جوابًا وما بالربع من أحد\nوهذه الأبيات مقدمة قصيدة، قالها في مدح النعمان بن المنذر، ويعتذر إليه مما بلغه عنه، وفي الديوان (إلا الأواري). انظر: ديوانه ص ١٤ تحقيق الطاهر بن عاشور، \"الخزانة\" ٢/ ١٢٥، \"معاني القرآن\" ١/ ٤٨٠، \"المقتضب\" ٤/ ٤١٤، \"شرح شواهد المغني\" ٢٧.\n(٢) \"معاني القرآن\" ٢/ ١٥.\n(٣) قطعة من الرجز لعامر بن الحارث المعروف بجران العود، والبيت:\nوبلدة ليس بها أنيس ... إلا اليعافير وإلا العيس\nانظر: \"ديوانه\" / ٩٧، \"خزانة الأدب\" ١٠/ ١٥ - ١٨، \"الدرر\" ٣/ ١٦٢، \"شرح أبيات سيبويه\" ٢/ ١٤٠، \"شرح المفصل\" ٢/ ٢٧١، \"المقاصد النحوية\" ٣/ ١٧٠، وبلا نسبة في \"الأشباه والنظائر\" ٢/ ٩١، \"الإنصاف\" ص ٢٣٤، \"تهذيب اللغة\" ١/ ١٧٧١ (إلا)، اللسان (كنس) ٧/ ٣٩٣٨، أوضح المسالك ٢/ ٢٦١.","vol":"11","page":428},{"text":"اليعافير والوحوش، فيكون الاستثناء كالمتصل ولا يجوز هاهنا أن يكون المعصوم عاصما، هذا وجه في الاستثناء.\nقال أبو إسحاق (١): ويجوز (٢) أن يكون ﴿عَاصِمَ﴾ في معنى معصوم ويكن معنى ﴿لَا عَاصِمَ﴾ هو: لا ذا عصمة، كما قالوا: (عيشة راضية) على جهة النسب، أي ذات رضا، ويكون ﴿مَنْ﴾ هو على هذا التفسير في موضع رفع ويكون المعنى: لا معصوم إلا المرحوم، ونحو هذا قال الفراء (٣) وقال: لا ينكرون أن يخرج المفعول على فاعل، ألا ترى قوله: ﴿مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ﴾ [الطارق: ٦] معناه: مدفوق، وقوله: ﴿فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٢١] معناها: مرضية، وقال (٤):\nدع المكارم لا ترحل لبغيتها ... واقعد فإنك أنت الطاعمُ الكاسي\nومعناه: المكسو، فعلى قول الفراء يجوز أن يكون الفاعل بمعنى المفعول على ما ذكر، وقال علماء البصرة (٥): ﴿مَاءٍ دَافِقٍ﴾ بمعنى مدفوق، باطل من الكلام؛ لأن الفرق بين بناء الفاعل وبناء المفعول واجب، وهذا عند سيبويه وأصحابه يكون على طريق النسب، من غير أن يعتبر فيه فعل، فهو فاعل نحو: رامح، ولابن، وتامر، وتارس، ومعناه: ذو رمح، وذو\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٥٤.\n(٢) ساقط من (ي).\n(٣) \"معاني القرآن\" ٢/ ١٦، \"تهذيب اللغة\" (عصم) ٣/ ٢٤٦٥.\n(٤) القائل هو الحطيئة، والبيت من قصيدة يهجو فيها الزبرقان بن بدر التميمي، \"ديوانه\" ٥٤، \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٦، \"الأغاني\" ٢/ ٥٥، الطبري ١٢/ ٤٦، \"اللسان\" (ذرق) ٣/ ١٤٩٩، \"خزانة الأدب\" ٦/ ٢٩٩، \"شرح المفصل\" ٦/ ١٥، \"الشعر والشعراء\" ص ٢٠٣، \"شرح شواهد المغني\" ٢/ ٩١٦.\n(٥) \"معاني القرآن\" للنحاس ٣/ ٣٥٣، و\"الدر المصون\" ٣/ ١٠١، ١٠٢.","vol":"11","page":429},{"text":"لبن، كذلك هاهنا \"عاصم\" بمعنى ذو عصمة من قبل الله تعالى، ليس أنه عصم فهو عاصم بمعنى معصوم على الإطلاق الذي ذكره الفراء، وقوله تعالى: ﴿وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ﴾، قال الفراء (١): حال بين ابن نوح وبين الجبل ﴿فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1637>٤٤ </span>- قوله تعالى: ﴿وَقِيلَ﴾ بعد ما تناهي أمر الطوفان: ﴿يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ﴾، يقال: بلع الماء يبلعه بلعًا: إذا شرب، وابتلع الطعام ابتلاعًا: إذا لم يمضغه.\nوقال أهل اللغة: الفصيح بلع بكسر اللام يبلع بفتحها، ونحو ذلك روى أبو عبيد (٢) عن الكسائي، وقال الفراء (٣): يقال: بلِعت وبلَعت.\nوقوله تعالى: ﴿وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي﴾، يقال: أقلع الرجل عن عمله: إذا كف عنه، وأقلعت السماء بعدما أمطرت إذا أمسكت.\nقال ابن الأنباري (٤): أي عن إنزال الماء، فلما تقدم ذكر الماء لم يعد هاهنا.\nوقوله تعالى: ﴿وَغِيضَ الْمَاءُ﴾، يقال: غاض الماء يغيض غيضًا ومغاضًا: إذا نقص، وغضته أنا، وهذا من باب فعل الشيء وفعلته أنا، ومثله جبر العظم وجبرته، وفغر الفم وفغرته، ودلغ اللسان ودلغته، ومد النهر ومده نهر آخر، وسرح المال إلى المرعى وسرحته، ونقص الشيء ونقصته، قال المفسرون: ونقص الماء، وما بقي مما نزل من السماء فهي\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" ٢/ ١٧.\n(٢) \"تهذيب اللغة\" ١/ ٣٨٦ (بلع).\n(٣) \"معاني القرآن\" ٢/ ١٧.\n(٤) \"زاد الضمير\" ٤/ ١١١.","vol":"11","page":430},{"text":"هذه البحار المالحة.\nوقوله تعالى: ﴿وَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾، قال أبو بكر (١) وغيره: معناه: وأحكم هلاك قوم نوح، ومعنى القضاء الأحكام وإتمام الأمر والفراغ منه، كأنه قيل (٢): أوقع الهلاك بقوم نوح على تمام وإحكام، وفرغ من ذلك.\nقال مجاهد (٣) في قوله: ﴿وَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾: أهلك قوم نوح، قال كثير من المفسرين (٤): إن الله تعالى أعقم أرحام نسائهم قبل الغرق بأربعين سنة، فلم يغرق إلا ابن أربعين، فعلى هذا لم يهلك الله بالغرق طفلًا ولا وليدًا لم تقم عليه الحجة.\nوقال ابن جرير (٥): هلك الولدان بالطوفان، كما هلك الطير والسباع، وافق الغرق آجالهم، فذهب إلى أن الغرق لم يكن عقوبة للولدان، وإنما كان سببا للموت عند حضور الأجل، والله أعلم، ويؤكد هلاك الولدان ما روي في الخبر: أن امرأة أتت بصبي لها إلى جبل، فلما رهقها الماء رفعته، فلما كثر الماء رفعته رقة له، حتى غرقت وغرق الصبي، فلو رحم الله أحدًا من قوم نوح [من المشركين] (٦) لرحم أم (٧) ذلك\n_________\n(١) \"زاد المسير\" ٤/ ١١٢، \"البحر المحيط\" ٥/ ٢٢٨.\n(٢) ساقط من (ي).\n(٣) الطبري ١٢/ ٤٧، \"زاد المسير\" ٤/ ١١١، ابن أبي حاتم ٦/ ٢٠٣٧، أبو الشيخ كما في \"الدر\" ٣/ ٦٠٥.\n(٤) الرازي ١٧/ ٢٣٥، القرطبي ٩/ ٤١.\n(٥) رواه الطبرى ١٢/ ٤٩ عن الضحاك.\n(٦) ما بين المعقوفين ساقط من (ي).\n(٧) ساقط من (ي).","vol":"11","page":431},{"text":"الصبي (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾، قال ابن عباس (٢) وعامة المفسرين (٣): استوت السفينة على جبل بالجزيرة يقال له الجودي، قال أبو بكر (٤): كان استواؤها عليه دلالة على نفاد الماء وانقطاع ما يزيل عنها الاستواء بتحريكه وتنحيته ومنعه من الثبات في موضع واحد، وفي الحديث (٥): \"أن نوحًا ركب السفينة في رجب، فجرت بهم ستة أشهر، ومرت بالبيت فطافت به سبعًا، وقد رفعه الله من الغرق، وأرسيت على الجودي يوم عاشوراء، فصام نوح، وأمر جميع من معه فصاموا شكرًا لله\".\nوقوله تعالى: ﴿وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾، قال ابن عباس (٦): يريد\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي حاتم ٦/ ٢٠٣٦ من حديث عائشة عن النبي - ﷺ -. والطبري ١٢/ ٣٥، والحاكم في \"المستدرك\" ٢/ ٣٤٢ وقال: على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وخالفه الذهبي في التلخيص، وقال: إسناده مظلم بسبب موسى بن يعقوب الزمعي وليس بذاك، قال فيه ابن المديني: ضعيف منكر الحديث. انظر: \"تهذيب التهذيب\" ٤/ ١٩٢.\n(٢) الطبري ١٢/ ٤٨.\n(٣) أخرجه الطبري ١٢/ ٤٨ عن مجاهد وسفيان وقتادة والضحاك. وانظر: البغوي ٤/ ١٧٩، \"زاد المسير\" ٤/ ١١٢، ابن أبي حاتم ٦/ ٢٠٣٧.\n(٤) \"زاد المسير\" ٤/ ١١٢.\n(٥) أخرجه الطبري ١٢/ ٤٧ عن عبد العزيز بن عبد الغفور عن أبيه مرفوعًا، وقد علق عليه أحمد شاكر بقوله: (وهذا خبر هالك من نواحيه جميعًا وقال: وأما عبد العزيز ابن عبد الغفور، فهذا اسم مقلوب، وإنما هو (عبد الغفور بن عبد العزيز) ويقال: عبد الغفار، ويروي عنه عثمان بن مطر وهو كذاب خبيث كان يضع الحديث.\nانظر: \"تعليقه على الطبري\" ١٥/ ٣٣٥.\n(٦) \"زاد المسير\" ٤/ ١١٢.","vol":"11","page":432},{"text":"بعدًا من رحمة الله للقوم المتخذين من دونه إلها، قال أهل المعاني: معناه أبعدهم الله من الخير بعدًا على جهة الدعاء، ويجوز أن يكون [الله قال لهم ذلك] (١)، ويجوز أن يكون من قول المؤمنين، وهو منصوب على المصدر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1638>٤٥ </span>- قوله: ﴿وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي﴾، اختلف المفسرون في قوله: ﴿إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي﴾؛ فقال عكرمة عن ابن عباس (٢): إنه لَابنُه ولكنه خالفه في النية والعمل، فذلك الذي فرق بينهما، ونحو هذا قال محمد بن إسحاق (٣)، والكلبي (٤) ومقاتل (٥): قالوا هو وابنه من صلبه.\nوروى ابن عيينة عن عمار الدهني قال: قلت لسعيد بن جبير كان ابنه؟ فقال: يا بني إن الله لا يكذب (٦)، ﴿وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ﴾، وذهب طائفة إلى أن هذا الذي خالف نوحًا كان ابن امرأته، ولم يكن ابن صلبه (٧).\nروي عن علي ﵁ أنه قرأ (٨): (ونادى نوح ابنها وكان في معزل) وروى إسرائيل عن جابر عن ابن جعفر الباقر (٩) في قوله ﴿إِنَّ ابْنِي﴾\n_________\n(١) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).\n(٢) الطبري ١٢/ ٥١، الثعلبي ٧/ ٤٥ أ، ورجحه البغوي ١٨١، \"زاد المسير\" ٤/ ١١٣، القرطبي ٩/ ٤٥ ورجحه. وابن كثير ٢/ ٤٨٩ ورجحه وعبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم ٦/ ٢٠٣٩، وسعيد بن منصور كما في \"الدر\" ٣/ ٦٠٣.\n(٣) \"الوسيط\" ٢/ ٥٧٥، \"البداية والنهاية\" ١/ ١١٣.\n(٤) \"الوسيط\" ٢/ ٥٧٥.\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ١٤٦ أ.\n(٦) \"تفسير سفيان بن عيينة\" ٢٦٨.\n(٧) الطبري ١٢/ ٤٩، الثعلبي ٧/ ٤٥ أ، البغوي ٤/ ١٨١، \"زاد المسير\" ٤/ ١١٣.\n(٨) أخرجه ابن الأنباري في \"المصاحف\" وأبو الشيخ كما في \"الدر\" ٣/ ٦٠٣.\n(٩) الطبري ١٢/ ٥٠، والرواية عن أبي جعفر الباقر، الثعلبي ٧/ ٤٤ ب، البغوي =","vol":"11","page":433},{"text":"قال: هذا بلغة طيء لم يكن ابنه، إنما كان ابن امرأته.\n[ونحو ذلك قال الهيثم بن عدي الطائي (١)، وقال مجاهد (٢) أيضًا: كان ابن امرأته] (٣).\nوقال قتادة (٤): سألت عنه الحسن فقال: والله ما كان ابنه، [قلت إن الله حكى عنه أنه قال: ﴿إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي﴾ وأنت تقول لم يكن ابنه] (٥)، وإن أهل الكتابين لا يختلفون في أنه كان ابنه، فقال الحسن: ومن يأخذ دينه من أهل الكتاب، واستدل على صحة ما قال يقول (٦): نوح: ﴿إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي﴾، ولم يقل مني (٧).\nوقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ﴾، قال ابن عباس (٨): يريد الذي وعدتني أنك تنجيني وأهلي، وفي هذا سؤال النجاة لابنه، أي فأنجه من الغرق على ميعادك من إنجاء أهلي، ﴿وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ﴾ قال ابن\n_________\n= ٤/ ١٨١، ابن كثير ٢/ ٤٩٠، وابن المنذر، وابن أبي حاتم ٦/ ٢٠٣٩، وأبو الشيخ عن أبي جعفر محمد بن علي كما في \"الدر\" ٣/ ٦٠٣.\n(١) هو: الهيثم بن عدي بن عبد الرحمن أبو عبد الرحمن الطائي، الكوفي المؤرخ، قال ابن معين وأبو داود: كذاب، قال البخاري: سكتوا عنه، والنسائي: متروك الحديث، توفي سنة ٢٠٧ هـ. انظر: \"سير أعلام النبلاء\" ١٠/ ١٠٣، \"الجرح والتعديل\" ٩/ ٨٥.\n(٢) الطبري ١٢/ ٥٠، الثعلبي ٧/ ٤٤ ب، البغوي ٤/ ١٨١، \"زاد المسير\" ٤/ ١١٣.\n(٣) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).\n(٤) الطبري ١٢/ ٥٠، الثعلبي ٧/ ٤٤ ب، البغوي ٤/ ١٨١، \"زاد المسير\" ٤/ ١١٣.\n(٥) ما بين المعقوفين ساقط من (ي).\n(٦) ساقط من (ي).\n(٧) البغوي ٤/ ١٨١، الثعلبي ٧/ ٤٤ ب.\n(٨) ابن كثير ٢/ ٤٩٠.","vol":"11","page":434},{"text":"عباس (١): يريد: أعدل العادلين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1639>٤٦ </span>- قوله تعالى: ﴿قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾، [من قال: إن هذا الابن كان ابن نوح لصلبه، قال: معنى قوله: ﴿لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾] (٢) أي: ليس من أهلك الذين وعدتك أن أنجيهم معك، كذا قال ابن عباس (٣) فيها روى عنه الضحاك، وروى هشيم (٤) قال: سألت أبا بشر (٥) عن هذه الآية فقال (٦): معناه: ليس من أهل دينك.\nوالقولان ذكرهما الزجاج (٧)، وحكاهما أبو علي (٨)، وقال في القول الأول: بعَّد المخالفة، في الدين قربَ النسب الذي بينهما، كما تقرب الموالاة في الدين بعد النسب، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠] وهذا إطلاع من الله تعالى نوحًا على باطن أمره، كما أطلع رسوله محمدًا - ﷺ - ما استبطنه المنافقون، وقال في القول الثاني: إنه من باب حذف المضاف، وعلى هذا كان سؤال نوح إنجاءه؛ لأنه كان يظن أنه\n_________\n(١) \"زاد المسير\" ٤/ ١١٣.\n(٢) ما بين المعقوفين ساقط من (ي).\n(٣) الطبري ١٢/ ٥١، الثعلبي ٧/ ٤٤ ب.\n(٤) هشيم هو: ابن بشير بن أبي خازم، الإمام شيخ الإسلام، محدث بغداد وحافظها، أبو معاوية السلمي مولاهم، الواسطي، ثقة ثبت، توفي سنة ١٨٣ هـ. انظر: \"التقريب\" ص ٥٧٤ (٧٣١٢)، \"السير\" ٨/ ٢٨٧.\n(٥) هو: جعفر بن أبي وحشية إياس اليشكري أبو بشر، أحد الأئمة والحفاظ، ثقة، من أثبت الناس في سعيد بن جبير. توفي سنة ١٢٥هـ، وقيل: ١٢٦هـ. انظر: \"التقريب\" ص ١٣٩ (٩٣٠)، \"السير\" ٥/ ٤٦٥.\n(٦) الطبري ١٢/ ٥١.\n(٧) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٥٥.\n(٨) \"الحجة\" ٤/ ٣٤٢ بتصرف.","vol":"11","page":435},{"text":"على دينه، فقد روي أنه كان منافقًا يظهر الإيمان ويسر الكفر، وكذا يقول من قال إنه ابن امرأته، وذهب جماعة إلى أنه ولد على فراش نوح، وكان ولد خبثه، وكان يظن نوح أنه ابنه، حتى أخبره الله تعالى أنه ليس ابنه، بقوله: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾، وهذا قول ابن جرير (١)، والحسن (٢)، قال الحسن: إن امرأته فجرت.\nوقال الشعبي (٣): لم يكن ابنه، إن امرأته خانته، واحتج هؤلاء بقوله تعالى: ﴿فَخَانتاهُمَا﴾ [التحريم: ١٠] (٤)، والعلماء على أنه كان ابنه، وعليه ابن عباس فقد روى الضحاك عنه أنه قال (٥): ما بغت امرأة نبي قط.\nوروى سليمان بن قتة (٦) أن ابن عباس سئل: ما كانت خيانة امرأة نوح وامرأة لوط؟ فقال (٧): كانت امرأة نوح تقول: زوجي مجنون، وكانت امرأة لوط تدل الناس على ضيفه إذا نزل به، وروى عكرمة عنه (٨) أنه قال: لم\n_________\n(١) لعله ابن جريج كما في الطبري ١٢/ ٥٠، أما ابن جرير فيقول بخلاف ذلك. انظر: الطبري ١٢/ ٥١.\n(٢) الطبري ١٢/ ٤٩ - ٥٠، وابن أبي حاتم ٦/ ٢٠٤٠، \"زاد المسير\" ٤/ ١١٣.\n(٣) \"زاد المسير\" ٤/ ١١٣.\n(٤) من هنا يبدأ السقط في (ب).\n(٥) الطبري ١٢/ ٥١، ابن أبي حاتم ٦/ ٢٠٤٠، \"زاد المسير\" ٨/ ٣١٥.\n(٦) هو: سليمان بن قتة التيمي، مولاهم البصري، المقرئ من فحول الشعراء، وثّقه ابن معين وقتة هي أمه، ولم تذكر سنة وفاته. انظر: \"سير أعلام النبلاء\" ٤/ ٥٩٦، \"غاية النهاية\" ١/ ٣١٤.\n(٧) الطبري ١٢/ ٥١، عبد الرزاق ٢/ ٣١٠، القرطبي ٩/ ٤٧، \"زاد المسير\" ٨/ ٣١٥، \"الدر المنثور\" ٦/ ٣٧٧.\n(٨) أخرج ابن عدي والبيهقي في شعب الإيمان وابن عساكر عن الضحاك نحوه كما في \"الدر\" ٦/ ٣٧٧.","vol":"11","page":436},{"text":"يكن الله ليجعل خائنة الفرج لأحد من أنبيائه، وإنما خيانتهما الكفر، قال أبو بكر ابن الأنباري: وهذا أولى من الأخذ بتأويلٍ فيه رميُ زوج نبي بالفاحشة، ومتى وجدنا سبيلا إلى تطهير حرم الأنبياء لم نعدل عن ذلك إلى وصفهن بما يسمج، وهذا أيضًا مذهب ابن مسعود (١): فقد قال: إنه ابنه، ولم يبتل الله -عزوجل - نبيا في أهله بمثل هذه البلوى.\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾، يجوز أن تكون الهاء راجعة على السؤال، والمعنى: إن سؤالك إياي أنجي كافرًا، عمل غير صالح؛ لأنه قد تقدم دليل السؤال في قوله: ﴿رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي﴾، ويجوز أن تكون الهاء راجعة على ابن نوح، ويكون التقدير: إن ابنك ذو عمل أو صاحب عمل غير صالح، فحذف المضاف كما قالت الخنساء:\n..... فإنما هي إقبال وإدبار (٢)\nوهذا الذي ذكرنا قول أبي إسحاق (٣)، وأبي بكر (٤)، وأبي علي (٥)؛ قال أبو علي: ويجوز أن يكون ابن نوح جعل عملًا غير صالح، كما يجعل الشيء لكثرة ذلك منه، كقولهم: الشعر زهير، فعلى هذا لا حذف، ومن ذهب إلى أنه كان لزنية، قال: معنى قوله: ﴿إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ أنه ولد زنى (٦)، والمفسرون على القول الأول؛ أن المعنى أن سؤالك ما ليس لك\n_________\n(١) لم أجده في مظانه.\n(٢) تقدم تخريج البيت في سورة البقرة: ١٧٧.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٥٥.\n(٤) \"زاد المسير\" ٤/ ١١٤.\n(٥) \"الحجة\" ٤/ ٣٤٢.\n(٦) وممن قال بهذا الحسن كما في الطبري ١٢/ ٥٣، وابن أبي حاتم ٦/ ٢٠٤٠.","vol":"11","page":437},{"text":"به علم عمل غير صالح (١)، وهو قول الكلبي وقتادة، وقال عطاء عن ابن عباس: سؤالك (٢) إياي عمل غير صالح، وقرأ الكسائي (٣): \"إنه عَمِلَ غيرِ صالح\"، وهذه القراءة قراءة النبي - ﷺ - (٤)؛ روى ذلك عنه عائشة وأسماء بنت يزيد (٥) وأم سلمة (٦)، ومعناه أن الابن عمل عملًا غير صالح، يعني الشرك،\n_________\n(١) رواه الطبري ١٢/ ٥٣ عن إبراهيم، وقتادة، وابن عباس، ومجاهد، وابن أبي حاتم ٦/ ٢٠٤٠ عن ابن عباس.\n(٢) في (ي): (مسألتك).\n(٣) ويعقوب من العشرة، انظر: \"السبعة\" / ٣٣٤، \"الكشف\" ١/ ٥٣١، \"النشر\" ٣/ ١١٥، \"إتحاف\" ص ٢٥٦، وقرأ بها ابن عباس كما في الطبري ١٢/ ٥٣، والأخفش كما في \"معاني القرآن\" ٢/ ٥٧٨.\n(٤) هذا الكلام فيه إيهام بأن ما عدا هذه القراءة ليس قراءة للنبي - ﷺ - وهذا غير مراد، وإنما المراد أنها قراءة ثابتة عن النبيﷺ -.\n(٥) هي: الصحابية أم سلمة، أسماء بنت يزيد بن السكن بن رافع الأنصارية وقيل كنيتها أم عامر، شهدت اليرموك وعاشت بعدها دهرًا. انظر: \"الإصابة\" ص ٢٣٤ - ٢٣٥، \"التقريب\" ص ٧٤٣ (٨٥٣٢).\n(٦) هذا الحديث رواه أحمد في \"مسنده\" من حديث أسماء بنت يزيد في ثلاثة مواضع ٦/ ٤٥٤، ٤٥٩، ٤٦٠، وعنها أيضًا، أبو داود (٣٩٨٢)، والطيالسي في مسنده ص ٢٥٦ ح ١٦٣١، وأبو نعيم في \"الحلية\" ٨/ ٣٠١، عن أم سلمة أم المؤمنين، والحاكم في \"المستدرك\" ٢/ ٢٤٩، وأحمد عن أم سلمة ٦/ ٢٩٤، ٣٢٢، وأيضًا الطيالسي ٢٢٣ برقم ١٥٩٤، قال الترمذي بعد أن ساق الخبر: \"سمعت عبد بن حميد يقول: أسماء بنت يزيد هي أم سلمة الأنصارية، كلا الحديثين عندي واحد\" وذهب أحمد شاكر في تعليقه على الطبري إلى أنهما حديثان ١٥/ ٣٥٠، وأن شهر ابن حوشب يروي عن أسماء بنت يزيد الأنصارية التي تكنى بأم سلمة، ويروى عن أم المؤمنين أم سلمة، وأما حديث عائشة الموافق لحديث أم سلمة فقد رواه البخاري في \"الكبير\" ١/ ١/ ٢٨٦، ٢٨٧، ورواه الحاكم في \"المستدرك\"، وقال الذهبي تعليقًا عليه: \"إسناده مظلم\".","vol":"11","page":438},{"text":"فحذف الموصوف وأقيمت الصفة التي هي \"غير\" مقامه.\nوقوله تعالى: ﴿فَلَا (١) تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾، قال أبو بكر: سأل نوح ربه من نجاته وانصراف الغرق عنه ما يسأله الوالد، وهو لا يعلم أن ذلك محظور عليه مع إصراره على الكفر، حتى أعلمه ذلك، وكأن المعنى: ما ليس لك علم بجواز مسألته.\nوقال أبو علي (٢): قوله \"به\" يحتمل وجهين:\nأحدهما: أنه مقدم يراد به التأخير أي ما ليس لك علم به (٣) فيكون كقوله تعالى: ﴿وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ﴾ [يوسف: ٢٠]، و﴿إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾ [الأعراف:٢١]، و﴿وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٥٦]، وزعم أبو الحسن (٤) أن ما يكون من هذا القبيل يتعلق بمضمر، يفسره هذا الذي ظهر بعد، وإن كان لا يجوز تسلط هذا الظاهر عليه قال: ومثل ذلك قوله: ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى﴾ [الفرقان: ٢٢] فانتصب ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ﴾ بما دلَّ عليه ﴿لَا بُشْرَى﴾، ولا يجوز لما بعد ﴿لَا﴾ هذه أن تتسلط على ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ﴾، وكذلك ﴿إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾ [الأعراف: ٢١] يتعلق بما يدل عليه النصح المظهر، وإن لم يتسلط عليه، والتقدير: إني ناصح لكما من الناصحين، وكذلك \"ما ليس لي به علم\" يتعلق بما يدل عليه قوله علم الظاهر، وإن لم يجز أن يعمل فيه، قال أبو علي: ويجوز فيه وجه آخر،\n_________\n(١) في النسخ: (٩ ولا).\n(٢) \"الحجة\" ٤/ ٣٤٣.\n(٣) في (ي): (به علم).\n(٤) هو أبو الحسن الأخفش.","vol":"11","page":439},{"text":"وهو أن تكون الباء متعلقًا بما دل عليه قوله \"ليس لك\" والمعنى ليس لك (١) أن يستقر لك به علم، كتعلق الظرف بالمعاني، والعلم هاهنا يراد به العلم المتيقن الذي يعلم به الشيء على حقيقته (٢)، ليس العلم الذي يعلم به الشيء على ظاهره كالذي في قوله: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ﴾ [الممتحنة:١٠] ونحو ما يعلمه الحاكم من شهادة الشاهدين (٣).\nوقوله تعالى: ﴿إِنِّي أَعِظُكَ﴾، قال ابن عباس (٤): يريد: إني أنهاك. ﴿أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾، [قال: يريد الآثمين؛ لأن عمل المؤمنين وذنوبهم جهل ليس بكفر، كما قال موسى: ﴿أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [البقرة: ٦٧]] (٥)، وقال الله تعالى ﴿يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ﴾ [النساء: ١٧] وجهل المؤمن ذنب وليس بكفر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1640>٤٧ </span>- قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾، قال ابن عباس (٦): يريد أنك علام الغيوب، وأنا لا أعلم ما غاب عني.\nوقال ابن الأنباري: لما أعلمه الله أنه لا يجوز له أن يسأل ما لا علم له بجواز مسألته تلك (٧) اعتذر أجمل اعتذار بقوله: ﴿أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ\n_________\n(١) ساقط من (جـ).\n(٢) في (جـ): (على ظاهره).\n(٣) إلى هنا انتهى النقل عن \"الحجة\" ٤/ ٣٤٤ (بتصرف).\n(٤) القرطبي ٩/ ٤٨، \"تنوير المقباس\" ١٤١.\n(٥) ما بين المعقوفين ساقط من (جـ).\n(٦) قال به الطبري ١٢/ ٥٤.\n(٧) ساقط من (ي).","vol":"11","page":440},{"text":"مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾. وقال أهل المعاني: لما كان السؤال منه ما يحسن ومنه ما يقبح، وجب ألا يسأل إلا عما يعلم أنه يحسن. ﴿وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي﴾، قال ابن عباس: يريد جهلي ﴿وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾، وهذه الآية تدل على جواز وقوع الصغيرة من الأنبياء ﵈ (١)؛ لأن المغفرة لا تكون للطاعة وإنما تكون للمعصية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1641>٤٨ </span>- قوله تعالى: ﴿قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ﴾، قال ابن عباس (٢): يريد من السفينة إلى الأرض ﴿بِسَلَامٍ مِنَّا﴾، قالوا: بسلامة منا، وقالوا: بتحية منا ﴿وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ﴾، معنى البركة في اللغة: ثبوت الخير حالًا بعد حال، وأصله الثبوت، ومنه البروك، والبركة لثبوت الماء فيها، وبراكاء للقتال في قول الشاعر (٣):\n_________\n(١) هذا القول هو قول أهل السنة، بل قول أكثر علماء الإسلام، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"القول بأن الأنبياء معصومون من الكبائر دون الصغائر، هو قول أكثر علماء الإسلام وجميع الطوائف، حتى إنه قول أكثر أهل الكلام، كما ذكر أبو الحسن الآمدي أن هذا قول أكثر الأشعرية، وهو أيضًا قول أكثر أهل التفسير والحديث والفقهاء، بل لم ينقل عن السلف والأئمة والصحابة والتابعين وتابعيهم إلا ما يوافق هذا القول\".\"مجموع فتاوى ابن تيمية\" ٤/ ٣١٩.\n(٢) \"زاد المسير\" ٤/ ١١٥، وقال به الطبري ١٢/ ٥٤، والثعلبي ٧/ ٤٥ أ، والبغوي ٤/ ١٨١، والقرطبي ٩/ ٤٨.\n(٣) البيت لبشر بن أبي خازم، وصدره:\nولا ينجي من الغمرات إلا\nوالبراكاء: الثبات في الحروب. انظر: \"ديوانه\" ص ٧٩، و\"اللسان\" (برك) ١/ ٢٦٧، \"الخزانة\" ٣/ ٣٥٩، \"تهذيب اللغة\" ١/ ٣١٩، \"الدر المصون\" ٥/ ٤١، \"جمهرة اللغة\" /٣٢٥، \"شرح التصريح\" ٢/ ٢٩١، \"شرح المفصل\" ٤/ ٥٠.","vol":"11","page":441},{"text":"بَراكاءُ (١) القِتالِ أَوِ الفِرارُ\nالثبوت للقتال، وتبارك الله: ثبت تعظيمه، قال المفسرون (٢): معنى البركات على نوح أنه صار أب البشر والأنبياء؛ لأن جميع من بقي كانوا من نسله، قال ابن عباس (٣): يريد أنك آدم الأصغر، فعلى هذا قالوا: لما خرج نوح من السفينة مات كل من كان معه ممن لم يكن من ذريته، ولم يتناسل إلا من كان من ذريته، فالخلق كلهم من نسله، وهذا معنى قوله: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾ [الصافات: ٧٧]، وقال جماعة من المفسرين (٤): لم يكن مع نوح في السفينة من الناس إلا من كان من ذريته.\nوقوله تعالى: ﴿وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ﴾، قال ابن عباس (٥): يريد من ولدك. قال أبو بكر (٦): معناه من ذراري من معك، ولذلك قال (على أمم) ولم يكن الذين كانوا مع نوح أمما.\nقال المفسرون (٧): وهم المؤمنون وأهل السعادة، وقال القرظي (٨): دخل في ذلك السلام كل مؤمن ومؤمنة إلى يوم القيامة.\nوقوله تعالى: ﴿وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ﴾ [الآية، قال المفسرون: يعني الأمم\n_________\n(١) في (جـ): (براك).\n(٢) \"زاد المسير\" ٤/ ١١٥.\n(٣) القرطبي ٩/ ٤٨، \"البحر المحيط\" ٥/ ٢٣١.\n(٤) البغوي ٤/ ١٨٢، القرطبي ٩/ ٤٨.\n(٥) \"زاد المسير\" ٤/ ١١٥.\n(٦) المرجع السابق.\n(٧) الطبري ١٢/ ٥٥، الثعلبي ٧/ ٤٥ أ، البغوي ٤/ ١٨٢، القرطبي ٩/ ٤٨.\n(٨) الطبري ١٢/ ٥٥، الثعلبي ٧/ ٤٥ أ، البغوي ٤/ ١٨٢، القرطبي ٩/ ٤٨.","vol":"11","page":442},{"text":"الكافرة من ذريته إلى يوم القيامة، كما قال القرظي: دخل في السلام كل مؤمن ومؤمنة إلى يوم القيامة، ودخل في المتاع والعذاب كل كافر وكافرة إلى يوم القيامة.\nقال ابن الأنباري (١): والأمم يرتفعون بإضمار \"مَنْ\" تقديره: وفي مَنْ نَصِفُ لك وفي مَنْ نقُصُّ عليك أمره أمم سنمتعهم] (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1642>٤٩ </span>- قوله تعالى: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ﴾، الإشارة بتلك إلى الأنباء، كأنه قيل تلك الأنباء من أنباء الغيب؛ لأنه قد تقدم ذكرها، واتصلت ببيان عنها، وقال أبو بكر (٣): ﴿تِلْكَ﴾ إشارة إلى آيات القرآن، وقال في هذه السورة (٤): ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى﴾ [هود: ١٠٠]، فأشار بذلك إلى الخبر والحديث، وقال غيره (٥): الإشارة بتلك إلى القصة.\nوقوله: ﴿مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ﴾، أي من أخبار ما غاب عن جميع الخلق؛ لأنه لم يشاهد هذه القصص النبي - ﷺ -، ولا أحد من قومه، ولا من الناس كلهم في ذلك الوقت.\nوقوله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾، أي كما صبر نوح على أذى قومه، فإن آخر الأمر بالظفر والنصرة والتمكين لك ولقومك، كما كان لمؤمني قوم نوح، هذا قول عامة المفسرين (٦).\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للأخفش ٢/ ٥٧٨.\n(٢) ما بين المعقوفين ساقط من (ج).\n(٣) \"زاد المسير\" ٤/ ١١٦، \"البحر المحيط\" ٥/ ٢٣٢.\n(٤) ساقط من (ي).\n(٥) \"زاد المسير\" ٤/ ١١٦، ابن كثير ٢/ ٤٩٢، الطبري ١٢/ ٥٦، ابن عطية ٧/ ٣١٧.\n(٦) الطبري ١٢/ ٥٦، الثعلبي ٧/ ٤٥ ب، البغوي ٤/ ١٨٢، \"زاد المسير\" ٤/ ١١٧، القرطبي ٩/ ٤٩، ابن عطية ٧/ ٣١٧، ابن كثير ٢/ ٤٩٢، الرازي ١٨/ ٨.","vol":"11","page":443},{"text":"وقال مقاتل (١) وجماعة معناه: أن الجنة لمن اجتنب الفواحش والآثام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1643>٥٠ </span>- وقوله تعالى: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا﴾، هذا عطف على قوله: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾، فكأنه قيل: وأرسلنا إلى عاد أخاهم، قال المفسرون (٢): كان هودٌ أخاهم في النسب لا في الدين، قال ابن عباس: يريد ابن أبيهم.\nوقوله تعالى: ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ﴾، قال: يريد: فيما تعبدون من دونه، يعني ما أنتم إلا كاذبون في إشراككم معه الأوثان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1644>٥١ </span>- قوله تعالى: ﴿يَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ الآية، قد مضى نظير هذه الآية في قصة نوح في هذه السورة، وبينا ما فيه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1645>٥٢ </span>- قوله تعالى: ﴿وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾، مضى الكلام في هذا في أول السورة.\nوقوله تعالى: ﴿يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾، قال المفسرون (٣): إن الله تعالى كان قد حبس عنهم المطر ثلاث سنين، وأعقم أرحام نسائهم، فقال لهم هود: إن آمنتم أحيا الله بلادكم، ورزقكم الماء والولد، فذلك قوله تعالى: ﴿يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾، والمعنى يرسل المطر وماء السماء، والمدرار: الكثير الدر وهو من أبنية المبالغة.\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ١/ ١٧٣ ب نسخة أخرى من المخطوط محفوظة بجامعة الإمام تحت رقم ٤٨٦/ ف، \"تنوير المقباس\" ١٤١.\n(٢) الثعلبي ٧/ ٤٥ ب، البغوي ٤/ ١٨٢، ابن عطية ٧/ ٣١٨.\n(٣) الثعلبي ٧/ ٤٦ أ، الطبري ١٢/ ٥٨ عن ابن زيد، \"زاد المسير\" ٤/ ١١٧، البغوي ٤/ ١٨٢ - ١٨٣.","vol":"11","page":444},{"text":"قال أبو بكر (١): وهو من النعوت التي انعدلت عن منهاج الفعل فيستوي فيه التذكير والتأنيث، وجرى في وصف المؤنث مجرى ما يستغني بقيام معنى التأنيث فمِه عن العلامة، كالنعل والفأس، ونصبها على الحال، وذكرنا هذا في أول سورة الأنعام [آية: ٦].\nوقوله تعالى: ﴿وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ﴾، فسرت القوة هاهنا بالمال والولد والشدة، وكل هذا مما يتقوى به الإنسان، ذكر ذلك الفراء (٢)، والزجاج (٣)، وابن الأنباري، وقال مقاتل (٤): يعني العدد وكثرة الأولاد، وهو قول ابن عباس في رواية الكلبي، وذهب مجاهد (٥) إلى الشدة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1646>٥٣ </span>- قوله تعالى: ﴿قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ﴾ أي بحجة واضحة نفصل بها الحق من الباطل. وهذا بهت منهم وطغيان ودفع للاستدلال.\nوقوله تعالى ﴿وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ﴾ أي بقولك، و(الباء) و(عن) تتعاقبان كقوله: ﴿كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا﴾ [الأعراف: ١٨٧] أي بها، وقد مرَّ، وكقوله: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٩] أي عنه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1647>٥٤ </span>- قوله تعالى: ﴿إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ﴾، يقال: عراه أمر كذا يعروه، واعتراه يعتريه، وعرَّه واعتره كل ذلك إذا غشيه\n_________\n(١) \"زاد المسير\" ٣/ ٦.\n(٢) \"معاني القرآن\" ٢/ ١٩.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٥٧.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ١٤٦ ب، ابن عطية ٧/ ٣٢١ - ٣٢٢، \"زاد المسير\" ٤/ ١١٧، القرطبي ٩/ ٥١.\n(٥) الطبري ٥٨٨٢، الثعلبي ٧/ ٤٦ أ، \"زاد المسير\" ٤/ ١١٧، البغوي ٤/ ١٨٢ - ١٨٣، القرطبي ٩/ ٥١.","vol":"11","page":445},{"text":"وأصابه، قال ابن الأعرابي: إذا أتيت رجلا تطلب منه حاجة فقد عروته وعررته واعتريته واعتررته (١).\nوقال المفسرون وأهل المعاني (٢) في قوله تعالى: ﴿اعْتَرَاكَ﴾: أصابك ومسك، والمعنى: أنهم قالوا لهود: ما نقول في سبب مخالفتك إيانا إلا أن بعض آلهتنا أصابك بجنون، فأفسد عقلك وأجنك وخبلك، فالذي تُظهِر من عيبها وطعنها لما لحق عقلَك من التغير، هذا قول عامة أهل التأويل؛ ابن عباس، والحسن، ومجاهد، وقتادة (٣) وغيرهم، فقال نبي الله عند ذلك: ﴿إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ﴾ الآية، يعني إن كانت عندكم عاقبتني لطعني كان (٤) عليها، فإني الآن أزيد في الطعن أي إني متيقن بطلان ما تقولون؛ لبصيرتي في البراءة منها والعيب لها والإنكار لعبادتها.\nوقوله تعالى: ﴿وَاشْهَدُوا﴾، قال أهل المعاني (٥): أشهدهم وليسوا أهلًا للشهادة؛ ليقيم (٦) عليهم الحجة لا لتقوم بهم؛ لأنهم كفرة، فقيل لهم هذا القول للإعذار والإنذار.\nوقال أبو علي (٧): قوله: ﴿أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ﴾ على إعمال\n_________\n(١) ما سبق من \"تهذيب اللغة\" للأزهري ٣/ ٢٣٧٣ (عرا).\n(٢) \"معاني الفراء\" ٢/ ١٩، \"معاني الزجاج\" ٣/ ٥٧، \"تهذيب اللغة\" (عرا) ٣/ ٢٣٧٣.\n(٣) رواه عنهم الطبري ١٢/ ٥٩ - ٦٠، وانظر: الثعلبي ٧/ ٤٦ أ، البغوي ٤/ ١٨٣، ابن عطية ٧/ ٣٢٣، القرطبي ٩/ ٥١، \"الدر المنثور\" ٣/ ٦١٠، عبد الرزاق ٢/ ٣٠٤، ابن أبي حاتم ٦/ ٢٠٤٦.\n(٤) هكذا في النسخ التي بين يدي، ولعل (كان) زائدة.\n(٥) القرطبي ٩/ ٥١.\n(٦) في (ي): (لتقوم).\n(٧) \"الحجة\" ٥/ ١٧٨.","vol":"11","page":446},{"text":"الثاني كما أن قولى تعالى: ﴿آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾ [الكهف: ٩٦] كذلك، والتقدير: أشهد الله أني بريء وأشهدوا الله أني بريء، فحذف الأول على حد ضربت وضربني زيد، وحذف حرف الجر مع (١) أنّ؛ لأنه يقال: أشهد بكذا وعلى كذا ولكن حرف الجر يحذف مع (أن) و(أنّ).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1648>٥٥ </span>- وقوله تعالى: ﴿فَكِيدُونِي جَمِيعًا﴾، أي احتالوا أنتم وأوثانكم في عداوتي وغيظي وضربي، ﴿ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ﴾ لا تمهلون، في قول ابن عباس (٢) وقال الضحاك (٣): لا تؤجلون.\nقال أبو إسحاق (٤) وغيره من أهل المعاني: هذا من أعظم آيات الأنبياء أن يقبل النبي على قومه مع كثرة عددهم واجتماع كلمتهم على عداوته، فيقول لهم هذا القول، وهذا للثقة بنصر الله تعالى إياه، وأنهم لا (٥) يصلون إليه، وكذلك قال نوح لقومه: ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَا تُنْظِرُونِ﴾ [يونس: ٧١].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1649>٥٦ </span>- قوله تعالى: ﴿مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا﴾، قال الليث (٦): الناصية هي: قصاص الشعر في مقدمة الرأس، وقال الفراء (٧): الناصية: مقدم الرأس.\n_________\n(١) في (جـ): بحذف مع أن.\n(٢) البغوي ٤/ ١٨٣، \"زاد المسير\" ٤/ ١١٨.\n(٣) الطبري ١٢/ ٥٩، القرطبي ٩/ ٥٢، ابن عطية ٧/ ٣٢٣.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٥٨، \"معاني القرآن\" للنحاس ٣/ ٣٥٨، ابن عطية ٧/ ٣٢٣.\n(٥) ساقط من (جـ).\n(٦) \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٥٨٠، من هنا يبدأ النقل بتصرف مادة: (نصا).\n(٧) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٧٩.","vol":"11","page":447},{"text":"قال الأزهري: الناصية عند العرب: منبت الشعر في مقدمة الرأس، ويسمى الشعر الثابت هناك: ناصية باسم منبته؛ يقال: نصوت الرجل أنصوه، إذا مددت ناصيته. وناصيته إذا جاذبته وأخذ كل واحد منكما بناصية صاحبه، ومنه قول عمرو بن معدي كرب (١):\nأعباسُ لو كانت شيارًا جيادُنا ... بتثليثَ ما ناصيتَ بعدي الأحامسا\nومعنى ﴿إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا﴾ أي: هي في قبضته وتنالها بما شاء قدرته.\nقال أبو إسحاق (٢)، وهذا معنى هذا الكلام، وإن اختلفت العبارات في تفسيره، والأصل فيه ما ذكره ابن جرير (٣) فقال: العرب إذا وصفت إنسانًا بالذلة والخضوع قالوا: (ما ناصية فلان إلا بيد فلان)، أي أنه: مطيع له يصرفه كيف شاء؛ لأن من أخذت بناصيته فقد قهرته، وكانوا إذا أسروا الأسير فأرادوا إطلاقه والمن عليه، جزوا ناصيته ليعتدوا بذلك فخرا عليه، ويكون علامة لقهره (٤) إياه، فخوطبوا بما يعرفون في كلامهم، وأخبروا أن\n_________\n(١) هو: أبو ثور الزبيدي من مذحج باليمن، من فرسان العرب المشهورين، أدرك الإسلام ووفد على النبي - ﷺ - وأسلم ثم ارتد ثم أسلم واستشهد في فتح نهاوند سنة ٢١ هـ. انظر: \"الشعر والشعراء\" ٢٣٥، \"معجم الشعراء\" ٢٠٨، \"الإصابة\" ٤/ ١٨. والبيت في \"ديوانه\" ١٢٥، و\"ديوان الأدب\" ٣/ ٣٧٥، و\"تاج العروس\" (حمس) ٨/ ٢٤٩. والبيت في \"اللسان\" (شور) ٤/ ٢٣٥٧، وفي \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٥٨٠ (نصا). وشيار أي: سمان حسان يقال: جاءت الإبل شيارًا أي: سمانًا حسانًا.\n(٢) لعل العبارة (قاله أبو إسحاق) وهي في \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٥٨، ونصها: \"أي هي في قبضته، وتنالها بما تشاء قدرته\".\n(٣) الطبري ١٢/ ٦٠ بتصرف، ولعله نقله عن الثعلبي ٧/ ٤٦ أ.\n(٤) كذا في النسخ ولعل الصواب: (لقهرهم).","vol":"11","page":448},{"text":"كل دابة بهذه المنزلة في الذلة والانقياد لله ﷿.\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾، [قال أبو إسحاق (١): أي: هو وإن كانت قدرته تنالهم بما شاء فهو لا يشاء إلا العدل، وزاد ابن الأنباري (٢) لهذا بيانًا فقال: لما قال ﴿إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا﴾ كان في معنى: لا يخرج عن قبضته، لكنه قاهر بعظيم سلطانه كل دابة، فأتبع قوله ﴿إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾] (٣) [أي أنه وان كان قادرًا عليهم فهو لا يظلمهم ولا يلحقهم بقدرته عليهم - إلا ما يوجب الحق وقوعه بهم، وهذا معنى قول مجاهد ﴿إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾] (٤) قال: على الحق (٥)، وهذا نحو كلام العرب إذا وصفوا رجلًا بحسن السيرة والعدل والإحسان، قالوا: فلان على طريقة حسنة وليس ثم طريق.\nوذكر وجهًا آخر قال: لما ذكر أن سلطانه قد قهر كل دابة، أتبع هذا قوله ﴿إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أي أنه لا يخفى عليه مستتر، ولا يعدل عنه هارب، فذلك الصراط المستقيم، وهو يعني به الطريق الذي لا يكون لأحد مسلك إلا عليه؛ كما قال ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ [الفجر: ١٤] وقال عطاء عن ابن عباس (٦) في هذه الآية يريد أن الذي بعثني الله به دين مستقيم.\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٥٨.\n(٢) \"زاد المسير\" ٤/ ١١٩.\n(٣) ما بين المعقوفين ساقط من (ي).\n(٤) ما بين المعقوفين ساقط من (جـ).\n(٥) الطبري ١٢/ ٦٠ - ٦١، \"زاد المسير\" ٤/ ١١٨.\n(٦) البغوي ٤/ ١٨٤.","vol":"11","page":449},{"text":"وقال الكلبي (١): ﴿إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ يقول: قائم دائم، وهو الإسلام والطريق عليه، فمن شاء هداه إلى الإسلام.\nفعلى هذين القولين المراد بالصراط المستقيم: دين الإسلام، ومعناه: إنَّ ربي أمر بذلك، ودعا إلى ذلك؛ كما يقول الإنسان لمن دعا غيره إلى أمر: أنا على هذه الطريقة، ولهذا المعنى ذهب بعض أهل المعاني (٢) إلى إضمار في الآية، فقال: معناه: إن ربي على صراط مستقيم أو (٣) يحث أو يحملكم على الدعاء إليه. وقال بعضهم (٤): هذا من باب حذف المضاف؛ على معنى أن أمر ربي وتدبيره لخلقه، على صراط مستقيم لا خلل فيه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1650>٥٧ </span>- وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾، أي إن تتولوا، بمعنى تعرضوا عما دعوتكم إليه من الإيمان بالله وعبادته ﴿فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ﴾، قال أبو إسحاق (٥) وابن الأنباري: معناه قد ثبتت الحجة عليكم، وأثبت فساد مذهبكم، فليس توليكم بعد هذا لتقصير في الإبلاغ، وإنما هو لسوء اختياركم في الإعراض عن النصح، وذهب مقاتل بن سليمان (٦) وجماعة معه أن ﴿تَوَلَّوْا﴾ هاهنا فعل ماض، بمعنى أعرضوا، ويكون المعنى على هذا: فإن أعرضوا فقل لهم قد أبلغتكم ما أرسلت به إليكم.\n_________\n(١) \"تنوير المقباس\" ١٤٢.\n(٢) \"زاد المسير\" ٤/ ١١٨، البغوي ٤/ ١٨٤.\n(٣) هكذا في النسخ ولعل الصواب: (أي).\n(٤) ابن عطية ٣٢٤/ ٧.\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٥٨.\n(٦) \"تفسير مقاتل\" ١٤٧ أ، \"زاد المسير\" ٤/ ١١٩.","vol":"11","page":450},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾، قال ابن عباس (١): يريد ويخلق بعدكم من هو أطوع لله منكم ﴿وَلَا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا﴾ بتوليكم وإعراضكم إنما تضرون أنفسكم؛ لأن ضرر كفركم عائد عليكم.\nوقوله: ﴿إنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾، قال أكثر أهل المعاني (٢): حفيظ لأعمال العباد حتى يجازيهم عليها، وقيل معناه (٣): يحفظني عن أن تنالوني بسوء (٤)، وقيل (٥): حفيظ على كل شيء، يحفظه من الهلاك إذا شاء، ويهلكه إذا شاء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1651>٥٨ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا﴾، أي بهلاك عاد ﴿نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا﴾، ذكر أبو إسحاق (٦) فيه وجهين:\nأحدهما: أن يريد بالرحمة ما أراهم من الهدى والبيان الذي هو رحمة.\nوالثاني: أنه أراد لا ينجو أحد وإن اجتهد إلا برحمة منا (٧). والأول\n_________\n(١) قال به الطبري ١٢/ ٦١، والبغوي ٤/ ١٨٤، القرطبي ٩/ ٥٣، ابن عطية ٧/ ٣٢٥، الثعلبي ٧/ ٤٦ أ.\n(٢) \"زاد المسير\" ٤/ ١٢٠.\n(٣) \"تفسير البغوي\" ٤/ ١٨٤، \"زاد المسير\" ٤/ ١٢٠، \"القرطبي\" ٩/ ٥٣، \"البحر المحيط\" ٥/ ٢٣٥، \"الثعلبى\" ٧/ ٤٦ أ.\n(٤) في (ي): (بشر).\n(٥) الرازي ١٨/ ١٤.\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٥٨.\n(٧) في (ي): (الله). ويشهد لهذا المعنى قول النبي - ﷺ - \"لن بدخل الجنة أحدٌ منكم بعمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله. قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمته\" أخرجه البخاري رقم (٥٦٧٣)، كتاب: المرضى، باب: نهى تمني المريض الموت، ومسلم رقم (٢٨١٨) كتاب: صفة الجنة والنار، باب: لن يدخل أحد الجنة بعمله بل برحمة الله تعالى.","vol":"11","page":451},{"text":"هو قول ابن عباس (١)؛ لأنه قال: يريد حيث هديتهم للإيمان وعصمتهم من أن يكفروا بي.\nوقوله تعالى: ﴿وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾، قال ابن عباس (٢): يريد الذي عذبت (٣) به الذين كفروا، وقال بعضهم (٤): يعني عذاب القيامة، وهذا أحسن؛ لأن الإنجاء من عذاب الدنيا قد سبق، كما نجيناهم في الدنيا من العذاب كذلك نجيناهم في الآخرة من العذاب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1652>٥٩ </span>- قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا﴾، قال ابن عباس (٥) يعني القبيل، يريد: أن التأنيث في تلك إنما كان لأجل القبيل ﴿جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ﴾. قال: يريد كذبوا أنبياء الله، ﴿وَعَصَوْا رُسُلَهُ﴾، قال: يريد (٦) هودًا وحده.\nقال أهل المعاني: وإنما جمع؛ لأن من كذب رسولا واحدًا فقد كذب (٧) بجميع الرسل.\n_________\n(١) \"زاد المسير\" ٤/ ١٢٠، الرازي ١٨/ ١٥.\n(٢) \"زاد المسير\" ٤/ ١٢٠، القرطبي ٩/ ٥٤.\n(٣) كذا في النسخ ولعل الصواب: (الذي عذب) بدون تاء.\n(٤) الطبري ١٢/ ٦١، الثعلبي ٧/ ٤٦ ب، البغوي ٤/ ١٨٤، القرطبي ٩/ ٥٤، الرازي ١٨/ ١٥.\n(٥) قال به الثعلبي ٧/ ٤٧ أ، البغوي ٤/ ١٨٤، \"زاد المسير\" ٤/ ١٢٠، القرطبي ٩/ ٥٤. ويعني بالقبيل: القبيلة.\n(٦) البغوي ٤/ ١٨٤، \"زاد المسير\" ٤/ ١٢١، القرطبي ٩/ ٥٤، الزاري ١٨/ ١٥، الثعلبي ٧/ ٤٧ أ.\n(٧) في (جـ): (كفر).","vol":"11","page":452},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾، قال أبو بكر (١): معناه: واتبع السفلة والسقاط الرؤساء وأُولي المقدار عندهم، فقلدوهم الكفر. فقوله: ﴿وَأُتْبِعُوا﴾ خبر عامٌّ، معناه في الباطن التخصيص، قال المفسرون: قال الرؤساء للسفلة -يعنون هودًا- ﴿مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ الآيتان (٢)، ومضى الكلام في معنى الجبار من الناس عند قوله: ﴿إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ﴾ (٣) والعنيد: الذي لا يقبل الحق، ولا يذعن له، من قولهم: عَنَدَ الرجل يَعْنُدُ عُنُودًا وعانَدَ مُعاندة، إذا أبى أن يقبل الشيء وإن عرفه، وقال أبو عبيد: العنيد والعنود والعاند: المعاند المعارض لك بالخلاف (٤) وأظن أن هذا مما تقدم الكلام فيه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1653>٦٠ </span>- قوله تعالى: ﴿وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً﴾ أي (٥): أردفوا لعنة تلحقهم وتنصرف معهم، هذا معنى الإتباع، وهو أن يتبع الثاني الأول، ليتصرف معه بتصرفه، ومعنى اللعنة (٦): الإبعاد من رحمة الله ومن كل خير.\nوقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [أي وفي يوم القيامة] (٧) كما قال: ﴿لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾، ﴿أَلَا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ﴾؛ قيل: أراد الباء\n_________\n(١) البغوي ٤/ ١٨٤، \"زاد المسير\" ٤/ ١٢١، القرطبي ٩/ ٥٤، الرازي ١٨/ ١٥.\n(٢) المؤمنون: ٣٣، ٣٤.\n(٣) المائدة: ٢٢. وخلاصة ما ذكره قال: وللجبار معنيان، أحدهما: أراد الطول والقوة والعظم. والثاني: من أجبره على الأمر إذا أكرهه عليه\".\n(٤) ما سبق نقل عن الثعلبي ٧/ ٤٧ أ، وانظر: البغوي ٤/ ١٨٤، \"مشكل القرآن وغريبه\" ١/ ٢١١، القرطبي ٩/ ٥٤.\n(٥) \"زاد المسير\" ٤/ ١٢٢، البغوي ٤/ ١٨٤.\n(٦) البغوي ٢/ ٣٩٠.\n(٧) ما بين المعقوفين ساقط من (ي).","vol":"11","page":453},{"text":"فحذف الجار فوصل الفعل، وقيل: هو من باب حذف المضاف أي: كفروا نعمة ربهم، وهو معنى قول ابن عباس: يريد: كفروا بما كانوا فيه من نعيم ربهم، وذكر الفراء (١) الوجهين جميعًا. ﴿أَلَا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ﴾، قال: يريد بعدوا من رحمة الله.\nقال الزجاج (٢): و﴿بُعْدًا﴾ منصوب على معنى (أبعدهم الله فبَعُدُوا بعدًا)، ومثله قوله: ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا﴾ [نوح: ١٧] فأما الكلام في تكرير هذه القصة، وقد ذكرت في سورة الأعراف (٣) وكذلك سائر القصص المكررة [في القرآن] (٤): قال أهل المعاني: إن تصريف المعنى في الوجوه المختلفة بالألفاظ المتباينة، في الدرج العالية من البلاغة والإعجاز، ومنها تستبط الدلالة على حقيقة الإعجاز؛ لأن الله تعالى أنزل قصصًا مكررة، بعبارات مختلفة، وأنزل قصة واحدة ولم يكررها، وهي قصة يوسف [فلا يمكن لأحد من الملحدين أن يعارض لا قصة موسى المكررة ولا قصة يوسف] (٥) التي لم تكرر، وفي تكرارها أيضًا تجديد تسلية رسول الله - ﷺ - وتصبيره على أذى المشركين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1654>٦١ </span>- قوله تعالى: ﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ قال ابن عباس (٦): يريد:\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" ٢/ ٢٠.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٥٩.\n(٣) من الآية ٦٥ حتى الآية ٧٢.\n(٤) ما بين المعقوفين ساقط من (ي).\n(٥) ما بين المعقوفين ساقط من (جـ).\n(٦) \"تنوير المقباس\" ١٤٢، الطبري ١٢/ ٦٢، الثعلبي ٧/ ٤٧ أ، البغوي ٤/ ١٨٥ ابن عطية ٧/ ٣٢٩ \"زاد المسير\" ٤/ ١٢٣، القرطبي ٩/ ٥٦، ابن كثير ٢/ ٤٩٣، \"البحر المحيط\" ٥/ ٢٣٨، الرازي ١٨/ ١٧.","vol":"11","page":454},{"text":"من صلب آدم، يعني أن آدم خلق من تراب الأرض وكلهم لآدم.\nوقوله تعالى: ﴿وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾، قال ابن عباس في رواية عطاء (١): يريد جعلكم عمارًا لها، وهذا اختيار أبي عبيدة (٢)، وأكثر أهل اللغة قالوا معناه: جعلكم عمار الأرض، قال ابن الأنباري: ومعناه: أن الله تعالى تابع النعم عندهم حتى صاروا بها عمرة الأرض وخلفاء الماضين الذين سبقوهم إلى سكناها، فكأن المعنى: أورثكم الأرض، وقال مجاهد (٣) أي أعمركم بأن جعلها لكم طول أعماركم. قال أبو بكر: وهذا (استفعل) بمعنى (أفعل) مثل (استجاب) بمعنى (أجاب) و(استو قد) و(أوقد).\nوروي عن ابن عباس (٤): أعاشكم فيها، ونحوه قال الضحاك (٥): أطال عمركم؛ فعلى القول الأول هو من العِمَارة، وعلى الثاني من العُمْرى، وعلى الثالث من العُمُر الذي هو الحياة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1655>٦٢ </span>- قوله تعالى: ﴿يَا صَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا﴾، قال المفسرون (٦): كان صالح -﵇ - يعدل عن دين قومه ويشنأ (٧) أصنامهم،\n_________\n(١) قال به الطبري ١٢/ ٦٣، الثعلبي ٧/ ٤٧ ب، البغوي ٤/ ١٨٥ وغيرهم.\n(٢) \"مجاز القرآن\" ١/ ٢٩١.\n(٣) الطبري ١٢/ ٦٣، الثعلبي ٧/ ٤٧ ب، البغوي ٤/ ١٨٥، \"زاد المسير\" ٤/ ١٢٣، ابن أبي حاتم ٦/ ٢٠٤٨، أبو الشيخ كما في \"الدر\" ٣/ ٦١١.\n(٤) الثعلبي ٧/ ٤٧ ب، القرطبي ٩/ ٥٦.\n(٥) الثعلبي ٧/ ٤٧ ب، البغوي ٤/ ١٨٥، \"زاد المسير\" ٤/ ١٢٣.\n(٦) الثعلبي ٧/ ٤٧ ب، البغوي ٤/ ١٨٥، \"زاد المسير\" ٤/ ١٢٣، القرطبي ٩/ ٥٩.\n(٧) شنأ يشنأ معناه أبغض يبغض ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ [الكوثر: ٣] أي مبغضك. انظر: \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٩٤٠ (شنأ).","vol":"11","page":455},{"text":"وكانوا يرجون رجوعه إلى دين أبيه وعشيرته، فلما أظهر ما أظهر من دعائهم إلى الله، وترك عبادة الأصنام، زعموا أن رجاءهم انقطع منه، ويئسوا من دخوله في ملتهم.\nوقال آخرون (١): قالوا: كنا نرجو أن تكون فينا سيدًا؛ لما كنت عليه من الأحوال الجميلة، فالآن أيسنا منك إذ أظهرت خلافنا.\nقوله تعالى: ﴿وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ﴾، وقال في سورة إبراهيم [٩]: ﴿وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ﴾، قال الفراء (٢): من قال: (إننا) أخرج الحرف على أصله؛ لأن كناية المنصوبين المتكلمين (نا) (٣) فاجتمعت ثلاث نونات نونا (إن) والنون المضمومة إلى الألف، ومن قال ﴿إِنَّا﴾ استثقل الجمع بين ثلاث نونات فأسقط الثالثة وأبقى الأوليين، وكذلك يقال أني وأنني وقال هاهنا: ﴿تَدْعُونَا﴾؛ لأن الخطاب لواحد وهو صالح، وفي إبراهيم [: ٩] ﴿تَدْعُونَنَا﴾ لأن الخطاب للرسل.\n(٤) وقوله ﴿لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ ذكرنا الكلام في معنى المريب عند قوله ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ (٥).\n_________\n(١) الطبري ١٢/ ٦٣، الثعلبي ٧/ ٤٧ ب، البغوي ٤/ ١٨٥، \"زاد المسير\" ٤/ ١٢٣، القرطبي ٩/ ٥٩.\n(٢) \"زاد المسير\" ٤/ ١٢٤.\n(٣) ساقط من (ي).\n(٤) من هنا بدأت مراجعة النسخة (ب).\n(٥) البقرة: ٢. وملخص ما ذكره: أن الريب بمعنى الشك، وذكر الخلاف في الفرق بين (راب) و(أراب) ورجح التفريق بين المعنيين بحيث يكون راب بمعنى علمت منه الريبة وتيقنتها، وأراب: توهمت الريبة ولم أتحقق منها.","vol":"11","page":456},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1656>٦٣ </span>- قوله تعالى: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾ مفعول (أرأيتم) هاهنا لا يظهر في التفصيل؛ لأنه دخل على جملة قائمة بنفسها لو لم يذكر ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾، إلا أنه يتعلق بمعناها كقولك: رأيتُ لَزَيْدٌ خيرٌ منك، ومعنى ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾: أعلمتم، وجواب ﴿إنْ﴾ الأولى في قوله ﴿فَمَنْ يَنْصُرُنِي﴾، وقد قام مقام ﴿إنْ﴾ الثانية في المعنى؛ لأن التقدير: فمن ينصرني إن عصيته، فاستغنى بجواب الأولى عن الثانية، ومعنى الآية: أعلمتم من ينصرني من الله إن عصيتُه بعد بينة من ربي ونعمة، وأكثر تفسير هذه الآية قد مضى في هذه السورة في نظير هذه الآية في قصة نوح (١).\nوقوله تعالى: ﴿فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ﴾، قال الفراء (٢): التخسير: التضليل.\nوقال ابن الأعرابي (٣): هو الإبعاد من الخير، وأكثر أهل العلم على أن هذا التخسير لقوم صالح.\nقال ابن عباس (٤): أي غير بَصَارَةٍ في خسارتكم (٥). وهذا مذهب مجاهد (٦) واختيار الفراء وابن الأعرابي [والحسين بن الفضل (٧)، قال\n_________\n(١) آية: ٢٨.\n(٢) \"معاني القرآن\" ٢/ ٢٠.\n(٣) \"تهذيب اللغة\" (خسر) ١/ ١٠٢٩، \"زاد المسير\" ٤/ ١٢٤.\n(٤) الئعبي ٧/ ٤٧ ب، البغوي ٤/ ١٨٦،\"زاد المسير\" ٤/ ١٢٤، القرطبي ٩/ ٦٠.\n(٥) في حاشية (ي) زيادة نصها: (والمعنى على هذا ما تزيدونني باحتجاجكم بعبادة آبائكم الأصنام إلا بصيرة في خسارتكم).\n(٦) الطبري ١٢/ ٦٤.\n(٧) الثعلبي ٧/ ٤٧ ب، البغوي ٤/ ١٨٦.","vol":"11","page":457},{"text":"الفراء: يريد غير تضليل لكم، أي: كلما اعتذرتم بشيء زادكم تخسيرًا، قال: هو كقولك للرجل: ما تزيدني إلا غضبًا، أي غضبًا عليك.\nوقال ابن الأعرابي] (١): أي تخسيرًا لكم لا لي، وشرح الحسن (٢) فقال: لم يكن صالح في خسارة حين قال لهم: ﴿فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ﴾، وإنما المعنى: ما تزيدونني بما تقولون حين قولهم: ﴿أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ إلا نسبتي إياكم إلى الخسارة، والتخسير مثل التفسيق والتفجير، وأجاز قوم (٣) أن يكون التخسير مضافًا إلى صالح، وهو مذهب ابن عباس في رواية عطاء والحسن، قال عطاء: ما تزيدوني إلا الهوان والذل. فعلى هذا الإضافة إلى صالح بمعنى لا ناصر لي إن عصيته، وإن كنتم أنصارى لم تزيدونني غير تخسير، وتقدير الكلام (فما تزيدونني غير تخسير إن كنتم أنصاري)، فحذف ما حذف لدلالة الباقي عليه، وهو قوله: ﴿فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ﴾، ومعنى قول الحسن: إن أجبتكم إلى ما تدعونني إليه وعصيت ربي كنت بمنزلة من يزداد الخسران.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1657>٦٤ </span>- قوله تعالى: ﴿وَيَا قَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ﴾ إلى آخر الآية، مفسر ومشروح في سورة الأعراف (٤)، إلا أن (٥) في هذه الآية ﴿فَيَأْخُذَكُمْ\n_________\n(١) ما بين المعقوفين ساقط من: (أ)، (ب). وانظر: \"تهذيب اللغة\" (خسر) ١/ ١٠٢٩، \"زاد المسير\" ٤/ ١٢٤.\n(٢) الثعلبي ٧/ ٤٧ ب، البغوي ٤/ ١٨٦.\n(٣) ذكر هذا القول \"زاد المسير\" ٤/ ١٢٥، الرازي ١٨/ ١٨ \"البحر المحيط\" ٥/ ٢٣٩.\n(٤) آية: ٧٣. وقد ذكر هناك وجه كونها آية حيث خرجت من حجر صلد، وحيث أنها ترد الماء يومًا فتشربه وتبدلهم به لبنًا لم يشرب مثله قط ألذ ولا أحلى بحيث ترويهم، وآية لانفرادها عن غيرها من النوق بهذا الأمر الذي لم يشاهد مثله في غيرها.\n(٥) ساقط من (ي).","vol":"11","page":458},{"text":"عَذَابٌ قَرِيبٌ﴾، قال ابن عباس (١): يريد: اليوم الثالث، وهو قوله: ﴿تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1658>٦٥ </span>- قوله تعالى ﴿فَعَقَرُوهَا﴾، ذكرنا معنى العقر في سورة الأعراف (٢).\nوقوله تعالى: ﴿تَمَتَّعُوا﴾، قال المفسرون (٣): عيشوا، ومعنى التمتع التلذذ بالمنافع والملاذ التي تدرك بالحواس، ولما كان التمتع للحي عبر به عن الحياة؛ لأن الميت لا يتمتع.\nوقوله تعالى: ﴿فِي دَارِكُمْ﴾ أي في بلدكم، وسُمِّيَ دارًا لأنه يجمعهم كما تجمع الدار أهلها، وقيل: يعني في دنياكم يريد دار الدنيا.\nوقوله تعالى: ﴿ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ﴾، قال المفسرون: لما عقرت الناقة صعد فصيلها الجبل وبكى حتى سألت دموعه، ثم رغا رغوة (٤) ثلاثا، فقال صالح: لكل رغوة أجل يوم، فتمتعوا في داركم ثلاثة أيام (٥)، ﴿ذَلِكَ وَعْدٌ﴾ أي للعذاب ﴿غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ أي: غير كذب، والمصدر قد يرد بلفظ المفعول كالمجلود والمعقول و﴿بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ﴾ [القلم: ٦] وقيل: غير\n_________\n(١) \"تنوير المقباس\" ١٤٢.\n(٢) آية: ٧٧. ونقل عن الأزهري قوله: \"العقر عند العرب: كشف عرقوب البعير، ثم يجعل النحر عقرًا؛ لأن العقر سبب النحر، وناحر البعير يعقره ثم ينحره، هذا هو الأصل، ثم جعل النحر عقرًا وإن لم يكن هناك قطع للعرقوب\". وانظر: \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٥١٣ مادة: (عقر).\n(٣) الثعلبي ٧/ ٤٨ أ، الطبري ١٢/ ٦٤، البغوي ٤/ ١٨٦، \"زاد المسير\" ٤/ ١٢٥، القرطبي ٩/ ٦٠.\n(٤) الرُّغاء صوت ذوات الخف، رغا البعير والناقة ترغو رغاءً، انظر: \"تهذيب اللغة\" (رغا) ٢/ ١٤٣١، اللسان (رغا) ٣/ ١٦٨٤.\n(٥) \"زاد المسير\" ٤/ ١٢٥، \"القرطبي\" ٩/ ٦٠، \"الطبري\" ١٢/ ٦٤.","vol":"11","page":459},{"text":"مكذوب فيه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1659>٦٦ </span>- قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا﴾، قال ابن عباس: عذابنا ﴿نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا﴾ قد مضى مثل الآية في قصة عاد (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ﴾، قال ابن الأنباري (٢): نسقت الواو (مِنْ) على محذوف قبلها تأويله: نجينا صالحًا والذين آمنوا معه برحمة منا، من العذاب الذي أهلك قومه، ومن الخزي الذي لزمهم، وبقي العار فيه مأثورًا عنهم منسوبًا إليهم؛ لأن معنى الخزي: العيب الذي تظهر فضيحته، ويستحيى من مثله، فحذف ما حذف اعتمادًا على دلالة ما بقي عليه، قال: ويجوز أن تكون الواو دخلت لفعل مضمر تأويله: ونجيناهم من خزي يومئذ. أو من خزي يومئذ نجيناهم، فقدر فعل مع الواو، قال: ويجوز أن تكون الواو مقحمة زائدة، وهذا قول صاحب النظم.\nقال أبو بكر: والعرب (٣) ما زادت الواو قط إلا مع (لما) و(حتى)، وهذا الذي قاله أبو بكر إنما يجوز عند الكوفيين، وعند البصريين لا يجوز زيادة الواو في موضع قط، وقد ذكرنا هذا.\nواختلفوا في قوله ﴿يَوْمِئِذٍ﴾، فقرئ بفتح الميم وكسرها (٤) و(يوم) (٥)\n_________\n(١) ساقط من (ب)، وانظر: آية ٥٨ من هذه السورة.\n(٢) \"المذكر والمؤنث\" ٦١٩، \"زاد المسير\" ٤/ ١٢٦، الرازي ١٨/ ٢١.\n(٣) ساقط من (ي).\n(٤) قرأ نافع والكسائي وأبو جعفر بفتح الميم، وبقية القراء بكسرها. \"إتحاف\" ص ٢٥٧، \"السبعة\" ص ٣٣٦، \"الكشف\" ١/ ٥٣٢، \"الحجة\" ٤/ ٣٤٦.\n(٥) من هنا ابتدأ النقل عن أبي علي الفارسي عن \"الحجة\" ٤/ ٣٤٧ - ٣٥٢ بتصرف.","vol":"11","page":460},{"text":"من قوله ﴿يَوْمِئِذٍ﴾ ظرف كَسَرْتَ أو فَتَحْتَ في المعنى، إلا أنه اتسع (١) فيه فجعل اسما كما اتسع (٢) في قوله ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [سبأ: ٣٣] فأضيف المكر إليهما [وإنما هو فيهما] (٣)، فكذلك العذاب والخزي والفزع أضفن إلى اليوم والمعنى على أن ذلك كله في اليوم، فمن كسر الميم فلأن (يوما) اسم معرب فانجر با لإضافة ولم يُبْنَ، وإن كان مضافًا إلى مبني؛ لأن الأضافة لا تلزم، ألا ترى أنك تقول ثوب خز ودار زيد، فلا يجوز في المضاف إلا إعرابه، وإن كان الاسمان عملا على معنى الحرف، ولا يلزمها البناء كما يلزم ما لا ينفك عنه معنى الحرف [نحو أين] (٤) وكيف ومتى، فكما لم يبن المضاف وإن كان قد عمل في المضاف إليه بمعنى اللام أو بمعنى (من) حيث كان غير لازم، كذلك لم يبن (يوم) للإضافة إلى (إذ)؛ لأن إضافته (٥) لا تلزم، ومن فتح الميم مع أنه في موضع جر، فلأنه على مضاف إلى مبني غير متمكن، والمضاف إلى المبني يجوز بناؤه كقول النابغة (٦):\nعلى حينَ عاتبتُ المشيبَ على الصبا ... وقلتُ ألمَّا أصحُ والشيبُ وازعُ\n_________\n(١) في (ب): (أشبع).\n(٢) في (ب): (أشبع).\n(٣) ما بين المعقوفين ساقط من (ي).\n(٤) ما بين المعقوفين ساقط من (ي).\n(٥) في (ي): (الإضافة).\n(٦) البيت في \"ديوانه\" ص ٥٣، \"الخزانة\" ٣/ ١٥١، \"الكامل\" ١/ ١٨٥، \"اللسان\" (وزع) ٤/ ٤٨٢٥، السيوطي ٢٧٦، ٢٩٨، \"مجاز القرآن\" ٢/ ٩٣ \"معاني القرآن\" ١/ ٣٢٧، ٣/ ٢٤٥.","vol":"11","page":461},{"text":"وكذلك قول جرير (١):\nعلى حينَ ألهى الناسَ جلُّ أمورهم ... فندلًا زريقُ المالَ ندلَ الثعالبِ\nوكذلك قول آخر:\nعلى حينَ لم (٢) تلبث عليه ذَنوبُه ... يَرِثْ شِرْبُهُ إذ في اليقام تراثر (٣)\nفلما بنيت هذه الأشياء من حيث كانت مضافة إلى مبني، فكذلك بني (يوم) لإضافته إلى (إذ) المبنية، والعلة في ذلك أن المضاف يكتسي من المضاف إليه [التعريف والتنكير، ومعنى الاستفهام والجزاء، فلما كان يكتسي منه هذه] (٤) الأشياء اكتسى منه البناء أيضًا، إذا كان المضاف من الأسماء الشائعة نحو (يوم) و(حين) و(مثل)، وشبه، ومن ذلك قوله: ﴿إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾ [الذاريات: ٢٣] فـ (مثل) في موضع رفع في قول سيبويه، وقد أجري وصفا على النكرة، إلا أنه فتح للإضافة إلى (أنَّ)، فأما\n_________\n(١) البيت اختلف في نسبته فنسب لأعشى همدان، وأخرى للأحوص، وأخرى لجرير. وهو في \"الحماسة البصرية\" ٢٠٩، \"الكامل\" ١/ ١٨٥، العيني ٣/ ٤٦، ٥٢٣، سيبويه والشنتمري ١/ ٥٩، \"المقاصد النحوية\" ٣/ ٤٦، ملحق ديوان جرير ١٠٢١، وزريق وابن عامر بن زريق، ولي البحرين، فقال هذا البيت.\n(٢) في (ي): (من).\n(٣) البيت للبيد، (تدابر) بالباء، وهو في ديوانه ٢١٧، سيبويه والشنتمري ١/ ٤٤١، \"الإنصاف\" ٢٥١، الخزانة ٣/ ٦٤٩، \"همع الهوامع\" ٢/ ٦٢، \"الدرر\" ١/ ٧٧. وهو في وصف مقام فاخر فيه غيره، وكثرت المخاصمة فيه والمحاجة، الذنوب: الدلو مملوءة ماء، ضربه مثلا لما يدلى به من الحجة، الريث: الإبطاء، الشرب: الحظ من الماء المقام: المجلس، يريد مجلس الخصام والمفاخرة، التداثر: التزاحم والتكاثر.\n(٤) ما بين المعقوفين ساقط من (ي).","vol":"11","page":462},{"text":"الكسر في (إذ) فلالتقاء الساكنين؛ وذلك أن (إذ) من حكمها أن تضاف إلى الجملة من المبتدأ (١) والخبر، فلما اقتطعت عنها الإضافة نونت، ليدل التنوين على أن المضاف [إليه قد حذف، فصار التنوين هنا يدل على قطع الإضافة من المضاف] (٢)، كما صار يدل على انقضاء البيت في قول من نون في الإسناد أواخر البيت فقال (٣):\nيا صاح ما هاج الدموعَ الذُّرَّفَنْ\nأقلي اللوم عاذل والعتابَنْ\nيا أبتا علك أو عساكَنْ\n_________\n(١) في (جـ): (الابتداء).\n(٢) ما بين المعقوفين ساقط من (جـ).\n(٣) هذه أبيات مختلفة، فالأول: مطلع أرجوزة للعجاج وبعده:\nمن طلل أمسى تخال المُصْحفا\nوهو في \"ديوانه\" ٢/ ٢١٩، \"خزانة الأدب\" ٣/ ٤٤٣، سيبويه ٢/ ٢٩٩، \"شرح الأشموني\" لألفيه ابن مالك ٤/ ٢٢٠، \"الكتاب\" ٤/ ٢٠٧، \"المقاصد النحوية\" ١/ ٢٦.\nوالثاني: صدر بيت لجرير. وعجزه:\nوقولي إن أصبت لقد أصابن\n\"ديوانه\" ٥٨، ويروى (العتابا) (أصابا). \"خزانة الأدب\" ١/ ٦٩، \"الخصائص\" ٢/ ٦٠، الدرر ٥/ ١٧٦، \"شرح أبيات سيبويه\" ٢/ ٣٤٩، سر صناعة الإعراب ٢/ ٤٨١، \"شرح شواهد المغني\" ٢/ ٧٦٢، \"شرح المفصل\" ٩/ ٢٩، \"الكتاب\" ٤/ ٢٠٥.\nوالثالث: عجز بيت لرؤبة وصدره:\nتقول بنتي قد أنى أناكا\nوهو في \"ديوانه\" ص ١٨١، سبيويه ١/ ٣٨٨، \"الخصائص\" ٢/ ٩٦، \"المقتضب\" ٣/ ٧١، \"الإنصاف\" ١٨١، \"الخزانة\" ٢/ ٤٤١.","vol":"11","page":463},{"text":"فكما دل التنوين في هذه الأواخر على انقطاع الإضافة عن المضافة إليه، كذلك يدل في (يومئذ) و(حينئذ) على ذلك، فكسرت الدال لسكونها وسكون التنوين (١).\nقوله تعالى: ﴿وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾، قال ابن الأنباري (٢): إنما ذكَّر ﴿وَأَخَذَ﴾ لأن الصيحة محمولة على الصياح؛ ولأنه قد فصل بين الفعل والاسم المؤنث بفاصل، فكان الفصل كالعوض من تاء التأنيث، وقد سبق لهذا نظائر.\nقال المفسرون (٣): لما أصبحوا اليوم الرابع أتتهم صيحة من السماء فيها صوت كل صاعقة، وصوت كل شيء في الأرض، فتقطعت قلوبهم في صدورهم، ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾، ومضى تفسير ﴿جَاثِمِينَ﴾ في سورة الأعراف (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1660>٦٨ </span>- قوله تعالى: ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾ مشروح المعنى في سورة الأعراف (٥). ﴿أَلَا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ﴾؛ قرئ ثمودا (٦) بالإجراء\n_________\n(١) إلى هنا انتهى النقل عن \"الحجة\" ٤/ ٣٤٧ - ٣٥٢ بتصرف.\n(٢) \"تهذيب اللغة\" (صاح) ٢/ ١٩٥٨، \"زاد المسير\" ٤/ ١٢٦.\n(٣) الطبري ١٢/ ٦٨، \"زاد المسير\" ٤/ ١٢٥، البغوي ٤/ ١٨٧.\n(٤) عند قوله تعالى ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ آية ٧٨. وخلاصة ما ذكره ما أن جثم بمعنى برك وخمد وهمد من أثر العذاب.\n(٥) آية: ٩٢. قال هناك ما نصه: (إبانة عن سوء حال المكذب نبيًا من أنبياء الله، في أنه بمنزلة من لم يستمتع بالدنيا إذ حصل في العذاب وصار إلى الخسران).\n(٦) في هذا الموضع قرأ حفص وحمزة ويعقوب من غير تنوين، وقرأ الباقون بالتنوين، \"إتحاف\" ٢/ ١٢٩، \"السبعة\" ٣٣٧، \"الكشف\" ١/ ٥٣٣ \"الحجة\" ٤/ ٣٥٤.","vol":"11","page":464},{"text":"وتركه، فمن أجراه قال: هو اسم مذكر أريد به الحي وهو مذكر فصار كثقيف وقريش، ومن ترك إجراءه قال هو اسم للقبيلة فلا ينصرف، قال أبو علي (١): فإذا استوى في ثمود أن تكون مرة للقبيلة ومرة للحي، ولم يكن لحمله على أحد الوجهين مزية فمن صرف كان حسنًا، ومن لم يصرف فكذلك، ومثل هذا (يهود) و(مجوس)، قال الشاعر (٢):\nفَرَّتْ يَهُودُ وأَسْلَمَتْ جِيرانها .... صَمَّي لِما فَعَلَتْ يَهُودُ صَمامِ\nوكذلك في الحديث \"تقسم يهود\" (٣)، فبهذا النحو علم أن هذا الاسم أريد به القبيلة، وقال آخر (٤):\nكنار (٥) مجوسَ تستعر استعارا\nألا ترى أن هذا الاسم لو كان للحي دون القبيلة لانصرف ولم يكن\n_________\n(١) \"الحجة\" ٤/ ٣٥٥ باختصار وتصرف. وانظر: \"معاني الأخفش\" ٢/ ٥٧٨، ٥٧٩.\n(٢) القائل الأسود بن يعفر، والبيت في: ديوانه ٦١، العيني ٤/ ١١٢ راجع: \"الحجة\" ٣/ ٣٤٢، \"مجالس ثعلب\" ٥٨٩، \"اللسان\" (صمم) ٤/ ٢٥٠٢، \"المقاصد النحوية\" ٤/ ١١٢.\n(٣) الحديث لم أجده بهذا اللفظ، وهو كما ترى قد نقله عن أبي علي الفارسي في كتاب \"الحجة\" ٤/ ٣٥٨، وقد أخرج أصل حديث القسامة البخاري (٦١٤٢)، (٦١٤٣)، كتاب الأدب، باب إكرام الكبير ويبدأ الأكبر بالكلام والسؤال. وأخرجه مسلم (١٦٦٩)، كتاب القسامة المحاربين باب القسامة ح ١٦٦٩ (٣/ ١٢٩١).\n(٤) القائل امرؤ القيس، وصدره:\nأحار أريك برقًا هب وهنا\n(كنار بالنون) انظر \"ديوانه\" ص ١٤٧، \"اللسان\" (مجس) ٧/ ٤١٤٠، سيبويه والشنتمري ٢/ ٢٨، \"شرح شواهد الإيضاح\" ٤٣٨، \"الكتاب\" ٣/ ٢٥٤.\n(٥) في (ب): (كفار).","vol":"11","page":465},{"text":"فيه مانع من الصرف، و(يهود) لو كان للحي لانصرف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1661>٦٩ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى﴾ الآية، قال أهل المعاني: دخلت \"قد\" هاهنا لأن السامع لقصص الأنبياء ﵈ يتوقع قصة بعد قصة، و\"قد\" للتوقع، ودخلت اللام في ﴿لَقَدْ﴾ لتأكيد الخبر، والمراد بالرسل هاهنا الملائكة الذين أتوه على صورة الآدميين، وظنهم أضيافا، قال ابن عباس (١): وهم جبريل ومكائيل وإسرافيل، وهم الذين ذكرهم الله في الذاريات ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الذاريات: ٢٤]، وفي الحجر ﴿وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الحجر: ٥١].\nوقال الضحاك (٢): كانوا تسعة.\nوقال السدي (٣): كانوا أحد عشر ملكًا على صورة الغلمان الوضاء.\nوقوله تعالى: ﴿بِالْبُشْرَى﴾، قال الزجاج (٤): أي بالبشرى بالولد، وقد ذكر بعد هذه الآية بأيش (٥) بشروه.\nوقوله تعالى: ﴿قَالُوا سَلَامًا﴾، قال ابن الأنباري (٦): نصب (سلامًا) بوقوع القول عليه؛ لأنه قول مقول فصار كقولك: (قلت: خيرًا أو شرًّا)، ويخالف هذا قوله: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ﴾ [الكهف: ٢٢]؛ من أجل أن الثلاثة\n_________\n(١) الثعلبي ٧/ ٤٨ أ، البغوي ٤/ ١٨٧، \"زاد المسير\" ٤/ ١٢٧.\n(٢) البغوي ٤/ ١٨٧، الثعلبي ٧/ ٤٨ أ، \"زاد المسير\" ٤/ ١٢٧.\n(٣) البغوي ٤/ ١٨٧، الثعلبي ٧/ ٤٨ أ، \"زاد المسير\" ٤/ ١٢٧ قال: (الوضاء وجوههم) بزيادة وجوههم وهي زيادة مهمة.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٦٠.\n(٥) هكذا وهو مختصر من: أي شيء، وهو صحيح لغة.\n(٦) \"زاد المسير\" ٤/ ١٢٧.","vol":"11","page":466},{"text":"اسم غير قول مقول، وأما قوله: ﴿قَالَ سَلَامٌ﴾ فمرفوع بإضمار (عليكم سلام)، ولو نصبا جميعًا أو رفعا جاز في العربية، هذا كلامه، وهو قول الفراء في رفع الثاني وأنشد (١):\nفقلنا السلام فاتقت من أميرها ... فما كان إلا ومؤها بالحواجب\nوقال أبو علي (٢): أما انتصاب قوله: ﴿سَلَامٌ﴾ فلأنه لم يحك شيئًا تكلموا به فيحكى كما تحكى الجمل، ولكن هو معنى ما تكلمت به الرسل، كما أن القائل إذا قال: (لا إله إلا الله) فقلت (حقًّا) أو قلت (صدقًا)، أعملت القول في المصدرين؛ لأنك ذكرت معنى ما قال ولم تحك نفس الكلام الذي هو جملة تحكى، وأما قوله: ﴿قَالَ سَلَامٌ﴾ التقدير فيه: سلام عليكم، فحذف الخبر كما حذف من قوله: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ (٣) [أي صبر جميل] (٤) أمثل، أو يكون المعنى أمري سلام وشأني سلام، كما أن قوله: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ يصلح أن يكون المحذوف منه المبتدأ، ومثل ذلك قوله: ﴿فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ﴾ [الزخرف: ٨٩] على حذف الخبر أو المبتدأ الذي سلام خبره، قال: وأكثر ما يستعمل سلام بغير ألف ولام، وذلك أنه في معنى الدعاء، فهو مثل قولهم: خير بين يديك، وأمت (٥) في حجر (٦)\n_________\n(١) انظر: \"معاني القرآن\" ٢/ ٢١، \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٩٥٨، اللسان (ومأ) ٨/ ٤٩٢٦ \"البحر المحيط\" ٢/ ٤٥٢.\n(٢) \"الحجة\" ٤/ ٣٦٠.\n(٣) يوسف: ١٨، ٨٣.\n(٤) ما بين المعقوفين ساقط من (ي).\n(٥) في (ي): (أمه).\n(٦) ساقط من (ي).","vol":"11","page":467},{"text":"لاقيك، لما كان في معنى المنصوب استجيز فيه الابتداء بالنكرة، فمن ذلك قوله تعالى: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي﴾ [مريم: ٤٧]، وقوله: ﴿مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ﴾ [الرعد: ٢٣ - ٢٤]، وقوله: ﴿سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ﴾ [الصافات: ٧٩]، وقد جاء بالألف واللام، قال: ﴿وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى﴾ [طه: ٤٧]،\nقال الأخفش (١): من العرب من يقول: سلامٌ عليكم، ومنهم من يقول: السلام عليكم؛ فالذين ألحقوا الألف واللام حملوه على المعهود، والذين لم يلحقوا (٢) حملوه على غير المعهود. وزعم أن منهم من يقول: سلامُ عليكم، فلا ينون، وحمل ذلك على وجهين، أحدهما: أنه [حذف الزيادة من الكلمة كما تحذف الأصل من نحو: لم يك، ولا أدر، والآخر: أنه] (٣) لما كثر استعمال هذه الكلمة فيها الألف واللام حذفا منه لكثرة الاستعمال، كما حذف من (اللهم) فقالوا: (لاهم)، وذكرنا معنى السلام في التحية عند قوله: ﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ﴾ [الأنعام: ٥٤] (٤)، [وقرأ\nحمزة والكسائي هاهنا (وقال سِلْم) بكسر السين (٥)، قال الفراء (٦): وهو في\n_________\n(١) ذكره نقلًا عن \"الحجة\" ٤/ ٣٦٣.\n(٢) في (ي): (يلحقوه).\n(٣) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).\n(٤) الأنعام: ٥٤. وخلاصة ما ذكره أنه يحتمل وجهن، أحدهما: أن يكون مصدر سلمت تسليمًا وسلامًا أي دعوت له بأن يسلم من الآفات في دينه ونفسه، الثاني: أن يكون السلام جمع السلامة بمعنى قولك: السلام عليكم أي السلامة عليكم.\n(٥) قرأ حمزة والكسائي (قال سلم) بغير ألف بكسر السين وتسكين اللام، والباقون بفتح السين وألف. انظرت \"السبعة\" ٣٣٨، \"إتحاف\" ٢٥٨، \"الكشف\" ١/ ٥٣٤، \"الحجة\" ٤/ ٣٦٤.\n(٦) \"معاني القرآن\" ٢/ ٢١.","vol":"11","page":468},{"text":"المعنى سلام] (١)؛ كما قالوا: حِلّ وحلال، وحِرْم وحرام؛ لأن التفسير جاء: سلموا عليه فرد عليهم، وأنشد (٢):\nمررنا فقلنا إيه سلم فسلمت ... كما اكتلى (٣) بالبرق الغمام اللوايح\nفهذا دليل على أنهم سلموا فردت عليهم، فعلى هذا: القراءتان\nبمعنى واحد، وإن اختلف اللفظان، قال أبو علي (٤): ويحتمل أن يكون: سلم، خلاف العدو والحرب، كأنهم قالوا لما كفوا عن تناول ما قدمه إليهم فنكرهم وأوجس منهم خفية قال: أنا سلم ولست بحرب ولا عدو، فلا تمتنعوا عن تناول طعامي، كما يُمتنع من تناول طعام العدو.\nوقوله تعالى: ﴿فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ﴾، قال عبيد بن عمير: مكث إبراهيم خمس عشرة (٥) ليلة لا يأتيه ضيف، فاغتم لذلك، فلما جاءته الملائكة فرأى أضيافًا لم ير مثلهم عجل (٦) فجاءهم بعجل حنيذ، فذلك قوله: ﴿فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ﴾، قال الفراء (٧): ﴿أَن﴾ في موضع نصب؛ لوقوع ﴿لَبِثَ﴾ عليها كأنك قلت: فما أبطأ عن مجيئه بعجل، فلما ألقيت الصفة وقع الفعل عليها، قال: وقد يكون رفعا بـ (لبث) وتقديرها المصدر، أي فما لبث مجيئه\n_________\n(١) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).\n(٢) لم أهتد إلى قائله. انظر: \"معاني القرآن\" ٢/ ٢١، اللسان (كل)، اكتل السحاب عن البرق أي لمع به، واللوائح التي لاح برقها أي: لمع وظهر. الطبري ١٢/ ٦٩، \"البحر المحيط\" ٥/ ٢٤١، ابن عطية ٦/ ٣٤٠، \"الدر المصون\" ٦/ ٣٥٢.\n(٣) في (جـ): (أكل)، وفي (ص): (اكبلى)، وفي الفراء ٢/ ٢١: (كما اكتل).\n(٤) \"الحجة\" ٤/ ٣٦٤.\n(٥) في (ي): (خمسة عشر).\n(٦) ساقط من (ي).\n(٧) \"معاني القرآن\" ٢/ ٢١.","vol":"11","page":469},{"text":"بعجل، أي ما أبطأ ذلك المجيء.\nوقوله تعالى: ﴿حَنِيذٍ﴾، قال الليث (١): الحنذ: اشتواء اللحم بالحجارة المسخنة، تقول حنذته حنذًا.\nوقوله تعالى: ﴿بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ محنوذ مشوي، وقال الفراء (٢): ما حفرت له في الأرض ثم غممته، وهو من فعل أهل البادية معروف، وهو محنوذ في الأصل، كما قيل: طبيخ ومطبوخ، وقال (٣) في كتاب \"المصادر\": والخيل تحنذ إذا ألقيت عليها الجلال بعضها على بعض لتعرق.\nوقال أبو عبيدة (٤): الحنيذ: المشوي، قال: ويقال قد حنذت الفرس إذا سخنته وعرقته.\nوأنشد للعجاج (٥):\nورهبًا من حنذه أن يهرجا\nقال ابن عباس في رواية (٦) ابن جريج: الحنيذ النضيج، وهو قول\n_________\n(١) \"تهذيب اللغة\" (حنذ) ١/ ٩٣٨، \"اللسان\" (حنذ) ٢/ ١٠٢١.\n(٢) \"معاني القرآن\" ٢/ ٢١.\n(٣) نقله الطبري ١٢/ ٦٩، الثعلبي ٧/ ٤٨ ب، \"تهذيب اللغة\" (حنذ) ١/ ٩٣٨، اللسان (حنذ) ٢/ ١٠٢١.\n(٤) \"مجاز القرآن\" ١/ ٢٩٢.\n(٥) انظر: \"ديوانه\" ص ٩، و\"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ١/ ٢٩٢، \"اللسان\" (حنذ) ٢/ ١٠٢١، \"الطبري\" ١٢/ ٦٩، والحنذ شدة الحر وإحراقه، أهرج البعير: تحير وسدد من شدة الحر. \"تهذيب اللغة\" ١/ ٩٣٨ (حنذ). \"التنبيه والإيضاح\" ١/ ٢١٥، \"تاج العروس\" ٥/ ٣٦١، كتاب \"العين\" ٦/ ١٠٦.\n(٦) الطبري ١٢/ ٦٩، \"زاد المسير\" ٤/ ١٢٨، القرطبي ٩/ ٦٤، ابن المنذر كما في \"الدر\" ٤/ ٤٤٦.","vol":"11","page":470},{"text":"مجاهد وقتادة (١).\nوقال في رواية عطاء: هو الذي نتف شعره وشوي.\nوقال عبد الله بن مسلم (٢): هو المشوي في خد من الأرض بالرضف (٣) وهي الحجارة المحماة، ومنه الحديث: \"أنه أتي بضب محنوذ\" (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1662>٧٠ </span>- قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ﴾ أي: إلى العجل، وقال الفراء (٥): إلى الطعام وهو العجل؛ لأنه طعام، ﴿نَكِرَهُمْ﴾ أي: أنكرهم (٦)، يقال: نكرته وأنكرته واستنكرته، قال الأعشى (٧):\nوأنكرتني وما كان الذي نكرت ... من الحوادث إلا الشيب والصلعا\nقال الليث (٨): النكرة: إنكارك الشيء، وهو نقيض المعرفة (٩)، ويقال: أنكرت الشيء إنكارًا ونكرته مثله، قال: ولا يستعمل في غابر ولا\n_________\n(١) الطبري ١٢/ ٦٩، الثعلبي ٧/ ٤٨ ب، \"زاد المسير\" ٤/ ١٢٨.\n(٢) \"مشكل القرآن وغريبه\" ص ٢١١، الثعلبي ٧/ ٤٨ ب.\n(٣) ساقط من (ب).\n(٤) أخرجه البيهقي في \"السنن الكبرى\" ٩/ ٣٢٣.\n(٥) \"معاني القرآن\" ٢/ ٢١.\n(٦) ساقط من (ي).\n(٧) البيت في \"ديوانه\" ص ١٠٥، \"الخصائص\" ٣/ ٣١٠، \"المحتسب\" ١/ ٣٤٧، \"شرح المفصل\" ٣/ ١٣، \"مجاز القرآن\" ١/ ٢٩٣. وقال أبو عبيدة: قال يونس: قال أبو عمرو: أنا الذي زدت هذا البيت في شعر الأعشى إلى آخره فذهب، فأتوب إلى الله منه، وهو في الطبري ١٢/ ٧١، والثعلبي ٧/ ٤٨ ب، \"البحر المحيط\" ٥/ ٢٤٢، \"الدر المصون\" ٦/ ٣٥٣، \"اللسان\" (نكر) ٨/ ٤٥٣٩.\n(٨) \"تهذيب اللغة\" (نكر) ٤/ ٣٦٦٠.\n(٩) في (ي): (المعروف).","vol":"11","page":471},{"text":"أمر ولا نهي ولا مصدر. قال المفسرون: كان امتناعهم من الطعام لأنهم ملائكة، والملائكة لا تأكل ولا تشرب، وإنما أتوه في صورة الأضياف؛ ليكونوا على صفة يحبها، وهو كان يقري الضيوف، هذا معنى قول الحسن، وقيل: أروه معجزًا من مقدور الله في صورتهم.\nقوله تعالى: ﴿وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً﴾ أي: أضمر منهم خوفًا، قاله أبو عبيدة (١) والزجاج (٢) وابن قتيبة (٣) وهو قول أبي روق عن الضحاك (٤).\nوقال ابن عباس (٥): أحس.\nوقال الفراء (٦): استشعر.\nوقال الأخفش (٧): خامره.\nقال الليث (٨): الوجس: فزعة القلب، يقال أوجس القلب فزعًا وتوجست الأذن: إذا سمعت فزعًا، فالوجس: الفزع يقع في القلب أو في السمع؛ من صوت، أو غير ذلك، ومنه قول ذي الرمة (٩):\n_________\n(١) في (ي): أبو عبيد. وهو في \"مجاز القرآن\" ١/ ٢٩٣.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٦١.\n(٣) \"مشكل القرآن وغريبه\" ص ٢١١.\n(٤) الثعلبي ٧/ ٤٨ ب، \"زاد المسير\" ٤/ ١٢٩، القرطبي ٩/ ٦٥.\n(٥) الثعلبي ٧/ ٤٨ ب، القرطبي ٩/ ٦٥.\n(٦) \"معاني القرآن\" ٢/ ٢١، الثعلبي ٧/ ٤٨ ب.\n(٧) ذكره الثعلبي ٧/ ٤٨ ب، \"الدر المصون\" ٤/ ١١٣.\n(٨) \"تهذيب اللغة\" (وجس) ٨/ ٤٧٧٢، \"الدر المصون\" ٤/ ١١٣.\n(٩) البيت في \"ديوانه\" ١/ ٤٤٩ كالتالي: (إذا توجس قرعًا من سنابكها أو كان صاحب أرض أو به المؤم) القرع: الوقع، ويُروى (ركزًا) وهو الحسُّ، \"توجس\": تسع، يعني: الصائد (قرعًا من سنابكها) يعني: قرع حوافرها، (السنبك) طرف الحافر، أو كان صاحب أرض (رعدة)، (الموم): مرض شبه الجدري، المعنى: من خشية =","vol":"11","page":472},{"text":"إذا توجس ركزًا (١) في سنابكها ... أو كان صاحب أرض أوشكت صدعًا\nوقال عامة المفسرين (٢): لما رآهم إبراهيم شبابًا أقوياء، ولم يتحرموا بطعامه لم يأمن أن يكونوا جاءوا لبلاء، وذلك أن سنتهم كانت في ذلك الدهر إذا ورد عليهم القوم فأتوا بالطعام فلم يمسوه ظنوا أنهم عدو أو لصوص، فهنالك أوجس في نفسه فزعًا، ورأوا علامه ذلك في وجهه، وفقالوا له: لا تخف فإنَّا ملائكة الله أرسلنا إلى قوم لوط، فذلك قوله تعالى: ﴿أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ﴾.\nقال ابن الأنباري (٣): ومعناها أرسلنا بالعذاب إلى قوم [لوط، فأضمر؛ لقيام الدليل عليه بذكر الله ذلك في قوله في سورة أخرى: ﴿قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ] (٤) مُجْرِمِينَ (٣٢) لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ﴾ [الذاريات: ٣٢، ٣٣] ونحو هذا قال أبو إسحاق (٥) سواء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1663>٧١ </span>- قوله تعالى: ﴿وَامْرَأَتُهُ﴾، قال المفسرون (٦): يعني سارة بنت هاران بن ناحور ابنة عم إبراهيم.\n_________\n= الإخطاء يُحم، والبيت من قصيدته في خرقاء يتثمبب بها، انظر: \"اللسان\" (وجس) ٨/ ٤٧٧٢، (أرض) ١/ ٦٢، (فوم) ٦/ ٣٤٩١ \"تهذيب اللغة\" ١/ ١٤٨ (أرض)، ٤/ ٣٤٦٨ (ميا)، \"جمهرة اللغة\" ١١٢٠،\"تاج العروس\" ٩/ ٢٨، (وجس) ١٠/ ٦ (أرض).\n(١) في (ي): (ذكرًا).\n(٢) هذا قول قتادة. انظر: الطبري ١٢/ ٧١، الثعلبي ٧/ ٤٩، البغوي ٤/ ١٨٨.\n(٣) \"زاد المسير\" ٤/ ١٢٩.\n(٤) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٦١.\n(٦) الثعلبي ٧/ ٤٩ أ، الطبري ١٢/ ٧١١، البغوي ٤/ ١٨٨.","vol":"11","page":473},{"text":"وقوله تعالى: ﴿قَائِمَةٌ﴾، قيل: كانت قائمة من وراء الستر تتسمع إلى الرسل، وقيل: كانت قائمة تخدم الأضياف، وإبراهيم جالس معهم، ويؤكد هذا التأويل قراءة ابن مسعود (١) (وامرأته قائمة وهو قاعد فضحكت) واختلفوا في معنى الضحك هاهنا وفي سببه، فرُوي عن ابن عباس (٢) أنه قال: ضحكت أي: عجبت من فزع إبراهيم، وهذا قول مقاتل (٣) والكلبي (٤) قالا: ضحكت من خوف إبراهيم من ثلاثة وهو (٥) فيما بين حشمه وخدمه، فقيل لها: يا أيتها الضاحكة ستلدين غلامًا، فذلك قوله: ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ﴾، فعلى هذا القول ضحكت للتعجب (٦) ففسر ضحكت: تعجبت لما كان بسبب العجب.\nوروى سعيد عن قتادة (٧) قال: ضحكت من غفلة قوم لوط وقرب العذاب منهم، وحكى الفراء (٨) في هذه الآية قولين:\nأحدهما: أنها (٩) ضحكت سرورًا بما زال عنها من الخوف؛ لأنها قد\n_________\n(١) ساقط من (ب)، والقراءة ذكرها الطبري ١٢/ ٧٢، والثعلبي ٧/ ٤٩ أ، والقرطبي ٩/ ٦٦.\n(٢) أخرجه إسحاق بن بشر وابن عساكر في \"الدر\" ٢/ ٦١٣، \"زاد المسير\" ٤/ ١٣٠.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ١٤٧ ب، الثعلبي ٧/ ٤٩ ب، البغوي ٤/ ١٨٨، القرطبي ٩/ ٦٧، \"زاد المسير\" ٤/ ١٣٠.\n(٤) الطبري ١٢/ ٧٢، الثعلبي ٧/ ٤٩ ب، البغوي ٤/ ١٨٩.\n(٥) ساقط من (ب).\n(٦) في (ب): (للتعجب).\n(٧) الطبري ١٢/ ٧٢، الثعلبي ٧/ ٤٩ ب، عبد الرزاق ٢/ ٣٠٦، وابن المنذر، وابن أبي حاتم ٦/ ٢٠٥٤، وأبو الشيخ كما في \"الدر\" ٣/ ٦١٦، البغوي ٤/ ١٨٩، ورجح هذا القول الطبري ١٢/ ٧٤.\n(٨) \"معاني القرآن\" ٢/ ٢٢.\n(٩) في (ب): (أنه).","vol":"11","page":474},{"text":"كانت خافت كما خاف إبراهيم، فلما قالوا إنَّا أرسلنا إلى قوم لوط زال عنهما جميعًا الخوف فضحكت سرورًا بالأمن.\nالثاني: أن هذا على التقديم والتأخير، بتقدير: وامرأته قائمة فبشرناها بإسحاق فضحكت سرورًا بالتبشير، فقدم الضحك ومعناه التأخير، وعلى هذا التقدير يحمل أيضًا ما روي عن ابن عباس (١) ووهب (٢) أنهما قالا: ضحكت تعجبًا من أن يكون لها ولد على كبر سنها وسن زوجها.\nوحكى أبو إسحاق (٣) قولًا آخر؛ وهو أن سارة قالت لإبراهيم: اضمم إليك ابن أخيك لوطًا، فإن العذاب سينزل بقومه، فلما قالت الرسل: إنا أرسلنا إلى قوم لوط، ضحكت سرورًا بموافقتها الصواب لما أتى الأمر على ما توهمت.\nوقال مجاهد (٤) وعكرمة (٥): فضحكت أي: حاضت عند فرحها بالسلامة من الخوف، وجعل حيضها علامة لقرب وقت المولود الذي تبشر به، قال الفراء (٦): ضحكت: [حاضت لم يسمعه من ثقة، وقال الزجاج (٧):\n_________\n(١) الثعلبي ٧/ ٤٩ ب، \"زاد المسير\" ٤/ ١٣٠، البغوي ٤/ ١٨٩.\n(٢) الطبري ١٢/ ٧٢، الثعلبي ٧/ ٤٩ ب، وابن المنذر كما في \"الدر\" ٣/ ٦١٦، \"زاد المسير\" ٤/ ١٣٠، البغوي ٢/ ٣٩٣.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٦١.\n(٤) الطبري ١٢/ ٧٣، الثعلبي ٧/ ٤٩ ب، البغوي ٤/ ١٨٨، \"زاد المسير\" ٤/ ١٣٠، ابن عطية ٧/ ٣٤٥، القرطبي ٩/ ٦٦.\n(٥) الثعلبي ٧/ ٤٩ ب، البغوي ٤/ ١٨٨، \"زاد المسير\" ٤/ ١٣٠، القرطبي ٩/ ٦٦.\n(٦) \"معاني القرآن\" ٢/ ٢٢.\n(٧) \"معانى القرآن وإعرابه\" ٣/ ٦٢.","vol":"11","page":475},{"text":"ليس بشيء ضحكت: حاضت] (١).\nقال ابن الأنباري (٢): قد أنكر الفراء (٣) وأبو عبيد (٤)، وأبو عبيدة (٥) أن تكون ضحكت بمعنى (٦) حاضت، وعرفه غيرهم وأنشد (٧):\nيضحك الضبع (٨) لقتلى هذيل ... وترى الذئب لها يستهل\nقال: أراد تحيض فرحًا، وحكى الليث (٩) في هذه الآية. فضحكت طمثت، وحكى الأزهري (١٠) أن أصله ضحاك الطلعة إذا انشقت، قال. وقال الأخطل (١١) فيه بمعنى الحيض:\n_________\n(١) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).\n(٢) \"زاد المسير\" ٤/ ١٣٠.\n(٣) \"معاني القرآن\" ٢/ ٢٢، \"تهذيب اللغة\" (ضحك) ٣/ ٢٠٩٩.\n(٤) \"الدر المصون\" ٤/ ١١٤.\n(٥) لم أجده في \"مجاز القرآن\" في موضعه ١/ ٢٩٣.\n(٦) ساقط من (ب).\n(٧) القائل: تأبط شرًّا، والبيت في \"المحتسب\" ١/ ٣٢٤، \"جمهرة ابن دريد\" ٢/ ١٦٧، \"اللسان\" (ضحك) ٥/ ٢٥٥٨، \"شرح ديوان الحماسة\" للمرزوقي ص ٨٣٧، \"تهذيب اللغة\" (ضحك) ٣/ ٢٠٩٩، \"المعاني الكبير\" ١/ ٢١٤، وينسب البيت أيضًا للشنفرى، ولابن أخت تأبط شرًّا أو لخلف الأحمر، انظر: \"ديوان الشنفرى\" ٨٤، و\"الأغاني\" ٦/ ٨٣، ولخلف الأحمر في \"ديوان الحماسة\" ٢/ ٨٣٧، و\"شرح الحماسة\" للتبريزي ٢/ ١٦٤.\n(٨) في (ي): (الذئب).\n(٩) \"تهذيب اللغة\" (ضحك) ٣/ ٢٠٩٩.\n(١٠) \"تهذيب اللغة\" (ضحك) ٣/ ٢٠٩٩.\n(١١) البيت في \"تهذيب اللغة\" (ضحك) ٣/ ٢٠٩٩، \"اللسان\" (ضحك) ٥/ ٢٥٥٨،\"تاج العروس\" (ضحك) ١٣/ ٦٠٣.","vol":"11","page":476},{"text":"تضحك الضبع من دماء سليم ... إذ رأتها على الحداب تمور\nقال الكميت:\nوأضحكت الضباع سيوف سعد ... بقتلى ما دفن ولا ورينا\nوقال أبو عمرو (١):\nسمعت أبا موسى الحامض (٢) قال: سُئل ثعلب عن قوله ﴿فَضَحِكَتْ﴾ أي: حاضت، وقيل: إنه جاء في الخبر، فقال ثعلب: ليس في كلام العرب، والتفسير مسلم لأهل التفسير، فقيل له: فأنت أنشدتنا:\nتضحك \"الضبع\" لقتلى هذيل\nفقال ثعلب: تضحك هاهنا تكشر، وذلك أن الذئب ينازعها على القتلى فتكشر في وجهه وعيدًا، فيتركها ويمر.\nوقوله تعالى: ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ﴾، قال المفسرون (٣): كان إبراهيم قد ولد له من هاجر إسماعيل وكبر وشب، فتمنت سارة أن يكون لها ابن، وأيست من ذلك لكبر سنها، فبشرت على كبر السن بولد يكون نبيًا، ويلد نبيًا وهو قوله: ﴿وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾.\n_________\n(١) البيت في: \"شرح هاشميات الكميت\" ٢٨٦، \"الطبري\" ١٢/ ٧٤، \"اللسان\" (ضحك) ٥/ ٢٥٥٨.\n(٢) أبو موسى الحامض هو: سليمان بن محمد بن أحمد، نحوي، من العلماء باللغة والشعر، تلميذ ثعلب روى عنه أبو عمر الزاهد، من أهل بعداد، كان ضيق الصدر سيء الخلق، فلقب بالحامض، توفي سنة ٣٠٥ هـ. انظر: \"وفيات الأعيان\" ١/ ٢١٤، \"إنباه الرواة\" ٢/ ٢١، \"الأعلام\" ٣/ ١٣٢، \"تاريخ بغداد\" ٩/ ٦١.\n(٣) القرطبي ٩/ ٦٩.","vol":"11","page":477},{"text":"قال أبو إسحاق (١): بشروها بأنها تلد إسحاق وأنها تعيش إلى أن ترى ولد ولده. ﴿وَرَاءِ﴾ هنا تُفسر تفسيرين، أحدهما بمعنى: بعد، وهو قول ابن عباس (٢) في رواية الكلبي ومقاتل (٣)؛ قالوا: ومن بعد إسحاق يعقوب.\nوروى حيان بن أبحر (٤) قال: كنت عند ابن عباس فجاءه رجل من هذيل فقال له: ما فعل فلان؟ لرجل منهم، قال: مات وترك أربعة من الولد وثلاثة من الوراء، قال الله تعالى: ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ يعني: ولد الولد، وهو قول الشعبي (٥) في هذه الآية، ورُوي أنه أقبل ومعه ابن ابن له، فقيل له: هذا ابنك؟ فقال: هذا ابني من الوراء، ونحو هذا قال قتادة، فإن قيل يعقوب ولد إسحاق لصلبه فكيف يكون وراء له وإنما هو وراء للجد، كما قال الشعبي لولد ولده هذ ابن ي من الوراء [ونحو هذا] (٦).\nقال ابن الأنباري (٧): معناه من الوراء المنسوب إلى إسحاق يعقوب؛\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٦٢.\n(٢) \"زاد المسير\" ٤/ ١٣١، وابن أبي حاتم ٦/ ٢٠٥٦.\n(٣) \"زاد المسير\" ٤/ ١٣١، ولم أجده في \"تفسير مقاتل\".\n(٤) ذكره في \"الدر\" ٣/ ٦١٦ عن ابن الأنباري في الوقف والابتداء. وقال عن حسان، وانظر: الثعلبي ٧/ ٤٩ ب، الطبري ١٢/ ٧٥.\n(٥) أخرجه ابن الأنباري في \"الوقف والابتداء\". انظر: \"الدر\" ٣/ ٦١٦، وانظر: الثعلبي ٧/ ٤٩ ب، الطبري ١٢/ ٧٥.\n(٦) ساقط من (ي).\n(٧) \"الأضداد\" ٦٩، \"زاد المسير\" ٤/ ١٣١، \"اللسان\" (ورى) ٨/ ٤٨٢١.","vol":"11","page":478},{"text":"لأنه قد كان الوراء لإبراهيم -﵇ -، من جهة إسحاق وإسماعيل ﵉، فلو قال من الوراء يعقوب لم يعلم أهذا الوراء منسوب إلى إسحاق أم إلى إسماعيل، فأضيف إلى إسحاق لينكشف المعنى، ومثل هذا من الإضافة قوله -﷿-: ﴿أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [القصص: ٧٤،٦٢]. يريد أين الشركاء المنسوبون إليّ بزعمكم، قال: ومن حمل وراء على (بعد) (١) لزم ظاهر العربية، إذ العرب تقول: ليس وراء هذا شيء أي بعده قال النابعة (٢):\nحلفتُ فلم أتركْ لنفسكَ ريبةً .... وليس وراءَ الله للمرء مذهبُ\nيعني: بعد الله، قال ورُفع يعقوب بـ (من) لأن المعنى فبشرناها [بإسحاق وبشرناها من وراء إسحاق] (٣) بيعقوب، فلما لم يظهر التبشير ثانيًا ولم يعد معه باء غلَّب الظاهر فرفع يعقوب بمن، وهو داخل بالتبشير في المعنى، كما تقول العرب: أمرت لزيد بإبل ولأخيه غنم، فيرفعون الغنم باللام والمعنى وأمرت لأخيه بغنم، فلما لم يعد الأمر مع الباء غلب الظاهر فرفعت الغنم بلام الصفة، وذلك منوي مراد.\nوقال أبو إسحاق (٤): رفعه على ضربين؛ أحدهما: ابتداء مؤخر معناه التقديم، المعنى: ويعقوب يحدث لها من وراء إسحاق، وهذا هو القول الذي ذكره أبو بكر؛ لأن من رفعه بـ (من) جعله ابتداء مؤخرًا، كما تقول\n_________\n(١) في (ي): (البعد).\n(٢) النابغة الذبياني \"ديوانه\" ص ٢٧،وفي معاهد التنصيص ٧/ ٢ (مطلب) بدل (مذهب). \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٨٧٨.\n(٣) ما بين المعقوفين ساقط من (ي).\n(٤) \"معانى القرآن وإعرابه\" ٣/ ٦٣.","vol":"11","page":479},{"text":"(في الدار زيد). الثاني مما ذكره أبو إسحاق أنه مرفوع بالفعل الذي يعمل في (١) ﴿مِنْ وَرَاءِ﴾؛ كأنه قال: ويثبت لها من وراء إسحاق يعقوب، وقرأ ابن عامر وحمزة ﴿يَعْقُوبَ﴾ (٢) بفتح الباء، قال [الفراء (٣): من قرأ ذلك نوى به الخفض يريد: ومن وراء] (٤) إسحاق بيعقوب قال: ولايجوز هذا إلا بإظهار الباء.\nقال أبو بكر (٥): من قال: إن (يعقوب) على قراءة حمزة في موضع خفض بالباء فقد غلط عند الفراء (٦) وسيبويه (٧)؛ لأن واو النسق لا يفصل بينها وبين المنسوق بالصفات ولا غيرها، فلا يقال: مررت بأخيك ومن بعده أبيك؛ لأن الواو مع الأب بمنزلة الشيء الواحد فلا تدخل بينهما الصفة، ولا يجوز أن يضمر بعد الواو في الآية تبشير آخر معه باء؛ لأنه لا يصلح ضمير شيئين على هذه الشريطة، ولا تعمل الباء مضمرة إذا كانت صلة لفعل يتصل به ضمير، كما لا تعمل إلا مظهرة حتى يظهر الفعل معها، ألا ترى أن الذي يقول مررت أبيك لا يضمر الباء هاهنا ويخفض بها، فامتناعها هناك من أن تظهر وتعمل كامتناعها هاهنا، قال: والصحيح في\n_________\n(١) ساقط من (ي).\n(٢) قرأ حفص وابن عامر وحمزة بفتح الباء، والباقون بالرفع، انظر: \"السبعة\" ص ٣٣٨، \"إتحاف\" ٢٥٨، \"الكشف\" ١/ ٥٣٤، \"الحجة\" ٤/ ٣٦٤.\n(٣) \"معاني القرآن\" ٢/ ٢٢.\n(٤) ما بين المعقوفين ساقط من (ي).\n(٥) \"تهذيب اللغة\" (عقب) ٣/ ٢٥٠٨، \"اللسان\" (عقب) ٥/ ٣٠٣٠.\n(٦) \"معاني القرآن\" ٢/ ٢٢.\n(٧) \"إعراب القرآن\" للنحاس ٢/ ١٠١، وانظر: \"الكتاب\" ١/ ٤٨ - ٤٩.","vol":"11","page":480},{"text":"إعراب ﴿يَعْقُوبَ﴾ النصب بفعل مضمر يشاكل معناه معنى (١) التبشير على تقدير: ومن وراء إسحاق وهبنا لها يعقوب، كما تقول العرب: مررت بأخيك وأباك، يريدون بـ (مررت) (جُزْت) كأنه قيل: جزت أخاك وأباك وكما قال جرير (٢):\nجئني بمثل بني بدر لقومهم ... أو مثل أسرة منظور بن سيار\nأو عامرَ بن طفيل في مركبة ... أو جارنا يوم نادى القوم يا جار\nأراد: أعطني مثل بني بدر أو مثل (٣) أسرة. وقال آخر (٤):\nلو جئت بالتمر له ميسرًا\nوالبيضَ مطبوخًا معًا والسكرا\nلم يرضه ذلك حتى يسكرا\nأراد لو أطعمته التمر والبيض. قال رؤبة (٥):\n_________\n(١) ساقط من (ب).\n(٢) القائل جرير في هجاء الأخطل، والبيت في \"ديوانه\" ص١٦٣، سيبويه والشنتمري ١/ ٤٨، ٨٦، \"المقتضب\" ٤/ ١٥٣، وهو بلا نسبة في الطبري ١٢/ ٧٥، \"المحتسب\" ٢/ ٧٨، \"معاني القرآن\" ٢/ ٢١، ٣/ ١٢٤، وهو في هذه القصيدة يفخر ببني قيس عيلان بن مضر بن نزار جميعًا علي بني ربيعة بن نزار وهم قوم الأخطل التغلبي، فذكر \"بني بدر\" الفزاريين من قيس عيلان، و\"منظور بن سيار الفزاري\" العبسي و\"عامر بن الطفل\" من بني جعفر بن كلاب، انظر: تعليق محمود شاكر على الطبري ١٥/ ٣٩٦ - ٣٩٧.\n(٣) ساقط من (ي).\n(٤) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٢ قال: أنشدني بعض بني باهلة.\n(٥) من أرجوزة له. انظر: \"ملحق ديوانه\" ص ١٩٠، \"أساس البلاغة\" (فسق)، وينسب للعجاج كما في سيبويه والشنتمري ١/ ٤٩، وليس في ديوانه، وبلا نسبة في \"شرح شذور الذهب\" ٤٠٢، \"المحتسب\" ٢/ ٤٣، \"الخصائص\" ٢/ ٤٣٢، \"شرح التصريح\" ١/ ٢٨٨.","vol":"11","page":481},{"text":"يهوين في نجد وغورا غائرًا ... فواسقا عن قصدها جوائرا\nأراد: يدخلن نجدًا. وكل ما ذكره أبو بكر من ردّ وجه الخفض وتوجيه النصب هو قول الفراء والزجاج وشرح كلامهما. وذكر أبو علي (١) أن قومًا ذهبوا في قراءة حمزة إلى العمل على موضع الجار (٢) والمجرور كقوله (٣):\nإذا ما تلاقينا من اليوم أو غدًا\nوقوله (٤):\nفلسنا بالجبال ولا الحديدا\nكذلك هاهنا قوله: ﴿إِسْحَاقَ﴾ الجار والمجرور في موضع النصب فحمل عليه قوله: ﴿وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ بالعطف، قال أبو علي: وهذا الوجه في الفتح كوجه قول من جعل يعقوب في موضع الخفض، وذلك أن الفصل في هذا بين واو العطف والحرف المعطوف بالظرف قبيح، سواء\n_________\n(١) \"الحجة\" ٤/ ٣٦٤ - ٣٦٧ بتصرف.\n(٢) ساقط من (ب).\n(٣) عجز بيت لكعب بن جعيل، وصدره:\nألا حيّ ندماني عُمْيدَ بن عامرٍ\nانظر: سيبويه والشنتمري ١/ ٣٤ - ٣٥، ابن السيرافي ص ٢٥٣، وبلا نسبة في \"الإنصاف\" ٢٨٥، و\"المقتضب\" ٤/ ١١٢، ١٥٤، و\"المحتسب\" ٢/ ٣٦٢.\n(٤) عجز بيت لعقيبة الأسدي، أو لعبد الله بن الزبير، وصدره:\nمعاوي إننا بشر فأسجح\nانظر: سيبويه ١/ ٣٤، ٣٥٢، \"الخزانة\" ١/ ٣٤٣، ٢/ ١٤٣، \"شرح المفصل\" ٢/ ١٠٩، \"شرح أبيات المغني\" ٧/ ٥٣، \"الإنصاف\" ٢٨٤، \"سر صناعة الإعراب\" ١/ ٢٩٤، ١٣١، \"سمط الآلئ\" /١٤٨، \"نسبه في الأزمنة والأمكنة\" ٢١/ ٣١٧ لعمرو بن أبي ربيعة.","vol":"11","page":482},{"text":"عطفت على المرفوع أو المنصوب أو المجرور، وذلك أن الفعل [يصل بحرف العطف، وحرف العطف هو الذي يشرك في الفعل وبه] (١) يصل الفعل إلى المفعول به، كما يصل بحرف الجر إذا قلت (مررت يزيد) (٢)، ولا يجوز الفصل بين الباء وزيد، كذلك لا يجوز الفصل في قولك ضربت زيدًا وعمرًا بين الواو وعمرو؛ لأن الحرف العاطف مثل الجار في أنه يشرك في الفعل، كما يوصل الجار الفعل وليس نفس الفعل العامل في الموضعين جميعًا وإذا كان كذلك قبح الفصل بالظرف في العطف، وقد جاء (٣) ذلك في الشعر، قال ابن أحمر (٤):\nأبو حنش يؤرقنا وطلق ... وعبّادٌ وآونةً أثالُ\nففصل بالظرف في العطف على المرفوع. وقال الأعشى:\nيوما تراها كشبه أرديه الـ ... ـعصب ويومًا أديمها نغلا (٥)\n_________\n(١) ما بين المعقوفين ساقط من (ي).\n(٢) قائمًا كما في \"الحجة\" ٤/ ٣٦٥.\n(٣) في (ب): (جاز)، والصحيح ما أثبتهُ كما في \"الحجة\" ٤/ ٣٦٦.\n(٤) من قصيدة يذكر فيها جماعة من قومه لحقوا بالشام فصار يراهم في النوم إذا أتى الليل، انظر: \"ديوانه\" ص ١٢٩، \"الحماسة البصرية\" ١/ ٢٦٢، \" أمالي ابن الشجري\" ١/ ١٩٢، \"الخصائص\" ٢/ ٣٧٨، \"الإنصاف\" ٢٩٩، المذكور (أثالا). \"الكتاب\" ٢/ ٢٧٠، \"شرح أبيات سيبويه\" ١/ ٤٨٧، \"اللسان\" (حنش) ٢/ ١٠٢٣، \"المقاصد النحوية\" ٢/ ٤٢١.\n(٥) البيت من قصيدة له يمدح فيها سلامة ذا فائش، في \"ديوانه\" ص ١٧٠ (أردية الخمس)، والعصب: ضرب من البرود، ونغل الأديم: فسد في الدباغ. وانظر: \"شرح أبيات المغني\" ٢/ ١٦٣ - ١٦٤، \"اللسان\" (نغل) ٨/ ٤٤٩٠، وبلا نسبة من \"الخصائص\" ٢/ ٣٩٥، \"الإيضاح\" / ١٤٨.","vol":"11","page":483},{"text":"ففصل بالظرف بين المشرك في النصب وما أشركه فيه، فإذا قبح هذا فالوجه أن تحمل قراءة حمزة ﴿يَعْقُوبَ﴾ بالنصب على فعل آخر مضمر يدل عليه (بشرنا) كما تقدم، ولا يحل على الوجهين الآخرين لاستوائهما في القبح (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1664>٧٢ </span>- قوله تعالى: ﴿قَالَتْ يَا وَيْلَتَى﴾. قال أبو إسحاق (٢): الأصل فيه يا ويلتي فأبدل من الياء والكسرة [الألف؛ لأن الألف أخف من الياء والكسرة] (٣)، وقد ذكرنا مثل هذا في قراءة من قرأ ﴿يَا بُنَيَّ ارْكَبْ﴾ [هود: ٤٢] بفتح الياء، قال (٤): والاختيار في الكلام إن وقف عليه بالهاء \"يا ويلتاه\" فأما المصحف فلا يخالف، ويوقف إذا (٥) اضطر واقف بغير هاء، وذكرنا معنى هذا النداء في قوله تعالى: ﴿يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ﴾ [المائدة: ٣١] (٦)، وهذه الكلمة إنما تقال عند الإيذان بورود الأمر الفظيع.\nوقوله تعالى: ﴿أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ﴾، قال الليث (٧): العجوز المرأة الشيخة والجميع العجز والعجائز، والفعل عجزت تعجز عجزًا، وعجّزت\n_________\n(١) إلى هنا انتهى النقل من \"الحجة\" ٤/ ٣٦٤ - ٣٦٧ بتصرف.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٦٣.\n(٣) ما بين المعقوفين ساقط من (ي).\n(٤) القائل أبو إسحاق الزجاج في الموضع السابق ٣/ ٦٣.\n(٥) في (ي): (إن).\n(٦) وقد نقل هناك عن الزجاج قوله: المعنى يا ويلتا تعالى، فإنه من إبّانك، أي: قد لزمني الويل، قال: والوقف في غير القرآن: يا ويلتاه. اهـ. وانظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١٦٧.\n(٧) \"تهذيب اللعة\" (عجز) ٣/ ٢٣٣٧.","vol":"11","page":484},{"text":"تعجِّز تعجيزًا فهي مُعَجِّزة والتشديد أكثر، قال يونس (١): امرأة مُعجِّزة: طعنت في السن، ويقال للمرأة [اتقي الله في شبيبتك وعجزك.\nقال ابن الأعرابي (٢): ويقال للمرأة] (٣) عجوزة بالهاء أيضًا.\nقال ابن إسحاق (٤): كانت (٥) ابنة تسعين سنة، وقال عطاء ومجاهد (٦): تسع وتسعين سنة، جعل الله -﷿- الولد على تلك الحال معجزًا لنبيه إبراهيم -﵇ -، وإنما تعجبت من مقدور الله تعالى -مع إيمانها- بطبع البشرية إذا ورد مثلُ هذا على النفس من غير فكر ولا روية، كما ولى موسى ﵇ مدبرًا حتى قيل له: ﴿أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ﴾ [القصص: ٣١].\nوقوله تعالى: ﴿وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا﴾، ذكرنا معنى البعل والبعولة في سورة البقرة (٧) والنساء (٨)، وقال عطاء ومجاهد (٩): كان إبراهيم ﵇ في ذلك الوقت ابن مائة سنة.\n_________\n(١) \"تهذيب اللغة\" (عجز) ٣/ ٢٣٣٧.\n(٢) \"تهذيب اللغة\" (عجز) ٣/ ٢٣٣٧.\n(٣) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).\n(٤) الطبري ١٢/ ٧٧، الثعلبي ٧/ ٤٩ ب، البغوي ٤/ ١٨٩، \"زاد المسير\" ٤/ ١٣٣، القرطبي ٩/ ٧٠.\n(٥) ساقط من (ي).\n(٦) الثعلبي ٧/ ٤٩ ب، البغوي ٤/ ١٨٩، \"زاد المسير\" ٤/ ١٣٢، القرطبي ٩/ ٧٠.\n(٧) البقرة: ٢٢٨.\n(٨) النساء: ١٢٨. وخلاصة ما ذكره أن المراد بالبعل الزوج، وإنما سمي بذلك لأحد أمرين: إما لأنه مستبعل لها وقد غلطه الأزهري، وإما لأنه سيدها ومالكها. وانظر: \"تهذيب اللغة\" ١/ ٣٦٣ (بعل).\n(٩) الثعلبي ٧/ ٥٠ أ، البغوي ٤/ ١٨٩، \"زاد المسير\" ٤/ ١٣٢.","vol":"11","page":485},{"text":"وقال ابن إسحاق (١): ابن عشرين ومائة سنة. وقال الكلبي (٢): ابن تسع وتسعين سنة.\nقال أبو إسحاق (٣): (شيخا) منصوب على الحال، والحال هاهنا نصبه من لطيف النحو وغامضه، وذلك أنك إذا قلت: هذا زيد قائمًا، فإذا كنت تقصد أن تخبر من لم يعرف زيدًا أنه زيد لم يجز هذا؛ لأنه لا يكون زيدًا ما دام قائمًا فإذا زال عن القيام فليس يزيد، وإنما تقول للذي يعرف زيدًا هذا زيد قائمًا فيعمل في الحال التنبيه، المعنى (٤): انتبه لزيد في حال قيامه أو أشير لك إلى زيد في حال قيامه. قال ابن الأنباري (٥): وهذا إنما وقعت الإشارة معه إلى الشيخوخة، أي: تنبهوا على شيخوخة بعلي، كما يقول القائل: هذا الله لطيفًا كريمًا. يريد تنبهوا على لطفه وكرمه، وما يجهله -﷿- ذو عقل وتمييز.\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ﴾، العجيب بمعنى المُعْجِب يقال: أعجبني الشيء فهو معجب وعجيب، قال ابن عباس (٦): يريد أن يولد لابن مائة سنة ولكبرها وأنها حرمت الولد في شبابها وأعطيته في كبرها.\n_________\n(١) الطبري ١٢/ ٧٦، الثعلبي ٧/ ٥٠ أ، البغوي ٤/ ١٨٩، \"زاد المسير\" ٤/ ١٣٣.\n(٢) \"تنوير المقباس\" ص ١٤٣، \"زاد المسير\" ٤/ ١٣٢.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٦٣، وانظر: \"تهذيب اللغة\" (بعل) ١/ ٣٦٢.\n(٤) ساقط من (ب).\n(٥) \"زاد المسير\" ٤/ ١٣٢.\n(٦) قال به الطبري ١٢/ ٧٧، \"زاد المسير\" ٤/ ١٣٣، القرطبي ٩/ ٧٠.","vol":"11","page":486},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1665>٧٣ </span>- قوله تعالى: ﴿قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾، قال ابن عباس (١): يريد من قضاء الله وقدرته؟ وقال أهل المعاني: أنكرت الملائكة عليها لما تعجبت من ولادتها على كبر السن؛ لأن ما عرف سببه لا يتعجب منه، والله تعالى قادر لا يعجزه شيء.\nقوله تعالى: ﴿رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ﴾ يحتمل أن يكون هذا دعاء من الملائكة لهم بالرحمة والبركة، ويحتمل أن يكون إخبارًا عن ثبوت ذلك لهم فيكون تذكيرًا بالنعمة عليهم، قال المفسرون (٢): ومن هذه البركات أن الأسباط وجميع الأنبياء كانوا من إبراهيم وسارة.\nوقوله تعالى: ﴿أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ يعني: بيت إبراهيم، قالوا: وفي هذا دليل على أن أزواج النبي - ﷺ - من أهل بيته تكذيبًا لمن أنكر ذلك؛ لأن الملائكة خاطبوا سارة بأهل البيت، وسموها أهل بيت إبراهيم.\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ حَمِيدٌ﴾، الحميد الذي تحمد فعالُه، وهو بمعنى المحمود، والله تعالى الحميد المحمود والمستحمد إلى عباده، والمجيد: الماجد وهو ذو الشرف والكرم، يقال مجد الرجل يمجد مجدًا ومجادة، ومجُد يمجُد لغتان. قال الحسن والكلبي (٣): المجيد: الكريم، وهو قول أبي إسحاق (٤)، وقال ابن الأعرابي (٥): المجيد: الرفيع، وقال أهل المعاني: المجيد: الكامل الشرف والرفعة والكرم والصفات\n_________\n(١) قال به الطبري ١٢/ ٧٧، \"زاد المسير\" ٤/ ١٣٣، القرطبي ٩/ ٧٠.\n(٢) \"زاد المسير\" ٤/ ١٣٣.\n(٣) البغوي ٤/ ١٩٠، \"تنوير المقباس\" ص ١٤٣.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣٠٨.\n(٥) \"تهذيب اللغة\" (مجد) ٤/ ٣٣٤٥.","vol":"11","page":487},{"text":"المحمودة، وأصله من قولهم: مجدت الدابة إذا أكثرت علفها، رواه أبوه عبيد عن أبي عبيدة (١)، وقال النضر (٢): مجدت الإبل تمجد مجدًا إذا شبعت، وقال الأصمعي (٣): أمجدتُ الدبة علفًا أكثرت لها ذلك، وقال أبو حية (٤):\nتزيد على صواحبها وليست ... بماجدة الطعام ولا الشراب\nأي: ليست بكثيرة الطعام ولا الشراب، وقال الليث (٥): أمجد فلان عطاءه ومجده إذا كثره، واستمجد المرخ والعفار (٦) أي: استكثر من العفار [أي: استكثر من النار] (٧).\n_________\n(١) \"تهذيب اللغة\" (مجد) ٤/ ٣٣٤٥.\n(٢) \"تهذيب اللغة\" (مجد) ٥/ ٣٣٤٤، وهو النضر بن شميل.\n(٣) \"تهذيب اللغة\" (مجد) ٤/ ٣٣٤٥.\n(٤) أبو حية النميري هو: الهيثم بن الربيع بن كثير، من شعراء الدولتين الأموية والعباسية، شاعر مجيد متقدم، يروي عن الفرزدق وكان كذابًا بخيلًا. توفي سنة ١٨٣هـ. انظر: \"الشعر والشعراء\" ص ٥٢٢، \"الأغاني\" ١٢/ ٦١.\nوالبيت قاله في وصف امرأة. \"ديوانه\" ص ١٢٣، وانظر: \"البحر المحيط\" ٥/ ٢٣٧، \"الدر المصون\" ٦/ ٣٥٩، \"اللسان\" (مجد) ٤/ ٣٣٤٥.\n(٥) \"تهذيب اللغة\" (مجد) ١٠/ ٦٨٣.\n(٦) هما شجرتان في الحجاز يستوقد منهما النار.\nوالمثل هو (في كل الشجر نار، واستمجد المرخ والعفار) أي: استكثرا من النار فصلحا للاقتداء بهما، شبها بمن يكثر من االعطاء طلبًا للمجد، \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٣٤٥.\n(٧) ما بين المعقوفين ساقط من (أي).","vol":"11","page":488},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1666>٧٤ </span>- قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ﴾ الآية، الروع: الإفزاع، يقال: راعه يروعه روعًا (١) إذا أفزعه، قال عنترة (٢):\nما راعني إلا حمولةُ أهلها ... وسْط الديار تَسَفُّ حب الخمخم (٣)\nوالرُّوع النفس وهو موضع الرَّوْع، قال ابن عباس (٤): يريد الفزع؛ قال الزجاج (٥): يعني ارتياعه لما أنكرهم حين لم يأكلوا العجل.\nقال تعالى: ﴿وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى﴾، قال ابن عباس (٦): يريد بإسحاق ويعقوب.\nوقوله تعالى: ﴿يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ﴾، (لمَّا) (٧) تصحبها الأفعال الماضية؛ لأنها جعلت في الكلام لما قد وقع بوقوع غيره، تقول: (لَمَّا جاء زيد جاء عمرو)، وهاهنا قيل: (يجادلنا) على لفظ المستقبل، وذلك أن (لما) لما كانت شرطًا للماضي جاز أن يقع بعدها المستقبل بمعنى الماضي، كما أن (إنْ) (٨) لما كانت شرطًا للمستقبل، جاز أن يقع بعدها الماضي بمعنى\n_________\n(١) ساقط من (ي).\n(٢) البيت من معلقته المشهورة، انظر: \"ديوانه\" ص ١٢٣، والخمخم، بقلة لها حب أسود، وذلك أنهم كانوا مجتمعين في الربيع، فلما يبس البقل، سفت حب الخمخم، فكان ذلك نذيرًا بوشك فراقهم. وانظر: الطبري ١٢/ ٧٨، \"اللسان\" (حمم) ٣/ ١٢٧٠، (خمم) ٣/ ١٢٧٠، \"ديوان الأدب\" ٣/ ١٠٥، \"كتاب العين\" ٣/ ٤٣، \"تاج العروس\" (خمم)، وبلا نسبة في \"تهذيب اللغة\" ١/ ١١٠٦.\n(٣) في حاشية (ب): (والحمحم أيضًا بالحاء والخاء).\n(٤) \"زاد المسير\" ٤/ ١٣٤، الطبري ١٢/ ٧٨.\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٦٤.\n(٦) رواه الطبري عن ابن إسحاق ١٥/ ٤٠١، البغوي ٢/ ٣٩٤، القرطبي ٩/ ٧٢.\n(٧) في (ي): (إلى)،\n(٨) ساقط من (ي).","vol":"11","page":489},{"text":"المستقبل، نحو: إن جاء زيد، حيث قال الله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ﴾ [الفرقان: ١٠].\nوفيه وجه آخر وهو أن يكون قوله: ﴿يُجَادِلُنَا﴾ [حكاية لحال قد مضت، المعنى: لما ذهب عنه الروع أخذ يجادلنا] (١) وأقبل يجادلنا، فأضمر هذا الفعل قبل المستقبل؛ لأن (لما) تقتضيه، وفي كل كلام يخاطب به معنى (أخذ) و(أقبل) إذا أردت حكايته حال، والوجهان ذكرهما الزجاج (٢) وابن الأنباري.\nقال الزجاج: والوجه الثاني هو الذي أختاره، ومعنى يجادلنا: يجادل رسلنا من الملائكة في قول جميع المفسرين (٣)؛ قالوا جميعًا: إن الرسل لما قالوا لإبراهيم: ﴿إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ﴾، قال لهم: أرأيتم إن كان فيهم خمسون من المسلمين أتهلكونهم؟ قالوا: لا. قال: [فأربعون؟ قالوا: لا. قال:] (٤) فثلاثون؟ قالوا: لا. فما زال ينقص، فيقولون: لا، حتى قال: فواحد؟ قالوا: لا، فاحتج عليهم بلوط وقال: إن فيها لوطًا؛ فقالوا: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ﴾، وهذا معنى جدال إبراهيم في قوم لوط.\nوقال أهل المعاني (٥): معنى (يجادلنا) يسألنا ويكلمنا فيهم ويراجعنا\n_________\n(١) ما بين المعقوفين ساقط من (ي).\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٩٤ بتصرف.\n(٣) الطبري ١٢/ ٧٨، الثعلبي ٧/ ٥٠ أ، البغوي ٤/ ١٩٠، ابن عطية ٧/ ٣٥٤، \"زاد المسير\" ٤/ ١٣٤، القرطبي ٩/ ٧٢، ابن كثير ٢/ ٤٩٥.\n(٤) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).\n(٥) ذكر هذا القول الطبري ١٢/ ٧٩ ورده، والثعلبي ٧/ ٥٠ أ.","vol":"11","page":490},{"text":"في ذلك، إلا أنه استعير لفظ يجادل؛ لأنه كان يحرص في السؤال حرص المجادل، والآية الثانية ذكرنا تفسيرها في سورة التوبة (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1667>٧٦ </span>- قوله تعالى: ﴿يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾. قال الزجاج: المعنى: فقلنا يا إبراهيم، وقال المفسرون: قالت الرسل عند ذلك يا إبراهيم أعرض عن هذا، وأشير بـ (هذا) إلى الجدال.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1668>٧٧ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ﴾، قال ابن عباس (٢) في رواية الكلبي: لما قفلت الرسل من عند إبراهيم إلى لوط، توضأ إبراهيم وقام يصلي، وكان بين قريته وقرية لوط أربعة فراسخ، فانتهوا إلى قرية لوط، فبصرت ابنتا لوط -وهما يستقيان- بالملائكة فرأتا هيئة حسنة، قالتا: ما شأنكم؟ ومن أين أقبلتم؟ وأين تريدون؟ قالوا: من موضع كذا، نريد هذه القرية، قالتا: فإن أهلها يفعلون كذا وكذا. فقالوا: أبها من يضيفنا؟ قالتا: نعم، هذا الشيخ وأشارتا إلى لوط، فلما جاؤوه ورأى هيئتهم خاف قومه عليهم فسيء بهم وضاق بهم ذرعًا، وقال: هذا يوم عصيب، ومعنى سِيء بهم ساءه مجيؤهم، وساء يسوء فعل لازم ومجاوز، يقال: سؤته فسيء مثل شغلته فشغل، وسررته فسر.\nقال أبو إسحاق (٣): أصله سُوِءَ بهم إلا أن الواو أسكنت ونقلت\n_________\n(١) عند قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ [آية: ١١٤]. وخلاصة ما ذكره أن الأوّاه كما قال أبو عبيدة: المتأوّه شفقًا وفرقًا، المتضرع يقينًا ولزومًا للطاعة. والحليم، قال ابن عباس: لم يعاقب أحدًا إلا لله، ولم ينتصر من أحدٍ إلا لله.\n(٢) انظر: القرطبي ٩/ ٧٣.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٦٦.","vol":"11","page":491},{"text":"كسرتها إلى السين، قال عامة أهل التأويل (١): إنما سيء بهم لوط؛ لأنه لما نظر من حسن وجوههم، وطيب روائحهم، أشفق عليهم من قومه أن يقصدوهم بما يقصدون به غيرهم من المطالبة بالفعل الخبيث، وعلم أنه سيحتاج إلى المدافعة عن (٢) أضيافه.\nوقوله تعالى: ﴿وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾، قال الأزهري (٣): الذرع يوضع موضع الطاقة، والأصل فيه أن يذرع البعير بيديه في سيرة ذرعًا على قدر سعة خطوه، فإذا حمل على أكثر من طوقه ضاق ذَرْعُهُ عن ذلك فضعف ومد عنقه، فجُعِلَ ضيق الذرع عبارةً عن ضيق الوسع والطاقة،، فيقال: ما لي به ذرع ولا ذراع، أي: ما لي به طاقة، الدليل على صحة هذا أنهم يجعلون الذراع في موضع الذرع فيقولون ضقت بالأمر ذراعًا، قال القطامي (٤):\nإذا التَّيَّازُ ذو العضلات قُلْنا ... إليكَ إليكَ ضاق بها ذراعًا\nفمعنى ضاق بهم ذرعا: ضاق صبره وعظم المكروه عليه، وقال أبو إسحاق (٥) يقال: ضاق زيد بأمره ذرعًا: إذا لم يجد من المكروه في ذلك الأمر مخلصًا، ولم أر أحدًا ذكر في أصل الذرع أحسن مما ذكره الأزهري، وغيره (٦) يقول: ضاق ذرعًا أي: ضاق بهم صدرًا، وليس يعرف\n_________\n(١) الطبري ١٢/ ٨١، البغوي ٤/ ١٩٠، ابن عطية ٧/ ٣٥٧، \"زاد المسير\" ٤/ ١٣٥.\n(٢) في (ب): (علي).\n(٣) \"تهذيب اللغة\" (ذرع) ٢/ ١٢٧٨.\n(٤) \"ديوانه\" ص ٤٤، و\"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٢٥٦، و\"اللسان\" (ت ى ز).\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٦٦.\n(٦) القرطبي ٩/ ٧٤، الثعلبي ٧/ ٥٠ ب.","vol":"11","page":492},{"text":"أصله، وذكر ابن الأنباري (١) قولين: أحدهما: أصله (من ذرع فلان القيء) إذا غلبه وسبقه، ومعنى ضاق ذرعه: ضاق حبس المكروه في نفسه، وهذا ليس بظاهر، والقول الثاني (٢): أن الذرع كناية عن الوسع؛ لأن الذراع من اليد، والعرب تقول ليس هذا في يدي يعنون ليس في وسعي، وهذا قريب مما قاله الأزهري، ولكن لم يبين بيانه.\nوقال الفراء (٣): الأصل فيه (وضاق ذرعٌ بهم)، فنقل الفعل عن الذرع إلى ضمير لوط (٤)، ونصب الذرع بتحول الفعل عنه، كما قال ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ [مريم: ٤]. وقد ذكرنا نظير هذا في قوله: ﴿سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: ١٣٠].\nوقوله تعالى: ﴿وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾. قال المفسرون وجميع أهل المعاني (٥): يوم شديد، قال أبو بكر: قال الكسائي (٦): العصيب: الشديد يقال منه عصب اليوم يعصب عصابة.\nوقال الفراء (٧) والزجاج (٨) وأبو عبيدة (٩): العصيب الشديد، وأنشد\n_________\n(١) \"زاد المسير\" ٤/ ١٣٦. وذكر قولًا ثالثًا عنه هو أن معناه: وقع به مكروه عظيم لا يصل إلى دفعه عن نفسه.\n(٢) ساقط من (ب).\n(٣) \"معاني القرآن\" ١/ ٧٩، \"زاد المسير\" ٤/ ١٣٦.\n(٤) في (ي): (لفظ).\n(٥) الطبري ١٢/ ٨٢، البغوي ٤/ ١٩٠، الرازي ١٨/ ٣١، \"البحر المحيط\" ٥/ ٢٤٦، \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٦٧.\n(٦) \"تهذيب اللغة\" (عصب) ٣/ ٢٤٥٤.\n(٧) \"تهذيب اللغة\" (عصب) ٣/ ٢٤٥٣.\n(٨) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٧.\n(٩) \"مجاز القرآن\" ١/ ٢٩٣.","vol":"11","page":493},{"text":"أبو عبيدة قول هانئ العنبري (١):\nيوم عصيب يعصب الأبطالا\nعصبَ القوي السُّلَّم الطوالا\nقال أبو عبيدة: وإنما قيل له عصيب؛ لأنه يعصب الناس بالشر، وأنشد لعدي بن زيد (٢):\nوكنتُ لِزازَ خصمِك لم أعرِّدْ ... وقد سلكوك في يوم عصيب\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1669>٧٨ </span>- وقوله تعالى: ﴿وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ﴾ الآية. قال المفسرون (٣): لما أضافهم لوط مضت امرأته عجوز السوء، فقالت لقومه: إنه استضاف لوطًا قوم لم أر أحسن وجوهًا ولا أنظف ثيابًا ولا أطيب رائحة منهم، فجاءه قومه ليراودوه عن ضيفه؛ فذلك قوله: ﴿وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ﴾. قال عامة المفسرين وأهل المعاني: يهرعون: يسرعون، قال الكسائي (٤) وأبو زيد (٥): أهرع الرجل إهراعًا إذا أسرع في رعدة (٦).\n_________\n(١) بيتان من الرجز وقد نسبهما الواحدي هنا إلى هانئ العنبري، وبلا نسبة في: \"مجاز القرآن\" ١/ ٢٩٤، الطبري ١٢/ ٨٢، القرطبي ٩/ ٧٤، \"زاد المسير\" ٤/ ١٠٧، \"مجمع البيان\" ٥/ ٢٧٧.\n(٢) هذا البيت من قصيدة قالها وهو في حبس النعمان بن المنذر، و(لزاز الخصم) الشديد المعاند ذو البأس في الملمات، و(عرد عن خصمه) أحجم ونكص، انظر: \"ديوانه\" ص ٣٩، \"مجاز القرآن\" ١/ ٢٩٤، \"الأغاني\" ٢/ ١١١، الطبري ١٢/ ٨٢، \"اللسان\" (سلك) ٤/ ٢٠٧٣، \"كتاب الجيم\" ٣/ ٢٠٨.\n(٣) الطبري ١٢/ ٨٣، الثعلبي ٧/ ٥١ أ، \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٦٧، البغوي ٤/ ١٩١، \"زاد المسير\" ٤/ ١٣٧.\n(٤) \"تهذيب اللغة\" (هرع) ٤/ ٣٧٥١، القرطبي ٩/ ٧٤، \"اللسان\" (هرع) ٨/ ٤٦٥٣.\n(٥) \"تهذيب اللغة\" (هرع) ٤/ ٣٧٥١.\n(٦) في النسخ (عدوه) وفي (ب) ما أثبته وهو الصحيح. انظر: \"زاد المسير\" ٤/ ١٣٧.","vol":"11","page":494},{"text":"قال أهل اللغة: وهذا من الفعل الذي خرج الاسم معه مقدرًا تقدير المفعول (١)، وهو صاحب الفعل [لا يُعرف له فاعلٌ غيره، نحو: أولع فلان بالأمر؛ جعلوه مفعولًا وهو صاحب الفعل]، ومثله: أرعد زيد وزُهي عمرو، من الزهو، ونُخي بكر من النخوة، وذكر أبو عبيد (٢): المهرع: الحريص في باب ما جاء في لفظ مفعول بمعنى فاعل، وحكى أبو بكر (٣) عن بعض النحويين قال: لا يجوز للفعل أن يجعل فاعله مفعولًا، وهذه الأفعال حذف فاعلوها، فتأويل أرعد الرجل أرعده غضبه، وأولع زيدٌ معناه أولعه طبعه، وزُهي عمرو معناه: جعله ماله أو جهلُه زاهيًا، وكذلك نُخِيَ وأهْرع معناه [أهرعه خوفُه، أو حرصه، ويؤكد هذا ما ذكره أبو عبيدة (٤) في تفسير قوله: ﴿يُهْرَعُونَ﴾ قال: معناه] (٥): يستحثون إليه، وأنشد (٦):\nبمعجلات نحوه مهارع\nفعلى هذا، الفعل واقع على القوم من المستحثين، ودل عليه ما أنشده؛ لأنه قال: بمعجلات وهن اللاتي [أُعْجِلْنَ أي] (٧) أعجلهن غيرهن،\n_________\n(١) في (ي): (الفعل).\n(٢) \"تهذيب اللغة\" (هرع) ٤/ ٣٧٥١، \"اللسان\" (هرع) ٨/ ٤٦٥٣ - ٤٦٥٤.\n(٣) \"زاد المسير\" ٤/ ١٣٧.\n(٤) \"مجاز القرآن\" ١/ ٢٩٤.\n(٥) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).\n(٦) بيت من الرجز، وهو بلا نسبة في: \"مجاز القرآن\" ١/ ٢٩٤، الطبري ١٢/ ٨٣ (العلمية)، القرطبي ٩/ ٧٥.\n(٧) ساقط من (ب).","vol":"11","page":495},{"text":"كذلك المهارع اللاتي أهرعهن غيرهن، ويدل على هذا قول مهلهل:\nفجاءوا يُهرعون وهم أسارى ... نقودهم على رغم الأنوف\nفقوله: يُهرعون، معناه: يساقون ويعجلون، لا أنهم يسرعون من عند أنفسهم؛ لأنه قال: وهم أسارى، أي: يقودهم، فبيَّن أنهم محمولون على ذلك الإسراع لا من عند أنفسهم، غير أن أكثر أهل اللغة على أن أُهْرعَ الرجل بمعنى أسرع على لفظ فعل لم يسم فاعله، ولا يعرفون أَهْرَعَ.\nوقوله تعالى: ﴿وَمِنْ قَبْلُ﴾ أي: من قبل مجيئهم إلى لوط ﴿كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾، قال عطاء: يريد الشرك، وقال آخرون (١): يعني: فعلهم المنكر.\nوقوله تعالى: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي﴾. قال أكثر المفسرين (٢): يعني: بنتيه زيتا (٣) وزعورا، وعلى هذا سمي الاثنان بالجمع كقوله: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾ [النساء: ١١]. وقوله: ﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٨]، يعني: حكم داود وسليمان، ومن المفسرين من ذهب إلى أنه كان له أكثر من بنتين، وعلى هذا سهل الأمر.\nوقوله تعالى: ﴿هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾. قال المفسرون: أراد: أنا أزوجكموهن فهن أطهر لكم من نكاح الرجال، قال ابن عباس (٤) وغيره: كان رؤساء من قومه خطبوا إليه فلم يزوجهم قبل ذلك فلما راودوه عن\n_________\n(١) الطبري ١٢/ ٨٤ رواه عن ابن جريج، الثعلبي ٧/ ٥١ أ، البغوي ٤/ ١٩١، \"زاد المسير\" ٤/ ١٣٧.\n(٢) الثعلبي ٧/ ٥١ ب، البغوي ٤/ ١٩١، \"زاد المسير\" ٤/ ١٣٧، القرطبي ٩/ ٧٦.\n(٣) في الطبري ١٢/ ٨٤ \"رثيا\" و\"زغرتا\"، وفي الثعلبي ٧/ ٥١ ب (زعورا) و(ريثا).\n(٤) الثعلبي ٧/ ٥١ ب، القرطبي ٧/ ٥١ أ.","vol":"11","page":496},{"text":"ضيفه أراد أن يقي أضيافه ببناته فعرضهن عليهم شريطة الإسلام قبل عقد النكاح.\nوقال الحسن (١): كان يجوز في شريعة لوط تزويج المسلمة من الكافر، وكذلك كان في صدر الإسلام؛ فقد زوج النبي - ﷺ - ابنتيه من عتبة ابن أبي لهب (٢)، وأبي العاص بن الربيع (٣).\nوقال مجاهد (٤): لم يكنَّ بناته كُنَّ من أمته، وكل نبي أبو أمته. وقال سعيد بن جبير (٥): دعاهم إلى نسائهم؛ يعني: أن قوله: ﴿هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾ أي: نساؤكم، فجعلهن بناته؛ لأنه نبيهم، وكل نبي أبو أمته؛ كما روي في بعض القراءة: (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم وهو أب لهم) [الأحزاب: ٦] (٦).\nوروي عن الحسن وعيسى بن عمر (٧) أنهما قرأ: ﴿هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾\n_________\n(١) \" زاد المسير\" ٤/ ١٣٨، الثعلبي ٧/ ٥١ أ.\n(٢) هو: عتة بن أبي لهب بن عبد المطلب القرشي ابن عم النبي - ﷺ -، أسلم في الفتح وشهد حنينًا. انظر: \"الإصابة\" ٢/ ٤٥٥، \"الاستيعاب\" ٣/ ١٤٩.\n(٣) هو: أبو العاص بن الربيع بن عبد العز بن العبسي، زوج بنت النبي - ﷺ - زينب، أسلم بعد الهجرة، توفي سنة ١٢هـ على خلاف في ذلك. انظر: \"الإصابة\" ٤/ ١٢١، \"سير أعلام النبلاء\" ١/ ٣٣٠.\n(٤) الطبري ١٢/ ٨٤، الثعلبي ٧/ ٥١ أ، البغوي ٤/ ١٩١ \"زاد المسير\" ٤/ ١٣٨، القرطبي ٩/ ٧٦.\n(٥) الطبري ١٢/ ٨٤، الثعلبي ٧/ ٥١ أ، البغوي ٤/ ١٩٢، \"زاد المسير\" ٤/ ١٣٨، القرطبي ٩/ ٧٦.\n(٦) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٣.\n(٧) الطبري ١٢/ ٨٥، الثعلبي ٧/ ٥١ ب، القرطبي ٩/ ٧٦.","vol":"11","page":497},{"text":"بالنصب على الحال كما ذكرنا في قوله: ﴿وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا﴾ [هود: ٧٢] إلا (١) أن أكثر النحويين (٢) على أن هذا خطأ؛ لامتناع أن يجوز كون ﴿هُنَّ﴾ هاهنا عمادًا، وأجاز الكسائي (٣) ذلك وقال: من نصب جعلهن عمادًا كما يقال كان الهندات هن أفضل من غيرهن.\nقال الفراء (٤): ﴿هُنَّ أَطْهَرُ﴾ بالنصب خطأ؛ لأن هذا وهؤلاء في باب التقريب لا يدخل معه العماد، فلا يقال (هذا عبد الله هو أفضلَ منك)؛ لأن هذا اسم (٥) جامد لا يتصرف تصرف (كان)، وزاد ابن الأنباري بيانًا، فقال: هذا الأولى به والغالب عليه؛ أن يكون اسمًا للمشار إليه غير مقرب خبرًا، فلما نقل إلى التقريب ونصب الخبر معه نحو: ﴿وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا﴾ [هود: ٧٢] منع العماد ولم يجر مجرى (كان) في هذا الباب، كما لم يجر مجراها في توسيط الخبر وتقديمه، لا يجوز (هذا قائمًا زيد) ولا (قائمًا هذا زيد) كما يجوز في (كان)، ولو قيل: (هؤلاء بناتي أطهرَ لَكُم) بالنصب جاز من غير عماد، وجميع البصريين ينكرون هذه القراءة ولا يجيزونها، وذكر الزجاج (٦) ذلك على قريب مما ذكرنا.\n_________\n(١) ساقط من (ب).\n(٢) كالخليل وسيبويه والأخفش، انظر: \"القرطبي\" ٩/ ٧٦، \"إعراب القرآن\" للنحاس ٢/ ١٠٢، \"البحر المحيط\" ٥/ ٢٤٧، \"مشكل إعراب القرآن\" ١/ ٤١٢، \"الطبري\" ١٢/ ٨٥.\n(٣) \"إعراب القرآن\" للنحاس ٢/ ١٠٤.\n(٤) لم أجده في مظانه.\n(٥) في (ي): (الاسم).\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٦٧.","vol":"11","page":498},{"text":"وقال سيبويه (١): ولكن الفصل يدخل على الأخبار ولا يدخل على الحال، لا يجوز: (قام زيد هو مسرعًا). وليس الشرط أن أذكر قراءة غير مشهورة، إلا أن النصب في ﴿أطهرَ﴾ هاهنا اشتهر ذكره، فأردت أن أذكر ما قيل فيه. والألف في قوله: ﴿أطهر﴾ ليس لتفضيل (٢) نكاح البنات على نكاح الرجال في الطهارة (٣)؛ لأنه لا طهارة في نكاح الرجال البتة، ولكن هذا كقولنا: الله أكبر ولم يكابر الله أحد، وكقول النبي - ﷺ - لعمر لما قال أبو سفيان يوم أحد: اعلُ (٤) هبل، قال: الله أعلى وأجل (٥)، ولا مقارنة بين الله وبين الصنم، ولهذا نظائر كثيرة.\nقوله تعالى: ﴿وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي﴾، قال الكلبي عن ابن عباس (٦): لا تفضحون في أضيافي (٧)، يريد: أنهم إذا هجموا على أضيافه بالمكروه لحقته الفضيحة، وقال بعض المفسرين (٨): ﴿وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي﴾ أراد لا\n_________\n(١) انظر: \"الكتاب\" ٢/ ٣٩٧، \"البحر المحيط\" ٥/ ٢٤٧، \"الدر المصون\" ٤/ ١١٧ - ١١٨، \"إملاء ما منَّ به الرحمن\" ٢/ ٤٣.\n(٢) هذا النص منقول عن الثعلبي ٧/ ٥١ ب.\n(٣) ساقط من (ي).\n(٤) في (ب): (أعلى).\n(٥) أخرجه البخاري (٤٠٤٣) في المغازي، باب غزوة أحد: لما انكشف المسلمون، وظن المشركون أن النبي - ﷺ - قتل وفيه نداء أبي سفيان وإجابة عمر له، فقال أبو سفيان: اعل هبل. فقال - ﷺ -: أجيبوه، قالوا: ما نقول؟ قال: قولوا: فذكره، وأحمد ١/ ٤٦٣، ٤/ ٢٩٣.\n(٦) \"زاد المسير\" ٤/ ١٣٨.\n(٧) ساقط من (ي).\n(٨) الثعلبي ٧/ ٥١ ب، البغوي ٤/ ١٩٢.","vol":"11","page":499},{"text":"تسوؤون (١) فيهم.\nقال أبو بكر (٢): ومعنى هذا لا تفعلوا بأضيافي فعلا يلزمني الاستحياء منه؛ لأن مُضَيِّف الضيف يلزم الاستحياء من كل فعل قبيح يوصل إلى ضيفه، فتخزوني من باب الاستحياء؛ من قولهم: خزي الرجل خزاية إذا استحيا، والضيف هاهنا نائب عن الأضياف، كما ناب الطفل عن الأطفال في قوله: ﴿أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا﴾ [النور: ٣١]، ويجوز أن يكون الضيف مصدرًا مستغنى عن جمعه؛ كقولهم: رجال صوم، وسنذكر اشتقاق الضيف وفعله عند قوله: ﴿فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا﴾ [الكهف: ٧٧] إن شاء الله.\nوقوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾، قال الكلبي (٣) وابن إسحاق (٤): [يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وهو معنى قول ابن عباس (٥): رجل رشيد] (٦): يقول الحق ويرد هؤلاء عن أضيافي، وعلى هذا: (رشيد) بمعنى (مرشد)، قال أبو بكر (٧): ويجوز أن يكون (رشيد) بمعنى (مرشد) أي: أليس فيكم رجل مرشد قد أسعده (٨) الله بما منحه من\n_________\n(١) في (ب): (تشوروني).\n(٢) \"زاد المسير\" ٤/ ١٣٨.\n(٣) \"تنوير المقباس\" ص ١٤٣.\n(٤) الطبري ١٢/ ٨٦، البغوي ٤/ ١٩٢، وقد روى هذا القول عن ابن عباس وأبي مالك كما في \"الدر\" ٤/ ٤٥٨، \"زاد المسير\" ٤/ ١٣٩.\n(٥) الثعلبي ٧/ ٥١ ب، البغوي ٤/ ١٩٢.\n(٦) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).\n(٧) \"زاد المسير\" ٤/ ١٣٩.\n(٨) في (ب): (أستعده).","vol":"11","page":500},{"text":"الرشاد يصرفكم عن هذه الخزية؟ فيكون ﴿رَشِيدٌ﴾ هاهنا كالحكيم، في قوله: ﴿الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾ [يونس: ١] بمعنى المحكم، والقول الأول عليه أهل التفسير.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1670>٧٩ </span>- قوله تعالى: ﴿قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ﴾، قال عطاء عن ابن عباس (١): يريد من شهوة، وقال الكلبي (٢): من حاجة. جعلوا تناول ما لا حاجة لهم فيه بمنزلة تناول ما لا حق لهم فيه.\nوقال ابن (٣) إسحاق: لسن لنا بأزواج فنستحقهن، وهذا القول أولى؛ لأنه رد على ظاهر اللفظ حين قال لهم: ﴿هَؤُلَاءِ بَنَاتِي﴾. فقالوا: لسن لنا بأزواج، وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ﴾. قال عطاء (٤): وإنك تعلم أنا نريد الرجال لا النساء، وقال الكلبي (٥): يريدون عملهم الخبيث.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1671>٨٠ </span>- وقوله تعالى: ﴿قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً﴾. قال المفسرون (٦): أغلق لوط بابه والملائكة معه في الدار، وهو يناظرهم ويناشدهم من وراء الباب، وهم يعالجون تسور الجدار، فقال لوط: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً﴾، قال\n_________\n(١) البغوي ٤/ ١٩٢.\n(٢) \"زاد المسير\" ٤/ ١٣٩، البغوي ٤/ ١٩٢.\n(٣) في (ي): (أبو) والصحيح ما أثبته، وانظر: \"زاد المسير\" ٤/ ١٣٩، البغوي ٤/ ١٩٢، الثعلبي ٧/ ٥١ ب، الطبري ١٢/ ٨٦.\n(٤) \"زاد المسير\" ٤/ ١٣٩، ونقله الطبري عن السدي ١٢/ ٨٦، الثعلبي ٧/ ٥١ ب، البغوي ٤/ ١٩٢.\n(٥) \"تنوير المقباس\" ص ١٤٣.\n(٦) الثعلبي ٧/ ٥٢ أ، البغوي ٤/ ١٩٢، \"زاد المسير\" ٤/ ١٤٠، القرطبي ٩/ ٧٨.","vol":"11","page":501},{"text":"ابن عباس (١) في رواية عطاء: لو أن معي جماعة أقوى بها عليكم، وقال في رواية الكلبي (٢): القوة: الولد وولد الولد، وعلى هذا جعل ما يتقوى به قوة، كما سمى العدة من السلاح قوة في قوله: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠].\nوقال آخرون: أراد بالقوة: القدرة على دفعهم ومنعهم، هذا معني قول مقاتل (٣)، قال: القوة البطش.\nوقوله تعالى: ﴿أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ﴾، [قال ابن الأنباري] (٤): عطف آوي على القوة؛ لأن القوة مصدر، والمصدر يتأول بـ (أن) وتكون (أن) بمعناه (٥) فيقال: يعجبني قيامك ويعجبني أن تقوم، فنسق ﴿آوِي﴾ على القوة؛ لأن معه (أن) مُقدرة وتلخيصه: لو أن لي أتقوى أو أن آوي، فلما فقد المستقبل (أن) وقع بالزيادة التي في أوله ومثله (٦):\nللبس عباءة وتقر عيني ... أحب إلى من لبس الشفوف\nعلى تقدير لأن (٧) ألبس وأن (٨) تقر عيني، ومعنى ﴿آوِي﴾ أرجع\n_________\n(١) \"زاد المسير\" ٤/ ١٣٩، البغوي ٤/ ١٩٢.\n(٢) \"تنوير المقباس\" ص ١٤٣.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ١٤٨ أ.\n(٤) ما بين المعقوفين ساقط من (ي).\n(٥) في (ب): (معناه).\n(٦) القائل ميسون بنت بحدل الكلبية، والبيت في: \"الخزانة\" ٣/ ٥٩٣، ٦٢١، السيوطي ص ٢٢٤، \"الدر\" ٢/ ١٠٠، \"المحتسب\" ١/ ٢٣٦، \"شرح شذور الذهب\" ص ٣٨١، \"سر صناعة الإعراب\" ١/ ٢٧٣، \"شرح شواهد الإيضاح\" ص ٢٥٠، \"اللسان\" (مسن) ٦/ ٤٢٠٥، \"المقاصد النحوية\" ٤/ ٣٩٧.\n(٧) في (ي): (لا أن).\n(٨) ساقط من (ي).","vol":"11","page":502},{"text":"وأضم؛ يقال: فلان يأوي إلى قوة وإلى ثروة.\nوقوله تعالى: ﴿إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾، الركن: كل ناحية قوية من نواحي الجبل والدار والقصر ونحو ذلك، وركن الرجل قوته وعُدده الذين يعتز بهم، وهو المراد في هذه الآية. قال ابن عباس (١) في قوله: ﴿إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾: يريد (٢): من العشيرة أو مؤمنين معي.\nوقال ابن إسحاق (٣): شيعة تمنعني وعشيرة تنصرني، وهذا قول جميع المفسرين وأهل التأويل: أن المراد بالركن الشديد هاهنا العشيرة، قال قتادة (٤): وذكر لنا أن الله لم يبعث نبيًا بعد لوط إلا في عز من قومه ومنعة من عشيرته، وقد رُوي عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"يرحم الله لوطًا لقد كان يأوي إلى ركن شديد، ولكنه -﵇- عني العشيرة\" (٥).\nقال أبو بكر: أراد رسول الله - ﷺ - ما كان يرجع إليه لوط من عون الله له ودفع المكروه عنه، وروى الأثرم (٦) عن أبي عبيدة (٧) في قوله: ﴿إِلَى رُكْنٍ\n_________\n(١) هذا القول رواه الطبري ١٢/ ٨٧ عن قتادة، وذكره البغوي ٢/ ١٩٢، وأخرجه ابن أبي حاتم ٦/ ٢٠٦٤ عن ابن عباس. وانظر: \"الدر\" ٣/ ٦٢١.\n(٢) ساقط من (ب).\n(٣) الطبري ١٢/ ٨٧، الثعلبي ٧/ ٥٢ أ.\n(٤) الطبري ١٢/ ٨٧.\n(٥) أخرجه البخاري (٣٢٧٢) كتاب: الأنبياء، باب: قول الله -﷿-: ﴿وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ﴾ \"الفتح\" ٦/ ٤٧٣، وأخرجه مسلم رقم (١٥١) كتاب: الإيمان، باب: زيادة طمأنية القلب بتظاهر الأدلة، وفي الفضائل ح (١٥٢) ٤/ ١٨٣٩، والترمذي (٣١١٦) كتاب: التفسير، باب: ومن سورة يوسف. وقال حديث حسن، والطبري ١٢/ ٨٧ - ٨٨، والحاكم ٢/ ٥٦١. وقال: حديث صحيح على شرط مسلم.\n(٦) هو: أبو بكر الأثرم صاحب الإمام أحمد.\n(٧) \"مجاز القرآن\" ١/ ٢٩٤.","vol":"11","page":503},{"text":"شَدِيدٍ﴾. قال: إلى عشيرة عزيزة (١) كثيرة منيعة وأنشد (٢):\nأو (٣) آوي (٤) إلى رُكْنٍ مِنَ الأَرْكَانِ ... في عدد طَيسٍ ومجدٍ ثان\nالطيس الكثير، والثاني المقيم. وجواب (لو) محذوف. قال محمد بن إسحاق (٥): لو أن لي بكم قوة معناه: لحُلْتُ بينكم وبين المعصية. وحذف الجواب هاهنا أبلغ (٦)؛ لأنه يحضر النفس ضروب المنع، واستقصاء هذا قد سبق في قوله: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ﴾ [الأنعام: ٢٧] (٧). وهذه الآية بيان عن حال المحق إذا رأى منكرًا لا يمكنه إزالته من التحسير على قوة أو معين على دفعه لحرصه على طاعة ربه وجزعه من معصيته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1672>٨١ </span>- قوله تعالى: ﴿قَالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ﴾. قال المفسرون (٨): لما رأت الملائكة ما لقي لوط من الكرب والنصب بسبب الدفع عنهم، قالوا:\n_________\n(١) في (ب): (شديدة).\n(٢) بيتان من الرجز وهما بلا نسبة. انظر: \"مجاز القرآن\" ١/ ٢٩٤، الطبري ١٢/ ٨٨، \"زاد المسير\" ٤/ ١٠٩، وهو فيها جميعًا هكذا (يأوي) وهو الصواب حتى لا ينكسر البيت.\n(٣) ساقط من (ي).\n(٤) في (ي): (يأوى).\n(٥) \"زاد المسير\" ٤/ ١٣٩.\n(٦) ساقط من (ي).\n(٧) قال: وقد حذف الجواب تفخيمًا للأمر وتعظيمًا. وجاز حذفه لعلم المخاطب بما يقتضي. ونقل عن ابن جني ما يبين أن هذا أبلغ في اللغة من إظهار الجواب. انظر: \"سر صناعة الإعراب\" ٢/ ٦٤٩.\n(٨) الطبري ١٢/ ٩٠، الثعلبي ٧/ ٥٢ أ، البغوي ٤/ ١٩٢ - ١٩٣، \"زاد المسير\" ٤/ ١٤٠.","vol":"11","page":504},{"text":"يا لوط إن ركنك لشديد، وإنهم آتيهم عذاب غير مردود، وإنَّا رسل ربك لن يصلوا إليك، فافتح الباب ودعنا وإياهم، ففتح الباب فدخلوا، فضرب جبريل بجناحه وجوههم، فطمس أعينهم وأعماهم فصاروا لا يعرفون الطريق، ولا يهتدون إلى بيوتهم، وذلك قوله [تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ﴾ [القمر: ٣٧]، ومعنى] (١) ﴿لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ﴾ أي: بسوء ومكروه فإنَّا نحول بينهم وبين ذلك، وقالوا له: ﴿فَاسْرِ بِأَهْلِكَ﴾ وقرئ (٢) بقطع الألف وهما لغتان، يقال: سريت بالليل وأسريت.\nوأنشد أبو عبيد لحسان (٣):\nأسرت إليك ولم تكن تسري\nفجاء باللغتين، وجاء بيت النابغة (٤):\n_________\n(١) ما بين المعقوفين ساقط من (ي).\n(٢) قرأ ابن كثير ونافع ﴿فاسر بأهلك﴾ من سريت، بغير همز، وقرأ أبو عمرو وعاصم، وابن عامر وحمزة والكسائي ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ﴾ من أسريت. انظر: \"السبعة\" ص ٣٣٨، \"إتحاف\" ص ٢٥٩، \"الكشف\" ١/ ٥٣٥، \"الحجة\" ٤/ ٣٦٧، الطبري ١٢/ ٨٠، الثعلبي ٧/ ٥٢ ب.\n(٣) عجز بيت، وصدره:\nإن النضيرة ربة الخدر\n\"ديوانه\" ص ٩٦، \"اللسان\" (سرا) ٤/ ٢٠٠٣، \"المخصص\" ٩/ ٤٨، ١٤/ ٢٤٠، \"تاج العروس\" (سرا) وبلا نسبة في \"مقاييس اللغة\" ٣/ ١٥٤.\n(٤) صدر بيت للنابغة الذبياني، وعجزه:\nتزجي الشمالُ عليه جامد البرد\nوسرت إذا أمطرت، وقوله: (من الجوزاء سارية) كقولك: سقينا بنوء كذا وكذا، أي. أصابة المطر ليلًا، و(تزجي) تسوق وتدفع على الثور جامد البرد، انظر: =","vol":"11","page":505},{"text":"سرت إليه من الجوزاء سارية\nيروى بالوجهين سرت وأسرت.\nقال الأزهري: وهذا ما لا أعلم فيه بين أهل اللغة اختلافًا، فمن قرأ بقطع الألف فحجته قوله: ﴿أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء: ١] ومن قرأ بوصل الألف (١) فحجته قوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ﴾ [الفجر: ٤].\nوقوله تعالى: ﴿بِأَهْلِكَ﴾، روى السدي عن (٢) أبي مالك: لم يؤمن بلوط إلا ابنتاه، الكبرى اسمها ربه والصغرى اسمها عروبة، فالأهل على هذا ابنتاه.\nوقوله تعالى: ﴿بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾، ذكرنا معنى القطع في سورة يونس (٣)، قال عطاء عن ابن (٤) عباس: [يريد: في ظلمة الليل.\nوقال نافع بن الأزرق (٥) لعبد الله بن عباس] (٦): أخبرني عن قول\n_________\n= \"ديوانه\" ص ١١ \"شرح ابن السكيت\"، \"مجاز القرآن\" ١/ ٢٩٥، \"مختار الشعر الجاهلي\" ١/ ١٥٠، \"اللسان\" (سرت) ٤/ ٢٠٠٣، القرطبي ٩/ ٧٩، \"مجمل اللغة\" ٣/ ٤٧٩.\n(١) في (ب): ومن قرأ بالوصل.\n(٢) \"زاد المسير\" ٤/ ١٤١، وذكر أن اسم الكبرى (ريَّة) بالياء المثناة.\n(٣) عند قوله تعالى: ﴿كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا﴾ [الآية ٢٧]. وقال هناك: \"القِطْع: اسم لما قطع فسقط، ويراد به هاهنا بعض من الليل\".\n(٤) الطبري ١٢/ ٩٣، عن ابن عباس قال: جوف الليل، وفي رواية أخرى: بطائفة من الليل. وابن أبي حاتم ٦/ ٢٠٦٥، وذكره عنهما السيوطي في \"الدر\" ٣/ ٦٢٣ وزاد نسبته إلى ابن المنذر.\n(٥) هو: نافع بن الأزرق بن قيس الحنفي، رأس الأزارقة وهي فرقة من الخوارج، كان أمير قومه وفقيههم صحب أول أمره ابن عباس وله معه أسئلة مشهورة. انظر: \"تاريخ الطبري\" ٥/ ٦١٣، \"الأعلام\" ٧/ ٣٥١.\n(٦) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).","vol":"11","page":506},{"text":"الله -﷿- (بقطع من الليل)، قال: هو آخر (١) الليل، بسحر (٢).\nوقال قتادة (٣): بعد طائفة من الليل.\nوقال بعض أهل المعاني: هو نصف الليل؛ فإنه قطع بنصفين.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ﴾، نهى من معه من الالتفات إذا خرجوا من قريتهم، قال مجاهد (٤): لا ينظروا وراءهم كأنهم تعبدوا بذلك.\nوقوله تعالى: ﴿إِلَّا امْرَأَتَكَ﴾، قرئ بالنصب (٥) والرفع؛ فمن قرأ بالنصب -وهو الاختيار- جعلها مستثناة من الإهلال على معنى فأسر بأهلك إلا امرأتك، والذي يشهد بصحة هذه القراءة أن في قراءة (٦) عبد الله (فأسر بأهلك إلا امرأتك) وليس بينهما ﴿وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ﴾، ومن رفع المرأة حمله على (ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك)، فإن قيل: على هذا هذه القراءة توجب أنها أمرت بالالتفات؛ لأن القائل إذا قال: لا يقم\n_________\n(١) ابن الأنباري في \"الوقف والابتداء\" ١/ ٨٥، وانظر: \"الدر\" ٣/ ٦٢٣، \"زاد المسير\" ٤/ ١٤٢، مسائل نافع بن الأزرق في \"الإتقان\" ١/ ١٦٧.\n(٢) في (ي): (سحرًا).\n(٣) الطبري ١٢/ ٩٣، عبد الرزاق ٢/ ٣٠٩.\n(٤) الطبري ١٢/ ٩٣، وابن أبي حاتم ٦/ ٢٠٦٥، وابن المنذر كما في \"الدر\" ٣/ ٦٢٣، \"زاد المسير\" ٤/ ١٤٢.\n(٥) قرأ نافع وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائي بالنصب، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بالرفع، انظر: \"السبعة\" ص ٣٣٨، \"الكشف\" ١/ ٥٣٦، \"إتحاف\" ص ٢٥٩، الطبري ١٢/ ٨٠، الثعلبي ٧/ ٥٢ ب.\n(٦) الطبري ١٢/ ٨٩، الثعلبي ٧/ ٥٢ ب، البغوي ٤/ ١٩٣، القرطبي ٩/ ٨٠، \"الدر المنثور\" ٣/ ٦٢٣.","vol":"11","page":507},{"text":"منكم أحد إلا زيد، كان أمر زيدًا بالقيام.\nقال أبو بكر (١): معنى (٢) ﴿إِلَّا﴾ هاهنا الاستثناء المنقطع على معنى ولا يلتفت منكم أحد لكن امرأتك تلتفت، فيصيبها ما أصابهم، فإذا كان الاستثناء منقطعًا كان التفاتها بمعصية منها لله -﷿-، ويؤيد هذه القراءة ما قال قتادة (٣): ذكر لنا أنها كانت مع لوط حين خرج من القرية، فلما سمعت [هدة العذاب] (٤) التفتت وقالت: يا قوماه، فأصابها حجر فأهلكها. وقال مقاتل بن سليمان (٥): ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك فإنها تلتفت وهذا يدل على أنه خرج بامرأته ثم التفتت، ويقوى وجه الرفع؛ لأن من نصب لا يُجوِّز أن تكون خارجة (٦) مع أهله؛ لأن الاستثناء يكون من الأهل، كأنه أمر لوط بأن يخرج بأهله ويترك هذه المرأة فإنها هالكة في جملة من يهلك.\nقال أبو بكر: والاختيار النصب؛ لأن الناصبين أخرجوا المرأة من الأهل، فكان الاستثناء متصلًا، والرافعين جعلوا الاستثناء منقطعًا، والاتصال أولى من الانقطاع.\n_________\n(١) \"زاد المسير\" ٤/ ١٤٢.\n(٢) في (ي): (معناه).\n(٣) \"زاد المسير\" ٤/ ١٤٢، الطبري ١٢/ ٩٠ - ٩١.\n(٤) ما بين المعقوفين ساقط من (ي).\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ٤٨ أ، الطبري ١٢/ ٨٩، الثعلبي ٧/ ٥٢ ب، البغوي ٤/ ١٩٣، \"زاد المسير\" ٤/ ١٤٢.\n(٦) في (ي): حاله.","vol":"11","page":508},{"text":"قال أبو علي (١): ويجوز في قول من نصب أن يكون الاستثناء من ﴿وَلَا يَلْتَفِتْ﴾ على قول من قال (ما جاءني أحد إلا زيدًا) وقد بينا هذا في قوله: ﴿مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾ في قراءة من قرأ: ﴿قَلِيلًا﴾ (٢)، وإن جعلت الاستثناء من ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ﴾ لم يكن إلا النصب، ووجه التفسير في قراءة من قرأ بالنصب ما قاله المفسرون (٣): أن الملائكة قالوا للوط فأسر بأهلك إلا امرأتك فلا تسر بها وخلفها مع قومها فإنَّ هواها إليهم.\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ﴾، الكناية في قوله: ﴿إِنَّهُ﴾ كناية عن الشأن والأمر، تأويلها فإنَّ الأمر مصيبها ما أصابهم.\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ﴾، [أي: للعذاب. قال عامة المفسرين (٤): لما قالوا للوط إن موعدهم الصبح] (٥)، قال: أريد أعجل من ذلك بل الساعة يا جبريل، فقال (٦) له: أليس الصبح بقريب، قالوا: فخرج لوط بأهله عند طلوع الفجر، فلما طلع الفجر احتمل جبريل مدينتهم حتى أدناها من السماء بما فيها ثم نكسوا على رءوسهم وأتبعهم الله الحجارة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1673>٨٢ </span>- فذلك قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا﴾. قال ابن عباس (٧):\n_________\n(١) \"الحجة\" ٤/ ٣٧٠.\n(٢) قرأ بهذه القراءة ابن عامر، انظر: \"السبعة\" ص ٢٣٥، \"الكشف\" ١/ ٣٩٢.\n(٣) الثعلبي ٧/ ٥٢ ب، الطبري ١٢/ ٨٩ ورجحه، البغوي ٤/ ١٩٣.\n(٤) الثعلبي ٧/ ٥٢ ب، \"زاد المسير\" ٤/ ١٤٢، البغوي ٤/ ١٩٣، القرطبي ٩/ ٨١.\n(٥) ما بين المعقوفين ساقط من (ي).\n(٦) في (ي): (فقالوا).\n(٧) الثعلبي ٧/ ٥٢ ب، \"زاد المسير\" ٤/ ١٤٣، البغوي ٤/ ١٩٣، القرطبي ٩/ ٨١.","vol":"11","page":509},{"text":"عذابنا، وعلى هذا يكون الأمر نفس الإهلاك.\nوقال آخرون (١): يعني: جاء أمرنا الملائكة بالعذاب. ﴿جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا﴾، قال ابن عباس وعامة المفسرين (٢): أدخل جبريل جناحه الواحد تحت مدائن قوم لوط حتى قلعها وصعد بها إلى السماء حتى سمع أهل السماء نهيق الحمير، ونباح الكلاب، وصياح الديوك، لم ينكفئ لهم جرة، ولا ينكسر لهم إناء، ثم غشاها بالجناح الآخر بالحجارة، فذلك قوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى﴾ [النجم: ٥٣]، يريد: أهوى بها جبريل ﴿فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى﴾ [النجم: ٥٤]، يريد غشاها جبريل بالحجرة وكانت خمس مدائن فدمرت وقلبت ظهرًا لبطن إلا (زغر) (٣) وحدها تركها الله فضالا منه لعيال لوط، والكناية ﴿عَالِيَهَا﴾ تعود إلى المؤتفكة والمؤتفكات وهي مذكورة في موضع من القرآن وإن لم تذكر هنا، فإذا ذكرت قصتهم وأعيدت الكناية إليها عرف ذلك ويستغنى عن إعادتها.\nوقوله تعالى: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا﴾، الإمطار: إحدار المطر من السماء، وأنزلت الحجارة على هؤلاء بدل المطر، والكناية في عليها يجوز أن تعود على القرية (٤) كما عادت في ﴿عَالِيَهَا﴾، ويجوز أن تعود على قوم لوط؛ لأن العرب تُعيد الهاء والألف على جميع الذكران إذا كان غير مختص\n_________\n(١) الطبري ١٢/ ٨٩، \"زاد المسير\" ٤/ ١٤٣.\n(٢) الثعلبي ٧/ ٥٢ ب، البغوي ٤/ ١٩٣، ابن عطية ٧/ ٣٦٩، \"زاد المسير\" ٤/ ١٤٣، القرطبي ٩/ ٨١.\n(٣) زُغَر بوزن: زُفَر، قرية بمشارف الشام، وقيل: زُغَر اسم بنت لوط -﵇-، نزلت بهذه القرية فسميت باسمها. انظر: \"معجم البلدان\" ٣/ ١٤٢، ١٤٣.\n(٤) في (ي): (قوم لوط).","vol":"11","page":510},{"text":"بالواو والنون، و[الياء والنون] (١)، تقول: الرجال لقيتها والقوم حضرتها، قال الله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ﴾ [الشعراء: ١٠٥]. فأنث الفعل، ويؤكد هذا الوجه قوله في الحجر: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ﴾ [آية: ٧٤] فكنى عنهم بالهاء والميم.\nوقوله تعالى: ﴿حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ﴾؛ اختلفوا في السجيل، والذي عليه أعظم أهل التفسير أنه معرب عن (سنك كل) (٢) وهو قول ابن عباس (٣) وقتادة (٤) وسعيد بن جبير (٥).\nقال أهل اللغة (٦): هذا فارسي، والعرب لا تعرف هذا.\nقال أبو إسحاق (٧): والذي عندي في هذا التفسير أنه فارسي أعرب، ومن كلام الفرس ما لا يحصى مما قد أعربته العرب نحو جاموس وديباج، ولا ينكر أن يكون هذا مما أعرب.\n_________\n(١) ما بين المعقوفين ساقط من (ي).\n(٢) وضع على الكاف من كلا الكلمتين ثلاث نقط وذلك علامة على أن الكاف تنطق كالجيم القاهرية في اللغة الفارسية. انظر كتاب: \"كيف تتعلم الفارسية\".\n(٣) أخرجه ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر كما في \"الدر\" ٣/ ٦٢٤، وابن أبي حاتم ٦/ ٢٠٦٨، والثعلبي ٧/ ٥٣ أ، البغوي ٤/ ١٩٤، القرطبي ٩/ ٨٢.\n(٤) المروي عن قتادة قوله السجيل: الطين، انظر: الطبري ١٢/ ٩٤، عبد الرزاق ٢/ ٣٠٩، وأبا الشيخ كما في \"الدر\" ٤/ ٣٦٤، البغوي ٤/ ١٩٤، القرطبي ٩/ ٨٢، الثعلبي ٧/ ٥٣ أ.\n(٥) الطبري ١٢/ ٩٤، الثعلبي ٧/ ٥٣ أ، \"زاد المسير\" ٤/ ١٤٤، البغوي ٤/ ١٩٤، القرطبي ٩/ ٨٢.\n(٦) \"تهذيب اللغة\" (سجل) ٢/ ١٦٣٤.\n(٧) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٧٠.","vol":"11","page":511},{"text":"وقد أعاد الله تعالى ذكر هذه الحجارة فقال: ﴿لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ﴾ فقد سمَّى للعرب ما عني بسجيل، وهذا القول اختيار الفراء (١)، وابن قتيبة (٢) قالا: ﴿مِنْ سِجِّيلٍ﴾ من طين قد طبخ حتى صار كالآجر فهو (سنك كل) بالفارسية، ونحو هذا قال الليث (٣) في تفسير السجيل: إنه حجارة كالمدر وهو دخيل معرب، وقال الضحاك (٤): يعني: الآجر.\nوقال الحسن (٥): كأن أصل الحجارة طينًا، فشددت. وهذه الأقوال كلها سواء.\nوقال ابن زيد (٦): ﴿مِنْ سِجِّيلٍ﴾ أي: من السماء الدنيا وهي تسمى سجيل.\nوقال عكرمة (٧): هو بحر في الهواء معلق بين الأرض والسماء منه أنزلت الحجارة.\nوحكى الزجاج (٨) عن بعضهم (٩) أنه فعيل من أسجلته أي: أرسلته،\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" ٢/ ٢٤.\n(٢) \"مشكل القرآن وغريبه\" ١/ ٢١٢.\n(٣) \"اللسان\" (سجل) ٤/ ١٩٤٦.\n(٤) الثعلبي ٧/ ٥٣ أ، \"زاد المسير\" ٤/ ١٤٤، البغوي ٤/ ١٩٤، القرطبي ٩/ ٨٢.\n(٥) الطبري ١٢/ ٩٥، الثعلبي ٧/ ٥٣ أ، البغوي ٤/ ١٩٤، القرطبي ٩/ ٨٢.\n(٦) الطبري ١٢/ ٩٤، الثعلبي ٧/ ٥٣ أ، \"زاد المسير\" ٤/ ١٤٤، البغوي ٤/ ١٩٤، القرطبي ٩/ ٨٢.\n(٧) الثعلبي ٧/ ٥٣ أ، \"زاد المسير\" ٤/ ١٤٤، القرطبي ٩/ ٨٢.\n(٨) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٧١.\n(٩) ساقط من (ي).","vol":"11","page":512},{"text":"وكأنها (١) مرسلة عليهم، قال: وقيل سجيل: كقولك من سجل أي: مما كتب لهم أن يعذبوا بها، قال: وهذا القول أحسن الأقوال عندي.\nوقال أبو عبيدة (٢): السجيل عند العرب: الشديد، وأنشد لابن مقبل (٣):\nضربًا تواصى به الأبطال سجينًا\nورد هذا القول عليه من وجهين: أحدهما: قوله ﴿مِنْ سِجِّيلٍ﴾، ولو كان معناه ما ذكر لقيل حجارة سجيلا، والآخر: ما ذكره ابن قتيبة (٤)، فقال: لست أدرى ما (سجيل) من (سجين) وذلك باللام وهذا بالنون، وإنما سجين في بيت ابن مقبل فعيل من سجنت أي: حبست، كأنه ضربٌ يثبت صاحبه بمكانه أي: يحبسه مقتولا، وفعيل يأتي لمن دام منه الفعل، نحو فسيق وسكيت كذلك سجين ضرب يدوم منه الإثبات والحبس.\nوأما ابن الأعرابي (٥) فإنه رواه سخينًا أي: سخنًا يعني: حارًّا.\n_________\n(١) في (ب): (وكأنه).\n(٢) \"مجاز القرآن\" ١/ ٢٩٦.\n(٣) عجز بيت لابن مقبل، وصدره:\nوَرَجلة يضربون البَيْض عن عُرُض\nرجلة: جمع رجل، البيض: جمع بيضة، هو الحديد الذي يلبس للوقاية في الحرب، وفي العجز \"تواصت\" انظر: \"ديوانه\" ص ٣٣٣، \"مجاز القرآن\" ١/ ٢٩٦، الطبري ١٢/ ٩٤، \"اللسان\" (سجل) ٤/ ١٩٤٦، \"جمهرة أشعار العرب\" ص ٣١٠، \"منتهى الطالب\" ص ٤٤، \"المعاني الكبير\" ص ٩٩١، \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٦٣٤، ٢/ ١٦٣٦، \"جمهرة اللغة\" ص ٤٦٤، ١١٩٢، \"مقاييس اللغة\" ٣/ ١٣٧، \"مجمل اللغة\" ٢/ ٤٨٧.\n(٤) \"مشكل القرآن وغريبه\" ص ٢١١.\n(٥) \"تهذيب اللغة\" (سجن) ٢/ ١٦٣٦.","vol":"11","page":513},{"text":"قال أبو بكر بن الأنباري (١): وهذا الإلزام لا يفسد قوله، أما زيادة (من)، فإن سجيلا وصف لموصوف مضمر معناه حجارة من عذاب سجيل، فلا ينكر على هذا دخول (من) ويجوز أن تدخل (من) في الكلام زيادة للتوكيد، كقوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ [محمد: ١٥]، وقوله تعالى: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ [الأحقاف: ٣١]، وقوله: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور: ٣٠]، وأما إنكار ابن قتيبة عليه فقد فسر أبو عمرو (٢) السجين في بيت ابن مقبل بأنه الشديد، فإذا صح الشديد في معنى السجين لم ينكر إبدال النون باللام كقول الشاعر (٣):\nبكل مُدجَّج كالليث يسموا ... على أوصال ذيَّال رِفَنِّ\nأردا: رفل فأبدل اللام بالنون (٤).\nوقوله تعالى: ﴿مَنْضُودٍ﴾ هو مفعول من النضد، وهو وضع الشيء بعضه على بعض، ومعناه في قول أكثر المفسرين: الذي يتلو بعضه بعضًا عليهم، فذلك نضده، ونحو هذا قال الزجاج (٥)، وقال قتادة (٦):\n_________\n(١) هذا القول ذكره النحاس في \"معاني القرآن\" ٣/ ٣٧٠.\n(٢) \"تهذيب اللغة\" (سجل) ٢/ ١٦٣٤.\n(٣) النابغة الذبياني في \"ديوانه\" ص ١٣٨، وبلا نسبة في \"ديوان الأدب\" ٢/ ٣، ونسبه في \"اللسان\" (رفن) ٣/ ١٦٩٧ إلى الجعدي وهو في \"ديوانه\" ٢٤٩، \"تهذيب اللغة\" ١٤٤٦ (زمن)، \"مقاييس اللغة\" ٢/ ٣٦٦، قال البطليوسي في \"الاقتضاب\" ص ٣٣٩: هذا البيت للنابغة الجعدي، وهو من الشعر المنحول له.\n(٤) ساقط من (ي).\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٧٢.\n(٦) الطبري ١٢/ ٩٥، الثعلبي ٧/ ٥٣ ب، \"زاد المسير\" ٤/ ١٤٥، القرطبي ٩/ ٨٣، عبد الرزاق ٢/ ٣٠٩.","vol":"11","page":514},{"text":"﴿مَنْضُودٍ﴾ المصفوف، وهذا القول كالقول الأول. وقال الربيع (١): هو الذي نضد بعضه على بعض، يعني: حتى صار حجرًا، يريد: أنه قد جمع أجزاؤه، ونحو هذا قال مقاتل بن سليمان (٢)، ﴿مَنْضُودٍ﴾: الملزق بعضه ببعض، وقال أبو بكر الهذلي (٣): معناه مُعَدّ للظَّلَمة. فقد حصل في المنضود ثلاثة أقوال:\nأحدها: أن الحجارة بعضها فوق بعض في النزول تأتي تباعًا.\nالثاني: أن كل حجر منضود بجمع أجزائه، حتى صار بالقدر الذي أراد الله أن يكون على ذلك القدر.\nالثالث: أنها حجارة من سجيل منضود بعضه فوق بعض في السماء، مخلوق للظلمة، معد لهم، والذي أمطر (٤) على قوم لوط كان من جملة تلك الحجارة المعدة التي نضد بعضها فوق بعض، وفي قوله ﴿مَنْضُودٍ﴾ دليل على صحة القول الأول في سجيل، وهو قول أكثر المفسرين؛ لأن المنضود من صفة السجيل، وإنما يصح أن يكون وصفًا له إذا كان السجيل مُعَرَّبًا من (سك كل) وعلى سائر الأقوال لا يصح أن يكون المنضود من\n_________\n(١) الطبري ١٢/ ٩٥، الثعلبي ٧/ ٥٣ ب، \"زاد المسير\" ٤/ ١٤٥، القرطبي ٩/ ٨٣، عبد الرزاق ٩/ ٢٠٥.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ١٤٨ أ.\n(٣) الطبري ١٢/ ٩٥، الثعلبي ٧/ ٥٣ ب، القرطبي ٩/ ٨٣.\nوأبو بكر الهذلي هو: البصري، اسمه سُلمى بن عبد الله، وقيل: اسمه روح، روى عن الحسن وابن سيرين والشعبي وعكرمة وهو ضعيف الحديث. توفي سنة ١٦٧ هـ. انظر: \"ميزان الاعتدال\" ٦/ ١٠٠٥، \"تهذيب التهذيب\" ٤/ ٤٩٨.\n(٤) في (ي): (أمطرنا).","vol":"11","page":515},{"text":"نعت السجيل، إلا أن يقال على بُعد إنَّ المنضود من نعت قوله حجارة ولكن أجرِي في اللفظ والإعراب على سجيل بحق الجوار، كقولهم (١):\nحُجْر ضَبٍّ خَرِبٍ.\nوكقوله (٢):\nكبيرُ أناسٍ في بجادٍ مزمَّلِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1674>٨٣ </span>- قوله تعالى: ﴿مُسَوَّمَةً﴾ هي من نعت قوله: ﴿حِجَارَةً﴾ ومعناها المعلمة، ومضى الكلام في مثلها عند قوله: ﴿وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ﴾ [آل عمران: ١٢٥] (٣). وقوله: (مسومين) (٤).\nواختلفوا في كيفية تلك العلامة، فقال الحسن (٥) والسدي (٦):\n_________\n(١) الشاهد أنهم أجروا خرب على ضب، وهو في الحقيقة صفة للحجر؛ لأن الضب لا يوصف بالخراب. انظر: \"الإنصاف\" لابن الأنباري ص ٨٣.\n(٢) عجز بيت لامرئ القيس، وصدره:\nكأن ثبيرًا في عرانين وَبْله\nانظر: \"ديوانه\" ص ١٢٢، السيوطي ص ٢٩٨، \"الخزانة\" ٢/ ٣٢٧، ٣/ ٦٣٩، \"الخصائص\" ١/ ١٩٢، ٣/ ٢٢١، \"المحتسب\" ٢/ ١٣٥، \"أمالي ابن الشجري\" ١/ ١٣٤، \"تذكرة النحاة\" ص ٣٠٨، \"اللسان\" (زمل) ٣/ ١٨٦٤، \"مغني اللبيب\" ٢/ ٥١٥.\n(٣) وذكر هنا أقوالًا في معنى (المسومة):\n١ - الواعية.\n٢ - المعلمة.\n٣ - الحسان.\n(٤) قال في هذا الموضع: أي معلمين، قد سوَّموا فهم مسوّمين، والسُّومة العلامة يفرق بها الشيء من غيره.\n(٥) الثعلبي ٧/ ٥٣ ب، البغوي ٤/ ١٩٤.\n(٦) الطبري ١٢/ ٩٦، الثعلبي ٧/ ٥٣ ب، البغوي ٤/ ١٩٤.","vol":"11","page":516},{"text":"مختومة، وهو اختيار أبي عبيدة (١)، والقتبي (٢) قالا: كان عليها أمثال الخواتيم.\nوقال قتادة وعكرمة (٣): كان بها نضح من حمرة، وهو قول أبي صالح (٤)، والحسن (٥)، واختيار الفراء (٦)؛ قال أبو صالح: رأيت منها عند أم هانئ، وهي حجارة فيها خطوط (٧) حمر على هيئة الجَزْع.\nقال الحسن: كانت معلمة ببياض وحمرة، وقال الفراء: زعموا أنها كانت مخططة بحمرة في بياض، وذلك تسويمها، وأجمل ابن جريج (٨) القول في تلك العلامة ولم يذكر كيفيتها فقال: كانت (٩) عليها سيما لا تشاكل (١٠) حجارة الأرض، واختاره الزجاج (١١) قال: مسومة بعلامة يعلم بها أنها ليست من حجارة أهل الدنيا.\n_________\n(١) في (ب): (عبيد)، انظر: \"مجاز القرآن\" ١/ ٢٩٧.\n(٢) هو ابن قتيبة، انظر: \"مشكل القرآن وغريبه\" ص ٢١٣.\n(٣) الطبري ١٢/ ٩٥، عبد الرزاق ٢/ ٣٠٩، أبو الشيخ كما في \"الدر\" ٣/ ٦٢٥، \"زاد المسير\" ٤/ ١٤٥.\n(٤) \"زاد المسير\" ٤/ ١٤٥.\n(٥) \"زاد المسير\" ٤/ ١٤٥.\n(٦) \"معاني القرآن\" ٢/ ٢٤.\n(٧) في (ب): (خطط).\n(٨) الطبري ١٢/ ٩٥، الثعلبي ٧/ ٥٣ ب، \"زاد المسير\" ٤/ ١٤٦، البغوي ٤/ ١٩٤ وأبو الشيخ كما في \"الدر\" ٣/ ٦٢٥.\n(٩) ساقط من (ج).\n(١٠) ساقط من (ي).\n(١١) \"معانى القرآن وإعرابه\" ٣/ ٧٢.","vol":"11","page":517},{"text":"قال أهل المعاني: جعل فيها علامات تدل على أنها معدة للعذاب، وذلك أملأ للنفوس وأهول في الصدور، وقال الربيع (١): مكتوب على كل حجر اسم من رمي به.\nوقوله تعالى: ﴿عِنْدَ رَبِّكَ﴾ أي: في خزائنه التي لا يُتصرف في شيء منها إلا بإذنه (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾، يعني: كفار قريش، قال مجاهد (٣): يرهبهم بها، وقال قوم (٤): يعني كل ظالم وكافر من ذلك الوقت إلى يوم القيامة، قال قتادة (٥): والله ما أجار الله منها ظالمًا بعد قوم لوط، وحكى الفراء (٦): يعني: قوم لوط، أي أنها لم تكن لتخطئهم.\nقال ابن الأنباري على هذا القول: وإنما ذكر هذا بعد تبيين الله تعالى نزول العذاب بهم توكيدًا للمعنى السابق، كما قال: ﴿الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦]، والأكثرون على أن المراد به من ظالمي هذه الأمة\n_________\n(١) الثعلبي ٧/ ٥٣ ب وعزاه السيوطي لابن جرير وابن أبي حاتم ٦/ ٢٠٦٩، وأبو الشيخ كما في \"الدر\" ٣/ ٦٢٥، وفي الطبري ١٢/ ٩٦ عن الربيع قال: عليها سيما خطوط. وكذا عند ابن أبي حاتم.\n(٢) \"زاد المسير\" ٤/ ١٤٦.\n(٣) الطبري ١٢/ ٩٦، الثعلبي ٧/ ٥٣ ب، وابن المنذر وابن أبي حاتم ٦/ ٢٠٦٩، وأبو الشيخ كما في \"الدر\" ٣/ ٦٢٥.\n(٤) رُوي عن عكرمة أيضًا كما في الطبري ١٢/ ٩٦، والربيع أخرجه ابن أبي حاتم ٦/ ٢٠٧٠، وأبو الشيخ عنه كما في \"الدر\" ٣/ ٦٢٥، وغيرهم. البغوي ٤/ ١٩٤.\n(٥) الطبري ١٢/ ٩٦، الثعلبي ٧/ ٥٣ ب، وابن أبي حاتم ٦/ ٢٠٧٠، وأبو الشيخ كما في \"الدر\" ٣/ ٦٢٦، والبغوي ٤/ ١٩٤، و\"زاد المسير\" ٤/ ١٤٦.\n(٦) \"معاني القرآن\" ٢/ ٢٥.","vol":"11","page":518},{"text":"وهم كفارها، روي عن أنس أنه قال: سأل رسول الله - ﷺ - جبريل (١) عن هذا فقال: يعني ظالمي أمتك، ما من ظالم منهم إلا وهو بعرض حجر يسقط عليه من ساعة إلى ساعة (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1675>٨٤ </span>- قوله تعالى: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ﴾ الآية، قد ذكرنا في سورة [الأعراف: ٨٥] أن (مدين) اسم لابن إبراهيم (٣)، ثم صار اسمًا للقبيلة، وكثير من المفسرين يذهب إلى أن (مدين) اسم مدينة بناها مدين بن إبراهيم. قال ابن الأنباري: وإلى هذا المعنى ذهب الفراء (٤) وأنشد (٥):\nرهبان مدينَ لو رأوك تنزلوا ... والعُصْمُ من شَعَفِ العقول الفارد\nقال الزجاج (٦): والمعنى على هذا: وأرسل إلى أهل مدين فحذف الأهل.\n_________\n(١) ساقط من (ب).\n(٢) أخرجه الطبري عن قتادة ١٢/ ٩٦، كما سبق، وأخرجه أيضًا عن أبي بكر الهذلي قال: يقول: \"وما هي من الظالمين ببعيد\" فلا يأمنها منهم ظالم، ١٥/ ٤٤٠ رقم (١٨٤٤٧).\n(٣) في (ي): (ابن إبراهيم).\n(٤) \"معاني القرآن\" ٢/ ٣٠٤، ومدين مدينة على بحر القُلزُم محاذية لتبوك على نحو من ست مراحل. انظر: \"معجم البلدان\" ٥/ ٧٧.\n(٥) القائل هو كثير، و(العُصْمُ) جمع الأعصم وهو الوعل، و(العقول) جمع عقل وهو الملجأ وشعف العقول رءوسها وأعاليها، والفارد: الوعل المسن أو الشاب، \"معجم البلدان\" (مدين) ٥/ ٧٧، \"معاني القرآن\" ٢/ ٣٠٤، وينسب لجرير وهو في \"ديوانه\" ص ٣٠٨، \"اللسان\" (رهب) ٣/ ١٧٤٨، \"تاج العروس\" (رهب) ٢/ ٤٢، وقافيته (الفادر).\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٧٢.","vol":"11","page":519},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ﴾، نهاهم عن التطفيف وبخس الحق في المكيال، وهو ما يكال به، والميزان وهو ما يوزن به، ونقص المكيال أن يجعله على حد هو أنقص مما هو المحدود والمعهود فيما بينهم، ونقص الميزان أن يجعل السنجات (١) التي يوزن بها أخف، وما يوزن به فهو ميزان، والسنجات يوزن بها (٢)، ولا يتصور نقص الميزان في الكفتين.\nوقوله تعالى: ﴿إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ﴾. قال عامة المفسرين (٣): يعني النعمة والخصب وكثرة المال وزينة الدنيا، ومعنى قوله: ﴿إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ﴾ بعد نهيهم (٤) عن التطفيف يحتمل وجهين:\nأحدهما: ما قال المفسرون (٥) أنه حذرهم غلاء السعر وزوال النعمة [إن لم يتوبوا فكأنه قال: لا تطففوا فيحل بكم العذاب وزوال النعمة] (٦).\nوالآخر: ما ذكره الفراء (٧) قال: أراد: لا تنقصوا المكيال وأموالكم كثيرة يعني بعد أن أنعم الله عليكم برخص السعر وكثرة المال، فأي حاجة\n_________\n(١) السنجات التي توضع في \"الميزان\" لتبين قدر الموزون، ولقال: صنجة بالصاد وبالسين أفصح، فارسي معرب. انظر: \"تهذيب اللغة\" (سنج) ٢/ ١٧٦٨، \"اللسان\" (سنج) ٤/ ٢١١٢.\n(٢) ساقط من (ي).\n(٣) الطبري ١٢/ ٩٩، الثعلبي ٧/ ٥٤ أ، \"زاد المسير\" ٤/ ١٤٧.\n(٤) في (ي): (نهيكم).\n(٥) روى الطبري ١٢/ ٩٨ - ٩٩ هذا القول عن ابن عباس والحسن، البغوي ٤/ ١٩٥، \"زاد المسير\" ٤/ ١٤٧.\n(٦) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).\n(٧) \"معاني القرآن\" ٢/ ٢٥.","vol":"11","page":520},{"text":"بكم إلى التطفيف وسوء الكيل والوزن؟\nوقوله تعالى: ﴿وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ﴾، توعدهم بعذاب يحيط بهم، فلا يفلت منهم أحد، والمحيط من صفة اليوم في الظاهر، وهو في المعنى من صفة (١) العذاب (٢)، وذلك أن يوم العذاب إذا أحاط بهم [فقد أحاط بهم] (٣) العذاب (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1676>٨٥ </span>- قوله تعالى: ﴿وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ﴾ أي: أتموها بالعدل، والإيفاء: الإتمام، والوفاء: التمام، وكل شيء بلغ التمام فقد وفي، وهذا يدل على صحة التفسير الذي ذكرنا في قوله: ﴿وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ﴾؛ لأنه قال أوفوا المكيال والميزان، ولو أراد إيفاء المكيل والموزون لقال: أوفوا بالمكيال والميزان.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1677>٨٦ </span>- قوله تعالى: ﴿بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ﴾. قال ابن عباس (٥): ما أبقى الله لكم من الحلال بعد إيفاء الكيل والوزن خير من البخس والتطفيف، يعني: من تعجيل النفع بالبخس في المكيال والميزان، والمعنى على هذا القول: الذي يبقيه الله لكم من الحلال عند إعراضكم عن الحرام: أبقى (٦) لأموالكم في الدنيا وأصلح لأحوالكم في الآخرة.\n_________\n(١) في (ي): (الموصوف).\n(٢) ساقط من (ي).\n(٣) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).\n(٤) الطبري ١٢/ ١٠١ نحوه.\n(٥) ذكره الطبري ١٢/ ١٠١ ثم قال: وهذا قول رُوي عن ابن عباس بإسناد غير مرتضى عند أهل النقل، الثعلبي ٧/ ٥٤ أ، البغوي ٤/ ١٩٥، \"زاد المسير\" ٤/ ١٤٨.\n(٦) في (ي): (أنمى).","vol":"11","page":521},{"text":"وقال الحسن (١) ومجاهد (٢): بقية الله: طاعة الله، وعلى هذا معني البقية: الطاعة والمسارعة إلى الخيرات؛ وذلك لأنه يبقى ثوابها أبدًا. وقال قتادة (٣): حظكم من ربكم خير لكم.\nقال ابن الأنباري: وتفسير البقية على هذا التأويل حظهم من الله وما يجب عليهم من تطلب (٤) رضاه بما يتعبدهم به، سميت بقية؛ لأنها تبقى ولا تبيد.\nوقوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، قال أهل المعاني (٥): شرط الإيمان في كونه خيرًا لهم؛ لأنهم (٦) إن كانوا مؤمنين بالله عرفوا صحة ما يقول، وأيضًا فإنه يكون خيرًا لهم إذا كانوا مؤمنين.\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾، ذهب بعضهم أنه قال هذا؛ لأنه لم يؤمر بقتالهم وإكراههم (٧) على الإيمان، وقد أحكمنا شرح هذا في\n_________\n(١) المروي عن الحسن هو قوله: (رزق الله خير لكم من بخسكم الناس) أخرجه أبو الشيخ كما في \"الدر\" ٣/ ٦٢٧، وابن أبي حاتم ٦/ ٢٠٧٢.\n(٢) الطبري ١٢/ ١٠٠، الثعلبي ٧/ ٥٤ أ، البغوي ٤/ ١٩٥، وابن أبي حاتم ٦/ ٢٠٧٢.\n(٣) الطبري ١٢/ ١٠١، عبد الرزاق ٢/ ٣١١، وابن أبي حاتم ٦/ ٢٠٧٢، وأبو الشيخ، كما في \"الدر\" ٣/ ٦٢٦، \"زاد المسير\" ٤/ ١٤٩.\n(٤) في (ي): (التطلب).\n(٥) \"زاد المسير\" ٤/ ١٤٩.\n(٦) ساقط من (ي).\n(٧) يفهم من هذا أن من الأنبياء من أمر أن يكره قومه على الإيمان، ونصوص الكتاب والسنة بخلاف ذلك، قال تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ [البقرة: ٢٥٦]. وقال: ﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٩٩]. وقال: ﴿أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ﴾ [هود: ٢٨]. فالدين ليس فيه إكراه لأنه يلزم فيه الإختيار، فلو آمن ظاهرًا خوفًا أو طمعًا فلا يصح إيمانه. انظر: الطبرى ١٢/ ٢٨ - ٢٩، ١٠١.","vol":"11","page":522},{"text":"سورة الأنعام في قوله: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الأنعام: ١٠٤] (١)، في آخر هذه الآية قال بعض أهل المعاني: إن شعيبًا دعاهم إلى حفظ النعمة بترك المعصية، ثم قال: ﴿وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾ أي: لا يحفظ النعمة عليكم إلا الله -﷿-، ولست الذي أحفظها عليكم فاتقوه بطاعته يحفظها عليكم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1678>٨٧ </span>- وقوله تعالى: ﴿قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾، وتقرأ (أصلاتك) على واحدة، وتوجيه القراءتين (٢) ذكرناه في سورة براءة (٣)، قال عطاء عن ابن عباس (٤): يريدون دينك يأمرك، وعلى\n_________\n(١) وخلاصة ما ذكره أنه قد جاءهم الحق الواضح البيّن الذي لا يحتاج معه إلى إكراه لأن مهمته البلاغ.\n(٢) قرأ حفص وحمزة والكسائي بالتوحيد، وقرأ الباقون بالجمع، وحجة من وحّد أن (الصلاة) بمعنى الدعاء، والدعاء صنف واحد وهي مصدر والمصدر يقع للقليل والكثير بلفظه، وحجة من جمع أنه قدر أن الدعاء مختلف أجناسه وأنواعه فجمع المصدر لذلك، انظر: \"الكشف\" ١/ ٥٠٧، \"السبعة\" ص ٣١٧، \"إتحاف\" ص ٢٥٩.\n(٣) عند قوله تعالى: ﴿إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [براءة: ١٠٣]. ونقل في توجيه القراءة ما ذكره أبو علي حيث قال: \"الصلاة مصدر يقع على الجميع والمفرد بلفظ واحد، كقوله سبحانه: ﴿لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ [لقمان: ١٩]، فإذا اختلفت جاز أن يجمع، لاختلاف ضروبه، كما قال: ﴿إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾. ومن المفرد الذي يراد به الجمع قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾ [الأنفال: ٣٥]، وقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]، والمصدر إذا سمي به صار بالتسمية وكثرة الاستعمال كالخارج عن حكم المصادر، وإذا جمعت المصادر إذا اختلفت نحو قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ﴾ فأنْ يُجْمَع ما صار بالتسمية كالخارج عن حكم المصادر أجدر.\n(٤) \"زاد المسير\" ٤/ ١٤٩ عن عطاء.","vol":"11","page":523},{"text":"هذا كنى عن الدين بالصلوات؛ لأنها من الدين مما كانوا يرونه يفعلها تدينًا، والمعنى: أفي دينك الأمر بذا؟ وهو معنى قول الحسن (١)، ورُوي عن ابن عباس (٢) أيضًا أنه قال: كان شعيب كثير الصلاة (٣) لذلك قالوا هذا.\nوقوله تعالى: ﴿أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾. قال الزجاج (٤): وهذا دليل (٥) على أنهم كانوا يعبدون غير الله -﷿-. قال صاحب النظم: قوله: ﴿أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ﴾ وليس للصلاة أمر ولا نهي، وهذا يحمل على أن تكون الصلاة (٦) سببًا للفعل المتصل بها، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥] من أجل صلاته؛ لأن الصلاة من الإيمان والإيمان مانع منهما، فقد صارت الصلاة سببًا للامتناع منهما، فيصح على هذا الترتيب أن يقال: الصلاة مانعة من ذلك وآمرة به، وكذلك قوله: ﴿أَصَلَاتُكَ﴾ أي: من أجل أنك تصلي تأمرنا أن نترك ما يعبد آباؤنا، أي: صلاتك تحملك على ذلك؟ فلذلك جاز أن يضاف الأمر إليها، فأما قوله: ﴿تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ﴾ أوقع الأمر على شعيب وهو في المعنى واقع على قومه، والتأويل: أصلاتك تأمرك أن تأمرنا أن نترك، فلما ذكر معنى الأمر أولًا اقتصر عليه ولم يُعد ذكره.\n_________\n(١) القرطبي ٩/ ٨٧.\n(٢) الثعلبي ٧/ ٥٤ أ، البغوي ٤/ ١٩٥، \"زاد المسير\" ٤/ ١٤٩، القرطبي ٩/ ٨٧.\n(٣) في (ي): (الصلوات).\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٧٢.\n(٥) ساقط من (ب).\n(٦) ساقط من (ب).","vol":"11","page":524},{"text":"وقوله تعالى: ﴿مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ وقد خلوا وماتوا وجاءت الحكاية عن فعلهم على وزن الاستقبال، والتأويل: إن شاء الله أن نترك ما كان يعبد آباؤنا، ومثله قوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ﴾ [البقرة: ١٠٢] أي كانت تتلوا.\nوقوله تعالى: ﴿أَوْ أَنْ نَفْعَلَ﴾، قال ابن الأنباري (١): (أن) منسوقة على (ما) في قوله ﴿مَا يَعْبُدُ﴾ على تقدير أو نترك أن نفعل وهذا قول الفراء (٢) والزجاج (٣)، وزاد الفراء قولًا آخر شرحه أبو بكر، وهو: أن تكون (أن) منصوبة بفعل مضمر يراد به تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا وتنهانا أن نفعل، فدل الأمر على النهي، فحذف كما حذف البرد لما دل عليه الحر في قوله ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ (٤)، ومعنى قوله ﴿أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ﴾ قال الكلبي (٥): أي من البخس والظلم ونقص المكيال والميزان، وهو اختيار الزجاج (٦)؛ قال: المعنى: إنا قد تراضينا بالبخس فيما بيننا.\nوقال ابن عباس (٧) في رواية عطاء: يريد قطع الدنانير والدراهم، وهو\n_________\n(١) في (ي): (ابن عباس)، وانظر: \"زاد المسير\" ٤/ ١٥٠.\n(٢) \"معاني القرآن\" ٢/ ٥٢.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٧٣.\n(٤) النحل:٨١.\n(٥) نقله ابن الجوزي عن ابن عباس، \"زاد المسير\" ٤/ ١٥٠، وانظر: \"تنوير المقباس\" ١٤٤.\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٧٣.\n(٧) \"البحر المحيط\" ٥/ ٢٥٣ عن ابن المسيب.","vol":"11","page":525},{"text":"قول القرظي (١) وزيد بن أسلم (٢)؛ قالوا: كان ينهاهم عن ذلك.\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾، قال ابن عباس (٣). يريدون: السفيه الجاهل، وعلى هذا كنوا بالحليم الرشيد عن السفيه الجاهل.\nقال أبو بكر: وهذا التفسير مشاكل للغة (٤)؛ لأن العربي يقول لمخاطبه إذا استحمقه: يا عاقل من يقول هذا غيرك؟ يريد يا أحمق، ويقول لمن يستجهله: يا حليم فكر (٥) فيما تسمع، يعني يا جاهل.\nقال الشاعر (٦):\nفقلت لسيدنا يا حليم ... إنك لم تأس أسواء (٧) رفيقًا\nفآخر البيت يدل على أنه استجهله وخاطبه بالحلم كانيا عن غيره، وهذا قول مقاتل بن سليمان (٨) قال: معناه: إنك لأنت السفيه الضال، وقال الحسن وابن جريج (٩) والكلبي وابن زيد وأكثر أهل التأويل: هذا\n_________\n(١) الطبري ١٢/ ١٠٢، \"زاد المسير\" ٤/ ١٥٠، وابن المنذر كما في \"الدر\" ٣/ ٦٢٧، \"البحر المحيط\" ٥/ ٢٥٣.\n(٢) الطبري ١٢/ ١٠٢، \"زاد المسير\" ٤/ ١٥٠، القرطبي ٩/ ٨٨، وأبو الشيخ كما في \"الدر\" ٣/ ٦٢٧.\n(٣) الثعلبي ٧/ ٥٤ ب، البغوي ٤/ ١٩٥، \"زاد المسير\" ٤/ ١٥٠.\n(٤) في (ب): (اللغة).\n(٥) ساقط من (ب).\n(٦) البيت لشييم بن خويلد كما في \"اللسان\" (خفق) ٢/ ١٢١٤.\n(٧) في (ب): (تأسوا سواء).\n(٨) \"تفسير مقاتل\" ١٤٨ ب.\n(٩) الطبري ١٢/ ١٠٣.","vol":"11","page":526},{"text":"على طريق الاستهزاء بشعيب.\nوقال ابن كيسان (١): هذا على طريق الصحة، قالوا له: إنك فينا حليم رشيد فليس يليق بك شق عصا قومك ومخالفة دينهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1679>٨٨ </span>- قوله تعالى: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾، مضى هذا في موضعين من هذه السورة (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا﴾، قال ابن عباس وأكثر المفسرين (٣): يعني حلالا، وروى الكلبي (٤): أن شعيبًا كان كثير المال، قال ابن الأنباري: اعتد بكثرة المال نعمة من الله تعالى لما كان حلالًا سليمًا من التبعات، وقال جماعة من المفسرين: الرزق الحسن هاهنا: الهدى والتوفيق للرشد.\nقال أبو إسحاق (٥) وغيره: جواب (إن) هاهنا محذوف لعلم المخاطب، المعنى: إنْ كنت على بينة من ربي ورزقني المال الحلال، [أتّبع الضلال فأبخس وأطفف، يريد أن الله قد أغناه بالمال الحلال] (٦) وذكرنا معنى هذا الشرط في قصة نوح (٧).\n_________\n(١) الثعلبي ٧/ ٥٤ ب، \"زاد المسير\" ٤/ ١٥٠، ورجحه القرطبي ٩/ ٨٧.\n(٢) هود ٢٨، ٦٣.\n(٣) انظر: الطبري ١٢/ ١٠٣، البغوي ٤/ ١٩٦، \"زاد المسير\" ٤/ ١٥١، القرطبي ٩/ ٨٩، \"البحر المحيط\" ٥/ ٢٥٤.\n(٤) ذكره في \"زاد المسير\" ٤/ ١٥١ وعزاه لابن عباس، وذكره البغوي ٤/ ١٩٦ ولم يعزه.\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٣٣، وانظر الثعلبي ٧/ ٥٤ ب، \"زاد المسير\" ٤/ ١٥١ البغوي ٤/ ١٩٦.\n(٦) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).\n(٧) عند قوله تعالى: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾ [هود: ٢٨].","vol":"11","page":527},{"text":"قوله تعالى: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾، [قال ابن عباس (١): يريد وما أريد أن أفعل ما أنهاكم عنه] (٢)، وقال قتادة (٣): لم أكن لأنهاكم عن أمر ثم أرتكبه، ومعنى هذا القول أنه يقول: لا أنهى عن قبيح وأفعله كمن ليس مستنظرًا (٤) فيه، قال أبو إسحاق (٥): أي لست أنهاكم عن شيء وأدخل فيه، وإنما أختار لكم ما أختار لنفسي، وتلخيص معنى اللفظ: وما أخالفكم بالقصد إلى [ما أنهاكم عنه؛ يقال: خالفه إلى] (٦) ذلك الأمر إذا أتاه (٧) مخالفًا له.\nوقال أبو بكر: بَيَّنَ أن الذي يدعوهم إليه من اتباع طاعة الله، وترك البخس والتطفيف، هو مما يرتضيه لنفسه ولا ينطوي إلا عليه، فكان بهذا ماحضًا لهم النصيحة، إذ اختار لهم ما اختاره لنفسه.\nوقوله تعالى: ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ﴾ أي ما أريد إلا الإصلاح فيما بيني وبينكم بأن تعبدوا الله وحده وتفعلوا كما يفعل من يخاف الله، قاله ابن عباس.\nقوله تعالى: ﴿مَا اسْتَطَعْتُ﴾، مفعول الاستطاعة محذوف تقديره ما استطعته، أي ما استطعت الإصلاح، واستطاعة الإصلاح هو الإبلاغ\n_________\n(١) \"تنوير المقباس\" ص ١٤٤.\n(٢) ما بين المعقوفين ساقط من (ي).\n(٣) الطبري ١٢/ ١٠٣، البغوي ٤/ ١٩٦، \"زاد المسير\" ٤/ ١٥١، الثعلبي ٧/ ٥٤ ب، ابن أبي حاتم ٦/ ٢٠٧٤، أبو الشيخ كما في \"الدر\" ٣/ ٦٢٧.\n(٤) في (ي): (مستنصرًا)، ولعل الصواب \"مستبصرًا\".\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٧٣.\n(٦) ما بين المعقوفين ساقط من (ي).\n(٧) في (ب): (أراه).","vol":"11","page":528},{"text":"والإنذار فقط، ولا يستطيع إجبارهم على الطاعة، وهذا معنى قول أبي إسحاق (١)؛ لأنه قال في قوله ﴿مَا اسْتَطَعْتُ﴾: أي بقدر طاقتي، [وقدر طاقتي] (٢) إبلاغكم وإنذاركم، ولست قادرًا على إجباركم على الطاعة، ثم أعلم أنه لا يقدر هو ولا غيره على الطاعة إلا بتوفيق الله جل وعز، فقال: ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾، أي أرجع إليه في المعاد في قول ابن عباس (٣) ومجاهد (٤).\nوقال الحسن (٥): إليه أرجع بعملي ونيتي، وروي أن رسول الله - ﷺ - كان إذا ذكر شعيبًا قال: \"ذاك خطيب الأنبياء\" (٦) لحسن مراجعته قومه.\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٧٣.\n(٢) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).\n(٣) الثعلبي ٧/ ٥٤ ب، البغوي ٤/ ١٩٦، القرطبي ٩/ ٩٠.\n(٤) الطبري ١٢/ ١٠٣، والبغوي ٤/ ١٩٦، وابن أبي حاتم ٦/ ٢٠٧٤، وأبو الشيخ كما في \"الدر\" ٣/ ٦٢٨.\n(٥) انظر: \"تفسير كتاب الله العزيز\" ٢/ ٢٤٤.\n(٦) أخرجه الحاكم في \"المستدرك\" ٢/ ٦٢٠ عن محمد بن إسحاق قال: \"وشعيب بن ميكائيل النبي - ﷺ -، بعثه الله نبيًا، فكان من خبره، وخبر قومه ما ذكر الله في القرآن. وكان رسول الله - ﷺ - إذا ذكره قال: \"ذاك خطيب الأنبياء لمراجعته قومه\" سكت عنه الذهبي في \"التلخيص\"، وفيه سلمة بن الفضل بن الأبرش، قال في \"الميزان\": ٢/ ١٩٢: (ضعفه ابن راهويه، وقال البخاري: في حديثه بعض المناكير، وقال ابن معين: كتبنا عنه وليس في المغازي أتم من كتابه، وقال النسائي: ضعيف، وقال أبو حاتم: لا يحتج به).\nوالحديث ذكره السيوطي في \"الدر\" ٣/ ٥٠٤ وقال: أخرجه ابن أبي حاتم والحاكم عن ابن إسحاق قال ذكر لي يعقوب بن أبي سلمة أن رسول الله - ﷺ - كان إذا ذكر شعيبًا =","vol":"11","page":529},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1680>٨٩ </span>- قوله تعالى: ﴿وَيَا قَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي﴾، قال ابن عباس (١) والحسن (٢) وقتادة (٣): لا يحملنكم، وقال الفراء (٤) والزجاج (٥): لا يكسبنكم، وقد مرَّ في سورة المائدة (٦).\nقوله تعالى: ﴿شِقَاقِي﴾ أي خلافي وعداوتي.\nوقوله تعالى: ﴿أَنْ يُصِيبَكُمْ﴾، (أن) في محل النصب؛ لأنه المفعول الثاني لقوله: ﴿يَجْرِمَنَّكُمْ﴾.\nومعنى الآية (٧): لا تكسبنكم معاداتكم إياي أن يصيبكم عذاب العاجلة ﴿مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ﴾ من الغرق ﴿أَوْ قَوْمَ هُودٍ﴾ من الريح العقيم ﴿أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ﴾ من الرجفة والصيحة.\n﴿وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ﴾، قال ابن عباس (٨): يريد (٩): قد كنتم\n_________\n= قال: \"ذاك خطيب الأنبياء لحسن مراجعته قومه فيما يرادهم به، فلما كذبوه وتوعدوه بالرجم والنفي من بلاده، وعتوا على الله، أخذهم عذاب يوم الظلة ... إلخ\".\n(١) ذكر هذا القول من غير عزو الثعلبي ٧/ ٥٤ ب، البغوي ٤/ ١٩٦.\n(٢) القرطبي ٩/ ٩٠.\n(٣) الطبري ١٢/ ١٠٤، والقرطبي ٩/ ٩٠، وابن أبي حاتم ٦/ ٢٠٧٤، وأبو الشيخ كما في \"الدر\" ٣/ ٦٢٨.\n(٤) \"معاني القرآن\" ٢/ ٢٦.\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٧٤.\n(٦) عند قوله تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ﴾ [آية: ٢].\n(٧) ساقط من (ي).\n(٨) إسحاق بن بشر، وابن عساكر كما في \"الدر\" ٣/ ٦٢٨ - ٦٢٩.\n(٩) ساقط من (ي).","vol":"11","page":530},{"text":"لهم جيرانا وقرابة، وقد رأيتم ما أصيبوا به وما صاروا إليه من سخط الله وعذابه، فعلى هذا أراد: ليسوا ببعيد في الدار والنسب.\nوقال قتادة (١): ﴿وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ﴾ في الزمان الذي بينكم وبينهم، واختاره الزجاج فقال (٢): كان إهلاك قوم لوط أقرب الإهلاكات التي عرفوها، فكأنه قال لهم: العظة في قوم لوط قريبة منكم.\nقال ابن الأنباري: فعلى القول الأول (٣) كأنه يقول (٤): إنكم للعذاب الواقع بهم أذكر وأحفظ منكم لما لحق الأمم السالفة؛ لأن دارهم أقرب إلى داركم، فبحفظكم ذلك يلزمكم الإشفاق والحذر من مثل مصرعهم، وعلى القول الثاني كأنه يقول: إن وقتهم أقرب إليكم من أوقات من مضى من المهلكين، ولقرب وقتهم منكم ما يجب أن تراعوا وتحاذروا، ووحد البعيد (٥) على القول الأول؛ لأنه أراد: وما قوم لوط منكم بمكان بعيد، ويجوز أن يكون وَحَّده على لفظ القوم؛ لأنه على لفظ الواحد، وأنشد (٦):\nلو أن قومي حين تدعوهم حمل\nعلى الجبال الصم لارفض الجبل\nولم يقل حملوا.\n_________\n(١) الطبري ١٢/ ١٠٤، عبد الرزاق ٢/ ٣١١، \"الدر\" ٣/ ٦٢٩، ابن أبي حاتم ٦/ ٢٠٧٥ بنحوه.\n(٢) ساقط من (ي)، وانظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٧٤.\n(٣) ساقط من (ي).\n(٤) في (ب): (قال).\n(٥) قاله ابن الأنباري انظر: \"زاد المسير\" ٤/ ١٥١\n(٦) بيتان من الرجز لم أهتد إلى قائلهما. انظر: \"شرح المفصل\" ٩/ ٨٠.","vol":"11","page":531},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1681>٩٠ </span>- قوله تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾، قال أهل المعاني: معناه: اطلبوا المغفرة بأن تكون غرضكم، ثم توصلوا إليه بالتوبة، وهو ترتيب حسن وقد مرَّ هذا في أول السورة (١).\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ﴾، قال ابن عباس (٢): بأوليائه ومن صدق أنبياءه.\n﴿وَدُودٌ﴾ (٣)، قال الفراء (٤): يقال (٥): ودِدت أوَد هذا أفضل الكلام وقال بعضهم وددت و(يفعل) منها يود لا غير، قال الكسائي (٦): وسمعت ودَدت بالفتح وهي قليلة، وأنكر البصريون ودَدت وهو لحن عندهم.\nقال الزجاج (٧): قد علمنا أن الكسائي لم يحك وددت إلا وقد سمعه، [ولكنه سمعه] (٨) ممن لا يكون قوله حجة.\nقال ابن الأنباري (٩): الودود في أسماء الله المجيب لعباده، من قولهم: وددت الرجل أوده وَدا ووُدا ووَدادا ووِدادًا ووِدادة ووَدادة.\n_________\n(١) آية:٤.\n(٢) \"تنوير المقباس\" ص ١٤٤.\n(٣) ساقط من (ي).\n(٤) \"تهذيب اللغة\" (ود) ٤/ ٣٨٥٧.\n(٥) ساقط من (ي).\n(٦) \"تهذيب اللغة\" (ود) ٤/ ٣٨٥٧ ولم أجده من كلام الكسائي بل هو من كلام الفراء.\n(٧) \"تهذيب اللغة\" (ود) ٤/ ٣٨٥٧.\n(٨) ساقط من (ي).\n(٩) \"الزاهر\" ١/ ٨٨، ٨٩، \"زاد المسير\" ٤/ ١٥٢، \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٨٥٨، \"لسان العرب\" (ود) ٨/ ٤٧٩٤، وفيها (المحب لعبادة).","vol":"11","page":532},{"text":"وقال الأزهري (١) من كتاب \"شرح أسماء الله\": قال بعض أهل اللغة: يجوز أن يكون ودودٌ فعولًا بمعنى مفعول، كركوب وحلوب (٢) ومعناه: أن عباده الصالحين يودونه ويحبونه؛ لما (٣) عرفوا من فضله ولما سبغ عليهم من نعمائه، وكلتا الصفتين مدح؛ لأنه جل ذكره إنْ أحب عباده المطيعين فهو فضل منه، وإنْ أحبه عباده العارفون فلما تقرر عندهم من إحسانه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1682>٩١ </span>- قوله تعالى: ﴿قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ﴾ الآية، معنى الفقه في اللغة (٤): فهم الكلام بما تضمن من المعنى، وقد صار اسمًا لضرب من علوم الدين، فمعنى الفقه في اللغة الفهم، يقال: أوتي فلانٌ فقهًا في الدين، أي فهما، وقوله - ﷺ -: \"فقهه في الدين\" (٥) (٦) أي فقهه تأويله،\n_________\n(١) الكتاب مفقود، ذكره ياقوت \"معجم الأدباء\" ١٧/ ١٦٤، وأورده الداودي في طبقات المفسرين (٢/ ٦٥) بلفظ تفسير الأسماء الحسنى، وسماه صاحب \"كشف الظنون\" ٢/ ٥٠: \"شرح أسماء الله الحسنى\".\n(٢) في (ي): (حمول).\n(٣) في (ي): (بما).\n(٤) \"تهذيب اللغة\" (فقه) ٥/ ٤٠٤، ٤٠٥.\n(٥) في (ي): التأويل.\n(٦) أخرجه البخاري (١٤٣) كتاب: الوضوء، باب: وضع الماء عند الخلاء، بلفظ \"اللهم فقهه في الدين\" وأخرجه أحمد في أربعة مواضع بلفظ (اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل) ٤/ ١٢٧ برقم ٢٣٩٧، و٤/ ٣١٥ برقم ٢٨٨١، و٥/ ١٥ برقم ٣٠٣٣، و٥/ ٤١ برقم ٣١٠٢، وصححه أحمد شاكر في جميع المواضع السابقة، وأخرجه بلفظ (اللهم فقهه في الدين) دون زيادة (وعلمه التأويل) ٥/ ١٢ برقم ٣٠٢٣، وصححه أحمد شاكر.\nوأخرجه الطبراني في الكبير ١٠/ ٢٩١ بلفظ (اللهم أعطه الحكمة، وعلمه التأويل) =","vol":"11","page":533},{"text":"ونحو هذا قال ابن عباس والمفسرون (١) في قوله ﴿مَا نَفْقَهُ﴾: ما نفهم.\nفإن قيل: إن شعيبا كان يخاطبهم بلسانهم فلم قالوا ما نفقه؟\nقال أبو بكر (٢): فيه جوابان: أحدهما (٣): ما نفقه صحة كثير مما تقول، يعنون ما يذكر من التوحيد والبعث والنشور، وما يلزم من الزكاة، ويحظر من التطفيف، فزعموا أن هذا مما لا يفهمون صحته إذ كانوا منكرين دين شعيب، فحذفت الصحة وقام \"كثير\" مقامها، والثاني: أنهم كانوا يستثقلون سمع بعض (٤) ما يأتي به عن ربه تعالى من ذم الكفار وعيب ما يرتكبون، فكانوا كأنهم لا يفقهونه، كما تقول لمن تكره كلامه: ما أفهم ما تقول، وما أستطيع أن أسمع كلامك، وأنت [في الحقيقة] (٥) تفهم وتستطيع، إلا أن هذا باب من المجاز، استعملته العرب وعرف في خطابها.\nوقوله تعالى: ﴿وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا﴾، قال سعيد بن جبير (٦) وقتادة (٧): أعمى.\n_________\n= قال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" ٩/ ٤٥٠: رواه الطبراني وفيه من لم أعرفه. ورواه الطبراني في موضع آخر ١٠/ ٢٩٣ بلفظ (اللهم علمه التأويل وفقهه في الدين).\n(١) البغوي ٤/ ١٩٧، القرطبي ٩/ ٩١، ابن عطية ٧/ ٣٨٤.\n(٢) \"زاد المسير\" ٤/ ١٥٢.\n(٣) ساقط من (ي).\n(٤) ساقط من (ي).\n(٥) ما بين المعقوفين ساقط من (ي).\n(٦) الطبري ١٢/ ١٠٥، وأبو الشيخ وابن عساكر كما في \"الدر\" ٣/ ٦٢٩، و\"زاد المسير\" ٤/ ١٥٢، والقرطبي ٩/ ٩١، وابن أبي حاتم ٦/ ٢٠٧٦.\n(٧) \"زاد المسير\" ٤/ ١٥٢، القرطبي ٩/ ٩١ وروي هذا القول ابن أبي حاتم ٦/ ٢٠٧٦ عن سعيد بن جبير، والحاكم ٢/ ٥٦٨ وصححه والخطيب وابن عساكر عن ابن عباس، \"الدر\" ٣/ ٦٢٩.","vol":"11","page":534},{"text":"وقال سفيان (١): كان ضعيف البصر، وقال الزجاج (٢): حمير تسمي الضرير ضعيفًا؛ لأنه قد ضعف بذهاب بصره.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ﴾، قال أبو عبيد (٣) عن أبي زيد: النفر والرهط [ما دون العشرة من الرجال، وقال أبو العباس (٤): المعشر والنفر والقوم والرهط] (٥) معناهم الجمع لا واحد لهم من لفظهم، وهذا (٦) للرجال دون النساء، وقال الليث (٧): الرهط عدد يجمع من ثلاثة إلى عشرة، قال المفسرون (٨): لولا عشيرتك.\nوقوله تعالى: ﴿لَرَجَمْنَاكَ﴾، قال الأزهري (٩): الرجم القتل، وقد جاء في غير موضع من كتاب الله تعالى، وإنما قيل للقتل رجم؛ لأنهم كانوا (١٠) إذا قتلوا إنسانًا رموه بالحجارة حتى يموت، ثم قيل لكل قتل رجم، والرجم السب والشتم؛ ومنه قوله تعالى ﴿لَأَرْجُمَنَّكَ﴾ [مريم: ٤٦] أي\n_________\n(١) الطبري ١٢/ ١٠٥، والثعلبي ٧/ ٥٥ أ، وأبو الشيخ كما في \"الدر\" ٣/ ١٢٩ بلفظ قال: كان أعمى، والقرطبي ٩/ ٩١. وابن أبي حاتم ٦/ ٢٠٧٦ بلفظ كان ضعيفًا.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٧٤.\n(٣) \"تهذيب اللغة\" (رهط) ٢/ ١٤٨٨.\n(٤) \"تهذيب اللغة\" (رهط) ٢/ ١٤٨٨.\n(٥) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).\n(٦) في (ي): (وهو).\n(٧) \"تهذيب اللغة\" (رهط) ٢/ ١٤٨٨.\n(٨) الطبري ١٢/ ١٠٦، الثعلبي ٧/ ٥٥ أ، الزجاج ٣/ ٧٤، البغوي ٤/ ١٩٧، القرطبي ٩/ ٩١، ابن عطية ٧/ ٣٨٥.\n(٩) \"تهذيب اللغة\" (رجم) ٢/ ١٣٧٥.\n(١٠) في (ي): (قالوا).","vol":"11","page":535},{"text":"لأسبنك ولأشتمنك، والرجم: القول بالظن، ومنه قوله: ﴿رَجْمًا بِالْغَيْبِ﴾ [الكهف: ٢٢] والرجم اللعن، والشيطان الرجيم من هذا.\nقال ابن عباس (١) في قوله: ﴿لَرَجَمْنَاكَ﴾: لقتلناك.\nقال الزجاج (٢): والرجم من شر القتلات، وقال قوم من المفسرين (٣): لشتمناك وسببناك وطعنا عليك.\nقال أبو إسحاق (٤): وكان رهطه من أهل ملتهم؛ فلذلك أظهروا الميل إليهم، والإكرام لهم.\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ﴾، قال ابن عباس: يريد (٥): ما أنت علينا بمنيع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1683>٩٢ </span>- وقوله تعالى: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ﴾، قال ابن عباس (٦): يريد أمنع عليكم من الله، المنيع القوي، قال الزجاج (٧): وتأويله: أنتم تزعمون أنكم تتركون قتلي إكرامًا لرهطي، والله -﷿- أولى بأن يتبع أمره، كأنه يقول: حفظكم إياي في الله أولى منه في رهطي.\n_________\n(١) أخرجه إسحاق بن بشر وابن عساكر كما في \"الدر\" ٣/ ٦٢٨، الثعلبي ٧/ ٥٥ أ، البغوي ٤/ ١٩٧.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٧٤.\n(٣) رجحه الطبري ١٢/ ١٠٦، \"زاد المسير\" ٤/ ١٥٣، القرطبي ٩/ ٩١، ابن عطية ٧/ ٣٨٥.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٧٤.\n(٥) \"زاد المسير\" ٤/ ١٥٣، القرطبي ٩/ ٩١ من غير نسبه.\n(٦) \"زاد المسير\" ٤/ ١٥٣ بنحوه.\n(٧) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٧٤.","vol":"11","page":536},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا﴾، قال الليث (١): الظهري الشيء الذي تنساه وتغفل عنه، قال ابن عباس (٢): يريد ألقيتموه خلف ظهوركم وامتنعتم من قتلي مخافة قومي، والله أعز وأكبر من جميع خلقه.\nقال الفراء (٣): يقول رميتم أمر الله وراء ظهوركم، يعني تعظمون أمر رهطي، وتتركون أن تعظموا الله وتخافوه.\nوقال ابن الأنباري (٤): الظهري يقصد به هاهنا إلى الإهمال [والاطّراح تقول العرب: سألت فلانا حاجة فظهر بها] (٥)، وسألته حاجة فجعلها ظهرية، أهملها وطرحها (٦) ولم يلتفت إليها. وأنشد للفرزدق:\nتميمَ بنَ زيد لا تكونَنَّ حاجتي ... بظهر فلا يخفى عليّ جوابُها\nقال: معناه: لا تكون مهملة مطرحة، وقال قتادة (٧) في هذه الآية:\nأعززتم قومكم وظهرتم بربكم، قال أبو بكر: يريد بقوله ظهرتم: أهملتم وأعرضتم عن طاعته، وجميع أهل (٨) المعاني قالوا: الكناية في قوله: ﴿وَاتَّخَذْتُمُوهُ﴾ تعود إلى أمر الله، وما جاءهم به شعيب من الله تعالى، وهو في الظاهر يعود على اسم الله تعالى، ولكنه يعرف بالمعنى أن المراد منه\n_________\n(١) \"تهذيب اللغة\" (ظهر) ٣/ ٢٢٥٥.\n(٢) الطبري ١٢/ ١٠٦.\n(٣) \"معاني القرآن\" ٢/ ٢٦.\n(٤) \"الأضداد\" ٢٥٥.\n(٥) ما بين المعقوفين ساقط من (ي).\n(٦) ساقط من (ي).\n(٧) الطبري ١٢/ ١٠٦ - ١٠٧.\n(٨) \"معاني الفراء\" ٢/ ٢٦، \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ١/ ٢٩٨، \"معاني الزجاج\" ٣/ ٧٥، \"معانى النحاس\" ٣/ ٣٧٧.","vol":"11","page":537},{"text":"الأمر، كما تقول العرب: جعلتني خلف ظهرك ودبر أذنك، يريدون: جعلت أمري وحاجتي وكلامي.\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ أي خبير بأعمال العباد حتى يجازيهم، في قول جميع المفسرين (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1684>٩٣ </span>- قوله تعالى: ﴿وَيَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ﴾، المكانة الحال التي يتمكن بها صاحبها من عمله، قال ابن عباس: يريد اعملوا ما أنتم عاملون، وذكرنا هذا مستقصى في سورة الأنعام (٢). قال أهل المعاني: هذا تهديدٌ بصيغة الأمر، يقول: اعملوا على ما أنتم عليه، إني عامل على ما أنا عليه من طاعة الله، وسترون منزلتكم من منزلتي، وهذا معنى قوله: ﴿سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ﴾، وأسقط الفاء هاهنا من ﴿سَوْفَ﴾، وفي سورتي الأنعام [آية ١٣٥] والزمر [آية ٣٩] فسوف.\nقال ابن الأنباري (٣): وهما مذهبان معروفان للعرب وكلاهما صواب في القياس، إذا دخلت الفاء دلت على اتصال ما بعدها بما قبلها، وإذا سقطت بني الكلام على التمام، والذي بعده على الابتداء؛ كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا﴾ [البقرة: ٦٧] معناه: (فقالوا)، فحذفت (٤) الفاء بناء على تمام (٥) ما قبلها واستئناف ما بعدها، وإنما يمكن هذا في القرآن والشعر؛ لتطاول القصص والأخبار فيهما، فأما الألفاظ\n_________\n(١) الطبري ١٢/ ١٠٨، \"زاد المسير\" ٤/ ١٥٣، ابن عطية ٧/ ٣٨٧.\n(٢) آية ١٣٥. وخلاصة ما ذكره ما نقله ابن عباس هنا.\n(٣) \"زاد المسير\" ٤/ ١٥٣.\n(٤) في (ي): حذفت.\n(٥) في (ي): إتمام.","vol":"11","page":538},{"text":"القصار فلا يصلح سقوط الفاء كقول القائل: (قد قلت القبيح فيّ فستعلم عاقبته)، لا يجوز أن تسقط الفاء هاهنا؛ لأنه كلام قصير لا يتم فيه الأول ويستأنف الثاني، و(منْ) في محل النصب بقوله: ﴿تَعْلَمُونَ﴾.\nوقوله تعالى: ﴿عَذَابٌ يُخْزِيهِ﴾ أي يفضحه ويذله، وذلك أن العذاب يقع على وجهين؛ عذاب (١) فاضح وعذاب غير فاضح فالفاضح، أشد.\nوقوله تعالى: ﴿وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ﴾، قال الفراء (٢): إنما أدخلت العرب (هو) في قوله ﴿وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ﴾ لأنهم لا يقولون (من قائم) ولا (من قاعد)، إنما كلامهم: (من يقوم) و(من قام) أو (من القائم)، فلما كان قوله ﴿كَاذِبٌ﴾ غير معرفة ولا فعل أدخلوا (هو)، قال: وقد يجوز في الشعر (مَنْ قائم) وأنشد (٣):\nمَنْ شاربٌ مُرتجٌ بالكأس نادمني ... لا بالحَصور ولا فيها بسوَّار\nوقوله تعالى: ﴿وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ﴾، معنى الارتقاب: الانتظار، وهو طلب ما يأتي بتعليق النفس به، رقبه يرقبه رقوبًا، وارتقب ارتقابًا، وترقبه ترقبًا، قال ابن عباس (٤) يريد: ارتقبوا العذاب إني مرتقب من الله الرحمة والثواب.\n_________\n(١) في (ي): هذا عذاب.\n(٢) \"معاني القرآن\" ٢/ ٢٦.\n(٣) القائل هو الأخطل، والحصور: البخيل الممسك، والسوار: الذي تسور الخمرة في رأسه سريعًا، فهو يعربد ويثب على من يشاربه. \"ديوانه\" ١٦٨، \"معاني الفراء\" ٢/ ٢٦، \"المحتسب\" ٢/ ٢٤١، \"اللسان\" (حصر) ٢/ ٨٩٦، (سور) ٤/ ٢١٤٧، \"إصلاح المنطق\" ١٤٢، \"بغية الوعاة\" ١/ ١٠٥، وبلا نسبة في \"تذكرة النحاة\" ٣٣٢، و\"مجالس ثعلب\" ١/ ٥٧٧.\n(٤) \"زاد المسير\" ٤/ ١٥٤، القرطبي ٩/ ٩٢.","vol":"11","page":539},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1685>٩٤ </span>- وقوله تعالى: ﴿وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾، قال المفسرون (١): صاح بهم جبريل صيحة فماتوا في أمكنتهم.\n٩٥ - وقوله تعالى: ﴿أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ﴾، قال الزجاج (٢): المعني أنهم قد بعدوا من رحمة الله، قال: وهو منصوب على المصدر، المعنى: أبعدهم الله فبعدوا بعدًا.\nوقوله تعالى: ﴿كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾، يقال: بعِد يبعَد إذا بعد في الهلاك ولا تستعمل في الحي، وبعُد يبعُد ضد قرب وتستعمل في الحي، والمصدر فيهما جميعًا البُعْد، ويقال في مصدر بعد يبعد: بَعَدًا.\nوقوله تعالى: ﴿أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾ دليل على أن (٣) مصدره البُعْد، وكذلك قول الشاعر (٤):\nيقولون لا تَبْعَدْ وهم يدفنونني ... وأين مكان البُعْد إلا مكانيا\nقال ابن الأنباري (٥): العرب تقول: بعُد الطريق يبعُد وبعِد الميت يبعَد، ومنهم من يسوي بينهما، والأكثر هو الأول، وروى الكلبي عن ابن عباس (٦) قال: لم يعذب الله تعالى أمتين بعذاب واحد إلا قوم شعيب وقوم\n_________\n(١) الطبري ١٢/ ١٠٨، الثعلبي ٧/ ٥٥ ب، البغوي ٤/ ١٩٧، \"زاد المسير\" ٤/ ١٥٤، \"معاني الزجاج\" ٣/ ٧٥.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٧٦.\n(٣) ساقط من (ب).\n(٤) القائل هو مالك بن الريب.\nانظر: \"ديوانه\" ٩٣، \"الخزانة\" ١/ ٣١٩، \"اللسان\" (بعد) ١/ ٣١٠، \"شرح شواهد المغني\" ٢/ ٦٣٠.\n(٥) \"البحر المحيط\" ٦/ ٢٠٤.\n(٦) \"زاد المسير\" ٤/ ١٥٣.","vol":"11","page":540},{"text":"صالح، فأما (١) قوم صالح فأخذتهم الصيحة من تحتهم، وقوم شعيب أخذتهم من فوقهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1686>٩٦ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا﴾، قال ابن عباس (٢): يريد التوراة وما أنزل الله فيها من الفرائض والأحكام، قال الزجاج (٣): أي بعلاماتنا التي تدل على صحة نبوته.\nوقوله تعالى: ﴿وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ حجة بينة وبرهان يتسلط به على إبطال قول من خالفه، مخلص من التلبيس والتمويه. قال ابن عباس (٤): يعني عصاه التي جعل الله فيها عذابا ونقمة؛ ليس يقوم لها جميع الخلائق، ولا يقوى عليها أحد.\nقوله تعالى: ﴿فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ﴾، أي أمرهم بعبادته واتخاذه إلها فاتبعوا ما أمرهم به، ﴿وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾، أي بمرشد إلى خير. قال ابن عباس (٥): يريد لم يرشد قومه ولا من اتبعه.\nقوله تعالى: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾، يقال: قَدَمَ فلانٌ فلانًا يَقْدُمُه قَدمًا، وزاد الزجاج (٦): قدومًا، ويقدم وأقدم واستقدم بمعنى واحد، والمعني: أنه (٧) يقدمهم إلى النار، يدل على هذا قوله: ﴿فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ﴾\n_________\n(١) ساقط من (ي).\n(٢) القرطبي ٩/ ٩٣.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٧٦.\n(٤) القرطبي ٩/ ٩٣ ولم ينسبه.\n(٥) انظر الطبري ١٢/ ٢٠٩، \"زاد المسير\" ٤/ ١٥٥\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه \" ٣/ ٧٦.\n(٧) في (جـ): (أنهم).","vol":"11","page":541},{"text":"أي أدخلهم النار، والمعنى (فيوردهم)، وذكر بلفظ الماضي لتحققه وتأكد وجوده كأنه قد مضى، قال ابن عباس: يريد كما تَقَدَّم قومه في الدنيا [إلى البحر] (١) فأغرقهم، وقوله تعالى: ﴿وَبِئْسَ﴾ أي النار.\nقال أبو بكر (٢): وذكَّر (بئس النار) لتذكير الوِرْد كما تقول: نعم المنزل دارك (٣)، ونعمت المنزل دارك، من ذكّر غلب المنزل، ومن أنث بني على تأنيث الدار، ويقال أيضًا: نعمت الدار منزلك، [ونعم الدار منزلك] (٤).\nوقوله تعالى: ﴿الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ﴾ قال الكلبي (٥) ومقاتل (٦) والمفسرون (٧): المدخل المدخول.\nقال ابن السكيت (٨): الوِرْد وُرُود القوم الماء، [والوِرْد الماء] (٩) الذي يورد، والورد الإبل الواردة، فعلى هذا الورد يجوز أن يكون مصدرًا بمعنى الورود (١٠) كقول الشاعر (١١):\n_________\n(١) في (ي): (في الغرق).\n(٢) ساقط من (ي) وانظر: \"زاد المسير\"٤/ ١٥٥.\n(٣) ساقط من (ب).\n(٤) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).\n(٥) \"تنوير المقباس\" ١٤٤.\n(٦) \"تفسير مقاتل\" ١٤٩ أ.\n(٧) الطبري ١٢/ ١١٠، الثعلبي ٧/ ٥٥ ب، البغوي ٤/ ١٩٨، \"زاد المسير\" ٤/ ١٥٥.\n(٨) \"تهذيب اللغة\" (ورد) ٤/ ٣٨٦٩.\n(٩) ما بين المعقوفين ساقط من (ي).\n(١٠) في (ي): (الورد).\n(١١) لم أقف عليه، وهو من الطويل.","vol":"11","page":542},{"text":"إذا القوم قالوا وردهن ضحى غدا ... تواهفن حتى وردهن طروق\nيصف إبلا قدّر أنها ترد الماء في وقت الضحى فوردته (١) قبل ذلك ليلًا لقوتهن وفضل نشاطهن، ويجوز أن يكون في ﴿الْوِرْدُ﴾ (٢) بمعنى الموضع والشيء الذي يورد عليه كالماء وغيره، والذي في هذه الآية يراد به الموضع الذي يورد، وهو بمعنى المفعول، ويجوز أن يكون بمعنى الفاعلين كقوله: ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ [مريم: ٨٦] أي واردين، وهو في الأصل مصدر ثم يُسمى به المفعول والفاعل.\nقال ابن الأنباري (٣): الورد مصدر معناه: الورود تجعله العرب بمعنى الموضع المورود كالذي في هذه الآية، وتلخيص المعنى (٤) (بئس الشيء الذي يورد النار).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1688>٩٩ </span>- قوله تعالى ﴿وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً﴾ يعني في الدنيا، في قول الجميع، قال الكلبي (٥) ومقاتل (٦) والمفسرون (٧): لعنة الدنيا الغرق، ولعنة الآخرة عذاب جهنم، وقال أهل المعاني (٨): اللعنة في الدنيا يعني بها لعن المسلمين والصالحين إياهم في حياتهم، واللعنة في\n_________\n(١) في (ي): (ردته).\n(٢) في (ب): (الورود).\n(٣) \"زاد المسير\" ٤/ ١٥٥.\n(٤) في (ي): الآية.\n(٥) \"زاد المسير\" ٤/ ١٥٦، القرطبي ٩/ ٩٤.\n(٦) \"تفسير مقاتل\" /١٤٩ أ، \"زاد المسير\" ٤/ ١٥٦\n(٧) الطبري ١٢/ ١١٠، \"الدر\" ٣/ ٦٣١، البغوي ١/ ١٩٨، ابن عطية ٧/ ٣٩٢.\n(٨) \"زاد الميسر\" ٤/ ١٥٦.","vol":"11","page":543},{"text":"الآخرة ما يَقْدَمون عليه من عذاب الله، وقوله تعالى ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾، وذكر أبو علي (١) في انتصابه وجهين (٢) أحدهما: أن يكون التقدير: ولعنة (٣) يوم القيامة، فحذف المصدر وأقيم اليوم مقامه فانتصب انتصاب المفعول به، والآخر: أن يكون ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ محمولًا على موضع في ﴿هَذِهِ﴾ كما قال (٤):\nإذا ما تلاقينا من اليوم أو غدًا\nومثل هذه الآية قوله تعالى في القصص: ﴿وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾ [القصص: ٤٢] ونذكرها في موضعها إن شاء الله.\nوقوله تعالى: ﴿بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ﴾، الرفد معناه في اللغة (٥): العطاء والمعونة، وكل شيء أعنت به غيرك فهو رفد، يقال: [رفد يرفده] (٦) رَفْدًا ورِفْدًا بفتح الراء وكسرها، ويقال: الرفد بالكسر اسم وبالفتح مصدر، وسميت اللعنة هاهنا رفدًا؛ لأنه جعل بدلا منها، كما يقال عتابك السيف وتحيتك الشتم، يذهب إلى أنه بدل منه وواقع موقعه.\nقال أبو عبيدة (٧) في قوله ﴿بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ﴾: بئس العون المعان.\n_________\n(١) \"الحجة\" ١/ ٢٧، ٢٨.\n(٢) في (ي): (على وجهين).\n(٣) في (ي): ولكنه.\n(٤) سبق تخريجه.\n(٥) انظر: \"تهذيب اللغة\" (رفد) ٣/ ١٤٣٧.\n(٦) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).\n(٧) \"مجاز القرآن\" ١/ ٢٩٨.","vol":"11","page":544},{"text":"وقال قتادة (١) في تفسير هذه الآية: ترافدت عليهم لعنتان من الله، لعنة الدنيا ولعنة الآخرة.\nوقال مجاهد (٢). رُفِدوا يوم القيامة بلعنة أخرى زيدوها، فتانِك لعنتان.\nوسأل نافع بن الأزرق ابن عباس عن قوله: ﴿بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ﴾، فقال (٣): هو اللعنة بعد اللعنة، قال الزجاج (٤): وكل شيء جعلته عونا لشيء فقد رفدته به، فعلى هذه الأقوال معنى الرفد هاهنا: اللعنة التي لعنوا بها في الدنيا، ثم وصف هذا الرفد بأنه مرفود أي مشفوع معانٌ بلعنة الآخرة (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1689>١٠٠ </span>- قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى﴾، قال أهل المعاني (٦): الإشارة بقوله ﴿ذَلِكَ﴾ تعود إلى النبأ الذي تقدم، وقد ذكرنا في مواضع من هذا الكتاب أن (ذلك) يشار به إلى الواحد والاثنين والجماعة، كقوله تعالى: ﴿لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٦٨].\nوقوله تعالى: ﴿مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ﴾، أراد: ومنها حصيد؛ لأن\n_________\n(١) الطبري ١٢/ ١١١، البغوي ٤/ ١٩٨، عبد الرزاق ٢/ ٣١٢، ابن أبي حاتم ٦/ ٢٠٨١.\n(٢) الطبري ١٢/ ١١٠، وابن أبي حاتم ٦/ ٢٠٨١. وانظر: \"الدر\" ٣/ ٦٣١.\n(٣) أخرجه ابن الأنباري في \"الوقف والابتداء\"، والطسي عن ابن عباس كما في \"الدر\" ٣/ ٦٣١.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٧٧.\n(٥) في (ي): (أخري).\n(٦) الطبري ١٢/ ١١٢، \"زاد المسير\" ٤/ ١٥٦","vol":"11","page":545},{"text":"الحصيد غير القائم. قال أبو إسحاق (١): أي من القرى التي أهلكت: (قائم) أي: بقيت حيطانه، ﴿وَحَصِيدٌ﴾: مخسوف وما قد محي أثره، وعلى نحو هذا دار كلام المفسرين.\nقال ابن عباس (٢): ﴿قَائِمٌ﴾: ينظرون إليه وإلى ما بقي من أثره، و(حصيد) قد خرب ولم يبق له أثر. قال ابن الأنباري: الحصيد هاهنا عني به الاستئصال بالهلكة ويعقبه الأثر، كالزرع إذا حصد وأزيل عن موضعه، ومن هذا قوله تعالى: ﴿حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ﴾ [الأنبياء: ١٥].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1690>١٠١ </span>- قوله تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾، قال المفسرون (٣): وما ظلمناهم بالعذاب والإهلاك، ولكن ظلموا أنفسهم بالكفر والمعصية.\nوقال عطاء عن ابن عباس: يريد وما نقصناهم في الدنيا من النعيم ولا من الرزق، ولكن نقصوا حظ أنفسهم حيث استخفوا بحقوق الله، وقوله تعالى: ﴿فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ﴾ أي ما نفعتهم (٤) وما دفعت عنهم (٥)، ﴿الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي التي يعبدون سوى الله وغيره.\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾، ابن عباس (٦) وغيره من\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٧٧.\n(٢) الطبري ١٢/ ١١٢، الثعلبي ٧/ ٥٥ ب، البغوي ٤/ ١٩٨، القرطبي ٩/ ٩٥.\n(٣) الطبري ١٢/ ١١٣، الثعلبى ٧/ ٥٦ أ، ابن عطية ٧/ ٣٩٤.\n(٤) في (ي): (ولا).\n(٥) ساقط من (ي).\n(٦) روي هذا القول الطبرى ١٢/ ١١٣ عن ابن عمر ومجاهد وقتادة. وذكره في \"زاد المسير\" ٤/ ١٥٦ عن ابن عباس \"تنوير المقباس\" ص ١٤٥.","vol":"11","page":546},{"text":"المفسرين (١) يقولون: غير تخسير، وأبو عبيدة (٢) وأهل اللغة يقولون: هو الإهلاك، والتباب الهلاك، وأحدهما قريب من الآخر، وذكرنا معنى التخسير في هذه السورة (٣).\nقال ابن الأنباري (٤): في قوله تعالى: ﴿وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾ قولان؛ أحدهما: (وما زادتهم عبادتها غير تتبيب) فحذفت العبادة على حذف المضاف، والآخر: أن الآلهة زادتهم بلاءً، وإن كانت من الموات؛ لأنهم ادعوا أن عبادتهم إياها [تنفعهم عند الله، فلما جرى الأمر بخلاف ما قدروا] (٥) وصفها الله بأنها زادتهم بلاءً وهلاكًا وخسارًا (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1691>١٠٢ </span>- قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ﴾، أي وكما ذكر من إهلاك الأمم وأخذهم بالعقاب أخذ ربك إذا أخذ القرى، ومعنى أخذ الله نقلهم إلى جهة عقابه. ﴿وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾ من صفة القرى وهي في الحقيقة لأهلها ومن كان يسكنها، ونحو هذا قوله تعالى: ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً﴾ [الأنبياء: ١١] وقوله تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا﴾، [القصص: ٥٨] يعني أن أهلها بطروا المعيشة، ويكون هذا من باب حذف المضاف.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1692>١٠٣ </span>- قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾، يعني: ما ذكر من عذاب الأمم\n_________\n(١) في (ي): (قال ابن عباس والمفسرون).\n(٢) \"مجاز القرآن\" ١/ ٣٣٩.\n(٣) عند قوله تعالى ﴿فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ﴾ [هود: ٦٣].\n(٤) انظر: \"الزاهر\" ١/ ٤٦٦.\n(٥) ما بين المعقوفين ساقط من (ي)\n(٦) ساقط من (ي).","vol":"11","page":547},{"text":"الخالية وإهلاكهم ﴿لَآيَةً﴾ (١)، قال ابن عباس (٢): لعبرة وعظة ﴿لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ﴾ ﴿ذَلِكَ﴾ يعني يوم القيامة، وقد سبق ذكره [في قوله تعالى] (٣): ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ﴾ [هود: ٩٩] ﴿يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ﴾؛ لأن الخلق كلهم يحشرون ويجمعون لذلك اليوم.\n﴿وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾، قال ابن عباس (٤): يشهده البر والفاجر، وقال آخرون (٥): يشهده أهل السماء وأهل الأرض، قال أبو إسحاق (٦): أعلم الله أنه يحيي الخلق ويبعثهم في ذلك اليوم ويشهدون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1693>١٠٤ </span>- قوله تعالى: ﴿وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ﴾، قال المفسرون (٧): وما نؤخر ذلك اليوم فلا نقيمه عليكم إلا لوقت معلوم لا يعلمه أحد غير الله، وقال أبو علي (٨): أي ما نؤخر إحداثه، وهو كما قال؛ لأن ذلك اليوم لم يحدثه الله (٩) بعدُ، فتأخيره (١٠) تأخير إحداثه.\n_________\n(١) ساقط من (ي).\n(٢) الطبري ١٢/ ١١٤، الثعلبي ٧/ ٥٦ أ، البغوي ٤/ ١٩٩، \"زاد المسير\" ٤/ ١٥٧، القرطبي ٩/ ٩٦ من غير نسبة.\n(٣) ما بين المعقوفين ساقط من (ي).\n(٤) \"زاد المسير\" ٤/ ١٥٦، القرطبي ٩/ ٦٩.\n(٥) أخرجه الطبري ١٢/ ١١٥ عن الضحاك، الثعلبي ٧/ ٢٥٦، البغوي ٤/ ١٩٩، \"زاد المسير\" ٤/ ١٥٧ القرطبي ٩/ ٦٩.\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٧٧.\n(٧) الطبري ١٢/ ١١٥، الثعلبي ٧/ ٥٦ أ، البغوي ٤/ ١٩٩، \"زاد المسير\" ٤/ ١٥٧، ابن عطية ٧/ ٤٩٧ القرطبى ٩/ ٩٦.\n(٨) \"الحجة\" ٤/ ٧٥.\n(٩) ساقط من (ي).\n(١٠) في (ي): (تأخيره).","vol":"11","page":548},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1694>١٠٥ </span>- وقوله تعالى: (يوم يأتي) ويقرأ ﴿يَأْتِ﴾ (١) بحذف الياء، قال الفراء (٢): كل ياء أو واو يسكنان وما قبل [الواو مضموم وما قبل] (٣) الياء مكسور، فإن الحرب تحذفها وتجتزئ بالضمة من الواو وبالكسرة من الياء، وأنشد (٤):\nكفاك كفٌّ لا تُلِيقُ درهمًا ... جودًا وأخرى تُعْطِ بالسيف الدما\nوقال الزجاج (٥): هذيل تستعمل حذف هذه الياءات كثيرًا، وقد حكى سيبويه والخليل أن العرب تقول: لا أدر فتحذف الياء وتجتزئ بالكسرة.\nقال أبو علي الفارسي (٦): قوله: ﴿يَوْمَ يَأْتِ﴾، فاعل يأتي لا يخلو من أن يكون اليوم الذي أضيف (٧) إلى يأتي، أو اليوم المتقدم ذكره، فلا يجوز\n_________\n(١) قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو والكسائي \"بياء\" في الوصل ويحذفونها في الوقف، غير ابن كثير فإنه يثبت الياء في الوصل والوقف، وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة بغير \"ياء\" لا في وصل ولا وقف. انظر: \"السبعة\" ٣٣٨، \"الإتحاف\" ص ٢٦١، \"الحجة\" ٤/ ٣٧٣، الطبري ٢/ ١١٥.\n(٢) \"معاني القرآن\" ٢/ ٢٧.\n(٣) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).\n(٤) الشاهد بلا نسبة في: \"الإنصاف\" ٣٢٩، \"اللسان\" (ليق) / ٤١١٥، \"الأشباه والنظائر\" ١/ ٢٣ \"أمالي ابن الشجري\" ٢/ ٢٢٨، \"الخصائص\" ٣/ ٩٠، ١٣٣، \"معاني القرآن\" ٢/ ٢٧، ١١٨، ٣/ ٢٦٠، الطبري ١٢/ ١١٦، وقوله \"لا تليق\" يقال: ألاقه أي حبسه، يصفه بالجود والغلظة على عدوه.\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٧٧.\n(٦) \"الحجة\" ٤/ ٣٧٣ - ٣٧٨ بتصرف.\n(٧) في (ي): (إليه).","vol":"11","page":549},{"text":"أن يكون فاعله اليوم الذي أضيف إلى يأتي؛ لأن اليوم هو الفاعل، فلا يجوز أن يضاف إلى فعل نفسه، ألا ترى أنك لا تقول: جئتك يوم يسرك، على أن يكون فاعل السرور اليوم، ويجوز أن يكون جئتك يوم يخرج زيد؛ لأن المعنى فيه: يوم خروج زيد، فتضيف المصدر إلى الفاعل فيتعرف اليوم بفعل مضاف إلى فاعل غير اليوم.\nوإذا قلت: (يوم يسرك) يكون معناه وتقديره: (يوم سروره إياك)، ويصير كأنك عرفت اليوم بنفسه؛ لأن الفعل يعرفه الفاعل، واليوم مضاف إلى الفعل المعروف باليوم، وحدُّ جواز هذا أن يكون الظرف مضافا إلى فعل معرف [بفاعل نحو قولك: يوم يخرج زيد، فاليوم معرف] (١) بالفعل، والفعل معرف بالفاعل، وإذا قدرت الظرف فاعلًا يعرف به الفعل، والفعل هو الذي يعرف الظرف، كأنك إنما عرفت الظرف بنفسه؛ لأنك أضفته إلى الفعل المعرف به (٢) فصار هذا نظير قولك: هذا يوم حره، تريد: حر اليوم، ويوم برده، فلا يصح أن يعرف اليوم بشيء مضاف إلى اليوم، وليس هذا (٣) مثل سيد قومه، فتضيفه إلى ما هو مضاف إليه؛ لأن قومه وما أشبه ذلك شيء معروف يقصد إليه، وقولك يوم سروره زيدًا ويوم يسرك إنما هو مضاف إلى فعل، وإنما يقوم الفعل بفاعله، ليس أن الفعل شيء منفصل يقصد إليه في نفسه، و(واحد أمه)، و(عبد بطنه)، مضافان إلى الأم والبطن، وكل واحد منهما ظاهر يقوم بنفسه، وكذلك لا يجوز أن [تضيف الظرف إلى جملة معرف\n_________\n(١) ما بين المعقوفين ساقط من (ي).\n(٢) ساقط من (ي).\n(٣) ساقط من (ي).","vol":"11","page":550},{"text":"يضمره (١) وإن كانت ابتداءً وخبرًا؛ لا يجوز أن] (٢) تقول: (آتيك يومَ ضحوتُه باردة)، ولا (ليلةَ أولها مطير)، فإن نوّنت في هذا وفي الأول حتى يخرج من حد (٣) الإضافة جاز، فقلت: آتيك يومًا ضحوته باردة، وآتيك يومًا يسرك. وهذا قول أبي عثمان، فإذا لم يجز أن يكون (يوم) في قوله ﴿يَوْمَ يَأْتِ﴾ [فاعل يأتي] (٤) ثبت أن في (يأتي) ضمير اليوم المتقدم ذكره في قوله: ﴿لِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾، وتقديره: يوم يأتي هذا اليوم الذي تقدم ذكره ﴿لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ﴾، واليوم في قوله: ﴿يَوْمَ يَأْتِ﴾ هو المراد به الحين والبرهة، ليس (٥) وضح النهار.\nفأما قوله: ﴿يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ يحتمل ضربين:\nأحدهما: أن يكون حالًا من الذكر الذي في ﴿يَأْتِ﴾، ونقدر فيه ضميرًا يرجع إلى ذي الحال، وتقديره: يوم يأتي ذلك اليوم غير متكلم فيه نفس، ومن قدَّر هذا التقدير كان أجدر بأن يحذف الياء من ﴿يَأْتِ﴾؛ لأنه كلام مستقل (٦) فيشبه (٧) -من أجل ذلك- الفواصل وإن لم يكن فاصلة، كما أن حذف الياء من قوله: ﴿ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ﴾ [الكهف: ٦٤] لما كان كلامًا\n_________\n(١) كذا في الأصل، ولعل الصواب (معرفة بضميره) أي معرفة بضمير عائد على الظرف. حتى يستقيم السياق.\n(٢) ما بين المعقوفين ساقط من (ي).\n(٣) في (ي): (وجه).\n(٤) ساقط من (ب).\n(٥) في (في): (بإضافة على).\n(٦) في (ب): (مستقبل).\n(٧) ساقط من (ي).","vol":"11","page":551},{"text":"تامًّا أشبه الفواصل فحسن الحذف له.\nالضرب الثاني: أن يكون قوله: ﴿لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ﴾ صفة اليوم المضاف إلى ﴿يَأْتِ﴾؛ لأن اليوم في (يوم يأتي) مضاف إلى الفعل، والفعل نكرة، فإذا كان كذلك لم يمتنع أن يوسف به اليوم، كما يوسف النكرة بالجملة من الفعل والفاعل، والمعنى: لا تكلم فيه نفس، فحذف فيه أو حذف الحرف وأوصل الفعل إلى المفعول به، ثم حذف الضمير من الفعل الذي هو صفته، كما يحذف من الصلة، ومثل ذلك قولهم: الناس رجلان رجل أكرمت ورجل أهنت.\nوعلى هذا أيضًا لا يمتنع حذف الياء من في ﴿يَأْتِ﴾؛ لأن الصفة قد يستغني عنها الموصوف كما أن الحال كذلك، إلا أن من الصفات ما لا يحسن أن يحذف فيصير لذلك أشبه بغير الكلام التام، فأما إثبات الياء في الوصل والوقف وإسقاطها؛ فمن أثبتها في الوصل فهو القياس البين؛ لأنه لا شيء يوجب حذف الياء إذا وصل، وأما من حذف في الوقف فلأنها -وإن لم تكن فاصلة- أمكن أن تشبه بالفاصلة قياسا عليها؛ لأن هذه الياء تشبه الحركة؛ لأن الجازم يسقطها كما يسقط الحركة، فكما أن الحركة تحذف في الوقف، فكذلك ما أشبهها، ومن وقف بالياء فهو حسن؛ لأنها أكثر من الحركة في الصوت، فلا ينبغي إذا حذفت الحركة للوقف أن تحذف الياء له، كما لا تحذف سائر الحروف، ويدل على أن الياء (١) تنزل عندهم منزلة سائر الحروف تقديرُهم الحركة فيها في نحو (٢):\n_________\n(١) في (ب): (تترك).\n(٢) صدر بيت لقيس بن زهير العبسي، وعجزه: =","vol":"11","page":552},{"text":"ألم يأتيك والأنباء (١) تنمي\nفكأنهم قدروا أنها (٢) كانت متحركة ثم سكنت للجزم كسائر الحروف، وتحريكهم لها في الشعر يدل أيضًا على (٣) أنها عندهم بمنزلة سائر الحروف، وذلك نحو قول الشاعر (٤):\nفيومًا يوافين الهوى غير ماضِيٍ\nوأما من حذف في الوصل والوقف، فلأنه جعلها بمنزلة ما استعمل محذوفًا مما لم يكن ينبغي في القياس أن يحذف، نحو ولم يكُ ولا أدر (٥).\n_________\n= بما لاقت لبون بني زياد\nقالها في إبل للربيع بن زياد العبسي، استاقها قيس وباعها بمكة؛ لأن الربيع كان قد أخذ منه درعًا ولم يردها عليه.\nانظر: \"شعره\" ٢٩، \"الكتاب\" ٢/ ٣٢، \"حاشية النوادر\" ص ٥٢٣، \"سر صناعة الإعراب\" ٧٨، ٦٣١، \"الإيضاح\" للفارسي ص ٢٣٣، \"الإنصاف\" ص ٢٢، \"الدر المصون\" ٦/ ٣٩٧، \"الخصائص\" ١/ ٣٣٣، \"شرح شواهد الشافية\" ص ٤٨، \"الحجة\" ١/ ٩٣.\n(١) في (ب): (ألم تأتيك الأنباء).\n(٢) ساقط من (ي).\n(٣) ساقط من (ي).\n(٤) صدر بيت لجرير من قصيدة هجا بها الأخطل، وعجزه:\nويومًا ترى منهن غُولًا تَغَوَّلُ\nويُروى (ماضيًا) مكان ماض أي من غير ميل منهن إليَّ، وتغول: تتلون. انظر: \"الديون\" ٤٥٥، \"النوادر\" ٢٠٣، \"الحجة\" ١/ ٣٢٥، \"الكتاب\" ٣/ ٣١٤، \"المقتضب\" ١/ ١٤٤، \"خزانة الأدب\" ٨/ ٣٥٨، \"الخصائص\" ٣/ ١٥٩، \"شرح المفصل\" ١٠/ ١٠١، \"اللسان\" (غو) ٦/ ٣٣١٨، (مضى) ٧/ ٤٢٢٢.\n(٥) نهاية النقل عن \"الحجة\" ٤/ ٣٧٣ - ٣٧٨ بتصرف.","vol":"11","page":553},{"text":"وقوله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ﴾ أي من الأنفس في ذلك اليوم؛ لأن النفس في قوله: ﴿لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ﴾ لم يرد به واحدًا، فصار كقوله: ﴿فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ [الحاقة: ٤٧] وقوله تعالى: (شقي) يقال: شقي (١)، يشقى، شقاء، وشقاوة، وشِقْوة، وأصل معنى الشقاء في اللغة: الشدة والعسرة يقال: شاقيت فلانا مشاقاة (٢): إذا عاسرته وعاسرك قال (٣):\nإذا تشاقى الصابرات لم يرث\nيعني: جملًا يصابر جمالًا على شدة المشي والتعب، قال ابن عباس (٤): ﴿فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ﴾ كتبت عليه الشقاوة، ﴿وَسَعِيدٌ﴾ كتبت عليه السعادة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1695>١٠٦ </span>- قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِير﴾، قال الليث (٥): الزفر والزفير أن يملأ الرجل صدره غمًا ثم هو يزفر به، فالزفير إخراج النفس، والشهيق رد النفس. يقال شهق يشهق، وبعضهم يقول: شهوقًا، ونحو هذا روى أبو عبيد (٦) عن أبي زيد، وهو قول جميع أهل اللغة، والإنسان إذا زفر فمد نفسه للإخراج ارتفع صدره وانتفخ جنباه، ومن هذا يقال للفرس: إنه عظيم الزفرة، أي عظيم الجوف.\n_________\n(١) \"تهذيب اللغة\" (شقو) ٢/ ١٩٠٨، \"اللسان\" (شقى) ٤/ ٢٣٠٤.\n(٢) في (ب): (مشاقة).\n(٣) الرجز بلا نسبة في اللسان (شقا) ٤/ ٢٣٠٤، \"تهذيب اللغة\" ٨/ ١٩٠٢، \"أساس البلاغة\" (شقو)، \"تاج العروس\" (شقي) وبعده:\nيكاد من ضعف القوى لا ينبعث\n(٤) الثعلبي ٧/ ٥٦ ب، \"زاد المسير\" ٤/ ١٥٨.\n(٥) \"تهذيب اللغة\" (زفر) ٢/ ١٥٣٧، (شهق) ٢/ ١٩٤٦.\n(٦) \"تهذيب اللغة\" (زفر) ٢/ ١٥٣٧ (شهق) ٢/ ١٩٤٦.","vol":"11","page":554},{"text":"وأنشد للجعدي (١):\nخِيطَ على زَفْرَةٍ فتمَّ ولم ... يَرْجع إلى دِقةٍ ولا هَضَمِ\nيقول: كأنه زافر أبدًا من عظم جوفه، فكأنه زفر فخيط على ذلك، وقال ابن السكيت (٢) في قول الراعي (٣):\nحوزيَّة طويت على زفراتها ... طي القناطر قد نَزَلن نُزُولًا\nيريد كأنها زفرت ثم خَلِقتْ على ذلك.\nوقال أبو إسحاق (٤): هما من أصوات المكروبين المحزونين، وحكي عن أهل اللغة جميعًا أن الزفير بمنزلة ابتداء صوت الحمار بالنهيق، والشهيق بمنزلة آخر صوته، ونحو هذا قال المفسرون. قال الضحاك (٥) ومقاتل (٦): الزفير أول نهيق الحمار، والشهيق آخره حين يفرغ من صوته (٧)\n_________\n(١) البيت في \"ديوانه\" ٣٧، \"الخصائص\" ٢/ ١٦٨، \"اللسان\" (هضم) ٨/ ٤٦٧٣، \"شرح شواهد الشافية\" للبغدادي/ ٤٨، \"شرح ديوان الحماسة\" للمرزوقي/ ١٦٥، \"تهذيب اللغة\" (زفر) ٢/ ١٥٣٨.\n(٢) \"تهذيب اللغة\" (زفر) ٢/ ١٥٣٨.\n(٣) أبو جندل، تقدمت ترجمته. والبيت في \"ديوانه\" ٢١٨، \"تهذيب اللغة\" (زفر) ٢/ ١٥٣٨، \"تاج العروس\" (زفر)، و\"أساس البلاغة\" (زفر)، و\"المعاني الكبير\" ١٤٠، و\"اللسان\" (زفر) ٣/ ١٨٤١، وينسب للأعشى في اللسان (حوز) ٢/ ١٠٤٦، و\"تاج العروس\" (حوز) ٨/ ٥٧، وليس في ديوانه. وبلا نسبة في \"جمهرة اللغة\" ٩١٨.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٧٩ بمعناه، و\"تهذيب اللغة\" (شهق) ٢/ ١٩٤٦.\n(٥) الثعلبي ٧/ ٥٦ ب، البغوي ٤/ ٢٠٠، \"زاد المسير\" ٤/ ١٥٨.\n(٦) \"تفسير مقاتل\" ١٤٩ ب، وفيه (زفير: آخر نهيق الحمار، شهيق في الصدر أول نهيق الحمار)، الثعلبي ٧/ ٥٦ ب، البغوي ٤/ ٢٠٠، \"زاد المسير\" ٤/ ١٥٨.\n(٧) في (ف): (والشهيق آخر صوته حين يفرغ).","vol":"11","page":555},{"text":"إذا ردده في الجوف، وقال أبو العالية (١): الزفير في الحلق، والشهيق في الصدر، ويبين هذا قول رؤبة (٢):\nحَشْرَجَ في الجوفِ صهيلا أو شَهقْ ... حتى (٣) يقالَ ناهقٌ وما نَهَقْ\nوكلام ابن عباس قريب مما قاله أهل اللغة والمفسرون، فإنه قال (٤): الزفير الصوت الشديد، والشهيق الصوت الضعيف.\nوقال في رواية عطاء في قوله: ﴿لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ﴾ يريد: ندامة ونفسا عاليًا (٥) وبكاء لا ينقطع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1696>١٠٧ </span>- قوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾، الأكثرون من أهل المعاني والتفسير على أن قوله: ﴿مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ للتأبيد (٦) والمراد به خالدين فيها أبدًا.\n_________\n(١) الطبري ١٢/ ١١٦، الثعلبي ٧/ ٥٦ ب، البغوي ٤/ ٢٠٠، \"زاد المسير\" ٤/ ١٥٩، وفي \"تهذيب اللغة\" (شهق) ٢/ ١٩٤٦ عن الربيع.\n(٢) البيت من قصيدة له يصف فيها حمار الوحش، وفيه (سحيلًا) وليس \"صهيلًا\"، و\"حشرج\" ردد الصوت في حلقة ولم يخرجه، و\"السحيل\" الصوت الذي يدور في صدر الحمار في نهيقه، قاله في \"اللسان\".\nانظر: \"ديوانه\" ص ١٠٦، \"اللسان\" (حشرج) ٢/ ٨٨٤، الطبري ١٥/ ٤٧٩، القرطبي ٩/ ٩٨، \"البحر المحيط\" ٥/ ٢٥١، \"الدر المصون\" ٦/ ٣٩٠، \"تاج العروس\" (حشرج) ٣/ ٣٢٦.\n(٣) ساقط من (ب).\n(٤) الطبري ١٢/ ١١٦، الثعلبي ٧/ ٥٦ ب، البغوي ٤/ ٢٠٠، \"زاد المسير\" ٤/ ١٥٩.\n(٥) ساقط من (ب).\n(٦) الطبري ١٢/ ١١٧، البغوي ٤/ ٢٠٠، \"زاد المسير\" ٤/ ١٥٩، ابن عطية ٧/ ٤٠١، القرطبي ٩/ ٩٩.","vol":"11","page":556},{"text":"قال الضحاك (١): ما دامت سموات الجنة والنار وأرضهما، وكل ما علاك وأظلك فهو سماء، وكل ما استقرت عليه قدمك وثبت فهو أرض.\nوقال الحسن (٢) أراد: ما دامت الآخرة كدوام السماء والأرض في الدنيا.\nوقال ابن قتيبه (٣): للعرب في معنى الأبد ألفاظ يستعملونها في كلامهم، يقولون: لا أفعل ذلك ما اختلف الليل والنهار، وما طما البحر، وما أقام الجبل، وما دامت السماء والأرض، في أشباه كثيرة لهذا، يريدون: لا أفعله أبدًا، فخاطبهم الله بما يستعملون.\nوقال ابن الأنباري (٤): إن الله تعالى خاطب العرب على ما تعقل، ومن ألفاظهم في التأبيد أن يقولوا: لا أفعل ذلك ما دامت السموات والأرض، وما أن السماء سماء، وما بلَّ بحر صوفة (٥)، وما ناحت الحمام وتغنت، وما أطت الإبل، وما اجترت الناب (٦)، وما لألأت الفور (٧) فلما\n_________\n(١) الثعلبي ٧/ ٥٦ ب، البغوي ٤/ ٢٠٠، القرطبي ٩/ ٩٩.\n(٢) الثعلبي ٧/ ٥٦ ب. وأخرج ابن أبي حاتم ٦/ ٢٠٨٦، وأبو الشيخ عن الحسن قال: \"تبدل سماء غير هذه السماء وأرض غير هذه الأرض، فما دامت تلك السموات وتلك الأرض\" \"الدر\" ٣/ ٦٣٤.\n(٣) \"مشكل القرآن وغريبه\" ١/ ٢١٣.\n(٤) \"زاد المسير\" ٤/ ١٥٩.\n(٥) \"البيان والتبيين\" ٣/ ٧.\n(٦) في (ب): (النار).\n(٧) في الثعلبي ٧/ ٥٧ أ \"وما لألأت العُفْر بأذنابها\". ويقال \"ما لألأت الفوز بأذنابها\" أي لا أفعل ذلك ما حركت الظباء أذنابها. انظر: \"جمهرة الأمثال\" ٢/ ٢٨١، \"اللسان\" (لأ لأ، فور)، \"سمط اللآلئ\" ص ٥، وفيه (ما لألأت العفر).","vol":"11","page":557},{"text":"كانوا يستعملون هذه الألفاظ ظنًّا منهم أن هذه الأشياء لا تتغير، خاطبهم الله على سبيل ذلك فقال تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ عندكم وليست عندنا دائمة، كما قال -يعني أبا جهل-: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان: ٤٩] أي عند نفسك، فأما عندنا فلا.\nفعلى هذا القول معنى الاستثناء في قوله: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾؛ قال الفراء: (١) هذا استثناء استثناه الله تعالى ولا يفعله، كقولك: والله لأضربنك إلا أن أرى غير ذلك، وعزيمتك على ضربه، فكذلك قال: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾، ولا يشاؤه.\nهذا كلامه وزاده أبو بكر بيانا فقال: يجوز أن يكون الاستثناء ذكره الله تعالى وهو لا يريد أن ينقصهم من الخلود شيئًا، كما يقول الرجل لغلامه: والله لأضربنك إلا أن أرى غير ذلك، وهو لا ينوي إلا ضربه، فمعنى الاستثناء منه أني لو شئت أني لا أضربك لقدرت، غير أني مجمع على ضربك، وكذلك معنى الآية خالدين فيها أبدًا إلا أن يشاء ربك، وهو لا يشاء إلا تخليدهم، فوقع الاستثناء على معنى لو شاء أن لا يخلدهم لقدر، والدليل على أن الاستثناء هاهنا لا يعود إلى (٢) نقص الخلود أن الله تعالى بين في مواضع من كتابه أنه يخلد الكافرين في النار، والمؤمنين في الجنة، فإذا ذكر في هذه الآية الاستثناء، كان ذلك استثناء لا يكون ولا يوجد، فجرى مجرى قول العرب: والله لأهجرنك أبدًا (٣) إلا أن يشيب\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" ٢/ ٢٨.\n(٢) في (ي): (على).\n(٣) ساقط من (ب).","vol":"11","page":558},{"text":"الغراب (١)، وهذا الاستثناء لا يفيد نقص شيء من التأبيد؛ لأن الغراب لا يشيب، كذلك الله تعالى [لا يريد أن ينقصهم من الخلود شيئًا بعد أن أخبر به.\nوهذا القول ذكره أبو إسحاق (٢) في أحد قولي أهل اللغة، وحكى قولا آخر، قال بعضهم]: (٣) الاستثناء وقع من الخلود بمقدار موقفهم للحساب، المعنى: خالدين فيها أبدًا إلا مقدار موقفهم للحساب.\nوقال ابن كيسان: الاستثناء وقع بمقدار تعميرهم في الدنيا قبل مصيرهم إلى الجنة والنار، واختاره ابن قتيبة (٤) فقال: خالدين في النار إلا ما شاء ربك من تعميرهم في الدنيا قبل ذلك.\nوقيل: الاستثناء يعود إلى حبس الفريقين في البرزخ، وهذه الأقوال قريبة من السواء؛ لأنه يمكنك الجمع بينها فتقول: خالدين فيها أبدًا إلا مقدار مكثهم في الدنيا والبرزخ والوقوف للحساب، ثم يصيرون إلى النار أبدًا أو إلى الجنة أبدًا.\nوقال جماعة (٥) من المفسرين: هذا الاستثناء يعود إلى إخراج أهل\n_________\n(١) هذا المثل يضرب في الاستحالة، انظر: \"المستقصى\" ٢/ ٥٩، \"فصل المقال\" ٤٧٤، ٤٨٢، \"تمثال الأمثال\" ٤٢٢.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٧٩.\n(٣) ما بين المعقوفين مطموس في (ب).\n(٤) \"مشكل القرآن وغريبه\" (١/ ٢١٤، \"تأويل مشكل القرآن\" / ٧٦.\n(٥) ذكره الطبري ١٢/ ١٢٠ عن قتادة وأبي سنان، والضحاك، وخالد بن معدان. الثعلبي ٧/ ٥٧ أ، البغوي ٤/ ٢٥٠، \"زاد المسير\" ٤/ ١٦٠ وعزاه لابن عباس والضحاك.","vol":"11","page":559},{"text":"التوحيد [من النار] (١) وقدر مدة إدخال مذنبي المسلمين النار، وكأنه قال: خالدين في النار أبدًا إلا ما شاء ربك من [إخراج المذنبين إلى الجنة، وخالدين في الجنة أبدًا إلا ما شاء ربك من] (٢) إدخال المذنبين النار مدة من المدد ثم يصيرون إلى الجنة، وهذا معنى قول ابن عباس (٣)، وعلى هذا الاستثناء وقع من الخلود، ولهذا قال: ﴿مَا شَاءَ﴾ ولم يقل من شاء؛ لأن المذنبين من المؤمنين لا يكونون أشقياء، والأشقياء هم الكافرون.\nقال أبو إسحاق (٤): ويجوز أن يكون الاستثناء من الزفير والشهيق على أن لهم فيها زفيرًا وشهيقًا إلا ما شاء ربك [من أنواع العذاب الذي لم يذكر، وكذلك لأهل الجنة نعيم مما ذكر ولهم ما لم يذكر ما شاء ربك] (٥). هذا كله إذا قلنا إن المراد بقوله ما دامت السموات والأرض التأبيد، [فإذا قلنا ليس المراد به التأبيد، وهو قول ابن عباس؛ لأنه قال في قوله ﴿مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ (٦): من ابتداء كونهما إلى وقت فنائهما (٧)، وهذا لا يدل على التأبيد، لكنه يتبين بما قد حصل طول مدته وتصورت حالة مشاهدته، فكأنه قال: خالدين فيها مدة العالم، وسَهُلَ أمر الاستثناء لأن\n_________\n(١) ساقط من (ي).\n(٢) ما بين المعقوفين ساقط من (ي).\n(٣) الثعلبي ٧/ ٥٧ أ، وأخرجه ابن أبي حاتم ٦/ ٢٠٨٦، وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس كما في \"الدر\" ٦/ ٦٣٤، \"زاد المسير\" ٤/ ١٦٠.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٨٠.\n(٥) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).\n(٦) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).\n(٧) \"تنوير المقباس\" ص ١٤٥، والثعلبي ٧/ ٥٦ ب.","vol":"11","page":560},{"text":"للسموات والأرضِ وقتا تتغيران فيه عن هيئتهما، يقول الله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾ [إبراهيم: ٤٨]، فأراد أنهم خالدون فيها مدة العالم، إلا ما شاء ربك من الزيادة المضاعفة لا إلى نهاية، و(إلا) هاهنا تكون بمعنى سوى أو (الواو) كما تقول في الكلام: لك عندي ألف إلا ألفين؛ أي سوى الألفين الذين لك عندي، والمعنى على هذا: خالدين فيها مقدار دوام السموات والأرض سوى ما شاء ربك أن يزيدهم من الخلود على مدة العالم، وهذا أحد قولي الفراء (١)، واحد قولي أهل اللغة فيما حكاه الزجاج (٢)، وذكرنا في مواضع من هذا الكتاب كون (إلا) بمعنى الواو وبمعنى سوى (٣).\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" ٢/ ٢٨.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٧٩.\n(٣) ذهب الكوفيون وعلى رأسهم الفراء وثعلب -كما ذكر أبو حيان- ومن تبعهم كأبي عبيدة والأخفش والهروي وابن فارس والجرجاني وبعض أصحاب المعاجم كالجوهري وابن منظور والفيروزآبادي إلى أن (إلا) تأتي بمعنى الواو العاطفة، واحتجوا بكثرة مجيئه في كتاب الله وكلام العرب. وذهب البصريون ومن تبعهم كالطبري ومكي القيسي وأبي البركات الأنباري وابن مالك والمالقي والمرادي وابن عقيل وابن القيم إلى أن (إلا) لا تأتي بمعنى الواو، وعللوا صحة ما ذهبوا إليه بأمرين:\nأحدهما: أن الأصل أن ينفرد كل حرف بمعنى، ولا يقع حرف بمعنيين؛ لما في ذلك من الاشتراك الملبس، وما صح منه عن العرب يقتصر عليه، ولا يقاس.\nالثاني: أن (إلا) للاستثناء، وهو إخراج الثاني من حكم الأول، والواو للجميع، وهو يقتضي إدخال الثاني في حكم الأول، فلا يكون أحدهما بمعنى الآخر؛ لأن المعنيين متباينان. وأجابوا عما احتج به الكوفيون من الآيات والأبيات بأنها جميعًا محمولة على الاستثناء المنقطع. =","vol":"11","page":561},{"text":"قال النحويون: إذا استثنينا (١) زائدًا من ناقص لحق بالأول، كما لو قال: لك عندي ألف إلا الألفين، فقد أقر بثلاثة الآلاف لأنه استثنى زائدًا من ناقص، ومعنى (إلا) هاهنا كمعنى الواو، وكذلك في الآية، الذي يشاؤه (٢) الله من الخلود أكثر من مدة كون السموات والأرض، وكأن المعنى ما دامت السموات والأرض وما شاء ربك مما يريد إلى ما لا يتناهى (٣)، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾، قال ابن عباس في رواية عطاء: يريد من إخراج أهل التوحيد من النار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1697>١٠٨ </span>- قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا﴾، يقال (٤) سَعِدَ فلان يَسْعَدُ سعادة وسَعْدًا فهو سعيد نقيض شقي، وقرأ أهل الكوفة ﴿سُعِدُوا﴾ بضم\n_________\n= ورجح أبو حيان مذهب البصريين، قال: وإثبات (إلا) بمعنى الواو لا يقوم عليه دليل والاستثناء سائغ فيما ادُّعي فيه أن (إلا) بمعنى (الواو).\nراجع: \"الإنصاف\" ١/ ٢٦٦ - ٢٧٢، \"البيان في غريب إعراب القرآن\" ٢/ ٢١٩،\n\"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٨٩ - ٩٠، ٢/ ٢٨٧ - ٢٨٨، \"مجاز القرآن\" ١/ ٦٠، \"البحر المحيط\" ١/ ٤٤٢، \"معاني القرآن\" للأخفش ١/ ١٥٢، \"التبيين\" ٤٠٣، \"الصحاح\" (إلا) ٦/ ٢٥٤٥، \"لسان العرب\" (إلا) ١/ ١٠٤، \"القاموس المحيط\" (إلا) ٩٦٢، \"معاني الحروف\" / ١٢٨، \"سر صناعة الإعراب\" ١/ ٣٠٣، \"بدائع الفوائد\" ٣/ ٧٠ - ٧١.\n(١) في (ي): (استثنى).\n(٢) في (ب): (يشاء).\n(٣) قال القرافي -بعد أن ذكر الأقوال الذي الاستثناء في هذه الآية-: وهذه كلها أقوال لا حاجة إليها ولا ضرورة، بل الاستثناء صحيح على بابه لمقتضى ظاهر اللفظ، وأنه ما تقدم من الدوام قبل الدخول هذا كله إذا قلنا سموات الدنيا وأرضها، وإن قلنا سموات الجنة وأرضها وسماء النار وأرضها فهي تدوم لا إشكاك في الدوام. أ. هـ \"الاستغناء في معنى الاستثناء\" /٤٢٠.\n(٤) \"تهذيب اللغة\" (سعد) ٢/ ١٦٩٠، اللسان (سعد) ٤/ ٢٠١٢.","vol":"11","page":562},{"text":"السين (١). وسيبويه والمحققون من أهل اللغة على أن كلام العرب (أسعده الله) وأنه لا يبني في الثلاثة من هذا للمفعول به، فلا يقال (سُعِدَ) كما لا يقال (شُقِي)؛ لأن السعادة مصدر لا يتعدي فعله، وقالوا في هذه القراءة: إنها لغة خارجة عن القياس، أو تكون من باب (فَعَلَ وفَعَلْتُه)، نحو: غاض الماء وغِضْتُه، وحَزَن وحَزَنْته، كذلك يقال سَعَد وسَعَدْتُه، فإن احتج صاحب هذه القراءة بقولهم (مسعود) وهو على (سعد)، فلا دلالة قاطعة في هذا؛ لأنه يجوز أن يكون مثل (أجنه الله فهو مجنون)، و(أحبه الله فهو محبوب)، جاء المفعول في نحو هذا على حذف الزيادة، كما جاء الفاعل بحذف الزيادة من نحو:\n[يكشف عن] (٢) جمَّاته دلو الدالْ (٣)\nوإنما هو المدلي، وكذلك قوله (٤):\nومَهْمَهِ هالك من تعرجا\n_________\n(١) قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر (سَعِدوا) بفتح السين وقرأ حمزة والكسائي، وحفص عن عاصم (سُعِدوا) بضم السين، \"السبعة\" ٣٣٩ \"الكشف\" ١/ ٥٣٦ \"إتحاف\" ص ٢٦٠، الطبري ١٢/ ١١٩.\n(٢) ساقط من (ي).\n(٣) من رجز ينسب للعجاج وبعده:\nعباءة غبراء من أجن طال\nانظر: \"ديوانه\" ٣٢١/ ٢ الملحقات، \"اللسان\" (دلا) ٣/ ١٤١٧، \"أدب الكاتب\" / ٦١٢، \"تاج العروس\" ٧/ ١٩٣ (غثر)، \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٢١٣.\n(٤) القائل العجاج وقبله:\nعصرًا وخُضْنا عيشَهُ المعُدْلَجا\nوالمعنى: من أقام بهذا المهمه فقد هلك: \"ديوانه\": ٢/ ٤٣، \"الخصائص\" ٢/ ٢١٠، \"المحتسب\" ١/ ٩٢ \"المخصص\" ٦/ ١٢٧ \"المقتضب\" ٤/ ١٨٠.","vol":"11","page":563},{"text":"في أحد القولين، والقول الآخر: أن تميمًا تقول: هلكني زيد، ومن الحذف قوله (١):\nيخرجن من أجواز ليل غاض\nيريد: مُغْض، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾ [الحجر:٢٢] وهي تلقح الشجر فإذا لقحتها وجب أن يكون الجمع: ملاقح: فجاء على حذف الزيادة، [وكذلك (مسعود) يجوز أن يكون على حذف الزيادة] (٢)، ثم يمكن أن يقال: ﴿سُعِدُوا﴾ أيضًا من أسعده الله، وقد جاء على حذف الزيادة كما ذكرنا في مسعود، هذا كلام المحققين من أهل اللغة (٣)، والمتأخرون أجازوا: سعده الله وأسعده، فقد ذكر الزجاج (٤) في باب الوفاق: سَعَدَ الله جَدَّه، فهو مسعود، وأسعد جده فهو مُسْعَد، وذكر الفارابي: السعد معنى (٥) الإسعاد في باب فَعَلَ يَفْعَل (٦)، وأجاز\n_________\n(١) من أرجوزة لرؤبة يمدح فيها بلال بن أبي بردة، وبعده:\nنضو قداح النايل النواضي\nانظر: \"ديوانه\" ٨٢، \"المقتضب\" ٤/ ١٧٩، \"المحتسب\" ٢/ ٢٤٢، \"اللسان\" (غضا).\n(٢) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).\n(٣) ما سبق نقله بتصرف عن أبي علي الفارسي في كتابه \"الحجة\" ٤/ ٣٧٨ - ٣٨٠.\n(٤) باب الوفاق هو من كتاب \"فعلت وأفعلت\" للزجاج، وهو مرتب على الحروف فيذكر ما ورد على صيغة (فعلت وأفعلت) في كل حرف ويقسمه إلى قسمين: الوفاق: وهو ما اتفق في المعنى، والخلاف: ما اختلف في المعنى. انظر: الإحالة هنا في كتاب \"فعلت وأفعلت\" ص ٢١.\n(٥) كذا في جميع النسخ ولعل الصواب (بمعنى) بالباء.\n(٦) في (ي): (معنى الإسعاد في باب الفعل فعل يفعل). وينظر: \"ديوان الأدب\" للفارابي ٢/ ٢٠١.","vol":"11","page":564},{"text":"الأزهري (١) أيضًا: سعد وأسعد، ولعل هؤلاء ذهبوا في هذا الذي أجازوه إلى هذه القراءة، وقال الفراء (٢): كلام العرب سعد الرجل وأسعده الله، إلا هذيلًا فإنهم يقولون: سُعد الرجل بالضم، وبذلك قرأ أصحاب (٣) عبد الله، وقال الكسائي (٤): سُعدوا وأسعدوا لغتان.\nوقوله تعالى: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾، انتصب (عطاء) على المصدر بما دل عليه الأول، كأنه قيل: إعطاهم النعيم عطاءً غير مجذوذ، ويكون العطاء اسما أقيم مقام المصدر، كقول القطامي (٥):\nوبعد عطائك المائة الرتاعا\nوالمجذوذ: المقطوع في قول المفسرين (٦) كلهم، يقال: جذه يجذه جذًّا، وجذ الله دابرهم. وقال النابغة (٧):\n_________\n(١) \"تهذيب اللغة\" (سعد) ٢/ ١٦٩٠.\n(٢) \"الدر المصون\" ٤/ ١٣١.\n(٣) \"البحر\" ٥/ ٢٦٤، وهي قراءة حمزة والكسائي وحفص، وابن مسعود وطلحة بن مصرف وابن وثاب والأعمش.\n(٤) \"البحر\" ٥/ ٢٦٤، \"الدر المصون\" ٤/ ١٣١.\n(٥) القطامي وصدره:\nأكفرًا بعد رد الموت عني\nانظر: \"ديوانه\" / ٣٧، \"الخزانة\" ١/ ٣٩١ \"شرح الشواهد\" للعيني ٣/ ٥٠٥، \"اللسان\" (عطا) ٥/ ٣٠٠١، السيوطي / ٢٨٧، \"الدرر\" ١/ ١٦١، ٢/ ١٢٧، \"تذكرة النحاة\" ص ٤٥٦، \"معاهد التنصيص\" ١/ ١٧٩، \"المقاصد النحوية\" ٣/ ٥٠٥.\n(٦) رواه الطبري ١٥/ ٤٩٠ عن الضحاك وقتادة وابن عباس ومجاهد وأبي العالية وابن زيد، وانظر: الثعلبي ٧/ ٥٨ أ، البغوي ٤/ ٢٠١، \"زاد المسير\" ٤/ ١٦٢، القرطبي ٩/ ١٠٣ ابن كثير ٢/ ٥٠٤.\n(٧) النابغة الذبياني من قصيدته المشهورة في مدح عمرو بن الحارث الأعرج يقول في وصف سيوف الغسانين، و(السلوقي) الدروع منسوبة إلى سلوق مدينة باليمن،=","vol":"11","page":565},{"text":"تَخُذّ السَّلُوقيَّ المضاعف نَسجُهُ ... ويوقدن بالصفاح نار الحباحب\nوالآية تدل على أن نعيم أهل الجنة لا ينقطع أبدًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1698>١٠٩ </span>- قوله تعالى: ﴿فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ﴾: و﴿لَا تَكُ﴾ أصلها: لا تكن، وإنما حذفت النون عند سيبويه لكثرة استعمال هذا الحرف.\nقال أبو إسحاق (١) في قوله ﴿وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (٢): ذكر الجلة من البصريين أنه اجتمع فيها كثرة الاستعمال، ومع ذلك أشبهت النون حروف اللين بأنها تكون علامة كما تكون حروف اللين علامة، وأنها غنة تخرج من الأنف فلذلك احتملت الحذف.\nوقال أبو الفتح الموصلي (٣): أشبه الحروف الصحيحة بحروف المد: النون؛ لأنها ضارعت بالمخرج والزيادة والغنة والسكون في (لا تكن) حروفَ المد، فحذفت كما يحذفن إذا وقعن طرفًا.\nوقوله تعالى: ﴿مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلَاءِ﴾ يعني المشركين، قال أبو بكر الأنباري: قوله تعالى: ﴿مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلَاءِ﴾ ليس على ظاهره؛ لأنه لا حجة ولا طعن عليهم بمعرفة أعيان معبوداتهم، ولكنه من باب حذف المضاف، تلخيصه: ولا تك في شك من حال ما يعبدون في أنها لا تضر ولا تنفع.\nوقوله تعالى: ﴿مَا يَعْبُدُونَ إِلَّا كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ﴾ أي إلا كعبادة\n_________\n= \"الصفاح\": الحجارة العراض، \"الحباحب\" الشرر الذي يسقط من الزناد، وانظر: \"ديوانه\" ص ٣٢ \"أمالي ابن الشجري\" ٢/ ٢٦٩، \"اللسان\" (سلق)، \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٧٣٧، الطبري ١٥/ ٤٨٩، الزجاج ٣/ ٨٠ والقرطبي ٩/ ١٠٣.\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٢٢.\n(٢) النحل: ١٢٠.\n(٣) \"سر صناعة الإعراب\" ٢/ ٢٣٨ باختصار.","vol":"11","page":566},{"text":"آبائهم من قبل، ﴿مَا﴾ (١) مع الفعل بمنزلة المصدر؛ يريد: أنهم على طريق (٢) التقليد يعبدون الأوثان كعبادة آبائهم.\nوقوله تعالى: ﴿وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾، أي من العذاب في قول ابن عباس (٣) وغيره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1699>١١٠ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ﴾، قال ابن عباس (٤): يعزّي النبي - ﷺ -، يعني أن هذا تسلية للنبي - ﷺ - بالحال التي تعم من التكذيب، أي إنْ كذبوا بالكتاب الذي [آتيناك، فقد كذب من قبلهم بالكتاب الذي] (٥) آتينا موسى.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾، قال ابن عباس (٦): يريد أني أخرت أمتك إلى الموت أو إلى يوم (٧) القيامة، ولولا ذلك لعجلت عقاب من كذبك، قال ابن الأنباري (٨): أعلم الله أنه لولا ما تقدم من حكمه بتأخير عذابهم إلى يوم القيامة، لكان الذي يستحقونه عند عظيم كفرهم إنزال عاجل العذاب بهم، لكن المتقدم من\n_________\n(١) ساقط من (ي).\n(٢) في (ي): (تقدير).\n(٣) هذا القول مروي عن ابن زيد كما في الطبري ١٢/ ١٢٣، والمروي عن ابن عباس هو \"ما وعدوا فيه من خير أو شر\" كما في الطبري ١٢/ ١٢٢، \"زاد المسير\" ٤/ ١٦٢.\n(٤) الثعلبي ٧/ ٥٨ ب، البغوي ٤/ ٢٠٢، \"زاد المسير\" ٤/ ١٦٢، ابن عطية ٧/ ٤٠٧.\n(٥) ما بين المعقوفين ساقط من (ي).\n(٦) \"زاد المسير\" ٤/ ١٦٢، الطبري ١٢/ ٢٣٢ من غير نسبة.\n(٧) ساقط من (ي).\n(٨) الرازي ١٨/ ٦٩.","vol":"11","page":567},{"text":"قضائه أخر ذلك عنهم في دنياهم، فابن عباس والكلبي (١) وأكثر أهل التفسير على أن هذا في كفار مكة، وقال مقاتل بن سليمان (٢): يُعني بهذا قوم من أصحاب موسى، والظاهر هو الأول؛ لأن الذين كذبوا بالتوراة أهلكوا في الدنيا عاجلًا، ولم تؤخر عقوبتهم إلى الآخرة.\nوقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ﴾ يعني من القرآن، وفي قول مقاتل (٣): من كتاب موسى، ﴿مُرِيبٍ﴾ هو موقع للريبة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1700>١١١ </span>- قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ﴾ الآية، اختلف القراء (٤) في تشديد ﴿إِنَّ﴾ و﴿لمَّا﴾ وتخفيفهما؛ فقرأ أبو عمرو والكسائي: ﴿وَإِنَّ﴾ مشددة النون ﴿لمَا﴾ خفيفة، قال الزجاج (٥): تخفيف ﴿لمَا﴾ هو الوجه والقياس، ولام ﴿لمَا﴾ لام ﴿إِنَّ﴾ و(ما) زائدة مؤكدة لم تغير المعنى ولا العمل.\nوقال أبو علي (٦): هذه القراءة وجهها بين، ومثاله من الكلام (إن\n_________\n(١) \"تنوير المقباس\" ص ١٤٥.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ١٤٩ ب.\n(٣) ساقط من (ي).\n(٤) قرأ ابن كثير ونافع بالتخفيف فيهما، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر تخفيف النون وتشديد الميم، وقرأ حمزة والكسائي بتشديد النون، واختلفا في الميم فشددها حمزة وخففها الكسائي. وقرأ أبو عمرو مثل قراءة الكسائي، وقرأ ابن عامر مثل قراءة حمزة، وقرأ ابن عامر مثل قراءة حمزة، وقرأ حفص عن عاصم بالشديد فيهما مثل حمزة وابن عامر. انظر: \"السبعة\" ٣٣٩، الطبري ١٢/ ٢٣٢ - ١٢٤، \"إتحاف\" ص ٢٦٠، \"الكشف\" ١/ ٥٣٦.\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٨١.\n(٦) \"الحجة\" ٤/ ٣٨١ - ٣٨٦ بتصرف واخصار.","vol":"11","page":568},{"text":"زيدًا [لما لينطلقن)]، (١)، فاللام في (لما) هي اللام التي تقتضيه (إنَّ)، و(إنَّ) تقتضي أن يدخل على خبرها أو اسمها لام كقوله ﴿إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٢) [النحل: ١٨]، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً﴾ [الحجر: ٧٧]، واللام الأخرى هي التي لتلقّي القسم، نحو: (والله لتفعلن)، ودخلت (ما) لتفصل بين اللامين؛ لأنه إذا كره أن تجتمع \"اللام\" و\"أن\" مع اختلاف لفظيهما لاتفاقهما في معنى التأكيد ففصل بينهما فأنْ يفصل بين اللامين مع اتفاق اللفظين أجدر، فقوله ﴿وَإِنَّ كُلًّا﴾، نصب ﴿كُلًّا﴾ بـ (أن) ودخلت اللام -وهي لام الابتداء- على خبر \"إن\" وهو قوله ﴿لمَّا﴾، وقد دخلت في الخبر لام أخرى وهي التي يتلقى (٣) بها القسم، وتختص بالدخول على الفعل ويلزمها في أكثر (٤) الأمر أحد النونين، فلما اجتمعت اللامان فصل بينهما بـ (ما) كما فصل بين \"أن\" و\"اللام\"، فدخلت (ما) لهذا المعنى -وإن كانت زائدة- لتفصل.\nوقال الفراء (٥) في وجه هذه القراءة: جعل (ما) اسما للناس؛ كما قال تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣] ثم جعل اللام التي فيها جوابًا لـ (إنَّ)، وجعل اللام التي في ﴿لَيُوَفِّيَنَّهُمْ﴾ لامًا دخلت على نية يمين فيما بين \"ما\" وصلتها، كما تقول: (هذا مَنْ لَيَذْهَبَنَّ)، و(عندي ما\n_________\n(١) ما بين المعقوفين بياض في (ب).\n(٢) ساقط من (ي).\n(٣) ساقط من (ي).\n(٤) ساقط من (ب).\n(٥) \"معانى القرآن\" ٢/ ٢٨.","vol":"11","page":569},{"text":"لَغَيْرُهُ خيرٌ منه)، ومثله ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ﴾ [النساء: ٧٢]، وهذا القول كالأول إلا أنه أجاز أن تكون \"ما\" هاهنا اسمًا بمعنى \"مَنْ\"، وعند الزجاج (١) والبصريين (ما) صلة زائدة كما ذكرنا، وقرأ ابن كثير ونافع ﴿وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا﴾ مخففتين. ووجه هذه القراءة ما ذكره سيبويه (٢)، وهو أنه قال: حدثنا من نثق به أنه سمع من العرب من يقول: (إنْ عمروًا (٣) لمنطلق)، قال: وأهل المدينة يقرؤون ﴿وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا﴾ يخففون وينصبون.\nقال الأزهري (٤): أخبرني المنذري عن أبي طالب النحوي أنه قال: أهل البصرة أعني به سيبويه وذويه يقولون العرب تخفف (أنّ) الشديدة وتعملها وأنشدوا (٥):\nووجه حسن النحر ... كأنْ ثدييه حقان\nأراد (كأنّ) فخفف وأعمل، قال أبو علي (٦): ووجه النصب بها مع\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٨١.\n(٢) \"الحجة\" ٤/ ٣٨٦.\n(٣) في (أ)، (ب): (إن عمرًا).\n(٤) \"تهذيب اللغة\" (إن) ١/ ٢٢٣، وفيه \"وقال أبو طالب النحوي، فيما روى عنه المنذري، قال: أهل البصرة غير سيبويه وذويه يقولون: إن العرب تخفف (إن) الشديدة وتعملها .. \" والصحيح ما أثبته كما في \"الكتاب\" ١/ ٢٨٣.\n(٥) في رواية (ووجه مشرق النحر) وهو من شواهد سيبويه التي لم تنسب، والنقل مع الشاهد في \"الكتاب\" ٢/ ١٣٥، وانظر: \"الخزانة\" ٤/ ٣٥٨، ابن الشجري ١/ ٣٦٢، الطبري ١٢/ ١٢٥، \"تهذيب اللغة\" (إن) ١/ ٢٢٣، \"الإنصاف\" ص ١٦٦، \"أوضح المسالك\" ١/ ٣٧٨، \"تلخيص الشواهد\" ص ٣٨٩، \"شرح المفصل\" ٨/ ٨٢، \"اللسان\" (أنن) ١/ ١٩، \"المقاصد النحوية\" ٢/ ٣٠٥.\n(٦) \"الحجة\" ٤/ ٣٨٦.","vol":"11","page":570},{"text":"التخفيف من القياس أن (أنَّ) مشبهة في نصبها بالفعل، والفعل يعمل محذوفًا كما يعمل غير محذوف (١)، وذلك في نحو: (لم يك زيد منطلقًا)، وكذلك (لا أدر).\nقال الفراء (٢): لم نسمع العرب تخفف (أنَّ) وتعملها إلا مع المكني؛ لأنه لا يتبين فيه إعراب، نحو قوله (٣):\nفلو أنْكِ في يوم الرخاء سألتني ... فراقكِ لم أبخل وأنتِ صديق\nفأما مع الظاهر فلا، لكن إذا خففوها رفعوا، قال: ومن قرأ ﴿وَإِنَّ كُلًّا﴾ فإنهم نصبوا (كلًا) بـ ﴿لَيُوَفِّيَنَّهُمْ﴾ كأنه قال: وإن ليوفينهم كلا. قال: وهذا وجه لا أشتهيه؛ لأن اللام لا يقع الفعل الذي بعدها (٤) على شيء قبله، وقرأ حمزة وابن عامر وحفص ﴿وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا﴾ مشددتان.\nوالكلام في تخفيف \"إنَّ\" وتشديدها قد ذكرناه، وبقي الكلام في تشديد ﴿لَمَّا﴾ هاهنا.\nقال أبو إسحاق (٥): زعم بعض النحويين أن معناه (لمن ما) ثم قلبت\n_________\n(١) في (ي): (كما يعمل في غير محذوف).\n(٢) \"معاني القرآن\" ٢/ ٢٩.\n(٣) البيت لم أعثر على قائله وهو في \"الإنصاف\" ١٦٩، \"شرح المفصل\" لابن يعيش ٨/ ٧١، ٧٣ \"خزانة الأدب\" ٢/ ٤٦٥، ٤/ ٤٥٢، \"شرح الشواهد\" للسيوطي ص ٣١، \"همع الهوامع\" ٢/ ١٨٧، \"الدر\" ١/ ١٢٠، \"الإنصاف\" ١/ ٢٠٥، \"الجنى الداني\" / ٢١٨، \"شرح ابن عقيل\" ١/ ٣٨٤، \"اللسان\" (حرر) ٢/ ٨٣٠، \"المقاصد النحوية\" ١/ ٣١١.\n(٤) ساقط من (ب).\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٨١.","vol":"11","page":571},{"text":"النون ميمًا، فاجتمعت ثلاث ميمات، فحذفت إحداها وهي الوسطى فبقيت (لمّا). قال: وهذا القول ليس بشيء؛ لأن (من) لا يجوز حذفها لأنها اسم على حرفين، ولكن التشديد فيه قولان: أحدهما يروى عن المازني (١) زعم أن أصلها \"لَمَا\" ثم شددت الميم. قال: وهذا القول ليس بشيء أيضًا (٢)؛ لأن الحروف نحو: (ربّ) وما أشبهها تُخفف، ولسنا نثقل ما كان على حرفين.\nقال: وقال بعضهم قولا (٣) لا يجوز غيره والله أعلم، أن (لما) في معنى (إلا) كما تقول: سألتك لما فعلت وإلا فعلت، ومثله ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ [الطارق: ٤] معناها إلا عليها.\nوقال الفراء (٤): أما من شدد (لما) فإنه والله أعلم أراد لمن (٥) ما ليوفينهم، فلما اجتمعت ثلاث ميمات حذفت واحدة فبقيت ثنتان فأدغمت في صاحبتها كما قال (٦):\nواني لمما (٧) أصدر الأمر وجهه ... إذا هو أعيا بالسبيل مصادره\nقال: وربما تحذف بعض الحروف إذا اجتمعت كما أنشد\n_________\n(١) \"تهذيب اللغة\" (لم) ٤/ ٣٢٩٥.\n(٢) في (جـ)، (ي): (أصلا).\n(٣) ساقط من (ي).\n(٤) \"معاني القرآن\" ٢/ ٢٩.\n(٥) في (ي): لما.\n(٦) لم أهتد إلى قائله، وانظر: \"معاني القرآن\" ٢/ ٢٩، الطبري ١٢/ ١٢٣ - ١٢٤ القرطبي ٩/ ١٠٥، \"الدر المصون\" ٦/ ٤٠٣.\n(٧) في (ب): (فلما).","vol":"11","page":572},{"text":"الكسائي (١):\nوأشمتَّ العداة بنا فأضحوا ... لَدَيَّ تباشرون بما لقينا\nمعناه لَدَيَّ يتباشرون فحذف لاجتماع الياءات، ومثله (٢):\nكأن من آخرها إلقادمِ ... مَخْرِمَ نجدِ فارع المخارمِ\nأراد (إلى القادم)، فحذف اللام عند اللام، قال: وأما من جعل (لما) بمنزلة (إلا) فإنه وجه لا نعرفه، وقد قالت العرب: بالله لما قمت عنا، وإلا قمت عنا وأما (لما) بمعنى (إلا) في الاستثناء فلم يقولوه في شعر ولا غيره؛ لا يجوز: ذهب الناس لما زيد بمعنى (٣) إلا، هذا كلامه، ومعنى (ما) في قوله \"لمن ما\" معنى (من)، وقد أنكر ما أجازه الزجاج.\nقال أبو علي (٤): من قرأ ﴿وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا﴾ بالتشديد [فيهما (٥) فقراءته مشكلة، وكذلك قراءة أبي بكر عن عاصم: ﴿وإن كُلا﴾ بالتخفيف، ﴿لمَّا﴾ بالتشديد] (٦) وذلك أن ﴿إِنَّ﴾ إذا نصب بها وإن كانت مخففة كانت بمنزلتها مثقلة، و﴿لمَّا﴾ إذا شددت كانت بمنزلة إلا، فكما لا يحسن [(إن زيدًا إلا منطلق) كذلك لا يحسن] (٧) تثقيل ﴿إِنَّ﴾ وتثقيل ﴿لَمَّا﴾، فأما\n_________\n(١) لم أهتد إلى قائله. وانظر: \"معاني القرآن\" ٢/ ٢٩، الطبري ١٢/ ١٢٤، \"الدر المصون\" ٦/ ٤٠٣.\n(٢) لم أهتد إلى قائله. وانظر: \"معاني القرآن\" ٢/ ٢٩، \"اللسان\" (قدم) ٦/ ٣٥٥٤، الطبري ١٥/ ٤٩٥، \"الدر المصون\" ٦/ ٤٠٤.\n(٣) في (ب): (المعنى).\n(٤) \"الحجة\" ٤/ ٣٨٧.\n(٥) ساقط من (ي).\n(٦) و(٧) ما بين المعقوفين ساقط من (ي).","vol":"11","page":573},{"text":"مجيء ﴿لَمَّا﴾ هو في قولك: نشدتك الله لما فعلمت وإلا فعلت؛ فقال الخليل: الوجه لتفعلن كما تقول أقسمت عليك لتفعلن، وأما دخول إلا ولما فلأن المعنى الطلب، فكأنه أراد ما أسألك إلا فعل كذا فلم يذكر حرف النفي في اللفظ وإن كان مرادًا [كما كان مرادًا] (١) في قولهم (٢) شرٌّ ما أَهَرَّ ذا ناب، أي ما أهره إلا شرٌ، وليس في الآية معنى نفي ولا طلب، وهذا إنما كان يحسن ﴿إِنَّ﴾ لو خففت فخفف ﴿إِنَّ﴾ ورفع ﴿كُلًّا﴾ بعدها ثم ثقل ﴿لَمَّا﴾، فكان يجوز تثقيل ﴿لَمَّا﴾ على أن يكون المعنى: ما كل إلا ليوفينهم، فيكون ذلك كقوله ﴿وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الزخرف: ٣٥] فأما تثقل ﴿لمَّا﴾ مع النصب في (كل) فلا وجه له.\nوهذا كله في إبطال ما أجازه الزجاج في تشديد ﴿لمَّا﴾؛ قال (٣): وأما قول الفراء: المعنى (لمن ما) فادعم النون في الميم بعد ما قلبها ميمًا ثم حذفت إحدى (٤) الميمات، فإن ذلك لا يسوغ، ألا ترى أن في هذه السورة مميات أكثر مما اجتمعن في (لمن ما) ولم يحذف منها شيء، وذلك في قوله ﴿وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ﴾ [هود: ٤٨] فإذا لم يحذف شيء من هذا فلأن لا تحذف ثَمَّ أجدر، وقد قرئ ﴿وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا﴾ بالتنوين، والمعنى (٥) أن كلا جميعًا ليوفينهم، ومعنى اللم: الجمع فوصف بالمصدر\n_________\n(١) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).\n(٢) مثل عربي، انظر: \"الإيضاح في علوم البلاغة\" للخطيب القزويني ٢/ ٤٨، \"المستقصى في أمثال العرب\" للزمخشري ٢/ ١٣٠.\n(٣) أي: أبو علي؛ انظر: \"الحجة\" ٤/ ٣٨٧، بتصرف.\n(٤) ساقط من (ب).\n(٥) في (ب). (ومعنى).","vol":"11","page":574},{"text":"كقوله ﴿أَكْلًا لَمًّا﴾ [الفجر: ١٩].\nفإن قال قائل: إن (لما) فيمن ثقل أنها هي ﴿لمًّا﴾ هذه ووقف عليها بالألف تم أجري الوصل مجرى الوقف فذلك مما يجوز في الشعر.\nقال الكسائي (١): من شدد ﴿إِنَّ﴾ وشدد ﴿لمَّا﴾ فالله أعلم بذلك ليس لي به علم، ولا من خفف \"إنّ\" ثم نصب (كلاّ) أيضًا وشدد \"لمّا\" فلست أدري أيضًا، قال أبو علي: ولم يبعد الكسائي فيما قال (٢). وقوله تعالى ﴿رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ﴾، قال ابن عباس (٣): يريد جزاء بما عملوا، وعلى هذا هو من باب حذف المضاف؛ لأن المعنى: ليوفينهم ربك جزاء أعمالهم.\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾، خبير قال: يريد بطاعة أوليائه وخبير بمعصية أعدائه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1701>١١٢ </span>- قوله تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾، الاستقامة: الاستمرار في جهة واحدة، وذلك خلاف الأخذ في جهات اليمين والشمال، قال المفسرون (٤): معناه فاستقم على العمل بأمر ربك والدعاء إليه في ﴿كَمَا أُمِرْتَ﴾ في القرآن.\nوقال ابن عباس (٥)،\n_________\n(١) \"مشكل إعراب القرآن\" ص ٤١٦.\n(٢) انتهى النقل عن \"الحجة\" ٤/ ٣٨٧ - ٣٨٨، بتصرف.\n(٣) الطبري ١٢/ ١٢٦، البغوي ٤/ ٢٠٣، \"زاد المسير\" ٤/ ١٦٤، القرطبي ٩/ ١٠٤ من غير نسبة.\n(٤) الطبري ١٢/ ١٢٦، الثعلبي ٧/ ٥٩ أ، البغوي ٤/ ٢٠٣.\n(٥) قلت: بل المروي عن ابن عباس خلاف هذا حيث قال: ما نزلت على رسول الله - ﷺ - آية هي أشد عليه من هذه الآية، ولذلك قال: \"شيبتني هود وأخواتها\" البغوي ٢/ ٤٠٤، القرطبي ٩/ ١٠٧. قال في \"كشف الخفاء\" ٢/ ٢٠، رواه ابن مردويه في \"تفسيره\".وانظر: \"المقاصد الحسنة\" للسخاوي ٢٥٥، ٢٥٦، والترمذي (٣٢٩٧) =","vol":"11","page":575},{"text":"والسدي (١): الخطاب له والمراد منه أمته.\nقوله تعالى: ﴿وَمَنْ تَابَ مَعَكَ﴾ (مَنْ) في محل الرفع من وجوه؛ أحدها: أن تكون عطفا على الضمير في ﴿فَاسْتَقِمْ﴾، أي فاستقم أنت وهم، والثاني: أن تكون عطفا على الضمير في ﴿أُمِرْتَ﴾، والثالث: أن تكون ابتداء على تقدير ومن تاب معك فليستقم، ومعنى ﴿وَمَنْ تَابَ مَعَكَ﴾، قال ابن عباس (٢): يريد أصحابه الذين تابوا من الشرك.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا تَطْغَوْا﴾، معنى الطغيان تجاوز المقدار، قال ابن عباس (٣): يريد تواضعوا لله ولا تَجَبَّروا على أحد.\nوقال الكلبي (٤): ولا تطغوا في القرآن فتحلوا أو تحرموا ما لم يأمركم به الله، وقيل (٥): لا تجاوزوا أمري ﴿إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾، قال ابن عباس: لا تخفى عليه أعمال بني آدم، علم قبل أن يعملوا ما هم عاملون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1702>١١٣ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا﴾، يقال: ركِن يركَن ركونا، ومعنى الركون السكون إلى الشيء والميل إليه بالمحبة، ونقيضه النفور عنه، ولغة\n_________\n= كتاب: التفسير، باب: ومن سورة الواقعة، ويؤيد هذا المعنى قوله تعالى بعد: ﴿وَمَنْ تَابَ مَعَكَ﴾.\n(١) الثعلبي ٧/ ٥٩ أ، القرطبي ٩/ ١٠٧.\n(٢) \"زاد المسير\" ٤/ ١٦٤.\n(٣) الرازي ١٨/ ٧١.\n(٤) \"زاد المسير\" ٤/ ١٦٤ ونسبه إلى ابن عباس.\n(٥) أخرجه الطبري ١٢/ ١٢٦ عن ابن زيد، وابن أبي حاتم ٦/ ٢٠٨٩، وانظر. \"الدر\" ٣/ ٦٣٦، و\"زاد المسير\" ٤/ ١٦٤، والثعلبي ٧/ ٥٩ أ.","vol":"11","page":576},{"text":"أخرى ركَن يركُن. قال الأزهري (١): وليست بفصيحة، وكان أبو عمرو أجاز ركَن يركَن بفتح [الكاف من الماضي والغابر، وهو خلاف ما عليه الأبنية في السالم.\nوقال الكسائي (٢): قريش تقول: ركِن يركَن وأهل نجد يقولون: ركَن يركُن؛ ومنه قراءة (٣) طلحة بن مصرف ﴿وَلَا تَرْكَنُوا﴾ بضم الكاف.\nقال ابن عباس (٤) في قوله: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾، قال: لا تميلوا؛ يريد في المحبة ولين الكلام والمودة.\nوقال السدي وابن زيد (٥): لا تداهنوا الظلمة.\nوقال أبو العالية (٦): لا ترضوا بأعمالهم] (٧).\n_________\n(١) \"تهذيب اللغة\" (ركن) ٢/ ١٤٦٣.\n(٢) \"البحر\" ٥/ ٢٦٩، \"الدر المصون\" ٤/ ١٤٤.\n(٣) قراءة \"تركُنوا\"، بضم الكاف، قرأ بها عبد الوارث عن أبي عمرو، وهي قراءة قتادة وطلحة بن مصرِّف. انظر: \"زاد المسير\" ٤/ ١٦٥، القرطبي ٩/ ١٠٨ وطلحة بن مصرف هو: طلحة بن مصرف بن عمرو الهمداني ثقة حجة، أحد القراء الكبار، وأقرأ أهل زمانه، أدرك أنسًا ولم يسمع منه. توفي ١٢ اهـ. انظر: \"الجرح والتعديل\" ٤/ ٤٧٣، \"تهذيب التهذيب\" ٢/ ٢٤٣، \"غاية النهاية\" ١/ ٣٤٣.\n(٤) رواه الطبري بمعناه عن بعض المفسرين ١٢/ ١٧٢، الثعلبي ٤/ ١٠٣، البغوي ٢/ ٤٠٤، \"زاد المسير\" ٤/ ١٦٥.\n(٥) روى عنهما الثعلبي ٧/ ٥٩ ب، \"زاد المسير\" ٤/ ١٦٥، وانظر: البغوي ٢/ ٣٠٤ عن السدي، والطبري ١٢/ ١٢٧ عن ابن زيد، وكذا القرطبي ٩/ ١٠٨.\n(٦) الطبري ١٢/ ١٢٧، الثعلبي ٧/ ٥٩ ب، البغوي ٢/ ٢٠٤، \"زاد المسير\" ٤/ ١٦٥، القرطبي ٩/ ١٠٨.\n(٧) ما بين المعقوفين غير مقروء في (ب)","vol":"11","page":577},{"text":"وقال قتادة (١): لا تلحقوا بالمشركين.\nوقوله تعالى: ﴿فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾، قال ابن عباس: هو أدب للمؤمنين ليس كمثل عقوبة الكفار، يريد أن قوله: ﴿فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ (٢) يتضمن عذابًا دون عذاب الكفار؛ لأنهم مخلدون في النار، وفي هذا دليل على أن المؤمن لا يخلد في النار، ودليل أيضًا على المنع من مصادقة المشركين وموالاة الظالمين، والميل إليهم بالمحبة والسكون.\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾، قال ابن عباس (٣): يريد من مانع يمنعكم من عذاب الله.\nوقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾ استئناف كقوله: ﴿يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ﴾ (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1703>١١٤ </span>- قوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾ الآية، قال عامة المفسرين (٥): نزلت في رجل أتى النبي - ﷺ - فقال: ما تقول في رجل أصاب من امرأة لا تحل له ما يصيبه الرجل من امرأته غير الجماع؟ فقال له النبي - ﷺ -: \"توضأ وضوءًا حسنًا ثم قم فصل\"، وأنزل الله تعالى هذه الآية فقيل للنبي - ﷺ -، أهي له خاصة أم للناس عامة؟ [فقال: \"بل هي للناس\n_________\n(١) الطبري ١٢/ ١٢٧، قال: لا تلحقوا بالشرك، الثعلبي ٧/ ٥٩ ب، \"زاد المسير\" ٤/ ١٦٥.\n(٢) ساقط من (ي).\n(٣) الثعلبي ٧/ ٥٩ ب، البغوي ٢/ ٢٠٤، \"زاد المسير\" ٤/ ١٦٥، من غير نسبة.\n(٤) آل عمران/ ١١١.\n(٥) الطبري ١٢/ ١٣٤ - ١٣٨، الثعلبي ٧/ ٦٠ أ، البغوي ٢/ ٢٠٤، \"زاد المسير\" ٤/ ١٦٥، ابن عطية ٤/ ٤١٥، القرطبي ٩/ ١١٠، ابن كثير ٢/ ٥٠٦.","vol":"11","page":578},{"text":"عامة\"] (١) (٢).\nقال ابن عباس (٣) في رواية عطاء في قوله ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾ يريد الصبح والظهر والعصر، وهو قول مجاهد (٤) في رواية منصور\n_________\n(١) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).\n(٢) الحديث أخرجه الطبري ١٢/ ١٣٦، ورواه الترمذي (٣١١٣) كتاب: التفسير، باب: ومن سورة هود من رواية عبد الرحمن بن أبي ليلى عن معاذ بن جبل، وقال: هذا حديث ليس إسناده بمتصل، عبد الرحمن بن أبي ليلى لم يسمع من معاذ، ومعاذ بن جبل مات في خلافة عمر، وقتل عمر وعبد الرحمن بن أبي ليلى غلام صغير ابن ست. وقد وردت أحاديث بمعنى هذا الحديث ومنها ما أخرجه البخاري (٤٦٨٧) كتاب: التفسير، باب: قوله ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾، ومسلم (٢٧٦٣) كتاب: التوبة، باب: قوله تعالى ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ وأحمد ١/ ٣٨٥ والترمذي (٣١١٤) كتاب التفسير، باب ومن سورة هود، والطبري ١٥/ ٥١٩ من حديث ابن مسعود: أن رجلًا أصاب من امرأة قبلة فأتى رسول الله - ﷺ - فذكر ذلك له فنزلت هذه الآية، فقال الرجل: ألي هذه الآية؟ فقال: \"لمن عمل بها من أمتي\".\nوالآخر ما أخرجه مسلم (٢٧٦٣/ ٤٢) كتاب: التوبة، باب: قوله تعالى ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾، والترمذي (٣١١٢) كتاب: التفسير، باب: ومن سورة هود، والطبري ١٥/ ٥١٦ عن ابن مسعود أن رجلًا قال للنبي - ﷺ -: إني أخذت امرأة في البستان فقبلتها وضممتها إليَّ، وباشرتها، وفعلت بها كل شيء، غير أني لم أجامعها، فسكت النبي - ﷺ -، فأنزل الله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾ الآية، فدعا الرجل فقرأها عليه، فقال عمر: أهي له خاصة أم للناس كافة؟ قال: \"لا، بل للناس كافة\".\n(٣) المروي عن ابن عباس أنه قال. صلاة الغداة وصلاة المغرب، انظر الثعلبي ٧/ ٥٩ ب، البغوي ٢٠٤، \"زاد المسير\" ٤/ ١٦٧، الطبري ١٢/ ١٢٨.\n(٤) الطبري ١٢/ ١٢٧، الثعلبي ٧/ ٥٩ ب، البغوي ٤/ ٢٠٤، \"زاد المسير\" ٤/ ١٦٧.","vol":"11","page":579},{"text":"والقرظي (١)، واختيار الفراء (٢) والزجاج (٣)، قال الزجاج: وصلاة طرفي النهار: الغداة والظهر والعصر، وزاد مقاتل (٤): المغرب، وقال: صلاة الفجر والظهر طرف وصلاة العصر والمغرب طرف، والصحيح ما ذكره الزجاج، وذلك أن أحد طرفي النهار صلاة الصبح والآخر فيه صلاتا (٥) العشاء، وهما الظهر والعصر، والمغرب من صلاة الليل لا من صلاة النهار.\nويروى عن ابن عباس ومجاهد (٦) أنهما قالا: صلاة طرفي النهار الفجر والمغرب، وهو قول الحسن (٧) وابن زيد (٨)، وظاهر الكلام يدل على هذا، وحذف ذكر الظهر والعصر لظهور أمرهما في صلاة النهار؛ لأنهما أفردا بالذكر في قوله: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ [الإسراء: ٧٨] ودلوكها زوالها.\nوقوله تعالى: ﴿وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾، قال الليث (٩): زلفة من أول الليل\n_________\n(١) الطبري ١٢/ ٢٨٢، الثعلبي ٧/ ٥٩ ب، \"زاد المسير\" ٤/ ١٦٧.\n(٢) \"معاني القرآن\" ٢/ ٣٠، ولم يذكر الفجر في طرفي النهار.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٨٢.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ١٤٩ ب، الثعلبي ٧/ ٥٩ ب.\nوفيه (وزلفا من الليل يعني صلاة المغرب والعشاء) ولم يجعل المغرب في طرفي النهار.\n(٥) في (ي): (صلاة).\n(٦) انظر: الطبري ١٢/ ١٢٧ - ١٢٨ قال مجاهد: صلاة الفجر وصلاتي العشى، يعني الظهر والعصر، وعند ابن أبي حاتم بلفظ: صلاة الفجر وصلاة العشاء ٦/ ٢٠٩١.\n(٧) الطبري ١٢/ ١٢٨. وعند ابن أبي حاتم ٦/ ٢٠٩١ أن الحسن قال: الغداة: الظهر والعصر.\n(٨) الطبري ١٢/ ١٢٨.\n(٩) انظر: \"الدر المصون\" ٤/ ١٤٥.","vol":"11","page":580},{"text":"طائفة والجميع الزلف، وروى أبو عمرو عن أبي العباس في هذه الآية قال: الزلف أول ساعات الليل واحدتها زلفة (١).\nوقال أبو عبيدة (٢) والأخفش (٣) وابن قتيبة (٤): الزلف ساعات الليل وآناؤه، وكل ساعة زلفة، ومعنى (زلفًا من الليل) أي ساعة بعد ساعة، وأنشدوا (٥):\nناج طواه الليل مما وجفا ... طى الليالي زلفا فزلفا\nسماوة الهلال حتى احقوقفا\nونحو هذا قال الفراء (٦). وقال ابن عباس (٧): يريد المغرب والعشاء قرب أول الليل (٨)؛ لأن الزلف القرب، وهذا قول عامة المفسرين (٩) غير\n_________\n(١) \"تهذيب اللغة\" (زلف) ١٣/ ٢١٤.\n(٢) \"مجاز القرآن\" ١/ ٣٠٠.\n(٣) \"معاني القرآن\" للأخفش ٢/ ٥٨٥، الثعلبي ٧/ ٥٩ ب.\n(٤) \"مشكل القرآن وغريبه\" ص ٢١٥.\n(٥) الرجز للعجاج، وفيه (ناج طواه الأين) وليس الليل، والأين: التعب، و(وجفا) من الوجيف: سرعة السير، \"سماوة الهلال\": شخصه إذا ارتفع في الأفق شيئًا، \"احقوقف\": اعوج، وانظر: ديوانه / ٨٤، \"مجاز القرآن\" ١/ ٣٠٠، الطبري ١٢/ ١٢٩ اللسان (حقف) ٢/ ٩٣٩، \"الكامل\" للمبرد ٣/ ٩٩، سيبويه ١/ ١٨٠، \"تهذيب اللغة\" (زلف) ٢/ ١٥٤٩، \"ديوان الأدب\" ٢/ ٤٩٢، \"تاج العروس\" (زلف) ١٢/ ٢٥٦، \"مجمل اللغة\" ٢/ ٢٤٦، \"كتاب العين\" ٧/ ٣١٩.\n(٦) \"معاني القرآن\" ٢/ ٣٠.\n(٧) المروي عن ابن عباس أنه قال: العشاء، الطبري ١٢/ ١٣٠.\n(٨) ساقط من (ب).\n(٩) رواه الطبري ١٢/ ١٣٠ - ١٣١ عن الحسن ومجاهد والقرظي والضحاك، وانظر: الثعلبي ٧/ ٥٩ ب، البغوي ٤/ ٢٠٤.","vol":"11","page":581},{"text":"مقاتل (١) فإنه يقول: هو صلاة العشاء؛ لأنه أدخل المغرب في طرفي النهار، [وقال أبو إسحاق (٢): هو منصوب على الظرف، كما تقول: جئت (٣) طرفي النهار] (٤) وأول الليل، قال: ومعنى زلفًا من الليل: الصلاة القريبة من أول الليل، وأصل الكلمة من الزلفة والزلفى، وهي القربة، يقال: أزلفته فازدلف أي قربته فاقترب.\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾، قال ابن عباس والمفسرون (٥): يريد [إن الصلوات الخمس] (٦) تكفر ما بينها من الذنوب إذا اجتنبت الكبائر، وروى ليث عن مجاهد (٧) قال: هي قول العبد: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر.\nوقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾، قال ابن عباس: يريد: هذا موعظة فـ (ذلك) عنده بمعنى (هذا)، وذكرنا وجهه في قوله: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ (٨)\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" /١٥٠ أ، البغوي ٤/ ٢٠٤.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٨٢.\n(٣) ساقط من (ي) في الزجاج \"كما تقول حينا طرفي النهار .. \".\n(٤) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).\n(٥) الطبري ١٢/ ١٣٢، الثعلبي ٧/ ٥٩ ب، البغوي ٤/ ٢٠٤، \"زاد المسير\" ٤/ ١٦٨، ابن عطية ٧/ ٤١٦ - ٤١٧. وفي الحديث \"الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة كفارات لما بينهنّ\" أخرجه مسلم (ح ٢٣٣) في الطهارة، باب الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات .. عن أبي هريرة.\n(٦) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).\n(٧) الطبري ١٢/ ١٣٣ رواه منصور عن مجاهد، الثعلبي ٧/ ٥٩ ب، ابن عطية ٧/ ٤١٧، \"زاد المسير\" ٤/ ١٦٨.\n(٨) البقره: ٢. وخلاصة مما ذكره: \"أنه إنما يجوز ذلك بمعنى هذا لما مضى وقرب وقت تقضيه أو تقضى ذكره\".","vol":"11","page":582},{"text":"وقال غيره (١): ﴿ذَلِكَ ذِكْرَى﴾ يعني القرآن عظة لمن ذكره، والكلام في (ذلك) وأن الإشارة بها إلى الجملة جائزة قد مضى في عدة مواضع، وقال أبو علي الفارسي: الذكرى مصدر جاء بألف التأنيث، كما جاء على فَعْلى نحو العدوى والدعوى والطغوى وتترى فيمن لم يصرف، وعلى فُعْلى نحو شورى، [وقالوا في الجمع (للذِّكَر) فجعلوه بمنزلة (سدرة وسدر)، كما جعلوا (العُلَى) مثل (الظُّلَم)، وقالوا: الذكر بالدال حكاه سيبويه (٢) وكذلك روي بيت ابن مقبل (٣):\nمن بعد ما يعتري قلبي من الدكر\nوذلك لما كثر تصرف الكلمة بالدال نحو ﴿وَادَّكَرَ﴾ [يوسف: ٤٥]، ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ (٤) أشبهت تقوى، وتقية، وتقاة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1704>١١٥ </span>- قوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ﴾ قيل (٥) على الصلاة، كقوله ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ] (٦) عَلَيْهَا﴾ [طه:١٣٢]، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ\n_________\n(١) الثعلبي ٧/ ٦٠ أ، البغوي ٤/ ٢٠٥، \"زاد المسير\" ٤/ ١٦٩.\n(٢) انظر: \"إعراب القرآن\" للنحاس ٢/ ٣٣١.\n(٣) لابن مقبل، وصدره:\nيا ليت لي سلوة تشفى النفوس بها\nوفيه (من بعض) بدل (من بعد) هنا، انظر: \"ديوانه\" ٨١، \"الخصائص\" ١/ ٣٥١، \"المقرب\" ٢/ ١٦٦، \"سر صناعة الإعراب\" ١/ ١٨٨، \"الممتع في التصريف\" ١/ ٣٥٩، \"المنصف\" ٣/ ١٤٠.\n(٤) في النسخ: (وهل).\n(٥) الثعلبي ٧/ ٦٠ أ، البغوي ٤/ ٢٠٥، \"زاد المسير\" ٤/ ١٧٠.\n(٦) ما بين المعقوفتين: بياض في (ب).","vol":"11","page":583},{"text":"الْمُحْسِنِينَ﴾، قال ابن عباس (١): يعني المصلين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1705>١١٦ </span>- قوله تعالى ﴿فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾، يعني القرون المهلَكة، ومعنى (لولا) هاهنا نفي عند المفسرين، وهو قول ابن عباس (٢): يريد ما كان من القرون من قبلكم، وهذا مثل قوله: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ﴾ [يونس: ٩٨] وقد استقصينا الكلام هناك، ونحو هذا قال الفراء (٣) في هذه الآية: لم يكن منهم أحد كذلك.\nومن الناس (٤) من يقول: (لولا) هاهنا على ظاهره، بمعنى (هَلَّا كان)، و(لم لا كان)، وهو تعجب وتوبيخ للكفار الذين سلكوا سبيل من قبلهم في (٥) الفساد.\nوقوله تعالى: ﴿أُولُو بَقِيَّةٍ﴾، [قال ابن عباس (٦): يريد: أولو دين، قال الزجاج (٧): ﴿أُولُو بَقِيَّةٍ﴾] (٨) معناه أولو تمييز، ويجوز أولو طاعة، قال: ومعنى البقية إذا قلت (في فلان بقية) فمعناه فيه فضل فيما يمدح به،\n_________\n(١) الثعلبي ٧/ ٦٠ أ، البغوي ٤/ ٢٠٥، \"زاد المسير\" ٤/ ١٧٠، القرطبي ٩/ ١١٣.\n(٢) \"زاد المسير\" ٤/ ١٧٠، ورواه الطبري ١٢/ ١٣٩ - ١٤٠ عن قتادة، ورجحه، وانظر الثعلبي ٧/ ٦٠ ب، البغوي ٤/ ٢٠٦، القرطبي ٩/ ١١٣.\n(٣) \"معاني القرآن\" ٢/ ٣٠.\n(٤) ابن قتيبة في \"مشكل القرآن وغريبه\" ٢١٦، الثعلبي ٧/ ٦٠ أ، \"زاد المسير\" ٤/ ١٧٠، القرطبي ٩/ ١١٣، \"معاني الأخفش\" ١/ ٢٩٤.\n(٥) في (ي): (من).\n(٦) \"زاد المسير\" ٤/ ١٧٠.\n(٧) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٨٣.\n(٨) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).","vol":"11","page":584},{"text":"وقال القتبي (١) ﴿أُولُو بَقِيَّةٍ﴾ أي [أولو بقية] (٢) من دين، يقال (قوم لهم بقية) و(فيهم بقية) إذا كانت فيهم مسكة وخير.\nوقوله تعالى ﴿يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ﴾، قال ابن عباس: يريد عن الشرك والاعتداء في حقوق الله والمعصية.\nوقوله تعالى: ﴿إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ﴾، قال الفراء (٣) والزجاج (٤): هو استثناء على الانقطاع مما قبله؛ المعنى: لكن قليلًا ممن نجينا منهم نهوا عن الفساد، كما قال: ﴿إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ﴾ [يونس: ٩٨] قال المفسرون (٥): وهم أتباع الأنبياء وأهل الحق.\nوقوله تعالى ﴿وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ﴾، الترفة النعمة وصبي مترف (٦) إذا كان منعم البدن، والمترف الذي أبطرته النعمة وسعة العيش (٧).\nقال الفراء (٨): يقول اتبعوا في دنياهم ما عودوا من النعيم وإيثار اللذات على أمر الآخرة وركنوا إلى الدنيا والأموال وما أعطوا من نعيمها.\n_________\n(١) \"مشكل القرآن وغريبه\" ص ٢١٦، وفيه: (إذا كانت فيهم مسكة وفيهم خير)، وانظر: \"تهذيب اللغة\" (بقي) ١/ ٣٧٤.\n(٢) ما بين المعقوفين ساقط من (ي).\n(٣) \"معاني القرآن\" ٢/ ٣٠.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٨٣\n(٥) الطبري ١٢/ ١٣٩، الثعلبي ٧/ ٦٠ ب، البغوي ٤/ ٢٠٦.\n(٦) في (ب)، (جـ): (متروف).\n(٧) انظر: \"تهذيب اللغة\" (ترف) ١/ ٤٣٦.\n(٨) \"معانى القرآن\" ٢/ ٣١.","vol":"11","page":585},{"text":"قال عطاء عن ابن عباس (١) يريد: اتبعوا (٢) ما وسعت عليهم وأنعمت، وروي (٣) عنه نعموا وأبطروا أيضًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1706>١١٧ </span>- قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ﴾، قال أبو بكر الأنباري: أراد بالقرى أهلها وسكنها وكان ذكره الأهل بعدها في قوله ﴿وَأَهْلُهَا﴾ تبيينا لما تتضمنه.\nوذكر المفسرون (٤) وأهل المعاني كلهم في هذه الآية قولين:\nأحدهما: وما كان الله ليهلك [أهل] (٥) القرى وهم مسلمون [صالحون] (٦)، فيكون ذلك منه ظلمًا لهم.\nالثاني: وهو قول أهل السنة (٧) (وما كان ربك ليهلك أهل القرى بشركهم وظلمهم لأنفسهم، وهم مصلحون يتعاطون الحق بينهم)، أي ليس من سبيل الكفار -إذا قصدوا الحق في المعاملة وتنكبوا الظلم- أن ينزل الله بهم عذابا يجتاحهم.\n_________\n(١) انظر: الطبري ١٢/ ١٣٩ - ١٤٠ روى كلامً بنحوه، وابن المنذر وابن أبي حاتم ٤/ ١٩٤ ب عن مجاهد وقتادة، وأبو الشيخ كما في \"الدر\" ٣/ ٦٤٤.\n(٢) ساقط من (ي).\n(٣) الثعلبي ٧/ ٦٠ ب.\n(٤) الطبري ١٢/ ١٤٠ كأنه يميل إلى الأول، الثعلبي ٧/ ٦٠ ب، البغوي ٤/ ٢٠٦، \"زاد المسير\" ٤/ ١٧١، ابن عطية ٧/ ٤٢٣ ورجح الأول، القرطبي ٩/ ١١٤، \"معاني القرآن للفراء\" ٢/ ٣١، \"معاني الزجاج\" ٣/ ٨٣.\n(٥) ما بين المعقوفين ساقط من (ي).\n(٦) ما بين المعقوفين ساقط من (ي).\n(٧) ذكر هذا القول الطبري ١٢/ ١٤٠، والبغوي ٤/ ٢٠٦.","vol":"11","page":586},{"text":"وهذا معنى قول ابن عباس (١)، فقد قال الذي رواية عطاء: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى﴾، يريد الرجال، (بظلم) يريد بشرك، و(أهلها مصلحون): يريد فيما بينهم، كقوم لوط عذبهم الله باللواط، وقال فيهم: ﴿وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ٧٨] يريد الشرك، وكذلك قوم شعيب عذبوا ببخس الكيل. وهذا التفسير يدل على أن الاجتراء على أنواع المعاصي أقرب إلى عذاب الاستئصال في الدنيا من الشرك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1707>١١٨ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾، [قال ابن عباس (٢): يريد على دينك الذي بعثت به.\nوقال قتادة (٣): لجعل الناس أمة واحدة] (٤): أن يجعلهم مسلمين، وهذا دليل على تكذيب القدرية حيث قالوا: ما بقي في مقدوره من اللطف في أن يجعل الخلق مؤمنين إلا وقد فعل، قالوا: ولو قدر فلم يفعل (٥) لم يجز في الحكمة (٦).\nقوله تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾، قال مجاهد وقتادة وعطاء والأعمش (٧): أي في الأديان من بين يهودي ونصراني ومجوسي وغير ذلك\n_________\n(١) روي عن جرير نحوه، قال الهيثمي في \"المجمع\" ٧/ ٣٩: وفيه عبيد بن القاسم الكُوفي وهو متروك.\n(٢) \"زاد المسير\" ٤/ ١٧١.\n(٣) الطبري ١٢/ ١٤١، القرطبي عن سعيد بن جبير ٩/ ١١٤، ابن عطية ٧/ ٤٢٣.\n(٤) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).\n(٥) في (ي): (ولو قدره لم يفعله).\n(٦) انظر: \"شفاء العليل\" لابن القيم ١/ ١٨، ١٩.\n(٧) روى ذلك عنهم الطبري ١٢/ ١٤١ - ١٤٢، وابن أي حاتم ٦/ ٢٠٩٣ - ٢٠٩٤.","vol":"11","page":587},{"text":"من اختلاف (١) الملل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1708>١١٩ </span>- وقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾، قال أبو إسحاق (٢) ﴿مَنْ﴾ استثناء على معنى (لكن مَنْ رحم ربك فإنه غير مخالف).\nوقال الفراء (٣): ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾: يعني أهل الباطل، ﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾: أهل الحق، وهذا قول مجاهد (٤) نفسه.\nوقال ابن عباس (٥): هما فريقان: فريق اختلف فلم يرحم، وفريق رحم فلم يختلف، وهو كقوله: ﴿فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ [هود: ١٠٥].\nوقال عكرمة (٦): ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ يعني أهل الأهواء والبدع ﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾: أهل السنة والجماعة.\nوقوله تعالى ﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾، قال ابن عباس والضحاك ومجاهد وقتادة (٧): وللرحمة خلقهم، يعني الذين رحمهم.\nقال أبو بكر: وعلى هذا أشير إلى الرحمة بقوله: ﴿ذَلِكَ﴾؛ لأن تأنيثها ليس تأنيثا حقيقيًا، فحملت على معنى الفضل والغفران، كقوله -﷿-:\n_________\n(١) ساقط من (ي).\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٨٣.\n(٣) \"معاني القرآن\" ٣١/ ٢.\n(٤) الطبري ١٢/ ١٤١، وأخرجه ابن أبي حاتم ٦/ ٢٠٩٤ عن ابن عباس.\n(٥) \"زاد المسير\" ٤/ ١٧٢، القرطبي ٩/ ١١٥، عبد الرزاق ٢/ ٣١٦.\n(٦) \"زاد المسير\" ٤/ ١٧٢.\n(٧) روى ذلك عنهم جميعًا الطبري ١٢/ ١٤٣ - ١٤٤، والثعلبي ٧/ ٦١ أ، والبغوي ٤/ ٢٠٦، و\"زاد المسير\" ٤/ ١٧٢، والقرطبي ٩/ ١١٥، وابن كثير ٢/ ٥٠٩.","vol":"11","page":588},{"text":"﴿هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي﴾ [الكهف: ٩٨] أي فضل، وقالت الخنساء (١):\nفذلك يا هند الرزية فاعلمي ... ونيران حرب شب وقودها\nأرادت فذلك الرزء، قال: ويجوز أن يكون المراد بالرحمة: التوحيد، فأشير إليها بالتذكير لهذا المعنى، وقد بينا جواز تذكير الرحمة بأبلغ (٢) من هذا عند قوله: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٣).\nوقال الحسن (٤) ومقاتل بن حيان (٥) ويمان (٦) وعطاء (٧): وللاختلاف خلقهم، يعنون المختلفين.\nوفي الآية قول ثالث وهو الاختيار، قال ابن عباس (٨) في رواية عطاء في قوله: ﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ يريد: خلق أهل الرحمة للرحمة وأهل\n_________\n(١) \"ديوانها\" ٤٤، برواية: (ونيران حرب حين شب وقودها) بزيادة حين، وبه يستقيم الوزن.\n(٢) في (ي): (أبلغ).\n(٣) الأعراف: ٥٦. وذكر هنالك ما خلاصته: أنه ذهب أهل الكوفة إلى أن التذكير هنا بناءً على تقدير المكان، أي: في مكان قريب، وأما مذهب البصريين فقال الزجاج: \"إنما قيل قريب؛ لأن الرحمة والغفران والعفو في معنى واحد، وكذلك كل تأنيث ليس بحقيقي\".\n(٤) الطبري ١٢/ ١٤٣، وابن أبي حاتم ٦/ ٢٠٩٦، وأبو الشيخ كما في \"الدر\" ٣/ ٦٤٥، والثعلبي ٧/ ٦٠ ب والبغوي ٤/ ٢٠٦، والقرطبي ٩/ ١١٥.\n(٥) الثعلبي ٧/ ٦٠ ب، القرطبي ٩/ ١١٥.\n(٦) الثعلبي ٧/ ٦٠ ب، القرطبي ٩/ ١١٥.\n(٧) الثعلبي ٧/ ٥٦٠ ب، القرطبي ٩/ ١١٤، البغوي ٤/ ٢٠٦.\n(٨) \"زاد المسير\" ٤/ ١٧٢، وأخرجه الطبري ١٤٣/ ١٢ بمعناه، وابن أبي حاتم ٦/ ٢٠٩٥، وانظر: \"الدر\" ٣/ ٦٤٥، \"تنوير المقباس\" ١٤٦.","vol":"11","page":589},{"text":"الاختلاف للاختلاف، وقال الكلبي عن أبي صالح عنه (١): خلق الله أهل الرحمة لئلا يختلفوا، وأهل العذاب لأن يختلفوا، وخلق الجنة وخلق لها أهلا، وخلق النار وخلق لها أهلًا.\nوروى منصور بن عبد الرحمن الغُدَّاني عن الحسن (٢) ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ قال: الناس مختلفون في الأديان، إلا من رحم ربك فإنه غير مختلف، قال: فقلتُ له: فقوله: ﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾، قال: خلق هؤلاء لرحمته، وخلق هؤلاء لعذابه، وخلق هؤلاء للجنة، وخلق هؤلاء للنار، فعلى هذا الإشارة بقوله (ولذلك) تعود إلى الاختلاف والرحمة، ثم يعبر عنهما بالشقاء والسعادة، فيقال: ولذلك خلقهم أي خلقهم للسعادة والشقاء، وهو قول الفراء (٣) والزجاج (٤).\nقال أبو بكر: من ذهب إلى أن ﴿ذَلِكَ﴾ هو إشارة إلى الشقاء والسعادة قال: إنهما يرجعان إلى معنى واحد تقديره: وللامتحان خلقهم، على أنَّا ذكرنا في مواضع أن الإشارة بلفظ (ذلك) إلى شيئين متضادين يجوز، قال أبو عبيد (٥): الذي أختاره في تفسير الآية قول من قال خلق فريقًا لرحمته\n_________\n(١) الرازي ١٢/ ١٤١، القرطبي ٩/ ١١٥، \"زاد المسير\" ٤/ ١٧٢.\n(٢) الطبري ١٢/ ١٤١، وعنده وابن أبي حاتم بلفظ قال: خلق هؤلاء لجنته، وهؤلاء للنار وخلق هؤلاء للنار وخلق هؤلاء لرحمته وهؤلاء لرحمته وهؤلاء للعذاب، والغداني، وهو: منصور بن عبد الرحمن الغُدَّاني الأشل النضري وثقة ابن معبن وأبو داود، وقال أبو حاتم: ليس بالقوي، يكتب حديثه ولا يحتج به. انظر: \"تهذيب التهذيب\" ٤/ ١٥٨، \"تهذيب الكمال\" ٢٨/ ٥٤١.\n(٣) \"معاني القرآن\" ٢/ ٣١.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٨٤.\n(٥) البغوي ٤/ ٢٠٧، وقال أبو عبيدة.","vol":"11","page":590},{"text":"وفريقًا لعذابه لأنه موافق للسُّنة.\nوقال أبو إسحاق (١): ويدل على صحة هذا القول. قوله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾، قال الكلبي (٢): يريد من كفار الجن وكفار الإنس.\nوقال الفراء (٣): صار قوله ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾ يمينًا، كما تقول: حَلِفي لأضربنك، وبدا لي لأضربنك، قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ﴾ [يوسف: ٣٥] ولو كان (أن يسجنوه كان صوابًا).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1709>١٢٠ </span>- قوله تعالى: ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ﴾، قال الزجاج (٤): ﴿كُلًّا﴾ منصوب بـ (نقص)، المعنى: وكل الذي تحتاج إليه من أنباء الرسل نقص عليك، و﴿مَاَ﴾ منصوبة بدلا من (كل)، المعنى نقص عليك ﴿مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ قال ابن عباس (٥): يريد لنزيدك يقينا، وفسر التثبيت هاهنا بالتشديد (٦) عن ابن عباس (٧)، وبالتقوية عن الضحاك (٨) والتصبير عن ابن جريج (٩)، وهو الأقرب؛ لأن ما يقص عليه من أنباء الرسل إنما هو للاعتبار بها؛ لما فيها من حسن صبرهم على أممهم، واجتهادهم في دعائهم إلى عبادة الله، فإذا سمعها\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٨٤.\n(٢) \"زاد المسير\" ٤/ ١٧٢، \"القرطبي\" ٩/ ١١٥.\n(٣) \"معاني القرآن للفراء\" ٢/ ٣١.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٨٤.\n(٥) البغوي ٤/ ٢٠٧.\n(٦) في (ي): (التشديد).\n(٧) الثعلبي ٧/ ٦١ أ، القرطبي ٩/ ١١٦.\n(٨) الثعلبي ٧/ ٦١ أ.\n(٩) الثعلبي ٧/ ٦١ أ، القرطبي ٩/ ١١٦.","vol":"11","page":591},{"text":"النبي - ﷺ - كان في ذلك تقوية لقلبه على الصبر على أذى قومه.\nوقال الزجاج (١): وتثبيت الفؤاد وتسكين القلب هاهنا ليس للشك، ولكن كما كانت الدلالة والبرهان أكثر كان القلب أثبت، قال إبراهيم ﵇: ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠]، وهذا الذي قال الزجاج معنى قول ابن عباس: لنزيدك يقينا.\nوقوله تعالى: ﴿وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ﴾، قال ابن عباس (٢) والحسن (٣) ومجاهد (٤) والأكثرون: يعني في هذه السورة.\nقال أبو إسحاق (٥) وابن الأنباري (٦): وخصّت هذه السورة؛ لأن فيها أقاصيص الأنبياء ومواعظ، وذكر ما في الجنة والنار.\nوقيل (٧): وجاءك في هذه الآيات التي ذكرت قبل هذا الموضع؛ وهو قوله: ﴿وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ﴾ [هود: ١٠٩] وقوله: ﴿وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ﴾ [هود: ١١١] وقوله: ﴿فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ [هود: ١٠٥] الآيات، ويعني بالحق ما ذكر من أن الخلق يجازون بأنصبائهم، وأن بعضهم يصير إلى النار بشقائه، وبعضهم يصير إلى الجنة بسعادته، وخصت\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٨٤، وانظر: \"تهذيب اللغة\" (ثبت) ١/ ٤٧٠.\n(٢) الطبري ١٢/ ١٤٦، عبد الرزاق ٢/ ٣١٦، والفريابي وسعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم ٦/ ٢٠٩٦، وأبو الشيخ وابن مردويه، كما في \"الدر\" ٣/ ٦٤٦، القرطبي ٩/ ١١٦.\n(٣) الطبري ١٢/ ١٤٦، \"زاد المسير\" ٤/ ١٧٣.\n(٤) الطبري ١٢/ ١٤٦، \"زاد المسير\" ٤/ ١٧٣.\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٨٤.\n(٦) \"زاد المسير\" ٤/ ١٧٤.\n(٧) ساقط من (ب)، ذكر هذا القول الزجاج في معانيه ٣/ ٨٤.","vol":"11","page":592},{"text":"هذه السورة أو هذه الآيات بمجيء الحق فيها -وإن كان جميع ما أنزله الله حقا- تشريفًا للسورة ورفعًا لمنزلتها، وغيرها من السور غير منتقص الفضل بما لحق هذه السورة (١) من الاختصاص (٢)، كقوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨] [فاختصاص الوسطى] (٣) لا يزيل عن غيرها معنى التشريف ووجوب المحافظة عليها، ومثله كثير، وهذا الذي ذكرنا معنى قول أبي إسحاق (٤) وابن الأنباري (٥). وقال الحسن (٦) وقتادة (٧): وجاءك في هذه الحق: في الدنيا.\nوقوله تعالى: ﴿وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾، يريد أنهم يتعظون إذا سمعوا هذه السورة بما نزل بالأمم لما كذبوا أنبياءهم، فتلين قلوبهم لسلوك طريق الحق، ويتذكرون بها الخير والشر، وما يدعو إليه كل واحد منهما من عاقبة النفع والضر، كما دعا إليه الأمم المكذبة الكافرة، والمصدقة المؤمنة.\nقوله تعالى: ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ﴾ تهديد ووعيد، يقول ما أنتم عاملون ﴿إِنَّا عَامِلُونَ﴾ وستعلمون عاقبة أمركم ﴿وَانْتَظِرُوا﴾ ما يعدكم\n_________\n(١) ساقط من (ي).\n(٢) انظر: \"زاد المسير\" ٤/ ١٧٤، \"القرطبي\" ٩/ ١١٦.\n(٣) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٨٤.\n(٥) \"زاد المسير\" ٤/ ١٧٤.\n(٦) الطبري ١٢/ ١٤٧، الثعلبي ٧/ ٦١ أ، \"زاد المسير\" ٤/ ١٧٣، البغوي ٤/ ٢٠٧، القرطبي ٩/ ١١٦.\n(٧) الطبري ١٢/ ١٤٧، الثعلبي ٧/ ٦١ أ، \"زاد المسير\" ٤/ ١٧٣، البغوي ٤/ ٢٠٧، وابن أبي حاتم ٦/ ٢٠٩٦، أبو الشيخ كما في \"الدر\" ٣/ ٦٤٦، القرطبي ٩/ ١١٦.","vol":"11","page":593},{"text":"الشيطان ﴿إِنَّا مُنْتَظِرُونَ﴾ ما يعدنا ربنا من النصر والعلو، عن ابن جريج (١).\nوقال ابن إسحاق (٢) ﴿وَانْتَظِرُوا﴾ ما يحل بكم من العذاب ﴿إِنَّا مُنْتَظِرُونَ﴾ لذلك.\nقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ قال أبو علي (٣): الغيب مصدر مضاف إلى المفعول على الاتساع وحذف حرف الجر؛ لأنك تقول (غبت في الأرض)، و(غبت ببلد كذا) فتعديه بحرف الجر، فحذف وأضيف المصدر إلى المفعول به في المعنى، نحو: ﴿مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ﴾ [فصلت: ٤٩] و﴿بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ﴾، [ص: ٢٤] ويحتمل وجهين: أحدهما: ذو (٤) غيب السموات والأرض، أي ما غاب فيهما من أولي العلم، والآخر: أن يكون المعنى: ولله علم (٥) غيب السموات والأرض، ويدل على هذا قوله: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ﴾ [الأنعام: ٧٣].\nقال ابن عباس (٦) في رواية الوالبي: يعني خزائن السموات والأرض، وقال الضحاك (٧): يعني جميع ما غاب عن العباد.\nوقوله تعالى: ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ﴾ في المعاد حتى لا يكون\n_________\n(١) الطبري ١٢/ ١٤٨، وأبو الشيخ كما في \"الدر\" ٣/ ٦٤٦.\n(٢) انظر: \"تفسير كتاب الله العزيز\" ٢/ ٢٥٥.\n(٣) القرطبي ٩/ ١١٧.\n(٤) في (ي)، (جـ): (ذوو).\n(٥) ساقط من (ي).\n(٦) الثعلبي ٧/ ٦١ أ، القرطبي ٩/ ١١٧.\n(٧) الثعلبي ٧/ ٦١ أ، البغوي ٢/ ٤٠٧، القرطبي ٩/ ١١٧، \"زاد المسير\" ٤/ ١٧٥.","vol":"11","page":594},{"text":"للخلق أمركما يكون في الدنيا للفقهاء والأمراء، وقرئ ﴿يَرجع﴾ (١)، وذكرنا هذا مستقصى في المعنى والتوجيه عند قوله: ﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ (٢) في سورة البقرة.\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾، أي أنه يجزي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته، والمعنى في قوله: ﴿يَعْمَلُونَ﴾ ينصرف إلى جميع الناس مؤمنهم وكافرهم، وقرئ (٣) (تعملون) بالتاء على معنى قل لهم: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾.\n_________\n(١) قرأ نافع وحفص عن عاصم (يُرجَع) بضم الياء وفتح الجيم، وقرأ الباقون وأبو بكر عن عاصم (يَرجعُ) بفتح الياء وكسر الجيم، انظر: \"السبعة\" ص ٣٤٠، \"الكشف\" ١/ ٥٣٨، \"إتحاف\" ٢/ ١٣٧.\n(٢) البقرة: ٢١٠. قال هنالك: ﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ أي من الجزاء ومن الثواب والعقاب، وذلك أن العباد في الدنيا لا يجازون على أعمالهم، ثم إليه يصيرون، فيعذب من يشاء ويرحم من يشاء .. ويكون المعنى على أن الله ملّك عبيده في الدنيا الأموال والتصرف فيها، ثم يرجع الأمر في ذلك كله إلى الله تعالى في الآخرة فلا يملك أحد شيئًا\".\n(٣) قرأ نافع وابن عامر وحفص عن عاصم بالتاء، وقرأ الباقون بالياء. انظر: \"السبعة\" ص ٣٤٠، \"الكشف\" ١/ ٥٣٨، \"إتحاف\" ٢/ ١٣٧.","vol":"11","page":595},{"text":"المملكة العربية السعودية\nوزارة التعليم العالي\nجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية\nعمادة البحث العلمي\nسلسلة الرسائل الجامعية\n- ١٠٧، ١٠٨ -\nالتَّفْسِيرُ البَسِيْط\nلأبي الحسن علي بن أحمد بن محمد الواحدي\n(ت ٤٦٨ هـ)\nمن أول سورة يوسف إلى آخر سورة الرعد\nتحقيق\nد. عبد الله بن إبراهيم الريس\nمن أول سورة إبراهيم إلى آخر سورة الحجر\nتحقيق\nد. عبد الرحمن بن عبد الجبار بن صالح هوساوي\nأشرف على طباعته وإخراجه\nد. عبد العزيز بن سطام آل سعود ... أ. د. تركي بن سهو العتيبي\nالجزء الثاني عشر","vol":"12","page":1},{"text":"التَّفْسِيرُ البَسِيْط\nلأبي الحسن علي بن أحمد بن محمد الواحدي\n(ت ٤٦٨ هـ)\n[١٢]","vol":"12","page":2},{"text":"جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ١٤٣٠هـ\nفهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية أثناء النشر\nالواحدي، علي بن أحمد\nالتفسير البسيط لأبي الحسن علي بن أحمد بن محمد الواحدي\n(ت ٤٦٨هـ)./ علي بن أحمد الواحدي، عبد الله بن إبراهيم الريس؛\nعبد الرحمن بن عبد الجبار بن صالح هوساوي، الرياض ١٤٣٠ هـ.\n٢٥ مج. (سلسلة الرسائل الجامعية)\nردمك: ٤ - ٨٥٧ - ٠٤ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (مجموعة)\n٧ - ٨٦٩ - ٠٤ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (ج١٢)\n١ - القرآن تفسير ... ٢ - الواحدي، علي بن أحمد\nأ- العنوان ... ب- السلسلة\nديوي ٢٢٧.٣ ... ٨٦٨/ ١٤٣٠\nرقم الإيداع: ٨٦٨/ ١٤٣٠ هـ\nردمك: ٤ - ٨٥٧ - ٠٤ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (مجموعة)\n٧ - ٨٦٩ - ٠٤ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (ج ١٢)","vol":"12","page":3},{"text":"المملكة العربية السعودية\nوزارة التعليم العالي\nجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية\nعمادة البحث العلمي\nسلسلة الرسائل الجامعيه\n-١٧٠، ١٠٨ -\nالتَّفْسِيرُ البَسِيْط\nلأبي الحسن علي بن أحمد بن محمد الواحدي\n(ت ٤٦٨ هـ)\nمن أول سورة يوسف إلى آخر سورة الرعد\nتحقيق\nد. عبد الله بن إبراهيم الريس\nمن أول سورة إبراهيم إلى آخر سورة الحجر\nتحقيق\nد. عبد الرحمن بن عبد الجبار بن صالح هوساوي\nأشرف على طباعته وإخراجه\nد. عبد العزيز بن سطام آل سعود ... أ. د. تركي بن سهو العتيبي\nالجزء الثاني عشر","vol":"12","page":4},{"text":"بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ","vol":"12","page":5},{"text":"التَّفْسِيرُ البَسِيْط\nلأبي الحسن علي بن أحمد بن محمد الواحدي\n(ت ٤٦٨ هـ)\nمن أول سورة يوسف إلى آخر سورة الرعد\nتحقيق\nد. عبد الله بن إبراهيم الريس","vol":"12","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1710>تفسير سورة يوسف</span>\nبسم الله الرحمن الرحيم\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1711>١ </span>- قوله (١) ﷿ ﴿الر﴾ قال ابن عباس (٢): يريد أنا الله الرحمن. والكلام في الحروف المعجمة قد ذكرناه في مواضع (٣)، وهذه الحروف لا تعد آية كما تعد ﴿طه﴾؛ لأن آخرها لا يشاكل رؤوس الآي.\nوقوله تعالى ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ﴾ قال صاحب النظم وأبو بكر بن الأنباري: [تلك بمعنى (هذه) كما كان (ذلك) (٤)] بمعنى: هذا في قوله تعالى ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ (٥) وقد فسرناه مستقصًى في موضعه، إلا أن ﴿ذَلِكَ﴾ مذكر؛ لأنه يومئ به إلى الكتاب، و(تلك) تأنيث ذلك؛ لأنه يومئ بها إلى الآيات.\nوقال أبو بكر (٦): يجوز أن يكون (تلك) إشارة إلى ما ذكره ﷿ في\n_________\n(١) في (ب) بزيادة (تعالى).\n(٢) \"زاد المسير\" ٤/ ٤.\n(٣) ذكر ذلك باستفاضه في أول البقرة.\n(٤) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).\n(٥) أول البقرة. وقد ذكر هنالك ما ملخصه: أن (ذلك) يكون بمعنى (هذا) عند كثير من المفسرين، وذكر عن الفراء أن (ذلك) يجوز بمعنى (هذا) لما مضى، وقرب وقت تقضيه أو تقضي ذكره.\n(٦) \"زاد المسير\" ٤/ ٤.","vol":"12","page":7},{"text":"التوراة والإنجيل، وتلخيصه: هذه الأقاصيص التي تسمعونها ﴿تِلْكَ﴾ الآيات التي وصفت في التوراة، ﴿الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ على هذا هو التوراة، وهذا معنى قول أبي إسحاق (١).\n\nقال أبو بكر <span data-type=\"title\" id=toc-1712>(٢): </span>ويجوز أن يكون (تلك) إشارة إلى ﴿الر﴾ وأخواتها بين حروف المعجم، أي: تلك الحروف المفتتحة بها السور هي آيات الكتاب المبين؛ لأن الكتاب بها يُتلى عليكم، وألفاظه إليها ترجع، و﴿الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ القرآن المبين في قول ابن عباس، قال: والمبين الذي بُيّن فيه الحلال والحرام (٣)، وقال قتادة (٤): بَيّن فيه الهدى والرشد، فكان الكتاب (٥) مبيّنًا لهذه الأشياء.\n٢ - قوله تعالى ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ قال أبو إسحاق (٦) وأبو بكر (٧): هذه الهاء تصلح لشيئين:\nأحدهما: أن يكون الكتاب، ويجوز أن يكون ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ﴾ خبر يوسف وقصته.\nقال أبو بكر: وذلك أن اليهود قالوا للمشركين سلوا محمدًا لم انتقل\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" للزجاج ٣/ ٨٧.\n(٢) \"زاد المسير\" ٤/ ٤.\n(٣) \"تنوير المقباس\" ص ١٣٠، وذكره ابن جرير وعزاه لمجاهد ١٢/ ١٤٩.\n(٤) أخرجه عبد الرزاق عن قتادة بقوله \"بين الله تعالى رشده وهداه\" ٢/ ٣١٧، وأخرجه الطبري عنه أيضًا ١٢/ ١٤٩، وابن المنذر وابن أبي حاتم ٧/ ٢٠٩٩ ب. وانظر: \"الدر\" ٤/ ٤، البغوي ٤/ ٢١١، و\"زاد المسير\" ٤/ ١٧٧.\n(٥) في (ب): والرشد. والمبين من نعت الكتاب مبينًا.\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه\" للزجاج ٣/ ٨٧. بتصرف.\n(٧) \"البحر المحيط\" ٥/ ٢٧٧.","vol":"12","page":8},{"text":"ولد يعقوب من الشام إلى مصر؟ وسلوه عن خبر يوسف وإخوته؟ فأنزل الله ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ (١) يعني أنزلنا (٢) خبر يوسف وإخوته الذي طالب اليهودُ بشرحه <span data-type=\"title\" id=toc-1713>(٣)</span>.\n﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ قال: ولا يجوز رجوع الهاء على القرآن المتأخر؛ لأن الكناية لا تصح إلا بسبق ظاهر يوضح تأويلها.\nوقوله تعالى: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ ذكرنا معنى العربي والعرب والأعراب في قوله ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا﴾ (٤).\nوقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ قال ابن عباس (٥): يريد كي تفهموا، قال مقاتل (٦): لو لم يكن عربيًا لما فهموا عنه.\n\n٣ - قوله تعالى ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ الآية، قد ذكرنا معنى القص والقصص عند قوله ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ﴾ (٧) الآية، قال\n_________\n(١) ذكر ذلك البغوي ٤/ ٤١٧، و\"زاد المسير\" ٤/ ١٧٧، والرازي ١٨/ ٨٣.\n(٢) في (ب): ﴿أَنْزَلْنَاهُ﴾.\n(٣) هذا القول رجحه النحاس كما في \"معاني القرآن\" ٣/ ٣٩٦، وضعفه ابن عطيه ٧/ ٤٣١.\n(٤) التوبة: ٩٧. قال هنالك: وقال أهل العلم: إنما سمي العرب عربًا؛ لأن أولاد إسماعيل نشأوا بعربة، وهي من تهامة فنسبوا إلى بلدهم، وكل من سكن بلاد العرب وجزيرتها ونطق بلسان أهلها فهم منهم .. والأعرابي: إذا كان بدويًّا صاحب نجعه وانتواء.\n(٥) \"زاد المسير\" ٤/ ١٧٨، البغوي ٤/ ٢١١، القرطبي ٩/ ١١٨.\n(٦) \"تفسير مقاتل\" ١٥٠ ب.\n(٧) آل عمران: ٦٢. وقال هناك: القصص مصدر قولهم: قص فلان الحديث يقصة قصًّا وقصصًا، وأصله اتباع الأثر، وقيل للقاص يقص لأتباعه خبرًا لعد خبرًا وسوقه الكلام سوقًا، فمعنى القصص الخبر الذي تتابع في المعاني. اهـ.","vol":"12","page":9},{"text":"الزجاج (١): أي نبين لك أحسنَ البيان، لا إلى القصة، ولو قيل: أحسن القصص، بكسر القاف على جمع قصة، قلنا (٢) نحتاج أن نذكر لم قيل هذه القصة أحسن القصص؟.\n\nوقوله تعالى ﴿بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ قال الأخفش (٣) والفراء <span data-type=\"title\" id=toc-1714>(٤) </span>والكسائي والزجاج (٥): أي بوحينا إليك هذا القرآن، كأنهم جعلوا (ما) (٦) مع الفعل بمنزلة المصدر.\nوقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتَ﴾ أي ما كنت من قبله، قال ابن عباس (٧): يريد من قبل أن يوحى إليك، ﴿لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ أي: إلا من الغافلين، كقوله ﴿وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [الشعراء: ١٨٦] ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ﴾ [البقرة: ١٩٨] قال ابن عباس (٨): يريد لا علم لك بحديث يعقوب، ولا حديث ولده، وقال الزجاج (٩): أي من الغافلين عن قصة يوسف وإخوته؛ لأنه - ﷺ - إنما علم ذلك بالوحي.\n\n٤ - قوله تعالى ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ﴾ قال ابن الأنباري (١٠): (إذ) صلة لفعل مضمر معناه: اذكر إذ قال يوسف لأبيه، واختلفوا في التاء التي في\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٨٨.\n(٢) في (ج): (كنا).\n(٣) \"معاني القرآن\" للأخفش ٢/ ٥٨٧، و\"إعراب القرآن\" للنحاس ٢/ ١٢٠.\n(٤) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٣١.\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٨٨.\n(٦) (ما) ساقطه من (ب).\n(٧) \"تنوير المقباس\" ص ١٤٦، و\"زاد المسير\" ٤/ ١٧٩، والثعلبي ٧/ ٦٢ أ.\n(٨) \"تنوير المقباس\" ص ١٤٦.\n(٩) \"معاني القرآن وإعرابه\" للزجاج ٣/ ٨٨.\n(١٠) \"زاد المسير\" ٤/ ١٨٠.","vol":"12","page":10},{"text":"(أبت)، فزعم الزجاج (١) -وهو مذهب البصريين- أن التاء علامة التأنيث دخلت على الأب في باب النداء خاصة، لتكون بدلًا من ياء الإضافة، ولأن المذكر قد يدخل عليه علامة التأنيث، فيقال: رجل ربعة ونكحة وهزأة.\nوقال الفراء (٢) وأصحابه: التاء في (يا أبت) ليست علامة التأنيث (٣) إنما هي هاء أصلًا أدخلوها للسكت، وهو قولهم: يا أباه، ثم سقطت الألف لدلالة فتحة الباء عليها، وانصرف عن الهاء إلى لفظ التاء؛ لكثرة الاستعمال تشبيهًا بتاء التأنيث، وكسرت تقديرًا أن بعدها ياء الإضافة، ولم يستعمل في غير النداء؛ لأن هاء السكت مع الألف لا تدخلان إلا في النداء، وذكرنا مثل هذا (٤) في الأم عند قوله ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ (٥) في حكاية مذهب ابن الأنباري، وأما قول من قال: يا أبتاه، فإنه زاد الألف والهاء على التاء لما انتقلت عن لفظ الهاء، فأما قول الشاعر (٦):\nتقولُ ابْنَتِي لمّا رأتْنِي شَاحِبًا ... كأنّك فينا يأ أباتَ (٧) غَرِيبُ\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٨٨.\n(٢) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٣٢، وانظر: \"إعراب القرآن\" للنحاس ٢/ ١٢٠.\n(٣) في (أ)، (ب): (التأنيث) من غير ألف.\n(٤) في (ج): (إلا في الأم) بزيادة إلا.\n(٥) النساء: ٢٣. وقد ذكر هناك نقلًا عن ابن الأنباري أن الأصل: أم، ثم يقال في النداء: يا أماه، فيدخلون هاء السكت. أهـ.\n(٦) البيت لأبي الحدرجان كما في \"نوادر أبي زيد\" (٢٣٩) وفيه:\nكأنك فينا يا أباه غريب\nوبلا نسبة في \"العين\" ٤/ ٢٥٣، و\"الخصائص\" ١/ ٣٣٩، و\"اللسان\" (أبي) ١/ ١٦، و\"الدر\" ٤/ ٢٥٣، \"الهمع\" ٦/ ٣٤٢، وهو من الشعراء المجهولين.\n(٧) في (أ)، (ب): (يا أباة).","vol":"12","page":11},{"text":"ففيه وجهان:\nأحدهما: أن أصله يا أباه فشبهت هاء الموقف بتاء التأنيث، والألف هي التي تزاد للنداء في: يا رباه ويا زيداه، والآخر: أن الألف هي لام الفعل من الأب التي تجدها في قولك: يا با عمرو، والتاء بدل من هاء الوقف، وهذا اختيار أبي علي (١)؛ لأنه قال: القول فيه أنه رد المحذوف من الأب، وزاد عليها التاء كما يزاد فيه إذا كان اللام ساقطًا. قال ابن الأنباري: ونظير قولهم: يا ابته، في إدخال الألف والهاء على تاء أصلها هاء السكت، قولهم: أهرقت الماء، حين أدخلوا ألف أفعلت على هاء مبدلة من (٢) ألف أفعلت لما كان لفظ الهاء يخالف، وساغ لهم باختلاف اللفظين أن يقدروا أن الهاء فاء الفعل.\nورد الكوفيون مذهب البصريين في هذا، وقالوا: لو كانت هذه التاء تاء تأنيث لدخلت في النداء وغيره، كما ثبتت هاء نكحة في جميع الأبواب، ولو كانت بدلًا من ياء الإضافة لاستُغْني بها عن الكسرة في التاء في (٣) يا أبت؛ لأنها نائبة عن كل ياء إضافة في قولهم: (يا غلام أقبل) و(يا رب اغفر لي)، فلما وجدنا الكسرة على التاء علمنا أنها هي الكافية من (٤) ياء الإضافة دون التاء، وكان دخول التاء لغير هذه العلة، وأما الهاء في: نكحة وهزأة، فلم يدخل للمعنى الذي ذهب إليه البصريون، لكنهم قصدوا بها قصد المبالغة في الوصف وشبهوا الموصوف بالداهية، فاستحق\n_________\n(١) \"الحجة\" ٤/ ٣٩٥.\n(٢) في (ب): (عن).\n(٣) (في) ساقطة من (ج).\n(٤) في (ب): (عن).","vol":"12","page":12},{"text":"التأنيث لذلك، ولو كان الموصوف بما فيه الهاء مذمومًا، كان مشبهًا بالبهيمة يؤنث (١) نعته لمعناها، والاختيار في القراءة كسر التاء لأنها أجريت مجرى تاء التأنيث، وكسرت على الإضافة إلى نفس المتكلم على معني: يا أبتي، ثم حذف الياء؛ لأن ياء الإضافة تحذف في النداء.\nفأما من فتح التاء (٢) فقال علي (٣): له وجهان، أحدهما: أن يكون كقولهم: (يا طلحة أقبل)، ووجه قول من قال: يا طلحة، أن هذا النحو من الأسماء التي فيها تاء التأنيث أكثر ما يدعى مُرخَّى (٤) فلما كان كذلك رد التاء المحذوفة في الترخيم إليه، وترك الأخرى تجري على ما كان يجري عليه في الترخيم من الفتح فلم يعتد بالهاء، كما أن من قال: اجتمعت اليمامة، وهو يريد أهل اليمامة، رد الأهل ولم يعتد به، وقال اجتمعت أهل اليمامة، فجعله على ما كان يكون عليه عند حذف الأهل، وعلى هذا ينشد (٥):\nكِلِيني لهَمٍّ يا أمَيْمَةَ ناصبِ\n_________\n(١) (يؤنث) ساقطة من (ج).\n(٢) هي قراءة ابن عامر، انظر \"السبعة\" (٣٤٤)، و\"الكشف\" ٢/ ٣، و\"إتحاف\" ص ٢٦٢، و\"الحجة\" ٤/ ٣٩٠.\n(٣) كذا والصحيح أبو علي، انظر كتاب: \"الحجة\" ٤/ ٣٩٠.\n(٤) في \"الحجة\" ٤/ ٣٩٠، (مُرَخّمًا).\n(٥) البيت للنابغة الذبياني وعجزه:\nوليل أقاسيه بطئ الكواكب\nوقوله (كليني): اتركيني، من وكلت الأمر إليه (ناصب): (متعب).\nانظر: ديوانه: ٢٩، سيبويه، والشنتمري ١/ ٣١٥، و\"الشعر والشعراء\" ٢٢، و\"الأزهية\" ٢٤٦، و\"الحجة\" لابن خالويه ص ١٦٧، و\"الدرر\" ١/ ١٦٠، و\"العيني\" ٣/ ٣٠٣، و\"معاني القرآن\" ٢/ ٣٢، و\"شرح المفصل\" ٢/ ١٠٧، و\"الخزانة\" ١/ ٣٧٠، و\"الدر المصون\" ٦/ ٤٣٥.","vol":"12","page":13},{"text":"بفتح التاء.\nوالوجه الآخر: أن هون اراد بـ يا ابتي، بالياء، ثم أبدل الياء بالألف، كما ذكرنا في قراءة من قرأ يا بني بفتح الياء (١)، فقال: يا أبتا، ثم حذف الألف كما تحذف الياء، فتبقى الفتحة دالة على الألف. كما أن الكسرة تبقى دالة على الياء، والدليل على قوة هذا الوجه كثيرة ما جاء من هذ الكلمة على هذا الوجه، كقوله (٢):\nوهل جَزعٌ إن قُلتُ وابِأْبَاهُما\nولذلك قال رؤبة (٣):\nوهي تُرَبِّي يابا وابْنَاهَا\nوقال الأعشى (٤)\nويا أبَتَا لا تزلْ عِنْدنا ... فإنَّا نَخَافُ بأن تُخْتَرَم\nوقال رؤبة (٥):\nيا أبَتَا عَلَّك أو عَسَاكَا\n_________\n(١) هذ قراءة حفص عن عاصم في جميع المواضع، وقراءة أبي بكر عن عاصم بالفتح في هود ﴿يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا﴾. انظر: \"السبعة\" (٣٣٣)، و\"إتحاف\" ص ٢٦٢.\n(٢) البيت سبق تخريجه.\n(٣) روايته في الديوان: (فهي ترثي باب ..) وبعد: (إن تميمًا خلقت ملموما). انظر: ملحق \"ديوانه\" ص١٨٥ \"المفصل\" ٢/ ١٢، وبلا نسبة في \"الإعراب\" (٥١)، و\"الإنصاف\" ٤٠٣، و\"مجاز القرآن\" ٢/ ٧١، ٧٦.\n(٤) \"ديوانه\" ص ٢٠٠، تخترم: يقال اخترمه الموت: أخذه. وانظر: \"شرح التسهيل\" ٣/ ٤٠٦، و\"الدر المصون\" ٦/ ٤٣٢.\n(٥) سبق تخريجه.","vol":"12","page":14},{"text":"وقال آخر (١):\nيا أبتا ويا أبه ... خَشَنْتَ إلا الرقبة\nفلما كثرت هذه الكلمة في كلامهم هذه الكثرة ألزموها القلب والحذف، على أن أبا عثمان قَدّر (٢) هذا مطردًا في جميع هذا الباب، فأجازوا وضع الألف مكان الياء في الإضافة في النداء إجازة مطردة، فأجاز: يا زيدًا أقبل، إذا أردت الإضافة، وهذا الوجه الثاني في فتح التاء من (يا أبت) هو اختيار الزجاج (٣) وهو مذهب البصريين.\nقال ابن الأنباري: وهذا غلط؛ لأن مبناه على لغة شاذة، وهو على لغة مَنْ يقول: قام غلاما، وهذا ثوبَا، يعني غلامي وثوبي، وكقراءة من قرأ: (وأقم الصلاة لذكرا) (٤) أي لذكري، ولا يحمل كتاب الله على هذه اللغة، والعلة في فتح التاء أنهم أرادوا: (يا أبتاه) فأسقطوا الألف والهاء، وأقروا ما قبلها على الفتح، اختصاصًا لما أكثروا استعمال (٥) الحرف، وهذا أيضًا قول قطرب، وأنكر البصريون هذا، قال الزجاج (يا أبتاه) للندبه، والندبة هاهنا لا معنى لها، وقال أبو عثمان: من قال: يا أبتاه، فهو نداء على جهة الندبة، فإذا حذفت الألف والهاء صار نداءً على غير جهة الندبة فلا يجوز فتح التاء، وذكر قطرب قولًا آخر في فتح التاء وهو أنه قال: أراد يا أبةً، ثم حذف التنوين كما قال الطرماح:\n_________\n(١) الرجز لجارية من العرب تخاطب أباها، و\"جمهرة اللغة\" ١/ ١٧٦، و\"مقاييس اللغة\" ٢/ ٢٧، و\"اللسان\" ١/ ٥٣٣.\n(٢) في \"الحجة\" ٤/ ٣٩٢ (قد رأى أن ذلك مطردًا).\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٨٩.\n(٤) طه: ١٤.\n(٥) في (ب): (الاستعمال).","vol":"12","page":15},{"text":"يَا دَارَ أقْوَتْ بعد أحْرَامِها\nعلى إرادة التنوين.\nقال أبو إسحاق (١): وهذا الذي قاله قطرب خطأ؛ لأن التنوين لا يحذف من المنادى المنصوب؛ لأن النصب إعراب المنادى فلا يكون معربًا منصرفًا غير منون في حال النصب، وأما قوله: (يا دار أقوت) بفتح الراء فلم يروه أحد من أصحابنا بالفتح، ولا أعرف له وجهًا، وأنشده الخليل وسيبويه وجميع البصريين بضم الراء، والقول في فتح التاء قول البصريين أن الألف بدل من الياء التي هي للإضافة ثم حذفت وبقيت الفتحة، يدل عليه من يحذف الياء ويجتزئ بالكسرة، وإنكار ابن الأنباري عليهم بأنها لغة شاذة لا يلزم؛ لأنهم أجازوا هذا الإبدال في النداء وهو غير شاذ، وإنما يكون شاذًا في غير النداء، كما ذكر من قولهم: قام غلامًا، وهذا ثوبًا، وأجاز الفراء (٢): يا أبتُ، بضم التاء على أنها آخر المنادى المفرد، من قبل أنهم لم يلحقوها ياء الإضافة (٣) ألا وهي عندهم كالدال من زيد، وأبطل البصريون ضم التاء، قالوا: هي بدل من ياء الإضافة، والمنادى المضاف غير مستحق للرفع، واحتج الكوفيون عليهم بأنها لو كانت بدلًا من ياء الإضافة لما كسرت كما بينا.\nقال ابن الأنباري: وقراءة من قرأ بالفتح يدل على جواز الرفع؛ لأن الألف والهاء سبيلهما أن يدخلا على آخر حروف الاسم المستحق للرفع، وكان ابن كثير (٤) يقرأ: يا أبتِ، بكسر التاء، فإذا وقف وقف بالهاء؛ لأن\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٨٩.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٣٢.\n(٣) في (ب): (بالإضافة).\n(٤) انظر: \"السبعة\" (٣٤٤)، و\"إتحاف\" ٢/ ٢٦٢، و\"الحجة\" ٤/ ٣٩٠.","vol":"12","page":16},{"text":"تاء التأنيث يبدل منها الهاء في الوقف، فيغير الحرف في الوقف بذلك كما غير التنوين في حال النصب بالألف، وتغييرات الوقف كثيرة، ولا يلزم اعتبار الإضافة في قراءته لأنه في الوصل بكسر التاء، وذلك أنه إذا وقف عليها سُكنت للوقف، فإذا سكنت كانت بمنزلة ما لا يراد فيه الإضافة، فيساوي ما يراد به الإضافة ما لا يراد في الوقف.\nوأما ابن عامر (١) فإنه يفتح التاء في الوصل ويقف بالهاء، فإن قلنا: إنه فتح التاء كنحو قولهم: يا طلحة ويا أميمة، فإنه أبدل التاء هاء في الوقف كما تبدل من سائر تاءات التأنيث، وإن قلنا: إنه أراد: يا أبتا، فحذف الألف في النداء كما يحذف التاء، فوقفه بالهاء كوقف ابن كثير بالهاء، والباقون يقفون بالتاء وهم يكسرون، وذلك أن من كسر التاء كان الاسم في تقدير الإضافة، والمضاف إليه على حرف واحد وقد حذف وتركت الحركة تدل عليه، والحركة لا تكون إلا في تقدير الانفصال من المتحرك على أنه قد حكي أن قومًا يقفون على التاء في الوقف ولا يبدلون منها الهاء. وأنشد أبو الحسن (٢):\nبل جَوْزِ تَيْهَاء كظَهْرِ الحَجَفَتْ\nوهذا مما قد مرّ.\n_________\n(١) انظر: \"السبعة\" (٣٤٤)، و\"إتحاف\" ٢/ ٢٦٢، و\"الحجة\" ٤/ ٣٩٠.\n(٢) ورد البيت منسوبًا إلى سُؤر الذئب كما في \"اللسان\"، والحجفة: الترس يصنع من جلد الإبل، وقوله (بل جوز تيهاء)، يريد: رب جوز تيهاء.\nانظر: \"الخصائص\" ١/ ٣٠٤، ٢/ ٩٨، و\"المحتسب\" ٢/ ٩٢، و\"المخصص\" ٩/ ٧ - ١٦، ٨٤ - ٩٦، و\"اللسان\" (حجف، بلل) ٢/ ٧٨٧، و\"سر صناعة الإعراب\" ١/ ١٧٧، و\"شرح المفصل لابن يعيش\" ٢/ ١٨١.","vol":"12","page":17},{"text":"قوله تعالى ﴿إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا﴾ الآية.\nقال وهب (١) والمفسرون (٢): رأى يوسف وهو ابن اثنتي عشرة سنة أن أحد عشر كوكبًا والشمس والقمر سجدن له.\nقال ابن عباس (٣) وقتادة (٤) ومحمد بن إسحاق (٥) والمفسرون (٦): هم إخوته وأبواه.\nوقال ابن جريج (٧): الكواكب إخوته، والشمس أمه راحيل، والقمر أبوه.\nوقال مقاتل (٨): الشمس أبوه والقمر أمه.\nوقال السدي (٩): الشمس أبوه والقمر خالته، وذلك أن أمه كانت قد ماتت.\nوقوله تعالى: ﴿رَأَيْتُهُمْ﴾ قال ابن الأنباري: لما تطاول الكلام بين الرؤية والسجود أعيدت الرؤية مع السجود؛ ليكون ذلك أكشف للمعنى وأدل على التوكيد والبيان.\n_________\n(١) الثعلبي ٧/ ٦٣ ب، الرازي ١٨/ ٨٧.\n(٢) \"زاد المسير\" ٤/ ١٨٠.\n(٣) انظر: الطبري ١٢/ ١٥٢، وابن المنذر كما في \"الدر المنثور\" ٤/ ٦، والثعلبي ٧/ ٦٣ ب.\n(٤) الطبري ١٢/ ١٥٢، وتفسير عبد الرزاق ٢/ ١٢٣، وأبو الشيخ كما في \"الدر المنثور\" ٤/ ٦.\n(٥) انظر: ابن كثير ٢/ ٥١٣، و\"زاد المسير\" ٤/ ١٨٠.\n(٦) الطبري: ١٢/ ١٥٢.\n(٧) الطبري: ١٢/ ١٥٢، ولم يذكر اسمه أمه.\n(٨) \"تفسير مقاتل\" ١٥٠ ب.\n(٩) البغوي ٤/ ٢١٣، و\"زاد المسير\" ٤/ ١٨٠، الثعلبي ٧/ ٦٣ ب.","vol":"12","page":18},{"text":"وهذا معنى قول (١) الفراء (٢) والزجاج (٣).\nوذكر صاحب النظم أنه يجوز أن يكون أحدهما من الرؤية والآخر من الرؤيا، وقوله ﴿رَأَيْتُهُمْ﴾ وهي مما لا يَفْهم ولا يُفهم وحسن ذلك؛ لأنه لما وصفها بالسجود صارت كأنها تعقل، فأخبر عنها كما يخبر عمن يعقل كما قال في صفة الأصنام ﴿وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ١٩٨] وقد مر، وكذلك قوله ﴿يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ﴾ [النمل: ١٨]، وهذا معنى قول الفراء (٤) والزجاج (٥).\nوقيل في معنى سجودهم له قولان، أحدهما (٦): أنه السجود المعروف على الحقيقة تكرمة له لا عبادة كسجود الملائكة لآدم، الثاني (٧): أن السجود هاهنا بمعنى الخضوع كقوله (٨):\n_________\n(١) قل ساقطة من (أ)، (ب)، (ج).\n(٢) لم أجده في مظانه، وانظر: \"إعراب القرآن\" للنحاس ٢/ ١٢٣، و\"التبيان\" للعكبري ص ٤٦٥، و\"البحر المحيط\" ٥/ ٢٨٠.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٩١.\n(٤) \"معاني القرآن\" ٢/ ٣٥.\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٩١.\n(٦) قال به ابن زيد كما في الطبري ١٢/ ١٥٢، وابن الأنباري كما في \"زاد المسير\" ٤/ ٢٩٠، وبه قال الطبري ١٢/ ١٥٢.\n(٧) انظر البغوي ٤/ ٢٨٠.\n(٨) عجز بيت لزيد الخيل وصدره:\nبجمل تضل البلق في حجراته\nانظر: \"الكامل\" ١/ ٣٥٨، و\"الأغاني\" ١٦/ ٥٢، و\"مجمع البيان\" ١/ ١٤١، الطبري ١/ ٣٠٠، ١/ ٣٦٥ وغير منسوب في \"تأويل مشكل القرآن\" ص ٤١٧، و\"الصناعتين\" ٢٩٥، و\"البحر المحيط\" ١/ ٥١. ومعناه: تضل البلق في حجراته: لكثرته لا يرى فيه الأبلق، والأبلق مشهور المنظر لاختلاف لونه، وحجراته: نواحيه، وقوله: (ترى الأكم منه سجدًا للحوافر) لكثرة الجيش تطحن الأكم حتى تلصقها بالأرض.","vol":"12","page":19},{"text":"تَرَى الأكْمَ مِنْهُ سُجَّدًا للحَوَافِرِ (١)\nقال ابن عباس (٢): إن ذلك الزمان كان سجود بعضهم لبعض، وقال في رواية الكلبي (٣): رأى يوسف هذه الرؤيا ليلة الجمعة وكانت ليلة القدر، فلما قصَّها على يعقوب أشفق عليه من حسد إخوته له، فقال له: يا بني لا تقصص.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1715>٥ </span>- وهو قوله: ﴿قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ﴾ الآية.\nقال العلماء وأصحاب الآثار (٤): أشفق يعقوب على يوسف حسد إخوته بهذه الرؤيا؛ لأن يوسف كان نبيًا في علم الله مذ كان، ورؤيا الأنبياء وحي لا يبطل منها شيء.\nقال ابن عباس (٥): رؤيا الأنبياء وحي، وعَلِمَ يعقوب أن إخوة يوسف يعرفون تأويلها ويشفقون من علو يوسف عليهم على صغر سنه وتقدم أمرهم أمره، وسبقهم من العلم إلى ما تأخر عنه، بهذا جاءت الآثار.\nوقوله تعالى ﴿رُؤْيَاكَ﴾ الرؤيا (٦) مصدر كالبُشْرى والسُقيا والتقى والشورى، إلا أنه لما صار اسمًا لهذا المتُخيل في المنام جرى مجرى\n_________\n(١) في (ب): (حوافر).\n(٢) ذكر نحوه عند قوله تعالى ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾ آية: ١٠٠. انظر: \"زاد المسير\" ٤/ ٢٩٠، القرطبي: ٩/ ٢٦٥.\n(٣) البغوي: ٤/ ٢١٣، ابن عطية: ٧/ ٤٣٦.\n(٤) الطبري ١٢/ ١٥٢، \"زاد المسير\" ٤/ ١٨٥، البغوي ٤/ ٢١٣، القرطبي ٩/ ١٢٢، الثعلبي ٧/ ٦٣ ب، ابن عطية: ٧/ ٤٣٧، ابن كثير ٣/ ٥١٢ - ٥١٤.\n(٥) الطبري ١٢/ ١٥١، وابن أبي حاتم ٧/ ٢١٠١ أ، وأبو الشيخ والحاكم وابن مردويه كما في \"الدر\" ٤/ ٦، والبغوي ٤/ ٢١٣.\n(٦) حديثه عن الرؤيا واشتقاقها منقول عن الفراء والزجاج والفارسي كما سيأتي.","vol":"12","page":20},{"text":"الأسماء، وخرج من حكم الأعمال فلا يعمل واحدٌ منها أعمال المصادر، ومما يقوي خروجه عن أحكام المصادر تكسيرهم لها (رؤى) فصار بمنزلة ظلم، والمصادر في أكثر الأمر لا تكسر.\nوفي الرؤيا أربع لغات: تحقيق الهمز، وتحقيقها بقلبها واوًا من غير إدغامها في التاء وإن كانت ساكنة؛ لأنها في تقدير الهمز فهي ليست بواو، وإذا لم يلزم لم يقع الاعتداد بها فلم يدغم، ومن ثم جاء صنو وشي في تخفيف وشي، وبقي الاسم على حرفين أحدهما حرف لين، وجاز تحرك حرف اللين وتصحيحه مع انفتاح ما قبله؛ لأن الهمزة (١) في تقدير الثبات، وقد أدغم قوم فقالوا: ريًا؛ لأنه لما ترك الهمز سكنت الواو وبعدها ياء فتحولتا ياءً مشددة كما يقال: لويته ليًّا، وكويته كيًا، والأصل كويًا ولويا، وكسروا الفاء كما كسروا من قولهم: قرن ألوى وقرون لي، وإن أشرت إلى الضمة فقلت (رُيًا) فرفعت الراء جاز، وتكون هذه الضمة مثلها في قوله: و(حيل) و(سيق).\nوأنشد الفراء (٢):\n_________\n(١) في (ب): (الهمز)\n(٢) قال الفراء: أنشدني أبو الجراح.\nو(العرض) الوادي فيه شجر، و(الغين) جمع الغيناء وهي الخضراء من الشجر، وهو بدل من (أفنانه)، و(يصرف): يصوت، وفي \"اللسان\" (رنه) ولا شاهد فيه. \"اللسان\" (عرض) ٥/ ٢٨٨٨، (غين) ٦/ ٣٣٣١ (رأى) ٣/ ١٥٤١، و\"معاني القرآن\" ٢/ ٣٥، و\"الزاهر\" ٢/ ٢٠٥، و\"ديوان الأب\" ١/ ١٢٢، و\"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٣٢٣ مادة (رأى)، ٣/ ٢٧٠٩ مادة (غين)، و\"تاج العروس\" ١٣/ ٣٨١، و\"معجم البلدات\" ٤/ ١٠٢ (العرض).","vol":"12","page":21},{"text":"لَعِرْضٌ (١) من الأعْراضِ تَمْشِي حَمَامُه ... ويُضَحِي على أفْنَانِه الغِينِ يَهْتِفُ\nأحبُّ إلى قَلْبِي مِنَ الدِّيَك رَنَّة ... وبابٍ إذا ما مَالَ للغَلْقِ يَصرِفُ\nقال أراد: رؤية، فلما ترك الهمز أدغم على ما ذكرنا، وكل ما ذكرنا في الرؤيا (٢) من كلام الفراء (٣) والزجاج (٤) وأبي علي (٥).\n\nوقوله تعالى: ﴿فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا﴾ أي: فيحتالوا في هلاكك؛ لأنهم يعلمون تأويلها فيحسدوك <span data-type=\"title\" id=toc-1716>(٦)</span>، واللام في قوله ﴿لَكَ﴾ تأكيد للصلة، كقوله ﴿لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾ وقيل هي من صلة الكيد، على معنى: فيكيدوا كيدًا لك.\nقال أهل المعاني (٧): وهذا يدل على أنه قد كان لهم علم بالرؤيا وتعبيرها، وأن يعقوب قد علم منهم حسدًا له وبغضًا، فخافهم عليه.\n\n٦ - كذلك قوله ﴿وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ﴾. قال أبو إسحاق (٨): موضع الكاف في (كذلك) النصب، المعنى: ومثل ما رأيت يجتبيك ربك، وعلى\n_________\n(١) في (ب) زيادة هن فيكون: (لغيرهن). وفي \"معاني القرآن\" ٢/ ٣٥: (لعرض من الأعراض).\n(٢) (في الرؤيا) ساقطة من (ب).\n(٣) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٣٥.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" للزجاج ٣/ ٩٢.\n(٥) \"الحجة\" لأبي علي الفارسي ٤/ ٣٩٨، وأغلب النقل السابق عنه.\n(٦) هذه عبارة الثعلبي ٧/ ٦٣ ب، و\"مشكل القرآن وغريبه\" ص ٢١٦، والقرطبي ٩/ ١٢٢، والطبري ١٢/ ١٥٢.\n(٧) البغوي ٤/ ٢١٣.\n(٨) \"معاني القرآن وإعرابه\" للزجاج ٣/ ٩١.","vol":"12","page":22},{"text":"هذا قال ابن الأنباري (١): (ذلك) إشارة إلى قول يوسف: ﴿إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا﴾ فقال له يعقوب: ومثل ذلك التفضيل وتلك الرفعة والحال الجليلة (٢) التي شاهدتها في رؤياك يجتبيك ربك، فموضع الكاف نصب بيجتبي [وموضع ذلك خفض بالكاف الزائدة، والمعنى: وكما أراك الله من هذه الرؤيا يجتبيك] (٣).\n[وقال الفراء (٤): ﴿وَكَذَلِكَ﴾ جواب لقوله ﴿إِنِّي رَأَيْتُ﴾ فقيل له: وهكذا يجتبيك ربك، كذلك وهكذا سواء في المعنى.\nقال أبو بكر: وعلى هذا (كذلك) حرف واحد معناها هكذا، وموضعه نصب بيجتبيي] (٥).\nقال الفراء (٦): ومثله في الكلام أن يقول الرجل: قد فعلت اليوم كذا وكذا من الخير، فيقول له القائل: هكذا السعادة والتوفيق، وكذلك السعادة والتوفيق، فيسوي بينهما، وقد ذكرنا قبل هذا أن (كذلك) تحقيق لما مضى من الكلام، ضد كَلّا.\nوقوله تعالى ﴿يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ﴾ قال ابن عباس (٧) والمفسرون (٨) وأهل\n_________\n(١) \"زاد المسير\" ٤/ ١٨١.\n(٢) في (أ)، (ب): (الجلية).\n(٣) ما بين المعقوفين ساقط من (أ)، (ج).\n(٤) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٣٦.\n(٥) ما بين المعقوفين مكرر في (أ)، (ج).\n(٦) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٣٦.\n(٧) نقله عنه ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٤/ ١٨١، وابن جرير وأبو الشيخ كما في \"الدر المنثور\" ٤/ ٧.\n(٨) وهو قول عكرمة وقتادة كما في الطبري ١٢/ ١٥٣، وعزاه ابن أبي حاتم ٧/ ٢١٠٣ أ، لقتادة، وانظر \"الدر\" ٤/ ٧.","vol":"12","page":23},{"text":"اللغة (١): يختارك ويصطفيك.\nقال الزجاج (٢): وهو مشتق من: جبيت الشيء، إذا خلصته لنفسك، ومنه: جبيت الماء في الحوض.\nوقوله تعالى: ﴿وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾ قال ابن عباس (٣) ومجاهد (٤) وقتادة (٥): يريد تعبير الأحلام، وعبارة الرؤيا.\nقال ابن زيد (٦): وكان أعبر الناس للرؤيا، فعلى هذا معنى التأويل: المنتهى الذي يؤول إليه المعنى في الرؤيا، والأحاديث هي أحاديث الناس عما يرونه في منامهم، قال الزجاج (٧): وغير ذلك.\nوقيل (٨): يعلمك تأويل أحاديث الأنبياء والأمم، يعني الكتب والأحاديث في آيات الله ودلائله على توحيده، وغير ذلك من أمور دينه.\nوقوله تعالى: ﴿وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾ قال ابن عباس (٩): يريد بالنبوة، ﴿وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ﴾. قال المفسرون (١٠): يعني وعلى النبيين من آل يعقوب،\n_________\n(١) قال به أبو عبيدة كما في \"مجاز القرآن\" ١/ ٣٠٢٥، والفراء كما في \"معاني القرآن\" ٢/ ٣٦.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" للزجاج ٣/ ٩١.\n(٣) \"تنوير المقباس\" ١٤٦، و\"زاد المسير\" ٤/ ١٨١.\n(٤) الطبري ١٢/ ١٥٣، وأخرجه ابن أبي شيبة، وابن أبي حاتم ٧/ ٢١٠٣ أ، وأبو الشيخ كما في \"الدر المنثور\" ٤/ ٧، و\"زاد المسير\" ٤/ ١٨١، وابن عطية ٧/ ٤٣٨.\n(٥) الطبري ١٢/ ١٥٣، وابن أبي حاتم ٧/ ٢١٠٣ أ.\n(٦) الطبري ١٢/ ١٥٣، وابن أبي حاتم ٧/ ٢١٠٣ ب، وانظر: \"الدر\" ٤/ ٧.\n(٧) \"معاني القرآن\" ٣/ ٩٢.\n(٨) \"زاد المسير\" ٤/ ١٨١، القرطبي ٩/ ١٢٩.\n(٩) \"زاد المسير\" ٤/ ١٨١، القرطبي ٩/ ١٢٩، البغوي ٤/ ٢١٤، ابن عطية ٧/ ٤٣٨.\n(١٠) البغوي ٤/ ٢١٤، ابن عطية ٧/ ٤٣٨.","vol":"12","page":24},{"text":"بمعنى (١) الخصوص، وإن كان الظاهر ظاهر عموم، كما قال النبي - ﷺ -: \"اللهم (٢) اجعل رزق آل محمد قوتًا\" (٣) يريد البعض، فعلى هذا المعنى: ويتم نعمته عليك وعلى المختصين من آل يعقوب بالنبوة، [كما أتمها بالنبوة] (٤)، على أبويك.\nوقال أبو إسحاق (٥): فسر يعقوب الرؤيا ليوسف بهذه الآية، وذلك أنه لما قال له: ﴿إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا﴾ الآية، تأول الأحد عشر كوكبًا: أحد عشر نفسًا لهم فضل وأنهم يستضاء بهم؛ لأنه لا شيء أضوأ من الكواكب وبها يُهْتدى، فتأويل الكواكب إخوته، وتأويل الشمس والقمر أبواه، تأول له أن يكون نبيًّا، وأن إخوته يكونون أنبياء؛ لأنه أعلمه أن الله جلَّ وعلا يتم نعمته عليه وعلى إخوته، كما أتمها على إبراهيم وإسحاق، فإتمام النعمة عليهم أن يكونوا أنبياء، وعلى هذه الأقوال إتمام النعمة بالنبوة، ﴿آلِ يَعْقُوبَ﴾ الأنبياء منهم أو بنوه.\nوقال ابن عباس في رواية الكلبي: ويتم نعمته عليك بتوحيده وعبادته، كما أتمها على أبويك بتوحيد الله وعبادته وإيثار طاعته، وقال مقاتل بن\n_________\n(١) في (ج): (يعني).\n(٢) اللهم: ساقطة من (ب).\n(٣) أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة (٦٤٦٥)، كتاب: الرقاق، باب: كيف كان عيش النبي - ﷺ - وأصحابه وتخليهم من الدنيا، ومسلم كتاب: الزكاة، باب في الكفاف والقناعة (١٠٥٥) كما في مختصر المنذري ص ٥٥١، كتاب الزهد والرقاق تحقيق الألباني، وأحمد ١٩/ ٢٤، برقم (٩٧٥٢)، و٢٠/ ٢٨ برقم (١٠٢٤٢) تحقيق أحمد شاكر، والترمذي برقم (٢٣٦١) أبواب الزهد، باب: ما جاء في معيشة النبي - ﷺ - وأهله، وقال: هذا حديث حسن صحيح.\n(٤) ما بين المعقوفين ساقط من (أ)، (ب).\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" للزجاج: ٣/ ٩٢. بتصرف.","vol":"12","page":25},{"text":"سليمان (١): ويتم نعمته عليك بإعلانك وتحقيق رؤياك كما أتم النعمة على أبيك إبراهيم، بإنجائه من النار، وعلى أبيك إسحاق بالسلامة من الذبح، والفداء، ونحو هذا قال عكرمة (٢). وقال الكلبي (٣): كما أتمها على أبويك بأن ثبتهما على الإسلام حتى ماتا عليه، وعلى هذا المراد بآل يعقوب، قال أبو بكر: يعني أهل دينه فوقع الآل على أهل الدين كقوله تعالى: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٦] يعني أهل دين فرعون، قال قتادة (٤) في هذه الآية: كل ذلك فعل الله به، اجتباه، واصطفاه، وعلمه من تأويل الأحاديث، وأتم النعمة عليه.\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ﴾ يريد حيث يضع النبوة. قاله عطاء عن ابن عباس (٥)، ﴿حَكِيمٌ﴾ في خلقه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1717>٧ </span>- قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ﴾ قال المفسرون (٦): يعني في خبر يوسف وإخوته وقصتهم، ﴿آيَاتٌ﴾ أي عبر وعزائم (٧)، وقرأ ابن كثير (٨) ﴿ءَايَةٌ﴾ كأنه (٩) جعل شأنهم كله آية، ويقوي هذا ما روي أن في مصحف أبي (عبرة) (١٠).\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ١٥٠ ب.\n(٢) الطبري ١٢/ ١٥٤، والثعلبي ٧/ ٦٤ أ، و\"زاد المسير\" ٤/ ١٨٢.\n(٣) \"تنوير المقباس\" ص ١٤٧.\n(٤) الطبري ١٢/ ١٥٤.\n(٥) \"زاد المسير\" ٤/ ١٨٢.\n(٦) الثعلبي ٧/ ٦٤ أ، والبغوي ٤/ ٤١٦، و\"زاد المسير\" ٤/ ١٨٢.\n(٧) في (ج): (وعجائب)، الطبري ١٢/ ١٥٤، الثعلبي ٧/ ٦٤ أ.\n(٨) قرأ ابن كثير بالإفراد ووافقه ابن محيصن، والباقون بالجمع، انظر: \"السبعة\" ٣٤٤، و\"إتحاف\" ص ٢٦٢، و\"الحجة\" ٤/ ٣٩٦.\n(٩) في (ب): (كان).\n(١٠) \"البحر المحيط\" ٥/ ٢٨٢.","vol":"12","page":26},{"text":"قال أبو إسحاق (١): المعنى أنه بصيرة للذين سألوا النبي - ﷺ -، فأنبأهم بقصة يوسف وهو عنها غافل، لم يقرأ كتابًا، وقال ابن الأنباري وأبو علي (٢): ويجوز أن يكون المفرد المنكور بالإيجاب يقع دالًّا على الكثرة، كما يكون ذلك في غير الإيجاب.\nوقوله تعالى: ﴿لِلسَّائِلِينَ﴾ قال المفسرون (٣): سألت اليهود رسول الله - ﷺ - عن قصة يوسف فأخبرهم بها كما في التوراة فعجبوا منه، وقالوا: من أين لك هذا يا محمد؟. فقال: علمنيه ربي، فمعنى قوله ﴿لِلسَّائِلِينَ﴾ أي عن خبر يوسف وإخوته.\nوقال الكلبي عن ابن عباس (٤): ﴿لِلسَّائِلِينَ﴾ لكل من سأل عن خبر يوسف وإخوته ليعلم علمه.\nقال ابن الأنباري: معنى قوله ﴿لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ﴾ إلى آخر الآية، أن قومًا سألوا النبي - ﷺ - عن هذه القصة مُعنتًا ممتحنًا، فكأن الذي ورد من جوابه يضطر عقول أهل التمييز إلى الانقياد لتصديقه؛ لأنه شرح أخبار قوم لم يشاهدهم، ولم ينظر في الكتب إذ هو معروف بالأمية، وكان في هذا أعجب آية وأوضح دلالة للسائلين وغيرهم على صدق النبي - ﷺ -، وخص السائلين بكون الآيات لهم اكتفاء منهم بغيرهم؛ لأنه إذا كان لهم آية، كان\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" للزجاج ٣/ ٩٢.\n(٢) \"الحجة\" ٤/ ٣٩٧.\n(٣) هذه عبارة الثعلبي ٧/ ٦٤ أ، والبغوي ٤/ ٤١٧، و\"زاد المسير\" ٤/ ١٨٢. وأخرجه البيهقي في الدلائل ٦/ ٢٧٦ من طريق الكلبي عن أبي صالح عن عبد الله بن عباس بنحوه.\n(٤) مروي عن قتادة والضحاك كما في \"الدر\" ٤/ ٧، وانظر: \"زاد المسير\" ٤/ ١٨٢، القرطبي ٩/ ١٢٩.","vol":"12","page":27},{"text":"غيرهم أيضًا يعتبر به اعتبارهم؛ لأنهم (١) وإن لم يسألوا فإن سؤال غيرهم نتج لهم الأعجوبة، وكشف المعنى لهم (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1718>٨ </span>- قوله تعالى ﴿إِذْ قَالُوا﴾ يعني: إخوة يوسف ﴿لَيُوسُفُ﴾ هذه لام التأكيد، وهي التي يتلقى بها القسم هاهنا، ﴿وَأَخُوهُ﴾ قال ابن عباس (٣): ولد راحيل وهي خالتهم ﴿أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ قال الفراء (٤): العصبة عشرة فما زاد.\nوقال أهل اللغة (٥): العصبة من العشرة إلى الأربعين، وقال المبرد (٦): العصبة الجماعة، وتعصب القوم: إذا اجتمعوا على هيئة يشد بعضهم بعضًا، ومنه العصبة في النسب، وهم الذين يجمعهم التعصب، فمعنى العصبة: جماعة متعاونة.\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ قال أبو بكر بن الأنباري (٧): أي ضل بإيثاره يوسف وأخاه علينا (٨) ضلالا خطأ يلحقه ضرره (٩) في دنياه، إذ الذي آثره علينا عناؤنا يزيد على عنائه، ذهب إلى هذا الجواب\n_________\n(١) في (أ)، (ب): (لأنه).\n(٢) \"زاد المسير\" ٤/ ١٨٢.\n(٣) انظر: الطبري ١٢/ ١٥٤، و\"زاد المسير\" ٤/ ١٨٣.\n(٤) \"معاني القرآن\" ٢٩/ ٣٦.\n(٥) قال به أبو عبيد. انظر: \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٤٥٤ (عصب)، وابن قتيبة انظر: \"مشكل القرآن وغريبه\" ص ٢١٦.\n(٦) انظر: القرطبي ٩/ ١٣٠.\n(٧) \"زاد المسير\" ٤/ ١٨٣.\n(٨) هذه عبارة الثعلبي في ٧/ ٦٤ ب.\n(٩) في (أ)، (ب): (ضروره).","vol":"12","page":28},{"text":"الكلبي (١) وغيره من المفسرين (٢)، وقال مقاتل بن سليمان (٣): الضلال هاهنا يعني الشقاء، وتلخيصه: إن أبانا لفي شقاء واضح، واحتج بقوله ﷿ ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ﴾ [القمر: ٤٧] يعني في شقاء، قال أبو بكر: فكان مقاتل ذهب إلى أن الضلال عني به شقاء الدنيا؛ لأنه لما آثر ولدين صغيرين على عشرة ذوي أسنان عالية، عاد من ذلك عليه إيغار صدور الجماعة وحملهم على العقوق.\nوقال أهل المعاني (٤): إن أبانا في ذهاب عن طريق الصواب الذي فيه التعديل بيننا في المحبة، وقيل معناه: إنه في غلط في تدبير (٥) أمر الدنيا، إذ كنا أنفع له في القيام بمواشيه وأمواله من يوسف وأخيه، وهذا هو معنى القول، وليسوا يريدون الضلال في الدين، قال الزجاج (٦): ولو وصفوه بالضلال (٧) في الدين كانوا كفارًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1719>٩ </span>- قوله تعالى ﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا﴾ قال النحويون (٨): انتصاب الأرض بإسقاط الخافض، يراد واطرحوه في أرض، فلما سقط الخافض وصل الفعل إليها فنصبها؛ لأن أرضًا ليست من الظروف المبهمة.\n_________\n(١) \"تنوير المقباس\" ص ١٤٧.\n(٢) الطبري ١٢/ ١٥٥، والبغوي ٤/ ٢١٧ - ٢١٨، و\"زاد المسير\" ٤/ ١٨٣.\n(٣) نقل عنه \"زاد المسير\" ٤/ ١٨٣، انظر \"تفسر مقاتل\" ١٥١ أ.\n(٤) \"زاد المسير\" ٤/ ١٨٣، الثعلبي ٧/ ٦٤ ب.\n(٥) في (ب): (تدبر).\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٩٣.\n(٧) في (ج): (بالضلالة).\n(٨) \"إعراب القرآن\" للنحاس ص ١٢٥، و\"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٩٣.","vol":"12","page":29},{"text":"قال أبو إسحاق (١): أراد أرضًا يبعد فيها عن أبيه؛ لأنه لم يخل من أن يكون في أرض، ودل على هذا المحذوف قوله ﴿يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ﴾ لأن هذا يدل على أنهم تآمروا في أن يطرحوه في أرض لا يقدر عليه فيها أبوه.\nقال ابن الأنباري: تلخيصه: أو اطرحوه أرضًا بعيدة عن أبيه، فلما دل على هذا المضمر قوله ﴿يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ﴾ كان الإضمار سائغًا، ومعنى قوله ﴿يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ﴾ أي: يقبل بكليته عليكم، ويخلص لكم عن شغله بيوسف، يعنون أن يوسف شغله عنا وصرف وجهه إليه، فإذا فقده أقبل إلينا بالميل والمحبة (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ﴾ قال ابن عباس (٣): يريد تحدثوا (٤) توبة بعد ذلك يقبلها الله منكم، وهذا قول عامة المفسرين (٥)، وعلى هذا المعنى ﴿وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ﴾ بإحداث التوبة.\nوقال مقاتل بن سليمان (٦): ليس الصلاح هاهنا مقصودًا به (٧) قصد صلاح الدين، لكن المعني به: ويصلح شأنكم عند أبيكم وتغلبوا على قلبه\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٩٣.\n(٢) الثعلبي ٧/ ٦٤ ب، و\"زاد المسير\" ٤/ ١٨٤، البغوي ٤/ ٢١٨.\n(٣) نقله عنه في \"زاد المسير\" ٤/ ١٨٤، وذكره الطبري عن السدي ١٢/ ١٥٥.\n(٤) في (ج): (يجدونه).\n(٥) ومنهم الطبري ١٢/ ١٥٠، والبغوي ٢/ ٢١٨، و\"زاد المسير\" ٤/ ١٨٤، وابن عطية ٧/ ٤٤٣.\n(٦) \"تفسير مقاتل\" ١٥١أ، نقله عنه في \"زاد المسير\" ٤/ ١٨٤، والثعلبي ٧/ ٦٤ ب.\n(٧) في (ج): (مقصودًا).","vol":"12","page":30},{"text":"بعد فقده يوسف، والآية بيان عما يوجبه الحسد من قتل المحسود أو تعريضه للقتل بالإلقاء في المهالك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1720>١٠ </span>- قوله تعالى ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ﴾ قال عطاء عن ابن عباس (١): هو يهودا، وهو أكبر ولد يعقوب وأعقلهم، ونحو هذا قال الكلبي (٢) ومقاتل (٣) والزجاج (٤).\nوقال قتادة (٥) ومحمد بن إسحاق (٦): هو روبيل.\nوقوله تعالى: ﴿وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ﴾ قال أبو عبيدة (٧) وأهل اللغة (٨): الغيابة: كل ما غيب شيئًا وستره، وأنشدوا للمُنَخَّل (٩):\nفإنْ أنا يَوْمًا غَيّبتني غَيَابتي ... فسِيرُوا بسَيْرِي في العَشِيرَة والأَهل\n_________\n(١) عزاه له القرطبي ٩/ ١٣٢، و\"زاد المسير\" ٤/ ١٨٤.\n(٢) \"تنوير المقباس\" ص ١٤٧.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ١٥١ أ، وعزاه له \"زاد المسير\" ٤/ ١٨٤.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٩٤.\n(٥) الطبري ١٢/ ١٥٥، و\"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٣١٧، وأخرج ابن أبي حاتم ٧/ ٢١٠٦ أ، وابن المنذر وأبو الشيخ كما في \"الدر المنثور\" ٤/ ١٣، و\"زاد المسير\" ٤/ ١٨٥.\n(٦) الطبري ١٢/ ١٥٦، و\"زاد المسير\" ٤/ ١٨٥، والثعلبي ٧/ ٦٤ ب من غير عزو.\n(٧) \"مجاز القرآن\" ١/ ٣٠٢.\n(٨) \"اللسان\" (غيب) ٦/ ٣٣٢٣.\n(٩) هو المنخل بن سبيع بن زيد بن معاوية بن العنبر، والبيت في \"معجم المرزباني\" ٣٨٨، و\"مجاز القرآن\" ١/ ٣٠٢، و\"شواهد الكشاف\" (٩٦)، والقرطبي ٩/ ١٣٢، و\"معاني الزجاج\" ٣/ ٩٣، و\"المحرر\" ٧/ ٤٤٤، و\"البحر المحيط\" ٥/ ٢٨٤، و\"الدر المصون\" ٦/ ٤٤٦.","vol":"12","page":31},{"text":"أراد بالغيابة حفرة القبر؛ لأنها يغيب المدفون فيها، وأما الجب فهو الركية قبل أن تطوى، يقال: جب هذه الركية صلب، وقال زيد بن كثوه (١): جبّ الركية جَرِابُها، وقال الزجاج (٢): الجب البئر التي ليست بمطوية، سميت جبًّا من أنها قطعت قطعًا ولم يحدث فيها غير القطع من طي ومما أشبهه. الليث (٣): والجميع جباب وأجباب وجببة.\nقال الحسن (٤): غيابة قعر الجب، قال (٥) قتادة (٦): أسفل الجب.\nقال ابن الأنباري: وإنما ذكرت الغيابة مع الجب دلالة على أن المشير أشار بطرحه في موضع مظلم من الجب لا يلحقه نظر الناظرين، فأفاد ذكر الغيابة هذا المعنى، إذ كان يحتمل أن يلقى في موضع من الجب لا يحول بينه وبين الناظرين.\nوقرأ أهل المدينة (٧) ﴿غيابات الجب﴾ بالجمع على معنى أن للجب (٨) أقطارًا ونواحي ويكون فيها غيابات، وأوثر الجمع لذلك، ومن وحد قال: المقصود موضع واحد من الجب يغيمب فيه يوسف فيستره من\n_________\n(١) \"تهذيب اللغة\" (حبيب) ١/ ٥٣٠.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٩٤.\n(٣) \"تهذيب اللغة\" (جبب) ١/ ٥٢٩، وهو كذا في النسخ، ولعل (قال) ساقطة.\n(٤) نقله في \"زاد المسير\" ٤/ ١٨٥، وقد ذكره الطبري ١٢/ ١٥٦، من غير أن يعزوه لأحد.\n(٥) في (ج): (وقال) بزيادة الواو.\n(٦) الطبري ١٢/ ١٥٦، الثعلبي ٧/ ٦٤ ب.\n(٧) قرأ بالمجمع نافع وأبو جعفر، والباقون بالإفراد، انظر \"السبعة\" ص ٣٤٥، و\"إتحاف\" ص ٢٦٢، و\"الحجة\" ٤/ ٣٩٩، والطبري ١٢/ ١٥٦.\n(٨) في (أ)، (ب): (الجب).","vol":"12","page":32},{"text":"أبصار المتأملين، فالتوحيد أحصر وأدل على المعنى المطلوب، يدل على صحة التوحيد قراءةُ مجاهد (١) ﴿في غيبة الجب﴾، انتهى كلامه.\nوقال أبو علي (٢): وجه قول من أفرد أن الجب لا يخلو من أن يكون له غيابة واحدة أو غيابات، فغيابة المفرد يجوز أن يعني به الجمع كما يعني به الواحد، ووجه قول من جمع، أنه يجوز أن يكون له غيابة واحدة فجعل كل جزء منه غيابة فجمع لذلك، كقولهم: (شابت مفارقه (٣) وتغير ذو عثانين) ويجوز أن يكون للجب عدة غياب فجمع لذلك، والدليل على جواز الجمع فيه قول ابن أحمر (٤):\nألا فالبِثَا شَهْرَيْن أو نِصْفَ ثالث ... إلى ذَاكُما (٥) ما غَيّبتْني غَيَابِيَا\nيريد جمع غيابة، فجمع مع أن ذا الغيابة واحد، واختلفوا في هذا الجب، فقال قتادة (٦): في بئر بيت المقدس، وقال وهب (٧): هو بأرض\n_________\n(١) \"زاد المسير\" ٤/ ١٨٥، ونسبها إلى الحسن وقتادة ومجاهد، و\"البحر المحيط\" ٥/ ٢٨٤ ونسبها إلى الحسن.\n(٢) \"الحجة\" ٤/ ٤٠٠.\n(٣) في (أ)، (ب)، (ي): (مفاريقه)، والصواب ما أثبته كما في \"الحجة\".\n(٤) من قصيدة له في هجاء يزيد بن معاوية، انظر: \"ديوانه\" ص ١٧١، و\"المحتسب\" ٢/ ٢٢٧ - ٢٢٨، و\"الخصائص\" ٢/ ٤٦٠، وابن الشجري ٣/ ٧٥، ٢٠٧، و\"الإنصاف\" ص ٣٨٧، و\"شواهد كتاب سيبويه\" ١٢٩.\n(٥) (ما): ساقطة من (ج).\n(٦) الطبري ٢/ ١٥٦، وعبد الرزاق ٢/ ٣١٨، وابن أبي حاتم ٧/ ٢١٠٧ ب، وأبو الشيخ كما في \"الدر المنثور\" ٤/ ١٣، والثعلبي ٧/ ٦٤ ب، و\"زاد المسير\" ٤/ ١٨٥، و\"البحر المحيط\" ٥/ ٢٨٤.\n(٧) الثعلبي ٧/ ٦٤ ب، و\"زاد المسير\" ٤/ ١٨٥.","vol":"12","page":33},{"text":"الأردن، وقال مقاتل (١): هو على ثلاثة فراسخ من منزل يعقوب.\nوقوله تعالى: ﴿يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ﴾ الالتقاط: تناول الشيء من الطريق، ومنه اللقط واللقيط، والسيارة: الذين يسيرون في الطريق للسفر. قال ابن عباس (٢): يريد المارة.\nوقوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾ قال ابن عباس (٣): يريد إن أضمرتم مما تريدون، وهذه الآية بيان عن اختيار أنقص الشرين، كما أشار هذا القائل إذ رأى أنه لابد من أحدهما.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1721>١١ </span>- قوله تعالى: ﴿قَالُوا يَا أَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ﴾ قال المفسرون (٤): لما تآمروا بينهم في إيقاع المكروه بيوسف وعزموا على ذلك قالوا (٥) لأبيهم: ﴿مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ﴾ والقراء مجمعون (٦) على إدغام النون الأولى في الثانية، والإشارة إلى إعراب النون المدغمة بالضم، وذلك أن الحرف المدغم بمنزلة الحرف الموقوف عليه من حيث جمعهما السكون، فكما أشموا الحرف الموقوف عليه إذا كان مرفوعًا عند الإدارج، ليعلم أنه كذلك في الوصل، أشموا الحرف المدغم ليعلم أنه لو ظهر كان مرفوعًا، والإشمام ضم الشفتين فقط، وليس بصوت خارج إلى اللفظ، إنما هو تهيئة العضو لإخراج الصوت به، ليعلم بالتهيئة أنه يريد ذلك المهيأ له،\n_________\n(١) الثعلبي ٧/ ٦٤ ب، و\"تفسير مقاتل\" ١٥١أ، و\"زاد المسير\" ٤/ ١٨٥.\n(٢) \"تنوير المقباس\" ص ١٤٧، والثعلبي ٧/ ٦٥ أ.\n(٣) \"زاد المسير\" ٤/ ١٨٥.\n(٤) الطبري ٢١/ ١٥٧، و\"زاد المسير\" ٤/ ١٨٦.\n(٥) في (أ)، (ب): (قال).\n(٦) \"الحجة\" ٤/ ٤٠٠، و\"إبراز المعاني\" ص ٥٣١، و\"السبعة\" لابن مجاهد ٣٤٥، وأبو جعفر يقرأ بالإدغام المحض بلا إشمام ولا روم. \"إتحاف\" ص ٢٦٢.","vol":"12","page":34},{"text":"ولا يجوز رَوْم الحركة مع الإدغام، كما جاز الإشمام؛ لأن روم الحركة حركة، وإن كان الصوت قد أضعف بها، ولا يجوز الإدغام مع الحركة وإن كانت قد أضعفت؛ لأن اللسان لا يرتفع مع روم الحركة في الحرف المدغم عن الحرفين ارتفاعة واحدة، وأما من ترك الإشمام؛ فلأنه أخف على اللفظ، وهو قياس الإدغام.\nقال أهل المعاني: هذا تلطف منهم مع أبيهم في أمر يوسف، وتشبيب لمساءلتهم إرساله معهم، بدأوا بالإنكار عليه خوفه إياهم على يوسف، وثنوا بإظهار النصح له في قولهم ﴿وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ﴾، قال ابن عباس (١): يريد في الرحمة والبر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1722>١٢ </span>- قوله تعالى (٢): ﴿أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ﴾، قرأ ابن كثير (٣) ﴿نرتع﴾ هو بالنون وكسر العين من الارتعاء، و(يلعب) بالياء، والارتعاء: افتعال من رعيت، يقال: رعى الماشيةُ الكلأ يرعاها رعيًا، إذا أكلته، والرعي الكلأ، ومثله ارتعى، قال الأعشى (٤):\nتَرْتَعِي السَّفْحَ فالكثيب فَذَاقَارٍ ... فُرُوضَ القَطَا فَذَاتَ الرِّئالِ\nهذا معنى الارتعاء للإبل والمواشي، وقد أضافوه إلى أنفسهم؛ لأن المعنى نرتعي إبلنا، ثم يحذف المضاف فيكون نرتعي، أو يقال حقيقة\n_________\n(١) انظر: \"تنوير المقباس\" ص ١٤٧.\n(٢) في (ج): (وقوله) بزيادة الواو.\n(٣) الطبري ١٢/ ١٥٨، و\"الحجة\" ٤/ ٤٠٢، و\"إبراز المعاني\" ص ٥٣٣، و\"النشر\" ٣/ ١٢٣.\n(٤) انظر \"البحر المحيط\" ٥/ ٢٧٦، و\"اللسان\" (سفح) ٤/ ٢٠٢٣، و\"التنبيه والإيضاح\" ١/ ٢٤٧، و\"تاج العروس\" (سفح) ٤/ ٩٠.","vol":"12","page":35},{"text":"الرعي والارتعاء للماشية وينسب ذلك إلى أصحابها؛ لأنهم السبب في ذلك بإيرادها الكلأ ومواضعه والقيام عليها، فيسند ذلك إليهم، وعلى هذا يقول العرب: رعينا روضة كذا، ومكان كذا، وهو كثير في أشعارهم، ويحمل على ما ذكرنا من أحد الوجهين.\nوأما فصله بين الارتعاء واللعب بالياء والنون، فحَسَنٌ؛ لأنه جعل الارتعاء والقيام على المال لمن بلغ وجاوز [الصغر، وأسند اللعب إلى يوسف لصغره، ولا لوم] (١) على الصغير في اللعب، وقرأ نافع (٢) كلاهما بالياء وكسر العين من يرتعي، أضاف الارتعاء إلى يوسف على معنى أنه يقوم على ماله في الارتعاء ليتدرب بذلك، فمرة يرتعي ومرة يلعب كفعل الصبيان، وقرأ أبو عمرو (٣) وابن عامر (٤) (نرتعْ) بالنون وجزم العين، ومثله (نلعبْ)، والعرب تقول: رتع المال، إذا رعى ماشيًا، وارتعتها أنا، والرتع لا يكون إلا في الخصب والسعة، وإبل رتاع، وقوم مرتعون وراتعون (٥) إذا كانوا مخاصيب.\nوقال ابن الأعرابي: الرتع الأكل بشَرَه، يقال رتع يرتع رتعًا ورتاعًا (٦)، ومنه قولهم (٧):القيد والرتعة، ويقال بسكون التاء ومعناها الخصب ونيل ما يراد.\n_________\n(١) ما بين المعقوفين بياض في (ب).\n(٢) \"السبعة\" ص ٣٤٥ - ٣٤٦، و\"إتحاف\" ص ٢٦٢، و\"الحجة\" ٤/ ٤٠٢، ٤٠٣.\n(٣) في (ج): (قرئ ابن عمرو).\n(٤) \"السبعة\" ص ٣٤٥ - ٣٤٦، و\"إتحاف\" ص ٢٦٢، و\"الحجة\" ٤/ ٤٠٢، ٤٠٣.\n(٥) (راتعون): ساقطة من (ج).\n(٦) ما سبق كله نقل عن الأزهري في \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٣٥٦ - ١٣٥٧. بتصرف.\n(٧) مثل: وأصله أن عمرو بن الصعق أسرته شاكر من همدان، فأحسنوا إليه وكان فارق قومه نحيفًا، فهرب من شاكر فلما وصل إلى قومه قالوا: أي عمرو خرجت من عندنا نحيفًا، وأنت اليوم بادن؟ فقال (القيد والرتعة) فأرسلها مثلًا، و(الرتعة): الخصب، انظر \"الميداني\" ٢/ ٣٩، و\"المفضل الضبي في أمثاله\" ٦٢، و\"الفاخر\" للمفضل بن سلمة ص ١٧٠، ٢٤١، و\"اللسان\" (رتع) ٣/ ١٥٧٧، الطبري ١٢/ ١٥٨، و\"تعليق شاكر\"، ونسبه أبو عبيد في الأمثال ص ٥٦: إلى الغضبان بن القبعثري، قاله للعجاج عندما حبسه. \"تهذيب اللغة\" (رتع) ٢/ ١٣٥٦.","vol":"12","page":36},{"text":"وقد حصل، للرتع معنيان أحدهما: رعي المال في الخصب، فعلى هذا معني نرتع بالنون كمعنى يرتعي في أنه للمال. ثم يحذف المضاف على ما ذكرنا، الثاني: أن معناه نيل ما يراد، وهذا يوصف به الإنسان كما ذكرنا في المثل، فقرأه أبو عمرو (نرتع) على معنى: نرتع إبلنا، ثم حذف المضاف، أو ينال ما يحتاج إليه.\nوأما يلعب فقد روي أنه قيل لأبي عمرو: كيف يقولون نلعب وهم أنبياء؟ فقال: لم يكونوا يومئذٍ أنبياء (١)، على أنه يجوز أن يراد باللعب هاهنا الذي هو ضد التشمر من الأخذ باللهو نيالًا، الذي هو ضد الحق، كما روي عن النبي - ﷺ - أنه قال لجابر: \"فهلا بكرًا تلاعبها وتلاعبك\" (٢) وهذا كأنه تشاغل بمباح وتنفس وجمام.\nوقرأ أهل الكوفة (٣) كلاهما بالياء وسكون العين والياء ووجهه بيِّن، لأن إسناد الرتع بمعنى النيل من الشيء إلى يوسف لا يبعد، كما لا يمتنع أن\n_________\n(١) \"الحجة\" ٤/ ٤٠٦، ابن جرير الطبري ١٢/ ١٥٨، الثعلبي ٧/ ٦٥ أ.\n(٢) أخرج البخاري بنحوه (٥٠٧٩، ٥٠٨)، كتاب: النكاح، باب: تزويج الثيبات، ومسلم (٥١٧/ ٥٥) في كتاب: الرضاع، باب: استحباب نكاح البكر.\n(٣) انظر: \"السبعة\" ص ٣٤٦، و\"إتحاف\" ص ٢٦٢، و\"الحجة\" ٤/ ٤٠٣، والطبري ١٢/ ١٥٨.","vol":"12","page":37},{"text":"ينسب إليه اللعب، على أن أبا عبيدة (١) فسَّر نرتع باللهو، فقال نرتع: نلهو، وهذه القراءة أبين من قراءة من قرأ (٢) (نلعبْ) بالنون؛ لأنهم إنما سألوا إرسال يوسف ليتنفس بلعبه لا ليلعبوا هم.\nوأما قول المفسرين فقال الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس (٣): نرتع: نذهب ونجيء وننشط ونلعب ونلهو.\n[وقال مقاتل بن سليمان (٤): نرتع نفرح، ونلعب نتلاهى.\nوقال مجاهد (٥) وقتادة (٦) نسعى وننبسط] (٧) وقال أبو عبيدة (٨): ﴿نرتع ونلعب﴾ معناه نلهو وننعم، قال: هو من القيد والرتعة، وقال غيره: نقم في المرتع، يقول بعضهم: نرتع نرعى إبلنا، وقال قوم: نرتع نأكل، واحتج يقول الشاعر (٩):\nويُحَيِّينِي إذا لاقَيْتُه ... وإذا يخلو له لَحْمي رَتَعْ\n_________\n(١) \"مجاز القرآن\" ١/ ٣٠٣.\n(٢) وهي قراءة أبي عمرو وابن عامر كما سبق.\n(٣) الطبري ٢/ ١٥٨، ابن أبي حاتم ٧/ ٢١٠٨ أ، عن مجاهد، وانظر: \"الدر\" ٤/ ١٣.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ١٥١ أبنحوه.\n(٥) ابن أبي حاتم ٧/ ٢١٠٨ أ.\n(٦) الطبري ١٢/ ١٥٩، و\"زاد المسير\" ٤/ ١٨٧، والقرطبي ٩/ ١٣٩، وعبد الرزاق ٢/ ٣١٨.\n(٧) ما بين المعقوفين ساقط من (أ)، (ج).\n(٨) \"مجاز القرآن\" ١/ ٣٠٣.\n(٩) البيت لسويد بن أبي كاهل اليشكري من قصيدة في المفضليات: ١٩٠ - ٢٠٢ تعد عن علي الشعر وأنفسه، وانظر \"ديوانه\" ص ٣١، و\"الشعر والشعراء\" ص ٢٧٠ (٣٨٤)، والرواية فيهما (حبيب لي إذا لاقيته ..)، وهو في \"الخزانة\" ٢/ ٥٤٧ كما هاهنا، و\"الزاهر\" ٢/ ٣١، و\"الدر المصون\" ٦/ ٤٥٠، و\"اللسان\" (رتع) ٣/ ١٥٧٧.","vol":"12","page":38},{"text":"أي: أكله، وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد (١) في قوله نرتع: نتكالأ ونتحارس بعضنا بعضًا، وعلى هذا فهو افتعال من الرعاية بمعنى الحفظ، لا من رعي الماشية.\nوقال بعض أهل المعاني: أصل الرتع للمال، ثم يستعمل في الإنسان على معنيين، أحدهما: الاتساع في البلاد بالذهاب في جهاتها من اليمين والشمال، والآخر: التصرف في الشهوات وضروب الملاذ، يقال: رتع فلان في ماله، إذا أنفقه في شهواته.\nوقوله تعالى: ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ قال ابن عباس (٢): يريد من كل ما تخافه عليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1723>١٣ </span>- وقوله تعالى ﴿قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ﴾ خبر عما يوجبه شدة الإشفاق من الحزن عن الفراق، فقال يحزنني ذهابكم، وأخاف أن يأكله الذئب.\nقال الكلبي وغيره من المفسرين (٣): إن يعقوب ﵇ رأى في النوم ذئبًا عدا على يوسف، فكان حذرًا عليه، خائفًا من تناول الذئب له، لرؤياه التي رآها.\nوقال آخرون: إنما خاف عليه يعقوب الذئب؛ لأن أرضهم كانت مذأبة، ذكره مقاتل بن سليمان وغيره (٤).\n_________\n(١) الطبري ١٢/ ١٥٩، وابن أبي حاتم ٧/ ٢١٠٧ أ، وابن المنذر وأبو الشيخ كما في \"الدر المنثور\" ٤/ ١٤، والثعلبي ٧/ ٦٥ ب، وابن عطية ٧/ ٤٤٨.\n(٢) القرطبي ٩/ ١٤٠.\n(٣) الثعلي ٧/ ٦٥ ب، والبغوي ٤/ ٢٢٠، و\"زاد المسير\" ٤/ ١٨٨، و\"تنوير المقباس\" ص ١٤٧.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ١٥١ أ، و\"زاد المسير\" ٤/ ١٨٨، الرازي ١٨/ ٩٧.","vol":"12","page":39},{"text":"ويقرأ الذئب (١) مهموزًا ومخففًا، وأصله الهمز (٢)؛ لأنه من قول العرب: تذابت الريح وتذأبت، إذا جاءت من كل جهة كالذيب يحتل بالحيلة من كل جهة، فإذا خففت الهمز منه قلبت ياء، وكذلك البير، ويجمع أذؤبًا وذؤبانًا (٣) كما قالوا: زق وزقان.\nقال (٤):\nوازْوَرّ يَمْطُو في بلادٍ بَعِيدَةٍ ... تَعَاوا به ذُئبَانُه وثَعَالِبُه\nوقوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ﴾ قال ابن عباس (٥) يريد لاهون مشتغلون برعيتكم، وهذا بيان عما توجبه الشفقة من سوء الظن بحوادث الزمان وعوارض الآفات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1724>١٤ </span>- قوله تعالى: ﴿قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ﴾ أي إن أكله الذئب ونحن جماعة نرى الذئب قد قصده فلا نرده عنه، إنا إذًا [لجاهلون في قول الكلبي، أي] (٦): لجاهلون (٧) بما يُعرفُ\n_________\n(١) قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم وابن عامر وحمزة بالهمز، وقرأ الكسائي وحده بغير همز، و\"الحجة\" ٤/ ٤٠٧، و\"السبعة\" ص ٣٤٦، و\"البدور الزاهرة\" ١٦١، و\"التبصرة\" ص ٥٤٥، و\"إتحاف\" ص ٢٦٣.\n(٢) هذا النص منقول عن أبي علي في كتابه \"الحجة\" ٤/ ٤٠٨. بتصرف.\n(٣) في (ب): (وذؤبًا).\n(٤) البيت لذي الرمة في \"ديوانه\" ص ٤٨، و\"البحر المحيط\" ٥/ ٢٧٦، و\"الدر المصون\" ٦/ ٤٥٢، و\"شرح شواهد الإيضاح\" ص/ ٥١٧، وهو في \"التكملة\" ص ٢٠٠ بلا نسبة. وازور: يعني الطريق فيه عوج، يمطو: يمد.\n(٥) \"زاد المسير\" ٤/ ١٨٨.\n(٦) ما بين المعقوفين مكرر في (أ)، (ج).\n(٧) القرطبي ٩/ ١٤١.","vol":"12","page":40},{"text":"فضله من إيثار البر وصلة الرحم وتجنب العقوق إن أكله الذئب بحضرتنا ولم نرده عنه.\nوقال مقاتل (١): معناه لئن أكله الذئب ونحن حضور، وعندنا بأس ودفع، إنا إذًا لعاجزون.\nقال: فالخسران هاهنا محمول على معنى العجز، كقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٤] معناه لعاجزون، ولابد (٢) من إضمار في الآية على تقدير: ونحن عصبةٌ عنده أو بحضرته؛ لأنه يجوز أن يأكله الذئب وهم عصبة غائبون عنه، فلا يُنْسَبون إلى الجهل ولا إلى العجز، وإنما يلزمهم العجز والجهل إن أكله الذئب بحضرتهم فلم يردوه عنه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1725>١٥ </span>- قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا﴾ ذكرنا معنى الإجماع عند قوله ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ﴾ [يونس: ٧١].\nوقوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ﴾ هذه الواو مقحمة زائدة عند الكوفيين، لأنه جواب لما، وجواب لما لا يقتضي واوًا، وعند البصريين لا يجوز إقحام الواو، وجواب لما عندهم محذوف، على تقدير لما ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه في غيابة الجب عظمت فتنتهم، أو كبر ما قصدوا، ثم قال: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ﴾ وحذف الجواب كثير، وهذه المسألة ذكرناها فيما تقدم، قال المفسرون (٣): أوحى الله (٤) إلى يوسف تقويةً لقلبه في البئر:\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ١٥١ أبنحوه.\n(٢) في (ج): (لابد) من غير واو.\n(٣) الثعلبي ٧/ ٦٥ ب، الطبري ١٢/ ١٦٠، البغوي ٤/ ٢٢١، و\"زاد المسير\" ٤/ ١٩١.\n(٤) في (ب): بزيادة (تعالي).","vol":"12","page":41},{"text":"لتصدقن رؤياك ولتخبرن إخوتك بصنيعهم هذا بعد اليوم ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ بأنك يوسف في وقت إخبارك إياهم بأمرهم، وهذا (١) قول ابن عباس (٢) والحسن (٣) وابن جريج (٤).\nوقال (٥) مجاهد (٦) وقتادة (٧): ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ بأنه أوحي (٨) إليه، وأجمعوا على أنه أوحي إلى يوسف في البئر.\nقال الحسن (٩) أعطاه الله النبوة وهو في الجب.\nوقال قتادة (١٠): أتاه وحي الله وهو في البئر.\nوقال الكلبي (١١): ألقي في الجب وهو ابن ثماني عشرة سنة.\nقال أبو بكر بن الأنباري (١٢): الفائدة في استتار الوحي عنهم، أنهم لو وقفوا على الوحي وعلموا أن مدة يوسف تطول، وأن أمره يقوى جاز أن\n_________\n(١) في (ب): (هذا). من غير واو.\n(٢) الطبري ١٢/ ١٦٢، الثعلبي ٧/ ٦٦ أ، ابن أبي حاتم ٧/ ٢١١٠ أ، وانظر: \"الدر\" ٤/ ١٥، و\"زاد المسير\" ٤/ ١٩١، والقرطبي ٩/ ١٤٣.\n(٣) انظر: الرازي ١٨/ ١٠٠.\n(٤) الطبري ١٢/ ١٦٢.\n(٥) في (أ)، (ج): زيادة (محمد).\n(٦) الطبري ١٢/ ١٦١، وابن أبي حاتم ٧/ ٢١٠٩ أ، وابن المنذر وأبو الشيخ كما في \"الدر\" ٤/ ١٥، والقرطبي ٩/ ١٤٣، والثعلبي ٧/ ٦٦ أ، و\"زاد المسير\" ٤/ ١٩١.\n(٧) الطبري ١٢/ ١٦١، عبد الرزاق ٢/ ٣١٨، وابن أبي حاتم ٧/ ٢١٠٩ أ، وابن المنذر وأبو الشيخ كما في \"الدر المنثور\" ٤/ ١٥، و\"زاد المسير\" ٤/ ١٩١.\n(٨) في (ب): (أوحى الله إليه) بزيادة لفظ الجلالة.\n(٩) \"تفسير كتاب الله العزيز\" ٢/ ٢٥٩، القرطبي ٩/ ١٤٢.\n(١٠) الطبري ١٢/ ١٦١، وابن أبي حاتم ٧/ ٢١٠٩ أ، وعبد الرزاق ٢/ ٣١٨.\n(١١) القرطبي ٩/ ١٤٢.\n(١٢) الرازي ١٨/ ١٠٠.","vol":"12","page":42},{"text":"يسبق إلى قلب بعضهم من الحسد ما لعله أن يقدم على إيقاع بلية بيوسف، في وقت إخبارهم بصنيعهم، فإن الله تعالى ألزم يوسف أن لا يطلع أباه ولا أحدًا من إخوته على نسبه وموضعه، ليوبخهم على ما سلف من عقوقهم، ويعد عليهم ما فرط من إساءتهم، فهم لا يعرفون عنه، ولا يعرفون أن أخوهم. ولهذه العلة ما كتم يوسف أباه يعقوب نفسه طول تلك المدة مع علمه بوجد أبيه به خوفًا من الخلاف على الله ﷿، فصبر على تجرع المرارة بما يعلمه من قلق أبيه (١) إيثارًا لطاعة ربه واتباعًا لأمره، وكان الله تعالى قد قضى على يعقوب أن يوصله إلى درجة عالية لا يصل إليها إلا بعظيم الحسرة التي كان يكابدها، فلذلك أمر يوسف بكتمان شأنه عن أبيه.\nوالقولان في قوله ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ حكاهما الزجاج (٢) فقال: في قوله ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ هذا جائز أن يكون من صلة ﴿لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾، وجائز أن يكون من صلة ﴿أَوْحَيْنَا﴾، المعنى: وأوحينا إليه (٣) وهم لا يشعرون، أي نبأناه بالوحي وهم لا يشعرون أنه نبي قد أوحي إليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1726>١٦ </span>- قوله تعالى ﴿وَجَاءُوا أَبَاهُمْ﴾ قال ابن عباس (٤): ثم إنهم ذبحوا سَخْلة وجلوا دمها على قميص يوسف، وكانوا (٥) قد ألقوه في الجب عريانًا ﴿وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً﴾ ليكونوا أجرًا في الظلمة على الاعتذار وترويج\n_________\n(١) في (ب): (الله).\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٩٥.\n(٣) في (ج): (إليهم).\n(٤) الثعلبي ٧/ ٦٦ ب، الطبري ١٢/ ١٦٣.\n(٥) في (أ)، (ب)، (ج): (كانا).","vol":"12","page":43},{"text":"ما مكروا (١)، ﴿يَبْكُونَ﴾ مكرًا لإيهام براءتهم مما عرض (٢) ليوسف من البلية بأكل الذئب على زعمهم. روى مجالد (٣) عن الشعبي قال: خاصمت امرأة إلى شريح وجعلت تبكي فقيل له: يا أبا أمية، أما تراها تبكي، فقال شريح: قد جاء إخوة يوسف أباهم عشاءً يبكون (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1727>١٧ </span>- قوله تعالى: ﴿يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ﴾ قال أكثر المفسرين (٥): نتنصل في الرمي، وهذا اختيار الزجاج (٦) وابن قتيبة (٧)، قال نتنصل: يسابق بعضنا بعضًا في الرمي، وعلى هذا هو من السباق في النصال، وفيه قول النبي - ﷺ -: \"لا سبق إلا في خف أو نصل أو حافر\" (٨) يعني بالنصل: الرمي، وأصل السبق في الرمي للسهم، وهو أن يرمي اثنان أيهما يكون أسبق بينهما وأبعد غلوة، ثم يوصف المتراميان بذلك، فيقول: استبقا\n_________\n(١) \"البحر المحيط\" ٥/ ٢٨٨.\n(٢) في (ج): (عرضوا).\n(٣) هو مجالد بن سعيد بن عمير الكوفي الهمداني، لين الحديث، تغير حفظه في آخره، توفي سنة ١٤٤ هـ. انظر: \"الجرح والتعديل\" ٨/ ٣٦١، و\"التهذيب\" ٤/ ٢٤ - ٢٥.\n(٤) أخرجه ابن المنذر كما في \"الدر المنثور\" ٤/ ١٥.\n(٥) الطبري ١٢/ ١٦٢، والثعلبي ٧/ ٦٦ ب، و\"زاد المسير\" ٤/ ١٩١، والبغوي ٤/ ٢٢٢.\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٩٥.\n(٧) \"مشكل القرآن وغريبه\" لابن قتيبة ص ٢١٧.\n(٨) أخرجه أحمد ٢/ ٤٧٤، برقم (١٠١٣٨)، ط. الرسالة، من حديث أبي هريرة، والترمذي (١٧٠٠) في الجهاد، باب: ما جاء في الرهبان والسبق، وأبو داود \"عون المعبود\" (٢٥٥٧) في الجهاد، باب: في السبق، وابن ماجه (٢٨٧٨) في الجهاد، باب: السبق والرهان وصححه الألباني. انظر: \"صحيح سنن ابن ماجه\" للألباني (١٣٢٦)، كتاب: الجهاد، باب: السبق والرهان وخرجه الألباني في \"إرواء الغليل\" (١٥٠٦).","vol":"12","page":44},{"text":"وتسابقا، إذا فعلا ذلك لتبيين أيهما أسبق سهمًا، ويدل على صحة هذا التفسير ما روي أن في قراءة عبد الله ﴿إنا ذهبنا ننتصل﴾ (١).\nوقال السدي (٢) ومقاتل (٣): نستبق: نشتد ونعَدو لنتبين أينا أسرع عَدْوًا، فإن قيل كيف جاز لهم أن يستبقوا وهم رجال بالغون، وهذا من فعل الصبيان؟\nفالجواب ما ذكره صاحب النظم، وهو أن الاستباق فيهم كان مثل السباق في الخيل والنصال عندنا، وكانوا يُحْزنُون بذلك أنفسهم ويدربونها على العَدْو؛ لأنه كالآلة لهم في محاربة العدو، ومدافعة الذئب إذا رام ماشيتهم (٤).\nوقوله تعالى: ﴿وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا﴾ قال ابن عباس (٥): يريد ثيابهم ﴿فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾، قال عامة المفسرين (٦) وأصحاب المعاني (٧): مصدق لنا، وذكرنا تحقيق هذا في أول سورة البقرة (٨).\n_________\n(١) الثعلبي ٧/ ٦٦ ب، القرطبي ٩/ ١٤٥.\n(٢) \"زاد المسير\" ٤/ ١٩٢، الرازي ١٨/ ١٠١.\n(٣) ذكره الثعلبي بقوله ابن حيان ٧/ ٦٧ أ.\n(٤) الرازي ١٨/ ١٠١، القرطبي ٩/ ١٤٥.\n(٥) البغوي ٤/ ٢٢٢، و\"زاد المسير\" ٤/ ١٩٢.\n(٦) الطبري ١٢/ ١٦٢، الثعلبي ٧/ ٦٧ أ، البغوي ٤/ ٢٢٢، \"زاد المسير\" ٤/ ١٩٢،\nالقرطبي ٩/ ١٤٨.\n(٧) \"معاني القرآن وإعربه\" ٣/ ٩٦، و\"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ١/ ٣٠٣، و\"مشكل القرآن وغريبه\" لابن قتيبة ١/ ٢١٧.\n(٨) ذكر عند قوله تعالى ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة: ٣] أقوال العلماء في أن الإيمان بمعنى التصديق: ونقل عن الأزهري حكايته اتفاق العلماء على هذا المعنى، وشرح دلالة اللفظ عليه مع الاستشهاد بأقوال أهل اللغة، ثم قال: والقول في معنى الإيمان ما قاله الأزهري.\nقلت: إن كان المقصود أن ذلك في اللغة، فالأمر فيه واسع وهو محل خلاف، وإن كان المقصود المعنى الشرعي فهو مردود، والإيمان عند علماء السلف: تصديق القلب ونطق اللسان وعمل الجوارح. انظر: \"شرح العقيدة الطحاوية\" ص٣٨١، ٣٨٢.","vol":"12","page":45},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾، قال أبو إسحاق (١): ليسوا يريدون أن يعقوب لا يصدق من يعلم أنه صادق، هذا محال لا يوصف الأنبياء بذلك، لكن المعنى: لو كنا عندك من أهل الثقة والصدق لاتهمتنا في يوسف؛ لمحبتك إياه وظننت أنا قد كذبناك.\nونحو هذا قال أبو العباس (٢) في معنى هذه الآية: قال: معناه: ولو كنا صادقين في كل الأشياء، لاتهمتنا في هذه القصة ولم يقرب قولنا من قلبك، لغلبة استغشاشك لنا وتهمتك إيانا في أمر يوسف.\nوقال أبو بكر: أرادوا نحن صادقون عند أنفسنا، وأنت غير مصدق لنا، إن لم تقم أمارات صدقنا عندك، فلو كنا صادقين عند الله أولًا ثم عند أنفسنا ما صدقتنا، إذ لم يقم عندك براهين صدقنا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1728>١٨ </span>- قوله تعالى: ﴿وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾ قال ابن عباس (٣)\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٩٦.\n(٢) لعله أبو العباس الأصم محمد بن يعقوب السناني النيسابوري الوراق، أحد أئمة الشافعية، إمام ثقة حافظ، توفي سنة ٣٤٦ هـ. انظر: \"طبقات فقهاء الشافعية\" ١/ ٧٦، و\"طبقات الشافعية\" للآسنوي ١/ ٤٢.\n(٣) الطبري ١٢/ ١٦٣، ابن أبي حاتم ٧/ ٢١١١ ب وانظر. \"الدر\" ٤/ ١٦، وعبد الرزاق ٢/ ٣١٨.","vol":"12","page":46},{"text":"ومجاهد (١) وعامة المفسرين (٢): كان ذلك دم سَخْلة، وقيل جدي (٣)، وقيل: حمل، كل هذا من لفظهم.\nقال الفراء (٤) وأبو العباس (٥) والزجاج (٦) وابن الأنباري (٧) وأصحاب العربية (٨) ﴿بِدَمٍ كَذِبٍ﴾ أي مكذوب فيه، إلا أنه وصف بالمصدر على تقدير: ذي كذب، ولكنه أجري على الوصف بالمصدر للمبالغة، وهذا معنى قول الأخفش (٩): جعل الدّمَ كذبًا لأنه كذب فيه، كما قال ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾ [البقرة: ١٦] قالوا: والمفعول والفاعل يسميان بالمصدر كما يقال: ماء سكب، أي: مسكوب، ودرهم ضرب الأمير، وثوب نسج اليمن، والفاعل كقوله ﴿إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا﴾ [الملك: ٣٠] ورجل عدل وصوم (١٠)، ونساء نَوْح ومنه (١١):\n... وجاوبي نَوْحًا قِيَاما\n_________\n(١) الطبري ١٢/ ١٦٣، القرطبي ٩/ ١٤٩، ابن أبي حاتم ٧/ ٢١١١ ب.\n(٢) الطبري ١٢/ ١٦٣، والبغوي ٤/ ٢٢٢، و\"زاد المسير\" ٤/ ١٩٣، والرازي ١٨/ ١٠٢.\n(٣) قاله السدي كما في الطبري ١٢/ ١٦٣، والشعبي كما في الطبري ١٢/ ١٦٤.\n(٤) \"معاني القرآن\" ٢/ ٣٨.\n(٥) \"تهذيب اللغة\" للأزهري ٤/ ٣١١٥.\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٩٦.\n(٧) الرازي ١٨/ ١٠٢.\n(٨) \"معاني القرآن\" ٢/ ٥٩٠، و\"مشكل القرآن وغريبه\" لابن قتيبة ١/ ٢١٧، و\"تهذيب اللغة\" للأزهري ١٠/ ١٦٧.\n(٩) \"معاني القرآن\" للأخفش ٢/ ٥٩٠.\n(١٠) (صوم): ساقطة من (ج).\n(١١) بعض بيت من الوافر وتمامه:\nهَريْقي منْ دموعها سجالا ... صنباعَ وجاوبي نَوْحًا قيامًا ولم ينسبه الواحدي هنا، وهو بلا نسبة أيضًا في \"مجاز القرآن\" ١/ ٤٠٤، الطبري ١٥/ ٢٤٩ (العلمية)، القرطبي ١٠/ ٤٠٩.","vol":"12","page":47},{"text":"ولما سميتا بالمصدر، سُمِّي المصدرُ بهما، فقالوا للعقل: المعقول، وللجلد: المجلود، ومنه قوله تعالي: ﴿بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ﴾ [القلم: ٦] وقالوا للكذب الكاذبه، وللخيانة الخائنة، ومثله العاقبة والعافية.\nقال الحسن (١) وسعيد بن جبير (٢): لما جاءوا يعقوب بالقميص ملطخًا بالدم، قال: كذبتم، ما عهدي (٣) بالذئب حليمًا، لو كان أكله لخرق قميصه.\nوقال الكلبي عن ابن عباس (٤): قال لهم: لقد كان هذا الذئب رفيقًا حين أكل ابني ولم يخرق قميصه، قالوا: فقتله اللصوص، قال: كيف قتلوه وتركوا قميصه، وهم إلى قميصه أحوج منهم إلى قتله.\nوقوله تعالى: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا﴾ قال ابن عباس (٥) وعامة المفسرين (٦): زينت لكم أنفسكم أمرًا.\nقال أهل المعاني: التسويل تقدير معنى في النفس على الطمع في\n_________\n(١) الطبري ١٢/ ١٦٤، وابن المنذر وأبو الشيخ كما في \"الدر المنثور\" ٤/ ١٦، وانظر: \"تفسير الحسن\" ٢/ ٢٩.\n(٢) أخرجه الطبري من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس ١٢/ ١٦٤ وكذا ابن أبي حاتم ٧/ ٢١١ ب.\n(٣) في (أ)، (ج): (ما عهد بي).\n(٤) ذكره الفراء في \"معاني القرآن\" ٢/ ٣٨، و\"زاد المسير\" ٤/ ١٩٣، والقرطبي ٩/ ١٤٩.\n(٥) \"تنوير المقباس\" ص ١٤٧.\n(٦) الثعلبي ٧/ ٦٧ ب، والطبري ١٢/ ١٦٥، والبغوي ٤/ ٢٢٣، و\"زاد المسير\" ٤/ ١٩٣، القرطبي ٩/ ١٥١، و\"مشكل القرآن وغريبه\" ٢١٧، و\"مجاز القرآن\" ١/ ٣٠٣.","vol":"12","page":48},{"text":"تمامه، وقوله ﴿بَل﴾ رد لقولهم: أكله الذئب، كأنه قال: ليس كما تقولون، بل سولت لكم أنفسكم أمرًا غير ما تصفون.\nوقال الأزهري (١): وكأن التسويل تفعيل من سوْل الإنسان، وهي أمنيته التي يطلبها، فيزين لطالبها الباطل وغيره من أمر الدنيا، وأهله مهموز غير أن العرب استثقلوا فيه الهمز لما كثر في كلامهم.\nوقوله تعالى: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ قال مجاهد (٢)، والمفسرون (٣): أي صبر ليس فيه جزع ولا شكوى، وروي مرفوعًا أن النبي - ﷺ -، سئل عن الصبر الجميل فقال: \"هو صبرٌ لا شكوى فيه\" (٤).\nوقال أهل المعاني: الصبر الجميل هو أن يصبر حتى لا يظهر فيه تغير بعبوس وجه وانقباض عما كان يتبسط (٥) فيه قبل المصيبة.\nواختلفوا في وجه ارتفاع الصبر، فقال الخليل (٦): معناه: فالذي أعتقده صبر جميل.\nوقال قطرب (٧): معناه: فصبري صبر جميل.\n_________\n(١) \"تهذيب اللغة\" ١٣/ ٦٧، وهذا السياق نص نسخة (ج)، وفي الأصل [فيزين لطالبها الباطل والغرور].\n(٢) الطبري ١٢/ ١٦٥، وعبد الرزاق ٢/ ٣١٨، وابن أبي حاتم ٧/ ٢١١٢ أ، والفريابي وابن المنذر وأبو الشيخ كما في \"الدر المنثور\" ٤/ ١٩.\n(٣) الطبري ١٢/ ١٦٥، الثعلبي ٧/ ٦٧ ب، البغوي ٤/ ٢٢٣، و\"زاد المسير\" ٤/ ١٩٣.\n(٤) أخرجه الطبري ١٢/ ١٦٥، وابن أبي حاتم ٧/ ٢١١٢ أ. قال المناوي: هو من حديث حبان بن حيلة وهو مرسل، و\"الفتح السماوي\" ٢/ ٧٢٧.\n(٥) في (ب): (تبسط).\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه\" للزجاج ٣/ ٩٦، و\"زاد المسير\" ٤/ ١٩٣.\n(٧) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٩٦، و\"زاد المسير\" ٤/ ١٩٣، والقرطبي ٩/ ١٥١.","vol":"12","page":49},{"text":"وقال الفراء (١): فهو صبر جميل، وقال أبو عبيد (٢): تقديره: فليكن مني صبر جميل.\nوقال الزجاج (٣): فشأني صبر جميل، قال ابن الأنباري: والمعاني متقاربة. وقال بعضهم: فصبر جميل أولى بي، وعلى هذا هو ابتداء وخبره محذوف.\nوقال أبو إسحاق (٤): ويجوز في غير القرآن: فصبرًا جميلًا، وأنشد (٥):\nيَشْكُو إليَّ جَمَلِي طُولَ السّرَى ... يا جَمَلِي ليسَ إليَّ المُشْتَكَى\nقال: وروي: صبرًا، على فاصبرْ صبرًا، قال أبو عبيدة (٦) وغيره: الأحسن إذا وصف الصبر الرفع، وإذا أفرد النصب.\nوأنشدوا (٧):\nألا انمامي فصَبْرًا بَليَّة ... وقد يُبْتَلَى المَرْءُ الكَرِيمُ فيَصبِرُ\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" ٢/ ٥٣، و\"زاد المسير\" ٤/ ١٩٣.\n(٢) انظر: \"البحر المحيط\" ٥/ ٢٨٩، و\"الدر المصون\" ٦/ ٤٥٧.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٩٦.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٩٦.\n(٥) الأبيات لملبد بن حرملة، في ابن السيرافي ص ٢٢٨ وبلا نسبه في \"معاني الفراء\" ٢/ ٥٤، و\"معاني الزجاج\" ٣/ ٩٧، و\"تأويل مشكل القرآن\" ص ١٠٧، و\"مجاز القرآن\" ١/ ٣٠٣، ٣٠٤، و\"اللسان\" (شكا) ٤/ ٢١١٤، و\"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٩٠٩، والقرطبي ٩/ ١٥٣، و\"كتاب سيبويه\" ١/ ٣٢١، و\"شواهد الكشاف\" (شكا إلي جملي).\n(٦) \"مجاز القرآن\" ١/ ٣٠٣.\n(٧) كذا في النسخ ولعل البيت: (ألا يا نمامي فصبرًا ..) وبه يستقيم الوزن، وهو من الطويل، ولم أقف عليه.","vol":"12","page":50},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ قال أهل المعاني: هذا بيان عما يوجبه التقى من الصبر الجميل عند المصيبة، والاستعانة بالله ﷿ عندما يعرض من الأمور الهائلة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1729>١٩ </span>- قوله تعالى: ﴿وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ﴾ قال المفسرون (١): يعني رفقة تسير للسفر، ﴿فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ﴾ وهو الذي يرد الماء ليستقي للقوم.\nوقوله تعالى: ﴿فَأَدْلَى دَلْوَهُ﴾ قال عامة أهل اللغة (٢): يقال: أدلى دلوه، إذا أرسلها في البئر، ودَلّاها: إذا نزعها من البئر، يقال: أدلى يدلي إدلاءً إذا أرسل، ودلى يدلو دلوًا، إذا جذب وأخرج.\nقال الشاعر (٣):\nيَنْزِعُ من جَمّاتِها دَلْو الدَّالىِ\nأي ينزع النازع، والدلو معروف، والجميع الدلاء، والعدد إدل ودُلي، ويقال للدلو دلاة.\nوقوله تعالى: ﴿قَالَ يَا بُشْرَى هَذَا غُلَامٌ﴾ قال ابن عباس (٤) وقتادة (٥) والسدي (٦): لما أدلى المدلي تشبث يوسف بالرشا فأخرجه الوارد، فقال: يا بشراي. قال الحسن (٧): يا بشراي مثل: يا فرحتنا، وهو في موضع نصب؛ لأنه نداء مضاف.\n_________\n(١) الثعلبي ٧/ ٦٧ ب.\n(٢) \"تهذيب اللغة\" للأزهري ٢/ ١٢١٣ مع تقديم وتأخير، (دلا).\n(٣) سبق تخريجه.\n(٤) \"زاد المسير\" ٤/ ١٩٤.\n(٥) عبد الرزاق ٢/ ٣٠٢، والطبري ١٢/ ١٦٧، وابن أبي حاتم ٧/ ٢١١٣ ب، وابن المنذر كما في \"الرد\" ٤/ ١٧، القرطبي ٩/ ١٥٣.\n(٦) الطبري ١٢/ ١٦٧، والقرطبي ٩/ ١٥٣.\n(٧) \"تفسير كتاب الله العزيز\" ٢/ ٢٦٠.","vol":"12","page":51},{"text":"قال ابن الأنباري: وقع النداء في اللفظ بالبشرى، وهو في المعنى واقع لغيرها، تأويله: يا هؤلاء تنبهوا لبشراي. وهذا معنى قول أبي إسحاق (١)، ومعنى النداء في هذه الأشياء التي لا تجيب تنبيه المخاطبين، وتوكيد القصة إذا قلت: يا عجباه، فكأنك قلت: اعجبوا، وذكر وجهًا آخر، وهو أن يكون المعنى: يا أيتها البشرى هذا من إيانك وأوانك، وزاد أبو علي (٢) لهذا الوجه بيانًا، فقال: المعنى فيه أن هذا من أوانك ولو كنت ممن يخاطب لخوطبت الآن، وهذا في كل منادى لا يجيب ولا يعقل.\nوقرأ أهل (٣) الكوفة ﴿يَا بُشْرَى﴾ من غير إضافة، وهذه القراءة كالأولى في أنه نداءٌ لمن لا يجيب، إلا أن هذا نداءٌ غير مضاف فيكون رفعًا، قال السدي (٤): نادى المدلي صاحبه وكان اسمه بشرى، فقال: يا بشراي، كما تقول: يا زيد.\nوروي عن الأعمش (٥) أنه قال: دعا امرأة اسمها بشرى.\nقال أبو علي (٦): من جعل البشرى اسمًا للبشارة وهو الوجه، جاز أن يكون في محل الرفع مثل: يا رجل، لاختصاصه بالنداء، وجاز أن يكون في موضع نصب على أن يجعله نداءً شائعًا في جنس البشرى ولم يخص كما\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٩٧.\n(٢) \"الحجة\" ٤/ ٤١٢.\n(٣) \"السبعة\" ص ٣٤٦، و\"النشر\" ٣/ ١٢٤، و\"إبراز المعاني\" ص ٥٣٣، و\"إتحاف\" ص ٢٦٣.\n(٤) الطبري ١٢/ ١٦٧ - ١٦٨، وابن أبي حاتم ٧/ ٢١١٣أ، وابن المنذر وأبو الشيخ كما في \"الدر\" ٤/ ١٧، و\"زاد المسير\" ٤/ ١٩٤، والقرطبي ٩/ ١٥٣.\n(٥) الرازي ١٨/ ١٠٦، و\"زاد المسير\" ٤/ ١٩٤.\n(٦) \"الحجة\" ٤/ ٤١١.","vol":"12","page":52},{"text":"فعلت في الوجه الأول، كما يقول: يا رجلًا، و﴿يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ﴾ [يس: ٣٠]، فالوجه الأول على أنه بشرى مختصة، والآخر أن ينزله من جملة كلها مثلها في الشياع، إلا أن التنوين لم يلحق بشرى لأنه لا ينصرف.\nوقوله تعالى: ﴿وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً﴾، قال مجاهد (١) والسدي (٢) وأكثر المفسرين (٣): أسره الوارد وجاءوا من كان معه من التُّجار من الذين معهم في الرفقة، وقالوا لهم: هو بضاعة استبضعناها بعض أهل الماء إلى مصر، خيفة أن يطلبوا منهم فيه الشركة؛ لرخص ثمنه.\nقال إسحاق بن بشر (٤): قالوا فيما بينهم: إن قلنا لهم التقطناه شاركونا، وإن قلنا اشتريناه، سألونا الشركة، فنقول: إن أهل الماء أبضعوه معنا على أن نبيعه لهم بمصر، قال ابن عباس (٥) في رواية عطية: (أسروه) يعني: إخوة يوسف أسروا شأنه أن يكون أخاهم، وقالوا: هو عبد لنا أبق منا، وتابعهم يوسف على ذلك؛ لأنهم توعدوه بالقتل بلسان العبرانية.\n_________\n(١) الطبري ١٢/ ١٦٨، وابن أبي حاتم ٧/ ٢١١٤أوابن المنذر وأبو الشيخ كما في \"الدر\" ٤/ ١٨، و\"زاد المسير\" ٤/ ١٩٥، والثعلبى ٧/ ٦٨ أ، والبغوي ٤/ ٢٢٤.\n(٢) الطبري ١٢/ ١٦٩، وابن أبي حاتم ٧/ ٢١١٤ أ.\n(٣) الطبري ١٢/ ١٦٨، الثعلبي ٧/ ٦٨ أ، البغوي ٤/ ٢٢٤، و\"زاد المسير\" ٤/ ١٩٥، الرازي ١٨/ ١٠٦.\n(٤) هو: إسحاق بن بشر أبو حذيفة البخاري، له كتاب المبتدأ، تركوه وكذبه ابن المديني، وقال الدارقطني: كذاب متروك. توفي سنة ٢٠٦ هـ. انظر: \"ميزان الاعتدال\" ١/ ١٨٤، و\"الأعلام\" ١/ ٢٩٤، و\"معجم المؤلفين\" ١/ ٣٤٠. وانظر: الرازي ١٨/ ١٠٧.\n(٥) الطبري ١٢/ ١٦٨، الثعلبي ٧/ ٦٨ أ، \"زاد المسير\" ٤/ ١٩٥، ابن عطية ٧/ ٤٦٣.","vol":"12","page":53},{"text":"وقوله تعالى: ﴿بِضَاعَةً﴾ البضاعة: القطعة من المال تجعل للتجارة، من: بضعت الشيء، إذا قطعته، قال الزجاج (١): وبضاعة منصوب على الحال، كأنه قال: وأسروه جاعليه بضاعة، [وعلى القول الأول في أسروه، الجاعلون هم الوارده، جعلوه بضاعة على ما بينا وعلى القول الثاني الجاعلون إخوته، جعلوه بضاعة] (٢) حيث باعوه كما تباع الضائع.\nقال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ قال ابن عباس (٣): يريد بيوسف (٤).\nقال أهل المعاني: هذه الآية بيان عما يوجبه حسن تدبير الله تعالى من التسبيب لنجاة من يشاء نجاته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1730>٢٠ </span>- قوله تعالى: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾ قال ابن عباس (٥) في رواية الكلبي: لما طرح يوسف في الجب وانصرفوا رجعوا بعد ثلاث، يتعرفون خبره، فلما لم يروه في الجب رأوا أثار السيارة اتبعوهم، فحين أبصروا يوسف قالوا: هذا عبدنا أبق منا، فقالوا: لهم فبيعوناه، فباعوه منهم باثنين وعشرين درهمًا، وهم أحد عشر، ونحو هذا قال مجاهد (٦): باع يوسف إخوته باثنين وعشرين درهمًا.\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٩٨.\n(٢) ما بين المعقوفين ساقط من (ج).\n(٣) \"تنوير المقباس\" ص ١٤٧.\n(٤) في (ج): (يوسف). من غير باء.\n(٥) الرازي ١٨/ ١٠٧، ابن عطية ٧/ ٤٦٤ - ٤٦٦.\n(٦) الطبري ١٢/ ١٧٣، وابن أبي حاتم ٧/ ٢١١٦ أوابن المنذر وأبو الشيخ كما في \"الدر\" ٤/ ١٨، و\"زاد المسير\" ٤/ ١٩٧، والقرطبي ٩/ ١٥٦، والبغوي ٤/ ٢٢٤، والثعلبي ٧/ ٦٨ ب.","vol":"12","page":54},{"text":"قال الزجاج (١): أخذ كل واحد من إخوته درهمين.\nوقال ابن عباس (٢) في رواية عطاء: باعوه بعشرين درهمًا، فأخذ كل واحد منهم، إلا يهودا فإنه لم يأخذ شيئًا، وهذا قول ابن مسعود (٣) والسدي (٤)، فذلك قوله ﴿وَشَرَوْهُ﴾ أي باعوه، يقال: شريت الشيء، إذا بعته وإذا اشتريته، قال الشماخ في البيع (٥):\nفلما شَرَاهَا فَاضَتِ العَيْنُ عَبْرةً ... وفي الصَّدْرِ حَزَّازٌ من اللومِ حَامِزُ\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٩٨.\n(٢) الطبري ١٢/ ١٧٣، لكنها من رواية ابن جريح، وابن أبي حاتم: ٧/ ٢١١٦ أ، وابن المنذر وأبو الشيخ كما في \"الدر\" ٤/ ١٩، و\"زاد المسير\" ٤/ ١٩٦، والقرطبي ٩/ ١٥٥، والبغوي ٢/ ٢٢٤، والثعلبي ٧/ ٦٨ ب.\n(٣) الطبري ١٢/ ١٧٢، الثعلبي ٧/ ٦٨ ب، وابن أبي شيبة والطبراني: وقال في \"المجمع\" ٧/ ٣٩: ورجاله رجال الصحيح إلا أن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه والحاكم: وصححه وابن المنذر كما في \"الدر\" ٤/ ١٩، والبغوي ٤/ ٢٢٤، و\"زاد المسير\" ٤/ ١٩٦، والقرطبي ٩/ ١٥٥.\n(٤) الطبري ١٢/ ١٧٢، \"زاد المسير\" ٤/ ١٩٦، القرطبي ٩/ ١٥٥، الثعلبي ٧/ ٦٨ ب.\n(٥) وهو الشماخ بن ضرار الغطفاني، شاعر فحل مخضرم، شهد القادسية وتوفي في خلافة عثمان انظر: \"الشعر والشعراء\" ص ١٩٥، و\"الإصابة \" ٢/ ١٥٤، و\"الأعلام\" ٣/ ١٧٥، \"ديوانه\" ١٩٠، و\"الزاهر\" ١/ ٣٧١، ٢/ ٢٥٦، والبيت قاله في رجل باع قوسه من رجل، ومعنى (حامز): عامر وقيل: ممض محرق، ويروى (من الوجد) \"اللسان\" (حزز) ١/ ٦١٢، القرطبي ٩/ ١٥٥. كتاب: \"العين\" ٣/ ١٧، ١٦٧، و\"تهذيب اللغة\" ١/ ٩١٨ (حمز)، و\"جمهرة اللغة\" (٥٢٩)، و\"مقاييس اللغة\" ٢/ ٨، و\"مجمل اللغة\" ١/ ٢١٢، و\"أساس البلاغة\" (حزز) ١/ ١٧١.","vol":"12","page":55},{"text":"يريد: باعها، وقال قتادة (١) في رواية معمر: السيارة هم الذين باعوه.\nوقوله تعالى: ﴿بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾ يريد حرام، وهذا قول الضحاك (٢) ومقاتل (٣) والسدي (٤)، وعلى هذا سمى الحرام بخسًا؛ لأنه لا بركة فيه، فهو منقوص البركة.\nوقال قتادة (٥): بخس ظلم، والظلم: النقصان، يقال: ظلمه حقه، أي: نقص. وقال عكرمة (٦) والشعبي (٧): قليل.\nوقال مقاتل بن حيان (٨): زيوف من دراهم اليمن، وعلى الأقوال كلها، البخس مصدر وضع موضع الاسم، والمعنى: بثمن مبخوس، أي: منقوص البركة؛ لأنه حرام، أو منقوص لقلته عن ثمن مثله، أو منقوص القيمة لأنه زيف.\n_________\n(١) عبد الرزاق ٢/ ٣٢٠، و\"زاد المسير\" ٤/ ١٩٦، والطبري ١٢/ ١٧١، و\"الدر\" ٤/ ١٨.\n(٢) الطبري ١٢/ ١٧١، وأبو الشيخ كما في \"الدر\" ٤/ ١٨، الثعلبي ٧/ ٦٨ ب، \"زاد المسير\" ٤/ ١٩٦، القرطبي ٩/ ١٥٥.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ١٥٢ أ، الثعلبي ٧/ ٦٨ ب، البغوي ٤/ ٢٢٤.\n(٤) الثعلبي ٧/ ٦٨ ب، البغوي ٤/ ٢٢٤، القرطبي ٩/ ١٥٥.\n(٥) الطبري ١٢/ ١٧٢، وعبد الرزاق ٢/ ٣٢٠، وأبو الشيخ كما في \"الدر\" ٤/ ١٨، والقرطبي ٩/ ١٥٥، وابن أبي حاتم ٧/ ٢١١٦ ب.\n(٦) الطبري ١٢/ ١٧٢، وابن أبي حاتم ٧/ ٢١١٦ ب، وأبو الشيخ كما في \"الدر\" ٤/ ١٨، والبغوي ٢/ ٢٢٤، و\"زاد المسير\" ٤/ ١٩٦.\n(٧) الطبري وابن المنذر كما في \"الدر\" ٤/ ١٨، البغوي ٤/ ٢٢٤، \"زاد المسير\" ٤/ ١٩٦.\n(٨) الثعلبي ٧/ ٦٨ ب، وعزاه البغوي لابن عباس وابن مسعود ٤/ ٢٢٤.","vol":"12","page":56},{"text":"وقوله تعالى: ﴿دَرَاهِمَ﴾ بدل من الثمن وتفسير له وواحده درهم، ويقال (١): رجل مدرهم، أي: كثير الدراهم.\nوقوله تعالى: ﴿مَعْدُودَةٍ﴾ قال ابن إسحاق (٢): كانوا يعدون الدراهم، حتى يبلغ أوقية، فقال الله ﷿ ﴿دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾، ليعلم أنها أقل من أوقية، وذلك أنهم كانوا في ذلك الزمان لا يزنون ما كان وزنه أقل من أربعين درهمًا، إنما كانوا يعدونه عدًّا، وقال أصحاب المعاني (٣): يعني معدودة قليلة، وذكر العدد عبارة عن القلة، وذلك أن الكثير قد يمتنع من عدده لكثرته، والقليل يعد لقلته، وذكرنا الاختلاف في عدد الدراهم.\nوقوله تعالى: ﴿وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ﴾ قال الليث (٤): الزهد: الزهادة في الدنيا، ولا يقال الزهد إلا في الدين خاصة، والزهادة في الأشياء كلها، ومعنى الزهد قلة الرغبة، يقال: زهد فلان في هذا، إذا لم يرغب فيه، وأصله من القلة، ومنه يقال: رجل زهيد، إذا كان قليل الطُّعْم، رجل مزهد قليل المال، ومصدر قوله ﴿مِنَ الزَّاهِدِينَ﴾ الزهادة لا الزهد، قال ابن عباس (٥): يريد إخوة يوسف، كانوا في يوسف من الزاهدين.\nقال الضحاك (٦): لم يعرفوا نبوته، وموضعه من الله، وكرامته عليه،\n_________\n(١) \"تهذيب اللغة\" (درهم) ٢/ ١١٨١.\n(٢) الطبري ١٢/ ١٧٣، الثعلبي ٧/ ٦٨ ب، و\"زاد المسير\" ٤/ ١٩٦ عن ابن عباس، القرطبي ٩/ ١٥٦.\n(٣) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٤٠، و\"مشكل القرآن وغريبه\" لابن قتيبه ص ٢١٧.\n(٤) \"تهذيب اللغة\" (زهد) ٢/ ١٥٦٨.\n(٥) \"زاد المسير\" ٤/ ١٩٧، القرطبي ٩/ ١٥٧، البغوي ٤/ ٢٢٥.\n(٦) الطبري ١٢/ ١٧٤، وابن أبي حاتم ٧/ ٢١١٨ أ، وابن المنذر وأبو الشيخ كما في \"الدر\" ٤/ ١٩، و\"زاد المسير\" ٤/ ١٩٧.","vol":"12","page":57},{"text":"ويجوز أن تعود الكناية في قوله: ﴿فِيهِ﴾ إلى الثمن (١) والمعنى: أن إخوة يوسف كانوا من الزاهدين في الثمن إما لذاته، وإما لأن قصدهم تبعيد يوسف لا الثمن.\nقال الزجاج (٢): وقوله تعالى: ﴿وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ﴾ (فيه) ليست من صلة الزاهدين؛ لأنها لو كانت من صلته ما جاز أن تقدم عليه، لا يجوز أن تقول: كانوا زيدًا من الضاربين؛ لأن زيدًا (٣) من صلة الضاربين فلا يتقدم الموصول، وهذا في الظروف جائز؛ لأنها أقوى في حذف العامل من غيرها، والتقدير: كانوا زاهدين فيه من الزاهدين، ثم حذف زاهدين الأول؛ لأن العامل في الظروف كثيرًا ما يحذف، هذا معنى قوله وبعض لفظه. وأكثر المفسرين (٤) على ما ذكرنا في الآية أن إخوته باعوه.\nوقال قتادة (٥): باع يوسف الذين استخرجوه من البئر بعشرين درهمًا.\nوقال محمد بن إسحاق (٦): يقال: إن يوسف باعه إخوته، فربك أعلم إخوته باعوه أو السيارة (٧)، وقيل: شروه هاهنا بمعنى اشتروه، أي: السيارة اشتروه من إخوته، وكانوا فيه من الزاهدين؛ لأنهم قالوا لهم: إنه عبد آبق.\n_________\n(١) \"زاد المسير\" ٤/ ١٩٧.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٩٨.\n(٣) في (أ)، (ب): (زبدٌ).\n(٤) الطبري ١٢/ ١٧٤، و\"الدر المنثور\" ٤/ ١٨، والبغوي ٤/ ٢٢٥، و\"زاد المسير\" ٤/ ١٩٦.\n(٥) عبد الرزاق ٢/ ٣٢٠، والطبري ١٢/ ١٧٣، و\"زاد المسير\" ٤/ ١٩٦.\n(٦) الرازي ١٨/ ١٠٧.\n(٧) في (ب): (والسيارة).","vol":"12","page":58},{"text":"قال مجاهد (١): كانوا يقولون شددوه لا يأبق، وعلى هذا الزهادة فيه من صفة السيارة، ويجوز أن يعود الكناية في قوله (فيه) إلى الثمن، والمعنى أن السيارة كانوا من الزاهدين في ذلك الثمن، لقلته ورداءته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1731>٢١ </span>- قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ﴾ قال جويبر عن الضحاك (٢): الذي اشتراه من مصر هو العزيز ملك مصر.\nوقال محمد بن إسحاق (٣) باعه مالك بن ذعر وهو الذي استخرجه من البئر من العزيز وهو اطفير بن روحيب، وكان على خزائن الملك وأمره، وكان الملك في ذلك الدهر الريان بن الوليد رجلًا من العمالقة.\nوقال الكلبي عن ابن عباس (٤): العزيز لم يكن الملك، إنما كان وزير الملك وصاحب أمره.\nوقال مقاتل بن سليمان (٥): باع مالك بن ذعر من قطفير بن ميشا بعشرين دينارًا، وزاده حلة ونعلين، ومعنى الاشتراء والشراء هاهنا الاستبدال لا المنعقد بيعًا وشراءً كقوله ﴿اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى﴾ (٦) وقد مر، وقوله ﴿لِامْرَأَتِهِ﴾ اللام من صلة القول، أي: قال لامرأته.\n_________\n(١) الطبري ١٢/ ١٨٦، وابن أبي حاتم ٧/ ٢١١٧ ب، وابن أبي شيبة: وابن المنذر وأبو الشيخ كما في \"الدر\" ٤/ ١٨.\n(٢) الطبري ١٢/ ١٧٥، القرطبي ٩/ ١٥٨.\n(٣) الطبري ١٢/ ١٧٥، القرطبي ٩/ ١٥٨، الثعلبي ٧/ ٦٨ ب.\n(٤) \"تنوير المقباس\" ص ١٤٨، الثعلبي ٧/ ٦٨ ب.\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ١٥٢ ب.\n(٦) البقرة: ١٦، ١٧٥ وقال هناك: حقيقة الاشتراء الاستبدال، وكل شراء استبدال، وليس كل استبدال اشتراء.","vol":"12","page":59},{"text":"قال ابن عباس (١) في رواية الكلبي: اسم امرأة العزيز زليخا، وهو قول مقاتل (٢)، وقال شعيب الجبائي (٣): اسمها زليخة، وقال محمد بن إسحاق (٤): اسمها راعيل.\nوقوله تعالى: ﴿أَكْرِمِي مَثْوَاهُ﴾ أي أكرمي منزله ومقامه عندك، من قولك: ثويت بالمكان، إذا أقمت به، ومصدره الثواء، يقال: ثوى يثوي (٥) ثوًا. قال ابن عباس (٦): يريد أكرميه ما كان عندك.\nنحو هذا قال الزجاج (٧) المعنى: أحسني إليه في طول مقامه عندنا، فالمثوى على هذا بمنزلة الظرف، كأنه قيل: أحسني إليه مدة مقامه عندنا، والمثوى على هذا مصدر، ومن المفسرين من يجعل المثوى الموضع الذي يقيم فيه، وهو قول قتادة (٨) وابن جريج (٩)، وعلى هذا أمر العزيز امرأته بإكرام مثواه، دون إكرام نفسه فقط، ومعنى الإكرام، إعطاء المراد على جهة الإعظام.\n_________\n(١) \"تنوير المقباس\" ص ١٤٨، و\"زاد المسير\" ٤/ ١٩٨، والبغوي ٤/ ٢٢٥.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ١٥٢ ب، و\"زاد المسير\" ٤/ ١٩٨.\n(٣) لم أجده في مظانه، وهذا القول هو قول مقاتل، وانظر: \"زاد المسير\" ٤/ ١٩٨، الرازي ١٨/ ١٠٩، البغوي ٤/ ٢٢٥، القرطبي ٩/ ١٥٨.\n(٤) الطبري ١٢/ ١٧٥، ابن أبي حاتم ٧/ ٢١١٧ ب، وانظر: \"الدر المنثور\" ٤/ ١٩، والثعلبي ٧/ ٦٩ أ، و\"زاد المسير\" ٤/ ١٩٨.\n(٥) في (ج): (يثوى ثواء) وهو الصحيح كما في \"تهذيب اللغة\" ١/ ٥١٠.\n(٦) انظر: البغوي ٤/ ٢٢٥، و\"زاد المسير\" ٤/ ١٩٨، والقرطبي ٩/ ١٥٩.\n(٧) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٩٨.\n(٨) الطبري ١٢/ ١٧٥، الثعلبي ٧/ ٦٩ أ.\n(٩) الطبري ١٢/ ١٧٥، الثعلبي ٧/ ٦٩ أ.","vol":"12","page":60},{"text":"وقوله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا﴾ أي يكفينا -إذا بلغ وفهم الأمور (١) - بعض شؤوننا، ﴿أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾ قال ابن عباس (٢): [وكان لا يولد له وكان حَصُورًا.\nوقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ﴾ قال ابن عباس (٣)] (٤) يريد ملكناه في أرض مصر، قال الزجاج (٥): أي: ومثل الذي وصفنا مكنا ليوسف في الأرض. وعلى هذا وجه التشبيه في ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا﴾ أنه شبه التمكين له في الأرض بالتوفيق للأسباب التي صار بها إلى ما صار بالنجاة من الهلاك، والإخراج من البئر، يعني: وكما أنجيناه من إخوته حين هموا بقتله وإهلاكه، وأخرجناه من ظلمة البئر، مكنا له في الأرض حتى بلغ ما بلغ، قال ابن عباس (٦) والمفسرون (٧): يعني أرض مصر.\nوقوله تعالى: ﴿وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾ اختلفوا في هذه الواو، فقال أكثرهم (٨): إنها مستأنفة وخبرها مضمر على تقدير: ولنعلمه من تأويل الأحاديث فعلنا ذلك، أو مكنا له في الأرض، كقوله تعالى: ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ\n_________\n(١) هذه عبارة الثعلبي ٧/ ٦٩ أ.\n(٢) القرطبي ٩/ ١٦٠، ابن عطية ٧/ ٤٦٨.\n(٣) \"تنوير المقباس\" ص ١٤٨، و\"زاد المسير\" ٤/ ١٩٨.\n(٤) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٩٩.\n(٦) \"تنوير المقباس\" ص ١٤٨.\n(٧) الطبري ١٢/ ١٧٦، البغوي ٢/ ٤١٧، الرازي ١٨/ ١٠٩، \"زاد المسير\" ٤/ ١٩٨، الثعلبي ٧/ ٦٩ ب.\n(٨) انظر: \"زاد المسير\" ٤/ ١٩٨.","vol":"12","page":61},{"text":"الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ (٦) وَحِفْظًا﴾ [الصافات: ٦، ٧] أي: وحفظًا زيناها، وعند الكوفيين يجوز أن يكون الواو مقحمة.\nوقال بعضهم: هي عاطفة على معنى الكلام المتقدم بتقدير: دبرنا ذلك لنمكنه في الأرض ولنعلمه. وذكرنا معنى (تأويل الأحاديث) عند قوله ﴿وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾ [يوسف: ٦].\nوقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ﴾ قال ابن عباس (١) في رواية عطاء: يريد على ما أراد من قضائه، وعلى هذا الكناية في (أمره) تعود إلى اسم الله تعالى وعز، ونحو هذا قال في رواية الكلبي عن أبي صالح (٢) عنه، فالمعنى: أن الله لا يغلبه على أمره غالب، ولا يبطل إرادته منازع فهو قادر على أمره من غير مانع (٣)، وتفسير مقاتل بن سليمان (٤) يدل على أن الهاء عائدة على يوسف، والمعنى: والله غالب على أمر يوسف، فلا يبسط عليه يد عدو، ولا يوصل إليه كيد كائد، لما يريد من رفعه وتمكينه وتبليغه منازل آبائه.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ قال ابن عباس (٥): يريد لا يعلمون غيبي وما أريد بخلقي، وقال غيره (٦): لا يعلمون ما الله بيوسف صانع، وما إليه يوسف صائر، والأكثر هاهنا عبارة عن جميع الناس، لا أحد يعلم ما يأتي في غد، ويجوز أن يقال: إنما قال: (أكثر الناس)؛\n_________\n(١) البغوي ٢/ ٢٢٦، و\"زاد المسير\" ١٤/ ١٩٩.\n(٢) \"تنوير المقباس\" ص ١٤٨.\n(٣) في (أ)، (ج): (صانع).\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ١٥٢ب، و\"زاد المسير\" ٤/ ١٩٩.\n(٥) القرطبي ٩/ ١٩١.\n(٦) الطبري ١٢/ ١٧٦، الثعلبي ٧/ ٧٠ أ، البغوي ٤/ ٢٢٦.","vol":"12","page":62},{"text":"لأنه يجوز أن يعلمه من أطلعه الله عليه من نبي أو ولي، والأولى أن يقال: ولكن أكثر الناس لا يعلمون أن قدر الله غالب، وأن مشيئته نافذة في المرادات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1732>٢٢ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾ قال أبو عبيدة (١): [العرب تقول: بلغ فلانٌ أشُدَّه] (٢) إذا انتهى منتهاه في شبا (٣) وقوته، قبل أن يأخذ في النقصان، ليس له واحد من لفظه، يستغنون بها في الواحد والجميع، قالوا: بلغ أشده وبلغوا أشدهم، وقال يونس (٤): واحدها شُد، مثل قولهم: فلان ودي، والجميع أودي، وأنشد للنابغة (٥):\nإني كأني لَدَى النُّعْمَان حَدّثَه ... بَعْضُ الأوُدِّ حَدِيثًا غَيْرَ مَكْذُوبِ\nوقد ذكرنا الكلام في الأشد مستقصى في سورة الأنعام عند قوله: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ (٦).\nوأما التفسير: فروى ابن جريج، عن مجاهد، عن ابن عباس (٧): ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾ قال: ثلاثًا وثلاثين سنة.\n_________\n(١) \"مجاز القرآن\" ١/ ٣٠٥.\n(٢) ما بين المعقوفين ساقط من (أ)، (ج).\n(٣) في (ب): (شأنه) قلت لعلها شبابه، وهو كذلك في \"مجاز القرآن\" ١/ ٣٠٥.\n(٤) \"تهذيب اللغة\" (شُد) ٢/ ١٨٤٣ عن الفراء.\n(٥) \"ديوانه\" ص ٣٥، و\"اللسان\" (ودد) ٨/ ٤٧٩٤، و\"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٨٥٨، و\"جمهرة اللغة\" (١١٥)، و\"تاج العروس\" (ودد) ٥/ ٣٠٦، وروى بلفظ (خبره).\n(٦) الأنعام (١٥٢) وقد نقل هناك عن جماعة من أهل اللغة في بيان معنى الأشد، خلاصة ما ذكروه أنه بمعنى القوة والجلادة، ومبلغ الرجل الحنكة والمعرفة.\n(٧) الطبري ١٢/ ١٧٧ قال: بضعًا وثلاثين. وقد أخرجه سعيد بن منصور وابن أبي حاتم ٧/ ٢١١٨ أ، وابن الأنباري في كتاب: \"الأضداد\" والطبراني في \"الأوسط\" وابن مردويه كما في \"الدر\" ٤/ ٢٠، والرازي ١٨/ ١١٠، و\"زاد المسير\" ٤/ ٢٠٠.","vol":"12","page":63},{"text":"وروى عثمان بن خثيم عن مجاهد عن ابن عباس (١) ثلاثين سنة، ومجاهد (٢) يقول في رواية ابن أبي نجيح: ثلاثًا وثلاثين سنة، وقال في رواية عطاء. يريد الحلم (٣).\nوقال الضحاك (٤): عشرين سنة، وقال مقاتل (٥): ثمان عشرة سنة، وقال الزجاج (٦): الأشد من نحو سبعة عشر (٧) سنة إلى نحو الأربعين.\nوقوله تعالى: ﴿آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ وقال في قصة موسى ﴿وَاسْتَوَى﴾ [القصص: ١٤] قالوا في معناه: بلغ الأربعين، ولم يقل هاهنا استوى؛ لأن موسى بلغ أربعين سنة حين أوحى إليه وهو منتهى الأشد، فأما يوسف فقد أوحى إليه قبل الأربعين، وأما تفسير قوله: ﴿حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ فقال عطاء عن ابن عباس (٨): يريد عقلًا وفهمًا.\nوقال الكلبي (٩): والحكم النبوة، والعلم علم الدين، وعلى هذا القول يجب أن يحمل الأشد هاهنا على دون العشرين؛ لأن العلماء على أن\n_________\n(١) هذه الرواية ذكرها الطبري بلفظ بضعًا وثلاثين سنة ١٢/ ١٧٧.\n(٢) الطبري ١٢/ ١٧٧، \"زاد المسير\" ٤/ ٢٠٠، الثعلبي ٧/ ٧٠ ب، البغوي ٤/ ٢٢٦ ابن أبي حاتم ٧/ ٢١١٨.\n(٣) \"زاد المسير\" ٤/ ٢٠٠ ونسبه إلى الشعبي وربيعة وزيد بن أسلم وابنه، وكذا ابن أبي حاتم ٧/ ٢١١٩ عنهم.\n(٤) الطبري ١٢/ ١٧٧، الثعلبي ٧/ ٧٠ ب، \"زاد المسير\" ٤/ ٢٠٠، البغوي ٤/ ٢٢٦.\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ١٥٢ب، وأخرجه ابن أبي حاتم ٧/ ٢١١٩ عن سعيد بن جبير.\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٩٩.\n(٧) كذا في النسخ والصواب: سبع عشرة.\n(٨) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم ٧/ ٢١١٩ عن مجاهد بنحوه انظر: \"الدر\" ٤/ ٢٠، الثعلبي ٧/ ٧٠ ب.\n(٩) القرطبي ٩/ ١٦٢، و\"زاد المسير\" ٤/ ٢٠٠.","vol":"12","page":64},{"text":"يوسف أعطى النبوة وأوحي إليه في البئر، ومن فسر الأشد بثلاث وثلاثين سنة قال: معناه أنه لما بلغ هذه السن زدناه علمًا وفهمًا بعد النبوة.\nقال ابن الأنباري (١): قال اللغويون الحكم والحكمة أصلها حبس النفس عن هواها ومنعها مما يشينها (٢). فجائز أن يعني بهما النبوة، وممكن أن يعبرا عن العقل والفهم؛ لأن كل واحد من الثلاثة يحبس النفس على رشدها ويبعدها عن غيها.\nوقال أبو إسحاق (٣) في قوله ﴿آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا﴾: أي جعلناه حكيمًا عالمًا، وليس كل عالم حكيمًا، الحكيم: العالم المستعمل علمه، الممتنع من استعمال ما يجهل فيه.\nوقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ﴾ أي مثل ما وصفنا من تعليم يوسف ﴿نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ قال ابن عباس (٤): يريد نفعل بالموحدين، وقال أبو روق عن الضحاك (٥): يعني: الصابرين عن النوائب، كما صبر يوسف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1733>٢٣ </span>- قوله تعالى ﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ﴾ يعني: امرأة العزيز التي كان يوسف في بيتها، طلبت منه أن يواقعها، يقال: راود فلان جاريته عن نفسها، وروادته هي عن نفسه، إذا حاول كل واحد من صاحبه الوطء والجماع، ومعنى المراودة في اللغة: المطالبة بأمر للعمل به، قال الزجاج (٦): المعنى أنها راودته عما يريد النساء من الرجال.\n_________\n(١) الرازي ١٨/ ١١١.\n(٢) في (ج): (لا تشتهي).\n(٣) \"معاني القرن وإعرابه\" ٣/ ٩٩.\n(٤) أخرج الطبري عن ابن عباس قوله ﴿الْمُهْتَدِينَ﴾ في: \"الدر\" ٤/ ٢٠، و\"زاد المسير\" ٤/ ٢٠١.\n(٥) الثعلبي ٧/ ٧٠ ب، القرطبي ٩/ ١٦٢.\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٩٩.","vol":"12","page":65},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ﴾ أي أغلقتها، وأصل (١) هذا من قولهم في كل شيء نَشَبَ في شيء فلزمه: قد غلق، يقال: غلق في الباطل، وغلق في غضبه، ومنه: غلق الذهن، ثم يعدّى ما بالألف فيقال: أغلق الباب، إذا جعله بحيث يعسر فتحه، واغلاق القاتل إسلامه إلى ولي المقتول، وذلك أنه صبر بحيث لا يفك منه بعد ذلك، وقد نشب في حيث لا منجا له (٢)، قال المفسرون (٣): وإنما قال (غَلَّقت) على التكثير؛ لأنها غلقت سبعة أبواب ثم دعته إلى نفسها.\nوقوله تعالى: ﴿وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ﴾ هيت: اسم للفعل نحو: رويد، وصه، ومه، وبابه، ومعناه: هلم في قول جميع أهل اللغة (٤)، قال الفراء: ولا مصدر له ولا تصرف، قال الأخفش: هيت لك، مفتوحة الهاء والتاء معناها: هلم، ويجوز كسر التاء ورفعه، وكسر بعضهم الهاء وفتح التاء، كل ذلك بمعنى واحد، قال أبو الفضل المنذري: أفادني ابن اليزيدي (٥) عن أبي زيد قال: هيت لك بالعبرانية هيتا لج (٦) أي: تعاله، أعربه (٧) القرآن.\n_________\n(١) \"تهذيب اللغة\" (غلق) ٣/ ٢٦٨٦.\n(٢) انظر: \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٦٨٦، و\"لسان العرب\" ٦/ ٣٢٨٣.\n(٣) الثعلبي ٧/ ٧١ أ، الطبري ١٢/ ١٧٩، البغوي ٤/ ٢٢٧.\n(٤) \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٨١٦ (هيت)، و\"لسان العرب\" ٨/ ٤٧٣٢ (هيت)، و\"مجاز القرآن\" ١/ ٣٠٥.\n(٥) ابن اليزيدي هو: أبو جعفر أحمد بن محمد اليزيدي، كان متقنًا للعلوم، رواية للشعر والأخبار، شاعرًا، توفي قبل سنة ٢٦٠ هـ. انظر: \"تاريخ العلماء النحويين\" ص ٢٢٥.\n(٦) في (أ)، (ب): (هنالخ) والصحيح ما أثبته كما في \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٨١٦.\n(٧) في (ج): (إعرابه).","vol":"12","page":66},{"text":"وقال الفراء (١): إنها لغة لأهل حوران سقطت إلى مكة فتكلموا بها (٢).\nقال ابن الأنباري (٣): وهذا وفاق بين لغة قريش وأهل حوران، كما اتفقت العرب والروم في القسطاس، [ولغة العرب والفرس في السجيل، ولغة العرب والترك في الغساق] (٤)، ولغة العرب والحبشة في ناشئة الليل، في حروف كثيرة، قال: ولا تثنية في هيت ولا جمع ولا تأنيث، يقال للرجلين: هيت لكما، وللجماعة هيت لكم، وللنسوة هيت لكن، ويقال: قد هيت الرجل، إذا قال لصاحبه: هيت وهلم.\nوأنشد لطرفه (٥):\nهيت الفِتْيَان في مَجْلِسِنَا ... جَرَّدُوا منها وِرَادًا وشُقُرْ\nوقال أيضًا (٦):\nليس قَوْمِي بالأبْعَدِين إذا ما ... قَالَ دَاعٍ من العَشِيرَةِ هَيْتا\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" ٢/ ٤٠.\n(٢) ما سبق من \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٨١٦ - ٣٨١٧. بتصرف.\n(٣) \"زاد المسير\" ٤/ ٢٠٢، الرازي ١٨/ ٩١.\n(٤) ما بين المعقوفين ساقط من (أ)، (ج).\n(٥) والبيت روي بـ (أيها) بدل: هيت، انظر: \"ديوانه\" ٦٣، و\"التكملة\" ص ٢٥٥، و\"الخزانة\" ٤/ ١٠٢، و\"الخصائص\" ٢/ ٣٣٥، و\"شرح شواهد الإيضاح\" ص ٥٨١، و\"شرح المفصل\" ٥/ ٦٠، وبلا نسبة في \"المحتسب\" ١/ ١٦٢، و\"اللسان\" (غلف) ٦/ ٣٢٨٢.\n(٦) البيت من الخفيف وقد نسبه الواحدي إلى طرفة وليس في ديوانه، وقد نسب إلى طرفة بمثل رواية الواحدي في القرطبي ٩/ ١٦٤، و\"النكت والعيون\" ٣/ ٢٣، ونسب إلى طرفة، ولكن برواية (هَيتُ) بفتح الهاء وضم التاء في الطبري ١٢/ ١٨١ (العلمية)، و\"معاني القرآن وإعرابه\" للزجاج ٣/ ١٠٠، و\"المحتسب\" ١/ ٣٣٧، و\"مجمع البيان\" ٥/ ٣٤٠.","vol":"12","page":67},{"text":"قال: وللعرب فيها لغات أجودها فتح الهاء والتاء، وهي قراءة العامة (١).\nقال الزجاج (٢): لأنها بمنزلة الأصوات، ليس فيها فعل يتصرف، ففتحت التاء لسكونها وسكون الياء، واختير الفتح لأن قبل التاء ياءً، كما قالوا: كيف وأين، ومن كسر التاء (٣)، فلأن أصل التقاء الساكنين حركة الكسر، ومن ضمها (٤)، فلأنها في موضع معنى الغايات كأنما قالت: دعائي لك، فلما حذفت الإضافة وتضمنت هيت معناها، بنيت على الضم، كما بنيت حيث، ومنذ، ومن كسر الهاء (٥) وضم التاء فهو على لغة قوم يؤثرون كسر الهاء على فتحها.\nقال أبو علي الفارسي (٦): قال أبو عبيدة: هيت لك، هلم لك، وأنشد لرجل (٧):\nأبْلِغْ أمير المؤمنين أخَا العِرَاقِ إذا انْتَهَيْتا\nأنَّ العِرَاقَ وأهْلَه عنق إليك فهَيْتَ هَيْتَا\nأي: هلم إليها، قال أبو علي: قولهم: هيت فلان بفلان إذا دعاه،\n_________\n(١) \"السبعة\" ٣٤٧، و\"النشر\" ٣/ ١٢٥، و\"إتحاف\" ص ٢٦٣ وهي قراءة عاصم وأبي عمرو وحمزة والكسائي.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٠٠.\n(٣) قرأ بها ابن محيصن.\n(٤) وهي قراءة ابن كثير.\n(٥) رواها هشام بن عمار بإسناده عن ابن عامر مع الهمز (هِئتُ) على معنى تهيأتُ لك.\nانظر: \"السبعة\" ٣٤٧، و\"إتحاف\" ص ٢٦٣.\n(٦) \"الحجة\" ٤/ ٤١٧، بتصرف. \"مجاز القرآن\" ١/ ٣٠٥.\n(٧) في \"مجاز القرآن\" ١/ ٢٧٩، و\"المفصل\" ٤/ ٣٢، و\"اللسان\" (هيت) ٨/ ٤٧٧٢، و\"حجة القراءات\" لابن زنجلة ص ٣٥٧، و\"جمهرة اللغة\" ٢٥١، ٤٤٠.","vol":"12","page":68},{"text":"ينبغي أن يكون مأخوذًا من قولهم: هيت لك، كما أن قولهم: أفف، مأخوذ من أف، وجعلوها بمنزلة الأصوات لموافقتها لها في البناء، فاشتقوا منها كما يشتقون الأصوات نحو: دع دع، وسبح، إذا قال: سبحان الله، ولبَّا إذا قال: لبيك، قال: ومثل هذه الكلمة في أن الأخير قد جازت فيه الحركات لالتقاء الساكنين قولهم: كان في الأمر ذَيْتُ وذْيتَ وذيْتِ، قال: و(لك) في قوله ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ للتبيين بمنزلة (لك) في قولهم: هلم لك، والكاف في قولهم رويدك (١)، ومعاك، وأما (٢) ما روى هشام (٣) عن ابن عامر (هئتُ لك) بكسر الهاء والهمزة وضم التاء، فإنها فعلتُ من الهيئة، والضاء ضمير الفاعل.\nقال أبو زيد: هئتُ للأمر هَيئة وتهيأت (٤)، ونظير هذا: فئتُ وتفياتُ، بمعنى رجعت، ويجوز على هذا المعنى تخفيف الهمزة كما يخفف من جئت وشئت. وأنكر (٥) أبو عمر (٦) والكسائي هذه القراءة (٧) وقالا: هئْتُ بمعنى تهيئت باطل، لم يحك عن العرب.\n_________\n(١) في (ب): (ويدك) من في غير راء.\n(٢) في (ج): (وأماها روى). بالهاء.\n(٣) هشام بن عمار بن نصير، ابن ميسرة السلمي، أبو الوليد، قاض من القراء المشهورين، من أهل دمشق. قال الذهبي: خطيبها ومقرئها ومحدثها وعالمها، توفي سنة ٢٤٥ هـ انظر: \"غاية النهاية\" ٢/ ٣٥٤، و\"ميزان الاعتدال\" ٥/ ٤٢٧، و\"الأعلام\" ٨/ ٨٧.\n(٤) في (أ)، (ب): (وهيأت).\n(٥) في (أ)، (ج): (وانكسر).\n(٦) في (ج): (وأبو عمروا أو الكسائي).\n(٧) \"مجاز القرآن\" ١/ ٣٠٥، والطبري ١٢/ ١٨١، و\"معاني القرآن\" للنحاس ٣/ ٤١٠، والثعلبي ٧/ ٧١ أ.","vol":"12","page":69},{"text":"فأما قول المفسرين في هذا، فروي أن نافع بن الأزرق قال لابن عباس (١): أخبرني عن قول الله ﷿ ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ قال: معناه، هلم لك، هو قول الحسن (٢) وابن زيد (٣) وعامة أهل التفسير، وروى وكيع عن النضر ابن عربي عن عكرمة في قوله ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ قال: هلم، وزاد وكيع: وهو بالحورانية (٤).\nوقال محمد بن إسحاق (٥): معناه فأنا لك، فقال يوسف عند ذلك: معاذ الله.\nقال أبو إسحاق (٦): المعنى: أعوذ بالله أن أفعل هذا، ومعاذ مصدر تقول: عذت عياذًا ومعاذًا ومعاذه، ومعناه: أعتصم بالله من هذا، وتقديره في الكلام: أعوذ معاذًا بالله، فحذف الفعل ونصب المصدر بالفعل المحذوف المراد، وأضيف [المصدر إلى اسم الله تعالى، كما يضاف] (٧) المصدر إلى المفعول، ومثله من الكلام: مررت بعمرو مرور زيد، على أن زيدًا ممرور به، والمعنى: كمروري (٨) يزيد، ومثله:\n_________\n(١) في مسائل نافع بن الأزرق: تهيأت لك، و\"الإتقان\" ١/ ١٦٧، وهذا التفسير في صحيفة علي بن أبي طلحة ٢٩١، وهو في الطبري ١٢/ ١٧٩، وابن أبي شيبة، وابن أبي حاتم ٧/ ٢١٢١، وابن المنذر كما في \"الدر\" ٤/ ٢١.\n(٢) الطبري ١٢/ ١٧٩، القرطبي ٩/ ١٦٤.\n(٣) الطبري ١٢/ ١٨٠.\n(٤) الطبري ١٢/ ١٧٩.\n(٥) في الطبري ١٢/ ١٨٠ عن ابن إسحاق قال: تعال. وابن أبي حاتم ٧/ ٢١٢٢ وفيه تعالى فأنا لك.\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٠١.\n(٧) ما بين المعقوفين مكرر في (ب).\n(٨) في (ب): (لمروري).","vol":"12","page":70},{"text":"ولسْتُ مُسَلِّمًا ما دُمْتُ حيًّا ... على زَيْدٍ كتَسْلِيم (١) الأمِيرِ (٢)\nأي: كتسليمي على الأمير، وقد مر.\nوقولى تعالى: ﴿إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾ يعني زوجها، في قول مجاهد (٣) وابن إسحاق (٤) والكلبي (٥) والسدي (٦) وأكثر المفسرين (٧)، ومعناه: إن الذي اشتراني هو سيدي أنعم علي بإكرامي، فلا أخونه في حرمه، إن فعلت ذلك كنت ظالمًا، ولا يفلح الظالمون.\nقال أبو إسحاق (٨): ويجوز أن يكون المعنى: إن الله ربي أحسن مثواي، أي تولاني في طول مقامي، فلا أرتكب ما قد نهى عنه وحرمه، ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ قال ابن عباس: لا يسعد العاصون، وقيل: الزناة، وهو قول الكلبي (٩)، ومضى الكلام في معنى مثواي آنفًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1734>٢٤ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا﴾ الآية، الهم مصدر هممت (١٠) بالشيء إذا أردته، وحدثتك نفسك به وقاربته من غير دخول فيه، كل هذا يكون هَمًّا بالشيء، فمعنى قوله: ﴿هَمَّتْ بِهِ﴾ أي أرادته وقصدته،\n_________\n(١) في (أ)، (ب): (لتسليم).\n(٢) لم أجده.\n(٣) الطبري ١٢/ ١٨٣، القرطبي ٩/ ١٦٥، ابن عطية ٧/ ٤٧٥.\n(٤) الطبري ١٢/ ١٨٣، القرطبي ٩/ ١٦٥، ابن عطية ٧/ ٤٧٥.\n(٥) \"تنوير المقباس\" ص ١٤٨.\n(٦) الطبري ١٢/ ٦٨٣، القرطبي ٩/ ١٦٥، ابن عطية ٧/ ٤٧٥.\n(٧) الثعلبي ٧/ ٧٢ أ، البغوي ٤/ ٢٢٨، \"زاد المسير\" ٤/ ٢٠٣.\n(٨) في \"معاني القرآن\" خلاف ذلك ٣/ ١٠١ لأنه قال: (أي إن العزيز ربي).\n(٩) \"تنوير المقباس\" ص ١٤٨، الثعلبي ٧/ ٧٢ أ، \"زاد المسير\" ٤/ ٢٠٣.\n(١٠) في (أ)، (ج): (همت) بميم مشددة.","vol":"12","page":71},{"text":"وأما معنى هم يوسف بها، فقال المفسرون الموثوق بعلمهم المرجوع إلى روايتهم: هَمّ (١) يوسف أيضًا بهذه المرأة همًا صحيحًا، وجلس منها مجلس الرجل من المرأة، فلما رأى البرهان من ربه زالت عنه كل شهوة، قال الباقر بإسناده عن آبائه (٢) عن علي (٣) - ﵁ - قال: طمعت فيه وطمع فيها، وكان طمعه فيها أنه هم أن يحل التكة.\nوروى ابن أبي مليكة عن ابن عباس (٤) قال: حل الهميان وجلس منها مجلس الخاتن، ونحو هذا قال في رواية عطاء، وروي عنه أيضًا (٥) أنه سئل: ما بلغ من هم يوسف؟ قال: استلقت له وقعد بين رجليها ينزع ثيابه، ونحو هذا قال سعيد بن جبير (٦) ومجاهد (٧) والضحاك (٨)\n_________\n(١) (هم) ساقط من (أ)، (ج).\n(٢) (عن آبائه): ساقط من (ج)، والباقر هو: أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن علي الهاشمي، ثقة حافظ، كان يتولى الشيخين، روى له الجماعة، توفي سنة ١١٤هـ. انظر: \"التهذيب\" ٣/ ٦٥٠ - ٦٥١، و\"سير أعلام النبلاء\" ٤/ ٤٠١.\n(٣) أخرجه أبو نعيم في \"الحلية\" ٣/ ١٨١، انظر: \"الدر\" ٤/ ٢٢.\n(٤) الطبري ١/ ١٨٣ وأبو الشيخ وأبو نعيم في \"الحلية\" كما في \"الدر\" ٤/ ٢٢، الثعلبي ٧/ ٧٢ أ، البغوي ٤/ ٢٢٨، القرطبي ٩/ ١٦٦.\n(٥) عبد الرزاق ٢/ ٣٢١، والفريابي وسعيد بن منصور وابن جرير ١٢/ ١٨٣، وابن المنذر وابن أبي حاتم ٧/ ٢١٢٣ وأبو الشيخ والحاكم وصححه كما في \"الدر\" ٤/ ٢٢، الثعلبي ٧/ ٧٢ أ، القرطبي ٩/ ١٦٦.\n(٦) الطبري ١٢/ ١٨٤ وابن أبي حاتم ٧/ ٢١٢٢ وأبو الشيخ كما في \"الدر\" ٤/ ٢٣، والثعلبي ٧/ ٧٢ أ، البغوي ٤/ ٢٢٨، \"زاد المسير\" ٤/ ٢٠٣، القرطبي ٩/ ١٦٦.\n(٧) عبد الرزاق ٢/ ٣٢١، والطبري ١٢/ ١٨٤، وابن المنذر انظر: ابن أبي حاتم ٧/ ٢١٢٣ بمعناه وأبو الشيخ كما في \"الدر\" ٤/ ٢٢ - ٢٣، الثعلبي ٧/ ٧٢ أ، البغوي ٤/ ٢٣٢، القرطبي ٩/ ١٦٦.\n(٨) الطبري ١٢/ ١٨٥، الثعلبي ٧/ ٧٢ أ، \"زاد المسير\" ٤/ ٢٠٣.","vol":"12","page":72},{"text":"والسدي (١) ومحمد بن إسحاق (٢).\nوقوله تعالى: ﴿لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ قال الباقر بإسناده عن علي (٣) -﵁- قال: قامت المرأة إلى صنم مكلل بالدر والياقوت في زاوية البيت فسترته (٤) بثوب، فقال يوسف: أي شيء تصنعين؟ قال: أستحي من إلهي هرا أن يراني على السوء، فقال: أتستحين من صنم لا يعقل ولا يسمع، ولا أستحي من إلهي القائم على كل نفس بما كسبت، فوالله لا تنالينها مني أبدًا، قال فهو البرهان الذي رآه.\nوقال ابن عباس (٥) وعامة المفسرين: مثل له يعقوب فرأى صورته عاضًّا على أصابعه يقول: أتعمل (٦) عمل الفجار وأني مكتوب في الأنبياء، فأستحي منه، وهذا قول عكرمة (٧) ومجاهد (٨) والحسن (٩) وسعيد بن\n_________\n(١) الثعلبي ٧/ ٧٢ أ، والبغوي ٤/ ٢٣٢، و\"زاد المسير\" ٤/ ٢٠٣، وابن أبي حاتم ٧/ ٢١٢٣.\n(٢) الثعلبي ٧/ ٧٢ أ، البغوي ٤/ ٢٢٨، وابن أبي حاتم ٧/ ٢١٢٣.\n(٣) أخرجه أبو نعيم في \"الحلية\"، انظر \"الدر\" ٤/ ٢٤.\n(٤) في (ج): (فسرته).\n(٥) عبد الرزاق ٢/ ٣٢١، والطبري ١٢/ ١٨٧، وسعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم ٧/ ٢١٢٤، وأبو الشيخ والحاكم في \"المستدرك\" ٢/ ٣٤٦ وقال: على شرط الشيخين ولم يخرجاه ووافقه الذهبي. وانظر: \"الدر\" ٤/ ٢٤.\n(٦) في (أ)، (ج): (العمل)، (وأنت) ساقط من (أ)، (ب)، (ج).\n(٧) الطبري ١٦/ ٤٢، وابن أبي حاتم ٧/ ١١٢٤، وأبو الشيخ كما \"الدر\" ٤/ ٢٣، والثعلبي ٧/ ٧٤ أ.\n(٨) عبد الرزاق ٢/ ٣٢١، الثعلبي ٧/ ٧٤ أ، الطبري ١٢/ ١٨٨.\n(٩) عبد الرزاق ٢/ ٣٢١، والطبري ١٢/ ١٨٩، وابن أبي حاتم ٧/ ٢١، وأبو الشيخ كما في \"الدر\" ٤/ ٢٣، والثعلبي ٧/ ٧٤ أ.","vol":"12","page":73},{"text":"جبير (١) وقتادة (٢) والضحاك (٣) وابن سيرين (٤) ومقاتل (٥)، قال سعيد بن جبير: مثل له يعقوب فضرب في صدره فخرجت شهوته من أنامله.\nوقال ابن عباس (٦) في رواية ابن أبي مليكة: إنه لم يزدجر برؤية صورة يعقوب حتى ركضه جبريل في ظهره، فلم يبق فيه شهوة إلا خرجت، فوثب واستبقا الباب، هذا الذي ذكره قول أئمة المفسرين الذي أخذوا التأويل عمن شاهدوا التنزيل، وأما المتأخرون فإنهم ذكروا في الآية أوجهًا قصدوا بها تنزيه يوسف عن الهم الفاسد.\nأخبرنا أبو الفضل العروضي (٧) قال أخبرني الأزهري عن المنذري عن ثعلب أنه سئل عن هذه الآية فقال: همت زليخا بالمعصية مصرة على ذلك، وهم يوسف بالمعصية ولم يأتها ولم يصر عليها، فبين الهمين فرق.\nوشرحه ابن الأنباري (٨) فقال: همت المرأة عازمة على الزنا قاصدة قصده، ويوسف عارضه ما يعارض البشر من خطرات القلب، وحديث\n_________\n(١) الطبري ١٢/ ١٨٧، ابن أبي حاتم ٧/ ٢١٢٥، أبو الشيخ كما في \"الدر\" ٤/ ٢٣، الثعلبي ٧/ ٧٤ أ.\n(٢) عبد الرزاق ٢/ ٣٢١، الطبري ٢/ ١٠٩، وابن أبي حاتم ٧/ ٢١٢٥، وأبو الشيخ كما في \"الدر\" ٤/ ٢٣، الثعلبي ٧/ ٧٤ ب.\n(٣) الطبري ١٢/ ١٩٠، و\"الدر\" ٤/ ٥٢٤، وا لثعلبى ٧/ ٧٤ أ.\n(٤) الطبري ١٢/ ١٨٩، وابن أبي حاتم ٧/ ٢١٢٤، وأبو الشيخ كما في \"الدر\" ٤/ ٢٣، والثعلبي ٧/ ٧٤ أ.\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ١٥٢ ب.\n(٦) انظر ابن أبي حاتم ٧/ ٢١٢٤ بمعناه.\n(٧) هو أبو الفضل أحمد بن محمد بن عبد الله بن يوسف العروضي، سبقت ترجمته في شيوخ المؤلف. انظر: \"تهذيب اللغة\" (همم) ٤/ ٣٧٩٨.\n(٨) \"زاد المسير\" ٤/ ٢٠٣.","vol":"12","page":74},{"text":"النفس ووسوسة الشيطان، فكان هامًا غير عازم، فلم يلزمه هذا الهم ذنبًا، ولم يلحقه عتبًا، إذ الرجل الصالح يخطر بقلبه وهو صائم شرب الماء البارد، والتلذذ بأكل الطعام الطيب، فإذا لم الهمّ لم يوجب معصية، فبرهان ربه عن أي شيء صرفه؟ قيل: إنه وإن لم يوجب معصية، فالنبيون والصديقون يعاتبون على الخطرة واللمحة والوسوسة، وبرهان ربه صرفه عن الإقامة على (١) الشيء الذي التمادي فيه يؤدي إلى اكتساب ما يوجب عقوبة، فهذه طريقة.\nوقال آخرون (٢): الآية محمولة على التقديم والتأخير، وتلخيصها: ولقد همت به لولا أن رأى برهان ربه لهم بها، فقدم جواب لولا عليها، كما يقال: قد كنت من الهالكين لولا أن فلانًا خَلّصك، ومثله قول الشاعر (٣):\nفلا يَدْعُنِي قَوْمي صَرِيحًا لحُرَّةٍ ... لئن كنتُ مقتولًا ويَسْلَمُ عامرُ\nفقدم جواب لئن، قال أبو إسحاق (٤): وليس بكثير في الكلام أن تقول: ضربتك لولا زيد، ولا هممت بك لولا زيد، إنما الكلام: لولا زيد لهممت بك، ولولا تجاب باللام، فلو كان في القراءة: ولقد همت به ولهم بها لولا أن رأى برهان ربه، لكان يجوز على بعد.\n_________\n(١) في (ج): (عن).\n(٢) الثعلبي ٧/ ٧٢ ب، البغوي ٤/ ٢٢٩، \"زاد المسير\" ٤/ ٢٠٥.\n(٣) القائل قيس بن زهير، في سيبويه والشنتمري ١/ ٤٢٧، و\"الرد على النحاة\" (١٥٠)، و\"الدر\" ٢/ ١٠، وهو الورقاء بن زهير في ابن السيرافي ص ٥٨٦، وبلا نسبة في \"معاني القرآن\" ١/ ٦٧، و\"الهمع\" ٢/ ١٦، و\"أمالي المرتضي\" ١/ ٤٨٠.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٠١.","vol":"12","page":75},{"text":"وقال أبو بكر (١): تقديم جواب لولا عليها شاذ يستكره، وغير موجود في الفصيح من الكلام، وأما البيت فإنه من اضطرار الشعر، ولا ينبغي أن يحمل كتاب الله تعالى النازل بأفصح اللغات على بيت شعر دعت شاعره ضرورةٌ إلى تقديم ما هو مؤخر في النية، مما لو كان متكلمًا بنثر لم يستجز تقدمته، على أنا نقول: جواب لأن يتقدم عليها لأن مجراه مجرى اليمين، فلما صلح إتيان القسم بعد المقسم عليه في قولهم: يقوم زيد والله، حملت لئن على القسم فأخرت بعد جوابها، و(لولا) ليست قسمًا ولا مشبهة بالأقسام فسبق جوابها بعيد مُسْتَسْمج.\nقال أبو إسحاق (٢): والذي عليه المفسرون أنه هم بها، وأنه جلس منها مجلس الرجل من المرأة، إلا أن الله تفضل بأن أراه البرهان، ألا تراه قال: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾ الآية، يعني بهذا ما روي أن يوسف لما دخل على الملك، وأقرت المرأة بقولها: ﴿أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ﴾، وقال يوسف: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾، قال له جبريل: ولا حين هممت بها يا يوسف؟، فقال يوسف عند ذلك: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾ (٣) الآية.\nوقال أبو بكر (٤): والذي نذهب إليه في هذه الآية ما يروى عن الصحابة والتابعين من تثبيت الهم ليوسف غير عائبين له ولا طاعنين، بل نقول: إن انصرافه بعد ثبات الهم وحل السراويل، وجلوسه من المرأة\n_________\n(١) \"زاد المسير\" ٤/ ٢٠٦.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٠١.\n(٣) أخرجه الفريابي والطبري ٤/ ٤٢ - ٤٣، وابن المنذر وابن أبي حاتم ٧/ ٢١٥٨، وأبو الشيخ والبيهقي في الشعب كما في \"الدر\" ٤/ ٤٢ - ٤٣.\n(٤) \"الأضداد\" ٤١١ - ٤١٤، و\"الوقف والابتداء\" ٢/ ٧٢٠ - ٧٢١، و\"زاد المسير\" ٤/ ٢٠٣ - ٢٠٧، والقرطبي ٩/ ١٦٦.","vol":"12","page":76},{"text":"مجلس الرجل، تعظيمًا لله ومعرفة لحقه، أدل على محافظته على مذهب آبائه، وعلي وفور الثواب وتكامل الأجر له عند إيثار الطاعة على اللذة؛ لأنه انكشف عن المرأة في الحال التي لا ينكشف فيها إلا بَرٌّ مخلص، فكان انكشافه وصبره ماحيًا عنه سيئة الهم، وموجبًا له حسنات مضاعفات بالحديث الصحيح الذي روي في حديث الغار (١) وهو أن ثلاثة لجأوا إلى غار، فانطبق عليهم، فذكر كلُّ رجل أفضل عمله، فذكر أحدهم أنه قام عن امرأة بعد ما قدر عليها، ففرج الله عنهم، والحديث طويل معروف، فدلَّ أن الهم بالزنا إذا أتبعه الانصراف بعد القدرة عليه، لم يكن من الفواحش ولا من الكبائر، مع أن الذين ثبتوا (٢) الهم ليوسف من علي، وابن عباس، وسعيد بن جبير، وعكرمة، ومجاهد، والضحاك، ووهب، وابن سيرين، والحسن، وقتادة، والكلبي (٣) وغيرهم كانوا أعرف بحقوق الأنبياء وارتفاع منازلهم عند الله من الذين نفوا الهم عنه، وقد قال الحسن (٤): إن الله لم يقصص عليكم ذنوب الأنبياء تعييرًا لهم، ولكنه قصها عليكم لئلا تقنطوا من رحمته وتيأسوا من فضله.\nقال أبو عبيد (٥): يذهب الحسن إلى أن الحجة من الله ﷿ على أنبيائه أوكد وهي لهم ألزم، فإذا كان يقبل التوبة منهم كان إلى قبولها منكم أسرع.\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٣٤٦٥)، كتاب: الأنبياء، باب. حديث الغار، وأخرجه مسلم (٢٧٤٣) في كتاب: الرقاق، باب: قصة أصحاب الغار.\n(٢) في (ب): (بينو).\n(٣) (الكلبي): ساقط من (ج).\n(٤) \"زاد المسير\" ٤/ ٢٠٧، البغوي ٤/ ٢٣١، القرطبي ٩/ ١٦٧.\n(٥) \"زاد المسير\" ٤/ ٢٠٧.","vol":"12","page":77},{"text":"وقوله تعالى: ﴿لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ قال أبو إسحاق (١): جوابه محذوف، المعنى لولا أن رأى برهان ربه، لأمضى ما هم به.\nوقال أبو بكر (٢) تلخيصه: لولا أن رأى برهان ربه لزنا، وحذف جواب (لولا) كثير في القرآن، ومثله ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ﴾ [التكاثر: ٥]، جوابه: لم تنافسوا وتفاخروا بالدنيا وهو كثير.\nوقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ﴾ قال أبو إسحاق (٣) أي كذلك أريناه البرهان لنصرف عنه السوء والفحشاء.\nوقال صاحب النظم: هذا على التقديم والتأخير، التقدير: ولقد همت به وهم بها (كذلك) أي كما همت به، وقوله ﴿لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ معترض بينهما واتصاله بقوله: ﴿لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ﴾ أي أريناه البرهان لنصرف عنه ما هَمَّ به من السوء والفحشاء.\nقال ابن زيد (٤): السوء القبيح، والفحشاء الزنا. وقال الزجاج (٥): السوء خيانة صاحبه، والفحشاء ركوب الفاحشة. وقال عطاء (٦): السوء والفحشاء عبارتان عن الزنا كله باللسان والفرج واليد وجميع الفرج.\nعن ابن عباس ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ أي (٧) الذين أخلصوا دينهم لله، ومن فتح اللام أراد الذين أخلصهم الله من الأسواء.\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٠١.\n(٢) \"زاد المسير\" ٤/ ٢٠٧.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٠٢.\n(٤) البغوي ٤/ ٢٣٤، القرطبي ٩/ ١٧٠ من غير نسبة.\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٠٢.\n(٦) انظر: الرازي ١٨/ ١٢١.\n(٧) هذا قول الزجاج انظر \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٠٢.","vol":"12","page":78},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1735>٢٥ </span>- قوله تعالى: ﴿وَاسْتَبَقَا الْبَابَ﴾ الاستباق (١) طلب السبق إلى الشيء، ومعناه: تبادر إلى الباب يجتهد كل واحد منهما أن يسبق صاحبه، فإن سبق يوسف المرأة فتح الباب وخرج، وإن سبقت المرأة أمسكت الباب (٢)، [لئلا يخرج، فالاستباق هنا بمعنى المبادرة، قال أبو إسحاق: أي سبق إلى الباب] (٣).\nقال المفسرون (٤): إن يوسف لما رأى البرهان قام مبادرًا إلى الباب هاربًا مما أراد به، واتبعته المرأة تبغي حبسه والتشبث به، فلم تصل إلا إلى دبر القميص فقدته، ووجدا قطفير عند الباب، فحضرها في ذلك الوقت كيد لما فاجأت سيدها لدى الباب، فقالت مُبرئةً نفسها من الأمر، وملزمة يوسف الذنب، وموهمة زوجها أن الذي سمع من العَدْو والمبادرة إلى الباب والهرب كان منها لا من يوسف ﴿مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا﴾ الآية، فذلك قوله ﴿وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ﴾ أي: قطعته طولًا، ومعنى القد في اللغة (٥): قطع الجلد وشق الثوب ونحو ذلك، وشيء حسن النقد، أي: حسن التقطيع.\nوقوله تعالى: ﴿مِنْ دُبُرٍ﴾ أي من جهة الخلف، قال ابن الأنباري: المعنى من دبر القميص، وكان معنى القميص معروفًا، فأوثر التخفيف، قال ابن عباس (٦): وشقت قميصه من خلفه.\n_________\n(١) \"تهذيب اللغة\" (سبق) ٢/ ١٦٢٠.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٠٢.\n(٣) ما بين المعقوفين ساقط من (أ)، (ج).\n(٤) الثعلبي ٧/ ٧٦ ب، البغوي ٤/ ٢٣٤، و\"زاد المسير\" ٤/ ٢١١.\n(٥) \"تهذيب اللغة\" (قدد) ٣/ ٢٨٩٥، و\"اللسان\" (قدد) ٦/ ٣٥٤٣.\n(٦) الثعلبي ٧/ ٧٦ ب.","vol":"12","page":79},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَأَلْفَيَا﴾ أي أدركا وصادفا، قال ذو الرمة (١):\nألْفَى أبَاه بدال الكَسْب يَكْتَسِبُ\nوقوله تعالى: ﴿سَيِّدَهَا﴾ قال ابن عباس والكلبي وغيرهما (٢): زوجها، وقالت المرأة سابقة بالقول: ﴿مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا﴾ قال ابن عباس: يريد الزنا، مثل قوله: ﴿مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ﴾.\nوقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ﴾ أي: يحبس في السجن، ﴿أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ يعني الضرب بالسياط، وعطف العذاب على قوله: ﴿أَنْ يُسْجَنَ﴾؛ لأنه بمعنى السجن، وقد مر، وهذه الآية بيان عن ما يوجبه مكر النساء من البهت، بطرح الجرم على غير صاحبه لتبرئة النفس من ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1736>٢٦ </span>- قوله تعالى: ﴿قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي﴾ قال نوف: أحْسَبُها الشيباني هكذا في الطبري (٣): ما كان يوسف يريد أن يذكره، فلما سبقت هي بطرح الجرم عليه غضب يوسف، وقال: ﴿هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي﴾.\nوقوله تعالى: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا﴾ اختلفوا في هذا الشاهد، فقال ابن عباس (٤)، في رواية عطاء وابن أبي مليكة: كان رجلًا حكيمًا من أقارب المرأة.\n_________\n(١) انظر: \"ديوانه\" ٩٩، و\"الدر المصون\" ١/ ٦٩٧.\n(٢) أخرجه الطبري ١٢/ ١٩٢ عن زيد بن ثابت. وأخرجه الطبري ١٢/ ١٩٢ وابن أبي حاتم ٧/ ٢١٢٧، وأبو الشيخ عن مجاهد كما في \"الدر\" ٤/ ٢٥، و\"تنوير المقباس\" ص ١٤٨.\n(٣) الطبري ١٢/ ١٩٣ عن نوف الشيباني، والثعلبي ٧/ ٧٦ ب، وابن أبي حاتم ٧/ ٢١٢٧، وأبو الشيخ كما في \"الدر\" ٤/ ٢٥.\n(٤) الثعلبي ٧/ ٧٧ أ، و\"زاد المسير\" ٤/ ٢١١.","vol":"12","page":80},{"text":"وهو قول الحسن (١)، وعكرمة (٢)، وقتادة (٣)، والضحاك (٤)، ومجاهد (٥) برواية منصور، ومحمد بن إسحاق (٦) قال: كان رجلًا يشاوره أطفير ويسمع قوله، وعلى هذا فمعنى قوله: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ﴾ أي أعلم معلم، وبين مبين، وقال قائل، غير أن هذا القول والإعلام لما كان كالبينة استعمل فيه لفظ الشهادة، [قال مجاهد (٧): شهد شاهد: حكم حاكم. وإنما قلنا ذلك؛ لأن الشهادة] (٨) لا يصح تعليقها بالشرط؛ ولأنه لو كانت هذه شهادة معهودة لقيل وشهد مشاهد من أهلها، (أنه إن كان قميصه) كما يقال: إن فلانًا فعل كذا، ولفظ الشهادة يستعمل في التبيين، كقوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [آل عمران: ١٨] أي (٩): أعلم وبين، وقال تعالى: ﴿شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ﴾ [التوبة: ١٧] يريد بينوا؛ ذلك لعنادهم، الحق وإن لم يكن منهم اعتراف بالكفر.\n_________\n(١) الطبري ١٢/ ١٩٥، وابن أبي حاتم ٧/ ٢١٢٩ وانظر: \"الدر\" ٤/ ٢٦، الثعلبي ٧/ ٧٧ أ، البغوي ٤/ ٢٣٥، القرطبي ٩/ ١٧٣، ابن أبي حاتم ٧/ ٢١٢٩.\n(٢) الطبري ١٢/ ١٩٤، وأبو الشيخ كما في \"الدر\" ٤/ ٢٦، الثعلبي ٧/ ٧٧ أ، البغوي ٤/ ٢٣٥، القرطبي ٩/ ١٧٣.\n(٣) الطبري ١٢/ ١٩٥، وابن أبي حاتم ٧/ ٢١٢٩ وأبو الشيخ كما في \"الدر\" ٤/ ٢٦، الثعلبي ٧/ ٧٧ أ، البغوي ٤/ ٢٣٥، عبد الرزاق ٢/ ٣٢٢، القرطبي ٩/ ١٧٣.\n(٤) الثعلبي ٧/ ٧٧ أ، القرطبي ٩/ ١٧٣، الطبري ١٢/ ١٩٤ بلفظ: ذو رأي برأيه.\n(٥) الطبري ١٢/ ١٩٤ - ١٩٥، الثعلبي ٧/ ٧٧ أ، البغوي ١٢/ ١٩٤، القرطبي ٩/ ١٧٣.\n(٦) الطبرى ١٢/ ١٩٤ - ١٩٥.\n(٧) الطبري ١٢/ ١٩٥.\n(٨) ما بين المعقوفين ساقط من (أ)، (ج).\n(٩) في (ب) بياض.","vol":"12","page":81},{"text":"وقال ابن الأنباري (١):\nويجوز أن يقال: إن الشهادة لم تقع إلا على معلوم عند الشاهد بكلام سمعه من المرأة من وراء الباب، أو لفظة وقعت في أذنه من ألفاظ يوسف في حال هربه، فأوقع في الشهادة شرطًا ليؤكد العلم به للمخاطبين من جهة العقل، وتلخيص الآية: هو الصادف عندي وهي الكاذبة، فإن تدبرتم ما أشرطه (٢) لكم، عقلتم صحة قولي، وصار هذا كقول القائل: إن كان القَدَر حقًا فالحرص باطل، فليس هذا الشارط بشاك، لكنه ألزم مخاطبه صحة ما يقول، فدخلت (إن) على جهة التقدير للمعنى الذي يوجب غيره لا للشك، وكذا يكون مقدرات الاستدلال، والأول هو مذهب المفسرين.\nقال الكلبي (٣):\nالشاهد ابن عم المرأة، وكان رجلًا حكيمًا، كان مع زوجها، فقال قد سمعنا الاشتداد والجلبة من رواء الباب، وشق القميص، فلا ندري أيكما كان قدام صاحبه، فإن كان شق القميص من قدامه فأنت صادقة، وإن كان من خلفه، فهو صادق.\nونحو هذا قال السدي (٤) ومقاتل (٥): أن الشاهد كان ابن عمها فحكم بما أخبر الله تعالى.\nوروى عطية العوفي عن ابن عباس أن الشاهد كان صبيًّا أنطقه الله،\n_________\n(١) \"زاد المسير\" ٤/ ٢١٢.\n(٢) في (ب): (ما اشترطته).\n(٣) القرطبي ٩/ ١٧٣ ولم ينسبه. وابن أبي حاتم ٧/ ٢١٢٩ عن زيد بن أسلم.\n(٤) البغوي ٤/ ٢٣٥، القرطبي ٩/ ١٧٣، والثعلبي ٧/ ٧٧ أ.\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ١٥٢ ب.","vol":"12","page":82},{"text":"وهو رواية سالم (١) عن سعيد بن جبير (٢)، وجويبر عن الضحاك (٣)، وقول هلال بن يساف (٤) قال: الشاهد صبي في المهد، ولم يتكلم في المهد إلا ثلاثة، هذا أحدهم.\nقال ابن عباس (٥): تكلم في المهد أربعة صغار: شاهد يوسف، وعيسى ابن مريم، وصاحب جريح، وابن ماشطة بنت فرعون.\nقال ابن الأنباري (٦): فمن ذهب إلى هذا القول قال: الشرط الواقع مصحح لبراءة يوسف، وتحقيق الجرم للمرأة؛ لأن كلام مثله أعجوبة، وآية باهرة معجزة، لا يكون معها لبس.\nوروى ابن أبي نجيح وابن جريح عن مجاهد (٧) قال: الشاهد قميصه مشقوقًا من دبر.\n_________\n(١) هو: سالم بن عجلان الأفطس الأموي، مولاهم، أبو محمد الحراني، ثقة رمي بالإرجاء، قتل صبرًا سنة ١٣٢ هـ. \"التقريب\" (٢١٨٣)، و\"الميزان\" ٢/ ٣٠٢.\n(٢) الطبري ١٢/ ١٩٣، وابن أبي شيبة وابن المنذر وأبو الشيخ كما في \"الدر\" ٤/ ٢٦، البغوي ٤/ ٢٣٤.\n(٣) الطبري ١٢/ ١٩٤، وأبو الشيخ كما في \"الدر\" ٤/ ٢٦، البغوي ٤/ ٢٣٤.\n(٤) الطبري ١٢/ ١٩٤، و\"زاد المسير\" ٤/ ٢١١، والثعلبي ٧/ ٧٦ ب، وهو: الأشجعي مولاهم الكوفي، ثقة، روى له الجماعة إلا البخاري، روى له في التاريخ. انظر: ا\"لتقريب\" ص ٥٧٦ (٧٣٥٢).\n(٥) أخرجه البخاري في \"صحيحه\": (٣٤٣٦) كتاب: الأنبياء، باب: قول الله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا﴾، ومسلم (٢٥٥٠/ ٨) كتاب: البر، باب: تقديم بر الوالدين على التطوع بالصلاة وغيرها، وأحمد ٢/ ٣٠٧، ٣٠٨، بلفظ (لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة).\n(٦) \"زاد المسير\" ٤/ ٢١٢.\n(٧) الطبري ١٢/ ١٩٥، الثعلبي ٧/ ٧٧ أ، \"زاد المسير\" ٤/ ٢١٢.","vol":"12","page":83},{"text":"قال أبو بكر (١): وهذا القول لا يوافق اللغة ولا تصححه العربية من أجل أنه قال: ﴿مِنْ أَهْلِهَا﴾ (٢) والقميص لا يوسف بهذا ولا ينسب إلى الأهل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1737>٢٧ </span>- وقوله تعالى: ﴿إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ﴾ إلي قوله ﴿فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ﴾ من حكم الشاهد وبيانه عما يوجب الاستدلال به على تمييز الكاذب من الصادق.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1738>٢٨ </span>- قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَى﴾ أي زوج المرأة قميص يوسف ﴿قُدَّ مِنْ دُبُرٍ﴾، إخبار عن صفة القميص لا عن الفعل؛ لأنه رأى القميص مقدودًا، ما رآه حين قد، والمعنى: فلما رأى قميصه قد قُدّ من دبر، وهذا مثل قوله: ﴿أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ [النساء: ٩٠] وقد مر.\nوقوله تعالى: ﴿قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ﴾ قال أبو إسحاق (٣): أي أن قولها (٤): ﴿مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا﴾ من كيدكن ﴿إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1739>٢٩ </span>- قوله تعالى: ﴿يُوسُفُ﴾ معناه يا يوسف، فحذف حرف النداء، لأنه من الإيجاز الذي لا يخل، ولا يجوز حذفه من المبهم، ويجوز من العلم؛ لأنك تستدل يكون العلم مرفوعًا غير منون على أنه منادى، ولا بيان في المبهم على أنه منادى إذا حذفت حرف النداء.\nوقال الزجاج (٥): يجوز في المعرفة حذف ياء من النداء، وأنشد (٦):\n_________\n(١) قال به الطبري ١٢/ ١٩٦.\n(٢) في (ج): (من أجلها).\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٠٣.\n(٤) في (ب): (قولهما).\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١١٣.\n(٦) البيت ينسب لأبي طالب عم رسول الله ﷺ، وللأعشى انظر \"الخزانة\" ٣/ ٦٢٩، و\"شواهد الكشاف\"، و\"شواهد المغني\" (٢٠٤)، و\"شرح شذور الذهب\" (٢١١)، وبلا نسبة في سيبويه والشنتمري ١/ ٤٠٨، السيوطي (٢٠٤)، و\"الدرر\" ٢/ ٧١، و\"الهمع\" ٢/ ٥٦، و\"الإنصاف\" ٤١٨، و\"أمالي ابن الشجري\" ١/ ٣٧٥.","vol":"12","page":84},{"text":"مُحَمَّدٌ تَفْدِ نَفْسَك كلُّ نَفسٍ ... إذا ما خِفْتَ من أَمْرٍ تَبَالَا\nوقوله تعال ﴿أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾ قال ابن عباس (١): يريد لا يذكر هذا ونحوه. قال الزجاج (٢): اترك هذا الأمر ولا تذكره، وقيل (٣) معناه: أعرض عنه بأن لا تكترث له، فقد بان براءتك.\n﴿وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ﴾ قال ابن عباس (٤): قال لامرأته: توبي (٥) من ذنبك إنك من الخاطئين، يريد: أنك كنت قد أثمت.\nقال المفسرون: إثمها هو أنها راودت شابًا عن نفسه، وأرادته على الزنا، وخانت زوجها، فلما استعصم كذبت عليه وبهتته (٦).\nومعنى ﴿مِنَ الْخَاطِئِينَ﴾: من القوم الخاطئين، كما قال: ﴿إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾ [النمل: ٤٣] وذلك لتغليب المذكر على المؤنث إذا اختلطا، ومثله ﴿وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ [التحريم: ١٢] وهذا التفسير الذي ذكرنا يدل على أن هذا من كلام زوج المرأة لها وليوسف.\n_________\n(١) \"زاد المسير\" ٤/ ٢١٣.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٠٤، وفيه: (اكتم هذا الأمر ولا تذكره).\n(٣) الثعلبي ٧/ ٧٧ ب، البغوي ٤/ ٢٣٥.\n(٤) \"زاد المسير\" ٤/ ٢١٣، ولم ينسبه لابن عباس، بل نسب إليه القول الآخر (استعفي زوجك لئلا يعاقبك).\n(٥) في (أ)، (ج): (تولي).\n(٦) في (أ)، (ب): (نهته).","vol":"12","page":85},{"text":"وذهب الكلبي (١) وغيره إلى أن هذا من كلام الشاهد الذي هو ابن عم المرأة، وقال في قوله: ﴿وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ﴾ أي سلي (٢) زوجك أن إلا يعاقبك على ما صنعت.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1740>٣٠ </span>- وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ﴾ الآية، أراد بالنسوة الجمع لذلك ذَكَّر فعلهن حملًا على المعنى، وإذا أنث حُمل على اللفظ، قال أبو علي: وتأنيث النساء والنسوة تأنيث جمع، كما أن التأنيث في ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ﴾ [الحجرات: ١٤] كذلك، ولو لم يؤنث، كما لم يؤنث (قال نسوة) لكان حسنًا، وسمعت بعض الكبار من النحويين (٣) يقول: لو تأخر الفعل عن النسوة لكان: ونسوة قلن، فكانت النون علامة للجمع (٤) والتأنيث جميعًا، فإذا قدم الفعل وُحِّد؛ لأن فعل الجماعة إذا تقدم كان موحَّدًا، وإذا وُحِّد حذف منه علامة الجمع، فإذا حذفت علامة الجمع فقد حذفت علامة التأنيث؛ [لأن النون علامة لهما جميعًا، على أن تقديم الفعل يدعو إلى إسقاط علامة التأنيث] (٥)؛ على قياس إسقاط علامة التثنية والجمع.\nوقوله تعالى: ﴿نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ﴾ قال ابن عباس (٦): يريد نسوة من أشراف النساء. قال الكلبي (٧): هن أربع: امرأة ساقي العزيز، وامرأة\n_________\n(١) الثعلبي ٧/ ٧٧ ب، و\"تنوير المقباس\" ص ١٤٨، و\"زاد المسير\" ٤/ ٢١٣.\n(٢) في (ج): (تبتلى).\n(٣) انظر: \"المقتضب\" ٣/ ٣٤٩، و\"الدر المصون\" ٦/ ٤٧٤.\n(٤) في (أ)، (ج): (للجميع).\n(٥) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).\n(٦) البغوي ٤/ ٢٣٦ بدون نسبة لابن عباس، القرطبي ٩/ ١٧٦.\n(٧) \"زاد المسير\" ٤/ ٢١٤، والقرطبي ٩/ ١٧٦، ونسبوه إلى ابن عباس. وانظر: \"تنوير المقباس\" ص ١٤٨.","vol":"12","page":86},{"text":"خبازه، وامرأة صاحب دوابه، وامرأة صاحب سجنه، وزاد مقاتل (١): امرأة الحاجب، ونحوه قال مجاهد (٢)، والأشبه ما قاله ابن عباس؛ لأن زليخا إنما اتخذت مأدبة لأشراف النساء، ولو خاض في حديثها هؤلاء النسوة لأشبه أن لا (٣) يؤخذ خوضهن مقالتهن، والمعنى: أن ذلك الذي جرى بينهما شاع وانتشر في مدينة مصر، حتى تحدث بذلك النساء وخضن فيه.\nوقوله تعالى: ﴿امْرَأَتُ الْعَزِيزِ﴾ يعنين زليخا، والعزيز (٤) بلغتهم الملك، يعنون أنه منيع بقدرته، والعرب تسمي الملك عزيزًا، وهو في شعر أبي دؤاد (٥):\nدُرّةٌ غَاصَ عليها تَاجِرٌ ... جُلِبَت يَوْمَ عَزِيزٍ يَوْمَ طَل\nوقوله تعالى: ﴿تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ﴾ [الفتى: الحدث الشاب، والفتاة الجارية الشابة، قال ابن عباس: يريد تراود غلامها عن نفسه] (٦).\nوقوله تعالى: ﴿قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا﴾ قال أبو عبيد (٧): الشغف أن يبلغ الحب شغاف القلب، وهو جلدة دونه.\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ١٥٣ أ، الثعلبي ٧/ ٧٧ ب.\n(٢) لم أجده في مظانه.\n(٣) في (أ)، (ج): (أن يؤخذ) بدون لا.\n(٤) الطبري ١٢/ ١٩٨ لم أجده في \"تفسير الطبري\" بنصه.\n(٥) هو: أبو دؤاد وقيل أبو داود جارية بن الحجاج، وقيل: جويرية، وقيل: حنظلة، شاعر جاهلي. انظر: \"خزانة الأدب\" ٩/ ٥٩٠، و\"الشعر والشعراء\" ص ١٤٠.\nوالبيت من الرمل ونسبه الواحدي هنا إلى أبي دؤاد، ونسب إليه أيضًا في الطبري ١٢/ ١٩٨، والثعلبي ٧/ ٧٨ أوفيها: (جلبت عند عزيز ...) وفي \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٠، و\"مجمع البيان\" ٥/ ٣٥٠.\n(٦) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).\n(٧) \"تهذيب اللغة\" (شغف) ٢/ ١٨٩٤.","vol":"12","page":87},{"text":"وقال يونس (١): شغفها أصاب شغافها مثل كبدها، وقال ابن السكيت (٢): الشغاف هو الخلبُ، وهو جليدة لاصقة بالقلب، ومنه قيل: خلبه إذا بلغ حبه خلب قلبه، وشغفها إذا بلغ حبه شغاف قلبها، وقال الفراء (٣): (شغفها حبًّا) أي: خرق شغاف قلبها، وقال ابن قتيبة (٤): يقال. شغفت فلانًا، إذا أصبت شغافه، كما تقول: كبدته (٥)، إذا أصابت كبده.\nوقال ابن الأنباري (٦): الشغاف غلاف القلب، وأنشد (٧):\nيَعْلَمُ اللهُ أنَّ حُبَّكِ مِنِّي ... في سَوَادِ الفُؤادِ وِسْطَ الشِّغَاف\nقال: والمعنى: شغفها حبه، أي: أصاب شغافها، ثم نقل الفعل عن الفاعل [فخرج الفاعل] (٨) مفسرًا نحو قولهم: طاب نفسًا، وقر عينًا، ﴿واشتعل الرأس شيبًا﴾، وهذا من كلامهم للاتساع (٩) في اللغة، والافتنان في اللفظ، وذلك أدل على البلاغة وأحلى في السمع، ولا يتعدى في هذا ما نطقت به العرب، لا يقال: عقل محمد جارية، على معنى عقلت جارية محمد، كما يقال: حسن محمد وجهًا، فعلى هذا (الحب) فاعل نقل عنه الفعل.\n_________\n(١) \"تهذيب اللغة\" (شغف) ٢/ ١٨٩٤.\n(٢) \"تهذيب اللغة\" (شغف) ٢/ ١٨٩٤.\n(٣) \"معاني القرآن\" ٢/ ٤٢.\n(٤) \"مشكل القرآن وغريبه\" ص ٢١٨.\n(٥) في (أ)، (ج): (لبدته). باللام.\n(٦) \" الزاهر\" ١/ ٥٠٩.\n(٧) هو لعبد الله بن قيس الرقيات. انظر: \"ديوانه\" ص ٣٧، و\"الزاهر\" ١/ ٥٠٩.\n(٨) ما بين المعقوفين ساقط من (ج).\n(٩) في (ج): (الاتساع).","vol":"12","page":88},{"text":"وقال غير أبي بكر: المعنى شغفها الفتى بالحب، فحذف الجار ونصب الحب، كما يقال: قتله ضربًا، فعلى هذا، الفاعل هو الفتى.\nوأما المفسرون، فقال ابن عباس (١) في رواية عطاء: قد دخل حبه شغاف قلبها، وهو موضع الدم، وهي الشغاف، وهذا الذي ذكره ابن عباس قول آخر في الشغاف سوى ما ذكرنا عن أهل اللغة، وقد ذكر الزجاج (٢) هذا القول في الشغاف فقال: هو حبَّة القلب وسويداء القلب، وهذا القول أبلغ في وصول الحب إلى القلب، ونحو هذا روى ابن أبي نجيح عن مجاهد (٣): دخل حبه في شغافها.\nوقال السدي (٤): الشغاف جلدة رقيقة على القلب، يقول: دخل الحب الجلد حتى أصاب القلب.\nوقال الكلبي (٥): الشغاف حجاب القلب، [تقول: حجا حبُه قلبها حتى لا تعقل سواه، وهذه الأقوال كلها تدل على أن الحب] (٦) فاعل، ثم نقل عنه الفعل؛ لأن المفسرين أسندوا الفعل إلى الحب، وقرأ جماعة من الصحابة والتابعين (شعفها) بالعين (٧).\n_________\n(١) الثعلبي ٧/ ٧٨ أ. وانظر: \"الدر\" ٤/ ٢٧ بمعناه.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٠٥، و\"زاد المسير\" ٤/ ٢١٤.\n(٣) الطبري ١٢/ ١٩٨، وأبو الشيخ كما في \"الدر\" ٤/ ٢٨، والقرطبي ٩/ ١٧٦.\n(٤) الثعلبي ٧/ ٧٨ أ، الطبري ١٢/ ١٩٩، البغوي ٤/ ٢٣٦، القرطبي ٩/ ١٧٦.\n(٥) الثعلبي ٧/ ٧٨ أ، البغوي ٤/ ٢٣٦.\n(٦) ما بين المعقوفين ساقط من (أ)، (ج).\n(٧) ومن هؤلاء عبد الله بن عمرو، وعلي بن الحسين، والحسن البصري، ومجاهد، وابن محيصن وابن أبي عبلة، وأبو رجاء، انظر: الطبري ١٢/ ٢٠٠، و\"إتحاف\" ٢٦٤، و\"زاد المسير\" ٤/ ٢١٥.","vol":"12","page":89},{"text":"قال ابن السكيت (١): يقال: شعفه الهوى، إذا بلغ منه، وشعف الهناء البعير، إذا بلغ منه ألمه، وقد كشف أبو عبيد (٢) عن هذا المعنى فقال: الشعف بالعين إحراق الحب للقلب مع لذة يجدها (٣)، كما أن البعير إذا هُنئ بالقطران يبلغ منه مثل ذلك، ثم يستروح إليه، ونحو هذا قال أبو سعيد (٤) في قول امرئ القيس (٥):\nلتقتلني (٦) وقد شَعفْتُ فؤادَها ... كما شَعَفَ المهنُوءَةَ الرّجُلُ الطَّالِي\nقال يقول: أحرقت فؤادها بحبي كما أحرق الطالي هذا المهنوة.\nوقال الفراء (٧) والزجاج (٨): شعفها بالعين معناه [ذهب بها كل مذهب، مشتق من الشعف وهو رؤوس الجبال، وفلان مشعوف بكذا] (٩)\n_________\n(١) \"تهذيب اللغة\" (شعف) ٢/ ١٨٨٩.\n(٢) \"تهذيب اللغة\" (شعف) ٢/ ١٨٨٩ - ١٨٩٠.\n(٣) في (ج): (يجد) من غير هاء.\n(٤) \"تهذيب اللغة\" (شعف) ٢/ ١٨٩٠. وهو: أبو سعيد الضرير أحمد بن خالد، اعتمده الأزهري في \"التهذيب\". انظر: \"تهذيب اللغة\" ١/ ٤٤، و\"معجم الأدباء\" ١/ ٣٤٦، و\"إنباه الرواة\" ١/ ٤١.\n(٥) البيت في \"ديوانه\" ص١٤٢، و\"اللسان\" (شعف) ٤/ ٢٢٨، والطبري ١٢/ ٢٠٠، والثعلبي ٧/ ٧٨ أ، و\"تهذيب اللغة\" (شعف) ٢/ ١٨٩٠، و\"الزاهر\" ١/ ٦٢٠، و\"شرح أبيات سيبويه\" ٢/ ٢٢٢، والقرطبي ٩/ ١٧٧.\n(المهنوءة) المطلية بالقطران، وإذا هنئ البعير بالقطران يجد له لذة مع حرقة كحرقة الهوى مع لذته.\n(٦) في الطبري ١٢/ ٢٠٠، والثعلبي ٧/ ٧٨ أ: (أتقتلني) وهو أقرب.\n(٧) \"معاني القرآن\" ٢/ ٤٢.\n(٨) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٠٥.\n(٩) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).","vol":"12","page":90},{"text":"معناه قد ذهب به الحب أقصى المذاهب، وقال أبو زيد (١): شعفه حبها يشعفه، إذا ذهب بفؤاده، ونحو هذا قال شمر (٢)، قال: والمشعوف الذاهب القلب، وقال الأصمعي (٣) في قوله:\nشَعَفَ الكلابُ الضَّارِيات فؤادَه\nالمشعوف، الذاهب القلب، وبه شعاف أي جنون، الأزهري (٤): وأهل هجر يقولون للمجنون مشعوف، وعلى هذا معنى (شعفها حبًا)، أي شعفت به، وكاد يذهب حبه بلبها، أي بلغ أقصى المبالغ منها وذهب بها كل مذهب.\nوقال أبو بكر: الشعف رؤوس الجبال، ومعنى: شعف بفلان، إذا ارتفع حبه إلى أعلى المواضع من قلبه.\nوهذا الذي حكينا عنه أئمة اللغة في معنى قوله (شعفها) بالعين غير المعجمة ثلاثة أصول: أحدها: أنه من الإحراق، والثاني: أنه من الإذهاب، والثالث: أنه من الارتفاع.\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ أي ضلال عن طريق الرشد، بحبها إياه (٥)، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [يوسف: ٨].\n_________\n(١) \"تهذيب اللغة\" (شعف) ٢/ ١٨٩٠.\n(٢) \"تهذيب اللغة\" (شعف) ٢/ ١٨٩٠.\n(٣) \"تهذيب اللغة\" (شعف) ٢/ ١٨٩٠. والبيت لأبي ذؤيب، وعجزه:\nفإذا يرى الصبح المصدق يفزع\n\"ديوان الهذليين\" ١/ ١٠، و\"المفضليات\" ص ٤٢٥، و\"اللسان\" (شعف) ٤/ ٢٢٨٠، و\"تهذيب اللغة\" (شعف) ٢/ ١٨٩٠.\n(٤) كذا في النسخ ولعله (قال الأزهري) وهو في \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٨٩٠ (شعف).\n(٥) \"زاد المسير\" ٤/ ٢١٥، والرازي ١٨/ ١٢٦.","vol":"12","page":91},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1741>٣١ </span>- قوله تعالى ﴿فَلَمَّا سَمِعَتْ﴾ يعني زليخا ﴿بِمَكْرِهِنَّ﴾ قال ابن عباس: يريد مقالتهن (١)، وقال قتادة والسدي (٢): بقولهن وحديثهن، فإن قيل: لم سمي قولهن مكرًا؟ فالجواب عن ذلك ما ذكره محمد بن إسحاق (٣)، وهو أن قال: إن النسوة قلن ما قلنه استدعاء لرؤية يوسف والنظر إلى وجهه، فعبنها بحبها يوسف لتريهن يوسف، وكان يوصف لهن حسنه وجماله، فلما كان هذا القول منهن طمعًا في أن يكون سببًا لمشاهدة يوسف، سمي مكرًا، لِمَا خالف ظاهرُه باطنه، وذلك أنهن قدرن أن هذا القول إذا اتصل بها أبرزت لهن يوسف ليعذرنها، ويزلن العيب عنها.\nوقال الزجاج (٤) وابن الأنباري (٥): إن امرأة العزيز كانت أسَرَّت إليهن وَجْدها بيوسف واستكتمتهن شأنها، فلما غدرن بها وأظهرن سرها كان ذلك منهن مكرًا، فلما سمعت بما فعلن أرادت أن توقعهن فيما وقعت فيه، ﴿أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ﴾، قال وهب (٦): اتخذت مأدبة ودعت أربعين امرأة، منهن هؤلاء اللاتي عيرنها.\nوقوله تعالى: ﴿وَأَعْتَدَتْ﴾ أي أعدت، ومضى الكلام فيه مستقصى (٧)\n_________\n(١) \"زاد المسير\" ٤/ ٢١٥.\n(٢) الطبري ١٢/ ٢٠١، الثعلبي ٧/ ٧٨ أ، البغوي ٤/ ٢٣٦.\n(٣) الطبري ١٢/ ٢٠١، الثعلبي ٧/ ٧٨ أ، \"زاد المسير\" ٤/ ٢١٥.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٠٥.\n(٥) الرازي ١٨/ ١٢٦.\n(٦) الثعلبي ٧/ ٧٨ ب، البغوي ٤/ ٢٣٧، القرطبي ٩/ ١٧٨.\n(٧) عند قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [النساء: ١٨]، وقال ما ملخصه: اعتدت الشيء فهو عتيد ومعتد، وقد عتد الشيء عتادة وهو عتيد حاضر، وعتد بتاء أصل على حدة، وقيل: الأصل أعدد من عين ودالين ثم قلبت إحدى الدالين تأء.","vol":"12","page":92},{"text":"﴿لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾ معنى المتكأ في اللغة، ما تتكأ عليه من نُمرقة أو وسادة، قال الزجاج (١): هو ما يتكأ عليه لطعام أو شراب أو حديث، ومتكأ أصله موتكا بالواو، مثل: موتزن أصله من الواو ثم قيل: متزن، واتكيت اتكأ أصله أوتكيت، فأدغمت الواو في التاء وشددت، والتوكؤ التحامل على العصا في المشي، يقال هو يتوكأ على عصاه ومنه قوله تعالى: ﴿هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا﴾ [طه: ١٨] وقولهم: رجل تكأة، إذا كان كثير الاتكاء، هو في الأصل وكأة، هذا الذي ذكرنا معنى المتكأ، وأصله في اللغة (٢).\nفأما التفسير، فقال الكلبي عن ابن عباس (٣): المتكأ الوسائد التي يتكأ عليها، وقال أبو عبيدة (٤): المتكأ: النمرق الذي يتكأ عليه، وعلى هذا التفسير لم يذكر الطعام الذي اتخذته لهن؛ لأن الحال وسياق القصة تدلان على أنها اتخذت طعامًا يحتاج إلى قطعه.\nوقال ابن عباس (٥) في رواية عطاء ومجاهد في تفسير المتكأ قال: هو الأترج، وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد (٦) ﴿وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾ طعامًا، ومثله روى سعيد عن قتادة (٧).\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٠٥.\n(٢) (في اللغة) ساقط من (أ، ب)، انظر: \"تهذيب اللغة\" (تكأ) ١/ ٤٤٥.\n(٣) \"زاد المسير\" ٤/ ٢١٦، و\"تنوير المقباس\" ص ١٤٨، والثعلبي ٧/ ٧٨ ب.\n(٤) \"مجاز القرآن\" ١/ ٣٠٩.\n(٥) الطبري ١٢/ ٢٠٢ - ٢٠٣، ومسدد وابن المنذر وابن أبي حاتم ٧/ ٢١٣٢، وأبو الشيخ وابن مردويه كما في \"الدر\" ٤/ ٢٨.\n(٦) الطبري ١٢/ ٢٠٣، وأبو عبيد وابن المنذر وابن أبي حاتم ٧/ ٢١٣٣، وأبو الشيخ كما في \"الدر\" ٤/ ٢٩.\n(٧) الطبري ١٢/ ٢٠٣، الثعلبي ٧/ ٧٨ ب. وابن أبي حاتم ٧/ ٢١٣٣.","vol":"12","page":93},{"text":"وقال ابن جريج عن ابن عباس (١): المتكأ الأترج، وكل ما نحر بالسكاكين ونحوه. قال الضحاك (٢) وهو قول سعيد بن جبير (٣) والحسن (٤) وابن إسحاق (٥) قالوا: طعامًا، قال ابن الأنباري وابن قتيبة (٦) وأهل المعنى: سمي الطعام والأترج متكأً؛ لأنهما من سبب الاتكاء، والعرب تقول: اتكأ الرجل، إذا أكل، فالمتكأ الطعام المأكول، والموضع الذي يؤكل فيه، بناءً على تسمية الشيء باسم سببه، ولما كان المضيف يتخذ لأضيافه نمارق يتكئون عليها للجلوس والأكل، سمي الطعام متكأ، كما يسمى المعلف أريًا (٧)، وهو الحبل الذي يحبس الدابة، وأنشد (٨):\nفظَلِلْنَا بنِعْمَةٍ واتَّكَأنَا ... وشَرِبْنَا الحَلالَ من قُلَلِه\n_________\n(١) \"زاد المسير\" ٤/ ٢١٦، البغوي ٤/ ٢٣٧.\n(٢) الطبري ١٢/ ٢٠٣، وأبو الشيخ كما في \"الدر\" ٤/ ٢٩، و\"زاد المسير\" ٤/ ٢١٦.\n(٣) الطبري ١٢/ ٢٠٣، ابن المنذر كما في \"الدر\" ٤/ ٢٩، الثعلبي ٧/ ٧٨ ب، البغوي ٤/ ٢٣٧.\n(٤) الطبري ١٢/ ٢٠٣، الثعلبي ٧/ ٧٨ ب، البغوي ٤/ ٢٣٧.\n(٥) الطبري ١٢/ ٢٠٣، الثعلبي ٧/ ٧٨ ب.\n(٦) \"مشكل القرآن وغريبه\" ص ٢١٨، ٢١٩.\n(٧) قال ابن السكيت: في قولهم: (العلف) أري، قال: هذا مما يضعه الناس في غير موضعه، وإنما الآري لحبس الدابة. \"تهذيب اللغة\" (ورى) ٤/ ٣٨٨١.\n(٨) القائل جميل بن معمر، و(القلل) جمع قلة وهي الحب العظيم وقيل الجرة الكبيرة وقيل الكوز الصغير، \"ديوانه\" ص ٥٣، و\"أساس البلاغة\" ٢/ ٢٧٣، و\"الأغاني\" ٧/ ٧٩، و\"شرح شواهد المغني\" ١٢٦، و\"مشكل القرآن وغريبه\" ص ٢١٨، والثعلبي ٧/ ٧٨ ب، والقرطبي ٩/ ١٧٨.","vol":"12","page":94},{"text":"أراد باتكأنا أكلنا، وقال الأزهري (١): وقيل للطعام متكأ؛ لأن القوم إذا قعدوا على الطعام اتكأوا، وقد نُهيت هذه الأمةُ عن ذلك، قال النبي - ﷺ - \"أما أنا فلا آكل متكئًا، آكل كما يأكل العبيد\" (٢).\nوقرأ جماعة من التابعين (٣) (مُتْكًا) قال ابن عباس (٤) ومجاهد (٥): هو الأترج. وقال الضحاك (٦): الزُّمَاوَرْد.\n_________\n(١) \"تهذيب اللغة\" (تكأ) ١/ ٤٤٥.\n(٢) اللفظ الأول \"أما أنا فلا آكل متكئًا\"، أخرجه البخاري من حديث أبي جحيفة (٥٣٩٨) كتاب: الأطعمة، باب: الأكل متكئًا، وأبو داود (٣٧٦٩)، كتاب: الأطعمة، باب: ما جاء في الآكل متكئا، والترمذي (١٨٩٠) باب ما جاء في كراهية الأكل متكئًا، وقال: هذا حديث حسن صحيح. والبيهقي في \"السنن\" ٧/ ٤٦٢ برقم (١٤٦٥١) باب الأكل متكئًا، وأما اللفظ الآخر \"آكل كما يأكل العبيد\" فقد قال البيهقي بعد أن ساق كلام الخطابي في معنى الاتكاء، قال: (وروي أنه كان يأكل مقعيًا ويقول: \"أنا عبد آكل كما يأكل العبد\"، ويؤيده حديث عبد الله بن بسر ولفظه: (اهديت للنبي - ﷺ - شاة فجثا على ركبتيه يأكل، فقال أعرابي: ما هذه الجلسة؟ فقال: \"إن الله جعلني عبدًا كريمًا ولم يجعلني جبارًا عنيدًا\" أخرجه أبو داود (٣٧٧٣)، كتاب: الأطعمة، باب: ما جاء في الأكل من أعلى الصحفة وابن ماجه (٣٢٦٣)، كتاب الأطعمة، باب الأكل متكئًا، والضياء المقدسي في \"المختارة\" ١/ ١١٢، وصححه الألباني في \"الإرواء\" (١٩٦٦).\n(٣) وممن قرأ بها مجاهد وسعيد بن جبير ونسبت إلى ابن عباس، وقرأ بها أبو جعفر، انظر: الطبري ١٢/ ٢٠٢ - ٢٠٣، و\"إتحاف\" ص ٢٦٤، و\"زاد المسير\" ٤/ ٢١٦، القرطبي ٩/ ١٧٨.\n(٤) الطبري ١٢/ ٢٠٢، و\"زاد المسير\" ٤/ ٢١٦، وابن أبي حاتم ١٢٣/ ٢٠٢.\n(٥) المرجع السابق.\n(٦) الثعلبي ٧/ ٧٨ ب، البغوي ٤/ ٢٣٧ بهامش الصفحة، و\"زاد المسير\" ٤/ ٢١٦، وابن أبي حاتم ٧/ ٢١٣٣ بلفظتي \"البزماورد، البرماورد\"، وفي \"القاموس\": الزماورد: بالضم طعام من البيض واللحم معرب.","vol":"12","page":95},{"text":"وقال عكرمة (١): هو كل شيء يحز بالسكين.\nقال ابن زيد (٢): يحززن (٣) الأترج بالسكين، ويأكلن بالعسل.\nقال أبو زيد (٤): كل ما حز بالسكين فهو عند العرب متك، والمتك والبتك القطع، والعرب تعاقب بين الميم والباء.\nوأنكر أبو عبيدة (٥) كل هذا، وقال: الذين قالوا المتكأ الأترج، فقد كذبوا، ليس للأترج في كلام العرب اسم إلا الأترج، وإنما لما احتج عليهم بأنه المتكأ من النمارق والوسائد، فروا وقالوا إنما هو المتك، وإنما المتك طرف بصر المرأة.\nقال أبو عبيد (٦): والفقهاء الذين رووا هذا وأخذوا به أعلم بتأويل القرآن من أبي عبيدة، فيجوز أن يكون من لغة قوم من العرب درست ومات من يتكلم بها، فقد قال الكسائي إن شيئًا من الكلام سقط لانقراض أهله ومن كان يتكلم به.\nقال أبو بكر (٧): وأنشدنا رجل في مجلس أبي العباس حُجةً؛ لأن المتك الأترج:\n_________\n(١) الثعلبي ٧/ ٧٨ ب، البغوي ٤/ ٢٣٧ ابن أبي حاتم ٧/ ٢١٣٣.\n(٢) الطبري ١٢/ ٢٠٤، والثعلبي ٧/ ٧٨ ب، وأبو الشيخ كما في \"الدر\" ٤/ ٢٩، وابن أبي حاتم ٧/ ٢١٣٤.\n(٣) في (ب): (يحزرن).\n(٤) الثعلبي ٧/ ٧٨ ب، \"تهذيب اللغة\" (متك) ٤/ ٣٣٣٨.\n(٥) \"مجاز القرآن\" ١/ ٣٠٩.\n(٦) الطبري ١٢/ ٢٠٢.\n(٧) \"الزاهر\" ٢/ ٢١.","vol":"12","page":96},{"text":"تَشْرَبُ الإثْمَ بالصُّواعِ جِهَارا ... وتَرَى المُتْكَ بَيْنَنَا مُسْتَعَارا (١)\nوأجاز الفراء (٢) والزجاج (٣) أن يكون المتك بمعنى الأترج.\nوقوله تعالى: ﴿وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا﴾ قال ابن عباس (٤): وأعطت كل واحدة منهن سكينًا وترنجة، فإن قلنا بهذا وحملنا المتكأ على الطعام الذي يقطع أو الأترج، فلا إشكال، وإن حملناه على الوسادة، والموضع الذي تتكأ عليه، فإنما أعطتهن (٥) السكين لتقطع فاكهة قدمت إليهن، ولم يذكر الفاكهة لدلالة الحال والسكين، ومعنى ﴿وَآتَتْ﴾ هاهنا ناولت، والسكين يذكر ويؤنث، ومتخذه يقال له: السَّكَّان.\nوقوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ﴾ أي قالت ذلك ليوسف، قال الزجاج (٦): أمرته بالخروج عليهن، ولم يكن تهيأ له (٧) ألا يخرج؛ لأنه بمنزلة العبد لها، ﴿فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ﴾ قال ابن عباس (٨)، ومعظم المفسرين:\n_________\n(١) البيت غير منسوب. وهو في \"الزاهر\" ٢/ ٢٥، و\"البحر المحيط\" ٥/ ٢٩٩، و\"المحرر الوجيز\" ٧/ ٤٩٣، و\"الدر المصون\" ٦/ ٤٧٩، والقرطبي ٩/ ١٧٨، و\"اللسان\" (إثم) ١/ ٢٩، و\"تهذيب اللغة\" ١/ ١٢٢، و\"تاج العروس\" (متك) ١٣/ ٦٣٨.\n(٢) \"معاني القرآن\" ٢/ ٤٢.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٠٦.\n(٤) الطبري ١٢/ ٢٠٤، وابن مردويه كما في \"الدر\" ٤/ ٢٨.\n(٥) في (أ)، (ج): (أعطهن).\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٠٦.\n(٧) ساقط من (أ)، (ب).\n(٨) الطبري ١٢/ ٢٠٥، و\"زاد المسير\" ٤/ ٢١٨، وابن أبي حاتم ٧/ ٢١٣٥ وروى هذا القول أيضًا عن ابن زيد وابن إسحاق قال: وروى عن السدي مثله.","vol":"12","page":97},{"text":"أعظمنه وهالهن أمره وبهتن، وهو قول مجاهد (١) في رواية ابن أبي نجيح وقتادة (٢) في رواية سعيد، وروى ليث عن مجاهد (٣) أعظمنه فحضن.\nوروى عبد الصمد بن علي بن عبد الله بن عباس عن أبيه عن جده (٤) أكبرنه قال: حضن من الفرح (٥).\nقال: وفي ذلك يقول الشاعر (٦):\nيأتي النِّساءَ على أطْهَارِهِنَّ ولا ... يأتي النِّساءَ إذا أكْبَرْنَ إكْبَارا\nونحو هذا القول روى أبو روق عن الضحاك عن ابن عباس (٧).\n_________\n(١) الطبري ١٢/ ٢٠٥، وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم (لم أجده في النسخة التي بين يدي) وأبو الشيخ كما في \"الدر\" ٤/ ٢٩، و\"زاد المسير\" ٤/ ٢١٨.\n(٢) الطبري ١٢/ ٢٠٤ - ٢٠٥.\n(٣) \"زاد المسير\" ٤/ ٢١٨.\n(٤) الطبري ١٢/ ٢٠٥، وابن المنذر وابن أبي حاتم ٧/ ٢١٣٥ كما في \"الدر\" ٤/ ٢٩، والثعلبي ٧/ ٧٩ ب، وعبد الصمد كان أميرًا على مكة، قال الذهبي: ليس بحجة. انظر: \"الجرح والتعديل\" ٦/ ٥٠، و\"الميزان\" ٣/ ٣٣٤، وأبوه هو أبو محمد ثقة عابد، مات سنة ١١٨ هـ على الصحيح وأخرج له الجماعة إلا البخاري. انظر: \"الكاشف\" ٢/ ٤٣، و\"التهذيب\" ٣/ ١٤٦ والأثر ضعيف.\n(٥) في (أ)، (ج): (من الفرج) بالعجمة \"زاد المسير\" ٤/ ٢١٨، ابن عطية ٧/ ٤٩٤، القرطبي ٩/ ١٨٠.\n(٦) البيت غير منسوب وهو في الطبري ١٢/ ٢٠٥، والثعلبي ٧/ ٧٩ ب، والقرطبي ٩/ ١٨٠، و\"زاد المسير\" ٤/ ٢١٨، و\"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٠٩١، وابن أبي حاتم ٧/ ٢١٣٥، و\"البحر المحيط\" ٥/ ٣٠٣، و\"المحرر الوجيز\" ٧/ ٤٩٤، و\"اللسان\" (كبر)، قال الطبري: البيت مصنوع، ط. البابي الحلبي ١٢/ ٢٠٥.\n(٧) \"تهذيب اللغة\" (كبر) ٤/ ٣٠٩١، و\"زاد المسير\" ٤/ ٢١٨، وفي ابن أبي حاتم ٧/ ٢١٣٥ عن أبي روق عن الضحاك عن ابن عباس قال: أعظمنه، فلعل الرواية هنا نقلها عن الأزهري في \"التهذيب\" فقد روى بسنده هذا القول إلى ابن عباس.","vol":"12","page":98},{"text":"وأنكر هذا أكثر أهل اللغة، قال أبو عبيدة (١): أكبرنه: أعظمنه في جماله وبهائه ونور النبوة، ومن أخذ الإكبار من الحيض فليس بحيض، ولكنه قد يُجْرِ الحيض، وقد تفزع المرأة فتسقط ولدها وتحيض، فإن كان ثم حيض، فعسى أن يكون من فزعهن وما هالهن من هيئته، وهذا الذي ذكره أبو عبيدة هو معنى رواية ليث عن مجاهد.\nوقال الزجاج (٢): منكر أيضًا أن يكون أكبر بمعنى حاض، هذه اللفظة ليست بمعروفة في اللغة، والهاء في أكبرنه تمنع هذا، لأنه لا يجوز النساء قد حضنه، لأن حضن لا يتعدَّى إلى مفعول.\nوقال الأزهري (٣): إن صحت هذه اللفظة في اللغة فلها مخرج، وذلك أن المرأة إذا حاضت أول ما تحيض فقد خرجت من حد الصغار ودخلت في حد الكبار، فقيل لها: أكبرت، أي حاضت على هذا المعنى.\nوأخبرني المنذري عن أبي الهيثم، قال: سألت رجلًا من طي فقلت: ما لك زوجة؟ قال: لا والله ما تزوجت، وقد وعدت في بنت عم لي، قلت: وما سنها، قال قد أكبرت أو كربت، قلت: وما أكبرت؟ قال: حاضت، قال الأزهري أرى اللغة تصحح: أكبرت المرأة، إذا حاضت، إلا أن الكناية في (أكبرنه) تنفي هذا المعنى، فإن صحت الرواية عن ابن عباس سلم له، وجعلنا الهاء في قوله ﴿أَكْبَرْنَهُ﴾ هاء الوقفة لا هاء الكناية.\nوقال ابن الأنباري: من أبطل هذا القول إنما أبطله من أجل الهاء، وقد رأو أن الهاء تنصرف إلى يوسف وليست منصرفة إليه، لكنها كناية عن\n_________\n(١) \"مجاز القرآن\" ١/ ٣٠٩.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٠٦.\n(٣) \"تهذيب اللغة\" (كبر) ٤/ ٣٠٩١.","vol":"12","page":99},{"text":"مصدر الفعل يعنى بها أكبرن إكبارًا، أي حضن حيضًا، فكنى عن المصدر كما يقال: قدم زيد فأحببته، يعنون فأحببت قدومه (١) كما قال الشاعر (٢):\nوليسَ المَالُ فاعْلَمْهُ بمَالٍ ... وإن أغْنَاكَ إلا للدُنِّي\nأراد: فاعلم علمًا، قال: وهذا القول مقبول لقول ابن عباس به، وبناء جماعة من التابعين عليه، والقول في الهاء ما قاله أبو بكر، لا ما قاله الأزهري، لأن هاء الوقفة تسقط في الوصل ولا توصل بواو.\nوقوله تعالى: ﴿وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾ قال المفسرون: حززن (٣) أيديهن بالسكاكين، وهن يحسبن أنهن يقطعن الأترج، قال قتادة (٤): أبن أيديهن حتى ألقينها، وقال مجاهد (٥): لم يحسسن إلا بالدم، ولم يحدث الألم من حز الأيدي لشغل قلوبهم بيوسف.\nقال أهل المعاني: قوله ﴿وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾ يحتمل ضروبًا من القطع: أحدها: أن يكون كما ذكره قتادة، والثاني: أن يجرحن أيديهن في مواضع، وكذلك ذكر بلفظ التكثير، والثالث: أن كل واحدهَ جرحت يدها جراحة\n_________\n(١) في (ب): (وكما) بزيادة الواو.\n(٢) البيت بلا نسبة في الأزهية ص ٢٩٣، و\"الإنصاف\" ٢/ ٦٧٥، و\"خزانة الأدب\" ٥/ ٥٠٤، و\"الدرر\" ١/ ٢٥٥، و\"رصف المباني\" ص ٧٦، و\"اللسان\" (ضمن) ١٣/ ٢٥٩ (لذا) ١٥/ ٢٤٥، و\"همع الهوامع\" ١/ ٨٢، برواية العجز: (من الأقوام إلا للذي).\n(٣) في (ب): جززن.\n(٤) الطبري ١٢/ ٢٠٧، والثعلبي ٧/ ٧٩ ب، والبغوي ٤/ ٢٣٨، و\"زاد المسير\" ٤/ ٢١٨، وابن أبي حاتم ٧/ ٢١٣٦ بنحوه عن غير قتادة.\n(٥) الطبري ١٢/ ٢٠٦، الثعلبي ٧/ ٧٩ ب، وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم ٧/ ٢١٣٦، وفيه حز حزًّا بالسكين، وأبو الشيخ كما في \"الدر\" ٤/ ٣٠، البغوي ٤/ ٢٣٨، و\"زاد المسير\" ٤/ ٢١٨.","vol":"12","page":100},{"text":"واحدة، ولكنهن لما كن عدة حسن فعل التكثير.\nوقوله تعالى: ﴿وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ﴾ قال أهل اللغة (١) والنحويون: حاش وحاشا يستعملان في الاستثناء والتبرئة، فالاستثناء أن تقول: أتاني القوم حاشا زيد، ومعناه: إلا زيد، وموضع الجار مع المجرور نصب، وأكثر ما يستعمل معه اللام، نحو: ضربت القوم حاشا لزيد، وحاش لزيد، فإن أسقطت اللام جررت بحاشا ما بعدها، وقد أجاز النصبَ بها جماعةٌ من النحويين، وكالتي في الآية، وتأويلها: معاذ الله، وهو تنزيه ليوسف على حال البشر أو عما قُرف به.\nوأما اشتقاق هذه الكلمة، فقال الزجاج (٢): اشتقاقه من الحشا والحاشية بمعنى الناحية، من قولك: كنت في حشا فلان، أي: في ناحيته، ومعنى قولك: حاشا لزيد: قد تنحى زيد عن هذا وتباعد منه، كما تقول: تنحى من الناحية، كذلك تحاشى من هذا الفعل بمعنى تباعد من حاشية الشيء، وهي ناحيته، ونحو هذا قال أحمد بن عبيد: حاشا مأخوذة من قول العرب: لا أدري أي الحشا أخذ فلان، يعنون أي النواحي، واحتج بقول الهذلي (٣):\nيَقُولُ الذي أمْسَى إلى الحزْنِ أهْلُه ... بأيِّ الحَشَا أمْسَى الخَلِيطُ المُبَايِنُ\n_________\n(١) \"تهذيب اللغة\" (حشو) ١/ ٨٢٥، و\"الزاهر\" ٢/ ٢٨٨.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٠٧.\n(٣) لمالك بن خالد الخناعي، ويقال: للمعطل، والحشا: أجواف الأودية، والخليط: الذين يخالطون في الدار، المباين: المفارق المزايل، انظر: \"شرح أشعار الهذليين\" للسكري ١/ ٤٤٦، و\"تهذيب اللغة\" (حشا) ١/ ٨٢٦، و\"المخصص\" ٥/ ١١٨، و\"شرح المفصل\" ٢/ ٨٥، و\"جمهرة اللغة\" ٢/ ١٠٤٩.","vol":"12","page":101},{"text":"أراد: بأي النواحي، واحتج أيضًا بقول النابغة (١):\nوما أُحَاشِي مِنَ الأقْوَامِ مِنْ أَحَدِ\nقال: معناه ما أعدل أحدًا من الأقوام في حشا، أي في ناحية، ولهذا احتمل هذه الكلمة معنى الاستثناء والتنزيه، لأن معنى التنزيه التنحيةُ والإبعاد، وكذلك معنى الاستثناء هو الإخراج عن جملة المذكورين.\nوقال أبو علي (٢): حاشا فاعل من حاشى يحاشي، ومعنى: حاش لله، أي: صار يوسف في حشًى، أي: ناحية مما قُرِف به، أي لم يلابسه، وصار في عزلة عنه وناحية، وإذا كان حاشا فعلًا فلابد له من فاعل وفاعله يوسف، كأن المعنى بعد عن هذا الذي رُمي به، (لله) أي لخوفه ومراقبته أمره، وأما حذف الألف منه، فلأن الأفعال قد حذف منها، نحو: لم يك، ولا أدر، ولم أبل، وقد حذفوا الألف من الفعل، نحو ما حكي عن العرب سماعًا: أصاب الناس جهد ولو نر (٣) أهل مكة، وإنما هو (نرى) فحذفت الألف المنقلبة عن اللام كما حذفت من حاشا، وقد قال رؤبة (٤):\nوصَّاني العَجَّاجُ فيما وَصنِي\n_________\n(١) عجز بيت للنابغة الذبياني من قصيدة يمدح بها النعمان ويعتذر إليه، وصدره: ولا أرى فاعلًا في الناس يشبهه\nانظر: \"ديوانه\" ص ١٢، و\"الإنصاف\" ٢٤١، و\"الخزانة\" ٢/ ٤٤، و\"الهمع\" ١/ ٢٣٣، و\"الدرر\" ١/ ٩٨، والقرطبي ٩/ ١٨١، و\"الدر المصون\" ٦/ ٤٨٤.\n(٢) \"الحجة\" ٤/ ٤٢٣.\n(٣) سقط من (أ، ب، ج) وما أثبته في (ي)، وفي \"الحجة\" ٤/ ٤٢٣: ولو تَرَما أهل مكة.\n(٤) من أرجوذة له في \"ديوانه\" ص ١٨٧، وقبله:\nمُسرول في آلة مُربن ... يمشي العرضى في الحديد المتقن\nوبلا نسبة في \"الأشباه والنظائر\" ٢/ ٤٤٩، و\"الخزانة\" ١/ ١٣١.","vol":"12","page":102},{"text":"ومن أثبث الألف جاء به على التمام والأصل، واختلف النحويون في أن حاشا في الاستثناء حرف جر أم فعل، فهو عند سيبويه (١) حرف، وعند المبرد (٢) يجوز أن يكون فعلًا، وهو اختيار أبي علي، قال: لأن الحرف الجار لا يدخل على مثله، وقد دخل حاشا على اللام الجارة، ولأن الحروف لا تحذف إذا لم يكن فيها تضعيف، واحتج المبرد بقول النابغة (٣):\nوما أُحَاشِي مِنَ الأقْوَامِ من أَحَدِ\nقال: لما صرف فاستعمل منه أحاشي، علم أنه فعل.\nقال أصحاب سيبويه: قول سيبويه أولى، لأنه يتعلق بالحكاية عن العرب فكان أولى، وحجته في أنها لا تكون إلا حرفًا اجتماع النحويين على أنها لا تكون صلة لما، فلا تقول: جاءني القوم ما حاشا زيدًا، كما تقول: ما خلا زيدًا، فلما امتنعت أن تكون صلة لـ (ما)، دل على أنها ليست بفعل، واحتجاج أبي العباس عليه بقول النابغة لا يلزم؛ لأن قوله (وما أحاشى) ليس بتصريف فعل بل هو بناء فعل على حكاية [قول القائل: حاشا فلان، نحو قولهم: حوقل وبسمل، كأنه قال: ما أقول هذا القول. وأما] (٤) قول أبي علي، وقد ذكره أبو العباس أيضًا أن حاشا دخلت على اللام الجارة، فتقدير ذلك أن تكون اللام معلقة بفعل آخر، وتكون زائدة، وأما\n_________\n(١) \"الكتاب\" ٢/ ٣٠٩.\n(٢) \"المقتضب\" ٤/ ٣٩١، قال محقق الكتاب: وهذه المسألة من المسائل التي رد فيها المبرد على سيبويه، وقد تعقبه ابن ولاد في الانتصار، وانظر: \"الحجة\" ٤/ ٤٢٢.\n(٣) سبق التعليق على البيت.\n(٤) ما بين المعقوفين في (ب) وهو ساقط من (أ)، (ج).","vol":"12","page":103},{"text":"قوله: الحروف لا تحذف، قيل: إنها تخفف وتشدد فيجوز أن تحذف أيضا من حاشا لكثرة استعمالهم إياه، ولاتصال اللام بها.\nوذكر أبو علي (١) في \"الإيضاح\" أن حاشا حرف فيه معنى الاستثناء، تقول: أتاني القوم حاشا زيد، فموضع الجار والمجرور النصب، وأكثر أهل العربية على أن معنى قوله ﴿حَاشَ لِلَّهِ﴾ تنزيه ليوسف عما رمته به امرأة العزيز كما ذكرنا، وذهبت طائفة إلى أن المراد تنزيهه من (٢) شبه البشرية، لفرط جماله وروعة بهائه، ويؤكد هذا المعنى سياقُ الآية بعد هذا، ويكون تقدير الآية على هذا المعنى: حاشا يوسف، أي: بعد عن أن يكون بشرًا، ودخلت (لله) تأكيدًا لهذا المعنى.\nوقوله تعالى: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾ قال الفراء (٣): نصبت بشرًا؛ لأن الباء قد استعملت فيه، ولا يكاد أهل الحجاز ينطقون إلا بالباء، فلما حذفوها أحبوا أن يكون لها أثر فيما خرجت منه، فنصبوا على ذلك، ألا ترى أن كل ما في القرآن أتى بالياء إلا هذا، وقوله تعالى: ﴿مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ﴾ [المجادلة: ٢].\nوقال الزجاج (٤): سيبويه والخليل وجميع النحويين القدماء يزعمون أن بشرًا منصوب لأنه خبر (ما) ويجعلونه بمنزلة (ليس)، و(ما) معناه معنى (ليس) في النفي.\nوقوله تعالى: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ تأكيد أنه ليس من البشر.\n_________\n(١) \"الإيضاح\" ص ٣٣.\n(٢) من هنا يبدأ سقط في نسخة (ب) حتى ص ١١١.\n(٣) \"معاني القرآن\" ٢/ ٤٢.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٠٧.","vol":"12","page":104},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1742>٣٢ </span>- قوله تعالى ﴿فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾ معنى اللوم في اللغة (١) الوصف بالقبيح، ونقيضه الحمد، قال المفسرون (٢): (أرادت امرأة العزيز إظهار عذرها عند النسوة، بما يشاهدن من جمال يوسف) (٣). فلما بهتن بالنظر إليه، وذهب عقولهن، وجعلن يقطعن أيديهن، قالت: ﴿فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾ قال ابن الأنباري (٤): أشارت بذلك إلى يوسف بعد انصرافه من المجلس، يدل على هذا ما روي أن ابن عباس (٥) قال: في قوله ﴿فَذَلِكُنَّ﴾ يريد فهو الذي لمتنني فيه، أي في حبه، والشغف به، ثم أقرتْ عندهنَّ فقالت: ﴿وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ﴾ قال ابن عباس (٦) والمفسرون (٧) وأهل اللغة (٨): فامتنع، ومعنى الاستعصام الامتناع بطلب العصمة، والعصمة سميت عصمة؛ لأنها تمنع من ارتكاب المعصية، قال الأصمعي (٩): العصمة في كلام العرب المنع، وعصمة الله العبد، أن يمنعه مما يوبقه، واعتصم بالله، إذا امتنع به، واعتصم إذا امتنع وأبى،\n_________\n(١) \"تهذيب اللغة\" (لام) ٤/ ٣٢٢١، و\"اللسان\" (لوم) ٧/ ٤١٠١.\n(٢) الطبري ١٢/ ٢٠٩، الثعلبي ٧/ ٨٠ ب.\n(٣) ما بين المعقوفين مكرر في (أ).\n(٤) \"زاد المسير\" ٤/ ٢١٩، الرازى ١٨/ ١٣٠.\n(٥) قال به الطبري ١٢/ ٢٠٩.\n(٦) الطبري ١٢/ ٢١٠، وابن المنذر وابن أبي حاتم ٧/ ٢١٢٧، وأبو الشيخ كما في \"الدر\".\n(٧) الثعلبي ٧/ ٨٠ ب، البغوي ٤/ ٢٣٩، ابن عطية ٧/ ٥٠١، \"زاد المسير\" ٤/ ٢٢٠، وأبو الشيخ كما في \"الدر\".\n(٨) \"مشكل القرآن وغريبه\" لابن قتيبة ص ١/ ٢٥٥، و\"معاني القرآن\" للنحاس ٣/ ٤٢٣، و\"اللسان\" (عصم) ٥/ ٢٩٧٦.\n(٩) \"تهذيب اللغة\" (عصم) ٣/ ٢٤٦٦.","vol":"12","page":105},{"text":"وقال قتادة (١): فاستعصى.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ﴾ قال ابن عباس (٢): يريد ما أدعوا إليه ﴿لَيُسْجَنَنَّ﴾ توعدته بإيقاع المكروه به، إن لم يطعها فيما تدعوه إليه، و﴿وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾، ومضى الكلام في النون الشديدة والخفيفة، وأن الوقف عليها بالألف كالتنوين في موضع النصب، والصاغر الذليل، ذكرنا ذلك في قوله ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] وقوله ﴿صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ﴾ (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1743>٣٣ </span>- وقوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ (٤) قال أبو بكر: معناه: رب دخول السجن أحب إلى مما يطالبنني به من معصيتك، والتعرض لسخطك، فحذف المضاف، وهذا قول الزجاج (٥)، قال أبو بكر ويجوز أن يكون السِّجن بمعنى السَّجْن إذ الاسم المشتق من الفعل يأتي نائبًا عن المصدر، كما يقال: طلعت الشمس مطلعًا، وغربت مغربًا، جعلوها خلفًا من المصدر وهما اسمان، كذلك السجن، وهذا قول الفراء (٦)، ولابد من أحد التقديرين؛ لأن السِّجن بالكسر اسم للموضع الذي يحبس فيه، وليس يريد أن ذلك الموضع أحب إلى، بل يريد دخوله واللبث فيه، فإن قيل: لم قال: (أحب إلي) ولا واحد من الأمرين محبوب له، لا السجن،\n_________\n(١) الطبري ١٢/ ٢١٠، وأبو الشيخ كما في \"الدر\"، والثعلبي ٧/ ٨٠ ب، والقرطبي ٩/ ١٨٤.\n(٢) قال به الطبري ١٢/ ٢١٠، والثعلبي ٧/ ٨٠، والبغوي ٤/ ٢٣٩.\n(٣) الأنعام: ١٢٤. وقد قال هناك الصغار: الذل الذي يصغر إلى المرء نفسه.\n(٤) في (أ)، (ج): (يدنني) بدلا من (يدعونني).\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٠٨.\n(٦) \"معاني القرآن\" ٢/ ٤٤.","vol":"12","page":106},{"text":"ولا ما دعونه إليه، إذ لا يريده؟ قلنا هو على التقدير أي: لو كانا مما أريده لكانت إرادتي لهذا أشد، كمن خير بين خصلتي شر، فاختار أيسرهما وأقربهما إلى النجاة.\nوقوله تعالى: ﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ﴾ قال أبو إسحاق (١): يعني امرأة العزيز وحدها، إلا أنه أراد كيدها وكيد جميع النساء، وجائز أن يكون أراد كيدها وكيد النسوة اللاتي رأينه حين أرتهن إياه، يؤكد هذا ما قال وهب (٢): أن النسوة أمرنه بمطاوعتها، وقلن له: إنك الظالم وهي المظلومة، فلا تعصها واقض حاجتها.\nوقوله تعالى: ﴿أَصْبُ إِلَيْهِنَّ﴾ قال ابن عباس (٣): أمِلْ إليهن، وقال قتادة (٤): أتابعهن، يقال: صبا إلى اللهو يصبو صبوًا، إذا مال إليه، وقال أبو الهيثم: صبا فلان إلى فلانة، وصبا لها يصبو، صبى منقوص وصبوة، أي مال إليها.\nوقوله تعالى: ﴿وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ قال ابن عباس: يريد المذنبين الآثمين، وقال أهل المعاني: وأكن ممن يستحق صفة الذم بالجهل، في هذه الآية بيان أن يوسف لما أظلته البلية بكيد النساء ومطالبتهن إياه بالفجور فزع إلى الدعاء والرغبة إلى الله تعالى بالدعاء ليكشف ذلك، مع الاعتراف بأنه إن لم يعصمه من المعصية وقع فيها، فدل أنه لا ينصرف واحدٌ عن\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٠٩.\n(٢) \"زاد المسير\" ٤/ ٢٢٠، البغوي ٤/ ٢٣٩، القرطبي ٩/ ١٨٥، ابن عطية ٧/ ٥٠٢.\n(٣) قال به الطبري ١٢/ ٢١١، و\"تنوير المقباس\" ص ١٤٩، الثعلبي ٧/ ٢٨١، البغوي ٤/ ٢٣٩، \"زاد المسير\" ٤/ ٢٢٠، القرطبي ٩/ ١٨٥.\n(٤) الطبري ١٢/ ٢١١، الثعلبي ٧/ ٨١ أ، البغوي ٤/ ٢٣٩، القرطبي ٩/ ١٨٥، ابن أبي حاتم ٧/ ٢١٢٨، أبو الشيخ كما في \"الدر\" ٤/ ٣١.","vol":"12","page":107},{"text":"المعصية (١) إلا بلطف الله ﷿ وعصمته، فاستجاب ليوسف ربه دعاءه،\nوذلك أن قوله: ﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ﴾ تأويله اللهمَّ اصرف، كما أن تأويل قول القائل: إلا تطعني أعاقبك، أطعني، قاله أبو بكر (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1744>٣٤ </span>- وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ قال ابن عباس (٣): يريد لدعائه، العليم بما يخاف من الإثم.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1745>٣٥ </span>- قوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ﴾ يقال: بدا له في هذا الأمر بداة، إذا تغير رأيه عما كان عليه، وظهر له رأي آخر، قال وهب والسدي (٤): إن امرأة العزيز قالت لزوجها: إن هذا العبد العبراني فضحني في الناس، يخبرهم أني راودته عن نفسه، ولست أطيق أن أعتذر بعذري، فإما أن تأذن لي فأخرج وأعتذر، وإما أن تحبسه كما حبستني، فظهر للعزيز وأصحابه من الرأي حبس يوسف.\nوقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ﴾ يعني آيات براءته من قدِّ القميص من دبر، وخمش الوجه وإلزام الحكيم إياها، وقوله: ﴿إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾، هذا قول المفسرين، وذكر قتادة (٥) في هذا الآيات حز الأيدي، ولست أدري أي آية فيه على براءة (٦) يوسف، فإن\n_________\n(١) في (ج): (معصية) من غير آل.\n(٢) \"زاد المسير\" ٤/ ٢٢٠.\n(٣) الطبري ١٢/ ٢١٢، الثعلبي ٧/ ٨١ أ، البغوي ٤/ ٢٣٩.\n(٤) الطبري ١٢/ ٢١٣، الثعلبي ٧/ ٨١ أ، \"زاد المسير\" ٤/ ٢٢١، البغوي ٤/ ٢٣٩، القرطبي ٩/ ١٨٧.\n(٥) الطبري ١٢/ ٢١٢، عبد الرزاق ٢/ ٣٢٣.\n(٦) قال ابن عطية ٧/ ٥٠٥: (وخمش الوجه وحز النساء أيديهن ليس فيهما تبرئة ليوسف، ولا تتصور تبرئة إلا في خبر القميص).","vol":"12","page":108},{"text":"قيل: أين فاعل بدا؟ قيل هو مضمر دل عليه (ليسجننه)، على تقدير: بدا لهم بداء (١) فقالوا والله (لنسجننه)، واللام في لنسجننه جواب ليمين (٢) مضمرة، كقوله ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ﴾ [البقرة: ١٠٢] وقد مر، ورد السجن إلى الياء تغليبًا للأسماء الغيب، كما تقول: قال القوم والله ليكرمن ولنكرمن محمدًا، بالياء والنون، هذا الذي ذكرنا جواب ابن الأنباري (٣) وغيره من النحويين.\nوقال الفراء (٤) وأصحابه: قوله ﴿لَيَسْجُنُنَّهُ﴾ قام مقام فاعل بدا؛ لأن تلخيصه: ظهر لهم سجنه، فناب الفعل الذي فيه لام القسم عن فاعل بدا، وذلك لما كان في الكلام معنى قول؛ لأن تأويل قوله (بدا لهم) أي فيما قالوا ودبروا، فصار كقولك: قلت ليقومن عبد الله، فتسد اللام وما بعدها مسد الكلام حين يقال قلن كلامًا فاللام (٥) في (ليسجننه) هذه قصتها؛ إذ كان الفعل الذي قبلها يرجع إلى القول في المعنى.\nوذكر أبو علي الفارسي في \"المسائل الحلبية\" (٦) هذه الآية، فقال: إن أبا عثمان يقول: إن فاعله مضمر فيه، كأنه عنده: ثم بدا لهم بدو، فأضمر الفاعل لدلالة فعله عليه، وجاز هذا وحسن، وإن لم يحسن أن نقول: ظهر ظهور وعلن علن؛ لأن البدو والبدا قد استعمل على معنى غير المصدر،\n_________\n(١) هذا القول رجحه ابن عطية ٧/ ٥٠٤، القرطبي ٩/ ١٨٦، والتقدير: ثم بدا لهم رأي.\n(٢) في (أ): (ليمن).\n(٣) \"الزاهر\" ٢/ ٦١، و\"زاد المسير\" ٤/ ٢٢١.\n(٤) \"معاني القرآن\" ٢/ ٤٤.\n(٥) في (ج): (واللام).\n(٦) \"المسائل الحلبية\" ص ٢٣٩.","vol":"12","page":109},{"text":"ألا ترى أن قولهم: بدا لهم بدو، بمنزلة ظهر لهم رأي، كما أن قولهم: قيل فيه قول كذلك، فلهذا أقيم المصدر فيه مقام الفاعل، وأما قوله (ليسجننه) فحمله أبو عثمان على أنه حكاية، تقديره: بدا لهم أمر قالوا ليسجننه، فأضمر القول كما قال ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ﴾ [الزمر: ٣] أي قالوا، ومثله كثير في التنزيل (١).\nوقوله تعالى: ﴿حَتَّى حِينٍ﴾ قال أهل اللغة (٢): الحين وقت من الزمان غير محدود يقع على القصير منه والطويل.\nقال ابن عباس (٣) في رواية عطاء: يريد إلى انقطاع القالة وما شاع في المدينة من الفاحشة، وقال في رواية الكلبي (٤): الحين هاهنا خمس سنين.\nوقال سفيان وعكرمة (٥): سبع سنين.\n_________\n(١) في هذه المسأله ثلاثة أقوال:\n١ - مذهب سيبويه أن ليسجننه في موضع الفاعل أي: ظهر لهم أن يسجنوه، وقال محمد بن يزيد: هذا غلط لا يكون من الفاعل جملة ولكن.\n٢ - الفاعل ما دل عليه بدا أي بدا لهم بداءٌ، فحذف الفاعل لأن الفعل يدل عليه.\n٣ - أن معنى (بدا له) في اللغة ظهر له ما لم يكن يعرفه، فالمعنى ثم بدا لهم أي لم يكونوا يعرفونه، وحذف هذا لأن في الكلام عليه دليلًا، وحذف أيضًا القول أي قالوا: (ليسجننه) انظر: \"الكتاب\" ١/ ٤٥٦، و\"إعراب القرآن\" للنحاس ٢/ ١٤١.\n(٢) \"تهذيب اللغة\" (حين) ١/ ٧١٤، و\"لسان العرب\" (حين) ٢/ ١٠٧٣.\n(٣) القرطبي ٩/ ١٨٧، وفي البغوي ٤/ ٢٣٩، و\"زاد المسير\" ٤/ ٢٢٢ ونسبوه إلى عطاء.\n(٤) البغوي ٤/ ٢٣٩، \"زاد المسير\" ٤/ ٢٢٢، القرطبي ٩/ ٨٧، الثعلبي ٧/ ٨١ أ.\n(٥) الطبري ١٢/ ٢١٣، وابن أبي حاتم ٧/ ٢١٤١ وابن المنذر وأبو الشيخ كما في \"الدر\" ٤/ ٣٢، والبغوي ٤/ ٢٣٩، وابن عطية ٩/ ٢٩٧، و\"زاد المسير\" ٤/ ٢٢٢، القرطبي ٩/ ١٨٧، عن عكرمة (تسع سنين).","vol":"12","page":110},{"text":"وقال مقاتل بن سليمان (١): حُبس يوسف اثني عشرة سنة (٢)، وفي هذه الآية بيان أن العزيز أطاع زوجته في حبس يوسف، بعد علمه ببراءته، موافقة لها، وذكر المفسرون (٣) أن الله تعالى جعل ذلك الحبس [تطهيرًا] (٤) ليوسف من همه بالمرأة، وتكفيرًا لزلته، وذكر ابن الأنباري أن الله تعالى أبهم الحين هاهنا، إرادةً لتكرمة العلماء ورفعًا لأقدارهم؛ ليفزع الناس إليهم في المشكلات وهم يعرفون ذلك بتطلب التأويل (٥) والبحث عن غامض التفسير.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1746>٣٦ </span>- قوله تعالى: ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ﴾ قال السدي (٦) وقتادة (٧) والمفسرون (٨): هما غلامان كانا لملك مصر الأكبر، أحدهما صاحب طعامه، والآخر صاحب شرابه، رفع إليه أن صاحب طعامه يريد أن يسمه، وظن أن الآخر مالأه على ذلك، فأمر بحبسهما.\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ١٥٤ أ.\n(٢) قلت الراجح -والله أعلم- هو أنه قد بدا لهم أن يسجنوه من غير تعيين زمن محدد، الذي ذكره المفسرون هو مقدار ما لبث في السجن لا المدة التي قررها الملك حين أدخله السجن. انظر ابن عطية ٧/ ٥٠٦، و\"زاد المسير\" ٤/ ٢٢٢.\n(٣) الثعلبي ٧/ ٨١ أ، القرطبي ٩/ ١٨٧.\n(٤) ما بين المعقوفين ساقط من (ج).\n(٥) إلى هنا انتهى السقط من نسخة (ب).\n(٦) الطبري ١٢/ ٢١٤، وابن أبي حاتم ٧/ ٢١٤٢.\n(٧) الطبري ١٢/ ٢١٤، وابن أبي حاتم ٧/ ٢١٤١.\n(٨) الطبري ١٢/ ٢١٤، الثعلبي ٧/ ٨١ ب، البغوي ٤/ ٢٤٠، \"زاد المسير\" ٤/ ٢٢٣، القرطبي ٩/ ١٨٩.","vol":"12","page":111},{"text":"والفتى في اللغة (١): الشاب القوي، قال الزجاج (٢): ويجوز أن يكونا حَدَثين أو شيخين، لأنهم كانوا يسمون المملوك فتى، قال: ولم يقل: فحبس يوسف ودخل معه السجن فتيان؛ لأن في قوله ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ﴾ دليلًا على أنه حبس.\nقال ابن عباس (٣) في رواية عطاء: في قوله (فتيان) عبدان للملك، وكان أحدهما على شراب الملك، والآخر على طعامه.\nوقوله تعالى: ﴿قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ قال المفسرون (٤) كان يوسف لما دخل السجن قال لأهله: إني أعبر الأحلام، فقال أحد الفتيين: هلم فلنجرب هذا العبد العبراني نترايا له، فسألاه من غير أن يكونا رأيا شيئًا.\nقال ابن مسعود (٥): ما رأيا شيئًا، إنما كانا تحالما ليجربا علمه.\nوقال مجاهد (٦): كانا قد رأيا حين أدخل السجن رؤيا، فأتيا يوسف، فقال له الساقي: أيها العالم إني رأيت كأني في بستان، فإذا بأصل حَبَلَة (٧)\n_________\n(١) \"تهذيب اللغة\" (فتى) ٢٧٣١/ ٣، و\"اللسان\" (فتا) ٦/ ٣٣٤٧.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٠٩.\n(٣) انظر: البغوي ٤/ ٢٤٠، الرازي ١٨/ ١٣٣، \"زاد المسير\" ٤/ ٢٢٢.\n(٤) البغوي ٤/ ٢٤٠، الرازي ١٨/ ١٣٣، \"زاد المسير\" ٤/ ٢٢٢.\n(٥) الطبري ١٢/ ٢١٤، الثعلبي ٧/ ٨١ ب، البغوي ٤/ ٢٤٠، \"زاد المسير\" ٤/ ٢٢٢، ابن عطية ٧/ ٥٠٧، القرطبي ٩/ ١٨٩.\n(٦) الطبري ١٢/ ٢١٥، الثعلبي ٧/ ٨١ ب، البغوي ٤/ ٢٤٠، \"زاد المسير\" ٤/ ٢٢٢، ابن عطية ٧/ ٥٠٧، القرطبي ٩/ ١٨٩.\n(٧) الحبلة: يطلق على شجرة العنب قال الليث: يقال للكرمة حبلة، و\"تهذيب اللغة\" (حبل) ١/ ٧٣٢، و\"لسان العرب\" (حبل) ٢/ ٧٦٢.","vol":"12","page":112},{"text":"حسنة فيها ثلاثة أغصان، عليها ثلاثة عناقيد من عنب فجنيتها، فكأن كأس الملك بيدي، فعصرتها فيه وسقيت الملك فشربه، فذلك قوله ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ قال أبو إسحاق (١): لم يقل إني أراني في النوم أعصر خمرًا، لأن الحال يدل على أنه ليس يرى نفسه في اليقظة يعصر خمرًا، قال ابن الأنباري: لأنه لو لم يقصد للنوم كان قوله (أعصر) مستغنى به عن ﴿أَرَانِي﴾ وقال غيرهما: قد دل على المنام قولهما ﴿نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ﴾ وذلك أنه لا يكون لما يرى في اليقظة تأويل.\nوقوله تعالى: ﴿أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ قال الليث (٢): يقال: عصرت العنب وعصرته، إذا وليت عصره بنفسك، واعتصرت إذا عُصِرَ لك، والعصارة ما يحلب عن شيء بعصره، وذكر المفسرون (٣) وأهل المعاني في قوله: ﴿أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ ثلاثة أقوال:\nأحدها: أن يكون المعنى أعصر عنب خمر، أي العنب الذي يكون عصيره خمرًا، فحذف المضاف.\nوالثاني: أن العرب تسمي الشيء باسم ما يؤول إليه إذا انكشف المعنى ولم يلتبس، فيقولون: فلان يطبخ الآجُرّ، يعنون اللّبِن، فيوقعون بالفرع ما هو واقع بالأصل، ويقولون: هو يطبخ دبسًا، وهو يطبخ عصيرًا، هذا (٤) الذي ذكرنا قول الزجاج (٥) وابن الأنباري (٦).\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٠٩.\n(٢) \"تهذيب اللغة\" (عصر) ٣/ ٢٤٥٨.\n(٣) \"زاد المسير\" ٤/ ٢٢٣، البغوي ٤/ ٢٤٠، الرازي ١٨/ ١٣٤.\n(٤) في (ج): (هو).\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٠٩.\n(٦) \"زاد المسير\" ٤/ ٢٢٣.","vol":"12","page":113},{"text":"والقول الثالث: أن من العرب من يسمي العنب خمرًا، وأن قريشًا نطقت بهذه اللغة وعرفتها، فذكرها الله ﷿ في كتابه، قال الضحاك (١): نزل القرآن بكل لسان، والعنب بلغة بعضهم الخمر.\nوقال الكلبي عن أبي صالح (٢): أزد وعمان يسمون العنب الخمر، وحكى الأصمعي (٣) عن المعتمر أنه لقي أعرابيًا معه عنب، فقال: ما معك؟ قال: خمر (٤).\nوقال صاحب الطعام (ليوسف: إني رأيت) (٥) كأن فوق رأسي ثلاث سلال فيها الخبز وألوان الأطعمة، وإذا سباع الطير تنهش (منه، فذلك قوله) (٦) ﴿وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ﴾ والخبز المصدر، والخبازة صنعة الخباز، (وقال الليث (٧): الطير اسم جامع) (٨) مؤنث، والواحد طائر.\nوقال أحمد بن يحيى (٩): الناس كلهم يقولون للواحد طائر،\n_________\n(١) الطبري ١٦/ ٩٧، ابن المنذر وابن أبي حاتم ٤/ ٢١٦ أ، كما في \"الدر\" ٤/ ٥٣٦، القرطبي ٩/ ١٩٠، \"زاد المسير\" ٤/ ٢٢٣.\n(٢) \"تنوير المقباس\" ص ١٤٩، و\"زاد المسير\" ٤/ ٢٢٣، وابن عطية ٧/ ٥٠٧.\n(٣) الثعلبي ٧/ ٨٢ أ، ابن عطية ٧/ ٥٠٧، القرطبي ٩/ ١٩٠، \"لسان العرب\" (خمر) ٢/ ١٢٥٩.\n(٤) ما سبق من تفسير قوله: ﴿أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ والاحتمالات الثلاثة ذكرها صاحب اللسان (خمر) ٢/ ١٢٥٩.\n(٥) ما بين المعقوفين بياض في (ب).\n(٦) ما بين المعقوفين بياض في (ب).\n(٧) \"تهذيب اللغة\" (طير) ٣/ ٢١٤٩، و\"لسان العرب\" (طير) ٥/ ٢٧٣٥.\n(٨) ما بين المعقوفين بياض في (ب).\n(٩) المشهور بثعلب، و\"تهذيب اللغة\" (طير) ٣/ ١٢٤٩، و\"اللسان\" (طير) ٥/ ٢٧٣٥.","vol":"12","page":114},{"text":"وأبو عبيدة (١) معهم، ثم انفرد فأجاز أن يقال طير للواحد، وجمعه على طيور، قال: وهو ثقة.\nوقوله تعالى: ﴿نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ﴾ قال ابن عباس (٢): أخبرنا بتفسيره، قال أبو عبيد (٣): تأويل الشيء ما يرجع إليه وتصرف من المعنى الذي تحته.\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ معناه: إنا نراك تؤثر الإحسان وتأتي مكارم الأخلاق، وجميع (٤) الأفعال، يدل على هذا ما قاله إبراهيم وقتادة (٥): كان يعود مرضاهم، ويعزي حزينهم، ورأوا منه محافظة على طاعة الله ﷿ فأحبوه، قال (٦) الضحاك (٧): كان إذا مرض رجل في السجن قام عليه، وإذا ضاق وَسَّع له، وإن احتاج جَمَعَ له وسأله، وذهب جماعة من أهل العلم إلى أن المعنى: إن عبرت لنا هذين المنامين، فإنك من المحسنين إلينا، بقضائك هذه الحاجة لنا، وهذا معنى قول ابن إسحاق (٨): قال: إنا نراك من المحسنين إن فسرت لنا هذين المنامين.\n_________\n(١) \"تهذيب اللغة\" (طير) ٣/ ١٢٤٩، \"اللسان\" (طير) ٥/ ٢٧٣٥.\n(٢) الثعلبي ٧/ ٨٢ ب، البغوي ٤/ ٢٣٩، \"زاد المسير\" ٤/ ٢٢٣.\n(٣) الطبري ١٢/ ٢١٥ عن أبي عبيد.\n(٤) كذا في جميع النسخ ولعلها (وجميل).\n(٥) الطبري ١٢/ ٢١٦، وأبو الشيخ كما في \"الدر\" ٤/ ٣٤، وابن عطية ٧/ ٥٠٩، والثعلبي ٧/ ٨٢ ب، وابن أبي حاتم ٧/ ٢١٤٣.\n(٦) في (ج): وقال.\n(٧) الطبري ١٢/ ٢١٦، وسعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم ٧/ ٢١٤٣، وأبو الشيخ والبيهقي في \"الشعب\" كما في \"الدر\" ٤/ ٣٤، البغوي ٤/ ٢٣٩، والقرطبي ٩/ ١٩٠، والثعلبي ٧/ ٨٢ ب.\n(٨) انظر الطبري ١٢/ ٢١٦، ابن عطية ٧/ ٥٠٩، \"زاد المسير\" ٤/ ٢٢٣، الثعلبي ٧/ ٨٢ ب.","vol":"12","page":115},{"text":"وقال الفراء (١): إنا نراك من المحسنين، يقول من العالمين قد أحسنت العلم، قال ابن الأنباري (٢): والتقدير على هذا: من المحسنين العلم، فحذف مفعول الإحسان كما حذف في قوله: ﴿وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ [يوسف: ٤٩] أي السمسم والعنب، ونحو هذا قال الزجاج (٣): أي ممن يحسن التأويل (٤)، قال: وهذا دليل أن أمر الرؤيا صحيح، وأنها لم تزل في الأمم الخالية، ومن دفع أمر الرؤيا وأن منها ما يصح فليس بمسلم، لأنه يدفع القرآن والأثر، وهذه الآية بيان عما يوجبه لطف الله تعالى فيما سببه لنجاة يوسف بالعلم والإحسان في جوابه عما سأله الفتيان؛ لأن تعبيره رؤيا هذين كان سبب نجاته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1747>٣٧ </span>- قوله تعالى: ﴿قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ﴾ الآية، هذا ليس بجواب ما سألا عنه، ولكن يوسف ﵇ لما علم أن تأويل رؤياهما يوجب قتل أحدهما، بدأ بدعائهما إلى الإسلام ليستعدا به قبل استماع جواب الرؤيا، هذا قول جماعة من المفسرين، قال قتادة (٥): لما علم نبي يوسف أن\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" ٢/ ٤٥، الثعلبي ٧/ ٨٢ ب.\n(٢) \"زاد المسير\" ٤/ ٢٢٤.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١١٠.\n(٤) رجح الطبري ١٢/ ٢١٦ من هذه الأقوال قول قتادة والضحاك، ثم قال: فإن قال قائل: وما وجه الكلام إذا كان الأمر إذًا كما قلت، وقد علمت أن مسألتهما يوسف أن ينبئهما بتأويل رؤياهما، ليست من الخبر عن صفته بأنه يعود المريض، ويقوم عليه ويحسن إلى من احتاج في شيء، وإنما يقال: (نبئنا بتأويل هذا فإنك عالم). وهذا من المواضع التي تحسن منه بالوصف بالعلم لا بغيره؟.\nقيل: إن وجه ذلك أنهما قالا له: نبئنا بتأويل رؤيانا محسنًا إلينا في إخبارك إيانا بذلك، كما نراك تحسن في سائر أفعالك ﴿إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ اهـ.\n(٥) الطبري ١٢/ ٢١٩، وأبو الشيخ كما في \"الدر\" ٤/ ٣٤.","vol":"12","page":116},{"text":"أحدهما مقتول دعاهما إلى حظهما من ربهما، وإلى نصيبهما من الآخرة.\nوقال آخرون (١): قصد يوسف بهذا الدلالة على أنه عالم بتفسير الرؤيا، فقال: لا يأتيكما طعام ترزقانه في منامكما، قال ابن عباس (٢): يريد تأكلان منه، إلا نبأتكما بتأويله في اليقظة قبل أن يأتيكما التأويل، هذا قول السدي (٣) وابن إسحاق (٤) أن معنى قوله: ﴿لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ﴾ أي في المنام.\nوقال أبو إسحاق (٥): أحب يوسف أن يدعوهما إلى الإيمان، وأن يعلمهم أنه نبي، وأن يدلهما على نبوته بآية معجزة، وأعلمهما أنه يخبرهما بكل طعام يؤتيان به من قبل أن يرياه، فعلى هذا معنى قوله ﴿تُرْزَقَانِهِ﴾ في اليقظة، يقول: لا يأتيكما طعام إلا أخبرتكما، أي طعام هو، وأي لون هو، وكم هو، وهذا مذهب ابن جريج (٦)، والأول أوجه، لأن قوله: ﴿نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ﴾ يوجب أن يكون ذلك إعلامًا بتأويل ما تريان في النوم، ثم أعلمهما أن ذلك مما عرفه الله إياه، فقال: ﴿ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي﴾ أي لم أخبركما على جهة التكهن والتنجم، وإنما أخبركما بوحي من الله وعلم، ثم أعلمهما أن هذا لا يكون إلا لمؤمن بالله نبي، فقال ﴿إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ\n_________\n(١) أخرجه أبو عبيد، والطبري ١٢/ ٢١٧ وابن المنذر، وابن أبي حاتم ٧/ ٢١٤٤، عن ابن جريج كما في \"الدر\" ٤/ ٣٤.\n(٢) \"زاد المسير\" ٤/ ٢٢٤، الثعلبي ٧/ ٨٣ أ.\n(٣) الطبري ١٢/ ٢١٧، ابن عطية ٧/ ٥٠٩، القرطبي ٩/ ١٩١، ابن أبي حاتم ٧/ ٢١٤٤.\n(٤) الطبري ١٢/ ٢١٧، ابن عطية ٧/ ٥٠٩.\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١١٠.\n(٦) الطبري ١٢/ ٢١٧ بمعناه، وأبو عبيد وابن المنذر وابن أبي حاتم كما في \"الدر\" ٤/ ٣٤ وابن عطية ٧/ ٥١٠، وهو مروي عن الحسن كما في \"زاد المسير\" ٤/ ٢٢٤.","vol":"12","page":117},{"text":"لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾ قال الفراء (١): كرر (هم) لما فرق بينهما، وكأن الأول مُلغى والاتكاء والخبر عن الثاني، ومثله قوله ﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1748>٣٨ </span>- (قوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي﴾ إلى قوله: ﴿مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ قال ابن عباس (٣): يريد أن الله عصمنا من أن نشرك به، و(من) زائدة مؤكدة، كقولك: ما جاءني من أحد) (٤).\nوقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا﴾ قال أبو إسحاق (٥): أي اتباعنا الإيمان بتوفيق الله لنا وبفضله علينا.\nوقوله تعالى: ﴿وَعَلَى النَّاسِ﴾ قال الكلبي (٦): يعني وعلى المؤمنين، يريد أن من عصمه الله من الشرك وتفضل عليه بالإيمان فهو ممن لله عليه الفضل، وهذا قول أبي إسحاق (٧)، لأنه قال: ﴿وَعَلَى النَّاسِ﴾ بأن دلهم على دينه المؤدي إلى صلاحهم، وروي عن ابن عباس (٨) أنه قال: معناه ذلك من فضل الله علينا أن جعلنا أنبياء، وعلى الناس أن جعلنا إليهم رسلًا، ودل على هذا التأويل قوله: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾. قال ابن\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" ٢/ ٤٥، وهو قول الطبري ١٢/ ٢١٧.\n(٢) النمل: ٣، لقمان: ٤.\n(٣) \"زاد المسير\" ٤/ ٢٢٥.\n(٤) ما بين القوسين ساقط من (ب).\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١١٠.\n(٦) \"تنوير المقباس\" ص ١٤٩، و\"زاد المسير\" ٤/ ٢٢٥.\n(٧) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١١٠.\n(٨) الطبري ١٢/ ٢١٨، وابن المنذر وابن أبي حاتم ٧/ ٢١٤٥، وأبو الشيخ كما في \"الدر\" ٤/ ٣٥، و\"زاد المسير\" ٤/ ٢٢٥.","vol":"12","page":118},{"text":"عباس (١): يريد لا يوحدون الله، يعني أنه كان من شكر الإنعام عليهم ببعث (٢) الرسل أن يؤمنوا ويوحدوا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1749>٣٩ </span>- قوله تعالى ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ﴾ لملازمتهما إياه بالكون فيه، كقوله تعالى لسكان الجنة والنار أصحاب الجنة وأصحاب النار (٣).\nوقوله تعالى: ﴿أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ﴾ يعني الأصنام، قال الحسن (٤): متفرقون من صغير وكبير ووسط، مباين كل واحد للآخر، بما يوجب النقص، (خير) أي أعظم في صفة المدح ﴿أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ يعني أن القادر بما يقهر كل شيء أحق بالإلهية من الذليل المقهور، وهذا كقوله: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (٥).\n\n٤٠ - قوله تعالى: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً﴾ خاطبهما ومن على (٦) مثل حالهما من أصحاب السجن ﴿مِنْ دُونِهِ﴾ أي من دون الله ﴿إِلَّا أَسْمَاءً﴾ يريد أنه لما كانت الأسماء التي سموها كالأرباب والآلهة لم تصح معانيها، صارت كأنها أسماء فارغة يرجعون في عبادتهم إليها، فكأنهم إنما يعبدون الأسماء؛ لأنه لا معاني تصح لها من إله ورب، بل أنتم وآباؤكم سميتموها آلهة (٧) ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ ما الفصل (٨) بالأمر والنهي\n_________\n(١) \"زاد المسير\" ٤/ ٢٢٥.\n(٢) في (ب): (بعث) بباء واحدة.\n(٣) هذه عبارة الثعلبي ٧/ ٨٣ ب.\n(٤) \"زاد المسير\" ٤/ ٢٢٥، القرطبي ٩/ ١٩٢.\n(٥) النمل: ٥٩.\n(٦) في (أ)، (ب)، (ج): بزيادة (هذا).\n(٧) ما سبق قريب من كلام الثعلبي ٧/ ٨٣ ب.\n(٨) (ما القضاء والأمر والنهي) انظر الثعلبي ٧/ ٨٣ ب، و\"زاد المسير\" ٤/ ٢٢٦.","vol":"12","page":119},{"text":"إلا بالله ﴿ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ أي الذي أمر به من أن لا تعبدوا إلا إياه هو الدين المستقيم.\n﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ قال ابن عباس (١): يريد لا يعلمون ما للمطيعين لله من الثواب، وما للعاصين من العقاب، ومضى الكلام في معنى القيم عند قوله ﴿دِينًا قِيَمًا﴾ (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1750>٤١ </span>- قوله تعالى: ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا﴾ الآية، قال الكلبي عن ابن عباس (٣): لما قص الساقي رؤياه على يوسف وقد ذكرنا كيف قص عليه في موضعه، قال له يوسف: ما أحسن ما رأيت، أما حسن الحبلة فهو حسن حالك، وأما الأغصان الثلاثة، فثلاثة أيام يوجه إليك الملك عند انقضائهن، فيردك إلى عملك، فتعود كأحسن ما كنت فيه، وقال للخباز لما قص عليه: بئس ما رأيت، السلال الثلاث، ثلاثة أيام يوجه إليك الملك عند انقضائهن فيقتلك ويصلبك وتأكل الطير من رأسك، فقالا: ما رأينا شيئًا، فقال: ﴿قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾ يعني سيقع بكما ما عبرت لكما، صدقتما أم كذبتما، فإن قيل كيف حكم يوسف بوقوع تأويل المنامين وربما صدق تأويل المنام وكذب؟\nوالجواب عن هذا: أن حكم (٤) يوسف حتم بوقوع الأمر بهما من قبل وحي أتاه بذلك من الله تعالى، الذي يدل على هذا أن حكم المنام\n_________\n(١) \"زاد المسير\" ٤/ ٢٢٦.\n(٢) الأنعام: ١٦١. وقال هناك: (قال ابن عباس: يريد مستقيمًا، ونحو ذلك قال الأخفش والزجاج في \"القيم\"، وهو من باب الميت والصبيب) اهـ.\n(٣) \"زاد المسير\" ٤/ ٢٢٦، \"تنوير المقباس\" ص ١٥٠، البغوي ٤/ ٢٤٣ بنحوه، الرازي ١٨/ ١٤٢، الثعلبي ٧/ ٨٤ أ.\n(٤) في (أ)، (ب)، (ج): بزيادة (حكم).","vol":"12","page":120},{"text":"المكذوب فيه أن يبطل تأويله، فلما وقع ما تؤل لهذين المنامين وكلاهما مكذوب فيه، دل ذلك على أن الجواب وقع بوحي، لا يبطل ولا يزول، على هذا دل كلام المفسرين.\nقال ابن عباس (١) وابن مسعود (٢) وقتادة (٣) وغيرهم (٤)، قالوا: لما عبر رؤياهما، قالا ما رأينا شيئًا، فقال قضى الأمر الذي فيه تستفتيان، قطع الجواب الذي التمساه من جهته، فكأنه قال: هذا عبارة ما سألتما، وتأويل ما قصصتما عندي، ولم يعن أن الذي تأوله واقع لا محالة، فلم يحتم بصحة هذا التأويل، الدليل على ذلك قوله ﴿وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ﴾ والظان شاك غير عالم، والصحيح هو الأول؛ لأنه أشبه بحال الأنبياء (٥)، وذكرنا معنى الاستفتاء في سورة النساء (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1752>٤٢ </span>- قوله تعالى ﴿وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا﴾ قال ابن عباس (٧)\n_________\n(١) \"تنوير المقباس\" ص ١٥٠.\n(٢) الطبري ١٢/ ٢٢١، وابن أبي شيبة، وابن المنذر وابن أبي حاتم ٧/ ٢١٤٨، وأبو الشيخ كما في \"الدر\" ٤/ ٣٦، الثعلبي ٧/ ٨٤ أ.\n(٣) أخرجه أبو الشيخ كما في \"الدر\" ٤/ ٣٦.\n(٤) وهو قول مجاهد والسدي والطبري وغير واحد، انظر: الطبري ١٢/ ٢٢١، وابن أبي حاتم، و\"البحر المحيط\" ٥/ ٣١١.\n(٥) هذا الذي رجحه ابن جرير الطبري ١٢/ ٢٢٢ - ٢٢٣، وابن عطية ٧/ ٥١٥، والقرطبي ٩/ ١٩٤.\n(٦) عند قوله تعالى ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ﴾ [آية: ١٢٧]. قال هناك: (الاستفتاء طلب الفتوى، يقال: أفتى الرجل في المسألة واستفتيته فأفتاني إفتاء، ويقال: أفتيت فلانا في رؤياه إذا عبرتها له. اهـ.\n(٧) \"تنوير المقباس\" ص١٥٠، و\"زاد المسير\" ٤/ ٢٢٧.","vol":"12","page":121},{"text":"ومقاتل (١) وأكثر المفسرين (٢): ظن: أيقن، وهذا التفسير موافق (٣) لقول من يقول: إنه حكم في عبارة الرؤيا بالقطع واليقين، فقال للذي (٤) علم أنه ناج من الرجلين ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ وقال قتادة (٥): إنما عبارة الرؤيا على الظن، فيبطل الله ما يشاء ويحق ما يشاء، وفسر الظن هاهنا على الشك والحسبان، وهذا موافق (٦) مذهب من يقول لم يحتم يوسف بتأويل الرؤيا، والقول هو الذي عليه العامة.\nوقوله تعالى: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ أي عند الملك (٧) صاحبك، والرب هاهنا بمعنى السيد، قال المفسرون (٨): قال له يوسف إذا خرجت من السجن، فقل للملك إن في السجن غلامًا محبوسًا ظلمًا، ﴿فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ﴾ الكناية في قوله: ﴿فَأَنْسَاهُ﴾ راجعة على يوسف في قول الأكثرين، قال مجاهد (٩): أنسى الشيطان يوسف الاستغاثة بربه، وأوقع في قلبه الاستغاثة بالملك، فعوقب بأن لبث في السجن بضع سنين.\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ١٥٤ أ.\n(٢) \"الكشاف\" ٢/ ٣٢٢، والرازي ١٨/ ١٤٣، و\"الدر المصون\" ٦/ ٤٩٩، ٥٠٠.\n(٣) في (أ): (موافق القول)، وفي (ج): (موافقًا لقول).\n(٤) في (أ)، (ب)، (ج): (الذي).\n(٥) القرطبي ١٦/ ١١٠، وأبو الشيخ كما في \"الدر\" ٤/ ٣٧، و\"زاد المسير\" ٤/ ٢٢٧، والقرطبي ٩/ ١٩٤، وابن عطية ٧/ ٥١٥.\n(٦) في (أ)، (ب)، (ج): بزيادة (من).\n(٧) رواه الطبري ١٢/ ٢٢٢ - ٢٢٣، عن ابن إسحاق ومجاهد وأسباط وقتادة.\n(٨) الثعلبي ٧/ ٨٤ ب، الطبري ١٢/ ٢٢٢.\n(٩) الطبري ٢٢٢ - ٢٢٤، والثعلبي ٧/ ٨٤ ب، وابن أبي شيبة، وابن أبي حاتم ٧/ ٢١٤٩، وابن المنذر كما في \"الدر\" ٤/ ٣٩، و\"زاد المسير\" ٤/ ٢٢٧.","vol":"12","page":122},{"text":"وهذا قول ابن عباس (١)، واختيار الزجاج (٢)، قال: أنسى يوسفَ الشيطانُ أن يذكر ربه. وذهب بعض المفسرين إلى أن الكناية راجعة إلى إنساء الشيطان الساقي أن يذكر يوسف لربه، وهذا قول الحسن (٣)، والكلبي (٤) وابن إسحاق (٥)، وذكر الفراء (٦) القولين جميعًا.\nقال ابن الأنباري: فمن أعاد الهاء على يوسف احتج بأنها لو عادت على الساقي دخل الكلام حذف وإضمار، لأنه يكون التقدير: فأنساه الشيطان ذكره لربه، ويكون كقوله ﴿يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾ (٧) أي يخوفكم بأوليائه، وإذا صح المعنى من غير إضمار وحذف، لم يعدل عنه إلى غيره (٨)، ومن جعل الهاء عائدة على الساقي، قال: لو رجعت على يوسف ما استحق عقوبة من قبل أن الناسي غير مؤاخذ، والجواب عن هذا أن معنى النسيان هاهنا الترك، ومعنى قوله ﴿فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ﴾ عامدًا لا ناسيًا.\n_________\n(١) البغوي ٤ - ٢٤٤، و\"تنوير المقباس\" ص١٥٠، وابن أبي حاتم ٧/ ٢١٤٩ بنحوه بدون سند لابن عباس.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١١٢.\n(٣) أخرجه ابن أبي حاتم عن مجاهد وقال ابن كثير ٢/ ٥٢٦: (قوله: ﴿فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ﴾ الضمير عائد إلى الناجي كما قاله مجاهد ومحمد بن إسحاق وغير واحد).\n(٤) \"تنوير المقباس\" ص ١٥٠.\n(٥) الطبري ١٢/ ٢٢٤، الثعلبي ٧/ ٨٤ ب، \"زاد المسير\" ٤/ ٢٢٧، ابن عطية ٧/ ٥١٦.\n(٦) \"معاني القرآن\" ٢/ ٤٦.\n(٧) آل عمران: ١٧٥.\n(٨) وقد ذهب إلى هذا القول عامة المفسرين ومنهم الطبري ١٢/ ٢٢٢ وابن عطية ٧/ ٥١٦، والقرطبي ٩/ ١٩٦، والبغوي ٤ - ٢٤٤، والرازي ١٨/ ١٤٥، وأما القول الثاني على أن الناسي هو الساقي فرجحه ابن كثير ٢/ ٥٢٦، وأبو حيان ٥/ ٣١١.","vol":"12","page":123},{"text":"وقوله تعالى: ﴿فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾ قال أبو عبيدة (١): البضع ما لم يبلغ العقد ولا نصفه، يريد ما بين الواحد إلى الأربعة، وقال الأصمعي (٢): ما بين الثلاث إلى التسع، قال الزجاج (٣): وهو القول الصحيح، واشتقاقه من بضعت بمعنى قطعت، ومعناه القطعة من العدد، فجعل لما دون العشرة من الثلاث إلى التسع، وهذا قول قتادة (٤).\nوقال الفراء (٥) نحو هذا، وزاد فقال: لا يذكر البضع إلا مع عشر أو عشرين إلى التسعين، وهو نيف ما بين الثلاثة إلى التسعة، وقال: كذلك رأيت العرب يقولون، وما رأيتهم يقولون: بضع ومائة، وإذا كان بضع للذُّكران قيل بضعة، فعلى هذا الواحد والاثنان يقال لهما: نيف، والثلاثة إلى التسعة: بضع.\nوقال المبرد (٦): هو ما بين العقدين، وهذا قول جماعة (٧)، قالوا: البضع ما دون العشر، وهو قول الأخفش (٨)، قال: هو من واحد إلى عشرة.\n_________\n(١) \"تهذيب اللغة\" (بضع) ١/ ٣٤٦، و\"اللسان\" (بضع) ١/ ٢٩٨.\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ١١٢، و\"معاني القرآن\" للنحاس ٣/ ٤٣٠.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١١٢.\n(٤) الطبري ١٢/ ٢٢٤، الئعلبي ٧/ ٨٤ ب. \"معاني القرآن\" للنحاس ٣/ ٤٢٩، \"الدر المصون\" ٤/ ١٨٥.\n(٥) \"معاني القرآن\" ٢/ ٤٦، و\"التهذيب\" (بضع) ١/ ٣٤٦، و\"اللسان\" (بضع) ١/ ٢٩٨، والثعلبي ٧/ ٨٤ ب، وا لطبري ١٢/ ٢٢٥.\n(٦) \"تاج العروس\" ١١/ ١٩.\n(٧) \"معاني القرآن للفراء\" ٢/ ٤٦، و\"زاد المسير\" ٤/ ٢٢٨.\n(٨) \"معاني القرآن\" للنحاس ٣/ ٤٣٠، و\"الزاهر\" ٢/ ٣٤٢، ٣٤٣، و\"زاد المسير\" ٤/ ٢٢٨.","vol":"12","page":124},{"text":"وروى الشعبي (١) أن النبي - ﷺ - قال لأصحابة: \"كم البضع؟ \" فقالوا: من واحد إلى عشرة، وهذا قول ابن عباس (٢)، وقال مجاهد (٣): هو ما بين الثلاث إلى التسع، وهو قول قطرب (٤)، وعامة المفسرين (٥) على أن المراد بالبضع هاهنا سبع، وقالوا: عاقب الله ﷿ يوسف بأن حبس سبع سنين، بعد الخمس التي حبسها إلى وقت قوله ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ وذهب مقاتل (٦) إلى العكس من هذا، فقال: الأول سبع، والآخر خمس.\nقال ابن عباس (٧) في رواية عطاء: لما تضرع يوسف إلى مخلوق وقد كان اقترب خروجه، أنساه الشيطان ذكر ربه، حيث مال إلى مخلوق وترك الخالق، فلبث في السجن سنين.\nوروى الحسن (٨) أن النبي - ﷺ - قال: \"رحم الله يوسف، لولا الكلمة التي قالها: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ ما لبث في السجن طول ما لبث\"، ثم\n_________\n(١) الحديث أخرجه أحمد ٤/ ١٦٨، والطبري ٢١/ ١٧، والترمذي ٢/ ١٥٠، وحسنه من حديث ابن عباس، وصححه الألباني في \"صحيح الجامع\".\n(٢) الثعلبي ٧/ ٨٤ ب، الطبري ١٢/ ٢٢٥.\n(٣) الطبري ١٢/ ٢٢٤، وابن أبي حاتم ٧/ ٢١٥٠.\n(٤) \"معاني القرآن\" للنحاس ٣/ ٤٣٠، وفي \"الماوردي\" ٣/ ٤٠ أنه قال: من ثلاث إلى سبع.\n(٥) روى ذلك الطبري ١٢/ ٢٢٥ عن قتادة ووهب وابن جريج، وذكره الثعلبي ٧/ ٨٤ ب ونسبه إلى أكثر المفسرين.\n(٦) \"تفسير مقاتل\" ١٥٤ أ.\n(٧) روي عن ابن عباس مرفوعًا نحوه انظر: ابن أبي الدنيا كتاب العقوبات، والطبري ١٢/ ٢٢٣، والطبراني وابن مردويه كما في \"الدر\" ٤/ ٣٧.\n(٨) الطبري ١٢/ ٢٢٣، وأحمد في \"الزهد\" وابن أبي حاتم ٧/ ٢١٤٨، وابن المنذر وأبو الشيخ كما في \"الدر\" ٤/ ٣٧، الثعلبي ٧/ ٨٤ ب، الرازي في ١٨/ ١٥٠.","vol":"12","page":125},{"text":"بكى الحسن وقال: نحن إذا نزل بنا أمر فزعنا إلى الناس (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1753>٤٣ </span>- قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ﴾ الآية، قال المفسرون (٢): لما ذكرنا فرج يوسف، رأى ملك مصر الأكبر رؤيا عجيبة هالته، وذلك أنه رأى سبع بقرات سمان، وسبعًا عجافًا (٣) فابتلعت العجاف السمان، فدخلن في بطونهن فلم ير منهن شيئًا، ورأى سبع سنبلات خضر قد انعقد حبها، وسبعًا آخر يابسات قد استحصدت، والتوت اليابسات على الخضر حتى غلبن عليها فجمع الكهنة وقصها عليهم، فذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي﴾ الآية، فقوله: ﴿عِجَافٌ﴾ قال الليث (٤): العجف ذهاب السمن، والفعل عجف يعجف، والذكر أعجف، والأنثى عجفاء والجميع عجاف في الذكران والإناث، وليس في كلام العرب أفْعَل وفعلاء، وجُمعا على فعال غير أعجف وعجفاء، وهي شاذة حملوها على لفظ سمان فقالوا: سمان وعجاف، وجاء أفعل وفعلاء على فعل يفعل في أحرف معدودة، منها: الأعجف والآدم والأسمر والأحمق والأخرق والأرعن، على أن ابن السكيت (٥) قد حكى عن الفراء: عجف وحمق ورعن وخرق، بالكسر في هذه الأربعة، فمعنى العجاف الهزلى التي لا لحم عليها ولا شحم، وقال\n_________\n(١) اختلف العلماء في مسألة البضع، معناها والمراد بهاهنا. والأظهر والله أعلم أن المراد بها هنا سبع سنين.\nانظر: \"معاني النحاس\" ٣/ ٤٢٩ - ٤٣١، الماوردي ٤٠/ ٣، أبو حبان ٥/ ٣١١، \"تاج العروس\" (بضع) ١١/ ١٩.\n(٢) الثعلبي ٧/ ٨٥ أ، وفيه: (لما دنا فرج يوسف) وهو الصحيح.\n(٣) (عجافًا): ساقط من (أ)، (ب)، (ج).\n(٤) \"تهذيب اللغة\" (عجف) ٣/ ٢٣٤٠.\n(٥) \"تهذيب اللغة\" (عجف) ٣/ ٢٣٤٠.","vol":"12","page":126},{"text":"ابن دريد (١): العجف غلظ العظام وعراؤها من اللحم.\nوقوله تعالى: ﴿أَفْتُونِي﴾ ذكرنا معنى الإفتاء والاستفتاء في سورة النساء (٢).\nوقوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾، يقال: عبرت الرؤيا أعبرها عبرًا وعبارة، وعبرتها تعبيرًا إذا فسرتها، وحكى الأزهري (٣): أن هذا مأخوذ من العبر وهو جانب النهر، ومعنى عبرت النهر والطريق، قطعته إلى الجانب الآخر، فقيل لعابر الرؤيا عابر؛ لأنه يتأمل ناحيتي الرؤيا فيتفكر في أطرافها، ويمضي تفكره فيها من أول ما يرى النائم إلى آخر ما رأى، حتى يقع فهمه على الصحيح منها فيجيب، فأما اللام في قوله ﴿لِلرُّؤْيَا﴾ فقال أحمد بن يحيى (٤): أراد إن كنتم للرؤيا عابرين، وإن كنتم عابرين للرؤيا، تسمّى هذه اللام لام التعقيب، لأنها عقبت الإضافة، لأن المعنى: إن كنتم عابري الرؤيا.\nوقال ابن الأنباري (٥): دخلت اللام مؤكدة مفيدة معنى التأكيد، وقيل: إنها أفادت معنى إلى، وكأن تلخيصها: إن كنتم توجهون العبارة إلى الرؤيا، والعرب تقول: هو لزيد ضارب، يعنون: هو يوجه ضربه إلى زيد،\n_________\n(١) \"تهذيب اللغة\" (عجف) ٣/ ٢٣٤٠، وابن دريد هو: محمد بن الحسن بن دريد بن عتاهية، من الأزد، انتهى إليه علم لغة البصريين، كان من أحفظ الناس، توفي سنة ٣٢١ هـ. انظر: \"معجم الأدباء\" ١٨/ ١٢٩، و\"طبقات النحويين\" للزبيدي (ص ٢٠٢)، و\"نزهة الألباء\" (٣٢٣).\n(٢) عند قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ﴾ [آية: ١٢٧].\n(٣) \"تهذيب اللغة\" (عبر) ٣/ ٢٣٠٥.\n(٤) \"تهذيب اللغة\" (عبر) ٣/ ٢٣٠٤.\n(٥) \"زاد المسير\" ٤/ ٢٣٠.","vol":"12","page":127},{"text":"وأجاز النحويون: ضربت لك، بمعنى وجهت ضربي إليك. هذا كلامه.\nوقال الزجاج (١): هذه اللام أدخلت على المفعول للتبيين، لمعنى إن كنتم تعبرون وعابرين، ثم جاء باللام فقال للرؤيا.\nوقال صاحب النظم: وضع الفعل هاهنا موضع النعت كقوله ﴿أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ [النساء: ٩٠] بمعنى حصرة، وقوله تعالى: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ﴾ [آل عمران: ٧] أي قائلين، كذلك المعنى هاهنا إن كنتم للرؤيا عابرين، وكما وضعوا الفعل موضع النعت، وضعوا النعت أيضًا موضع الفعل، كقوله تعالى ﴿أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ﴾ [الأعراف: ١٩٣] بمعنى أم صمتم، ومضى الكلام في مثل هذا مستقصى في قوله ﴿لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1754>٤٤ </span>- قوله تعالى: ﴿قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ﴾، قال الفراء (٣): أضغاث رفع؛ لأنهم أرادوا: ليس هذه بشيء (٤)، إنما هي أضغاث أحلام، كقوله ﴿قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [النحل: ٢٤].\nوأما الأضغاث، فقال النضر (٥): الضغث كالحزمة من أنواع النبت والحشيش.\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١١٢.\n(٢) الأعراف: ١٥٤. قال هنالك بعد أن ذكر أقوال النحاة في هذه اللام: \"فعلى هذا قوله (لربهم) اللام صلة وتأكيد كقوله: ﴿رَدِفَ لَكُمْ﴾ النمل: ٧٢، وقال بعضهم: إنها لام أجل، والمعنى: هم لأجل ربهم يرهبون، لا رياء ولا سمعة.\n(٣) \"معاني القرآن\" ٢/ ٤٦.\n(٤) في (أ)، (ب)، (ج): (ليس هذا شيء) والعبارة غير مستقيمة، فإما أن تكون كما ذكرته كما هو في (ي) وفي معاني القراء أو تكون (ليس هذا شيئًا)، والله أعلم.\n(٥) \"تهذيب اللغة\" (ضغث) ٣/ ٢١٢١.","vol":"12","page":128},{"text":"وقال الأخفش (١): هو ملء الكف من الحشيش.\nوقال الفراء (٢): الضغث ما جمعته مما قام على ساق واستطال، وقال أبو الهيثم (٣): كل مقبوض عليه بجمع الكف فهو ضغث، هذا معنى الضغث في اللغة (٤)، قال ابن مقبل (٥):\nخَوْدٌ كأنّ فراشَهَا وضِعَتْ به ... أضْغَاث رَيْحَان غَدَاةَ شَمَال\nفأما أضغاث الأحلام، فالأكثرون على أنها الأحلام المختلطة، قال أبو عبيدة (٦): الأضغاث ما لا تأويل له من الرؤيا، قال: ونراه مأخوذًا من الخيلا (٧) وهو جماعات يضم بعضها إلى بعض من الرؤيا، كالحشيش الذي يجمع، فيقال له: ضغث قدر ملء الكف، فالأضغاث من الرؤيا هي حلم لا تأويل له وأنشد (٨):\nكضِغْثِ حِلْمٍ غُرِّمنه حَالِمَة\n_________\n(١) \"اللسان\" (ضغث) ٥/ ٢٥٩٠ - ٢٥٩١ عن أبي حنيفة.\n(٢) \"تهذيب اللغة\" (ضغث) ٣/ ٢١٢٠، و\"اللسان\" (ضغث) ٥/ ٢٥٩١.\n(٣) \"تهذيب اللغة\" (ضعث) ٣/ ٢١٢٠، و\"اللسان\" (ضعث) ٥/ ٢٥٩١.\n(٤) انظر: \"تهذيب اللغة\" (ضغث) ٣/ ٢١٢٠ - ٢١٢١، و\"اللسان\" (ضعث) ٥/ ٢٥٩٠ - ٢٥٩١.\n(٥) الخود: الفتاة الناعمة الشابة، الشمال: الريح المعروفة وهي باردة.\nانظر: الطبري ١٢/ ٢٢٦، و\"البحر\" ٥/ ٣٠٠، و\"المحرر\" ٩/ ٣٠٩، و\"الدر المصون\" ٦/ ٥٠٦.\n(٦) \"مجاز القرآن\" ١/ ٣١٢.\n(٧) في (ج): (الخلا).\n(٨) البيت من الرجز، وهو بلا نسبة في \"مجاز القرآن\" ٢/ ٣٥، والقرطبي ٩/ ٢٠٠، ١١/ ٢٧٠.","vol":"12","page":129},{"text":"وقال الكسائي (١) وغيره: أضغاث الأحلام ما لا يستقيم تأويله لدخول بعضه في بعض، كأضغاث من نُبُوت (٢) مختلفة يُخْلط بعضها ببعض، قال مجاهد (٣): أهاويل أحلام، وقال الكلبي (٤): أباطيل أحلام، وقال قتادة (٥): أخلاط أحلام.\nقال ابن الأنباري: ومعنى الآية: أنهم نفوا عن أنفسهم علم ما لا تأويل له من الرؤيا، ولم ينفوا عن أنفسهم علم تأويل ما يصح منها، فعنوا بقولهم ﴿أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ﴾ هذه منامات كاذبة لا يصح تأويلها، وما نحن بتأويل الأحلام التي هذا وصفها بعالمين، إذ كنا نعلم تأويل ما يصح، هذا معنى قول أكثر المفسرين (٦): الكلبي (٧) وغيره، ونحوه قال ابن عباس في رواية عطاء، وهو اختيار الزجاج (٨)؛ لأنه قال: إنهم قالوا له رؤياك أخلاط، وليس للرؤيا المختلطة عندنا تأويل، فعلى هذا لم يقرّوا بالجهل والعجز عن تأويل الأحلام، وإنما قالوا: إن رؤياك فاسدة ولا تأويل\n_________\n(١) \"اللسان\" (ضغث) ٥/ ٢٥٩٠، و\"تهذيب اللغة\" (ضغث) ٣/ ٢١٢٠.\n(٢) في (ج): (نبوة).\n(٣) القرطبي ٩/ ١٩٩، و\"تهذيب اللغة\" (ضغث) ٣/ ٢١٢١، و\"اللسان\" (ضغث) ٥/ ٢٥٩٠.\n(٤) \"تنوير المقباس\" ص ١٥٠.\n(٥) الطبري ١٢/ ٢٢٦، عبد الرزاق ٢/ ٣٢٤. وأخرجه أبو عبيد وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد كما في \"الدر\" ٤/ ٣٩.\n(٦) الطبري ١٢/ ٢٢٧، الثعلبي ٧/ ٥٨ ب، ابن عطية ٧/ ٥٢١، \"زاد المسير\" ٤/ ٢٣٠.\n(٧) \"تنوير المقباس\" ص ١٥٠. وقد روى عن ابن عباس: الأحلام الكاذبة، قال الهيثمي ٧/ ٣٩ رواه أبو يعلى وفيه محمد بن السائب وهو متروك.\n(٨) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١١٣.","vol":"12","page":130},{"text":"للفاسدة عندنا، وذهب آخرون إلى أنهم قالوا: هذه منامات مختلطة لا نعلمها نحن؛ إذ لم نكن من أهل العبارة، إنما يعلمها من خص بالنفاذ في البصر، وحسن استخراج ما يغمض من تأويلها، ذهب إلى هذا المعنى مقاتل بن سليمان (١) ونفر معه.\nوقالوا معنى قوله ﴿وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ﴾ لها تأويل يعلمه غيرنا، فالأضغاث على هذا المذهب [الجماعات من الرؤيا التي يجوز أن تصح وأن تبطل، واحتجوا على هذا المذهب] (٢) بقول الساقي: ﴿أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ﴾ قالوا: ففي هذا دليل على أن الملأ اعترفوا بالعجز عن الجواب، لأنهم لو كانوا بغير هذا الوصف لم يقل الساقي ما قاله، وعلى هذا؛ الملأ قالوا للملك: ما رأيته جماعات أحلام كثيرة لا علم لنا بتأويلها، واعترفوا بالعجز عنها (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1755>٤٥ </span>- قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا﴾ الآية، قال الكلبي (٤): لما سأل الملك عن رؤياه، جثا الساقي بين يديه بعد انقضاء جواب الملأ، فقال للملك: إني قصصت أنا والخباز على رجل في السجن منامين فخبّرنا\n_________\n(١) \"تصير مقاتل\" ١٥٤أ.\n(٢) ما بين المعقوفين في (ب) وهو ساقط من (أ) و(ج).\n(٣) قلت: القول الأول أرجح لعدة اعتبارات، الأول: أنه قول عامة المفسرين من السلف ومن بعدهم، الثاني: أنهم وصفوا رؤيا الملك بكونها أضغاث أحلام أي لا تأويل لها، الثالث: أنه لا يتصور في هؤلاء الملأ الذين هم أهل مشورته أنهم لا يعرفونها، وأيضًا أنهم سيعترفون بعجزهم عن تأويلها، والذي يظهر أنهم علموا من تأويلها ما يسوء الملك فأرادوا أن يصرفوه عن تطلب تأويلها فقالوا \"أضغاث أحلام .. \".\n(٤) \"تنوير المقباس\" ص ١٥٠.","vol":"12","page":131},{"text":"بتأويلها فصدق في جميع ما وصف، ولم يسقط من تأويله شيء، إن أذنت مضيت إليه وأتيتك من قبله بتفسير هذه الرؤيا، فإنه رجل صالح فاضل عالم ظاهر المحاسن، فأذن له الملك في قصده، فذلك قوله: ﴿وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا﴾ قال ابن عباس (١): يريد أحد العبدين، وهو الذي رأى أنه يعصر خمرًا.\nوقوله تعالى: ﴿وَادَّكَرَ﴾ ذكرنا الكلام في هذا الحرف عند قوله: ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ في سورة القمر (٢).\nوقوله تعالى: ﴿بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ قال ابن عباس (٣) والحسن (٤) ومجاهد (٥) وعامة أهل التفسير والمعاني (٦): بعد حين. قال بعض أهل المعاني: هي الجملة من الحين، والجماعة من الحين؛ لأن الجماعة الكثيرة من الناس\n_________\n(١) الطبري ١٢/ ٢٢٧، الثعلبي ٧/ ٨٥ ب، البغوي ٤/ ٢٤٦، \"زاد المسير\" ٤/ ٢٣١، كلهم من غير نسبة.\n(٢) الآيات: ١٥، ١٧، ٢٢، ٣٢، ٤٠، ٥١، قال هنالك في أول موضع: \"قال مقاتل: فهل من مدتكر، وقال أبو إسحاق: وأصله مدتكر، ولكن التاء أبدل منها الذال، والذال في موضع التاء هي أشبه بالدال من التاء، وأدغمت الذال في الدال\".\n(٣) الطبري ١٢/ ٢٢٧، عبد الرزاق ٢/ ٣٢٤، والفريابي وابن المنذر وابن أبي حاتم ٧/ ٢١٥١، وأبو الشيخ من طرق كما في الدر ٤/ ٣٩، القرطبي ٩/ ٢٠١.\n(٤) الطبري ١٢/ ٢٢٨.\n(٥) الطبري ١٢/ ٢٢٨.\n(٦) الطبري ١٢/ ٢٢٧، الثعلبي ٧/ ٨٥ ب، البغوي ٤/ ٢٤٦، \"زاد المسير\" ٤/ ٢٣١، ابن عطية ٧/ ٥٢٢، \"معاني الفراء\" ٢/ ٤٧، \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ١/ ٣١٣، و\"مشكل القرآن وغريبه\" لابن قتيبة ص ٢٢٥، \"معاني النحاس\" ٣/ ٤٣٢، و\"معاني الزجاج\" ٣/ ١١٣.","vol":"12","page":132},{"text":"أمة يدل على صحة هذا ما روى عطاء عن ابن عباس (١) \"بعد أمة\" بعد سنين. فإن قيل أكثر المفسرين على أن معنى قوله: \"وادكر\" دليل على أن الناسي هو الساقي.\nقال ابن الأنباري (٢): يقال إذ ادكر بمعنى: ذكر وأخبر الملك، وصلح أن يكون ادكر بمعنى ذكر، كما تقول احتلب بمعنى حَلبَ، واعتدى بمعنى عدى في قوله تعالى: ﴿فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٩٤]. وذكر لا يدل على نسيان سبقه.\nوقد قال الكلبي فيما روى عن ابن عباس (٣): إنما لم يذكر الساقي خبر يوسف للملك حتى احتاج الملك إلى تعبير رؤياه، خوفًا من أن يكون ذلك إذكارًا لذنبه الذي من أجله حبسه الملك مع الخباز، فكتم أمره ولم يبده للملك لهذه العلة، فهذا يدل على أن الساقي قد نسي ذلك لقضاء الله تعالى في كون يوسف مدة في السجن، أنساه ذلك من غير أن ينسب النسيان إلى الساقي [في قوله ﴿فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ﴾ ويكون نسيان الساقي غير مذكور، ويستدل عليه بقوله ﴿وَادَّكَرَ﴾. ومن نسب النسيان إلى الساقي] (٤) فَسّر الادّكار على ظاهره ولم ينقله إلى معنى الذكر.\nوقوله تعالى ﴿أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ﴾ وقرأ الحسن (٥) (أنا آتيكم بتأويله) وقال: أراد العلج ينبئهم بتأويله حتى لا يأتي به من عند يوسف ﵇.\n_________\n(١) الطبري ١٢/ ٢٢٩، وابن أبي حاتم ٧/ ٢١٥١ عن سعيد بن جبير.\n(٢) \"زاد المسير\" ٤/ ٢٣١.\n(٣) \"تنوير المقباس\" ص ١٥٠، \"زاد المسير\" ٢٣١/ ٤، القرطبي ٩/ ٢٠٢.\n(٤) ساقط من (ج).\n(٥) ابن عطية ٧/ ٥٢٣ قال: \"وكذلك في مصحف أبي\"، و\"البحر المحيط\" ٥/ ٣١٤، و\"معاني القرآن\" للنحاس ٣/ ٤٣٢، وقال الحسن: (كيف ينبئهم العلج؟).","vol":"12","page":133},{"text":"قال الزجاج (١): وأكرهها لمخالفة المصحف.\nوقوله تعالى: ﴿فَأَرْسِلُونِ﴾ قال أبو بكر: هو خطاب للملك وملئه، لذلك خاطب بالجمع. ويجوز أن يخاطب الملك بخطاب الجمع؛ لأن أصحابه على مثل رأيه وأمره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1756>٤٦ </span>- قوله تعالى ﴿يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ﴾ قال أهل المعاني (٢): في الكلام محذوف يدل عليه الباقي، وهو أن المعنى فأرسل فأتاه فقال: يا يوسف، وذكرنا أنه يجوز حذف \"يا\" من النداء عند قوله: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾ والصديق قال أبو إسحاق (٣): المبالغ في الصدق. قال المفسرون (٤) وصفه بهذه الصفة؛ لأنه لم يجرب عليه كذبًا، وقيل (٥): لأنه صدق في تعبير رؤياه.\nوقوله تعالى: ﴿لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ﴾ قال ابن عباس (٦) والكلبي: يريد أهل مصر. وقال مقاتل (٧): يريد الملك وأصحابه. وقال غيره (٨): يريد الملك والعلماء الذين جمعهم الملك ليعبروا رؤياه.\nوقوله تعالى: ﴿لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ قال ابن عباس: يريد كي يعقلوا. قال ابن الأنباري (٩): وأما إعادة (لعل) فلاختلاف معنييهما، إذ الأولى متعلقة\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١١٣.\n(٢) الطبري ١٢/ ٢٢٩، و\"زاد المسير\" ٤/ ٢٣١.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١١٣.\n(٤) ابن عطية ٧/ ٥٢٤.\n(٥) الثعلبي ٧/ ٢٨٦.\n(٦) الثعلبي ٧/ ٨٦ أ، البغوي ٤/ ٢٣٥.\n(٧) في \"تفسير مقاتل\" ١٥٤ ب (يعني أهل مصر)، القرطبي ٩/ ٢٠٢.\n(٨) \"زاد المسير\" ٤/ ٢٣٢.\n(٩) \"زاد المسير\" ٤/ ٢٣٢.","vol":"12","page":134},{"text":"بالإفتاء، والثانية مبنية إلى الرجوع، وكلتاهما بمعنى كي فساغ التكرير لاختلاف متعلقيهما كأنه قال: أفتنا كي أرجع إلى الناس كي يعقلوا؛ فالإفتاء سبب الرجوع والرجوع سبب العلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1757>٤٧ </span>- قوله تعالى: ﴿قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا﴾ الآية، قال المفسرون (١): قال له يوسف: أما السبع البقرات السمان فإنهن سبع سنين مخصبات ذوات نعمة وأنتم تزرعون، أي: فازرعوا. قال صاحب النظم: قوله (تزرعون) جواب لقوله (أفتنا) جاء مجيء المضارع وتأويله أمر، وفيه إيماء إلى تعبير الرؤيا، ودل على ذلك قوله (فما حصدتم فذروه)، وهذا لفظ أمر، معطوف على قوله (تزرعون)، فدل أن قوله (تزرعون) أيضًا أمر وهذا كقوله ﴿يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ وهذا اللفظ مضارع وتأويله دعاء والدعاء مثل الأمر كقوله ﴿وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ﴾ [المؤمنون: ١١٨].\nوقوله تعالى ﴿دَأَبًا﴾ قال الزجاج (٢): الدأب الملازمة للشيء والعادة. وذكرنا الكلام في الدأب في سورة آل عمران ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ (٣) قال ابن عباس (٤): يريد سبع سنين متوالية. وقال أهل المعاني واللغة (٥): الدأب استمرار الشيء على عادة، وهو دائب يفعل كذا، إذا استمر في فعله، وقد دأب يدأب دأبًا ودابًا، أي: زراعة متوالية في هذه السنين. وقيل على عادتكم في الزراعة.\n_________\n(١) الطبري ١٢/ ٢٣٠، الثعلبي ٧/ ٨٦ أ.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١١٤.\n(٣) آل عمران: ١١. قال هنالك: \"يقال: دأبت أدأب دأبًا ودأبًا ودؤوبًا: إذا اجتهدت في الشيء وتعبت فيه\" اهـ.\n(٤) \"تنوير المقباس\" ص ١٥٠، و\"زاد المسير\" ٤/ ٢٣٢، والقرطبي ٩/ ٢٠٣.\n(٥) \"تهذيب اللغة\" (دأب) ٢/ ١١٢٧، و\"اللسان\" (دأب) ٣/ ١٣١١.","vol":"12","page":135},{"text":"قال أبو علي الفارسي (١): الأكثر في دأب الإسكان، فلعل الفتح لغة فيكون كشَمْع وشَمَع ونَهْر ونَهَر.\nقال الفراء (٢): وكل حرف فتح أوله وسكن ثانية فتثقيله جائز إذا كان أحد حروف الحلق.\nقال الزجاج (٣): ذكر جميع الكوفيين أن كل ما كان ثانيه حرفًا من حروف الحلق وكان مِسكنا مفتوح الأول، جاز فيه فتح المسكن نحو: نَعْل ونَعَل، وشَعْر وشَعَر، ونَهْر ونَهَر، وأما البصريون فيزعمون أنه ما جاء من هذا فيه اللغتان تُكُلِّم على ما جاء، وما كان لم يسمع لم يجز فيه التحريك نحو: وعْد لا نقول فيه وعَد، ولا في هذا الأمر وَهًا في معنى وهي، وهذا في بابه مثْلَ دَلَّ ودَلْ، وقَدَّرَ وقَدَرْ، فلا فرق في هذا بين حروف الحلق وغيرها.\nقال (٤): وانتصب (دأبا) على معنى تدأبون دأبًا، ودل على تدأبون تزرعون وفي الزرع علاج ودؤوب، فقد قال تدأبون فانتصب دأبًا به لا بالمضمر، ونحو هذا القول حكاه ابن الأنباري عن الكوفيين قال: وقال غير الكوفيين: دأبًا مِصدر وضع في موضع الحال، تقديره: تزرعون دائبين، فناب دأب عن دائبين.\nوقوله تعالى: ﴿فَمَا حَصَدْتُمْ﴾ إلى آخره. قال ابن عباس (٥): يريد كل ما\n_________\n(١) الحجة: ٤/ ٤٢٥.\n(٢) \"معاني القرآن\" ٢/ ٤٧.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١١٤.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١١٤.\n(٥) \"تنوير المقباس\" ص ١٥٠.","vol":"12","page":136},{"text":"أردتم أكله فدوسوه، ودعوا الباقي في سنبله لا يتسوّس. وقال المفسرون (١): إنما قال (فذروه في سنبله)؛ لأنه أبقى له وأبعد من الفساد، وذلك لأنه إذا ديس ثم طال مكثه فسد، فأشار عليهم بما فيه الصلاح.\nواختلفوا في أن جواب يوسف كان من علمه أو بوحي من الله تعالى؟ فذهب بعض المفسرين إلى أنه بنى على ما علّمه الله من تأويل الرؤيا، وذهب بعضهم إلى أنه كان بوحي الله، واحتجوا على هذه بقوله: ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ﴾ وهذا العام لم يعلمه إلا بالوحي من أجل أنه لم يدخل في سؤال السائل (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1758>٤٨ </span>- قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ﴾.\nقال المفسرون: يعني سبع سنين مجدبات، والشداد الصعاب التي يشتد على الناس.\nوقوله تعالى: ﴿يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ﴾ قال ابن الأنباري (٣): هذا من المجاز الذي يعني به: يفنين ما قدمتم فيه لهن، فشَبّه الإفناء بالأكل، كما تقول العرب: قد أكل السيرُ لحمَ الناقة، وهم يعنون ذهب به وأفناه. وأنشد\n_________\n(١) الطبري ١٢/ ٢٣٠، الثعلبي ٧/ ٨٦ ب، البغوي ٤/ ٢٤٧، ابن عطية ٧/ ٥٢٥، ابن كثير ٢/ ٥٢٧.\n(٢) قلت: الراجح والله أعلم أن الإخبار عن سني الجدب بعد سني الخصب هو من قبيل التعبير لرؤيا الملك، وأما قوله ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ فهو من الوحي الذي آتاه الله دلالة على نبوته وحجة على صدقه، انظر: الطبري ١٢/ ٢٣٢ ابن عطية ٧/ ٥٢٥، الرازي ١٨/ ١٥٠، القرطبي ٩/ ٢٠٤، الثعلبي ٧/ ٨٦ ب.\n(٣) \"زاد المسير\" ٤/ ٢٣٣، الرازي ١٨/ ١٥٠.","vol":"12","page":137},{"text":"لذي الرمة (١):\nوقد أَكَلَ الوجِيفُ بكلّ خَرْق ... عرائِكَهَا وهُلِّلَت الحُرُومُ\nوقال غيره (٢): إنما قال للسنين (يأكلن) لوقوع الأكل فيها، كما يقال: ليل نائم. وكقوله:\nفنام لَيْلِي تَجَلّى هَمِّي (٣)\nومثله كثير.\nوقوله تعالى: ﴿إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ﴾ الإحصان (٤) الإحراز وهو إلقاء الشيء فيما هو كالحصن، يقال: أحصنه إحصانًا، إذا جعله في حرز. قال ابن عباس (٥): يريد تخزنون، وعنه (٦) أيضًا تحرزون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1759>٤٩ </span>- قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ﴾ الآية، قال المفسرون (٧): هذا العام لم يعلمه إلا بالوحي من أجل أنه لم يدخل في سؤال السائل؛ قال\n_________\n(١) \"ديوانه\" ص ٢/ ٦٧٨.\n(٢) \"تفسير الطبري\" ١٢/ ٢٣١، و\"الثعلبي\" ٧/ ٨٦ ب، و\"ابن عطية\" ٧/ ٥٢٨، و\"القرطبي\" ٩/ ٢٠٤، و\"ابن كثير\" ٢/ ٥٢٧.\n(٣) الرجز لرؤبة في \"ديوانه\" ص ١٤٢، و\"المحتسب\" ٢/ ١٦٤ وبلا نسبة في \"خزانة الأدب\" ٨/ ٢٠٢ و\"المقتضب\" ٣/ ٥٠.\n(٤) انظر: \"تهذيب اللغة\" (حصن) ١/ ٨٤٣، و\"اللسان\" (حصن)، و\"تاج العروس\" ١٨/ ١٤٩.\n(٥) الطبري ١٢/ ٢٣١، وابن المنذر وابن أبي حاتم ٧/ ٢١٥٤، وانظر: \"الدر\" ٤/ ٤١، وابن عطية ٧/ ٥٢٨.\n(٦) الطبري ١٢/ ٢٣١، وابن عطية ٧/ ٥٢٨، وانظر: الثعلبي ٧/ ٨٦ ب، و\"زاد المسير\" ٤/ ٢٣٣.\n(٧) الطبري ١٢/ ٢٣٢، الثعلبي ٧/ ٨٦ أ، ابن عطية ٧/ ٥٢٥.","vol":"12","page":138},{"text":"قتادة (١): زاده الله علم عام لم يسألوه عنه.\nوقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ﴾ إشارة إلى السبع في قوله: ﴿سَبْعٌ شِدَادٌ﴾ والسبع (٢) أشبهت المذكر من قبل أنها لا علامة للتأنيث في لفظها، كقوله ﴿السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ [المزمل: ١٨] هذا مذهب الكلبي (٣)، ومذهب مقاتل (٤) أن (ذلك) إشارة إلى الجدب.\nوقوله تعالى: ﴿فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ﴾ قال ابن السكيت (٥): يقال: غاث الله البلاد يغيثها غيثًا، وهي إذا نزل بها الغيث. وقد غيثت الأرض تغاث غيثًا، وهي أرض مغيثة ومغيوثة، فعلى هذا (يغاث الناس) معناه يمطرون، ويجوز أن يكون من قولهم: أغاثه الله، إذا أنقذه من كرب أو غم. ومعناه ينقذ الناس فيه من كرب الجدب.\nوقوله تعالى: ﴿وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ أي يعصرون السمسم دهنًا، والعنب خمرًا، والزيتون زيتًا، وهذا قول ابن عباس (٦) ومجاهد (٧) وقتادة (٨) وأكثر المفسرين (٩) وهذا يدل على ذهاب الجدب وحضور الخصب والخير. وذكرنا معنى العصر في قوله: ﴿أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ [يوسف: ٣٦].\n_________\n(١) الطبري ١٢/ ٢٣٢، الثعلبي ٧/ ٨٦ أ، ابن عطية ٧/ ٥٢٥، عبد الرزاق ٢/ ٣٢٤، ابن المنذر كما في \"الدر\" ٤/ ٤١.\n(٢) \"زاد المسير\" ٤/ ٢٣٣، عن ابن القاسم الأنباري.\n(٣) \"تنوير المقباس\" ص ١٥٠.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ١٥٤ ب.\n(٥) \"تهذيب اللغة\" (غاث) ٣/ ٢٦١٦.\n(٦) الطبري ١٢/ ٢٣٢، وابن المنذر وأبو الشيخ كما في \"الدر\" ٤/ ٤١، و\"زاد المسير\" ٤/ ٢٣٤، وابن أبي حاتم ٧/ ٢١٥٤.\n(٧) الطبري ١٢/ ٢٣٢.\n(٨) الطبري ١٢/ ٢٣٣، و\"زاد المسير\" ٤/ ٢٣٤، وابن أبي حاتم ٧/ ٢١٥٤.\n(٩) الثعلبي ٧/ ٢٨٧، و\"زاد المسير\" ٤/ ٢٣٤، وابن عطية ٧/ ٥٢٩.","vol":"12","page":139},{"text":"وقال أبو عبيدة (١): يعصرون تفسيره ينجون من العصر وهو المنحاة، ومثله العصرة والمعتصر. [والمعصر] (٢) ومنه قول أبي زبيد (٣):\nولقد كان عُصْرة المَنْجُودِ\nأي: ملجأ الكروب.\nوقال عدي بن زيد:\nلو بغَيْرِ المَاءِ حَلْقِي شَرِقْ ... كُنْتُ كالغَصَّانِ بالماءِ اعْتِصَارِي (٤)\nأي: التجائي، وأنشد أيضًا للبيد (٥):\n_________\n(١) \"مجاز القرآن\" ١/ ٣١٣.\n(٢) ما بين المعقوفين ساقط من (ج).\n(٣) لأبي زبيد الطائي عجز بيت، وصدره:\nصاديًا يستغيث غير مغاث\nمن قصيدة له يرثي بها اللجاج ابن أخته، وكان من أحب الناس إليه، انظر \"ديوانه\" ص ٤٤، و\"جمهرة أشعار العرب\" ص ٢٦٠، و\"الاقتضاب\" ص ٣٩٠، و\"اللسان\" (عصر) ٥/ ٢٩٦٩، و\"أمالي اليزيدي\" ص ٨، و\"المحتسب\" ١/ ٣٤٥، والطبري ١٢/ ٢٣٣، والقرطبي ٩/ ٢٠٥، و\"تهذيب اللغة\" (عصر) ٣/ ٢٤٥٨.\n(٤) البيت لعدي بن زيد في \"ديوانه\" ص ٩٣، و\"الأغاني\" ٢/ ٩٤، و\"الحيوان\" ٥/ ١٣٨، ٥٩٣.\nانظر: \"الكتاب\" ١/ ٤٦٢، و\"مجاز القرآن\" ١/ ٣١٤، و\"الجمهرة\" ٢/ ١٥٤، و\"اللسان\" (عصر) ٥/ ٢٩٧١، والعيني ٤/ ٤٥٤، و\"شواهد المغني\" ٢٥٥، و\"الخزانة\" ٣/ ٥٩٤، ٤/ ٤٦٠، ٥٢٤، و\"البحر المحيط\" ٥/ ٣١٦، و\"تهذيب اللغة\" (عصر) ٣/ ٢٤٥٩، و\"الشعر والشعراء\" ص ١٣٣، وكتاب \"العين\" ٤/ ٣٤٢.\n(٥) البيت للبيد، ويروى: (بغير معصَّر) \"ديوانه\" ص ٦٨.\nانظر: \"الكتاب\" ١/ ٤١٠، و\"الأغاني\" ٢/ ٢٦، والشنتمري ١/ ٤٦٢، والجمهرة ٢/ ١٥٤، و\"اللسان\" (عصر) ٥/ ٢٩٦٩، العيني ٤/ ٤٥٤، و\"شواهد المغني\" / ٢٥٥، و\"الخزانة\" ٣/ ٣٩٤، و\"مجاز القرآن\" ١/ ٢٩٥، ٣١٤، والطبري ١٢/ ٢٣٤، و\"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٤٥٨.","vol":"12","page":140},{"text":"فَباتَ وَأَسْرَى القَومُ آخِرَ لَيلِهِم ... وَما كانَ وَقّافًا بِدَارِ مُعَصَّرِ\nوذكر أبو إسحاق (١) أيضًا هذا القول فقال: وإن شئت كان على تأويل ينجون من البلاء ويعتصمون بالخصب، وأنشد بيت عدي (٢).\nوقال أبو عبيد (٣): يعصرون يعني به يصيبون ما يحبون، ويأخذون ما يشتهون. وأنشد قول ابن أحمر (٤):\nوإنما العَيْشُ بربَّانه (٥) ... وأنْتَ من أفْنَانِه مُعْتَصِرْ\nأي آخذ منها ما شئت.\nوروي عن ابن عباس (٦) في رواية الوالبي:\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١١٤.\n(٢) ذكر هذا القول الطبري ١٢/ ٢٣٣، وتعقبه فقال: \"وكان بعض من لا علم له بأقوال السلف من أهل التأويل، ممن يفسِّر القرآن على مذهب كلام العرب، يوجه معنى قوله: \"وفيه يعصرون\" إلى: وفيه ينجون من الجدب والقحط بالغيث ويزعم أنه من العصر والعُصْرَة التي بمعنى المنجاة ... إلى أن قال: وذلك تأويل يكفي من الشهادة على خطئه، خلافه قول جميع أهل العلم من الصحابة والتابعين. اهـ.\nوتعقب ابن عطية ٧/ ٥٣١، الطبري فقال: \"ورد الطبري على من جعل اللفظة من العصرة ردًّا كثيرًا بغير حجة\".\n(٣) \"تهذيب اللغة\" (عصر) ٣/ ٢٤٦١، و\"اللسان\" (عصر) ٥/ ٢٩٧٠.\n(٤) \"ديوانه\" ص ٦١، وفيه \"مقتفر\" بدل \"معتصر\"، وأمالي القالي ١/ ٢٤٥، و\"مقاييس اللغة\" ٢/ ٤٨٣، ٤/ ٣٤٤، و\"مجمل اللغة\" ٢/ ٤٥٧، و\"تهذيب اللغة\" (عصر) ٣/ ٢٤٦١، و\"اللسان\" (عصر) ٥/ ٢٩٧٠. وبلا نسبة في \"المخصص\" ١٢/ ٢٣٢.\n(٥) في (ج): (ريانة).\n(٦) الطبري ١٢/ ٢٣٣، الثعلبي ٧/ ٨٧ أ، من رواية علي بن طلحة، وتعقب هذا القول الطبري بقوله \"قول لا معنى له، لأنه خلاف المعروف من كلام العرب، وخلاف ما يعرف من قول ابن عباس\" ١٦/ ١٣٢.","vol":"12","page":141},{"text":"يعصرون يحلبون. وإلى هذا ذهب أحمد بن عبيد (١) قال: تفسير يعصرون يحلبون الألبان، لسعة خيرهم واتساع خصبهم. واحتج بقول الشاعر (٢):\nفما عصمت الأعراب إن لم يكن لهم ... طعامٌ ولا درٌّ من الماء يُعْصَرُ\nأي: يحلب.\nوروى ابن الأنباري (٣) عن بعض أصحاب المعاني قال: تفسير يعصرون: يفضلون ويعطون ويحسنون. واحتج بقول طرفة:\nلو كان في أمْلاكِنَا واحِدٌ ... يَعْصرُ فينا كالذي يُعْصَرُ (٤)\nأي: يعطينا كالذي يعطى ويفضل ويحسن.\nوذكر الأزهري (٥) هذا المعنى في يعصر عن أبي عبيد وأبي عبيدة.\nواختار أبو علي الفارسي (٦) القولين الأولين فقال: قوله: ﴿يَعْصِرُونَ﴾ يحتمل أمرين:\nأحدهما: أن يكون من العصر الذي يراد به الضغط الذي لحق ما فيه دهن أو ماء نحو الزيتون والسمسم والعنب والتمر، ليخرج ذلك منه. الذي يدل على صحة هذا التأويل ما روي أنهم لم يعصروا في السنين الشداد زيتًا\n_________\n(١) \"زاد المسير\" ٤/ ٢٣٤.\n(٢) البيت من الطويل، وهو بلا نسبة في \"زاد المسير\" ٤/ ٢٣٤ برواية: (من المال).\n(٣) \"زاد المسير\" ٤/ ٢٣٥.\n(٤) \"ديوانه\" ص ١٥٤، و\"تاج العروس\" (عصر) ٧/ ٢٣٠، و\"مقاييس اللغة\" ٤/ ٣٤٤، و\"اللسان\" (عصر) ٥/ ٢٩٧٠، و\"كتاب العين\" ١/ ٢٩٧، و\"مجمل اللغة\" ٦٧٢/ ٣.\n(٥) \"تهذيب اللغة\" (عصر) ٣/ ٢٤٦١.\n(٦) \"الحجة\" ٤/ ٤٢٥.","vol":"12","page":142},{"text":"ولا عنبًا، فيكون المعنى: تعصرون للخصب الذي أتاكم كما كنتم تعصرون أيام الخصب، وقبل الجدب الذي دفعتم إليه.\nقال: ويكون يعصرون من العصر الذي هو الالتجاء (١) إلى ما يُقْدَر النجاة به وأنشد لابن مقبل (٢):\nوصاحبي وَهْوه مُسْتَوْ [هِلٌ] (٣) زَعِلٌ ... يَحُولُ بين حِمَارِ الوَحْشِ والعصر\nفلقوله: \"يغاث الناس\" جعل الفاعلين الناس لتقدم ذكرهم. ومن قرأ بالتاء (٤) وجه الخطاب إلى المستفتين كقوله: ﴿إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ﴾ ويؤيد القراءة الأولى قرب الناس من الفعل، ويؤيد الثانية أن المخاطبة يجوز أن تكون للمستفتين وغيرهم، إلا أن الخطاب والغيبة إذا اجتمعا غلب الخطاب على الغيبة كما يغلب التذكير على التأنيث.\nقال أبو عبيد: في هذه الآيات دليل على أن الرؤيا إنما تكون على ما عبرت عليه إذا أصيب بها وجه العبارة، فإذا عدل عن الصواب في عبارتها\n_________\n(١) في (ج): (التجاء).\n(٢) من قصيدة له قال عنها ابن قتيبة في الشعراء / ٤٢٦: هي أجود شعره. قوله (صاحبي) يريد فرسه، (الوهوه) من الخيل النشيط سريع الجري، (المستوهل): الفزع النشيط، الزعل: النشيط الأشر (العصر): الملجأ. انظر: \"ديوانه\" ص ٩٦، و\"المعاني\" ص ٢٦، و\"الجمهرة\" ٢/ ٣٥٤، و\"اللسان\" (وهي) ١٣/ ٥٦٣، و\"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٩٦٧، و\"كتاب العين\" ٤/ ٨٨، و\"تاج العروس\" (وهي) ١١٩/ ١٩.\n(٣) ما بين المعقوفين ساقط من (ج).\n(٤) قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم وابن عامر (يعصرون) بالياء وقرأ حمزة والكسائي تعصرون) بالتاء.\nانظر: \"السبعة\" ص ٣٤٩، و\"إتحاف\" ص ٢٦٥، والطبري ١٢/ ٢٣٣.","vol":"12","page":143},{"text":"لم يكن على ما عبرت. ألا ترى أن الملك لما اقتص رؤياه على الملأ قالوا: أضغاث أحلام، فلم يكن على ما قالوا، ففسرها يوسف بعدهم، فأبان الصواب فيها، وشوهد تأويلها بتفسيره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1760>٥٠ </span>- قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ﴾ الآية، قال المفسرون (١): لما رجع الذي أرسل إلى يوسف للاستفتاء عن تأويل الرؤيا إلى الملك وأخبره بما أفتاه به، عرف الملك أن ذلك التأويل صحيح، وأن الذي قاله كائن فقال: ائتوني بالذي عبر رؤياي هذه، فجاء الرسول يوسف وقال له: أجب الملك، فأبى أن يخرج مع الرسول حتى يتبين براءته مما قذف به، وقال للرسول: ارجع إلى ربك يعني الملك ﴿فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي﴾ أي ما حالتهن (٢) وشأنهن، والبال: الحال والشأن، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ﴾ [محمد: ٢] وقال أبو عبيد (٣):\nفبِتْنا على ما خَيّلتْ نَاعِمِي بَالِ\nومعنى الآية فأسأل الملك أن يتعرف ويسأل ما شأن تلك النسوة وحالهن ليعلم صحة براءتي.\n_________\n(١) هذه عبارة الثعلبي ٧/ ٨٧ أ، و\"زاد المسير\" ٤/ ٢٣٦.\n(٢) في (ج): (ماحالهن).\n(٣) في \"التهذيب\" (بال) ١/ ٢٦٣ قال: قال عبيد وذكر البيت، وانظر: \"اللسان\" (بول) ١/ ٣٩٠ من غير نسبه. والبيت لعدي بن زيد، وصدره:\nفليت رفعت الهم عني ساعة\nانظر: \"ديوانه\" ص ١٦٢، و\"الإيضاح\" / ١٠٦، و\"نوادر أبي زيد\" / ٢٥ وبلا نسبة في \"شواهد التوضيح\" ص١٤٨ و\"الدر\" ١/ ١١٤، ١٢٣، و\"الهمع\" ٢/ ١٦٣، والسيوطي ص ٢٣٨، و\"الإنصاف\" ص١٥٧، و\"أمالي ابن الشجري\" ١/ ١٨٣، ٢٩٥.","vol":"12","page":144},{"text":"قال أبو إسحاق (١): أي سله أن يستعلم صحة براءتي مما قذفت به، فمعنى ردِّه الرسول هو أن يتبين براءته وأنه حبس بظلم من غير اقتراف ذنب، كما قال قتادة (٢): طلب العُذر، وعلى هذا يكون في الآية محذوف على تقدير: فسله أن يسأل أو يتعرف ما بال النسوة، ولكن لما كان قوله: (ما بال النسوة) يتضمن معنى السؤال والاستعلام والتعرف حذف ذلك.\nقال عامة المفسرين (٣): إن يوسف ﵇ أشفق من أن يراه الملك بعين مشكوك في أمره، مقروف بفاحشة، فأحب أن يراه بعد أن زال عن قلبه ما كان خامره من الباطل. وقد استحسن النبي - ﷺ - حزم يوسف وصبره حين دعاه الملك فلم يبادر حتى يعلم أنه قد استقر عند الملك صحة براءته فقال النبي - ﷺ -: \"رحم الله يوسف، لقد كان ذا أناة ولو كنت أنا المحبوس ثم جاءني الرسول لخرجت (٤) مسرعًا\" (٥).\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١١٥.\n(٢) الطبري ١٢/ ٢٣٦.\n(٣) الطبري ١٢/ ٢٣٤٠، الثعلبي ٧/ ٨٧ ب، البغوي ٤/ ٢٤٨، ابن عطية ٧/ ٥٣٢، \"زاد المسير\" ٤/ ٢٣٦، القرطبي ٩/ ٢٠٧.\n(٤) في (ج): (لخرجت إليه) بزيادة إليه.\n(٥) أخرجه البخاري (٣٣٨٧) كتاب أحاديث الأنبياء باب قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ﴾ بلفظ: \"ولو لبثت في السجن ما لبث يوسف ثم أتاني الداعي لأجبته\" ومسلم بنحوه (١٥١) كتاب الإيمان، باب زيادة طمأنينة القلب بتظاهر الأدلة.\nوأخرجه الترمذي (٣١١٦)، كتاب تفسير القرآن، باب من سورة يوسف بلفظ \"إن الكريم ابن الكريم بن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، قال: ولو لبثت في السجن ما لبث ثم جاءني الرسول أجبتُ .. الحديث\".\nوأخرجه ابن جرير ١٢/ ٢٣٥ من طريق ابن إسحاق عن رجل عن أبي الزناد =","vol":"12","page":145},{"text":"قال أبو إسحاق (١): ولم يفرد يوسف امرأة العزيز حُسْنَ عشرة منه وأدب، فخلطها بالنسوة.\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾ يعني: أن الله عالم بكيدهن وقادر على إظهار براءتي لهذا المخلوق الذي استحضرني، وذكرنا معنى كيدهن عند قوله ﴿فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1761>٥١ </span>- قوله تعالى: ﴿قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ﴾، قال المفسرون (٢): لما رجع الرسول إلى الملك برسالة يوسف دعا الملك النسوة وفيهن امرأة العزيز، فقال لهن: ما خطبكن، قال ابن عباس (٣): يريد ما قصتكن، وقال آخرون (٤): ما شأنكن وأمركن.\nوقوله تعالى: ﴿إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ﴾ وقال ابن الأنباري (٥): إنما جمعهن في المراودة؛ لأن الملك اتصل به أن بعض النسوة راود، فجمعهن ليستعلم عين المراودة. ويحتمل أن يقال (٦): إنهن كلهن راودن، فامرأة العزيز راودته عن نفسه، وسائر النسوة راودنه في طاعتها والانقياد لما تلتمسه منه.\n_________\n= بلفظ: \"يرحم الله يوسف إن كان ذا أناة لو كنت أنا المحبوس ثم أرسل إلى لخرجت سريعًا، إن كان لحليمًا ذا أناة\" ضعفه الألباني في السلسلة الصحيحة ٤/ ٤٨٥، وضعفه أحمد شاكر في تخريجه للطبري ١٢/ ٢٣٥.\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١١٥.\n(٢) الثعلبي ٧/ ٨٧ ب، والطبري ١٢/ ٢٣٦.\n(٣) ابن عطية ٧/ ٥٣٤، و\"زاد المسير\" ٤/ ٢٣٧.\n(٤) الطبري ١٢/ ٢٣٦، الثعلبي ٧/ ٨٧ ب، البغوي ٤/ ٢٤٨.\n(٥) \"زاد المسير\" ٤/ ٢٣٧.\n(٦) في (ج): (أن يقول كلهن)، وسقطت: (أنهن).","vol":"12","page":146},{"text":"قوله تعالى: ﴿قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ﴾ مضى الكلام فيه، ﴿مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ﴾، قال ابن عباس (١): يريد من زنا.\nقال الزجاج (٢): أعلم النسوة الملك براءة يوسف، فقالت امرأة العزيز: \"الآن حصحص الحق\" تريد برز وتبين، وهو قول ابن عباس (٣) ومجاهد (٤) وقتادة (٥).\nوقال الفراء (٦): لما دُعي النسوة فبرأنه قالت: لم يبق إلا أن يعلن علي بالتقرير فأقرت، فذلك قولها: الآن حصحص الحق، تقول: ضاق الكذب وتبين الحق، وعلى هذا إنما أقرت؛ لأنها خافت أنها إن كذبت شهدت عليها النسوة ببعض ما تقرر عندهن. فلم تجد بدًّا من الإقرار.\nقال ابن الأنباري (٧): قال اللغويون: (حصحص الحق) معناه: وضح وانكشف وتمكن في القلوب والنفوس، من قول العرب: حصحص البعير بروكه، إذا تمكن فاستقر في الأرض وفرق الحصى.\nقال حميد بن ثور (٨):\n_________\n(١) \"تنوير المقباس\" ص ١٥١، القرطبي ٩/ ٢٠٧، البغوي ٤/ ٢٤٨.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١١٥.\n(٣) الطبري ١٢/ ٢٣٦ وابن المنذر وابن أبي حاتم كما في \"الدر\" ٤/ ٤٢.\n(٤) الطبري ١٢/ ٢٣٦.\n(٥) الطبري ١٢/ ٢٣٧.\n(٦) \"معاني القرآن\" ٢/ ٤٨، وفيه \"لما دعا النسوة فبرأنه، قالت: لم يبق إلا أن يُقبل عليَّ بالتقرير فأقرت ... \".\n(٧) \"زاد المسير\" ٤/ ٢٣٨، وانظر: \"تهذيب اللغة\" (حصص) ١/ ٨٣٥، و\"اللسان\" (حصص) ٢/ ٩٠٠.\n(٨) هو حميد بن ثور الهلالي من بني عامر، إسلامي مخضرم، انظر: \"طبقات الشعراء\" لابن قتيبة ص ٢٤٧، \"ديوانه\" ص ٩، و\"الزاهر\" ٢/ ٣٤، و\"الدر المصون\" =","vol":"12","page":147},{"text":"وحَصْحَصَ في صُمّ الحَصَا ثَفِنَاتِه ... ودَامَ القِيَامُ ساعةً ثم صَمَّمَا\nيصف بعيرًا.\nوقال الزجاج (١): اشتقاقه في اللغة من الحصّة، أي: بانت حصّة الحق من حصة الباطل.\nوقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ هو يعني في قوله: (هي راودتني عن نفسي).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1762>٥٢ </span>- قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ﴾ الآية، قال ابن عباس (٢) والحسن (٣) ومجاهد (٤) وقتادة (٥) والضحاك (٦) وعامة المفسرين: هذا من كلام يوسف وقوله.\nقال الفراء (٧): ربما وصل الكلام بالكلام حتى كأنه قول واحد، وهو كلام الاثنين كقوله تعالى: ﴿مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ (٨)\n_________\n= ٦/ ٥١٣، و\"الكشاف\" ٢/ ٣٢٦، و\"اللسان\" (حصص) ٢/ ٨٩٩، و\"تهذيب اللغة\" ١/ ٨٣٥، و\"ديوان الأدب\" ٣/ ١٧٣، و\"تاج العروس\" ٩/ ٢٥٧، حصحص: أثبت ركبتيه للنهوض بالثقل، والثفنات: جمع ثفنة وهي من البعير ما يقع على الأرض إذا استناخ.\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١١٥.\n(٢) أخرجه ابن المنذر وابن أبي حاتم ٧/ ٢١٥٧ كما في \"الدر\" ٤/ ٤٣، ومن طريق آخر أخرج الطبري ١٢/ ٢٨٣، والفريابي وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والبيهقي في \"الشعب\" كما في \"الدر\" ٤/ ٤٣.\n(٣) \"زاد المسير\" ١٦/ ١٤١، القرطبي ٩/ ٢٠٩، الطبري ١٣/ ٣.\n(٤) الطبري ١٢/ ٢٣٨، و\"زاد المسير\" ٤/ ٢٣٩.\n(٥) الطبري ١٢/ ٢٣٨، و\"زاد المسير\" ٤/ ٢٣٩، والقرطبى ٩/ ٢٥٩.\n(٦) الطبري ١٢/ ٢٣٨.\n(٧) \"معاني القرآن\" ٢/ ٤٧.\n(٨) الشعراء: ٣٥.","vol":"12","page":148},{"text":"اتصل قول فرعون بقول الملأ، وكذلك قوله ﴿إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً﴾ إلى قوله ﴿وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ (١) انقطع كلامها عند قوله ﴿أَذِلَّةً﴾ ثم قال الله: ﴿وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾.\nومعنى قوله ﴿ذَلِكَ﴾ قال مقاتل (٢): معناه هذا. قال أبو بكر (٣): قال اللغويون: \"هذا\" و﴿ذَلِكَ﴾ يصلحان في هذا الموضع وأشباهه، ونظيره قوله تعالى ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢] وقد مر. وقال آخرون (٤): \"ذلك\" إشارة إلى ما فعله من رد الرسول يقول: ذلك الذي فعلت من رد رسول الملك إليه في شأن النسوة ليعلم.\nقال الزجاج (٥): و(ذلك) مرفوع بالابتداء، وإن شئت على خبر الابتداء، كأنه قال: أمري ذلك.\nواختلفوا متى قال هذا يوسف، فروى عطاء عن ابن عباس (٦) قال: لما صار يوسف عند الملك قال (ذلك ليعلم)، ونحو هذا روى الضحاك (٧) عنه، فعلى هذا معنى قوله ﴿لِيَعْلَمَ﴾ أي الملك.\nقال أبو بكر (٨): وإنما آثر الياء على التاء توقيرًا للملك، ورفعًا له عن المخاطبة.\n_________\n(١) النمل: ٣٤.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ص ١٥٥، و\"زاد المسير\" ٤/ ٢٣٨.\n(٣) \"زاد المسير\" ٤/ ٢٣٨.\n(٤) الطبري ١٢/ ٢٣٨، الثعلبي ٧/ ٨٨ أ.\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١١٥.\n(٦) \"زاد المسير\" ٤/ ٢٣٩، الطبري ١٢/ ٢٣٨ عكرمه عن ابن عباس.\n(٧) \"زاد المسير\" ٤/ ٢٣٩.\n(٨) \"زاد المسير\" ٤/ ٢٤٠.","vol":"12","page":149},{"text":"وقوله تعالى: ﴿لَمْ أَخُنْهُ﴾ أي في امرأة (١) وزيره. وقال ابن جريج (٢): لم أخن زوج المرأة، والأكثرون على أن قوله (ليعلم) معناه ليعلم العزيز وهو وزير الملك أني لم أخنه في زوجته بالغيب، وهو قول ابن عباس (٣). واختيار الفراء (٤): ليعلم الملك، هذا على قول من يقول: إن يوسف قال هذا بعد حضوره مجلس الملك.\nوقال الكلبي فيما رواه عن ابن عباس (٥): لما رجع الساقي إلى يوسف فأخبره وهو في السجن بجواب امرأة العزيز والنسوة، قال -﵇- وهو في السجن: \"ذلك ليعلم\" أي العزيز \"أني لم أخنه\" في امرأته بالغيب.\nوقال ابن جريج (٦): قاله يوسف في السجن قبل أن يخرج (٧) منه. وقبل أن يسأل الملك النسوة عما سألهن عنه؛ وذلك أنه أحب أن يصح عذره قبل خروجه من السجن، قال: وهو من تقديم القرآن وتأخيره، وتأويله ﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ﴾ إلى قوله ﴿عَلِيمٌ﴾ ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾ فرق بينهما.\n_________\n(١) في (ج): (أمره) وهو قول ابن الأنباري كما في \"زاد المسير\" ٤/ ٢٣٩.\n(٢) انظر: \"تفسير ابن أبي حاتم\" (تفسير سورة يوسف المحققة) ٢١٤، الثعلبي ٧/ ٨٨ أ.\n(٣) \"زاد المسير\" ٤/ ٢٣٩ وبه قال الحسن ومجاهد وقتادة والجمهور، وذكره الثعلبي ٧/ ٨٨ أ.\n(٤) \"معاني القرآن\" ٢/ ٤٧.\n(٥) \"زاد المسير\" ٤/ ٢٣٩، القرطبي ٩/ ٢٠٩.\n(٦) \"زاد المسير\" ٤/ ٢٣٩.\n(٧) في (ب) بياض في موضع قوله (قبل أن).","vol":"12","page":150},{"text":"قال أبو بكر بن الأنباري: فمن أخذ بهذا التفسير قال: العليم: الملك أو العزيز.\nوقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ﴾ أي: لا يرشد كيد من خان أمانته، يريد أنه في العاقبة بحرمان الهداية من الله -﷿-، والكلام خرج على الكيد ومعناه: الكائد، أي: لا يهدي الكائد الخائن، قال عامة المفسرين (١): لما قال يوسف ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ﴾ الآية، قال له جبريل: ولا حين هممت بها يا يوسف؟، فقال يوسف:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1763>٥٣ </span>- ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾ قال أهل المعاني (٢): خاف على نفسه التزكية، وتزكية النفس مما يذم وينهى عنه، قال الله تعالى: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النجم: ٣٢] فاستدرك ذلك بقوله ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾ قال ابن عباس: يريد: وما أزكي نفسي، ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ قال: يريد (٣): بالقبيح وما لا يحب الله، وذلك لكثرة ما تشتهيه وتنازع إليه.\nوقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي﴾ قالوا (٤): \"ما\" بمعنى \"من\" أي: إلا من رحم ربي فعصم مما تدعوه إليه نفسه من القبيح، و\"ما\" بمعنى \"من\" بمعنى \"ما\" قد يقعان في مواضع كقوله: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣]، وقوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ﴾ [النور: ٤٥]، قال الفراء (٥): وهذا استثناء منقطع مما قبله؛ لأن المرحوم بالعصمة استثني من\n_________\n(١) الطبري ١٣/ ١ - ٣، عن ابن عباس بن سعيد بن جبير وابن أبي الهذيل والحسن وأبي صالح وقتادة وعكرمة، الثعلبي ٧/ ٨٨ ب، البغوي ٤/ ٢٤٩، ابن عطية ٧/ ٥٣٦.\n(٢) روى عن الحسن \"زاد المسير\" ٤/ ٢٤١، وانظر الطبري ١٣/ ٢، الثعلبي ٧/ ٨٨ ب.\n(٣) \"تنوير المقباس\" ص ١٥١.\n(٤) انظر: \"تهذيب اللغة\" (ما) ٤/ ٣٣١٩.\n(٥) \"معاني القرآن\" ٢/ ٤٨.","vol":"12","page":151},{"text":"النفس الأمارة، وقال ابن الأنباري (١): والترجمة عن معناها أن النفس لأمارة بالسوء إلا أن رحمة ربي عليها المعتمد وإليها المنتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1764>٥٤ </span>- قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ﴾ الآية، قال أبو بكر بن الأنباري (٢): من قال إن يوسف قال في مجلس الملك (ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب) قال: إن الملك أمر بإحضاره لتقليد الأعمال في غير ذلك المجلس الذي قال فيه \"ذلك ليعلم\". ومن قال: إن يوسف قال (ذلك) في السجن فالأمر فيه ظاهر.\nوقوله تعالى ﴿أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي﴾ قال أبو إسحاق (٣): أي أجعله خالصًا لي لا يشركني فيه أحد.\nوقال غيره (٤): الاستخلاص طلب خُلوص الشيء من شائب الإشراك، وهذا المطلب طلب أن يكون يوسف له وحده دون شريك فيه.\nقوله تعالى ﴿فَلَمَّا كَلَّمَهُ﴾ قال عطاء: عن ابن عباس (٥): يريد الملك، فجعل الكلام للملك وهو أنه قال له: (إنك اليوم لدينا مكين أمين) والمفسرون على أن ﴿كَلَّمَهُ﴾ أي كلم يوسف الملك، قال الكلبي (٦): لما صار إلى الملك وكان في ذلك الوقت ابن ثلاثين سنة، فلما رآه الملك حدثًا شابًا قال للساقي: أهذا يعلم من تأويل رؤياي ما لم يعلمه\n_________\n(١) \"زاد المسير\" ٤/ ٢٤٢.\n(٢) \"زاد المسير\" ٤/ ٢٤٢.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١١٦.\n(٤) الرازي ١٨/ ١٥٩.\n(٥) قال به الطبري ١٣/ ٤، وذكره الرازي ١٨/ ١٥٩، والثعلبي ٧/ ٨٨ ب.\n(٦) \"تنوير المقباس\" ص ١٥١.","vol":"12","page":152},{"text":"السحرة والكهنة؟! قال: نعم، فأقبل على يوسف وقال: إني (١) أحب أن أسمع منك تأويل رؤياي شفاهًا، فأجابه يوسف بما شفاه وشهد قلبه بصحته، فعند ذلك قال له الملك: ﴿قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ﴾ يقال: فلان مكين عند فلان بين المكانة، أي: المنزلة، وهي حال يتمكن بها مما يريد (٢).\nوقوله تعالى \"أمين\" قال الزجاج (٣): أي قد عرفنا أمانتك وبراءتك مما قرفت به.\nوقال مقاتل (٤): المكين تفسيره: الوجيه، والأمين الحافظ. وقال عطاء عن ابن عباس (٥): يريد مكنتك ملكي، وجعلت سلطانك فيه كسلطاني وائتمنتك فيه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1765>٥٥ </span>- قوله تعالى ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ﴾ قال المفسرون (٦): لما عبّر يوسف رؤيا الملك بين يديه قال له الملك: فما ترى أيها الصديق؟ قال: أرى أن تزرع في هذه السنين المخصبة زرعًا كثيرا وتبني الأهرا (٧) والخزائن وتجمع الطعام فيها؛ ليأتيك الخلق من النواحي، فيمتارون منك بحكمك (٨)، ويجتمع عندك من الكنوز ما لم يجتمع لأحد قبلك، فقال\n_________\n(١) (إني) ساقط من (ج).\n(٢) ما سبق في الرازي ١٨/ ١٥٩.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١١٦.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ١٥٥ أ، و\"زاد المسير\" ٤/ ٢٤٣.\n(٥) \"زاد المسير\" ٤/ ٢٤٣.\n(٦) الثعلبي ٧/ ٨٩ ب.\n(٧) كذا في جميع النسخ والصحيح \"الأهرام\" كما في الوسيط ٢/ ٦١٨.\n(٨) في (ج): (بحكمتك).","vol":"12","page":153},{"text":"الملك: ومن لي بهذا (١)، ومن يجمعه ويكفي الشغل فيه؟، فقال يوسف: اجعلني على خزائن الأرض إني على حفظها، ثم حذف المضاف.\nوقوله: ﴿الْأَرْضِ﴾ قال المفسرون (٢): يعني أرض مصر.\nوقال أهل العربية (٣): يعني خزائن أرضك، فجعلت الألف واللام بدلًا من تعريف الإضافة كقول النابغة (٤):\nوالأحْلامُ غَيْرُ عَوَازِبِ\nيريد: وأحلامهم.\nروى جويبر عن الضحاك عن ابن عباس في هذه الآية قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"رحم الله يوسف لو لم يقل اجعلني على خزائن الأرض لاستعمله من ساعته، ولكنه أخر ذلك سنة\" (٥).\nفإن قيل: لِمَ طلب يوسف الإمارة، والنبي - ﷺ - قال لعبد الرحمن بن سمرة \"يا عبد الرحمن لا تسل الإمارة\" (٦)؟.\n_________\n(١) في (ب): (هذا) من غير باء.\n(٢) الرازي ١٨/ ١٦٠، البغوي ٤/ ٢٥١، ابن عطية ٨/ ٧.\n(٣) الطبري ١٣/ ٥، الثعلبي ٧/ ٩٠ أ.\n(٤) جزء من عجز بيت، وتمامه:\nلهم شيمة لم يعطها الدهر غيرهم ... من الناس، والأحلام غير عوازب\nللنابغة الذبياني. انظر \"ديوانه\" ص ٥٦، والطبري ١٣/ ٥، وفي القرطبي ٩/ ٢١٢ عجزه:\nمن الجود والأحلام غير كواذب\n(٥) الثعلبي ٧/ ٩٠ أ، و\"زاد المسير\" ٢٤٣/ ٤، والقرطبي ٢١٣/ ٩ قال الحافظ ابن جر في \"الكاف الشاف\" ص ٩٠ \"أخرجه الثعلبي عن ابن عباس من رواية إسحاق ابن بشر عن جويبر عن الضحاك عنه وهذا إسناد ساقط، وقال الألباني. موضوع، انظر: \"سلسلة الأحاديث الضعيفة\" (٣٢٩).\n(٦) الحديث أخرجه البخاري (٦٦٢٢) كتاب الإيمان والنذور، باب قول الله تعالى =","vol":"12","page":154},{"text":"والجواب من هذا ما ذكره أبو إسحاق (١) قال: إن الأنبياء بعثوا لإقامة الحق والعدل ووضع الأشياء مواضعها، وعلم يوسف - ﷺ - أنه لا أحد أقوم بذلك ولا أوضع له في مواضعه منه، فسأل ذلك إرادة للصلاح.\nوقوله تعالى: ﴿إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء: يريد لا يضيع من ذلك عندي شيء، عليم بما أفعل ويصلح ملكك.\nوقال قتادة (٢): حفيظ لما وليت، عليم بأمره ونحوه.\nقال ابن إسحاق (٣) وأبو إسحاق (٤): وقال جماعة: يريد أني كاتب حاسب.\nفإن قيل (٥): لِمَ ترك الاستثناء في هذا بأن يقول: إن شاء الله، وإدخال الاستثناء في مثل هذا أوجب في كلام مثله؟. ولِمَ مدح نفسه بالحفظ والعلم؟\nوالجواب أن يقال: أما تركه الاستثناء فإن ذلك كان منه خطيئة أوجبت عليه من الله العقوبة، بأن أخر تمليكه عن ذلك الوقت، ذكر مقاتل ابن سليمان (٦): أن النبي - ﷺ - قال: \"إن يوسف قال: إني حفيظ عليم، لو قال: إن شاء الله، لملك من وقته ذلك\"، ويمكن أن يقال: إنه أضمر في\n_________\n= ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ﴾ وفي (٦٧٢٢) كتاب كفارات الأيمان، باب الكفارة قبل الحنث وبعده وفي مواضع أخرى (٧١٤٦)، (٧١٤٧).\nوأخرجه مسلم (١٨٢٤) في الإمارة، باب النهي عن طلب الإمارة والحرص عليها.\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١١٦.\n(٢) و(٣) الطبري ١٣/ ٥، الثعلبي ٧/ ٩٠ أ.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١١٦.\n(٥) \"زاد المسير\" ٤/ ٢٤٤، والرازي ١٨/ ١٦٠.\n(٦) \"تفسيرمقاتل\" ١٥٥ أ، و\"زاد المسير\" ٤/ ٢٤٣.","vol":"12","page":155},{"text":"نفسه الاستثناء دان لم يتلفظ به. أو يقال: أراد أن حفظي يزيد على حفظ غيري، وكذلك علمي، وكان هذا مما لا يدخل فيه شك حتى يحتاج إلى الاستثناء، وأما مدحه نفسه فإن مثل هذا إذا خلا من البغي والاستطالة، وكان المراد فيه الوصول إلى حق يقيمه، وعدل يحييه، وجور يبطله، كان ذلك جائزًا جميلًا. كقول القائل: إني لحافظ كتاب الله، عالم بتفسيره، عارف بشرائع الإسلام، يقصد بهذا القول قصد أن يتعلم منه إنسان فيفيده مما علمه الله حسن ذلك منه، ولم يحمل ذلك على تزكية النفس إذا عري قوله من الخيلاء والكبر، ذكر هذا كله أبو بكر (١).\nوقال الكلبي فيما رواه عن ابن عباس (٢) في قوله: إنه حفيظ أي: لتقدير الأقوات، عليم بسني المجاعة، وقال الكلبي (٣): ويقال معناه: عليم بلغات الناس كلهم، وذلك أن الناس كانوا يفدون على الملك من كل ناحية ويتكلمون بلغات مختلفة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1766>٥٦ </span>- قوله تعالى ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ﴾ الآية، قال أصحاب المعاني: جواب الملك ليوسف حين قال له: (اجعلني على خزائن الأرض) محذوف لبيان معناه، ولدلالة قوله: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ﴾ عليه.\nقال ابن الأنباري (٤): وتلخيصه، فقال الملك: قد فعلت. فدل تمكين الله له في الأرض على إجابة الملك إياه إلى ما سأل.\n_________\n(١) \"زاد المسير\" ٤/ ٢٤٤، ٢٤٥.\n(٢) \"تنوير المقباس\" ص ١٥١، الثعلبي ٧/ ٩٠ أ.\n(٣) \"تنوير المقباس\" ص ١٥١، الثعلبي ٧/ ٩٠ أ.\n(٤) \"زاد المسير\" ٤/ ٢٤٥، الرازي ١٨/ ١٦٢.","vol":"12","page":156},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ﴾ تحتمل وجهين:\nأحدهما (١): أن تكون الكاف منصوبة بالتمكين، وذلك إشارة إلى ما تقدم. يعني به: ومثل ذلك الإنعام الذي أنعمنا عليه في تقريبنا إياه من قلب الملك، وإنجائنا إياه من غم الحبس مكنا له في الأرض.\nالوجه الثاني: أن (كذلك) بجملته في موضع نصب بالتمكين، وتأويله:\nوهكذا، وهو إشارة إلى ما بعده، تقديره: وفي هذا الوقت مكنا له في الأرض. وعلى هذا الآية مستأنفة، وعلى الوجه الأول: الآية موصولة بما قبلها.\nوقوله تعالى (٢): ﴿مَكَّنَّا لِيُوسُفَ﴾ أي أقدرناه على ما يريد برفع الموانع، هذا معنى التمكين من الشيء، ومضى الكلام في هذه اللام التي في قوله \"ليوسف\" عند قوله ﴿مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ﴾ (٣) وقوله ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ قال ابن عباس (٤): يريد أرض مصر.\nوقوله تعالى: ﴿يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ﴾ هذا تفسير لقوله ﴿مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ﴾ لأن معنى التمكين في الأرض: أن يكون هذه الصفة يتبوأ حيث يشاء، و(يتبوأ) في موضع نصب على الحال تقديره: مكناه متبوئًا (٥).\n_________\n(١) انظر: \"زاد المسير\" ٤/ ٢٤٥، الرازي ١٨/ ١٦٣.\n(٢) (تعالى) ساقط من (ب).\n(٣) الأنعام: ٦. وقال هناك: لم قال (ما لم نمكن لكم) ولم يقل نمكنكم، وهما لغتان تقول العرب: مكنته ومكنت له، كما تقول: نصحته ونصحت له، اهـ.\n(٤) \"تنوير المقباس\" ص ١٥١.\n(٥) الرازي ١٨/ ١٦٣.","vol":"12","page":157},{"text":"وقوله تعالى: ﴿حَيْثُ يَشَاءُ﴾ يحتمل أمرين: أحدهما: أن يكون في موضع نصب بأنه ظرف، والآخر: في موضع نصب بأنه مفعول به، ودل على هذا الوجه قول الشماخ (١):\nيَرْمِي حَيْثُ تُكْوَى النَّواحِزُ (٢)\nوقد مرّ. واختلف القراء (٣) في قوله ﴿حَيْثُ يَشَاءُ﴾ فعامة القراء قرأوا بالياء كقوله: ﴿يَتَبَوَّأُ﴾، كقوله: ﴿وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ﴾ وكما أن قوله (نشاء) في هذه الآية وفق فعل المتبؤ كذلك قوله: ﴿حَيْثُ يَشَاءُ﴾ وفق لقوله: \"يتبوأ\" في إسناده إلى الغيبة. وقرأ ابن كثير (نشاء) بالنون وذلك أن مشيئة يوسف لما كانت (٤) بمشيئة الله تعالى وإقداره عليها، جاز أن تنسب إلى الله تعالى وإن كان في المعنى ليوسف، وعلى هذا معنى هذه القراءة كمعنى قراءة العامة، ويقوي هذه القراءة أن الفعل\n_________\n(١) جزء من عجز بيت، وتمامه:\nوحلأها عن ذي الأراكة عامر ... أخو الخُضْر يرمي حيث تكوى النواحر\nحلأها: منعها الماء، والضمير للحمر، وعامر أخو الخضر: قانص مشهور، ذو الأراكة: نخل بموضع من اليمامة لبني عجل، النواحز: التي بها نحاز فتكوى في جنوبها وأصول أعناقها فتشفى، ويروى: حزاحز، والجزائز. و\"ديوانه\" ١٨٢، و\"جمهرة أشعار العرب\" ص ٢٩٧، و\"المعاني الكبير\" ٧٨٣، و\"الأزمنة\" ١/ ١٠٦، و\"تاج العروس\" (خفر) ٦/ ٣٥٤، و\"تهذيب اللغة\" ١/ ١٠٤٤ (خضر) \"اللسان\" ٢/ ١١٨٢.\n(٢) ما سبق في ابن عطية ٨/ ٩.\n(٣) قرأ ابن كثير وحده: ﴿يتبوأ منها حيث نشاء﴾ بالنون، وقرأ الباقون بالياء، انظر: \"السبعة\" ص ٣٤٩، و\"إتحاف\" ص ٢٦٦، وابن عطية ٨/ ٨، والثعلبي ٧/ ٩١ أ، و\"البحر المحيط\" ٥/ ٣٢٠.\n(٤) في (ج): (كان).","vol":"12","page":158},{"text":"المعطوف عليه بالنون وهو قوله: ﴿نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ﴾ قال ابن عباس: يريد أتفضل على من أشاء برحمتي.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ قال عطاء: يريد ثواب الموحدين وقال ابن عباس (١) ووهب: يعني الصابرين، وذلك لحسن صبر يوسف فيما عانى من أنواع المكاره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1767>٥٧ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ ذكر العلماء في هذه الآية قولين أحدهما: أن المعنى ما يعطي الله تعالى من ثواب الآخرة، خير للمؤمنين الذين يعدلون ويؤثرون الصواب في تقوى الله تعالى، من التمكين في الدنيا (والملك، والمعنى أن ما يعطي الله يوسف في الآخرة خير مما أعطاه في الدنيا) (٢)، هذا الوجه هو الموافق (٣) للظاهر وهو الذي عليه العامة (٤).\nالوجه الثاني (٥): أن أجر الآخرة خير من التشاغل في الدنيا الفانية الزائلة. وعلى هذا قيل: (ولأجر الآخرة خير) وإن لم يكن في التشاغل بالدنيا خير، على مذهب العرب من قولهم: زيد أعقل الرجلين، وإن لم يكن للثاني عقل، والشاهد بهذا قوله تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٤]، وأصحاب النار لا خير في مستقرهم البتة.\n_________\n(١) الثعلبي ٧/ ٩١ أ، القرطبي ٩/ ٢١٩.\n(٢) ما بين المعقوفين مكرر في (أ)، (ج).\n(٣) هنا زائد (في) في (أ)، (ب).\n(٤) \"زاد المسير\" ٤/ ٢٤، والرازي ١٨/ ١٦٤، و\"البحر المحيط\" ٥/ ٣٢٠، وابن عطية ٨/ ١٠، والطبري ١٣/ ٧.\n(٥) ذكره الرازي ١٨/ ١٦٤.","vol":"12","page":159},{"text":"وهذا بيان عما يوجب طلب أجر الآخرة والحرص عليه بلزوم طاعة الله واجتناب معصيته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1768>٥٨ </span>- قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ﴾ الآية، قال الكلبي (١) والسدي (٢) وابن إسحاق (٣): إن يعقوب -﵇- لَحِقَه في سني الجدب والمجاعة ما لحق الناس، فقال لأولاده: يا بني قد بلغني بأن بأرض مصر ملكًا عادلًا منصفًا، فأشخصوا إليه فامتاروا منه، فقالوا: كيف يكون الملك على ما تصف منه وهو كافر يعبد الأوثان؟ فقال لهم: يا بني إنما تعطون دراهم وتأخذون طعامًا فما عليكم مما يغيب عنكم من حالاته، فذلك قوله: ﴿وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ واختلفوا في سبب معرفته وإنكارهم، فقال ابن الأنباري (٤): لأنهم استشعروا قبل ملاقاته أنه كافر يعبد الأوثان، فلما شاهدوه مقدرين أنه ملك كافر على ما شاهدوا عليه ملوك دهرهم لم يظنوا أنه أخوهم، ولم يتأملوا منه (٥) ما يزول به عنهم الشك فيه والجهل بأمره.\nوروى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس (٦): أن إخوة يوسف رأوا يوسف وقت دخولهم عليه لابسًا ثياب حرير، وفي عنقه طوق من ذهب، وعلى رأسه تاج (٧)، وكان قد تزيا بزيّ فرعون مصر، فيحتمل أن يكون ما\n_________\n(١) \"زاد المسير\" ٤/ ٢٤٦، الضحاك عن ابن عباس، وأبو صالح عن ابن عباس.\n(٢) الطبري ٧/ ١٣، ابن كثير ٢/ ٥٢٩، ابن عطية ٨/ ١٠.\n(٣) الطبري ١٣/ ٧، ابن كثير ٢/ ٥٢٩.\n(٤) \"زاد المسير\" ٤/ ٢٤٧.\n(٥) (منه) ساقط من (أ)، (ب).\n(٦) \"زاد المسير\" ٤/ ٢٤٧، الثعلبي ٧/ ٩٢ ب.\n(٧) (تاج) ساقط من (ج).","vol":"12","page":160},{"text":"رأوا من زيّه في ملبسه سببًا لنكيرهم له، وألقاهم يوسف على ما كان عهدهم في الملبس والمركب والحلية فعرفهم. وروى عطاء عن ابن عباس (١) في قوله: ﴿فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ (٢) لم يثبتوه وعليه تاج الملك وحجاب الملك، وعلى هذا يحتمل أنهم رأوه من وراء ستر فلم يعرفوه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1769>٥٩ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ﴾ قال الليث (٣): جهزت القوم تجهيزًا، إذا تكلفت لهم جهازهم للسفر، وكذلك جهاز العروس والميت وهو ما يحتاج إليه في وجهه، وقد تجهز ذا جهاز، قال: وسمعت أهل البصرة يخطئون الجهاز بالكسر، قال الأزهري (٤): والقراء كلهم على فتح الجيم، والكسر لغة ليست بجيدة، قال المفسرون: حمل لكل رجل منهم بعيرًا، فهو قوله: ﴿جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ﴾.\nوقوله تعالى: ﴿قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ﴾ قال الكلبي فيما رواه عن ابن عباس (٥): لما نظر إليهم يوسف وكلموه بالعبرانية، قال لترجمانه قل لهم: لغتكم مخالفة لغتنا، وزيكم يغاير زينا، وأمركم مشكل علينا، فمن أنتم؟ وما أمركم؟ ولعلكم جواسيس، تخرجون أخبارنا إلى أعدائنا؟ قالوا لا والله ما نحن بجواسيس إنما نحن إخوة بنو أب واحد وهو شيخ صديق. فقال لهم: فكم عدتكم؟ قالوا: كنا اثني عشر فذهب أخ لنا معنا إلى البرية فهلك فيها، قال فأين الآخر؟ قالوا: عند أبينا، قال: فمن يعلم أن الذي\n_________\n(١) البغوي ٤/ ٢٥٤.\n(٢) في (ج) بزيادة \"يريد\".\n(٣) \"تهذيب اللغة\" (جهز) ١/ ٦٧٩.\n(٤) \"تهذيب اللغة\" (جهز) ١/ ٦٧٩.\n(٥) الثعلبي ٧/ ٩٢ ب، البغوي ٤/ ٢٥٤، و\"زاد المسير\" ٤/ ٢٤٦.","vol":"12","page":161},{"text":"تقولون حق؟ قالوا: إنا ببلاد لا يعرفنا أحد وقد عرّفنا أنسابنا فبأي شيء تسكن نفسك إلينا؟ وقال يوسف: فأتوني بأخيكم الذي من أبيكم إن كنتم صادقين فأنا أرضى بذلك.\nوقوله تعالى: ﴿أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ﴾ أتمه ولا أبخسه، وأزيدكم حمل بعير آخر لأجل أخيكم.\nوقوله تعالى: ﴿وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾ قال مجاهد (١): خير المضيفين، قال أبو إسحاق (٢): لأنه حين أنزلهم أحسن ضيافتهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1770>٦٠ </span>- قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ﴾ الآية، أوعدهم على ترك الإتيان بالأخ بأن لا يبيعهم الطعام، ولا يقربوا بابه وبلاده.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1771>٦١ </span>- فلما قال لهم يوسف هذا قالوا (٣): ﴿سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ﴾ أي نطلب منه ونسأله أن يرسله معنا ﴿وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ﴾ قال الكلبي (٤): وإنا لضامنون لك المجيء به.\nوقال ابن إسحاق (٥): وإنا لمجتهدون في المصير به إليك، وذلك أنهم جَوَّزوا أن لا يجيبهم أبوهم إلى الإرسال به معهم. وقال أبو إسحاق (٦): قوله ﴿وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ﴾ معناه التوكيد لما قبله، يعني من المراودة، كأنهم قالوا: نراوده عنه ونفعل ذلك.\n_________\n(١) الطبري ١٣/ ٨، وأخرجه ابن أبي حاتم ٧/ ٢١٦٤، وأبو الشيخ عن ابن عباس كما في \"الدر\" ٤/ ٤٨.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١١٧.\n(٣) (قالوا) ساقط من (أ)، (ج).\n(٤) \"تنوير المقباس\" ص ١٥١، و\"زاد المسير\" ٤/ ٢٤٨.\n(٥) الطبري ١٣/ ٩.\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١١٧.","vol":"12","page":162},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1772>٦٢ </span>- قوله تعالى ﴿وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ﴾ قال ابن عباس (١): يريد لغلمانه. وقرى (٢) ﴿لفتيته﴾ والفتية في هذا الموضع المماليك. وقال أبو علي (٣): الفتية جمع فتى في العدد القليل، والفتيان الكثير. فمثل: فتى وفتية، أخ وأخوة، وولد وولدة، ونار ونيرة، وقاع وقيعة، ومثل: الفتيان، برق وبرقان، وخرب وخربان، وجار وجيران، وتاج وتيجان. فوجه البناء الذي للعدد القليل أن الذين يحيطون بما يجعلون بضاعتهم فيه من رحالهم يكفون من الكثير. ووجه (٤) الجمع الكثير أنه يجوز أن يقول ذلك للكثير، ويتولى الفعل منهم القليل. ويقوي البناء الكثير قوله: ﴿فِي رِحَالِهِمْ﴾ فكما أن الرحال للعدد الكثير (٥)؛ لأن جمع القليل (أرحلٌ) فكذلك المتولون ذلك يكونون كثرة.\nقال أبو الحسن: كلام العرب: قل لفتيانك، وما (٦) فعل فتيانك، وإن كانوا في أدنى العدد إلا أن يقولوا ثلاثة وأربعة. وقد يقوم البناء الذي للقليل مقام البناء الذي للكثير، وكذلك الكثير يقوم مقام القليل (٧).\n_________\n(١) أخرجه الطبري ١٣/ ٩ عن قتادة، وأخرجه سعيد بن منصور عن إبراهيم كما في \"الدر\" ٤/ ٢٥٥، وذكره الثعلبي ٧/ ٩٣ أ، والبغوي ٢/ ٤٣٥، و\"وزاد المسير\" ٤/ ٢٤٩.\n(٢) قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمر وابن عامر (لفتيانه) بالتاء، وقرأ حمزة والكسائي (لفتيانه) بالنون، واختلف عن عاصم فروى أبو بكر عنه بالتاء (لفتيته) وروى حفص عنه (لفتيانه) بالنون.\nانظر: \"السبعة\" ص ٣٤٩، \"إتحاف\" ص ٢٦٦، الثعلبي ٧/ ٩٣ أ، ابن عطية ٨/ ١٤.\n(٣) \"الحجة\" ٤/ ٤٣٠ - ٤٣١ بتصرف.\n(٤) في (ج): (ووجع).\n(٥) (الكثير): ساقط من (ج).\n(٦) في (ج): (الواو) ساقط.\n(٧) إلى هنا انتهى النقل عن أبي علي في \"الحجة\" ٤/ ٤٣١ بتصرف.","vol":"12","page":163},{"text":"وقوله تعالى: ﴿اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء (١): يريد الدراهم والدنانير التي جاءوا بها في أوعيتهم، وروى الضحاك عنه (٢) قال: كانت بضاعتهم النعال والأدم.\nوقال قتادة (٣): \"بضاعتهم\" يريد أوراقهم. وأما الرحال فقد فسرها ابن عباس بالأوعية، قال أبو عبيد (٤): الرحل بجميع ربضه وحقبه وحلسه وجميع أغراضه، وعلى هذا الرحل كل شيء معد للرحيل من وعاء للمتاع ومركب للبعير وحلس ورسن كما ذكر أبو عبيد، والرحل أيضًا مسكن الرجل، ويقال: فلان خصيب الرحل (٥).\nوقوله تعالى: ﴿لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ قال ابن الأنباري: \"لعل\" كلتاهما بمعنى \"كي\" الأولى متعلقة \"باجعلوا\" والثانية محمولة على \"يعرفونها\" فالجَعْل سبب المعرفة، والمعرفة سبب الرجوع، وذكرنا مثل هذا في قوله: ﴿لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٤٦]. ويجوز أن يكون \"لعل\" كلتاهما بمعنى \"عسى\" والمراد: عساهم يعرفون أنها بضاعتهم بعينها، وعساهم يرجعون إذا عرفوا ذلك، وجاز أن يكون بمعنى \"عسى\"؛ لأنه يحتمل أنهم لا يعرفون أنها بضاعتهم بعينها بل يظنون أن تلك هدية وتكرمة فلا يرجعون. واختلفوا لم أمر يوسف بوضع بضاعتهم في رحالهم؟ فقيل: لأنهم متى ما فتحوا المتاع وجدوا (٦)\n_________\n(١) \"زاد المسير\" ٤/ ٢٤٩.\n(٢) الثعلبي ٧/ ٩٣ ب، البغوي ٤/ ٢٥٥، القرطبي ٩/ ٢٢٣.\n(٣) الطبري ١٣/ ٩، الثعلبى ٧/ ٩٣ ب.\n(٤) \"تهذيب اللغة\" (رحل) ٢/ ١٣٨ وفيه، قال أبو عبيدة.\n(٥) نقله في التهذيب عن الليث (رحل) ٢/ ١٣٨١.\n(٦) في (ج): (فوجدوا) وهو الصحيح.","vol":"12","page":164},{"text":"بضاعتهم فيه، علموا أن ذلك كرم من يوسف وسخاء، فيبعثهم (١) على العود إليه والحرص على معاملته، وقال الكلبي (٢): لخوف أن لا يكون عند أبيه من الورق ما يرجعون به مرة أخرى\nوقيل: أراد بذلك التوسعة على أبيه إذ كان الزمان زمان قحط. وقيل: رأى لؤمًا أخذ الثمن من أبيه وإخوته مع حاجتهم إلى الطعام، وقال الفراء (٣): لأنهم إذا رأوا بضاعتهم في رحالهم ردوها على يوسف ولم يستحلوا إمساكها فيرجعون، ونحو هذا قال الزجاج (٤)، ويجوز أن يكون ليرجعوا إليه متعرفين سبب ردّها.\nوكل ذلك أدعى لهم إلى الرجوع من ترك رد البضاعة عليهم (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1773>٦٣ </span>- قوله تعالى ﴿فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى أَبِيهِمْ قَالُوا يَا أَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ﴾ أي فيما نستقبل إن لم نأت بأخينا، لقوله ﴿فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي﴾ قال ابن الأنباري (٦): وتأويله: حكم علينا بمنع الكيل بعد هذا الوقت فأدى (مُنِعَ) عن هذا المعنى، كما تقول لمن رأيته على كبيرة: دخلت والله النار، تعني حكمت عليك بدخول النار.\n_________\n(١) كذا في (أ)، (ب)، (ج) وفي (ي): (فيبعثهم) كما في الرازي ١٨/ ١٦٨.\n(٢) الثعلبي ٧/ ٩٣ ب، البغوي ٤/ ٢٥٦.\n(٣) \"معاني القرآن\" ٢/ ٤٨.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١١٧.\n(٥) قلت: أرجح الأقوال السابقة هي الأقوال التي فيها ما يدعوهم إلى الرجوع إليه سواء لكرمه أو لرد البضاعة؛ لأنها ليست ملكهم أو الاستفار عنها لأن هذا هو المناسب للسياق والله أعلم.\n(٦) \"زاد المسير\" ٤/ ٢٥٠.","vol":"12","page":165},{"text":"وقوله تعالى: ﴿فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ﴾ قال أبو إسحاق (١): أيَ إن أرسلته (٢) اكتلنا وإلا فمنعنا الكيل. وقرئ (٣) \"يكتل\" بالياء والنون، ويدل على النون قوله \"ونمير أهلنا\" ألا ترى أنهم إنما يميرون أهلهم مما يكتالونه، فيكون نكتل مثل \"نمير\"، وأيضًا فإن في قوله \"نكتل\" بالنون يجوز أن يكون أخوهم داخلًا معهم، وإذا كان بالياء لم يدخلوا هم في هذه الجملة، ووجه الياء كأنه يكتل هو حمله، كما نكتال نحن أحمالنا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1774>٦٤ </span>- قوله تعالى: ﴿قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ﴾ قال عطاء عن ابن عباس (٤): يريد قد صنعتم بي هذا من قبل في يوسف فكيف آمنكم علي بنيامين. وقال الكلبي (٥): (هل آمنكم عليه) يعني علي بنيامين إلا كما آمنتكم على أخيه من قبل، يعني إني أخاف على الثاني مثل الذي وقع بالأول، وان كنتم تعدونني حفظه. وقال أبو إسحاق (٦): أي كذلك قلتم لي في يوسف وضمنتم لي حفظه في قولكم: ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ فكذلك ضمانكم هذا عندي، وتأويل هذا أنه يقول: لا آمنكم علي بنيامين إلا كأمني على يوسف، يريد أنه لم ينفعه ذلك الأمن وأنهم خانوه، فهو وإن أمنهم في هذا خاف خيانتهم أيضًا. ثم قال: ﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا﴾.\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١١٧.\n(٢) في معاني الزجاج (معنا) (وإلا فقد منعنا).\n(٣) قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمر وعاصم وابن عامر (نكتل) بالنون، وقرأ حمزة والكسائي (يكتل) بالياء.\nانظر: \"السبعة\" ص ٣٥٥، \"إتحاف\" ص ٢٦٦، الطبري ١٣/ ١٥، ابن عطية ٨/ ١٥.\n(٤) انظر: الرازي ١٨/ ١٦٩، القرطبي ٩/ ٢٢٤، البغوي ٤/ ٢٥٦.\n(٥) \"تنوير المقباس\" ص ١٥١.\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١١٨.","vol":"12","page":166},{"text":"قال الزجاج (١): ﴿حَافِظًا﴾ منصوب على التمييز. قال أبو علي (٢): قد تبين من قولهم: ﴿وَنَحْفَظُ أَخَانَا﴾ وقولهم: ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ أنهم قد أضافوا إلى أنفسهم حفظًا، وإذا كان كذلك فالمعنى: أنه خير حفظًا من خفظكم الذي نسبتموه إلى أنفسكم، أي حفظ الله خير من حفظكم، ومن قرأ (٣): \"حافظًا\"، قال أبو إسحاق (٤) حافظًا منصوب على الحال ويجوز أن يكون (٥) على التمييز، قال ابن الأنباري: \"حافظًا\" منصوب على الحال من اسم الله تعالى، وتلخيصه (٦): فالله خير الأرباب والسادات في حال حفظه. وقال أبو علي (٧): ينبغي أن يكون حافظًا منتصبًا على التمييز دون الحال كما كان حفظًا كذلك، والمعنى: حافظ الله غير من حافظكم، كما قلت: حفظ الله خير من حفظكم؛ لأن الله سبحانه له حفظة كما أنه له حفظًا، فحافظه خير من حافظكم، كما أن حفظه خير من حفظكم، ولا يكون حافظًا في الآية منتصبًا على الحال.\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١١٨.\n(٢) \"الحجة\" ٤/ ٤٣٩.\n(٣) اختلفوا في إدخال الألف وإسقاطها، وفتح الحاء وكسرها من قوله (خيرٌ حفظًا) فقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر (حِفظًا) بكسر الحاء من غير ألف، وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم (خيرٌ حَافظًا) بفتح الحاء وألف بعدها، انظر: \"السبعة\" ص ٣٥٠، \"إتحاف\" ص ٢٦٦، الطبري ١٣/ ١١، ابن عطية ٨/ ١٦.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١١٨.\n(٥) في (ج) بزيادة (منصوب).\n(٦) (وتلخيصه) ساقط من (ج).\n(٧) \"الحجة\" ٤/ ٤٣٩، ٤٤٠.","vol":"12","page":167},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1775>٦٥ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ﴾ الآية. المتاع ما يصلح للاستمتاع عامًّا في كل شيء وهاهنا يجوز أن يراد به ذلك الطعام الذي حملوه، ويجوز أن يراد به أوعية الطعام.\nوقوله تعالى: ﴿قَالُوا يَا أَبَانَا مَا نَبْغِي﴾ ذكر الفراء (١) والزجاج (٢) وابن الأنباري (٣) في هذا وجهين أحدهما: أن يكون \"ما\" استفهامًا ويكون في موضع نصب، المعنى: أي شيء نريد وقد ردت علينا بضاعتنا. قال الفراء: وهو كقولك في الكلام: ماذا نبغي بعد الوصول إلى ما لم نكن نقدره ولا نطمع في مثله. أي لا نبغي وراء هذا شيئًا. وهذا معنى قول قتادة (٤). قال: وما نبتغي وراء هذا الذي وصلنا إليه.\nالوجه الثاني: أن يكون \"ما\" نفيًا، كأنهم قالوا: ما نبغي شيئًا هذه بضاعتنا. وقال الفراء (٥) وأبو بكر (٦): كأنهم قالوا: لسنا نطلب منك دراهم وما نبغي منك بضاعة نرجع بها إليه، بل يكفينا بضاعتنا هذه التي ردّت إلينا، وهو قوله ﴿هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا﴾ والإشارة إلى البضاعة تحتمل معنيين أحدهما: أنهم لم يثقوا بمعرفة أبيهم لها، فعرفوها بإشارتهم إليها، والآخر: أن معنى الإشارة هاهنا التقريب (٧) للرد والتحقيق له، كقول القائل: هذه الشمس قد طلعت، فتقرب بهذه طلوع الشمس وتحققه،\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" ٢/ ٤٩.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١١٨.\n(٣) \"الوقف والابتداء\" ٢/ ٧٢٥، ٧٢٦، و\"زاد المسير\" ٤/ ٢٥٢.\n(٤) الطبري ١٣/ ١١، وابن أبي حاتم ٧/ ٢١٦٦ وأبو الشيخ كما في \"الدر\" ٤/ ٤٨.\n(٥) \"معاني القرآن\" ٢/ ٤٩.\n(٦) \"زاد المسير\" ٤/ ٢٥٢.\n(٧) في (أ)، (ب): (للتقريب).","vol":"12","page":168},{"text":"ولا يعرف بها عين الشمس، فمن جعل (هذه) إشارة أجاز أن يكون رُدّتْ خبرًا مستأنفًا، ويمكن أن يكون حالًا من البضاعة بإضمار \"قد\" معه؛ لأن \"قد\" تقرب الماضي من الحال، والتقدير: هذه بضاعتنا مردودة إلينا. ومن جعل هذه للتقريب لا يجيز استئناف \"ردت\"؛ لأن خبر التقريب يُفتقر إليه، كما يُفتقر إلى خبر \"إن\" و\"كان\"، فلا يجوز الاقتصار على \"هذه بضاعتنا\" دون ذكر \"ردت\" في هذا الوجه، وفي الوجه الأول يجوز، قال المفسرون (١): إنهم أرادوا بهذا الكلام أن يطيبوا نفس أبيهم على الإذن لهم بالمعاودة وإرسال (٢) بنيامين معهم.\nوقوله تعالى ﴿وَنَمِيرُ أَهْلَنَا﴾ عطف على قوله ﴿مَا نَبْغِي﴾ كأنهم قالوا: ما نبغي منك في هذا الوجه شيئًا تصرفنا به، ومع ذلك نمير أهلنا أي نجلب إليهم الطعام، قال الأصمعي (٣): ماره يميره ميرًا، إذا أتاه بميرة أي بطعام. ومنه يقال: \"ما عنده خير ولا مير\" (٤).\nوقوله تعالى: ﴿وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ﴾ أي نزيد حمل بعير من الطعام. قال الزجاج (٥): لأنه كان يكال لكل رجل وقر بعير.\nوقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ﴾ قال الحسن (٦): أي يأتي ذلك متيسرًا (٧) على من يكيل لنا.\n_________\n(١) الثعلبي ٧/ ٩٤ أ، البغوي ٤/ ٢٥٧، و\"زاد المسير\" ٤/ ٢٥٢.\n(٢) في (أ)، (ج): وإن سأل).\n(٣) \"تهذيب اللغة\" (مار) ٤/ ٣٣٢٥، الرازي ٨/ ١٧١.\n(٤) مثل يضرب لمن ليس عنده خير عاجل، ولا يرجى مه أن يأتي بخير. مجمع الأمثال للميداني ٣/ ٢٨٢، كتاب الأمثال لأبي عبيد ٣٠٦.\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١١٨.\n(٦) \"تفسير كتاب الله العزيز\" ٢/ ٢٧٦.\n(٧) في (ب). (مبشر).","vol":"12","page":169},{"text":"ونحو هذا قال مقاتل (١) قال: معناه ذلك كيل يسير على هذا الرجل المحسن لسخائه وحرصه على البذل، وهو اختيار الزجاج (٢): أي سهل على الذي نمضي إليه. وقال آخرون (٣): ذلك كيل سهل قصير الوقت والمدة، ليس سبيل مثله أن نشتغل ولا نضطر إلى الاحتباس والتأخير عن الأوبة إليك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1776>٦٦ </span>- قوله تعالى ﴿قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ﴾ الموثق (٤): مصدر بمعنى الثقة، ومعناه: العهد الذي يوثق به، فهو مصدر بمعنى المفعول، يقول: لن أرسله معكم حتى تعطوني عهدًا موثوقًا به.\nوقوله تعالى: ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ أي: عهدًا يوثق به من جهة إشهاد الله. أو القسم بالله، فالموثق من أنفسهم، وكلهم يؤكدون ذلك بإشهاد الله عليه، وبالقسم بالله عليه، فيوثق بذلك العهد من هذه الجهة.\nوقوله تعالى ﴿لَتَأْتُنَّنِي بِهِ﴾ دخلت اللام هاهنا لأن قوله ﴿تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ﴾ موثقًا من الله معناه اليمين أي: حتى تحلفوا بالله لتأتنني به.\nوقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾ قال عطاء عن ابن عباس (٥): يريد إلا أن يأتيكم من الله أمر غالب لا طاقة لكم به. وذكر المفسرون وأهل المعاني (٦) في هذا قولين أحدهما: أن قوله ﴿إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾ معناه\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ١٥٥ ب، قال: سريع لا حبس فيه، الرازي ١٨/ ١٧١.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١١٩.\n(٣) هذا القول نسبه في \"زاد المسير\" ٤/ ٢٥٣ إلى مقاتل.\n(٤) انظر: \"تهذيب اللغة\" ٩/ ٢٦٦.\n(٥) ذكره الثعلبي ٧/ ٩٤ ب عن مقاتل، و\"تنوير المقباس\" ص ١٥١ بنحوه.\n(٦) الطبري ١٦/ ١٦٣، الثعلبي ٧/ ٩٤ ب، البغوي ٢/ ٤٣٧، ابن عطية ٩/ ٣٣٦، \"معاني القرآن\" للنحاس ٣/ ٤٤١، \"معاني الفراء\" ٢/ ٥٠.","vol":"12","page":170},{"text":"الهلاك. قال مجاهد (١): إلا أن تموتوا كلكم. وقال ابن إسحاق (٢): إلا أن يصبكم أمر يذهب بكم جميعًا فيكون ذلك عذرًا لكم عندي، والعرب تقول: أحيط بفلان: إذا دنا هلاكه، قال الله تعالى: ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾ [الكهف: ٤٢] أي أصابه ما أهلكه، وأصله أن ما أحاط به العدو أو ما يخافه انسدت عليه مسالك النجاة ودنا هلاكه، فقيل لكل ما هلك: قد أحيط به، القول الثاني: ما ذكره معمر عن قتادة (٣) ﴿إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾ قال: إلا أن تغلبوا ولا تطيقوا الرجوع، وهذا اختيار الزجاج (٤) قال: معنى الإحاطة أن يحال بينهم وبينه فلا يقدرون على الإتيان به. وذكر ابن قتيبة (٥) الوجهين جميعًا فقال: إلا أن تشرفوا على الهلكة، وتغلبوا، والذي ذكرنا عن ابن عباس يحتمل الوجهين جميعًا، والإحاطة بالشيء يتضمن الغلبة، وذكرنا بعض هذا في قوله: ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ [البقرة: ٨١]، وقوله تعالى: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ﴾ (٦) قال أبو إسحاق (٧): وموضع \"أن\" في قوله ﴿أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾ نصب، والمعنى لتأتونني به إلا للإحاطة بكم، وهذا يسمى\n_________\n(١) الطبري ١٦/ ١٦٣، وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم ٤/ ٢٢٧ أ، وأبو الشيخ كما في \"الدر\" ٤/ ٥٥٦، الثعلبي ٧/ ٩٤ ب، البغوي ٢/ ٤٣٧، ابن عطية ٩/ ٣٣٦، \"زاد المسير\" ٤/ ٢٥٣.\n(٢) الطبري ١٦/ ١٦٤.\n(٣) الطبري ١٣/ ١٢، عبد الرزاق ٢/ ٣٢٥، البغوي ٤/ ٢٥٧، ابن عطية ٨/ ٢١، القرطبي ٩/ ٢٢٥.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١١٩.\n(٥) \"مشكل القرآن وغريبه\" ص ٢٢٧.\n(٦) يونس: ٢٢، وقال هنالك: \"قال أبو عبيدة والقتيبي \"أي دنوا من الهلاك\" وأصل هذا أن العدو إذا أحاط بقوم أو بلد فقد دنوا من الهلاك\".\n(٧) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١١٩.","vol":"12","page":171},{"text":"مفعولًا، وتقول: ما تأتيني إلا لأخذ الدراهم، وإلا أن يأخذوا الدراهم.\nوقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ﴾ قال ابن عباس (١): يريد العهد. قال يعقوب: ﴿اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾: يريد شهيد، وإنما جعل الوكيل بمعنى الشهيد؛ لأن الشهيد وكيل في معنى أنه موكول إليه القيام بما أشهد عليه. وقال ابن قتيبة (٢): كفيل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1777>٦٧ </span>- قوله تعالى: ﴿وَقَالَ يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ﴾ لما أراد بنوه الخروج من عنده قال لهم: لا تدخلوا من باب واحد يعني مصر (٣) ﴿وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ﴾. أمرهم بالتفرق حذرًا من العين عليهم، إذ كانت العين حقًّا، وكانوا أولي جمال وكمال، وأبناء رجل واحد يجتمعون في الحسن الظاهر والجمال البارع.\nوهذا قول ابن عباس (٤) وقتادة (٥) والضحاك (٦) والسدي (٧) والحسن (٨).\n_________\n(١) \"زاد المسير\" ٤/ ٢٥٣، و\"تنوير المقباس\" ص ١٥٢، وقال به الطبري ١٣/ ١٣، والثعلبي ٧/ ٩٤ ب.\n(٢) \"مشكل القرآن وغريبه\" ص ٢٢٧.\n(٣) في (أ)، (ب)، (ج) تكرار (يعني مصر وادخلوا).\n(٤) الطبري ١٣/ ١٣، وابن أبي حاتم ٧/ ٢١٦٨ كما في الدر ٤/ ٤٩، و\"زاد المسير\" ٤/ ٢٥٤، والقرطبى ٩/ ٢٢٦.\n(٥) الطبري ١٣/ ١٣، عبد الرزاق ٢/ ٣٢٥، وابن المنذر وابن أبي حاتم ٧/ ٢١٦٩ وأبو الشيخ كما في \"الدر\" ٤/ ٤٩، و\"زاد المسير\" ٤/ ٢٥٤، والقرطبي ٩/ ٢٢٦.\n(٦) الطبري ١٣/ ١٣، والقرطبي ٩/ ٢٢٦.\n(٧) الطبري ١٣/ ١٣ وابن أبي حاتم ٧/ ٢١٦٨.\n(٨) الرازي ١٨/ ١٧٤.","vol":"12","page":172},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ قال ابن الأنباري (١): يعني: أن الله إن شاء يهلكهم متفرقين هلكوا وهم متفرقون كما يهلكون وهم مجتمعون، وقال أهل المعاني: أفاد قوله (لا تدخلوا من باب واحد) النصيحة لهم والمنع من الأمر الذي يغلب على من أتاه واستعمله سبق العين إليه، وأفاد قوله: ﴿وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ تفويض الأمر إلى الله تعالى وأنّ الحذر لا ينفع من القدر، وأمر العين حق قد رويت فيه أخبار كثيرة، وكان رسول الله - ﷺ - يعوذ الحسن والحسين ﵄ فيقول: \"أعيذكما بكلمات الله التامة، من كل شيطان وهامة، ومن كل عين لامة\" ويقول: هكذا كان يعوّذ إبراهيم إسماعيل وإسحق، صلوات الله عليهم أجمعين (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1778>٦٨ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ﴾، قال المفسرون (٣): كان لمصر أربعة أبواب فدخلوها من أبوابها كلها.\nوقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾، قال ابن عباس (٤): يريد ما كان ذلك ليرد قضاء قضاه الله ولا أمرًا قدره الله، وقال أبو إسحاق (٥) فتأويل ﴿مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ أن العين\n_________\n(١) \"زاد المسير\" ٤/ ٢٥٤، البغوي ٤/ ٢٥٨.\n(٢) (أجمعين) زيادة من (ج).\nوالحديث أخرجه البخاري (٣٣٧١) كتاب أحاديث الأنبياء، ١٠ - باب، وأخرجه أبو داود في \"سننه\" (٤٧٣٧) كتاب السنن باب في القرآن من حديث ابن عباس والترمذي (٢٠٦١) كتاب الطب، باب ما جاء أن العين حق والغسل لها.\nوابن ماجه في \"سننه\" (٣٥٢٥) كتاب الطب، باب ما عوذ بالنبي - ﷺ - وما عوذ به.\n(٣) الثعلبي ٧/ ٩٥ أ، و\"زاد المسير\" ٤/ ٢٥٣.\n(٤) \"تنوير المقباس\" ص ١٥٢ بنحوه.\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١١٩.","vol":"12","page":173},{"text":"لو قدر أن تصيبهم لأصابتهم وهم متفرقون كما تصيبهم مجتمعين، وقال ابن الأنباري: معناه لم يسبق في علم الله أن العين تهلكهم عند الاجتماع، فكان تفرقهم كاجتماعهم. وعلى ما ذكر من التأويل يكون التقدير: ما كان يغني عنهم ذلك الدخول من الأبواب المتفرقة من الله شيئًا لو قَضَى وقدر فـ\"من\" في قوله ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ دخلت على المفعول كقولك: ما رأيت من أحد. وفي الآية محذوف وهو (لو قَضَى) على ما ذكرنا، وذكر أبو إسحاق (١) وجهًا آخر فقال: وجائز أن يكون لا يغني عنهم مع قضاء الله شيء، وعلى هذا: \"من\" دخلت على الفاعل نحو: ما جاءني من أحد، والتقدير: ما كان يغني عنهم من الله شيء مع قضائه، والمحذوف على هذا التقدير (مع قضائه)، قال المفسرون (٢): وهذا تصديق من الله تعالى ليعقوب في قوله: ﴿مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾.\nوقوله تعالى: ﴿إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا﴾ قال الزجاج (٣): \"حاجة\" استثناء ليس من الأول. المعنى: لكن حاجة في نفس يعقوب قضاها، يعني أن ذلك الدخول: قضاء حاجة في نفس يعقوب، وهي إرادته أن يكون دخولهم من أبواب متفرقة شفقة عليهم وخوفًا من العين. والمفسرون (٤) فسروا الحاجة هاهنا الحزازة والهمة. قال ابن الأنباري: وقد يقال للحاجة: حزازة لأنها تؤثِّر في القلب، ويلزم همها النفس. المعنى أن ذلك الدخول شفى حزازة قلبه، ولما سميت الحزازة حاجة، جعل إزالتها قضاء.\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١١٩.\n(٢) الثعلبي ٩٥/ ٧ أ.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١١٩.\n(٤) الثعلبي ٧/ ٩٥ أ.","vol":"12","page":174},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ﴾ قال ابن عباس (١): لذو يقين ومعرفة بالله. وقال الكلبي (٢): لذو عمل، ونحو هذا روى سعيد عن قتادة (٣): قال: إنه لعامل بما علم. قال سفيان (٤): من لا يعمل لا يكون عالمًا، قال ابن الأنباري (٥): والذي قاله الكلبي جائز تحتمله اللغة، من قبل أن العلم أول أسباب العمل، فسمي بما هو من سببه وبما يقع متولدًا منه ومبنيًا عليه. كما قيل لعيسى: كلمة الله؛ لأنه بالكلمة وجد وخلق.\nوقوله تعالى: ﴿لِمَا عَلَّمْنَاهُ﴾ يمكن أن يكون \"ما\" مصدرًا والهاء عائدة على يعقوب، ويكون التقدير: لأنه لذو علم من أجل تعليمنا إياه. ويكون اللام على هذا كهي في قوله ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات: ٨] يعني به من أجل حب المال لبخيل. وهذا معنى قول قتادة (٦). ويمكن أن تكون \"ما\" بمعنى \"الذي\" والهاء عائدة عليها، ويكون التأويل: وإنه لذو علم لأجل الذي علمناه، وللخير الذي علمناه، وللعلم الذي بيناه له. وقيل في التفسير: وإنه لذو فهم لما علمناه أي ذو حفظ (٧) ومراقبة لما علمناه. وقال أهل المعاني: مدحه الله تعالى بالعلم لقوله: ﴿وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ علم أن الحذر لا ينفع من القدر وأن المقدور كائن.\n_________\n(١) انظر: \"زاد المسير\" ٤/ ٢٥٤.\n(٢) انظر: \"زاد المسير\" ٤/ ٢٥٤، القرطبي ٩/ ٢٢٩، ابن كثير ٢/ ٥٣١.\n(٣) الطبري ١٣/ ١٤، الثعلبي ٧/ ٩٥ أ، \"زاد المسير\" ٤/ ٢٥٤، ابن عطية ٨/ ٢٤، ابن أبي حاتم ٧/ ٢١٦٩، أبو الشيخ كما في \"الدر\" ٤/ ٤٩.\n(٤) الطبري ١٣/ ١٥، الثعلبي ٧/ ٩٥ أ، البغوي ٤/ ٢٥٩، ابن عطية ٨/ ٢٤.\n(٥) \"زاد المسير\" ٤/ ٣٥٤ مختصرًا.\n(٦) وهو قول الزجاج في \"معانيه\" ٣/ ١١٩، والفراء ٢/ ٥٠.\n(٧) هذا القول ذكره الفراء في \"معانيه\" ٢/ ٥٠.","vol":"12","page":175},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ ذكر في هذا قولين: أحدهما (١): ولكن أكثر الناس لا يعلمون علم (٢) يعقوب. والثاني (٣): لا يعلمون أن يعقوب بهذه الصفة في العلم. قال ابن عباس في قوله (٤): ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ يريد المشركين لا يعلمون ما قد ألهم أولياءه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1779>٦٩ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ﴾ قال محمد بن إسحاق (٥) وغيره من المفسرين (٦): إن إخوة يوسف لما أقدموا أخاه عليه، قالوا له: قد امتثلنا أمرك وأقدمنا أخانا الذي أحببت حضوره، فقال لهم: قد أحسنتم في ذلك، وأمر صاحب ضيافته أن ينزلهم ويزيد في تكرمتهم وإثرتهم، وأن ينزل كل اثنين منهم في منزل. فبقي أخوه منفردًا فقال: قد أشفقت على هذا من الوحدة والتفرد فأحببت أن أضمه إلى ليأنس ويزل عنه الاستيحاش والذعر. فذلك قوله: ﴿آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ﴾ أي ضمه إليه وأنزله معه. قاله الحسن (٧) وقتادة (٨).\nوقوله تعالى: ﴿قَالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ﴾ قال ابن عباس (٩): قال له يوسف:\n_________\n(١) ذكره الثعلبي ٧/ ٩٥ أ، الطبري ١٣/ ١٤.\n(٢) في (أ)، (ج): (علمه).\n(٣) الرازي ١٨/ ١٧٧.\n(٤) الرازي ١٨/ ١٧٧.\n(٥) الطبري ١٣/ ١٥، وابن أبي حاتم ٧/ ٢١٧٠.\n(٦) الطبري ١٣/ ١٥ عن السدي، وابن أبي حاتم ٧/ ٢١٧٠ عن قتادة، والثعلبي ٧/ ٩٥ أ.\n(٧) انظر: \"زاد المسير\" ٤/ ٢٥٥، القرطبي ٩/ ٢٢٩، الرازي ١٨/ ١٧٧.\n(٨) الطبري ١٣/ ١٥، وابن أبي حاتم ٧/ ٢١٧٠ وأبو الشيخ كما في \"الدر\" ٤/ ٥٠، و\"زاد المسير\" ٤/ ٢٥٥.\n(٩) \"زاد المسير\" ٤/ ٢٥٥.","vol":"12","page":176},{"text":"أنا يوسف بن راحيل. ونحو هذا قال ابن إسحاق (١) وجماعة من المفسرين (٢)، قالوا: اعترف له بالنسب، وقال: لا تخبر أحدًا منهم بما ألقيت إليك. وقال وهب (٣) والشعبي (٤): لم يعترف له بالنسبة، ولكنه قال تطييبًا لنفسه: أنا أخوك بدل أخيك المفقود، وذلك أنه لما ضمه إليه خلا به وسأله عن حاله، فذكر وجده بأخ له من أبيه وأمه فُقِد، قال له يوسف: أنا أخوك بدل أخيك الهالك.\nوقوله تعالى: ﴿فَلَا تَبْتَئِسْ﴾ قال ابن عباس (٥): يريد فلا تغتم ولا تحزن. ونحوه قال قتادة (٦) وغيره، ﴿تَبْتَئِسْ﴾ تفعيل من البؤس وهو الضر والشدة، أي لا يلحقنك بؤس. هذا قول أهل اللغة (٧). وقال أهل المعاني (لا تبتئس): اجتلاب البؤس بالحزن.\nوقوله تعالى: ﴿بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ قال ابن الأنباري (٨): ندبه إلى أن لا يحزن على ما يقع به من إخوته في المستقبل حين يسرقونه ويشبهونه بأخيه في السرقة، و(كانوا) بمعنى يكونون، وتقديره: لا تبتئس بما يكونون\n_________\n(١) الطبري ١٣/ ١٥، وابن أبي حاتم ٧/ ٢١٧٠، و\"زاد المسير\" ٤/ ٢٥٥، وابن عطية ٨/ ٢٤.\n(٢) الثعلبي ٧/ ٩٦ أ، القرطبي ٩/ ٢٢٩، البغوي ٤/ ٢٥٩، الرازي ١٨/ ١٧٨.\n(٣) الطبري ١٣/ ١٥، الثعلبي ٧/ ٩٦ أ، \"زاد المسير\" ٤/ ٢٥٥، ابن عطية ٨/ ٢٥.\n(٤) الثعلبي ٧/ ٩٦ أ.\n(٥) \"تنوير المقباس\" ص ١٥٢.\n(٦) الطبري ١٣/ ١٦، وابن أبي حاتم ٧/ ٢١٧٠، والثعلبي ٧/ ٩٦ أ، وأبو الشيخ كما في الدر ٤/ ٥٠، و\"زاد المسير\" ٤/ ٢٥٦.\n(٧) \"زاد المسير\" ٤/ ٢٥٦، وعزاه لابن الأنباري وانظر: \"تهذيب اللغة\" (بئس) ١/ ٤١١، و\"اللسان\" (بئس) ١/ ٢٠٠.\n(٨) \"زاد المسير\" ٤/ ٢٥٦.","vol":"12","page":177},{"text":"يعملون بعد هذا الوقت، إلى هذا المعنى ذهب مقاتل بن سليمان (١)، والعرب تجعل (كان) في موضع يكون، و(يكون) في موضع (كان) إذا انكشف المعنى، قال الشاعر (٢):\nفأدْرَكْتُ مَنْ قد كان قَبْلِي ولَمْ أدَعْ ... لمن كان بَعْدِي في القَصَائِد مَصْنَعا\nأراد: لمن يكون، وقال زياد (٣):\nوانْضَحْ جَوَانِبَ قَبْرِه بدِمَائِها ... فلَقَد يَكُونُ أخا دَمٍ وذَبَائح\nأراد: فلقد كان، وروى الكلبي عن ابن عباس (٤): أن إخوة يوسف كانوا يعيرون يوسف وأخاه لعبادة جدهما أبي أمِّهما الأصنام، وبأن راحيل أمُّهما أمرت يوسف فسرق جونةً كانت لأبيها فيها أصنام، رجاء أن يترك عبادتها إذا فقدها، فقال له: ﴿فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أي: من التعيير لنا بما كان عليه جدُّنا.\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ١٥٦ أ.\n(٢) البيت لجرير بن عطية، وهو في \"ديوانه\" ص ٢٦٣، و\"زاد المسير\" ٤/ ٢٥٦.\n(٣) البيت لزياد الأعجم وهو زياد بن سُلْمى، وقيل زياد بن جابر بن عمرو بن عامر، من عبد القيس، وقيل له الأعجم، للكنة كانت فيه، شاعر إسلامي، شهد فتح اصطخر، وتوفي في حدود المائة للهجرة، انظر: \"الشعر والشعراء\" ص ٢٧٩، و\"معجم الأدباء\" ٣/ ٣٥٢.\nوهو في \"ديوانه\" ص ٥٤، و\"الخزانة\" ٣/ ١٩٢، و\"أمالي المرتضى\" ٢/ ١٩٩، ٣٠١، و\"الشعر والشعراء\" ص ٢٨٠، و\"زاد المسير\" ٤/ ٢٥٦، و\"اللسان\" (كون) ٧/ ٣٩٦٢، ونسب للصلتان العبدي في أمالي المرتضى ٢/ ١٩٩، وبلا نسبه في \"تلخيص الشواهد\" ٥١٢.\n(٤) \"زاد المسير\" ٤/ ٢٥٦، الرازي ١٨/ ١٧٨.","vol":"12","page":178},{"text":"وقال آخرون (١): ﴿بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ من إقامتهم على حسدنا الحرص على انصراف وجه أبينا عنا، وعلى ما ألزموك من الأسف بما فعلوا بي، فقد جمع الله بيني وبينك، وأرجو أن يجمع الله بيننا وبين يعقوب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1780>٧٠ </span>- قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ﴾ الآية، مضى الكلام في الجهاز والرحل (٢). وأما السقاية فقال الليث (٣): السقاية: الصواع الذي كان يشرب فيها الملك.\nوقال غيره: السقاية (٤): الإناء الذي يُسْقى فيه، وهو هاهنا صواع الملك الذي كان يشرب منه.\nقال ابن عباس (٥) في رواية عطاء: وكان قدحًا من زبرجد، وكان يشرب فيه الماء، وكان موضوعًا بين يدي يوسف. وقال ابن زيد (٦): كان كأسًا من ذهب. وقال ابن إسحاق (٧) وعكرمة (٨): كانت مشربة من فضة مرصعة بالجوهر.\n_________\n(١) \"زاد المسير\" ٤/ ٢٥٦، الرازي ١٨/ ١٧٨.\n(٢) عند قوله تعالى ﴿وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ﴾ [يوسف: ٦٠]. وقوله تعالى ﴿وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ﴾ [يوسف: ٦٢].\n(٣) \"تهذيب اللغة\" (سقى) ٢/ ١٧١٥، و\"اللسان\" (سقى) ٤/ ٢٠٤٣.\n(٤) \"تهذيب اللغة\" (سقى) ٢/ ١٧١٥، و\"اللسان\" (سقى) ٤/ ٢٠٤٣.\n(٥) الطبري ١٣/ ١٧ بنحوه، و\"زاد المسير\" ٤/ ٢٥٨.\n(٦) الطبري ١٣/ ١٧، و\"زاد المسير\" ٤/ ٢٥٩، والثعلبي ٧/ ٩٦ ب.\n(٧) الثعلبي ٧/ ٩٦ ب.\n(٨) أخرج ابن أبي حاتم عنه كما في \"الدر\" ٤/ ٥٠ قوله \"كان كأسًا من ذهب على ما يذكرون\" قلت في ابن أبي حاتم ٧/ ٢١٧١ هذا القول عن ابن زيد وأخرج الطبري ١٣/ ١٩، وأبو الشيخ كما في \"الدر\" ٤/ ٥٠ قال: كان فضة، و\"زاد المسير\" ٤/ ٢٥٨، والثعلبي ٧/ ٩٦ ب.","vol":"12","page":179},{"text":"وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ﴾ قال المفسرون وأهل اللغة (١): نادى مُناد وأعلم مُعلم. قال ابن الأنباري (٢): (أذَّن) معناه أعلم إعلامًا بعد إعلام؛ لأن (فعَّل) يوجب تكرير الفعل، ويجوز أن يكون إعلامًا واحدًا من قبل أن العرب تجعل فعّل بمعنى أفعل في كثير من المواضع، وقال سيبويه (٣): الفرق بين أذّنت وآذنت، معناه أعلمت، لا فرق بينهما، والتأذين معناه النداء والتصويت بالإعلام، ومضى الكلام في هذا الحرف مستقصًى في مواضع منها قوله: ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٧٩] وقوله: ﴿فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ﴾ (٤) وقوله ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣].\nوقوله تعالى: ﴿أَيَّتُهَا الْعِيرُ﴾ قال أبو الهيثم (٥): كل ما امتير عليه من الإبل والحمير والبغال فهي عير. قال: وقول من قال العير: الإبل خاصة باطل، قال: وقال (٦) نُصير (٧): الإبل لا تكون عيرًا حتى يمتار عليها.\nوقال أبو عبيدة (٨): العير الإبل الرحولة المركوبة، والصحيح في العير أنها القافلة التي فيها الأحمال، والأصل للحمير إلا أنه كثر حتى سمي كل قافلة محملة عيرًا تشبيهًا بتلك.\n_________\n(١) الطبري ١٣/ ١٧، والثعلبي ٧/ ٩٦ ب، والبغوي ٤/ ٢٦٥، و\"زاد المسير\" ٤/ ٢٥٧، و\"تهذيب اللغة\" (أذن) ١/ ١٤٠، و\"اللسان\" (أذن) ١/ ٥٣.\n(٢) \"الزاهر\" ١/ ٢٩.\n(٣) \"الكتاب\" ٤/ ٦٢.\n(٤) الأعراف: ٤٤. وقال هنالك ما ملخصه: \"معنى التأذين في اللغة: النداء والتصويت بالإعلام، والأذان للصلاة إعلام بها وبوقتها .. \".\n(٥) \"تهذيب اللغة\" (عير) ٣/ ٢٢٧٤.\n(٦) في (ج): (وقتال).\n(٧) \"تهذيب اللغة\" (عير) ٣/ ٢٢٧٥.\n(٨) \"زاد المسير\" ٤/ ٢٥٧، القرطبي ٩/ ٢٣٠.","vol":"12","page":180},{"text":"قال مجاهد (١): كانت العير حميرًا.\nوقال مقاتل (٢) بن سليمان: العير الرفقة.\n(قال ابن الأنباري: ولا تكون العير رفقة أبدًا إلا على قيام مقام الرفقة وتأديتها عنها) (٣).\nقال أبو إسحاق (٤): معناه يا أصحاب العير، ولكن قال: (أيتها العير)، وهو يريد أهلها، كقوله: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾، ويا خيل الله اركبي.\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾ قال أبو علي: التقدير فقال: إنكم لسارقون. فإن قيل: لم سَرَّق يوسفُ من لم يَسْرِق وهم لم يسرقوا شيئًا؟ قيل (٥) معناه: إنكم لسارقون يوسف من أبيه، حين طرحتموه في الجب.\nوقيل (٦): إن المنادي نادى وعنده أنهم قد سرقوا السقاية، ولم يعلم أن يوسف أمر بوضعها في رحل أخيه، وإنما كان أمر بذلك على ما أمره الله -﷿- فلما فقدها الموكلون بها اتهموهم بسرقتها، على أن النداء بالتسريق كان بغير أمر يوسف ولا علمه، فكان الكذب زائلًا عن نبي الله في الحالات كلها.\n_________\n(١) الطبري ١٣/ ١٨ وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم ٧/ ٢١٧٢، وأبو الشيخ كما في \"الدر\" ٤/ ٥٠، وأبو عبيد كما في \"الدر\" ٤/ ٤٨.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ١٥٦ أ.\n(٣) ما بين القوسين ساقط من (أ)، (ب)، (ج) وهو في (ي).\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٢٠.\n(٥) قال به الزجاج انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٢٣.\n(٦) وهو قول ابن جرير الطبري انظر: الطبري ١٣/ ٢٨.","vol":"12","page":181},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1781>٧١ </span>- قوله تعالى: ﴿قَالُوا﴾ هو يعني أصحاب العير وهم إخوة يوسف ﴿وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ﴾ قال ابن عباس (١): يريد أقبل هذه الرفقة على غلمان يوسف. فعلى هذا المعنى قال إخوة يوسف، وقد أقبلوا على المؤذن ومن معه، والمؤذن كان معه قوم يقولون بقوله ويصححون دعواه. قاله أبو بكر (٢) قال: ويجوز أن يكون المعنى: قال إخوة يوسف وقد أقبل المنادي ومن معه بالدعوى والمطالبة؛ لأنه قد تقدم ذكر الفريقين، وصلح صَرْف الإقبال إلى كل فريق منهما.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1782>٧٢ </span>- قوله تعالى: ﴿قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ﴾ قال أبو إسحاق (٣): الصواع هو الصاع بعينه، وهو يذكر ويؤنث وهو السقاية وكذلك الصاع أيضًا يذكر ويؤنث والدليل على أنهما بمعنًى، قراءة (٤) أبي هريرة ﴿قالوا نفقد صاع الملك﴾ وزاد الفراء (٥) فمن أنثه قال: ثلاث أصوع، مثل ثلاث أدؤر [ومن ذكّره] (٦) قال: أصواع، مثل أثواب. وقال الحسن (٧): الصواع والسقاية شيء واحد، ويجمع الصاع أيضًا صيعانًا.\n_________\n(١) \"تنوير المقباس\" ص ١٥٢، بنحوه وانظر: البغوي ٤/ ٢٦٠، و\"زاد المسير\" ٤/ ٢٥٨.\n(٢) \"زاد المسير\" ٤/ ٢٥٨.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٢٠.\n(٤) ذكر القراءة الزجاج ٣/ ١٢٠، والثعلبي ٧/ ٩٧ أ، والطبري ١٣/ ١٨، وابن عطية ٨/ ٢٨، وأخرج هذه القراءة عن أبي هريرة سعيد بن منصور وابن الأنباري كما في \"الدر\" ٤/ ٥٥، المذكر والمؤنث لابن الأنباري ١/ ٤٤١.\n(٥) \"معاني القرآن\" ٢/ ٥١.\n(٦) ما بين المعقوفين مكرر في (أ).\n(٧) الطبري ١٣/ ١٦، وقد ذكر هذا القول الثعلبي ٧/ ٩٦ ب، والبغوي ٤/ ٢٦٠، و\"زاد المسير\" ٤/ ٢٥٧، والقرطبي ٩/ ٢٢٩.","vol":"12","page":182},{"text":"وقال بعض أهل التأويل (١): الاسم الحقيقي لهذا الإناء: الصواع، والسقاية وصف، قال: وهذا نحو قولهم: كوز وإناء وسقاء، فالاسم المختص هو الكوز، والوصف هو السقاء إذ كان مشتركًا، وقال جماعة من المفسرين: الصواع كان على [صيغة المكوك أو القفيز يشربون فيه، ويسقون دوابهم] (٢)، ويكيلون به إذا احتاجوا إلى ذلك.\nوقوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ﴾ أي من الطعام ﴿وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ قال مجاهد (٣): الزعيم: هو المؤذن الذي أذن، وتفسير زعيم كفيل.\nوقال الكلبي: الزعيم: الكفيل بلسان أهل اليمن. نحو هذا قال المفسرون وأهل اللغة (٤) في الزعيم أنه الكفيل.\nأبو عبيدة (٥) عن الكسائي: زعمت به أزعم زعمًا وزعامة، أي: كفلت به، وهذه الآية تدل على أن الكفالة كانت صحيحة في شريعتهم، وقد حكم بها رسول الله - ﷺ - في قوله: \"الزعيم غارم\" (٦).\n_________\n(١) ذكر هذا القول في \"زاد المسير\" ٤/ ٢٥٧، الرازي ١٨/ ١٧٩.\n(٢) ما بين المعقوفين من (ي).\n(٣) الطبري ١٣/ ٢٠، وابن أبي حاتم ٢١٧٤.\n(٤) روى هذا القول الطبري ١٣/ ٢٠ - ٢١، عن ابن عباس: ومجاهد وسعيد بن جبير وقتادة والضحاك وابن إسحاق، وذكره الثعلبي ٧/ ٩٧ أ، والبغوي ٤/ ٢٦٠، و\"زاد المسير\" ٤/ ٢٥٩، وابن عطية ٨/ ٢٩، وغيرهم.\nوانظر: \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ١/ ٣١٥، و\"مشكل القرآن وغريبه\" لابن قتيبة ص ٢٢٧، \"معاني الزجاج\" ٣/ ١٢٠، و\"معاني الفراء\" ٢/ ٥١.\n(٥) \"تهذيب اللغة\" (زعم) ٢/ ١٥٣٣ وفيه أبو عبيد بدل أبي عبيدة، الرازي ١٨/ ١٧٩، و\"الزاهر\" ٢/ ١٣٠.\n(٦) الحديث أخرجه الترمذي (١٢٦٥) كتاب البيوع، باب ما جاء في أن العارية مؤداه من حديث أبي أمامه وقال عنه: حديثَ حسن، وأبو داود (٣٥٦٥) كتاب البيوع، =","vol":"12","page":183},{"text":"فإن قيل: (١) هذه كفالة بشيء مجهول، قلنا: حمل (٢) بعير من الطعام كان معلومًا عندهم فصحت الكفالة به، غير أن هذا كفالة مال لرد سرقة، وهو كفالة ما لم يجب؛ لأنه لا يحل للسارق أن يأخذ شيئًا على رد السرقة، ولعل مثل هذه الكفالة كانت تصح عندهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1783>٧٣ </span>- وقوله تعالى: ﴿قَالُوا تَاللَّهِ﴾ قال الفراء (٣): العرب لا تقول: تالرحمن، ولا يجعلون مكان الواو تاء إلا في الله، وذلك أنها أكثر الأيمان مجرى في الكلام، فتوهموا أن الواو منها لكثرتها في الكلام وأبدلوها تاء، كما قالوا: التراث وتترى، وهو من المواترة والتُّخمة والتُّجاه، وقال البصريون (٤): الواو في (والله) بدل من التاء، والتاء بدل من الواو، فضعفت عن التصريف في سائر الأسماء، وجعلت فيما هو أحق بالقسم وهو اسم الله جل وعز. وإنما جاز إبدال التاء من الواو؛ لأنهما من حروف الزوائد والبدل، والتاء أقرب حروف البدل إلى الواو.\nوقوله تعالى: ﴿لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ﴾ قال المفسرون وجميع أهل المعاني (٥): حلفوا على علمهم بذلك؛ لأنهم كانوا معروفين\n_________\n= باب تضمين العارية، وابن ماجه (٢٤٠٥) كتاب الصدقات باب الكفالة. وصححه الألباني في \"إرواء الغليل\" (١٤١٢)، وقال: أخرجه الطيالسي (١١٢٨) وعنه البيهقي ٦/ ٨٨، وأحمد ٥/ ٢٦٧، وأبو داود (٣٥٦٥) وابن عدي ١/ ١٠ ..).\n(١) القرطبي ٩/ ٢٣٢، الرازي ١٨/ ١٨٠.\n(٢) (حمل) مكرر في (ج).\n(٣) \"معاني القرآن\" ٢/ ٥١ والتُّجاه من واجهك.\n(٤) \"إعراب القرآن\" للنحاس ٢/ ١٥٥، الرازي ١٨/ ١٨٠، \"زاد المسير\" ٤/ ٢٥٩.\n(٥) الطبري ١٣/ ٢١، الثعلبي ٧/ ٩٧ ب، البغوي ٤/ ٢٦١، ابن عطية ٨/ ٢٩، \"زاد المسير\" ٤/ ٢٦٠، الرازي ١٨/ ١٨٠، القرطبي ٩/ ٢٣٤، \"معاني الفراء\" =","vol":"12","page":184},{"text":"بأنهم لا يظلمون أحدًا ولا يرزأون شيئًا لأحد في سفرهم، ولا يعيثون في بستان أحد ولا زرعه، حتى يُرْوَى أنهم قد كمَّموا (١) أفواه إبلهم لئلا تعيث (٢) في زرع، ومن كانت هذه صفته فهو غير قاصد لفساد.\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ﴾ وذلك أنهم لما وجدوا بضاعتهم (في رحالهم لم يستحلوا أخذها وبادروا بردها، قالوا: فلو كنا سارقين لم نردد بضاعتكم) (٣) حين أصبناها مع أمتعتنا، ومن رد ما وجده كيف يكون سارقًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1784>٧٤ </span>- قوله تعالى: ﴿قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ﴾ أي ما جزاء السرق إن كنتم كاذبين في قولكم: (ما كنا سارقين)، وقد سبق من الكلام ما يدل على السرق.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1785>٧٥ </span>- وقوله تعالى: ﴿قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ﴾ قال ابن عباس (٤) والمفسرون (٥): كانوا في ذلك الزمان يستعبدون كل سارق بسرقته، وكان استعباد السراق لهم يجري مجرى القطع لنا، فلذلك قالوا: جزاؤه في وُجد في رحله، أي: جزاء السَّرَق من وجد السرق في رحله ﴿فَهُوَ جَزَاؤُهُ﴾ أي فالسارق جزاء السرق.\n_________\n= ٢/ ٥١، و\"معاني الزجاج\" ٣/ ١٢١، و\"معاني النحاس\" ٣/ ٤٤٧.\n(١) في (أ)، (ج): (كعموا).\n(٢) في (ب): (تعبث).\n(٣) ما بين المعقوفين ساقط من (أ)، (ج) وهو في (ب).\n(٤) أخرجه عبد الرزاق ٢/ ٣٢٦، والطبري ١٣/ ٢٢، وابن المنذر عن الكلبي كما في \"الدر\" ٤/ ٥١، و\"تنوير المقباس\" ص ١٥٢، و\"زاد المسير\" ٤/ ٢٦٠.\n(٥) الطبري ١٣/ ٢٢، الثعلبي ٧/ ٩٧ ب، البغوي ٤/ ٢٦١، ابن عطية ٨/ ٣٠، و\"زاد المسير\" ٤/ ٥١، القرطبي ٩/ ٢٣٤، ابن كثير ٢/ ٥٣٢.","vol":"12","page":185},{"text":"قال أبو إسحاق (١): جزاؤه ابتداء، و(من وجد في رحله) الخبر والمعنى: حزاء السارق الإنسان الموجود في رحله المسروق، ويكون قوله ﴿فَهُوَ جَزَاؤُهُ﴾ زيادة في الإبانة [كما تقول: جزاء السارق القطع فهو جزاؤه، فتذكر (فهو جزاؤه) زيادة في الإبانة] (٢).\nقال: ويجوز أن يكون قوله: ﴿مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ﴾ جملة في موضع خبر الابتداء والعائد منها إلى الابتداء جزاؤه التي بعد، فهو كأنه قيل: قالوا جزاؤه من وجد في رحله، فهو هو، أي: فهو الجزاء، وهو كناية عن السارق، أي فالسارق جزاؤه، ولكن الإظهار كان أحسن هاهنا لئلا (٣) يقع في الكلام لبس، ولئلا يتوهم أن (هو) إذا (٤) عادت ثانية فليست براجعة على الجزاء، والعرب إذا فَخَّمتْ (٥) أمرًا جعلت العائد عليه إعادة لفظه بعينه.\nأنشد النحويون (٦):\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٢١، وانظر: \"معاني الفراء\" ٢/ ٥١، و\"إعراب القرآن\" للنحاس ٢/ ١٥٠، والطبري ١٣/ ٢٢.\n(٢) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).\n(٣) في (أ)، (ب)، (ج): (لئن لا)، وما ذكرته في (ي) وهو في \"معاني القرآن للزجاج\" ٣/ ١٢١.\n(٤) في (ج) \"ذا\" من غير ألف.\n(٥) في الزجاج: \"إذا أقحمت أمر الشيء\".\n(٦) البيت ينسب لعدي بن زيد وهو في \"ديوانه\" ص ٦٥، و\"الأشباه والنظائر\" ٨/ ٣٠، و\"شرح ديوان الحماسة\" للمرزوقي / ٣٦، ولسوادة ابنه، ولأمية بن أبي الصلت انظر: \"الخزانة\" ١/ ١٨٣، و\"شواهد المغني\" /٢٩٦، و\"اللسان\" (نغص) ٨/ ٤٤٨٨، وسيبويه ١/ ١٨٣، و\"معاني الزجاج\" ١/ ٤٥٦، و\"شرح شواهد المغني\" ص ١٨٦.","vol":"12","page":186},{"text":"لا أَرى المَوْتَ يَسْبِقُ الموتَ شِيْءٌ ... نَغّصَ المَوْتُ ذا الغِنَى والفَقِيرَا\nولم يقل: يسبقه شيء.\nوأنشد ابن الأنباري:\nليْتَ الغُرَابَ غَدَاةَ يَنْعَبُ دَائِبًا ... كان الغُرَابُ مُقَطّعَ الأوْدَاجِ (١)\nفأظهر الغراب لعظيم شره عندهم.\nوقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ قال أبو إسحاق (٢): أي مثل هذا الجزاء نجزي الظالمين، قِالِ ابن عباس (٣): يريد إذا سرق واستُرق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1786>٧٦ </span>- قوله تعالى: ﴿فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ﴾ قال المفسرون: لما قال إخوة يوسف: ﴿مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ﴾ الآية. وأقروا بأن من وجد المسروق في رحله فجزاؤه أن يسترق، قال لهم المؤذن: إنه لابد من (تفتيش أمتعتكم (٤) وانصرف بهم إلى) (٥) يوسف فبدأ يوسف بأوعيتهم قبل وعاء أخيه؛ لإزالة التهمة، والأوعية (٦) جمع الوعاء وهو كل (ما استودع شيئًا) فأحاط به، يقال: أوعيت الشيء في الوعاء أوعيه إيعاء.\n_________\n(١) البيت لجرير. انظر: \"ديوانه\" ص ٧٣، وفيه (ينعب بالنوى) أمالي ابن الشجري ١/ ٢٤٣، الطبري ١/ ٤٤٠.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٢١.\n(٣) \"تنوير المقباس\" ص ١٥٢، و\"زاد المسير\" ٤/ ٢٦٠.\n(٤) في (ج): (أوعيتكم).\n(٥) ما بين القوسين بياض في (ب).\n(٦) \"اللسان\" (وعى) ٨/ ٤٨٧٦.","vol":"12","page":187},{"text":"وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ﴾ إن شئت رددت الكناية إلى السقاية، وإن شئت إلى الصواع، على لغة من يؤنث. وإن شئت على السرقة؛ لأن فيما تقدم دليلًا عليها، قاله الفراء (١) والزجاج (٢) وابن الأنباري (٣).\nوقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ﴾ قال الزجاج (٤): موضع الكاف نصب، المعنى: مثل ذلك الكيد كدنا ليوسف.\nقال عطاء عن ابن عباس (٥): يريد ألهمنا يوسف هذا الكيد، ونحوه قال الربيع (٦).\nوقال قتادة (٧): صنعنا ليوسف.\nوقال ابن إسحاق (٨): كذلك كدنا له إخوته حتى ضممنا أخاه إليه.\nوقال مجاهد (٩): كاد (١٠) الله له حتى فعل بأخيه ما فعل.\nهذا قول المفسرين في معنى قوله ﴿كِدْنَا﴾، وروى ثعلب عن ابن الأعرابي (١١): الكيد التدبير بباطل أو حق، وعلى هذا معنى قوله ﴿كِدْنَا\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" ٢/ ٥٢.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٢٢.\n(٣) \"زاد المسير\" ٤/ ٢٦١.\n(٤) \"إعراب القرآن\" للنحاس ٢/ ١٥١، ولم أجده في \"معاني الزجاج\" ٣/ ١٢٢.\n(٥) الثعلبي ٧/ ٩٨ ب، و\"زاد المسير\" ٤/ ٢٦١، القرطبي ٩/ ٢٣٦.\n(٦) الثعلبي ٧/ ٩٨ ب.\n(٧) هذا القول أخرجه الطبري ١٣/ ٢٥، عن ابن جريح والسدي والضحاك، وابن أبي حاتم ٤/ ٢٣٠ ب عن الضحاك.\n(٨) الطبري ١٣/ ٢٥.\n(٩) الطبري ١٣/ ٢٤.\n(١٠) (كاد) ساقط من (ج).\n(١١) \"تهذيب اللغة\" (كاد) ٤/ ٣٠٧٦.","vol":"12","page":188},{"text":"لِيُوسُفَ﴾ أي دبرنا له بأن ألهمناه أن يجعل السقاية في رحل أخيه ليتوصل به إلى حبسه، وهذا معنى ما حكينا عن المفسرين.\nوقال أبو بكر (١): ﴿كِدْنَا﴾ وقع خبرًا عن الله تعالى، على خلاف معناه في أوصاف المخلوقين، فإنه إذا أخبر به عن مخلوق كان تحته احتيال. وهو في وصف فعل الله يُعرّى من المعاني المذمومة، ويخلص أنه وقع بمن يكيده ما يريد من حيث لا يشعر به، ولا يقدر على دفعه، فهو من الله مشبه بالذي يكون من المخلوقين، من أجل أن المخلوق إذا كاد المخلوق ستر عنه ما ينويه ويضمر له، والذي يقع به الكيد من الله تعالى يتستر عنه ما كتم الله عاقبته، والذي وقع بإخوة يوسف من كيد الله تعالى ما انتهى إليه شأن يوسف من ارتفاع المنزلة، وتمام النعمة، فحيث جرى الأمر على غير ما قدروا من إهلاكه، وخلوص أبيهم لهم بعده، بتدبير الله وخفي لطفه، جعل ذلك كيدًا لمَّا أشبه كيد المخلوقين (٢) وعلى ما ذكر أبو بكر: كيد الله ليوسف عائد إلى جميع ما أعطاه على خلاف تقدير إخوته من غير أن علموا بذلك. وعلى ما ذكره المفسرون: كيد الله له في هذه الآية خاص بإلهامه الحيلة في حبس أخيه.\nوقولى تعالى: ﴿مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾ قال ابن عباس (٣) في رواية عطاء: في حكم الملك وقضائه. وهو قول قتادة (٤)، وروى\n_________\n(١) \"زاد المسير\" ٤/ ٢٦١ مختصرًا.\n(٢) يراجع مبحث منهجه في تفسير آيات العقيدة، في المقدمة.\n(٣) \"تنوير المقباس\" ص ١٥٢، و\"زاد المسير\" ٤/ ٢٦١.\n(٤) الطبري ١٣/ ٢٥، وعبد الرزاق ٢/ ٣٢٦، وابن المنذر وابن أبي حاتم ٧/ ٢١٧٦، وأبو الشيخ كما في \"الدر\" ٤/ ٥٢، والثعلبي ٧/ ٩٨ ب، وابن عطية ٨/ ٣٢، والبغوي ٤/ ٢٦٢.","vol":"12","page":189},{"text":"عنه (١) أيضًا: في سلطان الملك، وهو اختيار ابن قتيبة (٢).\nقال أبو بكر: والدين معناه في اللغة: السلطان.\nوأنشد قول زهير (٣):\nفي دِينِ عَمْرو وحَالَتْ بَيْنَنَا فَدَكُ\nوقال الزجاج (٤): في سيرة الملك، وقال غيره (٥): في عادة الملك.\nوأنشد (٦):\n_________\n(١) الطبري ١٣/ ٢٥، وابن أبي حاتم ٧/ ٢١٧٦، وأبو الشيخ كما في \"الدر\" ٤/ ٥١، والثعلبي ٧/ ٩٨ ب، والبغوي ٤/ ٢٦٢، وابن عطية ٨/ ٣٢، والقرطبي ٩/ ٢٣٨.\n(٢) \"مشكل القرآن وغريبه\" ص ٢٢٧.\n(٣) عجز بيت لزهير، وصدره:\nلئن حللت بجوفي بني أسد\nمن قصيدة له يخاطب بها الحارث بن ورقاء الصيداوي من بني أسد، وكان قد أغار على بني عبد الله بن غطفان فغنم واستاق إبل زهير وراعيه يسارًا، وجو: موضع في ديار بني أسد، وعمرو: هو عمرو بن هند بن المنذر بن ماء السماء، وفدك: قرية بالحجاز وقد روي: (وحالت دوننا). انظر: \"ديوانه\" ص ٨٣، الكامل ٣/ ٣٢٨، الأمالي ٢/ ٢٩٥، \"تأويل مشكل القرآن\" ص ٤٥٣، اللسان (فدك) ٦/ ٣٣٦٤، و\"جمهرة الأمثال\" ١/ ١١٦، و\"تاج العروس\" (فدك)، وبلا نسبة في \"جمهرة اللغة\" ص ٦٨٨.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٢٢.\n(٥) ذكره القرطبي ٩/ ٢٣٨ ونسبه إلى ابن عيسى، وانظر \"تهذيب اللغة\" (دين) ٢/ ١١٣٦، اللسان (دين).\n(٦) عجز بيت للمُثَقِّب العبدي، وصدره:\nتقول إذ درأت لها وضيني\nمن قصيدة له في \"المفضليات\" ص ٢٩٢، \"ديوانه\" ص ١٩٥، والبيت كما يلي:\nتقول إذا درأت لها وضيني ... أهذا دأبه أبدًا وديني\nالكامل ١/ ٣٢٩، الصناعتين ص ٨٦ \"اللسان\" (درأ) ١٣٤٩، الطبري ١/ ٥١١، \"تأويل مختلف الحديث\" ٨٢، \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١١٦٦، \"تاج العروس\" (درأ) ١/ ١٥٠.","vol":"12","page":190},{"text":"أهَذَا دِينُه أَبَدًا ودَينِي\nقال أهل التفسير (١): كان حكم الملك في السارق أن يضرب ويغرم ضعفي ما سرق، فلم يكن يتمكن يوسف من حبس أخيه عنده في حكم الملك لولا ما كاد الله له تلطفًا حتى وجد السبيل إلى ذلك، وهو ما أجرى على ألسنة إخوته أن جزاء السارق الاسترقاق، فأقروا به وكان ذلك مراده، وهو معنى قوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ فكان ذلك بمشيئة الله.\nقال أبو إسحاق (٢): موضع \"أن\" نصب، لما سقط الباء أفضى الفعل فنصب، المعنى: ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك إلا بمشيئة الله.\nوقال أبو بكر: تأويله: ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك ويستوجب ضمّه إلا بمشيئة الله ذلك، وتقريبه منه ما لا يوصل إليه إلا بتسهيله وتيسيره. وروي عن الحسن (٣) في قوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ أي أنه الآمر له بذلك، والمفسرون على أن ذلك كان إلهامًا.\nوقوله تعالى: ﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ﴾ قال أهل المعاني أي (٤) بما نريه من وجوه الصواب في بلوغ المراد، وفي هذا إشارة إلى رفع درجة يوسف.\nوقال أبو بكر (٥): نرفع درجات من نشاء، بضروب عطايانا وكراماتنا وأبواب علومنا، كما رفعنا درجة يوسف على إخوته في كل شيء.\n_________\n(١) انظر: الطبري ١٣/ ٢٢، ابن أبي حاتم ٧/ ٢١٧٤، الثعلبي ٧/ ٩٨ ب، القرطبي ٩/ ٢٣٨، \"زاد المسير\" ٤/ ٢٦١.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٢٢، وفيه: (لما سقطت) بدل: (سقط).\n(٣) \"تفسير كتاب الله العزيز\" ٢/ ٢٨٠.\n(٤) (أي) ساقط من (ج).\n(٥) \"زاد المسير\" ٤/ ٢٦٢.","vol":"12","page":191},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ ذكر المفسرون في هذا قولين أحدهما: أن المراد بقوله (عليم) الله تعالى، والمعنى: وفوق كل ذي علم معلّم عليم، وهو الله تعالى الغني بعلمه عن التعليم، وهذا قول ابن عباس (١) والحسن (٢) وسعيد بن جبير (٣).\nوروي عن سعيد أنه قال: \"ذكر ابن عباس آية فقال رجل من القوم: الحمد لله وفوق كل ذي علم عليم، قال ابن عباس: بئسما قلت: الله هو العلم وهو فوق كل شيء (٤).\nقال أبو بكر: وتأويل الآية على هذا: وفوق كل ذي علم اختص به وانكشف له رب العالمين الذي المِنّة له وكل العلوم منه بدأت وإليه تعود.\nوالقول الثاني: والذي عليه أكثر المفسرين: وفوق كل ذي علم ممن رفعه الله عليم قد رفعه الله بالعلم فهو أعلم منه، وهذا قول ابن عباس (٥) في رواية عكرمة. قال: يكون هذا أعلم من هذا حتى ينتهي العلم إلى الله تعالى، وفي هذا إشارة إلى أن علم يوسف في ذلك الأمر كان ألطف من علم إخوته.\n_________\n(١) الطبري ١٣/ ٢٧.\n(٢) الطبري ١٣/ ٢٧، العلبي ٧/ ٩٩ أ، ابن عطية ٨/ ٣٥.\n(٣) الطبري ١٣/ ٢٧.\n(٤) الطبري ١٣/ ٢٦، وعبد الرزاق ٢/ ٣٢٦ وسعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي هاشم ٧/ ٢١٧٧، وأبو الشيخ والبيهقي في الأسماء والصفات كما في \"الدر\" ٤/ ٥٢، وابن عطية ٨/ ٣٥، والقرطبي ٩/ ٢٣٨.\n(٥) الطبري ١٣/ ٢٧، والفريابي وابن المنذر وابن أبي حاتم ٧/ ٢١٧٧، وأبو الشيخ والبيهقي في الأسماء والصفات كما في \"الدر\" ٤/ ٥٢، الثعلبي ٧/ ٩٩ أ، البغوي ٤/ ٢٦٣، القرطبي ٩/ ٢٣٨.","vol":"12","page":192},{"text":"قال أبو بكر: قال جماعة من أهل التفسير: إن العالم واجب عليه أن يتهم نفسه ويستشعر التواضع لربه، ولا يطمع نفسه بالغلبة على العلوم؛ لأنه لا يخلو عالم من عالم يفوقه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1787>٧٧ </span>- قوله تعالى: ﴿قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ﴾ الآية، قال الكلبي وغيره من المفسرين (١): لما خُرِّج الصواع من رحل أخي يوسف نكس إخوته رؤوسهم، وقالوا: ما رأينا كاليوم قط ولدت راحيل أخوين لصّين، فقال لهم أخوهم: والله ما سرقته ولا علم لي بمن وضعه في متاعي، وقيل إنه قال لهم: إن الذي وضع بضاعتكم في رحالكم هو الذي وضع السرقة في رحلي. والمفسرون مختلفون في أن يوسف هل كان أخبر أخاه بالكيد الذي يريد أن يكيده في حبسه عنده، فمنهم من يقول: كان قد أخبره بذلك، ومنهم من يقول: لم يخبره، وهذا معنى قوله ﴿قَالُوا﴾ أي: الإخوة ليوسف إن يسرق أي الصواع فقد سرق أخ له من قبل. قال عطاء عن ابن عباس (٢): يريدون يوسف، وكان يأخذ الطعام من مائدة أبيه سرًّا منهم فيتصدق به في المجاعة حتى فطن به إخوته، ونحو هذا قال وهب (٣) في معنى السرق الذي وصفوا به يوسف، ومقاتل: عن الضحاك (٤) عن ابن عباس، وقال سعيد بن جبير (٥) وقتادة (٦) سرق صنمًا كان لجده أبي أمه\n_________\n(١) الثعلبي ٧/ ٩٩ أ، الرازي ١٨/ ١٨٣.\n(٢) \"زاد المسير\" ٤/ ٢٦٣.\n(٣) الثعلبي ٧/ ٩٩ ب، البغوي ٤/ ٢٦٣.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ١٥٦ ب.\n(٥) و(٦) الطبري ١٣/ ٢٩، الثعلبي ٧/ ٩٩ أ، البغوي ٤/ ٢٦٣، ابن عطية ٨/ ٣٧، \"زاد المسير\" ٤/ ٢٦٣، القرطبي ٩/ ٢٣٩.","vol":"12","page":193},{"text":"وكسره وألقاه على الطريق. وقال محمد بن إسحاق (١) ومجاهد (٢): إن جدته خبأت في ثيابه منطقة كانت لإسحاق يتوارثونها بالكبر لتملكه بالسرق محبة لمقامه عندها.\nقال ابن الأنباري (٣): وهو في هذه (كلها غير سارق في الحقيقة لكنه أتى) (٤) ما يشبه السرق، فوصفه إخوته بذلك عند الغضب على جهة التشبيه والتمثيل، [وقد يوصف بالشيء على جهة التمثيل] (٥)، ولا يراد به الحقيقة، كما روي عن النبي - ﷺ - قال: \"كذب إبراهيم ثلاث كذبات\" (٦). تأويله: قال قولًا يشبه الكذب في الظاهر، وهو صدق عند البحث.\nوقوله تعالى: ﴿فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ﴾ قال الفراء (٧): أسر الكلمة أي: أضمرها في نفسه ولم يظهرها.\nقال ابن الأنباري (٨): والكلمة التي أسرها في نفسه: أنتم شرٌّ مكانًا، وزاد من عنده: فأسرّ جوابَ الكلمة التي تكلّموا بها، وتلخيصه وأمرّ جوابها في نفسه فحذف المضاف.\n_________\n(١) أخرجه ابن إسحاق عن مجاهد كما في \"الدر\" ٤/ ٥٣، وانظر: البغوي ٤/ ٢٦٣.\n(٢) الطبري ١٣/ ٢٩، وابن أبي حاتم كما في \"الدر\" ٤/ ٥٣، الثعلبي ٧/ ٩٩ ب، و\"زاد المسير\" ٤/ ٢٦٣، القرطبي ٩/ ٢٣٩.\n(٣) \"زاد المسير\" ٤/ ٢٦٣.\n(٤) ما بين المعقوفين بياض في (ب).\n(٥) ما بين المعقوفين ساقط من (ي).\n(٦) أخرجه البخاري (٣٢٥٧)، (٣٣٥٨) كتاب: أحاديث الأنبياء، باب: قول الله تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾، أخرجه مسلم (٣٢٦٩) في: كتاب الفضائل، باب: فضائل إبراهيم الخليل ﵇.\n(٧) \"معاني القرآن\" ٢/ ٥٢.\n(٨) \"زاد المسير\" ٤/ ٢٦٤.","vol":"12","page":194},{"text":"وقال أبو إسحاق (١): الكناية في \"فأسرها\" إضمار على شريطة التفسير لأن [قوله] (٢) (قال أنتم شر مكانًا) [بدل من الكناية في (فأسرها) المعنى: فأسر يوسف في نفسه قوله أنتم شرٌّ مكانًا] (٣).\nقال أبو علي (٤) فيما استدرك عليه: اعلم أن الإضمار على شريطة التفسير يكون على ضربين:\nأحدهما: أن يفسر بمفرد كقولنا: نعم رجلًا زيد، ففي نعم ضمير فاعلها ورجلًا المنصوب تفسير لذلك الفاعل المضمر، وأضمر الفاعل لتفسير هذا المذكور له ودلالته عليه، ومثل هذا قولهم: ربه رجلًا، فرجل تفسير المضمر في رب كما كان تفسير المضمر في نعم، فهذان مفردان مضمران على شريطة التفسير، مفسران بمظهرين منكورين ولم يعلم غيرهما، هذا كلامه هاهنا، وقد قال في \"الإيضاح\": وقالوا: ربه رجلًا، فأضمروا معه قبل الذكر على شريطة التفسير، كما فعلوا ذلك في: نعم رجلًا، وإنما أدخلت رُبَّ على هذا الضمير، وهي إنما تدخل على النكرات من أجل أن هذا الضمير ليس بمقصود قصده، فلما كان غير معين أشبه النكرة، وهذه الهاء على لفظ واحد، وان وليها المذكر أو الاثنان أو الجماعة فهي موحدة، على كل حال رجعنا في كلامه إلى هذه المسألة.\nقال: والآخر أن يفسر بجملة، وأصل هذا يقع بالابتداء كقوله: ﴿فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنبياء: ٩٧]، و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٢٣.\n(٢) ما بين المعقوفين بياض في (ب).\n(٣) ما بين المعقوفين ساقط من (أ)، (خ) وهو في (ب).\n(٤) \"الإغفال\" ٢/ ٨٩٧.","vol":"12","page":195},{"text":"[لإخلاص: ١] المعنى القصة (١) الذين كفروا شاخصة، والأمر الله أحد، ثم تدخل عوامل المبتدأ عليه نحو كان وأن، فينتقل هذا المضمر من الابتداء به كما ينتقل سائر المتبدآت كقوله: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا﴾ [طه: ٧٤]، ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ﴾ [الحج: ٤٦] وتفسير المضمر على شريطة التفسير في كلا الموضعين [متصل بالجملة التي فيها الإضمار المشروط تفسيره متعلق بها، وليس يكون في أحد الموضعين] (٢) خارجًا عن الجملة المتضمنة للمضمر الذي يشرط تفسيره، أما في المبتدأ وما دخل عليه فهو في موضع الخبر كما أريتك، وأما في الضرب الذي هو المفرد فمتعلق بما عمل في الاسم المضمر المفرد، ألا ترى أن (رجلا) في قولك: نعم رجلًا منتصب عن الفعل والفاعل، وإذا كان كذلك قد تبين لك أن المضمر على شريطة التفسير لا يكون إلا متعلقًا بالجملة الذي تتضمن (٣)، ولا يكون منقطعًا عنها ولا متعلقًا بجملة غيرها.\nوإذا كان الأمر على ما وصفنا فالذي ذكره أبو إسحاق (٤) في الآية: أنه إضمار على [شريطة التفسير] (٥)، لا يستقيم لانفصال التفسير عن الجملة التي فيها الضمير الذي زعم أنه إضمار على شريطة التفسير، ووقوعها بعد جمل بعدها وانقطاعها منه، وهذا بين الفساد؛ لأنه لا نظير له ولا نجد شاهدًا عليه إلا دعوى لا دلالة معها، ألا ترى أن تفسير المضمر على\n_________\n(١) كذا في جميع النسخ وفي \"الإغفال\": \"القصة أبصار الذين كفروا\" ٢/ ٨٩٧.\n(٢) ما بين المعقوفين ساقط من (أ)، (ب)، (ج) وهو في (ي).\n(٣) في \"الإغفال\": \"التي تتضمن المضمر\" ٢/ ٨٩٩.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٢٣.\n(٥) ما بين المعقوفين من (ي).","vol":"12","page":196},{"text":"شريطة التفسير ضربان: إما جملة تفسر مفردًا نحو: ﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ﴾ وإما مفرد يفسر مفردًا من جملة [نحو: نعم رجلًا، وأما جملة تفسر مفردًا من جملة] (١)، فليس في القسمة ولا في الوجود، وإذا كان كذلك فلا اتجاه لهذا التأويل في الآية، فإن قلت: فعلام يحمل هذا الضمير في أسرها؟ قلنا يحتمل أن يكون إضمارًا للإجابة، كأنهم لما قالوا: ﴿إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ أسر يوسف إجابتهم في نفسه في الوقت ﴿وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ﴾ في الحال إلى وقت ثان، وجاز إضمار ذلك؛ لأنه قد دل على إضمارها ما تقدم من مقالتهم، ويجوز أيضًا أن يكون إضمارًا للمقالة كأنه أسر يوسف مقالتهم، والمقالة والقول واحد في المعنى.\nفإن قلت: كيف يسر هو مقالتهم؟ قيل: ليس معنى المقالة اللفظ، ولكن المعنى المقول، فيكون المصدر عبارة عن المقول، كما يقول (٢) في الخلق، وضَرْب الأمير، ونَسْج اليمن، ومعنى أسرها: أوعاها ولم يطرحها وأكنها في نفسه، إرادة للتوبيخ عليها والمجازاة بها ونحو ذلك، فعلى هذا توجيه هذا الضمير لفساد ما ذكره أبو إسحاق عندنا (٣)، انتهى كلامه.\nوقوله تعالى: ﴿قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا﴾ هذا يدل على صحة ما ذكره أبو علي؛ لأنه كيف يصح أن يقول أسَرّ يوسف هذه الكلمة، وقد أخبر الله تعالى أنه قد قال ذلك، إلا أن يحمل على أنه قال ذلك في نفسه من غير إظهار، وفي ذلك عدول عن الظاهر. قال عطاء عن ابن عباس (٤): يريد:\n_________\n(١) ما بين المعقوفين ساقط من (أ)، (ج)، وهو في (ب).\n(٢) في \"الإغفال\" ٢/ ٩٠٤، \"يكون الخلق عبارة عن المخلوق\".\n(٣) إلى هنا انتهى النقل عن \"الإغفال\" ٢/ ٩٠٤ بتصرف واختصار.\n(٤) \"زاد المسير\" ٤/ ٢٦٤، القرطبي ٩/ ٢٤٠.","vol":"12","page":197},{"text":"\"أنتم شر\" فعلًا، طرحتم أخاكم في الجب (١) وزعمتم (٢) لأبيكم أن الذئب قتله وأنتم كاذبون، ثم بعتموه بعشرين درهما، وهذا الذي ذكره ابن عباس يتضمنه قوله: (أنتم شر مكانا) لا أنه واجه إخوته بكل هذا، وروى الضحاك عنه (٣) في قوله (أنتم شر مكانا) قال: شر صنيعا لما أقدمتم عليه من ظلم أخيكم وعقوق أبيكم.\nوقال أهل المعاني (٤): أنتم شر منزلًا عند الله ممن رميتموه بالسرقة لأنكم سرقتم من أبيكم أخاكم.\nقوله تعالى: ﴿وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء (٥): أراد أن سرقة يوسف كانت لله رضا، ويروى عنه (٦)، وهو قول الحسن (٧) وقتادة (٨): (والله أعلم بما تصفون) أنه كذب. وقال أبو إسحاق (٩): أي الله يعلم أسرق أخ له أم لا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1788>٧٨ </span>- قوله تعالى: ﴿قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا﴾ أي في السنن ويجوز أن يكون بمعنى: كبير القدر، ﴿فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ﴾ قال\n_________\n(١) (الجب): زيادة من (ي).\n(٢) في (ج): (وزعمكم).\n(٣) \"زاد المسير\" ٤/ ٢٦٠.\n(٤) ذكر هذا القول الثعلبي ٧/ ١٠٠ أ، والطبري ١٦/ ٢٠٠.\n(٥) القرطبي ٩/ ٢٤٠، وانظر: الرازى ١٨/ ١٨٥.\n(٦) القرطبي ٩/ ٢٤٠، وانظر: الرازى ٤/ ٢٦٤.\n(٧) \"تفسير كتاب الله العزيز\" ٢/ ٢٨٠.\n(٨) الطبري ١٦/ ٢٠٠ الثعلبي ٧/ ١٠٠، \"زاد المسير\" ٤/ ٢٦٤.\n(٩) \"معانىِ القرآن وإعرابه \" ٣/ ١٢٣.","vol":"12","page":198},{"text":"ابن عباس (١) والحسن (٢): خذ واحدًا منا تستعبده بدله.\n﴿إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ قال ابن عباس (٣) وابن إسحاق (٤): إنك إذا فعلت ذلك فقد أحسنت إلينا وفعلت بنا كل خير، قال أبو بكر: تلخيصه: ﴿إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ إلينا إن رددت أخانا علينا، وقبلت منا واحدًا مكانه، وقال أبو إسحاق (٥): طالبوه بأن يحسن؛ لأنه كان أعطاهم الطعام ورد إليهم بضاعتهم، قال أبو بكر: والتأويل على هذا القول ﴿إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ إلينا في توفيرك علينا الطعام ومسامحتك إيانا في الأثمان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1789>٧٩ </span>- قوله تعالى: ﴿قَالَ مَعَاذَ اللهِ﴾ أي اعتصامًا بالله، وقال الزجاج (٦): المعنى أعوذ بالله معاذًا، وذكرنا الكلام في هذا مستقصى في أول السورة.\nوقوله تعالى: ﴿أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ﴾ أي: أستجير بالله من أن آخذ برئيًا بسقيم، وموضع (أن) نصب، والمعنى (٧): أعوذ بالله من أخذ أحدٍ، فلما سقطت (من) أفضى الفعل إلى المفعول فنصب. قاله: أبو إسحاق (٨).\n_________\n(١) و(٢) انظر: الطبري ١٣/ ٣١، و\"زاد المسير\"٤/ ٢٦٥، القرطبي ٩/ ٢٤٠، ابن كثير ٢/ ٥٣٣.\n(٣) \"تنوير المقباس\" ١٥٢.\n(٤) الطبري ١٣/ ٣١، الثعلبي ٧/ ١٠١ أ.\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٢٤.\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٢٣.\n(٧) في (ج): \"المعنى\" من غير واو.\n(٨) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٢٤.","vol":"12","page":199},{"text":"وقوله تعالىِ: ﴿إنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ﴾ قال ابن عباس: يريد لقد تعديتُ وظلمتُ إن استعبدت غير الذي سرقني.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1790>٨٠ </span>- قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ﴾ وروي عن ابن كثير: استايسوا (١)، و(حتى إذا استايس (٢) الرسل) بغير همز (٣)، ويئس واستايس (٤) واحد، مثل: عجيب واستعجب، وسخر واستسخر، وفي يئس لغتان: يئس وييئس مثل حسب يحسب ويحسب، ومن قال: استايس، قلب العين إلى موضع الفاء فصار استفعل، ولفظه: استأئس، ثم خفف الهمزة وأبدلها الفاء مثل: راس وفاس، وقد قلب هذا الحرف في غير هذا الموضع فقالوا: يئس يائس، وهو مقلوب من: يئس ييئس، وهو الأصل بذلك على ذلك، أن المصدر لا نعلمه جاء إلا على تقديم الياء، فأما قولهم: لا يأس، فليس مصدر آس، ولو كان كذلك لكان من باب جذب وجبذ، في أن كل واحد منهما أصل على حدة، وليس أحدهما مقلوبًا عن صاحبه، ولكن: أياسًا مصدر أُسُّهُ آوُسَهُ أوسًا وإياسًا إذا أعطيتهُ، والإياس مثل القيام والعياذ (٥)، وإنما سمي الرجل باياس وَآوس، كما يُسَمى بعطاء وعطية، ومن ذلك قول الجعدي (٦):\nوكانَ الإله هو المستآسا\n_________\n(١) في (ج): (استياسوا).\n(٢) في (ج): (استياس).\n(٣) روى خلف والهيثم عن عُبيدة عن شبل عن ابن كثير بغير همز، والباقون بالهمز بين الباء والسين، انظر: السبعة ص٣٥٠، \"إتحاف\" ص ٢٦٦.\n(٤) في (ج): (واستياس).\n(٥) في \"الحجة\" ٤/ ٤٣٤: \"مثل القياس والقياد\".\n(٦) عجز بيت للجعدي، وصدره:\nثلاثة أهلية أفنيتهم\nوالمستآس: المستعاض. انظر: شعره: ٧٨، و\"اللسان\" (أوس) ١/ ١٧٠، و\"التنبيه =","vol":"12","page":200},{"text":"وهو مستفعل من العطاء، أي: يُسأل أن يعطى، هذا قول أبي علي الفارسي (١). وقال غيره: آيس لغة في: يئس وآيسته، أي: أيأسته، وهو اليأس والإياس.\nقال ابن عباس (٢): يريد يئسوا أن يخلى سبيله معهم.\nوقوله تعالى: ﴿خَلَصُوا نَجِيًّا﴾ يقال: خلص الشيء خلوصًا، إذا ذهب عنه الشائب من غيره، ومعنى خلصوا هاهنا: انفردوا من غير أن يكون معهم من ليس منهم، والنجي صفة فعيل بمعنى المناجي، يقع على الكثير كالصديق والرفيق والحميم، ومثله: العري والنجوى مصدر ثم يوصف بهما، فيستوي فيهما الواحد والجمع والمؤنث والمذكر، قال الله تعالى: ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ [مريم: ٥٢] فوصف به الواحد، وقال في الجمع: ﴿خَلَصُوا نَجِيًّا﴾، وقال ﴿وَإِذْ هُمْ نَجْوَى﴾ [الإسراء: ٥٢] فجعله جمعًا، وقال: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ﴾ [المجادلة: ٧].\nوالنجوى: الرجال المتناجون هاهنا، وقال في المصدر: ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ﴾ [المجادلة: ١٠] يقال: نجوت فلانًا أنجوه نجوى، إذا ناجيته، هذا الذي ذكرنا قول جميع أهل اللغة (٣) وأنشدوا (٤):\n_________\n- والإيضاح\" ٢/ ٢٥٩، كتاب العين ٧/ ٣٣٠ و\"مقاييس اللغة\" ١/ ١٥٠، ١٥٦، و\"تهذيب اللغة\" ١/ ٢٣٠، و\"مجمل اللغة\" ١/ ١٠٧، و\"أساس البلاغة\" (أوس)، و\"تاج العروس\" (أوس) ٨/ ١٩٤، و\"الشعر والشعراء\" ص ١٨٠.\n(١) \"الحجة\" ٤/ ٤٣٣ - ٤٣٥ بتصرف.\n(٢) انظر: \"زاد المسير\" ٤/ ٢٦٦، القرطبي ٩/ ٢٤١.\n(٣) انظر: \"تهذيب اللغة\" (نجا) ٤/ ٣٥١٠، و\"اللسان\" (نجا) ٧/ ٤٣٦١.\n(٤) للصلتان العبدي، من وصيته المشهورة لابنه. =","vol":"12","page":201},{"text":"بُنَيّ بدا خَبُّ نَجْوى الرجالِ ... فكُنْ عند سِرّك خَبَّ النَّجِي\nوالبيت للصلتان العبدي (١)، والنجوى فيه مصدر، والنجي صفة، يقول: بدا غش مناجاة الرجال فكن غاشًّا بنجيك الذي تناجيه، أي: لا تطلعه على سرك، ويجمع على أنجية، ومنه قول لبيد (٢):\nوشَهِدْتُ أنْجِيةَ الأفاقةِ عاليًا ... كَعْبي وأرْدَافُ الملوك شُهُودُ\nويجمع النبي أيضًا أنجيا، وأما تفسير ﴿خَلَصُوا نَجِيًّا﴾ فقال أبو إسحاق (٣): انفردوا وليس معهم أخوهم متناجين فيما يعملون في ذهابهم إلى أبيهم من غير أن يرجعوا بأخيهم إليه، وقال ابن قتيبة (٤): اعتزلوا الناس ليس معهم غيرهم يتناجون ويتناظرون، وقال الأزهري (٥): تميزوا عن (٦)\n_________\n= انظر: \"الحماسة\" ٣/ ١١٢، و\"الشعر والشعراء\" ص ٣٣٣، \"الخزانة\" ١/ ٣٠٨، والطبري ١٣/ ٣٣، والخب (بكسر الخاء): المكر، والخب (بفتحها): المكار.\n(١) وهو قثم بن خبية العبدي من بني محارب بن عمرو، من بني عبد القبس، شاعر حكيم، وله قصيدة في الحكم بين جرير والفرزدق، فضل فيها شعر جرير وقوم الفرزدق، توفي سنة ٨٠ هـ، انظر: \"الشعر والشعراء\" ص ٣٣١، و\"الأعلام\" ٥/ ١٩٠.\n(٢) انظر: \"ديوانه\" ص ٤٧، وابن عطية ٨/ ٤٣، و\"البحر المحيط\" ٥/ ٣٣٥، و\"الدر المصون\" ٦/ ٥٣٩، و\"مجاز القرآن\" ١/ ٣١٥، والطبري ١٣/ ٣٣، و\"اللسان\" (ردف) ٣/ ١٦٢٦، و\"تهذيب اللغة\" ١/ ١٧٣، و\"تاج العروس\" (أفق) ١٣/ ٨.\nمن أبيات يقولها لابنته بسرة يذكر طول عمره، والأفاقة: اسم موضع حيث كان اليوم المشهود بين لبيد، والربيع بن زياد العبسي، وأرداف الملوك: من الردف وهو الذي يكون مع الملك وينوب عنه إذا قام من مجلسه.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٢٤.\n(٤) \"مشكل القرآن وغريبه\" ص ٢٢٧.\n(٥) \"تهذيب اللغة\" (خلص) ١/ ١٠٨٢.\n(٦) في (ج): (على).","vol":"12","page":202},{"text":"الناس يتناجون فيما أهمهم، فأبو إسحاق حمل الخلوص على أنهم خلصوا وانفردوا من أخيهم في المناجاة، ونحوه قال ابن الأنباري، وغيرهما: يحمله على اعتزالهم عن غيرهم من الناس وهو الظاهر.\nوقوله تعالى: ﴿قَالَ كَبِيرُهُمْ﴾ قال عطاء عن ابن عباس (١): يعني يهوذا وكان أعقلهم، وهو قول وهب (٢) والكلبي (٣) ومقاتل بن سليمان (٤): لم يكن أكبرهم في السن لكنه كان أكبرهم في صحة الرأي.\nوقال مجاهد (٥): شمعون، وكان أكبرهم في العلم والعقل لا في السن.\nوقال قتادة (٦) والسدي (٧) والضحاك (٨) وكعب (٩): هو روبيل وكان أكبرهم سنًّا، وهذا هو الظاهر (١٠).\n_________\n(١) \"زاد المسير\" ٤/ ٢٦٦، البغوي ٤/ ٢٦٥.\n(٢) الثعلبي ٧/ ١٠١ ب.\n(٣) البغوي ٤/ ٢٦٥، الثعلبي ٧/ ١٠١ ب، القرطبي ٩/ ٢٤١.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ١٥٦ ب.\n(٥) الطبري ١٣/ ٣٤، البغوي ٤/ ٢٦٥، الثعلبي ٧/ ١٠١ ب، القرطبي ٩/ ٢٤١.\n(٦) الطبري ١٣/ ٣٤، البغوي ٤/ ٢٦٥، الثعلبي ٧/ ١٠١ ب.\n(٧) الطبري ١٣/ ٣٤، البغوي ٤/ ٢٦٥، الثعلبي ٧/ ١٠١ ب.\n(٨) البغوي ٤/ ٢٦٥، الثعلبي ٧/ ١٠١ ب.\n(٩) الثعلبى ٧/ ١٠١ ب.\n(١٠) قلت: وقد رجح هذا القول الطبري ١٣/ ٣٤، فقال: \"وأولى الأقوال في ذلك بالصحة قول من قال: عني بقوله ﴿قَالَ كَبِيرُهُمْ﴾ روبيل، لإجماع جميعهم على أنه كان أكبرهم سنًا، ولا تفهم العرب في المخاطبة إذا قيل لهم: \"فلان كبير القوم\" مطلقًا بغير وصل، إلا أحد معنيين، إما في الرئاسة عليهم والسؤدد وإما في السنن وإما في العقل، فإنهم إذا أرادوا ذلك وصلوه فقالوا: \"وهو كبيرهم في العاقل\" =","vol":"12","page":203},{"text":"[وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ] (١) مَوْثِقًا مِنَ اللهِ﴾ أي في حفظكم الأخ ورده إلى أبيه، وذكرنا الكلام في قوله: ﴿مَوْثِقًا مِنَ اللهِ﴾ (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطْتُمْ في يُوسُفَ﴾ وذكر الفراء (٣) والزجاج (٤) وابن الأنباري في \"ما\" ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون المعنى ومن قبل تفريطكم في يوسف أي: وقع وظهر تفريطكم، فـ\"ما\" يكون موضعها رفعًا، وتكون مع الفعل بمنزلة المصدر.\nالثاني: أن يكون \"ما\" في موضع نصب نسق على المعنى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ﴾، ومن قبل تفريطكم في يوسف.\nالثالث: أن تكون لغوًا لا موضع لها من الإعراب، وتلخيصها: ومن قبل فرطتم في يوسف (٥)، وذكرنا معنى التفريط في قوله: ﴿وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ﴾ (٦).\n_________\n= فأما إذا أطلق بغير صلته بذلك فلا يفهم إلا ما ذكرت، وقد قال أهل التأويل: لم يكن لشمعون على إخوته رياسة وسؤدد، فيعلم بذلك أنه عني بقوله ﴿قَالَ كَبِيرُهُمْ﴾ فإذا كان ذلك كذلك، فلم يبق إلا الوجه الآخر وهو الكبر في السن، وقد قال الذين ذكرنا جميعًا: \"روبيل كان أكبر القوم سنًا\" فصح بذلك القول الذي اخترناه. اهـ\" واستظهر هذا القول ابن عطية ٨/ ٤٣.\n(١) ما بين المعقوفين ساقط من ب.\n(٢) عند قوله تعالى: ﴿حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللهِ﴾ ٦٧.\n(٣) \"معاني القرآن\" ٢/ ٥٣.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٢٤.\n(٥) قال الزجاج وهو أجود الأوجه. \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٢٤.\n(٦) الأنعام: ٦١، وقد قال هنالك: (ومعني التفريط: تقدمة العجز) تفسير البسيط، تحقيق: د. الفايز ص ٢٦٠.","vol":"12","page":204},{"text":"وقوله تعالى: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ﴾ يقال: برح الرجل براحًا وبروحًا، إذا رام من موضعه، ذكره الفراء (١) في المصادر، وأراد الأرض (٢) موضعه ذلك في قول ابن عباس (٣)، وقال الزجاج (٤): يريد أرض مصر، وإلا فالناس كلهم على الأرض.\nوقوله تعالى: ﴿حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي﴾ قال ابن عباس (٥): حتى يبعث إلى أبى أن آتيه.\nوقوله تعالى: ﴿أَوْ يَحْكُمَ الله لِي﴾ قال: يريد أو يقضي في أمري شيئًا، وقال غيره: أو يحكم الله لي لمحاربة (٦) أو غيرها مما أراد به أخي على أبيه فاحارب مَن حبسه، ﴿وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾: أعدلهم وأفضلهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1791>٨١ </span>- قوله تعالى: ﴿ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ﴾ يقوله الأخ المحتبس بمصر لأخوته: ﴿فَقُولُوا يَا أَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ﴾ ذكر ابن الأنباري في هذا وجهين:\nأحدهما: أن معناه سرق عند الملك، وفيما يقدره الملك وحاضروه، فأما في تقديرنا وما نعلمه من أمره فلا، ومثل هذا كثير كقوله: ﴿إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ [هود: ٨٧] أي: عند نفسك، و﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان:٤٩] أي: عند نفسك، فأما عندنا فلا، قال: وقد قال بعض الناس: تأويله أن ابنك فعل فعلًا يشبه السرق، فسُمي بما يشبه فعله\n_________\n(١) كتاب المصادر مفقود.\n(٢) في (ب): (بالأرض).\n(٣) \"تنوير المقباس\" ص ١٥٣\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٢٥.\n(٥) \"زاد المسير\" ٤/ ٢٦٧.\n(٦) في (ج): (كمحاربة).","vol":"12","page":205},{"text":"على المجاز، قال: والأول هو الأثبت، لموافقته مذاهب العرب، ومشاكلته ألفاظًا من القرآن، وأكثر المفسرين على أنهم ما عرفوا حقيقة الحال فنسبوا إليه السرق، على ما رأوه من ظاهر الأمر، ولهذا قالوا: ﴿وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا﴾، قال ابن عباس (١): يريد بما ظهر.\nقال ابن إسحاق (٢): معناه: ما قلنا أنه سرق إلا بما علمنا؛ لأنه وجدت السرقة في رحله ونحن ننظر.\nقال أبو علي الفارسي (٣): شهد الذي يراد به علم هو ضرب من العلم مخصوص، وكل شهادة علم، وليس كل علم شهادة، ومما يدل على اختصاصه أنه لو قال عند الحاكم: أعلم أن لزيد على عمرو عشرة، لم يحكم به حتى يقول: أشهد، فالشهادة مثل التيقن في أنه ضرب من العلم مخصوص، فليس كل علم تيقنًا، وإن كان كل تيقن علمًا.\nوذكرنا حقيقة التيقن عند قوله: ﴿وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ (٤) فمعنى أشهد على كذا: أعلمه علمًا بحصري، وقد تذلل لي التوقف عنه ولا أثبت لوضوحه عندي، ويدل على أن الشهادة يراد بها المعنى الزائد على العلم قوله: ﴿وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا﴾ وليس يتجه حمله على هذا، فعلم أن معناه ما ذكرناه، وشهد في هذا الوجه يتعدَّى بحرف جر، فتارةً يكون بالباء\n_________\n(١) \"زاد المسير\" ٤/ ٢٦٧.\n(٢) الطبري ١٣/ ٣٦، الثعلبي ٧/ ١٠٢ أ.\n(٣) \"الحجة\" ٦/ ١٤٣، ١٤٤، وانظر: ١/ ٢٥٦ - ٢٦٤.\n(٤) الأنعام: ٧٥ وخلاصة ما ذكره هنالك ما نقله عن أبي علي الفارسي \"أن التيقن: ضرب من العلم مخصوص فكل علم ليس تيقنًا، وإن كل تيقن علمًا. لأن التيقن هو العلم الذي قد كان عرضر لعالمه إشكال فيه\" تفسير البسيط، تحقيق: د. الفايز، ص ٢٩٢.","vol":"12","page":206},{"text":"كهذه الآية، وكقوله: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ﴾ [الزخرف: ٨٦]،، وأخرى يكون بعلى كقوله: ﴿لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا﴾ [فصلت: ٢١]. وقوله تعالى: ﴿شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ﴾ [فصلت: ٢٠].\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ﴾ قال ابن عباس (١): لم نعلم ما كان يصنع في ليله ونهاره ومجيئه وذهابه، وتلخيص هذا القول (٢) أنهم قالوا: ما كنا لغيب ابنك حافظين، أي: كنا نحفظه في محضره، فإذا غاب عنا في الأحوال التي ينفرد فيها، استترت عنا أموره وخفيت علينا حالاته.\nوقال مجاهد (٣) وقتادة (٤) والحسن (٥): ما كنا نشعر أن ابنك سيسرق ويصير أمرنا إلى هذا، ولو علمنا ذلك ما ذهبنا به، وإنما ضمنا حفظه مما لنا إلى حفظه منه سبيل.\nوقال ابن كيسان (٦): لم نعلم أنك تُصاب به كما أصبت بيوسف، ولو علمنا ذلك لم نحرق قلبك ولم نذهب به.\nوقال عطاء فيما رواه عن ابن عباس: ﴿وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ﴾ أي: لعله قد غاب عنا أمر ليس هو كما ظهر، وشرح هذا ما ذكره عكرمة (٧)\n_________\n(١) الثعلبي ٧/ ١٠٢ أ، البغوي ٤/ ٢٦٦، القرطبي ٩/ ٢٤٥.\n(٢) ذكره في \"زاد المسير\" ٤/ ٢٦٨ عن ابن الأنباري.\n(٣) الطبري ١٣/ ٣٦، وابن أبي شيبة وابن المنذر كما في \"الدر\" ٤/ ٥٥.\n(٤) الطبري ١٣/ ٣٦، وعبد الرزاق ٢/ ٣٢٧، وابن أبي حاتم ٧/ ٢١٢٣ وابن المنذر وأبو الشيخ كما في \"الدر\" ٤/ ٥٥.\n(٥) انظر: \"تفسير كتاب الله العزيز\" ٢/ ٢٨٢.\n(٦) \"زاد المسير\" ٤/ ٢٦٨، الثعلبي ٧/ ١٠٢ ب.\n(٧) الثعلبي ٧/ ١٠٢ ب.","vol":"12","page":207},{"text":"وابن إسحاق (١).\nقال عكرمة: لعلها دُسّت بالليل في رحله.\nقال ابن إسحاق: معناه قد أخذت السرقة من رحله ونحن ننظر ولا علم لنا بالغيب فلعلهم سرقوه.\nوقال أهل المعاني: معنى الآية: أنه يقول لإخوته ﴿ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ﴾ واشرحوا له كيف كانت الحال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1792>٨٢ </span>- وقوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا﴾ قال ابن عباس (٢): يريد أهل مصر، وهذا قول عامة المفسرين وأهل التأويل (٣) أن المراد: واسأل أهل القرية، فحذف المضاف للإيجاز من غير إخلال، وقد تقدم لهذا شواهد كثيرة ونظائر عدة من الكتاب.\nقال أبو علي (٤): ودافع جواز هذا في اللغة كدافع الضرورات، وجاحد المحسوسات في غير اللغة، وإثبات الكتاب في هذا المعنى لاشتهارها يستغنى عن ذكرها، وأنشد أبو زيد والكوفيون (٥):\n_________\n(١) الثعلبي ٧/ ١٠٢ ب، و\"زاد المسير\" ٤/ ٢٦٨، والطبري ١٣/ ٣٦.\n(٢) الطبري ١٣/ ٣٧.\n(٣) انظر: الطبري ١٣/ ٣٧، البغوي ٤/ ٢٦٧، القرطبي ٩/ ٢٤٦، \"الدر المصون\" ٦/ ٥٤٤، الزاهر ١/ ٢٨٤، الرازي ١٨/ ١٩٠.\n(٤) \"الإغفال\" ٢/ ٨١٠، وانظر: \"سر صناعة الإعراب\" ١/ ٢٤، الرازي ١٨/ ١٩٠.\n(٥) الشاهد لذي الخرق الطهوي.\nانظر: \"نوادر أبي زيد\" ١١٦، و\"مجالس ثعلب\" ٧٦، و\"اللسان\" (بغم) ١/ ٣٢٠، و\"تذكرة النحاة\" ١٨، و\"تاج العروس\" (بغم)، وبلا نسبة في \"الإنصاف\" ص ٣١٦، و\"معاني القرآن\" ١/ ٦٢، ٢/ ١٢٤، و\"اللسان\" (ويب) ٨/ ٤٩٣٧، و\"الإغفال\" ٢/ ٨١٠.","vol":"12","page":208},{"text":"حَسِبْتَ بُغَامَ رَاحِلَتِي عَنَاقًا ... وما هِيَ وْيبَ غَيْركِ بالعَنَاقِ\nأي: بغام عناق.\nوقد اتسع هذا في كلام، حتى إن الشعراء قد أقاموا المضاف في بعض ما يدخله الناس، من ذلك أنشده النحويون:\nيَحْمِلْنَ عَبَّاسَ بنَ عَبْدَ المُطَّلِبْ (١)\nيريد ابن عباس، وقول آخر (٢):\nأرَى الخُطَفيَّ بزَّ الفَرَزْدَقَ شِعْرَه ... ولَكِن خَيْرًا من كُليبٍ مُجَاشِعُ\nأراد جرير بن الخطفي. ومثله كثير، فإذا جاز إقامة المضاف مقام المضاف إليه في هذا النحو مع أن (٣) الإشكال قد يدخل في بعض الأحوال على كثير من السامعين، كان في غير هذا أجدر وأجود.\nوذكر أبو بكر (٤) في هذا وجهًا آخر وهو: أن يكون المعنى واسأل القرية والعير فإنها تعقل عنك، وتجيبك الجدران والبعران والأبنية والأخبية والعروش والسقوف، إذ كنت نبيًّا يخصك إلهك بالآيات المعجزات، وعلى هذا الآية سليمة من الإضمار والمجاز.\n_________\n(١) الرجز بلا نسبة في اللسان (نفس) ٧/ ٤٤٦، (وصى) ٨/ ٤٨٥٤، و\"جمهرة اللغة\" ١٣٢٨ وقبله:\nصبّحن من كاظمة الحصين الخرب\n(٢) البيت للصلتان العبدي من قصيدة يحكم فيها بين جرير والفرزدق، و\"خزانة الأدب\" ٤/ ٣٧٢، وفيه (كلاب) بدل (كليب)، و(بذّ) بدل (بزّ).\n(٣) في (أ): (مع الإشكال من غير أن).\n(٤) \"زاد المسير\" ٤/ ٢٦٨ و\"الدر المصون\" ٦/ ٥٤٤.","vol":"12","page":209},{"text":"وابن عباس (١) والحسن (٢) وقتادة (٣): على أن المراد بالقرية مصر، وروى الكلبي عنه (٤) قال: هي قرية من قرى مصر.\nوقوله تعالى: ﴿وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا﴾، قال ابن عباس (٥): يريد أهل الرفقة التي كنا فيها: أي التي امتاروا معنا، قال المفسرون (٦): وكان قد صحبهم قوم من الكنعانيين.\nقال ابن إسحاق (٧): عرف الأخ المحتبس أن إخوته أهل تهمة عند أبيهم لما كان من صنيعهم في أمر يوسف، فأمرهم أن يقولوا لأبيهم هذا نفيًا للظنة (٨) عنهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1793>٨٣ </span>- قوله تعالى: ﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ مضى الكلام في هذا أول السورة (٩)، قال ابن عباس في هذه الآية: لما قدموا على أبيهم وأخبروه اشتد حزنه فقال: يا بني تذهبون وأنتم اثنا عشر وترجعون وأنتم أحد عشر، ثم تذهبون أحد عشر وترجعون عشرة، ثم تذهبون عشرة وترجعون تسعة، سبحان الله كيف هذا؟\n_________\n(١) الطبري ١٣/ ٣٧، ابن عطية ٨/ ٤٦.\n(٢) البغوي ٤/ ٢٦٧، الرازي ١٨/ ١٩٠، القرطبي ٩/ ٢٤٦ من غير نسبة.\n(٣) الطبري١٣/ ٣٧، وابن أبي حاتم ٧/ ٢١٨٣، وأبو الشيخ كما في \"الدر\" ٤/ ٥٥.\n(٤) الثعلبي ٧/ ١٠٢ ب، البغوي ٤/ ٢٦٧.\n(٥) قال به الطبري ١٣/ ٣٧، والثعلبي ٧/ ١٠٢ ب، و\"زاد المسير\" ٤/ ٢٦٨.\n(٦) الثعلبي ٧/ ١٠٢ ب.\n(٧) الطبري ٣/ ٣٧، الثعلبي ٧/ ١٠٢ ب، البغوي ٤/ ٢٦٧.\n(٨) في (ب): (اللظعنة).\n(٩) (السورة) ساقط من (أ)، (ب)، (ج)، وقد سبق الحديث عنها عند قوله تعالى: ﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ ١٨.","vol":"12","page":210},{"text":"ثم قال: ﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا﴾، قال المفسرون (١) وأهل المعاني: هاهنا إيجاز وإضمار، والمعنى: فرجعوا فقالوا ليعقوب ما لَقَّنهم يهوذا، فقال يعقوب: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا﴾، قال ابن الأنباري (٢): لم ينسبهم يعقوب في هذا إلى الكذب والاحتيال كما نسبهم في أمر يوسف حين قال: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ﴾ في ابتداء السورة لكنه عني ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ﴾ إخراج بنيامين عني والمصير به إلى مصر، تقديرًا لمنفعة، فعاد من ذلك شر وضرر، وألححتم عليّ في إرساله معكم، ولم تعلموا أن قضاء الله ربما يأتي من فوقكم ويقبض على يدكم.\nوقال غيره (٣): معنى قوله هاهنا ﴿سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا﴾ خيلت لكم أنه سرق وما سرق، ومعنى قول ابن عباس: تذهبون وأنتم اثنا (٤) عشر، يعني حين ذهبوا بيوسف معهم وألقوه في الجب، ورجعوا أحد عشر، ثم ذهبوا أحد عشر حين أرسل معهم بنيامين إلى مصر، فعادوا تسعة؛ لأن بنيامين حبسه يوسف عنده، واحتبس بمصر الذي قال: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي﴾ فعادوا تسعة.\nوقوله تعالى: ﴿عَسَى الله أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا﴾ يعني يوسف وبنيامين، والذي قال: فلن أبرح الأرض.\n_________\n(١) الطبري ١٣/ ٣٧ - ٣٨، الثعلبي ٧/ ١٠٢ ب، البغوي ٤/ ٢٦٧، \"زاد المسير\" ٤/ ٢٦٩،الرازي ١٨/ ١٩٠.\n(٢) \"زاد المسير\" ٤/ ٢٦٩.\n(٣) ذكره في \"زاد المسير\" ٤/ ٢٦٩.\n(٤) في (ج): (اثنى عشر).","vol":"12","page":211},{"text":"وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ﴾ قال ابن عباس (١): بشدة حزني ﴿الْحَكِيمُ﴾ فيما حكم عليّ بهذا الحزن وعظم المصيبة بابن بعد ابن.\nوقال غيره: ﴿الْعَلِيمُ﴾ بصدق ما يقولونه من كذبه، ﴿الْحَكِيمُ﴾ في تدبيره لخلقه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1794>٨٤ </span>- قوله تعالى: ﴿وَتَوَلَّى عَنْهُمْ﴾ قال المفسرون (٢): لما بلغ يعقوب خبر حبس بنيامين، تتام حزنه، وبلغ الجهد، وهاج ذلك وجده بيوسف؛ لأنه كان يتسلى بأخيه منه، فعند ذلك تولى عنهم.\nقال ابن عباس (٣) وغيره: أعرض عنهم.\n﴿وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾، الأسف: الحزن على ما فات، قال الليث (٤): إذا جاءك أمر فحزنت له ولم تطقه فأنت آسف، أي: حزين ومتأسف أيضًا، قال الزجاج (٥): والأصل يا أسفي، إلا أن ياء الإضافة يجوز أن تبدل ألفًا، لخفة الألف والفتحة، ومضى الكلام في هذا وفي نداء غير ما يعقل، ومعنى ذلك في مواضع.\nوقوله تعالى: ﴿يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾ مما يدل على تجدد وجده بيوسف لفقد بنيامين (٦)، وكذلك الحزن يجر الحزن ونكاء القرح بالقرح أوجع، وقد قال متمم بن نويرة (٧):\n_________\n(١) ذكره في \"زاد المسير\" ٤/ ٢٦٩ من غير نسبة.\n(٢) الثعلبي ٧/ ١٠٢ ب، القرطبي ٩/ ٢٤٧، البغوي ٤/ ٢٦٧.\n(٣) ذكره الثعلبي ٧/ ١٠٢ ب، البغوي ٢٦٧، \"زاد المسير\" ٤/ ٢٦٩.\n(٤) \"تهذيب اللغة\" (أسف) ١/ ١٦١، و\"اللسان\" (أسف) ١/ ٧٩.\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٢٥.\n(٦) في (ب): (ابن يامين).\n(٧) هو متمم بن نويرة بن جمرة بن ثعلبة بن يربوع أبو نهشل، صحابي، شاعر فحل، اشتهر في الجاهلية والإسلام، أشهر شعره رثاؤه لأخيه مالك، توفي سنة ٣٠هـ، =","vol":"12","page":212},{"text":"فقال أتبكى كلَّ قَبْرٍ رَأيْتَه ... لقَبْرٍ ثَوَى بَيْنَ اللّوَى والدَّكَادِك\nفقلتُ له إنَّ الأسَى يَبْعَثُ الأسَى .... فَدَعْني (١) فهذا كله قَبْرُ مَالِكِ\nوذلك أنه رأى قبرًا فتجدد حزنه على أخيه مالك، وليم على ذلك، فأجاب بأن الأسى يبعث الأسى، عامة أهل العلم (٢): على أن قول يعقوب ﵇: ﴿يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾ ليس منه جزعًا مذمومًا يوجب الإثم؛ لأن الحزن مع حفظ اللسان من الشكوى من الله تعالى كاسب أجرًا وموجب مثوبة، يدل على هذا ما روي (٣): أن يوسف قال لجبريل: هل لك علم بيعقوب، قال: نعم، قال: فكيف حزنه، قال: حزن سبعين ثكلى، قال: فهل له في ذلك من أجر؟ قال: نعم أجر مائة شهيد.\nقال ابن عباس (٤) في قوله: ﴿يَا أَسَفَى﴾: يا طول حزني على يوسف.\nقال الحسن (٥): كان بين خروج يوسف من حجر يعقوب إلى يوم التقى معه ثمانون عامًا، لا تجف عينا يعقوب، وما على وجه الأرض أكرم على الله من يعقوب.\n_________\n= انظر: \"الشعر والشعراء\" ص ٢٠٩، والبيتان في \"شرح ديوان الحماسة\" للمرزوقي ٢/ ٧٩٧، الحماسية (٢٦٥) وفيها: (وقالوا أتبكي ..).\n(١» (فدعني) ساقط من (ج).\n(٢) القرطبي ٩/ ٢٤٩، و\"زاد المسير\" ٤/ ٢٧٠، ابن عطية ٨/ ٥٠، الرازي ١٨/ ١٩٣.\n(٣) أخرجه ابن جرير الطبري ١٣/ ٤٦ بسنده إلى ليث بن أبي سليم في هذه وغيره بأسانيد مختلفة، الطبري ١٣/ ٤٦ - ٤٨.\nوأخرجه ابن أبي شيبة عن خلف بن حوشب، وأخرجه عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم ٧/ ٢١٨٦، وأبو الشيخ عن وهب بن منبه كما في \"الدر\" ٤/ ٥٦.\n(٤) الطبري ٣٨٨٣، وابن المنذر وابن أبي حاتم ٧/ ٢١٨٥، وانظر. \"الدر\" ٤/ ٥٦.\n(٥) الطبري ١٣/ ٤٨ وأخرجه عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد، وأبو الشيخ كما في \"الدر\" ٤/ ٥٦.","vol":"12","page":213},{"text":"وقال قتادة (١): يا حزني على يوسف، وقال مجاهد (٢): يا جزعى على يوسف، قال أبو بكر: فمن بني على هذا المذهب، وجعل الأسف جزعًا وضدًا للصبر، زعم أن هذا خطيئة من يعقوب، كما روي أنه كان يرفع حاجبيه بخرقة من الكبر، فقال له رجل: ما هذا الذي أراه بك، قال: طول الزمان وكثرة الأحزان، فأوحى الله إليه: أتشكوني يا يعقوب، فقال: يا رب خطيئة أخطأتها فاغفرها لي (٣).\nوقوله تعالى: (﴿وَابْيَضَّتْ) (٤) عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ﴾ أي انقلبت إلى حال البياض، قال مقاتل (٥): لم يبصر بهما ست سنين حتى كشفه الله تعالى بقميص يوسف.\nوفسر ابن عباس (٦) الحزن هاهنا: بالبكاء يريد: أن عيناه ابيضتا لكثرة بكائه، والحزن لما كان سببًا للبكاء جاز أن يسمى به، وذلك أن العين لا تبيض وإن اشتد الحزن حتى يكثر البكاء، واختلفوا في: الحُزْن وَالحَزَن، فقال قوم: الحُزْن: البكاء، والحَزَن: ضد الفَرَح.\n_________\n(١) الطبري ١٣/ ٣٩، وابن أبي شيبة وابن المنذر كما في \"الدر\" ٤/ ٥٦، عبد الرزاق ٢/ ٣٢٧.\n(٢) الطبري ١٣/ ٣٨ - ٣٩، وابن أبي شيبة وابن المنذر كما في \"الدر\" ٤/ ٥٦، الثعلبي ٧/ ١٠٢ ب.\n(٣) الطبري ١٣/ ٤٦، وعبد الرزاق وابن أبي شيبة وأحمد في الزهد وابن المنذر وابن أبي حاتم ٧/ ٢١٨٦، وأبو الشيخ عن حبيب بن ثابت كما في \"الدر\" ٤/ ٥٧.\n(٤) ما بين القوسين بياض في (أ).\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ١٥٦ أ، الثعلبي ٧/ ١٠٣ أ، \"زاد المسير\" ٤/ ٢٧٠.\n(٦) القرطبي ٩/ ٢٤٨، و\"زاد المسير\" ٤/ ٢٧١.","vol":"12","page":214},{"text":"وقال قوم: هما لغتان، يقال: أصابه حُزْنٌ شديد وحَزَنٌ شديد، وهذا مذهب أكثر أهل اللغة (١)، وروى يونس عن أبي عمرو (٢) قال: إذا كان في موضع النصب فتحوا الحاء والزاء كقوله: ﴿تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا﴾ [التربة:٩٢]، وإذا كان في موضع الخفض أو الرفع فهو بضم الحاء كقوله ﴿مِنَ الْحُزْنِ﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1795>٨٦ </span>- وقوله تعالى (٣): ﴿أَشْكُو (٤) بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللهِ﴾ قال: هو في موضع رفع بالابتداء.\nوقوله تعالى: ﴿فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ ذكرنا الكلام في الكظم عند قوله ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ [آل عمران: ١٣٤] مستقصى، والكظم هاهنا يجوز أن يكون بمعنى الكاظم، وهو الممسك على حزنه فلا يظهره ولا يشكوه.\nقال ابن قتيبة (٥): يدل عليه قول قتادة (٦) قال: كظيم على الحزن، لا يقول بأسًا، قد شد فاه على الحزن في قلبه، فليس يتكلم بسوء، وفي ذلك يقول الشاعر (٧):\n_________\n(١) \"تهذيب اللغة\" ١/ ٨٠٧، و\"اللسان\" (حزن) ١/ ٨٦١، و\"الاشتقاق\" لابن دريد ١٠٠.\n(٢) \"تهذيب اللغة\" (حزن) ٤/ ٣٦٤.\n(٣) (تعالى) ساقط من (ب).\n(٤) في (ب): (وأشكو) بزيادة واو خلاف ما عليه الآية.\n(٥) \"مشكل القرآن وغريبه\" ص ٢٢٨.\n(٦) الطبري ١٣/ ٤٠، وعبد الرزاق ٢/ ٣٢٧، وابن المبارك وابن المنذر وابن أبي حاتم ٧/ ٢١٨٧، وأبو الشيخ كما في \"الدر\" ٤/ ٥٧، والثعلبي ٧/ ١٠٣ أ.\n(٧) هو قيس بن زهير، والبيت من الوافر، وابن الأنباري في \"الوقف والابتداء\" ١/ ٨٧، وانظر: \"الدر\" ٤/ ٥٧، القرطبي ٩/ ٢٤٩، و\"النكت والعيون\" ٣/ ٧٠.","vol":"12","page":215},{"text":"فإنْ أكُ كَاظِمًا لمُصَابِ شَاس ... فإني اليَوْمَ منْطَلِقٌ لِسَاني\nويجوز أن يكون بمعنى المكظوم، وهو المسدود عليه طريق حزنه فلا، يتكلم بنفثة مصدور، يدل عليه قوله ﷿: ﴿إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾ (١) [القلم: ٤٨]، قال ابن عباس (٢) في هذه الآية: فهو مغموم مكروب، وقال الزجاج (٣): محزون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1796>٨٥ </span>- قوله تعالى: ﴿قَالُوا تَاللهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾ الآية يقال: لمَ أقسموا على هذا وهم على غير يقين منه أن ينقلب فيترك ذكره؟\nقال أبو بكر (٤): لم يقسموا إلا على ما كان صحيحًا في نفوسهم، وتلخيصه: تالله تفعل ذلك عندنا، وفي تقديرنا: فحلفوا على ما تقرر عندهم بالاستدلال، على ما يجوز في معلوم الله أن يتغير.\nوقوله تعالى: ﴿تَفْتَؤُاْ﴾ قال ابن السكيت (٥): يقال: ما زلت أفعله، وما برحت أفعله، وما فتئت أفعله، ولا يتكلم بهن إلا مع الجحد، وقال أبو زيد: يقال: ما فتأت أذكره، أي: ما زلت، وهما لغتان: ما فتئت وما فتأت، يقال: فتئت عن الأمر فَتَأ، إذا نسيته وانْقَدَعْت عنه.\nوروى (٦) ابن هاني عن أبي زيد: ما أفتأت أذكره إفتاءً، وما فتئت\n_________\n(١) في النسخ بزيادة \"ربه\" خلاف ما عليه الآية.\n(٢) \"الوقف والابتداء\" لابن الأنباري ١/ ٨٧.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٢٥.\n(٤) \"زاد المسير\" ٤/ ٢٧٣.\n(٥) من هنا يبدأ النقل عن الأزهري في التهذيب (فتأ) ٣/ ٢٧٣١.\n(٦) في (ب): (روى) من غير واو. وابن هانئ هو: أبو عبد الرحمن بن محمد بن هانئ النيسابوري، ويعرف بصاحب الأخفش، توفي سنة ٢٣٦ هـ. انظر: \"تاريخ بغداد\" ١٠/ ٧٢، و\"تهذيب اللغة\" ١/ ٤٤، و\"إنباه الرواة\" ٢/ ١٣١.","vol":"12","page":216},{"text":"أذكره أفتأ فتأ (١).\nوذكر ذلك أبو إسحاق في باب الوفاق (٢) (٣) وحكى الكسائي (٤): فتئت، وفتأت، فتأ، وفتوءًا، وأنشدوا لأوس بن حجر:\nفما فَتِئَتْ خَيْلٌ تَثُوبُ وتَدَّعِي ... ويَلحقُ منها لاحِقٌ وتَقَطَّعُ (٥)\nوقال القاسم بن معن (٦): هي بلغة أهل اليمن، وأنشد قول الأعرج المَعْنى (٧):\nفما فِتَئَتْ منها رِعَالٌ كأنها ... رِعَالُ القطا حتى احْتَوَيْنَ بني صَخْرِ\nقال النحويون (٨): حرف النفي هاهنا مضمر على معنى: ما تفتؤ ولا تفتؤ، وجاز حذفه لأنه لو أريد الإثبات لكان باللام والنون نحو:\n_________\n(١) إلى هنا انتهى النقل من الأزهري في التهذيب (فتأ) ٣/ ٢٧٣٢، و\"اللسان\" (فتأ) ٦/ ٣٣٣٧.\n(٢) في (ج): (الوفات).\n(٣) كتاب \"فعلت أفعلت\" / ٣٢.\n(٤) \"إعراب القرآن للنحاس\" ٢/ ١٥٦.\n(٥) البيت في: \"ديوان أوس بن حجر\" ص ٥٨، و\"مجاز القرآن\" ١/ ٣١٦، والطبري ١٣/ ٤١، و\"شواهد الكشاف\" ص ١٦٨، و\"البحر المحيط\" ٥/ ٣٢٦، و\"الدر المصون\" ٦/ ٥٤٦، و\"زاد المسير\" ٤/ ٢٧٢، و\"الكشاف\" ٢/ ٣٣٩، و\"المعاني الكبير\" / ١٠٠٢، وأساس البلاغة (فتأ).\n(٦) هو القاسم بن معن بن عبد الرحمن النحوي القاضي توفي سنة ١٧٥ هـ تقريبًا، انظر \"إنباه الرواة\" ٣/ ٣٠.\n(٧) البيت من الطويل، وهو بلا نسبة في \"زاد المسير\" ٤/ ٢٧٢ برواية (منا).\n(٨) \"معاني الفراء\" ٢/ ٥٤، \"إعراب النحاس\" ٢/ ١٥٦، و\"الدر المصون\" ٦/ ٥٤٦.","vol":"12","page":217},{"text":"والله ليفعلن، فلما كان بغير اللام والنون، عرف أن لا مضمر، وأنشدوا قول امرئ القيس (١):\nفقلتُ يَمِينُ اللهِ أبْرَحُ قَاعِدًا\nوقول الخنساء (٢):\nفأقْسَمْتُ آسَى على هَالِكٍ ... أو أسأل نَائِحَةً مَالهَا\nومثله كثير، وهذا قول الفراء (٣) والزجاج (٤) وابن الأنباري وجميع النحويين.\nوأما المفسرون فقال ابن عباس (٥) والحسن (٦) ومجاهد (٧) وقتادة (٨)\n_________\n(١) صدر بيت، وعجزه:\nولو قطعوا رأسى لديك وأوصالى\nانظر: \"ديوانه\" ص ١٠٨، و\"اللسان\" (يمن)، والصناعتين ص ١٣٨، و\"معاني القرآن\" ٢/ ٥٤٠، و\"الخصائص\" ٢/ ٢٨٤، و\"الخزانة\" ٤/ ٢٠٩، ٢٣١، و\"شرح المفصل\" ٩/ ١٠٤، والطبري ١٣/ ٤٢، والقرطبي ٩/ ٢٤٩، و\"تأويل مشكل القرآن\" ص ٢٢٥، و\"الدرر\" ٢/ ٤٣، و\"الكتاب\" ٣/ ٥٠٤، و\"الأضداد\" لابن الأنباري ١٤٢.\n(٢) \"ديوانها\" ١٢٥، وفيه:\nفآليت آسي على هالك ... وأسأل باكية ما لها\n\"تهذيب اللغة\" (لا) ٤/ ٣٢١١، وانظر: \"زاد المسير\" ٤/ ٢٧٢، و\"اللسان\" (لا) ٧/ ٣٩٧٣، و\"تاج العروس\" (لا) \"كتاب العين\" ٨/ ٣٤٩.\n(٣) \"معاني القرآن\" ٢/ ٥٤.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٢٦.\n(٥) الطبري ١٣/ ٤١، وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم ٧/ ٢١٨٧، وأبو الشيخ كما في \"الدر\" ٤/ ٥٩.\n(٦) انظر: \"تفسر كتاب الله العزيز\" ٢/ ٢٨٣.\n(٧) الطبري ١٣/ ٤١، وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم كما في \"الدر\" ٤/ ٥٩.\n(٨) الطبري ١٣/ ٤١.","vol":"12","page":218},{"text":"والسدي (١) والكلبي (٢): لا تزال تذكر، وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد (٣) قال: لا يفتر من ذكره.\nوقوله تعالى: ﴿حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا﴾ قال الفراء (٤): يقال: رجل حرض وحارض، وهو: الفاسد في جسمه وعقله، فمن قال: حرض، لم يثن ولم يجمع ولم يؤنث؛ لأنه بمنزلة: دفن وضنى، في أنه مصدر، قال: ولو ثنى وجمع لكان صوابًا، كما قالوا: ضيف وأضياف، ومن قال: حارض، ثنى وجمع.\nوقال أبو زيد: الحرض المدنف، ومثله المحرض، وقال الأصمعي: الحرض الهالك، والمحرض المهلك (٥).\nوقال أبو الهيثم: الحرض والمحرض: الهالك من ضنى (٦)، الذي لا حي فيرجى ولا ميت فيوئس منه، وقال الليث: رجل حرض، لا خير فيه، وجمعه أحراض، والفعل حرُض يحْرُض حُرُوضًا (٧).\nوحكى الكسائي: حَرض بالفتح وحُرض بالضم حراضة وحروضًا، وهو حارض، وهم حارضون، وحرضة، وحرض.\n_________\n(١) ابن أبي حاتم ٧/ ٢١٨٨.\n(٢) \"تنوير المقباس\" ص ١٥٣.\n(٣) الطبري ١٣/ ٤١.\n(٤) \"معاني القرآن\" ٢/ ٥٤، ومن هنا يبدأ النقل عن تهذيب الأزهري (حرض) ١/ ٧٨٧.\n(٥) في (أ) بياض في هذه الكلمة.\n(٦) في \"التهذيب\" ٤/ ٢٠٤: \"الهالك مرضًا\".\n(٧) إلى هنا انتهى النقل عن تهذيب الأزهري (حرض) ١/ ٧٨٧. وانظر: \"اللسان\" (حرض) ٢/ ٨٣٦.","vol":"12","page":219},{"text":"قال أهل المعاني (١): أصل الحرض فساد الجسم والعقل للحزن والحب، وأنشدوا للعرجي (٢):\nإني امْرُؤ لَجَّ بي حُبٌّ فأحَرَضَنِي ... حَتَّى بَلِيت (٣) وحَتَّى شَفَّنِي السَّقَمُ\nوقال الزجاج (٤): الحرض الفاسد في جسمه، والحرض الفاسد في أخلاقه، وقولهم: حرَّضت فلانًا على فلان، تأويله: أفسدته.\nوقال أبو عبيدة (٥): الحرض الذي قد أذابه الحزن، هذا كلام أهل اللغة في الحرض.\nوأما المفسرون فقال ابن عباس في رواية عطاء: حتى تكون كالشيخ الفاني الذي تغير، وسأل نافع بن الأزرق ابن عباس عن الحرض فقال (٦): الفاسد الدنف.\n_________\n(١) \"مجاز القرآن\" ١/ ٣١٦.\n(٢) البيت لعبد الله بن عمر بن عبد الله العرجي، كان ينزل بموضع قبل الطائف يقال له العرج فنسب إليه.\nانظر: \"الشعر والشعراء\" ص ٣٨١، \"ديوانه\" ص ٥، الطبري ١٣/ ٤٢، القرطبي ٩/ ٢٥٠، \"زاد المسير\" ٤/ ٢٧٣، \"اللسان\" (حرض) ٢/ ٨٣٦، \"مجاز القرآن\" ١/ ٣١٧، \"الاشتقاق\" ٤٨، \"السمط\" ص ٤٢٢، \"الدر المصون\" ٦/ ٥٤٧، \"المذكر والمؤنث\" لابن الأنباري ١/ ٤٠٣.\n(٣) في (ج): (مليت).\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٢٦.\n(٥) \"مجاز القرآن\" ١/ ٣١٦.\n(٦) أخرج ابن الأنباري، الطستي كما في \"الدر\" ٤/ ٥٩، وأخرجه الطبري ١٣/ ٤٣، البغوي ٤/ ٢٦٨ وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم ٧/ ٢١٨٧ وأبو الشيخ نحوه كما في \"الدر\" ٤/ ٥٩، والثعلبي ٧/ ٢٠٣ ب، و\"الإعجاز البياني ومسائل ابن الأزرق\" لبنت الشاطئ ص ٥٠٢.","vol":"12","page":220},{"text":"وقال مجاهد (١): ﴿حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا﴾ قال: مرضًا دون الموت، وقال جويبر عن الضحاك (٢): كالشيء البالي، وقال قتادة (٣): هرمًا، وقال مقاتل (٤): مدنفًا، وذكر أبو روق أن أنس بن مالك قرأ: ﴿حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا﴾ بضم الحاء وتسكين الراء، قال: يعني مثل عود الأشنان، ذكره ابن الأنباري بإسناده عن أبي روق (٥).\nوقوله تعالى: ﴿أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ﴾ أي: من الميتين، قاله قتادة (٦)، ومعنى الآية: أنهم قالوا لأبيهم: لا تزال تذكر يوسف بالحزن والبكاء عليه، حتى تصير بذلك إلى مرض لا ينتفع بنفسك معه، أو تموت بالغم، وأرادوا بهذا القول كفه عن البكاء والحزن إشفاقًا عليه.\nقوله تعالى: ﴿قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللهِ﴾ قال المفسرون (٧): لما رأى غلظتهم وعنفهم به في قولهم ﴿حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ﴾ قال لهم: إنما أشكو ما بي إلى الله تعالى لا إليكم.\n_________\n(١) الطبري ١٣/ ٤٣، الثعلبي ٧/ ١٠٣ ب، ابن عطية ٨/ ٥٥، البغوي ٤/ ٢٦٨، ابن أبي حاتم ٤/ ٢٣٦ ب.\n(٢) الطبري ١٣/ ٤٣، وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم ٤/ ٢٣٦ ب، وأبو الشيخ كما في \"الدر\" ٤/ ٥٩، والثعلبي ٧/ ١٠٣ ب، وابن عطية ٨/ ٥٥ وجويبر ضعيف.\n(٣) الطبري ١٣/ ٤٣، الثعلبى ٧/ ١٠٣ ب، ابن عطية ٨/ ٥٤.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ١٥٧ أ.\n(٥) انظر: ابن عطية ٨/ ٥٤، القرطبي ٩/ ٢٥١، \"الدر المصون\" ٦/ ٥٤٨.\n(٦) الطبري ١٣/ ٤٤، الثعلبي ٧/ ١٠٤ أ، البغوي ٤/ ٢٦٨، \"زاد المسير\" ٤/ ٢٧٣، القرطبي ٩/ ٢٥١، عبد الرزاق ٢/ ٣٢٧.\n(٧) الثعلبي ٧/ ١٠٤ أ، الطبري ١٣/ ٤٥.","vol":"12","page":221},{"text":"قال أهل اللغة (١): البث: الهم الذي تفضي به إلى صاحبك. وأصله من البث وهو النشر والتفريق، يقال: بثوا الخيل في الغارة، وبث الله الخلق، وأبثثتُ فلانًا بسري إبثاثًا، أي: أطلعته عليه.\nوقال أبو عبيدة (٢): البث: أشد الحزن، والحزن أشد الهم، وقال غيره: الهم ما يستره الإنسان ويكتمه، والبث ما يبديه ويظهره؛ لأنه إذا اشتد لم يصبر على كتمانه حتى يبثه، يقال: قد أبثثتك ما في قلبي، وبثتك، إذا أطلعتك عليه، قال الشاعر (٣):\nأبثّكَ ما ألْقَى وفي النَّفْسِ حَاجَةٌ ... لها بَيْنَ لَحْمِي والعِظَامِ دَبِيبُ\nوقوله تعالى: ﴿وَأَعْلَمُ مِنَ اللهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ أي أعلم من خبر سلامة يوسف ما لا تعلمون أنتم، قال الكلبي عن ابن عباس (٤): وذلك أن ملك الموت أتاه فقال له: يا ملك الموت هل قبضت روح ابني يوسف فيما قبضت من الأرواح؟ قال لا يا نبي الله، وقال ابن عباس (٥): وأعلم أن رؤيا يوسف صادقة وأني (٦) وأنتم سنسجد له.\n_________\n(١) انظر: \"تهذيب اللغة\" (بثث) ١/ ٢٧٣، و\"اللسان\" (بثث) ١/ ٢٠٨.\n(٢) \"مجاز القرآن\" ١/ ٣١٧.\n(٣) البيت لكُثَيِّر من قصيدة يمدح فيها عمر بن عبد العزيز وهي في \"ديوانه\" ص ٣٦ كما يلي:\nأبثك ما ألقى وفي النفس حاجة ... لها بين جلدي والعظام دبيب\nوذكره في \"الشعر والشعراء\" ص ٤١٣ ونسبه لعروة بن حزام، والبيت مختلف عن هذا وهو:\nوإني لتعروني لذكراك روعة ... لها بين جلدي والعظام دبيب\n(٤) \"زاد المسير\" ٤/ ٢٧٥، و\"تنوير المقباس\" ١٥٣، وأخرجه ابن أبي حاتم ٧/ ٢١٨٩، عن النصر بن عربي كما في \"الدر\" ٤/ ٦٠.\n(٥) الطبري ١٣/ ٤٥، و\"زاد المسير\" ٤/ ٢٧٥، وابن أبي حاتم ٧/ ٢١٨٩، كما في \"الدر\" ٤/ ٦٠، الثعلبى ٧/ ١٠٥ أ.\n(٦) في (ج): (وأنا).","vol":"12","page":222},{"text":"قال ابن الأنباري: وهذا يدل على أن يعقوب كان يزيد عليهم في علم العبارة ويصل من حقائقها إلى حيث لا يبلغون ولا يصلون، هذا قول مقاتل ابن سليمان (١).\nوقال عطاء عن ابن عباس (٢): وأعلم من رحمة الله وقدرته ورأفته على أوليائه ما لا تعلمون.\nوقال قتادة (٣): أعلم من اختيار الله ﷿ لي ما يوجب حسن ظني.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1797>٨٧ </span>- قوله تعالى: ﴿يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ﴾ الآية، قال السدي (٤): لما أخبره بنوه بسيرة الملك وقوله، طمع يعقوب أن يكون يوسف، فلذلك قال لبنيه: ﴿اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ﴾، (وقيل: (٥) إنه رأى ملك الموت في المنام، فأقسم والله ما قبضت روح يوسف) (٦)، فاطلبه من هاهنا، وأشار إلى ناحية مصر، فلذلك قال: تحسسوا من يوسف، والتحسس: تطلب الشيء بالحاسة.\nقال أبو معاذ (٧): التحسس: شبه التسمع والتبصر.\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ١٥٧ أبنحوه.\n(٢» \"زاد المسير\" ٤/ ٢٧٥ ونسبه إلى عطاء.\n(٣) الطبري ١٣/ ٤٦، وابن أبي حاتم ٧/ ٢١٨٧، وأبو الشيخ كما في \"الدر\" ٤/ ٦٠، والقرطبي ٩/ ٢٥١.\n(٤) الثعلبي ٧/ ١٠٥ ب، \"زاد المسير\" ٤/ ٢٧٥، البغوي ٤/ ٢٧٠، القرطبي ٩/ ٢٥١.\n(٥) الثعلبي ٧/ ١٠٥، القرطبي ٩/ ٢٥٢.\n(٦) ما بين القوسين مكرر في (أ)، (ج).\n(٧) \"اللسان\" (حسس) ١/ ٨٧٢، تهذيب ١/ ٨١٨، وأبو معاذ هو الفضل بن خالد المروزي الباهلي مولاهم إمام نحوي لغوي مقرئ، توفي سنة ٢١١ هـ، انظر: \"معجم الأدباء\" ١٦/ ٢١٤، و\"غاية النهاية\" ٢/ ٩، و\"طبقات المفسرين\" للداودى ٢/ ٣٢.","vol":"12","page":223},{"text":"وقال أبو عبيد (١): تحسست الخبر: بحثته وطلبته لأخذه، ومن هذا يقال: أحس الخبر أي: علمه ووجده، قال ابن عباس (٢): يريد يبحثوا عن يوسف.\nقال أبو بكر (٣): يقال: تحسست عن فلان، ولا يقال: من فلان، وقيل هاهنا \"من يوسف\" لأنه أقيم مقام \"عن\"، كما قال العرب: حدثني فلان من فلان، يعنون: عن فلان، ويجوز أن \"من\" أوثرت للتبعيض، والمعنى: تحسسوا خبرًا من أخبار يوسف، واستعملوا بعض أخبار يوسف فأوثرت \"من\" لما فيها من الدلالة على التبعيض.\nوقوله تعالى: ﴿لَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللهِ﴾ قال الأصمعي (٤): الروح الاستراحة من غم القلب، وقال أبو عمرو (٥): الروح الفرج، والروح ما يجده الإنسان من نسيم الهوى فيسكن إليه.\nوقيل في قوله تعالى: ﴿فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ﴾ الواقعة: ٨٩، الروح: الرحمة، وقال أهل اللغة (٦) ما يتركب (٧) من الراء، والواو والحاء كثير، والأصل في ذلك كله الحركة والاهتزاز، فكل ما يهتز الإنسان له ويلتذ بوجوده فهو روح.\n_________\n(١) انظر: \"غريب الحديث\" ٢/ ٣٩٢.\n(٢) الثعلبي ٧/ ١٠٥ب، و\"تنوير المقباس\" ص ١٥٣.\n(٣) \"زاد المسير\" ٤/ ٢٧٦.\n(٤) \"تهذيب اللغة\" (روح) ٢/ ١٣١٣.\n(٥) \"زاد المسير\" ٤/ ٢٧٦.\n(٦) انظر: \"مقاييس اللغة\" ٢/ ٤٥٤، و\"اللسان\" (روح) ٣/ ١٧٦٦، و\"تهذيب اللغة\" (راح) ٢/ ١٣١٣.\n(٧) في (ب): (ما تركب).","vol":"12","page":224},{"text":"قال ابن عباس في رواية عطاء (١): ﴿وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللهِ﴾ يريد من رحمة الله، وهو قول قتادة (٢) والضحاك (٣) والكلبي (٤).\nوروى معمر عن قتادة (٥): من فضل الله.\nوقال ابن زيد (٦): من فرج الله، ولا تيأسوا من الروح الذي يأتي به الله.\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ قال ابن عباس (٧): يريد أن المؤمن من الله على خير يرجوه في الشدائد، ويشكره ويحمده في الرخاء، وأن الكافر ليس كذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1798>٨٨ </span>- وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ﴾ قال أهل اللغة (٨): التأويل في الكلام متروك يستدل عليه، والتقدير: فخرجوا إلى مصر فلما دخلوا عليه، أي: على يوسف ﴿قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرّ﴾ أي: أصابنا ومن يختص بنا الجوع والحاجة، ﴿وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ\n_________\n(١) \"زاد المسير\" ٤/ ٢٧٦.\n(٢) الطبري ١٣/ ٤٩، عبد الرزاق ٢/ ٣٢٨، ابن المنذر وابن أبي حاتم ٧/ ٢١٩٥، أبو الشيخ كما في \"الدر\" ٤/ ٦٢، الثعلبي ٧/ ١٠٥ ب، القرطبي ٩/ ٢٥٢.\n(٣) الطبري ١٣/ ٤٩، الثعلبي ٧/ ١٠٥ ب، \"زاد المسير\" ٤/ ٢٧٦، القرطبي ٩/ ٢٥٢.\n(٤) \"تنوير المقباس\" ص ١٥٣، ويشهد لهذا المعنى قراءة أبي \"من رحمة الله\" البحر ٥/ ٣٣٩.\n(٥) الرازي ١٨/ ١٩٩، عبد الرازق ٢/ ٣٢٨.\n(٦) الطبري ١٣/ ٤٩، وأبو الشيخ كما في \"الدر\" ٤/ ٦٢، والثعلبي ٧/ ١٠٥ ب، و\"زاد المسير\" ٤/ ٢٧٦، والقرطبي ٩/ ٢٥٢، وابن أبي حاتم ٧/ ٢١٩٠ عن ابن إسحاق.\n(٧) الرازي ١٨/ ١٩٩.\n(٨) انظر: الطبري ١٣/ ٤٩، الثعلبي ٧/ ١٠٦ أ، البغوي ٤/ ٢٧١، ابن عطية ٨/ ٦٠، \"زاد المسير\" ٤/ ٢٧٧، القرطبي ٩/ ٢٥٢.","vol":"12","page":225},{"text":"مُزجَنةٍ﴾ معني الإزجاء في اللغة (١): السَّوْق (٢) والدفع قليلًا قليلا، ومثله: التزجية، يقال: الريح يزجي السحاب، قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يُزْجِي سَحَابًا﴾ [النور: ٤٣]، والبقرة تُزَجّى ولدها: اى تسوقه، قال\nوأمّ عَيْنَاء تُزَجِّي معها إِزْجَاء (٣)\nوزجيت فلانًا، بالقول أي (٤): دافعته.\nوقال (٥):\nوصَاحِبٍ ذِي غِمْرةٍ زاجَيْتُه ... زَجَّيْتُه بالقَوْلِ وازدَجَيْته\nوفلان يزجِّي العيش، أي: يدفع بالقليل ويكتفي به، يقال (٦): زاجيت أيامي وزجّيتها أي: دافعتها بقوت قليل، وفلان يتزَجَّى باليسير، أي: يقنع، وأنشد الليث (٧):\nتَزَجَّ من دُنْيَاكَ بالبَلَاغِ\n_________\n(١) \"تهذيب اللغة\" (زاج) ٢/ ١٥١١، و\"اللسان\" (زجا) ٣/ ١٨١٥.\n(٢) في (ب): (السرق).\n(٣) من الرجز، ولم أقف عليه.\n(٤) (أي) ساقط من (ب).\n(٥) البيان من الرجز، وهما بلا نسبة في تهذيب (زاج) ٢/ ١٥١١، \"واللسان\" (زجا) ٣/ ١٨١٥ برواية (داجيته).\n(٦) \"تهذيب اللغة\" (زاج) ٢/ ١٥١١.\n(٧) الرجز بلا نسبة وهو كما يلي:\nتزج من دنياك بالبلاغ\nوباكر المعدة بالدِّباغ\nبكسرة جيِّدة المضاغ\nبالملح أو ما خف من صباغ\nوهو في \"اللسان\" (زجا) ٣/ ١٨١٥، (بلغ) ١/ ٣٤٦، (صبغ) ٤/ ٢٣٩٥، و\"تاج العروس\" (بلغ) ١٢/ ٨، (صبغ) ١٢/ ٤٠، (وضع) ١١/ ٥١٦، وأساس البلاغة (زجى).","vol":"12","page":226},{"text":"بكسْرَةٍ لينةِ المِضَاغِ\nبالمِلْحِ أو ما جَفَّ في الصِّبَاغِ\nهذا معنى الإزجاء في اللغة، قال ابن عباس (١): كانت دراهم رديئة زيوفًا لا تنفق في ثمن الطعام، هذا قوله في رواية عكرمة وباذان، وفسر في رواية عطاء كيف كانت الدراهم فقال (٢): وذلك أن دراهم مصر كانت يضرب فيها صورة يوسف، والتي جاءوا بها ليست فيها صورة يوسف، فهي أدنى لا تجوز مجاز تلك، وهذا قول سعيد بن جبير (٣): أنها كانت دراهم فُسُولا، واختيار الفراء (٤): قال قدموا مصر ببضاعة فباعوها بدراهم لا تنفق في الطعام بسعر الجياد.\nوروى سعيد عن قتادة (٥): ﴿بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاة﴾ قال يسيرة، وقال عبد الله بن الحارث (٦): قليلة، وهو قول الحسن (٧) والكلبي (٨)\n_________\n(١) الطبري ١٣/ ٥٠، وأبو عبيد وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ كما في \"الدر\" ٤/ ٦٢، الثعلبي ٧/ ١٠٦ أ، و\"زاد المسير\" ٤/ ٢٧٨، والقرطبي ٩/ ٢٥٣.\n(٢) القرطبي ٩/ ٢٥٣، الرازى ١٨/ ٢٠١.\n(٣) ذكره الطبري ١٣/ ٥١ بسنده عن سعيد بن جبير وعكرمة ﴿وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ﴾ قال سعيد ناقصة، وقال عكرمة: دراهم فسول، وانظر الطبري ١٣/ ٥١، وابن أبي حاتم ٧/ ٢١٩٢.\n(٤) \"معاني القرآن\" ٢/ ٥٥.\n(٥) الطبري ١٣/ ٥٢، عبد الرزاق ٢/ ٣٢٨.\n(٦) الطبري ١٣/ ٥٢.\n(٧) الطبري ١٣/ ٥٢، وابن عطية ٨/ ٦٢، وابن أبي حاتم ٧/ ٢١٩٢، و\"البحر\" ٥/ ٣٤٠، الرازى ١٨/ ٢٠١.\n(٨) البغوي ٤/ ٢٧٢ من غير عزو.","vol":"12","page":227},{"text":"ومجاهد (١) في رواية عبد الوهاب، وابن عباس (٢) في رواية ابن جريج، عن محمد بن المرتفع قال: قليلة خلف الغرارة (٣) والحبل، ونحو هذا قال إبراهيم (٤) وابن زيد (٥).\nثم اختلفوا في هذه البضاعة الرديئة القليلة أيش كانت، وذكرنا قول ابن عباس فيها في رواية ابن جريج ومثله روى عنه ابن أبي مليكة (٦) وهو قول ابن زيد.\nوقال الحسن (٧): كانت إقطًا، وقال عبد الله بن الحارث (٨): السمن والصوف كمتاع الأعراب، وقال جويبر عن الضحاك (٩): النعال والأدم.\nوقال مقاتل بن حيان (١٠): حبة الخضراء (١١)، والضوبر، وهو قول الكلبي (١٢).\n_________\n(١) الطبري ١٣/ ٥٢، و\"زاد المسير\" ٤/ ٢٧٧.\n(٢) البخاري \"فتح\" ٨/ ٢٠٨.\n(٣) الغرارة: الجُوَالق، واحدة الغرائر. \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٦٥١، و\"اللسان\" ٦/ ٣٢٣٦.\n(٤) الطبري ١٣/ ٥٣.\n(٥) الطبري ١٣/ ٥٣.\n(٦) الطبري ١٣/ ٥٠، وعبد الرزاق ٢/ ٣٢٨، وسعيد بن منصور وابن أي حاتم ٧/ ٢١٩١، وأبو الشيخ كما في \"الدر\" ٤/ ٦٤، والثعلبي ٧/ ١٠٦ أ.\n(٧) الثعلبي ٧/ ١٠٦ ب، و\"زاد المسير\" ٤/ ٢٧٧.\n(٨) الطبرى ١٣/ ٥١، وابن المنذر وابن أبي حاتم ٧/ ٢١٩١، وأبو الشيخ كما في \"الدر\" ٤/ ٦٢، والثعلبي ٧/ ١٠٦ أ، وابن عطية ٨/ ٦٢، و\"زاد المسير\" ٤/ ٢٧٧.\n(٩) الثعلبي ٧/ ١٠٦ ب، البغوي ٤/ ٢٧٢، \"زاد المسير\" ٤/ ٢٧٧، القرطبي ٩/ ٢٥٣.\n(١٠) الثعلبى ٧/ ١٠٦ ب، البغوي ٤/ ٢٧٢.\n(١١) الحبة الخضراء هي الفستق، و\"البحر المحيط\" ٥/ ٣٤٠.\n(١٢) الطبري ١٣/ ٥١ عن أبي صالح، ابن أبي حاتم ٧/ ٢١٩١، وأبو الشيخ عنه أيضًا كما في \"الدر\" ٤/ ٦٢، الثعلبي ٧/ ١٠٦ ب، البغوي ٤/ ٢٧٢، \"تنوير المقباس\" ص ١٥٣.","vol":"12","page":228},{"text":"واختلف أهل المعاني: لِمَ سميت البضاعة القليلة الرديئة مزجاة؟ فقال أبو إسحاق (١): من قولهم: فلان يزجي العيش، أي: يدفع بالقليل ويكتفى به، والمعنى على هذا: أنا جئنا ببضاعة إنما يُدافع بها ويتقوت ليست مما يتسع به، وعلى ما ذكر يجب أن يكون التقدير ببضاعة مزجاة بها الأيام.\nوقال أبو عبيد (٢): إنما قيل للدراهم الرديئة مزجاة؛ لأنها مردودة مدفوعة غير مقبولة ممن ينفقها، قال: وهي من الإزجاء، والإزجاء عند العرب: السَّوْق والدَّفْع، وأنشد (٣):\nليَبْكِ على مِلْحَانَ ضَيْفٌ مُدَفَعٌ ... وأرْمَلة تُزْجِي مع اللَّيلِ أرْمَلا\nأي: تدفع وتسوق، وقال غيره (٤) (بضاعة مزجاة) مؤخرة مدفوعة عن الإنفاق، لا ينفق (٥) مثلها إلا من اضطر واحتاج إليها، لفقد غيرها مما هو أجود منها.\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٢٧.\n(٢) الرازي ١٨/ ٢٠١، و\"زاد المسير\" ٤/ ٢٧٨، ونسبه إلى أبي عبيدة، ولم أجده في \"مجاز القرآن\".\n(٣) نسبه الطبري ١٣/ ٥٠ إلى حاتم، وعلق محمود شاكر بقوله: ليس في ديوانه، وأنشده ابن بري غير منسوب \"اللسان\" (رمل) ٣/ ١٧٣٥، والظاهر أن الشعر لحاتم؛ لأن (ملحان) هوابن عمه -ملحان بن حارثة بن سعد بن الحشرج الطائي- وكنت وقفت على أبيات من هذا الشعر، ثم أضعتها اليوم.\nانظر: \"ديوانه\" ٨٦، و\"الزاهر\" ٢/ ٩٧، و\"السان\" (رمل) ٣/ ١٧٣٥، وابن عطية ٨/ ٦١، و\"البحر المحيط\" ٥/ ٣٤٠، و\"الدر المصون\" ٦/ ٥٥٠، و\"زاد المسير\" ٤/ ٢٧٨.\n(٤) الرازي ١٨/ ٢٠٢، و\"معاني القرآن\" للنحاس ٣/ ٤٥٦.\n(٥) (لا ينفق) ساقط من (أ)، (ج).","vol":"12","page":229},{"text":"وقال الكلبي (١): مزجاة لغة العجم.\nقال الهيثم بن عدي (٢): هي من لغة القبط.\nقال الأنباري (٣): لا ينبغي أن يجعل حرف عربي معروف المباني والاشتقاق والتصرف منسوبًا إلى القبط ودونهم؛ إذ كلام أولئك يدور (٤) على ألسنة العرب، ولا يتصرف على مباني كلامهم.\nوقوله تعالى: ﴿فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ﴾ قال المفسرون (٥): سألوه مساهلتهم في النقد وإعطائهم بدراهمهم مثل ما يعطى بغيرها من الجياد، إذ كانوا قد باعوا بها متاعهم في مدينته، فسألوه أن يأخذها منهم ولا ينقصهم.\nوقوله تعالى: ﴿وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا﴾ أكثر المفسرين (٦) على أن هذا التصدق معناه: المسامحة بما بين الثمنين، وأن يسعر لهم بالرديء كما يسعر بالجيد، وعلى هذا سمي ذلك تصدقًا؛ لأن الذي سألوه كان مُشْبهًا للتصدق، وليس هو تصدقًا على ما يسبق إليه الظن، قاله أبو بكر (٧)، وعلى هذا لا تدل الآية على أن الصدقة كانت تحل لهم، واستدل سفيان بن عيينة (٨) على أن الصدقة كانت حلًّا للأنبياء قبل نبينا محمد ﵇ بهذه الآية، وعلى قول سفيان: سألوه أن يتصدق عليهم بشيء زيادة على ما يستحقونه ببضاعتهم المزجاة، وقول العامة: أشبه بحال الأنبياء وأولاد الأنبياء؛\n_________\n(١) و(٢) و(٣) الرازى ١٨/ ٢٠٢.\n(٤) في (أ)، (ج): (لا يدرون).\n(٥) الطبري ١٣/ ٥٣، الثعلبي ٧/ ١٠٦ ب، الرازي ١٨/ ٢٠٢.\n(٦) الطبري ١٣/ ٥٣، الثعلبي ٧/ ١٠٦ ب، البغوي ٤/ ٢٧٢، ابن عطية ٨/ ٦٣.\n(٧) \"زاد المسير\" ٤/ ٢٧٨.\n(٨) الطبرى ١٣/ ٥٣، الثعلبي ٧/ ١٠٦ ب، ابن عطية ٨/ ٦٣، البغوي ٤/ ٢٧٢، \"زاد المسير\" ٤/ ٢٧٩، القرطبي ٩/ ٢٥٤.","vol":"12","page":230},{"text":"إذ هم يأنفون عن الخضوع للمخلوقين، ويغلب عليهم الانقطاع إلى الله تعالى والاستغناء بأقسامه (١)، وروي عن الحسن (٢) ومجاهد (٣): أنهما كرها أن يقول الرجل في دعائه: اللهم تصدق عليّ؛ لأن الصدقة ممن يبتغي الثواب. والتصدق إعطاء الصدقة، فالمتصدق المعطي، وأجاز الليث (٤) أن يقال: للسائل متصدق، وأبى ذلك أهل اللغة (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1799>٨٩ </span>- قوله تعالى: ﴿قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ﴾ قال ابن عباس (٦): كان يعقوب قد كتب إلى يوسف كتابًا برد ابنه عليه لما حبسه عنده بعلة السَّرق، وذكر فيه قصته ومحبتهن، فلما قرأ الكتاب ارتعدت مفاصله، واقشعر جلده، ولسان قلبه، وأرخى عينيه بالبكاء، وعيل صبره، ولم يتمالك نفسه فباح بما كان يكتم.\nوقال السدي (٧) وابن إسحاق (٨): لما قالوا له ما قالوا في الآية الأولى، رحمهم وأدركته الرقة فدمعت عينه فقال لهم: ﴿قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا\n_________\n(١) قلت: وهذا هو الراجح أنهم لم يقصدوا الصدقة التي حُرمت على الأنبياء قال ابن عطية ٨/ ٦٣ عن قول سفيان: وهذا ضعيف يرده حديث النبي - ﷺ - في قوله: \"نحن معاشر الأنبياء لا تحل لنا الصدقة\". وانظر: الرازي ١٨/ ٢٠٢.\n(٢) الثعلبي ٧/ ١٠٦ ب، البغوي ٤/ ٢٧٢، القرطبي ٩/ ٢٥٥، الرازي ١٨/ ٢٠٢.\n(٣) الطبري ١٣/ ٥٤، وأبو عبيد وابن المنذر كما في \"الدر\" ٤/ ٦٢، الرازي ١٨/ ٢٠٢.\n(٤) الرازي ١٨/ ٢٠٢، وانظر: \"تهذيب اللغة\" (صدق) ٢/ ١٩٩١.\n(٥) \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٩٩١ (صدق).\n(٦) الثعلبي ٧/ ١٠٧ أ، البغوي ٤/ ٢٧١ عن عبد الله بن زيد بن أبي فروة، \"زاد المسير\" ٤/ ٢٧٩.\n(٧) الطبري ١٣/ ٥٤.\n(٨) الطبري ١٣/ ٥٤، الثعلبي ٧/ ١٠٦ ب، البغوي ٤/ ٢٧٢، ابن عطية ٧/ ٦٥، \"زاد المسير\" ٤/ ٢٧٩.","vol":"12","page":231},{"text":"فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ﴾ وهذا استفهام يتضمن التذكير بحال يقتضي توبيخهم عليه، قال ابن الأنباري (١): هذا الاستفهام يعني به تعظيم القصة، وتلخيصه: ما أعظم ما ارتكبتم من يوسف، وما أسمج ما أتيتم من قطيعة رحمه وتضييع حقه، كما تقول: هل تدري من عصيت؟ هل تعرف من عاديت؟ قال صاحب النظم: هذه الآية تصديق قوله: ﴿فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ في غَيَابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [يوسف: ١٥].\nوقوله تعالى: ﴿وَأَخِيهِ﴾ يعني: ما فعلوا به من تعريضه للغم وإدخالهم الجزع والحزن عليه بإفراده عن أخيه لأبيه وأمه، ولم يذكر أباه يعقوب مع عظيم ما دخل عليه من الهم بفراقه، كما ذكر أخاه، تعظيمًا للأب ورفعًا من قدره، وعلمًا بأن ذلك كان بلاءً من الله له ليزيد في درجته عنده.\nوقوله تعالى: ﴿إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ﴾ قال ابن عباس: آثمون، قال أبو بكر (٢): أراد أنتم تعقون أباكم، وتقطعون رحم أخيكم، جهلًا منكم، وروي عنه (٣): إذ أنتم صبيان، وعن الحسن (٤): شبان، وعلى هذا يعني جهالة الصِّبا والشباب (٥).\nوقال أهل المعاني: هذا يقتضي أنهم الآن على خلاف تلك الحال، لأنه أخبر عما كانوا عليه في ذلك الوقت من الجهالة.\n_________\n(١) \"زاد المسير\" ٤/ ٢٧٩، و\"الدر المصون\" ٦/ ٥٥١.\n(٢) \"زاد المسير\" ٤/ ٢٨٠.\n(٣) \"زاد المسير\" ٤/ ٢٨٠، القرطبي ٩/ ٢٥٦، الثعلبي ٧/ ١٠٧ ب.\n(٤) القرطبي ٩/ ٢٥٦، الثعلبي ٧/ ١٠٧ ب.\n(٥) في (أ)، (ج): (والشباب).","vol":"12","page":232},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1800>٩٠ </span>- قول تعالى: ﴿قَالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ﴾ قرأه أكثر (١) القراء بالاستفهام، في قراءة (٢) أبي: أو أنت يوسف، وروى جويبر عن الضحاك عن ابن عباس (٣): أن يوسف قال لهم: (هل علمتم) الآية، ثم تبسم فلما أبصروا ثناياه وكانت كاللؤلؤ المنظوم شبهوه بيوسف فقالوا له استفهامًا: ﴿أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ﴾ ويدل على صحة الاستفهام قوله تعالى: ﴿أَنَا يُوسُفُ﴾ وإنما أجابهم عما استفهموا عنه، وقرأ ابن كثير: إنك على الخبر، وحجته ما روى عطاء عن ابن عباس (٣): أن إخوة يوسف لم يعرفوه حتى وضع التاج عنه، وكان له في قرنه علامة، وكان ليعقوب وإسحاق مثلها شبه الشامة، فلما رفع التاج عرفوه بتلك العلامة، فقالوا: إنك لأنت يوسف، (وقال ابن إسحاق (٤): رفع الحجاب فعرفوه فقالوا: إنك لأنت يوسف) (٥)، ويجوز (٦) أن يكون ابن كثير أراد: الاستفهام ثم حذفه، كما قال أبو الحسن في قوله: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ﴾ (٧) أنه على الاستفهام كأنه أو تلك؛ لأن حرف الاستفهام قلَّ ما يحذف (٨) في غير الشعر.\n_________\n(١) قرأ جميع القراء بالاستفهام، غير ابن كثير فقرأ: (إنك لأنت يوسف) على الخير، واختلفوا في الهمز، فكان حمزة والكسائي وعاصم وابن عامر يهمزون همزتين (أئنك) والباقون يهمزون همزة واحدة.\nانظر: \"السبعة\" ص ٣٥١، \"إتحاف\" ص ٢٦٧، الطبري ١٣/ ٥٥، ابن عطية ٨/ ٦٦.\n(٢) الطبري ١٣/ ٥٥، ابن عطية ٨/ ٦٦، و\"البحر\" ٥/ ٣٤٢، و\"المحتسب\" ١/ ٣٤٩.\n(٣) الثعلبي ٧/ ١٠٨ أ، و\"زاد المسير\" ٤/ ٢٨١، البغوي ٤/ ٢٧٣، القرطبي ٩/ ٢٥٦.\n(٤) الطبري ١٣/ ٥٥، و\"زاد المسير\" ٤/ ٢٨١.\n(٥) ما بين القوسين مكرر في (أ).\n(٦) من هنا يبدأ النقل عن كتاب \"الحجة\" ٤/ ٤٤٧.\n(٧) \"الشعراء\" ٢٢.\n(٨) إلى هنا انتهى النقل عن \"الحجة\" ٤/ ٤٤٧.","vol":"12","page":233},{"text":"قوله تعالى: ﴿قَالَ أَنَا يُوسُفُ﴾ قال ابن الأنباري (١): أظهر الاسم وترك الكناية، فلم يقل: أنا هو، تعظيمًا لما وقع به من ظلم إخوته وما عوضه الله من الظفر وبلوغ المحبّة، فكان بمعنى: أنا المظلوم المستحل منه المحرم المراد قتله، فكفى ظهور الاسم من (٢) هذه المعاني ولهذا قال: وهذا أخي، وهم يعرفونه؛ لأن قصده وهذا المظلوم كظلمي، والمنعم عليه كإنعامي، وقد ذكرنا قبل هذا أن العرب إذا عظمت الشيء أعادته ولم تُكَنَّ عنه كقوله (٣):\nلا أَرَى المَوْتَ يسبق المَوْت شَيء\nوقوله تعالى: ﴿قَدْ مَنَّ الله عَلَيْنَا﴾ قال ابن عباس (٤): يريد بكل خير في الدنيا والآخرة، وقال آخرون (٥): بالجمع بيننا بعد التفرقة، وذكرنا معنى المن عند قوله: ﴿مَنًّا وَلَا أَذًى﴾ [البقرة: ٢٦٢].\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ﴾ قال ابن عباس (٦): يريد: من يتق الله ويصبر على المصائب وعن المعاصي، قال ابن الأنباري: تلخيصه: من يراقب الله ويصبر على الأذى في ذاته، وقال مقاتل بن سليمان (٧): من يَتَّقِ الزنا ويصبر على الأذى، وقال إبراهيم (٨): من يتق الزنا ويصبر على\n_________\n(١) \"زاد المسير\" ٤/ ٢٨١.\n(٢) في (أ)، (ج): (وهذه).\n(٣) سبق تخريجه.\n(٤) الرازي ١٨/ ٢٠٤، و\"زاد المسير\" ٤/ ٢٨٠.\n(٥) الثعلبي ٧/ ١٠٨ أ، و\"زاد المسير\" ٤/ ٢٨١.\n(٦) \"زاد المسير\" ٤/ ٢٨٢، القرطبي ٩/ ٢٥٦.\n(٧) \"تفسير مقاتل\" ١٥٧ أ.\n(٨) الثعلبي ٧/ ١٠٨أ، و\"زاد المسير\" ٤/ ٢٨١.","vol":"12","page":234},{"text":"العزوبة فإن الله لا يضيع أجر المحسنين.\nقال ابن عباس (١): يريد أجر من كان هذا حاله، وتأويله: فإن الله لا يضيع أجره وأجور الفاعلين مثل فعله، وروي عن ابن كثير في طريق قنبل (٢): أن (من يتقي) بإثبات الياء.\nقال أبو علي (٣): وله وجهان أحدهما: أن تقدر الحركة في الياء، ثم تحذفها، فتبقى ساكنة للجزم كقوله (٤):\nألَمْ يَأتِك والأنْبَاءُ تَنْمِي\nولا يحمل على هذا لأنه مما يجيء في الشعر دون الكلام، والآخر: أن يجعل بمنزلة الذي لا يوجب الجزم، ويحمل المعطوف على المعنى؛ لأن الذي يتقي بمعنى الجزاء الجازم كأنه من يتق، والحمل على المعنى كثير، وقد ذكرنا نظائره، ويجوز على هذا الوجه أن يكون: (ويصبر) في موضع الرفع إلا أنه حذفت الضمة للاستحقاق كما حذف نحو: عَضُد وسجُع، وجاز هذا في حركة الإعراب جوازه في حركة البناء، كما زعم أبو الحسن أنه سمع: ﴿وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ﴾ (٥) [الزخرف: ٨٥]، وكقراءة من قرأ: ﴿وَيَتَّقْهِ﴾ (٦) [النور: ٥٢] بجزم القاف (٧)، وذكر ابن الأنباري وجهًا آخر\n_________\n(١) \"زاد المسير\" ٤/ ٢٨٢.\n(٢) انظر: \"السبعة\" ص ٣٥١، و\"إتحاف\" ٢٦٧، وابن عطية ٨/ ٦٧.\n(٣) \"الحجة\" ٤/ ٤٤٨ - ٤٤٩ بتصرف.\n(٤) سبق تخريجه.\n(٥) بإسكان اللام من (رسلنا) وقرأ بها حمزة ويعقوب، و\"إتحاف\" ص ٣٨٧، و\"البدور الزاهرة\" ٣٥١.\n(٦) قرأ حفص بإسكان القاف وكسر الهاء، انظر: \"حجة القراءات\" لابن زنجلة ص ٥٠٣.\n(٧) إلى هنا انتهى النقل عن \"الحجة\" ٤/ ٤٤٨ - ٤٤٩ بتصرف.","vol":"12","page":235},{"text":"وهو: أن الياء في (يتقي) ليست لام الفعل، بل هي ياء مزيدة مختلسة تدغم بها كسرة القاف، ونظير هذه القراءة قراءة حمزة (١) ﴿لا تَخَفْ دركا﴾ بالجزم و﴿وَلَا تَخْشَى﴾ [طه: ٧٧] بالرفع، وهناك تشرح المسألة إن شاء الله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1801>٩١ </span>- وقوله تعالى: ﴿قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾ الأصمعي (٢): آثرتك إيثارًا، أي: فضلتك، وفلان أثير عند (٣) فلان وذو أثره، إذا كان خاصًا به، قال الليث: وهو الذي يؤثره بفضله وصلته.\nقال ابن عباس (٤): لقد فضلك الله علينا.\nقال المفسرون (٥): أي بالعلم والحلم والعقل والفضل والحسن والملك، ﴿وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ﴾ قال ابن عباس (٦): لمذنبين، وقال غيره: لآثمين في أمرك، والمعنى: وما كنا إلا خاطئين.\nوقال ابن الأنباري (٧): ويجوز أن يكون (خاطئين) بمعنى: مخطئين، وهو اختيار الزجاج (٨)، وأنشد (٩):\nيالَهْفَ هند إذْ خَطِئْنَ كاهِلا\nبمعنى: أخطأن، وذكرنا الكلام في: خطئ وأخطأ، عند قوله:\n_________\n(١) انظر: \"الغاية\" لابن مهران ٢٥٨، و\"السبعة\" ص ٤٢١، و\"التيسير\" / ١٥٢، و\"النشر\" ٣/ ١٨٤، و\"إتحاف\" ص ٣٠٦.\n(٢) كذا في جميع النسخ ولعل (قال) ساقطة. انظر: \"تهذيب اللغة\" (أثر) ١/ ١٢٠.\n(٣) في (أ)، (ب)، (ج): (عندنا) بزيادة (نا)، وانظر: \"تهذيب اللغة\" ١/ ١٢٠.\n(٤) القرطبي ٩/ ٢٥٧، \"زاد المسير\" ٤/ ٢٨٤، بدون نسبة كما في البغوي ٤/ ٢٧٤.\n(٥) الثعلبي ٧/ ١٠٨ أ، الرازي ١٨/ ٢٠٤.\n(٦) \"زاد المسير\" ٤/ ٢٨٢، القرطبي ٩/ ٢٥٧، الثعلبى ٧/ ١٠٨ أ.\n(٧) \"زاد المسير\" ٤/ ٢٨٢.\n(٨) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٢٨.\n(٩) صدر بيت لامرئ القيس، وعجزه:\nالقاتلين الملك الحلاحلا\nوالحلاحل: القوي الشديد، و\"الديوان\" / ١٣٦، و\"مجاز القرآن\" ١/ ٣١٨، وفي \"الشعر والشعراء\" ص ٥١، و\"اللسان\" (حلل) ٢/ ٩٧٩، و\"تهذيب اللغة\" (حلل) ١/ ٩٠٦ نفسي بدل هند.","vol":"12","page":236},{"text":"﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ [البقرة: ٨١]، وقوله: ﴿إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقر ة: ٢٨٦].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1802>٩٢ </span>- قوله تعالى: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾ الآية، روى ثعلب عن ابن الأعرابي (١): الثارب الموبخ، يقال: ثرب، وثرّب، وأثرب إذا وبخ.\nومنه الحديث (٢): \"إذا زنت أمة أحدكم فليضربها الحد ولا يثربها\" أي: ولا يعيرها بالزنا، وقال الزجاج (٣): معناه: لا إفساد عليكم، وقال أبو عبيدة (٤): معناه: لا شغب ولا معاقبة ولا إفساد، وأنشد (٥):\n_________\n(١) \"تهذيب اللغة\" (ثرب) ١/ ٤٧٦، و\"اللسان\" (ثرب) ١/ ٤٧٥.\n(٢) الحديث أخرجه البخاري (٢١٥٢) كتاب البيوع، باب بيع العبد الزاني، عن أبي هريرة مرفوعًا بلفظ: \"إذا زنت الأمة فتبين زناها، فليجلدها ولا يثرب، ثم إن زنت فليجلدها ولا يثرب، ثم إن زنت الثالثة فليبعها ولو بحبل من شعر\" وبلفظ \"ولا يثرب عليها\" (ح ٢٢٣٣) كتاب البيوع، باب: بيع الرقيق، وأطرافه في (ح ٢٢٣٤، ٢٥٥٥، ٦٨٣٧، ٦٨٣٩)، وأخرجه مسلم (ح ١٧٠٣) كتاب الحدود، باب رجم اليهود، وأهل الذمة، في الزَّنا، وأحمد في \"مسنده\" ٢/ ٢٤٩.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٢٨.\n(٤) \"مجاز القرآن\" ١/ ٣١٨. والسياق يوهم أن البيت أورده أبو عبيدة، ولم أجده في \"مجاز القرآن\".\n(٥) القائل بشر بن أبي خازم وهو في ملحق \"ديوانه\" ص ٢٢٩ برواية عجزه:\nأولى لهم بعقاب يوم سرمد\nأوله في \"اللسان\" (ثرب) ١/ ٤٧٥، ونسب لتبع في \"اللسان\" (ولى) ٨/ ٤٩٢٤، وكتاب \"العين\" ٧/ ٢١٩، و\"أساس البلاغة\" (ثرب) / ٤٤، وقيل هو لتبع.","vol":"12","page":237},{"text":"فَعَفَوْتُ عنهم عَفْوَ غَيْرِ مُثَرَّبِ ... وتركْتُهُم لعِقَابِ يومٍ سَرْمدِ\nوروى ابن الأنباري عن أبي العباس (١): ثرب فلان على فلان، إذا عَدَّد عليه ذنوبه.\nقال ابن عباس: يريد لا لوم عليكم، وقال محمد بن إسحاق (٢): لا (٣) تأنيبَ عليكم، وقال سفيان (٤): لا تعيير عليكم.\nوقال الكلبي (٥): يقول لا أعيركم بعد اليوم بهذا أبدًا.\nفإن قيل: لِمَ خص اليوم ونيته العفو وترك التوبيخ أبدًا؟.\nقال أبو بكر (٦): إن يوسف لما قدم توبيخهم، وعدَّدَ عليهم قبيح ما فعلوا، وهو يستر عنهم نفسه، قال لهم عند تبين أمره لهم: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾ أي: قد إنقطع عنكم توبيخي عند اعترافكم بالذنب، فكان ذكر اليوم دلالة على انقطاع التأنيب، وعلى أن ما بعده من الأيام يجري مجراه، واليوم قد يذكر ويراد به: الحين والزمان، كقول امرئ القيس:\nفاليوم أشربْ غيرَ مُسْتَحْقِب ... إثمًا مِنَ اللهِ ولا واغِلِ\nليس يريد يومًا بعينه، قال (٧): ويجوز أن يكون المعنى: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ﴾ ألبتة ﴿الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ﴾ فتعلق اليوم بالغفران وتناول: غفر الله لكم اليوم، قال: وفيه ضعف، إذ الدعاء لا ينصب قبله، وهو على ما فيه\n_________\n(١) \"تهذيب اللغة\" (ثرب) ١/ ٤٧٦.\n(٢) الطبري ١٣/ ٥٦.\n(٣) (لا): ساقط من (ب).\n(٤) الطبري ١٣/ ٥٦.\n(٥) \"تنوير المقباس\" ص ١٥٣، و\"زاد المسير\" ٤/ ٢٨٢.\n(٦) \"زاد المسير\" ٤/ ٢٨٢ بنحوه.\n(٧) أي أبو بكر.","vol":"12","page":238},{"text":"محتمل، من قبل أن لفظ (يغفر) لفظ الخبر إذ عرى من الجزم وعوامله فينصرف منصوبه عليه كما ينصرف على الأفعال المرفوعة في الأخبار، وهذا الذي ذكره أبو بكر مذهب الأخفش (١)، فإن عنده يجوز الوقف على قوله: ﴿عَلَيْكُمُ﴾.\nوقوله تعالى: ﴿يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ قال ابن عباس (٢): جعلهم في كل حل، وسأل الله لهم المغفرة، وأخبر أن الله أرحم بأوليائه من الوالدين بولدهما.\n\n٩٣ - قوله تعالى: ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي﴾ الآية، قال المفسرون (٣): لما عرفهم يوسف نفسه، سألهم عن أبيه فقال: ما فعل أبي بعدي؟ فقالوا: ذهبت عيناه، فأعطاهم قميصه، فقال لهم: ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا﴾.\nوكان من شأن ذلك القميص ما أخبرنا الشيخ أبو عبد الرحمن بن أبي حامد العدل (٤) ﵀، أخبرنا أبو علي بن أبي بكر الفقيه (٥)، أخبرنا أبو\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للأخفش ٢/ ٥٩٣.\n(٢) \"زاد المسير\" ٤/ ٢٨٣.\n(٣) الطبري ١٣/ ٥٧، الثعلبي ٧/ ١٠٨ ب، البغوي ٤/ ٢٧٤، \"زاد المسير\" ٤/ ٢٨٣.\n(٤) لم أجده بهذه الكنية وفي \"الوسيط\" ٢/ ٣٦١، ذكره باسمه أبو عبد الرحمن محمد بن أحمد بن محمد بن جعفر، فلعل المراد به محمد بن أحمد بن جعفر، أبو حسان الزكي، شيخ التزكية والحشمة بنيسابور، ثقة مشهور بالفضل كان فقيهًا صالحًا خيرًا، حدث عن محمد بن إسحاق المنبعي، وابن نجيد، والطبقة مات سنة ٤٢٣ هـ، وسبق من شيوخه \"السير\" ١٧/ ٥٩٦، انظر: \"شذرات الذهب\" ٣/ ٢٥٠، و\"المنتخب\" / ٣٤.\n(٥) هو زاهر بن أحمد بن محمد بن عيسى، أبو علي السرخسي، الفقيه المقرئ، المحدث، إمام من الأئمة، قال الحاكم: شيخ عمر بخرسان، توفي سنة ٣٨٩ هـ، انظر: \"وفيات الأعيان\" ٣/ ٢٩٣، و\"العبر\" ٣/ ٤٣، و\"اللباب\" ٣/ ٢٨٥.","vol":"12","page":239},{"text":"لبابة محمد بن المهدي (١)، حدثنا عمار بن الحسن (٢)، حدثنا شجاع بن أبي نصر (٣)، عن عباد بن كثير (٤) عن إسحاق (٥) بن عبد الله بن أبي طحة، عن أنس بن مالك عن رسول الله - ﷺ - قال: \"أما قوله ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي﴾، فإن نمرود الجبار لما ألقى إبراهيم في النار، نزل إليه جبريل بقميص من الجنة وطنفسة من الجنة فألبسه القميص وأقعده علي الطنفسة وقعد معه يحدثه، فكسا إبراهيم ذلك القميص إسحاق، وكساه\n_________\n(١) هو أبو لبابة محمد بن المهدي بن عد الرحيم الميهني الأبيوردي، روى عن عمار بن الحسن كتاب المغازي، انظر: \"تهذيب الكمال\" ٢١/ ١٨٦.\n(٢) هو عمار بن الحسن بن بشير الهمداني، أبو الحسن الرازي، نزيل نسأ، ثقة وثقه النسائي وغيره مولده ١٥٩ هـ، وتوفي ٢٤٢ هـ؛ انظر: \"تهذيب الكمال\" ٢١/ ١٨٦، و\"الثقات\" لابن حبان ٨/ ٥١٧.\n(٣) شجاع بن أبي نصر البلخي، أبو نعيم المقرئ، قال أبو عبيد القاسم بن سلام، ثنا شجاع بن أبي نصر، وكان صدوقًا مأمونًا، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، انظر: \"التهذيب\" ٢/ ١٥٣.\n(٤) عباد بن كثير الثقفي، البصري العابد، نزيل مكة، وروى عن يحيى بن أبي كثير، وثابت وأبي عمران الجوني وعنه إبراهيم بن أدهم وأبو نعيم، قال البخاري تركوه، وقال ابن معين: ليس بشيء.\nانظر: \"التهذيب\" ٢/ ٢٨٠ - ٢٨١، و\"ميزان الاعتدال\" ٣/ ٨٥ - ٨٩، و\"السير\" ٧/ ١٠٦.\n(٥) إسحاق بن عبد الله بن صاحب رسول الله - ﷺ - أبي طلحة زيد بن سهل الأنصاري الخزرجي، البخاري المدني الفقيه، أحد الثقات، سمع من عمه أنس بن مالك وغيره. كان مالك يثني عليه، ولا يقدم عليه أحدًا، توفي سنة ١٣٢ هـ، وقيل ١٣٤ هـ روى له الجماعة.\nانظر: \"التهذيب\" ١/ ١٢٢ - ١٢٣، وثقات ابن حبان ٤/ ٢٣، و\"السير\" ٦/ ٣٣٦ فالحديث منكر لوجود عباد بن كثير في إسناده.","vol":"12","page":240},{"text":"إسحاق يعقوب، وكساه يعقوب يوسف، فجعله في قصبة من فضة وعلقها في عنقه، وألقي في الجب والقميص في عنقه\"، فذلك قوله: ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا﴾ الآية (١).\nونحو هذا قال عامة المفسرين، قال ابن عباس (٢): أخرجه لهم قصبة من فضة كانت في عنقه لم يعلم بها إخوته فيها قميص، وهو الذي نزل به جبريل من الجنة على إبراهيم، وذكر القصة، وقال مجاهد (٣): أمره جبريل أن أرسل إليه بقميصك، فإن ريح الجنة لا يقع على مبتلى ولا سقيم إلا صح وعوفي، وقال الحسن (٤): لولا أن الله أعلمه لم يدر أنه يرجع إليه بصره.\nقال أهل المعاني (٥): ويجوز أن يكون قد أوحي إليه أن إلقاء قميصه على وجه أبيه يكون سببًا لإبصاره، وزوال العمى عن عينه، فأرسل إليه بقميص له، وقال: ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا﴾ قال ابن عباس (٦): يريد بصيرًا ويذهب البياض الذي على عينيه، وقال السدي (٧): يعد بصيرًا، وقال الفراء (٨): يرجع بصيرًا، وقيل (٩): أراد يأتني\n_________\n(١) قال القرطبي ٩/ ٢٥٩: ذكره القشيري.\n(٢) أخرج أبو الشيخ عن ابن عباس نحوه كما في \"الدر\" ٤/ ٦٥، وأخرج ابن أبي حاتم ٧/ ٢١٩٦، عن المطلب بن عبد الله بن حنطب نحوه كما في \"الدر\" ٤/ ٦٥، وفي إسناده الحسن بن يحيى الخشني وهو ضعيف.\n(٣) الثعلبي ٧/ ١٠٩ أ، البغوي ٤/ ٢٧٥، القرطبي ٩/ ٢٥٨.\n(٤) القرطبي ٩/ ٢٥٩.\n(٥) نسبه الرازي ١٨/ ٢٠٦ للمحققين، ولم أعثر عليه في كتب المعاني المتداولة.\n(٦) انظر: الرازي ١٨/ ٢٠٦، ذكره بدون نسبه كما في البغوي ٤/ ٢٧٤.\n(٧) الطبري ١٣/ ٥٧.\n(٨) \"معاني القرآن\" ٢/ ٥٥.\n(٩) الثعلبي ٧/ ١٠٩أ.","vol":"12","page":241},{"text":"بصيرًا، وكان قد دعاه: ﴿وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ قال الكلبي (١): وكان أهله نحوًا من سبعين إنسانًا، وقال مسروق (٢): دخل أهل يوسف مصر وهم ثلاثة وتسعون بين رجل وامرأة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1804>٩٤ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ﴾ قال الأزهري (٣): يقال. فصل فلان من عند فلان فصولًا، إذا خرج من عنده، وفصل مني إليه كتاب، إذا نفذ، وفصل يكون لازمًا وواقعًا، فإذا كان واقعًا فمصدره الفصل، وإذا كان لازمًا فمصدره الفصول، قال المفسرون (٤): لما خرجت العير من مصر متوجهة إلى كنعان قال أبوهم لمن حضره من أهله وقرابته وولد ولده؛ لأن ولده كانوا غيبًا عنه: ﴿إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ﴾، قال ابن عباس (٥) في رواية بن أبي الهذيل (٦): هاجت ريح فحملت ريح قميص يوسف إلى يعقوب، وبينهما مسيرة ثمان ليال.\nوعن الحسن (٧) قال: وجد يعقوب ريح يوسف من مسيرة عشرة أيام،\n_________\n(١) الرازي ١٨/ ٢٠٧، و\"زاد المسير\" ٤/ ٢٨٣.\n(٢) الرازي ١٨/ ٢٠٧، القرطبي ٩/ ٢٥٩.\n(٣) \"تهذيب اللغة\" (فصل) ٣/ ٢٧٩٥.\n(٤) الثعلبي ٧/ ١٠٩ أ، \"زاد المسير\" ٤/ ٢٨٤، القرطبي ٩/ ٢٥٩، الرازي ١٨/ ٢٠٧.\n(٥) الطبري ١٣/ ٥٧، عبد الرزاق ٢/ ٣٢٩، والفريابي، وأحمد في \"الزهد\"، وابن المنذر وابن أبي حاتم ٧/ ٢١٩٧، وأبو الشيخ وابن مردويه كما في \"الدر\" ٤/ ٦٦، الثعلبي ٧/ ١٠٩ ب، القرطبي ٩/ ٢٥٩.\n(٦) هو: عبد الله بن أبي الهذيل الكوفي أبو المغيرة، مات في ولاية خالد القسري على العراق.\nانظر: \"تقريب التهذيب\" ص ٣٢٧ (٣٦٧٩)، و\"سير أعلام النبلاء\" ٤/ ١٧٠.\n(٧) أخرج ابن أبي حاتم ٧/ ٢١٩٧، وأبو الشيخ عن ابن عباس كما في \"الدر\" ٤/ ٦٦، القرطبي ٩/ ٢٥٩ عن الحسن.","vol":"12","page":242},{"text":"وقال قتادة (١): ذكر لنا أنه كان بينهما ثمانون فرسخًا.\nوذكر مجاهد (٢) السبب في ذلك فقال: هبت ريح فصفقت القميص، ففاحت روائح الجنة في الدنيا واتصلت بيعقوب، فوجد ريح الجنة فعلم أنه ليس في الدنيا من ريح الجنة إلا ما كان من ذلك القميص فمن ثم قال: ﴿إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ﴾ وقال أهل المعاني: إن الله تعالى أوجده ريح يوسف عند تقضّي الامتحان، ومجيء الروح والفرج من المكان النازح، ومنعه ذلك على القرب منه حين ألقي في الجب، وبيع من مالك بن ذعر، للمحنة والبلية التي جعلت سببًا لكمال أجره، ومعنى: (أجد ريح يوسف): أشم، وعبر عنه بالوجود؛ لأنه وجود بحاسة الأنف.\nوقوله تعالى: ﴿لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ﴾ قال أبو بكر بن الأنباري (٣): أفند الرجل إذا خرّف وتغير عقله، وأفند (٤) إذا جهل، ونسب إلى ذلك، الليث (٥): الفند إنكار العقل من الهرم، يقال: شيخ مفند.\nوروى أبو عبيد عن الأصمعي (٦): إذا كثر كلام الرجل من خرف فهو المفْنِدُ، والمُفَنَّد، ابن الأعرابي (٥): فنَّد رأيه إذا ضعَّفه، وقال الفراء (٧) في هذه الآية: لولا أن تكذبوني وتعجزوني وتضعفوني.\n_________\n(١) الطبري ١٣/ ٥٨، وأخرجه ابن أي حاتم ٧/ ٢١٩٧ عن ابن عباس.\n(٢) الثعلبي ٧/ ١٠٩ أ، \"زاد المسير\" ٤/ ٢٨٤، البغوي ٤/ ٢٧٥.\n(٣) انظر: \"الزاهر\" ١/ ٥١٤، الرازي ١٨/ ١٦٦.\n(٤) في (ب): (أنفد).\n(٥) \"تهذيب اللغة\" (فند): ٣/ ٢٨٣٧، وهو هكذا في جميع النسخ من غير (قال) فلعلها ساقطة.\n(٦) \"تهذيب اللغة\" (فند) ٣/ ٢٨٣٧، و\"الغريب المصنف\" /٣٧٨.\n(٧) \"معاني القرآن\" ٢/ ٥٥.","vol":"12","page":243},{"text":"وقال أبو عبيد (١): لولا أن تسفهوني، وقال الزجاج (٢): لولا أن تجهلوني، قال ابن عباس (٣): لولا أن تكذبون.\nوقال مجاهد (٤): لولا أن تسفهوني، وتقولوا: ذهب عقلك.\nوقال محمد بن إسحاق (٥): لولا أن تضعفوني، وأصل هذا (٦) كله من الفند وهو: السفه والجهل ومنه قول النابغة (٧):\nإلا سليمانَ إذ قَالَ المَلِيكُ له ... قم في البرية فاحْدُدها عن الفَنَدِ\nولي في نظم هذه الآية نظر بعد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1805>٩٥ </span>- قوله تعالى: ﴿قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ﴾ قال الكلبي (٨) والسدي (٩) والمفسرون (١٠): هذا من قول بني بنيه له، قال مقاتل (١١) بن سليمان وغيره: معنى الضلال هاهنا الشقاء، يعنون شقاء\n_________\n(١) \"مجاز القرآن\" ١/ ٣١٨.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٢٨.\n(٣) الطبري ١٣/ ٦١، وابن أبي حاتم ٧/ ٢١٩٨.\n(٤) الطبري ١٣/ ٥٩، وابن أبي حاتم ٧/ ٢١٩٨.\n(٥) الطبري ١٣/ ٦٠.\n(٦) (هذا) ساقط من (ج).\n(٧) انظر: \"ديوانه\" ص ١٢، والقرطبي ٩/ ٢٦٠، و\"البحر المحيط\" ٥/ ٣٤٠، و\"الدر المصون\" ٦/ ٥٥٧، و\"اللسان\" (حدد) ٢/ ٨٠١، وكتاب \"العين\" ٨/ ٤٩، و\"مقاييس اللغة\" ٢/ ٣، و\"مجمل اللغة\" ٢/ ٢١٠، و\"تهذيب اللغة\" ١/ ٧٥٩، و\"تاج العروس\" (حدد) ٤/ ٤١١.\nوقد شبه الشاعر النعمان بسليمان -﵇-، واحددها: احبسها.\n(٨) \"تنوير المقباس\" ص ١٥٣.\n(٩) \"زاد المسير\" ٤/ ٢٨٥، وابن أبي حاتم ٧/ ٢١٩٩.\n(١٠) الثعلبي ٧/ ١١٠ أ، البغوي ٤/ ٢٧٦.\n(١١) \"تفسير مقاتل\" ١٥٧ ب، و\"زاد المسير\" ٤/ ٢٨٦.","vol":"12","page":244},{"text":"الدنيا، وتلخيصه: إنك لفي شقائك القديم بما تكابد من الأحزان على يوسف، واحتج مقاتل بقوله: ﴿إِنَّا إِذًا لَفِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ﴾ [القمر: ٢٤]: يعنون لفي شقاء في دنيانا، وقال قتادة (١) وابن إسحاق (٢): في حبك ليوسف ما تنساه ولا تسلاه، وهذا كقول بنيه: ﴿إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [يوسف: ٨]، وقد مضى الكلام فيه.\nوقال الحسن (٣): إنما قالوا له هذا لأنه كان عندهم أن يوسف قد مات، وكان في ولوعه بذكره ذاهبًا عن الصواب في أمره عندهم.\nوروي عن قتادة (٤) أنه قال: قالوا كلمة غليظة لم يكن يجوز أن يقولوها لنبي الله -﵇-.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1806>٩٦ </span>- قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ﴾: (أن) هاهنا لا موضع لها من الإعراب، وهي تزاد مع لمَّا توكيدًا على جهة الصلة (٥)، قال أبو بكر (٦): دخولها لتوكيد مضي الفعل ولا موضع لها، وسقوطها للاستغناء عنها كقوله: ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ﴾ [هود: ٧٤]، والمذهبان جميعًا موجودان في أشعار العرب.\nوقال البصريون: موضع (أن) رفع بفعل مضمر تلخيصه: فلما ظهر أن جاء البشير، أي: ظهر مجيء البشير فأضمر الرافع.\n_________\n(١) الطبري ١٣/ ٦٢، الرازي ١٨/ ٢٠٨.\n(٢) الطبري ١٣/ ٦٢، وابن أبي حاتم ٤/ ٢٤١ ب.\n(٣) البغوي ٤/ ٢٧٦، القرطبي ٩/ ٢٦١، الرازي ١٨/ ٢٠٨.\n(٤) الطبري ١٣/ ٦٢، ابن عطية ٩/ ٣٧٤، ابن أبي هاشم ٧/ ٢١٩٩.\n(٥) \"إعراب القرآن\" للنحاس ٢/ ٣٤٥.\n(٦) \"زاد المسير\" ٤/ ٢٨٦.","vol":"12","page":245},{"text":"قال ابن عباس (١) ومجاهد (٢) والضحاك (٣) والسدي (٤) ومقاتل (٥): البشير هو يهوذا قال: أنا ذهبت بالقميص ملطخًا بالدم فأخبرته أن يوسف أكله الذئب، وأنا أذهب اليوم بالقميص فأخبره أنه حي فأفرحه كما أحزنته، فألقاه على وجهه.\nقال ابن عباس: ألقي القميص على وجه يعقوب فارتد بصيرًا، يريد: انجلى البياض وذهبت الظلمة.\nوقال المفسرون (٦): فعاد ورجع بصيرًا، ومعنى الارتداد: انقلاب الشيء إلى حال قد كان عليها.\nقال ابن الأنباري (٧): وهذا من الأفعال المنسوبة إلى المفعولين كقولهم: طالت النخلة، والله أطالها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1807>٩٧ </span>- وقوله تعالى: ﴿وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ ذكرنا معناه فيما تقدم.\n_________\n(١) الطبري ١٣/ ٦٢، وابن أبي حاتم ٧/ ٢١٩٩، كما في \"الدر\" ٤/ ٦٨، الثعلبي ٧/ ١١٠ أ، البغوي ٤/ ٢٧٦، \"زاد المسير\" ٤/ ٢٨٦، ابن عطية ٨/ ٧٦، القرطبي ٩/ ٢٦١.\n(٢) الطبري ١٣/ ٦٣، وابن المنذر وابن أبي حاتم ٧/ ٢١٩٩، وأبو الشيخ كما في \"الدر\" ٤/ ٦٨.\n(٣) الطبري ١٣/ ٦٣، وأبو الشيخ كما في \"الدر\" ٤/ ٦٨.\n(٤) الطبري ١٣/ ٦٣، والثعلبي ٧/ ١١٠ أ، و\"زاد المسير\" ٤/ ٢٨٦، وابن عطية ٨/ ٧٦، وا لقرطبي ٩/ ٢٦١، وابن أبي حاتم ٧/ ٢١٩٩ - ٢٢٠٠.\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ١٥٧ ب.\n(٦) الثعلبي ٧/ ١١٠ أ، \"زاد المسير\" ٤/ ٢٨٦، الرازي ١٨/ ٢٠٩\n(٧) \"زاد المسير\" ٤/ ٢٨٦.","vol":"12","page":246},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1808>٩٨ </span>- قوله تعالى: ﴿قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي﴾ قال ابن عباس (١) في رواية عطاء: أخر دعاءه إلى السَّحَر (٢)، وهو قول ابن مسعود (٣) وقتادة (٤) والسدي (٥)، وقال (٦) في رواية الكلبي وعكرمة يقول: حتى تأتي ليلة الجمعة.\nقال (٧) أبو إسحاق (٨): أراد يعقوب أن يستغفر لهم في وجه السَّحَر في الوقت الذي هو أخلق لإجابة (٩) الدعاء، لا أنه ضنَّ عليهم بالاستغفار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1809>٩٩ </span>- وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ﴾ [قال المفسرون (١٠): إن يوسف] (١١) بعث مع البشير إلى يعقوب جهازًا ومائتي راحلة، وسأل يعقوب أن يأتيه وولده أجمعين، فتهيأ يعقوب وخرج مع أهله وولده إلى مصر فذلك قوله: ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ﴾ قال\n_________\n(١) أخرجه ابن المنذر وابن مردويه وأبو الشيخ كما في \"الدر\" ٤/ ٦٨، و\"زاد المسير\" ٤/ ٢٨٧، والقرطبي ٩/ ٢٦٢.\n(٢) قال في الحاشية (في الأصل إلى السفر) في النسختين (أ)، (ب).\n(٣) الطبري ١٣/ ٦٤، الثعلبي ٧/ ١١١ أ، القرطبي ٩/ ٢٦٣، ابن عطية ٨/ ٧٨، ابن أبي حاتم ٧/ ٢٢٠٠.\n(٤) و(٥) \"زاد المسير\" ٤/ ٢٨٧.\n(٦) الطبري ١٣/ ٦٥، أبو الشيخ كما في \"الدر\" ٤/ ٦٤، \"زاد المسير\" ٤/ ٢٨٧، الثعلبي ٧/ ١١١أ، ابن عطية ٨/ ٧٨.\n(٧) في (ب): (وقال).\n(٨) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٢٩.\n(٩) في (أ)، (ج): (الإجابة).\n(١٠) الثعلبي ٧/ ١١١ ب، القرطبي ٩/ ٢٦٣، البغوي ٤/ ٢٧٨.\n(١١) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).","vol":"12","page":247},{"text":"ابن عباس وعامة المفسرين (١): يعني: أباه وخالته، وذلك أن أمه كانت قد ماتت في نفاسها بنيامين (٢).\nقال ابن إسحاق (٣): يعني أباه وأمه، وهو قول الحسن (٤): قال أنشر الله راحيل أم يوسف تحقيقًا للرؤيا حتى سجدت له.\nوقوله تعالى: ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ قال لهم هذا القول قبل دخولهم إلى مصر؛ لأنه كان قد استقبلهم، هذا قول السدي (٥) وفرقد السبخي (٦)، وقال عطاء عن ابن عباس (٧): يريد انزلوها آمنين، وعلى هذا سمى النزول دخولًا؛ لاقتران أحدهما بالاخر.\nوأما معنى الاستثناء في قوله: ﴿إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ فإنه يقول إلى الأمن لا إلى الدخول، والمعنى: ادخلوا مصر آمنين إن شاء الله؛ لأنه (٨) لا\n_________\n(١) روى الطبري ١٣/ ٦٦ ذلك عن السدي وأخرجه أبي حاتم ٧/ ٢٢٠١ عن السدي، وأبو الشيخ عن وهب كما في \"الدر\" ٤/ ٧١، وأخرجه أبو الشيخ عن سفيان كما في \"الدر\" ٤/ ٧١، والبغوي ٤/ ٢٧٨، والثعلبي ٧/ ١١٢ أ، و\"زاد المسير\" ٤/ ٢٨٨، والقرطبي ٩/ ٢٦٣.\n(٢) كذا في جميع النسخ، والصواب والله أعلم: ببنيامين.\n(٣) الطبري ١٣/ ٦٧، وأخرجه ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة كما في \"الدر\" ٤/ ٧١، و\"زاد المسير\" ٤/ ٢٨٨، والثعلبي ٧/ ١١٢ أ، وابن عطية ٨/ ٧٩.\n(٤) \"زاد المسير\" ٤/ ٢٨٨، والبغوي ٤/ ٢٧٨، والثعلبي ٧/ ١١٢ ب، والقرطبي ٩/ ٢٦٣، وابن عطية ٨/ ٧٩.\n(٥) الطبري ١٣/ ٦٦، والرازي ١٨/ ٢١١، ورجحه الطبري ١٣/ ٦٦.\n(٦) الطبري ١٣/ ٦٦، هو أبو يعقوب أحد الصالحين، روى عن أنس، غير محتج بحديثه، انظر: \"حلية الأولياء\" ٣/ ٤٤.\n(٧) \"زاد المسير\" ٤/ ٢٨٨ من غير نسبة، والرازي ١٨/ ٢١١ عن ابن عباس.\n(٨) (لأنه) ساقط من (ب).","vol":"12","page":248},{"text":"يتقن الأمن، فتقدم الاستثناء وهو منوي به التأخير (١)، ذكره أبو بكر (٢) وغيره، قال ابن عباس (٣): وإنما قال آمنين؛ لأنهم كانوا فيما خلا يخافون ملوك مصر، ولا يدخلونها إلا بجوارهم، ويجوز أن يعود الاستثناء إلى الدخول على القول الذي يقول إنه قال لهم: ﴿ادْخُلُوا مِصْر﴾، قيل: أن ادخلوها، وقال ابن جريج (٤): ﴿إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ مقدم إلى قوله: سوف أستغفر لكم ربي إن شاء الله، قال: وهذا من التقديم والتأخير في القرآن وهو كثير.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1810>١٠٠ </span>- قوله تعالى: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ﴾ قال ابن عباس (٥) والمفسرون (٦): على السرير، قال أهل اللغة (٧): العرش السرير الرفيع: وهو سرير الملك، قال الله تعالى: ﴿وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ [النمل: ٢٣]. قال أهل التفسير (٨): أجلسهما عليه.\nوقوله تعالى: ﴿وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾ وقال ابن عباس (٩) في رواية عطاء: يريد خروا لله عند ذلك سجودًا، ونحو هذا روى الضحاك عنه.\n_________\n(١) في (ب): (التأخر).\n(٢) \"زاد المسير\" ٤/ ٢٨٩.\n(٣) الثعلبي ٧/ ١١٢ أ، والبغوي بدون نسبة ٤/ ٤٧٩.\n(٤) الطبري ١٣/ ٦٦، والثعلبي ٧/ ١١٢ أ، و\"زاد المسير\" ٤/ ٢٨٩.\n(٥) الطبري ١٣/ ٦٧.\n(٦) أخرجه الطبري ١٣/ ٦٦ عن أسباط والضحاك ومجاهد وقتادة وسفيان، والثعلبي ٧/ ١١٢ ب، والبغوي ٤/ ٤٧٩، والقرطبي ٩/ ٢٦٤.\n(٧) \"تهذيب اللغة\" (عرش) ٣/ ٢٣٩١، و\"اللسان\" (عرش) ٥/ ٢٨٨٠.\n(٨) الثعلبي ٧/ ١١٢ ب، و\"زاد المسير\" ٤/ ٢٩٠، والبغوي ٤/ ٢٧٩.\n(٩) الثعلبي ٧/ ١١٢ ب، و\"زاد المسير\" ٤/ ٢٩٠.","vol":"12","page":249},{"text":"وقال عامة المفسرين (١): وخروا ليوسف سجدًا على جهة التحية، لا على معنى العبادة، وكان أهل ذلك الدهر يحييَّ بعضهم بعضًا بالسجود والانحناء، فحظر رسول الله - ﷺ - هذا ونهى عنه (٢)، والسجود معناه في اللغة (٣): الانحناء مع الخضوع والتذلل، ذكرنا ذلك فيما تقدم، وعلى هذا كان ذلك سجودًا من غير سقوط على الأرض كما يقال: قد سجد القف (٤) من الأرض للحوافر، إذا خضع لها فذل ومنه (٥):\nتَرَى الأُكْمَ منه سُجَّدًا للحَوَافِرِ\nقال ابن الأنباري (٦): والخرور في هذا القول لا يُعْنى به السقوط والوقوع، لكن المراد به: المرور، سمعت أبا العباس يحكي هذا، واحتج\n_________\n(١) الطبري ١٣/ ٦٨، والثعلبي ٧/ ١١٢ ب، والبغوي ٤/ ٢٨٠، و\"زاد المسير\" ٤/ ٢٩٠، وابن عطية ٨/ ٨٠، والقرطبي ٩/ ٢٦٥، وابن أبي حاتم ٧/ ٢٢٠٢.\n(٢) أخرجه الترمذي في \"جامعه\" (٢٧٢٨) كتاب الاستئذان والآداب، باب: ما جاء في المصافحة، وابن ماجه في \"سننه\" (٣٧٠٢) كتاب الأدب، باب: المصافحة عن أنس بن مالك -﵁- قال: قال رجل: يا رسول الله، الرجل منا يلقى أخاه أو صديقه، أينحني له؟ قال: \"لا\" قال: أفيلتزمه ويقبله؟ قال: \"لا\" قال: فيأخذه بيده ويصافحه؟ قال: \"نعم\". قال الترمذي: هذا حديث حسن، وحسنه الألباني في \"صحيح سنن الترمذي\" (ح ٢١٩٥).\n(٣) \"تهذيب اللغة\" (سجد) ٢/ ١٦٣٠، و\"اللسان\" (سجد) ٤/ ١٩٤١.\n(٤) قال الليث: القف: ما ارتفع من متون الأرض وصلبت حجارته، وقال شمر: القف ما ارتفع من الأرض وغلظ ولم يبلغ أن يكون جبلًا، انظر: \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٣٠٢١ - ٣٠٢٢، و\"اللسان\" (قفف) ٦/ ٣٧٠٥.\n(٥) القائل زيد الخيل \"ديوانه\" / ٦٦، و\"الزاهر\" ١/ ١٤١، و\"اللسان\" (سجد) ٤/ ١٩٤١.\n(٦) \"الزاهر\" ١/ ٤٧، ٤٨، والرازي ١٨/ ٢١٢.","vol":"12","page":250},{"text":"بقوله: ﴿لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا﴾ [الفرقان: ٧٣] يعني: لم يمروا، قال ابن عباس (١) في رواية الكلبي: السجود هاهنا مما كانت الأعاجم تستعمله في تعظيمها رؤساءها، ليس سقوط على الأرض، لكنه كالركوع.\nقال الأزهري (٢): والأشبه بظاهر الكتاب أنهم سجدوا ليوسف دل عليه رؤياه الأولى حين قال: ﴿رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ [يوسف: ٤] فظاهر التلاوة أنهم سجدوا ليوسف تعظيمًا له، من غير أن أشركوا بالله، وكأنهم لم يكونوا نهوا عن السجود لغير الله في شريعتهم، قال (٣): وفيه وجه آخر لأهل العربية وهو: أن يجعل اللام لام أجل، المعنى: وخروا من أجله سجدًا، شكرًا للذي أنعم عليهم فجمع شملهم.\nوقوله تعالى: ﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بِي﴾ أي إليَّ، (يقال) (٤): أحسن به وإليه، قال كثير (٥):\nأسِيئي بِنَا أو أحْسِنِي لا مَلُومةً ... لدَيْنَا ولا مَقْلِيَّةً إنْ تَقَلَّتِ\n﴿إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ﴾ قال أهل المعاني (٦): ذكر إخراجه من السجن ولم يذكر إخراجه من البئر كرمًا، لئلا يذكر إخوته صنيعهم به، ولأن\n_________\n(١) \"زاد المسير\" ٤/ ٢٩٠، و\"تنوير المقباس\" ص ١٥٤.\n(٢) و(٣) \"تهذيب اللغة\" (سجد) ٢/ ١٦٣١ بتصرف.\n(٤) ما بين القوسين من (ب)، وانظر: \"الدر المصون\" ٦/ ٥٥٨.\n(٥) البيت في: \"ديوانه\" ص ٥٣، و\"الشعر والشعراء\" ص ٣٤٣، و\"أمالي الشجري\" ١/ ٤٨، و\"الدر المصون\" / ٥٥٨، و\"الكشاف\" ٢/ ١٩٥، و\"الخزانة\" ٢/ ٣٨١، وقوله (مقلية) من القلي بكسر القاف وهو البغض، تقلت: تبغضت: \"اللسان\" (سوأ) ٤/ ٢١٣٨، و\"التنبيه والإيضاح\" ١/ ٢١، و\"تهذيب اللغة\" ١/ ٨٢٣ (حسن)، و\"الأغاني\" ٩/ ٣٨، و\"أمالي القالي\" ٢/ ١٠٩، و\"تاج العروس\" (سوأ) ١/ ١٧٦.\n(٦) \"زاد المسير\" ٤/ ٢٩١، والبغوي ٤/ ٢٨٠، والثعلبي ٧/ ١١٣ أ.","vol":"12","page":251},{"text":"النعمة في إخراجه من السجن كانت أعظم، إذ كان دخوله السجن سبب ذنب هم به.\nوقوله تعالى: ﴿وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ﴾ والبدو (١): بسيط الأرض يظهر فيه الشخص من بعيد، وأصله من بدا يبدو بدوًا، إذا خرج إلى المراعي في الصحاري، ثم سمي المكان باسم المصدر فيقال: بدو وحضر، قال قتادة (٢): كان يعقوب وولده بأرض كنعان أهل مَوَاشٍ وبريَّة.\nوقال ابن عباس (٣) في رواية عطاء والضحاك: كان يعقوب قد تحول إلى بدا وسكنها، ومنها قدم على يوسف، وله بها مسجد تحت جبلها.\nقال ابن الأنباري (٤): بدا اسم موضع معروف يقال: هو بين شعب وبدا، وهما موضعان ذكرهما جميل أوكثير فقال (٥):\nوأنتِ التي حَبّبْتِ شَغْبًا إلى ... بدا إليَّ وأوْطَانِي بلادٌ سِواهُمَا\nوالبدو على هذا القول معناه قصد هذا الموضع الذي يقال له بدا،\n_________\n(١) \"تهذيب اللغة\" (بدا) ١/ ٢٨٧، و\"اللسان\" (بدا) ١/ ٢٣٥.\n(٢) الطبري ١٣/ ٧١، وأخرجه ابن أبي حاتم ٧/ ٢٢٠٣ عن قتادة وأبو الشيخ عن علي ابن أبي طلحة كما في \"الدر\" ٤/ ٧٢.\n(٣) الرازي ١٨/ ٢١٥، والقرطبي ٩/ ٢٦٧.\n(٤) الرازي ١٨/ ٢١٥.\n(٥) البيت لكثير وهو في \"ديوانه\" ص ٣٦٣، و\"خزانة الأدب\" ٩/ ٤٦٢، و\"الدر\" ٦/ ٨٣، و\"شرح ديوان الحماسة\" للمرزوقي ص ١٢٨٨، و\"اللسان\" (بدا) ١/ ٢٣٦، و\"معجم ما استعجم\" ص٢٣٠، ونسب لجميل بثينه في \"ملحق ديوانه\" ص ٢٤٥، و\"ديوان المعاني\" ١/ ٢٦٠، ولكثير ولجميل في \"شرح شو اهد المغني\" ١/ ٤٦٤، و\"معجم البلدان\" ٣/ ٣٥١، وفيه (التي) بدل الذي، وشغبي: يوضع في بلاد بني عُذرة به منبر وسوق، وبدا: واد قرب إيلة من ساحل البحر، وقيل بواد القرى وقيل بوادي عُذرة قرب الشام. انظر: \"معجم البلدان\" ١/ ٣٥٦ - ٣٥٧.","vol":"12","page":252},{"text":"يقال بدا القوم يبدون بدوًا، إذا أتوا بدًا، كما يقال: غار القوم غورًا، إذا أتوا الغور، فكان تلخيص الحرف: ﴿وَجَاءَ بِكُمْ﴾ من قصد بدا، وعلى هذا القول كان يعقوب وولده (١) حضريين؛ لأن البدو لم يرد به البادية، لكنه عني به قَصْدُ بدا.\nوقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي﴾ قال أبو عبيدة (٢) معناه: أفسد وحمل بعضنا على بعض، قال ابن عباس (٣): دخل بيننا بالحسد، ومضى الكلام في نزغ الشيطان في آخر سورة الأعراف (٤).\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ﴾ قال الأزهري (٥): اللطيف من أسماء الله ﷿ معناه: الرفيق بعباده، عمرو بن أبي عمرو: اللطيف الذي يوصَّلُ إليك أربك في رفق.\nثعلب عن ابن الأعرابي (٦): يقال: لطف فلان لفلان يلطف، إذا رفق لطفًا.\nقال أهل التفسير (٧): إن ربي عالم بدقائق الأمور وحقائقها، إنه هو العليم بخلقه الحكيم فيهم بما يشاء.\n_________\n(١) في (أ)، (ج): (وولد)، من غير هاء.\n(٢) \"مجاز القرآن\" ١/ ٣١٩.\n(٣) القرطبي ٩/ ٢٦٧.\n(٤) عند قوله تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [آية: ٢٠٠]، وقال هنالك ما ملخصه: نزغ الشيطان وساوسه وتحسه في القلب بما يسول للإنسان من المعاصي، وروى أبو عبيد عن أبي زيد: نزعت بين القوم إذا أفسدت.\n(٥) \"تهذيب اللغة\" (لطف) ٤/ ٣٢٦٧ وفيه عمرو عن أبيه أن قال ..، وانظر: \"اللسان\" (لطف) ٧/ ٤٥٣٦.\n(٦) \"اللسان\" (لطف) ٧/ ٤٠٣٦، و\"تهذيب اللغة\" (لطف) ٤/ ٣٢٦٧.\n(٧) الثعلبي ٧/ ١١٣ أ، و\"زاد المسير\" ٤/ ٢٩١.","vol":"12","page":253},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1811>١٠١ </span>- قوله تعالى: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ﴾ الآية، قال ابن عباس (١): ثم دعا ربه وحمده وشكره فقال: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ﴾، وذكر أبو إسحاق (٢) وأبو بكر في (من) هاهنا قولين:\nأحدهما: أنها للتبعيض، وكذلك هي في قوله: ﴿وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾؛ لأنه كان قد ملك مصر ومُلْك مصر قطعة من الملك، وعبارة الرؤيا جزء من علم تأويل الأحاديث.\nالثاني: أن (من) دخلت للتجنيس، وتلخيصها: آتيتني من جنصر الملك ومن جنس تأويل الأحاديث كقوله: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ [الحج: ٣٠] أي: اجتنبوا الرجس الذي هو وثن، ولم يؤمروا باجتناب بعض الأوثان.\nقال أبو بكر: والقول هو الأول؛ لأن (٣) (من) تأتي مجنسة عند تمام الكلام نحو قولهم: قطعت ثوبًا من الخز، وعليه جبة من الوشي، ولا يكاد يقال: قطعت من الوشي، ولبست من الخز، إلا والمفعول مقدر في النية، و(ءاتيتني) في الآية غير مستغنى عما بعده، فيكون (من) مفسرة في موضع النقص بفتح، وقوله: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ أتت فيه من مفسرة مجنسة بعد كلام لو اقتصرت عليه عقل، قال: ويجوز أن يكون المعنى: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ﴾ الملك، وعلمتني تأويل الأحاديث، فأكد الكلام بمن كما أُكِّد بها في قوله: ﴿وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ [محمد: ١٥].\n_________\n(١) انظر: ابن كثير ٢/ ٥٢٩.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٢٩.\n(٣) لأن: زيادة من (ب).","vol":"12","page":254},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾ قال ابن عباس (١): يريد تفسير الأحلام وقد مر.\nوقوله تعالى: ﴿فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ قال ابن عباس (٢): كنت بما أدري ما (فاطر السموات والأرض)، حتى احتكم إليَّ أعرابيان في بئر، فقال أحدهما: أنا فطرتها، وأنا ابتدأت حفرها، وقال ابن الأعرابي (٣): يقول أنا أول من فطر هذا، أي: ابتدأه، ثم فسر ابن عباس ﴿فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ﴾ يريد: خالق السموات، ومن هذا قوله: ﴿الَّذِي فَطَرَنِي﴾ [هود: ٥١] أي: خلقني.\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي﴾ [يس: ٢٢] و\"كل مولد يولد على الفطرة\" (٤) أي: الخلقة التي فطر عليها في الرحم من سعادة أو شقاوة. وقال أهل المعاني (٥): أجل الفطر في اللغة: الشق، يقال: فطر ناب البعير، أي: بزل، وفطرت الشيء فانفطر، أي: شققته فانشق، وتفطرت الأرض بالنبات، والشجر بالورق، إذا تصدعت، هذا أصله ثم صار عبارة عن الشق عن الأمر باختراعه، فكل من أظهر أمرًا اخترعه على\n_________\n(١) \"تنوير المقباس\" ص ١٥٤.\n(٢) الرازي ١٨/ ٢١٧، و\"تهذيب اللغة\" (فطر) ٣/ ٢٨٠٣، و\"اللسان\" (فطر) ٦/ ٣٤٣٣.\n(٣) \"تهذيب اللغة\" (فطر) ٣/ ٢٨٠٣، و\"اللسان\" (فطر) ٦/ ٣٤٣٣.\n(٤) أخرجه البخاري بنحوه عن أبي هريرة (١٣٥٨) كتاب الجنائز، باب: إذا أسلم الصبي فمات هل يُصَلّى عليه، وهل يعرض على الصبي الإسلام؟ وأطرافه في ١٣٥٩، ١٣٨٥، ٤٧٧٥، ٩٥٩٩، وأخرجه مسلم بنحوه أيضًا (٢٦٥٨) كتاب القدر باب معنى (كل مولود يولد على الفطرة ..).\n(٥) \"تهذيب اللغة\" (فطر) ٣/ ٢٨٠٣ - ٢٨٠٥، و\"اللسان\" (فطر) ٦/ ٣٤٣٢ - ٣٤٣٣، والرازي ١٨/ ٢١٧.","vol":"12","page":255},{"text":"غير مثال، يقال: قد فطره، وفطر السموات والأرض اختراعهما بما هو كالشق عما يظهر به، قال الزجاج (١): ويكون نصبه من وجهين: أحدهما: على الصفة لقوله: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي﴾ وهو نداء مضاف في موضع نصب، ويجوز أن ينصب على نداء ثان.\nوقوله تعالى: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا﴾ قال قتادة (٢): سأل ربه اللحوق به قال: ولم يتمن نبي قط الموت قبله، وكثير من المفسرين (٣) على هذا، وقال ابن عباس (٤) في رواية عطاء: يريد لا تسلبني الإسلام حتى تتوفاني عليه، وهذا لا دليل فيه على تمني الموت، بل هو دليل على سؤال أن يكون موته على الإسلام إذا كان.\nوقوله تعالى: ﴿وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ قال ابن عباس (٥) وغيره من المفسرين (٦) يعني: بآبائه إبراهيم وإسما عيل وإسحاق، والمعنى: ألحقني بهم في ثوابهم ومراتبهم (٧) ودرجاتهم.\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٣٠.\n(٢) الطبري ١٣/ ٧٣، وأحمد في \"الزهد\"، وابن أبي حاتم ٧/ ٢٢٠٤ كما في \"الدر\".\n(٣) أخرجه الطبري ١٣/ ٧٣، ٧٤، عن ابن عباس ومجاهد والضحاك وابن إسحاق، و\"زاد المسير\" ٤/ ٢٩٢، وابن المنذر وأبو الشيخ من طريق ابن جريج عن ابن عباس كما في \"الدر\" ٤/ ٧٣.\n(٤) \"زاد المسير\" ٤/ ٢٩٢.\n(٥) الطبري ١٣/ ٧٣، وابن المنذر وابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٨١، وأبو الشيخ كما في \"الدر\" ٤/ ٧٣.\n(٦) الثعلبي ٧/ ١١٤ أ، وأخرجه أبو الشيخ، عن الضحاك وابن أبي حاتم ٧/ ٢٢٠٥، عن وهب، وأحمد وابن أبي حاتم ٧/ ٢٢٠٤ - ٢٢٠٥، وابن جرير عن قتادة كما في \"الدر\" ٤/ ٧٣.\n(٧) (ومراتبهم): زيادة من (ب).","vol":"12","page":256},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1812>١٠٢ </span>- قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ﴾ قال أبو إسحاق (١) المعنى: قصصنا عليك من أمر يوسف وإخوته من الأخبار التي كانت غائبة عنك، فأنزلته عليك دلالة على إثبات نبوتك، قال: وموضع \"ذلك\" رفع بالابتداء ويكون خبره ﴿مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ﴾ ويكون ﴿نُوحِيهِ إِلَيْكَ﴾ خبرًا ثانيًا ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ﴾ قال ابن عباس (٢): يريد عند إخوة يوسف، (إذ أجمعوا أمرهم وهم يمكرون) بيوسف، وهذا دليل على صدق محمد - ﷺ - وصحة نبوته؛ إذ أخبر عن قوم لم يحضرهم ولم يشاهدهم.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1813>١٠٣ </span>- قوله تعالى: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ قال ابن الأنباري (٣): وجه اتصال هذه الآية بما قبلها أن قريشًا واليهود سألت رسول الله - ﷺ - عن قصة يوسف وإخوته مُعنَتين، فشرحها شرحًا شافيًا، وهو يؤمل أن يكون سببًا لإيمانهم، فخالفوا ظنه وحزن رسول الله - ﷺ - لذلك فعزاه الله بقوله: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ أي: لا يدخل في الإيمان كل من يكشف له دلائل الحق، ويقيم عنده أعلام الصدق، حتى يشاء الله ذلك، وقال أبو إسحاق معناه (٤): وما أكثر الناس بمؤمنين ولو حرصت على (٥) أن تهديهم؛ لأنك لا تهدي من أحببت، ولكن الله\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٣٠.\n(٢) الطبري ١٣/ ٧٦، وابن المنذر وابن أبي حاتم ٧/ ٢٢٠٦ عن قتادة وأبو الشيخ كما في \"الدر\" ٤/ ٧٤، وانظر: البغوي ٤/ ٢٨٢، و\"زاد المسير\" ٤/ ٢٩٣، والقرطبي ٩/ ٢٧١، و\"تفسير عطاء\" ص ٧٨.\n(٣) \"زاد المسير\" ٤/ ٢٦٣، والرازي ١٨/ ٢٢٣، و\"البحر\" ٦/ ٣٣٠.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٣٠.\n(٥) في (ب): زيادة (آمنوا) بعد على.","vol":"12","page":257},{"text":"يهدي من يشاء.\nقال أبو بكر (١): وجواب (لو) محذوف على تقدير وما أكثر الناس بمؤمنين، ولو حرصت على إيمانهم ما آمنوا، ولا يجوز أن يكون جواب (لو) مقدمًا عليها، من قال: لو قمت قمت، لا يقول: قمت لو قمت؛ لأن جواب لو مبني على التأخير. وقال الفراء في المصادر (٢): يقال حرص يحرَص حرصًا، ولغة أخرى قليلة: حرِص يحرِص حرصًا، ومعنى الحرص: طلب الشيء باجتهاد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1814>١٠٤ </span>- قوله تعالى: ﴿وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾ قال أبو إسحاق (٣): وما تسألهم على القرآن وتلاوته وهدايتك إياهم من أجر.\nقال ابن عباس (٤): من مال يعطونك، ﴿إِنْ هُوَ﴾ أي: ما هو ﴿إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾، إلا تذكرة لهم بما هو صلاحهم ونجاتهم من النار، والمعنى: إنا أنزلنا القرآن تذكرة للعالمين، وبعثناك مبلغًا بلا أجر؛ لئلا يمتنعوا من الإجابة لما يلزمهم من الأجر، فيكون أقرب إلى تصديقهم، وهذه الآية تأكيد للأولى؛ لأنه لما ذكر في الأولى أنه لا يؤمن إلا من شاء الله، وإن حرص النبي على ذلك، ذكر في هذه الثانية أنه أزاح العلة في التكذيب برفع الأجر، وانزال القرآن تذكرة وعظة، غير أنه مع هذا كله لا يؤمن إلا من يهديه الله وأراد إيمانه.\n_________\n(١) \"الدر المصون\" ٦/ ٥٦٠.\n(٢) انظر: \"تهذيب اللغة\" (حرص) ١/ ٧٨٦، و\"اللسان\" (حرص) ٢/ ٨٣٥.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٣٠.\n(٤) \"تنوير المقباس\" ص ١٥٤ بنحوه، وابن أبي حاتم ٧/ ٢٢٠٧ بلفظ: عرضًا من عرض الدنيا.","vol":"12","page":258},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1815>١٠٥ </span>- قوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ مضى الكلام في ﴿وَكَأَيِّنْ﴾ في سورة آل عمران (١)، قال المفسرون (٢): آيات السموات: الشمس والقمر والنجوم والسحاب والرياح والأمطار، وكلها تجري بالمشاهدة مجرى القريب غير (٣) القاصي، وآيات الأرض: البحار والجبال والشجر والثمر، ومعنى ﴿يَمُرُّونَ عَلَيْهَا﴾: يتجاوزونها غير مفكرين ولا معتبرين.\nقال أبو إسحاق (٤): معناه: وكم من آية في السموات والأرض، تدلهم على توحيد الله، من أمر السماء وأنها بغير عمد لا تقع على الأرض، وفيها أعظم البرهان على أن لها (٥) خالقًا، وكذلك فيما يشاهد في الأرض من نباتها وبحارها وجبالها.\nوقال عطاء عن ابن عباس (٦) والكلبي (٧): آيات الأرض آثار عقوبات (٨) الأمم السالفة يمر أهل مكة على آثارهم إذا سافروا، ولا تتحرك أفئدتهم ولا يتعظون (٩)، هذا معنى قوله: ﴿وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ﴾.\n_________\n(١) عند قوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ [آية: ١٤٦].\n(٢) الطبري ١٣/ ٧٦.\n(٣) في (ج): (عن).\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٣١.\n(٥) في (أ)، (ج): (الهًا). في \"معاني الزجاج\": وفيها أعظم البرهان والدليل على أن الذي خلقها واحد. وأن خالقًا، وكذلك فيما يشاهد.\n(٦) القرطبي ٩/ ٢٧٢.\n(٧) انظر: \"البحر المحيط\" ٥/ ٣٥١.\n(٨) في (ج): زيادة (في).\n(٩) في (ج): (ولا يعظو) من غير نون.","vol":"12","page":259},{"text":"وقال أبو إسحاق (١): أي لا يفكرون فيما يدلهم على توحيد الله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1816>١٠٦ </span>- قوله تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ قال المفسرون: لما سمع المشركون ما قبل هذه الآية قالوا: فإنا نؤمن بالله الذي خلق هذه الأشياء، فأنزل الله هذه الآية. قال ابن عباس (٢) ومجاهد (٣) وقتادة (٤): وما يؤمن أكثرهم في إقراره بأن الله -﷿- خلقه وخلق السموات والأرض، إلا وهو مشرك بعبادة الوثن، ونحو هذا قال عكرمة (٥) والشعبي (٦)، وعلى هذا المعنى: أنهم كانوا يعترفون بأن الله خالقهم ورازقهم، ويجعلون له شركاء من الأصنام، قال الله: ﴿إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ يعني: إلا وهم جاعلون (٧) له شركاء في حال إيمانهم به، وهذا القول اختيار الفراء (٨) والزجاج (٩).\nوقال ابن عباس (١٠) في رواية الضحاك: نزلت هذه الآية في تلبية مشركي العرب، وذلك أنهم كانوا يقولون: لبيك لا شريك لك، إلا شريك هو لك، تملكه وما ملك، فبين الله -﷿- أنهم كانوا يجعلون له شريكًا وقت تعبدهم وتقربهم إليه.\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٣١.\n(٢) الطبري ١٣/ ٧٧، وابن أبي حاتم ٧/ ٢٢٠٧، وأبو الشيخ كما في \"الدر\" ٤/ ٧٥، و\"زاد المسير\" ٤/ ٢٩٤.\n(٣) الطبري ١٣/ ٧٧، وابن المنذر وابن أبي حاتم ٧/ ٢٢٠٧.\n(٤) الطبري ١٣/ ٧٨، وعبد الرزاق ٢/ ٣٢٨، و\"زاد المسير\" ٤/ ٢٩٣.\n(٥) الطبري ١٣/ ٧٧، ٧٨، والثعلبي ٧/ ١١٥ أ، و\"زاد المسير\" ٤/ ٢٩٣.\n(٦) الطبري ١٣/ ٧٧، ٧٨، والثعلبي ٧/ ١١٥ ب، و\"زاد المسير\" ٤/ ٢٩٣.\n(٧) في (ج): (عاجلون).\n(٨) \"معاني القرآن\" ٢/ ٥٥.\n(٩) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٣١.\n(١٠) الثعلبي ٧/ ١١٥ ب، و\"زاد المسير\" ٤/ ٢٩٤، والبغوي ٤/ ٢٨٣.","vol":"12","page":260},{"text":"وشرح ابن عباس (١) في رواية عطاء شرحًا شافيًا فقال: قال أهل مكة: ربنا وحده لا شريك له، والملائكة بناته فلم يؤمنوا، وقال عبدة الأصنام: ربنا الله وحده والأصأم شفعاؤنا عنده، فلم يؤمنوا. وقالت اليهود: ربنا الله وحده وعزير ابنه، فلم يؤمنوا، وقالت النصارى: ربنا الله وحده والمسيح ابنه، فلم يؤمنوا، وقال عبدة الشمس والقمر: ربنا الله وحده وهؤلاء يشفعون، فلم يؤمنوا، وقال المهاجرون والأنصار: ربنا الله وحده لا شريك له، فآمنوا وصدقوا.\nقال أبو علي الفارسي (٢) في هذه الآية: ليس المؤمن هاهنا الذي آمن حقيقة، ولكن المعنى: أن أكثرهم مع إظهارهم الإيمان بألسنتهم مشركون، وقد يطلق على المُظْهر الإيمانَ بلسانه اسم مؤمن، ولا يجوز أن يراد بذلك المدح، وكان الاسم البخاري على الفعل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1817>١٠٧ </span>- قوله تعالى (٣): ﴿أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ﴾ قال ابن عباس (٤): يريد المشركين ﴿غَاشِيَةٌ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ﴾ عقوبة مجللة تغشاهم وتنبسط عليهم، قال الزجاج (٥): أن يأتيهم ما يغمرهم من العذاب، ﴿أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً﴾ أي: فجأة وبغتة مصدر منصوب على الحال، يقال: بغتهم الأمر بغتًا، إذا فاجأهم من حيث لم يتوقعوا، قال ابن عباس (٦): وذلك لا يكون إلا بغتة، وقد جاء أشراطها مع النبي - ﷺ -.\n_________\n(١) الرازي ١٨/ ٢٢٤.\n(٢) \"الحجة\" ١/ ٢٢٥.\n(٣) (قوله تعالى) ساقط من (ج).\n(٤) الثعلبي ٧/ ١١٦ أ، القرطبي ٩/ ٢٧٣.\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٣١، وفيه أن يأتيهم ما يعجزهم من العذاب، وانظر: \"الدر المصون\" ٦/ ٥٦٠.\n(٦) الثعلبي ٧/ ١١٦ أ، والقرطبي ٩/ ٢٧٣ بنحوه.","vol":"12","page":261},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ قال ابن الأنباري: يجوز أن يكون هذا تأكيدًا لقوله (بغتة) وتشديدًا لتأويلها، ويجوز أن يكون على التقديم بمعنى: أن تأتيهم غاشية من عذاب الله، وهم لا يشعرون وقوعها بهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1818>١٠٨ </span>- قوله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي﴾ قال المفسرون (١): قل لهم يا محمد هذه الدعوة التي أدعو إليها، والطريقة التي أنا عليها سبيلي، قال ابن زيد (٢): سُنَّتي ومنهاجي.\nوقال مقاتل (٣): ديني، وسمى الدين سبيلًا لأنه الطريق الذي يؤدي إلى الثواب، ومثله قوله: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ﴾ [النحل: ١٢٥] أي: إلى دينه\nقال أبو علي (٤): معنى السبيل في اللغة المدرجة والممر، ثم أشيع فيه حتى استعمل في المعتقدات والآراء في الديانات وغيرهما، كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا﴾ [الأعراف: ١٤٦] الآية.\nوقولى تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي﴾ أي: معتقدي، وفسر السبيل بقوله: ﴿أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا﴾ قال ابن عباس (٥): يريد على دين ويقين، والبصيرة: المعرفة التي يميز بها الحق من الباطل، ومضى الكلام في هذا عند قوله: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الأنعام: ١٠٤].\n_________\n(١) الطبري ١٣/ ٧٩، والثعلبي ٧/ ١١٦أ، والبغوي ٤/ ٢٨٤، و\"زاد المسير\" ٤/ ٣٩٥.\n(٢) الطبري ١٣/ ٨٠، وابن أبي حاتم ٧/ ٢٢٠٩، وانظر: \"الدر\" ٤/ ٧٦، والثعلبي ٧/ ١١٦ أ، والقرطبي ٩/ ٢٧٤، و\"البحر المحيط\" ٥/ ٣٥٣.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ١٥٨ أ، والثعلبي ٧/ ١١٦ ب.\n(٤) \"المسائل الحلبيات\" ص. ٢٠.\n(٥) البغوي ٤/ ٢٨٤، وابن عطية ٨/ ٩٥.","vol":"12","page":262},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ يجوز أن يكون (من) عطفًا على المضاف إليه في: ﴿سَبِيلِي﴾ فيكون في [محل الخفض، ويجوز أن يكون عطفًا على الضمير في: ﴿أَدْعُو﴾ فيكون في] (١) موضع الرفع، ويكون المعنى: أدعو إلى الله أنا ومن اتبعني يدعو إلى الله، وهذا معنى قول الكلبي (٢) وابن زيد (٣)، فالأحق على من اتبعه أن يدكو إلى ما دعا إليه ويذكر بالقرآن والموعظة، وينهى عن معاصي الله، وهذا الوجه اختيار الفراء (٤) قال: ومن اتبعني يدعو إلى الله كما أدعو (٥).\nقال ابن الأنباري (٦): وليس من مؤمن إلا وهو يدعو إلى الله جل وعلا، من قبل أنه لا يخلو من تلاوة القرآن، وكل آية من القرآن تدعو إلى الله -﷿- وبينة على صدق الرسول -ﷺ-، قال: ويجوز أن ينقطع الكلام عند قوله (الله) ثم ابتدأ فقال: ﴿عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ فيرتفع من بالنسق على (أنا) وترتفع (أنا) بعلى لأنهما ابتداء وخبر، وهذا معنى قول ابن عباس (٧): قال يعني أصحاب محمد -ﷺ- الذين آمنوا معه، كانوا على أحسن طريقة وأقصد هداية.\n_________\n(١) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).\n(٢) \"تنوير المقباس\" ص ١٥٤، والثعلبي ٧/ ١١٦ ب.\n(٣) الثعلبي ٧/ ١١٦ب.\n(٤) \"معاني القرآن\" ٢/ ٥٥.\n(٥) في (أ)، (ج) تكرار: قال ابن الأنباري: وليس من مؤمن إلا وهو يدعو إلى الله كما أدعو.\n(٦) \"زاد المسير\" ٤/ ٢٩٥.\n(٧) الثعلبي ٧/ ١١٦ ب، وابن أبي حاتم ٤/ ٢٤٧ أ.","vol":"12","page":263},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَسُبْحَانَ اللَّهِ﴾ عطف على قوله: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي﴾ أيَ: قل هذه سبيلي، وقك سبحان الله تنزيهًا لله عما أشركوا، ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ الذين اتخذوا مع الله ضدًا أو ندًا أو كفوًا أو ولدًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1819>١٠٩ </span>- قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا﴾ قال ابن عباس (١): يريد ليس فيهم امرأة ﴿نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ قال: يريد أهل المدائن؛ لأن الله تعالى لم يبعث نبيًا من بادية، وقال الحسن (٢): لم يبعث الله نبيًا من أهل البادية قط ولا من الجن ولا من النساء.\nوقال المفسرون (٣): أهل الأمصار أحدّ فطنًا وأعلم وأشدّ تيقظًا، إذ سكن البادية يغلب عليهم القسوة والجفاء، وقد قال النبي - ﷺ -: \"من بدا جفا، ومن أَتبع الصيد غفل، ومن لزم أبواب الملوك افتتن\" (٤) وفي هذا رد لإنكارهم نبوته، يقول: لم يبعث قبلك إلا رجالًا، فكيف تعجبوا من إرسالنا إياك، ومن قبلك من الرسل كانوا على مثل حالك، ومن قبلهم من الأمم المكذبة كانوا على مثل حالهم، فأهلكناهم، فذلك قوله: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ هو يعني: المشركين المنكرين لنبوة محمد - ﷺ -، يقول: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا﴾ إلى مصارع الأمم المكذبة فيعتبروا بهم.\n_________\n(١) \"البحر المحيط\" ٥/ ٣٥٣، و\"زاد المسير\" ٤/ ٢٩٥، وابن كثير ٢/ ٥٤٤، والقرطبي ٩/ ٢٧٤.\n(٢) \"زاد المسير\" ٤/ ٢٩٥، والقرطبي ٩/ ٢٧٤، وابن عطية ٨/ ٩٦.\n(٣) الطبري ١٣/ ٨٠، وهو مروي عن قتادة، والثعلبي ٧/ ١١٦ ب، والبغوي ٤/ ٢٨٥، وابن عطية ٨/ ٩٦، وابن أبي حاتم ٧/ ٢٢١٠.\n(٤) أخرجه أحمد في \"المسند\" ٢/ ٣٧١، ٢/ ٤٤٠، عن أبي هريرة، وفي ٤/ ٢٩٧ عن البراء، وصحح أحمد شاكر إسناده تحت رقم: (٨٨٢٣)، ١٧/ ٢٤، وانظر: \"صحيح الجامع\" (٦١٢٣)، (٦١٢٤).","vol":"12","page":264},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَلَدَارُ الْآخِرَةِ﴾ قال الفراء (١): أضيفت الدار إلى الآخرة، وهي الآخرة، وقد تضيف العرب الشيء إلى نفسه، إذا اختلف اللفظ، كقوله: ﴿حَقُّ الْيَقِينِ﴾ [الواقعة: ٩٥]، ويوم الخميس، وجميع الأيام يضاف إلى أنفسها لاختلاف لفظها.\nوقال أبو إسحاق (٢) المعنى: دار الحال الآخرة؛ لأن للناس حالين: حال الدنيا وحال الآخرة، ومثله قولهم: صلاة الأولى، أي: صلاة الفريضة الأولى، والساعة الأولى، هذا كلامه، وقد ذكرنا نحو هذا في سورة الأنعام لتوجيه قراءة ابن عامر (٣).\nوقال ابن الأنباري (٤): الدار يعني بها الجنة، وهذا قول ابن عباس (٥) في هذه الآية قال: الدار هي الجنة، والآخرة يقصد بها: قصد المدة وتلخيصها: ولجنة (٦) المدة الآخرة، والأمة الآخرة، يعني بالأمة: الزمان، خير للمتقين.\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" ٢/ ٥٥.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٣١.\n(٣) عند قوله تعالى: ﴿وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ﴾ [الأنعام: ٣٢]، قال هنالك: قرأ ابن عامر: (ولدار الآخرة) بالإضافة، قال الفراء: يضاف الشيء إلى نفسه إذا اختلف اللفظان، كقولهم: بارحة الأولى، ويوم الخميس، وحق اليقين. فإذا اتفقا لم تقل العرب: حق الحق ولا يقين اليقين. وعند البصريين لا يجوز إضافة الثسيء إلى نفسه وإن اختلف اللفظ، وقالوا في قراعه ابن عامر: لم يجعل (الآخرة) صفة (للدار) لأن الشيء لا يضاف إلى نفسه، ولكنه جعلها صفة الساعة وكأنه قال: ولدار الساعة الآخرة.\n(٤) انظر: القرطبي ٩/ ٢٧٥.\n(٥) \"تنوير المقباس\" ص ١٥٤\n(٦) في (ج): (والجنة).","vol":"12","page":265},{"text":"وهذا الذي قاله أبو بكر إنما هو على مذهب البصريين؛ لأن عندهم لا يجوز إضافة الشيء إلى نفسه وإن اختلف اللفظان (١)، وقال على مذهب الكوفيين: الدار نوع والآخرة جنس، وكانت إضافة النوع إلى الجنس يجري مجرى قولهم: قميص وَشْي، وجبَّة خَزّ إذ القميص من الوشي، فكانت الدار كأنها بعض الآخرة، إذ الآخرة يقع على معان كثيرة ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ هذا فتؤمنوا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1820>١١٠ </span>- قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ﴾ الآية، (حتى) هاهنا حرف من حروف الابتداء يستأنف بعدها كما يستأنف بعد \"أما، وإذا\"، وذلك أن (حتى) لها ثلاثة أحوال: إما أن تكون جارة، أو عاطفة، [أو كانت من حروف الابتداء، وليست هاهنا جارة ولا عاطفة] (٢)، وحيث ينصب الفعل إنما ينصبه بإضمار أن، ومما جاء فيه (حتى) حرفًا مبتدأ كقوله (٣):\nوحَتّى الجِيَادُ ما يُقَدْنَ بأرْسَانِ (٤)\nألا ترى أنها ليست عاطفة لدخول حرف العطف عليها، ولا جارة\n_________\n(١) \"إعراب القرآن\" للنحاس ٢/ ١٦٠، و\"البحر المحيط\" ٥/ ٣٥٣، والقرطبي ٩/ ٢٧٥، وابن عطية ٨/ ٩٨.\n(٢) ما بين المعقوفتين في (ب)، وهو ساقط من (أ)، (ج).\n(٣) في (أ)، (ج): (وقوله تعالى).\n(٤) البيت لامرئ القيس، وصدره:\nسريتُ بهم حتى تكلَّ مطيُّهُمْ\nوهو في \"ديوانه\" ص ٩٥، و\"الدر\" ٦/ ١٤١، و\"شرح أبيات سيبويه\" ٢/ ٤٢٠، و\"الكتاب\" ٣/ ٢٧، و\"اللسان\" (غزا)، و\"شرح شواهد الإيضاح\" ص ٢٢٨، و\"شرح شواهد المغني\" ١/ ٣٧٤، و\"شرح المفصل\" ٥/ ٧٩.","vol":"12","page":266},{"text":"لارتفاع الاسم بعدها، ومثله (١):\nحتى إذا سَلَخَا جُمَادَى ستةً ... جَزَءًا فطالَ صيامُه وصيامُها\nومعني قوله: ﴿اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ﴾ أي من إيمان قومهم، قال ابن عباس (٢): يريد من قومهم أن يؤمنوا، وذكرنا الكلام في: ﴿اسْتَيْأَسَ﴾ عند قوله: ﴿فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ﴾ [يوسف: ٨٠].\nوقوله تعالى: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾ أي: أيقنوا أن قومهم قد كذبوهم، وهذا معنى قول عطاء (٣) وقتادة (٤) والحسن (٥). وأكثر من قرأ (٦) (كُذِّبوا) بالتشديد، وقالت عائشة (٧) ﵂: ما زال النبلاء بهم حتى\n_________\n(١) البيت للبيد وهو من معلقته البيت رقم (٢٨) في \"شرح ديوانه\" ص ٣٠٥، و\"تهذيب اللغة\" (سلخ) ٢/ ١٧٣١، و\"اللسان\" ٤/ ٢٠٦٣، و\"تاج العروس\" (سلخ) ٤/ ٢٧٧، و(جمادى) ستة هي جمادى الآخرة، وهي تمام ستة أشهر من أول السنة.\n(٢) الطبري ١٣/ ٨٣، وأبو عبيد وسعيد بن منصور والنسائي في \"الكبرى\" ٦/ ٣٦٩ (١١٢٥٦)، وابن المنذر وابن أبي حاتم ٧/ ٢٢١١، وأبو الشيخ وابن مردويه كما في \"الدر\" ٤/ ٧٧، والثعلبي ٧/ ١١٧ ب، و\"زاد المسير\" ٤/ ٢٩٦.\n(٣) \"زاد المسير\" ٤/ ٢٩٦.\n(٤) الطبري ١٣/ ٨٨، وعبد الرزاق ٢/ ٣٢٩، والثعلبي ٧/ ١١٨ أ، والبغوي ٤/ ٢٨٦.\n(٥) الطبري ١٣/ ٨٨، و\"زاد المسير\" ٤/ ٢٩٦.\n(٦) قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر ﴿كُذِبُوا﴾ الشديد، وقرأ حمزة والكسائي وعاصم ﴿كُذِبُوا﴾ بالتخفيف. وكلهم بضم الكاف.\nانظر: \"السبعة\" ص ٣٥١، ٣٥٢، و\"إتحاف\" / ٢٦٨، والطبري ١٣/ ٨٥، ٨٧، وابن عطية ٩/ ٣٩٢، و\"البحر\" ٥/ ٣٥٤.\n(٧) الطبري ١٣/ ٨٧، وأبو عبيد والبخاري (٤٦٩٥) كتاب التفسير، باب قوله ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ﴾ والنسائي في \"الكبرى\" ٦/ ٣٦٩ (١١٢٥٤)، وابن المنذر وابن أبي حاتم ٧/ ٢٢١١، وأبو الشيخ وابن مردويه كما في \"الدر\" ٤/ ٧٧، والثعلبي ٧/ ١١٨أ.","vol":"12","page":267},{"text":"ظنوا أن من آمن بهم من أتباعهم قد كذبهم (١) فأتاهم نصر الله عن ذلك، وعلى هذا القول: الظن بمعنى الحسبان، والتكذيب مظنون من جهة من آمن بهم، والمعنى: ظنت (٢) الرسل ظن حسبان أن أتباعهم من الأمم قد كذبتهم في وعد الظفر والنصر لإبطائه وتأخيره عنهم، وطول البلاء بهم، لا أنهم كذبوهم في كونهم رسلًا، وهذا التكذيب أيضًا لم يحصل من أتباعهم المؤمنين؛ لأنه لو حصل لكان نوع كفر، ولكن الرسل ظنت بهم ذلك لبُطء النصر، وعلى القول الأول الظن بمعنى: اليقين والتكذيب المتيقن من جهة الكفار، وعلى القولين جميعا الكناية في (ظنوا) للرسل.\nوقرأ أهل الكوفة (كُذِبوا) مخففة، ومعناه: ظن الأمم أن الرسل كذبوهم فيما أخبروهم به من نصر الله إياهم وإهلاك أعدائهم، هذا معنى قول ابن عباس (٣) وابن مسعود (٤) وسعيد بن جبير (٥) ومجاهد (٦) وابن زيد (٧) والضحاك (٨) وعامة المفسرين وأهل المعاني (٩).\n_________\n(١) في (ب): (كذبوهم).\n(٢) في (أ)، (ج): ﴿ظَنَنتُ﴾ بنونين.\n(٣) الطبري ١٣/ ٨٢ - ٨٧، وأبو عبيد وسعيد بن منصور والنسائي في \"الكبرى\" ٦/ ٣٦٩ (١١٢٥٦)، وابن المنذر وابن أبي حاتم ٧/ ٢٢١٢، وأبو الشيخ وابن مردويه كما في \"الدر\" ٤/ ٧٧.\n(٤) الطبري ١٣/ ٨٥، وعبد الرزاق ٢/ ٣٢٩، وسعيد بن منصور وابن المنذر والطبراني وأبو الشيخ كما في \"الدر\".\n(٥) الطبري ١٣/ ٨٤ - ٨٦، وأبو الشيخ، وابن المنذر كما في \"الدر\" ٤/ ٧٧.\n(٦) الطبري ١٣/ ٨٤.\n(٧) الطبري ١٣/ ٨٤ - ٨٥.\n(٨) الطبري ١٣/ ٨٥.\n(٩) الطبري ١٣/ ٨٥، والثعلبي ٧/ ١١٧ أ، والبغوي ٤/ ٢٨٦، و\"زاد المسير\" ٤/ ٢٩٦، وابن عطية ٨/ ١٠٠، و\"البحر المحيط\" ٥/ ٣٥٤، والقرطبي ٩/ ٢٧٥، و\"معاني الفراء\" ٢/ ٥٦، و\"معاني الزجاج\" ٣/ ١٣٢.","vol":"12","page":268},{"text":"و(كُذبوا) من قولهم: كذبتك الحديث، أي: لم أصدقك، ومنه قوله تعالى (١): ﴿وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [التوبة: ٩٠]، قال أبو علي (٢): والضمير في قوله: ﴿وَظَنُّوا﴾ على هذه القراءة للمرسل إليهم، لتقدير ظن المرسل إليهم أن الرسل كذبوهم فيما أخبروهم به، من أنهم لم يؤمنوا بهم نزل بهم العذاب وإنما ظنوا ذلك لما شاهدوا من إمهال الله إيماهم، ولا يمتنع حمل الضمير في ﴿وَظَنُّوا﴾ هو على المرسل إليهم وإن لم يتقدم ذكرهم؛ لأن ذكر الرسل يدل على المرسل إليهم، وإن شئت قلت: إن ذكرهم جرى في قوله: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [يوسف: ١٠٩] فيكون الضمير للذين من قبلهم من مكذبي الرسل، والظن هاهنا على معنى: التوهم والحسبان.\nوهذا معنى ما روى سفيان عن أبي حصين (٣) عن عمران بن الحارث (٤) عن ابن عباس (٥) أنه قال: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ﴾ من قومهم\n_________\n(١) (تعالى) ساقط من (أ)، (ج).\n(٢) \"الحجة\" ٤/ ٤٤٢.\n(٣) هو عثمان بن عاصم بن حصين الأسدي الكوفي، روى له الجماعة، ثقة ثبت سنّي، ربما دلّس، توفي سنة ١٢٧ هـ. انظر: \"التقريب\" ص ٣٨٤ (٤٤٨٤).\nوفي رواية الطبري حصين بدل أبي حصين، وحصين هذا هو حصين بن عبد الرحمن السلمي، أبو الهذيل الكوفي، ثقة تغيّر حفظه في الآخر، روى له الجماعة، توفي سنة ١٣٦ هـ، انظر: \"التقريب\" ص ١٧٠ (١٣٦٩).\n(٤) عمران بن الحارث السلمي، أبو الحكم الكوفي: ثقة، روى لي مسلم والنسائي، روى عن ابن عباس. انظر: \"التقريب\" ص ٤٢٩ (٥١٤٧). وهذا الإسناد صحيح.\n(٥) الطبري ١٣/ ٨٢، وفي الرواية سفيان، عن حصين، عن عمران، عن ابن عباس.","vol":"12","page":269},{"text":"الإجابة، وظن القوم أن الرسل قد كُذِبُوا فيما وعدوا من نصرهم وإهلاك من كذبهم، والثاني: وتيقن الرسل أنهم قد كُذِبُوا في وعد قومهم إياهم الإيمان: أي وعدوا أن يؤمنوا ثم لم يؤمنوا.\nوالأول هو قول سعيد بن جبير (١) رواه إسماعيل بن علية (٢) عن أبي المعلى (٣) عنه.\nوروى ابن أبي مليكة عن ابن عباس (٤): أنه قرأ: (وظنوا أنهم كذبوا) يذهب إلى أن الرسل ضُعفوا، فظنوا أنهم قد خُلفوا، قال ابن عباس (٥): وكانوا بشرًا.\nقال أبو بكر بن الأنباري: وهذا غير معول عليه من جهتين: إحداهما (٦): أن التفسير فيه ليس عن ابن عباس، لكنه من [متأول] تأوله عليه، والأخرى: أن في قوله: ﴿جَاءَهُمْ نَصْرُنَا﴾ دلالة على أن أهل الكفر لما ظنوا ما لا يجوز ظن مثله واستضعفوا رسل الله، نصر الرسل ولو كان\n_________\n(١) في الطبري ١٣/ ٨٤، رواية إسماعيل بن علية، عن كلثوم بن جبر، عن سعيد (٢٠٠٠٧)، وفي رواية أخرى: وهيب، عن أبي المعليّ العطار، عن سعيد (٢٠٠١٠).\n(٢) هو إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم الأسدي مولاهم، أبو بشر البصري، المعروف بابن عُليّه، ثقة حافظ، روى له الجماعة، توفي سنة ١٩٣ هـ.\nانظر: \"التقريب\" ص ١٠٥ (٤١٦).\n(٣) هو يحيي بن ميمون الضبي، أبو المعلي العطار الكوفي، ثقة، روى له البخاري تعليقًا، والنسائي وابن ماجه، توفي سنة ١٣٢ هـ.\nانظر: \"التقريب\" ص ٥٩٧ (٧٦٥٨).\n(٤) الطبري ١٣/ ٨٧.\n(٥) الطبري ١٣/ ٨٧.\n(٦) في (ج): (إحديهما).","vol":"12","page":270},{"text":"الظن للرسل كان ذلك منهم خطأً عظيمًا لا يستحقون ظفرًا ولا نصرًا، وتنزيه الأنبياء وتطهيرهم واجب علينا إذا وجدنا إلى ذلك سبيلًا.\nوقال أبو إسحاق (١) منكرًا لهذا التفسير: وذلك بعيد في صفة الرسل. يروى عن عائشة (٢) أن النبي - ﷺ - لم يوعد بشيء يخلف فيه، وعنها (٣) أيضًا أنها قالت: معاذ الله أن تظن الرسلُ هذا بربها.\nقال أبو علي (٤): وإن ذهب ذاهب إلى أن المعنى: ظن الرسل أن الذي وعد الله أممهم على لسانهم قد كذبوا، فقد أتى عظيمًا لا يجوز أن ينسب مثلُه إلى الأنبياء، لأن الله سبحانه لا يخلف الميعاد ولا مبدل لكلماته، هذا قول من أنكر هذه الرواية.\nوقال الأزهري (٥): إن صح هذا عن ابن عباس فوجهه عندي -والله أعلم- أن الرسل خطر في أوهامهم ما يخطر في أوهام البشر، من غير أن حققوا تلك الخواطر، ولم يكن ظنهم ظنًّا اطمأنوا إليه، ولكن كان (٦) ظنًا بخاطر، وقد روينا عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"تجاوز الله عن أمتي ما حدثت به أنفسها، ما لم ينطق به لسان أو تعمله يد\" (٧).\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٣٢.\n(٢) الطبري ١٣/ ٨٧، وصححه أحمد شاكر في تعليقه، و\"الفتح\" ٨/ ١٤٠.\n(٣) الطبري ١٣/ ٨٧، وابن أبي حاتم ٧/ ٢٢١١، وأخرجه البخاري (٤٦٩٥) كتاب التفسير باب: قوله ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ﴾، والحاكم في \"المستدرك\" ٣/ ٣٤٩، وقال على شرط الشريخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.\n(٤) \"الحجة\" ٤/ ٤٤٣.\n(٥) \"تهذيب اللغة\" (كذب) ٤/ ٣١١٥.\n(٦) في \"التهذيب\" ٤/ ٣١١٥: ونكنه كان خاطرًا بغلبة اليقين.\n(٧) أخرجه الترمذي بلفظه (١١٨٣) الطلاق واللعان، باب: ما جاء فيمن يحدث نفسه بطلاق امرأته، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وبنحوه في البخاري، (٢٠٢٨) كتاب العتق باب: الخطأ والنسيان في العتاقة، والطلاق وفي مسلم (١٢٧) كتاب: الأيمان، باب تجاوز الله عن حديث النفس والخواطر بالقلب إذا لم تستقر.","vol":"12","page":271},{"text":"وقوله تعالى: ﴿جَاءَهُمْ نَصْرُنَا﴾ قال ابن عباس (١): يريد نصر النبيين.\n﴿فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ﴾ كتبت في المصحف بنون واحدة كراهة لاجتماع المثلين، كما كتبوا: الدنيا والعليا ومحيا ونحو ذلك، بالألف؛ كراهة لاجتماع المثلين، ولولا ذلك لكتبت بالياء كما كتبت: حبلى ونخشى، وما لم يكن فيه ياء من هذا النحو بالياء، فلما كرهوا اجتماع المثلين في الخط حذفوا النون، وقوى ذلك أنه لا يكون في هذه النون إلا الإخفاء ولا يجوز البيان؛ لأنها لا تتبين عند حروف الفم فأشبه بذلك الإدغام؛ لأن الإخفاء لا يتبين فيه الحروف المخففة (٢) كما أن الإدغام لا يتبين فيه الحرف المدغم بيانه في غير الإدغام، فلما وافوا هذه النون المدغم استحبوا حذفه من الخط، ولأجل (٣) هذه [السورة من الخط قرأ عاصم (فُنُجِّي) (٤) مشدّدة الجيم مفتوحة الياء بنون واحد، وقوى هذه] (٥) القراءة أنه عُطِفَ عليه فعل\n_________\n(١) الطبري بلفظ فينصر الله الرسل ١٣/ ٨٣.\n(٢) في (ب): (المخفا الصحيح).\n(٣) في (ج): (لأجل) من غير واو.\n(٤) قرأ ابن عامر وعاصم (فنُجِّي) مشددة الجيم مفتوحة الياء بنون واحدة، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وحمزة والكسائي (فنُنْجي) بنونين الأول مضمومة والثانية ساكنة والياء ساكنة وروى عن أبي عمرو (فَنَّجِّي) يدغم. انظر: \"السبعة\" ص ٣٥٢، و\"إتحاف\" /٢٦٨، والطبري ١٣/ ٨٩، و\"البحر\" ٥/ ٣٥٥.\n(٥) ما بين المعقوفين في (ب) وساقط من (أ)، (ج).","vol":"12","page":272},{"text":"مسند إلى المفعول وهو قوله: ﴿وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ وأما قراءة العامة ﴿فننجي من نشاء﴾ وقال أبو علي (١): هو حكاية حال، ألا ترى أن القصة فيما مضى، وإنما حكى فعل الحال على ما كانت، كما أن قوله: ﴿هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ﴾ [القصص: ١٥] أشار إلى الحاضر والقصة ماضية لأنه حكى الحال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1821>١١١ </span>- قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ﴾ قال ابن عباس (٢): يريد إخوة يوسف وهم الأسباط، \"عبرة\" قال (٣): يريد فكرة، قال ابن الأنباري: معنى الاعتبار عند أهل اللغة: الاستعلام للشيء بالدلائل والشواهد من خواطر العقول وغيرها، يقول الرجل لغيره: اذهب فاعتبر وزن هذا الدرهم، يريد: استعمله وابحث عن خبره، وهذا يرجع إلى الفكر الذي فسره ابن عباس.\nوقال غيره (٤): معنى الاعتبار التدبر والنظر في الأمر كقوله تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ (٥) أي: تدبروا وانظروا فيما نزل بقريظة والنضير، فقايسوا أفعالهم واتعظوا بالعذاب الذي نزل بهم.\nوقال أبو الهيثم (٦): العابر الذي ينظر في الكتاب فيعبره، أي: يعتبر\n_________\n(١) \"الحجة\" ٤/ ٤٤٥.\n(٢) \"تنوير المقباس\" ص ١٥٤، وانظر: الثعلبي ٧/ ١١٨ ب، والبغوي ٤/ ٢٨٧، و\"زاد المسير\" ٤/ ٢٩٧.\n(٣) الطبري ١٦/ ٣١٢، وابن أبي حاتم ٧/ ٢٢١٣، وأبو الشيخ عن ابن عباس: معرفه، كما في \"الدر\" ٤/ ٨٧.\n(٤) انظر \"تهذيب اللغة\" (عبر) ٣/ ٣٣٠٥ - ٣٣٠٦، و\"اللسان\" (عبر) ٥/ ٢٧٨٣.\n(٥) الحشر: ٢، وفي جميع النسخ: يا أولي الألباب، وهو خطأ.\n(٦) \"تهذيب اللغة\" (عبر) ٣/ ٢٣٠٥.","vol":"12","page":273},{"text":"بعضه ببعض حتى يقع فهمه عليه، وهذا كله راجع إلى معنى الفكرة، والتدبر أخذ من العبرة وهو الجانب، كأن المعبر باستدلاله وتفكره يعبر عن جانبه الذي هو فيه إلى جانب البصيرة والعلم، فمعنى العبرة: الدلالة التي بها يعبر إلى العلم والبصيرة من الجهل والحيرة، والعبارة دلالة يعبر المعني من نفس القائل إلى نفس السامع، وقد ذكرنا نحو هذا عند قوله: ﴿لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾ [يوسف: ٤٣].\nقال أهل المعاني (١): ووجه الاعتبار بقصصهم هو أن الذي قدر على إعزاز يوسف بعد إلقائه في الجب، وإعلائه بعد حبسه في السجن، وتمليكه مصر بعد أن كان لبعض أهلها في حكم العبد، وجمع بينه وبين والديه وإخوته على ما أحب بعد المدة الطويلة - لقادرٌ على أن يعز محمدًا، ويعلي كلمته، وينصره على من عاداه.\nوقوله تعالى: ﴿لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ إن قيل: إن قوم محمد -ﷺ- كانوا ذوي عقول وأحلام وفيهم من لم يعتبر بهذه القصص فلم عم الله تعالى أهل الألباب بالعبرة؟\nقال أبو بكر بن الأنباري (٢): إن جميعهم عُرِّضوا للاعتبار بما سمعوه، فمنهم من اعتبر، ومنهم من أبى ذلك، إيثارًا لهواه وعنادًا، فلم يخرج عن أن يكون له عبرة لو اعتبر.\nوقال غيره (٣): أراد بأولي الألباب هاهنا: من اعتبر وتفكر وعلم\n_________\n(١) \"زاد المسير\" ٤/ ٢٩٧.\n(٢) الرازي ١٨/ ٢٢٨.\n(٣) انظر: الطبري ١٣/ ٩٠، و\"البحر المحيط\" ٥/ ٣٥٦.","vol":"12","page":274},{"text":"الحق، وذلك أن من لم يعتبر بمثل هذا لا يكون له عقل سليم، فلا يكون من جملة العقلاء الذين يوصفون بالاعتبار.\nوقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى﴾ أي: ما كان قصصهم حديثًا يتقوله بشر، على هذا دل كلام ابن عباس (١): ويجوز أن يكون المعنى: ما كان القرآن حديثًا يفترى، ﴿وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾، أي: من الكتب، أي: يصدق ما قبله من التوراة والإنجيل وغيرها من الكتب، قاله ابن عباس (٢) والحسن (٣) وقتادة.\nونصب (تصديق) على تقدير: ولكن كان تصديق الذي بين يديه، كقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٤٠]: قاله الفراء (٤) والزجاج (٥)، قالا: ويجوز رفعه في قياس النحو على معنى: ولكن هو تصديق الذي بين يديه ﴿وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ يحتاج إليه من أمور الدين من الحلال والحرام والحجاج والاعتبار، هذا إذا قلنا: ما كان القرآن، وإن قلنا: ما كان القصص، فالمعنى: وتفصيل كل شيء من نبأ يوسف وإخوته.\nوهكذا فسر ابن عباس (٦) فقال في رواية عطاء والضحاك:\n_________\n(١) \"تنوير المقباس\" ص ١٥٥.\n(٢) انظر: \"زاد المسير\" ٤/ ٢٩٧، البغوي ٤/ ٢٨٧، ابن كثير ٢/ ٥٤٦.\n(٣) الطبري ١٣/ ٩٠، وأبو الشيخ كما في \"الدر\" ٤/ ٧٨ عن قتادة، وابن أبي حاتم ٧/ ٢٢١٣ عن قتادة.\n(٤) \"معاني القرآن\" ٢/ ٥٦.\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٣٣.\n(٦) \"زاد المسير\" ٤/ ٢٩٨، و\"البحر المحيط\" ٥/ ٣٥٦.","vol":"12","page":275},{"text":"﴿وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ من خبر يوسف وإخوته وأمورهم.\nوعلى التفسيرين جميعًا: قوله ﴿كُلِّ شَيْءٍ﴾ من العام الذي أريد به الخاص كقوله: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٥٦] يريد كل شيء يجوز أن يدخل فيها. وقوله تعالى: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٢٣] أي: من كل شيء يجوز أن يؤتى مثلها.\nوقوله تعالى: ﴿وَهُدًى وَرَحْمَةً﴾ قال ابن عباس (١): يريد بيانًا ورحمةً لقوم يؤمنون: أي يصدقون بما جاء به محمد -ﷺ-.\n_________\n(١) \"زاد المسير\" ٤/ ٢٩٨، و\"تنوير المقباس\" ص ١٥٥","vol":"12","page":276},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1822>سورة الرعد</span>","vol":"12","page":277},{"text":"تفسير سورة الرعد\nبسم الله الرحمن الرحيم\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1823>١ </span>- ﴿المر﴾ قال ابن عباس (١): معناه أنا الله أعلم وأرى، وقال في عطاء (٢): يريد أنا الله الملك الرحمن، ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ﴾ يجوز أن يكون (تلك) إشارة إلى ما مضى، من ذكر الأخبار والقصص بما أنزل على محمد -ﷺ-، قبل هذه الآية، ويجوز أن يكون (تلك) بمعنى هذه، وقد ذكرنا ذلك عند قوله: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ [البقرة:١ - ٢]، والكتاب يعني به: التوراة والإنجيل في قول مجاهد (٣) وقتادة (٤)، وقال ابن عباس (٥): يريد القرآن.\nوقوله تعالى ﴿وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ﴾ قال الفراء (٦): موضع (الذي) رفع بالاستئناف وخبره (الحق)، ويجوز على قول مجاهد أن يكون\n_________\n(١) الطبري ١٣/ ٩١، و\"زاد المسير\" ٤/ ٣٠٠، والثعلبي ٧/ ١١٩ أ، وأبو الشيخ كما في \"الدر\" ٤/ ٨٠.\n(٢) \"زاد المسير\" ٤/ ٣٠٠.\n(٣) الطبري ١٣/ ٩٢، و\"زاد المسير\" ٤/ ٤، والثعلبي ٧/ ١١٩ أ.\n(٤) الطبري ١٣/ ٩٢، و\"زاد المسير\" ٤/ ٤، وأبو الشيخ كما في \"الدر\" ٤/ ٨١، والثعلبي ٧/ ١١٩ أ.\n(٥) \"زاد المسير\" ٤/ ٤، الثعلبي ٧/ ١١٩ أ.\n(٦) \"معاني القرآن\" ٢/ ٥٧.","vol":"12","page":279},{"text":"\"الذي\" عطفًا على الكتاب بمعنى: وآيات الذي أنزل إليك، ثم رفع (١) الحق على معنى: ذلك الحق، أو هو الحق كقوله ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤٦) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ وعلى قول ابن عباس في الكتاب أنه القرآن يجوز أن يكون \"الذي\" من نعت الكتاب، وإن كان فيه الواو كقوله (٢):\nإلى المَلِكِ القَرْمِ وابن الهُمَام ... البيت)\nفعطف الواو وهو يريد واحدًا، ويكون (الحق) مرفوعًا بما ذكرنا من الإضمار، هذا كله قول الفراء (٣) وأبي إسحاق (٤)، وزاد فقال: ويجوز أن يكون \"الذي\" رفعًا (٥) عطفًا على آيات، ويكون (الحق) مرفوعًا على إضمار \"هو\"، فحصل في \"الذي\" وجهان للرفع، ووجهان للخفض.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ قال ابن عباس (٦): يريد أهل مكة لا يؤمنون، وقال صاحب النظم: في هذه الآية، كأن قائلًا قال: الحق غير ما أنزل على محمد، فأجيب عن هذا القول بهذه الآية؛ أي: إن هذه الآيات والذي قبلها هو الحق، لا ما ذهبتم إليه. وهذا الذي ذكره معنى قول مقاتل (٧)، فإنه قال: نزلت هذه الآية حين قال مشركو\n_________\n(١) في (ج): (يرفع).\n(٢) البيت بلا نسبة في \"الإنصاف\" لابن الأنباري ص ٣٧٦، و\"خزانة الأدب\" ١/ ٤٥١، ٥/ ١٠٧، ٦/ ٩١، و\"شرح قطر الندى\" ص ٢٩٥، و\"الكشاف\" ١/ ٤١، و\"البحر\" ٥/ ٢١٣، والقرطبي ١/ ٢٧٢، والطبري ١٣/ ٩٢.\n(٣) معاني القرآن ٢/ ٥٧، ٥٨.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٣٥.\n(٥) كذا في النسخ ولعله (رفع).\n(٦) \"زاد المسير\" ٤/ ٣٠٠.\n(٧) \"تفسير مقاتل\" ١٥٨ ب، الثعلبي ٧/ ١١٩ أ.","vol":"12","page":280},{"text":"مكة: إن محمدًا يقول القرآن من تلقاء نفسه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1824>٢ </span>- قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ﴾ قال أبو إسحاق (١): لما ذكر أنهم لا يؤمنون، عرف الدليل الذي يوجب التصديق بالخالق، فقال: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ الآية، العمد (٢): الأساطين، ومنه قول النابغة (٣):\nيَبْنُون تَدْمُر بالصُّفّاح (٤) والعَمَدِ\nوهو جمع عماد، يقال: عماد، وعُمَد، وعُمُد، مثل إهابٌ، وأهَبٌ وأُهُبٌ، قال ذلك أبو إسحاق (٥) في قوله ﴿عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾ [الهمزة: ٩]، وقال الفراء (٦): العُمُد والعَمَد جمع العمود، مثل أديم وأُدُم، وأدَم، وقَضْم وقُضْم، قُضُم والعماد والعمود ما يعمد به الشيء، يقال: عمدت الحائط أعمده عمدًا، إذا دعمته فاعتمد الحائط على العماد، أي امتسك به، ومن هذا يقال: فلان عمدة قومه؛ إذا كانوا يعتمدونه فيما يحزبهم.\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٣٦.\n(٢) \"تهذيب اللغة\" (عمد) ٣/ ٢٥٦١.\n(٣) عجز بيت للنابغة وصدره:\nوخيس الجن إني قد أذنت لهم\nانظر: \"ديوانه\" ص ١٣، و\"المحرر الوجيز\" ٨/ ١١١، و\"البحر المحيط\" ٥/ ٣٥٧، و\"الدر المصون\" ٧/ ١٠، و\"تهذيب اللغة\" (عمد) ٣/ ٢٥٦١، و\"مختار الشعر الجاهلي\" ١٥٢، و\"اللسان\" (عمد) ٥/ ٣٠٩٧، وخيس: ذلل، تَدْمر: بلدة بالشام، الصفاح: حجارة عراض رقاق.\n(٤) في (أ)، (ب): (بالصفائح).\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣٦٢.\n(٦) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٩١، وفيه: جمعان للعمود.","vol":"12","page":281},{"text":"وقوله تعالى: ﴿تَرَوْنَهَا﴾ فيه ثلاثة أقوال: أحدها أنه كلام مستأنف، والمعنى رفع السموات بغير عمد، ثم قال ﴿تَرَوْنَهَا﴾ أي: وأنتم ترونها كذلك مرفوعة بلا عمد (١).\nقال ابن الأنباري (٢): أفاد بقوله \"ترونها\"، أنهم يرونها بلا دعامة ترفعها، ولا شيء يمسكها من الوقوع، أي الذي تشاهدون من هذا الأمر العظيم وتعاينونه بأبصاركم يغنيكم عن الإخبار وإقامة الدلائل، \"فترونها\" على هذا القول، خبر مستأنف، قال: ويجوز أن يكون ترونها متعلقًا بالسموات، والباء من صلته، وتلخيصه: (ترونها) بغير عمد، فالباء معناها التأخير بعد الرؤية، و\"ترونها\" على هذا في موضع نصب في التقدير على الحال من \"السموات\". لو صرف إلى الدائم لقيل: رأيتها (٣) أنتم بغير عمد، وإذا جعلناه خبرًا مستأنفًا غير متعلق بالباء، كان الباء من صلة الرفع، وقد حصل في \"ترونها\" قولان، وهذا على قول من يقول: إن الله تعالى (٤) خلق السموات بلا عماد من تحتها.\nوهو قول ابن عباس (٥) فيما روى جويبر عن الضحاك عنه قال: يعني ليس من دونها دعامة، ولا فوقها علاقة، وهو قول قتادة (٦) وإياس بن\n_________\n(١) ساقطة من (أ)، (ج).\n(٢) \"الأضداد\" ص ٢٦٨، و\"الوقف والابتداء\" ٢/ ٧٣٠، ٧٣١، و\"زاد المسير\" ٤/ ٣٠١.\n(٣) كذا في جميع النسخ، ولعل الصواب (رأيتموها).\n(٤) (تعالى): ساقطة من (ج).\n(٥) الثعلبي ٧/ ١٩٩ ب.\n(٦) الطبري ١٣/ ٩٤، وعبد الرزاق ٢/ ٣٣١، وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ كما في \"الدر\" ٤/ ٦٠١.","vol":"12","page":282},{"text":"معاوية (١)، ومقاتل (٢) قال: من قائمات ليس لها عمد.\nوالقول الثالث في (ترونها) أنه من نعت العمد، المعنى بغير عمد مرئية، وعلى هذا الجحد الداخل على العمد واقع في المعنى على الرُؤية، والتقدير: رفع السموات بعمد لا ترونها، والعرب قد تقدم الجحد من آخر الكلمةإلى أولها، ويكون ذلك جائزًا كما تقول: لا تكلمن بغير كلام يمله السامع. معناه: بكلام لا يمله السامع، ومنه [قول] ابن هرمة (٣):\nولا أَرَاهَا (٤) تَزَالُ ظَالِمَةً ... يُحْدِثُ لي نَكْبَةً وتَنْكَأُهَا\nأراد: وأراها لا تزال ظالمة، وهذا التقدير على قول من قال: إن للسموات عمدًا ولكنا لا نراها، وهو قول ابن عباس (٥) في رواية، قال: لها عمد على قاف، وهو جبل من زبرجد محيط بالدنيا، ولكنكم لا ترون العمد، وهذا قول مجاهد (٦).\nوأنكر قوم هذا التأويل، وقالوا: لو كان لها عمد لكانت ترى، والله -﷿- إنما دل هذا على قدرته من حيث لا يمكن لأحد أن يقيم جسمًا بغير عمد إلا هو، وما ذكرنا من الأقوال في (ترونها)، والتقديرات فيه، من كلام\n_________\n(١) الطبري ١٣/ ٩٤، و\"الدر المنثور\" ٤/ ٨١، والثعلبي ٧/ ١١٩ ب. وهو: إياس بن معاوية بن قرة بن إياس المزني أبو واثلة، قاضي البصرة، تابعي ثقة فقيه يضرب به المثل في الذكاء والدهاء والعقل والفطنة والفصاحة. توفي سنة ١٢٢ هـ. انظر: \"حلية الأولياء\" ٣/ ١٢٣، و\"تهذيب التهذيب\" ١/ ١٩٧.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ١٥٨ب، ولم أجده فيه.\n(٣) سبق تخريجه.\n(٤) في (ج): (ولال راها).\n(٥) الطبري ١٣/ ٩٤، قال: بعمد لا ترونها، الرازي ١٨/ ٢٣٢.\n(٦) الطبري ١٣/ ٩٣، وابن أبي حاتم كما في \"الدر\" ٤/ ٦٠٠، و\"زاد المسير\" ٤/ ٨١.","vol":"12","page":283},{"text":"الفراء (١) والزجاج (٢) وأبي بكر، وقال الزجاج في (٣) نظم هذه الآية في سورة لقمان: من قال بعمد ترونها، يكون معنى (العمد) قدرته التي يمسك بها السموات والأرض، وهي غير مرئية.\nوقوله تعالى ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ أي بالاستيلاء والاقتدار، ونفوذ السلطان، وأصله استواء التدبير، كما أن أجل القيام الانتصاب، ثم قال قائم بالتدبير، والمعنى: ثم استوى على العرش بالتدبير، للأجسام الذي قد كوّنها، فقوله ﴿ثُمَّ﴾ يدل على حدوث التدبير، والكلام في معنى الاستواء ماض بالاستقصاء في سورة البقرة (٤).\nوقوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ معنى التسخير التذليل، قال أبو إسحاق (٥): كل مقهور مدبّر لا يملك لنفسه ما يخلصه من القهر، فذلك مسخّر، وقال غيره (٦): أصله: سخرت السفينة، إذا أطاعت وطاب لها\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" ٢/ ٥٧.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٣٦.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ١٩٥.\n(٤) عند قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٩]، وخلاصة ما ذكره أن للاستواء معاني، منها:\n١ - أن يستوي الرجل وينتهي شبابه وقوته.\n٢ - أن يستوي من اعوجاج.\n٣ - بمعى أقبل.\n٤ - بمعنى عمد وقصد.\n٥ - صعد.\n٦ - استولى.\n٧ - علا.\nوقد رجح تأويل الاستواء على كل حال وقصد نفي الصفة كما هو مذهب الأشاعرة. وقد تقدم التعليق على ذلك مرارًا.\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٣٦.\n(٦) نقله في \"التهذيب\" (سخر) ٢/ ١٦٥٠ عن الليث.","vol":"12","page":284},{"text":"السير، وقد سخرها الله تسخيرًا، وأنشد (١):\nسَوَاخِرٌ في سَواءِ اليَمِّ تَحْتَفزُ\nوتسخرت دابة فلان، ركبتها بغير أجر، ومعنى تسخير الشمس والقمر، تذليلها لما يراد منها، وهو قوله: ﴿كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ أي إلى وقت معلوم، وهو فناء الدنيا.\nوهذا معنى قول ابن عباس (٢) في رواية عطاء، قال: يريد أن (٣) هذا كائن إلى يوم القيامة، وروي عنه (٤) أنه قال: أراد بالأجل المسمى: انتهاؤهما في السير إلى درجاتهما ومنازلهما، وهو قول الكلبي (٥)، قال: للشمس منازل معلومة، كل يوم لها منزل تنزله، حتى تنتهي إلى آخر منازلها، فإذا انتهت إليه لم تجاوزه ثم ترجع، فهذا الأجل المسمى، وللقمر كذلك.\nوقوله تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْر﴾ معنى التدبير: تصريف الأمر على ما يقتضيه مستدبر حاله في عاقبته، والله تعالى يدبر الأمر بحكمته. ﴿يُفَصِّلُ الْآيَاتِ﴾ أي: يبين الآيات التي تدل على قدرته على البعث، وذلك أنهم كانوا يجحدون البعث، فأُعلموا أن الذي خلق السموات وأنشأ هذه الأشياء ولم تكن، قادرٌ على إعادتهم، وهو معنى قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ\n_________\n(١) لم أهتد إلى قائله وهو بلا نسبة في كتاب \"العين\" المنسوب إلى الخليل ٤/ ١٥٦، و\"التهذيب\" (سخر) ٢/ ١٦٥٠، و\"اللسان\" (سخر) ٤/ ١٩٦٣.\n(٢) \"تنوير المقباس\" ص ١٥٥، و\"زاد المسير\" ٤/ ٣٠١، والقرطبي ٩/ ٢٧٩.\n(٣) ليس في (ب).\n(٤) الثعلبي ٧/ ١٢٠ أ، القرطبى ٩/ ٢٧٩، الرازي ١٨/ ٢٣٣.\n(٥) \"زاد المسير\" ٧/ ١٩.","vol":"12","page":285},{"text":"تُوقِنُونَ﴾ قال ابن عباس (١): يقول لكي يا أهل مكة توقنون (٢) بالبعث، وتعلموا أنه لا إله غيري.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1825>٣ </span>- قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ﴾. قال أبو إسحاق (٣): دلهم بعد أن بيّن [آيات السماء بـ] (٤) آيات الأرض، قال: وهو الذي مد الأرض، روي في التفسير: أنها كانت مدوره فمدت.\nقال أهل اللغة (٥): معنى المد: أخذ المجتمع بجعله على الطول والعرض، ولذلك قال الفراء (٦): أي بسط الأرض طولًا وعرضًا. ﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ﴾ أي جبالًا ثوابت (٧)، وقال ابن عباس (٨): يريد أوتدها بالجبال، وذكرنا معنى الرسو والإرساء في سورة هود (٩).\nوقوله تعالى ﴿زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ معنى الزوج في اللغة (١٠) شكل له قرين من نظير أو نقيض، فالنظيران كزوجين من خف أو نعل، والنقيضان كالذكر والأنثى، والحلو والحامض، والرطب واليابس، وقال أبو عبيدة (١١):\n_________\n(١) \"تنوير المقباس\" ص ١٥٥، وانظر: الطبري ١٣/ ٩٥.\n(٢) كذا في النسخ، ولعله خطأ من الناسخ وصحة الكلمة (توقنوا).\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٣٧.\n(٤) ما بين المعقوفين ساقط من (أ)، (ج).\n(٥) \"تهذيب اللغة\" (مدد) ٤/ ٣٣٦١، و\"اللسان\" (مدد) ٧/ ٤١٥٧.\n(٦) \"معاني القرآن\" ٢/ ٥٨.\n(٧) هذا قول الزجاج، انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٣٧.\n(٨) \"تنوير المقباس\" ص ١٥٥.\n(٩) عند قوله تعالى: ﴿وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾ [آية: ٤١] انظر: \"اللسان\" ٣/ ١٦٤٧ (سها).\n(١٠) \"تهذيب اللغة\" (زوج) ٢/ ١٥٧٤.\n(١١) \"مجاز القرآن\" ١/ ٣٢١.","vol":"12","page":286},{"text":"الزوج الواحد، ويكون اثنين، وقال الفراء (١): الزوجان اثنان الذكر والأنثى، والضربان، وذكرنا الكلام في هذا في سورة هود (٢).\n\nقال الزجاج (٣): أي جعل فيها نوعين، وهو معنى قول ابن عباس <span data-type=\"title\" id=toc-1826>(٤): </span>يريد صنفين، قال ابن قتيبة (٥): أراد من كل الثمرات لونين حلوًا (٦) وحامضًا.\nوقوله تعالى: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ﴾ ذكرناه في سورة الأعراف (٧).\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ أعلم أن ما ذكر من هذه الأشياء فيه برهان وعلامات لمن يفكر في عظمة الله وقدرته، ثم زادهم من البرهان.\n\n٤ - فقال: ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ﴾ قال قتادة (٨): قرى قريب بعضها من بعض.\nومعنى المتجاورات: المتدانيات المتفاوتات في الكلام (٩).\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" ٢/ ٥٨.\n(٢) عند قوله تعالى: ﴿قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ﴾ [آية: ٤٠].\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٣٧.\n(٤) القرطبي ٩/ ٢٨٠، الثعلبي ٧/ ١٢٠ أ.\n(٥) \" مشكل القرآن وغريبه\" ص ٢٣٠، الثعلبي ٧/ ١٢٠ أ.\n(٦) في (أ)، (ج): (حلوٌ).\n(٧) عند قوله تعالى: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا﴾ [الأعراف: ٥٤]. وقال هنالك: \"والتغشية إلباس الشيء .. قال أبو إسحاق: والمعنى أن الليل يأتي على النهار ويغطيه، ولم يقل يغشى النهار؛ لأن في الكلام دليلًا عليه\".\n(٨) الطبري ١٣/ ٩٧، وأبو الشيخ كما في \"الدر\" ٤/ ٨٣، و\"زاد المسير\" ٤/ ٣٠٢.\n(٩) كذا في النسخ ولعلها (الكلأ).","vol":"12","page":287},{"text":"قال مجاهد (١) وابن عباس (٢) والضحاك (٣)، يعني في الأرض منها عذبة ومنها مالحة، ومنها طيبة تنبت، ومنها سبخة لا تنبت، ونحو هذا قال الفراء (٤)، ولا دليل في الآية على ما ذكروا؛ لأن قوله ﴿قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ﴾ ليس فيه ما يدل على اختلافها في العذوبة والملوحة، وإنما تتبين الفائدة عند قوله: ﴿يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ﴾ وقد كشف ابن الأنباري على هذا، فموضع الآية ومحل الأعجوبة، أن القطع المتجاورة تنبت نباتًا مختلفًا، منه الحلو والعذب والحامض البعيد من الحلاوة، وشربها واحد ومكانها مجتمع لا تفاوت بينها ولا تباين، وفي هذا أوضح آية على نفاذ قدرة الله.\nوقوله تعالى: ﴿وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ﴾ الجنة (٥): البستان الذي تجنه الشجر، والمعنى: جنات من أعناب ومن زرع ومن نخيل، والدليل على أن الأرض إذا كان فيها النخل والكرم والزرع (٦) تسمى جنة، قوله تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا﴾ [الكهف: ٣٢] والنخيل: جمع نخل، يقال: نخلة، والجماعة نخل ونخيل، وثلاث نخلات.\n_________\n(١) الطبري ١٣/ ٩٧، وأبو الشيخ كما في \"الدر\" ٤/ ٨٣، و\"زاد المسير\" ٤/ ٣٠٢.\n(٢) الطبري ١٣/ ٩٧ - ٩٨، وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ كما في \"الدر\" ٤/ ٨٣، و\"زاد المسير\" ٤/ ٣٠٢. وهو قول عطاء كما في \"تفسيره\" ص ١٠٤.\n(٣) الطبري ١٣/ ٩٨، و\"زاد المسير\" ٤/ ٣٠٢.\n(٤) \"معاني القرآن\" ٢/ ٥٨.\n(٥) \"اللسان\" (جنن) ٢/ ٧٠٥.\n(٦) في (أ)، (ج): (فالزرع).","vol":"12","page":288},{"text":"ومن قرأ (١) ﴿وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ﴾ بالرفع حملهما (٢) علي قوله ﴿وَفِي الْأَرْضِ﴾ ولم يحملهما على الجنات، والجنة على هذا واقعة على الأرض التي فيها الأعناب دون غيرها.\nوقوله تعالى: ﴿صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ﴾ قال أبو عبيدة (٣): الصنوان صفة للنخيل، وهي أن يكون الأصل واحدًا ثم يتفرع فيصير نخيلًا، ثم يحملن، وهذا قول جميع أهل التفسير واللغة، قال ابن عباس (٤): (صنوان)؛ ما كان من نخلتين أو ثلاث أو أكثر إذا كان أصلهن واحدًا، و(غير صنوان) يريد: المتفرق (٥) الذي هو واحدٌ واحد لا يجمعهما أصل واحد.\nوقال البراء بن عازب (٦): الصنوان المجتمع، وغير الصنوان المتفرق (٧).\n_________\n(١) قرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم في رواية حفص (وزرعٌ ونخيلٌ صنوانٌ وغير صنوان) بالرفع، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر ونافع وابن عامر وحمزة والكسائي (وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان) خفضًا. انظر: \"السبعة\" ص ٣٥٦، و\"إتحاف\" ص ٢٦٩، والطبري ١٣/ ٨٩ - ٩٩، و\"زاد المسير\" ٤/ ٣٠٢، والقرطبي ٩/ ٢٨٢.\n(٢) في (أ)، (ج): (حملها).\n(٣) \"مجاز القرآن\" ١/ ٣٢٢.\n(٤) الطبري ١٣/ ٩٩ - ١٠٠، وابن المنذر، وابن أبي حاتم ٧/ ٢٢٢٠، وانظر: \"الدر\" ٤/ ٨٤. وهو قول عطاء كما في \"تفسيره\" ص ١٠٤.\n(٥) في (ج): (المفترق).\n(٦) الطبري ١٣/ ٩٩، والفريابي وسعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم ٧/ ٢٢٢١، وأبو الشيخ وابن مردويه كما في \"الدر\" ٤/ ٦٣، والقرطبي ٩/ ٢٨٢، و\"معاني القرآن\" للنحاس ٣/ ٤٧٠.\n(٧) في (ج): (المفترق).","vol":"12","page":289},{"text":"وقال ابن الأنباري: الصنوان ما اجتمع أصله من النخل، والذي يفترق أصله فليس بصنوان، يقال: هذا صنو فلان، إذا كان أصلهما واحدًا، ومنه قوله - ﷺ -: \"إن عم الرجل صنو أبيه\" (١) يعني أن أصلهما واحد\nقال أبو عبيد (٢): وأصل الصنو إنما هو في النخل، وقال شمر (٣): يقال: فلان صنو فلان، أي: أخوه، ولا يسمى صنوًا حتى يكون معه آخر، فهما حينئذ صنوان، وكل واحد منهما صنو صاحبه.\nوقال أبو إسحاق (٤): ويجوز في صنو أصناء، مثل عدل وأعدال، فإذا كثرت فهو الصّني والصنى.\nوقال أبو علي (٥): الكسرة التي في صنوان ليست بالكسرة التي في صنو؛ لأن تلك قد حذفت في التكسير، وعاقبتها الكسرة التي يجلبها التكسير، وقد ذكرنا هذا في نظيره من الكلام، وهو قنوان في قوله: ﴿قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ﴾ [الأنعام: ٩٩] مستقصى، وروى القواس عن حفص (٦) \"صُنوانٌ\" بضم الصاد، جعله مثل: ذيب وذوبان، وربما تعاقب فِعْلان وفُعْلان على البناء الواحد، نحو: حُش وحُشان.\n_________\n(١) أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة (٩٨٣) كتاب الزكاة، باب تقديم الزكاة، وأحمد في \"مسنده\" ٢/ ٣٢٢، ٣٢٣، والترمذي (٣٧٦١) كتاب: المناقب، باب مناقب العباس مختصرًا. وأخرجه الطبري ١٣/ ١٠٠ - ١٠١.\n(٢) \"غريب الحديث\" ١/ ٢١٧، و\"التهذيب\" (صنو) ٢/ ٢٠٦١.\n(٣) \"التهذيب\" (صنو) ٢/ ٢٥٦١.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٣٨.\n(٥) \"الحجة\" ٥/ ٩.\n(٦) قال ابن مجاهد: حدثني الحسن بن العباس عن الحُلْواني عن القواس عن حفص. عن عاصم (صُنوانٌ) بضم الصاد والتنوين، ولم يقله غيره عن حفص، اهـ. \"السبعة\" ص ٣٥٦.","vol":"12","page":290},{"text":"قال أبو علي (١): وأظن سيبويه قد حكى فيه الضم، والكسر أكثر في الاستعمال.\nوقوله تعالى: ﴿يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ﴾ أي يُسقى هذه الأشياء بماء التي ذكرها من القطع المتجاورة، والجنات والنخيل المختلفهَ، ومن قرأ (٢) ﴿يُسْقَى﴾ بالياء، كان التقدير: يسقى ما قصصناه وما ذكرناه، قال ابن عباس (٣): يريد البئر واحد، والشرب واحد، والجنس واحد، ﴿وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ﴾ يخبر بعجائبه وقدرته في خلقه، وروى الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - أ: ﴿وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ﴾. قال: \"الفارسي (٤) والدَّقل (٥) والحلو والحامض\" (٦).\n_________\n(١) \"الحجة\" ٥/ ٩.\n(٢) اختلف القراء في الياء والتاء من قوله (يُسْقَى)، وفي النون والياء من قوله (ونُفضِّل). فقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو: (تُسقى) بالتاء (ونفضل) بالنون، وقرأ حمزة والكسائي (تسقى) بالتاء ممالة القاف (ويفضل) بالياء مكسورة الضاد، وقرأ عاصم وابن عامر (يسقى) بالياء (ونُفضَّل) بالنون. انظر: \"السبعة\" ص ٣٥٦، و\"إتحاف\" ص ٢٦٩، والطبري ١٣/ ١٠١ - ١٠٢، و\"زاد المسير\" ٤/ ٣٠٣، والقرطبي ٩/ ٢٨٩.\n(٣) \"تفسير كتاب الله العزيز\" ٢/ ٢٩٤ بنحوه.\n(٤) الفارسي من التمر، لعله البرني، وهو ضرب من التمر أصفر مدور، عذب الحلاوة وهو أجوده. تعليق محمود شاكر على الطبري ١٣/ ١٠٣.\n(٥) الدقل: أردأ أنواع التمر.\n(٦) أخرجه الترمذي (٣١١٨) كتاب تفسير القرآن، باب ومن تفسير سورة الرعد، ولكنه قدم الدقل على الفارسي، وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، وحسنه الألباني في صحيح الترمذي ٣/ ٦٥.\nوأخرجه الطبري ١٣/ ١٠٣، وعلق عليه أحمد شاكر بقوله \"فهذا إسناد كما ترى فيه من الهلاك، وانفراد الضعيف به فيه ما فيه، فكيف جاز للترمذي أن يحسنه مع =","vol":"12","page":291},{"text":"وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس (١) قال: يعني تُسْقَى القطع (٢) كلها بماء السماء، و﴿وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ﴾ يعني اختلاف الطعم والشجر.\nوقال أبو إسحاق (٣): والأُكُل الثمر الذي يؤكل، ويفصّل الآيات بالياء؛ لأنه جرى ذكر الله تعالى، فالمعنى: يُفصِّلُ الله الآيات، وكذلك من قرأ بالنون؛ لأن الإخبار عن الله تعالى بلفظ الجماعة كقوله \"إنا نحن\"، وقال غيره (٤): الأكل المهيأ للأكل، ومنه قيل: للرزق الأُكْل، يقال: فلان كثير الأُكْل من الدنيا.\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾.\nقال ابن عباس (٥): يريد أهل الإيمان وهم أهل العقل الذين لم يجعلوا لله (٦) ندًّا، وهذا دليل على أنه لم يجعل الكفار أهل عقل كعقل المؤمنين؛ لأنهم لم يستدلوا بهذه الأشياء على توحيد الصانع كما استدل أهل الإيمان.\n_________\n= هذه القوادح التي تقدح فيه من نواحيه اهـ. تعليق الطبري ١٦/ ٣٤٥.\nوروى عن ابن عباس نحوه كما في الطبري ١٣/ ١٠٣.\nوأخرجه ابن المنذر والبزار وأبوالشيخ وابن مردويه، وابن أبي حاتم ٧/ ٢٢٢١، وانظر: \"الدر\" ٤/ ٨٥.\n(١) الطبري ١٣/ ١٠٣ بنحوه \"تنوير المقباس\" ص ١٥٥.\n(٢) ليس (ج).\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٣٨.\n(٤) انظر: \"تهذيب اللغة\" (أكل) ١/ ١٧٦، و\"اللسان\" (أكل) ١/ ١٠٠ - ١٠١.\n(٥) \"تنوير المقباس\" ص ١٥٥ بنحوه.\n(٦) في (أ)، (ج): (الله).","vol":"12","page":292},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1827>٥ </span>- قوله تعالى ﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ﴾ قال ابن عباس (١): يريد من كذيبهم إياك بعد ما كنت عندهم الصادق الأمين، وقال جماعة من أهل التفسير (٢): وإن تعجب يا محمد من عبادتهم ما لا يملك لهم نفعًا ولا ضرًّا، بعد ما رأوا من قدرة الله في خلقه الأشياء التي ذكرها، فعجبٌ قولهم ﴿أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ قال أبو إسحاق (٣): أي هذا موضع عجب أنهم أنكروا البعث، وقد بيّن لهم من خلق السموات والأرض ما يدل على أن البعث أسهل في القدرة مما قد تبينوا.\nقال ابن عباس: يريد فعجب قولهم أن ضعفوا قدرتي بإنكار البعث، وتلخيصه: إن تعجب يا محمد من اتخاذهم الأوثان وتكذيبك بعد البيان، فتعجب من هذا أيضًا، فإنه موضع العجب، ومعنى قوله: ﴿فَعَجَبٌ قَوْلُهُم﴾ أي عندك؛ لأن الله تعالى لا يعجب من شيء (٤).\nقال أبو علي (٥): من قرأ (٦) بالاستفهام في \"أإذا\" و\"أإنَّا\" فموضع ﴿أَإِذَا﴾ نصب بفعل مضمر، يدل عليه قوله: ﴿أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾، لأن\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي حاتم ٧/ ٢٢٢١، وأبو الشيخ عن الحسن نحوه كما في \"الدر\" ٤/ ٨٥، والقرطبي ٩/ ٢٨٤.\n(٢) الطبري ١٣/ ١٠٣ - ١٠٤، الثعلبي ٧/ ١٢١ ب، \"زاد المسير\" ٤/ ٣٠٤، القرطبي ٩/ ٢٨٤.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٣٨.\n(٤) سبق التعليق على نفيه هذه الصفة في مبحث منهجه في العقيدة.\n(٥) \"الحجة\" ٥/ ١١.\n(٦) قرأ ابن كثير وأبو عمرو (أيذا كنا ترابًا أينا) جميعًا بالاستفهام، غير أن أبا عمرو يمد الهمزة ثم يأتي بالياء ساكنة، وابن كثير بالياء ساكنة من غير مدة، وقرأ نافع (أيذا) مثل أبي عمرو، واختلث عنه في المد، وقرأ (إنَّا) مكسورة الألف على الخبر، ووافقه الكسائى اكتفائه بالاستفهام الأول عن الثاني غير أنه كان يهمز همزتين، وقرأ عاصم وحمزة (أءذاكنا .. أعنا) بهمزتين فيهما جميعًا، وقرأ ابن عامر (إذ كنا) مكسورة الألف من غير استفهام، (آءنا) يهمز ثم يمد ثم يهمز، في وزن عَاعنَّا. انظر: \"السبعة\" ص ٣٥٧، و\"إتحاف\" ص ٢٦٩، و\"زاد المسير\" ٤/ ٣٠٤.","vol":"12","page":293},{"text":"هذا الكلام يدل على نُبعث ونُحشر، كأنه قال: أنبعث إذا كنا ترابًا، وهكذا إذا لم يدخل الاستفهام في الجملة الثانية؛ لأن ما بعد أن فيما قبله بمنزلة الاستفهام، في أنه لا يجوز أن يعمل، فلما قدرت هذا الناصب لـ\"إذا\" مع الاستفهام، [لأن الاستفهام] (١) لا يعمل ما بعده فيما قبله، كذلك تقدره في \"أن\"؛ لأن ما بعدها أيضًا لا يعمل فيما قبلها، وهذا الذي ذكره أبو علي هو شرح كلام أبي إسحاق (٢) وقد ذكره.\nوقوله تعالى (٣): ﴿وَأُولَئِكَ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ﴾ الأغلال جمع الغل، وهو طوق (٤) تقيد به اليد إلى العنق، يقال منه غل الرجل فهو مغلول.\nقال أبو إسحاق (٥): جاء في التفسير أن الأغلال في أعناقهم يوم القيامة؛ والدليل على ذلك قوله (٦) ﴿إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ﴾ إلى قوله ﴿ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ﴾ (٧)، قال: ويجوز أن يكون معنى الأغلال هاهنا أعمالهم السيئة التي هي لازمة لهم، كما يقال للرجل: هذا غل في عنقك، للعمل السيء، معناه أنه لازم لك وأنك مجازى عليه العذاب.\n_________\n(١) ما بين المعقوفين ليس في (ج).\n(٢) انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٣٨.\n(٣) في (ب): (وأولئك).\n(٤) في (أ)، (ج): (طرق).\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٣٩، وفيه: أن الأغلال الأعمال في أعناقهم.\n(٦) في (ج): (تعالى).\n(٧) غافر: ٧١ - ٧٢.","vol":"12","page":294},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1828>٦ </span>- قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ﴾، قال ابن عباس (١): يريد العذاب قبل الرحمة (٢).\nوقال أبو إسحاق (٣): أي يطلبون العذاب بقولهم ﴿فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ [الأنفال: ٣٢] قال المفسرون (٤): يعني مشركي مكة؛ سألوا رسول الله - ﷺ - أن يأتيهم العذاب استهزاءً منهم بذلك، كما أخبر عنهم في آية أخرى بقوله ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ﴾ [الأنفال: ٣٢] الآية، فالمراد بالسيئة هاهنا العقوبة المهلكة والعذاب، والحسنة هي العافية والرخاء، والله تعالى صرف عمن بعث إليه محمد - ﷺ - عقوبة الاصطلام (٥)، وأخّر تعذيب مكذبيه إلى يوم القيامة، فذلك التأخير هو الحسنة.\nقال أهل المعاني: وهي إحسانه بالإنظار في حكم (٦) الله أن يمهل هذه الأمة للتوبة، ثم يأخذ من أقام على الكفر بالعقوبة، وهؤلاء الكفار استعجلوا العذاب قبل إحسان الله معهم بالإنظار.\nوقوله تعالى ﴿وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ﴾ العرب (٧) تقول\n_________\n(١) \"زاد المسير\" ٤/ ٣٠٥.\n(٢) ما بين المعقوفين ساقط من (أ)، (ج).\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٣٩.\n(٤) الثعلبي ٧/ ١٢١ ب، والطبري ١٣/ ١٠٥، وقد روى هذا المعنى عن قتادة وغيره، و\"زاد المسير\" ٤/ ٣٠٥، والقرطبي ٩/ ٢٨٤.\n(٥) الاصطلام: الاستئصال، واصطُلِمَ القوم: أبيدوا، والاصطلام: إذا أبيد قوم من أصلهم. انظر: \"تهذيب اللغة\" (صلم) ٢/ ٢٠٤٧، و\"اللسان\" (صلم) ٤/ ٢٤٨٩.\n(٦) في (ب): (في حلم).\n(٧) \"تهذيب اللغة\" (مثل) ٤/ ٣٣٤٢، واللسان\" (مثل) ٧/ ٤١٣٥.","vol":"12","page":295},{"text":"للعقوبة: مَثُلة ومُثُلَة، مثل: صَدُقة وصًدُقَة، فالأولى لغة الحجاز، والثانية لغة تميم، ومن قال: مَثُلَة، جمعها مَثُلات، ومن قال: مُثْلَة، جمعها علي مُثُلات ومَثْلات، ومُثْلات، بإسكان الثاء، وهذا معنى قول الفراء (١) والزجاج (٢) وبعض عبارتهما.\nوقال ابن الأنباري (٣): المثُلَة: العقوبة المبقية في المعاقَب شيئًا بتغيير بعض خَلْقه، الذي إذا أفسد قبحت معه الصورة، وهو من قولهم: مثَّل فلان بفلان، إذا شأن خَلْقه بقطع أنفه أو (٤) أذنه أو سمل عينه أو بقر بطنه، يُمثّل مَثْلا بفتح الميم وسكون الثاء، فهذا الأصل، ثم يقال للعار الباقي والخزي اللازم: مُثْلَه. انتهى كلامه. وأصل هذا الحرف من المثل الذي هو الشبه.\nقال أبو عبيدة (٥): المثُلات هي الأمثال والأشباه والنظائر، يريد العقوبات التي يشبه بعضها بعضًا في الإهلاك، كعقوبات الأمم الماضية، ونحو هذا قال ابن قتيبة (٦).\nوقال الزجاج (٧): المعنى أنهم يستعجلون بالعذاب، وقد تقدم من العذاب ما هو مُثْلة، وما فيه نكالٌ لهم لو اتعظوا، فقوله: تقدم من العذاب ما هو مُثْلة، دليل على ما ذكرنا، وقال بعضهم: المثلات العقوبات التي تزجر عن مثل ما وقعت لأجله.\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" ٢/ ٥٩.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٣٩.\n(٣) \"زاد المسير\" ٤/ ٣٠٦.\n(٤) في (ب): (أنفه وأذنه).\n(٥) \"مجاز القرآن\" ١/ ٣٢٣ قال: واحدتها مَثُلة ومجازها مجاز الأمثال.\n(٦) \"مشكل القرآن وغريبه\" ص ٢٣٠.\n(٧) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٤٠.","vol":"12","page":296},{"text":"قال ابن عباس في قوله ﴿وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ﴾، قال: ما مثّل الله بالمكذبين قبلهم، والذي يدل من التفسير على ما ذكرنا من الاشتقاق، ما روى ابن أبي نجيح عن مجاهد (١)، في قوله ﴿الْمَثُلَاتُ﴾ قال: الأمثال، قال أبو بكر: العقوبة يتذاكرها (٢) الناس ويضربون بها الأمثال، [فسمي باسم هو من سببها، وعلى هذا سميت العقوبات أمثالًا لما يضرب بها من الأمثال] (٣)، والصحيح في اشتقاق المُثْلة أنها العقوبة الظاهرة من قولهم: مثل الشيء، إذا ظهر وانتصب قائمًا، ومنه قول لبيد (٤):\nثم أصْدَرْنَاهُمَا في وارِدٍ .... صَادرٍ وهمٍ صُوَاه قد مَثَلْ\nأي انتصب وظهر، قال الأزهري (٥) في هذه الآية: يقول يستعجلونك بالعذاب الذي لم أعاجلهم به، وقد علموا ما نزل من عقوباتنا بالأمم الخالية، فلم يعتبروا بها، وكان ينبغي أن يردعهم ذلك عن الكفر، خوفًا أن ينزل بهم مثل الذي نزل بمن كفر قبلهم.\n_________\n(١) الطبري ١٣/ ١٠٥، وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم ٧/ ٢٢٢٣، وأبو الشيخ كما في \"الدر\" ٤/ ٨٦.\n(٢) في (ج): (يتذاكراها).\n(٣) ما بين المعقوفين ساقط من (أ)، (ج).\n(٤) البيت في \"ديوانه\" ص ١٤٣، و\"ديوان الأدب\" ٣/ ٢٢٩، وكتاب \"العين\" ٢/ ١٣٢، ٧/ ٤٢٣، و\"تاج العروس\" ١٥/ ٦٨٤ (مثل)، و\"مقاييس اللغة\" ٢/ ٤٧٨، و\"المعاني الكبير\" ص ١١٠١، و\"تهذيب اللغة\" (مثل) ٤/ ٣٣٤٣، و\"اللسان\" (مثل) ٧/ ٤١٣٥.\nوالوارد والصادر: الطريق، وهم. واسع ضخم، صوى الطريق: أعلامه، قد مثل: شخص وبرز.\n(٥) \"تهذيب اللغة\" (مثل) ٤/ ٣٣٤٢.","vol":"12","page":297},{"text":"وقوله تعالى ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ﴾ قال ابن عباس (١): لذو تجاوز عن المشركين إذا آمنوا وصدقوا، ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ للمصرِّين على الشرك، ونحو هذا قال الحسن (٢): ﴿لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ﴾ بالتوبة منه، فعلى هذا المراد بالناس المشركون وهو الظاهر؛ لأن الآية نازلة فيهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1829>٧ </span>- قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ قال المفسرون (٣): إن المشركين تحكموا في طلب الآيات من نحو تفجير الأنهار بمكة، ونقل جبالها عن أماكنها، لتتسع على أهلها أو إنزال منشور من السماء، أو آية كآيات موسى وعيسى، فذلك معنى قوله: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ قال ابن عباس (٤): يريد مثل الناقة والعصا، وما جاء به النبيون، وقال أبو إسحاق (٥): طلبوا غير الآيات التي أتى بها، فالتمسوا مثل آيات موسى وعيسى، فقال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ﴾ قال ابن عباس: يريد بالنار لمن عصى الله. قال أهل المعاني: معناه إنما أنت منذر تنذرهم بالنار وليس إليك من الآيات شيء، إنما أمرها إلى الله تعالى، ينزلها على ما في معلومه.\nوقوله تعالى: ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ قال ابن عباس (٦) في رواية عطاء:\n_________\n(١) \"زاد المسير\" ٤/ ٦٣٠٦.\n(٢) \"تفسير كتاب الله العزيز\" ٢/ ٢٩٤ بنحوه.\n(٣) الطبري ١٣/ ١٠٦، والثعلبي ٧/ ١١٢ أ، و\"زاد المسير\" ٤/ ٣٠٦، والقرطبي ٩/ ٢٨٥.\n(٤) انظر: الرازي ١٩/ ١٣، وابن كثير ٤/ ٣٥٥.\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٤٠.\n(٦) \"زاد المسير\" ٤/ ٣٠٧.","vol":"12","page":298},{"text":"يريد نبيًّا يدعوهم إلى الله تعالى، وهذا قول مجاهد (١)، وقتادة (٢)، وابن زيد (٣)، واختيار أبي إسحاق (٤)، قال: ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ أي نبي وداع إلى الله يدعوهم بما يُعْطَى من الآيات، لا بما يريدون ويتحكمون فيه، ودل على هذا المعنى ما سبق من الكلام.\nوقال في رواية عطية (٥): الهادي هو الله تعالى، وهو قول سعيد (٦) بن جبير والضحاك (٧)، والمعنى على هذا: بك الإنذار والتخويف، والله تعالى هادي كل قوم، يهدي من يشاء، قال الضحاك: نظيره: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص: ٥٦] وقال الحسن (٨)، وعكرمة (٩)، وأبو الضحى (١٠): الهادي هاهنا محمد - ﷺ -، والمعنى على هذا ما قاله الحسين بن الفضل (١١): إن هذا على التقديم والتأخير، التقدير: إنما أنت منذر وهاد لكل قوم، وليس إليك من الآية شيء، غير أنك تنذر وتدعو إلى الحق.\n_________\n(١) الطبري ١٣/ ١٠٧ - ١٠٨، وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم ٧/ ٢٢٢٥، وأبو الشيخ كما في \"الدر\" ٤/ ٨٦\n(٢) الطبري ١٣/ ١٠٨، وأبو الشيخ كما في \"الدر\" ٤/ ٨٦، و\"زاد المسير\" ٤/ ٣٠٧.\n(٣) الطبري ١٣/ ١٠٨، و\"زاد المسير\" ٤/ ٣٠٧.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٤٠.\n(٥) الطبري ١٣/ ١٠٨ - ١٠٩.\n(٦) و(٧) الطبري ١٣/ ١٥٧.\n(٨) \"زاد المسير\" ٤/ ٣٠٧.\n(٩) الطبري ١٣/ ١٠٧، و\"زاد المسير\" ٤/ ٣٠٧.\n(١٠) الطبري ١٣/ ١٠٦، والثعلبي ٧/ ١٢٢ أ، و\"زاد المسير\" ٤/ ٣٠٧.\n(١١) انظر: الطبري ١٣/ ١٠٩، وابن مردويه كما في \"الدر\" ٤/ ٨٦.","vol":"12","page":299},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1830>٨ </span>- قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى﴾ قال ابن عباس (١): يريد: ذكر أم أنثى، أم واحد أم اثنين أم أكثر (٢). وقال غيره (٣): الله يعلم في بطن كل حامل، من علقة أو مضغة أو ناقص أو زائد، على اختلافه في جميع أحواله.\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ﴾ الغيض النقصان لازمًا وواقعًا، ذكرنا ذلك عند قوله: ﴿وَغِيضَ الْمَاءُ﴾ [هود: ٤٤]، وضده الازدياد، وهو أيضًا لازم وواقع، وهما واقعان في الآية، ومفعولهما محذوف؛ لأنهما من صلة (ما) والراجع إلى الموصول يحذف كثيرًا.\nواختلفوا في الذي تغيضه الأرحام وتزداده؛ فقال مجاهد (٤): هو خروج الدم واستمساكه، فإذا خرج الدم خس الولد، وإذا استمسك الدم تم الولد، وهذا يدل على أن [الحامل] (٥) تحيض فعلى هذا الغيض ما تنقصه الأرحام من الدم، والزيادة ما تزداده منه، وقال عكرمة (٦): ما رأت من دم على حملها زاد ذلك في حلمها، ونحو هذا رواه عطاء عن ابن عباس (٧)، فقال: وما تغيض الأرحام، يريد: من الدم عند الحمل، كما ذكرنا من قول مجاهد، والزيادة أن يزيد على تسعة أشهر.\n_________\n(١) \"زاد المسير\" ٤/ ٣٠٨، والقرطبي ٩/ ٢٨٥، والبغوي ٣/ ٢٩٧، والرازي ١٩/ ١٣.\n(٢) كذا في النسخ والوسيط والمطبوع ٣/ ٧، وفي \"الوسيط\" النسخة المحققة ٢٦٥: يريد ذكرًا أم أنثى واحدًا أم اثنين أم أكثر، وهو الصواب، والله أعلم.\n(٣) \"زاد المسير\" ٤/ ٣٠٨.\n(٤) الطبري ١٣/ ١٠٩ - ١١١، وابن أبي حاتم ٧/ ٢٢٤٦.\n(٥) في (أ)، (ج): (الجامع مل).\n(٦) الطبري ١٣/ ١١١.\n(٧) الطبري ١٣/ ١٠٩، وابن أبي حاتم ٧/ ٢٢٢٦.","vol":"12","page":300},{"text":"قال المفسرون (١) وأهل العلم: إذا حاضت المرأة على الحبل كان نقصانًا في غذاء الولد، وزيادة في مدة الحمل، حتى إن لها بكل يوم حاضته على حملها يومًا تزداده في طهرها، حتى تستكمل تسعة أشهر طاهرًا، فإن رأت الدم خمسة أيام وضعت لتسعة أشهر وخمسة أيام، وقال أكثر المفسرين: الغيض والزيادة يعودان إلى مدة الحمل، وتلخيصه: ويعلم الوقت الذي تغيضه الأرحام من المدة التي هي تسعة أشهر، وما تزداد على ذلك، قاله ابن الأنباري، وهو معنى قول أكثر المفسرين.\nقال ابن عباس (٢) في رواية الضحاك: وما ينقص من التسعة الأشهر وما يزداد على ذلك، وهو قول عطية (٣)، والحسن (٤)، والضحاك (٥)، قال: الغيض: النقصان من الأجل، والزيادة: ما تزداد على الأجل، وذلك أن النساء لا يلدن لعدة واحدة، ونحو هذا القول روى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس (٦).\nوقوله تعالى: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ ق ال ابن عباس (٧): يريد علم كل شيء فقدره تقديرًا بما يكون قبل أن يكون، وكل ما هو كائن إلى يوم القيامة.\n_________\n(١) الثعلبي ٧/ ١٢٣ أ.\n(٢) \"زاد المسير\" ٤/ ٣٥٨، والقرطبي ٩/ ٢٨٦، وابن أبي حاتم ٧/ ٢٢٢٦، ٢٢٢٧، عن الضحاك.\n(٣) الطبري ١٣/ ١١٢.\n(٤) الطبري ١٣/ ١١١، و\"زاد المسير\" ٤/ ٣٠٨، و\"تفسير القرآن العزيز\" ٢/ ٢٩٥.\n(٥) الطبري ١٣/ ١١١ - ١١٢، و\"زاد المسير\" ٤/ ٣٠٨.\n(٦) \"تنوير المقباس\" ص ١٥٦، وانظر: الطبري ١٣/ ١٠٩، وابن أبي حاتم ٧/ ٢٢٢٦\n(٧) \"زاد المسير\" ٤/ ٣٠٨.","vol":"12","page":301},{"text":"وأما معنى المقدار في اللغة (١) قال الليث: المقدار القدر، وأنشد (٢).\nلو كانَ خَلْفَكَ أو أمَامَكَ هَائِبًا ... بَشَرًا سِوَاكَ لَهَابَكَ المِقْدَارُ\nيعني الموت، وقال: المقدار أيضًا الهنداز (٣)، وهو ما يقدر به الشيء، فمن الأوّل يقال: الأشياء مقادير، ومن الثاني: يقال: الأشياء بمقادير، يقال: المطر ينزل بمقدار، أي بقدرَ وقدْر، والمقدار بالمعنيين يجوز في الآية؛ لأن كل شيء بقضاء عند الله وقدر، وكل شيء أيضًا عنده معلوم مقدر بمقدار لا يعلمه غيره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1831>٩ </span>- قوله تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ قال ابن عباس (٤): يريد علم ما غاب عن جميع خلقه، وما شهد بما علموا الكثير، فعلى هذا الغيب مصدر يريد به الغائب، ومثله الشهادة يريد به الشاهد، ومعنى قوله: مما علموا الكثير؛ لأن الكثير من الشاهد يعلمه الخلق.\nوقوله تعالى: ﴿الْكَبِيرُ﴾ هو بمعنى العظيم والجليل، ومعناه يعود إلى كبر قدره واستحقاقه صفات العلو، وهو أكبر من كل كبير؛ لأن كل كبير يصغر بالإضافة إليه.\nوقوله تعالى: ﴿الْمُتَعَالِ﴾ قال الحسن (٥): المتعالي عما يقول المشركون.\n_________\n(١) \"تهذيب اللغة\" (قدر) ٣/ ٢٨٩٧، و\"اللسان\" (قدر) ٦/ ٣٥٤٨.\n(٢) البيت بلا نسبة في \"اللسان\" (قدر) ٦/ ٣٥٤٨، و\"تاج العروس\" (قدر) ٧/ ٣٧٥.\n(٣) الهنداز: معرب، وأصله بالفارسية أنْدازاه، يقال: أعطاه بلا حساب ولا هنْداز، ومنه: المُهَندزِ: الذي يقدر مجاري القُني والأبنية، إلا أنهم صيروا الزاي سينًا؛ لأنه ليس في كلام العرب زاي قبلها دال. \"اللسان\" (هندز) ٨/ ٤٧١٠.\n(٤) القرطبي ٩/ ٢٨٩.\n(٥) \"زاد المسير\" ٤/ ٣٠٩ والقرطبي ٩/ ٢٨٩، و\"تفسير الحسن\" ٢/ ٥١.","vol":"12","page":302},{"text":"قال الأزهري (١): المتعالي: الذي جلَّ عن إلحاد الملحدين، وأثبت (٢) ابن كثير (ياء)، المتعالي وقفًا ووصلًا، وهو القياس، وليس ما فيه الألف واللام من هذا، كما لا ألف ولام فيه من هذا النحو، مثل: قاضٍ وغاز. قال سيبويه (٣): إذا لم يكن في موضع تنوين، فإن البيان أجود في الوقف، نحو قولك: هذا القاضي؛ لأنها ثابتة في الوصل، يريد أن اللام (٤) مع الألف واللام تثبت ولا تحذف، كما تحذف إذا لم يكن فيه الألف واللام، نحو: هذا قاضٍ، والياء مع غير الألف واللام تحذف في الوصل، فإذا حذفت في الوصل كان القياس أن تحذف في الوقف، وهي اللغة التي هي أشيع وأفشى، وأما إذا دخلت الألف واللام، فلا تحذف اللام في اللغة التي هي أكثر عند سيبويه.\nفأما من حذف في الوصل والوقف، فإن سيبويه زعم أن من العرب من يحذف هذا في الوقف، يشبهه بما ليس فيه ألف ولام، إذ كانت تذهب الياء في الوصل في التنوين، لو لم يكن فيه ألف ولام، وهذا في الوقف، وأما في الوصل فكان القياس أن لا تحذف؛ لأنه يوجب (٥) حذف شيء، غير أن الفواصل تشبه القوافي.\n_________\n(١) \"تهذيب اللغة\" (على) ٥/ ٣٠٩١.\n(٢) من هنا نقل عن \"الحجة\" ٥/ ١٣، ١٤ بتصرف إلى نهاية النص.\n(٣) \"الكتاب\" ٢/ ٢٨٨، باب ما يحذف من أواخر الأسماء في الوقف وهي الياءات.\n(٤) كذا في جميع النسخ، ولعلها الياء كما في \"الحجة\" ٥/ ١٣، وإن قصد لام الكلمة صح المعنى.\n(٥) كذا في النسخ ولا يستقيم المعنى إلا أن تقدر (لم) فيكون السياق؛ لأنه لم يوجب حذفه شيء. كما هو معنى ما في \"الحجة\" ٥/ ١٤.","vol":"12","page":303},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1832>١٠ </span>- قولى تعالى: ﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ﴾ الآية، قال الفراء (١) والزجاج (٢): من رفع (سواء) وكذلك الثانية وسواء يطلب اثنين تقول: سواء زيد وعمرو، أي ذوي عدل، ويجوز أن يكون سواء بمعنى مستوٍ، فلا يحتاج إلى تقدير الحذف، إلا أن سيبويه يستقبح أن يقول: مستوٍ زيد وعمرو؛ لأن أسماء الفاعلين عنده إذا كانت نكرة لا يبدأ بها. ذكر هذين الوجهين في (سواء) أبو إسحاق (٣) وأبو بكر (٤)، إلا أن أبا بكر يقول: جَعْل (سواء) بمنزلة مستوٍ أقوى وأصوب؛ لأنه خال من الإضمار ومعاملة الظاهر مع السلامة من المضمرات، إذا لم يلحق المعنى نقص - أولى.\nوقوله تعالى: ﴿وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ﴾ يقال (٥): أخفيت الشيء أخفيه إخفاءً، فخفي واستخفى، ويقال أيضًا: اختفى، وهي قليلة، واستخفى فلان من فلان، أي توارى واستتر منه.\nوقوله تعالى: ﴿وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾ قال الفراء (٦)، وأبو إسحاق (٧): ظاهر\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" ٢/ ٥٩.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٤١، والسياق كذا في جميع النسخ وفيه سقط، وهو عند الزجاج -لأن العبارة عبارته- كالتالي: موضع (من) رفعٌ بسواء، وكذلك (من) الثانية يرتفعان جميعًا بسواء؛ لأن سواء يطلب اثنين.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٤١.\n(٤) \"زاد المسير\" ٤/ ٣٠٩.\n(٥) \"تهذيب اللغة\" (خفى) ١/ ١٠٧٠.\n(٦) \"معاني القرآن\" ٢/ ٦٠.\n(٧) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٤١.","vol":"12","page":304},{"text":"بالنهار في سربه، أي طريقه، يقال: خل له سربه، أي: طريقه، الأزهري (١)، والعرب تقول: سربت الإبل تَسرُب، وسرب الفحل سروبًا، أي مضت في الأرض ظاهرة حيث شاءت، ومنه قوله (٢):\nوكلُّ أناسٍ قَارَبُوا قيْدَ فَحْلهم ... ونحن جَعَلْنَا قَيْدَه فَهْو سارِبُ\nقال أبو إسحاق (٣): معنى الآية: الجاهر بنطقه والمضمر في نفسه، والظاهر في الطرقات والمستخفي في الظلمات، عِلْم الله فيهم سواء، ونحو هذا قال الفراء (٤).\nوقال أبو العباس (٥): المستخفي: المستتر، والسار: الظاهر، المعنى: الظاهر والخفي عنده واحد.\nقال ابن عباس: يريد علم ما نطقت به الألسنة وما أضمر الفؤاد، ومن هو مستخف بالليل وظاهر بالنهار، ونحو هذا قال قتادة (٦): سارب ظاهر.\n_________\n(١) \"تهذيب اللغة\" (سرب) ٢/ ١٦٦٢.\n(٢) هكذا البيت في جميع النسخ، وهو كذلك في القرطبي ٩/ ٢٩٠، وفي \"التهذيب\" ٢/ ١٦٦٢، (ونحن خلعنا قيده ..) وقد نسبه الأزهري للأخنس بن شهاب التعلبي، وهو كذلك في \"اللسان\" (سرب) ٤/ ١٩٨٠، و\"شعراء النصرانية\" ص ١٨٧، و\"تاج العروس\" (سرب) ٢/ ٧٣، و\"جهرة اللغة\" ص ٣٠٩، و\"التنبيه والإيضاح\" ١/ ٩٤، وبلا نسبة في \"اللسان\" (خلع) ٢/ ١٢٣٢، كتاب \"العين\" ١/ ١١٨، و\"تاج العروس\" (خلع) ١١/ ١٠٣.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٤٢.\n(٤) \"معاني القرآن\" ٢/ ٦٠.\n(٥) \"تهذيب اللغة\" (خفى) ١/ ١٠٧٠، و\"اللسان\" (سرب) ٤/ ١٩٨٠.\n(٦) الطبري ٣٦/ ١١٤.","vol":"12","page":305},{"text":"وقال مجاهد (١): مستخف بالليل يعمل السوءات، وسارب بالنهار ويظهرها، وهذا التفسير يحتاج معه إلى إضمار، كأنه مستخف بالليل بالمعاصي وظاهر بالنهار بها، هذا الذي ذكرنا في هذه الآية، هو قول أكثر أهل اللغة والتفسير (٢).\nوقال الأخفش (٣): المستخفي الظاهر، والسارب: المتواري، ومن هذا يقال: خفيت الشيء وأخفيته، أي: أظهرته، ومنه قول امرئ القيس (٤):\nخَفَاهُنّ من أنْفَاقِهِنَّ ........\nأي أظهرهن، واختفيت (٥) الشيء، استخرجته، ويسمى التباس المختفي، والسارب: المتواري الداخل سرابًا، وانسراب الوحش إذا دخل\n_________\n(١) القرطبي ٩/ ٢٩٠.\n(٢) الطبري ١٣/ ١١٣، و\"تفسير كتاب الله العزيز\" ٢/ ٢٩٦، و\"بحر العلوم\" ٢/ ١٨٦، وابن كثير ٢/ ٥٥٢، و\"معاني القرآن\" للنحاس ٣/ ٤٧٦، و\"البحر\" ٥/ ٣٧٠، و\"فتح البيان\" ٧/ ٢٥، ٢٦، و\"الدر المصون\" ٤/ ٢٣١.\n(٣) \"معاني القرآن\" ٢/ ٥٩٥، و\"زاد المسير\" ٤/ ٣١٠، و\"تهذيب اللغة\" (خفي) ١/ ١٠٧٠، و\"اللسان\" (سرب) ٤/ ١٩٨٠.\n(٤) جزء من صدر بيت لامرئ القيس، والبيت بتمامه:\nخفاهن من أنفاقهن كأنما ... خفاهنّ ودق من سحاب مركب\n\"ديوانه\" ص ٥١، وفيه: (كأنما خفاهن ودق من عشي مجلب)، و\"المحتسب\" ٢/ ٤٨، و\"مجاز القرآن\" ٢/ ١٧، و\"المخصص\" ١٠/ ٤٦، والقرطبي ٩/ ٢٩٠، و\"تهذيب اللغة\" (خفي) ١/ ١٠٧٠، و\"اللسان\" ٢/ ١٢١٦.\nوقوله: (خفاهن): أي: أظهرهن، والأنفاق: أسراب تحت الأرض، والودق: المطر، وخص مطر العشي؛ لأنه أغزر، والمجلب، الذي يسمع له جلبة لشدة وقعه.\n(٥) في (ب): (واخفيت).","vol":"12","page":306},{"text":"في كناسه، وهذا الوجه مذهب قطرب (١) أيضًا، وهو صحيح في اللغة غير أن الأول هو الاختيار، لما شهد به (٢) الآثار.\nقال أبو بكر (٣): الأوّل أثبت معنى في الآية؛ لأن الليل يدل على الاستتار (٤)، والظهور يشاكل النهار لانتشار الناس فيه وبروزهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1833>١١ </span>- قوله تعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ﴾ الآية، المعقبات: المتَنَاوبات التي يخلف كل واحد منها صاحبه، ويكون بدلًا منه، وهم الملائكة الحفظة هاهنا، في قول عامة المفسرين وأهل التأويل (٥).\nقال الفراء (٦): المعقبات: ملائكة الليل تعقب ملائكة النهار.\nقال الأزهري (٧): جعل الفراء عقب بمعنى عاقب، كما يقال: ضعّف وضاعف، وعقَّد وعاقد.\nوقال أبو الهيثم (٨): كل من عمل عملًا ثم عاد إليه وعقب (٩)، ومنه قيل للذي يغزو غزوًا بعد غزو، وللذي يتقاضى الدين فيعود إلى غريمه في تقاضيه، مُعَقَّب.\n_________\n(١) \"زاد المسير\" ٤/ ٣١٠، و\"اللسان\" (سرب) ٤/ ١٩٨٢.\n(٢) في (أ)، (ج): (شهدته).\n(٣) \"الأضداد\" ص ٧٦.\n(٤) في (أ)، (ج): (نتشار).\n(٥) الطبري ١٣/ ١١٤ - ١١٥، والقرطبي ٩/ ٢٩١، و\"تفسير كتاب الله العزيز\" ٢/ ٢٩٦، و\"البحر\" ٥/ ٣٧١، و\"بحر العلوم\" ٢/ ١٨٧، و\"فتح البيان\" ٧/ ٢٦، ٢٧، و\"معاني القرآن\" للنحاس ٣/ ٤٧٧، وابن كثير ٢/ ٥٥٢، و\"الدر المصون\" ٢/ ٦٠.\n(٦) \"معاني القرآن\" ٢/ ٦٠.\n(٧) \"تهذيب اللغة\" (عقب) ٣/ ٢٥٠٥.\n(٨) المرجع السابق.\n(٩) في \"التهذيب\": فقد عقب.","vol":"12","page":307},{"text":"وقال شمّر (١): المعقب من كل شيء ما خَلَفَ يُعَقَّب ما قبله، والمعقبات: الكائنات بعضها بعد ذهاب بعض.\nوقال الزجاج (٢): المعقبات: ملائكة يأتي بعضهم بعقب بعض، قال الفراء (٣): والمعقبات ذكران جمع ملائكة معقبة ومعقبات، كما قيل: ابناوات سعد ورجالات بكر، جمع رجال، والذي يدل على التذكير قوله: ﴿يَحْفَظُونَهُ﴾، وقال الأخفش (٤): إنما أنث لكثرة ذلك منها نحو: نسَّابة وعلَّامة، وهو ذكر.\nقال ابن عباس (٥): وسعيد بن جبير (٦)، والحسن (٧)، ومجاهد (٨)، وقتادة (٩) وغيرهم: المعقبات: الملائكة الحفظة، ويدل على صحة هذا قوله - ﷺ -: \"يتعاقب فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار ويجتمعون في صلاة الصبح وصلاة العصر\" الحديث (١٠)، وعلى هذا فسر قوله: ﴿وقُرْآنَ الْفَجْرِ\n_________\n(١) \"تهذيب اللغة\" (عقب) ٣/ ٢٥٠٥.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٤٢.\n(٣) \"معاني القرآن\" ٢/ ٦٠.\n(٤) \"معاني القرآن\" ٢/ ٥٩٦، و\"تهذيب اللغة\" (عقب) ٣/ ٢٥٠٥.\n(٥) الطبري ١٣/ ١١٥، و\"زاد المسير\" ٤/ ٣١٠، والقرطبي ٩/ ٢٩٣، وابن أبي حاتم ٧/ ٢٢٣٠، وهو قول عطاء كما في \"تفسيره\" ص ١١٢.\n(٦) الطبري ١٣/ ١١٧.\n(٧) الطبري ١٣/ ١١٥، و\"زاد المسير\" ٤/ ٣١٠، والقرطبي ٩/ ٢٩٣.\n(٨) الطبري ١٣/ ١١٥، و\"زاد المسير\" ٤/ ٣١٠، والقرطبي ٩/ ٢٩٣.\n(٩) الطبري ١٣/ ١١٦، والثعلبي ٧/ ١٢٤ ب، و\"زاد المسير\" ٤/ ٣١٠، والقرطبي ٩/ ٢٩٣.\n(١٠) أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة (٥٥٥) كتاب الصلاة، باب: فضل صلاة العصر، وأخرجه (٣٢٢٣) كتاب بدء الخلف، باب: ذكرالملائكة، و(٧٤٢٩) =","vol":"12","page":308},{"text":"إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨] قيل تصعد ملائكة الليل وتنزل ملائكة النهار، والكناية في قوله (له) تعود على (من) في (من أسر) وهو واقع على العموم، وقيل: على اسم الله تعالى في عالم الغيب والشهادة، والمعنى: لله ملائكة حفظة تتعاقب في النزول إلى الأرض من بين يدي الإنسان ومن خلفه.\nوقوله تعالى: ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ ذكر الفراء (١) في هذا قولين:\nأحدهما: أنه على التقديم والتأخير، تقديره: له معقبات من أمر الله يحفظونه، وعلى هذا لا يعلق ليحفظونه بمن، وهو معنى قول ابن عباس (٢) في رواية سعيد في هذه الآية، قال: هم الملائكة، وهم من أَمْر الله.\nوالثاني: أن هذا على إضمار، أي: ذلك الحفظ من أمر الله، أي: مما أمر الله به، قال ابن الأنباري فحذف الاسم وأبقى خبره، كما كتب على الكيس ألفان، يراد الذي في الكيس ألفان، ونحو هذا قال الزجاج (٣)؛ لأنه قال: المعنى: حفظهم إياه من أمر الله.\nقال أبو بكر (٤): وفي هذا قول آخر وهو أن مؤداه على معنى الباء، إذ الصفات يقوم بعضها مقام بعض، كما تقول: أجبتك من دعائك إياي، أي\n_________\n= كتاب التوحيد، باب: قوله تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ و(٧٤٨٦) كتاب: التوحيد، باب: كلام الرب مع جبريل ونداء الملائكة، وأخرجه مسلم (٦٣٢) كتاب المساجد، باب: فضل صلاة الصبح والعصر، وأحمد من حديث أبي هريرة ٢٠/ ٥٧ (١٠٣١٤) تحقيق شاكر، وصحح إسناده أحمد شاكر.\n(١) \"معاني القرآن\" ٢/ ٦٠.\n(٢) الطبري ١٣/ ١١٧.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٤٢.\n(٤) \"الوقف والابتداء\" ٢/ ٧٣٣، والرازي ١٩/ ١٧.","vol":"12","page":309},{"text":"بدعائك، والتأويل يحفظونه بأمر الله، وقد صحت هذه الأقوال، وذكرنا ما يشاكلها من قول المفسرين، وأما كيفية حفظهم إياه، فقال ابن عباس في رواية عكرمة (١): يحفظونه من بين يديه ومن خلفه، فإذا جاء القدر خلوا بينه وبينه.\nوروى ليث عن مجاهد (٢) قال: ما من عبد إلا به ملك موكَّل بحفظه من الجن والإنس والهوام، فما منهم شيء يأتيه يريده، إلا قال: وراءك، إلا شيئًا يأذن الله -﷿- فيه فيصيبه.\nوقال كعب (٣): لولا أن الله -﷿- وكَّل بكم ملائكة يذبُّون عنكم لتخطفتكم الجن، فعلى هذا يحفظونه من شر الجن والهوام وما لم يقدّر عليه.\nوقال ابن جريج (٤): معنى (يحفظونه) يحفظون عليه، أي: يحفظون عليه الحسنات (٥) والسيئات.\nقال أبو عبيد (٦): يعني: يحفظون عليه قوله وفعله (٧).\n_________\n(١) الطبري ١٣/ ١١٥، وعبد الرزاق ٢/ ٣٣٢، والفريابي وابن أبي حاتم وابن المنذر كما في \"الدر\" ٤/ ٨٩، و\"زاد المسير\" ٤/ ٣١٢، و\"معاني القرآن\" للنحاس ٣/ ٤٧٧.\n(٢) الطبري ١٣/ ١١٦، وذكره في \"الدر\" ٤/ ٩١، والثعلبي ٧/ ١٢٥ أ، و\"زاد المسير\" ٤/ ٣١٢.\n(٣) المراجع السابقة، والقرطبي ٩/ ٢٩٢.\n(٤) الطبري ١٦/ ٣٧٨، والثعلبي ٧/ ١٢٥ أ، و\"زاد المسير\" ٤/ ٣١٢، والقرطبي ٩/ ٢٩٢.\n(٥) في (أ)، (ج): (الحساب).\n(٦) انظر: \"معاني القرآن\" للنحاس ٣/ ٤٧٩.\n(٧) قلت: رجح ابن جرير -﵀- قولًا في هذه الآية غير ما ذكره الواحدي، فقال: (له معقبات) الهاء من ذكر (من) التي في قوله: ﴿وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ﴾ وأن المعقبات من بين يديه ومن خلفه هي حرسه وجلاوزته؛ لأنها أقرب مذكور =","vol":"12","page":310},{"text":"وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ أي: لا يسلب قومًا نعمة حتى يعملوا بمعاصيه، قال ابن عباس (١): يريد العذر فيما بينه وبين خلقه، ويعني بهذا أهل مكة، كما قال: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾ [إبراهيم: ٢٨].\nوقوله تعالى ﴿وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا﴾ قال ابن عباس (٢): يريد عذابًا، ﴿فَلَا مَرَدَّ لَهُ﴾، قال الضحاك عن ابن عباس (٣): لم تغن المعقبات شيئًا، وقال عطاء عنه (٤): لا رادّ لعذابي ولا ناقض لحكمي، ﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ﴾ يلي أمرهم ويمنع العذاب عنهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1834>١٢ </span>- قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ قال ابن عباس (٥): يريد خوفًا من الصواعق وطمعًا في المطر، وهذا قول الحسن (٦).\n_________\n= من قوله: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ﴾، ويدل على ذلك أيضًا قوله بعد: ﴿وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ﴾ على أنهم المعنيون بذلك، وذلك أن الله ذكر قومًا أهل معصية له، وأهل ريبة يستخفون بالليل ويظهرون بالنهار، ويمتنعون عند أنفسهم بحرس يحرسهم، ومنعة تمنعهم من أهل طاعته أن يحولوا بينهم وبين ما يأتون من معصية الله، ثم أخبر أن الله تعالى ذكره إذا أراد بهم سوءًا لم ينفعهم حرسهم، ولا يدفع عنهم حفظهم. اهـ. الطبري ١٣/ ١١٧.\n(١) أخرجه أبو الشيخ عنه كما في \"الدر\" ٤/ ٩٢\n(٢) \"زاد المسير\" ٤/ ٣١٢، والقرطبي ٩/ ٢٩٤، و\"تنوير المقباس\" ص ١٥٦.\n(٣) ابن أبي حاتم ٧/ ٢٢٣٣.\n(٤) انظر: \"فتح البيان\" ٧/ ٢٩.\n(٥) \"زاد المسير\" ٤/ ٣١٣.\n(٦) \"زاد المسير\" ٤/ ٣١٣، والقرطبي ٩/ ٢٩٥، و\"تفسير كتاب الله العزيز\" ٢/ ٢٩٨.","vol":"12","page":311},{"text":"وقال قتادة (١): خوفًا للمسافر (وطمعًا للمقيم، وهذا قول أكثر أهل التأويل.\nقال أبو إسحاق (٢) وأبو بكر: الخوف للمسافر) (٣) لما تأذّى به من المطر، كما قال الله تعالى ﴿إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ﴾ [النساء: ١٠٢]، والطمع: للحاضر المقيم؛ لأنه إذا رأى البرق طمع في المطر الذي هو سبب الخصب.\nوقوله تعالى: ﴿وَيُنْشِئُ﴾ الإنشاء في المعنى كالاختراع وقد مر ذكره في قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ﴾ [الأنعام: ١٤١] (٤)، قال ابن عباس (٥): يقول كوني فتكون، والسحاب الثقال: قال يريد تحمل المطر، وقال مجاهد (٦): ثقال بالماء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1835>١٣ </span>- وقوله تعالى: ﴿وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ﴾ الآية، روى سعيد بن جبير عن ابن عباس أن اليهود سألت رسول الله - ﷺ - فقالوا: أخبرنا عن الرعد ما هو؟ فقال: \"الرعد ملك من ملائكة الله موكل بالسحاب، معه مخاريق يسوق بها السحاب حيث يشاء الله\"، قالوا: فما الصوت الذي\n_________\n(١) الطبري ١٣/ ١٢٣، وعبد الرزاق ٢/ ٣٣، وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ كما في \"الدر\" ٤/ ٩٤، وابن كثير ٤/ ٣٦٢، وهو مروي عن ابن عباس \"زاد المسير\" ٤/ ٣١٣، و\"تنوير المقباس\" ١٥٦.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٤٢.\n(٣) ما بين القوسين مكرر في (أ)، (ج).\n(٤) وقال هناك ما ملخصه: أنشأ: أبدع، يقال: نشأ الشيء ينشأ نشأ ونشأةً ونشاءةً: إذا ظهر وارتفع.\n(٥) انظر: الثعلبي ٧/ ١٢٧ ب، و\"زاد المسير\" ٤/ ٣١٣.\n(٦) الطبري ١٣/ ١٢٤، وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشخ كما في \"الدر\" ٤/ ٩٥، والقرطبي ٩/ ٢٩٥.","vol":"12","page":312},{"text":"يسمع؟ قال: \"زجره [بالسحاب إذا زجره] (١) حتى ينتهي إلى حيث أُمر\"، قالوا: صدقت (٢).\nوروى الضحاك عن ابن عباس (٣): الرعد ملك من الملائكة اسمه الرعد، وهو الذي تسمعون صوته، وهذا قول مجاهد (٤)، وعطية (٥)، وطاوس (٦)، وعكرمة (٧)، روى الحكم عن مجاهد قال: الرعد صوت ملك يسبح، وقال عكرمة: الرعد ملك يسوق السحاب كالحادي.\nوقال عطية: الرعد ملك وهذا تسبيحه، فعلى ما ذكرنا من هذه الأقوال، الرعد اسم للملك الموكل بالسحاب، وصوته تسبيح لله تعالى.\nويسمى الرعد أيضًا، يدل على هذا ما روي أن ابن عباس كان إذا سمع الرعد قال: سبحان الذي سبحت له (٨)، فجائز أن يكون ما يسمعه صوته يزجر به السحاب، وله تسبيح لا نسمعه يسبح الله به، فأخبرنا الله عن\n_________\n(١) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).\n(٢) أخرجه الترمذي (٣١١٧) في كتاب تفسير القرآن باب ومن سورة الرعد وقال: حديث حسن غريب، والنسائي (٩٧٠٥)، (٩٧٠٦)، في الكبرى عشرة النساء، باب: صفة ماء الرجل وصفة ماء المرأة، وصححه الألباني كما في \"صحيح الترمذي\" ٣/ ٦٥، وانظر: \"السلسلة الصحيحة\" (١٨٧٢).\n(٣) أخرجه ابن جرير وابن مردويه كما في \"الدر\" ٤/ ٩٦.\n(٤) أخرجه عبد بن حميد، وابن جرير وأبو الشيخ كما في \"الدر\" ٤/ ٩٦.\n(٥) الثعلبي ٧/ ١٢٨ أ.\n(٦) الطبري ١٣/ ١٢٤.\n(٧) أخرجه عبد بن حميد وابن المنذر، والبيهقي في \"سننه\" كما في \"الدر\" ٤/ ٩٧، و\"معاني القرآن\" للنحاس ٣/ ٤٨٢.\n(٨) أخرجه الطبري ١٣/ ١٢٤، وأخرج أيضًا عن علي، وطاوس نحوه، و\"معاني القرآن\" للنحاس ٣/ ٤٨٣.","vol":"12","page":313},{"text":"ذلك، وخص هذا الملك بالإخبار عن تسبيحه لعلو صوته في أسماعنا، وعظم (١) شأنه من قلوبنا، وهذا معنى قول الزجاج (٢)، وابن الأنباري (٣)\nوذهب قوم إلى أن الرعد هو صوت السحاب، وأنه يسبح الله بعقل يجعله الله له، روى حميد بن عبد الرحمن عن شيخ أدرك النبي - ﷺ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"إن الله ينشئ السحاب، فينطق أحسن المنطق، ويضحك أحسن الضحك\" (٤) فذكر أن منطقه الرعد وأن ضحكه البرق، والعرب قد استعملت الرعد بمعنى صوت السحاب، روى الأثرم عن أبي عبيدة (٥) قال: العرب تقول: جَوْن خزيْمٌ رعْدُه أجشُّ، قال أبو عبيدة: ففي هذا دليل على أن الرعد صوت السحاب، والجون هو السحاب الأسود، والأجش الذي فيه جُشَّة أي بُحّة.\nوأنشد أحمد بن يحيى [﵀] (٦):\nفيا ربوة الرّبْعَين حُيَّيت رَبْوة ... على النَّأْي مِنَّا واسْتَهَلَّ بك الرعْدُ\n_________\n(١) في (أ)، (ج): (وعظيم بالياء).\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٤٣.\n(٣) \"زاد المسير\" ٤/ ٣١٤.\n(٤) أخرجه أحمد ٥/ ٤٣٥، وابن أبي الدنيا في كتاب \"المطر\"، وأبو الشيخ في \"العظمة\" والبيهقي في \"الأسماء والصفات\" ص ٤٧٥، عن أبي ذر الغفاري كما في \"الدر\" ٤/ ٩٥، وصححه الألباني.\nانظر: \"صحيح الجامع الصغير\" (١٩٢٠)، و\"سلسلة الأحاديث الصحيحة\" (١٦٦٥).\n(٥) \"مجاز القرآن\" ١/ ٣٢٥.\n(٦) ليس في (ب): [﵀]. والبيت نسبه أحمد بن يحيى ليزيد بن الطثرية. انظر: \"شعره\" ٦٦، و\"الزاهر\" ١/ ٤٤٨.","vol":"12","page":314},{"text":"يريد صوّت بك الرعد، تصويتًا (١) عاليًا رفيعًا، ويدل على صحة هذه الطريقة قوله: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِه﴾ فلو كان الرعد ملكًا لدخل في جملة الملائكة، ولم يفصل منهم، ومن قال بالقول الأوّل قال: إن الله تعالى أتى بالكل بعد البعض، كما قال: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ [الحجر: ٨٧]، فعمَّ بعد أن خَصَّ. ومن المفسرين (٢) من يقول: عني بهؤلاء الملائكة أعوان الرعد، جعل الله له أعوانًا، ومعنى: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ﴾ ويسبح الملائكة من خيفة الله وخشيته. قال ابن عباس (٣): إنهم خائفون من الله ليس كخوف ابن آدم، لا يعرف أحدهم من على يمينه ومن على يساره، ولا يشغله عن عبادة الله طعام ولا شراب ولا شيء.\nوقوله تعالى: ﴿وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ﴾، ذكرنا معنى الصواعق في البقرة [: ١٩].\nقال المفسرون (٤): نزلت هذه الآية في أربد وعامر بن الطفيل، أتيا النبي - ﷺ - يخاصمانه، ويريدان الفتك به، فقال النبي - ﷺ -: \"اللهم اكفينهما بما شئت\"، فأرسل الله صاعقة على أربد في يوم صائف صاح، فأحرقته، وولى عامر هاربًا (٥)، وألْزل الله في ذلك: ﴿وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ﴾ كما أصاب أربد.\n_________\n(١) في نسخة (ج): (تصويت) (أ).\n(٢) الثعلبي ٧/ ١٢٨ ب.\n(٣) \"زاد المسير\" ٤/ ٣١٤، القرطبي ٩/ ٢٩٥.\n(٤) الطبري ١٣/ ١٢٦، والثعلبي ٧/ ١٢٥ ب، و\"زاد المسير\" ٤/ ٣١٤، والقرطبي ٩/ ٢٩٦، وابن كثير ٢/ ٥٥٥.\n(٥) أخرجه الطبراني في \"الكبير\" ١٠/ ٣٧٩ (١٠٦٠)، وأبو نعيم في \"الدلائل\" ١/ ٦٦ من طريق عطاء بن يسار، عن ابن عباس، وضعفه الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" ٧/ ٤١، وقال فيه عبد العزيز بن عمران.","vol":"12","page":315},{"text":"قوله تعالى: ﴿وَهُمْ يُجَادِلُونَ﴾ قال أبو إسحاق (١): جائز أن يكون الواو واو حالٍ، فيكون المعنى: فيصيب بها من يشاء في حال جداله في الله، (وذلك أن أربد جادل النبي - ﷺ - فقال: أخبرني عن ربنا أمن نحاس أم حديد؟) (٢)، فأحرقته الصاعقة (٣)، فعلى هذا قال أبو بكر: جمع فعله؛\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٤٣.\n(٢) ما بين القوسين ساقط من (ب).\n(٣) بالنسبة لرواية عامر وأربد فقد أخرجها الطبري ١٣/ ١٢٦ عن ابن جريج قال: نزلت -يعني قوله: ﴿وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ﴾ - في أربد، أخي لبيد بن ربيعة؛ لأنه قدم أربد وعامر بن الطفيل بن مالك بن جعفر على النبي - ﷺ -، فقال عامر: يا محمد، أأسلم وأكون الخليفة من بعدك؟ قال: \"لا\". قال: فأكون على أهل الوبر وأنت على أهل المدر؟ قال: \"لا\". قال: فما ذاك؟ قال: \"أعطيك أعنة الخيل تقاتل عليها، فإنك رجل فارس\"، قال لأربد: إما أن تكفينيه وأضربه بالسيف، وإما أن أكفيكه وتضربه بالسيف، قال أربد: أكفنيه وأضربه، فقال ابن الطفيل: يا محمد إني لي إليك حاجة، قال: \"ادن\"، فلم يزل يدنو، ويقول النبي - ﷺ -: \"ادنُ\" حتى وضع يديه على ركبتيه وحنى عليه، واستل أربد السيف، فاستل منه قليلًا، فلما رأى النبي - ﷺ - بريقه تعوّذ بآية كان يتعوذ بها، فيبست يدُ أربد عى السيف، فبعث الله عليه صاعقة فأحرقته.\nوأخرجه الطبري ١٣/ ١١٩ - ١٢٠، وأبو الشيخ كما في \"الدر\" ٤/ ٩٢ - ٩٣، عن ابن زيد بنحوه، وذكر الهيثمي ٧/ ٤١، عن ابن عباس نحوه، وقال: رواه الطبراني في \"الأوسط والكبير\" وفي إسنادهما عبد العزيز بن عمران وهو ضعيف.\nوأما الرواية الأخرى والتي فيها ما ذكره الواحدي هنا فقد وردت بألفاظ مختلفة ومنها: ما أخرجه النسائي والبزار وأبو يعلى والطبري وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والطبراني في \"الأوسط\"، وابن مردويه والبيهقي في \"الدلائل\"، عن أنس بن مالك -﵁- أن رسول الله - ﷺ -: بعث رجلًا من أصحابه إلى رأس من رؤوس المشركين يدعوه إلى الله، فقال المشرك: هذا الإله الذي تدعوني إليه، أمن ذهب هو أم من فضة، أم من نحاس؟ فتعاظم مقالته، فرجع إلى النبي - ﷺ - أخبره، =","vol":"12","page":316},{"text":"لأنه كان كما عامر جادلا رسول الله - ﷺ - فهم جماعة، وإن صرفت الجدال إلى أربد وعامر جاز؛ لأن العرب قد توقع الجمع على الواحد وعلى التثنية، ومضت لذلك نظائر.\nقال أبو إسحاق (١): وجائز أن يكون الواو استئنافًا كأنه لما تمم أوصاف ما يدل على قدرته، قال بعد ذلك: ﴿وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ﴾ قال ابن عباس (٢): يريد يكذبون بعظمة الله.\n_________\n= فقال: \"ارجع إليه\"، فرجع إليه فأعاد عليه القول الأول، فرجع فأعاده الثالثة، فبينما هما يتراجعان الكلام بينهما، إذ بعث الله سحابة حيال رأسه فرعدت وأبرقت، ووقع منها صاعقة فذهبت بقحف رأسه، فأنزل الله تعالى ت ﴿وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ﴾. الطبري ١٣/ ١٢٦، و\"الدر المنثور\" ٤/ ٩٩، و\"مجمع الزوائد\" ٧/ ٤٢، وقال الهيثمي: رواه أبو يعلى والبزار بنحوه، ورواه الطبراني في \"الأوسط\"، ورجال البزار رجال الصحيح غير ديلم بن غزوان وهو ثقة، وفي رجال ابن أبي يعلى والطبراني علي بن أبي سارة وهو ضعيف.\nوقد علَّق عليه أحمد شاكر بتوثيق رجاله إلا علي بن أبي سارة الشيباني، ويقال له: علي بن محمد بن سارة، شيخ ضعيف الحديث، قال البخاري: ففي حديثه نظر، وقال أبو داود: ترك الناس حديثه، وقال ابن حبان: غلب على روايته المناكير فاستحق الترك، وقال العقيلي: علي ابن أبي سارة عن ثابت البناني، لا يتابع عليه، ثم روى له عن ثابت، عن أنس قوله تعالى: ﴿وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ﴾ ثم قال: ولا يتابعه عليه إلا من هو مثله أو قريب منه.\nقال أحمد شاكر: فهذا إسناد ضعيف جدًّا. اهـ.\"حاشية الطبري\" ١٦/ ٣٩٢، ٣٩٣، وقد وردت أحاديث أخرى قريبة من هذا في الطبري ١٣/ ١٢٥ - ١٢٦، و\"الدر المنثور\" ٤/ ٩٩.\nفالذي يظهر لي أن الواحدي جمع بين الحديثين والله أعلم.\nوقد تابعه على ذلك نقلًا، عنه: الرازي ١٩/ ٢٦، ٢٧.\nوانظر: \"زاد المسير\" ٤/ ٣١٤، ٣١٥، والبغوي ٤/ ٣٠٤، و\"الكشاف\" ٢/ ٣٥٣.\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٤٣.\n(٢) \"زاد المسير\" ٤/ ٣١٥.","vol":"12","page":317},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾ قال أبو عبيدة (١): المحال عند العرب المكر والعقوبة والنكال، وأنشد للأعشى (٢):\nفرعُ نَبْعٍ يَهْتَزُّ في غُصْنِ المَجْد ... غَزِيرِ النَّدَى عَظِيمِ المِحَال\nوأَما الكلام في اشتقاق هذا الحرف، فذهب قوم إلى أنه من الحول بمعنى الحيلة، (ومن هذا يقال المحالة بمعنى الحيلة.\nقال ابن قتيبة (٣) في قوله: ﴿وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾ أي شديد الكيد والمكر، قال: وأصل المحال: الحيلة) (٤) وروى هذا المعنى عن قتادة (٥)، قال: شديد الحيلة والقوة.\nوروى ابن جريج عن ابن عباس (٦) قال: المحال الحول، وعلى هذا القول، إنما جاز وصف الله بالاحتيال؛ لأن الله تعالى معجل لعدوه في\n_________\n(١) \"مجاز القرآن\" ١/ ٣٢٥.\n(٢) قلت: في \"مجاز القرآن\" ١/ ٣٢٥ (شديد المحال) بدل (عظيم) قال الطبري ١٣/ ١٢٧: هكذا كان ينشده معمر بن المثنى فيما حدثت به عن علي بن المغيرة عنه، وأما الرواة بعد فإنهم ينشدون:\nفرع فرع يهتزفي غصن المجد ... كثير الندى عظيم المحال\nوالبيت في \"ديوانه\" ص ٧، ٩، و\"السمط\" ص ٩٠٧، والقرطبي ٩/ ٢٩٩، و\"اللسان\" (محل) ٧/ ٤١٤٨، و\"الزاهر\" ١/ ١٠٢، و\"العين\" ٣/ ٢٤١، و\"البحر\" ٥/ ٣٥٨، و\"المحرر\" ٨/ ١٤٨، و\"الدر المصون\" ٧/ ٣٢، و\"معاني القرآن\" للنحاس ٣/ ٤٨٥.\n(٣) \"مشكل القرآن وغريبه\" ص ٢٣١.\n(٤) ما بين القوسين ساقط من (ج).\n(٥) الطبري ١٣/ ١٢٧، وعبد الرزاق ٣/ ٣٣٣، وابن أبي حاتم وأبو الشيخ كما في \"الدر\" ٤/ ١٠٠.\n(٦) الطبري ١٣/ ١٢٧.","vol":"12","page":318},{"text":"الدنيا ما يحب، ويغيب عنه ما أعد له في الآخرة من العذاب، فشاكلت مماحلة الله مماحلة المخلوق، من جهة أن المماحل من المخلوق يضمر لصاحبه من الشر غير الذي يظهر، فمن هذه الجهة سميت باسمها، وإن كانت مخالفها في المعنى (١)، هذا كلام أبي بكر.\nوروى عباد بن منصور عن الحسن (٢) في قوله: ﴿شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾ قال: شديد الحقد، قال أبو بكر: وهذا على ما بينا من أن غضب الله لما استسر (٣) عن المغضوب عليه المعد له، أشبه حقد المخلوق الذي يستر في نفسه، إلى أن المخلوق ينزعج ويتأذى (٤) عند الحقد والغضب، والله قد علا عن جميع هذا علوًّا كبيرًا.\nقال الأزهري (٥): قول القتبي (٦): أصل المحال الحيلة، غلط فاحش، وأحسبه توهم أن ميم المحال ميم مِفْعَل، وأنها زائدة، وليس الأمر كما توهمه؛ لأن (٧) مِفْعلا إذا كان من بنات الثلاثة، فإنه يجيء بإظهار الياء الواو مثل: المِزَوَد، والمِجْوَل، والمِحْوَر، والمِزْيل، وما شاكلها، وإذا رأيت الحروف على مثال فعال، أوله ميم مكسورة فهي أصلية، مثل: ميم مهاد ومِلاك ومِراس، وما أشبهها.\n_________\n(١) انظر: منهجه في آيات العقيدة، وقوله: (وإن كانت مخالفها) كذا في جميع النسخ ولعلها: مخالفتها.\n(٢) \"زاد المسير\" ٤/ ٣١٦، وأخرجه أبو الشيخ عن عكرمة كما في \"الدر\" ٤/ ١٠٠.\n(٣) في (ج): (اسْتَتَرَ).\n(٤) في (ب)، (ج): (وينادي).\n(٥) \"تهذيب اللغة\" (محل) ٤/ ٣٣٥٣.\n(٦) (أ)، (ج): (القيس).\n(٧) في (أ)، (ج): (أن).","vol":"12","page":319},{"text":"قال الفراء (١) في كتاب \"المصادر\": المحال: المماحلة، يقال في فعلت منه: محلت أمْحَلَ مَحْلا، والمِحَال المصدر لفعلت فعالًا، وأما المحالة فهي مفعلة من الحيلة، قال الأزهري: وهذا صحيح كما قاله، وقال أبو إسحاق (٢): يقال: ماحلته محالًا، إذا قاويته حتى يبين لك أيكما أشد، والمحل في اللغة الشدّة، وروى اللحياني عن الكسائي (٣): يقال مَحّلني يا فلان، أي: قوني.\nقال الأزهري: ويقول الله شديد المحال، منه أي: شديد القوة، أما ما روى عن ابن عباس، المحال: الحول.\nقال أبو عبيد: ولم يعتد بفتح الميم ولا كسرها، قال: وهذا التفسير يوجب فتح الميم؛ لأن المحالة والمحال هما الحول، وأنشد (٤):\nما للرجَالِ مع القَضاءِ مَحَالَة ... ذَهَبَ القَضَاءُ بحِيلَةِ الأقْوَامِ\nوأما قولهم (٥): تمَحّلت مالًا لغريمي، فإن بعض الناس ذهب إلى أنه من إمحالة بمعنى الحيلة، جعلت الميم في تمحلت كالأصلية مثل: تمكنت من المكان وأصله من الكون.\nقال الأزهري (٦): وليس التمحل عندي من هذا، ولكنه من المحل وهو السعي، والماحل: الساعي، كأنه سعى في طلبه، ويتصرف فيه.\n_________\n(١) \"تهذيب اللغة\" (محل) ٤/ ٣٣٥٣.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٤٣.\n(٣) \"تهذيب اللغة\" (محل) ٣/ ٣٣٥٣.\n(٤) نسبه في \"الزاهر\" ١/ ١٠١ لبعض بني أسد.\n(٥) \"تهذيب اللغة\" (محل) ٤/ ٣٣٥٣.\n(٦) المرجع السابق.","vol":"12","page":320},{"text":"وقال مجاهد (١): المحال القوة، وقال نابغة بني شيبان (٢):\nإنَّ مَنْ يَركبُ الفَوَاحِشَ سِرًّا ... حين يَخْلُو بسِرّه غَيْرُ خَالِ\nكيفَ يخْلُو وعِنْدَه كاتِبَاه ... شَاهِدَاه ورَبُّهُ ذو المِحَالِ\nوقال عبد المطلب بن هاشم (٣):\nلا هم إنَّ المَرْء يمنعُ رَحْلَه فامْنَع حِلالَك ... لا يَغْلِبَنّ صَلِيبهُمُ ومِحَالُهم عَدَدًا مِحَالَك\nقال ابن الأنباري (٤): أراد لا يغلبن مكرهم مكرك، وروى الضحاك عن ابن عباس (٥) في هذه الآية: شديد المكر، فإن قلنا: إن المحال معناه القوة، فهو ظاهر، والميم فاء، وإن قلنا: معناه المكر والحيلة، كان الميم أيضًا أصلية، ويكون المماحلة بمعنى المماكرة والاحتيال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1836>١٤ </span>- قوله تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ﴾ الآية، أكثر المفسرين على أن المراد بدعوة الحق هاهنا كلمة التوحيد والإخلاص، روى عكرمة عن ابن عباس (٦): ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ﴾ قال: لا إله إلا الله، وهذا اختيار\n_________\n(١) الطبري ١٣/ ١٢٧.\n(٢) \"ديوانه\" ص ٦٤، و\"الزاهر\" ١/ ١٠٢.\n(٣) انظر: \"سيرة ابن هشام\" ١/ ٥١، و\"تاريخ الطبري\" ٢/ ١٣٥، و\"الزاهر\" ١/ ١٠١، و\"المحرر\" ٨/ ١٤٨، و\"البحر\" ٥/ ٣٥٨، و\"الدر المصون\" ٧/ ٣٢، و\"اللسان\" (محل) ٧/ ٤١٤٨\n(٤) \"الزاهر\" ١/ ٩، ١٠.\n(٥) أخرجه ابن أبي حاتم وأبو الشيخ كما في \"الدر\" ٤/ ١٠٠، و\"زاد المسير\" ٤/ ٣١٦.\n(٦) عبد الرزاق ٢/ ٣٣٤، والطبري ١٣/ ١٢٧، والفريابي، وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، والبيهقي في \"الأسماء والصفات\" كما في \"الدر\" ٤/ ١٠٠، والثعلبي ٧/ ١٢٩ ب، والقرطبي ٩/ ٣٠٠، و\"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ٤٨٥.","vol":"12","page":321},{"text":"الفراء (١)، والزجاج (٢)\nوهو قول قتادة (٣)، وابن زيد (٤)، والمعنى على هذا: لله من خلقه الدعوة الحق، ولكن أضيفت الدعوة إلى الحق لما اختلف اللفظان، وقد ذكرنا مثل هذا، ويجوز أن يكون المعنى: دعوة الدين الحق، وقال الحسن (٥): الله الحق، وقال في رواية عطاء والضحاك: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ﴾ معناه: هو الذي دعا إلى توحيده والاعتراف بأنه لا شريك له، وتفسير دعوة الحق (٦) على هذا القول: له دعاء الحق ة لأنه دعاء إلى [عبادته وتوحيده] (٧)، وكان ذلك حقًّا.\nقال أبو إسحاق: وجائز أن يكون (دعوة الحق)، أنه من دعا الله موحدًا استجيب له دعاه.\nقال أبو بكر: الدعوة على هذا التفسير يريد بها الدعوات فاكتفي من الجمع بالواحد، كقوله: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ [التحريم: ٤]، ومعنى الدعوات: دعوات الداعين إياه، يلتمسون الإجابة وهم محقون في ذلك لأنهم سألوا من لا يخيب سائله ويقدر على الإجابة، وإنالة المطلوب، وهذا هو الوجه؛ وهو الأليق بما بعده من سياق الآية؛ لأنه ذكر أن الأصنام\n_________\n(١) في (ب) زيادة هاهنا: [فمن دعاه دعا الحق].\n(٢) \"معاني القرآن\" ٢/ ٦١.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٤٣.\n(٤) الطبري ١٣/ ١٢٨، والقرطبي ٩/ ٣٠٠، وعبد الرزاق ٢/ ٣٣٤.\n(٥) \"زاد المسير\" ٤/ ٣١٧، والقرطبي ٩/ ٣٠٠.\n(٦) هنا تكرار في (ب) لما سبق فقال: [معناه هو الذي دعا إلى توحيد والاعتراف بأنه لا شريك وتفسير دعوة الحق].\n(٧) في (أ)، (ج): (عادته وتوحده).","vol":"12","page":322},{"text":"لايستجيبون للداعين، فقال: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ﴾ يعني الأصنام، يدعونها المشركون من دون الله، في قول جميع المفسرين (١)، وعبّر عنها كما يعبر عن المذكرين من العقلاء؛ لأنهم وصفوا أصنامهم بأوصاف الرجال العقلاء، فخاطبهم الله بما يعقلون وقد ذكرنا هذا عند قوله: ﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ﴾ [الأعراف: ١٩٥].\nوقوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ﴾ قال ابن عباس: يريد ليس لهم (٢) ثواب، يعني للداعين إياه، لا ثواب لهم عندها، وقوله تعالى: ﴿إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاه﴾ فُسِّر هذا على ثلاثة أوجه، قال مجاهد (٣): يدعو الماء بلسانه ويشير إليه بيده؛ فلا يأتيه أبدًا، وهو اختيار أبي إسحاق (٤)؛ لأنه قال معناه: إلا كما يستجاب للذي يبسط كفيه إلى الماء، يدعو الماء إلى فيه، والماء لا يستجيب، فأعلم الله أن دعاءهم الأصنام كدعاء العطشان الماء إلى بلوغ فيه.\n﴿وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ﴾ وما الماء ببالغ فاه، بدعوته إياه، والتقدير: إلا كاستجابة باسط كفيه، ويكون المصدر مضافًا إلى المفعول ثم حذف المضاف، الوجه الثاني من التفسير هو مذهب الكلبي (٥) وغيره، قال: كماد يده إلى الماء من مكان بعيد وهو مشرف على ذلك الماء فلا يبلغه، ولا يبلغ\n_________\n(١) الطبري ١٣/ ١٢٨، والثعلبي ٧/ ١٢٩ ب، و\"زاد المسير\" ٤/ ٣١٧، وابن كثير ٢/ ٥٥٦، والقرطبي ٩/ ٣٠٠.\n(٢) (لهم) ساقط من (أ)، (ج).\n(٣) الطبري ١٣/ ١٢٩، والثعلبي ٧/ ١٢٩ ب، وابن المنذر وابن أبي حاتم كما في \"الدر\" ٤/ ١٠١.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٤٤.\n(٥) \"تنوير المقباس\" ص ١٥٦.","vol":"12","page":323},{"text":"الماء فاه، وقال عطاء (١): كالرجل العطشان الجالس على شفير البئر يمد يده إلى البئر فلا يبلغ قعر البئر، والماء لا يرتفع إلى يده، وهذا الوجه اختيار الفراء (٢)، قال: يعني أن الأصنام لا تجيب داعيها بشيء إلا كما ينال الظمآن المشرف على ماء ليس معه ما يستقي به. فذلك قوله: ﴿إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ﴾ وهذا الوجه كالأوّل، إلا أن في الوجه الأوّل شبهوا بمن يدعو الماء البعيد إلى نفسه والماء لا يستجيب، وفي الوجه الثاني شبهوا بمن يمد يده إلى الماء البعيد ليناله من غير آلة.\nالوجه الثالث: هو مذهب أبي عبيد (٣) وابن قتيبة (٤)، وهو أن العرب يضربون المثل لمن سعى (٥) فيما لا يدركه، وتعاطى ما لا يجد منه شيئًا، بالقابض على الماء، وذلك أن القابض على الماء لا يحصل في يده منه شيء، المعنى لا يصير في أيديهم إذا دعوهم إلا ما يصير في يدي من قبض على الماء ليبلغ فاه، وأنشد أبو عبيدة قول ضابئ البُرْجُمِيِّ (٦):\nفإنِّي وإيَّاكم وشَوْقًا إليْكُم ... كقابِضِ ماءٍ تَسْتقِيه أنَامِلُه\n_________\n(١) \"زاد المسير\" ٤/ ٣١٧، ورواه الطبري ١٣/ ١٢٩ عن علي -﵁-، وأخرجه أبو عبيد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عطاء كما في \"الدر\" ٤/ ١٠١، والثعلبي ٧/ ١٢٩ ب.\n(٢) \"معاني القرآن\" ٢/ ٦١.\n(٣) \"مجاز القرآن\" ١/ ٣٢٧.\n(٤) \"مشكل القرآن وغريبه\" لابن قتيبة ص ٢٣١.\n(٥) في (أ)، (ج): (يبتغي).\n(٦) في \"مجاز القرآن\" ١/ ٣٢٧، تقدمت ترجمته، وفيه (تسقيه) من غير تاء، وانظر: \"مقاييس اللغة\" ٦/ ١٠٩، و\"الخزانة\" ٤/ ٨٠، و\"مشكل القرآن وغريبه\" ص ٢٣١، والطبري ١٣/ ١٢٩، والقرطبي ٩/ ٣٠١، و\"طبقات فحول الشعراء\" ص ١٤٥، و\"تاريخ الطبري\" ٥/ ١٣٧، ٧/ ٢١٣، و\"اللسان\" (وسق) ٨/ ٤٨٣٦. =","vol":"12","page":324},{"text":"قال أبو عبيدة: تسقه: تجبه.\nوقال ابن الأنباري: يجمعه ويسقه يحمله، وأنشد أيضًا (١):\nفأصْبَحْتُ مِمّا كان بَيْني وبَيْنَها ... من الوُدِّ مِثْلَ القَابِضِ المَاءِ باليَدِ\nقال ابن قتيبة: وهذا من الاختصار؛ لأن التقدير: إلا كباسط كفيه إلى الماء ليقبض عليه، أو قابضًا عليه ليبلغ فاه.\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء (٢): يريد عبادة الكافرين الأصنام في ضلال، وروى جويبر (٣): وما دعاء الكافرين ربهم إلا في ضلال؛ لأن أصواتهم محجوبة عن الله، وهذا التفسير لا يليق بما سبق من الآية؛ لأنه ذكر في الآية دعاء الكافرين الأصنام، وهو قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ﴾،والذم لاحق بذلك الدعاء، وهو دعاهم إياها، ولم يذكر دعاهم الله تعالى، وجويبر ضعيف، والصحيح ما ذكرنا في رواية عطاء، ولعل ما رواه جويبر، رواه في نظير هذه الآية في سورة المؤمن، ﴿وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ [غافر: ٥٠]، وذلك صحيح المعنى في تلك السورة (٤).\n_________\n= والبيت من قصيدة له في السجن، وكان أعد حديدة يريد أن يغتال بها عثمان بن عفان -﵁-، وقوله (لم تسقه) من و(سقت الشيء أسقه وسقًا) إذا حملته.\n(١) البيت للأحوص بن محمد الأنصاري في \"مجاز القرآن\" ١/ ٣٢٧، والطبري ١٣/ ١٢٩، والقرطبي ٩/ ٣٠٠ (فأصبحت).\n(٢) \"تنوير المقباس\" ص ١٥٦.\n(٣) الثعلبي ٧/ ١٣٠ أ، و\"زاد المسير\" ٤/ ٣١٨، والقرطبي ٩/ ٣٠١.\n(٤) ما رجحه الواحدي هو الصحيح والمناسب لسياق الآية، وهو الذي ذهب إليه الطبري ١٣/ ١٣١، والثعلبي ٧/ ١٣٠ أ، ومقاتل كما في \"زاد المسير\" ٤/ ٣١٨، وابن كثير ٢/ ٥٥٧، والقرطبي ٩/ ٣٠١.","vol":"12","page":325},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1837>١٥ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ قال المفسرون: المؤمنون والملائكة يسجدون لله تعالى طوعًا، والكافر يسجد كرهًا بالسيف، وهذا معنى قول الحسن (١)، وقتادة (٢)، وابن زيد (٣)، ونحو هذا قال الفراء (٤)، الساجد طوعًا من أهل السموات والأرض: الملائكة، ومن دخل في الإسلام رغبة (٥) فيه أو ولد عليه، ومن أكره على الإسلام فهو يسجد كرهًا، وهذا القدر لا يفتح معنى الآية؛ لأن قوله: ﴿فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ يقع على كل من في الأرض من البشر، وليس جميع الكفار يسجدون كرهًا.\nواختلفوا في توجيه هذا، فذهب بعضهم إلى التخصيص، حكى ابن الأنباري عن بعض أهل العلم (٦) قال: الملائكة وعباد الله الصالحون يسجدون لله طوعًا، والكافرون والمنافقون يسجدون خوف القتل، وقلوبهم تنطوي على الكفر، فعلى هذا يراد بقوله ﴿كَرْهًا﴾ من يسجد لله كرهًا من خوف السيف لا جميع الكفار، من العموم الذي دخله الخصوص، وعليه دل كلام الفراء؛ لأنه قال: ومن أكره (٧) على الإسلام فهو يسجد كرهًا، ومن المفسرين من ذهب إلى أن الكره أيضًا من صفة المؤمنين، يسجد لله\n_________\n(١) أخرج أبو الشيخ نحوه كما في \"الدر\" ٤/ ١٠٢، والقرطبي ٩/ ٣٠١.\n(٢) الطبري ١٣/ ١٣١، وابن أبي حاتم وأبو الشيخ كما في \"الدر\" ٤/ ١٠٢، والقرطبي ٩/ ٣٠١.\n(٣) الطبري ١٣/ ١٣١، \"زاد المسير\" ٤/ ٣١٨.\n(٤) \"معاني القرآن\" ٢/ ٦١.\n(٥) في (ب): (ورغبة) بزيادة واو.\n(٦) قال بهذا القول الثعلبي ٧/ ١٣٠ أ، والطبري ١٣/ ١٣١، وهذا الراجح والله أعلم.\n(٧) في (أ): (أكر) بغير هاء.","vol":"12","page":326},{"text":"طوعًا بسهولة ونشاط، ومن المسلمين من يسجد لله كرهًا، لصعوبة ذلك عليه وإكراهه نفسه على أدائه، وهو في ذلك مسلم يحمل نفسه على الطاعة، ويجذبها إلى الحق، وهو يقبل عليها.\nوقال آخرون: يسجد المخلصون لله طوعًا، وبعض المسلمين كرهًا في ابتداء أمره، إلى أن يألف الحق، فعلى هذا لا مدخل للكافرين في الآية، هذا الذي ذكرنا طريقة التخصيص إما بالمسلمين وبعض الكفار، وإما بالمسلمين فقط.\nومن المفسرين من أجراها (١) على العموم فقال: المعنى على ما ذكره المفسرون: أن السجود واجب لله تعالى، فالمؤمن يفعله طوعًا، والكافر يؤخذ بالسجود كرهًا، أي هكذا الحكم في وجوب السجود لله جل وعزَّ، فعلى هذا قوله: ﴿يَسْجُدُ﴾ المراد به الإخبار عمن يسجد طوعًا، وأمر بالإكراه على السجود في حكم الكافر، كأنه قال يؤخذون بالسجود كرهًا، ويكرهون عليه، وهذا (٢) مستبعد من حيث اللفظ. ولأصحاب المعاني في الآية طريقة أخرى، وهو أنهم قالوا (٣): سجود الكافر هو تذلُّله وانقياده لتصريف الله تعالى إياه فيما يريد من عافية إلى مرض، وغنى إلى فقر، وحياة إلى موت، ومعنى السجود الخضوع والتذلل والانقياد، والكافر لا يمتنع من هذا، فهو في حكم الساجد من هذا الوجه أي: المسخّر المنقَاد والمذلّل، كما تقول في سجود الجماد، ونظير هذه الآية قوله تعالى: ﴿بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ [البقرة: ١١٦]، وقوله: ﴿وَلَهُ\n_________\n(١) في (ب): (أجرها) من غير ألف.\n(٢) (وهذا) ساقط من (أ)، (ج).\n(٣) \"زاد المسير\" ٤/ ٣١٩.","vol":"12","page":327},{"text":"أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾، [آل عمران:٨٣] ومضى الكلام في الآيتين.\nوقوله تعالى: ﴿وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ الكلام في تفسير هذه الألفاظ قد سبق (١)، وأما المعنى فقال المفسرون: كل شخص مؤمن أو كافر، فإنه يسجد لله تعالى. قال مجاهد (٢): ظل المؤمن يسجد طوعًا وهو طائع، وظل الكافر يسجد طوعًا وهو كاره. وقال أبو إسحاق (٣): جاء في التفسير أن الكافر يسجد لغير الله، وظله يسجد لله، فعلى هذا قال ابن الأنباري (٤): يُجْعل للظلال عقول تسجد بها وتخشع، كما جُعل للجبال أفهام حتى خاطبت وخوطبت، قال: على هذا بني أكثر أهل التفسير.\nوقال أهل المعاني: سجود الظلال ميلانها ودورانها من جانبها إلى جانب، وطولها بانحطاط الشمس، وقصرها بارتفاع الشمس فهي مستسلمة منقادة، مطيعة بالتسخير، وهي في ذلك تميل من جانب إلى جانب، والميل سجود في اللغة، يقال: سجدت النخلة، إذا مالت (٥) لكثرة حملها، قال لبيد يصف نخلًا (٦):\nغُلْبٌ سَوَاجِدُ لم يَدْخل بها الحَصَرُ\n_________\n(١) عند قوله تعالى: ﴿وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ [الأعراف: ٢٠٥].\n(٢) الطبري ١٣/ ١٣١، وابن المنذر كما في \"الدر\" ٤/ ١٠١، والثعلبي ٧/ ١٣٠ أ، والقرطبي ٩/ ٣٠٢.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٤٤.\n(٤) القرطبي ٩/ ٣٠٢، والرازي ١٩/ ٢٥، و\"البحر\" ٦/ ٣٦٩.\n(٥) مكرر في (أ)، (ج).\n(٦) عجز بيت، وصدره:\nبين الصفا وخليج العين ساكنة","vol":"12","page":328},{"text":"فسجود الظلال تمايلها واستسلامها وانقيادها للتسخير، كأنه قيل: وظلالهم بالغدو والآصال مستسلمة، ودل على هذا قوله: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ﴾\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1838>١٦ </span>- قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ﴾ الآية، السؤال والجواب جاء من ناحية واحدة، كقوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ﴾ [يونس: ٣٤] الآية، وذلك أن الكفار لا ينكرون أن الله خالق السموات والأرض والمخلوقات، لقوله: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧]، وقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [يونس: ٣١] إلى قوله: ﴿فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾، فإذا أجاب النبي - ﷺ - عن هذا السؤال بقوله: الله، لم ينكروا هم ذلك، ويصير كأنهم قالوا ذلك، ثم ألزمهم الحجة، فقال: ﴿قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ قال ابن عباس: يريد توليتم غير رب السماء والأرض، والولي النصير، والذي يتولى النصرى، كأنه قال أفتخذتم من دونه أنصارًا، يعني: الأصنام لا يملكون لأنفسهم ضرًا ولا نفعًا، فكيف لغيرهم.\nثم ضرب مثلًا للذي يعبد الأوثان، وللذي يعبد الله تعالى: فقال: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾ قال ابن عباس (١) يريد المشرك والمؤمن ﴿أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ﴾ قال: يريد الشرك والإيمان، وقرأه أكثر\n_________\n= \"ديوانه\" ص ٦٠، و\"تاج العروس\" (سجد) ٥/ ٧، و\"تأويل مشكل القرآن\" ص ٤١٦، و\"اللسان\" (سجد) ٤/ ١٩٤١، و\"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٦٣١ (سجد)، و\"المخصص\" ١١/ ١١٣.\n(١) \"تنوير المقباس\" ص ١٥٦، و\"زاد المسير\" ٤/ ٣٢٠، والقرطبي ٩/ ٣٠٣، وأبو الشيخ كما في \"الدر\" ٤/ ١٠٢، وأخرج الطبري ١٣/ ٣٣٣ عن مجاهد نحوه.","vol":"12","page":329},{"text":"القراء (١) (تستوي) بالتاء؛ لأن الظلمات جمع، ولا حائل بينهما وبين الفعل، ومن قرأ بالياء فلتقدم الفعل مع التأنيث في الظلمات غير حقيقي.\nوقوله تعالى: ﴿أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ﴾ إلى قوله ﴿عَلَيْهِمْ﴾، قال ابن عباس (٢): معناه أجعلوا لله شركاء خلقوا سموات وأرضين وجنًّا وإنسًا، فتشابه الخلق عليهم من هذا الوجه.\nوقال أبو إسحاق (٣): أي هل رأوا غير الله خلق شيئًا، فاشتبه عليه خلق الله من خلق غيره؟\nوقال ابن الأنباري (٤): تلخيص هذه الآية: وبخهم أجعلوا لله شركاء خلقوا مثل ما خلق الله، فتشابه خلق الشركاء بخلق الله عندهم؟ وهذا الاستفهام إنكار لذلك، أي ليس الأمر على هذا حتى يشبه الأمر، بل إذا فكروا بعقولهم وجدوا الله هو المنفرد بالخلق، وسائر الشركاء لا يخلقون خلقًا يتشابه بخلق الله، وإذا كانوا بهذه الصفة ألزمتهم الحجة.\nوقوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾،قال الزجاج (٥): أي قل ذلك وبينّه بما أخبر به من الدلالة على توحيده، من أول هذه السورة، مما يدل على أنه خالق كل شيء.\n_________\n(١) قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وحفص عن عاصم (تستوي) بالتاء، وقرأ أبو بكر عن عاصم وحمزة والكسائي (يستوي) بالياء.\nانظر: \"السبعة\" ص ٣٥٨، و\"الإتحاف\" ص ٢٧٠، و\"زاد المسير\" ٤/ ٣٢٠، والقرطبي ٩/ ٣٠٣.\n(٢) \"تنوير المقباس\" ص ١٥٦ نحوه وأخرج ابن أبي شيبة، والطبري ١٣/ ١٣٣ وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد نحوه. \"الدر\" ٤/ ١٠٣.\n(٣) \"معانى القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٤٤.\n(٤) \"زاد المسير\" ٤/ ٣٢٠.\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٤٥.","vol":"12","page":330},{"text":"قال أصحابنا (١): معناه: أنه خالق كل شيء بما يصح أن يكون مخلوقًا، ألا ترى أنه شيء وهو غير مخلوق.\nوقال الشافعي (٢) في هذا: إنه من العموم الذي لم يدخله الخصوص، يعني أنه لما ذكر لفظ الخالق، علم أن عمومه بالمخلوقات، وإذا كان كذلك لم يدخله خصوص، لأنه لا مخلوق إلا وهو خالقه، ولما شبه المؤمن والكافر، والإيمان والكفر مثلًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1839>١٧ </span>- فقال: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ﴾ وهي جمع وادي، وهو كل مفرج بين جبال وآكام وتلال. يجتمع إليه ماء المطر فيسيل فيه، هذا قول عامة أهل اللغة (٣) في معنى الوادي، وقال شمر (٤): ودي: إذا سال، قال: ومنه الوَدْي فيما أرى، لخروجه وسيلانه، ومنه الوادي، وعلى هذا الوادي اسم للماء السائل، كالسيل (٥)، والقول هو الأول.\nقال أبو علي الفارسي (٦): ﴿فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ﴾ اتساع، والمراد في: سال الوادي، وجرى النهر، ماؤهما، فحذف المضاف، قال: والأودية جمع نادر في فاعل، ولا يعلم فاعلًا جمع على أفعله، ويشبه أن يكون ذلك، ليتعاقب فاعل وفعيل على الشيء الواحد، كعالم وعليم، وشاهد وشهيد،\n_________\n(١) المراد بأصحابه هنا: الأشاعرة. وما ذكره في معنى الآية صحيح، كما هو قول أهل السنة، وهو رد على المعتزلة المستدلين بالآية على أن القرآن مخلوق. وعلى أن أفعال العباد مخلوقة.\n(٢) \"الأم\" ٧/ ٤٦٢.\n(٣) \"تهذيب اللغة\" (ودي) ٤/ ٣٨٦٥، و\"اللسان\" (ودي) ٨/ ٤٨٠٣.\n(٤) \"تهذيب اللغة\" (ودي) ٤/ ٣٨٦٥.\n(٥) (كالسيل) ساقط من (ج).\n(٦) \"الحجة\" ٢/ ٣٤٠ (بتصرف).","vol":"12","page":331},{"text":"ووال وولي، ألا ترى أنهم جمعوا فاعلًا أيضًا على فعلاء، كشاعر وشعراء، مثل فقيه وفقهاء، فجعلوا فاعلًا كفعيل في التكسير، كجريب وأجربة، وقالوا: يتيم وأيتام، وشريف وأشراف، كما قالوا: صاحب وأصحاب وطائر وأطيار، فلذلك جمع وادٍ على أودية (١).\nوقال غيره: نظير واد وأودية، ناد وأندية للمجالس.\nوقوله تعالى: ﴿بِقَدَرِ﴾ القَدَر والقَدْر، مبلغ الشيء يقال: كم قَدْر هذه الدراهم؟ وقدرها ومقدارها، أي: كم (٢) تبلغ من الوزن فيما يكون مساويًا لها من الوزن فهو قدرها، وذكرنا الكلام في القَدَر والقَدَر في قوله ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ [البقرة: ٢٣٦] وفي مواضع.\nقال مجاهد (٣): بقدر مَلئْها.\nوقال ابن جريج (٤): الصغير بقدره، والكبير بقدره.\nوقال ابن الأنباري والزجاج (٥): (بقدرها) بما قدر (٦) يملأها، قالا: ويجوز بمقدار ما يملأها، وقد فُهم من قوله: القَدر هاهنا يجوز أن يكون مصدرًا فيكون المعنى: بما قدر لها من ملئها، ويجوز أن يكون المعنى: بقدر ملئها، وتلخيص معنى قوله: ﴿فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ﴾، بقدرها من\n_________\n(١) إلى هنا انتهى النقل عن \"الحجة\" ٢/ ٣٤٠ بتصرف.\n(٢) في (ب): (لم). ولعله خطأ.\n(٣) الطبري ١٣/ ١٣٦، وأبو عبيد وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي هاشم وأبو الشيخ كما في \"الدر\" ٤/ ١٠٥، القرطبي ٩/ ٣٠٥.\n(٤) الطبري ١٣/ ١٣٧، وابن جريج عن ابن عباس، القرطبي ٩/ ٣٠٥، وأخرجه ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس كما في \"الدر\" ٤/ ١٠٣.\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٤٥.\n(٦) في: (أ)، (ج) ساقط (أن).","vol":"12","page":332},{"text":"الماء، لأن القدر معناه الهنداز (١)، فإن صغر الوادي قل الماء، وإن اتسع الوادي كثر.\nقال أبو علي (٢): المعنى بقدر مياهها، ألا ترى أن المعنى ليس على أن الأودية سالت بقدر أنفسها.\nقال ابن عباس في رواية عطاء (٣) ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ يريد قرآنًا، وهو مثل ضربه الله، ﴿فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾ قال: يريد بالأودية قلوب العباد، قال ابن الأنباري: شبه نزول القرآن الجامع للهدى والبيان بنزول المطر، إذ نفع نزول القرآن يعم كعموم نفع نزول المطر، وشبه الأودية بالقلوب؛ إذ الأودية يستكن فيه الماء كما يستكن الإيمان والقرآن في قلوب المؤمنين، ونحو هذا قال الفراء (٤): يقول قبلته القلوب بأقدارها وأهوائها.\nوقال صاحب النظم: الماء هاهنا إن شاء الله الإيمان والحق، فهؤلاء الذين سمينا جعلوا الماء مثلًا للإيمان والقرآن، والأودية مثلًا للقلوب.\nوالباقون من المفسرين وأهل المعاني سكتوا عن بيان الممثل والممثل به، وجعلوا ابتداء المثل من قوله: ﴿فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا﴾، قال ابن عباس (٥): وهو الشك والكفر، قال الفراء (٦): يقال: أزبد الوادي\n_________\n(١) الهنداز: سبق التعريف به، وهو معرب، وأصله بالفارسية أنْدازاه، يقال: أعطاه بلا حساب ولا هنْداز.\n(٢) \"الحجة\" ٢/ ٣٤٠.\n(٣) القرطبي ٩/ ٣٠٥.\n(٤) \"معاني القرآن\" ٢/ ٦١.\n(٥) الطبري ١٣/ ١٣٥، وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ كما في \"الدر\" ٤/ ١٠٣.\n(٦) لم أجده في مظانه، وانظر: \"اللسان\" (زبد) ٣/ ١٨٠٣.","vol":"12","page":333},{"text":"إزبادًا، والزبد الاسم، (رابيًا) قال الزجاج (١): طافيًا عاليًا فوق الماء، وقال غيره (٢) زابدًا بانتفاخه، ربا يربو، إذا زاد، وهذا هو الأصل، ثم إذا زاد وانتفخ صار عاليًا.\nقال ابن عباس وغيره من المفسرين (٣): ثم ضرب مثلًا آخر فقال ﴿وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ﴾، قرئ (٤) بالتاء والياء. فمن قرأ (٥) بالتاء فلما قبله من الخطاب، وهو قوله: ﴿قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ﴾، ويجوز أن يكون خطابًا عامًا يراد به الكافة، كأنه ومما توقدون عليه أيها الموقدون، ومن قرأ بالياء فلأن ذكر الغيبة قد تَقَدّم في قوله: [﴿أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ﴾ ويجوز أن يراد به] (٦) جميع (٧) الناس، ويقوي ذلك قوله: ﴿وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ﴾ فكما أن الناس يعم المؤمن والكافر، كذلك الضمير في يوقدون (٨)، وأراد بما يوقد عليه في النار الفلز (٩)، وهو ما يذاب من الجواهر كالذهب والفضة والصفر والحديد\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٤٥.\n(٢) أبو عبيدة \"مجاز القرآن\" ١/ ٣٢٨.\n(٣) الطبري ١٣/ ١٣٤، والثعلبي ٧/ ١٣٠ ب، و\"زاد المسير\" ٤/ ٣٢٢، والقرطبي ٩/ ٣٠٥، وابن كثير ٢/ ٥٥٧ - ٥٥٨.\n(٤) قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر (توقدون) بالتاء، وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم (يوقدون) بالياء وروى علي بن نصر عن أبيه عن أبي عمرو بالتاء والباء والغالب التاء وانظر: \"السبعة\" ص ٣٥٨، و\"الإتحاف\" ٢٧٠، و\"زاد المسير\" ٤/ ٣٢١، و\"البحر المحيط\" ٥/ ٣٨١.\n(٥) من هنا يبدأ القتل عن \"الحجة\" ٥/ ١٦ باختصار.\n(٦) في (ج): (أم جعلوا لله شركاء خلقوا، ويراد به).\n(٧) في (ب): (جمع).\n(٨) إلى هنا انتهى النقل عن \"الحجة\" ٥/ ١٦ باختصار.\n(٩) الفِلْزُ والفِلَزُّ، والفُلُزُّ: نحاس أبيض تصنع منه القدور وغيرها، وقيل: هو جميع =","vol":"12","page":334},{"text":"والنحاس، في قول جميع المفسرين (١).\nقال أبو علي (٢): وجعل الظرف الذي ﴿فىِ النَّارِ﴾ متعلقًا بتوقدون؛ لأنه قد يوقد على ما ليس في النار، كقوله: ﴿فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ﴾ [القصص: ٣٨] فهذا إيقاد على ما ليس في النار، وإن كان يلحقه وهجها ولهيبها، يريد أن هذه الجواهر تدخل النار فيوقد عليها.\nوقوله تعالى: ﴿ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ﴾ قال الزجاج (٣) وغيره: الذي يوقد عليه لابتغاء الحلية الذهب والفضة، والذي يوقد عليه لابتغاء الأمتعة، الحديد والصفر والنحاس والرصاص، يتخذ منها الأواني والأشياء التي ينتفع بها، والمتاع كل ما يتمتع به (٤).\nوقوله تعالى: ﴿زَبَدٌ مِثْلُهُ﴾ زبد مثل زبد الماء الذي يحمله السيل.\nوقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ﴾ كما ذكر من هذه الأشياء يضرب الله مثل الحق والباطل، قال صاحب النظم: هذا كلام فرّق به بين الكلام الأول وبين تمامه؛ لأن قوله: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً﴾ هو من الكلام الأول، ثم لما تم ذلك رجع إلى تمام قوله: ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ﴾، فقال: ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ﴾ والتأويل: كذلك يضرب الله الأمثال للحق والباطل، فاختصر الكلام اختصارًا على ما سبق من ذكر\n_________\n= جواهر الأرض من الذهب والفضة والنحاس وأشباه ذلك. انظر: \"تهذيب اللغة\" (فلز) ٣/ ٢٨٢٨، و\"اللسان\" (فلز) ٦/ ٣٤٦٠.\n(١) الطبري ١٣/ ١٣٤، والثعلبي ٧/ ١٣١ أ، و\"زاد المسير\" ٤/ ٣٢٢، والقرطبي ٩/ ٣٠٥، وابن كثير ٢/ ٥٥٨، و\"البحر المحيط\" ٥/ ٣٨١.\n(٢) \"الحجة\" ٥/ ١٦، و\"البحر المحيط\" ٥/ ٣٨٢.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٤٥.\n(٤) \"تهذيب اللغة\" (متع) ٤/ ٣٣٣٤.","vol":"12","page":335},{"text":"الحق والباطل، اعتمادًا على بيانه في آخر الآية، وهو قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ﴾، وأنشد قول ذي الرمة (١):\nفأضْحَتْ مَغَانِيها قِفَارًا رُسُومُها ... كأن لم سِوَى أهْلٍ من الوَهِل تؤهلُ\nالمعنى: كأن لم تؤهل سوى أهل من الوحش، ففرق بين لم، وتؤهل، ومعنى قوله: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً﴾ الجفاء (٢) ما جفاه الوادي، أي: رمى به، قال أبو زيد (٣): يقال: جفأت الوادي الرجل، إذا صرعته، وأجفأت القدر بزبدها، إذا ألقت زبدها فيذهب جفاء. وقال الفراء (٤): الجفاء الرمي والاطراح، يقال: جفا الوادي غثاه جفاءً، إذا رماه، والجفاء اسم للمجتمع منه المنضم بعضه إلى بعض، بمنزلة الغثاء والقماش (٥)، قال: والجفاء مصدر يكون في مذهب اسم، وكذلك مصدر اجتمع بعضه إلى بعض مثل القماش والحطام والدقاق (٦)، كما كان العطاء اسم الإعطاء، وقال الزجاج (٧) في باب الوفاق: جفا الوادي يجفا جُفا أو أجفا، إذا رمى بغثائه، قال: وموضع (جفاءً) نصب على الحال.\n_________\n(١) \"ديوانه\" ١٤٦٥، وفيه (من الوحش) بدل (من الوهل). \"خزانة الأدب\" ٩/ ٥، و\"الخصائص\" ٢/ ٤٠١، و\"الدرر\" ٥/ ٦٣.انظر: \"تأويل مشكل القرآن\" ص ٢٠٧، و\"شرح شواهد المغني\" للسيوطي ص ٢٣٣.\n(٢) \"تهذيب اللغة\" (جفأ) ١/ ٦١٩، و\"الزاهر\" ٢/ ٨٩.\n(٣) \"تهذيب اللغة\" (جفأ) ١/ ٦١٩.\n(٤) \"معاني الفراء\" ٢/ ٦٢ بنحوه، و\"تهذيب اللغة\" (جفأ) ١/ ٦١٩.\n(٥) القماش: ما يجمع من هنا وهناك.\n(٦) الدقائق: فتات كل شيء.\n(٧) \"فعلت وأفعلت\" ص ٨، ونقله في \"التهذيب\" ١/ ٦١٩ عن الفراء.","vol":"12","page":336},{"text":"وتلخيص معنى الآية على ما ذكره المفسرون وأهل المعاني (١): أن هذا مثل ضربه الله للحق والباطل، يقول: الباطل وإن ظهر على الحق في بعض الأحوال وعلاه، فإن الله سيمحقه ويبطله ويجعل العاقبة للحق وأهله، كالزبد الذي يعلو الماء، فيلقيه الماء عنه ويضمحل وكخبث هذه الجواهر يقذفه الكبير، فهذا مثل الباطل، وأما الذي ينفع الناس وينبت المرعى فيمكث في الأرض، وكذلك الصفو (٢) من الفلز يبقى خالصًا لا شوب (٣) فيه، فهو مثل الحق، هذا بيان ابن قتيبة (٤) وكلامه.\nوقال أبو إسحاق (٥): فمثل المؤمن واعتقاده ونفع الإيمان، كمثل هذا الماء المنتفع به في نبات الأرض، وحياة كل شيء، وكمثل نفع الفضة والذهب وسائر الجواهر؛ لأنها كلها تبقى منتفعًا به، ومثل الكافر وكفره كمثل هذا الزبد الذي يذهب جفاء، وكمثل (٦) خبث الحديد وما تخرجه النار من وسخ الفضة والذهب الذي (٧) ينتفع به.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1840>١٨ </span>- قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِم﴾ أي: أجابوه إلى ما دعاهم إليه من توحيده وشريعته على لسان رسوله، قال ابن عباس (٨): يريد للذين وحدوا ربهم.\n_________\n(١) \"زاد المسير\" ٤/ ٣٢٢، القرطبي ٩/ ٣٠٥.\n(٢) في (أ)، (ج): (عن).\n(٣) في (أ)، (ج): (الأشوب) بألف.\n(٤) \"مشكل القرآن وغريبه\" ص ٢٣٣.\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه \" ٣/ ١٤٥.\n(٦) في (ج): بزيادة هذا: (وكمثل هذا خبث الحديد).\n(٧) في \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٤٦: (الذمي لا ينتفع به).\n(٨) القرطبي ٩/ ٣٠٦، و\"تنوير المقباس\" ص ١٥٧.","vol":"12","page":337},{"text":"وقوله تعالى ﴿الْحُسْنَى﴾ قال (١): يريد الجنة، وقال أهل المعاني: الحسنى هي المنفعة العظمى في الحسن، وهي الجنة على الخلود في نعيمها.\nوقوله تعالى: ﴿لَافْتَدَوْا بِهِ﴾ الافتداء: جحل أحد الشيئين بدلًا من الآخر، ومفعول (افتدوا) محذوف تقديره: لافتدوا به أنفسهم، أي: جعلوه فداء أنفسهم من العذاب، والكناية في (به) تعود إلى (ما) في قوله ﴿مَا فِي الْأَرْضِ﴾.\nوقوله تعالى: ﴿سُوءُ الْحِسَابِ﴾ قال المفسرون (٢): هو أن لا تقبل منه حسنة، ولا يتجاوز عن سيئته، قال أبو إسحاق (٣): لأن كفرهم أحبط أعمالهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1841>١٩ </span>- قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ﴾ الآية. قال ابن عباس (٤): نزلت في حمزة وأبي جهل.\nوقوله تعالى: ﴿كَمَنْ هُوَ أَعْمَى﴾ قال: يريد أبا جهل أعمى القلب، قال أهل المعاني: الجاهل بالدين ممثل بالأعمى؛ لأن العلم يُهْتَدَى به إلى طريق الرشد من الغي، كما يهتدى بالبصر إلى طريق النجاة من طريق الهلاك، وبالضد من هذا حال الجهل والعمى.\n_________\n(١) \"زاد المسير\" ٣٢٣/ ٤، و\"تنوير المقباس\" ص ١٥٧، و\"تيسير كتاب الله العزيز\" لهود بن محكم ٢/ ٣٠٣، وأخرجه الطبري ١٣/ ١٣٨، وأبو الشيخ عن قتادة كما في \"الدر\" ٤/ ١٠٥.\n(٢) \"زاد المسير\" ٤/ ٣٢٣، القرطبي ٩/ ٣٠٧.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٤٥ وفيه: (وأن كافرهم أحبط أعمالهم).\n(٤) \"زاد المسير\" ٤/ ٣٢٣، والقرطبي ٩/ ٣٠٧، و\"البحر المحيط\" ٥/ ٣٨٤.","vol":"12","page":338},{"text":"وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ﴾ أي يتعظ ويطلب ذكر ما رغب فيه من الجنة فيطيع الله، وما أوعد به فيرتدع عن المعاصي ﴿أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ قال ابن عباس: يريد المهاجرين والأنصار، والآية نازلة في هؤلاء، وهي لكل من كان بهذه الصفة من العلم والجهل والتذكر، فهي بيان عما يستحق كل واحد من العالم والجاهل، والمحق والمبطل من صفة المدح بالبصيرة والذم بالعمى والحيرة.\n\n٢٠ - قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاق﴾ قال ابن عباس (١): يريد الذي عاهدهم عليه في صُلب آدم (٢).\n\n٢١ - قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾، قال ابن عباس (٣): يريد الإيمان بالأنبياء، يعني: يصل بينهم بالإيمان بالجميع، كما قال في الخبر عن المؤمنين: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥] وقال أكثر المفسرين (٤): يريد صلة الأرحام.\n\n٢٢ - ﴿وَالَّذِينَ صَبَرُوا﴾ قال في رواية عطاء (٥): يريد على دين ربهم وما أمر به من طاعته ونهى عن معصيته، وهو قول ابن زيد (٦) وأبي عمران\n_________\n(١) \"زاد المسير\" ٤/ ٣٢٤، القرطبي ٩/ ٣٠٧.\n(٢) يعني ما ذكر في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢].\n(٣) القرطبي ٩/ ٣١٠، والثعلبي ٧/ ١٣٢ أ، و\"تفسير كتاب الله العزيز\" ٢/ ٣٠٤، وأخرجه ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن سعيد بن جبير كما في \"الدر\" ٤/ ١٠٦ - ١٠٧.\n(٤) انظر: الطبري ١٣/ ١٣٩، الثعلبي ٧/ ١٣٢ أ، ابن كثير ٢/ ٥٦٠، \"زاد المسير\" ٤/ ٣٢٤، القرطبي ٩/ ٣١٠، و\"تفسير كتاب الله العزيز\" ٢/ ٣٠٤.\n(٥) \"تنوير المقباس\" ص ١٥٧، القرطبي ٩/ ٣١٠، الثعلبي ٧/ ١٣٢ ب.\n(٦) الطبري ١٣/ ١٤٠، الثعلبي ٧/ ١٣٢ ب.","vol":"12","page":339},{"text":"الجوني (١). ﴿ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ﴾ أي: طلب تعظيم الله.\nوقوله تعالى: ﴿وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾ قال ابن عباس (٢): يدفعون بالعمل الصالح الشرَّ من العمل، قال ابن كيسان (٣): هو أنهم إذا أذنبوا تابوا، ليدفعوا بالتوبة مَعَرّة الذنب، روي أن النبي - ﷺ - قال لمعاذ بن جبل \"إذا عملت سيئة فأعمل بجنبها حسنة تمحها\" (٤) فعلى هذا الحسنة والسيئة بينه وبين الله.\nوقال ابن زيد (٥): لا يكافئون الشر بالشر، بل يحلمون عن السفيه، ويردون على من يسفه عليهم معروفًا من القول، وهذا قول قتادة (٦) واختيار ابن قتيبة (٧)، وعلى هذا الحسنة والسيئة بينه وبين الناس.\nوقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ﴾ قال ابن عباس (٨): يريد عقباه الجنة، والعقبى (٩) كالعاقبة، يجوز أن يكون مصدرًا، كالشورى والقربى\n_________\n(١) الثعلبي ٧/ ١٣٢ ب، القرطبي ٩/ ٣١٠.\n(٢) \"زاد المسير\" ٤/ ٣٢٤، القرطبي ٩/ ٣١١، الثعلبي ٧/ ١٣٣ أ.\n(٣) الثعلبي ٧/ ١٣٢ ب، و\"زاد المسير\" ٤/ ٣٢٥.\n\n(٤) أخرجه أحمد في \"المسند\" ٥/ ١٦٩، إلا أنه قال: \"فأتبعها\" وفي ٥/ ١٧٧، وقال: \"فأعمل حسنة\" من حديث أبي ذر، ونحوه في الترمذي (١٩٨٧) كتاب: البر والصلة، باب: ما جاء في معاشرة الناس، وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي. وأخرجه سعيد بن منصور ٣/ ٦٤، وأبو نعيم في \"حلية الأولياء\" ٤/<span data-type=\"title\" id=toc-1843> ٢١</span>٧، ٢١٨.\n(٥) الثعلبي ٧/ ١٣٢ ب، الطبري ١٣/ ١٤١، القرطبي ٩/ ٣١١.\n(٦) الثعلبي ٧/ ١٣٢ ب.\n(٧) \"مشكل القرآن وغريبه\" ص ٢٣٣، والثعلبي ٧/ ١٣٢ ب، و\"زاد المسير\" ٤/ ٣٢٥.\n(٨) \"زاد المسير\" ٤/ ٣٢٥، و\"تفسير كتاب الله العزيز\" ٢/ ٣٠٥.\n\n(٩) \"اللسان\" (عقب) ٥/ ٣٠<span data-type=\"title\" id=toc-1844>٢٢</span>، و\"تهذيب اللغة\" (عقب) ٣/ ٢٥٠٧.","vol":"12","page":340},{"text":"واللقيا، توضع موضع المصدر، وقد يجيء مثل هذا أيضًا على (فَعْلى) كالنجوى والدعوى والطغوى، وعلى (فِعْلى) كالذكرى والضيزى، ويجوز أن يكون اسمًا، وهو هاهنا مصدر مضاف إلى الفاعل، والمعنى: أولئك لهم أن تعقب أعمالهم الحسنة الجنة، أي تصير الجنة آخر أمرهم، والمراد بالدار الجنة، يعرف ذلك بإطلاقها، حيث ذكرت عقيب الأعمال الصالحة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1845>٢٣ </span>- قوله تعالى: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾ قال الزجاج (١): جنات بدل من عقبى.\nقال ابن عباس (٢): هي وسط الجنة وقصبتها، مساندة بعرش الرحمن، غَرَسها الرحمنُ ﵎ بيده، والكلام في جنات عدن قد ذكرناه مستقصى عند قوله: ﴿وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ [التوبة: ٧٢]، وذكرنا هناك مذهب المفسرين ومذهب أهل اللغة.\nوقوله تعالى: ﴿وَمَنْ صَلَحَ﴾ موضع (من) رفع عطف على الواو في ﴿يَدْخُلُونَهَا﴾، قال أبو إسحاق (٣): وجائز أن يكون نصبًا، كما تقول قد دخلوا وزيدًا، أي مع زيد.\nقال ابن عباس (٤): ﴿وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ﴾ يريد من صَدَّق بما صدقوا به، وإن لم يعمل مثل أعمالهم.\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٤٧.\n(٢) القرطبي ٩/ ٣١١ نحوه.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٤٧.\n(٤) القرطبي ٩/ ٣١٢، و\"البحر المحيط\" ٥/ ٣٨٧، و\"تفسير كتاب الله العزيز\" ٢/ ٣٠٥.","vol":"12","page":341},{"text":"وقال أبو إسحاق (١): اعلم أن الأسباب لا تنفع بغير أعمال صالحة، فعلى قول ابن عباس معنى (صلح): صدق وآمن ووحد، وعلى ما ذكر أبو إسحاق معناه: صلح في عمله.\nوالصحيح ما قال ابن عباس؛ لأن الله تعالى جعل من ثواب المطيع سروره بما يراه في أهله، حيث بشره بدخول الجنة مع هؤلاء، فدل أنهم يدخلونها كرامة للمطيع، ولا فائدة في التبشير والوعد به، إذ كل مصلح في عمله قد وعد دخول الجنة (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ﴾ قال ابن عباس (٣): يريد بالتحية من الله والتحفة والهدايا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1846>٢٤ </span>- قوله تعالى: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ قال أبو إسحاق (٤): المعنى يدخلون عليهم من كل باب يقولون: سلام عليكم، فأضمر القول هاهنا، لأن في الكلام دليلًا عليه.\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٤٧.\n(٢) قلت: ويشهد لهذا قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الطور: ٢١]\nوأخرج الطبري ١٣/ ١٤١، وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد قوله: ﴿وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ﴾ من آمن في الدنيا.\nوأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن سعيد بن جبير قال: يدخل الرجل الجنة فيقول: أين أمي؟ أين ولدي؟ أين زوجتي؟ .. فيقال: لم يعملوا مثل عملك، فيقول: كنت أعمل لي ولهم، ثم قرأ ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ﴾ يعني من آمن بالتوحيد بعد هؤلاء ﴿مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ﴾ يدخلون معهم .. \"الدر المنثور\" ٢/ ١٥٨.\n(٣) \"زاد المسير\" ٤/ ٣٢٥، والقرطبي ٩/ ٣١٢، و\"البحر المحيط\" ٥/ ٣٨٧، و\"تفسير كتاب الله العزيز\" ٢/ ٣٠٦.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٤٧.","vol":"12","page":342},{"text":"وقوله تعالى: ﴿بِمَا صَبَرْتُمْ﴾ قال ابن عباس (١): يريد في دار الدنيا، قال النحويون (٢): الباء في (بما) تتعلق بمعنى سلام؛ لأنه قد دل علي السلامة لكم بما صبرتم. وقال صاحب النظم: السلام قول، ولا يحتمل أن يكون القول ثوابًا للصبر الذي هو فعل، فدل هذا على أن المعنى في قوله: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ دعاء من الملائكة لهم، على معنى: سملكم الله بما صبرتم، أو خبر منهم، أي: أن الله سلمكم من أهوال هذا اليوم من شره، وأدخلكم الجنة بصبركم في الدنيا، ويجوز أن يتعلق بمحذوف على تقدير: الكرامة لكم بما صبرتم و(ما) هاهنا للمصدر، كأنه قبل بصبركم.\nوقوله تعالى: ﴿فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ الدار هاهنا أيضًا يجب أن يكون مصدرًا؛ لأنه لو كان اسمًا، وأضيف إلى الدار صار لها. وليس المراد ذكر عاقبة (الدار، إنما المراد ذكر عاقبة) (٣) أهل الجنة ومدح عاقبتهم، والمقصود بالمدح محذوف على تقدير: نعم العقبى عقبى الدار، كقوله تعالى: ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: ٤٤] ولم يذكر أيوب لتقدم ذكره، ومثله قوله: ﴿بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا﴾ [الجمعة: ٥] هذا كله إذا كان المراد بالدار الجنة. وقال صاحب النظم: (نعم) يقتضي اسمًا وخبرًا، والمعنى إن شاء الله: فنعم عقبى الدار ما أنتم فيه، أي هذا نعم عاقبة الدار التي كنتم فيها، عملتم فيها ما أعقبكم هذا الذي أنتم فيه، فعلى هذا، العقبى اسم، والدار هي الدنيا (٤).\n_________\n(١) \"تنوير المقباس\" ص ١٥٧.\n(٢) \"التبيان في إعراب القرآن\" للعكبري ٢/ ٧٥٧.\n(٣) ما بين القوسين مكرر في (أ)، (ج).\n(٤) القرطبي ٩/ ٣١٣.","vol":"12","page":343},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1847>٢٥ </span>- قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾ الآية مفسرة في سورة البقرة بتمامها (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1848>٢٦ </span>- قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ معنى القدر في اللغة (٢): قَطْع الشيء على مساواة غيره من غير زيادة ولا نقصان، والمقدار: المثال الذي يعمل عليه غيره في مساواته به، وقال المفسرون (٣): في معنى يقدر هاهنا: يضيق ويقتر، ومثله قوله: ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ [الطلاق: ٣] أي: ضيق، وقوله: ﴿فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ﴾ [الفجر: ١٦] بمعنى يضيق، وهو أن يعطيه على قدركفايته، لا يفضل عنه شيء من رزقه على صدر البسط.\nوقوله تعالى: ﴿وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ قال ابن عباس (٤) والمفسرون: يريد مشركي مكة، فرحوا بما نالوا من الدنيا وأشروا وبطروا، فطغوا وكذبوا الرسول، ولم يشكروا ما بسط الله عليهم من الدنيا.\nثم قال: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ﴾ أي: في حياة الآخرة، يعني بالقياس إليها، قال ابن عباس (٥): يريد ما في الدنيا يذهب ويبيد وهو قليل، وقال مجاهد (٦): أي: قليل ذاهب.\n_________\n(١) عند قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾ [آية: ٢٧].\n(٢) \"تهذيب اللغة\" (قدر) ٣/ ٢٨٩٧ - ٢٨٩٨ و\"اللسان\" (قدر) ٦/ ٣٥٤٦.\n(٣) الثعلبي ٧/ ١٣٤ أ، والطبري ١٣/ ١٤٣ - ١٤٤، و\"تفسير كتاب الله العزيز\" ٢/ ٣٠٦.\n(٤) \"زاد المسير\" ٤/ ٣٢٦، القرطبي ٩/ ٣١٤، و\"تفسير كتاب الله العزيز\" ٢/ ٣٠٦.\n(٥) نقل في \"البحر المحيط\" ٥/ ٣٨٨، والقرطبي ٩/ ٣١٤ عن ابن عباس أنه قال: زاد كزاد الراعي.\n(٦) الطبري ١٣/ ١٤٤، وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ كما في \"الدر\" ٤/ ١١٠، \"البحر المحيط\" ٥/ ٣٨٨، القرطبي ٩/ ٣١٤، الثعلبي ٧/ ١٣٤ أ.","vol":"12","page":344},{"text":"وقال الكلبي (١): كالشيء الذي يتمتع به ثم يفنى ويذهب، مثل القصعة والقِدْر والقدح ينتفع بها ثم يذهب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1849>٢٧ </span>- قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ الآية، قال المفسرون (٢): نزلت في أهل مكة حين طالبوا رسول الله - ﷺ - بالآيات، قال أهل المعاني: إنهم لم يستدلوا فيُعملوا مدلول الآيات التي بها، فلم يعتدوا بها، وقالوا هذا القول جهلًا منهم.\nوقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ﴾ قال ابن عباس (٣): يريد عن دينه، يعني كما أضلكم بعد ما رأوا من الآيات وحرمكم الاستدلال بها، ﴿وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ﴾ أي رجع إلى الحق، قاله الزجاج (٤)، وإنما يرجع إلى الحق من يشاء الله، فكأنه قال: ويهدي إليه من يشاء، كما قال: ﴿وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ (٥) في مواضع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1850>٢٨ </span>- قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ قال الزجاج (٦): (الذين) في موضع نصب ردًّا على (من)، المعنى: يهدي الله الذين آمنوا، ﴿وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ﴾ قال ابن عباس (٧): يريد إذا سمعوا القرآن خشعت قلوبهم واطمأنت، وإذا سمعوا ذكر الله أحبوه واستأنسوا به، ونحو هذا قال\n_________\n(١) \"تنوير المقباس\" ص ١٥٨، الثعلبي ٧/ ١٣٤ أ.\n(٢) الطبري ١٣/ ١٤٤، والثعلبي ٧/ ١٣٤ أ، و\"زاد المسير\" ٤/ ٣٢٦، والقرطبي ٩/ ٣١٥، و\"البحر المحيط\" ٥/ ٣٨٨.\n(٣) \"تنوير المقباس\" ١٥٨، و\"زاد المسير\" ٤/ ٣٢٦، والقرطبي ٩/ ٣١٥.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٤٧.\n(٥) يونس: ٢٥، إبراهيم: ٤، النحل: ٩٣، فاطر: ٨، المدثر: ٣١.\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٤٧ وفيه: يهدي إليه.\n(٧) \"تنوير المقباس\" ص ١٥٨، بنحوه.","vol":"12","page":345},{"text":"مقاتل (١)، وقال أبو إسحاق (٢): أي إذا ذكروا الله وحده آمنوا به غير شاكين، بخلاف من وصف بقوله: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ [الزمر: ٤٥].\nوقوله تعالى: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ قال ابن عباس (٣) وغيره: يريد قلوب المؤمنين، قال الزجاج (٤): لأن الكافر غير مطمئن القلب، وذكرنا الجمع بين هذه الآية وبين قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ في سورة الأنفال [٢].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1851>٢٩ </span>- قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ﴾ روى معاوية بن قرة عن أبيه قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"طُوبَى شجرةٌ غرسها الله بيده تنبت العلي والحلل، وإن أغصانها لتُرى من وراء سور الجنة\" (٥) فعلى هذا طوبى اسم تلك الشجرة، وهو قول أبي هريرة (٦)، ومغيث بن سمي (٧)\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ١٩١ أ.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٤٧. بنحوه.\n(٣) \"زاد المسير\" ٤/ ٣٢٧، القرطبي ٩/ ٣١٥.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٤٨.\n(٥) أخرجه الطبري ١٣/ ١٤٩ وعلق عليه أحمد شاكر بقوله: وهذا خبر هالك الإسناد. وحسبه ما فيه من أمر (محمد بن زياد) ولم أجده عند غير الطبري، قلت: وقد ترجم لمحمد بن زياد بقوله: كذاب خبيث يضع الحديث اهـ. وأخرجه ابن مرديه عن ابن عباس مرفوعًا كما في \"الدر\" ٤/ ١١١.\n(٦) الطبري ١٣/ ١٤٧، وعبد الرزاق ٢/ ٣٣٦، وابن أبي الدنيا في صفة الجنة، وابن المنذر وابن أبي حاتم كما في \"الدر\" ٤/ ٦٣٤، والثعلبي ٧/ ١٣٥ أ، و\"زاد المسير\" ٤/ ٣٢٧.\n(٧) الطبري ١٣/ ١٤٧ - ١٤٨ - ١٤٩، والثعلبي ٧/ ١٣٥ أ، و\"زاد المسير\" ٤/ ٣٢٨، وأبن أبي شيبة ٨/ ٦٩.","vol":"12","page":346},{"text":"وعبيد بن عمير (١) ومقاتل (٢) ووهب (٣) وأبي صالح (٤) وعكرمة (٥) وابن عباس (٦) في رواية عطاء والكلبي (٧)، كل هؤلاء قالوا: إنها شجرة في الجنة، ووَصَفَ كلٌّ منها صفةً يطول ذكرها.\nوقال أبو عبيدة (٨) والزجاج (٩) وأهل اللغة (١٠): (طوبى) فعلى من الطيب.\nقال ابن الأنباري (١١): يعني أن تأويلها: الحال المستطابة لهم، وأصلها: (طيبى) فصارت الياء واوًا لسكونها وانضمام ما قبلها، كما تقول في: موسر وموقن، قال: وهذه الكلمة غير مبنية على (أفعل) كالأولى والكبرى، ولذلك جاز إفرادها من الألف واللام ومن الإضافة نحو: سعدى\n_________\n(١) الثعلبي ٧/ ١٣٥ أ.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ١٩١ أ، الثعلبي ٧/ ١٣٥ أ.\n(٣) الطبري ١٣/ ١٤٨، وأبو الشيخ كما في \"الدر\" ٤/ ١١٣وابن أبي حاتم كما في \"الدر\" ٤/ ١١٤، والثعلبي ٧/ ١٣٥ ب.\n(٤) أخرجه ابن أبي شيبة ٨/ ٦٩، وانظر: \"الدر\" ٤/ ١١٥، والثعلبي ٧/ ١٣٦ ب، و\"زاد المسير\" ٤/ ٣٢٨.\n(٥) روى الطبري ١٣/ ١٤٦ عن عكرمة: (طوبى لهم): نعم ما لهم. وأخرجه ابن أبي شيبة هناد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ كما في \"الدر\" ٤/ ١١١، وروى عنه أيضًا ٤/ ١١١، (طوبى لهم) قال: الجنة. وانظر: \"زاد المسير\" ٤/ ٣٢٨، القرطبي ٩/ ٣١٦.\n(٦) الطبري ١٣/ ١٤٧، و\"تفسير كتاب الله العزيز\" ٢/ ٣٠٨.\n(٧) \"تنوير المقباس\" ص ١٥٨، الثعلبي ٧/ ١٣٦ ب.\n(٨) لم أجده في \"مجاز القرآن\" ١/ ٣٣٠.\n(٩) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٤٨.\n(١٠) \"تهذيب اللغة\" (طاب) ٣/ ٢١٤٧، و\"اللسان\" (طيب) ٥/ ٢٧٣٢.\n(١١) \"زاد المسير\" ٤/ ٣٢٨.","vol":"12","page":347},{"text":"وقربى وزلفى، وعلى هذا معنى طوبى في اللغة: الغبطة وبلوغ أقصى الأمنية والسؤل، وأنشد (١):\nوطُوبَى لمن يَسْتَبدلُ الطَّوْدَ بالقُرَى ... ورِسْلًا بيَقْطِينِ العِرَاقِ وفُومِهَا\nقال الأزهري (٢): والعرب تقول: طوبى لك. وطوباك لحن لا تقوله العرب، وهذا قول أكثر النحويين، إلا الأخفش (٣) فإنه قال: من العرب من يضيفها فيقول: طوباك.\nقال أبو بكر (٤): (طوباك) مما (٥) يلحن فيه العوام، والصواب: طوبى لك، وهذا الذي ذكرنا من قول أهل اللغة مذهب جماعة من المفسرين.\nقال ابن عباس (٦) في رواية الوالبي: (طوبى لهم): فرح وقرة أعين، وروى معمر عن قتادة (٧) قال: طوبى كلمة عربية، تقول العرب: طوبى لك إن فعلت كذا وكذا، أي أصبت خيرًا، وقال عكرمة (٨): (طوبى لهم) نعمى لهم.\n_________\n(١) بلا نسبة في \"الزاهر\" ١/ ٥٥٨، و\"اللسان\" (طيب) ٥/ ٢٧٣٢ الرسل: اللبن، الطود: الجبل، اليقطين: القرع، الفوم: الخبز والحنطة، ويقال: الثوم.\n(٢) في (ح): (ممن).\n(٣) \"تهذيب اللغة\" (طاب) ٣/ ٢١٤٧.\n(٤) \"معاني القرآن\" ٢/ ٥٩٧.\n(٥) \"اللسان\" (طيب) ٥/ ٢٧٣٢، و\"الزاهر\" ١/ ٥٥٧.\n(٦) الطبري ١٣/ ١٤٦، وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ كما في \"الدر\" ٤/ ١١٠ - ١١١.\n(٧) الطبري ١٣/ ١٤٦.\n(٨) \"زاد المسير\" ٤/ ٣٢٨، القرطبي ٩/ ٣١٦.","vol":"12","page":348},{"text":"وروى سعيد عن قتادة (١) قال: الحسنى لهم.\nوقال الضحاك (٢): غبطة لهم، وقال الزجاج (٣): العيش الطيب لهم، فهذا الذي ذكرنا، قولان في هذه الكلمة، أحدهما: أنها اسم شجرة، والثاني: أنها فعلى من الطيب.\nوفيها قول ثالث وهو: ما روى سعيد بن جبير عن ابن عباس (٤): طوبى اسم الجنة بالحبشة، وقال الربيع (٥) وسعيد بن مشجوج (٦) اسم الجنة بلغة الهند، وعلى هذا الكلمة بما وقع فيه الوفاق بين لغة العرب ولغة غيرهم من الهند أو الحبشة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1852>٣٠ </span>- قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ﴾ قال الحسن (٧) وغيره: أرسلناك كما أرسلنا الأنبياء قبلك ﴿فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ﴾ قال ابن عباس (٨): في قرن قد خلت من قبلها قرون ﴿لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ يعني القرآن، ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ قال: وذلك أن رسول الله - ﷺ - كان في\n_________\n(١) \"زاد المسير\" ٤/ ٣٢٨، القرطبي ٩/ ٣١٦، الطبري ١٣/ ١٤٦، وابن أبي حاتم وأبو الشيخ كما في \"الدر\" ١٣/ ١١١.\n(٢) الطبري ١٦/ ٤٣٥، و\"زاد المسير\" ٤/ ٣٢٨، وأبو الشيخ كما في \"الدر\" ١٣/ ١١١.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٤٨.\n(٤) الطبري ١٣/ ١٤٦، و\"زاد المسير\" ٤/ ٣٢٨، والقرطبي ٩/ ٣١٦ وابن أبي حاتم كما في \"الدر\" ٤/ ١١١، و\"المهذب\" للسيوطي (١١٥)، و\"المعرب\" للجواليقي (٢٢٦).\n(٥) القرطبي ٩/ ٣١٦.\n(٦) الطبري ١٣/ ١٤٧، و\"زاد المسير\" ٤/ ٣٢٨، وأبو الشيخ كما في \"الدر\" ٤/ ١١١، و\"المهذب\" (١١٥)، و\"المعرب\" ٢٢٦.\n(٧) القرطبي ٩/ ٣١٧، و\"تفسير كتاب الله العزيز\" ٢/ ٣٠٨.\n(٨) انظر: \"فتح البيان\" ٧/ ٥٧.","vol":"12","page":349},{"text":"الحجر يدعو، وأبو جهل يسمع إليه، وهو يقول: يا رحمن، فلما سمعه يذكر الرحمن ولىَّ مدبرًا إلى المشركين، وقال لهم: إن محمدًا كان ينهانا عن عبادة الآلهة، وهو يدعو إلهين، يدعو الله ويدعو إلهًا آخر يقال له: الرحمن، فأنزل الله هذه الآية (١).\nوقوله: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ قال مقاتل (٢) وابن جريج (٣) وقتادة (٤): نزل هذا في صلح الحديبية، أرادوا كتاب الصلح، فقال النبي - ﷺ - لعلي: \"اكتب بسم الله الرحمن الرحيم\" فقال المشركون: ما ..... (٥) اكتب باسمك اللهم\".\nوقوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ رَبِّي﴾ أي قل لهم يا محمد: إن الرحمن الذي أنكرتم معرفته، هو إلهي وسيدي، لا إله إلا هو.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1853>٣١ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ﴾ الآية، قال المفسرون (٦): قالت قريش للنبي - ﷺ -: إن كنت كما تقول فباعد عنا أخشبي\n_________\n(١) نقله في \"زاد المسير\" ٤/ ٣٢٩ عن الواحدي، وانظر القرطبي ٩/ ٣١٨.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ١٩١ أ، \"زاد المسير\" ٤/ ٣٢٩، القرطبي ٩/ ٣١٧، الثعلبي ٧/ ١٣٧ أ.\n(٣) \"زاد المسير\" ٤/ ٣٢٩، القرطبي ٩/ ٣١٧، الطبري ١٣/ ١٥٠ وابن جريج عن مجاهد، وابن المنذر كما في \"الدر\" ٤/ ١١٦، الثعلبي ٧/ ١٣٧ أ.\n(٤) الطبري ١٣/ ١٥٠، و\"زاد المسير\" ٤/ ٣٢٩، وابن أبي حاتم وأبو الشيخ كما في \"الدر\" ٤/ ١١٦، والثعلبي ٧/ ١٣٧ أ.\n(٥) بياض في جميع النسخ، وفي البخاري (٤١٨٠، ٤١٨١) كتاب: المغازي، باب: غزوة الحديبية، وأحمد ٤/ ٣٣٠ وفيه: فقال سهيل: أما الرحمن فوالله ما أدري ما هي، ولكن اكتب: باسمك اللهم). وفي الطبري ١٣/ ١٥٠ عن مجاهد: ما ندري ما الرحمن اكتب باسمك اللهم.\n(٦) روى الطبري ١٣/ ١٥١ - ١٥٢ نحو هذا عن قتادة والضحاك وابن زيد وفي \"تفسير كتاب الله العزيز\" ٢/ ٣٠٩ عن الحسن.","vol":"12","page":350},{"text":"هذه. يعنون جبلها فإنها ضيقة، حتى نتخذ فيها قطائع وبساتين، واجعل لنا (١) فيها عيونًا وأنهارًا حتى نغرس ونزرع، وابعتَ لنا آباءنا من الموتى يكلمونا يخبرونا أنك نبي، فأنزل الله: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ﴾ أي جعلت تسير، ﴿أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ﴾ هو أي شققت، فجعلت أنهارًا وعيونًا، وقيل: معناه: هو أنهم قالوا له: اجعلنا يخرج أحدنا إلى الشام أو إلى اليمن أو الحيرة ويرجع في ليلة، كما خبرت أنك فعلته، فعلى هذا معنى (قطعت) من قطع المسافة ﴿أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى﴾ أي: أُحْيُوا حتى كلموا، وجواب (لو) محذوف: لِسُيِّر مَوْضِعُه، وتلخيصه: ولو أن قرآنا فعل به ما التمسوا لكان هذا القرآن، فلما عرف تأويله حذف اختصارًا، هذا قول الفراء (٢) والزجاج (٣) وابن الأنباري وأكثر أهل العلم.\nوقال الفراء: وإن شئت جعلت جوابها متقدمًا على تقدير: وهم يكفرون بالرحمن، ولو أنزلنا عليهم ما سألوا (٤) قال أبو بكر: يعني به هم يكفرون بالرحمن، ولو أنزلنا عليهم الذي سألوا، قال أبو بكر (٥): يعني به هم يكفرون، ولو فعل بهم ذلك كما تقول: قد كنت هالكًا لولا أن فلانًا أنقذك، يريد لولا إنقاذه إياك لهلكت، قال: وهذا ضعيف؛ لأنه ليس يكثر في كلامهم: زرتك لو زرتني، وقصدتك لو قصدتني، وهو على ضعفه غير خارج عن الصواب.\n_________\n(١) (لنا) مكررة في (أ).\n(٢) \"معاني القرآن\" ٢/ ٦٣.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٤٨.\n(٤) روى الطبري ١٣/ ١٥١ نحو هذا القول عن ابن عباس ومجاهد وعبد الله بن كثير.\n(٥) \"زاد المسير\" ٤/ ٣٣١.","vol":"12","page":351},{"text":"وقال الزجاج (١): والذي أتوهمه أن المعنى: (ولو أن قرآنًا -إلى قوله- الموتى) لما آمنوا، قال: ودليل هذا القول [قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ﴾ إلى قوله ﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الأنعام:١١١]، فجعل الجواب المضمر هاهنا ما أظهر في] (٢) قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا﴾ وهو قوله: ﴿مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾، وهذا الذي ذكره هو قول ابن عباس (٣) قال: في قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ﴾ يريد: لو قضيت أن لا يقرأ القرآن على الجبال إلا سارت، ولا على الأرض إلا تخرقت، ولا على الموتى إلا حيوا وتكلموا، ما آمنوا، لما سبق عليهم في علمي.\nوذكر الكسائي (٤) في جواب ﴿لَوْ﴾ هاهنا وجوهًا فاسدة يطول ذكرها وبيان فسادها فتركناها.\nوقوله تعالى: ﴿بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا﴾ معنى بل: نفي الأول وإثبات الثاني، كأنه يقول: دع ذلك الذي قالوا من تسيير الجبال وغيره، فالأمر لله جمعيًا، لو شاء أن يؤمنوا لآمنوا، وإذ لم يشأ لا ينفع تسيير الجبال، وما اقترحوا من الآيات، وسياق الآية يدل على هذا المعنى وهو قوله: ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا﴾، قال ابن عباس (٥)\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٤٨.\n(٢) ما بين المعقوفين ساقط من (ج).\n(٣) الطبري ١٣/ ١٥١ نحوه. وانظر: \"الدر المنثور\" ٤/ ١١٧.\n(٤) \"إعراب القرآن\" للنحاس ٢/ ١٧٢ قال: قال الكسائي: المعنى وددنا لو أن قرآنا سيرت به الجبال فهذا بغير حذف. اهـ.\n(٥) الطبري ١٣/ ١٥٤، و\"زاد المسير\" ٤/ ٣٣١، والقرطبي ٩/ ٣٢٠، وابن المنذر وابن أبي حاتم كما في \"الدر\" ٤/ ١١٨.","vol":"12","page":352},{"text":"في رواية عطاء: أفلم يعلم، وقال فيما روى الكلبي عنه (١) أيضًا: ييئس: يعلم في لغة النَّخَع، وهذا قول أكثر المفسرين، مجاهد (٢) والحسن (٣) وقتادة (٤) وابن زيد (٥)، واختلف أهل اللغة في هذا.\nوقال أبو عبيدة (٦) والليث (٧): ألم ييئس: ألم يعلم، وأنشد أبو عبيدة (٨):\nأقُولُ لهم بالشِّعْبِ إذ يأسِرُونَنِي ... ألم تَيْأسُوا أني ابنُ فارِسِ زَهْدَمِ\nبمعنى: ألم يعلموا، وأنشد الليث (٩):\n_________\n(١) \"تنوير المقباس\" ص ١٥٨، الطبري ١٣/ ١٥٣، \"زاد المسير\" ٤/ ٣٣١، الثعلبي ٧/ ١٣٨ أ.\n(٢) الطبري ١٣/ ١٥٥، القرطبي ٩/ ٣٢٠.\n(٣) \"زاد المسير\" ٤/ ٣٣١، القرطبي ٩/ ٣٢٠.\n(٤) الطبري ١٣/ ١٥٥، وأبو الشيخ كما في \"الدر\" ٤/ ١١٨، و\"زاد المسير\" ٤/ ٣٣١.\n(٥) الطبري ١٣/ ١٥٥، وأبو الشيخ كما في \"الدر\" ٤/ ١١٨، و\"زاد المسير\" ٤/ ٣٣١.\n(٦) \"مجاز القرآن\" ١/ ٣٣٢.\n(٧) \"تهذيب اللغة\" (يئس) ٤/ ٣٩٩١.\n(٨) في \"مجاز القرآن\" ١/ ٣٣٢ نسبه لسحيم بن وثيل اليربوعي. وانظر: \"اللسان\" ٨/ ٤٩٤٦ وكان وقع عليه سباء فضرب عليه بالسهام، وفي \"اللسان\" ٨/ ٤٩٤٦ له أو لولده جابر بن سحيم. وفي \"البحر المحيط\" ٥/ ٣٩٢ لسحيم، وغير منسوب في \"المعاني الكبير\" ٢/ ١١٤٨ لابن قتيبة، وفي \"الميسر والقداح\" (٣٣)، الطبري ١٣/ ١٥٣، القرطبي ٩/ ٣٢٠ ونسبه لمالك بن عوف النصرى، و\"مشكل القرآن\" (١٩٢) وزهدم: فرس سحيم، و\"الكشاف\" ٢/ ٣٦٠، و\"تهذيب اللغة\" (يأس) ٤/ ٣٩٩١، و\"الحجة\" ٤/ ٤٣٧، و\"مقاييس اللغة\" ٦/ ١٥٤، \"ديوان الأدب\" ٣/ ٢٥٨، و\"المخصص\" ١٣/ ٢٠.\n(٩) اختلف في نسبة البيت، فنسبه القرطبي ٩/ ٣٢٠، وأبو حيان في \"البحر المحيط\" ٥/ ٣٩٢ إلى رياح بن عدي. وانظر: \"المحتسب\" ١/ ٣٥٧، و\"الدر المصون\" ٧/ ٥٣، والطبري ١٣/ ١٥٣، و\"الحجة\" ٤/ ٤٣٨، و\"أساس البلاغة\" (يئس) بلا نسبة.","vol":"12","page":353},{"text":"ألم يَيْأسِ الأقْوَامُ أني أنا ابنُه ... وإن كنتُ عن أرْضِ العَشِيرةِ نَائِيا\nوقال قطرب (١): يئس: بمعنى علم؛ لغة العرب، وأنشد البيت. وقال الكسائي (٢): ما وجدت العرب تقول: يئست، بمعنى علمت، قال: وهذا الحرف في القرآن من اليأس المعروف لأمر (٣) العلم، وذلك أن المشركين لما طالبوا رسول الله - ﷺ - بهذه الآيات اشرأب المسلمون بذلك، وأرادوا أن يظهر لهم آية ليجتمعوا على الإيمان، فقال الله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا﴾ كأنه قال ألم يعلموا علمًا ييأسوا معه من أن يكون غير ما علموه، وهو أن الله لو شاء لهداهم من غير ظهور هذه الآيات، فأضمر العلم هاهنا مع اليأس، كما أضمر في قولهم: يئست من غلامي أن يفلح، وتأويله: يئست من غلامي علمًا مني أنه لا يفلح، وتلخيصه: قد علمت أن غلامي لا يفلح علمًا أيأسني من غيره، وهذا قول الفراء (٤) سواء.\nوقال أبو إسحاق (٥) ثابتًا على هذا المعنى: القول عندي أن معناه: أفلم ييأس الذين آمنوا من إيمان هؤلاء؛ لأن الله لو شاء لهدى الناس جميعًا.\nقال أبو بكر ابن الأنباري: وهذا القول مأخوذ من قول الكسائي والفراء وأبي إسحاق، هو معنى وليس بتفسير، كما قال الفراء هو في\n_________\n(١) انظر: الطبري ١٣/ ١٥٣، و\"تهذيب اللغة\" (يئس) ٤/ ٣٩٩١.\n(٢) \"معاني القرآن\" للنحاس ٣/ ٤٩٨، و\"البحر المحيط\" ٥/ ٣٩٢.\n(٣) كذا في جميع النسخ ولعلها: (لامن العلم).\n(٤) \"معاني القرآن\" ٢/ ٦٣، ٦٤. وهو كذا في النسخ ولعل الصواب (وهذا وقول الفراء سواء).\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٤٩.","vol":"12","page":354},{"text":"المعنى على تفسيرهم، أي أن المعنى يؤول إلى ما ذكروا؛ لأن العلم بالشيء يوجب اليأس من خلافه. ويدل على أن المراد هاهنا العلم، ما روي أن ابن عباس كان يقرأ (١): (أفلم تيأس الذين آمنوا)، فقيل له: ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ﴾ فقال: أظن الكاتب كتبها وهو ناعس، يريد أنه كان في الخط بتاءين، فزاد الكاتب سينة واحدة فصار (ييئس) فقرئ ييس.\n_________\n(١) في الطبري ١٣/ ١٥٤ أن ابن عباس كان يقرؤها (أفلم يتبين) ... إلخ، وأخرجه ابن الأنباري في المصاحف كما في \"الدر\" ٤/ ٦٥٣.\nوقد روى الطبري ١٣/ ١٥٤ عن علي نحوه. وقد علق الشيخ أحمد شاكر -﵀- على هذا الأثر وبين صحة إسناده. وأخبر أنه كتب رسالة مستقلة حول هذا الأثر المشكل وأشباهه.\nوانظر الثعلبي ٧/ ١٣٨ أ، و\"زاد المسير\" ٤/ ٣٣١، والقرطبي ٩/ ٣٢٠ وعلق بقوله: وهو باطل عن ابن عباس؛ لأن مجاهدًا وسعيد بن جبير حكيا الحرف عن ابن عباس على ما هو في المصحف بقراءة أبي عمرو، وروايته عن مجاهد وسعيد بن جبير عن ابن عباس، ثم إن معناه: أفلم يتبين، فإن كان مراد الله تحت اللفظة التي خالفوا بها الإجماع فقراءتنا تقع عليها، وتأتي بتأويلها، وإن أراد الله المعنى الآخر الذي اليأس فيه ليس من طريق العلم فقد سقط مما أوردوا. اهـ.\nوقال أبو حيان في \"البحر المحيط\" ٥/ ٣٩٣: وهذه القراءة ليس قراءة تفسير لقوله ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ﴾ كما يدل عليه ظاهر كلام الزمخشري، بل هي قراءة مسندة إلى الرسول -ﷺ-، وليست مخالفه للسواد، إذ كتبوا (ييئس) بغير صورة الهمزة، وهذه كقراءة فتبينوا وفتثبتوا، وكلتاهما في السبعة، وأما قول من قال: إنما كتبه الكاتب وهو ناعس فسوق أسنان السين فقول زنديق ملحد. اهـ.\nوقال الزمخشري في \"كشافه\" ٢/ ٣٦٠: وهذا ونحوه مما لا يصدق في كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وكيف يخفى مثل هذا حتى يبقى ثابتًا بين دفتي الإمام، وكان متقلبًا في أيدي أولئك الأعلام المحتاطين في دين الله المهيمنين عليه، لا يغفلون عن جلائله ودقائقه، خصوصًا عن القانون الذي إليه المرجع والقاعدة التي عليها البناء، هذه والله فرية ما فيها مرية. اهـ.","vol":"12","page":355},{"text":"وقوله تعالى: ﴿أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ﴾ قال أبو علي (١): ﴿أَنْ﴾ هاهنا مخففة من الثقيلة وفيه ضمير القصة، والحديث على تقدير: أنه لو يشاء، كقوله ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ﴾ [المزمل: ٢٠] و﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ﴾ [طه: ٨٩]. على ذلك حسن وقوع الفعل بعدها، لفصل الحرف بينهما وهو لو ولا والسين.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ﴾ قال ابن عباس (٢) في رواية عطاء: عذاب، قال المفسرون (٣): أراد أنهم تصيبهم بما صنعوا، والحُرَب (٤) من كفرهم وأعمالهم الخبيثة داهية تقرعهم، ومصيبة شديدة من الأسر والقتل والجدب.\nقال أبو إسحاق (٥): ومعنى (قارعة) في اللغة: نازلة تنزل بأمر عظيم.\nوروي عن ابن عباس (٦) أيضًا في تفسير القارعة أنها السرايا التي كانت يبعث رسول الله - ﷺ - إليهم، وهو اختيار الفراء (٧)، ﴿أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ\n_________\n(١) \"الحجة\" ٤/ ٤٣٨.\n(٢) الطبري ١٣/ ١٥٦، وابن مردويه كما في \"الدر\" ٤/ ١١٩، و\"زاد المسير\" ٤/ ٣٣٢.\n(٣) الطبري ١٣/ ١٥٥، الثعلبي ٧/ ١٣٨ ب، \"زاد المسير\" ٤/ ٣٣٢، القرطبي ٩/ ٣٢١.\n(٤) (والحرب) كذا في جميع النسخ، ولعل هذه اللفظة في السطر الذي يليه كما في الوسيط. (بما صنعوا) من كفرهم، وأعمالهم الخبيثة داهية تقرعهم، ومصيبة شديدة من الأسر والقتل والحرب والجذب).\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٤٩.\n(٦) الطبري ١٣/ ١٥٥، والفريابي وابن مردويه كما في \"الدر\" ٤/ ١١٩، الثعلبي ٧/ ١٣٨ ب.\n(٧) \"معاني القرآن\" ٢/ ٦٤.","vol":"12","page":356},{"text":"دَارِهِمْ﴾، التاء خطاب للنبي - ﷺ - في قول ابن عباس (١) والفراء (٢) والأكثرين، وقال قتادة (٣): هي القارعة، وهو قول الحسن (٤).\nوقوله تعالى: ﴿حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء: يريد القيامة، وهو قول الحسن، وقال قتادة (٥): يعني فتح مكة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1854>٣٢ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ ذكرنا معنى الاستهزاء في أول سورة البقرة (٦).\nوقوله تعالى: ﴿فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: أطلت لهم المدة بتأخير العقوبة، قال ابن عباس: ليتمادوا في معاصي الله، وذكرنا معنى الإملاء عند قوله ﴿أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِم﴾ (٧).\nوقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ﴾ أي: بالعقوبة، ﴿فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ﴾ قال ابن عباس (٨): يريد كيف رأيت ما صنعت بمن استهزأ برسلي، كذلك\n_________\n(١) الطبري ١٣/ ١٥٦، والطيالسي، وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل كما في \"الدر\" ٤/ ١١٩، والثعلبي ٧/ ١٣٨ ب.\n(٢) \"معاني القرآن\" ٢/ ٦٤.\n(٣) الطبري ١٣/ ١٥٧، الثعلبي ٧/ ١٣٨ ب، القرطبي ٩/ ٣٢١.\n(٤) الطبري ١٣/ ١٥٧، عبد الرزاق ٢/ ٣٣٧، \"زاد المسير\" ٤/ ٣٣٢، القرطبي ٩/ ٣٢١.\n(٥) عبد الرزاق ٢/ ٣٣٧، و\"تفسيركتاب الله العزيز\" ٢/ ٣١٠، القرطبي ٩/ ٣٢١.\n(٦) عند قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [آية: ١٤]، وقال: الهزء: السخرية، يقول: هزئ به يهزأ، وتهزأ به واستهزأ به، وهو أن يظهر غير ما يضمر استصغارًا وعبثًا.\n(٧) آل عمران: ١٧٨. قال هنالك: (معنى (أملى) في اللغة نطيل ونؤخر، والإملاء: الإمهال والتأخير، قال ابن عباس: قوله: ﴿أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ﴾ يريد: تماديهم في معاصي الله).\n(٨) القرطبي ٩/ ٣٢٢.","vol":"12","page":357},{"text":"أصنع بمشركي قومك، قال المفسرون: الآية تسلية للنبي - ﷺ -، عما يلقى من سفهاء قومه من الكفر والاستهزاء، بأنه قد قيل لأنبياء قبلك مثل هذا، فاصبر كما صبروا حتى أذيق المستهزئين بك العذاب الأليم كسُنّتي في الكذابين المستهزئين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1855>٣٣ </span>- قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ الآية، قال ابن عباس (١): يريد نفسه ﵎، قال ابن الأنباري (٢) وغيره: وصف الله تعالى بالقيام، ليس يراد به الانتصاب (٣)، الذي هو من صفة الأجسام، ولكن معناه التولي لأمور خلقه والتدبير للأرزاق والآجال وإحصاء الأعمال والجزاء، كقوله تعالى: ﴿قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ [آل عمران: ١٨]، أي والباء كذلك (٤)، وقد يراد القيام في اللغة (٥) ولا يراد به الانتصاب، كما يقال: فلان قائم بأمر الأيتام، يعنون بالقيام الولاية لأمورهم، والمعنى هاهنا: أفمن هو قائم بالتدبير على كل نفس بجزاء ما كسبت، وتلخيصه: أفمن هو مجاز كل نفس بما كسبت، وحكى أبو بكر عن بعض اللغويين أن معناه: أفمن هو عالم بكسب كل نفس واحتج بقول الشاعر (٦):\nفلولا رجالٌ من قُريشٍ أعِزَّة ... سرقتم ثِيَابَ البَيْتِ والله قائِمُ\n_________\n(١) الطبري ١٣/ ١٥٩، وابن مردويه كما في \"الدر\" ٤/ ١١٩، و\"زاد المسير\" ٤/ ٣٣٣، و\"تفسير كتاب الله العزيز\" ٢/ ٣١١ عن الحسن.\n(٢) \"زاد المسير\" ٤/ ٣٣٣. بنحوه.\n(٣) لم يرد دليل على نفي الانتصاب، فالنفي يحتاج إلى دليل، كما أن الإثبات كذلك.\n(٤) في (ب): (لذلك).\n(٥) انظر: \"مقاييس اللغة\" ٥/ ٤٣، و\"تهذيب اللغة\" (قوم) ٣/ ٢٨٦٤.\n(٦) لم أهتد إلى قائله، وهو غير منسوب في \"النكت والعيون\" ٣/ ١١٤، والقرطبي ٩/ ٣٢٢.","vol":"12","page":358},{"text":"أراد والله عالم، قال أبو بكر: وهذا القول أثبت، قال الفراء (١) وغير: وحذف خبر (من) لميان موضعه، وتلخيصه: أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت، كمن ليس بهذه الصفة من الأصنام التي لا تنفع ولا تضر.\nقال الفراء: قد بينه ما بعده إذ قال: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ﴾ كأنه في المعنى: كشركائهم (٢) الذين اتخذوهم، وقال صاحب النظم: جواب قوله: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ﴾ مضمَّن (٣) فيما بعده؛ لأنه لما قال: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ﴾ صار بدلالته على الجواب كأنه ذكر، كقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ [الزمر: ٢٢]، ولم يجيء له جواب حتى قال: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ فصار هذا يدل على الجواب؛ لأن تأويله: أفمن شرح الله صدره للإسلام كمن قلبه قاس.\nوقوله (٤): ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ﴾ وقع هذا موقع جواب (أفمن) على ما ذكره الفراء في المعنى.\nوقوله تعالى: ﴿قُلْ سَمُّوهُمْ﴾ ليس يريد بهذا أن يذكروا أسماءهم التي جعلوها لهم كاللات والعزى؛ لأنه لا يكون في هذا احتجاج عليهم، ولكن المعنى سموهم بما يستحقون من الأسماء التي هي صفات، ثم انظروا هل تدل صفاتهم على أنه يجوز أن يعبدوا أم لا؟ وهذا تنبيه على أنهم مبطلون، لأن المعنى يؤول إلى أن الصنم لو كان إلهًا لتصور منه أن يخلق ويرزق ويحيي ويميت، ولحسن حينئذٍ أن يسمى بالخالق والرازق، فكأن الله تعالى\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" ٢/ ٦٤.\n(٢) في (ح): (كثير كأنهم).\n(٣) في (ب): (مضمر).\n(٤) في (ب): (وقوله تعالى).","vol":"12","page":359},{"text":"قال: قل سموهم بإضافة أفعالهم إليهم إن كانوا شركاء (١) لله تعالى، كما يضاف (٢) إلى الله تعالى أفعاله بالأسماء الحسنى (٣).\nوقوله تعالى: ﴿أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ﴾ يجوز أن يكون (أم) هاهنا عاطفة على استفهام متقدم في المعنى، وذلك أن قوله ﴿قُلْ سَمُّوهُمْ﴾ معناه: ألهم أسماء الخالقين؟؛ لأن المراد في أمرهم بالتسمية؛ الإنكار عليهم أنه ليس للأصنام أسماء الخالقين ولا صفاتهم، والإنكار صورته سورة الاستفهام. ويجوز أن يكون (أم) استفهامًا مبتدأ به منقطعًا بما قبله كقوله ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾ [يونس: ٣٨] وليس قبله استفهام، وذكرنا هذا قديمًا، وتأويل الآية هاهنا: فإن سموهم بصفات الخالقين قل أتنبئونه بما لا يعلم في الأرض؟ ومعنى هذا: أنهم كانوا يزعمون أن لله شركاء، والله تعالى لا يعلم لنفسه شريكًا، فقال: أتنبئون الله بشريك له في الأرض وهو لا يعلمه؟\nومعنى ﴿بِمَا لَا يَعْلَمُ﴾ أي: بما يعلم أنه ليس. فالنفي وإن دخل على العلم؛ فالمراد به نفى ذلك المعلوم؛ لأنه لا يجوز أن ينتفي العلم عن الله تعالى، وقال صاحب النظم: وقد قيل: إن (يعلم) هاهنا فصل عطل عن المعنى، (ولا) بمنزلة ليس، على تأويل: أم تنبئونه بما ليس في الأرض، وخص الأرض بنفي الشريك عنها، وإن لم يكن له شريك في غير الأرض، لأنهم ادعوا له شركاء في الأرض لا في غيرها.\n_________\n(١) في (ب): (شركاء الله).\n(٢) في (ب): (كأنصاف).\n(٣) \"زاد المسير\" ٤/ ٣٣٣. بنحوه.","vol":"12","page":360},{"text":"وقوله تعالى: ﴿أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ﴾ يعني أم يقولون مجازًا من القول وباطلًا لا حقيقة له والباء في قوله ﴿بِظَاهِرٍ﴾ لا يكون من صلة الشبه، بل هي من صلة القول المضمر على معنى: أم يقولون بظاهر من القول، وفسر الظاهر هاهنا تفسيرين أحدهما: أن معناه أنه كلام ظاهر، وليس له في الحقيقة باطن ومعنى رجوع إلى حقيقة، والثاني أن معناه الباطل الزائل (١)، من قولهم (٢) ظهر عني هذا العيب، أي لم يعلق بي، ونبا عني، ومنه قول أبي ذؤيب (٣):\nوتِلْكَ شَكَاةٌ ظَاهِرٌ عَنْكَ عَارُها\nأي باطل وزائل، وهذا الوجه اختيار صاحب النظم.\nوقوله تعالى: ﴿بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ﴾ معنى (بل) هاهنا كأنه يقول دع ذكر ما كنا فيه؛ زين لهم مكرهم، كقول لبيد (٤):\nبل ما تَذْكُر من نَوَار وقَدْ نَأَتْ ... وتَقَطّعَتْ أسْبَابُها ورِمَامُهَا\n_________\n(١) \"تفسير كتاب الله العزيز\" ٢/ ٣١١ وذكر عن الكلبي نحوه.\n(٢) \"تهذيب اللغة\" (ظهر) ٣/ ٢٢٥٩.\n(٣) الببت في شرح أشعار الهذليين للسكري ١/ ٧٠، وصدره:\nوعيرها الواشون أني أحبها\nوفي \"اللسان\" (ظهر) ٥/ ٢٧٦٩، (شكا) ٤/ ٢٣١٤، و\"التنبيه والإيضاح\" ٢/ ١٥٩، و\"تاج العروس\" ٧/ ١٧٥ (ظهر)، و\"مقاييس اللغة\" ٣/ ٢٧٢، و\"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٢٥٩، وبلا نسبة في: \"تهذيب اللغة\" (ظهر) ٣/ ٢٢٥٩، و\"مجمل اللغة\" ٢/ ٦٠٣.\n(٤) \"ديوانه\" ص ١٦٦، و\"تهذيب اللغة\" ٢/ ٦٠٦ (سبب) ٣/ ٢٩٩٤، و\"اللسان\" (قطع) ٦/ ٣٦٧٤، وبلا نسبة في \"اللسان\" (سبب) ٤/ ١٩١٠، و\"تاج العروس\" (سبب) ٢/ ٦٦.","vol":"12","page":361},{"text":"كأنه كان في ذكر شيء فتركه وعاد إلى ذكر هذه المرأة، كذلك الله تعالى ترك ذكر الاحتجاج عليهم، وبين سبب كفرهم وإقامتهم على ذلك، بقوله: ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ﴾ قال ابن عباس (١): يريد زين الشيطان لهم الكفر، ففسر المكر بالكفر؛ لأن مكرهم بالرسول وبما جاء به كفر منهم.\nوقوله تعالى: ﴿وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ﴾ قال ابن عباس (٢): وصدهم الله عن سبيل الهدى، وضم الصاد قراءة (٣) أهل الكوفة، واختيار أبي عبيد (٤)، قال: لأنه قراءة أهل السنة، وفيه إثبات القدر (٥)، يعني أن تفسيره يكون على ما ذكره ابن عباس، وهذه القراءة حسنة لمشاكلة ما قبلها من بناء الفعل للمفعول، ومن قرأ بفتح الصاد فالمعنى: أنهم صدوا غيرهم عن الإيمان، يقال: صد وصددته، مثل: رجع ورجعته، ودليل هذه القراءة قوله: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (٦).\n_________\n(١) \"زاد المسير\" نوار: اسم امرأة. نأت: ابتعدت، تقطعت أسبابها: حبالها، والرمام: الحبال الضعاف التي خلقت ٤/ ٣٣٣، والقرطبي ٩/ ٣٢٣، و\"تفسير كتاب الله العزيز\" ٢٠/ ٣١١ عن مجاهد.\n(٢) \"تنوير المقباس\" (١٥٨) بنحوه، و\"زاد المسير\" ٤/ ٣٣٤، القرطبي ٩/ ٣٢٣.\n(٣) قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر (وصَدُّوا) بفتح الصاد، وقرا عاصم وحمزة والكسائي (وصُدُّوا) بالضم.\nانظر: \"السبعة\" ص ٣٥٩، و\"الإتحاف\" ١٣/ ١٦١، والطبري ١٦/ ٤٦٧، والقرطبي ٩/ ٣٢٣، و\"زاد المسير\" ٤/ ٣٣٣، و\"البحر المحيط\" ٥/ ٣٩٥.\n(٤) في (أ)، (ج): (أبي عبيدة). بالهاء.\n(٥) الثعلبي ٧/ ١٣٩ أ.\n(٦) النحل: ٨٨، محمد: ١.","vol":"12","page":362},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ الوقف على هذا بسكون الدال من غير إثبات ياء قراءة أكثر (١) القراء، وكذلك: وال، وواق، وهو الوجه، لأشك تقول في الوصل: هذا قاض وهاد وواق، فتحذف المجاء لسكونها والتقائها مع التنوين، فإذا وقفت فالتنوين يحذف في الوقف (في الرفع والجر ولا يبدل منه شيء، والياء قد كانت انحذفت في الوصل، فيصادف الوقف) (٢) الحركة التي هي كسرة في عين فاعل، فتحذفها كما تحذف سائر الحركات التي تقف عليها، فإذا حذفتها سكن الحرف في الوقف، كما كانت تسكن سائر المتحركات فيه، فيصير: داع وهاد، وكان ابن كثير يقف بالياء: هادي ووالي وواقي (٣)، ووجه ذلك ما حكى سيبويه أن بعض من يوثق به من العرب يقول: هذا داعي وعمي، فيقفون بالياء، ووجه ذلك أنهم كانوا حذفوا الياء في الوصل، لالتقائها مع التنوين ساكنة، وقد أمن (٤) في الوقف أن يلحق التنوين، فإذا أمن الذي (٥) كان الياء حذفت في الوصل من أجل التقائها، ردت الياء فصار: هذا قاضي وداعي (٦)، ومن ثم قال الخليل في نداء قاض ونحوه: يا قاضي، بإثبات الياء؛ لأن النداء موضع لا يلحق فيه التنوين، فإذا لم يلحق لم يلتق ساكن مع التنوين، فيلزم\n_________\n(١) \"الحجة\" ٥/ ٢٣، ٢٤. بنحوه. وعامة القراء على هذه القراءة، وابن كثير وحده يقف على الهاء. انظر: \"السبعة\" ص ٣٦٠.\n(٢) ما بين القوسين ساقط من (ب).\n(٣) انظر: \"السبعة\" ص٣٦٠.\n(٤) في (ب): (أمر).\n(٥) في \"الحجة\": فإذا أمن التنوين الذي كانت الياء حذفت في الوصل من أجل التقائها معها في الوصل.\n(٦) في \"الحجة\": هادي، والأول أكثر في استعمالهم.","vol":"12","page":363},{"text":"حذفها فثبتت الياء في النداء، لما أمن من لحاق التنوين فيه كما يثبت مع الألف واللام، لما أمن التنوين معها، في نحو (المتعالي) [الرعد: ٩] و﴿دَعْوَةَ الدَّاعِ﴾ [البقرة: ١٨٦]، والأول أكثر في استعمالهم (١) (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1856>٣٤ </span>- قوله تعالى: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ قال ابن عباس (٣): يريد الإسقام والقتل والأسر، ﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ﴾ أي: أشد وأغلظ.\nقال أهل المعاني: المشقة غلظ الأمر على النفس، بما يكاد يصدع القلب، فهو من الشق بمعنى الصدع. ﴿وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ﴾ أي: من عذاب الله، ﴿مِنْ وَاقٍ﴾ أي حاجز ومانع يمنعهم ذلك، يقال: وقاه الله السوء يقيه وقيًا، أي دفعه عنه، ومثله الوقاية، ويقال لكل ما يدفع الأذية: وقًا ووقاية، حتى النعل وقاية للرِّجْل، ومعنى قوله: ﴿وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ﴾ أن عذاب الآخرة لا يدفعه عنهم دافع، وأنهم فيه خالدون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1857>٣٥ </span>- قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾ الآية، اختلفوا في معنى قوله: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ﴾ وفي وجه ارتفاعه، فقال سيبويه (٤): المعنى: فيما نقص عليكم مثل الجنة فيما نقص عليكم، فرفعه عنده على الابتداء والخبر محذوف، هذا حكايته الزجاج عنه (٥)، وقال ابن الأنباري (٦) محققًا هذا القول: المثل خبره مضمر قبله، يراد به: فيما نصف لكم مثل الجنة، فيما نقصه من القرآن خبر الجنة، والمثل (على هذا القول معناه الحديث\n_________\n(١) في \"الحجة\": كذلك تثبت في النداء لذلك.\n(٢) آخر النقل عن \"الحجة\" ٥/ ٢٣، ٢٤. بنحوه.\n(٣) الثعلبي ٧/ ١٣٩ أ، و\"زاد المسير\" ٤/ ٣٣٤، القرطبي ٩/ ٣٢٤ من غير نسبة.\n(٤) القرطبي ٩/ ٣٢٤.\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٤٩.\n(٦) \"زاد المسير\" ٤/ ٣٣٤.","vol":"12","page":364},{"text":"نفسه، قاله الليث (١). واحتج بهذه الآية وقال: (مثلها) هو الخبر) (٢)، وهذا القول اختيار أبي العباس، قال أبو بكر: سمعت أبا العباس أحمد بن يحيي يذكر هذا ويصححه.\nوقال المبرد (٣) في كتاب \"المقتضب\": التقدير: فيما يتلى عليكم مثل الجنة، واختار أبو علي الفارسي هذا القول ودفع ما سواه، وقال: المثل في الآية بمعنى الشبه، وتعلق قوله: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ بما قبله علي وجه التفسير له (٤)، كما أن قوله: ﴿خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ﴾ بعد قوله: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ﴾ [آل عمران: ٥٩] تفسير للمثل، وكما أن قوله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ [المائدة: ٩] الجملة الثانية تفسير للوعد، ومن ذلك قوله: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١] الجملة الثانية تفسير للوصية، وكذلك ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ﴾ [محمد: ١٥] و﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [الرعد: ٣٥] تفسير للمثل، ومثله قوله: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ﴾ [إبراهيم: ١٨] فقوله: ﴿أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ﴾ تفسير للمثل.\nوقال قوم: المثل هاهنا بمعنى الصفة، قالوا: ومعناها صفة الجنة التي وعد المتقون، قال محمد بن سلام (٥) أخبرني عمر (٦) بن أبي خليفة قال:\n_________\n(١) \"تهذيب اللغة\" (مثل) ٤/ ٣٣٤١.\n(٢) ما بين القوسين ساقط من (أ)، (ج).\n(٣) \"المقتضب\" ٣/ ٢٢٥، ونقله عنه الأزهري في \"التهذيب\" (مثل) ٤/ ٣٣٤١.\n(٤) (له): ساقط من (ج).\n(٥) \"تهذيب اللغة\" (مثل) ٤/ ٣٣٤١.\n(٦) في (ب): (عن).","vol":"12","page":365},{"text":"سمعت مقاتلًا صاحب التفسير يسأل أبا عمرو بن العلاء عن قوله: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾ ما مثلها؟ قال: ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾ قال: ما مثلها؟ فسكت أبو عمر، وقال: فسألت يونس عنها، فقال: مثلها صفتها، قال محمد بن سلام: ومثل ذلك قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ﴾ [الفتح: ٢٩] أي صفتهم، قال الأزهري (١): ونحو ذلك روي عن ابن عباس، وأما جواب أبي عمرو لمقاتل، فإنه أجابه، جوابًا مقنعًا، ولما رأى نَبْوةَ فَهْم مقاتل عما أجابه، سكت عنه، لما وقف عليه من غلظة فهمه، وأراد أبو عمرو: صفتها أن الأنهار تجري من تحتها، وأن فيها أنهارًا من ماء غير آسن.\nقال ابن الأنباري: وعلى هذا القول المثل ابتداء وخبره ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾.وهو الرافع له، لأن المثل معناه الصفة، وصفة الجنة في المعنى قول مقول، وكلام معقول مفهوم، فجرى مجرى القول في صفة الجنة تجري من تحتها الأنهار، كما تقول: قولي بقول عبيد الله، وقولي ينصفك الأمير، (فيكون: ينصفك الأمير) (٢) خبر القول، ولا ذكر له فيه، لأنه بمعنى قولي هذا الكلام، فسَدَّ (ينصفك الأمير) مَسَدَّ هذا الكلام، وسَدّ (تجري من تحتها الأنهار) مَسَدّ مثل الجنة، هذا الوصف الذي تخبرون به، وهذا الوصف الذي تسمعونه، هذا كلام أبي بكر، وقال ابن قتيبة (٣): معنى المثل: الشبه في أجل اللغة، ثم قد يصير بمعنى سورة الشيء وصفته، وكذلك المثال والتمثال، يقال: مثلت لك كذا، أي: صورته\n_________\n(١) \"تهذيب اللغة\" (مثل) ٤/ ٣٣٤١.\n(٢) ما بين القوسين ساقط من (ب)، (ج).\n(٣) \"مشكل القرآن وغريبه\" ص ٢٣٥.","vol":"12","page":366},{"text":"ووصفته (١)، فأراد الله بقوله: (مثل الجنة) أي: صورتها وصفتها، ومثله قوله: ﴿ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ﴾ [الفتح: ٢٩] أي: ذلك وصفهم؛ لأنه لم يضرب لهم مثلًا في أول الكلام، ويؤيد هذا المعنى ما حكاه الفراء (٢) بإسناده، أن عليًّا ﵁ قرأ: (أمثال الجنة)، قال الفراء: يقول: صفات الجنة، فجمع الأمثال لما أتت بعدها أوصاف، ومثل هذا من الكلام قول العرب: حلية فلان أسمر. أي القول في وصفه هذا، فأسمر يرتفع بإضمار هو.\nوأنكر المبرد (٣) هذا القول، وقال: من قال: إن معناه صفة الجنة، فقد أخطأ، (مثل) لا يوضع موضع صفة؛ إنما يقال: صفة زيد أنه ظريف وأنه عاقل، ولا يقال: زيد مثل فلان، إنما المثل مأخوذ من المثال، والصفة تحلية ونعت.\nقال أبو علي (٤): قول من قال: معنى (مثل الجنة)؛ صفة الجنة، غير مستقيم، ودلالة اللغة تدفع ذلك، ولا يوجد المثل في اللغة بمعنى الصفة، إنما معنى المثل الشبه، في جميع مواضعه ومتصرفاته، من ذلك قولهم: ضربت مثلا، فالمثل إنما هو الكلمة التي يرسلها قائلها محكمة (٥) ليشبه بها الأمور، ويقابل بها الأحوال، ومن ذلك قولهم للقصاص: المثال، وتماثل العليل، إذا تقاربت أحواله أن تشابه أحوال الصحة، والطريقة المثلى، إنما\n_________\n(١) إحدى الواوين ساقطة من (ب).\n(٢) \"معاني القرآن\" ٢/ ٦٥، والقراءة في \"الكشاف\" ٢/ ٣٦٢.\n(٣) \"تهذيب اللغة\" (مثل) ٤/ ٣٣٤١.\n(٤) النقل من \"الإغفال\" للفارسي ٢/ ٩١٠.\n(٥) في \"الإغفال\" ٢/ ٩١٢: (محكية).","vol":"12","page":367},{"text":"هي المشبهة الصواب، ولن يقدر أحدٌ أن يوجدنا استعمال العرب المثل بمعنى الصفة في كلامهم. والذين قالوا: المثل هاهنا بمعنى الصفة، قوم من رواة اللغة غير مدفوعي القول إذ رووا شيئًا عن أهل اللغة، ولم يقولوه من جهة النظر والاستدلال، وقولهم: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ﴾ صفة الجنة، لم يرووه عن (١) رواية، إنما قالوه متداولين (٢)، ولم يرووه عن أهل اللسان ولا أسندوه إليهم، فهذا امتناعه من جهة اللغة، ولا يستقيم أيضًا من جهة المعنى، ألا ترى أن (مثل) (٣) إذا كان بمعنى الصفة كان تقدير الكلام: صفة الجنة فيها أنهار، وهذا قول غير مستقيم؛ لأن الأنهار في الجنة نفسها، لا في صفتها، وصفتها لا يجوز أن يكون فيها أنهار، وأيضًا فإنه إذا احتمل المثل على معنى الصفة، وأجري في الإخبار عنه مجراها، وأنِّث الراجع إليه الذي هو \"فيها\" في سورة محمد - ﷺ -، و﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ في هذه السورة، فقد حمل الاسم على المعنى فأنّث، وهذا قبيح ضعيف يجيء في ضرورة الشعر. نحو: \"ثلاث شخوص\" (٤) (٥)، عشر\n_________\n(١) (عن) ساقط من: (ب).\n(٢) في \"الإغفال\" ٢/ ٩١٤: (متأولين).\n(٣) في \"الإغفال\" ٢/ ٩١٤: (أن مثلًا).\n(٤) (شخوص) ساقط من (ج).\n(٥) هذه قطعة من بيت لعمر بن أبي ربيعة، والبيت بتمامه:\nفكان مجني دون من كنت أتقي ... ثلاث شخوص كاعبان ومعصر\nانظر: سيبويه ٢/ ٢٠٤، و\"الخصائص\" ٢/ ٤١٧، والأشموني: ٣/ ٦٣٠، و\"ديوانه\" ١/ ٣ ط. أوربا، و\"المذكر والمؤنث\" للمبرد ص ١٠٨ - ١١٣، و\"الإنصاف\" ص ٦١٩، و\"أوضح المسالك\" ص ٢٤٨، ٢٥٠، و\"المقتضب\" ٢/ ١٤٨، و\"المخصص\" ١٧/ ١١٧، ٩/ ٤، و\"الخزانة\" ٣/ ٢١٣.","vol":"12","page":368},{"text":"أبطن (١)، وإذا كان كذلك لم يسع (٢) الحمل على ما قالوه، ولأن خبر المبتدأ لا يخلو من أن يكون المبتدأ في المعنى، أو يكون له فيه ذكر، وليس قوله: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ من أحد الخبرين، فلم يكن خبر المبتدأ ما ذكروه، ولكن ما ذهب إليه سيبويه (٣) من أن المعنى: فيما نَقُصُّ عليكم مثل الجنة، فقال قوم: قوله: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ خبر عن المضاف إليه، وهو الجنة، يرى الخبر عن المضاف الذي هو مثل، ومثل ذلك جائز في الكلام، كقوله (٤):\nلو أن عُصْمَ عَمَايَتَيْن ويَذْبُل ... سَمِعَا حديثَكِ أنْزَلا الأوْعَالا (٥)\nفأخبر عن العمايتين بقوله: سمعا، ولم يخبر عن العُصْمِ. قال أبو علي: لا يجوز أن يُذْكر اسمٌ ولا يخبر عنه، ويترك متعلقًا (٦) مضربًا عن\n_________\n(١) هذه قطعة من بيت لرجل يقال له النواح من بني كلاب، والبيت بتمامه:\nفإن كلابًا هذه عشر أبطن ... وأنت بريء من قبائلها العشر\n\"المخصص\" ١٢/ ١٥٤، وسيبويه ٢/ ٢٠٣، و\"المذكر والمؤنث\" للمبرد ص ١٠٨، و\"العين\" ٤/ ٤٨٤.\n(٢) في (ج): (يسمع).\n(٣) انظر: \"الكتاب\" ١/ ٩٠.\n(٤) البيت لجرير بن عطية الخطفي.\nانظر: \"ديوانه\" ص ٣٦٠، طبعة نعمان وفيه: (سمعت حديثك أنزل الأوعالا)، شرح ابن يعيش: ١/ ٤٦، و\"المخصص\" ٨/ ١٦٨ غير منسوب، و\"الأشباه والنظائر\" ٥/ ٦٥، و\"أمالي ابن الحاجب\" ٢/ ٦٦٠، و\"سر صناعة الإعراب\" ١/ ٤٦٢، و\"همع الهوامع\" ١/ ٤٢.\n(٥) في (ج): (الأومالا).\n(٦) في \"الإغفال\" ٢/ ٩١٨: (معلقًا).","vol":"12","page":369},{"text":"الحديث عنه، ولم يجئ ذلك عندنا في شيء من كلامهم، وليس تأويل هذا البيت على ترك الإخبار عن المضاف، وإنما المعنى: لو أن عصم عمايتين، وعصم يذبل، فحذف المضاف (١) يجري ذكره، والدلالة عليه بالإخبار عنه بعده، وأجري الإخبار عنهما على لفظ الشبه إذ كانا جميعين (٢)، لأنهما أجريا مجرى القبيلين، كقوله تعالى: ﴿أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا﴾ [الأنبياء:٣٠] وقوله تعالى: ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات: ٩] وكقوله (٣):\nإن المَنِيّةَ والحُتُوفَ كلاهُما ... توفي المَخَارِمَ يرقُبَانِ سَوادِيَا\nوأبو بكر بن الأنباري يقوي هذه الطريقة، ويقول: يجوز أن يذكر اسمان ثم يخبر عن الثاني، ويسد الخبر عن الثاني مسد الخبر عن الأول، كما قالوا: كأنك بالدنيا لم تكن وبالآخرة لم تزل، فجعلوا الخبر عن الدنيا خبرًا عن الكاف، ومنه قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ﴾ [البقرة: ٢٣٤] صرف خبر الذين إلى الأزواج، وذهب قوم إلى أن المثل دخل توكيدًا للكلام، والمعنى: الجنة التي وعد المتقون تجري من تحتها الأنهار، فأكد الكلام بالمثل، كقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] أي كهو، وعلى هذا المثل يكون لغوًا وزيادة كما تقول في الفصل في قوله: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ﴾ [البقرة: ٥، ١٢]. وقوله تعالى:\n_________\n(١) في \"الإغفال\" ٢/ ٩١٨ (فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه لم يجر في ذكره، والدلالة عليه به، وبالأخبار الذي يجيء عنه بعده ..).\n(٢) في \"الإغفال\" ٩١٨/ ٢ (واحد إذا كانا جمعين).\n(٣) القائل هو الأسود بن يعفر. \"ديوانه\" ص ٢٦، و\"خزانة الأدب\" ٧/ ٥٧٥، و\"شرح شواهد المغني\" ٢/ ٥٥٣، و\"مغني اللبيب\" ١/ ٢٠٤ (يوفي المنية) بدل (توفي المخارم)، و\"خزانة الأدب\" ٣/ ٣٨٥ (يوفي)، \"المفضليات\" ص ٢١٦ (يوفي)، و\"منتهى الطلب\" ١/ ٨١ (كليهما)، و\"السمط\" ١/ ١٧٤، ٢٦٨ (يوفي).","vol":"12","page":370},{"text":"﴿تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا﴾ [المزمل: ٢٠].\nقال أبو علي: كون المثل لغوًا والحكم عليه بهذا فاسد غير سائغ (١)، لأنه لا دلالة عليه ولا شاهد له، والقياس على الفصل غير جائز لقِلته، ولأن الفصل مضمر غير معرب، وقد قامت الدلالة على أن الفصل لا موضع له من الإعراب، و(مثل الجنة) مظهر معرب فلا يشبه الفصل، ألا ترى أن (مثل) هاهنا يرتفع (٢) بالابتداء، (وإذا ارتفع بالابتداء) (٣)، فقد اقتضى خبرًا لآية (٤) يرتفع بكونه مُحَدَّثًا عنه، كما يرتفع الفاعل بذلك، فلو جاز وجود مبتدأ لا خبر له، لجاز وجود فاعل لا فعل له، وإذا استحال هذا في الفاعل كان استحالته في الابتداء مثله.\nوأما قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ فليس مثل لغوًا، إنما الكاف الملغى عندنا، والحكم بزيادة الكاف أولى؛ لأنه حرف، والحرف يكون زيادة كثيرة، وليس الأسماء بمنزلها، وقد وجدت الكاف زائدة في مواضع كقول رؤبة (٥):\nلَوَاحِقُ الأقْرابِ فيها كالمَقَق ... و... كَكَما يُؤثَفِين (٦)\n_________\n(١) في (ب): (غير شائع).\n(٢) في \"الإغفال\" ٢/ ٩٢٠: (لا يرتفع) بزيادة (لا).\n(٣) ما بين القوسين ساقط من (ج).\n(٤) في \"الإغفال\" ٢/ ٩٢٠: (خبرًا لأنه).\n(٥) \"ديوانه\" ص ١٠٦، و\"العين\" ٣/ ٢٩٠، و\"الخزانة\" ٤/ ٢٦٦، و\"سر صناعة الإعراب\" ص ٢٩٢، وبغير نسبة في \"المقتضب\" ٤/ ٤١٨، و\"المسائل البغداديات\" ص ٤٠٠.\nقاله يصف خيلًا، لواحق: ضوامر، والأقراب: جمع قرب. والقرب الخاصرة.\n(٦) البيت لخطام المجاشعي، ولعل قبله سقطًا وأوله:\nوصاليات ككما يؤثفين","vol":"12","page":371},{"text":"وقول لبيد (١):\n....... في مِرْفَقَيْهما كالفَتل\nوإذا كان كذلك كان الحكم بزيادة الكاف أولى، بل لا يجوز غيره، فيكون المعنى: ليس مثله شيء، وقال أبو إسحاق (٢): والذي عندي -والله أعلم- أن عرفنا أمور الجنة التي لم نرها ولم نشاهدها، بما شاهدنا من أمور الدنيا وعاينا، فالمعنى مثل الجنة التي وعد المتقون جنة تجري من تحتها الأنهار، قال أبو علي (٣): وهذا أيضًا ليس بمستقيم، ألا ترى أن المثل لا يخلو عن أن يكون الصفة، كما قال قوم، أو يكون من معنى المشابهة والتشبه (٤) كما قلنا، وفي كلا القولين لا يصح ما قال، لو قلت:\n_________\n= انظر: \"الكتاب\" ١/ ١٣، ٢٠٣، ٢/ ٣٣١، و\"المغني\" ٤/ ٥٩٢، و\"الخزانة\" ١/ ٣٦٧، وغير منسوب في \"معاني الأخفش\" ٣٠٣، و\"المقتضب\" ٢/ ٩٥، و\"مجالس ثعلب\" ص ٣٩، و\"سر صناعة الإعراب\" ص ٢٨٢، و\"المحتسب\" ١/ ١٨٦، والصاليات: الأثافي، وهي من صليت بالنار: أي أحرقت حتى اسودت، يؤثفين: يجعلن أثافي للقدر.\n(١) \"ديوانه\" ص ١٣٩، والبيت بتمامه:\nقد تجاوزت وتحتي جسرة ... حرج في مرفقيها كالفتل\nتجاوزت: قطعت المسافة، الجسرة: الناقة الضخمة الطويلة التي لا تركب، حرج: لا تركب ولا يضربها الفحل، الفتل: الاندماج في المرفقين مع تباعد عن الجنب.\nوانظر: \"اللسان\" (حرج) ٢/ ٨٢١، (فتل) ٦/ ٣٣٤٣، و\"تهذيب اللغة\" ١/ ٧٧٥، و\"كتاب العين\" ٣/ ٧٧، و\"تاج العروس\" (حرج) ٣/ ٣٢١، وبلا نسبة في \"مقاييس اللغة\" ١/ ٢٦٠.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٥٠.\n(٣) \"الإغفال\" ٢/ ٩٢٤.\n(٤) في (ب): (والشبه) وهو الصحيح كما في \"الإغفال\" ٢/ ٩٢٤، وفي (ح): (والتشبيه).","vol":"12","page":372},{"text":"صفة الجنة جنة لم يصح، لأنها لا يكون الصفة، وكذلك لو قلت: شبه الجنة جنة، ألا ترى أن الشبه عبارة عن المماثلة التي بين المماثلين، وهو حدث، والجنة غير حدث، وإذا كان كذلك الأول لا يكون الثاني، والصحيح في هذه الآية ما قاله سيبويه (١)، واعترض ابن الأنباري أيضًا على قول أبي إسحاق بأن قال: لا يجوز أن يحذف من الآية جنة، وهي منونة؛ لأن الاسم لا يخلفه الفعل المستقبل، لا يجوز أن تقول: مررت بيقوم، على معنى: مررت برجل يقوم. وقال بعض النحويين: (مثل الجنة) مبتدأ وخبره محذوف، وتقديره: مثل الجنة التي هي كذا وكذا أجل مثل، وقال مقاتل (٢): معنى الآية شبه الجنة التي وعد المتقون في الخير والنعمة والخلود والبقاء كشبه النار في العذاب والشدة والخلود، وعلى هذا الآية متصلة بما قبلها، ويصير في التقدير، كأنه قال: ولعذاب الآخرة أشق مثل الجنة، أي في الدوام والخلود.\nوقوله تعالى: ﴿أُكُلُهَا دَائِمٌ﴾ قال الحسن (٣): يريد أن ثمارها لا تنقطع كثمار تنقطع في غير أزمنتها، وقيل: أراد أن النعمة بأكلها لا تنقطع بموت ولا غيره من الآفات.\nوقوله تعالى: ﴿وَظِلُّهَا﴾ أي: أنه (٤) لا يزول ولا تنسخه الشمس (٥).\n_________\n(١) إلى هنا انتهى النقل عن \"الإغفال\" ٢/ ٩١١ - ٩٢٤ بتصرف وزيادة وحذف.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ١٩٢ أ.\n(٣) \"زاد المسير\" ٤/ ٣٣٤.\n(٤) (أنه) ساقط من (ج).\n(٥) \"زاد المسير\" ٤/ ٣٣٤.","vol":"12","page":373},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1858>٣٦ </span>- قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ الآية. قال المفسرون (١): إن عبد الله بن سلام والذين آمنوا معه من أهل الكتاب، ساءهم قلة ذكر الرحمن في القرآن مع كثرة ذكره في التوراة، فأنزل الله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ ففرح بذلك مؤمنو أهل الكتاب، وكفر المشركون بالرحمن، وقالوا: ما نعرف الرحمن إلا رحمن اليمامة، فأنزل الله هذه الآية.\nوقوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْأَحْزَابِ﴾ يعني: الكفار الذين تحزبوا على رسول الله - ﷺ -، ﴿مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ﴾ يعني ذكر الرحمن، وهم كانوا ينكرون جميع ما ينزل عليه؛ إلا أن إنكارهم لهذا أشدة لأنهم كانوا يعرفون اسم الله فلا ينكرون ذكره، وأنكروا ذكر الرحمن فذلك قوله: ﴿وَمِنَ الْأَحْزَابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ﴾ وهذا الذي ذكرنا معنى قول ابن عباس (٢) في رواية الوالبي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1859>٣٧ </span>- قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا﴾ شبه إلْزاله حكمًا عربيًّا بما أنزل إلى من تقدم من الأنبياء، أي كما أنزلنا الكتاب على الأنبياء بلسانهم، كذلك أنزلنا إليك القرآن، والكناية في قوله: ﴿أَنْزَلْنَاهُ﴾ تعود إلى ما في قوله: ﴿يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ يعني القرآن.\nوقوله تعالى (٣): ﴿حُكْمًا عَرَبِيًّا﴾ قال ابن عباس (٤): يريد ما حكم عن الفرائض في القرآن، فعلى هذا يريد أحكام القرآن، وجعله عربيًّا؛ لأنه جار على مذاهب العرب في كلامها.\n_________\n(١) الثعلبي ٧/ ١٣٩ ب، و\"زاد المسير\" ٤/ ٣٣٥، والقرطبي ٩/ ٣٢٦.\n(٢) \"تنوير المقباس\" ص ١٥٩.\n(٣) (تعالى) ساقط من (ب).\n(٤) \"زاد المسير\" ٤/ ٣٣٦ قال: يريد ما فيه من الفرائض.","vol":"12","page":374},{"text":"وقال غيره (١): أراد بالحكم العربي القرآن كله؛ لأنه به يفصل بين الحق والباطل، فهو من هذا الوجه حكم؛ لأنه به يحكم، وقال بعضهم (٢): عنى بالحكم العربي الدين الذي أتى له النبي - ﷺ - جعله حكمًا، لأنه يحكم به، وجعله عربيًّا؛ لأنه أتى به عربيٌّ فنسب الدين إليه.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ﴾ الآية. قال المفسرون (٣): وذلك أن المشركين دعوه إلى ملة آبائه، فتوعده الله على اتباع هواهم، قال عطاء عن ابن عباس: يريد مخاطبة لأصحابه، فأما النبي - ﷺ - فمعصوم، فعلي هذا، الخطاب للنبي) (٤) -ﷺ- والمراد به غيره (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1860>٣٨ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ﴾ الآية.\nقال الكلبي (٦): عيرت اليهود النبي - ﷺ -، وقالت: ما نرى لهذا الرجل همة إلا النساء والنكاح، ولو كان نبيًا كما زعم لشغله أمر النبوة عن النساء، فأنزل الله هذه الآية، يقول: قد أرسلنا رسلا من قبلك فجعلناهم بشرًا لهم أزواج فنكحوهن، وأولاد أنسلوهم.\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ إلا بإطلاقه له الآية، قال أهل المعاني: يعني أن حاله كحال الرسل الذين تقدموا، وأمره في الآيات جار على طريقتهم، في أنهم كانوا لا يأتون بآية\n_________\n(١) القرطبي ٩/ ٣٢٧، و\"البحر المحيط\" ٥/ ٣٩٧.\n(٢) قال به أبو عبيدة، و\"مجاز القرآن\" ١/ ٣٣٤، و\"زاد المسير\" ٤/ ٣٣٦.\n(٣) \"زاد المسير\" ٤/ ٣٣٦.\n(٤) ما بين القوسين مكرر في (ب).\n(٥) \"البحر المحيط\" ٥/ ٣٩٧.\n(٦) \"تنوير المقباس\" ١٥٩، و\"البحر المحيط\" ٥/ ٣٩٧، و\"زاد المسير\" ٤/ ٣٣٦، القرطبي ٩/ ٣٢٧، و\"تفسير كتاب الله العزيز\" ٢/ ٣١٣.","vol":"12","page":375},{"text":"إلا بإذن الله (١) ربهم، لا على تحكم العباد بأهوائهم.\nوقوله تعالى: ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾ أي لكل أجل قدَّره الله تعالى، ولكل أمر قضاه الله كتاب أثبت فيه، فلا يكون آية إلا بأجل قد قضاه الله في كتاب، والمعنى: لأجل كل أمر ووقته كتابة مثبتة، لا يتقدم ذلك الأمر على وقته الذي كتب له ولا يتأخر عنه، هذا معنى قول أكثر المفسرين (٢)، وقال الفراء (٣): جاء التفسير لكل كتاب أجل مؤجل ووقت معلوم، وعنده أن هذا من المقلوب، والمعنى فيهما واحد، وهذا مذهب مقاتل (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1861>٣٩ </span>- قوله تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ الآية، المحو (٥) ذهاب أثر الكتابة، يقال: محاه يمحو ويمحاه أيضًا محوًا، وطيئ تقول: محيته محيًا، وأمحى الشيء وامتحى، إذا ذهب أثره.\nوقوله تعالى: ﴿وَيُثْبِتُ﴾ قال النحويون (٦) أراد ويثبته. واستغنى بتعدية الأول من الفعلين عن تعدية الثاني، والعرب تفعل ذلك كثيرًا، كقوله تعالى\n_________\n(١) لفظ الجلالة ساقط من (ب).\n(٢) الطبري ١٣/ ١٦٥، الثعلبي ٧/ ١٤٠ ب، و\"زاد المسير\" ٤/ ٣٣٧، القرطبي ٩/ ٣٢٨.\n(٣) \"معاني القرآن\" ٢/ ٦٥.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" (١٩٢أ). وإلى هذا القول ذهب الضحاك فيما روى عنه الطبري ١٣/ ١٦٥.\nوقد تعقب هذا القول أبو حيان فقال: ولا يجوز ادعاء القلب إلا في ضرورة الشعر، وأما هنا فالمعنى في غاية الصحة بلا عكس ولا قلب، بل ادعاء القلب هنا لا يصح المعنى عليه، إذ ثم أشياء كتبها الله تعالى أزلية، كالجنة ونعيم أهلها لا أجل لها. اهـ. \"البحر المحيط\" ٥/ ٣٩٧.\n(٥) \"تهذيب اللغة\" (محا) ٤/ ٣٣٤٧.\n(٦) \"الحجة\" ٥/ ٢٠.","vol":"12","page":376},{"text":"﴿وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب:٣٥] وقول الشاعر (١):\nبأيّ كِتَابٍ أم بأيَّةِ سنةٍ ... ترى حُبَّهُم عارًا عليَّ وتَحسِبُ\nفلم يعمل الثاني.\nوقوله تعالى: ﴿وَيُثْبِتُ﴾ قرئ (٢) بالتخفيف والتشديد، فمن خفف ذهب إلى أن الإثبات ضد المحو، لا التثبيت، فلما كان في مقابلة المحو كان التخفيف أولى من التشديد، ولأن التشديد للتكثير، وليس القصد بالمحو التكثير، وكذلك ما يكون في مقابلته، ومن يشدد احتج بقوله ﴿وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ [النساء: ٣٦]. وقوله تعالى: ﴿فَثَبِّتُوا﴾ [الأنفال: ١٢] لأن يثبت مطاوع ثبت، واختلفوا في تفسير هذه الآية، فذهب قوم إلى أنها عامة في كل شيء، كما يقتضيه ظاهر اللفظ، وقالوا: إن الله تعالى يمحو من الرزق ويزيد فيه ومن الأجل، ويمحو السعادة والشقاوة، وهو مذهب عمر (٣) وابن\n_________\n(١) هو الكميت يمدح آل البيت، انظر: \"المحتسب\" ١/ ١٨٣، و\"الخزانة\" ٤/ ٥، و\"العين\" ٢/ ٤١٣، و\"الهمع\" ١/ ١٥٢، و\"الدرر\" ١/ ١٣٤، و\"شرح ديوان الحماسة\" للمرزوقي (٦٩٢)، و\"المقاصد النحوية\" ٢/ ٤١٣.\n(٢) قرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم ﴿وَيُثْبِتُ﴾ ساكنه الثاء خفيفة الباء \"شرح ديوان الحماسة\" للمرزوقي (٦٩٢)، و\"المقاصد النحوية\" ٢/ ٤١٣، وقرأ نافع وابن عامر وحمزة والكسائي ﴿وَيُثَبِّت﴾ مفتوحة الثاء مشددة الباء.\nانظر: \"السبعة\" ص ٣٥٩، و\"إتحاف\" ص ٢٧٠، و\"زاد المسير\" ٤/ ٣٣٧، والقرطبي ٩/ ٣٢٩.\n(٣) الطبري ١٣/ ١٦٧، ١٦٨، وعبد بن حميد وابن المنذر كما في \"الدر\" ٤/ ١٣٢، الثعلبي ٧/ ١٤١ أ، و\"زاد المسير\" ٤/ ٣٣٧، والقرطبي ٩/ ٣٣٠، و\"تفسير كتاب الله العزيز\" ٢٠/ ٣١٤.","vol":"12","page":377},{"text":"مسعود (١) وابن وائل (٢)، وهؤلاء كانوا يدعون الله أن يثبتهم سعداء، ويمحو شقاوتهم من الكتاب إن أثبت فيه، ويروى هذا عن النبي - ﷺ -، رواه أبو صالح عن عبد الله بن رئاب (٣) عن جابر (٤) مثل ما ذكرنا من المعنى.\nوهذا قول ابن عباس (٥) في رواية سعيد بن جبير، قال: أم الكتاب عند الله من الشقاوة والسعادة ويمحو الله ما يشاء من ذلك ويثبت، وذهب قوم إلى أن هذه الآية خاصة في بعض الأشياء دون بعض، فروى ابن عمر عن النبي - ﷺ - أنه قال: \" ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ إلا الشقاوة والسعادة،\n_________\n(١) الطبري ١٣/ ١٦٨، وابن أبي شيبة في \"المصنف\"، وابن أبي الدنيا في \"الدعاء\" كما في \"الدر\"، وابن المنذر والطبراني كما في \"الدر\" ٤/ ١٢٣، والثعلبي ٧/ ١٤١ أ، و\"زاد المسير\" ٤/ ٣٣٧، والقرطبي ٩/ ٣٣٠.\n(٢) الطبري ١٣/ ١٦٧، الثعلبي ٧/ ١٤١، و\"زاد المسير\" ٤/ ٣٣٧، القرطبي ٩/ ٣٣٠.\n(٣) هو: عبد الله بن رياب، قال ابن فتحون في \"أوهام الاستيعاب\" عن ابن علي حسن ابن خلف أنه أحد السبعة أو الثمانية السابقين من الأنصار إلى الإسلام. انظر: \"الإصابة\" ٢/ ٣٠٧.\n(٤) الطبري ١٣/ ١٦٨ من طريق الكلبي عن أبي صالح عن جابر بن عبد الله بن رئاب الأنصاري عن النبي - ﷺ -، وعلق أحمد شاكر بقوله: محمد بن السائب الكلبي النسابة المفسر، متكلم فيه بما لا يحتمل الرواية عنه.\nوهذا الخبر أخرجه ابن سعد في \"الطبقات الكبرى\" مختصرًا ٣/ ٣/ ١١٤، وخرجه السيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ١٢٣، و\"زاد نسبته\" إلى ابن مردويه، ونقله ابن كثير في \"تفسيره\" ٢/ ٥٧٠.\nوفي الثعلبي ٧/ ١٤٠ ب، بالسند الذي ذكره الطبري خلافًا لما في المتن -هنا- حيث قال أبو صالح عن عبد الله بن رئاب عن جابر.\nوانظر: \"الدر المنثور\" ٤/ ١٢٣.\n(٥) الطبري ١٣/ ١٦٨.","vol":"12","page":378},{"text":"والموت\" (١) ونحو هذا روي عن ابن عباس (٢) وزاد في المستثنى ثلاثة أخرى: الخَلْق والخُلُق والرزق، وقال مجاهد (٣) فيما روى عنه منصور: الشقاء والسعادة (٤) لا يغيران.\nوقال ابن عباس (٥) في رواية أبي صالح: إن الذي يمحوه الله ويثبته ما يصعد به الحفظة مكتوبًا على بني آدم، فيأمر جل وعز أن يثبت عليه ما فيه ثواب وعقاب، ويسقط عنه ما لا ثواب فيه ولا عقاب، وهذا القول اختيار الفراء (٦)، وقول الضحاك (٧) والكلبي (٨).\nوقال آخرون: هذا المحو والإثبات في الآجال والأرزاق إذا ولد الإنسان أثبت أجله ورزقه، وإذا مات محيا. وهذا (٩) القول يروى عن\n_________\n(١) قال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" ٧/ ١٢٧: رواه الطبراني في \"الأوسط\"، وفيه محمد بن جابر اليمامي، وهو ضعيف من غير تعمد كذب، وقال السيوطي في \"الدر\" ٤/ ١٢٣، أخرجه الطبراني في \"الأوسط\" وابن مردويه بسند ضعيف، وأخرجه الثعلبي بسنده ٧/ ١٤٠ ب.\nوروي عن ابن عباس ومجاهد نحوه كما سيأتي.\n(٢) الثعلبي ٧/ ١٤٠ ب، القرطبي ٩/ ٣٢٩، وقد روى عن ابن عباس استثناء الشقاوة والسعادة والحياة والموت فقط. انظر: الطبري ١٣/ ١٦٦، ١٦٧، و\"زاد المسير\" ٤/ ٣٣٧.\n(٣) الطبري ١٣/ ١٦٦، وابن المنذر كما في \"الدر\" ٤/ ١٢٥، و\"زاد المسير\" ٤/ ٣٣٨، و\"تفسير كتاب الله العزيز\" ٢/ ٣١٣.\n(٤) في (ب): زيادة واو (ولا يغيران).\n(٥) \"زاد المسير\" ٤/ ٣٣٨، و\"تنوير المقباس\" ص ١٥٩، والثعلبي ٧/ ١٤٠ ب.\n(٦) \"معاني القرآن\" ٢/ ٦٦.\n(٧) \"زاد المسير\" ٤/ ٣٣٨، الثعلبي ٧/ ١٤٠ ب، القرطبي ٩/ ٣٣١.\n(٨) الطبري ١٣/ ١٦٨، الثعلبي ٧/ ١٤١ أ، \"زاد المسير\" ٤/ ٣٣٨، القرطبي ٩/ ٣٣١.\n(٩) في (أ)، (ب): (وهو).","vol":"12","page":379},{"text":"الحسن (١) والقرظي (٢).\nوقال سعيد بيت جبير (٣) وقتادة (٤) يمحو الله ما يشاء من الشرائع، فينسخه، ويثبت ما يشاء فلا ينسخه، وهذا القول هو اختيار أبي علي (٥)، قال: هذا -والله أعلم- فيما يحتمل النسخ والتبديل من الشرائع الموقوفة على المصالح على حسب الأوقات، فأما ما كان من غير ذلك فلا يمحى ولا يبدل، وهذه الآية يجوز أن تكون مستأنفة غير متصلة بما قبلها، ويجوز أن تكون متصلة، على أن يكون قوله: ﴿يَمْحُو اللَّهُ﴾ من صفة النكرة التي هي قوله: ﴿كِتَابٌ﴾ على تقدير: لكل أجل كتاب يمحو الله ما يشاء من ذلك الكتاب ويثبت، والراجع إلى النكرة محذوف.\nفإن قيل: ألستم تزعمون أن المقادير سابقة قد جف به القلم؟ وليس الأمر بأنف؟ وكيف يستقيم مع هذا المحو والإثبات أيضًا مما جف به القلم؟ فلا يمحو إلا ما سبق في حكمه وقضائه محوه، وهذا معنى قوله: ﴿وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ قال ابن عباس (٦): يريد اللوح المحفوظ، الذي لا يبدل ولا يغير منه شيء، هذا قوله في رواية عطاء وعكرمة، ومعنى\n_________\n(١) الطبري ١٣/ ١٨٩، وابن أبي حاتم كما في \"الدر\" ٤/ ١٢٦، والثعلبي ٧/ ١٤١ ب، و\"زاد المسير\" ٤/ ٣٣٨، والقرطبي ٩/ ٣٣٢، و\"تفسير كتاب الله العزيز\" ٢/ ٣١٣، ٣١٤.\n(٢) الثعلبي ٧/ ١٤١ ب.\n(٣) الثعلبي ٧/ ١٤١ ب، القرطبي ٩/ ٣٣١.\n(٤) الطبري ١٣/ ١٦٨، الثعلبي ٧/ ١٤١ ب، القرطبي ٩/ ٣٣١.\n(٥) \"الحجة\" ٥/ ٢١.\n(٦) الطبرى ١٣/ ١٧٠، والثعلبي ٧/ ١٤٠ ب، و\"زاد المسير\" ٤/ ٣٣٩، و\"تفسيركتاب الله العزيز\" ٢/ ٣١٤.","vol":"12","page":380},{"text":"(أم الكتاب) أصل الكتاب، والعرب تسمي كل شيء ضم إليه سائر ما يليه أُمًّا، من ذلك: أم الرأس، وهو الدماغ، وأم القرى مكة، وكل مدينة هي أم ما حولها من القرى، وكذلك أم الكتاب هو أجل لكل ما كتب على ابن آدم، وكل ما يجري من الكائنات والحادثات، قال كعب (١): علم الله ما هو خالقه، وما خَلْقُه عاملون، فقال لعلومه (٢): كن كتابًا، فكان كتابًا، فهذا يدل على أن ما سبق في علمه أنه يمحى أو (٣) يثبت فلا (٤) يمحى في أم الكتاب، وأن المحو والإثبات مما سبق به القضاء.\nوهل يمحى من أم الكتاب أم لا؟\nيدل قول بعض المفسرين على أنه لا يمحى منه، فقد قال عكرمة عن ابن عباس (٥): هما كتابان: كتاب سوى أم الكتاب، يمحو منه ما يشاء ويثبت، وعنده أم الكتاب الذي لا يغير منه شيء، وقول أكثرهم يدل أنه يُمحى منه ويثبت، وهو قول قتادة (٦) والضحاك (٧) وابن جريج (٨) فيما روى\n_________\n(١) الطبري ١٣/ ١٧٠، عبد الرزاق ٢/ ٣٣٨، ابن كثير ٢/ ٥٧١،\"تفسير كتاب الله العزيز\" ٢/ ٣١٤.\n(٢) في (أ)، (ج): (لعكومه). هكذا بالجمع في الروايات وعند عبد الرزاق ٢/ ٣٣٨ من رواية ابن عباس عن كعب (.. ثم قال لعلمه: كن كتابًا فكان كتابًا).\n(٣) في (ب): بالواو (يمحى ويثبت).\n(٤) في (ب): (ولا يمحى).\n(٥) الطبري ١٣/ ١٦٧، ١٦٩، ومحمد بن نصر وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه كما في \"الدر\" ٤/ ٦٦٠، والثعلبي ٧/ ١٤٠ ب، و\"زاد المسير\" ٤/ ٣٣٩، والقرطبي ٩/ ٣٢٩.\n(٦) الطبري ١٣/ ١٦٩.\n(٧) الطبري ١٣/ ١٦٨، و\"الدر\" ٤/ ١٢٥.\n(٨) الطبري ١٣/ ١٦٩.","vol":"12","page":381},{"text":"عن عطاء عن ابن عباس، ونحوه روى أبو الدرداء عن النبي - ﷺ - قال: \"إن الله سبحانه في ثلاث ساعات يبقين من الليل ينظر في أم الكتاب الذي لا نظر فيه أحد غيره فيمحو ما يشاء ويثبت ما يشاء\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1862>٤٠ </span>- قوله (٢): ﴿وَإِنْ مَا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ﴾ قال ابن عباس (٣) والمفسرون (٤): من العذاب، ﴿أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾ قال (٥): يريد من قبل ذلك، قال أهل اللغة: تقديره: أو نتوفينك قبل أن نريك (٦) ذلك، فحذف اختصارًا، لاقتضاء الكلام له، ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ﴾ قال ابن عباس: يريد قد بلغت وعلينا الحساب، قال: يريد إليّ مصيرهم فأجازيهم بأعمالهم، قال أبو إسحاق (٧) وابن قتيبة (٨): أراد إن أريناك بعض الذي نعدهم في حياتك أو توفيناك قبل أن نريك ذلك، فليس عليك إلا أن تبلغ، كفروا هم به (٩)\n_________\n(١) الطبري ١٣/ ١٧٠، وعلق عليه أحمد شاكر: منكر، وأخرجه ابن أبي حاتم وابن مردويه والطبراني كما في \"الدر\" ٤/ ١٢٢، ابن كثير ٢/ ٥٧٠، الثعلبي ٧/ ١٤٢ أ. قال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" ١٠/ ١٥٤، ١٥٥: رواه الطبراني في \"الكبير\" و\"الأوسط\" و\"البزار\" بنحوه، وفيه زيادة بن محمد الأنصاري وهو منكر الحديث. اهـ.\n(٢) في (ب)، (ج) زيادة: (تعالي).\n(٣) \"تنوير المقباس\" ص ١٥٩.\n(٤) الطبري ١٣٦/ ١٧٢، الثعلبي ٧/ ١٤٢ب، \"زاد المسير\" ٤/ ٣٣٩، القرطبي ٩/ ٣٣٣، ابن كثير ٤/ ٥٧١، \"البحر المحيط\" ٥/ ٣٩٩.\n(٥) \"تنوير المقباس\" ١٥٩، و\"زاد المسير\" ٤/ ٣٣٩.\n(٦) في (ح): (نرينك).\n(٧) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٥٠.\n(٨) \"مشكل القرآن وغريبه\" ص ٢٣٤.\n(٩) في (ح): سقط (به) فيكون: (كفروا هم أو آمنوا).","vol":"12","page":382},{"text":"أو آمنوا، وعلينا أن نجازي، والبلاغ (١) اسم يقام مقام التبليغ، كالسراج والأداء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1863>٤١ </span>- قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ يعني كفار مكة (٢)، ﴿أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ﴾ يقصد أرض مكة، ﴿نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ بالفتوح على المسلمين منها، قال ابن عباس (٣): يريد ما دخل في الإسلام من بلاد الشرك، وقال الضحاك (٤): أو لم ير أهل مكة أنا نفتح لمحمد ما حوله من القرى، وقال مقاتل (٥): الأرض مكة، ونقصها من أطرافها غلبة المؤمنين عليها، وهذا قول الحسن (٦)، وقال أبو إسحاق (٧): أعلم الله أن بيان ما وعدوا من قهرهم وتعذيبهم قد ظهر وتبين، يقول: أو لم يروا أنا فتحنا على المسلمين من الأرض ما قد تبين لهم، فكيف لا يعتبرون؟ وقال الفراء (٨): أو لم ير أهل مكة أنا نفتح عليك ما حولها، أفلا يخافون أن تنالهم، وروي عن ابن\n_________\n(١) \"تهذيب اللغة\" (بلغ) ١/ ٣٨٧.\n(٢) انظر: الطبري ١٣/ ١٧٢، والقرطبي ٩/ ٣٣٣، و\"تنوير المقباس\" ص ١٥٩.\n(٣) الطبري عن ابن عباس بلفظ قال: أولم يروا أنا نفتح لمحمد الأرض بعد الأرض ١٣/ ١٧٢، وابن مردويه كما في \"الدر\" ٤/ ١٢٧، و\"زاد المسير\" ٤/ ٣٤٠.\n(٤) الطبري ١٣/ ١٧٣، وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم كما في \"الدر\" ٤/ ١٢٧.\nوأخرج عبد بن حميد نحوه في \"الدر\" ٤/ ١٢٧، و\"زاد المسير\" ٤/ ٣٤٠، والثعلبي ٧/ ١٤٢ ب.\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ١٩٢ أ، و\"زاد المسير\" ٤/ ٣٤٠.\n(٦) الطبري ٤/ ١٢٧، عبد الرزاق ٢/ ٣٣٩، وعبد بن حميد وابن أبي حاتم كما في \"الدر\" ٤/ ١٢٧، الثعلبي ٧/ ١٤٢ ب، و\"تفسير كتاب الله العزيز\" ٢/ ٣١٥.\n(٧) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٥١.\n(٨) \"معاني القرآن\" ٢/ ٦٦.","vol":"12","page":383},{"text":"عباس (١) في قوله: ﴿نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ قال: موت علمائها وفقهائها. وذهاب خيار أهلها، ونحو هذا قال مجاهد (٢)، وعلى هذا المراد بالأطراف الأشراف (٣)، يقال للأشراف الأطراف، قال الفرزدق (٤):\nواسْأَلْ بنَا وبكم إذا وَرَدَتْ بنا (٥) ... أطْرَاف كلِّ قَبِيلَةٍ مَنْ تُمْنَعُ\nيريد أشراف كل قبيلة.\nقال ابن الأعرابي (٦): الطّرَف والطَّرْف من الرجال الكريم، والتفسير على القول الأول (٧)؛ لأن هذا وإن صح لا يليق بهذا الموضع.\nوقوله تعالى: ﴿لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾ قال ابن عباس (٨): لا ناقض لحكمه، وقال الفراء (٩): لا راد لحكمه، قال: والمعقب الذي يكرُّ على\n_________\n(١) عبد الرزاق وابن أبي شيبة ونعيم بن حماد في \"الفتن\"، وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه كما في \"الدر\" ٤/ ١٢٦، الثعلبي ٧/ ١٤٣ ب، الطبري ١٣/ ١٧٤، \"زاد المسير\" ٤/ ٣٤٠، والقرطبي ٩/ ٣٣٣، \"تفسير كتاب الله العزيز\" ٢/ ٣١٥.\n(٢) عبد الرزاق ٢/ ٣٣٩، الطبري ١٣/ ١٧٤، وابن أبي شيبة كما في \"الدر\" ٤/ ١٢٦، و\"زاد المسير\" ٤/ ٣٤٠، والقرطبي ٩/ ٣٣٣.\n(٣) \"تهذيب اللغة\" (طرف) ٣/ ٢١٨١.\n(٤) \"ديوانه\" ١/ ٤٢٤، وفيه:\nواسأل بنا وبكم إذا وردت ... مني أطراف كل قبيلة من يسمع\n\"تهذيب اللغة\" (طرف) ٣/ ٢١٨، و\"اللسان\" (طرف) ٥/ ٢٦٦٠، وفيه:\nوأسأل بنا وبكم إذا وردت ... مني أطراف كل قبيلة من يُمتَعُ\n(٥) في (ب): (منا).\n(٦) \"تهذيب اللغة\" (طرف) ٣/ ٢١٨١.\n(٧) وقد رجحه الطبري ١٣/ ١٧٤، وابن كثير ٢/ ٥٧٢، وأبو حيان في \"البحر المحيط\" ٥/ ٤٠٠ ولم يذكر الزمخشري إلا نحو هذا القول.\n(٨) \"تنوير المقباس\" ص ١٥٩.\n(٩) \"معاني القرآن\" ٢/ ٦٦.","vol":"12","page":384},{"text":"الشيء ويتبعه، ولا يكرُّ أحدٌ على ما أحكمه الله، وذكرنا الكلام في هذا عند قوله: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ﴾ [الرعد: ١١].\nوقوله تعالى: ﴿وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ قال ابن عباس (١): يريد سريع الانتقام، يعني حسابه للمجازاة بالخير والشر ومجازاة الكافر بالانتقام منه، وذكرنا الكلام في معنى سرعة حساب الله تعالى في سورة البقرة في قوله: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا﴾ [البقرة: ٢٠٢].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1864>٤٢ </span>- قوله تعالى: ﴿وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِم﴾ قال المفسرون (٢): يعني كفار الأمم الخالية مكروا بأنبيائهم؛ مثل: نمروذ مكر بإبراهيم، وغيره من الكفار قبل مشركي مكة.\nوقوله تعالى: ﴿فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا﴾ يعني (٣) أن مكر الماكرين له، أي هو من خلقه، وإرادته، فالمكر جميعًا مخلوق له بيده الخير والشر، وإليه النفع والضر، والمعنى أن المكر لا يضر إلا بإذنه وإرادته، وفي هذا تسلية للنبي - ﷺ -، وأمان له من مكرهم، كأنه قيل: قد فعل من قبلهم من الكفار مثل صنيعهم ولا ضرر عليك من مكرهم؛ لأن جميع ذلك لله مخلوق، فلا يضر إلا من أراد الله ضرّه، وذهب بعض الناس (٤) إلى أن المعنى: فلله جزاء المكر، وذلك أنه لما مكروا بالمؤمنين، بين الله تعالى وبال مكرهم عليهم، فمجازاة (٥) الله لهم، والأوّل أظهر القولين، يؤكده\n_________\n(١) القرطبي ٩/ ٣٣٤.\n(٢) الطبري ١٣/ ١٧٥، الثعلبي ٧/ ١٤٤ ب، \"زاد المسير\" ٤/ ٣٤٠، القرطبي ٩/ ٣٣٥، \"تفسير كتاب الله العزيز\" ٢/ ٣١٦.\n(٣) انظر: الثعلبي ٧/ ١٤٤ ب، \"زاد المسير\" ٤/ ٣٤١، القرطبي ٩/ ٣٣٥.\n(٤) الثعلبي ٧/ ١٤٤ ب، القرطبي ٩/ ٣٣٥.\n(٥) في (ب): (بمجازاة).","vol":"12","page":385},{"text":"قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ﴾ يريد أن جميع الاكتساب معلوم له ومخلوق، وإذا كان بخلقه يظهر وبعلمه يحصل، لم يقع ضرره إلا بإذنه، وفيه وعيد للكفار الماكرين.\nوقوله تعالى: ﴿وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ﴾ (١) قال ابن (٢) عباس (٣): يريد أبا جهل، وقال أبو إسحاق (٤): الكافر اسم جنس، كما تقول: كثر الدرهم في أيدي الناس، فعلى قول ابن عباس التوحيد للتخصيص، وعلى قول أبي إسحاق التوحيد هاهنا كالجمع، قال أبو علي (٥): من قرأ \"الكافر\" جعله اسمًا شائعًا، كالإنسان في قوله: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر: ٢]. وقد جاء فاعل يراد به اسم الجنس، أنشد أبو زيد (٦):\nإن تَبْخَلِي يا جُمْلُ أو تَعْتَلّي ... أو تُصْبِحِي في الظَّاعِنِ المُولِّي\nقال: فهذا إنما يكون على الكثرة، وليس المعنى على كافر واحد، وزعموا أنه الألف (٧) فيه، وهذا الحرف إنما يقع في فاعل؛ نحو خالد وصالح، ولا يكاد يحذف في فعَّال، وهذا حجة لمن قرأ (الكافر).\n_________\n(١) هكذا \"الكافر\" في جميع النسخ، وهي قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو، وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي ﴿الْكُفَّارُ﴾ على الجمع.\nانظر: \"السبعة\" ص ٣٥٩، و\"الحجة\" ٥/ ٢١، و\"الإتحاف\" ص ٢٧٠، والطبري ١٣/ ١٧٥، و\"زاد المسير\" ٤/ ٣٤١، والقرطبي ٩/ ٣٣٥.\n(٢) في (ج) إقحام (إسحاق)، فيكون (قال ابن إسحاق عباس).\n(٣) \"زاد المسير\" ٤/ ٣٤١، والقرطبي ٩/ ٣٣٥، و\"البحر المحيط\" ٥/ ٤٠١.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٥١.\n(٥) \"الحجة\" ٥/ ٢٢ مختصرًا.\n(٦) أنشده سيبويه ٢/ ٨٢، ونسبه إلى رجل من بني أسد، وورد في \"النوادر\" ص ٥٣ ضمن أبيات من مشطور السريع منسوبًا إلى منظور بن مرثد الأسدي، و\"اللسان\" (عهل) ٥/ ٣١٥٢، و\"الحجة\" ١/ ١٥١.\n(٧) في \"الحجة\": (أنه لا ألف فيه).","vol":"12","page":386},{"text":"ومن (١) قرأ \"الكفار\" أراد جميع الكفار ولا إشكال فيه، وحجته قراءة من قرأ (٢): (وسيعلم الذين كفروا) وقراءة من قرأ (٣) (وسيعلم الكافرون) قال عطاء (٤): يريد المستهزئين وهم خمسة، والمقتسمين وهم ثمانية وعشرون.\nوقوله تعالى: ﴿لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ﴾ الجار (٥) مع المجرور في موضع نصب من حيث سد الكلام الذي هو فيه مسد مفعولي العلم، فصار كقولك: علمت لمن الغلام. والكلام (٦) في (عقبى الدار) قد مضى في موضعين من هذه السورة (٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1865>٤٣ </span>- قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفَى بِاللَّهِ﴾. قال الزجاج (٨): الباء في موضع رفع مع الاسم، المعنى: كفى الله، وشهيدًا منصوب على التمييز، والكلام في مثل هذا قد مضى قديمًا، وقال غيره من النحويين: إنما جاز: كفى بالله، في موضع كفى الله، لتحقيق إضافة الفعل، وذلك أن الفعل لما جاز أن يضاف إلى غير فاعله، بمعنى:\n_________\n(١) في (أ): (وأملينها).\n(٢) نسب الطبري هذه القراءة إلى أبي ١٣/ ١٧٥، ونسبها مكي في \"الكشف\" ٢/ ٢٣ إلى أبي، وفي \"البحر المحيط\" ٥/ ٤٠١ كذلك.\n(٣) نسب الطبري هذه القراءة إلى ابن مسعود ١٣/ ١٧٥ وكذا أبو حيان في \"البحر المحيط\" ٥/ ٤٠١.\n(٤) \"البحر المحيط\" ٥/ ٤٠١.\n(٥) نقل عن \"الحجة\" ٥/ ٢١، ٢٢.\n(٦) (والكلام) ساقط من (أ)، (ج).\n(٧) آية: ٢٢، ٢٤.\n(٨) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٥١.","vol":"12","page":387},{"text":"أنه أمر به، أزيل هذا الاحتمال بهذا التأكيد، ونظيره في تأكيد الإضافة قوله ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥] ومعنى ﴿كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ أي (١): بما أظهر من الآيات، وأبان من الدلالة على صحة نبوتك؛ لأنه لا يشهد بصحة نبوته إلا على هذه الصفة.\nوقوله تعالى: ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾ قال مجاهد (٢): هو الله -﷿-، واختار أبو إسحاق (٣) هذا القول، قال: لأن الأشبه أن الله لا يستشهد على خلقه بغيره.\nقال أبو بكر: فعلى هذا القول عطف \"من\" على اسم الله تعالى، وهو لزيادة معنى في المعطوف، كما تقول: قام عبد الله والظريف العاقل، وجلس زيد والذي يفوق في الخير أصحابه، فيعطفون الثاني على الأول، لما يريد فيه من معنى المدح.\nوقال ابن عباس (٤) وقتادة (٥): ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾ يعني الذين\n_________\n(١) \"زاد المسير\" ٤/ ٣٤١.\n(٢) الطبري ١٣/ ١٧٧، وابن المنذر وابن أبي حاتم كما في \"الدر\" ٤/ ١٢٩، وابن كثير ٢/ ٥٧٢، و\"زاد المسير\" ٤/ ٣٤٢، والقرطبي ٩/ ٣٣٦، وهذا القول مروي عن الحسن وغيره، انظر المراجع السابقة. وانظر: \"تفسير كتاب الله العزيز\" ٢/ ٣١٧.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٥١.\n(٤) المروي عن ابن عباس قوله: هم أهل الكتاب من اليهود والنصارى. انظر: الطبري ١٣/ ١٧٦، و\"الدر\" ١٢٨/ ٤، و\"زاد المسير\" ٤/ ٣٤١، وابن كثير ٢/ ٥٧٢، و\"تفسير كتاب الله العزيز\" ٢/ ٣١٧.\n(٥) عبد الرزاق ٢/ ٣٣٩، والطبري ١٣/ ١٧٦، ١٧٧، وابن المنذر وابن أبي حاتم كما في \"الدر\" ٤/ ١٢٨، و\"زاد المسير\" ٤/ ٣٤١، والقرطبي ٩/ ٣٣٥، و\"البحر المحيط\" ٥/ ٤٠١، وابن كثير ٢/ ٥٧٢.","vol":"12","page":388},{"text":"آمنوا من اليهود والنصارى، منهم عبد الله بن سلام، وسلمان الفارسي، وتميم الداري.\nوأنكر سعيد بن جبير (١) أن يكون عبد الله بن سلام من هذه الجملة، لأن السورة مكية، وإسلامه كان بعد هذه السورة.\nقال ابن الأنباري: وعلى هذا القول شهادة هؤلاء قاطعة لقول الخصوم، واحتج عليهم بشهادتهم؛ لأنهم رضوا بقولهم، وقالوا: هم الرؤساء في العلوم، والعالمون بالأخبار القديمة وكتب الله تعالى، فقيل لهم: كفى بهؤلاء شهودًا عليكم، إذ كان محلكم في أنفسكم محل من يلزمكم قبول قوله.\nوقال عطاء عن ابن عباس (٢): ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾ يعني جبريل -﵇- (٣).\n_________\n(١) الطبري: ١٣/ ١٧٨ وسعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس في ناسخه كما في \"الدر\" ٤/ ١٢٩، الثعلبي ٧/ ١٤٤ ب، ابن كثير ٢/ ٥٧٢.\n(٢) القرطبي ٩/ ٣٣٦. وأخرجه ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير كما في \"الدر\" ٤/ ١٢٩.\n(٣) قلت: الراجح -والله أعلم- من هذه الأقوال هو قول ابن عباس: أن المراد به علماء اليهود والنصارى من غير تخصيص، فإن المشركين في مكة كانوا يسألونهم ويستشهدون بأقوالهم، وقد ورد آيات أخر فيها الاستشهاد بهم، وبما يعلمونه من تجهم من صحة رسالة محمد - ﷺ -؛ ومن ذلك قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ [الأعراف: ١٥٧] وقوله ﴿أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ الشعراء: ١٩٧، وغير ذلك، وقد رجح هذا القول الإمام الطبري: ١٣/ ١٧٦، وابن كثير: ٢/ ٥٧٢ فقال: والصحيح في هذا: أن ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ﴾ اسم جنس يشمل علماء الكتاب الذين يجدون صفة محمد - ﷺ - ونعته في كتبهم المتقدمة، من بشارات الأنبياء به.","vol":"12","page":389},{"text":"قال ابن الأنباري: على القول الأول وهو قول مجاهد، يكون في محل (من) أربعة أوجه: الخفض بالنسق على اسم الله في اللفظ، والرفع بالنسق في المعنى؛ لأن التقدير: كفى الله شهيدًا، والنصب على المدح بمعنى: واذكر الذي عنده علم الكتاب، والرفع على المدح أيضًا بإضمار هو، كما تقول العرب: سعى عبد الله في حاجتك، والبارُّ المتفضِّلُ، والبارَّ المتفضِّلَ بالنصب والرفع على ما ذكرنا.","vol":"12","page":390},{"text":"التَّفْسِيرُ البَسِيْط\nلأبي الحسن على بن أحمد بن محمد الواحدى\n(ت ٤٦٨ هـ)\nمن أول سورة إبراهيم إلى آخر سورة الحجر\nتحقيق\nد. عبد الرحمن بن عبد الجبار بن صالح هوساوي","vol":"12","page":391},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1866>تفسير سورة إِبراهيم</span>\nبسم الله الرحمن الرحيم\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1867>١ </span>- ﴿الر﴾ قال ابن عباس في رواية أبي صالح: أنا الله أرى (١)، وقال في رواية أبي صالح وعطاء: أنا الله الرَّحمن (٢)، وعلى هذا التفسير\n_________\n(١) ورد في \"تفسير الطبري\" ١١/ ٧٩، ١٣/ ٩١ في رواية أبي الضحى عن ابن عباس بنصه، والسمرقندي ٢/ ٨٧ بنصه، وانظر: \"تفسير البغوي\" ٤/ ١١٩.\n(٢) انظر: \"تفسير ابن الجوزي\" ٤/ ٤، وورد بلا نسبة في \"تفسير أبي حيان\" ٥/ ١٢١. خلاصة القول في الحروف المقطعة في أوائل السور: تباينت أقوال العلماء في هذه الحروف، ولهم فيها اتِّجاهان: الاتجاه الأول: أنها سر الله في القرآن، وبالتالي هي مما استأثر الله بعلمه، فهي من المتشابه الذي لا يعلمه إلا الله، وبالتالي لا ينبغي التكلم فيها، وقد نُسب هذا القول إلى الخلفاء الراشدين وبعض الصحابة ﵃ بروايات ضعيفة - كما قال ابن عاشور في تفسيره (١/ ٢٠٧) وممن أيّد هذا القول أبو حاتم، وقال: لم نجد الحروف في القرآن إلا في أوائل السور، ولا ندري ما أراد الله -﷿-، وإلى هذا مال الشوكاني. انظر: \"تفسير الشوكاني\" ١/ ٥٠ - ٥١. الاتجاه الثاني: أنها معلومة ولها معاني، ولم ينزلها الله عبثًا، ومن أنصار هذا الرأي الذين أطالوا النقاش حولها الفخر الرازي ﵀؛ ذكر إحدى وعشرين قولًا، وناقش معظمها وأيّد وعارض، ثم ترجح له أنها أسماءٌ للسور، وأورد ستة إشكالات على هذا القول، ثم ناقشها وردها جميعًا. انظر: \"تفسير الفخر الرازي\" ٢/ ٢ - ١٢، وكذلك الطاهر بن عاشور أطال الحديث عنها في تفسيره \"التنوير والتحرير\" ١/ ٢٠٦ - ٢١٨، وقد سلك سبل السبر والاستقصاء، فحذف المتداخلات، ووحد المتشابهات، ثم خلص إلى واحد وعشرين قولًا، قسمها إلى ثلاث مجموعات، ثم ناقشها وأورد عليها الإشكالات ليخلص إلى ثلاثة أقوال، هي: أنها حروف جاءت لتبكيت المعاندين وتسجيل عجزهم عن المعارضة. أنها أسماءٌ للسور الواردة فيها؛ ألم السجدة، حم السجدة. أنها =","vol":"12","page":393},{"text":"قوله: ﴿كِتَابٌ﴾ مرفوع على خبر الابتداء، المعنى: هذا كتاب أنزلناه (١). وقال صاحب النّظم (٢): ﴿الر﴾ اسم موضوع لجماعة الحروف المعجمة (٣)، فعلى هذا ﴿كِتَابٌ﴾ موضوع في موضع رفع على (٤) خبر الابتداء، كأنه قيل هذه الحروف كتاب أنزلناه، يعني أن الكتاب الذي أنزل مؤلَّف من هذه الحُروف (٥).\nوقوله تعالى: ﴿أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ﴾ من صفة الكتاب، ومِثلُ هذا من الكلام: زيد رجل أنفذته إليك، وقوله تعالى: ﴿لِتُخْرِجَ النَّاسَ﴾ سبب لقوله ﴿أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ﴾، فاللام في ﴿لِتُخْرِجَ﴾ معلق بالإنزال، أي: أنزلنا لهذا.\nوقوله تعالى: ﴿مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّور﴾ قال ابن عباس: يريد من الشرك إلى الإيمان (٦). قال أبو إسحاق: شبّه الكفرَ بالظلمات لأنه غير\n_________\n= أقسام أقسم الله بها لتشريف قدر كتابه، وتنبيه العرب الأميين إلى فوائد الكتابة لإخرجهم من حالة الأمِّية. ثم قال وأرجحها أولها، وهذا القول هو الذي اختاره جماعة من المحققين؛ كالفراء والمبرد وابن تيمية والمزي، وابن كثير؛ الذي ذكر مسوغات ترجيح هذا القول؛ وهو أن ذكر القرآن وتنزله عن رب العالمين يرد كثيرًا بعد هذه الحروف المقطعة. كقوله: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾، ﴿الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ﴾، ﴿حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾، .. انظر: \"تفسير ابن كثير\" ١/ ٤٠.\n(١) وقد ذهب إلى هذا جماعة من العلماء، كالزجاج، ومكي بن أبي طالب، وابن عطية، والعكبري وغيرهم. انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٥٣، و\"مشكل إعراب القرآن\" ١/ ٤٤٥، و\"تفسير ابن عطية\" ٨/ ١٩٣، و\"إملاء ما منّ به الرحمن\" ١/ ٦٥.\n(٢) هو أبو علي الحسن بن يحيى بن نصر الجرجاني.\n(٣) ذكره ابن عطية في تفسيره ٨/ ١٩٣ بلا نسبة.\n(٤) في (ع): (لأنه).\n(٥) انظر: \"تفسير ابن عطية\" ٨/ ١٩٣.\n(٦) ورد في تفسيره \"الوسيط\" تحقيق سيسي ١/ ٣٠٣ بنصه، وانظر: \"تفسير ابن الجوزي\" ٤/ ٣٤٣، وذكره الكرماني في \"غرائب التفسير\" ١/ ٥٧٣ بلا نسبة.","vol":"12","page":394},{"text":"بيّن، الإيمان بيّن نيّر، فمُثّل بالنور (١).\nوقوله تعالى: ﴿بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾ الباء متصلة بتخرج، المعنى: لتخرج الناس بإذن ربهم، أي: بما أذِن الله لك في تعليمهم، ويجوز أن يكون ﴿بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾: لا (٢) يهتدي مهتد إلا بإذن الله ومشيئته (٣)، هذا كله كلام أبي إسحاق (٤)، والقول الثاني قول ابن عباس؛ لأنَّه قال: يُريد بقضاء ربهم (٥).\nوقوله تعالى: ﴿إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ قال ابن الأنباري: إنما لم يدخل حرف العطف في ﴿إِلَى صِرَاطِ﴾ (٦) لأنه أريد بهذا الصراط: النور المذكور قبله (٧)، فـ (إلى) الثانية (٨)، دخلت على ما دخلت عليه الأولى (٩) في المعنى، وصار كقولك: قصدت إلى زيد العاقل الفاضل، فيستغني عن حرف العطف من أجل أن المذكور بعد (إلى) الثانية ثناء على السابق ووصف له، وإنما تعاد (إلى) لمعنى (١٠) التفخيم والتعظيم، فالنور: هو الإسلام، وصراط العزيز الحميد: ثناء على النور، وهذا معنى قول أبي\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٥٣ بنصه تقريبًا.\n(٢) في (ش)، (ع): (لأنه لا يهتدي)، والمثبت أصح لموافقته للمصدر المنقول عنه.\n(٣) في (أ)، (د): (ومسببه).\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٥٣ بنصه.\n(٥) ورد بلا نسبة في تفسيره \"الوجيز\" ١/ ٥٧٧، وابن عطية ٨/ ١٩٤.\n(٦) أي لم يقل: و﴿إِلَى صِرَاطِ﴾.\n(٧) على أنه بدل منه، وقد ذهب إلى هذا الزمخشري في أحد قوليه في تفسيره ٢/ ٢٩٢، وابن عطية ٨/ ١٩٤، والعكبري في \"الإملاء\" ٢/ ٦٥.\n(٨) في قوله: ﴿إِلَى صِرَاطِ﴾.\n(٩) في قوله: ﴿إِلَى النُّورِ﴾.\n(١٠) في (ش)، (ع): (بمعنى).","vol":"12","page":395},{"text":"إسحاق: ثم بيّن ما النور فقال: ﴿إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1868>٢ </span>- قوله تعالى: ﴿اللَّهِ﴾ مَنْ رَفع (٢) قطع مِن الأول، وجعل ﴿الَّذِي﴾ الخبر أو جعل ﴿الَّذِي﴾ صفة وأضمر خبرًا (٣)، ومثله في القطع قوله: ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ﴾ [سبأ: ٣] فيمن رفع (٤) ومثله: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ﴾ [التوبة: ١١١] ثم انقطع قوله: ﴿التَّائِبُونَ﴾ [التوبة: ١١٢] عنهم واستؤنف به. ومن خفض (٥) جعله بدلًا من ﴿الْحَمِيدِ﴾ ولم يكن صفة؛ لأن اسم الله صار كالعلم (٦) الذي لا يوصف به نحو: زيد وعمرو بكثرة الاستعمال (٧)، وإن كان يجوز أن يوصف به من حيث المعنى؛ لأن معناه ذو العبادة (٨)، كما بينا في أول الكتاب؛ على\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٥٣، بنصه.\n(٢) هما نافع وابن عامر انظر: \"السبعة في القراءآت\" لابن مجاهد ص ٣٦٢، و\"الحجة للقراء\" لأبي علي الفارسي ٥/ ٢٥، و\"التبصرة في القراءآت السبع\" لمكي ص ٥٥٨.\n(٣) انظر: \"البيان في غريب إعراب القرآن\" ٢/ ٥٤، و\"الإملاء\" ٢/ ٦٥، و\"الفريد في إعراب القرآن\" ٣/ ١٤٦.\n(٤) وهما نافع وابن عامر، انظر: \"السبعة\" ص ٥٢٦، و\"الحجة للقراء\" ٦/ ٥، \"المبسوط في القراءات\" ص ٣٠٣، قال أبو علي: وأما الرفع فيجوز أن يكون (عالمُ) خبرَ مبتدأ محذوف تقديره: هو عالم الغيب، ويجوز أن يكون مرفوع بالابتداء وخبره ﴿لَا يَعْزُبُ عَنْهُ﴾.\n(٥) هم: ابن كثير وأبوعمرو وعاصم وحمزة والكسائي. انظر: \"السبعة\" ص ٣٦٢، و\"الحجة للقراء\" ٥/ ٢٥، و\"التبصرة\" ص ٥٥٨.\n(٦) في (أ)، (د): (العلم)، والمثبت من (ش)، (ع) وهو أنسب للسياق.\n(٧) راجى هذه المسألة في \"المقتضب\" للمبرد ١/ ٢٦، و\"المقرب\" لابن عصفور ١/ ٢٢٢، و\"همع الهوامع\" للسيوطي ٥/ ١٧٨، و\"خزانة الأدب\" ٢/ ٢٦٨، ٦/ ٣٢٨.\n(٨) على قول من قال أن لفظ الجلالة مشتق من أله، ومعناه عبد، وتأله: تعبّد وتنسّك، كما قال رؤبة بن الحجاج ت (١٤٥هـ): =","vol":"12","page":396},{"text":"معنى أن العبادة تجب له، وقد يَغْلُب ما أصله الصفة فيصير بمنزلة العلم، كقول الشاعر (١):\nونابغةُ الجَعْدِيُّ بالرَّمْل بيتُه ... عليه صَفيحٌ من تُرَابٍ وجَنْدَلِ (٢)\n\nفالأصل النابغة، ولما غلب نُزع عنه الألف واللام كما يُنزع من الأعلام، نحو: زيد وجعفر <span data-type=\"title\" id=toc-1869>(٣)</span>.\n٣ - قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ﴾ إن شئتَ جعلت ﴿الَّذِينَ﴾ من صفة الكافرين في الآية المتقدمة، وإن شئت استأنفت به وجعلت الخبر قوله: ﴿أُولَئِكَ﴾ ومعنى الاستحباب: طلب محبّة الشيء بالتعرُّض إلفًا (٤)، ودخلت (على) (٥) في قوله: ﴿عَلَى الْآخِرَةِ﴾ لأن معنى يستحبُّون هاهنا: يؤُثرون ويختارون، فكأنَّه قيل: يُؤثرون الحياة\n_________\n= لله دَرُّ الغانيات المُدَّهِ ... سبَّحْنَ واسترجَعْن من تألهُّي\n\"ديوان رؤبة\" ص ١٦٥، وانظر: \"تفسير ابن عطية\" ١/ ٨٩، و\"الدر المصون\" ١/ ٢٥.\n(١) هو مسكين الدارمي، واسمه: ربيعة بن عامر ت (٨٩ هـ).\n(٢) انظر \"ديوانه\" ص ٤٩ برواية:\nعليه صفيح من رخام مرصعُ\nوورد البيت غير منسوب في \"الكتاب\" ٣/ ٢٤٤، \"واللسان\" (نبغ) ٨/ ٤٥٣، برواية:\nعليه تراب من صفيح موضع\nوورد في \"المقتضب\" ٣/ ٣٧٣، و\"أمالي ابن الشجري\" ٢/ ٣٦٠ برواية:\nعليه صفيح من تراب منضد\nوورد صدره في\"الخزانة\" ٢/ ٢٦٨، ٦/ ٣٢٨.\n(٣) \"الحجة للقراء\" ٥/ ٢٥ - ٢٧ بتصرف واختصار.\n(٤) في (ش)، (ع): (لها).\n(٥) أي عدَّى الفعل بعلى لأنّه تضمّن معنى الإيثار.","vol":"12","page":397},{"text":"الدنيا على الآخرة (١)، قال ابن عبّاس: يريد ما يُعجَّل لهم من (٢) الدنيا وإن كان حرامًا أخذوه تهاونًا بأمر الآخرة (٣)، واستبعدوها <span data-type=\"title\" id=toc-1870>(٤)</span>، مثل قول: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ﴾ [الإنسان: ٢٧].\n﴿وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ويمنعون الناس عن دين الله وطاعته، ﴿وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ ذكرنا معناه بالاستقصاء في سورة آل عمران (٥).\nوقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ﴾ قال عطاء: يريد في خسران كبير (٦)، وقال الكلبي: يعني في خطأ بعيد عن الحق (٧)، ويقال: طويل.\n\n٤ - قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ اللسان يستعمل على معان؛ أحدها: الجارحة (٨)، قال الفراء: لم نسمعه من العرب إلا مُذكَّرًا (٩)، وقال أبو عمرو: اللسان بعينه يذكَّر ويؤنث، فمن\n_________\n(١) أي أن الفعل لمّا عدي بـ (على) ضُمِّنَ معنى الإيثار. انظر: \"تفسير الطبري\" ١٣/ ١٨٠، \"المفردات\" ص ٢١٥، والنهر الماد [(٢/ ١) / ١٨٩]، و\"الدر المصون\" ٧/ ٦٩، و\"عمدة الحفاظ\" ١/ ٤١٩.\n(٢) في (أ)، (د): (من الله) بزيادة لفظ الجلالة، وقد أدى إلى اضطراب المعنى.\n(٣) في (أ)، (د)، (ش): (بأمر الله) والمثبت من (ع)، وهو المناسب للسياق بعده، وموافق للوسيط.\n(٤) ورد في تفسيره \"الوسيط\" ١/ ٣٠٤ بنصه تقريبًا، وانظر: \"زاد المسير\" ٤/ ٣٤٥.\n(٥) خلاصته: أي تلتمسون لسبيله الزيغ والتحريف بالشُّبَه التي تُلَبِّسون بها، وتُوهِمون أنها تقدح فيها، وأنها مُعْوَجَّة بتتاقضها.\n(٦) لم أهتد إلى مصدره.\n(٧) ورد في تفسيره \"الوسيط\" تحقيق سيسي ١/ ٣٠٤ بنصه.\n(٨) في (د): (الخارجة).\n(٩) نقله ابن الأنباري في كتابه \"المذكر والمؤنث\" ١/ ٣٦٤ بنصه، وفي (ش)، (ع): (مذكر).","vol":"12","page":398},{"text":"ذكَّره جمعه ألسنة، ومن أنَّثه جمعه ألْسُنًا (١)، واللسان يستعمل بمعنى الثناء، يقال: إن لسان الناس عليه لحسنةٌ وخيرٌ، أي: ثناؤهم (٢)، ومنه قوله تعالى: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ﴾ [الشعراء: ٨٤]، وقال ابن الأنباري: العرب تُوقع اللسان على الخطبة، والرسالة والكلمة والكلام، يقولون: له لسانٌ حسنةٌ، يعنون: خطبة وعبارة وكلمة، ويقولون: سبق من زيد لسانٌ عمَّه، يعنون: الكلام (٣)، واللسان: اللغة أيضًا، وهو قول المفسرين (٤)، وأهلِ اللغة (٥) في هذه الآية، قالوا في قوله: ﴿إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ بلغة قومه ليفهموا عنه ويعقلوا، يدل لحى هذا قوله: ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾، ويقال: فلان يتكلم بلسان العرب، أي: بلغتهم (٦)، قال أبو بكر: ولهذا المعنى وحد اللسان، وإن أضيف إلى القوم؛ لأنه أريد باللسان اللغة، واللغة تقع على قليل المنطق وكثيره؛ نحو: الحِنطة والذرة والقمح والعسل والشعير وما أشبهها من أسماء (٧) الأجناس التي تقع على القليل والكثير بلفظ\n_________\n(١) ورد في المذكر والمؤنث لابن الأنباري ١/ ٣٦٤ بنصه، وورد في \"تهذيب اللغة\" (لسن) ٤/ ٣٢٦٢، بلا نسبة.\n(٢) ورد بنصه تقريبًا في \"المذكر والمؤنث\" لابن الأنباري ١/ ٣٦٤، و\"المخصص\" لابن سيده ١٧/ ١٢.\n(٣) لم أقف على مصدره.\n(٤) ورد في \"تفسير مقاتل\" ١/ ١٩١ أ، وأخرجه الطبري ١٣/ ١٨١، عن قتادة، وورد في \"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢٠٠، و\"الثعلبي\" ٧/ ١٤٥ ب، و\"الطوسي\" ٦/ ٢٧٣، وانظر: \"تفسير البغوي\" ٤/ ٣٣٥، وابن عطية ٨/ ١٩٩.\n(٥) انظر: \"تهذيب اللغة\" (لسن) ٤/ ٣٢٦٢، و\"مجمل اللغة\" ٣/ ٨٠٧، و\"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٥٤، و\"اللسان\" (لسن) ٧/ ٤٠٣٠\n(٦) انظر: \"الكليات\" لأبي البقاء ص ٧٩٨.\n(٧) في (أ)، (د): (الأسماء)، والمثبت من (ش)، (ع)، وهو الأصح لانسجامه مع السياق.","vol":"12","page":399},{"text":"واحد (١)، قال ابن عباس في هذه الآية: يريد بلسان سعد (٢) بن بكر بن هوازن؛ وهي من أفصح العرب؛ وهي لغة يفهمها جميع العرب.\nوقوله تعالى: ﴿فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ﴾ قال ابن عباس: جعل المشيئة إليه وحده لا شريك له (٣)، قال أبو بكر: رَفَعَ ﴿فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ﴾ بعد التّبيين بإيثاره الباطل (٤)، ﴿وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾: باتِّباع الحق.\nقال الفراء: وإذا رأيت الفعل منصوبًا وبعده فعل قد نُسِق (٥) عليه فإن كان (٦) يُشاكل (٧) معنى الفعل الذي قبله نَسَقْته (٨) عليه، وإن رأيته غير مشاكل لمعناه استأنفته فرفعته؛ نحو قوله: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ﴾ [التوبة: ٣٢] فيأبى في موضع رفع لا يجوز\n_________\n(١) لم أقف على مصدره. وورد مختصرًا بلا نسبة في \"تفسير القرطبي\" ٩/ ٣٤٠.\n(٢) بنو سعد بن بكر: هم بطن من هوازن بن منصور، من العدنانية، وهم أظآره - ﷺ - عندهم استرضع من حليمة السعدية. انظر: \"جمهرة أنساب العرب\" ص ٢٦٥، و\"نهاية الأرب\" ص ٢٦٨.\n(٣) ورد في تفسيره \"الوسيط\" تحقيق سيسي ١/ ٣٠٤، بنصه.\n(٤) يعني أن ﴿فَيُضِلُّ﴾ مرفوع على الاستئناف ومقطوع من الأول؛ لأنه لو عطف على قوله ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ لأوهم أن إرسال الرسل لإرادة الإضلال، وهو خلاف المراد من الآية، وجوّز الزجاج النصب على وجه بعيد على أن اللام لام العاقبة؛ لأنه لما آل أمرهم إلى الضلال مع بيان الرسول لهم صار كأنه إنما أُرسل لذلك. انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٥٤، و\"مشكل إعراب القرآن\" ١/ ٤٤٥، و\"البيان في غريب إعراب القرآن\" ٢/ ٥٤، و\"الإملاء\" ٢/ ٦٦.\n(٥) في (د): (سبق)، والنَّسق في اصطلاح النحويين هو: العطف. انظر: \"المعجم المفصل في النحو العربي\" ٢/ ١١٣.\n(٦) (كان) ساقطة من (د).\n(٧) المقصود بالمشاكلة: المماثلة. انظر. \"اللسان\" (شكل) ٤/ ٢٣١٠.\n(٨) في (د): (سبقته).","vol":"12","page":400},{"text":"إلا ذلك (١)؛ لأنه لا يحسن أن تُبادل (٢) بـ ﴿يُرِيدُونَ أَنْ﴾: ﴿وَيَأْبَى اللَّهُ﴾ فإذا لم يمكن وضع الثاني موضع الأول بطل العطف، ومثله قوله: ﴿لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ (٣) فِي الْأَرْحَامِ﴾ [الحج:<span data-type=\"title\" id=toc-1871> ٥] </span>ومن ذلك قولهم: أردت أن أزورك فيمنعُنى المطرُ، بالرفع غير منسوق على ما قبله لما ذكرنا، ومثله قول الشاعر (٤):\nيُريدُ أن يُعْرِبَه فيُعْجمُه (٥)\n\n٥ - قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا﴾ أي: بالبراهين التي دلت على صحة نبوته مثل اليد والعصا وغيرهما من آيات موسى (٦).\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" اللفراء ٢/ ٦٨ بنصه تقريبًا.\n(٢) في (د): (يناول).\n(٣) يقول الزجاج ﵀: لا يجوز فيها إلا الرفع، ولا يجوز أن يكون معناه فعلنا ذلك لنُقرَّ في الأرحام؛ لأن الله -﷿- لم يخلق الأنام لما يُقرُّ في الأرحام، وإنما خلقهم ليدلَّهم على رشدهم وصلاحهم. \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٤١٢.\n(٤) نسب إلى رؤبة في \"الكتاب\" ٣/ ٥٢، و\"اللسان\" (عجم) ٥/ ٢٨٢٦، ونسب إلى الحطيئة في شواهد \"المغني\" ١/ ٤٧٦، و\"الدرر اللوامع\" ٦/ ٨٦، وورد غير منسوب في \"همع الهوامع\" ٥/ ٢٣٥، و\"المقتضب\" ٢/ ٣٣.\n(٥) بيت من رَجَز ضمن خمسة أبيات. انظر المصادر السابقة، وقد جاء به الواحدي شاهدًا للمسألة النحوية التي قرَّرها من قبل، وهو قطع الفعل الثاني عن الأول بالاستئناف، وعدم جواز عطفه لما يترتب عليه من التباس المعنى وفساده. والشاهد في البيت: رفع. \"فيعجمُه\" على القطع، والمعنى: فإذا هو يعجمه، ولا يجوز النصب على العطف لفساد المعنى؛ لأنه لا يريد إعجامه؛ والإعجام: أن يجعله مشكلًا وملتبسًا. انظر: \"الدرر اللوامع\" ٦/ ٨٧.\n(٦) وهي تسع آيات، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ [الإسراء: ١٠١] وهي: الطوفان، والجراد، والقُمَّل، والضفادع، والدَّم، والعصا، واليد، والسنين، والنقص في الثمرات.","vol":"12","page":401},{"text":"وقوله تعالى: ﴿أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ﴾ أي: بأن أخرج قومك (١)، قال أبو إسحاق: (أنْ) هاهنا يصلح أن تكون المخففة (٢) التي للخبر، ويصلح أن تكون مفسِّرة (٣) بمعنى: أيّ، ولكون المعنى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا﴾ أي (٤): أخرج قومك، كأن المعنى: قلنا له: أَخْرِج قومك، ومثل هذا قوله: ﴿وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا﴾ [ص: ٦]: (أي امشوا) (٥) والتأويل: قالوا لهم امشوا (٦)، وإن جعلتها المخففة التي هي للخبر كان المعنى: أرسلناه بأن يخرج قومه، إلا أن الجار حذف ووُصِلتْ (أن) بلفظ الأمر للمخاطب، والمعنى معنى الخبر؛ نحو قولك: كتبت أن قُمْ، وأمرته أن يقوم، إلا أنها وصلت بلفظ الأمر الذي كان للمخاطب، وحُكي القولين عن سيبويه (٧).\nوقوله تعالى ﴿مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ قال ابن عباس: يريد من الشرك إلى الإيمان (٨)، ﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾، الأيام: جمع يوم، واليوم\n_________\n(١) ورد في \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٥٥ بنصه. انظر: \"تفسير ابن عطية\" ٨/ ٢٠٠.\n(٢) أي المخففة من (أنّ) الثقيلة، وهي التي تقع بعد فعل اليقين أو ما نزل منزلته. انظر: \"مغني اللبيب\" ص ٤٦.\n(٣) هي التي تُسبق بكلام في معنى القول دون حروفه، ولها شروط. انظر: \"مغني اللبيب\" ص ٤٨ - ٤٩.\n(٤) في (ش)، (ع): (أن)، والمثبت هو الصحيح لموافقته للمصدر.\n(٥) ما بين القوسين ساقط من (أ)، (د)، والمثبت من (ش)، (ع)، وهو موافق لما في المصدر.\n(٦) ساقطة من: (ع).\n(٧) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٥٥ بتصرف يسير، وانظر: \"الكتاب\" لسيبويه ٣/ ١٦٢.\n(٨) لم أقف عليه منسوبًا إلى ابن عباس، وأورده الواحدي في وجيزه ١/ ٥٧٨ بلا نسبة، وورد عن ابن عباس تفسير الآية بقوله: من الضلال إلى الهدى. انظر: \"تفسير =","vol":"12","page":402},{"text":"مقداره من طلوع (١) الشمس إلى غروبها، وكانت الأيام في الأصل: أيْوام واجتمعت الياء والواو، سُبقت إحداهما بالسكون فأدغمت إحداهما في الأخرى وغُلبت الواو (٢)، ويُعبَّر بالأيام عن الوقائع والنِّعم والنقم؛ لأن هذه كلها تقع فيها، ذَكره شَمر، وقال ابن السَّكِّيت: العرب تقول: الأيام في معنى الوقائع، يقال: هو عالم بأيام العرب، يريد: وقائعها (٣).\nقال ابن عباس في هذه الآية: يريد بنِعم الله (٤)، وهو قول مجاهد (٥)، وأبي بن كعب؛ رواه عن النبّي - ﷺ - في قوله: ﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾ قال: \"أيامه: نِعَمُه\" (٦).\n_________\n= الطبري\" ١٣/ ١٧٩ بدون نسبة لابن عباس، و\"الدر المنثور\" ٤/ ١٣٠. وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم.\n(١) (طلوع) مكررة في (أ)، وفي (د): (من طلوع إلى طلوع الشمس).\n(٢) انظر (يوم) في: \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٩٩٠، و\"اللسان\" ٨/ ٤٩٧٤، ونقله الفخر الرازي في \"تفسيره\" ١٩/ ٨٤ وعزاه للواحدي.\n(٣) ورد في \"تهذيب اللغة\" (يوم) ٤/ ٣٩٩١ بنصه.\n(٤) ورد في \"تفسيرالثعلبي\" ٧/ ١٤٥ أ، بلفظه، وتفسيره \"الوسيط\" تحقيق سيسي ١/ ٣٠٥، بلفظه، وانظر: \"تفسير البغوي\" ٤/ ٣٣٥، و\"تفسير القرطبي\" ٩/ ٣٤١، أورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ١٣٢، وعزاه إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(٥) \"تفسير مجاهد\" ١/ ٣٣٣، بلفظه، أخرجه عبد الرزاق ٢/ ٣٤١، بلفظه، والطبري ١٣/ ١٨٣ - ١٨٤، بلفظه من طرق، وورد بلفظه في \"تفسير الماوردي\" ٣/ ١٢٢، و\"الطوسي\" ٦/ ٢٧٤، وانظر: \"تفسير البغوي\" ٤/ ٣٣٥، و\"ابن الجوزي\" ٤/ ٣٤٦.\n(٦) أخرج أحمد ٥/ ١٢٢ بنحوه مرفوعًا وموقوفًا، والنسائي في \"التفسير\" ١/ ٦١٤ بنحوه، والطبري ١٣/ ١٨٢ - ١٨٤، بنحوه، وأورده المزي في \"تحفة الأشراف\" ١/ ٢٧، وابن كثير في \"تفسيره\" ٢/ ٥٤٢، وزاد نسته إلى ابن أبي حاتم، والسيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ١٣٢، وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن مردويه =","vol":"12","page":403},{"text":"ونحو هذا قال الحسن (١)، وسعيد بن جبير (٢)، وقال مقاتل بن سليمان: بوقائع الله في الأمم السالفة (٣)، قال أبو إسحاق: أي ذكِّرهم بنِعم أيام الله عليهم، وبنقم أيام الله التي انتقم فيها من قوم نوح وعاد وثمود (٤)، وقال الفراء: يقول: خوِّفهم بما نزل بعاد وثمود وغيرهم من العذاب، وبالعفو (٥) عن آخرين، وهو في المعنى: خذهم بالشدة واللين (٦).\nوقال أهل المعاني: يقول: عظهم بالترغيب (والترهيب، والوعد والوعيد؛ والترغيب) (٧)، والوعد: (أن يذكِّرهم) (٨) بما أنعم الله عليهم، وعلى مَن قبلهم ممن آمنوا بالرسل وصدَّقوه فيما مضى من الأيام، (والترهيب والوعيد: أي ذكِّرهم بأس الله وعذابه وانتقامه ممن كذَّب الرسل\n_________\n= والبيهقي في شعب الإيمان [لم أقف عليه]، وهذا الحديث له إسنادان؛ إسناد أحمد والطبري، وإسناد النسائي، أما الإسناد الأول: فضعيف؛ لأنه يدور على محمد بن أبان الجعفي، وهو مضَّعف بعلتين: سوء الحفظ، وبدعة الإرجاء مع الدعوة إليها. انظر: \"التاريخ الكبير\" للبخاري ١/ ٣٤، و\"الضعفاء الصغير\" للبخاري ص ٩٨ و\"الضعفاء\" للنسائي ص ٩١، و\"الجرح والتعديل\" ٧/ ٢٠٠، و\"الكامل في ضعفاء الرجال\" ٦/ ٢١٣٩، و\"ميزان الاعتدال\" ٤/ ٣٧٣، أما الإسناد الثاني: فانفرد به النسائي، ورجاله ثقات، فهو صحيح.\n(١) ورد في \"تفسير الطوسي\" ٦/ ٢٧٤ بنحوه.\n(٢) أخرجه الطبري ١٣/ ١٨٤ بنحوه، وورد في \"تفسير الطوسي\" ٦/ ٢٧٤.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ١/ ١٩١ أ، بمعناه، وورد في \"تفسير الثعلبي\" ٧/ ١٤٥ ب بنصه.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٥٥ بنصه.\n(٥) في (أ)، (د): (بالعقوبة)، والمثبت من (ش)، (ع)، وهو موافق للمصدر.\n(٦) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٦٨ بنصه.\n(٧) ما بين القوسين ساقط من (ع).\n(٨) ما بين القوسين ساقط من (د).","vol":"12","page":404},{"text":"فيما مضى من الأيام) (١)؛ ليرغبوا في الوعد فيصدِّقوا، ويحْذروا فيتركوا التكذيب (٢)، ومن الأيام التي أريد بها الدُّول من النعيم (٣) قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ (٤) [آل عمران: ١٤٠]، والعرب تقول: من ير يومًا (يُرَ به (٥)، معناه: من يرى لنفسه يوم سرور بمصرع غيره، رأى غيرُه مثلَ ذلك اليوم بمصرعه، وكل هذا) (٦) يدل على أنه يُعبَّر باليوم والأيام من حادثات الخير والشر (٧).\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ قال ابن عباس: يريد لكل صَبَّارٍ على طاعة الله وعن معاصيه، شكور لأنعم الله (٨)،\n_________\n(١) ما بين القوسين ساقط من (ش)، (ع).\n(٢) لم أقف على من قال به من أهل المعاني، وقد ذكره بعض المفسرين، انظر: \"تفسير الفخر الرازي\" ١٩/ ٨٤، و\"الخازن\" ٣/ ٧٠.\n(٣) في (ش)، (ع): (النعم).\n(٤) يقول القفال -﵀-: المداولة: نقل الشيء من واحد إلى آخر، ويقال تداولته الأيدي إذا تناقلته. انظر: \"تفسير الفخر الرازي\" ٩/ ١٥. فهذه الآية دليل على أن أيام الله تعالى ليست مقصورة على النعم، بل تشمل النقم كذلك، فقد أُديل المسلمون من المشركين يوم بدر حتى قتلوا منهم سبعين وأسروا سبعين، وأُديل المشركون من المسلمين يوم أحد حتى جرحوا منهم سبعين وقتلوا خمسًا وسبعين، فسمَّى إنكسار المسلمين في أُحد أيامًا، كما كانت هزيمة قريش في بدر أيامًا.\n(٥) انظر: كتاب \"الأمثال\" لأبي عبيد بن سَلاَّم ص ٣٣٤، و\"جمهرة الأمثال\" للعسكري ٢/ ٢٧٢، و\"مجمع الأمثال\" للميداني ٣/ ٣١٨.\n(٦) ما بين القوسين ساقط من (ع).\n(٧) وقد رجّحه ابن عطية -﵀- فقال: ولفظة الأيام تعم المعنيين؛ لأن التذكير يقع بالوجهن جميعًا ٨/ ٢٠٣.\n(٨) انظر: \"تنوير المقباس\" ص ٢٦٨ بنحوه، وورد بلا نسبة في تفسيره الوسيط، تحقيق سيسي ١/ ٣٠٦، وابن الجوزي ٤/ ٣٤٦.","vol":"12","page":405},{"text":"وقال أهل المعاني: أراد لآياتٍ لكل مؤمن؛ لأن الصبر والشكر من أفعال المؤمنين، والحال لا يخلو من نعمة وشدة، والمؤمن شاكر في أحديهما (١) صابر في الأخرى (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1872>٦ </span>- قوله تعالى: ﴿وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ﴾ وقال في سورة البقرة [٤٩] ﴿يُذَبِّحُونَ﴾ بغير واو؛ لأنه تفسير لقوله: ﴿سُوءَ الْعَذَابِ﴾ فذكر العذاب مجملًا ثم فسَّره بما بعده، ولا تحتاج في تفسيره إلى الواو كما تقول: أتاني القوم؛ زيدٌ وجعفرٌ وعمروٌ، لا تدخل الواو في زيد، لأنك أردت أن تُفسِّر به القوم، ومثل هذا قوله: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ﴾ [الفرقان: ٦٨ - ٦٩]، والآثام (٣) فيه نيَّة العذاب كثيره وقليله، ثم فسره بغير الواو فقال: ﴿يُضَاعَفْ﴾ وفي هذه السورة أدخل الواو لأن المعنى: أنهم يعذبونهم بغير التذبيح وبالتذبيح أيضًا، فقوله: ﴿وَيُذَبِّحُونَ﴾ جنس آخر من العذاب لا تفسير لما قبله، وما في هذه الآية مفسَّر (٤) في سورة البقرة (٥)، وما ذكرنا في معنى طرح الواو وإثباته كله معنى قول الفراء (٦).\n_________\n(١) في (د): (إحداهما).\n(٢) لم أقف على مصدره، وفي هذا المعنى ورد حديث صحيح؛ يقول الرسول - ﷺ -: \"عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله خير وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له\" رواه مسلم: الزهد والرقائق/ المؤمن أمره كله خير ٤/ ٢٢٩٥، فقوله: لأن الصبر والشكر من أفعال المؤمنين، أي من خصائصهم، ويؤيده في الحديث قوله: وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن.\n(٣) في (أ)، (د): (الأيام)، والمثبت من (ش)، (ع) هو الأظهر.\n(٤) ساقطة من (أ)، (د).\n(٥) انظر: \"البسيط\"، تفسير سورة البقرة: ٤٩.\n(٦) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٦٨، وورد هذا المعنى في \"تفسير الطبري\" ١٣/ ١٨٥، =","vol":"12","page":406},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1873>٧ </span>- قوله تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ﴾ عطف على قوله: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجَاكُمْ﴾، ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ﴾ وهذا (١) إخبار عما قال موسى لقومه، ومعنى ﴿تَأَذَّنَ﴾ قال المفسرون: أعْلَم (٢)، قال الفراء: تأذن وأذن بمعنى واحد (٣)، وربما قالت (٤): تفعَّل وأفعل في معنى واحد، وهذا من ذلك (٥) ومثله: توعَّد وأوعد، وهو كثير، وذكرنا الكلام في تأذن في سورة الأعراف (٦).\nوقوله تعالى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ قال ابن عباس: يريد لئن وحدتموني وأطعتموني لأزيدنكم نعمة (٧) ومعنى شكر النعمة هو الاعتراف بحق المنعم، والاعتراف بحق الله تعالى هو التوحيد والطاعة، فلذلك فسَّره\n_________\n= و\"الثعلبي\" ٧/ ١٤٦ أ، و\"مشكل إعراب القرآن\" ١/ ٤٤٦، و\"البيان في الإعراب\" ٢/ ٥٥، و\"تفسير الفخر الرازي\" ١٩/ ٨٥، و\"الفريد في الإعراب\" ٣/ ١٤٩.\n(١) أي قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجَاكُمْ﴾.\n(٢) ورد في \"تفسير الطبري\" ١٣/ ١٨٥ - ١٨٦، والسمرقندي ٢/ ٢٠١، و\"الماوردي\" ٣/ ١٢٣، وانظر: \"تفسير البغوي\" ٤/ ٣٣٦، وابن عطية ٨/ ٢٠٤.\n(٣) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٦٩ بمعناه، ومع أن معناهما واحد، لكن كما يقولون: زيادة المبنى يقتضي زيادة المعنى، وقد أشار إلى هذا الفرق هنا الزمخشري ﵀ في \"تفسيره\" ٢/ ٣٩٤، فقال: \"ولابد في تفَّعل من زيادة معنى ليس في أفعل، كأنه قيل وإذ أذن ربكم إيذانًا بليغًا تنتفي عندهالشركوك وتنزاح الشُّبَه\".\n(٤) أي العرب.\n(٥) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٦٩، بتصرف، وانظر: \"تفسير الطبري\" ١٣/ ١٨٥ - ١٨٦، و\"الثعلبي\" ٧/ ١٤٦أ، والزمخشري في \"الكشاف\" ٢/ ٣٩٤، و\"الفريد في الإعراب\" ٣/ ١٥٠.\n(٦) عند قوله تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [١٦٧].\n(٧) ورد في \"تفسير الماوردي\" ٣/ ١٢٣ بنحوه، و\"الوسيط\" تحقيق سيسي ١/ ٣٠٦ بنصه، وانظر: \"تفسير القرطبي\" ٩/ ٣٤٣، و\"الألوسي\" ١٣/ ١٩٠.","vol":"12","page":407},{"text":"ابن عباس بهما، ومعني قوله: ﴿لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ أي مما يجب الشكرعليه؛ وهو النعمة.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ﴾ أي جحدتم حقي وحق نعمتي، ﴿إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ تهديد بالعذاب على كفران النعمة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1874>٨ </span>- قوله تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ﴾: عن خلقه وعن شكر العباد، و(حَمِيدٌ): مستحق للحمد في أفعاله لأنه مُتفضِّل بفعله أو عادل فيه.\nقال ابن عباس: يريد لا يُنْقص كفرُكُم ملكوت الله شيئًا (١) ولا تزيد طاعتُكم لله ملْكًا (٢).\nوقال أهل المعاني: هذا بيان أن (٣) الله تعالى يجلُّ (٤) عن لَحَاق المنافع والمضار.\n\n٩ - قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ يعني: من بعد هؤلاء الذين ذكرهم من أهلكهم الله بتكذيبهم رسلهم،\n_________\n(١) التصويب من: (ع)، وفي باقي النسخ: (شيء) وهو خطأ ظاهر.\n(٢) لم أقف عليه، وقد ورد بهذا المعنى حديث قدسي: (يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنّكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئًا، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وانْسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منْكم ما نقص ذلك من مُلكي شيئًا ..) أخرجه مسلم: البر والصلة/ تحريم الظلم ٤/ ١٩٩٤.\n(٣) ساقطة من (ع).\n(٤) في جميع النسخ: (يحل) بالحاء، والأظهر أنها بالجيم، ومعنى (يجلُّ عن كذا: يعظم، ومنه: أي عظم قدره). انظر (جل) في \"تهذيب اللغة\" ١/ ٦٤٠، و\"مجمل اللغة\" ١/ ١٧٣، و\"الصحاح\" (جلل) ٤/ ١٦٥٨","vol":"12","page":408},{"text":"﴿لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ﴾ فيه وجهان (١) من التفسير؛ أحدهما: أن معناه والذين من بعدهم لا يحصى عددهم ولا يعرف تعيينهم وتحصيلهم إلا الله وحده، وهذا قول ابن عباس لأنه قال: ﴿لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ﴾: لكثرتهم (٢)، فأما النسابون الذين نسبوا القبائل إلى آدم فإنهم لا يدَّعون إحصاء جيمع الأمم بعد عاد وثمود والإحاطة بمعرفة أجناسها وأنواعها لكنهم ينسبون بعضًا يعرفونه ويمسكون عن نسب بعض، وقوم من المفسرين يحملونه على أن أكثر أهل العلم يبطلون من النسب ما جاوز عدنان، ويقولون أولئك أمم لا يَعرف تعيينهم (٣) غير الله -﷿- (٤) ولهذا قال ابن مسعود في هذه الآية: كذب النسَّابون (٥)، وقال عروة بن الزبير: ما وجدنا أحدًا يعرف\n_________\n(١) ذكر أن في تفسيرها وجهين، ولم يذكر إلا وجهًا واحدًا.\n(٢) ورد في تفسيره \"الوسيط\" تحقيق سيسي ١/ ٣٠٨، بلفظه، وورد بمعناه بلا نسبة في \"تفسير الطبري\" ١٣/ ١٨٧، والسمرقندي ٢/ ٢٠١.\n(٣) في (د): (هيبتهم).\n(٤) ولذلك جاءت الأقوال مضطربة في ذكر الأسماء والأعداد والسنوات فيما بين عدنان وإبراهيم -﵇-. انظر: \"تاريخ الطبري\" ١/ ٥١٥ - ٥١٧، و\"دلائل النبوة\" للبيهقي ١/ ١٧٨ - ١٨٠، و\"الروض الأنف\" ١/ ١١ - ١٢، و\"نهاية الأرب في معرفة أنساب العرب\" ص ٣٢٠.\n\n(٥) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ١٣/ ١٨٧ بنصه من طرق، وورد بنصه في \"معاني القرآن\" للنحاس ٣/ ٥١٨، و\"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢٠١، و\"الماوردي\" ٣/ ١٢٤، وانظر: \"تفسير البغوي\" ٤/ ٣٣٧، والزمخشري ٢/ ٣<span data-type=\"title\" id=toc-1875>٩</span>٥، و\"الفخر الرازي\" ١٩/ ٨٨، و\"الخازن\" ٣/ ٧٢، و\"الألوسي\" ١٣/ ١٩٢. وورد هذا الأثر مرفوعًا إلى النبي - ﷺ - في \"طبقات ابن سعد\" ١/ ٥٦، ولفظه: عن ابن عباس -﵁- أن النبي - ﷺ - كان إذا انتسب لم يجاوز في نسبه معد بن عدنان بن أُدد، ثم يمسك ويقول: \"كذب النسَّابون\" قال الله -﷿- ﴿وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا﴾ [الفرقان:٣٨]، وأورده ابن عطية في \"تفسيره\" (٨/ ٢٠٦) وقال: وفي مثل ورد قال رسول - ﷺ -: (كذب النسَّابون من فوق عدنان،=","vol":"12","page":409},{"text":"ما وراء عدنان (١). وروى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: بين عدنان وإسماعيل ثلاثون أبًا لا يُعرفون (٢).\nقال ابن الأنباري: فمن بني على هذه الآثار، قال مَنْ فوق عدنان منقطعة معرفتهم عن قلوب الناس، إلا من كان من الأنبياء الذين نوه الله بأسمائهم، وعلى قول هؤلاء: لا يعرف النسابون أحدًا ممن قال الله تعالى: ﴿لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ﴾ (لأن الله تعالى) (٣) أهلك أممًا من العرب وغيرها فانقطعت أخبارهم وعفت آثارهم وبطلت أنسابهم (٤).\n_________\n= وأورده القرطبي في \"تفسيره\" ٩/ ٣٤٤ بصيغة التمريض، قال: وقد روي عن النبي -ﷺ- لمّا سمع النسَّابين ينسبون إلى معد بن عدنان ثم زادوا فقال: (كذب النسَّابون) إن الله يقول: ﴿لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ﴾، وكذلك أورده النسفي في تفسيره [هامش الخازن] (٣/ ٧١) بصيغة التمريض أيضًا، وأورده السيوطي في الجامع الصغير وزاد نسبته إلى ابن عساكر، ورمز له بالصحة، وأورده مرة أخرى ورمز له بالضعف. [كما في فيض القدير ٤/ ٥٥٠، و(٥/ ١٠٩)] وهذا الحديث ضعيف؛ لأنه ورد عن طريق الكلبي، وهي أوهى الطرق إلى ابن عباس، والأصح أنه موقوف على ابن مسعود، كما قال السهيلي في \"الروض الأنف\" ١/ ١١، وقد أورده الألباني في \"سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة\" ١/ ١٤٤ وحكم عليه بالوضع.\n(١) ورد في \"معاني القرآن\" للنحاس ٣/ ٥١٨ بنحوه، وانظر: \"تفسير القرطبي\" ١٩/ ٣٤٤، وأورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ١٣٥، وعزاه إلى أبي عبيد وابن المنذر وابن أبي حاتم، و\"تفسير الشوكاني\" ٣/ ٩٩، و\"صديق حسن خان\" ٧/ ٨٩.\n(٢) ورد بنصه في \"معاني القرآن\" للنحاس ٣/ ٥١٨، و\"تفسير الماوردي\" ٣/ ١٢٤، وانظر: \"تفسير البغوي\" ٤/ ٣٣٧، وأورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ١٣٥، وعزاه إلى أبي عبيد وابن المنذر. وهذه أوهى الطرق إلى ابن عباس.\n(٣) ما بين القوسين ساقط من (د).\n(٤) ورد في تفسيره \"الوسيط\" تحقيق سيسي ١/ ٣٠٨، مختصرًا، وانظر: \"تفسير ابن الجوزي\" ٤/ ٣٤٨، مختصرًا.","vol":"12","page":410},{"text":"وقوله تعالى: ﴿فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ﴾ اختلفوا في تأويل هذه؛ فقال ابن مسعود: عضُّوا عليها غيظًا (١)، والمعنى: سَبُّوا (٢) الرسلَ وأبغضوهم وثقل عليهم مكانهم، وعضُّوا على أصابعهم من شدة الغيظ، وهذا معنى قول ابن عباس في رواية عطاء وابن زيد (٣) واختبار ابن قتيبة (٤)، واعتبروا هذا بقوله: ﴿وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ﴾ [آل عمران: ١١٩] وقد مرَّ، وقال الكلبي: أي وضعوا الأيدي على الأفواه إشارة إلى الرسل أن اسكتوا (٥).\nورُوي عن ابن عباس أنه قال: كان إذا جاءهم الرسول سكَّتوه وأشاروا بأيديهم إلى أفواه أنفسهم كما تُسَكِّت (٦) أنت غيرَك (٧). وقال\n_________\n(١) أخرجه عبد الرزاق ٢/ ٣٤١ بنحوه، والطبري في \"تفسيره\" ١٣/ ١٨٨ بنصه ونحوه من طرق، وورد بنصه في \"تفسيرالثعلبي\" ٧/ ١٤٦ ب، و\"الماوردي\" ٣/ ١٢٤، وانظر: \"تفسير البغوي\" ٤/ ٣٣٨، و\"ابن الجوزي\" ٤/ ٣٤٨، و\"الفخر الرازي\" ١٩/ ٨٩، و\"تفسير القرطبي\" ٩/ ٣٤٥، و\"الخازن\" ٣/ ٧٢.\n(٢) في (ش)، (ع): (شتموا).\n(٣) أخرجه الطبري ١٣/ ١٨٨ - ١٨٩ عن ابن عباس من طريق العوفي (ضعيفة)، وعن ابن زيد، وورد في \"تفسيرالثعلبي\" ٧/ ١٤٦ ب، عن ابن عباس، انظر: \"تفسير ابن عطية\" ٨/ ٢٠٧، عنهما، القرطبي ٩/ ٣٤٥، عنهما، و\"الدر المنثور\" ٤/ ١٣٥، وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم عن ابن عباس.\n(٤) \"الغريب\" لابن قتيبة ص ٢٣٥.\n(٥) ورد بنصه في \"تفسيرالثعلبي\" ٧/ ١٤٦ب، وتفسيره \"الوسيط\" تحقيق سيسي ١/ ٣٠٨، وانظر: \"تفسير البغوي\" ٤/ ٣٣٨، و\"الفخر الرازي\" ١٩/ ٨٩، و\"الخازن\" ٣/ ٧٢.\n(٦) في (د): (سكت).\n(٧) ورد في \"معاني القرآن\" اللفراء ٢/ ٦٩ بنحوه، وانظر: \"تفسير ابن الجوزي\" ٤/ ٣٤٨ بنحوه عن أبي صالح عن ابن عباس، وورد منسوبًا إلى أبي صالح في: \"تفسير =","vol":"12","page":411},{"text":"مقاتل: كانوا يأخذون أيدي الرسل فيضعونها على أفواههم ليسكتوهم ويقطعوا كلامهم (١). وذكر الفراء والزجاج وابن الأنباري قولًا آخر وهو أن المعنى: ردوا نِعَمَ الرسل بأفواههم، فالأيدي هاهنا المراد بها النِعم.\nقال الفراء: أي ردوا ما لو قبلوه لكان نعمًا من الله -﷿- عندهم (٢).\nوقال الزجاج: ردوا أيدي (٣) الرسل: أي نِعَم الرسل؛ لأن مجيئهم بالبينات نِعَمٌ (٤).\n(وقال أبو بكر: ويجوز أن يكون المعنى: ردوا نعم أنفسهم؛ لأنها نعم) (٥) من الله عليها (٦) رفضوها واطَّرحوها، وجاء رجل (في) على معنى الباء؛ لقيام بعض الصفات مقام بعض (٧)، وتقول: طيِّئ (٨): أدخلك الله في الجنَّة، وأنشد الفراء:\n_________\n= الماوردي\" ٣/ ١٢٤، و\"تفسير القرطبي\" ٩/ ٣٤٥، وعلى هذا القول يكون الضميران في (أيديهم) و(أفواههم) عائدين على المكذبين.\n(١) \"تفسير مقاتل\" ١/ ١٩١ب بنحوه، وعلى هذا القول يكون الضميران في (أيديهم) و(أفواههم) عائدين إلى الرسل. انظر: \"تفسير أبي حيان\" ٥/ ٤٠٨، وقد ضعَّف ابن عطية هذا القول، وقال: وهذا عندي لا وجه له ٨/ ٢٠٨.\n(٢) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٧٠ بنصه.\n(٣) في (أ)، (د)، (ش): (الذي)، والمثبت من (ع)، وهو الموافق لسياق والمصدر.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٥٦ بنصه.\n(٥) ما بين القوسين ساقط من (ع).\n(٦) في (د): (عليما).\n(٧) انظر: \"الأزهية\" ص ٢٧١، و\"رصف المباني\" ص ٤٥٢، و\"الجنى الداني في حروف المعاني\" ص ٢٥١.\n(٨) قبيلة طيِّىء مشهورة، تنسب إلى طيَّئ بن أُدَد، واسمه جُلْهُمة، سُمِّي طيِّئًا لأنه أول من طوى المناهل منازل الطريق من قبائلهم: بنو جَديلة، وبنو رُومان، وبنو =","vol":"12","page":412},{"text":"وأرغبُ فيها من لَقِيطٍ ورهْطِهِ ... ولكنَّني عن سِنْبِس لَسْتُ رَاغبٌ (١)\nأراد: أرغب بهذه المرأة عن هؤلاء.\nوقال أبو إسحاق: ومعنى في أفواههم: بأفواههم، أي ردوا تلك النِعَم بالنطق بالتكذيب بما جاءت به الرسل كما يقول: جلست في البيت وبالبيت (٢)، وهذا معنى قول مجاهد: ردوا نعمهم بأفواههم (٣).\nوقال أبو عبيدة: مجاز هذا مجاز المَثَل، ومعناه: كفوا عما أمروا بقبوله من الحق ولم يؤمنوا به، قال: ويقال: ردّ يده في فمه، أي: أمسك ولم يجب (٤)، ويكون المعنى على هذا: لم يجيبوا الرسل إلى ما دعوهم إليه، فعبَّر عن ترك إجابتهم بوضع اليد في الفم؛ وذلك أن الواضع يده في فمه لا يقدر على الكلام.\n_________\n= جَدْعاء، والثعالب، وبنو تَيْم. انظر: \"الاشتقاق\" ص ٣٨٠، و\"جمهرة أنساب العرب\" ص ٣٩٨.\n(١) نُسب للفراء في \"تهذيب اللغة\" \"ذرأ\" ٢/ ١٢٧٣، وورد غير منسوب في \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٧٠، و\"تفسيرالطبري\" ١٣/ ١٨٩، وأبي حيان ٥/ ٤٠٩، و\"الدر المصون\" ٧/ ٧٣، (سِنْبس): حَيُّ من قبيلة طيئ. \"الاشتقاق\" ص ٣٩٠.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٥٦، بتصرف يسير.\n(٣) ورد في \"تفسير الطوسي\" ٦/ ٢٧٨ بنصه، وورد عنه تفسيرها بقوله: ردوا عليهم قولهم وكذبوهم، كما في تفسيره ص ٤١٠، وأخرجه الطبري ١٣/ ١٨٩ من طرق، وورد في \"معاني القرآن\" للنحاس ٣/ ٥١٨، و\"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢٠١، و\"الماوردي\" ٣/ ١٢٥.\n(٤) \"مجاز القرآن\" ١/ ٣٣٦، بتصرف يسير، وقد نُسب هذا القول إلى الأخفش كذلك لم أجده في معانيه. انظر: \"تفسير القرطبي\" ٩/ ٣٤٦، وأبي حيان ٥/ ٤٠٩، و\"الدر المصون\" ٧/ ٧٣، و\"تفسير الألوسي\" ١٣/ ١٩٤، وقد اعترض ابن قتيبة على هذا القول، وقال لم يُسمع أحد من العرب يقول: ردَّ يده في فِيه، إذا أمسك عن =","vol":"12","page":413},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ﴾ أي: على زعمكم بالإرسال؛ لأنهم لم (١) يُقرُّوا أنهم أرسلوا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1876>١٠ </span>- قوله تعالى: ﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ﴾ الآية. هذا استفهام معناه الإنكار أي لا شكَّ في الله، والمعنى في توحيد الله، ثم وُصف بما يدل على وحدانيته؛ وهو قوله: ﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ﴾ أي: بالرسل والكتب.\n_________\n= الشيء. انظر: \"الغريب\" لابن قتيبة ١/ ٢٣٥، وردّ أبو حيان على اعتراضه قائلًا: ومن سمع حجة على من لم يسمع، هذا أبو عبيدة والأخفش نقلا عن العرب. انظر: \"تفسير أبي حيان\" ٥/ ٤٠٩، وقد أيّد هذا الرد السمين، وأورده بألفاظ أخرى، أما ابن جرير، فقد أورد قول أبي عبيدة غير منسوب إليه، وضعَّفه من جهة أخرى، فقال: وهذا قول لا وجه له؛ لأن الله عزّ ذِكْره قد أخبر عنهم أنهم قالوا: ﴿إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ﴾ فقد أجابوا بالتكذيب. \"تفسيرالطبري\" ١٣/ ١٨٩ وقد اعترض أبوحيان على ابن جرير كذلك، فقال: ولا يرد ما قاله الطبري؛ لأن أبا عبيدة يريد أنهم أمسكوا وسكتوا عن الجواب المرضي؛ الذي يقتضيه مجيىء الرسل بالبينات؛ وهو الاعتراف بالإيمان والتصديق للرسل، والحق إن اعتراض أبي حيان -على ابن جرير- ليس في محله، فطالما أمكن حمل الكلام على ظاهره وعلى الحقيقة، فلا حاجة إلى هذه التأويلات، ففي كتاب \"القواعد\" للمقّري (٢/ ٤٩٧) يقول في القاعدة (٢٥٦): كل ما له ظاهر فهو مصروف إلى ظاهره، إلا لمعارض راجح، وكل مالا ظاهر له فلا يترجح إلا بمرجح.\nويقول الشنقيطي في تفسيره ٣/ ١٠٠، والقاعدة المقررة عند علماء الأصول هي: حمل نصوص الوحي على ظواهرها، إلا بدليل من كتاب أو سنّة، لذلك فالأرجح من هذه الأقوال في معنى الآية: هو القول الأول؛ وهو قول ابن مسعود ﵁؛ لكونه على ظاهره ولا يحتاج إلى تأويل، وتؤيده آية آل عمران [١١٩]، وقد رجَّح هذا القول كل من: الطبري ١٣/ ١٨٩، والنحاس في معانيه ٣/ ٥١٩، وابن قتيبة في \"غربيه\" ١/ ٢٣٥ وأيَّد اختياره بقول الشاعر: (يرُدّون في فِيه عَشْر الحسُود) يقول: يعني أنهم يغيظون الحسود حتى يعض أصابعه العشر.\n(١) في (أ)، (د): لو، والمثبت من (ش)، (ع).","vol":"12","page":414},{"text":"وقال ابن، عباس: ﴿يَدْعُوكُمْ﴾: إلى طاعته (١).\n﴿لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ قال أبو عبيدة: (من) زائدة (٢)، وأنكر سيبريه زيادتها في الواجب (٣)، فإن حكمنا بزيادتها (٤) فهو ظاهر، وإن لم\n_________\n(١) ورد بلا نسبة في تفسيره \"الوجيز\" ١/ ٥٧٩، و\"تفسير القرطبي\" ٩/ ٣٤٦.\n(٢) \"مجاز القرآن\" ١/ ٣٣٦ بنحوه، ومن القائلين بزيادة (من) مطلقًا دون أي شروط أو قيود الأخفش. انظر: \"معاني القرآن\" للأخفش ١/ ٢٧٢، و\"إيضاح الشعر\" لأبي علي الفارسي ص ٢٥٧، و\"المُحْتَسب\" ١/ ١٦٤، و\"تفسير ابن عطية\" ١/ ٣١٤، و\"شرح المفصل\" ٨/ ١٠.\n(٣) مذهب سيبويه وجمهور البصريين أن (من) لا تزاد إلا إذا كان مجرورها نكرة في سياق نفي أو نهي أو استفهام، وأن تكون فاعلًا أو مفعولًا أو مبتدأً؛ مثل: هل من رجل في الدار، ما كلمت من أحد، ما جاءني من أحد، انظر: \"الكتاب\" ١/ ٣٨، (٢/ ١٣٠، ٣١٥، ٣١٦، و\"التعليق على كتاب سيبويه\" لأبي علي الفارسي ١/ ٦٧، و\"تأويل مشكل القرآن\" ص ٢٥٠، و\"الأصول\" لابن السراج ١/ ٤١٠، و\"البيان في الإعراب\" ١/ ٣٢٠.\n(٤) مسألة الزيادة في القرآن: اختلف النحويون والمفسرون في القول بزيادة بعض الحروف في التنزيل، من هذه الحروف: (إنْ- أنْ- لا- ما- من- الباء- اللام- الكاف ..) والمقصود بأنها زوائد: أي تأتي في بعض الموارد زائدة يمكن الاستغناء عنها، أنها لازمة للزيادة ويمكن الاستغناء عنها في كل حال. وفي المسألة مذهبان: المذهب الأول: إنكار القول بزيادة الحروف في آي التنزيل، نقل الزركشي في \"البرهان\" ٣/ ٧٢ أن الطرطوسي قال في العمدة: \"زعم المبرد وثعلب ألا صلة في القرآن، والدهماء من العلماء والفقهاء والمفسرين على إثبات الصِّلات في القرآن، وقد وُجد ذلك على وجه لا يسعنا إنكاره\". وممن يرى ذلك ابن السراج، فقد نقل عنه ابن الخباز في التوجيه: أنه ليس في كلام العرب زائد، لأنه تكلُّم بغير فائدة، وما جاء كذلك فمحمول على التوكيد. \"البرهان\" ٣/ ٧٢، وممن نص على منع الزوائد في القرآن داود الظاهري ﵀ فقد نقل عنه بعض أصحابه أنه كان يقول: ليس في القرآن صِلة بوجه. \"البرهان\" ٢/ ١٧٨.\nوممن أنكر الصلة في القرآن الرازي، فقدقال في ردّه على أبي عبيدة: أما قوله =","vol":"12","page":415},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= إنها صلة، فمعناه الحكم على كلمة من كلام الله تعالى بأنها حشو ضائع فاسد، والعاقل لا يُجوِّز المصير إليه من غير ضرورة \"تفسير الرازي\" ١٩/ ٩٤، ويرى ابن مضاء في ردّه على النحاة تحريم دعوى الزيادة، إذ يقول: ومن بني الزيادة في القرآن بلفظ أو معنى على ظنِّ باطل قد تبيَّن بطلانه، فقد قال في القرآن بغير علم، وتوجَّه الوعيد إليه، ومما يدل على أنه حرام؛ الإجماع على أنه لا يزاد في القرآن لفظ غير المجمع على إثباته، وزيادة المعنى كزيادة اللفظ، بل هي أحرى؛ لأن المعاني هي المقصود، والألفاظ دلالات عليها ومن أجلها. \"الرد على النحاة\" ص ٧٤.\nالمذهب الثاني: تجويز القول بالزوائد في التنزيل، يقول الزركشي في \"البرهان\" (٣/ ٧٣) ومنهم من جَوَّزه وجعل وجوده كالعدم، وهو أفسد الطرق. وقد بيَّن الزركشي مقصودهم بالزوائد بأنها من جهة الإعراب لا من جهة المعنى، يقول: ومرادهم أن الكلام لا يختل معناه بحذفها، أنه لا فائدة فيه أصلًا، فإن ذلك لا يحُتمل من متكلِّم فضلًا عن كلام الحكيم. \"البرهان\" ١/ ٣٠٥، وذكر ابن الخشاب أن الأكثرين ذهبوا إلى جواز إطلاق الزوائد في القرآن نظرًا إلى أنه نزل بلسان القوم ومتعارفهم وهو كثير؛ لأن الزيادة بإزاء الحذف، هذا للاختصار والتخفيف، وهذا للتوكيد والتوطئة، ومنهم من لا يرى الزيادة في شيء من الكلام. \"البرهان\" ١/ ٣٠٥، والأكثرون الذين أشار إليهم ابن الخشاب من النحاة ومنهم المبرد الذي زعم الطرطوسي أنه ينكر دعوى الزيادة فقد قال في \"المقتضب\" ٤/ ١٣٧: وأما الزيادة التي دخولها في الكلام كسقوطها فقدلك: ما جاءني من أحد، وما كلَّمت من أحد، وكقوله تعالى ﴿أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٠٥] إنما هو \"خير\" ولكنَّها توكيد، ومع قول النحاة بالزيادة، فقد تحاشا بعضهم إطلاق لفظ الزيادة في القرآن، واستعاضوا عنها بألفاظ مهذَّبه؛ كالصلة، والتوكيد، والإلغاء .. ونحوها لكن بعضهم وللأسف استخدم عبارات لا تليق بالقرآن: كالحشو واللغو .. ونحوها. انظر: \"شرح المفصل\" ٨/ ١٢٨، وما بعدها، و\"الأشباه والنظائر\" (٢/ ١٥٦) وما بعدها، ويبدو أن الخلاف بين الفريقين خلاف صُوْري لا يتجاوز الألفاظ والعبارات، لذلك فالأولى تجنُّب إطلاق لفظ: زائد في القرآن، فضلًا عن (حشو) و(لغو)، وإذا اضطر الإنسان إلى التعبير عن ذلك فليكن بلفظ (صلة) و(توكيد).","vol":"12","page":416},{"text":"يُحكم بزيادتها فقال بعضهم هي: للتبعيض (١)، وذُكِر البعضُ هاهنا وأُريد به الجميع توسعًا (٢).\nوقال بعضهم: (مِنْ) هاهنا للبدل (٣)، والمعنى: لتكون المغفرة بدلًا من الذنوب، فدخلت (من) لِتُضمَّن المغفرة معنى البدل من السيئة.\n_________\n(١) انظر: \"غرائب التفسير\" ١/ ٥٧٥، و\"تفسير الزمخشري\" ٢/ ٣٩٥، و\"تفسير القرطبي\" ٩/ ٣٤٦، وأبو حيان ٥/ ٤٠٩، وابن جزي ٢/ ١٣٨، و\"الألوسي\" ١٣/ ١٩٦، و\"صديق خان\" ٧/ ٩٢.\n(٢) ذكر المفسرون أقوالًا أخرى في توجيه معنى التبعيض في الآية، انظر: \"الكشاف\" ٢/ ٣٩٥، و\"الرازي\" ١٩/ ٩٣ - ٩٤، وأبي حيان ٥/ ٤٠٩، وابن جزي ٢/ ١٣٨.\n(٣) انظر: \"غرائب التفسير\" ١/ ٥٧٥، و\"الإملاء\" ٢/ ٦٧، و\"الفريد في الإعراب\" ٣/ ١٥١، و\"تفسير القرطبي\" ٩/ ٣٤٧، و\"الدر المصون\" ٧/ ٧٥، و\"حاشية الجمل على الجلالين\" ٢/ ٥١٧، وقد أنكر الفخر الرازي ﵀ ورود (من) للبدل في اللغة: فقال: وأما قوله أي الواحدي المراد منه إبدال السيئة الحسنة، فليس في اللغة أن كلمة (من) تفيد الإبدال ١٩/ ٩٤، وهذه الدعوى غريبة من الفخر الرازي، فإذا كان هو ممن يذهب كما ذهب غيره إلى عدم القول بأن (مِنْ) تأتي للبدل، فقد قال بذلك غيره، فكان ينبغي أن ينفي صحة القول بها عنده لا أن ينفيها من اللغة. ومن القائلين بها عند قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [آل عمران: ١٠]: الزمخشري ١/ ١٧٦، وأبو حيان ٢/ ٢٨٨، وابن هشام في \"مغنيه\" ٤٢٢، والزركشي في \"البرهان\" ٤/ ٤١٩، بل لقد قال أبوحيان -﵀- في قوله تعالى: ﴿أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ﴾ [التوبة: ٣٨]: تظافرت أقوال المفسرين على أن (من) بمعنى بدل؛ أي بدل الآخرة، كقوله ﴿لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً﴾ [لزخرف: ٦٠]: أي بدلًا منكم، وقد أيَّد قوله بقول الشاعر:\nفليت لنا من ماء زمزم شربة ... مبردة باتت على الطَّهيَانِ\nأي بدل ماء زمزم، والطَّهيَانُ: عود ينصب في ناحية الدار للهواء تعلق فيه أوعية الماء حتى يبرد \"تفسير أبي حيان\" ٥/ ٤١، وانظر: \"الإملاء\" ٢/ ٦٧، و\"الدر المصون\" ٧/ ٧٥، \"حاشية الجمل كل على الجلالين\" ٢/ ٥١٧.","vol":"12","page":417},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ قال ابن عباس: ويمتعكم في الدنيا في النعيم والنضارة (١) إلى الموت (٢).\nقال المفسرون: معناه: لا يعاجلكم بالعذاب (٣).\nقال صاحب النظم: أي إن لم تجيبوا إلى ما يدعوكم إليه عولجتم بالعذاب عن أجل الموت المسمى لكم (٤).\n_________\n(١) في (أ)، (د): (والعضارة)، ومطموسة في: (ع)، والمثبت من (ش)، وهو الصحيح لانسجامه مع السياق والمعنى، و(النضارة) مأخوذ من النضرة، ومنه قوله تعالى ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢]، قال الفراء: معناه مشرقة بالنعيم. ٣/ ٢١٢.\n(٢) انظر: \"تفسير الفخر الرازي\" ١٩/ ٩٥، و\"الألوسي\" ١٣/ ١٩٧.\n(٣) ورد في \"تفسير الطبري\" ١٣/ ١٩٠، بنحوه، والسمرقندي ٢/ ٢٠٢ بمعناه، و\"الثعلبي\" ٧/ ١٤٧ أبنصه، والماوردي ٣/ ١٢٦ بنحوه، وانظر: \"البغوي\" ٤/ ٣٣٩، و\"ابن الجوزي\" ٤/ ٣٥٠، و\"القرطبي\" ٩/ ٣٤٧، و\"الخازن\" ٣/ ٧٢.\n(٤) هذا القول يومئ إلى القول بالأجلين الذي يذهب إليه المعتزلة، وقد ذكره الزمخشري صراحة فقال: ﴿وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ أي إلى وقت سماه الله وبين مقداره يبلِّغكموه إن آمنتم، وإلا عاجلكم بالهلاك قبل ذلك الوقت ٢/ ٣٩٥، يقول شارح العقيدة الطحاوية عن هذا المبدأ الاعتزالي: \"وعند المعتزلة المقتول مقطوع عليه أجله، ولو لم يقتل لعاش إلى أجله، فكان له أجلان، وهذا باطل (ص ٩٢)، والعدل والإنصاف يقتضي تقييد كلام الإمام ابن أبي العز، فليس كل المعتزلة يقولون بذلك، وقد ذكره الخبير بهم؛ أبو الحسن الأشعري، (﵀) الذي عاش بين ظهرانيهم وتمذهب بمذهبهم أولًا عد حديثه عن الآجال، فقال: اختلفت المعتزلة في ذلك على قولين: فقال أكثر المعتزلة: الأجل هو الوقت الذي في معلوم الله سبحانه أن الإنسان يموت فيه أو يقتل، فإذا قُتل قُتل بأجله وإذا مات مات بأجله، وشذّ قوم من جُهَّالهم فزعموا أن الوقت الذي في معلوم الله سبحانه أن الإنسان لو لم يُقتل لبقي إليه، هو أجله دون الوقت الذي قُتل فيه. \"مقالات الإسلاميين\" ص ٢٥٦، وقد سمَّى البغدادي -في \"أصول الدين\" ص ١٤٢ - الذين وافقوا أهل السنّة في هذه المسأله -كأبي الهذيل والجبائي،=","vol":"12","page":418},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1877>١٣ </span>- وباقي الآية وما بعدها إلى قوله: ﴿لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا﴾ ظاهر، ومعنى ﴿أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا﴾ ذكرناه في قصة شعيب في سورة الأعراف [آية: ٨٨]. ابن الأنباري هاهنا، أن قوله: ﴿لَتَعُودُنَّ﴾ في الظاهر عطف على جواب اليمين، ثم أجاب عن هذا وقال معنى الكلام: لنخرجنَّكم من أرضنا حتى تعودوا في ملتنا، ولكي تعودوا، وإلا تعودوا (١)،\n_________\n= ومذهب أهل السنّة في هذه المسألة- كما بينّه الطحاوي ﵀ - هو: وقدَّر لهم أقدارًا وضرب لهم آجالًا. يعني أن الله قدَّر آجال الخلائق بحيث إذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون، فمن مات بأي نوع من أسباب الموت قتلًا أو مرضًا أو غرقًا أو حرقًا .. فقد مات بأجله. \"شرح الطحاوية\" ص ٩٩ - ١٠٠.\nأما الرد على القائلين بالأجلين: فقد أشار ابن أبي العز ﵀ في ردّه إلى أن هذا القول يقتضي تجهيل الله تعالى، الله عما يقولون فقال: وهذا باطل لأنه لا يليق أن يُنسب إلى الله تعالى أنه جعل له أجلًا يعلم أنه لا يعيى إليه البتة، أو يجعل أجله أحد الأمرين، كفعل الجاهل بالعواقب. \"شرح العقيدة الطحاوية\" ص ١٠٠.\n(١) هذان المعنيان لـ (أو) بمعنى (حتى) أو (إلا أن) ذكرهما بعض المفسرين كالطبري ١٣/ ١٩١ - ١٩٢ \"الثعلبي\" ٧/ ١٤٧ أ، و\"البغوي\" ٤/ ٣٣٩، وأنكر آخرون أن يُراد بها أيُّ من القولين هنا، وأنها على بابها أي التخيير يقول ابن العربي في رده عليهم: وهو غير مفتقر إلى هذا التقدير، فإن (أو) على بابها من التخيير، خيَّر الكفارُ الرسل بين أن يعودوا في ملَّتهم أو يخرجوا من أرضهم، وهذه سيرة الله في رسله وعباده. \"تفسير ابن العربي\" ٣/ ١١١٦، ويقول أبو حيان ﵀: وتقدير (أو) هنا بمعنى (حتى) أو بمعنى (إلا أن) قول من لم ينعم [أي: يبالغ] النظر في ما بعدها؛ لأنه لا يصح تركيب (حتى) ولا تركيب (إلا أن) مع قوله ﴿لَتَعُودُنَّ﴾ بخلاف لألزمنّك أو تقضيني حقي. \"تفسير أبي حيان\" ٥/ ٤١١ وكذلك السمين ﵀ ذهب مذهب شيخه ونقل كلامه دون نسبته إليه. \"الدر المصون\" ٧/ ٧٦، ويقول ابن عاشور ﵀: و(أو) لأحد الشيئين .. وليست هي (أو) التي بمعنى (إلى) أو بمعنى (إلا) \"تفسير ابن عاشور\" ١٣/ ٢٠٦، وحَمْلُ (أو) على بابها هو قول جمهور المفسرين، وهو أولى بالترجح ما دام أن المعنى يستقيم؛ ولأن هذا =","vol":"12","page":419},{"text":"لقول امرئ القيس (١):\nإنما نُحَاوِلُ مُلْكًا أو نَمُوتَ فنُعْذَرَا\nالمعنى: إلا أن نموت وحتى نموت، فكان يجب على هذا أن تكون (أو تعودوا) (٢)، غير أنه غلب ظاهر الكلام، ونُقل ﴿لَتَعُودُنَّ﴾ عن لفظ الشرط إلى لفظ اليمين، وأُشرك بينه وبين الذي قبله في اللفظ وإن كان مخالفه في المعنى؛ كما قالوا: لو تُرك عبد الله والأسدَ لأكله، فنصبوا الأسد لأنه مخالف الأول، ورفعه بعضُهم بالنَّسق (٣) للتسوية بين اللفظين والمعنيان مختلفان حين أُمن اللبس والإشكال، وقال تعالى: ﴿تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ [الفتح: ١٦]، فعطف يُسْلِمون على تقاتلون تغليبًا للَّفظ (٤)، والآخر على المعنى (٥)، وهذا الذي ذكرنا كله كلامُ أبي بكر، وهو شرح ما ذكره\n_________\n= هو الأصل، ولا يُصار إلى المعاني الأخرى إلا عند تعذُّر حملها على المعنى الأصلي، أو وجود قرينة صارفه وداعية.\n(١) وصدره بتمامه:\nفقلتُ لهُ لا تبْك عينُك إنما\n\"ديوانه\" ص ٦٤، وورد في \"الكتاب\" ٣/ ٤٧، و\"الصاحبي في فقه اللغة\" ص ١٧١، و\"شرح المفصّل\" ٧/ ٢٢، و\"الدرالمصون\" ٩/ ٧١٣، وورد بلا نسبة في \"الخصائص\" ١/ ٢٦٣، و\"رصف المباني\" ص ٢١٢، و\"شرح الأشموني\" ٣/ ٥٢٧، والبيت من قصيدة قالها لعمرو بن قميئة اليشكري حين استصحبه في مسيره إلى قيْصر، والشاهد: قوله (أو نموت) حيث نصب الفعل المضارع لإضمار (أنْ)، و(أو) بمعنى: (إلا).\n(٢) أي اللفظة القرآنية لو كان في غير القرآن (أو تعودوا) بدلًا من ﴿لَتَعُودُنَّ﴾.\n(٣) أي بالعطف.\n(٤) لأن المعنى مشترك بين الأمرين؛ أي يكون هذا، أو يكون هذا، كانه قيل: يكنْ قتال أو إسلام. انظر: \"الكتاب\" ٣/ ٤٧، و\"المقتضب\" ٢/ ٢٧، و\"الدر المصون\" ٩/ ٧١٣.\n(٥) أي الوجه الآخر للرفع، رفعه على الاستئناف، كأنه قال: تقاتلونهم أو هم =","vol":"12","page":420},{"text":"الفراء في هذه الآيهَ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1878>١٤ </span>- قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي﴾ قال صاحب النظم: أشار بقوله ﴿ذَلِكَ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ﴾ دون ما قبله لأنه قال: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي﴾ وخَوْفُهم لا يكون سببًا لإهلاك الظالمين، وإنما يمون سببًا لإسكانهم (٢) الأرض، وهذا يدل على أن (ذلك) يجوز أن يكون إشارة إلى شيء دون شيء مما تقدمه، كقوله: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٥] إشارة إلى إباحة تزويج الأمة، وقد ذكر قبله أحكامًا سوى هذا، وهو قوله: ﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥] ثم قال: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ﴾ وهو في الظاهر كأنه متصل بهذه القصة، وهو بالمعنى متصل بالقصة التي قبل هذا، وهو قوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا﴾ إلى قوله ﴿مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾.\nوالمقام هاهنا مصدر كالقيام، يقال: قام قِيَامًا ومُقَامًا (٣).\nومعنى: ﴿خَافَ مَقَامِي﴾ قال ابن عباس: خاف مُقامه بين يَدَيَّ (٤).\nوقال الكلبي: مقامه بين يَدَي رب العالمين يوم القيامة (٥)، وهذا قول\n_________\n= يسلمون. انظر: \"الكتاب\" ٣/ ٤٧، و\"شرح المفصل\" ٧/ ٢٣، و\"الدر المصون\" ٩/ ٧١٣.\n(١) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٧٠ - ٧١.\n(٢) في (أ)، (د): (لأسكنانهم) والمثبت من (ش)، (ع).\n(٣) انظر (قوم) في \"المحيط في اللغة\" ص ١١٥٢، و\"المحكم\" لابن سيده ٦/ ٣٦٤، و\"المفرادات\" للراغب ص ٦٩٠، و\"عمدة الحفاظ\" ٣/ ٤١٨، و\"القاموس المحيط\" ص ١٤٨٧.\n(٤) ورد في تفسيره \"الوسيط\" تحقيق سيسي ١/ ٣١١ بنصه، وانظر: \"تفسير ابن الجوزي\" ٤/ ٣٥٠.\n(٥) ورد في تفسيره \"الوسيط\" تحقيق سيسي ١/ ٣١١ بنصه.","vol":"12","page":421},{"text":"أكثر المفسرين (١).\nوعلى هذا، هو من باب إضافة المصدر إلى المفعول (٢)؛ كما تقول: ندمت على ضربك (٣)، وسُرِرْتُ (٤) برؤيتك (٥)، ومنه: في ﴿بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ﴾ (٦) [ص: ٢٤]، و﴿مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ﴾ (٧) [فصلت: ٤٩].\nقال الفراء: وإن شئت قلت: ذلك لمن خاف مقامي عليه ومراقبتي (٨)، كقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾\n_________\n(١) ورد في \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٧١، و\"معاني القرآن\" للنحاس ٣/ ٥٢٠، و\"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢٠٢، والثعلبي ٧/ ١٤٧ ب، و\"الماوردي\" ٣/ ١٢٦، وانظر: \"تفسير البغوي\" ٤/ ٣٤٠، و\"تفسير القرطبي\" ٩/ ٣٤٨، و\"الخازن\" ٣/ ٧٣.\n(٢) انظر هذه المسألة في \"شرح جمل الزجاجي\" لابن هشام ص ٢٠١، و\"شرح ابن عقيل\" ٣/ ١٠٣، و\"شرح الأشموني\" ٢/ ٥٥٤.\n(٣) وتقديره: ندمت على ضربي إيَّاك. انظر: \"تفسير الثعلبي\" ٧/ ١٤٧ ب.\n(٤) في (أ)، (د): (سرت) والمثبت من (ش)، (ع).\n(٥) وتقديره: سررت برؤيتي إياك. انظر: \"تفسير الثعلبي\" ٧/ ١٤٧ ب.\n(٦) وسياقها ﴿قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ﴾ والتقدير: لقد ظلمك بسؤاله إيَّاك نعجتك، فحذف الهاء التي هي فاعل في المعنى، والمفعول الأول، وأضاف المصدر إلى المفعول الثاني. انظر: \"البيان في الإعراب\" ٢/ ٣١٤، و\"الفريد في الإعراب\" ٤/ ١٦٠.\n(٧) وسياقها: ﴿لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ﴾، والتقدير: لا يسأم الإنسان من دعائه الله بالخير، فحذف الفاعل والمفعول الأول، والباء من المفعول الثاني، وأضاف المصدر إلى المفعول الثاني. انظر: \"البيان في الإعراب\" ٢/ ٣٤٢، و\"الفريد في الإعراب\" ٤/ ٢٣٣.\n(٨) هذا القول الذي نسبه إلى الفراء، لم أجده في معاني القرآن للفراء، إنما المذكور هو قول الجمهور حيث قال معناه: ذلك لمن خاف مقامه بين يديّ. \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٧١، ولعل الواحدي نقله من كتب الفراء الآخرى، ويؤيده أن بعض المفسرين نسبوا معنى هذا القول إلى الفراء، إلا أن يكونوا نقلوه عن الواحدي =","vol":"12","page":422},{"text":"[الرعد:٣٣]. وعلى هذا الوجه: المصدر مضاف إلى الفاعل، وفي قوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ﴾ [الرحمن: ٤٦]، الوجهان (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَخَافَ وَعِيدِ﴾، الوعيد: اسم من أوعد إيعادًا (٢)، أي: تهدد، معناه: الخبر عن العقاب على الإجرام، قال ابن عباس: خاف مما أوعدت من العذاب (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1879>١٥ </span>- قوله تعالى: ﴿وَاسْتَفْتَحُوا﴾ ذكرنا معنى الاستفتاح عند قوله: ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ﴾ [البقرة: ٨٩]، وللاستفتاح هاهنا معنيان، أحدهما: طلب الفتح بالنصرة (٤)، والثاني: طلبه بالقضاء (٥)، وكلا المعنيين ذكره المفسرون.\n_________\n= وهو احتمال قوي. انظر: \"الدر المصون\" ٧/ ٧٨، و\"حاشية الجمل على الجلالين\" ٢/ ٥١٨، و\"تفسير الألوسي\" ١٣/ ٢٠٠.\n(١) فإذا قُدِّر إضافته إلى فاعله، كان تقديره: خاف قيام ربه عليه، وإذا قُدِّر إضافته إلى مفعوله كان تقديره: خاف قيامه بين يدي ربه انظر: \"تفسير أبي حيان\" ٨/ ١٩٦، و\"الدر المصون\" ١٠/ ١٧٧.\n(٢) قال ابن السكيت: قال الفراء: يقال وعدْته خيرًا ووعدْته شرًّا بإسقاط الألف، فإذا أسقطوا الخير والشرَّ، قالوا في الخير: وعدْتُه، وفي الشرَّ: أوعدْتُه، وفي الخير: الوعْدُ والعِدةُ، وفي الشر: الإيعادُ والوعيدُ، وإذا قالوا: أوعدته بالشر أو بكذا، أثبتوا الألف مع الباء كقولك: أوعدته بالضرب. \"إصلاح المنطق\" ص ٢٢٦.\nوانظر: \"تهذيب اللغة\" (وعد) ٤/ ٣٩١٥، و\"المحكم\" ٢/ ٢٣٦، و\"تهذيب إصلاح المنطق\" ص ٥١٨، و\"اللسان\" ٨/ ٤٨٧٢، و\"عمدة الحفاظ\" ٤/ ٣٧٢.\n(٣) ورد في تفسيره \"الوسيط\" تحقيق سيسي ١/ ٣١١ بنصه، وانظر: \"الرازي\" ١٩/ ١٠١.\n(٤) بمعنى الاستنصار: أي طلبوا النصرة من الله.\n(٥) بمعنى الاستقضاء: أي تحاكموا إلى الله وسألوه القضاء بينهم مأخوذ من الفُتاحة؛ وهي الحكومة. انظر: \"تفسير الفخر الرازي\" ١٩/ ١٠١.","vol":"12","page":423},{"text":"قال ابن عباس: يعني استنصروا (١).\nوقال مجاهد وقتادة: يعني الرسلُ استنصروا الله، ودعوا على قومهم بالعذاب لمّا يئسوا من إيمانهم (٢)، كما قال نوح: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ﴾ [نوح: ٢٦]، وقول موسى: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ﴾ الآية. [يونس: ٨٨]، وقال لوط: ﴿انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ﴾ [العنكبوت: ٣٠]، وهذا المعنى اختيار أبي إسحاق؛ قال: سألوا الله أن يفتح عليهم، أي (٣) ينصرهم، وكل نصر فهو فتح (٤).\nوقال ابن زيد استَقْضَوا (٥)، وهو قول مقاتل؛ قال: يعني الأمم؛ وذلك أنهم قالوا: اللهم إن كان هؤلاء الرسل صادقين فعذِّبنا، شكًّا منهم في صدقهم (٦)، كقوله: ﴿ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [العنكبوت: ٢٩].\n_________\n(١) ورد في \"تفسير مقاتل\" ١/ ١٩٢ أ، بلفظه، و\"الثعلبي\" ٧/ ١٤٧ب، بلفظه، و\"الماوردي\" ٣/ ١٢٧ بنحوه، و\"الطوسي\" ٦/ ٢٨٢ بنحوه، وانظر: \"تفسير ابن الجوزي\" ٤/ ٣٥١، وابن كثير ٢/ ٥٧٨.\n(٢) \"تفسير مجاهد\" ١/ ٣٣٤ بنحوه، وأخرجه عبد الرزاق ٢/ ٣٤١ بنحوه عن قتادة، والطبري ١٣/ ١٩٣ بنحوه من عدة طرق عنهما، وورد بنحوه في: \"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢٠٣، عن قتادة، و\"الثعلبي\" ٧/ ١٤٧ ب، عنهما، و\"الطوسي\" ٦/ ٢٨٢ عنهما، أورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ١٣٧ وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم عنهما.\n(٣) في (أ)، (د): (أن) والمثبت من (ش)، (ع).\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٥٦ بنصه.\n(٥) لم أقف على هذا القول منسوبًا إليه، والذي نسب إليه، قال: استفتاحهم بالبلاء، أخرجه الطبري/ شاكر ١٦/ ٥٤٥، وورد في \"تفسير الماوردي\" ٣/ ١٢٧، و\"الطوسي\" ٦/ ٢٨٢، وانظر: \"تفسير ابن الجوزي\" ٤/ ٣٥١، وابن كثير ٢/ ٥٧٨.\n(٦) \"تفسير مقاتل\" ١/ ١٩٢ أ، بتصرف، وانظر: \"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢٠٣.","vol":"12","page":424},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ﴾، وذكرنا معنى الجبار في قوله: ﴿إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ﴾ [المائدة: ٢٢]، ومعنى الجبّار هاهنا: المتكبر عن طاعة الله وعبادف، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا﴾ [مريم: ١٤]، قال أبو عبيد عن الأحمر (١) يقال فيه: جَبَرِيَّةٌ، وجَبَرُوُّةٌ، وجَبَرُوت، وجُبُّورَةٌ (٢).\nوحكى الزجاج: الجَبْرِيَّة، والجِبِريَّة، بكسر الجيم والباء، والتَّجْبَارُ، والجِبْرياء، فهي تسع لغات في مصدر (٣)، وفي حديث امرأة حضرت النَّبي - ﷺ - فأمرها بأمر فأبت (٤) عليه فقال: \"دَعُوها فإنها جبَّارة\" (٥) أي: مستكبرة (٦).\n_________\n(١) علي بن المبارك الأحمر النحوي صاحبُ الكسائي، كان مؤدبَ الأمين، وهو أحد من اشتهر بالتقدم في النحو واتساع الحفظ، قال ثعلب: كان يحفظ أربعين ألف بيت شاهد في النحو سوى ما كان يحفظ من القصائد وأبيات الغريب، جرت بينه وبين سيبويه مناظرة لما قدم بغداد فغلبه، توفي سنة (١٩٤ هـ)، وقيل غير ذلك. انظر: \"الأنساب\" للسمعاني ١/ ١٤٥، و\"نزهة الألباء\" ص ٨٠، و\"إنباه الرواة\" ٢/ ٣١٣.\n(٢) ورد في \"تهذيب اللغة\" (جبر) ١/ ٥٣٢، بزيادة مصدر خامس هو (جَبُّورَةٌ).\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٥٦، وقد أورد المصادر التسعة كلها. وتتبعت هذه المصادر في عدة مراجع فوجدتها قد بلغت ثمانية عشر مصدرًا، كلها بمعنى الكِبْر. انظر (جبر) في \"المحكم\" ٧/ ٢٨٣، و\"اللسان\" ١/ ٥٣٥، و\"التاج\" ٦/ ١٥٨ - ١٥٩.\n(٤) في (أ)، (د): (فنابت)، وهو تصحيف، والمثبت من: (ش)، (ع).\n(٥) أخرجه ابن أبي الدنيا في \"التواضع\" ص ٢٤٧ بنصه عن أنس، والبزار [كشف الأستار] ٤/ ٢٢٢ وضعفه، والنسائي في عمل اليوم والليلة، ص ٣٧٥، وأبو يعلى في \"مسنده\" ٦/ ٣٤، والطبراني في الأوسط [مجمع البحرين] ١/ ١٦١، وأبو نعيم في \"الحلية\" ٦/ ٢٩١، وأورده الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" ١/ ٩٩، وقال: وفيه يحيى الحماني، ضعفه أحمد ورماه بالكذب، فهذا الحديث ضعيف كما نص البزار على ضعفه، وأشار الإمام أحمد إلى ضعفه.\n(٦) انظر: \"النهاية في غريب الحديث\" ١/ ٢٣٦.","vol":"12","page":425},{"text":"وقال الليث (١): قلب جبار ذو كبْر، لا يقبل موعظة (٢).\nوقوله تعالى: ﴿عَنِيدٍ﴾ واختلف أهل اللغة في اشتقاق العنيد؛ فقال النضر بن شُمَيْل: العُنُود: الخلاف والتباعد والتَّرك (٣)، يقال: أشدّ ما عَنَدْت من قومك، أي: باعدت (٤) عنهم، قال أكثر أهل اللغة: وأصله من العنْدُ (٥)، وهو الناحية، يقال: فلان يمشي عَنْدًا، أي ناحية (٦)، ومنه:\nإنِّي كَبيرٌ لا أُطِيقُ العُنَّدا (٧)\n_________\n(١) الليث هو ابن المظفّر كما سماه الأزهري وقيل: ابن نصر كما في \"البلغة\" وقيل: ابن رافع، بن سيَّار الخرساني، اللغوي النحوي صاحب الخليل، أخذ عنه: النّحو واللغة وأملى عليه ترتيب كتاب العين، ويقال إن الخَلَل الذي وقع فيه كان من جهته، كان بارعًا في الأدب بصيرًا بالشعر والغريب والنحو. انظر: مقدمة \"تهذيب اللغة\" ١/ ٤٧، و\"إنباه الرواة\" ٣/ ٤٢، و\"إشارة التعيين\" ص ٢٧٧، و\"البلغة\" ص ٤٧٤، و\"البغية\" ٢/ ٢٧٠.\n(٢) لم أقف على مصدره، ونقله الفخر الرازي عنه ١٩/ ١٠٢.\n(٣) ورد في \"تهذيب اللغة\" (عند) ٣/ ٢٥٨٩ بنصه، وانظر (عند) في \"اللسان\" ٥/ ٣١٢٤، و\"التاج\" ٨/ ٤٢٥.\n(٤) في (ش)، (ع): (تباعدت).\n(٥) (عند) مثلث الأول مختلف المعنى؛ فالعَنْدُ والعُنُودُ: الميل عن الشيء، وعِنْدَ: ظرفٌ معلوم المعنى، وقد يفتح عينه ويُضم، والعُندُ: جمع عَنُود، وهي الناقة ترعى وحدها، والسحابةُ الكثيرةُ المطر. انظر: \"إكمال المثلث بتثليث الكلام\" ٢/ ٤٥٣، و\"الدرر المبثثة في الغرر المثلثة\" ص ١٥٢.\n(٦) انظر: (عند) في \"جمهرة اللغة\" ٢/ ٦٦٥، و\"مقاييس اللغة\" ٤/ ١٥٣، و\"مجمل اللغة\" ٣/ ٦٣١، و\"الصحاح\" ٢/ ٥١٢ \"اللسان\" ٥/ ٣١٢٤، و\"القاموس\" ص ٣٠٢، و\"التاج\" ٥/ ١٣١.\n(٧) صدره: =","vol":"12","page":426},{"text":"فمعني عَانَد وعَنَدَ: أخذ في ناحية معرضًا.\nقال أبو حاتم عن الأصمعي: عَنَدَ فلان عن الطريق، يَعْنِدُ عُنُودًا إذا تباعد (١)، وروى شمر عن أبي عدنان (٢) عنه (٣): عَانَد فلانٌ فلانًا إذا جَانَبَه، ودمٌ عَانِد: يسيل جَانِبًا (٤)، ونحو ذلك قال الكسائي فيما رَوى عنه أبو عبيد: عَنَدَت الطعنةُ، إذا سال دمُها بعيدًا من صاحبها، وهي طنعةٌ عانِدةٌ، وعَنَدَ (٥) الدمُ: إذا سال في جانب (٦)، والعَنُود من الإبل: التي لا يخالطها\n_________\n= ورد بلا نسبة في \"المقتضب\" ١/ ٢١٨، و\"الجمهرة\" ٢/ ٦٦٦، الصحاح (عند) ٢/ ٥١٣، و\"تفسير الثعلبي\" ٧/ ١٤٨ أ، و\"أمالي ابن الشجري\" ١/ ٤٢٢، و\"مغني اللبيب\" ص ٨٩٤، وورد برواية: (إذا نزلتُ ..) في \"مجاز القرآن\" ١/ ٣٣٧، و\"الاقتضاب\" ص ٤١٥، و\"شرح أدب الكاتب\" للجواليقي ص٢٤٥، و\"الخزانة\" ١١/ ٣٢٣، وورد برواية: (ذا رَحَلْتُ ..) في \"المحكم\" ٢/ ١٥، و\"اللسان\" ٥/ ٣١٢٤، و\"التاج\" ٥/ ١٣٠، وورد برواية: (إذا رَجِلْتُ ..) في \"أدب الكاتب\" ص ٤٩١، وورد برواية: (إذا ركبتم). في \"مقاييس اللغة\" ٤/ ١٥٣، معنى البيت: كان الشاعر قد كبر، والرجل إذا كبر عاد كالصبي؛ والصبيان يخافون بالليل، فهو يقول: اجعلاني وسطكما فإني لا أطيق أن أكون في الجانب.\n(١) ورد في \"تهذيب اللغة\" \"عند\" ٣/ ٢٥٨٩.\n(٢) أبو عدنان، عبد الرحمن بن عبد الأعلى السُّلمي، كان عالمًا باللغة، وراوية لأبي البيداء الريَّاحي، بصريّ شاعر، صنَّف في اللغة وغريب الحديث كتبًا، منها: كتاب (القوس) و(غريب الحديث). انظر: \"الفهرست\" ص ٧٢، و\"إنباه الرواة\" ٤/ ١٤٨، و\"البغية\" ٢/ ٨٠.\n(٣) الضمير عائد على الأصمعي.\n(٤) ورد في \"تهذيب اللغة\" (عند) ٣/ ٢٥٨٨ بنصه.\n(٥) في جميع النسخ: (عندم)، والعَنْدَم: دمُ الأخوين، والمثبت من المصدر المنقول عنه.\n(٦) ورد في \"تهذيب اللغة\" (عند) ٣/ ٢٥٨٨، بتصرف يسير، وأنظر (عند) في \"اللسان\" ٥/ ٣١٢٥، و\"التاج\" ٥/ ١٣١.","vol":"12","page":427},{"text":"إنما هو في ناحية أبدًا (١)، وعلى هذا المعنى كلُّ كلامِ أكثرِ المفسرين في تفسير العَنيد؛ قال قتادة: العنيد: المعرض عن طاعة الله (٢)، وهو قول ابن عباس ومجاهد: هو المجانب للحق (٣).\nوقال إبراهيم: الناكب عن الحق (٤).\nوقال ابن زيد: المخالف للحق (٥).\nوقال أبو إسحاق: الذي يعدل عن القصد (٦).\nوقال قوم من أهل اللغة: أصله من: عَنَدَ الحُبَارَى فرخَه، إذا عارضه بالطيران أول ما ينهض كأنه يعلمه الطيران (٧)، ومنه المَثَلُ: كلُّ شيء يحب\n_________\n(١) نُسب هذا القول إلى الليث في \"تفسير القرطبي\" ٩/ ٣٤٩، و\"عمدة الحفاظ\" ٣/ ١٥٦، وانظر: (عند) في \"التهذيب\" ٣/ ٢٥٨٨، و\"مقاييس اللغة\" ٤/ ١٥٣، و\"المحكم\" ٢/ ١٤، و\"اللسان\" ٥/ ٣١٢٤، و\"التاج\" ٥/ ١٣٠.\n(٢) أخرجه الطبري ١٣/ ١٩٤ بنحوه، وورد في \"تهذيب اللغة\" (عند) ٣/ ٢٥٨٨ بنصه، و\"اللسان\" (عند) ٥/ ٣١٢٤ بنصه، وفي معظم المصادر أنه فسرها بقوله: الذي يأبى أن يقول لا إله إلا الله. انظر: \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٣٤١، الطبري ١٣/ ١٩٤، و\"معاني القرآن\" للنحاس ٣/ ٥٢١، و\"تفسير الثعلبي\" ٧/ ١٤٧ ب.\n(٣) \"تفسير مجاهد\" ١/ ٣٣٤ بنحوه، وأخرجه الطبري ١٣/ ١٩٣ بنحوه، وورد في \"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢٠٣ بنحوه، و\"الثعلبي\" ٧/ ١٤٧ ب بنحوه، و\"معاني القرآن\" للنحاس ٣/ ٥٢١ بنصه، وانظر: \"تفسير البغوي\" ٤/ ٣٤٠، و\"تفسير القرطبي\" ٩/ ٣٤٩.\n(٤) أخرجه الطبري ١٣/ ١٩٣ بنصه من طريقين، وورد في \"تفسير الثعلبي\" ٧/ ١٤٧ ب بنصه، وانظر: \"الدر المنثور\" ٤/ ١٣٧، و\"تفسير صديق خان\" ٧/ ٩٧.\n(٥) ورد في \"تفسير الثعلبي\" ٧/ ١٤٧ ب بنصه.\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٥٦ بنصه.\n(٧) ورد في \"تهذيب اللغة\" (عند) ٣/ ٢٥٨٨ بنصه، وانظر (عند) في \"اللسان\" ١٥/ ٣١٢٤، و\"التاج\" ٥/ ١٣٠.","vol":"12","page":428},{"text":"ولده حتى الحُبَارى (١)، وُيحب عَنَدَه، أي اعتراضه، فالمعاند: المعارض لك بالخلاف (٢).\nقال ابن الأعرابي: أَعْنَدَ الرجل، إذا عارض إنسانًا بالخلاف، وأعْنَدَ، إذا عارض بالاتفاق (٣)، وعاند البعير خطامه أي: عارضه (٤)، والعَنُود من الإبل، التي تُعاند الإبل فتعارضه (٥)، وقال قوم من أهل اللغة: معنى عَنَدَ، إذا أبى قبولَ الشيء مع العلم به تكبرًا عنه وبغيًا وطغيانًا (٦)، ومعنى ﴿وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾: فاز الرسل بالنصرة، وخاب كل من كفر؛ لأنه لم يظفر بما تمنَّى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1880>١٦ </span>- قوله تعالى: ﴿مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ﴾ [قال ابن عباس والمفسرون: يريد أمامه جهنم] (٧) بين يديه (٨)، ووراء يكون لخلف وقُدَّام، وإنما معناه ما\n_________\n(١) انظر: \"مجمع الأمثال\" ٢/ ١٤٦، و\"المستقصى في الأمثال\" للزمخشري ٢/ ٢٢٧، يضرب هذا المثل في الموق [أي الحمق] يقول: هي على مُوقها تُحب ولدها وتعلمه الطيران.\n(٢) انظر: (عند) في \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٥٨٨، و\"المحكم\" ٢/ ١٥، و\"التاج\" ٥/ ١٣٠.\n(٣) ورد في \"تهذيب اللغة\" \"عند\" ٣/ ٢٥٨٨، بنصه.\n(٤) المصدر السابق بنصه.\n(٥) المصدر السابق بنصه منسوبًا للقيسي.\n(٦) المصدر السابق بنحوه منسوبًا لليث، وانظر: \"عند\" في \"اللسان\" ٥/ ٣١٢٤، و\"التاج\" ٥/ ١٣٠.\n(٧) ما بين المعقوفين ساقط من (ش)، (ع).\n(٨) ورد في تفسيره \"الوسيط\" ١/ ٣١٢ بنصه عن ابن عباس، و\"ابن الجوزي\" ٤/ ٣٥١ بنحوه عن ابن عباس، وانظر: \"الطبري\" ١٣/ ١٩٥، و\"الثعلبي\" ٧/ ١٤٨ أ، و\"الماوردي\" ٣/ ١٢٧.","vol":"12","page":429},{"text":"توارى عنك؛ أي: ما اسْتَتَر عنك (١) فعلى هذا إنما قيل (من ورائه) لما بين يديه؛ لاستتاره عنه، فصار كما يكون خلفه لمّا كان لا يراه. وذهب قوم إلى أن الوراء من الأضداد؛ يكون الخلف والقُدَّام (٢)، وهو قول أبي عبيدة (٣)، وابن السِّكِّيت (٤)، وأبي الهيثم (٥).\nقال أهل المعاني: وإنما جاز ذلك (٦) لأنه ما من مكان إلا ويصح أن يكون خلفًا وقدامًا، ولمّا (٧) كان ما هو خلف يجوز أن يصير قدامًا، جاز أن يقع الوراء على القُدَّام (٨)، ومن هذا قوله تعالى: ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ﴾\n_________\n(١) ورد في \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٥٦ بنصه.\n(٢) انظر: \"ثلاثة كتب في الأضداد\" للأصمعي ص٢٠، والسجستاني ص ٨٢، و\"الأضداد\" لابن الأنباري ص ٦٨، و\"تأويل مشكل القرآن\" ص ١٨٩، و\"جمهرة اللغة\" ١/ ٢٣٦، وقد أنكر الزجاج والنحاس أن تكون وراء من الأضداد، ورجحا أن تكون بمعنى الاستتار، وهو ما ذهب إليه ثعلب؛ فقد سئل لم قيل الوراء للأمام، فقال: الوراء اسم لما توارى عن عينك، سواءً أكان أمامك أم خلفك.\n\"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٥٧، و\"معاني القرآن\" للنحاس ٣/ ٥٢٢، وانظر: \"تفسير ابن الجوزي\" ٤/ ٣٥٢، و\"تفسير الشوكاني\" ٣/ ١٤٣.\n(٣) \"مجاز القرآن\" ١/ ٢٣٧ بنحوه.\n(٤) \"الأضداد\" لابن السكيت \"ثلاثة كتب في الأضداد\" ص ١٧٥، وانظر (ورى) في \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٨٧٩.\n(٥) ورد في \"تهذيب اللغة\" (ورى) ٤/ ٣٨٧٩ بنحوه، وأبو الهيثم هو: الرازي، تقدمت ترجمته.\n(٦) أي كون (وراء) ميت الأضداد.\n(٧) في (أ)، (د): (إنما)، والمثبت من (ش)، (ع).\n(٨) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٥٧ بنحوه، و\"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٣٠٥ بنحوه، وانظر: \"الأضداد\" للجسستاني \"ثلاث كتب في الأضداد\" ص ٨٢، و\"الأضداد\" لابن الأنباري ص ٦٨.","vol":"12","page":430},{"text":"[الكهف:٧٩]، أي: أمامهم (١)، ويقال: الموت من (٢) وراء الإنسان، أي: أمامه، وذكر ابن الأنباري وجهًا ثالثًا؛ وهو: أن وراء هاهنا بمعنى بعد (٣)، والكناية فيه تعود إلى اليأس الذي دلَّ عليه قوله: ﴿وَخَابَ﴾ كأنه قال: من بعد يأسه (٤) جهنم، كقول النابغة:\nولَيْسَ وَرَاء اللهِ للمَرْءِ مَذْهَبُ (٥)\nأي: وليس بعد الله مذهب.\nوقال مقاتل: ﴿مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ﴾ يعني بَعْده (٦)، وهذا على معنى أن جهنم تلحقه، وأن عاقبته تصير إليها؛ كما يقال: وراءك برد شديد؛ أي:\n_________\n(١) انظر المصادر السابقة.\n(٢) (من) ساقطة من (ش)، (ع).\n(٣) انظر: \"تفسير ابن الجوزي\" ٤/ ٣٥٢، و\"الفخر الرازي\" ١٩/ ١٠٣، وورد بلا نسبة في \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٥٧، و\"تهذيب اللغة\" (ورى) ٤/ ٣٨٧٨، و\"تفسير الماوردي\" ٣/ ١٢٨، و\"تفسير القرطبي\" ٩/ ٣٥٠، وقد انتصر ابن عطية لهذا المعنى في رده على الطبري وغيره ممن فسَّروا (ورائه) بـ (أمامه)، وذكر أن (وراء) هاهنا على بابها؛ أي: ما يأتي بعد في الزمان. انظر: \"تفسير ابن عطية\" ٨/ ٢١٧.\n(٤) في (أ): (بانيه)، وفي (د): (بابنيه)، وفي (ش)، (ع): (ناسه)، والتصويب من \"تفسير ابن الجوزي\" ٤/ ٣٥٢.\n(٥) صدره:\nحلفتُ فلم أترك لنفسك رِيبةً\n\"ديوان النابغة\" الذبياني ص ٢٧، وورد في \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٥٧، \"الأضداد\" لابن الأنباري ص ٧٠، و\"تهذيب اللغة\" (ورى) ٤/ ٣٨٧٩، و\"تفسير الماوردي\" ٣/ ١٢٨، و\"تفسير القرطبي\" ٩/ ٣٥٠، و\"الألوسي\" ١٣/ ٣٠١، وهذا البيت من قصيدة قالها يعتذر بها إلى النعمان بن المنذر ويمدحه.\n(٦) \"تفسير مقاتل\" ١/ ١٩٢ أ، وعبارته: من بعدهم؛ يعني من بعد موته، وانظر: \"تفسيرالثعلبي\" ٧/ ١٤٨ أ، بنصه، ونقلها عنه.","vol":"12","page":431},{"text":"أنه يأتيك ويبلغك، وأنا من وراء هذا الأمر، أي: أصل إليه طالبًا، ومنه قول لبيد:\nأَلَيْسَ وَرَائِي إنْ تَرَاخَتْ مَنِيَّتي ... لُزُومُ العَصَا تُحْنَى عليها الأصَابعُ (١)\nجعل الشيب وزمانه وراءه، على معنى أنه يأتيه (٢) ويلحقه. وبقي شيء من الكلام في وراء سنذكره عند قوله: ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ﴾ [الكهف: ٧٩]، إن شاء الله.\nوقوله تعالى: ﴿وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ﴾ الصديد في اللغة: ماء الجرح المختلط بالدم والقيح (٣)، يقال: أصَدَّ الجرح.\nقال ابن عباس: يريد صديد القيح والدم الذي يخرج من فروج الزُناة (٤)، وهو قول القرظي (٥)، والربيع (٦).\n_________\n(١) \"شرح ديوان لبيد\" ص ١٧٠، وورد في: \"الأضداد\" للسجستاني [ثلاثة كتب في الأضداد] ص ٨٣)]، و\"الأضداد\" لابن الأنباري ص ٦٩، و\"تهذيب اللغة\" (ورى) ٤/ ٣٨٧٨، و\"الأغاني\" ١٤/ ٩٩، و\"اللسان\" (وري) ١/ ٤٨٢٣، وفي جميع النسخ: (وراء) بحذف الياء والمثبت هو الصواب، والتصويب من الديوان وجميع المصادر السابقة.\n(٢) في (أ)، (د): (ثابتة)، والمثبت من (ش)، (ع).\n(٣) انظر: \"مجاز القرآن\" ص ٣٣٨، و\"الغريب\" لابن قتيبة ١/ ٢٣٦، و\"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٥٧، و\"نزهة القلوب\" ص ٢٩٧، (صدّ) في \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٩٨٥، و\"مقاييس اللغة\" ٣/ ٢٨٢، و\"مجمل اللغة\" ٢/ ٥٣٢، و\"اللسان\" ٤/ ٢٤١٠ (صدد).\n(٤) ورد بلا نسبة في \"تفسير الثعلبي\" ٧/ ١٤٨أ، وتفسيره \"الوسيط\" ١/ ٣١٢ بنصه.\n(٥) ورد في \"تفسير الثعلبي\" ٧/ ١٤٨ أ، بنحوه، وانظر: \"تفسير ابن الجوزي\" ٤/ ٣٥٣، و\"الخازن\" ٣/ ٧٣، و\"حاشية الجمل على الجلالين\" ٢/ ٥١٩، و\"تفسير الألوسي\" ١٣/ ٢٠٢، و\"صديق خان\" ٧/ ٩٨.\n(٦) ورد في \"تفسير الثعلبي\" ٧/ ١٤٨ أ، بنحوه، وانظر: \"تفسير القرطبي\" ٩/ ٣٥٢، و\"الألوسي\" ١٣/ ٢٠٢.","vol":"12","page":432},{"text":"وقال قتادة والكلبي: هو ما يخرج من جلد الكافر ولحمه (١)، وتلخيص قوله: ﴿مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ﴾: من مائع سائل هو صديد، وقال أبو علي: تقديره: من ماء ذي صديد، قال: وهذا خلاف قوله. ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ (٢) [الإنسان: ٢١].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1881>١٧ </span>- قوله تعالى: ﴿يَتَجَرَّعُهُ﴾ قال: جَرعَ الماء واجْترعَه جَرعًا واجْتراعًا، فإذا تابع الجَرْع مرة بعد أُخرى كالمتكاره، قيل: تَجَرَّعه (٣)، فمعنى التَّجَرُّع: تناوْل المشروب جَرْعة جَرْعة على استمرار، وهو معنى قول ابن عباس: يريد بالكُرْه (٤).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ﴾ ذكرنا معنى (كاد) عند قوله: ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ﴾ [البقرة: ٢٠] ويقال: ساغ الشراب في الحلق، يَسُوْغُ سَوْغًا، وأساغه الله (٥).\nوأنشد الفراء (٦):\n_________\n(١) أخرجه عن قتادة: عبد الرزاق ٢/ ٣٤١ بنحوه، والطبري ١٣/ ١٩٥ بنحوه من طريقين، وورد في \"تفسير الثعلبي\" ٧/ ١٤٨ أبنصه عن قتادة، وانظر: \"تفسير ابن الجوزي\" ٤/ ٣٥٢، عن قتادة، وابن كثير ٢/ ٥٧٨، عن قتادة.\n(٢) لم أقف على مصدره.\n(٣) ورد في \"تهذيب اللغة\" (جرع) ١/ ٥٨٥ بنصه تقريبًا، وانظر (جرع) في \"المحيط في اللغة\" ١/ ٢٥٠، و\"التاج\" ١١/ ٦١ - ٦٢.\n(٤) ورد في تفسيره \"الوسيط\" تحقيق سيسي ١/ ٣١٤، بلفظه.\n(٥) انظر: (سوغ) في \"جمهرة اللغة\" ٢/ ٨٤٦، و\"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٥٩٧، و\"مجمل اللغة\" ٢/ ٤٧٨، و\"مقاييس اللغة\" ٣/ ١١٦، و\"الصحاح\" ٤/ ١٣٢٢، العباب الزاخر: [غ/ ص ٤٨]، و\"اللسان\" ٤/ ٢١٥٢.\n(٦) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٣٢٠، بلا نسبة.","vol":"12","page":433},{"text":"وساغَ ليَ الشَّرَابُ وكُنْتُ قَبْلًا ... أكادُ أغَصُّ بالماءِ الحَمِيم (١)\nقال المفسرون في هذه الآية: يتحسَّاه ويشربه بالجَرع لا بمرة واحدة لمرارته (٢)، وقالوا (يكاد) صلة؛ المعنى: ولا يسيغه (٣)، كقوله: ﴿لَمْ يَكَدْ\n_________\n(١) نُسب لعبد الله بن يعرب (جاهلي) في \"شرح التصريح على التوضيح\" ٢/ ٥٠، و\"الدرر اللوامع\" ٣/ ١١٢ وفيه: (الفرات) بدل (الحميم) ولا فرق؛ لأن الفرات هو الماء العذب، وكذا الحميم؛ لأنها من الأضداد. [انظر: \"الأضداد\" لابن الأنباري ١٣٨]، ونُسب ليزيد بن الصَّعِق (جاهلي) في \"خزانة الأدب\" ١/ ٤٢٦، ٤٢٩، ٦/ ٥٠٥، ٥١٠، وعجزه:\nأغص بنقطة الماء الحميم\nوورد بلا نسبة في \"شرح المفصل\" ٤/ ٨٨، و\"أوضح المسالك\" ص ١٤٩، و\"شرح ابن عقيل\" ٣/ ٧٣، و\"تذكرة النحاة\" ص ٥٢٧، و\"شرح الأشموني\" ٢/ ٥٠٣، و\"همع الهوامع\" ٣/ ١٩٤، والمعنى: يقول لم يكن يهنأ لي طعام ولا يلذ لي شراب، بسبب ما كان لي من الثأر عند هؤلاء، فلما غزوتهم وأطفأت لهيب صدري بالغلبة عليهم ساغ شرابي ولذَّت حياتي.\n(٢) ورد بنصه في \"تفسير الثعلبي\" ٧/ ١٤٨ أ، وتفسيره \"الوسيط\" تحقيق سيسي ١/ ٣١٤، وانظر: \"تفسير البغوي\" ٤/ ٣٤١، و\"الفخر الرازي\" ١٩/ ١٠٣، و\"تفسير القرطبي\" ٩/ ٣٥١، و\"الخازن\" ٣/ ٧٣.\n(٣) انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٥٧، و\"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢٠٣، و\"البغوي\" ٤/ ٣٤١، والزمخشري ٢/ ٢٩٧، و\"ابن الجوزي\" ٤/ ٣٥٣، والبيضاوي ٣/ ١٥٨، وذهب آخرون كالفراء والطبري إلى أنها ليست صلة؛ لأن العرب تستعمل (لا يكاد) فيما قد فُعِل وفيما لم يُفْعل، وذكروا هذه الآية مثالًا على ما فُعل، فقالوا: معنى ﴿وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ﴾ أي: يسيغه، واستشهدوا على ما لم يُفعل بقوله ﴿لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ أي: لم يرها. \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٧١، تفسيرالطبري ١٣/ ١٩٥، وانظر: \"تفسير الفخر الرازي\" ١٩/ ١٠٣، وابن جزي ٢/ ١٣٩، و\"حاشية الجمل على الجلالين\" ٢/ ٥١٩، و\"تفسير الشوكاني\" ٣/ ١٤٤.","vol":"12","page":434},{"text":"يَرَاهَا﴾ [النو: ٤٠] أي: لم يرها، قال ابن عباس: لا يُجِيْزُه (١).\nوقال أهل المعاني: معنى ﴿وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ﴾: بعد إبطاء؛ لأن العرب تقول: ما كدت أقوم؛ أي: قمت بعد إبطاء، قال تعالى: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة: ٧١] يعني: فعلوا بعد إبطاء؛ لتعذر وجودها، فعلى هذا (كاد) ليس بصلة.\nوقوله: ﴿لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ جاز أن تكون صلة؛ لأنه قد قام الدليل عند وصف تكاثف الظلمة (٢) على عدم الرؤية، فوضح (٣) بذلك أنّ ﴿يَكَدْ﴾ مزيد للتوكيد، والدليل على الإساغة قوله: ﴿يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ﴾ [الحج: ٢٠] ولا يكون الضمير (٤) إلا بعد الإساغة، وأيضًا فإن قوله: ﴿يَتَجَرَّعُهُ﴾ يدل على أنهم أساغوا منه (٥) الشيء بعد الشيء، فكيف أن يصح أن يقال بعده: لا يُسيغه، البتة.\nفإن قيل: فكيف وجه ما قاله المفسرون؟\nقيل: يُحْمل على وجهين؛ أحدهما: ذكره ابن الأنباري وهو أن\n_________\n(١) ورد في \"تفسيرالثعلبي\" ٧/ ١٤٨ ب، بلفظه، وانظر: \"تفسير البغوي\" ٤/ ٣٤٢، و\"تفسير القرطبي\" ٩/ ٣٥١، و\"حاشية الجمل على الجلالين\" ٢/ ٥١٩.\n(٢) بسبب الظلمات الثلاث؛ ظلمة البحر، وظلمة الموج، وظلمة السحاب، وهو ما أشارت إليه الآية. [النور: ٤٠].\n(٣) في جميع النسخ (فوضع) بالعين، وهو تصحيف، والصواب بالحاء.\n(٤) أي الكناية في يسيغه تعود على الكافر، ولو لم تحصل له الإساغة لقال: (لا يكاد يُساغ) ونحوها.\n(٥) في جميع النسخ (أساغوه منه) جَمع بين الضميرين، فأصبحت العبارة مضطربة، وتستقيم العبارة بأحد الأمرين: إما أن تحذف الهاء فتصير (أساغوا منه الشيء بعد الشيء) أو تحذف (منه) وتصير العبارة (أساغوه؛ الشيء بعد الشئ). وكأن التصويب قد جرى في نسخة (ع) بطمس (الهاء) بألف غير واضحة.","vol":"12","page":435},{"text":"المعنى: ولا يُسيغ جمْعه؛ كأنه يَجْرع البعض، ولم يُسغ الجميع لمرارته، فوقع الجحدُ بعد إثباتِ التَّجرعِ؛ على معنى إساغة الكل.\nالوجه الثاني: أن معنى الإساغة في اللغة: إجراء الشراب في الحلق على تَقَبُّل النَّفْس واستطابة المشروب (١)، والكافر يتجرع ذلك الشراب علي كراهته ولا يُسيغه أي: لا يستطيعه ولا يشربه شُربًا بمرة واحدة، فعلى ما ذكرنا من الوجهين يصح أن تكون (يكاد) صلة على ما ذكره المفسرون، وقول من لم يجعل (يكاد) صلةً أمثل.\nوقوله تعالى: ﴿وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ﴾ ذكر أهل المعاني في ﴿وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ﴾ وجهين؛ أحدهما: أن هذا من باب حذف المضاف؛ على معنى: ويأتيه هَمُّ الموت وألمُه وكربُه (٢)؛ لأنه يستحيل أن يأتيه الموت؛\n_________\n(١) لم يذكر المؤلف أهم خصائص الإساغة؛ وهو السهولة والاستمرارية، يقول ابن فارس في \"مقاييس اللغة\" ٣/ ١١٦: السين، والواو والغين أجل يدل على سهولة الشيء واستمراره في الحلق خاصة، ثم يحمل على ذلك. اهـ. كأنه ذكر لازم السهولة والاستمرارية، وهو تقبل النفس واستطابة المشروب. وانظر العباب الزاخر [غ/ ص ٤٩].\n(٢) ورد في \"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢٠٣ بنحوه، وانظر: \"تفسير ابن الجوزي\" ٤/ ٣٥٣ بنصه، وفي هذا التفسير نظر؛ لأن همّ الموت إنما كان عذابًا لأهل الدنيا لخشيتهم من المصير المجهول، أما أهل الآخرة من الكفار فإن الموت لم يكن همًا لهم، بل هو راحة يتمنونه، كما قال تعالى: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف: ٧٧] لذلك فالأولى تفسيره بقول ابن عباس (، قال: أي أنواع العذاب الذي يعذبه الله بها يوم القيامة في نار جهنم؛ ليس مها نوع إلا يأتيه الموت منه لو كان يموت، ولكن لا يموت لأن الله تعالى قال: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا﴾ [فاطر: ٣٦]، انظر: \"ابن كثير\" ٢/ ٥٧٩، و\"الدر المنثور\" ٤/ ١٣٩ وعزاه إلى ابن أي حاتم. والغريب عدم إيراده لهذا القول عن ابن عباس كما التزم، وهو قريب من الوجه الثاني الذي أورده عن أهل المعاني.","vol":"12","page":436},{"text":"عين الموت ثم لا يموت، وقد قال الله: ﴿وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ﴾.\nوالمعنى: أن الله تعالى حبس نفس الكافر في جسده على اجتماع آلام الموت وأفانِينِه (١) عليه ليصل إليه الألم، ومع ذلك لم يفارقه الروح فيستريح، الوجه الثاني: أنه أراد بالموت هاهنا: موت الضُّر والبلاء؛ كما يقال: فلان ميت مما لحقه، ومات فلان موتات بما أباح (٢) عليه من البلية؛ يعني: إنه كالميت وإن كان فيه روح، كما ورد في الحديث: \"إن الفقر مكتوب عند الله الموت الأعظم\" (٣) وقد قال الشاعر (٤):\nليس مَنْ مَاتَ فاسْتَرَاحَ بمَيتٍ ... إنَّما الميتُ ميتُ الأحْيَاءِ\nإنَّما الميتُ مَنْ يَعيشُ كَئِيبًا ... كاسِفًا بَالُهُ قَلِيلَ الرَّخَاءِ (٥)\nفجعله ميتًا، وهذا قول أبي بكر، وهو معنى قول الأخفش؛ يعنىِ: البلايا التي تصيب الكافر في النار (٦).\n_________\n(١) ضُرُوبه وأنواعه. المحيط في اللغة (فن) ١٠/ ٣١٥.\n(٢) البَوْحُ: ظهور الشيء، وباحَ الشيء: ظهر، وأباح الشيء: أطلقه \"اللسان\" (بوح) ١/ ٣٨٤.\n(٣) لم أجده بلفظه ولا بمعناه فيما تيسر لي من المراجع.\n(٤) هو عدي بن الرَّعْلاء الغساني (شاعر جاهلي).\n(٥) ورد البيتان معًا في \"الأصمعيات\" ص ١٥٢، و\"معجم الشعراء\" ص ٧٧، شرح شواهد \"المغني\" ١/ ٤٠٥، وورد البيت الأول فقط في \"البيان والتبيان\" ١/ ١٢٤، و\"الحيوان\" للجاحظ ٦/ ١٣٥، و\"العقد الفريد\" ٥/ ٤٧٦، و\"الاشتقاق\" ص ٥١، و\"أمالي ابن الشجري\" ١/ ١٢٤، و\"شرح المفصل\" ١٠/ ٦٩، و\"الخزانة\" ٦/ ٥٣٠، ورواية \"معجم الشعراء\" (الرخاء) بالخاء، وفي باقي المصادر (الرجاء) بالجيم، ولا يختلف المعنى، (كاسفًا): سيئًا حاله، وقد ورد اليتان في شأن من تدعه الحرب سليمًا معافى في ثياب من الذل والخزي، فحياته ليس إلا موتًا.\n(٦) ليس في معانيه، وقد ورد في \"تفسير الثعلبي\" ٧/ ١٤٨ ب بنصه، وانظر: \"تفسير =","vol":"12","page":437},{"text":"وقوله تعالى: ﴿مِنْ كُلِّ مَكَانٍ﴾ قال ابن عباس: يريد من كل شعرة في جسده (١).\nوقال الثوري: من كل عِرْق (٢)، وهذا قول أكثر المفسرين: جعلوا المكان من جسده (٣)، وروى عن ابن عباس في قوله من كل مكان: أي من كل جهة؛ من عن يمينه وشماله، ومن فوقه وتحته، ومن قدامه وخلفه (٤).\nوقوله تعالى: ﴿وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ﴾ قال عطاء عن ابن عباس: يريد أمامه يوم القيامة (٥).\n_________\n= ابن الجوزي\" ٤/ ٣٥٤، و\"تفسير القرطبي\" ٩/ ٣٥٢، وأبي حيان ٥/ ٤١٣، و\"تفسير الشوكاني\" ٣/ ١٤٤، و\"الألوسي\" ١٣/ ٢٠٣، و\"صديق خان\" ٧/ ٩٩، وقد أنكر أبوحيان والألوسي هذا القول؛ بحجة أن سياق الكلام عن أحوال الكافر في جهنم وما يلقى فيها. وهذا غير مسَّلم لهما؛ لأن ما يلقاه الكافر في نار جهنم من أنواع العذاب هي من البلايا والآلام التي تصيبه، لكن لا على سبيل الابتلاء والامتحان؛ لأن ذلك زمنه الدنيا وقد ولَّى.\n(١) ورد في تفسيره \"الوسيط\" ١/ ٢١٤ بنصه، وانظر: \"تفسير ابن الجوزي\" ٤/ ٣٥٣.\n(٢) ورد في تفسيره \"الوسيط\" تحقيق سيسي ١/ ٣١٤، بلفظه، وانظر: \"تفسير ابن الجوزي\" ٤/ ٣٥٣.\n(٣) ورد بنحوه في \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٧٢، و\"الغريب\" لابن قتيبة ١/ ٢٣٦، \"تفسير الطبري\" ١٣/ ١٩٦، و\"معاني القرآن\" للنحاس ٣/ ٥٢٣، و\"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢٠٣، والثعلبي ٧/ ١٤٨ ب، والماوردي ٣/ ١٢٨.\n(٤) ورد في \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٧٢ بنحوه من طريق الكلبي ضعيفة، و\"تفسير الماوردي\" ٣/ ١٢٨ بنصه، وانظر: \"تفسير ابن الجوزي\" ٥/ ٣٥٤، و\"تفسير القرطبي\" ٩/ ٣٥٢، و\"الألوسي\" ١٣/ ٢٠٢.\n(٥) ورد بنحوه غير منسوب في: \"الطبري\" ١٣/ ١٩٦، والثعلبي ٧/ ١٤٨ ب، و\"معاني القرآن\" للنحاس ٣/ ٥٢٣، و\"المشكل\" لمكي ١/ ٤٤٦، وانظر: \"تفسير البغوي\" ٤/ ٣٤٢، و\"القرطبي\" ٩/ ٣٥٢، و\"الخازن\" ٣/ ٧٤.","vol":"12","page":438},{"text":"وقال الكلبي: يقول من بعد الصديد عذاب غليظ (١)، وهذا اختيار أبي إسحاق وأبي بكر؛ قال أبو إسحاق: أي ومن بعد ذلك (٢)، وقال أبو بكر: ومن بعد هذا العذاب المذكور عذاب غليظ (٣)، ومعنى غِلَظِ العذاب: اتصال الآلام وكثرتها؛ كالشيء الغليظ الذي كثر أجزاؤه وتكاثف، كما قلنا في: ﴿عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [البقرة: ٧]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1882>١٨ </span>- قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآية. اختلفوا في الرفع للمثل، فقال الزجاج: هو مرفوع على معنى: وفيما يتلى عليكم (٤)، وهذا مذهب سيبويه (٥). وقال الفراء: التقدير مثل أعمال الذين كفروا بربهم كرماد، فحذف المضاف اعتمادًا على ذكره بعد المضاف إليه، وذلك أن العرب تقدِّم المضاف إليه لأنه أعرف (٦)، ثم يأتي بالذي يخبر به عنه معه\n_________\n(١) ورد في تفسيره \"الوسيط\" تحقيق سيسي ١/ ٣١٤ بنصه، وانظر: \"تفسير ابن الجوزي\" ٥/ ٣٥٤ بنصه.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٥٧ بنصه.\n(٣) لم أقف على مصدره، وقد بين ابن الأنباري في هذا القول أن الضمير في ورائه يعود على العذاب المتقدم، وقد ورد هذا القول بلا نسبة في: \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ١٨٠، و\"مشكل إعراب القرآن\" لمكي ١/ ٤٤٦، و\"تفسير ابن عطية\" ٨/ ٢٢٠، و\"البيان في غريب الإعراب\" ٢/ ٥٦، و\"تفسير ابن الجوزي\" ٤/ ٣٥٤، وأبي حيان ٥/ ٤١٣، و\"الدر المصون\" ٧/ ٨١.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٥٧ بنصه، والتقدير - كما بيّنه: وفيما يتلى عليكم مثلُ الذين كفروا بربهم، أو مثلُ الذين كفروا بربهم فيما يتلى عليكم.\n(٥) \"الكتاب\" ١/ ١٤٣، وانظر: \"إعراب القرآن\" للنحاس ٢/ ١٨٠ - ١٨١، و\"مشكل إعراب القرآن\" لمكي ١/ ٤٤٧، \"تفسير أبي حيان\" ٥/ ٤١٤، و\"الدر المصون\" ٧/ ٨١.\n(٦) لأن المضاف غالبًا ما يكون نكرة، وتكون غامضةً ومبهمةً، فيزيل المضاف إليه الغموض ويوضحه.","vol":"12","page":439},{"text":"كهذه الآية، ألا ترى أنه قدَّم (الذين) ثم ذكر بعده الأعمال مضافة إلى الكناية عن الذين؛ كقوله تعالى: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ [السجدة: ٧] أي: خَلْقَ كُلِّ شيء، ومثله قوله: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ﴾ [الزمر: ٦٠] المعنى: ترى وجوه الذين كذبوا على الله مسودَّة (١)، وفي هذا أقوال ووجوه ذكرناها مستقصاة في قوله: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾ [آية: ٣٥] في سورة الرعد.\nوقوله تعالى: ﴿أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ﴾ قال الليث: الرَّمادُ دُقاق الفحم من حراقةِ النار، وصار الرَّمادُ رمادًا إذا صار هباءًا أدق ما يكون (٢)، ورمَّد اللحمَ، إذا ألقاه في الرماد (٣)، ومنه المثل: شَوى أَخُوك حتى إذا أنْضَجَ رَمَّدَ (٤).\nوقوله تعالى: ﴿فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ﴾ قال ابن السِّكِّيت: عصفت الريح وأعصفت، فهي ريح عاصف ومُعْصِفة إذا اشتدت (٥)، وقال الزجاج في باب الوفاق: عَصَفَت الرِّيحُ عُصُوْفًا وأعْصَفت إعصافًا، إذا اشتد هبوبها (٦)،\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٧٢، مختصرًا، ووردت في \"تفسير الثعلبي\" ٧/ ١٤٨ ب بنحوه، والظاهر أنه نقلها عن الثعلبي وبسطها.\n(٢) ورد في \"تهذيب اللغة\" (رمد) ٢/ ١٤٦٦ بنصه.\n(٣) انظر: \"جمهرة اللغة\" ٢/ ٦٣٩.\n(٤) ورد في \"جمهرة اللغة\" ٢/ ٦٣٩، و\"الأمثال\" لابن سلاَّم ٦٦، و\"مجمل اللغة\" ١/ ٣٩٨، و\"المحيط في اللغة\" (رمد) ٩/ ٣٠٨، و\"مجمع الأمثال\" ١/ ٣٦٠، و\"اللسان\" ٣/ ١٧٢٦، وُيروى هذا المثل عن عمر بن الخطاب ﵁، ويضرب للرجل يصنع المعروف ثم يفسده بالمنِّ والأذى، ويضرب أيضًا للذي يبتدئ بالإحسان ثم يعود عليه بالإفساد.\n(٥) ورد في \"تهذيب اللغة\" (عصف) ٣/ ٢٤٦٣ بنصه.\n(٦) \"فعلت وأفعلت\" ص ٦٥ بنصه.","vol":"12","page":440},{"text":"قال الفراء: جعل العُصوْفَ تابعًا لليوم في إعرابه (١)، وإنما العُصُوف للرياح، وذلك جائز على وجهين: أحديهما (٢): أن العُصُوْفَ وإنْ للرِّيح فإن اليوم قد يُوصَفُ به؛ لأن الريح تكون فيه، فجائز أن يقول: يومٌ عاصفٌ (٣)؛ كما يقال: يومٌ باردٌ، ويومٌ حارٌ، والبرد والحر فيهما (٤)، وقال أبو عبيدة: العرب تفعل ذلك في الظرف، وأنشد لجرير:\nلَقَد لُمْتِنا يا أُمَّ غَيْلان في السُّرَى ... ونِمْتِ وما لَيْلُ الْمَطِيِّ بنائِم (٥)\nفوصف الليل بالنوم لَمّا كان فيه، ومثله: يوم ماطر، وليلة ماطرة (٦)، وقال أبو حاتم: هذا من كلام العرب، قال الله تعالى: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَار﴾ [سبأ: ٣٣] أضاف إليهما وهما لا يمكران (٧)، وقال: ﴿وَالنَّهَارِ\n_________\n(١) في جميع النسخ: (إغوائه)، والتصويب من المصدر.\n(٢) في (د): (إحداهما).\n(٣) والتقدير: في يوم عاصفٍ ريحُه، ثم حذف \"ريحه\" للعلم به وجُعلت الصفة لليوم.\nانظر: \"مشكل إعراب القرآن\" لمكي ١/ ٤٤٧، و\"البيان في غريب الإعراب\" ٢/ ٥٧، و\"الفريد في الإعراب\" ٣/ ١٥٥.\n(٤) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٧٣ بتصرف، وانظرت الطبري ١٣/ ١٩٧، و\"تهذيب اللغة\" (عصف) ٣/ ٢٤٦٣.\n(٥) \"ديوان جرير\" ص ٤٥٤، وهو من قصيدة قالها يجيب بها الفرزدق. وورد في: \"الكتاب\" ١/ ٣٩، و\"مجاز القرآن\" ١/ ٣٩، و\"الكامل\" للمبرد ١/ ١٣٥، ٢١٩، و\"الخزانة\" ١/ ٤٦٥، وورد غير منسوب في: \"المقتضب\" ٣/ ١٠٥، ٤/ ٣٣١، و\"الكامل\" ٢/ ١٣٥٦، و\"أمالي ابن الشجري\" ١/ ٥٣، ٢/ ٢٩.\n(أم غيلان) هي بنت جرير، (المطي) جمع مطيّة؛ وهي الراحلة التي يمتطى ظهرها [أي تركب]، (السُّرى) سير الليل.\n(٦) \"مجاز القرآن\" ١/ ٣٣٩، بتصرف يسير.\n(٧) لم أقف على مصدره، ومعنى الآية: بل مَكْرُكُم بنا في الليل والنهار. انظر: \"الكامل\" للمبرد ١/ ١٣٥، و\"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٥٤، و\"تفسير ابن الجوزي\" ٦/ ٤٥٧.","vol":"12","page":441},{"text":"مُبْصِرًا﴾ (١) [يونس: ٦٧] ومنه قول جرير:\nوأعْوَرَ من نَبْهان أمّا نَهارُهُ ... فأعْمَى وأمّا لَيْلُهُ فبصِيرُ (٢)\nقال الفراء: والوجه الآخر (٣) أن يريد: في يومٍ عاصفِ الريح، فَيَحذِف الريح؛ لأنها قد ذُكرت (٤) في أول الكلام، كما قال (٥):\nإذا جاء يومٌ مُظلِمُ الشمسِ كاسفُ (٦)\nيريد كاسف الشمس؛ فحذفه لأنه قَدَّم ذكره، ومضى مثل هذا في قوله: ﴿بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ﴾ [يونس: ٢٢] قال الزجاج وغيره: تأويله أن كل ما تقرَّب به الذين كفروا إلى الله فمُحْبَطٌ (٧)؛ غير منتفع\n_________\n(١) أي مضيئًا تبصرون فيه، وإنما أضاف الإبصار إليه؛ لأنه ظرف يُفعل فيه غيره. انظر: \"تفسير ابن الجوزي\" ٤/ ٤٦.\n(٢) \"ديوان جرير\" ص ٢٠٣.\n(٣) أي من كلام الفراء في جَعْل العُصُوف تابعًا لليوم في إعرابه، وقد فصل بين الوجهين بإقحام كلام أبي عبيدة وأبي حاتم لتوضيح الوجه الأول، ولما طال الفصل أعاد نسبة الكلام إلى الفراء.\n(٤) في (أ)، (د)، (ع): (ذكر)، والمثبت من ش وهو الأنسب للسياق.\n(٥) في جميع المصادر بدون نسبة، وذكر شاكر محقق تفسير الطبري ١٣/ ١٩٧ أن البيت لمسكين الدارمي لكن الرواية التي أوردها في ٧/ ٥٢٠ ليس فيها الشاهد، وهي:\nإذا جاء يومٌ مظلمُ اللون كاسفُ\n(٦) وصدره:\nويَضْحَكُ عِرْفان الدُّروعِ جُلُودُنا\nورد البيت في \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٧٤، و\"تفسير ابن الجوزي\" ٤/ ٣٥٤، و\"الخزانة\" ٥/ ٨٩، وورد عَجُزُه في \"تهذيب اللغة\" (عصف) ٣/ ٢٤٦٣، و\"تفسيرالطبري\" ١٣/ ١٩٧، و\"تفسير القرطبي\" ٩/ ٣٥٣، و\"العباب الزاخر\" [ف/ ص ٤٣٩]، و\"اللسان\" (عصف) ٥/ ٢٩٧٣.\n(٧) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٥٧ بنصه.","vol":"12","page":442},{"text":"به (١)؛ لأنهم أشركوا فيها غير الله؛ كالرماد الذي ذرَّته الريح وصار هباءً لا ينتفع به، وذلك قوله: ﴿لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا﴾ أي: في الدنيا، ﴿عَلَى شَيْءٍ﴾: في الآخرة، قال ابن عباس: يريد لا يجدون ثواب ما عملوا (٢).\nوقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ﴾ قال ابن عباس: يريد الخسران الكبير (٣)، وعلى هذا يعني بالضلال: ضلالَ أعمالهم وهلاكَها وذهابها، وإذا ذهبت أعمالُهم ذهابَ الرمادِ في عُصوف الريح، فقد كَبُرَ خسرانُهم، ومعنى ﴿الْبَعِيدُ﴾ هاهنا: الذي لا يُرْجَى عَوْده، فهو بعيد من العود؛ لذهابه على الوجه الذي ذُكر، وقال الكلبي (٤): الخطاء الطويل (٥)، فعلى هذا المراد بالضلال هاهنا ضلال الكفار كقوله: ﴿ضَلُّوا ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: ١٦٧] أي بعيد من الهدى والرجوع عنه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1883>١٩ </span>- قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ الآية. معنى: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ هاهنا التنبيه (٦) على خَلْق السموات والأرض، وقرأ حمزة والكسائي: ﴿خَالِقَ السَّمَاوَاتِ﴾ على فاعل (٧) فمن قرأ:\n_________\n(١) (به) ساقط من (أ)، (د).\n(٢) ورد في تفسيره \"الوسيط\" تحقيق سيسي ١/ ٣١٥ بنصه، وورد بلا نسبة في \"تفسير الماوردي\" ٣/ ١٢٩، و\"تفسير القرطبي\" ٩/ ٣٥٤.\n(٣) ورد غير منسوب في \"تفسير القرطبي\" ٩/ ٣٥٤، و\"الخازن\" ٣/ ٧٤.\n(٤) \"الكلبي\" ساقط من (د).\n(٥) لم أقف عليه.\n(٦) لأن الرؤية علمية وليست بصرية. انظر: \"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢٠٣، وابن عطية ٨/ ٢٢٣، و\"تفسير القرطبي\" ٩/ ٣٥٤.\n(٧) انظر: \"السبعة\" ص ٣٦٢، و\"إعراب القراءات وعللها\" ١/ ٣٣٤، و\"الحجة في القراءات\" ٢٠٣، و\"علل القراءات\" ١/ ٢٨٧، و\"الحجة للقراء\" ٥/ ٢٨، و\"حجة القراءات\" ٣٧٦، و\"الكشف عن وجوه القراءات\" ٢/ ٢٥، و\"التبصرة\" ٥٥٨.","vol":"12","page":443},{"text":"﴿خَلَقَ﴾ (١) أخبر بلفظ الماضي على فَعَل؛ لأن ذلك أمرٌ ماض، ومن قرأ: ﴿خَالِقُ﴾ قال هو كقوله: ﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ﴾ [فاطر: ١]، وقوله تعالى: ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا﴾ [الأنعام: ٩٦] وكل هذا مما قد فُصِّل ومَضى، ومعنى قوله: ﴿بِالْحَقِّ﴾ ذكرنا الكلام فيه عند قوله: ﴿مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ في سورة يونس [آية: ٥].\nوقوله تعالى: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ قال ابن عباس والكلبي: يريد أُمِيْتُكم يا معشر الكفار وأخلق قومًا غيركم خيرًا منكم وأطوع، وهو خطاب لأهل مكة (٢).\nوقال أهل المعاني: دلّ بقوله: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ (على قدرته على الإهلاك والإذهاب؛ لأنه إذا قَدر على خلق السموات والأرض) (٣) قدر على إذهابهم بالهلاك؛ لأن من قدر على الإيجاد قدر على الإفناء (٤)، وأما الجديد، فمصدره الجِدَّة، ويقال: أجَدَّ ثوبًا واسْتَجدَّه، إذا اتخذه جديدًا (٥) وأصله من قولهم: قُطع عنه العمل في ابتداء أمره، وقال المازني في قوله (٦):\n_________\n(١) هم ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وعاصم. انظر المصادر السابقة.\n(٢) ورد في تفسيره \"الوسيط\" تحقيق سيسي ١/ ٣١٦ بنصه عن ابن عباس، وانظر: \"تفسير ابن الجوزي\" ٤/ ٣٥٥، والفخر الرازي ١٩/ ١٠٦، فيهما عن ابن عباس، ولم أقف عليه منسوبًا للكلبي.\n(٣) ما بين القوسين ساقط من (أ)، (د).\n(٤) ورد في \"تفسير الطوسي\" ٦/ ٢٨٧ بنحوه، وانظر: \"تفسير الزمخشري\" ٢/ ٢٩٨، و\"الفخر الرازي\" ١٩/ ١٠٦، وأبي السعود ٥/ ٤١.\n(٥) انظر: (جد) في \"العين\" ٧/ ٦، و\"تهذيب اللغة\" ١/ ٥٥٥، و\"المحيط في اللغة\" ٦/ ٣٩٢، و\"اللسان\" (جدد) ١/ ٥٦٢.\n(٦) البيت للنابغة الذبياني.","vol":"12","page":444},{"text":"أرَسْمًا جَدِيدًا من سُعادَ تَجَنَّبُ (١)\nأراد بالجديد المقطوع الأثر لدروسه (٢)، وفي ذكر الجديد في الآية دليل على أنه (٣) ذلك الخلق الذي يأتي بهم جديدًا هم أفضل من الأول وأطوع لله، كما قال المفسرون (٤)؛ لأنهم لو كانوا كالأول في العصيان لم يكن فائدة في إذهابهم والإتيان بغيرهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1884>٢٠ </span>- قوله تعالى: ﴿وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ قال ابن عباس: يريد لا يعز عليه شيء يريده (٥).\nقال الكسائي: ليس يعز على الله أن يميتكم ويأتي بغيركم (٦).\nوقال أهل المعاني: أي: لا يمتنع على مَنْ قَدَر على خَلْق السموات\n_________\n(١) وعجزه:\nعفَتْ روضةُ الأجداد منها فَيثْقُبُ\n\"ديوان النابغة الذبياني\" ص ١٤٣، وورد في \"معجم البلدان\" ٥/ ٤٣١، \"التاج\" (ثقب) ١/ ٣٣٨. (الرسم): هو الأثر، (عفت): محت، (يثقب) أي الريح تخرقه فتعفوا آيه؛ أي تمحو آثاره، وقيل: (يثقُبُ) اسم موضع بالبادية، والبيت من قصيدة قالها يصف حوادث الدهر وصروفه في أهله، يقول: ما بالك تحاذر المرور بديار سعاد بعد أن خرّقتها الريح وعفت آثارها.\n(٢) لم أقف عليه.\n(٣) هكذا في جميع النسخ: (أنه)، والأظهر: (أن).\n(٤) ورد بنحوه في \"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢٠٤، والثعلبي ٧/ ١٤٩ ب، وانظر: \"تفسير البغوي\" ٤/ ٣٤٣، و\"تفسير القرطبي\" ٩/ ٣٥٤، و\"الخازن\" ٣/ ٧٤، و\"حاشية الجمل على الجلالين\" ٢/ ٥٢٥.\n(٥) ورد في تفسيره \"الوسيط\" تحقيق سيسي ١/ ٣١٦ بنصه.\n(٦) لم أقف عليه منسوبًا إلى الكسائي، وأورده المؤلف بنصه ونسبه للكلبي في \"الوسيط\" ١/ ٣١٦.","vol":"12","page":445},{"text":"والأرض أن يذهبكم ويأتي بخلق سِواكم (١)، ومضى الكلام في معنى العزيز، ومعناه هاهنا: الممتنع بقوته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1885>٢١ </span>- قوله تعالى: ﴿وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ برز معناه في اللغة: ظهر بعد الخفاء، ومنه يقال للمكان الواسع البَرازُ؛ لظهوره (٢)، وقيل في قوله: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً﴾ [الكهف: ٤٧] أي: ظاهرة بلا جبل ولا تل يستر ما وراءه (٣)، وامرأة بَرْزَةٌ، إذا كانت تظهر للناس (٤)، وقد جاء برز بمعنى أبْرَزَ في قول لبيد:\nالنّاطِقُ المَبْروزُ والمختُومُ (٥)\n_________\n(١) لم أقف عليه في كتب المعاني المتوفرة، وورد نحوه في: \"تفسير الطبري\" ١٣/ ١٩٩، و\"الطوسي\" ٦/ ٢٨٧، وابن عطية ٨/ ٢٢٣، و\"ابن الجوزي\" ٤/ ٣٥٥، و\"الفخر الرازي\" ١٩/ ١٠٦، و\"الخازن\" ٣/ ٧٥، وابن كثير ٢/ ٥٨٠.\n(٢) انظر: (برز) في \"العين\" ٧/ ٣٦٤، و\"تهذيب اللغة\" ١/ ٣١٠، و\"مقاييس اللغة\" ١/ ٢١٨، و\"اللسان\" ١/ ٢٥٥، و\"التاج\" ٨/ ٩.\n(٣) انظر: \"برز\" في \"التهذيب\" ١/ ٣١٠، و\"اللسان\" ١/ ٢٥٥، و\"التاج\" ٨/ ٩.\n(٤) المصادر السابقة نفسها.\n(٥) وصدره:\nأو مُذْهَبٌ جَدَدٌ على ألواحهن\n\"شرح ديوان لبيد\" ص ١١٩، وورد في (برز) في \"العين\" ٧/ ٣٦٤، و\"تهذيب اللغة\" ١/ ٣١٠، و\"مقاييس اللغة\" ١/ ٢١٨، و\"اللسان\" ١/ ٢٥٥، و\"التاج\" ٨/ ٩، ورواية غير الديوان: (ألوحة)، (مُذْهب) اللوح عليه ذهب، (الجدد) جمع جُدَّة، وهي الطرائق، (الناطق) الكتاب، (المبرز) الظاهر، وقيل: المكتوب والمنشور، (المختوم) غير الظاهر، وقيل: الذي لم ينشر. قال أبو الحسن: هو لوح ضمت إليه ألواح من جوانبه، كانوا يضعون عليه الكتب تعظيمًا للملك، لا تمسه إلا يد الملك، يأخذ ما شاء ويترك ما شاء.","vol":"12","page":446},{"text":"قال ابن هانىء (١): يقال: بَرزته برزًا، بمعنى (٢) أبْرزْتُه برْزًا (٣)، ويقال: قد بَرَزَ فلان على أقرانه، إذا فاقهم وسبقهم، وأصله في الخيل؛ إذا سبق أحدها قيل قد بَرَّز عليها (٤)، كأنه خرج من غمارها فظهر.\nقال ابن عباس في قوله: ﴿وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ يريد: في البعث يوم القيامة (٥).\nقال المفسرون: خرجوا من قبورهم (٦) وورد هذا بلفظ المضي وإن كان معناه الاستقبال، لتحقق كونه (٧) كما ذكرنا في قوله: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ﴾ [الأعراف: ٥٠]، ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف: ٤٤]؛ لأنه أصدَق وقوعَه؛ كأنه قد وقع وأتى، ومعنى ﴿اللَّهُ﴾ اللام هاهنا لام أجل، وتأويله:\n_________\n(١) عبد الله بن محمد بن هانىء، أبو عبد الرحمن النحويّ النيسابوري، صاحب الأخفش، كان عارفًا بعلم الأدب، بصيرًا بالنحوّ، له كتاب كبير في نوادر العرب وغرائب ألفاظها، وفي المعاني والأمثال، توفي سنة ٢٣٦ هـ. انظر: مقدمة \"تهذيب اللغة\" ١/ ٤٤، و\"إنباه الرواة\" ٢/ ١٣١، و\"البغية\" ٢/ ٦١.\n(٢) في (أ)، (د): (برز المعنى)، والمثبت من (ش)، (ع)، وهو الإنسب للسياق.\n(٣) ورد في \"تهذيب اللغة\" (برز) ١/ ٣١٠ وعبارته، قال ابن هانئ: أبرزتُ الكتاب: أخرجته، فهو مَبْروز.\n(٤) ورد في \"تهذيب اللغة\" (برز) ١/ ٣١٠ بنحوه.\n(٥) ورد في تفسيره \"الوسيط\" تحقيق سيسي ١/ ٣١٦ بنحوه.\n(٦) ورد في \"تفسيرالطبري\" ١٣/ ١٩٩ بنحوه، و\"إعراب القرآن\" للنحاس ٢/ ١٨٢ بنحوه، و\"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢٠٤، بنصه، و\"الثعلبي\" ٧/ ١٤٩ ب، بنصه، وانظر: \"تفسير البغوي\" ٢/ ٣٤٣، و\"ابن الجوزي\" ٤/ ٣٥٦، و\"الفخر الرازي\" ١٩/ ١٠٧، و\"تفسير القرطبي\" ٩/ ٣٥٥، و\"الخازن\" ٣/ ٧٥.\n(٧) انظر: \"الزمخشري\" ٢/ ٢٩٨، و\"الرازي\" ١٩/ ١٠٧، و\"الفريد في الإعراب\" ٣/ ١٥٦.","vol":"12","page":447},{"text":"لأجل أمر الله إيّاهم بالبروز (١).\nوقال أبو إسحاق: أي جمعهم الله في حشرهم فاجتمع التابع والمتبوع (٢)، ﴿فَقَالَ الضُّعَفَاءُ﴾ وهم الأتباع، ﴿لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾ قال ابن عباس: يريد الأتباع لأكابرهم الذين استكبروا عن عبادة الله (٣)، ﴿إِنَّا كُنَّا لَكُمْ﴾ أي: في الدنيا ﴿لَكُمْ تَبَعًا﴾، قال الفراء وأبو عبيدة وجميع أهل العربية: التَّبَعُ جمع تابع مثل: خادم وخَدَم، وغائب وغَيَب، ونافر ونفَر، وحارس وحَرَس، وراصد ورَصَد (٤).\nقال الزجاج: وجائز أن يكون مَصْدرًا سُمَّي به، أي: كنا ذوي تبع (٥).\n﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ﴾ قال ابن عباس: فهل أنتم دافعون عنا من عذاب الله) (٦)، ﴿قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ﴾ يريدون أنهم إنما دعوهم إلى الضلال؛ لأن الله تعالى أضلهم ولم يهدهم، فدعوا أتباعهم إلى ما كانوا عليه من الضلال، ولو هداهم الله لدعوهم إلى الهدى، هذا\n_________\n(١) انظر: \"تفسير القرطبي\" ٩/ ٣٥٥.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٥٨ بنصه.\n(٣) ورد بنصه غير منسوب في تفسيره \"الوسيط\" تحقيق سيسي ١/ ٣١٦.\n(٤) \"مجاز القرآن\" ١/ ٣٣٩، مختصرًا، ولم أجده في معاني القرآن للفراء،، وورد بنحوه في \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٥٨، و\"تفسير الثعلبي\" ٧/ ١٤٩ ب.\nوانظر: \"المحكم\" (تبع) ٢/ ٤٢، و\"تفسير الزمخشري\" ٢/ ٢٩٨، وابن الجوزي\" ٤/ ٣٥٦، والفخر الرازي ١٩/ ١٠٨، و\"الفريد في الإعراب\" ٣/ ١٥٧، و\"اللسان\" (تبع) ١/ ٤١٦، و\"الدر المصون\" ٧/ ٨٥، و\"التاج\" (تبع) ١١/ ٣٧.\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٥٨ بنصه، وانظرت \"الفريد في الإعراب\" ٣/ ١٥٧.\n(٦) ورد في تفسيره \"الوسيط\" تحقيق سيسي ١/ ٣١٦ بنصه غير منسوب، وما بين القوسين ساقط من (د).","vol":"12","page":448},{"text":"قال ابن عباس: لو أرشدنا الله لأرشدناكم (١).\nوقوله تعالى: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا﴾ إلى آخره، قال الزجاج: ﴿سَوَاءٌ﴾ ابتداء، و﴿أَجَزِعْنَا﴾ في موضع الخبر (٢)، والكلام في هذا قد سبق في قولى: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ﴾ [البقرة: ٦]، وذكرنا معنى المحيص في قوله: ﴿وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا﴾ [النساء: ١٢١].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1886>٢٢ </span>- قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ﴾ الآية. قال المفسرون: إذا استقر أهل الجنّة في الجنّة وأهل النار في النار، اجتمع أهل النار باللائمة على إبليس لعنه الله، فيقوم فيما بينهم خطيبًا ويقول ما أخبر الله تعالى بقوله: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ﴾ الآية. (٣) قال أبو إسحاق: ذكر الله أمر\n_________\n(١) انظر: \"تفسير الفخر الرازي\" ١٩/ ١٠٩ بنصه، وورد بنصه غير منسوب في تفسيره \"الوسيط\" تحقيق سيسي ١/ ٣١٦، وتفسيره \"الوجيز\" ١/ ٥٨١، و\"تفسير ابن الجوزي\" ٤/ ٣٥٦.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ١٥٨/ ٣ بنصه\n(٣) ورد في \"تفسير مقاتل\" ١/ ١٩٢ ب بنحوه، وأخرجه الطبري ١٣/ ٢٠٠ - ٢٠١ بنحوه عن الشعبي والحسن والقرظي، وورد في \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٥٨ بنحوه، و\"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢٠٤ بنحوه عن الحسن، و\"الماوردي\" ٣/ ١٣٠، مختصرًا عن الحسن، و\"الثعلبي\" ٧/ ١٥٠ أ، بنحوه عن مقاتل، وأورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ١٤١، وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن، وأخرجه الطبري ١٣/ ٢٠١، مرفوعًا بمعناه عن عقبة بن عامر (ضمن حديث الثمفاعة مختصرًا، وأخرجه الطبراني في \"الكبير\" ١٧/ ٣٢٠، من طريق عقبة بن عامر بمعناه وأورده الهيثمي في \"المجمع\" ١٠/ ٣٧٦، وقال: وفيه عبد الرحمن بن زياد بن أنعم وهو ضعيف، وأورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ١٤٠، وزاد نسبته إلى ابن المبارك في الزهد، ولم أجده وابن أبي حاتم وابن مردويه وابن عساكر بسند ضعيف عن عقبة، وحكم عليه شاكر في تحقيق الطبري بالضعف، وقال: وهذا خبر ضعيف الإسناد لا يقوم. وعلى هذا فدعوى قيام إبليس خطيبًا في أهل النار على منبر من نار لا تصح لكونها موقوفة على الحسن والشعبي والقرظي، ولا يقبل قولهم المجرد في مثل هذه القضية الغيبية، والطريق الموصول الذي فيه إشارة لهذه الدعوى - ضعيفٌ لا تقوم به الحجة، فالله أعلم بكيفية هذا الحوار والنقاش بين إبليس وأهل النار.","vol":"12","page":449},{"text":"إبليس وما يقوله في القيامة تحذيرًا من إضلاله وإغوائه (١).\nوقوله تعالى: ﴿لَمَّا قُضِيَ الْأَمْر﴾ قال ابن عباس: يريد حين قضى الله بين العباد؛ فصار أهل الجنّة إلى منازلهم وكرامتهم، وأمَرَ بأهل جهنّم إلى العذاب (٢)، وقال الضحاك: فُرغ من الأمر (٣)، وهو معنى قول ابن عباس.\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ﴾ قال مقاتل: يعني كون هذا اليوم فَصَدَقكم (٤) وعْده، ووعدتكم أنه غير كائن فأخلفتكم (٥)، وقال أبو إسحاق: أي وعد من أطاعه الجنّة ووعد من عصاه النار، ووعدتكم خلاف ذلك (٦).\nوقوله تعالى: ﴿وَعْدَ الْحَقِّ﴾ هو من باب إضافة الشيء إلى نَعْته كقوله: ﴿وَحَبَّ الْحَصِيدِ﴾ [ق: ٩] ومسجد الجامع، على قول الكوفيين، والمعنى:\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٥٨ بنصه.\n(٢) انظر: \"تنوير المقباس\" ص ٢٧١ بنحوه، وورد بنحوه غير منسوب في \"الغريب\" لابن قتيبة ٢٣٦، و\"تفسير الطبري\" ١٣/ ٢٠٠، والسمرقندي ٢/ ٢٠٤، والثعلبي ٧/ ١٥٠ أ، وابن عطية ٨/ ٢٢٦، والفخر الرازي ١٩/ ١١٠.\n(٣) لم أقف عليه.\n(٤) في (د): (فصدَّكم).\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ١/ ١٩٢ ب، بتصرف يسير.\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٥٨ بنصه.","vol":"12","page":450},{"text":"وعدكم الوعدَ الحقَ (١)، وعلى مذهب البصريين يكون التقدير: وعْدَ اليومِ الحقِ، أو الأمر الحق (٢)، أو يكون التقدير: وعدكم الحق ثم ذكر المصدر تأكيدًا وفيه إضمار؛ لأن تلخيصه: وعدكم وعد الحق فصدقكم، وحُذف ذلك لدلالة تلك الحالة على صدق ذلك الوعد والوفاء به، ولأنه ذكر في\n_________\n(١) الكوفيون يجوِّزون إضافة الشيء إلى نفسه إذا اختلف اللفظان، وحجتهم أن ذلك ورد كثيرًا في كتاب الله وكلام العرب، وقد قرّر هذه المسألة الفراء في عدة أماكن من معانيه، كما في قولى تعالى: ﴿وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ﴾ [يوسف: ١٠٩] فأضيفت الدار إلى الآخرة وهي الآخرة، وقوله: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ﴾ [الواقعة: ٩٥]، والحق هو اليقين. انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٣٣٠، ٢/ ٥٥، ٣/ ٧٦، راجع هذه المسألة في \"إعراب القرآن\" للنحاس ٣/ ٣٤٧، و\"مشكل إعراب القرآن\" لمكي ٢/ ٣١٩، و\"الإنصاف\" ص ٣٥٢، و\"البيان في غريب الإعراب\" ٢/ ٥٢٥، ٣٨٥، ٤٥، و\"البسيط شرح جمل الزجاجي\" ٢/ ١٠٨٦، و\"الدر المصون\" ٤/ ٦٠٠، و\"همع الهوامع\" ٤/ ٢٧٦.\n(٢) ذهب البصريون إلى منع إضافة الموصوف إلى صفته؛ بحجة أن الإضافة إنما يراد بها التعريف والتخصيص، والشيء لا يتعرف بنفسه؛ لأنه لوكان فيه تعريف لكان مستغنيًا عن الإضافة، وإن لم يكن فيه تعريف كان بإضافته إلى اسمه أبعد من التعريف، وتأولوا شواهد الكوفيين وأزالوا ما يوهم إضافة الموصوف إلى صفته، بحمله على حذف المضاف إليه وإقامة صفته مقامه، وعليه فتقدير قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ﴾ أي: حق الأمرِ اليقين، وقوله: ﴿وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ﴾ تقديره: ولدارُ الساعةِ الآخرةِ. انظر الأصول في النحو ٢/ ٨، و\"إعراب القرآن\" للنحاس ٣/ ٣٤٧، و\"الإيضاح العضدي\" (٢٨٣)، و\"الخصائص\" ٣/ ٢٤، و\"مشكل إعراب القرآن\" لمكي ٢/ ٣١٩، ٣٥٥، ٤٩٠، و\"الإنصاف\" ص ٣٥٢، و\"البيان في غريب الإعراب\" ٢/ ٥٢٥، ٣٨٥، ٤٥، و\"شرح المفصل\" ٣/ ١٠، و\"تفسير أبي حيان\" ٥/ ٣٥٣، و\"الدر المصون\" ٤/ ٦٠٠، ويترجح في هذه المسألة قول الكوفيين؛ لصراحة أدلتهم التي ذكروها ولم تفتقر إلى التأويل الذي ذهب إليه البصريون؛ وما لا يحتاج إلى تأويل أولى بما يحتاج إلى تأويل.","vol":"12","page":451},{"text":"وعد الشيطان الإخلافُ، فدل ذلك على الصدق في وعد الله.\nوقوله تعالى: ﴿وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ﴾ الوعد يقتضي مفعولًا ثانيًا، وحُذف هاهنا للعلم به والتقدير: ووعدتكم أن لا جنّة ولا نار ولا حشر ولا حساب فأخلفتكم.\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ﴾ قال ابن عباس: يريد من حجة أحتج بها عليكم، أي: بما أظهرت لكم حجة (١)، ﴿إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ﴾ هذا من الاستثناء المنقطع؛ أي: لكن دعوتكم ﴿فَاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ (٢) قال: يريد فصدقتموني وقبلتم مقالتي، وقال أبو إسحاق: أي أغويتكم وأضللتكم فاتبعتموني (٣)، ﴿فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ حيث أجبتموني وطاوعتموني من غير سلطان ولا برهان، قال أهل المعاني: ولَوْم النفس يصح على الإساءة كما يصح حمدها على الإحسان (٤)، كما قال (٥):\n_________\n(١) انظر: \"تنوير المقباس\" ص ٢٧١، بمعناه، وورد بمعناه غير مشوب في \"تفسير الثعلبي\" ٧/ ١٥٠ أ، والبغوي ٤/ ٣٤٥، وابن الجوزي ٤/ ٣٥٧، و\"تفسير القرطبي\" ١٩/ ٣٥٦، وابن كثير ٢/ ٥٨١.\n(٢) هذا ما ذهب إليه معظم المفسرين؛ أن الاستثناء منقطع؛ لأن الدعاء ليس من جنس السلطان. انظر: \"تفسير الطبري\" ١٣/ ٢٠٠، والثعلبي ٧/ ١٥٠ أ، و\"البغوي\" ٤/ ٣٤٥، وابن عطية ٢٢٧/ ٨، وابن الجوزي ٤/ ٣٥٧، والفخر الرازي ١٩/ ١١١، و\"الإملاء\" ٢/ ٨٦، و\"الفريد في الإعراب\" ٣/ ١٥٧، و\"تفسير القرطبي\" ٩/ ٣٥٦، وأبي حيان ٥/ ٤١٨، و\"الدر المصون\" ٧/ ٨٨.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٥٨ بنصه.\n(٤) لم أقف على هذا القول في كتب المعاني ولا كتب اللغة، وهي قضية بدهية ظاهرة لا خلاف حولها، ولا أدري ما وجه الغرابة في لوم النفس على الإساءة حتى يستشهد على ذلك بالبيت.\n(٥) القائل هو الحارث بن خالد المخزومي، أحد شعراء قريش المعدودين الغزليين. \"الأغاني\" ٣/ ٣٠٨.","vol":"12","page":452},{"text":"صَحِبْتُك إذ عَيْنِي عليها غِشَاوةٌ ... فلما انْجَلَتْ قطَّعْتُ نَفْسِي ألُومُها (١)\nوقوله تعالى: ﴿مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ﴾ قال ابن عباس: يريد بمغيثكم ولا منقذكم (٢) وهو قول الجميع (٣).\nوقال ابن الأعرابي: المصارخ (٤) المُسْتَغيث، والمُصْرِخُ المُغِيثُ (٥)، يقال: صرخ فلان، إذا استغثاث وقال: واغوْثاه، وأصرختُه: أغثته، وقال الفراء: أصرخْتُ الرجل، إذا أغثته إصْراخًا، وقد صَرَخَ الصَّارخ يَصْرَخُ، ويَصْرُخُ لغة قليلة، صَرْخًا وصُرَاخًا (٦).\n_________\n(١) ورد في \"مجاز القرآن\" ١/ ٣١، و\"العقد الفريد\" ١/ ٣٠٣، و\"الأغاني\" ٣/ ٣١٤، و\"تفسير القرطبي\" ٩/ ١٩١، و\"اللسان\" (غشا) ٦/ ٣٢٦١، و\"الدر المصون\" ١/ ١١٥، ورواية المجاز والدر: (تبعْتُك) بدل (صَحِبْتُك).\n(٢) انظر: \"تفسير الفخر الرازي\" ١٩/ ١١٤ بنصه، و\"تنوير المقباس\" ص ٢٧١ بنصه.\n(٣) ورد بلفظه في: \"مجاز القرآن\" ١/ ٣٣٩، و\"غريب القرآن وتفسيره\" لليزيدي ١٩٧، و\"تفسير الطبري\" ١٣/ ٢٠٠، و\"جهرة اللغة\" ١/ ٥٨٦، و\"تهذيب اللغة\" (صرخ) ٤/ ١٩٩٩، و\"تفسير المشكل\" لمكي ص ٢١٤، وانظر: \"تفسير البغوي\" ٤/ ٣٤٥، و\"تذكرة الأريب في تفسير الغريب\" ص ٢٧٩، و\"تفسير أبي حيان\" ٥/ ٤١٩، و\"عمدة الحفاظ\" ٢/ ٣٨٢.\n(٤) هكذا في جميع النسخ، ولم أقف على هذا التصريف في المصادر اللغوية التي رجعت إليها والذي ذكره المصدر ومصادر اللغة (الصَّارخ) فلعله من تصحيف النساخ. انظر (صرخ) في \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٩٩٩، و\"المحيط\" ٤/ ١٤٥، و\"مقاييس اللغة\" ٣/ ٣٤٨، و\"الصحاح\" ١/ ٤٢٦، و\"اللسان\" ٤/ ٢٤٢٦، و\"التاج\" ٤/ ٢٨٧.\n(٥) ورد في \"تهذيب اللغة\" (صرخ) ٢/ ١٩٩٩ بنصه ونسبه الأزهري لأبي الهيثم.\n(٦) لم أقف عليه، والظاهر أنه من كتابه \"المصادر\" المفقود.","vol":"12","page":453},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيّ﴾ القراءة الصحيحة فتح الياء (١) وهو الأصل (٢).\nقال الزجاج: وذلك أن [ياء] (٣) الإضافة إذا لم يكن قبلها ساكن حُرِّكتْ إلى الفتح؛ نحو غلاميَ، وذلك أن الاسم المضمر لمّا كان علي حرف واحد وقد منع الإعراب، حرِّك بأخف الحركات (٤)، ويجوز إسكانها (٥)، لثقل (٦) الياء التي قبلها كسرة (٧)، وإذا كان قبل الياء ساكن حرَّكت إلى الفتح لا غير (٨)، لأن أصلها أن تحرك ولا ساكن قبلها، فإذا\n_________\n(١) هي قراءة الجمهور ماعدا حمزة، ولو وصفها بقراءة الأكثرين لكان أحسن؛ لأن وصفه لها بالصحة يوهم تبنِّيه لدعوى بعض النحويين في تضعيف قراءة حمزة، مع أنه رد عليهم في آخر المسألة. انظر: \"السبعة\" ص ٣٦٢، و\"إعراب القراءات وعللها\" ١/ ٣٣٥، و\"الحجة في القراءات\" ص ٢٠٣، و\"علل القراءات\" ١/ ٢٨٨، و\"الحجة للقراء\" ٥/ ٢٨، و\"المبسوط في القراءات\" ص ٢١٧، و\"حجة القراءات\" ص ٣٧٧، و\"الكشف عن وجوه القراءات\" ٢/ ٢٦، و\"تلخيص العبارات\" ص ١٠٨، و\"المُوضح في وجوه القراءات\" ٢/ ٧١٠، و\"الإتحاف\" ص ٢٧٢.\n(٢) تخصيصه قراءة الجمهور دون حمزة بهذا الوصف غير جيد أيضًا؛ لأنه يشعر بالتقليل من شأن قراءة حمزة وهي قراءة سبعية لا فرق بينها وبين القراءات الأخرى، ولأن الأصل في القراءة الرواية وليس القياس، فهي سنة متبعة وليس قواعد نحوية مقنَّنَه، ويقصد بالأصل: أي عند النحويين كما صرّح بذلك الأزهري في \"شرح التصريح على التوضيح\" ٢/ ٦٠.\n(٣) ما بين المعقوفين زيادة من المصدر ليستقيم الكلام.\n(٤) وهي الفتحة.\n(٥) أي الياء.\n(٦) في جميع النسخ (لنقل)، والتصويب من المصدر.\n(٧) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٥٩، نقله بتصرف يسير.\n(٨) وهذه حجتهم النحوية في رد قراءة حمزة؛ حيث قالوا إن أصل (مصرخيّ) مصرخين جمع مصرخ، أضيف لياء اليكلم فصارت (بمُصْرِخِيني) وحذفت النون للإضافة =","vol":"12","page":454},{"text":"كان قبلها ساكن صارت حركتُها لازمةً لالتقاء الساكنين؛ نحو: ﴿هُدَايَ﴾ [طه: ١٢٣]، و﴿وَمَحْيَاىَ﴾ [الأنعام: ١٦٢]، و﴿عَصَايَ﴾ [طه: ١٨] ونحو هذا قال الفراء (١)، وقراءة حمزة ﴿بِمُصْرِخِيَّ﴾ بكسر الياء (٢) وهو (٣) قراءة الأعمش (٤) ويحيى بن وثاب (٥).\n_________\n= فاجتمعت ياء الجمع -وهي ساكنة- وياء الإضافة، فلو سكناها لاجتمع ساكنان بمصرخِيْيْ فتعين الفتح، فلما اجتمع مِثْلان: الأول ساكن، والثاني متحرك وجب الإدغام، فصارت ياءً مفتوحة مشددةً\nانظر: \"إعراب القراءات وعللها\" ١/ ٣٣٥، و\"حجة القراءات\" ص ٣٧٧، و\"مشكل إعراب القرآن\" لمكي ١/ ٤٤٨، و\"الإملاء\" ٢/ ٦٨و\"سراج القارىء\" ص ٢٦٥.\n(١) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٧٥.\n(٢) انظر: \"السبعة\" ص ٣٦٢، و\"إعراب القراءات وعللها\" ١/ ٣٣٥، و\"علل القراءات\" ١/ ٢٨٨، و\"الحجة للقراء\" ٥/ ٢٨، و\"حجة القراءات\" ص ٣٧٧، و\"الكشف عن وجوه القراءات\" ٢/ ٢٦، و\"تلخيص العبارات\" ص ١٠٨، و\"المُوضح في وجوه القراءات\" ٢/ ٧٠٩، و\"الإتحاف\" ص ٢٧٢.\n(٣) هكذا في جميع النسخ، والسياق يقتضي أن تكون (وهي) لأن الضمير يعود على القراءة، وهي مؤنثة.\n(٤) انظر: \"علل القراءات\" ١/ ٢٨٩، و\"الحجة للقراء\" ٥/ ٢٩، و\"المُوضح في وجوه القراءات\" ٢/ ٧١٠، و\"إبراز المعاني\" ٣/ ٢٩٣، و\"سراج القارىء\" ص ٢٦٥، و\"النشر\" ٢/ ٢٩٩، و\"الإتحاف\" ص ٢٧٢.\n(٥) انظر: \"الحجة للقراء\" ٥/ ٢٩، و\"إبراز المعاني\" ٣/ ٢٩٣، و\"سراج القارىء\" ٢٦٥، و\"النشر\" ٢/ ٢٩٩، ويحيى بن وثاب هو: الإمام القدوة المقرىء، شيخ القراء بالكوفة في زمانه، تابعي ثقة حدّث عن ابن عباس وأبي هريرة، أخذ القراءة عن علقمة ومسروق، وأخذ عنه الأعمش، كان حسن الصوت بالقراءة، مات (١٠٣ هـ).\nانظر: \"غاية النهاية\" ٢/ ٣٨٠، و\"سير أعلام النبلاء\" ٤/ ٣٨٠، و\"تقريب التهذيب\" ٥٩٨ ص (٧٦٦٤).","vol":"12","page":455},{"text":"قال الفراء: ولعلها من وهْم القُرَّاء (١) فإنه قلَّ من سَلم منهم من الوهْم، ولعله ظن أن الباءَ (٢) في ﴿بِمُصْرِخِيَّ﴾ خافضةٌ للحرف كله، والياء من المتكلم خارجةٌ من ذلك، ومما يرى أنهم أوهموا فيه: ﴿نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ﴾ [النساء: ١١٥] ظنُّوا والله أعلم أن الجزم في الهاء، والهاءُ في موضع نصب، وقد انجزم الفعل قبلها بسقوط الياء منه، قال: وسمعت بعض العرب (٣) ينشد:\nقلت (٤) لَهَا هَل لَكِ يَا تَا فيِّ ... قالَتْ لنا ما أنتَ بالمَرْضِيّ (٥)\n_________\n(١) هذه اللفظة من أخف الألفاظ انتقادًا لهذه القراءة السبعية!! وكذلك الأسلوب؛ حيث عزا الخطأ فيما يظن أنه خطأ إلى القُراء لا القراءة، بخلاف بقية المنتقدين للقراءة خاصة البصرييين حيث بالغوا في انتقاد القراءة ووصفوها بأقذع الصفات؛ كالمنكرة، والرديئة، والمرذولة، والضعيفة، والمكروهة، وا الشاذة، وأنها لحن .. انظر: \"معاني القرآن\" للأخفش ٢/ ٥٩٩، و\"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٥٩، و\"إعراب القرآن\" للنحاس ٢/ ١٨٣، و\"تفسير الزمخشري\" ٢/ ٣٠٠، و\"الإملاء\" ٢/ ٦٨، و\"إبراز المعاني\" ٣/ ٢٩٤، و\"حاشية ياسين على شرح التصريح\" ٢/ ٦٠.\n(٢) في (ش)، (ع): (الياء) والمثبت موافق للمصدر.\n(٣) هو الأغلب العجلي، تأتي ترجمته في المفحة التالية، وكلمة (العرب) ساقطة من (د).\n(٤) في المصدر (قال) وهو الموافق لرواية جميع المصادر التي وقفت عليها ما عدا \"علل القراءات\" ١/ ٢٨٨.\n(٥) ورد البيت منسوبًا للأغلب في \"حاشية ياسين على شرح التصريح\" ٢/ ٦٠، و\"الخزانة\" ٤/ ٤٣٣، وورد غير منسوب في: \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٧٦، و\"الحجة في القراءات\" ٢٠٣، و\"المحتسب\" ٢/ ٤٩ [صدره]، و\"الفريد في الإعراب\" ٣/ ١٥٩، و\"تفسير أبي حيان\" ٥/ ٤١٩، (يا) حرف نداء، (تا) منادى؛ وهو اسم إشارة يشار به إلى المؤنث، (فيِّ) ضمير نصب متكلم أُشبعت كسرته فنشأ عنها ياء نحو منزلي من منزل والمعنى: أن رجلًا قال لامرأة تقدم ذكرها يا هذة المرأة، هل لك رغبة فيَّ؟ قالت له: لست بالمرضي فيكون لي رغبة فيك.","vol":"12","page":456},{"text":"فخفض الياء من (فيِّ) فإن يك ذلك صحيحًا، فهو مما يلتقي من الساكنين فيُخفض الآخِرُ منهما، وإن كان له أصل في الفتح، ألا ترى أنهم يقولون: لي أره منذ (١) اليوم، والرفع في الذال هي (٢) الوجه (٣)، والخفض جائز، فكذلك الياء من مصرخيّ خفضت ولها أصل في النصب، انتهى كلامه، (٤). وقال أبو إسحاق: هذه القراءة عند جميع النحويين ردية مرذولة لا وجه لها إلا وُجَيْه (٥) ضعيف! وهو ما أجازه الفراء من الكسر على أصل التقاء الساكنين، وأنشد:\nقالَ لَهَا هَل لكِ يا تا فيِّ ... قالَتْ له ما أنْتَ بالمَرْضِي\nوهذا الشعر مما لا يُلتفت إليه، فليس يُعرف قائل هذا الشعر من العرب (٦)،\n_________\n(١) في المصدر المنقول عنه (مُذُ).\n(٢) الأولى (هو) لأنه يعود على مذكر، وكذلك هو في المصدر.\n(٣) لأنها مبنية على الضم. [اللمع في العربية ص ١٣١]، وقد اعترض السمين على الفراء في استشهاده على المسألة بهذا المثال لاختلافهما؛ حيث لم يتوال الكسر في المثال بخلاف القراءة المستشهد لها \"الدر المصون\" ٧/ ٩٤.\n(٤) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٧٥، نقل طويل تصرف فيه.\n(٥) هكذا وردت مصغرة في جميع النسخ مع أنها في المصدر مكبرة (وجه) فلعل لذلك دلالة إن كان من فعل الواحدي لا النُسَّاخ، وهو المبالغة في تضعيف هذا الوجه الذي يُحتج به للقراءة من جهة النحو.\n(٦) بلى قد عُرف قائله، هو الأغلب العجلي، ولم يكن نكرة بل هو علَم في عدة ميادين: فقد عدّه ابن الأثير وابن حجر في الصحابة، ومن شهداء الإسلام في نهاوند. انظر: \"أسد الغابة\" ١/ ١٢٦، و\"الإصابة\" ١/ ٢٢٥ وعدّه ابن قتيبة أرجزَ الرُجّاز، لأنه أول من شبّه الرجز بالقصيد وأطاله، وقبله بيتان أو ثلاثة انظر: \"الشعر والشعراء\" ص ٤٠٧، بل لقد بلغ من شهرته أن ينتسب إليه السثمهورون، يقول العجاج: إني أنا الأغلب أضْحَى قد نُشر. المصدر السابق، وأكد أبو شامة نسبة =","vol":"12","page":457},{"text":"ولا هو مما يحتج به (١) في كتاب الله (٢).\nقال أبو علي: زعم قطرب أن هذا لغة في بني يربوع (٣)؛ يزيدون على ياء (الإضافة ياء) (٤) وأنشد:\nماضٍ إذا ما هَمَّ بالمُضِىّ (٥) ... قال لَهَا هل لكِ يا تا فيِّ\nقال: ووجه ذلك من القياس أن الياء ليست تخْلُو من أن تكون في موضع نصب أو جر، فالياء في النصب والجر كالهاء فيهما، وكالكاف في: أكبر منك (٦)، وهذا لك، فكما أن الهاء قد لحقتها الزيادة (٧) في قولك: هذا الشيء لَهُو، وضَرَبَهُو، ولحق الكاف أيضًا الزيادة (٨) في قول من قال: أعْطيْتُكاه وأعطيْتُكِيه، فيما حكاه سيبويه (٩) وهما أختا الياء، وكما لحقت\n_________\n= البيت للعجلي بأنه رأه في كتابه انظر: \"إبراز المعاني\" ٣/ ٢٩٥، فواعجبًا من دعوى الزجاج في استجهال هذا العَلَم.\n(١) بلى هو مما يحتج به لتعضيد ثبوت قراءة متواترة تعرضت للإنكار.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٥٩، نقله بتصرف.\n(٣) هم أبناء يربوع بن حنظلة بن مالك، من العدنانية، وبنوه: رياح، وثعلبة، والحارث، وعمرو، وصُبَير، كانوا يُسمَّون الأحمال وبنوه: كُليب، وغُدَانة، والعَنبر سُمُّوا العقداء؛ لأنهم تعاقدوا على أخيهم رياح، وصار الأحمال مع بني رياح. انظر: \"الاشتقاق\" ص ٢٢١، و\"جمهرة أنساب العرب\" ص ٢٢٨، ٤٦٧، و\"نهاية الأرب\" ص ٣٩٨.\n(٤) ففي هذه اللغة ينطقون (فيَّ) هكذا (فِيِيّ) \"المُوضح في وجوه القراءات\" ٢/ ٧١٠، وما بين القوسين ساقط من (د).\n(٥) في جميع النسخ (بالمرضي) والتصويب من المصدر.\n(٦) في (أ)، (د): (أكرمتك)، والمثبت من (ش)، (ع)، وهو موافق للمصدر.\n(٧) وهي الواو.\n(٨) وهي الألف والياء.\n(٩) \"الكتاب\" ٤/ ٢٠٠، وأمثلته مختلفة؛ فقد مثَل للمؤنث بـ: أُعْطِيكيها وأُعْطيكيه، وللمذكر بـ: أُعْطيكَاهُ وأُعْطيكَاها.","vol":"12","page":458},{"text":"التاء الزيادة في نحو ما أنشد (١):\nرَمَيْتِيهِ فأصمَيْتِ ... وما أخْطَاتِ الرَّمْيَه (٢)\nكذلك ألحقوا الياء الزيادة من المدّ، فقالوا: (فِيِّي) ثم حذفت الياءُ الزائدة على الياء (٣) كما حذفت من الهاء في قوله (٤):\nوما لَهُ من مَجْدٍ تَلِيد (٥)\nوكما حذفت الزيادة من الكاف، في قول من قال: أَعْطيْتُكه\n_________\n(١) لم أقف على قائله، ونسبه عبد السلام هارون في فهرسته \"للخزانة\" ١٢/ ٢٨٠ للوليد بن يزيد (ت ١٢٦ هـ).\n(٢) ورد في \"الحجة للقراء\" ٤/ ٤١٦، ٥/ ٣٠، و\"مشكل إعراب القرآن\" ١/ ٤٤٩، و\"الفريد في الإعراب\" ٣/ ١٦٠، و\"إبراز المعاني\" ٣/ ٢٩٧، و\"الدر المصون\" ٧/ ٩٣، و\"الخزانة\" ٥/ ٢٦٨، برواية (فأقصدتِ) بدل (فأصميْت) ولا يختلف المعنى؛ لأن معنى الكلمتين واحد، هو: القتل، والشاهد: زيادة الياء في (رميتيه) والأصل (رميته) دون ياء؛ كما قيل (أقصدت) بدون ياء.\n(٣) في (ش)، (ع): (التاء)، والمثبت منسجم مع السياق وموافق للمصدر.\n(٤) القائل هو الأعشى (جاهلي) أدرك الإسلام ولم يسلم، مات سنة (٧ هـ).\n(٥) والبيت بتمامه:\nوماله من مجد تليد ولا له ... من الريح حظٌّ لا الجنُوبُ ولا الصَّبَا\n\"ديوانه\" ص ١٧٥، وروايته:\nوما عنْده مجدٌ تليدٌ ولا لَهُ ... من الريح فضلٌ لا الجنُوبُ ولا الصَّبَا\nوورد في \"الكتاب\" ١/ ٣٠، و\"شرح شواهد الإيضاح\" ٤٥٨، وورد بلا نسبة في \"المقتضب\" ١/ ٣٨، و\"سر صناعة الإعراب\" ٢/ ٦٣٠، و\"الإنصاف\" ص ٤٠٧، والشاهد في قوله: (وماله) حيث اختلس ضمة الهاء اختلاسًا ولم يشبعها حتى تنشأ عنها واو، لذلك فإن رواية الديوان ليس فيها الشاهد؛ لأن الهاء في (عنده) مشبعة غير مختلسة. \"الانتصاف بهامش الإنصاف\" ٢/ ٥١٦.","vol":"12","page":459},{"text":"وأَعطيتُكِه (١)، كذلك حذفت الياء اللاحقة للياء كما حذفت من أختيها (٢) وأُقرَّت الكسرة التي كانت تلي الياء المحذوفة، فبقيت الياء على ما كانت عليه من الكسرة (٣)، فإذا كانت هذه الكسرة في الياء على هذه (٤) وإن كان غيرها أفشى منها، وعضَّده من القياس ما ذَكَرْنا، لم (٥) يجز لقائل أن يقول: إن القراءة بذلك لحن؛ لاستقامة (٦) ذلك في السماع والقياس (٧)، وما كان كذلك لا يكون لحنًا (٨).\nقوله تعالى: ﴿إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ﴾ ما هاهنا بمعنى المصدر؛ أي: كفرت بإشراككم إيَّاي (٩) مع الله في الطاعة (١٠)، قال\n_________\n(١) في جميع النسخ (أعطيتكيه)، والمثبت مصوب من المصدر وبه يستقيم الكلام.\n(٢) أي الزيادة في الهاء والكاف في الأمثلة السابقة.\n(٣) توضيح ذلك: أن اللفظة على لغة بني يربوع (مصرِخِيِّيِ) فحذفت الياءُ الثانية فأصبحت (مصرِخِيِّ).\n(٤) أي لغة بني يربوع.\n(٥) في (د): (مالم).\n(٦) هكذا في جميع النسخ، وفي المصدر (لاستفاضة) وهو أصوب لأن الاستفاضة من عوارض الرواية.\n(٧) الأصل في القراءة الرواية والسماع لا القياس؛ لأن القراءة سنة متَّبعة فإذا ثبتت الرواية، لم تفتقر إلى قياس ولم يردها قياس، يقول أبو عمرو الداني -﵀-: وأئمة القراء لا تعمل في شيء من حروف القرآن على الأفشى في اللغة، والأقيس في العربية، بل على الأثبت في الأثر والأصح في النقل والرواية، إذا ثبت عنهم لم يردها قياس عربية ولا فشو لغة؛ لأن القراءة سنة متبعة يلزم قبولها والمصير إليها. \"النشر\" ١/ ١٠.\n(٨) \"الحجة للقراء\" ٥/ ٢٩، وهو نقل طويل من قوله: قال أبو علي، تصرّف فيه بالتقديم والتأخير والاختصار.\n(٩) في (أ)، (د): (آياتي)، والمثبت من (ش)، (ع).\n(١٠) انظر: \"تفسير ابن الجوزي\" ٤/ ٣٥٧، و\"الفخر الرازي\" ١٩/ ١١٥، و\"تفسير =","vol":"12","page":460},{"text":"الزجاج: إني كفرت بشرككم أيُّها التُّباع إيّاي بالله (١) وهذا معنى قول ابن عباس: يريد: إني (٢) جحدت بما كنتم تطيعوني في الدينا؛ وتلخيصه: جحدت أن أكون شريكًا لله فيما أشركتموني (٣)، وقال الفراء: ﴿إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ﴾ هذا من قول إبليس؛ يعني: كفرت بالله الذي أشركتموني به، أي: كفرت به من قبلكم فجعل (ما) في مذهب ما يؤدى عن الاسم (٤)، وعلى هذا القول (ما) بمعنى (مَنْ) والقول هو الأول.\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ الظَّالِمِينَ﴾ قال ابن عباس: يريد المشركين (٥)، قال المفسرون: هم الذين وضعوا العبادة والطاعة في غير موضعها (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1887>٢٣ </span>- قوله تعالى: ﴿تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ﴾ ذكرنا معنى التحية عند قوله: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ﴾ [النساء: ٨٦] قال ابن عباس: يريد أن الله يُحيِّهم بالسلام من عنده، وبعضهم يُحَيِّ بعضا بالسلام (٧) وعلى هذا\n_________\n= القرطبي\" ٩/ ٣٥٨، و\"الفريد في إعراب القرآن\" ٣/ ١٦١.\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٦٠، نقله بنصه.\n(٢) في جميع النسخ (إن) والصواب ما أثبته، وبه يستقيم الكلام.\n(٣) لم أقف عليه. وورد تلخيصه بنصه في \"تفسير الثعلبي\" ٧/ ١٥٠ أ، و\"الوسيط\" تحقيق سيسي ١/ ٣١٩، و\"الوجيز\" ١/ ٥٨١.\n(٤) \"معاني القرآن\" للفراء٢/ ٧٦ بنصه تقريبًا.\n(٥) ورد قوله بنصه بلا نسبة في تفسيره \"الوسيط\" تحقيق سيسي ١/ ٣١٩، و\"الوجيز\" ١/ ٥٨١، و\"تفسير ابن الجوزي\" ٤/ ٣٥٧.\n(٦) ورد في \"تفسير الثعلبي\" ٧/ ١٥٠ ب، بنصه.\n(٧) انظر: \"تفسير ابن الجوزي\" ٤/ ١١، لكنه جعل التحية من الملائكة لا من الله، وفي \"تنوير المقباس\" ص ٢٧١، قال: يسلم بعضهم على بعض إذا تلاقوا، =","vol":"12","page":461},{"text":"قوله: ﴿تَحِيَّتُهُمْ﴾ مصدر مضاف، فإن جعلته مضافًا إلى الفاعل فهو تحية بعضهم بعضًا، وإن جعلته مضافًا إلى المفعول فهو تحية الله إيّاهم والملائكة، وقد ذكر ابن عباس الوجهين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1888>٢٤ </span>- قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا﴾ أي: بيّن الله شِبْهًا، ثم فسَّر ذلك المثل، فقال: ﴿كَلِمَةً طَيِّبَةً﴾ قال ابن عباس: يريد لا إله إلا الله (١)، وهو قول عامة المفسرين (٢).\nوقوله تعالى: ﴿كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء:\n_________\n= وخلاصة القول في التحية أنها ثلاثة أنواع: تحية الله لهم، وتحية الملائكة لهم، وتحية بعضهم لبعض، ومن جعلها نوعين فقد جعل تحية الملائكة ضمن تحية الله؛ أي أن الملائكة ينقلون إليهم تحية الله.\nانظر: \"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢٥٥، و\"الثعلبي\" ٧/ ١٥٠ب، و\"الماوردي\" ٣/ ١٣١، و\"البغوي\" ٤/ ٣٤٦، و\"الثعلبي\" ٤/ ١١، و\"الخازن\" ٣/ ٧٦، و\"تفسير الشوكاني\" ٣/ ١٥٥، و\"صديق خان\" ٦/ ٢٣.\n(١) أخرجه الطبري ١٣/ ٢٠٣ بنصه من طريق ابن أبي طلحة صحيحة، والبيهقي في \"الأسماء والصفات\" ١/ ٢٧٣ (٢٠٦) بنصه، وورد في \"معاني القرآن\" للنحاس ٣/ ٥٢٦ بنصه، وانظر: \"تفسير الزمخشري\" ٢/ ٣٥١، وابن عطية ٨/ ٢٣٢، و\"ابن الجوزي\" ٤/ ٣٥٨، و\"الفخر الرازي\" ١٩/ ١٢٥، و\"تفسير القرطبي\" ٩/ ٣٥٩، وابن كثير ٢/ ٥٨٢، و\"الدر المنثور\" ٤/ ١٤٢، وزاد نسبته لابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(٢) ورد بنصه في \"تفسير مقاتل\" ١/ ١٩٣ أ، والسمرقندي ٢/ ٢٠٥، هود الهوارى ٢/ ٣٢٦، و\"الثعلبي\" ٧/ ١٥٠ ب، و\"تفسير المشكل\" لمكي ٢١٤، وانظر: \"تفسير البغوي\" ٤/ ٣٤٦، و\"تذكرة الأريب في تفسير الغريب\" ٢٧٩، و\"تفسير ابن كثير\" ٢/ ٥٨٢.","vol":"12","page":462},{"text":"يريد النخلة (١)، وهو قول أكثر أهل التأويل (٢)، وأراد: كشجرة طيبة\n_________\n(١) أخرج الطبري ١٣/ ٢٠٦، بلفظه من طريق سعيد بن جبير صحيحة، وورد بلفظه في \"معاني القرآن\" للنحاس ٣/ ٥٢٦، وانظر: \"تفسير الخازن\" ٣/ ٧٦، وأورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ١٤٤ وزاد نسبته إلى الفريابي وسعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي هاشم وابن مردويه من طرق، وورد عن ابن عباس بأنها شجرة في الجنّة. انظر: \"تفسير الثعلبي\" ٧/ ١٥١ أ، و\"البغوي\" ٤/ ٣٤٦، وابن عطية ٨/ ٢٣٤، و\"ابن الجوزي\" ٤/ ٣٥٨، و\"تفسير القرطبي\" ٩/ ٣٦١، و\"الخازن\" ٣/ ٧٧، وورد عنه كذلك: أنها المؤمن. انظر: \"تفسير الطبري\" ١٣/ ٢٠٤، و\"الأسماء والصفات\" للبيهقي ١/ ٢٧٣ (٢٠٧)، و\"تفسير الخازن\" ٣/ ٧٧، وابن كثير ٢/ ٥٨٢، و\"الدر المنثور\" ٤/ ١٤٢، وزاد نسبته لابن أبي حاتم. ولاخلاف بين هذه الأقوال؛ لأن المقصود بالمثل المؤمن، والنخلة مشبهة به، وهو مشبّه بها، كما في صحيح البخاري (٢٢٠٩)، كتاب: البيوع، بيع الجُمَّار وأكله: عن ابن عمر ﵁ قال: قال رسول - ﷺ -: \"من الشجر شجرةٌ كالرجلِ المؤمن\"، فأردت أن أقول: هي النخلة، فإذا أنا أحدثهم، قال: هي النخلة، وفي رواية له: \"إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها، وإنها مَثَلُ المسلم .. \" (٦١) كتاب العلم، قول المحدث حدثنا، وأما كونها شجرة في الجنة غير معينة فلأن النخلة من أشرف الأشجار، فهي أولى من ينطبق عليها الصفات المذكورة في الآية. انظر: \"تفسير الطبري\" ١٣/ ٢٠٤ - ٢٠٥، وابن عطية ٨/ ٢٣٤، \"الأمثال\" لابن القيم ص ٢٣٢.\n(٢) أخرجه عبد الرزاق ٢/ ٣٤٢، بلفظه عن أنس، والطبري ١٣/ ٢٠٤ - ٢٠٦، بلفظه من عدة روايات عن أنس وابن مسعود ومسروق ومجاهد وعكرمة والضحاك وقتادة وابن زيد، وورد بلفظه في: \"الغريب\" لابن قتيبة ١/ ٢٣٦، و\"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢٠٥، وهود الهواري ٢/ ٣٢٦، و\"الثعلبي\" ٧/ ١٥٠ ب، و\"الماوردي\" ٣/ ١٢٣، و\"تفسير المشكل\" ص ٢١٤، وأورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ١٤٤، وزاد نسبته إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم والرامهرمزي.","vol":"12","page":463},{"text":"الثمرة، فاستغنى عن ذكرها بدلالة الكلام عليها، ﴿أَصْلُهَا﴾ أي: أجل هذه الشجرة الطيبة ﴿ثَابِتٌ﴾، ﴿وَفَرْعُهَا﴾: أعلاها، قال: ﴿فِي السَّمَاءِ﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1889>٢٥ </span>- ﴿تُؤْتِي﴾ أي هذه الشجرة، ﴿أُكُلَهَا﴾: ثمرها وما يؤكل منها، ﴿كُلَّ حِينٍ﴾ الحين: وقت من الزمان قلَّ أو كثُر، طال أو قَصُر (١)، واختلفوا في المراد بالحين هاهنا؛ فقال ابن عباس في رواية عطاء: يريد ستة أشهر (٢)، وهو قول سعيد بن جبير وقتادة والحسن قالوا: ما بين صرامها (٣) إلى حملها ستة أشهر (٤).\nوقال مجاهد وابن زيد: كل سنة (٥)، وهو قول ابن عباس في رواية\n_________\n(١) انظر: \"مقاييس اللغة\" ٢/ ١٢٥، و\"اللسان\" (حين) ٢/ ١٠٧٣، و\"عمدة الحفاظ\"١/ ٥٤٩.\n(٢) أخرجه الطبري ١٣/ ٢٠٨ بنصه من طريق سعيد بن جبير صحيحة، وورد بنصه في: \"معاني القرآن\" للنحاس ٣/ ٥٢٧، والسمرقندي ٢/ ٢٠٦، و\"الثعلبي\" ٧/ ١٥١ ب، انظر: \"تفسير ابن عطية\" ٨/ ٢٣٦، وابن الجوزي ٤/ ٣٥٩، و\"الفخر الرازي\" ١٩/ ١٢٠.\n(٣) الصِّرام بكسر الصاد وفتحها: أوان نُضج الثمرة وجَنْيها. انظر: \"اللسان\" (صرم) ٤/ ٢٤٣٨، و\"متن اللغة\" ٣/ ٤٤٩.\n(٤) أخرجه الطبري ١٣/ ٢٠٨ بنصه عن ابن عباس من طريق سعيد بن جبير، وأخرج ١٣/ ٢٠٩، عن قتادة والحسن قالا: ما بين الستة الأشهر والسبعة.\nوورد في \"تفسير الثعلبي\" ٧/ ١٥١ ب بنصه عنهم، و\"الماوردي\" ٣/ ١٣٢ بمعناه عن الحسن، و\"الطوسي\" ٦/ ٢٩١ بنحوه عن سعيد والحسن.\nوانظر: \"تفسير البغوي\" ٤/ ٣٤٧ بنحوه عنهم.\n(٥) \"تفسير مجاهد\" ١/ ٣٣٤، بلفظه، أخرجه الطبري ١٣/ ٢٠٩ بنصه عنهما، وورد بنصه في: \"تفسير الثعلبي\" ٧/ ١٥١ أ، عنهما، و\"الماوردي\" ٣/ ١٣٢ عن مجاهد، و\"الطوسي\" ٦/ ٢٩١ عنهما.","vol":"12","page":464},{"text":"عكرمة؛ قال: هو ما (بين العام إلى العام) (١) المقبل (٢)، وقال في رواية أبي ظَبيان (٣): كل حين: كل غدوة وعشية (٤)، وهو قول الربيع بن أنس (٥).\nوقال سعيد بن المُسيَّب: كل حين يعني: شهرين؛ لأن مدة إطعام النخلة شهران (٦)، قال أهل التأويل وأهل المعاني: شبَّه الله تعالى الإيمان\n_________\n(١) ما بين القوسين ساقط من: (ش)، (ع).\n(٢) أخرجه الطبري ١٣/ ٢٠٩ - ٢١٠ بنصه عن عكرمة صحيحة، وأورده في \"الدر المنثور\" ٤/ ١٤٤ عن عكرمة، والظاهر تلقَّاه عه. وورد لهذا الطريق في \"تفسير السمرقندي\" ٢/ ١٠٦، لكنه قال: الحين: ما بين الثمرتين؛ يعني سنة. وورد تفسير الحين بـ (سنة) عن ابن عباس من طريق عطاء بن السائب صحيحة في \"تفسير الطبري\" ١٣/ ٢١٠.\n(٣) في جميع النسخ: (ابن) والصحيح أبي ظبيان كما في تفسيرالطبري وكتب التراجم.\n(٤) أخرجه الطبري ١٣/ ٢٠٧ بنصه بعدة روايات من هذه الطريق، وورد بنصه في \"معاني القرآن\" للنحاس ٣/ ٥٢٨، و\"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢٠٦، والثعلبي ٧/ ١٥١ ب، والماوردي ٣/ ١٣٣، والطوسي ٦/ ٢٩١.\n(٥) أخرجه الطبري ١٣/ ٢٠٩ بنصه، وورد في \"تفسير الثعلبي\" ٧/ ١٥١ ب بنصه، وانظر: \"تفسير البغوي\" ٤/ ٣٤٧، وابن عطية ٨/ ٢٣٦.\n(٦) أخرجه الطبري ١٣/ ٢١٠ بنحوه، وورد بنحوه في \"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢٠٦، والشعبي ٧/ ١٥١ ب، وانظر: \"تفسير البغوي\" ٤/ ٣٤٧، وابن عطية ٨/ ٢٣٦، و\"ابن الجوزي\" ٤/ ٣٥٩، والفخر الرازي ١٩/ ١٢٠، و\"الدرا لمنثور\" ٤/ ١٤٥، وزاد نسبته إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي، هذه الأقوال التي وردت في تفسير (الحين) تندرج تحت قاعدة اختلاف التنوع، ولا تناقض بينها لأمرين: الأول: أن (الحين) يحتمل كل هذه المعانى في اللغة؛ إذ يطلق على الوقت القليل والكثير.\nالثاني: أن كل مفسر نظر في تفسيره مق زاوية تختلف عن الآخر: فمر فسره بـ (سنة) أشار إلى أن النخلة لا تحمل في السنة إلا مرة واحدة، ومن فسره بـ (ستة أشهر) أشار إلى ما بين حملها وصرامها، ومن فسره بـ (شهرين) أشار إلى مدة الجني في =","vol":"12","page":465},{"text":"بالنخلة لثبات الإيمان في قلب المؤمن كثبات النخلة في مَنْبِتها، وشبَّه ارتفاع (عمله إلى السماء بارتفاع) (١) فروع النخلة، وشبَّه ما يكسبه المؤمن من بركة الإيمان وثوابه في كل وقت وزمان، بما ينال من ثمرة النخلة في أوقات [السنّة] (٢) كلها؛ من الرطب والتمر وما يجري مجراهما مما لا يعدم ولا ينقطع وجوده (٣).\nوقال الزجاج: جعل الله مَثل المؤمن في نُطْقه بتوحيده (٤)، والإيمان بنبيّه واتّباع شريعته الشجرة الطيبة؛ فجعل نفع الإقامة على توحيده كنفع الشجرة التي لا ينقطع نفعُها وثمرها (٥)، وقال آخرون: إنما مَثَّلَ الله سبحانه الإيمان بالشجرة؛ لأن الشجرة لا تستحق أن تسمّى شجرة إلا بثلاثة أشياء: عرق راسخ، وأصل قائم، وفرع عال، كذلك الإيمان لا يتم إلا بثلاثة\n_________\n= النخل، ومن فسره بـ (الغدوة والعشية) أشار إلى أن ثمرتها تؤكل دائمًا؛ صيفًا وشتاءً، وقد رجح الطبري قول من فسره بـ (الغدوة والعشية)؛ وذلك لكون الآية ضُربت مثلًا لعمل المؤمن وإخلاصه ورفع عمله إلى الله، وهذا إنما يكون في كل يوم وليلة لا كل شهر أو سنة. انظر: \"تفسير الطبري\" ١٣/ ٢١٠، وابن عطية ٨/ ٢٣٧، و\"ابن الجوزي\" ٤/ ٣٥٩، و\"تفسير القرطبي\" ٩/ ٣٦٠.\n(١) ما بين القوسين ساقط من: (ش)، (ع).\n(٢) ما بين المعقوفين زيادة يقتضيها السياق، كما في تفسيره \"الوسيط\" تحقيق سيسي ١/ ٣٢١، و\"الوجيز\" ١/ ٥٨٢.\n(٣) لم أقف عليه في كتب المعاني المطبوعة، وورد هذا المعنى مختصرًا وبعبارات متقاربة في \"تفسير الطبري\" ١٣/ ٢١٠، والسمرقندي ٢/ ٢٠٦، و\"الماوردي\" ٣/ ١٣١، وانظر: \"تفسير البغوي\" ٤/ ٣٤٦ - ٣٤٧، وابن عطية ٨/ ٢٣٣، وابن الجوزي ٤/ ٣٥٩، و\"تفسير القرطبي\" ٩/ ٣٦١، وابن كثير ٢/ ٥٨٢.\n(٤) في (ش)، (ع): (توحيده)، بدون باء\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٦٠، ونقله بنصه.","vol":"12","page":466},{"text":"أشياء: تصديق بالقلب، وقول باللسان، وعمل بالأبدان (١).\nقال ابن الأنباري: وكان غير مستنكر تشبيه الكلمة بالشجرة وهي من غير جنسها، كما لا يُستَنكر تشبيه الناس بالأسد والأقمار والبحار، وجنس الإنسان يخالف هذه الأجناس، ومعروف من كلامهم: عبد الله الشمسَ طالعة، وزيدٌ القمرَ منيرًا، وعمرو الأسدَ عاديًا (٢)، وبكر البحر زاخرًا (٣).\nوقال أبو إسحاق في قوله: ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ﴾: جميع من شاهدنا من أهل اللغة يذهب إلى أن الحين اسم كالوقت، يصلح لجميع الأزمان كلها، طالت أم قصُرت، والمعنى في ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ﴾: أنها يُنتفع بها في كل وقت، لا ينقطع نفعها البتة، قال: والدليل على أن الحين بمنزلة الوقت قول النابغة في صفة الحيَّة والملدوغ:\nتَنَاذَرَها (٤) الرَّاقُون من سُوء سَمِّها ... تُطَلِّقُه حِينًا وحِينًا تُراجِعُ (٥)\n_________\n(١) ورد في \"تفسير الثعلبي\" ٧/ ١٥٢ ب، بتصرف يسير، وانظر: \"تفسير البغوي\" ٤/ ٣٤٧، والبقاعي ٤/ ١٨٥، و\"حاشية الصاوي على الجلالين\" ٢/ ٢٨٤، و\"تفسير الألوسي\" ١٣/ ٢١٦، وصديق خان ٧/ ١١٠.\n(٢) في (أ)، (د): (عاريًا)، والمثبت من: (ش)، (ع) وهو الصحيح المتفق مع المعنى، والظاهر أن الدال تصحفت إلى راء.\n(٣) الزَّخَرُ: من خصائص البحر، يقال: زَخَرَ يزْخَرُ زَخْرًا وزُخورًا، إذا جاش ماؤه وارتفعت أمواجه. انظر (زخر) في \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٥١٩، و\"المحيط في اللغة\" ٤/ ٢٧٥.\n(٤) في جميع النسخ (تبادرها) بالباء والدال من المبادرة، وهو تصحيف؛ إذ لا معنى للمبادرة هنا، ويؤيده أن رواية الديوان وجميع المصادر (تناذرها) من الإنذار؛ وهو التخويف، أي خوف بعضهم بعضا بأن تلك الأفعى من خبثها لا تجيب راقيًا.\n(٥) البيت للنابغة الذبياني، و\"ديوانه\" ص ٥٤، وورد في \"المعاني الكبير\" ٢/ ٦٦٣، =","vol":"12","page":467},{"text":"قال: المعنى أن السمَّ يخفُّ ألمه وقتًا ويعود وقتًا (١)، فعلى هذا، الاختيار: أن يكون المعنى ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ﴾: أي: كل وقت في جميع السنة، وهو قول الضحاك، قال: كل ساعة، ليلًا ونهارًا، شتاءً وصيفًا، تُؤكل في جميع الأوقات، كذلك المؤمن لا يخلو من الخير في الأوقات كلها (٢)، وقد قال ابن عباس: يريد ستة أشهر طلعٌ رَخْصٌ (٣) وستة أشهر رُطبٌ رَطيبٌ (٤)، فبين أن الانتفاع بالنخلة دائم في جميع السنة.\nوقوله تعالى: ﴿وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ﴾ قال ابن عباس: يريد أهل مكة (٥)، ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾: لكي يتعظوا.\n_________\n= و\"الكامل\" للمبرد ٣/ ١٣٠، و\"جمهرة اللغة\" ٢/ ٩٢٢، و\"تهذيب اللغة\" (حان) ١/ ٧١٤، \"الإيضاح العضدي\" ١/ ٢٠٣، و\"الصحاح\" (نذر) ٢/ ٨٢٦، و\"معاني القرآن\" للنحاس ٣/ ٥٢٩، و\"تفسير الماوردي\" ٣/ ١٣٢، و\"المخصص\" ٩/ ٦٥، و\"تفسير القرطبي\" ٩/ ٣٦٠، و\"اللسان\" (حين) ٢/ ١٠٧٤، و\"الخزانة\" ٢/ ٤٥٩، (تطلَّقه): أي تفارقه وتخفى الأوجاع أحيانًا، وتارة تشتد عليه، وهكذا حال اللديغ، ورواية الديوان والكامل والخزانة:\nتطلِّقُه طورًا وطورًا تراجع\nولا فرق في المعنى؛ لأن الطور كالحين، لكن لا شاهد على هذه الرواية.\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٦١ بنصه، وورد في \"تهذيب اللغة\" (حان) ١/ ٧١٤ بنصه.\n(٢) أخرجه الطبري ١٣/ ٢٠٨ بنحوه، وورد في \"معاني القرآن\" للنحاس ٣/ ٥٢٨ بنحوه، و\"تفسير الثعلبي\" ٧/ ١٥١ ب بنصه. وانظر: \"تفسير القرطبي\" ٩/ ٣٦٠.\n(٣) الرَّخْص: الشيء الناعم اللين. انظر: \"المحيط في اللغة\" (رخص) ٤/ ٢٤٥.\n(٤) أورده الواحدي بنصه غير منسوب في \"الوجيز\" ١/ ٥٨٢.\n(٥) ورد في تفسيره \"الوسيط\" تحقيق سيسي ١/ ٣٢١ بنصه.","vol":"12","page":468},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1890>٢٦ </span>- قوله تعالى: ﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ﴾ يعني: الشرك بالله في قول الجميع (١)، ﴿كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء: يريد الثوم (٢)، وروى مقاتل عن الضحاك عنه (٣) قال: هي الكُشُوث (٤)، وقال\n_________\n(١) ورد بلفظه في \"تفسير مقاتل\" ١/ ١٩٣ أ، و\"الغريب\" لابن قتيبة ١/ ٢٣٦، و\"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢٠٦، وهود الهواري ٢/ ٣٢٧، و\"الثعلبي\" ٧/ ١٥٢ ب، و\"تفسير المشكل\" ص ٢١٤، وانظر: \"تفسير البغوي\" ٤/ ٣٤٨، والزمخشري ٢/ ٣٠١.\n(٢) ورد في تفسيره \"الوسيط\" تحقيق سيسي ١/ ٣٢١، بلفظه، وانظر: \"غرائب التفسير\" ص ٥٧٩، و\"تفسير ابن الجوزي\" ٤/ ٣٦١، و\"تفسير القرطبي\" ٩/ ٣٦٢، و\"الخازن\" ٣/ ٧٧، وورد عن ابن عباس أنه فسرها بقوله: هذا مثل ضربه الله، ولم تخلق هذه الشجرة على وجه الأرض. أخرجه الطبري ١٣/ ٢١١، وورد في \"تفسيرالثعلبي\" ٧/ ١٥٢ ب، و\"الماوردي\" ٣/ ١٣٤، و\"ابن الجوزي\" ٤/ ٣٦٠، و\"القرطبي\" ٩/ ٣٦٢، و\"الدر المنثور\" ٤/ ١٤٥، وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم، و\"تفسير الألوسي\" ١٣/ ٢١٥.\n(٣) أي ابن عباس.\n(٤) ورد في تفسيره \"الوسيط\" تحقيق سيسي ١/ ٣٢١، بلفظه، وانظر: \"تفسير ابن الجوزي\" ٤/ ٣٦٠، و\"الخازن\" ٣/ ٧٧، و\"الألوسي\" ١٣/ ٢١٥ الكُشُوث: بالفتح وبالضم، وبالفتح أفصح، ويروى مقصورًا وممدودًا؛ الكَشوثى والكَشوثاء، قال الليث: الكَشوث نبات مجتث لا أجل له، وهو أصفر يتعلق بأطراف الشوك وغيره، ويجعل في النبيذ، وفي معجم متن اللغة، قال الشهابي: هو جنس نباتات طفيلية مضرّة، سُوقها صفر وشُقر، خيطية طوال تتف على حاضنتها وتنشب فيه زوائد ماصة تمص نسغه، لا ورق لها، ويسمى في مصر والشام: الهالوك، يقول الشاعر:\nهو الكشوث فلا أصلٌ ولا ورقٌ ... ولا نسيمٌ ولا ظلٌ ولا ثمرٌ\nانظر (كشث) في \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣١٤٦، و\"المحيط في اللغة\" ٦/ ١٦١، و\"الصحاح\" ١/ ٢٩٠، و\"اللسان\" ٧/ ٣٨٣٠٨، و\"التاج\"، و\"متن اللغة\" ٥/ ٦٨.","vol":"12","page":469},{"text":"أنس بن مالك: هي الحنظل (١)، فكما أنها أخبث الأشجار، فكذلك الشرك أخبث الكلمات، وكما أنه لا ينتفع بها كذلك الشرك لا ينتفع صاحبه.\nوقوله تعالى: ﴿اجْتُثَّتْ﴾ قال ابن عباس: اقتلعت (٢)، وقال السدّىِ: انتزعت (٣)، وقال الضحاك: استؤصلت (٤)، وقال الزجاج: ومعني ﴿اجْتُثَّتْ﴾ في اللغة: أخذت جُثَّتُها بكمالها (٥).\n_________\n(١) أخرجه عبد الرزاق ٢/ ٣٤٢، بلفظه عن أنس، والطبري/ شاكر ١٦/ ٥٨٣، بلفظه عن أنس من عدة طرق، وورد بلفظه في \"الغريب\" لابن قتيبة ١/ ٢٣٦، و\"معاني القرآن\" للنحاس ٣/ ٥٢٧، و\"تفسير الماوردي\" ٣/ ١٣٤، وانظر: \"تفسير ابن الجوزي\" ٤/ ٣٦٠، و\"تفسير القرطبي\" ٩/ ٣٦١، و\"الخازن\" ٣/ ٧٧، و\"الدر المنثور\" ١٣/ ١٤٦ وعزاه إلى ابن مردويه والحنظل: معروف؛ وهو نبات مُرّ الجنى، واحدته حنظلة، ويسمى: الشَّرْيُ. انظر: \"اللسان\" (حنظل) ٢/ ١٠٢٥، و\"متن اللغة\" ٢/ ١٨٠. هذه عدة أقوال في تعيين الشجرة الخبيثة، والأرجح أنها شجرة غير معينة، ومن عيَّنها فهو على سبيل التمثيل، وضابطها الخبث؛ وقد يكون خبثها: لرائحتها، أو للونها، أو لهيئتها، أو لطعمها، أو لمضارها، أو .. انظر: \"تفسير ابن الجوزي\" ٨/ ٢٣٨، والفخر الرازي ١٩/ ١٢١.\n(٢) انظر: \"تفسير القرطبي\" ٩/ ٣٦٢، بلفظه، وورد في \"تفسير الثعلبي\" ٧/ ١٥٢ ب، بلفظ: اقتطعت، وورد بلا نسبة في: تفسيره \"الوسيط\" تحقيق سيسي ١/ ٣٢٢، والسمرقندي ٢/ ٢٠٦، والبغوي ٤/ ٣٤٩، \"تفسير غريب القرآن\" لابن الملقن ص ١٩٦، و\"الدر المصون\" ٧/ ١٠٠.\n(٣) ورد في \"تفسير الثعلبي\" ٧/ ١٥٢ ب، بلفظه، وورد بلفظه بلا نسبة في تفسيره \"الوسيط\" تحقيق سيسي ١/ ٣٢٢.\n(٤) ورد في \"تفسير الثعلبي\" ٧/ ١٥٢ ب، بلفظه، وورد بلفظه غير منسوب في \"مجاز القرآن\" ١/ ٣٤٠، و\"غريب اليزيدي\" ص ١٩٧، و\"الغريب\" لابن قتيبة ١/ ٢٣٧، و\"تفسير المشكل\" ص ٢١٤، و\"غرائب التفسير\" ١/ ٥٧٩.\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٦١ بنصه، وانظر (جثث) في \"تهذيب اللغة\" ١/ ٥٣٨، و\"المحيط في اللغة\" ٦/ ٣٩٨، و\"اللسان\" ١/ ٥٤٣، و\"عمدة الحفاظ\" ١/ ٣٥٣.","vol":"12","page":470},{"text":"وهذا قول المُؤَرِّج قال: أخذت جثتها وهي نفسها (١).\nوقوله تعالى: ﴿مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ﴾ قال ابن عباس: يريد ليس لها أصل تام، فهي فوق الأرض لم ترسخ فيها، ولم تضرب فيها بعرق، كذلك الشرك بالله ليس له حجة ولا ثبات ولا شيء (٢).\nوقوله تعالى: ﴿مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ﴾ قال المفسرون: أي من أصل في الأرض (٣)، والقرار مصدر سُمّي به المُسْتَقَر، وهذه الأشجار التي ذُكرت في (٤) تفسير الشجرة الخبيثة ليس لها مستقر في الأرض يبقى على الأرض فنفى أن يكون لها قرار لمّا كانت تتقلَّع بأدنى شيء، والكَشوث لا قرار له في الأرض بتّة، قال الزجاج: المعنى أن ذكر الله بالتوحيد يبقى أبدًا، ويبقى نفعُه أبدًا، وأن الكفر والضلال لا ثبوت له (٥).\n_________\n(١) ورد في \"تفسير الثعلبي\" ٧/ ١٥٢ ب، بلفظه، وانظر: \"تفسير القرطبي\" ٩/ ٣٦٢، وصديق خان ٧/ ١١١.\n(٢) أخرجه الطبري ١٣/ ٢١٣ بنحوه من طريق ابن أبي طلحة صحيحة، وورد في تفسيره \"الوسيط\" تحقيق سيسي ١/ ٣٢٢ بنحوه، وانظر: \"تفسير صديق خان\" ٧/ ١١٢، وورد هذا المعنى غير منسوب في \"تفسير ابن الجوزي\" ٤/ ٣٦١، والفخر الرازي ١٩/ ١٢١.\n(٣) ورد في \"تفسير الطبري\" ١٣/ ٢١٣ بنصه، والسمرقندي ٢/ ٢٠٦، بلفظه، والماوردي ٣/ ١٣٥، بلفظه، وانظر:\"غرائب التفسير\" ١/ ٥٧٩، و\"تفسير البغوي\" ٤/ ٣٤٩، وابن الجوزي ٤/ ٣٦١، و\"تفسير القرطبي\" ٩/ ٣٦٢، وصديق خان ٧/ ١١١.\n(٤) في جميع النسخ وردت (و) قبل (في)، وهي رائدة جعلت السياق مضطربًا، لذلك حذفت.\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٦١ بنصه.","vol":"12","page":471},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1891>٢٧ </span>- قوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ قال ابن عباس: يريد الذين صدّقوا محمدًا - ﷺ - يثبتهم بالقول الثابت وهو لا إله إلا الله (١)، وهذا دليل على أنه أراد بالكلمة الطيبة كلمة الإخلاص؛ لأنه بعدما شبهها بالشجرة الطيبة التي لها أصل ثابت، سمّاها القول الثابت.\nوقوله تعالى: ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ قال المفسرون: يثبتهم بلا إله إلا الله في الحياة الدنيا على الحق والتمسك بالعُرَى (٢)، وإذا ثبتهم بها في الدنيا ثبتهم في الآخرة.\nومعنى ﴿وَفِي الْآخِرَةِ﴾: قال ابن عباس: يريد في القبر (٣)، وهذا قول عامة المفسرين؛ قالوا: إن هذه الآية وردت في فتنة القبر وسؤال الملكين، وتلقين الله المؤمن كلمة الحق في القبر عند السؤال، وتثبيته إياه بها على الحق (٤).\n_________\n(١) انظر: \"تفسير القرطبي\" ٩/ ٣٦٢ بنحوه، وورد بنصه بلا نسبة في تفسيره \"الوسيط\" تحقيق سيسي ١/ ٣٢٢.\n(٢) ورد في \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٧٧ بنحوه، وأخرجه عبد الرزاق ٢/ ٣٤٢، والطبري ١٣/ ٢١٧ بنحوه عن ابن طاوس عن أبيه، وورد بنحوه في \"معاني القرآن\" للنحاس ٣/ ٥٣٠، و\"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢٠٦، والثعلبي ٧/ ١٥٢ ب، والماوردي ٣/ ١٣٥، وانظر: \"تفسير البغوي\" ٤/ ٣٤٩، وابن عطية ٨/ ٢٣٩، وابن الجوزي ٤/ ٣٦١، والخازن ٣/ ٧٨.\n(٣) أخرج النسائي في تفسيره ١/ ٦٢٠ بنحوه من طريق سعيد بن جبير صحيحة، وانظر: \"تفسير صديق خان\" ٧/ ١١٣.\n(٤) أخرجه عبد الرزاق ٢/ ٣٤٢ بنحوه عن قتادة، والطبري١٣/ ٢١٦ - ٢١٧ بنحوه عن ابن مسعود والمسيب بن رافع والربيع وقتادة ومجاهد، وورد بنحوه في \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٦٢، و\"معاني القرآن\" للنحاس ٣/ ٥٣٠، عن قتادة، و\"تفسير الثعلبي\" ٧/ ١٥٣ ب، عن ابن عباس، والماوردي ٣/ ١٣٣، وانظر: \"تفسير =","vol":"12","page":472},{"text":"وروى ذلك البراء بن عازب مرفوعًا، أن النبيّ - ﷺ - قال في قوله: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ قال: \"حين يقال من ربك، وما دينك، ومن نبيك؟ فيقول: ربي الله، وديني الإسلام، ونبيّ محمد - ﷺ -\" (١)، والباء في: ﴿بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ من صلة التثبيت، على ما بيّنا، ويجوز أن تكون من صلة آمنوا، علر، معنى: الذين آمنوا بلا إله إلا الله يثبتهم على الحق في الحياة الدنيا وفي الآخرة، قال ابن عباس: من دام على الشهادة في الدنيا يثبته الله عليها في قبره ويلقِّنه إيّاها (٢)، وإنما فسّر الآخرة هاهنا بالقبر؛ لأن الميت انقطع بالموت عن أحكام الدنيا وصار (٣) مجزيًا بالحسنات والسيئات فدخل في أحكام الآخرة، قاله أبو بكر بن الأنباري، وقد أشار إلى هذا المعنى أبو إسحاق؛ فقال: ﴿فِي الْآخِرَةِ﴾ لأن هذا بعد وفاته (٤)؛ يريد هذا السؤال.\nوقوله تعالى: ﴿وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ﴾ يعني: لا يُلقِّن (٥) المشركين\n_________\n= البغوي\" ٤/ ٣٤٩، وابن عطية ٨/ ٢٣٩، و\"ابن الجوزي\" ٤/ ٣٦١، وابن جزي ٢/ ١٤١.\n(١) أخرجه بنحوه عن البراء بن عازب: ابن أبي شيبة في مصنفه: الجنائز/ القبر ٣/ ٥٦، والبخاري (٤٦٩٩) كتاب: التفسير، باب: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾، مسلم (٢٨٦٦) كتاب: الجنة ونعيمها، باب: عرض مقعد الميت من الجنة أو النار، أبو داود (٤٧٥٠) كتاب: السنة، والنسائي في \"تفسيره\" ١/ ٦١٩، و\"تفسير الطبري\" ١٣/ ٢١٤.\n(٢) انظر: \"تفسير الفخر الرازي\" ١٩/ ١٢٢.\n(٣) ساقطة من (أ)، (د).\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٦٢ بنصه.\n(٥) أي لا يوفق، كما في تفسيرالطبري ١٣/ ٢١٨، و\"تفسير القرطبي\" ٩/ ٣٦٤.","vol":"12","page":473},{"text":"[و] (١) الكافرين، حتى إذا سئلوا في قبورهم قالوا: لا ندري، قال الفراء: يُضلهم عن هذه الكلمة (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ أي من تثبيت المؤمن وتلقينه الصواب وإضلاله الكافر، قال الفراء: أي لا يُنْكَر له قدرة ولا يُسأل عما يفعل (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1892>٢٨ </span>- قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا﴾ قال ابن عباس: يريد كفار قريش (٤)، وهو قول سعيد بن جبير ومجاهد، والضحاك (٥)، وقتادة قال: هم مشركو مكة، أنعم الله عليهم بالنبيّ - ﷺ -\n_________\n(١) زيادة يقتضيها السياق، كما في تفسيره \"الوسيط\" تحقيق سيسي ١/ ٣٢٤.\n(٢) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٧٧ ولفظه: أي عن قول لا إله إلا الله.\n(٣) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٧٧ بنصه، لكن فيه (لا تنكروا) بالنهي، وما ذكره الواحدي بالخبر هو الصواب المناسب للسياق؛ فالسياق ليس في الأمر والنهي بل هو خبر، ولعله وقع تصحيف في نُسخ المصدر.\n(٤) أخرجه عبد الرزاق ٢/ ٣٤٣ ولفظه: فقال: قريش أو قال: أهل مكة، والبخاري: التفسير/ إبراهيم ٤/ ١٧٣٥ ولفظه: هم كفار أهل مكة، والنسائي في تفسيره ١/ ٦٢٣، ولفظه: هم أهل مكة، والطبري ٧/ ٤٥٤ بألفاظهم بعدة روايات، وقد أخرجوه كلهم من طريق عمرو بن دينار عن عطاء صحيحة، وورد في \"معاني القرآن\" اللنحاس ٣/ ٥٣٢، ولفظه: هم قادة قريش يوم بدر، والطوسي ٦/ ٢٩٤ بنصه، وأورده السيوطي في \"الدر المنثور\"٤/ ١٥٦، وزاد نسبته إلى سعيد بن منصور وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الدلائل لم أجده. وهذه العبارات التي وردت عن ابن عباس لا تنافي بينها؛ لأنها وصف لشيء واحد ببعض صفاته.\n(٥) \"تفسير مجاهد\" ص ٣٣٥ بنصه، وأخرجه الطبري ١٣/ ٢٢٢ بنصه وبنحوه عنهم من طرق، وورد في \"تفسير الماوردي\" ٣/ ١٣٦ بنحوه عن سعيد ومجاهد، والطوسي ٦/ ٢٩٤ بنصه عنهم.","vol":"12","page":474},{"text":"فكفروا به ودعوا قومهم إلى الكفر (١)، وذلك قوله: ﴿وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ﴾ يعني: الذين اتبعوهم.\n﴿دَارَ الْبَوَارِ﴾: الهلاك، يقال رجل بائر، وقوم بُور (٢)، ومنه قوله\nتعالي: ﴿وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا﴾ [الفتح: ١٢]، هذا قول جميع أهل اللغة (٣)، وأراد بـ ﴿دَارَ الْبَوَارِ﴾: جهنّم، ألا ترى أنه فسّرها فقال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1893>٢٩ </span>- ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ﴾ أي: المقر، وهو مصدرٌ سُمي به.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1894>٣٠ </span>- قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ قال ابن عباس: يريد من الحجارة والخشب وغير ذلك (٤)، ﴿لِيُضِلُّوا﴾: الناس عن دين الله، وقرأ الكوفيون بفتح الياء (٥) والمعنى: أنهم لم ينتفعوا بما اتخذوا من الأنداد،\n_________\n(١) أخرجه عبد الرزاق ٢/ ٣٤٢ عن قتادة، ولفظه: قال هم قادة المشركين يوم بدر، والطبري ١٣/ ٢٢٢ بنحوه من طريقين، وورد في \"تفسير الماوردي\" ٣/ ١٣٦ بنحوه، والطوسي ٦/ ٢٩٤ بنحوه، وأورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ١٥٧ وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم. وفي نسخة (ش)، (ع) زيادة (به) بعد كلمة الكفر، والكلام مستقيم بدونها.\n(٢) البور: مصدر بار الشيء يبور بَوْرًا: إذا هلك، والرجل بُور: أي هالك، الواحد والجمع فيه سواء، ويقال شيءٌ بائرٌ وبَأرٌ وبَوْرٌ وبُوْرٌ: أي فاسد. انظر: \"الجمهرة\" ١/ ٣٣٠، و\"تهذيب اللغة\" (بار) ١/ ٢٥٤، و\"المحيط في اللغة\" (بور) ١٠/ ٢٧٠.\n(٣) انظر بالإضافة إلى المصادر السابقة: \"غريب اليزيدي\" ص ١٩٧، و\"الغريب\" لابن قتيبة ١/ ٢٣٧، و\"معاني القرآن\" للنحاس ٣/ ٥٣٢، و\"تفسير المشكل\" ص ٢١٤، و\"تفسير الزمخشري\" ٢/ ٣٠٢، و\"الدر المصون\" ٧/ ١٠٣.\n(٤) ورد في تفسيره \"الوسيط\" تحقيق سيسي ١/ ٣٢٦ بنصه.\n(٥) لقد أخطأ الواحدي -﵀- في ذلك، فالذين قرأوا بالفتح هم: ابن كثير وأبو عمرو ويونس -أحد رواة يعقوب- وهؤلاء ليسوا كوفيين. انظر: \"التيسير\" ص ١٣٤، =","vol":"12","page":475},{"text":"ولم يتخذوها (١) إلا ليزيغوا عن الطريق المستقيم الذي نُصبت الأدلة عليه، وهذه لام العاقبة (٢)، وقد ذكرنا معناها في مواضع.\nثم أوعدهم بالعذاب فقال: ﴿قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّار﴾ قال ابن عباس في هذه الآية: لو صار الكافر مريضًا سقيمًا، لا ينام ليلًا ولا نهارًا، جائعًا لا يجد ما يأكل ويشرب، لكان هذا كله نعيمًا عندما يصير إليه من شدة العذاب، ولو كان المؤمن في الدنيا في أنعم عيشة لكان بؤسًا عندما يصير إليه من نعيم الآخرة (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1895>٣١ </span>- وقوله تعالى: ﴿قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ قال الفراء: جُزمت ﴿يُقِيمُوا﴾ بتأويل الجزاء، ومعناه معنى أمرة كقولك: قل لعبد الله يذهب عنا، يريد: قل له: اذهب عنا، فجُزم بنية الجواب وتأويله الأمر، ومثل هذا قوله: ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا﴾ [الجاثيه:١٤]، ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الإسراء: ٥٣]، هذا كلامه (٤) ومعنى هذا أن (٥) قوله: ﴿وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ معناه معنى الأمر؛ أي: قل لهم يقيموا الصلاة، إلا أنه أُجري على\n_________\n= و\"الموضح في وجوه القراءات\" ٢/ ٧١١، النشر ٢/ ٢٩٩، و\"الإتحاف\" ص ٢٧٢، و\"تفسير الطبري\" ١٣/ ٢٢٤.\n(١) في (أ)، (د): (يتخذوا) والمثبت من (ش)، (ع)، وهو الصحيح لانسجامه مع السياق.\n(٢) يقول الفخر الرازي: هي لام العاقبة؛ لأن عبادة الأوثان سبب يؤدي إلى الضلال. انظر: \"تفسير الفخر الرازي\" ١٩/ ١٢٣.\n(٣) ورد في تفسيره \"الوسيط\" تحقيق سيسي ١/ ٣٢٦ بنصه، وانظر: \"تفسير ابن الجوزي\" ٤/ ٣٦٣.\n(٤) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٧٧، بتصرف يسير.\n(٥) وردت (أن) قبل هذا في جميع النسخ، وهي زائدة أدت إلى اضطراب السياق، ولعلها من الناسخ، لذلك حذفت.","vol":"12","page":476},{"text":"ظاهر اللفظ كأنه جواب قوله: ﴿قُلْ﴾، وزاد ابن الأنباري لهذا بيانًا فقال: هذا على معنى: قل لعبادي الذين آمنوا أقيموا الصلاة، فصُرف عن لفظ الأمر إلى لفظ الخبر، وجُعل كالجواب للشرط المقدَّر من الأمر، وهو أمر في الحقيقة (١).\nومعنى قول أبي بكر: جُعل (كالجواب للشرط المقدّر) (٢)، هو أن إلأمر معه شرط مقدّرة كقول القائل: أطع الله يدخلك الجنة، معناه: إن أطعته يدخلك الجنة، لذلك التقدير في هذه الآية: إن يقل لهم يقيموا، هذا ظاهر الكلام، وهو في المعنى أمر على ما بينّا.\nوقال أبو إسحاق قوله: ﴿يُقِيمُوا﴾ مجزوم بمعنى اللام؛ كأنه ليقيموا إلا أنها أسقطت؛ لأن الأمر قد دل على الغائب بقُل، يقول: قل لزيد ليضْرب عمرًا، وإن شئت قلت: قل لزيد يضرب عمرًا، ولا يجوز: يضربْ زيدٌ عمرًا، بالجزم حتى يقول: لِيضربْ؛ لأن لام الغائب ليس هاهنا منها عوض إذا حذفتها، وذكر وجهًا ثالثًا؛ وهو أن يكون المعنى: قل لعبادي الذين آمنوا [أقيموا الصلاة] (٣) يقيموا الصلاة؛ لأنهم إذا آمنوا وصدّقوا\n_________\n(١) لم أقف على مصدره، وأورده ابن الجوزي في \"تفسيره\" ٤/ ٣٦٣ بنحوه، وهذا القول قال به المازني كما في \"إعراب القرآن\" للنحاس ١٨٤، والمبرد في \"المقتضب\" ٢/ ٨٤.\nوقد رجحه أبو البركات الأنباري في \"البيان في غريب الإعراب\" ٢/ ٥٩، بينما ضعَّفه: العكبري في \"الإملاء\" ٢/ ٦٩، وأبو حيان ٥/ ٤٢٦، وابن هشام في \"المغني\" ص ٢٩٩.\n(٢) ما بين القوسين من (ش)، وساقط من (أ)، (د)، (ع).\n(٣) ما بين المعقوفتين زيادة يقتضيها السياق، وهي ثابتة في الأصل، والظاهر أنها ساقطة؛ لأن المعنى مضطرب بدونها.","vol":"12","page":477},{"text":"فإن (١) تصديقهم بقبولهم (٢) أمر الله (٣)، فعلى هذا قوله ﴿يُقِيمُوا﴾ جواب أمر محذوف.\nوقوله تعالى: ﴿يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ﴾ قال أبو عبيدة: البيع هاهنا: الفداء، والخلال: المخالَّة (٤)، قال مقاتل: إنما هو يوم لا بيع فيه ولا شراء، ولا مخالَّة ولا قرابة، إنما هي أعمال يثاب بها قوم ويعاقب عليها آخرون (٥)، ومثل هذه الآية قوله: ﴿يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ﴾ في سورة البقرة [٢٥٤]، وقد مرّ.\nوجميع أهل المعاني قالوا في الخلال هاهنا إنه: المُخالَّة (٦)، وأنشدوا قول امرئ القيس:\n_________\n(١) في جميع النسخ (بأن) والمثبت مصَّوب من المصدر.\n(٢) في جميع النسخ: (بقلوبهم)، وهو تصحيف، والمثبت هو الصحيح وموافق للمصدر.\n(٣) معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٦٢ بنصه.\n(٤) \"مجاز القرآن\" ١/ ٣٤١، ولفظه قال: ﴿لَا بَيْعٌ فِيهِ﴾ مجازه: مبايعة فدية، ﴿وَلَا خِلَالٌ﴾: أي مُخالة خليل. الخُلّة: مُخالَّة الخليلين، وهي مصدر؛ يقال: خاللتُه مخالَّةً وخُلَّةً وخلالًا، وجمعها: خِلال، وهي الحُبُّ والمودةُ، وهي أخص من الصداقة.\nانظر: \"جمهرة اللغة\" ١/ ١٠٧، و\"المحيط في اللغة\" (خل) ٤/ ١٧٥، و\"اللسان\" (خلل) ٢/ ١٢٥٢.\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ١/ ١٩٣ ب، بمعناه، وورد في تفسيره \"الوسيط\" تحقيق سيسي ١/ ٣٢٧ بنصه.\n(٦) \"مجاز القرآن\" ١/ ٣٤١، بلفظه، و\"معاني القرآن\" للأخفش ٢/ ٦٠٠، بمعناه، و\"معاني القرآن\" للنحاس ٣/ ٥٣٣، بلفظه، وورد بلفظه في \"غريب القرآن\" لليزيدي ص ١٩٨، و\"الغريب\" لابن قتيبة ١/ ٢٣٧، و\"تفسير الطبري\" ١٣/ ٢٢٤، و\"تفسير المشكل\" ص ٢١٤.","vol":"12","page":478},{"text":"ولسْتُ بمَقْلِيِّ (١) الخِلالِ ولاقَالَي (٢)\nقال أبو علي: ويجوز أن يكون جمع خُلَّة مثل: بُرْمَة وبِرام (٣)، وعُلْبة وعِلاب (٤)، قال ابن الأنباري: ولا تنافي بين هذه الآية وبين قوله: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧] فأثبت الخُلَّة للمتقين؛ لأن لذلك اليوم أحوالًا ومواطن مختلفةً، ففي بعضها يشتغل كل خليل عن خُلَّةِ خليله (٥)، يدل (٦) على ذلك قوله: ﴿وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾ [المعارج: ١٠]، وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ﴾ [عبس: ٣٤]، وفي بعضها يتعاطف أولياء الله بالمُخالَّة التي كانت بينهم.\n_________\n(١) في جميع النسخ (بمُلْقِي) وهو تصحيف، والتصويب من الديوان وجميع المصادر.\n(٢) وصدره:\nصرفْتُ الهوى عنهُنّ من خشية الرّدى\n\"ديوان امرئ القيس\" ص ١٢٦، وورد في \"تفسير الطبري\" ١٣/ ٢٢٤، و\"معاني القرآن\" للنحاس ٣/ ٥٣٣، و\"شرح ديوان الحماسة\" ٣/ ٣٢١، و\"تفسير الثعلبي\" ٧/ ١٥٥ ب، وابن عطية ٨/ ٢٤٥، و\"اللسان\" (خلل) ٢/ ١٢٥٢، و\"تفسير أبي حيان\" ٥/ ٤٢٧، و\"الدر المصون\" ٧/ ١٠٨، (المقْلي) المُبْغَض، اسم مفعول، و(القالي): المُبْغِض، اسم فاعل، يريد أنه لم ينصرف عن الحسان لأنه أبغضهنّ، ولا لأنهنّ أبغضْنه، ولكن خشية الفضيحة والعار، فهو متيَّم بحبهنَّ ولكنه صرف هذا الحب عنهنّ خشية الهلاك، ولم ينصرف عنهنّ لسوءٍ في طباعه.\n(٣) البُرْمة: قِدْر من حجارة، ويجمع بُرْم وبُرَم وبِرام. انظر: \"جمهرة اللغة\" ١/ ٣٢٩، \"المحيط في اللغة\" (برم) ١٠/ ٢٤٢.\n(٤) \"الحجة للقراء\" ٢/ ٣٥٥، بتصرف. العُلْبة: وعاء من جلدِ جنب البعير يُسوى على هيئة القصْعة المدورة، كأنها نُحتت نحتًا أو خُرطت خرْطًا، يُحْتلب فط، وتُجمع عُلبًا وعِلابًا. انظر: \"جمهرة اللغة\" ١/ ٣٦٦، و\"تهذيب اللغة\" (علب) ٣/ ٢٥٤٢.\n(٥) أقف على مصدره، وورد بنحوه غير منسوب في \"تفسير صديق خان\" ٧/ ١١٧.\n(٦) ساقط من (د).","vol":"12","page":479},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1896>٣٣ </span>- قوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ﴾ قال ابن عباس: يريد ليُعرف النهار من الليل، والليل من النهار (١).\nقال الزجاج: معناه دآئبين (٢) في إصلاح ما يصلحانه من النبات وغيره لا يفْتُران (٣)، ومعنى الدؤوب في اللغة: مرور الشيء في العمل على عادة جارية فيه، دأب يَدْأَبُ دأْبًا ودُؤُوبًا (٤) وقد ذكرنا هذا في قوله: ﴿قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا﴾ [يوسف: ٤٧]\nوقوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ قال ابن عباس: يريد لتبتغوا بالنهار من فضله وتقوموا بطاعته وفرائضه، واليل لتسكنوا فيه، وجعل ذلك راحة لكم (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1897>٣٤ </span>- قوله تعالى: ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ﴾ قال أبو علي: المفعول محذوف تقديره من كل مسؤول شيئًا أو مسؤولًا أو نحو ذلك، ومثله قوله: ﴿يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ﴾ [البقرة: ٦١] أي: شيئًا، فحذف المفعول، وكذلك قوله: ﴿وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ١٦] قال: ويجوز في قياس قول أبي الحسن (٦) أن يكون الجار والمجرور في موضع\n_________\n(١) لم أقف عليه، والذي ذكره الطبري والثعلبي وغيرهما عن ابن عباس قولًا آخر؛ هو قوله: دؤوبهما في طاعة الله. انظر: \"تفسير الطبري\" ١٣/ ٢٢٥، و\"الثعلبي\" ٧/ ١٥٥ ب، والبغوي ٣/ ٣٦، وأورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ١٥٨.\n(٢) في جميع النسخ: (آيتين)، والمثبت هو الصواب وموافق للمصدر.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٦٣ بنصه تقريبًا.\n(٤) انظر: (دأب) في \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١١٢٧، و\"المحيط في اللغة\" ٩/ ٣٧٦، و\"مقاييس اللغة\" ٢/ ٣٢١، و\"الصحاح\" ١/ ١٢٣.\n(٥) انظر: \"تفسير القرطبي\" ٩/ ٣٦٧، مختصرًا.\n(٦) انظر: \"معاني القرآن\" للأخفش ٢/ ٦٠٠، ورد القول مجملًا ففصَّله أبو علي.","vol":"12","page":480},{"text":"نصب، وتكون (من) زيادة في الإيجاب كما تكون زيادة في غير الإيجاب (١)، وقال ابن الأنباري: تقدير الآية: ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ﴾ وما لم تسألوه؛ لأنا لم نسأله شمسًا ولا قمرًا ولا كثيرًا من نِعمه التي ابتدأنا بالإحسان إلينا بها، فاكتُفِي بالسؤال عن غير (٢) المسؤول؛ كقوله: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ (٣) [النحل: ٨١]، قال: ويجوز أن يكون المعنى: وآتاكم من كل ما تتمنُّون تشْتهون وتُؤثرون (٤)، قال الكسائى: العرب تقول إذا أتيت فلانًا أعطاك سُؤلك، وصرت منه إلى ما سألت، لا يعنون السؤال بعينه، ولكنهم يريدون ما يشتهي وَيتمنّى وُيؤثر، هذا كلامه (٥)، وأما مفعول الإيتاء فهو على ما ذكره أبو علي (٦).\n_________\n(١) لم أقف على قوله، وانظر التعليق على القول بالزيادة في القرآن، عند آية [١٠]، من سورة إبراهيم.\n(٢) يبدو لي أن (غير) زائدة، وقد أن إلى اضطراب المعنى؛ لأنه إنما اكتفى في الجواب عن المسؤول وإن أعطاهم غير ما سألوا، يؤيده ما استشهد به من القرآن وكلام العرب، حيث اكتفى بما سألوا وإن أعطاهم أكثر مما سألوا. والله أعلم.\n(٣) والتقدير: \"وسرابيل تقيكم البرد\" فاكتفي بأحدهما لدلالته على الآخر. انظر: \"الفريد في الإعراب\" ٣/ ١٦٨.\n(٤) \"إيضاح الوقف والابتداء\" ٢/ ٧٤٢، وعبارته مختلفة، قال: سألت أبا العباس عن هذا فقال لي: من أضاف أي (كل) إلى (ما) أراد: \"وآتاكم من كل ما سألتموه لو سألتموه\"، ومن نَوّن أي كلٍّ أراد: \"آتاكم من كلٍّ لم تسألوه\"، وذلك أنا لم نسأل الله شمسًا ولا قمرًا ولا كثيرًا من نعمه. وورد في تفسيره \"الوسيط\" تحقيق سيسي ١/ ٣٢٨ بنصه، وانظر: \"تفسير ابن الجوزي\" ٤/ ٣٦٥، و\"تفسير الشوكاني\" ٣/ ١٥٧، وصديق خان ٧/ ١١٩.\n(٥) لم أجده، وورد نحوه غير منسوب في \"معاني القرآن\" للنحاس ٣/ ٥٣٣.\n(٦) أي محذوف، وتقديره: من كل مسؤول شيئًا أو مسؤولًا.","vol":"12","page":481},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ النعمة هاهنا اسم أقيم مقام المصدر يقال: أنعم الله عليه، يُنْعِم إنعامًا ونِعْمَةً، أقيم الاسم مُقَام الإنعام؛ كقولك: أنفقت عليه إنفاقًا ونفقةً، بمعنى واحد (١) ولذلك لم يجمع؛ لأنه في مذهب المصدر، ومعنى قوله: ﴿لَا تُحْصُوهَا﴾: لا يأتوا على جميعها بالعَدِّ لكثرتها، بيانه قوله: ﴿وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾ [الجن: ٢٨] أي أحاط علمه باستيفاء عدد كل شيء.\nوقال الكلبي: لا تحفظوها (٢)، وقال أبو العالية: لا تطيقون عدّها (٣)، والقولان قد فُسّر بهما (٤) قوله: ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ﴾ [المزمل: ٢٠] قال الفراء: علم أن لن تحفظوا مواقيت الليل (٥)، وقال غيره: معناه: علم أن لن تطيقوه (٦).\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ قال ابن عباس: يريد: أبا جهل ظلوم لنفسه كفّار بنعمة ربه (٧)، وقال أبو إسحاق: هذا اسم للجنس، فقصد به الكافر خاصة؛ كما قال: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي\n_________\n(١) ورد في \"تهذيب اللغة\" (نعم) ٤/ ٣٦١٥ بنصه.\n(٢) ورد في تفسيره \"الوسيط\" تحقيق سيسي ١/ ٣٢٨، بلفظه، وورد غير منسوب في \"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢٠٨.\n(٣) ورد في تفسيره \"الوسيط\" تحقيق سيسي ١/ ٣٢٨ بنصه، وورد بنصه بلا نسبة في: \"تفسير البغوي\" ٤/ ٣٥٤، و\"تفسير القرطبي\" ٩/ ٣٦٧.\n(٤) في (ش)، (ع): (فسرتها)، وفي (د): (فسرهما).\n(٥) \"معاني القرآن \" للفراء ٣/ ٢٠٠ بنصه.\n(٦) أخرجه الطبري ٢٩/ ١٤٠، بلفظه عن الحسن وسعيد وسفيان، وورد بلفظه في \"تفسير المشكل\" ص ٣٦٢، و\"تفسير الماوردي\" ٦/ ١٣٢، عن الحسن.\n(٧) ورد في تفسيره \"الوسيط\" تحقيق سيسي ١/ ٣٢٩ بنصه، وانظر: \"تفسير ابن الجوزي\" ٤/ ٣٦٥، و\"تفسير القرطبي\" ٩/ ٣٦٧، والخازن ٣/ ٨٠.","vol":"12","page":482},{"text":"خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا﴾ فالإنسان غير المؤمن ظلوم كَفَّار (١)، قال المفسرون: ظلوم: كافرٌ شاكرٌ غيرَ من أنعم عليه، واضعٌ الشكر غير موضعه، ﴿كَفَّارٌ﴾: جحود لنعم الله (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1898>٣٥ </span>- قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا﴾ تفسير هذا قد سبق في سورة البقرة (٣).\nوقوله تعالى: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ قال الكفراء: أهل الحجاز تقول: جَنبَنِي يَجْنُبُنِي خفيفة، وأهل نجد تقول: أجْنبَنِي شرَّه وجَنَّبَنِي شرَّه (٤)، ونحو هذا قال الكسائي (٥)، وقال الزجاج: أجْنَبْتُه كذا وكذا: جعلته ناحية منه وجانبًا، وكذلك جَنَّبْتُه وجَنَبْتُه (٦)، وأنشد أبو عبيدة لأُميّة بن الأَسْكَر:\nوتَنْفُضُ مَهْدَهُ شَفَقًا عَلَيْه ... وتَجْنُبُه قلائِصنا الصِّعَابَا (٧)\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٦٤ بنصه\n(٢) ورد في \"تفسير الطبري\" ١٣/ ٢٢٧ بنصه تقريبًا، و\"الثعلبي\" ٧/ ١٥٦ أبنصه، وانظر: \"تفسير البغوي\" ٤/ ٣٥٤، وابن الجوزي ٤/ ٣٦٥.\n(٣) آية: ١٢٦.\n(٤) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٧٨ بنصه تقريبًا.\n(٥) لم أقف على مصدره.\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٦٤، بتصرف يسير.\n(٧) ورد في \"مجاز القرآن\" ١/ ٣٤٢، و\"تفسير الطبري\" ١٣/ ٢٢٨، والثعلبي ٧/ ١٥٦ ب، وورد في \"الأغاني\" ٢١/ ١٤، و\"الخزانة\" ٦/ ١٩، برواية:\nتُمَسَّح مَهدَه شفقًا عليه ... وتَجْنُبُه أباعِرها الصِّعابا\n(قلائص) جمع قَلُوص، قال أبو منصور: القَلُوص: الفتَّيةُ من النُّوق، بمنزلة الفتاة من النساء، وربما سموَّا الناقة الطويلة القوائم قَلُوصًا. انظر (قلص) في \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٣٠٣٢، و\"الصحاح\" ٣/ ١٠٥٤.","vol":"12","page":483},{"text":"قال أبو إسحاق: ومعنى الدعاء من إبراهيم أن يُجَنَّبَ عبادة الأصنام، وهو غير عابد لها، على معنى: ثبِّتْنِي على اجتناب عبادتها؛ كما قال: ﴿وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ [البقرة: ١٢٨]، أي: ثبِّتْنا على الإسلام (١).\nوقال غيره من أهل المعاني قوله: ﴿وَبَنِيَّ﴾ دعاء لمن أذن الله في أن يدعو له؛ فكأنه قال: وبنيَّ الذين أذنت لي في الدعاء لهم؛ لأن دعاء الأنبياء مستجاب، وقد كان من نسله من عبد الصنم (٢)، أو خص بهذه الدعوة أبناءه من صُلْبِه (٣).\nوالصَّنم: الصورة التي تُعْبَد، وجمعه أصنام (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1899>٣٦ </span>- قوله تعالى: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾ قال أبو إسحاق وغيره: أي ضَلُّوا بسببها؛ لأن الأصنام لا تعقل ولا تفعل شيئًا؛ كما يقول: قد افْتَنَتْنِي هذه الدار؛ أي: أحْبَبْتُها واسْتَحْسَنْتُها وافْتُتِنْتُ بسببها (٥)، فلما ضل الناس بسببها صارت كأنها أضلتهم، فنُسِب الفعل إليها.\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٦٤ بنصه.\n(٢) وعلى هذا القول يكون دعاؤه من العام المخصوص. انظر: \"تفسير الفخر الرازي\" ١٩/ ١٣٣ و\"الدر المنثور\" ١/ ٢٥٢.\n(٣) لم أقف عليه في الكتب المطبوعة. وانظر: \"تفسير البغوي\" ٤/ ٣٥٤، وابن عطية ٨/ ٢٥٠، والزمخشري ٢/ ٢٠٤.\n(٤) الصَّنم معروف، وهو أخص من الوثن، والفرق بينهما؛ أن الصنم هو ما نحت على هيئة البشر، والوثن ما كان منحوتًا على غير هيئة البشر.\nانظر: \"تفسير ابن عطية\" ٨/ ٢٥١، والفخر الرازي ١٩/ ١٣٣، والألوسي ١٣/ ٢٣٤.\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٦٤ بنصه تقريبًا.","vol":"12","page":484},{"text":"وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَبِعَنِي﴾ قال ابن عباس: يريد على ديني بالتوحيد لك والمعرفة بك (١).\nوقوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ قال ابن الأنباري: يريد من المُتديِّنين بميني المتمسِّكين بحبلي؛ كما قال (٢):\nإذا حاوَلْتَ في أسَدٍ فُجُورًا ... فإني لَسْتُ منكَ ولَسْتَ مِنّي (٣)\nأراد: ولستَ من المتمسِّكين بِحَبْلي (٤).\nوقوله تعالى: ﴿وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [قال السّدي: معناه ومن عصاني ثم تاب (٥)، ﴿فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾] (٦) له إن تاب وإن آمن، لا أنه يقول: أن من كفر فإن الله يغفر له، وقال مقاتل: ومن عصاني فيما دون الشرك فإنك غفور رحيم (٧)، وشرح أبو بكر هذا فقال: معناه: فمن\n_________\n(١) ورد بنحوه مختصرًا غير منسوب في تفسيره \"الوسيط\" تحقيق سيسي ١/ ٣٣٠، و\"ابن الجوزي\" ٤/ ٣٦٥، و\"تفسير القرطبي\" ٩/ ٣٦٨، و\"الألوسي\" ١٣/ ٢٣٥.\n(٢) البيت لنابغة الذبياني.\n(٣) \"ديوان النابغة\" ص ١٣٨، وورد في \"الكتاب\" ٤/ ١٨٦، و\"تفسير القرطبي\" ٩/ ٢٥٢، و\"الخازن\" ٣/ ٨١، و\"الدر المصون\" (٢/ ٥٢٦) قال النابغة: هذه القصيدة ردًّا على عُيينة بن حصن الفزاري الذي دعاه قومه إلى مقاطعة بني أسد وتقض حلفهم لما قتلوا رجلين من بني عبس ردًا على قتلهم نضلة الأسدي، فأبى عليه النابغة وتوعده بالمقاطعة إن حاول الإساعة إلى بني أسد. والمراد بالفجور: نقض الحلف.\n(٤) لم أقف على مصدره، وورد بنصه غير منسوب في \"تفسير الخازن\" ٣/ ٨١.\n(٥) ورد في \"تفسير الثعلبي\" ٧/ ١٥٦ ب بنصه، وانظر: \"تفسير البغوي\" ٤/ ٣٥٥، وابن الجوزي ٤/ ٣٦٥، والفخر الرازي ١٩/ ١٣٤، والخازن ٣/ ٨١، والألوسي ١٣/ ٢٣٥، وصديق خان ٧/ ١٢٣.\n(٦) ما ببن المعقوفين ساقط من (د).\n(٧) مقاتل هنا هو ابن حيان، وقد وردت هذه العبارة بنصها منسوبة إليه في: \"تفسير =","vol":"12","page":485},{"text":"عصاني فخالف في بعض الشرائع، وعقْدُ التوحيد معه فإنك غفور رحيم، إن شئت تغفر له غفرت إذ كان مسلمًا (١)، وذكر وجهين آخرين، أحدهمما. أن هذا كان قبل أن يُعلِّمه الله أنه لا يغفر (٢) الشرك، كما استغفر لأبويه (٣)، وهو يُقَدِّر أن ذلك غيرُ محظور، فلما عرف أنهما غير مغفور لهما تبرأ منهما (٤). والآخر: ومن عصاني بإقامته على الكفر فإنك غفور رحيم، يعني: أنك قادر على أن تغفر له وترحمه؛ بأن تنقله عن الكفر إلى الإسلام وتهديه إلى الصواب (٥).\n_________\n= الثعلبي\" ٧/ ١٥٦ ب، والبغوي ٤/ ٣٥٥، وابن الجوزي ٤/ ٣٦٥، والخازن ٣/ ٨١، والألوسي ١٣/ ٢٣٥، وصديق خان ٧/ ١٢٣، وفي تفسير مقاتل بن سليمان ١/ ١٩٤ أ، قال: ومن عصاني فكفر فإنك غفور رحيم.\n(١) وهذا هو مذهب أهل السنة والجماعة في مرتكب الكبيرة. انظر كتاب \"التوحيد\" لابن خزيمة ٢/ ٦٥٨، و\"شرح العقيدة الطحاوية\" ص ٣٦٣ - ٣٦٤.\n(٢) في جميع النسخ (لا يغفرك) بزيادة الكاف، وقد أن إلى اضطراب المعنى، لذلك حذفت كما في \"تفسير الخازن\" ٣/ ٨٢.\n(٣) هذا من باب التوسع في الكلام؛ لأن الآيات التي تحدثت عن استغفار إبراهيم ﵇ ذكرت استغفاره لأبيه وحده. وانظر الكلام حول أُمّه عند آية (٤١) من هذه السورة.\n(٤) هذا إشارة إلى قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾ [التوبة: ١١٣].\n(٥) لم أقف على مصدره، وانظر: \"تفسير ابن الجوزي\" ٤/ ٣٦٥، مختصرًا، والخازن ٣/ ٨٢ بنصه. يتحصل بذلك أربعة أقوال في تأويل الآية، والأرجح: قول مقاتل، لصراحته وخلوه من التكلف، ويؤيده قوله تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ١١٦] وهو ما رجحه الفخر الرازي دون الإشارة إلى أنه قول مقاتل، كذلك ضعف الأقوال الأخرى في تأويل الآية. انظر: \"تفسير الفخر الرازي\" ١٩/ ١٣٣ - ١٣٥.","vol":"12","page":486},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1900>٣٧ </span>- قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ قال الفراء: ولم يأت منهم بشىء (١) يقع عليه الفعل، وهو حائز أن يقول: قد أصبنا من بنى فلان، وقتلنا من بني فلان، وإن لم يقل رجالًا؛ لأن (من) تؤدّي عن بعض القوم؛ كقولك: قد أصبنا من الطعام وشربنا من الماء، ومثله: ﴿أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ﴾ (٢) [الأعراف: ٥٠] قال أبو بكر: ويجوز أن يقال: إن (من) دخلت لتوكيد الكلام، والتقدير: ربنا إني أسكنت ذريتي (٣) كما قال ذو الرُّمّة:\nتَبَسَّمْن عن نَوْرِ الأقَاحيِّ في الضُّحَى ... وفَتَّرْنَ من أبْصَارِ مضْرُوجةٍ نُجْلِ (٤)\n_________\n(١) في (أ)، (د): (شيء) بدون الباء، والمثبت من (ش)، (ع)، وهو موافق للمصدر.\n(٢) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٧٨ بنصه.\n(٣) لم أقف على مصدره، وورد في تفسيره \"الوسيط\" تحقيق سيسي ١/ ٣٣٠ بنصه، وانظر: \"تفسير ابن الجوزي\" ٤/ ٣٦٦، و\"تفسير الشوكاني\" ٣/ ١١٢، و\"صديق خان\" ٧/ ١٢٤.\n(٤) رواية الديوان كما في \"شرح ديوان ذي الرمة\" ١/ ٤٦٦:\nوتَبْسِمُ عن نَوْرِ الأقاحيِّ أقْفَرَتْ ... بوَعساءِ مَعْروفٍ تُغامُ وتُطْلَقُ\nوليس في رواية الديوان شاهد، والشاهد في رواية المؤلف: (من) والتأويل: وفترن أبصار، بإسقاط (من) لأنها جاءت للتوكيد. وورد البيت في مادة (ضرج) في \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢١٠٧، و\"اللسان\" ٥/ ٢٥٧١، و\"التاج\" ٣/ ٤٢٢، وفي هذه المصادر اختلافان عن ما ذكره الواحدي هما: (الثرى) بدل (الضحى)، و(عن) بدل (من). وورد البيت في \"الأساس\" ٢/ ٤٦، باختلافين أيضًا (غُرّ) بدل (نَوْر)، و(الثرى) بدل (الضحى)، (النَّور) الزَّهرُ، (الأقاحيِّ) نبتٌ طيبُ الريح، زهره أبيضُ حَسَنٌ، فشبّه بياض أسنانها به، (مَضْروجة): الضَّرْج: الشَّق، قال أَبو عبيد: عينٌ مضْروجة: أي واسعةُ الشَّقِّ نجْلاء، والنْجلُ: سعة العين مع حُسْن. انظر (ضرج) في \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢١٠٧، و\"اللسان\" ٥/ ٢٥٧٠، و\"التاج\" ٣/ ٤٢١، و\"المحيط في اللغة\" (نجل) ٧/ ١٠٨.","vol":"12","page":487},{"text":"وعلى ما ذكر الفراء (من) دخلت للتبعيض، والتأويل: إني أسكنت بعض ذريتي، وذلك أنه أنزل إسماعيل بعض ذرية إبراهيم، يدل على هذا قول ابن عباس في هذه الآية ﴿إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ يريد: إسماعيل (١)، ﴿بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ﴾ قال: يريد وادي مكة، ومكة كلها واد، والكلام في الوادي قد ذكرنا عند قوله: ﴿فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ﴾ [الرعد: ١٧] والقول الأول: اختيار أبي علي، قال: معناه إني أسكنت من ذريتي ناسًا، فحذف المفعول لدلالة الإسكان عليه (٢).\nوقوله تعالى: ﴿عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ﴾ قيل معناه: عند بيتك المحرم الذي كان قبل أن ترفعه من الأرض حتى رفعته أيام الطوفان؛ لأن إسكان الخليلِ إسماعيلَ مكة كان قبل بنائهما البيت، وقيل: عند بيتك المحرم الذي قد مضى في سابق علمك أنه يحدث في هذا الوادي (٣).\nوقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ قال ابن عباس: يريد ليعبدوك (٤).\n﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾، أبو عبيد عن الأصمعي قال: هَوَى يَهْوِي هُوِيًّا، إذا سقط من عُلو إلى سفْل (٥)، وقال ابن الأعرابي: هَوَت\n_________\n(١) أخرجه الطبري ١٣/ ٢٣٠، من طريق سعيد بن جبير صحيحة، مع زيادة وأُمّه، وأورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ٥/ ٤٧.\n(٢) لم أقف على مصدره. وهو قول الفراء.\n(٣) ورد بنصه في \"تفسير الطبري\" ١٣/ ٢٣٣، والثعلبي ٧/ ١٥٧ أ، انظر: \"تفسير ابن عطية\" ٨/ ٢٥٣، وابن الجوزي ٤/ ٣٦٦، والخازن ٣/ ٨٣.\n(٤) ورد في تفسيره \"الوسيط\" تحقيق سيسي ١/ ٣٣٢، بلفظه.\n(٥) ورد في \"تهذيب اللغة\" (هوى) ٤/ ٣٨١٣ بنصه، و\"الصحاح\" (هوى) ٦/ ٢٥٣٨ بنصه تقريبًا.","vol":"12","page":488},{"text":"العُقابُ (١) نَهْوِي هَوِيُّا بالفتح، إذا انقضّت (٢) على صيد أو غيره (٣)، وقال الفراء في هذه الآية: ﴿تَهْوِي إِلَيْهِم﴾ تريدهم؛ كما تقول: رأيت فلانًا يَهْوِي نحوك (٤)، معناه: تنحط إليهم وتنحدر وتنزل (٥)، يقال هوى الحجر من رأس الجبل يهوي، إذا انحدر وانصب (٦)، هذا قول أهل اللغة في هذا الحرف.\nفأما قول المفسرين؛ فقال ابن عباس في رواية عطاء: يريد تحِنّ (٧) إليهم زيارة بيتك (٨)، وفي هذا بيان أن حنين الناس إليهم إنما هو لحج البيت لا لأعيانهم، وفي هذا دعاء للمؤمنين بأن يرزقهم حج البيت، ودعاءٌ لسكان مكة (٩) من ذريته؛ لأنهم يرتفقون (١٠) بمن يأتي مكة لزيارة\n_________\n(١) طير معروف، وهو من العِتاق؛ أي الجوارح، ويقع العُقاب على الذكر والأنثى. انظر: \"اللسان\" (عقب) ٥/ ٣٠٢٨.\n(٢) (أ)، (د): (نفضت) من غير ألف وبالفاء، والمثبت من (ش)، (ع).\n(٣) ورد في \"تهذيب اللغة\" (هوى) ٤/ ٣٨١٣ بنصه تقريبًا.\n(٤) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٧٨ بنصه.\n(٥) هذا معنى الآية لا معنى القول، وهو قول ابن الأنباري كما في \"تفسير ابن الجوزي\" ٤/ ٣٦٨، وانظر: \"تفسير الفخر الرازي\" ١٩/ ١٣٧، والخازن ٣/ ٨٣.\n(٦) انظر: \"تفسير الفخر الرازي\" ١٩/ ١٣٧ بنصه.\n(٧) في (د): (نحو).\n(٨) انظر: \"تفسير ابن الجوزي\" ٤/ ٣٦٧، و\"الخازن\" ٣/ ٨٣، وورد بلا نسبة في \"تفسير الماوردي\" ٣/ ١٣٨، و\"تفسير القرطبي\" ٩/ ٣٧٣.\n(٩) في (د): (مكان).\n(١٠) هكذا في جميع النسخ، وفي \"تفسير الخازن\" ٣/ ٨٣ (بأنهم ينتفعون)، وقد نقل المقطع من الواحدي، ويستقيم المعنى بالعبارتين، فعلى عبارة المخطوط (يرتفقون) مأخوذة من الرفق، بمعنى أن القلوب تحن إليهم بسبب ارتفاقهم بالزوَّار والحجاج لبيت الله العتيق، وعلى عبارة الخازن (ينتفعون) من الانتفاع؛ فهم ينتفعون ممن يقدم مكة حاجًّا أو زائرًا.","vol":"12","page":489},{"text":"البيت (١)، وقال قتادة في قوله: ﴿تَهْوِي إِلَيْهِم﴾: تنزع إليهم (٢)، وقال أبو إسحاق: أي: اجعل أفئدة جماعة من الناس تنزع إليهم (٣)، وهذا معنى قول مجاهد: لو قال: أفئدة الناس؛ لازدحمت عليه فارس والروم والترك والهند (٤)، وقال سعيد بن جبير: لو قال: أفئدة الناس؛ لحجت إليه اليهود والنصارى والمجوس، ولكنه قال: ﴿أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ﴾ فهم المسلمون (٥)، وقال ابن عباس في قوله: ﴿أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ﴾: يريد من المؤمنين من ذريته ومن غير ذريته.\nوقوله تعالى: ﴿وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ ذكرنا تفسيره في سورة البقرة عند قوله: ﴿وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ [البقرة: ١٢٦].\nوقوله تعالى: ﴿لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ قال: يريد كي يوحدوك ويعظموك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1901>٣٩ </span>- قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ قال ابن عباس: وُلِدَ إسماعيلُ لإبراهيم وهو ابن تسع وتسعين\n_________\n(١) انظر: \"تفسير الخازن\" ٣/ ٨٣، نقله بتصرف بزيادة وحذف، من بداية قول الأصمعي دون نسبتة للواحدي.\n(٢) أخرجه عبد الرزاق ٢/ ٣٤٣ بنصه، والطبري ١٣/ ٢٣٤ بنصه من طرق، وأورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ١٦١، وزاد نسبته إلى ابن المنذر.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٦٥ بنصه.\n(٤) أخرجه ابن أبي شيبة ٣/ ٤٣٠، والطبري ١٣/ ٢٣٤ من طرق، وليس فيهما ذكر الترك والهند، وورد في \"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢٠٩ مثلهما، والثعلبي ٧/ ١٥٨ أبنصه، وانظر: \"تفسير البغوي\" ٤/ ٣٥٧، و\"تفسير القرطبي\" ٩/ ٣٧٣، و\"الخازن\" ٣/ ٨٣، كلهم بنصه، وأورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ١٦١، وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم.\n(٥) ورد في \"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢٠٩ دون ذكر المجوس، والثعلبي ٧/ ١٥٨ أبنصه، وانظر: \"تفسير البغوي\" ٤/ ٣٥٧ بنصه، و\"الفخر الرازي\" ١٩/ ١٣٧ بنصه.","vol":"12","page":490},{"text":"سنة (١)، ووُلد له إسحاقُ وهو ابن مائة واثنتى (٢) عشرة سنة (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1902>٤٠ </span>- قوله تعالى: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ﴾ ذكره على النعت ولم يذكره على الفعل؛ لأن النعت ألزم وأكثر من الفعل، كأنه قال: رب اجعلني من عادتي إقامة الصلاة، ولو قال: اجعلني أقيم الصلاة، لم يكن فيه من المبالغة ما في المقيم، وذكرنا استقصاء هذا الفصل فيقوله: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ﴾ الآية [الإسراء: ٢٩].\nوقوله تعالى: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ قال الزجاج: أي: واجعل من ذريتي من يقيم الصلاة (٤)، وهذا كما ذكرنا في قوله: ﴿إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي﴾، وقوله: ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ﴾.\nوقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ﴾ قال ابن عباس: يريد عبادتي (٥)،\n_________\n(١) ساقطة من (د).\n(٢) في جميع النسخ: (اثني)، وهو خطأ نحوي ظاهر.\n(٣) ورد في \"تفسيرالثعلبي\" ٧/ ١٥٨ أبنصه، وانظر: \"تفسير البغوي\" ٤/ ٣٥٧، وابن الجوزي ٤/ ٣٦٨، و\"تفسير القرطبي\" ٩/ ٣٧٥)، والخازن ٣/ ٨٣، والبقاعي ٤/ ١٩٢، و\"الألوسي\" ١٣/ ٢٤٢.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٦٥ بنصه. وانظر: \"مجاز القرآن\" ١/ ٣٤٢، و\"معاني القرآن\" للنحاس ٣/ ٥٣٧.\n(٥) ورد في تفسيره \"الوسيط\" تحقيق سيسي ١/ ٣٣٣، بلفظه، وانظر: \"تفسير الفخر الرازي\" ١٩/ ١٣٩، وورد بنحوه بلا نسبة في \"تفسير الطبري\" ١٣/ ٢٣٥، والثعلبي ٧/ ١٥٨ ب، والبغوي ٤/ ٣٥٨، و\"تفسير القرطبي\" ٩/ ٣٧٥، والألوسي ١٣/ ٢٤٣. صحيح أن الدعاء يرد بمعنى العبادة في القرآن والسنة، لكن لا دليل هنا بتخصيصه بالعبادة، بل هو الدعاء بالمعنى المعروف؛ أي الطلب والقصد، والسياق والسباق يؤيده، كما أن قول ابن عباس ورد بلا سند، وأغلب الظن أنه من الطرق الضعيفة، وقد فسرت الآية بالدعاء المعروف، في: \"تفسير السمرقندي\" =","vol":"12","page":491},{"text":"وهذا كقوله - ﷺ -: \"الدُّعاءُ مخُّ العبادة\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1903>٤١ </span>- قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ﴾ قال أبو إسحاق: كان هذا الدعاء من إبراهيم لوالديه قبل أن يتبين له أن أباه عَدُوُّ للهِ (٢)، وقد ذكرنا ذلك في قوله: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ﴾ الآية. [التوبة: ١١٤] ولعل الأمّ كانت مسلمة، يدل على ذلك أنه ذكر عذره في استغفاره لأبيه دون أُمِّه (٣)، وقال ابن الأنباري: استغفر لأبويه\n_________\n= ٢/ ٢٠٩، هود الهواري ٢/ ٣٣٤، و\"الطوسي\" ٦/ ٣٠٢، وابن عطية ٨/ ٢٥٦، وابن كثير ٢/ ٥٦١.\n(١) أخرجه الترمذي (٣٣٧١) كتاب: الدعوات، باب: جاء في فضل الدعاء ٥/ ٤٥٦ بنصه عن أنس، وقال: هذا حديث غريب من هذا الوجه لا نعرفه إلا من حديث ابن لَهيعَة، وأورده التبريزي في \"المشكاة\" ٢/ ٦٩٣، وابن حجر في \"الفتح\" ١١/ ٩٧، والمناوي في \"فيض القدير\" ٣/ ٥٤٠ ورمز له بالضعف، والهندي في \"الكنز\" ٢/ ٦٢، والعجلوني في \"كشف الخفاء\" ١/ ٤٨٥، وكلهم عزاه للترمذي، والحديث ضعيف بسبب انفراد ابن لهيعة بروايته كما ذكره الترمذي -﵀-، وقد ضُعّف لسوء حفظه، ذكره البخاري والدارقطني والنسائي في الضعفاء. انظر \"الضعفاء\" لكل من النسائي ص ١٤٥، والدارقطني ص ٢٦٥ والبخاري ص ٦٥، و\"تقريب التهذيب\" ص ٣١٩ (٣٥٦٣)، و\"الجرح والتعديل\" ٥/ ١٤٥، و\"ميزان الاعتدال\" ٣/ ١٨٩.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٦٥ بنصه، وانظر: \"تفسير البغوي\" ٤/ ٣٥٨. وهذا القول هو الراجح؛ لموافقته لآية التوبة ١١٤، وبعده عن التكلُّف كما في الأقوال التالية وقد صححه ابن جزي في \"تفسيره\" ٢/ ١٤٢، واختاره ابن كثير ٢/ ٥٩٥، ورجحه صديق خان في \"تفسيره\" ٧/ ١٢٩.\n(٣) انظر: \"تفسير البغوي\" ٤/ ٣٥٨، والرازي ١٩/ ١٤٠، والخارن ٣/ ٨٤، والألوسي ١٣/ ٢٤٣، إسلام أمِّ إبراهيم روي عن الحسن -﵀-[كما ذكر الألوسي] وليس هناك دليل ثابت علي إسلامها، لكن لمّا خصر والده بالاستغفار في جميع =","vol":"12","page":492},{"text":"وهما حيّان طمعًا في أن يُهْدَيا إلى الإسلام ويَسْعَدا بالدين (١)، وقال غيره: استغفر لهما بشرط الإيمان (٢)، يدل عليه ما قال ابن عباس في هذه الآية: يريد: من لقيك مؤمنًا مصدقًا فتجاوز عنه (٣)، وهو معنى قوله: ﴿وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾، وقيل: أراد بوالديه آدم وحواء (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1904>٤٢ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ قال ابن عباس: يريد المشركين أهل مكة (٥)، وكان سفيان بن عيينة إذا قرأ هذه الآية قال: هذا تعزية للمظلوم، ووعيد للظالم (٦).\n_________\n= الآيات الواردة بهذا الخصوص [التوبة: ١١٤، مريم: ٤٧، الشعراء: ٨٦، الممتحنة: ٤] ماعدا هذه الآية مع أن حقها مقدم على حق الوالد فيه إشارة على أنها كانت مسلمة والله أعلم.\n(١) لم أقف على مصدره، وورد في تفسيره \"الوسيط\" تحقيق سيسي ١/ ٣٣٣ بنصه، وانظر: \"تفسير ابن الجوزي\" ٤/ ٣٦٩، وورد بلا نسبة في \"تفسير الماوردي\" ٣/ ١٣٩، والزمخشري ٢/ ٣٨٢، و\"الفريد في الإعراب\" ٣/ ١٧١.\n(٢) انظر: \"تفسير البغوي\" ٤/ ٣٥٨، و\"الزمخشري\" ٢/ ٣٠٦، و\"ابن جزي\" ٢/ ١٤٢، و\"صديق خان\" ٧/ ١٢٩، وقد ضَعّف الزمخشري هذا القول، وحجته أنه يأباه قول الله تعالى: ﴿إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾ [الممتحنة: ٤] لأنه لو شرط الإسلام لكان استغفارًا صحيحًا لا مقال فيه، فكيف يُستثنى الاستغفار الصحيح من جملة ما يؤتسى فيه بإبراهيم؟!!\n(٣) ورد في تفسيره \"الوسيط\" تحقيق سيسي ١/ ٣٣٣ بنصه.\n(٤) ورد بلفظه في \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٦٥، و\"معاني القرآن\" للنحاس ٣/ ٥٣٧، و\"تفسير الماوردي\" ٣/ ١٣٩، وانظر: \"غرائب التفسير\" ١/ ٥٨٢ ذكره واستغربه، و\"تفسير الزمخشري\" ٢/ ٣٠٧، وابن الجوزي ٤/ ٣٦٩. وهو قول ضعيف فيه تكلُّف وبُعْد عن الظاهر.\n(٥) لم أقف عليه، والتعميم أولى من التخصيص.\n(٦) انظر: \"الكشاف\" ٢/ ٣٠٦، والرازي ١٩/ ١٤١، والخازن ٣/ ٨٤، والألوسي ١٣/ ٢٤٤.","vol":"12","page":493},{"text":"وقوله تعالى: ﴿لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾ قال شمر: يقال: شخص الرجلُ بصرَه، [وشخص البصرُ نفسُه، إذا سما وطَمَح وشَصا (١)، كلُّ ذلك مِثْلُ الشُّخُوصِ (٢).\nوقال ابن السِّكِّيت: شَخَصَ بصرُهُ] (٣)، إذا فتح عينيه لا يَطْرِفُ (٤).\nقال الفراء: أي لا يغتمض من هول ما يرى في ذلك اليوم (٥).\nوقال ابن عباس: يريد يوم القيامة تشخص فيه أبصار الخلائق إلى الهواء، يريد: أنهم لعجائب ما يرون، ولشدة الحَيْرةِ والدووة لا يغْتَمضون (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1905>٤٣ </span>- قوله تعالى: ﴿مُهْطِعِينَ﴾ قال أبو إسحاق: منصوب على الحال، المعنى: إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه أبصارُهُم مهطعين، فعلى ما ذكره الألف واللام في: ﴿الْأَبْصَارُ﴾ يدل على الكناية؛ لأن التأويل بأبصارهم على ما ذَكر، وأما تفسير الإهطاع (٧) فقال أبو عبيدة: هو\n_________\n(١) انظر: \"اللسان\" (طمح) ٥/ ٢٧٠٢، (شصا) ٤/ ٢٢٥٩.\n(٢) ورد في \"تهذيب اللغة\" (شخص) ٢/ ١٨٤٠ نقله بنصه.\n(٣) ما بين المعقوفين ساقط من (ش).\n(٤) \"إصلاح المنطق\" ص ٢٦٣ بنصه، وورد في \"تهذيب اللغة\" (شخص) ٢/ ١٨٤٠ بنصه، والطَّرْفُ: تحريك الجُفُونِ في النظر؛ يقال شخص بصرُه فما يَطْرِفُ. انظر: \"المحيط في اللغة\" (طرف) ٩/ ١٦٠.\n(٥) لم أجد قوله في معانيه، وورد منسوبًا إليه في \"تفسير القرطبي\" ٩/ ٣٧٦، و\"تفسير الشوكانى\" ٣/ ١٦٤، وصديق خان ٧/ ١٣٠.\n(٦) ورد في تفسيره \"الوسيط\" تحقيق سيسي ١/ ٣٣٤ بنصه، وانظر: \"تفسير القرطبي\" ٩/ ٣٧٦، وورد نحوه بلا نسبة في \"تفسير الرازي\" ١٩/ ١٤١، والخازن ٣/ ٨٤، و\"تفسير الشوكاني\" ٣/ ١٦٤، وصديق خان ٧/ ١٣٠.\n(٧) في جميع النسخ (الانقطاع) وهو تصحيف ظاهر.","vol":"12","page":494},{"text":"الإسراع (١)، يقال: أهطع البعير في سيره واستهطع، إذا أسرع (٢)، وهو اختيار الزجاج؛ قال: مهطعين: مسرعين، وأنشد (٣):\nبِدِجْلةَ أَهْلُهَا ولَقَد أراهُمْ (٤) ... بِدِجْلةَ مُهْطِعِينَ إلى السّمَاعِ (٥)\nقال: أي مسرعين (٦)، وأنشد أبو عبيدة:\nبمُهْطِعٍ سُرُحٍ كأنّ زِمَامَه ... في رأسِ جِذْعٍ من أَوالَ مُشَذَّبِ (٧)\n_________\n(١) \"مجاز القرآن\" ١/ ٣٢٤ ولفظه: (مسرعين).\n(٢) ورد بنصه في \"تهذيب اللغة\" (هطع) ٤/ ٣٧٦٨، و\"تفسير الثعلبي\" ٧/ ١٥٩ أ.\n(٣) البيت ليزيد بن مُفزغ الحميري ت (٦٩ هـ).\n(٤) في جميع النسخ (رآهم)، والمثبت موافق للديوان وجميع المصادر.\n(٥) \"ديوانه\" ص ١٦٧، وورد في \"مجاز القرآن\" ١/ ٣٤٣، و\"الوقف والابتداء\" لابن الأنباري ١/ ٦٧، و\"تفسير ابن عطية\" ٨/ ٢٥٩، وفيها (دارُهم) بدل (أهلها)، وورد غير منسوب في \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٦٦، و\"تهذيب اللغة\" (هطع) ٤/ ٣٧٦٨، و\"الفريد في إعراب القرآن\" ٣/ ١٧٣، و\"تفسير القرطبي\" ٩/ ٣٧٦، و\"اللسان\" (هطع) ٨/ ٤٦٧٤، و\"الدر المصون\" ٧/ ١٢٠، و\"عمدة الحفاظ\" ٤/ ٢٩٤، والمعنى: أي أنهم مقبلون برؤوسهم إلى سماع الداعي.\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٦٦ بنصه.\n(٧) ورد بلا نسبة في \"مجاز القرآن\" ١/ ٣٤٢، و\"تفسير ابن عطية\" ٨/ ٢٥٩، وأبي حيان\n٥/ ٤٢٩، و\"الدر المصون\" ٧/ ١٢٠، وورد فيها عِنَانَهُ (بدل) زمامه، وورد منسوبًا\nلأُنيف بن جَبَلة في \"اللسان\" (أول) ١/ ١٧٥ وليس فيه الشاهد، برواية:\nأمّا إذا استقبلته فكأنّه ... للعين جِذعٌ من أَوال مُشذَّبُ\n(السُّرحُ): السرعة، يقال ناقةٌ سُرُحٌ ومُنْسرحةٌ في سيرها: أي سريعة، (أَول): بفتح أوله، قرية بالبحرين، وقيل جزيرة، فإن كانت قرية فهي من قرى السِّيف، ويشهد له قول ابن مقبل:\nعَمَد الحُداةُ بها لغارضِ قِريةٍ ... وكأنها سُفُنٌ بِسيْفِ أَوالِ\n(الشَّذبُ) القُشورُ، وجذعٌ مُشَذَّبٌ: أي مقشّر؛ إذا قَشَرْت ما عليه من الشوك، =","vol":"12","page":495},{"text":"قال أبو عبيدة: أهطع وهطع إذا أسرع مقبلًا خائفًا، لا يكون إلا مع خوف (١)، وقال أحمد بن يحيىَّ: المُهطِعُ الذي ينظر في ذُلٍّ وخشوعٍ (٢)، وقال ابن جريج: المهطع الساكت المنطلق إلى الهُتافِ إذا هتف هاتفٌ (٣) وقال الليث: يقال للرجل إذا أقرَّ وذلَّ قد أهطع (٤)، وأنشد:\nونِمْرُ بن سَعْدٍ لي مُطيعٌ ومُهطِعُ (٥)\nفهذه أربعة أقوال لأهل اللغة في تفسير هذا الحرف، وأما قول\n_________\n= والمِشْذَبُ: المِنْجَلُ الذي يُشْذَّبُ به.\nانظر: \"معجم ما استعجم\" ١/ ٢٠٨، و\"اللسان\" (شذب) ٤/ ٢٢١٩، و\"التاج\" (سرح) ٤/ ٨٥.\n(١) ليس في مجازه، وورد في \"جمهرة اللغة\" ٢/ ٩١٧ بنصه تقريبًا، و\"تهذيب اللغة\" (هطع) ٤/ ٣٧٦٩ بنصه، وهو مصدره.\n(٢) انظر: \"تفسير الفخر الرازي\" ١٩/ ١٤١، و\"الدر المصون\" ٧/ ١٢٠، و\"عمدة الحفاظ\" ٤/ ٢٩٤، و\"تفسير الشوكاني\" ٣/ ١٦٤، وصديق خان ٧/ ١٣١، وورد في \"تهذيب اللغة\" (هطع) ٤/ ٣٧٦٨ بنصه منسوبًا لأبي الفضل المنذري، وأغلب الظن أنه يرويها عن ثعلب؛ لأن كثيرًا من روايات ثعلب يرويها الأزهري عن طريق شيخه أبي الفضل المنذري. انظر مثلًا روايته لقنع عنه، في \"تهذيب اللغة\" (قنع) ٣/ ٣٠٦١.\n(٣) ورد بنصه غير منسوب في \"اللسان\" (هطع) ٨/ ٤٦٧٤.\n(٤) ورد في \"تهذيب اللغة\" (هطع) ٤/ ٣٧٦٨بنصه.\n(٥) وصدره:\nتَعبَّدنِي نِمْرُ بنُ سعدٍ وقد أُرى\nورد البيت منسوبًا إلى تُبَّع في \"الإتقان\" ٢/ ١٠١، وورد بلا نسبة في \"تهذيب اللغة\" (هطع) ٤/ ٣٧٦٨ و\"الصحاح\" (عبد) ٢/ ٥٠٣، و\"تفسير الثعلبي\" ٧/ ١٥٩ أ، و\"الماوردي\" ٣/ ١٤٠، و\"الأساس\" ٢/ ٥٤٨، و\"الفريد في الإعراب\" ٣/ ١٧٣، و\"اللسان\" (عبد) ٥/ ٢٧٧٩.","vol":"12","page":496},{"text":"المفسرين: فقال سعيد بن جبير، والحسن، وقتادة: مسرعين (١)، وقال سعيد عن قتادة: منطلقين عامدين إلى الداعي (٢)، وقال نافع بن الأزرق لابن عباس: أخبرني عن قولى: ﴿مُهْطِعِينَ﴾ ما الإهطاع؟ قال: النظر (٣)، وفي ذلك يقول الشاعر (٤):\nإذا دَعَانَا فأهْطَعْنا لدَعْوته ... داعٍ سميعٌ فَلَفُّونَا وسَاقُوْنا (٥)\nوهذا قول مجاهد والضحاك والكلبي والعوفي عن ابن عباس قالوا: ناظرين مديمي النظر من غير أن يطرفوا (٦)، ونحو ذلك قال أبو الضحى؛\n_________\n(١) أخرجه عبد الرزاق ٢/ ٣٤٣، بلفظه عن قتادة، والطبري ١٣/ ٢٣٧ بلفظه عن قتادة، وبمعناه عن سعيد، وورد بلفظه في \"معاني القرآن\" للنحاس ٣/ ٥٣٨، عن قتادة. \"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢١٠، عن قتادة، والماوردي ٣/ ١٤٠، عنهم، و\"الطوسي\" ٦/ ٣٠٣ عنهم، وأورده اليوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ١٦٣، وزاد نسبته إلى ابن المنذر عن قتادة.\n(٢) أخرجه الطبري ١٣/ ٢٣٧ بنصه، وورد في \"تفسير الثعلبي\" ٧/ ١٥٨ ب بنصه.\n(٣) ورد في \"الوقف والابتداء\" لابن الأنباري ١/ ٨٧، وانظر: \"الدر المنثور\" ٤/ ١٦٣.\n(٤) هو عمران بن حطان من رؤوس الخوارج (ت ٨٤ هـ).\n(٥) ورد في \"إيضاح الوقف والابتداء\" لابن الأنباري ١/ ٨٨، و\"تفسير ابن عطية\" ٨/ ٢٥٩، وأبي حيان ٥/ ٤٢٩، وورد بلا نسبة في \"الدر المصون\" ٧/ ١١٩، و\"الدر المنثور\" ٤/ ١٦٣، (لَفَّ): بمعنى جمع. انظر: \"اللسان\" (لفف) ٧/ ٤٠٥٤.\n(٦) \"تفسير مجاهد\" ص ٣٣٦ مختصرًا، ولفظه: مديمي النَّظَر، أخرج الطبري ١٣/ ٢٣٧ مختصرًا وبنحوه عنهم ماعدا الكلبي، وورد في: \"معاني القرآن\" للنحاس ٣/ ٥٣٨ مختصرًا، و\"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢١٠ مختصرًا، والثعلبي ٧/ ١٥٩ أ، عن مجاهد قال: مديمي النظر، وعن ابن عباس والضحاك قال: شدة النظر من غير أن يطرفوا، وعن الكلبي قال: ناظرين، و\"الماوردي\" ٣/ ١٤٠ بنحوه عن ابن عباس والضحاك، وورد في \"الدر المنثور\" ٤/ ١٦٣، وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم عن مجاهد.","vol":"12","page":497},{"text":"قال: الإهطاع من التَّحْمِيج (١) الذي زدتُم (٢) النظر ولا يَطْرِف (٣).\nوهذه الأقوال توافق ما حكينا من أهل اللغة، والجامع لهذه الأقوال قول من قال الإهطاع: إسراعٌ مع إدامة نظر (٤).\nوقوله تعالى: ﴿مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ﴾ قال ابن السكَيت: أقنع رأسه إذا رفعه (٥)، قال النضر: أقنع فلانٌ رأسه، وهو أن يرفع بصره ووجهه إلى السماء، قال: والمقنع: الرافع رأسه إلى السماء (٦)، وقال أحمد بن يحييَّ: الإقناع: رفع الرأس والنظر في ذل وخشوع (٧).\nومنه ما روي عن النبيّ - ﷺ - أنه قال: \"تُقْنِع يديك في الدعاء\". أي: ترفعهما (٨).\n_________\n(١) في جميع النسخ (التجميح)، وهو تصحيف، والصحيح المثبت، وهو موافق للطبري، يقال: حَمَّجَ تحميجًا، أي نظر بخوف، وتحميج التعيين: غؤُورُهما. انظر: \"المحيط في اللغة\" (حمج) ٢/ ٤١٨.\n(٢) في (أ): (ررتم)، وفي (ش): (زُتم)، والمثبت من (د)، (ع).\n(٣) أخرجه الطبري ١٣/ ٢٣٧ بنحوه، وورد في \"معاني القرآن\" للنحاس ٣/ ٥٣٨، بمعناه، انظر: \"تفسير ابن عطية\" ٨/ ٢٦٠.\n(٤) وهو قول أبي عبيدة، نسبه إليه النحاس في معانيه ٣/ ٥٣٨، ولفظه بعد أن ذكر قولين قال: قال أبو عبيدة: وقد يكون الوجهان جميعًا، يعني: الإسراع مع إدامة النظر. اهـ. ولم أجده في مجازه، والذي فيه: مهطعين: أي مسرعين ١/ ٣٤٢، وكذلك نسبه إليه ابن عطية ٨/ ٢٦٠، و\"تفسير القرطبي\" ٩/ ٣٧٦، وأخطأ المحقق بنسبته إلى أبي عبيد.\n(٥) \"إصلاح المنطق\" ص ٢٣٨ بنصه، وانظر: \"تهذيب اللغة\" (قنع) ٣/ ٣٠٦٠ بنصه.\n(٦) \"تهذيب اللغة\" (قنع) ٣/ ٣٠٦١، نقله بنصه.\n(٧) \"تهذيب اللغة\" (قنع) ٣/ ٣٠٦٠، نقله بنصه.\n(٨) لم أقف على هذا اللفظ، وورد بنحوه من طريقين، ونصه: قال رسول الله - ﷺ -: \"الصلاة مثنى مثنى، تشهَّدُ في ركعتين، وتخَشَّعُ وتَضَرَّعُ وتَمَسْكن ثم تُقْنِعُ يديك، =","vol":"12","page":498},{"text":"وقال أبو إِسحاق: المقنع الرافع (١)، وأنشد للشمَّاخ:\nيُبَاكرْن العِضَاهَ بمُقْنَعاتٍ ... نَوَاجِذُهُنَّ كالحدأِ الوَقِيعِ (٢)\nأراد بأفواه مرفوعات إلى العِضَاة، يصف إبلًا ترعى الشجرَ، شبَّه أنيابها بالفؤوس المحدُودة، والحِدأُ: الفؤوس بالكسر، وعند الكوفيين الحَدَأُ بالفتح جمع حَدَأة، فهما لغتان (٣)، ونحو ما قال أهل اللغة قال\n_________\n= يقول: ترفعهما .. \" أخرجه أحمد ١/ ٢١١، والترمذي: (٣٨٥) كتاب: الصلاة، باب: ما جاء في التَّخشُّع في الصلاة، كلاهما من طريق الليث بن سعد عن الفضل ابن العباس عن النبيّ - ﷺ -، وأخرجه أبو داود (١٢٩٥) كتاب: الصلاة، باب: صلاة النهار، والبيهقي في السنن: الصلاة/ صلاة الليل والنهار مثنى ٢/ ٤٨٨ كلاهما من طريق شعبة عن المطلب عن النبي - ﷺ -، قال الترمذي: سمعت البخاري يقول: رواية الليث بن سعد أصح من حديث شعبة، وشعبة أخطأ في هذا الحديث في مواضع، ثم ذكرها. انظر: \"علل الترمذي\" ١/ ٢٥٨ - ٢٥٩ وقد حسّن إسناد الليث أبو حاتم في \"علل الحديث\" لابن أبي حاتم ١/ ١٣٢، وقال صاحب \"تحفة الأحوذي\" ٢/ ٣٢٨ قال ابن حجر: إسناده حسن. والصحيح أن الحديث ضعيف كما أشار صاحب التحفة نفسه لأن مداره على عبد الله بن نافع، وهو مجهول، وقال البخاري: لم يصح حديثه. انظر: \"التاريخ الكبير\" ٥/ ٢١٣.\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٦٦، بلفظه.\n(٢) \"ديوان الشمّاخ\" ص ٢٢٠، وورد في \"مجاز القرآن\" ١/ ٣٤٣، و\"تفسير الطبري\" ١٣/ ٢٣٨، و\"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٦٦ \"تهذيب اللغة\" (حدا) ١/ ٧٥٥، و\"تفسيرالثعلبي\" ٧/ ١٥٩أ، والطوسي ٦/ ٣٠٣، و\"تفسير القرطبي\" ٩/ ٣٧٧، و\"اللسان\" (قنع) ٦/ ٣٧٥٦، وفي رواية الديوان والزجاج والثعلبي: (يُبَادرْنَ) بدل (يباكرن)، (يباكرن) يبادرن ويعاجلن، (العضاه) هي شجر الشوك؛ واحدها عِضَة وعِضَهَة وعِضَاهَة، (المُقْنَعات) جمع مقْنَع، والمحضع من الإبل: الذي يرفع رأسه خِلْقةً (النواجذ) الأضراس، (الوقيع): المحدَّدة والمرقَّقة بالمِيْقَعة، أي المطرقة. انظر: \"المحيط في اللغة\" (عضة) ١/ ١٠٩، و\"اللسان\" (قنع) ٦/ ٣٧٥٤.\n(٣) انظر: \"إصلاح المنطق\" ١٤٩، و\"المنتخب من غريب كلام العرب\" ١/ ٣٣٣، =","vol":"12","page":499},{"text":"المفسرون في الإقناع، قالوا: ﴿مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ﴾: رافعي رؤوسهم، وهو قول ابن عباس ومجاهد والضحاك وقتادة وابن زيد (١)، قال الحسن: وجوه الناس يوم القيامة إلى السماء لا ينظر أحد إلى أحد (٢).\nوقوله تعالى: ﴿لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ﴾ أي لا ترجع إليهم أبصارهم من شدة النظر؛ فهي شاخصة والطَرْفُ: تحريك الجفون في النظر، يقال: شخص بصره فما يَطْرِف (٣)، والطرْفُ: اسم جامع للبصر لا يُثنَى ولا يُجمع (٤).\nوتأويل قوله: ﴿لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ﴾ أي: نظرهم إلى شيء واحد، فكأن ذلك الشيء الذي ينظرون إليه قد ذهب بنظرهم نحوه؛ فليسوا ينظرون إلى غيره، هذا معنى قولنا: لا يرجع إليهم نظرهم.\n_________\n= و\"جمهرة اللغة\" ٢/ ١١٠٧، و\"تهذيب اللغة\" (حدا) ١/ ٧٥٤، و\"المحكم\" لابن سيده (حدأ) ٣/ ٣١١، و\"العباب الزاخر\" أ/ ص ٤٠.\n(١) \"تفسير مجاهد\" ص ٣٣٦ بنصه، أخرجه عبد الرزاق ٢/ ٣٤٣ بنحوه عن قتادة، والطبري ١٣/ ٢٣٨ - ٢٣٩ بنصه عن الضحاك وابن عباس من طريق العوفي ضعيفة، وبنحوه عن مجاهد وقتادة وابن زيد.\nوورد في \"معاني القرآن\" للنحاس ٣/ ٥٣٨ بنحوه عن مجاهد وقتادة، و\"الماوردي\" ٣/ ١٤١ بنصه عن ابن عباس ومجاهد.\n(٢) أخرجه الطبري ١٣/ ٢٣٩ بنصه، وورد في \"تفسيرالثعلبي\" ٧/ ١٥٩ أبنصه، وانظر: \"تفسير البغوي\" ٤/ ٣٥٩، وابن عطية ٨/ ٢٦٠، و\"تفسير القرطبي\" ٩/ ٣٧٧، والخازن ٣/ ٨٥.\n(٣) ورد في \"تهذيب اللغة\" (طرف) ٣/ ٢١٨٠ بنصه، وهو قول الليث، وانظر: \"المحيط في اللغة\" (طرف) ٩/ ١٦٠.\n(٤) المصدر السابق بنصه.","vol":"12","page":500},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء: يريد خرجت القلوب من مواضعها فصارت في الحناجر (١)، ونحو هذا قال قتادة: انتزعت حتى صارت في حناجرهم (٢)، فعلى هذا، الأفئدة: أريد بها مواضع القلوب، وذهب قوم من أهل اللغة إلى الفرق بين القلب والفؤاد؛ فقال الليث: القلب مضغةٌ من الفؤاد معلَّقة بالنيَّاط (٣).\nوقال النبيّ - ﷺ -: \"أتاكم أهل اليمن هم أرقُّ قلوبًا وألينُ أفئدة\" (٤)،\n_________\n(١) ورد في تفسيره \"الوسيط\" تحقيق سيسي ١/ ٣٣٥ بنصه، وانظر: \"تفسير ابن الجوزي\" ٤/ ٣٧١، و\"الفريد في الإعراب\" ٣/ ١٧٤.\n(٢) أخرجه عبد الرزاق ٢/ ٣٤٣، بمعناه، والطبري ١٣/ ٢٤١ بنصه، وورد في \"تفسيرالثعلبي\" ٧/ ١٥٩ ب بنصه، والماوردي ٢/ ٣٤٣ بنحوه، وأورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ١٦٤، وزاد نسبته إلى ابن المنذر.\n(٣) ورد في \"تهذيب اللغة\" (قلب) ٣/ ٣٠٢٦ بنصه. والنياط: عِرقٌ غليظٌ معلق بالقلب. انظر: \"المحيط في اللغة\" (نوط) ٩/ ٢٢٠.\n(٤) أخرجه بنحوه عن أبي هريرة أحمد ٢/ ٢٣٥، ٢٥٢، ٦٦٧، ٢٧٧، ٣٨٠، البخاري (٣٤٨٨) المغازي/ قدوم الأشعريين، البخاري في \"التاريخ الكبير\" ١/ ١٥٩، ومسلم (٥٢): الإيمان/ تفاضل أهل الإيمان ورجحان أهل اليمن فيه ١/ ٧٢، والبيهقي في السنن: الصلاة/ ما يستدل به على ترجيح قول أهل الحجاز وعملهم ١/ ٣٨٦، وورد في \"تهذيب اللغة\" (قلب) ٣/ ٣٠٢٦ بنصه، و\"مشكاة المصابيح\" المناقب، ذكر اليمن والشام ٣/ ١٧٦٥، و\"كنز العمال\" ١٢/ ٤٧ كلاهما عزاه للصحيحين، وُيُرَدّ على الواحدي في استدلاله بالحديث على أن القلب أخص من الفؤاد - لوصف الحديث القلوب بالرقة والأفئدة باللين أن كل الروايات التي وقفت عليها والتي جمعت بين القلوب والأفئدة إنما وصفت القلوب باللين والأفئدة بالرقة أي عكس ما ذكر ولم يوصف القلب بالرقة إلا في روايتين لأحمد ورواية للبخاري في تاريخه، وهذه الروايات ذكرت القلب وحده، فلا شاهد فيها، بل ذهب النووي إلى عكس قول الواحدي؛ فجعل الفؤاد أخص من القلب، فقال: وقيل الفؤاد غير القلب، وهو عن القلب وفي باطن القلب وقيل غشاء القلب. انظر: \"صحيح =","vol":"12","page":501},{"text":"فوصف القلوب بالرقّة والأفئدة باللين، وكأن القلب أخصُّ منا لفؤاد، ولذلك قالوا: أصبت حبة قلبه (١)، والهواء: ما بين السماء والأرض (٢)، والعرب تسمّي كل خالٍ هواء (٣)، يقولون: بيت هواء، إذا كان خاليًا قفْرًا لا شيء فيه، والمعنى في الآية: أن قلوبهم ارتفعت إلى حناجرهم من فزع ذلك اليوم وهوله، وبقي موضعها هواء لا شيء فيه كهواء ما بين السماء والأرض، ولهذا المعنى قالوا للجبان: مُجوَّفٌ هواء، أي أنه لا قلب له، ومنه قول حسان:\nفأنْتَ مُجوَّفٌ نَخِبٌ هَوَاءُ (٤)\n_________\n= مسلم بشرح النووي ٢/ ٣٤، ولعل سبب مخالفة رواية الواحدي لروايات كتب السنة التي ذُكِرت، أنه قد اعتمد في نقل هذا الحديث والتعليق عليه على كتاب \"تهذيب اللغة\"؛ وكتب اللغة ليست دقيقة في نقل الأحاديث كالكتب المتخصصة.\n(١) ورد في \"تهذيب اللغة\" (قلب) ٣/ ٣٠٢٦ بنصه.\n(٢) انظر: (هوى) في \"الصحاح\" ٦/ ٢٥٣٧، و\"اللسان\" ٨/ ٤٧٢٦.\n(٣) ورد بنحوه في: \"تفسير الطبري\" ١٣/ ٢٤١، و\"الثعلبي\" ٧/ ١٥٩ ب.\n(٤) وصدره:\nألا أبلغ أبا سفيان عني\n\"ديوان حسان\" ص ٩، وورد في: \"مجاز القرآن\" ١/ ٣٤٤، و\"تفسير الطبري\" ١٣/ ٢٤١، و\"معاني القرآن\" للنحاس ٣/ ٥٤١، و\"تهذيب اللغة\" (جاف) ١/ ٥٢٢، و\"تفسير الثعلبي\" ٧/ ١٥٩ ب، والماوردي ٣/ ١٤١، والزمخشري ٢/ ٣٠٧، وابن الجوزي ٤/ ٣٧١، وابن عطية ٨/ ٢٦٢، و\"تفسير القرطبي\" ٩/ ٣٧٧، والبقاعي ٤/ ١٩٤، و\"العباب الزاخر\" ف/ ٧٧. (المُجوَّف) الجبان الذي لا قَلْب له، كأنه خالي الجوفِ من الفؤاد، (النَّخْبُ) الضعف، يقال رجلٌ نخِبُ الفؤاد ومَنْخُوبٌ: أي جبان. انظر: \"المحيط في اللغة\" (نخب) ٤/ ٣٦١، و\"اللسان\" (جوف) ٢/ ٧٢٨. وفي هذا البيت يصف حسّان أبا سفيان بالجبن والضعف، وأغلب الظن أنه كان قبل أن يسلم ﵄.","vol":"12","page":502},{"text":"وقال زهير يصف ناقة:\nكأنّ الرَّحْلَ منها فَوقَ صَعْلٍ ... من الظِّلْمَانِ جُؤْجُؤُهُ هَواءُ (١)\nأي لا قلب في صدره فهو خال، وذهب آخرون إلى أن معنى الآية: أن قلوبهم عما ذهلوا من الفزع خلت عن العقول، وهو معنى قول ابن عباس في رواية العوفي، وبه قال مجاهد، ومُرَّة، وابن زيد، واختاره الأخفش؛ فقال في قوله: ﴿وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ﴾ أي جَوْفٌ لا عقول لها ولا خير فيها (٢)، وعلى هذا القول، المراد بالأفئدة: القلوب، وهو الصحيح في اللغة (٣)، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦] يعني القلب، وقال امرؤ القيس:\nرَمَتْني بسَهْمٍ أصابَ الفُؤادَ ... غداةَ الرَّحِيل فلم أشهر\nيعني أصاب قلبي، الأزهري: ولم أرهم يفرقون بينهما (٤)، ويحتاج\n_________\n(١) \"شرح ديوان زهير\" ص ٦٣، وورد البيت في \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٦٦، مع اختلاف يسير في كلمتين: (الظلماء) و(جؤجؤها)، و\"معاني القرآن\" للنحاس ٣/ ٥٤٠، و\"تفسير الثعلبي\" ٧/ ١٥٩ ب، والزمخشري (٢/ ٣٠٧ (عجزه»، وابن عطية ٨/ ٢٦٢، و\"تفسير القرطبي\" ٩/ ٣٧٨، وأبي حيان ٥/ ٤٣٠، و\"الدر المصون \" ٧/ ١٢٣. (الرحْل) ما يوضع على ظهر البعير للركوب عليه، (الصَّعْل) الدقيقُ الحُنُق الصغيرُ الرأس، (الظلمان) جمع ظليم وهو ذَكَر النَّعام، (جؤجؤه) صدره، (هواء) لا مخَّ فيه، وقال الأصمعي: جؤجؤه هواء: أي أنه مُنْتَخَبُ العقل [أي جبان] وإنما أراد أنه لا عقل له، وكذلك الظَّليمُ هو أبدًا كأنه مجنون.\n(٢) لم أجده في معانيه، وورد في \"تفسير الثعلبي\" ٧/ ١٥٩ ب بنحوه، وانظر: \"تفسير البغوي\" ٤/ ٣٥٩.\n(٣) وهذا القول هو الذي رجحه الطبري ١٣/ ٢٤١، وأيَّده ببيت حَسَّان السابق.\n(٤) لم أجده في \"تهذيب اللغة\"، وكلامه هذا يتناقض مع استشهاده بحديث: (أتاكم أهل اليمن)؛ حيث فرق بين القلب والفؤاد، إلا أن يكون هذا من كلام الواحدي =","vol":"12","page":503},{"text":"في هذا التفسير إلى تقدير المضاف، كأن المعنى: وأفئدتهم ذات هواء؛ أي خالية.\n\n٤٤ - قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرِ النَّاسَ﴾ هذا عطف على قوله: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا﴾ لأنه قد تمَّ وصف الكفار وحالهم عند البعث في القيامة، ثم عاد إلى خطاب النبيّ - ﷺ - وأمره بالإنذار فقال: ﴿وَأَنْذِرِ النَّاسَ﴾ قال ابن عباس: يعني أهل مكة (١)، قال: ولو أن أهل مكة اتبعوا النبي - ﷺ - ما اختلف عليه اثنان، قال: ويقال لو آمن الوليد بن المغيرة ما تخلَّف عن رسول الله - ﷺ - أحد.\nوقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ﴾ (يوم) مفعول به، والعامل فيه أنذرهم؛ كما يقول: خوّفه العقاب وخوّفه الهلاك، ولا يكون على الظرف؛ لأنه لم يؤمر بالإنذار في ذلك اليوم (٢).\nوقوله تعالى: ﴿فَيَقُولُ﴾ عطف ﴿يَأْتِيهِمُ﴾؛ يعني: فيقولون في ذلك اليوم، ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ قال ابن عباس: يريد أشركوا (٣)، ﴿رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ استمْهَلوا مدةً يسيرة لكي يجيبوا الدعوة ويتبعوا الرسل، قال ابن عباس: يريدون الرجعة إلى الدنيا، وهذا معنى وليس\n_________\n= الواحدي، وكلمة الأزهري صفة للقلب لا أنها علم، وهو محتمل.\n(١) ورد في تفسيره \"الوسيط\" تحقيق سيسي ١/ ٣٣٥ بنصه، وانظر: \"تفسير ابن الجوزي\" ٤/ ٣٧٢، و\"تفسير القرطبي\" ٩/ ٣٧٨، والأولى حمل الآية على العموم، لعدم وجود مخصص.\n(٢) انظر: \"البيان في غريب الإعراب\" ٢/ ٦١، و\"الإملاء\" ٢/ ٧٠، و\"الفريد في الإعراب\" ٣/ ١٧٤.\n(٣) انظر: \"تنوير المقباس\" ص ٢٧٤، بلفظه، وورد غير منسوب في \"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢١٠، والبغوي ٤/ ٣٥٨، وابن الجوزي ٤/ ٣٧٢.","vol":"12","page":504},{"text":"بتفسير، وذلك أنهم لما استَمهَلوا للإجابة صار كأنهم قالوا: أرجعنا إلى الدنيا أيامًا؛ لأن الآخرة ليست بدار تكليف، وإنما كُلِّفوا الإجابة في دار [الدنيا فيجابون عن هذا الاستمهال، ويقال لهم: ﴿أَوَلَمْ يكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ] (١) زَوَالٍ﴾ قال مجاهد: أي من انتقال عن الدنيا إلى الآخرة (٢)؛ أي لا تبعثون.\nقال ابن عباس: يريد حلفتم في الدنيا أنكم لا تبعثون (٣)، وهو قوله: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ﴾ [النحل: ٣٨].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1907>٤٥ </span>- قوله تعالى: ﴿وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ قال المفسرون: يعني الأممَ الكافرة قبلهم؛ قومَ نوح وعاد وثمود، ظلموا أنفسهم بالكفر والمعصية (٤)، وهذا احتجاج عليهم؛ يقول: كان ينبغي أن ينزجروا ويرتدعوا اعتبارًا بمساكنهم، بعد ما تبيّن لكم كيف فعلنا بهم، ﴿وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ﴾ قال ابن عباس: يريد الأمثال التي في القرآن (٥).\n_________\n(١) ما بين المعقوفين ساقط من (ش)، (ع).\n(٢) أخرجه الطبري ١٣/ ٢٤٢ بنصه، وورد في \"تفسير الماوردي\" ٣/ ١٤٢ بنصه، والطوسي ٦/ ٣٠٥.\nوانظر: \"تفسير ابن كثير\" ٢/ ٥٩٦، والألوسي ١٣/ ٢٤٨.\n(٣) ورد بنصه غير منسوب في تفسيره \"الوسيط\" تحقيق سيسي ١/ ٣٣٥، وابن الجوزي ٤/ ٣٧٢.\n(٤) أخرجه الطبري ١٣/ ٢٤٣ بنحوه عن قتادة، وبمعناه عن ابن زيد، وورد في السمرقندي ٢/ ٢١٠ بنحوه، والثعلبي ٧/ ١٤٩ ب بنصه، وانظر: \"تفسير البغوي\" ٤/ ٣٦٠، وابن الجوزي ٤/ ٣٧٢، والفخر الرازي ١٩/ ١٤٣.\n(٥) انظر: \"تفسير ابن الجوزي\" ٤/ ٣٧٢ بنصه.","vol":"12","page":505},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1908>٤٦ </span>- قوله تعالى: ﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ﴾ [يعني مكرهم بالنبيّ - ﷺ - وما همُّوا به من قتله أو نفيه (١). ﴿وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ﴾ (٢) أي قد عرف الله مكرهم، وهو عالم به لا يخفى عليه ما فعلوا، فهو يجازيهم عيه، وقال أبو علي: وعند الله جزاءُ مكرِهم فحذف المضافَ كما حُذف من قوله: ﴿تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ﴾ [الشورى: ٢٢] أي: جزاؤه.\nوقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾ (إن) هاهنا يعني بها: ما، واللام المكسورة بعدها يعني بها الجحد، ومن سبيلها نصبُ الفعل المستقبل، والنحويون يسمونها لام الجحود (٣)، ومثله قوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُم﴾، و﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ﴾ [آل عمران: ١٧٩] والجبال هاهنا مَثلٌ لأمر النبيّ - ﷺ - وأمرِ دين الإسلام وأعلامِه ودلالتِه، على معنى أن ثبوته كثبوت الجبال الراسية؛ لأن أدته تعالى قد وعد نبيه - ﷺ - إظهار دينه على كل الأديان، ويدل على صحة هذا المعنى قوله بعدُ: ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ﴾ أي (٤): فقد وعدك الظهور عليهم والغلبة لهم ومعنى الآية:\n_________\n(١) انظر: \"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢١١، وابن الجوزي ٤/ ٣٧٤، والفخر الرازي ١٩/ ١٤٤، والخازن ٣/ ٨٥.\n(٢) ما بين المعقوفين ساقط من (ش)، (ع).\n(٣) هي لام زائدة بعد كون منفي -كان يكون- فينُصبُ المضارعُ بعدها بـ (أنْ) المضمرة، وهي حرف مبني على الكسر لا محل له من الإعراب، ويسميها سيبويه (لأم النفي) ولها عدة شروط.\nانظر: \"المغني\" ص ٢٧٨، و\"الشامل\" ص ١٩٦، و\"معجم القواعد العربية\" للدقر ص ٤٠٠.\n(٤) ساقطة من (ش)، (ع)، وهي ثابتة في المصدرة \"الحجة للقراء\" ٥/ ٣٣.","vol":"12","page":506},{"text":"وما كان مكرهم ليزول منه ما هو مثلُ الجبال في امتناعه ممن أراد إزالته (١)، هذا الذي ذكرنا معنى قول الحسن: كان مكرُهم أوهنَ وأضعفَ من أن تزول منه الجبال (٢)، قال: و(إن) هاهنا بمعنى (ما) (٣)؛كقوله: ﴿لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ (٤) [الأنبياء: ١٧] وقول: ﴿فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ﴾ (٥) [الأحقاف: ٢٦]، وهو كثير، وهذا القول اختيار أبي إسحاق (٦) وأبي بكر وأبي علي (٧).\nقال أبو علي: وقد استعمل لفظ الجبال في غير هذا، في تعظيم الشيء وتفخيمه (٨)، قال ابن مُقبل:\nإذا مِتُّ عن ذِكرِ القوافي فَلَنْ تَرَى ... لها شَاعِرًا مِثلي أطَبَّ وأَشْعَرَا\nوأكثرَ بَيْتًا شَاعِرًا ضُرِبَتْ به ... بُطُون جِبَالِ الشِّعْرِ حتَّى تَيَسَّرا (٩)\n_________\n(١) نقل طويل من \"الحجة للقراء\" ٥/ ٣١ - ٣٣ من قوله: قال أبو علي، تصرف فيه بالاختصار والتوضيح، والتقديم والتأخير.\n(٢) أخرجه الطبري ١٣/ ٢٤٧ بنحوه، وورد في \"معاني القرآن\" للنحاس ٣/ ٥٤٣ بنصه تقريبًا، وانظر: \"تفسير البغوي\" ٤/ ٣٦٠، وابن الجوزي ٤/ ٣٧٤، وأورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ١٦٥، وعزاه إلى ابن الأنباري.\n(٣) لم يقل الحسن -﵀- هذا بلفظه، إنما ذكر الأمثلة التي دلت على معنى ذلك. انظر: \"تفسير الطبري\" ١٣/ ٢٤٧.\n(٤) أي: ما كنا فاعلين. (المصدر السابق).\n(٥) أي: ما مكناكم فيه. (المصدر السابق).\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٦٦، وهو اختيار الطبري ١٣/ ٢٤٧، وقد صوّبه وأيدّه بعدة أمور، انظرها.\n(٧) \"الحجة للقراء\" ٥/ ٣١.\n(٨) \"الحجة للقراء\" ٥/ ٣٣ بنصه.\n(٩) \"ديوان ابن مقبل\" ص ١٣٦ وفيه: (لها تاليًا) بدل (لها شاعرًا)، (ماردًا) بدل =","vol":"12","page":507},{"text":"فاستعار للشعر جبالًا؛ يريد امتناعه على من أراده. هذا الذي ذكرنا معنى قراءة العامة (١)، وقرأ الكسائي: (لَتزولُ) بفتح اللام الأولى وضم الثانية (٢)، وعلى هذه القراءة معنى قوله: ﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ﴾ يعني الأمم الكافرة من قبل؛ وهم الذين ذُكروا في قوله: ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ وهو معنى قول ابن عباس: يريد ما مكر نمرود بإبراهيم، يجوز أن يعني أيضًا مكر الكفار بالنبيّ - ﷺ - كما ذكرنا، ﴿وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ﴾ معنى (إنْ) على هذه القراءة المخففة من الثقيلة، قاله أبو علي (٣).\nوقال أبو بكر: (إنْ) مع اللام يعني بها هاهنا: (قد)؛ كما يقول العربي: إنْ كان عبد الله لَيزورنا، يريد: قد كان، واللام في: ﴿لِتَزُولَ﴾ لام الجواب، والمستقبل بعدها مرفوع، والمعنى قد كانت الجبال تزول من مكرهم على تعظيم أمر مكرهم؛ كقوله: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا﴾ [نوح: ٢٢].\n_________\n= (شاعرًا الثانية)، (له) بدل (به)، (حُزُون) بدل (بُطُون) وورد في \"الحجة للقراء\" ٥/ ٣٣، و\"الحلبيات\" ص ١٩٧، و\"تفسير الطوسي\" ٦/ ٣٠٧، و\"الشعر والشعراء\" ص ٢٩٨، وفيه: (تاليًا بعدي) بدل (شاعرًا مثلي)، والبيت الثاني يختلف كثيرًا، و\"أمالي ابن الشجري\" ١/ ١٠٨، وفيه: (حبال) بدل (جبال)، و\"دلائل الإعجاز\" للجرجاني ص ٣٩١، وفيه: (قائلًا بعدي) بدل (شاعرًا مثلي)، وفي البيت الثاني: (سائرًا) مكان (شاعرًا)، و(حُزون) مكان (بُطون)، ومعنى (أطب) أعْرَف، (ماردًا)؛ المارد: العاتي الشديد، ويريد به الجيد السائر، (حُزُون): جمع الحزن، وهو ما غلظ من الأرض في ارتفاع وخشونة.\n(١) انظر: \"السبعة\" ص ٣٦٣، و\"علل القراءت\" ١/ ٢٩٠، و\"إعراب القراءات وعللها\" ١/ ٣٣٧، و\"الحجة للقراء\" ٥/ ٣١، و\"التيسير\" ص ١٣٥، و\"المُوضح في وجوه القراءات\" ٢/ ٧١٣، و\"النشر\" ٢/ ٣٠٠، و\"الإتحاف\" ص ٢٧٣.\n(٢) المصادر المسابقة.\n(٣) \"الحجة للقراء\" ٥/ ٣٢ بنصه.","vol":"12","page":508},{"text":"وقال أبو إسحاق: وإن كان مكرُهم يبلغ في الكيد إلى إزالة الجبال، فإن الله ينصرُ دينه (١)، فإن قيل هذه القراءة على ما ذكرتم يُوجب أن الجبال قد زالت بمكرهم وهل كان ذلك؟\nوالجواب عن هذا من وجهين: أحدهما لأهل المعاني، والثاني للمفسرين؛ أما أهل المعاني فإنهم قالوا: هذا مبالغة في وصف مكرهم بالعظيم، وإن لم يكن جبلٌ قط زال لمكرهم، فهذا على مذهب العرب في المبالغة؛ يقول: وإن كان مكرُهم قد بلغ من كِبَرِه وعِظَمِه أن يُزيلَ ما هو مثل الجبال في الامتناع على من (٢) أراد إزالتَه ثباتُها؛ كأنه قيل: لو أزال مكرُهم الجبال لما أزال أمرَ الإسلام.\nيدل على صحة ما ذكرنا قراءةُ جماعة من الصحابة: (وإن كاد مَكْرُهم لَتَزولُ) بالدال (٣)، أي (٤): قد قاربت الجبال أن تَزولَ، وهذا معنى قول أبي إسحاق (٥) وأبي بكر (٦) وأبي علي (٧)؛ قال أبو علي: ومثل هذا في تعظيم\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٦٧ بنصه.\n(٢) في جميع النسخ (ما) والتصويب من \"الحجة للقراء\" / ٣٢ ليستقيم الكلام.\n(٣) قرأ بها عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وابن مسعود، وأنس بن مالك، وابن عباس، وأُبي بن كعب ﵃، وهي قراءة شاذة.\nانظر: \"تفسير الطبري\" ١٣/ ٢٤٥، و\"إعراب القرآن\" للنحاس ٢/ ١٨٧، و\"القراءات الشاذة\" لابن خالويه ص ٧٤، و\"المحتسب\" ١/ ٣٦٥، و\"إعراب القراءات وعللها\" ١/ ٣٣٧، وانظر: \"تفسير ابن الجوزي\" ٤/ ٣٧٤، و\"تفسير القرطبي\" ٩/ ٣٨٠.\n(٤) ساقطة من (أ)، (د).\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٦٧.\n(٦) لم أقف على مصدره، وانظر: \"تفسير ابن الجوزي\" ٤/ ٣٧٤، مختصرًا.\n(٧) \"الحجة للقراء\" ٥/ ٣٢.","vol":"12","page":509},{"text":"الأمر قول الشاعر:\nألمْ تَرَ صَدْعًا في السَّمَاءِ مُبَيِّنًا ... على ابنِ لُبَيْنى الحارثِ بن هِشَامِ (١)\nوهذا ليس على أنه شوهد صدع في السماء، ولكنه مبالغة على معنى أن الأمر قد قرب من ذلك، ومثله كثير في الشعر، وذكر ابن قتيبة باب ما أفرطت الشعراء في وصفه، وأنشد أبياتًا كثيرة، ثم قال: وهذا كله علي المبالغة في الوصف، وينوون في جمعه (٢): يكافى يفعل (٣)، وأنشد أبو إسحاق قول الأعشى:\nلئن كنتَ في جُبٍّ ثَمانينَ قامةً ... ورُقِّيتَ أسبابَ السماءِ بِسُلّم\nلَيسْتَدرِكَنَّكَ القَوْلُ حتَّى تَهِرّهُ ... وتَعْلَمَ أني عنكم غيرُ مُنَجِّمِ (٤)\n_________\n(١) ورد بلا نسبة في: \"الحجة للقراء\" ٥/ ٣٢، و\"تفسير الطوسي\" ٦/ ٣٠٧، وأبي حيان ٦/ ٢١٨.\n(٢) هكذا في جميع النسخ، ويحتمل أنها (جميعه) أي في جمغ ما ذكروا، وعلى المثبت أي ينوون في جمعه من الجمع وإن كان مفردًا.\n(٣) لم أقف عليه في كتبه المطبوعة.\n(٤) \"ديوان الأعشى\" ص ٨٢، ورواية البيت الثاني تختلف عن الديوان، وهي:\nلَيَسْتَدرِجَنْكَ القولُ حتى تَهِرَّهُ ... وتَعْلَمَ أني عنكَ لستُ بمُلْجَم\nوورد البيت الأول فقط في \"الكتاب\" ٢/ ٢٨، و\"مجاز القرآن\" ١/ ٣٠٢، و\"إعراب القرآن\" للنحاس ٢/ ١٨٧، و\"شرح المفصل\" ٢/ ٧٤، و\"اللسان\" (ثمن) ١/ ٥٠٩، (رقا) ٣/ ١٧١١.\n(تهرّه): يقال هرّ الشيء يهُره ويهِره هرًّا وهريرًا، أي كرِهَهُ، (مُنَجِّم): اسم فاعل من التنجيم، وهو الناظر في النجوم للتفكر والتدبر، وهو أيضًا ادعاء علم الغيب بالنظر في النجوم، وهو أيضًا التجْزِيىء؛ ومنه قولهم نزل القرآن منجمًا وعلى هذه الرواية يكون المعنى: إن تهديدي لك ليس رجمًا بالغيب كما هو قول المنجِّم، (ملجم) من اللجام وهو معروف؛ وهو حبل أو عصا تُدخل في فم الدابة وتلُزق إلى قفاه، والممسك عن الكلام مُمَثَّلُ بمن ألجم نفسه بلجام، وعلى هذه الرواية، =","vol":"12","page":510},{"text":"قال: فإنما بالغ في الوصف، وهو يعلم أنه لا يُرَقَّى (١) أسبابَ السماء (٢).\nوقال أبو بكر في قول الأعشى: تأويله لئن كنت فيما تَقْدِر ويُقَدَّر لك في قعر الأرض أو في السماء، لَيَصلنَّ إليك مني ما كره، لذلك معنى ﴿وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾: عند أنفسهم وفيما يقدّرون، فليس ينفعهم ذلك إذا كان الله قد وعد على ألسنة رسله ظهورَ الحق على الباطل.\nوأما المفسرون فإنهم ذهبوا إلى قصة نمرود مع التابوت والنسور، وأن الجبال حين سمعت حفيف النسور والتابوت عند هبوطها ظنت أن ذلك أمرٌ من الله تعالى عظيم، وأن الساعة قد قامت ففزعت وزالت، وهذا يُروى عن علي -﵁- ومجاهد وعكرمة (٣).\n_________\n= المعنى: إن لساني غير ملجم عنك؛ لأنها من قصيدة قالها يهجو عمير بن المنذر. انظر: \"اللسان\" (لجم) ٧/ ٤٠٠٢، (هرر) ٨/ ٤٦٥٠، (نجم) ٧/ ٤٣٥٨.\n(١) في (أ)، (د): (لا يرقك)، وفي (ش)، (ع): (لا تزول) والتصويب من المصدر.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٦٨ بنصه.\n(٣) أخرجه الطبري ١٣/ ٢٤٤ - ٢٤٥، مفصلًا عن علي ومجاهد من طرق، وورد مفصلًا في \"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢١١ عن علي، و\"مشكل إعراب القرآن\" ١/ ٤٥٤ عن عكرمة، وانظر: \"تفسير البغوي\" ٤/ ٣٦٠، وابن الجوزي ٤/ ٣٧٣، وما بعدها، و\"تفسير القرطبي\" ٩/ ٣٨١، وابن كثير ٢/ ٥٩٦، وأورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ١٦٦، وزاد نسبته إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري عن علي -﵁-. وهذه القصة ظاهرة الوضع أو أنها إسرائيلية، إذ لم يرو فيها حديث مرفوع إلى النبيّ - ﷺ - بل وردت الروايات موقوفة على علي -﵁- بطرق مضطربة وبأسانيد فيها جهالة، كما أنها ليست من الطرِق المشهورة عن علي -﵁- فضلًا أن تكون من الصحيحة، ولعل هذا سبب نفي ابن عطية صحة نسبتها لعلي -﵁- كما ضعفها من=","vol":"12","page":511},{"text":"قال مجاهد: كان ذلك بختنصر (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1909>٤٧ </span>- قوله تعالى: ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ﴾ قال الفراء: أُضيفت ﴿مُخْلِفَ﴾ إلى الوعد ونُصبت الرسلُ على التأويل؛ لأن الإخلاف قد يقع بالوعد كما يقع بالرسل، فيقول أخلفت الوعدَ وأخلفت الرسلَ (٢)، وإذا كان الفعل يقع على شيئين مختلفين مثل: كَسَوْتك الثوبَ وأدخلتك الدار، فابدأ بإضافة الفعل إلى الرجل؛ تقول: هو كاسي عبد الله ثوبًا، ومدخله الدارَ، ويجوز: هو كاسي الثوبِ عبد الله، ومدخل الدارِ زيدًا؛ لأن الفعل قد يأخذ الدار كأخذه عبد الله فيقول: أدخلت الدار، وكسوت الثوب، ومثله قول الشاعر (٣):\n_________\n= جهة المعنى، فقال: وذُكر ذلك عن علي بن أبي طالب -﵁- وذلك عندي لا يصح عن علي، وفي هذه القصة كلها ضعف من طريق المعنى، وذلك أنه غير ممكن أن تصعد الإنسر كما وُصف، وبعيد أن يُغرِّر أحد بنفسه في مثل هذا. (٨/ ٢٦٥)، وقد انتقد الزجاج هذه القصة من قبل فقال: وقيل هذا في قصة النمرود بن كنعان، ولا أرى لنمرود هاهنا ذكرًا. \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٦٧، وكذلك نقل الرازي تضعيفها فقال: قال القاضي لم أقف عليه: وهذا بعيد جدًّا لأن الخطر فيه عظيم ولا يكاد العاقل يقدم عليه، وما جاء فيه خبر صحيح معتمد، ولا حجة في تأويل الآية البتة. \"تفسير الفخر الرازي\" ١٩/ ١٤٤.\n(١) أخرجه الطبري ١٣/ ٢٤٤، مفصلًا، وانظر: \"تفسير ابن الجوزي\" ٤/ ٣٧٤، وابن كثير ٢/ ٥٩٦، وأورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ١٦٦، وزاد نسبته إلى ابن المنذر.\n(٢) يقول الزمخشري في \"تفسيره\" ٢/ ٣٠٧: فإن قلت هلا قيل مخلفَ رسلِه وعدَه، ولم قدَّم المفعول الثاني على الأول؟ قلت: قدّم الوعد ليُعلمَ أنه لا يخلف الوعد، ثم قال: ﴿رُسُلَهُ﴾ ليؤذن أنه إذا لم يخلف وعده أحدًا وليس من شأنه إخلاف المواعيد كيف يخلفه رُسلَهُ الذين هم خيرته وصفوته؟!\n(٣) لم أقف عليه، والبيت من الخمسين بيتًا التي لي يعرف لها قائل. ذكره عبد السلام هارون محقق \"الكتاب\" ١/ ١٨١، بالحاشية.","vol":"12","page":512},{"text":"تَرَى الثورَ فيها مُدخِلَ الظِّلِّ رَأسَهُ ... وسَائِرُهُ بَادٍ إلى الشَّمْس أجْمَعُ (١)\nأي مدخل رأسه الظلَّ، فقلب وأضاف مُدخلَ إلى الظلِّ [لأن الظل] (٢) التبس برأسه (٣)، فصار كل واحد منهما داخلًا في صاحبه (٤)، قال ابن عباس: ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ﴾: يا محمد، ﴿مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ﴾ يريد النصر والفتح وإظهار الدين (٥)، ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾ قال: يريد: أن الله منيع شديد الانتقام، ومعنى الانتقام الجزاء بما كان من السيئات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1910>٤٨ </span>- قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ﴾ الآية. ذكر الزجاج في نصب (يوم) وجهين؛ أحدهما: أنه صفة لقوله ﴿يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾ (٦)، والآخر: أنه على معنى ينتقم يوم تبدل (٧)، وذكرنا في قوله: ﴿بَدَّلْنَاهُمْ\n_________\n(١) ورد البيت في المصادر التالية \"الكتاب\" ١/ ١٨١، و\"تأويل مشكل القرآن\" ص ١٩٤، و\"تفسير الطبري\" ١٣/ ٢٤٨، وابن عطية ٨/ ٤٧٨، و\"وَضَح البرهان في مشكلات القرآن\" ١/ ٤٨٨، و\"تفسير القرطبي\" ٩/ ٣٨٢، و\"الفريد في الإعراب\" ٣/ ١٧٧، و\"تفسير أبي حيان\" ٥/ ٤٣٩، و\"الدر المصون\" ٧/ ١٢٨، و\"الخزانة\" ٤/ ٢٣٥، و\"الدرر اللوامع\" ٦/ ٣٧. برواية (أكتع) بدل (أجمع)، والبيت وصف لهاجرة ألجأت الثيران إلى كُنُسِها، فهي تدخل رؤوسها في الظل لما تجده من شدة القيظ وسائر جسدها بارز للشمس.\n(٢) ما بين المعقوفين من (ش) وساقط من باقي النسخ.\n(٣) يقول الأعلم: كان الوجه أن يقول: مُدخلَ رأسه الظلّ؛ لأن الرأس هو الدّاخل في الظل، والظل هو المدخل فيه. \"الدرر اللوامع \" ٦/ ٣٧.\n(٤) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٧٩، نقل طويل مع تصرف يسير.\n(٥) ورد في تفسيره \"الوسيط\" تحقيق سيسي ١/ ٣٣٧ بنصه، وانظر: \"تفسير ابن الجوزي\" ٤/ ٣٧٥.\n(٦) وتقديره: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾ ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ﴾ ذكره الزجاج.\n(٧) \"معاني القرآن وإعرابه\"، ٣/ ١٦٩ بمعناه، حيث قال: وإن شئت أن يكون منصوبًا بقوله ذو انتقام.","vol":"12","page":513},{"text":"جُلُودًا﴾ [النساء: ٥٦] أن التبديل يقع على معنيين، أحدهما: تبديل العين إلى غيره، والثاني: تبديل الصورةِ والعين قائمة، وقد ذُكر المعنيان في هذه الآية، قال ابن عباس: الأرض هي تلك الأرض، وإنما تُبدل آكامُها وجبالها وأشجارها (١)، ثم أنشد (٢):\nفما الناسُ بالناسِ الذين عَهِدتُهُم ... ولا الدَّارُ بالدَّارِ التي كنت أعْرِفُ (٣)\nونحو هذا روى أبو هريرة عن النبيّ - ﷺ - قال: \"يبدل الله الأرض غير الأرض فيبسطها (٤) ويمدُّها مدَّ الأديم العُكاظيِّ لا ترى فيها عوجًا ولا أمتًا\" (٥).\n_________\n(١) ورد في \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٤٤ ب بنصه، وانظر: \"تفسير الزمخشري\" ٢/ ٣٠٨، والفخر الرازي ١٩/ ١٤٦، و\"الفريد في الإعراب\" ٣/ ١٧٨، و\"تفسير أبي حيان\" ٥/ ٤٣٩، و\"الدر المصون\" ٧/ ١٣٠، و\"تفسير أبي السعود\" ٥/ ٦٠.\n(٢) نُسب إلى ابن عباس في المصادر السابقة عدا تفسير الفخر الرازي ونُسب إلى عبد الله بن شبيب في \"مجالس ثعلب\" ص ٤٩.\n(٣) المصادر السابقة نفسها، وتختلف رواية \"مجالس ثعلب\" في العجز، وهي:\nوما الدهر بالدهر الذي كنت تعرف\n(٤) في جميع النسخ (فينبشها) والتصويب من الطبري والثعلبي وباقي المراجع.\n(٥) الحديث جزء من حديث الصور الطويل، أخرجه الطبري ١٣/ ٢٥٢، مختصرًا، والطبراني في \"معجمه الكبير\" ٢٥/ ٢٦٦، مطولًا، والبيهقي في \"البعث\" ص ٣٣٨، مطولًا، وطرفه: (إن الله ﷿ لمّا فرغ من خلق السموات والأرض خلق الصور)، وأورده الثعلبي ٢/ ١٤٤ ب، مختصرًا، وابن كثير ٢/ ١٦٣، مطولًا، وورد مختصرًا في \"تفسير ابن الجوزي\" ٤/ ٣٧٥، والفخر الرازي ١٩/ ١٤٦، و\"تفسير القرطبي\" ٩/ ٣٨٣، وابن كثير ٢/ ٥٩٩، وأبي السعود ٥/ ٦٠، و\"حاشية الجمل على الجلالين\" ٢/ ٥٣٤، والحديث ضعيف، وقد ضعفه ابن كثير ﵀ ٢/ ١٦٧ ووصفه بالنكارة؛ بسبب تفرد إسماعيل بن رافع وهو مكر الحديث، وأكده أحمد شاكر -﵀- فقال: هو حديث ظاهر النكارة. انظر: \"عمدة =","vol":"12","page":514},{"text":"وقال الحسن: هي هذه الأرض إلا أنها تُغيَّر إلى سورة أخرى (١).\nوأما تبديل السموات فقال ابن عباس في رواية أبي صالح: وتبديل المموات بأن يزاد فيها وينقص منها (٢).\nوقال ابن الأنباري: باختلاف هيئتها؛ كما ذكر الله تعالى أنها مرة كالمهل (٣)، وتكون كالدهان (٤)، وعلى هذا القول معنى التبديلِ في الآية: وتبديلُ الصورةِ باختلاف الهيئةِ، والعينُ كما هي، كما تقول: قد بدلت قميصي جُبة؛ أن تقلبَ العينَ من حال إلى حال أخرى، وهو اختيار أبي إسحاق، قال: قد يقول: بَدَّل زيدٌ، إذا تغيرت حاله، فمعنى تبديل الأرض: تسيير جبالها وتفجير بحارها، وكونها مستوية لا ترى فيها عوجًا ولا أمتًا، وتبديل السموات: انتثار كواكبها وانفطارها، وتكوير شمسها وخسوف قمرها.\nقال: وقوله: ﴿وَالسَّمَاوَاتُ﴾ أي وتبدل السمواتُ غيرَ السموات (٥)، ومثله قال أبو علي: قال وهو كقوله -ﷺ-: لا يُقتل مؤمنٌ بكافر ولا ذو عهد\n_________\n= التفسير\" ١/ ٧٨٨. حاشية (٢) (العكاظي) نسبة إلى سوق عكاظ، (العوج) ما اعوج يمينًا وشمالًا، (الأمت): ما يرتفع مرة ويهبط أخرى. \"غريب اليزيدي\" ص ٢٥٠.\n(١) ورد في معاني القرآن\" للنحاس ٣/ ٥٤٥، بمعناه، و\"تفسير الطوسي\" ٦/ ٣٠٩ بنصه.\n(٢) انظر: \"تفسير ابن الجوزي\" ٤/ ٣٧٥، لكن جعله تفسيرًا لتبديل الأرض لا السماء، حيث قال: إنها تلك الأرض، وإنما يزاد فيها وينقص منها، وكذلك أورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ١٦٨وعزاه إلى البيهقي في البعث لم أجده.\n(٣) يشير إلى قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ﴾ [المعارج: ٨].\n(٤) يشير إلى قوله تعالى: ﴿فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ﴾ [الرحمن: ٣٧].\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٦٩ بنصه.","vol":"12","page":515},{"text":"في عهده\" (١) (٢).\nالمعنى: ولا ذو عهد في عهده بكافر، كما كان التقدير في الآية؛ والسموات غير السموات، وذهب قوم إلى تبديل العين، فقال ابن مسعود: تبدل بأرض كالفضة بيضاء نقية، لم يُسفك فيها دم ولم يعمل عليها خطيئة (٣)، ونحو ذلك قال ابن عباس في رواية الكلبي وعطاء (٤).\n_________\n(١) \"المسائل الحلبيات\" ص ٧٤ بنصه دون ذكر الحديث.\n(٢) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه: باب قود المسلم بالذمي ١٠/ ٩٩ بنحوه عن الحسن مرسلًا، وأبو داود (٤٥٣٠) كتاب: الديات، إيقاد المسلم بالكافر، (٢٧٥١) كتاب: الجهاد، باب: في السرية ترد على أملى العسكر، بنصه، وابن ماجه (٢٦٥٨) كتاب: الديات لا يقتل مسلم بكافر، واللفظ له، والنسائي: القَسامة، القود بين الأحرار والمماليك في النفس ٨/ ١٩ بنصه، والحاكم: الفيء لا يقتل مؤمن بكافر ٢/ ١٤١ بنصه، وقال صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي، والبيهقي في السنن: الجنايات فيمن لا قصاص بينه باختلاف الدين ٨/ ٢٩ بنحوه، كلهم عن علي إلا ابن ماجه عن ابن عباس، وذكره الألباني في \"صحيح أبي داود\" (٢٧٥١)، (٤٥٣٠)، و\"صحيح النسائي\" ٣/ ٩٨٤، و\"صحيح ابن ماجه\" (٢٦٥٨).\n(٣) أخرجه بنصه: عبد الرزاق ٢/ ٣٤٤، موقوفًا على عمرو بن ميمون راوي الحديث عن ابن مسعود والطبري ١٣/ ٢٥٠، من طرق، والطبراني في \"الكبير\" ٩/ ٢٣٢، والحاكم ٤/ ٥٧٠، وقال: صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي، وأبو نعيم في \"الحلية\" ٤/ ١٥٣، وورد بنحوه في معاني النحاس ٣/ ٥٤٤، و\"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢١١، والماوردي ٣/ ١٤٣، وأورده ابن حجر في \"الفتح\" ١١/ ٣٨٣، وزاد نسبته إلى عبد بن حميد والبيهقي في الشعب لم أقف عليه، وقال: ورجاله رجال الصحيح وهو موقوف.\n(٤) أخرجه الطبري ١٣/ ٢٥١، من طريق العوفي ضعيفة، ولفظه: فزعم أنها تكون فضة، ورد في \"تفسير الماوردي\" ٣/ ١٤٣ مختصرًا، وانظر: \"تفسير ابن الجوزي\". برواية عطاء ٤/ ٣٧٦، و\"تفسير القرطبي\" ٩/ ٣٨٤، وابن كثير ٢/ ٥٦٤.","vol":"12","page":516},{"text":"يؤكد هذا ما روى سَهْل بن سَعد عن رسول الله -ﷺ- قال: \"يُحْشرُ الناسُ يوم القيامة على أرض بيضاء عَفْراءَ كَقُرْصَةِ النَّقيّ ليس فيها معلم لأحد\" (١).\nوقال علي -﵁- في هذه الآية: الأرض من فضة والسماء من ذهب (٢)، ومذهب أكثر المفسرين؛ عكرمة، ومجاهد، والقرظي، وكعب: على أن هذا التبديل هو تبديل العين (٣).\n_________\n(١) أخرجه بنصه البخاري (٦٥٢١) كتاب: الرقاق، باب: يقبض الله الأرض يوم القيامة، ومسلم (٢٧٩٠) كتاب: صفة الجنة والنار، باب: صفات المنافقين في البعث والنشور ٤/ ٢١٥٠، والطبري ١٣/ ٢٥٠، والطبراني في \"الكبير\" ٦/ ١٥٥، ١٧٤. (عفراء) العفر: بياض ليس بالناصع، وقيل بياض يضرب إلى حمرة قليلًا، (كقرصة النَقِّي): هو الرغيف المصنوع من الدقيق النقي من الغش والنخالة؛ يسمى الحُوَّارى، (ليس فيها معلم لأحد) قيل إنها مدرجة؛ من كلام سهل -﵁- أو غيره، (المَعْلَم):الشيء الذي يُستدل به على الطريق، والمراد: أنها مستوية ليس فيها علامة سكنى ولا بناء ولا أثر ولا شيء من العلامات التي يهتدى بها في الطرقات؛ كالجبل والصخرة البارزة انظر: \"فتح الباري\" ١١/ ٣٨٢.\n(٢) أخرجه الطبري ١٣/ ٢٥١، وفيه (والجنة) بدل (والسماء)، وورد بنصه في \"تفسيرالثعلبي\" ٢/ ١٤٤ ب، والماوردي ٣/ ١٤٤، وانظر: \"تفسير البغوي\" ٤/ ٣٦١ - ٣٦٢، و\"ابن الجوزي\" ٤/ ٣٧٦، و\"تفسير القرطبي\" ٩/ ٣٨٤، و\"الخازن\" ٣/ ٨٦، وأبي حيان ٥/ ٤٣٩، وابن كثير ٢/ ٥٩٨، و\"الدر المنثور\" ٤/ ١٦٨، وزاد نسبته إلى ابن أبي الدنيا وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(٣) وقد تعددت أقوالهم في ماهية التبديل على أقوال: فقال مجاهد: تبدل أرضًا بيضاء كأنها الفضة، والسموات كذلك كأنها الفضة. \"تفسير مجاهد\" ١/ ٣٣٦، وأخرجه الطبري ١٣/ ٢٥٠، وقال كعب: تفسير السموات جنانًا، ويصير مكان البحر النار، وتبدل الأرض غيرها. أخرجه الطبري ١٣/ ٢٥٢، وورد في \"تفسير الماوردي\" ٣/ ١٤٤، والثعلبي ٢/ ١٤٤ ب، والخازن ٣/ ٨٦، وابن كثير ٢/ ٥٩٨، وقال القرظي: تبدل الأرض خبزة بيضاء يأكل منها المؤمنون من تحت أقدامهم. =","vol":"12","page":517},{"text":"وسألتْ عائشةُ رسولَ الله - ﷺ - عن هذه الآية وقالت: أين يكون الناس يومئذ؟ قال: \"على الصراط\" (١) قوله تعالى: ﴿وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ أىِ ظهروا وخرجوا من قبورهم، وهو كقوله: ﴿وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [إبراهيم: ٢١] وقد مرّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1911>٤٩ </span>- قوله تعالى: ﴿وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ﴾ قال ابن عباس: يريد الذين أجرموا، زعموا أن لله شريكًا وولدًا ونظيرًا (٢)، ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ يريد يوم القيامة، ﴿مُقَرَّنِينَ﴾ يقال: قرنت الشيء بالشيء، إذا شددته به ووصلته، والقَرْنُ اسم الحبل الذي شُدَّ به شيئان (٣)، وجاء هاهنا على التكثير لكثرة أولئك القوم.\n_________\n= أخرجه الطبري ١٣/ ٢٥٢، وورد في \"تفسيرالثعلبي\" ٢/ ١٤٤ب، وانظر: \"تفسير البغوي\" ٤/ ٤٦٢، وابن الجوزي ٤/ ٣٧٦، وأبي حيان ٥/ ٤٣٩، وابن كثير ٢/ ٨٩٨، والخازن ٣/ ٨٦، وقال عكرمة: تبدل الأرض بيضاء مثل الخبزة، يأكل منها أهل الإسلام حتى يفرغوا من الحساب. أورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ١٦٩، وعزاه إلى البيهقي في البعث، وهذا القول أي تبديل العين هو الأرجح؛ لموافقته لظاهر الآية، إذ هو الأصل في التبديل، ويعضده الأحاديث الصحيحة والصريحة، وقد رجحه جماعة من المفسرين؛ منهم: الطبري ١٣/ ٢٥٤، و\"تفسير القرطبي\" ٩/ ٣٨٣، و\"الجمل في حاشيته على الجلالين\" ٢/ ٥٣٤.\n(١) أخرجه بنصه: أحمد ٦/ ٣٥، ومسلم (٢٧٩١) كتاب: صفة الجنة والنار، باب: في البعث والنشور، والترمذي (٣١٢١) التفسير، باب من سورة إبراهيم، وابن ماجه (٤٢٧٩): كتاب: الزهد، باب: ذكر البعث، والطبري ٧/ ٤٨٢ بعدة روايات، والحاكم في المستدرك: التفسير، سورة إبراهيم ٢/ ٨٨، وورد بنصه في: \"معاني القرآن\" للنحاس ٣/ ٥٤٥، و\"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢١٢، والثعلبى ٢/ ١٤٥ أ.\n(٢) ورد في تفسيره \"الوسيط\" تحقيق سيسي ١/ ٣٣٨ بنحوه.\n(٣) انظر: (قرن) في \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٩٤٧، و\"اللسان\" ٦/ ٣٦١٠.","vol":"12","page":518},{"text":"وقوله تعالى: ﴿فِي الْأَصْفَادِ﴾ جمع صفْد وهو القيد، يقال: صَفَدْتُ الرجلَ فهو مَصْفُود، والمصدر: الصَّفْد، والاسم: الصَّفَد، ومثله الصِّفادُ: وهو كل ما يوثق به من نِسْع أو قِدِّ (١)، ويقال أيضًا من هذا صَفَّدته بالتشديد، ومنه الحديث: \"صُفِّدت الشَّياطين\" (٢).\nقال أبو عبيد: شُدَّت بالأغلال، قال عمرو:\nوأُبْنَا بالمُلُوكِ مُصَفَّدِينا (٣)\n_________\n(١) ورد في \"تهذيب اللغة\" (صفد) ٢/ ٢٠٢٥ بنحوه، وانظر: (صفد) في \"المحيط في اللغة\" ٨/ ١١٧، و\"الصحاح\" ٢/ ٤٩٨، و\"مقاييس اللغة\" ٣/ ٢٩٣، و\"اللسان\" ٤/ ٢٤٥٨. (النَّسعُ) سيرٌ يُضَفَّر على هيئة أعنَّة النعال، تشدّ به الرحال، ويجعل زمامًا للبعير وغيره، (القَدّ) سيرٌ يصنع من الجلد، تخصف به النعال، وتشدّ به المحامل. انظر: \"متن اللغة\" ٤/ ٥٠٦، ٥/ ٤٤٩.\n(٢) ونصه: \"إذا جاء رمضان فُتحت أبواب الجنة وغلقت أبواب النار وصفّدت الشياطين\" أخرجه مسلم (١٠٧٩) كتاب: الصيام، باب: فضل شهر رمضان ٢/ ٧، عن أبي هريرة، وجاء برواية: (إذا كان أول ليلة من رمضان صُفَّدت الشياطين ...)، أخرجه الترمذي (٦٨٢) كتاب: الصيام، باب: ما جاء في فضل شهر رمضان ٣/ ٦٦، وابن ماجه (١٦٣٨) كتاب: أبواب الصيام، باب: ما جاء في فضل شهر رمضان ١/ ٣٥١، والحاكم: الصوم، إذا كان أول ليلة (١/ ٤٢١) وقال صحيح على شرط الشيخين، والبيهقي: الصيام، في فضل شهر رمضان ٤/ ٣٠٣.\n(٣) وصدره:\nفآبُوا بالنِّهابِ وبالسَّبايا\nانظر: \"ديوان عمرو بن كلثوم\" ص ٩٤، وورد في \"تفسير الطبري\" ١٣/ ٢٥٤، \"شرح القصائد السبع\" لابن الأنباري ص ٤١٢، و\"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٤٥ أ، والماوردي ٣/ ١٤٥، والطوسي ٦/ ٣١٠، \"شرح المعلقات للزوزني\" ص ١٨١، و\"الفريد في الإعراب\" ٣/ ١٨٠، و\"تفسير القرطبي\" ٩/ ٣٨٤، و\"الدر المصون\" ٧/ ١٣١، و\"تفسير ابن كثير\" ٢/ ٥٩٩، و\"تفسير الشوكاني\" ٣/ ١٦٩. =","vol":"12","page":519},{"text":"قال: وأما أصْفَدْتُه بالألف، فهو أن تعطيه وتصله، والاسم منه الصَّفَد، وكذلك الوَثاق (١).\nوقال الزجاج: صَفَدتُه بالحديد وأصفدته، ومثله في العطية (٢)، إلا أن الاختيار في العطية أصفدته، وفي الحديد صفدته (٣).\nقال ابن عباس: يريد بالأصفاد: سلاسلَ الحديد والأغلال (٤).\nقال الكلبي: ﴿مُقَرَّنِينَ﴾ كل كافر مع شيطان في غل (٥)، وقال هطاء: وهو معنى قوله: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ [التكوير: ٧] أي قُرنت نفوس المؤمنين بالحور العِين، ونفوس الكافرين بالشياطين (٦)، وفي هذا المعنى أيضًا قوله: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ [الصافات: ٢٢].\n_________\n= (فآبوا) فرجعوا، والأوب: الرجوع، (النِّهاب) الغنائم وما ينتهب، قال أبو جعفر: ومعنى البيت: ظفرنا بهم فلم نلتفت إلى أسلابهم ولا أموالهم، وعمدنا إلى ملوكهم فصفَّدناهم في الحديد، قال وهذا أمدح وأشرف.\n(١) ورد في \"تهذيب اللغة\" (صفد) ٢/ ٢٠٢٥، بلفظه مختصرًا.\n(٢) وسمي العطاء صفدًا لأنه يُقيَّد من يعطيه، ومنه: أنا مغلولُ أياديك، وأسيرُ نعمتك. \"الدر المصون\" ٧/ ١٣٢، وقيل: لأنها تُقَيِّد المودة وترتبطها. \"تفسير الطوسي\" ٦/ ٣١٠.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٧٥، بتصرف يسير.\n(٤) أخرجه الطبري ١٣/ ٢٥٥، من طريق ابن أبي طلحة صحيحة. بلفظ: في وثاق، وانظر: \"زاد المسير\" ٤/ ٣٧٧، ولفظه: أنها الأغلال \"الدر المنثور\" ٤/ ١٦٩، وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم، و\"تفسير ابن كثير\" ٢/ ٥٩٩ بلفظ: القيود.\n(٥) انظر: \"تفسير الفخر الرازي\" ١٩/ ١٤٧ بنصه، وورد غير منسوب في \"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢١٢ بنصه، والماوردي ٣/ ١٤٥ بنصه، و\"البغوي\" ٤/ ٣٦٣، و\"تفسير القرطبي\" ٩/ ٣٨٥، وأبي حيان ٥/ ٤٤٠\n(٦) انظر: \"تفسير الفخر الرازي\" ١٩/ ١٤٧ بنصه تقريبًا.","vol":"12","page":520},{"text":"قال ابن عباس: وقرناؤهم من الشياطين (١)، وقال قوم في معنى: ﴿مُقَرَّنِينَ﴾: قُرن بعضهم ببعض (٢).\nوقال ابن زيد: قُرنت أيديهم وأرجلُهم إلى رقابهم بالأغلال (٣)، فهذا (٤) ثلاثة أقوال في معنى: ﴿مُقَرَّنِينَ﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1912>٥٠ </span>- قوله تعالى: ﴿سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ﴾ السرابيل جمع سِرْبال وهو القُمُص، والفعل منه تسربلتُ، وسربلتُ غيري (٥).\nقال امرئ القيس:\nلَعُوبٌ تُنَسِّيني إذا قُمتُ سِرْبالي (٦)\n_________\n(١) انظر: \"تفسير ابن الجوزي\" ٤/ ٣٧٧، ولفظه: أنهم يقرنون مع الشياطين، وورد غير منسوب في القرطبي ٩/ ٣٨٥، والألوسي ١٣/ ٢٥٦، وصديق خان ٧/ ١٣٨.\n(٢) قاله ابن قتيبة في \"الغريب\" ١/ ٢٣٨ بنصه، وانظر: \"تفسير ابن الجوزي\" ٤/ ٣٧٧، والخازن ٣/ ٨٧.\n(٣) أخرجه الطبري ١٣/ ٢٥٥ بنحوه، وورد في \"تفسيرالثعلبي\" ٢/ ١٤٥أ، بنحوه، وانظر: \"تفسير ابن الجوزي\" ٤/ ٣٧٧، والفخر الرازي ١٩/ ١٤٨، ونسبه إلى زيد بن أرقم وهو خطاء، و\"تفسير الخازن\" ٣/ ٨٧، وصديق خان ٧/ ١٣٨.\n(٤) هكذا في جميع النسخ، والأولى: (هذه).\n(٥) ورد في \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٤٥ أ، بنحوه، وانظر: (سربل) في \"جمهرة اللغة\" ٢/ ١١٢٠، و\"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٦٦٤ - ١٦٦٥، و\"المحيط في اللغة\" ٨/ ٤٣٣، و\"اللسان\" ٤/ ١٩٨٣.\n(٦) وصدره:\nومثلك بيْضاء العوارضِ طَفْلَة\n\"ديوان امرئ القيس\" ص ١٢٤، وورد في \"تفسير الطبري\" ١٣/ ٢٥٥، والطوسي ٦/ ٣١٠، و\"أشعار الشعراء الستة الجاهليين\" ١/ ٤٧، و\"الخزانة\" ١/ ٣٧٣، (العوارض) جمع العارض؛ وهو صفحة الخد، (طَفْلَة) ناعمة البدن، (لعوب): حسنة الدل.","vol":"12","page":521},{"text":"وقال الزجاج: هو كل ما لُبِس (١).\nوالقطران: هناء الإبل.\nقال الليث: وهو شيء يَتَحلَّب من شجر يقال له: الأَبْهُل (٢).\nقال الفراء: أهلَ الحجاز وبنو أسد يفتحون القاف ويكسرون الطاء، وبعض قيس (٣) وتميم (٤) يقولون: قِطْران بكسر القاف وتسكين الطاء (٥)، وأنشد:\nعَلَيْهم سَرَابِيلُ الحَدِيدِ كأنَّهم ... جِمَالٌ بها القَطرانُ مَطْلِيَّةٌ بُزُل (٦)\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٧٠ بنصه.\n(٢) ورد في \"تهذيب اللغة\" (قطر) ٣/ ٢٩٩٠، بنصه.\n(٣) قيس بن عيلان بن مضر بن نزار، جدّ جاهلي، بنوه قبائل كثيرة، منها: (هوازن)، و(سُليم)، و(غطفان)، و(باهلة)، وغلب اسم قيس على سائر العدنانية، حتى جعل في المثل في مقابل عرب اليمن قاطبة، فيقال: قيس ويمن. انظر: \"جمهرة أنساب العرب\" ص ٢٤٣، و\"نهاية الأرب\" ص ٣٦٢، و\"معجم قبائل العرب\" ٣/ ٩٧٢، و\"الأعلام\" ٥/ ٢٠٧.\n(٤) هم بنو تميم بن مُرّ بن أُدّ بن طابخة بن إلياس بن مضر، وهم قاعدة من أكبر قواعد العرب، كانت منازلهم بأرض نجد والبصرة واليمامة، وامتدت إلى أرض الكوفة، ثم تفرقوا بعد ذلك في الحواضر والبوادي، وُلد لتميم: الحارث، وعمرو، وزيد مَناة، وتفرعت منهم بطون بني تميم. انظر: \"جمهرة أنساب العرب\" ص ١٩٨، و\"نهاية الأرب في معرفة أنساب العرب\" ص ١٧٩، و\"معجم قبائل العرب\" ١/ ١٢٦، و\"الأعلام\" ٢/ ٨٧.\n(٥) لم أقف على مصدره.\n(٦) لم أقف عليه. (بُزْل): قال الجوهري: بزلَ البعير يبزُلُ بُزُولًا: فطر نابُهُ، أي انشق، فهو بازلٌ، ذكرًا كان أو أنثى، وذلك في السنة التاسعة، وربما بزل في السنة الثامنة، والجمع بُزُلٌ وبُزَّلٌ وبوَازلٌ. \"الصحاح\" (بزل) ٤/ ١٦٣٣.","vol":"12","page":522},{"text":"وفيه لغة أخرى وهو فتح القاف وتسكين الطاء (١)، وبه قرأ عيسى بن عمر. قال أبو إسحاق: وجُعلت سرابيلهم من قطران والله أعلم؛ لأن القطران يبالغ في اشتعال النار في الجلود، ولو أراد الله المبالغة في إحراقهم بغير نار وبغير قطران لقدر على ذلك، ولكنه عذَّب بما يَعقل العبادُ العذابَ من جهته، وحذّرهم ما يعرفون حقيقته (٢).\nقال ابن الأنباري: والنار لا تُبطل ذلك القطران ولا يُفنيها، كما لا يُهلك أغلالَها وأنكالَها وحَيّاتِها وهوامَها وأشجارَها (٣)، وللقطران أيضًا روائح خبيئة، وقال غيره: وفيه أيضًا عقاب بالتسويد لسواد دخانه (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1913>٥١ </span>- قوله تعالى: ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ﴾ هذه اللام تتعلق بقوله: ﴿وَتَغْشَى﴾ أي تغشى النار وجوههم ليقع لهم الجزاء من الله بما\n_________\n(١) أي: قَطْران، وذكرها الطبري في \"تفسيره\" ١٣/ ٢٥٦، بصيغة التمريض منسوبةً إلى عيسى بن عمر، لكنه قال: بكسر القاف، وبالكسر كذلك قال ابن خالويه، كما في القراءات الشاذة لابن خالويه ص ٧٤، لكنه جعلها مهموزة؛ قال: (قِطْرءان)، ووردت في \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٤٥ أ، بالجزم؛ قال: وقرأ عيسى بن عمر: (قَطْران) بفتح القاف وتسكين الطاء، وانظر: \"تفسير القرطبي\" ٩/ ٣٨٥، قال ابن جني: وأما القطران ففيه ثلاث لغات: (قَطِرَان) على فَعِلان [وهي القراءة المتواترة]، و(قَطْران)، و(قِطْران) والأصل فيها (قَطِرَان) فأسكنا على ما يقال في كَلِمة: كَلْمَة وكِلْمَة. انظر: \"المحتسَب\" ١/ ٣٦٧.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٧٠ بنصه.\n(٣) انظر: \"تفسير الفخر الرازي\" ١٩/ ١٤٩، مختصرًا.\n(٤) وخلاصة الأمر أنه يحصل لهم أربعة أنواع من العذاب بالقطران: لذع القطران وحرقته، وإسراع النار في جلودهم، واللون الوحش، ونتن الريح. \"الرازي\" ١٩/ ١٤٨.","vol":"12","page":523},{"text":"كسبوا، فمعنى ﴿كُلَّ نَفْسٍ﴾ هاهنا من الكفار؛ لأن جزاء المؤمن لا يقع بهذا (١).\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ ذكرنا معناه في سورة البقرة عند تمام المائتين منها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1914>٥٢ </span>- قوله تعالى: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ﴾ قال ابن عباس: يريد ما أنزلت إليك من قصة إبراهيم ودعائه لوالده وما تبرأ منه من عبادة الأصنام وما دعا للمؤمنين، وقال غيره من أهل العلم: ﴿هَذَا﴾: القرآن (٢)، ﴿بَلَاغٌ لِلنَّاسِ﴾ والبلاغ اسم يقوم مقام التبليغ، قال أبو علي الجرجاني: تأويله: فعلنا هذا؛ يعني إنزال القرآن وما فيه من المواعظ لتبلِّغ الناس، وهذا عطف على البلاغ بالفعل، وهو قوله: ﴿وَلِيُنْذَرُوا بِهِ﴾ (٣)، قال ابن عباس:\n_________\n(١) وقد تعقب الرازي الواحدي في تخصيص ﴿كُلَّ نَفْسٍ﴾ بالكافرين، وأبقى اللفظ على عمومه ليشمل الجزاء الفريقين، وكلاهما مصيب، فالتخصيص مناسب للسياق والسباق؛ حيث إن الكلام السابق واللاحق عن المجرمين فيخصهم الوعيد والتهديد، ويكون متعلق اللام محذوف؛ تقديره: يفعل بهم ذلك ليجزي كل نفس مجرمة ما كسبت من أنواع الكفر والمعاصي، والتعميم مناسبٌ بالنظر إلى أن ﴿لِيَجْزِيَ﴾ متعلق بقوله: ﴿وَبَرَزُوا﴾ أي الخلق كلهم، فيكون ﴿كُلَّ نَفْسٍ﴾ عامًا، أي مطيعة ومجرمة بحسبها، وتكون الآيتان بينهما جملة معترضة، وهناك أقوال أخرى في توجيه التأويل. انظر: \"الرازي\" ١٩/ ١٤٩، وأبي حيان ٥/ ٤٤١، وأبي السعود ٥/ ٦١.\n(٢) قاله ابن زيد، أخرجه الطبري ١٣/ ٢٥٨، بلفظه، وورد بلفظه في \"تفسير الماوردي\" ٣/ ١٤٦، والطوسي ٦/ ٣١١، وأورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ١٧٠، وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم، وورد غير منسوب في \"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢١٢، والبغوي ٣/ ٣٦٣، وابن الجوزي ٤/ ٣٧٨، والخارن ٣/ ٨٧.\n(٣) والتقدير: فعلنا هذا لتبلّغ الناس ولينذروا به، فعطف ﴿وَلِيُنْذَرُوا﴾ على البلاغ =","vol":"12","page":524},{"text":"ولتنذر يامحمد قومك (١)، ﴿وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ أي بما ذكر فيه من الحجج التي تدل على وحدانيته، ﴿وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ قال يريد وليتعظ أهل اللب والعقل والبصائر.\n_________\n= وهو مصدر بمعنى التبليغ. وقد ورد في وجه عطف ﴿وَلِيُنْذَرُوا﴾ تسعة أقوال، ذكرها السمين في \"الدر المصون\" ٧/ ١٣٤.\n(١) ورد في تفسيره \"الوسيط\" تحقيق سيسي ١/ ٣٣٩ بنصه.","vol":"12","page":525},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1915>سورة الحجر</span>","vol":"12","page":527},{"text":"تفسير سورة الحجر\nبسم الله الرحمن الرحيم\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1916>١ </span>- قوله -﷿-: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ﴾ ذكرنا الكلام في هذا مستقصى في أول سورة يوسف ويونس، وكذلك في سورة الرعد. وذكرنا في سورة الرعد أن الكِتَاب هناك يجوز أن يريد به التوراة، ويجوز أن يريد به القرآن، وهاهنا أيضًا يجوز فيه الوجهان؛ أحدهما: أن يراد بالكتاب الذي كان قبل القرآن من التوراة والإنجيل، ثم عطف عليه القرآن، قال صاحب النظم: تقدير هذه الآية في الكلام: زيدٌ هذا صاحب الفرس وحمارٍ تارةً (١)، وهذا معنى قول مجاهد وقتادة (٢).\nوقال آخرون: الْكِتَابِ هو القرآن (٣)، وجمع بين الوصفين لما فيهما\n_________\n(١) المثبت من (ش)، (ع)، وفي (أ)، (د): (فاده)، وهذا المثال صحيح من الناحية النحوية، لكنه لا يليق التمثيل به في هذا الموضع، ولو قال: هذا زيدٌ صاحب الكتاب وقلمٍ تارةً، لكان أليق بالمقام.\n(٢) أخرجه الطبري ١٤/ ١ عنهما من طريقين، وورد في \"تفسير الطوسي\" ٦/ ٣١٧ عنهما، وانظر: \"تفسير ابن عطية\" ٧/ ٢٧٦، وأورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ١٧١ وزاد نسبته إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة، ولم أجده في \"تفسير مجاهد\".\n(٣) ورد في \"تفسير الماوردي\" ٣/ ١٤٧، والطوسي ٦/ ٣١٧، و\"تفسير ابن عطية\" ٧/ ٢٧٦، والفخر الرازي ١٩/ ١٥١، و\"تفسير القرطبي\" ١٠/ ٢، والخازن ٣/ ٨٨.","vol":"12","page":529},{"text":"من الفائدتين، وإن كانا لموصوف (١) واحد؛ وذلك أن الْكِتَابَ يفيد أنه مما يُكتب ويُدون، ﴿وَقُرْآنٍ﴾ يفيد أنه بما يؤلف ويجمع بعض حروفه إلى بعض <span data-type=\"title\" id=toc-1917>(٢)</span>، ويكون كقوله (٣):\nإلى المَلِك القَرْمِ .......... (البيت)\nوقد مر (٤)، وذكرنا معنى \"الْمُبِين\" في فاتحة سورة يوسف.\n\n٢ - قوله تعالى: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وقُرئ ﴿رُبَمَا﴾ بالتخفيف، قال السُّكّري (٥): ربّما وربتما ورُبّ، حرف جر عند\n_________\n(١) في (ش)، (ع): (بالموصوف).\n(٢) انظر: \"الفريد في إعراب القرآن\" ٣/ ١٨٣.\n(٣) لم أقف على قائله.\n(٤) أورده كذلك في نهاية السورة، والبيت كاملًا هو:\nإلى الملك القَرْمِ وابنِ الهُمَام ... ولَيْثِ الكتيبة في المُزْدَحَمْ\nوقد ورد بلا نسبة في: \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ١٠٥، و\"تفسير الطوسي\" ٦/ ٣١٧، والزمخشري ١/ ٢٣، و\"الإنصاف\" ص ٣٧٦، و\"تفسير القرطبي\" ٩/ ٢٧٨، و\"الخزانة\" ١/ ٤٥١، ٥/ ١٠٧، ٦/ ٩١، (القَرْم) السيد، (الهُمام) الملك العظيم الهمّة، (الكتيبة) جماعة الخيل، وهي الفصيل من الجيش، (المُزدَحمْ) مكان المعركة. والشاهد: أنه عطف ابن الهمام، وليث الكتيبة، على القرم، وكلها أوصاف لشيء واحد؛ هو الملك، وذلك جائز عند أهل اللغة. انظر: \"الانتصاف من الإنصاف\"، بهامش \"الإنصاف\" ٢/ ٤٧٠.\n(٥) الحسن بن الحسين بن العلاء، أبو سعيد النحويّ اللغويّ، المعروف بابن السكري، أخذ عن أبي حاتم السجستاني، والرياشي، كان راوية للبصريين، وكان ثقة دينًا صادقًا، له: كتاب \"الوحوش\"، وكتاب \"النبات\"، و\"أشعار هذيل\" مات سنة ٢٧٥ هـ، وقيل (٢٩٠ هـ)، وكان مولده سنة (٢٠٢ هـ) انظر: \"طبقات النحويين واللغويين\" ص ١٨٣. \"الفهرست\" ص ٢١٧، \"نزهة الألباء\" ص ١٦٠، \"البلغة\" ص ٢٩٦، \"البغية\" ١/ ٥٠٢.","vol":"12","page":530},{"text":"سيبويه (١)، ويلحقها (ما) على وجهين: أحدهما: أن تكون نكرة بمعنى شيء، وذلك كقوله:\nرُبَّما تَكْرَهُ النُّفُوسُ مِنَ الأمْرِ ... لها فَرْجةٌ كَحَلِّ العِقَالِ (٢)\nفـ (ما) في هذا البيت اسم لما يُقَدَّر من عَوْد الذكر إليه من الصفة، المعنى: رب شيء تكره النفوس، وإذا عاد إليها الهاء كان اسمًا ولم يجز أن يكون الحرف (٣)، كما أن قوله سبحانه ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ﴾ [المؤمنون: ٥٥] ما عاد الذكر إليه علمت بذلك أنه اسم، ويدلك على أن (ما) قد تكون اسمًا إذا وقعت بعد رب وقوع (من) بعدها (٤) في نحو قوله (٥):\n_________\n(١) انظر: \"الكتاب\" باب الجر ١/ ٤١٩.\n(٢) \"ديوان أمية بن أبي الصلت\" ص ٤٤٤ وفيه: (تجزع) بدل (تكره)، وورد البيت في \"الكتاب\" ٢/ ١٠٩، ٣١٥، \"اللسان\" (فرج) ٦/ ٣٣٦٩، \"الخزانة\" ٦/ ١٠٨، ١٠/ ٩، وورد غير منسوب في \"البيان والتبيين\" ٣/ ٢٢٤ برواية (تجزع)، \"المقتضب\" ١/ ٤٢، \"جمهرة اللغة\" ١/ ٤٦٣، \"إيضاح الشعر\" ص٢٩٥، ٤٤٥، \"معاني الحروف\" للرماني ص ١٥٦، \"تفسير الطوسي\" ٦/ ٣١٤ برواية (تجزع)، \"أمالي ابن الشجري\" ٢/ ٥٥٤، \"أساس البلاغة\" ٢/ ١٩١ (فرج)، \"تفسير ابن عطية\" ٨/ ٢٧٧ \"تفسير ابن الجوزي\" ٤/ ٣٨٢ برواية \"تجزع\"، \"إنباه الرواة\" ٤/ ١٣٤، \"شرح المفصل\" ٣/ ٤، \"تفسير أبي حيان\" ٥/ ٤٤٣، \"همع الهوامع\" ١/ ٢٢، ٣١٦، \"شرح الأشموني\" ١/ ١٩٢، (الفَرجة) بالفتح قيل: الراحة من حزن أو مرض، و(الفُرجة) بالضم: الخلل بين الشيئين، (العقال) بالكسر: الحبل الذي يشد به قوائم الإبل، والمعنى: ربّ شيء تكرهه النفوس من الأمور الحادثة الشديدة، وله فَرجة سهلة سريعة تعقب الضيقَ والشدة؛ كحل عقال الدابة.\n(٣) ورد في \"تفسير الطوسي\" ٦/ ٤٦٠ بنصه.\n(٤) في جميع النسخ: (بحدها)، والمثبت هو الصحيح، وموافق للمصدر.\n(٥) هو عمرو بن قميئة جاهلي.","vol":"12","page":531},{"text":"يا رُبَّ مَن يُبْغِضُ أذْوادَنا ... رُحْنَ على بَغْضائِه واغْتدَيْنْ (١)\nوكما دخلت على (مَنْ) وكانت نكرة، كذلك تدخل على (ما) فهذا ضرب، والضرب الآخر: أن تدخل (ما) كافة، نحو الآية، والنحويون يسمّون (ما) هذه الكافة؛ يريدون أنها بدخولها كفت الحرفَ عن العمل الذي كان له، وهيأته لدخوله على ما لم يدخل عليه، ألا ترى أن (رب) إنما تدخل على الاسم المفرد؛ نحو: رب رجل يقول ذلك، ولا تدخل على الفعل، فلما دخلت (ما) عليها هيأتها للدخول على الفعل كهذه الآية (٢)، فإن قيل لم قال: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ﴾ فجاء بعد ربما بفعل مستقبل، وسبيلها أن يأتي بعدها الماضي كما يقال: ربما قصدني عبد الله، ولا يكاد يستعمل المستقبل بعدها؟ قال ابن الأنباري: المستقبل في هذا بمنزلة الماضي، وإنما جاز الماضي هاهنا وهو لأمر لم يأت؛ لأن القرآن نَزَّل وعده ووعيده وما كان فيه كأنه عيان، فجرى الكلام فيما لم يكن منه كمجراه في الكائن، ألا ترى إلى قوله: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا﴾ [سبأ: ٥١] كأنه ماضٍ وهو منتظَر؛\n_________\n(١) ملحقات \"ديوانه\" ص ٨١، وورد في: \"الكتاب\" ٢/ ١٠٨، \"الأزهية\" ص ١٠١، \"أمالي ابن الشجري\" ٣/ ٢١٩،٦٤، وورد بلا نسبة في: \"الحيوان\" ٣/ ٤٦٦، \"المقتضب\" ١/ ٤١، \"المسائل البغداديات\" ص ٥٦٦ (صدره)، \"تفسير الفخر الرازي\" ١٩/ ١٥٢، \"شرح المفصل\" ٤/ ١١، \"معجم الشعراء\" ص ٢٧ وقد نسبه إلى عمرو بن لأي جاهلي. (الأذواد)، جمع ذود، وهو القطيع من الإبل ما بين الثلاث إلى الثلاثين، يعني أنهم أعزاء لا يستطيع أحد صد إبلهم عن مرعى، مما لهم من قوة ومنعة، (اغتدين) غدا يغدُو غدْوًا وغُدوًا، واغتدى: بكَّر، والاغْتداء، الغُدُوُّ. \"اللسان\" (غدو) ٦/ ٣٢٢١.\n(٢) \"الحجة للقراء\" ٥/ ٣٦ وهو نقل طويل مع اختصار يسير، وانظر: \"تفسير الطوسي\" ٦/ ٣١٤، الفخر الرازي ١٩/ ١٥٢.","vol":"12","page":532},{"text":"لصدقه، وكذلك قوله: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ [التكوير: ١] وقوله تعالى: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ﴾ [الأعراف: ٤٤] وهذا معنى قول الفراء في هذه الآية (١)، وقال أبو علي الفارسي: إنما وقع ﴿يَوَدُّ﴾ في الآية على لفظ المضارع؛ لأنه حكايته لحال آتية، كما أن قوله: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ [النحل: ١٢٤] حكايته لحال آتية أيضًا، ومن حكايته الحال قول القائل (٢):\nجَارِيةٌ في رَمَضَانَ الماضِي ... تُقَطِّعُ الحَدِيثَ بالإيمَاضِ (٣)\nقال ومن زعم أن الآية على إضمار (كان) وتقديره: ربما كان يود الذين كفروا، فقد خرج بذلك عن قول سيبويه (٤)، ألا ترى (كان) لا تُضمر عنده، ولم يُجِزْ: وعبد الله المقتول، وأنت تريد: كن عبد الله المقتول، قال: ويجوز أن يكون (ما) في هذه الآية صفة بمنزلة شيء، و﴿يَوَدُّ﴾ صفة له؛ وذلك أن (ما) لعمومها تقع على كل شيء، فيجوز أن يعني بها الودّ؛\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٨٢.\n(٢) منسوب لرؤبة وهو في ملحقات \"ديوانه\" ص ١٧٦ وروايته:\nلقد أتى في رمضان الماض ... جارية في درعها الفضفاضِ\nتُقطّعُ الحديث بالإيماض ... أبيض من أختِ بني إباضِ\n(٣) ورد غير منسوب في: \"تفسير الطوسي\" ٦/ ٣١٤، \"غرائب التفسير\" ١/ ٥٨٥، \"الفريد في إعراب القرآن\" ٣/ ١٨٥ \"اللسان\" (رمض) ٣/ ١٧٣٠، \"الخزانة\" ١/ ١٥٦، \"الإنصاف\" ص ١٢٤ برواية:\nجارية في درعها الفَضْفَاض\nوالمعنى أن القوم كانوا يتحدثون فأومضت امرأة فتركوا الحديث واشتغلوا بالنظر إليها لبراعة جمالها.\n(٤) لأن هذا ليس من مواضع إضمار كان عنده؛ فكان لا تضمر عنده إلا حيث يكون حذف مقتضيها، وفي موضع تقوى الدلالة عليها. ذكره المنتجب في \"الفريد في إعراب القرآن\" ٣/ ١٨٥، وانظر: \"تفسير أبي حيان\" ٥/ ٤٤٤.","vol":"12","page":533},{"text":"كأنه في هذا الوجه أيضًا حكاية حال، ألا ترى أنه لم يكن بَعْدُ، انتهى كلامه. (١) وقد تلي (ربما) الأسماءُ، وكذلك (ربتما)، أنشد ابن الأعرابي (٢):\nماويَّ يَا ربَّتَما غارةٍ ... شَعْواءَ كاللَّذْعةِ بالِمِيسمَ (٣)\nوإن قيل لِمَ (٤) لَمْ تكف (ما) (رب) عن العمل كما كفت (إنّ) في قولك: إنما الله، وإنما زيد؟! قيل الفرق بينهما أن (إنّ) حرف الابتداء، فلما سُلب العمل بالكف لم يبق للجملة معنى سوى الابتداء، وحق الابتداء الرفع، ومعنى (رب) وهو التقليل موجود في الاسم كل حال، دخل عليه (ما) أو لم يدخل فتبَيَّن أثره في الاسم، فأما قراءة من قرأه ﴿رُبَمَا﴾ بالتخفيف (٥)؛ فلأنه حرف مضاعف، والحروف المضاعفة قد تحذف\n_________\n(١) \"الحجة للقراء\" ٥/ ٣٩ بنصه.\n(٢) والبيت لضمرة بن ضمرة النهشلي (جاهلي).\n(٣) ورد البيت منسوبًا في: \"نوادر أبي زيد\" ص ٢٥٣، \"المعاني الكبير\" ٢/ ١٠٠٥، \"الخزانة\" ٩/ ٣٨٤. وورد غير منسوب في \"تهذيب اللغة\" (ماء) ٩/ ٣٣١٤، ٩/ ٣٨١٤ (رب) ٢/ ١٣٣٩، (موا) ٤/ ٣٤٦٧، \"الحجة للقراء\" ٥/ ٣٥، \"الإنصاف\" ص٩٠، \"شرح المفصل\" ٨/ ٣١، \"أمالي ابن الشجري\" ٢/ ٤١٣، \"اللسان\" (ربب) ٣/ ١٥٥٢، \"الخزانة\" ١١/ ١٩٦، ورواية \"النوادر والمعاني\" و\"الحجة\" و\"الأمالي\": (بل ربتما). (ماويّ): أراد ماويّ؛ من أسماء النساء، فرخَّم، (الشعواء) الغارة الكثيرة المنتشرة؛ أراد الخيل التي تغير، (المِيسم) ما يوسم به البحير بالنار.\n(٤) في (أ)، (د): (لو)، والمثبت من (ش)، (ع) وهو الصحيح لاستقامة المعنى به.\n(٥) هما نافع وعاصم. انظر: \"السبعة\" ص ٣٦٦، \"إعراب القراءات السبع\" ١/ ٣٣٩، \"علل القراءات\" ١/ ٢٩٣، \"الحجة للقراء\" ٥/ ٣٥.","vol":"12","page":534},{"text":"نحو: إنّ، وأنّ، ولكنّ، قد حذف (١) كل واحد من هذه الحروف، وليس كل المضاعف يحذف نحو (ثُمَّ)، لم يُحك فيه الحذف (٢)، قال أبو إسحاق: العرب تقول: رُبّ رجلٍ جاءني، ويخففون فيقولون: رُبَ رَجُلٍ، وأنشد (٣):\nأَسُمَيَّ ما يُدْرِيكِ أن رُبَ فِتْية ... بَاكَرْتُ لذَّتَهُمْ بِأدْكَنَ مُتْرَعِ (٤)\nويسكنون أيضًا في التخفيف فيقولون: رُبْ رَجُلٍ، وأنشد بيت الهذلي:\nأزُهَيْرُ إن يَشِبِ القَذَالُ فإنني (٥) ... رُبَ هَيْضلٍ مَرِسٍ لَفَفْتُ بِهَيْضَلِ (٦)\n_________\n(١) في جميع النسخ: (خفف)، والمثبت هو الصحيح لاستقامة الكلام، وموافقة المصدر.\n(٢) ورد في \"الحجة للقراء\" ٥/ ٤١ بنصه، وانظر: \"تفسير الطوسي\" ٦/ ٣١٦.\n(٣) للحادرة أو الحويدرة؛ واسمه قطبة بن أوس الذبياني (جاهلي).\n(٤) \"ديوان الحادرة\" ص ٥٦، وورد في \"المفضَّليات\" ص ٤٦، \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٧١، \"علل القراءات\" ١/ ٢٩٣، \"شرح اختيارات المفضل\" ١/ ٢٢٥، وورد بلا نسبة في \"إعراب القراءات السبع\" وعللها ١/ ٣٤٠وفيه: (سُخرتهم) بدل (لذتهم)، \"المُنصف\" (٣/ ١٢٩) وفيه: (ما أدراك)، وفي الديوان وجميع المصادر ما عدا علل القراءات بدايته برواية: (فَسُمَيَّ)، وهو تَرْخيم سُمَيَّة. (باكرتُ لذتهم) أسرعت إليهم لأمتعهم، (الأدكن المترع) الزِّق المليء بالخمر.\n(٥) في جميع المصادر - ما عدا الديوان والزجاج والطوسي وابن الجوزي (فإنه).\n(٦) \"شرح أشعار الهذليين\" ص ١٠٧٠، وورد في \"تفسير الطوسي\" ٦/ ٣١٦، \"أمالي ابن الشجري\" ٣/ ٤٨، إيضاح شواهد الإيضاح ١/ ٢٨٧، \"تفسير ابن الجوزي\" ٤/ ٣٨٠، \"الخزانة\" ٩/ ٥٣٧، وورد غير منسوب في: \"المحتسب\" (ع) ٢/ ٣٤٣، \"أمالي ابن الشجري\" ٢/ ١٧٩، \"الإنصاف\" ص ٢٤٧، \"شرح المفصل\" ٨/ ٣١، \"الممتع في التصريف\" ٢/ ٦٢٧، \"المقّرِب\" ٨/ ٢٠٠، \"رصف المباني\" ص ١٤١، ٢٧٠، \"الخزانة\" ٩/ ٥٣٥، وفي الديوان وجميع المصادر - ما عدا \"تفسير ابن =","vol":"12","page":535},{"text":"والهيضل جماعة متسلِّحة، قال ويقولون: رُبَّتْ بسكون التاء، ورَبَّت بفتح الراء، ومثله: رَبَّ ورُبَمَا ورَبَّتَمَا، حكى ذلك قطرب (١)، قال أبو على: من الحروف ما دخل عليه حرف التأنيث نحو: ثُمَّ ثمَّت، ولا ولات (٢)، فأمّا معنى الآية فهو ما رواه أبو موسى أن النبيّ - ﷺ - قال: \"إذا كان يوم القيامة واجتمع أهل النار في النار، ومعهم من شاء الله من أهل القلبة، قال الكفار لهم: ألستم مسلمين؟ قالوا: بلى، قالوا فما أغنى عنكم إسلامكم وقد صرتم معنا في النار؟ فيغضب الله لهم بفضل رحمته فيأمر بكل من كان من أهل القبلة في النار فيخرجون منها فحينئذ ﴿يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ وقرأ رسول الله - ﷺ - هذه الآية\" (٣) وعلى هذا أكثر المفسرين؛ أبو\n_________\n= الجوزي\" و\"المقرب\" و\"الرصف\" و\"الخزانة\"- برواية (لَجِبٍ) بدل (مَرِسٍ) ولا يختلف المعنى. (زهير) مرخَّم زهيرة، وهي ابنته، (القذال) ما بين الأذن والقفا، (مَرِسٍ) ذو مَرَاسَة وشدة، (لَجِبٍ) من قولهم جيشٌ لجب؛ عرمرم، ذو جَلَبة وكثرة.\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٧١ بتصرف يسير.\n(٢) \"الحجة للقراء\" ٥/ ٤١ بنصمي\n(٣) أخرجه ابن أبي عاصم في \"السنة\" ٢/ ٤٠٥ بنحوه، والطبري في \"تفسيره\" ١٤/ ٢ بنحوه، والحاكم في \"المستدرك\" ٢/ ٢٤٢ بنحوه، وصححه ووافقه الذهبي، والبيهقي في \"البعث\" ص ٩١، وأورده ابن كثير في \"تفسيره\" ٢/ ٦٠٠ - ٦٠١ وعزاه إلى الطبراني لم أقف عليه وابن أبي حاتم، وأوده الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" ٧/ ٤٥، قال وفيه خالد بيت نافع الأشعري، قال عنه أبو داود: متروك، وبقية رجاله ثقات، وأورده السيوطي في \"الدر\" ٤/ ١٧٢ وزاد نسبته إلى ابن مردويه، وورد دون سند في \"تفسير البغوي\" ٤/ ٣٦٧ - ٣٦٨، وابن الجوزي ٤/ ٣٨٠، والفخر الرازي ١٩/ ١٥٤ وهذا الحديث يدور على خالد بن نافع الأشعري، وهو ضعيف بل قال عنه أبو داود متروك، ولم يوافق الذهبي على تركه، وقال: هذا تجاوز فلا يستحق =","vol":"12","page":536},{"text":"العالية ومجاهد والسدي ومقاتل وغيرهم، قالوا: أنزلت في تمني الكفار الإسلام عند خروج من يخرج من النار من أهل الإسلام (١)، قال حماد (٢): سألت إبراهيم عن هذه الآية فقال: إن الكفار يقولون لأهل التوحيد ما أغنى عنكم لا إله إلا الله، فيأمر الله الملائكة والنبيين فيشفعون لهم، فيخرجهم من النار (٣)، ونحو هذا قال ابن عباس في رواية عطاء (٤)، وروى مجاهد\n_________\n= الترك وقد حدث عنه أحمد ومسدد \"الميزان\" ٢/ ١٦٦، ومع ذلك فالحديث ضعيف بهذا الإسناد؛ لضعف خالد الأشعري، لكن له شواهد عن ابن عباس وأنس ﵄ لذلك صحح الألباني الحديث في تحقيقه لكتاب \"السنة\" لابن أبي عاصم ٢/ ٤٠٦.\n(١) \"تفسير مجاهد\" ص ٣٣٩ مختصرًا، وأخرجه عبد الرزاق ٢/ ٣٤٥ بنحوه عن مجاهد، والطبري ١٤/ ٣ بمعناه عن مجاهد وأبي العالية، وورد في \"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ٧ عن مجاهد، \"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢١٤ عن مجاهد وأبي العالية، \"الطوسي\" ٦/ ٣١٧ عن مجاهد، \"تفسير ابن الجوزي\" ٤/ ٣٨١ عن مجاهد وأبي العالية، وابن كثير ٢/ ٦٠٠ - ٦٠١ عن مجاهد وأبي العالية، ولم أقف على القول في تفسير مقاتل ولا منسوبًا إليه ولا إلى السدي.\n(٢) حمّاد بن سلمة بن دينار البصري، أبو سلمة، أحد الأعلام، ثقة عابد، روى عن قتادة وابن أبي مليكة وثابت، وروى عنه ابن المبارك ووكيع وابن مهدي، قال ابن معين: إذا رأيت من يقع فيه فاتهمه على الإسلام، مات سنة (١٦٧هـ)، \"الجرح والتعديل\" ٣/ ١٤٠، \"الكاشف\" ١/ ٣٤٩، \"تقريب التهذيب\" ص ١٧٨ رقم (١٤٩٩).\n(٣) أخرجه عبد الرزاق ٢/ ٣٤٥ بنحوه، و\"الطبري\" ١٤/ ٥ بنصه وبنحوه بعدة روايات، وورد بنحوه في: \"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ٧، \"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢١٤، \"تفسير ابن الجوزي\" ٤/ ٣٨١.\n(٤) أخرجه ابن المبارك في \"الزهد\" ص ٥٥٨، والطبري ١٤/ ٥، والبيهقي في البعث ص ٨٩، كلهم من طريق القاسم بن الفضل، \"تفسير ابن الجوزي\" ٤/ ٣٨١، \"الدر المنثور\" ٤/ ١٧٢ وزاد نسبته إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر.","vol":"12","page":537},{"text":"عن ابن عباس قال: مايزال (١) الله تعالى يرحم ويدخل الجنّة ويشفع حتى يقول: من كان من المسلمين فليدخل الجنة، قال فذلك حين يقول: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآية (٢).\nوقال الضحاك: إذا احتضر الكافر وعلم أنه صائر إلى جهنم ودَّ أنه كان مسلمًا (٣)، قال الزجاج: والذي أراه والله أعلم، أن الكافر لما رأى حالًا من أحوال العذاب ورأى حالًا من أحوال المسلم، ودَّ لو كان مسلمًا (٤). فإن قيل (رب) موضوعة للتقليل وهي في التقليل نظيرة (٥) (كم) في التكثير، وإذا قال الرجل: ربما زارنا فلان، دلّ بربما على تقليل الزيارة، وتمني الكافر الإسلام يكثر ويتصل فلا يشاكله ربما؟\nقال ابن الأنباري: هذا الكلام معناه من الله التهديد، والمعنى: أن هذا لو كان مما يتمنى مرة واحدة من الدهر لكانت المسارعة إليه عند الإمكان واجبة، فكيف والتمني له يتصل ويكثر (٦)، وإنما خوطبت العرب\n_________\n(١) في (أ)، (د): (ما أنزل)، والمثبت من (ش)، (ع) وهو الصحيح.\n(٢) \"أخرجه الطبري\" ١٤/ ٥ بنصه، من طريق عطاء بن السائب \"صحيحة\"، وأورده الثعلبي ٢/ ١٤٥ ب بنصه، وأخرجه الحاكم في \"المستدرك\" ٢/ ٣٥١ وصححه، والبيهقي في \"البعث والنشور\" ص ٨٩ بنصه، \"تفسير ابن الجوزي\" ٤/ ٣٨١، الفخر الرازي ١٩/ ١٥٤، الشوكاني ٣/ ١٢٤ وزاد نسبته إلى سعيد بن منصور وهناد السريّ وابن المنذر.\n(٣) \"أخرجه الطبري\" ١٤/ ٤ بنحوه، \"تفسير البغوي\" ٤/ ٣٦٧، وابن الجوزي ٤/ ٣٨١، الفخر الرازي ١٩/ ١٥٤، \"تفسير القرطبي\" ١٠/ ٢، والخازن ٣/ ٨٨.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٧٢ بنصه.\n(٥) في الجميع: (نظره)، والمثبت هو الصحيح وبه يستقيم المعنى.\n(٦) \"تفسير ابن الجوزي\" ٤/ ٣٨٢، وورد هذا المعنى في \"تفسير الزمخشري\" ٢/ ٣١٠، والبيضاوي ١/ ٢٦٧، وابن جزي ٢/ ١٤٣.","vol":"12","page":538},{"text":"في القرآن بما تعقله، والرجل يتهدَّدُ صاحبه فيقول له: لعلك ستنْدَمُ على فعلك، وهو لا يشك في أنه يندم، ويقول: ربما تندم على هذا، وهو يعلم أنه يندم كثيرًا، ولكن مجازه أن هذا لو كان يخاف منه ندم قليل، لكان تركه واجبًا، فكيف إذا لم يتيقن قلة الندم من جهته؟ والدليل على أن هذا ورد في التهدد قوله بعده: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا﴾ الآية، وهذا كله معنى قول الزجاج، قال: وجائز أن تكون أهوال القيامة تشغلهم عن التَّمَنّي، فإذا أفاقوا من سكرةٍ من سكراتِ العذاب ودّوا ذلك (١)، وعبَّر بعض أهل المعاني عن هذين الجوابين بعبارة وجيزة؛ فقال في الجواب الأول: التقليل أبلغ في التهدد، كما يقول: ربما ندمت على هذا، وهو يعلم أنه يندم ندمًا طويلًا أي: يكفيك قليلُ الندم فكيف كثيرُهُ، وقال في الجواب الثاني: إنه يشغلهم العذاب عن تمني ذاك إلا في القليل (٢)، قال أبو إسحاق: ومن قال إن (رُبَّ) يُعْنَى بها الكثير، فهو ضد ما يعرفه أهل اللغة <span data-type=\"title\" id=toc-1918>(٣)</span>.\n٣ - قوله تعالى: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا﴾ يقول: دع الكفار يأخذوا حظوظهم من دنياهم، فتلك خلاقهم، ولاخلاق لهم في الآخرة، وقال صاحب النظم: المعنى ذرهم ولا تَدْعُ عليهم فيهلكوا (٤)، وإذا تركهم خاضوا ولعبوا وأكلوا وتمتعوا، وهذا كقوله: ﴿يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا﴾ [الزخرف: ٨٣].\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٧٢ بتصرف.\n(٢) \"تفسير الفخر الرازي\" ١٩/ ١٥٣، والخازن ٣/ ٨٨.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٧٣ بنصه.\n(٤) وهو قول غريب لم أجد أحدًا من المفسرين قال به، ووجه الغرابة أنه ثبت دعاؤه على الكفار في بعض المناسبات.","vol":"12","page":539},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ﴾ يقال: لَهِيتُ عن (١) الشيء ألْهَى لُهِيًّا (٢)، وجاء في الحديث: \"إن ابن الزبير كان إذا سمع صوت الرعد لَهِي عن (٣) حديثه\" <span data-type=\"title\" id=toc-1919>(٤) </span>قال الكسائي والأصمعي: أي تركه وأعرض عنه، وكلُّ شيء تركته فقد لَهِيْتَ عنه (٥)، وأنشد ابن الأعرابي:\nصرَمَتْ حِبالَكَ فالْهَ عنها زَينبُ ... ولَقَد أَطَلْتَ عِتَابَها لو تُعْتِب (٦)\nويقال: ألهاه الشيء، أي: شغله وأنساه وحمله على الترك والإعراض، قال المفسرون في قوله: ﴿وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ﴾ شغلهم الأمل عن الأخذ بحظهم من الإيمان والطاعة (٧)، ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ وعيدٌ وتهديدٌ، أي فسوف يعلمون إذا وردوا القيامة وبال ما صنعوا.\n\n٤ - قوله تعالى: ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ﴾ قال ابن عباس: يريد من أهل قرية (٨)، ﴿إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ﴾ يريد أجل ينتهون إليه، يعني: أن لأهل\n_________\n(١) في جميع النسخ (من) والمثبت هو الصحيح وموافق لجميع المصادر.\n(٢) \"جمهرة اللغة\" ٢/ ٩٩١، \"تهذيب اللغة\" (لهى) ٤/ ٣٣٠٤ \"الصحاح\" (لها) ٦/ ٢٤٨٨، \"تفسير الفخر الرازي\" ١٩/ ١٥٤.\n(٣) في جميع النسخ: (من)، والمثبت هو الصحيح وموافق لجميع المصادر.\n(٤) لم أجده في كتب السنة، وورد في \"تهذيب اللغة\" (لهى) ٤/ ٣٣٠٤ بنصه، \"الصحاح\" (لها) ٦/ ٢٤٨٨، \"تفسير الفخر الرازي\" ١٩/ ١٥٥.\n(٥) المصادر السابقة.\n(٦) ورد غير منسوب في \"تهذيب اللغة\" (لهى) ٤/ ٣٣٠٤، \"تفسير الفخر الرازي\" ١٩/ ١٥٥.\n(٧) ورد في \"تفسير الطبري\" ١٤/ ٥ بنحوه، والثعلبي ٢/ ١٤٥ ب بنصه، و\"تفسير البغوي\" ٤/ ٣٦٨، وابن الجوزي ٤/ ٣٨٢، والفخرالرازي ١٩/ ١٥٥، والخازن ٣/ ٨٨.\n(٨) ورد في تفسيره \"الوسيط\" تحقيق: سيسي ٢/ ٣٤٤ بنصه، \"تنوير المقباس\" ص ٢٧٦، وورد بلا نسبة في \"تفسير البغوي\" ٤/ ٣٦٩، وابن الجوزي ٤/ ٣٨٢.","vol":"12","page":540},{"text":"كل قرية أجلًا مؤقتًا قد كتب لهم، لا نهلكهم حتى يبلغوه، نزلت هذه الآية حين استعجلوه بالعذاب (١)، ألا ترى أن بعد هذه الآية لمحوله: ﴿لَوْ مَا تَأْتِينَا﴾ الآية.\nقال الفراء: لو لم يكن في (ولها) الواو كان صوابًا، كما قال في موضع آخر، ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٨] وهو كما تقول في الكلام: ما رأيت أحدًا إلا وعليه ثياب، وإن شئت: إلا عليه ثياب (٢).\nقال صاحب النظم: والفرق بينهما أن دخول الواو يقلب حال ما بعدها إلى الابتداء، وخروجها منه يدل على أن ما بعدها في موضع حال، اعتبارًا بقولك: ما أهلكنا من قرية إلا ظالمًا أهلها، فيكون نصبًا على الحال، فإذا دخلت الواو قلت: إلا وأهلها ظالمون، فقلبت الواوُ الحالَ (٣) إلى أن جعلتها مبتدأة، فانقلبت رفعًا عن النصب، وهذا فرق من حيث اللفظ، والمعنى واحد، أثبتَّ الواو أو حذفتَها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1920>٥ </span>- قوله تعالى: ﴿مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ﴾ (من) زائدة مؤكدة كقولك: ما جاءني من أحد، ﴿أَجَلَهَا﴾: ما ضرب لها من الوقت، قال ابن عباس: يريد ما تتقدم الوقت الذي وُقت لها، ﴿وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ﴾: لا يتأخرون عنه، وهذا كقوله: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ﴾ [الأعراف: ٣٤] وقد مرَّ.\nقال صاحب النظم: معنى سَبَقَ إذا كان واقعًا على شخص، جاز\n_________\n(١) لم يورده المؤلف في كتابه \"أسباب النزول\" ولم أقف عليه في كتب الفن أو التفاسير.\n(٢) \"معاني القرآن\" للفراء ٢٨٣ بنصه.\n(٣) ساقطة من (د).","vol":"12","page":541},{"text":"وخَلّف، كقولك: سبق زيدٌ عمرًا، أي جاره وخلّفه وراءه فاستأخر، معناه قصر عنه ولم يبلغه، وإذا كان واقعًا على زمان كان بالعكس من هذا؛ كقولك: سبق فلانٌ الحولَ وعامَ كذا، أي مضى قبل إتيانه ولم يبلغه، ومعنى: استأخر عنه، أي: جارُه وخلّفه وراءه، فقوله: ﴿مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا﴾ أي لا تقصر عنه فلا تبلغه؛ بأن تهلك قبل بلوغ الأجل ﴿وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ﴾ أي ما يتجاوزونه ويتأخر الأجل عنهم.\nوقال الفراء في هذه الآية: لم يقل: تستأخر؛ لأن الأمة لفظها مؤنث، فأخرج أول الكلام على تأنيثها وآخره على معنى الرجال (١)، قال الكسائي: رجع إلى الجماع لأنه رأس آية، والآيات على النون، وتقول: انطلقت العشيرة ففعلت، وفعلوا، كلٌّ صواب (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1921>٦ </span>- قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ﴾ أي: القرآن، قال ابن عباس في رواية عطاء: هذا استهزاء منهم لو أيقنوا أنه نزل عليه الذكر ما قالوا: إنك لمجنون (٣)، ولكنهم استهزؤوا، كما قال قوم شعيب لشعيب: ﴿إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ [هود: ٨٧]. وذكر أبو علي وجهًا آخر هو لأصحاب المعاني فقال: الذين يقولون للنبيّ - ﷺ - مجنون لا يقرون بإنزال الذكر عليه، فهذا على ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ﴾: عنده وعند من تبعه، كما قال تعالى: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان: ٤٩]\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٨٤ بنصه.\n(٢) لم أقف على قوله.\n(٣) \"تفسير ابن الجوزي\" ٤/ ٣٨٣، وورد بمعناه غير منسوب في \"تفسير البيغوي\" ٤/ ٣٦٩، والزمخشري ٢/ ٣١٠، والفخر الرازي ١٩/ ١٥٨، و\"تفسير القرطبي\" ٩/ ٤.","vol":"12","page":542},{"text":"أي عند نفسك، وكما أخبر عن السحرة، ﴿وَقَالُوا يَا أَيُّهَ السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ﴾ [الزخرف: ٤٩] ومن آمن من السحرة لا يعتقدون فيه أنه ساحر، وإنما التقدير (١) فيما يذهب إليه فرعون وقومه، أو فيما يظهرون من ذلك، وقد قال زهرة اليمن (٢):\nأبْلِغْ كُلَيْبًا وأَبْلِغْ عَنْك شَاعِرَها ... أنَّي الأغَرُّ وأنِّي زهرةُ اليَمَنِ (٣)\n(وأجابه جرير:\nألَمْ يَكُنْ في وُسُومٍ قد وَسَمْتُ بِهَا ... مَنْ حانَ موعظةً يازهرةَ اليَمنِ) (٤) (٥)\nيعني: عند نفسك، لا أنه سَلَّم (٦) له هذه التسمية.\n_________\n(١) من قوله: (ادع لنا ربك) حتى هذا الموضع، ساقط من (أ)، (د).\n(٢) وفي الخصائص أنه لبعض اليمانية، ولم أقف عليه.\n(٣) ورد البيت في \"المسائل الحلبية\" ص ٨٢، ١٦١، \"الخصائص\" ٢/ ٤٦١، \"سر صناعة الإعراب\" ١/ ٤٠٥، \"تفسير ابن عطية\" ١٣/ ٢٨٧، أبي حيان ٨/ ٤٠، \"الدر المصون\" ٩/ ٦٢٩، وبلا نسبة في \"المسائل العسكرية\" ص ٩٤.\n(٤) \"ديوان جرير\" ص ٤٦٧، وليس فيه الشاهد لأنه برواية (ياحارث اليمن)، وورد في \"المسائل الحلبية\" ص ٨٢، ١٦٢، \"المسائل العسكرية\" ص ٩٤، \"الخصائص\" ٢/ ٤٦١، \"سر صناعة الإعراب\" ١/ ٤٠٥، \"تفسير ابن عطية\" ١٣/ ٢٨٧، أبي حيان ٨/ ٤٠، \"الدر المصون\" ٩/ ٦٢٩، وفي الأخيرين برواية (كان) بدل (حان)، (وسوم) جمع وسم، وهو أثر الكي بالنار، والمراد الأثر السيء الناتج عن هجائه، (حان) أي هلك. ومعناه: ألم تكن لك موعظة في الشعر الذي هجوتك به من قبل فكان كالنار التي أكويك بها وأقضي عليك يا من تسمي نفسك زهرة اليمن، والشاهد: قوله: (يا زهرة اليمن) أي: يا من سمى نفسه زهرة اليمن، ولست عندي كذلك.\n(٥) ما بين القوسين ساقط من (أ)، (د).\n(٦) في جميع النسخ: (سلمه) وقد أدى إلى اضطراب المعنى، والمثبت هو الصحيح، ولعله من تصحيف النساخ.","vol":"12","page":543},{"text":"وقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ يقال: جُنّ فلان فهو مجنون، وقد أجَنّه الله، وبه جنون وجِنّة ومَجِنّة، وأصله من الستر، ومنه قيل للنبت الملتف مجنون؛ لأن بعضَه يستر بعضًا (١)، وهذا الحرف مذكور فيما سبق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1922>٧ </span>- وقوله تعالى: ﴿لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ﴾ قال الفراء والزجاج: (لولا) و(لوما) لغتان معناهما: هلا (٢)، وذمنا الكلام في (لولا) قبل هذا، و(لوما) لغة فيه، ويستعملان في الخبر والاستفهام، فالخبرُ مِثلُ قولِك: لولا أنت لفعلت كذا، ومنه قوله: ﴿لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ﴾ [سبأ: ٣١] والاستفهام كقوله: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ [الأنعام: ٨] وكهذه الآية، هذا قول الفراء، قال: (ولوما) الميم فيه بدل من اللام في (لولا)، ومثله: استولى على الشيء، واستومى عليه (٣)، ومثله ماحكاه الأصمعي من قولهم: خالَمْته وخالَلْتُه، إذا صادقته، وهو خِلِّي وخِلْمي (٤)، وقال عبيد:\nلَوْمَا على حُجْرِابْنِ أُم ... قَطَامِ تَبْكِي لا عَلَيْنا (٥)\n_________\n(١) \"جمهرة اللغة\" ١/ ٩٢، و(جنن) في: \"لمحيط في اللغة\" ٦/ ٤٠٩، \"الصحاح\" ٥/ ٢٠٩٣.\n(٢) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٨٤ بنحوه، \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٧٣ بمعناه، وانظر: \"معاني الحروف\" للرماني ص ١٢٤.\n(٣) لم أقف على مصدره، وورد في \"تفسير الفخر الرازي\" ١٩/ ١٥٩، \"تفسير القرطبي\" ١٠/ ٤.\n(٤) ورد في \"تهذيب اللغة\" (ولي) ٤/ ٣٩٥٨ بنصه، \"تفسير الفخر الرازي\" ١٩/ ١٥٩، \"اللسان\" (ولي) ٨/ ٤٩٢٤، \"الدر المصون\" ٧/ ١٤٤.\n(٥) ورد في: \"الشعر والشعراء\" ص ١٦٦، و\"الأغاني\" ٢٢/ ٨٨ برواية ليس فيها الشاهد، وهي:\nهلاَّ على حُجرِ ابن أُمِ .... قَطَامِ تبكي لا علينا","vol":"12","page":544},{"text":"وهذا في الاستفهام، وقال ابن مقبل في الخبر:\nلَوْ مَا الحياءُ ولَوْ مَا الدّينُ عِبْتُكُمَا ... بِبَعْضِ ما فيكُمَا إِذْ عِبْتُما عَوَرِي (١)\nقال ابن عباس: يريد لولا (٢) جئتنا بالملائكة حتى نصدقك (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1923>٨ </span>- قوله تعالى: ﴿مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقّ﴾ هذا جواب لقولهم: ﴿لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ﴾ يقول الله تعالى: ما ننزل الملائكة إلا بالعذاب، قاله ابن عباس (٤)، وقال أبو إسحاق: أي: إنما (٥) تنزل بآجال أو بوحي من الله (٦)، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ الآية [الأنعام: ٨]\n_________\n= وورد بهذه الرواية البيت في\"تهذيب اللغة\" (ولي) ٤/ ٣٩٥٨، \"اللسان\" (ولي) ٨/ ٤٩٢٤.\n(١) \"ديوانه\" ص ٧٦ وفيه: (لولا) بدل (لو ما) في المرتين، وليس في رواية الديوان الشاهد، وورد في \"مجاز القرآن\" ١/ ٣٤٦، و\"تفسير الطبري\" ١٤/ ٦، والثعلبي ٢/ ١٤٥ ب، والطوسي ٦/ ٣١٩، والزمخشري (٢/ ٣١٠، وابن عطية ٨/ ٢٨٣، وابن الجوزي ٤/ ٣٨٣، و\"تفسير القرطبي\" ١/ ٤، \"اللسان\" (بعض) ١/ ٣١٣، وفي جميع النسخ (فوري) بدل (عوري) ولم يظهر لي المعنى به، ولعلها تصحفت، خاصة أنه في الديوان وجميع المصادر (عوري).\n(٢) (يريد لولا) ساقط من (أ)، (د).\n(٣) \"تنوير المقباس\" ص ٢٧٦ بمعناه، وورد غير منسوب بمعناه في \"تفسير الطبري\" ١٤/ ٧. \"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢١٥، و\"تفسير البغوي\" ٤/ ٣٦٩، والزمخشري ٢/ ٣١٠، وابن الجوزي ٤/ ٣٨٣.\n(٤) ورد في تفسيره \"الوسيط\" تحقيق: سيسي ٢/ ٣٤٤ بمعناه، \"تنوير المقباس\" ص ٢٧٦ بمعناه، وورد غير منسوب في \"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢١٥، و\"تفسير البغوي\" ٤/ ٣٦٩، والخازن ٣/ ٨٩.\n(٥) في جميع النسخ: (ما إن)، والتصويب من المصدر.\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٧٣ نصه.","vol":"12","page":545},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ﴾ قال ابن عباس: يريد إذا نزلت الملائكة لم يناظروا؛ أي: لم يمهلوا (١)، ونحوه قال الزجاج: أي: لو نزلت الملائكة لم ينظروا، وانقطعت التوبات (٢)، يريد أن التكليف يزول ويسقط عند عَيان الغيب.\nوقال صاحب النظم: أي: إذا نزل الملك وجب العذاب من غير تأخير ولا انتظار إذا لم يؤمنوا، وذلك أن تأويل (إذا) من كلمتين من (إذ) وهو اسم بمنزلة حين، ألا ترى أنك تقول: أتيتك إذ جئتني، ثم ضم إليها (أن) بضم إذ أن، إلا أنهم استثقلوا الهمزة فحذفوها، ومجيء (أن) دليل على إضمار فعل بعده على تأويل: وما كانوا إذ أن كان ما طلبوا (٣)، وذكرنا الكلام في (إذًا) عند قوله: ﴿فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ﴾ (٤) [النساء: ٥٣]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1924>٩ </span>- قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا﴾ قال ابن عباس: يريد نفسه ﵎.\nقال أهل اللغة: هذا من كلام الملوك؛ الواحد منهم إذا فعل شيئًا قال: نحن فعلنا، يريد نفسه وأتباعه، ثم صار هذا عادة للملوك في الخطاب، وإن انفرد بفعل الشيء قال: نحن فعلنا، فخوطبت العرب بما\n_________\n(١) ورد في تفسيره \"الوسيط\" تحقيق: سيسي ٢/ ٣٤٥ بنصه، \"تنوير المقباس\" ص ٢٧٦ بمعناه، وغير منسوب في \"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢١٥، والماوردي ٣/ ١٤٩، و\"تفسير البغوي\" ٤/ ٣٦٩، والزمخشري ٢/ ٣١١، وابن عطية ٨/ ٢٨٤، والفخر الرازي ١٩/ ١٥٩، و\"تفسير القرطبي\" ١٠/ ٤، والخازن ٣/ ٨٩.\n(٢) \"معاني القرآن واعرابه\" ٣/ ١٧٣ بنصه.\n(٣) \"تفسير الفخر الرازي\" ١٩/ ١٥٩، وصديق خان ٧/ ١٤٨.\n(٤) انظر: \"البسيط\"، [النساء: ٥٣] ومن آية [٤٢]، إلى أثناء آية [٥٣] ساقط من النسخ، والكلام عن (إذًا) من الجزء الساقط.","vol":"12","page":546},{"text":"تفعل من كلامها (١).\nوقوله تعالى: ﴿نَزَّلْنَا الذِّكْرَ﴾ يعني القرآن في قول عامة المفسرين (٢) ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ قال قتادة: أنزله الله وحفظه من أن يزيد الشيطان فيه باطلًا أو يسقط منه حقًا (٣).\nونحو هذا قال أبو إسحاق: أن يحفظ من أن يقع فيه زيادة أونقصان، كما قال ﷿: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ﴾ (٤) [فصلت: ٤٢]\nفإن قيل: لم اشتغلت الصحابة بجمع القرآن في الصحف، وقد وعد الله حفظه، وما حفظه الله (٥) فلا خوف عليه؟\nالجواب أن يقال: جَمْعُهم للقرآن كان من أسباب حفظ الله إياه، ولما أراد حفظه قيضهم لذلك، وقال ابن الأنباري: إنهم أرادوا تسهيل القرآن على الناس وتقريب مطلبه بالذي فعلوه، لكي يَسْهُلَ تناولُه على من أراد حفظه وقراءته إذا رأه مجموعًا في صحيفة، ولو لم يفعلوا ما كان يضيع إذ (٦) ضمِن الله حفظه.\n_________\n(١) \"تفسير ابن الجوزي\" ٤/ ٣٨٤.\n(٢) ورد بنصه في: \"تفسير الطبري\" ١٤/ ٧، و\"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢١٥، والماوردي ٣/ ١٤٩، و\"تفسير البغوي\" ٣/ ٤٤، وابن الجوزي ٤/ ٣٨٤.\n(٣) أخرجه عبد الرزاق ٢/ ٣٤٥ بنصه، والطبري ١٤/ ٨ بنصه، وورد بنصه تقريبًا في: \"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢١٥، والطوسي ٦/ ٣٢٠، والماوردي ٣/ ١٤٩، وانظر: و\"تفسير ابن الجوزي\" ٤/ ٣٨٤، و\"تفسير القرطبي\" ١٠/ ٥، و\"الدر المنثور\" ٤/ ١٧٥ وزاد نسبته إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٧٤ بنصه.\n(٥) (وما حفظه الله) ساقط من (أ)، (د) والمثبت من (ش)، (ع).\n(٦) في (أ)، (د): (إن)، والمثبت من (ش)، (ع) وهو الصحيح.","vol":"12","page":547},{"text":"قال أصحابنا: هذه الآية دلالة قوية على كون التسمية آية من كل سورة (١)؛ لأن الله تعالى قد وعد حفظ القرآن، وحقيقة حفظه أن يحفظه من الزيادة والنقصان على ما بَيَّنا، فمن لم يجعل التسمية من القرآن لم يجعل القرآن محفوظًا عن الزيادة، ولو جاز أن يُظنَّ بالصحابة أنهم زادوا التسمية جاز أن يظن بهم النقصان أيضًا، وهذا يؤدي إلى الإلحاد، وحكى الفراء جواز رجوع الكناية في (له) إلى محمد -ﷺ- المعنى: وإنا لمحمد حافظون (٢).\nقال ابن الأنباري: ولمّا ذَكر الإنزالَ والمُنزَلَ دلَّ ذلك على المُنزَلِ عليه، فكنّى عنه كما كنّى عن القرآن في قوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر: ١] من غير أن يتقدم ذكرُه لمثل هذه العلة، وقال: والقول الأول هو أوضح القولين، وأحسنها مشابهة لظاهر التنزيل، والله أعلم.\n_________\n(١) بين العلماء في مسألة البسملة اتفاق واختلاف، اتفقوا جميعًا على أنها جزء من آية سورة النمل، واختلفوا هل هي آية من الفاتحة ومن كل سورة أم لا؟ على ثلاثة أقوال؛ طرفان ووسط: فذهب الحنفية إلى أنها آية من القرآن أنزلت للفصل بين السور، وليست من الفاتحة، وذهب المالكية إلى أنها ليست آية لا من الفاتحة ولا من بداية السور، وذهب الشافعية إلى أنها آية من الفاتحة ومن كل سورة، وهو ما أشار إليه الواحدي ﵀، واختلفت الرواية عن أحمد؛ فرويت عنه الأقوال الثلاثة كما في \"المغني\" ٢/ ١٥١ - ١٥٢، وما ذكره الحنفية أرجح وتجتمع عنده الأدلة. انظر: تفصيل المسألة مع أدلة كل فريق في: \"تفسير الجصاص\" ١/ ٨، وابن العربي ١/ ٢، والفخر الرازي ١/ ١٩٤، و\"تفسير القرطبي\" ١/ ٩٣، والألوسي ١/ ٣٩، \"تفسير آيات الأحكام\" للصابوني ١/ ٤٧.\n(٢) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٨٥ بنصه، انظر: \"تفسير الطبري\" ١٤/ ٧، والسمرقندي ٢/ ٢١٥، و\"تفسير البغوي\" ٤/ ٣٧٠.","vol":"12","page":548},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1925>١٠ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ﴾ أي رسلًا، فحُذف لدلالة الإرسال عليه، ﴿فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ﴾ قال ابن عباس: يريد في الأمم الأولين (١)، ونحوه قال قتادة (٢) في تفسير الشيع، وقال الحسن والكلبي: فرق (٣)، واختاره الزجاج (٤)، قال الفراء: الشيع: التُبَّاع، واحدهم شيعة، وشيعة الرجل أتباعه، والشيعة الأمة التابعة بعضهم بعضًا فيما يجتمعون عليه من أمر (٥)، وذكرنا الكلام هذ الحرف عند قوله: ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا﴾ [الأنعام: ٦٥] قال الفراء: وقوله: ﴿شِيَعِ الْأَوَّلِينَ﴾ إضافة الشيء إلى نفسه كقوله: ﴿حَقُّ الْيَقِينِ﴾ (٦) [الواقعة: ٩٥].\n_________\n(١) \"أخرجه الطبري\" ١٤/ ٨ بلفظه، من طريق علي بن أبي طلحة أصح الطرق، وورد في \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٤٥ ب بنحوه، والطوسي ٦/ ٣٢٠ بنحوه، وأورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ١٧٥ وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم، وورد بلا نسبة في \"تفسير البغوي\" ٤/ ٣٧٠، والفخر الرازي ١٩/ ١٦٢.\n(٢) \"أخرجه الطبري\" ١٤/ ٨ بلفظه، وورد في الثعلبي ٢/ ١٤٥ب بلفظه، والطوسي ٦/ ٣٢٠ بنحوه، وورد غير منسوب في \"تفسير البغوي\" ٤/ ٣٧٠، الفخر الرازي ١٩/ ١٦٢.\n(٣) ورد منسوبًا إلى الحسن فقط في: \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٤٥ ب بلفظه، و\"تفسير القرطبي\" ١٠/ ٦، ونسب إلى الحسن والكلبي في: تفسيره \"الوسيط\" تحقيق: سيسي ٢/ ٣٤٥، والألوسي ١٤/ ١٧.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٧٤ بلفظه.\n(٥) لم أجده في معانيه، وورد بنحوه منسوبًا إلى الفراء: تفسيره \"الوسيط\" تحقيق: سيسي ٢/ ٣٤٥، \"تفسير ابن الجوزي\" ٤/ ٣٨٥، الفخر الرازي ١٩/ ١٦٢، الخازن ٣/ ٩٠، الشوكاني ٣/ ١٧٥، صديق خان ٧/ ١٥٠، \"تهذيب اللغة\" (شاع) ٢/ ١٨٠٧، و(شيع) في: \"المحكم\" ٢/ ١٥٤، و\"المصباح\" ١/ ٣٩٠.\n(٦) \"تفسير الفخر الرازي\" ١٩/ ١٦٢، و\"تفسير أي حيان\" ٥/ ٤٤٧، والثعلبي ٢/ ٢٠٨.","vol":"12","page":549},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1926>١١ </span>- قوله تعالى: ﴿وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ قال ابن عباس: يُعَزِّي نبيه -ﷺ- ويُصَبِّره (١)، يريد كما استَهزأ بك قومك بعد طول إكرامهم لك، قال أهل المعاني: وإنما حمل الأمم على الاستهزاء استبعاد ما دُعوا إليه، والاستيحاش منه والاستنكار له، حتى توهموا أنه مما لا يكون ولا يصح مع مخالفته لِما كان عليه الأسلاف (٢)؛ وذلك أنهم تعجلوا الراحة بإسقاط النظرِ عن أنفسهم، والتفكرِ فيما أورده الرسول من المعجزات ليدلهم على الحق، وفي هذه الآية دليل على أن كلَّ واحدٍ من الرسل كان مبتلى بطائفة من المشركين، وما خلصت لرسولٍ دعوةً من الاستهزاء والتكبر.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1927>١٢ </span>- قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ﴾، السَلْكُ إدخال الشيء في الشيء، كإدخال الخيط في المخيط، والرمح في المطعون (٣).\nوقال الليث: الله يَسْلُكُ الكفارَ في جهنم؛ أي يدخلهم فيها (٤)، ومن هذا قوله ﴿مَا سَلَكَكُمْ﴾ [المدثر: ٤٢] وكل شيء أدخلته في شيء فقد سَلَكْتَه فيه، قال عديّ:\n_________\n(١) ورد غير منسوب في: \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٤٥ ب بلفظه، و\"تفسير البغوي\" ٤/ ٣٧٠، وابن الجوزي ٤/ ٣٨٥، و\"تفسير القرطبي\" ١٠/ ٧.\n(٢) ورد في \"تفسير الطوسي\" ٦/ ٣٢١ بنصه تقريبًا.\n(٣) انظر: (سلك) في \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٧٣٨، و\"الصحاح\" ٤/ ١٥٩١، و\"اللسان\" ٤/ ٢٠٧٣.\nوانظر: \"تفسير الزمخشري\" ٢/ ٣١١، الرازي ١٩/ ١٦٢، القرطبي ١٠/ ٧، البيضاوي ١/ ٢٦٧، الخازن ٣/ ٩٠، \"الدر المصون\" ٧/ ١٤٨.\n(٤) ورد في \"تهذيب اللغة\" (سلك) ٢/ ١٧٣٩ بنصه.","vol":"12","page":550},{"text":"وكُنْتُ لِزَازَ خَصْمِكَ لَمْ أُعَرِّدْ ... وَقَدْ سَلَكوكَ في يَوْم عَصِيبِ (١)\nوذكر أبو عبيدة وأبو عبيد: سلَكْتُه وأسلكتُه بمعنى (٢)، وينشد بيت الهذلي:\nحتَّى إذا أسْلَكُوهُم في قُتاَئِدهِم ... شَلًاّ كما تَطْرُدُ الجَمَّالَةُ الشُّرُدَا (٣)\nبالوجهين، وقد حقق ابن عباس هذا التفسير فقال: يريد يسلكُ الشركَ في قلوب المكذبين، كما يسلك الخرزة في الخيط.\n_________\n(١) ورد في \"تفسير الطبري\" ١٤/ ٩، و\"الأغاني\" ٢/ ١٠٣، و\"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٤٦ أ، والطوسي ٦/ ٣٢١، وابن عطية ٧/ ٣٥٨، و\"تفسير القرطبي\" ١٠/ ٧ (عجز)، \"اللسان\" (سلك) ١٠/ ٤٤٢، وغير منسوب في \"الدر المصون\" ٧/ ١٤٨. (اللِّزاز) ما يتُرّس به الباب، (العَرْدُ) الشديد من كل شيء الصُّلْبُ المنتصب، وعرَّد الرجل تعريدا أي فرَّ، والمعنى: أي كنت إلى جانبك -يخاطب النعمان- أمنع عنك حتى في الأوقات العصيبة، ولم أحجم ولم أتراجع.\n(٢) \"مجاز القرآن\" ١/ ٣٤٧، بنحوه، وورد في \"تهذيب اللغة\" (سلك) ٢/ ١٧٣٩ بنصه عن أبي عبيد، وانظر: \"جمهرة اللغة\" ٢/ ٨٥٤.\n(٣) \"شرح أشعار الهذليين\" ٢/ ٦٧٥، \"مجاز القرآن\" ١/ ٣٧، \"جمهرة اللغة\" ٢/ ٨٥٤، \"الصحاح\" (سلك) ٤/ ١٥٩١، \"الاقتضاب\" ص ٤٠٢، \"أمالي ابن الشجري\" ٣/ ٣٠، \"الإنصاف\" ص ٣٦٩، \"تفسير القرطبي\" ١٢/ ١١٩، \"اللسان\" (قتد) ٦/ ٣٥٢٥، (سلك) ٤/ ٢٠٧٣، \"الخزانة\" ٧/ ٣٩، وورد منسوبًا إلى ابن أحمر في \"تهذيب اللغة\" (سلك) ٢/ ١٧٣٩، وورد غير منسوب في: \"تفسير الطبري\" ١٤/ ٩، \"جمهرة اللغة\" ١/ ٣٩١، ٤٩١، \"المخصص\" ١٦/ ١٠١، \"تفسير الطوسي\" ٦/ ٣٢٢، \" أمالي ابن الشجري\" ٢/ ١٢٢، \"تفسير ابن عطية\" ٨/ ٢٨٧، \"الدر المصون\" ٧/ ١٤٨، \"معجم البلدان\" ٤/ ٣١٠.\nوفي الديوان وجميع المصادر برواية (قُتائِدَةٍ) وهي: ثنية مشهورة، (شَلًاّ) معناه الطرد، (الجمَّالة) أصحاب الجمال، (الشُّرُدَا) جمع شارد، وهي الإبل النافرة، قال ابن السيد: إنه وصَف قومًا هُزمُوا حتى أُلجئوا إلى الدخول في قتائد؛ وهي ثنية ضيقة.","vol":"12","page":551},{"text":"وقال أبو إسحاق: أي كما فُعِلَ بالمجرمين الذين استهزأوا بمن تقدَّم مِنَ الرُّسُلِ، كذلك نَسلُكُ الضلالَ في قلوب المجرمين (١).\nواختلفوا في المُكنّى في قوله: ﴿نَسْلُكُهُ﴾؛ فذكر ابن عباس: الشرك (٢)، وهو قول الحسن (٣)، وذكر الزجاج: الضلال (٤). وقال الربيع: يعني [الاستهزاء (٥). وقال الفراء: يعني التكذيب بالعذاب (٦).\nقال صاحب النظم: الهاء كناية عن الاستهزاء] (٧) ودلَّ عليه الفعل؛ كقولهم: من كذب كان شرًا له، والفعل يدل على المصدر؛ كقوله: ﴿وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ [الزمر: ٧] أي: الشكر، فأضمره لدلالة الفعل عليه، وذكرنا مثل هذا كثيرًا، وأما ما ذكر المفسرون من الشرك والتكذيب والضلال فكلُّه داخل في الاستهزاء، وهو من معاني الاستهزاء.\nوقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ﴾ إيماء بهذا التشبيه إلى ما كان منهم من الكفر والاستهزاء، قال: وهذه أبين آية في ثبوت القدر لمن أذعن للحق ولم يعاند.\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٧٤ بنصه.\n(٢) \"تفسير ابن الجوزي\" ٤/ ٣٨٥، وصديق خان ٧/ ١٥١.\n(٣) أخرجه عبد الرزاق ٢/ ٣٤٥ بلفظه، والطبري ١٤/ ٩ بلفظه، و\"تفسير ابن الجوزي\" ٤/ ٣٨٥، و\"تفسير القرطبي\" ١٠/ ٧ وابن كثير ٢/ ٦٠٢، و\"الدر المنثور\" ٤/ ١٧٦ وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم، وصديق خان ٧/ ١٥١.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٧٤ بلفظه.\n(٥) لم أقف عليه منسوبًا له، ونُسب إلى قتادة في \"تفسير الماوردي\" ٣/ ١٥٠، وابن الجوزي ٤/ ٣٨٥، وورد غير منسوب في \"تفسير ابن عطية\" ٨/ ٢٨٧، الفخر الرازي ١٩/ ١٦٣، \"تفسير القرطبي\" ٧/ ١٠، \"الدر المصون\" ٧/ ١٤٧.\n(٦) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٨٥ بلفظه.\n(٧) ما بين المعقوفين من (ش)، (ع).","vol":"12","page":552},{"text":"وقال أصحابنا: أضاف الله تعالى إلى نفسه سَلْكَ الكفر في قلوب الكفار، وحَسُن ذلك منه، فمن آمن بالقرآن فليستحسنه (١)، وأراد بالمجرمين المشركين الذين كانوا يستهزئون بالنبيّ -ﷺ-.\n_________\n(١) يَرُدّ الواحدي -﵀- بقوله هذا على المعتزلة القائلين بالتحسين والتقبيح العقليين، وهي من المسائل المشهورة التي اشتد فيها النزاع بين المعتزلة والأشاعرة، وقد وقع الفريقان في طرفي النقيض وجانبا الصواب في المسألة، على النحو التالي: ذهب المعتزلة إلى أن العقل قد يُعلم به حُسنُ كثير من الأفعال وقُبحُها، ومقتضى ذلك أن يكون فاعل القبيح أو تارك الحسن آثم ومعاقب في الآخرة ولو لم يرد شرع بذلك، فيستحق العذاب لمجرد مخالفته للعقل. انظر: المحصول في \"علم أصول الفقه\" ١/ ١٦٠، \"مجموع الفتاوى\" ١١/ ٦٧٧، \"المواقف في علم الكلام\" ص ٣٢٣، ٣٢٦.\nوذهب الأشاعرة إلى النقيض؛ فقالوا: إن العقل لا يُعلم به حُسن الفعل ولا قبحه، وبالتالي فلا يثبت عندهم حسن ولا قبح قبل ورود الشرع، وعليه فالقبيح ما قيل: لا تفعل، والحسن ما قيل فيه: افعل، أو ما أذن في فعله.\n\"الملل والنحل\" للشهرستاني ١/ ١٠١، \"مجموع الفتاوى\" ١١/ ٦٧٧، \"المواقف في علم الكلام\" ص ٣٢٧.\nوقد بيَّن شيخ الإسلام ابن تيمية منشأ الغلط عند الفريقين، فقال: إن الطائفتين اتفقوا على أن الحسن والقبح باعتبار الملاعمة والمنافرة قد يعلم بالعقل، وهذا الذي اتفقوا عليه حق، لكن توهموا بعد هذا أن الحُسن والقبح الشرعيَّ خارج عن ذلك، وليس الأمر كذلك، بل هو في الحقيقة يعود إلى ذلك، لكنَّ الشارع عرَّف بالموجود، وأثبت المفقود، فتحسينه: إمَّا كشفٌ وبيان، وإمَّا إثبات لأمور في الأفعال والأعيان.\nانظر: \"درء تعارض العقل والنقل\" ٨/ ٢٢، \"مجموع الفتاوى\" ٨/ ٩٠.\nأما المذهب الحق في هذه المسألة فقد بينه كذلك شيخ الإسلام ابن تيمية، فقال: وعامة السلف وأكثر المسلمين على أن الظلم والشرك والكذب والفواخر ونحوها سيءٌ وقبيح قبل مجيء الرسول، لكن العقوبة لا تستحق إلا بمجيء الرسول، =","vol":"12","page":553},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1928>١٣ </span>- قوله تعالى: ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾ هذا عند الزجاج ابتداء كلام؛ كأن الله تعالى أخبر عن هؤلاء المشركين أنهم لا يؤمنون (١).\nوقال الجرجاني: قوله: ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾ رفع موضعه نصب علي تأويل أن لا يؤمنوا به، و(أن) الخفيفة تضمر، فإذا أضمرت لم تعمل؛ كقوله تعالى: ﴿تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ﴾ [الزمر: ٦٤] فعلى هذا قوله: ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾ تفسير للكناية في قوله: ﴿نَسْلُكُهُ﴾؛ كأنه قيل: نسلك في قلوب المجرمين ألاّ يؤمنوا به، فلما كفّ ذِكْرُ (أن) عاد الفعل إلى الرفع، وهذا معنى قول الفراء؛ لأنه قال: يجعل في قلوبهم ألاَّ يؤمنوا (٢)، والكناية في (به) تعود إلى الذكر؛ الذي هو القرآن في قول ابن عباس (٣)، وفي قول غيره يجوز أن تعود إلى الرسول (٤)، ونظير هاتين الآيتين في المعنى واللفظ قوله في الشعراء: ﴿كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (٢٠٠) لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ [الشعراء: ٢٠٠، ٢٠١].\n_________\n= وعليه يدل الكتاب والسنة؛ فإن فيهما بيان أن ما عليه الكفار هو شرٌ وقبيح، وسيءٌ قبل الرسل، وإن كانوا لا يستحقون العقوبة إلا بالرسول. انظر: \"مجموع الفتاوى\" ٨/ ٩٠، ١١/ ٦٧٧، \"أصول الدين\" للبغدادي ص ٢٠٥. وفي هذه الآية ينفي المعتزلة سلكَ اللهِ الكفرَ في قلوب الكافرين، بناءً على أصلهم هذا. انظر: كلام القاضي عبد الجبار على الآية في تفسيره \"متشابه القرآن\" ص ٢٤٥.\n(١) ليس في معانيه.\n(٢) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٨٥ بنصه.\n(٣) \"تنوير المقباس\" ص ٢٧٦ ونُسب إليه القولان؛ هذا والذي بعده، وورد غير منسوب في \"تفسير الماوردي\" ٣/ ١٥٠، و\"البغوي\" ٤/ ٣٧٠ وابن عطية ٨/ ٢٨٧، وابن الجوزي ٤/ ٣٨٥، والخازن ٣/ ٩٠، و\"الدر المنثور\"، والثعالبي ٢/ ٢٠٨.\n(٤) ورد في \"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢١٥، و\"تفسير البغوي\" ٤/ ٣٧٠، وابن الجوزي ٤/ ٣٨٥، والخازن ٣/ ٩٠، و\"الدر المصون\" ٧/ ١٤٧.","vol":"12","page":554},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ﴾، المفسرون على أن هذا تهديد لكفار مكة (١)؛ يقول: قد مضت سنة الله بإهلاك من كذَّبَ الرسولَ في القرون الماضية.\nوقال أبوإسحاق: أي: قد مضت سُنّةُ الأولين بمثل ما فعله هؤلاء، فهم يقتفون آثارهم في الكفر (٢)، وهذا أليق بظاهر اللفظ (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1929>١٤ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا﴾ يقال: ظل فلان نهاره يفعل كذا، إذا فعله بالنهار، ولا تقول العرب: ظل يظل، إلا لكل عمل بالنهار، كما لا يقولون: بات [يبيت، إلا بالليل، والمصدر] (٤) الظلول، فأما حذف إحدى اللامين فإنه جائز، وسنذكر اللغة فيه عند قوله: ﴿ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا﴾ [طه: ٩٧] إن شاء الله.\nوقوله تعالى: ﴿فِيهِ يَعْرُجُونَ﴾ يقال: عَرج يَعْرُج عُرُوجًا، ومنه المعارج وهي المصاعد التي يصعد فيها، وفي هذه الآية قولان للمفسرين؛ أحدهما: أن قوله: ﴿فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ﴾ من صفة المشركين.\nقال ابن عباس في رواية عطاء: فطفقوا فيه يصعدون، يريد ينظرون فيه إلى ملكوت الله وقدرته وسلطانه، وإلى عبادة الملائكة الذين هم من\n_________\n(١) ورد في \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٤٦ أ، بمعناه، و\"تفسير البغوي\" ٤/ ٣٧٠، والزمخشري ٢/ ٣١١، الفخر الرازي ١٩/ ١٦٥، والخازن ٣/ ٩٠.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٧٣ بنصه، و\"تفسير الفخر الرازي\" ١٩/ ١٦٥.\n(٣) والقولان متلازمان، فما ذكره الزجاج هو السبب، وماذهب إليه المفسرون هو العاقبة والمال.\n(٤) ما بين المعقوفين بياض في (أ)، (د)، وفي هامش نسخة (د) كتب [سقطت من النسخة القديمة]، والمثبت من (ش)، (ع).","vol":"12","page":555},{"text":"خشيته مشفقون (١)، وهذا أيضًا قول الحسن؛ قال: هذا العروج راجع إلى بني آدم، يعني فظل هؤلاء الكافرون فيه يعرجون (٢).\nوشرح أبو بكر هذا القول فقال: معناه لو وَصَّلنا هؤلاء المعاندين للحق إلى صعود السماء الذي يزول معه كل شبهة لم يستشعروا إلا الكفر، وجحدوا البراهين كما سائر المعجزات؛ من انشقاق القمرِ وما خُص به النبيّ -ﷺ- من القرآن المعجز الذي لا يستطيع الجن والإنس أن يأتوا بمثله.\nالقول الثاني: أن هذا العروج للملائكة؛ لأنه هو المعروف المشهور، يقول: لو كُشف لهؤلاء عن أبصارهم حتى يعاينوا أبوابًا في السماء مفتحة تصعد منها الملائكة وتنزل، لصَرَفوا ذلك عن وجهه إلى أنهم سُحروا ورأوا بأبصارهم ما لا يتحقق عندهم، وهذا قول ابن عباس (٣) وابن جريج وجماعة.\n_________\n(١) \"تفسير الفخر الرازي\" ١٩/ ١٦٧.\n(٢) ورد في \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٤٦ أبنحوه، وورد في \"تفسير الطوسي\" ٦/ ٣٢٣ بنحوه، \"تفسير البغوي\" ٤/ ٣٧٠، ٣٧١، \"تفسير القرطبي\" ١٠/ ٨، والخازن ٣/ ٩٠.\n(٣) أخرجه عبد الرزاق ٢/ ٣٤٦ مختصرًا عن ابن عباس من طريق قتادة، والطبري ١٤/ ١٠ بنحوه، عن ابن عباس من طريق العوفي (ضعيفة)، وعن الضحاك، وأخرجه مختصرًا عن ابن عباس من طريق قتادة.\nوورد مختصرًا في \"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ١٣ عن ابن عباس، \"تفسير الطوسي\" ٦/ ٣٢٣ عن ابن عباس وقتادة والضحاك، \"تفسير ابن الجوزي\" ٤/ ٣٨٦ عن ابن عباس والضحاك، \"تفسير القرطبي\" ١٠/ ٨ عن ابن عباس وقتادة، الخازن ٣/ ٩٠ عن ابن عباس والضحاك.\nوأورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ١٧٦ وزاد نسته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس.","vol":"12","page":556},{"text":"قال ابن جريج: فظلت الملائكة تعرج فيه وهم ينظرون إليهم (١).\nقال: وهذا راجع إلى قوله: ﴿لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾\nواختار الفراء هذا القول (٢)، وأبو إسحاق ذكر القولين جميعًا، فقال: اعلم أنهم إذا وردت عليهم الآية المعجزة قالوا: سِحْر، وقالوا: ﴿سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا﴾ كما قالوا حين انشق القمر: هذا سِحْرٌ مُستمر، قال: ويصلح أن يكون ﴿يَعْرُجُونَ﴾ للملائكة والناس، وقد جاء بهما التفسير، وقال في قوله: ﴿يَعْرُجُونَ﴾ أي يصعدون فيذهبون ويجيئون (٣)، وقال الفراء: فظلت الملائكة تصعد من ذلك الباب وتنزل (٤)، فقد زاد المجيء والنزول في تفسير العروج.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1930>١٥ </span>- قوله تعالى: ﴿لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا﴾ قرئ بالتشديد (٥) والتخفيف (٦) أي: أُغشيت وسُدّت بالسِّحرِ، فنتخايل بأبصارنا غير ما نرى، هذا قول أهل اللغة (٧)، قالوا: وأصله من السَّكْر؛ وهو سَدُّ البَثْق لئلا ينفجر\n_________\n(١) \"أخرجه الطبري\" ١٤/ ١٠ بنحوه عن ابن جريج عن ابن عباس، وأورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ٥/ ٦٨ وزاد نسبته إلى ابن المنذر عن ابن جريج عن ابن عباس، وورد غير منسوب في \"تفسير البغوي\" ٤/ ٣٧٠.\n(٢) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٨٦.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٧٤ مع تقديم وتأخير.\n(٤) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٨٦ بنصه.\n(٥) قرأ بها القُراء السبعة ماعدا ابن كثير. انظر: \"السبعة\" ص ٣٦٦، \"إعراب القراءات السبع\" وعللها ١/ ٣٤٣، \"علل القراءات\" ١/ ٢٩٥، \"الحجة للقراء\" ٥/ ٤٣، \"المبسوط في القراءات\" ص ٢٢٠.\n(٦) قرأ بها ابن كثير وحده. المصادر السابقة.\n(٧) انظر: \"تهذيب اللغة\" (سكر) ٢/ ١٧١٩ بنصه","vol":"12","page":557},{"text":"الماء (١)؛ فكأن هذه الأبصار مُنعت من النظر، كما يمنع السَّكْرُ الماءَ من الجري، والتشديد يوجب زيادة وتكثيرًا.\nوقال أبو عمرو بن العلاء: هو مأخوذٌ من سُكْرِ الشرابِ؛ يعني أن الأبصار حارت ووقع بها من فساد النظر مثل ما يقع بالرجل السكران من تغير العقل وفساد اللب (٢)، فإذا كان هذا معنى التخفيف، فسكران بالتشديد يراد به وقوع هذا الأمر مرة بعد مرة.\nوقال أبوعبيدة: ﴿سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا﴾: غُشيت سَمَادِيرُ (٣) فذهبت وخبا نظرها، وأنشد (٤):\nجاءَ الشِّتاءُ واجْثَألَّ القُبَّرُ ... وجَعَلَتْ عينُ الحَرُورِ تَسْكَرُ (٥)\n_________\n(١) انظر: (سكر) في \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٧١٩ بنصه ونسبه لليث، \"المحيط في اللغة\" ٦/ ١٨٤، \"اللسان\" ٤/ ٢٠٤٧، \"التاج\" ٦/ ٥٣٥.\n(٢) ورد في \"تفسير الطبري\" ١٤/ ١٢ مختصرًا، وورد بنحوه في \"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ١٤، \"تهذيب اللغة\" (سكر) ٢/ ١٧١٩، \"تفسير ابن الجوزي\" ٤/ ٣٨٦، الفخر الرازي ١٩/ ١٦٧، \"تفسير القرطبي\" ١٠/ ٩، \"اللسان\" (سكر) ٤/ ٣٧٤.\n(٣) السَّماديرُ: ضعفُ البصر وغشاوة العين، ويقال: هو الشيء الذي يتراءى للإنسان من ضعف بصره عند السُّكر من الشراب وغيره.\nانظر: باب الرباعي (سمدد) في \"تهذيب اللغة\"، ٢/ ١٧٥١، و\"المحيط في اللغة\" ٨/ ٤٢٩.\n(٤) للمثنى بن جندل الطُّهوي. عاش في العصر الأموي، وأخباره في \"سمط اللآلي\" ص ٦٤٤.\n(٥) ورد في \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٧٥، \"تهذيب اللغة\" (سكر) ٢/ ١٧١٩، \"اللسان\" (سكر) ٤/ ٢٠٤٨، (قبر) ٦/ ٣٥١٠، وورد في بعض المصادر على النحو التالي: =","vol":"12","page":558},{"text":"أي: يخبو حرها ويذهب (١).\nوعلى هذا القول أصله من السكون؛ يقال: سَكَرَتِ الرّيحُ، إذا سكنت، وسَكَرَ الحرُّ يسْكُرُ، وليلةٌ ساكِرَةٌ؛ لا ريحَ فيها (٢)، قال أوس:\nخُذِلتُ على لَيْلهٍ سَاهِرهْ ... فليسَتْ بطَلْقٍ ولا ساكِرهْ (٣)\n_________\n= جاء الشتاء واجْثألَّ القُنْبُرُ ... واستَخْفَتِ الأفْعَى وكانت تظهرُ\nوطعلتْ شمشٌ عليها مِغْفَر ... وجعلت عينُ الحرورِ تسكرُ\nوقد ورد بهذه الرواية في \"مجاز القرآن\" ١/ ٣٤٨، و\"تفسير الطوسي\" ١٤/ ١٣، والطبري ٧/ ٤٩٩ ولم يذكر الشطر الثالث، الماوردي ٣/ ١٥١، \"تفسير القرطبي\" ١٠/ ٨ أوردا البيت الثاني فقط. (اجثأل) اجتمع وتقبّض، (قبّر) قال الأزهري: يقال للقْبرة قُبُّرة وقُبَّرٌ؛ وهو طائر يشبه الحُمَّرة، وجمعها قنابر، (الحَرُوْرُ) حرُّ الشمس. انظر: \"تهذيب اللغة\" (قبر) ٣/ ٢٨٧١، (سكر) ٢/ ١٧١٩، \"المحيط في اللغة\" (حر) ٢/ ٣١١، (قبر) ٥/ ٤١١، \"متن اللغة\" ٤/ ٤٨١.\n(١) \"مجاز القرآن\" ١/ ٣٤٧ بنصه ما عدا الشعر.\n(٢) انظر: (سكر) في \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٧١٩ بنصه، \"اللسان\" ٤/ ٢٠٤٨، \"التاج\" ٦/ ٥٣٥.\n(٣) \"ديوان أوس\" ص ٣٤، وقد ورد بالرواية التالية:\nخُذِلْتُ على ليلةٍ ساهِرَهْ ... بصحراء شَرْجٍ إلى ناظِرَهْ\nتُزَادُ ليَاليَّ في طُولِهَا ... فلَيْسَتْ بِطَلْقٍ ولا ساكِرهْ\nورد في \"تهذيب اللغة\" (سكر) ٢/ ١٧١٩، \"تفسير الماوردي\" ٣/ ١٥١ بدايته \"فصرن\"، \"الاقتضاب\" ص ٤١٢، \"شرح الجواليقي\" ص ٢٣٩ ورد فيهما برواية الديوان، \"تفسير الفخر الرازي\" ١٩/ ١٦٧، \"تفسير القرطبي\" ١٠/ ٨ بدايته (فصرت)، \"اللسان\" (سكر) ٤/ ٢٠٤٨. يقول: خذلت على أن ليلتي ساهرة؛ أي ساهر صاحبها؛ كما تقول نهاره: صائم؛ أي يصوم فيه، والطلق: اليوم الطيب الذي لا حرّ فيه ولا برد، واستطال الليلة لما لقي فيها من الألم والشدة، وذلك أن أوس بن حجر انطلق مسافرًا حتى إذا كان بأرض بني أسد بين مكانين يقال لأحدهما شرج، وللآخر ناظره، جالت به ناقته فصرعته فانكسرت فخده.","vol":"12","page":559},{"text":"وهذا القول اختيار الزجاج؛ قال: يقال سَكَرَتْ عينُهُ تَسكر، إذا تَحَيَّرَتْ وسكنتْ عن النَّظر (١)، وعلى هذا معنى (سُكِّرَتْ أبصارُنا): سكنت عن النظر، ولا يتوجه على هذا القول قراءة من قرأ بالتخفيف.\nقال أبو علي الفارسي: معنى ﴿سُكِّرَتْ﴾ صارت بحيث لا ينفذ نورها ولا تُدرِك الأشياءَ على حقيقتها، وكأن معنى التسكير قطع الشيء عن سننه (٢) الجاري، فمن ذلك تسكير الماء؛ هو ردُّهُ عن سيبه (٣) في الجِرْيَة، والسُّكْرُ في الشراب هو: أن يَنْقطع عما كان عليه من المَضاء في حال الصحو، فلا ينفذ رأيُه على حدّ نفاذه في صحوه، وعَبَّروا عن هذا المعنى بقولهم: سَكْرَانُ لا يَبُتُّ (٤)، ووجه التثقيل أن الفعل مسند إلى جماعة، وهو مثل: ﴿مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ﴾ [ص: ٥٠]، ووجه التخفيف أن هذا النحو من الفعل المسند إلى الجماعة قد يُخَفّف، كقوله:\nما زِلتُ أُغْلِقُ أبوابًا وأفتحُها (٥)\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٧٥ بنحوه، ويبدو أنه نقل قول الزجاج من \"تهذيب اللغة\" لتطابقه، \"تهذيب اللغة\" \"سكر\" ٢/ ١٧١٩ بنصه، \"تفسير الفخر الرازي\" ١٩/ ١٦٧.\n(٢) في الحجة: (سببه) والصحيح سننه، ولعلها تصحيف من محقق الحجة.\n(٣) في جميع النسخ: (سننه)، والمثبت هو الصحيح وموافق لما في الحجة، والسِّيْبُ: مخرج الماء من الوادي، وجمعه سُيُوبٌ، وقد ساب الماء يسيب: إذا جَرَىْ. \"تهذيب اللغة\" (ساب) ٢/ ١٥٨٤، \"المحيط في اللغة\" (سيب) ٨/ ٣٩٧.\n(٤) معناه: لا يقطع أمرًا، وقيل: ما يُبَيِّن كلامًا. انظر: (بن) في: \"تهذيب اللغة\" ١/ ٢٦٩، \"المحيط في اللغة\" ٩/ ٤١٥.\n(٥) نُسب إلى الفرزدق في كل المصادر ما عدا الحجة وليس في ديوانه، ونسب -في \"الحجة\" ٣/ ٤٤١ - للراعي النميري، وهو في \"ديوانه\" ص ٣٣ برواية:\nما زال يفتح أبوابًا ويغلقها ... دوني وأفتح بابًا بعد ارتاجِ","vol":"12","page":560},{"text":"وهذا على أن ﴿سُكِّرَتْ﴾ بالتخفيف قد ثبت تعدِّيه بهذه القراءة (١)،\nويجوز أن يكون من قرأ بالتخفيف أراد التثقيل، فحذفه وهو يريده؛ كما جاء ذلك في المصادر وأسماء الفاعلين؛ نحو: عَمْرَكَ الله (٢)، و:\n........... دَلْوُ الدَّالِيَ (٣)\n_________\n= (بعد ارتاج): بعد إغلاق، يقال: أَرْتَجْتُ الباب إرتاجًا: أي أغلقته إغلاقًا، ويقال لغلق الباب: الرتاج، ويقال للرجل إذا امتنع عليه الكلام: أُرتج عليه. وعجزه:\nحتى أتيتُ أبا عمرو بنَ عمَّارِ\nورد في: \"الحجة للقراء\" ٥/ ٤٣، \"تفسير الطوسي\" ٦/ ٣٢٢، وورد في: \"الكتاب\" ٣/ ٥٠٦، ٤/ ٦٣، ٦٥، و\"أدب الكاتب\" ص ٤٦١، و\"سر صناعة الإعراب\" ٢/ ٤٥٦، ٥٢٨، و\"الاقتضاب\" ص ٤٠٩، و\"شرح الجواليقي\" ص ٢٣٣، و\"اللسان\" (غلق) ١٠/ ٢٩١، برواية:\nما زِلْتُ أفتحُ أبوابًا وأُغلقُها ... حتى أتيت أبا عمرِو بْنَ عَمّار\nقال أبو حاتم السجستاني: ويَقصد بأبي عمرو: أبا عمرو بن العلاء المازني النحوي، والمعنى: لم أزل أتصرف في العلم وأطويه وأنشره حتى لقيت أبا عمرو فسقط علمي عند علمه.\n(١) قال أبو علي: الفعل إذا بُني للمفعول فلا بُدّ من تنزيله معدّى، فيكون تعدّيه على قراءة ابن كثير مثل: شَتِرتْ عينُهُ، وشَترْتُها.\n\"الحجة\" ٥/ ٤٤ [الشَّتَرُ: انقلاب في جَفنِ العين الأسفل قلَّ ما يَكُونُ خِلْقَةً] \"المحيط في اللغة\" \"شتر\" ٧/ ٣٠٥، وقال المنتجب: بل هو من الأفعال التي سمُع معدى وغيرُ معدى؛ نحو: غاضَ الماء، وغاضَهُ اللهُ، وصَعِقَ زيدٌ، وصُعِقَ، وسعِدَ زيدٌ وسُعِدَ. \"الفريد في إعراب القرآن\" ٣/ ١٩١.\n(٢) الشاهد: تخفيفها؛ والأصل تشديدها، قال سيبويه: \"وكأنّه حيث قال: عَمْرَك الله، وقعِدك الله، قال: عَمّرتُك الله بمنزلة نَشدتُك الله، فصارت عَمْرَك الله منصوبةً بعمَّرتُك الله .. \" \"الكتاب\" ١/ ٣٢٢.\n(٣) قطعة من بيت من رجز للعجاج يصف ماءً، وتمامه: (يكشفُ عن جَمّاتِهِ دلْوُ الدَّالْ) =","vol":"12","page":561},{"text":"و﴿الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾ (١) [الحجر: ٢٢] هذا الذي ذكرنا قول أهل اللغة وأصحاب المعاني.\nفأمّا التفسير فقال ابن عباس في رواية عطاء: تحيرت أبصارنا، ورُوي عنه أيضًا: سُدت (٢)، وهو قول مجاهد (٣).\nوقال الحسن: سُحرت (٤)، وقال قتادة: أُخذت (٥).\n_________\n= ورد في ملحقات \"ديوانه\" ٢/ ٣٢١، و\"أدب الكاتب\" ص ٦١٢، \"الصحاح\" (دلو) ٦/ ٢٣٣٩، وورد غير منسوب في: \"المقتضب\" ٤/ ١٧٩، \"الحجة للقراء\" ٢/ ٢٥٤، \"إيضاح الشعر\" ص ٥٨٠. ٥٩٠، \"المخصص\" ٩/ ١٦٧ نسبه لأبي علي، وفي جميع المصادر: (الدَّالْ) بدل (الدَّالي) ولا فرق، (الدَّالْ): أي المُدْلِي؛ وهو المستقي، (جماته): جمع جمّة؛ وهي المكان الذي يجتمع فيه ماء البئر، والشاهد: أن الأصل (المُدْلي) فحذف الزيادة، قال ابن قتيبة: ولو قال العَجَّاجُ: (المدلي) لكان أشبهَ بما أراد، ولكنه أراد القافيةَ، وعلم أن الدالي والمُدلي يجوز أن يوصفَ بهما المستقي بالدلو. انظر: \"أدب الكاتب\" ص ٦١٢، \"الحجة للقراء\" ٢/ ٢٥٤.\n(١) \"الحجة للقراء\" ٥/ ٤٣ بتصرف يسير. والشاهد في: (لواقح) أن أصلها (ملاقح)؛ لأنها إذا أَلقَحَتْ كانت مُلقِحةً، وجمع المُلْقِحِ: ملاقح، ولواقح على حذف الزيادة. \"الحجة للقراء\" ٢/ ٢٥٤.\n(٢) ورد في \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٤٦ أ، بلفظه، وانظر: \"تفسير البغوي\" ٤/ ٣٧١، \"تفسير القرطبي\" ١٠/ ٨، الخازن ٣/ ٩٠.\n(٣) أخرجه الطبري ١٤/ ١٢ بلفظه، وورد بلفظه في: \"تهذيب اللغة\" (سكر) ٢/ ١٧١٩، \"تفسير الطوسي\" ٦/ ٣٢٣، وانظر: \"تفسير ابن الجوزي\" ٤/ ٣٨٦، ابن كثير ٢/ ٦٠٢، \"الدر المنثور\" ٤/ ١٧٦ وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(٤) ورد بلفظه في: \"الغريب\" لابن قتيبة ١/ ٢٣٨، و\"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ١٤، و\"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢١٦، والثعلبي ٢/ ١٤٦ أ، وانظر: \"تفسير البغوي\" ٤/ ٣٧١، و\"تفسير القرطبي\" ١٠/ ٨.\n(٥) \"أخرجه الطبري\" ١٤/ ١٢ بلفظه، وورد بلفظه في \"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢١٦، والثعلبي ٢/ ١٤٦ أ، والماوردي ٣/ ١٥١، و\"تفسير البغوي\" ٤/ ٣٧١، و\"تفسير =","vol":"12","page":562},{"text":"وقال الكلبي: أُغشيت وعُميت (١).\nوقوله تعالى: ﴿بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ﴾ أي: سَحرنا محمد -ﷺ-. قال الكلبي: يقولون سَحرنا فلا نبصر (٢)، ونظير هذه القصة قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا﴾ (٣) [الأنعام: ١١١] الآية، وقد مر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1931>١٦ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا﴾ الآية. قال الليث: البرج واحدٌ من بروج الفَلَك؛ وهي اثنا عشر برجًا؛ كل برج منها منزلان ونصف (٤) منزل للقمر، وهي ثلاثون درجة للشمس، إذا غاب منها ستة طلعت ستة، ولكل بُرج اسم على حدة؛ فأولها الحَمَلُ، وأولُ الحَملِ الشَّرَطان، وهما قَرْنا الحَمَل؛ كوكبان أبيضان، وخَلْفَ الشَّرَطَيْن البُطين،\n_________\n= القرطبي\" ١٠/ ٨، وقد روي هذا القول عن ابن عباس أيضًا في \"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ١٤، و\"الدر المنثور\" ٤/ ١٧٦ روي عن قتادة بلفظ سدّت وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم، والمؤكد أن قتادة رواه عن ابن عباس، ويؤيده أن عبد الرزاق ٢/ ٣٤٦، والطبري ١٤/ ١٢ أخرجاه بلفظه عن قتادة عن ابن عباس، وكذلك أورده ابن كثير ٢/ ٦٥٢.\n(١) \" أخرجه الطبري\" ١٤/ ١٣ بنحوه، وورد في \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٤٦ أ، بنحوه، والماوردي ٣/ ١٥١ بلفظه، و\"تفسير البغوي\" ١٤/ ٣٧١، و\"تفسير القرطبي\" ١٠/ ٨، وابن كثير ٢/ ٦٠٢.\n(٢) وورد غير منسوب في \"تفسير البغوي\" ٤/ ٣٧١.\n(٣) والآية كاملة هي: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾ والشاهد ظاهر.\nفالآية تؤكد عدم جدّية القوم في الإيمان بالرسول مهما أظهر لهم من المعجزات الحسية التي طالبوه بها.\n(٤) هكذا في جميع النسخ، وفي المصدر: (ثلث) وكذا في \"الممتع في شرح المقنع\" ص ٦٤.","vol":"12","page":563},{"text":"وهذه ثلاثة (١) كواكب، فهذان منزلان، والثريا من بُرج الحمل (٢)، وذكرنا الكلام في معنى البروج في اللغة واشتقاقها في قوله: ﴿وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء: ٧٨]، قال ابن عباس في هذه الآية: يريد بروج الشمس والقمر؛ يعني منازلهما (٣)، وقال الحسن ومجاهد وقتادة: هي النجوم (٤).\nقال أبو إسحاق: يريدون نجوم هذه البروج، وهي نجوم على صورة ما سميت به؛ نحو: الحَمَل والثَّور وغيرهما؛ فالبروج نجوم كما جاء في التفسير (٥)، وقال عطاء (٦): وقال بعضهم: قصورًا (٧)، فعلى هذا أريد\n_________\n(١) في جميع النسخ: (ثلاث)، وهو خطأ نحوي ظاهر، ولعله من النساخ.\n(٢) ورد في\" تهذيب اللغة\" (برج) ١/ ٣٠٠ بنصه، و\"تفسير الفخر الرازي\" ١٩/ ١٦٨ ورد مختصرًا، والخازن ٣/ ٩١، وصديق خان ٧/ ١٥٣.\n(٣) \"تفسير ابن الجوزي\" ٤/ ٣٨٧، و\"تفسير القرطبي\" ١٠/ ٩، والخان ٣/ ٩١.\n(٤) \"تفسير مجاهد\" ص ٣٤٠ بنحوه، \"أخرجه الطبري\" ٤/ ١٤ عن قتادة بلفظه، وفي\nرواية عن مجاهد وقتادة قال: الكواكب، وورد في \"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ١٥ بنحوه عن مجاهد، \"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢١٦ بلفظه، \"تفسير الماوردي\" ٣/ ١٥٢ بلفظه عن الحسن ومجاهد، \"تفسير ابن الجوزي\" ٢/ ٦٠٣ عن مجاهد وقتادة، \"تفسير القرطبي\" ١٠/ ٩ عن الحسن وقتادة، والخازن ٣/ ٩١ عنهم، وابن كثير ٢/ ٥٦٨ عن مجاهد وقتادة، \"الدر المنثور\" ٤/ ١٧٧ وزاد نسبته إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر عن مجاهد، وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم عن قتادة.\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٧٥ بنحوه.\n(٦) هكذا في جميع النسخ، ويبدو أنها تصحفت عن عطية؛ لأن هذه الرواية وردت عن عطية [وهو العوفي] في المصادر التالية.\n(٧) ورد بلفظه في \"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢١٦ بلا نسبة، والماوردي ٣/ ١٥٢ عن عطية. انظر: \"تفسير البغوي\" ٤/ ٣٧١ عن عطية، وابن الجوزي ٤/ ٣٨٧ عن ابن عباس وعطية، و\"تفسير القرطبي\" ١٠/ ١٠، والخازن ٣/ ٩١ عن عطية، وابن كثير ٢/ ٦٠٣ عن عطية، و\"الدر المنثور\" ٤/ ١٧٧ وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم عن عطية.","vol":"12","page":564},{"text":"بالبروج بيوت وقصور خلقها الله تعالى في السماء، وقيل في قوله: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾ [البروج: ١] هي قصور في السماء (١)، وأصل هذا كله من الظهور وقد ذكرناه (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَزَيَّنَّاهَا﴾ أي بالشمس والقمر والنجوم، ﴿لِلنَّاظِرِينَ﴾ أي للمعتبرين بها والمستدلين على توحيد صانعها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1932>١٧ </span>- قوله تعالى: ﴿وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ﴾ معنى الرجم في اللغة: الرمي بالحجارة، ثم قيل للقتل: رجم؛ لأنه يقصد به القتل، ثم قيل لكل قَتْلٍ رَجْم وإن لم يكن (٣) بالحجارة، ومنه قوله: ﴿أَنْ تَرْجُمُونِ﴾ [الدخان: ٢٠] أي تقتلون، والرجم: السب والشتم؛ لأنه رمي بالقول القبيح، ومنه قوله: ﴿وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ﴾ [الملك: ٥] أي مَرَامي (٤)، والرجم: القول بالظن ومنه قوله: ﴿رَجْمًا بِالْغَيْبِ﴾ [الكهف: ٢٢] لأنه يرمي الظن إليه، والرجم أيضًا اللعن والطرد والإبعاد والهجران (٥)، وفسر بكل ذلك الشيطان الرجيم؛ وذلك أن الرمي بالحجارة والقول القبيح يوجب هذه المعاني، فسميت رجمًا.\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣٠٧ بلفظه.\n(٢) انظر: \"البسيط\" [النساء: ٧٨].\n(٣) في (أ)، (د): (وإن يكن). والمثبت من (ش)، (ع) وهو الصحيح الذي يستقيم به الكلام.\n(٤) في جميع النسخ: (مرامًا) والمثبت هو الصحيح، كما في \"تهذيب اللغة\" (رجم) ١١/ ٦٩.\n(٥) انظر: (رجم) في \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٣٧٦، \"الصحاح\" ٥/ ١٩٢٨، \"اللسان\" ٣/ ١٦٠١، \"المفرادات\" ص ٣٤٥.","vol":"12","page":565},{"text":"وقال أبو عبيدة رجيم: مرجوم بالنجوم (١)، بيانه قوله: ﴿رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ﴾ [الملك: ٥] قال ابن عباس: كانت الشياطين لا تحجب عن السموات، فكانوا يأخذونها ويتحرون (٢) أخبارها فليقون على الكهنة، فلما ولد عيسى منعوا من (ثلاث سموات، فلما ولد رسول الله -ﷺ- منعوا من) (٣) السموات كلها، فما منهم أحد يريد استراق السمع إلا ورمي بشهاب (٤)، فذلك قوله:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1933>١٨ </span>- ﴿إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ﴾، (بيان هذا قوله: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ﴾ الآية [الجن: ٨]. قال أبو إسحاق: موضع (من) نصب، المعنى: لكن من استرق السمع) (٥)، قال: وجائز أن يكون في موضع خفض على معني إلا ممن (٦)، قال ابن عباس في قوله: ﴿إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ﴾ يريد\n_________\n(١) \"مجاز القرآن\" ١/ ٣٤٨ بلفظه.\n(٢) في (ش)، (ع): (ويتخبرون)، من الاستخبار، والمثبت من التحرِّي وكلاهما صحيح.\n(٣) ما بين القوسين ساقط من (أ)، (د).\n(٤) جزء من حديث طويل ورد في \"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢١٦، والثعلبي ٢/ ١٤٦ أ، \"تفسير البغوي\" ٤/ ٣٧٢ - ٣٧٣، والزمخشري ٢/ ٣١٢، والفخر الرازي ١٩/ ١٦٩، و\"تفسير القرطبي\" ١٠/ ١٠، والخازن ٣/ ٩١، وهذا القول غريب، وأغلب الظن أنه من طريق الكلبي -وهي أوهى الطرق إلى ابن عباس، ويؤكده نسبة الماوردي القول للكلبي ٣/ ١٥٢، وقد ورد حديث صحيح عن ابن عباس عن الحيلولة بين الشياطين وخبر السماء. انظر: \"صحيح مسلم\" (٤٤٩) كتاب:. الصلاة، باب: الجهر بالقراءة في الصبح والقراءة على الجنّ، وطرفه: (انطلق رسول الله -ﷺ- في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ، وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء وأرسلت عليهم الشهب ..).\n(٥) ما بين القوسين ساقط من (أ)، (د).\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٧٦ بنصه.","vol":"12","page":566},{"text":"الخطفة (١) اليسيرة، وذلك أن المارد من الشيطان يعلو فيُرمَى بالشهاب؛ فتُصيب جبهته أو جبينه أو حيث شاء الله منه فيحرقه ولا يقتله، ومنهم من يُخَبِّله فيصير غُولًا يُضل الناسَ في البراري (٢).\nوقوله تعالى: ﴿فَأَتْبَعَهُ﴾ ذكرنا معناه عند قوله: ﴿فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ﴾ [الأعراف: ١٧٥] ومعناه لحقه، والشهاب شعلة نار ساطع، ثم يُسمى الكوكبُ شهابًا والسنانُ شهابا؛ لبريقهما يُشبّهان بالنار، قال ابن عباس في قوله: ﴿شِهَابٌ مُبِينٌ﴾ يريد نارًا تَبِيْن لأهل الأرض، قال المفسرون: إن الشهاب لا يخطئه أبدًا وأنهم ليُرْمَون، فإذا توارى عنكم فقد أدركه (٣).\nوقال أبو إسحاق: هذا من آيات النبيّ -ﷺ- ومما حدث بعد مولده؛ لأن الشعراء قبله لم يذكروا هذا في أشعارهم، ولم يشبهوا الشيء السريع به (٤) كما شبهوا بالبرق وبالسيل، ولم يوجد في أشعارهم بيت واحد فيه (٥) ذكر الكواكب المُنْقضَّة (٦)، وقال أصحاب المعاني: إن الله تعالى سمَّى ما تُرجم به الشياطين شهابًا، وهو في اللغة النار الساطعة (٧) ونحن في رأي\n_________\n(١) في (أ)، (د): (الحفظة)، والمثبت من (ش)، (ع) وهو الصحيح.\n(٢) أخرجه الطبري ١٥/ ١٤ مختصرًا، من طريق الضحاك عن ابن عباس منقطعة، وورد في تفسير الماوردي ٣/ ١٥٣ مختصرًا، و\"تفسير ابن عطية\" ٨/ ٢٩٢، و\"تفسير القرطبي\" ١٠/ ١١، والخازن ٣/ ٩١.\n(٣) ورد في تفسير الثعلبي ٢/ ١٤٦ أبنحوه.\n(٤) (به) ساقط من (أ)، (د) ويقتضيها السياق.\n(٥) في جميع النسخ: (فيها) والصواب ما أثبته؛ لأن الضمير يعود إلى البيت وهو مذكر.\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٧٦ بنحوه.\n(٧) انظر: (شهب) في: \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٩٤٢، \"المحيط في اللغة\" ٣/ ٣٩٥، \"الصحاح\" ١/ ١٥٩.","vol":"12","page":567},{"text":"العين نرى كأنهم يرمون بالنجوم، فيجوز أن ذلك كما نرى ثم يصير نارًا إذا أدرك الشيطان، ويجوز أنهم يُرمَون بشعلة نار من الهواء، ولكن لبعده عنا يخيل إلينا أنه نجم، والله أعلم بحقيقة ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1934>١٩ </span>- قوله تعالى: ﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا﴾ قال ابن عباس وغيره: بسطناها على وجه الماء (١)، ﴿وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ﴾ وهي الجبال الثوابت لئلا تميد بأهلها؛ كما قال: ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [النحل: ١٥]، ﴿وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾ اختلفوا في معنى موزون هاهنا، فذهب الأكثرون إلى أن معناه: المحصل المعلوم المقدور، ذلك (٢) أن الوزن إنما يستعمل لبيان المقدار والإشراف على حقيقته، فوُصفَ المعلومُ بالموزون وإن لم يكن هناك وزن؛ لأن أوكد ما يتحصل به معرفة المقادير الوزنُ، قال ابن الأنباري: وأنشد:\nوقد كُنْتُ قبْلَ لقائِكُم ذا مِرَّةٍ (٣) ... عِنْدِي لكلّ مُخَاصِمٍ مِيزَانُه (٤)\nيعني: قدر ما يستحق أن يجاب به من الكلام.\nوهذا معنى قول ابن عباس (٥) وعكرمة وسعيد بن جبير والحكم\n_________\n(١) \"تفسير الفخر الرازي\" ١٩/ ١٧٠، و\"تفسير القرطبي\" ١٠/ ١٢، وورد غير منسوب في \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٤٦ ب، وابن الجوزي ٤/ ٣٩٠، والخازن ٣/ ٩٢.\n(٢) في (ش)، (ع) زيادة (واو) قبل ذلك.\n(٣) ساقط من (د)، والمرَّة: الشدّة. \"المحيط في اللغة\" (مر) ١٠/ ٢٢٥.\n(٤) ورد بلا نسبة في \"تفسير الماوردي\" ٣/ ١٥٤، \"تفسير القرطبي\" ١٥/ ١٣، \"اللسان\" (وزن) ٨/ ٤٨٢٩، \"تفسير الشوكاني\" ٣/ ١٨٠.\n(٥) \"أخرجه الطبري\" ١٤/ ١٥ من طريق ابن أبي طلحة، صحيحة، ومن طريق العوفي، ضعيفة، وورد في \"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ١٧، \"تفسير الماوردي\" ٣/ ١٥٣، الطوسي ٦/ ٣٢٦، \"تفسير ابن الجوزي\" ٤/ ٣٩١، \"تفسير القرطبي\" ١٠/ ١٣، =","vol":"12","page":568},{"text":"ومجاهد؛ قال عكرمة: ﴿مَوْزُونٍ﴾: بقدر (١).\nووقال سعيد: معلوم (٢)، وقال الحكم: مقدر (٣).\nوقال مجاهد: مقدور بقدر (٤).\nوهذا القول اختيار أبي عبيدة (٥) والزجاج وأبي بكر، قال الزجاج: أي من كل شيء مقدور جرى على وزْنٍ مِنْ قَدَرِ الله لا يجاوز ما قدَّره الله عليه (٦)، ويشهد لهذا التأويل قوله: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ [الرعد: ٨] وهذا عام في كل ما خلقه الله تعالى على وجه الأرض ما ليس من جنس الأرض بما يكون في المعادن، وذلك للفظ (٧) الإنبات؛ لأنه إنما يستعمل فيما ينبت من الأرض، ويستعمل في الحيوانات أيضًا، قال الله تعالى:\n_________\n= الخازن ٣/ ٩٢، ابن كثير ٢/ ٦٠٣، \"الدر المنثور\" ٤/ ١٧٧ وزاد نسبته إلى ابن المنذر.\n(١) \"أخرجه الطبري\" ٧/ ٥٠١، بلفظه، وورد في \"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ١٧، \"تفسير ابن الجوزي\" ٤/ ٣٩١، الخازن ٣/ ٩٢، ابن كثير ٢/ ٦٠٣، \"الدر المنثور\" ٢/ ٦٠٣، وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(٢) \"أخرجه الطبري\" ١٤/ ١٦، بلفظه، وورد بلفظه في \"تفسير الماوردي\" ٣/ ١٥٣، والطوسي ٦/ ٣٢٦، \"تفسير ابن الجوزي\" ٤/ ٣٩١، \"تفسير القرطبي\" ١٠/ ١٣، الخازن ٣/ ٩٢، وابن كثير ٢/ ٦٠٣.\n(٣) \"أخرجه الطبري\" ١٤/ ١٦ بلفظه، وانظر: تفسيرابن كثير ٢/ ٦٠٣.\n(٤) \"تفسير مجا هد\" ص ٣٤٠ بنحوه، و\"أخرجه الطبري\" ١٤/ ١٦ بلفظه، وورد بنحوه في \"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ١٧، و\"تفسير الطوسي\" ٦/ ٣٢٦، و\"تفسير ابن الجوزي\" ٤/ ٣٩١، و\"تفسير القرطبي\" ١٠/ ١٣، والخازن ٣/ ٩٢، وابن كثير ٢/ ٦٠٣.\n(٥) \"مجاز القرآن\" ١/ ٣٤٨ قال: بقدر.\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٧٦ بنصه.\n(٧) في جميع النسخ: (اللفظ)، وبالمثبت يستقيم الكلام.","vol":"12","page":569},{"text":"﴿وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا﴾ [آل عمران: ٣٧] ويقال الرجل يُنَبِّتُ الجارية، أي يَغْذُوها ويُحسنُ القيامَ عليها، حكاه الليث (١)، فأما الجواهر فقد دخلت تحت قوله: ﴿وَالْأَرْضَ﴾ ولا تدخل في الإنبات.\nوذهب آخرون في قوله: ﴿مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾ إلى حقيقة الوزن، وقال عطاء: يريد الثمار مما يكال أو يوزن (٢).\nوقال الكلبي: ﴿وَأَنْبَتْنَا فِيهَا﴾: في الجبال، ﴿مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾ من الذهب والفضة والنحاس والحديد والرصاص والكحل والزرنيخ، وكل شيء يوزن وزنًا (٣)، وهذا قول ابن زيد والحسن واختيار الفراء.\nقال ابن زيد: هي الأشياء التي توزن (٤)، وقال الحسن: الزعفران وما أشبهه (٥).\nوقال الفراء: ﴿مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾، يقول من الذهب والفضة والرَّصاص والنحاس، فذلك الموزون (٦)، فذهب بعض هؤلاء الذين ذكرنا\n_________\n(١) ورد في \"تهذيب اللغة\" (نبت) ٤/ ٣٤٩١ بنصه.\n(٢) لم أقف عليه\n(٣) \"تفسير هود الهواري\" ٢/ ٣٤٥، \"تفسير ابن الجوزي\" ٤/ ٣٩١، وورد غير منسوب في \"تفسير الطبري\" ١٤/ ١٧، \"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ١٧، \"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢١٧، الثعلبي ٢/ ١٤٦ ب.\n(٤) \" أخرجه الطبري\" ١٧/ ١٤ بنصه، وورد بنصه في \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٤٦ ب، والماوردي ٣/ ١٥٤، والطوسي ٦/ ٣٢٦، انظر: \"تفسير البغوي\" ٤/ ٣٧٤، وابن عطية ٧/ ٢٩٣، وابن الجوزي ٤/ ٣٩١، و\"تفسير القرطبي\" ١٠/ ١٣، والخازن ٣/ ٩٢، وابن كثير ٢/ ٦٠٣، و\"الدر المنثور\" ٤/ ١٧٧، وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم.\n(٥) لم أقف على هذا القول، والمنسوب إليه هو قول الكلبي السابق، \"تفسير ابن الجوزي\" ٤/ ٣٩١، \"تفسير القرطبي\" ١٠/ ١٣، الخازن ٣/ ٩٢.\n(٦) \"معانى القرآن\" للفراء ٢/ ٨٦ بنصه.","vol":"12","page":570},{"text":"إلى ما يتحقق الإنبات فيه، وهو الحسن وعطاء، وعَمَّمَ ابنُ زيد: كل ما يوزن، فدخل فيه ما يتحقق الإنبات فيه كالحبوب والثمار وما لا يتحقق كالذهب والفضة، إلا أنه لا يجوز إطلاق الإنبات عليها [إلا] (١) إذا اجتمعت؛ لأن بعضها يتحقق الإنبات فيه، فاستعمل في غيره إذا اجتمع معه لاشتراكهما في الوزن، والجمع بينهما في اللفظ، والكلبي والفراء خصا جواهر المعادن، ولا يليق لفظ الإنبات بها ولا يحسن، قال أبو بكر: والقول الأول أثبت؛ لأنه يحمل الآية فيه على العموم، والقول الثاني يوجب اختصاصًا لم يأت به برهان، على أنه على بُعْدِه غير خارج عن الصواب، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1935>٢٠ </span>- قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ﴾ قال ابن عباس: يريد من الثمار والحبوب (٢)، وذكرنا الكلام في المعايش في سورة الأعراف (٣).\nوقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء: يريد مما مَلَّكْتُكم وما أنتم له برازقين، إنما رِزْقهم عليّ وأنا خالقهم، وهذا قول مجاهد واختيار الزجاج وأبي بكر، روى ابن جريج عن مجاهد في قوله: ﴿وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ﴾ قال: الدواب والأنعام (٤).\n_________\n(١) زيادة يقتضيها السياق ليستقيم الكلام، ولعلها سقطت.\n(٢) \"تنوير المقباس\" ص ٢٧٧ بنحوه.\n(٣) آية: [١٠].\n(٤) \"تفسير مجاهد\" ص ٣٤٠ بنصه عن ابن أبي نجيح، وأخرجه الطبري ١٤/ ١٧ بنصه من طريق ابن جريج وابن أبي نجيح، وورد في \"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ١٨، \"تفسير الماوردي\" ٣/ ١٥٤، \"تفسير ابن الجوزي\" ٤/ ٣٩١، \"تفسير القرطبي\" ١٠/ ١٣، أبي حيان ٥/ ٤٥٠، ابن كثير ٢/ ٦٠٣، \"الدر المنثور\" ٤/ ١٧٨ وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"12","page":571},{"text":"وقال الزجاج: الأجود والله أعلم أن يكون (من) هاهنا أعني في قوله: ﴿وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ﴾ يراد بها العبيد والدواب والأنعام، أي: وكُفِيتُمْ مؤنة أرزاقها (١).\nوقال أبو بكر: تقديره وجعلنا لكم فيها معايش وعبيدًا وإماءً يرزقهم ولا ترزقونهم.\nقال أبو إسحاق: وموضع (مَنْ) نصبٌ من جهتين؛ أحديهما: العطف على ﴿مَعَايِشَ﴾: وجعلنا لكم من لستم له برازقين، وجائز أن يكون عطفًا على تأويل (لكم)؛ لأن معنى قوله: ﴿وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ﴾: أعشناكم، المعنى: أعشناكم ومن لستم له برازقين (٢)، أي رزقناكم ومن لستم له برازقين. (وعلى هذا الوجه يجوز أن يدخل الطير والوحش في قوله: ﴿وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ﴾ (٣) لأن الله تعالى أعاشهم كما أعاشنا، وهو قول الكلبي في قوله: ﴿وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ﴾ قال: يعني الوحش والطير (٤)، ونحوه قال منصور، ولا يجوز أن يفرد الوحش والطير والدواب عن الإماء والعبيد في هذه الآية؛ لأن (من) لا يكاد يكون لغير ما يعقل، فإذا جمع مع من يعقل، غلب من يعقل بفضيلة العقل، فجاز إيقاع (من) عليهم، وهذا هو الاختيار\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٧٧ بنصه.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٧٧ بنصه.\n(٣) ما بين القوسين ساقط من (أ)، (د).\n(٤) أخرجه الطبري ١٤/ ١٧، وورد في \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٤٧ أ، الماوردي ٣/ ١٥٤، \"تفسير ابن الجوزي\" ٤/ ٣٩١، \"تفسير القرطبي\" ١٠/ ١٤، \"الدر المنثور\" ٤/ ١٧٨، وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم، وفي كل هذه المصادر ورد منسوبًا إلى منصور، وفسرها بالوحش فقط، ولم أقف عليه منسوبًا إلى الكلبي إلا في \"تفسر الفخر الرازي\" ١٩/ ١٧٢، والظاهر أنه نقله عن الواحدي.","vol":"12","page":572},{"text":"عند جميع النحويين (١).\nووجه قول الكلبي، حيث أفرد الوحش والطير والدواب والأنعام: أن (من) لمّا (٢) وصفت بالمعاش الذي الغالب عليه أن يُوصفَ الناس به، فيقال: الآدمي يتعيش، ولا يقال: الفرس يتعيش، جرت الهَوَامُ والوَحشُ -لمَّا وُصفت بوصف الناس- مجرى الناس في التسمية، ألا ترى أن علامة جمعها جعلت كعلامة جمع الناس في قوله: ﴿ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ﴾ [النمل: ١٨] و﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: ٤٠]، و﴿رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ [يوسف: ٤] وكان وقوع (من) على غير الناس في هذا الموضع كتصيير الواو و(٣) الياء لجمع (٤) غير الناس حين وصفه بأوصاف الناس. هذا كلام أبي بكر، ومعنى قول أبي إسحاق (٥)، وذكر الفراء أن (من) يجوز أن تكون في محل خفض على تقدير: وجعلنا لكم فيها معايش ولمن، ثم قال: وقلما تَردُّ العربُ حرفًا مخفوضًا على مخفوض قد كُنِّيَ عنه (٦)، وهو جائز على قراءة من قرأ:\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٧٧، \"الفريد في إعراب القرآن\" ٣/ ١٩٢، \"تفسير أبي حيان\" ٥/ ٤٥٠، وهذا القول اختاره الطبري وصوَّبه.\nانظر: \"الطبري\" ١٤/ ١٨.\n(٢) في (ش)، (ع): (لها).\n(٣) (الواو) زيادة يقضيها السياق.\n(٤) في (أ)، (د): (الجميع)، والمثبت من (ش)، (ع) وهو المناسب للسياق.\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٧٧.\n(٦) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٨٦، بنصه تقريبًا، وهذه مسألة خلافية بين النحويين؛ فأجازها الكوفيون ومنحها البصريون، ولكلٍ حجته في ما ذهب إليه، والصحيح جواز ذلك؛ لورود القراءة الصحيحة بذلك، والقراءة حجة يجب أن تُخضعَ لها قواعد النحو، ويحُكم بها عليها. انظر: المسألة بالتفصيل في \"الإنصاف في مسائل الخلاف\" مسألة رقم [٦٥] ٢/ ٤٦٣.","vol":"12","page":573},{"text":"﴿تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ [النساء: ١]، خفضًا (١)، وقد ذكرنا ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1936>٢١ </span>- قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ﴾، الخزائن جمع الخزانة، وهي اسم المكان الذي يُخزن (٢) فيه الشيء أي يحفظ، والخزانة أيضًا عمل الخازن (٣)، ويقال خَزَنَ الشيءَ يَخْزِنه إذا أحرزه في خِزَانةٍ (٤)، وعامة المفسرين على أن المراد بقوله: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ﴾ أي من المطر (٥)؛ وذلك أنه سبب الرزق ومعايش بني آدم وغيرهم من الطيور والوحوش، فلما ذكر أنه يعطيهم المعاش بيَّن أن خزائن المطر الذي هو سبب المعاش عنده، أي: في أمره وحكمه وتدبيره.\n_________\n(١) وهو حمزة وحده، وقرأ الباقون بالنصب؛ والأرْحَامَ، انظر: \"السبعة\" ص ٢٢٦، \"الحجة في القراءات\" ص ١١٨، \"علل القراءات\" ١/ ١٣٧.\n(٢) في (أ)، (د): (يحرز)، والمثبت من (ش)، (ع) وهو المتفق مع لفظ الآية، وموافق للمصدر.\n(٣) ورد في \"تهذيب اللغة\" (خزن) ١/ ١٠٢٧ بنصه تقريبًا، وانظر: (خزن) في \"المحيط في اللغة\" ٤/ ٢٧٧، \"القاموس\" ص ١١٩٣.\n(٤) المصدر السابق بنصه، وهو قول الليث.\n(٥) ورد في: \"تفسير الطبري\" ١٤/ ١٨، و\"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢١٧، والثعلبي ٢/ ١٤٧ أ، والماوردي ٣/ ١٥٥، و\"تفسير ابن عطية\" ٨/ ٢٩٥، وابن الجوزي ٤/ ٣٩٢، والفخر الرازي ١٩/ ١٧٤، و\"تفسير القرطبي\" ١٠/ ١٤، والخازن ٣/ ٩٣، وهذا التخصيص بالمطر فيه تحكم في اللفظ العام دون دليل قوي، وقد اعترض عليه جماعة من المفسرين المحققين، منهم: ابن عطية والفخر الرازي والشوكاني وصديق خان، يقول الشوكاني: (إنْ) هي النافية و(مِنْ) مزيدة للتأكيد، وهذا التركيب عام؛ لوقوع النكرة في حيز النفي مع زيادة من، ومع لفظ شيء المتناول لكل الموجودات الصادق على كل فرد منها، فأفاد ذلك أن جميع الأشياء عند الله خزائنها لا يخرج منها شيء \"تفسير الشوكاني\" ٣/ ١٨٢.","vol":"12","page":574},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾، قال ابن عباس: يريد ما يكفي خلقي، وقال الحكم: ما من عام بأكثرَ مطرٍ من عام، ولكنه يُمْطَرُ قومٌ ويُحْرَمُ آخرون، وربما كان البحر (١)؛ يعني أن الله تعالى ينزل المطر كل عام قدر معلوم لا ينقصه ولا يزيده، غير أنه يصرفه إلى من شاء حيث شاء كما شاء، وقال أهل المعاني في هذه الآية: خزائن الله جل وعز مَقْدُوراته (٢)؛ لأنه يُقِّدر أن يوجد ما يشاء من جميع أجناس المعاني، وهذا معنى قول ابن عباس في هذه الآية: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ﴾ قال: يريد أَمْلِكُ خزائنه، وأقول كن فيكون (٣)، يعني أنه تعالى ذِكْرُه لما قَدَرَ على إنشاء ما يريد كما يريد، صارت الأشياءُ كأنها عنده في خزائنها مُعَدَّةٌ، وعلى هذا معنى قوله: ﴿وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ أي ما ننشئه وما نحدثه، والإنزال يكون بمعنى الإنشاء والإحداث كقوله: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ [الزمر: ٦]، وقوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ﴾ [الحديد: ٢٥] وقد مر (٤)،\n_________\n(١) \"أخرجه الطبري\" ١٤/ ١٩ بنصه، وورد في \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٤٧ أبنصه، \"تفسير الفخر الرازي\" ١٩/ ١٧٤، \"تفسير القرطبي\" ١٠/ ١٤، ابن كثير ٢/ ٦٠٣، \"الدر المنثور\" ٤/ ١٧٨ وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبي الشيخ في العظمة، وقد أخرجه أبو الشيخ في العظمة ص ٣٢٤، لكن عن الحسن لا عن الحكم كما قال السيوطي.\n(٢) انظر: \"غرائب التفسير\" ١/ ٥٨٩، \"تفسير ابن الجوزي\" ٤/ ٣٩٢، الفخر الرازي ١٩/ ١٧٤، \"تفسير القرطبي\" ١٠/ ١٤، الخازن ٣/ ٩٣.\n(٣) في \"تنوير المقباس\" ص ٢٧٧ قال: بيدنا مفاتيحه لا بأيديكم، وعنه في الدر المنثور قال: ما نقص المطر منذ أنزله الله، ولكن تمطر أرض أكثر مما تمطر الأخرى. \"الدر المنثور\" ٤/ ١٧٨، وعزاه إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(٤) لعل الأولى أن يقول وسيأتي.","vol":"12","page":575},{"text":"والمعنى أنّا ما نخلقه إلا بقدر معلوم لنا، ولو شئنا أن نخلق أضعاف ذلك قدرنا عليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1937>٢٢ </span>- قوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾، قال ابن عباس: يريد للشجر وللسحاب (١)، وهو قول الحسن وإبراهيم وقتادة والضحاك، وأصل هذا من قولهم: لَقِحَتْ الناقةُ، وأَلْقَحَها الفحلُ إذا ألقى إليها الماءَ فحملته (٢)، فكذلك الرياح هي كالفحل للسحاب، ألا ترى إلى ما قال ابن مسعود في هذه الآية؛ قال: يبعث الله الرياح لتُلقحَ السحابَ فتحمل الماءَ\n_________\n(١) \"أخرجه الطبري\" ١٤/ ٢٢ بنصه عن ابن عباس والحسن، وعن الباقين قال: للسحاب، ورواية ابن عباس من طريق الحجاج عن ابن جريج، صحيحة.\nوأخرجه أبو الشيخ في \"العظمة\" ص ٣٥١ - ٣٥٢ عن الحسن بنصه، وعن إبراهيم بنحوه.\nوورد في \"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ١٩ بنصه عن ابن عباس والحسن، \"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢١٧ عن ابن عباس قال: للأشجار، وعن قتادة قال: للسحاب، والماوردي ٣/ ١٥٥ عن ابن عباس: للشجر، وعن الحسن وقتادة: للسحاب، والطوسي ٦/ ٣٢٩ عن قتادة وإبراهيم والضحاك قالوا: للسحاب، \"تفسير ابن الجوزي\" ٤/ ٣٩٤، عن الحسن وإبراهيم، الفخر الرازي ١٩/ ١٧٥ عنهم ما عدا إبراهيم، الخازن ٣/ ٩٣ عن ابن عباس والحسن وقتادة، وابن كثير ٢/ ٦٠٤ عنهم ما عدا الحسن.\nوأورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ١٧٩ وزاد نسبته إلى أبي عبيد وابن المنذر عن ابن عباس، وزاد نسبته إلى أبي عيد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن، وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم عن الضحاك، وعن قتادة، وعن إبراهيم.\n(٢) انظر: (لقح) في: \"جمهرة اللغة\" ١/ ٥٥٩، \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٢٨٣، \"المحيط في اللغة\" ٢/ ٣٥٢. وورد في الطوسي ٦/ ٣٢٨ بنصه.","vol":"12","page":576},{"text":"وتَمُجُّه في السحاب ثم تَمْريه (١) فيدُرُّ كما تَدُرُّ اللِّقحةُ (٢).\nوقال عبيد بن عمير: يرسل الله المبُشَّرة فَتَقُمّ الأرضَ قَمُّا، ثم يرسل المُثيرة فتثير السحاب، ثم يرسل المؤلِّفة فتؤلفه، ثم يرسل اللواقح فَتُلقِح الشجر (٣)، والأظهر في هذه الآية إلقاحها السحاب لقوله بعده: ﴿فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾، ولأن إلقاحها للسحاب ظاهر كما ذكرنا، وإلقاحها للشجر لم يذكر كيف هو (٤)، فإن قيل كيف قال (لواقح) وهي مُلْقِحة؟ والجواب ما ذهب إليه أبو عبيدة: أن لواقح هاهنا بمعنى مَلاقِح جمع مُلْقِحَة، فحذفت\n_________\n(١) (تَمْريه)؛ المَرْيُ: مَسْح ضَرْع الناقة لتَدرّ، والريح تَمْرِي السحابَ مَرْيًا؛ أي تجعل المطر يدرُّ منه. (اللَّقْحَةُ واللِّقْحَةُ): هي الناقة القريبة العهد بالنتاج: الحَلُوب الغزيرة اللبن، تقول: لِقحةُ فلان، ولا تقول: ناقة لَقْحة ولِقْحة، وإذا جعلتها نَعْتًا قُلت: ناقةٌ لَقُوْحٌ، والجمع لِقَحٌ ولِقاح. انظر: \"تهذيب اللغة\" (لقح) ٤/ ٣٢٨٣، (مرى) ٤/ ٣٣٨٣، \"المحيط في اللغة\" (لقح) ٢/ ٣٥٢، (مرى) ١٠/ ٢٨١، \"متن اللغة\" ٥/ ١٩٧.\n(٢) \"أخرجه الطبري\" ١٤/ ٢٠، بنحوه، والطبراني في \"الكبير\" ٩/ ٣٥٣، بنحوه، وورد في \"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ١٩ بنحوه، و\"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢١٧ بنحوه، والثعلبي ٢/ ١٤٧ أ، بنحوه، وانظر: \"تفسير البغوي\" ٤/ ٣٧٥، وابن الجوزي ٤/ ٣٩٤، الفخر الرازي ١٩/ ١٧٥، الخازن ٣/ ٩٣، وابن كثير ٢/ ٦٠٤، وأورده الهيثمي في \"المجمع\" ٧/ ٤٥ وقال: وفيه يحيى الحماني وهو ضعيف، وأورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ١٧٩ وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم والخرائطي لم أقف عليه.\n(٣) أخرجه الطبري ١٤/ ٢١ بنصه، وأبي الشيخ في \"العظمة\" ص ٣٤٤ بنحوه، وورد في \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٤٧ أبنصه، والماوردي ٣/ ١٥٥، انظر: \"تفسير البغوي\" ٤/ ٣٧٥، \"تفسير القرطبي\" ١٠/ ١٦، الخازن ٣/ ٩٣، \"الدر المنثور\" ٤/ ١٧٩ وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(٤) ذكر الطبري أن إلقاحها السحاب والشجر: عملها فيه. \"تفسير الطبري\" ١٤/ ٢٠.","vol":"12","page":577},{"text":"الميم منه وردت إلى الأصل، وأنشد لنهشل بن حَرِّيّ (١) يرثي أخاه:\nلِيُبْك يزيدُ بائسٌ ذو ضَرَاعةٍ ... وأشْعَثُ ممن طَوَّحتْه الطَّوائحُ (٢)\nأراد: المطوحات، فرد الحرف إلى أجل الثلاثي، واحتج أيضًا بقول رؤبة:\nيَخْرُجْنَ من أَجْوَازِ (٣) لَيْلٍ غاضِ (٤)\n_________\n(١) نهشل بن حري بن ضَمرة بن جابر النَّهشلي، شاعر شريف مشهور، هو وأبوه وجدّه شعراء، كان حسن الشعر، عدّه الجمحي في الطبقة الرابعة من فحول شعراء الإسلام. انظر: \"طبقات فحول الشعراء\" ٢/ ٥٨٣، \"الشعر والشعراء\" ص ٤٢٤، \"الخزانة\" ١/ ٣١٢.\n(٢) اختلف في نسبة البيت لهشل، فنُسب إلى أكثر من واحد، وقد صوّب البغدادي نسبته إلى نهشل. انظر: \"الخزانة\"١/ ٣١٣، وقد ورد البيت في. \"تفسير الطبري\" ١٤/ ٢١، وابن عطية ٨/ ٢٩٨، وابن الجوزي ٤/ ٣٩٣، والفخر الرازي ١٩/ ١٧٥ وورد برواية:\nلِيُبْكَ يزيدُ ضارعٌ لخصومةٍ ... ومُخْتَبِطٌ مما تُطيح الطَّوائِحُ\nفي: \"الكتاب\" ١/ ٢٨٨، ٣٦٦، \"الإيضاح\" ص ١١٥، \"الخصائص\" ٢/ ٣٥٣، \"المحتسَب\" ١/ ٢٣٠، \"تفسير الطوسي\" ٦/ ٣٢٩ \"الأساس\" ٢/ ٨٣، \"أمالي ابن الحاجب\" ٢/ ١٤٩، \"شرح شواهد الإيضاح\" ص ٩٤، \"شرح المفصل\" ١/ ٨٠، \"اللسان\" (طيح) ٥/ ٢٧٣٤، \"الدر المصون\" ٧/ ١٥٣، \"معاهد التنصيص\" ١/ ٢٠٣، \"الخزانة\" ١/ ٣٠٣، معناه: هذا الممدوح الذي هو (يزيد) كان رجلًا عظيمًا يُقْصد في النَّصر وفي العطاء، فيقصده الضارع للخصومة لينصره وهو المائل إليها، ويقصده (المختبطُ): الاختباط: طلب المعروف والكسب، خبطه واختبطه، والمختبط: الذي يسألك بلا وسيلة ولا معرفة، (مما تطيح الطوائح): وهو الذي أصابته شِدَّة السنين، والطوائح: الشدائد؛ فيقصدُه هذا ليدفع عنه بالعطاء شدة ما أصابه من ذلك، فلذلك وصفه بالنَّصر والكَرم. وانظر: \"المحيط في اللغة\" (خبط) ٤/ ٢٩٤.\n(٣) في جميع النسخ: (أزواج)، والمثبت موافق للديوان وجميع المصادر.\n(٤) \"ديوان رؤبة\" ص ٨٢ وروايته: بالِعيسِ فوق الشَرَكِ الرِفاض ... كأنَّما ينْضَحْنَ بالخَضْخاضِ\nيخرجنَ من أجواز ليلٍ غاضِ ... نَضْوَ قِداحِ النابلِ النواضي\nوورد في: \"أدب الكاتب\" ص ٦١٢، \"شرح الجواليقي\" ص ٣٠٠، \"اللسان\" (دلا) ٣/ ١٤١٧، (غضا) ٦/ ٣٢٦٩، وورد غير منسوب في: \"المقتضب\" ٤/ ١٧٩، \"المخصص\" ٩/ ١٦٧، (العيس) الإبل البيض، (الشَرَك) أخاديد الطريق، الواحدة: شركة، (الرفاض) المتفرقة يمينًا وشمالًا، (ينضحن) يعرقن، (بالخضخاض) القطران الرقيق، شبَّه عرق الإبل به وعرقها أسود، (يخرجن) أي الإبل، (الأجْوَاز) جمع جَوْز، وهو الوسط، (غاض) مظلم، (النضْو) الخروج، شبه خروجها من الليل بخروج القداح من الرمية.","vol":"12","page":578},{"text":"يريد: مُغضٍ، وبقوله:\nتَكْشِفُ عن جَمَّاتِهِ دَلْوُ الدَّالي (١) (٢)\nيريد: المُدْلِي، قال أبو بكر وقد قال العرب: أَبْقَلَ النبت فهو بَاقْلٌ، يجعلون باقلًا بدلًا من مُبْقِل، ففي هذا دليل على تعيين لاقح عن مُلْقِح، وإلى قريب من هذا ذهب الفراء؛ فقال: يجوز فاعل لِمَفْعَل، كما جاء\n_________\n(١) وعجزه:\nعَبايةً غَثْراءَ من أَجْنٍ طالْ\nورد في ملحقات \"ديوان العجّاج\" ٢/ ٣٢١، وورد في: \"أدب الكاتب\" ص ٦١٢، \"شرح الجواليق\" ص٣٠١، \"اللسان\" (دلا) ٣/ ١٤١٧، وورد غير منسوب في: \"المقتضب\" ٤/ ١٧٩، \"المخصص\" ٩/ ١٦٧. (الجمات): جمع جمّة، وجمّة البئر اجتماع مائها، (الدَّالي أو الدال) هو الجاذب للدَّلْو من البئر ليخرجها، ويقال (الدالي) صاحب الدلو، (عباءة) كساء، (غثراء) مثل غبراء؛ الكدر اللون، (أَجْن) يقال ماءٌ أَجِنٌ، وماءٌ آجِنٌ؛ هو الماء المتغير بطول المَكْث، وهو الذي غشيه العَرْمَضُ -الطُّحْلُبُ- والورق، شبه ما على الماء من الطحالب والورق بسبب طول المكث بالعباءة؛ لأنه لا يورد. انظر: \"المحيط في اللغة\" (أجن) ٧/ ١٩١، \"شرح الجواليقي\" ص ٣٠١، \"اللسان\" (غثر) ٦/ ٣٢١٤.\n(٢) \"مجاز القرآن\" ١/ ٣٤٨ بنحوه.","vol":"12","page":579},{"text":"لمفعول؛ نحو: ماءٍ دافقٍ، وسرًّ كاتمٍ، وليلٍ نائمٍ، وكما قيل: المَبْرُوز في معنى المُبْرَز في قوله (١):\nالنَّاطِقُ المَبْرُوزُ والمَخْتُومُ\nوذلك أن هذه الأشياء لم يُرَدَّ البناءُ فيها إلى الفعل (٢)، واختار أبو علي أيضًا قول أبي عبيدة فقال: لواقح بمعنى مَلاقِح، على حذف الزيادة، قال: وكما حذفت الزيادة من الجمع هاهنا حذفت من المصدر في شعر أبي دُؤَاد يذكر سحابًا:\nلَقِحْنَ ضُحَيُّا لِلَقْحِ الجَنُوبِ ... وأصبَحْنَ يُنْتَجْنَ ماءَ الحَيَاءِ (٣)\nفقوله: (لِلَقْحِ الجنوب)، تقديره: لإلقاحِ الجنوب، فحذف الزيادة من المصدر (٤).\nوقال الزجاج: يجوز أن يقال لها لواقح، وإن ألقحت غيرها؛ لأن معناها النسب (٥)، وشرح أبو بكر هذا القول فقال: واحد اللواقح لاقح، ومعنى لاقح ذاتُ لَقْح، كما قالوا: تأمر ولابن ونابل، وأبو الهيثم اختار أيضًا هذا، وقال هذا كما يقال: دِرْهَم وازِنٌ، أي ذو وزن، ورامحٌ وسائفٌ، ولا يقال رَمحَ ولا سافَ (٦)، وهذا الذي ذكرنا قول هؤلاء وليس هذا بمعنى؛ لأنه كان يجب أن يصح اللاقح بمعنى ذات اللقاح حتى يوافق\n_________\n(١) البيت للبيد وقد سبق عزوه قريبًا في ص ٤٥٩.\n(٢) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٨٧ بتصرف.\n(٣) ورد في \"الحجة للقراء\" ٢/ ٢٥٣.\n(٤) ورد في \"الحجة للقراء\" ٢/ ٢٥٣ بتصرف يسير.\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٧٧ بنصه.\n(٦) ورد قوله في \"تهذيب اللغة\" (لقح) ٤/ ٣٢٨٥ بتصرف يسير.","vol":"12","page":580},{"text":"قول المفسرين، فإن أرادوا بقولهم (ذات لقح) أن الريح في الحامل نفسها لم يحتج فيها إلى القول بالنسب، ويكون معناه ما ذكره الفراء فقال: جعل الريح هي التي تَلْقَح بمرورها على السحاب [و] (١) التراب والماء، فيكون هذا اللَّقَاح، فيقال: ريح لاقح، كما يقال: ناقة لاقح (٢)، واختار ابن قتيبة هذا القول، وكَرِه قولَ أبي عبيدة وقال: العرب تسمى الرياح لواقح، والريح لاقحًا، قال الطَّرِمَّاح:\nقَلِقٌ لأَفْنَانِ الرِّيَاحِ ... لِلاَقِحٍ مِنْها وحَائِلْ (٣)\nفاللاقحُ: الجنوب، والحائلُ: الشمال، يذكر بُرْدًا مَدَّه (٤) على أصحابه في الشمس يستظلون به، وُيسمّون الشمال أيضًا عقيمًا؛ لأنها لا تحمل، وإنما جعلوا الريح لاقحًا، أي حاملًا؛ لأنها تحمل السحاب وتقلبه وتُصَرِّفه، وهذا في قول أبي وَجْزَةَ (٥):\nحتى سَلَكْنَ الشَّوَى مِنْهُنّ في مَسَكٍ ... مِنْ نَسْلِ جَوَّابَةِ الآفَاقِ مِهْدَاجِ (٦)\n_________\n(١) زيادة يقتضيها السياق.\n(٢) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٨٧ بنصه.\n(٣) ورد البيت في:\"الحجة للقراء\" ٢/ ٢٥٢، \"الأزمنة والأمكنة\" للمرزوقي ص ٥٢٤، \" تفسير ابن عطية\" ٨/ ٢٩٧، ابن الجوزي ٤/ ٣٩٢.\n(٤) في (د): (يريد أمده).\n(٥) أبو وجزة هو يزيد بن عبيد السعدي المدني، من بني سُلَيم، نشأ في بني سعد بن بكر فغلب عليه نسبهم، كان شاعرًا مجيدًا، ومحدّثًا ثقة، مات سنة (١٣٠ هـ). انظر: \"الشعر والشعراء\" ص ٤٦٩، \"الأغاني\" ١٢/ ٢٧٩، \"تقريب التهذيب\" ص ٦٠٣ رقم (٧٧٥٣)، \"الخزانة\" ٤/ ١٨٢.\n(٦) ورد في: \"تهذيب اللغة\" (لقح) ٤/ ٣٢٨٥، (هدج) ٤/ ٣٧٢٥ \"الأزمنة والأمكنة\" ص ٥٢٤ وفيه: (مَسَد) بدل من (مسم)، \"اللسان\" (هدج) ٨/ ٤٦٣٠، (لقح) =","vol":"12","page":581},{"text":"يعني الماء من نسل ريح جوابة للبلاد، فجعل الماء للريح كالولد؛ لأنها حملته في السحاب ثم مَرَت (١) السحاب حتى ألقته، قال: ومما يوضح هذا قوله جل ذكره: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا﴾ [الأعراف: ٥٧] أي حملت (٢). وهذا القول اختيار الأزهري، وقال بعد ما حكى قول ابن قتيبة: فهذا على هذا المعنى لا يحتاج أن يكون لاقِحٌ بمعنى ذات لَقْح، ولكنها حامل تحمِلُ السحاب والماء (٣)، والله أعلم.\nويؤكد هذا الوجه أن المفسرين ذكروا في إلقاحها السحاب أنها تحمل الماء، قال أبو إسحاق: وجائز أن يقال للريح لقحت إذا أتت بالخير؛ كما قيل لها عقيم إذا لم تأت بخير (٤)، قال ابن الأنباري: الريح اللاقح؛ الذي يحمل الماء والسحاب على جهة التشبيه والتمثيل بالناقة التي تشتمل على ماء الفحل، والذي يتولد عن الريح من السحاب، والمطر\n_________\n= ٧/ ٤٠٥٩، (مسك) ٧/ ٤٢٠٣، (سلكن الشوى): الأُتُنُ الحمير أدخلن شواهُنَّ، أي قوائمهن، (مَسَك): بالتحريك؛ الأسورة والخلاخيل من الذَّبْلِ -وهي قرون الأوْعَال- والعاج، واحدته مَسْكة، (مهداج): الهَدْجةُ: رَزْمة صوت الناقة وحنينُها على ولدها، ويقال للريح الحنون: لها هَدْجة ومِهدْج، فهو يذكر حميرًا وردت ماءً فأدخلت قوائمها في الماء، وهذا الماء من نسل جوابة الآفاق؛ أي ريح تجوب البلاد، أي هي أخرجته من الغيم واستدرَّته، فجعل الماء لها نتاجًا ولدًا، فالرياح على هذا هنَّ اللواقح.\n(١) أي استدرته، وجعلت المطر يدر.\n(٢) \"الغريب\" لابن قتيبة ١/ ١٧٨ بتصرف.\n(٣) \"تهذيب اللغة\" (لقح) ٤/ ٣٢٨٥ بنصه.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٧٧ بنصه.","vol":"12","page":582},{"text":"بمنزلة الولد الذي تنتجه الناقة، وهذا كما تقول العرب: قد لقحت الحرب وقد نتجت ولدًا أنكدًا (١)، يُشبِّهون ما تشتمك عليه من (٢) ضروب الشر بما تحمله الناقة، ويُشبِّهون بما يتولد منها من القتل والنهب بما تضعه الناقة (٣)، يشهد لصحة هذا قول الشاعر (٤):\nلَقَحَتْ حُرْبُ وائلٍ عن حِيالِ (٥)\nوالرياحُ العقيمُ غيرُ لاقح، إذا لم تحمل ما يتولد منه مطر ويصدر عنه روح وفرح (٦).\n_________\n(١) الكلمة غير واضحة في جميع النسخ كأنها: أيلد، والتصويب من \"تفسير الفخر الرازي\" ١٩/ ١٧٦ والنّكدُ: الشؤم واللؤم، وكل شيٍ جر على صاحبه شرًّا فهو نَكَدٌ ونَكِدٌ، وصاحبه أنْكَدُ ونَكِدٌ. \"المحيط في اللغة\" (نكد) ٦/ ٢١٤.\n(٢) ساقطة من (أ)، (د).\n(٣) \"تفسير ابن الجوزي\" ٤/ ٣٩٤ ورد مختصرًا، الفخر الرازي ١٩/ ١٧٦ ورد مختصرًا غير منسوب.\n(٤) هو الحارث بن عباد (جاهلي).\n(٥) وقدره:\nقَرّبا مَرْبِطَ النعامةِ منِّي\nورد في \"الأصمعيات\" ص ٧١، \"الحيوان\" ٤/ ٣٦١، \"أمالي القالي\" ٢/ ١٣١، \"الأزهية\" ص ٢٨٠، \" الاقتضاب\" ص ٤٤٣، \"شرح الجواليقي\" ص ٢٦٦، \"أمالي ابن الشجري\" ٢/ ٦١٢، \"الحماسة البصرية\" ١/ ١٦، وورد بلا نسبة في: \"معاني الحروف\" للرماني ص ٩٥، \"المنصف\" ٣/ ٥٩ (النعامة) اسم فرسه، (المربط) الموضع الذي تربط فيه، (لقحت) حملت، (عن حيال) بعد حيال؛ أراد أنها هاجت بعد سكونها، يقول ابن السيد: والحيال: أن تضرب الناقة فلا تحمل، وإنما ضرب ذلك مثلًا لِمَا تولد عن العرب وأنتج منها من الأمور التي لم تكن تحتسب بعد ذلك.\n(٦) خلاصة القول في (لواقح) أن فيها ثلاثة أقوال: أن الرياح ملقحة، أو لاقحة، أو =","vol":"12","page":583},{"text":"وقوله تعالى: ﴿فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ﴾، قال الأزهري: العرب تقول لكل ما كان من بطون الأنعام ومن السماء أو نهر يجري: أسْقيْتُ، أي جعلته شُرْبًا له، وجعلت له منها مسقى، فإذا كانت السقيا لشفته قالوا: (سقاه، ولم يقولوا: أسقاه) (١)، الذي يؤكد ويبين هذا اختلاف القُراء في قوله: ﴿نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ﴾ [النحل: ٦٦] فقرأوا باللغتين، ولم يختلفوا في قوله: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ [الإنسان: ٢١] وفي قوله: ﴿وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ﴾ [الشعراء: ٧٩].\nوقال أبو زيد: اللهم اسقنا إسقاءً رِوَاءً، وأسقيت فلانًا رَكِيَّتي (٢)، إذا\n_________\n= ذات لقحٍ، وهذا الأخير محتمل لأحد القولين، فتؤول المسألة إلى قولين؛ إما ملقحة أو لاقحة، وهو ما رجحه الطبري ١٣/ ٢٠ وهذا القول موافق للواقع المشاهد؛ فالريح لاقح لأنها تحمل السحاب وما فيه من الماء، وتحمل اللَّقاح من الشجر الذكور إلى الإناث، وهي ملقحة لأنها تلقح السحاب بعضه ببعض؛ فيدرُّ المطر وكذا فعلها في الأشجار، ولا تعارض بين القولين، لكن السياق هنا يرجح القول بأنها ملقحة للسحاب؛ أي تلقح بعضه ببعض فيدرّ المطر، فالآية تشير إلى أثر الرياح في الجمع بين الشحنات الكهربائية الموجبة والسالبة في السحاب، وهو ما أثبته العلم الحديث؛ حيث تقوم الرياح بتلقيح السحاب، وذلك في عملية تتضمن إمداده بأكداس من جسيمات مجهرية صغيرة، تسمى: نوى التكاثف، ومن أهم خواص هذه النويات أنها تمتص الماء أو تذوب فيه، وتحمل الرياح كذلك بخار الماء وتلقح به السحاب لكي يمطر.\nانظر: \"الإسلام في عصر العلم\" ص ٤٠٦، \"المعجزة الخالدة\" ص ٣٣٦، \"مباحث في إعجاز القرآن\" ص ١٨٨.\n(١) \"تهذيب اللغة\" (سقى) ٢/ ١٧١٥، وما بين القوسين ساقط من (ش)، (ع).\n(٢) الرَّكْوَةُ: شِبْهُ تَوْر من أدم، والجمع الرِّكَاءُ، والرَّكْوُ: أن تحفر حوضًا مستطيلًا، والرَّكيَّة: بئر تُحفر، وجمعها رَكِيُّ ورَكَايا انظر: (ركو) في: \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٤٥٦، \"المحيط في اللغة\" ٦/ ٣١٧.","vol":"12","page":584},{"text":"جعلت له منها مَسْقًى (١).\nوقال أبو علي: تقول: سقيته حتى روى، وأسقيته: نهرًا، جعلته شِرْبًا له، وقوله: ﴿فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ﴾: جعلناه سُقيا لكم، وربما قالوا في: أسقى سقى؛ كقول لبيد يصف سحابًا:\nأَقُولُ وصَوْبُهُ مِنِّي بَعِيدٌ ... يَحُطُّ الشَثَّ من قُلَلِ الجِبَالِ\nسَقَى قَومِي بَني مَجْدِ وأَسْقَى ... نُمَيْرًا والقبائلَ مِن هِلالِ (٢)\nفـ (سقى قومي) ليس يريد به ما يُروي عِطَاشهم، ولكن يريد رزقَهم سَقْيًا لبلادهم يُخْصِبُون بها، وبعيدٌ أن يسألَ لقومه ما يُروي العطاش، ولغيرهم ما يُخْصِبون منه (٣)، فأما سَقْيَا السَقِيَّة، فلا يقال فيها أسقَاهُ، وأما قول ذي الرُّمَّة:\nوأُسْقِيهِ حتى كادَ بما أَبُثُّهُ ... تُكَلِّمُني أَحْجَارُهُ ومَلاعِبُه (٤)\n_________\n(١) \"النوادر في اللغة\" ص ٥٥٤ بمعناه، وورد في \"تهذيب اللغة\" (سقى) ٢/ ١٧٧ بنحوه، وأغلب الظن أنه نقل القول منه.\n(٢) \"شرح ديوانه\" ص ٩٣، وورد البيت الثاني في \"مجاز القرآن\" ١/ ٣٥٥، \"النوادر في اللغة\" ص٥٤٠، \"تفسير الطبري\" ١٤/ ١٣١ \"الحجة للقراء\" ٧٥/ ٥، \"إعراب القراءات السبع\" وعللها ١/ ٣٥٧، \"تفسير الطوسي\" ٦/ ٣٩٩، ابن عطية ٨/ ٣٠٠، ابن الجوزي ٤/ ٣٩٥، الفخر الرازي ١٩/ ١٧٧، \"اللسان\" (سقي) ٤/ ٢٠٤٣، والألوسي ١٤/ ٣١، (صوبه) مصاب مطره، (الشَثَّ) شجر من شجر السراة، (قلل) أعالي، (مجد) ابنة تيم بن غالب بن فهر، وهي أم كلاب وكعب وعامر بني ربيعة بن عامر بن صعصعة.\n(٣) \"الحجة للقراء\" ٥/ ٧٥ بتصرف.\n(٤) \"ديوانه\" ٢/ ٨٢١، وورد في \"مجاز القرآن\" ١/ ٣٥٠، \"النوادر في اللغة\" ص ٥٤٠، \"تفسير الطبري\" ١٤/ ٢٢، والطوسي ٦/ ٣٢٩، وابن عطية ٨/ ٣٠١، وابن =","vol":"12","page":585},{"text":"فمعنى (أسقيه) أدعو له بالسُقيا، وأقول: سَقاه الله.\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتُمْ لَهُ﴾ يعني لذلك الماء المنزل من السماء، ﴿بِخَازِنِينَ﴾ أي بحافظين، يقول ليست خزائنه بيدكم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1938>٢٣ </span>- قوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ﴾ يعني إذا مات جميع الخلائق لم يتبق سواه؛ كقوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ﴾ [مريم: ٤٠]. قال أهل المعاني: لمّا كان يزول مُلْكُ كلِّ مَلِكٍ بموته -ويكون اللهُ ﷿ المالكَ الحيَ وَحْدَه- كان هو الوارث لجميع (١) الأملاك (٢).\nومعنى ورث: تَمَلَّك ما كان يملكه الميت قبله، وأملاك الخلائق تبطل وتزول بموتهم، ويبقى المُلك خالصًا لله وحده، فكان وارثًا من هذا الوجه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1939>٢٤ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ﴾ قال الليث: تقول: استقدم، أي: تقدم، وضده استأخر، أي: تأخر (٣)، واختلف المفسرون في هذه الآية، فقال ابن عباس في رواية عطاء: ﴿الْمُسْتَقْدِمِينَ﴾ يريد أهلَ طاعةِ الله، و﴿الْمُسْتَأْخِرِينَ﴾ يريد عن طاعة الله (٤)، وهذا قول الحسن قال: المستقدمون في الطاعة، والمستأخرون\n_________\n= الجوزي ٤/ ٣٩٥، الفخر الرازي ١٩/ ١٧٧، \"اللسان\" (سقي) ٤/ ٢٠٤٢. (أبثه) أي أخبره بكل ما في نفسي، (ملاعبه) مواضع يُلعَبُ فيها.\n(١) في (أ)، (د): جميع، والمثبت من (ش)، (ع) وهو المنسجم مع السياق.\n(٢) ورد هذا المعنى في \"تفسير الطوسي\" ٦/ ٣٢٩، الفخر الرازي ١٩/ ١٧٧، الخازن ٣/ ٩٤.\n(٣) ورد في \"تهذيب اللغة\" (قدم) ٣/ ٢٩٠٤ بمعناه.\n(٤) \"تفسير الفخر الرازي\" ١٩/ ١٧٧.","vol":"12","page":586},{"text":"عنها (١).\nوقال في رواية مِقْسَم: المستقدمون الصف المستقدم، والمستأخرون الصف المستأخر (٢)، وهذا قول الربيع، قال: حض رسول -ﷺ- على الصف الأول في الصلاة، فازدحم الناس عليه فأنزل الله هذه الآية (٣)، واختار الفراء هذا القول، وقال: معنى ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا﴾ أي: إنَّا نجزيهم على نيّاتهم (٤)، فإنا نعلم جميعهم.\nوقال الضحاك ومقاتل: في صف القتال (٥).\n_________\n(١) \"أخرجه الطبري\" ١٤/ ٢٥ بنحوه، وورد في \"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢١٨ بمعناه، والثعلبي ٢/ ١٤٧ ب بنحوه، وانظر: \"تفسير ابن العربي\" ٣/ ١١٢٧، وابن الجوزي ٤/ ٣٩٧، و\"تفسير القرطبي\" ١٠/ ١٩، والخازن ٣/ ٩٤، و\"الدر المنثور\" ٤/ ١٨١ وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم وابن المنذر.\n(٢) رواه الحاكم، تفسير الحجر ٢/ ٣٥٣ بنصه عن طريق أبي الجوزاء (منقطعة بالجهالة)، وانظر: \"تفسير ابن العربي\" ٣/ ١١٢٧، الفخر الرازي ١٩/ ١٧٨، \"الدر المنثور\" ٤/ ١٧٨ وزاد نسبته إلى ابن مردويه، وقد أخرجه عبد الرزاق ٢/ ٣٤٨، والطبري ١٤/ ٢٦ بنحوه، عن طريق واحد مسندًا إلى أبي الجوزاء.\n(٣) ورد في \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٤٧ب بنصه، وأورده المؤلف في \"أسباب النزول\" ص ٢٨٢ بلا سند، وانظر: \"تفسير الألوسي\" ١٤/ ٣٢، وابن الجوزي ٤/ ٣٩٦ عن أبي صالح عن ابن عباس، ولا يعتد بمثل هذا في أسباب النزول.\n(٤) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٨٨ بنصه.\n(٥) \"تفسير الفخر الرازي\" ١٩/ ١٧٨ عنهما، وابن الجوزي ٤/ ٣٩٧ عن الضحاك، و\"تفسير البغوي\" ٤/ ٣٧٧ عن مقاتل، والخارن ٣/ ٩٤ عن مقاتل، و\"الدر المنثور\" ٥/ ١٨١ وعزاه إلى ابن أبي حاتم عن مقاتل، والذي في تفسير مقاتل هو نفس القول الذي أخرجه الطبري عن الضحاك في الآية؛ قال: الأموات والأحياء، انظر: \"تفسير مقاتل\" ١/ ١٩٦ ب، والطبري ١٤/ ٢٤، والماوردي ٣/ ١٥٦.","vol":"12","page":587},{"text":"وقال في رواية أبي الجوزاء: (كانت امرأة حسناء تصلي خلف رسول الله -ﷺ- فكان قوم يتقدمون إلى الصف الأول لئلا يروها، وآخرون يتأخرون ليروها -إذا ركعوا وجافوا أيديهم لينظروا من تحت آباطهم- فأنزل الله هذه الآية) (١).\n_________\n(١) أخرجه بنصه تقريبًا: أحمد ١/ ٣٠٥، والترمذي (٣١٢٢) كتاب: تفسير، باب. ومن سورة الحجر، وابن ماجه (١٠٤٦) كتاب: الصلاة، باب: الخشوع في الصلاة، وابن خزيمة: كتاب: صلاة النساء في الجماعة، باب: التغليظ في قيام المأموم في الصف المؤخر إذا كان خلفه نساء ٣/ ٩٧، والطبري ٤/ ٢٦، وابن حبان، \"موارد الظمأن\": التفسير، الحجر ص ٤٣٣، والطبراني في \"الكبير\" ١٢/ ١٧١، والحاكم: التفسير، الحجر ٢/ ٣٥٣ وصححه ووافقه الذهبي، سنن البيهقي: كتاب: الصلاة، باب: الرجل يقف في آخر صفوف الرجال ٣/ ٩٨، \"أسباب النزول\" للواحدي ص ٢٨١، كلهم من طريق نوح بن قيس عن عمرو بن مالك عن أبي الجوزاء عن ابن عباس، وورد بنحوه في \"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢١٧، والثعلبي ٢/ ١٤٧ ب، والماوردي ٣/ ١٥٦، وابن عطية ٨/ ٣٠٢، وابن الجوزي ٤/ ٣٩٦، الفخر الرازي ١٩/ ١٧٨، \"تفسير القرطبي\" ١٠/ ١٩، الخازن ٣/ ٩٤، وأبي حيان ٥/ ٤٥١، وابن كثير ٢/ ٦٠٥، وأورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ١٨٠ وزاد نسبته إلى أبي داود الطيالسي ٢٧١٢، وسعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه، وانظر: \"شرح المسند\" ٢/ ٢٧٨، صحيح ابن ماجه (٢٤٧٢). اختلف العلماء في تصحيح الحديث، فصححه ابن خزيمة والحاكم والذهبي وشاكر والألباني، وقد أَعَلَّ الترمذي الحديثَ بالإرسال؛ ورجح وقفه على أبي الجوزاء، وتبعه القرطبي وقال: هو الصحيح، واعتمده ابن كثير وقال: حديث غريب جدًا وفيه نكارة شديدة، وقد ناقش الألباني المضعفين للحديث: فبيّن أن الإعلال مردود بورود الحديث موصولًا في مسند الطيالسي ورجاله ثقات، وأما الغرابة فمنفية لورورد عدة روايات للحديث -ذكرها- في أن الآية نزلت في صفوف الصلاة، أما النكارة الشديدة التي ذكرها ابن كثير، فلعه يقصد مضمون الرواية؛ أنها توهم طعنًا في الصحابة، وجوابه: إذا ورد الأثر =","vol":"12","page":588},{"text":"وعلى هذا القول معنى ﴿عَلِمْنَا﴾: الوعيد والمحاسبة، وروي عنه أيضًا أنه قال: المستقدمون الأموات، والمستأخرون الأحياء (١)، وهذا قول قتادة، ومجاهد قال: من مضى من الأمم السالفة ومن بقي؛ وهم أمة محمد -ﷺ- (٢)، وقال عكرمة: المستقدمون من خلق، والمستأخرون \"من يخلقه بعد\" (٣) (٤)، وعلى قول هؤلاء معنى ﴿عَلِمْنَا﴾ والتمدح بالعلم؛ لأن علمه شامل لأعداد من مضى ومن بقي، ومن خلقه ومن سيخلقه فيما بقي.\n_________\n= بطل النظر، ولأن هذا المسلك يفتح بابًا لرد كثير من الأحاديث، ويمكن دفع التهمة عن الصحابة بتخصيص الخبر على بعض المنافقين أوحديثي العهد بالإسلام. انظر: \"سلسلة الأحاديث الصحيحة\" (٢٤٧٢).\n(١) أخرجه عبد الرزاق ٢/ ٣٤٨ بنحوه عن قتادة، والطبري ١٤/ ٢٣ - ٢٤ بنحوه من طريق قتادة عن ابن عباس، ومن طريق العوفي غير مرضية، وأخرجه -كذلك- عن\nقتادة، وورد في \"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢١٨ بمعناه عن قتادة، والثعلبي ٢/ ١٤٧ ب بنصه عن ابن عباس، وبنحوه عن قتادة، وانظر: \"تفسير ابن العربي\" ٣/ ١١٢٧ عن ابن عباس وقتادة، و\"تفسير القرطبي\" ١٠/ ١٩ عنهما، وأبي حيان ٥/ ٤٥١ عنهما، وابن كثير ٢/ ٥٦٩ عنهما، و\"الدر المنثور\" ٤/ ١٨١ وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم عن ابن عباس، وزاد نسبته إلى ابن المنذر عن قتادة.\n(٢) \"تفسير مجاهد\" ص ٣٤١ بنصه، وأخرجه عبد الرزاق ٢/ ٣٤٨ بنصه، والطبري ١٤/ ٢٥ بنصه، وورد في \"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢١٨ بنحوه، والماوردي ٣/ ١٥٦ بنحوه، و\"تفسير البغوي\" ٤/ ٣٧٧، وابن العربي ٣/ ١١٢٧، وابن الجوزي ٤/ ٣٩٧، والخازن ٣/ ٩٤، و\"تفسير أبي حيان\" ٥/ ٤٥١، وابن كثير ٢/ ٦٠٤ - ٦٠٥، و\"الدر المنثور\" ٤/ ١٨٢ وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(٣) في معظم المصادر: (من لم يخلق)، والمثبت في معناه؛ لأن من يخلقه بعد، أي في المستقبل، هو ممن لم يخلق.\n(٤) أخرجه عبد الرزاق ٢/ ٣٤٨ بنحوه، والطبري ١٤/ ٢٣ بنحوه، والثعلبي ٢/ ١٤٧ ب بنصه تقريبً، والماوردي ٣/ ١٥٦ بنحوه، و\"تفسير البغوي\" ٤/ ٣٧٧، وابن الجوزي ٤/ ٣٩٦، والفخر الرازي: ١٩/ ١٧٨٩، و\"تفسير أبي حيان\" ٥/ ٤٥١، وابن كثير ٢/ ٦٠٤ - ٦٠٥.","vol":"12","page":589},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1940>٢٦ </span>- قوله تعالى ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ﴾ قال ابن عباس وغيره: يعني آدم (١)، والكلام في وزن الإنسان واشتقاقه قد تقدم في أول الكتاب؛ عند قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ﴾ [البقرة: ٨].\nوقوله تعالى: ﴿مِنْ صَلْصَالٍ﴾، اختلفوا في معناه، فقال قوم: هو طين حر يصلصل إذا نقر؛ لِيُبْسِه، يقال: صلَّ الحديدُ وغيرُه يَصِلُّ صليلًا، وصلصل إذا صَوَّت، ومنه قول لبيد:\nكلَّ حِرباءٍ إذا أُكْرِهَ (٢) صلّ (٣)\n_________\n(١) أخرجه \"الطبري\" ١٤/ ٢٧ بلفظه من طريق سعيد بن جبير صحيحة، والماوردي ٣/ ١٥٧ بلفظه عن أبي هريرة والضحاك، وورد بلفظه غير منسوب في \"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢١٨، والطوسي ٦/ ٣٣٠.\n(٢) في جميع النسخ: (أكرم)، والمثبت موافق للديوان وجميع المصادر.\n(٣) وصدره:\nأَحْكَمَ الجُنْثِيُّ من عَوْرَاتِها\n\"شرح ديوان لبيد\" ص ١٩٢، وورد في \"العين\" ٦/ ٩٩، \"المعاني الكبير\" ٢/ ١٠٣٠، \"جمهرة اللغة\" ١/ ١٤٣، ٣/ ١٣٢٢ وفيه: (نَعْتِها) بدل (عوراتها)، \"تهذيب اللغة\" (حكم) ١/ ٨٨٦، (صل) ٢/ ٢٠٤٦، \"اللسان\" (حرب) ٢/ ٨١٨، (جنث) ٢/ ٦٩٦، (صلل) ٤/ ٢٤٨٧، (حكم) ٢/ ٩٥٢، \"التاج\" (جنث) ٣/ ١٨٦ (الجُنْثيُّ) بضم الجيم وكسرها، وبالنصب وبالرفع؛ فمن قال: الجنْثِيُّ بالرفع ونصب كلاَّ أراد: الحدّادُ أو الزَّرّادُ، أي أحكم صنعة هذه الدِّرع، ومن قال: الجنْثِيَّ بالنصب ورفع كلاَّ -وهي رواية الأصمعي- أراد: السيف؛ يقول هذه الدِّرع لإحكام صنعتها تمنع السيف أن يمضي فيها، وكل شيء أحكمته فقد منعته، وأحكم هنا بمعنى رَدَّ، (عوراتها) واحدها عورة، وهىِ الفُتُوقُ والفُرَج في الدِّرع، (الحِرْبَاءُ) مسمارُ الدِّرْع، وقيل هو رأسُ المِسمار في حَلْقَةِ الدِّرْع، (صل) يقال صلّ المسمارْ يصلُّ صَليلًا، إذا ضُرب وأكره أن يدخل في الشيء فسمعت صوته.","vol":"12","page":590},{"text":"وأنشد ابن الأنباري (١):\nعَنْتَرِيسٌ تَعْدو إذا مَسَّها السَّوْطُ ... كَعَدْوِ المُصَلْصِلِ الجوَّالِ (٢)\nقال يريد بالمصلصل الحمار المصوت، وهذا قول الفراء (٣) والزجاج (٤) وأبي عبيدة (٥)، ونحوه قال الأخفش، قال: وكل شيء له صوتٌ فهو صلْصالٌ من غير الطين (٦)، وهذا قول ابن عباس في رواية الوالبي، قال: الصلصال: الطين اليابس (٧)، وفي رواية إسرائيل (٨):\n_________\n(١) البيت للأعشى.\n(٢) \"ديوان الأعشى\" ص ١٦٥، وورد في: \"اللسان\" (صلل) ٤/ ٢٤٨٦ برواية (الصوت) بدل (السوط)، وفي \"مجاز القرآن\" ١/ ٣٥١، و\"الكامل\" ٣/ ١٠٠ برواية: (حُرّك) بدل (مسها)، الغريب لابن قتيبة ١/ ٢٤١ (عجزه)، \"تفسير القرطبي\" ١٠/ ٢١ (عجزه)، (عنتريس)؛ العَتَرَّس: الضخم من الدواب، والمقصود: الناقة الصلبة الغليظة، الكثيرة اللحم، الوثيقةُ الخلق، وقد يُوصَف به الفرسُ. \"المحيط في اللغة\" (عترس) ٢/ ٢٥٠، \"متن اللغة\" ٤/ ٢١.\n(٣) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٨٨ بمعناه.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٧٨ بنحوه.\n(٥) \"مجاز القرآن\" ١/ ٣٥٠ بنحوه\n(٦) ليس في معانيه، وهو في التهذيب بنصه، والغالب أنه نقله منه. انظر: \"تهذيب اللغة\" (صل) ١٢/ ٢٠٤٦.\n(٧) \"أخرجه الطبري\" ١٤/ ٢٨ من طريق العوفي (ضعيفة)، وورد في \"تفسير الماوردي\" ٣/ ١٥٧ بنصه، \"تفسير ابن الجوزي\" ٤/ ٣٩٧، \"تفسير القرطبي\" ١٠/ ٢١، الخازن ٣/ ٩٤، ابن كثير ٢/ ٦٠٦، \"الدر المنثور\" ٤/ ١٨٢ وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(٨) إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق السَّبِيْعي الهمداني، أبو يوسف الكوفي، أحد الأعلام، ثقة تُكُلِّم فيه بغير حجة، اعتمده البخاري ومسلم في الأصول، روى عن السدي وجَدِّه أبي إسحاق، وعنه وكيع وأبو نعيم، مات سنة (١٦٢ هـ) انظر: \"طبقات ابن سعد\" ٦/ ٣٧٤، \"الجرح والتعديل\" ٢/ ٣٣٠، \"ميزان الاعتدال\" ١/ ٢٠٨، \"تقريب التهذيب\" ص ١٠٤ رقم (٤٠١).","vol":"12","page":591},{"text":"ّالصلصال الذي إذا قُرعَ صوَّت (١) وروى عنه أبو صالح أنه الطين الحر الذي\nإذا نَضَب عنه الماء تشقق، فإذا حُرك تقعقع (٢)، وهذا قول الحسن وقتادة في الصلصال.\nقال المفسرون: خلق الله آدم من طين فصوَّره ومكث في الشمس أربعين سنة حتى صار صلصالًا كالخزف لا يدري أحد ما يُراد به، ولم يروا شيئًا من الصورة يشبهه إلى أن نفخ فيه الروح (٣).\n_________\n(١) ورد في \"تفسير الوسيط\" تحقيق: سيسي ٢/ ٣٥٣ بنحوه، والطوسي ٦/ ٣٣٠ بمعناه، \"تفسير ابن الجوزي\" ٤/ ٣٩٧، \"الدر المنثور\" ٤/ ١٨٢ وعزاه إلى ابن أبي حاتم.\n(٢) ورد في \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٤٨ أ، بنصه عن ابن عباس، وأخرجه عبد الرزاق ٢/ ٣٤٨ عن قتادة بمعناه، وانظر: \"تفسير البغوي\" ٤/ ٣٧٨ عن ابن عباس، الخازن ٣/ ٩٤ عن ابن عباس، \"الدر المنثور\" ٤/ ١٨٢ وعزاه إلى ابن أبي حاتم عن قتادة، ولم أقف عليه منسوبًا إلى الحسن.\n(٣) ما أشار إليه هنا جزء من خبر طويل مروي عن ابن عباس وبعض الصحابة، أخرجهما الطبري من طريقين، وأشار إلى التعارض بين الروايتين، ثم قال: وهذا إذا تدبره ذو فهم، علم أن أوله يفسد آخره، وأن آخره يبطل معنى أوله، وأورد ابن كثير الروايتين، وعقَّب على رواية ابن عباس -والتي فيها أنه مكث أربعين ليلة جسدًا- قائلًا: هذا سياق غريب، وفيه أشياء فيها نظر يطول مناقشتها، وهذا الإسناد إلى ابن عباس يروى به تفسير مشهور، وقال بعد الرواية الأخرى - والتي فيها أنه مكث أربعين سنة جسدًا: فهذا الإسناد إلى هؤلاء الصحابة مشهور في تفسير السُّدي، ويقع فيه إسرائيليات كثيرة، فلعل بعضها مدرج ليس من كلام الصحابة، أو أنهم أخذوه من بعض الكتب المتقدمة والله أعلم. انظر: \"تفسير الطبري\" ١/ ٢٠١ - ٢٠٢، وما بعدها، \"العظمة\" ص ٤٥٣ عن ابن زيد، \"تفسير السمرقندي\" ١/ ١٠٨، ابن كثير ١/ ٧٤ وما بعدها، وأورد السوطي في الدر المنثور رواية ابن عباس ١/ ٩٣ - ١٠٠، وأورد الرواية الأخرى عن ابن مسعود =","vol":"12","page":592},{"text":"وقال آخرون الصلصال المنتن، من قولهم: صلَّ اللحمُ وأصلَّ، إذا (١) أنْتَن وتغيَّر، ومنه قول الشاعر (٢):\nرأيْتُكمُ بَنِي الْخَذْوَاءِ لمّا دَنَى ... الأضْحَى وصَلَّلَتِ اللِّحَامُ (٣)\n_________\n= مسعود وغيره، وزاد نسبته إلى البيهقي وابن عساكر ١/ ١١٦ ومما يؤيّد رد هذا القول -إضافة إلى انتقاد ابن جرير وابن كثير لأصل الخبر- التعارض بين الروايتين في المدة التي مكثها آدم قبل أن ينُفخ فيه الروح، فإحدى الروايتين ذكرت أنها أربعين ليلة، والأخرى ذكرت أنها أربعين سنة، والغريبُ أن قضية مُكْث أدم فترة قبل نفخ الروح فيه ثابته بالحديث الصحيح، لكن دون تعيين هذه الفترة أو مكان المُكث - في الظل أو الشمس. فعن أنس (أن رسول الله -ﷺ- قال: لمّا صوَّر اللهُ آدمَ في الجنّة تركه ما شاء الله أن يتركه، فجعل إبليس يُطيف به ينظر ما هو، فلما رآه أجوف عَرف أنه خُلِقَ خلقًا لا يتمالك) رواه مسلم (٢٠٦١١) كتاب: البر والصلة، باب: خلق الإنسان، ومعنى لا يتمالك: أي لا يملك نفسه ويحبسها عن الشهوات، وقيل لا يملك دفع الوسواس عنه، وقيل لا يملك نفسه عند الغضب، والمراد جنس بني آدم. \"صحيح مسلم بشرح النووي\" ١٦/ ١٦٤.\n(١) \"تهذيب اللغة\" (صل) ٢/ ٢٠٤٦ بنصه.\n(٢) هو أبو الغُول الطُّهَوي شاعر إسلامي من بني طهيّة.\n(٣) ورد في: \"نوادر أبي زيد\" ص ٤٣٣ وفيه: (أتى) بدل (دنى)، \"تهذيب إصلاح المنطق\" ص ٤١٦، \"اللسان\" (لحم) ٧/ ٤٠١٠، (خذا) ١٤/ ٢٢٥، (ضحا) ٥/ ٢٥٦٠، وورد بلا نسبة في: \"إصلاح المنطق\" ص ١٧١، ٢٩٨، ٣٦٠، \"المذكر والمؤنث\" للأنباري ١/ ٢٦٣، \"تهذيب اللغة\" (ضحا) ٣/ ٢٠٩٦، \"مقاييس اللغة\" ٣/ ٣٩٢ (عجز)، \"مجمل اللغة\" ١/ ٥٧٤ (عجز)، \"الصحاح\" (ضحا) ٦/ ٢٤٠٧، \"المخصص\" ١٣/ ٩٩، ١٧/ ٢٦. (الخذواء) المسترخية، وأصل الخذا: استرخاءُ الأذن، يقال: أذن خذواء: مسترخية، (اللحام) جمع لحم، (صلّلت) أنتنت، قال الشاعر البيت وهو يهجو قومًا، يوضحه البيت الثاني وهو:\nتبَاعَدْتُمْ بِؤدكمُ وقلْتُمْ ... لَعَكٌّ مِنْكَ أقْربُ أو جُذَامُ\nيقول لهم: لمَّا كثرت اللحوم فشبعتم واستغنيتم، توليتم بودّكم عنّي، ومعنى قوله =","vol":"12","page":593},{"text":"وقال زهير:\nتُلَجْلِجُ مُضْغَةً فيها أَنِيضٌ ... أَصَلَّتْ فهي تَحْتَ الكَشْحِ داءُ (١)\nقال ابن الأنباري: والأصل في صَلْصَال صَلاَل، فأبدلت الصاد من اللام الثانية، ومنه كثير، وهو قول مجاهد، قال: الصلصال المنتن (٢)، واختاره الكسائي (٣).\n_________\n= (لعكٌّ منك أقرب أو جذامُ) يريد أنهم أنكروه حين شبعوا، وأظهروا أنهم لا يعرفونه، فسألوه عن نسبه فقالوا: أأنت من جُذامٍ أم من عكٍ؟ وهما قبيلتان من قبائل اليمن، وهو من تميم، وإنما أنكروه لئلا يقوموا بحقه، فهو يصفهم بالبخل، وإن كان الشيء الذي سألهم كثيرًا عندهم.\n(١) \"شرح ديوان زهير\" ٨٢، وورد في \"العين\" ٧/ ٦٢، \"جمهرة اللغة\" ٣/ ١٢٦٠، \"تهذيب اللغة\" (لج) ٤/ ٢٧٣٢، (أنض) ١/ ٢١٨، \"مقاييس اللغة\" ١/ ١٤٥، ٥/ ٢٠١، \"اللسان\" (لجج) ٧/ ٤٠٠٠، (أنض) (٧/ ١١٥)، (صلل) ٤/ ٢٤٨٧، \"التاج\" \"أنض\" ١٠/ ١٠، (لجْلَج): ردّد، ومنه: لجْلج اللقمة في فِيهِ، أدارها من غير مضْغٍ ولا إساغةٍ، (أنيض) يقال: لحمٌ أنيضٌ: إذا بقي فيه نُهُوءةٍ؛ أي لم يَنْضَجْ، وآنَضْتُه إيناضًا، أي أنضَجْتُه فنضِجَ، (الكشح) قال الليث: هو ما بين الخاصرة إلى الضِّلَعِ الخَلْف، قال الأزهري: هما كشْحان؛ وهو موقع السيف من المتقَلِّد، وقيل الكشْحان جانبا البطن من ظاهر وباطن، وقيل غير ذلك، يقول: أخذت هذا المال، فأنت لا تأخذه ولا تردُّه كما يُلجلجُ الرجلُ المضغة، فلا يبتلعها ولا يلقيها. انظر: (كشح) في: \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣١٤٦.\n(٢) الذي ورد في \"تفسير مجاهد\" ص ٣٤١ قال: الصلصال: الطين، والحمأ المسنون: المنتن، ورواية الواحدي أخرجها الطبري ١٤/ ٢٨ بلفظها، ووردت في: \"تفسير هود الهواري\" ٢/ ٤٤٧ بلفظه، والثعلبي ٢/ ١٤٨ أبلفظه، والماوردي ٣/ ١٥٧ بلفظه، والطوسي ٦/ ٣٣١ بلفظه، \"تفسير البغوي\" ٤/ ٣٧٨، وابن الجوزي ٤/ ٣٩٧، و\"تفسير القرطبي\" ١٠/ ٢١، والخازن ٣/ ٩٤، وابن كثير ٢/ ٦٠٦.\n(٣) ورد في \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٤٨ أ، \"تفسير البغوي\" ٤/ ٣٧٨، ابن الجوزي ٤/ ٣٩٧، \"تفسير القرطبي\" ١٠/ ٢١، الخازن ٣/ ٩٤.","vol":"12","page":594},{"text":"وقوله تعالى: ﴿مِنْ حَمَإٍ﴾، قال ابن الأنباري: (من) هاهنا مفسرة لجنس الصلصال؛ كما تقول: أخذت هذا من رجل من العرب.\nوأما: الحَمَأُ، فقال الليث: الحَمَأةُ بوزن فَعَلة والجميع الحَمَأُ (١)، وهو الطين الأسود المنتن (٢).\nوقال أبو عبيدة والأكثرون: حَمَأ (٣) تقديرها: حَمْأة (٤)، وأنشد لأبي الأسود (٥):\n_________\n(١) \"تفسير الفخر الرازي\" ١٩/ ١٨٠، و\"تفسير أبي حيان\" ٥/ ٤٤٣، و\"الدر المصون\" ٧/ ١٥٦.\n(٢) ورد في \"العين\" ٣/ ٣١٢ بنصه، \"تفسير الطبري\" ١٤/ ٢٨ بنحوه، \"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢١٨ بنصه، والماوردي ٣/ ١٥٧ بنحوه، وانظر: \"تفسير القرطبي\" ١٠/ ٢١، الفخر الرازي ١٩/ ١٨٠، الخازن ٣/ ٩٤، أبي حيان ٥/ ٤٤٣، \"الدر المصون\" ٧/ ١٥٦.\n(٣) في جميع النسخ: (حمأة)، والتصويب من المصدر.\n(٤) \"مجاز القرآن\" ١/ ٤١٣ وعبارته: قال: (من حَمَأ) أي من طين متغير؛ وهو جميع حَمْأة، وضبطها المحقق بالتسكين، وهو الموافق للبيت الذي استشهد به، وهو القائل: ولا يُعرف في كلام العرب الحمْأة إلا ساكنة الميم؛ كما في \"تفسير أبي حيان\" ٥/ ٤٤٣، و\"الدر المصون\" ٧/ ١٥٦، لكن العريب أن صاحب \"اللسان\" نسب إليه تحريكها، فقال: وقال أبو عبيدة: واحدة الحَمَأ حَمَأة؛ كقَصَبة واحدة القَصب، وتبعه صاحب \"التاج\". انظر: (حمأ) في: \"اللسان\" ٢/ ٩٨٦، \"التاج\" ١/ ١٤٠ فلعلهما وَهِمَا.\n(٥) أبو الأسود ظالم بن عمرو بن سفيان الدُّؤلي البصري التابعي، أول من أسس النحو ووضع قواعده وأول من نقط المصحف، محدثًا فقيهًا شاعرًا سريع الجواب، كان ثقة في الحديث روى له البخاري ومسلم، حدّث عن علي وعمر وابن عباس -﵁- وشهد صفين مع علي -﵁- مات سنة (٩٩ هـ). انظر: \"أخبار النحويين البصريين\" ص ٣٣ \"طبقات النحويين واللغويين\" ص ٢١، \"تهذيب الألسماء واللغات\" ٢/ ١٧٥، \"إنباه الرواة\" ١/ ٤٨، \"تقريب التهذيب\" ص ٦١٩ رقم (٧٩٤٠)، \"البغية\" ٢/ ٢٢.","vol":"12","page":595},{"text":"لَعَمْرُكَ ما المَعِيْشَةُ بالتّمَنّي ... ولكنْ ألْق دَلْوَكَ في الدِّلاءِ\nتَجِيْءُ بِمِلاَها طَوْرًا وطَوْرًا ... تَجِيْءُ بِحَمْأَةٍ وقليلِ ماءِ (١)\nوالجمع حَمَأ، كما يقال تَمْرة وتَمْر، ونَخْلة ونَخْل، والحَمَأُ أصله المصدر، نحو الجَزَع والهَلَع، ثم يُسَمّى به، ولا يعرف في كلام العرب الحَمْأَة إلا ساكنة الميم (٢)، وهذا هو الصحيح، وقول الليث وهْم، ويُذْكر الفعل من هذا الحرف عند قوله: ﴿فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ [الكهف: ٨٦] إن شاء الله.\nوقوله تعالى: ﴿مَسْنُونٍ﴾ قال ابن السَّكِّيت: سمعت أبا عمرو يقول في قوله: ﴿مَسْنُونٍ﴾ أي متغيِّر (٣)، قال أبو الهيثم يقال: سُنَّ الماء فهو مَسْنُون،\n_________\n(١) \"ديوانه\" ص ١٢٦، وورد في \"المذكر والمؤنث\" للأنباري ١/ ٤١١ برواية:\nفما طلب المعيشة بالتّمنّي ... تجِئْكَ بِملْئها يومًا ويومًا\nوورد البيت الثاني فقط في \"مجاز القرآن\" ١/ ٤١٣ كرواية المذكر بخلاف (تجيء)، \"تفسير أبي حيان\" ٥/ ٤٤٣ كرواية الواحدي بخلاف (يجئك بملئها)، \"الدر المصون\" ٧/ ١٥٦ كالواحدي بخلاف (بملئها).\n(٢) انظر: \"العين\" (حمو) ٣/ ٣١٢، \"المقصور والممدود\" للفراء ص ٤٩، \"المحيط في اللغة\" (حمو) ٣/ ٢٢٩، \"الصحاح\" (حمأ) ١/ ٤٥، \"المفردات\" ص ٢٥٩، \"الأساس\" ص ١٤٠ \"عمدة الحفاظ\" ١/ ٥١٨،\"متن اللغة\" ٢/ ١٥٧، وقد وردت متحركة في \"العباب الزاخر\" للصغاني أ/ ٤٥ قال: الحَمَأُ والحَمَأَةُ: الطينُ الأسودُ، وكذا وردت ساكنة ومتحركة في \"التاج\" (حمأ) ١/ ١٤٠، ونسب تحريها إلى أبي على القالي في كتابه المقصور والممدود [لم أقف عليه]، وقال: الحَمَأُ: الطين المتغيِّر، مقصورٌ مهموزٌ، وهو جمع حَمَأَةٍ، كما يقال قَصَبَةٌ وقَصَبٌ، ومثله قال أبو عبيدة، ثم قال: وقال أبو جعفر: وقد تُسَكَّن الميمُ للضرورة في الضرورة، وهو قولُ ابنِ الأنبارىِ.\n(٣) ورد في \"تهذيب اللغة\" (سن) ١٢/ ٣٠١ بنصه، الغريب أنه أورد قولين لأبي عمرو لكنه نسب عبارة التهذيب لابن السِّكِّيت -كما ذكرها الأزهري- ولم ينسب عبارة إصلاح المنطق -التالية- لابن السكيت.","vol":"12","page":596},{"text":"أي: تغيِّر (١)، وقال ابن قتيبة: المسنون المتغير الرائحة (٢)، وقوله تعالى: ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ [البقرة: ٢٥٩] قال أبو عمرو الشيباني: أي لم يتغير، من وقوله: ﴿حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ (٣) ذكرنا ذلك في سورة البقرة [: ٢٥٩].\nقال الفراء: المسنون المتغيِّر؛ كأنه أخذ من: سَنَنْتُ الحَجَر على الحَجَر، إذا حككته عليه، والذي يخرج من بينهما يقال له: السَّنِين (٤)، وسُمِّي المِسَنُّ مِسَنًّا؛ لأن الحديد يتغير بِحَكِّكَ عليه (٥)، وعلى قوله يجب أن يكونَ المسنونُ المحكوكَ لا المتغيرَ، وهذا القول في الحمأ المسنون يقوي قول مجاهد في الصلصال؛ أنه المنتن، ومن قال: الصلصال الذي له صوت، قال: صُوِّرَ آدمُ من حمأ مسنون ثم جف فصار صلصالًا، هذا الذي ذكرنا أحد الأقوال في المسنون، واختار الزجاج هذا القول؛ مسنون: مُتَغَيِّر، وإنما أخذ من أنه على سُنَّةِ الطريق؛ لأنه إنما يتغير إذا قام بغير ماءٍ جارٍ (٦).\nوقال أبو عبيدة: المَسْنُون المصبوب (٧)، والسَّنُّ الصبُّ يقال: سنّ الماءَ على وجهه سنًا (٨)، وقال سيبويه: المسنون المصوَّر على صورة\n_________\n(١) \"تهذيب اللغة\" (سن) ١٢/ ٣٠١ بنصه.\n(٢) \"الغريب\" لابن قتيبة ص ٢٣٨ بلفظه.\n(٣) \"إصلاح المنطق\" ص ٣٥٢ بنصه.\n(٤) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٧٧٨ بنصه، وانظر: \"تهذيب اللغة\" ٢/ ٧٧٨ بنصه.\n(٥) \"تهذيب اللغة\" (سن) ٢/ ١٧٧٨ بمعناه، وقد نسبه الأزهري للفراء، ولم أجده في معانيه.\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ١٧٧٨ بنصه.\n(٧) \"مجاز القرآن\" ١/ ٣٥١ بلفظه.\n(٨) \"تهذيب اللغة\" (سن) ٢/ ١٧٧٨ بنحوه.","vol":"12","page":597},{"text":"ومثال، من سُنّة الوَجْه، وهي صورته (١).\nوروي عن ابن عباس أنه قال: المسنون الطين الرطب (٢)، وهذا يعود إلى قول أبي عبيدة؛ لأنه إذا كان رطبًا يسيل وينبسط على الأرض فيكون مسنونًا؛ كأنه مصبوب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1941>٢٧ </span>- قوله تعالى: ﴿وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ﴾ الآية. اختلفوا في الجآن مَنْ هو؟ فقال عطاء عن ابن عباس: يريد إبليس (٣)، وهو قول الحسن وقتادة ومقاتل، وقال ابن عباس: الجآن هو أبو الجن (٤)، وهو قول عامة المفسرين، وسُمِّي جانًا لتواريه عن الأعين، كما سُمِّي الجِن جنًّا لأنهم\n_________\n(١) لم أقف عليه في الكتاب، وهذه العبارة مطابقة لما في \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٤٨ أوالظاهر أنه اقتبسها منه، و\"تفسير الرازي\" ١٩/ ١٨٠، والشوكاني ٣/ ١٨٥.\n(٢) أخرجه الطبري ١٤/ ٣٠ بلفظه، من طريق علي بن أبي طلحة (أصح الطرق)، وورد في \"تهذيب اللغة\" (سن) ٢/ ١٧٧٨ بنحوه، البغوي ٤/ ٣٧٨ بنحوه، وابن الجوزي ٤/ ٣٩٨، والرازي ١٩/ ١٨٠، والقرطبي ١٠/ ٢١، والخازن ٣/ ٩٤، \"الدر المنثور\" ٤/ ١٨٢ وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(٣) ورد في \"تفسير مقاتل\" ١/ ١٩٦ب بلفظه، والثعلبي ٢/ ١٤٨ أ، عن قتادة ومقاتل، والماوردي ٣/ ١٥٨ عن الحسن \"تفسير البغوي\" ٤/ ٣٧٩ عن قتادة، وابن الجوزي ٤/ ٣٩٩ عن الحسن، وقتادة ومقاتل، والفخر الرازي ١٩/ ١٨٠ عنهم، و\"تفسير القرطبي\" ١٠/ ٢٣ عن الحسن، والخازن ٣/ ٩٥ عن قتادة، و\"تفسير أبي حيان\" ٥/ ٤٥٣ عن الحسن وقتادة، و\"الدر المنثور\" ٤/ ١٨٣ وزاد نسبته إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة.\n(٤) ورد بنصه في \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٤٨ أ، والماوردي ٣/ ١٥٨، وانظر: \"تفسير البغوي\" ٤/ ٣٧٩، وابن الجوزي ٤/ ٣٩٩ من طريق أبي صالح، والفخر الرازي ١٩/ ١٨٠، والخازن ٣/ ٩٥، وأبي حيان ٥/ ٤٥٣، و\"تنوير المقباس\" ص ٢٧٧، وورد غير منسوب في \"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢١٨، وأبي السعود ٥/ ٧٤، والشوكاني ٣/ ١٨٩.","vol":"12","page":598},{"text":"يتوارون عن أعين الناس، والجنين متوار في بطن أمه، ومعنى الجان في اللغة: الساتر، من قولك جنّ الشيء إذا ستره (١). فالجان الذي ذكر هاهنا يحتمل أنه سُمِّي جانًّا لأنه يستر نفسه عن أعين بني آدم، أو يكون من باب الفاعل الذي يراد به المفعول، كما يقول في: لابن وتامر، وماءٍ دافق، وعِيشة راضية، وقد ذكرنا في مواضع (٢).\nوقوله تعالى: ﴿خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ﴾ قال ابن عباس: يريد من قبل خلق آدم (٣).\nوقوله تعالى: ﴿مِنْ نَارِ السَّمُومِ﴾ اختلفوا في معنى (السموم)، فقال ابن عباس في رواية الكلبي: هي نارٌ لا دخان لها، والصواعق تكون منها، وهي نار بين السماء وبين الحجاب، فإذا أحدث الله أمرًا خرقت الحجاب فهوت إلى ما أُمرت، والهدَّة التي تسمعون خرق ذلك الحجاب (٤)، ونحو هذا القول سواء رَوَى الفراء عن الحسن (٥).\nوقال آخرون: من نار الريح الحارة، وهو قول ابن مسعود، قال: هذه السموم جزء من سبعين جزءًا من السموم التي خلق منها الجان، وتلا هذه\n_________\n(١) انظر: \"تهذيب اللغة\" (حسن) ١/ ٦٧١، \"المحيط في اللغة\" ٦/ ٤١٠، \"الصحاح\" (جنن) ٥/ ٣٠٩٤.\n(٢) منها عند تفسيره آية [٤٥] من سورة الإسرإء.\n(٣) \"تنوير المقباس\" ص ٢٧٧ بنصه، وورد غير منسوب في \"تفسير مقاتل\" ١/ ١٩٦ ب، و\"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢١٨، والثعلبي ٢/ ١٤٨ أ، والماوردي ٣/ ١٥٨، وابن الجوزي ٤/ ٣٩٩، و\"تفسير القرطبي\" ١٠/ ٢٣، والخازن ٣/ ٩٥.\n(٤) انظر: \"تفسير القرطبي\" ١٠/ ٢٣، وورد منسوبًا إلى الكلبي -نفسه- في \"تفسِر الماوردي\" ٣/ ١٥٩، و\"تفسير البغوي\" ٤/ ٣٧٩، وابن الجوزي ٤/ ٤٠٠.\n(٥) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٨٨.","vol":"12","page":599},{"text":"الآية (١).\nوعلى هذا فالريح الحارة فيها نار، ولها لفح وأُوار (٢)، على ما ورد في الخبر أنها من لفح جهنم، ومعنى السموم في اللغة: الريح الحارة تكون بالنهار وقد تكون بالليل، قيل: سُميت سمومًا لدخولها بلطف في مسام البدن، وهي الخروق الخفية التي تكون في جلد الإنسان، يبرزُ منها عَرقُهُ وبُخار باطنه (٣).\nقال الفراء: يقال أَسَمَّ يومنا هذا، إذا كانت فيه السموم، وإنه ليوم مُسِمٌّ، والعرب تقول: مَسْمُوْمٌ، ولا يُقَال: قد سُمّ، قال: وسمعت من يقول: قد سُمّ يومنا (٤).\n_________\n(١) \"أخرجه الطبري\" ١٤/ ٣٠ بنصه، والطبراني في \"الكبير\" ٩/ ٢٤٧ بنحوه، وورد في \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٤٨ أبنصه، والطوسي ٦/ ٣٣١، و\"تفسير ابن الجوزي\" ٤/ ٤٠٠، و\"تفسير القرطبي\" ١٠/ ٢٣، والخازن ٣/ ٩٥، وابن كثير ٢/ ٦٠٥، \"الدر المنثور\" ٤/ ١٨٣ - ١٨٤ وزاد نسبته إلى الطيالسي والفريابي وابن أبي حاتم والحاكم والبيهقي في الشعب، ولم أقف عليه فيهما.\nهذا القول ورد موقوفًا على ابن مسعود (كما في المصادر السابقة)، وروي عنه مرفوعًا في مسند البزار \"البحر الزجار\" ٥/ ٢٥٠ وإسناده ضعيف كما أشار إلى ذلك الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" ١٠/ ٣٨٨، وأخرجه ابن مردويه عنه مرفوعًا كما في \"تفسير الشوكاني\" ٣/ ١٨٩ - ١٩٠، والألوسي ١٤/ ٣٤.\n(٢) الأُوار بالضم: شدَّةُ حر الشمس ولفح النار ووهجها والعطش، وقيل الدُّخان واللهبُ. \"اللسان\" (أور) ١/ ١٦٩.\n(٣) انظر: \"المنتخب من غريب كلام العرب\" ١/ ٤٢٣، \"تهذيب اللغة\" (سم) ٢/ ١٧٦٢، و(سمم) في \"الصحاح\" ٥/ ١٩٥٤، و\"اللسان\" ٤/ ٢١٠٢، و\"عمدة الألفاظ\" ٢/ ٢٥٦.\n(٤) لم أجده في معانيه، وبعض هذا الكلام ورد في التهذيب منسوبًا إليه. انظر: \"تهذيب اللغة\" (سم) ٢/ ١٧٦٢.","vol":"12","page":600},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1942>٢٩ </span>- (١) قوله تعالى ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ﴾ قال الكلبي: يقول جصعت خلقه يعني عدلت صورته وسويته بالصورة الإنسانية (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ النفخ إجراء الريح في الشيء، والروح جسم رقيق يحيا به البدن، ونذكر الكلام فيها عند قوله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ [الإسراء: ٨٥] إن شاء الله، ولمَّا أجرى الله -﷿- الروح في بدن آدم على صفة إجراء الريح؛ كأن قد نفخ فيه الروح، وأضاف روح آدم إليه تكرمةً لِما كَرَّمه وشَرَّفه، وهي إضافة الملك.\nوقوله تعالى: ﴿فَقَعُوا لَهُ﴾ أمر من الوقوع، قال الكلبي: فَخروا له ساجدين سجدة تحية ولم تكن سجدة طاعة، ونحو هذا قال جميع المفسرين (٣)، وذكرناه وجه كيفية سجود الملائكة لآدم في سورة البقرة (٤)، ومعنى سجود التحية قد ذكرناه في قوله: ﴿وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾ [يوسف: ١٠٠]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1943>٣٠ </span>- قوله تعالى: ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ قال الخليل وسيبويه: (أجمعون) توكيد بعد توكيد (٥).\n_________\n(١) لم يفسر الآية: [٢٨].\n(٢) ورد مختصرًا بلا نسبة في \"تفسير الطبري\" ١٤/ ٣١، و\"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢١٨، والطوسي ٦/ ٣٣٢، و\"تفسير البغوي\" ٤/ ٣٨٠ وابن الجوزي ٤/ ٤٠٠، والفخر الرازي ١٩/ ١٨٢، و\"تفسير القرطبي\" ١٠/ ٢٤، والخازن ٣/ ٩٥، والشوكاني ٣/ ١٨٦ بنحوه.\n(٣) ورد غير منسوب في \"تفسير الطبري\" ١٤/ ٣١، و\"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢١٩، والثعلبي ٢/ ١٤٨ أ، والطوسي ٦/ ٣٣٢، \"تفسير البغوي\" ٤/ ٣٨٠، والفخر الرازي ١٩/ ١٨٢، و\"تفسير القرطبي\" ١٠/ ٢٤، والخازن ٣/ ٩٥.\n(٤) آية [٣٤].\n(٥) لم أقف عليه في الكتاب، وورد في \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٧٩ بنصه عنهما، \"إعراب القرآن\" للنحاس ٢/ ٣٨٠ بنصه عنهما، \"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢١٩ =","vol":"12","page":601},{"text":"وسُئل أحمد بن يحيى عن التوكيد بكلهم ثم بأجمعين في هذه الآية، فقال: لمَّا كانت كلهم تحتمل شيئين تكون مرة اسمًا ومرة توكيدًا، جاء بالتوكيد الذي لا يكون إلا توكيدًا (١). وسُئل المبرد عنها فقال: لو جاء: فسجد الملائكة، احتمل أن يكون سجد بعضهم، فجاء بقوله: ﴿كُلُّهُمْ﴾ لإحاطة الأجزاء، ولو جاء (كلهم) من غير ذكر أجمعين، لاحتمل أن يكونوا سجدوا كلهم في أوقات مختلفة، فجاءت (أجمعون) ليدل أن السجود كان منهم كلهم في وقت واحد، فدخلت (كلهم) للإحاطة ودخلت (أجمعون) لسرعة الطاعة (٢).\nوهذا معنى ما حكاه الزجاج عنه، فقال: وقال محمد بن يزيد: (أجمعون) يدل على اجتماعهم (٣) بالسجود، فسجدوا كلهم في حال واحد، ثم قال: وقول سيبويه والخليل أجود؛ لأن أجمعين معرفة، فلا تكون حالًا (٤).\n_________\n= بنصه عن الخليل، وانظر: \"تفسير ابن عطية\" ٨/ ٣٠٩، وابن الجوزي ٤/ ٤٠٠، والفخر الرازي ١٩/ ١٨٢، و\"الفريد في إعراب القرآن\" ٣/ ١٩٦، و\"تفسير الخازن\" ٣/ ٩٥.\n(١) في جميع النسخ: (توكيد) وهو خطأ نحوي ظاهر، وقد ورد قوله في \"تهذيب اللغة\" \"كل\" ٤/ ٣١٧٨ بنصه.\n(٢) ورد في \"تهذيب اللغة\" (كل) ٤/ ٣١٧٨ بنصه تقريبًا، وورد مختصرًا في \"إعراب القرآن\" للنحاس ٢/ ١٩٤، و\"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢١٩، و\"مشكل إعراب القرآن\" ٢/ ٧، و\"البسيط في شرح جمل الزجاجي\" ١/ ٣٨٣.\n(٣) في (ج): (اجماعهم).\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٧٩ بنصه، ويؤكد هذا أنه لو كان حالًا لا تأكيدًا للزمه النصب، كما أن الحال تكون نكرة و(أجمعون) معرفة. انظر: \"مشكل إعراب القرآن\" ٢/ ٧، \"الفريد في إعراب القرآن\" ٣/ ١٩٧.","vol":"12","page":602},{"text":"قال النحويون: (كل) و(أجمعون) إذا أُكِّدَ بهما وجب تقديم (كل) على (أجمعين) (١)؛ لأن كلًا قد تستعمل مبتدأة كقولك: كلهم منطلقون، ولا يجوز أن يقول: أجمعون (منطلقون، فلما كانت (كل) قد استعملت مبتدأة ليس قبلها ما تتبعه، وكان أجمعون) (٢) لا تستعمل إلا تابعًا، وجب أن تتقدم الأقوى؛ أعني كل، وأجمعون من ظَرِيْفِ المعرفة؛ لأن أجمع بمنزلة زيد؛ في أن كل واحد منهما تعريفه بالوضع دون الألف واللام، ودون الإضافة ودون الإشارة، فإذا جمعته كان أيضًا معرفة؛ لأن جمعه أقيم مقام إضافته، وكان الأصل أن يقول: مررت بالقوم بأجمعهم، فحذف لفظ الضمير وأقيم الجميع (٣) بالواو والنون مقامه؛ وذلك أن أجمع على وزن أفعل، ومن شرط أفعل إذا أضيف إلى شيء أن يكون بعضه، فلو قالوا: مررت بالقوم أجمعهم، لتُوِهَّم أن (٤) أجمع بعض القوم، وإنما غرضهم أن يخبروا عن جميع القوم، فلذلك عدلوا عن إضافة أجمع في اللفظ، فأتوا بالواو والنون ليدلوا بذلك على استغراق المذكورين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1944>٣١ </span>- وقوله تعالى: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ﴾ أجمعوا على أن إبليس كان مأمورًا بالسجود لآدم، واختلفوا في أنه هل كان من الملائكة أم لا؟ على ما ذكرنا في سورة البقرة، فمن قال: كان من الملائكة، جعل هذا الاستثناء من الجنس، ومن قال: لم يكن، جعله من الاستثناء المنقطع كما ذكرنا في\n_________\n(١) انظر: \"شرح ابن عقيل\" ٣/ ٢٠٩، \"البسيط في شرح جمل الزجاجي\" ١/ ٣٨٠، \"أوضح المسالك\" ٣/ ٣٣١.\n(٢) ما بين القوسين ساقط من (أ)، (د).\n(٣) (ش)، (ع): (الجمع).\n(٤) (أن) ساقطة من (أ)، (د).","vol":"12","page":603},{"text":"سورة البقرة، ومن جنس هذا يأتي الكلام عند قوله: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ [الكهف: ٥٠] إن شاء الله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1945>٣٢ </span>- قوله تعالى: ﴿مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ﴾ قال أبو إسحاق: موضع (أن) نصب بإسقاط (في) وإفضاء الناصب إلى (أن)، المعنى: أيّ شيءٍ يقع لك في أن لا تكون (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1946>٣٣ </span>- وقوله تعالى: ﴿قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ﴾ قال ابن عباس: يريد لحمًا ودمًا، وإبليس رُوحاني لا لحم ولا دم.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1947>٣٤ </span>- وقوله تعالى: ﴿قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء: يريد من جنة عدن، وقيل من السموات (٢)، وذكرنا هذا في سورة الأعراف (٣)، ومعنى الرجيم قد مضى ذكره في هذه السورة (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1948>٣٥ </span>- قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ﴾ قال ابن عباس: بريد يوم الجزاء، حيث يجازى العباد بأعمالهم (٥)؛ مثل قوله: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤] وقال الكلبي: يلعنك أهل السماء وأهل الأرض إلى يوم الحساب (٦)؛ لأنه أول من عصى الله، وقال أهل المعاني:\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٧٩ بنصه.\n(٢) ورد بنصه غير منسوب في: \"تفسير الفخر الرازي\" ١٩/ ١٨٣، \"تفسير القرطبي\" ١٠/ ٢٦، الخازن ٣/ ٩٦، وهو قول غريب؛ لأن الآيات صريحة على أنهم -آدم وحواء وإبليس- كانوا في الجنة، ومنها أخرجوا وأهبطوا، لا من مطلق السماء.\n(٣) آية: [١٣].\n(٤) آية [١٧].\n(٥) \"تفسير الفخر الرازي \" ١٩/ ١٨٣ بنصه، \"تنوير المقباس\" ص ٢٧٨ بمعناه.\n(٦) ورد غير منسوب في: \"تفسير هود الهواري\" ٢/ ٣٤٨، و\"تفسير البغوي\" ٤/ ٣٨١ غير منسوب للكلبي، الخازن ٣/ ٩٦.","vol":"12","page":604},{"text":"إن الله ﷿ قد لعنه والمؤمنون، لعنة لازمة إلى يوم الدين، ثم يحصل حينئذ على الجزاء بعذاب النار، فمعنى التوقيت بيوم الدين، أنه يكون ملعونًا مبعدًا عن رحمة الله من غير عذاب النار إلى يوم الدين، ثم يضم له عذاب النار مع اللعنة يوم الدين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1949>٣٨ </span>- قوله تعالى: ﴿إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾ قال ابن عباس: يريد النفخة الأولى حين تموت الخلائق (١)، قال الكلبي: إذا نفخ النفخة الأولى مات الخلائق كلهم ومات إبليس معهم (٢)، وإنما سمي الوقت المعلوم؛ لأنه (٣) تموت (فيه الخلائق وإبليس، واسْتَنْظر إبليس) (٤) إلى (٥) يوم القيامة لئلا يموت؛ إذ يوم القيامة لا يموت فيه أحد، فلم يُجَبْ إلى ذلك، وقيل له: (إلى يوم الوقت المعلوم)، وهو آخر أيام التكليف.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1950>٣٩ </span>- قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾ قال أبو عبيدة: معنى الباء هاهنا القَسَم (٦)، وقال غيره: هي بمعنى السبب (٧)، أي: بكوني غاويًا\n_________\n(١) ورد في \"تفسير الماوردي\" ٣/ ١٦٠ بنحوه، وأورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ١٨٤ وعزاه إلى ابن أبي حاتم وابن مردويه، وفيهما: (إبليس) بدل (الخلائق)، وانظر: \"تفسير القرطبي\" ١٠/ ٢٧ بنصه، والألوسي ١٤/ ٤٨، وورد بنصه غير منسوب في \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٤٨ب، و\"تفسير البغوي\" ٤/ ٣٨١ غير منسوب لابن عباس، والفخر الرازي ١٩/ ١٨٤، وأبي حيان ٥/ ٤٥٣.\n(٢) لم أقف عليه.\n(٣) في جميع النسخ (لا) فقط ولا معنى له، والمثبت تصويب من \"تفسير الوسيط\" ٢/ ٣٥٦.\n(٤) ما بين القوسين ساقط من (أ)، (د).\n(٥) في (أ)، (د): (إذ) والمثبت من (ش)، (ع).\n(٦) \"مجاز القرآن\" ١/ ٣٥١ بنحوه، وتقديره: بالذي أغويتني.\n(٧) انظر: \"تفسير ابن عطية\" ٨/ ٣١٣، \"تفسير الزمخشري\" ٢/ ٣١٤، \"الفريد في إعراب القرآن\" ٣/ ١٩٨، الخازن ٣/ ٩٦، أبي السعود ٥/ ٧٨، الألوسي ١٤/ ٤٩.","vol":"12","page":605},{"text":"لأزينن لقولك؛ بمعصيتة لَيَدْخُلُنَّ النار، وبطاعته ليدخلنّ الجنة، والكلام في الإغواء وفي هذه الباء، وأكثر هذه القصة مذكور في سورة الأعراف (١)\nوقوله تعالى: ﴿لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ في الْأَرْضِ﴾ يعني: لأولاد آدم، ومفعول التزيين محذوف على تقدير: لأزينن لهم الباطل حتى يقعوا فيه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1951>٤٠ </span>- قوله تعالى: ﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٤٠)﴾ أي الذين أخلصوا دينهم وعبادتهم لك عن كل شائب يناقض الإيمان والتوحيد، ومن فتح اللام (٢) فمعناه: الذين أخلصهم الله بالهداية والتوفيق والعصمة، قال ابن عباس في هذه الآية: يريد الذين عصمتَهم وأخلصتَهم وأخلصوا لك (٣)، قال المفسرون: يعني المؤمنين (٤)؛ وذلك أنه لا سلطان لإبليس على المؤمن بالإغواء، وإنما يكون سلطانه على من عدل عن الهدى، كقوله: ﴿إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ﴾ [النحل: ١٠٠] فكأن إبليس قال: لأزشن لهم ولأغوينهم أجمعين، إلا من عصمته بالإخلاص فإني لا أقدر على إغوائه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1952>٤١ </span>- فقال الله تعالى: ﴿هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ﴾ يعني: الإخلاص والإيمان طريق عليّ واليّ، أي: أنه يؤدي إلى جزائي وكرامتي فهو طريق عليّ، وهذا معنى قول مجاهد قال: الحق يرجع إلى الله وعليه طريقه لا\n_________\n(١) آية [١٦].\n(٢) هم نافع وعاصم وحمزة والكسائي. انظر: \"السبعة\" ص ٣٤٨، \"إعراب القراءات السبع وعللها\" ١/ ٣٠٩، \"المبسوط في القراءت\" ص ٢٠٩، \"شرح الهداية\" ٢/ ٣٧٥، \"الإتحاف\" ص ٢٧٤.\n(٣) لم أقف عليه بنصه، وفي \"تنوير المقباس\" قال: المعصومين مني. ص ٢٧٨.\n(٤) أخرجه الطبري عن الضحاك ١٤/ ٣٣ بلفظه، وذكره الثعلبي ٢/ ١٤٨ ب، بلفظه، وانظر: \"تفسير البغوي\" ٤/ ٣٨١، الخازن ٣/ ٩٦.","vol":"12","page":606},{"text":"يُعَرِّج على شيء (١)، ونحو هذا قال الحسن: يقول هذا صراط إليّ مستقيم (٢)، فعلى هذا الإشارة في قوله تعود إلى ذكر الإخلاص، وقال الفراء: يقول مرجعهم إليّ فأجازيهم، لقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ [الفجر: ١٤] قال: وهذا كما يقول في الكلام: طريقك، عليّ فأنا على طريقك، لمن أوعدته (٣)، فهذا معنى قول الكلبي (٤)، والكسائي قال: فكان معنى الكلام: هذا طريق مرجعه إليّ فأجازي كلًا بأعمالهم (٥)، وعلى هذا\n_________\n(١) \"تفسير مجاهد\" ص ٣٤١ بنصه، وأخرجه الطبري ١٤/ ٣٣ بنصه، وورد في \"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ٢٦، \"تفسير هود الهواري\" ٢/ ٣٩٤، والماوردي ٣/ ١٦١، وانظر: \"تفسير القرطبي\" ١٠/ ٢٨، الخازن ٣/ ٩٦، \"الدر المنثور\" ٤/ ١٨٤ وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم، ومعنى (لا يعرِّج على شيء) أي لا يميل، لقولهم: عرَّج النهرَ، أي: أماله، وعرَّج عليه، أي: عَطَفَ انظر: \"التاج\" (عرج) ٦/ ٩٤، وقد ذكر ابن القيم قول مجاهد هذا وقال: وهذا مثل فول الحسن وأبين منه، وهو من أصح ما قيل في الآية. \"التفسير القيم\" ص ١٥، وقول الحسن الذي أشار إليه هو التالي لهذا القول.\n(٢) ورد في \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٤٨ ب بنصه، وأخرجه الطبري ١٤/ ٣٤ بنحوه، وورد في \"تفسير الماوردي\" ٣/ ١٦١، و\"تفسير الفخر الرازي\" ١٩/ ١٨٩، والخازن ٣/ ٩٦. ذكر ابن القيم قول الحسن ثم قال: وهذا يحتمل أمرين؛ أن يكون أراد به أنه من باب إقامة الأدوات بعضها مقام بعض؛ فقامت أداة (على) مقام إلى، والثاني: أنه أراد التفسير على المعنى؛ وهو الأشبه بطريق السلف؛ أي صراط موصل إليّ. \"التفسير القيم\" ص ١٥.\n(٣) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٨٩ بتصرف يسير.\n(٤) لم أقف عليه.\n(٥) ورد في \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٤٨ ب بنصه، وانظر: \"تفسير الشوكاني\" ٣/ ١٨٨، صديق خان ٧/ ١٧٠، وأورد ابن القيم قول الفراء السابق ونسبه للكسائي، وقال إنه على التهديد والوعيد؛ تريد إعلامه أنه غير فائت لك ولا معجز، ثم ردَّه قائلًا: والسياق يأبى هذا، ولا يناسبه لمن تأمله. انظر: \"التفسير القيم\" ص ١٦.","vol":"12","page":607},{"text":"الإشارة في قوله: ﴿هَذَا﴾ يعود إلى طريق العبودية.\nوقال بعض أهل المعاني: لمَّا ذَكر إبليسُ أنه يغوي بني آدم إلا من عصمه الله بتوفيقه، تضمن هذا الكلام تفويض الأمر إلى الله تعالى وإلى إرادته (١)، فقال الله تعالى: ﴿هَذَا﴾ أي تفويض الأمر إلى إرادتي ومشيئتي طريق عَليَّ مستقيم، ويؤكد هذا التأويل قراءة مَنْ قرأ: ﴿عُليَّ﴾ بضم الياء (٢)، وهو مدح لذلك الطريق؛ أي: أن طريق التفويض والإيمان بالقَدَر طريق رفيع مستقيم (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1953>٤٢ </span>- قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ قال ابن عباس: استأثر الله عبادًا واصطنعهم لنفسه، فأخبر إبليسَ باصطناعه إيّاهم، وققال: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ أي: قوة وحجة في إغوائهم ودعائهم إلى الشرك والضلال. وقال سفيان بن عيينة: هؤلاء ثنية (٤) الذين هداهم\n_________\n(١) ذكر الفخر الرازي هذا الكلام بنصه قائلًا: قال بعضهم، \"تفسير الفخر الرازي\" ١٩/ ١٨٩.\n(٢) هم: قيس بن عباد، وابن سيرين، وقتادة، ويعقوب وغيرهم، والقراءة من العشر، وفي إيراد ابن جني لها في المحتسب ما قد يوهم أنها شاذة وليس كذلك. انظر: \"تفسير الطبري\" ١٤/ ٣٣، \"المحتَسَب\" ٣/ ٢، \"المُوضَح في وجوه القراءات\" ٢/ ٧٢٠، \"النشر\" ٢/ ٣٠١.\n(٣) انظر: \"تفسير الطبري\" ١٤/ ٣٣ مختصرًا عن ابن سيرين، \"علل القراءات\" ١/ ٢٩٦، \"المُوضَح في وجوه القراءات\" ٢/ ٧٢٠، \"تفسير الفخر الرازي\" ١٩/ ١٨٩ وقد نقل هذا القول بنصه ونسبه للواحدي.\n(٤) أي استثناء، ومنه قول كعب: الشهداء ثنية الله في الأرض، يتأول قول الله تعالى: ﴿وَنُفِخَ في الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ في السَّمَاوَاتِ وَمَنْ في الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ الله﴾ [الزمر: ٦٨] فالذين استثناهم من الصعق -عند كعب- الشهداء. انظر: \"تهذيب اللغة\" (ثنى) ١/ ٥٠٧.","vol":"12","page":608},{"text":"واجتباهم (١)، وقال الكلبي: هؤلاء هم الذين استثنى إبليس (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1954>٤٣ </span>- قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ قال ابن عباس: يريد إبليس وأشياعه ومن تبعه من الغاوين (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1955>٤٤ </span>- ﴿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ﴾ قال: يريد لها سبعة أطباق؛ طبق فوق طبق، وقال الفراء: السبعة الأبواب أطباقٌ بعضها فوق بعض (٤)، وهذا قول الحسن وقتادة وابن جريج (٥)، قال علي بن أبي طالب: إن الله تعالى وضع النيران بعضها فوق بعض، فأبوابها كإطباق اليد على اليد (٦)، ﴿لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ﴾ أي من أتباع إبليس جزء مقسوم، الجزء بعض الشيء، والجميع\n_________\n(١) ورد في \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٤٨ ب، بنصه وهو جزء من قوله؛ قال: معناه ليس لك عليهم سلطان تلقيهم في ذنب يضيق عنه عفوي، وهؤلاء ثنية الله ..، \"تفسير البغوي\" ٤/ ٣٨٢، وابن عطية ٤/ ٤٠٢، و\"تفسير القرطبي\" ١٠/ ٢٨، والخازن ٣/ ٩٦.\n(٢) \"تفسير الفخر الرازي\" ١٩/ ١٩٠.\n(٣) \"تفسير الفخر الرازي\" ١٩/ ١٩٠، وورد نحوه غير منسوب في \"تفسير الطبري\" ١٤/ ٣٥، و\"تفسير البغوي\" ٤/ ٣٨٢، و\"تفسير القرطبي\" ١٠/ ٣٠.\n(٤) \"معاني القرآن\" اللفراء ٢/ ٨٩ بنصه.\n(٥) أخرجه الطبري ١٤/ ٣٥/ ٣٦ - بمعناه عن قتادة وابن جريج، وورد في \"تفسير الطوسي\" ٦/ ٣٣٨ عنهم، \"تفسير البغوي\" ٣/ ٥١، والفخر الرازي ١٩/ ١٩٠ كلاهما عن ابن جريج.\n(٦) أخرجه أحمد في \"الزهد\" ص ١٩٢ بنحوه، وابن أبي شيبة في \"المصنف\" ٧/ ٧٣ بنحوه، والطبري ١٤/ ٣٥ بنحوه من عدة طرق، والبيهقي في \"البعث\" ص ٢٦٨، بنحوه، وورد في \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٤٨ ب، بنحوه، \"تفسير البغوي\" ٤/ ٣٨٢، وابن عطية ٤/ ٤٠٣، و\"تفسير القرطبي\" ١٠/ ٣٠، وابن كثير ٢/ ٦٠٧، وأورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ١٨٥ وزاد نسبته إلى ابن المبارك وهناد وعبد بن حميد، وابن أبي الدنيا في صفة النار، وابن أبي حاتم.","vol":"12","page":609},{"text":"الأجزاء، وجزأته: جعلته أجزاء (١)، وهذا وعيد لأتباع الشيطان بالعذاب في جهنم بين أطباق النيران، قال الضحاك في هذه الآية: هي سبعة أدراك بعضها فوق بعض؛ فأعلاها فيه أهل التوحيد يعذبون على قدر أعمالهم ثم يخرجون، والثاني فيه اليهود، والثالث فيه النصارى، والرابع فيه الصابئون، والخامس فيه المجوس، والسادس فيه مشركو العرب، والسابع فيه المنافقون (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1956>٤٥ </span>- (قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ﴾ قال ابن عباس: يريد الخائفين من الله الموحدين الذين لم يتخذوا له شريكًا، وقال الكلبي عنه: إن المتقين للفواحش والكبائر (٣)، ﴿في جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ يعني: عيون الماء والخمر) (٤) (٥).\n_________\n(١) انظر: \"تهذيب اللغة\" (جزأ) ١/ ٥٩٥، \"المحيط في اللغة\" (جزأ) ٧/ ١٥٢، \"العباب الزاخر\" أ / ٣٣، \"تفسير الفخر الرازي\" ١٩/ ١٩١ نقل هذا القول بنصه بلا نسبة.\n(٢) ورد في \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٤٨ ب بنصه، \"تفسير البغوي\" ٤/ ٣٨٢ - ٣٨٣، وابن عطية ٤/ ٤٠٣، والفخر الرازي ١٩/ ١٩٠، وابن كثير ٢/ ٦٠٧، وأورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ١٨٦ وعزاه إلى ابن أبي حاتم. لا خلاف في أن للنار سبعة أبواب، لكنّ تقسيم أهل النار على الأبواب بهذا التفصيل يفتقر إلى خبر صحيح عن الرسول -ﷺ- وهو ما لم أقف عليه، ولم يذكره القرطبي في التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة، ولا ابن رجب في التخويف من النار.\n(٣) \"تفسير الفخر الرازي\" ١٩/ ١٩١، والألوسي ١٤/ ٥٦، وورد بنحوه غير منسوب في: \"تفسير القرطبي\" ١٠/ ٣٢، والخازن ٣/ ٩٧.\n(٤) هذا تخصيص بلا دليل، والأولى حمله على عمومه، فإن كان القصد البيان والتمثيل، فيقال. عيون من الماء والخمر.\n(٥) ما بين القوسين ساقط من (أ)، (د).","vol":"12","page":610},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1957>٤٦ </span>- قوله تعالى: ﴿ادْخُلُوهَا﴾ أي: يقال لهم ادخلوها بسلام، أي بسلامة، قال ابن عباس: سلموا من سخط الله وأَمِنُوا عذاب جهنم والموت (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1958>٤٧ </span>- قوله تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا في صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ﴾ يُروى أن المؤمنين يُحبَسون على باب الجنة فيقتص لبعضهم، ثم يؤمر بهم إلى الجنة وقد نُقُّوا وهُذِّبوا (٢)، فخلصت نياتُهُم من الأحقاد، وهذا مما سبق تفسيره في سورة الأعراف (٣).\nوقوله تعالى: ﴿إِخْوَانًا﴾ قال الزجاج: منصوب على الحال (٤)، والكلام في الإخوان ذكرناه في قوله: ﴿فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ [آل عمران: ١٠٣]\nوقوله تعالى: ﴿عَلَى سُرُرٍ﴾، السَّريرُ معروف، والعدد أسِرة، والجميع السُّرُر (٥)، قال أبو عبيدهَ: يقال سُرُر وسَرر بفتح الراء، وكل فعيل من المضاعف فإن جمعه فُعُل وفُعَل؛ نحو: سُرُر وجُرُر، وسُرَر وجُرَر (٦)، قال\n_________\n(١) ورد في تفسيره \"الوسيط\" تح: سيسي ٢/ ٣٥٧ بنصه تقريبًا.\n(٢) يشير إلى الحديث الصحيح الوارد في ذلك؛ قال رسول الله -ﷺ-: \"إذا خلص المؤمنون من النار حُبِسوا بقنطرة بين الجنة والنار، فيتقاصُّون مظالم كانت بينهم في الدنيا، حتى إذا نُقُّوا وهُذِّبوا أُذن لهم بدخول الجنة\" أخرجه البخاري (٢٤٤٠) كتاب: المظالم، باب: قصاص المظالم، والطبري ١٤/ ٣٧.\n(٣) آية [٤٣]، وانظر: \"البسيط\" تح الفايز ٢/ ٦٦٥.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٨٠ بنصه.\n(٥) ورد في \"تهذيب اللغة\" (سر) ٢/ ١٦٧١ بنصه، وانظر: (سر) في \"المحيط في اللغة\" ٨/ ٢٤٠، \"مجمل اللغة\" ١/ ٤٥٨، \"الصحاح\" ٢/ ٦٨٢.\n(٦) \"مجاز القرآن\" ١/ ٣٥١ بتصرف.","vol":"12","page":611},{"text":"المفضل: بعض تميم وكلب (١) يفتحون؛ لأنهم يستثقلون ضمتين متواليتين في حرفين من جنس واحد، وقال بعض أهل المعاني: السرير مجلسُ سُرُوُر، قال الليث: وسَريرُ العيش: مستقرُّه الذي اطمأنَّ عليه خَفْضُه ودَعَتُه (٢)، وأنشد:\nوفارَقَ منها عِيشَةً غَيْدَقِيّةً ... ولمْ يَخْشَ يومًا أنْ يَزُولَ سِريرُها (٣)\nقال ابن عباس: يريد على سرر من ذهب مكللة بالزبرجد والياقوت والدُر؛ السرير مثل ما بين صنعاء إلى الجابية (٤)، وما بين\n_________\n(١) قبيلة كلب هم بنو كلب بن وبرة بن تغلب، بطن من قُضاعة، من القحطانية، كانوا ينزلون دُومة الجندل، وتبوك وأطراف الشام وُلد له: ثور، وكلد، وأبو حُباحب، ومن أضخم قبائل كلب: بنو كنانة بن بكر بن عوف، ينتهي نسبهم إلى ثور بن كلب، تفرع منها بطون ضخمة هم: بنو عدي، وزُهير، وعُليم. انظر: \"جمهرة أنساب العرب\" ص ٤٥٥، \"معجم قبائل العرب\" ٣/ ٩٩١.\n(٢) \"تهذيب اللغة\" (سر) ٢/ ١٦٧١ بنصه، وانظر: \"المحيط في اللغة\" (سر) ٨/ ٢٤٠، (الخَفْضُ): نقيضُ الرَّفع، وعيشٌ خَفْضٌ: أي في دَعَةٍ وخِصْبٍ. انظر: \"المحيط في اللغة\" (خفض) ٤/ ٢٣٧.\n(٣) ورد غير منسوب في: \"تهذيب اللغة\" (سر) ٢/ ١٦٧١، \"اللسان\" (سر) ٤/ ١٩٩١، \"التاج\" (سرر) ٦/ ٥١٥، وورد برواية: (دَغْفَلِيَّةً) بدل (غيدقية) في: \"الصحاح\" ٢/ ٦٨٢، \"مجمل اللغة\" ٣/ ٦٩٢، (غيدقية)؛ يقال: ماءٌ غدق، ومطرٌ مغدودِق: كثير، والغيدقُ: الناعم، (دغفليَّة)؛ الدغْفَلُ: الزَّمان الخَصِبُ، وريشٌ دغفلٌ: كثيرٌ، فالمعنى واحد بالروايتن. انظر: \"المحيط في اللغة\" (غدف) ٤/ ٥٢٨، (دغفل) ٥/ ١٦٩.\n(٤) الجابية: قرية من أعمال دمشق وبينها وبين حلب ستة فراسخ، وبالقرب منها تلٌّ يسمى الجاببة، وفي هذا الموضع خطب عمر بن الخطاب -﵁- خطبته المشهورة وهو في طريقه إلى إيليا. انظر: \"معجم البدان\" ٢/ ٩١، \"الروض المعطار\" ص ١٥٣.","vol":"12","page":612},{"text":"عدن إلى أيْلَة (١) (٢).\nوقوله تعالى: ﴿مُتَقَابِلِينَ﴾ التقابل: التواجه، وهو نقيض التدابر، قال ابن عباس: لا يرى (٣) بعضهم قفا بعض (٤)، حيث ما التفت رأى وجهًا يُحبُّه (٥) يقابله، وقال مجاهد: لا يرى الرجل من أهل الجنة قفا زوجته ولا زوجته قفاه (٦)؛ لأن الأسرة تدور بهم كيفما شاؤا حتى يكونوا في جميع أحوالهم متقابلين.\n_________\n(١) أَيْلة: بفتح أوله، على وزن فَعْلة، مدينة على رأس خليج العقبة من البحر الأحمر - الذي تشترك فيه الحدود المصرية والفلسطينية والأردنية والسعودية، قيل هي آخر الحجاز وأول الشام، وقيل وهي مدينة اليهود الذين حرّم الله عليهم صيد السمك يوم السبت فخالفوا، قيل: وقد سميت بأيْلة بنت مدين بن إبراهيم، وهي التي يطلق عليها اليهود اليوم: (ميناء إيلات).\nانظر: \"معجم ما استعجم\" ١/ ٢١٦، \"معجم البلدان\" ١/ ٢٩٢، \"أطلس العالم\" ص ٢٩.\n(٢) \"تفسير الفخر الرازي\" ١٩/ ١٩٣، \"تفسير القرطبي\" ١٠/ ٣٣، الخازن ٣/ ٩٧، الألوسي ١٤/ ٥٩.\n(٣) في (ش)، (ع): (ألا يرى)، بزيادة الألف.\n(٤) أورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ١٨٩ وعزاه إلى ابن المنذر وابن مردويه، وانظر: \"تفسير الشوكاني\" ٣/ ١٩٥.\n(٥) في (ج): (يحييه).\n(٦) ليس في تفسيره، وأخرجه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" ٧/ ٦٧ قال: لا ينظر بعضهم في قفا بعض، والطبري ١٤/ ٣٨، بنحوه، وورد في \"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ٢٨ بنحوه، وانظر: \"تفسير أبي حيان\" ٥/ ٤٥٧، وابن كثير ٢/ ٦٠٨، وأورده المسيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ١٨٩ وزاد نسبته إلى هناد وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"12","page":613},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1959>٤٨ </span>- قوله تعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ﴾ النّصَبُ: الإعياءُ والتعب، يقال نَصِبَ يَنْصَب، وأنْصَبَنِي هذا الأمرُ (١)، أي لا ينالهم فيها تعب، قال ابن عباس: مِثْلُ نصب الدنيا، إذا مشى نصب، وإذا جامع نصب (٢)، ﴿وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ قال: يريد خلودًا لا زوال فيه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1960>٤٩ </span>- قوله تعالى: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي﴾ أثبت الهمزة الساكنة في ﴿نَبِّئْ﴾ سورة ولم يثبت في ﴿دِفْءٌ﴾ (٣) و﴿جُزْءٌ﴾ (٤)؛ لأن ما قبلها ساكن فهي تحذف كثيرًا وتلغى حركتها على الساكن قبلها (٥)، فـ ﴿نبِّيْ﴾ في الخط على تخفيف الهمزة، وليس قبل همزة ﴿نَبِّئْ﴾ هو ساكن، فأخروها على قياس الأصل.\nوقوله تعالى ﴿أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ﴾ قال ابن عباس: يريد لأوليائي، ﴿الرَّحِيمُ﴾: بهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1961>٥٠ </span>- ﴿وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾ يريد لأعدائي.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1962>٥١ </span>- قوله تعالى: ﴿وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ﴾ هذه القصة قد مضى ذكرها في سورة هود (٦) والضيف في الأصل مصدر ضاف يَضِيف؛ إذا أتى\n_________\n(١) ورد بنحوه منسوبًا لليث في \"تهذيب اللغة\" (نصب) ٤/ ٣٥٨١، وانظر: \"المحيط في اللغة\" (نصب) ٨/ ١٥٩، \"مجمل اللغة\" ٣١/ ٨٧٠.\n(٢) انظر: \"تفسير الوسيط\"، تحقيق: سيسي ٢/ ٣٥٨.\n(٣) في قولى تعالى: ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ﴾ [النحل: ٥].\n(٤) في قوله تعالى: ﴿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ [الحجر:٤٤].\n(٥) انظر: \"أدب الكاتب\" ص ٢٦٦، \"الاقتضاب\" ص ١٦٨، \"القواعد الموحدة في الكتابه والإملاء\" ص ١٧.\n(٦) آية: [٦٩].","vol":"12","page":614},{"text":"إنسانًا لطلب القِرى، ثم يسمى به، ولذلك وحد اللفظ وهم جماعة (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1963>٥٢ </span>- ﴿إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا﴾ أي: سلموا سلامًا، فقال إبراهيم: ﴿إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ﴾ مختصر، وشرحه في قوله: ﴿قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ﴾ [هود: ٦٩] إلى قوله: ﴿وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً﴾ [هود: ٧٠] وقد مر، والوجل: الفزع، قال الكسائي: ومثله الواجل (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1964>٥٤ </span>- قوله تعالى: ﴿قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ﴾ معنى (على) هاهنا الحال؛ أي: على حالة الكبر، كقول النابغة:\nعلى حِينَ عَاتَبْتُ المَشِيبَ على الصِّبَا (٣)\nأي: في ذلك الوقت، ومعنى: ﴿مَسَّنِيَ الْكِبَرُ﴾ أي: بتغييره إيّاي عن حال الشباب التي أطمع فيها الولد إلى حال الهَرَمِ.\n_________\n(١) أصل الضيف مصدر بمعنى الميل؛ ومنه ضافت الشمس للغروب، أي مالت، وضاف السهم إذا عدل عن الهدف، ومنه الإضافة النحوية لأن فيها إضافة أحد الاسمين إلى الآخر على المجاز، وسمي الضيف ضيفًا لميله إلى من ينزلُ به، ولأن أصله مصدر استوى فيه الواحد والجمع، وقد يجمع فيقال: أضيافٌ وضُيوفٌ وضِيفانٌ. انظر: (ضيف) في \"المحيط في اللغة\" ٨/ ٥٢، \"مجمل اللغة\" ١/ ٥٧٠، \"الصحاح\" ٤/ ١٣٩٢، \"المفردات\" ص ٥١٣، \"عمدة الألفاظ\" ٢/ ٤٥٢.\n(٢) لم أقف عليه.\n(٣) وعجزه:\nوقُلتُ ألمَّا أصْحُ والشَّيبُ وازعُ\n\"ديوان النابغة الذبياني\" ص ٥٣، وورد في: \"الكتاب\" ٢/ ٣٣٠، \"جمهرة اللغة\" ٣/ ١٣١٥، \"الأضداد\" لابن الأنباري ص١٤٠، \"سر صناعة الإعراب\" ٢/ ٥٠٦، \"اللسان\" (وزع) ٨/ ٤٨٢٥، \"شرح شواهد المغني\" ٢/ ٨١٦، \"الخزانة\" ٦/ ٥٥٠، (المشيب):الشيب، (الصبا): بالكسر والقصر، اسم الصَّبوة، وهي الميل إلى هوى النفس، (أصح): من الصحو، وهو خلاف السكر، (وازع): ناهي وزاجر. يذكر الشاعر أنه بكي على الديار في حين مشيبه ومعاتبته لنفسه على طربه وصباه.","vol":"12","page":615},{"text":"وقوله تعالى: ﴿فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾ استفهام تعجب؛ كأنه عجيب من الولد على كبره، هذا معنى قول مجاهد (١)، وفَتْحُ النون في (تُبَشِّرُونَ) قرأه العامة (٢)، وهذه النون علامة للرفع، والفعل غير معدى إلى مفعول، وقرأ نافع بكسر النون (٣)، وذلك أنه عُدِّي إلى المضمر المنصوب؛ لأن المعنى عليه، فاجتمع نونان (٤)؛ إحداهما التي هي علامة للرفع، والثانية المتصلة بالياء التي المضمر المنصوب المتكلم، فاستثقل النونين فحذف أحدهما وأبقى الكسرة التي تدل على الياء المفعولة (٥)، وأنشد أبو عبيدة لأبي حَيّة النُّمَيريّ:\nأبِالمَوْتِ الذي لا بُدّ أنّي ... مُلاقٍ لا أبَاكِ تُخَوِّفِينِي (٦)\n_________\n(١) ونص قوله، قال: عجيب من كبره وكبر امرأته. وقد ورد في \"تفسيره\" ص ٤١٦، و\"أخرجه الطبري\" ١٤/ ٤٠، وأورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ١٩١ وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(٢) قرأ بها: أبو عمرو وابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي. انظر: \"السبعة\" ص ٣٦٧، \"علل القراءات\" ١/ ٢٩٦، \"وإعراب القراءات السبع\"، وعللها ١/ ٣٤٥، \"الحجة للقراء\" ٥/ ٤٥، \"المبسوط في القراءات\" ص ٢٢١، \"التيسير\" ص ١٣٦، \"المُوضَح في وجوه القراءات\" ٢/ ٧٢٢.\n(٣) وكذا ابن كثير، لكنه شدَّد النونَ، أما نافع فخففها. انظر: المصادر السابقة.\n(٤) أي أن الأصل: (تُبَشِّرُونَنِي).\n(٥) انظر: \"علل القراءات\" ١/ ٢٩٧، \"إعراب القراءات السبع وعللها\" ١/ ٣٤٤، \"الكشف عن وجوه القراءات\" ٢/ ٣٠، \"المُوضَح في وجوه القراءات\" ٢/ ٧٢٢.\n(٦) ورد في \"مجاز القرآن\" ١/ ٣٥٢، \"شرح شواهد الإيضاح\" ص ٢١١، \"اللسان\" (أبي) ١/ ١٨، \"الدرر اللوامع\" ٢/ ٢١٩، \"الخزانة\" ٤/ ١٠٥، وورد غير منسوب في: \"الكامل\" ٢/ ١٤٢، \"المقتضب\" ٤/ ٣٧٥، \"الإيضاح العضدي\" ص٢٦٠، \"الحجة للقراء\" ٥/ ٤٦، \"المنصف\" ٢/ ٣٣٧، \"الخصائص\" ١/ ٣٤٥، \"الموضع في وجوه القراءات\" ٢/ ٧٢٢، \"شرح المفصل\" ٢/ ١٠٥.","vol":"12","page":616},{"text":"فأسقط النون التي هي علامة التأنيث في المخاطبة (١)، وأنشد الفراء والزجاج (٢):\nتراه كالثَّغَامِ يُعَلُّ مِسْكًا ... يَسُوءُ الفَالِياتِ إذا فَلَيْنِي (٣)\nأراد فلينني، فحذف إحدى النونين، قالا: والحذف بعد إدغام إحدى النونين (في الأخرى) (٤) كقراءة ابن كثير: (تُبْشِرُون)، ثم حذفت إحداهما لثقل التضعيف كما قالوا: رُبمَّا ورُبَمَا (٥)، وكما قالوا: إنْك في إنَّك، أنشد الفراء (٦):\n_________\n(١) فالأصل: (تخوفينني).\n(٢) البيت لعمرو بن مَعْدِ يكَرِب الزُّبيدي ت ٢١ هـ، من أبيات ثمانية قالها في امرأةٍ لأبيه تزوجها بعده في الجاهلية.\n(٣) \"شعر عمرو بن معدي كرب\" ص ١٨٠، وورد في: \"الكتاب\" ٣/ ٥٢٠، \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٩٠، \"مجاز القرآن\" ١/ ٣٥٢، \"شرح شواهد الإيضاح\" (عجز) ص ٢١٣، \"الخزانة\" ٥/ ٣٧٢، وورد غير منسوب في \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٨١، \"إعراب القراءات السبع وعللها\" ١/ ٣٤٥، \"الحجة للقراء\" ٥/ ٤٦، \"المنصف\" ٢/ ٣٣٧، \"تفسير الطوسي\" ٦/ ٣٤١، \"شرح المفصل\" ٣/ ٩١. (تراه كالثغام) الضمير يعود على الزوجة، والثغام: واحده ثغامة؛ وهو نبتٌ له نَوْر أبيض يشته به الشيب، وقيل نبتٌ يكون في الجبل يَبْيَضُّ إذا يبس، (يُعلُّ) أي يطيّب شيئًا بعد شيء، وأصل العَلَلُ: الشُرْبُ بعد الشُرب، (يسوء الفاليات) يَحزُنُهن؛ لأنهن يكرهْن الشيب، و(الفاليات)؛ جمع فالنية: وهي التي تفلي الشعَّر، أي تُخْرج القمْلَ منه.\n(٤) في (أ)، (د): (والأخرى).\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٨١ بتصرف يسير.\n(٦) البيتان من قصيدة لجنوب بنت العجلان بن عامر بن هذيل [شاعرة جاهلية] ترثي أخاها عمرو؛ ذا الكلب \"الخزانة\" ١٠/ ٣٩٠، ونُسب -خطأً- إلى كعب بن زُهير في: \"الأُزهية\" ص ٦٢، و\"أمالي ابن الشجري\" ٣/ ١٥٣، ولم أجده في ديوانه.","vol":"12","page":617},{"text":"لقد عَلِمَ الضَّيْفُ والمُرْمِلونَ ... إذا اغْبرَّ أُفْقٌ وهبَّتْ شَمَالا\nبأنْكَ الرَّبِيعُ وغَيْثٌ مَرِيعٌ ... وقِدْمًا هُنَاكَ تَكونُ الثِّمَالا (١)\nقال أبو علي: المحذوف النون الثانية؛ لأن التكرير بها وقع، ولم تحذف الأولى التي هي علامة للرفع، وقد حذفوا هذه النونَ في كلامهم لأنها زائدة، ولأن علامةَ الضمير الياءُ دونها، ونظيرُ حذفهم لها من المنصوب حذفهم لها من المجرور في قولهم (٢):\nقَدْنِي مِنْ نَصْرِ الخُبَيْبَين قَدِي (٣)\n_________\n(١) ورد في \"شرح أشعار الهذليين\" ٢/ ٥٨٥، وفيه: (المُجْتَدُون) بدل (المرْمِلون)، وأما البيت الثاني فورد برواية:\nبأنَّك كنت الربيع المُغِيثَ ... لِمن يَعتريك وكنت الثِّمالا\nوورد البيت الثاني في \"الخزانة\" ١٠/ ٣٨٢، \"شرح التصريح\" ١/ ٢٣٢ وفيهما: (ربيع)، و(وأنْك) بدل (وقدْمًا). وورد البيتين بلا نسبة في \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٩٠، \"الإنصاف\" ص ١٦٩ برواية (الصِّبْيَةُ) بدل (الضيف)، \"اللسان\" (أنن) ١/ ١٥٦، \"الخزانة\" ٥/ ٤٢٧، وورد البيت الثاني فقط وبرواية (وأنْك) في: \"أوضح المسالك\" ص ٦٦، \"المغني\" ص ٤٧، شرح الأشموني ١/ ٤٤١. (والمرملون) هو من أرمل القوم؛ إذا نفدَ زادهم، (المُجْتدون) الطالبون، (شَمالا) الشَّمال ريحٌ تهبُّ من ناحية القُطْب، وخصها بالذكر لأن وقتها تقل الأرزاق وتنقطع السُّبُل ويثقل فيه الضيف، مما يجعل الجود فيه غاية لا تدرك، (بأنْك ربيعٌ) ربيع الزَّمان، (والغيثٌ) المطر والكلاء يَنْبُت بماء السماء، (مَرِيعٌ) خَصيب كثير النَّبات، (الثِّمال) الذُّخر، وقيل: الغِياثُ.\n(٢) اختلف في نسبته على أقوال، انظرها في عزو البيت.\n(٣) وعجزه:\nليس الإمامُ بالشَّحيحِ المُلْحِدِ\nنُسب إلى حميد بن مالك الأرقط [من شعراء الدولة الأموية] في: التنبيه على أوهام أبي علي في أماليه [ملحق بأمالي القالي] ٣/ ٦١، \"اللسان\" (خبيب) ٢/ ١٠٨٧، =","vol":"12","page":618},{"text":"فحذف وأثبت في بيت، وقال الأعشى في حذف هذه النون اللاحقة مع الياء:\nفهل يَمْنَعنّي ارْتِيَادِي البلادَ .... من حَذَرِ المَوْتِ أنْ يأتيَنْ (١)\nوإنّما هو يمنعَنّني (٢)، وأما ابن كثير فإنه أدغم ولم يحذف (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1965>٥٥ </span>- قوله تعالى: ﴿قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾ قال ابن عباس: يريد بما قضاه الله (٤)؛ يريد أن الله تعالى قضى أن يخرج من ذريته مثل ما أخرج من صلب آدم وأكثر، وذلك أن إسحاق كان هو الذي بُشّر به إبراهيم، ومن\n_________\n= \"شرح شواهد المغني\" ١/ ٤٨٧، \"الخزانة\" ٥/ ٣٩٣، \"الدرر اللوامع\" ١/ ٢٠٧. ونُسب لحميد بن ثور في \"اللسان\" (لحد) ٧/ ٤٠٠٥ وليس في ديوانه.\nونسب لأبي بجدلة في: \"شرح المفصل\" ٣/ ١٢٤. وورد بلا نسبة في: \"الكتاب\" ٢/ ٣٧١، \"مجاز القرآن\" ٢/ ١٧٣، \"النوادر\" لأبي زيد ص ٥٢٧، \"المحتَسَب\" ٢/ ٢٢٣، \"أمالي ابن الشجري\" ١/ ٢٠، \"رصف المباني\" ص ٤٢٤، \"أوضح المسالك\" ص ٢٣، \"شرح ابن عقيل\" ١/ ١١٥، \"شرح الأشموني\" ١/ ١٤٨ الشاهد في: (قدني) و(قدي) أثبت نون الوقاية في الأول على الأصل، وحذفها في الثاني على الضرورة، وهو تأكيد للأول، (قدني): بمعنى حسبي، وأراد بـ (الإمام): عبد الملك ابن مروان، وعرَّض بوصف ابن الزبير بكونه شحيحًا، أي بخيلًا، وأراد بـ (الخبيبين): عبد الله بن الزبير -لأنه كان يكنى أبا خُبَيب- وأخاه مصعبًا، على التغليب.\n(١) \"ديوان الأعشى\" ص ٢٠٥، وورد في: \"الكتاب\" ٣/ ٥١٣، ٤/ ١٨٧، \"المحتَسَب\" ١/ ٣٤٩، \"شرح المفصل\" ٩/ ٤٠، \"الدرر اللوامع\" ٥/ ١٥١، (ارتيادي)؛ الارتياد: المجيء والذهاب، أي لا يمنع من الموت التجول في آفاق الأرض حذرًا منه، ولا الإقامة في الديار تقرّبه قبل وقته. \"الدرر اللوامع\" ٥/ ١٥٢.\n(٢) \"الحجة للقراء\" ٥/ ٤٥ - ٤٦ بنصه.\n(٣) لذلك شدّد النون.\n(٤) \"تفسير الفخر الرازي\" ١٩/ ١٩٧، وورد غير منسوب في \"تفسير الوسيط\"، تحقيق: سيسى ٢/ ٣٦٠، وابن الجوزى ٤/ ٤٠٦، والخازن ٣/ ٩٨.","vol":"12","page":619},{"text":"نسله جميعُ بني إسرائيل على كثرتهم.\nوقوله تعالى: ﴿فَلَا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ﴾ أي من الآيسين، والقنوط: الإياس من الخير، وهذا يدل على يأس إبراهيم من الولد واستبعاده ذلك على الكبر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1966>٥٦ </span>- قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْنَطُ﴾ وقُرئ ﴿يَقْنَطُ﴾ بفتح النون (١)، قال أبو علي: قنط يَقْنَطُ أعلى اللغات يدل على ذلك اجتماعهم في قوله: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا﴾ (٢) [الشورى: ٢٨]، وحكاية أبي عبيدة تدل أيضًا على أن قَنَطَ أكثر (٣)؛ لأن مضارع فَعَل (يجيء على يَفعِل ويَفعُل؛ مثل: فَسَق يَفْسِقُ يَفْسُقُ، ولا يجيء مضارع فَعِل) (٤) على يَفْعُلُ (٥).\nقال ابن عباس: يريد: ومن ييئس (٦) من رحمة ربه إلا المكذبون (٧)،\n_________\n(١) قرأ بها ابن كثير ونافع وعاصم وابن عامر وحمزة انظر: \"السبعة\" ص ٣٦٧، \"علل القراءات\" ١/ ٢٩٧، \" إعراب القراءات السبع وعللها\" ١/ ٣٤٦، \"الحجة للقراء\" ٦/ ٤٧، \"المبسوط في القراءات\" ص ٢١١، \"المُوضَح في وجوه القراءات\" ٢/ ٧٢٣.\n(٢) \"الحجة للقراء\" ٥/ ٤٧ بنحوه، لكنه لم يجزم بأنها أعلى اللغات، بل قال: وكأنّ يقْنَطُ أعلى.\n(٣) \"مجاز القرآن\" ١/ ٣٥٣ وليس في كلام أبي عبيدة ما يؤيِّد دعوى الواحدي؛ إذ قال: يقال: قنَط يقنِط، وقنِط يقنَط قنوطًا، وليس في هذا ترجيح لإحدى اللغتين.\n(٤) ما بين القوسين ساقط من (أ)، (د).\n(٥) هذا التعليل في \"الحجة للقراء\" ٥/ ٤٧ بنصه.\n(٦) في جميع النسخ: (يأيس) وهو تصحيف، ولم أجده في كتب اللغة، قال أهل اللغة: يَئِسَ يَيْأَسُ وَييئِسُ لغات بمعنى القنوط. انظر: \"أدب الكاتب\" ص ٤٨٣، \"الكامل\" ٢/ ٧٥٤، \"اللسان\" (يأس) ٨/ ٤٩٤٥، \"متن اللغة\" ٥/ ٨٢٩.\n(٧) ورد في تفسيره \"الوسيط\" تحقيق: سيسي ٢/ ٣٦٠ بنصه، \"تنوير المقباس\" ص ٢٧٩ بنحوه، وورد بنصه غير منسوب في \"تفسير الخازن\" ٣/ ٩٨.","vol":"12","page":620},{"text":"وهذا يدل على أن إبراهيم لم يكن قانطًا، ولكنه استبعد ذلك، فظنت الملائكةُ به قنوطًا، فنفى ذلك عن نفسه، وأخبر أن القانط من رحمة الله ضال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1967>٥٧ </span>- قوله تعالى: ﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ﴾ قال الكلبي: فما بالكم وما الذي جئتم له (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1968>٥٨ </span>- ﴿قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ﴾ يعنون: قوم لوط.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1969>٥٩ </span>- ﴿إِلَّا آلَ لُوطٍ﴾ استثنى ليس من الأول (٢)، وآلُ لوط: أتباعه والذين كانوا على دينه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1970>٦٠ </span>- وقوله تعالى: ﴿إِلَّا امْرَأَتَهُ﴾ استثناء من الضمير في\n_________\n(١) ورد في \"تفسير الوسيط\"، تحقيق: سيسي ٢/ ٣٦٠، وأغلب المفسرين فَسَّروه بنحوه. انظر: \"تفسير الطبري\" ١٤/ ٤١، و\"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢٢٢، والطوسي ٦/ ٣٤٣، و\"تفسير البغوي\" ٤/ ٣٨٥، وابن الجوزي ٤/ ٤٠٦، و\"تفسير القرطبي\" ١٠/ ٣٦، والخازن ٣/ ٩٨.\n(٢) أشار الزمخشري إلى أن الاستثناء إما أن يكون من قوم -وهو الأول- فيكون منقطعًا؛ لأن آل لوط لم يندرجوا في القوم المجرمين البتة، وعلى هذا فالإرسال خاص بالقوم المجرمين، ولم يرسلوا إلى آل لوط أصلًا، وإما أن يكون الاستثناء من الضمير المستكن في (مجرمين)، فيكون متصلًا؛ أي أجرموا كلهم إلا آل لوط، وعلى هذا التأويل يكون الإرسال إلى المجرمين وإلى آل لوط؛ أولئك لإهلاكهم، وهؤلاء لإنجائهم. انظر: \"تفسير الزمخشري\" ٢/ ٣١٥، وأبي حيان ٥/ ٤٦٠، و\"الدر المصون\" ٧/ ١٦٧، وقد رجح الواحدي -﵀- أنه استثناء متصل، وأيَّد هذا الوجه المنتجب الهمداني وحجته: أن آله من قومه، وإن اختلفت أفعالهم، لكن الجمهور على أنه منقطع؛ لانتفاء وصف الإجرام عن آل لوط. انظر: \"مشكل إعراب القرآن\" ٢/ ٩ \"تفسير ابن عطية\" ٨/ ٣٢٩، \"البيان في غريب إعراب القرآن\" ٢/ ٧١، \"الإملاء\" ٢/ ٧٦، \"الفريد في إعراب القرآن\" ٣/ ٢٠٤، \"تفسير أبي حيان\" ٥/ ٤٦٠.","vol":"12","page":621},{"text":"﴿لَمُنَجُّوهُمْ﴾ فعادت إلى القوم المجرمين؛ لأنه استثناء بعد استثناء، فتعود إلى المستثنى منه أولًا؛ كما تقول: لفلان عليّ خمسة إلا درهمين إلا درهمًا، فيصير هذا إقرارًا بأربعة (١).\nوقوله تعالى: ﴿قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ﴾ معنى التقدير في الغة: جعل الشيء على مقدار غيره، يقال: قَدِّر هذا الشيء بهذا، أي: اجعله على مقداره (٢)، وقدَّر الإلهُ الأقواتَ، أي: جعلها على مقدار الكفاية، ثم يفسر التقدير بالقضاء؛ فيقال: قضى الله عليه كذا، وقدَّره عليه؛ أي: جعله على مقدار ما يكفي في الخير والشر، وقيل في معنى قدّرنا هاهنا: كتبنا (٣)، وحكى الزجاج: دبَّرنا (٤)، وقيل: قضينا (٥)، وقرأ عا صم في رواية\n_________\n(١) وقد وافق الزمخشري على أنه استثناء من الضمير، ولم يوافق على التعليل؛ بدعوى أن الاستثناء بعد الاستثناء إنما يصح عند اتحاد الحكم؛ كالمثال الذي ذكره الواحدي -﵀- وكقول المطلق: أنت طالق ثلاثًا إلا اثنتين إلا واحدة، أما هنا فقد اختلف الحكمان؛ لأن (آل لوط) متعلق بأرسلنا أو بمجرمين، و(إلا امرأته) قد تعلق بمنجوهم، فكيف يكون استثناء بعد استثناء؟؟! يمكن اعتباره لو قيل: أهلكناهم إلا آل لوط إلا امرأته. انظر: \"تفسير الزمخشري\" ٢/ ٣١٦، وذهب أبو البركات بن الأنباري إلى أنه استثناء من النفي؛ أي من (آل لوط) فيكون إيجابًا؛ وذلك أن الاستثناء من الإيجاب نفي، ومن النفي إيجاب، وهنا استثنى آل لوط من المجرمين، فلم يدخلوا في الإهلاك، ثم استثنى من آل لوط امرأته؛ فدخلت في الهلاك. انظر: \"البيان في غريب إعراب القرآن\" ٢/ ٧١، و\"تفسير أبي حيان\" ٥/ ٤٦٠.\n(٢) انظر: \"المفردات\" ص ٦٥٨، (قدر) في \"اللسان\" ٦/ ٣٥٧٨، \"التاج\" ٧/ ٣٧٠.\n(٣) ورد منسوبًا إلى علي بن عيسى في \"تفسير الماوردي\" ٣/ ١٦٤، وانظر: \"تفسير الطوسي\" ٦/ ٣٤٣، \"تفسير القرطبي\" ١٠/ ٣٧.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٨١ بلفظه.\n(٥) ورد في \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٤٩ ب بلفظه، وورد منسوبًا إلى النخعي في \"تفسير =","vol":"12","page":622},{"text":"أبى بكر (١): ﴿قَدَّرْنَا﴾ مخففًا (٢)، يقال: قدَّرت الشيء وقدْرته، قال الهذلي:\nومفْوِهَةِ عَنْسٍ قَدَرْتُ لساقِها ... فخرَّتْ كما تَتَّايَعُ الرِّيحُ بالقَفْلِ (٣)\nالمعنى: قَدَّرْتُ ضربتي لساقها فضربتها (٤) فخرت، ومن هذا قراءة ابن كثير ﴿نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ﴾ [الواقعة: ٦٠]، خفيفًا (٥)، وقراءة الكسائي\n_________\n= الماوردي\" ٣/ ١٦٤، و\"تفسير البغوي\" ٤/ ٣٨٥، وابن الجوزي ٤/ ٤٠٦، والفخر الرازي ١٩/ ١٩٩ [نقل الفقرة كلها وبنصها دون عزو]، وانظر: \"تفسير القرطبي\" ١٠/ ٣٧، والخازن ٣/ ٩٩، والشوكاني ٣/ ١٩٣، وصديق خان ٧/ ١٨١.\n(١) شعبة بن عياش بن سالم، أبو بكر الحناظ الأسدي الكوفي، الإمام العلم راوي عاصم، اختلف في اسمه كثيرًا، عرض القرآن على عاصم ثلاث مرات، قرأ عليه أبو الحسن الكسائي وغيره، توفي سنة ١٩٣ هـ، انظر: \"معرفة القراء الكبار\" ١/ ١٣٤، \"غاية النهاية\" ١/ ٣٢٥، \"جمال القراء\" ٢/ ٤٦٥.\n(٢) انظر: \"السبعة\" ص ٣٦٧، \"علل القراءات\" ١/ ٢٩٨، \"إعراب القراءات السبع وعللها\" ١/ ٣٤٨، \"الحجة للقراء\" ٥/ ٤٨، \"المبسوط في القراءات\" ص ٢٢١، \"المُوضَح في وجوه القراءات\" ٢/ ٧٢٤، \"النشر\" ٢/ ٣٠٢.\n(٣) \"شرح أشعار الهذليين\" ١/ ٩٢ وفيه: (لِرِجْلِها) بدل (لساقها)، وورد في \"الحجة للقراء\" ٥/ ٤٩، \"تفسير ابن عطية\" ٨/ ٣٣١، \"اللسان\" (تبع) ١/ ٤٦٠، (قفل) ١١/ ٥٦١، وورد غير منسوب في: \"المنصف\" ٣/ ٧٠، \"المُوضَح في وجوه القراءات\" ٢/ ٧٢٥، (مفرهة) هي الناقة التي تلد الفُرْهَ، النوق الجميلات، (عَنْس) الناقة القوية، شُبهت بالصخرة لصلابتها، (تَتَّابع)؛ التتايع: التهافت والإسراع، (القَفْل) بالفتح، ما يَبِس من الشجر، ومعنى البيت، يقول: قدّرت ضربتي لساق هذه الناقة القوية -التي تلد الملاح- فخرت وتهافتت كما تفعل الريح بورق الشجر اليابس.\n(٤) ورد في \"الحجة للقراء\" ٥/ ٤٨ بنصه.\n(٥) انظر: \"السبعة\" ص ٣٦٧، \"علل القراءات\" ١/ ٢٩٩، \"إعراب القراءات السبع وعللها\" ١/ ٣٥٠، \"الحجة للقراء\" ٥/ ٤٨، \"المُوضَح في وجوه القراءات\" ٢/ ٧٢٤.","vol":"12","page":623},{"text":"﴿وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾ (١) [الأعلى: ٣]، والمشددة في هذا المعنى أكثر استعمالًا، كقوله ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾ [فصلت: ١٠]، وقوله: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان: ٢].\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ﴾ في موضع مفعول التقرير، والمعنى: قضينا أنها تتخلف وتبقى مع من يبقى حتى تهلك كما يهلكون، ولا تكون ممن يسري مع لوط فينجو.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1971>٦١ </span>- قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ﴾ قال أهل المعاني: يعني جاء لوطًا؛ كما قال في سورة هود؛ في ذكر هذه القصة: ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا﴾ [هود: ٧٧] وآل الرجل يُذْكَر والمراد به الرجل، كما ذكرنا في قوله ﴿مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ﴾ [البقرة: ٢٤٨]\n<span data-type=\"title\" id=toc-1972>٦٢ </span>- وقوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ أي: غير معروفين؛ لأنهم أتوه على صورة رجال مرد حِسان (٢) الوجوه فلم يعرفوهم، فلم يعرفهم لوط، وذكرنا معنى الإنكار عند قوله: ﴿نَكِرَهُمْ﴾ [هود: ٧٠].\n<span data-type=\"title\" id=toc-1973>٦٣ </span>- وقوله تعالى: ﴿قَالُوا بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ أي: بالعذاب الذي كانوا فيه يَشُكّون في نزوله على من كَذَّبك، أن المعذب بهذا العذاب الذي جئتنا به هم لا أنت، ومعنى (بل) هاهنا نفي؛ لإنكار لوط إيَّاهم، أي: دع ذلك فإنا رسل ربك جئناك (٣) بعذابهم، فلما بَيَّنُوا له الأمر عرفهم.\n_________\n(١) انظر: \"السبعة\" ص ٣٦٨، \"إعراب القراءات السبع وعللها\" ١/ ٣٤٩، \"الحجة للقراء\" ٥/ ٤٨، \"تلخيص العبارات\" ص ١٦٦، \"المُوضَح في وجوه القراءات\" ٣/ ١٣٦٠، \"النشر\" ٢/ ٣٩٩.\n(٢) في (ج): (حسنًا).\n(٣) في (ج): (جئنا).","vol":"12","page":624},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1974>٦٤ </span>- وقوله تعالى: ﴿وَأَتَيْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾ قال الكلبي: بالعذاب (١)، وقيل باليقين (٢)، والمعنى: بالأمر الثابت الذي لا شك فيه من عذاب قومك.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1975>٦٥ </span>- قوله تعالى ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾ مفسَّر في سورة هود (٣).\nوقوله تعالى: ﴿وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ﴾ قال ابن عباس: يقول للوط أَتبع آثار بناتك وأهلك لئلا يتخلف منهم أحد فينالَه العذاب (٤)، وكذلك قيل: ﴿وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ﴾ قال الكلبي: يعني لا يتخلف منكم أحد (٥)، وقال الزجاج: لئلا يرى عظيم ما ينزل بهم من النبلاء (٦)، وقال غيره: معناه الإسراع وترك الاهتمام لِمَا خَلَّفَ وراءه (٧)، كما يقول: امض لشأنك\n_________\n(١) \"تفسير الفخر الرازي\" ١٩/ ٢٠١ أورد الفقرة كلها بدون عزو، وورد منسوبًا لمجاهد في \"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ٣١، وورد غير منسوب في \"تفسير الطبري\" ١٤/ ٤٢، و\"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢٢٢، والثعلبي ٢/ ١٤٩ ب بلفظه، والطوسي ٦/ ٣٤٥، و\"تفسير البغوي\" ٤/ ٣٨٦، وابن الجوزي ٤/ ٤٠٦، و\"تفسير القرطبي\" ١٠/ ٣٨.\n(٢) ورد في \"تفسير الطبري\" ١٤/ ٤٢، \"تفسير البغوي\" ٤/ ٣٨٦، والزمخشري ٢/ ٣١٦، والنسفي ٣/ ٩٩، والخازن ٣/ ٩٩، وأبي حيان ٥/ ٤٦١، والشوكاني ٣/ ١٩٤، وصديق خان ٧/ ١٨٢.\n(٣) آية: [٨١].\n(٤) ورد غير منسوب في \"تفسير الفخر الرازي\" ١٩/ ٢٠١.\n(٥) ورد في \"تنوير المقباس\" ص ٢٧٩، وورد غير منسوب في \"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢٢٢، والشوكاني ٣/ ١٩٤، وصديق خان ٧/ ١٨٣.\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٨٢ بنصه.\n(٧) انظر: \"تفسير الخازن\" ٣/ ٩٩، وأبي السعود ٥/ ٨٤، قال ابن عطية: ونُهوا عن النظر مخافة الغفلة وتعلق النفس بمن خَلَّفَ، وقيل: بل لئلا تتفطَّر قلوبهم من معاينة ما جرى على القرية في رفعها وطرحها. \"تفسير ابن عطية\" ٨/ ٣٣٥.","vol":"12","page":625},{"text":"ولا تُعرِّج على شيء، وهذا مما تقدَّم في سورة هود (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ﴾ قال ابن عباس: يعني الشام (٢)، وقال المفضل: حيث يقول لكم جبريل (٣)، قال الكلبي: أمرهم جبريل امضوا إلى صُغَر (٤)؛ وهي إحدى قريات لوط (٥)، ولم يكونوا يعملون مثل عمل سدوم، وهذا قول مقاتل (٦).\n_________\n(١) آية: [٨١].\n(٢) ورد في \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٤٩ب، انظر: \"تفسير البغوي\" ٤/ ٣٨٦، وابن الجوزي ٤/ ٤٠٧، والفخر الرازي ١٩/ ٢٠١، والخازن ٣/ ٩٩، والألوسي ١٤/ ٦٩.\n(٣) \"تفسير الفخر الرازي\" ١٩/ ٢٠١، وورد غير منسوب في: \"تفسير ابن الجوزي\" ٤/ ٤٠٧، والخازن ٣/ ٩٩.\n(٤) في جميع النسخ: (صفر)، والمثبت أقرب للصواب، والتصويب من تفسيره \"الوسيط\"، تحقيق: سيسي ٢/ ٣٦٢، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٤٩ ب، وهكذا ضبطه ياقوت، وأشار إلى القصة، بقوله: وهي على البحيرة المقلوبة وبقية مدائن لوط، وإنها نجت لأن أهلها لم يكونوا يعملون الفاحشة، وكذلك ضبطها ابن كثير؛ قال: فذكروا أنه ذهب إلى قرية (صغر) التي يقول الناس (غور زغر)، وقد ضبطت \"صعرة\". في: تاريخ الطبري و\"الروض المعطار في خبر الأقطار\"، والحق أنه قد وقع اختلاف كبير في أسماء قرى لوط -﵇- ولم يتفقوا إلا في اسم كبرى هذه القرى وهي: سدوم، وتقع بأرض الشام، لذلك قال السهيلي: وسدوم أعظمها، وقد ذُكرت الأسماء الأُخر ولكن بتخليط لا يتحصل منه حقيقة. انظر: \"التعريف والإعلام\" ص ١٦٢، \"تاريخ الطبري\" ١/ ١١٨، ١٢٢، \"معجم البلدان\" ٣/ ٤١١، \"تفسير القرطبي\" ٩/ ٨١، \"الكامل في التاريخ\" ١/ ٦٩، \"الروض المعطار\" ص ٣٠٨، \"تفسير ابن كثير\" ٢/ ٦١٠، \"البداية والنهاية\" ١/ ١٨١، \"الدر المنثور\" ٣/ ١٨٥.\n(٥) \"تفسير ابن الجوزي\" ٤/ ٤٠٧.\n(٦) الذي في \"تفسيره\" ١/ ١٩٨ أ. قال: إلى الشام، وورد في \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٤٩ ب بمعناه، وانظر: \"تفسير القرطبي\" ١٠/ ٣٨.","vol":"12","page":626},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1976>٦٦ </span>- قوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ﴾ قال المفضل: أي: أوحينا إليه وألهمناه (١)، وقال بعضهم: وفرغنا إلى لوط من ذلك الأمر (٢)، يقال. قضيت الأمر، إذا فرغت منه وأتممته، وقد ذكرنا ذلك في قوله: ﴿وَإِذَا قَضَى أَمْرًا﴾ في سورة البقرة (٣)، وقال ابن قتيبة: أي أخبرناه (٤).\nوقال صاحب النظم: أي فرغنا منه (٥)، كقوله ﴿ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ﴾ [يونس: ٧١] وقد مرّ، ويقال: إن معنى ﴿وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ﴾: من الخبر؛ كقوله: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ في الْكِتَابِ﴾ [الإسراء: ٤] أي: أخبرناهم به.\nوقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الْأَمْرَ﴾ أي: الأمر الذي أعلمناه إبراهيم أنّا نهلكهم، في قوله: ﴿إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ﴾، فأومأ في قصة لوط إلى ما أخبر به إبراهيم من إهلاك قوم لوط، ثم ترجم قوله: ﴿ذَلِكَ الْأَمْرَ﴾ بقوله: ﴿أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ﴾ قال الزجاج: موضع (أن) نصب، وهو بدل من قوله: ﴿ذَلِكَ الْأَمْرَ﴾ لأنه فَسّر الأمر بقوله: ﴿أَنَّ دَابِرَ﴾ (٦) المعنى: وقضينا إليه أن دابر هؤلاء مقطوع، ونحو هذا قال الفراء والكسائي (٧).\n_________\n(١) لم أقف عليه منسوبًا إليه، وأخرجه الطبري منسوبًا إلى ابن زيد ١٤/ ٤٣، وورد غير منسوب في: \"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢٢٢، والماوردي ٣/ ١٦٥، وأبي حيان ٥/ ٤٦١، وأبي السعود ٥/ ٨٤، والشوكاني ٣/ ١٩٤.\n(٢) ورد بنصه في: \"تفسير الطبري\" ١٤/ ٤٢، والثعلبي ٢/ ١٤٩ ب.\n(٣) آية: [١١٧]، وانظر: \"البسيط\" [النسخة الأزهرية] ١/ ٨٣ أ.\n(٤) \"الغريب\" لابن قتيبة ص ٢٣٨ بلفظه.\n(٥) ورد غير منسوب في \"تفسير الخازن\" ٣/ ٩٩.\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٨٢ بتصرف يسير.\n(٧) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٩٠ بمعناه، ولم أقف عليه منسوبًا إلى الكسائي.","vol":"12","page":627},{"text":"قال ابن عباس: يريد أن هلاكهم في الصبح (١)، ومضى الكلام في الدابر (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1977>٦٧ </span>- قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ﴾ يعني مدينة لوط؛ وهي سدوم، ﴿يَسْتَبْشِرُونَ﴾ قال الكلبي وغيره: بعملهم الخبيث طمعًا منهم في ركوبهم الفاحشة (٣).\nقال ابن عباس: قالوا نزل بلوط ثلاثة مرد ما رأينا قط أصبح منهم، فقال لهم لوط لما قصدوا أضيافه:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1978>٦٨ </span>- ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ ضَيْفِي فَلَا تَفْضَحُونِ﴾ يقال: فضحه يفضحه فضحًا وفضيحة، إذا أبان من أمره ما يلزمه به العار، (يقال: فضحه فافْتَضَحَ (٤)، قال الفراء) (٥): ويقال فَضَحَك الصبح، أي: بَيّنك للناس (٦)، قال المفسرون: أراد أن من حق الضيف إكرامُه، فلا تفضحوني بقصدكم إيّاه\n_________\n(١) أخرجه الطبري ١٤/ ٤٣ بنحوه، من طريق الحجاج عن ابن جريج صحيحة، \"تنوير\nالمقباس\" ص ٢٧٩.\n(٢) سورة الأنعام [آية: ٤٥]، أورد أقوالًا في معنى الدابر، فقال: قال الأصمعي وغيره: (الدابر الأصل؛ يقال: قطع الله دابره أي أذهب أصله)، وقال ابن بزرج: \"دابر الأمر: آخره، ودابر الرجل عقبه، وقولهم: قطع الله دابره: دعاء عليه بانقطاع العقب حتى لا يبقى أحد يخلفه).\n(٣) ورد في: \"تنوير المقباس\" ص ٢٨٥ مختصرًا، تفسيره \"الوسيط\"، تحقيق: سيسي ٢/ ٣٦٢ بنصه غير منسوب، \"تفسير البغوي\" ٥/ ٣٨٧، ابن عطة ٨/ ٣٣٧، ابن الجوزي ٤/ ٤٠٧، \"تفسير القرطبي\" ١٠/ ٣٩، الخازن ٣/ ٩٩.\n(٤) انظر: \"جمهرة اللغة\" ١/ ٥٤٥، \"اللسان\" (فضح) ٦/ ٣٤٢٥، \"عمدة الألفاظ\" ٣/ ٢٧٩.\n(٥) ما بين القوسين ساقط من: (د).\n(٦) ليس في معانيه.","vol":"12","page":628},{"text":"بالسوء (١)، والكريم يحافظ على ضيفه ويحامي عنه، وقال المفضل: لما دَقُّوا على لوط بابَه (٢) أشرف عليهم وقال: هؤلاء ضيفي فلا تفضحوني عندهم، فيعلموا أنه ليس لي عندكم قَدْر (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1979>٦٩ </span>- وقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي﴾ مذكور وفي سورة هود (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1980>٧٠ </span>- فقالوا له: ﴿قَالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ قال الكلبي وأكثر المفسرين: المعنى: أولم ننهك أن تَضِيف أحدًا من العالمين (٥)، قال الزجاج: معناه: أولم ننهك عن ضيافة العالمين (٦)، قال المفضل: أولم ننهك أن تُدخل أحدًا بيتك؛ لأنّا نريد منهم الفاحشة (٧)، والتفسير ذكره الكلبي، وتوجيه الكلام ذكره الزجاج، والمعنى ذكره المفضل، وقال ابن عباس في رواية عطاء: لا تتعرض لنا في شيء مما نريد؛ يعني أنهم قالوا\n_________\n(١) ورد بنحوه في \"تفسير الطبري\" ١٤/ ٤٣، والثعلبي ٢/ ١٤٩ ب، و\"تفسير البغوي\" ٤/ ٣٨٧، والخازن ٣/ ٩٩، وأبي السعود ٥/ ٨٥، والألوسي ١٤/ ٧١.\n(٢) في (أ)، (د): (باب) دون الضمير، والمثبت من (ش)، (ع).\n(٣) ورد نحوه غير منسوب في تفسيره \"الوسيط\" تحقيق: سيسي ٢/ ٣٦٣، وأبي السعود ٥/ ٨٥، والألوسي ١٤/ ٧١.\n(٤) آية: [٧٨].\n(٥) ورد في \"الغريب\" لابن قتيبة ص ١/ ٢٤١، و\"أخرجه الطبري\" ١٤/ ٤٣ بنصه منسوبًا إلى قتادة، وورد في \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٤٩ ب بنصه غير منسوب، و\"تفسيرالبغوي\" ٤/ ٣٨٧، والخازن ٣/ ١٠٠، وابن كثير ٢/ ٦١٠، و\"الدر المنثور\" ٤/ ١٩٢ وزاد نسبته إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة، ولم أقف عليه منسوبًا إلى الكلبي.\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٨٣ بنصه.\n(٧) ورد غير منسوب في \"تفسير الخازن\" ٣/ ١٠٠.","vol":"12","page":629},{"text":"نهيناك أن تكلمنا في أحد من الناس إذا قصدناه بالفاحشة، فيكون التقدير على هذا المعنى: أولم ننهك عن منع العالمين أو حفظهم أو حمايتهم، فقال لهم لوط:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1981>٧١ </span>- ﴿هَؤُلَاءِ بَنَاتِي إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾ قال أبو إسحاق معناه: إن كنتم مريدين لهذا الشَّأن (١)؛ يعني اللذة وقضاء الوطر فعليكم بالتزويج ببناتي (٢)، قال قتادة: أراد أن يقي أضيافه ببناته (٣)، وذكرنا الكلام في هذا مستقصى في سورة هود (٤).\nقال الحسن وقتادة: هؤلاء بناتي تزوجوهن (٥)، ﴿إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾ كناية عن الجماع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1982>٧٢ </span>- قوله تعالى: ﴿لَعَمْرُكَ﴾ العَمْر والعُمْر واحد، وسمي الرجل عمر إيغالًا أن يبقى (٦)، ومنه قول ابن أحمر:\n_________\n(١) في جميع النسخ: البنتان، والتصويب من المصدر.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٨٣ بتصرف يسير.\n(٣) \"أخرجه الطبري\" ١٤/ ٤٤ بنصه، وورد في \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٤٩ ب بنصه، وأورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ١٩٢ وزاد نسبته إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم. ويلزم من هذا القول جواز زواج الكافر من المؤمنة - في شرعه؛ كما كان جائزًا في بداية الإسلام حتى نسخ بآية الممتحنة [١٠]،، وقيل عرضهن عليهم شريطة الإسلام قبل عقد النكاح، وقيل قصد بنات أمته؛ لأن النبىّ كالوالد لأمته، وهو قول مجاهد؛ ذكره معظم المفسرين.\n(٤) آية [٧٨].\n(٥) ورد في \"تفسير الطوسي\" ٦/ ٣٤٧ بلفظه عنهما.\n(٦) \"تهذيب اللغة\" \"عمر\" ٣/ ٢٥٦٥ بنحوه، وانظر: (عمر) في: \"التاج\" ٧/ ٢٥٨ وعزاه للمحكم، ولم أجده في بابه.","vol":"12","page":630},{"text":"ذَهبَ الشَبَابُ وأَخْلَفَ العَمْرُ (١)\nوعُمّر الرجلُ يَعْمُر عَمْرًا وعُمُرًا وعُمُرًا، فإذا أقسموا قالوا: لعَمْرُك وعَمْرِك، ففتحوا العين لا غير (٢).\nقال أبو إسحاق: لأن الفتح أخف عليهم، وهم يكثرون القسم بِلَعَمْري ولعَمْرك، فلزموا الأخَفَّ عليهم (٣).\nقال ابن عباس في رواية عطاء: يريد وعيشك يا محمد (٤).\nوقال في رواية أبي الجوزاء يقول: بحياتك، وما حلف الله تعالى\n_________\n(١) عجزه:\nوتَغيَّرَ الإخوانُ والدَّهْر\n\"شعر عمرو بن أحمر الباهلي\" ص٩٠، وورد في: \"الاشتقاق\" ص ١٣، \"مقاييس اللغة\" (خلف) ٢/ ٢١٢ وفيه: (وتنكَّر)، \"تفسير الفخر الرازي\" ١٩/ ٢٠٣، \"اللسان\" (عمر) ٥/ ٣١٠٣، \"التاج\" (عمر) ٧/ ٢٥٨ وفيهما: (وتَبدَّل)، وورد غير منسوب في: \"جمهرة اللغة\" ٢/ ٧٧٢، وفي الديوان وجميع المصادر بروإية: (بان) بدل (ذهب)، والمعنى واحد، (بان): بمعنى انقضى ومضى عصره، (أخلف): تغيير، (العَمر): واحد العُمُوْر؛ اللحم الذي بين الأسنان.\n(٢) انظر: \"المقتضب\" ٤/ ١٧٧، \"غرائب التفسير\" ١/ ٥٩٢، \"تفسير ابن الجوزي\" ٤/ ٤٠٨، الفخر الرازي ١٩/ ٢٠٣، \"شرح المفصل\" ٩/ ٩٦، \"البسيط في شرح جمل الزجاجي\" ٢/ ٩٤٣، (عمر) في: \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٥٦٥، \"المحكم\" ٢/ ١٠٥، \"اللسان\" ٥/ ٣٠٩٩، \"التاج\" ٧/ ٢٥٨.\n(٣) معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٨٣، بنصه تقريبًا.\n(٤) أورده البخاري -معلقًا- في \"صحيحه\" تفسير، الحجر ٨/ ٣٧٩ \"الفتح\"، و\"أخرجه الطبري\" ١٤/ ٤٤ بنحوه، من طريق علي بن أبي طلحة، صحيحة، وورد في \"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ٣٣، والماوردي ٣/ ١٦٦ و\"تفسير ابن الجوزي\" ٤/ ٤٠٨، وابن كثير ٢/ ٦١١، وأورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ١٩٢ وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم.","vol":"12","page":631},{"text":"بحياة أحد إلا بحياة النبيّ -ﷺ- (١)، وهذا قول أكثر أهل التأويل من المفسرين وأصحاب المعاني، قال الزجاج: وفي هذا آية عظيمة في تفضيل النبيّ -ﷺ-، جاء في التفسير أنه أقسم بحياة محمد -ﷺ- (٢). وقال بعض أهل المعاني: إذا قيل: لعَمْرك، فكأنه قيل ومدة بقائك حيًّا (٣)، وقال النحويون: ارتفع (لعمرك) بالابتداء والخبر محذوف، المعنى لعمرك قَسَمي، ولَعَمْرُك ما أُقْسِمُ به، وحُذِف الخبرُ لأن في الكلام دليلًا عليه، وباب القَسَم يحذف من الفعل نحو: باللهِ لأفعلن، والمعنى: أحلف بالله؛ فيحذف (أحلف) لعلم المخاطب بأنك حالف، فكذلك يحذف خبر الابتداء (٤).\n_________\n(١) أخرجه بنحوه من طريق عمرو بن مالك عن أبي الجوزاء: أبو يعلى في \"مسنده\" ٥/ ١٣٩، والطبري في \"تفسيره\" ١٤/ ٤٤، والثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ١٥٠ أ، وأبو نعيم في \"الدلائل\" ١/ ٦٣، والبيهقي في \"الدلائل\" ٥/ ٤٨٨، وورد بنحوه في \"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ٣٣، و\"تفسير السمرقندى\" ٢/ ٢٢٢، والماوردي ٣/ ١٦٦، و\"تهذيب اللغة\" (عمر) ٣/ ٢٥٦٤ بنصه، وانظر: \"تفسير البغوي\" ٤/ ٣٨٧، وابن الجوزي ٤/ ٤٠٨ وابن عطية ٨/ ٣٣٨، وابن كثير ٢/ ٦١١، وأورده عياض في \"الشفا\" ٢/ ٨٧، والهيثمي في \"المجمع\" ٧/ ٤٦ وعزاه لأبي يعلى وقال: إسناده جيد، وابن حجر في \"المطالب\" ٣/ ٣٤٦ وزاد نسبته للحارث ابن أبي أسامة، والسيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ١٩٢ وزاد نسبته إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٨٣ بنصه.\n(٣) قال القاضي عياض: اتفق أهل التفسير في أنه قسم من الله ﷻ بمدة حياة محمد -ﷺ- انظر: \"الشفا\" ١/ ٨٦.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٨٤ بنصه تقريبًا، انظر: \"المقتضب\" ٢/ ٣١٨، \"الإيضاح العضدي\" ص ٢٧٦، \"شرح المفصل\" ٩/ ٩٩، \"البسيط في شرح جمل الزجاجي\" ٢/ ٩٣٢، ٢/ ٩٤٣، \"المحكم\" (عمر) ٢/ ١٠٥، \"زاد المسير\" ٤/ ٤٠٨، الرازي ١٩/ ٢٠٣.","vol":"12","page":632},{"text":"وقال قتادة في قوله: ﴿لَعَمْرُكَ﴾ كلمة من كلام العرب (١)، (يقولون في الإكرام والتبجيل، قال أبو إسحاق: ولستُ أُحِبُ هذا التفسير؛ لأن قوله: كلمة من كلام العرب) (٢) لا فائدة فيه؛ لأن القرآن كله من كلام العرب فلابد أن يقال ما معناها (٣)، وحكى أبو الهيثم أن النحويين يقولون في قوله: ﴿لَعَمْرُكَ﴾: لَدِينُك الذي تعمر، وأنشد (٤):\nأيُّها المُنْكِحُ الثُّرَيَّا سُهَيْلًا ........... عَمْرَكَ اللهَ كيفَ يَلْتَقِيَانِ (٥)\nقال عَمْرك اللهَ، أي عبادتك الله (٦).\nوقال ابن الأعرابي: عَمَرتُ ربي، أي: عبدته، وفلان عامر لربه، أي: عابد، قال: ويقال تركت فلانا يَعْمُر ربه، أي: يعبده (٧)، فعلى هذا\n_________\n(١) أخرجه الطبري ١٤/ ٤٤ بنصه، وورد بنصه غير منسوب في \"تفسير مقاتل\" ١/ ١٩٨ أ.\n(٢) ما بين القوسين ساقط من (أ)، (د).\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٨٣ بنصه.\n(٤) البيت لعمر بن أبي ربيعة (ت ٩٣ هـ).\n(٥) \"ديوانه\" ص ٤٣٨، وورد في \"الشعر والشعراء\" ٣٧٤ وفيه (يجتمعان) بدل: يلتقيان، \"الأغاني\" ١/ ٢٣٢، \"الصحاح\" (عمر) ٢/ ٧٥٦، \"أمالي ابن الشجري\" ٢/ ١٠٨، \"الروض الأنف\" ٣/ ١٣٥، \"شرح المفصل\" ٩/ ٩١ (عجز)، \"اللسان\" (عمر) ٥/ ٣١٠٠ برواية: (يجتمعان)، \"الخزانة\" ٢/ ٢٨، وورد غير منسوب في:\n\"المقتضب\" ٢/ ٣٢٩، القرطبي ١٠/ ٤١، وأبي حيان ٥/ ٤٦٢، والألوسي ١٤/ ٧٣، (كيف يلتقيان): استفهام إنكاري تعجبي من تزويج الثري بنت علي بن عبد الحارث -وكانت مشهورة بالحسن والجمال- بسهيل بن عبد الرحمن الزهري - وكان معروفًا بقبح منظره.\n(٦) \"تهذيب اللغة\" (عمر) ٣/ ٢٥٦٤ بنصه، وانظر: (عمر) في \"اللسان\" ٥/ ٣١٠٠، و\"التاج\" ٧/ ٢٥٨.\n(٧) \"تهذيب اللغة\" (عمر) ٣/ ٢٥٦٥ بنصه، \"المحكم\" ٢/ ١٠٨، \"اللسان\" ٥/ ٣١٠٢.","vol":"12","page":633},{"text":"القول: العَمْرُ كالعمارة، والعابد اللهَ عامرٌ لدينه، فسُمِّيَ العابدُ عامرًا، ومعنى قوله: ﴿لَعَمْرُكَ﴾ أي لَعِبَادَتُك، والمفسرون على القول الأول (١)\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ قال عطاء عن ابن عباس: يريد: أن قومك في ضلالهم يتمادون (٢)، ثم رجع إلى ذكر قوم لوط في الآية الثانية، وقال الكلبي وعامة المفسرين: ﴿إِنَّهُمْ﴾ يعني: قوم لوط (٣)، ﴿لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾: في جهلهم وعماهم يمضون ولا يرجعون منه.\n_________\n(١) أي أنه قسم بحياة النبي -ﷺوهو قول الجمهور كما قال ابن العربي وعياض وأبو حيان.\n(٢) ورد في \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٥٠ أبلفظه، دون الإشارة إلى المعني بالضمير، وانظر: \"تفسير الوسيط\"، ٢/ ٣٦٤، بنصه عن عطاء، \"تفسير ابن الجوزي\" ٤/ ٤٠٩ مختصرًا عن عطاء، وإلى هذا ذهب الطبري، فقال: أي وحياتك يا محمد، إن قومك من قريش، لفي ضلالتهم وجهلهم يترددون، وإليه ذهب السمرقندي. انظر: \"تفسير الطبري\" ١٤/ ٤٤، \"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢٢٢.\n(٣) لم أقف عليه منسوبًا، وانظر: \"تفسير الزمخشري\" ٢/ ٣١٧، وابن عطية ٨/ ٣٤١، وابن الجوزي ٤/ ٤٠٩ وقال: قاله الأكثرون، وتفسير أبي حيان ٥/ ٤٦٢، وابن جزي ٢/ ١٤٨، وأبي السعود ٥/ ٨٦، و\"تنوير المقباس\" ص ٢٨٠، وخلاصة القول في الضمائر في الآية ثلاثة أقوال: الخطاب للرسول -ﷺ- والضمائر تعود على كفار قريش، وهو قول الطبري والسمرقندي، وحجتهم الأثر المروي عن ابن عباس وعلى هذا القول، الآية كلها اعتراض فيما بين القصة، وانتصر لهذا القول علي القاري \"شرح الشفا\" ١/ ٧٢، واستدلالهم بقول ابن عباس ﵄ ليس فيه دلالة وليس في محل النزاع، فقول ابن عباس غايته أن القسم برسولنا -ﷺ- وليس بلوط. وليس هذا مختلف مع قول الجمهور الخطاب للرسول -ﷺ- والضمائر لقوم لوط، وهو قول الجمهور، وحجتهم - كما ذكر ابن عطية: عدم مناسبة السباق والسياق؛ إذ يؤدي ذلك إلى انقطاع الضمائر، وعليه فالقسم بنبينا -ﷺ- تشريفًا له؛ لأن القصة تُقص عليه تعجيبًا له من حال قوم لوط، وإقحام القسم أثناء الكلام وقصر القصص أسلوب عربي معروف، وهذا هو القول الراجح الخطاب للوط، =","vol":"12","page":634},{"text":"وقال مجاهد: في غفلتهم يضطربون (١)، ومعنى السَّكرة هاهنا: غمور السهو والغفلة للنفس (٢)، وذكرنا أصله في اللغة عند قوله: ﴿سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا﴾ [الحجر: ١٥]، ومعنى العمه مذكور في سورة البقرة (٣)، وقول ابن عباس: إن قوله: ﴿إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ إخبار عن مشركي قريش، أليق بظاهر الآية (٤)؛ لأن (٥) قول العامة نحتاج فيه أن نحمل الآية على حكاية حال ماضية (٦)؛ كقول الشاعر (٧):\nجاريةٌ في رَمَضَانَ الماضي ......... تُقَطِّعُ الحَدِيثَ بالإيمَاضِ (٨)\nوقد ذكرنا لهذا نظائر.\n_________\n= والضمائر لقومه، وانفرد به ابن العربي، فقال: ولا أدري ما الذي أخرجهم عن ذِكْر لوط إلى ذِكْر محمد -ﷺ- وما الذي يمنع أن يُقْسِم الله بحياة لوط، ويبلغ به من الشريف ما شاء؛ فكل ما يعطى الله من فضل ويؤتيه من شرفٍ فلمحمدٍ -ﷺ- ضِعفاه؛ لأنه أكرم على الله منه .. فإذا أقسم الله بحياة لوط فحياة محمد أرفع، ولا يُخرجُ من كلام إلى كلام آخر غيره لم يجر له ذِكرٌ لغير ضرورة. \"تفسير ابن العربي\" ٣/ ١١٣٠، وقوله محتمل لولا ما في الآية من خطاب المواجهة.\n(١) ليس في تفسيره، ولم أقف عليه بنصه، وأخرج عبد الرزاق ٢/ ٣٤٩، والطبري ١٤/ ٤٤ عن مجاهد قال: (يتردّدون)، وكذلك ورد في \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٥٠ أ.\n(٢) ورد في \"تفسير الطوسي\" ٦/ ٣٤٨ بنصه، \"تفسير ابن الجوزي\" ٤/ ٤٠٨ عن الأعمش، \"تفسير البقاعي\" ٤/ ٢٣١.\n(٣) آيه: [١٥]، وعندها قال: (ومعنى يعمهون: يتحيرون، وقد عمه يعْمَه عَمَهًا فهو عَمِه إذا حار عن الحق).\n(٤) لكن أثر ابن عباس الذي يشير إليه، ضعيف لأنه من طريق عطاء وهو منقطع.\n(٥) في (أ)، (د): (أن) والمثبت من (ش)، (ع) وهو الأصح.\n(٦) وهذا القول هو الراجح - كما سبق.\n(٧) هو رؤبة بن العجاج.\n(٨) سبق عزوه.","vol":"12","page":635},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1983>٧٣ </span>- قوله تعالى: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ﴾ يعني صيحة العذاب، قال المفسرون: صاح بهم جبريل صيحة أهلكتهم (١)، وقال أهل المعاني: ويجوز أن يكون جاءهم صوت عظيم من فعل الله ﷿ (٢).\nوقوله تعالى: ﴿مُشْرِقِينَ﴾ يقال: شَرَق الشَّارقُ يُشْرِق شُروقًا، لكل ما طلع من جانب الشَّرق، ومنه قولهم: ما ذَرَّ شارقٌ (٣)، أي طلع طالع، فيدخل في هذا: الفجر والكواكب والشمس والقمر، وأشرق له معان: أشرقت الشمس؛ إذا أضاءت بعد طلوعها، وأشرقت الأرض بضوء الشمس، أضاءت، ومنه أَشْرِقْ ثَبِيْرُ (٤)، وأشرق القوم: دخلوا في وقت شروق الشمس (٥)؛ مثل صَبَّحوا وأَمْسَوا، والمفسرون على هذا في قوله:\n_________\n(١) ورد بنحوه في \"تفسير مقاتل\" ١/ ١٩٨ \"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢٢٣، \"تفسير ابن الجوزي\" ٤/ ٤٠٩، الفخر الرازي ١٩/ ٢٠٣، وأبي حيان ٥/ ٤٦٢، والشوكاني ٣/ ١٩٨، والألوسي ١٤/ ٧٤، وصديق خان ٧/ ١٨٧.\n(٢) انظر: \"تفسير الطوسي\" ٦/ ٣٤٨ بنصه.\n(٣) مثل عربي، وورد برواية: (لا أفعل ذلك ماذَرَّ شارق)، وبرواية: (لا آتيك ما ذرَّ شارقٌ)، ومعناه: لا أفعله أبدًا، أو لا آتيك أبدًا. انظر: \"الألفاظ الكتابية\" ص ١٨٦، \"جمهرة اللغة\" ٢/ ٧٣١، \"جمهرة الأمثال\" ٢/ ٢٨٢، \"مجمل اللغة\" ١/ ٥٢٧، \"الصحاح\" (شرق) ٤/ ١٥٠٠، \"المستقصى\" ٢/ ٢٤٨، \"اللسان\" (شرق) ٤/ ٢٢٤٥.\n(٤) ثبير: جبل بمكة، وهذا مثل يضرب في الإسراع والعجلة، ونصه: (أشرق ثَبِيْرُ كَيْمَا نُغِير)، والمعنى: ادخُلْ يا ثبير في الشروق كي نُسرع إلى الإغارة. انظر: \"المحيط في اللغة\" (شرق) ٥/ ٢٣٥، \"مجمع الأمثال\" ١/ ٣٦٢، \"المحكم\"، (شرق) ٦/ ١٠٢ \"المستقصى\" ١/ ٢٠٥، \"اللسان\" (ثبر) ١/ ٤٧٠، (شرق) ٤/ ٢٢٤٦.\n(٥) انظر: (شرق) في \"جمهرة اللغة\" ٢/ ٧٣١، \"المحيط في اللغة\" ٥/ ٢٣٤، \"مجمل اللغة\" ١/ ٥٢٧، \"الصحاح\" ٤/ ١٥٠١، \"المحكم\" ٦/ ١٠١، \"اللسان\" ٤/ ٢٢٤٤.","vol":"12","page":636},{"text":"﴿مُشْرِقِينَ﴾ قالوا: داخلين في الإشراق (١).\nوقال الزجاج: مصادفين لطلوع الشمس (٢).\nفإن قيل: أليس قد قال: ﴿أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ﴾ فوعدهم العذاب في وقت الصبح، وهاهنا قال: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ﴾؟ قيل إن جماعة من أهل المعاني قالوا في معنى ﴿مُشْرِقِينَ﴾: مصبحين؛ لأنهم داخلون في شروق الفجر، وهو شارق، وأما على قول المفسرين فيقال: إن أول العذاب كان مع طلوع الفجر، ثم امتد ذلك إلى وقت شروق الشمس، فكان تمام الهلاك مع الإشراق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1984>٧٤ </span>- قوله تعالى: ﴿فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا﴾ آخر الآية، مفسَّر في سورة هود [آية: ٨٢].\n<span data-type=\"title\" id=toc-1985>٧٥ </span>- قوله تعالى: ﴿لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ يقال: توسمت في فلان خيرًا، إذا رأيت فيه أثرًا منه، وتوسمت فيه الخير أي تَفَرَّست (٣).\nواختلفت عبارة المفسرين وأهل المعاني في تفسير المتوسمين، فقال ابن عباس في رواية عطاء: للمتفرسين (٤)، وهو قول مجاهد (٥)\n_________\n(١) انظر: \"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ٣٥، و\"تفسبر السمرقندي\" ٢/ ٢٢٣، والثعلبي ٢/ ١٥٠ أ، والطوسي ٦/ ٣٤٨، و\"تفسير البغوي\" ٤/ ٣٨٦، والزمخشري ٢/ ٣١٨، وابن عطية ٨/ ٣٤١، والفخر الرازي ١٩/ ٢٠٣، و\"عمدة الحفاظ\" ٢/ ٣٠٤.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٨٤ بنصه.\n(٣) \"تهذيب اللغة\" (وسم) ٤/ ٣٨٩٣ بنصه.\n(٤) ذكره في الوسيط، تحقيق: سيسي ٢/ ٣٦٥، \"تنوير المقباس\" ص ٢٨٠، وورد غير منسوب في \"تفسير هود\" ٢/ ٣٥٣.\n(٥) \"تفسير مجاهد\" ١/ ٣٤٢ بلفظه، وأخرجه الطبري ١٤/ ٤٥ بلفظه من عدة طرق، وورد في \"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ٣٥، و\"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢٢٣، والثعلبي ٢/ ١٥٠ أ، والماوردي ٣/ ١٦٧، والطوسي ٦/ ٣٤٩، و\"تفسير البغوي\" =","vol":"12","page":637},{"text":"والفراء (١) والزجاج (٢) وابن قتيبة (٣).\nوقال الضحاك: للناظرين (٤)، وقال مقاتل وابن زيد: للمتفكرين (٥).\nوقال قتادة: للمعتبرين (٦)، وقال أبو عبيدة: للمتبصرين (٧)،\n_________\n= ٤/ ٣٨٨، وابن عطية ٨/ ٣٤٢، وابن الجوزي ٤/ ٤٠٩، و\"تفسير القرطبي\" ١٠/ ٤٢، وابن كثير ٢/ ٦١١، و\"الدر المنثور\" ٤/ ١٩٣ وزاد نسبته إلى ابن المنذر.\n(١) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٩١ بلفظه.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٨٤ بلفظه.\n(٣) \"الغريب\" لابن قتيبة ٨/ ٢٤١ بلفظه.\n(٤) أخرجه الطبري ١٤/ ٤٦ بلفظه من طريقين، وورد في \"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ٣٥، و\"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢٢٣، والثعلبي ٢/ ١٥٠ أبلفظه، والماوردي ٣/ ١٦٧، والطوسي ٦/ ٣٤٩، وانظر: \"تفسير ابن عطية\" ٨/ ٣٤٢، وابن الجوزي ٤/ ٤١٠، و\"تفسير القرطبي\" ١٠/ ٤٣، و\"تفسير أبي حيان\" ٥/ ٤٦٣، وابن كثير ٢/ ٦١١، وورد منسوبًا إلى ابن عباس في تفسير الطبري ١٤/ ٤٦ بلفظه، والثعلبي ٢/ ١٥٠ أ، و\"تفسير البغوي\" ٤/ ٣٨٨، الخازن ٣/ ١٠٠، وابن كثير ٢/ ٦١١، و\"الدر المنثور\" ٤/ ١٩٢ وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(٥) أخرجه الطبري ١٤/ ٤٦ بلفظه عن ابن زيد، وورد في تفسير الثعلبي ٢/ ١٥٠ أ، بلفظه عن مقاتل، والماوردي ٣/ ١٦٧ عن ابن زيد، و\"تفسير البغوي\" ٤/ ٣٨٨ عن مقاتل، وابن الجوزي ٤/ ٤١٠ عنهما، \"تفسير القرطبي\" ١٠/ ٤٣ عنهما، والخازن ٣/ ١٠٠ عن مقاتل، وأبي حيان ٥/ ٤٦٣ عنهما، ولم أقف عليه في \"تفسير مقاتل\" ١/ ١٩٨ أ، والذي في تفسيره هو قول الضحاك.\n(٦) أخرجه عبد الرزاق ٢/ ٣٤٩ بلفظه، والطبري ١٤/ ٤٦ بلفظه من طريقين، وأبي الشيخ في \"العظمة\" ص ٥٠ بلفظه، وورد في \"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢٢٣، والثعلبي ٢/ ١٥٠ أ، بلفظه، والماوردي ٣/ ١٦٧، والطوسي ٦/ ٣٤٦، \"تفسير البغوي\" ٤/ ٣٨٨، وابن عطية ٨/ ٣٤٢، وابن الجوزي ٤/ ٤١٠، و\"تفسير القرطبي\" ١٠/ ٤٣، الخازن ٣/ ١٠٠، وأبي حيان ٥/ ٤٦٣، وابن كثير ٢/ ٦١١، و\"الدر المنثور\" ٤/ ١٩٢ وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(٧) \"مجاز القرآن\" ١/ ٣٥٤ بلفظه.","vol":"12","page":638},{"text":"وأنشد لزهير:\nوفيهنّ مَلْهًى للَّطِيفِ ومنظَرٌ ... أنيقٌ لعَيْنِ النَّاظرِ المُتَوسِّمِ (١)\nقال أبو إسحاق: وحقيقته في اللغة؛ المتوسمون النُظَّارُ المُتَثبِّتون في نظرهم حتى يعرفوا حقيقة سمة الشيء، فالمتوسم: الناظر في السمة الدالة، تقول توَسَّمْتُ في فلان، أي: عرفت ذلك فيه بالنظر (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1986>٧٦ </span>- قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهَا﴾ يعني مدينة قوم لوط، وقد سبق ذكرها في قوله: ﴿وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ﴾ [الحجر: ٦٧].\nوقوله تعالى: ﴿لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾ قال ابن عباس: على طريق قومك إلى الشام (٣)، يريد لبسبيل معروف، وقال قتادة ومجاهد والضحاك: بطريق واضح (٤)، ومعناه: طريق لا يَنْدَّرس ولا يخفى، فهو طريق مقيم\n_________\n(١) \"شرح ديوان زهير\" ص ٣٧، وورد في: \"شرح القصائد السبع الطوال\" ص ٢٥٢، وورد برواية: (للصديق) بدل (للطيف) في \"تفسير الماوردي\" ٣/ ١٦٧، و\"أشعار الشعراء الستة الجاهليين\" ١/ ٢٨٠، و\"تفسير القرطبي\" ١٠/ ٤٣. (ملهى) اللهو أو موضعه، (اللطيف) يعني نفسه، يتلطف في الوصول إليهن، (أنيق) المعجِب، (المتوسم) المتثبت، وقيل: الناظر الذي يتفرّس في نظره، كأنه يطلب شيئًا من سِمته، يعرفها به، والوسامة: الحُسن.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٨٤ بتصرف يسير.\n(٣) \"تفسير ابن الجوزي\" ٤/ ٤١٠، وورد غير منسوب في \"تفسير القرطبي\" ١٠/ ٤٥، وهو قول مقاتل ١/ ١٩٨ أ.\n(٤) أخرجه عبد الرزاق ٢/ ٣٤٩ بلفظه عن قتادة، والطبري ١٤/ ٤٧ بلفظه عن قتادة، وبنحوه عن مجاهد والضحاك، وورد بنحوه في \"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ٣٦، و\"تفسير هود الهواري\" ٢/ ٣٥٤، و\"تفسير ابن الجوزي\" ٤/ ٤١٠، عن قتادة، الخازن ٣/ ١٠٠ عن مجاهد، وأبي حيان ٥/ ٤٦٣ عن مجاهد وقتادة، وابن كثير ٢/ ٦١١ عنهم، و\"الدر المنثور\" ٤/ ١٩٣ وزاد نسبته إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد.","vol":"12","page":639},{"text":"للسابلة (١) والمارة، ومعنى الآية: أن الاعتبار بها ممكن لأن الآثار التي يُسْتَدل بها مقيمة ثابتة بها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1987>٧٧ </span>- قوله تعالى: ﴿إِنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ قال ابن عباس: لعبرةً للمصدقين (٢)، يريد أن أصحاب النَّبيّ -ﷺ- اعتبروا وصدقوا.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1988>٧٨ </span>- قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ لَظَالِمِينَ﴾ قال المفسرون: هم قوم شعيب (٣) كانوا أصحابَ غِيَاض (٤) فكذبوا شعيبًا فأهلكوا بعذاب يوم الظلة، وقد ذُكرتْ قصتهم في سورة الشعراء (٥)، والأيْك الشجر الملتف، يقال: أيْكة وأيْك، كشجرة وشجر (٦).\nقال ابن عباس: الأيك هو شجر المُقْل، وهي التي يقال لها الدَّوْم (٧).\n_________\n(١) السّابِلَةُ: الطريق المسلوكة، والناس المختلفون عليها في حوائجهم. انظر: (سبل) في: \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٦٢٢، \"المعجم الوسيط\" ١/ ٤١٤.\n(٢) وهو قول مقاتل ١/ ١٩٨ أبنصه.\n(٣) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٩٨ب، والطبري ١٤/ ٤٨ عن ابن جريج، و\"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢٢٣، والثعلبي ٢/ ١٥٠ أ، والماوردي ٣/ ١٦٨، والطوسي ٦/ ٣٥٠، و\"تفسير البغوي\" ٤/ ٣٨٨، والزمخشري ٢/ ٣١٨، وابن الجوزي ٤/ ٤١٠.\n(٤) جمع غيْضَة؛ أي الأجَمَة: وهي مجتمع الشجر في مغيض ماء. [المغيض: مصدر، اسم مكان، انظر: \"جمهرة اللغة\" ٢/ ٩٥٧، \"الصحاح\" (غيض) ٣/ ١٠٩٧.\n(٥) الآيات: [١٧٦ - ١٨٩].\n(٦) انظر: \"جمهرة اللغة\" ٣/ ١٢٩٤، \"تهذيب اللغة\" (أيك) ١/ ٢٣٩، \"عمدة الحفاظ\" ١/ ١٦٢، \"المصباح المنير\" ص١٣.\n(٧) \"تفسير الفخر الرازي\" ١٩/ ٢٠٤، وورد غير منسوب بنحوه في \"تفسير مقاتل\" ١/ ١٩٨ب، والثعلبي ٢/ ١٥٥ أ، والماوردي ٣/ ١٦٨، و\"تفسير البغوي\" ٤/ ٣٨٨، وأخرج الطبري عن ابن عباس قال: الأيكة ذات آجام -جمع أجَمَة- وشجر كانوا فيها. \"تفسير الطبري\" ١٤/ ٤٨، وأورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ١٩٣ وزاد نبته إلى ابن المنذر.","vol":"12","page":640},{"text":"وقال الكلبي: الأيكة الغَيْضَة (١).\nوقال أبو إسحاق: هؤلاء أهل موضع كان ذا شجر (٢)، ومعنى (إن) و(اللام) التوكيد، و(إن) هاهنا هي المخففة من الثقيلة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1989>٧٩ </span>- قوله تعالى: ﴿فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ قال المفسرون: أخذها الحَرّ أيامًا، ثم اضطرم عليهم المكان نارًا فهَلَكوا عن آخرهم (٣).\nوقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُمَا﴾ يعني الأيكة ومدينة قوم لوط (٤).\n﴿لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ﴾: لبطريق واضح في قول عامة المفسرين (٥).\nقال الفراء والزجاج: إنما جعل الطريق إمامًا؛ لأنه يُؤَمُّ ويُتَّبع (٦).\n_________\n(١) \"تفسير الفخر الرازي\" ١٩/ ٣٠٤، و\"أخرجه الطبري\" ١٤/ ٤٨ بلفظه عن الضحاك، وكذلك في \"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ٣٦، وورد غير منسوب في: \"تفسير هود\" ٢/ ٣٥٤، والطوسي ٦/ ٣٥٠، والخازن ٣/ ١٠٠.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٨٥ بلفظه.\n(٣) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١/ ١٩٨ ب، والثعلبي ٢/ ١٥٠ أ، و\"تفسير البغوي\" ٢/ ٣٨٩، وابن عطية ٨/ ٣٤٥، وابن الجوزي ٤/ ٤١٠، و\"تفسير الفخر الرازي\" ١٩/ ٢٠٤، والخازن ٣/ ١٠٠.\n(٤) انظر: \"تفسير الطبري\" ١٤/ ٤٨، و\"هود الهواري\" / ٣٥٤، وابن الجوزي ٤/ ٤١٠ وقال: قاله الأكثرون.\n(٥) أخرجه عبد الرزاق ٢/ ٣٤٩ عن قتادة، والطبري ١٤/ ٤٩ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك.\nوانظر: \"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ٣٧، و\"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢٢٣، والثعلبي ٢/ ١٥٠ أ، والماوردي ٣/ ١٦٨، و\"تفسير البغوي\" ٢/ ٣٨٩، والزمخشري ص ١٨، وابن الجوزي ٤/ ٤١٠، والفخر الرازي ١٩/ ٢٠٤، و\"تفسير القرطبي\" ١٠/ ٤٥، وابن كثير ٢/ ٦١١.\n(٦) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٩١، بنصه، \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٨٥، بنحوه ..","vol":"12","page":641},{"text":"وقال ابن قتيبة: لأن المسافر يَأتَمُّ به حتى يصير إلى الموضع الذي يريد (١).\nوقال أبو عبيدة: الإمام كل ما ائتممت (٢) به واهتديت به (٣)، ومن هذا [قيل] (٤) للحبل الذي يَمُدُّه البَنَّاء: الإمام (٥).\nقوله تعالى: (مُبِينٍ) يحتمل أنه مبين في نفسه، ويحتمل أنه بَيِّنٌ لغيره؛ لأن الطريق يهدي إلى المقصد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1990>٨٠ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ﴾ قال المفسرون: الحِجْر اسم وادٍ (٦) كان يسكنه ثمود (٧).\nوقوله تعالى: ﴿الْمُرْسَلِينَ﴾ قال ابن عباس والكلبي وعامة المفسرين: يعني صالحًا وحده (٨)، وقال أهل المعاني: من كذَّب نبيه الذي بُعث إليه،\n_________\n(١) \"الغريب\" لابن قتيبة ١/ ٢٤١. بنصمى\n(٢) في جميع النسخ: ما تيممت به، والتصويب من المصدر.\n(٣) \"مجاز القرآن\" ١/ ٣٥٤ بنصه.\n(٤) زيادة يقتضيها السياق.\n(٥) انظر: \"تفسير ابن عطية\" ٨/ ٣٤٧.\n(٦) في (أ)، (د): (إذا)، والمثبت من (ش)، (ع) وهو الصحيح.\n(٧) أخرجه عبد الرزاق ٢/ ٣٤٩، والطبري ١٤/ ٤٩ عن قتادة، وانظر: \"تفسير مقاتل\" ١/ ١٩٨ ب، و\"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ٣٧ عن قتادة، و\"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢٢٣، والثعلبي ٢/ ١٥٠ أ، والماوردي ٣/ ١٦٩ عن قتادة، والطوسي ٦/ ٣٥١.\n(٨) لم أقف عليه منسوبًا، وورد في \"تفسير مقاتل\" ١/ ١٩٨ ب، و\"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢٢٣، والثعلبي ٢/ ١٥٠ أ، وانظر: \"تفسير البغوي\" ٤/ ٣٨٩، وابن الجوزي ٤/ ٤١١، والفخر الرازي ١٩/ ٢٠٥، و\"تفسير القرطبي\" ١٠/ ٤٦، والخازن ٣/ ١٠١.","vol":"12","page":642},{"text":"فكأنه كذَّب جميع الأنبياء؛ لأنهم مبعوثون بدين واحد، ولا يجوز التفريق بينهم بالتصديق، فعلى هذا يحسن وصفهم بتكذيب المرسلين (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1991>٨١ </span>- قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُمْ آيَاتِنَا﴾ قال ابن عباس: يريد الناقة، فكأن في الناقة آيات؛ لخروجها من الصخرة، ودُنُوِّ نِتَاجِها عند خروجها، وعِظَم خلقها؛ حتى لم تشبها ناقة أخرى، وكثرة لبنها؛ حتى كان يكفيهم جميعًا، إلى غير ذلك مما فيها من الآيات (٢)، وأضاف الإيتاء إليهم وإن كانت الناقة آية لصالح؛ لأنها آيات رسولهم، فلو صدقوا بها كانت آيات لهم على من خالفهم.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1992>٨٢ </span>- وقوله تعالى: ﴿وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا﴾ قد ذكرنا نحتهم للجبال في سورة الأعراف (٣).\nوقوله تعالى: ﴿آمِنِينَ﴾ قال ابن عباس: يريد من عذاب الله (٤)، وقال الفراء وابن قتيبة: آمنين أن يقع عليهم (٥).\n_________\n(١) انظر: \"تفسير البغوي\" ٤/ ٣٨٩، والزمخشري ٢/ ٣١٨، وابن عطية ٨/ ٣٤٨، وابن الجوزي ٤/ ٤١١، و\"تفسير القرطبي\" ١٠/ ٤٦، وابن كثير ٢/ ٦١٢، والبقاعي ٤/ ٢٣٣، وأبي السعود ٥/ ٨٧، صديق خان ٧/ ١٩١.\n(٢) انظر: \"تفسير ابن الجوزي\" ٤/ ٤١١، و\"تنوير المقباس\" ص٢٨٠، وورد غير منسوب في \"تفسير مقاتل\" ١/ ١٩٨ ب، والثعلبي ٢/ ١٥٠ أ، و\"تفسير البغوي\" ٤/ ٣٨٩، والفخر الرازي ١٩/ ٢٠٥، و\"تفسير القرطبي\" ١٠/ ٥٣، والخازن ٣/ ١٠١.\n(٣) آية: [٧٤].\n(٤) \"تنوير المقباس\" ص ٢٨٠، وورد غير منسوب في \"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢٢٤، والماوردي ٣/ ١٦٩، والطوسي ٦/ ٣٥١، والزمخشري ٢/ ٣١٨، وابن الجوزي ٤/ ٤١٢، والفخر الرازي ١٩/ ٢٠٥، و\"تفسير القرطبي\" ١٠/ ٥٣.\n(٥) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٩١ بمعناه، \"الغريب\" لابن قتيبة ١/ ٢٤١ بلفظه.","vol":"12","page":643},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1993>٨٤ </span>- وقوله تعالى: ﴿فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ﴾ أي ما دفع عنهم الضر، ﴿مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ قال ابن عباس: يريد من الأموال والأنعام والثمار (١).\nوقال الكلبي: ما كانوا يعملون (٢).\nقال المفسرون: أي من أعمالهم القبيحة (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1994>٨٥ </span>- قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ قال ابن عباس: يريد الثواب والعقاب، وقال في قوله: ﴿مَا خَلَقَ الله ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [يونس: ٥] يريد بالعدل والثواب والعقاب، يفسر ذلك العدل الذي ذكره. قال أهل المعاني: يعني أن الأمم التي ذكرها كفروا بالله وكذبوا رسله فأهلكهم؛ لأنه خلق السموات والأرض بالحق، أي بالعدل، وهو أن يثيب المصدق ويعذب المكذب (٤).\nثم قال لنبيه: ﴿وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ﴾ قال ابن عباس: يريد عن المشركين. ﴿الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾، قال الكلبي: يقول أعرض إعراضًا جميلًا بغير فحش ولا جزع (٥)، كأنه يقول: إن القيامة تأتي فَيُجازَوْنَ بقبيح أعمالهم فاصفح الآن.\n_________\n(١) ورد غير منسوب في: \"تفسير الوسيط\"، تحقيق: سيسي ٢/ ٣٦٨، وابن الجوزي ٤/ ٤١٢، و\"تفسير القرطبي\" ١٠/ ٥٣، وابن كثير ٢/ ٦١٢، وصديق خان ٧/ ١٩٢.\n(٢) \"تنوير المقباس\" ص ٢٨٠ بنحوه.\n(٣) انظر: \"تفسير الطبري\" ١٤/ ٥١، والثعلبي ٢/ ١٥٠ أ، و\"تفسير البغوي\" ٤/ ٣٨٩، والخازن ٣/ ١٠١، وصديق خان ٧/ ١٩٢.\n(٤) \"تفسير ابن الجوزي\" ٤/ ٤١٢، والخازن ٣/ ١٠١، والبقاعي ٤/ ٢٣٤.\n(٥) \"تنوير المقباس\" ص ٢٨٠ بنصه، وورد بنحوه وبمعناه غير منسوب في \"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢٢٤، والزمخشري ٢/ ٣١٨، وابن الجوزي ٤/ ٤١٢، والفخر الرازي ١٩/ ٢٠٦، والبقاعي ٤/ ٢٣٤، وأبي السعود ٥/ ٨٨.","vol":"12","page":644},{"text":"قال المفسرون: والصفح منسوخ بآية السيف (١).\n_________\n(١) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١/ ١٩٨ب، والطبري ١٤/ ٥١ عن قتادة والضحاك ومجاهد وسفيان بن عيينة، و\"الناسخ والمنسوخ\" للنحاس ٢/ ٤٨٢ عن ابن عباس وقتادة، و\"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ٣٧، و\"تفسير هود الهواري\" ٢/ ٣٥٤، والثعلبي ٢/ ١٥٠ ب، و\"الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه\" لمكي ص ٣٢٩ عن قتادة، \"تفسير الماوردي\" ٣/ ١٧٠، والطوسي ٦/ ٣٥٢، و\"تفسير البغوي\" ٤/ ٣٩٠، والزمخشري ٢/ ٣١٨، وابن عطية ٨/ ٣٤٩، وابن الجوزي ٤/ ٤١٢، و\"نواسخ القرآن\" لابن الجوزي ص ١٨٤ عن مجاهد وقتادة، و\"تفسير القرطبي\" ١٠/ ٥٤، وابن كثير ٢/ ٦١٢، ذكر القائلون بالنسخ في هذه الآية، أنها نُسخت بآيات السيف والقتال وبراءة. ودعوى النسخ بآية السيف -كما مرّ في الدراسة- قد توسع فيها المفسرون، فنسخوا بها كثيرًا من الآيات التي تظهر سماحة الإسلام، ومداراة أهل الكفر والنفاق، والحث على الصبر وتحمل الأذى عند الضعف، ومن ذلك هذه الآية، وفي دعوى نسخها نظر؛ لعدم ثبوته عن الصحابة بطريق صحيح، فلم يَنسبه إلا النحاس إلى ابن عباس، ومع كونه من المبالغين في دعاوى النسخ -كما قال الزرقاني- فقد أورد الخبر بصيغة التمريض، ويؤيد القول ببطلان دعوى النسخ في هذه الآية، أنه لا تعارض بين الدعوة إلى الصفح الجميل والقتال -كما قال الجمل- لأن مورد الآيتين مختلف، فالمسالمة مطلوبة عند الضعف، والمسايفة مطلوبة عند القوة، لأن الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا، فانتفاء الحكم لانتفاء علته لا يعد نسخًا، بل حتى مع توفر القوة فإن العفو عند المقدرة والصفح الجميل مع الأعداء خُلق محمود، كما فعل رسول الله -ﷺ- يوم الفتح مع كفار قريش، ولهذا أنكر الفخر الرازي النسخ في هذه الآية، وقال: وقيل هو منسوخ بآية السيف، وهو بعيد؛ لأن المقصود من ذلك أن يظهر الخلق الحسن والعفو والصفح، فكيف يصير منسوخًا؟! انظر: \"البرهان في علوم القرآن\" ٢/ ٤٠ - ٤٣، \"تفسير الفخر الرازي\" ١٩١/ ٢٠٦، \"حاشية الجمل على الجلالين\" ٢/ ٥٥٣، \"مناهل العرفان\" ٢/ ١٥٠.","vol":"12","page":645},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1995>٨٦ </span>- ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾ (قال ابن عباس: يريد العلم) (١) بما خلق (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1996>٨٧ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾ الآية. اختلفوا في السبع المثاني ما هي؟ فأكثر أهل التفسير والأثر أنها فاتحة الكتاب (٣)، وهو قول عمر وعلي وابن مسعود وأبي هريرة (٤) والحسن وأبي العالية ومجاهد والضحاك وسعيد بن جبير والربيع والكلبي وقتادة (٥)، وروي ذلك\n_________\n(١) ما بين القوسين ساقط من (ش)، (ع).\n(٢) ورد هذا المعنى غير منسوب في \"تفسير البيضاوي\" ٣/ ١٧٣، والخازن ٣/ ١٠١، وأبي السعود ٥/ ٨٨.\n(٣) ورد في \"تفسير مقاتل\" ١/ ١٩٨ ب، وهود الهواري ٢/ ٣٥٥، و\"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢٢٤.\n(٤) أخرجه بلفظه: عبد الرزاق ٢/ ٣٥٠ عن أبي هريرة، والطبري ١٤/ ٥٥ عن علي وابن مسعود بعدة روايات، والدارقطني ١/ ٣١٣ عن علي، وورد بلفظه في \"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ٣٨ عن علي وأبي هريرة، و\"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢٢٤ عن علي وابن مسعود، والثعلبي ٢/ ١٥٠ ب عنهم، والطوسي ٦/ ٣٥٣ عن ابن مسعود، وأورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ١٩٥ وزاد نسبته إلى ابن المنذر عن عمر، وزاد نسبته -كذلك- إلى الفريابي وسعيد بن منصور وابن الضريس وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في شعب الإيمان عن علي، وزاد نسبته -كذلك- إلى ابن الضريس وابن المنذر وابن مردويه عن ابن مسعود، وزاد نسبته -كذلك- إلى ابن الضريس وأبو الشيخ وابن مردويه عن أبي هريرة.\n(٥) أخرجه عبد الرزاق ٢/ ٣٤٩ بلفظه عن قتادة، والطبري ١٤/ ٥٦ عنهم ماعدا الضحاك والكلبي، وورد في \"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ٣٨ عن مجاهد وقتادة، و\"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٥٠ ب بلفظه عنهم ماعدا قتادة، والماوردي ٣/ ١٧٠ عن الربيع وأبي العالية والحسن، والطوسي ٦/ ٣٥٣ عن الحسن، و\"تفسير البغوي\" ٤/ ٣٩٠ عن الحسن وسعيد وقتادة، وابن عطية ٨/ ٣٥٠ عن الحسن، وابن الجوزي ٤/ ٤١٣ عن الحسن وسعيد ومجاهد وقتادة، الفخر الرازي ١٩/ ٢٠٧ =","vol":"12","page":646},{"text":"مرفوعًا أن النبيّ -ﷺ- قرأ الفاتحة فقال: \"هي السبع المثاني\" (١) رواه أبو هريرة، وهذا قول ابن عباس في رواية عطاء وسعيد بن جبير (٢)، واختيار الفراء (٣) والزجاج (٤)، وعلى هذا سميت الفاتحة السبع المثاني لأنها (٥) سبع آيات، وهي تُثَنى في كل صلاة؛ تقرأ في كل ركعة، قاله ابن عباس والحسن وقتادة والربيع (٦).\n_________\n= عنهم ماعدا الربيع والكلبي، و\"تفسير القرطبي\" ١٠/ ٥٤ عن الحسن وأبي العالية والربيع، الخازن ٣/ ١٠١ عن الحسن وسعيد ومجاهد وقتادة، وابن كثير ٢/ ٦١٣ عن الحسن ومجاهد وقتادة، وأورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ١٩٦ وعزاه إلى ابن الضريس عن مجاهد، وزاد نسبته إلى ابن الضريس عن قتادة، وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم والبيهقي في الشعب عن أبي العالية.\n(١) أخرجه البخاري (٤٧٠٤) كتاب: التفسير، باب: الحجر بنصه، وأبو داود (١٤٥٧) كتاب: الوتر، باب: فاتحة الكتاب بنحوه، والنسائي: كتاب: الافتتاح، باب: ولقد آتيناك سبعًا من المثاني بنحوه، والطبري ١٤/ ٥٨ بنصه بعدة روايات، والدارقطني: كتاب: الصلاة، باب: وجوب قراءة بسم الله الرحمن الرحيم في الصلاة ١/ ٣١٢ بنحوه، والحاكم: كتاب: التفسير، باب: الحجر (٢/ ٣٥٤) بنحوه، وقال على شرط مسلم، والشعبي ٢/ ١٥٠ ب. بنصه.\n(٢) أخرجه الطبري ١٤/ ٥٦ بنحوه وبروايتين، من طريق الحجاج عن ابن جريج عن سعيد (صحيحة)، وانظر: \"تفسير ابن عطية\" ٨/ ٣٥٠، وابن الجوزي ٤/ ٤١٣، والخازن ٣/ ١٠١، وابن كثير ٢/ ٦١٣، وأورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ١٩٧ ونسبه إلى ابن مردويه من طريق سعيد.\n(٣) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٩١.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٨٥.\n(٥) في (أ)، (د): (أنها) والمثبت من (ش)، (ع).\n(٦) ورد في \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٥١أ، بنصه عنهم، \"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢٢٤ عن قتادة، والطوسي ٦/ ٣٥٣، عن الحسن، \"تفسير البغوي\" ٤/ ٣٩٠ عنهم ماعدا الربيع، وابن الجوزي ٤/ ٤١٣ عن ابن عباس، الخازن ٣/ ١٠٢ عنهم ماعدا =","vol":"12","page":647},{"text":"وقال أبو إسحاق: لأنه يثنى بها في كل ركعة مع ما يقرأ من القرآن (١)، قال أبو الهيثم أي يجعل اثنين، من قولك: ثَنَيْتُ الشيء ثنيًا؛ أي: عطفته أو ضممت إليه آخر (٢)، ومنه يقال لركبتي الدابة ومرفقيه: مثاني؛ لأنها تثنى بالفخذ والعضد (٣)، قال امرؤ القيس:\nويَخْدِي على صُمٍّ صِلاَبٍ مَلاَطِسٍ ... شَدِيداتِ عَقْدٍ لَيِّناتِ مَثَانِي (٤)\nومثاني الوادي مجانبُه ومعاطفُه (٥)، فالفاتحة وآياتها مثاني؛ لأنها تُثَنَّى في كل صلاة بإعادتها في كل ركعة على قول الأكثرين، وعلى ما قال الزجاج: تثنى بغيرها مما يقرأ معها (٦)، (وقال بعض أهل المعاني: آيات\n_________\n= الربيع، وابن كثير ٢/ ٦١٣ عن قتادة، وأورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ١٩٦ وزاد نسبته إلى البيهقي في الشعب عن ابن عباس [لم أقف عليه]، وزاد نسبته -أيضًا- إلى ابن الضريس عن قتادة.\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٨٥ بنصه.\n(٢) لم أقف عليه منسوبًا إليه.\nوانظر: (ني) في: \"الصحاح\" ٦/ ٢٢٩٤، \"اللسان\" ١/ ٥١١، \"عمدة الحفاظ\" ١/ ٣٣٣.\n(٣) ورد في \"تهذيب اللغة\" (ثنى) ١/ ٥٠٧ بنحوه.\n(٤) \"ديوانه\" ص ١٦٦، وفيه: (وَيرْدي) بدل (ويَخدي)، (عفر) بدل (عقد)، و(مثان) بدون ياء.\nوورد في: \"تهذيب اللغة\" (ثنى) ١/ ٥٠٧، \"اللسان\" (ثنى) ١/ ٥١٦. (ويخدي) من الوخدان، وهو ضرب من السير، (صم صلاب) حوافر صلبة مصمتة، (ملاطس) معاول، شبههما بها لأنها تكسر ما تقع عليه من حجر وغيره، (شديدات عقد): يريد أن حوافره شديدات عقد الأرساغ، (المثاني) المفاصل.\n(٥) ورد في \"تهذيب اللغة\" (ثنى) ١/ ٥٠٧ بنصه.\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٨٥ بنحوه.","vol":"12","page":648},{"text":"الفاتحة سميت مثاني؛ لأنها) (١) قُسِمَتْ قِسْمَيْن اثنين (٢)؛ بيانه ما رُوي أن النبيّ -ﷺقال: \"يقول الله تعالى: قَسَمْتُ الصلاةَ بَيْنِي وبينَ عَبْدي نِصْفَيْنِ .. \" الحديث مشهور (٣).\nوقال بعضهم: هي مثاني؛ لأنها قسمان اثنان؛ ثناء ودعاء (٤)، وهذا كالقول الأول؛ لأن الذي روي في الخبر أن الله تعالى يقول: (قسمت الصلاة بيني وبين عبدي ..) (٥) معناه هذا، وهو أن المصلي يقرأ الفاتحة ونصفها حق الربوبية من الثناء على الله، ونصفها حظ العبودية من الدعاء والسؤال، وقال الحسين بن الفضل: سميت مثاني؛ لأنها نزلت مرتين اثنتين؛ مرة بمكة في أوائل ما نزل من القرآن، ومرة بالمدينة (٦).\n_________\n(١) ما بين القوسين من (ش)، (ع) وساقط من (أ)، (د).\n(٢) ورد في \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٥١ أبنحوه، \"تفسير ابن الجوزي\" ٤/ ٤١٣، والفخر الرازي ١٩/ ٢٠٧.\n(٣) أخرجه بنصه: مالك في الموطأ [شرح الزرقاني] كتاب: الصلاة، باب: القراءة خلف الإمام ١/ ١٧٥، وأحمد ٢/ ٢٨٥، ومسلم (٣٩٥): كتاب: الصلاة، باب: وجوب قراءة الفاتحة عن أبي هريرة، أبو داود (٨٢١) كتاب: الصلاة، باب: من ترك قراءة في صلاته بفاتحة الكتاب، والترمذي (٢٩٥٣) كتاب: تفسير القرآن، باب: ومِنْ سورة فاتحة الكتاب، النسائي: كتاب الصلاة، باب: ترك قراءة البسملة في الفاتحة.\n(٤) ورد في \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٥١ب بنصه، و\"تفسير البغوي\" ٤/ ٣٩١، والفخر الرازي ١٩/ ٢٠٧، والخازن ٣/ ١٠٢.\n(٥) ما بين القوسين ساقط من (أ)، (د) والمثبت من (ش)، (ع).\n(٦) ورد في \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٥١ب بنصه، \"تفسير البغوي\" ٤/ ٣٩١، وابن الجوزي ٤/ ٤١٤، والخازن ٣/ ١٠٢، الفخر الرازي ١٩/ ٢٠٧ بلا نسبة. والقول بنزولها مرتين انفرد به الحسين بن الفضل ولم أقف عليه منسوبًا إلى غيره، والذين ذكروه - بلا نسبة -أوردوه بصيغة التمريض- كما في \"تفسير البغوي\" ١/ ٤٩، وابن كثير =","vol":"12","page":649},{"text":"قال أبو إسحاق: ويجوز -والله أعلم- أن يكون من المثاني: أي مما أُثني به على الله؛ لأن فيها حَمْدَ الله وتوحيدَه، وذِكرَ ملائكته يوم الدين (١)، المعنى: ولقد آتيناك سبع آيات من جملة الآيات التي يُثْنَى بها على الله (٢)، وقيل سميت آيات الفاتحة مثاني؛ لأن كلماتها مُثَنَّاة؛ مثل الرحمن الرحيم، إيّاك وإيّاك، الصراط وصراط، عليهم وعليهم (٣)، وفي قراءة عمر: وغير وغير (٤)، وهذه الآية على هذا القول تدل على فضيلة الفاتحة؛ لأن الله\n_________\n= ١/ ١٠ وغيرهما- وقد نقل عنه ما يخالف ما انفرد به، ففي أسباب النزول للواحدي (ص ٢٢) قال: وعند مجاهد أن الفاتحة مدنية، قال الحسين بن الفضل: لكل عالم هفوة وهذه بادرة من مجاهد لأنه تفرّد بهذا القول والعلماء على خلافه. والصحيح أن مجاهد لم ينفرد بالقول أنها مدنية، بل روي -كذلك- عن أبي هريرة وعطاء بن يسار والزهري. \"تفسير ابن الجوزي\" ١/ ١٠، \"تفسير القرطبي\"١٠/ ١١٥، وابن كثير ١/ ١٠ ولعل الحسين رجع عن القول بأنها نزلت مرتين إلى ما ذهب إليه أكثر المفسرين أنها نزلت بمكة. وهذا هو الراجح لأمرين: أن سورة الحجر مكية بالإجماع، وورد فيها هذه الآية، وما كان الله ليمتنّ على رسوله بإيتائه فاتحة الكتاب وهو بمكة ثم ينزلها بالمدينة. أن الصلاة فرضت بمكة، وما حفظ أنه كان في الإسلام قط صلاة بغير الفاتحة - كما قال (: لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب) ولا يصح القول أنه النبى -ﷺ- أقام بمكة بضع عشرة سنة يصلي بلا فاتحة، فهذا مما لا تقبله العقول. انظر: \"أسباب النزول\" للواحدي ص ٢١.\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٨٥ بنصه.\n(٢) \"تهذيب اللغة\" (ثنى) ١/ ٥٠٧ بنصه.\n(٣) ورد في \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٥١ ب، بنصه، وذكره الطبري ١٤/ ٦٠ مختصرًا، ونسبه إلى أهل العربية وضعفه، وأورده الماوردي ٣/ ١٧٠ مختصرًا، و\"تفسير ابن الجوزي\" ٤/ ٤١٤، والفخر الرازي ١٩/ ٢٠٧، والخازن ٣/ ١٠٢.\n(٤) بَيَّنَ ذلك الفخر الرازي ١٩/ ٢٠٧ فقال وفي قراءة عمر: (غير المغضوب عليهم وغير الضالين) ولم أقف علي هذه القراءة، ولو ثبتت عنه فهي شاذة، ولعلى من قبيل التفسير.","vol":"12","page":650},{"text":"تعالى امتن على رسوله بهذه السورة كما امتن عليه بجميع القرآن، فأما دخول (مِنْ) قال أبو إسحاق: فهي على ضربين تكون للتبعيض من القرآن؛ أي: ولقد آتيناك سبع آيات من جملة الآيات التي يُثْنَى بها على الله، وآتيناك القرآن النبي، قال: ويجوز (من) للصفة، والمعنى آتيناك سبعًا، هي المثاني كما قال: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ [الحج: ٣٠] المعنى: اجتنبوا الأوثان، لا أنَّ بعضها رِجْسٌ (١).\nوقال ابن عباس في رواية مجاهد وسعيد بن جبير: المثاني السبع الطوال (٢)، وهذا قول ابن عمر وسعيد بن جبير في بعض الروايات ومجاهد في رواية ابن أبي نجيح، وهي سبع سور من أول القرآن؛ البقرة وآل عمران\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٨٥ بتصرف يسير.\n(٢) أخرجه أبو داود (٧٨٦) كتاب: الصلاة، باب من جهر بها، بنحوه من طريق سعيد، والنسائي: الافتتاح، ولقد آتيناك سبعًا من المثاني ٢/ ١٤٠ بنصه من طريق سعيد، والطبري ١٤/ ٥٢، ٥٣ بلفظه بعدة روايات من الطريقين، وورد في \"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ٣٨ من طريق مجاهد.\nوأخرجه الطبراني في \"الكبير\" (١١/) بنصه من طريق مجاهد، وورد في \"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢٢٤ من طريق مجاهد.\nوأخرجه الحاكم: كتاب: التفسير، الحجر ٢/ ٣٥٥ بنحوه من طريق سعيد، وقال على شرط الشيخين، والثعلبي ٢/ ١٥١ ب، بلفظه من الطريقين، وورد في \"تفسير الماوردي\" ٣/ ١٧٠، و\"تفسير البغوي\" ٤/ ٣٩١ من طريق سعيد، وابن عطية ٨/ ٣٥٠، وابن الجوزي ٤/ ٤١٤، و\"تفسير القرطبي\" ١٠/ ٥٥ من طريق سعيد، والخازن ٣/ ١٠٢، وابن كثير ٢/ ٦١٣، وأورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ١٩٦ - ١٩٧ وزاد نسبته إلى الفريابي وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الشعب عن ابن عباس، وزاد نسبته -كذلك- إلى ابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي من طريق سعيد.","vol":"12","page":651},{"text":"والنساء والمائدة والأنعام والأعراف والأنفال والتوبة معًا (١) وهذه السور سميت مثاني لأن الفرائض والحدود والأمثال والعبر والأخبار ثُنِّيت فيها، قاله ابن عباس (٢)، وأنكر الربيع هذا القول، فقال: لا أدري كيف يكون هذا القول وهذه الآية نزلت بمكة ولم ينزل من الطِّوَل شيء (٣) وقال من نَصَّ (٤) هذا القول: إن الله تعالى أنزل القرآن كله إلى السماء الدنيا وحكم بإنزاله عليه، فهو من جملة ما آتاه وإن لم ينزل عليه بعد (٥).\n_________\n(١) \"أخرجه الطبري\" ١٤/ ٥٢ عن سعيد بن جبير، وانظر: \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٥١ ب، و\"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢٢٤، والماوردي ٣/ ١٧٠، وقد اختلف في السورة السابعة؛ فقيل: إنها التوبة والأنفال معًا، وقيل: إنها سورة يونس، وهذان القولان مشهوران، لكنهما لا يسلمان من الاعتراض؛ أما الأول: فلأن كلًّا من الأنفال والتوبة سورة قائمة بذاتها فعدهما سورة واحدة خلاف المعقول، وعدهما سورتين -كما هما- يجعل الطوال ثمانية لا سبعًا، وأما القول الثاني: فيعارض بأن سورة يونس يشبهها سور كثيرة في الطول، بل منها ما هو أطول منها كالنحل، لذلك فالأرجح أن السورة السابعة هي سورة التوبة منفردة أفادني به الدكتور فضل عباس، وقد أشار قبله السخاوي إلى احتمال أنها التوبة - دون مناقشة. انظر: \"جمال القُراء\" ١/ ٣٤، \"البرهان في علوم القرآن\" ١/ ٢٤٤، \"الإتقان في علوم القرآن\" ١/ ٢٠١، \"مناهل العرفان\" ١/ ٣٤٥، \"المدخل لدراسة القرآن الكريم\" ص ٣٢٨، \"إتقان البرهان\" لفضل عباس ١/ ٤٤٨.\n(٢) ورد في \"تفسير الماوردي\" ٣/ ١٧١، \"تفسير ابن الجوزي\" ٤/ ٤١٤، الخازن ٣/ ١٠٢، وورد بلا نسبة في: \"تفسير الفخر الرازي\" ١٩/ ٢٠٨، \"تفسير القرطبي\" ١٠/ ٥٥.\n(٣) أخرجه الطبري ١٤/ ٥٥ بنحوه، وانظر: \"تفسير الفخر الرازي\" ١٩/ ٢٠٨، وأورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ١٩٦ وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم والبيهقي في \"الشعب\" عن الربيع، وورد بلا نسبة في: \"تفسير القرطبي\" ١٠/ ٥٥، والخازن ٣/ ١٠٢.\n(٤) هكذا وردت في جيمع النسخ بتشديد الصاد، ولعل مقصوده من نصّ على هذا القول؛ أي نصره.\n(٥) \"تفسير الفخر الرازى\" ١٩/ ٢٠٨، \"تفسير القرطبي\" ١٠/ ٥٥، والخازن ٣/ ١٠٢.","vol":"12","page":652},{"text":"وروي عن جماعة من الصحابة أنهم قالوا: المثاني السور التي هي دون الطِّوَل والمئين، وفوق المُفَصَّل (١)، واختار أبو الهيثم هذا القول، قال: روي ذلك عن رسول الله -ﷺ- ثم عن ابن مسعود وعثمان وابن عباس (٢)، يدل على صحة هذا ما روى ثوبان أن رسول الله -ﷺ- قال: \"إن الله أعطاني السبع الطوال مكان التوارة، وأعطاني المئين مكان الإنجيل وأعطاني مكان الزبور المثاني، وفضلني ربي بالمفصل\" (٣)، والقول في تسمية هذه السورة (٤) مثاني كالقول في تسمية الطول مثاني (٥).\n_________\n(١) لم أقف عليهم.\n(٢) ورد في \"تهذيب اللغة\" (ثنى) ١/ ٥٠٧ بنصه.\n(٣) أخرجه أحمد ٤/ ١٠٧ بنصه، عن واثلة بن الأسقع، وأبو داود الطيالسي ص ١٣٦ بنحوه، وأخرجه \"الطبري\" ١/ ٤٤ بنصه، من طريقين عن أبي قلابة وعن واثلة، وأخرجه الطحاوي في \"مشكل الآثار\" ٢/ ١٥٤ بنحوه عن واثلة، وأخرجه الطبراني في \"الكبير\" ٢٢/ ٧٥ بنصه، من طريقين عن واثلة، وأخرجه الثعلبي ٢/ ١٥١ب بنصه، عن ثوبان، وأورده الزركشي في \"البرهان\" ١/ ٢٤٤، وقال هو حديث غريب -ولا يقصد الغرابة الاصطلاحية؛ لوروده من عدة طرق- قال: وفيه سعيد بن بشير لين، وأورده الهيثمي في \"المجمع\" ٧/ ٤٦ عن واثلة وعزاه إلى أحمد وقال فيه عمران القطان وثقه ابن حبان وغيره وضعفه النسائي وغيره، وبقية رجاله ثقات، وأورده - كذلك ٧/ ١٥٨ عن أبي أمامة وعزاه إلى الطبراني، وقال: وفيه ليث بن أبي سليم وقد ضعفه جماعة ويعتبر بحديثه، وبقية رجاله رجال الصحيح، وقد ذكر أحمد شاكر أن رواية أبي قلابة مرسلة، وتوقف في رواية واثلة، والحديث ضعيف في كل طرقه، لكنه ضعف منجبر كما أشار الهيثمي، وقد حسن الألباني رواية أحمد؛ حيث تابع عمران، سعيد بن بشير، وقال: الحديث صحيح بمجموع طرقه. انظر: \"سلسلة الأحاديث الصحيحة\" (١٤٨٠).\n(٤) أي سورة الفاتحة.\n(٥) وهو قول ابن عباسٌ، وقد أنكره الربيع.","vol":"12","page":653},{"text":"وقال ابن عباس في رواية عطية: القرآن كله مثاني (١) وهو قول طاوس (٢) وأبي مالك (٣)، ودليل هذا القول قوله تعالى: ﴿كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾ [الزمر: ٢٣]، فَسمَّى القرآن كله مثاني، قال أبو عبيد (٤): وسُمِّي القرآن مثاني لأن الأنباء والقصص ثُنِّيت (٥) فيه (٦)، وعلى هذا القول المراد بالسبع، أقسام القرآن، وهي سبعة أسباع، فالقرآن سبعة أقسام (٧)، ويجوز\n_________\n(١) أخرجه الطبري ١٤/ ٥٧ بنحوه من طريق العوفي (غير مرضية)، وورد في \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٥٢ أبلفظه، و\"تفسير الفخر الرازي\" ١٩/ ٢٠٩ عن ابن عباس وطاوس، و\"تفسير القرطبي\" ١٠/ ٥٥.\n(٢) انظر: المصادر السابقة، و\"تفسير البغوي\" ٤/ ٣٩٢، وابن الجوزي ٤/ ٤١٤، والخازن ٣/ ١٠٢.\n(٣) انظر: المصادر السابقة، و\"تفسير ابن الجوزي\" ٤/ ٤١٤.\n(٤) في جميع النسخ أبو عبيدة، والمثبت هو الصحيح، وهو: أبو عبيد القاسم بن سلاَّم الهروي (ت ٢٢٤) صاحب الغريب.\n(٥) في جميع النسخ: بُيِّنَتْ، والمثبت هو الصحيح.\n(٦) غريب الحديث له ١/ ٤٤٣ بنصه، وانظر: \"تهذيب اللغة\" (ثنى) ١/ ٥٠٦ بنصه، ويبدو أنه اقتبسه من التهذيب للتطابق، وورد بلا نسبة في: \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٥٢ أ، و\"تفسير البغوي\" ٤/ ٣٩٢، الخازن ٣/ ١٠٢.\n(٧) ورد بنحوه في \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٥٢ أ، والماوردي ٣/ ١٧١، انظر: \"تفسير البغوي\" ٤/ ٣٩٢، وابن الجوزي ٤/ ٤١٥، والفخر الرازي ١٩/ ٢٠٩، و\"تفسير القرطبي\" ١٠/ ٥٥. وهذه الأقسام قد أشار إليها العلماء عند حديثهم عن نزول القرآن على سبعة أحرف، يقول أبو شامة: هي سبعة أبواب من أبواب الكلام وأقسامه، أنزله الله على هذه الأصناف، لم يقتصره على صنف واحد منها كغيره من الكتب. وقد اختلف كثيرًا في ماهية هذه الأقسام، فذكر السيوطي نقلًا عن ابن النقيب عن ابن حبان سبع عشرة قولًا، وأشهر هذه الأقوال أنها تدور حول: الأمر والنهي، والوعد والوعيد، والحلال والحرام، والمحكم والمتشابه، والأمثال. انظر: \"البرهان في علوم القرآن\" ١/ ٢١٦، \"الإتقان في علوم القرآن\" ١/ ٢٧٤ - ٢٧٧، \"الأحرف السبعة\" لعتر ص ١٣٧.","vol":"12","page":654},{"text":"أن يكون المراد بالسبع الفاتحة؛ لأنها سبع آيات من القرآن الذي هو مثاني (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ على هذا القول هوالسبع المثاني، إلا أنه أدخل الواو فيه لاختلاف اللفظين (٢)، كقوله (٣):\nإلى المَلِكِ القَرْمِ وابنِ الهُمَام ... ولَيْثِ الكَتِيبَةِ في المُزْدَحَمْ\nوقد ذكرنا نظائر هذا كثيرًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1997>٨٨ </span>- قوله تعالى: ﴿لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ﴾ الآية. قال ابن عباس: نهى الله رسوله عن الرغبة في الدنيا، فحظر عليه أن يمد عينيه إليها رغبة فيها (٤)، وقال في رواية عطاء: ولا تتمنّ ما فضلنا به أحدًا من متاع الدنيا، ولا يقع في قلبك حلاوتها ولا شيء من زينتهم (٥)، فدل هذا التفسير\n_________\n(١) وهذا القول اختاره الطبري، وهو قول ابن عباس ومجاهد وطاوس وأبي مالك. \"تفسير الطبري\" ١٤/ ٥٧.\n(٢) لعل توجيه الزمخشري أحسن؛ إذ قال: فإن قلت كيف صحّ عطف القرآن العظيم على السبع؟ وهل هو إلا عطف الشيء على نفسه؟! قلت: إذا عُني بالسبع الفاتحة أو الطوال فما وراءهن ينطلق عليه اسم القرآن؛ لأنه اسم يقع على البعض كما يقع على الكل، ألا ترى إلى قوله: ﴿بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ﴾ يعني سورة يوسف، وإذا عَنَيْت الأسباع فالمعنى: ولقد آتيناك ما يقال له السبع المثاني والقرآن العظيم؛ أي الجامع لهذين النعتين؛ وهو الثناء أو التثنية والعظم. \"تفسير الزمخشري\" ٢/ ٣١٩، وهناك توجيهات أخرى، انظرها في \"تفسير ابن الجوزي\" ٤/ ٤١٦.\n(٣) سبق عزوه.\n(٤) أخرجه الطبري ١٤/ ٦١ بمعناه من طريق العوفي (غير مرضية)، وورد في تفسيره \"الوسيط\" تحقيق: سيسي ٢/ ٣٧٠ بنصه، وانظر: \"تفسير ابن كثير\" ٢/ ٦١٤، و\"الدر المنثور\" ٤/ ١٩٧ وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم.\n(٥) \"تفسير الفخر الرازي\" ١٩/ ٢١٠.","vol":"12","page":655},{"text":"على أن المراد بنهيه من مد العين نهيه عن التطلع إليه رغبة فيه، وإنما يكون مادًا عينيه إلى الشيء إذا أدام النظر نحوه، وإدامة النظر إلى الشيء يدل على استحسانه وتمنِّيه، ولهذا فسره ابن عباس بالنهي عن التمني، فكان -ﷺ- لا ينظر إلى ما يستحسن من متاع الدنيا، حتى رُوي أنه نظر إلى نَعَم بني المُصْطَلِق (١) وقد عَبِست في أبوالها وأبعارها، (فَتَقَنَّع بثوبه وقرأ هذه الآية) (٢)، قال أهل المعاني: وذلك أن يجف أبعارُها وأبوالُها على أفخاذها إذا نزلت من العمل أيام الربيع، فيكثر شحومُها ولحومُها وهي أحسن ما تكون (٣).\nوقوله تعالى: ﴿أَزْوَاجًا مِنْهُمْ﴾ قال الزجاج: أي أمثالًا في النِّعَم (٤)، يعني أن الأغنياء بعضهم أمثال بعض في الغنى والنعمة فهي أزواج، وقال ابن قتيبة: أي أصنافًا منهم (٥)، والزوج في اللغة الصنف (٦)، وقد ذكرنا\n_________\n(١) قبيلة بني المصطلق بطن من خزاعة، من القحطانية، وهم بنو المصطلق، واسمه جَذيمة بن سعد بن عمرو بن ربيعة، وقد غزاهم النبي -ﷺ- في شعبان سنة ست من الهجرة، ولقيهم على ماء لهم يقال له: المريسيع، فهزمهم الله، وقُتل من قُتل، ونفل رسول الله -ﷺ- أبنائهم ونسائهم وأموالهم، فأفائهم عليه. انظر: \"الروض الأنف\" ٤/ ٦، \"معجم قبائل العرب\" ٣/ ١١٠٤.\n(٢) ورد في: \"غريب الحديث\" لأبي عبيد ١/ ٣٨٠ بنحوه، و\"تهذيب اللغة\" (عبس) ٣/ ٢٣٠٧ بنصه، وانظر: \"النهاية\" لابن الأثير ٣/ ١٧١، \"الدر المنثور\" ٤/ ١٩٧ وزاد نسبته إلى ابن المنذر، \"تفسير الألوسي\" ١٤/ ٨١.\n(٣) ورد بنحوه في: غريب الحديث ١/ ٣٨٠، و\"تهذيب اللغة\" (عبس) ٧/ ٢٣٠٣، و\"تفسير الفخر الرازي\" ١٩/ ٢١٠ بنصه.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٨٦ بنصه.\n(٥) \"الغريب\" لابن قتيبة ١/ ٢٤١ بلفظه.\n(٦) انظر: (زوج) في: \"المحكم\" ٧/ ٣٦٥، و\"اللسان\" ٣/ ١٨٨٦.","vol":"12","page":656},{"text":"ذلك؛ يعني أصناف الكفار من المشركين واليهود وغيرهم، وقال المفضل: ﴿أَزْوَاجًا مِنْهُمْ﴾ أي رجالا ونساءً أغنيناهم، فلا تمدنّ عينيك إلى ما أعطيناهم (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ قال ابن عباس: يريد على ما فاتك من الدنيا، قال أهل المعاني: معناه: لا تحزن لما أنعمت عليهم دونك، وقال الحسن: لا تحزن عليهم بما يصيرون إليه من العذاب بكفرهم (٢)، ونحو هذا قال الكلبي: لا تحزن على كفار قريش إن لم يؤمنوا ونزل بهم العذاب (٣)، ثم نزل يوم بدر.\nوقوله تعالى: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ الخفض معناه في اللغة: نقيض الرفع، ومنه قوله تعالى في صفة القيامة: ﴿خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ﴾ [الواقعة: ٣] أي: أنها تخفض أهلَ المعاصي وترفع أهلَ الطاعة (٤)، فالخفض معناه الوضع، والجناح من الإنسان يده، قال الليث: يد الإنسان جناحاه (٥)، ومنه قوله: ﴿وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ﴾ [القصص: ٣٢] والعرب تقول: فلان خافض الجناح، وخافض الطير، إذا كان وقورًا ساكنًا (٦) ومعنى الآية: كأنه يقول لِن واسْكُنْ لهم.\n_________\n(١) لم أقف عليه.\n(٢) ورد بنحوه غير منسوب في \"تفسير الماوردي\" ٣/ ١٧١، \"تفسير القرطبي\" ١٠/ ٥٧.\n(٣) انظر: تفسيره \"الوسيط\"، تحقيق: سيسي ٢/ ٣٧٠ بنصه، وورد بنحوه غير منسوب في \"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢٢٥، وابن الجوزي ٤/ ٤١٦.\n(٤) انظر: \"تهذيب اللغة\" \"خفض\" ١/ ١٠٦٦ بنصه.\n(٥) \"تفسير الفخر الرازي\" ١٩/ ٢١١.\n(٦) ورد في \"تهذيب اللغة\" (خفض) ١/ ١٠٦٦ بنصه، وانظر: \"تفسير القرطبي\" ١٠/ ٥٧.","vol":"12","page":657},{"text":"قال ابن عباس: يقول: ألِن لهم الموعظة وارفق بهم ولا تغلظ عليهم (١).\nوقال الزجاج: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ﴾: ألِن جانبك (٢)، ونحوه قال المفضل (٣)، فعلى هذا جناح الإنسان جانبه، ومنه قوله: ﴿وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ﴾ [طه: ٢٢] والعرب تقول: فلان لين الجانب، إذا كان سهل الخلق منبسطًا، كما تقول في ضده: فلان منيع الجانب، ومنه قوله: ﴿وَنَأَى بِجَانِبِهِ﴾ [فصلت: ٥١]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1998>٨٩ </span>- قوله تعالى: ﴿كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ﴾ قال ابن عباس: يريد أُنذركم سطواتِ اللهِ وسخطه وعذابه، وأبين لكم ما يقربكم إلى الله ويبعدكم من الله.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1999>٩٠ </span>- ﴿كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ﴾ اختلفوا في المقتسمين من هم؟ فقال ابن عباس في رواية عطاء: هم الذين اقتسموا طرق مكة يصدون الناس عن رسول الله - ﷺ- والإيمان به، وهم ما بين ثمانية وثلاثين إلى الأربعين (٤)، وقال مقاتل بن سليمان: كانوا ستة عشر رجلًا بعثهم الوليد بن المغيرة أيام الموسم فاقتسموا عِقابَ (٥) مكة وطرقها، يقولون لمن سلكها: لا تغتروا\n_________\n(١) انظر: تفسيره \"الوسيط\"، تحقيق: سيسي ٢/ ٣٧٠ بنحوه، وابن الجوزي ٤/ ٤١٦، و\"تنوير المقباس\" ص ٢٨١ بنحوه، وورد بنحوه غير منسوب في \"تفسير مقاتل\" ١/ ١٩٩ أ، والطبري ١٤/ ٦١، والثعلبى ٢/ ١٥٢ أ.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٨٦ بلفظه.\n(٣) لم أقف عليه.\n(٤) \"تفسير الفخر الرازي\" ١٩/ ٢١١.\n(٥) العَقَبَة: طريق وعر في الجبل، والجمع عَقَب وعِقاب. انظر: (عقب) في \"جمهرة اللغة\" ١/ ٣٦٤، \"المحيط في اللغة\" ١/ ١٩٧.","vol":"12","page":658},{"text":"بالخارج منا والمدعي النبوة فإنه مجنون، فكانوا يُنَفّرون النُزَّاعَ إليه بأنه ساحر وأنه كاهن وأنه شاعر (١)، وهذا القول اختيار الفراء قال: سُمُّوا مقتسمين لأنهم اقتسموا طُرُقَ مكة (٢)، فأنزل الله بهم جَرَبًا فماتوا شر ميتة، وقال في معنى الآية: يقول: أنذرتكم ما نزل بالمقتسمين، قال صاحب النظم المعنى: إني أنذرتكم ما أنزلناه على المقتسمين (٣)، وتكون الكاف زائدة؛ وزيادة الكاف قد توجد في مواضع من الكلام (٤)؛ كقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، وقول رُؤبة:\nلَوَاحِقُ الأقْرَابِ فيها كالمَقَقْ (٥)\nقال النحويون: الكاف التي هي حرف جار قد تكون زائدة مؤكدة\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ١/ ١٩٩ أ، بنحوه، وانظر: \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٥٢ أ، بنحوه، وورد بنحوه غير منسوب في \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٩١، ومعظم الذين ذكروا هذا القول نسبوه للفراء، ومقاتل سابق للفراء.\n(٢) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٩٢ بنصه.\n(٣) وهو كقول الفراء؛ قال: يقول أنذرتكم ما أُنزل بالمقتسمين ٢/ ٩١.\n(٤) انظر: التعليق على القول بالزيادة في القرآن، عند الآية [١٠] من سورة إبراهيم.\n(٥) \"ديوانه\" ص ١٠٦، وورد في: \"سر صناعة الإعراب\" ١/ ٢٩٥، \"شرح ابن عقيل\" ٣/ ٢٦، \"شرح شواهد المغني\" ٢/ ٧٦٤، و\"الخزانة\" ١/ ٨٩، وبلا نسبة في \"المقتضب\" ٤/ ٤١٨، و\"المسائل البغداديات\" ص ٤٠٠، و\"الإنصاف\" ص ٢٥٧، \"شرح الأشموني\" ٢/ ٤٠٩، (اللواحق) جمع لاحقة، وهي الهزيلة الضامرة، (الأقراب) جمع قُرْب؛ وهي الخاصرة، (المقق) هو الطُّولُ، وقيل الطول الفاحش في دقة، والمعنى: هذه الخيول أو الأُتن خماص البطون، قد أصابها الهزال وضمرت بطونها مع ما بها من طول فاحش.\nوالشاهد: (كالمقق) حيث جاءت الكاف زائدة، لا تدل على معنى التشبيه، إذ المقق: الطول، ولا يقال في الشيء كالطُّول، وإنما يقال: فيه طُول. انظر: \"سر صناعة الإعراب\" ١/ ٢٩٢، \"الانتصاف من الإنصاف\" بهامشه ١/ ٣٠٠.","vol":"12","page":659},{"text":"بمنزلة الباء في خبر ليس (١)، وذكر صاحب النظم وجهًا آخر، هو أن يكون التأويل: ﴿إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ﴾: عذابًا ﴿كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ﴾، وعلى هذا: المفعول محذوف وهو المشبه، ودل عليه المشبه به، وهذا كما تقول في الكلام: رأيت كالقمر في الحُسْنِ (٢)، أي: رجلًا، وما تريد (٣). وقال ابن عباس في رواية أبي ظبيان: (المقتسمين) هم اليهود والنصارى (٤).\nواختلفوا لم سُمّوا مقتسمين؟ قال ابن عباس في هذه الرواية: لأنهم جعلوا القرآن عضين؛ آمنوا ببعضه وكفروا ببعضه.\nوقال عكرمة: لأنهم اقتسموا القرآن استهزاءً به، فقال بعضهم سورة كذا لي، وقال بعضهم سورة كذا لي (٥).\n_________\n(١) انظر: \"سر صناعة الإعراب\" ١/ ٢٩١ بنصه، \"المقتضب\" ٤/ ٤١٨، \"شرح ابن عقيل\" ٣/ ٢٦.\n(٢) نقل الفخر الرازي قول صاحب النظم وتوضيح الواحدي له بنصه دون عزو. \"تفسير الفخر الرازي\" ١٩/ ٢١٢.\n(٣) يقصد تقديره: رجلًا أو ما تريد أن تقدّره.\n(٤) أخرجه البخاري (٤٧٠٥) التفسير، كتاب: الحجر، باب: قوله تعالى ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾ بنصه، والطبري ١٤/ ٦١ بنصه، وورد بنصه في \"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ٤٣، و\"تفسير هود الهواري\" ٢/ ٣٥٦، والثعلبي ٢/ ١٥٢ أ، والماوردي ٣/ ١٧٢، والطوسي ٦/ ٣٥٤، و\"تفسير البغوي\" ٤/ ٣٩٣، وابن عطية ٨/ ٣٥٥، وابن الجوزي ٤/ ٤١٧، والفخر الرازي ١٩/ ٢١٢، و\"تفسير القرطبي\" ١٠/ ٥٨، والخازن ٣/ ١٠٣.\n(٥) \"أخرجه الطبري\" ١٤/ ٦٢ بنحوه، ورد في \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٥٢ أ، بنحوه، والماوردي ٣/ ١٧٢ بنحوه، وانظر: \"تفسير ابن عطية\" ٨/ ٣٥٥، وابن الجوزي ٤/ ٤١٧، و\"تفسير القرطبي\" ١٠/ ٥٨، والخازن ٣/ ١٠٣.","vol":"12","page":660},{"text":"وقال مجاهد: لأنهم قسموا كتابهم فآمنوا ببعضه وكفروا ببعضه (١).\nوقال مقاتل بن حيان: أقتسموا القرآن؛ فقال بعضهم: سحر (وقال بعضهم: شعر) (٢) وقال بعضهم: كذب، وقال بعضهم: أساطير الأولين (٣).\nوقال ابن زيد: المقتسمون هم قوم صالح تقاسموا، من القَسَم لا من القِسْمة (٤)، ونحوًا من هذا قال ابن قتيبة؛ جعل المقتسمين: الذين تحالفوا على تكذيب محمد -ﷺوأن يذيعوا ذلك [بـ] (٥) كل طريق (٦)، كما ذكرنا في القول الأول (٧).\n_________\n(١) \"أخرجه الطبري\" ١٤/ ٦٣ بنحوه، ورد في \"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢٢٥ لكنه قال: فرقوا القرآن، والصحيح كما في كل الروايات فرقوا كتبهم، والثعلبي ٢/ ١٥٢أبمعناه، والماوردي ٣/ ١٧٢ بمعناه، وانظر: \"تفسير ابن عطية\" ٨/ ٣٥٥، وابن الجوزي ٤/ ٤١٧، والخازن ٣/ ١٠٣.\n(٢) ما بين القوسين ساقط من (أ)، (د).\n(٣) ورد في \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٥٢ أبنصه، و\"تفسير الفخر الرازي\" ١٩/ ٢١٢ بنصه.\n(٤) \"أخرجه الطبري\" ١٤/ ٦٣ بنحوه، وورد في \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٥٢ أبنحوه، والماوردي ٣/ ١٧٢ بمعناه، والطوسي ٦/ ٣٥٤ بمعناه، وانظر: \"تفسير ابن عطية\" ٨/ ٣٥٥، وابن الجوزي ٤/ ٤١٨، والفخر الرازي ١٩/ ٢١٢، و\"تفسير القرطبي\" ١٠/ ٥٨، وابن كثير ٢/ ٦١٤.\n(٥) إضافة يقتضيها السياق؛ كما في المصدر.\n(٦) \"الغريب\" لابن قتيبة ص ٢٤١ بنصه.\n(٧) وقد لخّص الطبري الأقوال الواردة في المقتسمين، فقال: هم قوم صالح أو أهل الكتاب أو كفار قريش، ثم ذكر أن النص محتمل لأي من الفرق الثلاث ما دام أنه لم يخصص، فوجب حمله على كل من اقتسم كتابًا لله بتكذيب بعض وتصديق بعض. انظر: \"تفسير الطبري\" ١٤/ ٦٣ - ٦٤","vol":"12","page":661},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2000>٩١ </span>- قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾، ﴿الَّذِينَ﴾ من صفة المقتسمين، إلا على قول ابن زيد، فإنه يكون ابتداءً وخبره في (لنسألنهم)، وذكر أهل اللغة في واحد عضين قولين، أحدهما: أن واحدها عِضَة؛ مثل: عزة ونزة وثبة، وأصلها عِضْوة من: عضَّيتُ الشيء، إذا فرَّقته (١)، وكل قطعة عضة، وهي مما نقص منها واوٌ؛ وهي لام الفعل -مثل قِلَة وعِزَة- وبابها، والتعضية التجزئة والتفريق، ورواه أبو ظبيان عن ابن عباس في عضين ما ذكرناه في المقتسمين، ويقال: عضيت الشاة والجزور تعضية، إذا جعلتها أعضاءً وقسمتها.\nوفي الحديث: \"لا تَعْضية في ميراثٍ إلا فيما حمل القَسْمَ\" (٢) أي: لا تجزئة فيما [لا]، (٣) يحتمل القَسْم؛ كالجوهرة والسيف وغيرهما، وهذا معنى قول المفسرين وأكثر أهل المعاني؛ قال ابن عباس في قوله: ﴿جَعَلُوا\n_________\n(١) انظر: (عضه) في: \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٤٧٧، \"الصحاح\" ٦/ ٢٢٤١، \"عمدة الحفاظ\" ٣/ ١١، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٥٢ ب.\n(٢) أخرجه الدارقطني كتاب: الأقضية والأحكام، باب: المرأة تقتل إذا ارتدت ٤/ ٢١٩ بنحوه بروايتين عن أبي بكر، وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى: كتاب: آداب القاضي، باب: مالا يحتمل القسمة ١٠/ ١٣٣ بنحوه بروايتين، وورد في \"النهاية\" ٣/ ٢٥٦، و\"الكنز\" ١١/ ٩، والحديث ضعيف كما قال الشافعي: قال ولا يكون مثل هذا الحديث حجة لأنه ضعيف، وهو قول من لقينا من فقهائنا، وقال البيهقي: وإنما ضعفه لانقطاعه، وهو قول الكافة، وعلة أخرى أن الحديث يدور على صديق بن موسى، وهو ليس بحجة كما في \"الميزان\" ٣/ ٢٨، وقد أشار إلى ذلك الآبادي في ذيل \"سنن الدارقطني\" ٤/ ٢١٩.\n(٣) في جميع النسخ بدوك (لا)، ولا يستقيم المعنى إلا بها؛ لأن المراد النهي عن تفريق ما يكون تفريقه ضررًا علي الورثة؛ كأن تقسم جوهرة نفيسة أو ثوب نفيس فتنقص بذلك قيمته.","vol":"12","page":662},{"text":"الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾ يريد جَزَّؤُوهُ أجْزاءً، فقالوا: سحر، وقالوا: أساطير الأولمِن، وقالوا: مفترى (١)، وهذا قول قتادة واختيار الزجاج (٢) وأبي العباس (٣) وأبي عبيدة (٤)، ولكون المعنى على هذا: جعلوا القول في القرآن عضين حين اختلفت أقوالهم وتفرقت في وصف القرآن.\nالقول الثاني: أنها عِضَة، وأصلها عِضْهة، فاستثقلوا الجمعَ بين هاءين، فقالوا: عِضَة؛ كما قالوا: شَفَة والأصل شَفْهة (٥)، بدليل قولك: شافهت مشافهة، وسَنَة وأصلها سَنْهة في أحد القولين (٦)، وعلى هذا؛ الهاء\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٤٧٠٥) كتاب: التفسير، باب: الحجر بنحوه عن ابن عباس، والطبري ١٤/ ٦٤ - ٦٦ عنهما بنحوه، وورد في \"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢٢٥ عنهما، والحاكم: كتاب: التفسير، باب: الحجر ٢/ ٣٥٥ بنحوه، والماوردي ٣/ ١٧٣ عن ابن عباس، والطوسي ٦/ ٣٥٤ عن قتادة، و\"تفسير ابن الجوزي\" ٤/ ٤١٨ عنهما، و\"تفسير القرطبي\" ١٠/ ٥٩، والخازن ٣/ ١٠٣، وابن كثير ٢/ ٦١٤، و\"تنوير المقباس\" ص ٢٨١، وأورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ١٩٨ وزاد نسبته إلى سعيد بن منصور والفريابي وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه من طرق، عن ابن عباس.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٨٦ بنحوه، \"تفسير ابن الجوزي\" ٤/ ٤١٩.\n(٣) لم أقف عليه.\n(٤) \"مجاز القرآن\" ١/ ٣٥٥ بمعناه.\n(٥) انظر: (عضة) في \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٤٧٨، مجمل اللغة ٢/ ٦٧٣، \"الصحاح\" ٦/ ٢٢٤١، \"شرح الفصيح\" للزمخشري ٢/ ٦١١، \"عمدة الحفاظ\" ٣/ ١١١، \"تفسير الطبري\" ١٤/ ٦٥، الثعلبي ٢/ ١٥٢ب.\n(٦) ذكر أبو علي الفارسي أن لام الكلمة المحذوفة يجوز أن تكون واوًا أو هاءً، لقولهم في (سنة) (أسْنَتُوا) -أجدبوا- ومنها؛ (سنوات)، أصلها واو، وفي قولهم: (ساناه) -عامله بالسنة- ومنها: (نخلة سَنْهاء) -أصابتها السنة- أصلها هاء، وقولهم في (عضه): (عِضوات) أصلها واو، وفي قولهم: (عِضاه، وبعير عاضه، وناقة =","vol":"12","page":663},{"text":"لام وهي من العضة بمعنى الكذب، ومنه الحديث: \"إيَّاكم والعِضَة\" (١).\nوقال ابن السكيت: العَضِيْةُ أن يَعْضِه الإنسانَ ولقول فيه ما ليس فيه (٢)، وهذا معنى قول عكرمة واختيار الكسائي (٣)، وقول الخليل فيما روى عنه الليث (٤). قال عكرمة: العضه السحر بلسان قريش، وهم يقولون للساحر: عاضِه (٥).\n_________\n= عاضهة) أصلها هاء. انظر: \"المسائل الحلبيات\" ص ٣٤٥، \"المسائل البغداديات\" ص ١٥٨، \"سر صناعة الإعراب\" ١/ ٤١٨، \"المحكم\" (عضه) ١/ ٥٩.\n(١) جزء من حديث طويل يتكون من عدة فقرات، كهجر المسلم، والصدق والكذب، وأحسن الكلام ..، وقد أخرجه عبد الرزاق في المصنف: باب القدر ١١/ ١١٦ بنصه، والطبراني في \"الكبير\" ٩/ ٩٨ بنصه، قال محقق \"المعجم الكبير\": (قال شيخ الإسلام في إقامة الدليل ص ٥٩: رواه ابن ماجه وابن أبي عاصم بأسانيد جيدة إلى محمد بن جعفر بن أبي كثير عن موسى بن عقبة عن أبي إسحاق عن الأحوص عن عبد الله بن مسعود أن رسول الله -ﷺ- قال .. فذكره، وهذا إسناد جيد، لكن المشهور أنه موقوف على ابن مسعود. وأفاد كذلك المحقق أن الألباني ضعفه - دون أن يذكر أين. وورد برواية: ألا أُنبِّئكم ما العَضْه؟ هي النميمةُ القالةُ بين الناس)، أخرجه مسلم في كتاب: البر والصلة، باب: تحريم النميمة.\n(٢) إصلاح المنطق ص ٣٥٣ بنصه، وانظر: \"تهذيب اللغة\" (عضه) ٣/ ٢٤٧٧ بنصه، وفيهما: (العَضِيْهَةُ) بدل (العضية).\n(٣) انظر: \"تهذيب اللغة\" (عضه) ٣/ ٢٤٧٧، \"تفسير ابن عطية\" ٨/ ٣٥٦.\n(٤) كتاب \"العين\" ١/ ٩٩ بمعناه.\n(٥) أخرجه عبد الرزاق ٢/ ٣٥٠ بنصه، والطبري ١٤/ ٦٦ بنصه، وورد في \"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ٤٣، و\"تهذيب اللغة\" (عضه) ٣/ ٢٤٧٧ بنصه، و\"تفسير الماوردي\" ٣/ ١٧٣، وانظر: \"تفسير الزمخشري\" ٢/ ٣٢٠، وأبن عطية ٨/ ٣٥٧، وابن الجوزي ٤/ ٤١٩، وابن كثير ٢/ ٦١٤، وأورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ١٩٨ وزاد نسبته إلى سعيد بن منصور وابن المنذر.","vol":"12","page":664},{"text":"وقال ابن الأعرابي: العضة والتُّوَلة (١) السحر (٢). وذكر الفراء القولين جميعًا في المصادر والمعاني (٣)، وعلى هذا القول معنى قوله: ﴿جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾ جعلوه سحرًا مفترى، وجمعت العضة جمع ما يعقل لِمَا لحقها من الحذف؛ فجعل الجمع بالواو والنون عوضًا مما لحقها من الحذف، وقد ذكرنا شرح هذا عند قوله: ﴿ثُبَاتٍ﴾ (٤) [النساء: ٧١] وفي جمع أرض (٥).\nقال الفراء: ومن العرب من يجعلها بالياء على كل حال، ويعرب نونها فيقول: عِضِينُك، ومررت بعِضِينِك، وأنشد: (٦)\nدَعَانِيَ مِنْ نَجْدٍ فإنَّ سِنينَه .... لَعِبْنَ بَنا شِيبًا وشيَّبْنَنَا مُرْدا (٧)\n_________\n(١) التُّولة والتِّوَلة: شيءٌ يُشبه السحر، يُحببُ المرأة إلى زوجها. \"المحيط في اللغة\" (تول) ٩/ ٤٦٢.\n(٢) لم أقف عليه.\n(٣) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٩٢ مختصرًا، و\"تفسير الفخر الرازي\" ١٩/ ٢١٣ نقلهما عن الواحدي بنصه بلا نسبة.\n(٤) واحد الثُبات: ثُبَةٌ، انظر: \" لغريب\" لابن قتيبة ١/ ١٢٧، \"تهذيب اللغة\" (ثاب) ١/ ٤٦٥، \"عمدة الحفاظ\" ١/ ٣١٧.\n(٥) لم أقف على الآية التي أشار أنه تعرض فيها لجمع أرض، وقد جمعت (أرضون)، والقياس يقتضي جمعها (أرضات) لأنها مؤنث، فلما حذفت الهاء -أي من أرضة- عوضوا عنها في الجمع بالواو والنون، فقالوا (أرضون) وفتحوا الراء في الجمع ليدخل الكلمة ضرب من التغيير تميزًا لها لمخالفة الأصل، وليعلم أن سبيلها لو جمعت بالتاء أن يفتح راؤها، فيقال: (أرَضات). انظر: \"شرح المفصل\" ٥/ ٥.\n(٦) البيت للصمة بن عبد الله القُشَيْري ت ٩٥ هـ.\n(٧) ورد في:\"تكملة الإيضاح\" العضدي ص ٢٠٧، \"شرح شواهد الإيضاح\" ص ٥٩٧، \"شرح المفصل\" ٥/ ١١، \"شرح التصريح\" ١/ ٧٧، \"الخزانة\" ٨/ ٥٨، وورد بلا =","vol":"12","page":665},{"text":"قال وأنشدني بعضُ بني أسد (١):\nمِثْل المَقَالِي ضُرِبَتْ قُلِينُها (٢)\nقال وإنما يجوز هذا فيما نقص لامها؛ لأنهم توهموا أن النون أصلية وأن الحرف على فعيل، ألا ترى أنهم لا يقولون هذا في الصالحين والمسلمين! وكذلك قولهم: الثبات واللغات، ربما أعربوا التاء منها بالنصب والخفض فيتوهَّمون أنها هاء وأن الألف قبلها من الفعل، وأنشد (٣):\n_________\n= نسبة في \"المخصص\" ٩/ ٦٦، \"الاقتضاب\" ص ١٩٣، \"أمالي ابن الشجري\" ٢/ ٢٦١، \"اللسان\" (نجد) ٧/ ٤٣٤٦، (سنه) ٤/ ٢١٢٧، \"أوضح المسالك\" ص ١٤ (صدر)، \"شرح ابن عقيل\" (١/ ٦٥، وفي بعض هذه المصادر (ذراني) بدل (دعاني)، والمعنى واحد، وهو أمر ومعناه: اتركاني من ذكر نجد، (سنينه): جمع سنة، وهي هنا إما بمعنى العام وإما بمعنى القحط. (شِيبًا): جمع أشيب، وهو الذي ابيضَّ شعره، (مُردًا) جمع أمرد، وهو الذي لا شعر بعارضيه. والشاهد قوله: (سِنينَه) بإثبات النون ولم تسقط للإضافة، وعلامة نصبه الفتحة لا الياء وإلا لقال: (سِنِيْه) بحذف النون للاضافة وهذه لغة بني عامر، فإنهم يعربون المعتل اللام بالحركات الثلاث على النون مع لزوم الياء؛ لأنها أخف عليهم، ولأن النون قامت مقام الذاهب من الكلمة، ولو كان الذاهب موجودًا لكان الإعراب فيه كسائر المفردات، وكذلك يكون ما قام مقامه. انظر: \"شرح التصريح على التوضيح\" ١/ ٧٧.\n(١) لم أقف على القائل، وفي المصدرين -الذين وقفت عليهما- نُسب إلى الفراء.\n(٢) ورد في: \"تهذيب اللغة\" (قلا) ٣/ ٣٠٢٥، \"اللسان\" (قلا) ٦/ ٣٧٣٢، القُلَة والمِقْلَى والمِقلاء: عودان يلعب بهما الصبيان، فالمِقلى العود الكبير الذي يُضرب به، والقُلَة الخشبة الصغيرة التي تُنصب، وهي قَدر ذراع، وجمع المقلى المقالي، الشاهد: (قُلِينُها) حيث جعل النون كالأصلية فرفعها، وذلك على التوهم، ووجه الكلام فتح النون لأنها نون الجمع.\n(٣) البيت لأبي ذؤيب الهذلي (جاهلي).","vol":"12","page":666},{"text":"إذا ما جَلاَهَا بالإِيَام تَحَيَّزَتْ ........ ثُبَاتًا عليها ذُلُّها واكْتِئَابُها (١)\nولا يجوز ذلك في: الصالحات والأخوات؛ لأنها تامة لم يُنقص من واحدها شيء، قال وما كان من حرف نُقِص من أوّله مثل: زِنة ولِدة (٢) ودِية فإنه لا يقاس على هذا؛ لأن نقصه من أوَّله لا من لامه، فما كان منه مؤنَّثًا أومذكَّرًا فأجْرِه على التمام؛ مثل: الصالحين والصالحات، تقول: (رأيت\n_________\n(١) \"ديوان الهذليين\" ص ٧٩، \"شرح أشعار الهذليين\" ١/ ٥٣ وفيهما برواية: (فلمِّا اجتلاها)، وورد في: \"أدب الكاتب\" ص ٤٤١، \"جمهرة اللغة\" ١/ ٢٤٨، ٣/ ١٣٣٤ وفيهما (ثباتٍ) بكسر التاء، \"المنصف\" ٣/ ٦٣، \"المحتسب\" ٨/ ١١١، الاقتضاب ص ٤٠٣، \"شرح الجواليقي\" ص ٢٢٦، \"اللسان\" (أيم) ١/ ١٩٢، وورد بلا نسبة في: \"الخصائص\" ٤/ ٣٠٣، \"المخصص\" ٨/ ١٨٢، ٤٠/ ١١، \"شرح المفصل\" ٥/ ٤.\n(اجتلاها): كشفها وأبرزها وأخرجها، (الإِيام): الدُّخان؛ وجمعُه أُيُم، وآمَ الدُّخانُ يَئيم إيامًا: دخَّن، وآمَ الرجُلُ إيامًا إذا دَخَّن على النَّحْل ليَخرج من الخلِيَّة فيأخذ ما فيها من العسل، وقيل: الإيامُ: عُود يجعل في رأسه نارٌ ثم يُدخَّنُ به على النحل ليُشْتارَ العَسَلُ، (تحيزت): اجتمع بعضها إلى بعض، ويقال: تفرَّقت؛ صارت فِرقًا في كلِّ حيّز شيء، وُيروى (تحيرت) من الحَيرة؛ أي بقيت لا تدري إلى أين تذهب، (ثبات): جمع ثُبَةٍ؛ وهو القطعة من القوم ومن كل شيء، (الاكتئاب): الحزن. والشاهد: (ثباتًا) حيث نُصبت بالفتحة وحقها الكسرة -كما هو الأصل في جمع المؤنث السالم- وحجة من نصبها أن لام الكلمة محذوف ولم تُرَد إليه في الجمع كما حكى الكسائي: سمعت لغاتَهم بفتح التاء؛ لأن أصل ثُبَةٍ ثُبْوَة، وأصل لُغَة لُغْوَة.\nانظر: \"شرح المفصل\" ٥/ ٨.\n(٢) ساقطة من (د)، ولِدَةُ الرجل: تِرْبُهُ، قال الجوهري: والهاء عوضٌ من الواو الذاهبة من أوله؛ لأنه من الولادة، وهما لِدَان، والجمع لِداتٌ ولِدُون.\nانظر: (ولد) في \"المحيط في اللغة\" ٩/ ٣٥٧، \"الصحاح\" ٢/ ٥٥٤، \"اللسان\" ٨/ ٤٩١٥.","vol":"12","page":667},{"text":"لِدَاتِك) (١) [ولِدِيكَ] (٢) ولا تقل (٣): لِدِينَك، ولا: لِداتَك (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2001>٩٢، ٩٣ </span>- قوله تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ قال ابن عباس: عما كانوا يفترون ثم أجازيهم بأعمالهم (٥)، وقال الكلبي: عن ترك لا إله إلا الله والإيمان برسله (٦).\nقال أهل المعاني: وهذا السؤال توبيخ وتقريع، يُسألون يوم القيامة فيقال لهم: لم عضيتم القرآن وما حجتكم في ذلك؟ فيظهرُ خِزيُهم وفضيحتُهم عند تعذر جواب يصح (٧)، وهذا معنى قول ابن عباس فيما روى عنه الوالبي في الجمع بين هذه الآية وبين قول: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ﴾ [الرحمن: ٣٩] قال: لا يُسألون سؤال استفهام؛ لأنه علم ما عملوا، ولكن يُسألون سؤال تقريع؛ فيقال لهم: لم عملتم كذا وكذا (٨)؟\n_________\n(١) ما بين القوسين كتب على هامش أ.\n(٢) ما بين المعقوفين زيادة يقتضيها السياق، وهي ثابتة في المصدر.\n(٣) في جميع النسخ: (ولا هتك) ولم يتبين لي معناها، ولعلها من تصحيفات النساخ، والتصويب من المصدر.\n(٤) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٩٢ - ٩٣ وهو نقل طويل نقله بتصرف واختصار.\n(٥) وهذا القول أولى الأقوال، لكونه عامًا وشاملًا لجميع الافتراءات والمعاصي غير مقيد بنوع من المعاصي كما ذكر بعضهم.\n(٦) انظر: تفسيره \"الوسيط\" تحقيق: سيسي ٢/ ٣٧١، وورد في \"تنوير المقباس\" ص ٢٨١ بنصه، وورد غير منسوب في \"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢٢٥.\n(٧) ورد بنصه تقريبًا في: تفسيره \"الوسيط\" تح: سيسي ٢/ ٣٧١، والطوسي ٦/ ٣٥٥، و\"تفسير ابن الجوزي\" ٤/ ٤١٩.\n(٨) \"أخرجه الطبري\" ١٤/ ٦٧ بنحوه، من طريق علي بن أبي طلحة (صحيحة)، ورد في \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٥٢ب بنحوه، \"تفسير البغوي\" ٤/ ٣٩٤، وابن عطية ٨/ ٣٥٨، وابن الجوزي ٤/ ٤٢٠، و\"تفسير القرطبي\" ١٠/ ٦١، والخازن ٣/ ١٠٤، وابن كثير ٢/ ٦١٥، رأورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ١٩٩ وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم =","vol":"12","page":668},{"text":"فقوله: ﴿لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ﴾ أي: سؤال استعلام واستخبار، (وقوله: ﴿لَنَسْأَلَنَّهُمْ﴾ أي سؤال تقريع وتوبيخ، وهذا قول قطرب) (١) (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2002>٩٤ </span>- قوله تعالى: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ معنى الصَّدْع في اللغة: الشَّقُّ والفَرْقُ والفَصْلُ (٣)، أنشد ابن السِّكِّيت لجرير:\nهُو الخَليفهُ فارْضَوْا ماقَضى لَكُمُ .... بالحَقّ يَصْدَعُ ما في قَوْلِهِ جَنَفُ (٤)\nيصدع: يفصل، وأنشد الفراء (٥):\nوأنْحَرُ لِلشَّرْبِ الكرامِ مَطِيَّتي ... وأَصْدَعُ (٦) بين القَيْنَتَيْن رِدَائِيا (٧)\n_________\n= والبيهقي في البعث، وروي عن ابن عباس توفيقًا آخر للآيتين؛ هو أن يوم القيامة يوم طويل فيه مواقف، فيسألون في بعض المواقف ولا يسألون في بعضها. انظر: \"تفسيرالخازن\" ٣/ ١٠٤، ونُسب لعكرمة في: \"وضح البرهان في مشكلات القرآن\" ١/ ٤٩٧، والصحيح أن عكرمة رواه عن ابن عباس، كما في \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٥٢ ب، وورد غير منسوب في: \"كشف المعاني في المتشابه من المثاني\" ص ٢٢٤، \"فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن\" ص٣٠٠.\n(١) ورد في \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٥٢ب، بنصه تقريبًا، \"تفسير البغوي\" ٤/ ٣٩٤ - ٣٩٥، \"تفسير القرطبي\" ١٠/ ٦١، الخازن ٣/ ١٠٤.\n(٢) ما بين القوسين ساقط من (ش)، (ع).\n(٣) انظر: (صدع) في \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٩٨٧، \"المحيط في اللغة\" ١/ ٣٢٤، \"الصحاح\" ٣/ ١٢٤١.\n(٤) \"ديوان جرير\" ص ٣٠٨، وورد في \"تهذيب اللغة\" (صدع) ٢/ ١٩٨٧، و\"تفسير الفخر الرازي\" ١٩/ ٢١٤.\n(٥) ليس في معانيه، والبيت لعبد يغوث بن وقاص الحارثي (جاهلي).\n(٦) ساقطة من (د).\n(٧) ورد في \"المفضليات\" ص ١٥٨، \"جمهرة اللغة\" ٢/ ٦٥٣، \"الأغاني\" ١٦/ ٣٦٢، \"ذيل أمالي القالي\" ٣/ ١٣٣، \"الخزانة\" ٢/ ٢٠١، (الشرب) جمع شارب، (المطية) البعير، (القينة) المغنية، يريد أن يعطي كل منها شطر ردائه.","vol":"12","page":669},{"text":"أي: أشقُّ، وتَصَدَّع القومُ، إذا تفرقوا، ومنه قوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ [الروم: ٤٣]، قال الفراء: يتفرقون (١)، فأما معنى الآية فقال ابن عرفة: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ أي فرق بين الحق والباطل (٢)، وروى أبو العباس (٣) عن ابن الأعرابي في قوله: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ أي شُقّ جماعتَهم بالتوحيد (٤)؛ كأنه يقول: ادعهم إلى التوحيد لتفرق جماعتهم؛ بإجابة بعضهم إيّاك فيكون ذلك تَفَرُّقَ كلمتهم، هذا معنى قول ابن الأعرابي، فالصدع على هذا يعود إلى صدع جماعة المشركين، وقال غيرُه: فَرّق القول فيهم (٥)، وعلى هذا: الصَّدع يعود إلى دعوة النبيّ -ﷺ- وهو أن يفرقها في الناس فيذيعها فيهم وقال أبو إسحاق: يقول أظهر ما تؤمر به؛ أُخذَ من الصِّدِيع وهو الصبح، وقال: وتأويل الصَّدْع في الزُّجَاج، أن يَبِيْنَ بعضُه من بعض (٦)، وهذا الذي ذكره أبو إسحاق يعود إلى الشَّق أيضًا، قال الأزهري: وسُمّي الصبحُ صديعًا كما سُمّي فلقًا، وقد انصدع وانفلق وانفجر الصبح (٧)، وقال ابن قتيبة: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ أي: أظهر ذلك،\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٣٢٥ بلفظه.\n(٢) \"تهذيب اللغة\" \"صدع\" ٢/ ١٩٨٨ بنصه.\n(٣) في جميع النسخ: (ابن عباس)، وهو تصحيف، والتصحيح من التهذيب.\n(٤) \"تهذيب اللغة\" \"صدع\" ٢/ ١٩٨٨ بنصه وورد غير منسوب فى \"تفسير القرطبى\" ١٠/ ٦١.\n(٥) \"تهذيب اللغة\" \"صدع\" ٢/ ١٩٨٨ بنصه وورد فى \"تفسير الماوردى\" ٣/ ١٧٤ عن النقاش.\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٨٦ بتصرف يسير، \"تهذيب اللغة\" (صدع) ٢/ ١٩٨٧ بنصه، ويبدو أنه نقله مز التهذيب لا المعاني.\n(٧) \"تهذيب اللغة\" (صدع) ٢/ ١٩٨٨ بنصه.","vol":"12","page":670},{"text":"قال: وأصله الفَرْق والفتحُ، أي: اصدع بحقِّك الباطلَ (١)، وهذا قولُ أهل اللغة والمعاني، وقال ابن عباس: أظهر (٢)، وقال الأخفش وأبو عبيدة: افرق (٣)، وقال المؤرج: افصل (٤).\nوقوله تعالى: ﴿بِمَا تُؤْمَرُ﴾ قال الفراء: أراد فاصدع بالأمر، و(ما) مع الفعل بمنزلة المصدر، وكذلك لم يعد إليه عائد من الصلة كقولك: ما أحسنَ ما ينطلق؛ لأنك تريد: ما أحسنَ انطلاقك، وما أحسنَ ما تأمر، أي: أمرك، ومثله قوله: ﴿يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ [الصافات: ١٠٢] كأنه قيل له: افعل الأمر الذي تؤمر، قال ويجوز أن يكون المعنى: بما تؤمر به،\n_________\n(١) \"الغريب\" لابن قتيبة ص ٢٤٠ بنصه.\n(٢) ورد في \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٥٢ ب، \"تفسير البغوي\" ٤/ ٣٩٥، الخازن ٣/ ١٠٤، \"تنوير المقباس\" ص ٢٨١ بلفظه، وهذه الرواية أوهى الطرق؛ لأنها من طريق محمد بن مروان عن الكلبي، أخرجها أبو نُعيم في \"الدلائل\" ص ٢٧٠، وقد رويت عن الكلبي -نفسه- في \"تفسير هود\" ٢/ ٣٥٨، والماوردي ٣/ ١٧٤، والغريب إيراد الواحدي -﵀- الأقوال الضعيفة عن ابن عباس وتركه للروايات الصحيحة والمشهورة في بعض المواضع، ففي هذه الآية مثلًا؛ ثبت عن ابن عباس تفسيرها بـ: أمضه، وافعل ما تؤمر. انظر: \"تفسير الطبري\" ١٤/ ٦٧ من طريق ابن أبي طلحة (صحيحة)، والثعلبي ٢/ ١٥٢ ب، و\"تفسير البغوي\" ٤/ ٣٩٥، وابن الجوزي ٤/ ٤٢٠، وابن كثير ٢/ ٦١٥، و\"الدر المنثور\" ٤/ ١٩٩ وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم، ولعل سبب إيراده للروايات الضعيفة عن ابن عباس -مع ورود الروايات الصحيحة- أنه نظر إليها من جهة اللغة والمعنى لا من جهة السند، فاختارها -على القوية سندًا- لهذه الحيثية، والمعروف عن الواحدي -﵀- أنه يغلب عليه الاهتمام باللغة والعناية بها في تفسيره.\n(٣) \"مجاز القرآن\" ١/ ٣٥٥ بلفظه، ولم أجده في معاني الأخفش، وورد منسوبًا للأخفش في \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٥٢ ب بلفظه، و\"تفسير البغوي\" ٤/ ٣٩٥.\n(٤) ورد في \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٥٢ ب بلفظه.","vol":"12","page":671},{"text":"فحذف الجار؛ لأن العرب قد تقول: إني لآمرك وآمر بك، وأكفرك وأكفر بك، وأنشد (١):\nإذا قَالَتْ حَذَامِ فأنْصِتُوها ... فإنّ الأمْرَ ما قَالَتْ حَذَامِ (٢)\nقال: يريد فأنصتوا لها.\nوقال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ﴾ (٣) [هود: ٦٨]، وقال مجاهد في قوله: ﴿بِمَا تُؤْمَرُ﴾ أي بالقرآن، قال: أراد الجهر بالقرآن في الصلاة (٤)، فعلى هذا المراد بالصدع الجهر والإظهار، والباء في ﴿بِمَا تُؤْمَرُ﴾ من صلة معنى الصدع، لا لفظه؛ وهو الجهر، وما تؤمر هو القرآن؛ لأنه إنما تؤمر بما في القرآن، و(ما) في هذا القول موصولة، وليست بمعنى المصدر، وتكون مع الجار في موضع نصب، وأكثر المفسرين على أن\n_________\n(١) البيت لِلُجَيْم بن صعْب، وحَذَامُ امرأتُه، وهي بنتُ الريَّان، سميت بذلك لأن ضرَّتها حذمت -قطعت- يدها بشفرة.\n(٢) في نسخة (أ) أثبت عجز البيت في الهامش. ورد البيت في: \"العقد الفريد\" ٣/ ٨٤، ٣٦٥، \"اللسان\" (رقش) ٦/ ٣٠٦، (نصت) ٢/ ٩٩، \"شرح التصريح\" ٢/ ٢٢٥، \"شرح شواهد المغني\" ٢/ ٥٩٦، وورد غير منسوب في: \"ما ينصرف وما لا ينصرف\" ص ١٠١، \"تفسير الطوسي\" ٦/ ٣٥٥، \"شرح المفصل\" ٤/ ٦٤ \"أوضح المسالك\" ٤/ ١٣١، وفي جميع المصادر: (فصدقوها) بدل (فأنصتوها) و(القول) بدل (الأمر).\n(٣) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٩٤ بتصرف يسير. والشاهد: أي كفروا بربهم.\n(٤) \"تفسير مجاهد\" ص ٤١٩ بنحوه، وأخرجه عبد الرزاق ٢/ ٣٥١ مختصرًا، والطبري ١٤/ ٦٨ بنحوه من عدة روايات، وورد في \"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ٤٤ بنحوه، و\"تفسير هود الهواري\" ٢/ ٣٥٨ بنحوه، و\"تهذيب اللغة\" (صدع) ٢/ ١٩٨٧ مختصرًا، \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٥٣أبنصه، وأورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ١٩٩ وزاد نسبته إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"12","page":672},{"text":"المعنى: اجهر بالأمر؛ أي بأمرك، يعني إظهار الدعوة، قالوا: ومازال النبيّ -ﷺ- مستخفيًا حتى نزلت هذه الآية (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ أي: لا تبال بهم ولا تلتفت إلى لائمتهم إياك على إظهار الدعوة ولا تسمعها، قال المفسرون: هذا منسوخ بآية القتال (٢)؛ يعنون الإعراض عنهم وتركهم وما هم فيه، فإن جعلنا معنى الإعراض عنهم ترك المبالاة بهم، لا يكون منسوخًا (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2003>٩٥ </span>- قوله تعالى: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾: بك، وهم خمسة نفر من المشركين (٤): الوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل، وعَدِيّ بن قيس،\n_________\n(١) ورد في \"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢٢٥ بنحوه، والثعلبي ٢/ ١٥٢ ب، بنصه، \"تفسير البغوي\" ٤/ ٣٩٥، و\"ابن الجوزي\" ٤/ ٤٢٠، والفخر الرازي ١٩/ ٣١٥، و\"تفسير القرطبي\" ١٠/ ٦٢، والخازن ٣/ ١٠٤، وابن كثير ٢/ ٦١٥، وأورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ١٩٩.\n(٢) ورد في \"تفسير مقاتل\" ١/ ١٩٩ أ، بنحوه، و\"أخرجه الطبري\" ١٤/ ٦٨ بنحوه عن ابن عباس من طريق العوفي (غير مرضية)، وأخرجه كذلك عن الضحاك بنحوه، وورد في:\"الناسخ والمنسوخ\" للنحاس ٢/ ٤٨٣ بصيغة التمريض، و\"تفسير هود الهواري\" ٢/ ٣٥٨ بنحوه، والثعلبي ٢/ ١٥٣ أ، والماوردي ٣/ ١٧٥ بنحوه عن ابن عباس، و\"تفسير البغوي\" ٤/ ٣٩٥، وابن عطية ٨/ ٣٥٩، وابن الجوزي ٤/ ٤٢١، \"تفسير القرطبي\" ١٠/ ٦٢، والخازن ٣/ ١٠٤، وأبي حيان ٥/ ٤٧٠، \"الدر المنثور\" ٤/ ١٩٩ وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم وأبي داود في ناسخه عن ابن عباس.\n(٣) وهذا القول هو الأولى من دعوى النسخ، وانظر: التعليق على دعوى النسخ بآية السيف، عند الآية [٨٥١] من هذه السورة.\n(٤) المشهور أنهم خمسة، وورد أنهم ثمانية، وسبعة كذلك. انظر:\"تفسير الطبري\" ١٤/ ٦٨ - ٦٩، وابن الجوزي ٤/ ٤٢١، وأبي حيان ٥/ ٤٧٠، وأورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ٢٠٠ وزاد نسبته إلى الطبراني [ليس في روايته الشاهد] وابن مردويه، وكما اختلف في العدد اختلف في صفة إهلاكهم ووقته وما جرى لكل واحد منهم.","vol":"12","page":673},{"text":"والأسود بن المطلب، والأسود بن عبد (١) يغوث، سلط الله عليهم جبريل حتى قتل كلَّ واحد منهم؛ أي بآفة وكفى نبيه شرهم، هذا قول عامة المفسرين (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2004>٩٨ </span>- قوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ رُوي عن ابن عباس: فصَلّ (٣)، والمعنى: صَلّ حمدًا لله تعالى، والتسبيح يكون بمعنى الصلاة؛ لأن الصلاة لله تعالى تنزيه له عن الشريك.\nوقال في رواية عطاء: يقول: أحمد ربك سَيَسُرُّك فيهم، وعلى هذا معناه: سبحه بالتحميد؛ أي: احمده ونزهه عن أن يستحق الحمد غيرُه.\nوقال الضحاك: أي قل سبحان الله وبحمده (٤).\nوقوله تعالى: ﴿وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ﴾ قال ابن عباس: يريد من المصلين (٥)؛ لأن العبد أقرب ما يكون من الله إذا سجد، ويؤيد هذا ما روي\n_________\n(١) (عبد) ساقطة من (ش)، (ع).\n(٢) أخرجه بنحوه: عبد الرزاق ٢/ ٣٥١، والطبري ١٤/ ٧٠ بعدة روايات، والطبراني [مجمع البحرين] ٦/ ٤٦، وورد بنحوه في \"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ٤٦، و\"تفسير هود الهواري\" ٢/ ٣٥٨، و\"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢٢٥، والثعلبي ٢/ ١٥٣ أ، والماوردي ٣/ ١٧٥، والطوسي ٦/ ٣٥٦، و\"تفسير البغوي\" ٤/ ٣٩٥، والزمخشري ٢/ ٣٢٠، وابن الجوزي ٤/ ٤٢١، والفخر الرازي ١٩/ ٢١٥، و\"تفسير القرطبي\" ١٠/ ٦٢، والخازن ٣/ ١٠٤، وأبي حيان ٥/ ٤٧٠، وابن كثير ٢/ ٦١٦.\n(٣) ورد في \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٥٣ ب، بلفظه، \"تفسير البغوي\" ٤/ ٣٩٧، الخازن ٣/ ١٠٥، \"تنوير المقباس\" ص ٢٨١.\n(٤) ورد في \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٥٣ب، بنصه، \"تفسير البغوي\" ٤/ ٣٩٧، وابن الجوزي ٤/ ٤٢٣.\n(٥) \"تفسير ابن الجوزي\" ٤/ ٤٢٣، وورد غير منسوب في \"تفسير مقاتل\" ١/ ٢٠٠ أ، \"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ٤٧، \"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢٢٦، وهود الهواري =","vol":"12","page":674},{"text":"أن رسول الله -ﷺ- كان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2005>٩٩ </span>- قوله تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ قال ابن عباس: يريد الموت (٢)، وهو قول الحسن ومجاهد وقتادة والجميع (٣)، وسُمّي\n_________\n= ٢/ ٣٥٨، والثعلبي ٢/ ١٥٣ ب بلفظه، والماوردي ٣/ ١٧٦، و\"تفسير البغوي\" ٤/ ٣٩٧، وابن عطية ٨/ ٣٦١، الخازن ٣/ ١٠٥.\n(١) \"أخرجه الطبري\" ١/ ٢٦٠ بنصه عن حذيفة، وورد في \"تفسير الزمخشمري\" ١/ ٦٦، وابن عطية ١/ ٢٧٦، \"تفسير القرطبي\" ١/ ٣٧١، وابن كثير ١٤/ ٦١٦، وأورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ١/ ١٦٣، وورد برواية: كان إذا حزبه أمر صلى، أخرجها أحمد ٥/ ٣٨٨، وأبو داود (١٣١٩) كتاب: التطوع، باب: وقت قيام النبي -ﷺ-، والطبري ١٤/ ٧٣، وورد في فيض القدير ٥/ ١٢٠، والكنز ٧/ ٦٩، والحديث مشهور، وقد حسّنه الألباني في \"صحيح أبي داود\" (١١٩٢)، و\"صحيح الجامع الصغير\" (٤٧٠٣) وأوضح من هذا الشاهد حديث \"أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد\"، رواه مسلم (٤٨٢) كتاب: الصلاة، باب: ما يقال في الركوع والسجود، وأبو داود (٨٧٥) كتاب: الصلاة، باب: الدعاء في الركوع والسجود عن أبي هريرة -﵁-.\n(٢) \"تفسير ابن الجوزي\" ٤/ ٤٢٣، الفخر الرازي ١٩/ ٢١٦، \"تنوير المقباس\" ص ٢٨١.\n(٣) \"تفسير مجاهد\" ص ٤١٩ بلفظه، وورد في \"تفسير مقاتل\" ١/ ٢٠٠ أ، وأخرجه عبد الرزاق ٢/ ٣٥٢ بلفظه عن قتادة، والطبري ١٤/ ٧٤ بلفظه عنهم، وأورده البخاري في \"الفتح\" ٨/ ٣٨٣ معلقًا بصيغة الجزم عن سالم بن عبد الله، وورد في \"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ٤٧ عن مجاهد، \"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢٢٦، و\"هود الهواري\" ٢/ ٣٥٨ عن مجاهد، والثعلبي ٢/ ١٥٣ ب، والماوردي ٣/ ١٧٦ عنهم، والطوسي ٦/ ٣٥٦ عنهم، \"تفسير البغوي\" ٤/ ٣٩٧، والزمخشري ٢/ ٣٢٠، وابن العربي ٣/ ١١٣٩، وابن عطية ٨/ ٣٦٢ عنهم، وابن الجوزي ٤/ ٤٢٣ عن مجاهد، \"تفسير القرطبي\" ١٠/ ٦٤ عنهم، الخازن ٣/ ١٠٥، وابن كثير ٢/ ٦١٦ - ٦١٧ عنهم، وأورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ٢٠٣ وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد.","vol":"12","page":675},{"text":"الموت اليقين؛ لأنه مُوْقِن به جميعُ العقلاء، فاليقين بمعنى المُوْقَنُ به، ولم يعرف الأصمعي فعيلًا بمعنى مُفْعَل، حتى قَرَّرَ له ذلك ابن الأعرابي، واحتج عليه بقولهم: شيء متربّصٌ وتَرَبُّص (١)، وليل مُبْهَم وبَهِيْم، وشراب مُنْقَعٌ ونَقِيْع (٢)، فإن قيل: أي فائدة لهذا التوقيت ولا عبادة على الميت؟ وإذا كانت العبادة تنقطع بالموت، فلم قال حتى الموت، وهو مقطع بالموت لا محالة؟!\nقال أبو إسحاق: مجاز هذا الكلام مجاز أبدًا؛ المعنى: اعبد ربك أبدًا؛ لأنه لو قيل: اعْبُدْ ربك بغير توقيت، لجاز إذا عبد الإنسانُ مدةً أن يكون مطيعًا، فإذا قال: ﴿حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ أي: أبدًا وما دمت حيًّا، فقد أُمر بالإقامة على العبادة (٣).\n_________\n(١) هكذا في جميع النسخ، والقياس يقتضي أن تكون: مُرْبَص ورَبِيْصٌ.\n(٢) لم أقف عليه.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٨٧ بنصه، وفي هذا رد على أهل الضلال الذين جعلوا للعبادة أجلًا تنتهي عنده؛ لذلك فسروا اليقين بالمعرفة، فإذا وصل أحدهم إلى مقام المعرفة سقط عنه التكليف!. انظر: \"تفسير ابن كثير\" ٢/ ٦١٧، والألوسي ١٤/ ٨٧، والقاسمي ١٠/ ٧٥.","vol":"12","page":676},{"text":"المملكة العربية السعودية\nوزارة التعليم العالي\nجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية\nعمادة البحث العلمي\nسلسلة الرسائل الجامعية\nالتَّفْسِيرُ البَسِيْط\nلأبي الحسن علي بن أحمد بن محمد الواحدي\n(ت ٤٦٨ هـ)\nمن أول سورة النحل إلى آخر سورة الإسراء\nتحقيق\nد. عبد الرحمن بن عبد الجبار بن صالح هوساوي\nمن أول سورة الكهف إلى آية (٣١)\nتحقيق\nد. عبد الرحمن بن محمد اليحيى\nأشرف على طباعته وإخراجه\nد. عبد العزيز بن سطام آل سعود ... أ. د. تركى بن سهو العتيبي\nالجزء الثالث عشر","vol":"13","page":1},{"text":"التَّفْسِيرُ البَسِيْط\nلأبي الحسن علي بن أحمد بن محمد الواحدي\n(ت ٤٦٨ هـ)\n[١٣]","vol":"13","page":2},{"text":"ح/ جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ١٤٣٠ هـ\nفهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية أثناء النشر\nالواحدي، علي بن أحمد\nالتفسير البسيط لأبي الحسن علي بن أحمد بن محمد\nالواحدي (ت ٤٦٨ هـ)./ عبد الرحمن بن عبد الجبار بن صالح\nهوساوي؛ عبد العزيز بن محمد اليحيى، الرياض ١٤٣٠ هـ\n٢٥ مج. (سلسلة الرسائل الجامعية)\nردمك: ٤ - ٨٥٧ - ٠٤ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (مجموعة)\n٣ - ٨٧٠ - ٠٤ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (ج ١٣)\n١ - القرآن تفسير ... ٢ - الواحدي، علي بن أحمد\nأ- العنوان ... ب- السلسلة\nديوي ٢٢٧.٣ ... ٨٦٨/ ١٤٣٠\nرقم الإيداع: ٨٦٨/ ١٤٣٠ هـ\nردمك: ٤ - ٨٥٧ - ٠٤ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (مجموعة)\n٣ - ٨٧٠ - ٠٤ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (ج ١٣)","vol":"13","page":3},{"text":"المملكة العربية السعودية\nوزارة التعليم العالي\nجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية\nعمادة البحث العلمي\nسلسلة الرسائل الجامعية\nالتَّفْسِيرُ البَسِيْط\nلأبي الحسن علي بن أحمد بن محمد الواحدي\n(ت ٤٦٨ هـ)\nمن أول سورة النحل إلى آخر سورة الإسراء\nتحقيق\nد. عبد الرحمن بن عبد الجبار بن صالح هوساوي\nمن أول سورة الكهف إلى آية (٣١)\nتحقيق\nد. عبد الرحمن بن محمد اليحيى\nأشرف على طباعته وإخراجه\nد. عبد العزيز بن سطام آل سعود ... أ. د. تركى بن سهو العتيبي\nالجزء الثالث عشر","vol":"13","page":4},{"text":"بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ","vol":"13","page":5},{"text":"التَّفْسِيرُ البَسِيْط\nلأبي الحسن علي بن أحمد بن محمد الواحدي\n(ت ٤٦٨ هـ)\nمن أول سورة النحل إلى آخر سورة الإسراء\nتحقيق\nد. عبد الرحمن بن عبد الجبار بن صالح هوساوي","vol":"13","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2006>تفسير سورة النحل</span>\nبسم الله الرحمن الرحيم\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2007>١ </span>- ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾ قال ابن عباس: يريد أتى عذابُ الله (١)، وقال الحسن وابن جريج: أي عقابُه لمن أقام على الإشراك به والتكذيب لرسوله (٢)، وهذا القول في معنى ﴿أَمْرُ اللَّهِ﴾ هاهنا هو اختيار الزجاج؛ قال: ﴿أَمْرُ اللَّهِ﴾: ما وعدهم الله من المجازاة على كفرهم من أصناف العذاب، واحتج بقوله: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ﴾ [هود: ٤٠]، أي: جاء ما وعدناهم به، وبقوله: ﴿أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا﴾ (٣) [يونس: ٢٤]. وفسّر آخرون هذا العذاب؛ فقال: هو الأمر بالسيف، وقالوا: هذا جواب النضر بن الحارث حين قال: ﴿فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً﴾ الآية [الأنفال: ٣٢]، فأنزل الله: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ (٤)، أي: لا تطلبوه قبل حينه، وهذا كما تقول لمن يطلب أمرًا يستعجل فيه، أتاك الأمر فلا تستعجل.\n_________\n(١) ورد في \"تفسير السمرقندي\" ٧/ ٢٢٧، بنصه، والثعلبي ٢/ ١٥٣ ب، بمعناه، وانظر: \"تفسير ابن عطية\" ٨/ ٣٦٥، \"تنوير المقباس\" ص ٢٨٢.\n(٢) أخرجه الطبري ١٤/ ٧٥ بمعناه عن ابن جريج، وورد في \"تفسير الطوسي\" ٦/ ٣٥٨، عنهما، و\"تفسير الماوردي\" ٣/ ١٧٨، عن ابن جريج، و\"تفسير القرطبي\" ١٠/ ٦٥، عنهما.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٨٩، بنصه.\n(٤) ورد في \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٥٣ ب، بنحوه، وذكره المؤلف في \"أسباب النزول\" له ص ٢٨٤، وانظر: \"تفسير البغوي\" ٧/ ٥ - ٨.","vol":"13","page":7},{"text":"وقال جماعة من المفسرين: ﴿أَمْرُ اللَّهِ﴾ هاهنا الساعة (١)؛ وذلك أن المكذبين بها استعجلوها، فقل لهم: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾. قال أبو إسحاق: استبطاؤا (٢) أمْرَ الله، فأعلم اللهُ أن ذلك عنده في القرب بمنزلة ما قد أتى، كما قال: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر: ١]، وكما قال: ﴿ومَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ﴾ (٣) [النحل: ٧٧]؛ وعلى هذا، إنما قال لِمَا لَم يأت بعد أتى؛ لأنه آت لا محالة، والعربُ إذا ذكرت شيئًا قَرُبَ وقوعه أخرجته مخرج الواجب، كقوله تعالى: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّار﴾ [الأعراف: ٤٤]، وقد مر.\nوقوله تعالى: ﴿سُبْحَانَهُ﴾ هو قال ابن عباس: نَزَّه نفسه (٤)، وقال الزجاج: تنزيه له وبراءة من السوء (٥)، ﴿وَتَعَالَى﴾ أي: ارتفع وتعاظم بأعلى صفات المدح عن أن يكون له شريك، و(ما) في قوله: ﴿عَمَّا﴾ يجوز أن تكون (ما) المصدر، والتقدير: عن إشراكهم، والمعنى عن إشراكهم به غيره، فحُذف للعلم، ويجوز أن تكون بمعنى الذي؛ أي:\n_________\n(١) ورد في \"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢٢٧، بنحوه، والثعلبي ٢/ ١٥٣ ب، بلفظه، و\"تفسير الماوردي\" ٣/ ١٧٨، عن الكلبي، وانظر: \"تفسير البغوي\" ٥/ ٧، عن الكلبي وغيره، وابن عطية ٨/ ٣٦٥، و\"تفسير القرطبي\" ١٠/ ٦٦، والخازن ٣/ ١٠٥، وأبي حيان ٥/ ٤٧٢، وقال: هو قول الجمهور.\n(٢) في (أ)، (د): (استبطلوا)، والمثبت من (ش)، وهو موافق للمصدر.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٨٩، بنصه تقريبًا.\n(٤) انظر: \"تنوير المقباس\" ص ٢٨٢، وورد غير منسوب في \"تفسير مقاتل\" ١/ ٢٠٠ أ، وهود الهواري ٢/ ٣٥٩، والسمرقندي ٢/ ٢٢٨، والفخر الرازي ١٩/ ٢١٨.\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٩٠، بنحوه.","vol":"13","page":8},{"text":"ارتفع عن الذي أشركوا به (١)؛ لأنهم ﴿لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2008>٢ </span>- قوله تعالى: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ﴾ روى عطاء عن ابن عباس قال: يريد جبريل وحده (٢)، وذكرنا فيما تقدم جوازَ تَسْمِيةِ الواحد باسم الجمع إذا كان ذلك الواحدُ رئيسًا مقدمًا؛ كقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ﴾ الآية [آل عمران: ١٧٣] (٣).\nوقوله تعالى: ﴿بِالروحَ من أَمرِهِ﴾ وقال ابن عباس: بالوحي (٤)، وهو كلام الله، هذا قول الربيع والحسن (٥)، وهو الاختيار في معنى الروح\n_________\n(١) في جميع النسخ: (أشركهم به)، ولا يستقيم بها المعنى، فلعلها تصحفت عن المثبت، أو التبست على النساخ بما قبلها.\n(٢) انظر: \"تفسير ابن الجوزي\" ٤/ ٤٢٨، والفخر الرازي ١٩/ ٢١٩، وورد غير منسوب في \"تفسير مقاتل\" ١/ ٢٠٠ أ، والسمرقندي ٢/ ٢٢٨، وفي \"تنوير المقباس\" ص ٢٨٢، قال: \"جبريل ومن معه من الملائكة\".\n(٣) قال الفراء: الناس في هذا الموضع واحد؛ وهو نُعيم بن مسعود الأشجعي، بعثه أبو سمان وأصحابُه فقالوا: ثبط محمدًا -ﷺ- أو خوفه حتى لا يلقانا ببدر الصغرى، وكان معياد بينهم يوم أحد. \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٢٤٧، وهو اختيار الزجاج في معانيه ١/ ٤٨٩، وانظر: \"تفسير الزمخشري\" ١/ ٢٣١.\n(٤) أخرجه الطبري ١٤/ ٧٧ بلفظه، من طريق ابن أبي طلحة صحيحة، وورد بلفظه في \"تفسير الماوردي\" ٣/ ١٧٨، والطوسي ٩/ ٣٥٦، وانظر: \"تفسير ابن عطية\" ٨/ ٣٦٨، وابن الجوزي ٤/ ٤٢٨، و\"تفسير القرطبي\" ١٠/ ٦٧، وأبي حيان ٥/ ٤٧١، وأورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ٢٠٥، وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم.\n(٥) ورد في \"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ٥٣، عن الحسن بلفظ: بالنبوَّة، وورد في \"تفسير الماوردي\" ٣/ ١٧٨، عن الربيع بن أنس قال: هو القرآن، وعن الحسن أيضًا قال: الرحمة، والطوسي ٦/ ٣٥٩، عن الربيع قال: كلام الله، وانظر: \"تفسير ابن عطية\" ٨/ ٣٦٨، عن الربيع، وابن الجوزي ٤/ ٤٢٨، عن الحسن، و\"تفسير القرطبي\" ١٠/ ٦٧، عن الحسن، وأبي حيان ٥/ ٤٧١، عن الحسن، =","vol":"13","page":9},{"text":"هاهنا، قال الزجاج: الروح ما كان فيه من أمر الله حياةً للنفوس بالإرشاد إلى أمر الله (١).\nوقال أبو العباس في هذه الآية وفي قوله: ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ﴾ [غافر: ١٥]، ولقوله: ﴿وكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى: ٥٢] هذا كله معناه الوحي (٢)؛ سُمّي روحًا لأنه حياةٌ من موت الكفرِ، فصار يحيا به الناس؛ كالروح الذي يحيا (٣) به الجسد.\nوقال أبو عبيدة: الروح هاهنا جبريل (٤)، وعلى هذا الباء في بالروح بمعنى (مع) كقولهم: خرج بثيابه، أي: ومعه ثيابه، وركب الأمير بسلاحه، والأول الوجه، ومعنى ﴿مِنَ أَمرِهِ﴾، أي: من فعله في الوحي (٥).\nوقوله تعالى: ﴿عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ يريد النَّبِيّين الذين يختصهم من عباده بالرسالة والوحي بقوله: ﴿أَن أَنذِرُواْ﴾، قال الزجاج: ﴿أَن﴾ بدل\n_________\n= وأورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ٢٠٥، ونسبه إلى ابن أبي حاتم عن الحسن قال: بالنبوة.\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٩٠، بنصه.\n(٢) \"تهذيب اللغة\" (روح) ٣/ ١٧٦٨، بنصه.\n(٣) في جميع النسخ: (يحي)، ويستقيم السياق بالمثبت، وهو موافق لما في المصدر.\n(٤) ليس في مجازه، وورد منسوبًا إليه في: \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٥٤ أ، بنحوه، وانظر: \"تفسير البغوي\" ٥/ ٨، الفخر الرازي ١٩/ ٢٢٠، \"تفسير القرطبي\" ١٠/ ٦٧، وهو قول ضعيف جدًّا، والصحيح هو الأول كما ذكر.\n(٥) قال القاسمي: ﴿من أَمرِهِ﴾ بيان للروح، أو حال منه، أو صفة، أو متعلق بـ ﴿ينزل﴾، وقال الفخر الرازي: وقوله: ﴿من أَمرِهِ﴾ إن ذلك التنزيل، والنزول لا يكون إلا بأمر الله تعالى، ونظيره قوله تعالى: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ [مريم: ٦٤] ونحوها، فكل هذه الآيات دالة على أنهم لا يقدمون على عمل من الأعمال إلا بأمر الله تعالى وإذنه. انظر. \"تفسير الفخر الرازي\" ١٩/ ٢٢٠، والقاسمي ١٠/ ٧٨.","vol":"13","page":10},{"text":"من الروح، المعنى: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ﴾ بأن أنذروا (١).\nوالمعنى: أنذروا أهل الكفر بأنه لا إله إلا أنا، أي مروهم بتوحيدي وأن لا يشركوا بي شيئًا (٢)، والخطاب للنَّبِيّين المعنيين بقوله: ﴿مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾، وهذا يدل أن معنى الروح هاهنا الوحي، إذا بُدّل منه الإنذار، ومعنى إنذارِهم بأنه لا إله إلا هو إعلامهم بذلك مع تخويفهم لو لم يقروا، ثم ذكر ما يدل على توحيده، فقال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2009>٣ </span>- ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾ ومعنى هذا مذكور في قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقّ﴾ [الأنعام: ٧٣].\nوقوله تعالى: ﴿عَمَّا يشركِوُنَ﴾ ذكرنا معناه آنفًا (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2010>٤ </span>- وقوله تعالى: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ﴾، قال أبو إسحاق: اختصر هاهنا، وذكر تقلبَ أحوال الإنسان في غير مكان من القرآن (٤).\nقال ابن عباس: يريد إني خلقت، قال المفسرون: نزلت هذه الآية والتي في آخر سورة يس: ﴿أوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ [يس: ٧٧] في قصة أُبي بن خلف وإنكاره البعث (٥).\n_________\n(١) هذا المقطع ليس في معانيه، فلعله ساقط من النسخة المتداولة، بدليل أن النحاس قد نسبه إليه في إعرابه ٢/ ٣٩١، وقال بهذا مكي في \"مشكل الإعراب\" ٢/ ١٢، والزمخشري في \"تفسيره\" ٢/ ٣٢١، وابن الأنباري في \"البيان في غريب الإعراب\" ٢/ ٧٥، و\"المنتجب في الفريد\" ٣/ ٢١٤.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٩٠، بنصه.\n(٣) في سورة الأعراف: الآية [١٩٠].\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٩٠، بنصه.\n(٥) ورد في \"تفسير مقاتل\" ١/ ٢٠٠ أ، والسمرقندي ٢/ ٢٢٨، والثعلبي ٢/ ١٥٤ أ، و\"تفسير الماوردي\" ٣/ ١٧٩، عن الكلبي، وأورده المؤلف في \"أسباب النزول\" =","vol":"13","page":11},{"text":"وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾، الخصيم بمعنى المخاصم، ذكرنا ذلك عند قوله: ﴿وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ [النساء: ١٠٥]، هذا قول أهل اللغة.\nقالوا: خصيمك الذي يخاصمك، وفعيل بمعنى مُفَاعل معروف؛ كالنسيب بمعنى المناسب، والعشير بمعنى المعاشر، والأكيل والشريب، ويجوز أن يكون خصيم فاعلًا من خَصِم يَخْصم بمعنى اختصم، وبه قرأ حمزة (١) قوله: ﴿تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُون﴾ (٢) [يس: ٤٩].\nوقوله تعالى: ﴿مُبِينٌ﴾ أي ظاهر، ومعناه: ظاهر الخصومة، ويجوز أن يكون مبين؛ أي يُبين عن نفسه الخصومة بالباطل، وذكر أهل المعاني لهذه الآية معنيين؛ أحدهما: أنه عرّفنا قدرته في إخراجه من النطفة ما هذه\n_________\n= ص ٢٨٥، بلا سند، وانظر: \"تفسير البغوي\" ٥/ ٩، والزمخشري ٢/ ٣٢١، وابن عطية ٨/ ٣٧٠، وابن الجوزي ٤/ ٤٢٨، و\"تفسير القرطبي\" ١٠/ ٦٨، و\"تفسير الخازن\" ٣/ ١٠٦.\nولا خلاف أن آية (يس) لها سبب نزول ثابت، وإن اختلف فيمن نزلت؛ أبي بن خلف، أم العاص بن وائل؛ وهو الصحيح [انظر: \"المسندرك\" للحاكم (٢/ ٤٢٩) وصححه]. لكن هذه الآية ليس لها سبب نزول مسند، وهو شرط في إثبات أسباب النزول، ويكفي لرد هذه الدعوى أنه ورد من طريق الكلبي وحاله معروف، وتشابه الآيتين لا يسوغ إثبات نزول إحداهما للأخرى، إلا إذا لم يُقصد بإطلاق لفظ نزلت هذه الآية .. المعنى الاصطلاحي لأسباب النزول، وأريد التوسع في اللفظ كما فعلوا في النسخ.\n(١) قرأ حمزة: ﴿يَخْصِمون﴾ ساكنة الخاء خفيفة الصاد. انظر: \"السبعة\" ص ٥٤١، و\"المبسوط في القراءات\" ص ٣١٢، و\"تلخيص العبارات\" ص ١٤١، وقال في \"شرح الهداية\" ٢/ ٤٨٦، ومن قرأ ﴿يَخْصِمون﴾ فالمعنى: يخصم بعضهم بعضًا.\n(٢) نقل الفخر الرازي هذا المقطع بنصه ونسبه للواحدي. \"تفسير الرازي\" ١٩/ ٢٢٦.","vol":"13","page":12},{"text":"حاله وصفته، والثاني: أنه ذَكر فاحشَ ما ارتكب من تضييع حق نعمة الله بالخصومة في الكفر به (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2011>٥ </span>- قوله تعالى: ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا﴾، يعني الإبل والبقر والغنم، وتم الكلام ثم ابتدأ فقال: ﴿لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ﴾، ويجوز أن يكون تمام الكلام عند قوله: ﴿لَكُمْ﴾ ثم يبتدئ فيقول: ﴿فِيهَا دِفٌ﴾.\nقال صاحب النظم: أحسن الوجهين أن يكون الوقف عند قوله: ﴿خَلَقَهَا﴾؛ لقوله في النسق على ما قبلها: ﴿وَلَكُم فِيهَا جَمَال﴾ (٢).\nوأما الدفء، فقال الفراء وجميع أهل اللغة: هو ما انتفع به من أوبارها وأشعارها وأصوافها، أراد ما يلبسون منها ويبتنون (٣)، فالدفء عند أهل اللغة: ما يُستدفأ به من الأكسية والأبنية (٤)، قال الأصمعي: ويكون الدفء السخونة، يقال: اقعد في دفء هذا الحائط، أي في كنّه (٥)، وقال الفراء في المصادر: يقال للرجل: دَفَيْت فأنت تدفأ دَفْأً، ساكنة الفاء مفتوحة الدال، ودِفْآء بالكسر والمد، وزاد غيرُه دَفاءةً ودَفاءً.\n_________\n(١) ورد بنحوه في \"تفسير الماوردي\" ٣/ ١٧٩، عن الحسن، والطوسي ٦/ ٣٦١.\n(٢) أي أنه نسق ﴿وَلَكُم فِيهَا جَمَال﴾ على ﴿لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ﴾، ولو وقف على ﴿خَلَقَهَا لَكُمْ﴾ لتعذر هذا العطف. وقد نقل الفخر الرازي ١٩/ ٢٢٧، والخازن ٣/ ١٠٦، قول صاحب النظم، وعزياه للواحدي -﵀-.\n(٣) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٩٦، مختصرًا، وورد بنصه في \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٢٠٣ (دفأ)، وهذا يؤكد نقله من التهذيب لا المعاني، وانظر: (دفأ) في \"مقاييس اللغة\" ٢/ ٢٨٧، و\"الصحاح\" ١/ ٥٠، و\"اللسان\" ٣/ ١٣٩٣.\n(٤) انظر: (دفأ) في \"المحيط في اللغة\" ٩/ ٣٦٩، و\"مقاييس اللغة\" ٢/ ٢٨٧، و\"الصحاح\" ١/ ٥٠، و\"اللسان\" ٣/ ١٣٩٣، و\"عمدة الحفاظ\" ٢/ ١٣.\n(٥) ورد في \"تهذيب اللغة\" (دفأ) ٣/ ١٢٠ بنصه، وانظر: \"تفسير الفخر الرازي\" ١٩/ ٢٢٧.","vol":"13","page":13},{"text":"وروى الحرَّاني عن ابن السِّكِّيت: يقال: هذا رجل دَفْآنُ وامرأة دَفْأى، ويوم دَفِيءٌ وليلة دفيئةٌ، وكذلك بيت دَفِيء، وغرفة دَفيئةٌ، على فَعيل وفعيلة، وما كان الرجل دَفْآن، ولقد دَفِئَ، وما كان البيت دَفِئًا، ولقد دَفُؤَ (١). الفَراء: دَفُؤَتْ ليلَتُنا ويومُنا دفأةً، ويقال: أدفأه فَدَفِئَ (٢)، وإبل مُدْفِئة: كثيرة؛ لأن بعضَها يُدْفِئُ بعضًا بأنفاسها (٣)، وإبل مُدْفأَةٌ ومدفآت: كثيرات الأوبار (٤)، قال الشماخ:\nوكيفَ يضيِعُ صاحِبُ مُدْفَآتٍ ... على أثْباجِهِنَّ مِنَ الصَّقِيعِ (٥)\nونحو هذا قال عامة المفسرين في الدفء (٦)، إلا ما روي عن ابن\n_________\n(١) لم أجده في الإصلاح، وورد في \"تهذيب اللغة\" (دفأ) ٢/ ١٢٠٣، بنصه. وانظر: \"اللسان\" (دفأ) ٣/ ١٣٩٣.\n(٢) لم أجده في معانيه.\n(٣) ورد في \"الإصلاح\" ص ٣٧٩، بنحوه، و\"التهذيب\" (دفأ) ٢/ ١٢٠٣، بنصه، وانظر: (دفأ) في \"مقاييس اللغة\" ٢/ ٢٨٧، و\"اللسان\" ٣/ ١٣٩٣.\n(٤) وهو قول الأصمعي كما في \"التهذيب\" (دفأ) ٢/ ١٢٠٣، وقال نحوه ابن السِّكِّيت في \"الإصلاح\" ص ٣٧٩، وانظر: (دفأ) في \"المحيط في اللغة\" ٩/ ٣٦٩، و\"اللسان\" ٣/ ١٣٩٣، و\"التاج\" ١/ ١٥٣.\n(٥) \"ديوان الشماخ\" ص ٢٢٠، وفيه: (مُدْفِئَات)، وورد في \"إصلاح المنطق\" ص ٣٧٩، و\"المعاني الكبير\" ١/ ٤٢٩، و\"جمهرة اللغة\" ٣/ ١٣١٣، و\"الأضداد\" لابن الأنباري ص ٦٦، و\"أمالي القالي\" ١/ ١٠٦، و\"تهذيب إصلاح المنطق\" ص٧٨١، و\"أساس البلاغة\" ١/ ٢٧٤، و\"تفسير القرطبي\" ١٠/ ٦٩، و\"اللسان\" (دفأ) ٣/ ١٣٩٣، (ثبج) ١/ ٤٦٨، (ضيع) ٥/ ٢٦٢٥، و\"التاج\" (دفأ) ١/ ١٥٣.\n(أثباجهن) جمع ثبج؛ وهو الوسط، قال الأصمعي: ثبج كل شيء: وسطه. (الصقيع) البرد والنَّدى، ويقال: الجليد. والشاعر يمدح إبله أنها لن تهلك من البرد؛ لأن أوساطها مغطاة بوبر كثير يقيها البرد.\n(٦) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١/ ٢٠٠ ب، والطبري ١٤/ ٧٨ - ٧٩، والسمرقندي ٢/ ٢٢٨، وهود الهواري ٢/ ٣٦٠، والثعلبي ٢/ ١٥٤ أ، والماوردي ٣/ ١٧٨، والطوسي ٦/ ٣٦١.","vol":"13","page":14},{"text":"عباس من طريق عكرمة، ﴿لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ﴾ قال: النسل (١)، وروى الأزهري عن ابن هاجك (٢) بإسناده عن ابن عباس، ﴿لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ﴾ قال: نسل كل دابة (٣).\nقال (٤) الأزهري: وهذا يوافق قول الأموي (٥)، روى أبوعبيد عنه: الدفءُ (٦) عند العرب: نتاج الإبل وألبانها والانتفاع بها (٧)، قال الفراء:\n_________\n(١) ورد في \"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ٥٤، و\"تفسير الماوردي\" ٣/ ١٧٩، وقد روي عن ابن عباس تفسيرها بتفسير العامة، أخرجه الطبري ١٤/ ٧٩ بعدة روايات، وانظر: \"تنوير المقباس\" ص ٢٨٢، وأورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ٢٠٦، وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم، ولذلك حمل النحاس تفسير ابن عباس: بالنسل، على المنافع لا الدفء، مع أن قوله التالي الذي رواه عنه ابن هاجك يؤكد تفسيره لـ ﴿دِفْءٌ﴾ بالنسل.\n(٢) لم أقف عليه.\n(٣) لم أقف عليه في التهذيب، وأخرجه عبد الرزاق في \"مصنفه\" (٢/ ٣٥٣) بنصه، والطبري ١٤/ ٧٩، بنصه من طريق عكرمة جيدة، وورد في \"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢٢٨، و\"تفسير القرطبي\" ١٠/ ٧٠، وانظر: \"اللسان\" (دفأ) ٣/ ١٣٩٣، و\"عمدة الحفاظ\" ٢/ ١٣، وأورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ٢٠٦، وزاد نسبته إلى الفريابي وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(٤) (قال) ساقط من (ش)، (ع).\n(٥) أبو محمد، عبد الله بن سعيد الأموي اللغوي، لقي العلماء، ودخل البادية، وأخذ عن فصحاء الأعراب، وأخذ عنه العلماء كأبي عبيد، وأكثروا في كتبهم، كان حافظًا للأخبار والشعر وأيام العرب، وكان ثقة في نقله، من كتبه: (النوادر)، (رحل البيت). انظر: \"طبقات النحويين والبلاغيين\" ص ١٩٣، و\"إنباه الرواة\" ٢/ ١٢٠، و\"البلغة\" ص ٣٠٩، و\"البغية\" ٢/ ٤٣.\n(٦) في جميع النسخ: (الدفؤ)، والمثبت موافق لجميع المصادر.\n(٧) لم أجده في غريبه، وورد في \"تهذيب اللغة\" (فاد) ٢/ ١٢٠٣، بنصه، وانظر:=","vol":"13","page":15},{"text":"وكتبت دفء بغير همز؛ لأن الهمزة إذا سَكن ما قبلها حُذفت من الكتاب، وذلك لخفاء الهمزة إذا سُكِتَ (١) عليها، فلما سَكَنَ ما قبلها ولم يَقْدِروا على هَمْزِها في الْسَّكْت، كان سكوتهم كأنه على الفاء، وكذلك قوله: ﴿يُخْرِجُ الْخَبْءَ﴾ [النمل: ٢٥] و﴿مِلْءُ الْأَرْضِ﴾ [آل عمران: ٩١] (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَمَنَافِعُ﴾ يعني النسل والدّر والركوب، ﴿وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ قال ابن عباس: يريد من لحومها (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2012>٦ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ﴾ أي زينة، كما قال: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف: ٤٦]، والمال ليس يخص الورِق والعين، وأكثر مال العرب الإبل، كما أن أكثر أموال أهل البصرة النخل.\nوقوله تعالى: ﴿حِينَ تُرِيحُونَ﴾، الإراحة: ردّ الإبل بالعَشي إلى مُراحِها حيث تأوِي إليه ليلًا (٤)، قال ابن عباس: يريد حِينَ خروج العرب أيام الربيع بالماشية إلى الخِصب، يعني أن الإراحة أكثر ما تكون أيام\n_________\n= (دفأ) في \"مقاييس اللغة\" ٢/ ٢٨٧، و\"اللسان\" ٣/ ١٣٩٣، و\"عمدة الحفاظ\" ٢/ ١٣.\n(١) في جميع النسخ: (سكنت)، والصحيح المثبت، وهو موافق للمصدر وبه يستقيم الكلام.\n(٢) \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ٩٦، بنصه.\n(٣) ورد غير منسوب في \"تفسير مقاتل\" ١/ ٢٠٠ ب، والسمرقندي ٢/ ٢٢٨، والثعلبي ٢/ ١٥٤ أ، والبغوي ٥/ ٩.\n(٤) \"تهذيب اللغة\" (راح) ٢/ ١٣٠٩، بنصه، وهو قول الليث، وانظر: \"تفسير الطبري\" ١٤/ ٨٠، و\"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ٥٥، و\"تفسير الفخر الرازي\" ١٩/ ٢٢٨، و\"اللسان\" (روح) ١/ ١٧٧٠.","vol":"13","page":16},{"text":"الربيع إذا سقط الغيث، وكثر الكلأ، وخرجت العرب للنجعة، وتركت مياهها، وأحسنُ ما تكون النَّعم في ذلك الوقت (١)، ولذلك ستر رسولُ الله -ﷺ- وجَهه لمّا رأى نَعَمَ بني المصطلق وقد عَبِست في أبوالها، وذكرنا هذا في آخر سورة الحجر.\nوقوله تعالى: ﴿وَحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ يقال: سَرَّح القومُ إبِلَهم سَرْحًا إذا أخرجوها بالغداة إلى المَرْعَى، واسم ذلك المال السَّرْحُ، وسَرَح المالُ نفسُه سُرُوحًا: رَعَى بالغَدَاة (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2013>٧ </span>- قوله تعالى: ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ﴾ جمع الثقل، وهو متاع المسافر وحَشَمُه، ﴿إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ﴾ قال ابن عباس: يريد من مكة إلى اليمن، وإلى الشام، وإلى مصر (٣)، هذا قوله، والمراد: كل بلد لو تكلفتم بلوغه على غير الإبل شق عليكم (٤)، وخص ابن عباس اليمن والشام؛ لأن متاجر أهل مكة كانت إلى هذه الوجوه، وليس قول من خص البلد بمكة بشيء (٥)؛ والشِّقُّ المَشَقَّةُ، والشِّقُّ: نصفُ الشيء، وكِلا المعنيين\n_________\n(١) انظر: \"تفسير الفخر الرازي\" ١٩/ ٢٢٨، والخازن ٣/ ١٠٧، أورداه بنصه غير منسوب، والظاهر أنهما نقلاه عن الواحدي.\n(٢) \"تهذيب اللغة\" (سرح) ٢/ ١٦٦٥، بتصرف، وانظر: \"تفسير الطبري\" ١٤/ ٨٠.\n(٣) انظر: \"تفسير الفخر الرازي\" ١٩/ ٢٢٨، مع زيادة المدينة، والخازن ٣/ ١٠٧، والألوسي ١٤/ ١٠٠، وورد غير منسوب في \"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢٢٩، و\"الشوكاني\" ٣/ ٢١٢.\n(٤) أخرجه الطبري ١٤/ ٨٠، بنحوه، عن عكرمة، وانظر: \"تفسير الماوردي\" ٣/ ١٨٠، وابن الجوزي ٤/ ٤٣٠.\n(٥) وهو وابن عباس والربيع بن أنس وعكرمة، وقد أخرجه الطبري ١٤/ ٨٠ عن عكرمة، وورد في \"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢٢٩، عن عكرمة، وابن عطية ٨/ ٣٧٣، =","vol":"13","page":17},{"text":"في الشق سائغ في معنى الآية، ذكرهما الفراء؛ وقال أكثر القراء: على كسر الشين (١)، ومعناه إلا بِجَهْدِ الأنفس، وكأنه الاسم، وكأن الشِّقَّ فعلٌ، قال: ويجوز في قوله: ﴿إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ﴾ أن يذهب إلى أن الجَهْدَ يُنْقِص من قوةِ الرجل ونَفَسِه حتى يجعله قد ذهب بالنصف من بدنه أو قوته، فيكون الكسر على أنه كالنصف، ويقال: المال بيني وبينكم بشَقِّ الشعر؛ وشِقِّ الشَعَر، وهما متقاربان، فإذا قالوا: شَقَقْتُ عليك شقًّا، نصبوا (٢).\nوقال في \"المصادر\": شققت عليه شقًّا، وشق الصبح، وشق بابه إذا طلع، شقوقًا منهما، وشققت الثوب شقًّا لا غير.\nقال ابن شميل: شَقَّ عليَّ ذلك الأمر مشقة، أي: ثقل عليّ (٣)، فجاء من هذا أن الشَّق بالفتح مصدر شَقَّ عليه الأمر، أي: أثقله عليه، ومنه قوله -ﷺ-: \"لولا أن أَشُقَّ على أمتي\" (٤)؛ شَقَّ الأمْرُ عليه مَشَقَّةً، فهو واقع\n_________\n= عنهم، وابن الجوزي ٤/ ٤٣٠ عن عكرمة، و\"تفسير القرطبي\" ١٠/ ٧١، عن عكرمة، وأبي حيان ٥/ ٤٧٦، عنهم، و\"تنوير المقباس\" ص ٢٨٢، وأورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ٢٠٦، وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم وابن المنذر عن ابن عباس، وصديق خان ٧/ ٢١٠، عن ابن عباس، والصحيح حمله على العموم؛ لعدم وجود مخصص، كما أشار الواحدي -﵀-.\n(١) قرأ أبو جعفر المدني وحده في العشر بفتح الشين. انظر: \"تفسير الطبري\" ١٤/ ٨١، و\"القراءات الشاذة\" لابن خالويه ص ٧٦، و\"المحتسَب\" ٢/ ٧، و\"المبسوط في القراءات\" ص ٢٢٣، و\"إعراب القراءات الشاذة\" ١/ ٧٥٦، و\"النشر\" ٢/ ٣٠٢.\n(٢) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٩٧، بتصرف يسير، وورد في \"تهذيب اللغة\" (شق) ٢/ ١٩٠٦، بنحوه.\n(٣) ورد في \"تهذيب اللغة\" (شق) ٢/ ١٩٠٦، بنصه.\n(٤) أخرجه أحمد (٢/ ٢٥٠، ٢٨٧) بنصه عن أبي هريرة، والبخاري: كتاب: الجمعة، باب: السواك يوم الجمعة، ومسلم: كتاب: الطهارة، باب: السواك ١/ ٢٢٠، =","vol":"13","page":18},{"text":"ومطاوع (١)، والشق: الاسم منه، وشَقَّ الشيءَ شقًّا، وشق بنفسه شُقوقًا.\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ يريد أنه مَنّ عليكم وتفضَّل بإنعامه بالنعم التي لكم فيها هذه المنافع والمرافق (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2014>٨ </span>- قوله تعالى: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ قال الفراء: نُصبت ﴿وَزِينَةً﴾ على: وجعلها زينة، مثل قوله: ﴿وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا﴾ (٣) [فصلت: ١٢] المعنى: وحفظناها حفظًا، ولو لم يكن في (الزينة) ولا في ﴿وَحِفظَا﴾ وَاوٌ لنصبتَها بالفعل الذي قبلها لا بالإضمار، ومثله: أعطيتك درهمًا ورغبة في الأجر، المعنى أعطيتكه (٤) رغبةً، فلو ألقيت الواو لم يحتج إلى ضمير؛ لأنه متصل بالفعل الذي قبله (٥)، وقال أبو إسحاق: نُصبت ﴿وَزِينَةً﴾ على أنها مفعول لها، المعنى: وخلقها للزينة (٦).\nقال أصحابنا: والآية لا تدل على تحريم لحوم الخيل، وإن ذكرت\n_________\n= وأبو داود (٤٦): كتاب: الطهارة، باب: السواك ١/ ١١، والترمذي (٢٢) كتاب: الطهارة، باب: ما جاء في السواك (١/ ٩)، والنسائي: الطهارة/ الرخصة في السواك بالعشي للصائم ١/ ٤، و\"معجم الطبراني الكبير\" ٥/ ٢٤٣، ٢٤٤، وأورده الهيثمي في \"المجمع\" ١/ ٢٢١، وورد في تهذيب اللغة (شق) ٢/ ١٩٠٦.\n(١) الوقوع في اصطلاح النحويين: التعدِّي، والمطاوعة: هو الفعل المتعدي الذي يصير لازمًا إذا تحوَّل إلى صيغة \"انفعل\" مثل: كَسَرَ الولدُ الزجاج، تقول: انكسر الزجاج انظر: \"المعجم المفصل في النحو العربي\" ٢/ ١٠١٢، ١١٨٩.\n(٢) انظر: \"تفسير ابن الجوزي\" ٤/ ٤٣١.\n(٣) الآية التي أورد الفراء غير هذه، وهي: ﴿وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ﴾ [الصافات: ٧].\n(٤) في جميع النسخ: (أعطيتكه هو) بزيادة ضمير الفصل، وأدى إلى اضطراب المعنى، والتصويب من المصدر.\n(٥) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٩٧، بتصرف يسير.\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٩٢، بنحوه.","vol":"13","page":19},{"text":"البغال والحمير؛ لأن القصد بهذه الآية بيانُ إباحةِ الركوب وإظهار المنّة بأنْ خَلق لنا من الحيوان ما نقضي عليه حوائجنا ونتجمَّل به، وكيف تدل على تحريمها والسورة مكية؟ ولحوم الحُمُر الأهلية حُرِّمت عام خيبر (١)، فلو دَلَّت على تحريم لحم الخيل لَدَلَّت على تحريم لحم الحُمُر حتى (٢) تُحَرَّم عند نزولها، ولحوم الخيل حلال بالسنة والأخبار فيها كثيرة (٣).\n_________\n(١) وقد وردت عدة أحاديث في ذلك، منها: ما رواه علي بن أبي طالب -﵁- أن رسول الله -ﷺ- نهى عن المتعة عام خيبر وعن لحوم حُمُرِ الإنسيَّةِ. (أخرجه البخاري (٥٥٢٣) كتاب: الذبائح والصيد، باب: لحوم الحمر الإنسية (٥/ ٢١٠٢، ومسلم (١٤٠٧) كتاب: الصيد والذبائح، تحريم أكل الحمر الإنسية، وعن ابن عمر -﵄- قال: نهى النبي -ﷺ- عن لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر. رواه البخاري (٥٥٢١)، ومسلم (٥٦١).\n(٢) هكذا في جميع النسخ، والعبارة مضطربة، فلعل (حين) تصحفت إلى (حتى)، وبها يستقيم السياق.\n(٣) وهو مذهب الشافعية والحنابلة، وقد استدلوا على إباحته بما رواه الشيخان عن جابر بن عبد الله -﵄- قال: نهى النبيُّ -ﷺ- يوم خيبر عن لحوم الحمر، ورخص في لحوم الخيل، وفي رواية مسلم: وأذن في لحوم الخيل. (أخرجه البخاري (٥٥٢٠، ٥٥٢٤): الذبائح، باب: لحوم الخيل، ومسلم (١٩٤١): الصيد والذبائح، باب: في أكل لحوم الخيل، واستدلوا أيضًا بما روته أسماء -﵂- قالت: نحرنا فرسًا على عهد رسول الله -ﷺ- فأكلناه. (أخرجه البخاري (٥٥٢٠، ٥٥١٩) كتاب: الذبائح والصيد، النحر والذبح (١٩٤٢)، ومسلم (١٩٤٢): الصيد والذبائح، في أكل لحوم الخيل (٣/ ١٥٤١)، والمشهور عن الحنفية والمالكية تحريمه، وروي عنهما الكراهة، والقول بالإباحة هو الراجح؛ لصحة أدلته وصراحة دلالتها، ومع أن الشرع يُجوِّز أكله فإن أكله غير مشهور في بلاد المسلمين اليوم، ولعل سبب ذلك استخدامه في المعارك العسكرية في الأجيال السابقة، لذلك لم يألف الناس أكله ولا بيعه ولا تسويقه لذلك الغرض.\nانظر: \"بداية المجتهد\" ١/ ٤٦٩، و\"شرح الزرقاني\" (٣/ ٩١، و\"حاشية الرهوني =","vol":"13","page":20},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ روي عن ابن عباس أنه قال: لم يسمه فالله أعلم (١). وروى عطاء عنه، ومقاتل عن الضحاك عنه، قال: يريد أنّ عن يمين العرش نهرًا من نور؛ مثل السموات السبع والأرضين السبع والبحار السبع يدخل جبريل فيه كل سحر فيغتسل فيزاد نورًا إلى نوره وجمالًا إلى جماله، وعِظَمًا إلى عِظَمِه، ثم ينتفض فيخلق الله من كل نفضة تقع من ريشه كذا وكذا ألف ملك، يدخل منهم كل يوم سبعون ألفًا البيت المعمور، وفي الكعبة سبعون ألفًا، لا يعودون إليه إلى أن تقوم الساعة (٢).\n_________\n= على عبد الباقي ٣/ ٣٩، و\"المبسوط\" ١١/ ٢٣٣، و\"حاشية ابن عابدين\" ٦/ ٣٠٥، و\"تفسير القرطبي\" ١٠/ ٧٦، و\"المجموع\" ٩/ ٤، و\"المغني والشرح الكبير\" ١١/ ٦٩، و\"فتح الباري\" ٩/ ٥٦٦، و\"أضواء البيان\" ٢/ ٢٥٤، و\"أحكام الأطعمة في الشريعة الإسلامية\" ص ١٢٦.\n(١) انظر: \"تنوير المقباس\" ص ٢٨٢، بنحوه.\n(٢) ليس في تفسير مقاتل، وأخرجه أبو الشيخ في العظمة ص ١٥٤، بنحوه من طريقين؛ مرفوعًا إلى النبي -ﷺ- من رواية أبي سعيد، وموقوفًا على وهب بن منبه، لكن ليس في الروايتين أنه تفسير لقوله تعالى: ﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾، وورد في \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٥٤ ب، بنصه، وانظر: \"تفسير الفخر الرازي\" ١٩/ ٢٣١، و\"تفسير القرطبي\" ١٠/ ٨٠، وأبي السعود ٥/ ٩٨، و\"تفسير الألوسي\" ١٤/ ١٠٢، وورد غير منسوب في: \"تفسير ابن الجوزي\" ٤/ ٤٣٢ مختصرًا.\nوعلى هذا التفسير مأخذان؛ الأول: أنه حدد وخصص ما أبهم الله خلقه بأمور بعيدة عن سياق الآية. الثاني: أن الحديث الوارد موضوع، فقد أورده السيوطي في \"اللالئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة\" ١/ ٨٤، عن أبي هريرة مرفوعًا. وأغلب الظن أن الأثر من الإسرائيليات، يؤكده أنه ورد عن أحد مصادر الإسرائيليات، وبذلك جزم محقق كتاب \"العظمة\" ص ١٥٤، رقم (٣)، وقد أورده ابن الجوزي بنحوه في كتاب \"الموضوعات\" ١/ ٢١٨.","vol":"13","page":21},{"text":"وقال آخرون: يعني مما أعد في الجنة لأهلها وما أعد في النار لأهلها (١).\nوقال السدي وقتادة: يعني السوس في الثياب، والدود في الفواكه (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2015>٩ </span>- قوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ القصد: استقامة الطريق، يقال: طريق قصد وقاصد إذا أداك إلى مطلوبك، وقصد بك ما تريد (٣)، واختلفوا في معنى هذه الآية، فأكثر المفسرين على أن المعنى: وعلى الله بيان قصد السبيل بالكتب والرسل والحجج (٤)، وهو قول جابر وقتادة\n_________\n(١) انظر: \"تفسير الطبري\" ١٤/ ٨٣، والبغوي ٥/ ١١، وابن الجوزي ٤/ ٤٣٢، و\"تفسير القرطبي\" ١٠/ ٨٠، والخازن ٣/ ١٠٨، وأبي حيان ٥/ ٤٧٧.\n(٢) ورد في \"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ٥٧، عن السدي، و\"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٥٤ ب، بنصه عن قتادة، و\"تفسير القرطبي\" ١٠/ ٨٠، وعنهما في الخازن ٣/ ١٠٨، عن قتادة، وأبي حيان ٥/ ٤٧٧، وهو قول غريب وتخصيص عجيب دون داعٍ أو مناسبة، وهذا التفسير لا يليق بهذا المكان؛ لأن السياق في النعم والمنن، وحتى تخصيصه بما أُعد في الجنة غير مناسب للسياق؛ فالحديث في معرض الامتنان على العباد مؤمنهم وكافرهم بالمركوبات، لذلك فالإطلاق أولى من كل هذه التخصيصات البعيدة عن السياق، وإن لزم الأمر إلى تخصيص، فينبغي أن يكون التخصيص بجنس الممتن به؛ لقوة القرينة، فيكون المقصود بـ ﴿مَا لَا تَعلَمُونَ﴾، أي: من جنس المركوبات، ويؤيد هذا التخصيص ما ألهم الله البشر من اختراع وسائل النقل المتعددة - لم تكن موجودة بل ولا متصورة يومئذٍ، كالسيارات والقطارات والطائرات والمركبات الفضائية، وقد أشار إلى ذلك جماعة من العلماء المعاصرين. انظر: \"تفسير سيد قطب\" ٤/ ٢١٦١، و\"الطاهر بن عاشور\" ١٤/ ١١١، و\"الشنقيطي\" ٣/ ٢١٨.\n(٣) انظر: (قصد) في \"المحيط في اللغة\" ٥/ ٢٥٦، و\"المفردات\" ص ٦٧٢، و\"اللسان\" ٣٦٤٢.\n(٤) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١/ ٢٠٠ ب، والطبري ١٤/ ٨٤، والسمرقندي ٢/ ٢٢٩، و\"تفسير الماوردي\" ٣/ ١٨١، والبغوي ٥/ ١١، وابن عطية ٨/ ٣٧٦، و\"تفسير القرطبي\" ١٠/ ٨١، والخازن ٣/ ١٠٨، وأبي السعود ٥/ ٩٨.","vol":"13","page":22},{"text":"والسدي (١)، ورُوي ذلك عن ابن عباس (٢) واختاره الفراء (٣) والزجاج (٤)، وعلى هذا: الآية من باب حذف المضاف؛ لأن التقدير: وعلى الله بيان قصد السبيل، ثم قال: ﴿وَمِنهَا جَآِئرٌ﴾، أي: عادل مائل، ومعنى الجور في اللغة: الميل عن الحق (٥)، والكناية في منها تعود على السبيل، وهي مؤنثة في لغة الحجاز، يعني: ومن السبيل ما هو جاثر غير قاصد للحق (٦). قال الكلبي: يعني اليهودية والنصرانية والمجوسية (٧). وقال ابن المبارك: يعني الأهواء والبدع (٨).\nروى عطاء عن ابن عباس في هذه الآية، قال: من أراد أن يهديه سهل له طريق الإيمان، ومن أراد أن يُضلَّه وعَّر عليه طريق الإيمان (٩)، يعني\n_________\n(١) أخرجه الطبري ١٤/ ٨٤ بمعناه عن قتادة، وأورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ٢٠٩، وزاد نسبته إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة بمعناه، ولم أقف عليه عن جابر والسدي.\n(٢) أخرجه الطبري ١٤/ ٨٥ بمعناه، من طريق ابن أبي طلحة صحيحة، ومن طريق العوفي غير مرضية، وورد في \"تفسير الطوسي\" ٦/ ٣٦٣.\n(٣) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٩٧، بمعناه.\n(٤) معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٩٢، بمعناه.\n(٥) انظر: (جور) في \"المحيط في اللغة\" ٧/ ١٧٢، و\"مجمل اللغة\" ١/ ٢٠٢، و\"الصحاح\" ٢/ ٩١٧، و\"اللسان\" ٢/ ٧٧٢.\n(٦) نقله الفخر الرازي بنصه، ونسبه للواحدي ١٩/ ٢٣١.\n(٧) روي عن ابن عباس في \"تفسير ابن كثير\" ٢/ ٦٢٠، و\"تنوير المقباس\" ص ٢٨٣، وورد غير منسوب في: \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٥٤، دون ذكر المجوسية، والبغوي ٥/ ١١، وابن عطية ٨/ ٣٧٧، و\"تفسير القرطبي\" ١٠/ ٨١، والخازن ٣/ ١٠٨.\n(٨) ورد في \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٥٤ ب، بنصه، وانظر: \"تفسير البغوي\" ٥/ ١١، وابن الجوزي ٤/ ٤٣٣، والخازن ٣/ ١٠٨.\n(٩) انظر: \"تفسير القرطبي\" ١٠/ ٨٢، بنصه.","vol":"13","page":23},{"text":"المنافق والكافر؛ شَدُدَ عليه الغُسْلُ من الجنابة والوُضوءُ للصلاة، ويَثْقُلُ عليه صيام شهر رمضان من اثني عشر شهرًا، ثم بين أن المشيئة إليه، فقال: ﴿وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾، يريد: فلو شاء لأرشدكم أجمعين حتى لا يختلف عليك يا محمد أحد، هذا كلامه، والذي ذكرنا في هذه الآية هي طريقة المفسرين. وفي الآية وجه آخر، وهو أن المعنى: أن قصد السبيل الذي هو الحنفية والإسلام على الله؛ أن يؤدي إلى رضا الله وثوابه وجزائه (١)؛ كقوله: ﴿قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ﴾ [الحجر: ٤١]، أي: أنه يؤدي إلى جزائي وكرامتي، فهو طريق عليّ، وهذا مذهب مجاهد، قال: على الله طريق الحق (٢)، وبه قال عبد الله بن المبارك (٣)، وهو أقوى القولين؛ لأنه صح من غير إضمار ولا شبهة للقدرية (٤)؛ لأنهم يقولون على التفسير الأول: أضاف قصد السبيل إليه.\nثم قال: ﴿ومنها جائزٌ﴾ وهو ضده، فلم يضف إلى نفسه (٥)،\n_________\n(١) انظر: \"تفسير ابن عطية\" ٨/ ٣٧٦.\n(٢) تقدم توثيق قوله.\n(٣) لم أقف عليه.\n(٤) القدرية هم نفاة القدر؛ يزعمون أن الأمر أنف، كان أول ظهورهم في نهاية جيل الصحابة، عندما ظهر معبد الجهني، وقد تبرأ منهم ابن عمر -﵄-، وخلف الجهمية في هذه البدعة المعتزلة، وأصّلوها، وجعلوها من أصولهم الخمسة. انظر: \"الفرق بين الفرق\" ص ١١٤، و\"الفصل في الملل والأهواء\" ٣/ ٨٢، و\"الملل والنحل\" ١/ ٤٣، و\"الاستقامة\" ١/ ١٧٩، و\"التعريفات\" ص ١٧٤.\n(٥) هذه إشارة إلى مذهبهم الفاسد في إخراج أفعال العباد عن قدرة الله وخلقه، والمذهب الحق في هذه القضية هو مذهب أهل السنة والجماعة، وقد ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وغيره، فقال: وأما جمهور أهل السنة، فيقولون: إن =","vol":"13","page":24},{"text":"وجوابهم عن هذا أن الجائر أيضًا منه، وإن لم يضف إلى نفسه، ولكنه ذكر ذلك على الإطلاق (١)، وابن عباس قد بَيَّنَ ذلك كما حكينا، ولا شبهة لهم في الآية على القول الثاني.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2016>١٠ </span>- قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ﴾ إلى قوله: ﴿وَمِنهُ شَجَرٌ﴾، قال أهل اللغة: الشجر أصناف، فأما جِلُّ الشجر فعظامه التي تبقى على الشتاء، وأما دِقُّ الشجر فصنفان: أحدهما يبقى له أَرُومَةٌ (٢) في الشتاء وَينْبت في الربيع، ومنها ما لا يبقى له ساق في الشتاء؛ كالبقول (٣)، وقال أبو إسحاق: كلُ ما يَنْبُت على الأرض فهو شجر:\n_________\n= فعل العبد فعل له حقيقة، ولكنه مخلوق لله ومفعول لله؛ لا يقولون: هو نفس فعل الله، ويفرقون بين الخلق والمخلوق، والفعل والمفعول. \"منهاج السنة النبوية\" ٢/ ٢٩٨.\n(١) لذلك فإن من كمال الأدب أن لا ينسب إلى الله إلا الخير، وأما الشر فإما أن يذكر مطلقًا غير منسوب إليه، وإما أن ينسب إلى السبب الظاهر، ومن أمثلته في القرآن: ما ورد على لسان إبراهيم ﵇: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (٧٨) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (٧٩) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء:٧٨ - ٨٠]، وقال على لسان الخضر: ﴿ومَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾ [الكهف: ٦٣]؛ في حين نسب الخير إليه في قوله: ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ [الكهف: ٨٢]، وقال على لسان الجن: ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ [الجن: ١٠]، ومن هنا قال رسول الله -ﷺ- \"والخير كله بيديك، والشر ليس إليك\" [مسلم (٧٧١) كتاب: المسافرين، الدعاء في صلاة الليل].\n(٢) الأرُومَةُ: أصلُ كلِّ شجرة، والجميعُ الأرُومُ والأرُومَات، وأرَمْتُ الشيءَ: ذهبتُ بأرُومَته وقَلَعْتُه. انظر: \"المحيط في اللغة\" (أرم) ١٠/ ٢٩٠.\n(٣) ورد في \"تهذيب اللغة\" (شجر) ٢/ ١٨٣٠، بنحوه، وانظر: (شجر) في: \"جمهرة اللغة\" ١/ ٤٥٨، و\"مقاييس اللغة\" ٣/ ٢٤٦، و\"اللسان\" ٤/ ٢١٩٨.","vol":"13","page":25},{"text":"نُطْعِمُها (١) اللحم إذا عَزَّ الشَّجَرْ (٢)\nويعني أنهم يُسقون الخيل اللبن إذا أجدبت الأرض (٣)، وقال ابن قتيبه في هذه الآية: يعني الكلأ (٤)، ومعنى الآية: أنه ينبت بالماء الذي أنزل من السماء ما يرعاه الراعيةُ من ورق الشجر وجلّها؛ لأن الإبل يرعى جِلَّ الشجر. قال ابن السِّكِّيت: يقال: شاجرَ المالُ، إذا رعى العُشبَ والبَقْلَ فلم يَبْق منها شيء، فصار إلى الشجر يَرْعاه (٥).\nوقوله تعالى: ﴿فِيهِ تُسِيمُونَ﴾، أي: في الشجر تَرْعَون مواشيكم، يقال: أَسِمْت الماشية إذا خليتها ترعى، وسَامَت هي تَسُومُ سَوْمًا إذا رَعَتْ حيثُ شاءت، فهي سَوَامٌ وسَائِمَةٌ (٦)، قال الزجاج: أُخِذَ ذلك من السّومة؛\n_________\n(١) في جميع النسخ: (يعظمها) ولا معنى لها، والصحيح أنها تصحيف من (نطعمها) كما في بعض المصادر.\n(٢) البيت للنمر بن تَوْلَب [مخضرم (ت ١٤ هـ)]. وعجزه:\nوالخَيْلُ في إطْعامِها اللَّحْمَ ضَرَرْ\n\"ديوانه\" ص ٣٥٥، وفيه (عَسَرْ) بدل (ضَررْ)، وورد في \"الشعر والشعراء\" ص ١٩١ (الشحم) بدل (اللحم) الأولى، و\"الأغاني\" ٢٢/ ٢٧٩، و\"اللسان\" (هشش) ٨/ ٤٦٦٧، وورد غير منسوب في \"تهذيب اللغة\" (لحم) ٤/ ٣٢٤٨، \"اللسان\" (علف) ٥/ ٣٠٧٠، و\"تفسير الألوسي\" ١٤/ ١٠٥، في الأخيرين برواية: (نعلفها) بدل (نطعمها)، وورد صدره في \"تفسير الرازي\" ١٩/ ٢٣٣، والخازن ٣/ ١٠٨، وأبي حيان ٥/ ٤٧٨، وسمى اللبن لحمًا؛ لأنها تسمن على اللبن.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٩٢، بنحوه.\n(٤) \"الغريب\" لابن قتيبة ص ٢٤٣، بلفظه.\n(٥) \"إصلاح المنطق\" ص ٣٠٩، بنصه، وانظر: (شجر) في \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٨٣١ بنصه، و\"الصحاح\" ٢/ ٦٩٤، بنصه.\n(٦) ورد في \"تهذيب اللغة\" (سام) ٢/ ١٦٠٢، بنحوه، وانظر: (سوم) في \"جمهرة اللغة\" ٢/ ٨٦٢، و\"المحيط في اللغة\" ٨/ ٤٠٣، و\"الصحاح\" ٥/ ١٩٥٥.","vol":"13","page":26},{"text":"وهي العلامة، وتأويلها أنها تُؤثِّر في الأرض برَعْيِها علامات (١)، وقال غيره: لأنها تُعَلَّمُ الإرسالَ (٢) في المرعى (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2017>١١ </span>- قوله تعالى: ﴿يُنْبِتُ لَكُمْ﴾ قراءة العامة بالتاء (٤)، وقرأ أبو بكر عن عاصم بالنون (٥) والياء أشكل لما تقدم من الإفراد (٦)، والنون لا يمتنع أيضًا، ويقال: نبت (٧) البقل (وأنبته الله، وقد روي: أنبت البقل) (٨)، والأصمعي يأبى إلا نبت، ويزعم أن قصيدة زهير التي فيها:\nحتى إذا أنبت البَقْلُ (٩)\nمتّهمة (١٠).\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٩٢، بنصه.\n(٢) في \"تفسير الفخر الرازي\" ١٩/ ٢٣٤، و\"تفسير القرطبي\" ١٠/ ٨٢ (للإرسال)، وهو قريب من الأول.\n(٣) انظر: \"تفسير الفخر الرازي\" ١٩/ ٢٣٤، و\"تفسير القرطبي\" ١٠/ ٨٢.\n(٤) انظر: \"السبعة\" ص٣٧٠، و\"علل القراءات\" ١/ ٣٠١، و\"الحجة للقراء\" ٥/ ٥٤، و\"الكشف عن وجوه القراءات\" ٢/ ٣٤.\n(٥) أي: (نُنْبِتُ)، انظر: المصادر السابقة.\n(٦) وقد رجحه الأزهري فقال: والياء أجودهما، وقال ابن خالويه: فالحجة لمن قرأه بالياء: أنه أخبر به عن الله ﷿ لتقدم اسمه أول الكلام، والحجة لمن قرأه بالنون: أنه جعله من إخبار الله ﷿ عن نفسه بنون الملكوت. انظر: \"علل القراءات\" ١/ ٣٠١، و\"الحجة في القراءات\" ص ٢٠٩، و\"الكشف عن وجوه القراءات\" ٢/ ٣٤.\n(٧) في (ش)، (ع): (أنبت)، والصحيح المثبت ليستقيم السياق، وهو موافق للمصدر.\n(٨) ما بين القوسين ساقط من (أ)، (د).\n(٩) البيت كما في الديوان ص ٤١:\nرأيتُ ذَوِي الحاجاتِ حولَ بُيوتِهم ... قطينًا لهم حتى إذا أنبت البقْلُ\nأي: نبت.\n(١٠) ورد في \"تهذيب اللغة\" (نبت) ٤/ ٣٤٩١، بمعناه، و\"الحجة للقراء\" ٥/ ٥٤، بنصه.","vol":"13","page":27},{"text":"وقوله تعالى: ﴿الزَّرْعَ﴾ قال ابن عباس: يريد الحبوب (١)، ﴿وَالزَّيْتُونَ﴾ جمع زيتونة، يقال: الشجرة نفسُها زيتونة، ولثمرها زيتونة، والمجميع الزيتون، ﴿وَالنَّخِيلَ﴾ يقال: نخلة ونخل ونخيل.\nوقوله تعالى: ﴿وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾، أي: وينبت من كل الثمرات، فحُذف لأن ما سبق يدل عليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2018>١٢ </span>- قوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ إلى قوله: ﴿مُسَخَّرَاتٌ﴾، قراءة العامة بالنصب في هذه المنسوقات كلها (٢)، وهو الوجه لاستقامتها في المعنى، وإذا استقامت في معنى واحد استقامت في إعراب واحد، وقد جاء التسخير في الشمس والقمر والنجوم، وهو قوله: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ﴾ [إبراهيم: ٣٣]، وقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ﴾ [الأنعام: ٩٧]، فكما حملت على التسخير في هاتين كذلك وجب أن يحمل على التسخير في هذه السورة.\nوقوله تعالى: ﴿مُسَخَّرَاتٍ﴾ حال مؤكدة؛ لأن تسخيرها قد عُرف بقوله: ﴿وَسَخَّر﴾ فجاءت الحال مؤكدة، ومجيء الحال مؤكدة في التنزيل وغيره كثير؛ كقوله: ﴿وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا﴾ [البقرة: ٩١]. و:\nأنا ابنُ دارَة معروفًا (٣)\n_________\n(١) انظر: \"تفسير ابن الجوزي\" ٤/ ٤٣٣، والخازن ٣/ ١٠٨، بلا نسبة.\n(٢) انظر: \"السبعة\" ص ٣٧٠، و\"علل القراءات\" ١/ ٣٠٢، و\"الحجة للقراء\" ٥/ ٥٥، و\"المبسوط في القراءات\" ص ٢٢٣، و\"التيسير\" ص ١٣٧.\n(٣) جزء من بيت لسالم بن دارة (مخضرم)، وتمامه:\nأنا ابن دارة معروفا بها نَسَبي ... وهل بدارة يا للناس من عارِ\nوهو من شواهد سيبويه ٢/ ٧٩، وورد في \"الخصائص\" ٣/ ٦٠، و\"أمالي ابن الشجري\"، و\"تفسير ابن عطية\" ٨/ ٣٨٢، و\"الخزانة\" ٢/ ١٤٥، ٣/ ٢٦٦، =","vol":"13","page":28},{"text":"و:\nكَفَى بالنأيِ من أسماءَ كاف (١)\nوقرأ ابنُ عامر: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ﴾ رفعًا (٢)؛ كأنه قطعها عن سخر لئلا يجعل الحال مؤكدة، فابتدأ الشمس والقمر والنجوم، وجعل مسخرات خبرًا عنها؛ لأنه لا يقال: ذللت هذا الشيء مُذللا، ووهبت لك هذا موهوبًا، إلا في التأكيد النادر، وروى حفص عن عاصم: ﴿مُسَخَّرَاتٍ﴾ بالرفع وحدها (٣)؛ ووجه ذلك أنه لم يجعلها حالًا مؤكدة، وجعلها خبر ابتداء محذوف؛ كأنه قال بَعدُ: هي مسخراتٌ، فحذف المبتدأ وأضمر لدلالة الخبر عليه، وقد عُلم التسخير بما تقدم، وكون ﴿مُسَخَّرَاتٍ﴾ حالًا مؤكدة أسوغ من كونها خبرَ مبتدأ محذوف؛ لأن الخبر ينبغي أن يكون\n_________\n= و\"دارة\": أمُّه، سميت بذلك لجمالها، تشبيها بدارة القمر.\nوالشاهد: قوله (معروفًا) حال مؤكِّدة لمضمون الجملة قبلها: (أنا ابن دارةَ).\n(١) البيت لبشر بن أبي خازم الأسدي (جاهلي)، وعجزه:\nوليس لِحبِّها ما عشتُ شافِ\n\"ديوانه\" ١٤٢، وفيه: (إذا طال شافي) بدل (ما عشت شافي)، وورد في \"أمالي ابن الشجري\" ١/ ٢٨٢، ٤٣٢، و\"الخزانة\" ٤/ ٤٣٩، ١٠/ ٤٧٧ (عجز)، وورد غير منسوب في \"الكامل\" ٢/ ٩١٠، و\"المقتضب\" ٤/ ٢٢، و\"الخصائص\" ٢/ ٢٦٨ (صدر)، و\"المنصف\" ٢/ ١١٥، و\"الموضح في وجوه القراءات\" ٢/ ٧٣٢ (صدر)، و\"شرح المفصل\" ٦/ ٥٠، ١٠/ ١٠٣. (النأي) البعد، (أسماء) امرأة؛ يريد كفى النأي من أسماء كفايةً.\nوالشاهد قوله: (كافٍ) على أنه حال مؤكدة؛ لأنه إذا كفى فهو كافٍ لا محالة.\n(٢) انظر: \"السبعة\" ص ٣٧٠، و\"علل القراءات\" ١/ ٣٠١، و\"الحجة للقراء\" ٥/ ٥٥، و\"المبسوط في القراءات\" ص ٢٢٣، و\"التيسير\" ص ١٣٧.\n(٣) انظر: المراجع السابقة.","vol":"13","page":29},{"text":"مفيدًا، لم يجيء إلا كذلك، والحالُ تجيء مؤكِدة (١)؛ ألا ترى إلى قوله:\nإذا كان يومٌ ذو كَواكِبَ أَشْنَعَا (٢)\nحمله على الحال ولم يحمله على الخبر (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2019>١٣ </span>- قوله تعالى: ﴿وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ﴾ أي لأجلكم، وهو عطف على ما قبله من المسخرات.\nوقوله تعالى: ﴿مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ﴾ أي هيأته ومناظره، يعني الدواب والأشجار وغيرها، ونصب مختلفًا على الحال، وذو الحال: ﴿وَمَا﴾ العامل فيها قوله: ﴿سَخَّرَ﴾.\n_________\n(١) نقل القراءات في الآية وتوجيهها من \"الحجة للقراء\" ٥/ ٥٥، بتصرف، وانظر: كذلك التوجيه النحوي للقراءات في: \"علل القراءات\" ١/ ٣٠٢، و\"الحجة في القراءات\" ص ٢٠٩، و\"الكشف عن وجوه القراءات\" ٢/ ٣٥، و\"المُوضح في وجوه القراءات\" ٢/ ٧٣٢.\n(٢) البيت لعمرو بن شَأس مخضرم (توفي نحو سنة٢٠ هـ) وصدره:\nبَنِي أسدٍ هلْ تعلمونَ بلاءَنا\n\"شعر عمرو بن شأس\" ص ٣٦، وورد في \"الكتاب\" ١/ ٤٧، و\"الحجة للقراء\" ١/ ١٤٨، و\"الأزهية\" ص ١٨٦، و\"الخزانة\" ٨/ ٥٢١، ويروى (يومًا ذا كواكب)، أراد إذا كان اليوم يومًا، وأضمر لِعلم المخاطب، ومعناه: إذا كان اليومُ الذي يقع فيه القتال، و(كان) في الوجهين بمعنى وقع. (الشناعة) الفظاعة، والتشنيع: التشمير، وشنَّعَ النجم: ارتفع في السماء، والشاعر يصف حربًا وشدةً، والعرب تقول لليوم الذي تلقى فيه شِدَّة: يومٌ مظلمٌ، حتى إنهم ليقولون: يومٌ ذو كواكب؛ أي اشتدّت ظُلْمته حتى صار كالليل. انظر: (شنع) في: \"المحيط في اللغة\" ا/ ٢٨٨، و\"الصحاح\" ٣/ ١٢٣٩، و\"اللسان\" ٤/ ٢٣٣٩.\n(٣) قال أبو علي: فجعل أي سيبويه (أشنعا) حالًا ولم يجعله خبرًا؛ لأن فيما تقدم من صفة الاسم ما يدل علي الخبر، فيصير الخبر لا يفيد زيادة معنى. \"الحجة للقراء\" ١/ ١٤٨.","vol":"13","page":30},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2020>١٤ </span>- قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ﴾ أي ذَلَّله للركوب والغوص، ﴿لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ قال ابن الأعرابي: لحم طري غير مهموز، وقد طرو طرواة.\nوقال الفراء في \"المصادر\": ما كان طريًّا، ولقد طري يطرى طراءً ممدود وطراوةً، كما يقال: شقي يشقى شقاءً وشقاوةً، قال ابن عباس: يريد السمك والحيتان (١)، ﴿وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ قال: يريد الدر واللؤلؤ والمرجان والزبرجد والياقوت، وربما وجدوا فيه الذهب.\nقال أبو علي: الحِلْيَة والحُلِي واحد، كما يقال: بِرْكَة للمصدر وبِرَك (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ﴾ يجوز أن يكون هذا فصلًا مبتدأً غير معطوف على ما قبله، ويجوز أن يكون معطوفًا على ما قبله.\nواختلف ألفاظ المفسرين في تفسير الماخر؛ فروى ابن عباس أنه قال: جواري (٣)، وقال في رواية عطاء: يريد ملججين فيه، وأهل البحر يقولون: مَخَرْنا، يريد لججنا؛ إذا انقطع البر عنهم فلم يروه، وقال قتادة ومقاتل: مقبلة ومدبرة (٤).\n_________\n(١) ورد غير منسوب في \"تفسير مقاتل\" ١/ ٢٠٠ ب، والسمرقندي ٢/ ٢٣٠، والثعلبي ٢/ ١٥٥أ، والبغوي ٣/ ٦٤.\n(٢) لم أقف على مصدره، وانظر: \"اللسان\" (حلا) ٢/ ٩٨٥، بنحوه منسوبًا إليه.\n(٣) ورد في \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٥٥ أ، بلفظه، وورد غير منسوب في البغوي ٣/ ٦٤.\n(٤) أخرج عبد الرزاق في \"مصنفه\" ٢/ ٣٥٤ بلفظه عن قتادة، والطبري ١٤/ ٨٩ بلفظه عن قتادة من طريقين، ورد في \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٥٥ أ، بلفظه عنهما، والماوردي ٣/ ١٨٢، عن قتادة، وانظر: \"تفسير البغوي\" ٥/ ١٢، عن قتادة.","vol":"13","page":31},{"text":"قال الكلبي: يذهب ويجيء (١).\nوقال الحسن: مواقر (٢).\nوقال أبو عبيدة: صوائح (٣)، ونحو هذا قال الفراء (٤)، وكل هذا معان وليس بتفسير، وتفسير المواخر ما ذكره أهل اللغة.\nقال المنذري: سمعت أحمد بن يحيي يقول وسئل عن المواخر، فقال: الماخرةُ السفينةُ التي تَمْخَرُ الماءَ؛ تدفعه وتدفع الموج بصدرها (٥)، قال: وأنشدني الحرَّانيُّ عن ابن السكيت أنه أنشده للراجز في صفة نساء ضرائر:\nوصارَ أمثالَ الفغا ضرائري ... مُقَدِّماتٍ أَيْدِيَ المَواخِرِ (٦)\nقال: الماخِرُ: الذي يَشقُّ الماءَ إذا سَبحَ، يصف نساءً تَصْخَبْنَ وتَسْتعِنَّ بأيديهن كأنهن سوابح (٧)، والفغا: ضرب من التمر غليظ (٨)،\n_________\n(١) ورد بلا نسبة في \"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢٣١، وابن عطية ٨/ ٣٨٦، وورد منسوبًا للضحاك في: \"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ٥٩.\n(٢) أخرجه الطبري ١٤/ ٨٨ بلفظه، وورد في \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٥٥ أ، و\"تفسير الماوردي\" ٣/ ١٨٢.\n(٣) \"مجاز القرآن\" ١/ ٣٥٧ بمعناه، قال: من مخرت الماء، شقَّته بجآجِئها.\n(٤) قال: واحدها ماخرة؛ وهو صوت جري الفلك بالرياح. \"معاني القرآن\" ٢/ ٩٨.\n(٥) ورد في \"تهذيب اللغة\" (مخر) ٤/ ٣٣٥٦، بنصه.\n(٦) نُسب لابن السِّكِّيت في التهذيب واللسان. ورد في \"التهذيب\" (مخر) ٤/ ٣٣٥٦ برواية:\nيافِىَّ مالِي عَلِقَتْ ضَرَائري ... مقدماتٍ أيديَ المواخِرِ\nوورد صدره في (فغا) في \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٨٠٩، و\"اللسان\" ٦/ ٣٤٤٢، وورد عجزه في \"مقاييس اللغة\" ٥/ ٣٠٣، و\"مجمل اللغة\" ٢/ ٨٢٥، بلا نسبة فيهما، و\"اللسان\" (مخر) ٧/ ٤١٥٢.\n(٧) ورد في \"تهذيب اللغة\" (مخر) ٤/ ٣٣٥٦، بنحوه.\n(٨) وهو قول الليث، ورد في \"تهذيب اللغة\" (فغا) ٣/ ٣٨٠٩، وقد خطأه الأزهري، =","vol":"13","page":32},{"text":"يقال: ما الذي أفغاك، أي: أغضبك وورّمك.\nوقال أبو الهيثم: مَخْرُ السفينةِ: شَقُّها الماءَ بصدرها (١).\nوقال الفراء: يقال: مَخَرَتْ تَمْخُرُ وتَمْخَرُ (٢) مَخرًا ومخُورًا.\nقال الأزهري: والقول في تفسير المواخر ما قاله ثعلب وأبو الهيثم؛ أنها تشق الماء شقًّا (٣)، وسمعت أعرابيًّا يقول: مَخَرَ الذئبُ شاةً، أي شقَّ بطنَها (٤)، وأصل المخر الشق، ومنه الحديث: \"إذا أراد أحدكم الخلا فليتمخر الريح\" (٥). قال أبو عبيد: يعني أن ينظر مجراها فلا يستقبلها (٦)، فأما ما ذكره المفسرون فإنه يصح في المعنى؛ لأنها لا تشق الماءَ إلا إذا كانت جارية موقرة ويسمع لجريها وشقها الماءَ صوتٌ، وهي تشق الماء مقبلةً ومدبرةً، وذاهبةً وجائيةً.\nوقوله تعالى: ﴿وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ يعني لتركبوا للتجارة فتطلبوا\n_________\n= فقال: هذا خطأ، والفغا: داءٌ يقع على البُسر مثل الغُبار، ويقال: ما الذي أفغاك، أي أغضبك وأورمك، وقال أبو عبيد: إذا غَلُظت التمرةُ وصار فيها مثل أجنحة الجراد فذلك الفغا مقصور، وقد أفغت النَّخلة.\n(١) ورد في \"تهذيب اللغة\" (مخر) ٤/ ٣٣٥٦، بنصه.\n(٢) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٩٨، بنصه، وهو في \"تهذيب اللغة\" بنصه.\n(٣) \"تهذيب اللغة\" (مخر) ٤/ ٣٣٥٦، وعبارته: قلت: والمخْرُ أصله الشَّقُّ.\n(٤) ورد في \"تهذيب اللغة\" بنحوه.\n(٥) ورد في \"تهذيب اللغة\"، بنحوه، وورد في \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٥٥ أ، برواية: (البول) بدل (الخلاء)، وأورده الطبري بهذه الرواية ونسبه لواصل مولى ابن عيينة ١٤/ ٨٩، وورد في \"تفسير البغوي\" ٥/ ١٣، وفي \"النهاية\" برواية: (إذا بال أحدكم فليتمخر الريح) ٤/ ٣٠٥، وورد بمعناه في \"المجروحين\" لابن حبان ٣/ ١٠٨، قال: (إذا أراد أحدكم الخلاء فلا يستقبل الريح).\n(٦) \"الغريب\" لأبي عبيد ١/ ٣١٢ بنصه، وانظر: \"تهذيب اللغة\" (مخر) ٤/ ٣٣٥٦، بنصه.","vol":"13","page":33},{"text":"الربح من فضل الله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2021>١٥ </span>- قوله تعالى: ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ﴾ يريد جبالًا ثابتة، ﴿أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ يعني لئلا تميد على قول الكوفيين، وكراهة أن تميد على قول البصريين، وذكرنا هذا عند قوله: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦]، والميد: الحركة والاضطراب يمينًا وشمالًا، ماد يميد ميدًا (١)، قال ابن عباس: يريد أُوَتّدُها بالجبال لئلا تميد بأهلها.\nوقوله تعالى: ﴿وَأَنْهَارًا﴾ قال يريد: النِّيل (٢) والفُرات ودِجلة (٣) وسَيْحَان (٤) وجَيْحَان (٥)، ونصب: ﴿وَأَنْهَارًا﴾ بتقدير: وجعل، ودَلَّ: ألقى\n_________\n(١) انظر: (ميد) في \"جمهرة اللغة\" ٢/ ٦٨٥، و\"المحيط في اللغة\" ٩/ ٣٨٣، و\"مجمل اللغة\" ٢/ ٨٢٠، و\"عمدة الحفاظ\" ٤/ ١٥٠.\n(٢) النِّيل: بكسر أوله، نهر مشهور بأفريقيا وبمصر خاصة، يعد ثاني أنهار العالم طولًا، يبلغ طوله (٦٥٠٠) كلم، ينبع من بحيرتي فكتوريه وثانا ويصب في المتوسط، ويمر بعدة دول، هي: كينيا وأوغنده وأثيوبيا والسودان ومصر، ويتفرع في عدة جداول فيها. انظر: \"الروض المعطار\" ص ٥٨٦، و\"معجم البلدان\" ٥/ ٣٣٤، و\"أطلس العالم الصحيح\" ص ١٢١.\n(٣) دجِلة والفُرات: من الأنهر المشهورة، ينبعان من هضبة أرمينية، ويمران بعدة دول، هي: أرمينية وتركية والعراق وسورية، ويجتمعان في شط العرب جنوب العراق ويصبان في الخليج العربي. انظر: \"الروض المعطار\" ص ٤٣٩، و\"معجم البلدان\" ٤/ ٢٤١، و\"أطلس تاريخ الإسلام\" ص ١١٤، و\"أطلس العالم الصحيح\" ص ٦٨.\n(٤) سَيْحان: نهر كبير بالثغور من نواحي المصيصة [منطقة جنوب تركيا]، وهو نهر أذنة [أضنة] بين أنطاكية والروم [تركيا]، يمر بأذنة ثم ينفصل عنها نحو ستة أميال فيصب في بحر الروم [البحر المتوسط] وهو غير سيحون، وذكر صاحب الروض المعطار أنه واحد. انظر: \"الروض المعطار\" ص ٣٣٣، و\"معجم البلدان\" ٣/ ٢٩٣، و\"أطلس تاريخ الإسلام\" ص ١٤٢، و\"أطلس العالم\" ص ٣٩.\n(٥) جَيْحَان: نهر عظيم بالمصيصة بالثغر الشامي [جنوب تركيا]، ومخرجه من بلاد =","vol":"13","page":34},{"text":"عليه، قال أبو إسحاق: لأن معنى ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ﴾: جعل فيها رواسي، يدل عليه قوله: ﴿وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا﴾ (١) [النبأ: ٧].\nوقوله تعالى: ﴿وَسُبُلَاَ﴾ قال ابن عباس: يريد طُرقًا إلى كل بلاد (٢)، ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾: لكي تهتدوا إلى مقاصدكم من البلاد فلا تضلون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2022>١٦ </span>- قوله تعالى: ﴿وَعَلَامَاتٍ﴾ منسوقة (٣) على ما قبلها، والعلامة صورة يعلم بها المعنى من خط أو لفظ أو إشارة أو هيئة، وأصلها مشتق من العلم، واختلفوا في معناها؛ فقال الكلبي والقرظي: يعني الجبال (٤)، وهي علامات للطرق بالنهار كالنجوم بالليل، وعلى هذا تَمَّ الكلام هاهنا، وبقية الآية ابتداء مع خبره، وهذا قول الأخفش (٥)، وقال ابن عباس في رواية\n_________\n= الروم، ويمر حتى يصب بمدينة تعرف بكَفَرْ بَيّا بإزاء المصيصة [الإسكندرونة]، ويخرج إلى البحر الرومي [البحر المتوسط]. انظر: \"الروض المعطار\" ص ١٨٥، و\"معجم البلدان\" ٢/ ١٩٦، و\"أطلس تاريخ الإسلام\" ص ١٤٢، و\"أطلس العالم\" ص ٣٩.\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٩٣، بنصه.\n(٢) انظر: \"تنوير المقباس\" ص ٢٨٣، بنحوه.\n(٣) في جميع النسخ: (منسوخة) بالخاء، والصواب المثبت؛ لانسجام المعنى، فالكلام هنا عن العطف لا النسخ.\n(٤) أخرجه عبد الرزاق في \"مصنفه\" (٢/ ٣٥٤) بلفظه عن الكلبي، والطبري ١٤/ ٩٢ بلفظه عن الكلبي، والسمرقندي ٢/ ٢٣١، بلفظه عن الكلبي، والثعلبي ٢/ ١٥٥ ب، بلفظه عنهما، وانظر: \"تفسير البغوي\" ٥/ ١٣، عنهما، وابن عطية ٨/ ٣٨٩، عن الكلبي، وابن الجوزي ٤/ ٤٣٦، عن الكلبي، و\"تفسير القرطبي\" ١٠/ ٩١، عن الكلبي، والخازن ٣/ ١١٠، عنهما، و\"الدر المنثور\" ٤/ ٢١٢، وزاد نسبته إلى ابن المنذر عن الكلبي.\n(٥) ليس في معانيه، وانظر: \"تفسير الفخر الرازي\" ٢٠/ ١٠، وصديق خان ٧/ ٢٢٢.","vol":"13","page":35},{"text":"عطاء: يريد نجوم السماء، والوجه هو الأول (١)؛ لأنها (٢) معطوفة على ما خلقت في الأرض، والنجوم لم تخلق في الأرض، ولأنه لو كان المراد بالعلامات النجوم لقال: وبها يهتدون، فلما قال: ﴿وَبِالنَّجْمِ﴾ دَلَّ أن المراد بالعلامات غيرُ النجم.\nوقوله تعالى: ﴿وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ قال مجاهد وإبراهيم: أراد جميع النجوم (٣)، واختاره الزجاج؛ فقال: النجم والنجوم في معنى واحد، كما يقال: كثر الدِّرهم في أيدي الناس والدَّراهم (٤)، وقال عطاء عن ابن عباس: يعني الجَدْي (٥)، وقال السدي: يعني الثُّريا وبَنات نَعْش (٦)، وقال\n_________\n(١) وقد ورد عن ابن عباس قولًا لم يورده أعمّ وأولى مما رجحه، وهو ما رجحه الطبري، قال: العلامات: معالم الطرق بالنهار. انظر: \"تفسير الطبري\" ١٤/ ٩٢، وورد في \"الدر المنثور\" ٤/ ٢١٢، وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم وابن مردويه.\n(٢) في (أ)، (د): (لا)، والمثبت من (ش)، (ع) وهو الصحيح، وبه يستقيم الكلام.\n(٣) الذي ورد عن مجاهد وإبراهيم، قالا: منها ما يكون علامة، ومنها ما يهتدى به. أخرجه الطبري (١٤/ ٩١، عنهما من طريقين، لكن هذا تفسير لـ ﴿وَعَلَامَاتٍ﴾، وليس لـ ﴿وَبِالنَّجْمِ﴾ كما في الطبري، وانظر: \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٥٥ ب.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٩٣، بنصه، وهو الأوْلَى من التخصيص الوارد في الأقوال التالية.\n(٥) انظر: \"تنوير المقباس\" ص ٢٨٣، قال: بالفرقدين والجدي. (الجدي): هو الكوكب الذي يتوخى الناس بها القبلة؛ لأنه لا يزول، وتُسَمّيه العرب: جدى بنات نعش. انظر: \"الأزمنة والأمكنة\" ص ٥٤٦.\n(٦) ورد في \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٥٥ب، بنصه، وانظر: \"تفسير البغوي\" ٥/ ١٣، والزمخشري ٢/ ٣٢٥، وابن الجوزي ٤/ ٤٣٦، والفخر الرازي ٢٠/ ١٠، والخازن ٣/ ١١٠. (الثريا): من الكواكب، سميت لغزارة نَوْئها [النوء: هو سقوط نجم بالغداة مع طلوع الفجر وطلوع آخر في حياله في تلك الساعة]، وقيل: سميت بذلك لكثرة كواكبها مع صغر مرْآتها، لا يتكلم بها إلا مصغرًا، وهو تصغير على =","vol":"13","page":36},{"text":"الكلبي: يعني الفَرْقَدين والجَدْي (١)، وهو اختيار الفراء (٢)، ﴿همْ يَهْتَدُونَ﴾ أي إلى الطريق والقبلة في البر والبحر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2023>١٧ </span>- قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ﴾ قال ابن عباس: يريد ما ذكر في هذه السورة، ومن يخلق هو الله ﷿، ﴿كَمَنْ لَا يَخْلُقُ﴾ يريد الأوثان؛ كقوله: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ﴾ الآية. [لقمان: ١١] وإنما قال: ﴿كَمَنْ لَا يَخْلُقُ﴾ للوثن لاقترانه في الذكر مع الخالق؛ كقوله: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ﴾ الآية [النور: ٤٥] قال الفراء: والعرب تقول: اشتَبه عليّ الراكبُ وجمله، فلا أدري مَنْ ذا ومنْ ذا؟ حيثُ جَمَعَها وأحدُهما إنسان؛ صَلحت (مَنْ) فيهما (٣)، وقيل: إنهم لما عبدوها ذُكرت بلفظ (مَنْ) (٤)؛ كقوله: ﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ﴾ الآية [الأعراف: ١٩٥]، وقد مر.\n_________\n= جهة التكبير. (بنات نعش) سبعة كواكب؛ أربعة منها نَعْش؛ لأنها مُربعة، وثلاثةٌ بناتُ نعشٍ؛ الواحد ابنُ نَعْش؛ لأن الكواكب مذكر فيذكرونه على تذكيره، وإذا قالوا: ثلاث أو أربع، ذهبوا إلى البنات. انظر: \"المحيط في اللغة\" (نوأ) ١٠/ ٤١٩، و\"الأزمنة والأمكنة\" ص ١٣٩، ٥٤٧، و\"اللسان\" (نعش) ٧/ ٤٤٧٤، (ثرا) ١/ ٤٨٠.\n(١) انظر: \"تفسير ابن الجوزي\" ٤/ ٤٣٦، ورد غير منسوب في \"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢٣١، (الفرقدان) نجمان منيران في بنات نعش، يضرب بهما المثل في طول الصحبة في التساوي والتشاكل، وقيل: نجمان في السماء لا يغربان ولكنهما يطوفان بالجدي، وقيل: كوكبان في بنات نعش الصغرى. انظر: \"اللسان\" (فرقد) ٦/ ٣٤٠٢، \"جنى الجنتين في تمييز نوعي المثنيين\" ص ٨٦.\n(٢) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٩٨، بلفظه.\n(٣) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٩٨، بنصه، وانظر: \"تفسير الطبري\" ١٤/ ٩٣.\n(٤) ذكر هذين القولين توجيهًا لاستخدام (منْ) وهي للعاقل كما يقول النحويون للتعبير بها عن غير العاقل؛ وهي الأصنام، وحقها (ما) عندهم؛ لأن الأصنام غير عاقلة.","vol":"13","page":37},{"text":"وقوله: ﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ قال ابن عباس: يريد المشركين، يقول: أفلا تتعظون كما اتعظ المؤمنون (١)، قال أصحابنا: وهذه الآية دليل على أن الخالق واحد، وإنما يتميز الخالق من المخلوق بالقدرة على اختراع الخلق، فمن جعل نفسه خالقًا لأفعاله التي يفعلها فقد نصب نفسه خالقًا شريكًا لله في الخلق (٢)، وقال أهل التأويل: معنى هذه الآية: إنكار تشبيه من يخلق بمن لا يخلق بالتسوية بينهما في العبادة، كما (٣) لا يجوز أن يُسوّى بين من ينعم ومن لا ينعم في الشكر (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2024>١٨ </span>- قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ ذكرنا تفسيره في سورة إبراهيم (٥)، وقال ابن عباس في هذه الآية: يريد أنّ نِعمي أكثر مما يُحصي أو يُعرف؛ منها ظاهر ومنها باطن.\nقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ﴾ أي لِما منكم من تقصير شكر نعمه، ﴿رَحِيمٌ﴾: بكم حيث لم يُقصْها عنكم بتقصيركم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2025>٢٠ </span>- وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ قراءة العامة بالتاء (٦)؛ لأن ما قبل هذه الآية كلها خطاب للكفار، وقرأ عاصم بالياء في: ﴿يَدْعُونَ﴾ (٧) إخبارًا\n_________\n(١) انظر: \"تنوير المقباس\" ص ٢٨٣، بنحوه.\n(٢) هذا ردّ على المعتزلة في زعمهم أن العباد خالقون لأفعالهم.\n(٣) في جميع النسخ: (كمن)، وبالمثبت يستقيم الكلام.\n(٤) ورد بمعناه في: \"تفسير الطبري\" ١٤/ ٩٢، وهود الهواري ٢/ ٣٦٣، والطوسي ٦/ ٣٦٨.\n(٥) عند الآية [٣٤].\n(٦) انظر: \"السبعة\" ص ٣٧١، و\"علل القراءات\" ١/ ٣٠٢، و\"الحجة للقراء\" ٥/ ٥٨، و\"المبسوط في القراءات\" ص ٢٢٢٤، و\"التيسير\" ١٣٧.\n(٧) المصادر السابقة.","vol":"13","page":38},{"text":"عن المشركين الذين يعبدون الأصنام من دون الله، ثم وصفها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2026>٢١ </span>- فقال: ﴿أَمْوَاتٌ﴾، قال الزجاج: أي وهم أموات (١)، وقال الفراء: وإن شئت رددت على أنه خبر للذين، كأنه قال: والذين تدعون من دون الله أموات، والأموات في هذا الموضع يعني بها أنها لاروح فيها (٢).\nوقوله تعالى: ﴿غَيْرُ أَحْيَاءٍ﴾ تأكيد (٣)؛ إذ قد يقال للحي هو كالميت في البعد من أن يعلم.\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ قال ابن عباس: وذلك أن الله تعالى يبعث الأصنام لها أرواح ومعها شياطينها فيتبرؤون من عابديهم، ثم يؤمر بالشياطين والذين كانوا يعبدونها إلى النار (٤)، وقال أبو إسحاق: أي وما يشعرون متى يبعثون، و﴿أيَّانَ﴾ في موضع نصب بقوله: ﴿يُبْعَثُونَ﴾، ولكنه مبني غيرُ مُنَوَّن (٥) لأنه بمعنى الاستفهام، ولا يُعرب كما لا يُعرب متى وكيف وأين، إلا أن النون فتحت لالتقاء الساكنين (٦)، واختير الفتح على الكسر؛ لأن الفتح أشبه بالألف وأخف معها، وذكرنا معنى أيّان عند قوله: ﴿أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾ [الأعراف: ١٨٧]، وقد تضمنت هذه الآية البيان عما تُوْجِبه صفة من ليس بحي من الامتناع أن يكون منه فعل، لاستحالة ذلك، ذكر الله ذلك في الآية الأولى؛ أن أصنامهم مخلوقة غير خالقة،\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٩٣، بلفظه.\n(٢) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٩٨، بنحوه.\n(٣) ساقطة من (د).\n(٤) انظر: \"تفسير ابن الجوزي\" ٤/ ٤٣٨، والفخر الرازي ٢٠/ ١٦، و\"تفسير القرطبي\" ١٠/ ٩٤.\n(٥) في (ش)، (ع): (معرب).\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٩٣، بنصه.","vol":"13","page":39},{"text":"وذكر في هذه الآية أنها مع كونها مخلوقةً مواتٌ غيرُ ذات روح وأنها مبعوثة، وهي لا تعلم متى وقت بعثها، وكل هذا يدل على جهل من عبدها أو أشركها بالله تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2027>٢٢ </span>- قوله تعالى: ﴿إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ مضى الكلام في هذا في سورة البقرة [١٦٢].\nوقوله تعالى: ﴿فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ الآية دخلت الفاء للإتباع دون العطف، ذكر الله تعالى دلائل وحدانيته ثم أخبر أنه واحد لا نظير له ولا كفء ولا شريك، ثم أتبع هذا إنكار الكفار وحدانيته، وقال: ﴿قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ﴾، أي: جاحدة غير عارفة ولا مُقِرَّة بالحق من توحيد الله، وقال ابن عباس: منكرة لهذا القرآن (١)، وذكرنا معنى الإنكار عند قوله: ﴿نَكِرَهُمْ﴾ في سورة هود [٧٠].\nوقوله تعالى: ﴿وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾، أي: ممتنعون من قبول الحق، والاستكبار: الترفع بترك الإذعان للحق، قال ابن عباس: ﴿وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾: عن عبادة الله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2028>٢٣ </span>- قوله: ﴿لَا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ﴾ الآية، ذكرنا معنى لا جرم، والخلاف فيه في سورة هود عند) (٢) قوله ﴿لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ﴾ [هود: ٢٢]، وليس يحتمل هاهنا من تلك الأقوال إلا قولًا واحدًا، وهو أن يكون بمعنى: حقًّا، وبهذا فسره ابن عباس (٣) واختاره الزجاج، فقال: حقًّا أن\n_________\n(١) ورد غير منسوب في \"تفسير هود الهواري\" ٢/ ٣٦٤.\n(٢) في نسخة (أ) ما بين القوسين كتب على الهامش.\n(٣) انظر: \"تنوير المقباس\" ص ٢٨٤، وورد بلا نسبة في \"تفسير الطبري\" ١٤/ ٩٤، والسمرقندى ٢/ ٢٣٢، والثعلبي ٢/ ١٥٥ ب.","vol":"13","page":40},{"text":"الله (١)، ومذهبه في لا جرم في سورة هود غير هذا (٢)؛ فمعنى لا جرم هاهنا: تأكيدٌ وقَسمٌ ﴿أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾، وتأكيد ذلك تأكيد جزائهم؛ كأنه قيل: يجازيهم بما يسرون وما يعلنون؛ لأنه يعلم ذلك.\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ﴾، أي: لا يثيبهم ولا يمدحهم ولا يرضى عنهم (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2029>٢٤ </span>- قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾، معنى أساطير الأولين ذكرناه في سورة الأنعام [٢٥]، قال ابن عباس: نزلت في النضر بن الحارث وأصحابه؛ كان خرج إلى الحِيرَة فاشترى أحاديث كَليلة ودِمنة وأساطير الأولين، وكان يقول: تعالوا أقرأ عليكم ما يقرأ محمد على أصحابه؛ أساطير الأولين (٤).\nوقال أبو إسحاق في هذه الآية: (ما) مبتدأة و(ذا) في موضع الذي،\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٩٤، بنحوه.\n(٢) انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٤٦.\n(٣) هذا من تأويلات الأشاعرة للصفات الفعلية لله تعالى، إذ صرفوا اللفظ عن ظاهره دون دليل أو حجة إلا شبهات واهية، فأولوا صفة المحبة: بالإثابة والمدح والرضى عنهم كما هنا، أو بالإحسان إليهم والتفضل بإعطاء الثواب أو إرادة الإنعام والإحسان. أما مذهب أهل الحق: فيثبتون صفة المحبة الله تعالى إثباتًا حقيقيًا على وجه يليق بجلاله وعظمته، كما أنهم يثبتون معه لازم المحبة؛ وهي إرداته سبحانه إكرام من يحبه وإثابته، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: وقد أجمع سلف الأمة وأئمتها على إثبات محبة الله تعالى لعباده المؤمنين ومحبتهم له، وهذا أصل دين الخليل إمام الحنفاء -﵇-. انظر: \"مجموع الفتاوى\" ٢/ ٣٥٤، و\"مدارج السالكين\" ٣/ ١٨، و\"أقاويل الحقات في تأويل الأسماء والصفات\" ص ٧٧، و\"شرح العقيدة الواسطية\" للهراس ص ٥٣.\n(٤) انظر: \"تفسير ابن عطية\" ٨/ ٣٩٧. و\"تفسير القرطبي\" ١٠/ ٩٥، ورد فيهما بلا نسبة.","vol":"13","page":41},{"text":"المعنى: ما الذي أنزل ربكم؟ وأساطير مرفوعة على الجواب؛ كأنهم قالوا: الذي أَنْزَلَ أساطيرُ الأولين؛ الذي يذكرون أنه منزلٌ أساطيرُ الأولين، أي أكاذيبهم (١)، وشرح أبو علي هذا فقال: رُفِعَ الأساطيرُ؛ لأن ذا بعد (٢) ما بمنزلة الذي (٣)، ولم يُجعل معها بمنزلة اسم واحد، فكأنه قال: ما الذي أنزل ربكم؟ فقيل: أساطير الأولين، أي الذي أنزله أساطير الأولين، فَيُضَم المبتدأ الذي كان خبرًا في سؤال السائل، على هذا يرتفع الأساطير في قول سيبويه (٤)، قال: وروي عن أبي زيد وغيره من النحويين أنهم قالوا: لم يُقِرُّوا بإنزال الله لذلك، فكأنهم لم يجعلوا أساطير الأولين خبر الذي أنزل، وعلى هذا يرتفع الأساطير بخبر ابتداء محذوف؛ كأنه قيل الذي يعنون والذي يسألون عنه أساطير الأولين، فحذف المبتدأ لدلالة ما في السؤال عليه (٥)، ووجه قول سيبويه: إذا جعلت أساطير الأولين خبر (ذا) الذي هو بمعنى الذي في قوله: ﴿مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ﴾ أن يكون المعنى: الذي أنزله ربكم عندكم وفي قولكم أساطير الأولين؛ كما جاء: ﴿وَقَالُوا يَا أَيُّهَ السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ﴾ [الزخرف: ٤٩]، وكما قالوا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ﴾ [الحجر: ٦]، أي: عنده وعند من تبعه، فيمكن أن يُجعلَ\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٩٤، بنحوه.\n(٢) في (د): (بمعنى).\n(٣) انظر: \"رصف المباني\" ص ٢٦٥، و\"الجنى الداني\" ص ٢٣٩.\n(٤) \"الكتاب\" ٢/ ٤١٩، وانظر: \"المسائل البغداديات\" ص ٣٧١ - ٣٧٢.\n(٥) لم أقف على مصدره، وورد نحوًا من هذا التوجيه في \"إعراب القرآن\" للنحاس ٢/ ٢٠٨، و\"مشكل إعراب القرآن\" ٢/ ١٣، و\"البيان في غريب إعراب القرآن\" ٢/ ٧٧، و\"الإملاء\" ٢/ ٧٩، و\"الفريد في إعراب القرآن\" ٣/ ٢٢٢.","vol":"13","page":42},{"text":"الأساطيرُ خبر من غير أن يُقِرُّوا بالإنزال على الوجه الذي ذكرنا، وهذا معني قول أبي إسحاق، أي الذي يذكرون أنه منزل أساطير الأولين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2030>٢٥ </span>- قوله تعالى: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ﴾ الآية، اللام في ﴿لِيَحْمِلُوا﴾ لام العاقبة، وهم لم يقولوا للقرآن: أساطير الأولين، ليحملوا الأوزار؛ ولكن لما كانت عاقبتهم ذلك بهذا القول، جاز أن يقال: فعلوا ذلك له؛ كقوله ﷿: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص: ٨]، وهم لم يلتقطوا لذلك، وكما قال النابغة:\nجاءت لِتُطعِمَه لحمًا ويَفْجعها بابن ... فقد أطعمتْ لحمًا وقد فَجعا (١)\nيعني بقرًا جاءت مع عجلها للرعي، فوقع الذئب على عجلها فأكله، فزعم أنها جاءت لذلك، وهي لم تجئ له.\nقوله تعالى: ﴿كَامِلَةٌ﴾، قال صاحب النظم: أي أن غيرهم لا يحمل عنهم من أوزارهم شيئًا، ويجوز أن يكون المعنى: أنهم لا يُكفَّر عنهم شيء من ذنوبهم بما يصيبهم في الدنيا من نكبة وبلية كالمؤمنين (٢)؛ لأنهم (٣) كفار، فهم يرِدون الآخرة بما اكتسبوا من الآثام كلها.\n_________\n(١) لم أجده في \"ديوان النابغة\"؛ لا الجعدي ولا الذبياني، ولم أقف عليه في المصادر.\n(٢) في هذا المعنى روى البخاري (٥٦٤١)، (٥٦٤٢) في المرض، باب ما جاء في كفارة المرض، ومسلم (٢٥٧٣) في البر والصلة والآداب، ثواب المؤمن فيما يصيبه من مرض، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله -ﷺ-: \"ما يصبب المؤمن من نصبٍ ولا وصب، ولا همّ ولا حزَن، ولا أذى ولا غمّ، حتى الشوكة يُشاكها، إلا كفَّرَ الله بها من خطاياه\"\n(٣) في (د): (فإنهم).","vol":"13","page":43},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ﴾ لأنهم كانوا رؤساء، فلما قالوا في القرآن: إنه أساطير الأولين، اقْتُدي بهم فيه، فحُمل عليهم من أوزارهم، يبين هذا ما روي أن النبيّ -ﷺ- قال: \"أيّما داعٍ دعا إلى ضلالة فاتُّبع فإن عليه أوزارَ من اتَّبَعه، من غير أن يَنقصَ من أوزارهم شيء\" (١).\nفهؤلاء لمّا كانوا دعاةَ الضلالة، حُمِّلوا من أوزار من اتبعهم.\nو(من) في قوله: ﴿وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ﴾ ليست للتبعيض؛ لأنها لو كانت للتبعيض لخفَّ عن الأَتْبَاعِ بعضُ أوزارهم يحمل الرؤساء ذلك، ولكنها للجنس، أي ليحملوا من جنس أوزار الأتباع، وإنما ذلك لأن النبيّ -ﷺ- قال: \"من غير أن ينقص من أوزارهم شيء\"، ولو جعلنا المحمولَ من أوزار الأتباع نقصت أوزارهم، فليس يأتي التابعُ بجنس من الذنب في ضلالته إلا وعلى المتبوع مثلُ ذلك، كما قال -ﷺ-: \"فإن عليه مثل أوزار من اتبعه\".\nوقوله تعالى: ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾، أي: بجهل، يريد أن هؤلاء المتبوعين\n_________\n(١) أخرجه ابن ماجه (٢٠٥) المقدمة، باب: من سن سنة حسنة أو سيئة بنصه عن أنس، والطبري ١٤/ ٩٦ بنصه، وورد في \"تفسير الرازي\" ٢٠/ ١٨، و\"القرطبي\" ١٣/ ٣٣١، و\"الدر المنثور\" ٧/ ٢١٤ وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم، والجامع الصغير للألباني (٢٧١٢)، وقد ورد برواية: \"من دعا ..، وبرواية: \"من سن سنة .. \" في: مسند أحمد ٢/ ٣٩٧، ٤/ ٣٦١، وصحيح مسلم (٢٦٧٤) في العلم، باب: من سن سنة حسنة وما بعدها، والترمذي (٢٦٧٤) في العلم، باب: ما جاء فيمن دعا إلى الهدى فاتبع أو إلى ضلالة ٥/ ٤٣، والنسائي بالرواية الثانية: الزكاة، التحريض على الصدقة ٥/ ٧٥، وسنن ابن ماجه. المقدمة، من سن سنة (٢٠٦).","vol":"13","page":44},{"text":"يُضِلّون من اتبعهم جهلًا منهم بما يفعلون من احتقاب (١) أوزارهم ومثل أوزار من اتبعهم، ثم ذم الله صنيعهم فقال: ﴿أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾، ومضى تفسير هذا وتفسير الوزر عند قوله: ﴿وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِم﴾ الآية [الأنعام: ٣١].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2031>٢٦ </span>- قوله تعالى: ﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ قال جماعة المفسرين: يعني نمرود بن كنعان، بَنَى صرحًا طويلًا ورام منه الصعود إلى السماء ليقاتل أهلها (٢). ومعنى المكر هاهنا: التدبيرُ الفاسد؛ روى ثعلب\n_________\n(١) أصلها حقب، يقال: حقب البعير واحتقب حقبًا: احتبس بوله وتَعَسَّر عليه، وحَقِب العام: احتبس مطرُه، واحتقبَ الشيءَ: ادَّخره، وكذلك: احتمله، وهو المقصود هناك. انظر: (حقب) في \"تهذيب اللغة\" ١/ ٨٧٣، و\"المحيط في اللغة\" ٢/ ٣٦٣، و\"اللسان\" ٢/ ٩٣٧، و\"معجم متن اللغة\" ٢/ ١٢٩.\n(٢) \"تفسير مجاهد\" ١/ ٣٤٦، و\"مقاتل\" ١/ ٢٠١ ب، وأخرجه الطبري (٧/ ٥٧٦) عن ابن عباس والسدي وزيد بن أسلم، وورد في \"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢٣٣، والثعلبي ٢/ ١٥٥ ب، والماوردي (٣/ ١٨٥، والطوسي ٦/ ٣٧٤، وانظر: \"تفسير البغوي\" ٥/ ١٦، والزمخشري ٢/ ٣٢٦، وابن عطية ٨/ ٣٩٩، وابن الجوزي ٤/ ٤٣٩، و\"الرازي\" ٢٠/ ٢٠، و\"القرطبي\" ١٠/ ٩٧، والخازن ٣/ ١١٢، و\"الدر المنثور\" ٤/ ٢١٨، وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم عن ابن عباس، وتخصيص الآية على النمرود وأصحابه فيه نظر، لأنه ليس في الآية ما يدل على ذلك، لكنهم اعتبروا أن المشار إليهم في هذه الآية هم المذكورون في سورة إبراهيم في قوله: ﴿وقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ﴾، كما ذكر الطبري؛ وحتى بهذا الاعتبار، لا يسلم لهم، فقد عرفنا موقف العلماء من هذه القصة؛ التضعيف والرد والإنكار، وأغلب الظن أنها إسرائيلية، ومما يؤكده رواية كعب لها، وهو من مصادر الإسرائيليات، ولا يقال: إن الرواية هنا ثبتت عن ابن عباس -﵄- وقوله معتبر، وهو كذلك عند ورودها عن الطرق الصحيحة، والرواية التي أوردها الطبري جاءت من طريق العوفي، وهي طريق غير مرضية، فلا يعتد بها، ولا يعتمد عليها، وقد أشار ابن عطية إلى التعميم بقوله: وقالت فرقة أخرى: المراد به جميع من كافر من الأمم المتقدمة ومكر، ونزلت له عقوبةُ من الله تعالى، وهو ما رجحه الفخر الرازي، والخازن انظر: \"تفسير ابن عطية\" ٨/ ٤٠٠، والفخر الرازي ٢٠/ ٢٠، والخارن ٣/ ١١٢.","vol":"13","page":45},{"text":"عن ابن الأعرابي في قوله: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا﴾ [النمل: ٥٠] قال: دبروا (١)، والمراد في هذه الآية (٢) تدبيره في بناء الصرح لقتال أهل السماء.\nوقوله تعالي: ﴿فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ﴾، أي: أتى أمرُ الله، وهي الريح التي خربتها وحركتها، وهو ما ذكر المفسرون؛ أن الله تعالى أرسل ريحًا فألقت رأس الصرح في البحر وخَرَّ عليهم الباقي (٣)، فأمْرُ الله الذي أتى البنيان يجوز أن يكون الريح، ويجوز أن يكون أمره للبنيان بالانهدام، فالآية من باب حذف المضاف؛ وحذف المضاف هاهنا للتهويل والتعظيم، وقد سبق بيان هذا في قوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢١٠]، والبنيان اسم للبناء.\nوقوله تعالى: ﴿مِنَ الْقَوَاعِدِ﴾ قال أبو إسحاق: أي من أساطين البناء التي تَعْمِده (٤)، وذكرنا معنى القواعد للبناء في سورة البقرة [١٢٧].\nوقوله تعالى: ﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾، أي: سقط عليهم البيوت؛ على أصحاب نمرود (٥)، وذِكْر ﴿مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ ليدل أنهم كانوا تحته، إذ (٦) يقول القائل: تهدمت عليّ المنازل، ولم يكن تحتها، هذا قول\n_________\n(١) لم أقف عليه.\n(٢) في (أ): (الأمة) والمثبت هو الصحيح، كما في باقي النسخ.\n(٣) انظر: \"تفسير البغوي\" ٥/ ١٦، عن كعب ومقاتل، والزمخشري ٢/ ٣٢٦، وابن عطية ٨/ ٣٩٩، وابن الجوزي ٤/ ٤٤٠، و\"تفسير القرطبي\" ١٠/ ٩٧، والخازن ٣/ ١١٢، فيهما عن كعب ومقاتل.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٩٥، بنصه.\n(٥) أخرجه عبد الرزاق في \"مصنفه\" ٢/ ٣٥٥ بمعناه عن قتادة، والطبري ١٤/ ٩٧ - ٩٨ بمعناه عن قتادة ومجاهد ورجحه، وورد في \"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ٦٣، عن مجاهد، و\"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٥٦ أ، بنحوه، و\"تفسير الماوردي\" ٣/ ١٨٥.\n(٦) في جميع النسخ: (إذا)، والمثبت هو الصحيح المناسب للسياق.","vol":"13","page":46},{"text":"ابن الأنباري، قال: والعرب تقول: تداعت علينا الدار، وخَرِب علينا الحانوت، وإن لم يكونوا تحته (١)، ويجوز أن يكون للتأكيد.\nوقوله تعالى: ﴿وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ﴾، أي: من حيث ظنوا أنهم منه في أمان، وقال عطاء عن ابن عباس: يريد بالبعوضة؛ يعني التي أهلك بها نمرود (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2032>٢٧ </span>- قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُخْزِيهِم﴾، معنى الإخزاء ذكرنا عند قوله: ﴿إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ [آل عمران: ١٩٢].\nوقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ﴾ قال الزجاج: شركائي حكايته لقولهم، والله لا شريك له، والمعنى: أين الذين في دعواكم أنهم شركائي (٣).\nقال أبو علي: سبحانه لم يثبت بهذا الكلام له شريكًا، وإنما أُضيف على حسب ما كانوا يقولونه وينسبونه، وكما أُضيفت هذه الإضافة كذلك أضيفت إليهم في قوله: ﴿أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [الأنعام: ٢٢]، وفي أخرى: ﴿وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ﴾ [يونس: ٢٨]، فإنما أُضيفوا هذه الإضافة على حسب ما كانوا يسمونه ويعتقدونه فيهم؛ كقوله: ﴿وَقَالُوا يَا أَيُّهَ السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ﴾ [الزخرف: ٤٩]، وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحجر: ٦]، وقد تقع الإضافة لبعض الملابسة دون التحقيق،\n_________\n(١) انظر: \"تفسير ابن الجوزي\" ٤/ ٤٤١.\n(٢) انظر: \"تفسير القرطبي\" ١٠/ ٩٨، وهذا تخصيص بلا دليل، فضلًا أن هذه الطريق إلى ابن عباس منقطعة.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٩٥، بنصه.","vol":"13","page":47},{"text":"كقول الشاعر (١):\nإذا قُلْتُ قَدْني قَال باللهِ حَلْفَةً ... لَتُغْنيَ عَنِّي ذا إنائِكَ أَجْمَعَا (٢)\nفأضاف الإناء إليه لشربه منه، والإناء في الحقيقة لمن سقى به دون من شرب منه، وهذا كما يقول لمن يحمل خشبة ونحوها: خذ طَرَفَكَ وآخذ طَرَفي، فتَنْسِبُ إليه الطرف الذي يليه كم تنسب إلى نفسك الطرف الذي يليك، فعلى هذا تجري الإضافة في قوله: ﴿شُرَكَائِيَ﴾ (٣)، ومعنى: ﴿أَيْنَ شُرَكَائِيَ﴾ أي: أين هم لا يحضرونكم فيدفعوا عنكم العذاب.\nوقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ﴾ قال ابن عباس: تخالفون (٤).\nقال أهل المعاني: معناه يكونون في أمر الشركاء في جانب والمسلمون في جانب، لا يكونون معهم يدًا واحدة (٥)؛ يخالفونهم فيها\n_________\n(١) هو حُريث بن عَنّاب الطائي، من شعراء الدولة الأموية (ت ٨٠ هـ).\n(٢) ورد في: \"شرح شواهد المغني\" (٢/ ٥٥٨) برواية:\nإذا قال قدني قلت آليت حلفة\nوفي \"الخزانة\" ١١/ ٤٣٤، برواية: (قطني) بدل (قدني)، والمعنى واحد، معناه: حسبي، و\"الدر\" ٤/ ٢١٧، برواية: (قيل) بدل (قلت)، وورد غير منسوب في \"معاني القرآن\" للأخفش ٢/ ٥٥٧، و\"إيضاح الشعر\" ص ٢١٤، و\"تفسير ابن عطية\" ٨/ ٤٠٢، و\"شرح المفصل\" ٣/ ٨ برواية: إذا قال، و\"المقرب\" ٢/ ٧٧ برواية: إذا هو آلى، و\"الدر المصون\" ٥/ ١١٨، و\"مغني اللبيب\" ص ٢٧٨، و\"همع الهوامع\" ٤/ ٢٤٢، والمعنى: اشرب جميع ما في الإناء ولا تردّه عليّ.\n(٣) \"الحجة للقراء\" ٥/ ٦١، بتصرف يسير.\n(٤) أخرجه الطبري ١٤/ ٩٨ بلفظه من طريق ابن أبي طلحة صحيحة، وأورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ٢١٨ وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم.\n(٥) ورد في \"الحجة للقراء\" ٥/ ٥٩، بنحوه.","vol":"13","page":48},{"text":"فيعبدونهما ولا يعبدون الله، وقرأ نافع بكسر النون (١).\nووجهه ما ذكرنا في قوله: ﴿فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾ [الحجر: ٥٤] المعنى على هذه القراءة ما رواه عطاء عن ابن عباس، قال: يريد تنازعوني فيهم وتتخذونهم أولياء من دوني، وعلى هذا معنى مخالفتهم الله في الشركاء (٢) مخالفتهم أمر الله؛ كما ذكرنا في قوله: ﴿شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الأنفال: ١٣٠].\nوقوله تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ قال ابن عباس: يريد الملائكة (٣)، وقال آخرون: هم المؤمنون (٤)؛ يقولون حين خزى الكفار في القيامة: ﴿إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ﴾: عليهم لا علينا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2033>٢٨ </span>- قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي﴾ ذكرنا معنى هذا في سورة النساء.\n_________\n(١) أي: ﴿تُشاقُّونِ﴾ مع الكسر التخفيف. انظر: \"السبعة\" ص ٣٧١، و\"علل القراءات\" ١/ ٣٠٣، و\"الحجة للقراء\" ٥/ ٥٩، و\"المبسوط في القراءات\" ص ٢٢٤، و\"التيسير\" ص ١٣٧، و\"المُوضح في وجوه القراءات\" ٢/ ٧٣٤.\n(٢) في (أ)، (د): (الشرع)، والمثبت من (ش)، (ع)، وهو المناسب للسياق والمعنى.\n(٣) انظر: \"تفسير ابن الجوزي\" ٤/ ٤٤١، والفخر الرازي ٢٠/ ٢٠، و\"تفسير القرطبي\" ١٠/ ٩٨، و\"تنوير المقباس\" ص ٢٨٤، وورد غير منسوب في \"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢٣٣، والزمخشري ٢/ ٣٢٧، وابن عطية ٨/ ٤٠٢، والخازن ٣/ ١١٢، وهذا التفسير فيه نظر؛ فالملاحظ أن القرآن يصف البشر بالعلم لا الملائكة، كما في قوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [البقرة: ٣١]، وقوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: ١٨]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ﴾ [الإسراء: ١٠٧].\n(٤) انظر: \"تفسير البغوي\" ٥/ ١٦، وابن عطية ٨/ ٤٠٢، وابن الجوزي ٤/ ٤٤١، والفخر الرازي ٢٠/ ٢٠، والقرطبي ١٠/ ٩٨، والخازن ٣/ ١١٢.","vol":"13","page":49},{"text":"وقوله تعالى: ﴿فَأَلْقَوُا السَّلَمَ﴾ قال ابن عباس: استسلموا وأقروا لله بالربوبية (١)، وقال السدّي: انقادوا واستسلموا عند الموت (٢).\nقال الزجاج: ذكر السَّلَمَ، وهو الصلح، بإزاء المشاقة (٣)، يريد أن الله تعالى أخبر عنهم بالمشاقة في الدنيا، فأخبر أنهم عند الموت ينقادون ويتبرؤون من الشرك، كما ذكره ابن عباس.\nوقوله تعالى: ﴿مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ﴾ أي قالوا: ما كنا نعمل من سوء، قال ابن عباس: يريد الشرك (٤)، فقالت الملائكة ردًّا عليهم وتكذيبًا لهم: ﴿بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [من التكذيب والشرك، ومعنى (بلى): رد لقولهم ﴿مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ﴾، وقد ذكرنا معنى (بلى)] (٥) عند قوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢١٠].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2034>٢٩ </span>- وقوله تعالى: ﴿فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ قال ابن عباس: يريد مقام المتكبرين عن التوحيد وعبادة الله ﷿ (٦)، كقوله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الصافات: ٣٥].\n_________\n(١) انظر: \"تفسير الفخر الرازي\" ٢٠/ ٢٠، وورد بنحوه غير منسوب في \"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ٦٤، و\"تفسير القرطبي\" ١٠/ ٩٩.\n(٢) ورد بنحوه غير منسوب في \"تفسير الطبري\" ١٤/ ٩٩، والسمرقندي ٢/ ٢٣٣، والثعلبي ٢/ ١٥٦ أ، والبغوي ٥/ ١٧.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٩٥، بنحوه.\n(٤) انظر: \"تنوير المقباس\" ص ٢٨٤، بنحوه، وورد نحوه غير منسوب في \"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢٣٣، و\"تفسير الماوردي\" ٣/ ١٨٦، والبغوي ٥/ ١٧، وابن عطية ٨/ ٤٠٤ وابن الجوزي ٤/ ٤٤٣، والفخر الرازي ٢٠/ ٢١، و\"تفسير القرطبي\" ١٠/ ٩٩.\n(٥) ما بين المعقوفين ساقط من (أ)، (د).\n(٦) ورد نحوه غير منسوب في \"تفسير مقاتل\" ١/ ٢٠٢ أ، والطبري ١٤/ ٩٩ بمعناه غير منسوب، والفخر الرازي ٢٠/ ٢٠، و\"تفسير القرطبي\" ١٠/ ١٠٠.","vol":"13","page":50},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2035>٣٠ </span>- قوله تعالى: ﴿وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ قال ابن عباس: يريد الذين خافوا الله وصدقوا نَبِيَّه وأيقنوا أنه لا إله غيره، ﴿مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ﴾ قال المفسرون: هذا كان في أيام المواسم، يأتي الرجل مكة فيَسأل المشركين عن محمد وأمره، فيقولون: إنه ساحر وكاهن وكذاب، (فيأتي المؤمنين ويسألهم عن محمد وما أتى به من الكتاب وما أنزل الله عليه، فيقول) (١) المؤمنون خيرًا (٢)، قال ابن عباس: يريد ثوابًا؛ يعني أنهم إذا سُئلوا عن ما أنزل الله على محمد، قالوا: أنزل عليه الخير عن ثواب المحسن، فقالوا: أنزل ثوابًا، أي ذِكْرَه، ولهذا نصب خيرًا؛ لأنه على معنى أنزل خيرًا، ويكون هذا على أن (ما) و(ذا) كالشيء الواحد، والمعنى: أيُّ شيءٍ أنزل؟ ﴿قَالُوا خَيْرًا﴾ على جواب ماذا، أي: أنزل خيرًا، ثم فَسَّرَ ذلك الخير؛ فقال: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَة﴾ قال ابن عباس: يريد: قالوا: لا إله إلا الله (٣)، وهذا على أن قوله: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا﴾ إخبارًا عن الله تعالى، أخبر أن من أحسن في الدنيا فله جزاء ذلك عند الله حسنة، قال ابن عباس: يريد مضعفة بعشر (٤)، ودلّ بهذا على أن الذي قاله المؤمنون (٥)\n_________\n(١) ما بين القوسين ساقط من (أ)، (د).\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ١/ ٢٠٢ أ، بنحوه، والثعلبي ٢/ ١٥٦ أ، بنحوه، وانظر: الزمخشري ٢/ ٣٢٧، وابن الجوزي ٤/ ٤٤٣، والفخر الرازي ٢٠/ ٢٣، و\"تفسير القرطبي\" ١٠/ ١٠٠، والخازن ٣/ ١١٣.\n(٣) ورد غير منسوب في \"تفسير ابن الجوزي\" ٤/ ٤٤٣.\n(٤) انظر: \"تفسير البغوي\" ٥/ ١٧، بنحوه، وورد غير منسوب في \"تفسير الفخر الرازي\" ٢٠/ ٢٤.\n(٥) في جميع النسخ: (للمؤمنين)، وهو خطأ أدى إلى اضطراب المعنى، وبالمثبت يستقيم الكلام، ويؤيده ما ورد في المصدر.","vol":"13","page":51},{"text":"اكتسبوا به حسنة، والوجهان ذكرهما أبو إسحاق (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَدَارُ الْآخِرَةِ﴾ يعني الجنة، ومضى الكلام في هذا في سورة الأنعام [٣٢].\nوقوله تعالى: ﴿وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ﴾، أي: ولَنِعْمَ دارُ المتقين دار الآخرة، فحذفت لسبق ذكرها، هذا إذا لم تجعل هذه الآية متصلة بما بعدها، [وإن جعلتها متصلة] (٢) قلت: ﴿وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ (٣٠) جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ فترفع جنات على أنها اسم لنعم؛ كما تقول: نعم الدار دار ينزلها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2036>٣١ </span>- قوله تعالى: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ ذكرنا وجهَ ارتفاعها إن كانت موصولة، وإن كانت مقطوعة، فقال الزجاج: جنات مرفوعة بإضمار هي؛ كأنك لمّا قلت: ﴿وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ﴾، قيل: أي دار هذه الممدوحة؟ فقلت على جواب السائل: جنات عَدْن، أي هي جناتُ عَدْن (٣)، وإن شئت رفعتها على الاستئناف وجعلت يدخلونها الخبر، هذا قول الفراء (٤)، وعند الزجاج: يجوز أن يكون الخبر نِعم دار المتقين؛ لأنه قال: وان شئت رفعت على الابتداء، ويكون المعنى: جناتُ عَدْنٍ نِعْمَ دارُ المتقين (٥).\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٩٦، بتصرف. وذكر الزمخشري قولًا ثالثًا، هو: أن \"للذين أحسنوا\" وما بعده بدل من خيرًا، حكايته لقول الذين اتقوا، أي قالوا هذا القول، فقدم عليه تسميته خيرًا ثم حكاه. \"تفسير الزمخشري\" ٢/ ٣٢٧، وعلى القول الأول والثالث تكون ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا﴾ من كلام المؤمنين، وعلى الثاني تكون من كلام الله؛ كلامًا مستأنفًا.\n(٢) زيادة يقتضيها السياق ليستقيم الكلام.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٩٦، بتصرف يسير.\n(٤) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٩٩، بنحوه.\n(٥) \"معانى القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٩٦، بنصه.","vol":"13","page":52},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2037>٣٢ </span>- قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ الذين في موضع نصب؛ لأنه صفة المتقين في قوله: ﴿كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ﴾.\nقولى تعالى: ﴿طَيِّبِينَ﴾، أي: بأعمالهم الصالحة، خلاف من يتوفاهم خبيثين بأعمالهم القبيحة، قال الكلبي: طيبين من الشرك (١)، وقال مجاهد: زاكية أفعالهم وأقوالهم (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2038>٣٣، ٣٤ </span>- قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ نظير هذه الآية في سورة البقرة [آية: ٢١٠]، وآخر سورة الأنعام [آية: ١٥٨]، وقد مر، والمعنى: هل ينظرون إلا الموت؛ لأن الملائكة إنما تأتيهم لقبض أرواحهم، ﴿أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾ قال ابن عباس: يريد القتل وغيره، وقال قتادة ومجاهد: يعني القيامة (٣).\nوقال الزجاج: ما وعدهم الله به من عذابه (٤).\nقال صاحب النظم: إنهم لا ينتظرون ذلك على الحقيقة؛ لأنهم كانوا لا يؤمنون بالله، كيف ينتظرون أمره؟! ولكن لمّا كان امتناعهم من الدخول في الإيمان موجبًا عليهم إتيان أمر الله والملائكة بما قدّر عليهم من العذاب، وكان عاقبة أمرهم إلى ذلك، أضيف ذلك إليهم على المجاز والسعة، وجعل\n_________\n(١) ورد بنحوه غير منسوب في \"تفسير البغوي\" ٥/ ١٧، وابن الجوزي ٤/ ٤٤٣، و\"تفسير القرطبي\" ١٠/ ١٠١، والخازن ٣/ ١١٣، و\"تنوير المقباس\" ص ٢٨٥، و\"الشوكاني\" ٣/ ٢٢٩، والألوسي ١٤/ ١٣٣، وصديق خان ٧/ ٢٣٦.\n(٢) ورد في \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٥٦ أ، بلفظه، وانظر: البغوي ٥/ ١٧، والخازن ٣/ ١١٣، والألوسي ١٤/ ١٣٣، وورد غير منسوب في \"تفسير ابن الجوزي\" ٤/ ٤٤٣، و\"القرطبي\" ١٠/ ١٠١، و\"الشوكاني\" ٣/ ٢٣٠، وصديق خان ٧/ ٢٣٦.\n(٣) أخرج الطبري ١٤/ ١٠٢ بلفظه عنهما من طريقين، وورد غير منسوب في \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٥٦ أ، والبغوي ٥/ ١٨، و\"تفسير القرطبي\" ١٠/ ١٠٢، والخازن ٣/ ١١٣.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٩٦، بنصه.","vol":"13","page":53},{"text":"مجيء ذلك انتظارًا منهم له؛ فكأنه ﷿ قال: هل يكون مدة إقامتهم على كفرهم إلا مقدار إيقاعي بهم وإنزالي العذاب عليهم، وهذا كما قلنا في لام العاقبة في مواضع، لمّا كانت العاقبة تؤدي إلى ذلك جُعل سببًا له وإن لم يكن في الحقيقة كذلك؛ كقوله: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا﴾ الآية [القصص: ٨]، وقد مر (١)، وهذا الذي ذكره صاحب النظم وجه جيد في هذه الآية لم يذكره في نظيرها في سورة البقرة والأنعام.\nوقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ يريد كفار الأمم الماضية، وفي الآية حذف على قول الزجاج؛ لأنه قال: أي كذلك فعلوا فأتاهم أمرُ الله بالعذاب (٢)، ﴿وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ﴾: بتعذيبهم ﴿وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾: بإقامتهم على الشرك وكفران ما أنعم الله عليهم، وإن شئت حملت الكلام على التقديم والتأخير فقلت: التقدير: ﴿كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾، ﴿فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا﴾ الآية، ﴿وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ﴾ الآية، وهو قول ابن عباس: يريد جزاء ما عملوا من الشرك (٣)، ﴿وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾: من العذاب والنقمة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2039>٣٥ </span>- قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ يعني أهل مكة، ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ﴾: من البحيرة (٤) والسائبة (٥) وسائر ما\n_________\n(١) في تفسير الآية [٢٥] من هذه السورة.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٩٧، بنصه.\n(٣) انظر: \"تفسير ابن الجوزي\" ٤/ ٤٤٥، و\"تنوير المقباس\" ص ٢٨٥، بنحوه.\n(٤) وردت فيها عدةُ أقوال؛ قال سعيد بن جبير: هي التي يمنح دَرُّها للطواغيت، فلا يحتلبها أحدٌ من الناس، وقيل: هي ناقة كانت إذا نُتجت خمسة أبطن وكان آخرها ذكرًا، شقُّوا أذنها وامتنعوا من ركوبها وذبحها، ولا تطرد عن ماءٍ ولا تمنع من مرْعى، وقيل غير ذلك. انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٢١٣، و\"تفسير المُشْكِل\" ص ١٥٦، و\"تفسير القرطبي\" ٦/ ٣٣٥.\n(٥) فيها أقوال كذلك، قال سعيد بن المسيب: هي التي كانوا يسيبونها لآلهتهم، =","vol":"13","page":54},{"text":"حرموا، نظير هذه الآية في سورة الأنعام [آية: ١٤٨]، ومضى الكلام هناك مستقصى، على أن أبا إسحاق قال هاهنا: إن المشركين قالوا هذا على جهة الهزء؛ كما قال قوم شعيب له: ﴿إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ [هود: ٨٧]، ولو قالوا هذا معتقدين لكانوا مؤمنين ولكنهم قالوا مستهزئين، وكذلك هؤلاء لو قالوا مُحَقِّقِينَ، ما قيل: إنهم مكذبون، كما كَذَّب الذين من قبلهم (١)، وهو قوله: ﴿كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾، أي: من تكذيب الرسل وتحريم ما أحل الله، قال ابن عباس: يريد عمرو بنَ لُحَيٍّ وأصحابَه (٢)، ﴿فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ قال: يريد: قد بَلَّغْتَ رسالتي وبَلَّغَ مَن قبلك، يعني ليس عليهم إلا التبليغ، فأما الهداية فهو إلى الله تعالى؛ يهدي من يشاء ويضل من يشاء، وقد حَقَّقت هذا فيما بعد، وهو:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2040>٣٦ </span>- قوله: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا﴾، يعني كما بعثناك في هؤلاء، ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ تعالى، أي: بعبادة الله تعالى، والتقدير: بأن اعبدوا الله، فحذف الجار، ﴿وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾، أي: الشيطانَ وكلَّ من يدعو إلى الضلالة، ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ﴾: أرشده، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ\n_________\n= وقال الزجاج: كان الرجل إذا نذر لقدوم من سفر أو برء من علة أو ما أشبه ذلك، قال: ناقتي هذه سائبة، فكانت كالبحيرة؛ في أن لا ينتفع بها وأن لا تُجْلى عن ماءٍ، ولا تمنع من مرعى. انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٢١٣، و\"تفسير المُشْكِل\" ص ١٥٦، و\"تفسير القرطبي\" ٦/ ٣٣٥.\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٩٧، بتصرف واختصار.\n(٢) تخصيص الآية بعمرو بن لحي وأصحابه لا دليل عليه، وحمل الآية على العموم أولى، إلا أن يراد به التمثيل فيكون مقبولًا، وأغلب الظن أنه نُسب إلى ابن عباس -﵄- من الطرق الضعيفة.","vol":"13","page":55},{"text":"عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ﴾ قال ابن عباس: يريد في سابق علمي (١).\nوقال الزجاج: أعلم اللهُ أنه بَعَثَ الرسلَ بالأمر بالعبادة، وهو من وراء الإضلال والهداية، وهذا يدل على أنهم لو قالوا: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا﴾ الآية، معتقدين لكانوا صادقين (٢)، ومعنى ﴿حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ﴾: وجب عليهم الكفر، كما قال: ﴿فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ﴾ [الأعراف: ٣٠]، وكقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ٩٦]، ثم قال: ﴿فَسِيرُوا﴾ الآية، أي: فسيروا معتبرين في الأرض بآثار الأمم المكذبة، فتعرفوا أن العذاب بإزائكم كما نزل بهم، ثم أكد أن من حقَّت عليه الضلالة لا يهتدي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2041>٣٧ </span>- فقال -عز من قائل-: ﴿إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ﴾ أي إن تطلب بجهدك ذلك، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ﴾، أي: من يُضلُّه، فالراجع إلى الموصول الذي هو (مَنْ) محذوف مقدر (٣)، وهذا كقوله: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ﴾ [الأعراف: ١٨٦]، وكقوله: ﴿فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ﴾ [الجاثية: ٢٣]، أي: من بعد إضلال الله إياه (٤)، وقرأ أهل الكوفة يَهْدِي بفتح الياء (٥)،\n_________\n(١) انظر: تفسيره \"الوسيط\"، تحقيق سيسي ٢/ ٣٩٣، وورد بلا نسبة في \"تفسير ابن الجوزي\" ٤/ ٤٤٦، وورد بمعناه بلا نسبة في \"تفسير الفخر الرازي\" ٢٠/ ٢٩، و\"تفسير القرطبي\" ١٠/ ١٠٤، والخازن ٣/ ١١٤.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٩٨، بتصرف يسير.\n(٣) وهو الهاء المحذوفة، وتَقْديره: (يضلُّه).\n(٤) انظر: \"الحجة للقراء\" ٥/ ٦٤، بنحوه.\n(٥) وهم عاصم وحمزة والكسائي، انظر: \"السبعة\" ص ٣٧٢، و\"علل القراءات\" ١/ ٣٠٥، و\"إعراب القراءات السبع وعللها\" ١/ ٣٥٣، و\"المبسوط في القراءات\" ص ٢٢٤، و\"التيسير\" ص ١٣٧، و\"النشر\" ص ٢/ ٣٠٤، قال الأزهري في \"علل =","vol":"13","page":56},{"text":"وهو يحتمل وجهين: (١)\nأحدهما: أن المعنى فإن الله لا يُرْشد من أضله، وبهذا فَسَّره ابن عباس (٢).\nوالثاني: أنّ يَهْدِي بمعنى يَهْتَدي، قال الفراء: والعرب تقول: قد هَدَّي الرجلُ؛ يريدون قد اهتدى، ومثله قوله: ﴿أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى﴾ (٣) [يونس: ٣٥]، قال ابنُ مجاهد (٤): ولم يختلفوا في ﴿يُضِلُّ﴾ أنه مضومُ الياء (٥).\n_________\n= القراءات\" وغيره: ومن قرأ (لا يُهْدَى) [وهم: ابن كثير وأبو عمرو ونافع وابن عامر]، فالمعنى: لا يُهْدى أحدٌ يُضله الله، وهذا نظير قوله جل وعز: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ﴾، وقد اختار الطبري هذه القراءة ورجح هذا المعنى، وهو اختيار أبي عبيد وأبي حاتم. انظر: \"تفسير الطبري\" ١٤/ ١٠٤، والثعلبي ٢/ ١٥٦ ب، و\"تفسير القرطبي\" ١٠/ ١٠٤.\n(١) ذكرهما الثعلبي ٢/ ١٥٦ ب، بنحوه، وذكرهما ابن الجوزي ونسبهما إلى ابن الأنباري. \"تفسير ابن الجوزي\" ٤/ ٤٤٦.\n(٢) انظر: \"تفسير الفخر الرازي\" ٢٠/ ٣٠، وورد غير منسوب في \"تفسير القرطبي\" ١٠/ ١٠٤.\n(٣) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٩٩، بنصه.\n(٤) أبو بكر أحمد بن موسى بن العباس التميمي البغدادي، المشهور بابن مجاهد، شيخ القراءات وأول من سبّع السبعة، ولد سنة (٢٤٥ هـ)، قرأ على عبد الرحمن بن قدوس عشرين ختمة، وعلى قُنْبُل المكي، وسمع القراءات من طائفة كبيرة، تصدَّر للإقراء وازدحم عليه أهل الأداء، ورُحِل إليه، قرأ عليه: صالح بن إدريس وأبو الفرج الشَّنَبُوذي، صنَّف كتابه المشهور: \"السبعة في القراءات\"، مات سنة (٣٢٤ هـ). انظر: \"الفهرست\" ص ٥٢، و\"معرفة القراء الكبار\" ١/ ٢٦٩، و\"غاية النهاية\" ١/ ١٣٩.\n(٥) \"السبعة\" ص ٣٧٢، بنحوه، وزاد: مكسورة الضاد.","vol":"13","page":57},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2042>٣٨ </span>- قوله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ مضى الكلام في هذا في سورة الأنعام [١٠٩]، قال ابن عباس: أغلظوا في الأيمان تكذيبًا منهم بقدرة الله على البعث بعد الموت (١)، فقال الله تعالى ردًّا عليهم: ﴿بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا﴾، أي: لَيَبْعَثَنَّهم وعدًا عليه حقًّا، وهو مصدر مؤكد؛ أي وعدَ البعثِ وعدًا حقًّا لا خُلْفَ فيه؛ لأنه إذا قال يبعثهم دَلَّ على وعدٍ بالبعث وعدًا.\n<span data-type=\"title\" id=toc-2043>٣٩ </span>- قوله تعالى: ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾ من أمر البعث، واختلافهم فيه: ذهابهم إلى خلاف ما ذهب إليه المؤمنون، واللام في قوله: ﴿لِيُبَيِّنَ﴾ متعلقة بالبعث، المعنى: بلى يبعثهم ليبين لهم، قال الزجاج: ويجوز أن تكون متعلقة بقوله: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا﴾، (ويكون المعنى: بعثنا في كل أمة رسولًا) (٢)؛ ليبين لهم اختلافهم وأنهم كانوا من قبله على ضلالة (٣)، فعلى هذا لا يعود البيان إلى بيان البعث، وعلى القول الأول: يعود إلى بيان البعث بعد الموت، وهو قول ابن عباس (٤)؛ لأنه قال: ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾: بهذا الوعد الذي قال: ﴿وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا﴾، ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ﴾: فيما أقسموا فيه.\n_________\n(١) انظر: تفسيره \"الوسيط\"، تحقيق سيسي ٢/ ٣٩٤، وورد بلا نسبة في \"تفسير ابن كثير\" ٢/ ٦٢٧.\n(٢) ما بين القوسين ساقط من (ش)، (ع).\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٩٨، بنحوه.\n(٤) لم أقف عليه، وورد هذا المعنى في \"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ٦٦، و\"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢٣٦، والثعلبي ٢/ ١٥٦ ب.","vol":"13","page":58},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2044>٤٠ </span>- قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ﴾ الآية. قال ابن عباس: أخبر بقدرته وقوته، يريد ليس كما يتكلف المخلوقون من الأعوان والاله أمر الله أوحى من ذلك (١). وقال الزجاج: أعلمهم الله سهولة خلق الأشياء عليه، فأعلم أنه متى أراد الشيء كان (٢).\nقال ابن الأنباري: وقع اسم الشيء على المعلوم عند الله ﷿ قبل الخلق؛ لأنه بمنزلة ما قد عوين وشوهد (٣).\nقال الفراء: القول مرفوع بقوله: ﴿أَنْ نَقُولَ﴾ كما تقول: إنما قولنا الحق، هذا كلامه (٤)، وبيانه ما ذكره الزجاج، فقال: ﴿قَوْلُنَا﴾ رفع بالابتداء وخبره: ﴿أَنْ نَقُولَ﴾، المعنى: إنما قولنا لكل مراد قولنا كن، فإن قيل كيف خاطب المعدوم بقوله: ﴿كُنْ﴾، قلنا: هذا تمثيل لنفس الكلفة والمعاناة، ومخاطبةُ الخلق بما يعقلون ليس أنه يخاطب المعدوم؛ لأن ما أراد الله ﷿ فهو كائن على كل حال، وعلى ما أراده من الإسراع، لو أراد خلق الدنيا والسموات والأرض في قدر لمح البصر لَقَدَر على ذلك، ولكن العباد خُوطبوا بما يعقلون (٥)، وذكرنا في سورة البقرة عند قوله: ﴿وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آية:١١٧] أجوبة سوى هذا.\n_________\n(١) لم أدرك مقصوده بهذه العبارة المعترضة.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٩٩، بتصرف يسير.\n(٣) انظر: \"تفسير القرطبي\" ١٠/ ١٠٦، بنصه، وابن الجوزي ٤/ ٤٤٧، بلا نسبة.\n(٤) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٠٠، بنصه.\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٩٨، بتصرف.","vol":"13","page":59},{"text":"واختلفوا في قوله: ﴿فَيَكُونُ﴾، فقرأه أكثرُ القراء بالرفع (١) على: (فهو يكون)، قال الفراء: الرفع على أن تجعل ﴿أَنْ نَقُولَ لَهُ﴾ كلامًا تامًّا يخبر بأنه سيكون؛ كما تقول للرجل: إنّما يكفيه أن آمره، فيفعلُ بعد ذلك ما يؤمر (٢)، برفع فيفعلُ؛ على معنى فهو يفعل وسيفعل، وقرأ ابن عامر والكسائي: ﴿فَيَكُونُ﴾ نصبًا (٣)، عطفًا على ﴿أَنْ نَقُولَ﴾، المعنى: أن نقول فيكون، هذا قول جميع النحويين (٤).\nقال الزجاج: ويجوز أن يكون نصبًا على جواب كن (٥).\nقال أبو علي: هذا الوجه الذي أجازه من النصب في يكون لم يجزه أحد من أصحابنا غيرُه، ولم أعلم لغيره إجازةً له على هذا الوجه، ووجدت الكسائي يقول: إنه سمعه من العرب أكثر من خمسين مرة بالنصب، وما علمته حَمَل ذلك على أنه جواب، ولكن على (أنْ)، وحَمْلُه على الجواب\n_________\n(١) انظر: \"السبعة\" ص ٣٧٣، و\"إعراب القراءات السبع وعللها\" ١/ ٣٥٤، و\"الحجة للقراء\" ٥/ ٦٥، و\"المبسوط في القراءات\" ص ٢٢٤، و\"التيسير\" ص ١٣٧، و\"المُوضح في وجوه القراءات\" ٢/ ٧٣٦.\n(٢) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٠٠، بتصرف يسير.\n(٣) انظر: \"السبعة\" ص ٣٧٣، و\"إعراب القراءات السبع وعللها\" ١/ ٣٥٤، و\"الحجة للقراء\" ٥/ ٦٥، و\"المبسوط في القراءات\" ص ٢٢٤، و\"المُوضح في وجوه القراءات\" ٢/ ٧٣٦.\n(٤) ورد في \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٩٨، و\"تفسير الطبري\" ١٤/ ١٠٦، و\"إعراب القرآن\" للنحاس ٢/ ٢١٠، و\"الحجة للقراء\" ٥/ ٦٥، و\"مشكل إعراب القرآن\" ٢/ ١٤، وانظر: \"الإملاء\" ٢/ ٨١، و\"الفريد في إعراب القرآن\" ٣/ ٢٢٨.\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٩٨، بنصه.","vol":"13","page":60},{"text":"غيرُ سائغ؛ لأن (كُنْ) وإن كان على لفظ الأصل فليس القصد به هاهنا الأمر، إنما هو -والله أعلم- الإخبار عن كون الشيء وحدوثه، وإلى هذا ذهب أبو العباس وغيره (١)، وقد ذكرنا هذا في سورة البقرة (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2045>٤١ </span>- قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا﴾ الآية. قال الفراء: ﴿وَالَّذِينَ﴾ موضعها رفع (٣)؛ يريد أن هذا كلام مستأنفٌ لا تعلق له ما قبله، قال المفسرون: نزلت هذه الآية في قوم آذاهم المشركون وعذبوهم بمكة؛ صهيب وبلال وخَبَّاب (٤)، ومعنى ﴿هَاجَرُوا فِي اللَّهِ﴾:\n_________\n(١) \"المقتضب\" ٢/ ١٨، وانظر: \"إعراب القرآن\" للنحاس ٢/ ٩١٠، و\"الحجة للقراء\" ٢/ ٢٠٥، و\"مشكل إعراب القرآن\" ٢/ ١٤، و\"الإملاء\" ١/ ٦٠، و\"الدر المصون\" ٢/ ٨٩. وبالإضافة إلى كون (كن) هنا للحكاية لا الأمر، يشترط في جواب الأمر أن يخالف الأمر؛ إما في الفعل، أو في الفاعل، أو فيهما، فلما اتفق الفعلان، والفاعلان واحد، لم يحسن أن يكون (فيكون) جوابًا للأول. (المصادر السابقة).\n(٢) \"الإغفال\" ٢/ ١٥٣ أ، بنصه.\n(٣) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٠٠، بلفظه.\n(٤) ورد بنحوه في \"تفسير مقاتل\" ١/ ٢٠٣ أ، و\"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ٦٧، و\"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢٣٦، عن مقاتل والكلبي، والشعبي ٢/ ١٥٦ ب، و\"تفسير الماوردي\" ٣/ ١٨٩، عن الكلبي، وأورده المؤلف في \"أسباب النزول\" ص ٢٨٥، بلا سند، وهذا القول لا يعتد به في أسباب النزول؛ لوروده بلا إسناد، فضلًا عن كونه من رواية الكلبي، وقد أخرجه الطبري ١٤/ ١٠٧ برواية أخرى عن ابن عباس قال: هم قوم هاجروا إلى رسول الله -ﷺ- من أهل مكة من بعد ظلمهم، وظلمهم المشركون، وهذه كذلك لا يعتد بها في أسباب النزول؛ لكونها من الصيغ غير الصريحة، ولورودها من طريق العوفي، وهي ضعيفة، وخبَّاب هو: ابن الأرتّ، أبو عبد الله -﵁-، سبي في الجاهلية فبيع بمكة، فكان مولى أم أنمار الخزاعية، وقيل غير ذلك، ثم حالف بني زهرة، كان من السابقين في الإسلام، ومن المستضعفين، عذب بمكة عذابًا شديدًا حتى اشتكى إلى رسول الله -ﷺ-، هاجر إلى المدينة وشهد بدرًا وما بعدها، ونزل الكوفة ومات بها سنة (٣٧ هـ). انظر: \"الاستيعاب\" ٢/ ٢١، و\"أسد الغابة\" ٢/ ١١٤، و\"الإصابة\" ١/ ٤١٦.","vol":"13","page":61},{"text":"هاجروا في رضا الله وطلب ثوابه.\nوقوله تعالى: ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ قال الشعبي وقتادة: بوأهم الله المدينة (١)، وعلى هذا يكون التقدير: لنُبَوّئَنهم في الدنيا دارًا حسنة أو بلدة حسنة، يعني المدينة؛ فإن الله تعالى جعلها لهم دار هجرة، وجعل لهم أنصارًا من المؤمنين فيها، وجمعهم فيها مع النبيّ -ﷺ-، وقال مجاهد: لنَرْزُقنّهم في الدنيا (٢).\nوقال الضحاك: يعني بالحسنة: النصر والفتح (٣)، وعلى هذا تقدير الآية: لنبوئنهم في الدنيا ولنرزقنهم حسنة أو لنعطينهم حسنة، فحذف ذلك اكتفاءً بالأول كقوله (٤):\nعلفتها تبنًا وماءً باردًا (٥)\n_________\n(١) أخرجه الطبري ١٤/ ١٠٧ بلفظه عنهما من طريقين، وورد بلفظه في \"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ٦٧، عن الشعبي، و\"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٥٧ أ، عن قتادة، و\"تفسير الماوردي\" ٣/ ١٨٨، عنهما، والطوسي ٦/ ٣٨٣، عنهما، وأورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ٢٢١ أو زاد نسبته إلى ابن المنذر عن الشعبي.\n(٢) \"تفسير مجاهد\" ١/ ٣٤٧، بنصه، وأخرجه الطبري ١٤/ ١٠٧ بنصه من طريقين، وورد في \"تفسير الماوردي\" ٣/ ١٨٨، وأورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ٢٢١، وزاد نسبته إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(٣) ورد في \"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ٦٧، بنصه، و\"تفسير الماوردي\" ٣/ ١٨٨، بلفظه، وانظر: \"تفسير ابن الجوزي\" ٤/ ٤٤٨.\n(٤) نسبه الفراء لبعض بني أسد.\n(٥) وعجزه:\nحتى شَتَتْ هَمّالةً عَيْناها\n\"معاني القرآن\" للفراء ١/ ١٤، وورد بلا نسبة في \"الخصائص\" ٢/ ٤٣١، و\"الإنصاف\" ٤٨٨، و\"اللسان\" (علف) ٥/ ٣٠٧٠، و\"الدر المصون\" ٧/ ١١٢، و\"أوضح المسالك\" ٢/ ١١٠، و\"همع الهوامع\" ٥/ ٢٢٨، و\"الدرر اللوامع\" ٦/ ٧٩، و\"الخزانة\" ٣/ ١٤٠، وقال: وأورده الشيرازي والفاضلُ اليمني صدرًا =","vol":"13","page":62},{"text":"وهذا باب قد مرّ منه كثير، فيكون معنى الآية: أنزلهم المدينة وأطعمهم الغنيمة، وهذا الوجه اختيار الفراء؛ لأنه قال في هذه الآية: نزول المدينة ولنُحَلِّلنَّ لهم الغنائم (١)، وعلى هذا التفسير حذف من الآية شيئان: المفعول الثاني للتَّبوِئة، والفعل الناصب للحسنة.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ قال ابن عباس: يريد أن أمر الجنّة أعظم وأكثر (٢) من أن يعلمه أحدٌ ويقدر أحدٌ على وصفه (٣)، وما ظنُّك بما قال الله له: أكبر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2046>٤٢ </span>- قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا﴾، في محل ﴿الَّذِينَ﴾ وجوه: أحدهما: أن يكون بدلًا من المضمر في: ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ﴾، ويجوز أن يكون على تقدير: هم الذين، قال ابن عباس: أثنى عليهم ومدحهم بالصبر، فقال: ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ يريد على دينهم وعلى عذاب المشركين إيّاهم، وهم في ذلك واثقون بالله متوكلون عليه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-2047>٤٣ </span>- قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾ قال المفسرون (٤): إن مشركي مكة أنكروا نبوة محمد -ﷺ-، قالوا: الله أعظم من\n_________\n= وبرواية أخرى للصدر:\nلما حَطَطْتُ الرحْلَ عنها واردًا ... عَلَفْتُها تبنًا وماءً باردًا\n(شتت) بمعنى أقامت شتاء، يقال: شتا بالبلد: أقام به شتاءً، (همَّالة عيناها) من هملَت العينُ؛ إذا صبَّت دمعها وفاضت وسالت. والشاهد: حذف وسقيتها ماءً، اكتفاءً بالأول؛ وهو: علفتها.\n(١) \"معانى القرآن\" للفراء ٢/ ١٠٠، بنصه.\n(٢) في جميع النسخ: (أكثر)، وفي تفسيره \"الوسيط\" تحقيق سيسي ٢/ ٣٩٦، (أكبر).\n(٣) ورد في تفسيره \"الوسيط\" تحقيق سيسي ٢/ ٣٩٦، بنصه تقريبًا، وانظر: \"تفسير ابن الجوزي\" ٤/ ٤٤٨، مختصرًا.\n(٤) ساقط من (د).","vol":"13","page":63},{"text":"أن يكون رسوله بشرًا، فهلا بعث إلينا ملكًا (١)، فقال الله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا﴾ أي إلى الأمم الماضية، ﴿إِلَّا رِجَالًا﴾: آدميين لا ملائكة، أعلمَ اللهُ أن الرسلَ بشر، إلا أنهم يُوحَى إليهم، فقال: ﴿إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾، نظير هذه الآية في أواخر سورة يوسف (٢).\nوقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ فقال ابن عباس: يريد أهل التوراة الذين آمنوا من قريظة والنضير (٣)، قال: والذكر التوراة (٤)، وتلا قوله: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ﴾ [الأنبياء:\n_________\n(١) أخرجه الطبري ١٤/ ١٠٩، بنحوه عن ابن عباس، من طريق الضحاك مقطعة، وورد بنحوه في \"تفسير مقاتل\" ١/ ٢٠٣ أ، والسمرقندي ٢/ ٢٣٦، والثعلبي ٢/ ١٥٧أ، بنصه، وانظر: البغوي ٥/ ٢٠، وابن عطية ٤/ ٤٢٣، وابن الجوزي ٤/ ٤٤٩، والفخر الرازي ٢٠/ ٣٥، و\"تفسير القرطبي\" ١٠/ ١٠٨، والخازن ٣/ ١١٦، وأبي حيان ٥/ ٤٩٣، وابن كثير ٢/ ٦٢٨، أورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ٢٢٢، وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم عن ابن عباس.\n(٢) وهي قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ [آية: ١٠٩].\n(٣) هما قبيلتان من قبائل اليهود التي سكنت المدينة وخيبر، وكانوا ثلاث قبائل؛ الثالثة هي بنو قينقاع، وقد أجلاهم النبي -ﷺ- عن المدينة لما خانوا عهده وتآمروا عليه، وآذوا المسلمين. انظر: \"سيرة النبي -ﷺ-\" لابن هشام ١/ ١٦، ٢/ ٤٤٢، و\"الروض الأنف\" ٢/ ٢٨٩، و\"زاد المعاد\" ٣/ ٦٥، و\"البداية والنهاية\" ٤/ ٣، ٧٤، ١١٦.\n(٤) أخرجه الطبري ١٤/ ١٠٩، وهو جزء من رواية الضحاك عن ابن عباس السابقة؛ وفيها: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ﴾: يعني أهل الكتب الماضية، وورد بنحوه مختصرًا في \"تفسير الماوردي\" ٣/ ١٨٩، والطوسىِ ٦/ ٣٨٤، وانظر: \"تفسير ابن عطية\" ٨/ ٤٢٣، وابن الجوزي ٤/ ٤٤٩، والفخر الرازي ٢٠/ ٣٦، وأبي حيان ٥/ ٤٩٣، وابن كثير ٢/ ٦٢٨، والقول في كل المصادر ورد مطلقًا دون تقيده بمن آمن من بني قريظة أو النضير.","vol":"13","page":64},{"text":"١٠٥]، ﴿الذِّكْرِ﴾ يعني التوراة، وهذا قول عامة المفسرين: أن أهل الذكر هم أهل الكتاب؛ يعني المؤمنين منهم في قول الأكثرين (١).\nوقال أبو إسحاق: قيل: فاسألوا أهل الكُتب الذين يشهدون بهذا (٢)، لا من أجل أنهم من أهل هذه الملة، ولكن أهل الكتاب يعترفون أن (٣) الأنبياء كلهم بشر، فعلى هذا؛ المراد بأهل الذكر: أهل العلم بأخبار الماضين ومن أُنبِّئهم من الرسل، والذكر المراد به العلم؛ لأنه مقرون بالذكر ومتعلق به، إذ العالم من يذكر الدليل ولا يكون ساهيًا عنه، فحَسُن أن يقع الذكر موقع العلم.\nوقال الزجاج: ويجوز -والله أعلم- قيل لهم: سلوا كلَّ من يُذْكَرُ بعلم، وافق هذه الملة أو خالفها (٤).\nقال أهل المعاني: وفي هذه الآية دليل على أن الخصم إذا التبس عليه أمر رَدّ إلى أهل العلم بذلك (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2048>٤٤ </span>- قوله تعالى: ﴿بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ﴾ اختلفوا في الجالب لهذه\n_________\n(١) ورد بنحوه في \"تفسير مقاتل\" ١/ ٢٠٣، و\"معاني القرآن\" للنحاس ٥/ ٢١، و\"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢٣٦، وهود الهواري ٢/ ٣٧١، والطوسي ٦/ ٣٨٤، وانظر: \"تفسير البغوي\" ٣/ ٧٠، وابن عطية ٨/ ٤٢٣، و\"تفسير القرطبي\" ١٠/ ١٠٨، والخازن ٣/ ١١٦، وأبي حيان ٥/ ٤٩٣.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٠١، بنحوه، وهو أحد قولين ذكرهما في الآية.\n(٣) (أن) ساقط من (ع).\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٠١، بنصه، وهذا القول هو الراجح؛ لأنه موافق لعموم اللفظ، وحمل اللفظ على عمومه أولى ما لم يرد له مخصص، والرواية المخصص بأهل الكتاب عن ابن عباس، هي من طريق الضحاك وهي منقطعة.\n(٥) ورد في \"تفسير الطوسي\" ٦/ ٣٨٤، بنحوه.","vol":"13","page":65},{"text":"الباء (١)؛ فعند الفراء: لا يجوز أن تتعلق بأرسلنا المذكور في الآية الأولى؛ لأن صلة ما قبل إلاَّ لا تتأخر بعد إلاَّ، ولكنّه يقول: تقدير الآية: أرسلناهم بالبينات (٢)، فالباء تتعلق بأرسلناهم المضمر المدلول عليه بأرسلنا المذكور، قال: ومثله قوله: ما ضرب إلا أخوك زيدًا، وما مرّ إلا أخوك يزيد، تريد ما مرّ إلا أخوك، ثم تقول: مرّ يزيد، فهذا إنما يجوز على كلامين، ولا يجوز أن يكون ما بعد إلاَّ موصولًا بما قبله، ومن هذا الجنس قول الشاعر:\nنُبِّئْتُهُمْ عَذَّبُوا بالنّارِ جارَتهَمْ ... وهل يُعذِّبُ إلاّ اللهُ بالنّارِ (٣)\nوقال الكسائي: (إلاّ) في قوله: ﴿إِلَّا رِجَالًا﴾ بمعنى غير؛ كقوله: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢]، (قال: المعنى لو كان فيهما آلهة غير الله لفسدتا) (٤)، واحتجّ بقول الشاعر (٥):\nأَبَنِي لُبَيْنَى لَسْتُمُ بِيَدٍ ... إلاّ يَدٍ لَيْسَتْ لَها عَضُدُ (٦)\n_________\n(١) أورد السمين في ذلك ثمانية أقوال، انظر: \"الدر المصون\" ٧/ ٢٢٢، وما بعدها.\n(٢) فيكون تأويل الكلام: وما أرسلنا من قبلك إلا رجالًا نوحي إليهم أرسلناهم بالبينات والزبير وأنزلنا إليك الذكر.\n(٣) ورد غير منسوب في \"تفسير الطبري\" ١٤/ ١١٠، و\"الإملاء\" ٢/ ٨١، فيه: (لا) بدل (هل)، والثعلبي ٢/ ١٥٧ أ، والطوسي ٦/ ٣٨٥، و\"الفريد في إعراب القرآن\" ٣/ ٢٢٨، و\"الدر المصون\" ٧/ ٢٢٢، و\"شرح التصريح\" ١/ ٢٨٤، قال الأزهري: فقدم الفاعل المحصور بإلا على المجرور بالباء، وطوى ذكر المفعول، وهل بمعنى ما، وأصل الكلام: ما يعذب أحدٌ أحدًا بالنار إلا الله.\n(٤) ما بين القوسين ساقط من (أ)، (د).\n(٥) هو أوس بن حجر (جاهلي).\n(٦) \"ديوانه\" ص ٢١، ووردت اليد الثانية منصوبة (إلا يدًا) وليس في هذه الرواية =","vol":"13","page":66},{"text":"فقال. (إلاّ) هاهنا بمعنى غير؛ لأنه لا يمكن إعادة خافض بضمير (١)، قال الفراء: وقد ذهب في هذا مذهبًا (٢)، ومن قال الذكر في الآية الأولى بمعنى العلم (٣)، جعل الباء من صلته؛ كأنه قيل: سَلوا أهل العلم بالبينات والزبر (٤)؛ وهي ما أنزل الله على الأنبياء من الحجج الواضحة والكتب، ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ﴾ يعني القرآن (٥)، ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾: في هذا الكتاب من الحلال والحرام، والوعد والوعيد، ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾: في ذلك فيعتبرون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2049>٤٥ </span>- قوله تعالى: ﴿أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ﴾ قال ابن عباس: يريد المشركين؛ أهلَ مكة وما حول المدينة (٦).\n_________\n= الشاهد، وورد في: \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٠١، و\"تفسير الطبري\" ١٤/ ١١٠، والثعلبي ٢/ ١٥٧ أ، (لُبَيْنى): اسم امرأة، وبنو لبينى من بني أسد بن واثلة، يعيرهم بأنهم أبناء أَمَة إذ ينسبهم إلى الأم تهجينًا لشأنهم.\n(١) يعني أن الذي خفض اليد قبل (إلا) وهي الباء يتعذر إعادته بعد (إلا) لخفض اليد الثانية، ولا إشكال لو كانت بمعنى غير.\n(٢) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٠٠ - ١٠١، بتصرف واختصار.\n(٣) أشار إلى ذلك الزجاج في \"المعاني\" ٣/ ٢٠١، بقوله: قيل لهم: اسألوا كلَّ من يذكر بعلم ..، وانظر: \"تفسير القرطبي\" ١٠/ ١٠٨، والخازن ٣/ ١١٦.\n(٤) وهذا القول هو الأظهر؛ لأنه لا يحتاج إلى تأويل، وما لا يحتاج إلى تأويل أولى مما احتاج إلى تأويل.\n(٥) ورد في \"تفسير مقاتل\" ١/ ٢٠٣ أ، والطبري ١٤/ ١١١، وهود الهواري ٢/ ٣٧٣، والسمرقندي ٢/ ٢٣٧، والطوسي ٦/ ٣٨٥، و\"تفسير الماوردي\" ٣/ ١٩٠، وانظر: \"تفسير ابن عطية\" ٨/ ٤٢٥، والخازن ٣/ ١١٦، وابن كثير ٢/ ٥٩٢.\n(٦) ورد بنحوه غير منسوب في \"تفسير الزمخشري\" ٢/ ٣٣٠، وابن عطية ٨/ ٤٢٥، وابن الجوزي ٤/ ٤٥٠، والفخر الرازي ٢٠/ ٣٨، والخازن ٣/ ١١٧، وأبي حيان ٥/ ٤٩٤.","vol":"13","page":67},{"text":"وقوله تعالى: ﴿مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ﴾ قال الكلبي: عملوا السيئات، يعني عبادة غير الله (١)، وكذلك قال قتادة: يعني الشرك (٢)، وعلى هذا سمي عبادتهم الأوثانَ مكرًا، لأن المكر في أصل اللغة: السعي بالفساد (٣)، وذكرنا هذا فيما تقدم (٤)، وعبادة غير الله من أفسد السعي.\nوقوله تعالى: ﴿أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ﴾ قال ابن عباس: كما خَسف بقارون (٥)، ومعنى الخسف في اللغة: سُؤُوخُ الأرضِ بما عليها (٦)، قال أبو زيد والأصمعي: خَسَفَ المكانُ يَخْسِفُ، وخَسَفَهُ الله (٧). ومعنى الاستفهام في قوله: ﴿أَفَأَمِنَ﴾ الإنكار؛ أي: يجب أن لا يأمنوا عقوبة تلحقهم كما لحقت المكذبين من قبلهم.\nوقوله تعالى: ﴿أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ﴾ قال الكلبي: من حيث لا يعلمون بهلاكهم (٨)، قال ابن عباس: يريد يوم بدر وما كانوا\n_________\n(١) انظر: \"تفسير الفخر الرازي\" ٢٠/ ٣٨، وورد غير منسوب في \"تفسير هود الهواري\" ٢/ ٣٧٢.\n(٢) أخرجه الطبري ١٤/ ١١٢ بلفظه، وأورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ٢٢٣، وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم.\n(٣) والمشهور عند أهل اللغة أن أصل المكر: الاحتيال والخداع، ويكون عادة في خُفْيَة، فكأن الواحدي ﵀ فسرها باللازم؛ انظر: (مكر) في \"تهذيب اللغة\" ٣٤٣٤، و\"المحيط في اللغة\" ٦/ ٢٦٣، و\"مجمل اللغة\" ٢/ ٨٣٨، و\"الصحاح\" ٢/ ٨١٩.\n(٤) في تفسير الآية [٢٦] من هذه السورة.\n(٥) انظر: \"تفسير القرطبي\" ١٠/ ١٠٩، والخازن ٣/ ١١٧، وأبي حيان ٥/ ٤٩٥، وفي الأخيرين بلا نسبة.\n(٦) ورد في \"تهذيب اللغة\" (خسف) ١/ ١٠٢٩، بنصه، وهو قول الليث. وانظر: (خسف) في \"المحيط في اللغة\" ٤/ ٢٦٧، و\"اللسان\" ٢/ ١١٥٧.\n(٧) المصدر السابق نفسه.\n(٨) ورد بنص غير منسوب في \"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢٣٧.","vol":"13","page":68},{"text":"يُقدِّرون ذلك ولا يشعرونه (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2050>٤٦ </span>- قوله تعالى: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ﴾ قال ابن عباس: يريد في تجارتهم واختلافهم إلى اليمن وإلى الشام (٢)، وهذا قول قتادة والكبي، قالا: ﴿فِي تَقَلُّبِهِمْ﴾: في أسفارهم (٣)، وقال مقاتل: في ليلهم ونهارهم (٤)، يريد في تقلبهم في كل الأحوال ليلًا ونهارًا، فيدخل في هذا تقلبهم على الفرش يمينًا وشمالًا، ﴿فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ أي بممتنعين ولا فائتين (٥) الله، قال ابن عباس: يريد أن الله لا يعجزه شيء أراده.\n<span data-type=\"title\" id=toc-2051>٤٧ </span>- قوله تعالى: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ﴾، التخوف: تَفَعُّل من الخوف، يقال: خفت الشيء وتخوَّفته، قال الزجاج: أي أو يأخذهم بعد\n_________\n(١) ورد بنحوه غير منسوب في \"تفسير القرطبي\" ١٠/ ١٠٩، و\"الشوكاني\" ٣/ ٢٣٦.\n(٢) أخرجه الطبري ١٤/ ١١٢ من طريق ابن أبي طلحة صحيحة، وأخرجه بنحوه من طريق العوفي غير مرضية، وورد في تفسير \"تفسير الماوردي\" ٣/ ١٩٠، وانظر: \"تفسير البغوي\" ٥/ ٢١، وابن الجوزي ٤/ ٤٥٠ قال: في أسفارهم، والخازن ٣/ ١١٧، و\"الدر المنثور\" ٤/ ٢٢٣، وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم، وفي جميع المصادر ما عدا ابن الجوزي ورد بلفظ: في اختلافهم.\n(٣) أخرجه عبد الرزاق في \"مصنفه\" ٢/ ٣٥٦ بلفظه عن قتادة، والطبري ١٤/ ١١٢ بلفظه عن قتادة من طريقين، وورد في \"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ٦٩، بلفظه عن قتادة، وانظر: \"تفسير ابن الجوزي\" ٤/ ٤٥٠، و\"تفسير القرطبي\" ١٠/ ١٠٩، وابن كثير ٤/ ٦٢٩، و\"الدر المنثور\" ٤/ ٢٢٣، وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم، كلها عن قتادة، وورد غير منسوب في \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٥٧ أ، وهود الهواري ٢/ ٣٧٢، ونُسب فيه إلى الكلبي تفسيرها بقوله: في البلاد بالليل والنهار.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ١/ ٢٠٣ أ، بلفظه، وانظر: \"تفسير أبي حيان\" ٥/ ٤٩٥.\n(٥) في جميع النسخ: (قانتين) ولا معنى لهاهنا، والصحيح المثبت كما في \"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢٣٧، و\"الوسيط\" تحقيق سيسي ٢/ ٣٩٨.","vol":"13","page":69},{"text":"أن يخيفهم؛ بأن يهلك فرقة فتخاف التي تليها (١)، وهذا معنى قول الضحاك والكلبي، يعني: (يعذب طائفة ويدع طائفة) (٢)، فيتخوف الذين يَدَعْهم مثل ما أصاب الآخرين (٣)، ونحو هذا قال الحسن (٤)؛ والمعنى يأخذهم على تخوفهم الهلاك لما سبق من هلاك طائفة منهم، وقال ابن عباس وعامة المفسرين: على تَنَقُّص؛ إما (٥) بقتل أو بموت (٦)، يعني: ينقص من أطرافهم ونواحيهم الشيء بعد الشيء حتى يُهْلِك جميعَهم (٧). أخبرني\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٠١، بنصه.\n(٢) ما بين القوسين ساقط من (أ)، (د).\n(٣) أخرجه عبد الرزاق في \"مصنفه\" ٢/ ٣٥٦ عن الكلبي، والطبري ١٣/ ١١٤ عن الضحاك، و\"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ٦٩، عن الضحاك، وورد في \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٥٧ أ، عنهما، و\"تفسير الماوردي\" ٣/ ١٩٠، عن الضحاك، والطوسي ٦/ ٣٨٦، عن الضحاك، وانظر: \"تفسير البغوي\" ٥/ ٢١، عنهما، و\"تفسير القرطبي\" ١٠/ ١١٠، عن الضحاك، والخازن ٣/ ١١٧، عنهما، و\"الدر المنثور\" ٤/ ٢٢٣، وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم عن الضحاك.\n(٤) انظر: \"تفسير الماوردي\" ٣/ ١٩٠، والطوسي ٦/ ٣٨٦، و\"تفسير القرطبي\" ١٠/ ١١٠.\n(٥) في جميع النسخ: (أو، ويستقيم المعنى بـ (إما)، والتصويب من \"تفسير الشوكاني\" ٢/ ٢٣٦، وصديق خان ٧/ ٢٥٠.\n(٦) \"تفسير مجاهد\" ١/ ٣٤٧، بنحوه، وأخرجه الطبري ١٤/ ١١٣، بنحوه، عن ابن عباس من طريق عطاء الخرساني صحيحة، وأخرجه مختصرًا عن مجاهد من طريقين، وورد في \"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ٦٩، مختصرًا عن ابن عباس ومجاهد، وانظر: \"تفسير ابن الجوزي\" ٤/ ٤٥١، عن ابن عباس ومجاهد والضحاك، و\"تفسير القرطبي\" ١٠/ ١١٠، عن ابن عباس ومجاهد، والخازن ٣/ ١١٧، عن ابن عباس ومجاهد، وأبي حيان ٥/ ٤٩٥، عن ابن عباس ومجاهد والضحاك.\n(٧) ورد في \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٥٧ أ، بنصه.","vol":"13","page":70},{"text":"العروضي عن الأزهري، قال: أخبرني المنذري عن الحرّانيِّ عن ابن السِّكِّيت، قال: يقال: هو يَتَخَوَّفُ المالَ ويتَحَوَّفُه، أي يتَنَقَّصُهُ ويأخذُ من أطرافه، وأنشد لابن مقبل (١):\nتخوَّفَ السَّيْرُ منها تَامِكًا قَرِدًا ... كما تَخَوَّفَ عُودَ النَّبْعةِ السَّفَنُ (٢) (٣)\nوروى شمر عن ابن الأعرابي: تَخوَّفْتُ الشيء وتَخيّفْتُه، وتَخَوَّفْتُهُ وتَخَيَّفْتُهُ إذا تَنَقَّصَتُه (٤).\nقال أهل المعاني: معنى التنقص: أنه يؤخذ الأول فالأول حتى لا يبقى منهم أحد، وتلك حال يُخافُ معها الفناء ويُتخوفُ الهلاكُ (٥)، فمعنى\n_________\n(١) نُسب في \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٥٧ ب، لأبي كبير الهذلي، وهو يصف ناقة، ولم أجده في \"ديوان الهذليين\". وابن مقبل هو: تميم بن أُبيّ بن مُقبل، من بني عجلان، تقدمت ترجمته.\n(٢) لم أجده في الإصلاح، وورد في \"تهذيب اللغة\" (خاف) ١/ ٩٦٦، بنصه.\n(٣) \"ديوان ابن مقبل\" ص ٤٠٥، وورد في \"تهذيب اللغة\" (خاف) ١/ ٩٦٦، و\"اللسان\" (خوف) ٣/ ١٢٩٢، ونُسب إلى أبي كبير الهذلي في \"تفسير القرطبي\" ١٠/ ١١٠، وأبي حيان ٥/ ٤٩٥، و\"تفسير الألوسي\" ١٤/ ١٥٣، وصديق خان ٧/ ٢٥٠، والثعلبي ٢/ ١٥٧ ب، لكن برواية:\nتخوف الرحل منها تامكًا صلبًا\nونسبه الزمخشري لزهير ٢/ ٣٣٠، وورد غير منسوب في \"تفسير الطبري\" ١٤/ ١١٣، و\"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٠٢، و\"تفسير الطوسي\" ٦/ ٣٨٦، وابن عطية ٨/ ٤٢٧، والفخر الرازي ٢٠/ ٣٩، و\"الدر المصون\" ٧/ ٢٢٥، وفي بعض المصادر: (الرحل) بدل (السير)، (التامك) السنام، (القرد) الذي تراكم لحمه من السمن، (النبعة) ضرب من الشجر الصلب، (السَّفَن) المِبْرَد، والمعنى: أي ينقص السيرُ سنامَها بعد تموكه، كما يُنحت العُودُ فيدِق بعد غِلَظِه.\n(٤) المصدر السابق نفسه وبنصه.\n(٥) انظر: \"تفسير الطوسي\" ٦/ ٣٨٦، بنصه.","vol":"13","page":71},{"text":"﴿يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ﴾، أي: على حال تنقصهم، يأخذهم الأول فالأول حتي يأتي الأخذ على الجميع.\nوقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ قال الزجاج: أي من رأفته أمهل وجعل فسحة للتوبة (١)، وهو معنى قول المفسرين: إذ لم يعجل عليم بالعقوبة والإهلاك (٢)، وأَخَّر عنهم هذه العقوبات التي ذكرها مع قدرته عليها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2052>٤٨ </span>- قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ قراءة العامة بالياء (٣)؛ لأن ما قبله غيبة، وهو قوله: ﴿أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ﴾، ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ﴾ كذلك: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾، وكان النبيّ -ﷺ- وأصحابه قد رأوا ذلك وتيقنوه فلا يحسن أن يقال لهم: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾.\nوقرأ حمزة والكسائي: ﴿تَرَوا﴾ بالتاء (٤)، على الخطاب لجميع الناس (٥).\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٠٢، بنصه.\n(٢) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١/ ٢٠٣ أ، والطبري ١٤/ ١١٤ بمعناه، والسمرقندي ٢/ ٢٣٧، والثعلبي ٢/ ١٥٧ ب، والماوردي ٣/ ١٩٠، وابن الجوزي ٤/ ٤٥١، والفخر الرازي ٢٠/ ٣٩، و\"تفسير القرطبي\" ١٠/ ١١١، والخازن ٣/ ١١٧، وأبي حيان ٥/ ٤٩٥، وابن كثير ٢/ ٦٢٩.\n(٣) وهم: ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر. انظر: \"السبعة\" ص ٣٧٣، و\"علل القراءات\" ١/ ٣٠٥، و\"الحجة للقراء\" ٥/ ٦٦، و\"المبسوط في القراءات\" ص ٢٢٤، و\"التيسير\" ص ١٣٨، و\"شرح الهداية\" ٢/ ٣٨٠، و\"تلخيص العبارات\" ص ١١١.\n(٤) انظر: المصادر السابقة.\n(٥) \"الحجة للقراء\" ٥/ ٦٧، بتصرف يسير.","vol":"13","page":72},{"text":"وقوله تعالى: ﴿إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ قال المفسرون وأهل المعاني: أراد من شيء له ظل من جبل وشجر وبناء وجسم قائم (١)، وهذا معنى قول ابن عباس: يريد الشجر والنبات.\nوقوله تعالى: (يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ) إخبار عن قوله: ﴿شَيْءٍ﴾، وليس بوصف له، و﴿يَتَفَيَّأُ﴾: يتفعل من الفيء، يقال: فاء الظل يفيء فيئًا، إذا رجعَ وعادَ بعد ما كان ضياءُ الشمس نسخَه، وأصلُ الفيء الرجوع (٢)، ومنه فَيءُ المولي (٣)، وذكرنا ذلك في قوله: ﴿فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٦]، وكذلك فيءُ المسلمين؛ لِمَا يعود على المسلمين من مال مَنْ خالف دينهم بلا قتال (٤)، وسنذكر ذلك في قوله: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ [الحشر: ٧] إن شاء الله. وأصلُ هذا كله من الرجوع، فإذا عُدِّي (فَاءَ) عُدّي بزيادة الهمزة أو تضعيف العين، فمِمَّا عُدّي بنقل الهمزة قوله: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ﴾، وبالتضعيف فاءَ الظلُّ، وفَيّأه الله فتفيّأ، وتَفيَّأ مطاوع فَيَّأَ (٥).\n_________\n(١) ورد في \"الحجة للقراء\" ٥/ ٧٢، بنصه، و\"تفسير الطبري\" ١٤/ ١١٤ - ١١٦، بنحوه، والثعلبي ٢/ ١٥٧ ب، بنحوه، والطوسي ٦/ ٣٨٧، وانظر: \"تفسير البغوي\" ٥/ ٢١، وابن الجوزي ٤/ ٤٥٢، والفخر الرازي ٢٠/ ٤٠، و\"تفسير القرطبي\" ١٠/ ١١١، ونسبه إلى ابن عباس، والخازن ٣/ ١١٧، وأبي حيان ٥/ ٤٩٦.\n(٢) انظر: \"تهذيب اللغة\" (فاء) ٣/ ٢٧١١، و\"مجمل اللغة\" (في) ٢/ ٧٠١، و\"الصحاح\" (فيأ) ١/ ٦٣، و\"عمدة الحفاظ\" ٣/ ٣٠٨.\n(٣) هو الذي يحلف أن لا يجامع زوجته، وقد حدد الشارع مدة الإيلاء بأربعة أشهر؛ إما أن يطلق وإما أن يفي. انظر: \"تفسير الجصاص\" ١/ ٣٥٥، والكيا الهراسي ١/ ٢١٦ - ٢١٩، وابن العربي ١/ ١٧٨، و\"تفسير القرطبي\" ٣/ ١٠٣.\n(٤) ورد في \"تهذيب اللغة\" (فيأ) ٣/ ٢٧١١، بنحوه، وانظر: \"التعريفات\" ص ١٧٠، و\"تفسير الفخر الرازي\" ٢٠/ ٤٠.\n(٥) \"الحجة للقراء\" ٥/ ٦٧، بنصه، وانظر. \"اللسان\" (فيأ) ٦/ ٣٤٩٦، و\"معجم الألفاظ المتعدية بحرف\" ص ٢٨٢.","vol":"13","page":73},{"text":"قال الأزهري: وتفيؤ الظلال رُجوعها بعد انتصاف النهار وانتعال الأشياء (١)، قال: وأخبرني المنذري عن أبي طالب النحوي أنه قال: التفيؤ لا يكون إلا بالعشي؛ ما انصرفت عنه الشمس، وقد بينه الشاعر (٢) فقال:\nفلا الظلَّ من بَرْد الضُّحى تستطيعُهُ ... ولا الفيءَ من بردِ العشيِّ تذَوُق (٣)\nوقال أبو علي الفارسي: الظل ما كان قائمًا لم تنسخه الشمس، فإذا نسخته الشمس ثم زال ضياء الشمس الناسخ للظل فاء الظل، أي رجع كما كان أولًا (٤)، فهذا هو الفيء، وُيسمى الظل أيضًا، ولا يسمى الأول فيأً.\nقال ثعلب: أخبرت عن أبي عبيدة أن رؤبة قال: كُلُّ ما كانت عليه الشمسُ فزالت عنه فهو فيءٌ وظلٌّ، وما لم تكن عليه الشمس فهو ظِلٌّ (٥)، على أن أبا زيد أنشد للنابغة الجعدي:\n_________\n(١) \"تهذيب اللغة\" (فاء) ٣/ ٢٧١١، بنصه، وفي المصدر: وانتعال الأشياءِ ظلالَها. قلت ومعناه: صار ظلها تحتها.\n(٢) هو حميد بن ثور. تقدمت ترجمته.\n(٣) ديوانه ص ٧٠، وورد في \"إصلاح المنطق\" ص ٣٢٠، و\"الصحاح\" (فيأ) ١/ ٦٣، (بعد) بدل (برد) الثانية، و\"تفسير ابن عطية\" ٨/ ٤٣٠، و\"اللسان\" (فيأ) ٦/ ٣٤٩٥، وورد غير منسوب في \"الحجة للقراء\" ٥/ ٦٨، و\"تفسير الفخر الرازي\" ٢٠/ ٤٠، وأبي حيان ٥/ ٤٩٦، والبيت قاله يصف سَرْحَة شجر عظام طوال وكنَّى بها امرأة. والشاهد: أنه جعل الظلَّ وقت الضحى؛ لأن الشمس لم تنسخْه في ذلك الوقت. وكلام الأزهري في \"تهذيب اللغة\" (فاء) ٣/ ٢٧١١، بنصه.\n(٤) ولخصه ابن السِّكِّيت فقال: الظلُّ: ما نسخته الشمسُ، والفيءُ: ما نسخ الشمسَ. \"إصلاح المنطق\" ص ٣٢٠.\n(٥) \"الحجة للقراء\" ٥/ ٧٠، بخصه، و\"الصحاح\" (فيأ) ١/ ٦٤، بنصه، وانظر: \"تفسير ابن عطية\" ٨/ ٤٣٢، والفخر الرازي ٢٠/ ٤٠، و\"اللسان\" (فيأ) ٦/ ٣٤٩٥، و\"تفسير أبى حيان\" ٥/ ٤٩٦.","vol":"13","page":74},{"text":"فسلامُ الإلهِ يَغْدو (١) عليهمْ ... وفُيوءُ الفرْدَوْسِ ذاتُ الظِّلالِ (٢)\nفهذا الشعر قد أوقع فيه الفيء على ما لم تنسخه الشمس، وجمعه على فيوء؛ مثل بيت وبيوت؛ لأن ما في الجنة يكون ظلًّا ولا يكون فيئًا؛ لأن ضياء الشمس لم تنسخه، ففاء بعد النسخ، وأكثر ما تقول العرب في جمعٍ (٣) أفياء؛ وهو للعدد القليل، وفيوء؛ للكثير كالبيوت والعيون.\nوقوله تعالى: ﴿ظِلَالُهُ﴾ أضاف الظلال إلى مفرد، ومعناه الإضافة إلى ذوي الظلال؛ لأن الذي يعود إليه الضمير واحدٌ يدل على الكثرة، وهو قوله: ﴿إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ﴾، وهذا مثل: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ﴾ [الزخرف: ١٣]، فأضاف الظهور، وهو جمع، إلى ضمير مفرد؛ لأنه يعود إلى واحدٍ يُرادُ به الكثرة، وهو قوله: ﴿مَا تَرْكَبُونَ﴾ (٤) [الزخرف: ١٢].\nوأما قول المفسرين في: (يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ) قال ابن عباس: يتميل (٥)، وهو معنى وليس بتفسير؛ لأنه إذا قرن بقوله: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ﴾ صار المعنى: أنه يتميل عن الجوانب، ومعنى تفيؤ الظلال: أن يعود الظل بعد نسخ الشمس إياه، وأما معنى تفيؤها عن اليمين والشمائل (فهو أن يكون\n_________\n(١) في جميع النسخ: بعد، والصحيح المثبت لموافقته للمصادر وإفادته للمعنى.\n(٢) \"شعر النابغة\" الجعدي ص ٢٣١، وورد في \"النوادر في اللغة\" ص٢٢٠، و\"تفسير ابن عطية\" ٨/ ٤٣١، والفخر الرازي ٢٠/ ٤١، و\"اللسان\" (ظلل) ٥/ ٢٧٥٣.\n(٣) الأولى (في الجمع)، أو (في جمع فيء) ولعل (فيء) ساقطة.\n(٤) \"الحجة للقراء\" ٥/ ٦٧ - ٧٠ نقل طويل تصرف فيه بالحذف والإضافة، والتقديم والتأخير، والتهذيب والاختصار، وانظر: \"تفسير الفخر الرازي\" ٢٠/ ٤٠، نقله بطوله عن الواحدي بتصرف يسير مع نسبته.\n(٥) ورد في \"تفسير الطوسى\" ٦/ ٣٨٧، بلفظه.","vol":"13","page":75},{"text":"للأشجار فيء عن اليمين والشمائل) (١)، إذا كانت الشمس يمين الشخص كان الفيء عن شماله، وإذا كانت على شماله كان الفيء عن يمينه، فهذا وجه ذكره بعضُ أهل التأويل (٢)، والذي عليه المفسرون، قال قتادة والضحاك وابن جريج: أما اليمين فأول النهار، وأما الشمال فآخر النهار (٣)، وقد بين الكلبي هذا، فقال: إذا طلعت الشمس وأنت متوجه إلى القبلة كان الظل قدامك، فإذا ارتفعت كان عن يمينك، فإذا كان بعد ذلك كان خلفك، فإذا كان قبل أن تغرب الشمس كان على يسارك، فهذا تفيؤه عن اليمين والشمائل (٤)، ووحد اليمين والمراد الجمع، ولكنه اقتصر فيه على الواحد في اللفظ للإيجاز؛ كقوله: ﴿وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ [القمر: ٤٥] وقول الفرزدق:\nبِفي الشَّامِتِينَ الصَّخْرُ إنْ كانَ هَدَّنِي ... رَزيَّةُ شِبْلَيْ مُخْدِرٍ في الضَّراغمِ (٥)\n_________\n(١) ما بين القوسين ساقط من (ش)، (ع).\n(٢) ورد في \"الحجة للقراء\" ٥/ ٧٢، بنصه.\n(٣) أخرجه عبد الرزاق في \"مصنفه\" (٢/ ٣٥٦) بنصه عن قتادة، والطبري ١٤/ ١١٥ بنصه عن قتادة من طريقين، وبمعناه عن الضحاك وابن جريج من طريقين، ورد في \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٥٧ ب، بنصه عن الضحاك وقتادة، و\"تفسير الماوردي\" ٣/ ١٩١، والطوسي ٦/ ٣٨٧، عنهم، وانظر: \"تفسير البغوي\" ٥/ ٢٢، عن قتادة والضحاك، وابن عطية ٨/ ٤٣٣، عن قتادة وابن جريج، والخازن ٣/ ١١٧، عن الضحاك، وأبي حيان ٥/ ٤٩٧، عن قتادة وابن جريج.\n(٤) ورد في \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٥٧ ب، بنحوه، وانظر: \"تفسير البغوي\" ٥/ ٢٢، وابن الجوزي ٤/ ٤٥٢، وأبي حيان ٥/ ٤٩٨، ورد في الأخيرين بلا نسبة.\n(٥) \"ديوانه\" ٢/ ٢٠٦، وورد في \"تفسير الطبري\" ١٤/ ١١٧، والثعلبي ٢/ ١٥٧ ب، والطوسي ٦/ ٣٨٨، و\"الأساس\" ص ١٥٤، وابن عطية ٨/ ٤٣٣، (الشامتين) =","vol":"13","page":76},{"text":"هذا قول الأخفش وجميع أهل المعاني (١).\nوقال الفراء: كأنه إذا وَحَّد ذهب إلى واحد من ذوات الظلال، وإذا جمع ذهب إلى كلها (٢)، وذلك أن قوله: ﴿مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ لفظه واحد ومعناه الجمع على ما بينا، فيحمل كلا الأمرين.\nوقوله تعالى: ﴿سُجَّدًا لِلَّهِ﴾ قال المفسرون: ميلانها سجودها، (٣) وشرح ابن قتيبة هذا شرحًا شافيًا فقال: أصل السجود التّطَأطُؤ والميل، يقال: سجد البعير وأُسجد إذا طأطأ رأسَه لِيُرْكَب، وسجدت النخلة إذا مالت لكثرة العمل، ثم قد يُستعارُ السجودُ فيوضع موضع الاستسلام والطاعة والذل، ومن الأمثال المبتذلة: اسْجُدْ للقرد في زمانه (٤)، يراد اخضع للئيم في دولته، ولا يُراد معنى سجود الصلاة، والشمس والظل خَلقان مُسخَّران لأَنْ يُعَاقِبَ كلُّ واحدٍ منهما صاحِبَه بغير فصْلٍ، فالظلُّ في أول النهار قبل طلوع الشمس يَعُمُّ الأرضَ، كما تَعُمُّها ظلمةُ الليل، ثم\n_________\n= جمع شامت؛ وهو الذي يفرح في بلية الإنسان، (هدني): أوهن أركاني، (المُخدر): الأسد، وكذلك (الضرغام)، يعني أنه يَتَجَلَّد وَيتَحَمَّل مصيبته في فقد ولديه حتى لا يشمت فيه الشامتون الحاقدون. والشاهد: كما قال الطبري: فقال بقي الشامتين، ولم يقل: بأفواه، وهو الشاهد. والبيت يرثي فيه ابنين له.\n(١) لم أقف عليه في معاني الأخفش، وانظر: \"تفسير ابن الجوزي\" ٤/ ٤٥٢، بلا نسبة.\n(٢) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٥٢، بمعناه.\n(٣) ورد في \"تفسير الطبري\" ١٤/ ١١٤ - ١١٥، بلفظه واختاره، والسمرقندي ٢/ ٢٣٧، بنحوه، والثعلبي ٢/ ١٥٧ب بلفظه، وانظر: \"تفسير البغوي\" ٥/ ٢٢، وابن عطية ٨/ ٤٣٥، و\"القرطبى\" ١٠/ ١١١، وأبي حيان ٥/ ٤٩٨، وابن كثير ٢/ ٦٣٠.\n(٤) ذكره الميداني في المجمع، ونصه: اسْجُدْ لقرْد السُّوء في زمانه. انظر: \"مجمع الأمثال\" للميداني ١/ ٣٥٧.","vol":"13","page":77},{"text":"تطلُع الشمسُ فتَعُمُّ الأرضَ إلا بما (١) سترته الشُّخُوصُ، فإذا سَتَرَ الشخص شيئًا عاد الظلُّ، فرجوعُ الظلِّ بعد أن كان شمسًا ودورانُه من جانب إلى جانب هو سُجُودُه؛ لأنه مستسلم منقاد مطيع بالتَّسخير، وهو في ذلك يميل، والميل سجود، وكذلك قوله: ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾ [الرحمن: ٦]، أي يستسلِمَان لله بالتسخير (٢)، وهذه الآية كقوله: ﴿وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ [الرعد: ١٥]، وقد مر بيانه وشرحه.\nوقوله تعالي: ﴿وَهُمْ دَاخِرُونَ﴾، أي: صاغرون، وهذا لفظ المفسرين (٣)، يقال: دَخَرَ يَدْخَر دُخُورًا، أي صَغُرَ يَصْغُرُ صغَارًا، وهو الذي يَفعلُ ما تأمره شاء أو (أبى (٤).\nقال الزجاج: هذه الأشياء مجبولة على الطاعة (٥).\nوقال الأخفش في قوله: ﴿وَهُمْ دَاخِرُونَ﴾) (٦) ذَكَّرَ، وهم من غير\n_________\n(١) في المصدر: إلا ما.\n(٢) تأويل مشكل القرآن (ص ٤١٦ - ٤١٨)، وهو نقل طويل تصرف فيه واختصر.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ١/ ٢٠٣ ب، وأخرجه عبد الرزاق في \"مصنفه\" ٢/ ٣٥٦ بلفظه عن قتادة، والطبري ١٤/ ١١٦ بلفظه عن مجاهد وقتادة من طريقين لكل منهما، وورد في \"تفسير هود الهواري\" ٢/ ٣٧٣، و\"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ٧٠، و\"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢٣٧، والثعلبي ٢/ ١٥٧ ب، و\"تفسير الماوردي\" ٣/ ١٩٠، والطوسي ٦/ ٣٨٨، وانظر: \"تفسير البغوي\" ٥/ ٢٢، وابن عطية ٨/ ٤٣٦، وابن الجوزي ٤/ ٤٥٣، و\"تفسير القرطبي\" ١٠/ ١١١، والخازن ٣/ ١١٨، وأورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ٢٢٣، وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد، وزاد نسبته إلى ابن المنذر عن قتادة.\n(٤) ورد في \"تهذيب اللغة\" (دخر) ٢/ ١١٥٨، بنصه.\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٠٢، بنصه.\n(٦) ما بين القوسين ساقط من (د).","vol":"13","page":78},{"text":"الإنس؛ لأنه لما وصفهم بالطاعة أشبهوا ما يعقل (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2053>٤٩ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ الآية. قد ذكرنا السجود يكون على نوعين: سجود هو عبادة؛ كسجود المسلمين لله، وسجود هو خضوع واستكانة؛ وهو سجود ما [لا] (٢) يعقل وسجود الجمادات، فإن هذه الأشياء بما فيها من الدلالة على الحاجة إلى مُدَبَّر وصانع ساجدة؛ أي خاضعة متذللة، وقال: ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ لأن (ما) و(من) يتعاقبان، و(ما) أعمّ من (من) ألا ترى أنه قد قال في أخرى: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ [الرعد: ١٥].\nوقوله تعالى: ﴿مِنْ دَابَّةٍ﴾ قال الفراء: دخل (من) هاهنا؛ لأن (ما) مُبْهم، فلو أسقطت (من) لأشبه أن تكون الدابة حالًا لها، فأدخل (من) ليدُلّ (٣) على أنه تفسير لـ (ما) (٤)، ومثل هذا كثير في كتاب الله؛ قال تعالى: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ﴾ [النساء: ٧٩]، وقال: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ﴾ [النساء: ١٢٤]، وقال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٤٨] لم يقل في شيء منه بطرح (مِنْ)؛ لما ذكرنا من أنّ (ما) و(مِنْ) غير مؤقّتتين (٥)، ومثله قول الشاعر:\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للأخفش ٢/ ٦٠٦، بنصه، وانظر: \"تفسير ابن الجوزي\" ٤/ ٤٥٣.\n(٢) إضافة يقتضيها السياق ليستقيم المعنى، ويؤيده ثبوتها في تفسيره \"الوسيط\" تحقيق سيسي ٢/ ٤٠٠.\n(٣) في (أ)، (د): (البدل)، والمثبت من (ش)، (ع)، وهو الصواب، يستقيم به المعنى، ويؤيده المصدر.\n(٤) في (ش)، (ع): (لها).\n(٥) أي: غير محددتين.","vol":"13","page":79},{"text":"فثبتَ اللهُ ما آتاك من حَسَنٍ ... وحيثُ ما يقض أمرًا صالحًا يكن (١)\nوقال آخر:\nعُمْرًا حَييت ومَن يشناك من أحد ... يَلْق الهوان ويلق الذُلَّ والغِيَرا (٢)\nفدلّ مجيء (من) على أنه لم يرد أن يكون ما جاء من النكرات حالًا للأسماء التي قبلها، ودلَّ على أنه مُترجِم على معنى (مَن) و(مَا)، ومثل هذا قوله: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْء﴾ [سبأ: ٣٩]؛ لأن الشيء لا يكون حالًا، ولكنه مترجم، فأمَّا قولهم: لله دَرُّه رجلًا (٣)، فالرجلُ مترجِم لما قبله وتفسير وليس بحال، إنّما الحال الذي ينتقل؛ مثل القيام والقعود، وجاز سقوط (مِنْ) في هذا الموضع (٤)؛ لأن الذي قبله مؤقت، فجاز أن يُذكرَ بطرح (مِن) كالحال (٥)، وقال الأخفش في قوله: ﴿مِنْ دَابَّةٍ﴾ يريد: (من الدواب، واجتزأ بالواحد؛ كما تقول: ما أتاني من رجل مثله (٦)، وقال ابن عباس في قوله: ﴿مِنْ دَابَّةٍ﴾) (٧):\n_________\n(١) ورد غير منسوب في \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٠٣ بخلاف في رواية الصدر:\nحاز لك الله ما آتاك من حَسَنٍ\n(٢) ورد غير منسوب في \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٠٣.\n(٣) ورد في \"جمهرة الأمثال\" ٢/ ٢١٠، وانظر: \"مجمع الأمثال\" ٢/ ١٩٠، و\"اللسان\" (عجب) ٥/ ٢٨١٢، (درر) ٣/ ١٣٥٦، وورد برواية: (لله درُّك)، والأصل فيه أن الرجل إذا كَثُر خيرُه وعطاؤهُ قيل له ذلك، إشادةً وتعجبًا، ثم قيل لكل مُتَعَجبٌ منه.\n(٤) أي في المثل؛ لأن أصله أن يقال: لله درُّه من رجل.\n(٥) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٠٣ - ١٠٤، نقل طويل تصرف فيه بالتقديم والتأخير، والاختصار والتهذيب، والتمثيل والتوضح.\n(٦) أي: ما أتاني من الرجال مثله، فأفاد الإفراد معنى الجمع. \"معاني القرآن\" للأخفش ٢/ ٦٠٦، بنصه.\n(٧) ما بين القوسين ساقط من (أ)، (د).","vol":"13","page":80},{"text":"يريد كلَّ ما (١) دَبَّ على الأرض (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ﴾ أخرجهم بالذكر تخصيصًا وتفصيلًا؛ كقوله: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ (٣) [الرحمن: ٦٨]، وقوله تعالى: ﴿لَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ (٤) [البقرة: ٩٨] وقال الزجاج: المعنى: ولله يسجد ما في السموات من الملائكة، وما في الأرض من دابة والملائكة؛ أي: وتسجد ملائكة الأرض (٥)، وفي الأرض ملائكة موكلون بالعباد (٦)، وقيل: إنما ذكرهم على التخصيص لخروجهم من صفة الدبيب بما جعل لهم من الأجنحة (٧)، والله أعلم.\nوقوله تعالى: ﴿وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ قال ابن عباس: يريد عن عبادة الله (٨)، وهذا صفة من يسجد لله سجود عبادة، فأما من له سجود الخضوع\n_________\n(١) في جميع النسخ: كلما، وهو تصحيف ظاهر.\n(٢) انظر: \"تفسير الفخر الرازي\" ٢٠/ ٤٤، وأبي حيان ٥/ ٤٩٨، و\"تفسير القرطبي\" ١٠/ ١١٢، بلا نسبة.\n(٣) يقصد ذكر الخاص بعد العام؛ فذكر الفاكهة عمومًا، ثم فصل في أنواعها وخص من الأنواع النخل والرمان.\n(٤) وهنا كذلك، أجمل الملائكة، ثم فصَّلهم وخصّ منهم جبريل وميكال بالذكر.\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٠٢، بنصه.\n(٦) لقوله تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق:١٨]، وغيرها من الأدلة.\n(٧) ورد في \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٥٨ أ، بنحوه، و\"تفسير الماوردي\" ٣/ ١٩٢، بنحوه، وانظر: \"تفسير البغوي\" ٥/ ٢٣، وابن الجوزي ٤/ ٤٥٤، و\"تفسير القرطبي\" ١٠/ ١١٣.\n(٨) انظر: \"تفسير القرطبي\" ١٠/ ١١٣، وابن كثير ٢/ ٦٣٠، وأبي السعود ٥/ ١١٩، و\"الشوكاني\" ٣/ ٢٣٨، و\"تفسير الألوسي\" ١٤/ ١٥٨، كلها بلا نسبة.","vol":"13","page":81},{"text":"دون سجود العبادة، فمعنى لا يستكبرون في صلتهم أنهم يذعنون للخالق والصانع بالتسخير والتذليل وما فيهم من الضرورة إلى صانع فطرهم وخلقهم وأنشأهم ودبَّرهم، ويجوز أن يكون قوله: ﴿وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ من صفة الملائكة خاصة (١)؛ لأن الآية التي بعد هذا تختص بصفتهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2054>٥٠ </span>- قوله تعالى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِم﴾ الآية. ذكر أهل العلم وأصحاب المعاني في هذه الآية، قولين (٢)؛ أحدهما: أن الآية من باب حذف المضاف، على تقدير يخافون عقاب ربهم من فوقهم (٣)؛ لأن أكثر ما يأتي العقاب المهلك من فوق، سيّمَا والآية في صفة الملائكة، والآخر: أن الله تعالى لما كان موصوفًا بأنه علىٌّ ومتعال علو الرتبة في القدرة، حَسُن أن يقال: ﴿مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ ليدل على أنه في أعلى مراتب القادرين (٤)، وهذا\n_________\n(١) ورد في \"تفسير مقاتل\" ١/ ٢٠٣ ب، بنحوه، وهود الهواري ٢/ ٣٧٣، بمعناه، وانظر: \"تفسير ابن الجوزي\" ٤/ ٤٥٤، و\"الشوكاني\" ٣/ ٢٣٨.\n(٢) ورد القولان في \"تفسير الماوردي\" ٣/ ١٩٢، بنحوه، والطوسي ٦/ ٣٨٩ بنصه تقريبًا، وانظر: \"تفسير الزمخشري\" ٢/ ٣٣١، وابن عطية ٨/ ٤٣٧، وابن الجوزي ٤/ ٤٥٥، وأبي حيان ٥/ ٤٩٩، و\"الدر المصون\" ٧/ ٢٣٤.\n(٣) ورد في \"تفسير مقاتل\" ١/ ٢٠٣ ب، بمعناه، والطبري ١٤/ ١١٧ - ١١٨ بمعناه، والثعلبي ٢/ ١٥٨، بنحوه، وانظر: \"تفسير القرطبي\" ١٠/ ١١٣.\n(٤) ورد في \"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢٣٨، بمعناه.\nوالقولان باطلان؛ لأن فيهما تعطيلًا وتأويلًا؛ فالأول تعطيل ظاهر لصفة الفوقية، والثاني تأويل وصرفٌ لظاهر النص من فوقية العلو إلى فوقية القدرة والعظمة، وهو خلاف مذهب أهل الحق؛ يقول ابن القيم: ومما ادعى المعطلة مجازه: الفوقية، وقد ورد به القرآن؛ كقوله ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾، وحقيقة الفوقية علو ذات الشيء على غيره، فادعى الجهمي أنها مجاز في فوقية الرتبة والقهر، كما يقال الذهب فوق الفضة، والأمير فوق نائبه، وهذا وإن كان ثابتًا للرب تعالى، لكن =","vol":"13","page":82},{"text":"معنى قول أبي إسحاق: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ﴾: خوف مُجِلِّين (١)، ويدل على صحة هذا المعني قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام: ٦١]، وقوله إخبارًا عن فرعون: ﴿وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ﴾ [الأعراف: ١٢٧]، وقد روى مجاهد عن ابن عباس في قوله: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ قال: ذاك مخافة الإجلال (٢)، وذهب بعض الناس إلى أن قوله: ﴿مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ من صفة الملائكة (٣)، والمعنى: أن الملائكة الذين هم فوق بني آدم وفوق ما في الأرض من دابة يخافون الله مع علو رتبتهم، فلأن يخاف من دونهم أولى (٤).\nوقوله تعالى: ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ قال المفسرون: يعني الملائكة (٥)،\n_________\n= إنكار حقيقة فوقيته سبحانه وحملها على المجاز باطل من وجوه عديدة، وقد ذكر سبعة عشر وجهًا. انظر: \"مختصر الصواعق المرسلة\" ص ٣٥٥ - ٣٦٣، و\"الفتاوى\" ٥/ ١٢٦.\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٠٣، بنصه. وقد ردّ الألوسي القول بأن خوفهم ليس إلا خوف إجلال ومهابة لا خوف وعيد وعذاب، بقوله: ﴿وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (٢٨) وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء].\n(٢) أورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ٢٢٥، وعزاه للخطيب في تاريخه [لم أقف عليه]، وانظر: \"تفسير الرازي\" ٢٠/ ٤٤، و\"تفسير الألوسي\" ١٤/ ١٥٩، وأورداه بصيغة التمريض، وانتصر له الفخر الرازي وردّه الألوسي -كما مرّ في الحاشية السابقة-، وورد بلا نسبة في \"تفسير أبي حيان\" ٥/ ٤٩٩، وأبي السعود ٥/ ١١٩.\n(٣) ورد في \"تفسير مقاتل\" ١/ ٢٠٣ ب، بنحوه، وانظر: \"تفسير ابن الجوزي\" ٤/ ٤٥٤، و\"تفسير القرطبي\" ١٠/ ١١٣، وأبي حيان ٥/ ٤٩٩.\n(٤) وفي هذا المعنى تكلُّف وصَرْفٌ لِلَّفظ عن ظاهره؛ فالفوقية هنا صفة لله وليس للملائكة.\n(٥) ورد في \"تفسير مقاتل\" ١/ ٢٠٣ ب، بنحوه، و\"تفسير الماوردي\" ٣/ ١٩٢، بمعناه، وانظر: \"تفسير البغوي\" ٥/ ٢٣، وابن الجوزي ٤/ ٤٥٤، و\"تفسير القرطبي\" ١٠/ ١١٣، و\"الشوكاني\" ٣/ ٢٣٨.","vol":"13","page":83},{"text":"وهذا كقوله في آية أخرى: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ﴾ الآية [التحريم: ٦].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2055>٥١ </span>- قوله تعالى: ﴿وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ قال الزجاج: ذكر اثنين توكيدًا لقوله: ﴿إِلَهَيْنِ﴾، كما ذكر الواحد في قوله: ﴿إِلَهًا وَاحِدًا﴾ (١) [التوبة: ٣١]. وقال صاحب النظم: فيه تقديم وتأخير؛ يريد: لا تتخذوا اثنين إلهين (٢)، أي: الاثنان لا يكونان ولا واحدٌ منهما إلهًا، ولكن اتخذوا الواحد الذي لا يجوز أن يكون له ثانٍ إلهًا، يدل على هذا قوله: ﴿إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾، وقوله: ﴿فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ من تلوين الخطاب.\n<span data-type=\"title\" id=toc-2056>٥٢ </span>- وقوله تعالى: ﴿وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا﴾، الدين: الطاعة هاهنا، والواصب: الدائم، و[هو] (٣) قول ابن عباس وجميع المفسرين (٤)؛ يقال\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٠٤، بنصه، لكنه استشهد بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ بالآية نفسها.\n(٢) انظر: \"تفسير الفخر الرازي\" ٢٠/ ٤٧، بنصه، والظاهر نقله عن الواحدي، والخازن ٣/ ١١٨، بنحوه.\n(٣) ساقطة من جميع النسخ، ولا يستقيم الكلام إلا بها.\n(٤) ورد في \"تفسير مقاتل\" ١/ ٢٠٣ ب، بنحوه، وأخرجه عبد الرزاق في \"مصنفه\" ٢/ ٣٥٧ بلفظه عن قتادة، وورد في \"الغريب\" لابن قتيبة ص ٢٤٣، بلفظه، وأخرجه الطبري ١٤/ ١١٩ بلفظه عن ابن عباس، وعن عكرمة من طريقين، وعن مجاهد من طريقين، وعن الضحاك من طريقين، وعن قتادة، وعن ابن زيد، وأخرجه بلفظ واجبًا عن ابن عباس، وورد في \"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ٧٢، بلفظه عن قتادة وعن مجاهد، وعن ابن عباس قال: واجبًا، و\"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢٣٨ بلفظه، وهود الهوارى ٢/ ٣٧٣، بلفظه، والثعلبي ٢/ ١٥٨ أ، بنحوه، وفيه عن ابن عباس قال: واجبًا، و\"تفسير الماوردي\" ٣/ ١٩٣، بلفظه عن الحسن ومجاهد وقتادة والضحاك، وعن ابن عباس قال: واجبًا، والطوسي ٦/ ٣٩٠، بنحوه عن ابن عباس، وقال: وبه قال الحسن ومجاهد والضحاك وقتادة وابن زيد.","vol":"13","page":84},{"text":"وصب الشىء يصب وصوبًا إذا دام (١)، قال الله تعالى: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ﴾ [الصافات: ٩] ويقال: واظَبَ على الشيء وواصَبَ عليه إذا داوم (٢)، قال أبو إسحاق: أي طاعته واجبة أبدًا (٣)، وقال عبد الله بن مسلم (٤): ليس من أحد يُدان له ويطاوع إلا انقطع ذلك عنه بزوال أو هلكة، غير الله ﷿؛ فإن الطاعة تدوم له (٥)، ثم قال: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ﴾، أي: أفغير الله الذي قد أبان لكم أنه واحدٌ، وأنه خالق كل شيء، وأمر أن لا يُتخذ معه إلَهٌ، تتقون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2057>٥٣ </span>- قوله تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ قال ابن عباس: يريد من نعمة الإسلام وصحة الأبدان (٦)، أي ما أعطاكم الله من صحة في جسم أو سعة في رزق أو متاع بمال وولد، فكل ذلك من الله، ودخلت الفاء في قوله: ﴿فَمِنَ اللَّهِ﴾؛ لأن الباء في: ﴿بِكُمْ﴾ متصلة بفعل مضمر، المعنى: ما يكن بكم أو ما حل بكم من نعمة فمن الله (٧)، وقد شرحنا هذه المسألة في\n_________\n(١) ورد في \"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ٧٢، بنصه، وانظر: (وصب) في \"جمهرة اللغة\" ١/ ٣٥١، و\"المحيط في اللغة\" ٨/ ٢٠٢، و\"الصحاح\" ١/ ٢٣٣، و\"اللسان\" ٨/ ٤٨٤٨، وانظر: \"تفسير الفخر الرازي\" ٢٠/ ٤٩، بنصه، وأورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ٢٢٥، وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(٢) ورد في \"تهذيب اللغة\" (وصب) ٤/ ٣٩٠٠، بنصه تقريبًا، وانظر: \"تفسير الفخر الرازي\" ٢٠/ ٤٩.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٠٣، بنصه.\n(٤) هو ابن قتيبة (ت ٢٧٦ هـ).\n(٥) \"الغريب\" لابن قتيبة ١/ ٢٤٥، بنصه.\n(٦) انظر: \"تفسير الخازن\" ٣/ ١١٩، بنصه غير منسوب.\n(٧) ورد في \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٠٤، بنحوه، و\"تفسير الطبري\" ١٤/ ١٢٠ - ١٢١، بنحوه، وانظر: \"تفسير الرازي\" ٢٠/ ٥١، و\"الإملاء\" ٢/ ٨٢، و\"الفريد في إعراب القرآن\" ٣/ ٢٣٢.","vol":"13","page":85},{"text":"قوله: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٥٨] وفي قوله: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ الآية [البقرة: ٢٧٤].\nوقوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ﴾ قال ابن عباس: يريد الأسقام والأمراض والحاجة (١)، ﴿فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾، أي: (ترفعون أصواتكم بالاستغاثة، وهو معنى قول المفسرين: يتضرعون بالدعاء (٢)، يقال: جأر ويجأر) (٣) جُؤارًا، وهو الصوت الشديد؛ كصوت البقرة (٤)، قال الأعشى يصف بقرة:\nوكان النَّكيرُ أَنْ تُضيفَ وتَجْأرَا (٥)\n_________\n(١) أخرجه الطبري ١٤/ ١٢١ من طريق أبي طلحة صحيحة بلفظ السُّقْم، وكذلك ورد في \"تفسير الماوردي\" ٣/ ١٩٣، وانظر: \"تفسير ابن الجوزي\" ٤/ ٤٥٧ بنصه، والفخر الرازي ٢٠/ ٥١، والخازن ٣/ ١١٩.\n(٢) ورد في \"تفسير مقاتل\" ١/ ٢٠٣ ب، بلفظه، وأخرجه الطبري ١٤/ ١٢١ بلفظه عن مجاهد من طريقين، وورد في \"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢٣٨، بلفظه، وهود الهواري ٢/ ٣٧٣، بلفظه عن مجاهد، والثعلبي ٢/ ١٥٨ أ، بمعناه، و\"تفسير الماوردي\" ٣/ ١٩٣، بلفظه، والطوسي ٦/ ٣٩١ بلفظه، قال: وهو قول مجاهد، وانظر: \"تفسير البغوي\" ١/ ٥١٩، وابن عطية ٨/ ٤٤١، وابن الجوزي ٢٠/ ٥١.\n(٣) ما بين القوسين ساقط من (أ)، (د).\n(٤) انظر: (جأر) في \"تهذيب اللغة\" ١/ ٥١٩، و\"المحيط في اللغة\" ٧/ ١٧٢، و\"اللسان\" ٢/ ٧٢٢، ونقله الفخر الرازي ٢٠/ ٥١، بنصه.\n(٥) لم أجده في ديوانه، وورد منسوبًا إليه في \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٥٨ أ، و\"تفسير القرطبي\" ١٠/ ١١٥، برواية:\nفطافت ثلاثًا بين يوم وليلة ... وكان النكيرُ أن تُضيفَ وتجأرا\nوالصحيح أن البيت للنابغة الجعدي كما في شعر النابغة الجعدي ص ٤١، وصدره:\nفجالتْ على وَحْشيتها حتبجَةَ مستتِبَّةً","vol":"13","page":86},{"text":"فهذا (١) ذهب جُؤَار البقرة، وقال عدي بن زيد في جُؤَار الإنسان:\nإنَّني والله فاقْبَلْ حَلْفَتِي ... بأَبِيل كلما صَلَّى جَأَرْ (٢)\n(أي رئيس النصارى) (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2058>٥٤ </span>- قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ﴾ الآية. قال ابن عباس في قوله: ﴿إِذَا فَرِيقٌ﴾ يريد أهل النفاق (٤)، وقال الكلبي: يعني الكفار (٥)،\n_________\n= ونسب إليه كذلك في \"الكتاب\" ٣/ ٥٦٣، و\"أدب الكاتب\" ص ٢٧٥، و\"الاقتضاب\" ص ٣٦٧، و\"الخزانة\" ٧/ ٤٠٧، وبرواية: (أقامت) بدل (فطافت) في \"إصلاح المنطق\" ص ٢٩٨، و\"تهذيب إصلاح المنطق\" ص ٦٤١، و\"اللسان\" (خمس) ٢/ ١٢٦٢، (ضيف) ٥/ ٢٦٢٧. (مستتبة) واهنة ضعيفة، يقال: استتبَّني: استضعفني، وأتب الله قوتها، أي: أوهنها. والنابغة يصف بقرة وحشية أكل السبع ولدها، فطافت ثلاثة أيام وثلاث ليال تطلبه ولا إنكار عندها ولا غناء إلا الإضافة؛ وهي: الجزع والإشفاق، و(الجؤار) هو الصياح، و(النكير) الإنكار. وانظر: \"المحيط في اللغة\" (تب) ٩/ ٤١٦.\n(١) في (أ)، (د): (بهذا).\n(٢) ورد في \"الأغاني\" ٢/ ١٠٥، وفيه: (لأبيلٌ)، و\"مقاييس اللغة\" ١/ ٤٢، و\"تفسير الطوسي\" ٦/ ٣٩١، و\"اللسان\" (أبل) ١/ ١١، وفيه (فاسمع حَلِفي)، و\"شعراء النصرانية قبل الإسلام\" ص ٤٥٣. (الأبيل) الراهب، سمي به لتأبله عن النساء وترك غشيانهنّ، والفعل منه: أبَل يأبُلُ أبالةً: إذا تنسَّك وترهَّب، وفي اللسان: الأبيل: رئيس النصارى، وقيل: هو الراهب، وقيل: الراهب الرئيس، وقيل: صاحب الناقوس، وكانوا يسمون عيسى -﵇- أبيل الأبيليين، وكانوا يعظمون الأبيل فيحلفون به كما يحلفون بالله.\n(٣) ما بين القوسين كتب على الهامش في نسخة (أ).\n(٤) انظر: \"تفسير ابن الجوزي\" ٤/ ٤٥٧، وأبي حيان ٥/ ٥٠٢.\n(٥) انظر: \"تفسير ابن الجوزي\" ٤/ ٤٥٧، وأبي حيان ٥/ ٥٠٢، وورد غير منسوب في \"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢٣٨، والزمخشري ٢/ ٣٣٢، وابن عطية ٨/ ٤٤٣.","vol":"13","page":87},{"text":"وهو اختيار الزجاج؛ قال: هذا خاص فيمن كفر (١)، وقابل كشف الضّر عنه بالجحود والكفر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2059>٥٥ </span>- قوله تعالى: ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ﴾، أي: ليجحدوا نعمة الله في كشف الضرّ عنهم، واللام هاهنا يحتمل أن تكون لام كي (٢)، ويكون المعنى: أنهم أشركوا بالله غيره ليجحدوا نعمته، فاللام بيان عما هو بمنزلة العلة التي يقع لأجلها الشرك، وهؤلاء أشركوا بالعبادة ليكفروا النعمة (٣)، ويحتمل أن تكون اللام للعاقبة (٤)، ويكون المعنى: أنهم جعلوا ما رزقناهم وأنعمنا به عليهم سببًا إلى الكفر، كما قلنا في قوله: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ﴾ إلى قوله: ﴿لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ﴾ [يونس: ٨٨]، وقد مر، وذكر أبو إسحاق الوجهين أيضًا في اللام هاهنا (٥).\nوقوله تعالى: ﴿فَتَمَتَّعُوا﴾ لفظ أمر لتهدد؛ كقوله: ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا﴾ [الإسراء: ١٠٧]، ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾: عاقبة أمركم وما ينزل بكم من العذاب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2060>٥٦ </span>- قوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ﴾ يعني الأوثان؛ لا يعلمون ضرًّا ولا نفعًا، ومفعول العلم هاهنا محذوف، والتقدير: لما لا يعلمون له\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٠٤، بنصه.\n(٢) انظر: \"تفسير الفخر الرازي\" ٢٠/ ٥٢، و\"تفسير القرطبي\" ١٠/ ١١٥، والخازن ٣/ ١١٩، وابن كثير ٢/ ٦٣٠.\n(٣) ورد في \"تفسير الطوسي\" ٦/ ٣٩٢، بنحوه.\n(٤) انظر: \"تفسير الفخر الرازي\" ٢٠/ ٥٢، و\"تفسير القرطبي\" ١٠/ ١١٥، والخازن ٣/ ١١٩، وابن كثير ٢/ ٦٣٠.\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٠٤ باختصار.","vol":"13","page":88},{"text":"حقًّا ولا فيه ضرًّا ونفعًا، قال مجاهد: يعلمون أن الله خلقهم ويضرهم وينفعهم، ثم يجعلون لما لا يعلمون أنه ينفعهم ويضرهم (١)، ونحو هذا قال قتادة وابن زيد: هم مشركو العرب جعلوا لأوثانهم جزءًا من أموالهم (٢)، وقد بينّا (٣) مذهبهم في هذا عند قوله: ﴿هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا﴾ [الأنعام: ١٣٦] جعلوا نصيبًا من الحرث والأنعام يتقربون به إلى الله تعالى، ونصيبًا يتقربون به إلى الأصنام والحجارة على ما يجب أن يتقربوا إلى الله، وعلى هذا: العِلمُ مسند إلى المشركين، وهو قول عامة المفسرين (٤).\nوقال صاحب النظم: قوله: ﴿يَعْلَمُونَ﴾ هاهنا لازم ليس بمتعَدّ؛ لأنه الأصنام ومضاف إليها، والتأويل لِمَا ليس لها (٥)؛ لأنها موات لا معارف لها ولا حس، وأخرجها في قوله: (ما) مخرج غير الآدميين ومن [لا] (٦)\n_________\n(١) ليس في تفسيره، وأخرجه الطبري ١٤/ ١٢٢ بنصه، وانظر: \"تفسير ابن الجوزي\" ٤/ ٤٥٨، والفخر الرازي ٢٠/ ٥٣، و\"تفسير القرطبي\"١٠/ ١١٥، وأورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ٢٢٦.\n(٢) أخرجه الطبري ١٤/ ١٢٢ بنحوه عن قتادة، وبمعناه عن ابن زيد، وانظر: \"تفسير ابن الجوزي\" ٤/ ٤٥٨، وأورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ٢٢٦، وزاد نسبته إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة.\n(٣) في (أ)، (د): (ساء)، ولا معنى له، والصحيح المثبت كما في (ش)، (ع).\n(٤) انظر: \"تفسير الطبري\" ١٤/ ١٢٢ - ١٢٣، والسمرقندي ٢/ ٢٣٨، وهود الهواري ٢/ ٣٧٤، والثعلبي ٢/ ١٥٨ أ، والطوسي ٦/ ٣٩٢، والزمخشري ٢/ ٣٣٢، وابن عطية ٨/ ٤٤٤، وابن الجوزي ٤/ ٤٥٨، والفخر الرازي ٢٠/ ٥٣، وذكر مسوغات ترجيح من رجحه، و\"تفسير القرطبي\" ١٠/ ١١٥، والخازن ٣/ ١١٩، وأبي حيان ٥/ ٥٠٣.\n(٥) أي لما ليس لها علم ولا فهم.\n(٦) إضافة يقتضيها السياق ليستقيم الكلام، ولعلها التبست على النساخ بما بعدها.","vol":"13","page":89},{"text":"يفهم، وفي قوله: ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ مخرج من يفهم، ومثله قوله: ﴿وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ﴾ (١) [الأعراف: ١٩٨]، وحمله المعنى ﴿وَيَجْعَلُونَ﴾، أي. المشركون، ﴿لِمَا لَا يَعْلَمُونَ﴾ أي للشركاء الذين لا يعلمون شيئًا ولا معرفة لهم ولا حس، ﴿نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾، هذا كلامه، ولعل هذا القول أقرب؛ لأنه لا يحتاج فيه إلى تقدير محذوف، قال صاحب النظم: ولو كان هذا العلم مضافًا إلى المشركين لاستحال المعنى؛ لأنه لا يحتمل أن يجعلوا نصيبًا من رزقهم لما لا يعلمونه (٢)، ثم خاطبهم بعد الخبر عنهم، فقال: ﴿تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ﴾ أي سؤال توبيخ حتى يعترفوا به على أنفسهم؛ لأن سؤال التوبيخ هو الذي لا جواب لصاحبه إلا ما يظهر فيه فضيحتة (٣).\nوقوله تعالى: ﴿عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ﴾ أي تتقولونه على الله من أنه أمركم بذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2061>٥٧ </span>- قوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ﴾ قال المفسرون: هؤلاء خزاعة (٤)\n_________\n(١) قال الواحدي: والأكثرون على أن المراد بالآية الأصنام، وبيان صفات ما هي عليه من النقص.\n(٢) انظر: \"تفسير الفخر الرازي\" ٢٠/ ٥٣، ذكر القولين كمسوغات لترجيح القول الثاني دون نسبته لصاحب النظم أو الواحدي.\n(٣) ورد في \"تفسير الطوسي\" ٦/ ٣٩٢، بنحوه.\n(٤) خزاعة: قبيلة من الأزد من القحطانية، وهم بنو عمرو بن ربيعة، وهو لُحيُّ بن عامر ابن قَمَعَة بن إلياس، وهو أول من بحّر البحيرة وسيَّب السائبة. سُمُّوا بذلك لأنهم انخزعوا عن جماعة الأسد أيام سيل العرم لمّا صاروا إلى الحجاز، فافترقوا بالحجاز فصار قومٌ إلى عُمان وآخرون إلى الشام، وبطونهم هي: بنو كعب، وبنو عديّ، وبنو نصر، وبنو مُلَيح، وبنو جفنة، وبنو المُصْطَلِق، وبنو الحياء. انظر: \"الاشتقاق\" ص ٤٦٨، و\"جمهرة أنساب العرب\" ص ٤٦٧، و\"نهاية الأرب في معرفة أنساب العرب\" ص ٢٢٨، و\"معجم قبائل العرب\" ١/ ٣٣٨.","vol":"13","page":90},{"text":"وكنانة (١) زعموا أن الملائكة بنات الله (٢)، ثم نَزَّه نفسه فقال: ﴿سُبْحَانَهُ﴾ أي تنزيهًا عما زعموا.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ﴾ أجاز الفراء في (ما) وجهين؛ أحدهما: أن يكون في محل النصب على معنى: ويجعلون لأنفسهم ما يشتهون، والثاني: أن يكون رفعًا على الابتداء؛ كأنه تم الكلام عند قوله: ﴿سُبْحَانَهُ﴾، ثم ابتدأ فقال: ﴿وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ﴾ يعني البنين، وهذا كقوله: ﴿أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ﴾ (٣) [الطور: ٣٩]، ثم اختار الوجه الثاني فقال: لو كان نصبًا لقال: ولأنفسهم ما يشتهون؛ لأنك تقول: جعلتَ لنفسِك كذا وكذا، ولا تقول: جَعلتَ لك (٤)، و(٥) الزجاج أجاز (٦) الوجه الأول (٧) وقال: (ما) في موضع رفع لا غير، المعنى: ولهم الشيء الذي يشتهونه،\n_________\n(١) كنانة: قبيلة عظيمة من العدنانية، وهم بنو كنانة بن خُزيمة بن مُدْرِكة بن إلياس، كانت ديارهم بجهات مكة، وُلِد له: النَّضر، ومَلْك، وملِكان، وعبد مناة، وترجع جميع أنساب كنانة إلى هؤلاء، ويرجع نسب قريش إلى النَّضر بن كنانة، ومنه يتفرع نسب نبينا محمد -ﷺ-. انظر: \"جمهرة أنساب العرب\" ص ١١، و\"نهاية الأرب في معرفة أنساب العرب\" ص ٣٣٦، و\"معجم قبائل العرب\" ٣/ ٩٩٦.\n(٢) ورد في \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٥٨أبنصه، وانظر: \"تفسير البغوي\" ٥/ ٢٤، والزمخشري ٢/ ٣٣٢، وابن الجوزي ٤/ ٤٥٨، والفخر الرازي ٢٠/ ٥٤، و\"تفسير القرطبي\" ١٠/ ١١٦، و\"تفسير البيضاوي\" ٣/ ١٨٤، والخازن ٣/ ١٢٠، وأبي حيان ٥/ ٥٠٣.\n(٣) حيث تم الكلام على الآية السابقة [٣٨]، وهي: ﴿فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾، تم ابتدأ بهذه الآية.\n(٤) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٠٥، بتصرف.\n(٥) ورد في جميع النسخ: (وابن الزجاج)، وهو خطأ، والصواب ما أثبته.\n(٦) في جميع النسخ: (أجازه)، والصحيح المثبت.\n(٧) الصحيح أنه أجاز الوجه الثاني كذلك.","vol":"13","page":91},{"text":"ولا يجوز النصب؛ لأن العرب تقول: جَعَل لنفْسِه ما يشتهي، ولا تقول جَعَل زيدٌ له ما يَشْتهىِ، وهو يعني نفسه (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2062>٥٨ </span>- قوله تعالى: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى﴾ أي أُخبر بولادة بنت، والتبشير هاهنا بمعنى الإخبار أو بمعنى حقيقة التبشير على ما بينا في قوله: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ٢٥]؛ لأن الحزن يؤثر في البَشَرة كما يؤثر السرور، يدل على هذا قوله: ﴿ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا﴾ قال الزجاج: أي متغيرًا تَغَيُّرَ مغتم، ويقال لمن لَقِي مكروها: قد اسود وجهه غمَّا وحُزْنًا (٢)، وشرح أبو علي هذا فقال: ليس المعنى على السواد الذي هو خلاف البياض، ولكن على ما يلحق من غضاضة عن مذمة (٣)، ونَزَّلُوا ولادةَ الأنثى -وإن لم يكن من فِعْلِهم- منزلةَ ما يكونُ من فِعْلِهم مما يلحق من أجله العار، وعلى ضِدِّ هذا يمدحون بالبياض من لم يلحقه عار، من ذلك قوله (٤):\nوأَوْجُهُهُمْ بيضُ المَسَافِرِ غُرَّان (٥)\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٠٦، بتصرف يسير.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٠٦، بنصه، وانظر: \"تفسير البغوي\" ٥/ ٢٤، وابن الجوزي ٤/ ٤٥٨، والفخر الرازي ٢٠/ ٥٥.\n(٣) لم أقف عليه، وورد نحوه في \"تفسير القرطبي\" ١٠/ ١١٦.\n(٤) البيت لامرئ القيس.\n(٥) وصدره:\nثيابُ بَني عَوْفٍ طَهَارَى نَقِيةٌ\n\"شرح ديوان امرئ القيس\" ص ١٦٧، وفيه (عند المشاهد) بدل (ببض المسافر)، وورد في \"العين\" ٤/ ١٩، وفي (غرر) في \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٦٥٢، و\"الصحاح\" ٢/ ٧٦٧، و\"اللسان\" ٦/ ٣٢٣٤، و\"التاج\" ٧/ ٣٠١، وفيه (المشاهد) بدل (المسافر)، و\"مقاييس اللغة\" ٣/ ٤٢٨، برواية: (عند المسافر)، \"الأساس\" ص ٢٩٨. (المَسَافر)؛ أصله: سفر؛ أي أشرق، يقال: سفر وجهه حُسنًا، وأسفر، =","vol":"13","page":92},{"text":"يريد أنهم لا يرتكبون ما يُدَنِّس الوجه، وعلى هذا المعنى وصفهم الرجلَ بالبياض في المدح لا على معنى بياض اللون ونصوعه، قال قتادة في هذه الآية: هذا صنيع مشركي العرب، فأما المؤمن فهو حقيق أن يرضى بما قسم الله له (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ أي ممتلئ غمًّا (٢)، وفسرنا هذا الحرف في سورة يوسف [٨٤].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2063>٥٩ </span>- قوله تعالى: ﴿يَتَوَارَى﴾، أي: يختفي ويتغيب، وقد ذكرنا هذا الحرف وتفسيره في قوله: ﴿مَا وُورِيَ عَنْهُمَا﴾ [الأعراف: ٢٠].\nوقوله تعالى: ﴿مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ﴾ قال المفسرون: كان الرجل في الجاهلية إذا ضرب امرأتَه المخاضُ توارى إلى أن يعلم ما يُولدُ له، فإن كان ذكرًا سُرَّ به وابتهج، وإن كانت أُنثى اكتأب لها وحزن ولم يظهر للناس أيامًا، يُدبِّر كيف يصنع في أمرها (٣)، وهو قوله: ﴿أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ﴾ أي أيحبسه، والإمساك هاهنا بمعنى الحبس، كقوله: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ [الأحزاب: ٣٧]، والكناية تعود على ما في قوله: ﴿مَا بُشِّرَ بِهِ﴾، والهُون:\n_________\n= وأسفر: أشرق، ومنه: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ﴾: أي مشرقة، ومَسَافرُ الوجه: ما يظهر منه، (المشاهد) الوقائع والحروب، (غرَّان) جمع أغرّ، ورجلٌ أغرُّ الوجه إذا كان أبيض الوجه.\n(١) أخرجه الطبري ١٤/ ١٢٣ بنصه، وأورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ٢٢٦، وزاد نسبته إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(٢) ورد في \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٥٨ أ، بنصه.\n(٣) ورد في \"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ٧٥، بنحوه، وانظر: \"تفسير ابن عطية\" ٨/ ٤٤٦، وابن الجوزي ٤/ ٤٥٨، والفخر الرازي ٢٠/ ٥٥، والخازن ٣/ ١٢٠، وأبي حيان ٥/ ٥٠٤.","vol":"13","page":93},{"text":"الهَوَان (١).\nقال ابن شميل: إنه لَيَهُون علي هَوْنًا وهَوانًا (٢)، وأهنته هَوْنًا وهوانًا، وذكرنا هذا في سورة الأنعام عند قوله: ﴿عَذَابَ الْهُونِ﴾ [آية: ٩٣].\nقال المفسرون: كان أحدُهم في الجاهلية إذا وُلِدت له بنتٌ ضاق بها ذرعًا، فلم يدر ما يصنع بها؛ أَيَدُسُّها تحت التراب أو يتهاون بها فيُلْقِيها (٣)، والهَوان على قول أكثرهم يعود إلى المولودة على معنى أنه سيهينها في التعب والعمل، ويمسكها على هوان منه لها.\nوقال عطاء عن ابن عباس في قوله: ﴿أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ﴾ يريد على رغم أنفه وعلى الكراهية منه (٤)، وعلى هذا القول، الهوان راجع إلى الوَالِد (٥)؛ لأنه يمسكه على رضا بهوان نفسه وكراهته، واختاره الفراء\n_________\n(١) لم يفرق بعضهم بين الهَوْن والهُون، وذهب الكثير إلى التفريق بينهما؛ فقال بعضهم: الهُون: الهوان، والهَون: الرفق. وقال آخرون: الهُون: العذاب، والهَون: الرفق. وقال الليث: الهَون: مصدر الهيِّن في معنى السكينة والوقار. وقال شمر: الهَوْنُ: الرفق والدعة. وقال الفراء: الهُوْنُ في لغة قريش: الهَوَانُ، وبعض تميم يجعل الهُون مصدرًا للشيء الهيّن؛ أي القليل. انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٠٦، و\"تهذيب اللغة\" (هان) ٤/ ٣٦٩٩، و\"اتفاق المباني وافتراق المعاني\" ص ٩٩.\n(٢) ورد في \"تهذيب اللغة\" (هان) ٤/ ٣٦٩٩، بنصه.\n(٣) ورد بنحوه في \"تفسير مقاتل\" ١/ ٢٠٤ أ، والطبري ١٤/ ١٢٤، والسمرقندي ٢/ ٢٣٩، وهود ٢/ ٣٧٤، والثعلبي ٢/ ١٥٨ أ، ولعل المقصود بقوله: (فيلقيها)، أي: يلقيها من شاهق، فقد ذكر الرازي عدة وسائل كانوا يسلكونها في قتل البنات، أشهرها: أن يحفر لها الحفيرة ويدفنها حتى تموت، ومنهم من يرميها من شاهق جبل، ومنهم من يغرقها، ومنهم من يذبحها. انظر: \"تفسير الرازي\" ٢٠/ ٥٦.\n(٤) انظر: \"تفسير الفخر الرازي\" ٢٠/ ٥٥.\n(٥) في جميع النسخ: (الولد) والصحيح (الوالد)؛ لأن هذا هو المعنى الثاني، وفي الأول عاد الهوان على الولد، ويؤيده التعليل بعده.","vol":"13","page":94},{"text":"فقال: لا يدري أيدفنها أم يصبر عليها وعلى مكروهها (١).\nوقوله تعالى: ﴿أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ﴾ أي يخفيه، والدس: إخفاء الشيء (٢)، وهذا على ما كانوا يفعلونه من الوأد في الجاهلية، والجملة التي وقع عليها الاستفهام من الإمساك أو (٣) الوأد متعلقة بمحذوف يدل عليه القَسَم في الاستفهام، على تقدير ﴿يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ﴾ مقدرًا: أيمسكه أم يدسه، أو مفكرًا أو مدبرًا، أي يُقَلِّبُ رأيه في أحد الأمرين.\nوقال صاحب النظم: قوله: ﴿أَيُمْسِكُهُ﴾ متصل في النظم بقوله: ﴿وَهُوَ كَظِيمٌ﴾، والكظيم بمعنى الكاظم، ومعنى الكظم: ستر الشيء في القلب وترك إظهاره (٤)، ومنه: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ [آل عمران: ١٣٤]، والتأويل: وهو كاظم، ﴿أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ﴾، أي: أن هذا المعنى في قلبه من شدة الغَمّ وهو يكظمه ولا يظهره.\nوقوله تعالى: ﴿أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ قال ابن عباس والمفسرون: بئس ما حكموا أن جعلوا لمن يعرفون بأنه خالقهم البنات؛ اللاتي محلهن منهم\n_________\n(١) \"معانى القرآن\" للفراء ٢/ ١٠٧، بنصه.\n(٢) انظر: (دس) في \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١١٨٣، و\"المحيط في اللغة\" ١٢/ ٢٣٥، و\"الأساس\" ١/ ٢٧١، و\"عمدة الألفاظ\" ٢/ ٨.\n(٣) في جميع النسخ: (و)، وما أثبته هو الصواب، والظاهر أن الألف سقطت أو تصحفت.\n(٤) أصل الكَظْم: اجتراعُ الغَيْظ، والكَظَمُ: مخرجُ النفس، يقال: أخذ بكَظَمِه، والكُظُومُ: السكوت، والكُظومُ: إمساكُ البعيرِ عن الجِرَّةِ. انظر: (كظم) في \"العين\" ٥/ ٣٤٥، و\"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣١٥١، و\"المحيط في اللغة\" ٦/ ٢٣٣، و\"مجمل اللغة\" ٢/ ٧٨٦، و\"عمدة الحفاظ\" ٣/ ٤٦٩.","vol":"13","page":95},{"text":"هذا المحل، ونسبوه إلى اتخاذ الولد، وجعلوا لأنفسهم البنين (١)، نظير هذه الآية قوله: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (٢١) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾ [النجم:٢١، ٢٢].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2064>٦٠ </span>- قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ﴾ قال ابن عباس والكلبي: يريد العذاب والنار.\n﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾: شهادة أن لا إله إلا الله (٢)، وهذا قول قتادة، ورُوي عنه ﴿الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾: الإخلاص والتوحيد (٣)، وهذا قول المفسرين في هذه الآية، لا أدري لم قيل للعذاب: المثل السَّوء، وللإخلاص: المثل الأعلى.\n_________\n(١) ورد بمعناه غير منسوب في \"تفسير مقاتل\" ١/ ٢٠٤ أ، والطبري ١٤/ ١٢٤، والسمرقندي ٢/ ٢٣٩، والثعلبي ٢/ ١٥٨ أ، والطوسي ٦/ ٣٩٤، وانظر: \"تفسير الزمخشري\" ٢/ ٣٣٣، وابن الجوزي ٤/ ٤٥٩، و\"تفسير القرطبي\" ١٠/ ١١٨، والخازن ٣/ ١٢٠، وأبي حيان ٥/ ٥٠٤.\n(٢) أخرجه عبد الرزاق في \"مصنفه\" (٢/ ٣٥٧) بنصه عن قتادة، والطبري ١٤/ ١٢٥ بنصه عن قتادة، وورد في \"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ٧٧، بنصه عن قتادة، و\"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٥٨ب، بنصه عن ابن عباس، وانظر: \"تفسير البغوي\" ٥/ ٢٤، عن ابن عباس، وابن عطية ٨/ ٤٤٨، عن قتادة، و\"تفسير القرطبي\" ١٠/ ١١٩، عن ابن عباس، والخازن ٣/ ١٢٠، عن ابن عباس، وأبي حيان ٥/ ٥٠٥ عن ابن عباس وقتادة، وأورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ٢٢٦، وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة.\n(٣) أخرجه الطبري ١٤/ ١٢٥ بنصه، ورد في \"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ٧٧، بنصه، و\"تفسير الماوردي\" ٣/ ١٩٥، بنصه، وانظر: \"تفسير القرطبي\" ١٠/ ١١٩، وورد بنصه غير منسوب في \"تفسير هود الهواري\" ٢/ ٣٧٥، والثعلبي ٢/ ١٥٨ ب، والطوسي ٦/ ٣٩٤، والقولان عن قتادة متطابقان.","vol":"13","page":96},{"text":"وقال قوم: المثلُ السَّوء: الصفةُ السَّوء؛ من احتياجهم إلى الولد وكراهيتهم الإناث خوفَ العَيلة والعَار (١)، ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾: الصفة العليا من تنزهه وبراءته عن الولد، وهذا قول صحيح، والمَثْلُ يَردُ (٢) كثيرًا بمعنى الصفة، وقد بَيَّنا ذلك مستقصي في قوله: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ﴾ في سورة الرعد [آية: ٣٥] وإن أنكر ذلك بعض المتأخرين (٣)، فقد رُوي عن المقدمين من أئمة اللغة المثل بمعنى الصفة (٤).\nوقال ابن كيسان: ﴿مَثَلُ السَّوْءِ﴾: ما ضَرب اللهُ للأصنام وعبدتها من الأمثال (٥)؛ مِثلُ قوله: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ﴾ الآية. [العنكبوت: ٤١]. وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾ الآية [الحج: ٧٣]، ولله المثل الأعلى نحو قوله: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ﴾ الآية [النور: ٣٥].\n_________\n(١) ورد في \"نفسير الثعلبي\" ٢/ ١٥٨ أ، بنصه تقريبًا، وانظر: \"تفسير البغوي\" ٥/ ٢٥، وابن الجوزي ٤/ ٤٥٩، والفخر الرازي ٢٠/ ٥٦، و\"البيضاوي\" ١/ ٢٧٨.\n(٢) في: (أ)، (د): (يريد)، والمثبت من (ش)، (ع)، وهو الصحيح.\n(٣) يقصد محمد بن يزيد المبّرد (ت ٢٨٥ هـ) فقد قال عند قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ﴾ [الرعد: ٣٥]: فمن قال: إنما معناه: صفة الجنة فقد أخطأ؛ لأن (مَثَل) لا يوضع في موضح صفة، وإنما المثل مأخوذ من المثال والحذو، والصفة تحلية ونعْت. انظر: \"المقتضب\" ٣/ ٢٢٥.\n(٤) كيونس بن حبيب (ت ١٨٢ هـ)، و\"الفراء\" ت ٢٠٧، ومحمد بن سلّام الجمحي (ت ٢٣١ هـ)، وإليه ذهب ابن جرير عند آية الرعد [٣٥]،، ومال إليه الأزهري ونصره. انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٦٥، و\"تفسير الطبري\" ١٣/ ١٦٢، و\"تهذيب اللغة\" (مثل) ٤/ ٣٣٤١.\n(٥) لم أقف عليه.","vol":"13","page":97},{"text":"فإن قيل كيف جاء ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ مع قوله: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾؟ [النحل: ٧٤] قيل: لأنه بمعنى الأمثال التي توجب الأشباه، فأما الأمثال التي يضربها الله من غير شَبَه له بخلقه فحقٌّ وصوابٌ؛ لما فيها من الحِكم (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2065>٦١ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ﴾ قال ابن عباس: يريد المشركين، ﴿بِظُلْمِهِمْ﴾ قال: يريد بافترائهم على الله، ﴿مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ قال: يريد من (٢) مفتر، هذا قوله في رواية عطاء (٣)، ومعناه: أنه لو عاجلهم بالعقوبة على كفرهم ما أمهلهم طرفة عين ولأخلى وجه الأرض عنهم، والكناية في: ﴿عَلَيْهَا﴾ تعود إلى الأرض ولم يسبق لها ذكر، ولكن ذكر الدابة تدل على الأرض؛ فإنها تَدُبّ عليها، وكثير ما يُكَنّي عن الأرض وإن لم يتقدم ذكرها؛ لأنه لا يُشْكِل، يقولون: ما عليها مثل فلان، وما عليها أكرم من فلان؛ يعنون على الأرض (٤)، وعلى هذا التفسير الدابة تختص بالمفتري، وقال سائر المفسرين: يعني دواب الأرض؛ روى السدي عن أصحابه في قوله: ﴿مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ يقول لأقحط المطر، فلم يبق في الأرض دابة إلا هلكت (٥)، ورُوي عن ابن مسعود أنه قرأ هذه\n_________\n(١) ورد في \"تفسير الطوسي\" ٦/ ٣٩٤، بنصه تقريبًا، وانظر: \"تفسير الفخر الرازي\" ٢٠/ ٥٦، و\"تفسير القرطبي\" ١٠/ ١١٩.\n(٢) موضع طمس في (ع) وغير واضح.\n(٣) انظر: \"تفسير الزمخشري\" ٢/ ٣٣٣، وأبي حيان ٥/ ٥٠٦، وفيهما قال: ﴿مِنْ دَابَّةٍ﴾ أي: من مشرك يدبّ عليها.\n(٤) نقله الفخر الرازي بنصه دون عزو، انظر: \"تفسير الفخر الرازي\" ٢٠/ ٦٠.\n(٥) انظر: \"تفسير ابن الجوزي\" ٤/ ٤٥٩، وأبي حيان ٥/ ٥٠٦، وورد في \"تفسير مقاتل\" ١/ ٢٠٤ أ، بنحوه غير منسوب.","vol":"13","page":98},{"text":"الآية، فقال: كاد (١) أن يَهْلِكَ الجُعَلُ (٢) في جُحْره بذنب ابن آدم (٣)، وقال قتادة في هذه الآية: قد فَعَل ذلك زمان نوح (٤)، والمعنى على هذا: أن شؤم ذنوب المشركين كاد أن يصيب دواب الأرض حتى تهلك بسبب ذلك، لولا حلم الله وتأخيره العقوبة، كما روى عن أبي حمزة الثُّمالي (٥) أنه قال: يحبس المطر فيَهلكَ كلُ شيء (٦).\nوقال أهل المعاني: معنى الآية، أن الله تعالى لو أهلك الآباء بكفرهم لم يكن الأبناء (٧)، فكانت الأرض تبقى خالية، وقد ضرب الله لهلاك الخلق\n_________\n(١) في (أ)، (د): (كان) والمثبت من (ش)، (ع) يتفق مع السياق والمعنى.\n(٢) الجُعَلُ: دويبَّة سوداء صغيرة تألف المواضع النديّة، وهي من الخنافس، أو هو الحرباء، وكنيته أبو جِعْران، وأبو وجزة في لغة طيىء، وجمعه جِعْلاَن. انظر: \"المحيط في اللغة\" (جعل) ١/ ٢٥٦، و\"متن اللغة\" ١/ ٥٣٨.\n(٣) أخرجه الطبري ١٤/ ١٢٦ بنصه، وورد في \"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢٣٩، بنحوه، والثعلبي ٢/ ١٥٨ ب، بنحوه، وانظر: \"تفسير البغوي\" ٣/ ٧٤، والزمخشري ٢/ ٣٣٣، و\"تفسير القرطبي\" ١٠/ ١٢٠، والبيضاوي ١/ ٢٧٨، والخازن ٣/ ١٢١، وابن كثير ٢/ ٦٣١.\n(٤) انظر: \"تفسير البغوي\" ٥/ ٢٦، وابن الجوزي ٤/ ٤٥٩، والخازن ٣/ ١٢٠، وأبي حيان ٥/ ٥٠٦.\n(٥) أبو حمزة ثابت بن أبي صفية الثُّمالي، اسم أبيه دينار، وقيل: سعيد، مولى المهلَّب بن أبي صُفرة، كوفي ضعيف رافضي، روى عن أنس والشعبي، وعنه: وكيع وأبو نعيم، مات في خلافة أبي جعفر. انظر: \"الجرح والتعديل\" ٢/ ٤٥٠، و\"ميزان الاعتدال\" ١/ ٣٦٣، و\"الكاشف\" ١/ ٢٨٢، و\"تقريب التهذيب\" ص ١٣٢ (٨١٨).\n(٦) أقف عليه.\n(٧) ورد في \"تفسير الماوردي\" ٣/ ١٩٦، بنصه، والطوسي ٦/ ٣٩٦، بنصه، وانظر: \"تفسير البغوي\" ٥/ ٢٦، والزمخشرى ٢/ ٣٣٣، والفخر الرازي ٢٠/ ٥٩، ونسبه لأبي علي الجبائي، و\"تفسير القرطبي\" ١٠/ ١١٩، و\"البيضاوي\" ١/ ٢٧٨، والخازن ٣/ ١٢١.","vol":"13","page":99},{"text":"وخلو الأرض عن سكانها أجلًا، فهو يؤخرهم إلى أجل مُسَمّى كي يتوالدوا، والأجل المسمى في هذه الآية: القيامة، في قول عطاء عن ابن عباس (١)، ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ﴾ يريد أجل القيامة، وفي قول الآخرين: يعني منتهى الأجل وانقضاء العمر (٢)، ولعل الأقرب هذا؛ فإن المشركين يؤاخذون بالعقوبة إذا انقضت أعمارهم وخرجوا من الدنيا، ووجه القول الأول: أن معظم العذاب يوافيهم يوم القيامة، وذكرنا معنى: ﴿لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ في سورة الأعراف: [٣٤].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2066>٦٢ </span>- قوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ﴾، معنى ﴿يَجْعَلُونَ﴾ هاهنا يصفونه بذلك ويحكمون به له، لقولك: جعلت زيدًا أعلى الناس؛ وذكرنا معاني الجَعَل عند قوله: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ﴾ [المائدة: ١٠٣].\nوقوله تعالى: ﴿مَا يَكْرَهُونَ﴾ يعني البنات في قول جميع المفسرين (٣)، والمعنى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ﴾: لأنفسهم،\n_________\n(١) انظر: \"تفسير الفخر الرازي\" ٢٠/ ٦٠، وورد غير منسوب في \"تفسير هود الهواري\" ٢/ ٣٧٥، و\"تفسير الماوردي\" ٣/ ١٩٥، والخازن ٣/ ١٢١.\n(٢) ورد في \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٥٨ ب، بنصه، والطوسي ٦/ ٣٩٦، بمعناه، وانظر: \"تفسير البغوي\" ٥/ ٢٦، وابن الجوزي ٤/ ٤٦٠، والفخر الرازي ٢٠/ ٦٠، و\"تفسير البيضاوي\" ١/ ٢٧٨، والخازن ٣/ ١٢١، وذهب بعضهم إلى أنه الوقت الذي قدّره الله لإنزال العذاب بهم في الدنيا، فيكون الناس من العام المخصوص؛ أي أهل المعاصي والكفر؛ كما في قول ابن عباس القول الأول. انظر: \"تفسير مقاتل\" ١/ ٢٠٤ أ، والطبري ١٤/ ١٢٥ - ١٢٦، و\"تفسير الماوردي\" ٣/ ١٩٥، والفخر الرازي ٢٠/ ٦٠، و\"القرطبي\" ١٠/ ١١٩، والخازن ٣/ ١٢٠.\n(٣) ورد بلفظه في \"تفسير مقاتل\" ١/ ٢٠٤ أ، والطبري ١٤/ ١٢٦، و\"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ٧٨، و\"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢٣٩، و\"تفسير هود الهواري\" ٢/ ٣٧٥، والثعلبي ٢/ ١٥٨ ب، والطوسي ٦/ ٣٩٦.","vol":"13","page":100},{"text":"﴿وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى﴾ قال الفراء والزجاج: موضع ﴿أَنَّ﴾ نصب؛ لأنه عبارة عن الكذب وبدل منه، المعنى: وتصف ألسنتهم أن لهم الحسنى (١).\nوأما تفسير ﴿الْحُسْنَى﴾ فكثير من المفسرين على أنه الغلمان والبنون، وهو (٢) قول السدي ومجاهد وقتادة (٣)، قال يمان بن رِئاب (٤): ﴿الْحُسْنَى﴾: الجنة (٥)، وهو معنى قول ابن عباس في رواية عطاء (٦)، واختيار\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٠٧، بنحوه، و\"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٠٧، بنحوه.\n(٢) في جميع النسخ: (وهي)، والصواب ما أثبته؛ لأن الضمير يعود على القول، وهو مذكر.\n(٣) \"تفسير مجاهد\" ص ٤٢٢ بلفظه، وأخرجه عبد الرزاق في \"مصنفه\" ٢/ ٣٥٧ بلفظه عن قتادة، والطبري ١٤/ ١٢٧ بلفظه عن مجاهد وقتادة من طريقين لكلٍّ، وورد في \"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ٧٨، بلفظه عن مجاهد، و\"تفسير الماوردي\" ٣/ ١٩٦، بنحوه عن مجاهد، والطوسي ٦/ ٣٩٧، بنحوه عن مجاهد، وانظر: \"تفسير الزمخشري\" ٢/ ٣٣٣، عن مجاهد، وابن الجوزي ٤/ ٤٦٠، عن مجاهد وقتادة، والقرطبي ١٠/ ١٢٠، عن مجاهد، وأبي حيان ٥/ ٥٠٦، عن مجاهد، وابن كثير ٢/ ٦٣٢، عن مجاهد وقتادة، وأورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ٢٢٨، وزاد نسبته إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة. ولم أقف عليه منسوبًا إلى السدي.\n(٤) في جميع النسخ: (رباب)، وكذا في \"لسان الميزان\"، والصحيح رِئاب كما ذكره الدارقطني والذهبي، وقد صوَّب محقق كتاب الضعفاء للدارقطني هذه الرواية ورجحها على رواية اللسان.\n(٥) ورد في \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٥٨ ب بلفظه، وانظر: \"تفسير البغوي\" ٥/ ٢٦ وورد بلفظه غير منسوب في \"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ٧٨، و\"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢٣٩، وابن عطية ٨/ ٤٥١، والفخر الرازي ٢٠/ ٦٠، والخازن ٣/ ١٢١.\n(٦) انظر: \"تنوير المقباس\" ص ٢٨٨.","vol":"13","page":101},{"text":"الزجاج (١)، قال: المعنى يصفون أن لهم مع قولهم هذا القبيح من الله الجزاء الحسن (٢)، فحصل في ﴿الْحُسْنَى﴾ هاهنا قولان؛ الأول: على أنهم قالوا: لله البنات ولنا البنون، والثاني: على أنهم حكموا لأنفسهم بالجنة والثواب من الله إن كان محمد صادقًا (٣) في البعث؛ لأنهم كانوا لا يؤمنون بالمعاد، ولعل الأقرب في تفسير الحسنى: الجنة، وفي الآية ما يدل على هذا، وهو قوله: ﴿لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّار﴾، فردَّ عليهم قولَهم وأثبت لهم النار، فدلّ هذا أنهم حكموا لأنفسهم بالجنة، قال الزجاج: (لا) ردٌّ لقولهم، المعنى ليس ذلك كما وصفوا، جَرَمَ فعلُهم هذا، أي كَسَبَ النارَ (٤)، فعلى هذا (أنَّ) يكون في محل النصب بوقوع الكسبِ عليه، وقال قطرب: (أنَّ) في موضع رفع، المعنى: وجب أنَّ لهم النار (٥)، وقيل: لا بُدَّ ولا محالةَ أن لهم النّار، وذكرنا فيما تقدم استقصاء الكلام في هذا الحرف (٦).\nوقوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ﴾ أي مُتْرَكون (٧) مَنْسِيُّون في النار، قاله الكلبي ومجاهد والضحاك (٨).\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٠٧، بنصه.\n(٢) في (أ)، (د): (الحسنى)، والمثبت من (ش)، (ع)، وهو الموافق للمصدر.\n(٣) في (أ)، (د): (صادق) وهو خطأ نحوي ظاهر، لعله من النساخ، والمثبت من (ش)، (ع). \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٥٨ ب.\n(٤) أي: كَسَبَ فعلُهم هذا لهم النارَ.\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٠٧، بتصرف يسير.\n(٦) سورة هود: الآية [٢٢]، و\"تفسير السمرقندي\" ١/ ١٦٩، والنحل الآية [٢٣].\n(٧) هكذا في جميع النسخ، ولعلها (متروكون) كما في \"مجاز القرآن\" ١/ ٣٦١، و\"تفسير الطبري\" ١٤/ ١٢٧، و\"الحجة للقراء\" ٥/ ٧٣.\n(٨) \"تفسير مجاهد\" ص ٤٢٢، بنصه، وأخرجه الطبري ١٤/ ١٢٨ من ثلاث طرق عن مجاهد بلفظ: مَنْسيون، وعن الضحاك بلفظ: متروكون في النار، ورد في \"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ٧٩، بلفظه عن مجاهد، و\"تفسير الماوردي\" ٣/ ١٨٦، بلفظه عن مجاهد والضحاك، والطوسي ٦/ ٣٩٥، بنصه عن مجاهد والضحاك، وانظر: \"تفسير ابن عطية\" ٨/ ٤٥٢، عن مجاهد، وأبي حيان ٥/ ٥٠٦ عن مجاهد، وابن كثير ٢/ ٦٣٢، عن مجاهد.","vol":"13","page":102},{"text":"وقال قتادة: مُعَجَّلُون إلى النار (١)، وهو قول الحسن، والقول الأول اختيار أبي عبيدة (٢) والفراء (٣)، قال الكسائي: يقال: ما أَفْرَطْتُ من القوم أحدًا (٤)، وقال الفراء: العرب تقول أَفْرَطتُ منهم ناسًا، أي خَلَّفتهم ونسِيتُهم (٥)، ومَنْ قال: مُعَجَّلُون، وهو الاختيار (٦)؛\n_________\n(١) أخرجه عبد الرزاق في \"مصنفه\" ٢/ ٣٥٧ بلفظه عن قتادة، والطبري ١٤/ ١٢٨ - ١٢٩ بنصه عن قتادة من طريقين، ورد في: \"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ٧٩، بنصه عن الحسن، و\"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢٣٩ بنصه عن قتادة، والثعلبي ٢/ ١٥٨، بنصه عن قتادة، والماوردي (٣/ ١٩٦) بمعناه عن قتادة، والطوسي ٦/ ٣٩٥، بمعناه عنهما، وانظر: \"تفسير البغوي\" ٥/ ٢٧، عن قتادة، و\"تفسير القرطبي\" ١٠/ ١٢١، والخازن ٣/ ١٢١، عن قتادة، وابن كثير ٥/ ٢٧، عن قتادة، وأورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ٢٢٨، وزاد نسبته إلى ابن المنذر عن قتادة، وأورده وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم عن الحسن.\n(٢) \"مجاز القرآن\" ١/ ٣٦١، بنصه.\n(٣) \"معانى القرآن\" للفراء ٢/ ١٠٧، بنصه.\n(٤) أي ما تركتُ أحدًا، ورد في \"تهذيب اللغة\" (فرط) ٣/ ٢٧٧٣، بنصه تقريبًا، وانظر: \"تفسير الفخر الرازي\" ٢٠/ ٦١، ورجَّحَ الطبري هذا القول ١٤/ ١٢٩.\n(٥) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٠٧، بنصه.\n(٦) وقد رجحه النحاس كذلك، وقال: قول الحسنِ أشهرُ في اللغة وأعرف، وأيَّده بقول القُطامي كما في \"ديوانه\" ص ٩٠:\nواسْتَعْجَلُونا وكانوا من صَحَابَتِنا ... كما تَعَجَّل فُرَّاطٌ لِروَّادِ\nوهذا الذي ذكره أوضح دلالة مما ذكره الواحدي ﵀، كما يؤيِّده حديث رسول الله -ﷺ-:\"أنا فَرَطكْم على الحوض .. \" أي متقدِّمكم وسابقكم إليه حتى تردوه. أخرجه البخاري (٦٥٧٥): الرقاق، في الحوض، ومسلم (٢٢٨٩) كتاب: الفضائل، باب: إثبات حوض نبينا -ﷺ- وصفاته، وقد جمع ابن كثير بين القولين -في (مفرطون) - وقال: ولا منافاة؛ [أي بينهما]، لأنهم يعجل بهم يوم القيامة إلى النار وينسون فيها؛ أي يخلدون. \"تفسير ابن كثير\" ٢/ ٥٩٥.","vol":"13","page":103},{"text":"فوَجْههُ (١) ما قال أبو زيد وعيره: فرَطَ الرجلُ أصحابَه يَفْرُطُهم فِراطا وفُرُوطًا، إذا تقدمهم إلى الماء ليصلح الدِّلاء والأرْسَان (٢)، وأنشدوا (٣):\nفأثارَ فارِطُهم غَطَاطًا جُثَّمًا ... أصواتُها كتَراطُنِ الفُرْسِ (٤)\n_________\n(١) في جميع النسخ: (فوجه) والصحيح ما أثبته؛ وينسجم مع السياق.\n(٢) ورد في \"الحجة للقراء\" ٥/ ٧٣، بنحوه، ونقله الفخر الرازي ٢٠/ ٦١، بنصه ونسبه للواحدي. (الأرْسانُ) هكذا في جميع النسخ، جمع رَسَن؛ وهو الحبل تقاد به الدابّة، ويحتمل أن يكون (الأرْشَان) جمع رَشْن بسكون الشين وفتحها، وهي مَشْرَبُ الماءِ من النَّهر، أي الثُّلمة في النهر يُستقى منها، وذكر الطبري نحوًا من هذا القول بلفظة (الأرشية) وهو جمع الرَّشاء: وهو حبل الدلو، وهو الأقرب لولا اختلاف مبنى الكلمة، انظر: \"تفسير الطبري\" ١٤/ ١٢٨ بمعناه، و\"المحيط في اللغة\" ٧/ ٣٢٠، ٣٧٤، ٨/ ٣٠٥، و\"اللسان\" (رشن) ٣/ ١٦٥٢، (رشا) ٣/ ١٦٥٣، و\"المعجم الوسيط\" ١/ ٣٤٧، و\"متن اللغة\" ٢/ ٥٨٨، ٥٩٢.\n(٣) لطرفة بن العبد (جاهلي).\n(٤) لم أجده في ديوانه، وذكر محقق \"مستدرك التهذيب\" (غط) ١٦/ ٤٩، أنه ليس في ديوانه، ولكنه مما نسب إليه في زيادات [ط: أوربا/ باريس]، ورد في \"لسان العرب\" (رطن) ٣/ ١٦٦٦، وورد بلا نسبة في: \"شرح القصائد السبع\" لابن الأنباري ص ٥٧٢ وفيه: (فأراد) بدل (فأثار)، و\"تهذيب اللغة\" (فرط) ٣/ ٢٧٧٣، (غط) ٣/ ٢٦٧٦، و\"مقاييس اللغة\" ٢/ ٤٠٤، ٤/ ٣٨٤، و\"اللسان\" (غطط) ٦/ ٣٢٧١، (فرط) ٦/ ٣٣٩٠، و\"التاج\" (غطط) ١٠/ ٣٥٣، (فرط) ١٠/ ٣٦٠. (الفارطُ): المتقدّم السابق، (الغَطاطُ) بفتح الغين كسَحَاب، هي القَطَا أو ضرب منه، وقيل: ضربٌ من الطير ليس من القطا، هنَّ غُبرُ الظهور والبُطون والأبدان. سُودُ بْطون الأجنحة، طوال الأرجل والأعناق، لِطافٌ، لا تجتمعُ أسرابًا، أكثرُ ما تكونُ ثلاثًا أو اثنين، وواحدتُها: غَطاطَة، سميت لصوتها غطاطًا، (جُثَّمًا) يقال: جثم الإنسان والطائر، يجْثِم ويجْثُم جَثْمًا وجُثومًا، فهو جاثِم: أي لزم مكانه فلم يبْرح؛ أي تلَبَّد بالأرض، (تراطن) من الرَّطانة بفتح الراء وكسرها، والتراطن: كلام لا يفهمه الجمهور، إنما هو مُواضعةٌ بين اثنين أو جماعة، والعرب تخص بها غالبًا كلام العجم. وانظر: \"اللسان\" (جثم) ١/ ٥٤٥.","vol":"13","page":104},{"text":"وأَفْرَط للقوم الفَارِطُ، وفَرَّطُوه: إذا قدَّموه، فمعنى قوله: ﴿مُفْرَطُونَ﴾ من هذا، كأنهم أُعجلوا إلى النار؛ فهم فيها فَرْطٌ للذين يدخلون بعدهم (١).\nوقال أبو إسحاق: معنى ﴿مُفْرَطُونَ﴾: مُقَدَّمُون إلى النّار (٢)، وقرأ نافع بكسر الراء (٣).\nقال الفراء: يقول: كانوا مُفْرِطين على أنفسهم في الذنوب (٤)، ونحوه قال الزجاج: المعنى على أنهم أَفْرَطُوا في مَعْصِية الله (٥).\nقال ابن عباس في رواية عطاء: أفرطوا في الافتراء على الله.\nوقال أبو علي: كأنه من أَفْرَطَ؛ أي صارَ فَرَطٌ، مِثْلُ: أقْطَفَ (٦) وأجْرَبَ، أي هم ذَوو فَرَطٍ إلى النّار (٧)؛كأنهم قد أَرْسَلُوا من يُهيئ لهم\n_________\n(١) ورد في \"الحجة للقراء\" ٥/ ٧٣، بنصه.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٠٨، بنصه.\n(٣) قرأ نافع وحده: ﴿مُفْرَطُونَ﴾ من أفْرَطْتَ، وقرأ الباقون: ﴿مُفْرَطُونَ﴾ بفتح الراء، من أُفْرِطُوا فهم مُفْرَطُونَ. انظر: \"السبعة\" ص ٣٧٤، و\"علل القراءات\" ١/ ٣٠٦، و\"الحجة للقراء\" ٥/ ٧٣، و\"المبسوط في القراءات\" ص ٢٢٥، و\"التيسير\" ١٣٨.\n(٤) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٠٨، بنصه تقريبًا.\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٠٨، بنصه.\n(٦) في (ش)، (ع): (قَطَفٌ). قال الصاحب ابن عباد: يقال: أقطف الرجل، أي: صار صاحبَ دابةٍ قطوف، والقطوف من الدواب والإبل: هو البطئُ المقاربُ. انظر: \"المحيط في اللغة\" (قطف) ٥/ ٣٣٠.\n(٧) \"الحجة للقراء\" ٥/ ٧٤، بنصه تقريبًا.","vol":"13","page":105},{"text":"مواضعَهم منها.\n\n٦٣ - قوله تعالى: (﴿تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ قال ابن عباس: يعزي الله نبيه -ﷺ- بهذا (١) يقول) (٢): ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ﴾ يعني رسلًا وأنبياءَ من قبلك، ﴿فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ﴾: حتى عَصَوا وكذبوهم، ﴿فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ﴾ (يحتمل معنيين؛ أحدهما: أن المراد بهذا كفار قريش، يقول: الشيطان وليهم اليوم) (٣)؛ يتولى إغواءهم وصرفهم عنك كما فعل بكفار الأمم قبلك (٤)، فيكون قد رجع عن الإخبار عن (٥) الأمم الماضية إلى الإخبار عن كفار مكة. الثاني: أنه أراد باليوم يوم القيامة، يقول: فهو ولي أولئك الذين زَيَّن لهم أعمالهم يوم القيامة (٦)، ومن كان الشيطان ولِيَّه ذلك\n_________\n(١) انظر: \"تفسير ابن الجوزي\" ٤/ ٤٦٢، والفخر الرازي ٢٠/ ٦١، و\"تفسير القرطبي\" ١٠/ ١٢١، والخازن ٣/ ١٢١، وأبي حيان ٥/ ٥٠٧، وابن كثير ٢/ ٦٣٢، وأبي السعود ٥/ ١٢٣، وهو بلا نسبة في المصادر كلها.\n(٢) ما بين القوسين ساقط من (ع).\n(٣) ما بين القوسين ساقط من (ع).\n(٤) ورد في \"تفسير الطبري\" ١٤/ ١٢٩ - ١٣٠، بمعناه، والثعلبي ٢/ ١٥٨ ب، بمعناه، والطوسي ٦/ ٣٩٧، بمعناه، وانظر: \"الكشاف\" ٢/ ٣٣٤، وابن عطية ٨/ ٤٥٤، وابن الجوزي ٤/ ٤٦٢، و\"البيضاوي\" ١/ ٢٧٨، وأبي حيان ٥/ ٥٠٧، ونسبه إلى الزمخشري، واستبعده بحجة اختلاف الضمائر من غير ضرورة، وهذا تحامل منه على الزمخشري كما هو معروف عنه؛ لأن القول قديم كما هو واضح في المصادر، والقول ليس بضعيف، بل هو محتمل كما قال الواحدي ﵀.\n(٥) في جميع النسخ (إلى)، وما أثبته هو الصواب؛ كما في \"تفسير الفخر الرازي\" ٢٠/ ٦٢.\n(٦) ورد في \"تفسير مقاتل\" ١/ ٢٠٤ ب، بنحوه، والطوسي ٦/ ٣٩٧، بمعناه، وانظر: \"تفسير الزمخشري\" ٢/ ٣٣٤، وابن الجوزي ٤/ ٤٦٢، والفخر الرازي ٢٠/ ٦٢، نقل القولين بنصهما بلا نسبة، وأبي حيان ٥/ ٥٠٧، و\"الدر المصون\" ٧/ ٢٤٩، وابن كثير ٢/ ٦٣٢.","vol":"13","page":106},{"text":"اليوم دخل (١) النار، وأطلق اسم اليوم على يوم القيامة لشهرة ذلك اليوم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2068>٦٤ </span>- قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ قال ابن عباس: يريد ما قص من أخبار الأمم الخالية في القرآن، ﴿إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾، قال: يريد لاتخاذ الحجة عليهم، كأن المعنى: إلا لتُبَيِّن لهم ما يختلفون في من الدين والأحكام؛ فيذهبون فيها إلى خلاف ما يذهب إليه المسلمون، فَتقومُ الحجةُ عليهم بدعائك وبيانك.\nوقوله تعالى: ﴿وَهُدًى وَرَحْمَةً﴾ قال أبو إسحاق: بنصب ﴿رَحْمَتَ﴾؛ لأن المعنى: وما أنزلنا عليك الكتاب إلا للهداية والرحمة، فهو مفعول له (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2069>٦٥ </span>- قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ إلى قوله: ﴿يَسْمَعُونَ﴾ أخبر الله تعالى أنه هو الذي أنزل المطرَ فأخصبت الأرض به بعد جُدُوبتها وُيبُوستها، وفي ذلك آية ودلالة على قدرته على البعث والإحياء بعد الإماتة لمن سمع ذلك سَماعَ اعتبارٍ وتَفَكُّر.\n<span data-type=\"title\" id=toc-2070>٦٦ </span>- قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً﴾ الآية. ذكرنا معنى العبرة في سورة آل عمران عند قوله: ﴿لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [آية: ١٣].\nوقوله تعالى: ﴿نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ﴾ مَنْ فتح النون (٣) فحجته ظاهرة\n_________\n(١) في (أ)، (د): (ذلكل)، والمثبت من (ش)، (ع)، وهو الصحيح الذي يستقيم به الكلام.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٠٨، بنصه.\n(٣) وهم ابن عامر ونافع وعاصم في رواية أبي بكر. انظر: \"السبعة\" ص ٣٧٤، و\"إعراب القراءات السبع وعللها\" ١/ ٣٥٧، و\"علل القراءات\" ١/ ٣٠٧، و\"الحجة للقراء\" ٥/ ٧٤ و\"المبسوط في القراءات\" ص ٢٢٥، \"المُوضح في وجوه القراءات\" ٢/ ٧٣٩.","vol":"13","page":107},{"text":"يقول: سقيته حتى رَوِي، أسقيه، قال الله تعالى ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ [الإنسان:٢١]، وقال: ﴿وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ﴾ [الشعراء: ٧٩]، وقال: ﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا﴾ [محمد: ١٥]، وما كان للشفة فهو بفتح النون؛ ومن ضَمَّ النونَ (١) فهو من قولك: أسقاه إذا جعل له شِربًا كقوله: ﴿وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا﴾ [المرسلات: ٢٧]، وقوله: ﴿فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ﴾ [الحجر: ٢٢]، والمعنى هاهنا إنا جعلناه في كثرته وإدامته كالسُّقْيَا، واختار أبو عبيدة الضَّمَّ وقال: لأنه شِرْبٌ دائم (٢)، وأكثر ما يقال في هذا المعنى: أَسْقَيْت، وذكرنا الكلام في سقى وأسقى في سورة الحجر (٣).\nواختلف النحويون في علة تذكير الكناية في قوله: ﴿مِمَّا فِي بُطُونِهِ﴾، وهي راجعة إلى الأنعام، فقال أبو إسحاق: الأنعام لفظه لفظ جمع، وهو اسم للجنس يذكر ويؤنث، يقال: وهو الأنعام، وهي الأنعام، ﴿نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ﴾، وفي موضع آخر: ﴿مِمَّا فِي بُطُونِهَا﴾ (٤) [المؤمنون: ٢١].\nوهذا مذهب سيبويه، قال في ذِكْرِه إن الاسم الواحد يجيء على أَفْعَال، قال: يقال: هو الأنْعَام، وقال: ﴿فِي بُطُونِهِ﴾ (٥)، فذهب إلى أنه اسم مذكر يقع للجميع كالقوم والنفر والرهط، وقال الفراء: النَّعَمُ والأنعامُ شيء واحد، فرجع التذكير إلى معنى النَّعَم إذ كان يؤدي عن معنى الأنعام،\n_________\n(١) وهم: ابن كثير وأبو عمرو وحمزة والكسائي. انظر: المصادر السابقة.\n(٢) لم أجده في مجازه، وورد في \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٥٨، بنصه، وانظر: \"تفسير ابن الجوزي\" ٤/ ٦٤.\n(٣) آية: [٢٢].\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٠٩، بنصه.\n(٥) \"الكتاب\" ٣/ ٢٣٠، بنحوه، وانظر:\"إعراب القرآن\" للنحاس ٢/ ٤٠١.","vol":"13","page":108},{"text":"وأنشد (١):\nوطاب ألْبانُ اللِّقَاح وَبردْ (٢)\nوفرحع إلى اللبن (٣)؛ لأن اللبن والألبان في معنى واحد (٤)، والدليل على أن النَّعَمَ مذكر قول الراجز (٥):\nأَكُلَّ عَامٍ نَعَمٌ تَحْوُونَهُ ... يُلْقِحُهُ قَوْمٌ وتَنْتُجُونه (٦)\n_________\n(١) لم أقف على القائل، وفي \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٥٩ أ، أنه رجز لبعض الأعراب.\n(٢) وصدره:\nبالَ سُهَيلٌ في الفَضِيخِ فَفَسَدْ\nورد بلا نسبة في \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ١٢٩، ٢/ ١٠٨، و\"تفسير الطبري\" ١٤/ ١٣١، والثعلبي ٢/ ١٥٩ أ، والطوسي ٦/ ٤٠٠، وابن الجوزي ٤/ ٤٦٣، و\"اللسان\" (خرت) ٢/ ١١٢٤، (كتد) ٦/ ٣٨١٩، و\"الدر المصون\" ٧/ ٢٥٧، و\"التاج\" (خرت) ٣/ ٤٤ - ٤٥، (كتد) ٥/ ٢١٨، وفي جميع المصادر عدا الدّر: (فبرد). (سهيل) كوكب يُرى في ناحية اليمن والعراق، ولا يُرى بخُراسان، (الفضِيخ) عصير العنب، وهو أيضًا شراب يتخذ من البُسر المفضوخ وحده من غير أن تمسه النار، وهو المشدوخ. ومعنى البيت: يقول لما طلع سُهيلٌ ذهب زمن البسر وأرطب، فكأنه بال فيه، وعندها تطيب ألبان النوق، والشاهد: أنه لم يقل: وبردت؛ لأنه رده إلى اللبن، المفرد. انظر: \"تهذيب اللغة\" (سهل) ٢/ ١٧٨٦ - ١٧٨٧، و\"اللسان\" (فضخ) ٦/ ٣٤٢٦.\n(٣) في جميع النسخ: (اللبن والألبان) بزيادة الألبان، وقد أدى زيادتها إلى اضطراب المعنى، ويؤيّد أنها زائدة، عدم وجودها في المصدر و\"الوسيط\" تحقيق سيسي ٢/ ٤١٠.\n(٤) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٠٨، بنصه تقريبًا.\n(٥) هو فيس بن حصين بن يزيد الحارتي (جاهلي).\n(٦) ورد في \"الخزانة\" ١/ ٤٠٧، ٤١٢، وورد بلا نسبة في \"الكتاب\" ١/ ١٢٩، و\"مجاز القرآن\" ١/ ٣٦٢، و\"تفسير الطبرى\" ١٤/ ١٣٢، \"المذكر والمؤنث\" للأنباري ١/ ٤٢٦، و\"إعراب القرآن\" للنحاس ٢/ ٢١٧،و\"تهذيب اللغة\" (نعم) ٤/ ٣٦١٧، =","vol":"13","page":109},{"text":"قال الكسائي: أراد مما في بطون ما ذكرنا (١)، قال الفراء: وهو صواب، أنشدني بعضهم:\nمِثْلُ الفِراخِ نَتَقَتْ حَواصِلُه (٢) (٣)\nوقال المبرد: هذا فاشٍ في القرآن وفي كلامهم، مثل: ﴿فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي﴾ [الأنعام: ٧٨]، بمعنى هذا الشيء الطالع، وكذلك قوله: ﴿كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ (٥٤) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ﴾ [المدثر: ٥٤، ٥٥]، أي: ذَكَرَ هذا الشيء، وكذلك: ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ﴾ النمل: ٣٥]، ثم قال: ﴿فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ﴾ [النمل: ٣٦]، ولم يقل: جاءت؛ لأن\n_________\n= و\"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٥٩ أ، و\"المخصص\" ١٧/ ١٩، و\"تفسير الزمخشري\" ٢/ ٣٣٤، وأبي حيان ٥/ ٥٠٩، و\"الدر المصون\" ٧/ ٢٥٣، و\"تخليص الشواهد\" ص ١٩١، وفي بعض هذه المصادر ورد برواية: (في كل) بدل (أكل).\n(١) ورد في \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٠٩، بنصه، و\"إعراب القرآن\" للنحاس ٢/ ٤٠١، بنصه، و\"المذكر والمؤنث\" لابن الأنباري ١/ ٤٢٧، بنصه، و\"تهذيب اللغة\" (نعم) ٤/ ٣٦١٥، بنصه، وانظر: \"تفسير البغوي\" ٣/ ٧٥، والفخر الرازي ٢٠/ ٦٤.\n(٢) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٠٩، بنصه.\n(٣) رجز ورد بلا نسبة في \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ١٣٠، و\"تفسير الطبري\" ١٤/ ١٣٢، و\"تهذيب اللغة\" (نعم) ٤/ ٣٦١٦، و\"المحتسَب\" ٢/ ١٥٣، و\"تفسير ابن عطية\" ٨/ ٤٥٦، وابن الجوزي ٤/ ٤٦٣، و\"شرح شواهد الإيضاح\" ص ٣٤٧، و\"تفسير القرطبي\" ١٠/ ١٢٤، و\"اللسان\" (خلف) ٢/ ١٢٣٧، (نعم) ٧/ ٤٤٨٢، و\"تفسير أبي حيان\" ٥/ ٥٠٩. (نتقت) سمنت وامتلأت شحمًا، (حواصله) جمع حوصلة؛ أسفل البطن، وهي للطير والنعام كالمعدة للإنسان، وهي المصارين لذي الظلف والخُفّ، والشاهد: أنه أعاد على الفراخ ضمير الواحد؛ لأنها في معنى الفرخ، إذا أريد به الجنس والكثرة، وقال الطبرى: لم يقل: حواصلها، أي: ذكَّرها. النظر: \"المحيط في اللغة\" (نتق) ٥/ ٣٦٧، و\"متن اللغة\" ٢/ ١٠٦، ووردت برواية: (نُتِفَتْ).","vol":"13","page":110},{"text":"المعنى: جاء الشيءُ الذي ذكرنا (١).\nقال أبو عبيد: وسمعت الكسائي يُنْشِد ما هو أشد من هذا (٢):\nوعَفْرَاءُ أَدْنَى الناسِ مِنِّي مَوَدَةً ... وعَفراءُ عَنِّي المُعْرِضُ الْمُتَوَانِي (٣)\nقال وأنشدنا الأحمر (٤):\nإذ (٥) الناسُ نَاسٌ والبِلَادُ بِغِرَّةٍ ... وإِذْ أُمُّ عَمَّارٍ صَدِيقٌ مُسَاعِفُ (٦)\n_________\n(١) لم أقف على مصدره، وورد في تفسيره \"الوسيط\" تحقيق سيسي ٢/ ٤١٠، بنحوه، وانظر: \"تفسير ابن الجوزي\" ٤/ ٤٦٣، والفخر الرازي ٢٠/ ٦٤، وأبي حيان ٥/ ٥٠٩، و\"الدر المصون\" ٧/ ٢٥٦، وورد بلا نسبة في \"تفسير الطبري\" ١٤/ ١٣٣، بنصه تقريبًا، والثعلبي ٢/ ١٥٩ أ، بنحوه.\n(٢) البيت لعروة بن حزام (ت ٣٠ هـ) شاعر إسلامي، أحد المتيَّمِين، لا يُعرف له شعرٌ إلا في عفراءَ بنتِ عمِّه.\n(٣) ورد في \"المذكر والمؤنث\" للأنباري ١/ ١٨٧، برواية:\nفعفراءُ أرجى الناس عندي مودةً\nوورد في الأغاني برواية:\nفعفراءُ أحظى الناسِ عندي مودَّةً\nوورد بلا نسبة في \"تفسير الطبري\" ١٤/ ١٣٣، والثعلبي ٢/ ١٥٩ أ، والشاهد: أنه لم يقل: المعرضة المتوانية، وذكَّرَ المعرض؛ لأنه أراد التشبيه، أي: وعفراء عنّي مثْلُ المُعرضِ، والمؤنث قد يشبَّه بالمذكر.\n(٤) هو لأَوْس بن حَجَر، كما في ديوانه واللسان.\n(٥) في جميع النسخ: (إذا) والتصويب من الديوان وجميع المصادر عدا الثعلبي.\n(٦) \"ديوانه\" ص ٧٤، وفيها: (الزمان) بدل (البلاد)، و(بعزة) بدل (بغرة)، وورد في \"اللسان\" (سعف) ٤/ ٢٠١٨، وفيه: والزمان، وورد بلا نسبة في \"تهذيب اللغة\" (سعف) ٢/ ١٦٩٦، كما للسان، وورد برواية: (بغبطة) بدل (غِرَّة) في \"تفسر الطبري\" ١٤/ ١٣٣، والثعلبي ٢/ ١٥٩ أ، وفي \"الخزانة\" ٥/ ٤٢٩، برواية: (والزمان بعزَّة)، (غِرَّة)، بكسر الغين: الغفلة، يقال: غَرَّ الرجلُ غَرارةً وغِرَّةً: جهلَ الأمور وغفل عنها، (مساعف) قريب، والإسعاف: قضاء الحاجة، وهو المقصود.","vol":"13","page":111},{"text":"فهذا التذكير في هذه الأشياء أشَدُّ منه في الأنعام، ومثله كثير (١)، وإنما توَجَّه على معنى هذا الشخص والسواد وكل شيء، فالشيء يَشْرَكُه في اسمه، فالأصل التذكير؛ لأن الشيء مذَكَّر، غير أن الشيء إذا كان تأنيثه حقيقيًّا فلا بد من أن يؤنث في مستقيم الكلام، لا يَحْسُن أن يقول: جَارِيتُك ذهب ولا غلامك ذهبت، بحمله على النَّسْمَة (٢)، وذهب المؤرج في هذا إلى وجه آخر؛ وهو أن الكناية تعود إلى ما في قوله: ﴿مِمَّا فِي بُطُونِهِ﴾ وأضمر اللبن؛ كأنه قيل: نسقيكم مما في بطونه اللبن، ﴿مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا﴾ أراد أنه يُسقى من أَيِّها كان ذا لبن؛ لأنه ليس لكلها لبن (٣)، واختار صاحب النظم هذا الوجه وزاده بيانًا فقال: الأنعام يقع على الذكر والأنثى، والصغير والكبير، والحائل (٤) والحامل، وذات الدَّرّ والبِلَى (٥)، فلما ذَكَرَ ﷿ مُجْمَلَه في أول الفصل، وليس الدّرُّ إلا لبعضها؛ مَيَّزَ واختص منها في الخبر ذات الدّر دون سائرها. فقوله: ﴿مِمَّا﴾ مِثْلُ قولك: مِنْ الَّتي، إلا أنه\n_________\n(١) لم أقف على مصدره.\n(٢) النَّسمَةُ: النَّفسُ، والنسمة في العتق: المملوك ذكرًا كان أو أنثى. \"المحيط في اللغة\" ٨/ ٣٤٥.\n(٣) ورد في \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٥٩، بنحوه، والطبري ١٤/ ١٣١، بنحوه غير منسوب، وورد في \"إعراب القرآن\" للنحاس ٢/ ٢١٧، بنحوه منسوبًا إلى أبي عبيدة عن أبي عبيد، وانظر: \"تفسير البغوي\" ٥/ ٢٨، و\"وضح البرهان\" ص ٥٠٧.\n(٤) الحائل: التي لا تحمل تلك السنة، حَالتْ تحُولُ حُؤُولًا وحِيَالًا، والمُحْتالة: الحائل من ذوات الحَمْلِ. انظر: \"المحيط في اللغة\" (حول) ٣/ ٢١٠.\n(٥) يقال: ناقة بَلِيَّة: هي التي يموت صاحبها فيحفر لها حفرة وتشدّ رأسها إلى خلفها، وتُبْلَى: أي تترك هناك لا تعلف ولا تسقى حتى تموت جوعًا وعطشًا. انظر: \"المحيط في اللغة\" (بلى) ١٠/ ٣٥٤، و\"اللسان\" (بلا) ١/ ٣٥٥.","vol":"13","page":112},{"text":"لمّا ذَكَرَ (الَّتي) بلفظ (ما) ذَكَرَ الكناية؛ لأن (ما) لا تبين فيه تذكير ولا تأنيث، فكأنه مذكر، والتقدير: نُسقيكم مِن التي في بطونها لبن، ﴿مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا﴾، وأضمر ذِكرَ اللبن لعلم المخاطب بذلك، ولمجيء (١) ذِكرِ اللبن فيما بعده.\nوقوله تعالى: ﴿مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا﴾، الفَرْثُ: سِرْجين الكرش (٢)، قال ابن عباس: يريد العلف الذي يكون في الكرش، وروى الكلبي عن أبي صالح عنه أنه قال: إذا استقر العَلَفُ في الكرش صار أسفله فَرْثًا وأعلاه دمًا وأوسطه لبنًا، فيجري الدمُ في العروق واللبنُ في الضَّرع ويبقى الفَرْثُ كما هو (٣)، فذلك قوله: ﴿مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا﴾: لا يَشُوبُه الدم ولا الفرث، ﴿سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ﴾: جائزًا في حلوقهم لذيذًا هنيئًا، يقال: ساغَ الشَّرَابُ في الحلق وأَسَاغَهُ صاحِبُه (٤)، ومنه قوله: ﴿وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ﴾ [إبراهيم:\n_________\n(١) في جميع النسخ: (والمجيء)، ويستقيم الكلام بالمثبت.\n(٢) يقال: سرجين بالجيم، وسرقين بالقاف، ويسمى فرْثًا ما دام أنه بالكرش، فإذا خرج لا يسمى فرثًا، انظر: (فرث) في \"العين\" ٨/ ٢٢٠، و\"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٧٥٧، و\"المحيط في اللغة\" ١٠/ ١٣٨، و\"مجمل اللغة\" ٢/ ٧١٩، و\"اللسان\" ٦/ ٣٣٦٩.\n(٣) ورد في \"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢٤٠، والثعلبي ٢/ ١٥٩ أ، بنحوه، (وهذه أوهى الطرق إلى ابن عباس، وانظر: \"تفسير البغوي\" ٥/ ٢٨، وابن الجوزي ٤/ ٤٦٤، والفخر الرازي ٢٠/ ٦٤، و\"تفسير القرطبي\" ١٠/ ١٢٥، و\"تفسير البيضاوي\" ١/ ٢٧٩، والخازن ٣/ ١٢٣، وأبي حيان ٥/ ٥٠٩، وهذا التفسير مردود لضعف الأثر، وزاد الفخر الرازي تضعيفه لمخالفته للحس، فقال: وقد دللنا على أن هذا القول على خلاف الحس والتجربة، ولأن الدم لو كان يتولد في أعلى المعدة والكرش، كان يجب إذا قاء أن يقيء الدم، وذلك باطل قطعًا، ثم بيَّن كيفية توَلُّد اللبن حسيًّا. الفخر الرازي ٢٠/ ٦٥\n(٤) انظر: (سوغ) في \"جمهرة اللغة\" ٢/ ٨٤٦، و\"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٥٩٧،و\"المحيط =","vol":"13","page":113},{"text":"١٧] وقد مر، والآية بيان عن إقامة الدلالة على الصانع حيث جعل العَلَف وهو جنس واحد أنواعًا في بطن الدابة، فإذا تفكر العاقلُ عَلِمَ أن ذلك بقدرة الله الذي لا إله إلا هو، قال أصحابنا: وهذه الآية تدل على أن مَنِيّ الآدمي لا يكون نجسًا وإن كان في باطنه مجاورًا للنجاسات كاللبن؛ فإنه يخرج طاهرًا من بين نجسين (١).\n_________\n= في اللغة\" ٥/ ١٠٧، و\"مجمل اللغة\" ١/ ٤٧٨، و\"مقاييس اللغة\" ٣/ ١١٦، و\"الصحاح\" ٤/ ١٣٢٢، و\"العباب الزاخر\" غ/ ص ٤٨، و\"اللسان\" ٤/ ٢١٥٢.\n(١) هذا مشهور لكن فيه نظر؛ لأن الدم مختلف في نجاسته، فالمذاهب الأربعة على نجاسته، وقد حكى النووي في ذلك الإجماع فقال: \"وفيه أن الدم نجس، وهو بإجماع المسلمين\" [شرح مسلم (٣/ ٢٠٠)]، وانظر: \"أحكام النجاسات في الفقه الإسلامي\" ص ١٨٧، لكن الذي عليه المحققون -كابن تيمية والشوكاني وصديق خان- أن الدم المسفوح ليس بنجس، وعمدة القائلين بالنجاسة أمران؛ أحدهما: قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥]، والثاني: حديث أسماء قالت: جاءت امرأة إلى النبي -ﷺ- فقالت: (إحدانا يصيب ثوبها من دم الحيضة كيف تصنع به؟ قال: \"تَحُتُّهُ ثم تَقْرُصُهُ بالماء ثم تَنْضِحُهُ ثم تُصَلَّي فيه\" [شرح مسلم (٣/ ١٩٩)].\nوقد رد المحققون على هذين الدليلين: أما الآية فدلالتها على نجاسة الدم غير صريحة؛ لأن كون تناول الدم المسفوح محرم لا يقتضي نجاسته، وكلمة ﴿فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ وإن كان من معانيها في اللغة النجاسة، إلا أنه مختلف في عودة الضمير، وإذا وقع الاحتمال بطل الاستدلال. أما الحديث فالكلام فيه على دم الحيض ولا خلاف في نجاسته؛ لأنه خارج من أحد السبيلين، لذلك كان قياس سائر الدماء عليه قياسًا مع الفارق، لذلك قال صديق خان: (وأما سائر الدماء فالأدلة فيها مختلفة مضطربة، والبراءة الأصلية مستصحبة حتى يأتي الدليل الخالص عن المعارضة) [الروضة الندية شرح الدرر البهية (١/ ٨٢)]، وحتى على القول بنجاسة الدم فإن الدم قبل انفصاله عن الجسم يعد طاهرًا، وهو ما ذهب إليه ابن تيمية في =","vol":"13","page":114},{"text":"كذلك يجوز أن يخرج المنيّ طاهرًا وإن جرى في طريق النجاسة (١) (٢).\n_________\n= الفتاوى ٢١/ ٥٩٨ - ٦٠٠، ونصره من عدة وجوه، فقال: (إنا لا نسلم أن الدم قبل ظهوره وبروزه يكون نجسًا، فلا بد من الدليل على تنجيسه)، ثم ذكر وجوهًا على طهارته، وهي: أن النجس هو المستقذر المستخبث، وهذا الوصف لا يثبت لهذه الأجناس إلا بعد مفارقتها مواضع خلقها، فوصفها بالنجاسة فيها وصف بما لا تتصف به. أن الدماء في الأبدان وغيرها هي أحد أركان الحيوان التي لا تقوم حياته إلا بها حتى سميت نفسًا، فالحكم بأن الله يجعل أحد أركان عباده من الناس والدواب نوعًا نجسًا في غاية البعد. أن الأصل الطهارة، فلا تثبت النجاسة إلا بدليل، وليس في هذه الدماء شيء من أدلة النجاسة، وخصائصها. أما روث الحيوان فالأرجح فيه الطهارة أيضًا، وهو مذهب الحنابلة والمالكية والهادوية وغيرهم. [انظر: \"نيل الأوطار\" ١/ ٥٩ - ٦٠، و\"الروضة الندية\" ١/ ٧١، و\"أحكام النجاسات\" ص٥٠ - ٩٨]. ومن أدلتهم: حديث أنس في الصحيحين: (أن النبي - ﷺ أمر العُرَنِيين بأن يشربوا من أبوال الإبل) البخاري (٢٣٣) كتاب الوضوء، أبوال الإبل والدواب، مسلم (١٦٧١): القسامة، حكم المحاربين والمرتدين، واستدلوا كذلك (بأن النبي -ﷺ- كان يصلي قبل أن يبنى المسجد في مرابض الغنم. أخرجه البخاري (٢٣٤) بنفس الباب، كذلك استدلالات ابن تيمية -السابقة- على طهارة الدم تنطبق على طهارة الروث.\n(١) الكلمة ساقطة من (أ)، (د).\n(٢) نسبه القرطبي للنقاش من الشافعية (ت ٣٥١ هـ) وقال: وقاله أيضًا غيره، وهذا الاستدلال على طهارة المنيّ فيه تكَلُّف وبُعد، والقياس الوارد قياس مع الفارق، لذا أنكره ابن العربي وشكك في أهلية المسندل على الدعوى بهذه الآية. انظر: \"تفسير ابن العربي\" ٣/ ١١٥٢، وقد أنكر ابن تيمية هذه المدعوى -في معرض الرد على القائلين بنجاسة المني- فقال: لا نسلم أنه يجري في مجرى البول، فقد قيل: إن بينهما جلدة رقيقة، وإن البول إنما يخرخ رشحًا، وهذا مشهور. \"الفتاوى\" =","vol":"13","page":115},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2071>٦٧ </span>- قوله تعالى: ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ﴾ الآية.\nقال صاحب النظم: تأويل الآية: ولكم من ثمرات النخيل والأعناب ما تتخذون منه سكرًا (١)؛ لأنه لو كان مبتدأً ومنقطعًا مما قبله لوجب أن يقال: منها؛ لأن تأويله يكون راجعًا على قوله: ﴿ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ﴾ على ما نظم، وتتخذون من ثمرات النخيل والأعناب سكرًا.\nوالعرب تضمر (ما) و(من) كقوله تعالي: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ﴾ (٢) [الإنسان: ٢٠]، ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ﴾ (٣) [الصافات: ١٦٤] وذكرنا (٤) هذا قديمًا.\nوالأعناب عطف على الثمرات لا على النخيل؛ لأنه يصير التقدير: ومن ثمرات الأعناب، والأعناب ثمار، ولكنه ومن الأعناب، وأمَّا السكر\n_________\n= ٢١/ ٦٠٢، أما طهارة المني فمختلف فيها، وقد بسط العلماء القول فيها في كتبهم في مظانها. وانظر: \"أحكام النجاسات\" ص ٩٩ - ١٢٤] ومن أقوى أدلة القائلين بطهارته -وهو الراجح- قول عائشة ﵂ \"كان رسول الله -ﷺ- يسْلُت المنيّ من ثوبه بعرق الإذخر ثم يصلي فيه، ويحته من ثوبه يابسًا ثم يصلي فيه\". صحيح ابن خزيمة: باب سلت المني من الثوب بالإذخر إذا كان رطبًا (١/ ١٤٩).\n(١) وإلى هذا ذهب الطبري في \"تفسيره\" ١٤/ ١٣٨، وانظر: \"تفسير البغوي\" ٥/ ٢٨، وابن عطية ٨/ ٤٥٨، قال البغوي: يعني: ولكم أيضًا عبرة فيما نسقيكم ونرزقكم من ثمرات النخيل والأعناب، ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ﴾ والكناية في ﴿مِنْهُ﴾ عائدة إلى (ما) محذوفة، أي: ما تتخذون منه ﴿سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾.\n(٢) قال الفراء: أي ما ثَمَّ رأيت. \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ٢١٨، وانظر: \"الدر المصون\" ١٠/ ٦١٤.\n(٣) وتقديره عند الكوفيين: وما منا إلا مَنْ له، فحذف الموصول وأبقى الصلة، واباه البصريون؛ لأن الموصول عندهم لا يحذف. انظر: \"البيان في غريب إعراب القرآن\" ٢/ ٣١٠، و\"الفريد في إعراب القرآن\" ٤/ ١٤٦.\n(٤) ساقطة من (أ)، (د).","vol":"13","page":116},{"text":"فروى سعيد بن جبير وشهر بن حَوْشب وعمرو (١) بن سفيان (٢) عن ابن عباس أنه قال: السَّكَر ما حُرِّم من ثمرتيهما، والرزق الحسن ما أُحلَّ من ثمرتيهما (٣)، وقال في رواية عطاء: سَكَرًا يريد ما أَسْكَر، وهذا قبل أن يحرم الخمر.\n﴿وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ يريد الخَلَّ والزبيب والتمر وكل ما يُتَّخَذ من النخيل والأعناب (٤)، وهذا قول عامة المفسرين؛ قالوا: السكر هي الخمر بعينها،\n_________\n(١) في جميع النسخ (عمر) والصحيح المثبت كما في \"تفسير الطبري\" ١٤/ ١٣٤، و\"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ٨١.\n(٢) عمرو بن سفيان الثقفي، روى عن ابن عباس وابن عمر وعن أبيه ﵁، وروى عنه الأسود بن فيس، صحح له الحاكم حديثًا في تفسير السَّكر، وضعفه النحاس في معانيه. انظر: \"الجرح والتعديل\" ٦/ ٢٣٤، و\"تهذيب التهذيب\" ٣/ ٢٧٣، و\"تقريب التهذيب\" (٥٠٣٨).\n(٣) أخرجه عبد الرزاق في \"مصنفه\" (٢/ ٣٥٧) بنصه، والطبري ١٤/ ١٣٤ بنصه من طرق كثيرة، والجصاص ٣/ ١٨٥، بنحوه، والحاكم: التفسير/ النحل (٢/ ٣٥٥) بنصه وصححه، وورد في \"الناسخ والمنسوخ\" للنحاس ٢/ ٤٨٥، بنصه، و\"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ٨١، بنصه، وقال: وهي روايةٌ تضعفُ من جهة عمرو بن سفيان، و\"تفسير هود الهواري\" ٢/ ٣٧٦، بنصه، والثعلبي ٢/ ١٥٩ أبنصه، و\"تفسير الماوردي\" ٣/ ١٩٨، بنحوه، وانظر: \"تفسير البغوي\" ٥/ ٢٩، وابن الجوزي ٤/ ٤٦٤، وابن كثير ٢/ ٦٣٣، و\"الدر المنثور\" ٤/ ٢٢٨، وزاد نسبته إلى الفريابي وسعيد بن منصور وأبي داود في ناسخه وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه.\n(٤) أخرجه أبو عبيد في \"الناسخ والمنسوخ\" ص٢٥٢، بنحوه من طريق الحجاج عن ابن جريج صحيحة، ومن طريق أبي طلحة صحيحة والطبري ١٤/ ١٣٤ - ١٣٥ بنحوه من طريق عمرو، ومن طريق أبي طلحة، والجصاص ٣/ ١٨٥، بنحوه من طريق الحجاج، والسمرقندي ٢/ ٢٤١، بمعناه، وانظر:\"تفسير ابن عطية\" ٨/ ٤٥٨.","vol":"13","page":117},{"text":"والسكر حرام، والرزق الحسن حلال، وقالوا: نزلت هذه قبل تحريم الخمر (١)، ونزل تحريمها في سورة المائدة (٢).\nوالسَّكَر في اللغة: الخمر (٣)، وقال جرير:\n_________\n(١) أخرجه الطبري ١٤/ ١٣٥، بنحوه من طرق عن سعيد بن جبير وأبي رزين والحسن ومجاهد، ورد في \"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ٨٢، بنحوه، و\"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢٤١، بنحوه، و\"تفسير الماوردي\" ٣/ ١٩٨، بنحوه، والطوسي ٦/ ٤٠١، بنحوه، وانظر: \"تفسير البغوي\" ٥/ ٢٨.\n(٢) في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: ٩٠]، وعلى هذا فآية النحل منسوخة بآية المائدة، وهو ما ذهب إليه ابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد والحسن والشعبي والنخعي وأبو رَزين وجمهور المفسرين، وقد ردّ هذه الدعوى جماعة من العلماء، وبينوا أن هذا خبر، ولا يجوز فيه النسخ، قال مكي: وقيل: إن هذا لم ينسخ؛ لأن الله لم يأمرنا باتخاذ ذلك، ولا أباحه لنا في هذه الآية، وإنما أخبرنا بما كانوا يصنعون من النخيل من السَّكَر الذي حرَّمه الله في المائدة. ا. هـ. ومن القائلين بعدم النسخ الطبري، لكنه حمل السَّكر على أن معناه: كل ما حلّ شربه، مما يتخذ من ثمر النخل والكرم، وفَسَّد أن يكون معناه الخمر أو ما يُسْكِر من الشراب. انظر: \"الناسخ والمنسوخ\" لأبي عبيد ص ٢٥٢، و\"تفسير الطبري\" ١٤/ ١٣٤ - ١٣٦، و\"الناسخ والمنسوخ\" للنحاس ٢/ ٤٨٦، و\"الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه\" لمكي ص ٣٣١، و\"أسباب النزول\" للواحدي ص ٢٠٨، و\"نواسخ القرآن\" لابن الجوزي ص ١٨٦، و\"تفسير القرطبي\" ١٠/ ١٣٠.\n(٣) أصل السَّكر في اللغة: السَّدُّ، ومنه سَكِرَ فلانٌ؛ لأنه سُدَّ عقله ومنع منه، والسَّكَرُ: الخمر نفسها، وكُلّ ما يُسْكِرُ، وقيل: هو شراب يُتخذ من التَّمر والكَشُوث، والسُّكر: حالةٌ تعرض بين المرء وعقله، وأكثر ما يستعمل ذلك في الشراب المُسكرِ، انظر: \"تهذيب اللغة\" (سكر) ٢/ ١٧٢٠، و\"المفردات\" ص ٤١٦. و\"الأساس\" ص ٣٠٢، و\"اللسان\" (سكر) ٤/ ٢٠٤٧، و\"عمدة الحفاظ\" ٢/ ٢٣٧ و\"التاج\" (سكر) ٦/ ٥٣٤، و\"متن اللغة\" ٣/ ١٧٩.","vol":"13","page":118},{"text":"إذا رَوِينَ على الخِنْزِيرِ من سَكَرٍ ... نادَيْنَ يا أعظمَ القِسِّين جُرْداناَ (١)\nوهذا القول هو اختيار الفراء (٢) والزجاج (٣).\nوقال أبو عبيدة بوحده: السَّكَر: الطعام، واحتج بقوله (٤):\nجَعَلْتَ أعْرَاضَ الكِرَامِ سَكَرا (٥)\nأي جعلتَ ذَمَّهم (٦) طُعْمًا لك (٧).\nقال الزجاج: هذا بالخمر أشبَهُ منه بالطعام، المعنى: جعلْتَ تتخمَّرُ بأعراضِ الكرام، وهو أبينُ فيما يقال: يبترك (٨) في أعراض\n_________\n(١) \"ديوانه\" ١/ ١٦٧، وفيه: (لمّا) بدل (إذا)، وورد في \"تهذيب اللغة\" (سكر) ٢/ ١٧٢٠، و\"اللسان\" (جرد) ١/ ٥٩٠، (سكر) ٤/ ٢٠٤٨، (جردانا): الجُردانُ بالضم: هن أسماء الذَّكَرِ، وهو قضيب ذوات الحوافر، والجمع: جرادين.\n(٢) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٠٩، بلفظه.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٠٩، بلفظه.\n(٤) نسبه في المجاز إلى جندل، وهوابن المثنى الطَّهوي.\n(٥) ورد في \"تهذيب اللغة\" (سكر) ٢/ ١٧٢٠، و\"تفسير الزمخشري\" ٢/ ٣٣٥، والفخر الرازي ٢٠/ ٦٨، و\"اللسان\" (سكر) ٤/ ٢٠٤٨، وورد برواية: \"جَعَلْتَ عَيْبَ الأكْرمين سكرًا\" في \"مجازالقرآن\" ١/ ٣٦٣، و\"تفسير الطبري\" ١٤/ ١٣٨، و\"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ٨٣، و\"إعراب القرآن\" للنحاس ٢/ ٢٣٨، و\"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٥٩ ب، والطوسي ٦/ ٤٠١، وابن الجوزي ٤/ ٤٦٤، و\"القرطبي\" ١٠/ ١٢٩.\n(٦) في\"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٠٩: دَمَهُم، ولعل الخطأ من المحقق، والمثبت هو الصحيح المتفق مع المعنى.\n(٧) \"مجاز القرآن\" ١/ ٣٦٣، بنحوه، وورد في \"التهذيب\" (سكر) ٢/ ١٧٢٠، بنصه، والظاهر أنه نقله من التهذيب.\n(٨) يقال: بارك على الشيء: واظب، وأبرك في عدْوه: أسرع مجتهدًا، والاسم: البرُوُك، يقال: ابْتَرك الرجل في عرض أخيه: إذا اجتهد ذمّه وشتمه =","vol":"13","page":119},{"text":"الناس (١)؛ يتخَمَّر بهم.\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ قال ابن عباس: يريد عقلوا عن الله قدرَته وما لا يقدر عليه أحدٌ غيرُه وحدَه، فصَدَّقوا نَبِيَّه وأيْقَنُوا بالثواب والعقاب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2072>٦٨ </span>- قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ﴾ الآية. وَحَى وأوحَى واحد (٢)، وهو الإلهام هاهنا، قال المفسرون: ألهَمَها وقذف في أنفسها (٣)، وذكرنا معنى الوحي والإيحاء (٤) عند قوله: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ [النساء: ١٦٣] وفي مواضع. وقوله تعالي: ﴿إِلَى النَّحْلِ﴾، النَّحْل: زنبور (٥) العَسَلِ، والواحدة نَحْلَة (٦).\n_________\n= وانتقاصه، والابتراك في العدو: الاجتهاد فيه. انظر: (برك) في \"تهذيب اللغة\" ١/ ٣١٩، و\"المحيط في اللغة\" ٦/ ٢٦٠، و\"اللسان\" ١/ ٢٦٧.\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٠٩، بنحوه، وورد في \"تهذيب اللغة\" (سكر) ٢/ ١٧٢٠، بنصه تقريبًا، والظاهر أنه نقله منه.\n(٢) يقال: أوْحى لها وَوَحى لها، لكن اللغة الفاشية في القرآن بالألف، وأما في غير القرآن فوحيْتُ إلى فلان هو المشهور. انظر: (وحى) في \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٨٥٢، و\"المحيط في اللغة\" ٣/ ٢٤١، و\"الصحاح\" ٦/ ٢٥١٩.\n(٣) ورد في \"تفسير مقاتل\" ١/ ٢٠٤ ب، بنحوه، والطبري ١٤/ ١٣٩ بنصه عن معمر من طريقين، و\"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ٨٣، بنحوه، و\"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢٤١، بنحوه، وهود الهواري ٢/ ٣٧٧، بنحوه، والثعلبي ٢/ ١٥٩ ب، بنصه، و\"الماوردي\" ٣/ ١٩٩، بنحوه، والطوسي ٦/ ٤٠٢، بنحوه، وانظر: \"تفسير البغوي\" ٥/ ٢٩، وابن الجوزي ٤/ ٤٦٥، والفخر الرازي ٢٠/ ٦٩، و\"تفسير القرطبي\" ١٠/ ١٣٣.\n(٤) في (أ)، (د): (إيحاء)، والمثبت من (ش)، (ع).\n(٥) في (أ)، (د): (زبر)، وفي كتب اللغة: (دَبْرُ العسل)، قال الخازن: \"النحل: زنبور العسل، ويسمى الدَّبْر أيضًا\". \"تفسير الخازن\" ٣/ ١٢٣.\n(٦) انظر: (نحل) في \"العين\" ٣/ ٢٣٠، و\"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٠٣٢ و\"المحيط في اللغة\" ٣/ ١٠٣، و\"الصحاح\" ٥/ ١٨٢٦، و\"اللسان\" ٧/ ٤٣٦٨.","vol":"13","page":120},{"text":"قال الزجاج: جائز أن يكون سمي نحلًا؛ لأن الله ﷿ نحل الناس العسل الذي يخرج من بطونها، وقال غيره: النَّحْل يذكر ويؤنث (١)، وهي مؤنثة في لغة الحجاز؛ ولذلك أنثها الله تعالى، وكذلك كل جمع ليس بينه وبين واحده إلا الهاء.\nوقال أهل المعاني: الله تعالى أوحى إلى كل دابة وذي روح وحي الإلهام في التماس منافعها واجتناب مضارِّهَا، فذكر من ذلك أمر النحل؛ لأن فيها من لطيف الصنعة وبديع الخلق ما فيه أعظم معتبر، بأن ألهمها اتخاذ المنازل والمساكن (٢)، وذلك قوله: ﴿أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ﴾، قال ابن عباس: هي تتخذ من الجبال لأنفسها إذا كانت لا أصحاب لها (٣).\nوقوله تعالى: ﴿وَمِمَّا يَعْرِشُونَ﴾، أي: يبنون ويسقفون، وفيه لغتان: قُرئ بها ضَمُّ الراء (٤) وكسرها (٥) مثل يَعْكِفون ويَعْكُفون.\nقال ابن عباس: يريد ما يعرش الناس لها من الجِبَاح (٦)؛ وهو: خلايا\n_________\n(١) ليس في معانيه، وورد في \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٥٣٢، بنصه، وقال الأزهري في مادة (نحل) \"فمن ذكَّر النحل فلأن لفظه مذكَّر، ومن أنث فلأنه جَمْعُ نحْلَة\".\n(٢) ورد في \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢١٠، بنحوه.\n(٣) ورد في تفسيره \"الوسيط\" تحقيق سيسي ٢/ ٤١٤، بنصه.\n(٤) قرأ بضم الراء: ابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر: ﴿يَعْرِشُونَ﴾، انظر: \"السبعة\" ص ٣٧٤، و\"إعراب القراءات السبع وعللها\" ١/ ٣٥٨، و\"الحجة للقراء\" ٥/ ٧٦، و\"حجة القراءات\" ص ٣٩٢، و\"المُوضح في وجوه القراءات\" ٢/ ٧٤٠.\n(٥) قرأ الباقون بكسر الراء: ﴿يَعْرِشُونَ﴾، وروى حفص عن عاصم بكسر الراء أيضًا. انظر: المصادر السابقة.\n(٦) الأجْبُح: مواضِع النحل في الجبل، والواحد: جِبْحٌ وجِبَحٌ. انظر: \"المحيط في اللغة\" (جبح) ٢/ ٤١٦، و\"مجمل اللغة\" ١/ ٢٠٥.","vol":"13","page":121},{"text":"النحل (١).\nوقال ابن زيد في قوله: ﴿وَمِمَّا يَعْرِشُونَ﴾ هو الكروم (٢)، ولا معنى للكروم هاهنا؛ لأنها لا تأوي الكُرُومَ، والمعنى ما قاله ابن عباس أن معنى يعرشون: يبنون لها من خلاياها، ويعرشون صحيح في البناء للكروم، ولكن المراد هاهنا في البناء للنحل لا الكَرْم.\nقال أهل المعاني: لولا التسخير وإلهام الله تعالى ما كانت تأوي إلى ما يبني لها الناس من بيوتها (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2073>٦٩ </span>- قوله تعالى: ﴿ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ قال ابن قتيبة: أي من الثمرات، وكل هاهنا لا يقع على العموم، كقوله: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٢٣]، وقوله: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ﴾ (٤) [الأحقاف: ٢٥].\nوقوله تعالى: ﴿فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ﴾ قال ابن عباس: يريد طُرقَ ربك (٥)، تطلب فيها الرعي، ﴿ذُلُلًا﴾ جمع ذَلُول، وهو المنقاد اللين\n_________\n(١) انظر: \"تفسير الفخر الرازي\" ٢٠/ ٧٠، و\"تفسير القرطبي\" ١٠/ ١٣٤، وأبي حيان ٥/ ٥١٢، كلها بنحوه وبلا نسبة.\n(٢) أخرجه الطبري ١٤/ ١٣٩ بلفظه، ورد في \"تقسير الثعلبي\" ٢/ ١٥٩ ب، بلفظه، و\"تفسير الماوردي\" ٣/ ١٩٩، بلفظه، والطوسي (٦/ ٤٠٢) بلفظه، وانظر: \"تفسير البغوي\" ٥/ ٢٩، و\"تفسير ابن عطية\" ٨/ ٤٦١، وابن الجوزي ٤/ ٤٦٥، وأبي حيان ٥/ ٥١٢.\n(٣) انظر: \"تفسير ابن الجوزي\" ٤/ ٤٦٥.\n(٤) \"الغريب\" لابن قتيبة ص ٢٤٦، بنصه ولم يستشهد إلا بالآية الثانية.\n(٥) ورد بلفظه بلا نسبة في \"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢٤١، وهود الهواري ٢/ ٣٧٦، والثعلبي ٢/ ١٥٩ ب، و\"القرطبي\" ١٠/ ١٣٥، وأبي حيان ٥/ ٥١٢.","vol":"13","page":122},{"text":"المُسَخَّر، يقال: فرس ذلول بَيِّن الذُّلِ (١).\nقال مجاهد: لا يتوعَّرُ عليها مكان سلكته (٢)، فعلى هذا الذُّلُلُ من صفة السُّبُل، والنحل يرعى الأماكن البعيدة ذات الغِيَاضِ (٣)، الأشْبَهُ: لا تتوعر عليها لتذليل الله لها إياها، وهذا القول اختيار الزجاج؛ لأنه قال في قولهه: ﴿سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا﴾، أي: قد ذَلَّلَها الله لك وسَهَّلَ عليك مَسالِكَها (٤).\nوقال قتادة: ذُلُلًا يعني مطيعة (٥)، وهو اختيار ابن قتيبة؛ لأنه قال: منقادة بالتَّسْخِير (٦)، وعلى هذا الذُّلُلُ من نعت النَّحل، وحكى الفراء القولين، فقال: ذُلُلًا نعتُ للسبيل، ويقال: نعت للنحل؛ أي ذُلِّلَت لأن يخرج الشراب من بطنها (٧).\n_________\n(١) انظر: (ذل) في \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٢٩٠، و\"المحيط في اللغة\" ١٠/ ٥٧، و\"مجمل اللغة\" ١/ ٣٥٤، و\"الصحاح\" ٤/ ١٧٠١.\n(٢) \"تفسير مجاهد\" ١/ ٣٤٩، بنصه، وأخرجه الطبري ١٤/ ١٤٠ بنصه من طريقين، ورد في \"تفسير هود الهواري\" ٢/ ٣٧٧، بنصه، والثعلبي ٢/ ١٥٩ ب، بنصه، و\"تفسير الماوردي\" ٣/ ١٩٩، بنصه، والطوسي ٦/ ٤٠٤، بنحوه، وانظر: \"تفسير البغوي\" ٥/ ٢٩، وابن عطية ٨/ ٤٦٢، وابن الجوزي ٤/ ٤٦٦، و\"الدر المنثور\" ٤/ ٢٣٠، وزاد نسبته إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(٣) جمع غَيْضَة: وهي الأجمة؛ وهي مَغِيضُ ماء يجتمع فينبت فيه الشجر. انظر: (غيض) في \"الصحاح\" ٣/ ١٠٩٧، و\"اللسان\" ٦/ ٣٣٢٧.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢١٠، بنصه.\n(٥) أخرج عبد الرزاق في \"مصنفه\" (٢/ ٣٥٧) بلفظه، والطبري ١٤/ ١٤٠ بلفظه من طريقين، وورد بلفظه في \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٥٩ب، و\"تفسير الماوردي\" ٣/ ١٩٩، والطوسي ٦/ ٤٠٤، وانظر: \"تفسير أبي حيان\" ٥/ ٥١٢، و\"الدر المنثور\" ٤/ ٢٣٠، وزاد نسبته إلى ابن المنذر.\n(٦) \"الغريب\" لابن قتيبة ص ٢٤٦، بنصه.\n(٧) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٠٩، بتصرف يسير، وكذلك النحاس ذكر القولين في =","vol":"13","page":123},{"text":"وقوله تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا﴾ رجوع من الخطاب إلى الخبر، ﴿شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ﴾ قال ابن عباس: منه أحمر وأبيض وأصفر (١).\nقال أبو إسحاق: هي تأكل الحامضَ والمُرَّ وما لا يُوصفُ طعمُهُ فيحيل اللهُ ذلك عَسَلًا يخرج من بطونها، إلا أنها تلقيه من أفواهها؛ كالريق الذي يخرج من فم ابن آدم (٢).\nقوله تعالى: ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ أكثرُ المفسرين على أن الكناية تعود إلى قوله: ﴿شَرَابٌ﴾، وهو العسل، وقالوا: إن في العسل شفاء للناس (٣)، فإن قيل: قد رأينا من يَضُرُّه العسل، فكيف يكون فيه شفاء للناس؟! أجاب عن هذا الزجاج، وقال: الماء حياة كل شيء، وقد رأينا من يقتله الماء إذا أخذه على ما يُضَادُّه من علة في البدن (٤)، وهذا معنى قول السدي: فيه شفاء للأوجاع التي شفاؤها فيه (٥).\n_________\n= معانيه ٤/ ٨٤، بنحوه، وأورد الطبري الروايات على القولين، ثم قال: وكلا القولين غير بعيد من الصواب ... غير أنا اخترنا أن يكون نعتًا للسُّبل؛ لأنها إليها أقرب. \"تفسير الطبري\" ١٤/ ١٤٠.\n(١) انظر: في \"تفسير ابن الجوزي\" ٤/ ٤٦٦، و\"تنوير المقباس\" ص ٢٨٨، وورد بلفظه بلا نسبة في \"تفسير مقاتل\" ١/ ٢٠٤ ب، والسمرقندي ٢/ ٢٤١، والثعلبي ٢/ ١٥٩ ب، والطوسي ٦/ ٤٠٤، والبغوي ٥/ ٢٩، و\"ابن العربي\" ٣/ ١١٥٧، والفخر الرازي ٢٠/ ٧٢، و\"تفسير القرطبي\" ١٠/ ١٣٥، وابن كثير ٢/ ٦٣٤.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢١٠، بتصرف يسير.\n(٣) ورد بنحوه في \"تفسير مقاتل\" ١/ ٢٠٤، و\"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ٨٥، والثعلبي ٢/ ١٥٩ب، و\"تفسير الماوردي\" ٣/ ٢٠٠، والطوسي ٦/ ٤٠٤، وانظر: \"تفسير ابن عطية\" ٨/ ٤٦٣، وابن الجوزي ٤/ ٤٦٦، و\"تفسير القرطبي\" ١٠/ ١٣٦.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢١١، بنصه، لكنه في المصدر قال: (ما يصادف من علة).\n(٥) ورد في \"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢٤٢، بنصه، وانظر: \"تفسير ابن الجوزي\" ٤/ ٤٦٧.","vol":"13","page":124},{"text":"وروي عن مجاهد: ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾: أي في القرآن (١).\nقال أبو [إسحاق] (٢) وهذا القول إذا فُسِّرَ عُلم أنه حَسَنٌ، المعنى فيما قصصنا عليكم من قصة النحل في القرآن وسائر القصص التي تدل على أن الله واحدٌ، شفاء للناس (٣)، وعلى هذا كون القرآن شفاء؛ أن فيه بيان الحلال والحرام، والدليل على وحدانية الله تعالى، ونفيًا لما يتخالج ويعترض من الشكوك، يدل على هذا قوله تعالى [في] (٤) وصفه القرآن: ﴿وَشِفَاءٌ لِمَا في الصُّدُورِ﴾ [يونس: ٥٧].\n(وقال ابن مسعود: العسل فيه شفاء من كل داء، والقرآن شفاء لما في الصدور (٥» (٦)، وذكر الفراء والزجاج القولين جميعًا (٧).\n_________\n(١) أخرجه الطبري ١٤/ ١٤٠ بلفظه، وورد بلفظه في \"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢٤٢، والثعلبي ٢/ ١٥٩ ب، والماوردي ٣/ ١٩٩، والطوسي ٦/ ٤٠٤، وانظر: \"تفسير البغوي\" ٥/ ٢٩، و\"ابن العربي\" ٣/ ١١٥٧، واستبعده، وقال: ولو صح نقلًا لم يصح عقلًا، وذكره أيضًا ابن عطية ٨/ ٤٦٣، وابن الجوزي ٤/ ٤٦٧، والفخر الرازي ٢٠/ ٧٣، وضعفه. لا خلاف أن القرآن شفاء بنص آية الإسراء [٨٢]، لكن السياق هنا لا يساعد على حمل الشفاء على القرآن، بل هو محمول على العسل.\n(٢) في (أ)، (ش)، (د) بياض مكان (إسحاق)، وفي (ع): (علي)، والصحيح المثبت؛ لوروده في \"معاني القرآن وإعرابه\" بنصه.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢١١، بنصه.\n(٤) إضافة يقتضيها السياق.\n(٥) ما بين التنصيص ساقط من: (أ)، (د).\n(٦) أخرجه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (٦/ ١٢٧) بنصه، والطبري ١٤/ ١٤١ بنصه، والثعلبي ٢/ ١٥٩ ب، بنصه، وورد في \"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢٤٢، بنصه، وانظر: \"تفسير البغوي\" ٥/ ٢٩، والخازن ٣/ ١٢٤.\n(٧) \"معانى القرآن\" للفراء ٢/ ١٠٩، بنصه، و\"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢١١، بنصه.","vol":"13","page":125},{"text":"واختار قوم القول الأول؛ وقالوا: إنه أليق بظاهر الكتاب (١)، واحتجوا بما أخبرناه أبو إسحاق بن أبي منصور المقرئ (٢) أنا عبد الله بن حامد (٣)، أنا مكي بيت عبدان (٤)، أنا عبد الرحمن بن بشر (٥)، أنا يحيى بن سعيد (٦)، عن\n_________\n(١) منهم: الطبري ١٤/ ١٤١ وقال: لأن قوله: ﴿فِيِه﴾ في سياق الخبر عن العسل، فأن تكون الهاء من ذكر العسل، إذ كانت في سياق الخبر عنه أولى من غيره، واختاره الثعلبي ٢/ ١٥٩ ب بنصه، ورجحه البغوي ٥/ ٢٩، و\"ابن العربي\" ٣/ ١١٥٩، و\"الرازي\" ٢٠/ ٧٣، وابن كثير ٢/ ٦٣٤، وغيرهم، وذكروا نحو قول ابن جرير.\n(٢) هو الثعلبي، وقد تقدمت ترجمته ضمن شيوخه.\n(٣) عبد الله بن حامد بن محمد، أبو محمد النيسابوري، الواعظ الفقيه الشافعي، ولد في نيسابور، وتفقه على أبي محمد علي البيهقي، سمع مكي بن عبدان، ورحل إلى أبي علي بن أبي هريرة، روى عنه أبو عبد الله الحاكم، توفي سنة (٣٨٩ هـ)، وعاش (٨٣) سنة انظر: \"طبقات الشافعية\" للسبكي ٣/ ٣٠٦، و\"تاريخ الإسلام للذهبي\" ٢٧/ ١٨٢.\n(٤) أبو حاتم مكي بن عبدان التميمي النيسابوري، ثقة مأمون مقدم على أقرانه، سمع عبد الله بن هاشم ومحمد بن يحيى الذُّهلي، مات سنة (٣٠٥ هـ). انظر: \"تاريخ بغداد\" ١٣/ ١١٩، و\"سير أعلام النبلاء\" ١٥/ ٧٠، و\"شذرات الذهب\" ٢/ ٣٠٧.\n(٥) عبد الرحمن بن بشر بن الحكم النيسابوري، أبو محمد، محدث حافظ ثقة، روى عن سفيان بن عيينة، ويحمى بن سعيد، وعنه: البخاري ومسلم، مات سنة (٢٦٠ هـ). انظر: \"الجرح والتعديل\" ٥/ ٢١٥، و\"سير أعلام النبلاء\" ١٢/ ٣٤٠، و\"تهذيب التهذيب\" ٣/ ٤٩٠.\n(٦) يحيى بن سعيد بن أبَان بن سعيد بن العاص، إمام محدث ثقة، روى عن الأعمش وسفيان الثوري، وعنه: أحمد بن حنبل وعبد الرحمن بن مهدي، مات سنة (١٩٤ هـ)\nانظر: \"الجرح والتعديل\" ٩/ ١٥٠، و\"سير أعلام النبلاء\" ٩/ ١٣٩، و\"تذكرة الحفاظ\" ١/ ٣٢٥، و\"تقريب التهذيب\" ص ٥٩٠ (٧٥٥٤).","vol":"13","page":126},{"text":"شعبة عن قتادة عن أبي المتوكل (١)، عن أبي سعيد الخدري، قال: جاء رجل إلى النبي -ﷺ- فقال: إن أخي تشتكي بطنه فقال: \"اسقه عسلًا\" فذهب ثم رجع فقال: قد سقيته فلم يغن عنه شيئًا، فقال ﵇: \" اذهب واسقه عسلًا، فقد صدق الله وكذب بطنُ أخيك، وسقاه فبرأ كأنما أُنْشِط من عقال\" (٢)، وتاوَّلُوا في قوله: \"صدق الله\" قوله تعالى: ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾.\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ قال ابن عباس: يريد في عظمة الله وقدرته (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2074>٧٠ </span>- قوله تعالى: ﴿وَاللهُ خَلَقَكُمْ﴾ الآية. قال المفسرون: ولم تكونوا شيئًا (٤)، ﴿ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ﴾ عند إنقضاء آجالكم، ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ﴾\n_________\n(١) علي بن داود، أبو المتوكل النّاجي البصري، مشهور بكنيته، ثقة، حدّث عن أبي سعيد وأبي هريرة وابن عباس -﵄-، وعنه: قتادة وحُميد الطويل، مات سنة (١٠٢ هـ). انظر: \"التاريخ الكبير\" ٦/ ٢٧٣، و\"الجرح والتعديل\" ٦/ ١٨٤، و\"سير أعلام النبلاء\" ٥/ ٨، و\"تقريب التهذيب\" ص ٤٠١ (٤٧٣١).\n(٢) أخرجه بنحوه عبد الرزاق ٢/ ٣٥٨، عن قتادة مرسلًا، وأحمد ٣/ ١٩، والبخاري (٥٦٨٤): الطب، الدواء بالعسل، ومسلم (٢٢١٧) في السلام، باب: التداوي بسقي العسل، والترمذي (٢٠٨٣): الطب، ما جاء في التداوي بالعسل، والطبري ١٤/ ١٤١ من طريقين عن قتادة مرسلًا، والحاكم: الطب/العسل لشفاء المعدة، والبيهقي ٩/ ٣٤٤)، والثعلبي ٢/ ١٥٩ ب، بنصه وإسناده، والبغوي ٥/ ٢٩ - ٣٠، بنحوه، وورد بنحوه في \"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢٤١، وهود الهواري ٢/ ٣٧٨، و\"الماوردي\" ٣/ ٢٠٠، و\"مشكاة المصابيح\" (٤٥٢١)، و\"الرازي\" ٢٠/ ٧٣، والخازن ٣/ ١٢٤، و\"الدر المنثور\" ٤/ ٢٣١، وزاد نسبته إلى ابن مردويه.\n(٣) ورد في تفسيره \"الوسيط\" ٢/ ٤١٩، بنصه بلا نسبة، وبنحوه غير منسوب في \"تفسير ابن كثير\" ٢/ ٦٣٥.\n(٤) ورد في \"تفسير مقاتل\" ١/ ٢٠٤ ب، بنصه، والطبرى ١٤/ ١٤١ بنصه، وانظر: \"تفسير الفخر الرازي\" ٢٠/ ٧٧، والخازن ٣/ ١٢٥.","vol":"13","page":127},{"text":"وهو أَرْدَاه وأَوْضَعه، يقال: رَذُلَ الشيء يَرْذُلُ رَذَالَةً، وأَرْذَلَه غيره (١)، ومنه قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا﴾ [هود: ٢٧]، ﴿وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ﴾ [الشعراء: ١١١]. روى أسباط عن السُّدّي: ﴿إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ﴾ قال: الخرف (٢)، ونحوه قوله: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ [التين: ٥]، ونظير هذه الآية لفظًا ومعنى في الحج (٣)، وقال مقاتل: ﴿أَرْذَلِ الْعُمُرِ﴾: الهرم (٤)، وقال قتادة: تسعون سنة (٥)، روي عن علي -﵁- قال: ﴿أَرْذَلِ الْعُمُرِ﴾: خمس وسبعون سنة (٦).\n_________\n(١) انظر: (رذل) في \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٣٩٨، و\"المحيط في اللغة\" ١٠/ ٧١، و\"الصحاح\" ٤/ ١٧٠٨، و\"اللسان\" ٣/ ١٦٣٣.\n(٢) انظر: \"تفسير الرازي\" ٢٠/ ٧٧، و\"الدر المنثور\" ٤/ ٢٣٢، وعزاه إلى ابن أبي حاتم، وتصحفت الكلمة فيه إلى (الخوف).\n(٣) آية: [٥]، وهي ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا﴾.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ١/ ٢٠٤ ب، بلفظه.\n(٥) في جميع النسخ: تسعون، وكذلك في \"تفسير الثعلبي\" ٧/ ١٩٩ أ، نسخة المحمودية، لكن في نسخة الحرم النبوي (٢/ ١٥٩ ب) ذكرت أنها سبعون سنة، والصحيح الأول كما دلت عليه المصادر الأخرى، انظر: \"تفسير البغوي\" ٥/ ٣٠، والزمخشري ٢/ ٣٣٦، وابن الجوزي ٤/ ٤٦٧، والفخر الرازي ٢٠/ ٧٧، والخازن ٣/ ١٢٥، وأبي حيان ٥/ ٥١٤.\n(٦) أخرجه الطبري ١٤/ ١٤١ بنصه، وورد في \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٥٩ب، بنصه، و\"تفسير الماوردي\" ٣/ ٢٠٠، بنصه، والطوسي ٦/ ٤٠٥ بنصه، وانظر: \"تفسير البغوي\" ٥/ ٣٠، والزمخشري ٢/ ٣٣٦، وابن عطية ٨/ ٤٦٤، وابن الجوزى ٤/ ٤٦٧، والفخر الرازي ٢٠/ ٧٧، والخازن ٣/ ١٢٥، وأبي حيان ٥/ ٥١٤، وابن كثير ٢/ ٦٣٥، و\"الدر المنثور\" ٥/ ٢٣٢، وما ذكره علي -﵁- هو الأغلب؛ والأمر يختلف من إنسان لآخر؛ فمنهم من يرد إلى أرذل العمر قبل ذلك، ومنهم من يتعدى ذلك وهو بكامل قواه العقلية؛ كالعلماء. انظر: \"تفسير ابن عطية\" ٨/ ٤٦٤، وأبي حيان ٥/ ٥١٤.","vol":"13","page":128},{"text":"قوله تعالى: ﴿لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا﴾ أي ليرجع إلى حال الطفولية بنسيان ما كان علم؛ للكِبَر، قال ابن عباس: كي يصير كالصبي الذي لا عقل له (١).\nوقال أبو إسحاق: معنى قوله: ﴿لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا﴾، أي: ليريكم من قدرته أنه كما قدّر إماتته وإحياءَه، إنه علي نقله من العلم إلى الجهل قادر (٢).\nقال عطاء عن ابن عباس: ليس هذا في المسلمين، والمسلم لا يزداد في طول العمر والبقاء عند الله إلا كرامة وعقلًا ومعرفة (٣)، وقال في قوله: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ [التين: ٥]، يريد الكافر، ثم استثنى المؤمنين فقال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (٤) [التين: ٦].\n_________\n(١) انظر: \"تفسير القرطبي\" ١٠/ ١٤٠، بنصه، والخازن ٣/ ١٢٥، بنصه، وورد في \"تفسير هود الهواري\" ٢/ ٣٧٨، بنحوه بلا نسبة.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢١١، بنصه.\n(٣) انظر: \"تفسير ابن الجوزي\" ٤/ ٤٦٨، بنصه، والخازن ٣/ ١٢٥، بنصه، والفخر الرازي ٢٠/ ٧٧، بلا نسبة.\n(٤) الاستدلال بهذه الآية فيه نظر؛ فقد اختلف السلف في تأويلها وفي المراد بقوله تعالى. ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾، فقال ابن عباس وعكرمة وقتادة والضحاك والنخعي: معناه الهرم والخرف وذهاب العقل، وهو اختيار ابن جرير، واستحسنه ابن عطية، وقال الحسن ومجاهد وقتادة وابن زيد وأبو العالية: معناه رددناه إلى النار، وهو اختيار ابن كثير والسعدي والشنقيطي. انظر: \"تفسير الطبري\" ٣٠/ ٢٤٤، وابن عطية ١٥/ ٥٠٤، وابن كثير ٤/ ٥٥٩، والسعدي ١٥٩٩، والشنقيطي ١٠/ ٣٣٨. والراجح القول الأول؛ وهو رده إلى الهرم، وعليه فيكون الاستثناء في قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ منقطعًا، ويكون المراد أن المؤمن وإن ردّ إلى الهرم فإن أجر عمله الصالح لا ينقطع لعجزه بل يستمر على ما كان عليه قبل الهرم. أملاه عليّ شيخي.","vol":"13","page":129},{"text":"ونحو هذا روى عاصم (١) عن عكرمة، قال: من قرأ القرآن لم يُردَّ إلى أرذل العمر حتى لا يعلم بعد علم شيئًا (٢)، وقال في قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّلِخَتِ﴾: قرؤوا القرآن (٣).\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ﴾ قال ابن عباس: يريد بما صنع بأوليائه وأعدائه، ﴿قَدِيرٌ﴾: على ما يريد (٤).\n_________\n(١) عاصم بن سليمان الأحول، البصري الحافظ الثقة، من أكبر شيوخه عبد الله بن سرجس، وأنس، وعمرو بن سلمة؛ وعنه: شعبة ويزيد بن هارون، كان على قضاء المدائن، وولي حسبة الكوفة، مات سنة (١٤٢هـ). انظر: \"الجرح والتعديل\" ٦/ ٣٤٣، و\"ميزان الاعتدال\" ٣/ ٦٤، و\"الكاشف\" ١/ ٥١٩ (٢٥٠١)، و\"تقريب التهذيب\" ص ٢٨٥ (٣٠٦٠).\n(٢) أخرجه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (٦/ ١٢١) بنصه، والطبري ١٤/ ١٤١ - ١٤٢، بنحوه، وانظر: \"تفسير البغوي\" ٥/ ٣٠، بنحوه، وابن الجوزي ٤/ ٤٦٨، بنصه، والفخر الرازي ٢٠/ ٧٧، بنصه، والخازن ٣/ ١٢٥، بنصه، وأبي حيان ٥/ ٥١٤، ونسبه إلى قتادة، فلعله وَهِمَ في ذلك، و\"الدر المنثور\" ٤/ ٢٣٢، وزاد نسبته إلى سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم.\nوذكره الألوسي في \"روح المعاني\" ١٤/ ١٨٨، وهذا القول غير صحيح وواقع الناس على خلافه؛ فكم رد من المسلمين إلى أرذل العمر، وقد يكونون من العلماء، ومشهور بين علماء الحديث مصطلح اختلط بأخرة. وقد رده الألوسي قائلًا: والمشاهدة تكذب كلا القولين، [أي عدم رد المسلمين ومن قرأ القرآن]؛ فكم رأينا مسلمًا قارئًا القرآن قد رد إلى ذلك، والاستدلال بالآية على خلافه فيه نظر، وكان من دعائه -ﷺ- \"اللهم إني أعوذ بك من البخل، وأعوذ بك من الجبن، وأعوذ بك أن أُرد أرذل العمر\" رواه البخاري (٦٣٧٠) كتاب: الدعوات، باب: التعوذ من البخل.\n(٣) انظر: \"تفسير الخازن\" ٣/ ١٢٥، بنصه.\n(٤) انظر: \"تفسير الفخر الرازي\" ٢٠/ ٧٧ بنصه، والخازن ٣/ ١٢٥ بنصه غير منسوب.","vol":"13","page":130},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2075>٧١ </span>- قوله تعالى: ﴿وَاللهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ في الرِّزْقِ﴾: كَثَّر وقَلَّلَ، وبَسَطَ وقَبَضَ، ووَسَّعَ وضَيَّقَ، ﴿فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا﴾: في الرزق وأُعطوا الفضْل، ﴿بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾، يقول: لا يردّ المولى على ما ملكت يمينه مما رُزق شيئًا حتى يكون المولى والمملوك في المال سواء.\nقال أبو إسحاق: أي قد فَضَّلَ اللهُ المُلاَّكَ على ممالِيكِهِم، فجعلَ المملوك لا يقدر على مِلْكٍ من مَوْلَاه، وأعلم أن المالكَ ليس يَرُدُّ على مملوكه من فضل ماله حتى يستوي حالهما في الملك (١)، وهذا مَثَلٌ ضربه اللهُ مثلًا للمشركين في تَصْيِيرِهم عباد الله شركاء له، فقال: إذا لم يكن عبيدكم معكم سواء في الملك، فكيف تجعلون عبيدي معي سواء؟! وقال صاحب النظم: معنى الفاء في قوله: ﴿فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾ حتى (٢)؛ لأن التأويل: ﴿فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا﴾: بجاعلي رزقهم لعبيدهم حتى يكون عبيدهم\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢١٢، بنصه تقريبًا.\n(٢) أشار المرادي إلى أن الفاء قد تأتي بمعنى (حتى) عند بعض النحويين؛ كما في قوله ﴿فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ﴾ [الأنعام: ١٣٩] لكنه ضعف هذا القول، معتبرًا الفاء هنا عاطفة. \"الجنى الداني\" ص ٧٧، وهذا القول الذي ذكره صاحب النظم قول جيد، وقد إنفرد به، فلم أجده في كتب إعراب القرآن، وقد ذكر المنتجب في \"الفريد في إعراب القرآن\" ٣/ ٢٣٩، عند قوله تعالى: ﴿فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾ ثلاثة أقوال: أن الجملة من المبتدأ والخبر جملة اسمية واقعة في موضع جملة فعلية، ومحلها النصب على جواب النفي بالفاء، والتقدير: فما الذين فضلوا برادي رزقهم على ما ملكت أيمانهم فيستووا مع عبيدهم، أو على الحال على تقدير زيادة الفاء. أن محلها الرفع، إما على الاستئناف، أي هم سواء في أني رزقت الجميع، أو على العطف على موضع برادي، على تقدير: فما الذين فضلوا يردون رزقهم على ما ملكت أيمانهم فما يستوون. أنه على إضمار ألف الاستفهام، أي: أفهم فيه سواء؟ على سبيل التوبيخ والتقريع، ومعناه النفي: أي ليسوا مستوين فيه.","vol":"13","page":131},{"text":"فيه معهم سواء في الملك، فقدله: ﴿فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾ صفة لما تَقَدَّمه من الخبر لا جوابٌ له؛ ولو كان جوابًا له لكان قد أوجب أن يكون المولى والعبيد في ذلك سواء، وهو ﷿ إنما أراد أنهم لا يستوون في الملك، ونظير هذه الآية قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾ [الروم: ٢٨] بمعنى: حتى أنتم فيه سواء إليّ، هل يشاركونكم في أموالكم حتى تكونوا أنتم وهم فيه سواء.\nوهذا الذي ذكرنا هو قول جميع المفسرين في هذه الآية؛ قال مجاهد: هذا مَثَلُ آلهة الباطل مع الله (١).\nوقال السدي: يقول: فكما لا يرد أحدهم على مملوكه مما رزقه الله حتى يكون مثله، فلذلك لا أكون أنا وهذا الصنم الذي هو من خلقي ومما ملكت سواءً فيما خلقت (٢).\nوقال قتادة: يقول: هذا الذي فُضِّل في المال والولد لا يشرك عبدَه في ماله وزوجته، يقول: قد رضيتَ بذلك لله ولم ترض به لنفسك، فجعلت لله شريكًا في خلقه وملكه (٣).\n_________\n(١) \"تفسير مجاهد\" ص ٣٤٩، بنصه، وأخرجه الطبري ١٤/ ١٤٣ بنصه، وورد في \"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢٤٢، بنحوه، وانظر: \"تفسير ابن كثير\" ٢/ ٦٣٦، و\"الدر المنثور\" ٤/ ٢٣٣، وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(٢) لم أقف عليه.\n(٣) أخرجه عبد الرزاق في \"مصنفه\" (٢/ ٣٥٨) بنصه، والطبري ١٤/ ١٤٣ بنصه، ومن طريق آخر بمعناه، وورد في \"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢٤٢، بنحوه، وورد بمعناه في \"تفسير الجصاص\" ٣/ ١٨٥، و\"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ٨٦، و\"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٥٩ ب، والطوسي ٦/ ٤٠٦، وانظر: \"تفسير البغوي\" ٥/ ٣١، و\"تفسير القرطبي\" ١٠/ ١٤١، والخازن ٣/ ١٢٦، وأبي حيان ٥/ ٥١٤، وابن كثير ٢/ ٦٣٦، و\"الدر المنثور\" ٤/ ٢٣٣، وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"13","page":132},{"text":"وروي عن ابن عباس أنه قال: نزلت هذه الآية في نصارى نجران حين قالوا: عيسى ابن مريم ابن الله (١).\nقال الفراء: فهذا مثل ضربه الله للذين قالوا: إن عيسى ابنه، فقال: أنتم لا تُشركون عبيدكم فيما ملكتم، فتكونون سواءً فيه، فكيف جعلتم عَبْدَه شريكًا له تعالى (٢)، وتلخيص معنى الآية، أنه يقول: إنكم كلكم (من بني آدم وأنتم بينكم فيما ملكت أيمانكم، وأنتم (٣) كلكم) (٤) بشر، فكيف تشركون بين الله وبين الأصنام وأنتم لا ترضون لأنفسكم فيمن هو مثلكم بالشركة.\nوقوله تعالى: ﴿أَفَبِنِعْمَةِ اللهِ يَجْحَدُونَ﴾ قرأه العامة: يجحدون بالياء (٥)؛ لأنه يراد به غير المسلمين، والمسلمون لا يخاطبون بجحدهم نعمة الله، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر بالتاء (٦)؛ على تقدير: قل لهم: أفبنعمة الله -بهذه الأشياء التي تقدم اقتصاصها- تجحدون بالإشراك به.\n_________\n(١) ورد في \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٦٠ أ، بنصه بلا إسناد، وانظر: \"تفسير ابن الجوزي\" ٤/ ٤٦٨، بنصه، و\"تفسير القرطبي\" ١٠/ ١٤١، بنصه، وورد بلا نسبة في \"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢٤٢، ولم أجده في أسباب النزول، ولم يورده المؤلف في أسباب النزول، كما أنه ورد بدون إسناد، فلا يثبت.\n(٢) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١١٠، بنصه.\n(٣) (أنتم): ساقطة من (ش).\n(٤) ما بين القوسين ساقط من (ع)، وهو أشبه بكلام معترض، ويستقيم الكلام بدونه، بل بدونه أوضح.\n(٥) انظر: \"السبعة\" ص ٣٧٤، \"إعراب القراءات السبع وعللها\" ١/ ٣٥٨، و\"علل القراءات\" ١/ ٣٠٨، و\"الحجة للقراء\" ٥/ ٧٦، و\"المبسوط في القراءات\" ص ٢٢٥، و\"شرح الهداية\" ٢/ ٣٨١، و\"التيسير\" ص ١٣٨.\n(٦) انظر: المصادر السابقة.","vol":"13","page":133},{"text":"وذكر الزجاج في هذا وجهين، أحدهما: أفبِأنْ أَنْعَمَ اللهُ عليكم اتَّخَذْتُم النِّعَمَ لتجحدوا وتشركوا به الأصنام؛ فعلى هذا النعمة بمعنى الإنعام.\nوالثاني: قال أفبما أنعم الله به عليكم بأن بَيَّنَ لكم ما تحتاجون إليه تجحدون (١)، وعلى هذا، النِّعْمَة: اسم لما أَنعمَ اللهُ عليهم لا مصدر، والباء في: ﴿أَفَبِنِعْمَةِ﴾ يجوز أن تكون زيادة (٢)؛ لأن الجحود لا يُعدَّى بالباء، وهذا قول المفضَّل كما يقول: خذ الخطام وبالخطام، وتعلقت زيدًا وبه (٣)، ويجوز أن يراد بالجحود: الكفر (٤)، فعُدِّيَ بالباء لمعنى الكفر (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2076>٧٢ </span>- قوله تعالى: ﴿وَاللهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾ قال المفسرون: يعني النساء؛ خَلَقَ حواءَ من ضلع آدم (٦)، ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢١٢، بنصه.\n(٢) انظر: التعليق على دعوى الزيادة في القرآن، عند آية [١٠]، من سورة إبراهيم.\n(٣) انظر: \"تفسير الفخر الرازي\" ٢٠/ ٨٠، بنصه بلا نسبة.\n(٤) ورد في \"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢٤٢، بنحوه، وانظر: \"تفسير البغوي\" ٣/ ٧٧، و\"تفسير البيضاوي\" ٣/ ١٨٧، وأبي السعود ٥/ ١٢٧.\n(٥) انظر: \"تفسير الفخر الرازي\" ٢٠/ ٨٠، بنصه دون عزو للواحدي.\n(٦) ورد في \"تفسير الطبري\" ١٤/ ١٤٣ بنصه، و\"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ٨٧، بنصه، و\"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٦٠أ، بنصه، و\"تفسير الماوردي\" ٣/ ٢٠٢، بنصه، وانظر: \"تفسير البغوي\" ٣/ ٧٧، والزمخشري ٢/ ٣٣٦، وابن عطية ٨/ ٤٦٦، والفخر الرازي ٢٠/ ٨٠، وقد ذهب ابن عطية إلى أن الأظهر من قوله: ﴿مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ أي: من نوعكم وعلى خلقتكم، كما قال: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨]، وكذلك ضعف الفخر الرازي هذا القول، وقال: وهذا ضعيف؛ لأن قوله: ﴿جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ خطاب مع الكل، فتخصيصه بآدم وحواء خلاف الدليل، بل الحكم عام في جميع المذكور والإناث؛ والمعنى: =","vol":"13","page":134},{"text":"أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾ اختلفوا في تفسير الحفدة، فقال ابن عباس في رواية الوالبي: هم الأختان (١)، وهو قول ابن مسعود وإبراهيم وسعيد بن جبير، قالوا: هم الأصهار؛ أَخْتَان [الرجل] (٢) علي بناته (٣)، وقال\n_________\n= أنه تعالى خلق النساء ليتزوج بهن الذكور، ومعنى: ﴿مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ مثل قوله: ﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤] وقوله: ﴿فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [النور: ٦١]، أي: بعضكم على بعض، ونظير هذه الآية، قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾ [الروم: ٢١] انظر: \"تفسير ابن الجوزي\" ٤/ ٤٦٩، والفخر الرازي ٢٠/ ٨٠، وابن كثير ٢/ ٥٩٩.\n(١) أخرجه الطبري ١٤/ ١٤٤ بنصه من طريق عكرمة (جيدة)، وأخرج عنه من طريق ابن أبي طلحة (صحيحة) بلفظ: الأصهار، وورد في \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٦٠ أ، بنصه، وانظر: \"فتح الباري\" ٨/ ٢٣٨، والأختان: جمع خَتَن، وهو زوج فتاة القوم ومن كان من قِبَلِه من رجل أو امرأة، فهم كلهم أختانٌ لأهل المرأة، وأم المرأة وأبوها خَتَنَانِ للزَّوْج، وقال الأصمعي: الأسماءُ من قِبَل الزوج، والأختان من قبل المرأة، والصهر يجمعهما، وقيل: الختنُ: الزوج ومن كان من ذوي رَحِمه، والصِّهرُ: من كان من قِبَل المرأة؛ نحو أببها وعمِّها وخالها، وقيل العكس، ومن العرب من يجعلهم كلهم أصهارًا. انظر: (ختن) في \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١١٠٢، و\"المحيط في اللغة\" ٤/ ٣١٢، و\"الصحاح\" ٥/ ٢١٠٧، و\"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ٨٨.\n(٢) ما بين المعقوفين زيادة يقتضيها السياق، وهي ثابتة في تفسير الثعلبي.\n(٣) ورد في \"غريب الحديث\" ٢/ ٩٦، عن ابن مسعود: الأصهار، وأخرجه الطبري ١٤/ ١٤٣ - ١٤٤ من طرق عنهم قالوا: الأختان، وعن ابن مسعود: الأصهار، وورد في \"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ٨٨، عن ابن مسعود قال: الأختان، وورد عنه وعن النخعي: الأصهار، و\"تفسير هود الهواري\" ٢/ ٣٧٩، عن ابن مسعود: الأختان، والجصاص ٣/ ١٨٦، عنهم: الأختان، والسمرقندي ٢/ ٢٤٢، عن ابن مسعود: الأختان، وعنه: الأصهار، والثعلبي ٢/ ١٦٠ أ، بنصه عنهم، و\"تفسير الماوردي\" ٣/ ٢٠٢، بنصه عنهم، والطوسي ٦/ ٤٠٧، بنحوه عنهم، وانظر: \"تفسير البغوي\" =","vol":"13","page":135},{"text":"في رواية أبي حمزة (١) عنه: من أعانك فقد حفدك أما سمعت قول الشاعر (٢):\nحَفَدَ الوَلائِدُ حَوْلَهُنَّ وأُسلَمتْ ... بأكُفِّهِنَ أَزِمَّةُ الأجْمَالِ (٣) (٤)\n_________\n= ٥/ ٣١، بنصه عن ابن مسعود والنخعي، وابن الجوزي ٤/ ٤٦٩، عنهم، قال البغوي: فيكون معنى الآية على هذا القول: وجعل لكم من أزواجكم بنين وبنات تزوجونهم فيحصل بسببهم الأختان والأصهار، و\"فتح الباري\" ٨/ ٢٣٨، عنهم.\n(١) أبو حمزة السكري، هو محمد بن ميمون المَرْوزي، إمام مشهور، ثقة فاضل، روى عن الأعمش والسدي، وعنه: عبدان ونعيم بن حماد، لقب بالسكري لحلاوة منطقه، توفي سنة (١٦٧ هـ). انظر: \"الجرح والتعديل\" ٨/ ٨١، و\"ميزان الاعتدال\" ٥/ ١٧٨، و\"الكاشف\" ٢/ ٢٢٦، و\"تقريب التهذيب\" ص ٥١٠، و\"تفسير الطبري\" تحقيق شاكر ٢/ ٣٧٢.\n(٢) نسبه أبو عبيد للأخطل، وليس في ديوانه، ونسبه أبو عبيدة لجميل، وهو جميل بثينة، وليس في ديوانه، ونسبه الطبري لحميد.\n(٣) ورد في: غريب الحديث لأبي عبيد ٢/ ٩٦، و\"مجاز القرآن\" ١/ ٣٦٤، و\"تفسير الطبري\" ١٤/ ١٤٤، ونسب لجميل كذلك في \"تفسير الماوردي\" ٣/ ٢٠٢، و\"تفسير ابن عطية\" ٨/ ٤٦٧، وابن كثير ٢/ ٦٣٦، و\"تفسير الألوسي\" ١٤/ ١٩٠، وورد بلا نسبة في \"العين\" ٣/ ١٨٥، و\"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢١٣، و\"تفسير الطبري\" ١٤/ ١٤٤، و\"جمهرة اللغة\" ١/ ٥٠٤، و\"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ٩٠، و\"تهذيب اللغة\" (حفد) ١/ ٨٦١، و\"تفسير الزمخشري\" ٢/ ٣٣٦، و\"ابن العربي\" ٣/ ١١٦٣، و\"تفسير القرطبي\" ١٠/ ١٤٣، وأبي حيان ٥/ ٥٠٠، و\"اللسان\" (حفد) ٢/ ٩٢٣ وفي بعض المصادر برواية (بينهن) بدل (حولهن). الولائد: الخدم؛ مفردها: وليدة، والبيت يصور ما يقوم به الولائد من خدمة وسعي، ومن إمساكٍ بأزمَّة الأجمال.\n(٤) أخرجه الطبري ١٤/ ١٤٤ بنصه، ورد في \"تهذيب اللغة\" (حفد) ١/ ٨٦١ بنصه ما عدا عجز البيت، والثعلبي ٢/ ١٦٠ أ، بنصه، وانظر: \"تفسير القرطبي\" ١٠/ ١٤٣، و\"اللسان\" (حفد) ٢/ ٩٢٣، و\"الدر المنثور\" ٥/ ١٤٩.","vol":"13","page":136},{"text":"فعلي هذا الحفدة: الأعوان، وهذا قول مجاهد والحسن والسدي وعكرمة، قالوا: هم الأنصار والأعوان والخدم (١)، غير أن السدي وعكرمة قالا: هم ولده الذين يعينونه (٢)، ونحوه قال قتادة وعطاء (٣)، وقال في رواية سعيد بن جبير ومجاهد: إنهم ولد الولد (٤)، وقال في رواية العوفي: هم بنو\n_________\n(١) \"تفسير مجاهد\" ص ٣٤٩ بنصه، وأخرجه عبد الرزاق في \"مصنفه\" (٢/ ٣٥٨، عن الحسن: هم الخدم، ورد في غريب الحديث ٣/ ٣٧٤، عن مجاهد: هم الخدم، وأخرجه الطبري ١٤/ ١٤٥ بنصه عن مجاهد، ومن طرق عن الحسن ومجاهد قالا: هم الخدم، وورد في \"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ٨٩، عن الحسن: هم الخدم، و\"تفسير الجصاص\" ٣/ ١٨٦، عن مجاهد: هم الخدم، والسمرقندي ٢/ ٢٤٢، بنصه عن مجاهد، والثعلبي ٢/ ١٦٠، عن عكرمة والحسن: هم الخدم، وعن مجاهد: هم الأنصار والأعوان، و\"تفسير الماوردي\" ٣/ ٢٠٢، عن الحسن: الأعوان، وعن مجاهد: الخدم، والطوسي ٦/ ٤٠٦، عن مجاهد: هم الخدم، وانظر: \"تفسير البغوي\" ٥/ ٣١، وابن عطية ٨/ ٤٦٧، وأبي حيان ٥/ ٥١٥، عن مجاهد، وابن كثير ٢/ ٦٣٦، عن مجاهد، وقد استحسن النحاس من قال أنهم الخدم، ثم قال: إلا أنه يكون منقطعًا مما قبله عند أبي عبيد -لم أقف عليه- وُينْوى به التقديمُ والتأخيرُ، كأنه قال: وجعل لكم حَفَدةً، أي خدَمًا، وجعل لكم من أزواجكم بنين، وجعل ابن الأنباري التقدير: وجعل لكم من أزواجكم بنين، وجعل لكم حفدةً من غير الأزواج. \"تفسير ابن الجوزي\" ٤/ ٤٧٠.\n(٢) أخرجه عبد الرزاق في \"مصنفه\" (٢/ ٣٥٨)، بمعناه، والطبري ١٤/ ١٤٥ - ١٤٦ من طرق بنصه وبمعناه عن عكرمة، وعن السُّديّ، قال: الأعوان، ورد في \"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ٨٩، بمعناه عن عكرمة، و\"تهذيب اللغة\" (حفد) ١/ ٨٦٢، بمعناه عن عكرمة، وانظر: \"اللسان\" (حفد) ٢/ ٩٢٣، عن عكرمة.\n(٣) أخرجه الطبري ١٤/ ١٤٥، بنحوه عن قتادة، ورد في \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٦٠ أ، بنصه عن عطاء، وبنحوه عن قتادة، وانظر: \"تفسير البغوي\" ٥/ ٣١، عنهما، والخازن ٣/ ١٢٦، عن عطاء.\n(٤) أخرجه الطبري ١٤/ ١٤٦ بنصه عن سعيد، وعن مجاهد من طريقين قال: البنون، =","vol":"13","page":137},{"text":"امرأة الرجل، ليسوا منه، وهو قول ابن زيد والضحاك (١).\nوأصلُ الحَفَدَةِ من الحَفْد، وهو: الخِفَّةُ في الخدمة والعمل، يقال: حفد يَحْفِدُ حَفْدًا وحَفُودًا وحَفَدانًا إذا أسرع (٢)، ومنه الدعاء: (وإليك نسعى ونحفد) (٣)، قال أبو عبيدة: الحَفَدُ: الأعوان، يقال: حفدني، وهو\n_________\n= ورد في \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٦٠ أ، بنصه من طريقهما، و\"تفسير الماوردي\" ٣/ ٢٠٢) بنصه، والطوسي ٦/ ٤٠٦، بمعناه، وانظر: \"تفسير البغوي\" ٥/ ٣١، وابن الجوزي ٤/ ٤٧٠، و\"تفسير القرطبي\" ١٠/ ١٤٣، والخازن ٣/ ١٢٦. وقد نصر ابن العربى هذا القول، فقال: فالظاهر عندي من قوله: ﴿بَنِينَ﴾: أولاد الرجل من صُلْبِه، ومن قوله: ﴿وَحَفَدَهً﴾: أولاد ولده، وليس في قوة اللفظ أكثر من هذا، ويكون تقدير الآية: والله جعل لكم من أنفسكم أزواجًا، ومن أزواجكم بنين، ومن البنين حفدة. \"تفسير ابن العربى\" ٣/ ١١٦٢.\n(١) أخرجه الطبري ١٤/ ١٤٦ بنصه عن ابن عباس ضعيفة، وورد في \"تهذيب اللغة\" (حفد) ١/ ٨٦٢، بنحوه عن الضحاك، والثعلبي ٢/ ١٦٠ أ، بنصه عن ابن عباس ضعيفة، وبنحوه عن ابن زيد، و\"تفسير الماوردي\" ٣/ ٢٠٢، بنحوه عن ابن عباس، والطوسي ٦/ ٤٠٦، بنحوه عن ابن عباس، وانظر: \"تفسير البغوي\" ٥/ ٣١، عن ابن عباس، وابن عطية ٨/ ٤٦٧، عن ابن عباس، وابن الجوزي ٤/ ٤٧٠، عن ابن عباس والضحاك، و\"اللسان\" (حفد) ٢/ ٩٢٣، عن الضحاك، و\"تفسير الخازن\" ٣/ ١٢٦، عن ابن عباس، و\"الدر المنثور\" ٤/ ٢٣٣ - ٢٣٤، وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم عن ابن عباس.\n(٢) ورد في \"تفسير الطبري\" ١٤/ ١٤٧، بنحوه، و\"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ٩٠، بنحوه، وانظر: (حفد) في \"تهذيب اللغة\" ١/ ٨٦٢، و\"المحيط في اللغة\" ٣/ ٤٢، و\"اللسان\" ٢/ ٩٢٣، و\"التاج\" (حفد) ٤/ ٤٢٣.\n(٣) هذا جزء من دعاء القنوت الذي ورد عن عمر -﵁- موقوفًا عليه، أخرجه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" الدعاء/ ما يدعو به في قنوت الفجر (٦/ ٩١) من عدة طرق، والبيهقي، الصلاة/ دعاء القنوت ٢/ ٢١٠، وورد في \"الأذكار\" للنووي ص ٩٦، و\"كنز العمال\" ٨/ ٧٤ - ٧٥.","vol":"13","page":138},{"text":"حافدي (١)، وأنشد لطرفة:\nيَحْفِدون الضيفَ في أبياتِهمْ ... كَرَمًا ذلك منهم غيرَ ذُلّ (٢)\nقال أبو عبيد: وفيه لغة أخرى؛ أَحْفَدَ إِحْفادًا، وأنشد للراعي:\nأَخَبَّ بِهن الْمُخْلِفَان وأَحْفَدَا (٣)\nقال: خَدَمَا (٤)، قال الليث: ومثله الاحْتِفادُ (٥)، فالحفدة جمع الحافد، والحافد: كل من يخف في خدمة أو يسرع في العمل بطاعتك، ويقال في جمعه: الحَفَدُ، بغير هاء، كما يقال: الرصد والعيب، فمعنى الحفدة في اللغة: الأعوان والخدم، ثم هؤلاء الأعوان مَنْ هم على ما ذكره المفسرون،\n_________\n(١) \"مجاز القرآن\" ١/ ٣٦٤، بنحوه.\n(٢) ليس في ديوانه، وورد في \"تفسير الماوردي\" ٣/ ٢٠٢، وورد غير منسوب في \"تفسير أبي حيان\" ٥/ ٥٠٠، و\"الدر المصون\" ٧/ ٢٦٥، و\"تفسير الألوسي\" ١٤/ ١٩٠.\n(٣) وصدره:\nمَزَايِدُ خَرْقاَءِ اليَدَيْن مُسِيْفَةٍ\n\"شعر الراعي النميري\" ص ٦١، وورد في \"تهذيب اللغة\" (حفد) ١/ ٨٦١، (ساف) ٢/ ١٥٩٨، و\"مجمل اللغة\" ١/ ٤٨١، و\"مقاييس اللغة\" ٣/ ١٢٢، و\"اللسان\" (حفد) ٢/ ٩٢٣، (سوف) ٤/ ٢١٥٣، (سيف) ٤/ ٢١٧٢، و\"التاج\" (حفد) ٤/ ٤٢٤، ويروى: (مزائدُ)، وقياسها: مزاود؛ لأنها جمع مزادة: وهي وعاء الزاد وراوية يحمل فيها الماء، (خرقاء): بَيِّنَةُ الخرق، وهو الجهل والحمق، (مسيفة): المُسِيفُ المتقلِّد بالسيف، وأساف الخرز: أي خرقه، (أخب): يقال: أخبّ فلان في الأمر: أسرع فيه، (المخلفان): المُخْلِفُ: الذي لم تُصِبْ ماشيته الرَّبيعَ، وقيل: هو الذي يحمل الماء العذب إلى القوم ليس معهم ماء عذب، أو يكونون على ماء ملح، ولا يكون الإخلاف إلا في الربيع، وهو في غيره مستعار منه.\n(٤) \"غريب الحديث\" ٢/ ٩٦، بنصه تقريبًا، وانظر: \"تهذيب اللغة\" ١/ ٨٦١، بنصه تقريبًا.\n(٥) ورد في \"تهذيب اللغة\" (حفد) ١/ ٨٦١، وفيه، قال الليث: الاحْتفادُ: السُّرعةُ في كلِّ شيء.","vol":"13","page":139},{"text":"والأولى بأن يفسر بأعوان حصلوا للرجل [نْ قِبَل المرأة؛ لأن الله تعالى قال. ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾ وأعوان الرجل لا] (١) من قِبَل امرأته لا يكونون ممن عناهم (٢) الله بقوله هاهنا: ﴿وَحَفَدَةً﴾ (٣).\nقوله تعالى: ﴿وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ قال ابن عباس: يريد من أنواع الثمار والحبوب والحيوان (٤)، ﴿أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ﴾ قال ابن عباس: يعني بالأصنام (٥)، وقال مقاتل: يعني بالشيطان (٦)، وقال عطاء: يعني (٧) تُصدِقوا أن لي شريكًا وصاحبة وولدًا (٨)، ﴿وَبِنِعْمَتِ اللهِ هُمْ يَكْفُرُونَ﴾، رُوي عن ابن عباس: أنه قال: يعني التوحيد (٩)، وقيل: أراد بما أنعم الله عليهم\n_________\n(١) ما بين المعقوفين ساقط من (ش)، (ع).\n(٢) في (أ)، (د): (عبادهم)، والمثبت من (ش)، (ع) هو الصحيح.\n(٣) اختلفت ترجيحات العلماء في المقصود بـ (حفدة) وقد ذكرتها مقترنة بالأقوال، وهنا يرجح الواحدي ﵀ نوعًا خاصًا من الأعوان؛ هم مَنْ كانوا مِنْ قِبَل المرأة، ولم يرتض الطبري تخصيص المقصود بالحفدة بأحد الأقوال الواردة؛ لأن المنّة تحصل بكل ذلك، لذلك قال: فكل الأقوال التي ذكرنا عمن ذكرنا وجه في الصحة، ومَخْرج في التأويل، وهو الصحيح. \"تفسير الطبري\" ١٤/ ١٤٧.\n(٤) انظر: \"تفسير ابن الجوزي\" ٤/ ٤٧٠، بنصه، وبلا نسبة في \"تفسير القرطبي\" ١٠/ ١٤٥، والخازن ٣/ ١٢٦، وأبي حيان ٥/ ٥١٥، و\"تفسير الألوسي\" ١٤/ ١٩١.\n(٥) ورد في \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٦٠ أ، بلفظه، وانظر: \"تفسير ابن الجوزي\" ٤/ ٤٧٠، والفخر الرازي ٢٠/ ٨١، و\"القرطبي\" ١٠/ ١٤٥.\n(٦) \"تفسير مقاتل\" ١/ ٢٠٥ أ، بلفظه.\n(٧) ساقطة من: (أ)، (ش)، (ع).\n(٨) لم أقف عليه.\n(٩) ورد في \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٦٠ أ، بلفظه، وانظر: \"تفسير ابن الجوزي\" ٤/ ٤٧٠. وورد بلفظه غير منسوب في \"تفسير البغوي\" ٣/ ٧٧.","vol":"13","page":140},{"text":"مما أحل لهم يكفرون؛ فيحرمونه ويجحدون تحليله (١)، يعني ما حَرَّمُوا على أنفسهم من الأنعام والحرث، وذكرنا وجهين في قوله: ﴿أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾، والوجهان هاهنا جائزان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2077>٧٣ </span>- قوله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ﴾ يعني الغيث الذي يأتي من جهتها، ﴿وَالْأَرْضِ﴾ يعني النبات والثمار التي تخرج منها.\nوقوله تعالى: ﴿مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، (من) صفة النكرة التي هي: ﴿رِزْقًا﴾ كأنه قيل: لا يملك لهم رزقًا من الغيث والنبات.\nوقوله تعالى: ﴿شَيْئًا﴾ قال الأخفش: جعل الشيء بدلًا من الرزق، وهو في معنى: لا يملكون رزقًا قليلًا ولا كثيرًا (٢)، أي لا يملكون أن يرزقهم شيئًا من السموات والأرض، وقال الفراء: نصب ﴿شَيْئًا﴾ بوقوع الرزق عليه (٣)، كما قال: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (٢٥) أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا﴾ [المرسلات: ٢٥، ٢٦] أي: تكْفِت الأحياء والأموات، ومثله: ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ﴾ (٤) [البلد: ١٥،١٤].\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ أي لا يقدرون على شيء، وليست لهم استطاعة، وجمع هاهنا؛ لأن (ما) في مذهب جمع لآلهتهم التي يعبدون،\n_________\n(١) ورد في \"تفسير الطبري\" ١٤/ ١٤٧، بنحوه، والثعلبي ٢/ ١٦٠ أ، بنحوه، وانظر: \"تفسير البغوي\" ٥/ ٣١.\n(٢) \"معاني القرآن\" للأخفش ٢/ ٦٠٦، بنصه، وأورده الطبري ١٤/ ١٤٨ بنصه.\n(٣) أي أن ﴿شَيْئًا﴾ منصوبة بالمصدر ﴿رِزْقًا﴾ على أنه مفعول به.\n(٤) \"معاني القرآن\" ٢/ ١١٠، بنصه، وأورده الطبري ٤٨/ ١١٤ بنصه، والشاهد: أنه نصب ﴿يَتِيمًا﴾ بالمصدر ﴿إِطعَامُ﴾.","vol":"13","page":141},{"text":"فَوَحَّدَ ﴿يَمْلِكُ﴾ على لفظ (ما) (١) وجمع يستطيعون على المعنى (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2078>٧٤ </span>- وقوله تعالى: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾ قال المفسرون: يعني لا تُشَبِّهُوهُ بخلقه (٣)، وقال الزجاج: أي لا تجعلوا لله مِثْلًا؛ لأنه واحدٌ لا مِثْلَ له (٤)، فعلى هذا ضَرْبُ المَثَل، استُعْمِل في التَّشْبِيه؛ لأن أكثرَ ما يُضْرَب المَثْلُ إنما يُضْرب لتشبيه وصف بوصف أو ذات بذات، وتعالى الله عن أن يُشْبِهَ شيئًا أو يُشْبِهَهُ شيءٌ في ذاته وصفاته.\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ﴾ قال ابن عباس: يريد ما يكون قبل أن يكون وما هو كائن إلى يوم القيامة (٥)، ﴿وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾: قَدْرَ عظمتي؛ حيث أشركتم بي وعَجَّزْتُمُوني أن أبعثَ خلقي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2079>٧٥ </span>- قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ الله مَثَلًا﴾ أي بَيَّنَ الله شِبْهًا فيه بيانٌ للمقصود، ثم ذكر ذلك فقال: ﴿عَبْدًا مَمْلُوكًا﴾ إلى قوله: ﴿سِرًّا وَجَهْرًا﴾ قال مجاهد في هذه الآية والتي تليها: كل هذا مَثَلُ إله الحق وما يُدْعَى من\n_________\n(١) ساقطة من (أ)، (د).\n(٢) ورد في \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١١٠ بنصه، وأغلب الظن أنه اقتبسه منه بدون عزو.\n(٣) ورد بنحوه في \"تفسير مقاتل\" ١/ ٢٠٥ أ، والطبري ١٤/ ١٤٨، وهود الهواري ٢/ ٣٧٩، والثعلبي ٢/ ١٦٠ أ، والطوسي ٦/ ٤٠٨، وانظر: \"تفسير البغوي\" ٣/ ٧٨، وابن الجوزي ٤/ ٤٧١، والفخر الرازي ٢٠/ ٨٢، والخازن ٣/ ١٢٦.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢١٣، بنصه.\n(٥) ورد في تفسيره \"الوسيط\" تحقيق سيسي ٢/ ٤٢٢، بنصه، وانظر: \"تفسير ابن الجوزي\" ٤/ ٤٧١، وورد عن بعض المفسرين قولٌ آخر في الآية، لعله أكثر مناسبة للسياق، قالوا: المعنى: والله يعلم ما يستحقه وما يليق به من وصف الكمال وأنتم لا تعلمون؛ لذلك تجعلون له أشباهًا وأمثالًا لا تليق به سبحانه. انظر: \"تفسير الطبري\" ١٤/ ١٤٨، والشعبي ٢/ ١٦٠ أ، وابن الجوزى ٤/ ٤٧١.","vol":"13","page":142},{"text":"دونه من الباطل (١).\nوقال السُّدي: هذا مَثَلٌ ضربه الله للآلهة؛ يقول: كما لا يستوي عندكم عبد مملوك لا يقدر من أمره على شيء ورجل حُرٌّ قد رُزق رزقًا حسنًا فهو ينفق منه سِرًّا وجَهرًا لا يخاف من أحد، فكذلك أنا وهذه الآلهة التي تَدْعُون، ليست تملك شيئًا وأنا الذي أملك وأرزق مَنْ شئت (٢)، وهذا القول هو اختيار الفراء (٣)، والزجاج قال: بَيَّنَ اللهُ لهم أمرَ ضلالتهم وبعدهم عن الطريق في عبادتهم الأوثان، فذكر أن المالك المقتدر على الإنفاق والعاجز الذي لا يقدر أن ينفق لا يستويان، فكيف يُسَوَّى بين الحجارة التي لا تتحرك ولا تعقل وبين الله الذي هو على كل شيء قدير، وهو رازقُ جميع خلقه (٤).\nوفي الآية قول آخر، وهو: أن هذا مثل للمؤمن والكافر؛ قال عطاء عن ابن عباس: يريد أبا جهل بن هشام وأبا بكر الصديق (٥)، وقال قتادة:\n_________\n(١) ليس في تفسيره، وأخرجه الطبري ١٤/ ١٥٠ بنصه من طريقين، وانظر: \"تفسير ابن عطية\" ٨/ ٤٧٥، و\"الدر المنثور\" ٤/ ٢٣٥، وزاد نسبته إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(٢) ورد في تفسيره \"الوسيط\" تحقيق سيسي ٢/ ٤٢٢، بنصه.\n(٣) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١١١، بمعناه.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢١٣، بتصرف يسير.\n(٥) ورد في \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٦٠ ب، بنصه عن ابن جريج عن عطاء ضعيفة، وانظر: \"تفسير البغوي\" ٥/ ٣٣، وابن الجوزي ٤/ ٤٧٢، وقد روي عن ابن عباس أنهما: هشام بن عمرو، ومولاه الذي كان ينهاه، انظر: \"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ٩٣، و\"تفسير ابن الجوزي\" ٤/ ٤٧٢، و\"الدر المنثور\" ٤/ ٢٣٥ - ٢٣٦، وعزاه إلى ابن جرير -روايته ليس فيها الشاهد- وابن أبي حاتم وابن مردويه، وابن =","vol":"13","page":143},{"text":"هو الكافر لا يعمل بطاعة الله ولا ينفق خيرًا، ﴿وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا﴾ هو المؤمن يطيع الله في نفسه وماله (١)، فعلى هذا القول: الكافر لمَّا لم ينفق في طاعة الله صار كالعبد الذي لا يملك شيئًا، والمؤمن ينفق في الخير وفي طاعة الله، فليسا يستويان، كذلك قال الله تعالى: ﴿هَلْ يَسْتَوُونَ﴾ وجمع الفعل؛ لأن المراد بقوله: ﴿عَبْدًا مَمْلُوكًا﴾، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا﴾، الشُّيوع في الجنس لا التخصيص (٢).\n_________\n= مردويه وابن عساكر وليس لتخصص الآية بهما داع، بل الآية عامة، وكفى بتضارب الأقوال المُعَيِّنة دليلًا على عدم التعيين، وقد أشار الواحدي ﵀ إلى التعميم بقوله: المراد بقوله: ﴿عَبْدًا مَمْلُوكًا﴾، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا﴾، الشُّيوع في الجنس لا التخصيص، وقد ردّ الجصاص هذا التخصيص بأمرين: بضعف الحديث الوارد، وبظاهر اللفظ؛ فقال: وظاهر اللفظ ينفيها؛ لأنه لو أراد عبدًا بعينه لعرَّفه ولم يذكره بلفظ منكور، وأيضًا معلوم أن الخطاب في ذكر عبدة الأوثان والاحتجاج عليهم ... إلخ. انظره في: \"تفسيره\" ٣/ ١٨٧، وهو كلام نفيس في الردّ على تخصيص هذا المثل والذي يليه، وانظر: \"تفسير ابن عطية\" ٨/ ٤٧٦، والفخر الرازي ٢٠/ ٨٤، وأبي حيان ٥/ ٥١٩.\n(١) أخرجه عبد الرزاق في \"مصنفه\" (٢/ ٣٥٩) بنصه، والطبري ١٤/ ١٥٠ - ١٥١ من طريقين بنصه وبنحوه، وورد في \"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ٩٢، بمعناه، و\"تفسير الطوسي\" ٦/ ٤٠٨، بمعناه، وانظر: \"تفسير ابن الجوزي\" ٤/ ٤٧٢، و\"تفسير القرطبي\" ١٠/ ١٤٧، و\"الدر المنثور\" ٤/ ٢٣٤ - ٢٣٥، وزاد نسبته إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم. والغريب أن لابن عباس قولًا مثله -حتى إن كثيرًا من المفسرين نسبوا القول إليهما، بل إن بعضهم اكتفى بنسبته إلى ابن عباس -﵄- ومع ذلك لم يذكره واكتفى بنسبته لقتادة.\n(٢) قال الثعلبي: ﴿هَلْ يَسْتَوُونَ﴾ ولم يقل: هل يستويان؛ لمكان (مَنْ) لأنه اسم مبهم يصلح للواحد والاثنين والجمع والمذكر والمونث.\"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٦٠ ب.","vol":"13","page":144},{"text":"واختار ابن قتيبة القول الأول (١)؛ فقال: هذا مثل ضربه الله لنفسه ولمن عُبد دُونَه، فقدله: ﴿عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾ مَثَلُ من عُبِد مِن دونه؛ لأنه عاجزٌ مُدَبَّرٌ مملوكٌ لا يقدر على نفع ولا ضرّ، ثم قال: ﴿وَمَنْ رَزَقْنَاهُ﴾ إلى قوله: ﴿وَجَهْرًا﴾ وهذا مَثَلُه جلَّ وعز؛ لأنه الواسع الجواد القادر الرَّزاق عباده جَهْرًا من حيث يعلمون وسرًّا من حيث لا يعلمون، قال: وهذا القول أعجب إليّ؛ لأن المَثَل توسَّط كلامين؛ هما لله جلّ وعز؛ أما الأول فقوله: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ الآية. فهذا (٢) لله ومن عُبِدَ من دونه، (وأما الآخر فقوله) (٣) بعد إنقضاء المثل: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٤)، ومعنى قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ هاهنا: أنه بَيَّنَ أن له الحمدَ على ما فعل بأوليائه، وأنعم عليهم بالتوحيد، هذا معنى قول ابن عباس (٥).\nوقال غيره: بَيَّنَ أن له جميعَ الحمد، وأنه المستحق للحمد دون ما يعبدون من دونه؛ لأنه لا يَدَ للأصنام عندهم، ولا نعمة لها عليهم (٦)،\n_________\n(١) وكذلك رجحه ابن عطية ٨/ ٤٧٦، والفخر الرازي ٢٠/ ٨٤، وأبوحيان ٥/ ٥١٩، وابن القيم في \"الأمثال\" ص ٢٠٥.\n(٢) في جميع النسخ: (عهد الله)، وهو تصحيف، والتصويب من المصدر.\n(٣) ما بين القوسين كتب على الهامش في نسخة (أ).\n(٤) \"تأويل مشكل القرآن\" ص ٣٨٤ - ٣٨٥، بتصرف واختصار، وورد نحوه في \"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ٩٢.\n(٥) قال: الحمد لله على ما فعل بأوليائه وأنعم عليهم بالتوحيد. انظر: \"تفسير الفخر الرازي\" ٢٠/ ٨٥، بنصه، وأبي حيان ٥/ ٥١٩، بنصه.\n(٦) ورد في \"تفسير الطبرى\" ١٤/ ١٤٩، بنحوه، والثعلبي ٢/ ١٦٠ ب، بنحوه، وانظر: \"تفسير البغوي\" ٥/ ٣٣، وابن الجوزي ٤/ ٤٧٣، والفخر الرازي ٢٠/ ٨٥، و\"تفسير القرطبي\" ١٠/ ١٤٨، والخازن ٣/ ١٢٧.","vol":"13","page":145},{"text":"ومعنى قوله: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ يقول: أكثر هؤلاء المشركين لا يعلمون أن الحمد لي؛ لأن جميع النعمة مني، وذكر الأكثر وهو يريد الجميع.\nقال أهل المعاني: عزل البعض احتقارًا له أن يُذْكَر، وقال آخرون: هو من الخاص في صِيَغِهِ، الذي هو عموم في معناه، والمعنى: بل هم لا يعلمون (١)، ثم زاد في البيان، فقال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2080>٧٦ </span>- ﴿وَضَرَبَ الله مَثَلًا رَجُلَيْنِ﴾ قال أبو زيد: رجل أبْكَم وهو العَيُّ المُفْحَمُ، وقد بَكِمَ بَكَمًا وبَكَامَةً، وقال أيضًا: الأبْكَمُ: الأقْطَعُ اللِّسَانِ؛ وهو العَيُّ بالجوابِ الذي لا يُحْسِنُ وَجْهَ الكَلَامِ (٢)؛ لأنه لا يَفْهَم ولا يُفْهَم عنه.\nوقوله تعالى: ﴿وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ﴾، أي: هذا الأبكم ثِقْلٌ وَوَبَالٌ على صاحبه وقرينه وابن عمه وَوَلِيِّه، والكلّ: الذي هو عِيالٌ وثِقْلٌ على صاحبه (٣).\nقال أهل المعاني: وأصله من الغِلَظ الذي هو نقيض الحدة، يقال: كَلّ السكينُ كلولًا، إذا غَلُظَ شفرته فلم يقطع، وكَلَّ لسانه إذا لم ينبعث في القول لِغِلَظه وذهاب حَدّه، وكَلّ عن الأمر يَكَلُّ إذا ثقل عليه فلم ينبعث فيه، فهو يَكَلُّ إذا لم ينفذ في الأمر (٤).\n_________\n(١) انظر: \"تفسير ابن الجوزي\" ٤/ ٤٧٣، و\"تفسير القرطبي\" ١١/ ٤٨٠، وأبي حيان ٥/ ٥١٩.\n(٢) لم أجده في نوادره، وورد في \"تهذيب اللغة\" (بكم) ١/ ٣٧٩، بنصه.\n(٣) ورد في \"تهذيب اللغة\" (كل) ٤/ ٣١٧٦، بنصه.\n(٤) ورد بنحوه في: \"أدب الكاتب\" ص ٣٣٣، و\"تفسير الطوسي\" ٦/ ٤١٠، و\"الفخر =","vol":"13","page":146},{"text":"وقوله تعالى: ﴿أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ﴾ أي أينما (١) يرسله، ومعنى التوجيه: أن ترسل صاحبك في وجه من الطريق، يقال: وجهته إلى موضع كذا فتوَجَّه إليه (٢).\nوقوله تعالى: ﴿لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ﴾ لأنه عاجز لا يُحْسِن ولا يَفْهَم ما يُقَال له ولا يُفْهَم عنه، ﴿هَلْ يَسْتَوِي هُوَ﴾ أي هذا الأبكم الذي هو بهذا الوصف، ﴿وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾ أي ومن هو قادر تام التمييز متكلم ناطق بالحق، آمرٌ بالعدل قادرٌ على الأمور مُصَرِّفٌ لها على أحسن الوجوه، ﴿وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ قال ابن عباس: يريد على دين مستقيم (٣).\nوللمفسرين في هذه الآية قولان كما ذكرنا في الآية الأولى، فمن قال في المثل الأول أنه مَثَلُ الأوثان والله تعالى، قال في هذه الآية أيضًا: إن هذا مَثَلٌ كالأول، وهو قول مجاهد والسدي وقتادة (٤)، واختيار الفراء (٥)\n_________\n= الرازي\" ٢٠/ ٨٦، و\"تفسير القرطبي\" ١٠/ ١٥٠، والخازن ٣/ ١٢٧، وانظر: (كل) في \"المحيط في اللغة\" ٦/ ١٤١، و\"مجمل اللغة\" ٢/ ٧٦٥، و\"الصحاح\" ٥/ ١٨١١.\n(١) في جميع النسخ: (إنما)، والمثبت هو الصحيح.\n(٢) انظر: \"تفسير الفخر الرازي\" ٢٠/ ٨٦، بنصه تقريبًا.\n(٣) انظر: \"تقسير الخازن\" ٣/ ١٢٧، وأبي حيان ٥/ ٥١٩، بلا نسبة فيهما.\n(٤) أخرجه عبد الرزاق في \"مصنفه\" ٢/ ٣٥٩ بمعناه عن قتادة، والطبري ١٤/ ١٤٩ - ١٥٠ بنصه عن مجاهد من طريقين، وبنحوه عن قتادة، وورد في \"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢٤٤، بنحوه عن السدي، والثعلبي ٢/ ١٦٠ ب بمعناه عن مجاهد، و\"تفسير الماوردي\" ٣/ ٢٠٤ ب معناه، وانظر: \"تفسير ابن الجوزي\" ٤/ ٤٧٣، عن مجاهد وقتادة، والفخر الرازي ٢٠/ ٨٧، و\"تفسير القرطبي\" ١٠/ ١٤٩، عن مجاهد، وأبي حيان ٥/ ٥١٩، عن قتادة، وابن كثير ٢/ ٦٣٧ - ٦٣٨، عن مجاهد، و\"الدر المنثور\" ٤/ ٢٣٦، وزاد نسبته إلى ابن المنذر عن قتادة.\n(٥) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١١١.","vol":"13","page":147},{"text":"والزجاج (١) وابن قتيبة (٢).\nقال مجاهد: كل هذا مَثَلُ إله الحق وما يُدْعَى من دونه من الباطل (٣)\nوقال السدي: أما الأبكم فمِثْلُ الصنم؛ لأنه أَبْكَمُ لا ينطق، وهو كَلّ على عابديه؛ يُنْفِقون عليه ولا يُنْفِق هو عليهم ولا يَرْزقُهم، ﴿أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ﴾: الصنم من شرق أو غرب لا يأت بخير، يقول: لا يرزقهم ولا ينفعهم، ﴿هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾، والذي يأمر بالعدل: الله ﵎، ونحو هذا قال قتادة (٤).\nوقال الزجاج: هل يستوي القادرُ التامُ التمييزِ والعاجزُ الذي لا يُحْسِن ولا يأتي بخير، فكيف تُسَوُّون بين الله ﷿ وبين الأحجار (٥).\nوقال ابن قتيبة: هذا مَثَلُ آلهتهم؛ لأنها بُكْمٌ صُمّ عُمْيٌ، ثِقْلٌ على من عبدَها في خدمتها، وهي لا تأتيه بخير (٦).\nثم قال: ﴿هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ فجعل هذا المَثَلَ لنفسه، وقال في قوله: ﴿وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ﴾ هذا مثل للصنم الذي عبدوه، ﴿وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ﴾؛ لأنه يحمله إذا ظَعَن، وُيحَوِّلَه من مكان إلى مكان إذا تحرك، فقال الله تعالى: ﴿هَلْ يَسْتَوِي﴾:\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢١٤.\n(٢) \"الغريب\" لابن قتيبة ١/ ٢٤٨.\n(٣) سبق توثيقه.\n(٤) أخرجه الطبري ١٤/ ١٥٥، بنحوه عن قتادة، و\"الدر المنثور\" ٤/ ٢٣٥ - ٢٣٦، وعزاه إلى ابن أبي حاتم، بنحوه عن السدي.\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢١٤، بنصه.\n(٦) \"تأويل مشكل القرآن\" ص ٣٨٥، بنحوه تقريبًا.","vol":"13","page":148},{"text":"هذا الصنم الكَلّ، ﴿وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾، وهو استفهام معناه التوبيخ، كأنه قال: لا تُسَوُّوا بين الصنمِ الكَلِّ وبين الخالق ﷿ (١).\nوقال آخرون: هذا مثل للمؤمن والكافر، وهو قول ابن عباس في رواية عطية (٢).\nثم اختلفوا فيمن نزل، فروى يَعْلَى بن مُنْيَةَ (٣) عن ابن عباس: أنها نزلت في عثمان بن عفان ومولاه؛ كان عثمان -﵁- ينفق عليه ويكفيه المؤونة، وكان مولاه يكره الإسلام، وينهاه عن الصدقة ويمنعه من النفقة (٤).\nوقال في رواية عطاء، الأبكم: أُبي بن خلف الجمحي، ﴿وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ﴾ يريد كَلّ على قومه، كان يؤذيهم، ﴿هَلْ يَسْتَوِي هُوَ﴾، يريد أبي\n_________\n(١) ورد في \"تهذيب اللغة\" (كل) ٤/ ٣١٧٦، بنصه تقريبًا.\n(٢) أخرجه الطبري ١٤/ ١٥٠، بنحوه ضعيفة، وورد في \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٦٠ ب، بنصه، و\"تفسير الماوردي\" ٣/ ٢٠٤، وانظر: \"تفسير البغوي\" ٥ - ٢٣ - ٣٤، وابن الجوزي ٤/ ٤٧٣، وأبي حيان ٥/ ٥١٩، وابن كثير ٢/ ٦٣٧.\n(٣) يَعْلَى بن أُمَيَّة التميمي -﵁- ينسب حينًا إلى أبيه وحينًا إلى أمه مُنْيَة، وقيل: هي أم أبيه، جزم بذلك الدارقطني، أبو صفوان، صحابي، أسلم يوم الفتح وشهد حنينًا والطائف وتبوك، شهد صفين مع علي -﵁-، مات سنة بضع وأربعين. انظر: \"الاستيعاب\" ٤/ ١٤٧، و\"أسد الغابة\" ٥/ ٥٢٣، و\"الإصابة\" ٣/ ٦٦٨ (٩٣٥٨)، و\"تقريب التهذيب\" ص ٦٠٩ (٧٨٣٩).\n(٤) أخرجه الطبري ١٤/ ١٥١ بنصه تقريبًا، ورد في \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٦٠ ب، بنصه، و\"تفسير الماوردي\" ٣/ ٢٠٤، بمعناه، وانظر: \"تفسير ابن الجوزي\" ٤/ ٤٧٣، والفخر الرازي ٢/ ٨٧٠، و\"تفسير القرطبي\" ١٠/ ١٤٩، وابن كثير ٢/ ٦٣٨، و\"الدر المنثور\" ٤/ ٢٣٥ - ٢٣٦، وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه وابن عساكر.","vol":"13","page":149},{"text":"ابن خلف، ﴿وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾، يريد حمزة وعثمان بن مظعون (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2081>٧٧ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ﴾ قال أبو إسحاق: معناه: ولله عِلْمُ غيبِ السموات والأرض (٢)، وذكرنا الكلام في معنى غيب السموات والأرض في آخر آية من سورة هود [١٢٣].\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ﴾: الوقت الذي تقوم فيه القيامة، سُمِّيت ساعة لأنها تفجأ الناس في ساعة، فيموت الخلق في صيحة (٣).\nوقوله تعالى: ﴿إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ﴾ قال ابن الأعرابي: اللمح: النظر بسرعة (٤)، يفال: لمحه ببصره لمحًا ولمحانًا (٥)، أنشد الفراء:\nلمحان أقنى فوق طود يافع ... بعضَ العُدَاة دُجُنَّة وظلالا (٦)\n_________\n(١) ورد في \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٦٠ ب، بنصه مختصرًا، وانظر: \"تفسير البغوي\" ٥/ ٣٣ - ٣٤، وابن الجوزي ٤/ ٤٧٣، و\"القرطبي\" ١٠/ ١٤٩، وهذا كالمَثَلِ الأول؛ لا دليل صحيح على تخصيصه بأحد بعينه، وحسبك تضارب الروايات لرده، والصحيح حمل الآية على العموم. انظر: التعليق على آية [٧٥]، و\"تفسير أبي حيان\" ٥/ ٥٢٠، و\"تفسير الألوسي\" ١٤/ ١٩٧.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢١٤، بنصه.\n(٣) انظر: \"تفسير الفخر الرازي\" ٢٠/ ٨٨، و\"تفسير القرطبي\" ١٠/ ١٥٠، بنصه غير منسوب.\n(٤) ورد في لمح ٥/ ٩٨، بمعناه.\n(٥) اللَّمْحُ: هو النظر الخاطف كرجوع الطَّرْف، يُشَبَّه بلَمَعَان البرق، يقال: لَمَحَ البرقُ والنجْمُ؛ أي لمع، ويقال: لمحه ببصره وألْمَحَه، والاسم: اللَّمْحَةُ. انظر: (لمح) في \"العين\" ٣/ ٢٤٣، و\"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٢٩٦، و\"المحيط في اللغة\" ٣/ ١١٦، و\"الصحاح\" ١/ ٤٠٢.\n(٦) لم أقف عليه. (أقنى): برز، (طود)، الطّوْدُ: الجبل العظيم، (يافع): هو التّل المُشْرِفُ، وقيل: ما أرتفع من الأرض، (دجنة)، الدُّجُنَّةُ: الظَّلْمَاءُ.","vol":"13","page":150},{"text":"قال ابن عباس في قوله: ﴿وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ﴾، يريد: القيامة، ﴿إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ﴾، يريد: النظر.\nوقال قتادة: هو أن يقول: كن، فهو ﴿كَلَمْحِ الْبَصَرِ﴾ (١).\nوقال السدي: هو كلمح العين من السرعة، ﴿أَوْ هُوَ أَقْرَبُ﴾: من ذلك إذا أردناه (٢)، وشرح أبو إسحاق معنى هذا فقال: الساعةُ اسم لإمَاتَةِ الخَلق وإحْيائِهِم، أعلم الله تعالى أنّ البَعْثَ والإحْيَاءَ في قدرته ومشيئته، ﴿كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ﴾، ليس يريد أنَّ السَّاعةَ تأتي في أقربَ من لمح البصر، ولكنه يصف سرعةَ القدرةِ على الإتيان بها (٣)، ومعنى (أو) في قوله: ﴿أَوْ هُوَ أَقْرَبُ﴾: أن أمرها يكون على إحدى منزلتين: إما لمح البصر، وإما أقرب، فأدخل (أو) لِشَكّ المخاطب؛ أي كونوا في تقدير سرعة كونها على هذا الشك، وهذا معنى قول قطرب: أراد أن يطويه عنّا (٤)، وقيل: إنّ (أو) هاهنا بمنزلة بل (٥).\n_________\n(١) أخرجه عبد الرزاق في \"مصنفه\" (٢/ ٣٥٩) بنصه، والطبري ١٤/ ١٥١ بنصه، وورد في \"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ٩٥، بنصه، وأورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ٢٣٦، وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(٢) ورد في تفسيره \"الوسيط\" تحقيق سيسي ٢/ ٤٢٤، وأورده السيوطي في \"الدر المنثور\"، وعزاه إلى ابن أبي حاتم.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢١٤، بنصه.\n(٤) لم أقف عليه.\n(٥) بذلك فسرها مقاتل ١/ ٢٠٥ ب، والسمرقندي ٢/ ٢٤٤، وهود الهواري ٢/ ٣٨٠، وانظر: \"تفسير البغوي\" ٥/ ٣٤، والفخر الرازي ٢٠/ ٨٨، و\"تفسير القرطبي\" ١٠/ ١٥٠، وأورده أبو حيان في تفسيره وأبطله بحجة أن الإضراب هنا يؤدي إلى فساد المعنى، وتعقبه الألوسي وصححه، انظر: \"تفسير أبي حيان\" ٥/ ٥٢١، =","vol":"13","page":151},{"text":"وأنشدوا (١):\nأوْ أنتِ في العَينِ أَمْلَحُ (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2082>٧٨ </span>- قوله تعالى: ﴿وَاللهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ أي أخرجكم غير عالمين بمعنى: أخرجكم جاهلين.\nوقوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ﴾ عطف (٣) على قوله: ﴿أَخْرَجَكُمْ﴾، وجَعْلُ السمعِ كان قبل الإخراجِ ولم يكن بعده، وتأخيره في الذكر وتَقَدُّمُ الإخراجِ لا يدل على أن الجَعْلَ للسمع تأخر عن الإخراج؛ لأن الواو لا توجب الترتيب (٤)، ذكرنا هذا في مواضع،\n_________\n= و\"تفسير الألوسي\" ١٤/ ١٩٨، وفي كتب حروف المعاني أن (أو) تأتي بمعنى (بل)، ومنهم من أطلق القول، ومنهم من قيده بشروط، انظر: \"حروف المعاني\" للزجاجي ص ١٣، و\"الجنى الداني\" ص ٢٢٩، و\"مغني اللبيب\" ص ٩١.\n(١) نُسب لذي الرُّمَّة - ولم أجده في ديوانه، وقال محقق الخزانة؛ عبد السلام هارون: بل هو في ملحقات الديوان ص ٦٦٤.\n(٢) تمام البيت:\nبدتْ مِثلَ قَرْنِ الشَّمس في روْنقِ الضُّحى ... وصُورَتِها ................\nورد في \"المحتسَب\" ١/ ٩٩، و\"الخصائص\" ٢/ ٤٥٨، و\"الأزهية\" ص ١٢١، و\"اللسان\" (أوا) ١/ ١٨١، و\"الخزانة\" ١١/ ٦٥، وورد بلا نسبة في \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٧٢، و\"الصحاح\" (أو) ٦/ ٢٢٧٥، و\"الإنصاف\" ٣٨٣، والشاهد: ورود (أو) بمعنى (بل) والمعنى: بل أنتِ في العين أملح.\n(٣) وجعلها الطبري مستأنفة؛ لأن الكلام تمَّ بقوله: ﴿لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾، ثم ابتدأ بقوله: ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ﴾. انظر: \"تفسير الطبري\" ١٤/ ١٥٢، والبغوي ٥/ ٣٤.\n(٤) وللخازن توجيه جيد، يقول: لمّا كان الانتفاع بهذه الحواس بعد الخروج من البطن، فكأنما خلقت في ذلك الوقت الذي ينتفع بها فيه، وإن كانت قد خلقت قبل ذلك. \"تفسير الخازن\" ٣/ ١٢٨.","vol":"13","page":152},{"text":"والمعنى: خلق لكم الحواس التي بها تعلمون وتقفون على ما تجهلون، قال ابن عباس في هذه الآية: يريد لتسمعوا مواعظ الله وتُبْصِروا ما أنعم الله به عليكم منذ أخرجكم من بطون أمهاتكم إلى أن صرتم رجالًا، وتعقلوا عظمة الله (١)، ﴿وَالْأَفْئِدَةَ﴾ جمع الفؤاد؛ نحو غراب وأغربة (٢).\nقال الزجاج: ولم يجمع فؤاد على أكثر العدد؛ لم يُقَل فيه: فِئْدان، كما قيل في غُراب وغِرْبَان (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2083>٧٩ </span>- قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ﴾، أي: مذللات في جَوِّ السماء، وهو الهواء، قال الزجاج: ﴿جَوِّ السَّمَاءِ﴾: الهواءُ البعيدُ من الأرض (٤)، وهذا حث على الاستدلال بها على مُسَخِّرٍ سَخَّرها، ومُدَبِّرٍ مَكَّنَها من التصرف في جو السماء، وهو الله تعالى.\nوقوله تعالى: ﴿مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ﴾ يعني في حال القَبْض والبَسْط والاصطفاف، كقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ﴾ الآية. [الملك: ١٩].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2084>٨٠ </span>- قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا﴾ الآية. السَّكَن: المَسْكَن، أنشد الفراء (٥):\n_________\n(١) انظر: \"تفسير الخازن\" ٣/ ١٢٨، بنصه، و\"تفسير الألوسي\" ١٤/ ٢٠١، بنصه.\n(٢) قال الزمخشري: وهو من جموع القلة التي جرت مجرى جموع الكثرة. انظر: \"تفسير الزمخشري\" ٢/ ٣٣٩.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢١٤، بنصه.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢١٤، بنصه.\n(٥) نسبه الأزهري لابن الأعرابي.","vol":"13","page":153},{"text":"جاء الشِّتاءُ ولَمَّا أتَّخِذْ كِنَنًا (١) ... يا وَيْحَ نَفْسِيَ (٢) من حَفْر القراميص (٣)\nوالسَّكَنُ: ما سَكَنْت، وقال الزجاج: أي مَوْضِعًا تَسْكُنُون فيه (٤)، قال مجاهد وغيره: يعني المساكن من الحجر والمدر (٥).\n_________\n(١) في (أ)، (د): (كِنانًا)، والمثبت من: (ش)، (ع)، وقد انفرد الواحدي برواية (كِنًا)، بينما ورد في غيره (سنكنًا) و(ربضًا)، وليس في رواية الواحدي ولا رواية (ربضًا) شاهد -إلا بالمعنى-، إنما الشاهد في رواية \"سكنًا\" كما سيأتي في توثيق البيت.\n(٢) في (أ)، (د) زيادة كلمة (قلبي) كالتالي: (ياويح قلبي نفسي) والمثبت من: ش، ع وهو الصحيح؛ لإغناء كلمة نفسي عنها، ويؤكد ذلك خلو رواية التهذيب منها.\n(٣) ورد في \"تهذيب اللغة\" (قرمص) ٣/ ٢٩٤٦، وفيه: (رَبَضًَا) بدل (كنانًا)، وبدون كلمة (قلبي)، وورد بلا نسبة برواية:\nجاء الشتاء ولمّا أتخذ ربضًا ... يا ويح كفَّيَّ من حفْرِ القراميص\nفي \"جمهرة اللغة\" ١/ ٣١٤، ٢/ ١٢٠١، و\"تهذيب اللغة\" (ربض) ٢/ ١٣٤٤، و\"مقاييس اللغة\" ٢/ ٤٧٨، و\"الصحاح\" (قرمص) ٣/ ١٠٥١، (ربض) ٣/ ١٠٧٦، و\"تفسير الفخر الرازي\" ٢٠/ ٩١، وفيه: (سكنًا) بدل (ربضًا، و\"الأساس\" ٢/ ٢٤٧، و\"اللسان\" (قرمص) ٦/ ٣٦٠٦، (ربض) ٣/ ١٥٥٩، و\"التاج\" (قرمص) ٩/ ٣٣٣، و\"تفسير أبي حيان\" ٥/ ٥٢٣، و\"الدر المصون\" ٧/ ٢٧٣، فيهما برواية: (سكنًا) و(نفسي)، (ربض): قال ابن فارس: الراء والباء والضاد أصل يدل على سكون واستقرار، والرَّبَض: ما حول المدينة؛ ومسكن كلِّ قوم رَبَضٌ، ويقال: لفلان رَبَضٌ يأوي إليه: وهو كل ما سكن إليه من امرأة أو قرابة أو بيت. (قرمص): قال ابن السكيت: القراميص: حُفَرٌ صغارٌ يستكِنُّ فيها الإنسان من البرد، الواحدة: قُرْمُوص.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢١٥، بنصه.\n(٥) ورد بلا نسبة في \"تفسير الطبري\" ١٤/ ١٥٤، بنصه، والثعلبي ٢/ ١٦١ أ، بنصه، والبغوي ٥/ ٣٥، والخازن ٣/ ١٢٨، والذي في \"تفسير مجاهد\" ص ٤٢٣، قال: تسكنون فيها، وأخرجه الطبري عن مجاهد بهذه الرواية، وأورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ٢٣٧، وزاد نسبته إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"13","page":154},{"text":"وقال ابن عباس: يريد مساكن تستر عوراتكم وحُرَمَكُم، وذلك أن الله تعالى خلق الخشب والمدر والآلة التي بها يمكن تسقيف البيوت وبناؤها (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ﴾ يعني الأنطاع (٢) والأُدم، ﴿بُيُوتًا﴾ يعني القِبَاب والخِيَام والفَسَاطِيط (٣)، ﴿تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ﴾، أي: يَخِفُّ عليكم حَمْلُها في أسفاركم (٤)، قال ابن عباس: يريد إذا ظعنتم الربيع، وفيه قراءتان: تسكين العين (٥) وتحريكها (٦)، وهما لغتان؛ كالشعْر والشعَر، والنهْر والنهَر، قال الفراء: والعرب تفعل ذلك بما كان ثانيه إحدى الستة الأحرف (٧)، وأنشد (٨):\nله نَعَلٌ لا تَطَّبِي الكَلْبَ ريحُها ... وإن وُضِعت بين المجالس شُمَّت (٩) (١٠)\n_________\n(١) انظر: \"تفسير ابن الجوزي\" ٤/ ٤٧٦، بنحوه وبلا نسبة.\n(٢) جمع: نِطَعٌ ونِطْعٌ ونَطَعٌ ونَطْعٌ؛ هو بساطُ من الجلد. انظر: \"المحيط في اللغة\" ١/ ٤٠٦، و\"المعجم الوسيط\" ٢/ ٩٣٠.\n(٣) جمع الفِسْطَاط والفُسْطَاط؛ وهو ضَرْبٌ من الأبنية؛ وهو بيتٌ يتخذُ من الشَّعر. انظر: \"المحيط في اللغة\" ٨/ ٢٧١.\n(٤) ورد في \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢١٥، بنصه.\n(٥) قرأ بها: عاصم وحمزة والكسائي وابن عامر. انظر: \"السبعة\" ص٣٧٥، و\"إعراب القراءات السبع وعللها\" ١/ ٣٥٩، و\"علل القراءات\" ١/ ٣٠٨، و\"الحجة للقراء\" ٥/ ٧٧، و\"المبسوط في القراءات\" ص ٢٢٥، و\"التيسير\" ص ١٣٨.\n(٦) بفتح العين، قرأ بها: ابن كثير ونافع وأبو عمرو. (انظر: المصادر السابقة).\n(٧) يريد الحروف الحلقية؛ وهي: الهمزة والهاء، والعين والحاء، والغين والخاء.\n(٨) لكُثَيِّر بن عبد الرحمن بن الأسود، المعروف بكُثَيِّر عزّة (ت ١٠٥ هـ).\n(٩) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١١٢، بنصه تقريبًا.\n(١٠) \"ديوانه\" ص ٨٥، وروايته: =","vol":"13","page":155},{"text":"قال أبو علي: لا يجوز أن يكون الظَّعْنُ مخففًا من الظَّعَنِ، كعَضْد من عَضُد، ألا ترى أن من خفف عَضْدًا لم يخفف؛ نحو: حَمَلٍ (١) وَرَسَنٍ (٢)، قال الأزهري: والظَّعْنُ: سير البادية لنُجْعة أو حضور ماء أو طلب مَرْتَع أو تَحَوُّل من ماء إلى ماء ومن بلد إلى بلد، وقد ظَعَنوا يَظْعَنون، وقد يقال لكل شاخص لسفر: ظاعِن، وهو ضدّ الخافض (٣).\nوقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ﴾ قال مقاتل: أي لا يثقل عليكم الحالتين (٤).\nوقوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا﴾ قال المفسرون\n_________\n= إذا طُرِحَتْ لم تَطَّبِ الكلبَ ريحُها ... وإن وُضِعَتْ في مجلس القوم شُمَّتِ\nوورد في \"المذكر والمؤنث\" لابن الأنباري ١/ ٥٠٢، و\"الخصائص\" ٢/ ٩، وفيه: (جُعِلت وسْطَ) بدل (وُضعت بين)، و\"اللسان\" (نعل) ٧/ ٤٤٧٧، وفيه: (وسط) بدل (بين)، وورد في \"البيان والتبيين\" برواية ليس فيها الشاهد ٣/ ٧٨٨، (تطبي): يقال طبى فلانٌ فلانًا عن رأيه وأمْره: أي صرفه، وأطْبَأه وطَبَأه: دعاه واستماله، (شُمّت): يُقبل شَمُّها؛ لأن جلدها جيد الدباغة لا تفوح منه روائحُ كريهة منتنة تستميل الكلاب، والشاعر يصف نعله برقتها وطيب ريحها، وأنها لطيب ريحها وعدم انبعاث الروائح الكريهة عنها لا تستميل الكلاب. والشاهد: أنه حرَّك حرف الحلق (ع) لانفتاح ما قبله. وانظر: \"المحيط في اللغة\" (طبى) ٩/ ٢٢٨.\n(١) هكذا في جميع النسخ بالحاء، وفي المصدر (جمل) بالجيم، وهو خطأ؛ لأن (جمل) لا تأتي في الفصيح إلا محركة. انظر: \"متن اللغة\" ١/ ٥٧١.\n(٢) \"الحجة للقراء\" ٥/ ٧٧، بتصرف يسير. (رسن): الرسن: الحبل تقاد به الدابة؛ وهو ما كان على الأنف من الأزمَّة. انظر: \"اللسان\" (رسن) ٣/ ١٦٤٧، و\"متن اللغة\" ٢/ ٥٨٨.\n(٣) \"تهذيب اللغة\" (ظعن) ٣/ ٢٢٤١، بنصه.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ١/ ٢٠٥ ب، بمعناه، وورد في \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٦١ أ، بنصه.","vol":"13","page":156},{"text":"وأهل اللغة: الأصواف للضأن، والأوبار للإبل، والأشعار للمعز (١).\nوقوله تعالى: ﴿أَثَاثًا﴾ الأثاث: أنواع المتاع من متاع البيت؛ من الفُرُش والأكسية (٢)، قال الفراء: ولا واحد له، كما أن المتاع لا واحد له، قال: ولو جمعت لقلت: أَثِثَّة في القليل وأُثُثٌ في الكثير (٣).\nوقال أبو زيد: واحدتها أَثَاثَةٌ (٤).\n_________\n(١) ورد في \"تفسير مقاتل\" ١/ ٢٠٥ ب، بنصه، و\"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢١٥، بنصه، و\"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ٩٦، بنصه، و\"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٦١ أ، بنصه، والطوسي ٦/ ٤١٣، وانظر: \"تهذيب اللغة\" (صاف) ٢/ ١٩٦٢ - ١٩٦٣، (وبر) ٤/ ٣٨٢٦ - ٣٨٢٧، و\"المحيط في اللغة\" (صوف) ٨/ ١٩٦، (وبر) ١٠/ ٢٧٢، و\"اللسان\" (وبر) ٨/ ٤٧٥٢ - ٤٧٥٣، (صوف) ٤/ ٢٥٢٧ - ٢٥٢٨.\n(٢) ورد في الغريب لابن قتيبة ١/ ٢٤٨، بنصه، ورد بنحوه في \"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ٩٦، و\"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٦١ أ، وانظر: (أث) في \"العين\" (٨/ ٢٥٣، و\"تهذيب اللغة\" ١/ ١١٨، و\"اللسان\" (أثث) ١/ ٢٤ - ٢٥، و\"التاج\" (أثث) ٣/ ١٦٤.\n(٣) لم أجده في معانيه، وورد في \"تهذيب اللغة\" (أث) ١/ ١١٨، بنصه تقريبًا، وفيه: ولو جمعت لقلت: ثلاثة آثَّةٍ، وأُثُثٌ كثيرة. وانظر: \"اللسان\" (أثث) ١/ ٢٤ - ٢٥، و\"التاج\" (أثث) ٣/ ١٦٤، وأورد السمين قول الفراء، وقال عن جمع الكثرة: فيه نظر؛ حيث يلزم هذا الوزن جمعه على أفْعِلَة في القلة والكثرة، ولا يجمع على فُعُل. انظر: \"الدر المصون\" ٧/ ٢٧٥.\n(٤) لم أجده في نوادره، وورد في \"تهذيب اللغة\" (أث) ١/ ١١٨، بلفظه، وورد عنه بنحوه في \"الغريب\" لابن قتيبة ١/ ٢٤٨، و\"أدب الكاتب\" له ص ٦١، و\"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ٩٧، و\"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٦١، و\"الدر المصون\" ٧/ ٢٧٥، وأورد الطبري قول أبي زيد -بلا نسبة- ورده، قائلًا: ولم أر أهل العلم بكلام العرب يعرفون ذلك -أي أن الأثاث واحد- والحق أن أبا زيد إمام وحجة في العربية، والذين أوردوا قوله -وهم من أهل اللغة- لم أجد من اعترض عليه، وحسبك بابن قتيبة وقد أورد قوله مستشهدًا به.","vol":"13","page":157},{"text":"قال ابن عباس في قوله: ﴿أَثَاثًا﴾ يريد طَنَافِس (١) وبُسطًا وثيابًا وكسوة (٢)، قال الخليل: وأصله من قولهم: أثَّ النَّباتُ والشَّعر إذا كثر (٣)\nوقوله تعالى: ﴿وَمَتَاعًا﴾ أي ما يمتعون به.\nوقوله تعالى: ﴿إِلَى حِينٍ﴾ قال عطاء عن ابن عباس: يريد إلى حين البلى (٤).\nوروي عنه: ﴿إِلَى حِينٍ﴾: الموت (٥)، ومثله قال مجاهد، وأَبْهَم قتادة؛ فقال: إلى أجل (٦)، وحكى الفراء القولين فقال: يقول: يكتفون\n_________\n(١) جمع طَنْفَس، وهي البساط الذي له خَمْلٌ رقيق، وقيل: هو ضرب من السجاد. انظر: \"اللسان\" (طنفس) ٥/ ٢٧١٠، و\"متن اللغة\" ٣/ ٦٣٧.\n(٢) انظر: \"تفسير الفخر الرازي\" ٢٠/ ٩٢، بنصه، والمشهور عن ابن عباس أنه فَسَّرَ ﴿أَثَاثًا﴾ بالمال، أخرجه الطبري ١٤/ ١٥٥ - ١٥٦ من طريق العوفي ضعيفة، و\"الدر المنثور\" ٤/ ٢٣٧، وعزاه إلى ابن أبي حاتم.\n(٣) \"العين\" (أث) ٨/ ٢٥٣، بنصه، وانظر: \"تفسير الفخر الرازي\" ٢٠/ ٩٢، وقد نقل المقطع كله؛ من بداية قول الأزهري بنصه تقريبًا دون نسبته للواحدي.\n(٤) انظر: \"تنوير المقباس\" ص ٢٩٠، وورد غير منسوب في \"تفسير مقاتل\" ١/ ٢٠٥ ب، والثعلبي ٢/ ١٦١ أ، والبغوي ٥/ ٣٥، والزمخشري ٢/ ٣٣٩، وابن الجوزي ٤/ ٤٧٧، والفخر الرازي ٢٠/ ٩٢، والخازن ٣/ ١٢٩.\n(٥) أخرجه الطبري ١٤/ ١٥٥ بلفظه عن مجاهد، وانظر: \"تفسير ابن الجوزي\" ٤/ ٤٧٧، عن ابن عباس ومجاهد، وأبي حيان ٥/ ٥٢٤، عن ابن عباس، و\"تفسير الألوسي\" ١٤/ ٢٠٤، عن ابن عباس، وورد غير منسوب في \"تفسير هود الهواري\" ٢/ ٣٨١، والثعلبي ٢/ ١٦١ أ، والبغوي ٥/ ٣٥، والزمخشري ٢/ ٣٣٩، والفخر الرازي ٢٠/ ٩٢، والخازن ٣/ ١٢٩، وورد عن ابن عباس تفسيره بقوله: ينتفعون به إلى حين، أخرجه الطبري ١٤/ ١٥٤ - ١٥٥ من طريق العوفي ضعيفة، وأورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ٢٣٧ وعزاه إلى ابن أبي حاتم.\n(٦) أخرجه عبد الرزاق في \"مصنفه\" (٢/ ٣٥٩) بلفظه، والطبري ١٤/ ١٥٥ بلفظه، =","vol":"13","page":158},{"text":"بأصوافها إلى أن يموتوا، ويقال: إلى الحين بعد الحين (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2085>٨١ </span>- قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا﴾ قال عطاء عن ابن عباس: يريد ظلال الغمام والسحاب (٢)؛ كما قال: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ﴾ [البقرة: ٥٧] يريد لتقيكم من حر الشمس ومن شدة البرد، وقال الكلبي: ﴿مِمَّا خَلَقَ﴾ يعني البيوت (٣)، وقال قتادة: يعني الشجر (٤)، واختاره الزجاج. فقال: أي جعل لكم من الشجر ما تَسْتَظِلُّون به (٥) (٦).\nوقوله: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا﴾ قالوا: يعني الغيران والأسْرَاب (٧)، وواحد الأَكْنَان كِنٌّ، على قياس حِمْل\n_________\n= وورد في \"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ٩٧، بلفظه، وأورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ٢٣٧، وزاد نسبته إلى ابن المنذر.\n(١) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١١٢. بنصه.\n(٢) انظر: \"تفسير ابن الجوزي\" ٤/ ٤٧٧، وأبي حيان ٥/ ٥٢٤، و\"تفسير الألوسي\" ١٤/ ٢٠٥\n(٣) انظر: \"تفسير ابن الجوزي\" ٤/ ٤٧٧، وأبي حيان ٥/ ٥٢٤، و\"تفسير الألوسي\" ١٤/ ٢٠٥\n(٤) أخرجه الطبري ١٤/ ١٥٥ بلفظه من طريقين، ورد في \"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢٤٥ بلفظه، وانظر: \"تفسير ابن الجوزي\" ٤/ ٤٧٧، وأبي حيان ٥/ ٥٢٤، و\"الدر المنثور\" ٤/ ٢٣٨، وزاد نسبته إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢١٥، بنصه.\n(٦) هذه الأقوال -في معنى الظلال- من اختلاف التنوع، ولا يجوز تخصيصها بأي منها، والأَوْلَى حَمْلُه على العموم؛ لعدم وجود مخصص، ولكونه جاء على سبيل الامتنان، والمنّة حاصلة بكل ذلك، لذلك فالأرجح ما قاله أبو سليمان الدمشقي: إنه كل شيء له ظل؛ من حائط، وسقف، وشجر، وجبل، وغير ذلك. \"تفسير ابن الجوزي\" ٤/ ٤٧٧.\n(٧) ورد في \"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢٤٥، بنصه، والثعلبي ٢/ ١٦١ أ، بنصه، وانظر: =","vol":"13","page":159},{"text":"وأَحْمَال (١)، والكِنُّ: كل شيء وقى شيئًا، ويقال: اسْتَكَنَّ واكْتَنَّ، إذا صار في كِنّ (٢) (٣) ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ السرابيل: القُمُص، واحدها سربال (٤)، قال الفراء: سَرْبَلْتُ الرجلَ إذا لَبَّسْتَه سَرْبَلَةً وسِرْبَالًا (٥)، وأنشد:\nعَمّى أبو مالك بالمجدِ سَرْبَلَني ... ودَنَّس العبد عبد القيس سربالي (٦)\nقال أبو إسحاق: كلُ ما لَبِسْتَه فهو سربالٌ؛ من قميص أو دِرْع أو جَوْشَنٍ أو غيره (٧)، قال ابن عباس وقتادة: هي القُمُص من الكَتّان،\n_________\n= \"تفسير البغوي\" ٥/ ٣٦، وابن الجوزي ٤/ ٤٧٨، و\"تفسير القرطبي\" ١٠/ ١٥٩، والخازن ٣/ ١٢٩، (الغيران): جمع غار؛ وهو مغارةٌ في الجبل كالسَّرب، وقيل: الغارُ كالكَهْف في الجبل، (الأسْرَاب): جمع سَرْب، وهو المسلك في خفية، وأصله جُحر الثعلب والوحشي، وهو حفير تحت الأرض، وقيل: بيت تحت الأرض. انظر: (سرب) في \"المحيط في اللغة\" ٨/ ٣١٢، و\"اللسان\" ٤/ ١٩٨٠، (غور) ٦/ ٣٣١٣، و\"معاني اللغة\" ٣/ ١٣٣.\n(١) ورد في \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢١٥، بنصه.\n(٢) ورد في \"تهذيب اللغة\" (كن) ٤/ ٣١٩٦، بنصه، وهو قول الليث.\n(٣) انظر: (كن) في \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣١٩٦، و\"المحيط في اللغة\" ٦/ ١٤٤، و\"الصحاح\" ٦/ ٢١٨٨، و\"اللسان\" ٧/ ٣٩٤٢، وانظر: \"تفسير الفخر الرازي\" ٢٠/ ٩٣، بنصه بلا نسبة.\n(٤) انظر: (سربل) في \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٦٦٤، و\"الصحاح\" ٥/ ١٧٢٩، و\"اللسان\" ٤/ ١٩٨٣، وانظر: \"تفسير الفخر الرازي\" ٢٠/ ٩٣، و\"تفسير القرطبي\" ١٠/ ١٦٠.\n(٥) ليس في معانيه.\n(٦) لم أقف عليه.\n(٧) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢١٥، بنصه. (جوشن): درع أو زَرَدٌ يُلْبَس على الصدر، والجمع: جواشن. انظر: \"متن اللغة\" ١/ ٦٠٣.","vol":"13","page":160},{"text":"والقطن والصوف (١)، قال الفراء: ولم يقل: والبرد، وهي تقي الحرّ والبرد، فترك؛ لأن معناه معلوم (٢)، قال الزجاج: ولم يقل: وتقيكم البردَ؛ لأن ما وَقَى من الحرّ وَقَى من البرد (٣)، فعندهما أنه اكتفى بذكر أحدهما عن الآخر لدلالة المذكور على الآخر، وقال عطاء الخرساني: الذين خوطبوا بهذا أهل حَرّ في بلادهم فحاجتهم إلى ما يقي الحرّ أشد، لذلك لم يذكر البرد؛ لأن القوم خُوطبوا على قدر معرفتهم، كما قال: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا﴾: وما جعل من غير ذلك أعظم، ولكنهم كانوا أصحابَ وَبَر وشَعَر، وكذلك قوله: ﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ﴾ [النور: ٤٣] يُعَجِّبُهم بذلك، وما أنزل من الثلج أعظم ولكنهم كانوا لا يعرفونه (٤)، قال المبرد: والقرآن قد أحاط بمن يخاطب وبمن يكون بعده، وأحاط بالغائب كما أحاط بالحاضر، ولكن العرب من شأنها إذا كان\n_________\n(١) أخرجه عبد الرزاق في \"مصنفه\" (٢/ ٣٥٩)، بنحوه، والطبري ١٤/ ١٥٥ - ١٥٦ بنصه من طريقين، وبنحوه من طريق، وورد في \"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ٩٧، و\"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢٤٥، والطوسي ٦/ ٤١٣، بنحوه، وورد بنحوه غير منسوب في \"تفسير مقاتل\" ١/ ٢٥٦أ، والثعلبي ٢/ ١٦١أ، وهود الهواري ٢/ ٣٨١.\n(٢) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١١٢، بنصه.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١١٢، بنصه.\n(٤) أخرجه الطبري ١٤/ ١٥٣ - ١٥٥ بنصه تقريبًا مع تقديم وتأخير، وورد في \"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ٩٨، مختصرًا، و\"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٦١أ، بنصه تقريبًا مع تقديم وتأخير، و\"تفسير الماوردي\" ٣/ ٢٠٧، مختصرًا، وانظر: \"تفسير البغوي\" ٥/ ٣٦، والفخر الرازي ٢٠/ ٩٣، و\"تفسير القرطبي\" ١٠/ ١٦٠، والخارن ٣/ ١٢٩، وابن كثير ٢/ ٦٣٩، وهذا القول هو الذي رجَّحه الطبري.","vol":"13","page":161},{"text":"الشيئان مجازهما واحدًا في ضر أو نفع فذكروا أحدهما علم أن الآخر مثله، فلما ذكر الحرَّ صار كأنه ذكر البرد أيضًا، لما يعلم أنها لا تقي شيئًا دون شيء (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ﴾ قال المفسرون: يعني دروع الحديد (٢)، ومعنى البأس: الشدة، ويريد هاهنا شدة الطعن والضرب والرمي (٣).\nوقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ﴾ أي مِثْل ما جعل هذه الأشياء، وخلقها لكم وأنعم بها عليكم، ﴿يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾ يريد: نعمة الدنيا؛ لأن (٤) الخطاب لأهل مكة يدل على هذا.\nقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ﴾ قال ابن عباس: لعلكم يا أهل مكة تُخْلِصون لله الربوبية وتعلمون أنه لا يقدر على هذا أحدٌ غيره (٥)، فتوحدوه وتصدقوا أنبياءه، ثم قال بعد أن بَيَّنَ لهم الآيات:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2086>٨٢ </span>- ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ أي عليك أن تُبلِّغَ الرسالةَ\n_________\n(١) أورده في \"التعازي والمراثي\" ص٣٩، مختصرًا جدًا؛ قال: وكذلك قوله تعالى: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ﴾، ولم يذكر البرد، وانظر: \"تفسير الفخر الرازي\" ٢٠/ ٩٤، عنه بمعناه، وأبي حيان ٥/ ٥٢٤ مختصرًا، و\"تفسير الألوسي\" ١٤/ ٢٠٥، مختصرًا.\n(٢) ورد في \"تفسير مقاتل\" ١/ ٢٠٦ أ، بلفظه، والسمرقندي ٢/ ٢٤٥، بنصه، وهود الهواري ٢/ ٣٨١، بلفظه، والثعلبي ٢/ ١٦١ أ، بنحوه، وانظر: \"تفسير الزمخشري\" ٢/ ٣٣٩، وابن كثير ٢/ ٦٣٩ - ٦٤٠.\n(٣) انظر: \"تفسير الفخر الرازي\" ٢٠/ ٩٤، بنصه بلا نسبة.\n(٤) في (أ)، (د): (أن) ومطموسة في (ع)، والمثبت من (ش).\n(٥) انظر: \"تفسير الفخر الرازي\" ٢٠/ ٩٤، والخازن ٣/ ١٢٩، بلا نسبة.","vol":"13","page":162},{"text":"والآياتِ الدالةَ على التوحيد وصدقك، ولا يَلْزَمك تقصيرٌ مِنْ أجل تَوَلِّيهم، وهذا تسلية للنبي -ﷺ- عما يلحقه عند توليهم عنه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2087>٨٣ </span>- قوله تعالى: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا﴾ قال السدي: يعني محمدًا -ﷺ- (١)، وهذا القول اختيار أبي إسحاق؟ قال: يعرفون أن أمر النبي -ﷺ- حقٌّ ثم يُنكرون ذلك (٢)، وقال مجاهد: يعني ما عَدَّدَ من النِّعَم في هذه السورة، يعرفون أنها كلَّها نِعَمٌ عليهم، ولكن ينكرون أنها من الله تعالى، يقولون: هذه النعم كانت لآبائنا فورثناها منهم (٣)، وقال الكلبي: أقروا بأنها كلها من الله، وقالوا: لكنها بشفاعة آلهتنا (٤)، [وهذا] (٥) القول\n_________\n(١) أخرجه الطبري ١٤/ ١٥٧ بنصه من طريقين، وورد في \"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ٩٩، بنصه، و\"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢٤٥، بنصه، والثعلبي ٢/ ١٦١ ب، بنصه، و\"تفسير الماوردي\" ٣/ ٢٠٧، بنحوه، وانظر: \"تفسير البغوي\" ٥/ ٣٦، وابن عطية ٨/ ٤٨٧، وابن الجوزي ٤/ ٤٧٩، و\"تفسير القرطبي\" ١٠/ ١٦١، والخازن ٣/ ١٢٩، وأبي حيان ٥/ ٥٢٤، و\"الدر المنثور\" ٤/ ٢٣٨، وزاد نسبته إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢١٦، بنصه.\n(٣) \"تفسير مجاهد\" ٣٥٠، بمعناه، أخرجه الطبري ١٤/ ١٥٨ بمعناه من طريقين، وورد في: \"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ١٠٠، بمعناه، و\"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢٤٥، بمعناه، وهود الهواري ٢/ ٣٨٢، مختصرًا، والثعلبي ٢/ ١٦١ب، بنحوه، و\"تفسير الماوردي\" ٣/ ٢٠٧، بنحوه، وانظر: \"تفسير البغوي\" ٥/ ٣٦، وابن الجوزي ٤/ ٤٧٩، و\"تفسير القرطبي\" ١٠/ ١٦١، والخازن ٣/ ١٢٩.\n(٤) ورد في \"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢٤٥، بنحوه، و\"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١١٦١ ب، بنحوه، وانظر: \"تفسير البغوي\" ٥/ ٣٦، وابن الجوزي ٤/ ٤٧٩، و\"تفسير القرطبي\" ١٠/ ١٦٢، والخازن ٣/ ١٢٩.\n(٥) في جميع النسخ (وقال) ولا يستقيم بها الكلام، والصحيح المثبت.","vol":"13","page":163},{"text":"اختيار الفراء؛ قال: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ﴾ يعني الكفار، إذا قيل لهم مَنْ رزقكم؟ قالوا: الله، ثم يقولون: بشفاعة آلهتنا فيشركون، فذلك إنكارهم نعمته (١)، ونحو هذا روى عطاء عن ابن عباس، قال: يُقِرُّون أنه لا يفعل هذا أحدٌ غيرُه، وهو المستحق للعبادة؛ لأنه المنعم عليهم دون غيره (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ﴾ قال أصحاب التأويل: إنما قال وأكثرهم؛ لأن فيهم من لم تقم عليه الحجة ممن [لم] (٣) يبلغ حَدَّ التكليف؛ ومنهم من هو ناقص العقل مأووف (٤) فأراد بالأكثر: البالغين الأصحاء الذين هم المقصودون بالخطاب وإقامة الحجة عليهم (٥)، وقال الحسن: المعنى: وجميعهم الكافرون (٦)، وعلى هذا ذكر الأكثر والمراد الجميع؛ لأن عُظْمَ الشيءِ يقوم مقام جميعه، فَذِكر الأكثرِ كذِكْرِ الجميع، وهذا كقوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٧٥] وذكرنا هناك وجهين آخرين، وهذه الآية تدل على أن المعاند كافرٌ، وإن عرف بقلبه إذا لم يُقِرّ بلسانه وأنكر في الظاهر.\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١١٢، بنصه.\n(٢) انظر: \"تنوير المقباس\" ص٢٩٠، و\"تفسير القرطبي\" ١٠/ ١٦٢، بلا نسبة.\n(٣) إضافة يقتضيها السياق ليستقيم الكلام.\n(٤) في اللسان (مَأُوُوف) و(مؤُوف): وهو الذي أصابته آفة؛ أي عاهة، يقال: آفت البلادُ تؤُوف أوفًا وآفةً وأُوُوفًا: صارت فيها آفةٌ، والمقصود هنا: العاهة العقلية التي تعيقه عن الفهم والتمييز. انظر: \"اللسان\" (أوف) ١/ ١٧١.\n(٥) ورد في \"تفسير الطوسي\" ٦/ ٤١٤، بنحوه، وانظر: \"تفسير الفخر الرازي\" ٢٠/ ٩٥، وقد ذكر تعليلات أخرى.\n(٦) ورد بنصه في \"تفسير الماوردي\" ٣/ ٢٠٧، والطوسي ٦/ ٤١٥، وانظر: ابن الجوزي ٤/ ٤٧٩، وأبي حيان ٥/ ٥٢٥.","vol":"13","page":164},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2088>٨٤ </span>- قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا﴾، أي: وذَكِّرهم يوم نبعث أو وأَنْذرهم يوم نبعث، قال ابن عباس: يريد يوم القيامة (١)، ﴿مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا﴾ يريد الأنبياء يشهدون على الأمم بما فعلوا من التصديق والتكذيب.\nوقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قال الكلبي: لا يؤذن لهم في الكلام والاعتذار (٢)؛ كقوله: ﴿وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المرسلات: ٣٦].\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ استعتَبَ فلان إذا طلب أن يُعْتَب، أي: يُرْضَى (٣)، واستعتبت فلانًا إذا طلبت منه أن يرجع إلى رضا صاحبه (٤)، فمعنى قوله: ﴿وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ أي لا يُطلب منهم أن (٥) يرجعوا إلى ما يُرضي اللهَ؛ لأن الآخرة ليست بدار تكليف، كما قال ابن عباس في هذه الآية، قال: يريد انقطع العتاب وانقطعت المعذرة وحَلّ بهم الخزي، تلخيص معنى الآية: أنهم لا يُمَكَّنُونَ من عذر فيتكَلَّمون به، ولا يُكَلَّمُون أيضًا في الرجوع في العُتْبَى، وأصل هذا الحرف من العتب وهو الموجدة، يقال: عتب عليه إذا وجد عليه، وأعتبه إذا زال عنه عتبُه؛ بأن\n_________\n(١) انظر: \"تفسير الفخر الرازي\" ٢٠/ ٩٥، والخازن ٣/ ١٣٠، بلا نسبة فيهما.\n(٢) انظر: \"تفسير الفخر الرازي\" ٢٠/ ٩٥، و\"تفسير القرطبي\" ١٠/ ١٦٢، والخازن ٣/ ١٣٠، كلها بلا نسبة.\n(٣) ورد في \"تهذيب اللغة\" (عتب) ٣/ ٢٣١٤، بنصه، وهو قول الليث.\n(٤) انظر: (عتب) في \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٣١٤، و\"مقاييس اللغة\" ٤/ ٢٢٦، و\"اللسان\" ٥/ ٢٧٩١.\n(٥) (أن) ساقطة من (أ)، (د) وفي (ع): (أي).","vol":"13","page":165},{"text":"ترك ما كان يعتب عليه من أجله، واستعتبه إذا طلب منه الإعتاب (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2089>٨٥ </span>- قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ قال ابن عباس: يريد أشركوا (٢)، ﴿الْعَذَابَ﴾ يريد النار، ﴿فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ﴾، أي: العذاب، ﴿وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾، أي: لا يؤخرون ولا يمهلون؛ لأن التوبة هناك غير مرجوة؛ لانقضاء الأمد المضروب لقبول التوبة ودخول وقت العذاب، وهذه الآية تأكيد لما قبلها؛ يريد أنهم يعجل لهم العقوبة في الآخرة من غير إنصات (٣) لعذر منهم أو عتاب معهم.\n<span data-type=\"title\" id=toc-2090>٨٦ </span>- قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكَاءَهُمْ﴾ قال ابن عباس: يريد الذين اتخذوهم (٤) من دون الله آلهة (٥)، وذلك أن اللهَ يبعثُ كلَّ مَنْ كان يَعْبُدون من دون الله، فيتبعوهم حتى يوردوهم النار، وَوُصِفُوا بأنهم شركاؤهم: لأنهم جعلوا لهم نصيبًا في أموالهم، ولأنهم جعلوهم شركاء في العبادة (٦)، ﴿قَالُوا رَبَّنَا هَؤُلَاءِ شُرَكَاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُو مِنْ دُونِكَ﴾، أي:\n_________\n(١) انظر: (عتب) في \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٣١٤، و\"المحيط في اللغة\" ١/ ٤٤٦، و\"مقاييس اللغة\" ٤/ ٢٢٦، و\"اللسان\" ٥/ ٢٧٩١.\n(٢) انظر: \"تنوير المقباس\" ص٢٩١، ورد بنحوه غير منسوب في \"تفسير هود الهواري\" ٢/ ٣٨٢، والثعلبي ٢/ ١٦١ب، والبغوي ٥/ ٣٧، وابن الجوزي ٤/ ٤٨٠، والفخر الرازي ٢٠/ ٩٦، و\"تفسير القرطبي\" ١٠/ ١٦٢، والخازن ٣/ ١٣٠.\n(٣) في جميع النسخ: (أنصار) والصواب ما أثبته، ويدل عليه ما بعده، ولعلها تصحفت.\n(٤) في (أ)، (د): (اتخذو لهم)، وفي (ش)، (ع): (اتخذوا لهم)، والمثبت هو الصحيح وينسجم مع السياق.\n(٥) انظر: \"تفسير أبى حيان\" ٥/ ٥٢٦، و\"تفسير الألوسي\" ١٤/ ٢٠٨، بنحوه غير منسوب.\n(٦) ورد في \"تفسير الطوسي\" ٦/ ٤١٦، بنصه.","vol":"13","page":166},{"text":"كنا نعبدهم من دونك، ﴿فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ﴾ قال الكلبي: أجابوهم (١)، وقال مجاهد: حدثوهم (٢)، وقال الفراء: رَدَّت عليهم قولهم (٣): ﴿إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ (٤)، وذكر المفسرون في تكذيب الأصنام إيّاهم وجوهًا؛ أحدها: أنها كذبتهم في استحقاق العبادة، والمعنى: ﴿إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ﴾: في أَنَّا نستحق العبادة (٥)، الثاني: ﴿إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ﴾: في أَنَّا دعوناكم إلى العبادة، وهذا قول الفراء (٦)، وقيل: ﴿إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ﴾: في تسميتنا آلهة وأربابًا (٧)، وكل هذا تكذيب من الآلهة (٨) للكفار بما لم يُخْبِر به عنهم؛ لأنه ليس في الآية أن الكفار ادعوا أنها دعتهم إلى عبادتها، ولا أنها كانت تستحق العبادة، ولا أنهم سموها آلهة، وإن كانوا قد فعلوا ذلك، ولكن لم يُخبِر عنهم في هذه الآية بهذه الأشياء حتى ينصرف التكذيب إلى ذلك، والمفسرون قالوا هذا على الاحتمال، ولم أر لواحد من أئمة التفسير قولًا منسوبًا إليه مما حكيت غير الفراء، والذي يوافق الظاهر أن يقال: إن الشركاء كانت جمادًا مواتًا ما كانت تعرف عبادة عابديها، فقالت: ﴿إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ﴾: في عبادتكم إيَّانَا، ما كنا نعرف ذلك ولا علم لنا بعبادتكم،\n_________\n(١) ورد بلا نسبة في \"تفسيره \"الوسيط\"\" تحقيق سيسي ٢/ ٤٢٨، وابن الجوزي ٤/ ٤٨٠.\n(٢) \"تفسير مجاهد\" ص ٣٥٠، بلفظه، أخرجه الطبري ١٤/ ١٥٩ بلفظه من طريقين، و\"الدر المنثور\" ٤/ ٢٣٩، وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(٣) في جميع النسخ: (قولها)، والتصويب من المصدر.\n(٤) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١١٢، بنصه.\n(٥) ورد في \"تفسير الطوسي\" ٦/ ٤١٦، بنصه، وانظر: \"تفسير الفخر الرازي\" ٢٠/ ٩٧.\n(٦) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١١٢، بمعناه.\n(٧) ورد في \"تفسير الطوسي\" ٦/ ٤١٧، بنحوه، وانظر: \"تفسير الخازن\" ٣/ ١٣٠.\n(٨) في جميع النسخ: (الإله) والصحيح الآلهة؛ لأنها هي التي كذبت عابديها.","vol":"13","page":167},{"text":"فظهر عند ذلك فضيحة الكفار، حيث عبدوا من لم يشعر بالعبادة، يدل على هذا قوله: ﴿كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ﴾ [مريم: ٨٢]، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2091>٨٧ </span>- قوله تعالى: ﴿وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ﴾ قال ابن عباس: يريد استسلموا وأقروا لله بالربوبية (١)، قال الكلبي: استسلم العابد والمعبود (٢)، وقال قتادة: يقول: ذَلُّوا واستسلموا يومئذ لحكم الله (٣)، وذكرنا معنى إلقاء السَّلَم عند قوله: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ﴾ [النساء: ٩٤].\nوقوله تعالى: ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ قال ابن عباس: يريد ذهب ما زَيَّنَ لهم الشيطان أن لله شريكًا أو ولدًا وصاحبة (٤)، وقال غيره: بطل ما كانوا يُؤَمِّلُون ويكذبون؛ من أن آلهتم تشفع لهم (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2092>٨٨ </span>- قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قال ابن عباس: يريد عن طاعة الله (٦)، ﴿زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ﴾ قال ابن مسعود:\n_________\n(١) ورد بنحوه غير منسوب في \"تفسير مقاتل\" ١/ ٢٠٦ أ، والسمرقندي ٢/ ٢٤٦، والثعلبي ٢/ ١٦١ ب، وابن الجوزي ٤/ ٤٨١.\n(٢) انظر: \"تفسير الفخر الرازي\" ٢٠/ ٩٧، بنصه، وابن الجوزي ٤/ ٤٨١، بمعناه، وأبي حيان ٥/ ٥٢٧، بمعناه، و\"تنوير المقباس\" ص٢٩١، بنصه.\n(٣) أخرجه الطبري ١٤/ ١٦٠، بنحوه، ورد في \"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ١٠١، بنحوه، و\"تفسير الطوسي\" ٦/ ٤١٧، بنحوه، وانظر: \"تفسير ابن كثير\" ٢/ ٦٤٠، و\"الدر المنثور\" ٤/ ٢٣٩، وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم.\n(٤) ورد بنصه غير منسوب في تفسيره \"الوسيط\" تحقيق سيسي ٢/ ٤٢٩، و\"تفسير ابن الجوزي\" ٤/ ٤٨١، والفخر الرازي ٢٠/ ٩٧، و\"تفسير القرطبي\" ١٠/ ١٦٣.\n(٥) انظر: \"تفسير الفخر الرازي\" ٢٠/ ٩٧، و\"تفسير القرطبي\" ١٠/ ١٦٣.\n(٦) انظر: \"تفسير ابن الجوزي\" ٤/ ٤٨١، و\"تنوير المقباس\" ص ٢٩١.","vol":"13","page":168},{"text":"عقارب لها أنيابٌ أمثالُ النخلِ الطِّوالِ (١)، وروي عنه: أفاعي (٢)، وقال السدي. إن أهل النار إذا جزعوا من حَرّها استغاثوا، بضحضاحِ ماءٍ في النار، فإذا أتوه بلغتهم عقارب كأنها البغال، وأفاعي كأنها البَخَاتِي (٣)، فضربتهم فذلك الزيادة (٤)، وقال أبو المنهال (٥): إنهم يستغيثون بالنار فرارًا من تلك الأفاعي والعقارب وهربًا (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2093>٨٩ </span>- قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا﴾ قال ابن عباس:\n_________\n(١) أخرجه الطبري ١٤/ ١٦٠ بنصه من عدة طرق، والطبراني في \"الكبير\" ٩/ ٢٥٨، بنحوه من عدة طرق، والحاكم (٢/ ٣٥٦) بنحوه، وقال: على شرط الشيخين؛ ووافقه الذهبي، والثعلبي ٢/ ١٦١ ب، بنصه، وورد في \"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ١٠١، بنحوه، و\"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢٤٦، بنحوه، وهود الهواري ٢/ ٣٨٣، بنحوه، والطوسي ٦/ ٤١٧، بنحوه، وانظر: \"تفسير البغوي\" ٥/ ٣٦، وابن الجوزي ٤/ ٤٨٢، و\"تفسير القرطبي\" ١٠/ ١٦٤، والخازن ٣/ ١٣٠، وأبي حيان ٥/ ٥٢٧، وابن كثير ٢/ ٦٤١.\n(٢) أخرجه الطبري ١٤/ ١٦٠ بلفظه من عدة طرق، والسمرقندي ٢/ ٢٤٦، بلفظه، وورد في \"تفسير الطوسي\" ٦/ ٤١٧، وهو جزء من الرواية السابقة، وأورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ٢٣٩، وعزاه إلى هناد.\n(٣) جمع بُخْت؛ وهي الإبلُ الخُراسانِيَّةُ، وهي طوال الأعناق. انظر: (بخت) في \"تهذيب اللغة\" ١/ ٢٨٣، و\"التاج\" ٣/ ١٢.\n(٤) أورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ٢٣٩ وعزاه إلى ابن أبي حاتم، وانظر: \"تفسير الألوسي\" ١٤/ ٢١٢.\n(٥) أبو المنهال هو سَيَّار بن سَلاَمة الرِّياحي البصري، ثقة، روى عن أبي العالية وشهر ابن حوشب، وعنه: شعبة وحماد، مات سنة (١٢٩ هـ). انظر: \"الجرح والتعديل\" ٤/ ٢٥٤، و\"الكاشف\" ١/ ٤٧٥، و\"تقريب التهذيب\" ص٢٦١ (٢٧١٥)، و\"تفسير الطبري\" تحقيق شاكر ٥/ ٢١٧.\n(٦) ورد في تفسيره \"الوسيط\" تحقيق سيسي ٢/ ٤٣٠، بنصه.","vol":"13","page":169},{"text":"يريد الأنبياء (١)، قال المفسرون: كل نبي شاهد على أمته، وهو أعدل شاهد عليها (٢)، ووجه انتصاب (ويوم) ذكرنا عند قوله: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا﴾ [النحل: ٨٤] و﴿فِي كُلِّ أُمَّةٍ﴾ هاهنا كقوله: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا﴾ [النحل: ٣٦] فيجوز أن يكون من صلة الشهيد؛ كأنه قيل: ويوم نبعث شهيدًا في كل أمة.\nوقوله تعالى: ﴿عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾: الأنبياء شهداء (٣) على أممهم بما فعلوا، وهم من أنفسهم؛ لأن كلَّ نبي بُعث من قومه إليهم، ﴿وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ﴾ قال ابن عباس: يريد على قومك (٤)، وتم الكلام هاهنا، ثم قال: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ قال مجاهد: يعني لِمَا أَمَر به وما نهى عنه (٥). وقال أهل المعاني: يعني لكل شيء من أمور الدين بالنص عليه أو الإحالة على ما يوجب العلم به من بيان النبيّ -ﷺ- أو إجماع،\n_________\n(١) انظر: \"تفسير الخازن\" ٣/ ١٣١، وورد بلا نسبة في \"تفسير الماوردي\" ٣/ ٢٠٨، و\"تفسير القرطبي\" ١٠/ ١٦٤.\n(٢) ورد في \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢١٦، بنصه، و\"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ١٠٠، بنحوه، وانظر: \"تفسير الفخر الرازي\" ٢٠/ ٩٨، والخازن ٣/ ١٣١.\n(٣) في (أ)، (د): (شهيدًا).\n(٤) انظر: \"تفسير ابن الجوزي\" ٤/ ٤٨٢، و\"تنوير المقباس\" ص٢٩١، وورد بنحوه غير منسوب في \"تفسير مقاتل\" ١/ ٢٠٦ ب، والطبري ١٤/ ١٦١، والسمرقندي ٢/ ٢٤٦، والطوسي ٦/ ٤١٨، والخازن ٣/ ١٣١.\n(٥) أخرجه الطبري ١٤/ ١٦١ - ١٦٢ بنصه وبنحوه، وورد في \"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ١٠١، بنحوه، وانظر: \"تفسير الخازن\" ٣/ ١٣١، وابن كثير ٢/ ٦٤١، وورد بنحوه غير منسوب في \"تفسير مقاتل\" ١/ ٢٠٦ب، والسمرقندي ٢/ ٢٤٦، وهود الهواري ٢/ ٣٨٣، والثعلبي ٢/ ١٦١ ب، و\"الدر المنثور\" ٤/ ١٤٠ وزاد نسبته إلى ابن المنذر.","vol":"13","page":170},{"text":"فهو الأصل والمفتاح لعلوم (١) الدين (٢)، أخبرني سعيد بن محمد بقراءتي عليه عن ابن مُقْسِم عن الزجاج، قال: تبيان اسمٌ في معنى البيان، ومِثلُ التِّبْيَان (٣) [التِّلْقَاء] (٤)، وأخبرني أبو الحسين الفسوي (٥) فيما قرأته عليه عن حمد بن محمد عن أبي عمر (٦) عن ثعلب عن الكوفيين، والمبرد عن البصريين، قالا: لم يأت من المصادر على تِفْعَال إلا حرفان تبيان وتلقاء، فإذا تركت هذين استوى لك القياس، فقلتَ في كل مصدر: تَفْعَال بفتح التاء مثل: تَسْيَار وتَهْمَام، وقلت في كل اسم: تِفْعَال بكسرها، مثل: تِقْصَار وتِمْثَال (٧)، وانتصاب قوله: ﴿تِبْيَانًا﴾ على أنه مفعول له؛ أي للبيان.\n_________\n(١) في (أ)، (د): (بعلوم)، والمثبت من (ش)، (ع)، هو الصحيح المناسب للسياق، وهكذا وردت في تفسيره \"الوسيط\".\n(٢) ورد في تفسيره \"الوسيط\" ٢/ ٤٣١، بنصه، و\"تفسير الطوسي\" ٦/ ٤١٨، بنحوه، وانظر: \"تفسير الزمخشري\" ٢/ ٣٤١، وابن الجوزي ٤/ ٤٨٢، والخازن ٣/ ١٣١، وأبي حيان ٥/ ٥٢٧، و\"تفسير الألوسي\" ١٤/ ٢١٥.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢١٧، بنصه.\n(٤) ما بين المعقوفين زيادة يقتضيها الكلام، وبدونها يبدو الكلام ناقصًا، وهي ثابتة في المصدر، فلعلها سقطت.\n(٥) أبو الحسين عبد الغافر بن محمد بن عبد الغافر الفارسي ثم النيسابوري، كان عالمًا عابدًا جليل القدر عُمر طويلًا، روي صحيح مسلم عن أبي عمرو به وغريب الخطابي عن المؤلف، توفي سنة (٤٤٨ هـ) وله (٩٦) سنة. انظر: \"المنتخب من السياق\" ص٣٦١، ٣٨٧، و\"سير أعلام النبلاء\" ١٨/ ١٩، و\"شذرات الذهب\" ٣/ ٢٧٧.\n(٦) أبو عمر محمد بن عبدالواحد، اللغوي الزاهد، المعروف بغلام ثعلب، تقدمت ترجمته.\n(٧) ورد في \"تهذيب اللغة\" (بان) ١/ ٢٦٤، بنحوه غير منسوب، وانظر: \"تفسير الفخر الرازي\" ٢٠/ ٩٩، بنحوه ونسبه للواحدي، وأبي حيان ٥/ ٥٢٧، و\"تفسير الألوسي\" ١٤/ ٢١٤.","vol":"13","page":171},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2094>٩٠ </span>- وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ قال ابن عباس في رواية الوالبي: العدل: شهادة أن لا إله إلا الله، والإحسان: أداء الفرائض (١)، وقال في رواية عطاء: العدل: خلع الأنداد، والإحسان: تعبد الله كأنك تراه (٢)، وأن تحب للناس ما تحب لنفسك. إن كان مؤمنًا أحببت أن يزداد إيمانًا، وإن كان كافرًا أحببت أن يكون أخاك في الإسلام (٣).\nوقال في رواية باذان (٤): العدل: التوحيد، والإحسان: الإخلاص فيه (٥)، وقال آخرون: يعني بالعدل: في الأفعال، والإحسان: في الأقوال (٦)، ولا يفعل إلا ما هو عدل ولا يقول إلا ما هو حسن (٧).\n_________\n(١) أخرجه الطبري ١٤/ ١٦٢ بنصه من طريق ابن أبي طلحة صحيحة، والبيهقي في \"الأسماء والصفات\" ص ١٣٤، مجملًا، ورد في \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٦١ ب، بنحوه، وانظر: \"تفسير البغوي\" ٥/ ٣٨، وابن عطية ٨/ ٤٩٤، وابن الجوزي ٤/ ٤٨٣، والفخر الرازي ٢٠/ ١٠١، و\"تفسير القرطبي\" ١٠/ ١٦٥، والخازن ٣/ ١٣١، وأبي حيان ٥/ ٥٢٩، وابن كثير ٢/ ٦٤٢، و\"الدر المنثور\" ٤/ ٢٤١ وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(٢) ورد في \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٦١ ب، بنصه، وانظر: \"تفسير ابن الجوزي\" ٤/ ٤٨٣، والفخر الرازي ٢٠/ ١٠١.\n(٣) نقله الفخر الرازي والخازن بنصه دون عزو. انظر: \"تفسير الفخر الرازي\" ٢٠/ ١٠١، والخازن ٣/ ١٣١.\n(٤) باذان هو أبو صالح مولى أم هانىء، وقد تقدمت ترجمته.\n(٥) ورد في \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٦١ب، بنحوه، وانظر: \"تفسير البغوي\" ٥/ ٣٨، وابن الجوزي ٤/ ٤٨٣، والفخر الرازي ٢٠/ ١٠١، والخازن ٣/ ١٣١.\n(٦) ورد في \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٦٢ أ، بنصه.\n(٧) نقله الفخر الرازى والخازن بنصه دون عزو. انظر: \"تفسير الفخر الرازي\" ٢٠/ ١٠١، والخازن ٣/ ١٣١.","vol":"13","page":172},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾ قال عطاء عن ابن عباس: يريد صلة القرابة (١) من فضل ما رزقك الله، فإن لم يكن عندك فضل فدعاء (٢)، وروى أبو سلمة (٣) عن أبيه أن رسول الله -ﷺ- قال: \"إنّ أعْجَلَ الطاعةِ ثَوابًا صِلةُ الرحم، [حتى] (٤) إن أهل البيت ليكونون فُجَّارًا فَتُنْمَى أموالُهُم ويَكثُرُ عددُهم إذا وصلُوا أرحامَهُم\" (٥).\n_________\n(١) أخرجه الطبري ١٤/ ١٦٢ من طريق ابن أبي طلحة، قال: الأرحام، وانظر: \"تفسير الفخر الرازي\" ٢٠/ ١٠٠، و\"تنوير المقباس\" ص٢٩١، و\"الدر المنثور\" ٤/ ٢٤١، وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم، وورد بنحوه غير منسوب في \"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢٤٧، والماوردي ٣/ ٢٠٩، والطوسي ٦/ ٤١٩، والبغوي ٥/ ٣٨، وابن عطية ٨/ ٤٩٥، وابن الجوزي ٤/ ٤٨٣، والخازن ٣/ ١٣١.\n(٢) نقله الفخر الرازي بنصه دون عزو. انظر: \"تفسير الفخر الرازي\" ٢٠/ ١٠١.\n(٣) أبو سلمة عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف، أحد الأعلام بالمدينة، روى عن أبيه وعن زيد بن ثابت وأبي هريرة، وعنه: ابنه عمر والزهري، كان ثقة فقيهًا كثير الحديث، مات سنة (٩٤ هـ)، وقيل: (١٠٤ هـ) والأول أصح، وعمره (٧٢ سنة). انظر: \"طبقات ابن سعد\" ٥/ ١٥٥، و\"سير أعلام النبلاء\" ٤/ ٢٨٧، و\"الكاشف\" ٣/ ٤٣١، و\"تقريب التهذيب\" ص ٦٤٥ (٨١٤٢).\n(٤) ما بين المعقوفين زيادة يقتضيها السياق، وهي ثابتة في مكارم الأخلاق، وفي بعض المصادر زيادة (واو) بدل حتى.\n(٥) أخرجه الخرائطي في \"مكارم الأخلاق\": باب ما جاء في صلة الأرحام ١/ ٢٦٤ بالنص سندًا ومتنًا، وابن حبان [موارد الظمآن]: البر والصلة، صلة الرحم وقطعها ص ٤٩٩ بنصه تقريبًا عن أبي بكرة، والطبراني في الأوسط [مجمع البحرين] ٥/ ١٦٧، بنحوه عن أبي سلمة عن أبي هريرة، والبيهقي في \"السنن\" ١٠/ ٣٥ - ٣٦، بنحوه عن أبي هريرة، وبنحوه مرسلًا عن مكحول، وورد في \"تفسير الفخر الرازي\" ٢٠/ ١٠١. بنصه، وأورده الهيثمي في \"المجمع\" ٨/ ١٥٢، بنصه، وقال: وفيه أبو الدهماء البصري، وهو ضعيف جدًا، وورد في \"كنز العمال\" ٣/ ٣٦٤، وقد ذكره الألباني في \"سلسلة الأحاديث الصحيحة\" ٢/ ٦٧٠ - ٦٧١ تحت (٩٧٨)، وأورد جميع طرقه وشواهده، ثم قال: وجملة القول أن الحديث بمجموع هذه الطرق والشواهد صحيح ثابت.","vol":"13","page":173},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ﴾ قال في رواية علي: يقول: الزنى (١)، وقال في رواية عطاء: يريد البخل عن حقوق الله، وجميع الذنب صغيره وكبيره (٢)، وقال آخرون: الفحشاء: ما قبح من قول أو فعل (٣).\n(وقوله تعالى ﴿وَالْمُنْكَرِ﴾ قال في الروايتين: الشرك والكفر بالله (٤)، وقال غيره: المنكر ما لا يعرف في شريعة ولا سنة (٥» (٦).\n_________\n(١) أخرجه الطبري ١٤/ ١٦٣ بلفظه من طريق علي صحيحة، ورد في \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٦٢ أ، بلفظه، وانظر: \"تفسير البغوي\" ٥/ ٣٨، وابن عطية (٨/ ٤٩٦، وابن الجوزي ٤/ ٤٨٣، و\"تفسير القرطبي\" ١٠/ ١٦٧، والخازن ٣/ ١٣١، و\"الدر المنثور\" ٤/ ٢٤١، وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(٢) انظر: \"تفسير الفخر الرازي\" ٢٠/ ١٠١، بلا نسبة.\n(٣) انظر: \"تفسير القرطبي\" ١٠/ ١٦٧، والخازن ٣/ ١٣١، وأبي حيان ٥/ ٥٣٠، وهو الأرجح لكونه عامًّا وشاملًا لكل الفواحش.\n(٤) انظر: \"تفسير ابن الجوزي\" ٤/ ٤٨٤، والخازن ٣/ ١٣١، و\"الدر المنثور\" ٤/ ٢٤١، وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم، و\"تفسير الفخر الرازي\" ٢٠/ ١٠١، بلا نسبة.\n(٥) ورد في \"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢٤٧، بنصه، والثعلبي ٢/ ١٦٢ أ، بنصه، وانظر: \"تفسير البغوي\" ٥/ ٣٨، وابن الجوزي ٤/ ٤٨٤، والفخر الرازي ٢٠/ ١٠١، و\"تفسير القرطبي\" ١٠/ ١٦٧، والخازن ٣/ ١٣١، والأولى ترك اللفظ على عمومه ليشمل كل منكر قولي أو فعلي، عرف بالشرع أو العقل أو الحرف، كما أنه ليس كل ما لم يعرف في شريعة أو سنة يعد منكرًا.\n(٦) ما بين القوسين مكتوب على الهامش الأيمن من نسخة (ش).","vol":"13","page":174},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَالْبَغْيِ﴾ قال علي عن ابن عباس: الكِبْر والظلم (١)، وقال عطاء عنه: أن تبغي على أخيك (٢).\nوقال أهل المعاني في هذه الآية: إنما جمعت الأوصاف الثلاثة للبيان عن تفصيل المنهي عنه؛ فالفحشاء قد تكون بما يفعله الإنسان مما لا يظهر أمره وهو مما يعظم قبحه، والمنكر: ما يظهر للناس مما يجب إنكاره، والبغي: ما يتطاول به من الظلم لغيره، ولا يكون إلا من الفاعل على غيره، والظلم قد يكون ظلم الفاعل لنفسه (٣)، وفي حديث أبي سلمة عن أبيه: \"وإن أعجلَ المعصيةِ عقابًا: البغي واليمين الفاجرة؛ تُذهبُ المالَ وتَتركُ البيتَ بَلَاقِع\" (٤).\nوروى مجاهد عن ابن عباس قال: لو (٥) أن جبلًا بغى على جبل لدُكَّ الباغي منهما (٦)، وقال خالد الربعي (٧): إن مما يعجل عقوبته ولا يؤخر\n_________\n(١) أخرجه الطبري ١٤/ ١٦٣ بنصه من طريق علي صحيحة، وانظر: \"تفسير البغوي\" ٥/ ٣٨، وابن الجوزي ٤/ ٤٨٤، و\"الدر المنثور\" ٤/ ٢٤١، وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم، وورد غير منسوب في \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٦٢ أ، بنصه، والفخر الرازي ٢٠/ ١٠١، و\"تفسير القرطبي\" ١٠/ ١٦٧، والخازن ٣/ ١٣١.\n(٢) انظر: \"تفسير الفخر الرازي\" ٢٠/ ١٠١.\n(٣) ورد في \"تفسير الجصاص\" ٣/ ١٩٠، بنحوه، و\"تفسير الطوسي\" ٦/ ٤١٩، بنصه.\n(٤) سبق تخريجه قريبًا، أما هذه الزيادة فقد وردت بنحوها عن أبي هريرة: في معجم الطبراني الأوسط [مجمع البحرين] ٤/ ٦٨، و\"السنن\" للبيهقي ١٠/ ٣٥، (بَلاَقِع) جمع بَلْقَع وبلقعة، وهي الأرض القَفْر التي لا شيء بها، يريد أن الحالف بها يَفْتَقِر ويذهب ما في بيته من الرزق، وقيل: هو أن يفرِّق الله شمله ويُغَيِّر عليه ما أولاه من نِعَمِه. النهاية ١/ ١٥٣، وانظر: \"اللسان\" (بلقع) ١/ ٣٤٨.\n(٥) في جميع النسخ: (لو قال) ولا معنى لها، والظاهر أنها تكررت.\n(٦) ورد في تفسير هود الهواري ٢/ ٣٨٤، بنصه، وانظره بلا نسبة في \"تفسير القرطبي\" ١٠/ ١٦٧، والخازن ٣/ ١٣١.\n(٧) خالد بن بَاب الربعى الأحدب، روى عن شهر بن حوشب وصفوان بن محرز، وعنه: أبو الأشهب وحميد بن مهران، قال أبو زرعة: متروك الحديث. انظر: \"التاريخ الكبير\" ٣/ ١٤١، و\"الجرح والتعديل\" ٣/ ٣٢٢، و\"ميزان الاعتدال\" ٢/ ١٥١.","vol":"13","page":175},{"text":"الأمانة تُخَان، والإحسانُ يُكْفَر، والرحم تُقْطَع، والبغي على الناس (١).\nوقوله تعالى: ﴿يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ قال ابن عباس: يريد ينهاكم عن هذا كله ويأمركم أن تتحاضوا على ما فيه لله رضا؛ لكي تتعظوا (٢)، قال ابن مسعود: إن أجمع آية في القرآن لخير وشر هذه الآية (٣)، وقال أهل المعاني: ذكر الله تعالى في الآية الأولى؛ فقال: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾، ثم بين في هذه الآية المأمور به والمنهي عنه مجملًا، فما من شيء يُحتاجُ إليه في أمر دينهم مما يجب أن يؤتى أو يترك إلا وقد اشتملت عليه هذه الآية (٤).\n_________\n(١) لم أقف عليه.\n(٢) أخرجه الطبري ١٤/ ١٦٣ من طريق ابن أبي طلحة، قال: يوصيكم، وانظر: \"تفسير الخازن\" ٣/ ١٣١، بنحوه غير منسوب.\n(٣) أخرجه البخاري ص١٦٦ (٤٨٩) في \"الأدب المفرد\" /الألباني: باب الظلم ظلمات، بنحوه، والطبري ١٤/ ١٦٣ بنصه وبنحوه، والطبراني في \"الكبير\" ٩/ ١٤٢ من عدة طرق بنصه وبنحوه، والحاكم: تفسير النحل ٢/ ٣٥٦ بنصه، وقال: على شرط الشيخين ووافقه الذهبي، والبيهقي في \"الشعب\" ٢/ ٤٧٣ بنصه، وورد في \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٦٢أ، بنحوه، وانظر: \"تفسير البغوي\" ٥/ ٣٩، وابن عطية ٨/ ٤٩٣، وابن الجوزي ٤/ ٤٨٤، والفخر الرازي ٢٠/ ١٠٠، والخازن ٣/ ١٣١، و\"الدر المنثور\" ٤/ ٢٤١، وزاد نسبته إلى سعيد بن منصور ومحمد بن نصر في الصلاة وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(٤) انظر: \"تفسير الخازن\" ٣/ ١٣١، بنصه، وحَمْلُ الآية على العموم أولى من التخصيص، خاصة أن بعض الروايات ضعيفة، وقد ضَعَّفَ الفخر الرازي تخصيص الآية بما ورد من أقوال منسوبة أو مطلقة، ورأى أن تخصيص الآية تَحَكُّم بدون داعٍ أو دليل، وقبله ضعف ابن عطية القول الأول في تفسير العدل والإحسان لكونه مخالفًا لتفسير الرسول -ﷺ- للإحسان، وعزا ذلك إلى احتمال ضعف الأثر عن ابن عباس؛ وقال: فإن صح هذا عن ابن عباس -﵄ - وقد صح- فإنما أراد أداء الفرائض مكمَّلة. انظر: \"تفسير ابن عطية\" ٨/ ٤٩٤، والفخر الرازي ٢٠/ ١٠١، و\"تفسير القرطبي\" ١٠/ ١٦٦.","vol":"13","page":176},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2095>٩١ </span>- قوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾ قال المفسرون وأهل العلم: العهد الذي يجب الوفاء به فهو الذي يحسن فعله، فإذا عاهد يجب الوفاء به (١)، قال ابن عباس في هذه الآية: والوعد من العهد (٢)، وقال ميمون بن مِهْران: من عاهدته فَفِ له بعهده مسلمًا كان أو كافرًا؛ فإنما العهد لله (٣).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ قال مجاهد: يعني تغليظ الحلف (٤)، وقال ابن عباس بعد تشديدها (٥)، وإنما قال: بعد\n_________\n(١) ورد في تفسيره \"الوسيط\" تحقيق سيسي ٢/ ٤٣٣ بنصه، وانظر: \"تفسير ابن الجوزي\" ٤/ ٤٨٤، بنصه.\n(٢) انظر: \"تفسير الفخر الرازي\" ٢٠/ ١٠٦، بنصه، وبلا نسبة في \"تفسير ابن الجوزي\" ٤/ ٤٨٤.\n(٣) انظر: \"تفسير الفخر الرازي\" ٢٠/ ١٠٧، بنصه، وأبي حيان ٥/ ٥٣٠.\n(٤) \"تفسير مجاهد\" ص ٤٢٤، بنحوه، أخرجه الطبري ١٤/ ١٦٤، بنحوه من طريقين، وورد في \"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ١٠١، بنحوه، و\"الدر المنثور\" ٤/ ٢٤٢، وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(٥) ورد غير منسوب في \"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢٤٩، وهود الهواري ٢/ ٣٨٤، والثعلبي ٢/ ١٦٢ أ، والبغوي ٥/ ٣٩، وابن الجوزي ٤/ ٤٨٤، وأخرجه الطبري ١٤/ ١٦٤ بلفظه عن قتادة، وأورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ٢٤٢، وزاد نسبته إلى عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة.","vol":"13","page":177},{"text":"توكيدها؛ فرقًا بين الأيمان المؤكدة بالعزم والعقد، وبين لغو اليمين (١).\nقال أبو إسحاق: يقال: وَكَّدتُ وأَكَّدْتُ لغتان جيدتان، والأصل الواوُ والهمزة بدل منها (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا﴾ هذه واو الحال؛ أي لا تنقضوها، وقد جعلتم الله كفيلًا عليكم بالوفاء، وذلك أن من حلف بالله تعالى فكأنه أكفل الله تعالى بالوفاء بما حلف عليه (٣)، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ قال ابن عباس: يريد لا يخفى عليه شيء (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2096>٩٢ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا﴾ الآية. قال ابن عباس: هي امرأة من قريش كان لها وسوسة، وكانت تغزل عند الحجر يومها ثم تغدو فتنقضه (٥)، وقال الكلبي: كان يقال لها: رايطة، وقيل: رَيْطة (٦)،\n_________\n(١) نقله الفخر الرازي والقرطبي بنصه بدون عزو. انظر: \"تفسير الفخر الرازي\" ٢٠/ ١٠٧، و\"تفسير القرطبي\" ١٠/ ١٧٠.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢١٧، بنصه.\n(٣) نقله الفخر الرازي بنصه تقريبًا بدون عزو. انظر: \"تفسير الفخر الرازي\" ٢٠/ ١٠٨.\n(٤) ورد في تفسيره \"الوسيط\" تحقيق سيسي ٢/ ٤٣٣، بنصه.\n(٥) ورد بنحوه بلا نسبة في \"تفسير ابن عطية\" ٨/ ٥٠٠، و\"التعريف والإعلام بما أبهم في القرآن للسهيلي\" ص ١٧٢، وعُزِي للمهدوي في \"تفسير مبهمات القرآن\" للبلنسي ٢/ ١١٥، بنحوه، وعُزِي للسدي في \"مُفْحِماتُ الأقران\" ص ٩٧، مختصرًا.\n(٦) قال ابن الأنباري: واسمها ريطة بنت عمرو المريّة \"تفسير ابن الجوزي\" ٤/ ٤٨٥، وفي \"تفسير أبي حيان\" ٥/ ٥٣١ أنها بنت سعد بن تيم، وفي \"المبهمات في القرآن\" للبلنسي ٢/ ١١٥: أنها بنت سعد بن زيد بن مناة بن تميم بن عمرو بن كعب بن سعد بن تميم بن مرة، ولم يظهر لي إن كانت صحابية أم لا، ولم يتبين لي إن كانت هي رَيْطَة أو رائطة بنت الحارث بن جُبيلة بن سعد بن تيم بن مرة القرشية، وقد ذكرت -دون الإشارة إلى قصة الغزل- في \"الاستيعاب\" ٤/ ٤٠٤، و\"أسد الغابة\" ٧/ ١٠٥، و\"الإصابة\" ٤/ ٢٩٩.","vol":"13","page":178},{"text":"وتُلَقَّب جعر (١)، وكانت حمقاء تغزل الغزل هي وجواريها، فإذا غزلت وأبرمت أمرتهنَّ فنقضنَ ما غزلن (٢).\nوقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ﴾ قال مجاهد: من بعد إمرارٍ (٣) وفتلٍ (٤)،\n_________\n(١) في \"تفسير مقاتل\" ١/ ٢٠٦ ب، و\"التعريف والإعلام\" ص١٧٢: (جعرانة)، وفي \"تفسير مبهمات القرآن\" للبلنسي ٢/ ١١٥: (الجعرانية)، وفي \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٦٣ب: (جَعْير)، وفي \"تفسير الماوردي\" ٣/ ٢١١: (جعدة)، وفي \"تفسير ابن الجوزي\" ٤/ ٤٨٥: (جعراء)، وكلمة: (جعر) تستعمل في الذم ووصف الدُّبر والرجيع، يقال: جَعَرَ الكلبُ جعْرًا يجْعَر، والجاعرتان حيث يكوى من الحمار من مؤخّره، وفي اللسان: والجِعِرَّى: كلمة يلام بها الإنسان؛ كأنه يُنْسبُ إلى الاست، وبنو الجعراء: حيّ من الحرب يُعيّرون بذلك، وقال ابن السِّكيت: تُشتمُ المرأة فيقال لها: قُومي جَعارِ، تُشبه بالضبع. انظر: \"مقاييس اللغة\" ١/ ٤٦٣، و\"اللسان\" (جعر) ٢/ ٦٣٣.\n(٢) ورد في \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٦٢ ب، بنحوه، وانظر: \"تفسير البغوي\" ٥/ ٣٩، والخازن ٣/ ١٣٣، و\"تفسير الألوسي\" ١٤/ ٢٢١، وورد بنحوه غير منسوب في \"تفسير مقاتل\" ١/ ٢٠٦ ب، و\"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١١٣، و\"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ١٠٢، و\"تفسير الطوسي\" ٦/ ٤٢١، والزمخشري ٢/ ٣٤٢، وابن الجوزي ٤/ ٤٨٥، والفخر الرازي ٢٠/ ١٠٨، و\"تفسير القرطبي\" ١٠/ ١٧١ وسواءً تعينت هذه المرأة -كما في رواية الكلبي- أم لم تتعين -كما في رواية ابن عباس-، فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، والمقصود من الآية تشبيه الناقضين للعهود مع الله تعالى أو مع الرسول -ﷺ- أو مع خلقه بهذه الحالة العجيبة التي يستنكرها العقلاء، تنفيرًا لهم من هذا الخلق الذميم والفعل الشنيع.\n(٣) في (ش)، (ع): (إبرام)، وكلاهما صحيح؛ لأن معناهما واحد، ففي اللغة: المِرَّة: شِدَّةُ الفَتْلِ، والمَرِير: الحبل المفْتُول، أمْرَرْتُه إمْرَارًا وفَتَلَ الحبلَ فتْلًا: لواهُ وبَرَمَهُ، والبرمة: اسم من إبرام الحبل، وبرمتُ الحبلَ وأبرمْتُه، والمِبْرَمُ: شيءٌ كالمِغزَلِ. انظر: \"المحيط في اللغة\" (مر) ١٠/ ٢١٨، (برم) ١٠/ ٢٤٢، و\"المعجم الوسيط\" ٢/ ٦٧٣.\n(٤) \"تفسير مجاهد\" ص ٤٢٤، بنحوه، أخرجه الطبري ١٤/ ١٦٦، بنحوه من طريقين، وانظر: \"تفسير ابن عطية\" ٨/ ٥٠١، وأبي حيان ٥/ ٥٣١.","vol":"13","page":179},{"text":"يعني من بعد قوة للغزل؛ بإمرارها (١) وفَتْلِها.\nوقوله تعالى: ﴿أَنْكَاثًا﴾ قال: واحدها نِكْث، وهو الغَزْل من الصوف والشَّعَر؛ يُبْرَم ويُنْسَج، فإذا أَخْلَقَت النَّسِيْجَة، قُطِّعَتْ ونُكِثَتْ خُيوطُها المُبْرمة وخُلِطَت بالصوفِ ومِيشتْ (٢)، ثم غُزِل ثانية، والنَّكْثُ المصدر، ومن هذا قيل: نَكَث فلانٌ عهدَه إذا نقضه بعد إحكامه؛ كما يُنْكَث خيطُ الصوف بعد إبرامه (٣)، وأنشد أبو عبيدة (٤) للمُسَيَّب بن عَلَس (٥):\nعن غَيرِ مَقْلِيَةٍ وأنَّ حِبَالَها ... لَيْسَتْ بأنكاث ولا أقطاع (٦)\n_________\n(١) في (ش)، (ع): (بإمرارها)، والمعنى واحد كما سبق.\n(٢) في (ش)، (ع): (ونُفِشت)، ومعنى (المَيْشُ): خَلْطُ الصُّوفِ والشَّعَرِ. \"المحيط في اللغة\" (ميش) ٧/ ٤٠٠.\n(٣) ورد في \"تهذيب اللغة\" (نكث) ٤/ ٣٦٥٨، بنحوه، وانظر: (نكث) في \"اللسان\" ٨/ ٤٥٣٦، و\"التاج\" ٣/ ٢٧٣.\n(٤) في جميع النسخ: أبو عبيد، والصحيح المثبت.\n(٥) زهير بن عَلَس، ولقبه المسيَّب، وهو خال الأعشى، وكان الأعشى راويته، وهو جاهلي ولم يدرك الإسلام، عدَّه الجمحي في الطبقة السابعة من فحول شعراء الجاهية، وكان من المُقِلِّين. انظر: \"طبقات فحول الشعراء\" ١/ ٢١، و\"الشعر والشعراء\" ص٩٥، و\"شرح اختيار المفضل\" ١/ ٣٠٢، و\"الخزانة\" ٣/ ٢٤٠.\n(٦) \"مجاز القرآن\" ١/ ٣٦٧، وورد برواية: (بأرْمامٍ) بدل (بأنكاث)، في \"المفضليات\" ص٦١، و\"أمالي القالي\" ٣/ ١٣٠، و\"شرح اختيارات المفضل\" ١/ ٣٠٤، وفي كل المصادر -ما عدا- الأمالي: (من) بدل (عن)، (المقلية): البغض، (حبالها): ما احتلبته من مودة، حبلٌ أرمام، وحبلٌ أقطاع: إذا كان قِطعًا مُوَصَّلة. والشاعر. يخاطب نفسه معاتبًا إياها على الرحيل من أرض سلمى وديارها ولمّا يستمتع بما أو يرى منها مكروها، ويواصل عتابه في هذا البيت قائلًا: أثرت ذلك، وهَوَى النفس كما كان لم يتسلَّط عليه تحيُّفٌ، وحبل الوصل برْمته لم يَضعُف.","vol":"13","page":180},{"text":"قال أبو إسحاق: ﴿أَنْكَاثًا﴾ منصوب؛ لأنه بمعنى المصدر؛ لأن معنى: نكثت نَقَضْتُ، ومعنى نقضت: نكثت (١)، وهذا غلط منه لأن الأنكاث جمع نكث، وهو (٢) اسم لا مصدر، فكيف يكون الأنكاث بمعنى المصدر، ولو كان (٣) نكثًا لصح ما قال، ولكن أنكاثًا مفعول ثانٍ، كما تقول: كسره أقطاعًا، وفرقه أجزاءً على معنى جعله أقطاعًا وأجزاءً (٤)، وهاهنا تم الكلام، والآية متصلة بما قبلها، والمعنى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ فتكونوا إن فعلتم كامرأة غزلت غزلًا وقَوَّتْ مِرَّتَهُ فلما اسْتَحْكَم نقضته فجعلته أنكاثًا، وهذا كلام [ابن] (٥) قتيبة (٦)، ثم قال: ﴿تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ﴾ الدَّخَلُ والدَّغَلُ: الغِش والخيانة (٧)، قال الليث: ويخفف الدَّخل ويُثَقَّل (٨)، قال الفراء: يعني دَغَلًا وخديعة (٩).\n(وقال الزجاج: أي غِشًّا وغِلًاّ، وكل ما دخله عيب قيل: هو مَدْخُول، وفيه دَخَل، قال: و﴿دَخَلًا﴾ منصوب) (١٠)؛ لأنه مفعول له،\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢١٧، بنصه.\n(٢) في (د): (وهم).\n(٣) (كان) ساقطة من (د).\n(٤) نقله الفخر الرازي ٢٠/ ١٠٨، وعزاه للواحدي.\n(٥) ساقطة من جميع النسخ.\n(٦) \"تأويل مشكل القرآن\" ص ٣٨٦، بنصه تقريبًا.\n(٧) ورد في \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٦٢ ب، بنحوه، والطوسي ٦/ ٤٢١، بنحوه، ونقله الفخر الرازي ٢٠/ ١٠٨، بنصه وعزاه للواحدي. وانظر: (دخل) في \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١١٥٩، و\"الصحاح\" ٤/ ١٦٩٦، و\"اللسان\" / ١٣٤٢.\n(٨) ورد في \"تهذيب اللغة\" (دخل) ٢/ ١١٥٩، بنحوه.\n(٩) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١١٣، بنصه.\n(١٠) ما بين القوسين ساقط من (د).","vol":"13","page":181},{"text":"والمعنى: تتخذون أيمانكم للغش والدَّغَل (١)، قال غيره: الدَّخَل: ما أُدْخِل في الشيء على فساد (٢).\nوقوله تعالى: ﴿أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ﴾، أَرْبَى: أي أكثر، من رَبَا الشيءُ يَرْبُو إذا كثر (٣)، قال مجاهد: كانوا يحالفون الحلفاء فيجدون أكثر منهم وأعزّ، فينقضون حِلْف هؤلاء ويحالفون هؤلاء الذين هم أعزّ، فنُهوا عن ذلك (٤)، والمعنى: بأن يكون أو لأن يكون، فموضع (أن) نصب بإسقاط الخافض، على قول من نصب، (ومن أبقى حُكْمَ الخافض) (٥) قال موضعه خفض، قال ابن قتيبة: أي لأن يكون قوم أغنى من قوم، وقوم أعلى من قوم، تريدون أن تقْتَطِعوا بأيمانكم حقوقًا لهؤلاء، (فتجعلوها لهؤلاء) (٦)، وقال الفراء: معناه لا تغدروا بقوم لقلّتهم وكثرتكم أو قِلّتكم\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢١٧، بتصرف يسير بالتقديم والتأخير.\n(٢) ورد في \"تفسير الطوسي\" ٦/ ٤٢١، بنصه، وقال: وإنما قيل: الدخل؛ لأنه داخل القلب على ترك الوفاء، والظاهر على الوفاء.\n(٣) انظر: \"تهذيب اللغة\" (ربا) ٢/ ١٣٣٤، و\"المحيط في اللغة\" (ربو) ٣/ ١٥٤٥، و\"اللسان\" (ربا).\n(٤) \"تفسير مجاهد\" ص ٣٥١، بنصه، وأخرجه الطبري ١٤/ ١٦٧ بنصه من طريقين، وورد في \"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ١٠٣، بنحوه، و\"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢٤٨، بنحوه، وهود الهواري ٢/ ٣٨٥، بنصه، والثعلبي ٢/ ١٦٢ ب، بنحوه، والطوسي ٦/ ٤٢٢، بنصه، وانظر: \"تفسير البغوي\" ٥/ ٤٠، وابن الجوزي ٤/ ٤٨٦، والفخر الرازي ٢٠/ ١٠٩، وابن كثير ٢/ ٦٤٤، و\"الدر المنثور\" ٤/ ٢٤٣، وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(٥) ما بين التنصيص ساقط من (ش)، (ع).\n(٦) \"تأويل مشكل القرآن\" ص ٣٨٦، بنصه، وما بين التنصيص مصوَّبٌ من المصدر، وفي النسخ: (فتجعلونها كهؤلاء).","vol":"13","page":182},{"text":"وكثرتهم، وقد غَرَّرتموهم بالأيمان فسكَنُوا إليها (١).\nوبيان هذه الجملة: أن القوم إذا عاهدوا قومًا أكثر من الذين عاهدوا فهم أمة أربى من أمة، لا يجوز لهم أن يغدروا، وكذلك إن كان على القلب من هذا (٢) وعاهدوهم؛ دخلوا في حلفهم خوفًا منهم لم يجز لهم الغدر، وتلخيص التأويل: النهي عن أن يحلف على ما هو منطوٍ على خلافه وأن يغر غيره بيمينه.\nوقوله تعالى: ﴿تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ﴾ ظاهره إخبار ومعناه النهي، والتقدير: لا تكونوا كتلك المرأة؛ متخذين أيمانكم للغش، بأن يكون قوم أكثر من قوم، قال الفراء: وموضع ﴿أَرْبَى﴾ نصب، وإن شئت رفعت؛ كما تقول: أظن رجلًا يكون هو أفضل منك، و(أفضل) النصبُ على العِمَاد (٣)، والرفع على أن تجعل (هو) اسمًا (٤)، قال الزجاج: موضع ﴿أَرْبَى﴾ رفعٌ ولا يجوز أن تكون نصبًا وهي تكون عمادًا؛ لأن العماد والفصل لا يكون مع النكرات وإنما يكون مع المعارف، كقوله: ﴿تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا﴾ [المزمل: ٢٠]، والهاء في تجدوه معرفة، و﴿أُمَّةٌ﴾ هاهنا نكرة (٥).\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١١٣، بنصه.\n(٢) أي على العكس من الحالة الأولى؛ بأن كانوا هم الأكثر والأقوى.\n(٣) العماد تَسْمِيةٌ كوفية لضمير الفصل، سمي بذلك لأنه يُعتمد عليه في التفرقة بين النعت والخبر؛ حيث يأتي ليبين أن ما بعد المبتدأ هو الخبر لا التابع، وله شروط. انظر: \"البيان في غريب إعراب القرآن\" ٢/ ٨٣، و\"الدر المصون\" ٧/ ٢٨٢، و\"معجم القواعد العربية\" للدّقر ص٢٩٤، و\"المعجم المفصل في النحو العربي\" ٢/ ٦٩٦، و\"معجم المصطلحات النحوية والصرفية\" ص ١٧٣.\n(٤) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١١٣، بنصه.\n(٥) ليس في معانيه، وورد في \"تفسير الطوسي\" ٦/ ٤٢١، بنحوه.","vol":"13","page":183},{"text":"وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ﴾ أي بما يأمركم وينهاكم، وقد تَقَدَّم ذكر الأمر والنهي، والكناية راجعة إلى الأمر، أي يختبركم الله بالأمر بالوفاء، وقال بعضهم: الكناية راجعة إلى التكليف (١)، وأمره ونهيه بمعنى التكليف، ومعنى ﴿يَبْلُوكُمُ﴾: يعاملكم معاملة المختبر، وذكرنا هذا في قوله: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٥].\nوقوله تعالى: ﴿وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ أي في الدنيا، قال المفسرون: أي من شأن البعث والقرآن (٢)، وقال أهل المعاني: هو عام فيما يقع الاختلاف فيه من الأصول والفروع (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2097>٩٣ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ قال ابن عباس: يريد على ملة وعلى دين واحد (٤)، ﴿وَلَكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ قال: يريد الضلالة بعينها والهدى بعينه، ﴿وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ قال: يريد في الدنيا، وهذه الآية صريحة (٥) في تكذيب القدرية؛ حيث أضاف الضلالة والهداية إلى نفسه، وجعلها لمن شاء من خلقه بالمشيئة الأزلية التي لا يجوز عليها الحدوث، ثم أخبر أنهم يسألون عن أعمالهم،\n_________\n(١) انظر: \"تفسير ابن الجوزي\" ٤/ ٤٨٦، و\"تفسير القرطبي\" ١٠/ ١٧١، وأبي حيان ٥/ ٥٣١.\n(٢) ورد في تفسيره \"الوسيط\" تحقيق سيسي ٢/ ٤٣٥، بنصه.\n(٣) ورد في تفسيره \"الوسيط\" تحقيق سيسي ٢/ ٤٣٥، مختصرًا.\n(٤) انظر: \"تنوير المقباس\" ص ٢٩٢، بنحوه، وورد بنحوه غير منسوب في \"تفسير الطبري\" ١٤/ ١٦٨، والسمرقندي ٢/ ٢٤٨، والثعلبي ٢/ ١٦٢ب، والبغوي ٥/ ٤٠، و\"تفسير القرطبي\" ١٠/ ١٧٢، والخازن ٣/ ١٣٢.\n(٥) في جميع النسخ: (صريح)، ومما أثبته هو الصواب؛ لكون الآية مؤنثة، والخبر يتبع المبتدأ في التذكير والتأنيث.","vol":"13","page":184},{"text":"فبان أن الأمر على ما أخبر الله تعالى في قوله: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣] وقد قال نوف البكالي: قال [عُزير] (١): يارب خلق خلقًا فتضل من تشاء وتهدي من تشاء، فقيل: يا عُزير أعرض عن هذا، فأعاد ذلك، فقيل: أعرض عن هذا، فأعاد فقيل: أعرض عن هذا وإلا مُحِيْتَ عن النُّبُوة، أنا لا أسئل عما أفعل وهم يسألون (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2098>٩٤ </span>- قوله تعالى: ﴿لَا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ﴾ الآية. استأنف نهيًا عن أيمان الخديعة والمكر، توكيدًا للمنع عنها، ولِمَا ذكر من الوعيد بعدها؛ وهو قوله: ﴿فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا﴾ قال ابن عباس: يريد تزل عن الإيمان بعد المعرفة بالله، قال أبو عبيدة: وزليل القدم مثل لكل مبتلى بعد عافية أو ساقط في وَرْطَة بعد سلامة (٣)، وأنشد ابن جرير على هذا:\nسَيَمْنَعُ منكَ السَّبْقُ إن كُنْتَ سابِقًا ... وتُقْتَلُ إن زَلَّتْ بِكَ القدمان (٤)\nلم يُرد حقيقة زلَّة القدم، ولكن أراد إن تأخر فرسُك عن غاية السباق وقعت في ورطة التأخر، وهذا البيت في قصة رهان داحس (٥)، قال\n_________\n(١) ما بين المعقوفتين ساقط من جميع النسخ، وقد ذكرها الفخر الرازي نقلًا عن الواحدي.\n(٢) انظر: \"تفسير الفخر الرازي\" ٢٠/ ١٠٩، بنصه وعزاه للواحدي، وليس لهذه الرواية سند، ويبدو أنها من الإسرائيليات التي لا تصدق ولا تكذب.\n(٣) \"مجاز القرآن\" ١/ ٣٦٧، بنصه تقريبًا.\n(٤) \"تفسير الطبري\" ١٤/ ١٦٩، برواية: (تُلْطَعُ) بدل (تُقتل)، و(النَّعْلان) بدل (القدمان)، وورد في: \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٦٢ب، برواية: (تُلْطَمُ)، و\"تفسير القرطبي\" ١٠/ ١٧٢.\n(٥) يوم داحس والغبراء من أيام العرب المشهورة، بدايتها حرب وقعت بين قبيلتي عبس وذبيان، بسبب خلاف على سباق خيل بين أفراس لحذيفة سيد ذبيان، =","vol":"13","page":185},{"text":"المفسرون: وهذا في نهي الذين بايعوا رسول الله -ﷺ- عن نقض عهده (١)؛ لأن هذا الوعيد إنما يُستَحقُّ في نقض معاهدة رسول الله -ﷺ- لا (٢) في نقض عهد قبيلة، (ولكن من عاهد رسول الله -ﷺ-) (٣) على الإسلام ونصرة الدين ثم نقض العهد سقط عن درجة الإيمان، يدل على هذا قوله: ﴿وَتَذُوقُوا السُّوءَ﴾ أي العذاب، ﴿بِمَا صَدَدْتُمْ﴾ أي بصدكم عن سبيل الله، (يريد أنهم إذا نقضوا العهد مع النبي -ﷺ-) (٤) صدوا الناس عنه واستحقوا العذاب، فنهوا عن ذلك بذكر الوعيد عليه.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ قال ابن عباس: يريد في الآخرة (٥)، وهذا قطعٌ بإيجاب العذاب إن فَعلوا ما نُهوا عنه، كأنه قيل:\n_________\n= وأخرى لقيس بن زهير سيد عبس، لكنها شملت قبائل أخرى هي شيبان وضبة وأسد وقبائل أخرى، واستمرت فترة طويلة، وامتدت حتى بزوغ فجر الإسلام، وكثرت وقائعها، واقترن بها شهرة بعض الأبطال، كعنترة بن شداد، وقيل فيها شعر كثير. انظر: أحداث الحرب وأسبابها وملابساتها بالتفصيل في \"الأغاني\" ١٧/ ١٩١ - ٢١٠، و\"الكامل في التاريخ\" ١/ ٣٤٣ - ٣٥٥، و\"تاريخ العرب القديم\" ص ٢١٦.\n(١) ورد بنحوه في \"تفسير الطبري\" ١٤/ ١٦٩، وهود الهواري ٢/ ٤٢٣، وانظر: \"تفسير ابن الجوزي\" ٤/ ٤٨٧، والفخر الرازي ٢٠/ ١١٠، و\"تفسير القرطبي\" ١٠/ ١٧٢، والخازن ٣/ ١٣٣.\n(٢) (لا) ساقط من (أ)، (د).\n(٣) ما بين التنصيص ساقط من (د).\n(٤) ما بين التنصيص كتب على هامش لوحة ٢٥٩ أ، من نسخة (ع).\n(٥) انظر: \"تنوير المقباس\" ص٢٩٢، وورد غير منسوب في \"تفسير الطبري\" ١٤/ ١٦٩، والسمرقندي ٢/ ٢٤٩، والزمخشري ٢/ ٣٤٣، وابن الجوزي ٤/ ٤٨٧، و\"تفسير الألوسي\" ١٤/ ٢٢٤.","vol":"13","page":186},{"text":"﴿وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ إن اتخذتم أيمانكم دخلًا، ودلَّ ما تَقَدَّم من النهي على هذا المحذوف، ثم زاد توكيدًا، فقال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2099>٩٥ </span>- ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ قال ابن عباس: يريد عرض الدنيا وإن كان كثيرًا (١)؛ لأن ما يذهب ويبلى قليل، وذكرنا ما في هذا عند قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ الآية. [آل عمران: ٧٧] قال المفسرون: يقول: لا تنقضوا عهودكم، تطلبون بنقضها عِوضًا من الدنيا (٢) ﴿إِنَّمَا عِنْدَ اللَّهِ﴾: من الثواب على الوفاء ﴿خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾: ذلك، ثم بين أن ما عنده خير بقوله:\n<span data-type=\"title\" id=toc-2100>٩٦ </span>- ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ﴾، أي: يفنى وينقطع، يعني الدنيا، ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ﴾، أي: من الثواب والكرامة، ﴿بَاقٍ﴾: دائم لا ينقطع، قال ابن عباس: يريد لا ينفد؛ كلما أخذت منه وأكلت منه صار مكانه مثلُه، فمعنى [لا] (٣) يفنى هذا، وهذا ردّ على من قال: إن نعيم أهل الجنة ينقطع، ﴿وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ قال ابن عباس: يريد على دينهم وعمّا نهاهم الله (٤)، ﴿بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ يعني الطاعات، وجعلها أحسن أعمالهم؛ لأن ما عداها من الحَسَن مباح، فما كان مباحًا من العمل فهو حسن ولا يستحق عليه\n_________\n(١) انظر: \"تفسير الفخر الرازي\" ٢٠/ ١١١، بلا نسبة.\n(٢) ورد بنحوه في \"تفسير الطبري\" ١٤/ ١٦٩، وانظر: \"تفسير البغوي\" ٥/ ٤١، وابن الجوزي ٤/ ٤٨٨، والخازن ٣/ ١٣٣.\n(٣) إضافة يقتضيها السياق ليستقيم الكلام، واحتمال أن الجملة انقلبت على النساخ؛ وأصلها: (فهذا معنى لا يفنى).\n(٤) ورد بنصه غير منسوب في تفسيره \"الوجيز\" ١/ ٦١٩.","vol":"13","page":187},{"text":"جزاء (١)، وما كان طاعة لله تعالى فهو الأحسن الذي وعد الله عليه الجزاء، ومن جزاه الله بأحسن عمله غفر له ذنوبه، وهذه الآيات زجر عن الأيمان الكاذبة فيما كانت، وحَثٌّ على الوفاء بالعهود والأيمان، وذكر الكلبي: أن هذه الآيات نزلت في امرئ القيس بن عابس الكندي (٢)، وفي خصمه عيدان ابن أشوع (٣)؛ كان يَدَّعي عليه أرضًا اقتطعها له، وأراد امرؤ (٤) القيس أن يحلف، فلما سمع هذه الآيات بكى وأقَرَّ له بحقه (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2101>٩٧ </span>- قوله تعالى: ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ قال ابن عباس في رواية أبي الربيع (٦) وأبي مالك: هي الرزق الطيب الحلال (٧)، ونحو\n_________\n(١) إلا إذا انضمت إليه النية الصالحة، فإنه يصبح عملًا مباحًا متقربًا به إلى الله، فينال صاحبه الأجر من الله، كما في حديث \"وفي بضع أحدكم صدقة\" أخرجه مسلم (١٠٠٥) كتاب: الزكاة، باب: بيان أن اسم الصدقة يقع على كل نوع من المعروف.\n(٢) امرؤ القيس بن عابس الكندي -﵁- صحابي، وفد إلى النبي -ﷺ- فأسلم وثبت على إسلامه، ولم يكن فيمن ارتد من كندة، وكان شاعرًا نزل الكوفة في أواخر عمره وتوفي بها نحو سنة (٢٥ هـ). انظر: \"الاستيعاب\" ١/ ١٩٤، و\"أسد الغابة\" ١/ ١٣٧، و\"الأعلام\" ٢/ ١١.\n(٣) عيدان بن أشوع -﵁- هو رَبِيعَةُ بن عَيْدَان بن ذي العرف بن وائل الكِنْدِي، ويقال: الحضرمي، شهد فتح مصر، وله صحبة، وهو الذي تخاصم مع امرئ القيس في أرض إلى النبي -ﷺ-. انظر: \"أسد الغابة\" ٢/ ٢٦٦، و\"الإصابة\" ٣/ ٥١.\n(٤) في جميع النسخ: (امرئ)، وهو خطأ نحوي ظاهر.\n(٥) أخرج القصة الطبراني في \"الكبير\" ١/ ٢٣٣، عن الأشعث، ووردت في \"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢٤٩، وانظر: \"تفسير ابن الجوزي\" ٤/ ٤٨٧، عن ابن عباس، و\"تنوير المقباس\" ص ٢٩٢، ووردت بلا نسبة في \"تفسير مقاتل\" ١/ ٢٠٧ أ، باختصار، وهود الهواري ٢/ ٣٨٦، و\"تفسير القرطبي\" ١٠/ ١٧٣.\n(٦) لم أقف عليه.\n(٧) أخرجه عبد الرزاق في \"مصنفه\" ٢/ ٣٦٠، بنحوه من طريق أبي الربيع، والطبري =","vol":"13","page":188},{"text":"هذا روى الكلبي عن أبي صالح عنه قال: لنجعلن رزقه حلالًا (١).\nوقال في رواية عطاء: يريد عبادة الله وأكل الحلال (٢).\nوقال في رواية عكرمة: هي القناعة (٣)، وهو قول القرظي ووهب (٤) ومجاهد. وقال في رواية الوالبي: هي السعادة (٥).\n_________\n= والطبري ١٤/ ١٧٠، بنحوه بعدة روايات من الطريقين؛ [وطريق أبي مالك ضعيفة]، وورد في \"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ١٠٣، بنحوه، و\"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٦٢ ب بنصه، والماوردي ٣/ ٢١٢، بنحوه، والطوسي ٦/ ٤٢٤، بنحوه، وانظر: \"تفسير الزمخشري\" ٢/ ٣٤٣، و\"تفسير ابن عطية\" ٨/ ٥٠٦، وابن الجوزي ٤/ ٤٨٨، و\"تفسير القرطبي\" ١٠/ ١٧٤، و\"تفسير أبي حيان\" ٥/ ٥٣٤، وابن كثير ٢/ ٦٤٥، و\"الدر المنثور\" ٤/ ٢٤٤ وزاد نسبته إلى الفريابي وسعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(١) لم أقف عليه، وهي أوهى الطرق إلى ابن عباس.\n(٢) لم أقف عليه، وهي طريق منقطعة.\n(٣) ورد في \"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ١٠٤، بلفظه، و\"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٦٢ ب، بلفظه، وانظر: \"تفسير ابن الجوزي\" ٤/ ٤٨٨، و\"تفسير القرطبي\" ١٠/ ١٧٤، وأبي حيان ٥/ ٥٣٤، وابن كثير ٢/ ٦٤٥، وطريق عكرمة جيدة.\n(٤) انظر: \"تفسير ابن الجوزي\" ٤/ ٤٨٨، عن وهب، و\"تفسير القرطبي\" ١٠/ ١٧٤، عن وهب، وأبي حيان ٥/ ٥٣٤، عن وهب، وابن كثير ٢/ ٦٤٥، عن وهب، و\"الدر المنثور\" ٤/ ٦٤٥، ونسبه إلى وكيع في الغرر عن القرظي.\n(٥) أخرجه الطبري ١٤/ ١٧١ بلفظه من طريق ابن أبي طلحة صحيحة عن ابن عباس، ورد في \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٦٢ ب، بلفظه، و\"تفسير الماوردي\" ٣/ ٢١٢، بلفظه، وانظر: \"تفسير ابن عطية\" ٨/ ٥٠٦، وابن الجوزي ٤/ ٤٨٩، و\"تفسير القرطبي\" ١٠/ ١٧٤، و\"الدر المنثور\" ٥/ ٦٤٥، وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"13","page":189},{"text":"وقال قتادة: هي رزق يوم بيوم (١).\nوكان النبيّ -ﷺ- يقول في دعائه: \"قنعني بما رزقتني\" (٢).\nوفيما روى أبو هريرة: أن النبي -ﷺ- كان يدعو: \"اللهم اجعل رزق آل محمد كفافًا\" (٣).\nفقول من قال: إنه القناعة، حسن مختار؛ لأنه لا يطيب في الدنيا إلا عيش القانع، والمكدود بطلبها لا تطيب حياته (٤).\nوقال السدي: ﴿حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ يعني في القبر (٥).\n_________\n(١) انظر: \"تفسير أبي حيان\" ٥/ ٥٣٤، و\"تفسير الخازن\" ٣/ ١٣٣، بلا نسبة.\n(٢) جزء من دعاء النبي -ﷺ- رواه ابن عباس -﵁-، وطرفه: (اللهم قنعني ...، وقد أخرجه السهمي في تاريخ جرجان ص ٩١، والحاكم: كتاب الدعاء ١/ ٥١٠، والتفسير: النحل ٢/ ٣٥٦، وقال: صحيح ووافقه الذهبي، والبيهقي في \"الشعب\" ٧/ ٢٩١، وورد في \"تفسير الفخر الرازي\" ٢٠/ ١١٢، و\"تلخيص الحبير\" ٢/ ٢٤٨، و\"الدر المنثور\" ٥/ ٦٤٥، وزاد نسبته إلى ابن جرير -لم أقف عليه- وابن المنذر وابن أبي حاتم، و\"تفسير الألوسي\" ١٤/ ٢٢٧.\n(٣) أخرجه مسلم (١٠٥٥/ ١٩) كتاب: الزهد والرقائق بنصه، وورد في \"الكنز\" ٦/ ٤٩٠، ٦١٢، وأخرجه برواية: (قوتًا) بدل (كفافًا) أحمد ٢/ ٤٤٦، ٤٨١، والبخاري (٦٤٦٠): الرقاق/ كيف كان عيش النبي -ﷺ- وأصحابه، وتخليهم عن الدنيا، ومسلم (١٠٥٤): الزكاة / في الكفاف والقناعة، والترمذي (٢٣٦٢) كتاب: الزهد/ ما جاء في معيشة النبي -ﷺ- وأهله، وابن ماجة (٤١٣٩) كتاب: الزهد/ القناعة، والبيهقي في: السنن: النكاح/ ما أمره الله تعالى به من اختيار الآخرة ٧/ ٤٦، والشُّعَب (٧/ ٢٩١، والدلائل: باب زهده في الدنيا وصبره على القوت ١/ ٣٣٩، وفي باب دعائه لأهله وهو يريد نفسه ٦/ ٨٧، وورد في \"الشفا\" ١/ ٢٧٨، و\"الكنز\" ٦/ ٤٩٠.\n(٤) وهذا القول هو الذي اختاره الطبري وصوَّبه. انظر: \"تفسير الطبري\" ١٤/ ١٧٢.\n(٥) انظر: \"تفسير الفخر الرازي\" ٢٠/ ١١٣، والخازن ٣/ ١٣٣، وابن الجوزي ٤/ ٤٨٩، عن شريك.","vol":"13","page":190},{"text":"قال الحسن وسعيد بن جبير: ﴿حَيَاةً طَيِّبَةً﴾: في الآخرة (١)، فعلى هذا هذه الحياة في الجنة، روى عوف (٢) عن الحسن قال: لا تطيب الحياة لأحد إلا في الجنة (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2102>٩٨ </span>- قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ الآية. قال الزجاج وجميع أصحاب المعاني: معناه: إذا أردت أن تقرأ القرآن فاستعذ (٤)، ليس معناه استعذ بعد أن تقرأ القرآن؛ ومثله إذا أكلت فقل: بسم الله (٥)، وقد\n_________\n(١) ورد في \"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ١٠٤، عن سعيد، وانظر: \"تفسير ابن عطية\" ٨/ ٥٠٦، عن الحسن، وابن الجوزي ٤/ ٤٨٩، عنهما، والفخر الرازي ٢٠/ ١١٣، عنهما.\n(٢) عوف بن أبي جميلة العبدي البصري، المعروف بالأعرابي، صاحب الحسن وابن سيرين، ثقة ثبت، روى عن أبي العالية، وعنه: شعبة والقطان، مات سنة (١٤٧ هـ). انظر: \"الجرح والتعديل\" ٧/ ١٥، و\"ميزان الاعتدال\" ٤/ ٢٢٥، و\"الكاشف\" ٢/ ١٠١، و\"تقريب التهذيب\" ص ٤٣٣، و\"تفسير الطبري\" تحقيق شاكر ١/ ١٣٤.\n(٣) أخرجه الطبري ١٤/ ١٧١ بنصه وبنحوه، وورد في \"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ١٠٤، بنصه، و\"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢٤٩، بنصه، والثعلبي ٢/ ١٦٢ ب، بنصه، وانظر: \"تفسير البغوي\" ٢/ ٤٢، و\"تفسير القرطبي\" ١٠/ ١٧٤، والخازن ٣/ ١٣٣، و\"الدر المنثور\" ٤/ ٢٤٥، وزاد نسبته إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.\nوهذا قول صحيح لكن السياق يدل علي أن الحياة الطيبة في الدنيا، يقابلها قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ [طه: ١٢٤] وهذه المعيشة الضنك هي في الدنيا، أما الأقوال التي ذكرت أنها: الرزق الحلال، أو القناعة، أو السعادة، ... فهي من باب التفسير بالمثال، لأن الحياة الطيبة تشمل كل ذلك.\n(٤) بعض الكلمات هنا ساقطة من (أ)، (د).\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢١٨، بتصرف يسير، وورد بنحوه في \"تفسير الطبري\" ١٤/ ١٧٣، و\"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ١٠٥، و\"تفسير الجصاص\" ٢/ ١٩١، =","vol":"13","page":191},{"text":"ذكرنا هذا عند قوله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ [المائدة: ٦]، وبينا حكم (إذا) في وقوع (ما) بعدها مستقبلًا في أوائل سورة البقرة وإجماع الفقهاء أن الاستعاذة تكون قبل القراءة (١).\nوبه وردت الأخبار (٢)، وذهب أبو هريرة -﵁- إلى أن الاستعاذة بعد\n_________\n= والسمرقندي ٢/ ٢٥٠، والثعلبي ٢/ ١٦٣أ، و\"تفسير الماوردي\" ٣/ ٢١٢، والطوسي ٦/ ٤٢٤، وانظر: \"تفسير الكيالهراسي\" ٤/ ١٧٥، والبغوي ٢/ ٤٢، والزمخشري ٢/ ٣٤٣، وابن عطية ٨/ ٥٠٧، وابن الجوزي ٤/ ٤٨٩، والفخر الرازي ٢٠/ ١١٤، و\"تفسير القرطبي\" ١٠/ ١٧٥.\n(١) في دعوى الإجماع نظر، وقد خالفه بعض السلف وكبار الفقهاء -وإن كان استدلالهم ضعيفًا أو مشكوكًا في نسبته إليهم-، قال الثعلبي: اختلف الفقهاء في وقت الاستعاذة؛ فقال أكثرهم: قبل القراءة، وهذا قول الجمهور، وهو الصحيح المشهور، وقال أبو هريرة -﵁-: يتعوذ بعد القراءة، وإليه ذهب داود، وقال مالك يتعوذ بعد القراءة، واحتجوا بظاهر الآية، وقال الكيالهراسي: ونُقل عن بعض السلف التعوذ بعد القراءة مطلقًا، احتجاجًا بالآية، وقال النووي: وأما محله فقال الجمهور هو قبل القراءة، وقال أبو هريرة وابن سيرين والنخعي: يتَعوذ بعد القراءة، وكان أبو هريرة يتعوذ بعد فراغ الفاتحة لظاهر الآية، وقال الجمهور معناه: إذا أردت القراءة فاستعذ، وهو اللائق السابق إلى الفهم، وقال القرطبي: رُوي عن أبي هريرة أن الاستعاذة بعد القراءة، وقاله داود، وقال ابن كثير: حُكي عن حمزة وأبي حاتم السجستاني أنها تكون بعد التلاوة، واحتجا بهذه الآية، وأبهم ابنُ العربي القائلين ووصفهم وصفًا قاسيًا لا يليق بهم، قال: انتهى العِيُّ بقوم إلى أن قالوا: إن القارئ إذا فرغ من قراءة القرآن حينئذ يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، فهذه الأقوال تجعل دعوى الإجماع غير صحيحة، بل الصحيح أنه قول الأكثر والجمهور؛ كما نص الثعلبي والنووي. انظر: \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٦٣أ، و\"الكيالهراسي\" ٤/ ١٧٥، و\"ابن العربي\" ٣/ ١١٧٥، والفخر الرازي ٢٠/ ١١٤، و\"تفسير القرطبي\" ١/ ٨٨، و\"المجموع\" ٣/ ٣٢٥، و\"تفسير ابن كثير\" ١/ ١٤ - ١٧، ٢/ ٦٤٥.\n(٢) منها: ما رواه أبو سعيد الخدري -﵁- قال: كان رسول الله -ﷺ- إذا قام إلى الصلاة بالليل كبر ثم يقول: \"سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، =","vol":"13","page":192},{"text":"القراءة، وهو مذهب مالك (١)، وداود (٢)، كأنهم أخذوا بظاهر الآية (٣)، وذلك جهل بمقاييس العربية (٤).\n_________\n= ولا إله غيرك\"، ثم يقول: \"الله أكبر كبيرا\"، ثم يقول: \"أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، من همزه ونفخه ونفثه\" ثم يقرأ. وقد أخرجه أبو داود (٧٧٥) كتاب: الصلاة، باب: من رأى الاستفتاح بسبحانك، والترمذي (٢٤٢) كتاب: أبواب الصلاة، باب: ما يقول عند افتتاح الصلاة، [قال عمر -﵁-: همزه الموتة؛ وهي الجنون، نفخه: الكبر، نفثه: الشعر. \"تفسير البغوي\" ٥/ ٤٢].\n(١) وقد استغرب ابن العربي نسبة هذا القول إلى مالك، وقال هذه دعوى عريضة لا تُشْبِهُ أصولَ مالك ولا فهمه، والله أعلم بسرِّ هذه الرواية. انظر: \"تفسير ابن العربي\" ٣/ ١١٧٦.\n(٢) داود بن علي بن خلف الأصبهاني، أبو سليمان، فقيه حافظ، أحد الأئمة المجتهدين في الإسلام، وإليه ينسب المذهب الظاهري، وكان فاضلًا صدوقًا ورعًا، سمع من إسحاق بن راهويه ومسدد بن مسرْهَد، وعنه: ابنه محمد ويوسف ابن يعقوب، من مصنفاته: \"الإفصاح\"، \"الأصول\"، ولد بالكوفة سنة (٢٠٢ هـ) وسكن بغداد، ومات سنة (٢٧٠ هـ). انظر: \"الفهرست\" ص ٢٩٩، و\"الأنساب\" للسمعاني ٤/ ٩٩، و\"وفيات الأعيان\" ٢/ ٢٥٥، و\"تذكرة الحفاظ\" ٢/ ٥٧٣.\n(٣) لا شك أن ظاهر الآية يقتضي ذلك، ولكنه مدفوع ومفسرٌ بفعل النبي -ﷺ- يقول الجصاص: يقتضي ظاهره أن تكون الاستعاذة بعد القراءة، ولكنه قد ثبت عن النبي -ﷺ- وعن السلف الاستعاذة قبل القراءة، وقد جرت العادة بإطلاق مثله. انظر: \"تفسير الجصاص\" ٢/ ١٩١، و\"المحلى\" ٣/ ٣٥٠، و\"تفسير الكيالهراسي\" ٤/ ١٧٥، ومن توجيهات القائلين بهذا القول، أن الاستعاذة بعد القراءة هي لوقاية العمل من الحبوط، إذ ربما أورث حسن القراءة العجب في نفس القارئ، والعجب من الشيطان، فكان من المناسب أن يؤمر بالاستعاذة منه. انظر: \"تفسير ابن كثير\" ٤/ ١٤ - ٤٧.\n(٤) عبارته هذه قاسية، ولا يليق وصف الصحابة وأئِمة الأمة بالجهل.","vol":"13","page":193},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2103>٩٩ </span>- قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ قال ابن عباس ومجاهد وعكرمة والمفسرون: ليس له حجة (١).\nوقال أهل المعاني: طريق يتسلط به عليهم (٢)، وقد بينا هذا عند قوله: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ في سورة الحجر [آية: ٤٢]، والمختار أن يقال: ليس له سلطان الإغواء، وهو معنى قول المفسرين: ليس له حجة، أي: لا حجة له على المؤمنين في إغوائهم إلى الضلالة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2104>١٠٠ </span>- ﴿إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ﴾ قال ابن عباس: يطيعونه (٣)، يقال: توَلَّيْتُه، أي: أطعته، وتَوَلَّيْتُ عنه، أي: أعرضت عنه،\n_________\n(١) \"تفسير مجاهد\" ص ٣٥٢، أخرجه الطبري ١٤/ ١٧٤ بلفظه عن مجاهد، وورد في: \"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ١٠٥ بلفظه عن مجاهد، و\"تفسير الماوردي\" ٣/ ٢١٣ بلفظه عن مجاهد، وانظر: \"تفسير ابن الجوزي\" ٤/ ٤٩٠، عن مجاهد، و\"تفسير القرطبي\" ١٠/ ١٧٥ عن مجاهد، وورد بلفظه غير منسوب في \"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢٥٠ والثعلبي ٢/ ١٦٣ ب، والطوسي ٦/ ٤٢٥، ولم أقف عليه عن ابن عباس وعكرمة.\n(٢) ورد نحوه في \"تفسير البغوي\" ٥/ ٤٣، وابن الجوزي ٤/ ٤٩٠، و\"تفسير القرطبي\" ١٠/ ١٧٥، و\"تفسير البيضاوي\" ٢/ ٢٨٣، والخازن ٣/ ١٣٤، و\"تفسير الألوسي\" ١٤/ ٢٣٠.\n(٣) انظر: \"تفسير الفخر الرازي\" ٢٠/ ١١٥، وأورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ٢٤٦ بمعناه عن ابن عباس وعزاه إلى الطبري -لم أقف عليه- وابن أبي حاتم، وأخرجه الطبري ١٤/ ١٧٤ بلفظه عن مجاهد وقتادة، وابن كثير ٢/ ٦٤٦، عن مجاهد، وورد بلفظه بلا نسبة في: \"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢٥٠، و\"تفسير هود الهواري\" ٢/ ٣٨٨، والثعلبي ٢/ ١٦٣ ب، والبغوي ٥/ ٤٣، وابن الجوزي ٤/ ٤٩١، و\"تفسير القرطبي\" ١٠/ ١٧٦.","vol":"13","page":194},{"text":"وذكرنا هذا عند قوله: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المائدة: ٥٦].\nوقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ قال مجاهد: يعني يعدلون برب العالمين (١)، فعلى هذا الكناية في به تعود إلى اسم الله تعالى.\nوقال عطاء عن ابن عباس: يريد يطيعونه في الشرك، وعلى هذا الكناية راجعة إلى الشرك، وهذا قول الربيع (٢)، والمعنى على هذا القول: والذين هم بسببه وطاعته فيما يدعو إليه مشركون، قال صاحب النظم: وهذا كما تقول للرجل إذا تكلم بكلمة مؤدية إلى الكفر، كفرت بهذه الكلمة؛ أي: من أجلها وبقولك إياها (٣)، فلذلك قوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ﴾، أي: من أجله وحمله إياه مشركون بالله (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2105>١٠١ </span>- قوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ﴾ قال الكلبي وغيره: كان إذا نزلت آية ألين منها، يقول كفار قريش: والله ما محمد إلا يسخر بأصحابه، يأمرهم اليوم بأمر وغدًا بأمر؛ وأنه ليتكذَّبه ويأتيهم به من\n_________\n(١) \"تفسير مجاهد\" ص ٣٥١، بنحوه، وأخرجه الطبري ١٤/ ١٧٥ بنصه وبنحوه ورجحه، وورد في \"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ١٠٥، بنصه، و\"تفسير الماوردي\" ٣/ ٢١٣، بمعناه، وانظر: \"تفسير ابن الجوزي\" ٤/ ٤٩١، و\"تفسير القرطبي\" ١٠/ ١٧٦، و\"الدر المنثور\" ٤/ ٢٤٦، وزاد نسبته إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(٢) لم أقف عليه عن ابن عباس، وعن الربيع أخرجه الطبري ١٤/ ١٧٥، بنحوه، وورد في \"تفسير الماوردي\" ٣/ ٢١٣، بمعناه، والطوسي ٦/ ٤٢٥، بنحوه، وانظر: \"تفسير القرطبي\" ١٠/ ١٧٦، و\"الدر المنثور\" ٤/ ٢٤١، وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم.\n(٣) ورد بمعناه غير منسوب في \"الغريب لابن قتيبة\" ص ٢٤٩، و\"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ١٠٥.\n(٤) ورد في \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٦٣ ب، بنحوه.","vol":"13","page":195},{"text":"عند نفسه، فأنزل الله: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ﴾ (١)، قال مجاهد: رفعناها وأنزلنا غيرها (٢)، وقال قتادة: هو كقوله: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾ (٣) الآية [البقرة: ١٠٦] وقال الفراء: إذا نسخنا آية فيها تشديد مكان آية ألينَ منها (٤)، ومعنى التبديل: رَفْعُ الشيء مع وضع غيره مكانه (٥)، وتبديل الآية: رفعها (٦) بآية غيرها، وهو نسخها بآية سواها.\nوقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ﴾، أي: مِن الناسخ والمنسوخ، والتغليظ والتخفيف؛ هو أعلم بجميع ذلك في مصالح العباد، وهذا اعتراض دخل في الكلام يتضمن توبيخ الكفار على قولهم: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ﴾، أي إذا كان هو أعلم بما ينزل، ما بالهم ينسبون محمدًا إلى الافتراء لأجل التبديل والنسخ.\n_________\n(١) لم أقف عليه منسوبًا إلى الكلبي، وورد منسوبًا إلى ابن عباس من طريق أبي صالح وهي طريق الكلبي [وهي ضعيفة]، وانظر: \"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢٥٠، بنحوه عن ابن عباس، وابن الجوزي ٤/ ٤٩١، عن أبي صالح عن ابن عباس، والفخر الرازي ٢٠/ ١١٦، عن ابن عباس، وورد بلا نسبة في \"تفسير مقاتل\" ١/ ٢٠٧ ب، بنحوه، و\"تفسير هود الهواري\" ٢/ ٣٨٨، بمعناه عن الحسن، والثعلبي ٢/ ١٦٣ ب، بنحوه، والبغوي ٥/ ٤٣، والزمخشري ٢/ ٣٤٤، والخازن ٣/ ١٣٤.\n(٢) \"تفسير مجاهد\" ص ٤٥٢ بنصه، أخرجه الطبري ١٤/ ١٧٦ بنصه وبنحوه، وورد في \"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ١٠٦، بنحوه، وانظر: \"تفسير ابن كثير\" ٢/ ٦٤٦.\n(٣) أخرجه الطبري ١٤/ ١٧٦ بنصه، وانظر: \"تفسير ابن كثير\" ٢/ ٦٤٦.\n(٤) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١١٣، بنصه.\n(٥) انظر: (بدل) في \"المحيط في اللغة\" ٩/ ٣١٨، و\"اللسان\" ١/ ٢٣١، و\"تفسير الفخر الرازي\" ٢٠/ ١١٦، و\"تفسير القرطبي\" ١٠/ ١٧٦.\n(٦) في جميع النسخ: (ورفعها) بزيادة (و)، والصواب ما أثبته كما في \"تفسير الفخر الرازي\" ٢٠/ ١١٦.","vol":"13","page":196},{"text":"وقوله تعالى: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾، أي: لا يعلمون حقيقة القرآن، وفائدة النسخ والتبديل في أن ذلك لمصلحة العباد؛ كالاستصلاح بإرسال نبي بعد نبي، والكلام في ذكر أكثرهم دون جميعهم قد مضى في موضعين من هذه السورة (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2106>١٠٢ </span>- قوله تعالى: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ﴾، أي: نَزَل به، أي بالقرآن، ﴿رُوحُ الْقُدُسِ﴾ وهو جبريل، ومضى تفسير روح القدس في سورة البقرة [٨٧]، ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾ (من) صلة للقرآن، أي نَزَّل القرآنَ من ربك، أي: من كلام ربك جبريلُ، ﴿بِالْحَقِّ﴾ أي بالأمر الحق الصحيح الثابت لا الباطل، ﴿لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بما فيه من الحجج والآيات، فيزدادوا بها تصديقًا ويقينًا.\nوقوله تعالى: ﴿وَهُدًى﴾، أي: وهو هدى، فهو خبر ابتداء محذوف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2107>١٠٣ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ اختلفوا في هذا البشر الذي نَسبَ المشركون النبي -ﷺ- إلى التعليم منه؛ فقال ابن عباس في رواية عكرمة: هو عَبْدٌ لبني عامر بن لُؤيّ، يقال له: يعيش (٢)، وهذا قول قتادة إلا أنه قال: كان لبني الحضرمي، وكان يقرأ\n_________\n(١) عند آية: [٧٥] و[٨٣].\n(٢) انظر: \"تفسير ابن الجوزي\" ٤/ ٤٩٢، وأخرجه الطبري ١٤/ ١٧٨، بنحوه عن عكرمة، وفيه أنه غلام لبني المغيرة، وأخرجه بنصه عن قتادة، وورد في \"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ١٠٦، بنصه عن عكرمة، و\"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٦٣ ب، بنصه عن عكرمة وقتادة، لكنه قال: لبني المغيرة، وانظر: \"تفسير البغوي\" ٥/ ٤٤، عن عكرمة، وابن عطية ٨/ ٥١٠، عن عكرمة، و\"القرطبي\" ١٠/ ١٧٧، عن عكرمة، والخازن ٣/ ١٣٥، عن عكرمة، وابن كثير ٢/ ٦٤٦، عن عكرمة وقتادة، و\"الدر المنثور\" وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم عن قتادة.","vol":"13","page":197},{"text":"الكتب، وقال في رواية عطاء: يريد عداس؛ غلام عتبة بن ربيعة (١).\nوروى طلحة بن عمرو (٢) عن عطاء أن خديجة (٣) كانت تختلف إلى صَيْقَل (٤) على الصفا والمروة؛ عبد لبني الحضرمي صاحب كتب، فكانت تخبره بما كان يرى محمد -ﷺ- فكان يقول لها لئن كنت صادقة ليوشكن نبي العرب أن يخرج، وكان اسمَه جَبرٌ وكانت قريش تقول: إنما عبد بني الحضرمي يعلم خديجة، وتعلم خديجة محمدًا، زاد شبل: وكان يتكلم بالرومية (٥)، وهذا قول مجاهد وابن إسحاق (٦).\n_________\n(١) ورد بلا نسبة في: \"تفسير هود الهواري\" ٢/ ٣٨٩، والفخر الرازي ٢٠/ ١١٧، و\"تفسير القرطبي\" ١٠/ ١٧٨، والخازن ٣/ ١٣٥.\n(٢) في جميع النسخ: طلحة عن عمرو، وفي \"تفسير السمرقندي\" (٢/ ٢٥١) طلحة بن عمير -ولم أجد له ترجمة-، والصحيح المثبت كما في تفسير الثعلبي ٢/ ١٦٤ أ، ويؤيده أن طلحة هذا مشهور الرواية عن عطاء، وصفه الذهبي بصاحب عطاء. وطلحة بن عمرو: هو الحضرمي المكي، روى عن عطاء وسعيد بن جبير، وعنه: الثوري ووكيع، وهو ضعيف بل متروك كما قال أحمد والنسائي، مات سنة (١٥٢ هـ). انظر: \"الجرح والتعديل\" ٤/ ٤٧٨، و\"ميزان الاعتدال\" ٣/ ٥٤، و\"الكاشف\" ١/ ٥١٤، و\"تقريب التهذيب\" ص ٢٨٣ (٣٠٣٠).\n(٣) أم المؤمنين، خديجة بنت خويلد القرشية الأسدية -﵂- أول امرأة تزوجها رسول الله -ﷺ-، وكان ذلك قبل البعثة بخمس عشرة سنة، وهي أول من أسلم على الإطلاق، وكانت امرأة موسرة، وهي أم أولاد النبي -ﷺ- ومناقبها كثيرة معروفة، توفيت بعد البعثة بعشر سنين، وهي بنت خمس وستين سنة. انظر: \"الاستيعاب\" ٤/ ٣٧٩، و\"أسد الغابة\" ٧/ ٧٨، و\"الإصابة\" ٤/ ٢٨١.\n(٤) الصَّقْل: مصدر صَقَلْتُ السيفَ والثوبَ، والصَّيْقَل: صَقال السيف، أي شَحَّاذُ السُّيوف وجلاَّؤها، والجمع: صياقل وصياقلة. انظر: (صقل) في: \"جمهرة اللغة\" ٢/ ٨٩٤، و\"تهذيب اللغة\" ٢/ ٢٠٣٥، و\"اللسان\" ٤/ ٢٤٧٤.\n(٥) ورد في \"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢٥١، بنحوه، والثعلبي ٢/ ١٦٤ أ، بنحوه.\n(٦) \"تفسير مجاهد\" ص ٣٥٢، مختصرًا؛ يشير فيه ذكر خديجة -﵂-، و\"سيرة ابن =","vol":"13","page":198},{"text":"وروي عن ابن عباس أنه قال: هذا كان قينًا (١) بمكة نصرانيًّا أعجمي اللسان اسمه بَلْعَام (٢).\nوقال السدي: هو رجل نصراني كان بمكة، يقال له: أبو ميسرة، يتكلم بالرومية (٣).\n_________\n= هشام\"، بنحوه، دون ذكر خديجة -﵂-. وأخرجه الطبري ١٤/ ١٧٨ - ١٧٩، عنهم بنحوه -دون ذكر خديجة -﵂-، وورد في \"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ١٠٦، مختصرًا عن مجاهد، و\"تفسير هود الهواري\" ٢/ ٣٨٩، عن مجاهد مختصرًا، وورد بنحوه منسوبًا إلى ابن إسحاق في \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٦٤أ، وانظر: \"تفسير البغوي\" ٥/ ٤٤، عن ابن إسحاق، وابن عطية ٨/ ٥١٠، عن ابن إسحاق، و\"القرطبي\" ١٠/ ١٧٧، عن ابن إسحاق، والخازن ٣/ ١٣٥، عن ابن إسحاق، و\"الدر المنثور\" ٤/ ٢٤٧، وزاد نسبته إلى آدم بن أبي إياس وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الشعب، عن مجاهد.\n(١) قال الليث: القَيْنُ: الحَدّادُ، وقيل: كلُّ صانعٍ قَيْنٌ، وقيل: كل عامل بالحديد عند العرب قَيْن، والجمعُ قُيُون وأقْيَان، وقال الليث: والقَيْنُ والقَيْنَةُ: العبْدُ والأمَةُ. انظر: (قين) في \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٨٦٦، و\"المحيط في اللغة\" ٦/ ٣٥، و\"اللسان\" ٦/ ٣٧٩٨.\n(٢) أخرجه الطبري ١٤/ ١٧٧، بنحوه من طريق مجاهد جيدة، ورد في \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٦٣ ب، بنحوه، والطوسي ٦/ ٤٢٧، بنحوه، وانظر: \"تفسير البغوي\" ٥/ ٤٤، وابن عطية ٨/ ٥١٠، وابن الجوزي ٤/ ٤٩٣، و\"تفسير القرطبي\" ١٠/ ١٧٨، والخازن ٣/ ١٣٥، وأبي حيان ٥/ ٥٣٦، و\"الدر المنثور\" ٤/ ٢٤٧، وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم وابن مردويه، بسند ضعيف.\n(٣) ورد في \"تفسير الثعبلي\" ٢/ ١٦٤ أ، بنصه، وانظر: \"تفسير الفخر الرازي\" ٢٠/ ١١٧ بلا نسبة، و\"تفسير القرطبي\" ١٠/ ١٧٨، عن ابن قتيبة، وأورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ٢٤٧ وعزاه إلى ابن أبي حاتم عن السدي، لكنه قال: واسمه: (أبو يسر)، وفي \"الإصابة\" ١/ ١٦٥: (أبو البشر) فعلها تصحفت من (أبو ميسرة).","vol":"13","page":199},{"text":"وقال الكلبي: هو عايش -غلام حويطب بن عبد العزى-، ويسار -أبو فكيهة مولى ابن الحضرمي-، وكانا قد أسلما فأنزل الله تعالى ردًّا عليهم وتكذيبًا لهم فيما قالوا: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ﴾ (١).\nمعنى الإلحاد في اللغة: الميل، يقال: لَحَدَ وأَلْحَدَ؛ إذا مال عن القصد، ومنه يقال للعادل عن الحق: ملحد (٢)، وقراءة العامة ضم الياء من الإلحاد (٣) وهو أشهر اللغتين، وقرئ بفتح الياء من لحد (٤)، والأوْلى ضَم\n_________\n(١) أخرج الطبري ١٤/ ١٧٧ نحوه من طرق عن عبد الله بن مسلم الحضرمي، لكنه قال: كان يقال لأحدهما: يسار، والآخر: جبر، وكانا يقرآن التوراة، وورد هذا الخبر في \"الإصابة\" ١/ ٢٢١، وعزاه إلى ابن أبي حاتم وعبد بن حميد، وقال: ولم يذكر أنهما أسلما. وورد غير منسوب في \"تفسير مقاتل\" ١/ ٢٠٧ب، أنه أبو فكيهة، و\"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١١٣، أنه عايش، و\"تفسير الطوسي\" ٦/ ٤٢٧ أنه عايش أو يعيش، و\"تفسير القرطبي\" ١٠/ ١٧٨، عنهما. وهذه الأقوال في اسم البشر المعني -وقد بلغت تسعة عند ابن الجوزي- لاتعارض بينها -كما قال النحاس في معانيه-؛ لجواز أن يكونوا قد أومأوا إلى هؤلاء جميعًا؛ بسبب تخبطهم وحيرتهم في الطعن في القرآن، ولاحتمال مجالسة الرسول -ﷺ- لهؤلاء كلهم لتعليمهم. انظر: \"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ١٠٧، و\"تفسير ابن الجوزي\" ٤/ ٤٩٢.\n(٢) انظر: (لحد) في \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٢٤٢، و\"المحيط في اللغة\" ٣/ ٤١، و\"اللسان\" ٧/ ٤٠٠٥، و\"التاج\" ٥/ ٢٣٧.\n(٣) أي: ﴿يُلْحِدُونَ﴾ من ألْحَدَ، قرأ بها: ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم وابن عامر. انظر: \"السبعة\" ص ٣٧٥، و\"إعراب القراءات السبع وعللها\" ١/ ٣٥٩، و\"الحجة للقراء\" ٥/ ٧٨، و\"المبسوط في القراءات\" ص ٢٢٦، و\"التيسير\" ص ١٣٨، و\"المُوضح في وجوه القراءات\" ٢/ ٧٤٥.\n(٤) أي ﴿يُلْحِدُونَ﴾ من لَحَدَ قرأ بها: حمزة والكسائي. انظر: المصادر السابقة.","vol":"13","page":200},{"text":"الياء؛ لأنه لغة التنزيل (١)، يدل عليه قوله: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ﴾ [الحج: ٢٥]، والإلحاد قد يكون بمعنى: الإمالة، ومنه يقال: أَلْحَدْتُ له لَحْدًا إذا حفرته في جانب القبر مائلٍ عن الاستواء، وقَبْرٌ مُلْحَدٌ ومَلْحُودٌ (٢)، وفُسِّر الإلحاد في هذه الآية بالقولين، فقال الفراء: يُمِيلُون من الميل (٣).\nوقال الزجاج: لسانُ الذي يميلُون القَوْلَ إليه أعجميٌّ (٤).\nوقال ابن قتيبة: أي يُومِئون إليه ويزعمون أنه يُعلِّمك (٥).\nوقوله تعالى: ﴿أَعْجَمِيٌّ﴾ قال أبو الفتح الموصلي: اعلم أن (ع ج م) إنما وضعت في كلام العرب للإبهام والإخفاء، وضد البيان والإيضاح، من ذلك قولهم: رجل أعْجم وامرأة عَجْماء، إذا كانا لا يُفصحان ولا يُبينان كلامهما، وكذلك (٦) العُجْمُ والعَجَمُ، وعَجَمُ الزبيب (٧) سُمّي لاستتارته وخفائه بما هو عَجَمٌ له، والعَجْماء: البهيمة؛ لأنها لا توضِّح عما في نفسها، ومن ذلك تسميتهم صلاتي الظهر والعصر العَجْماوتين؛ لما كانتا لا\n_________\n(١) وكذلك فتح الياء لغة التنزيل؛ فالفتح والضم قراءتان سبعيتان، ليس احداهما بأولى من الأخرى، ولا فرق حقيقيًّا -في المعنى- بين القراءتين، قال الطبري: وهما عندي لغتان بمعنى واحد. \"تفسير الطبري\" ١٤/ ١٧٩.\n(٢) ورد بنحوه في \"تفسير الطوسي\" ٦/ ٤٢٧، وانظر: \"تفسير الزمخشري\" ٢/ ٣٤٥، والفخر الرازي ٢٠/ ١١٧، بنصه، و\"تفسير الألوسي\" ١٤/ ٢٣٣.\n(٣) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١١٣، بنحوه.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢١٩ بنصه.\n(٥) \"الغريب\" لابن قتيبة ٢/ ٢٥٠، وفيه (يميلون).\n(٦) في جميع النسخ: (ولذلك) وهو تصحيف، والتصويب من المصدر، وبه يستقيم المعنى.\n(٧) هو النَّوَى الذي في جوفه، الواحدة: عَجَمة، متل: قَصبة وقصب. انظر: \"اللسان\" (عجم) ٥/ ٢٨٢٥.","vol":"13","page":201},{"text":"يُفْصَح فيهما بالقراءة، قال أبو علي: ومن ذلك: عَجَمْتَ العُودَ؛ إما لأنك لما أدخلتَه لتِعُضَّه (١) وقد أخفيته، وإما لأنك قد ضغطت بعض أجزائه بالعَجْمِ، وأدخلت بعضها في بعض فأخفيتها، وربما سمّت (٢) العرب الأخرسَ الأعجم؛ وعُجْمة الرمل (٣): أشدّه تراكمًا، سمي بذلك لتداخله واستبهام أمره على سُلاَّكِه، يقال: استعجمت الدارُ إذا صَمَّت فلم تجب سائلها، قال امرؤ القيس:\nصَمَّ صَداها وعَفا رسمُها ... واستَعجمتْ عن مَنْطق السائلِ (٤)\nوأما قولهم: أعْجمتُ الكتاب، فمعناه: أزلت عجمته واستعجامه بالإيضاح والتبين، وأَفْعَلْتُ قد يأتي والمراد به: السَّلْب؛ كقولهم: أشكيت، إذا أزلتَ ما يشكوه (٥)، وهذا الذي ذكرنا هو أصل معنى هذا الحرف (٦)، والعرب تسمي كل من لا يعرف لغته (٧) ولا يتكلم بلسانهم أعجم وأعجميًّا، قال كثير:\n_________\n(١) في جميع النسخ (لبعضه)، والتصويب من المصدر.\n(٢) في جميع النسخ (سميت)، والتصويب من المصدر.\n(٣) أي كثرته، وقيل: آخره، وقيل: ما تعقَّد منه. انظر: \"اللسان\" (عجم) ٥/ ٢٨٢٥.\n(٤) \"ديوانه\" ص١٣٣، وورد في \"تهذيب اللغة\" (صم) ٢/ ٢٠٥٩، (صدى) ٢/ ١٩٩٤، و\"الأساس\" ٢/ ١٠١، و\"اللسان\" (صمم) ٤/ ٢٥٠٢، (عجم) ٥/ ٢٨٢٧، (صدى) ٤/ ٢٤٢٢، وورد بلا نسبة في: \"العين\" (صدي) ٧/ ١٣٩؛ (الصَّدى): ما يرجع من صوت الجبل، و(صمَّ صداها): أي غدت مقفرة لا حياة بها ولا أنيس، وهو يصف دارًا درَسَتْ، (عفا رسمها): أمست وليس لها رسم ولا بها أثر.\n(٥) \"سر صناعة الإعراب\" ١/ ٣٦ - ٣٧، نقل طويل تَصرَّف فيه بالاختصار والتهذيب.\n(٦) انظر: (عجم) في \"العين\" ١/ ٢٣٧، و\"جمهرة اللغة\" ١/ ٤٨٤، و\"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٣٤٢، و\"المحيط في اللغة\" ١/ ٢٧٤، و\"اللسان\" ٥/ ٢٨٢٧.\n(٧) هكذا في جميع النسخ، والأولى (لغتهم) حتى تنسجم مع السياق.","vol":"13","page":202},{"text":"وما زال كتمانيك حتى كأنني ... بِرَدِّ جَوابِ السائِلي عنك أعجمُ (١)\nقال الفراء وأحمد بن يحيى: الأعجم: الذي في لسانه عُجمة وإن كان من العرب، والأعجمي والعجمي: الذي أصله من العجم (٢).\nقال ابن الأنباري: وقولهما هو الصحيح عندنا.\nوقال أبو علي الفارسي: الأعجمي: الذي لا يُفصح من العرب كان أو من العجم، ألا تراهم أنهم قالوا: زياد الأعجم؛ لأنه كانت في لسانه عُجمة (٣) وكان عربيًّا (٤)، وقال (٥) لصلاة النهار عَجْمَاء أي: تُخفى فيه القراءة ولا تبَيَّن، وتُسمي العربُ من لا يتبين كلامه من أي صنف كان من الناس أعجم، ومنه قول الحِمَّاني (٦):\nسَلُّومُ: لو أَصْبَحتِ وسْطَ الأَعْجمِ\n_________\n(١) لم أجده في ديوانه، وورد في \"الأغاني\" ١٥/ ١٦٧، منسوبًا لنُصَيب بن رباح أبي محجن مولى عبد الملك (ت: ١٠٨ هـ)، وقد ورد في شعر نصيب بن رباح ص ١٢٣ وفيهما: (بي الكتمان) بدل (كتمانيك)، (بِرَجْع) بدل (بِردِّ).\n(٢) لم أجده في معاني الفراء، وانظر: \"تفسير الفخر الرازي\" ٢٠/ ١١٨، بنصه عنهما، وورد نحوه غير منسوب في \"المحتسب\" ٢/ ١٢، و\"تفسير ابن عطية\" ٨/ ٥١١، قال ابن قتيبة: لا يكاد عوام الناس يفرقون بين العجمي والأعجمي، والعربي والأعرابي؛ فالأعجمي الذي لا يُفصح وإن كان نازلًا بالبادية، والعجمي: منسوب إلى العجم وإن كان فصيحًا، والأعرابي: هو البدوي، والعربي: منسوب إلى العرب وإن لم يكن بدويًا. \"تفسير ابن الجوزي\" ٤/ ٤٩٤.\n(٣) (عجمة) ساقطة من (أ)، (د)، وفي المخصص: (رُتَّةُ).\n(٤) ورد في \"المخصص\" ٢/ ١٢١، بنصه، وانظر: \"تفسير الرازي\" ٢٠/ ١١٨ بنصه، والخازن ٣/ ١٣٥، بلا نسبة.\n(٥) هكذا في جميع النسخ، والأظهر (يقال) أو (قيل).\n(٦) هو أبو الأخْزر الجماني، ولم أقف على ترجمته.","vol":"13","page":203},{"text":"بالرومِ أو بالتُّركِ أو بالديلم\nإذًا لَزُرناكِ ولو بِسُلَّمِ (١)\nقال: وسط الأعجم ولم يقل: وسط العجم؛ لأنه جعل كل من لا يتبين كلامه أعجم، فكأنه قال: وسط القبيل الأعجم، وينبغي أن يكون الأعجمي بالياء فيه للنسب، نسب إلى الأعجم الذي لا يُفْصِح، وهو في المعنى كالأعجمي، ويجوز أن يقال: رجل أعجمي فيراد به ما يراد بالأعجم بغير ياء النسب، كما يُقال: أحمر وأحمريّ، ودَوّارٍ ودَوَّارِي (٢).\nومعنى الآية هو (٣) أن الله تعالى قال: لسان هذا البشر الذي يزعمون\n_________\n(١) ورد في \"المخصص\" ٢/ ١٢١ شطران، ١٦/ ١٠٢، و\"شرح شواهد الإيضاح\" ص ٤٤٠، وفيه حرف الجر (في) بدل الباء في الكلمات الثلاث، وورد الشطر الأول فقط في \"اللسان\" (وسط) ٨/ ٤٨٣٢، و\"التاج\" (وسط) ١٠/ ٤٤٥، وورد بلا نسبة في \"اللسان\" (عجم) ٥/ ٢٨٢٥، وورد في الاقتضاب باختلاف في الشطرين الأخيرين برواية:\nفي الروم أو فارسَ أو في الديلمِ\nإذًا لزرناكِ ولو لم نسلمِ\n(سَلُّومُ): منادى مرخم، أراد: ياسَلُّومة، (الدّيلم): الجماعة الكثيرة من الناس، وقيل: جيل من الناس، وقيل: هم من ولد ضَبَّةَ بن أُدد، قال ابن بري: وقوله: بِسُلم: أي لتسببنا إلى زيارَتِك بكل سبب، فضرب السُّلَّم مثلًا لذلك.\nوقال ابن السيد: وهذا البيت يصحفه كثير من الناس فيرونه ولو بسلّم، ولا وجه لذلك؛ لأن السلّم لا يستعمل في قطع المسافات وإنما يستعمل في صعود العلالي المشرفات والمواضع المرتفعات، ولو قال قائل لصاحبه: لو كنت ببغداد لنهضت إليك ولو بسلم لم يكن له معنى يعقل، وقد يسمل السلَّم بمعنى السبب، وليس له هاهنا أيضًا وجه؛ لأنه كان يجب أن يقول: ولو بغير سبب يوجب النهوض. وانظر: \"اللسان\" (دلم) ٣/ ١٤١٥.\n(٢) ورد نحوه في \"المحتسب\" ٢/ ١٢.\n(٣) في (أ)، (د): (وهو) بزيادة الواو، ويستقيم الكلام بدونها.","vol":"13","page":204},{"text":"أنه يعلمك أعجمي لا يُفصح ولا يتكلم بالعربية، فكيف يُتَعَلَّم عنه ما هو أعلى طبقات البيان؟! وهو قوله: ﴿وَهَذَا﴾ يعني القرآن، ﴿لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾، قال ابن عباس: يريد الذي نزل على محمد عربي مبين، أفصح ما يكون من العربية، وأبْيَنه لسان سعد بن بكر بن هوازن الذين أرضعوا النبي -ﷺ- (١)؛ واللسان بمعنى الكلام واللغة، وذكرنا هذا مستقصى عند قوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ [إبراهيم: ٤]، ومعنى العربي واشتقاقه ذكرنا عند قوله: ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا﴾ [التوبة: ٩٧] وقال الفراء والزجاج في هذه الآية: يقال: عَرَبَ لِسَانُه عَرابَةً وعُروبةً (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2108>١٠٥ </span>- قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ﴾ الآية. قال الكلبي: نافح الله تعالى بهذه الآية عن رسول الله -ﷺ- ودافع عنه حيث قالوا: تَقَوَّله واخترعه وأتى به من عند بشر وافتراه، فقال: ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ﴾: المشركون، ثم سَمَّاهم الكاذبين، وحصر فيهم الكذب بقوله: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾، وقال أبو إسحاق: أي إنما يفتري الكذب الذين إذا رأوا الآيات التي لا يقدر عليها إلا الله كذَّبُوا بها، فهؤلاء أكذبُ الكَذَبَةِ (٣)، وفي الآية أبلغ زجر عن الكذب؛ حيث أخبر الله تعالى أنه إنما يفتري الكذب من لا يؤمن، ولذلك قال النبيّ -ﷺ- حين قيل له: (هل يَكْذِبُ المؤمن؟ قال: \"لا\"، ثم قرأ هذه الآية) (٤).\n_________\n(١) ورد في تفسيره \"الوسيط\" تحقيق سيسي ٢/ ٤٤٥.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٢٠، بنحوه، وفيه (عرب الإنسان)، وهو خطأ وتصحيف ظاهر، ولم أجده في معاني الفراء، وانظر: \"الرازي\" ٢٠/ ١١٨، بنصه عنهما.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢١٩، بنصه.\n(٤) جزء من حديث رواه عبد الله بن جراد، وطرفه: قلت: يا رسول الله، المؤمن يزني؟ =","vol":"13","page":205},{"text":"وقال صاحب النظم في هذه الآية: أعلم الله أن الذي يفتري الكذب هو الذي لا يؤمن بآيات الله، ثم عطف على هذا قوله: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ وفائدة ذلك؛ أن قوله: ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ﴾ فِعْلٌ وليس بنعت، وقوله تعالى: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ نعتٌ، والفعل قد يكون لازمًا وقد لا يكون، والنعت (١) لا يكون إلا دائمًا، يبين هذا أنه تعالى قال: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ [طه: ١٢١]، ولا يجوز أن يقال: إن آدم عاصٍ وغاوٍ؛ لأن النعت أبلغ من الفعل، ولهذا قال الله: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ أي أن هذا نعت لازم لهم وعادة من عاداتهم، لا فِعْلٌ يزول عن قريب، وهذا كما تقول: كذبت وأنت كاذب، فيكون قولك: أنت كاذب، زيادة في الوصف بالكذب (٢).\n_________\n= قال \"قد يكون\". وقد أخرجه بنحوه الثعلبي ٢/ ١٦٤ أ، والواحدي في \"الوسيط\" ٢/ ٤٤٦، والبغوي ٥/ ٤٥، وورد في \"إحياء علوم الدين\" ٣/ ١٣٥، و\"تفسير الرازي\" ٢٠/ ١٢٠، والخازن ٣/ ١٣٦، قال الحافظ العراقي في \"تخريج أحاديث الإحياء\": أخرجه ابن عبد البر في \"التمهيد\" بسند ضعيف، ورواه ابن أبي الدنيا في \"كتاب الصمت\" (ص ٢٤٣) مقتصرًا على الكذب، والسائل أبو الدرداء، والرواية التي أشار إليها العراقي أخرجها مالك عن صفوان بن سليم أنه قيل لرسول الله -ﷺ-: أيكون المؤمن جبانًا .. فقيل له: أيكون المؤمن كذابًا؟ فقال: \"لا\" موطأ مالك [شرح الزرقاني] باب ما جاء في الصدق ٤/ ٤٠٨، و\"التمهيد\" ١٦/ ٢٥٣، وقال: لا أحفظ هذا الحديث مسندًا بهذا اللفظ من وجه ثابت، وأخرجها ابن أبي الدنيا في \"الصمت\" ص ٢٤٨، عن ابن مسعود وسعد -﵁- موقوفًا قالا: كل الخلال يطبع عليها المؤمن إلا الخيانة والكذب. والحديث ضعيف.\n(١) في (أ)، (د): (البعث).\n(٢) ورد بنحوه مختصرًا في \"تفسير البغوي\" ٥/ ٤٥، و\"الرازي\" ٢٠/ ١١٩، و\"القرطبي\" ١٠/ ١٧٩.","vol":"13","page":206},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2109>١٠٦ </span>- قوله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ﴾ الآية. أكثر المفسرين على أن الآية نزلت في عمار بن ياسر؛ أخذه المشركون فلم يتركوه حتى سَبَّ النبيّ -ﷺ- وذكر آلهتم بخير ثم تركوه، فلما أتى رسول الله -ﷺ- قال: \"ما وراءك؟ قال: شَرٌّ يا رسول الله، ما تُرِكتُ حتى نِلتُ مِنْك، وذكرتُ آلهتم بخير. قال: كيف تجد قلبك؟ قال: مطمئنًا بالإيمان. قال: إن عادوا لك فعد لهم بما قلت\" (١).\nواختلفوا في محل (مَنْ) مِن الإعراب، فقال الأخفش: هو ابتداء، وخبره محذوف مكتفى منه بخبر (مَنْ) الثانية في قوله: ﴿وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا﴾ (٢)؛ كقولك: من يأتينا فمن يحسن نكرمه (٣)، فجواب الأول محذوف قد كفى منه الثاني، وقال أبو إسحاق: (مَنْ) في موضع رفع على\n_________\n(١) أخرجه ابن سعد ٣/ ٢٤٩ بنصه، وعبد الرزاق ٢/ ٣٦٠، بنحوه، والطبري ١٤/ ١٨١، بنحوه عن ابن عباس من طريق العوفي ضعيفة، وأخرجه بنحوه عن قتادة وأبي مالك وغيرهما، والحاكم ٢/ ٣٥٧ بنصه، وصححه وقال: على شرط الشيخين، والبيهقي: المرتد/المكره على الردة (٨/ ٢٠٨) بنصه، وورد بنحوه في \"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢٥٢، وهود الهواري ٢/ ٣٩٠، والثعلبي ٢/ ١٦٤ ب، عن ابن عباس، والطوسي ٦/ ٤٢٨، وانظر: \"أسباب النزول\" للواحدي ص ٢٨٨، عن ابن عباس، و\"تفسير البغوي\" ٥/ ٤٥، عن ابن عباس، والزمخشري ٢/ ٣٤٥، و\"تفسير القرطبي\" ١٠/ ١٨٠، عن ابن عباس، والخازن ٣/ ١٣٦، وابن كثير ٢/ ٦٤٧، عن ابن عباس، و\"الدر المنثور\" ٤/ ٢٤٨، وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم وابن مردويه.\n(٢) \"معاني القرآن للأخفش\" ٢/ ٦٠٨، بمعناه، وانظر: \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٦٤ ب، بنحوه بلا نسبة.\n(٣) ورد بنصه في \"تفسير الطبري\" ١٤/ ١٨٠، والثعلبي ٢/ ١٦٤ ب، والطوسي ٦/ ٤٢٨، ومعناه: من يحسن ممن يأتينا نكرمه.","vol":"13","page":207},{"text":"البدل مِن الكاذبين (١)، ولا يجوز أن يكون رفعًا بالابتداء؛ لأنه لا خبر هاهنا للابتداء؛ لأن قوله: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ﴾ ثم استثنى فقال: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ﴾: على الكفر، يكفر بلسانه وقلبه مطمئن (٢) بالإيمان (٣)، والقول الأول أظهر في معنى الآية؛ لأن (٤) هذه قصة مستأنفة، وكلام لا تعلق له بما تقدم، يدل عليه من التفسير ما رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في هذه الآية، قال: أخبر الله سبحانه أنه من كفر بعد إيمانه فعليه غضب من الله وله عذاب عظيم، فأما من أُكره فتكلم بلسانه وخالفه قلبه بالإيمان لِيَنْجُو بذلك من عدوه فلا حرج عليه؛ لأن الله سبحانه إنما يأخذ العباد بما عقدت عليه قلوبهم (٥)، فجعل ابن عباس قوله: ﴿فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ﴾ خبر قوله: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ﴾.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا﴾، أي: فتحه ووسعه لقبول (٦) الكفر، وذكرنا معنى الشرح في سورة الأنعام (٧)، وانتصب صدرًا\n_________\n(١) وتقديره: إنما يفتري الكذب من كفر بالله من بعد إيمانه، وقد رده الطبري، وقال: هذا قول لا وجه له، وحجته أن ذلك يقتضي تخصيص وصف افتراء الكذب بمن آمن ثم ارتد دون من نشأ على الكفر أصلًا، ودلل على ذلك أن الآية جاءت في سياق الرد على الذين نسبوا الكذب والافتراء إلى رسول الله -ﷺ- في الآية السابقة، وهم الكفار الأصليون. انظر: \"تفسير الطبري\" ١٤/ ١٨١.\n(٢) في (أ)، (د) زيادة (واو): (ومطمئن).\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢١٩، بتصرف يسير.\n(٤) في (أ)، (د): (أن).\n(٥) أخرجه الطبري ١٤/ ١٨٢ بنصه من طريق ابن أبي طلحة صحيحة، والبيهقي: المرتد/ المكره على الردة (٨/ ٢٠٩) بنصه، و\"الدر المنثور\" ٤/ ٢٥٠، وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(٦) في (أ)، (د): (لقول)، والمثبت من (ش)، (ع) أصح.\n(٧) آية [١٢٥].","vol":"13","page":208},{"text":"على أول مفعول للشرح، والتقدير: ولكن من شرح بالكفر صدره، وحذف الهاء منه لأنه لا يُشْكِل بصدر غيره، إذ البشر لا يقدر على شرح صدر غيره، فهو نكرة يراد بها المعرفة، ويدل عليها معنى الكلام، \"وهذه الآية تدل على أنّ المُكْرَهَ على كلمة الكفر إذا تَلَفَّظ بها مُكْرَهًا لا يحكم بكفره إذا كان قلبه مطمئنًا بالإيمان (١)، ولذلك أبطل الشافعي طلاق المكره وعتاقه وعقوده، ولم يجعل لها حكمًا (٢)، ودلّت الآية على أن حقيقة الكفر إنما تكون بالقلب دون اللسان (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2110>١٠٧ </span>- قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا﴾، أي: ذلك الشرح وذلك الكفر (٤)، بأنهم أحبّوا الدنيا واختاروها على الآخرة، قال الكلبي: والمراد بقوله: ﴿وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا﴾ عبد الله بن سعد بن أبي سرح ومن ارتد عن الدين وطابت نفسه بالكفر (٥)، وذلك باستحبابهم الدنيا وبأن\n_________\n(١) ورد في \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٦٥ أ، بنحوه، وانظر: \"تفسير البغوي\" ٥/ ٤٦، و\"تفسير القرطبي\" ١٠/ ١٨٢.\n(٢) وهذا القول هو قول جمهور العلماء خلافًا للحنفية، وقد ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ١٦٥ أ، ونسبه أيضًا إلى بعض الصحابة ومالك والأوزاعي، انظر: بسط المسألة في \"تفسير الجصاص\" ٣/ ١٩٢، و\"المحلى\" ٨/ ٣٣١، و\"تفسير ابن العربي\" ٣/ ١١٨٠، و\"المجموع\" ١٧/ ٦٥، و\"المغني\" ١٠/ ٣٥٠، و\"تفسير القرطبي\" ١٠/ ١٨٤، و\"رفع الحرج في الشريعة الإسلامية\" ص ٢٤٦، و\"الإكراه وأثره في التصرفات الشرعية\" ص ١٩٦، و\"عوارض الأهلية عند الأصوليين\" ص ٤٩٦.\n(٣) ذكره الثعلبي ٢/ ١٦٤ ب، بنحوه.\n(٤) مطموسة في: (ش).\n(٥) انظر: \"تنوير المقباس\" ص ٢٩٣، وورد بلا نسبة في \"تفسير مقاتل\" ١/ ٢٠٨ أ، والسمرقندى ٢/ ٢٥٢، وهود الهواري ٢/ ٣٩٠، وفي إدراج عبد الله بن أبي السرح مع الذين انشرحت صدورهم للكفر نظر؛ لأنه قد رجع إلى الإسلام وحسن =","vol":"13","page":209},{"text":"الله لا يهديهم ولا يريد هدايتهم، ثم وصفهم بأنهم مطبوع على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2111>١٠٨ </span>- فقال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ﴾ الآية. والكلام في هذا مضى (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ قال ابن عباس: عما يراد بهم (٢)، ثم حكم لهم بالخسار وأكَّدَ ذلك،\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2112>١٠٩ </span>- فقال: ﴿لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾ قال ابن عباس: يريد حقًا إنهم في الآخرة هم المغبونون (٣)، قال أبو إسحاق: (أنَّ) يصلح أن تكون في موضع رفع، على أَنّ (لا) رَدٌّ لكلام، والمعنى: وجب أنَّهُم، قال: ويجوز أن تكون في موضع نَصْبٍ على أن المعنى: جَرَمَ فِعْلُهُمْ هذا، ﴿أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ أي كَسَب (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-2113>١١٠ </span>- قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا﴾ قال المفسرون: نزلت في المستضعفين من المؤمنين الذين كانوا بمكة، عَمَّار وصُهيب وبلال، ودونهم الذين عُذِّبُوا في الله وارتدوا على الكفر\n_________\n= إسلامه، كما أن الآية التالية قد حكمت عليهم بالطبع على قلوبهم، ولا يليق هذا الوصف بمن أسلم ومنّ الله عليه بالهداية، ويؤيده أن الرواية وردت عن طريق الكلبي، وحسبك بهذا؛ فروايات الكلبي محكوم عليها بالضعف بل بالوضع.\n(١) النساء [آية: ١٥٥].\n(٢) انظر: \"تفسير الفخر الرازي\" ٢٠/ ١٢٤، وأبي حيان ٥/ ٥٤٠، و\"تفسير الألوسي\" ١٤/ ٢٣٩، والخازن ٣/ ١٣٧، بلا نسبة.\n(٣) انظر: \"تنوير المقباس\" ص ٢٩٣، و\"تفسير البغوي\" ٥/ ٤٧، بلا نسبة.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٢٠، بنصه تقريبًا.","vol":"13","page":210},{"text":"وأعطوهم بعضَ ما أرادوا لِيَسْلَمُوا من شَرِّهم، ثم (هاجروا إلى النبيّ -ﷺ- (١).\n[قال ابن عباس: يريد الذين كانوا يُعَذَّبون بمكة، ﴿هَاجَرُوا) (٢) مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا﴾ قال: من بعد ما عُذِّبُوا، ﴿ثُمَّ جَاهَدُوا﴾: مع النبي -ﷺ-] (٣)، ﴿وَصَبَرُوا﴾: على الدين والجهاد (٤).\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ﴾ إعادة وتكريرٌ لما ذكر في الآية؛ وذلك لتطاول الكلام، وأجيب كلاهما بجواب واحد، وهذا من القبيل الذي ذكرنا في قوله: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ﴾ الآية.\nوقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِهَا﴾: تلك الفتنة وتلك الفعلة التي فعلوها وهي تلفظهم بكلمة الكفر، ﴿لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، وذلك أن الرخصة لم تكن نازلة في ذلك الوقت حين تلفظوا بالكفر تقية، وإنما نزلت بعد ذلك فأخبر\n_________\n(١) أخرجه الطبري ١٤/ ١٨٤، بنحوه عن ابن إسحاق، وورد في \"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ١٠٨، مختصرًا، و\"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢٥٢، بنحوه عن ابن عباس، والثعلبي ٢/ ١٦٥ أ، مفصلًا، والطوسي ٦/ ٤٣١، بنحوه، وانظر: \"تفسير البغوي\" ٥/ ٤٧، وابن الجوزي ٤/ ٤٩٧، عن ابن عباس، والفخر الرازي ٢٠/ ١٢٥، عن الحسن، والخازن ٣/ ١٣٧، وابن كثير ٢/ ٦٤٩، ولا يثبت هذا سببًا للنزول؛ لأن إسناده منقطع، أخرجه الطبري بسنده إلى ابن إسحاق، وهو ضعيف كما في \"تقريب التهذيب\" ص ٤٦٧ (٥٧٢٥).\n(٢) ما بين القوسين ساقط من (ش)، (ع).\n(٣) ما بين المعقوفين ساقط من (د).\n(٤) انظر: \"تفسير ابن الجوزي\" ٤/ ٤٩٧، و\"الدر المنثور\" ٤/ ٢٥٠، وعزاه إلى البيهقي في سننه -لم أجده- وابن مردويه، وورد بنحوه غير منسوب في \"تفسير مقاتل\" ١/ ٢٠٨ أ، والثعلبي ٢/ ١٦٥ أ، والسمرقندي ٢/ ٢٥٢، والبغوي ٥/ ٤٧، والخارن ٣/ ١٣٧.","vol":"13","page":211},{"text":"الله تعالى بعد ذلك أنه قد غفر لهم ذلك، هذا قول عامة أهل التأويل (١).\nوقال عطاء عن ابن عباس: ﴿إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا﴾ يريد من بعد ما خرجوا إلى النبيّ -ﷺ- وصاروا عنده بالمدينة، غفر الله لهم مقامهم بمكة وتثبطهم بها، عفا الله ذلك عنهم (٢)، فعلى هذا الكناية في ﴿بَعْدِهَا﴾ تعود إلى الهجرة، ودلّ عليها: ﴿هَاجَرُوا﴾، والمغفرة لمقامهم بمكة وتخلفهم عن النبيّ -ﷺ- بعد خروجه، وقرأ ابن عامر فَتنوا، بفتح الفاء (٣)، ومعنى هذا ﴿للذينَ هاجَروا مِن بعدِ ما فَتنُوا﴾ أنفسهم بإظهار ما أظهروا للتقية، وجعل ذلك فتنة؛ لأن الرخصة فيه لم تكن نزلت بعد (٤).\nوذهب قوم من المفسرين إلى أن الآية نزلت في قوم من الذين كانوا يُعذِّبون المستضعفين بمكة، آمنوا وهاجروا إلى النبيّ -ﷺ- (٥) فقال الله\n_________\n(١) ورد مختصرًا في \"تفسير مقاتل\" ١/ ٢٠٨ أ، والطبري ١٤/ ١٨٣، والثعلبي ٢/ ١٦٥ أ، والسمرقندي ٢/ ٢٥٣، وانظر: \"تفسير البغوي\" ٥/ ٤٧، وابن عطية ٨/ ٥٢٥، وابن الجوزي ٤/ ٤٩٨، والخازن ٣/ ١٣٧.\n(٢) ورد مختصرًا غير منسوب في \"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢٥٣، والزمخشري ٢/ ٣٤٥، وابن عطية ٨/ ٥٢٥، وابن الجوزي ٤/ ٤٩٩، والفخر الرازي ٢٠/ ١٢٦.\n(٣) انظر: \"السبعة\" ص ٣٧٦، و\"إعراب القراءات السبع وعللها\" ١/ ٣٦٠، و\"علل القراءات\" ١/ ٣٠٩، و\"الحجة للقراء\" ٥/ ٧٩، و\"المبسوط في القراءات\" ص ٢٢٦، و\"التبصرة\" ص ٤٦٦، و\"التيسير\" ص ١٣٨، و\"المُوضح في وجوه القراءات\" ٢/ ٧٤٥.\n(٤) ورد في \"الحجة للقراء\" ٥/ ٧٩، بنصه تقريبًا، لكنه قال: لأن الرخصة فيه لم تكن نزلت بعد، وقد تصحفت في المصدر (الرخصة) إلى (الرحمة). وورد بنحوه في \"الكشف عن وجوه القراءات\" ٢/ ٤١، و\"تفسير الطوسي\" ٦/ ٤٣١، وانظر: \"المُوضح في وجوه القراءات\" ٢/ ٧٤٥، و\"تفسير الفخر الرازي\" ٢٠/ ١٢٥.\n(٥) ورد بنحوه في \"إعراب القراءات السبع وعللها\" ١/ ٣٦١، و\"الكشف عن وجوه =","vol":"13","page":212},{"text":"تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ الآية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2114>١١١ </span>- قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ﴾ لآية. قال أبو إسحاق: ﴿يَوْمَ﴾ منصوب على أحد شيئين، على معنى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، ﴿يَوْمَ تَأْتِي﴾، ويجوز ذَكِّرْهم يوم، أو اذْكُر يوم؛ لأن معنى القرآن العِظة والإنْذَارُ والتَّذْكير (١).\nوقوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ﴾ أراد كلَّ إنسان وكلَّ واحد، ولقوله: ﴿تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا﴾ ولم يقل يُجَادَل عنها، قال المفسرون: وهذا يوم القيامة كل أحد لا يهمه إلا نفسه، فهو مخاصم ومحتج عن نفسه لا يتفرغ إلى غيره؛ وذلك أن لجهنم زفرة يقع كل أحد جاثيًا على ركبتيه، حتى إن إبراهيم ليدلي بالخُلَّة، فيقول: يارب، أنا خليلك إبراهيم، لا أسألك إلا نفسي (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ﴾ قال ابن عباس: يريد\n_________\n= القراءات\" ٢/ ٤١، و\"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٦٥أ، وانظر: \"تفسير الفخر الرازي\" ٢٠/ ١٢٥، ويفتقر هذا القول إلى دليل صحيح مسند.\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٢١، بتصرف يسير.\n(٢) أخرجه عبد الرزاق في \"مصنفه\" (٢/ ٣٦٣)، بنحوه عن قتادة، والواحدي في تفسيره \"الوسيط\"، تحقيق سيسي ٢/ ٤٥٠، بنحوه عن كعب، وورد بنحوه في \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٢١، و\"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ١٠٨، عن كعب، و\"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢٥٣، والثعلبي ٢/ ١٦٥ أ، عن كعب، وانظر: \"تفسير البغوي\" ٥/ ٤٨، عن كعب، وابن الجوزي ٤/ ٤٩٩، عن كعب، والفخر الرازي ٢٠/ ١٢٦، و\"تفسير القرطبي\" ١٠/ ١٩٣، والخازن ٣/ ١٣٨، و\"الدر المنثور\" ٤/ ٢٥١ وعزاه إلى ابن المبارك وابن أبي شيبة وأحمد في الزهد وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن كعب. والظاهر أن هذا الخبر من الإسرائيليات، خاصة أن موقوف على كعب؛ هو من مصادر الإسرائيليات.","vol":"13","page":213},{"text":"ثوابها غير منتقص، والتقدير: ثواب ما عملت أو جزاء ما عملت، فحذف المضاف، ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ قال: يريد لا ينقصون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2115>١١٢ </span>- قوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا﴾ الآية. معنى ضَرْبِ المثلِ بيان المُشبَّه والمُشبَّه به، وهاهنا ذَكَرَ المُشبَّه به ولم يذكر المُشَبَّه لوضوحه عند المخاطبين، والآية عند عامة المفسرين: نازلة في أهل مكة وما امتُحِنوا به من الخوف والجوع، بعد الأمن والنعمة، بتكذيبهم النبيّ -ﷺ-، وتقدير الآية: ضربَ اللهُ لقريتكم مَثَلًا، أي: بين الله لها شَبَهًا، ثم قال: ﴿قَرْيَةٍ﴾ فيجوز أن تكون القرية بدلًا من مثلًا؛ لأنها هي الممثل بها؛ فهي المثل، ويجوز أن يكون المعنى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا﴾: مَثَلَ قرية، فحذف المضاف وهذا قول الزجاج (١).\nوالمفسرون كلهم قالوا: (أراد بالقرية مكة، يعنون أنه أراد مكة في تمثيلها بقرية صفتها ما ذُكِر (٢)؛ كما قالوا) (٣) في قوله: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ [البقرة: ١٧]، أراد بالذي استوقد: المنافقين؛ أي أرادهم بهذا المثل، لا أنهم كانوا يستوقدون النار، ولكن أَشْبَه حالُهم حالَه، كذلك\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٢١ بنصه.\n(٢) أخرجه عبد الرزاق في \"مصنفه\" (٢/ ٣٦٠) بلفظه عن قتادة، والطبري ١٤/ ١٨٦ بلفظه عن ابن عباس [طريق العوفي] ومجاهد وقتادة وابن زيد، وورد بلفظه في \"تفسير مقاتل\" ١/ ٢٠٨ أ، و\"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ١٠٩، و\"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢٥٣، وهود الهواري ٢/ ٣٩٢، والثعلبي ٢/ ١٦٥ ب، و\"تفسير الماوردي\" ٣/ ٢١٧، والطوسي ٦/ ٤٣٢، وانظر: \"تفسير البغوي\" ٥/ ٤٨، وابن عطية ٨/ ٥٢٦، وابن الجوزى ٤/ ٤٩٩، والفخر الرازى ٢٠/ ١٢٧، والخازن ٣/ ١٣٨، وابن كثير ٢/ ٦٤٩.\n(٣) ما بين القوسين ساقط من (ش)، (ع).","vol":"13","page":214},{"text":"أشبهت حالُ مكة حالَ هذه القرية، والكلام في جميع صفات القرية جرى على القرية، والمُرادُ أهلُها؛ لأن الطمأنينة والأمن وإتيان الرزق حقيقتها لأهلها لا لها، يدل على هذا قوله في آخر الآية: ﴿بِمَا كَانُوا يَصْنَعُون﴾، ولم يقل: بما صنعت.\nوقوله تعالى: ﴿كَانَتْ آمِنَة﴾، أي: ذات أمن؛ يأمن فيها أهلها لا يُغَارُ عليهم، كما قال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٦٧]، وجاز وصفها بالأمن وإن كان لأهلها؛ لأنها مكانُ الأمن وظرفٌ له، والظروف من الأزمنة والأمكنة توصف بمحالها، كما يقال: يوم طيب وبارد وحار.\nوقوله تعالى: ﴿مُطْمَئِنَّةً﴾، أي: قارة ساكنة بأهلها، لايحتاجون إلى الانتقال عنها لخوف أو ضيق، وهو قوله: ﴿يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ﴾؛ لأن الله جعل أفئدة من الناس تهوي إليهم، فأرزاقهم تأتيهم في بلدهم، يُجْلَب إليها من كل بلد، كما قال تعالى: ﴿يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [القصص: ٥٧].\nوقوله تعالى: ﴿فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّه﴾، الأنعم: جمع نِعْمة، مثل شِدَّة وأَشُدّ، هذا قول سيبويه (١)، وقال غيره: يجوز أن يكون جمع نُعْمَى؛ كما يقال: بؤسى وأبؤس (٢)، وأنشد:\n_________\n(١) \"الكتاب\" ٣/ ٥٨٢، بلفظه.\n(٢) قال الفراء في \"المقصور والممدود\" ص ٤١: باب ما يفتح فيمد ويضم فيقصر، ومَثَّلَ لذلك بقوله: وكذلك ..، والنُّعمى والنَّعماء، والبؤسى والبأساء، وهي بالألف الممدودة أشهر منها بالمقصورة، وفي القرآن: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ﴾ [هود: ١٠]، وكذلك نقل الطبري عن جعفر أهل الكوفة -ولعله يقصد =","vol":"13","page":215},{"text":"وعندي قروض الخير والشر كله ... فبُؤسِي لذي بُؤسَى ونُعْمَى بأنْعُمِي (١)\nوكفرانهم بأنعم الله تكذيبهم النبيّ -ﷺ- ومخالفتهم أمر الله فيما يأمرهم به.\nوقوله تعالى: ﴿فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ﴾ قال المفسرون: عذَّبهم اللهُ بالجوع سبع سنين حتى أكلوا الجِيَفَ والعظام المحرقة والعلهز (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَالْخَوْف﴾، قالوا: يعني من النبيّ -ﷺ- ومن السرايا التي كان يبعثها إليهم فيطوفون بهم (٣).\n_________\n= الفراء- أن أنعم جمع نعماء، مثل بأساء وأبؤس، لكنه استشهد بالبيت على أن أنعم جمع نُعْم كطُعْم، وهو قول أبي عبيدة وابن قتيبة؛ وردّ ابن قتيبة قول سيبويه، قائلًا: وليس قول من قال: إنه جمع نعمة بشيء؛ لأن فِعلة لا يجمع على أفعل. انظر: \"مجاز القرآن\" ١/ ٣٦٩، و\"الغريب\" لابن قتيبة ١/ ٢٥٠، و\"تفسير الطبري\" ١٤/ ١٨٦، وورد في \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٦٥ ب، بنصه تقريبًا، وانظر: \"تفسير البغوي\" ٥/ ٤٩، و\"تفسير القرطبي\" ١٠/ ١٩٤.\n(١) ورد غير منسوب في \"تفسير الطبري\" ١٤/ ١٨٦.\nبرواية:\nفَبُؤْسٌ لذي بؤسٍ ونُعْمٍ بأنْعُمِ\nوورد في \"تفسير الطوسي\" ٦/ ٤٣٣، برواية:\nفبؤس لدى بؤسي ونعمى بأنعم\n(٢) ورد في \"تفسير مقاتل\" ١/ ٢٠٨ ب، بمعناه، و\"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١١٤، بنحوه، والطبري ١٤/ ١٨٧، بنحوه، والثعلبي ٢/ ١٦٥ ب، بنحوه، و\"تفسير الماوردي\" ٣/ ٢١٧، بنحوه، وانظر: \"تفسير البغوي\" ٥/ ٤٩، وابن الجوزي ٤/ ٥٠١، والفخر الرازي ٢٠/ ١٢٨، و\"تفسير القرطبي\" ١٠/ ١٩٥، والخازن ٣/ ١٣٩، وابن كثير ٢/ ٦٤٩، قال الطبري: العلهز: الوبر يعجن بالدم والقُراد يأكلونه، قلت: والقراد: دويبة متطفلة.\n(٣) ورد بنحوه في \"الطبري\" ١٤/ ١٨٧، والسمرقندي ٢/ ٢٥٣، والثعلبي ٢/ ١٦٥ ب، =","vol":"13","page":216},{"text":"قال ابن قتيبة: وأصل الذَّوَاقِ بالفم، ثم قد (١) يُستعار فيوضع موضع الابتلاء والاختبار، تقول في الكلام: نَاظِرْ فُلانًا وذُقْ ما عنده، أي تعرَّف واختبر، واركب الفرسَ وذقه، وأنشد الشماخ في وصف قوس:\nفذاقَ فأعْطَتْهُ من اللّين جَانبًا ... كفى (٢) ولَهَا أن يُغْرِقَ السَّهْمَ حَاجِزُ (٣)\nيريد أنه راز (٤) القوس بالنزع ليعلم؛ ألَيِّنَةٌ هي أم صلبةٌ.\nقال: ولباس الجوع والخوف: ما ظهر عليهم من سوء آثارهما بالضُّمْرِ والشُّحوب، ونَهْكَةِ (٥) البدن، وتغيّر الحال، وكُسُوف البال، فكما يقول: تَعَرَّفْتُ سوء أثرِ الخوف والجوع على فلان، وذقت بمعنى: تعرفتُ، واللِّبَاسُ بمعنى: سوء الأثر (٦)، كذلك تقول: ذقتُ لِبَاسَ الجوع والخوف،\n_________\n= وانظر: البغوي ٥/ ٤٩، وابن الجوزي ٤/ ٥٠١، و\"القرطبي\" ١٠/ ١٩٤، والخازن ٣/ ١٣٩، وابن كثير ٢/ ٦٤٩، وهذا التفسير مشهور بين المفسرين، وهو من قبيل التفسير بالمثال، والآية عامة في كل زمان ومكان.\n(١) ساقطة من (د).\n(٢) في النسخ: لفي، ورواية الديوان وجميع المصادر (كفى)، وظاهر أنها تصحفت إلى (لفي).\n(٣) \"ديوانه\" ص ١٩٠، وورد في \"جمهرة أشعار العرب\" ص ٢٩٩، و\"الحيوان\" ٥/ ١٧٩، و\"الشعر والشعراء\" ص ١٩٥، و\"المعاني الكبير\" ٢/ ١٠٤٢، و\"الأساس\" ١/ ٣٠٦، و\"اللسان\" (ذوق) ٣/ ١٨٩١، وفيه (النبل) بدل (السهم)، قال في اللسان: أي ولها حاجز يمنع من الإغراق؛ أي فيها لين وشدّة. وأغرقتُ النَّبل: إذا بلغت به غاية المدِّ في القوس. \"المحيط في اللغة\" (غرق) ٤/ ٥٢٨.\n(٤) في (أ)، (د): (زار)، وفي المصدر: ذاق، والمثبت من (ش)، (ع)، وهو الصحيح الذي يؤدب المعنى، وهكذا في \"المعاني الكبير\". (راز) من الروز: التجربة، يقال: رُزْ ما عند فلان. \"المحيط في اللغة\" (روز) ٩/ ٨٤.\n(٥) في (ش)، (ع): (وبهلكة)، من الهلاك، والمثبت أصح وموافق للمصدر.\n(٦) في (أ)، (د): (الأتراء).","vol":"13","page":217},{"text":"وأذاقني الله ذلك (١).\nوقال أبو علي: ﴿لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ﴾ المعنى فيه: مقارنة (٢) الجوع لهم ومَسُّه إيّاهم؛ كمخالطة الذائق ما يذوقه، واللابس ما يَلْبَسُه، واتصاله بما وقع عليه الذوق، وكذلك لباس الجوع هو مَسُّه لهم كمَسّ الثوب للابسه، وأنشد لجرير:\nوقد لَبِسَتْ بَعْدَ الزّبَيرِ مُجَاشعٌ ... ثيابَ التي حاضَتْ ولَمْ تَغْسلِ الدّمَا (٣)\nيريد أن العار والسُّبَّة لحقتهم، واتصل بهم لغدرهم، فجعل ذلك لباسًا (٤)، فعلى ما ذكر ابن قتيبة معنى ﴿فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ﴾ عَرَّفَها سوءَ أثرهما، وعلى ما ذكر أبو علي، جعل الجوع والخوف تَمَسَّانها وتُلابِسَانِها.\nوروي عن أبي (٥) عمرو أنه قرأ: ﴿وَالْخَوْف﴾ نصبًا (٦) بأنْ على الإذاقة (٧)، والوجه قراءة العامة على معنى: فأذاقهم الله لباس الجوع ولباس\n_________\n(١) \"تأويل مشكل القرآن\" ص ١٦٤ - ١٦٥، نقل طويل تصرَّف فيه واختصره.\n(٢) في (أ)، (د): مفارقة، والمثبت من: (ش)، (ع)، وفي المصدر: مقاربة، وهو أيضًا تصحيف.\n(٣) \"ديوانه\" ص ٤٤٨، وورد في: \"المعاني الكبير\" ١/ ٥٩٣، و\"تفسير ابن عطية\" ٨/ ٥٢٨، وورد بلا نسبة في \"تفسير أبي حيان\" ٥/ ٥٤٣، و\"الدر المصون\" ٧/ ٢٩٥، وجرير هنا يهجو البَعِيث، ومجاشع: قبيلة الفرزدق والبعيث.\n(٤) \"الحجة للقراء\" ٥/ ٨٠، بتصرف يسير.\n(٥) في جميع النسخ: ابن، والصحيح المثبت، وهو أبو عمرو أحد القراء السبعة.\n(٦) انظر: \"السبعة\" ص ٣٧٦، و\"إعراب القراءات السبع وعللها\" ١/ ٣٦٢، و\"علل القراءات\" ١/ ٣٠٩، و\"الحجة للقراء\" ٥/ ٨٠، و\"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٦٥ ب، والطوسي ٦/ ٤٣٣، وابن عطية ٨/ ٥٢٩، و\"تفسير القرطبي\" ١٠/ ١٩٤.\n(٧) قال الثعلبي: ﴿وَالْخَوْفِ﴾ بالنصب بإيقاع أذاقها عليه، وذكر السمين أربعة أوجه =","vol":"13","page":218},{"text":"الخوف، يدل عليه أن في حرف أُبي: لباسَ الخوف والجوع (١)، فقد جعل للخوف لباسًا كما جعل للجوع، وحَمْلُه على الخفض باللباس أولى من حمله على الإذاقة؛ لأن اللباس أقرب إليه، فحمله على الأقرب أولى، وليكونا محمولين على عامل واحد، كما كان في قوله: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ﴾ [البقرة: ١٥٥]، الحمل على عامل واحد (٢).\nوقوله تعالى: ﴿بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ قال ابن عباس: يريد بفعلهم بالنبيّ -ﷺ- حيث كذبوه وأخرجوه من مكة وما هموا به من قتله (٣).\nقال الفراء: ولم يقل بما صنعت، ومثله في القرآن كثير، منه قوله: ﴿فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُون﴾ [الأعراف: ٤] ولم يقل: قائلة، فإذا قال: ﴿قَائِلُون﴾ ذهب إلى الرجال، وإذا قال: قائلة، فإنما يعني أيضًا أهلها، ومثله: ﴿فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا﴾ إلى قوله: ﴿فَذَاقَتْ﴾ (٤) [الطلاق: ٨ - ٩].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2116>١١٣ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ﴾ يعني أهل مكة، ﴿رَسُولٌ مِنْهُمْ﴾ يعني مِنْ نسبهم يعرفونه بأصله ونسبه، ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَاب﴾، قال ابن عباس: يعني الجوع الذي كان بمكة (٥)، وقال مجاهد: يعني القتل\n_________\n= -غير هذا الوجه- في نصب ﴿وَالْخَوْفِ﴾. انظر: \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٦٥ ب، و\"الدر المصون\" ٧/ ٢٩٣.\n(١) انظر: \"تفسير أبي حيان\" ٥/ ٥٤٤، وقال: وهذا عندي في مصحفه قبل أن يجمعوا على ما في سواد المصحف الموجود الآن، وعليه فهي قراءة شاذة.\n(٢) \"الحجة للقراء\" ٥/ ٨٢، بنصه تقريبًا.\n(٣) انظر: \"تفسير الرازي\" ٢٠/ ١٢٩ بنصه، وابن الجوزي ٤/ ٥٠١، بنحوه بلا نسبة.\n(٤) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١١٤، بنصه تقريبًا.\n(٥) انظر: \"تفسير ابن الجوزي\" ٤/ ٥٠١، والفخر الرازي ٢٠/ ١٣٠، وأخرجه الطبري ١٤/ ١٨٧، بنحوه عن قتادة، وورد بلا نسبة في \"تفسير القرطبي\" ١٠/ ١٩٥، و\"تفسير الألوسي\" ١٤/ ٢٤٥، ورجحه.","vol":"13","page":219},{"text":"ببدر (١)؛ وهو اختيار الزجاج (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2117>١١٤ </span>- قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ الآية.\nقال ابن عباس: ﴿فَكُلُوا﴾: يا معشر المؤمنين، ﴿مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾، يريد من الغنائم (٣).\nوقال الكلبي: إن رؤساء أهل مكة كَلَّمُوا رسولَ الله -ﷺ- حين جُهِدوا، قالوا: عاديت الرجال فما بال النساء والصبيان، وكانت المِيرَة (٤) قد قطعت عنهم بأمر رسول الله -ﷺ- فأَذِن في الحَمْل إليهم، فَحُمِل إليهم الطعام (٥)، فقال الله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ الآية. والقول ما قاله ابن عباس، يدل عليه قوله بعد هذه الآية:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2118>١١٥ </span>- ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ﴾ وهذا خطاب للمسلمين لا لكفار\n_________\n(١) ورد في \"تفسير الطوسي\" ٦/ ٤٣٤، بنحوه، وانظر: \"تفسير ابن الجوزي\" ٤/ ٥٠١، بنصه، وورد بنحوه غير منسوب في \"تفسير الطبري\" ١٤/ ١٨٧.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٢١، بنحوه.\n(٣) انظر: \"تفسير الفخر الرازي\" ٢٠/ ١٣٠، بنصه، والخازن ٣/ ١٣٩، و\"تفسير الألوسي\" ١٤/ ٢٤٥، وورد غير منسوب في \"تفسير مقاتل\" ١/ ٢٠٨ ب، بنحوه، و\"تفسير الطبري\" ١٤/ ١٨٨ بمعناه، و\"تفسير ابن الجوزي\" ٤/ ٥٠١، و\"تفسير القرطبي\" ١٠/ ١٩٥، وهذا من قبيل التفسير بالمثال، والآية عامة في جواز الأكل من كل طيب.\n(٤) المِيرَةُ: جلب الطعام للبيع وللعيال، وهم يَمِيرون غيرهم ويَمْتَارون لأنفسهم. \"المحيط في اللغة\" (مير) ١٠/ ٢٨٥.\n(٥) انظر: \"تفسير الفخر الرازي\" ٢٠/ ١٣٠، بنصه، والخازن ٣/ ١٣٩، بنحوه، و\"تفسير الألوسي\" ١٤/ ٢٤٥، بنصه، وعزياه للواحدي، ورد بنحوه غير منسوب في \"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢٥٥، والثعلبي ٢/ ١٦٥ ب، والبغوي ٥/ ٤٩، وابن الجوزي ٤/ ٥٠١، و\"تفسير القرطبي\" ١٠/ ١٩٥.","vol":"13","page":220},{"text":"مكة، وهاتان الآيتان سبق تفسيرهما في سورة البقرة (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2119>١١٦ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ﴾ الآية. قال مجاهد: يعني البحيرة والسائبة (٢).\nوقال ابن عباس: يعني قولهم: ﴿وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا﴾ (٣) [الأنعام: ١٣٩]، واختلفوا في وجه انتصاب الكذب؛ فقال الأخفش: جعل (ما تصف) اسمًا للفعل؛ كأنه قال: ولا تقولوا لوصف ألسنتِكم الكذب (٤)، ونحو هذا قال الكسائي (٥). والزجاج (٦)، سِوى أنْ قال صاحب النظم: واللام في (لِمَا) لامُ سبب وأجل، كما يقال: فعلت هذا لك، أي لأجلك وبسببك (٧)، والمعنى: ولا تقولوا لأجل وصفكم الكذب هذا حلال وهذا حرام؛ أي إنكم تُحِلُّون وتُحَرِّمون لأجل الكذب لا لغير، فليس لتحريمكم وتحليلكم معنى وسبب إلا الكذب فقط، فلا تفعلوا ذلك، هذا معنى قوله: إن دخول اللام في\n_________\n(١) آية [١٧٢ - ١٧٣].\n(٢) \"تفسير مجاهد\" ص ٣٥٤، بنصه، أخرجه الطبري ١٤/ ١٨٩ بنصه من طريقين، وورد في: \"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ١١٠، بنحوه، وانظر: \"تفسير الخازن\" ٣/ ١٤٠، و\"الدر المنثور\" ٤/ ٢٥٢، وزاد نسبته إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم، وورد بلا نسبة في \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٦٥ب، والبغوي ٥/ ٤٩ - ٥/ ٥٠.\n(٣) انظر: \"تفسير الخازن\" ٣/ ١٤٠.\n(٤) \"معاني القرآن\" للأخفش ٢/ ٦٠٨، بنصه.\n(٥) انظر: \"تفسير الفخر الرازي\" ٢٠/ ١٣١، وأبي حيان ٥/ ٥٤٥، و\"الدر المصون\" ٧/ ٢٩٧، و\"تفسير الألوسي\" ١٤/ ٢٤٧.\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٢٢، بنصه.\n(٧) انظر. \"تفسير ابن الجوزي\" ٤/ ٥٠٢، بنحوه عن ابن الأنباري.","vol":"13","page":221},{"text":"(لِمَا) سبب لقوله: ﴿هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ﴾، وذكر وجهين آخرين في انتصاب الكذب؛ أحدهما: أن نصبه على نفي الخافض (١)، على تأويل لِمَا تصف ألسنتكم كذبًا؛ على جهة التفسير (٢) أو الحال، ثم ألحق به الألف واللام؛ كما قال الشاعر (٣):\nوما قومي بِثَعْلَبةَ بنِ بَكْرٍ ... ولا بفَزَارة الشُّعْرِ الرِّقابَا (٤)\nانتصب الرقاب على معنى التفسير هذا كلامه (٥)، والقول قول الأخفش والكسائي، والإشارة بقوله ﴿هَذَا﴾ و﴿وَهَذَا﴾ إلى ما كانوا يحلونه ويحرمونه.\nوقوله تعالى: ﴿لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾، وذلك أنهم كانوا ينسبون ذلك\n_________\n(١) أي لما تصف ألسنتكم من الكذب. \"تفسير القرطبي\" ١٠/ ١٩٦.\n(٢) أي التمييز. انظر: \"المعجم المفصل في النحو العربي\" ١/ ٣٦٥.\n(٣) هو الحارث بن ظالم (جاهلي).\n(٤) ورد في \"الكتاب\" ١/ ٢٠١، و\"البيان والتبيين\" ٤/ ١٠٠٨، و\"المقتضب\" ٤/ ١٦١، و\"الأغاني\" ١١/ ١٢٣، و\"الإنصاف\" ١٠٩، ١١٠، و\"أمالي ابن الشجري\" ٢/ ٣٩٨، و\"شرح المفصل\" ٦/ ٨٩، وفي بعض المصادر برواية: (الشُّعْرى رِقابا)، وفي جميع المصادر -ما عدا الإنصاف- (سعد) بدل (بكر)، قال في الانتصاف من الإنصاف: والمحفوظ (بثعلبة بن سعد)، وكذلك هو في نسب ثعلبة؛ فإنه ثعلبة بن سعد بن ذبيان، وفزارة هو ابن ذبيان أخو سعد بن ذبيان أبي ثعلبة، والشاعر في هذا البيت ينتفي من بني سعد بن ذبيان. (الشُّعْر): جمع أشعر، والشعرى مؤنث الأشعر، والأشعر: الكثير شعر القفا ومقدم الرأس، فهذا عندهم مما يتشاءم به، ويحمدون النّزع، وهو انحسار الشعر عن مقدم الرأس. والشاهد: أنه نصب الرقابا بقوله: (الشُّعْر) جمع أشعر، وهو هنا صفة مشبهة.\n(٥) ذكر الواحدي أن صاحب النظم ذكر وجهين آخرين للنصب ولم يذكر إلا وجهًا واحدًا، وذكر السمين أربعة أوجه للنصب. انظر: \"الدر المصون\" ٧/ ٢٩٧.","vol":"13","page":222},{"text":"التحريم إلى الله تعالى، ويقولون إنه أمَرَنا بذلك، وقوله: ﴿لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ بدل من قوله: ﴿لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ﴾؛ لأن وصفهم الكذب هو افتراء على الله، ففسر ذلك الوصف والكذب بالافتراء على الله، ثم أوعد المفترين، وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2120>١١٧ </span>- ثم بين أن ما هم فيه من نعيم الدنيا يزول عنهم عن قريب، فقال: ﴿مَتَاعٌ قَلِيلٌ﴾، قال الزجاج: المعنى: متاعهم متاع قليل، أي يَتَمتَّعون (١)، وقال ابن عباس: يريد متاع الدنيا قليل (٢)، وقيل: لهم متاع قليل ثم يردون إلى عذاب أليم (٣)، وهو قوله: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-2121>١١٨ </span>- قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ﴾ قال السدي وقتادة: يعني ما ذَكر في سورة الأنعام: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ (٥) [الآيه: ١٤٦].\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٢٢، بتصرف يسير.\n(٢) انظر: \"تفسير الفخر الرازي\" ٢٠/ ١٣٢، ورد بنحوه غير منسوب في \"تفسير الطبري\" ٧/ ٦٥٨، وهود الهواري ٢/ ٣٩٣، والثعلبي ٢/ ١٦٥ ب، والبغوي ٥/ ٥٠.\n(٣) ورد في \"تفسير الطبري\" ١٤/ ١٨٩، بنحوه، والثعلبي ٢/ ١٦٥ ب، بنحوه، وانظر: \"تفسير البغوي\" ٥/ ٥٠، و\"القرطبي\" ١٠/ ١٩٦.\n(٤) نقل الفخر الرازي هذا المقطع بنصه تقريبًا مع العزو للواحدي. انظر: \"تفسير الفخر الرازي\" ٢٠/ ١٣٢.\n(٥) أخرجه عبد الرزاق في \"مصنفه\" ٢/ ٣٦٠، بنحوه عن قتادة، والطبري ١٤/ ١٨٩، بنحوه عن قتادة، وورد في \"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ١١٠، بنحوه عن قتادة، و\"تفسير الطوسي\" ٦/ ٤٣٦، بنصه عن قتادة، وأورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ٢٥٢، وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم، وورد بنحوه غير منسوب في \"تفسير هود الهواري\" ٢/ ٣٩٣، والثعلبي ٢/ ١٦٦ أ، والبغوي ٥/ ٥٠، وابن الجوزي في ٤/ ٥٠٣، و\"تفسير القرطبي\" ١٠/ ١٩٧، والخازن ٣/ ١٤٠ وابن كثير ٢/ ٦٥١.","vol":"13","page":223},{"text":"وقوله: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ﴾، أي: بتحريم ما حرمنا عليهم، ﴿وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾، ثم عطف على هذا بالمغفرة لمن تاب منهم ومن غيرهم بعد المعصية، فقال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2122>١١٩ </span>- ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ﴾، قال ابن عباس في (هذه الآية: يريد بـ ﴿السُّوءَ﴾: الشرك (١)، ﴿ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾: السوء، ﴿وَأَصْلَحُوا﴾، قال ابن عباس) (٢): يريد آمنوا وصدقوا وقاموا لله بفرائضه وانتهوا عن معاصيه (٣).\nوقال أهل المعاني: شَرَطَ مع التوبة الإصلاح؛ للاستدعاء إلى الصلاح وترك الاغترار بما سلف من التوبة (٤).\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا﴾ أي من بعد تلك الجهالة (٥) ﴿لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2123>١٢٠ </span>- قوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ قال ابن مسعود وابن عباس في رواية الكلبي: مُعَلِّمًا للخير، وهو قول أكثر أهل التفسير (٦).\n_________\n(١) انظر: \"تفسير القرطبي\" ١٠/ ١٩٧، وأبي حيان ٥/ ٥٤٦، و\"تفسير الألوسي\" ١٤/ ٢٤٩، والتعميم أولى من هذا التخصيص.\n(٢) ما بين القوسين ساقط من (د).\n(٣) انظر: \"تفسير أبي حيان\" ٥/ ٥٤٦، بنحوه بلا نسبة.\n(٤) ورد في \"تفسير الطوسي\" ٦/ ٤٣٧، بنصه تقريبًا.\n(٥) ورد بلفظه في \"تفسير هود الهواري\" ٢/ ٣٩٣، والثعلبي ٢/ ١٦٦ أ، وانظر: \"تفسير البغوي\" ٥/ ٥٠، وبمعناه قال السمرقندي ٢/ ٢٥٤، قال: من بعد السيئة، وفي هذا التفسير نظر؛ لأن المغفرة لا تحصل بعد تلك الجهالة أو السيئة، بل بعد التوبة من الجهالة والسيئة، لذلك قال الطبري وغيره ١٤/ ١٩٠: أي من بعد توبهم.\n(٦) أخرجه الطبري ١٤/ ١٩١، بنحوه من طرق عن ابن مسعود، وورد بنحوه عن ابن =","vol":"13","page":224},{"text":"قال ابن الأعرابي: يقال للرجل العالم: أُمَّة، والأُمَّةُ: الرجل الجامع للخير (١).\nوقال ابن عباس في رواية (٢) الضحاك في قوله: ﴿كَانَ أُمَّةً﴾ قال: كان على الإسلام ولم يمكن في زمانه أحدٌ على الإسلام غيرُه (٣)، فلذلك قال الله تعالى: ﴿كَانَ أُمَّةً﴾.\nوقال مجاهد: كان مؤمنًا وحده والناس كفار كلهم، وهو قول إبراهيم (٤)، وقال ابن قتيبة: أي إماما يَقْتَدِى به الناس؛ لأنه ومن اتبعه أُمَّة، فَسُمِّي أُمَّة؛ لأنه سبب الاجتماع (٥)، هذا وجه قول من قال: أُمَّةً: معلمًا للخير.\n_________\n= مسعود في \"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ١١٠، و\"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢٥٤، و\"تفسير الماوردي\" ٣/ ٢١٨ والطوسي ٦/ ٤٣٧، كذلك ورد في \"تفسير مقاتل\" ١/ ٢٠٩ أ، بنحوه، والثعلبي ٢/ ١٦٦أبلفظه، وانظر: بنحوه عن ابن مسعود في \"تفسير البغوي\" ٥/ ٥٠، والزمخشري ٢/ ٣٤٨، وابن عطية ٨/ ٥٤٠، وابن الجوزي ٤/ ٥٠٣، و\"تفسير القرطبي\" ١٠/ ١٩٨، والخازن ٣/ ١٤١، وأبي حيان ٥/ ٥٤٧، عنهما، و\"تفسير الألوسي\" ١٤/ ٢٤٩، بنحوه عن ابن عباس.\n(١) ورد في \"تهذيب اللغة\" (أم) ١/ ٢٠٣، بنصه.\n(٢) ساقطة من: (أ)، (د).\n(٣) انظر: \"تفسير ابن الجوزي\" ٤/ ٥٠٣، و\"الدر المنثور\" ٤/ ٢٥٣، وعزاه إلى ابن أبي حاتم، وورد في \"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢٥٤، بنحوه بلا نسبة.\n(٤) لم أجده في تفسير مجاهد، وورد عنه في \"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ١١١، بنصه، و\"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٦٦ أبنصه، وانظر: \"تفسير البغوي\" ٥/ ٥٠، والفخر الرازي ٢٠/ ١٣٤، والخازن ٣/ ١٤١، وأبي حيان ٥/ ٥٤٧، وابن كثير ٢/ ٦٥٢، و\"الدر المنثور\" ٤/ ٢٥٣، وعزاه إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم، ولم أقف عليه منسوبًا إلى إبراهيم.\n(٥) \"تأويل مشكل القرآن\" ص ٤٤٥، بنصه.","vol":"13","page":225},{"text":"ومن قال: أُمَّةً أي: مؤمنًا وحده؛ فلأنه اجتمع عنده من خلال الخير ما يكون مِثْلُه في أُمَّة، ومن هذا يقال: فلان أُمَّة وحْدَه، أي هو يقوم مقام أمة (١)، والكلام في وجوه الأمة ومعانيها قد تقدم (٢).\nوقوله تعالى: ﴿قَانِتًا لِلَّه﴾ قال ابن عباس والجميع: مطيعًا لله (٣).\nوقوله تعالى: ﴿حَنِيفًا﴾ قال ابن عباس: يريد أنه أول من اختتن وأقام مناسك الحج وضَحَّى، هذه صفة الحنيفية (٤)، والقنوت والحنيفية مما تقدم القول فيه (٥).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ قال ابن عباس: يريد أخلص لله التوحيد صبيًّا وكبيرًا (٦)، وذكرنا وجه حذف النون مِنْ يكن عند قوله: ﴿فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلَاءِ﴾ (٧) في سورة هود [١٠٩].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2124>١٢٢ </span>- قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ قال علي بن أبي طلحة\n_________\n(١) المصدر السابق بنصه.\n(٢) سورة البقرة [١٢٨].\n(٣) انظر: \"تفسير الفخر الرازي\" ٢٠/ ١٣٥، و\"تنوير المقباس\" ص ٢٩٥ و\"الدر المنثور\" ٤/ ٢٥٣، وعزاه إلى ابن المنذر، وأخرجه عبد الرزاق في \"مصنفه\" ٢/ ٣٦٠، بنحوه عن قتادة، وورد بلفظه في \"تفسير مقاتل\" ١/ ٢٠٩ أ، و\"تأويل مشكل القرآن\" ص ٤٥٢، و\"تفسير الطبري\" ١٤/ ١٩٢، عن مجاهد، وهود الهواري ٢/ ٣٩٤، و\"الماوردي\" ٣/ ٢١٩، عن ابن مسعود، والطوسي ٦/ ٤٣٧، وانظر: \"تفسير البغوي\" ٥/ ٥٠، والخازن ٣/ ١٤١.\n(٤) انظر: \"تفسير الفخر الرازي\" ٢٠/ ١٣٥، بنصه، والخازن ٣/ ١٤١، بلا نسبة.\n(٥) سورة البقرة آية: [١٣٥، ٢٣٨].\n(٦) انظر: \"تفسير الخارن\" ٣/ ١٤١، بنحوه بلا نسبة.\n(٧) منها أنها حذفت لكثرة استعمال هذا الحرف، وهو قول سيبويه وجُلّ البصريين.","vol":"13","page":226},{"text":"عن ابن عباس: يقول: الذكر الحسن (١)، وقال في رواية عطاء: يريد الصدق والوفاء والعبادة (٢).\nوقال الحسن: النبوة (٣). وقال مجاهد: لسان صدق في الآخرين (٤).\nوقال الكلبي: الثناء الحسن من بعده (٥).\nوقال مقاتل: يعني الصلوات عليه مقرونًا بالصلاة على محمد -ﷺ-؛ وهو قول المتشهد: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم (٦)، وهذه الأقوال متقاربة وجملتها تعود إلى تنويه الله بِذِكْره في الدنيا بطاعته لربه، ومسارعته إلى مرضاته، وإخلاصه في عبادته، حتى صار\n_________\n(١) انظر: \"تفسير ابن الجوزي\" ٤/ ٥٠٤، وأبي حيان ٥/ ٥٤٧.\n(٢) انظر: \"تفسير الفخر الرازي\" ٢٠/ ١٣٦، بنصه بلا نسبة.\n(٣) ورد في \"تفسير الماوردي\" ٣/ ٢١٩، بلفظه، والطوسي ٦/ ٤٣٨، بلفظه، وانظر: \"تفسير ابن الجوزي\" ٤/ ٥٠٤، وأبي حيان ٥/ ٥٤٧، و\"القرطبي\" ١٠/ ١٩٨، بلا نسبة.\n(٤) \"تفسير مجاهد\" ص ٣٥٤، بنحوه، أخرجه الطبري ١٤/ ١٩٣، بنحوه من طريقين، وورد في \"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ١١١، بنحوه، و\"تفسير الماوردي\" ٣/ ٢١٩، بنحوه، وانظر: \"تفسير ابن الجوزي\" ٤/ ٥٠٤، وأبي حيان ٥/ ٥٤٧، وابن كثير ٢/ ٦٥١، و\"الدر المنثور\" ٤/ ٢٥٣ وزاد نسبته إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(٥) ورد بنحوه غير منسوب في \"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢٥٥، وهود الهواري ٢/ ٣٩٤، والثعلبي ٢/ ١٦٦ أ، والبغوي ٥/ ٥١، و\"تفسير القرطبي\" ١٠/ ١٩٨، والخازن ٣/ ١٤١، و\"تنوير المقباس\" ص ٢٩٥.\n(٦) الخبر عن مقاتل بن حيان كما صرَّح البغوي وابن الجوزي؛ لذلك لم أجده في تفسير مقاتل بن سليمان، وقد ورد في \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٦٦ أ، بنحوه، وانظر: \"تفسير البغوي\" ٥/ ٥١، وابن الجوزي ٤/ ٥٠٤، والفخر الرازي ٢٠/ ١٣٦، بلا نسبة، والخازن ٣/ ١٤١ بلا نسبة.","vol":"13","page":227},{"text":"إمامًا يُقْتَدَى به، قال قتادة: فليس من أهل دين إلا يتولونه ويرضون به (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ وهو أيضًا كان في الدنيا من الصالحين، فلذلك قال: إن [من] (٢) بمعنى (مع)، وقال أهل المعاني: إنما قال: ﴿وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾، ولم يقل: في أعلى منازل الصالحين بحسب ما تقتضيه حاله من الفضل؛ لمدح من هو منهم، والترغيب في الصلاح ليكون صاحبُه في جَنْبِه إبراهيم، وناهيك بهذا الترغيب في الصلاح، وبهذا المدح لإبراهيم أن يُشَرَّفَ جُمْلة هو فيها، حتى يصير الاستدعاء إليه بأنه فيها (٣).\nقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ الآية. هذا يدل على أن دين محمد -ﷺ- دين إبراهيم، وشريعته كشريعته؛ حيث أُمر باتباعه وأُمرنا باتباعه، وهو الأفضل بسبقه إلى القول بالحق والعمل به من غير تقصير، وفيه قال عبد الله بن عمرو: أُمر باتباعه في مناسك الحج كما علَّم جبريلُ إبراهيمَ ﵉ (٤).\n_________\n(١) أخرجه الطبري ١٤/ ١٩٣، بنحوه، ورد في \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٦٦ أ، بنصه تقريبًا، و\"تفسير الماوردي\" ٣/ ٢٩١، بنحوه، والطوسي ٦/ ٤٣٨، بنحوه، وانظر: \"تفسير البغوي\" ٥/ ٥١، والزمخشري ٢/ ٣٤٨، وابن الجوزي ٤/ ٥٠٤، والخازن ٣/ ١٤١، و\"الدر المنثور\" ٤/ ٢٥٣، وزاد نسبته إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(٢) إضافة يقتضيها السياق ليستقيم المعنى، ولعلها سقطت.\n(٣) ورد في \"تفسير الطوسي\" ٦/ ٤٣٨، بنصه تقريبًا.\n(٤) أخرجه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" ٣/ ٣١٧، مفصلًا عن عبد الله بن عمرو عن النبي -ﷺ-، والثعلبي ٢/ ١٦٦ أ، مفصلًا عنه عن النبي -ﷺ-، وانظر: \"تفسير القرطبي\" ١٠/ ١٩٨، بنصه، وأورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ٢٥٤، مفصلًا وزاد نسبته إلى عبد الرزاق في المصنف وابن المنذر وابن مردويه والبيهقي في الشعب موقوفًا.","vol":"13","page":228},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2125>١٢٤ </span>- قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ الآية. قال مجاهد: اختلفوا فيه واتبعوه وتركوا الجمعة (١).\nوقال السدي: إن الله فرض على اليهود الجمعة فأبوا، وقالوا: يا موسى، إن الله لم يخلق يومًا أثقل علينا ولا أبغض إلينا من يوم الجمعة، فاجعل لنا يوم السبت، فلما جعل لهم السبت استحلوا منه ما حرم عليهم (٢).\nوقال الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس: أمرهم موسى بالجمعة فقال: تفرغوا لله في كل سبعة أيام يومًا واحدًا فاعبدوه في يوم الجمعة ولا تعملوا فيه شيئًا من صنعتكم، فأبوا أن يقبلوا ذلك وقالوا: لا نبغي إلا اليوم الذي فُرغ فيه من الخلق، يوم السبت، فجُعل عليهم السبت وشُدِّدَ عليهم فيه، ثم جاءهم عيسى بالجمعة، فقال النصارى: لا نريد أن يكون عِيدُهم بعد عيدنا فاتخذوا الأحد، هذا الذي ذكرنا هو قول أكثر المفسرين في هذه الآية (٣)، وهو معنى ما روى أبو هريرة أن النبيَّ -ﷺ- قال: \"إن الله كتب الجمعة على من كان قبلنا فاختلفوا فيه وهدانا الله له فالناس لنا فيه تبع\n_________\n(١) \"تفسير مجاهد\" ص ٣٥٥، بنصه، أخرجه الطبري ١٤/ ١٩٣ بنصه من طريقين، وورد في \"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢٥٥ بنصه، وانظر: \"تفسير ابن كثير\" ٢/ ٦٥٢.\n(٢) أورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ٢٥٤، بنحوه وعزاه إلى ابن أبي حاتم.\n(٣) ورد بنحوه منسوبًا إلى الكلبي في: \"تفسير هود الهواري\" ٢/ ٣٩٥ وليس فيه الخبر عن عيسى ﵇، والثعلبي ٢/ ١٦٦ أ، وانظر: \"تفسير البغوي\" ٥/ ٥٢، وابن الجوزي ٤/ ٥٠٥، والفخر الرازي ٢٠/ ١٣٧، والخازن ٣/ ١٤١، وورد في \"تفسير مقاتل\" ١/ ٢٠٩ أ، بنحوه، و\"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١١٤، بنحوه، والسمرقندي ٢/ ٢٥٥، بنحوه.","vol":"13","page":229},{"text":"اليهود غدًا والنصارى بعد غد\" (١) (٢).\nوعلى هذا القول معنى قوله: ﴿عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾، أي: اختلفوا فيه على نبيهم موسى؛ حيث أمرهم بالجمعة فاختاروا السبت، فاختلافهم في السبت كان اختلافًا على نبيهم في ذلك اليوم (٣)، أي لأجله لأنهم اختاروه ولم يختلفوا في اختياره، وهذا مما أشكل على كثير من المفسرين حتى قال بعضهم: معنى الاختلاف في السبت أن بعضهم قال هو أعظم الأيام حرمة؛ لأن الله فرغ فيه من خلق الأشياء، وقال آخرون: لا بل الأحد؛ لأن الله ابتدأ خلق الأشياء فيه (٤)، وهذا غلط؛ لأن اليهود لم يكونوا فريقين في يوم السبت، وإنما اختار الأحد النصارى بعدهم بزمان طويل.\nوقال بعض المفسرين أيضًا: أكثر اليهود قالوا: نريد اليوم الذي فرغ الله فيه من خلق الأشياء، وكان شرذمة منهم يرغبون في الجمعة، فهذا\n_________\n(١) في جميع النسخ: (غدًا)، وهو خطأ نحوي ظاهر.\n(٢) ورد في جميع المصادر بزيادة، وطرفه: \"نحن الآخرون السابقون يوم القيامة\" أخرجه أحمد (٢/ ٢٤٩، ٢٧٤، ٢٤١)، البخاري (٨٧٦) كتاب: الجمعة، باب: فرض الجمعة، ومسلم (٨٥٥) كتاب: الجمعة، باب: هداية هذه الأمة، والدارقطني (٢/ ٣)، والثعلبي ٢/ ١٦٦ ب، والبيهقي: الطهارة/ الغسل على من أراد الجمعة (١/ ٢٩٧، والبيهقي في \"الدلائل\" ٥/ ٤٧٥، والبغوي ٥/ ٥٢، والبغوي في شرح السنة: الجمعة/ فرض الجمعة ٤/ ٢٠٠، وورد في \"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢٥٥، وهود الهواري ٢/ ٣٩٥، والخازن ٣/ ١٤١، وابن كثير ٢/ ٦٥٢.\n(٣) ورد بنحوه في \"تفسير مقاتل\" ١/ ٢٠٩ أ، وهود الهواري ٢/ ٣٩٥.\n(٤) ورد في \"تفسير الطبري\" ١٤/ ١٩٣، بنصه، والثعلبي ٢/ ١٦٦ أ، بنصه، و\"تفسير الماوردى\" ٣/ ٢٢٠، بنصه، والطوسي ٦/ ٤٣٨، بنصه.","vol":"13","page":230},{"text":"اختلافهم (١)، وهذا القول أيضًا في الفساد كالأول، ولم يرو (٢) أحدٌ أن اليهود اختلفوا في اختيار السبت حتى مال بعضهم إلى الجمعة، ولكن لمّا أشكل على هؤلاء وجه اختلافهم في السبت تخبطوا واضطربوا حتى أتوا بما لا وجه له.\nوفي الآية قولٌ ثانٍ، وهو ما رواه عطاء عن ابن عباس قال: ﴿عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾، يريد تهاونوا وصادوا فيه وتعدوا (٣).\nوقال قتادة: استحله بعضهم وحرمه بعضهم (٤).\nوهذا قول سعيد بن جبير، وعلى هذا معنى اختلافهم في السبت: اختلافهم في استحلاله بالصيد فيه، وتحريمُه: ما ذكر الله تعالى قصتهم في سورة الأعراف [١٦٣] زمن داود، والوجه هو القول الأول؛ لأن السبت جعل عليهم من أول ما اختاروه لا من زمن داود -﵇-، ومعنى فجعل عليهم: أي جعل ذلك اليوم عقوبة وتشديدًا عليهم، ولم يجعل لهم ذلك اليوم كما ذكر الكلبي: أنهم لما تركوا الجمعة وأرادوا السبت بَدَلَها، جعل عليهم السبت وشدّد عليهم فيه، والآية تدل على نسخ ما سبق من الشريعة\n_________\n(١) انظر: \"تفسير الزمخشري\" ٢/ ٣٤٨، وابن عطية ٨/ ٥٤٤، وأبي حيان ٥/ ٥٤٨، و\"تفسير الألوسي\" ١٤/ ٢٥٣.\n(٢) في (ش)، (ع): (يروا) من الرؤية، والمثبت أصح من الرواية؛ كما هو السياق.\n(٣) ورد غير منسوب في \"تفسير الطوسي\" ٦/ ٤٣٨، بمعناه.\n(٤) أخرجه الطبري ١٤/ ١٩٤ بنصه، عن سعيد عن قتادة، ورد في \"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ١١٢، بنصه، عن سعيد عن قتادة، و\"تفسير الثعلبى\" ٢/ ١٦٦ ب، بنصه عن قتادة، وانظر: \"تفسير البغوي\" ٥/ ٥٢، عن قتادة، وابن الجوزي ٤/ ٥٠٥، عن قتادة، والخازن ٣/ ١٤٢، عن قتادة، وورد غير منسوب في \"تفسير هود الهواري\" ٢/ ٣٩٥، بنصه.","vol":"13","page":231},{"text":"في السبت بشريعة محمد -ﷺ-، حيث أخبر أن السبت جعل عليهم ولم يجعل علينا.\nوذكر بعض أهل المعاني أن وجه اتصال معنى هذه الآية بمعنى الآية السابقة هو: أنه لمّا أُمر النبيّ -ﷺ- باتباع الحق، حذر من الاختلاف عليه فيه بما ذكر من حال الذين اختلفوا على نبيهم في السبت بما ليس لهم أن يختلفوا فيه، فشدد عليهم أمره وضيق (١).\nوذكر أبو إسحاق القولين في هذه الآية فقال: جاء في التفسير أنهم أُمروا بأن يتخذوا الجمعة عيدًا، فخالفوا وقالوا: نريد يوم السبت، واختار القول الأول فقال: هو أدل على ما جاء في الاختلاف في السبت (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2126>١٢٥ </span>- قوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ﴾ قال ابن عباس: دين ربك (٣).\n﴿بِالْحِكْمَةِ﴾ قال أهل التفسير: بالنبوة (٤)، ﴿وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ يعني مواعظ القرآن، ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ أي افتلهم عما هم عليه، غير فظ ولا غليظ القلب في ذلك، أي ألن لهم جانبك (٥)، ومعنى: ﴿بِالَّتِي هِيَ\n_________\n(١) ورد في \"تفسير الطوسي\" ٦/ ٤٣٨، بنصه تقريبًا، وانظر: \"تفسير القرطبي\" ١٠/ ٢٠٠.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٢٣، بنصه.\n(٣) انظر: \"تنوير المقباس\" ص ٢٩٥، وورد بلفظه غير منسوب في \"تفسير مقاتل\" ١/ ٢٠٩ أ، والسمرقندي ٢/ ٢٥٥، والثعلبي ٢/ ١٦٦ ب، والخازن ٣/ ١٤٢.\n(٤) ورد بلفظه في \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٢٣، و\"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢٥٥، و\"تفسير الماوردي\" ٣/ ٢٢٠، والطوسي ٦/ ٤٤٠، وانظر: \"تفسير ابن الجوزي\" ٤/ ٥٠٦، والخازن ٣/ ١٤٣، وأبي حيان ٥/ ٥٤٩.\n(٥) ورد في \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٢٣، بنصه تقريبًا، وانظر: \"تفسير ابن الجوزي\" ٤/ ٥٠٦.","vol":"13","page":232},{"text":"أَحْسَنُ﴾ بالكلمة التي هي أحسن.\nقال مجاهد: أي أعرض عن أذاهم إياك كله (١)، قال: لا تقابلهم بسوء، وهذا قبل الأمر بالقتال.\nوقال عطاء عن ابن عباس: ﴿بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ بلا إله إلا الله (٢)، كأنه قال: جادلهم بهذه الكلمة، ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ﴾ إلى آخرها، معناه: هو أعلم بالفريقين، فهو يأمرك فيهما بما فيه الصلاح.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2127>١٢٦ </span>- قوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا﴾ الآية. هذه الآية فيها ثلاثة أقوال للمفسرين:\nأحدها: وهو الذي عليه العامة، أنها نزلت لمّا قال النبيّ -ﷺ- حين نظر إلى حمزة وقد مُثِّلَ به: \"والله لأمثلن بسبعين منهم مكانك\"، فنزل جبريل والنبيّ -ﷺ- واقف بعد، بخواتيم سورة النحل، فصبر رسول الله -ﷺ- وكفّر عن يمينه وأمسك عما أراد، هذا قول ابن عباس في رواية عطاء وأبي بن كعب والشعبي (٣)، وعلى هذا قالوا: سورة النحل كلها مكية إلا هذه الآيات\n_________\n(١) \"تفسير مجاهد\" ص ٣٥٥ بنصه، أخرجه الطبري ١٤/ ١٩٤ بنصه من طريقين، و\"الدر المنثور\" ٤/ ٢٥٥، وزاد نسبته إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(٢) انظر: \"تفسير ابن الجوزي\" ٤/ ٥٠٦، بنصه، و\"تنوير المقباس\" ص ٢٩٥ بنصه.\n(٣) أخرجه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (٧/ ٣٦٦) بمعناه عن الشعبي، وأحمد ٥/ ١٣٥، بنحوه من طريقين عن أُبي، والترمذي كتاب: التفسير/النحل، بمعناه عن أُبي وحسنه، والنسائي في \"التفسير\" ١/ ٦٤١، بمعناه عن أُبي، والطبري ١٤/ ١٩٥، بنحوه عن عطاء بن يسار، إلا أن فيها: لنُمثلنَّ بثلاثين رجلًا منهم، والطبراني في \"الكبير\" ١١/ ٦٢، بنحوه عن ابن عباس، وفيه: لأمثلن بثلاثين، والحاكم: التفسير، النحل (٢/ ٣٥٩) بمعناه عن أبي وقال صحيح الإسناد، والبيهقي في \"الدلائل\" ٣١/ ٢٨٨ - ٢٨٩، بنحوه عن ابن عباس، وبمعناه عن أُبي، والواحدي =","vol":"13","page":233},{"text":"الثلاث، فإنها نزلت بالمدينة (١).\nالقول الثاني: أن هذا كان قبل الأمر بالسيف والجهاد حين كان المسلمون قد أمروا بقتال من يقاتلهم ولا يبدؤوا بالقتال، وهو قوله: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا﴾ [البقرة: ١٩٠]، وفي هذه الآية أُمروا أن يعاقبوا بمثل ما أصابهم من العقوبة ولا يزيدوا، فلما نزلت سورة برآءة نُسخت هذه الآية، كما نُسخ قولُه: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآية. وهذا قول ابن عباس والضحاك (٢).\n_________\n= في \"أسباب النزول\" ص ٢٩١ بنحوه عن أبي هريرة وابن عباس، وورد بنحوه في \"سيرة ابن هشام\" ٣/ ٤٧، و\"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ١١٣ وقال: فأمَّا حديث أبي هريرة وابن عباس فإسنادهما ضعيف، وورد في: \"تفسير الجصاص\" ٣/ ١٩٤، بنحوه عن الشعبي وعطاء، والسمرقندي ٢/ ٢٥٦، بنحوه عن ابن عباس، والطوسي ٦/ ٤٤٠، عن الشعبي وعطاء، وانظر: \"تفسير ابن الجوزي\" ٤/ ٥٠٧، عن ابن عباس وأُبي، وابن كثير ٢/ ٦٥٢ - ٦٥٣، عن عطاء بن يسار، وقال: وهذا مرسل، وفيه رجل مبهم لم يسم، كما ذكر أنه روي متصلًا وعزاه إلى البزار عن أبي هريرة، وقال: وهذا إسناد فيه ضعف؛ لأن صالحًا هو ابن بشير المري ضعيف عند الأئمة، وقال البخاري هو منكر الحديث، وأورده كذلك بنحوه عن الشعبي وأُبي، وأورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ٢٥٥، بمعناه وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان وابن مردويه عن أبي بن كعب، وأورده بنحوه، ٤/ ٢٥٥، وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن مردويه عن ابن عباس، والحديث يرتقي بكثرة طرقه إلى الحسن لغيره، وقد حسّنه الترمذي كما صححه الحاكم، وقال الألباني: حسن صحيح الإسناد. \"صحيح سنن الترمذي\" (٣١٢٩).\n(١) ورد في \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٦٦ ب، بنصه، وانظر: \"تفسير ابن الجوزي\" ٤/ ٤٢٥، والفخر الرازي ١٩/ ٢١٧.\n(٢) أخرجه الطبري ١٤/ ١٩٦، بمعناه عن ابن عباس من طريق العوفي ضعيفة، وورد بنحوه في \"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ١١٢، عن الضحاك، و\"تفسير الثعلبي\" =","vol":"13","page":234},{"text":"القول الثالث: أن هذه الآية نزلت في نهي المظلوم أن ينال من ظالمه أكثر مما نال منه، وهذا قول مجاهد وإبراهيم وابن سيرين وسفيان (١)؛ قال مجاهد في هذه الآية: لا تعتدوا (٢).\nوقال ابن سيرين: يقول: إنْ أَخذَ رجلٌ منك شيئًا فخذ منه مثله (٣)، ونحوه لفظ إبراهيم.\nوقال سفيان: لا تأخذ دينارًا مكان درهم (٤)، وعلى هذا القول: الآية محكمة (٥).\nغير أن علي بن أبي طلحة روى عن ابن عباس أنه قال: نزلت هذه\n_________\n= ٢/ ١٦٧ أ، عنهما، وورد بنحوه غير منسوب في \"تفسير الطوسي\" ٦/ ٤٤١، وانظر: \"تفسير البغوي\" ٥/ ٥٣، عنهما، وابن الجوزي ٤/ ٥٠٨، عنهما، والخازن ٣/ ١٤٣، عنهما، و\"الدر المنثور\" ٤/ ٢٥٦، وزاد نسبته إلى ابن مردويه عن ابن عباس، وقد مضى الرد على المبالغة في دعوى نسخ بعض الآيات بآية السيف عند آية [٨٥]، من الحجر ١/ ٣٥٩.\n(١) ورد في \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٦٧ أ، بنحوه عنهم، والطوسي ٦/ ٤٤١، بنحوه عنهم عدا سفيان.\n(٢) \"تفسير مجاهد\" ٣٥٥، بلفظه، أخرجه الطبري ١٤/ ١٩٧ بلفظه من طريقين، وورد في: \"تفسير الجصاص\" ٣/ ١٩٤، بمعناه، و\"تفسير الماوردي\" ٣/ ٢٢١ بمعناه، وانظر:\"تفسير ابن كثير\" ٢/ ٦٥٢، و\"الدر المنثور\" ٤/ ٢٥٦، وزاد نسبته إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر.\n(٣) أخرجه عبد الرزاق في \"مصنفه\" ٢/ ٣٦١ بنصه عنهما، والطبري ١٤/ ١٩٧، بنصه عنهما، وورد في: \"تفسير الجصاص\" ٣/ ١٩٤، بمعناه، و\"تفسير الماوردي\" ٣/ ٢٢١، بمعناه، وانظر: \"تفسير ابن كثير\" ٢/ ٦٥٢، عنهما، و\"الدر المنثور\" ٤/ ٢٥٦، وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(٤) أخرجه عبد الرزاق في \"مصنفه\" ٢/ ٣٦١ بمعناه، والطبري ١٤/ ١٩٧ بمعناه.\n(٥) وهو ما رجحه الطبري في ١٤/ ١٩٧، والفخر الرازي ٢٠/ ١٤٣.","vol":"13","page":235},{"text":"الآية وقوله: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُم﴾ الآية، [البقرة: ١٩٤] وقوله: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ﴾ [الشورى: ٤١]، وقوله: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ الآية، [الشورى:٤١] بمكة، والمسلمون يومئذ قليل، ليس لهم سلطان يقهر المشركين، فأمر الله المسلمين أن يجازوا بمثل ما أتى إليهم أو يصبروا فهو أمثل، فلما هاجر رسول الله -ﷺ- إلى المدينة وأعز الإسلام، أَمرَ المسلمين أن ينتهوا في مظالمهم إلى (١) سلطانهم، وأن لا يعدو بعضهم على بعض كأهل الجاهلية، فقال: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ الآية. [الإسراء: ٣٣] يقول: ينصره السلطان حتى ينصفه من ظالمه، فمن انتصر لنفسه دون السلطان فهو عاص مسرف قد عمل بحمية الجاهلية ولم يرض بحكم الله (٢)، فعلى هذا نُسخ من الآية أن يتولى المظلوم أخذَ القصاص، بل يجب أن يرفع ذلك إلى السلطان حتى يعاقب خصمه بمثل ما عاقبه، ثم أخبر أن الصبر خير وأفضل، فقال: ﴿وَلَئِنْ صَبَرْتُم﴾، أي: عن المجازاة بالمُثْلَة، أو على ما يصيبكم من أذى المشركين، أو على ظلم من ظلمكم، ﴿لَهُوَ﴾، أي: الصبر، ﴿خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2128>١٢٧ </span>- ثم أمر نبيه -﵇- بالصبر عزمًا، فقال: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾، أي: بتوفيقه ومعونته، ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾، أي: على المشركين\n_________\n(١) في (أ)، (د): (أي)، والمثبت هو الصحيح وموافق للمصادر.\n(٢) أخرجه الطبري ٢/ ١٩٩، بنحوه من طريق ابن أبي طلحة صحيحة، والبيهقي في السنن: الجنايات/الولي لا يستبد بالقصاص دون الإمام (٨/ ٦١) بنصه، وأورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ١/ ٣٧٣، بنصه وزاد نسبته إلى أبي داود في ناسخه وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"13","page":236},{"text":"بإعراضهم عنك، وقيل: على قتلى (١) أُحد؛ فإنهم أفضوا إلى رحمة الله وكرامته (٢).\nوقوله: ﴿وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُون﴾، قراءة العامة بفتح الضاد (٣)، واختاره أبو عبيد، وقال: لأن الضِّيق بالكسر في قلة المعاش والمساكن، وما كان في القلب فإنه الضَّيْق (٤).\nوقال أبو عمرو: الضَّيْق، بفتح الضاد: الغَمُّ، والضِّيق، بالكسر: الشدة (٥)، ونحو هذا قال الفراء: الضَّيْق: ما ضاق عنه صدرك، والضَّيق: ما يكون في الذي يتسع؛ مثل الدار والثوب وأشباه ذلك (٦).\nوقال أبو عبيدة: ضَيْق تخفيف ضَيِّق، مثل مَيِّت، يقال: أمر ضَيْق وضَيّق (٧).\nوقال أبو الحسن الأخفش: الضيق: مصدر ضاق يضيق ضَيْقًا،\n_________\n(١) في جميع النسخ: (قتل)، والصحيح المثبت.\n(٢) انظر: \"تفسير ابن عطية\" ٨/ ٥٥٠، وصوب الأول؛ وعليه يكون عود الضمائر على جهة واحدة، وذكر كذلك ابن الجوزي ٤/ ٥٠٨، الوجهين، ونسب الأول لابن عباس، وعزا الثاني للواحدي.\n(٣) انظر: \"السبعة\" ص ٣٧٦، و\"علل القراءات\" ١/ ٣١٠، و\"الحجة للقراء\" ٥/ ٨٠، و\"المبسوط في القراءات\" ص ٢٢٦، و\"الكشف عن وجوه القراءات\" ٢/ ٤١، و\"التيسير\" ص ١٣٩، و\"تلخيص العبارات\" ص ١١١، و\"المُوضح في وجوه القراءات\" ٢/ ٧٤٦.\n(٤) ورد في \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٦٧ أ، بنصه تقريبًا، وانظر: \"تفسير الخازن\" ٣/ ١٤٤.\n(٥) ورد في \"تفسير الثعلبي\" ٢/ ١٦٧ أ، بنصه، وفي \"علل القراءات\" ١/ ٣١١، عن أبي عمرو: والضَّيق الشيء الضَّيِّق، والضِّيق المصدر.\n(٦) \"معاني القرآن\" ٢/ ١٥٥، بنصه، وانظر: \"تهذيب اللغة\" (ضيق) ٣/ ٢٠٨٢، بنصه.\n(٧) \"مجاز القرآن\" ١/ ٣٦٩، بنحوه، وهو قول ابن قتيبة كذلك. انظر: \"الغريب\" لابن قتيبة ص ٢٤٩.","vol":"13","page":237},{"text":"وضِيْقًا، لغتان في المصدر (١).\nقال أبو علي: وينبغي أن يحمل ضيق هاهنا على أنه مصدر لا على ما قال أبو عبيدة؛ لأن فيه (٢) إقامة الصفة مقام الموصوف من غير ضرورة (٣)، ولأن المعنى: لا تكن في ضيق، أي لا يضق (٤) صدرك من مكرهم، كما قال: ﴿وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ﴾ [هود: ١٢]، وليس المعنى: ولا تَكُ في أمرٍ ضَيِّق (٥)، وقرأ ابن كثير في ﴿ضِيق﴾ بكسر الضاد (٦)، وهما لغتان كما قال أبو الحسن، فمن كسر في معنى من فتح (٧)، وذكرنا أبلغ وأتم من هذا في\n_________\n(١) لم أجده في معانيه، وورد في \"الحجة للقراء\" ٥/ ٨٠، بنحوه، وفي تفسيره \"الوسيط\"، تحقيق سيسي ٢/ ٤٦١، بنصه، وانظر: \"تفسير القرطبي\" ١٠/ ٢٠٣.\n(٢) أي في حمله على أنه مخفف من ضَيّق.\n(٣) ودعواه هذه بينها ابن عطية؛ فقال: إن الصفة إنما تقوم مقام الموصوف إذا تخصص الموصوف من نفس الصفة، كما تقول رأيت ضاحكًا فإنما تخصص الإنسان، ولو قلت رأيت باردًا لم يحسن كما قال سيبويه وضيق لا يخصص الموصوف، وقد أجاز الفخر الرازي إقامة الموصوف مقام الصفة في هذه الآية لفائدة، وهي أن الضيق إذا عظم وقوي صار كالشيء المحيط بالإنسان من كل الجوانب، وصار كالقميص المحيط به، فكانت الفائدة في ذكر هذا اللفظ هذا المعنى. انظر: \"تفسير ابن عطية\" ٨/ ٥٥١، والفخر الرازي ٢٠/ ١٤٣، وأبي حيان ٥/ ٥٥٠.\n(٤) في جميع النسخ: (لا يضيق)، وهو خطأ نحوي، والتصويب من المصدر.\n(٥) \"الحجة للقراء\" ٥/ ٨٠، بتصرف يسير.\n(٦) انظر: \"السبعة\" ص ٣٧٦، و\"علل القراءات\" ١/ ٣١٠، و\"الحجة للقراء\" ٥/ ٧٩، و\"المبسوط في القراءات\" ص ٢٢٦، و\"الكشف عن وجوه القراءات\" ٢/ ٤١، و\"التيسير\" ص ١٣٩، و\"تلخيص العبارات\" ص ١١١، و\"المُوضح في وجوه القراءات\" ٢/ ٧٤٦.\n(٧) ورد في \"الحجة للقراء\" ٥/ ٨٠، بنصه تقريبًا، وإليه ذهب ابن السِّكِّيت في \"الإصلاح\" ص ٣٢ فقال: ويقال في صدر فلان ضِيقٌ وضَيْق، ومكانٌ ضَيِّقٌ وضَيْقٌ، وكذلك ابن قتيبة في \"أدب الكاتب\" ص ٥٢٨، وقال السمرقندي ٢/ ٢٥٦: ومعناهما واحد؛ أي: لا يضق صدرك مما يقولون لك ويصنعون بك.","vol":"13","page":238},{"text":"سورة النمل [آية: ٧٠].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2129>١٢٨ </span>- قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ قال ابن عباس: يريد خَافَوْني ولم يشركوا بي شيئًا، ﴿وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ يريد موحدون، وقال الحسن: اتقوا الله فيما حرم عليهم وأحسنوا فيما افترض عليهم (١)، ونحوه قال الكلبي: اتقوا الفواحش والكبائر (٢).\n﴿وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾: في العمل. وقال الزجاج في هذه الآية: قد وعدوا النصر (٣)، أي أن الله ناصرهم كما قال: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠].\n_________\n(١) أخرج عبد الرزاق في \"مصنفه\" (٢/ ٣٦٤) بنصه، وأخرجه الطبري ١٤/ ١٩٨ بنصه من طريقين، وورد في \"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ١١٤، بنحوه، وانظر: \"الدر المنثور\" ٤/ ٢٥٦، وزاد نسبته إلى سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(٢) ورد بنصه غير منسوب في \"تفسير الوسيط\" تحقيق سيسي ٢/ ٤٦١، و\"تفسير القرطبي\" ١٠/ ٢٠٣، و\"تنوير المقباس\" ص ٢٩٥.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٢٤، بنحوه.","vol":"13","page":239},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2130>سورة الإسراء</span>","vol":"13","page":241},{"text":"تفسير سورة الإسراء\nبسم الله الرحمن الرحيم\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2131>١ </span>- ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ الآية. قال النحويون: ﴿سُبْحَانَ﴾: اسم موضوع في موضع مصدر سبَّحتُ الله تسبيحًا وسبحانًا، فالتسبيح هو المصدر، وسبحان اسم منه (١)؛ كقولك: كَفَّرتُ اليمين تكفيرًا وكُفْرانًا (٢)، وتأويله في المعنى: أنه البراءة والتنزيه لله مما يُنْفَى عنه، والتسبيح يُذْكر بمعنى الصلاة، ومنه قوله: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ﴾ [الصافات: ١٤٣]، أي: من المصلين (٣)، والسُّبْحةُ: الصلاة النافلة (٤)،\n_________\n(١) انظر: \"الكتاب\" ١/ ٣٢٢، و\"المقتضب\" ٣/ ٢١٧، و\"تفسير الطبري\" ١٥/ ١، و\"المخصص\" ١٧/ ١٦٣، و\"أمالي ابن الشجري\" ٢/ ١٠٧، و\"شرح المفصل\" ١/ ٣٧، و\"الخزانة\" ٧/ ٢٤٥.\n(٢) ورد في \"تفسير الطوسي\" ٦/ ٤٤٤ بنصه وعزاه إلى أبي عبيد، وليس في غريبه، انظر: \"تفسير الفخر الرازي\" ٢٠/ ١٤٥، و\"القرطبي\" ١٠/ ٢٠٤.\n(٣) ورد في \"غريب الحديث\" ١/ ٩٨ بلفظه، و\"الغريب\" لابن قتيبة ٢/ ٩٦ بلفظه، أخرجه \"الطبري\" ١٥/ ١ بلفظه عن ابن عباس وابن جبير والسديّ، وورد بلفظه في \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٣١٣، و\"تهذيب اللغة\" (سبح) ٢/ ١٦١٠، و\"المفردات\" ص ٣٩٢، و\"تفسير الماوردي\" ٣/ ٢٢٤، و\"الطوسي\" ٦/ ٤٤٥، انظر: \"تفسير الفخر الرازي\" ٢٠/ ١٤٦.\n(٤) ورد بنحوه في \"غريب الحديث\" ١/ ١٩٨، و\"تهذيب اللغة\" (سبح) ٢/ ١٦١٠، عن الليث، و\"المحيط في اللغة\" (سبح) ٢/ ٤٩٥، و\"تفسير الطوسي\" ٦/ ٤٤٥، انظر: \"تفسير الفخر الرازى\" ٢٠/ ١٤٦، و\"اللسان\" (سبح) ٤/ ١٩١٦.","vol":"13","page":243},{"text":"وإنما قيل للمصلي: مُسَبِّح؛ لأنه معظم لله بالصلاة تعظيم المنزه له عما لا يجوز في صفته، وورد التسبيح بمعنى الاستثناء في قوله -عزوجل-: ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُون﴾ [القلم: ٢٨]، أي: [لو] (١) لا تستثنون (٢)، وهو لغة لبعض اليمن، وتأويله يعود إلى تعظيم الله في الاستثناء بمشيئته (٣).\nوجاء في الحديث: \"لولا ذلك لأحْرَقَتْ سُبُحاتُ وَجْهِهِ ما أدرَكَتْ مِنْ شَيء\" (٤) فيقال: إنه نور وجهه (٥).\nقال أبو عبيد: ولم نَسمع هذه الكلمة ولا نَعرف لها شاهدًا في كلامهم\n_________\n(١) ما بين المعقوفين إضافة ليتلاءم لفظ التفسير مع لفظ الآية.\n(٢) أخرجه \"الطبري\" ١٥/ ١، بنحوه عن مجاهد من طريقين، وورد في \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٠٩، بنحوه، و\"المحيط في اللغة\" (سبح) ٢/ ٤٩٥، بنحوه، و\"المفردات\" ص ٣٩٣، بنحوه، و\"تفسير الماوردي\" ٣/ ٢٢٤ بنصه، والطوسي ٦/ ٤٤٥، بنحوه.\nانظر: \"تفسير الفخر الرازي\" ٢٠/ ١٤٦، و\"عمدة الحفاظ\" ٢/ ١٨٩.\n(٣) قال الزجاج: فالاستثناء تعظيم الله والإقرار بأنه لا يقدر أحدٌ أن يفعل فعلًا إلا بمشيئة الله -عزوجل-.\nانظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٠٩.\n(٤) طرفه: \"إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام .. \"، عن أبي موسى، أخرجه أحمد ٤/ ٤٠١، ٤٠٥، بنحوه، ومسلم (١٧٩) كتاب: الإيمان، باب: قوله (: \"إن الله لاينام\" بنحوه، ابن ماجه (١٩٥) كتاب: المقدمة فيما أنكرت الجهمية ١/ ٣٩، وابن أبي عاصم في \"السنة\" ١/ ٢٧٢، بنحوه، والآجري في \"الشريعة\" ص ٢٩١، ٣٠٤، والسهمي في \"تاريخ جرجان\" ص ١٣٠ - بنحوه، والبيهقي في \"الأسماء والصفات\" ص ٣٩١، بنحوه، والبغوي في \"شرح السنة\" الإيمان الرد على الجهمية ١/ ١٧٣، بنحوه، وورد في \"غريب الحديث\" ١/ ٤٥٧ - بنحوه، و\"تفسير الطبري\" ٨/ ٣ بنصه.\n(٥) ورد في \"تهذيب اللغة\" (سبح) ٢/ ٦١٠ بنصه، قالي ابن شميل.","vol":"13","page":244},{"text":"إلا في الحديث (١).\nوقال غيره: (سُبُحات وجهه): نور وجهه الذي إذا رآه الرائي قال: سبحان الله (٢)، قال سيبويه معنى سبحان الله: براءة الله من السوء (٣)، و(سبحان) اسم لهذا المعنى معرفة، يدل على ذلك قول الأعشى:\nسبحانَ مِنْ عَلْقمَةَ الفَاجِرِ (٤)\nأي براءة منه، وهو ذِكْرٌ بِعِظَمِ اللهِ لا يصلح لغيره، وإنما ذَكَرَه الشاعرُ نادرًا؛ بأن ردَّه إلى الأصل وأجراه كالمثل (٥).\n_________\n(١) \"غريب الحديث\" ٣/ ١٧٣، بنحوه.\n(٢) ورد في \"تفسير الطوسي\" ٦/ ٤٤٥ بنصه، وعزاه إلى المبرد.\n(٣) \"الكتاب\" ١/ ٣٢٤ بنصه، وورد في \"تهذيب اللغة\" (سبح) ٢/ ١٦٠٩ بنصه.\n(٤) وصدره:\nأقولُ لما جاءني فجرُهُ.\n\"ديوانه\" ص ٩٣، وورد في \"الكتاب\" ١/ ٣٢٤، و\"مجاز القرآن\" ١/ ٣٦، و\"جمهرة اللغة\" ١/ ٢٧٨، و\"الخصائص\" ٢/ ٤٣٥، و\"وتهذيب اللغة\" (سبح) ٢/ ١٦٠٩، و\"مجمل اللغة\" ١/ ٤٨٢، و\"أمالي ابن الشجري\" ٢/ ١٠٧، ٥٧٨، و\"تفسير الثعلبي\" ٧/ ٩٣أ، و\"الطوسي\" ٦/ ٤٤٥، و\"الأساس\" ١/ ٤١٨، و\"شرح المفصل\" ١/ ٣٧، و\"اللسان\" (سبح) ٤/ ١٩١٤، و\"الدر المنثور\" ٤/ ٢٥٨، و\"الخزانة\" ٧/ ٢٣٧، وورد بلا نسبة في \"المقتضب\" ٨/ ٢١٣، و\"الخصائص\" ٢/ ١٩٧، و\"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ١١٨، و\"المخصص\" ١٥/ ١٨٧ و\"المفردات\" ص ٣٩٣، و\"تفسير الماوردي\" ٣/ ٢٢٣، و\"عمدة الحفاظ\" ٢/ ١٨٨. وفي جميع المصادر -عدا الديوان- فخره، الفاخر، فلعلها تصحفت فيه، فرواية المصادر أصح؛ لأن الكلام في الفخر لا الفجْر، كما قال أبو عبيدة: قال الأعشى تبرؤا وتكذيبًا لفخر علقمةَ. \"مجاز القرآن\" ١/ ٣٦.\n(٥) ورد في \"تفسير الطوسي\" ٦/ ٤٤٥ بنصه تقريبًا، قال الراغب: تقديره سُبحان علقمة، على طريق التهكم، فزاد فيه (منْ) ردًا إلى أصله، وقيل: أراد سبحان الله =","vol":"13","page":245},{"text":"وقال صاحب النظم: السبح في اللغة: التباعد، يدل عليه قوله -﷿-: ﴿إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا﴾ [المزمل: ٧] أي متباعدًا في المذهب والمدة لما تريد من قضاء حوائجك، ومعنى سَبَّحَ الله: بعّده ونزهه عما لا يليق به (١)، والتنزيه معناه: التبعيد (٢)، و﴿سُبْحَنَ﴾ اسم بمعنى المصدر، موضوع موضع الفعل، وكثيرًا ما تضع العربُ المصادرَ مواضع الأفعال؛ كقوله ﷿: ﴿فَضَرْبَ اَلرِّقَابِ﴾ [محمد: ٤] أي اضربوها، ومثله: ﴿وَقِيلِهِ يَا رَبِّ﴾ [الزخرف: ٨٨] أي ويقول، فعلى هذا معنى ﴿سُبْحَنَ﴾ أي سَبِّحوه ونَزِّهوه عن الشريك والولد و(٣) ما لا يجوز في صفته، ويجوز أن يكون هذا التنزيه راجعًا إلى الله تعالى، وبذلك فسَّر ابن عباس فقال: نزّه (٤) نفسه (٥)، وعلى هذا يجوز أن ينتصب ﴿سُبْحَنَ﴾ على النداء بمعنى: يا سبحان الذي أسرى بعبده.\nقال الزجاج: معناه سَيَّر عبدَه (٦)، يعني محمدًا -ﷺ-، ومضى الكلام\n_________\n= من أجل علقمة، وقد اعترض السمين والبغدادي على قوله الأول؛ فقال السمين: وفيه نظر، وقال البغدادي: وهو ضعيف لغةً وصناعة، انظر: \"الدر المصون\" ١/ ٢٥٩، و\"الخزانة\" ٧/ ٢٤٥.\n(١) انظر: \"تفسير الفخر الرازي\" ٢٠/ ١٤٥ بنصه.\n(٢) انظر (سبح) في \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٦٠٩، و\"اللسان\" ٤/ ١٩١٤.\n(٣) الواو ساقطة من (أ)، (د).\n(٤) في جميع النسخ: نزّهه، والصحيح المثبت كما في سورة النحل [آية: ١] عن ابن عباس أيضًا.\n(٥) انظر: \"تنوير المقباس\" ص ٢٨٢، وورد غير منسوب في \"تفسير مقاتل\" ١/ ٢٠٠ أ، و\"هود الهواري\" ٢/ ٣٥٩، و\"السمرقندي\" ٢/ ٢٢٨، و\"الفخر الرازي\" ١٩/ ٢١٨.\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٢٥ بنصه.","vol":"13","page":246},{"text":"في السُّرَى والإسراء (١).\nوقوله تعالى: ﴿لَيْلًا﴾ قال مقاتل: كان ذلك الليل قبل الهجرة بسنة (٢)، ﴿مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ اختلفوا فيه، فقال الحسن وقتادة: يعني نفس المسجد (٣)، يدل عليه ما روى أنس والحسن: أن النبي -ﷺ- قال: \"بينا أنا في المسجد الحرام في الحجر عند البيت بين النائم واليقظان إذ أتاني جبريل بالبراق .. \" (٤) وذكر حديث المعراج.\n_________\n(١) سورة هود آية [٨١].\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ١/ ٢١٠ بنصه.\n(٣) ورد في \"تفسير الجصاص\" ٣/ ١٩٥ بنصه عنهما، و\"الطوسي\" ٦/ ٤٤٦ بنصه عنهما، انظر: \"تفسير ابن الجوزي\" ٥/ ٤، عنهما.\n(٤) ثبت حديث الإسراء والمعراج بعدة روايات مختصرة ومطولة وفي بعض الروايات زيادات لا تصح، فرواه أنس بن مالك ومالك بن صعصعة -﵄- برواية: \"بينما أنا في الحطيم- الحِجْر- مضطجعًا إذ أتاني .. \" أخرجه أحمد ٤/ ٢٠٨، والبخاري (٣٢٠٧) كتاب: بدء الخلق، باب: ذِكْر الملائكة ٣/ ١١٧٣ وفي: فضائل الصحابة/المعراج (٣/ ١٤١٠، والبيهقي في \"الدلائل\" ٢/ ٣٧٧، وابن عبد البر في \"التمهيد\" ٨/ ٣٨، والبغوي في \"شرح السنة\" الفضائل/المعراج ١٣/ ٣٣٦، ورواه أنس بن مالك وأبو سيد برواية: (أُتيت بالبراق) و(أُتيت بدابة) أخرجه أحمد ٣/ ١٤٨، ومسلم (١٦٢) كتاب: الإيمان، باب: الإسراء، و\"عبد الرزاق\" ٢/ ٣٦٥، و\"الطبري\" ١٥/ ٣ - ٤، والبيهقي في \"الدلائل\" ٢/ ٣٨٢، والبغوي في \"شرح السنة\" ١٣/ ٣٤٣، وراه أبو ذر برواية: (فُرج سقف بيتي وأنا بمكة)، وأخرجه مسلم (١٦٣) كتاب: الإيمان، باب: الإسراء، و\"البغوي\" ٥/ ٦٠، ورواه مالك بن صعصعة برواية: (بينا أنا عند البيت بين النائم واليقظان) أخرجه مسلم (١٦٤)، كتاب: الأيمان، باب: الإسراء، و\"الطبري\" ١٥/ ٣، والبيهقي في \"الدلائل\" ٢/ ٣٧٣، وورد بنحوه في \"تفسير مقاتل\" ١/ ٢١١ أ، وسيرة ابن هشام ٢/ ٢ - ١٠، و\"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢٥٨، و\"هود الهواري\" ٢/ ٣٩٧، و\"الثعلبي\" ٧/ ٩٣ ب، و\"تفسير =","vol":"13","page":247},{"text":"وقال عامة المفسرين: أُسري برسول الله -ﷺ- من دار أمِّ هانئ (١)، وعلى هذا أراد بالمسجد الحرام مكة، ومكة والحرم كله مسجد (٢)، وهو اختيار الفراء (٣) والزجاج (٤)، ﴿إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ قالوا كلهم: يعني بيت المقدس (٥)، وقيل له: الأقصى؛ لبعد المسافة بينه وبين المسجد الحرام (٦).\nوقوله تعالى: ﴿الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾، الأكثرون قالوا: باركنا حوله\n_________\n= البغوي\" ٥/ ٥٩، و\"القرطبي\"١٠/ ٢٠٥، و\"الخازن\" ٣/ ١٤٥، وابن كثير ٣/ ٣ - ٢٨، و\"مجمع الزوائد\" ١/ ٦٤ - ٧٣، و\"الدر المنثور\" ٤/ ٢٥٨، و\"الكنز\" ١١/ ٣٨٥ - ٣٩١، و\"تهذيب تاريخ ابن عساكر\" ١/ ٣٨٠.\n(١) أخرجه \"الطبري\" ١٥/ ٢، بنحوه عن الكلبي عن أبي صالح عنها طريق واهية، وورد بنحوه في: \"تفسير الجصاص\" ٣/ ١٩٤، عنها، و\"السمرقندي\" ٢/ ٢٥٨، عن ابن عباس، و\"الثعلبي\" ٧/ ٩٣ أ، عن الكلبي، انظر: \"تفسير ابن الجوزي\" ٥/ ٤، و\"الفخر الرازي\" ٢٠/ ١٤٦.\nتقدمت ترجمتها.\n(٢) ورد في \"تفسير الجصاص\" ٣/ ١٩٥ بنصه، و\"الماوردي\" ٣/ ٢٢٥، بنحوه عن أبي صالح عن أم هانئ، انظر: \"تفسير الزمخشري\" ٢/ ٣٥٠، عن ابن عباس، و\"ابن الجوزي\" ٥/ ٥، عن أبي يعلى، و\"الفخر الرازي\"٢٠/ ١٤٦، عن ابن عباس.\n(٣) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١١٥، بنحوه.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٢٥، بنحوه.\n(٥) ورد بنصه في \"تفسير مقاتل\" ١/ ٢١٠ أ، و\"السمرقندي\" ٢/ ٢٥٨، و\"هود الهواري\" ٢/ ٣٩٧، و\"الثعلبي\" ٧/ ٩٣ أ، و\"الماوردي\" ٣/ ٢٢٦ بنصه، و\"الطوسي\" ٦/ ٤٤٦، انظر: \"تفسير الخازن\" ٣/ ١٤٥.\n(٦) ورد في \"تفسير الثعلبي\" ٧/ ٩٣ أبنصه، و\"الماوردي\" ٣/ ٢٢٦ بنصه، و\"الطوسي\" ٦/ ٤٤٦، انظر: \"تفسير ابن عطية\" ٩/ ٩، و\"ابن الجوزي\" ٥/ ٥، و\"الفخر الرازي\" ٢٠/ ١٤٦، و\"القرطبي\" ١٠/ ٢١٢، و\"الخازن\" ٣/ ١٤٥.","vol":"13","page":248},{"text":"بالثمار والأنهار (١)، وقيل: بمن جعلنا حوله من الأنبياء والصالحين (٢)، وهو قول مجاهد؛ قال: لأنه مقر الأنبياء ومهبط الملائكة (٣).\nوقوله تعالى: ﴿لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾، يعني ما رأى في تلك الليلة من العجائب والآيات التي تدل على قدرة الله وعظمته، وأخبر بها الناس من غد تلك الليلة (وهي معروفة مشهورة في الأخبار.\n﴿إِنَّهُ﴾ أي الذي أسرى بعبده، ﴿هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾، قال العلماء في هذه الآية: أخبر الله تعالى عن إسرائه بعبده) (٤) إلى بيت المقدس ليلًا، وأصبح بمكة وأخبر أهلها بذلك فلم يصدقوه حتى بَيَّنَ لهم العلامات التي رآها في الطريق، ووصف لهم المسجدَ، ولم يكن رآه قبل ذلك، وكان الأمر على ما قال فثبت بذلك صدقه وظهر إعجازه (٥)، ثم أخبر هو -ﷺ- أنه\n_________\n(١) ورد بنحوه في \"تفسير مقاتل\" ١/ ٢١١ أ، و\"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١١٥، و\"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٢٥، و\"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ١١٩، و\"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢٥٩، و\"الثعلبي\" ٧/ ٩٣ ب، و\"الماوردي\" ٣/ ٢٢٦، و\"الطوسي\" ٦/ ٤٤٦، انظر: \"تفسير ابن عطية\" ٩/ ١٠، و\"ابن الجوزي\" ٥/ ٥، و\"الفخر الرازي\" ٢٠/ ١٤٦، و\"القرطبي\" ١٠/ ٢١٢، و\"الخازن\" ٣/ ١٤٥، و\"ابن كثير\" ٣/ ٣، و\"الدر المنثور\" ٥/ ٢٣٦، وعزاه إلى ابن أبي حاتم.\n(٢) ورد في \"تفسير الطوسي\" ٦/ ٤٤٧ بنصه، انظر: \"تفسير القرطبي\" ١٠/ ٢١٢.\n(٣) ليس في تفسيره، وورد في \"تفسير الثعلبي\" ٧/ ٩٣ ب بنصه، و\"الماوردي\" ٣/ ٢٢٦ بنصه، انظر: \"تفسير البغوي\" ٥/ ٥٨، وبلا نسبة في \"تفسير ابن الجوزي\" ٥/ ٥، و\"الفخر الرازي\" ٢٠/ ١٤٦، و\"الخازن\" ٣/ ١٤٥.\n(٤) ما بين القوسين كتب على الهامش في نسخة (أ).\n(٥) ورد بنحوه في \"تفسير مقاتل\" ١/ ٢١١ أ، و\"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١١٦، و\"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٢٦، و\"تفسير هود الهواري\" ٢/ ٤٠٦، و\"الثعلبي\" ٧/ ٩٩ ب، و\"الطوسي\" ٦/ ٤٤٦.","vol":"13","page":249},{"text":"عرج به تلك الليلة إلى السماء على ما يروى في الحديث (١) واجتمعت الرواة أصحاب الأخبار على صحته، فيثبت عروجه إلى السماء بخبر الصادق الذي يجب قبول قوله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2132>٢ </span>- قوله تعالى: ﴿آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ الآية. ذكر الله تعالى في الآية الأولى كرامة محمد -ﷺ- بأن أَسرى به، ثم ذكر أنه أكرم موسى أيضًا قبله بالكتاب الذي آتاه فقال: ﴿آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ يعني التوراة (٢).\n﴿وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ قال قتادة: جعله الله هدى لهم يخرجهم من الظلمات إلى النور (٣).\nوقال الزجاج: أي دللناهم به على الهدى (٤).\nوقوله تعالى: ﴿أَلَّا تَتَّخِذُوا﴾ قرأ أبو عمرو بالياء (٥)؛ لأن المتقدم (٦) ذكرهم على لفظ الغَيبة، والمعنى: هديناهم؛ لأن لا يتخذوا من دوني وكيلًا، ومن قرأ بالتاء (٧) فهو على الانصراف إلى الخطاب بعد الغَيبة، مثل:\n_________\n(١) سبق ذكر الحديث وعزوه.\n(٢) ورد في \"تفسير مقاتل\" ١/ ٢١٢ أبلفظه، و\"السمرقندي\" ٢/ ٢٥٩، و\"الماوردي\" ٣/ ٢٢٧، و\"الطوسي\" ٦/ ٤٤٧.\n(٣) أخرجه \"الطبري\" ١٥/ ١٨ بنصه، وأورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ٥/ ٢٩٤، وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٢٦ بنصه.\n(٥) انظر: \"السبعة\" ص ٣٧٨، و\"علل القراءات\" ١/ ٣١٣، و\"إعراب القراءات السبع وعللها\" ١/ ٣٦٣، و\"الحجة للقراء\" ٥/ ٨٣، و\"المبسوط في القراءات\" ٢٢٧، و\"الكشف عن وجوه القراءات\" ٢/ ٤٢، و\"التيسير\" ص ١٣٩.\n(٦) في جميع النسخ: (التقدم)، والمثبت هو الصحيح والموافق للمصدر.\n(٧) وهم الباقون. انظر المصادر السابقة.","vol":"13","page":250},{"text":"﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [الفاتحة:١] ثم قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ (١) [الفاتحة:٥].\nقال أبو علي الفارسي: يجوز في (أَنْ) في قوله: ﴿أَلَّا تَتَّخِذُوا﴾ [ثلاثة أوجه؛ أحدها: أن تكون (أَنْ) الناصبة للفعل، فيكون المعنى: ﴿وَجَعَلْنَاهُ هُدًى﴾ لأن لا تتخذوا] (٢).\nوالآخر: أن تكون معنى (أي) التي للتفسير، وانصرف الكلام من الغيبة إلى الخطاب في قراءة العامة؛ كما انصرف منها إلى الخطاب والأمر في قوله: ﴿وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا﴾ [ص: ٦] فكذلك انصرف مِن الغَيبة إلى النهي في قوله: ﴿أَلَّا تَتَّخِذُوا﴾.\nوالثالث: أن تكون زائدة (٣)، ويحمل ﴿أَلَّا تَتَّخِذُوا﴾ على القول المُضْمَر، فيكون التقدير: ﴿وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ فقلنا: لا تتخذوا من دوني شريكًا (٤).\nقال المبرد: ولا أعرف لهذا وجهًا في العربية (٥)؛ لأنه لا يكون الوكيل الذي يوكله موكله ليخلفه فيما وكله فيه شريكًا، والوكيل هو الذي يفعل ما يفعله المُوَكِّل، والله -﷿- يتعالى عن أن يكون دونه من يُدْعى كما يُدْعَى، وَيفْعل كما يفعل، فنهاهم أن يضعوا أحدًا بهذا الموضع؛ إذ لا\n_________\n(١) ورد بنصه تقريبًا في \"الحجة للقراء\" ٥/ ٨٣.\n(٢) ما بين المعقوفين ساقط من (أ)، (د).\n(٣) انظر التعليق على القول بالزيادة في القرآن، عند آية [١٠] من سورة إبراهيم.\n(٤) \"الحجة للقراء\" ٥/ ٨٤ تصرف فيه بالتقديم والتأخير والاختصار.\n(٥) أي تفسير وكيلًا بـ (شريكًا)، وهو قول مجاهد، أخرجه \"الطبري\" ١٥/ ١٨١٧، وورد في \"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ١٢٠، و\"تفسير الماوردي\" ٣/ ٢٢٧، و\"الطوسي\" ٦/ ٤٤٧، و\"الدر المنثور\" ٤/ ٢٩٤ وزاد نسبته إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم. وقد ورد قول المبرد في \"تفسير الطوسي\" ٦/ ٤٤٧، بنحوه.","vol":"13","page":251},{"text":"كافي غيره (١).\nقال أبو علي: أفرد الوكيل وهو في معنى الجميع؛ لأن فعيلًا يكون مفردًا في اللفظ والمعنى على الجميع، كقوله: ﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ (٢) [النساء: ٦٩]، وقد مر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2133>٣ </span>- قوله تعالى: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ﴾ يجوز في نصب ذرية وجهان؛ أحدهما: أن يكون منصوبًا على النداء، يعني: يا ذُرِّيّةَ من حملنا مع نوح، وهذا قول مجاهد؛ قال: هذا نداء (٣)، وإنما يصح هذا على قراءة من قرأ بالتاء؛ كأنه قيل لهم: لا تتخذوا من دوني وكيلًا يا ذرية من حملنا مع نوح في السفينة، (قال قتادة: الناس كلهم ذرية نوح ومن أنجى الله في تلك السفينة (٤).\nوقال الحسن: وكان معه في السفينة) (٥) ثلاثة بنين: يافث وسام وحام، والناس كلهم من ذرية أولئك (٦).\nقال الزجاج: وإنما ذُكِّروا بنعمة الله عندهم؛ إذ أنجى آباءهم (٧) من\n_________\n(١) لم أقف عليه.\n(٢) \"الحجة للقراء\" ٥/ ٨٥ بنصه.\n(٣) انظر: \"تفسير البغوي\" ٥/ ٦٧، و\"ابن الجوزي\" ٥/ ٦، و\"الفخر الرازي\" ٢٠/ ١٥٤، و\"القرطبي\" ١٠/ ٢١٣، و\"الدر المنثور\" ٤/ ٢٩٤، وعزاه إلى ابن أبي حاتم.\n(٤) أخرجه \"الطبري\" ١٥/ ١٩ بنصه، وتضمن الخبر قول الحسن اللاحق بنحوه، انظر: \"تفسير ابن الجوزي\" ٥/ ٦، و\"الفخر الرازي\" ٢٠/ ١٥٤؛ كالطبري.\n(٥) ما بين القوسين ساقط من (د).\n(٦) ورد بنحوه غير منسوب في \"تفسير هود الهواري\" ٢/ ٤٠٧.\n(٧) في جميع النسخ: (آباؤهم)، وهو خطأ نحوي ظاهر، وفي المصدر (أبناءهم)، وهو خطأ كذلك، لكن في اللفظ.","vol":"13","page":252},{"text":"الغرق بأنهم حُمِلُوا مع نوح (١)، الوجه الثاني؛ في نصب ذرية: أن يكون مفعول الاتخاذ؛ لأنه فعلٌ يتعدى إلى مفعولين؛ كقوله: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ (٢) [النساء: ١٢٥]، ويجوز هذا الوجه في القراءتين جميعًا، والمعنى: لا تتخذوا ذرية من حملنا مع نوح من دوني وكيلًا، ذكر هذا أبو إسحاق وأبو علي (٣).\n\nثم أثنى على نوح فقال تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾، قال المفسرون: كان نوح إذا أكل طعامًا أو لبس ثوبًا حمد الله تعالى، فَسُمِّي عبدًا شكورًا <span data-type=\"title\" id=toc-2134>(٤)</span>.\n٤ - قوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ﴾ قال ابن عباس والمفسرون: أعلمناهم وأخبرناهم (٥).\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٢٦ بنصه تقريبًا.\n(٢) ورد في \"الحجة للقراء\" ٥/ ٨٥ بنصه.\n(٣) انظر المصدرين السابقين.\n(٤) أخرجه \"الطبري\" ١٥/ ١٩ بنصه وبنحوه من عدة طرق، ورد بنحوه في \"تفسير مقاتل\" ١/ ٢١٢ أ، و\"السمرقندي\" ٢/ ٢٥٩، و\"هود الهواري\" ٢/ ٤٠٧، و\"الثعلبي\" ٧/ ١٠٠ أ، و\"الماوردي\" ٣/ ٢٢٨، والطوسي (٦/ ٤٤٧، انظر: \"تفسير البغوي\" ٥/ ٦٧، و\"الزمخشري\" ٢/ ٢٥١، و\"ابن الجوزي\" ٥/ ٧، و\"الفخر الرازي\" ٢٠/ ١٥٥، و\"القرطبي\" ١٠/ ٢١٣.\n(٥) أخرجه \"الطبري\" ١٥/ ٢١ بلفظه عن ابن عباس من طريق ابن أبي طلحة صحيحة، وورد في \"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ١٢٢ بلفظه عن ابن عباس، و\"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢٦٠ بلفظه، و\"هود الهواري\" ٢/ ٤٠٨، بنحوه، و\"الثعلبي\" ٧/ ١٠٤ أبلفظه، و\"الماوردي\" ٣/ ٢٢٨، بنحوه، و\"الطوسي\" ٦/ ٤٤٨ بنصه، انظر: \"تفسير البغوي\" ٥/ ٦٧، و\"ابن عطية\" ٩/ ١٥، و\"ابن الجوزي\" ٥/ ٧، عن ابن عباس، و\"الفخر الرازي\" ٢٠/ ١٥٥، والخازن (٣/ ١٥٢، و\"أبي حيان\" =","vol":"13","page":253},{"text":"قال أبو إسحاق: معناه أعلمناهم في الكتاب وأوحينا إليهم، ومثل ذلك: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ﴾ [الحجر: ٦٦] معناه أعلمناه وأوحينا إليه (١)، ومعنى القضاء في اللغة: قطع الأشياء عن إحكام (٢)، ومنه قوله: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ [فصلت: ١٢] وقول الشاعر (٣):\nوعليهما مَسْرودَتان قضاهما (٤)\nقال ابن قتيبة في هذه الآية: أعلمناهم؛ لأنه لما خَبَّرهم أنه (٥)\n_________\n= ٦/ ٨، عن ابن عباس، و\"الدر المنثور\" ٤/ ٢٩٥ - ٢٩٦، وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس.\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٢٧ بنصه تقريبًا.\n(٢) انظر (قضى) في \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٩٨٦، و\"المحيط في اللغة\" (٥/ ٤٦٢، و\"مجمل اللغة\" ٢/ ٧٥٧، \"الصحاح\" ٦/ ٢٤٦٣، و\"اللسان\" ٦/ ٣٦٦٥.\nذكر أصحاب الوجوه والنظائر أن قضى وردت في القرآن على عشرة أوجه، ونقل ابن حجر في الفتح عن إسماعيل النيسابوري أنها وردت في القرآن على خمسة عشر وجهًا، كما ذكر ضابطًا لمعنى القضاء، نقله عن الأزهري؛ وهو: كل ما أحكم عمله أو ختم أو أكمل أو وجب أو ألهم أو أنفذ أو مضى فقد قضى. انظر: \"التصاريف\" ص ٣٤٠، و\"إصلاح الوجوه والنظائر\" ص ٣٨٥، و\"فتح الباري\" ٨/ ٢٤١.\n(٣) هو أبو ذُؤَيب الهذلي، مخضرم (ت ٢٧ هـ).\n(٤) وعجزه:\nداوُدُ أوْ صَنَعُ السَّوَابغِ تُبَّعُ\n\"ديوان الهذليين\" ص ١٩، وورد في \"تأويل مشكل القرآن\" ص ٤٤١، و\"تهذيب اللغة\" (قضى) ٣/ ٢٩٨٦، و\"اللسان\" ٦/ ٣٦٦٥.\nوورد برواية: (تعاوَرا مَسْرودَتَيْنِ قضاهما) في \"المعاني الكبير\" ٢/ ١٠٣٩. وورد غير منسوب في \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٢٧، (مسرودتان): درعان، (قضاهما): فرغ منهما؛ أي داود ﵇، أو صنَعُ السوابغ، و(الصَّنَعُ): الحاذق بالعمل، والصَّنَع هاهنا: تُبَّع.\n(٥) الأولى أنهم كما في المصدر.","vol":"13","page":254},{"text":"سيفسدون في الأرض، حَتَّمَ بوقوع الخبر (١)، و﴿إِلَى﴾ في هذه الآية من صلة الإيحاء؛ لأن معنى: ﴿قَضَيْنَا﴾: أوحينا، فالمعنى: إنا أوحينا إليهم، كذا قال أبو إسحاق (٢).\nوقوله تعالى: ﴿لَتُفْسِدُنَّ﴾ قال ابن عباس: يريد المعاصي وخلاف أحكام التوراة (٣).\n\nوقوله تعالى: ﴿فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ﴾ قال الكلبي: يعني أرض مصر (٤)، ﴿وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ قال الزجاج: معناه لَتَعْظُمُنَّ ولَتَبْغُنَّ؛ لأنه يقال لكل مُتجبِّرٍ: قَدْ عَلا وتعظَّمَ <span data-type=\"title\" id=toc-2135>(٥)</span>.\n٥ - قوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا﴾ يعني أُولى (٦) المرتين، ﴿بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ قال عطية: أفسدوا المرة الأولى فأرسل\n_________\n(١) \"تأويل مشكل القرآن\" ص ٤٤١ بنصه.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٢٧ بنصه.\n(٣) انظر: \"تنوير المقباس\" ص ٢٩٦، بنحوه، و\"تفسير البغوي\" ٥/ ٧٩، بنحوه عن قتادة، وورد بنصه وبنحوه غير منسوب في \"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢٦٠، و\"الثعلبي\" ٧/ ١٠٤ أ، و\"ابن الجوزي\" ٥/ ٧، و\"الفخر الرازي\" ٢٠/ ١٥٥، و\"القرطبي\" ١٠/ ٢١٤، و\"الخازن\" ٣/ ١٥٢.\n(٤) انظر: \"تفسير ابن الجوزي\" ٥/ ٧، و\"الفخر الرازي\" ٢٠/ ١٥٥ - بلا نسبة فيهما، وهو تفسير غريب للأرض المعنية بأنها مصر؛ لأن الأحداث كلها تدور في بيت المقدس والشام؛ كما نصت عليه الروايات وأشار إليها بعض المفسرين؛ كالبغوي ٥/ ٧٩، و\"القرطبي\" ١٠/ ٢١٤، و\"الخازن\" ٣/ ١٥٢، والغريب أن أبا حيان نسب إلى الكلبي خلافه؛ فقال: وقال الكلبي: لتعصنّ في الأرض المقدسة. انظر: \"تفسير أبي حيان\" ٦/ ٩.\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٢٧، بنصه.\n(٦) ساقطة من (ش)، (ع).","vol":"13","page":255},{"text":"الله عليهم جالوت، وعاد ملكهم كما كان، وهذا قول قتادة ورواية عطية عن ابن عباس (١)، وعلى هذا القول: ﴿عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ هم جالوت وجنوده.\nومعنى: ﴿أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ قال ابن عباس: البأس: القتال (٢)، ومنه قوله: ﴿وَحِينَ الْبَأْسِ﴾ [البقرة: ١٧٧].\nومعنى ﴿بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ﴾: أرسلنا عليكم وخَلَّيْنَا بينكم وبينهم خاذلين إياكم (٣).\nوقال مجاهد في قوله: ﴿عِبَادًا لَنَا﴾ الآية. قال: جند جاءهم (٤) من\n_________\n(١) أخرجه \"عبد الرزاق\" ٢/ ٣٧٣، بنحوه عن قتادة، و\"الطبري\" ١٥/ ٢٨، بنحوه عن ابن عباس من طريق عطية (ضعيفة) وبنحوه من طريقين عن قتادة، وورد في \"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ١٢٣، بنحوه عن قتادة، و\"تفسير الثعلبي\" ٧/ ١٠٤ أ، بنحوه عن ابن عباس، و\"الطوسي\" ٦/ ٤٤٨، بنحوه عنهما، انظر: \"تفسير ابن الجوزي\" ٥/ ٩، عنهما، و\"القرطبي\" ١٠/ ٢١٥، عن قتادة، وابن كثير ٣/ ٢٩، عنهما، وأورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ٢٩٩ وعزاه إلى ابن أبي حاتم عن عطية، وأورده وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم عن ابن عباس، وأورده ٥/ ٢٤٤ وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم عن قتادة.\n(٢) انظر: \"تفسير الفخر الرازي\" ٥/ ٤٥ بلفظه، وأخرجه \"الطبري\" ١٥/ ٢٧ بلفظه من عدة طرق عن ابن مسعود ومجاهد وقتادة والضحاك، وأورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ١/ ٣١٥ وزاد نسبته إلى وكيع وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبي الشيخ والحاكم وصححه عن ابن مسعود.\n(٣) ورد في \"تفسير الماوردي\" ٣/ ٢٢٩، بنحوه عن الحسن، انظر: \"تفسير الزمخشري\" ٢/ ٣٥٢، و\"الفخر الرازي\" ٢٠/ ١٥٥.\n(٤) هكذا في جميع النسخ، والأولى جاؤوهم؛ لأن جند جمع، ويتناسب مع قوله: يتحسسون، وهكذا في المصدر.","vol":"13","page":256},{"text":"فارس، يتحسسون أخبارهم ويسمعون حديثهم، معهم بختنصر فوعى (١) حديثهم من بين أصحابه، ثم رجعت إلى فارس ولم يكن قتال، ونُصر عليهم بنو إسرائيل، فهذه وعد الأولى، وهذا قول ابن عباس في رواية سعيد بن جبير (٢).\nوقوله تعالى: ﴿فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ﴾ قال الليث: الجوس والجوسان: التردد خلال الدور والبيوت في الغارة ونحو ذلك (٣)، ومعنى جاسوا: ترددوا وتخللوا (٤).\nوقوله تعالى: ﴿خِلَالَ الدِّيَارِ﴾ يعني ديار بيت المقدس، والخلال: الانفراج بين الشيئين (٥) واختلفت العبارات في تفسير جاسوا؛ فقال ابن أبي طلحة عن ابن عباس يقول: مشوا (٦).\n_________\n(١) في (د): (مرفوعًا).\n(٢) \"تفسير مجاهد\" ص ٤٢٨ وعبارته مضطربة ومخالفة لجميع المصادر، وأخرجه \"الطبري\" ١٥/ ٣٠ بنصه عن مجاهد من ثلاثة طرق، انظر: \"تفسير القرطبي\" ١٠/ ٢١٥، و\"الدر المنثور\" ٤/ ٢٩٩ وزاد نسبته إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد، ولم أقف عليه منسوبًا إلى ابن عباس.\n(٣) ورد في \"تهذيب اللغة\" (جاس) ١/ ٥٢١ بنصه تقريبًا.\n(٤) انظر: (جوس) في \"تهذيب اللغة\" ١/ ٥٢١، و\"المحيط في اللغة\" ٧/ ١٤٦، و\"مجمل اللغة\" ١/ ٢٠٣، و\"الصحاح\" ٣/ ٩١٥، و\"اللسان\" ٢/ ٧٢٦ \"جوس\".\n(٥) انظر: \"المحيط في اللغة\" (خل) ٤/ ١٧٥، و\"مجمل اللغة\" ١/ ٢٧٦، و\"الصحاح\" (خلل) ٤/ ١٦٨٧، و\"المحكم\" (خلل) ٤/ ٣٧١، و\"اللسان\" ٢/ ١٢٤٩.\n(٦) في جميع النسخ: (فتشوا)، والتصويب من المصادر؛ فقد أخرجه \"الطبري\" ١٥/ ٢٧ - ٢٨ بلفظه من الطريق نفسه، وورد في \"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ١٢٣ بلفظه، و\"تفسير الثعلبي\" ٧/ ١٠٤ أبلفظه، و\"الماوردي\" ٣/ ٢٢٩ بلفظه، وانظر: \"تفسير ابن الجوزي\" ٥/ ٩، و\"القرطبي\" ١٠/ ٢١٦، و\"الدر المنثور\" ٤/ ٢٩٩، وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم","vol":"13","page":257},{"text":"وقال أبو عبيدة: طلبوا مَنْ فيها (١).\nوقال الفراء: يقول: قتلوكم بين بيوتكم (٢).\nوقال ابن قتيبة: عاثوا وأفسدوا (٣).\nوقال الزجاج: أي فطافوا خلال الدّيار هل بقي أحدٌ لم يقتلوه، والجَوْس: طلب الشيء باستقصاء (٤)، هذا كلامهم، والجَوْس يحتمل هذه المعاني التي ذكروها، إنّ معنى الجوس هو التردد للطلب، فيحتمل أنهم جاسوا لطلب الخبر على قول مجاهد (٥)، ويحتمل أنهم جاسوا بالقتل والعبث وطلب من يقتلونه (٦)، ويشهد لهذا قول حسان:\nومِنَّا الذي لاقَى بِسَيْفِ محمدٍ ... فَجَاس به الأعداءَ عَرْضَ العَسَاكر (٧)\nأي: تخللهم قتلًا بسيفه.\nوقوله تعالى: ﴿وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا﴾ قال قتادة: قضاء قضاه على القوم كما تسمعون (٨).\n_________\n(١) ليس في مجازه ١/ ٣٧٠، والذي فيه قال: قتلوا. وقد ورد بنصه في \"تفسير الثعلبي\" ٧/ ١٠٤ أ.\n(٢) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١١٦ بنصه.\n(٣) \"الغريب\" لابن قتيبة ١/ ٢٥٢ بنصه تقريبًا.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٢٧ بنصه تقريبًا.\n(٥) تقدم قوله في الصفحة السابقة حاشية (٢).\n(٦) ورد في \"تفسير الطبري\" ١٥/ ٢٨، بنحوه.\n(٧) لم أجده في ديوانه المطبوع، وورد في \"تفسير الطبري\" ١٥/ ٢٨، و\"الماوردي\" ٣/ ٢٢٩، و\"الطوسي\" ٦/ ٤٤٩، و\"القرطبي\" ١٠/ ٢١٦، والشوكاني ٣/ ٣٠٠، و\"الدر المصون\" ٧/ ٣١٤.\n(٨) أخرجه \"الطبري\" ١٥/ ٢٨ بنصه.","vol":"13","page":258},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2136>٦ </span>- قوله تعالى: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ﴾ قال ابن عباس في رواية عطية: وقتل داود جالوت وعاد ملكهم كما كان (١).\nوقال مجاهد: نُصِرَ عليهم بنو إسرائيل (٢).\nوالكرة معناها: الرجعة والدولة (٣)، وهذه الآية تدل على أنهم هُزِمُوا في المرة الأولى وقُتِلَ منهم.\nوقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا﴾، قال أبو عبيدة: النفير: العدد من الرجال (٤).\n(وقال الزجاج: أي جعلناكم أكثر منهم نُصَّارًا (٥).\n_________\n(١) أخرجه \"الطبري\" ١٥/ ٣٠ - ٣١ مفصلًا من طريق العوفي (ضعيفة)، النظر: \"تفسير ابن كثير\" ٣/ ٢٩، وورد بنحوه غير منسوب في \"تفسير الماوردي\" ٣/ ٢٣٠، و\"الزمخشري\" ٢/ ٣٥٢، و\"ابن الجوزي\" ٥/ ١٠، و\"الفخر الرازي\" ٢٠/ ١٥٦، و\"القرطبي\" ١٠/ ٢١٧، و\"أبي حيان\" ٦/ ١٠، و\"الألوسي\" ١٥/ ١٨.\n(٢) ليس في تفسيره، أخرجه \"الطبري\" ١٥/ ٣٠ - ٣١ جزء من أثر بنصه، وأورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ٢٩٩ وزاد نسبته إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(٣) ورد بنحوه في: \"غريب القرآن\" لليزيدي ص ٢١١، و\"الغريب\" لابن قتيبة ١/ ٢٥٢، و\"تهذيب اللغة\" (كر) ٩/ ٤٤٢ و\"المحيط في اللغة\" (كر) ٦/ ١٣٨، و\"مجمل اللغة\" ٢/ ٧٦٧، و\"الصحاح\" (كرر) ٢/ ٨٠٤، و\"تفسير الثعلبي\" ٧/ ١٠٤ ب) بنصه، و\"الطوسي\" ٦/ ٤٤٩، انظر: \"تفسير البغوي\" ٥/ ٧٩، و\"ابن الجوزي\" ٥/ ١٠، و\"القرطبي\" ١٠/ ٢١٧.\n(٤) ليس في مجازه ١/ ٣٧١ والذي فيه، قال: مجازه: من الذين نفروا معه، وورد نحوٌ من هذا القول عن أبي عبيد؛ قال: النفر والرَّهط: ما دون العشرة من الرجال. \"تهذيب اللغة\" (نفر) ٤/ ٣٦٢٧.\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٢ بنصه.","vol":"13","page":259},{"text":"قال ابن قتيبة: أكثر عددًا، وأصله مَنْ يَنْفِرُ مع الرجل مِنْ عشيرته وأهل بيته، وهو (١) النَّفِيرُ والنافر واحد؛ كما يقال: قدير وقادر (٢)، وذكرنا معنى نفر عند قوله: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ﴾ (٣) [التوبة: ١٢٢] وقوله: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا﴾ (٤) [التوبة: ٤١].\n\nوقال الزجاج: ويجوز أن يكون النفير جمعًا (٥)؛ كالكليب والعبيد والضَّئين والمَعِيز (٦)، ونفيرًا منصوب على التَّمييز <span data-type=\"title\" id=toc-2137>(٧)</span>.\n٧ - قوله تعالى: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ﴾ الآية. يحتاج هاهنا إلى إضمار القول على تقدير: وقلنا: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ﴾، قال ابن عباس: يريد إن أطعتم الله فيما بقي عفا عنكم المساوئ، ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ﴾ قال: يريد الفساد وعصيان الأنبياء وقتلهم، ﴿فَلَهَا﴾، قال: يريد فعلى\n_________\n(١) ضمير الفصل هو غير موجود في المصدر.\n(٢) \"الغريب\" لابن قتيبة ١/ ٢٥٢ بنصه.\n(٣) في كلا الموضعين لم يتكلم عن المعنى اللغوي لنفر!\n(٤) ما بين القوسين ساقط من (أ)، (د).\n(٥) قال ابن عطية: وعندي أن النفير اسم للجمع الذي يَنْفُر، سُمِّي بالمصدر، ومنه قول أبي سفيان لبني زهرة: لا في العير ولا في النفير، أي: ولا في جمع قريش الخارج من مكة إلى بدر. انظر: \"تفسير ابن عطية\" ٩/ ٢١.\n(٦) الضَّئينُ: جمع ضأن، والضَّأْن ذوات الأصواف من الغنم. انظر (ضأن) في \"جمهرة اللغة\" ٢/ ١٠٧٨، و\"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٠٨٣، و\"محيط في اللغة\" ٨/ ٤٧، و\"الصحاح\" ٦/ ٢١٥٣.\nوالمَعِيْزُ: جمع مِعْزَى وماعز، والمَعْز: ذوات الشعر من الغنم. انظر (معز) في \"جمهرة اللغة\" ٢/ ٨١٦، و\"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٤٢٠، و\"المحيط في اللغة\" ١/ ٣٩٨، و\"الصحاح\" ٣/ ٨٩٦.\n(٧) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٢٨ بنصه.","vol":"13","page":260},{"text":"أنفسكم يقع الوبال.\nقال النحويون: إنما قيل: ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ للتقابل، والمعنى: فإليها أو فعليها (١)، مع أن حروف الإضافة تقع بعضها موقع بعض إذا تقاربت، كقوله: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ [الزلزلة: ٥] أي إليها.\nوقوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ﴾ أي وعد المرة الآخرة من إفسادكم، قال المفسرون: فأفسدوا المرة؛ فقتلوا يحيى بن زكريا، فبعث الله عليهم (بخت نصر) البابلي المجوسي (٢) -أبغض خلقه إليه- فَسَبَا وقتل\n_________\n(١) ورد بنحوه في \"تفسير الطبري\" ١٥/ ٣١، و\"الثعلبي\" ٧/ ١٠٤ ب، و\"الطوسي\" ٦/ ٤٥١، انظر: \"تفسير ابن الجوزي\" ٥/ ١٠، و\"الفخر الرازي\" ٢٠/ ١٥٨ بنصه، و\"الدر المصون\" ٧/ ٣١٦.\nوذهب النحاس إلى أن لها على بابها، وقال: ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾: أي يحصل العقاب لها، ثم قال: و(لها) بمعنى (عليها) لا يقوله النحويون الحذاق، وقد رجحه العكبري والمنتجب؛ قال العكبري: وقيل: هي على بابها، وهو الصحيح؛ لأن اللام للاختصاص، والعامل مختص بجزاء عمله حسنة وسيئة. انظر \"إعراب القرآن\" للنحاس ٢/ ٢٣١، و\"الإملاء\" ٢/ ٨٨، و\"الفريد في إعراب القرآن\" ٣/ ٢٦٠.\n(٢) هذا القول مشهور، بل قال \"الطبري\" ١٥/ ٢٧: لا اختلاف بين أهل العلم أن إفسادهم في المرة الآخرة كان قتلهم يحيى بن زكريا، ومع ذلك فقد رده كثير من العلماء، قال الثعلبي: ومن روى أن بختنصر هو الذي غزا بني إسرائيل عند قتلهم يحيى بن زكريا، فغلط عند أهل السير والأخبار؛ لأنهم مجمعون على أن بختنصر إنما غزا بني إسرائيل عند قتلهم شَعْيَا وفي عهد أرمياء، قالوا: ومن عهد أرمياء وتخريب بختنصر بيت المقدس إلى مولد يحيى بن زكريا -﵉- أربعمائة سنة وإحدى وستون سنة، وقال السهيلي: وهذا لا يصح؛ لأن قتل يحيى كان بعد رفع عيسى، وبختنصر كان قبل عيسى بن مريم -﵉- بزمان طويل، .. ولكنه أريد بالمرة الأخرى حين قتلوا شَعْيَا؛ فقد كان بختنصر إذ ذاك حيًا، فهو الذي قتلهم وخرَّب بيت المقدس. وقال الفخر الرازي: التواريخ تشهد بأن =","vol":"13","page":261},{"text":"وخَرَّب بيت المقدس، وسامهم سوء العذاب (١).\n_________\n= بختنصر كان قبل وقت عيسى ﵇، ويحيى بن زكريا -﵉- بسنين متطاولة. انظر: \"تفسير الثعلبي\" ٧/ ١٠٣ أ، و\"ابن الجوزي\" ٥/ ١١، و\"الفخر الرازي\" ٢٠/ ١٥٨، و\"القرطبي\" ١٠/ ٢٢٠.\n(١) أخرجه \"الطبري\" ١٥/ ٣٥ - ٤٣، بنحوه عن ابن عباس وابن الزبير ومجاهد وقتادة وابن جبير، وورد بنحوه في \"تفسير هود الهواري\" ٢/ ٤٠٩، انظر: \"تفسير البغوي\" ٥/ ٨٠، و\"ابن الجوزي\" ٥/ ١١.\nاختلف في فسادي بني إسرائيل من حيث الوقوع وعدمه على ثلاثة أقوال:\nالأول: أن كلا الفسادين وقع قبل بعة النبي -ﷺ- ونزول القرآن، ووقعا في بيت المقدس، وإليه ذهب القدامى من المفسرين، واختلفوا في الفساد الأول؛ فذهب علي وابن مسعود وابن عباس وابن زيد -﵃- إلى أنه قتلهم زكريا ﵇، وروى ابن إسحاق أنه كان قتلهم شعياء، وأيَّد قوله بأن بعضَ أهلِ العلم أخبره أن زكريا مات موتًا ولم يُقتل، أما فسادهم في المرة الآخرة، فقد ذكر ابن جرير أنه لا خلاف بين أهل العلم أنه كان قتلهم يحيى بن زكريا ﵉. انظر: \"تفسير الطبري\" ١٥/ ٢٧ - ٢٨، و\"الدر المنثور\" ٤/ ٢٩٦.\nالقول الثاني: أن الفساد الأول مضى قبل الإسلام والثاني هو فسادهم الحالي، قاله بعض المعاصرين، ومنهم الدكتور مصطفى مسلم، فقد ذكر أن الإفساد الأول كان بعد مملكة سليمان ﵇، وأن الإفساد الثاني لمَّا يأت بعد، لكنه قال: وبدأت بذوره من بداية مؤتمر اليهود في بال بسويسرا عام ١٨٩٧ م والتي وضعوا فيها المخطط المدروس لإفساد العالم، ويرى أن اللبنة الأولى قيام دولة إسرائيل، ومنذ ذاك الوقت -إلى الآن- وعلو بني إسرائيل في تزايد مستمر. انظر: \"معالم قرآنية في الصراع مع اليهود\" ص ٢٥٢.\nوأما الشيخ سعيد حوى فقد وضع ضابطًا لترجيح أَيِّ قول حول إفسادهم؛ فقال: إن النص يحدثنا عن إفسادتين لبني إسرائيل يرافقهما علو كبير، وهذا مهمّ جدًّا في فهم الموضوع؛ لقد أفسد بنو إسرائيل إفسادات كثيرة ولكن لم يكن يرافق كل ذلك علوّ كبير لهم ودولة، كما أنهم قد علوا علوًّا كبيرًا في مراحل -كما حدث في زمن داود وسليمان -﵉- ولكنه علو لا يرافقه فساد. ثم قال: ويبدو بما لا =","vol":"13","page":262},{"text":"وجواب قوله: ﴿فَإِذَا جَاءَ﴾ محذوف، تقديره: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ﴾ بعثنا ﴿لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ﴾، ودل عليه ما تقدم، من قوله: ﴿بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا﴾ فَحُذف لتقدم ذكره، ولأنه جواب (إذا) وشرطها يقتضيه، فحُذف للدلالة عليه، قاله الفراء (١) وأبو علي (٢) وصاحب النظم.\n_________\n= يقبل الجدل أن الإفسادة الأولى هي التي سلط عليهم بها بختنصر، فهي الإفسادة التي رافقها بغي وطغيان وعتو، ثم قال: فهل الإفسادة الثانية هي ما نراه الآن؟ إذ لهم دولة وسلطان، وإفساد وطغيان .. وبعد مناقشات رجح أن الإفسادة الثانية هي الآن، فقال: والآن إفسادهم في الأرض كلها معروف، وسيطرتهم الخفية على بعض بلدان العالم معروفة، واجتمع لهم سلطان ودولة. انظر: \"الأساس في التفسير\" ٦/ ٣٠٣٧، وعلى هذا القول يكون مكان الإفسادتين بيت المقدس أيضًا.\nالقول الثالث: أن الفسادين وقعا بعد بعثة النبيّ -ﷺ- ونزول القرآن؛ فالأول وقع إبان بعثة النبي -ﷺ- والثاني هو الحالي، قاله أيضًا بعض المعاصرين؛ يقول الشيخ سعيد حوى: ويمكن أن نفهم المسألة فهمًا آخر؛ بأن نعتبر الإفسادة الأولى هي محاولتهم الوقوف في وجه الدعوة الإِسلامية، وتسليط الله المسلمين عليهم وعلى ديارهم حول المدينة المنورة، والإفسادة الثانية هي الإفسادة الحالية، ويكون المسلمون الذين غلبوهم أول مرة هم الذين سيغلبونهم المرة الثانية، إذا اجتمع لهم العبودية لله والبأس الشديد. انظر: \"الأساس في التفسير\" ٦/ ٣٠٤٠.\nوقد انتصر الدكتور صلاح الخالدي للقول الثالث، بل لم ير غيره، وناقش قول القدامى ورد عليه، وأهم منطلقاته أن قول القدامى اعتمد على الإسرائيليات وعلى روايات تاريخية لم تثبت تاريخيًا ولا علميًا، ودلل على أن إفسادهم الأول المقرون بالعلو الكبير لم يكن أثناء وجودهم في بيت المقدس، إنما كان أول إفساد لهم مقرونًا بالعلو الكبير بالحجاز قبل بعثة النبي -ﷺ- وبعدها، وذكر صورًا من مظاهر إفسادهم الأول، ثم دلل على أن الإفسادة الثانية هي الحالية بتحليل مفردات الآية السادسة ﴿ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ ..﴾، والاستدلال بواقعهم المعاصر الذي وصلوا فيه الذروة في العلو الكبير. انظر: \"حقائق قرآنية حول القضية الفلسطينية\" (١٥٠ - ١٩٠)، و\"الشخصية اليهودية من خلال القرآن\" (٣٢٧ - ٣٤٩).\n(١) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١١٦، بنحوه.\n(٢) \"الحجة للقراء\" ٥/ ٨٦ بنصه تقريبًا.","vol":"13","page":263},{"text":"وقوله تعالى: ﴿لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ﴾ يقال: ساءه يسوؤه، أي: أحزنه، وذكرنا ذلك في مواضع (١)، قال أبو علي: قال: ﴿وُجُوهَكُمْ﴾ على أنَّ الوجوهَ مفعول ﴿لِيَسُوءُوا﴾، وعُدِّيَ إلى الوجوه، ولأن الوجوه قد يُراد بها ذَوو الوجوه؛ لقوله: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨]، وكأن الوجوه إنما خُصَّت بذلك؛ لأنها تدل على ما كان من ذوي الوجوه من الناس من حزنٍ ومسرةٍ وبشارةٍ وكآبةٍ (٢)، والمعنى: بعثناهم ليسوؤوا (٣)، وهذه قراءة العامة (٤)، وهي وَفْق المعنى واللفظ؛ أما المعنى: فإن المبعوثين هم (٥) الذين يسوؤونهم في الحقيقة؛ لقتلهم إيّاهم وأسرهم لهم، وأما اللفظ: فإنه يوافق قوله: ﴿وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ﴾، وقرأ حمزة: ﴿لِيَسُوءُوا﴾ على واحد بالياء (٦)، وفاعلُ يَسُوء يجوز أن يكون أحدَ شيئين: إما اسم الله سبحانه؛ لأن الذي تقدم بعثنا ورددنا وأمددنا، وإما أن يكون البعث، ودل عليه ﴿بَعَثْنَا﴾ المتقدم (٧)، والفعل يدل على المصدر؛ كقوله تعالى: ﴿وَلَا\n_________\n(١) منها في سورة البقرة آية [٤٩].\n(٢) ورد في \"تفسير الطوسي\" ٦/ ٤٥٠ بنصه تقريبًا.\n(٣) \"الحجة للقراء\" ٥/ ٨٦ بتصرف واختصار.\n(٤) وهم: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو ويعقوب وحفص عن عاصم، قرؤوا بالياء وضم الهمزة وإشباعها، انظر: \"السبعة\" ص ٣٧٨، و\"علل القراءات\" ١/ ٣١٣، و\"إعراب القراءات السبع وعللها\" ١/ ٣٦٣، و\"الحجة للقراء\" ٥/ ٨٥، و\"المبسوط في القراءات\" ص ٢٢٧، و\"التبصرة\" ص ٥٦٧، و\"النشر\" ٢/ ٣٠٦.\n(٥) ساقطة من (د).\n(٦) أي: (لِيَسُوءَ)، وقرأ بها كذلك عاصم وابن عامر. انظر المصادر السابقة.\n(٧) ورد في \"الحجة للقراء\" ٥/ ٨٦ بنصه تقريبًا.","vol":"13","page":264},{"text":"يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٨٠] وقال الزجاج: ليسوء الوعدُ وجُوهَكم (١)، وقرأ الكسائي بالنون (٢)، وهذا على إسناد الفعل إلى الله تعالى لقوله: بعثنا وأمددنا.\nوقوله تعالى: ﴿وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾ يقال: تَبِرَ الشيءُ يَتْبَرُ تَبارًا إذا هلك، وتَبَّرَه: أهلكه (٣).\nقال أبو إسحاق: وكل شيء كَسَرْتَه وفَتَّتَّهُ فقد تَبَّرْتَهُ (٤)، ومن هذا تِبْرُ الزجاج وتِبْرُ الذهب لِمُكَسَّره (٥)، قال المفسرون: أي لِيُدَمِّروا وُيخَرّبُوا ما غَلبُوا عليه (٦)، جعلوا (ما) بمنزلة الذي، وهذا قول قتادة (٧).\nوقال الزجاج: معناه لِيُدَمِّروا (٨) في حال عُلُوِّهِم (٩)، (ما فجعل\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٢٨ بنصه.\n(٢) أي: (لِنَسُوءَ) انظر المصادر نفسها الصفحة السابقة حاشية رقم (٥).\n(٣) انظر: (تبر) في \"جمهرة اللغة\" ١/ ٢٥٣، و\"المحيط في اللغة\" ٩/ ٤٢٩، و\"الصحاح\" ٢/ ٦٠٠، و\"اللسان\" ١/ ٤١٦\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٢٨ - بمعناه، وورد في \"تهذيب اللغة\" (تبر) ١/ ٤٢٤ بنصه.\n(٥) في جميع النسخ (لتكسره)، والمثبت هو الصحيح، ويؤيده ما في التهذيب، قال: ومن هذا قيل لِمُكَسَّر الزجاج.\n(٦) ورد بنحوه في \"تفسير مقاتل\" ١/ ٢١٢ أ، و\"الطبري\" ١٥/ ٣٦ بنصه، و\"السمرقندي\" ٢/ ٢٦١، وهود الهواري ٢/ ٤٠٩، و\"الطوسي\" ٦/ ٤٥١، انظر: \"تفسير ابن الجوزي\" ٥/ ١١، و\"الفخر الرازي\" ٢٠/ ١٥٩، بنصه.\n(٧) أخرجه بنحوه: \"عبد الرزاق\" ٢/ ٣٧٣، و\"الطبري\" ١٥/ ٣٦، وأورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ٢٩٩ وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم.\n(٨) في (ع) زيادة (ما) أي: ليدمروا ما، وأغلب الظن أنه خطأ من النساخ.\n(٩) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٢٨، بنصه.","vol":"13","page":265},{"text":"ظرفًا) (١). قال أبو علي: ولهذا عبارةٌ أجودُ مما ذكر وأوضح في المعنى؛ وهو أن يقول: وليتبروا في وقت علوهم؛ لأن هذه (ما) التي أصلها المصدر، ثم يتسع فيها وتستعمل ظرفًا من الزمان (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2138>٨ </span>- قوله تعالى: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ﴾ هذا مما أخبر الله تعالى أنه قضى به إلى بني إسرائيل في كتابهم، والمعنى: لعل ربكم أن يرحمكم ويعفو عنكم بعد انتقامه منكم يا بني إسرائيل، قال المفسرون: فعاد الله بعائدته ورحمته عليهم حتى كثروا وانتشروا (٣).\nقال الأخفش: في الآية محذوف، تقديره: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ﴾ إن فعلتم ذلك؛ يعني أحسنتم وتركتم المعاصي (٤)، ثم قال: ﴿وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا﴾ قال الحسن: وإن عدتم بالمعصية عدنا بالعقوبة (٥).\nقال قتادة وإبراهيم وغيرهم: فعاد (٦) القوم لشر ما يحضر بهم، فبعث الله عليهم من شاء لنقمته وعقوبته (٧)، ثم كان آخر ذلك أن بعث عليهم هذا الحي من العرب فهم في عذاب منهم أبدًا إلى يوم القيامة، يُعْطُون الجزية\n_________\n(١) هكذا وردت العبارة -بين القوسين- في جميع النسخ، ويبدو أن (ما) تقدمت على (فجعل)، فتكون العبارة فجعل (ما) ظرفًا.\n(٢) \"الإغفال\" ٢/ ١٥٣ بنصه تقريبًا، ولا فرق كبير بين المعنيين، مع وصفه لعبارته بأنها أجود وأوضح.\n(٣) ورد في \"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢٦١، بمعناه، و\"هود الهواري\" ٢/ ٤١٠، بنحوه مختصرًا، وانظر: \"تفسير ابن الجوزي\" ٥/ ١٢، و\"القرطبي\" ١٠/ ٢٢٣.\n(٤) ليس في معانيه.\n(٥) ورد في \"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ١٢٦، بنصه.\n(٦) في (أ)، (د): (فعادو).\n(٧) أخرجه الطبري ١٥/ ٤٣، بنصه تقريبًا عن قتادة، وبمعناه عن ابن عباس وقتادة، =","vol":"13","page":266},{"text":"عن يد وهم صاغرون، وهو معنى قوله: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ﴾ (١) الآية [الأعراف: ١٦٧].\nوقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا﴾ قال ابن عباس والمفسرون كلهم: سجنًا ومحبسًا (٢)، وذكرنا الكلام في الحصر عند قوله: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦]، قال الأخفش في قوله: ﴿حَصِيرًا﴾، أي: مَحْبِسًا ومَحْصِرًا (٣)، وهو قول جميع أهل اللغة؛ قال الليث: يُفَسَّر على أنهم يُحْصَرُون فيها (٤)، وقال ابن قتيبة: هو فعيل بمعنى فاعل (٥).\n_________\n= ورد في \"تفسير الثعلبي\" ٧/ ١٠٤ ب - بمعناه عن قتادة، و\"الماوردي\" ٣/ ٢٣١ - بمعناه عن قتادة، و\"الطوسي\" ٦/ ٤٥٢ - بمعناه عن ابن عباس وقتادة، انظر: \"تفسير البغوي\" ٥/ ٨٠، عن قتادة، و\"ابن الجوزي\" ٥/ ١٢، عن قتادة، و\"القرطبي\" ١٠/ ٢٢٤، عن قتادة، و\"أبي حيان\" ٦/ ١١، و\"ابن كثير\" ٣/ ٣٠.\n(١) أورد المؤلف في تفسير هذه الآية قول ابن عباس والحسن وابن جبير وقتادة؛ قالوا: هم العرب ومحمد -ﷺ- وأمته، بعثهم الله على اليهود يقاتلونهم حتى يسلموا أو يعطوا الجزية.\n(٢) ورد في \"تفسير مقاتل\" ١/ ٢١٢ ب بلفظه، وأخرجه \"عبد الرزاق\" ٢/ ٣٧٤ بلفظه عن قتادة، وورد بلفظه في: غريب القرآن لليزيدي ص ٢١٢، و\"الغريب\" لابن قتيبة ١/ ٢٥٢، وأخرجه \"الطبري\" ١٥/ ٤٥ بلفظه عن ابن عباس -من طريق ابن أبي طلحة- وأبي عمران وقتادة وابن زيد، وبمعناه عن ابن عباس وقتادة ومجاهد، وورد كذلك في \"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ١٢٦ بلفظه عن قتادة، و\"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢٦١ بنصه، و\"هود الهواري\" ٢/ ٤١٠ بلفظه، و\"الثعلبي\" ٧/ ١٠٤ ب بلفظه، و\"الطوسي\" ٦/ ٤٥٢ بلفظه ابن عباس ومجاهد وابن زيد وقتادة، وانظر: \"تفسير البغوي\" ٥/ ٨٠، و\"ابن الجوزي\" ٥/ ١٢، و\"القرطبي\" ١٠/ ٢٢٤، و\"الخازن\" ٣/ ١٥٨، و\"ابن كثير\" ٣/ ٣٠.\n(٣) ليس في معانيه، وورد في \"تهذيب اللغة\" (حصر) ١/ ٨٣٩، بنصه.\n(٤) ورد في \"تهذيب اللغة\" (حصر) ١/ ٨٣٩ بنصه.\n(٥) \"الغريب\" لابن قتيبة ١/ ٢٥٢ بنصه.","vol":"13","page":267},{"text":"وقال أبو إسحاق: حصيرًا معناه حَبْسًا؛ من حصرته، أي حَبَسْتُه فهو محصور، وهذا حَصِيرُهُ أي مَحْبِسُهُ (١)، والحصير الملك لأنه محجوب فكأنه محصور (٢)، والحصير الجَنْبُ؛ لأن بعض الأضلاع محصور مع بعض (٣)، ومن هذا يقال للذي يُفْرَش: حصير؛ لحصر بعضه على بعض بالنسج (٤).\nوإلى هذا ذهب الحسن في تفسير هذه الآية. فقال في قوله: ﴿لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا﴾ أي مهادًا وفراشًا (٥)؛ كما قال تعالى: ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ﴾ [الأعراف: ٤١].\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٢٨ بتصرف يسير.\n(٢) ورد بنصه تقريبًا في \"تفسير الطبري\" ١٥/ ٤٥، و\"الثعلبي\" ٧/ ١٠٤ ب، و\"الطوسي\" ٦/ ٤٥٢، انظر: \"الصحاح\" (حصر) ٢/ ٦٣١، و\"مجمل اللغة\" ١/ ٢٣٩، و\"اللسان\" (حصر) ٢/ ٨٩٦، و\"عمدة الحفاظ\" ١/ ٤٨٢.\n(٣) ورد في \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٢٩ بنصه، (الجَنْبُ): شِقُّ الإنسان وغيره. \"اللسان\" (جنب) ١/ ٢٧٥.\n(٤) قاله القُشَيْرِي؛ كما في \"تفسير القرطبي\" ١٠/ ٢٢٤، انظر (حصر) في \"تهذيب اللغة\" ١/ ٨٣٩، و\"اللسان\" ٢/ ٨٩٧، و\"عمدة الحفاظ\" ١/ ٤٨١، وقال: سمي الحصير حصيرًا لكونه يَحصرُ من يجلس عليه.\n(٥) أخرجه \"عبد الرزاق\" ٢/ ٣٧٤ بنصه، و\"الطبري\" ١٥/ ٤٥ - ٤٦ بنصه، وورد في \"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ١٢٦ بنصه، وتصحفت فيه: مهادًا إلى معادًا، و\"المفردات\" ص ٢٣٨ بلفظه، و\"تفسير الثعلبي\" ٧/ ١٠٤ ب بنصه، و\"الماوردي\" ٣/ ٢٣١، بنصه، و\"الطوسي\" ٦/ ٤٥٢ بلفظه، انظر: \"تفسير البغوي\" ٥/ ٨٠، و\"ابن الجوزي\" ٥/ ١٢، و\"القرطبي\" ١٠/ ٢٢٤، و\"عمدة الحفاظ\" ١/ ٤٨٢، و\"تفسير ابن كثير\" ٣/ ٣٠.\nوقد رجح الطبري قول الحسن هذا، وقال: إن الحصير بمعنى البساط في كلام العرب أشهر منه بمعنى الحبس، كما أن فعيلًا في الحصر بمعنى وصفه بأنه الحاصر لا وجود له في كلام العرب، وقال الثعلبي: وهو وجه حسن.","vol":"13","page":268},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ﴾ إلى آخر الآية. فصلٌ يحتمل أن يكون ابتداءَ إخبارٍ عن الله تعالى في عقاب جميع الكافرين، ويحتمل أن يكون عطفًا على ما قبله؛ فيتضمن الإخبار عن تمام عقابهم على عودهم، والمراد بالكافرين اليهود؛ كأنه قيل: وإن عدتم للمعاصي والفساد عدنا عليكم بالتسليط، هذا في الدنيا، وجعلنا جهنم لكم مَحْبَسًا في الآخرة، وصرف الخطاب إلى المعاينة في قوله: ﴿لِلْكَافِرِينَ﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2139>٩ </span>- قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي﴾، أي: يُرْشد ويدعو للتي، أي إلى التي ﴿هِيَ أَقْوَمُ﴾، أي: أعدل وأرشد (١) وأصوب؛ من قولهم: رمح قويم وقوام، أي مستقيم (٢)، وفلان أقوم كلامًا من فلان، أي أعدل، و﴿لِلَّتِي﴾ نعت لموصوف محذوف على تقدير: يهدي للكلمة التي هي أقوم أو الطريقة والحالة؛ وهي كلمة التوحيد على ما قاله المفسرون (٣)، وإن شئت قلت طريقة التوحيد والإسلام (٤)، وقال الزجاج: للحال التي هي أقوم الحالات، وهي توحيد الله والإيمانُ بِرُسُلِه والعملُ بطاعته (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-2140>١٠ </span>- قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ الآية. فيجب ﴿أَن﴾\n_________\n(١) في (أ)، (ش)، (ع): (أشد)، والمثبت من (د)، وهو المناسب للسياق.\n(٢) ورد في \"تهذيب اللغة\" (قام) ٣/ ٢٨٦٤ بنصه.\n(٣) ورد في \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١١٧ - بمعناه، وورد بنحوه في \"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ١٢٧، و\"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢٦١، و\"الثعلبي\" ٧/ ١٠٤ ب، و\"الماوردي\" ٣/ ٢٣٢ - بمعناه، انظر: \"تفسير البغوي\" ٥/ ٨٠، و\"ابن عطية\" ٨/ ٢٦، و\"الخازن\" ٣/ ١٥٨.\n(٤) ورد نحوه في \"تفسير الطوسي\" ٦/ ٤٥٣، وهو أعمّ من الأول، ورجحه ابن عطية ٩/ ٢٦.\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٢٩ بنصه تقريبًا.","vol":"13","page":269},{"text":"للعطف بها على ﴿أَن﴾ الأولى؛ وذلك أنهم بُشِّرُوا بالنّعيمِ الذي لهم والعذاب الذي لأعدائهم، قال الفراء: أُوقعت (١) البشارة على قوله: ﴿أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا﴾ وعلى قوله: ﴿وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ الآية. على أن يكون المؤمنون بُشِّرُوا بهما جميعًا؛ كما تقول: بَشَّرت عبد الله أنه سيُعطى وأن عدوّه سيُمنَع (٢)، وذلك أن المؤمنين كانوا في أذى من المشركين فجعل الله لهم البشرى في الدنيا بعقاب الكافرين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2141>١١ </span>- قوله تعالى: ﴿وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ﴾ الآية. القياس إثبات الواو في ويدعو، وحُذف في المصحف من الكتابة؛ لأنها لا تظهر في اللفظ، ولم تحذف في المعنى؛ لأنها في موضع رفع، فكان [حذفها باستقبالها اللام الساكنة، ومثلها:] (٣) ﴿يُنَادِ الْمُنَادِ﴾ [ق: ٤١] و﴿فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ﴾ [القمر: ٥] فلو كان بالياء والواو كان صوابًا، هذا كلام الفراء (٤)، والمعنى: أن الإنسان ربما دعا عند الضجر والغضب على نفسه وأهله وولده بما لا يحب أن يستجاب له؛ كما يدعو لنفسه بالخير (٥)، والمعنى: كدعائه بالخير، ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا﴾ أي في طلب ما هو شَرٌّ له، يَعْجل بالدعاء في الشر عجلته بالدعاء في الخير، هذا قول مجاهد وقتادة وعامة\n_________\n(١) في (ش)، (ع): (وقعت)، والمثبت موافق للمصدر.\n(٢) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١١٧ بتصرف يسير.\n(٣) ما بين المعقوفين إضافة من المصدر ليتضح المراد، ويبدو أنها سقطت.\n(٤) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١١٧ بتصرف.\n(٥) ورد نحوه في \"تفسير الطبري\" ١٥/ ٤٧، و\"الثعلبي\" ٧/ ١٠٥ أ، انظر: \"تفسير ابن الجوزي\" ٥/ ١٣، و\"الفخر الرازي\" ٢٠/ ١٦٢، و\"القرطبي\" ١٠/ ٢٢٥، و\"أبي حيان\" ٦/ ١٣.","vol":"13","page":270},{"text":"المفسرين (١)، والإنسان في هذه الآية اسم الجنس.\nوقال ابن عباس في رواية عطاء: ﴿وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ﴾ يعني النضر بن الحارث؛ قال: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ﴾ (٢) الآية [الأنفال: ٣٢] ﴿دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ﴾ يريد كما يدعو المؤمنون بالمغفرة والرحمة، ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا﴾ يعني آدم حين نهض قبل أن يجري الروح فيه؛ وذلك أن آدم لما انتهت النفخة إلى سرته نظر إلى جسده فأعجبه ما رأى، فذهب لينهض فلم يقدر، وهو قوله: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا﴾ (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2142>١٢ </span>- قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ﴾ قال المفسرون وأهل\n_________\n(١) أخرجه \"عبد الرزاق\" ٢/ ٣٧٤ - بمعناه عن قتادة، و\"الطبري\" ١٥/ ٤٨ بمعناه عن قتادة ومجاهد، وورد بمعناه في: \"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ١٢٧، و\"الثعلبي\" ٧/ ١٠٥ أ، و\"الماوردي\" ٣/ ٢٣٢، عن ابن عباس ومجاهد وقتادة، والطوسي ٦/ ٤٥٣، بنحوه، انظر: \"تفسير البغوي\" ٥/ ٨١، و\"ابن عطية\" ٩/ ٢٧، عن ابن عباس وقتادة ومجاهد، و\"الفخر الرازي\" ٢٠/ ١٦٢، و\"القرطبي\" ١٠/ ٢٢٦، و\"ابن كثير\" ٣/ ٣٠.\n(٢) انظر: \"تنوير المقباس\" ص ٢٩٧، وورد غير منسوب في \"تفسير مقاتل\" ١/ ٢١٣ أبنصه، و\"السمرقندي\" ٢/ ٢٦٢، بنصه، و\"ابن عطية\" ٩/ ٢٨، و\"ابن الجوزي\" ٥/ ١٣، و\"الفخر الرازي\" ٢٠/ ١٦٢، و\"القرطبي\" ١٠/ ٢٢٥، و\"أبي حيان\" ٦/ ١٤، والتعميم أولى من التخصيص في مثل هذا.\n(٣) ورد في \"تفسير مقاتل\" ١/ ٢١٣ أ، بنحوه، أخرجه \"الطبري\" ١٥/ ٤٧ - ٤٨، بنحوه عن ابن عباس وسلمان، وورد بنحوه في \"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ١٢٨، عن سلمان، و\"السمرقندي\" ٢/ ٢٦٢، عنهما، و\"الثعلبي\" ٧/ ١٠٥ أ، عنهما، و\"الماوردي\" ٣/ ٢٣٢، انظر: \"تفسير ابن عطية\" ٩/ ٢٨، و\"ابن الجوزي\" ٥/ ١٣، و\"الفخر الرازي\" ٢٠/ ١٦٣، و\"القرطبي\" ١٠/ ٢٢٦، و\"أبي حيان\" ٦/ ١٣، و\"ابن كثير\" ٣/ ٣٠، وأغلب الظن أن هذا الخبر من الإسرائيليات.","vol":"13","page":271},{"text":"المعاني: جعلناهما علامتين تدلان على قدرة خالقهما ووحدانيته (١).\nوقال آخرون: المعنى جعلناهما ذوي آيتين (٢)؛ فحذف المضاف، يدل عليه أنه قال: ﴿فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ﴾، ولم يقل: فمحونا الليل ولا فمحونا أحديهما، فلما أضاف الآية إلى الليل والنهار دل على أن الآيتين المذكورتين لهما لا هما.\nوقوله تعالى: ﴿فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ﴾، أي: طمسنا نورها بما جعلنا فيها من السواد، وهذا قول عامة المفسرين (٣)؛ قالوا: السواد الذي يُرى في القمر هو أثر المحو (٤)، وروي في حديث مرفوع: \"إن الشمس والقمر كانا\n_________\n(١) ورد بنحوه في: \"تفسير مقاتل\" ١/ ٢١٣ أ، و\"السمرقندي\" ٢/ ٢٦٢، و\"الثعلبي\" ٧/ ١٠٥ أ، انظر: \"تفسير البغوي\" ٥/ ٨١، و\"ابن الجوزي\" ٥/ ١٤، و\"القرطبي\" ١٠/ ٢٢٧، و\"الخازن\" ٣/ ١٥٨، و\"أبي حيان\" ٦/ ١٤، و\"الدر المصون\" ٧/ ٣٢١.\n(٢) انظر: \"الإملاء\" ٢/ ٨٩، و\"الفريد في إعراب القرآن\" ٣/ ٢٦٢، و\"تفسير أبي حيان\" ٦/ ١٤، و\"الدر المصون\" ٧/ ٣٢١، و\"تفسير الألوسي\" ١٥/ ٢٦.\n(٣) ذكر الفخر الرازي قول الجمهور وذكر قولًا آخر ورجحه؛ وهو: أن المراد منه ما يظهر في القمر من الزيادة والنقصان في النور؛ يبدأ هلالًا ولا يزال يكبر حتى يصير بدرًا كاملًا، ثم يبدأ في الانتقاص قليلًا قليلًا، وذلك هو المحو، ثم ذكر مسوغات ترجيح هذا القول. انظر: \"الرازي\" ٢٠/ ١٦٤، ويضاف إلى ما ذكره أن الأثر الذي اعتمد عليه عامة المفسرين أثر ضعيف عن علي وابن عباس، فهو عن ابن عباس من طريق العوفي (ضعيفة)، وعن علي من طريق ابن الكَوَّاء الخارجي؛ رؤوس الخوارج، قال عنه البخاري: لم يصحَّ حديثه. انظر: \"لسان الميزان\" ٣/ ٣٢٩.\n(٤) ورد في \"تفسير مقاتل\" ١/ ٢١٣ أ، بنحوه، وأخرجه \"الطبري\" ١٥/ ٤٩ - ٥٠، بنحوه عن علي وابن عباس ومجاهد من عدة طرق، وورد بنحوه في \"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ١٢٨، و\"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢٦٢، و\"الثعلبي\" ٧/ ١٠٥ أ، و\"الماوردي\" ٣/ ٢٣٢، و\"الطوسي\" ٦/ ٤٥٤، وانظر: \"تفسير البغوي\" ٥/ ٨١، و\"ابن عطية\" ٩/ ٣٠، و\"ابن الجوزي\" ٥/ ١٤، و\"القرطبي\" ١٠/ ٢٢٨، و\"ابن =","vol":"13","page":272},{"text":"سواء في النور والضوء، فأرسل الله -﷿- جبريل فأمَرّ جناحه على وجه القمر فطَمس عنه الضوء\" (١). ومعنى المحو في اللغة: إذهاب الأثر، يقول: محوته أمحوته وأمحاه، وامحى الشيء وامتحى: إذا ذهب أثره (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾، أي: يبصر فيها، فكأن المعنى أنها مضيئة؛ كما قال: ﴿وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾ [يونس: ٦٧]، أي: مضيئًا، وقد مر، قال أبو عبيد: هذا قول الفراء (٣).\nوفيه وجه آخر يقال: قد أبصر النهار، إذا صار الناس يبصرون فيه فهو مبصر؛ كقولك: رجلٌ مُخْبِث إذا كان أصحابُه خُبَثاء، ورجلٌ مُضعِف إذا كانت دوابُّه ضعافًا، وكذلك النهار مبصرًا، أي: أهله بُصَرَاء (٤)، وهذا\n_________\n= كثير\" ٣/ ٣١، و\"الدر المنثور\" ٤/ ٣٠٢ وزاد نسبته إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري في المصاحف عن علي -﵁-، وأورده كذلك وزاد نسبته إلى ابن المنذر عن ابن عباس -﵄-.\n(١) ورد بنحوه موقوفًا على ابن عباس في \"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢٦٢، و\"الثعلبي\" ٧/ ١٠٥ أ، مفصلًا، و\"البغوي\" ٥/ ٨١، و\"القرطبي\" ١٠/ ٢٢٧ مرفوعًا وموقوفًا، و\"الخازن\" ٣/ ١٥٨، وأورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ٣٠٢ وعزاه إلى ابن أبي حاتم وابن مردويه -بسند واه- عن ابن عباس مرفوعًا.\n(٢) انظر: \"تهذيب اللغة\" (محا) ٤/ ٣٣٤٧، و\"المحيط في اللغة\" (محو) ٣/ ٢٣١، و\"اللسان\" (محا) ٧/ ٤١٥٠.\n(٣) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٢٦ بلفظه، وورد في \"تهذيب اللغة\" (بصر) ١/ ٣٤٢ بلفظه عن الفراء.\n(٤) ورد في \"تفسير الطبري\" ١٥/ ٥٠، بنحوه، لكنه قال: كقولهم: رجلٌ مجبن، إذا كان أهله جبناء، ورجلٌ مضعف، إذا كانت رواته ضعفاء، وورد بنصه تقريبًا في \"تفسير الثعلبي\" ٧/ ١٠٥ أ، و\"الطوسي\" ٦/ ٤٥٤، انظر: \"تفسير الفخر الرازي\" ٢٠/ ١٦٦، و\"القرطبي\" ١٠/ ٢٢٨، و\"أبي حيان\" ٦/ ١٤.","vol":"13","page":273},{"text":"كقوله: ﴿وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً﴾ [الإسراء: ٥٩]، وسنذكر ما فيها إن شاء الله.\nوقوله تعالى: ﴿لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾، أي: لتبصروا كيف تتصرفون في أعمالكم، ﴿وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ﴾ بمحو آية الليل، ولولا ذلك ما كان يُعرف الليلُ من النهار، وكان لا يَتبَيَّن (١) العدد، ونظير هذه الآية قوله: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً﴾ الآية [يونس: ٥].\nوقوله تعالى: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ﴾، أي: مما يُحْتَاج إليه، ﴿فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا﴾: بيناه تبيينًا لا يَلْتَبِس معه بغيره (٢)، وهذا معنى قول ابن عباس: يريد فَصَّلنا ما خلقت (٣) للنافع تفصيلًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2143>١٣ </span>- قوله تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ الآية. روى الحكم عن مجاهد قال: مكتوب في ورقة شقي أو سعيد معلقة في عنقه (٤)، وهذا كما روي عن الحسن في قوله: ﴿طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ قال: شَقَاوَته وسعادته (٥).\n_________\n(١) العبارة في جميع النسخ: فكان الآيتين، وهو تصحيف، وفي \"تفسير الثعلبي\" ٧/ ١٠٥ أ: ولا يتبين العدد، والمثبت من تفسيره \"الوسيط\" تحقيق سيسي ٢/ ٤٧٧.\n(٢) في جميع النسخ: لغيره، والتصويب من تفسيره \"الوسيط\" تحقيق سيسي ٢/ ٤٧٧.\n(٣) هكذا في جميع النسخ: ما خلقت، والأولى: ما خلقنا لينسجم مع فصَّلنا.\n(٤) أخرجه \"الطبري\" ١٥/ ٥١، بنحوه، وورد بنحوه في \"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢٦٢، و\"الثعلبي\" ٧/ ١٠٥ ب، انظر: \"تفسير البغوي\" ٥/ ٨٢، و\"ابن الجوزي\" ٥/ ١٥، و\"الدر المنثور\" ٤/ ٣٠٣ - ٣٠٤ وزاد نسبته إلى أبي داود في كتاب القدر [لم أجده في سننه] وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(٥) ورد في \"تفسير مجاهد\" ١/ ٣٥٩ بنصه عن الحسن، أخرجه \"عبد الرزاق\" ٢/ ٣٧٤، بنحوه، انظر: \"تفسير البغوي\" ٥/ ٨٢، و\"ابن الجوزي\" ٥/ ١٥.","vol":"13","page":274},{"text":"وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: عمله من شَقَاوَة أو سعادة (١).\nوقال السدي: ما كُتبَ له من خير أو شر (٢).\nوروي عن ابن عباس: أنه قال عَمَلُه وما قُدّر عليه فهو ملازمه أينما كان (٣)، هذا قول المفسرين في هذه الآية، وإنما قيل لما يأتيه الإنسان ويعمله (٤) من خير وشر: طائر، على مذهب العرب وتعارفهم في ذلك؛ نحو قولهم: جرى طائرُه بكذا من الخير، وجرى له الطائرُ بكذا من الشر؛ على طريق الفأل والطِّيرة، أنشد أبو زيد لحسان بن ثابت:\nذَرِيني وعِلْمي بالأمور وسيرتي ... فما طائري فيها عليكِ بأَخْيَلا (٥)\n_________\n(١) \"تفسير مجاهد\" ص ٣٥٩ بمعناه، وأخرجه \"الطبري\" ١٥/ ٥١ مختصرًا من طريقين، وورد في \"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ١٣٠ مختصرًا.\n(٢) انظر: \"تفسير أبي حيان\" ٦/ ١٥ بمعناه، وأورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ٣٠٣ - ٣٠٤ وعزاه إلى ابن أبي حاتم بمعناه.\n(٣) أخرجه \"الطبري\" ١٥/ ٥١ بنصه من طريق عطاء الخرساني (منقطعة)، وأخرجه مختصرًا من طريق العوفي (ضعيفة)، وورد في \"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ١٣٠، بنحوه، و\"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢٦٢ - بمعناه، و\"الثعلبي\" ٧/ ١٠٥ ب بنصه، وانظر: \"تفسير البغوي\" ٥/ ٨٢، و\"ابن عطية\" ٩/ ٣١، و\"الخازن\" ٣/ ١٥٩، و\"أبي حيان\" ٦/ ١٥، و\"الدر المنثور\" ٤/ ٣٠٣ وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(٤) في (أ)، (د) تصحفت إلى: (يعلمه).\n(٥) \" ديوانه\" ص ٢٠٦ برواية: (وشيمتي) بدل (وسيرتي)، (ويومًا) بدل (فيها)، وورد في: \"الحجة للقراء\" ٥/ ٨٩، و\"تفسير الطوسي\" ٦/ ٤٥٦ برواية: (وشيمتي)، و\"شرح شواهد الإيضاح\" ص ٣٩٢ عجزه، و\"اللسان\" (خيل) ٣/ ١٣٠٦، و\"شرح التصريح\" ٢١٤، وورد بلا نسبة في: \"الاشتقاق\" ص ٣٠٠ عجزه، و\"أوضح المسالك\" ٤/ ١٢٠ عجزه، و\"شرح الأشموني\" ٣/ ٤٣٦، (الأخيل): طائر يُتشاءَم به، وهو ما يسمونه الشّقِرَّاق، تقول العرب: أشأَم من أخْيَل.","vol":"13","page":275},{"text":"أي ليس رأي بمشؤوم، قال أبو زيد: كلما مرَّ من طائر أو ظبي أو غيره، وكل ذلك عندهم طائر وطير (١)، وأنشد لكثير:\nجرت لي بهجرانك يا عز لا جرت ... ظباء اللوى لو أنني أتطير\nذكر في هذا البيت الظباء ثم جعلهن طيرًا؛ فقال:\nفقلت لأصحابي ازجروا لا ... أبا لكم لعلكم للطير مني أزجر\nفقالوا نراها طير صدق وقد جرى ... لي الطير منها بالذي كنت أحذر (٢)\nومذهبهم في العِيَافة والزجر (٣) معروفٌ، وأشعارهم في ذلك كثيرة، وهو باطل من أهل الجاهلية، إلا أنهم لما كانوا يتفاءلون (٤) في الخير والشر في الطائر والطير، سموا ما تفاءلوا (٥) به طائرًا وطيرًا، وإن لم يكن من\n_________\n(١) ورد في \"تفسير الطوسي\" ٦/ ٤٥٦ بنصه تقريبًا.\n(٢) لم أجده في \"ديوانه\"، ولم أقف عليه.\n(٣) العيافة: زَجْر الطير؛ وهو أن يرى طائرًا أو غرابًا فيتطيَّر، قاله الأزهري، وفي اللسان، العيافة: زجْرُ الطير والتفاؤل بأسمائها وأصواتها ومَمَرِّها، وهو من عادة العرب كثيرًا، وهو كثير في أشعارهم، يقال: عافَ يعيف عيفًا إذا زجَرَ وحدَس وظن، والعائف: الذي يَعيفُ الطير فيَزْجُرُها.\nانظر: \"تهذيب اللغة\" (عاف) ٣/ ٢٢٨٥، و\"المحيط في اللغة\" (عيف) ٢/ ١٧٢، و\"اللسان\" (عيف) ٥/ ٣١٩٣. الزَّجْرُ للطير وغيرها: التَّيَمُّنُ بِسُنُوحها، أو التَّشاؤم بِبُرُوحها، وإنما سُمّي الكاهنُ زاجرًا؛ لأنه إذا رأى ما يظن أنه يُتَشَاءمُ به زَجَرَ بالنَّهي عن المُضيِّ في تلك الحاجةِ برفع صوتٍ وشدَّةٍ، قاله الزجاج، وقال الليث: الزَّجرُ: أن يَزْجُرَ طائرًا أو ظَبْيًا سانِحًا أو بارحًا فيتطيَّر منه. [والسانحُ: ما وَلاَّك مَيَامِنَه، والبارح: ضِدُّه] انظر زجر في \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٥١٣، و\"المحيط في اللغة\" ٧/ ٢٠، و\"اللسان\" ٣/ ١٨١٣.\n(٤) في جميع النسخ: (يتألفون)، والصحيح المثبت؛ لأن الكلام في التفاؤل لا التألف، فهو تصحيف.\n(٥) في جميع النسخ: (ما تعالوا)، ولا معنى لذلك، والصواب المثبت، فلعلها تصحفت عنها.","vol":"13","page":276},{"text":"ذوات الأجنحة.\nثم سموا الخير والشر أيضًا طائرًا وطيرًا على مذهبهم في تسمية الشيء بما كان له سببًا، فخاطبهم الله بما يستعملون، وهذا كلام ابن قتيبة (١) وأبي علي الفارسي (٢)، ويدل على صحة هذا الذي ذكرناه قراءة الحسن ومجاهد: (أَلْزَمْنَاهُ طَيره فِي عُنُقِهِ) (٣)، وعلى هذا معنى طائره: أي عمله من خير وشر.\nقال الفراء: الطائر معناه عندهم العمل (٤).\nوقال أبو عبيدة: الطائر عند العرب الحظ (٥)، وهو الذي تسميه الفرس البخت، وعلى هذا يجوز أن يكون معنى الطائر: ما طار له من خير أو شر، أي صار له عند القسمة؛ من قولهم: أَطَرْتُ المالَ وطَيَّرته بين القوم فطار لكل منهم سهمه، أي صار له (٦)، وقد بينا هذا المعنى في سورة الأعراف عند قوله: ﴿أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾ (٧).\nقال الأزهري: والأصل في هذا أن الله تعالى لما خلق آدم عَلِمَ\n_________\n(١) \"الغريب\" لابن قيبة ١/ ٢٥٢ باختصار.\n(٢) \"الحجة للقراء\" ٥/ ٨٨ باختصار.\n(٣) وهي قراءة شاذة وردت عن الحسن ومجاهد وأبي رجاء. انظر: \"القراءات الشاذة\" لابن خالويه ص ٧٩، و\"إعراب القراءات الشاذة\" ١/ ٧٧٨، و\"تفسير الرازي\" ٢٠/ ١٦٧، و\"القرطبي\" ١٠/ ٢٢٩، و\"أبي حيان\" ٦/ ١٥.\n(٤) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١١٨، بنحوه.\n(٥) \"مجاز القرآن\" ١/ ٣٧٢، بنحوه.\n(٦) ورد في \"تهذيب اللغة\" (طار) ٣/ ٢١٤٩ بنصه.\n(٧) الأعراف [١٣١].","vol":"13","page":277},{"text":"المطيعَ من ذريته والعاصي، فكتب ما علمه (١) منهم أجمعين، وقضى سعادة مَنْ عَلِمَه مطيعًا وشقاوة مَنْ عَلِمَه عاصيًا، فصار لكلٍّ ما هو صائرٌ إليه عند خلقه وإنشائه، فذلك قوله تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾، أي: ما طار له في علم الله بدءًا (٢) من الخير والشر (٣).\nوقوله تعالى: ﴿فِي عُنُقِهِ﴾ عبارة عن اللزوم، قال أبو إسحاق: وإنما يقال للشيء اللازم: هذا في عنق فلان؛ أي لُزُومه له كلزوم القلادة من بين ما يُلْبَس في العنق (٤).\nوقال أبو علي: وهذا مِثْلُ قولهم: طَوَّقتُك كذا وقَلَّدتك كذا؛ أي صرفته نحوك، وألزمته (٥) إياك، ومنه: قَلَّده السلطانُ كذا؛ أي صارت الوِلَاية في لزومها له في موضع القلادة [و] (٦) مكان الطوق (٧)، قال الأعشى:\nقَلَّدتُك الشِّعرَ يا سَلَامةُ ذا الـ ... تّفْضَالِ والشيءُ (٨) حيثُ ما جُعِلَا (٩) (١٠)\n_________\n(١) في جميع النسخ: (ما عمله)، وهو تصحيف.\n(٢) في (أ)، (د): (بريًا)، وفي (ش)، (ع): (بمريًا)، ولم أجد لذلك معنى في هذا السياق، والمثبت من المصدر.\n(٣) \"تهذيب اللغة\" (طار) ٣/ ٢١٥٠ بتصرف، انظر: \"تفسير ابن الجوزي\" ٥/ ١٥ بنصه.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٣٠ بنصه.\n(٥) في جميع النسخ: (ألزمت) بدون الضمير، والسياق يقتضيه، وهو كذلك في المصدر.\n(٦) إضافة يقتضيها السياق، وهي مثبتة في المصدر.\n(٧) في جميع النسخ: (الطرق) والتصويب من المصدر.\n(٨) في جميع النسخ: (الشعر)، والصواب ما أثبته من الديوان وتفسير ابن عطية.\n(٩) \"ديوانه\" ص ١٣٨، وورد في \"تفسير ابن عطية\" ٩/ ٣٣، (التفضال): الإحسان.\n(١٠) \"الحجة للقراء\" ٥/ ٨٩ بنصه.","vol":"13","page":278},{"text":"هذا قول الجمهور (١)، وقال بعض أهل المعاني: إنما خص العنق؛ لأن عمله لا يخلو إما أن يكون خيرًا يَزِينُه أو شرًا يَشِينُه، وما يُزَيِّنُ كالطوق والحُلِي، أو يَشِينُ كالغل، فإضافته إلى الأعناق (٢)، وعلى ما ذكر مجاهد (٣): ما قُسِمَ له أُثبت في ورقة وعُلّقت من عنقه، غير أنَّا لا نشاهد ذلك مرئيًا (٤)، والله أعلم.\nوقوله تعالى: ﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا﴾ قال الحسن: يا ابن آدم، بُسِطت لك صحيفة، ووُكِلَ بك ملكان، فهما عن يمينك وعن شمالك، فأما الذي (٥) عن يمينك فيحفظ حسناتك، وأما الذي عن شمالك فيحفظ سيئاتك، حتى إذا مِت طُويت صحيفتُك وجُعلت معك في قبرك حتى تُخْرَج لك يوم القيامة (٦)، فعلى هذا معنى: ﴿وَنُخْرِجُ لَهُ﴾، أي: من قبره معه، ويجوز أن يكون معنى: ﴿نُخْرِجُ﴾ نظهر له ذلك؛ لأنه لم ير كتابه في الدنيا، فإذا بُعث أُظهر له ذلك وليبرز من الستر.\n_________\n(١) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١/ ٢١٣ أ، و\"الطبري\" ١٥/ ٥١، و\"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ١٣٠، و\"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢٦٢، و\"الثعلبي\" ٧/ ١٠٥ ب، و\"الماوردي\" ٣/ ٢٣٣، و\"الطوسي\" ٦/ ٤٥٥، و\"الفخر الرازي\" ٢٠/ ١٦٨.\n(٢) ورد بنحوه في \"تفسير الطبري\" ١٥/ ٥١، و\"الثعلبي\" ٧/ ١٠٥ ب، و\"الطوسي\" ٦/ ٤٥٧، انظر: \"تفسير البغوي\" ٥/ ٨٢، و\"الفخر الرازي\" ٢٠/ ١٦٨، و\"الخازن\" ٣/ ١٥٩، و\"أبي حيان\" ٦/ ١٥.\n(٣) تقدم قريبا.\n(٤) في (ش)، (ع): (بمريًا).\n(٥) في جميع النسخ: (الذين)، والمثبت هو الصحيح.\n(٦) أخرجه الطبري ١٥/ ٥٢ - ٥٣، بنحوه، وورد في \"تفسير الثعلبي\" ٧/ ١٠٥ ب، بنحوه، انظر: \"تفسير الفخر الرازي\" ٢٠/ ١٦٨، و\"ابن كثير\" ٣/ ٣٢، وأورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ٣٠٤، و\"تفسير الألوسي\" ١٥/ ٣٢.","vol":"13","page":279},{"text":"وقرأ يعقوب: (ويَخْرُجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا) (١) على معنى ويَخْرُجُ له طائرُه، أي عملُه، ﴿كِتَابًا﴾، أي: ذا كتاب، ومعنى (ذا كتاب) أنه مثبت في الكتاب الذي قيل فيه: ﴿لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً﴾ [الكهف: ٤٩]، وعلى هذا المعنى قرأ أبو جعفر (٢): (ويُخْرَجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا) (٣) أي يُخْرَجُ له الطائر؛ أي عمله، ﴿كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا﴾ كقوله: ﴿وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ﴾ [التكوير: ١٠]، وقرأ ابن عامر: (يُلَقَّاهُ) (٤) من قولهم: لَقَّيْتُ فلانًا\n_________\n(١) قرأ يعقوب: ﴿وَيَخرُج﴾ بالياء مفتوحةً والراء مضمومةً، قال الطبري: وكأن من قرأ هذه القراءة وجَّه تأويل الكلام إلى: ويخرج له الطائرُ الذي ألزمناه عنق الإنسان يوم القيامة، فيصير كتابًا يقرؤه منشورًا، وقال الزمخشري: والضمير للطائر؛ أي يَخْرجُ الطائرُ كتابًا، وانتصاب (كتابًا) على الحال.\nانظر تفسير \"الطبري\" ١٥/ ٥٢، و\"المبسوط في القراءات\" ص ٢٢٧، و\"تفسير الزمخشري\" ٢/ ٣٥٤، و\"المُوضح في وجوه القراءات\" ٢/ ٧٥٠، و\"النشر\" ٢/ ٣٠٦، و\"الإتحاف\" ص ٢٨٢.\n(٢) أبو جعفر يزيد بن القعقاع، أحد القراء العشرة، تابعي مشهور، انتهت إليه القراءة بالمدينة، قرأ على زيد بن ثابت وسمع ابن عمر -﵃-، توفي سنة ١٣٠ هـ. انظر: \"وفيات الأعيان\" ٦/ ٢٧٤، و\"معرفة القراء الكبار\" ١/ ٧٢، و\"غاية النهاية\" ٢/ ٣٨٢، و\"النشر\" ١/ ١٧٨.\n(٣) قرأ أبو جعفر: ﴿وَيُخْرَجْ﴾ بضم الياء وفتح الراء، على ما لم يُسَمَّ فاعله، ونائب الفاعل: ضمير الطائر. قال الطبري: وكأنه وجَّه معنى الكلام إلى: ويُخْرَج له الطائر يوم القيامة كتابًا، يريد: ويخرج الله ذلك الطائر قد صيَّره كتابًا. انظر: \"تفسير الطبري\" ١٥/ ٥٣، و\"المبسوط في القراءات\" ص ٢٢٧، و\"النشر\" ٢/ ٣٠٦، و\"الإتحاف\" ص ٢٨٢.\n(٤) قرأ ابن عامر: (يُلَقَّاهُ) بضم الياء وفتح اللام وتشديد القاف، جعل الفعلَ لغير الإنسان؛ أي: الملائكة تلقاه بالكتاب الذي فيه نسخة عمله وشاهده؛ أي: يستقبل به. انظر: \"السبعة\" ص ٣٧٨، و\"إعراب القراءات السبع وعللها\" ١/ ٣٦٤، و\"علل القراءات\" ١/ ٣١٦، و\"المبسوط في القراءات\" ص ٢٢٧، و\"النشر\" ٢/ ٣٠٦.","vol":"13","page":280},{"text":"الشيءَ، أي: استقبلته به، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا﴾ [الإنسان: ١١]، وهو منقول بالتشديد؛ من لَقَّيْتُ الشيءَ ولَقَّانِيهِ زيدٌ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2144>١٤ </span>- قوله تعالى: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ﴾ قال الفراء والكسائي: (يُقَال) هاهنا مضمرة كقوله: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا﴾ [غافر: ٤٦]، وقوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ﴾ (٢) [آل عمران: ١٠٦]، وقد مر.\nقال الحسن يقرأه أُمِّيًا كان (٣) أو غير أمِّي (٤).\nوقال قتادة: سيقرأ يومئذ من لم يكن قارئًا (٥).\nوقال بكر بن عبد الله (٦) يؤتى المؤمن يوم القيامة صحيفة حسناته في ظهره يغبطه الناس عليها، وسيئاته [في] (٧) جوف صحيفته وهو يقرؤها، حتى إذا ظن أنها قد أوبقته، قال الله له: اذهب فقد غفرتها لك فيما بيني وبينك،\n_________\n(١) ورد في \"الحجة للقراء\" ٥/ ٩٠، بنحوه.\n(٢) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١١٩ بنصه، ولم أقف عليه منسوبًا إلى الكسائي.\n(٣) ساقطة من (د).\n(٤) ورد في \"تفسير الثعلبي\" ٧/ ١٠٦ أ، بنحوه، انظر: \"تفسير ابن الجوزي\" ٥/ ١٦، و\"الفخر الرازي\" ٢٠/ ١٦٩، و\"القرطبي\" ١٠/ ١٥٠.\n(٥) أخرجه \"الطبري\" ١٥/ ٥٣ بنصه، وورد في \"تفسير الثعلبي\" ٧/ ١٠٦ أبنصه، انظر: \"تفسير البغوي\" ٥/ ٨٢، و\"الزمخشري\" ٢/ ٣٥٤، و\"ابن عطية\" ٩/ ٣٥، و\"أبي حيان\" ٦/ ١٥، و\"الدر المنثور\" ٤/ ٣٠٤ وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم، و\"تفسير الشوكاني\" ٣/ ٣٠٦، والألوسي ١٥/ ٣٣.\n(٦) بكر بن عبد الله المزني البصري، أبو عبد الله، ثقة ثبت جليل، روى عن ابن عباس وابن عمر -﵄- وعنه: قتادة وحبيب بن الشهيد مات سنة (١٠٨ هـ) انظر: \"الجرح والتعديل\" ٢/ ٣٨٨، و\"الكاشف\" ١/ ٢٧٤ (٦٢٨)، و\"تقريب التهذيب\" ص ١٢٨ (٧٤٣)، و\"تفسير الطبري\" شاكر ١/ ٢٧٤ (٦٢٨)\n(٧) إضافة يقتضيها السياق؛ كما في \"تفسير الفخر الرازي\" ٢٠/ ١٦٩.","vol":"13","page":281},{"text":"فَيُسَرُّ ويُشْرِقُ لونُه ويقول: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾ (١) [الحاقة: ١٩].\nوقوله تعالى: ﴿كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾، الحَسِيْبُ بمعنى الحاسب، كالشريك والنديم، وقوله: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ [الأحزاب: ٣٩]، أي: محاسبًا.\nقال الحسن: عدلٌ واللهُ عليك، مَنْ جعلك حَسِيبَ نَفْسِك (٢).\nوقال السدي: يقول الكافر يومئذ: إنك قضيتَ أنك لست بظلام للعبيد، فاجعلني أُحاسبُ نفسي، فيقال: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2145>١٥ </span>- قوله تعالى: ﴿مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾، أي: ثواب اهتدائه له ولنفسه؛ يعني الخير باهتدائه، ﴿وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا﴾، أي: على نفسه عقوبة ضلاله؛ فهُداه له كما أن ضلاله عليه، ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ قال عطاء عن ابن عباس: يريد أن الوليد بن المغيرة قال: اتبعوني وأنا أحمل أوزاركم (٤).\n_________\n(١) انظر: \"تفسير الفخر الرازي\" ٢٠/ ١٦٩ بنصه تقريبًا، وورد في \"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢٦٢، بنحوه عن ابن عباس.\n(٢) ورد في \"تفسير الثعلبي\" ٧/ ١٠٦ أبنصه تقريبًا، انظر: \"تفسير البغوي\" ٥/ ٨٢، و\"الزمخشري\" ٢/ ٣٥٤، و\"ابن الجوزي\" ٥/ ١٦، و\"الفخر الرازي\" ٢٠/ ١٦٩، و\"الخازن\" ٣/ ١٥٩، و\"أبي حيان\" ٦/ ١٦، و\"الألوسي\" ١٥/ ٣٣.\n(٣) انظر: \"تفسير الفخر الرازي\" ٢٠/ ١٦٩، و\"الدر المنثور\" ٤/ ٣٠٤، وعزاه إلى ابن أبي حاتم، ومثل هذه الأخبار لا تثبت إلا بخبر صحيح عن المعصوم.\n(٤) ورد في تفسيره \"الوسيط\" تحقيق سيسي ٢/ ٤٨١، انظر: \"تفسير ابن الجوزي\" ٥/ ١٧، و\"القرطبي\" ١٠/ ١٥١، و\"الألوسي\" ١٥/ ٣٥، وورد بلا نسبة في \"تفسير ابن عطية\" ٩/ ٣٦، و\"أبي حيان\" ٦/ ١٦، وحمل الآية على العموم أولى من التخصيص.","vol":"13","page":282},{"text":"قال قتادة: لا والله، ما يحمل اللهُ على عبدٍ ذَنْبَ غيرِه، ولا يُؤاخَذ إلا بعمله (١). قال أبو إسحاق يقال: وَزَرَ يَزِرُ فهو وَازرٌ وَزْرًا وَوِزْرًا، [و] (٢) وِزْرَةً، معناه: أثِمَ يَأْثَمُ إثمًا، قال: وفي تأويل هذه الآية وجهان؛ أحدهما: أن الآثِمَ والمُذْنِبَ لا يؤاخذ بذنب غيره، ولا يؤاخذ بذنبه غيرُهُ، والوجه الثاني: أنه لا ينبغي أن يعمل الإنسانُ بالإثم لأن غيرَه عَمِلَه؛ كما قالت الكفار: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ (٣) [الزخرف: ٢٣]، ومضى الكلام في معنى الوِزْر والأوْزَار في سورة الأنعام (٤).\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ قال ابن عباس: يريد اتخاذ الحجة على خلقه.\nوقال قتادة: إن الله ليس معذبًا أحدًا حتى يسبق من الله إليه خبرٌ (٥) ويأتيه من الله بَيِّنَة (٦).\nوقال أبو إسحاق: أي حتى (٧) نبين ما به نُعَذِّبُ وما من أَجْله نُدْخِلُ الجنَّةَ (٨)، وهذا يدل على أن الواجبات إنما تجب بالشرع لا بالعقل؛ لأن الواجبَ ما لا يؤمن العقاب في تركه، وقد أخبر أنه لا يعذب قبل بعثته\n_________\n(١) أخرجه \"الطبري\" ١٥/ ٥٤ بنصه.\n(٢) هذه الواو إضافة يقتضيها المقام؛ كما في \"تفسير ابن الجوزي\" ٥/ ١٧.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٣١ بنصه، إلا أنه أورد الآية [٢٢] التي قبلها وهي: ﴿بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾.\n(٤) آية [٣١].\n(٥) في جميع النسخ: (خير)، والصحيح المثبت، كما في المصادر.\n(٦) أخرجه \"الطبري\" ١٥/ ٥٤ بنصه تقريبًا.\n(٧) في جميع النسخ: (حين)، والمثبت هو الصحيح، وموافق للمصدر.\n(٨) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٣١ بنصه.","vol":"13","page":283},{"text":"الرسول، فدل أنه إنما يُعرفُ الواجبُ بقول الرسولِ، ولا يجبُ شيءٌ على أحدٍ قبل بَعْثِ الرسولِ (١)، ولذا وجبتْ الدعوةُ قبلَ القتالِ، حتى لو أن المسلمين أناخوا بساحةِ قومٍ لم تبلغهم الدعوةُ، لم يجز لهم أن يهجموا عليهم بالقتال والثُّباتِ (٢) قبل تقديم الدعوة، ولو فعلوا ذلك ضَمِنوا دماءهم، كذلك قال الشافعي -﵁- (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2146>١٦ </span>- قوله تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا﴾ هذا يُتَأول على وجهين:\nأحدهما: أنهم أُمروا بالطاعة فعصوا، وهذا قول سعيد بن جبير (٤)، والمعنى على هذا: أَمَرْناهم على لسان رسولٍ بالطاعة ففسقوا، هذا نحو قولك: أمرتُك فعَصَيْتني، فقد عُلِمَ أن المعصية مخالفة للأمر (٥)، ولذلك؛\n_________\n(١) وهو بهذا يرد على المعتزلة القائلين بأن الواجبات تجب بالعقل أولًا ثم بالشرع ..، انظر: \"فضل الاعتزال\" ص ١٣٩ نقلًا عن كتاب \"الاستدلال على مسائل الاعتقاد عند أهل السنة والجماعة\" ١/ ١٦٦.\n(٢) جمعُ ثُبَةٍ، وهي الفرقة، والمقصود النفير بفرق وسرايا. انظر: \"عمدة الحفاظ\" ١/ ٣١٧.\n(٣) كتاب \"الأم\" ٤/ ١٥٧، بنحوه، وقد نص على ذلك الماوردي، وقال: فإن بدأ بقتالهم قبل دعائهم إلى الإسلام وإنذارهم بالحجة، وقتلهم غرة وبياتًا ضمن ديات نفوسهم وكانت -على الأصح من مذهب الشافعي- كديات المسلمين، وقيل: بل كديات الكفار على اختلافها اختلاف معتقدهم. \"الأحكام السلطانية للماوردي\" ص ٤٦، انظر: \"حواشي تحفة المحتاج على المنهاج\" ٩/ ٢٤٢، \"الجهاد في سبيل الله حقيقته وغايته\" ١/ ٢٠٦.\n(٤) أخرجه \"الطبري\" ١٥/ ٥٥، بنحوه، وورد في \"تفسير الجصاص\" ٣/ ١٩٥ بنصه، و\"الطوسي\" ٦/ ٤٦١، بنحوه.\n(٥) في المصدر: (الأمر).","vol":"13","page":284},{"text":"الفسق مخالفة أمر الله (١)، فقوله: ﴿أَمَرْنَا﴾ يدل على أنه أمر بالطاعة وإن لم يُذْكر؛ كما تقول: أمرتك فعصيتني؛ معناه: أمرتك بطاعتي، فإن قيل: لِمَ خص المترفين بالأمر بالطاعة، وأمره بالطاعة لا يكون مقصورًا على المترفين، وقد أمر الله بطاعته جميع خلقه من مترف وغيره؟! قيل: لأنهم الرؤساء الذين من عداهم تبع لهم، كما أن موسى بُعث إلى فرعون ليأمره بطاعة الله وكان من عداه من القبط تبعًا له (٢)، هذا إذا قلنا: إن قوله: ﴿أَمَرْنَا﴾ من الأمر الذي هو ضد النهي.\nالوجه الثاني: أن معنى قوله: ﴿أَمَرْنَا﴾ أكثرنا، وهو قول مجاهد في رواية عبد الكريم (٣)، قال: ﴿أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا﴾: أكثرنا فساقها (٤)، ونحوه روى\n_________\n(١) ورد في \"تهذيب اللغة\" (أمر) ١/ ١٩٧، بنصه تقريبًا.\n(٢) في جميع النسخ: (لها)، والصواب ما أثبته؛ لأن الضمير يرجع إلى فرعون، وورد هذا التعليل في \"تفسير الجصاص\" ٣/ ١٩٥، بنحوه، و\"الطوسي\" ٦/ ٤٦٠ بنصه تقريبًا.\n(٣) ذكر محقق \"تفسير مجاهد\" ٣/ ٣٥٩ أن راويين اسمهما عبد الكريم رويا عن مجاهد؛ أحدهما: عبد الكريم بن مالك الجَزَري: تقدمت ترجمته. والآخر: عبد الكريم بن أبي المُخارق: هو أبو أميّة المعلِّم البصري، نزيل مكة، وهو ضعيف، قال يحيى: ليس بشيء، روى عن سعيد بن جبير، وعنه مالك والسفيانان، قال ابن حجر: وقد شارك الجَزَري في بعض المشايخ فربما التبس به على من لا فهم له، مات سنة ١٢٦ هـ انظر: \"الجرح والتعديل\" ٦/ ٥٨ - ٥٩، و\"ميزان الاعتدال\" ٣/ ٣٦٠ - ٣٦١، و\"الكاشف\" ١/ ٦٦١ (٣٤٣٢)، و\"تقريب التهذيب\" ص ٣٦١ (٤١٥٦).\n(٤) \"تفسير مجاهد\" ١/ ٣٥٩ بنصه، أخرجه \"الطبري\" ١٥/ ٥٥ - ٥٦، بنحوه عن عكرمة وسعيد، وورد في \"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ١٣٤، بنحوه عن مجاهد، و\"تفسير الجصاص\" ٣/ ١٩٥، بنحوه عن مجاهد وعكرمة، و\"الدر المنثور\" ص ٣٥٩ وزاد نسبته إلى سعيد بن منصور وابن المنذر.","vol":"13","page":285},{"text":"سِمَاك (١) عن عكرمة وعمر بن ثابت (٢) عن أبيه عن سعيد بن جبير، والعرب: تقول أَمِر القومُ إذا كثروا، وأمرهم اللهُ، أي: كَثَّرَهم، وآمَرَهم أيضًا بالمد (٣).\nروى الجَرْميُّ (٤) عن أبي زيد: أمِرَ اللهُ القومَ وآمرهم أي كَثَّرَهم، قال: مِثلُ نَضَّرَ اللهُ وجهه وأنضره، ومثل أَمِرَ القوم وأمَرَهم غيرُهم، ورَجَعَ ورَجَعْتُه، وسَلَكَ وسَلَكْتُه، قال الله تعالى: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾ [المدثر: ٤٢]، وشَتِرتْ (٥) عَيْنُه وشَتَرْتُهَا (٦).\n_________\n(١) سِمَاك بن حرب بن أوس الهُذلي الكوفي، أبو المغيرة، تابعي أدرك ثمانين رجلًا من أصحاب النبي -ﷺ-، صدوق صالح من أوعية العلم، وروايته عن عكرمة خاصة مضطربة، وتغير بأخرة، مات سنة (١٢٣ هـ) انظر: \"الجرح والتعديل\" ٤/ ٢٧٩، و\"ميزان الاعتدال\" ٢/ ٤٢٢، و\"الكاشف\" ١/ ٤٦٥ (٢١٤١)، و\"تقريب التهذيب\" ص ٢٥٥ (٢٦٢٤).\n(٢) عمر بن ثابت الأنصاري الخزرجي، ثقة، سمع أبا أيوب الأنصاري -﵁-، وروي عنه الزهري ومالك بن أنس. انظر: \"الجرح والتعديل\" ٦/ ١٠١، و\"الكاشف\" ٢/ ٥٦، و\"تقريب التهذيب\" ص ٤١٠ (٤٨٧٠).\n(٣) ورد بنحوه في \"غريب الحديث\" ١/ ٢٠٨، و\"تهذيب اللغة\" (أمر) ١/ ١٩٦، و\"الحجة للقراء\" ٥/ ٩٢.\n(٤) أبو عمر، صالح بن إسحاق الجَرْميّ البصري، مولى جَرْم بن زَبّان؛ من قبائل اليمن، إمام في النحو، ناظر الفراء ببغداد، أخذ عن الأخفش وغيره، ولقي يونس وأخذ عن أبي زيد اللغة، وعن أبي عبيدة والأصمعي. انظر، \"أخبار النحويين البصريين\" ص ٨٤، و\"نزهة الألباء\" ص ١١٤، و\"البلغة\" ص ١١٣، و\"البغية\" ٢/ ٨.\n(٥) الشَّتَرُ: انقلاب في جفن العين قلّما يكون خلقةً. انظر: \"اللسان\" (شتر) ٤/ ٢١٩٣.\n(٦) ورد في \"الحجة للقراء\" ٥/ ٩٢، عن الجرمي مختصرًا، و\"المحتسَب\" ٢/ ١٧، عن أبي زيد مختصرًا، والمقصود بهذه الأمثلة، التدليل على أن بعض الأفعال يعدى بالهمزة، وبعضها -الذي من باب فَعِل بكسر العين- يتعدى بفتح العين والمعنى واحد. انظر: \"المُوضح في القراءات\" ٢/ ٧٥٢، و\"تفسير الطوسي\" ٦/ ٤٦١.","vol":"13","page":286},{"text":"قال أبو عبيدة (١): وقد وجدنا تثبيتًا لهذه اللغة، وهو قوله -ﷺ-: \"سِكّة مَأْبُورة، ومُهْرة مَأْمورة\" (٢).\nقال أبو زيد: هي التي قد كَثُر نَسْلُها، يقولون: أمَر اللهُ المُهْرةَ؛ أي كَثَّر ولَدَها (٣)، وأبى قوم أن يكون (أَمَر) بمعنى أكْثَر، وقالوا: أمِرَ القوم إذا كَثُروا، وآمرهم اللهُ بالمد، أي: أكثرهم، وتأولوا في قوله: (مهرة مأمورة) أنها على الإتْبَاع لمأبورة؛ نحو الغدايا والعشايا (٤).\n_________\n(١) في جميع النسخ (أبو عبيد)، والتصويب من \"الحجة للقراء\" ٥/ ٩٢.\nوهو في \"مجاز القرآن\" ١/ ٣٧٣ بمعناه، وورد في \"الحجة للقراء\" ٥/ ٩٢ بنصه، وواضح أنه نقله من \"الحجة\" لا من \"المجاز\".\n(٢) وطرفه: (خيْرُ المال سِكَّة ..) أخرجه أحمد ٣/ ٤٦٨ بنصه عن سويد بن هبيرة عن النبي -ﷺ-، والطبري ٨/ ٥١ بنصه، والطبراني في \"الكبير\" ٧/ ٩١، بنحوه من طريقين عن سويد بن هبيرة، وورد بنصه في \"غريب الحديث\" ١/ ٢٠٨، و\"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٣٢، و\"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ١٣٥، و\"إعراب القراءات السبع وعللها\" ١/ ٣٦٥، و\"علل القراءات\" ١/ ٣١٧، و\"تهذيب اللغة\" (أمر) ١/ ١٩٧، و\"تفسير الثعلبي\" ٧/ ١٠٦ أ، و\"الماوردي\" ٣/ ٢٣٦، وأورده الهيثمي في \"المجمع\" ٥/ ٢٥٨ وقال: ورجال أحمد ثقات، والسيوطي في الجامع [فيض القدير] ٣/ ٤٩١ ورمز له بالصحة، وفي بعض هذه المصادر تقديم مهرة على سِكَّة، (السِّكة): السَّطْر من النَّخل، (المأبورة): المُصْلَحةُ المُلقحةُ، يقال: أبَرت النخل آبُرُه أبْرًا إذا لَقَّحْته وأصلحته، (المُهْرَة): قال الليث: المُهْر ولد الرَّمَكَةِ -البرذون- والفرس، والأنثى مُهرة، والجميع مِهار، وقيل: أول ما نُتِجَ من الخيل والحُمُر الأهلية، قال ابن خالويه: يعني بالمُهرة: الكثيرة النِّتاج. انظر \"أمالي القالي\" ١/ ١٠٣، و\"إعراب القراءات السبع وعللها\" ١/ ٣٦٥، و\"تهذيب اللغة\" (مهر) ٤/ ٣٤٦٢، و\"متن اللغة\" ٤/ ٣٣٣٩.\n(٣) ورد في \"تهذيب اللغة\" (أمر) ١/ ١٩٧، بنصه.\n(٤) ورد بنحوه في \"إعراب القراءات السبع وعللها\" ١/ ٣٦٦، و\"تهذيب اللغة\" (أمر) ١/ ١٩٧، و\"الطوسي\" ٦/ ٤٦١.","vol":"13","page":287},{"text":"وروى أبو العباس (١) -ختن ليث- عن أبي عمرو أنه قرأ ﴿أَمَّرْنا﴾ بالتشديد (٢)، وهو يوافق تفسير ابن عباس فيما روى عنه الوالبي، يقول: سَلَّطنا شرارها فعَصوا (٣).\nوقال أبو إسحاق: أي جعلنا لهم إمْرةً وسلطانًا (٤)، وقال في رواية عطاء: يريد سَلَّطنا مُلُوكَها (٥).\nقال أبو علي الفارسي: حَمْلُ أَمَّرْنا على أنه مثل: آمَرْنا؛ نحو: كَثَّرَهُ اللهُ وأَكْثَرَه، ولا يُحْمَل أمَّرْنا على أن المعنى: جعلناهم أُمراءَ؛ لأنه لا يكاد يكون في قرية واحدة عدّةُ أُمراءَ (٦).\nوهذا الذي قاله أبو علي لا يقدح في قول ابن عباس؛ لأن القريةَ الواحدة قد يكون فيها أمراء كثير تبعًا لواحد هو أكبرهم، فهم يُسَمَّون أمراء ويكونون مُسَلَّطين، وإن كان فوقهم غيرُهم هو الأعظم، فهؤلاء لا يخرجون\n_________\n(١) أحمد بن محمد بن عبد الله أبو العباس الليثي المعروف بختن ليث، روى القراءة عن أبي عمرو بن العلاء، وروى عنه هارون بن حاتم التيمي. \"غاية النهاية\" ١/ ١٢١.\n(٢) انظر: \"السبعة\" ص ٣٧٩، و\"إعراب القراءات السبع وعللها\" ١/ ٣٦٦، و\"علل القراءات\" ١/ ٣١٧، و\"الحجة للقراء\" ٥/ ٩١، و\"المُوضح في وجوه القراءات\" ٢/ ٧٥٢.\n(٣) ورد في \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١١٩ - بمعناه، وأخرجه \"الطبري\" ١٥/ ٥٥ بنصه من طريق ابن أبي طلحة (صحيحة)، وورد في \"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ١٣٦ مختصرًا، و\"تهذيب اللغة\" (أمر) ١/ ١٩٧ بمعناه، و\"الدر المنثور\" ٤/ ٣٠٧ بنصه وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم، والبيهقي في \"الأسماء والصفات\" عن ابن عباس.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٣٢، بنصه.\n(٥) انظر: \"تنوير المقباس\" ص ٢٩٨، بنحوه.\n(٦) \"الحجة للقراء\" ٥/ ٩٣، بنصه.","vol":"13","page":288},{"text":"عن سِمَة الإمارة، ويُقَوّيَ ما قاله أبو علي: أن يونس روى عن أبي عمرو أنه قال: لا يكون أمَرْنا مخففة بمعنى كثرنا (١)، ولمّا أراد معنى الكثرة شَدَّد الميم ولم يقرأ بمد الألف لمّا لم يكن بالمصحف إلا ألف (٢) واحدة.\nوروى حماد بن سلمة عن ابن كثير: آمَرْنا بالمد (٣)، وهي اللغة العالية (٤)؛ يقال: أمِرَ القوم وآمرهم الله، أي: أكثرهم، فهم مؤمَّرُون (٥).\nونحو هذا روى خارجة (٦) عن نافع (٧)، قال أبو إسحاق: ويكون لقوله (٨): ﴿أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا﴾ معنى آخر غير كثرة العدد، وهو أن تكثر (٩) جِدَتُهم ويَسَارُهُم (١٠).\nقال أبو عبيد: الوجه قراءة العامة؛ لاحتماله معنى الأمر والكثرة (١١)،\n_________\n(١) \"الحجة للقراء\" ٥/ ٩٢، بنحوه.\n(٢) في (أ)، (د): (الألف).\n(٣) انظر: \"السبعة\" ص ٣٧٩، و\"إعراب القراءات السبع وعللها\" ١/ ٣٦٦، و\"علل القراءات\" ١/ ٣١٦، و\"الحجة للقراء\" ٥/ ٩١.\n(٤) قاله ابن قتيبة في \"غريبه\" ١/ ٢٥٣.\n(٥) ورد بنحوه في \"إعراب القراءات السبع وعللها\" ١/ ٣٦٥.\n(٦) خارجة بن عبد الله بن سليمان بن زيد بن ثابت، أبو زيد، وينسب إلى جده، ضعيف الحديث، روى عن أبيه ونافع، وعنه مَعْن والقَعْنبي، مات سنة (١٦٥ هـ). انظر: \"الجرح والتعديل\" ٣/ ٣٧٤، و\"الكاشف\" ١/ ٣٦١ (١٣٠٢)، و\"ميزان الاعتدال\" ١/ ٦٢٥، و\"تقريب التهذيب\" ص ١٨٦ (١/ ١٦).\n(٧) انظر: \"السبعة\" ٣٧٩، و\"إعراب القراءات السبع وعللها\" ١/ ٣٦٦، و\"علل القراءات\" ١/ ٣١٦، و\"الحجة للقراء\" ٥/ ٩١.\n(٨) في جميع النسخ: (كقوله)، والصواب المثبت؛ كما يدل عليه السياق.\n(٩) في جميع النسخ: (أن يكون)، وهو تصحيف ظاهر، والتصويب من المصدر.\n(١٠) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٣٢ بنصه تقريبًا.\n(١١) لم أجده في كتابه \"غريب الحديث\"، وأخرجه ابن خالويه عنه في \"إعراب =","vol":"13","page":289},{"text":"فإنه يقال: أمير غير مأمور، أي: غير مؤمّر (١).\nوأما المترف فمعناه في اللغة: المُنَعَّم الذي قد أبطرته النعمة وسِعةُ العيش (٢).\nوالمفسرون يقولون في تفسيرها: الجبارين والمسلطين والملوك (٣).\nوقوله تعالى: ﴿فَفَسَقُوا فِيهَا﴾ أي تمردوا في كفرهم، إذ الفسق في الكفر: الخروج إلى أفحشه (٤).\n﴿فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ﴾ قال ابن عباس: يريد استوجبت العذاب (٥)، يعني قوله: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]، وقوله: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ﴾ الآية [القصص: ٥٩]، وقوله: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ\n_________\n= القراءات السبع وعللها\" ١/ ٣٦٦، بنحوه، و\"الثعلبي\" ٧/ ١٠٦ أ، بنحوه، وقد رجّح الطبري القول الأول، وعلله: بأن الأغلب من معنى أمرنا، الأمر الذي هو خلاف النهي دون غيره، ثم قال: وتوجيه معاني كلام الله جلّ ثناؤه إلى الأشهر الأعرف من معانيه أولى -ما وجد إليه سبيل- من غيره. انظر: \"تفسير الطبري\" ١٥/ ٥٤، ٥٧.\n(١) ورد في \"تفسير الثعلبي\" ٧/ ١٠٦ أبنصه.\n(٢) انظر: (ترف) في \"المحيط في اللغة\" ٩/ ٤٢٦، و\"الصحاح\" ٤/ ١٣٣٣، و\"العباب الزاخر\" [ف/ ٤٢]، و\"اللسان\" ١/ ٤٢٩ وانظر: \"تفسير ابن الجوزي\" ٥/ ١٩، و\"الفخر الرازي\" ٢٠/ ١٧٥.\n(٣) ورد في \"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢٦٣، بنحوه، و\"تهذيب اللغة\" (ترف) ١/ ٤٣٦ بلفظه عن قتادة، و\"تفسير الثعلبي\" ٧/ ١٠٦ أ - بمعناه، و\"الماوردي\" ٣/ ٢٣٦ بلفظه، انظر: \"تفسير ابن الجوزي\" ٥/ ١٩.\n(٤) ورد في \"تفسير الطوسي\" ٦/ ٤٦١ بنصه تقريبًا، انظر: \"تفسير ابن الجوزي\" ٥/ ١٩.\n(٥) انظر: \"تفسير القرطبي\" ١٠/ ٢٣٤، بنحوه، وورد غير منسوب في \"تفسير الثعلبي\" ٧/ ١٠٦ أ، بنحوه، و\"الفخر الرازي\" ٢٠/ ١٧٥ بنصه.","vol":"13","page":290},{"text":"لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ﴾ الآية [هود: ١<span data-type=\"title\" id=toc-2147>١٧]</span>، والآيات في هذا المعنى كثيرة، فقد قال -﷿- وحكم بأنه لا يُهلك قرية حتى يخالفوا أمره (١) في الطاعة، فإذا خالفوا الأمر حق عليهم قوله بالعذاب.\nوقوله تعالى: ﴿فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾، أي: أهلكناها إهلاكَ الاستئصال، والدمارُ هلاكٌ بالاستئصال. وهذه الآية تأكيد لما سبق في الآية الأولى؛ لأن الله تعالى ذَكَرَ وبَيَّنَ أن العقاب إنما يحق على الناس بعد مخالفتهم أمر الله.\n\n١٧ - ثم ذكر سُنته في إهلاكِ القرون الماضية تخويفًا لكفار مكة، فقال: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ﴾ الآية. وهذه الآية كقوله (٢): ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ﴾ [الأنعام: ٦]، وقد مر.\nوقوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ﴾ ذَكَرنا الكلام في هذه الباء في مواضع (٣).\nوقال الفراء: لو ألقيت الباء كان الحرف مرفوعًا، وإنما يجوز دخول الباء في المرفوع إذا كان يُمدح به صَاحبُه أو يذم؛ كقولك: كفاكَ به، ونهاكَ به، وأكرِم به رجلًا، وبِئس به (٤) رجلًا، ونِعْمَ به رجلًا، وطاب بطعامك طعامًا، وجاد بثوبك ثَوبًا، ولو لم يكن مدحًا أو ذمًا لم يجز دخولها، ألا ترى أنه لا يجوز: قام بأخيك، وأنت تريد: قام أخوك، ولا\n_________\n(١) في (أ)، (د): (أمر).\n(٢) في جميع النسخ: (لقوله)، وهو تصحيف ظاهر.\n(٣) وقد ذكر الواحدي عند قوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ [النساء: ٦] أن استقصاء الحديث عن الباء في السورة نفسها عند قوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾ [آية: ٤٥]، لكن الجزء المتضمن لهذه الآية مفقود -كما ذكر محقق هذا الجزء.\n(٤) (به): ساقطة من (د).","vol":"13","page":291},{"text":"قعد به، وأنت تريد: قعد هو (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2148>١٨ </span>- قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ﴾ قال المفسرون: أىِ الدنيا (٢)، والعاجلة نقيض الآجلة؛ وهي الدنيا عُجّلَت وكانت قَبْل الآخرة، ﴿عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ﴾، هذا ذم لمن أراد بعمله وطاعته وإسلامه الدنيا ومنفعتها وعروضها، وقد بين الله تعالى أن من أرادها (٣) لم يدرك منها إلا ما قَدَّره اللهُ له إذا أراد أن يُقَدّر له؛ لأنه قال: ﴿عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ﴾، أي: القَدْر الذي نشاء، نُعَجّل له في الدنيا لا الذي يشاء هو.\nثم بَيّن أن ما يُعَجَّل ليس عامًّا لكل أحد، فقال: ﴿لِمَنْ نُرِيدُ﴾، أي: لمن نريد أن نعجل له شيئًا قدرناه له، فإذًا قد يخيب كثير ممن يتعب للدنيا ويطلبها بسعيه (٤)، والذي يدركها لا يدرك إلا ما قُدِّر له، ثم يدخل النار في الآخرة ﴿مَذْمُومًا﴾، قال ابن عباس: ملومًا (٥)، ﴿مَدْحُورًا﴾: منفيًا مطرودًا، وذكرنا معنى ﴿مَدْحُورًا﴾ في سورة الأعراف [آية ١٨]، ومعنى هذه الآية كقوله: ﴿وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾ [آل عمران: ١٤٥]، وقد مر،\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١١٩ بتصرف يسير، انظر: \"تفسير الطبري\" ١٥/ ٥٨.\n(٢) ورد في \"تفسير مقاتل\" ١/ ٢١٣ ب بلفظه، وأخرجه الطبري ١٥/ ٥٩ بلفظه عن ابن زيد، وورد بلفظه في \"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ١٣٨ بلفظه، و\"تفسير الجصاص\" ٣/ ١٩٦، والثعلبي ٧/ ١٠٦ ب، و\"الدر المنثور\" ٤/ ٣٠٨ وعزاه نسبته إلى ابن أبي حاتم عن الضحاك.\n(٣) في جميع النسخ: (أراد بها)، والصواب ما أثبته بإسقاط الباء؛ لأنها تجعل المعنى مضطربًا.\n(٤) مطموسة في (ع)، وفي (أ)، (د): (بسعته)، والمثبت من (ش)، وهو الصواب.\n(٥) أخرجه الطبري ١٥/ ٥٩ بلفظه من طريق ابن أبي طلحة صحيحة، و\"الدر المنثور\" ٤/ ٣٠٩، وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"13","page":292},{"text":"قال أبو إسحاق: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ﴾؛ لأنه لم يرد الله بعمله (١)، ﴿مَدْحُورًا﴾: مباعدًا من رحمة الله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2149>١٩ </span>- قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ﴾ قال ابن عباس: يعني الجنة (٢). وقال أهل المعاني: يريد ثواب الآخرة أو خير الآخرة؛ كما قال: ﴿وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ﴾ [آل عمران: ١٤٥].\n﴿وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا﴾ قال ابن عباس: يريد العمل بفرائض الله والقيام بحقوقه (٣)، ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ فإن الله لا يقبل حسنة إلا من مُصدِّق، ﴿فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾ قال: يريد: يُضَعِّف لهم الحسنات، ويمحي عنهم السيئات، ويرفع لهم الدرجات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2150>٢٠ </span>- قوله تعالى: ﴿كُلًّا نُمِدُّ﴾ يعني من أراد العاجلة، ومن أراد الآخرة، ثم فصل الفريقين، فقال: ﴿هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ﴾، قال الحسن: كلًاّ نعطي من الدنيا البَرَّ والفاجر (٤).\nوقال قتادة: إن الله قَسَّم الدنيا بين البَرّ والفاجر، والآخرة خصوصًا عند ربك للمتقين (٥).\nوقال أبو إسحاق: أعلم الله أنه يعطي المسلم والكافر، وأنه يرزقهما،\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٣٣، بنصه.\n(٢) انظر: \"تنوير المقباس\" ص ٢٩٨، بلفظه.\n(٣) انظر: \"تنوير المقباس\" ص ٢٩٨، بنحوه.\n(٤) أخرجه \"الطبري\" ١٥/ ٦٠ بنصه، وورد في \"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢٦٤ بنصه، و\"الدر المنثور\" ٤/ ٣٠٨، وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم وأبي نُعيم في الحلية -لم أقف عليه، انظر: \"تفسير ابن الجوزي\" ٥/ ٢١\n(٥) أخرجه الطبري ١٥/ ٦٠ بنصه، و\"الدر المنثور\" ٤/ ٣٠٨ وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم.","vol":"13","page":293},{"text":"فقال: ﴿كُلًّا نُمِدُّ﴾، أي: نُمِدَّ المؤمنين والكافرين من عطاء ربك (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾، أي: ممنوعًا (٢)، يقال: حَظَرَه يَحْظُره حَظْرًا وحِظارة وحِظارًا، وكل من حال بينك وبين شيء فقد حظره عليك (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2151>٢١ </span>- قوله تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ يعني: في الرزق؛ فمن مُقِلٍّ ومِنْ مكثر، ومن مُوَسَّع عليه ومُقَتَّر، ﴿وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا﴾ يحتمل معنيين:\nأحدهما: أن هذا خاص في المؤمنين الذين يدخلون الجنة، فتتفاوت درجاتهم في الآخرة أكبر مما تتفاوت درجات المرزوقين في الدنيا في الرزق، وهذا التفضيل بين المؤمنين خاصة.\nوالثاني: أن هذا التفصيل بين المؤمنين والكافرين، ويكون المعنى: أن المؤمنين يدخلون الجنة، والكافرين يدخلون النار، فتبين درجاتهم، وَيفضل (٤) أحد الفريقين على الآخر، وعلى هذا لا تدل الآية على تفاوت درجات المؤمنين بينهم، وإنما تدل على تفضيلهم على الكفار بدرجات الجنة، والمفسرون على القول الأول:\nقال ابن عباس: إذا دخلوا الجنان اقتسموا المنازل والدرجات على\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٣٣، بنصه.\n(٢) أخرجه \"الطبري\" ١٥/ ٦١ بلفظه ابن جريج وابن زيد، وورد في \"تفسير الماوردي\" ٣/ ٢٣٧، عن ابن عباس.\n(٣) انظر (حظر) في \"تهذيب اللغة\" ١/ ٨٥٦، و\"المحيط في اللغة\" ٣/ ٥٩، و\"مقاييس اللغة\" ٢/ ٨٠، و\"اللسان\" ٢/ ٩١٨.\n(٤) في جميع النسخ: (وتفضيل)، والمثبت أصوب.","vol":"13","page":294},{"text":"قَدْر أعمالهم، ألا تسمع قوله: ﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا﴾ الآية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2152>٢٢ </span>- قوله تعالى: ﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ المفسرون على أن هذا خطاب للنبيّ -ﷺ-، والمعنى عام لجميع المكلفين (١)؛ على نحو: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [الطلاق: ١]، ويحتمل أن يكون الخطاب للإنسان، كأنه قيل: ﴿لَا تَجْعَلْ﴾: أيها الإنسان مع الله إلهًا آخر.\nوقوله تعالى: ﴿فَتَقْعُدَ﴾ انتصب؛ لأنه وقع بعد الفاء جوابًا للنهي، وانتصابه بإضمار (أن)؛ كقولك: لا تنقطع عنا فنجفوك، وتقديره: لا يكن منك انقطاع، فإن جوابه (٢) فإن تنقطع نجفوك، أي فجفاء (٣)، فما بعد الفاء متعلق بالجملة المتقدمة بالفاء التي هي حرف العطف، وإنما سماه النحويون جوابًا -وإن كانت جملة واحدة ولم تكن كالجزاء- لمشابهته له في أن الثاني سببه (٤) الأول؛ ألا ترى أن المعنى: إن انقطعت جفوتك، كذلك المعنى في الآية: إن جعلت مع الله إلهًا آخر قعدت ﴿مَذْمُومًا مَخْذُولًا﴾، والمخذول: الذي لا عاصم له ولا ناصر؛ يقال: خذله يخذله خِذْلانًا (٥) وخذلًا، وقد مر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2153>٢٣ </span>- قوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء: يريد وأَمَرَ ربك، ليس هو قضاء حكم، ونحو هذا روى عنه\n_________\n(١) ورد بنحوه في الطبري ١٥/ ٦٢، والثعلبي ٧/ ١٠٦ ب، والطوسي ٦/ ٤٦٤.\n(٢) في جميع النسخ (صوابه)، والصواب ما أثبته، ويدل عليه سياق الكلام بعده.\n(٣) في (أ)، (د): (نجفا)، والمثبت من (ش)، (ع).\n(٤) في (أ): (سنه)، وفي (د): (سننه)، وفي (ش)، (ع): (شبيه)، والصواب ما أثبته، وهو الأنسب للسياق.\n(٥) ساقطة من (د).","vol":"13","page":295},{"text":"الوالبي (١)، وهو قول مجاهد والحسن وقتادة وابن زيد وعامة المفسرين (٢) وأهل اللغة (٣). قال الفراء: العرب تقول: تركته يقضي أمور الناس، أي يأمر فيها فينفُذ أمرُه (٤).\nوقال أبو إسحاق: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ﴾ معناه أمَر (٥)؛ لأنه أمرٌ قاطعٌ حَتْمٌ، وذكرنا أن قضى في اللغة على وجوه، كلها ترجع إلى معنى انقطاع الشيء وتمامه (٦).\nوروى ميمون بن مِهران عن ابن عباس في هذه الآية، قال: إنما هو (ووصى ربك) فالتصقت إحدى الواوين (٧)، فقرئت: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ﴾ ولو كان على القضاء ما عصى الله أحدٌ (٨)، ونحو هذا روى عنه الضحاك وسعيد\n_________\n(١) أخرجه الطبري ١٥/ ٦٢ بلفظه من طريق ابن أبي طلحة صحيحة، وورد بلفظه في \"تفسير الثعلبي\" ٧/ ١٠٦ ب، و\"الماوردي\" ٣/ ٢٣٧، أورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ٣٠٩ وزاد نسبته إلى ابن المنذر.\n(٢) \"تفسير مجاهد\" ١/ ٣٦٠ بلفظه، وأخرجه عبد الرزاق ٢/ ٣٧٦ بلفظه عن قتادة، و\"الطبري\" ١٥/ ٦٢ - ٦٣ بلفظه عنهم ما عدا مجاهد، وورد بلفظه في \"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ١٣٩، عن الحسن، و\"تفسير الجصاص\" ٣/ ١٩٦، والسمرقندي ٢/ ٢٦٤، وهود الهواري ٢/ ٤١٤، والثعلبي ٧/ ١٠٦ ب، عن الحسن وقتادة، و\"الماوردي\" ٣/ ٢٣٧، عن الحسن وقتادة.\n(٣) انظر: \"مجاز القرآن\" ١/ ٣٧٤، و\"تهذيب اللغة\" (قضى) ٣/ ٢٩٨٦، و\"الإملاء\" ٢/ ٩٠، و\"الفريد في إعراب القرآن\" ٣/ ٢٦٦، و\"اللسان\" (قضى) ٦/ ٣٦٦٥.\n(٤) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٢٠، بنصه.\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٣٣، بلفظه.\n(٦) انظر ما تقدم في تفسير سورة البقرة [آية: ١١٧].\n(٧) أي التصقت بالصاد.\n(٨) ورد في \"القراءات الشاذة\" لابن خالويه ص ٧٩ - مختصرًا، وأورده السيوطي في =","vol":"13","page":296},{"text":"ابن جبير (١)، وهو قراءة علي وعبد الله: (ووصى ربك) (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ قال الزجاج: أي: وأَمَرَ بالوالدين إحسانًا (٣)، والعرب تقول: أوصيك به خيرًا، وآمرك به خيرًا، وكأن معناه: آمرك أن تفعل به، ثم تحذف (أن) فينصب الخبر بالوصية وبالأمر، وأنشد:\nعَجِبْتُ مِنْ دَهْماءَ أنْ تَشْكُونا\n_________\n= \"الدر المنثور\" ٤/ ٣٠٩، بنحوه، وعزاه إلى أبي عبيد وابن منيع وابن المنذر وابن مردويه من طريق ميمون عن ابن عباس.\n(١) أخرجه \"الطبري\" ٨/ ٥٨، عن الضحاك، وورد في \"تفسير الثعلبي\" ٧/ ١٠٦ ب، عن الضحاك، و\"الماوردي\" ٣/ ٢٣٧، عن الضحاك، وانظر غرائب التفسير ١/ ٦٢٤، عن ابن عباس والضحاك واستغربه، وأورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ٥/ ٢٥٧ - وعزاه إلى الفريابي وسعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن الأنباري في المصاحف من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس، وأورده -كذلك- وعزاه إلى ابن أبي حاتم من طريق الضحاك عن ابن عباس، وأورده وزاد نسبته إلى أبي عبيد وابن المنذر عن الضحاك.\n(٢) أخرجها عن ابن مسعود: مقاتل ١/ ٢١٣ ب، و\"عبد الرزاق\" ٢/ ٣٧٦، و\"الطبري\" ١٥/ ٦٣، والطبراني في \"الكبير\" ٩/ ١٤٩، ووردت عن ابن مسعود في \"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ١٣٩، و\"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢٦٤، و\"الثعلبي\" ٧/ ١٠٦ ب، عنهما، وهذه القراءة شاذة وقد استنكرت وضعفت، قال الكرماني: وهذه القراءة عند القراء مقبولة في جملة الشواذ، والحكاية مردودة على الراوي، وقال ابن عطية: وهذا ضعيف، وإنما القراءة مروية بسند، ونقل تضعيف ابن أبي حاتم لها وقال: لو قلنا هذا لطعن الزنادقة في مصحفنا، وقال ابن الجوزي: وهذا على خلاف ما انعقد عليه الإجماع، فلا يلتفت إليه.\nانظر: \"غرائب التفسير\" ١/ ٦٢٤، و\"تفسير ابن عطية\" ٩/ ٥٢، و\"ابن الجوزي\" ٥/ ٢٢، و\"فتح الباري\" ٨/ ٢٤١، و\"تفسير الألوسي\" ١٥/ ٥٤، وهي أشبه بالتفسير من القراءة، وبذلك فسرها مجاهد، -كما أخرجه \"الطبري\" ١٥/ ٦٢ - ٦٣.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٣٤، بنحوه.","vol":"13","page":297},{"text":"ومِنْ (أبي) دَهْماء أنْ يُوصِينا\nخَيْرًا (بها كأننا) (١) جافُونا) (٢)\nفعلى هذا ينصب إحسانًا بمضمر دلَّ عليه الكلام، و(الباء) في: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ﴾ من صلة الإحسان، وقُدّمت عليه كما تقول: يزيد فامرر (٣)، ويجوز أن يكون العامل فيه ما أُضمر من الإيصاء؛ كأنه: وأوصى بالوالدين إحسانًا.\nوقوله تعالى: ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا﴾، يرفع ﴿أَحَدُهُمَا﴾ بـ ﴿يَبْلُغَنَّ﴾، و﴿كِلَاهُمَا﴾ عطف عليه، وقرأ حمزة والكسائي: (يَبْلُغَانِّ) (٤) قال الفراء: ثنَّى؛ لأن الوالدين قد ذُكِرا قبله، فصار الفعل على عددهما، ثم قال: ﴿أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا﴾ على الائتناف، كقوله: ﴿فَعَمُوا وَصَمُّوا﴾ [المائدة: ٧١] ثم استأنف فقال: ﴿كَثِيرٌ مِنْهُمْ﴾، وكذلك قوله:\n_________\n(١) في جميع النسخ (أين) بدل (أبي)، و(بهل كأنها) بدل (بها كأننا)، والتصويب من المصادر.\n(٢) ورد ما بين التنصيص بنصه تقريبًا في \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٢٠، و\"تفسير الطبري\" ١٥/ ٦٣، وبنحوه في \"تفسير الطوسي\" ٦/ ٤٦٧، وفي جميع المصادر: (إذ) بدل (إن)، والشاهد -كما ذكره الطبري والطوسي: أعمل يوصينا في الخير، كما أعمل في الإحسان.\n(٣) أورد الفخر الرازي هذا الوجه وعزاه للواحدي، وتعقبه قائلًا: وهذا المثال الذي ذكره الواحدي غير مطابق؛ لأن المطلوب تقديم صلة المصدر عليه، والمثال المذكور ليس كذلك، وقد أورد السمين القولين وبين أن كلا منهما صحيح من وجه. انظر: \"تفسير الفخر الرازي\" ٢٠/ ١٨٦، و\"الدر المصون\" ٧/ ٣٣٤.\n(٤) انظر: \"السبعة\" ص ٣٧٩، و\"إعراب القراءات السبع وعللها\" ١/ ٣٦٨، و\"علل القراءات\" ١/ ٣١٩، و\"الحجة للقراء\" ٥/ ٩٦، و\"المبسوط في القراءات\" ص ٢٢٨.","vol":"13","page":298},{"text":"﴿لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى﴾، ثم استأنف فقال: ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ (١) [الأنبياء: ٣] وقال أبو علي: من قرأ: (يَبْلُغَانِّ) جعل قوله: ﴿أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا﴾ معادًا على التأكيد، وعلى ذكر إفراد كل واحد منهما، ولا يكون الرفع فيهما بمعنى الفعل كما يكون في قراءة الباقين (٢).\nوقال أبو إسحاق: من قرأ (يَبْلُغَانِّ) [يكون ﴿أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا﴾ بدلًا من الألف، وموضع ﴿يَبْلُغَنَّ﴾ و(يَبْلُغَانِّ)] (٣) جزمٌ بإمّا؛ لأن أصله (إن) التي للشرط، فأكدت بـ (ما) التي للشرط؛ نحو: ﴿مَا نَنْسَخْ﴾ [البقرة: ١٠٦] ليكون حرف الشرط مؤكِّدًا مِثل توكيد الفعل بالنون، وعلامةُ الجزم لا تبين مع نون التأكيد (٤)؛ لأن الفعل يُثَنّى معها، ألا ترى أنك تقول ليفعلَنَّ بفتح (٥) اللام وبترك الضمة، وبترك النون التي تُلْحَق (٦) في التثنية والجمع والواحدة المؤنث علامةً للرفع (٧)؛ كما تُركت الضمةُ في الواحدة.\nذكرنا هذا [عند] (٨) قوله: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ﴾ [البقرة: ٩٦] وعند قوله: ﴿وَلَا تَتَّبِعَانِّ﴾ [يونس: ٨٩].\nوأَمَّا قوله: ﴿كِلَاهُمَا﴾ فإن كلا اسم مفرد يفيد (٩) معنى التثنية (١٠)،\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٢٠، بنصه.\n(٢) \"الحجة للقراء\" ٥/ ٩٦ بتصرف.\n(٣) ما بين المعقوفين ساقط من (أ)، (د).\n(٤) أي المباشرة.\n(٥) في جميع النسخ: (ففتح)، والصواب المثبت؛ حيث به يستقيم الكلام.\n(٦) في (ش)، (ع): (لحق).\n(٧) بسبب توالي النونات والثقل.\n(٨) زيادة يقتضيها السياق.\n(٩) في (أ)، (د): (بعيد).\n(١٠) في جميع النسخ: (للتثنية)، والصحيح المثبت، والتصقت الألف باللام.","vol":"13","page":299},{"text":"ووزنه فِعَل، ولامُه بمنزلة لام حِجَى ورِضَى، وهي كلمة وضعت على هذه الحلقة يُؤَكّدُ بها الاثنان خاصةً، ولا تكون إلا مضافة، والدليل على أنها ليست تثنية: أنها لا تُفردُ فتقومَ بنفسها، ولو كانت تثنيةً لوجب أن تقال بالنصب والخفض، والخفض مررت بكلي الرجلين بكسر الياء، كما تقول بين يدي الرجل، و﴿مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ﴾ [المزمل: ٢٠] و﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ﴾ [يوسف: ٣٩] و﴿طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾ [هود: ١١٤]، فدل هذا على أنها ليست بحلقة تثنية، وأنها وضعت دلالة على التثنية لا أنها تثنية، كما تقول في (كل) فإنه اسم واحد موضوع للجماعة، فإذا أخبرت عنه بلفظه، أخبرت كما تخبر عن الواحد؛ كقوله: ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم: ٩٥] وكذلك إذا أخبرت عن كلا، أخبرت عن الواحد فقلت: كلا أَخَوَيْك كان قائمًا، وكلا عَمَّيْكَ كان فقيهًا، وقال الله تعالى: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا﴾ [الكهف: ٣٣]، ولم يقل: آتتا، وقال:\nكلا الرَّجُلَيْنِ أفَّاكٌ أَثِيمُ (١)\nوقال لبيد:\nفَغَدَتْ كلا الفَرْجَينِ تَحْسَبُ أنَّهُ ... مَوْلى المخافة خلفُها وأمامُها (٢)\n_________\n(١) ورد في \"تهذيب اللغة\" (كلا) ٤/ ٣١٦٩ بنصه بلا نسبة، والشاهد: أنه أفرد أفَّاك وهي تعود على مثنى. وانظر أيضا \"لسان العرب\" (كلا)، و\"تاج العروس\" (باب الواو الهاء، فصل الكاف).\n(٢) \"شرح ديوان لبيد\" ص ٣١١، وورد في \"الكتاب\" ١/ ٤٠٧، و\"المقتضب\" ٤/ ٣٤١، و\"شرح القصائد السبع الطوال\" ص ٥٦٥، و\"أمالي ابن الشجري\" ١/ ١٦٦، ٢/ ٥٨٢، و\"البسيط في شرح جمل الزجاجي\" ١/ ٥٠٢، و\"الإيضاح\" للعضدي ص ٢١١ - بلا نسبة. (فغدت): من الغدوّ، وتروى (فعدت): من العدو، (كلا الفرجين): في كلا، الفرجين؛ والفرج: الواسع من الأرض أو الثَّغر؛ وهو موضع المخافة، والفروج =","vol":"13","page":300},{"text":"يريد كلا فرجيها، فأقام الألف واللام مقام الكناية، وقال: أنه، ولم يقل: أنهما، ثم ترجم عن كلا؛ فقال: خلفُها وأمامُها، يجوز أن يذهب إلى المعنى فيقول: كلا الرجلين كانا قائمين، كما يقول في كل، كقوله تعالى: ﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾ [النمل: ٨٧]؛ وهذا الذي ذكرنا في كِلا كلام أبي الهيثم الرازي (١) وأبي الفتح الموصلي (٢) وأبي علي الجرجاني، وأمّا كلتا فالكلام فيه يأتي عند قوله: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ﴾ [الكهف: ٣٣] إن شاء الله.\nقال مجاهد في قوله: ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ﴾ قال: يخريان ويبولان (٣)، و﴿الْكِبَرَ﴾ هاهنا مصدر الكبير في السن.\nوقوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ قال أبو إسحاق: فيه سبع لغات؛ الكسر بغير تنوين وبتنوين، والضم بغير تنوين وتنوين، وكذلك الفتح بهما (٤)،\n_________\n= هي الثُّغور، (مولى) قال ثعلب: المولى في هذا البيت معناه: الأَوْلى؛ كأنها تحسب أن كلَّ فرج أولى بالمخافة من الثاني؛ لحيرتها، والضمير يعود على بقرة وحشية، أضلت ولدها أو حُبِست خيفة من صائد، فهي حذرة في خوف، تخال كلا طريقيها من خلفها وأمامها ثغرة له يسلك منها إليها. وخلفُها وأمامُها رفعٌ على البدل من كلا؛ لأن ككلا الفرجين هما خلفُها وأمامُها، والتقدير: وخلفُها وأمامُها تحَسَب أنه يلي المخافة، وجائز رفعه بتقدير: هو خلفُها وأمامُها.\n(١) ورد في \"تهذيب اللغة\" (كلى) ٤/ ٣١٦٩ بتصرف.\n(٢) \"المنصف\" ٢/ ١٠٧ - مختصرًا.\n(٣) أخرجه \"الطبري\" ١٥/ ٦٤، بنحوه.\n(٤) ذكر الواحدي عن الزجاج أن في (أف) سبع لغات، ولم يورد إلا ستة، مع أن الزجاج ذكر اللغة السابعة، فقال: وفيها لغة أخرى سابعة لا يجوز أن يقرأ بها، وهي (أُفِّي) بالياء. \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٢٤، لكن الواحدي أشار إلى هذه اللغة بعد ذكر كلام الزجاج بقوله: واللغة الشائعة (أُفِّي) بالياء.","vol":"13","page":301},{"text":"فأما الكسر فلالتقاء الساكنين، و(أُف) غير متمكن (١) بمنزلة الأصوات، فإذا لم يُنَوَّن فهو مَعْرفة، وإذا نُوِّن فهو نكرة بمنزلة غاقٍ وغاقِ (٢) في الصوت، والفتح لالتقاء الساكنين أيضًا، والفتح مع التضعيف حَسَنٌ؛ لخفةِ الفتحة وثِقَلِ التضعيفِ والضَّمِّ؛ لأن قبله مضمُومًا -حسنٌ (٣) أيضًا- والتنوين فيه على جهة النكرة (٤).\nواللغة الشائعة (أُفِّي) بالياء، قال الأخفش: كأنه أضاف هذا القول إلى نفسه (٥)؛ فقال: قَوْلي هذا.\nوزاد ابنُ الأنباري لغات ثلاثًا فقال: و(إِفَّ لك) بكسر الألف وفتح الفاء، و(أُفَّة لك) بضم الألف وإدخال الهاء، و(أُفْ لك) بضم الألف (٦) وتسكين الفاء، وأنشد لحسان:\nفأُفًا لحِبَان على كلِّ حالة ... على ذكرهم في الذكر كلُّ عَفاءِ (٧)\n_________\n(١) أي غير منصرف. انظر \"المعجم المفصل في النحو العربي\" ص ٩٤٦.\n(٢) غاقِ: حكاية صوت الغراب، فإن نكَّرته نوَّنته، ويقال: سمعت غاقِ غاقِ وغاقٍ غاقٍ، ثم سمي الغراب غاقًا، فيقال: سمعت صوت الغاقِ. \"اللسان\" (غوق) ٦/ ٣٣١٧.\n(٣) في (أ)، (د): (ما حسن) بزيادة ما.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٣٤، بنصه تقريبًا.\n(٥) \"معاني القرآن\" للأخفش ٢/ ٦١٠، بنصه.\n(٦) ما بين التنصيص من (ش)، (ع)\n(٧) \"ديوانه\" ص ٢٥٩ وروايته:\nفأفٍ للحيان على كلّ حالةٍ ... فذكرهم في الذكرِ شر ثناءِ\nوورد في \"الزاهر\" ١/ ١٨١، وصدره:\nفأُفٌّ للِحْيانٍ على كلِّ آلَةٍ","vol":"13","page":302},{"text":"وأنشد لأبي حية:\nحَيَاءً وبُقْيَا أَنْ تَشِيعَ نَمِيمَةٌ ... بِنَا وبِكُمْ أُفٍّ لأهْلِ النَّمَائِمِ (١)\nثم ذكر وجهَ كلٍّ لغة فقال: من قال (أُفَّ) جعله بمنزلة قولهم: مُدَّ يدك، ومن قال: (أُفِّ) جعله بمنزلة مُدِّ، ومن قال: (أُفُّ) جعله بمنزلة مُدُّ، وأنشد (٢):\nإِذَا أَنْتَ لَمْ تَنْفَعْ فَضُرَّ فَإِنَّمَا ... يُرَجَّى الفتى كَيْمَا يَضُرَّ وَينْفَعَا (٣)\nقال: كذا رواه يونس بضم الراء (٤)، وأنشد:\nقال أبو ليلى لحبلي مُدِّه\nحتى إذا مددته فشُدِّه\nإن أبا ليلى نسيجُ وحدِه (٥)\nومن قال: (أُفًّا)، نصبه على مذهب الدعاء؛ كما يقال: ويلًا له، ومن قال: (أُفٌّ لك) رفعه باللام؛ كما قال الله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾\n_________\n(١) \"شعر أبي حَيَّة النُّميْري\" ص ٨٧، وورد في \"الكامل\" ١/ ١٠٠، و\"الزاهر\" ١/ ١٨١.\n(٢) اختلف في نسبة البيت؛ فنسب للنابغة الجعدي، وهو في \"شعر النابغة الجعدي\" ص ٢٤٦، ونسب لقيس بن الخَطيم، وهو في \"ديوانه\" ص ١٧٠، ونسب في \"شواهد المغني\" ١/ ٥٠٧ للنابغة الذبياني -وليس في ديوانه- أو النابغة الجعدي، ونسب في \"الخزانة\" ٨/ ٤٩٩ لهما ولقيس بن الخَطيم، ورجح البغدادي الأخير، وكذلك نُسب في \"الصناعتين\" ص ٣١٥، و\"إعجاز القرآن\" للباقلاني ص ٨٣ لقيس ابن الخَطيم.\n(٣) وورد بلا نسبة في \"الزاهر\" ١/ ١٨١، و\"البغداديات\" ص ٢٩١، ٣٥٢، و\"الجنى الداني\" ص ٢٦٢، و\"مغني اللبيب\" ص ٢٤١.\n(٤) أي في كلمة: فَضُرُّ، ووردت بالفتح، وكذلك وردت يضُرُّ وينفعُ بالرفع. انظر المصادر السابقة.\n(٥) ورد في \"الزاهر\" ١/ ١٨٢.","vol":"13","page":303},{"text":"[المطففين:١] ومن قال [(أُفٍّ) خفضه على التشبيه بالأصوات كما يقال: صَهٍ ومَهٍ] (١) ومن قال: (أُفَّةً لك) نصبه أيضًا على مذهب الدعاء، ومن قال (أُفّي لك) إضافة إلى نفسه، ومن قال (أُفْ لك) شبّهه بالأدوات؛ نحو: (مَنْ) و(كم) و(بل) و(هل) (٢).\nوقال الفراء: العرب تقول: جَعَل فلان يتأفّف من ريح وجدها، معناه: يقول أُفِّ أُفِّ (٣).\nوقال الأصمعي: الأُفُّ: وسخ الأُذن، والتُّفُّ: وسخ الأظفار، يقال ذلك عند استقذار الشيء، ثم كثر حتى استعملوه عند كل ما يتأذون به.\nوقال غيره: أُف معناه: قلّة، وتُف إتْباع، مأخوذ من الأفف؛ وهو الشيء القليل (٤).\nوروى ثعلب عن ابن الأعرابي: الأُفُفُ: الضجر.\nوقال القتيبي في قوله: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [أي لا تستثقل شيئًا من أمرهما، قال: والناس يقولون لما يكرهون ويستثقلون: أُفٍّ] (٥) له.\nوأصل هذا نَفْخك للشيء يَسْقط عليك من تراب أو رماد، وللمكان تريد إماطة أذى عنه فقيل لكل مُسْتَثقل (٦).\nوقال الزجاج: معنى (أُفّ) النَّتن، ومعنى الآية: ولا تَقُل لهما ما فيه\n_________\n(١) ما بين المعقوفين ساقط من (أ)، (د).\n(٢) \"الزاهر\" ١/ ١٨١ - ١٨٢ وهو نقل طويل من قوله: وزاد ابن الأنباري .. نقله بنصه تقريبًا.\n(٣) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٢١، بنصه.\n(٤) ورد في \"الزاهر\" ١/ ١٨٠ بتصرف، و\"تهذيب اللغة\" (أف) ١/ ١٧٢، بنصه.\n(٥) ما بين المعقوفتين ساقط من (أ)، (د).\n(٦) \"تأويل مشكل القرآن\" ص ١٤٧، بتصرف يسير.","vol":"13","page":304},{"text":"أدنى تَبَرُّم إذا كَبُرا وأسَنَّا؛ أُفْ، بل تَوَلَّ خدمتهما (١)، هذا قول أهل اللغة في معنى هذه الكلمة ووجوهها (٢).\nقال ابن عباس في رواية عطاء: يريد بالأُف الرديء من الكلام؛ أن يقول لهما: أماتكما الله، أراحني الله منكما (٣)، فهذا الرديء من الكلام، كقول إبراهيم لقومه: ﴿أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ﴾ [الأنبياء: ٦٧].\nوروى ليث عن مجاهد: لا تتقذرهما كما كنت تخرأ وتبول فلا يتقذرانك (٤).\nوروى أبو يحيى عنه، قال: إذا وجدت منهما رائحة تؤذيك فلا تقل لهما: (أُف) (٥).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾، يقال: نهره وانتهره إذا استقبله بكلام يزجره (٦)، قال عطاء عن ابن عباس: يريد الجواب والغلظة (٧).\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٣٤، بنحوه، وورد في \"تهذيب اللغة\" ١/ ١٧٢، وظاهرٌ أنه نقله من \"التهذيب\" لا المعاني.\n(٢) ورد في \"تهذيب اللغة\" (أف) ١/ ١٧٢ بنصه تقريبًا، من قوله: وقال الأصمعي.\n(٣) ورد في تفسيره \"الوسيط\" تحقيق سيسي ٢/ ٤٨٨ بنصه، انظر: \"تنوير المقباس\" ص ٢٩٨ مختصرًا، وورد بلا نسبة في \"تفسير مقاتل\" ١/ ٢١٤ أمختصرًا.\n(٤) ورد بنحوه في \"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ١٤٠، و\"تفسير الثعلبي\" ٧/ ١٠٧ أ، انظر: \"تفسير البغوي\" ٥/ ٨٦، و\"الفخر الرازي\" ٢٠/ ١٨٩.\n(٥) انظر: \"تفسير ابن عطية\" ٩/ ٥٦، و\"الفخر الرازي\" ٢٠/ ١٨٩ بنصه، و\"القرطبي\" ١٠/ ٢٤٢، و\"أبي حيان\" ٦/ ٢٧.\n(٦) ورد في \"تهذيب اللغة\" (نهر) ٤/ ٣٦٧٤ بنصه، وانظر (نهر) في \"المحيط في اللغة\" ٣/ ٤٧٦، و\"مجمل اللغة\" ٢/ ٨٤٥، و\"اللسان\" ٨/ ٤٥٥٧.\n(٧) ورد في تفسيره \"الوسيط\" تحقيق سيسي ٢/ ٤٨٩ بنصه، انظر: \"تنوير المقباس\" ص ٢٩٨، بنحوه.","vol":"13","page":305},{"text":"وقال أبو إسحاق: لا يكلمهما ضَجِرًا صائحًا في أوجُهِهِما (١).\n﴿وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾ قال ابن عباس: يريد لينًا لطيفًا (٢).\nوقال ابن جريج: أحسن ما تجد من القول (٣).\nوقال عمرو -﵁- أي لا تمتنع من شيء يريدانه (٤).\nوقال عطاء: لا تُسَمِّهما ولا تُكَنِّهما، وقيل لهما: يا أبتاه ويا أماه (٥)\nوقال أبو الهدَّاج التُّجيبي (٦): سألت سعيد بن المسيب، فقلت: أصلحك الله، كل ما ذَكر اللهُ في القرآن من بِرّ الوالدين قد عرفته إلا قوله: ﴿وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾ فما هو؟ قال (٧): قول العبد المذنب للسيد الفظ الغليظ (٨).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2154>٢٤ </span>- قوله تعالى: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ قال عروة بن\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٣٤، بنصه.\n(٢) انظر: \"تنوير المقباس\" ص ٢٩٨.\n(٣) أخرجه \"الطبري\" ١٥/ ٦٥، بنصه.\n(٤) أخرجه \"الطبري\" ١٥/ ٦٥، بنصه.\n(٥) ورد في \"تفسير الثعلبي\" ٧/ ١٠٧ أبنصه، انظر: \"تفسير القرطبي\" ١٠/ ٢٤٣.\n(٦) في جميع النسخ (الهداد)، والصحيح -كما في تفسير الطبري و\"الدر المنثور\" و\"الجرح والتعديل\"- أبو الهداج التجيبي: سمع سعيد بن المسيب قوله، روى عنه حرملة بن عمران. \"الجرح والتعديل\" ٩/ ٤٥٥.\n(٧) ساقط من (أ)، (د).\n(٨) أخرجه \"الطبري\" ١٥/ ٦٥ بنصه تقريبًا، وورد في \"تفسير الجصاص\" ٣/ ١٩٧ بنصه، و\"الثعلبي\" ٧/ ١٠٧ أبنصه، انظر: \"تفسير البغوي\" ٥/ ٨٦، و\"ابن عطية\" ٤/ ٣١٠، و\"ابن الجوزي\" ٥/ ٢٥، و\"القرطبي\" ١٠/ ٢٤٣، أورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ٣١٠ وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"13","page":306},{"text":"الزبير في هذه الآية: يكون لهما ذلولًا، لا يمتنع من شيء أحَبَّاه (١).\nوقال عطاء عن ابن عباس: لا يريدان منك أمرًا إلا أجبتهما إليه.\nوقال مقاتل: أَلِنْ لهما جانبك واخضع لهما، ولا تستصعب عليهما (٢)، هذا قول المفسرين.\nوالخفض في اللغة ضد الرفع، والجناح هاهنا استعارة، وخفض الجناح: عبارة عن السكون، ويريد هاهنا تَرْكَ التعصب والإباء عليهم، والانقياد لهما، وأضاف الجناح إلى الذُّل؛ لأنه أراد تذَلَّلْ لهما، كما قال أبو إسحاق: أَلِنْ لهما جانبك مُتَذَلِّلًا لهما (٣).\nوقال عطاء بن أبي رباح في هذه الآية: لا ترفع يدك عليهما (٤)، وهذا ظاهر؛ لأن الجناح يُستعار كثيرًا في اليد؛ كقوله تعالى: ﴿وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ﴾ [القصص: ٣٢].\nوقوله تعالى: ﴿مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ قال الزجاج: أي من مبالغتك في\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٨) \"الأدب المفرد\": باب لين الكلام لوالديه، بنحوه، وابن أبي شيبة ٥/ ٢٢٠ - بنحوه، و\"الطبري\" ١٥/ ٦٦، بنحوه من عدة طرق، وورد في \"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ١٤١، بنحوه، و\"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢٦٥ بنصه، و\"الثعلبي\" ٧/ ١٠٧ أ، بنحوه، وأورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ٣١٠ وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم، وذكره الألباني في \"صحيح الأدب المفرد\" رقم (٨) ص ١٥.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ١/ ٢١٤ أ، بمعناه.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٣٥، بنصه.\n(٤) ورد في \"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ١٤١ بنصه، و\"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢٦٥، بنحوه، و\"الدر المنثور\" ٤/ ٣١٠، ونسبته إلى ابن جرير -لم أجده- وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"13","page":307},{"text":"الرحمة لهما (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا﴾ الآية. قال قتادة: هكذا علمتم وبهذا أمرتم فخذوا بتعليم الله وأدبه (٢)، والمعنى: ﴿رَبِّ ارْحَمْهُمَا﴾: مثل تربيتهما إياي صغيرًا؛ أي مثل رحمتهما [إياي في صغري حتى ربياني، ولكنْ ذكرت التربية لأنها (٣) تدل على رحمتهما] (٤)، وتُذَكِّرُ الولدَ شفقة الأبوين وما أصابهما من النصب في تربيته، فكأنه قيل: ﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا﴾: لرحمتهما (٥) إياي في صغري، والكاف في موضع نصب؛ لأنه نعت مصدر محذوف (٦).\nقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: ثم أنزل الله بعد هذا قوله: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ (٧) الآية [التوبة: ١١٣]، وقال قتادة: قوله: ﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا﴾ (منسوخ؛ لا ينبغي للمسلم أن يستغفر لوالديه إذا كانا مشركين (٨)، ولا يقول: رب\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٣٥، بنصه.\n(٢) أخرجه \"الطبري\" ١٥/ ٦٧، بنصه.\n(٣) في (أ)، (د): (أنها)، والصحيح المثبت؛ لأنها تعليل.\n(٤) ما بين المعقوفين ساقط من: (ش)، (ع).\n(٥) في (ش): (كرحمتهما)، ومطموسة في (ع).\n(٦) أي الكاف في قوله: ﴿كَمَا رَبَّيَانِي﴾، وقد قدَّر المحذوف الحوفي بقوله: ارحمهما رحمةً مثلَ تربيتهما لي، ووردت أقوال أخرى في الكاف وفي تقدير المحذوف. انظر: \"الفريد في إعراب القرآن\" ٣/ ٢٦٩، و\"الدر المصون\" ٧/ ٣٤٤.\n(٧) أخرجه \"الطبري\" ١٥/ ٦٧ بنصه، أورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ٣١١ وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم.\n(٨) ورد في \"الناسخ والمنسوخ\" للنحاس ٢/ ٤٩٠، بنحوه، انظر: \"غرائب التفسير\" ١/ ٦٢٥ ذكره واستغربه ورده ورجح عدم النسخ، و\"تفسير القرطبي\" ١٠/ ٢٤٤، =","vol":"13","page":308},{"text":"ارحمهما) (١).\nوذهب قوم إلى تخصيص قوله: ﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا﴾؛ يعنون أن هذا في الوالدين المسلمين (٢)، فالآية عامة، ومعناها خاص في المسلمين، ونحو هذا روى عطاء الخرساني عن ابن عباس في قوله: ﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ قال: ثم استثنى فقال: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآية. فجعل النهي عن استغفار المشركين -وإن كانوا أقارب- استثناءً عن قوله: ﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا﴾: في المعنى (٣)، وهذا أحسن من أن يحكم بالنسخ على الدعاء للوالدين بالرحمة (٤).\nوقال سفيان، وسئل كم يدعو لوالديه: في اليوم مرةً أو في الشهر أو في السنة؟ قال: نرجو أن يجزيه إذا دعا لهما في دبر الصلوات؛ كما أن الله تعالى قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ﴾ الآية [الأحزاب: ٥٦]، وكانوا يرون أن التشهد يجزي من الصلاة على النبيّ -ﷺ-، وكما أن الله قال:\n_________\n= و\"أبي حيان\" ٦/ ٢٨، و\"الدر المنثور\" ٤/ ٣١١ وعزاه إلى ابن المنذر والنحاس وابن الأنباري في المصاحف، وروي النسخ عن ابن عباس كذلك، انظر: \"الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه\" ص ٣٣٧، و\"تفسير البغوي\" ٥/ ٨٦، و\"ابن عطية\" ٩/ ٥٨، و\"ابن الجوزي\" ٥/ ٢٦، و\"القرطبي\" ١٠/ ٢٤٤.\n(١) ما بين القوسين ساقط من (أ)، (د).\n(٢) ورد بنحوه في \"تفسير الطبري\" ١٥/ ٦٨، و\"الناسخ والمنسوخ\" للنحاس ٢/ ٤٩٠، و\"الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه\" ص ٣٣٧.\n(٣) ورد في \"الناسخ والمنسوخ\" للهروي ص ٢٨٣، بنحوه.\n(٤) وهذا القول هو الراجح، وأولى من دعوى النسخ؛ لإمكان الجمع بين الدليلين، ومتى أمكن الجمع فهو أولى من القول بالنسخ؛ لأن في النسخ إبطال أحد الدليلين، وفي القول بالتخصيص جمع بينهما، وعليه فالآية محكمة غير منسوخة.\nانظر: \"الإيضاح\" لمكي ص ٣٣٨.","vol":"13","page":309},{"text":"﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٠٣]، فهم يكبرون في دبر الصلوات (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2155>٢٥ </span>- قوله تعالى: ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ﴾ الأعلم من قولك: فلانٌ أعلمُ، له معنيان؛ أحدهما: أكثر معلومًا، والثاني: أثبت علمًا، وهذان يجوز في صفة الله تعالى؛ فإنه أكثر معلومًا وأثبت علمًا.\nقال سعيد بن جبير في قوله: ﴿بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ﴾ هو البادرة تكون من الرجل إلى أبويه لا يريد بذلك بأسًا (٢)، فقال الله تعالى: ﴿إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ﴾ أي النِّية صادقة ببرِّه، ﴿فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾: البادرة التي بدرت منه.\nوالمعنى: ربكم أعلم بما تضمرون من البِرّ والعقوق؛ فمن بدرت منه بادرة وهو لا يضمر عقوقًا فأغفر له ذلك، وهو معنى قوله: ﴿إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ﴾ قال ابن عباس: يريد طائعين لله، ﴿فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾ قال: يريد الراجعين عن معاصي الله -﷿-، التاركين لسخط الله، النادمين على الزلات (٣).\nوقال سعيد بن المسيب: هو الذي يذنب ثم يتوب، ثم يذنب ثم يتوب (٤).\n_________\n(١) انظر: \"تفسير الفخر الرازي\" ٢٠/ ١٩٢، بنصه.\n(٢) أخرجه \"الطبري\" ١٥/ ٦٨ بنصه تقريبًا من طريقين، وورد في \"تفسير الثعلبي\" ٧/ ١٠٧ أبنصه تقريبًا، انظر: \"تفسير البغوي\" ٥/ ٨٨، و\"الزمخشري\" ٢/ ٣٥٨، و\"الدر المنثور\" ٤/ ٣١١ وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(٣) ورد في تفسيره \"الوسيط\" تحقيق سيسي ٢/ ٤٩٠، بلا نسبة.\n(٤) أخرجه \"عبد الرزاق\" ٢/ ٣٧٦ بنصه، و\"الطبري\" ١٥/ ٦٩ - ٧٠ بنصه من عدة =","vol":"13","page":310},{"text":"وقال الحسن: هو الذي يريد اللهَ بقلبه وعمله (١).\nوقال سعيد بن جبير: يعني الراجعين إلى الخير (٢).\nوقال عبيد بن عمير: الذين يذكرون لأبويهم ويستغفرون (٣).\nورُوي أنه قال: الأوَّابُ: هو الذي يقول: اللهم اغفر لي [ما] (٤) أصبت في مجلسي هذا (٥).\nوقال أبو إسحاق: الأوَّاب: هو الراجع إلى الله سبحانه في كل ما أمر به، المُقْلع عن جميع ما نهى عنه، يقال: آب يؤوب أوْبًا: إذا رجع (٦).\n_________\n= طرق، وورد في \"تفسير الجصاص\" ٣/ ١٩٧، بنحوه، و\"الثعلبي\" ٧/ ١٠٧ أبنصه، و\"الماوردي\" ٣/ ٢٣٩، بنحوه، و\"الطوسي\" ٦/ ٤٦٨، بنحوه.\n(١) ورد في \"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢٦٥، بنحوه.\n(٢) أخرجه \"الطبري\" ١٥/ ٧٠ بنصه من طريقين، وورد في \"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ١٤٢ بنصه، و\"تفسير الجصاص\" ٣/ ١٩٧ - بمعناه، و\"الثعلبي\" ٧/ ١٠٧ أبنصه، و\"الماوردي\" ٣/ ٢٣٩، بنحوه، وأخرجه البيهقي في الشعب (٥/ ٤٣٨ بنصه، وورد في \"تفسير الطوسي\" ٦/ ٤٦٨، بنحوه، وأورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ٣١٠ وزاد نسبته إلى ابن أبي الدنيا.\n(٣) لم أقف على هذا القول، والذي ورد عنه في المصادر، أنه قال: الذين يذكرون ذنوبهم في الخلاء فيستغفرون الله. انظر: \"تفسير الطبري\" ١٥/ ٧٠، و\"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ١٤٣، و\"تفسير الثعلبي\" ٧/ ١٠٧ أ، و\"ابن الجوزي\" ٥/ ٢٦، و\"القرطبي\" ١٠/ ٢٤٧، و\"الدر المنثور\" ٤/ ٣١٨ وعزاه إلى هناد.\n(٤) زيادة يقتضها السياق -كما في جميع المصادر- وفي جميع النسخ: أصبت بدون (ما).\n(٥) أخرجه \"عبد الرزاق\" ٢/ ٣٧٧ بنصه، و\"الطبري\" ١٥/ ٧١ بنصه، وورد في \"تفسير الثعلبي\" ٧/ ١٠٧ أبنصه، انظر: \"تفسير ابن كثير\" ٣/ ٤١.\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٣٥ بنصه، وهذا القول -وهو قول ابن عباس وابن المسيب- هو الذي رجحه الطبري؛ قال: لأن الأواب إنما هو فعَّال، من قول القائل: آب فلان من كذا؛ إما من سفره إلى منزله، أو من حال إلى حال.","vol":"13","page":311},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2156>٢٦ </span>- قوله تعالى: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ﴾ الآية. قال ابن زيد: بدأ الله تعالى بالوالدين، فلما فرغ من الوالدين وحقهما ذكر هؤلاء (١).\nوقال ابن عباس: هذه الآية حضٌّ على صلة القرابة، بدأ بحق القرابة لِمَا جعل في الأرحام من الصلة (٢)، ونحو هذا قال الحسن: إن هذه الآية في بر الأقارب وصلة رحمهم بالإحسان إليهم (٣).\nوقد فسّر النبيّ -ﷺ- هذه الآية فيما روى عنه أنس؛ أن رجلًا قال: يا رسول الله: إني ذو مال كثير، وذو أهل وولد، فكيف تحب لي أن أصنع أو أنفق؟ قال: \"أد الزكاة طُهرةً يطهرك، وآت صلة الرحم، واعرف حق السائل والجار والمسكين وابن السبيل، ولا تبذر تبذيرًا\" (٤).\nومعنى التبذير في اللغة: إفساد المال وإنفاقه في السرف (٥).\nوقال ابن مسعود: التبذير: النفقة في غير حق (٦).\n_________\n(١) أخرجه \"الطبري\" ١٥/ ٧٤ بنصه.\n(٢) انظر: \"تفسير ابن عطية\" ٩/ ٦٠، بنحوه.\n(٣) انظر: \"تفسير ابن عطية\" ٩/ ٦٠، بنحوه.\n(٤) أخرجه الحاكم ٢/ ٣٦٠، بنحوه عن أنس، وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه وأقره الذهبي، وأورده ابن كثير في \"تفسيره\" ٣/ ٤٢، بنحوه، وأورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ٣٢٠، بنحوه وزاد نسبته إلى أحمد -ولم أجده، وأورده في \"الكنز\" ٦/ ٢٩٤، بنحوه وعزاه إلى البيهقي- ولم أجده.\n(٥) انظر (بذر) في \"تهذيب اللغة\" ١/ ٢٩٧، و\"المحيط في اللغة\" ١٠/ ٧٤، و\"اللسان\" ١/ ٢٣٧.\n(٦) أخرجه \"الطبري\" ١٥/ ٧٣ بنصه من عدة طرق، وورد في \"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ١٤٤، بنحوه، و\"تفسير الجصاص\" ٣/ ١٩٨ بنصه، و\"الثعلبي\" ٧/ ١٠٧ ب بنصه، و\"الطوسي\" ٦/ ٤٦٩، بنحوه، وأورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ٣٢٠.","vol":"13","page":312},{"text":"قال عثمان بن الأسود (١): كنت أطوف مع مجاهد حول الكعبة، فرفع رأسه إلى أبي قُبَيْس (٢) فقال: لو أن رجلًا أنفق مثلَ هذا في طاعة الله لم يكن من المسرفين (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2157>٢٧ </span>- قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا﴾، أي: المنفقين في غير طاعة الله، قاله ابن عباس (٤)، ﴿كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾ قال: يريد أولياءهم، قال أبو إسحاق: أي يفعلون ما يُسَوَّل لهم الشيطان (٥).\nوقال أهل المعاني: مؤاخاة الشيطان: موافقته فيما دعا إليه، وكل من أجاب الشيطان إلى ما سَوَّلَ له، فهو من إخوان الشياطين؛ [لأنه يتبع\n_________\n(١) عثمان بن موسى بن باذان المكي، مولى بني جُمَح، ثقة ثبت، روى عن مجاهد وعطاء، وعنه: الثوري وابن المبارك، مات سنة (١٥٠ هـ).\nانظر: \"الجرح والتعديل\" ٦/ ١٤٤، و\"الكاشف\" ٢/ ٥ (٣٦٨٠)، و\"تقريب التهذيب\" ص ٣٨٢ (٤٤٥١).\n(٢) بالتصغير، هو الجبل المشرف على الصفا، قال الأزرقي: وسمي أبا قبيس؛ لأن أول من بني فيه رجلٌ يقال له: أبو قبيس، هذا هو المشهور، وقيل غير ذلك، وهو أحد الأخشبين، وكان يسمى في الجاهلية (الأمين)، ويقال: إنما سمي الأمين؛ لأن الحجر الأسود كان فيه مستودعًا عام الطوفان.\nانظر: \"أخبار مكة\" للأزرقي ٢/ ٢٦٦، و\"معجم البلدان\" ١/ ٨٠.\n(٣) ورد في \"تفسير الطبري\" ١٥/ ٧٤ بمعناه، و\"السمرقندي\" ٢/ ٢٦٦، بنحوه، انظر: \"تفسير الفخر الرازي\" ٢٠/ ١٩٣.\n(٤) أخرجه \"الطبري\" ١٥/ ٧٣ - ٧٤ بنصه من طريق العوفي [ضعيفة]، ومن طريق عكرمة [جيدة]، وورد في: \"تفسير الجصاص\" ٣/ ١٩٨ بنصه، انظر: \"تفسير أبي حيان\" ٦/ ٣٠.\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٣٥، بنصه.","vol":"13","page":313},{"text":"أثره ويجري على سنته (١).\nوقيل: معنى إخوان الشياطين] (٢): الذين يُقْرَنون به في النار (٣).\nثم ذم الشيطان بقوله: ﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾؛ ليرتدع المؤمن عن اتباعه فيما يدعو إليه، وفيه أيضًا إشارة إلى ذم المبذّر؛ حيث أخبر أنه أخو الشيطان، ثم ذم الشيطان؛ فإنه كفور لربه، فهو يتضمن أن المنفق في السرف كفور لربه فيما أنعم عليه.\nقال ابن عباس في قوله: ﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾ يريد جاحدًا لأنعمه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2158>٢٨ </span>- قوله تعالى: ﴿وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ﴾ قال [ابن] (٤) زيد: أي عن هؤلاء الذين أوصيناك بهم (٥)، ونحو هذا قال الزجاج؛ فقال: هذه الهاء والميم ترجعان على القُربى والمساكين وابن السبيل (٦).\nوقوله تعالى: ﴿ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا﴾ قال الحسن وعكرمة: انتظار رزق من الله يأتيك (٧).\nقال الزجاج: وهو نصب؛ لأنه مفعول له، المعنى: وإن أعرضت عنهم لابتغاء رحمة من ربك (٨)، لا يحتمل أن يكون سببًا لإعراضه على ظاهر اللفظ إلا أنْ يُرَدَّ إلى معناه الباطن؛ ومعناه الباطن أن يكون قوله:\n_________\n(١) ورد بنحوه في \"تفسير الجصاص\" ٣/ ١٩٨، و\"الطوسي\" ٦/ ٤٦٩.\n(٢) ما بين المعقوفين ساقط من (أ)، (د).\n(٣) ورد بنصه في \"تفسير الجصاص\" ٣/ ١٩٨، و\"الطوسي\" ٦/ ٤٦٩.\n(٤) التصويب من الطبري، وفي جميع النسخ: (زيد).\n(٥) أخرجه \"الطبري\" ١٥/ ٧٥ بنصه.\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٣٥ بنصه.\n(٧) أخرجه \"الطبري\" ٨/ ٧٠ بنصه عن عكرمة.\n(٨) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٣٥ بنصه.","vol":"13","page":314},{"text":"﴿ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ﴾، قد أومئ به إلى الإضاقة والإعسار؛ لأن معناه: رجاء صنيع الله وكفايته، وفيه إشارة إلى الإضاقة، فيكون المعنى أن تُعرض عن السائل إضاقة وإعسارًا.\nوذكر الكلبي وغيره: أن النبيّ -ﷺ- (كان إذا سأله فقراء أصحابه فلا يجد ما يعطيهم، أعرض عنهم حياءً منهم ويسكت، فعلمه الله كيف يصنع، فقال: ﴿فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا﴾ (١).\nوقال الزجاج: يُروى أن النبيّ -ﷺ- كان إذا سُئل وليس عنده ما يعطي أمسك انتظار الرزق يأتي من الله؛ كأنه يكره الرَّدّ، فلما نزلت هذه الآية: (كان إذا سئل ولم يكن عنده ما يعطي قال: \"يرزقنا الله وإياكم من فضله\") (٢) (٣)، فذلك قوله: ﴿فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا﴾، قال ابن زيد: قولًا جميلًا، رزقك الله وبارك الله فيك (٤).\nوقال الكلبي: عِدْهم عِدَةً حسنة (٥)، وهو قول الفراء ومجاهد (٦).\n_________\n(١) وورد بنحوه في \"تفسير مقاتل\" ١/ ٢١٤ أ.\n(٢) أخرجه الطبراني في \"الأوسط\" [مجمع البحرين] ٦/ ١٩٧، بنحوه عن علي، وورد في \"تفسير الثعلبي\" ٧/ ١٠٧ ب بنصه، و\"القرطبي\" ١٠/ ٢٤٩، و\"ابن عطية\" ٩/ ٦٢، وأورده الهيثمي في \"المجمع\" ٩/ ١٣ وقال: وفيه محمد بن كثير الكوفي، وهو ضعيف. فالحديث ضعيف.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٣٥ بنصه.\n(٤) أخرجه \"الطبري\" ١٥/ ٧٥ - ٧٦ بنصه، انظر: \"تفسير ابن الجوزي\" ٥/ ٢٩، و\"الدر المنثور\" ٤/ ٣٢١ وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم.\n(٥) ورد عن ابن عباس والحسن، كما في \"تفسير ابن الجوزي\" ٥/ ٢٩، و\"تنوير المقباس\" ص ٢٩٩، وورد غير منسوب في \"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢٦٦ بنصه، و\"الطوسي\" ٦/ ٤٧٠، بنحوه.\n(٦) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٢٢ بنصه، انظر: \"تفسير ابن الجوزي\" ٥/ ٢٩، عن مجاهد.","vol":"13","page":315},{"text":"وأما الميسور فقال الكسائي: يَسَرْتُ أَيْسِرُ له القول، أي لَيَّنْتُه (١).\nوقال أبو الدُّقيش (٢): يَسّرَ فلانٌ فرسه فهو مَيْسُور؛ مصنوعٌ سمين (٣)، فالقول الميسور: هو القول المصنوع اللين السهل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2159>٢٩ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ﴾ الآية. روى المنهال بن عمرو قال: بعثت امرأة إلى رسول الله -ﷺ- ابنها فقالت: قل له: اكسني ثوبًا، فقال رسول الله -ﷺ-: \"ما عندي شيء\"، قالت: فارجع إليه وقل له: اكسني قميصك، قال: فأتاه فقال: إنها تقول: اكسني قميصك، قال: فنزع قميصه فأعطاه إياه، فنزلت هذه الآية. (٤).\n_________\n(١) انظر: \"تفسير الفخر الرازي\" ٢٠/ ١٩٤.\n(٢) أبو الدُّقيش القنانيّ الغنوِيّ، لم أجد له ترجمة، وذكره القفطي في إنباه الرواة ٤/ ١٢١، ولم يترجم له.\n(٣) ورد في \"تهذيب اللغة\" (يسر) ٤/ ٣٩٨٠ بنصه، ويعني بالصناعة هنا الاجتهاد في تغذيته وتربيته، وفي \"المحيط في اللغة\" (صنع) ١/ ٣٣٧: يقال: صنعت الفرس: أحسنت القيام عليه.\n(٤) ورد بنحوه في \"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢٦٦، و\"الثعلبي\" ٧/ ١٠٧ ب، وأورده المؤلف في \"أسباب النزول\" ص ٢٨٧، بنحوه من طريق ابن مسعود، وأورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ٣٢٢ وعزاه إلى ابن أبي حاتم، وأورده بنحوه -كذلك- وعزاه إلى ابن جرير من طريق ابن مسعود- لم أجده، وأورده في \"لباب النقول\" ص ١٣٦، بنحوه من طريق ابن مسعود وعزاه إلى ابن مردويه. وهذه الرواية مقطوعة؛ لأن المنهال لم يحفظ له سماع عن الصحابة، إنما روايته عن كبار التابعين -كما في \"الميزان\"- كما أن إسناد هذا الحديث -من طريق ابن مسعود- ضعيف، بسبب ضعف: سليمان بن سفيان الجهني، وقيس بن الربيع الأسدي. انظر: \"الضعفاء\" للبخاري رقم (٣٠١) وللنسائي رقم (٢٤٦)، (٤٩٩) و\"الضعفاء والمتروكين\" للدارقطني رقم (٢٥٤)، و\"ميزان الاعتدال\" ٢/ ٢٠٩، ٣/ ٣٩٣.","vol":"13","page":316},{"text":"قال أهل اللغة: معنى الغل: الإدخال (١)، قال امرؤ القيس:\nلها مُقْلَةٌ حَدْرَةٌ بَدْرَةٌ ... إلى حاجبٍ غُلّ فيه الشُّفُرْ (٢)\nأي عورٌ وأدخل فيه الشُّفُر (٣)، ومنه قولهم: غَلَّ في الغنيمة إذا خان؛ لأن ما خان شيئًا أو سرقه أدخله في كُمِّه، ومعنى غُلَّتْ يدُ فلان: أي أدخلت في الحديد، ولعل هذا مما سبق ذكره (٤).\nقال ابن عباس والمفسرون في قوله: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ﴾: يريد البخل ومنع حق الله في الزكاة والصلة (٥).\nوالمعنى: لا تمسك يدك عن البذل كل الإمساك، حتى كأنها مقبوضة إلى عنقك بالغل لا تُبْسَط لخير.\nقال صاحب النظم: لا تكاد العرب تقول جعلت يدي مغلولة، ولا\n_________\n(١) انظر (غلل) في \"تهذيب اللغة\" (غلل) ٣/ ٢٦٩٠، و\"مقاييس اللغة\" ٤/ ٣٧٦، و\"الصحاح\" ٥/ ١٧٨٤، و\"اللسان\" ٦/ ٣٢٨٨.\n(٢) ورد في \"الديوان\" ص ٧٢ برواية أخرى ليس فيها الشاهد وهي:\nوعَينٌ لها حَدْرةٌ بَدْرةٌ ... شُقّت مآقيها منْ أُخُرْ\nوورد -بلا نسبة- في \"مقاييس اللغة\" ٤/ ٣٧٦، برواية:\nوعينٌ لها حَدْرةٌ بَدْرَةٌ ... إلى حاجبٍ غُلّ فيه الشُّفُر\nوورد عجزه -بلا نسبة- في \"مجمل اللغة\" ٢/ ٦٧٩، (حدْرة): واسعة، (بدْرة): تامَّة، ومنه قيل: ليلة البدر لتمام قمرها، (المأقي): مؤخر العينين، (أخُر): آخرهما، (الشُّفُر): بالضم شُفْر العين، وهو ما نبت عليه الشعر.\n(٣) في جميع النسخ: (الشعر)، والصواب ما أثبته، ويبدو أنها تصحفت على النساخ.\n(٤) عند قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٦١].\n(٥) أخرجه \"الطبري\" ١٥/ ٧٧ مختصرًا، من طريق ابن أبي طلحة صحيح، و\"الدر المنثور\" ٤/ ٣٢٢ وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم.","vol":"13","page":317},{"text":"جعلت رجلي مقيدة، ولا جعلت رأسي معممًا، إنما يقولون: غَلَلتُ يدي، وقَيَّدتُ رجلي، وعَمَّمتُ رأسي، والعلة في هذا النظم؛ أن الفعل أقل من النعت، والنعت ألزم وأكثر من الفعل؛ كما قلنا في قوله: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ [طه: ١٢١]؛ لأنه قد كان منه، ولا يجوز أن يقال: آدم عاصٍ غاوٍ؛ لأن هذا نعت لازم، وكانوا يقولون: يد فلان مغلولة، أي أن المنع عادةٌ له، ولا يكادون يقولون: غُلَّت يده؛ لأن هذا فعل غير لازم، والأول لازم، وقد يمنع الإنسان في مواضع المنع ولا يُرْجَع عليه بلوم، فلذلك قال -﷿-: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ﴾، أي: لا تكن ممسكًا عن البذل عادة، ولم يُرِدْ أن لا يمسك عند وقت الإمساك، يدل على ذلك قوله: ﴿وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾؛ ومما يشبه هذا النظم، قوله تعالى: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ﴾ [إبراهيم: ٤٠] وقد مر، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان: ٣٠]، وسنذكره في موضعه إن شاء الله (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ قال ابن عباس: يريد في النفقة والعطية (٢).\nوقال مجاهد وقتادة: يعني التبذير والإنفاق في معصية الله تعالى،\n_________\n(١) قال الواحدي عند تفسير هذه الآية: وذكر صاحب النظم وجهًا آخر من الهجر؛ فقال: ويجوز أن يكون المهجور مصدرًا؛ كالهجر والهجير، ويكون المعنى: اتخذوا هذا القرآن هُجرًا، أي: إذا سمعوه قالوا فيه الهجير، وقالوا: إنه هجر، كما يقال: اتخذنا فلانًا ضحكة أو سُخرة، أي إذا رأيناه ضحكنا منه وسخرنا منه، وهذا النظم أبلغ من أن لو قيل: هجروا القرآن، أو هجروا فيه؛ لأنه يدل على أنهم جعلوا عادتهم هجر القرآن.\n(٢) ورد في \"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢٦٦ - بمعناه، وتفسيره \"الوسيط\" تحقيق سيسي ٢/ ٤٩٣ بنصه، انظر: \"تنوير المقباس\" ص ٢٩٩ بنصه.","vol":"13","page":318},{"text":"وفيما لا يصلح (١)، فحصل في قوله: ﴿وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ وجهان من التفسير؛ أحدهما: أنه نهي عن بذل جميع ما يملك، حتى لا يبقى له شيء، وإن كان في طاعة الله، على ما ذكر من سبب النزول، وفي معنى قول ابن عباس. والثاني: أنه نهي عن التبذير؛ على قول مجاهد وقتادة.\nوقوله تعالى: ﴿فَتَقْعُدَ مَلُومًا﴾ قال السدي: تلوم نفسك وتُلام (٢)، ﴿مَحْسُورًا﴾ قال ابن عباس: ليس عندك شيء (٣)، وقال مجاهد: مقطوعًا بك (٤).\nقال الفراء: والعرب تقول للبعير: هو محسور إذا انقطع سَيْرُه، وحَسرتُ الدَّابة إذا سَيَّرتَها حتى ينقطعَ سَيْرُها (٥).\nوقال ابن قتيبة: أي تَحْسِرُكَ العطيةُ وتَقْطعك؛ كما يَحْسِرُ السفرُ البعيرَ، فيبقى منقطعًا (٦)، هذا هو الأصل، ثم يُقال: حَسَرْتُ الرجلَ بالمسألة حَسْرَةً: إذا أفنيتَ جميعَ ما عنده، وحُسِرَ فهو يُحْسَرُ: إذا لم يبق عنده شيء، من قولهم: حَسَرَتِ الدابةُ والعينُ (٧)، ومنه قوله تعالى: ﴿وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ [الملك: ٤].\n_________\n(١) ورد في تفسيره \"الوسيط\" تحقيق سيسي ٢/ ٤٩٣ بنصه عن مجاهد، انظر: \"تفسير ابن عطية\" ٩/ ٦٤، عن قتادة.\n(٢) ورد في تفسيره \"الوسيط\" تحقيق سيسي ٢/ ٤٩٣ بنصه.\n(٣) أخرجه \"الطبري\" ١٥/ ٧٧ بمعناه، من طريق العوفي ضعيفة، ورد في تفسيره الوسيط، تح: سيسي (٢/ ٤٩٣ بنصه، وأورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ٣٢٢ وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم.\n(٤) ورد في \"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ١٤٦، بنحوه.\n(٥) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٢٢ بنصه.\n(٦) \"الغريب\" لابن قتيبة ١/ ٢٥٥ بنصه.\n(٧) ساقطة من (ع).","vol":"13","page":319},{"text":"وقال قتادة في قوله: ﴿مَحْسُورًا﴾، (أي نادمًا على ما سلف منك (١)، فجعله من الحَسْرَة، والفاعل من الحسرة يكون حَسْرُا، وحُسْرَان، ولا يقال في الفاعل منه: محسور) (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2160>٣٠ </span>- قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ قال المفسرون: يوسع على من يشاء ويضيق على من يشاء (٣)، والقَدْرُ في اللغة: التضيق (٤)، ومنه قوله: ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ [الطلاق: ٧]، وقوله: ﴿وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ﴾ [الفجر: ١٦] أي ضَيَّقَ، فمعنى الآية: أنه يُوَسِّعُ في الرزق ويُضيّقُ بحسب مصالح العباد؛ كما قال: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ﴾ الآية [الشورى: ٢٧]، وهو معنى قوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾، حيث أجرى رزقهم على ما علم فيه صلاحهم.\nوقال عطاء عن ابن عباس في هذه الآية: يريد لو أردت أن أبسط (٥) عليك الرزق وأجعل جبال الدنيا لك ذهبًا وفضة لفعلت، ولم أجعل لك الدنيا لكرامتك علي جعلت لك الآخرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2161>٣١ </span>- وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ﴾ الآية. سبق تفسير هذه\n_________\n(١) أخرجه بنحوه عبد الرزاق ٢/ ٣٧٧، والطبري ١٥/ ٧٧، وورد في \"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ١٤٦ - مختصرًا، والثعلبي ٧/ ١٠٨ أ، بنحوه، انظر: \"تفسير البغوي\" ٥/ ٩، و\"القرطبي\" ١٠/ ٢٥١.\n(٢) ما بين القوسين ساقط من (ع).\n(٣) ورد بنحوه في \"تفسير مقاتل\" ١/ ٢١٤ ب، و\"الطبري\" ١٥/ ٧٨، و\"السمرقندي\" ٢/ ٢٦٧، و\"الثعلبي\" ٧/ ١٠٨ أ، و\"الطوسي\" ٦/ ٤٧١.\n(٤) انظر: قدر في \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٨٩٧، و\"اللسان\" ٦/ ٣٥٤٧، و\"التاج\" ١٧/ ٣٧٣.\n(٥) في (أ): (أسبط).","vol":"13","page":320},{"text":"الآية في أواخر سورة الأنعام (١).\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾ قال أبو إسحاق: معناه: إثمًا كبيرًا (٢)، يقال: خَطِىءَ يُخْطِئ خِطْئًا، مثل: أَثِمَ يَأْثَمُ إثمًا، قال الله تعالى (٣): ﴿إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ﴾ [يوسف: ٩٧]، أي: آثمين، وقال: ﴿لَا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ﴾ [الحاقة: ٣٧].\nوقرأ ابن عامر ﴿خَطَئًا﴾ بالفتح (٤)؛ وهو اسم من أخطأ، يقال: أخطأ يُخْطِىءُ، إِخْطَاءً وخِطَاءً، إذا لم يصب عن غير تعمد (٥)، وقد يكون الخطأ الاسم من هذا لا المصدر، ويكون المعنى على هذه القراءة: إن قتلهم كان على غير الصواب، هذا قول أبي إسحاق في معنى هذه القراءة (٦).\n_________\n(١) آية [١٥١].\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٣٦ بلفظه.\n(٣) لعل الأولى أن يقول: قال الله تعالى، عن إخوة يوسف؛ حتى لا يوهم معنى غير مقصود.\n(٤) أي بفتح الخاء والطاء وبالهمز من غير مدّ: ﴿خَطَئًا﴾. انظر: \"السبعة\" ص ٣٧٩، و\"إعراب القراءات السبع وعللها\" ١/ ٣٧٠، و\"علل القراءات\" ١/ ٣٢٠، و\"الحجة للقراء\" ٥/ ٩٦، و\"المبسوط في القراءات\" ص ٢٢٨.\n(٥) يقول ابن دريد: الخطأ؛ مقصور مهموز؛ يقال خَطِئَ الشيءَ يخطَأ خَطاءً وخِطاءً: إذا أراده فلم يُصبْه؛ ويكون أيضًا خَطئ الرجلُ، إذا تعمّد الخَطَأ؛ وأخطأ يُخطئ إخطاءً: إذا لم يتعمّد الخَطَأ فهو مخطئ، والأول خاطئ، ومنه قتل الخَطَأ؛ لأنه لم يُردْ قتله. \"جمهرة اللغة\" ٢/ ١٠٥٤، انظر معاني القرآن للأخفش (٢/ ٦١١، و\"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ١٤٧، و\"تهذيب اللغة\" (خطئ) ١/ ١٠٦٠، و\"شرح الهداية\" ٢/ ٣٨٦، و\"العباب الزاخر\" أ / ٥٠، و\"اللسان\" (خطأ) ٢/ ١٢٠٥، و\"تاج العروس\" (خطأ) ١/ ١٤٥.\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٣٦ بتصرف يسير.","vol":"13","page":321},{"text":"وقال أبو علي: قد جاء أخطأ بمعنى خَطِئ أي أثم، كما جاء خَطِئ بمعنى أخطأ، إذا لم يصب الصواب؛ فمن الأول قوله: ﴿إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] بمعنى خَطِئْنَا؛ لأن المؤاخذة عن المخطئ موضوع، وأنشد (١):\nعبادُك يُخْطِئُونَ وأنت ربٌّ ... كريم لا تَليقُ بك الذمومُ (٢)\nومن الثاني قول امرئ القيس:\nيا ويحَ هِنْدٍ إذْ خَطِئنَ كاهِلًا (٣)\n_________\n(١) لأمية بن أبي الصلت؛ جاهلي من أهل الطائف، قدم على النبي -ﷺ- وسمع منه، ولم يسلم.\n(٢) \"ديوانه\" ص ٤٨١، برواية:\nبِكَفَّيْكَ المَنَايَا والحُتُومُ\nوورد برواية الديوان في \"تهذيب إصلاح المنطق\" ص ٦٣٢، و\"المحتسَب\" ٢/ ٢٠، وورد برواية المؤلف بلا نسبة في \"تهذيب اللغة\" (خطئ) ١/ ١٠٦٠، و\"علل القراءات\" ١/ ٣٢١، و\"تفسير الطوسي\" ٦/ ٤٧٢، و\"تفسير ابن عطية\" ٩/ ٦٨، و\"اللسان\" (خطأ) ٢/ ١٢٠٥. وبرواية: لا تَمُوتُ. بدل: الحتوم في \"أدب الكاتب\" ٤٤٤، و\"إعراب القراءات السبع وعللها\" ١/ ٣٧٠.\n(٣) وعجزه:\nتالله لا يذهبُ شيْخي باطلًا\n\"ديوانه\" ص ١٣٦، وفيه وفي جميع المصادر: (لهف) بدل (ويح)، وورد في: \"معاني القرآن\" للأخفش ٢/ ٦١١، و\"إصلاح المنطق\" ص ٢٩٤، و\"تهذيب اللغة\" (خطئ) ١/ ١٠٦٠، و\"تهذيب إصلاح المنطق\" ص ٦٣٢، و\"الأساس\" ١/ ٢٣٨، و\"العباب الزاخر\" أ/ ٥٠، و\"التاج\" (خطأ) ١/ ١٤٥، وورد غير منسوب في \"تفسير الطبري\" ١٥/ ٧٩، و\"الحجة للقراء\" ٢/ ١١٥، ٥/ ٩٨، (يا لهف): يا حسرة هند، وهي أخته وقيل: امرأة أبيه، (خطئن): أخطأن ولم يصبن؛ يعني: أن خيله التي أغار بها لم تصب بني كاهل؛ وهم حي من بني أسد، كان فيمن اشترك في قتل حُجْر والد امرئ القيس، (شيخه): أبوه، (باطل): هدر.","vol":"13","page":322},{"text":"وإذا كان أخطأ بمعنى خَطِئ كان خَطَأً بمعنى خِطْأً (١)، فيكون معنى قراءة ابن عامر كمعنى قراءة العامة، وقرأ ابن كثير: (خِطاءً) مكسور الخاء ممدودًا (٢)، وهو مصدر خاطأ وإن لم يسمع خَاطَأ، ولكن قد جاء ما يدل عليه، وهو ما أنشده أبو عبيدة (٣):\nتَخَاطأتِ النَّبْلُ أحشاءَه (٤)\nفتخاطأ يدلّ على خَاطَأ؛ لأن تفاعل مطاوعُ فَاعَل، كما أن تَفَعَّلَ مطاوع فَعَّل، وهذا وجه بعيد ذكره أبو علي (٥)، والقراءة هي الأولى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2162>٣٣ </span>- قوله تعالى: [﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ قال المفسرون (٦): حقها الذي تُقْتل به: كفر بعد إسلام، أو زنا بعد إحصان،\n_________\n(١) \"الحجة للقراء\" ٥/ ٩٧، بتصرف.\n(٢) انظر: \"السبعة\" ص ٣٧٩، و\"إعراب القراءات السبع وعللها\" ١/ ٣٧٠، و\"علل القراءات\" ١/ ٣٢٠، و\"الحجة للقراء\" ٥/ ٩٦، و\"المبسوط في القراءات\" ص ٢٢٨.\n(٣) البيت لأوْفَى بن مَطَر المازنيّ (جاهلي).\n(٤) وعجزه:\nوأُخِّر يَومِي فلم يَعْجَلِ\n\"الدِّيباج\" لأبي عبيدة ص ٣٩، وورد في: \"ذيل الأمالي\" للقالي ٣/ ٩١، و\"العباب الزاخر\" أ/ ٥١، و\"اللسان\" (خطأ) ٢/ ١٢٠٥، وورد غير منسوب في \"الحجة للقراء\" ٥/ ٩٧، و\"تفسير الطوسي\" ٦/ ٤٧٢، و\"ابن عطية\" ٩/ ٦٩، و\"القرطبي\" ١٠/ ٢٥٣، و\"أبي حيان\" ٦/ ٣٢، و\"الدر المصون\" ٧/ ٣٤٧.\n(٥) \"الحجة للقراء\" ٥/ ٩٧، بنصه تقريبًا.\n(٦) انظر: \"تفسير الطبري\" ١٥/ ٨٠، و\"السمرقندي\" ٢/ ٢٦٧، و\"الثعلبي\" ٧/ ١٠٨ أ. وقد أخذوا هذه الخصال الثلاث -الموجبة للقتل- من الحديث الصحيح: \"لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيبُ الزاني، والنفسُ بالنفس، والتاركُ لدينه المفارقُ للجماعة\" أخرجه البخاري =","vol":"13","page":323},{"text":"أو قتل نفس بتعمد، ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا﴾] (١) أي بغير أحد هذه الخصال، ﴿فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ يعني وارثه الذي بينه وبينه قرابة توجب له المطالبة بدمه، فإن لم يكن له ولي فالسلطان وليه.\nوقوله تعالى: ﴿سُلْطَانًا﴾ قال ابن عباس: يريد حجة (٢)، قال مجاهد: سلطانه: حجته التي جُعلت له أن يقتل قاتله (٣).\nوقال الضحاك في قوله: ﴿سُلْطَانًا﴾ إن شاء قتل، وإن شاء عفا، وإن شاء أخذ الدّية (٤).\nوقوله تعالى: ﴿فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ اختلفوا في معنى الإسراف هاهنا؛ فقال ابن عباس: هو أن يقتل غير القاتل (٥).\n_________\n= (٦٤٨٤) كتاب: الديات، باب قوله تعالى: ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾، ومسلم (١٦٧٦) كتاب: القسامة، باب: ما يباح به دم المسلم، وأخرجه \"الطبري\" ١٥/ ٨٠ من عدة طرق.\n(١) ما بين المعقوفين معظمه مطموس في (ع).\n(٢) أخرجه \"الطبري\" ١٥/ ٨١ بمعناه من طريق العوفي (ضعيفة)، ورد في \"تفسير الجصاص\" ٣/ ٢٠٠ بلفظه، انظر: \"تفسير ابن الجوزي\" ٥/ ٣٢.\n(٣) ورد في \"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ١٤٩ بنصه، ورد في \"تفسير الجصاص\" ٣/ ٢٠٠، بنحوه.\n(٤) أخرجه \"الطبري\" ١٥/ ٨١، بنحوه، وورد في \"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ١٤٩ بنصه، وورد بنحوه في \"تفسير الجصاص\" ٣/ ٢٠٠، و\"الماوردي\" ٣/ ٢٤٠، و\"الطوسي\" ٦/ ٤٧٥، وورد بنصه غير منسوب في: \"تفسير مقاتل\" ١/ ٢١٤ ب، و\"السمرقندي\" ٢/ ٢٦٧، و\"الثعلبي\" ٧/ ١٠٨ أ.\n(٥) انظر: \"تفسير البغوي\"، ٥/ ٩١، و\"ابن الجوزي\" ٥/ ٣٣، و\"الخازن\" ٣/ ١٦٣، و\"أبي حيان\" ٦/ ٣٣، أورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ٣٢٧ وعزاه إلى ابن المنذر من طريق أبي صالح (ضعيفة).","vol":"13","page":324},{"text":"وقال مجاهد وسعيد بن جبير: هو أن يقتل بالواحد الاثنين والثلاثة (١).\nقال طَلْقُ بن حَبِيب (٢): هو أن يمثل بالقاتل (٣).\nوقال الحسن وابن زيد: هو أن لا يرضى بالقاتل إذا كان خسيسًا فيعمد إلى أشرف قبيلة القاتل فيقتله، كفعل أهل الجاهلية (٤)، وهذا معنى قول ابن عباس: هو أن يقتل غير القاتل، والمعنى: فلا يسرف الوليُّ في القتل، أي لا يتجاوز ما حُدَّ له.\n﴿إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا﴾، أي: أن الولي كان منصورًا بقتل قاتل وليه\n_________\n(١) أخرجه عن سعيد: \"عبد الرزاق\" ٢/ ٣٧٧ - بمعناه، وابن أبي شيبة (٥/ ٤٥٤، بنحوه، و\"الطبري\" ١٥/ ٨٢، بنحوه، والبيهقي في السنن: الجنايات/ إيجاب القصاص على القاتل دون غيره ٨/ ٢٥، بنحوه، وورد بنحوه عن سعيد بن جبير في \"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ١٥٠، و\"تفسير الثعلبي\" ٧/ ١٠٨ ب، و\"الماوردي\" ٣/ ٢٤١، و\"الدر المنثور\" ٤/ ٣٢٧ وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(٢) طلق بن حبيب العَنَزي، الزاهد البصري من صلحاء التابعين، ثقة لكنه كان يرى الإرجاء، روى عن ابن عباس وجندب بن سفيان، وعنه: عمرو بن دينار وسليمان التميمي، مات بعد التسعين. انظر: \"الجرح والتعديل\" ٤/ ٤٩٠، و\"ميزان الاعتدال\" ٣/ ٥٩، و\"الكاشف\" ١/ ٥١٥، و\"تقريب التهذيب\" ص ٢٨٣ (٣٠٤٠).\n(٣) أخرجه ابن أبي شيبة ٥/ ٤٥٤، بنحوه، و\"الطبري\" ١٥/ ٨٢، بنحوه من طريقين، والبيهقي في \"السنن\" كتاب: الجنايات، باب: إيجاب القصاص على القاتل دون غيره ٨/ ٢٥، وورد بنحوه في \"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ١٥٠، و\"تفسير الجصاص\" ٣/ ٢٠١، و\"الثعلبي\" ٧/ ١٠٨ ب، انظر: \"تفسير القرطبي\" ١٠/ ٢٥٥، أورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ٣٢٦ - ٣٢٨ وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(٤) أخرجه \"الطبري\" ١٥/ ٨٣، بنحوه عنهما، والبيهقي في \"السنن\" كتاب: الجنايات، باب: إيجاب القصاص على القاتل دون غيره ٨/ ٢٥، بنحوه عن ابن زيد، وورد في \"تفسير الثعلبي\" ٧/ ١٠٨ أ، بنحوه عنهما، انظر: \"تفسير ابن الجوزى\" ٥/ ٣٣، عن ابن زيد.","vol":"13","page":325},{"text":"والاقتصاص منه، وقد حكم الله تعالى بالسلطان والنصرة لولي المقتول ظلمًا، وقد روي عن زَهْدَم الجَرْمي (١) عن ابن عباس: أنه قال: قلت لعلي ابن أبي طالب: وأيم الله لَيَظْهَرنَّ عليكم ابنُ أبي سفيان؛ لأن الله يقول: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ (٢).\n(وقال الحسن: والله ما نُصِرَ معاويةُ على علي إلا بقول الله: ﴿فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾) (٣) (٤).\nوروى العلاء (٥) عن مجاهد في قوله: ﴿فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ قال: المسرف: الذي قتل القتيل الأول (٦)؛ فهو الذي أسرف في القتل، وعلى هذا المنهي عن الإسراف القاتل الأول (٧)، ويكون التقدير: فلا يُسرف\n_________\n(١) زَهْدَم بن مضرب أو مُضَرِّس -كما في \"التقريب\"- الجَرْمي، أبو مسلم البصري، ثقة، روى عن ابن عباس وعمران بن حصين، وعنه: قتادة وأبو التياح.\nانظر: \"الجرح والتعديل\" ٣/ ٦١٧، و\"الكاشف\" ١/ ٤٠٦، و\"تقريب التهذيب\" (٢٠٣٩).\n(٢) انظر: \"تفسير الفخر الرازي\" ٢٠/ ٢٠٣ بنصه، و\"ابن كثير\" ٣/ ٤٤، وأورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ٣٢٨ وعزاه إلى الطبراني وابن عساكر - لم أقف عليه.\n(٣) ما بين القوسين ساقط من (أ)، (د).\n(٤) انظر: \"تفسير الفخر الرازي\" ٢٠/ ٢٠٤ بنصه.\n(٥) العلاء بن عبد الكريم اليَامي، أبو عَوْن الكوفي، ثقة عابد، سمع مجاهد ومرة الهمداني، وعنه: الثوري ووكيع، توفي في حدود سنة (١٥٠ هـ) انظر: \"التاريخ الكبير\" ٦/ ٥١٤، و\"الجرح والتعديل\" ٦/ ٣٥٨، و\"تقريب التهذيب\" (٥٢٤٨).\n(٦) ورد في \"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ١٥١، بنحوه، انظر: \"تفسير ابن الجوزي\" ٥/ ٣٣، و\"القرطبي\" ١٠/ ٢٥٥.\n(٧) في هذا القول تكلُّف وبعد عن الظاهر؛ فالخطاب -حسب الظاهر- موجه إلى ولي المقتول وليس للقاتل، وكيف يخاطب القاتل الأول ويقال له: لا تسرف في =","vol":"13","page":326},{"text":"القاتل في القتل، وجاز أن يضمر وإن لم يجر له ذكر؛ لأن الحال تدل عليه، ومعنى نهيه عن الإسراف: نهيه عن القتل؛ لأنه يكون بقتله مسرفًا، ويكون الضمير على هذا في قوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا﴾ للمقتول المذكور في قوله: ﴿وَمَنْ قُتِلَ﴾، ويكون التقدير: فلا يُسرف القاتل -الذي يبتدئ- بالقتل؛ لأن من قُتل مظلومًا كان منصورًا؛ بأن يقتصَّ له وليُّه، أو (١) السلطان إن لم يكن له ولي، وهذا الاقتصاص إنما هو للمقتول انتقل إلى الولي، بدلالة أن المقتول لو أبرأ من السبب (٢) المؤدي إلى الهلاك؛ وهو الجراحة لم يكن للولي أن يقتص، وتكون الآية على هذا ردعًا للقاتل عن القتل (٣).\nوقرأ حمزة والكسائي: (فَلا تُسْرِفْ) بالتاء (٤)، وهذه القراءة تحتمل أيضًا وجهين؛ أحدهما: أن يكون الخطاب للمبتدئ؛ القاتل ظلمًا، قيل له: فلا تسرف أيها الإنسان، فتقتل ظلمًا [من ليس] (٥) لك قتله؛ إن من قتل مظلومًا كان منصورًا بأخذ القصاص له.\nوالآخر: أن يكون الخطاب للولي، فيكون التقدير: لا تسرف في القتل أيها الولي فتتعدى قاتل وَلِيّك إلى من لم يقتله؛ إن المقتول ظلمًا كان\n_________\n= القتل؟! لذلك قال الألوسي: إن هذا الوجه غير وجيه فلا ينبغي التعويل عليه. انظر: \"تفسير الألوسي\" ١٥/ ٧٠.\n(١) في (ب)، (ع): (و).\n(٢) في جميع النسخ: (النسب)، وبالمثبت يستقيم الكلام.\n(٣) ورد في \"الحجة للقراء\" ٥/ ٩٩ - ١٠٠ بتصرف.\n(٤) انظر: \"السبعة\" ص ٣٨٠، و\"إعراب القراءات السبع وعللها\" ١/ ٣٧٢، و\"علل القراءات\" ١/ ٣٢٢، و\"الحجة للقراء\" ٥/ ٩٩، و\"المبسوط في القراءات\" ص ٢٢٨.\n(٥) هذه إضافة يقتضيها السياق ليستقيم الكلام، وهي ثابتة في المصدر.","vol":"13","page":327},{"text":"منصورًا، وكل واحد من المقتول ظلمًا ومن ولي المقتول قد تقدم ذكره في قوله: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ (١).\nوقال أبو إسحاق في قوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا﴾، أي: أن المقتول إذا قتل بغير حق فهو منصور في الدنيا والآخرة؛ فأما نصرته في الدنيا فقتل قاتله، وأما في الآخرة فإجزال الثواب له وتعذيب قاتله في النار (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2163>٣٤ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ قال الكلبي: يعني بالقيام عليه وأن يُثَمِّر مالَ اليتيم بالأرباح (٣).\nوقال ابن زيد: يعني الأكل بالمعروف؛ أن تأكل معه إذا احتجت إليه، كان أُبَيّ يقول ذلك (٤).\nوروى مجاهد عن ابن عباس قال: إن احتاج أكل بالمعروف، (فإذا أَيْسَر قضاه، فإن لم يوسر فلا شيء عليه (٥).\nوروى الحكم عن إبراهيم قال: يأكل بالمعروف) (٦) وإن أتى على آخره (٧).\nوقال قتادة: هذه الآية كانت جَهْدًا عليهم؛ لا يخالطوهم، ثم أنزل\n_________\n(١) ورد الوجهان في \"الحجة للقراء\" ٥/ ١٠٠، بنصه تقريبًا.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٣٨ بتصرف يسير لكنه مهم؛ إذ غير عبارة الزجاج: ويخلَّد قاتله النار إلى: وتعذيب قاتله في النار، هربًا من قول الوعيدية.\n(٣) انظر: \"تنوير المقباس\" ص ٢٩٩، بنحوه، وورد بنحوه غير منسوب في \"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢٦٨.\n(٤) أخرجه \"الطبري\" ١٥/ ٨٤، بنصه.\n(٥) انظر: \"تفسير الفخر الرازي\" ٢٠/ ٢٠٤، بنصه.\n(٦) ما بين القوسين ساقط من (أ)، (د).\n(٧) لم أقف عليه.","vol":"13","page":328},{"text":"الله: ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٠]، فرُخِّص لهم أن يخالطوهم (١).\nفمعني ﴿بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾: الحالة التي هي أحسن؛ وهو الكف عنه، وتثميره في قول بعضهم، وفي قول آخرين: الأكل بالمعروف عند الحاجة إليه، على ما ذكرنا، وهذه الآية ذكرنا تفسيرها في أواخر سورة الأنعام (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ﴾ قال أهل المعاني: كل عقد يُقَدَّم للتوثق من الأمر فهو عهد (٣)، فدخل في قوله: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ﴾ كُلّ عقد من العقود بين المسلمين؛ كعقد النكاح وعقد الشركة وعقد البيع وعقد اليمين وعقد الصلح بين المسلمين والمشركين، وكل هذا مما يجب حفظه والوفاء به وترك الخيانة فيه.\nوقال أبو إسحاق: كل ما أمر الله به ونهى عنه فهو من العهد (٤).\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ ذكر صاحب النظم وغيره في هذا وجهين (٥)؛ أحدهما: أن المعنى: كان مسئولًا عنه بالجزاء، فحذف الصلة، كقوله: ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [النحل: ٥٠]، أي: يؤمرون به، وكقوله: ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ [النمل: ٦٠]، أي: يعدلون بالله.\nوالثاني: أن العهد يُسأل فيقال: لم (٦) نُقِضت، تبكيتًا للناقض؛ كما\n_________\n(١) أخرجه \"الطبري\" ١٥/ ٨٤، بنحوه من طريقين.\n(٢) آية [١٥٢].\n(٣) ورد نحوه في \"تفسير الطوسي\" ٦/ ٤٧٦.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٣٨، بمعناه.\n(٥) ورد بنحوه في \"تفسير الجصاص\" ٣/ ٢٠٣، و\"الماوردي\" ٣/ ٢٤٢، و\"الطوسي\" ٦/ ٤٧٧، انظر: \"الفريد في إعراب القرآن\" ٣/ ٢٧٤، و\"تفسير الألوسي\" ١٥/ ٧١.\n(٦) في (أ)، (د): (لهم)، والمثبت من (ش)، (ع). وهو الصحيح المنسجم مع السياق.","vol":"13","page":329},{"text":"تُسأل الموؤودة تبكيتًا لوائدها وإنكارًا عليه؛ كما جاء قوله: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي﴾ الآية. [المائدة: ١١٦] والمخاطبة لعيسى (١) والإنكار على غيره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2164>٣٥ </span>- وقوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ﴾، أي: أتموه ولا تبخسوا منه، ﴿وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ﴾ قال الحسن: هو القَبَّان (٢)، وهو قول ابن عباس في رواية عطاء (٣).\nوقال مجاهد: هو العدل، بالرومية (٤).\nوقال الليث: هو أقوم الموازين (٥).\n_________\n(١) في (أ)، (د): (بعيسى)، والمثبت من (ش)، (ع). وهو الصحيح.\n(٢) أخرجه \"الطبري\" ١٥/ ٨٥ بلفظه، وورد في \"تفسير الجصاص\" ٣/ ٢٠٣ بلفظه، و\"الثعلبي\" ٧/ ١٠٨ ب بلفظه، و\"الماوردي\" ٣/ ٢٤٢، و\"الطوسي\" ٦/ ٤٧٦، وورد غير منسوب في \"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢٦٨. القَبَّان: الذي يوزن به، وهو عربيٌّ أو معرب. انظر (قبن) في \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٨٨٠، و\"اللسان\" ٦/ ٣٥٢٣.\n(٣) ورد في تفسيره \"الوسيط\" تحقيق سيسي ٢/ ٤٩٧ بلفظه.\n(٤) أخرجه ابن أبي شيبة ٦/ ١٢٢ بنصه، و\"الطبري\" ١٥/ ٨٥ بنصه، وورد في \"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ١٥٤، بنحوه، و\"تفسير الثعلبي\" ٧/ ١٠٨ ب بنصه، و\"الماوردي\" ٣/ ٢٤٢، بنحوه، و\"الطوسي\" ٦/ ٤٧٦ بنصه، وأورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ٣٢٨ وزاد نسبته إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم. واختُلف في أصل كلمة القسطاس: فقال الفخر الرازي ٢٠/ ٢٠٦: وقيل إنه بلسان الروم أو السرياني، والأصح أنه لغة العرب، وهو مأخوذ من القسط؛ وهو الذي يحصل فيه الاستقامة والاعتدال، وبالجملة فمعناه المعتدل الذي لا يميل إلى أحد الجانبين، وقال الألوسي ١٥/ ٧٢: وعلى القول بأنه رومي معرب وهو الصحيح، لا يقدح استعماله في القرآن في عربيته المذكورة في قوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [يوسف: ٢]؛ لأنه بعد التعريب والسماع في فصيح الكلام يصير عربيًا، فلا حاجة إلى إنكار تعريبه أو ادعاء التغليب أو أن المراد عربي الأسلوب.\n(٥) انظر: \"تفسير الألوسي\" ١٥/ ٧٢.","vol":"13","page":330},{"text":"وقال أبو إسحاق: هو ميزان العدل؛ أيُّ ميزان كان من موازين الدراهم وغيرها (١).\n[ذكر أبو (٢) علي جواز (٣) اللغتين فيه؛ ضم القاف (٤) وكسرها (٥)، وهذا كقوله: ﴿وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ﴾ [الرحمن: ٩]، وكقوله: ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ﴾ [هود: ٨٥]، وقوله: ﴿وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ﴾ [هود: ٨٤]، وقوله: ﴿الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا﴾ الآية (٦) [المطففين: ٢].\nوقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ قال عطاء: يريد أقرب إلى الله (٧)، وقال قتادة: يقول: خيرٌ ثوابًا، ﴿وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ قال: وأحسن عاقبة في الخير (٨)، المعنى: أحسن ما يؤول إليه أمر صاحب الوفاء.\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٣٨، بنصه.\n(٢) ما بين المعقوفين زيادة يقتضيها السياق.\n(٣) في (ش)، (ع): (جواب).\n(٤) أي: (القُسْطاس) قرأ بها: ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر. انظر السبعة ص ٣٨٠، و\"المبسوط في القراءات\" ص ٢٢٨، و\"حجة القراءات\" ص ٤٠٢، و\"التيسير\" ص ١٤٠، و\"النشر\" ٢/ ٣٠٧.\n(٥) أي: (القِسْطاس) قرأ بها: حمزة والكسائي وحفص عن عاصم. انظر المصادر السابقة.\n(٦) \"الحجة للقراء\" ٥/ ١٠١، بنحوه.\n(٧) ورد في تفسيره \"الوسيط\" تحقيق سيسي ٢/ ٤٩٧.\n(٨) أخرجه \"عبد الرزاق\" ٢/ ٣٧٨، بنحوه، و\"الطبري\" ١٥/ ٨٥، بنحوه من طريقين، وورد في \"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ١٥٥، بنحوه، انظر: \"تفسير ابن كثير\" ٣/ ٤٥، وأورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ٣٢٩ وزاد نسبته إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"13","page":331},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2165>٣٦ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ الآية. تقف من قوله: قفوت أثر فلان، أَقْفُو قَفْوًا (١) وقُفُوًّا، إذا اتَّبَعْتَ أثره، وسُمِّيت قافية الشِّعْر قافية؛ لأنها تَقْفو البَيْت، ثم يُثَقَّل قَفَّا بالتشديد، فيصير واقعًا كقوله: ﴿ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا﴾ [الحديد: ٢٧]، هذا معنى القفو في اللغة (٢).\nقال الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس في هذه الآية: لا تقل ما ليس لك به علم (٣)، وقال مجاهد: لا تَرْمِ (٤).\nوقال قتادة: لا تقل: سمعت، ولم تسمع؛ ورأيت، ولم تَرَ؛ وعلمت، ولم تعلمْ (٥).\nوقال الحسن: لا تكذب على فؤادك؛ تقول: علمت ما لم تعلم، ولا على سمعك تقول: سمعت ما لم تسمع، ولا على بصرك تقول: أبصرت ما لم تبصر (٦).\n_________\n(١) ساقطة من (أ)، (د).\n(٢) انظر: (قفو)، (قفا) في: \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٣٠١٣، و\"المحيط في اللغة\" ٦/ ٣٨، و\"الصحاح\" ٦/ ٢٤٦٦، و\"اللسان\" ٦/ ٣٧٠٨.\n(٣) أخرجه \"الطبري\" ١٥/ ٨٦ مختصرًا من طريق ابن أبي طلحة صحيحة، وورد في \"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ١٥٥ بنصه، انظر: \"تفسير ابن كثير\" ٣/ ٤٥، و\"الدر المنثور\" ٤/ ٣٢٩ وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم.\n(٤) أخرجه \"الطبري\" ١٥/ ٨٦ بلفظه من طريقين، وورد بلفظه في \"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ١٥٥، و\"تهذيب اللغة\" (قفا) ٣/ ٣٠١٥، و\"تفسير الثعلبي\" ٧/ ١٠٨ ب، انظر: \"تفسير البغوي\" ٥/ ٩٢، و\"اللسان\" (قفا) ٦/ ٣٧٠٨.\n(٥) أخرجه بنصه \"عبد الرزاق\" ٢/ ٣٧٨، و\"الطبري\" ١٥/ ٨٦ من طريقين، وورد بنصه في \"تفسير الثعلبي\" ٧/ ١٠٨ ب، و\"الماوردي\" ٣/ ٢٤٣، و\"الطوسي\" ٦/ ٤٧٧، وأورده السيوطي في \"الدر\" ٤/ ٣٢٩ وزاد نسبته إلى ابن المنذر.\n(٦) لم أقف عليه.","vol":"13","page":332},{"text":"وقال ابن عباس في رواية عطاء: لا تشهد إلا بما رأته عيناك وسمعته أذناك ووعاه قلبك، ونحو هذا القول روي عن ابن الحنفية أنه قال: هذه الآية في شهادة الزور (١)، هذا جملة ما ذكره المفسرون في هذه الآية، وحقيقة تأويله ما قاله الزجاج: لا تقولنَّ في شيء بما لا تعلم، والتأويل لا تُتْبِعَنْ لسانَك من القول ما ليس لك به علم (٢).\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ﴾ إلى آخرها. قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: يسأل الله العباد فيما استعملوها (٣)، وفي هذا زجر عن النظر إلى ما لا يحل، والاستماع إلى ما يحرم، وإرادة ما لا يجوز.\nقال صاحب النظم: هذه أحساس هذه الأعضاء التي هي: أذن وعين وقلب؛ فالسمع حس الأذن، والبصر حس العين، والفؤاد حس القلب.\nوقوله تعالى: ﴿كُلُّ أُولَئِكَ﴾ قال أبو إسحاق: كل جمع أَشَرْتَ إليه من الناس وغيرهم من الموات، فلفظه ﴿أُولَئِكَ﴾ (٤)، ونحو هذا قال الأخفش (٥)، وأنشد لجرير:\nذُمَّ المنازِلَ بَعْدَ مَنْزِلَةِ اللِّوَى ... والْعَيْشَ بَعْدَ أُولئِكَ الأَيامِ (٦)\n_________\n(١) أخرجه \"الطبري\" ١٥/ ٨٦ بنصه، وورد بنصه في \"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ١٥٥، و\"تهذيب اللغة\" (قفا) ٣/ ٣٠١٥، و\"تفسير الثعلبي\" ٧/ ١٠٨ ب، وانظر: \"تفسير ابن الجوزي\" ٥/ ٣٥، و\"الدر المنثور\" ٤/ ٣٢٩ وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٣٩، باختصار.\n(٣) ورد في تفسيره \"الوسيط\" تحقيق سيسي ٢/ ٤٩٧، بنصه.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٣٩، بنصه.\n(٥) \"معانى القرآن\" للأخفش ٢/ ٦١٢، بنحوه.\n(٦) \"ديوانه\" ص ٤٥٢ وفيه: (الأقوام) بدل (الأيام) ولا شاهد في هذه الرواية، وورد بهذه الرواية في: \"معاني القرآن\" للأخفش ٢/ ٦١٢، و\"معاني القرآن وإعرابه\" =","vol":"13","page":333},{"text":"أشار بأولئك إلى الأيام، وكذلك أُشير في هذه الآية بأولئك إلى البصر والسمع والفؤاد.\nوقوله تعالى: ﴿كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ عادت الكناية إلى لفظ (كان) لا إلى معناه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2166>٣٧ </span>- وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا﴾ المَرَحُ: شدة الفَرَحِ، يقال: مَرِحَ يَمْرَحُ مَرَحًا، وهو مَرِحٌ مَرُوحٌ (١)، قال ابن عباس: يريد بالكبرياء والعظمة.\nوقال عبد الله بن مسلم: أي بالكبر والفخر (٢).\nوقال الزجاج: تأويل الآية: لا تَمْشِ في الأرض مختالًا ولا فخورًا (٣)، قال الأخفش: ولو قُرئ مرِحًا بالكسر كان أحسن في القراءة (٤).\nقال أبو إسحاق: مَرِحًا اسمُ الفاعل، ومَرَحًا مصدر، وكلاهما في\n_________\n= ٣/ ٢٤٠، و\"تفسير الماوردي\" ٣/ ٢٤٤، و\"ابن الجوزي\" ٥/ ٣٥، وورد بلا نسبة في \"تفسير الطبري\" ١٥/ ٨٧، و\"الثعلبي\" ٧/ ١٠٨ ب، و\"الطوسي\" ٦/ ٤٧٨، و\"ابن عطية\" ٩/ ٨٦، (اللِّوى): اسم وادٍ من أودية بني سُلَيْم. \"المحيط في اللغة\" (لوى) ١٠/ ٣٧١.\n(١) انظر (مرح) في \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٣٧١، و\"المحيط في اللغة\" ٣/ ٩٦، و\"مجمل اللغة\" ٢/ ٨٢٩، و\"اللسان\" ٧/ ٤١٧٠.\n(٢) \"الغريب\" لابن قتيبة ١/ ٢٥٦، بنصه.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٤٠، بنصه.\n(٤) \"معاني القرآن\" للأخفش ٢/ ٦١٢، بنحوه، وخالفه الطبري، فقال: وقيل: ولا تمش مرَحًا ولم يقل: مرِحًا؛ لأنه لم يُردْ بالكلام: لا تكن مرِحًا، فيجعله من نعت الماشي، وإنما أريد لا تمرح في الأرض مرَحًا، ففسّر المعنى المراد من قوله: ﴿وَلَا تَمْشِ﴾ \"تفسير الطبري\" ١٥/ ٨٨، انظر كلام الزجاج بعده فقد تضمن الردّ عليه أيضًا.","vol":"13","page":334},{"text":"الجودة سواء، غير أن المصدر أَوْكَدُ في الاستعمال، تقول: جاء زيد رَكْضًا وراكضًا، فركضًا أَوْكَدُ؛ لأنه يدل على توكيد الفعل (١).\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ﴾ الآية. الخرق معناه في اللغة كالشق، يقال: خرق الثوب إذا شَقَّه، وخرق الأرض إذا قطعها حتى بلغ أقصاها (٢).\nقال ابن عباس: يريد ﴿إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ﴾: بِكِبْرِك ومشيك عليها، ﴿وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا﴾: بعظمتك، وإنما أنت مخلوق عبد ذليل (٣).\nقال الزجاج: والتأويل: إن قدرتك لن تبلغ هذا المبلغ فيكون لك (٤) وُصْلَة إلى الاختيال (٥)، وهذا (٦) الذي ذكره موافق لتفسير ابن عباس، والمعنى: إنك عبد لا تقدر أن تنقص الأرض حتى تبلغ آخرها، ولا أن تُطَاول الجبال، فمن أين تستحق الكبر والفخر؟!\nقال ابن قتيبة: يريد أنه ليس ينبغي للعاجز (٧) أن يَبْذَخَ (٨)\n_________\n(١) \"معانى القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٤٠ بتصرف يسير.\n(٢) انظر: (خرق) في \"تهذيب اللغة\" ١/ ١٠١٥، و\"المحيط في اللغة\" ٤/ ١٩٣، و\"اللسان\" ٢/ ١١٤١.\n(٣) ورد في تفسيره \"الوسيط\" تحقيق سيسي ٢/ ٤٩٨ بنصه، انظر: \"تفسير ابن الجوزي\" ٥/ ٣٦، والقرطبي ١٠/ ٢٦١، بلا نسبة.\n(٤) في المصدر: (ذلك).\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٤٠، بنصه.\n(٦) ساقط من (د).\n(٧) هذه الكلمة أصح مما في المصدر، وهي: (للفاجر)، ولعل ما في المصدر تصحيف.\n(٨) البَذْخُ: الكبر، وتبذَّخ: تطاول وتكبَّر وفَخَر وعلا، والباذخ: العالي، وشرف باذخٌ: عال، والبواذخ من الجبال: الشوامخُ. انظر بذخ في \"المحيط في اللغة\" ٤/ ٣٢١، و\"الصحاح\" ١/ ٤١٨، و\"اللسان\" ٣١/ ٢٣٦.","vol":"13","page":335},{"text":"ويستكبر (١)، ومعنى خَرْق الأرض في هذه الآية: نَقْبُها لا قطعها بالمسافة، وذُكِرَ في هذه الآية معنى آخر، قال قتادة: لا تمش كِبرًا ولا فَخرًا، فإن ذلك لا يبلغ بك أن تبلغ الجبال، ولا أن تخرق الأرض بكبرك وفخرك (٢)، ومعنى هذا أن مشي المرح يكون على ضربين: مَشيٌ باختيال على الأرض وتؤدة؛ بجر قدمه على الأرض كأنه يريد أن يخرقها، ومَشيٌ يتطاول في السماء بذخًا، فنهى الله تعالى في هذه الآية عنهما، وأخبر أنه لا يبلغ مما يريد كبير مبلغ، وإلى هذا أشار مجاهد؛ فقال في قوله: ﴿إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ﴾ قال: الذي يمشي على عقبه، ﴿وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا﴾ قال: الذي يمشي على صدور قدميه (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2167>٣٨ </span>- قوله تعالى: ﴿كُلُّ ذَلِكَ﴾ أشار إلى جميع ما تقدم ذكره مما أمر به ونهى عنه من قوله: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا﴾ و﴿ذَلِكَ﴾ يصلح للواحد والجميع، والمؤنث والمذكر، على ما ذكرنا في مواضع.\nوقوله تعالى: ﴿كَانَ سَيِّئُهُ﴾ قُرئ بالإضافة (٤) والتنوين (٥)، قال أبو\n_________\n(١) \"الغريب\" لابن قتيبة ١/ ٢٥٦ بنصه تقريبًا.\n(٢) أخرجه \"عبد الرزاق\" ٢/ ٣٧٨ بنصه، و\"الطبري\" ١٥/ ٨٨ بنصه تقريبًا، أورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ٣٣٠ وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم.\n(٣) لم أقف عليه.\n(٤) أي ﴿سَيِّئُهُ﴾ مضافًا مذكرًا، قرأ بها: عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي. انظر: \"السبعة\" ص ٣٨٠، و\"علل القراءات\" ١/ ٣٢٣، و\"الحجة للقراء\" ٥/ ١٠٢، و\"المبسوط في القراءات\" ص ٢٢٨، و\"تلخيص العبارات\" ص ١١٣.\n(٥) أي ﴿سَيِّئَةً﴾ منونًا مؤنثًا، قرأ بها: ابن كثير ونافع وأبو عمرو. انظر المصادر السابقة.","vol":"13","page":336},{"text":"إسحاق: والإضافة أحسن (١)؛ لأن فيما جرى من الآيات سيئًا وحسنًا، فسيئُهُ بلا تنوين أحسن (٢)، ويؤكد ما ذكره أبو إسحاق: ما روي أن الحسن كان يقرأ بالإضافة، ويقول قد ذَكَرَ أمورًا قَبلُ؛ منها حسن ومنها سيء، فقال: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ﴾ لأن ما ذُكر الحَسَنُ، والسَّيِّئُ من المذكور المكروه، ويقوّي ذلك قوله: ﴿مَكْرُوهًا﴾ والتذكير فيه، ولو كان ﴿سَيِّئَةً﴾ غير مضاف لزم أن يكون مكروهةً، سيّما وقد تقدم ذِكْرُ المؤنث، ألا ترى أن قوله (٣):\nولا أرضَ (٤) أبْقَلَ إبْقَالَها (٥)\n_________\n(١) هذا مما يؤخذ على النحويين من المفاضلة بين القراءات، مع أن كليهما سبعية متواترة.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٤٠ بنصه تقريبًا.\n(٣) البيت لعامر بن جُوَيْن الطائي (جاهلي).\n(٤) في جميع النسخ: (والأرض)، والتصويب من المصادر.\n(٥) وصدره:\nفلا مُزْنَةٌ وَدَقَتْ وَدْقَها\nوهو من شواهد سيبويه في \"الكتاب\" ٢/ ٤٦، وورد في \"شرح المفصل\" ٥/ ٩٤، و\"اللسان\" (بقل) ١/ ٣٢٨، وورد غير منسوب في \"الخصائص\" ٢/ ٤١١، و\"المحتسَب\" ٢/ ١١٢، و\"الحجة للقراء\" ٤/ ٢٣٨، و\"أمالي ابن الشجري\" ١/ ٢٤٢، ٢٤٦، و\"تفسير القرطبي\" ١٠/ ٢٦٣، و\"الخزانة\" ١/ ٤٥، ٤٩، ٥٠، ٧/ ٤٣٧.\n(مزْنة): واحد المزن، وهو السحاب يحمل الماء، (الودق): المطر، (أبقل): أخرج البقل، وهو من النبات ما ليس بشجر؛ وهو الذي لا تبق له أُرُومة على الشتاء بعدما يُرعى.\nوالشاعر يصف أرضًا مخصبة بكثرة ما نزل بها من الغيث، والشاهد: حذف علامة التأنيث مع إسناد الفعل إلى ضمير المؤنث، على تأويل أن الأرض مكان، فكأنه قال: ولا مكان أبقل إبقالها، والمكان مذكر.","vol":"13","page":337},{"text":"مستقبح (١) عندهم، ولو قال: أبقل الأرض، لم يُستقبح، فليس ما تقدّم ذكره مما أُنّث بمنزلة ما لم يتقدم ذِكْره؛ لأن المتقدم الذكر ينبغي أن يكون الراجعُ وَفْقَه، كما يكون وَفْقَه في التثنية والجمع (٢).\nوأما من قرأ بالتنوين فقال أبو إسحاق: جعل كلًّا إحاطة بالمنهي عنه قَطْ، المعنى: كل ما نهى الله عنه كان سيئةً (٣)، ومعنى هذا أن من قرأ بالتنوين رأى الكلام انقطع عند قوله: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾، وكان الذي بعدُ؛ من قوله: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ لا أمرًا حسنًا فيه، فقال: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ﴾ فأفرد ولم يضف، وعلى هذه القراءة قوله: ﴿مَكْرُوهًا﴾ ليس بنعت للسيئة، وإنما هو بدل منها، على تقدير: كان سَيِّئَةً وكان مكروهًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2168>٣٩ </span>- قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ﴾ يعني ما تقدم ذِكْره، ﴿مِنَ الْحِكْمَةِ﴾، قال ابن عباس: يريد من الفرائض والسُّنَن (٤).\nوقال المفسرون: يعني من القرآن ومواعظه (٥).\nوقال أهل المعاني: الحكمة هاهنا الدلائل التي تؤدي إلى المعرفة بالحَسَن من القبيح، والواجب مما لا يجب (٦)، وذلك يعرف بإخبار الله تعالى.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ﴾ إلى آخر الآية. قال ابن عباس: هذا أدب\n_________\n(١) هكذا في جميع النسخ، وفي \"الحجة للقراء\" ٥/ ١٠٢ مستقيم، وهو خطأ أو تصحيف.\n(٢) \"الحجة للقراء\" ٥/ ١٠٢، بتصرف واختصار يسير.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٤١، بنصه.\n(٤) ورد بلا نسبة في \"الوسيط\" تحقيق سيسي ٢/ ٤٩٩، و\"تفسير ابن الجوزي\" ٥/ ٣٧.\n(٥) أخرجه \"الطبري\" ١٥/ ٩٠ بلفظه عن ابن زيد، ورد عند \"الثعلبي\" ٧/ ١٠٩ أبنصه.\n(٦) ورد نحوه في \"تفسير الطوسي\" ٦/ ٤٧٩.","vol":"13","page":338},{"text":"من الله لخلقه، ومخاطبة للمؤمنين، يعني أن هذا خطاب لكل واحد من المؤمنين؛ كأنه قيل: ولا تجعل أيها الإنسان مع الله إلهًا آخر، وذكرنا معنى الملوم والمدحور في هذه السورة [آية ١٨ و٢٩].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2169>٤٠ </span>- قوله تعالى: ﴿أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ﴾ يقال: أصفاه بالشيء: أي آثره به، ويقال للضِّياع التي يستخلصها السلطان لخاصَّته: الصَّوافي (١).\nقال أبو عبيدة في قوله: ﴿أَفَأَصْفَاكُمْ﴾: خَصَّكم (٢).\nوقال المفضل: أخلصكم (٣). وقال أبو إسحاق: كانت الكفرة من العرب تزعم أن الملائكة بنات الله، فَوُبِّخُوا، وقيل لهم: ﴿أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ﴾، أي: اختار لكم ربكم صفوة البنين (٤).\nوقال النحويون: هذه الألف ألف إنكار على صيغة السؤال عن مذهبٍ ظاهرِ العَوار لا جواب لصاحبه، إلا بما فيه أعظم الفضيحة (٥)، فإن قيل ما معنى: ﴿أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ﴾ مع أن لهم بنات؟ قيل: معناه: أَخَلَصَ لكم البنين دونه، وجعل البنات مشتركة بينكم وبينه، فاختصكم بالأَجَلّ وجعل لنفسه الأدون؟!\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2170>٤١ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ﴾ معنى التَّصْرِيف في\n_________\n(١) ورد في \"تهذيب اللغة\" (صفا) ٢/ ٢٠٢٢، بنحوه، انظر: \"تفسير الفخر الرازي\" ٢٠/ ٢١٥، و\"اللسان\" (صفا) ٤/ ٢٤٦٨.\n(٢) \"مجاز القرآن\" ١/ ٣٨٠، بنحوه.\n(٣) ورد في تفسيره \"الوسيط\" تحقيق سيسي ٢/ ٤٩٩، انظر: \"تفسير ابن الجوزي\" ٥/ ٣٧، و\"الفخر الرازي\" ٢٠/ ٢١٥.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٤١، بنصه تقريبًا.\n(٥) ورد نحوه في \"تفسير الطوسي\" ٦/ ٤٨٠، وانظر: \"تفسير الفخر الرازي\" ٢٠/ ٢١٥ بنصه، و\"الفريد في إعراب القرآن\" ٣/ ٢٧٨، و\"الدر المصون\" ٧/ ٣٥٨.","vol":"13","page":339},{"text":"اللغة: صَرْفُ الشيء من جهة إلى جهة، نحو تَصْرِيف الرِّيَاحِ، وتصريف الأمور والآيات (١)، قال أبو إسحاق: ﴿صَرَّفْنَا﴾، أي: بينا (٢)، وهو قول ابن عباس (٣)، والأصل ما ذكرنا، ثم يصير بمعنى التَّبْيِين؛ لأن تصريفه إنما هو لِيَتَبَيَّن، ومفعول التصريف محذوف.\nقال صاحب النظم: تأويله: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ﴾: بما أوجب تصريفه، كما قال في موضع آخر: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ [الكهف: ٥٤] قال: وفيه وجه آخر، وهو أن تكون (في) زائدة، كما في موضع آخر: ﴿وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي﴾ [الأحقاف: ١٥]، أي: أصلح لي ذريتي (٤).\nوقال أبو علي: أي صَرَّفنا ضروبَ القولِ فيه؛ من الأمثال وغيرها مما يوجب الاعتبار به والتفكر فيه؛ كما قال: ﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ﴾ الآية (٥) [القصص: ٥١]، فعند أبي علي تقدير الآية: ولقد صَرَّفنا القول (٦) في هذا القرآن.\n_________\n(١) انظر: (صرف) في \"المحيط في اللغة\" ٨/ ١٢٨، و\"العباب الزاخر\" ف/ ٣٤٩، و\"اللسان\" ٤/ ٢٤٣٤.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٤١ بلفظه.\n(٣) انظر: \"تنوير المقباس\" ص ٣٠٠، وورد بلا نسبة في \"تفسير الفخر الرازي\" ٢٠/ ٢١٦، و\"القرطبي\" ١٠/ ٢٦٤.\n(٤) وقد رد هذا القول أبو حيان، وقال: وهذا ضعيف لأن (في) لا تزاد. \"تفسير أبي حيان\" ٦/ ٣٩.\n(٥) \"الحجة للقراء\" ٥/ ١٠٤، مختصرًا.\n(٦) ساقط من (أ)، (د).","vol":"13","page":340},{"text":"قوله تعالى: ﴿لِيَذَّكَّرُوا﴾ قال ابن عباس: يريد ليتعظوا (١)، والأصل ليتذكروا، فأدغمت التاء في الذال لقرب مخرجيهما، هذا قراءة العامة (٢)، وقرأ حمزة والكسائي: لِيَذْكُرُوا (٣) من الذكر، والتَّذَكُّرُ هاهنا أشبه (٤) من الذكر؛ لأنه كأنَّ يُرادُ به التَّدَبُّر وليس التذكر الذي بعد النسيان، ولكن كما قال: ﴿وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص: ٢٩]، أي: ليتدبروه بعقولهم، وليس المراد ليتذكروه بعد نسيانهم، ويدل على هذا، أن التذكر قد لا يكون من النسيان، كقوله (٥):\nتَذَكَّرَ مِنْ أَنَّى ومِنْ أَيْنَ شِرْبُهُ .... يُؤَامِرُ نَفْسَيْهِ كَذِي الهَجْمَةِ الأَبِلْ (٦)\nيعني تَدَبَّر في ذلك وتفَكَّر من أين يشرب، وأمّا [مَنْ] (٧) قرأ\n_________\n(١) ورد بلفظه بلا نسبة في \"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢٦٩، و\"الثعلبي\" ٧/ ١٠٩ أ، و\"الخازن\" ٣/ ١٦٥.\n(٢) انظر: \"السبعة\" ص ٣٨٠، و\"إعراب القراءات السبع وعللها\" ١/ ٣٧٤، و\"الحجة للقراء\" ٥/ ١٠٤، و\"المبسوط في القراءات\" ص ٢٢٩، و\"التبصرة\" ص ١٤٠، و\"تلخيص العبارات\" ص ١١٣.\n(٣) انظر المصادر السابقة.\n(٤) أي: أولى.\n(٥) للكميت بن زيد (ت ١٢٦ هـ).\n(٦) \"ديوانه\" ١/ ٣٩٦، وورد في: \"الحجة للقراء\" ١/ ٣١٧، و\"اللسان\" أبل ١/ ١٠، والشاعر يذكر حمارًا أراد ورورد الماء، (يؤامر نفسيه): المؤامرة هي المشاورة، والمعنى: يشاور نفسه مترددًا بين ورود الماء أو تركه، فكأنه يشاور نفسين؛ إحداهما تريد الورود، والأخرى تأباه. (الهجمة): الهجمةُ من الإبل: ما بين التسعين إلى المائة، وجمعها هَجَمَاتٌ وهِجَامٌ، (أَبِلَ): قال الأصمعي: أَبِلَ الرجُل يأبل أبالةً، إذا حَذِق مصْلحة الإبل والشاء، والأبِلُ والآبلُ: الحاذق برِعْيةِ الإبلِ الرفيقُ بسياستها، انظر: \"تهذيب اللغة\" (أبل) ١/ ١٠٩، و\"المحيط في اللغة\" (هجم) ٣/ ٣٨٥، (أمر) ١٠/ ٢٨٤، (أبل) ١٠/ ٣٥٠، و\"اللسان\" (أبل) ١/ ٩.\n(٧) زيادة يقتضيها السياق، ولعلها سقطت.","vol":"13","page":341},{"text":"بالتخفيف، فإن التخفيف قد جاء بهذا المعنى، كقوله: ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا﴾ [البقرة: ٦٣] هذا ليس على لا تنسوه ولكن تَدَّبروه (١)، ويجوز أن يكون المراد ذكر اللسان، والمعنى: صَرَّفنا في هذا القرآن ليذكروه، وإذا كان الكلام مُصَرَّفًا فيه على أنواع، كان أقرب من الذكر وأبعد من السأمة.\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُورًا﴾ قال ابن عباس: يريد ينفرون من الحق ويتبعون الباطل (٢)، قال أبو علي: أي ما يزيدهم تصريف الآيات إلا نفورًا (٣)، أضمر الفاعل بدلالة ما تقدم عليه؛ كقوله: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا﴾ [فاطر: ٤٢]، أي: مجيء النذير.\nقال أهل المعاني: إنما زادهم نفورًا؛ لأنهم اعتقدوا أنها شُبَه وحِيَل، فنفروا منها أشد النفور؛ لهذا الاعتقاد الفاسد، ومنعهم ذلك من التَدبُّر لها، وإدراك منزلتها في عظم الفائدة وجلالة المنزلة (٤).\nوقال أبو علي: هذا على أنهم ازدادوا نفورًا عند تفصيل الآي لهم؛ [لا] (٥) لأن تصريف الآي نَفَّرهم (٦)؛ ولكنهم لما ازدادوا نفورًا عند تصريف الآي نُسب ذلك إليه على الاتساع؛ كما قال: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا﴾ [فاطر: ٤٢]، والمعنى: ازدادوا هم نفورًا عند مجيئه فَنُسب ذلك إلى\n_________\n(١) في جميع النسخ: تذكروه وهو تصحيف ولا يؤدي المعنى المستشهد له، وما أثبته هو الصواب ويؤيده ورودها في \"الحجة للقراء\" ٥/ ١٠٤، وهو مصدره.\n(٢) انظر: \"تفسير ابن الجوزي\" ٥/ ٣٨، بنصه.\n(٣) \"الحجة للقراء\" ٥/ ١٠٥، بتصرف يسير.\n(٤) ورد في \"تفسير الثعلبي\" ٧/ ١٠٩ أ، بنحوه مختصرًا، و\"الطوسي\" ٦/ ٤٨٠ بنصه تقريبًا.\n(٥) إضافة من المصدر ليستقيم الكلام، وبدونها يضطرب المعني.\n(٦) \"الحجة للقراء\" ٥/ ١٠٥ بنصه.","vol":"13","page":342},{"text":"مجيء النذير.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2171>٤٢ </span>- قوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ﴾ وقرأ ابن كثير بالياء (١) والمعنى: كما يقول المشركون من إثبات الآلهة من دونه، فهو مثل قوله: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَيُغْلَبُونَ وَيُحْشَرُونَ﴾ (٢)؛ لأنهم غيب (٣).\nوقوله تعالى: ﴿إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا﴾ ذكر المفسرون في هذا قولين؛ قال ابن عباس في رواية عطاء: يريد منازعة وقتالًا؛ كما يفعل ملوك (٤) الدنيا (٥).\nوقال سعيد بن جبير: لأزالوا ملكه (٦).\nوقال أبو بكر الهذلي: إذًا لابتغت الآلهة أن تزيل مُلك صاحب العرش (٧)، والمعنى على هذا القول: إذًا لابتغوا سبيلًا إلى ممانعته ومضادته ومعاداته؛ كما قال: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢].\nالقول الثاني: ما ذهب إليه السدي وقتادة؛ قال السدي: إذًا لابتغت\n_________\n(١) وكذلك قرأ حفص عن عاصم بالياء، وقرأ الباقون بالتاء (كَمَا تَقُولُونَ)، انظر: \"السبعة\" ص ٣٨١، و\"إعراب القراءات السبع وعللها\" ١/ ٣٧٥، و\"علل القراءات\" ١/ ٣٢٣، و\"الحجة للقراء\" ٥/ ١٠٦، و\"المبسوط في القراءات\" ص ٢٢٩.\n(٢) [آل عمران: ١٢] قرأ حمزة والكسائي بالياء. انظر: \"السبعة\" ص ٢٠٢، و\"علل القراءات\" ١/ ١٠٦، و\"المبسوط في القراءات\" ص ١٤٠.\n(٣) ورد في \"الحجة للقراء\" ٥/ ١٠٦، بنصه تقريبًا.\n(٤) (أ)، (د): (مملوك).\n(٥) انظر: \"تفسير القرطبي\" ١٠/ ٢٦٥.\n(٦) ورد في \"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ١٥٩، بنحوه، انظر: \"تفسير ابن الجوزي\" ٥/ ٣٨، و\"القرطبي\" ١٠/ ٢٦٥.\n(٧) ورد بنحوه غير منسوب في \"تفسير الثعلبي\" ٧/ ١٠٩ ب.","vol":"13","page":343},{"text":"الآلهة الحوائج من الله (١)، وقال قتادة: لابتغوا التقرب إليه، وعرفوا فضله ومرتبته ومنزلته عليهم (٢)، والمعنى على هذا القول: لابتغوا ما يقربهم إليه لِعُلُوِّه إليهم (٣) وعِظَمِه عندهم، وهذا كقوله: ﴿فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ [المزمل: ١٩]، والأول هو قول الحسن والكلبي (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2172>٤٤ </span>- قوله تعالى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾ الآية. في هذه الآية مذهبان:\nأحدهما: أن المراد بالتسبيح هاهنا حقيقة التسبيح، فعلى هذا السموات السبع والأرضون تسبح لله تسبيحًا حقيقيًا، ﴿وَمَنْ فِيهِنَّ﴾: من الملائكة والجن والإنس، والمراد بهذا التخصيص؛ لأن الشياطين وعبدة الأصنام لا يسبحون لله تسبيحًا حقيقيًّا.\n_________\n(١) لم أقف عليه.\n(٢) أخرجه بنحوه مختصرًا \"عبد الرزاق\" ٢/ ٣٧٨، و\"الطبري\" ١٥/ ٩٢، من طريقين، وورد في \"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ١٥٩ - بمعناه، و\"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢٦٩ - بمعناه، و\"الثعلبي\" ٧/ ١٠٩ ب، بنحوه، والطوسي ٦/ ٤٨١ - بمعناه، انظر: \"تفسير البغوي\" ٥/ ٩٥، و\"القرطبي\" ١٠/ ٢٦٦.\n(٣) الأصوب عليهم؛ لأنه هو الأظهر في المعنى، وقد جاءت في \"تفسير الطوسي\" ٦/ ٤٨١: عليهم.\n(٤) ورد في \"تفسير الطوسي\" ٦/ ٤٨١، بنحوه عن الحسن، انظر: \"تفسير ابن الجوزي\" ٥/ ٣٨، عن الحسن.\nوقد رجح هذا القول الخازن والألوسي، والشنقيطي وقال: ولا شك أن المعنى الظاهر المتبادر من الآية بحسب اللغة العربية هو القول الأول؛ لأن في الآية فرض المحال؛ والمحال المفروض الذي هو وجود آلهة مع الله مُشَارِكة له لا يظهر معه أنها تتقرب إليه، بل تنازعه لو كانت موجودة، ولكنها معدومة مستحيلة الوجود. انظر: \"تفسير الخازن\" ٣/ ١٦٥، و\"الألوسي\" ١٥/ ٨٢، والشنقيطي ٣/ ٥٩٤.","vol":"13","page":344},{"text":"وقوله تعالي: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ قال عكرمة: كل شيء حي (١)، ونحوه قال الحسن والضحاك: كل شيء فيه الروح (٢)، وقال قتادة: يعنى الحيوانات والنَّامِيات (٣)، وقال بعضهم: هذا عام في كل شيء، وكل ما خلق الله فهو يسبح بحمده، وأن صَرِيرَ السَّقْفِ وصَرِيرَ البابِ من التسبيح لله (٤)، ولكل شيء تسبيح لا نفقه نحن ذلك؛ كما قال الله تعالى: ﴿وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾.\nالمذهب الثاني: أن المراد بالتسبيح هاهنا: الدلالة على أن الله -﷿-\n_________\n(١) أخرجه \"الطبري\" ١٥/ ٩٢، بنحوه، وورد بمعناه في \"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ١٥٩، و\"تفسير الثعلبي\" ٧/ ١٠٩ ب، وأورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ٣٣٣ وزاد نسبته إلى سعيد بن منصور وابن أبي حاتم.\n(٢) أخرجه \"الطبري\" ١٥/ ٩٢ بنصه عنهما، وأبو الشيخ في العظمة ص ٥٢٣ بنصه عن الضحاك، وورد في \"تفسير الثعلبي\" ٧/ ١٠٩ ب بنصه، و\"الماوردي\" ٣/ ٢٤٥ - بمعناه، و\"الطوسي\" ٦/ ٤٨٣ - بمعناه، انظر: \"تفسير ابن الجوزي\" ٥/ ٣٩، عنهما، وأورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ٣٣٣ وعزاه إلى أبي الشيخ عن الحسن- لم أجده.\n(٣) أخرجه بمعناه \"عبد الرزاق\" ٢/ ٣٧٩، و\"الطبري\" ١٥/ ٩٣، وورد في \"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢٧٠ - بمعناه، و\"الثعلبي\" ٧/ ١٠٩ ب بنصه، انظر: \"تفسير البغوي\" ٥/ ٩٦.\nوالنَّامِيات: جمع نَامٍ، والنَّامِي، مثل: النبات والشجر ونحوه؛ أي كل ما ينمو ويكبر، ويقابله الصامت؛ كالحجر والجبل ونحوه. انظر (نمي)، (نمو) في \"المحيط في اللغة\" (١٠/ ٤١٧، و\"اللسان\" ٨/ ٤٥٥٢.\n(٤) وهو قول النخعي -كما في البغوي وغيره- وورد بنحوه في \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٤٢، و\"تفسير الطوسي\" ٦/ ٤٨٣، انظر: \"تفسير البغوى\" ٥/ ٩٦ بلفظ: صرير الباب ونقيض السقف، و\"ابن الجوزي\" ٥/ ٣٩، و\"القرطبي\" ١٠/ ٢٦٨.","vol":"13","page":345},{"text":"خالقٌ حكيمٌ مُبَرَّأٌ من الأَسْوَاءِ (١)، فالمخلوقون والمخلوقات كلها تدل على أن الله -﷿- خالقها؛ كما قال في قوله: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾، أي: يخشع له ويخضع (٢)، وقد ذكرنا هذا المعنى مستقصى عند ذكر سجود الجمادات في آيات قد مضت في هذا المعنى (٣)، وعلى هذا قوله: ﴿لَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ﴾ مخاطبة للكفار؛ لأنهم لا يستدلون ولا يعتبرون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2173>٤٥ </span>- قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ﴾ في هذه قولان؛ أحدهما: أن هذه نزلت في قوم كانوا يؤذون رسول الله إذا قرأ القرآن؛ قال الكلبي: وهم أبو سفيان، والنضر بن الحارث، وأبو جهل، وأم جميل بنت حرب بن أمية؛ امرأة أبي لهب، وحويطب، حجب الله رسوله عن أبصارهم عند قراءة القرآن، فكانوا يأتونه ويمرون به ولا يرونه (٤).\n_________\n(١) ورد في \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٤٢، بنحوه، و\"تفسير الثعلبي\" ٧/ ١٠٩ ب بنصه.\n(٢) والقول الأول هو الراجح، لموافقته لظاهر القرآن، وتأييد السنة له، فقد أسمع الله نبيه -ﷺ- وصحابته تسبيح الجمادات، فعن عبد الله بن مسعود -﵁- قال: إنكم تعدون الآيات عذابًا، وإنا كنا نعدها على عهد رسول الله -ﷺ- بركة، لقد كنا نأكل الطعام مع النبيّ -ﷺ- ونحن نسمع تسبيح الطعام ... أخرجه مالك في الموطأ [التمهيد] ١/ ٢١٩، والترمذي (٤٦٣٣) كتاب: المناقب، باب: آيات إثبات نبوة النبي -ﷺ- واللفظ له، وقال: حسن صحيح، وذكره الألباني في \"صحيح الترمذي\" (٤٦٣٣)، انظر أمثلة أخرى في هذا الباب في \"الشفا\" ١/ ٥٨٨.\nوقد رجح هذا القول كثير من العلماء؛ منهم: القرطبي ١٠/ ٢٦٨، و\"الخازن\" ٣/ ١٦٦، و\"ابن كثير\" ٣/ ٤٨ و\"الألوسي\" ١٥/ ٨٤، وغيرهم.\n(٣) سورة الرعد: آية [١٥]، وسورة النحل: آية [٤٩].\n(٤) انظر: \"تفسير ابن الجوزي\" ٥/ ٤١ بنصه، و\"أبي حيان \" ٦/ ٤١، بنحوه، و\"القرطبي\" ١٠/ ٢٧١ - بلا نسبة، وورد بنسبة ودون ذكر المؤذين للنبيّ -ﷺ- في \"تفسير الثعلبي\" ٧/ ١١٠ أ، و\"الماوردي\" ٣/ ٢٤٦، و\"الطوسي\" ٦/ ٤٨٣، و\"ابن =","vol":"13","page":346},{"text":"وقوله تعالى: ﴿حِجَابًا مَسْتُورًا﴾ قال الأخفش: أراد: ساترًا، والفاعل قد يكون في لفظ المفعول كما تقول: إنك لمَشْؤوم علينا ومَيْمُون، وإنما هو شَائِم ويَامِن؛ لأنه من قولهم: شأمَهُم وَيمَنَهم، والحجابُ هاهنا هو الساتر، فقال: ﴿مَسْتُورً﴾ (١)، وهذا نادر أن يكون الفاعل في لفظ المفعول (٢)، هذا قوله، وتابعه على هذا كثير من أهل اللغة (٣).\n_________\n= الجوزي\" ٥/ ٤١، و\"الفخر الرازي\" ٢٠/ ٢٢٠. وأورد بعضُ المفسرين عند هذه الآية حادثة أم جميل مع النبي -ﷺ- التي شهدها أبو بكر، وحجب الله رسوله عنها لما جاءت تريد إيذاءه، قال أبو بكر -﵁-: وقرأ قرآنًا اعتصم به منها، وهو هذه الآية. وهذا الخبر لا يعد من قبيل أسباب النزول عند أهل الفن، بل ولا هو من صيغه، أما قول الواحدي وغيره: نزلت في قوم .. فأيضًا لا يمكن عدّه سببًا في النزول؛ لعدم تحقق شروط قبوله؛ وهي:\n١ - أن يثبت عن صحابي بإسناد صحيح فيكون له حكم الرفع.\n٢ - إن ثبت عن تابعي فهو مرسل، ويشترط لقبوله صحة الإسناد وأن يكون صريحًا، ويرد من طريقين عن أئمة التفسيرة كمجاهد وعكرمة.\nويؤيّد ردّه أن الرواية وردت عن الكلبي، وهو مُضَعَّفٌ عند العلماء، ودليل آخر أن الواحدي -نفسه- لم يوردها في أسباب نزوله، وكما قال ابن عطية: الآية إخبار من الله لنبيه أنه يحميه من الكفرة الذين كانوا يؤذونه، في وقت قراءته القرآن وصلاته في المسجد. فلا يلزم إذًا أن يكون للآية سببُ نزول خاص. انظر: \"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢٧٠، و\"الثعلبي\" ٧/ ١١٠ أ، و\"البغوي\" ٥/ ٩٧، و\"ابن عطية\" ٩/ ٩٨، و\"أبي حيان\" ٦/ ٤٢، و\"ابن كثير\" ٣/ ٤٩، وأورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ٣٣٦ - ٣٣٧، وعزاه إلى أبي يعلى وابن أبي حاتم وصححه وابن مردويه وأبي نعيم والبيهقي معًا في الدلائل، و\"الإتقان\" ١/ ٩٠ - ٩١، و\"التحبير\" ص ٨٦، و\"مباحث في علوم القرآن\" ص ٨٣.\n(١) \"معاني القرآن\" للأخفش ٢/ ٦١٣، بتصرف يسير.\n(٢) هذه الجملة ليست في معانيه، والظاهر أن الواحدي أراد تلخيص قوله؛ لأنه يفهم من قال هذا، ولأنه قال بعده: هذا قوله، لا أنه تقرير قاعدة.\n(٣) انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٤٢، و\"جمهرة اللغة\" ١/ ٢٦٣، و\"تهذيب =","vol":"13","page":347},{"text":"وقال آخرون: ﴿مَسْتُورً﴾ هاهنا مفعول، والمعنى أنه حجابٌ مستورٌ لا يُبْصر (١)، وإنما كان قُدْرةً من قُدَرِ الله تعالى وأُخْذَةً من أُخَذِه (٢) حجبَ النبيّ -ﷺ- بحجاب (٣) يحجبه عنهم، بحيث لا يرى النبيُ -ﷺ- ذلك الحجابَ ولا المشركون، حكى هذا صاحب النظم، وهو حسن.\nوقال الزجاجي: يجوز أن يكون المستور هاهنا بمعنى النسب، كما تقول في الفاعل في مثل: لابِن وتَامِر (٤) (٥)، وتأويله: حجابٌ ذو ستْرٍ؛\n_________\n= اللغة\" (ستر) ٤/ ١٦٢٥، و\"الإملاء\" ٢/ ٩٢، و\"البيان في غريب إعراب القرآن\" ٢/ ٩١، و\"الفريد في إعراب القرآن\" ٣/ ٢٧٩.\nولم يرتض ابن عطية هذا التاويك وعدّه تكَلُّفًا من غير حاجة داعية إليه، وقال: وليس مثاله بمُسلَّم، وكذلك رده السمين، وقال: هو على بابه كما حققناه. انظر: \"تفسير ابن عطية\" ٩/ ٩٩، و\"عمدة الحفاظ\" ٢/ ١٤، ١٩٦.\n(١) ورد بنحوه في \"تفسير الطبري\" ٩٣/ ١٥، و\"الثعلبي\" ٧/ ١١٠ أ، انظر: \"تفسير البغوي\" ٥/ ٩٧، و\"الزمخشري\" ٢/ ٣٦٣، و\"الفريد في إعراب القرآن\" ٣/ ٢٨٠ وهذا القول هو الذي مال إليه الطبري -ولم يرد الأول- فقال: وهذا القول الثاني أظهر بمعنى الكلام؛ أن يكون المستور هو الحجاب، فيكون معناه: أن لله سترًا عن أبصار الناس فلا تدركه أبصارهم، وإن كان للقول الأول وجه مفهوم.\n(٢) الأُخْذةُ، بالضم: رُقية تأخذُ العين ونحوها كالسحر، ويقال بعينه اخُذٌ: وهو الذي لا يقدر صاحبه على النظر. انظر المنتخب من غريب كلام العرب ٢/ ٤٨٢، و\"اللسان\" (أخذ) ١/ ٣٦، و\"التاج\" (أخذ) ٥/ ٣٤٦.\n(٣) في جميع النسخ: (حجاب)، ولا معنى لها، وما أثبته هو الصواب وبه يستقيم الكلام.\n(٤) أي: ذو لبن، وذو تمر.\n(٥) لم أقف على مصدره، وورد نحوه بلا نسبة في \"البيان في غريب إعراب القرآن\" ٢/ ٩١، و\"الفريد في إعراب القرآن\" ٣/ ٢٧٩، و\"تفسير أبي حيان\" ٦/ ٤٢، و\"الدر المصون\" ٧/ ٣٦٢.","vol":"13","page":348},{"text":"كقولهم: جاريةٌ مَغْنوْجة (١)، أي ذات غُنْجٍ، ولا يقال: غَنَجْتُها؛ ومكان مَهُول: فيه هَوْل، ولا يقال: هُلْتُ المكان؛ جعلت فيه الهَوْل؛ ورجلٌ مَرْطُوب: ذو رُطوبة، ولا يقال: رَطَبْتُه (٢).\nالقول الثاني: أن معنى الحجاب هاهنا: الطبع الذي على قلوبهم، والمنع الذي منعهم عن أن يدركوا ما يأتي به من الحكمة في القرآن فينتفعوا به، وهذا قول قتادة؛ قال: هو الأكنة (٣)، وعلى هذا قوله: ﴿جَعَلنَا بَيتَكَ﴾، أي: بين قولك وقراءتك وفهم ما تأتي به، ﴿وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا﴾، وهو ما لا يرونه ولا يعلمونه من الطبع على قلوبهم، وإن شئت قلت: حجابًا ساترًا، على ما ذكرنا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2174>٤٦ </span>- قوله تعالى: ﴿عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً﴾ جمع كنان، وهو ما ستر الشيء (٤)، قال ابن عباس: يريد مثل كنانة النبل (٥).\nوقوله تعالى: ﴿أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾، أي: كراهية أن يفقهوه، وأن لا يفقهوه، وقد ذكرنا هذا في مواضع، كقوله: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦]، ﴿وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾: ثقلًا وصممًا، وفيه إضمار حذف لدلالة الكلام\n_________\n(١) الغُنْجُ: الدَّلّ، والغنج في الجارية: تكسُّرٌ وتدلُّلٌ، وقيل: الغنج: ملاحةُ العينين. انظر: \"اللسان\" (غنج) ٦/ ٣٣٠٥.\n(٢) وردت هذه الأمثله في \"تفسير الفخر الرازي\" ٢٠/ ٢٢٢، و\"أبي حيان\" ٦/ ٤٢، و\"الدر المصون\" ٧/ ٣٦٢.\n(٣) أخرجه بلفظه: \"عبد الرزاق\" ٢/ ٣٧٩، و\"الطبري\" ١٥/ ٩٣، وورد بلفظه في \"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢٧٠، انظر: \"تفسير البغوي\" ٥/ ٩٧، و\"ابن الجوزي\" ٥/ ٤٠.\n(٤) انظر: (كنن) في \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣١٩٦، و\"المحيط في اللغة\" ٦/ ١٤٤، و\"الصحاح\" ٦/ ٢١٨٨، و\"اللسان\" ٧/ ٣٩٤٢.\n(٥) ورد غير منسوب في \"تفسير ابن عطية\" ٩/ ٩٩، و\"الفخر الرازي\" ٢٠/ ٢٢٢.","vol":"13","page":349},{"text":"عليه، وهو: أن يسمعوه، ودلّ عيه قوله: ﴿أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾، وهذا صريح في الرد على القدرية؛ إذ أخبر تعالى أنه حال بين قلوبهم وبين فهم القرآن؛ بما جعل عليها من الأكنة بين آذانهم وبين استماع الوحي استماعًا ينتفعون به، بما جعل فيها من الوَقْر، وهذه الآية مما سبق تفسيره في سورة الأنعام (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ﴾ قال المفسرون: يعني قلت: لا إله إلا الله، وأنت تتلو القرآن (٢).\n﴿وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا﴾ قال ابن عباس: يريد: كارهين أن يُوَحَّدَ (٣) الله (٤).\nوقال قتادة: إن النبيّ -ﷺ- لما قال: لا إله إلا الله، أنكر ذلك المشركون وكبر عليهم (٥).\nوقال أبو إسحاق في قوله: ﴿نُفُورًا﴾ يحتمل مذهَبَيْن؛ أحدهما: المصدر، المعنى: وَلَّوْا نافرين نُفُورًا، والثاني: أن يكون نفورًا جمع نافر مثل شاهد وشهود (٦).\n_________\n(١) آية [٢٥].\n(٢) ورد في \"تفسير مقاتل\" ١/ ٢١٥ أ، بنحوه، و\"الطبري\" ١٥/ ٩٤ بنصه، و\"السمرقندي\" ٢/ ٢٧١، بنحوه، و\"هود الهواري\" ٢/ ٤٢٢، بنحوه، و\"الثعلبي\" ٧/ ١١٠ ب بنصه، انظر: \"تفسير البغوي\" ٥/ ٩٧، و\"ابن الجوزي\" ٥/ ٤١.\n(٣) في الوسيط: يُوحِّدوا، أي هم الكارهون، وعلى رواية البسيط: الضمير عام يعود عليهم وعلى غيرهم.\n(٤) ورد في تفسيره \"الوسيط\" تحقيق سيسي ٢/ ٥٠٤ بنصه تقريبًا.\n(٥) أخرجه \"الطبري\" ١٥/ ٩٤، بنحوه، انظر: \"تفسير ابن كثير\" ٣/ ٤٩، وورد بنحوه بلا نسبة في\" تفسير هود الهواري\" ٢/ ٤٢٢.\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٤٣ بتصرف يسير.","vol":"13","page":350},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2175>٤٧ </span>- قوله تعالى: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾ الآية. قال المفسرون: أمر رسولُ الله -ﷺ- عليًّا -﵁- أن يتخذ طعامًا ويدعو إليه أشراف قريش من المشركين ففعل ذلك علي، ودخل عليهم رسول الله -ﷺ- وقرأ عليهم القرآن ودعاهم إلى التوحيد، وقال: \"قولوا: لا إله إلا الله، لتطيعكم العرب وتدين لكم العجم، فأبوا ذلك عليه\" (١).\nوكانوا يسمعون من النبيّ -ﷺ- ويقولون -بينهم متناجين-: هو ساحرٌ، وهو مسحور، وما أشبه ذلك من القول (٢)، فأخبر الله نبيه -﵇- بذلك، وأنزل عليه: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ﴾ (٣) يحتمل أن تكون التاء زائدة.\n_________\n(١) في جميع النسخ: (عليهم)، والصواب ما أثبته؛ لأن الضمير يعود على الرسول -ﷺ-.\n(٢) ورد هذا المقطع في \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٤٣ بنصه.\n(٣) ورد بنحوه مختصرًا -ودون ذكر قول النبيّ -ﷺ- في \"تفسير الثعلبي\" ٧/ ١١٠ ب، وورد بنصه -ودون قول النبيّ -ﷺ- في \"الوسيط\" تحقيق سيسي ٢/ ٥٠٥، انظر: \"تفسير ابن الجوزي\" ٥/ ٤٢، و\"الفخر الرازي\" ٢٠/ ٢٢٣ بنصه، و\"القرطبي\" ١٠/ ٢٧٢، ولم أقف على أثر -في كتب أسباب النزول ولا في كتب التفسير المتقدمة المتداولة- غير الثعلبي - بأن الآية نزلت في هذه الحادثة، والمعلوم أن إثبات سبب نزول آية ما يفتقر إلى دليل صحيح. وورد نحوٌ من هذه الحادثة - وفيها قول النبيّ -ﷺ- في سبب نزول صدر سورة (ص)؛ جاء في السيرة أن أشراف قريش جاؤوا أبا طالب في شأن النبيّ -ﷺ- فبعث إليه أبو طالب، فجاءه فقال: يا ابن أخي، هؤلاء أشراف قومك قد اجتمعوا لك ليعطوك وليأخذوا منك، فقال رسول الله -ﷺ-: \"يا عم، كلمةٌ واحدةٌ يُعْطُونيها تملكون بها العرب وتدينُ لكم بها العجم\"، فقال أبو جهل: نعمْ وأبيك وعَشْر كلمات، قال: تقولون: لا إله إلا الله، فنفروا وقالوا ما حكاه القرآن: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ [ص: ٥]، فأنزل الله صدر سورة (ص). ورواية الطبري فقال أبو طالب: وإلام تدعوهم؟ قال. أدعوهم إلى أن يتكلموا بكلمة تدينُ لهم بها العرب ويملكون بها العجم. يفي رواية أحمد والترمذي والبيهقي: \"تدين لهم بها العرب وتؤدي إليهم بها العجمُ الجزية\". قال=","vol":"13","page":351},{"text":"والمعنى: نحن أعلم بما يسمعون إذ يسمعون إليك، وأنت تقرأ القرآن وتدعوهم إلى الإسلام، أخبر الله تعالى أنه عالمٌ بتلك الحالة، وبذلك الذي كانوا يسمعونه إذ يستمعون إلى الرسول.\nوقوله تعالى: ﴿وَإِذْ هُمْ نَجْوَى﴾ قال ابن عباس: يريد يتناجون بينهم بالتكذيب والاستهزاء (١) قال أبو عبيدة:\nنجوى مصدر ناجيت (٢)، وذكرنا هذا الحرف عند قوله: ﴿خَلَصُوا نَجِيًّا﴾ [يوسف: ٨٠]، قال أبو إسحاق: النجوى اسم المصدر، والمعنى: وإذ هم ذَوُو (٣) نجوى (٤)؛ أي يتناجون ويُسَارّ (٥) بعضهم بعضًا.\n﴿إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ﴾، قالوا: يعني الوليد بن المغيرة، والنضر بن الحارث، وأبا جهل وحويطبًا، وقرناءهم من المشركين (٦).\n_________\n= الترمذي: هذا حديث حسن، وصححه أحمد شاكر، ورواية الحاكم والواحدي في \"أسباب النزول\": تَذِلّ، بدل: تدين. قال الحاكم: هذا صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي. انظر سيرة النبي لابن هشام ٢/ ٢٧، و\"المسند\" ١/ ٢٢٧، ٣٦٢، و\"سنن الترمذي\" (٣٢٣٢): تفسير، سورة ص، و\"تفسير الطبري\" ط. شاكر ١٠/ ٥٥٣، و\"المستدرك \" ٢/ ١٠٨، و\"دلائل البيهقي\" ٢/ ٣٤٥، و\"أسباب النزول\" ص ٣٨٠، و\"تفسير ابن كثير\" ٣/ ٥٠، و\"شرح المسند\" ٢/ ٣١٤، وكل الروايات جاءت عن ابن عباس - ما عدا رواية الطبري فهي عن السدّي.\n(١) ورد في تفسيره \"الوسيط\" تحقيق سيسي ٢/ ٥٠٥، بنصه.\n(٢) \"مجاز القرآن\" ١/ ٣٨١، بنصه.\n(٣) في (ع) مطموسة، وفي باقي النسخ (ذوي)، وهو خطأ نحوي ظاهر، والمثبت موافق للمصدر.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٤٣ بتصرف يسير.\n(٥) من الإسرار، وهو: الكتم والإخافاء.\n(٦) ورد بنحوه مختصرًا في \"تفسير مقاتل\" ١/ ٢١٥ ب، و\"الثعلبي\" ٧/ ١١٠ ب، و\"الماوردي\" ٣/ ٢٣٧.","vol":"13","page":352},{"text":"﴿إِنْ تَتَّبِعُونَ﴾: ما تتبعون، ﴿إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾، كلام المفسرين في هذه الآية يدل على أنهم قالوا هذا القول فيما بينهم مُسَارِّين، فأطلع الله نبيه على ذلك، وعلى هذا يحتاج إلى تقدير محذوف في الآية؛ لأن هؤلاء لم يتبعوا رسول الله -ﷺ- فيصحَّ أن يقال لهم: ﴿إِنْ تَتَّبِعُونَ﴾، ولكن التقدير: إذ يقول الظالمون، إذا تبعتموه لم تتبعوا إلا رجلًا مسحروًا، وإن كان هذا القول منهم للمسلمين فهو ظاهر ولا يحتاجون إلى إضمار، والمسحور (١): الذي قد سُحِرَ فاختلط عليه أمرُه، وأُزيل عن حدّ الاستواء، هذا قول أكثر أهل اللغة (٢).\nوقال ابن الأعرابي: المسحور: الذَاهبُ العَقْلِ المُفْسد، وأنشد (٣):\nفقالتْ: يَمينُ اللهِ أفعَلُ إنّني. . .رأيتُكَ مَسْحورًا يمينُكَ فاجرَهْ (٤)\nقال: وطعامٌ مَسْحورٌ إذا أُفْسِدَ عَمَلُه، وأرضٌ مسحورة: أصابها من المطر أكثرُ مما ينبغي فأفْسَدَها (٥). وقال أبو عبيدة: يريد بشرًا ذا رِئَةٍ (٦).\n_________\n(١) في جميع النسخ: (المستحق)، والصواب ما أثبته.\n(٢) ورد في \"تهذيب اللغة\" (سحر) ٢/ ١٦٤٥، بنحوه، انظر: (سحر) في \"جمهرة اللغة\" ١/ ٥١١، و\"المحيط في اللغة\" ٢/ ٤٧٩، و\"مجمل اللغة\" ١/ ٤٨٧، و\"مقاييس اللغة\" ٣/ ١٣٨، و\"الصحاح\" ٢/ ٦٧٨، و\"المحكم\" ٣/ ١٣١.\n(٣) للنابغة الذبياني.\n(٤) \"ديوانه\" ص ١٢١، وورد في \"تهذيب اللغة\" (سحر) ٢/ ١٦٤٠، و\"اللسان\" (سحر) ٤/ ١٩٥٢.\n(٥) ورد في \"تهذيب اللغة\" (سحر) ٢/ ١٦٤٠، بنصه تقريبًا\n(٦) \"مجاز القرآن\" ١/ ٣٨١ - باختصار، وواضح أنه اقتبسه من \"الغريب\" لابن قتيبة ١/ ٢٥٦ لوروده بنصه. وبقيةكلام أبي عبيدة- كما في \"تفسير القرطبي\" ١٠/ ٢٧٢ =","vol":"13","page":353},{"text":"قال ابن قتيبة: ولست أدري ما الذي اضطره إلى هذا التفسير المُسْتَكْرَه، وقد سبق التفسير من السلف بما لا استكراه فيه. قال مجاهد في قوله: ﴿رَجُلًا مَسْحُورًا﴾: أي مخدوعًا (١)؛ لأن السحر حيلة وخديعة (٢).\nوروى عطاء عن ابن عباس، في قوله: ﴿مَسْحُورًا﴾ قال: يريد مخلوقًا (٣).\nوهذا يؤكد قول أبي عبيدة: ذو سحْر (٤)، ويجوز أن يكون من السَّحْر بمعنى: الغذاء (٥)، ومنه قول امرئ القيس:\nونُسْحَرُ بالطَّعام وبالشرابِ (٦)\n_________\n= فهو لا يستغني عن الطعام والشراب، فهو مثلكم وليس بمَلَك، وتقول العرب للجبان: قد انتفخ سَحْره، ولكل من أكل من آدمي وغيره أو شرب مسحور ومُسَحَّر، انظر: \"تفسير الطبري\" ١٥/ ٩٦، و\"أبي حيان\" ٦/ ٤٤.\n(١) ورد بلفظه في \"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ١٦١، و\"السمرقندي\" ٢/ ٢٧١، و\"الماوردي\" ٣/ ٢٤٧، انظر: \"تفسير السمعاني\" ٣/ ٢٤٦، و\"البغوي\" ٥/ ٩٨.\n(٢) \"الغريب\" لابن قتيبة ١/ ٢٥٦ بنصه.\n(٣) أي بشرًا مخلوقًا.\n(٤) \"مجاز القرآن\" ١/ ٣٨١ بمعناه، والظاهر أن القول مقتبس من \"الغريب\" لابن قتيبة ص ٢٥٦ لوروده بنصه\n(٥) وهو قول الليث؛ ورد في \"تهذيب اللغة\" (سحر) ٢/ ١٦٤١ بلفظه.\n(٦) صدره:\nأَرَانا مُوْضِعِين لأمْر غَيْب\n\"ديوانه\" ص ٤٣، وورد في: \"البيان والتبيين\" ١/ ١٩٨ و\"الغريب\" لا بن قتيبة ١/ ٢٥٦، و\"جمهرة اللغة\" ١/ ٥١١، و\"تهذيب اللغة\" (سحر) ٢/ ١٦٤١، \"الصحاح\" (سحر) ٢/ ٦٧٩، و\"المحكم\" (سحر) ٣/ ١٣٢، و\"تفسير ابن عطية\" ٩/ ١٠٢، و\"ابن الجوزي\" ٦/ ٤٢، و\"اللسان\" (سحر) ٤/ ١٩٥٢، وفي بعض المصادر (لحَتْمِ) بدل =","vol":"13","page":354},{"text":"والاختيار هو القول الأول؛ لقوله تعالى إخبارًا عن فرعون: ﴿إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُورًا﴾ [الإسراء: ١٠١] لا يجوز أن يكون أراد مخلوقًا، وذاسحْر، وإنما أراد: مخدوعًا، والمشركون كانوا يذهبون إلى أن النبيّ -ﷺ- يُعَلَّم ما يأتي به ويُخْدع بذلك، يدلّ على هذا قوله: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ [النحل: ١٠٣]، فلذلك قالوا له: ﴿مَسْحُورًا﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2176>٤٨ </span>- قوله تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ﴾، أي: بينوا لك الأشباه؛ حين شبهوك بالكاهن والساحر والشاعر والمعلَّم والمجنون.\nقال ابن قتيبة: وهذه الآية تدل على أن المسحور في الآية الأولى بمعنى المخدوع؛ لأنهم لو أرادوا رجلًا ذا رِئَةٍ لم (١) يكن في ذلك مَثَلٌ ضربوه، ولكنهم لما أرادوا رجلًا مخدوعًا -كأنه بالخديعة سُحِر- كان مثلًا ضربوه وتشبيهًا شبهوه (٢).\nوقوله تعالى: ﴿فَضَلُّوا﴾: أي عن الحق والطريق المستقيم، ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾، قال مجاهد: مخرجًا (٣)، وقال ابن عباس: يريد سبيل الهدى (٤).\n_________\n= (لأمر)، قال ابن بري: (مُوضِعِين): سائرين مسرعين، و(لأمر غيب): يريد الموت، وأنه قد غُيِّب عنا وقتُه، ونحن نُلْهَى عنه بالطعام والشراب؛ فكأنَّما نُخدع.\n(١) في جميع النسخ، (ولم)، وهذه الواو رائدة أن إلى اضطراب المعنى، ويستقيم بدونها؛ كما في المصدر.\n(٢) \"الغريب\" لابن قتيبة ١/ ٢٥٧، بنصه.\n(٣) \"تفسير مجاهد\" ١/ ٣٦٣ بلفظه، وأخرجه \"الطبري\" ١٥/ ٩٧ بلفظه، وورد بلفظه في \"تفسير هود الهواري\" ٢/ ٤٢٣.\n(٤) ورد بلا نسبة في \"تفسير ابن عطية\" ٩/ ١٠٤، و\"القرطبي\" ١٠/ ٢٧٣، و\"أبي حيان\" ٦/ ٤٤.","vol":"13","page":355},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2177>٤٩ </span>- وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا﴾، الرَّفَتُ: كَسْرُ الشيء بيدك، يقال: رَفَتُّه، أرْفِتُه بالكسر، كما تَرْفِتُ المدَرَ والعَظمَ البالي، والرُّفاتُ: الحُطامُ من كل شيء تَكَسَّر، ويقال: رَفَتَ عظامَ الجَزُور رَفْتًا إذا كسَرَها ليطْبُخَها، ومن هذا يقال للتِّبْن: الرُّفَتُ (١)؛ لأنه دُقَاقُ (٢) الزرع.\nوقال الأخفش: يقال: رُفِتَ رَفْتًا فهو مرفوت؛ نحو حُطِم حطمًا فهو محطوم (٣)، والرُّفات والحُطام الاسم؛ كالجُذاذ والرُّضاض (٤).\nوقال الفراء: الرفات لا واحد له؛ نحو الدُّقاق والحُطام (٥).\nوقال ابن قتيبة: الرفات مثل الفُتَات (٦)، هذا كلام أهل اللغة.\nقال ابن عباس في رواية عطاء: أي إذا ذهب اللحم والعروق والدم و(٧)\n_________\n(١) انظر: (رفت) في \"جمهرة اللغة\" ١/ ٣٩٣، و\"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٤٣٦، و\"مجمل اللغة\" ١/ ٣٩٠، و\"اللسان\" ٣/ ١٦٨٦.\n(٢) الدُّقَاقُ: فُتَاتُ كُلِّ شيء دُقَّ، وقيل: هو التراب اللَّيِّن الذي كسحته الريح من الأرض، ومنه الدَّقيقُ: الطحين. انظر دقق في \"المحيط في اللغة\" ٥/ ١٩٧، و\"اللسان\" ٣/ ١٤٠١.\n(٣) ليس في معانيه، انظر: \"تفسير الفخر الرازي\" ٢٠/ ٢٢٤ بنصه، و\"القرطبي\" ١٠/ ٢٧٣، وورد نحوه في \"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ١٦٢ منسوبًا للكسائي وأبي عبيدة وهو بمعناه في المجاز.\n(٤) الرَّضُّ: دقُّك الشيءَ، ورُضاضُ الشيء: فتاته، وكلُّ شيء كسّرته فقد رَضَضْتَه. \"اللسان\" (رضض) ٣/ ١٩٥٦.\n(٥) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٢٥ بنصه تقريبًا.\n(٦) \"الغريب\" لابن قتيبة ١/ ٢٥٧ بنصه.\n(٧) الواو ساقطة من (أ)، (د).","vol":"13","page":356},{"text":"بقيت عظام قد رَثَّتْ (١) وبَلِيَتْ ورَمَّت (٢)، فإذا مسسته وجعلته بين إصبعيك انسحق (٣).\nوقال في رواية الوالبي في قوله: ﴿وَرُفَاتًا﴾ قال: غبارًا (٤).\nوقال مجاهد: ترابًا (٥)، وهو قول الزجاج (٦) والفراء (٧).\nوقوله تعالى: ﴿أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾ انتصب خلقًا على المصدر؛ لأنه بمعنى: بعثًا جديدًا، أي: أنُبْعثُ إذا صرنا ترابًا؟!.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2178>٥٠، ٥١ </span>- قوله تعالى: ﴿قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا (٥٠) أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ﴾ الآية. اختلفوا في معنى قوله: ﴿خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي\n_________\n(١) الرَّثُّ: الخَلَقُ الخَسيسُ البالي من كل شيء، ورثَّ الشيء وأرثَّ: أي خَلُقَ. انظر: \"المحيط في اللغة\" (رث) ١٠/ ١٢٤، و\"اللسان\" (رثث) ٣/ ١٥٨٠.\n(٢) قال ابن الأثير: أصل هذه الكلمة من رَمَّ الميّتُ، وأرَمَّ: إذا بَلِيَ، والرِّمَّة: العظمُ البالي. \"النهاية\" ٢/ ٢٦٦.\n(٣) ورد في تفسيره \"الوسيط\" تحقيق سيسي ٢/ ٥٠٦ بنصه.\n(٤) أخرجه \"الطبري\" ١٥/ ٩٧ بلفظه من طريق ابن أبي طلحة صحيحة، وورد بلفظه في \"تفسير الثعلبي\" ٧/ ١١٠ ب، انظر: \"تفسير ابن عطية\" ٩/ ١٠٥، و\"القرطبي\" ١٠/ ٢٧٣، و\"ابن كثير\" ٣/ ٥١، وأورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ٣٣٩ وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(٥) \"تفسير مجاهد\" ١/ ٣٦٣ بلفظه، وأخرجه \"الطبري\" ١٥/ ٩٧ بلفظه من طريقين، وورد بلفظه في \"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ١٦٢، و\"تفسير هود الهواري\" ٢/ ٤٢٣، و\"الثعلبي\" ٧/ ١١٠ ب، و\"الطوسي\" ٦/ ٤٨٦، وأورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ٣٣٩ وزاد نسبته إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٤٤، بلفظه.\n(٧) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٢٥، بلفظه.","vol":"13","page":357},{"text":"صُدُورِكُمْ﴾ فقال ابن عباس في رواية عطاء: يعني الموت (١)، وهو قول مجاهد في رواية خُصَيف وعكرمة والحسن وابن جريج وسفيان وأبي صالح وابن عمر والكلبي، قالوا: ليس شيء أكبر في صدور بني آدم من الموت، يقول: لو كنتم الموت لأماتكم الله ثم أحياكم (٢).\nقال الكلبي: قالوا: يا محمد، أرأيت لو كنا الموت، من يميتنا؟ فأنزل الله تعالى ﴿أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ﴾ (٣): يعني الموت.\n_________\n(١) أخرجه \"الطبري\" ١٥/ ٩٨ من طريق العوفي (ضعيفة) قال: إن كنتم الموت أحييكم، والحاكم: تفسير، الإسراء ٢/ ٣٦٢ بلفظه من طريق مجاهد (صحيحة) وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، وورد بلفظه في \"تفسير الماوردي\" ٣/ ٢٤٨، و\"الطوسي\" ٦/ ٤٨٧، وأورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ٣٣٩ وزاد نسبته إلى عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد.\n(٢) أخرجه \"عبد الرزاق\" ٢/ ٣٧٩، بنحوه عن الكلبي، وابن أبي شيبة ٧/ ١٣٤، بنحوه عن ابن عمر، و\"الطبري\" ١٥/ ٩٨، بنحوه عن ابن عمر وابن جريج عن ابن جبير، وعن أبي صالح والحسن قالا: الموت، وأبو الشيخ في \"العظمة\" ص ٢١٢ مختصرًا عن الحسن، وورد في \"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ١٦٣ - مختصرًا عن ابن عمر ومجاهد وعكرمة وأبي صالح، و\"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢٧٢، بنحوه عن الكلبي والحسن وعكرمة، و\"هود الهواري\" ٢/ ٤٢٤، بنحوه عن الحسن، و\"الثعلبي\" ٧/ ١١٠ ب مختصرًا عن مجاهد وعكرمة، و\"الماوردي\" ٣/ ٢٤٨ مختصرًا عن ابن عمر، وأورده السيوطي في \"الدرالمنثور\" ٤/ ٣٣٩، بنحوه، وزا د نسبته إلى عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عمر.\n(٣) لم أقف عليه، وقد انفرد المؤلف بإيراد هذا القول على أنه سببٌ في النزول، ولم يورده في كتابه: \"أسباب النزول\" أو تفسيره الوسيط، وهذا القول لا يعتد به -في باب أسباب النزول- لعدم وروده بسند، وحتى مع إسناده فإن الرواية عن طريق الكلبي ضعيفة كما هو معلوم.","vol":"13","page":358},{"text":"وروي عن مجاهد أيضًا أنه قال: يعني السماء والأرض والجبال (١).\nوروي عن ابن [أبي] (٢) نجيح عنه قال: ما شئتم فكونوا، سيعيدكم الله كما كنتم (٣).\nقال أبو إسحاق: ومعنى هذه الآية فيه غموض؛ لأن القائل يقول: كيف يقال لهم: ﴿قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا﴾ وهم لا يستطيعون ذلك، فالجواب في ذلك أنهم كانوا يُقِرُّون أن الله خالقهم وينكرون أن الله يعيدهم (٤)، فقيل لهم: إن تستشعروا أنكم لو خلقتم من حجارة أو حديد أو كنتم الموت -الذي هو أكبر الأشياء في صدوركم- لأماتكم الله ثم أحياكم؛ لأن القدرة التي بها أنشأكم (٥) بها يعيدكم (٦)، وهذا معنى قوله: ﴿فَسَيَقُولُونَ مَنْ\n_________\n(١) أخرجه \"عبد الرزاق\" ٢/ ٣٧٩ بنصه، وورد بنصه في \"تفسير الثعلبي\" ٧/ ١١٠ ب، و\"الماوردي\" ٣/ ٢٤٨، و\"الطوسي\" ٦/ ٤٨٧، انظر: \"تفسير السمعاني\" ٣/ ٢٤٨، و\"ابن عطية\" ٩/ ١٠٧، و\"ابن الجوزي\" ٥/ ٤٤.\n(٢) ساقطة من جميع النسخ.\n(٣) \"تفسير مجاهد\" ١/ ٢٦٣ بنصه، وأخرجه \"الطبري\" ١٥/ ٩٨ بنصه من طريقين، وورد بنحوه في \"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ١٦٣، و\"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢٧١، وأورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ٣٣٩ وزاد نسبته إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.\nوهذا القول هو الصحيح، وهو الذي رجحه الطبري وتبعه ابن عطية ونصره، وحجته أن الله ﷿ أطلق القول ولم يخصصه بشيء، لذلك فكل ما كبر في صدور بني آدم من خلقه يكون مقصودًا.\nانظر: \"تفسير الطبري\" ١٥/ ٩٩، و\"ابن عطية\" ٩/ ١٠٧.\n(٤) في جمبع النسخ: (يعيدكم)، والعواب ما أثبته، وبه يستقيم الكلام وتنسجم الضمائر.\n(٥) ساقطة من (أ)، (د).\n(٦) \"معاني القران وإعرابه\" ٣/ ٢٤٤ بتصرف يسير.","vol":"13","page":359},{"text":"يُعِيدُنَاَ﴾، فقل: ﴿الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾.\nوقوله تعالى: ﴿فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ﴾ قال الفراء: نَغَض فلان رأسَه يَنْغُضه إنغاضًا؛ إذا حَرّكه إلى فوق وإلى أسفل، ونَغَض رأسُه إذا تَحَرَّك، ونَغَضَتْ سِنُّهُ، تَنْغَضُ وتَنْغُضُ وتَنْغِضُ، نَغْضًا ونَغَضَانًا ونُغُوضًا، وسُمِّيَ الظَّلِيمُ (١) نَغْضًا لأنه يُحَرِّك رأسه (٢)، وأنشد (٣) للعَجّاج:\nأَسَكَّ نَغْضًا لا يَنِي مُسْتَهْدَجًا ... مُسْتهرِجٌ يحمل على أن يَهْرِجَ هَرْجَانًا (٤)\n_________\n(١) الظليم: هو الذَّكر من النَّعَام، وجمعه: ظِلْمان. انظر: \"لتلخيص\" ٢/ ٦٤١، و\"الصحاح\" (ظلم) ٥/ ١٩٧٨.\n(٢) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٢٥، بنحوه بعض الفقرات، وورد بعضها بنحوه في \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٤، و\"تهذيب اللغة\" (نغض) ٤/ ٣٦٢١، ولعله قد ركب النص من هذه المصادر الثلاث، ولمّا كان أغلب النقل عن الفراء نسبه إليه من دونهم - والله أعلم.\n(٣) الضمير يعود على الفراء، لكن الذي أنشد البيت هو الزجاج وليس الفراء.\n(٤) \"ديوانه\" ٢/ ١٧، وروايته مختلفة ومقلوبة:\nواستبدلت رُسومُهُ سَفَنَّجَا. . . أصَكَّ نَغْضًا لا يَنِي مستهدجًا\nوورد برواية الديوان في: \"المعاني الكبير\" ١/ ٣٢٩، والاقتضاب ص ٤٢٠، وورد صدره في \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٤٥، و\"تهذيب اللغة\" (هدج) ٤/ ٣٧٣٨، و\"الصحاح\" (نغض) ٣/ ١١٠٩، و\"تفسير الطوسي\" ٦/ ٤٨٧، و\"اللسان\" (هدج) ٨/ ٤٦٣٠، (نغض) ٨/ ٤٤٨٩، وفي بعض هذه المصادر: (أصكَّ) بدل (أسكَّ)، (أسكَّ)؛ السَّكَكُ: الصمم، يقال: ظليم أسكّ؛ لأنه لا يسمع، وقيل: السكك: صِغَرُ الأذن ولزوقها بالرأس، (أصك)؛ الصكك: اضطراب الركبتين والعرقوبين، وظليم أصكّ: لتقارب ركبتيه؛ يصيب بعضها بعضًا إذا عدا، (سفنَّجًا): يعني بالسفنج الظليم؛ وهو ذكر النعام، (لا يَني): لا يزال، (مستهدَجا): يُحمل على الهدَج؛ وهو تقارب الخطو مع سرعة المشي. قال ابن الأعرابي: مستهدِجا: =","vol":"13","page":360},{"text":"وهو (١) ضرب من العَدْو.\nوقال أبو الهيثم: يقال للرجل إذا أُخْبِر بشيء فحَرَّك رأسَه إنكارًا له: قد أَنْغَضَ رأسه (٢).\nقال ابن عباس في رواية الوالبي، في قوله: ﴿فَسَيُنْغِضُونَ﴾ قال: يهزون (٣). وقال مجا هد: [فسيحركونها (٤).\nوقال عطاء عن ابن عباس: يحركون رؤوسهم تكذيبًا لهذا القول (٥).\nوقال الزجاج] (٦): فسيحركون رؤوسهم تحريك من يبطل الشيء ويسْتبطئه (٧)، ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ﴾.\nوقال ابن قتيبة: أي يحركونها تحريك المستبعدِ رأسَه (٨).\nوقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ﴾، أي: البعث أو الإعادة، وقد\n_________\n= مستعجلًا؛ أي أُفْزعَ فمرّ، ومن رواه بكسر الدال أراد أنه لا يزال عَجْلان في عَدْوِه، (مستهرج): الهَرْجُ: الاختلاط؛ وأصل الهرج: الكثرة في الشيء. انظر: \"اللسان\" (هرج، سكك، صكك).\n(١) الضمير يعود على الاسْتِهْدَاج.\n(٢) ورد في \"تهذيب اللغة\" (نغض) ٤/ ٣٧٣٨، بنصه تقريبًا.\n(٣) أخرجه \"الطبري\" ١٥/ ١٠٠ بلفظه من طريق ابن أبي طلحة (صحيحة).\n(٤) \" تفسير مجاهد\" ص ١/ ٣٦٤، بنحوه.\n(٥) أخرجه \"الطبري\" ١٥/ ١٠٠، بنحوه، عن عطاء الخرساني (منقطعة)، وورد بنحوه في \"تفسير الماوردي\" ٣/ ٢٤٨، و\"الطوسي\" ٦/ ٤٨٧، وورد بنحوه عن عطاء في \"تفسير مجاهد\" ١/ ٣٦٤، وأورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ٣٣٩ وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(٦) ما بين المعقوفين ساقط من (ش)، (ع).\n(٧) في جميع النسخ: (يستطيعه)، ولا معنى لها، والتصويب من المصدر، و\"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٤٤، بنصه.\n(٨) \"الغريب\" لابن قتيبة ص ٢٥٧، بنحوه.","vol":"13","page":361},{"text":"تَقدّم الفعل منهما (١)، والفعل يدل على المصدر، ﴿قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا﴾ قال المفسرون: يعني هو قريب (٢)، قال ابن عباس: وعسى من الله واجب (٣)، وذكرنا هذا عند قوله: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2179>٥٢ </span>- قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ﴾ انتصب يومَ على البدل من قوله: ﴿قَرِيبًا﴾ على معنى: قل عسى أن يكون يوم يدعوكم، ويكون تأويله: عسى أن يكون البعث قريبًا يوم يدعوكم، وهذا معنى قول أبي إسحاق: أي يعيدكم يوم القيامة (٤)، ومعنى يدعوكم: أي بالنداء الذي يُسْمِعكم، وهو النفخة الأخيرة؛ كما قال: ﴿يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ﴾ [ق: ٤١].\nوقوله تعالى: ﴿فَتَسْتَجِيبُونَ﴾، أىِ: تجيبون، والاستجابة: موافقة الداعي فيما دَعا إليه؛ وهي الإجابة، إلا أن الاستجابة تقتضي طلب الموافقة، فهي أوكد من الإجابة (٥).\nوقوله تعالى: ﴿بِحَمْدِهِ﴾ قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، يقول: بأمره (٦)، وهو قول سفيان (٧)، ولا أدري وجه هذا القول من\n_________\n(١) في قوله: ﴿أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾، وقوله: ﴿فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا﴾\n(٢) ورد بنحوه في \"تفسير الطبري\" ١٥/ ١٠١، و\"السمرقندي\" ٢/ ٢٧٢، و\"الثعلبي\" ٧/ ١١١ أ، و\"الطوسي\" ٦/ ٤٨٨.\n(٣) أورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ١/ ٤٣٨ بنصه، وعزاه إلى ابن المنذر والبيهقي في سننه -لم أقف عليه- من طريق ابن أبي طلحة (صحيحة).\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٤٥، بنصه.\n(٥) ورد في \"تفسير الطوسي\" ٦/ ٤٨٩، بنصه تقريبًا.\n(٦) أخرجه \"الطبري\" ١٥/ ١٠١ بلفظه، وورد في \"تفسير الثعلبي\" ٧/ ١١١ أبلفظه، انظر: \"تفسير البغوي\" ٥/ ٩٩، و\"ابن الجوزي\" ٥/ ٤٥، و\"ابن كثير\" ٣/ ٥٣، وأورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ٣٣٩ وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم.\n(٧) ورد بلفظه في \"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ١٦٥، و\"الماوردي\" ٣/ ٢٤٩.","vol":"13","page":362},{"text":"اللغة، وقال سعيد بن جبير: يخرجون من قبورهم يقولون: سبحانك وبحمدك، فهو قوله: ﴿فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ﴾ (١)، وقال قتادة: يقول: بمعرفته وطاعته يوم القيامة (٢)، ومعنى هذا أنهم إذا أجابوا بالتسبيح والتحميد كان ذلك معرفة منهم وطاعة، ولكنه لا ينفعهم الحمد.\nوقال أبو إسحاق: يستجيبون مقرّين بأنه خالقهم (٣)، وهذا معنى قول قتادة.\nقال أهل المعاني: تستجيبون بحمده: تستجيبون حامدين (٤)، كما تقول: جاء بغضبه، أي: جاء غضبان، وخرج زيد بثيابه، وركب الأمير بسيفه، أي: وسيفه معه (٥).\nوقوله تعالى: ﴿وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا﴾ قال ابن عباس في رواية\n_________\n(١) ورد في \"تفسير الثعلبي\" ٧/ ١١١ أ، بنحوه، انظر: \"تفسير الزمخشري\" ٢/ ٣٦٤، و\"ابن الجوزي\" ٥/ ٤٥، وأورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ٣٣٩ وعزاه إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(٢) أخرجه \"الطبري\" ١٥/ ١٠١ بنصه، وورد في \"تفسير الثعلبي\" ٧/ ١١١ أبنصه، وأورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ٣٤٠ وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٤٥ بنصه.\n(٤) وقد ذكر الزمخشري (٢/ ٣٦٣) هذا القول وزاده بيانًا فقال: (بحمده) حال منهم؛ أي حامدين، وهي مبالغة في انقيادهم للبعث، كقولك لمن تأمره بركوب ما يشق عليه فيتأبى ويمتنع: ستركبه وأنت حامد شاكر، يعني أنك تُحمل عليه وتُقسر قسرًا، حتى أنك تلين لين المسمح الراغب الحامد عليه. وإلى هذا القول نحا \"أبو حيان\" ٦/ ٤٧ أيضًا.\n(٥) ورد في \"تفسر الطوسي\" ٦/ ٤٨٩ بنصه تقريبًا، انظر: \"تفسير الفخر الرازي\" ٢٠/ ٢٢٧.","vol":"13","page":363},{"text":"عطاء: يريد بين النفختين الأولى والثانية يُكَفُّ عنهم العذاب فينامون (١)، مثل قوله في سورة يس: ﴿مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ [آية:٥٢] وهم يعذبون من حين يموتون إلى النفخة الأولى، فعلى هذا القول ظنهم اللَّبْثَ القليل يعود إلى لُبْثهم بين النفختين، وقيل: معنى هذا: تقريب وقت البعث؛ كما قال الحسن: كأنك بالدنيا لم تكن وبالآخرة لم تَزَل (٢)، فهؤلاء إذا رأوا يوم القيامة وشاهدوا البعث، استقصروا مدة لُبْثِهم مع ما يعلمون من طول لَبْثِهم في الآخرة، وعند الحسن وقتادة: هذا اللَّبْثُ يعود إلى لَبْثهم في الدنيا لا إلى لَبْث البرزخ.\nقال قتادة في قوله: ﴿وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا﴾، ذاكم والله لَمّا تحاقرت الدنيا في أنفسهم وقَلَّت؛ حين عاينوا يوم القيامة (٣).\nوقال الحسن: ﴿إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا﴾: في الدنيا بطول لُبْثِكم في الآخرة (٤)، وهذه ثلاثة أقوال في معنى استقصارهم اللَّبْث (٥).\n_________\n(١) ورد بنحوه في \"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢٧٢، و\"الثعلبي\" ٧/ ١١١ أ، و\"الماوردي\" ٣/ ٢٤٩، وقال السمرقندي والثعلبي: هذا أصح ما قيل فيه؛ لأن بعض المبتدعة قالوا: إذا وضع الميت في قبره لا يكون عليه العذاب إلى وقت البعث، فيظنون أنهم مكثوا في القبر قليلًا.\n(٢) ورد بنصه في \"تفسير الجصاص\" ٣/ ٢٠٤، و\"الماوردي\" ٣/ ٢٤٩، و\"الطوسي\" ٦/ ٤٨٨.\n(٣) أخرجه \"الطبري\" ١٥/ ١٠٢، بنحوه، وورد بنحوه في \"تفسير الجصاص\" ٣/ ٢٠٤، و\"الماوردي\" ٣/ ٢٤٩، و\"الطوسي\" ٦/ ٤٨٩، وأورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ٣٤٠ وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم.\n(٤) ورد بنصه في \"تفسير الماوردي\" ٣/ ٢٤٩، و\"الطوسي\" ٦/ ٤٨٩.\n(٥) وأظهرها القول الثالث؛ قول قتادة وقول الحسن الثاني، وقد اقتصر الطبري وابن كثير على ذكره، وأيّده ابن كثير بعدة شواهد قرآنية، اما القول الثاني فهو قريب =","vol":"13","page":364},{"text":"ومن المفسرين من ذهب إلى أن هذا الخطاب للمؤمنين دون الكافرين، قال: وهذا أظهر في المؤمنين؛ لأنهم يستجيبون (١) الله بحمده، ويحمدونه على إحسانه إليهم، ويستقلون مدة لَبْثِهم في البرزخ؛ لأنهم كانوا غير معذبين (٢)، والمفسرون على الأول.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2180>٥٣ </span>- قوله تعالى: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ قال الأخفش: جعل ﴿يَقُولُوا﴾ جوابًا للأمر (٣) -في اللفظ- كما قال: ﴿قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [إبراهيم: ٣١]\nقال الكلبي: كان المشركون يؤذون أصحاب النبيّ -ﷺ- بمكة (٤) بالقول والفعل، فشكوا ذلك إلى رسول الله -ﷺ- وقالوا: يا رسول الله، ائذن لنا في قتالهم، فيقول لهم رسول الله -ﷺ-: \"لم أؤمر فيهم بشيء\"، فأنزل الله هذه الآية (٥).\n_________\n= من هذا، وأما القول الأول فطريقه إلى ابن عباس ضعيفة، لذلك نجد السمرقندي مع ترجيحه لهذا القول فقد أورده بصيغة التمريض.\n(١) في جميع النسخ: (لا يستجيبون) بزيادة لا، ويضطرب المعنى بذلك، والتصويب من تفسيره \"الوسيط\" ٢/ ٥٠٨.\n(٢) ورد في تفسيره \"الوسيط\" تحقيق سيسي ٢/ ٥٥٨ بنصه، انظر: \"تفسير الفخر الرازي\" ٢٠/ ٢٢٨، و\"أبي حيان\" ٦/ ٤٨.\n(٣) \"معاني القرآن\" للأخفش ٢/ ٦١٤ بنصه.\n(٤) ساقطة من (د).\n(٥) ورد في \"تفسير الثعلبي\" ٧/ ١١١ أبنصه تقريبًا، وأورده المؤلف في \"أسباب النزول\" ص ٤٩٥، بنحوه دون إسناد، وورد في \"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢٧٢، بنحوه عن ابن عباس، والظاهر أن الكلبي يرويه عنه، انظر: \"تفسير البغوي\" ٥/ ٩٩، و\"ابن الجوزي\" ٥/ ٤٦، عن أبي صالح عن ابن عباس، و\"القرطبي\" ١٠/ ٢٧٧، عن الكلبي.","vol":"13","page":365},{"text":"ومعنى الآية: قل لعبادي المؤمنين يقولوا للكافرين الكلمة التي هي أحسن. قال الحسن: يقول له: يهديك الله (١)، ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ﴾: هو الذي يفسد بينهم. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2181>٥٤ </span>- قوله تعالى: ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ﴾ الآية. فيها قولان؛ أحدهما: أن هذا الخطاب للمشركين، يقول: ﴿إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ﴾: يوفقكم فتؤمنوا، ﴿أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ﴾: بأن يميتكم على الكفر فيعذبكم، هذا قول ابن جريج (٣).\nالقول الثاني: أن الخطاب للمؤمنين يقول: ﴿إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ﴾: بالإنجاء من كفار مكة وأذاهم، ﴿أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ﴾: بتسليطهم عليكم، وهذا قول الكلبي (٤).\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا﴾ أي حافظًا وكفيلًا، يعني\n_________\n= والحادثة تفتقر إلى إسناد لإثبات أنها سبب في النزول، وهو ما لم أقف عليه، وحسبك أنها رواية الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس، ومصدرها الثعلبي! وهذه الطريق هي أوهى الطرق إلى ابن عباس.\n(١) أخرجه \"الطبري\" ١٥/ ١٠٢ بمعناه، وورد في \"تفسير الثعلبي\" ٧/ ١١١ أ، بنحوه، و\"الطوسي\" ٦/ ٤٨٩ - بمعناه، انظر: \"تفسير البغوي\" ٥/ ٩٩ بنصه، و\"ابن الجوزي\" ٥/ ٤٧ بنصه، و\"القرطبي\" ١٠/ ٢٧٧، وأورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ٣٤٠.\n(٢) ورد بلفظه في \"تفسير الطبري\" ١٥/ ١٠٢، و\"الثعلبي\" ٧/ ١١١ أ، و\"الطوسي\" ٦/ ٤٨٩.\n(٣) أخرجه \"الطبري\" ١٥/ ١٠٢، بنحوه، وورد في \"تفسير الثعلبي\" بنصه تقريبًا، انظر: \"تفسير البغوي\" ٥/ ٩٩، و\"القرطبي\" ١٠/ ٢٧٨، وأورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ٣٤١ وزاد نسبته إلى ابن المنذر.\n(٤) ورد في \"تفسير الثعلبي\" ٧/ ١١١ أ، بنحوه، و\"الماوردي\" ٣/ ٢٥٠، بنحوه، انظر: \"تفسير البغوي\" ٢/ ١٠٠، و\"القرطبي\" ١٠/ ٢٧٨، وورد غير منسوب في \"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢٧٢.","vol":"13","page":366},{"text":"لا شيء عليك من كفرهم، فإن عليك التبليغ، وما وُكل إليك إيمانهم، والله أعلم بهم إن شاء هَدْيَهم (١) وإن شاء خَذْلَهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2182>٥٥ </span>- وقوله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ قال ابن عباس: هو أعلم بهم؛ لأنه خلقهم، فهدى بعفبهم، وأضل بعضهم؛ كما قال: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ [التغابن: ٢].\nوقال أهل المعاني: إنما ذكر أنه أعلم بهم بعد قوله: ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ﴾؛ ليدل به على أن تفضيل الأنبياء بعضهم على بعض وقع موقع الحكمة؛ لأنه من عالم بباطن الأمر (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ﴾ كلام المفسرين في هذا يدل على أن المعنى فيه: أن كل واحد منهم خُصّ بفضيلة؛ فقال قتادة: نعم فضّل الله بعض النبيين على بعض؛ فاتخذ إبراهيم خليلًا، وكلّم موسى تكْليمًا، وجعل عيسى كلمته وروحه، وآتى سليمان ملكًا لا ينبغي لأحد من بعده، وآتى داود زبورًا، وغفر لمحمد ما تقدم من ذنبه وما تأخر (٣).\nوقال الكلبي: فضّل موسى بالكلام، وإبراهيم بالخُلَّة، واصطفى محمد -ﷺ-، وآتى داود زبورًا (٤).\nوقال ابن عباس في هذه الآية: يريد لذلك فَضَّلت ولد آدم؛ فمنهم من\n_________\n(١) مطموسة في (ع)، وفي (د): (يهديهم).\n(٢) ورد في \"تفسير الطوسي\" ٦/ ٤٩٠ بنصه.\n(٣) أخرجه \"الطبري\" ١٥/ ١٠٣، بنحوه، وورد في \"تفسير الثعلبي\" ٧/ ١١١ أ، بنحوه، انظر: \"تفسير البغوي\" ٥/ ١٠٠، وأورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ٣٤١، وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم.\n(٤) انظر: \"تنوير المقباس\" ص ٣٠١ مختصرًا.","vol":"13","page":367},{"text":"عَصَمْتُ، ومنهم من خَذَلْتُ، وفَضَّلتُ داود حيث أعطيته الزبور، يعني أن ذكر تفضيل النبيين هاهنا يكون (١) يدلّ على تفضيل ولد آدم.\nوقال أبو إسحاق: معنى ذكر داود هاهنا، أن الله أعْلَمَ أنه فضَّل بعض النبيين على بعض، أي فلا تُنْكِروا تفْضِيلَ محمد، وإعطاءه القرآن، فقد أعطى الله داود الزبور (٢)، وقرأ حمزة ﴿زُبُوًا﴾ بضم الزاي (٣)، وذكرنا وجه ذلك في أواخر سورة النساء (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2183>٥٦ </span>- قوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ قال المفسرون: ابتلى الله قريشًا وأهلَ مكة بالقحط سنين، فشكوا إلى رسول الله -ﷺ- فأنزل الله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ (٥) قال ابن عباس: كل شيء (زَعَمَ) في كتاب الله فهو كَذَبَ (٦)، فعلى هذا نظم الآية: الذين ادّعيتم كذبًا من دونه، أي ادّعَيتم أنهم آلهة.\nوقال أبو إسحاق: أي ادْعُوا الذين زعمتم أنهم آلهتكم (٧)، ثم أخبر\n_________\n(١) يكون ثابتة في جميع النسخ، وقد أدت إلى اضطراب المعنى، والأولى حذفها؛ لأن الكلام يستقيم بدونها.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٤٥ بنصه.\n(٣) انظر: \"السبعة\" ص ٣٨٢، و\"إعراب القراءات السبع وعللها\" ١/ ٣٧٦، و\"الحجة للقراء\" ٥/ ١٠٨.\n(٤) آية [١٦٣].\n(٥) ورد في \"تفسير الثعلبي\" ٧/ ١١١ ب مختصرًا، انظر: \"تفسير السمعاني\" ٣/ ٢٥٠، و\"البغوي\" ٥/ ١٠٠، و\"ابن الجوزي\" ٥/ ٤٨، و\"القرطبي\" ١٠/ ٢٧٩، ولا يُعدّ هذا سببًا في النزول -وإن عبر عنها بالصيغة الصريحة- لعدم تحقق شروطه.\n(٦) انظر: \"تفسير الفخر الرازي\" ٢٠/ ٢٣١، و\"الألوسي\" ٥/ ٩٧.\n(٧) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٤٥ بنصه.","vol":"13","page":368},{"text":"عن الآلهة فقال: ﴿فَلَا يَمْلِكُونَ﴾، أي: فهم لا يملكون، ﴿كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ﴾، يعني البؤس والشدة.\n﴿وَلَا تَحْوِيلًا﴾ قال ابن عباس: يريد من السقم والفقر إلى الصحة والمغنى (١)، وفي هذا احتجاج عليهم وبيان أنهم في عبادتهم على الباطل، والتَّحْويل: النقل من حال إلى حال، ومكان إلى مكان، يقال: حَوَّلَه فتحوَّل، ويُذكر تمام هذا الحرف عند قوله: ﴿لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا﴾ [الكهف: ١٠٨]، إن شاء الله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2184>٥٧ </span>- قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ﴾، أي: أولئك الذين يدعونهم المشركون، واختلفوا فيهم؛ من هم؟ فرُوي بطرق مختلفة عن ابن مسعود أنه قال: كان نفر من الإنس -قال المفسرون: وهم خزاعة (٢) - يعبدون نفرًا من الجن، فأسلم النفر من الجنّ، واستمسك الإنس بعبادتهم، فنزلت: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ الآية (٣). روى هذا قتادة عن عبد الله بن معبد\n_________\n(١) ورد غير منسوب في \"تفسير الثعلبي\" ٧/ ١١١ ب، و\"السمعاني\" ٣/ ٢٥٠، و\"القرطبي\" ١٠/ ٢٧٩.\n(٢) ورد في \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٢٥، انظر: \"تفسير أبي حيان\" ٦/ ٥١.\n(٣) أخرجه \"عبد الرزاق\" ٢/ ٣٧٩، بنحوه من طريقين، والبخاري (٤٧١٥) كتاب: التفسير، الإسراء، باب: قوله ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ﴾ بنحوه من طريق الأعمش، وليس فيه التصريح بالنزول، ومسلم (٣٠٣٠) كتاب: التفسير باب: في قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ بنصه من طريق الأعمش، والنسائي في \"تفسيره\" ١/ ٦٥٢، بنحوه، و\"الطبري\" ١٥/ ١٠٤ بنصه وبنحوه من عدة طرق ورجحه، والحاكم: التفسير/ الإسراء ٢/ ٣٦٢، بنحوه من طريق الأعمش، وورد بنحوه في \"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ١٦٥، و\"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢٧٣، و\"هود الهواري\" ٢/ ٤٢٦، و\"الثعلبي\" ٧/ ١١١ ب، و\"الماوردي\" ٣/ ٢٥٠، و\"الطوسي\" ٦/ ٤٩١، انظر: \"لباب النقول\" ص ١٣٧.","vol":"13","page":369},{"text":"الزِّمَّاني (١) عن ابن مسعود.\nوقال أبوصالح عن ابن عباس في هذه الآية: هم عيسى وعزير والملائكة، وما كان عُبِدَ من دون الله وهو لله مطيع (٢)، ونحو هذا قال مجاهد والسدي والحسن (٣)، قال الفراء: قوله: ﴿يَدْعُونَ﴾ فِعلُ الآدميين العابدين، وقوله تعالى: ﴿يَبْتَغُونَ﴾ فِعلٌ للمعبودين الذين عبدوهم (٤).\nومعنى ﴿يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ قال ابن عباس: يتضرعون إلى الله في طلب الجنة (٥)، والوسيلة: الدرجة العليا (٦).\n_________\n(١) عبد الله بن معبد الزِّمَّاني البصري، من جِلّة التابعين، ثقة، روى عن أبي هريرة وعبد الله بن عتبة -﵄- وعنه قتادة وثابت. انظر: \"الجرح والتعديل\" ٥/ ١٧٣، و\"ميزان الاعتدال\" ٣/ ٢٢١، و\"الكاشف\" ٢/ ٦٠٠ (٢٩٩٧)، و\"تقريب التهذيب\" ص ٣٢٤ (٣٢٤).\n(٢) أخرجه \"الطبري\" ١٥/ ١٠٥ من طريق أبي صالح (واهية) بروايتين، وفيهما قال: عيسى وأمه وعُزير، وورد في \"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ١٦٦ مختصرًا، و\"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢٧٣ بنصه، و\"الثعلبي\" ٧/ ١١١ ب بزيادة وأمه والشمس والقمر والنجوم، و\"الماوردي\" ٣/ ٢٥١ مختصرًا، و\"الطوسي\" ٦/ ٤٩١، بنحوه، انظر: \"تفسير البغوي\" ٥/ ١٠١، و\"الدر المنثور\" ٤/ ٣٤٣ بزيادة وحذف، وزاد نسبته إلى سعيد بن منصور وابن المنذر.\n(٣) \"تفسير مجاهد\" ١/ ٣٦٤، وأخرجه \"الطبري\" ١٥/ ١٠٦، عن السدي ومجاهد من طريقين، وورد في \"تفسير هود الهواري\" ٢/ ٤٢٦، عن الحسن، و\"الثعلبي\" ٧/ ١١١ ب عن مجاهد، و\"الماوردي\" ٣/ ٢٥١ عن مجاهد، و\"الطوسي\" ٦/ ٤٩١ عن الحسن، انظر: \"تفسير ابن كثير\" ٣/ ٥٣، عن السدي.\n(٤) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٢٥ بمعناه.\n(٥) ورد بنصه غير منسوب في \"تفسير الثعلبي\" ٧/ ١١١ ب، و\"القرطبي\" ١٠/ ٢٧٩.\n(٦) ومن ذلك ماورد في حديث الأذان: (.. آت محمدًا الوسيلة والفضيلة ..) أخرجه البخاري (٤٧١٩) كتاب: الَتفسير، باب: أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم =","vol":"13","page":370},{"text":"وقال الزجاج: الوسيلة والسؤال والطِّلْبَةُ في معنى واحد (١)، وقد مرَّ ذكرى الوسيلة (٢)، و﴿أُولَئِكَ﴾ رُفع بالابتداء، و﴿الَّذِينَ﴾ صفة لهم، و﴿يَدْعُونَ﴾ صلة، و﴿يَبْتَغُونَ﴾ خبر الابتداء.\nوقوله تعالى: ﴿أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ قال الزجاج: ﴿أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ لأنه بدل من الواو في ﴿يَبْتَغُونَ﴾، والمعنى: يبتغي أيّهم هو أقرب الوسيلة إلى الله؛ أي يتقرب إليه بالعمل الصالح (٣)، ونحو هذا قال ابن عباس في قوله: ﴿أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ قال: يتقربون إلى الله بصالح الأعمال؛ فيرجون رحمته، ويريدون جنته، ويخافون عذابه.\nقال أبو إسحاق: أي الذين يزعمون أنهم آلهة يرجون ويخافون (٤).\nوقرأ ابن مسعود: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ بالتاء (٥)، ﴿يَبْتَغُونَ﴾ بالياء،\n_________\n= الوسيلة ...، (٦١٤) كتاب: الأذان، الدعاء عند النداء، قال ابن الأثير: وسل في الأصل: ما يُتَوَصَّلُ به إلى الشيء ويُتقرَّبُ به، والمراد بها في الحديث: القرب من الله تعالى، وقيل: هي الشفاعة يوم القيامة، وقيل: هي منزلة من منازل الجنَّة. انظر: \"النهاية\" ٥/ ١٨٥.\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٤٦ بنصه تقريبًا.\n(٢) في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ [المائدة: ٣٥].\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٤٦، بنصه.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٤٦، بنصه.\n(٥) ورد في إعراب القرآن للنحاس ٢/ ٢٤٥، انظر: \"تفسير الثعلبي\" ٧/ ١١١ ب- وذكر أن ﴿يَبْتَغُونَ﴾ أيضًا بالتاء، وهو مما انفرد به، وقد قال القرطبي: ولا خلاف في ﴿يَبْتَغُونَ﴾ أنه بالياء، و\"تفسير السمعاني\" ٣/ ٢٥٠، و\"البغوي\" ٥/ ١٠١، و\"ابن عطية\" ٩/ ١١٩، و\"القرطبي\" ١٠/ ٢٧٩، ووردت ﴿يَدْعُونَ﴾ بالياء مبنيًّا للمجهول=","vol":"13","page":371},{"text":"قال أبو عبيد: ولولا كراهة الخلاف كانت هذه القراءة آثر عندي؛ للخطاب الذي قبلها (١)، وذهب بعضُ المفسرين إلى أن هذه الآية من صفة الأنبياء الذين تقدم ذكرهم (٢).\nوروى عطاء عن ابن عباس في هذه الآية، قال: ثم ذكر أولياءه، فقال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ الآية. وعلى هذا القول الآية صفة المؤمنين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2185>٥٨ </span>- قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا﴾ الآية. قال مجاهد: كل قرية في الأرض سيصيبها بعضُ هذا (٣)؛ هلاكٌ أو عذابٌ بالقتل والبلاء، وقال قتادة: قضاء من الله كما تسمعون، ليس منه بُدّ؛ إما أن يهلكها بموت، فقد قال: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥]، وإما أن يهلكها بعذاب مُستأصِل إذا تركوا أمره وكذبوا رسله (٤).\nوقال ابن مسعود: إذا ظهر الزنا والربا في أهل قرية أذن الله في هلاكها (٥).\n_________\n= في \"القراءات الشاذة\" لابن خالويه ص ٨٠، و\"إعراب القراءات الشاذة\" ١/ ٧٩٢، والقراءة بالتاء في (تدعون) و(تبتغون) شاذة أيضًا.\n(١) لم أقف عليه، وُيردّ عليه بأن الالتزام بالقراءة السبعية المتواترة مقدم على مراعاة السياق.\n(٢) ورد في \"تفسير الطوسي\" ٦/ ٤٩١ - منسوبًا إلى أبي علي، ونسب لابن فُورك في \"تفسير ابن عطية\" ٩/ ١٢١، و\"أبي حيان\" ٦/ ٥١.\n(٣) \"تفسير مجاهد\" ١/ ٣٦٤ بنصه، أخرجه \"الطبري\" ١٥/ ١٠٦ بنصه، وورد في \"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢٧٤ بنحوه.\n(٤) أخرجه \"الطبري\" ١٥/ ١٠٧ بنصه.\n(٥) أخرجه \"الطبري\" ١٥/ ١٠٧ بنصه عن عبد الرحمن بن عبد الله، وورد في \"تفسير الثعلبي\" ٧/ ١١١ ب بنصه، انظر: \"تفسير السمعاني\" ٣/ ٢٥٢، و\"القرطبي\" ١٠/ ٢٨٠، و\"الخازن\" ٣/ ١٦٨.","vol":"13","page":372},{"text":"وقال مقاتل: أما الصالحة فبالموت، وأما الطالحة فبالعذاب (١).\nوقال ابن عباس في هذه الآية: فَهَلْكُ أهلها قبل يوم القيامة أو يعذبهم مثل ما فعل بأهل مكة؛ عذبهم بالجوع حتى أكلوا العلهز (٢).\n﴿كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾ قال: يريد مكتوبًا في اللوح المحفوظ.\nوقال أبو إسحاق: أي ما من أهل قرية إلا سَيُهلك (٣)؛ إما بموت وإما بعذاب يستأصلهم (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2186>٥٩ </span>- قوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ﴾ قال ابن عباس وقتادة والمفسرون: \"سأل أهل مكة النبيّ -ﷺ- أن يجعل لهم الصفا ذهبًا وأن يُنَحِّي الجبال عنهم فيزْدرعوا (٥) فأتاه جبريل فقال: إن شئت كان ما سأل قومك، ولكنهم إن لم يؤمنوا لم يناظروا، وإن شئت استأنيت بهم، قال: لا بل أستأن بهم، فأنزل الله هذه الآية\" (٦).\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ١/ ٢١٦ أ، بنحوه، وورد في \"تفسير الثعلبي\" ٧/ ١١١ ب بنصه.\n(٢) العلهز: هو الوبر يعجن بالدم والقُراد يأكلونه والقراد: دويبة متطفلة انظر: \"تفسير الطبري\" ١٤/ ١٨٦ - ١٨٧.\n(٣) في المصدر: (سيهلكون) مراعاة لمعنى ما، أما الواحدي فقد راعى لفظها.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٤٧ بنصه.\n(٥) يقال: ازْدرع إذا زرع أو أمر به لنفسه خُصوصًا. \"المحيط في اللغة\" (زرع) ١/ ٣٨٣.\n(٦) أخرجه -بنحوه عن ابن عباس من طريق ابن جبير (جيدة) - أحمد ١/ ٢٥٨، والبزار [كشف الأستار] (٣/ ٥٥، والنسائي في تفسيره ١/ ٦٥٥، و\"الطبري\" ١٥/ ١٠٨، والحاكم: التفسير/الإسراء ٢/ ٣٦٢ وقال: صحيح الإسناد وأقره الذهبي، والبيهقي في \"الدلائل\" ٢/ ٢٧١ بعدة روايات، وأخرجه \"الطبري\" ١٥/ ١٠٨، بنحوه عن قتادة، وأخرجه المؤلف في \"أسباب النزول\" ٢٩٥، وأورده ابن كثير في \"البداية والنهاية\" ٣/ ٥٢ - بروايتين عن ابن عباس وقال: وهذان إسنادان جيدان،=","vol":"13","page":373},{"text":"قال أبو إسحاق: (أن) الأولى نصب والثانية رفع، المعنى: ما منعنا الإرسالَ إلا تكذيبُ الأولين، والتأويل: أنهم سألوا الآيات التي استوجب بها الأولون العذاب لما كذبوا بها (١)، وحقيقة المعنى: إنّا لم نرسل بالآيات؛ لئلا يكذب بها هؤلاء كما كذب مَنْ قبلهم، فيستحقوا المعاجلة بالعقوبة.\nفإن قيل: ما معنى قوله: ﴿وَمَا مَنَعَنَا﴾ والله تعالى لا يجوز أن يكون ممنوعًا عن شيء؟! قلنا: معناه هاهنا المبالغة في أنه لا يفعل ذلك، فكأنه قد مُنع منه؛ وذلك أن الإرادة الأزلية قد سبقت بتدبير الأمور وإمضائها؛ لا يؤخرُ منها مَقَدّم ولا يُقَدمُ مؤخّر، فإذا منعت الإرادة والمشيئة أمرًا جاز إطلاق لفظ المنع على الوجه الذي ذكرنا، والباء في قوله: ﴿بِالْآيَاتِ﴾ زيادة (٢)، والمعنى: أن نرسل الآيات، والآية مختصرة؛ لأن التقدير: ﴿إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ﴾ فأهلكناهم، قال المفسرون: وسنة الله في الأمم إذا سألوا الآيات فأتتهم ثم لم يؤمنوا أن يعذبهم ولا يمهلهم (٣).\n_________\n= وأورده الهيثمي في \"المجمع\" ٧/ ٥٠، عن ابن عباس بروايتين وقال: ورجال الروايتين رجال الصحيح، وأورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ٣٤٣ وزاد نسبته إلى ابن المنذر والطبراني وابن مردويه والضياء في المختارة عن ابن عباس، وقال شاكر في \"شرح المسند\" ٢/ ٩٦. إسناده صحيح، وورد بنحوه في \"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢٧٤، عن ابن عباس، و\"هود الهواري\" ٢/ ٤٢٧، و\"الثعلبي\" ٧/ ١١١ ب، انظر: \"لباب النقول\" ص ١٣٧.\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٤٧ بنصه.\n(٢) يقصد زيادة للتأكيد، انظر التعليق على اتاقول بالزيادة في القرآن، عند آية [١٠] من سورة إبراهيم.\n(٣) ورد في \"تفسير الثعلبي\" ٧/ ١١١ ب بنصه تقريبًا، انظر: \"تفسير الخازن\" ٣/ ١٦٩.","vol":"13","page":374},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً﴾ قال ابن عباس: يريد كانت لهم عيانًا، وقال قتادة؛: بينة (١)، وقال مجاهد: آية مبصرة (٢).\nقال الأخفش: المُبْصِرةُ: البَيِّنَة، كما تقول: المُوضِحَة والمُبَيِّنَة (٣)، فعلى هذا أبصر واقع بمعنى بصر (٤).\nوقال الفراء: جعل الفعل لها، ومعنى ﴿مُبْصِرَةً﴾: مضيئة، كما قال تعالى: ﴿وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾ [يونس: ٦٧]، أي: مضيئًا (٥).\nقال الأزهري: والقول ما قال الفراء؛ أراد: آتينا ثمود الناقة آية مبصرة، أي مضيئة (٦)، وقد ذكرنا هذا في سورة يونس (٧) وفي هذه السورة عند قوله: ﴿آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾ [آية: ١٢].\nوقوله تعالى: ﴿ظَلَمُوا بِهَا﴾ قال الزجاج: أي فظلموا بتكذيبها (٨)، وعلى هذا المعنى: ظلموا أنفسهم بتكذيب تلك الآية، ويكون المضاف محذوفًا، وقال المفسرون: كذبوا وجحدوا بها (٩).\n_________\n(١) أخرجه \"الطبري\" ١٥/ ١٠٨ بلفظه، انظر: \"تفسير الخازن\" ٣/ ١٦٩ بلا نسبة.\n(٢) \"تفسير مجاهد\" ١/ ٣٦٤ بلفظه، أخرجه \"الطبري\" ١٥/ ١٠٩ بلفظه من طريقين، وورد في \"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ١٦٧ بلفظه، و\"تفسير هود الهواري\" ٢/ ٤٢٧ بلفظه، وأورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ٣٢٥ وزاد نسبته إلى ابن المنذر.\n(٣) \"معاني القرآن\" للأخفش ٢/ ٦١٤ بنصه.\n(٤) ساقطة من (أ)، (د).\n(٥) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٢٦، باختصار.\n(٦) \"تهذيب اللغة\" (بصر) ١/ ٣٤٢، بلفظه.\n(٧) آية [٦٧].\n(٨) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٤٧ بنصه.\n(٩) ورد بنحوه في \"تفسير مقاتل\" ١/ ٢١٧ أ، و\"السمرقندي\" ٢/ ٢٧٤، و\"الثعلبي\" ٧/ ١١١ ب.","vol":"13","page":375},{"text":"قال ابن قتيبة: ويكون الظلم: الجَحْد؛ كقوله: ﴿فَظَلَمُوا بِهَا﴾، أي: جحدوا بأنها من الله، وكقوله: ﴿بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ﴾ [الأعراف: ٩]، أي: يجحدون (١)، وذكرنا معاني الظلم في سورة البقرة (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ﴾، أي: العبر والدلالات، ﴿إِلَّا تَخْوِيفًا﴾: للعباد؛ ليتعظوا ويخافوا، قال قتادة: إن الله يخوف الناس بما يشاء من آياته، لعلهم يعتبرون (٣) أو يتذكرون أو يرجعون (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2187>٦٠ </span>- قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ﴾ قال مجاهد: أحاط بالناس فهم في قبضته (٥)، وقال قتادة: يقول: يمنعك من الناس حتى تبلغ رسالة ربك (٦)، وقالا الحسن: أي حال بينهم وبين أن يقتلوك (٧)؛ كما\n_________\n(١) \"تأويل مشكل القرآن\" ص ٤٦٨، بنصه\n(٢) آية [٣٥].\n(٣) في جميع النسخ: يعينون، وفي \"الدر المنثور\" والألوسي: (يعتبون)، والتصويب من تفسير الطبري والثعلبي، ويحتمل الرسم أنها يفيئون؛ والله أعلم.\n(٤) أخرجه \"الطبري\" ١٥/ ١٠٩ بنصه، وورد في \"تفسير الثعلبي\" ٧/ ١١٢ أبنصه، وانظر: \"تفسير البغوي\" ٥/ ١٠٢، و\"ابن كثير\" ٣/ ٥٥، و\"الدر المنثور\" ٤/ ٣٤٥، و\"تفسير الألوسي\" ١٥/ ١٠٤.\n(٥) \"تفسير مجاهد\" ص ٤٣٨ بنصه، وأخرجه \"الطبري\" ١٥/ ١١٠ بنصه من طريقين، وورد بنصه في \"معاني القرآن\" للنحاس ١/ ٣٦٤، و\"تفسير هود الهواري\" ٢/ ٤٢٨، و\"الماوردي\" ٣/ ٢٥٣.\n(٦) أخرجه \"عبد الرزاق\" ٢/ ٣٨٠ مختصرًا، وأخرجه \"الطبري\" ١٥/ ١١٠ بنصه وبنحوه، وورد في \"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢٧٤ بنصه، و\"الماوردي\" ٣/ ٢٥٣، بنحوه.\n(٧) أخرجه \"الطبري\" ١٥/ ١١٠ - بمعناه من طريقين، وورد في \"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ١٦٨ - بمعناه، والماوردي ٣/ ٢٥٣ - بمعناه. انظر: \"تفسير السمعاني\" =","vol":"13","page":376},{"text":"قال: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧].\nفعلى هذه الأقوال: معنى الآية: أن الخلق في قبضة الله وأنه محيط بهم بالعلم والقدرة، فهو مانعك منهم وحافظك، فامض لما أمرك من تبليغ الرسالة ولا تهتم.\nوروي عن ابن عباس من طريق عطاء أن المراد بالناس هاهنا: أهل مكة (١)، وإحاطته بهم إهلاكه إيّاهم عن قريب؛ إمّا موتًا وإمّا قتلًا، وإلى هذا القول ذهب مقاتل والفراء وقالا: أي أنها ستفتح لك (٢)، وعلى هذا القول معنى الإحاطة بهم: الإهلاك؛ لقوله: ﴿إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾ [يوسف:٦٦] وقوله: ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ [البقرة: ٨١] وقد مرّ، والمعنى: أن الله أهلكهم، أي سيهلكهم، ولكن ذُكر بلفظ الماضي لتحقق كونه، وفي إهلاكه إياهم فتحها لمحمد -ﷺ- ثم أهلكهم يوم بدر قتلًا بالسيف، وأكثر ما يُذْكر أهلُ مكة في القرآن بلفظ الناس.\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ اختلفوا في معنى هذه الرؤيا؛ فأكثر المفسرين على أن المراد بها: ما أراه الله تعالى ليلة الإسراء (٣).\nقال عكرمة: أمَا إنه ليس برؤيا ولكنّه رَأْيُ عَين، وهي رؤيا يقظة\n_________\n= ٣/ ٢٥٣ بنصه، و\"ابن الجوزي\" ٥/ ٥٣، و\"الفخر الرازي\" ٢٠/ ٢٣٥.\n(١) انظر: \"تفسير القرطبي\" ١٠/ ٢٨٢، وورد بلا نسبة في \"تفسير مقاتل\" ١/ ٢١٦ ب، و\"الفخر الرازي\" ٢٠/ ٢٣٥.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ١/ ٢١٦ ب، بنحوه، و\"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٢٦ بنصه.\n(٣) وهذا القول رجحه \"الطبري\" ١٥/ ١٨٣، و\"الفخر الرازي\" ٢٠/ ٢٣٦.","vol":"13","page":377},{"text":"ليست رؤيا (١) في المنام (٢)، وهو قول سعيد بن جبير وأبي مالك وإبراهيم والسدي ومجاهد وقتادة والحسن والضحاك وابن زيد وابن جريج (٣)، وابن عباس في رواية عكرمة: قال: هي رؤيا عين أُرِيَهَا النبيّ -ﷺ- ليلة أُسري به إلى بيت المقدس (٤)، وهذا القول اختيار الفراء وابن قتيبة (٥)، وعلى هذا يصح أن يقال: رأيت بعيني رؤية ورؤيا (٦).\nومعنى قوله: ﴿إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ هو أنه ارتد بعضهم حين أعلمهم قصة الإسراء، وأنكروا وكذبوا، وازداد المؤمنون المخلصون إيمانًا.\nوقال ابن عباس في رواية الوالبي: هي رؤياه التي رأى أنه يدخل مكة وأخبر بذلك أصحابه، فلما صُدّ عن البيت عام الحُدَيْبِيَة (٧) كان ذلك فتنة\n_________\n(١) في جميع النسخ: (ليسترونا)، والظاهر أنها كلمتان اشتبكتا في الرسم، والصحيح المثبت.\n(٢) ورد بنحوه في \"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ١٩٨ و\"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢٧٤.\n(٣) \"تفسير مجاهد\" ١/ ٣٦٥، أخرجه \"الطبري\" ٥/ ١١٠ - ١١٢، عنهم كلهم عدا السدي، وورد في \"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ١٦٨، عن ابن جبير ومجاهد والضحاك، و\"تفسير الثعلبي\" ٧/ ١١٢ أ، عنهم عدا إبراهيم والسدي، و\"الماوردي\" ٣/ ٢٥٣، عنهم عدا أبي مالك وإبراهيم والسدي وابن جريج، و\"الطوسي\" ٦/ ٤٩٤، عنهم- عدا أبي مالك والسدي.\n(٤) أخرجه بنصه: \"عبد الرزاق\" ٢/ ٣٨٠، والبخاري (٤٧١٦) كتاب: التفسير، الإسراء، و\"الطبري\" ١٥/ ١١٠ من ثلاث طرق، و\"السمرقندي\" ٢/ ٢٧٤، وورد في \"تفسير الثعلبي\" ٧/ ١١٢ أ، و\"الماوردي\" ٣/ ٢٥٣، و\"الطوسي\" ٦/ ٤٩٤.\n(٥) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٢٦، و\"الغريب\" لابن قتيبة ١/ ٢٥٨.\n(٦) قال ابن الأنباري: لا فرق بين أن يقول القائل: رأيت فلانًا رؤية، ورأيته رؤيا، إلا أن الرؤية يقل استعمالها في المنام، والرؤيا يكثر استعمالها في المنام، ويجوز كل واحد منهما في المعنيين. \"تفسير ابن الجوزي\" ٥/ ٥٣.\n(٧) عام الحديبية كان في السنة السادسة من الهجرة، والحديبية: قرية متوسطة سميت باسم بئر كانت هناك، عند الشجرة التي حصلت تحتها بيعة الرضوان، قال الخطابي: وسميت الحديبية بشجرة حدباء كانت في ذلك الموضع، وبين الحديبية ومكة مسافة (٢٥) كم تقريبًا، ويقع بعضها في الحل وبعضها في الحرم، وتعرف الآن باسم الشميسي، وتقع في طريق مكة جدة القديم. انظر: \"الروض المعطار\" ص ١٩٠، و\"معجم البلدان\" ٢/ ٢٢٩.","vol":"13","page":378},{"text":"لهم، فلما كان العام المقبل دخلها وأنزل الله تعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ﴾ (١) [الفتح: ٢٧]، غير أن هذا القول يَضْعُف من حيث إن هذه الرؤيا كانت بالمدينة، وهذه السورة مكية، والله أعلم.\nوقال سعيد بن المسيب: أُري بني أمية يَنْزُون (٢) على منابرهم فساءه ذلك، فقيل له: إنما هي الدنيا أُعْطُوها فسُرِّي عنه (٣)، ونحو هذا روي عن سهل بن سعد قال: \"رأى رسول الله -ﷺ- بني أمية يَنْزُون على منبره نَزْوَ القِرَدةِ فساءه ذلك\" (٤).\n_________\n(١) أخرجه \"الطبري\" ١٥/ ١١٢، بنحوه من طريق العوفي (ضعيفة)، وورد بنحوه في \"تفسير الثعلبي\" ٧/ ١١٢ أ، و\"الماوردي\" ٣/ ٢٥٣، و\"الطوسي\" ٦/ ٤٩٤، انظر: \"تفسير ابن عطية\" ٩/ ١٢٧، و\"ابن الجوزي\" ٥/ ٥٤.\n(٢) النَّزْو: هو الوَثَبَان، والمقصود يتعاقبون. انظر: \"المحيط في اللغة\" (نزو) ٩/ ٩٣، و\"اللسان\" (نزا) ٧/ ٤٤٠٢.\n(٣) ورد في \"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢٧٤، بنحوه، وأخرجه البيهقي في \"الدلائل\" ٦/ ٥٠٩ - بنصه، وورد في \"تفسير الثعلبي\" ٧/ ١١٢ أ - بنصه، وأورده \"ابن الجوزي\" ٥/ ٥٤ وقال: وإن كان مثل هذا لا يصح، ولكن ذكره عامة المفسرين، كذلك أشار ابن حجر إلى هذا القول ورواياته، وقال: وأسانيد الكل ضعيفة. \"فتح الباري\" ٨/ ٢٥٠.\n(٤) أخرجه \"الطبري\" ١٥/ ١١٢ بنصه تقريبًا، وورد في \"تفسير الثعلبي\" ٧/ ١١٢ أ - بنصه، و\"الماوردي\" ٣/ ٢٥٣ بنصه تقريبًا، و\"الطوسي\" ٦/ ٤٩٤، بنحوه، وهذا الأثر ضعيف كما قال ابن كثير ٣/ ٥٥ قال: وهذا السند ضعيفٌ جدًّا؛ فإن محمد =","vol":"13","page":379},{"text":"وهذا قول ابن عباس في رواية عطاء قال: رأى رسول الله -ﷺ- في المنام أن ولد مروان يتداولون منبره كما يتداول الصبيان الكرة (١)، وهذه الآية مكية، ولم يكن للنبيّ -ﷺ- بمكة منبر، غير أنه لا يبعد أن يرى بمكة رؤيا المنبر بالمدينة، كأنه رأى أن له بالمدينة منبرًا يتداوله بنو أمية.\nقوله تعالى: ﴿وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ﴾ هذا على التقديم والتأخير، ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ﴾، ﴿وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ﴾، ﴿إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ واختلفوا في هذه الشجرة؛ فالأكثرون أنها شجرة الزقوم التي ذَكر في قوله: ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ (٤٣) طَعَامُ الْأَثِيمِ﴾ [الدخان: ٤٣، ٤٤] وهذا قول مسروق وسعيد بن جبير وأبي مالك وإبراهيم ومجاهد وقتادة والكلبي وعكرمة والضحاك، وقول ابن عباس في رواية عكرمة من طريق سفيان عن عمرو بن دينار عنه (٢)، وكانت فتنتهم في هذه الشجرة ما ذكر\n_________\n= ابن الحسن بن زبالة متروك، وشيخه -أي عبد المهيمن بن عباس- أيضًا ضعيفٌ بالكلية، وأورد الشوكاني الأثر وضعفه، وقال: وفيه ضعف؛ فإنه لا فتنة للناس في هذه الرؤيا، إلا أن يراد بالناس رسول الله -ﷺ- وحده، ويراد بالفتنة ما حصل من المساءة لرسول الله -ﷺ-، أو يحمل على أنه قد كان أخبر الناس بها فافتتنوا. \"تفسير الشوكاني\" ٣/ ٣٤٢، وظاهرٌ أن هذا القول وأمثاله من المُحدث.\n(١) ورد بنصه بلا نسبة في: \"تفسير الخازن\" ٣/ ١٦٩، و\"أبي حيان\" ٦/ ٥٥.\n(٢) \"تفسير مجاهد\" ١/ ٣٦٥، أخرجه \"عبد الرزاق\" ٢/ ٣٨١، عن ابن عباس وابن جبير، والبخاري (٤٧١٦) كتاب: التفسير، الإسراء، عن ابن عباس، و\"الطبري\" ١٥/ ١١٣ - ١١٥، عنهم كلهم عدا الكلبي، وورد في \"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ١٦٩، عن ابن جبير ومجاهد وعكرمة والضحاك، و\"تفسير الجصاص\" ٣/ ٢٠٥، عنهم عدا مسروق وأبي مالك والكلبي وعكرمة، و\"تفسير هود الهواري\" ٢/ ٤٢٩، عن مجاهد، و\"الماوردي\" ٣/ ٢٥٣، عن مجاهد وقتادة والضحاك وابن جبير، و\"الطوسي\" ٦/ ٤٩٤، عنهم عدا الكلبي وعكرمة.","vol":"13","page":380},{"text":"قتادة قال: خَوَّفَ الله بها عباده ففتنوا (١) بذلك، حتى قال أبو جهل: زعم صاحبكم أن في النار شجرًا، والنار تأكل الشجر، وقال ابن الزِّبَعْري (٢): ما نعلم الزقوم إلا التَّمْر والزُّبْد، فتزقموا منه، فأنزل الله حين عجبوا أن يكون في النار شجرًا: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ﴾ الآيات. (٣) [الصافات: ٦٣ - ٦٦].\nوروى السدي عن أبي مالك عن ابن عباس قال: الشجرة الملعونة في القرآن بنو أمية (٤).\nوقال في رواية عطاء: يعني الحكم بن أبي العاص (٥)، قال: \"وكان\n_________\n(١) في جميع النسخ: (فَنُبِؤا) والتصويب من تفسيره \"الوسيط\" تحقيق سيسي ٢/ ٥١٥.\n(٢) عبد الله بن الزِّبَعْري بن قيس السهمي، أحد شعراء قريش، كان شديدًا على المسلمين في الجاهلية، يهجوهم ويحرِّض عليهم كفار قريش في شعره، فلما فتحت مكة هرب إلى نجران، فقال فيه حسان بيتًا فلما بلغه عاد إلى مكة وأسلم، واعتذر إلى النبي -ﷺ- فقبل عذره وحسن إسلامه، وشهد ما بعد الفتح. انظر: \"الأغاني\" ١٥/ ١٧٤، و\"الاستيعاب\" ٣/ ٣٦، و\"أسد الغابة\" ٣/ ٢٣٩.\n(٣) أخرجه \"عبد الرزاق\" ٢/ ٣٨١ مختصرًا، و\"الطبري\" ١٥/ ١١٤، بنحوه، وورد بنحوه بلا نسبة في: \"تفسير مقاتل\" ١/ ٢١٦ ب، و\"الثعلبي\" ٧/ ١١٢ أ.\n(٤) انظر: \"تفسير الفخر الرازي\" ٢٠/ ٢٣٧ بنصه، و\"القرطبي\" ١٠/ ٢٨٦ وقال: وهذا قول ضعيف محدَث. وورد في \"تفسير الطوسي\" ٦/ ٤٩٤ بنصه عن أبي جعفر، وقال ابن كثير ٣/ ٥٥: وقيل: المراد بالشجرة الملعونة بنو أمية، وهو غريب ضعيف.\n(٥) الحكم بن أبي العاص الأموي القرشي، عمّ عثمان بن عفان -﵁-، وهو أبو مروان بن الحكم، من مسلمة الفتح، أخرجه رسول الله -ﷺ- من المدينة وطرده عنها، فنزل في الطائف مع ابنه مروان، ولم يزل بها حتى رده عثمان -﵁- إلى المدينة في خلافته، وبقي فيها، وتوفي في آخر خلافة عثمان. انظر: \"الاستيعاب\" ١/ ٤١٤، و\"أسد الغابة\" ٢/ ٤٨، و\"الإصابة\" ١/ ٣٤٥.","vol":"13","page":381},{"text":"رأى رسول الله -ﷺ- في المنام ولد مروان يتداولون منبره، فقصّ رؤياه على أبي بكر وعمر وقد خلا في بيته معهما، فلما تفرقا سمع رسول الله -ﷺ-، فاشتد ذلك عليه، واتهم عمر في إفشاء سره، ثم ظهر أن الحكم كان يَتسمَّعُ إليهم، فنفاه رسولُ الله -ﷺ-\" (١)، وهذه القصة كانت بالمدينة والسورة مكية، فيبعد هذا التفسير، إلا أن تكون هذه الآية مدنية، ولم يقل ذلك أحد، والله أعلم. ويؤكد أن يكون المراد بالشجرة الملعونة: الحكم، قول عائشة لمروان: لعن الله أباك وأنت في صلبه، فأنت فَضَضٌ (٢) من لعنة الله (٣). والأكثرون على القول الأول، وهو الظاهر (٤).\nقال أبو إسحاق: فإن قال: قائل ليس في القرآن ذكر لعنها، فالجواب في ذلك أنه لُعِنَ الكفارُ وهم آكلوها -فعلى هذا يكون التقدير: ﴿وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ﴾: آكلوها- قال: وجواب آخر: وهو أن العرب تقول لكل طعام مكروه ضَارّ: ملعون (٥).\n_________\n(١) انظر: \"تفسير السمعاني\" ٣/ ٢٥٥، بنحوه، وأشار ابن حجر إلى هذا القول، وقال: وإسناده ضعيف. \"فتح الباري\" ٨/ ٢٥١.\n(٢) قال ثعلب: معناه: أي خرجت من صُلْبه متفرقًا، يعني ما انفضَّ من نطفة الرجل وتردد في صُلبه، وقيل في قولها: فأنت فَضَضٌ من لعنة الله: أرادت إنك قِطعة منها وطائفة منها. \"اللسان\" (فضض) ٦/ ٣٤٢٧.\n(٣) ورد في \"تهذيب اللغة\" (فضض) ٣/ ٢٨٠٠، بنحوه، و\"الاستيعاب\" ١/ ٤١٥، بنحوه، انظر: \"أسد الغابة\" ٢/ ٣٨ بنحوه، و\"اللسان\" (فضض) ٦/ ٣٤٢٧ بنصه، وأورده الألوسي ١٥/ ١٠٧ بمعناه وعزاه إلى ابن مردويه عنها.\n(٤) وهو ما رجحه \"الطبري\" ١٥/ ١١٥، وقال ابن حجر: وهذا هو الصحيح، وذكره ابن أبي حاتم عن بضعة عشر نفسًا من التابعين. \"فتح الباري\" ٨/ ٢٥١.\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٤٨ - بنصه- الكلام المعترض.","vol":"13","page":382},{"text":"وقال بعضهم: يعنى الشجرة الملعونة التي ذُكرت في القرآن؛ وهي شجرة الزقوم (١)، وعلى هذا (في) هاهنا ظَرَفٌ للذِّكر لا لِلَّعن.\nوروى عكرمة عن ابن عباس في قوله: ﴿وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ﴾ قال: المذمومة (٢)، ويدل أن المراد بالشجرة هاهنا شجرة الزقوم: ﴿وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا﴾، أي: نخوفهم بالزَّقوم فما يزدادون إلا كفرًا وعتوًا، وهو ما زادوا من التكذيب والإنكار حين سمعوا بذكر هذه الشجرة في القرآن، وقد روي عن ابن عباس: أنه فسر الشجرة الملعونة بالكَشُوث (٣)، وهو قول ضعيف وتفسير لا يليق بالآية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2188>٦١ </span>- قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ الآية. ذكر أهل المعاني في وجه اتصال هذه الآية بما قبلها وجهين؛ أحدهما: أنه على معنى ما يزيدهم إلا طغيانًا كبيرًا، محققين لظن (٤) إبليس فيهم، مخالفين موجب نعمة ربهم على أبيهم وعليهم (٥)، والثاني: أن المعنى: واذكر بتمادي هؤلاء المشركين وازديادهم عتوًّا قصة إبليس حين عصى وأبى السجود (٦)، وذكرنا معنى هذه الآية وهذه القصة في سورة البقرة (٧).\n_________\n(١) وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ (٤٣) طَعَامُ الْأَثِيمِ﴾ [الدخان: ٤٣، ٤٤].\n(٢) انظر: \"تفسير ابن الجوزي\" ٥/ ٥٥، بلفظه.\n(٣) أخرجه \"الطبري\" ١٥/ ١١٥، بنحوه، وورد في \"تفسير الثعلبي\" ٧/ ١١٢ أ، بنحوه، و\"الماوردي\" ٣/ ٢٥٤ بلفظه، انظر: \"تفسير الزمخشري\" ٢/ ٣٦٦، و\"ابن الجوزي\" ٥/ ٥٦، و\"القرطبي\" ١٠/ ٢٨٦، و\"الخازن\" ٣/ ١٧٠.\n(٤) في (أ)، (د): (بظن)، والمثبت من (ش)، (ع) وهو الصحيح، والأصح ظن كما في تفسير الطوسي.\n(٥) ورد في \"تفسير الطوسي\" ٦/ ٤٩٦، بنصه تقريبًا.\n(٦) ورد نحوه في \"تفسير الطبري\" ١٥/ ١١٦، و\"الثعلبي\" ٧/ ١١٣أ، و\"القرطبي\" ١٠/ ٢٨٧.\n(٧) آية [٣٤].","vol":"13","page":383},{"text":"وقوله تعالى: ﴿أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا﴾ قال المفسرون وأهل المعنى: امتنع إبليس من السجود لآدم وأنكر أن يسجد له وقال: أنا ناري، وهذا طيني (١)، (وذلك أن الفروع ترجع إلى الأصول؛ فتكون على قدرها في التكبير أو التصغير، فلما اعتقد إبليس لعنه الله أن النار أكرم أصلًا من الطين خامنه أنه أكرم ممن خلق من طين، وذهب عليه بجهله أن الجواهر كلها من جنس واحد، وأن الله يُعرِّفُها بالأعراض كيف شاء، مع كرم جوهر الطين بكثرة ما فيه من المنافع التي تقاوم منافع النار أو تُوفِي عليها) (٢)، وقال أبو إسحاق: المعنى: لمن خلقته طينًا، وطينًا منصوب على الحال، المعنى: أنك أنشأته في حال كونه من طين (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2189>٦٢ </span>- قوله تعالى: ﴿قَالَ﴾ يعني إبليس، ﴿أَرَأَيْتَكَ﴾ قال الزجاج: هو في معنى أخبرني، والكاف لا موضح لها؛ لأنها ذكرت في المخاطبة توكيدًا (٤)، وذكرنا الكلام في هذا الحرف مستقصى في سورة الأنعام (٥)، ﴿هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾: لِمَ كرمته عليّ؟! قال: موضح هذا نصب بأَرَأَيْتَ، والجواب محذوف، والمعنى أخبرني عن هذا الذي كرمت عليّ لم كَرَّمْتَه عَليَّ، وقد خلقتني من نار وخلقته من طين؟! فَحُذف هذا؛ لأن في الكلام دليلًا عليه (٦)، ومعنى ﴿كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾: أي فَضَّلت، قال\n_________\n(١) ورد بنحوه في \"تفسير مقاتل\" ١/ ٢١٦ ب، و\"الطوسي\" ٦/ ٤٩٦، انظر: \"تفسير السمعاني\" ٣/ ٢٥٦، و\"ابن الجوزي\" ٥/ ٥٧، و\"الفخر الرازي\" ٢١/ ٣.\n(٢) ما بين القوسين ورد بنصه تقريبًا في \"تفسير الطوسي\" ٦/ ٤٩٦.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٤٩، بتصرف.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٤٩، بنصه.\n(٥) آية [٤٠].\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٤٩، بنصه.","vol":"13","page":384},{"text":"ابن عباس: والكرم اسم جامع لكل ما يحمد (١).\nوقوله تعالى: ﴿لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ﴾ قال ابن عباس في رواية الوالبي: لأستولين (٢).\nوقال الحسن: لأغوينَّ (٣)، وقال مجاهد: لأحتوينَّ (٤)، وروي عنه أنه قال مثل الزِّيَاق (٥)، هذا قول المفسرين.\nوقال ابن زيد: لأضلنهم (٦)، وقيل: لأستأصلنَّهم بالإغواء (٧).\nفأما كلام أهل اللغة في هذا الحرف، فروى محمد بن سَلاَّم أنه سأل يونس عن هذه الآية فقال: يقال: كأن في الأرض كلأً فاحتنكه الجراد؛ أي\n_________\n(١) انظر: \"تفسير القرطبي\" ١٠/ ٢٨٧، بلا نسبة.\n(٢) أخرجه \"الطبري\" ١٥/ ١١٧ بلفظه من طريق ابن أبي طلحة (صحيحة)، وورد بلفظه في \"تفسير الماوردي\" ٣/ ٢٥٤، و\"الطوسي\" ٦/ ٤٩٧، انظر: \"تفسير ابن كثير\" ٣/ ٥٦، وأورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ٣٤٧ وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(٣) لم أقف على هذا القول، وورد عنه تفسيره بـ: لأستأصلن ذريته، في \"تفسير هود الهواري\" ٢/ ٤٢٩.\n(٤) \"تفسير مجاهد\" ١/ ٣٦٥ بلفظه، وأخرجه \"الطبري\" ١٥/ ١١٧ بلفظه من طريقين، وورد بلفظه في \"تفسير هود الهواري\" ٢/ ٤٢٩، و\"الطوسي\" ٦/ ٤٩٧، أورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ٣٤٧ وزاد نسبته إلى ابن المنذر.\n(٥) لم أقف عليه، والزياق: هو ما أحاط بالعمق من القميص. انظر (زيق) في: \"الصحاح\" ٤/ ١٤٩٢، و\"اللسان\" ٣/ ١٩٠، و\"متن اللغة\" ٣/ ٨٠.\n(٦) أخرجه \"الطبري\" ١٥/ ١١٧ بنصه، وورد في \"تفسير الطوسي\" ٦/ ٤٩٧ - بلفظه، وانظر: \"تفسير ابن الجوزي\" ٥/ ٥٧، و\"القرطبي\" ١٠/ ٢٨٧، وأورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ٣٤٧ وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم.\n(٧) ورد بنصه في \"تفسير الثعلبي\" ٧/ ١١٣ ب، و\"الماوردي\" ٣/ ٢٥٤، انظر: \"تفسير الزمخشري\" ٢/ ٣٦٦، و\"الفخر الرازي\" ٢١/ ٤.","vol":"13","page":385},{"text":"أتى عليه، ويقول أحدُهُم: لم أجد لِجامًا فاحْتَنَكْتُ دَابَّتي، أي ألقيتُ في حَنَكها حبلًا قُدْتُها به (١).\nوتفسير هذا الحرف لا يخرج عن هذين الأصلين الذين ذكرهما يونس، فمن قال: لأستأصلنهم ولأستولين عليهم، فأصله من احتِناكِ الجرادِ الزرعَ، وهو أن يأكلها ويستأصلها باحتناكها فيفسدها، ومن هذا يقال للجماعة المنتجعين: الحنك، يقال: ما تركَ الأحْنَاكُ في أرضنا شيئًا، يعنون: الجماعات المارة، ومنه قول أبي نُخَيْلَة (٢):\nإنا وكُنَّا حَنَكًا نَجْدِيًّا (٣) (٤)\nهذا هو الأصل، ثم يُسمى الاستيلاء على الشيء وأخذ كله احتناكًا، حتى يقال: احتَنَكَ ما عند فلان، أي أخذه كله من علم أو مال أو غير ذلك (٥)، واحتنكت السَّنَةُ [أموالنا] (٦) إذا استأصلتها، وأنشد أهل اللغة:\n_________\n(١) ورد في \"تهذيب اللغة\" (حنك) ١/ ٩٤٤، بنصه.\n(٢) الرَّاجز أبو نُخيلة، اسمه يَعْمر، وكني أبا نُخَيلة لأن أمه ولدته إلى جنب نخلة -كما قال ابن قتيبة- وفي \"الأغاني\" عن الأصمعي وابن حبيب أنه لا يعرف له اسم غيره، وله كنينان: أبو الجُنيد وأبو العِرماس، كان عاقًا لأبيه فنفاه أبوه عن نفسه، فخرج إلى الشام وأقام هناك إلى أن مات أبوه، ثم عاد وبقي مشكوكًا في نسبه، مطعونًا عليه، مات سنة (١٤٥ هـ) انظر: \"الشعر والشعراء\" ص ٣٩٩، و\"الأغاني\" ٢٠/ ٤٠٣، و\"الخزانة\" ١/ ١٦٥.\n(٣) وعجزه:\nلمَّا انْتَجَعْنا الورقَ المرْعِيَّا\nورد في \"الأساس\" ص ٢٠٣، و\"اللسان\" (حنك) ٢/ ١٠٢٨.\n(٤) ورد في \"تهذيب اللغة\" (حنك) ١/ ٩٤٣، بنصه.\n(٥) ورد نحوه في \"مجاز القرآن\" ١/ ٣٨٤.\n(٦) زيادة يقتضيها السياق؛ كما في \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٤٩.","vol":"13","page":386},{"text":"نَشْكو إليْك سَنَةً قد أجْحَفَتْ\nواحْتَنَكَتْ أموالَنَا وجلَّفَتْ (١)\nومن قال: لأغوينّهم ولأقودنّهم إلى المعاصي؛ كما روي عن مجاهد أنه قال: مثل الزِّياق، فأصله من قولهم: حَنَكَ الدابةَ يَحْنُكُها، إذا ربط في حنكِها الأسفل حَبْلًا يقودها به (٢)، ومثله: احتنك، وأنشد ابن الأعرابي (٣):\nفإنَّ لدَينا مُلْجِمِينَ وحانِكًا (٤)\nوالمعنى على هذا الأصل: لأقودنّهم حيث شئت، كمن يُربط في حَنَكه الزياق فيقاد.\nقال الأخفش في قوله: ﴿لَأَحْتَنِكَنَّ﴾: لأستأصلَنَّهم ولأستميلَنَّهم (٥)،\n_________\n(١) ورد بلا نسبة في \"مجاز القرآن\" ١/ ٣٨٤، و\"تفسير الطبري\" ١٥/ ١١٦، و\"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٤٩، و\"تفسير الثعلبي\" ٧/ ١١٣ ب، و\"الماوردي\" ٣/ ٢٥٤، و\"الطوسي\" ٦/ ٤٩٧، و\"ابن عطية\" ٩/ ١٣٤، و\"القرطبي\" ١٠/ ٢٨٧، و\"الدر المصون\" ٧/ ٣٨٠، في بعض الروايات: جَنَّفَتْ واجتلفت بدل جلَّفَتْ؛ (الجَلْفُ): القَشْرُ، والجالفةُ: السَّنة التي تذهبُ بأموال الناس؛ من جلفت الشيءَ: إذا قلَعْتَه واستأصلْتَه. \"العباب الزاخر\" ف/ ٦٧.\n(٢) ذكره ابن السكيت في \"الإصلاح\" ص ٧١ بنصه، وورد بنحوه في \"الغريب\" لابن قتيبة ١/ ٢٥٨، و\"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ١٧١، انظر (حنك) في: \"تهذيب اللغة\" ١/ ٩٤٤، و\"المحيط في اللغة\" ٢/ ٣٨٣.\n(٣) البيت لزَبَّان بن سَيَّار الفزَاري، كما في \"تهذيب اللغة\" (حنك) ١/ ٩٤٤، وتصحفت في اللسان إلى: زياد، والصحيح أنه زبان، كما في \"الاشتقاق\" ص ٢٨٣.\n(٤) صدره:\nفإن كنتَ تُشْكَى بالجِماع ابنَ جعفر\nورد في \"تهذيب اللغة\" (حنك) ١/ ٩٤٤، و\"اللسان\" (حنك) ٢/ ١٠٢٨.\n(٥) ليس في معانيه، وورد في \"تهذيب اللغة\" (حنك) ١/ ٩٤٤، بنصه.","vol":"13","page":387},{"text":"فذكر القولين، ونحوه قال أبو عبيدة سواءً (١)، واختار الفراء والزجاج وابن قتيبة الأول (٢)، وهو أنه مأخوذ من احتناك الجراد الزرع، وكلا القولين مأخوذ من الْحَنَك على ما بَيَّنَا.\nوقوله تعالى ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ يعني المعصومين، قال ابن عباس: يريد بالقليل أولياء الله الذين عصمهم (٣)، وهم الذين استثناهم الله -﷿- في قوله: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر: ٤٢]\nفإن قيل: كيف ظن إبليس هذا الظن الصادق بذرية آدم؟ فالجواب عن هذا: أن الله تعالى كان قد أخبر الملائكة أنه سيجعل في الأرض من يفسد فيها ويسفك (٤) الدماء، على قول بعض المفسرين (٥)، وكان إبليس قد علم بذلك، وقيل: إنما قال ذلك لأنه وسوس إلى آدم فلم يجد له عزمًا، فقال بَنُو هذا مِثلُه في ضعف العزيمة، وهذا معنى قول الحسن (٦).\n_________\n(١) \"مجاز القرآن\" ١/ ٣٨٤، بنصه\n(٢) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٢٧، و\"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٤٩، و\"الغريب\" لابن قتيبة ١/ ٢٦٠.\n(٣) انظر: \"تفسير ابن الجوزي\" ٥/ ٥٧، بنصه.\n(٤) في (أ)، (د): (ولا يسفك) بزيادة (لا) والمثبت من (ش)، (ع) وهو الصحيح المتسق مع السياق.\n(٥) ورد في \"تفسير الطوسي\" ٦/ ٤٩٧، بنصه.\n(٦) ورد في \"تفسير الطوسي\" ٦/ ٤٩٨ بنصه، انظر: \"تفسير القرطبي\" ١٠/ ٢٨٧، و\"أبي حيان\" ٦/ ٥٨ وقال: وهذا ليس بظاهر؛ لأن قول ذلك كان قبل وسوسته لآدم في أكل الشجرة. وما قاله أبو حيات متوجه، إلا أن يكون الحسن أراد بقوله ما ورد عن أنس -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: \"لما صوَّر الله آدم في الجنة تركه ما شاء الله أن يتركه، فجعل إبليس يطيف به ينظر ما هو، فلما رآه أجوف عرف أنه خلق خلقًا لا يتمالك\" أخرجه مسلم (٢٦١١) كتاب: البر والصلة، باب. خلق الإنسان خلقًا لا يتمالك.","vol":"13","page":388},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2190>٦٣ </span>- قوله تعالى: ﴿قَالَ اذْهَبْ﴾ أي قال الله تعالى لإبليس: اذهب، وهذا اللفظ يتضمن معنى إنظاره وتأخير أجله، ﴿فَمَنْ تَبِعَكَ﴾ أي أطاعك وتبع أمرك وتسويلك ﴿مِنْهُمْ﴾: أي من ذرية آدم، ﴿فَإِنَّ جَهَنَّمَ﴾ الفاء تتضمن ها هنا جواب الشرط، وهذه المسألة قد مضت في مواضع، ﴿جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا﴾ من وَفَرْته أفِره وَفْرًا وفِرَةً، وهذا مُتعد، واللازم قولك: وَفر المالُ يَفر وُفُورًا فهو وافر (١)، قال الزجاج: ﴿جَزَاءً مَوْفُورًا﴾، أي: مُوَفَّرًا، يقال: وَفَرْته أَفِرُهُ وهو مَوْفُورٌ، وأنشد لزهير:\nومن يَجْعَلِ المعْرُوفَ مِنْ دُونِ عِرْضِهِ ... يَفِرْهُ ومَنْ لا يَتَّقِ الشَّتْمَ يُشْتَمِ (٢) (٣)\nوانتصب جزآءً على المصدر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2191>٦٤ </span>- قوله تعالى: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ﴾ قال الفراء: اسْتَخِف (٤).\nوقال أبو إسحاق: معناه: استدعه استدعاءً تستخفه به إلى جانبك (٥)، ويقال له: فَزَّه (٦) الخوف واستفزه، أي أزعجه واستخفه، قال أبو ذؤيب:\n_________\n(١) ورد في \"تهذيب اللغة\" (وفر) ٤/ ٣٩٢٥ بنصه.\n(٢) \"شرح ديوان زهير\" ص ٣٠، و\"شرح القصائد السبع\" ص ٢٨٧، وورد في \"الأغاني\" ٢/ ١٦٠، و\"تفسير الطوسي\" ٦/ ٤٩٧، و\"الفخر الرازي\" ٢١/ ٥، و\"الدر المصون\" ٧/ ٣٨١، وورد بلا نسبة في \"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ١٧٢، و\"الخزانة\" ٢/ ٤١٠، (٨/ ١٢٧، (يَفِرْه): يجعله وافرًا، ومعناه: من اصطنع المعروف إلى الناس وقَى عرضه.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٤٩، بنصه.\n(٤) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٢٧، بلفظه.\n(٥) \"معاني القرآن وإعرإبه\" ٣/ ٢٥٠ بنصه تقريبًا، وقد نقله من \"تهذيب اللغة\" (فز) ٣/ ٢٧٨٥ لوروده بنصه.\n(٦) في (أ)، (د): (أفزوه)، والمثبت من (ش)، (ع) هو الصواب.","vol":"13","page":389},{"text":"شَبَبٌ أفزَّتْهُ الكلابُ مُرَوَّعُ (١)\nومعنى صيغة الأمر هاهنا: التهدد، كما يقال للإنسان: اجتهد جهدك فسترى ما ينزل بك (٢).\nوقال الزجاج: الأمر إذا تقدمه نهي عما يؤمر به، كان المعنى في الأمر: الوعيد؛ لأنك قد تقول: لا تدخل هذه الدار، فإذا حاول أن يدخلها قلت: ادخلها، فَلَسْتَ تأمره بدخلولها، ولكنك تُوعِده، وهذا في الاستعمال كثير، ومثله: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠]، وقد نهوا أن يتبعوا أهواءهم (٣).\nومعنى الآية: يقول: ازعج واستخفف من استطعت من بني آدم.\n﴿بِصَوْتِكَ﴾ قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: صوته كلّ داعٍ دعا (٤) إلى معصية الله تعالى (٥)، وقال عطاء عنه: كل متكلم في غير ذات\n_________\n(١) صدره:\nوالدّهرُ لا يبقى على حَدَثَانِهِ\n\"ديوان الهذليين\" ص ١٠، وورد في \"الصحاح\" (فز) ٣/ ٨٩٠، و\"اللسان\" (فزز) ٦/ ٣٤٠٩، و\"التاج\" (فزز) ٨/ ١٢٣، وورد بلا نسبة في \"تهذيب اللغة\" (فز) ٣/ ٢٧٨٥، و\"المخصص\" ٨/ ٣٣، (الشَّبب): الثور المسنّ، (أفزّته): استخفته وطردته.\n(٢) ورد في \"تفسير الطوسي\" ٦/ ٤٩٩، بنصه تقريبًا.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٥١، بتصرف يسير.\n(٤) انقلب الكلام في جميع النسخ كالتالي: صوته دعا كل داعٍ إلى. والتصويب من \"تفسير الطبري\" و\"الدر المنثور\".\n(٥) أخرجه \"الطبري\" ١٥/ ١١٨ بنصه، وورد بنحوه في \"تفسير الجصاص\" ٣/ ٢٠٥، و\"الثعلبي\" ٧/ ١١٣ ب، و\"الطوسي\" ٦/ ٤٩٩، وأورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ٣٤٨ وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"13","page":390},{"text":"الله فهو صوت الشيطان (١)\nوقال مجاهد: هو الغناء والمزامير (٢)، وهو قول عكرمة (٣).\nوقوله تعالى: ﴿وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ﴾ قال الفراء في كتاب المصادر، يقال: أجلب إجلابًا، والجلَبة: الصوت، وربما قالوا: الجَلَبُ، كما قالوا: الغَلَبَةُ والغَلَبُ، والشَّفَقَةُ والشَّفَقُ (٤).\nوقال الليث: أجْلَبُوا وجَلَّبوا من الصّياح (٥)، ونحوه قال أبو عبيدة (٦).\nوقال أبو إسحاق في (فعل وأفعل): وأجلب على العدو إجلابًا إذا جمع عليه الخيول (٧).\nوقال ابن السكيت: يقال: هم يُحْلِبون عليه، وُيجْلِبون عليه بمعنى؛ أي يُعينون عليه (٨).\nوروى ثعلب عن ابن الأعرابي: أجْلَبَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ، إذا تَوَعَّدَه الشر وجَمَعَ عليه الجمع، بالجيم (٩)، هذا قول أهل اللغة في معنى\n_________\n(١) ورد في تفسيره \"الوسيط\" تحقيق سيسي ٢/ ٥١٨، بنصه.\n(٢) أخرجه \"الطبري\" ١٥/ ١١٨، بنحوه من طريقين، وورد في \"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ١٧٢، بنصه، و\"تفسير الجصاص\" ٣/ ٢٠٥، بنحوه، و\"الثعلبي\" ٧/ ١١٣ ب، بنصه، و\"الماوردي\" ٣/ ٢٥٥، بنحوه، و\"الطوسي\" ٦/ ٤٩٩، بنحوه.\n(٣) لم أقف عليه.\n(٤) لم أقف عليه، وورد بنحوه في \"تفسير الطبري\" ١٥/ ١١٨، انظر: \"تفسير الفخر الرازي\" ٦/ ٢١.\n(٥) ورد في \"تهذيب اللغة\" (جلب) ١/ ٦٢٦ بنصه.\n(٦) ليس في \"مجاز القرآن\".\n(٧) \"فعلت وأفعلت\" ص ٢١، بنصه تقريبًا.\n(٨) و(٩) ورد في \" تهذيب اللغة\" (جلب) ١١/ ٩٠ بنصه.","vol":"13","page":391},{"text":"الإجلاب، ومعنى الآية على قول الفراء وأبي عبيدة: (صِح عليهم بخيلك ورجلك) (١)، وأخْبِثهم (٢) عليهم بالإغواء، وعلى قول أبي إسحاق، معناه. ما ذُكِر؛ أي اجمع عليهم كل ما تقدر عليه من مكائدك (٣)، وتكون الباء في: ﴿بِخَيْلِكَ﴾ زائدة في هذا القول، وعلى قول ابن السكيت، معنى الآية: أعن عليهم بخيلك ورجلك؛ أي أعن نفسك عليهم بخيلك، ومفعول الإجلاب على هذا القول محذوف؛ كأنه يستعين على إغوائهم بخيله ورجله، وهذا معنى قول مقاتل في هذه الآية (٤).\nواختلفوا في تفسير الخيل والرجل، فروى أبو الضحى عن ابن عباس قال: كل راكب أو راجل في معصية الله فهو من خيل إبليس وجنوده (٥)، ونحو هذا القول روى مجاهد عنه، والوالبي وعطاء (٦)، وروى ليث عن مجاهد قال: خيله: من استخف منهم معه على الخيل في المعاصي، ورجله: من استخف منهم معه على رجليه في المعاصي (٧).\nوقال الفراء: يعني خيل المشركين ورجالهم (٨)، ويدخل في هذا كل\n_________\n(١) تكررت العبارة ما بين القوسين في (أ)، (د)، انظر: \"تفسير البغوي\" ٥/ ١٠٥.\n(٢) يقال: أخبث فهو مُخبث؛ إذا صار ذا خُبثٍ وشرّ. \"تهذيب اللغة\" (خبث) ١/ ٩٧٣.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٥٠، بنصه.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ١/ ٢١٧ أ، بنحوه.\n(٥) أخرجه \"الطبري\" ١٥/ ١١٨، بنحوه من طريق ابن أبي طلحة (صحيحة)، وورد بنحوه في \"معانى القرآن\" للنحاس ١٤/ ٧٣، و\"تفسير الجصاص\" ٣/ ٢٥٠، و\"الثعلبي\" ٧/ ١١٣ ب، و\"الطوسي\" ٦/ ٤٩٩.\n(٦) لم أقف عليه.\n(٧) أخرجه \"الطبرى\" ٨/ ١٠٨، بخحوه.\n(٨) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٢٧، بنصه.","vol":"13","page":392},{"text":"راكب وماش في معصية الله، ويؤكد هذا المعنى قوله تعالى: ﴿وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ﴾ [الشعراء: ٩٥] والجند يَعُمُّ الفارسَ والراجلَ، هذا قول جماعة أهل التفسير وعامتهم، ومن أهل التأويل من يقول: يجوز أن يكون هذا مَثَلًا؛ كما تقول للرجل المجدّ في الأمر: جئت بِخيلك ورجْلك (١)، والرَّجْلُ جمع رَاجِل، كما قالوا: تَاجرٌ وتَجْرٌ، وصاحِبٌ وصَحْبٌ، وراكبٌ ورَكْبٌ (٢)، ومضى الكلام في هذا عند قوله: ﴿فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩]\nوروى حفص عن عاصم ﴿وَرَجِلِك﴾ مكسورة الجيم (٣)، قال أبو زيد: يقال: رَجْلٌ ورَجِلٌ بمعنى واحد، ومثله: حَذْرٌ وحَذِرٌ، ونَدْسٌ ونَدِسٌ (٤)، وأنشد (٥):\nأما أُقَاتِلُ عن دِيني على فَرسٍ ... ولا كذا رَجُلًا إلا بأصْحَابِ (٦)\n_________\n(١) ورد في \"الحجة للقراء\" ٥/ ١١١، بنصه.\n(٢) ورد في \"تفسير الطبري\" ٥/ ١١٩، بنحوه، و\"الحجة للقراء\" ٥/ ١١٠، بنصه.\n(٣) انظر: \"السبعة\" ص ٣٨٢، و\"إعراب القراءات السبع وعللها\" ١/ ٣٧٧، و\"علل القراءات\" ١/ ٣٢٤، و\"الحجة للقراء\" ٥/ ١٠٩، و\"المبسوط في القراءات\" ص ٢٢٩، وقرأ أبو بكر عن عاصم والباقون ساكنة الجيم.\n(٤) النَّدُس: الصوت الخفي، ورجل نَدْسٌ ونَدُسٌ وندسٌ أي فَهِمٌ سريع السمع فَطِن، وقال يعقوب: هو العالم بالأمور والأخبار. وقال الليث: السريع الاستماع للصوت الخفي.\"اللسان\" (ندس) ٧/ ٤٣٨٣.\n(٥) البيت لحيي بن وائل.\n(٦) ورد في \"النوادر\" ص ١٤٨؛ و\"اللسان\" (رجل) ٣/ ١٥٩٧، وورد بلا نسبة في \"الحجة للقراء\" ٥/ ١١٠، و\"شرح ديوان الحماسة\" للمرزوقي ١/ ٤٦٤، و\"تفسير ابن عطية\" ٩/ ١٣٧، و\"شرح المفضل\" ٥/ ١٣٣، وفي النوادر، قال أبو حاتم: وقوله رجُلًا: معناه رَاجلًا، كما تقول العرب: جاءنا فلان حافيًا، ورَجُلًا أي راجلًا","vol":"13","page":393},{"text":"كأنه قال: أمَا أقاتل فارسًا ورَاجِلًا (١)، وعلى هذه القراءة: ﴿وَرَجِلِكَ﴾ واحدٌ يعني به الكثرة، وقال ابن الأنباري: أخبرنا ثعلب عن سلمة عن الفراء قال: يقال هو رَاجِلٌ ورَجِلٌ ورَجْلٌ ورَجْلان بمعنى (٢)، وأنشد (٣):\nعَلَيَّ إذا أبْصَرتُ ليلى بخَلْوَةٍ. . . أن ازدار بيتَ اللهِ رَجْلانَ حافيًا (٤)\nوقوله تعالى: ﴿وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ﴾ اختلفت الروايات في تفسير مشاركة الشيطان بني آدم في الأموال والأولاد عن ابن عباس؛ فقال في رواية الوالبي: ﴿وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ﴾ وهو كل مال أصيب من حرام أو أنفق في حرام، ﴿وَالْأَوْلَادِ﴾ ما قَتَلوا منهم وأتوا فيهم الحرام (٥)، ونحو هذا\n_________\n(١) \"النوادر\" ص ١٤٨. ذكر البيت والتعليق، وورد في \"الحجة للقراء\" ٥/ ١١٠، بنحوه، والظاهر أنه نقله من الحجة.\n(٢) انظر: \"تفسير الفخر الرازي\" ٢١/ ٦، وفي \"اللسان\" (رجل) ٣/ ١٥٩٧ رَجلَ الرَّجُلُ رَجَلًا، فهو راجل ورَجُلٌ ورَجِلٌ ورَجِيلٌ ورَجْلٌ ورَجْلان.\n(٣) البيت لمجنون بني عامر، وهو قيس بن الملّوح (ت ٦٨ هـ).\n(٤) ورد في \"ديوانه\" ص ٣٠١، ٣٠٦. بروايتين:\nالأولى:\nحلفت لئن لاقيت ليلى بخلوة ... أطوف ببيت الله رَجْلاَنَ حافيا\nوالثانية:\nعليّ لئن لاقيتُ ليلى بخلوة ... زيارةُ بيت الله رَجْلان حافيا\nوورد بلا نسبة في \"اللسان\" (رجل) ٣/ ١٥٩٧، و\"مغني اللبيب\" ص ٦٠١، و\"شرح التصريح\" ١/ ٣٨٥، و\"شرح شواهد المغني\" ٢/ ٨٥٩، و\"شرح الأشموني\" ٢/ ٣١٢، وفي بعض الروايات: لاقيت، وزُرتُ وجئتُ بدل أبصرت، وبخُفْيةٍ بدل بخلوة.\n(٥) أخرجه \"الطبري\" ١٥/ ١٢١ من طريق ابن أبي طلحة صحيحة ولفظه: ماقتلوا من أولادهم وأتوا فيهم الحرام، ومن الطريق نفسها في رواية أخرى ١٥/ ١١٩. قال: =","vol":"13","page":394},{"text":"روى عنه مجاهد؛ فقال: كل مال أُخذ بغير حقه، وكل ولد زنا (١)، وهو معنى ما روى عنه عطاء، ويدخل في هذا: الزنا والغصوب والمعاملات الفاسدة والربا وقتل الأولاد والوأد، وروى عنه عكرمة في مشاركته في المال: بتبتكهم آذان الأنعام (٢).\nوقال في رواية العوفي: هو ما كانوا يحرمونه من الأنعام (٣)، وهو قول قتادة قال: أما في الأموال: فأمرهم أن يجعلوا بحيرة وسائبة، وأما في أولادهم: فإنهم هودوهم ونصّروهم ومجّسوهم (٤).\nوقال في رواية أبي صالح: مشاركته إياهم في الأولاد: تسميتهم أولادهم [عبد] (٥) الحارث وعبد شمس وعبد فلان (٦).\n_________\n= كل مال في معصية الله، وورد في \"تفسير الثعلبي\" ٧/ ١١٣ ب وفيه ذكر الأموال فقط، وفي رواية أخرى ذكر الأولاد فقط، فلعل الواحدي -﵀- جمع الروايتين في سياق واحد.\n(١) ورد عن مجاهد في \"تفسيره\" ١/ ٣٦٦ قال: شركته في الأموال: الحرام، وفي الأولاد: الزنا، وأخرج الطبري ١٥/ ١٢٠ من عدة طرق عن مجاهد قال: أولاد الزنا.\n(٢) انظر: \"تفسير الفخر الرازي\" ٦/ ٢١، بنصه.\n(٣) أخرجه \"الطبري\" ١٥/ ١٢٠ بنصه (ضعيفة)، وورد في \"تفسير الثعلبي\" ٧/ ١١٣ ب- بمعناه، و\"الماوردي\" ٣/ ٢٥٥، بمعناه، انظر: \"تفسير ابن الجوزي\" ٥/ ٥٨.\n(٤) أخرجه \"عبد الرزاق\" ٢/ ٣٨١، بنحوه، وأخرجه \"الطبري\" ١٥/ ١٢١ في روايتين، ذكر في إحداهما الأموال ١٥/ ١٢١، وفي الثانية الأولاد، وورد في \"تفسير الثعلبي\" ٧/ ١١٣ ب. دون ذكر الأولاد.\n(٥) إضافة يقتضيها السياق.\n(٦) أخرجه \"الطبري\" ١٥/ ١٢١ بنصه (ضعيفة)، وورد في \"تفسير الجصاص\" ٣/ ٢٠٥، بضه، و\"تفسير الثعلبي\" ٧/ ١١٣ ب، بنصه، و\"الماوردي\" ٣/ ٢٥٦، بنحوه، و\"الطوسي\" ٦/ ٤٩٩، بنحوه، أورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ٣٤٨ وزاد نسبته إلى ابن مردويه.","vol":"13","page":395},{"text":"قال أبو إسحاق: أي أمرهم بأن يجعلوا من أموالهم شيئًا لغير الله، كما قال الله: ﴿فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا﴾ [الأنعام: ١٣٦]، والشركة في الأولاد: قولهم: عبد العزى وعبد الحارث (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَعِدْهُمْ﴾ قال الفراء: أي قل لا جنة ولا نار (٢)، قال الزجاج: ﴿وَعِدْهُمْ﴾: بأنهم لا يبعثون (٣)، ثم قال الله: ﴿وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2192>٦٥ </span>- قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾. قال عطاء عن ابن عباس والكلبي: يريد أوليائي ليس لك عليهم حجة في الشرك (٤).\nوقال قتادة: عباده الذين لا سلطان له عليهم المؤمنون، وقال في آية أخرى: ﴿إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ﴾ (٥) [النحل: ١٠٠].\nوقوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا﴾ قال أبو إسحاق: وكيلًا لأوليائه يعصمهم من القبول من إبليس (٦)، وهذا يدل على أن المعصوم من عصمة الله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2193>٦٦ </span>- قوله تعالى: ﴿رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ﴾ الإزجاء: سوق الشيء حالًا بعد حال، ذكرنا ذلك في قوله: ﴿بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ﴾ [يوسف:\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٥٠، بتصرف يسير.\n(٢) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٢٧، بنصه.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٥٠، بنصه.\n(٤) ورد في تفسيره \"الوسيط\" تحقيق سيسي ٢/ ٥٢٠، بنصه عن ابن عباس.\n(٥) أخرجه \"الطبري\" ١٥/ ١٢٢، بنصه.\n(٦) \"معانى القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٥١، بنصه.","vol":"13","page":396},{"text":"٨٨]، قال السدي: يُسَيِّر (١)، ونحوه قال الزجاج (٢)، ﴿لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾: في طلب التجارة.\n﴿إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ قال ابن عباس: يريد بأوليائه وأهل طاعته (٣)، والخطاب في قوله: ﴿رَبَّكُمُ﴾ عام، وفي آخر الآية خاص.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2194>٦٧ </span>- قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ﴾ قال ابن عباس: يريد يا معشر المشركين، يعني أن الخطاب للمشركين، وفَسَّرَ الضر هاهنا نجوف الغرق.\nوقوله تعالى: ﴿ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ﴾، أي: زال وبطل من تدعون من الآلهة، ﴿إِلَّا إِيَّاهُ﴾: إلا الله تعالى، و﴿إِيَّاهُ﴾: استثناء بعد الإيجاب، فيكون موضعه نصبًا كما تقول: بطلت الآلهة إلا الله، قال ابن عباس: نسيتم اتخاذ الأنداد والشركاء وتركتموهم وأخلصتم لله (٤)، ﴿فَلَمَّا نَجَّاكُمْ﴾: من الغرق والبحر وأخرجكم ﴿إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ﴾: عن الإيمان والإخلاص، ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا﴾ قال ابن عباس: يريد أهل مكة (٥).\nوقال أبو إسحاق: الإنسان هاهنا يعني به الكفار خاصة (٦)، وفي هذا احتجاج على الكفار حيثُ لمَّا وقعوا في الشدة التي لا يُطْمَع في قدرة أحد على كشفها أخلصوا الدعاء لله بكشف ذلك البلاء، فلما نَجَّاهم بطروا\n_________\n(١) لم أقف عليه.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٥١، بلفظه.\n(٣) ورد في تفسيره \"الوسيط\" تحقيق سيسي ٢/ ٥٢٠، بنصه.\n(٤) ورد في تفسيره \"الوسيط\" تحقيق سيسي ٢/ ٥٢١، بنصه.\n(٥) انظر: \"تنوير المقباس\" ص ٣٠٣، بلفظه.\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٥١، بنصه.","vol":"13","page":397},{"text":"النعمة وكفروا به.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2195>٦٨ </span>- ثم بَيَّن أنه قادر أن يهلكهم في البر بمثل ما يهلك في البحر، فقال: ﴿أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ﴾ قال الليث: الخسف سُؤوخُ الأرض بما عليها (١)، يقال: خسف الله به الأرض، أي غاب به فيها، ومعني الخسف والخسوف: الدخول في الشيء، يقال: عين خاسفة؛ وهي التي غابت حدقتها في الرأس، وعين من الماء خاسفة، أي: غائرة الماء، والشمسُ تُخْسَفُ خُسُوفًا، وهو دخولها في السماء كأنها تكون في جُحْرٍ (٢)، فمعنى قوله: ﴿يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ﴾: يُغَيِّبُكم ويُذْهِبُكم في جانب البر، وهو الأرض، وإنما قال: ﴿جَانِبَ الْبَرِّ﴾ لأنه ذكر البحر في الآية الأولى، فهو جانب، والبر جانب، أخبر الله تعالى أنه (٣) كما قدر أن يغيبهم في الماء قادر أن يغيبهم في الأرض، قال ابن عباس في قوله: ﴿أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ﴾ يريد: حيث أعرضتم حين سلمتم من هول البحر.\nوقوله تعالى: ﴿أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا﴾ معنى الحَصْبِ في اللغة الرمي، يقال: حَصَبَ أحْصُبُ حَصْبًا إذا رميت، والحَصْبُ: الرمي (٤)، ومنه قوله تعالى: ﴿حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨] أي تلقون فيها، ومعنى قوله: ﴿حَاصِبًا﴾ عذابًا يحصبهم، أي: يرميهم بحجارة، ويقال للريح التي\n_________\n(١) ورد في \"تهذيب اللغة\" (خسف) ١/ ١٠٢٩ بنصه.\n(٢) ورد في \"تهذيب اللغة\" (خسف) ١/ ١٠٣٠، بنحوه، انظر: (خسف) في \"المحيط في اللغة\" ٤/ ٢٦٧، و\"اللسان\" ٢/ ١١٥٧.\n(٣) في (أ)، (د): (أنه قال)، والطاهر أن (قال) زائدة، وقد أن إلى اضطراب المعنى، والمثبت من (ش)، (ع).\n(٤) انظر: (حصب) في \"تهذيب اللغة\" ١/ ٨٣٤، و\"الصحاح\" ١/ ١١٢، و\"اللسان\" ٢/ ٨٩٤.","vol":"13","page":398},{"text":"تحمل الترب والحصباء: حاصب، وللسحاب يرمي بالثلج والبرد: حاصب؛ لأنه يرمي بهما رميًا، ومنه قول الفرزدق:\nمُسْتَقْلِينَ شَمالَ الشَّأْمِ تَضْرِبُنا ... بِحاصبٍ كَندِيفِ القُطْنِ مَنْثُورِ (١)\nأي سحاب حاصب ثلجًا كنديف القطن، فحذف الموصوف والمشبه وأقام المشبه به، وهو قوله: كنديف القطن، وقال أبو إسحاق: الحاصب: التراب الذي فيه حصباء (٢)، والحاصب على هذا ذو الحصباء، مثل: اللابن والتامر، وعلى هذا فُسِّرَ بيتُ الأخطل:\nتَرْمي الخصال (٣) بِحَاصِبٍ مِنْ ثَلْجها ... حتى يَبِيتَ على العِضَاهِ جِفالا (٤)\nأي ترميها بذي حصباء من ثلجها، يعني: سحابًا فيه ثلج، فهو يرمي بها.\n_________\n(١) \"ديوانه\" ١/ ٢١٣، وورد في \"مجاز القرآن\" ١/ ٣٨٥، و\"الكامل\" ٣/ ٥٧، و\"الموشح\" ص ١٢٧ وفيه: تضربهم، و\"تفسير الثعلبي\" ٧/ ١١٤ أ، و\"السمعاني\" ٣/ ٢٦٢، و\"ابن الجوزي\" ٥/ ٦١، و\"القرطبي\" ١٠/ ٢٩٢، وورد بلا نسبة في \"تفسير الطبري\" ١٥/ ١٢٤، و\"الطوسي\" ٥٠٢/ ٦، و\"ابن عطية\" ٩/ ١٤٢.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٥١، بنصه.\n(٣) في الديوان وجميع المصادر: (العِضَاهُ)، والمعنى واحد.\n(٤) \"ديوانه\" ١/ ١٠٨، وورد في \"تفسير الطبري\" ١٥/ ١٢٤، و\"ابن عطية\" ٩/ ١٤٢، و\"شرح ديوان الأخطل\" ص ٣٨٧ (ترمي): الضمير يعود على ريح الشمال، (الخصال): جمع خَصْلة وخُصْلة؛ وهو العُنقود، والخَصْلة والخُصْلة والخَصَلة كل ذلك: عُودٌ فيه شوك، (العضاه): من شَجر الشوك؛ وهو ما كان له أُرومَةٌ تبقى على الشتاء، قيل: واحده عضة وعِضَهةَ وعِضاهَة، (جفالًا)؛ الجفال: ما تراكم من الثلج بعضه فوق بعض. انظر: \"المحيط في اللغة\" (عضه) ١/ ١٠٩، و\"اللسان\" (خصل).","vol":"13","page":399},{"text":"وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا﴾ قال قتادة: يقول: مانعًا ولا ناصرًا (١)، والمعنى: لا تجدوا أحدًا وكلتم إليه أموركم أو تكلون إليه أموركم فهو يمنعكم وينصركم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2196>٦٩ </span>- قوله تعالى: ﴿أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ﴾، أي: في البحر، ﴿تَارَةً أُخْرَى﴾، أي: مرة أخرى، قال الليث: ﴿تَارَةً﴾ ألفها واو وجمعها تِيَرٌ، وتجمع تارات أيضًا (٢)، قال الفراء: والفعل منها: أترت، أي: أعدت تارة وتارتين وتِيَرًا، مثل: قَامَة وقِيَم (٣)، وقال لبيد يصف عِيرًا:\nيُديم سَحِيلَهُ وَيُتِيرُ فيه ... وَيُتْبِعُها خِنَافًا في زِمَالِ (٤)\nأي يديم نهيقه ويعيده مرة أخرى.\nوقوله تعالى: ﴿فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِنَ الرِّيحِ﴾، القاصف: الكاسر، يقال: قَصفَ الشيءَ يقصفه قصفًا، إذا كسر (٥) كسرًا بشدّة، والقاصف من الريح التي (٦) تكسر الشجر وتدق كل شيء وتحطمه (٧)، وأراد هاهنا ريحًا\n_________\n(١) أخرجه \"الطبري\" ١٥/ ١٢٣ بنصه، وأورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ٣٤٩ وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم.\n(٢) ورد في \"تهذيب اللغة\" (تار) ١/ ٤١٨، بنصه.\n(٣) لم أقف عليه، انظر: \"الشامل لجموع التصحيح والتكسير\" ٣/ ٣١٩.\n(٤) \"شرح ديوان لبيد\" ص ٨٤، وورد في \"تهذيب اللغة\" ١/ ٤١٩، و\"اللسان\" (تور) ١/ ٤٥٥، وفي الجميع (يُجِد) بدل (يديم)، (يُجِدُّ): من أجدَّ يجد من الجد في الأمر، (سحيلًا)؛ السحيل: الصوت يقطّعه في جوفه، (خنافًا): يقال خنفت الدابة: مالت بيديها في أحد شقيها من النشاط، والخانف: الذي يشمخ بأنفه من الكبر، (زمال)؛ الزمال: العدو في جانب. انظر: \"اللسان\" (خنف) ٢/ ١٢٧٩.\n(٥) هكذا في جميع النسخ، والأولى كسره.\n(٦) ساقطة من (أ)، (د).\n(٧) انظر (قصف) في \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٩٧٨، و\"المحيط في اللغة\" ٥/ ٢٧١، و\"الصحاح\" ٤/ ١٤١٦، و\"اللسان\" ٦/ ٣٦٥٤.","vol":"13","page":400},{"text":"شديدة تقصف الفلك وتغرقهم.\nوقوله تعالى: ﴿فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ﴾، أي: بكفركم، حيث سَلِمتم ونجوتم في المرة الأولى، ويُقرأ قوله: ﴿أَنْ يَخْسِفَ﴾ وأخواته من الأفعال (١) بالياء والنون، فمن قرأ بالياء (٢) لأن ما قبله على الواحد الغائب، وهو قوله: ﴿إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ﴾، ومن قرأ بالنون (٣) فلأن هذا النحو قد ينقطع بعضه من بعض، وهو سهل؛ لأن المعنى واحد، ألا ترى أول قد جاء: ﴿وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا﴾ [الإسراء: ٢]، فانتقل من الجمع إلى الإفراد، كذلك ها هنا يجوز أن ينتقل من الغيبة إلى الخطاب، والمعنى واحدٌ، وكلٌّ حَسَنٌ (٤)، ويؤكد النون:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2197>٧٠ </span>- قوله: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ قال ابن عباس: يريد فضلنا (٥)، وهو كقوله: ﴿هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾ [الإسراء: ٦٢] روى ميمون بن مهران عنه في قوله: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ قال ابن عباس: كل شيء يأكل بفيه إلا ابن آدم يأكل بيديه (٦).\n_________\n(١) هي: (أو نرسل)، (أن نعيدكم)، (فنرسل عليكم)، (فنغركم)\n(٢) هم: نافع وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائي. انظر: \"السبعة\" ص ٣٨٣، و\"علل القراءات\" ١/ ٣٢٥، و\"إعراب القراءات السبع وعللها\" ١/ ٣٧٧، و\"الحجة للقراء\" ٥/ ١١١، و\"المبسوط في القراءات\" ص ٢٢٩.\n(٣) هم: ابن كثير أبو عمرو، انظر المصادر السابقة.\n(٤) \"الحجة للقراء\" ٥/ ١١١ بتصرف يسير، وهناك توجيه آخر لابن خالويه: فالحجة لمن قرأه بالنون: أنه جعله من إخبار الله عن نفسه، والحجة لمن قرأه بالياء: أنه جعله من إخبار النبي -ﷺ- عن ربه. \"الحجة في القراءات\" ص ٢١٩.\n(٥) ورد في تفسير\"الوسيط\" تحقيق سيسي ٢/ ٥٢٢.\n(٦) أخرجه البيهقي في \"شعب الإيمان\" ٥/ ٧٧ - مختصرًا، وهو في \"تفسير الثعلبي\" =","vol":"13","page":401},{"text":"وروى عنه أيضًا أنه قال: بالعقل (١).\nوقال الضحاك: بالنطق والتميز (٢).\nوقال عطاء: بامتداد القامة وتعديلها (٣).\nوقال يمان: بحسن الصورة (٤).\nوقوله تعالى: ﴿وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ قال عطاء عن ابن عباس: يريد في البحر على السفن، وفي البر على الإبل والخيل والبغال والحمير (٥).\nوقوله تعالى: ﴿وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ قال: يريد الثمار والحبوب والمواشي.\nوقال مقاتل: السمن والزُّبْدُ والحلاوى، وجعل رزق غيرهم ما لا يخفى عليكم (٦).\n_________\n= ٧/ ١١٤ أ، بنصه، وأورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ٣٥٠ وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه. وورد بنحوه منسوبًا للكلبي في \"تفسير الماوردي\" ٣/ ٢٥٧.\n(١) ورد في \"تفسير الثعلبي\" ٧/ ١١٤ أ - بلفظه، انظر: \"تفسير ابن الجوزي\" ٥/ ٦٣، و\"الخازن\" ٣/ ١٧٢.\n(٢) ورد في \"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢٧٧، لكنه قال: بالعقل والتمييز، و\"تفسير الثعلبي\" ٧/ ١١٤ أ، بنصه، انظر: \"تفسير ابن الجوزي\" ٥/ ٦٣، و\"الفخر الرازي\" ٢١/ ١٣، و\"القرطبي\" ١٠/ ٢٩٤.\n(٣) ورد في \"تفسير الثعلبي\" ١٤/ ١٧ أ. لكنه قال: بتعديل القامة وامتدادها، انظر المراجع السابقة.\n(٤) ورد في \"الثعلبي\" ٧/ ١١٤ أ، بنصه، وانظر: \"زاد المسير\"، و\"القرطبي\".\n(٥) ورد بنصه بلا نسبة في \"تفسير الثعلبي\" ٧/ ١١٤ أ، وتفسير \"الوسيط\" ٢/ ٥٢٣.\n(٦) ليس في تفسيره، وورد في \"تفسير الثعلبي\" ٧/ ١١٤ أ، بنصه، انظر: \"تفسيرالبغوي\" ٥/ ١٠٨، و\"القرطبي\" ١٠/ ٢٩٥.","vol":"13","page":402},{"text":"﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾؛ روى مكحول عن ابن عباس في هذا، قال: البهائم تأكل بأفواهها، وابن آدم يأكل بيده (١)، ونحو هذا قال عكرمة (٢).\nوقال محمد بن جرير: فضلناهم بتسليطهم على البهائم والوحوش، وكثيرٌ من خلق الله سخرناها لهم (٣). وقال السدي: فُضِّلوا على البهائم والدواب والوحوش، وهم الكثير (٤).\nوقال الكلبي: فضلوا على الخلائق كلهم إلا (٥) عن طائفة من الملائكة؛ جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت وأشباههم (٦).\nوقال أبو إسحاق: قال ﴿عَلَى كَثِيرٍ﴾، ولم يقل: على كل من خلقنا؛ لأن الله فضل (٧) الملائكة (٨)، ولكن ابن آدم مفضل على سائر الحيوانات التي لا تعقل ولا يتميز.\n_________\n(١) ورد في \"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ١٧٦، بنحوه.\n(٢) أخرجه البيهقي في \"الشعب\" ٥/ ٧٧ مختصرًا، عن عكرمة عن ابن عباس.\n(٣) \"تفسير الطبري\" ١٥/ ١٢٥، بنحوه.\n(٤) ورد في تفسيره \"الوسيط\" تحقيق سيسي ٢/ ٥٢٣، بنصه.\n(٥) ساقطة من (د)، وفي (ش)، (ع): (غير).\n(٦) ورد في \"تفسير الثعلبي\" ٧/ ١١٤ أ، بنصه، انظر: \"تفسير السمعاني\" ٣/ ٢٦٣، و\"البغوي\" ٥/ ١٠٨، و\"الخازن\" ٣/ ١٧٢، وورد عن ابن عباس في \"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢٧٧، و\"ابن الجوزي\" ٥/ ٦٢.\n(٧) في جميع النسخ: (لأن الله فضل الله الملائكة)، بزيادة لفظ الجلالة بعد فضّل.\n(٨) لم ينقل الدليل على هذه الدعوى مع أنه أشار إليها في المصدر، وهو قوله: ﴿وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [النساء: ١٧٢]، ودلالته ليست صريحة، ولعل هذا السبب في عدم نقله إيّاه، ولذلك حال ابن عطية في تفسيره ٩/ ١٤٦: وهذا غير لازم الآية، بل التفضيل بين الإنس والجن لم تعن له الآية، بل يحتمل أن الملائكة أفضل، ويحتمل التساوي.","vol":"13","page":403},{"text":"ونحو هذا روى عطاء عن ابن عباس في قوله: ﴿عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا﴾، قال: يريد غير (١) الملائكة في هذا الموضع، لم يُفَضَّل ولدُ آدم عليهم.\nوذهب قوم إلى تفضيل ولد آدم على الملائكة، واحتجوا بما روي عن زيد بن أسلم في هذه الآية، قال: قالت الملائكة: ربنا إنك أعطيت بني آدم الدنيا؛ يأكلون فيها ويتمتعون، ولم تعطنا ذلك، فأعطناه في (٢) الآخرة فقال: \"وعزتي وجلالي، لا أجعل ذرية من خلقت بيدي كمن قلت له: كن فكان\" (٣).\n_________\n(١) في (أ)، (د): (عزل)، والمثبت هو الصحيح المتسق مع السياق.\n(٢) ساقطة من (د).\n(٣) أخرجه \"عبد الرزاق\" ٢/ ٣٨٢، بنصه، و\"الطبري\" ١٥/ ١٢٦ بنصه، وورد في \"تفسير الثعلبي\" ٧/ ١١٤ أ، بنصه، وانظر: \"تفسير ابن كثير\" ٣/ ٥٨، وأورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ٣٥٠، وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم. قال ابن كثير ٣/ ٥٨: وهذا الحديث مرسل من هذا الوجه، وقد روي من وجه آخر متصلًا وذكره، وكذلك أورده في \"التاريخ\" ١/ ٥٥، عن عبد الله بن عمرو مرفوعًا، وقال: هو أصح، والحديث المرفوع رواه الطبراني بسنده عن عبد الله بن عمرو وهو بنحوه، وللحديث طريقان يلتقيان عند صفوان بن سليم فمن بعده، قال الطبراني [كما في مجمع البحرين (١/ ١١٩)]: لم يروه عن صفوان إلا طلحة وأبو غسان محمد بن مطرف. والحديث ضعيف بالروايتين؛ قال الهيتمي في \"المجمع\" ١/ ٨٢: رواه الطبراني في الكبير والأوسط، وفيه إبراهيم بن عبد الله المصيصي، وهو كذاب متروك، وفي سند الأوسط طلحة بن زيد وهو كذاب أيضًا، وقال ابن حجر في \"تخريج أحاديث الكشاف\" بذيل الكشاف ٤/ ١٠٠: وقد لفقوا أخبارًا منها: أن الملائكة قالت .. الحديث. وذكر رواياته وعزاها إلى أصحابها. وللحديث شاهد عن ابن عمر، وأخرجه ابن الجوزي في \"العلل المتناهية\" ١/ ٣٦، بنحوه وقال: هذا حديث لا يصح. والخلاصة أن الحديث بجميع رواياته وشواهده ضعيف لكونه مرسلًا -كما هنا- والموصول ضعيف لضعيف رواته، وحسبك إيراد ابن الجوزي له في العلل، وقول ابن حجر فيه.","vol":"13","page":404},{"text":"قال أبو هريرة: المؤمن أكرم على الله من الملائكة الذين عنده (١)، وهذا الخلاف في التفضيل إنما يجري بين الناس في تفضيل صالحي المؤمنين على الملائكة -ما عدا الرسل والأنبياء من بني آدم (وجبريل وميكائيل وإسرافيل (٢) وعزرائيل (٣) من الملائكة، فإن هؤلاء في الملائكة كالرسل من بني آدم) (٤) - وأصحابنا أيضًا مختلفون في هذه المسألة؛ فمنهم من قال بتفضيل المؤمنين على الملائكة، ومنهم من يأبى ذلك، كما ذكرنا عن ابن عباس والسدي، وهو اختيار أبي إسحاق.\nقال العلماء من أصحابنا: هذه من المسائل التي لا يستحب الخوض فيها والإبلاغ، وكذلك الكلام في تفضيل الأنبياء على مشاهير الملائكة (٥)،\n_________\n(١) أخرجه البيهقي في \"الشعب\" ١/ ١٧٤ بنصه تقريبًا، وورد في \"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢٧٧، بنصه، و\"الثعلبي\" ٧/ ١١٤ أ، بنصه، انظر: \"تفسير البغوي\" ٥/ ١٠٩، و\"ابن عطية\" ٥/ ٦٤. مرفوعًا، و\"الخازن\" ٣/ ١٧٣، وأورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ٣٥٠، وورد في \"الكنز\" ١/ ١٤٥، ومثل هذا القول مما لا يقال بالعقل فله حكم الرفع، وقد أخرجه ابن ماجه (٣٩٥٤): الفتن، كتاب: باب: المسلمون في ذمة الله من طريق أبي المُهَزِّم عن أبي هريرة مرفوعًا بنحوه. وهو ضعيف لضعف أبي المهزم، قال عنه في \"التقريب\" ص ٦٧٦ رقم (٨٣٩٧): متروك، وقد ضعف الحديث الألباني وذكره في \"ضعيف ابن ماجه\" ص ٣١٨ (٨٥٧).\n(٢) في (أ): (اسرآيل)، والمثبت من (د)\n(٣) قال ابن كثير: وأما ملك الموت فليس بمصرح باسمه في القرآن ولا في الأحاديث الصحاح، وقد جاء تسميته في بعض الآثار بعزرائيل، والله أعلم. \"البداية والنهاية\" ١/ ٤٧.\n(٤) ما بين القوسين ساقط من (ش)، (ع).\n(٥) مسألة المفاضلة بين الملائكة والبشر مما تنازع فيها العلماء قديمًا، قال ابن كثير في \"البداية والنهاية\"١/ ٥٤: وقد اختلف الناس في تفضيل الملائكة على البشر على =","vol":"13","page":405},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= أقوال، فأكثر ما توجد هذه المسألة في كتب المتكلمين، والخلاف فيها مع المعتزلة ومن وافقهم، وأقدم كلام رأيته في هذه المسألة ما ذكره الحافظ ابن عساكر في تاريخه في ترجمة أمية بن العاص. ثم ساق حادثة جرت بين يدي عمر بن عبد العزيز في المسألة. وقد فَصَّل شارح العقيدة الطحاوية القول في المسألة وصنَّفَ الذين تكلموا في المسألة، فقال: وقد تكلم الناس في المفاضلة بين الملائكة وصالحي البشر، وينسب إلى أهل السنة تفضيل صالحي البشر والأنبياء فقط على الملائكة، وإلى المعتزلة تفضيلُ الملائكة، وأتباع الأشعري على قولين: منهم من يفضلُ الأنبياء والأولياء، ومنهم من يقف ولا يقطع في ذلك قولًا، وحكي عن بعضهم ميلهم إلى تفضيل الملائكة، وحكي ذلك عن غيرهم من أهل السنة وبعض الصوفية، وقالت الشيعة: إن جميع الأئمة أفضل من جميع الملائكة، ومن الناس من فصَّل تفصيلًا آخر، ولم يقل أحد ممن له قول يؤثر: إن الملائكة أفضل من بعض الأنبياء دون بعض. ثم بَيّنَ أن الإمام الطحاوي لم يتعرض إلى هذه المسألة بنفي أو إثبات، وعزا ذلك إلى متابعة أبي حنيفة -﵀- حيث توقف في الجواب عن هذه المسألة، وقد مال هو كذلك إلى التوقف وقال: فالسكوت عن الكلام في هذه المسألة نفيًا وإثباتًا .. أولى. \"شرح العقيدة الطحاوية\" ص ٢٧٥، وإذا كان بعض السلف قد أمسك عن الحديث في هذه المسألة فإن آخرين قد تكلموا فيها، وقد أشار ابن تيمة إلى ذلك فقال: قد كان السلف يحدثون الأحاديث المتضمنة فضل صالحي البشر على الملائكة، وتروى على رؤوس الناس، ولو كان هذا منكرًا لأنكروه، فدل على اعتقادهم ذلك \"مجموع الفتاوى\" ٤/ ٣٧١، ومن هؤلاء الذين تحدثوا في هذه المسألة: إمام أهل السنة أحمد بن حنبل فقد كان يقول: بنو آدم أفضل من الملائكة ويقول أيضًا: يخطئ من فضل الملائكة، ومنهم الإمام أبو الوفاء ابن عقيل الحنبلي، فقد قال: الصحيح تفضيل الأنبياء والصالحين على الملائكة، والملائكة أفضل من الفسقة، وقال أيضًا: الأنبياء أفضل من الملائكة، وجبريل وإسرافيل وميكائيل أفضل من الأولياء. انظر: \"لوامع الأنوار\" ٢/ ١٩٨ - ٣٩٩. وقد ذهب ابن تيمة إلى تفضيل صالحي البشر على الملائكة، وذكر ثلاثة عشر دليلًا على ذلك؛ ثم قال: فهذا -هداك الله- وجه التفضيل بالأسباب المعلومة، ذكرنا أنموذجًا نهجنا به السبيل، وفتحنا به الأبواب إلى درك =","vol":"13","page":406},{"text":"كما لا يستحب الكلام في المخايرة بين الأنبياء؛ لنهي رسول الله -ﷺ- عن ذلك فقال: \"لا تخايروا بين الأنبياء و(١) لا تفضلوني على يونس بن متى\"،\n_________\n= فضائل الصالحين، من تدبّر ذلك وأوتي منه حظًا رأى وراء ذلك ما لا يحصيه إلا الله، وإنما عدل عن ذلك قوم لم يكن لهم من الاقول والعلم إلا ظاهره، ولا من الحقائق إلا رسومها؛ فوقعوا في بدع وشبهات، وتاهوا في مواقف ومجازات، ثم رد على حججهم قائلًا: وها نحن نذكر ما احتجوا به. \"مجموع الفتاوى\" ٤/ ٣٥٠ - ٣٩٢.\nوقال ابن القيم: سئل شيخ الإسلام ابن تيمية عن صالحي بني آدم أيهما أفضل؟ فأجاب بأن صالحي البشر أفضل باعتبار كمال النهاية، والملائكة أفضل باعتبار البداية؛ فإن الملائكة الآن في الرفيق الأعلى منزهون عما يلابسه بنو آدم مستغرقون في عبادة الرب، ولا ريب أن هذه الأحوال الآن أكمل من أحوال البشر، وأما يوم القيامة بعد دخول الجنة فتصير حال صالحي البشر أكمل من حال الملائكة. قال ابن القيم: وبهذا التفصيل يتبين سر التفضيل وتتفق أدلة الفريقين ويصالح كل منهم على حقه. انظر: \"لوامع الأنوار البهية\" ٢/ ٣٩٨ - ٤٠٩. نقلًا عن بدائع الفوائد. ويضاف إلى هذا أن الملائكة خلقوا للعبادة لذلك لا يعصون الله ما أمرهم، في حين أن البشر خلقوا للعبادة أيضًا مع ابتلائهم بالثمر والخير فتنة، فهم معرضون للشهوات والأهواء فلا يصل أحدهم إلى الطاعة إلا بجهد جهيد وصبر طويل، بخلاف الملائكة الذين جبلوا على الطاعة، فهل يستوي من طبع على الطاعة بمن يتكلف الطاعة وتتجاذبه الأهواء والشهوات الصارفة له عن الطاعة؟! أملاه عليّ شيخي.\n(١) لم يتبين لي إن كانت هذه الواو عاطفة لمقطعين أو لحديثين، وهو الأرجح لعدم ورود حديث واحد يجمع بين النهي عن التخيير بين الأنبياء والنهي عن تفضيل رسولنا -ﷺ- على يونس ﵇فيما وقفت عليه في كتب التخريج- ولم أجد هذا التركيب إلا ما ذكر ابن كثير -على سبيل الحكاية- في \"البداية والنهاية\" ١/ ٢٣٧، قال: حيث قد ورد في بعض الأحاديث: \"لا تفضلوني على الأنبياء ولا على يونس بن متى\". أما على اعتبار أنهما مقطعين لحديثين فقد وردت عدة =","vol":"13","page":407},{"text":"وحديث اليهودي الذي قال: لا والذي اصطفى موسى على البشر فَلُطم، ثم أتى النبيّ -ﷺ-، مشهور في الصحيح (١)، فالأحسن التأدب بأدب رسول الله\n_________\n= روايات للمقطعين كل على حدة؛ فمن روايات المقطع الأول: قول رسول الله -ﷺ-: \"لا تخيروا بين الانبياء\" أخرجه مسلم (٢٣٧٣/ ١٦٠) كتاب: الفضائل، باب: فضائل موسى ٤/ ١٨٤٥، عن أبي سعيد الخدري، وأبو داود (٤٦٦٩) كتاب: السنة، باب: في التخيير بين الأنبياء ٥/ ٥١، و\"مشكل الآثار\" ١/ ٤٥٢، و\"شرح السنة\": كتاب: الفضائل، باب: فضائل سيد الأولين والآخرين ١٣/ ٢٠٤، وورد برواية: (لا تفضلوا بين أنبياء الله) في: \"مشكل الآثار\" ١/ ٤٥٢، و\"دلائل النبوة\" للبيهقي ٥/ ٤٩٢، و\"شرح السنة\" ١٣/ ٢٠٤. أما المقطع الثاني: قوله -ﷺ-: (لا تفضلوني على يونس بن متى) فقد ورد في \"الشفا\" ١/ ٢٦٥، و\"إتحاف السادة المتقين\" للزبيدى ٢/ ١٠٥، و\"مناهل الصفا\" ص ٢٢. قال السيوطي: لم أقف عليه بهذا اللفظ، والذي في صحيح البخاري: (لا يقولن أحدكم أني خير من يونس بن متى). وفي الصحيحين من حديث ابن عباس وأبي هريرة: (ما ينبغي لعبد أن يقول: إني خير من يونس بن متى). ولأبي داود من حديث عبد الله بن جعفر: (لا ينبغي أن يقول أنا أفضل من يونس بن متى). انظر الروايات الأخرى بنحوها في: \"صحيح البخاري\" (٣٤١٣) كتاب: أحاديث الأنبياء، باب قوله: ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾، ومسلم (٢٣٧٦)، (٢٣٧٧) كتاب: الفضائل، باب: في ذكر يونس -﵇-، و\"دلائل النبوة\" للبيهقي ٥/ ٤٩٤.\n(١) ونصه؛ قال رسول الله -ﷺ-: \"لا تخيروني على موسى، فإن الناس يَصْعَقُون يوم القيامة، فأكون أول من يُفيق، فإذا موسى باطش بجانب العرش، فلا أدري أكان فيمن صَعِق فأفاق قبلي أم كان ممن استثنى الله\"، ولهذا الحديث عدة روايات، أخرجه أحمد ٣/ ٤١، والبخاري في عدة أماكن، منها (٣٤٠٨) كتاب: أحاديث الأنبياء، باب: وفاة موسى، الرقاق باب: نفخ الصور (٧٤٧٢) كتاب: التوحيد باب: في المشيئة والإرادة، ومسلم (٢٣٧٣/ ١٦٠) كتاب: الفضائل، فضائل موسى، وأبو داود: السنة: باب: في التخيير بين الأنبياء، و\"دلائل النبوة\" للبيهقي ٥/ ٤٩٣، وورد في \"الشفا\" ١/ ٤٣٩، و\"الكنز\" ١١/ ٥٠٧.","vol":"13","page":408},{"text":"-ﷺ-، ومِثلُ هذه الطريقة حَسَنٌ في الصحابة، بترك الخوض في تفضيل بعضهم على بعض (١)، وإن كنت تعلم بالدليل والاعتقاد ما تعلم (٢)، فالأحسن ترك الخوض والإبلاغ، والجري على مثل عادة بعضهم مع بعض.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2198>٧١ </span>- قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾ قال أبو إسحاق: يعني به يوم القيامة، وهو منصوب على معنى: اذكر يوم ندعو، قال: وجوز أن يكون منصوبًا بمعنى يعيدكم الذي فطركم يوم يدعو (٣).\nقال أبو علي الفارسي: الظرف ها هنا بمنزلة إذا؛ لأنه لا يجوز أن\n_________\n(١) دلَّت نصوص القرآن على وجود التفاضل بين الناس، كما في قوله تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [الإسراء: ٢١]، كما وردت نصوص في الكتاب والسنة تدل على وقوع التفاضل بين الصحابة -﵃-، لذلك ذهب أهل السنة والجماعة إلى القول بالتفاضل بين الصحابة -﵃- عمومًا والخلفاء الأربعة خصوصًا، بعد إثبات فضيلة الصحبة لكل صحابي. يقول شيخ الإسلام -في بيان أصول أهل السنة والجماعة في الصحابة-: ويقبلون ما جاء في الكتاب والسنة والإجماع؛ من فضائلهم ومراتبهم، فيفضلون من أنفق من قبل الفتح وقاتل على من أنفق من بعده وقاتل، ويقدمون المهاجرين على الأنصار، ويؤمنون بأن الله قال لأهل بدر: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم، وبأنه لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة- كما أخبر النبي -ﷺ-. بل قد -﵃- ورضوا عنه ..، ويقرون بما تواتر به النقل عن علي -﵁- وغيره من أن خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر ويثلثون بعثمان ويربعون بعلي -﵁- كما عليه الآثار، وكما أجمع الصحابة -﵃- على تقديم عثمان في البيعة. انظر: \"مجموع الفتاوى\" ٣/ ١٥٢، ٤/ ٤٢١.\n(٢) الظاهر من كلام الواحدي -﵀- إثبات التفاضل على النحو السابق، لكنه يرى عدم الخوض في هذه المسألة على سبيل التعصب لأحدهم مما قد يؤدي معه إلى انتقاص الآخرين.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٥٢، بنصه تقريبًا.","vol":"13","page":409},{"text":"يكون العامل فيه ما قبله من قوله: ﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ﴾؛ لأنه فعل ماض، وليس العامل أيضًا يدعو؛ لأنه فعل مستقبل، فإذا لم يكن في هذا الكلام فعل ظاهر يتعلق به الظرف تعلق بما دلّ عليه قوله: ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ (١)؛كما أن قوله: ﴿قَالُوا أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٢] على تقدير: أإذا متنا بعثنا، كذلك هاهنا يُجعل الظرفُ بمنزلة إذا، فيصير التقدير: إذا دُعي كل أناس لم يُظْلموا، ومثل هذا سُوّي قوله: ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ﴾ الآية [فصلت: ١٩].\nوقوله تعالى: ﴿بِإِمَامِهِمْ﴾ الإمام في اللغة معناه: كل من ائتَمَّ به قوم كانوا على هدى أو ضلالة، والنبيّ إمام أُمّته، والخليفة إمام رعيته، والقرآن إمام المسلمين، وإمام الغلام في المكتب: ما يتعلمه كل يوم (٢)، واختلفوا في معنى الإمام هاهنا، فروى معمر عن قتادة، وشبل عن أبي نجيح عن مجاهد: بنبيهم (٣)، ورُوي ذلك مرفوعًا عن أبي هريرة عن النبي -ﷺ- (٤).\nويكون المعنى على هذا: أن ينادي يوم القيامة فيقول: هاتوا متبعي\n_________\n(١) لم أقف عليه، وذُكر هذا القول في:\"الإملاء\" ٢/ ٩٤، و\"البيان في غريب إعراب القرآن\" ٢/ ٩٤.\n(٢) ورد في \"تهذيب اللغة\" (أم) ١/ ٢٠٥، بنصه، انظر: \"العين\" (أمم) ٨/ ٤٢٨، و\"مقاييس اللغة\" ١/ ٢٨، و\"اللسان\" (أمم) ١/ ١٣٣.\n(٣) أخرجه \"عبد الرزاق\" ٢/ ٣٨٢ بلفظه عن قتادة، و\"الطبري\" ١٥/ ١٢٦ بلفظه عنهما من طرق، وورد بلفظه في \"تفسير الجصاص\" ٣/ ٢٠٥، عنهما، و\"السمرقندي\" ٢/ ٢٧٧، عن مجاهد، و\"الثعلبي\" ٧/ ١١٤ ب، و\"الماوردي\" ٣/ ٢٥٨، و\"الطوسي\" ٦/ ٥٠٤، عنهما، و\"الدر المنثور\" ٤/ ٣٥١ وزاد نسبته إلى ابن المنذر عن مجاهد.\n(٤) لم أقف عليه مسندًا، وورد عنه بلفظه في \"تفسير الثعلبي\" ٧/ ١١٤ ب،\"الفجر الرازي\" ٢١/ ١٧.","vol":"13","page":410},{"text":"إبراهيم، هاتوا متبعي في موسى، هاتوا متبعي محمد -ﷺ-، فيقوم أهلُ الحق الذين اتبعوا الأنبياء فيأخذون كتبهم بأيمانهم، ثم يقال: هاتوا متبعي الشيطان، هاتوا متبعي الطغاة في عبادة الأوثان، هاتوا متبعي رؤساء الضلالة في اعتقاد الجهالة، وهذا معنى قول ابن عباس في رواية سعيد بن جبير قال: إمام هدى أو إمام ضلالة (١)، ونحو هذا روى علي بن أبي طلحة فقال: بأئمتهم في الخير والشر (٢).\nوقال في رواية أبي صالح: برئيسهم (٣)، ويدخل في هذا كل من كانوا يأتمون به في الدنيا، وعلى هذا التفسير قال أبو علي: الباء في بإمامهم تكون على ضربين؛ أحدهما: أن تكون متعلقة بالفعل الذي هو ندعو في موضع المفعول الثاني؛ كأنه قيل: ندعو كل أناس بكونهم تبعة وشيعة لإمامهم؛ كما تقول: أدعوك باسمك، فيكون كقولك: أدعوك زيدًا، ويجوز أن تتعلق بمحذوف، ذلك المحذوف في موضع الحال؛ كأنه ندعو كل أناس مُخَلَّطين بإمامهم، أي يُدعون وإمامهم فيهم (٤)؛ نحو: ركب شأنه (٥)، وجاء في جنوده (٦)، فيكون الدعاء على هذا الوجه متعديًا إلى\n_________\n(١) ورد في \"إعراب القرآن\" للنحاس ٢/ ٢٥٢ بنصه، و\"تفسير الثعلبي\" ٧/ ١١٤ ب، بنحوه، انظر: \"تفسير السمعاني\" ٣/ ٢٦٣، بنصه، و\"البغوي\" ٥/ ١٠٩، و\"ابن الجوزي\" ٥/ ٦٤، و\"الدر المنثور\" ٤/ ٣٥١ وعزاه إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه.\n(٢) ورد في \"تفسير الثعلبي\" ٧/ ١١٤ ب، بنصه.\n(٣) ورد في \"الغريب\" لابن قتيبة ١/ ٢٦٠ بلفظه (ضعيفة)، انظر: \"تفسير ابن الجوزي\" ٥/ ٦٤.\n(٤) في جميع النسخ: (فيه) والصحيح المثبت؛ لأن الضمير يعود على جمع.\n(٥) أي قصده. \"القاموس\" (شأن) ص ١٢٠٨.\n(٦) لم أقف عليه، وذكر نحوه في \"مشكل إعراب القرآن\" ٢/ ٣٢، و\"البيان في غريب =","vol":"13","page":411},{"text":"مفعول واحد خلاف الوجه الأول.\nوقال الضحاك وابن زيد: يعني بكتابهم الذي أنزل عليهم (١).\nوهو رواية وَرْقَاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد (٢)، ونحوه قال أبو صالح (٣).\nويكون المعنى على هذا: أن ينادى يا أهل القرآن، يا أهل التوراة، يا أهل الإنجيل، وتقدير الباء على ما ذكرنا.\nوقال الحسن: بكتابهم الذي فيه أعمالهم (٤)، وهو قول الربيع وأبي العالية (٥)، وابن عباس في رواية عطية قال: إمَامُه ما عمل وأملى فكُتب\n_________\n= إعراب القرآن\" ٢/ ٩٤، و\"تفسير الفخر الرازي\" ٢١/ ١٧، و\"الإملاء\" ٢/ ٩٤، و\"الفريد في إعراب القرآن\" ٣/ ٢٩١، و\"الدر المصون\" ٧/ ٣٩٠.\n(١) أخرجه \"الطبري\" ١٥/ ١٢٧ بلفظه عنهما، وورد في \"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ١٧٧، بلفظه عن الضحاك، و\"تفسير الثعلبي\" ٤/ ١١٧ ب بنصه عنهما، و\"الماوردي\" ٣/ ٢٥٨ بنصه عن ابن زيد، انظر \"تفسير البغوي\" ٥/ ١٠٩.\n(٢) \"تفسير مجاهد\" ١/ ٣٦٧ بلفظه، وأخرجه \"الطبري\" ١٥/ ١٢٧ بلفظه، وورد بلفظه في: \"إعراب القرآن\" للنحاس ٢/ ٢٥٢، و\"تفسير الثعلبي\" ٧/ ١١٤ ب، انظر: \"تفسير ابن كثير\" ٣/ ٥٩.\n(٣) ورد في \"تفسير الثعلبي\" ٧/ ١١٤ ب، بنصه، انظر: \"تفسير البغوي\" ٥/ ١٠٩، بنصه.\n(٤) أخرجه \"عبد الرزاق\" ٢/ ٣٨٢، بنصه، و\"الطبري\" ١٥/ ١٢٧، بنصه، وورد في \"الغريب\" لابن قتيبة ١/ ٢٦٠، بنصه، و\"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ١٧٧ - بلفظه، و\"مشكل إعراب القرآن\" ٢/ ٣٢، بنصه، و\"تفسير الجصاص\" ٣/ ٢٠٥، بنحوه، و\"السمرقندي\" ٢/ ٢٧٧، بنصه.\n(٥) أخرجه \"الطبري\" ١٥/ ١٢٧ بلفظ بأعمالهم عنهما، وورد بهذا اللفظ في \"إعراب القرآن\" للنحاس ٢/ ٤٣٤، عن أبي العالية، و\"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢٧٧،عن أبي العالية، انظر: \"تفسير البغوي\" ٥/ ١٠٩؛ عن أبي العالية.","vol":"13","page":412},{"text":"عليه (١)، وعلى هذا سُمِّي الكتاب إممامًا [لأنه يؤتم بما أحصاه، قاله ابن قتيبة (٢)، وهذا كقوله: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [يس: ١٢] فسمى الكتاب إمامًا) (٣)، وأما تقدير الباء على هذا القول، فهو بمعنى مع، أي يدعى كل أناس ومعهم كتابهم، كقولك: ادفعه إليه برُمَّته (٤)، أي ومعه رُمَّته، قاله أبو علي (٥)، وهذا القول اختيار أبي إسحاق، قال: ويدل عليه سياق الآية (٦).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾، الفتيل: القشرة التي في شق النواة، وهذا قول ابن عباس في رواية عطاء وعكرمة (٧)، وهو قول أكثر المفسرين (٨).\n_________\n(١) أخرجه \"الطبري\" ١٥/ ١٢٦ بنصه (ضعيفة)، وورد في \"الثعلبي\" ٧/ ١١٤ ب، بنصه.\n(٢) \"تأويل مشكل القرآن\" ص ٤٥٩، بنحوه.\n(٣) ما بين القوسين ساقط من (أ)، (د).\n(٤) الرُّمّة: هي القطعة من الحبل، وأصله البعير يُشد في عنقه حبل، فيقال أعطاه البعير برُمَّته، قال الجوهري: أصله أن رجلًا دفع إلى رجل بعيرًا بحبل في عنقه، فقيل ذلك لكل من دفع شيئًا بجملته.\nانظر: \"المحيط في اللغة\" (رم) ١٠/ ٢١٦، و\"الصحاح\" (رمم) ٥/ ١٩٣٦، و\"اللسان\" (رمم) ٣/ ١٧٣٦.\n(٥) لم أقف عليه.\n(٦) ليس في معانيه.\n(٧) ورد في \"إعراب القرآن\" للنحاس ٢/ ٢٥٢، بنحوه من طريق عكرمة (جيدة).\n(٨) أخرجه بنحوه عن قتادة: \"عبد الرزاق\" ٢/ ٣٨٢، و\"الطبري\" ١٥/ ١٢٧، وورد بنحوه في \"الغريب\" لابن قتيبة ١/ ٢٦٠، و\"نزهة القلوب\" ص ٣٥١، و\"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ١٧٧، و\"المفردات\" ص ٦٢٣، و\"تفسير المشكل\" ص ٢٣٠، و\"تفسير الثعلبي\" ٧/ ١١٤ ب، بنصه.","vol":"13","page":413},{"text":"وأهل اللغة قالوا: وهذا يضرب مثلًا للشيء الحقير التافه (١)، ومثله: القطمير والنقير في ضرب المثل به، والمعنى: لا يُنْقَصون من الثواب بمقدار فتيل. قال عطاء عن ابن عباس: ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾، يريد. لا يُنقصون فتيلًا من الثواب، وروى مجاهد عن ابن عباس قال: الفتيل: ما خرج بين إصبعك فتفتله؛ كالشيء الحقير (٢)، وهو فعيل، من الفتل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2199>٧٢ </span>- قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى﴾ الآية. قال عكرمة: جاء نفر من أهل اليمن إلى ابن عباس فسأله رجل عن هذه الآية، فقال: اقرأ ما قبلها: ﴿رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي﴾ إلى قوله: ﴿تَفْضِيلًا﴾ فقال ابن عباس: من كان أعمى في هذه النِّعَم -التي قد رأى وعاين- فهو في أمر الآخرة -التي لم ير ولم يعاين- أعمى وأضل سبيلًا (٣).\nوروى أبو رَوْق عن الضحاك عن ابن عباس قال: من كان في الدنيا أعمى عما يرى من قدرتي في خلق السماء والأرض والبحار والجبال والناس والدواب، فهو عما وصفت لك في الآخرة ولم تره أعمى وأضل سبيلا (٤)،\n_________\n(١) ورد في \"تهذيب اللغة\" (فتل) ٣/ ٢٧٣٨ بنصه، انظر: (فتل) في \"مقاييس اللغة\" ٤/ ٤٧٢، و\"الصحاح\" ٥/ ١٧٨٨، \"اللسان\" ٦/ ٣٣٤٤.\n(٢) ورد في \"تهذيب اللغة\" (فتل) ٣/ ٢٧٣٨، بنحوه، انظر: \"تفسير الفخر الرازي\" ٢١/ ١٨، و\"تنوير المقباس\" ص ٣٠٣.\n(٣) ورد في \"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ١٧٧، بنحوه، و\"الثعلبي\" ٧/ ١١٤ ب، بنصه، انظر: \"تفسير البغوي\" ٥/ ١١٠، و\"ابن الجوزي\" ٥/ ٦٦، و\"الفخر الرازي\" ٢١/ ١٨، و\"القرطبي\" ١٠/ ٢٩٨، و\"الدر المنثور\" ٤/ ٣٥٧ وعزاه إلى الفريابي وابن أبي حاتم، من طريق عكرمة جيدة.\n(٤) أخرجه أبو الشيخ في العظمة ص ٣٦، ٥٦ بنصه من طريق الضحاك، (منقطعة)، ورد بمعناه في: \"تفسير الجصاص\" ٣/ ٢٠٥، و\"الطوسي\" ٦/ ٥٠٤، انظر: \"تفسير =","vol":"13","page":414},{"text":"يقول: وأبعد حجة، قال قتادة: من عاين الشمس والقمر فلم يؤمن فهو أعمى عما يغيب عنه أن يؤمن به (١)؛ هذا قول المفسرين في هذه الآية.\nوقوله تعالى: ﴿في هَذِهِ﴾ الإشارة إلى النِّعَم التي ذكرها على رواية عكرمة، وبه قال السدي (٢)، وعلى قول الآخرين: الإشارة إلى الدنيا (٣)، وبه قال مجاهد (٤).\nوقوله تعالى: ﴿فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ﴾، أي: في أمرها على تقدير المضاف، وقال الحسن: من كان في الدنيا ضالًّا كافرًا فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلًا؛ لأنه (٥) في الدنيا تقبل توبته وفي الآخرة لا تقبل توبته (٦).\nواختار أبو إسحاق هذا القول، فقال: تأويله أنه إذا عَمِيَ في الدنيا وقد عَرَّفَه الله الهدى وجعل له إلى التوبة وُصْلَةً، وفَسَحَ له في ذلك إلى وقت\n_________\n= ابن عطية\" ٩/ ١٥٠، و\"ابن الجوزي\" ٥/ ٦٦، و\"الفخر الرازي\" ٢١/ ١٩، و\"القرطبي\" ١٠/ ١٢٨، و\"الدر المنثور\" ٤/ ٣٥٢ وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم.\n(١) أخرجه \"الطبري\" ١٥/ ١٢٨ بمعناه، وأبو الشيخ في \"العظمة\" ص ٥٥، بنحوه، وورد بمعناه في: \"تفسير الجصاص\" ٣/ ٢٠٥، و\"السمرقندي\" ٢/ ٢٧٨، و\"الطوسي\" ٦/ ٥٠٤، انظر: \"تفسير ابن عطية\" ٩/ ١٥٠، و\"ابن كثير\" ٢/ ٥٩.\n(٢) انظر: \"تفسير ابن الجوزي\" ٥/ ٦٦.\n(٣) وقد رجح هذا القول \"الطبري\" ١٥/ ١٢٩، و\"ابن عطية\" ٩/ ١٥١.\n(٤) أخرجه \"الطبري\" ١٥/ ١٢٨ بلفظه، وورد بلفظه في \"تفسير الجصاص\" ٣/ ٢٠٥، و\"السمرقندي\" ٣/ ٢٧٧، و\"الطوسي\" ٦/ ٥٠٥، انظر: \"تفسير ابن عطية\" ٩/ ١٥٠، و\"ابن الجوزي\" ٥/ ٦٥، و\"ابن كثير\" ٢/ ٥٩.\n(٥) في (أ)، (د): (الآية)، والمثبت من (ش)، (ع) وهو الصحيح.\n(٦) ورد في \"تفسير هود الهواري\" ٢/ ٤٣٣ - بمعناه، و\"الثعلبي\" ٧/ ١١٤ ب، بنصه، وانظر: \"تفسير البغوي\" ٥/ ١١٠، و\"ابن الجوزي\" ٥/ ٦٦، و\"الفخر الرازي\" ٢١/ ١٩، و\"القرطبي\" ١٠/ ٢٩٨.","vol":"13","page":415},{"text":"مماته، فعمي عن رشده ولم يَتُبْ، ﴿فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى﴾، أي: أشد عمى، ﴿وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾؛ لأنه لا (١) يجد طريقًا إلى الهداية (٢).\nوقال أبو علي: معنى قوله: ﴿فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى﴾، أي: أشد عمى، إنه في الدنيا كان مُمَكَّنًا من الخروج عن عَمَاه بالاستدلال، ولا سبيل له في الآخرة إلى الخروج من عماه؛ لأنه قد حصل على عمله، ولذلك قوله: ﴿وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾؛ لأن ضلاله في الآخرة لا سبيل له إلى الخروج منه (٣).\nوعلى هذا القول: لا يُحتاج إلى تقدير المضاف في قوله: ﴿فِي الْآخِرَةِ﴾، وهذا قول الحسن وقتادة؛ روينا ذلك عنه في مسند التفسير، والعمى في الآية المراد منه: عمى القلب، ولذلك جاز ﴿فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى﴾ بمعنى أشد عمى، ولو كان من عمى العين لم يجز أعمى بمعنى أشَدَّ عمى.\nقال الفراء: [العرب إذا قالوا: هو أفعل منك، قالوه فيما كان فعله على ثلاثة أحرف، فإذا زاد على ثلاثة أحرف لم يقولوا: هو أفعل منك، حتى يقولوا: هو أشدّ حمرة منك؛ لأنه يقال في الفعل منه: أحمر، وأما في العمى فإنه يقال: فلان أعمى من فلان في القلب، ولا يقال: هو أعمى منه في العين؛ وذلك أنه لما جاء على مذهب أحمر وحمراء تُرك فيه أفعل منه كما ترك] (٤) في كثير من أشباهه.\nقال: وبعض النحويين يقول: أجيزه في الأعمى والأعشى والأعرج\n_________\n(١) في (د): (لم).\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٥٣، بتصرف يسير.\n(٣) \"الحجة للقراء\" ٥/ ١١٣، بتصرف.\n(٤) ما بين المعقوفين ساقط من (أ)، (د)","vol":"13","page":416},{"text":"والأزرق (١)؛ لأنا نقول: عَمِي وزَرِق وعَرِج وعَشِي، ولا نقول: حَمِر ولا بَيِض ولا صَفِر.\nقال الفراء: وليس ذلك بشيء؛ إنما يُنظر في هذا إلى ما يجوز أن يكون أقل أو أكثر، فيكون أفعل دليلًا على قلة الشيء وكثرته، ألا ترى أنك تقول: فلان أجمل من فلان؛ لأن جماله يزيد على جماله، ولا تقول للأعشى: هذا أعمى من ذلك، ولا لميتين هذا أموت من ذا، فأمّا قول الشاعر (٢):\nأمَّا الملوكُ فأنتَ اليومَ ألأَمُهُم ... لُؤمًا وأبيضُهُم سِرْبالَ طبَّاخِ (٣)\nفهو شاذ؛ هذا كلامه (٤)، وعلى هذا التحديد إنما يجوز أن يقال: أفعل منك فيما يكون فعله على ثلاثة أحرف، وذلك الشيء مما يقل ويكثر، وما عدا هذا فإنما يقال فيه: أفعل منه، شاذًّا.\n_________\n(١) هذه من مسائل الخلاف المشهورة بين البصريين والكوفيين، فذهب الكوفيون إلى جواز استعمال ما أفعله في التعجب من البياض والسواد خاصة من بين سائر الألوان، وذهب البصريون إلى أن ذلك لا يجوز فيهما كغيرهما من سائر الألوان. انظر التفصيل حول هذه المسألة في: \"الإنصاف\" ص ١٢٤، و\"شرح المفصل\" ٦/ ٩٣، و\"المقرب\" ١/ ٧٢، و\"الخزانة\" ٨/ ٢٣٠.\n(٢) هو طرفة بن العبد (جاهلي).\n(٣) \"ديوانه\" ص ١٨، و\"اللسان\" (بيض) ١/ ٣٩٧، وورد بلا نسبة في \"إعراب القراءات السبع وعللها\" ١/ ٣٧٩، \"تفسير الثعلبي\" ٤/ ١١٧ ب، و\"الطوسي\" ٦/ ٥٠٥، و\"القرطبي\" ١٠/ ٢٩٩، و\"اللسان\" (عمي) ٥/ ٣١١٥، و\"شرح التصريح\" ١/ ٣٢٤، وله رواية اخرى استشهد بها النجاة في باب أفعل التفضيل، وهي:\nإذا الرجالُ شتَوْا واشتدَّ أَكلهمُ ... فأنت أبيضهُم سربالَ طبَّاخِ\nورد هذه الرواية في: \"الإنصاف\" ص ١٢٤، و\"شرح المفصل\" ٦/ ٩٣١، و\"المقرب\" ١/ ٧٣، و\"الخزانة\" ٨/ ٢٣٠.\n(٤) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٢٨، نقل طويل تصرف فيه.","vol":"13","page":417},{"text":"وقرأ أبو عمرو ﴿فِي هَذِهِ أَعْمَى﴾ بكسر الميم، ﴿فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى﴾ بفتح الميم (١)، قال أبو علي الفارسي: أمال الألف من الكلمة الأولى ولم يملها من الثانية؛ لأنها بمعنى أفعل من كذا، مثل أَبْلَه من فلان، وليست عبارة عن الموؤفِ (٢) الجارحةِ المصاب ببصره، فإذا كان كذلك لم تقع الألف في آخر الكلمة؛ لأن آخرها إنما هو من كذا، وإنما تحسنُ الإمالةُ في الأواخر؛ لأنها موضع الوقف، والألف تخفى في الوقف، فإذا أمالها نحا بها نحو الياء ليكون أظهر لها وأبين، ومما يقوِّي ذلك أن من العرب من يقلب هذه الألفات ياءات في الوقف فيقول: أَفعي، بإظهار الياء في اللفظ، وحُبْلي، وقد حذف في الآية من أفعل -الذي هو للتفضيل- الجار والمجرور، وهما مرادان في المعنى مع الحذف، وذلك نحو قوله: ﴿فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طه: ٧]، المعنى: وأخفى من السر، فلذلك قوله: ﴿فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى﴾، أي: منه في الدنيا.\nومعنى العمى في الآخرة: أنه لا يهتدي إلى طرق الثواب، ويدل على أن المراد بقوله: ﴿فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى﴾: أشد عمى، قوله: ﴿وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ فكما أن هذا لا يكون إلا على أفعل من كذا، كذلك المعطوف عليه، انتهى كلامه. (٣) فأراد أبو عمرو أن يفرق بين ما هو اسم وبين ما هو بمعنى أفعل منه، فغاير بينهما بالإمالة وتركهما.\n_________\n(١) انظر: \"السبعة\" ص ٣٨٣، و\"علل القراءات\" ١/ ٣٢٥، و\"إعراب القراءات السبع وعللها\" ١/ ٣٧٨، و\"الحجة للقراء\" ٥/ ١١٢، و\"المبسوط في القراءات\" ص ٢٢٩.\n(٢) في (ش)، (ع): (المألوف)، وفي هامش (ش) كتب: (أحسبه المؤوف).\n(٣) \"الحجة للقراء\" ٥/ ١١٢، وهو نقل طويل تصرف فيه بالحذف والإضافة والتقديم والتأخير والاختصار.","vol":"13","page":418},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2200>٧٣ </span>- قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ﴾ الآية. قال ابن عباس في رواية عطاء: نزلت في وفد ثقيف، أتوا رسول الله -ﷺ- فسألوه شططًا، وقالوا: متعنا باللات سنة وحرّم وادينا كما حَرَّمت مكة، شجرها وطيرها ووحشها، فأبى ذلك رسول الله -ﷺ- ولم يجبهم، فأقبلوا يردون على النبيّ -ﷺ- مسألتهم ويكررون، وقالوا: إنا نحب أن تعرف العرب فضلنا عليهم، فإن كرهت ما نقول وخشيت أن تقول العرب أعطيتهم ما لم تعطنا فقل: الله أمرني بذلك، فأمسك رسول الله -ﷺ- عنهم وداخلهم الطمع، فصاح عليهم عمر -﵁-: أما ترون رسول الله قد أمسك عن جوابكم كراهية لما تجيئون (١) به، وقد هَمّ رسول الله -ﷺ- ليعطيهم ذلك فأنزل الله هذه الآية. (٢)\nقال أبو إسحاق: معنى الكلام: كادوا يفتنونك، ودخلت (إن) واللام للتوكيد (٣)، وذكرنا معنى (إن) إذا دخل على الفعل أنها مخففة من الثقيلة في قوله: ﴿وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾ [إبراهيم: ٤٦]، وقيل: إنه بمعنى قد، وقد مرّ هذا في مواضع (٤)، ومعنى كادوا: هَمّوا وقاربوا ذلك.\nوقوله تعالى: ﴿لَيَفْتِنُونَكَ﴾، أي: ليستزلونك عن الذي أوحينا إليك، أي: يزيلونك ويصرفونك عن الذي أوحينا إليك، يعني القرآن، والمعنى\n_________\n(١) في جميع النسخ: (تحبون) والتصويب من أسباب النزول للمؤلف.\n(٢) أخرجه \"الطبري\" ١٥/ ١٣٠ مختصرًا من طريق العوفي (ضعيفة)، وورد في \"تفسير الثعلبي\" ٧/ ١١٥ أ، بنحوه، و\"الماوردي\" ٣/ ٢٥٩ مختصرًا، وأورده المؤلف في \"أسباب النزول\" ص ٢٩٧ بنصه -بلا سند- من طريق عطاء (منقطعة)، انظر: \"تفسير البغوي\" ٣/ ١١١، و\"ابن الجوزي\" ٥/ ٦٧، و\"الفخر الرازي\" ٢١/ ٢٠، والأثر ضعيف من الطريقين؛ طريق العوفي وعطاء.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٥٣، بنصه.\n(٤) في (أ)، (د). (موضع).","vol":"13","page":419},{"text":"عن حكمه، وذلك في إعطائهم ما سألوا مخالفة لحكم القرآن.\nوقوله تعالى: ﴿لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ﴾، أي: لتختلق علينا غير ما أوحينا إليك، وهو قولهم: قل: الله أمرني بذلك، ﴿وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا﴾، قال أبو إسحاق: أي لو فعلت ما أرادوا لاتخذوك (١) (خليلًا.\nقوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ﴾، أي: على الحق بعصمتنا إياك، ﴿لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ) (٢) إِلَيْهِمْ﴾، أي: تميل، ﴿شَيْئًا قَلِيلًا﴾، شيئًا: عبارة عن المصدر، أي ركونًا قليلًا.\nقال ابن عباس: يريد: حيث سكت عن جوابهم، والله أعلم بنيته (٣).\nوروي عن قتادة: أن النبيّ -ﷺ- قال -لما نزلت هذه الآية-: \"اللهم لا تكلني إلى نفسي طرفة عين\" (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2201>٧٥ </span>- ثم توعده في ذلك أشدّ التوعد لو فعله، فقال: ﴿إِذًا لَأَذَقْنَاكَ\n_________\n(١) في (أ)، (د): (اتخذوك).\n(٢) ما بين القوسين ساقط من (أ)، (د).\n(٣) انظر: \"تفسير ابن الجوزي\" ٥/ ٦٨، بنصه، و\"الفخر الرازي\" ٢١/ ٢١.\n(٤) أخرجه \"الطبري\" ١٥/ ١٣١ بنصه، وورد بنصه في \"تفسير الثعلبي\" ٧/ ١١٥ ب، و\"الماوردي\" ٣/ ٢٦٠، و\"الطوسي\" ٦/ ٥٠٧، و\"البغوي\" ١٥/ ١١٢، و\"الكافي الشاف في تخريج أحاديث الكشاف\" [ذيل الكشاف] ٤/ ١٠١، وهذا الأثر مرسل كما قال ابن حجر، وورد في \"المجمع\" ١٠/ ١٨١ متصلًا عن ابن عمر، وقال رواه البزار -لم أجده- وفيه راوٍ متروك، وورد في: \"كشف الخفاء\" ١/ ٢١٧، و\"الكنز\" ٢/ ١٨٦، وورد نحوٌ من هذا الدعاء ضمن حديث أبي بكرة، قال: قال رسول الله -ﷺ-: \"دعوات المكروب: اللهم رحمتك أرجو، ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين، وأصلح لي شأني كله\". أخرجه أحمد ٥/ ٤٢، والبخاري في \"الأدب المفرد\": باب الدعاء عند الكرب، ص ٢٤٢، وأبو داود (٥٠٩٠) في الأدب، باب ما يقول أذا أصبح، وحسنه الألباني في \"صحيح الأدب المفرد\" ص ٢٤٢ (٧٠١).","vol":"13","page":420},{"text":"ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ﴾، أي: ضعف عذاب الحياة وضعف عذاب الممات، يريد عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، قال ابن عباس والمفسرون كلهم (١)، ومعنى ضِعفِ العذاب: ضِعفُ ما يعذب غيره.\nقال أبو إسحاق: لأنه نبيّ يضاعف له العذاب على عذاب غيره لو جنى هذه الجناية؛ كما قال: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ [الأحزاب: ٣٠] لأن درجة النبيّ -ﷺ- ودرجة آله الذين وصفهم الله فوق في درجة غيرهم (٢)، قال ابن عباس: ورسول الله معصوم، ولكن هذه مخاطبة لأمته لئلا يركن أحد من المؤمنين إلى أحد من المشركين في شيء من أحكام الله وشرائعه (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2202>٧٦ </span>- قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ﴾ الآية. قال قتادة: هَمَّ أهلُ مكة بإخراج نبي الله -ﷺ- من مكة، ولو فعلوا ذلك ما نوظروا؛ ولكن الله كَفَّهم عن إخراجه (٤) حتى أمره الله بالخروج، ولَقَلَّ ما\n_________\n(١) ورد في \"تفسير مقاتل\" ١/ ٢١٨ أ، بنصه، وأخرجه \"عبد الرزاق\" ٢/ ٣٨٣ بنصه عن قتادة، و\"الطبري\" ١٥/ ١٣١ بنصه عن ابن عباس من طريق العوفي (ضعيفة)، وعن قتادة ومجاهد والضحاك، وورد بنصه في \"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ١٧٩، و\"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢٧٩، عن ابن عباس ومجاهد وأبي الشعثاء، و\"تفسير الثعلبي\" ٧/ ١١٥ ب، والماوردي ٣/ ٢٦٠، و\"الطوسي\" ٦/ ٥٠٦ في الأخيرين عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٥٤، بنصه تقريبًا.\n(٣) انظر: \"تفسير القرطبي\" ١٠/ ٣٠٠، و\"أبي حيان\" ٦/ ٦٥، وحمل الآية على ظاهرها أولى، ولها نظائر في القرآن وهو ما أشار إليه \"الطبري\" ١٥/ ١٣١، و\"البغوي\" ٥/ ١١٢، و\"القرطبي\" ١٠/ ٣٠١\n(٤) في جميع النسخ. إخراجهم والصواب ما أثبته؛ لأن الضمير يعود على الرسول -ﷺ-.","vol":"13","page":421},{"text":"لبثوا بعد خروج النبيّ -ﷺ- من مكة حتي بعث الله عليهم القتل يوم بدر (١)، وهذا قول مجاهد (٢).\nوقال ابن عباس في رواية عطاء: حسدت اليهود مقام النبيّ -ﷺ- بالمدينة فقالوا: إن الأنبياء إنما بعثوا بالشام فإن كنت نبيًا فالحق بها، وإن خرجت إليها صدقناك وآمنا بك، فوقع ذلك في قلبه لما يحب من إسلامهم، فرحل من المدينة على مرحلة، فأنزل الله هذه الآية (٣)، وهذا قول الكلبي وعبد الرحمن بن غنم، واختيار الفراء (٤).\n_________\n(١) أخرجه \"عبد الرزاق\" ٢/ ٣٨٣ - بمعناه، و\"الطبري\" ١٥/ ١٣٢، بنحوه، وورد في \"تفسير الثعلبي\" ٧/ ١١٥ ب، بنحوه، و\"الماوردي\" ٣/ ٢٦١ - مختصرًا، و\"الطوسي\" ٦/ ٥٠٨ - مختصرًا، وأورده المؤلف في \"أسباب النزول\" ص ٢٩٨ مختصرًا، وأورده السيوطي في \"الدر\" ٤/ ٣٥٣ وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(٢) أخرجه \"الطبري\" ١٥/ ١٣٣ بمعناه، وورد في \"تفسير الثعلبي\" ٧/ ١١٥ ب، بنحوه، و\"الماوردي\" ٣/ ٥٠٨ مختصرًا، والمؤلف في \"أسباب النزول\" ص ٢٩٨ مختصرًا.\n(٣) أورده المؤلف في \"أسباب النزول\" ص ٢٩٨ بنصه -بلا سند- بهذه الرواية (منقطعة)، وقد ضعف هذا القول ابن عطية، وقال: وهذا ضعيف لم يقع في سيرة ولا كتاب يعتمد عليه. كما ضعف ابن كثير القولين قائلًا: قيل: نزلت في اليهود إذ أشاروا على رسول الله -ﷺ- بسكنى الشام بلاد الأنبياء وترك سكنى المدينة، وهذا القول ضعيف؛ لأن هذه الآية مكية وسكنى المدينة بعد ذلك، وقيل إنها نزلت بتبوك، وفي صحته نظر. انظر: \"تفسير ابن عطية\" ٩/ ١٥٧، و\"ابن كثير\" ٣/ ٦٠.\n(٤) أخرجه البيهقي في \"الدلائل\" ٥/ ٢٥٤، عن ابن غنم بزيادة منكرة؛ هي: فصدَّق ما قالوا، فغزا غزوة تبوك لا يريد إلا الشام، فلما بلغ تبوك أنزل الله الآية، وورد في \"تفسير الثعلبي\" ٧/ ١١٥ ب، بنحوه عنهما، وأورده المؤلف في \"أسباب النزول\" ص ٢٩٨، بنحوه عن ابن غنم، انظر: \"تفسير البغوي\" ٥/ ١١٢، عن الكلبي، وذكره ابن كثير٣/ ٦٠ وقال: وفي هذا الإسناد. نظر، والأظهر أن هذا ليس بصحيح، فإن النبي -ﷺ- لم يغز تبوك عن قول اليهود، وإنما غزاها امتثالًا لقوله=","vol":"13","page":422},{"text":"والقول الأول اختيار أبي إسحاق (١)، وهو الوجه؛ لأن السورة مكية؛ (٢)، فإن صح القول الثاني كانت الآية مدنية، وقد قال عبد الرحمن بن غنم: هذه الآية أنزلت بعد ما ختمت السورة (٣)، والأرض في قوله: ﴿لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ﴾ على القول الأول: مكة، وعلى القول الثاني: المدينة، وكثر في التنزيل ذكر الأرض، والمراد منها مكان مخصوص؛\n_________\n= تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِر﴾ [التوبة: ٢٩]، وغزاها ليقتص وينتقم ممن قتل أهل مؤتة من أصحابه، والله أعلم. وأورده السيوطي في \"لباب النزول\" ص ١٣٩ وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم، وقال: هذا مرسل ضعيف الإسناد وله شاهد من مرسل سعيد بن جبير عند ابن أبي حاتم.\nوعبد الرحمن بن غَنْم الأشعري، اختلف في صحبته، فأثبت له الصحبة البخاري وابن لهيعة والليث ورجحه ابن حجر، وذكره ابن سعد وابن حبان في ثقات التابعين ورجحه ابن عبد البر وابن الأثير، وقالا: كان مسلمًا على عهد النبي -ﷺ- ولم يره، ولم يفد عليه، وقال الذهبي: ويحتمل أن تكون له صحبة، ويعرف بصاحب معاذ، لملازمته له، وهو أفقه أهل الشام، وكانت له جلالةٌ وقَدْر، مات سنة (٧٨ هـ).\nانظر: \"الاستيعاب\" ٢/ ٣٩٠، و\"أسد الغابة\" ٣/ ٤٨٢، و\"سير أعلام النبلاء\" ٤/ ٤٥، و\"الإصابة\" ٢/ ٤١٧، و\"تهذيب التهذيب\" ٢/ ٥٤٣، انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٢٩.\n(١) انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٥٤.\n(٢) وهو ما رجحه جمهور المفسرين، وقال الطبري: لأن الآية جاءت في سياق خبر الله -﷿- عن قريش وذكره إياهم، ولم يجر لليهود قبل ذلك ذكر ... فهو بأن يكون خبرًا عمن جرى له ذكر أولى من غيره. \"تفسير الطبري\" ١٥/ ١٣٣.\n(٣) ورد في \"تفسير الثعلبي\" ٧/ ١١٥ ب، بنصه، انظر: \"تفسير القرطبي\" ١٠/ ٣٠١، وهو بهذا القول يؤكد مدنية السورة؛ وفي القرطبي زيادة بيان وهو قوله: وأنها نزلت في تبوك.","vol":"13","page":423},{"text":"كقوله: ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ [المائدة: ٣٣] يعني: من حيث كانوا يتصرفون فيه لمعاشهم، وقوله: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ﴾ [يوسف: ٨٠] يعني: الأرض التي كان قَصَدَها للامتيار (١) منها، ومثله كثير (٢).\nفإن قيل: أليس قال الله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ﴾ [محمد: ١٣] يعني مكة، والمراد أهلها فذكر أنهم أخرجوه، وقال في هذه الآية: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا﴾ فكيف الجمع بينهما، على قول من قال: الأرض في هذه الآية: مكة؟! قلنا هَمُّوا وقصدوا إخراجه، كما قال الله -﷿-: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوك﴾ [الأنفال: ٣٠]، ثم قبل أن يُتِمُّوا ذلك أمر الله تعالى نبيه -﵇- بالخروج، فخرج منها بأمر الله خائفًا منهم ومن مكرهم، وكان خروجه بأمر الله سببًا لسلامته مما كانوا يدبرونه فيما بينهم، ألا ترى أن قتادة قال: هموا بإخراجه ولو فعلوا ذلك ما نوظروا على ما حكينا عنه في هذه الآية، وجاز إضافة الإخراج إليهم في قوله: ﴿أَخْرَجَتْكَ﴾؛ لأنهم هموا بذلك وأُمر بالخروج منها لقصدهم إخراجه، فلما كانوا سببًا في خروجه أضيف ذلك إليهم.\n﴿وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا﴾، أعلم الله أنهم لو فعلوا ذلك لم يلبثوا بعده إلا قليلًا، أي لو أخرجوك لاستأصلناهم كسنتنا فيمن قبلهم،\n_________\n(١) في جميع النسخ: (الامتيار)، والتصويب من الحجة للقراء. (المِيرَةُ): جلب الطعام للبيع وللعيال، قال الأصمعي: يقال: ماره يَمُورُه إذا أتاه بمِيرة؛ أي بطعام. أنظر: (مير) في \"المحيط في اللغة\" ١٠/ ٢٨٥، و\"اللسان\" ٧/ ٤٣٠٦.\n(٢) ورد نحوه في \"الحجة للقراء\" ٥/ ١١٥.","vol":"13","page":424},{"text":"وقرئ ﴿خَلَفكَ﴾ (١)، و﴿خَلَفكَ﴾ (٢)، وهو في القراءتين جميعًا على تقدير حذف المضاف كأنه؛ لا يلبثون بعد خروجك.\nوزعم الأخفش: أن خلافك في معنى خلفك، وروى ذلك يونس عن عيسى (٣)، وهذا كقوله: ﴿بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٨١]، وقد مرّ.\nقال أبو علي الفارسي: الآية على تقدير حذف المضاف؛ كقول ذي الرُّمَّة:\nله واحفٌ فالصُّلْبُ حتى تَقَطَّعَتْ ... خِلَافَ الثُّرَيَّا من أرِيكٍ مآرِبُه (٤)\nالمعني: خلاف طلوع الثريا (٥)،وذكرنا الكلام في إذا وإلغائها في سورة النساء (٦).\n_________\n(١) بفتح الخاء وسكون اللام، قرأ بها: ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر.\nانظر: \"السبعة\" ٣٨٣، و\"علل القراءات\" ١/ ٣٢٦، و\"إعراب القراءات السبع وعللها\" ١٣٨٠، و\"الحجة للقراء\" ٥/ ١١٣، و\"المبسوط في القراءات\" ص ٢٣٠.\n(٢) بكسر الخاء وفتح اللام وبعدها ألفٌ، قرأ بها: ابن عامر حمزة والكسائي وحفص عن عاصم. (المصادر السابقة).\n(٣) ورد في \"الحجة للقراء\" ٥/ ١١٣ بنصه، وزاد: وأن معناه: بَعْدَكَ\n(٤) \"ديوانه\" ٢/ ٨٤٢، وورد في: \"الحجة للقراء\" ٥/ ١١٤، (واحف والصلب): هما موضعان للرعي، (خلاف الثريا): يريد بعد طلوع الثريا، (أريك): اسم جبل بالبادية، يقول: تقطعت حوائج هذا الحمار من هذا الموضع؛ لأنه يبس مرعاه، فتحوَّل إلى غيره.\n(٥) \"الحجة للقراء\" ٥/ ١١٤، بنصه تقريبًا.\n(٦) أشار الواحدي -﵀- في سورة النساء: [٦٧] أنه استوفى الكلام في أحكام (إذًا) عند قوله تعالى: ﴿فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا﴾ [آية: ٥٣]، وهذه الآية داخلة في السقط الذي وقع في التفسير.\nوقد ذكر السمين ثلاثة أوجه في رفع ﴿لَا يَلْبَثُونَ﴾ وإعمال (إذًا) فقال: =","vol":"13","page":425},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2203>٧٧ </span>- قوله تعالى: ﴿سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا﴾ قال الفراء: نصب سُنّة على العذاب المضمر، أي يعذبون كسنة من قد أرسلنا (١).\nوقال الزجاج: سُنَّة منصوب بمعنى لا يلبثون (٢)، هذا كلامهما ويحتاج إلى شرح وبيان في هذا، وهو أن يقول: سُنَّة منصوبة؛ لأنها وضعت موضع المصدر، ومعنى السنّة هاهنا: التعذيب، وتأويل الآية: أنهم يعذبون تعذيب الأمم قبلهم إذا أخرجوا رسلهم أو قُتلوا، ودل قوله: ﴿وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ﴾: على تعذيبهم، وكأنه قيل: وإذًا يعذبون تعذيب غيرهم، ومعنى قول الزجاج: سُنَّة منصوب بمعنى لا يلبثون، هو ما ذكرنا من أنه يدل على يعذبون، ومعنى قول الفراء: أنه منصوب بالعذاب المضمر هو هذا سواء، فاعرفه فإنه مشكل الظاهر.\nوقال صاحب النظم: أضاف هذه السنة إلى الرسول، والسنة لله -﷿- كما قال في أثره: ﴿وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا﴾، وإنما حسن أن ينسبها إلى\n_________\n= أحدهما: أنها توسطت بين المعطوف والمعطوف عليه، فيكون ﴿لَا يَلْبَثُونَ﴾ عطفًا على قوله ﴿لَيَسْتَفِزُّونَكَ﴾.\nالثاني: أنها متوسطة بين قسمٍ محذوفٍ وجوابه فألغيت لذلك، والتقدير: ووالله إذا لا يلبثون.\nالثالث: أنها متوسطة بين مبتدأ محذوف وخبره، فألغيت لذلك، والتقدير: وهم إذًا لا يلبثون.\nوفي قراءة أبي شاذًا (لايلبثوا) على إعمال (إذا) ووجه النصب أنه لم يجعل الفعل معطوفًا على ما تقدم ولا جوابًا ولا خبرًا؛ لأنه قد يقع مستأنفًا، والتقدير: إن فعلوا ذلك إذا لا يلبثوا خلافك. انظر: \"الدر المصون\" ٧/ ٣٩٤، و\"الفريد في إعراب القرآن\" ٣/ ٢٩٣، و\"القراءات الشاذة\" لابن خالويه ص ٨٠.\n(١) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٢٩، بنصه.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٥٥، بمعناه","vol":"13","page":426},{"text":"الرسل؛ لأنه من أجلهم سَنَّها، فأضافها إليهم، هذا كلامول، وهو على ما قال، فإن التعذيب يقع بالأمم لا بالرسل، ولكن أضيف إلى الرسل لما كان بسببهم ومن أجلهم، وتحقيق هذا أن يقال: إنه حذف المضاف، على معنى: سنة أمم من قد أرسلنا، فحذف المضاف، وحَسّن حذف المضاف هاهنا ما ذكره صاحب النظم، وهو: أن هذه السنة كانت لأجلهم، يدل على صحة ما ذكرنا قول ابن عباس والمفسرين في هذه الآية.\nقال ابن عباس: يريد هذه سنتي فيمن كذب أوليائي، وتَقوَّل عليّ الباطل.\nوقال سفيان بن عيينة: يقول: لم نرسل قبلك رسولًا فأخرجه قومه إلا أُهلكوا (١).\nوقال أبو إسحاق: يقول: إنا سننا هذه السُّنّة فيمن أرسلنا قبلك إليهم أنهم إذا أخرجوا نبيهم من بين أظهرهم وقتلوه (٢)، لم يلبثهم العذاب أن ينزل بهم (٣)، والسُّنّة لله -﷿- في الأمم، ولما كان المراد بالسُّنّة هاهنا التعذيب أضيف مرة إلى المفعول على حذف المضاف -كما بينا-، ومرة إلى الفاعل في قوله: ﴿وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا﴾، قال ابن عباس: يريد لا خُلف لسُنّتي ولا لقضائي ولا لموعدي (٤).\nوقال أهل المعاني: أي ما أجرى الله به العادة لم يتهيأ (٥) لأحد أن\n_________\n(١) ورد في تفسيره \"الوسيط\" تحقيق سيسي ٢/ ٥٣٠، بنصه.\n(٢) في (ش): (قتلوهم)، وفي (ع): (قتلوا).\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٥٥، بنصه.\n(٤) ورد في تفسيره \"الوسيط\" تحقيق سيسي ٢/ ٥٣٠، بنصه.\n(٥) في (أ)، (د): (ننهنا).","vol":"13","page":427},{"text":"يقلب تلك العادة (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2204>٧٨ </span>- قوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ اختلف أهل المعاني والمفسرون في معنى (دلوك الشمس) على قولين؛ أحدهما: أن دلوكها غروبها، وهو اختيار الفراء (٢) وابن قتيبة (٣)، واحتج الفراء بقول الشاعر (٤):\nغُدْوَةً حتى دَلَكَتْ بَرَاحِ (٥)\n_________\n(١) ورد في تفسيره \"الوسيط\" تحقيق سيسي ٢/ ٥٣٠، بنصه بلا نسبة.\n(٢) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٢٩.\n(٣) \"الغريب\" لابن قتيبة ١/ ٢٦١.\n(٤) نسب لقطرب في: \"تفسير القرطبي\" ١٠/ ٣٠٣، و\"اللسان\" (برح) ١/ ٢٤٥.\n(٥) وصدره:\nهذا مَقَامُ قدَمَيْ رَبَاحِ\nورد بلا نسبة في \"مجاز القرآن\" ١/ ٣٨٧، و\"نوادر أبي زيد\" ص ٣١٥، و\"تفسير الطبري\" ١٥/ ١٣٦، و\"جمهرة اللغة\" ١/ ٢٧٤، و\"الأزمنة والأمكنة\" ص ٢٨٦، و\"المخصص\" ٩/ ٢٥، و\"تهذيب الألفاظ\" ص ٣٩٣ وفيه: (اليوم) بدل (غدوة)، و\"تفسير الثعلبي\" ٧/ ١١٦ أ، و\"ابن عطية\" ٩/ ١٦٣، و\"أبي حيان\" ٦/ ٦٨، وورد برواية (ذبَّبَ) بدل (غُدْوَة) في \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٢٩، و\"تهذيب اللغة\" (برح) ١/ ٣٠٢، (دلك) ٢/ ١٢٢٠، و\"الصحاح\" (برح) ١/ ٣٥٦، و\"تفسير الماوردي\" ٣/ ٢٦٣، و\"شرح المفصل\" ٤/ ٦٠، و\"تفسير القرطبي\" ١٠/ ٣٠٣، و\"اللسان\" (برح) ١/ ٢٤٥، وورد برواية: (للشمس) بدل (غدوة) في \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٥٥، و\"تفسير الطوسي\" ٦/ ٥٠٩، (رباح): اسم ساقٍ على بئر، قال الفراء: يعني الساقي (ذَبَّب). طرد الناس، (براح)؛ يقول: حتى قال بالراحة على العين، فينظر هل غابت، وقال \"الطبري\" ١٥/ ١٣٦: (براج) يروى بفتح الباء فمن روى ذلك بكسرها، فإنه يعني: أشبه يضع الناظركفه على حاجبه من شعاعها =","vol":"13","page":428},{"text":"أي غابت، واحتج ابن قتيبة بقول ذي الرُّمَّة:\nولا بالآفلات (١) اللّوَالِكِ (٢)\nالقول الثاني: أن دلوك الشمس زوالها وزيغوغتها عن كبد السماء، والصحابة مختلفون في هذا، فروى نافع وسالم عن ابن عمر قال: دلوك الشمس: زيغها حين تزول (٣)، هذا قول ابن عباس في رواية داود بن الحصين (٤) قال:\n_________\n= لينظر ما لقي من غبارها، وهذا تفسير أهل الغريب ... ومن روى بفتح الباء، فإنه جعله اسمًا للشمس، (دلكت): مالت للغُيوب.\n(١) في جميع النسخ: (بالأفلاف)، والتصويب من الديوان وجميع المصادر.\n(٢) وتمامه كما في \"الديوان\" ٣/ ١٧٣٤:\nمصابيحُ ليست ليست باللَّواتي تقودُها ... نُجومٌ .................\nوورد في \"الغريب\" لابن قتيبة ١/ ٢٦١، و\"تفسير الثعلبي\" ٧/ ١١٦ أ، و\"الماوردي\" ٣/ ٢٦٢، و\"ابن عطية\" ٩/ ١٦٣، و\"ابن الجوزي\" ٥/ ٧٢، و\"القرطبي\" ١٠/ ٣٠٣، و\"اللسان\" (دلك) ٣/ ١٤١٢، و\"تفسير أبي حيان\" ٦/ ٦٨، وفي \"اللسان\" (صبح) ٤/ ٢٣٨٩: المصباح من الإبل: الذي يبرك في معرَّسه فلا ينهض حتى يصبح وإن أثير، وقيل: المِصْبَحُ والمِصْباح من الإبل: التي تُصبحُ في مبركها لا ترعى حتى يرتفع النهار، وهو مما يستحب من الإبل؛ وذلك لقوتها وسمنها. والمقصود هنا: أنها من الشبع لا تبالي ألَّا ترحل، (الآفلات): الغائبات.\n(٣) أخرجه \"عبد الرزاق\" ٢/ ٣٨٤ بمعناه من طريق سالم، وابن أبي شيبة ٢/ ٤٤ بمعناه من طريق نافع، و\"الطبري\" ١٥/ ١٣٥ بمعناه من طريق نافع، وورد في \"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ١٨١ بمعناه من طريقها، و\"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢٨٠، بنحوه من طريق سالم.\n(٤) داود بن الحصين، أبو سليمان المدني، مولى عثمان بن عفان، محدّث مشهور، ثقة إلا في عكرمة، رُمي برأي الخوارج، روى عن أبيه والأعرج، وعنه: إسحاق ومالك، مات سنة (١٣٥ هـ). =","vol":"13","page":429},{"text":"دلوكها إذا فاء الفيء (١).\nوقال في رواية عطاء: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ يريد لزوالها (٢)، ونحو هذا روى مجاهد عنه، وهذا قول الحسن وعمر بن عبد العزيز والشعبي وعطاء ومجاهد وقتادة (٣).\nويدل على هذا ما روي عن جابر أنه قال: طعم عندي رسول الله -ﷺ- وأصحابه ثم خرجوا حين زالت الشمس، فقال النبيّ -ﷺ-: \"هذا حين دلكت الشمس\" (٤).\n_________\n= انظر: \"الجرح والتعديل\" ٣/ ٤٠٨، و\"ميزان الاعتدال\" ٢/ ١٩٥، و\"الكاشف\" ١/ ٣٧٩، و\"تقريب التهذيب\" ص١٩٨ (١٧٧٩).\n(١) أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٤٤) بنصه من هذه الطريق، وأورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ٣٥٤ وزاد نسبته إلى ابن المنذر.\n(٢) ورد في \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٢٩ - بمعناه، أخرجه \"الطبري\" ١٥/ ١٣٥ بلفظه من طريق الشعبي، وورد في \"تفسير الماوردي\" ٣/ ٥٠٨ - بلفظه، وأورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ٣٥٤ وزاد نسبته إلى سعيد بن منصور.\n(٣) \"تفسير مجاهد\" ١/ ٣٦٨ بمعناه، وأخرجه \"عبد الرزاق\" ٢/ ٣٨٤ - بمعناه عن قتادة وعطاء، وابن أبي شيبة ٢/ ٤٥، بلفظه عن الشعبي، وبنحوه عن مجاهد، و\"الطبري\" ١٥/ ١٣٥ بلفظه عن الشعبي عن ابن عباس والحسن وقتادة، وبنحوه عن مجاهد، وورد في \"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ١٨١ بلفظه عن الشعبي عن ابن عباس، و\"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢٨٠ بمعناه عن قتادة والشعبي عن ابن عباس، و\"الثعلبي\" ٧/ ١١٦ أبلفظه عن مجاهد والحسن وعطاء، و\"الماوردي\" ٣/ ٢٦٢ - بلفظه عن الشعبي عن ابن عباس والحسن وقتادة ومجاهد، و\"الطوسي\" ٦/ ٥٠٨، عن الحسن ومجاهد وقتادة.\n(٤) أخرجه \"الطبري\" ١٥/ ١٣٧، بنحوه، من طريق ابن أبي ليلى عن رجل عن جابر -﵁- قال: دعوت نبي الله -ﷺ- ومن شاء من أصحابه، فطعموا عندي ثم خرجوا حين زالت الشمس، فخرج النبي -ﷺ- فقال: \"اخرج يا أبا بكر قد دلكت الشمس\"، فيه=","vol":"13","page":430},{"text":"وروى جماعة عن ابن مسعود أنه قال حين غربت الشمس: هذا والذي نفسي بيده وقت الصلاة حين دلكت الشمس، ثم قال: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ (١).\nوروى زِرّ بن حُبَيْش (٢) أن عبد الله بن مسعود قال: دلوك الشمس غروبها (٣)، وقال علي -﵁-: دلوك الشمس غيبوبتها (٤)، وهذا قول ابن عباس\n_________\n= رجل مجهول، وأخرجه -كذلك- من طريق الأسود بن قيس عن نُبيح العَنزي عن جابر -﵁- عن النبي -ﷺ- بنحوه. ورجاله ثقات، لكن الطبري لم يجزم بصحته؛ حيث قال في ترجيح هذا القول: وبذلك ورد الخبر عن رسول الله -ﷺ- وإن كان في إسناد بعضه بعض نظر، وقال بعد إيراد هذه الأخبار: فإذا كان صحيحًا ما قلنا بالذي به استشهدنا ..، وقد استشهد بالحديث كذلك: \"ابن عطية\" ٩/ ١٦١، و\"ابن الجوزي\" ٥/ ٧٢، و\"أبي حيان\" ٦/ ٧٠، و\"ابن كثير\" ٣/ ٦١، والحديث ضعيف.\n(١) أخرجه \"عبد الرزاق\" ٢/ ٣٨٤ بمعناه، وابن أبي شيبة ٢/ ٤٥، بنحوه، و\"الطبري\" ١٥/ ١٣٤، بنحوه من طرق، والطبراني في \"الكبير\" ٩/ ٢٦٢، بنحوه من عدة طرق، والحاكم: التفسير، الإسراء٢/ ٣٦٣، بنحوه وصححه، وورد في \"تفسير الثعلبي\" ٧/ ١١٦ أ، بنحوه، وأورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ٣٥٤ وزاد نسبته إلى سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه من طرق.\n(٢) أبو مريم زِر بن حبيش الأسدي الكوفي، ثقة جليل مخضرم، سمع عمر وعليًّا -﵄- وعنه: عاصم بن أبي النجود والشعبي، مات سنة (٨٢ هـ) وله (١٢٧) سنة. انظر: \"الجرح والتعديل\" ٣/ ٦٢٢، و\"الكاشف\" ١/ ٤٠٢، و\"تقريب التهذيب\" ص ٢١٥ (٢٠٠٨).\n(٣) أخرجه الطبراني في \"الكبير\" ٩/ ٢٦٣ بلفظه من هذه الطريق، وورد بلفظه في \"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ١٨١، و\"تهذيب اللغة\" (دلك) ٢/ ١٢٢٠، و\"تفسير الجصاص\" ٣/ ٢٠٦، و\"السمرقندي\" ٢/ ٢٨٠، و\"هود الهواري\" ٢/ ٤٣٦، و\"الماوردي\" ٣/ ٢٦٢، و\"الطوسي\" ٦/ ٥٠٨.\n(٤) أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٤٥) عنه بمعناه، قال: دلوكها غروبها، وانظر: \"تفسير أبي حيان\" ٦/ ٧٠ - بمعناه، وأورده السيوطي في \"الدرالمنثور\" ٤/ ٣٥٤ بمعناه =","vol":"13","page":431},{"text":"في رواية سعيد بن جبير، وإبراهيم والسدي وابن زيد (١)، وهذا قول المفسرين واختلافهم.\nوأما المحققون من أهلِ اللغة: فإنهم ذهبوا إلى أن دلوك الشمس ميلها في الوقتين.\nقال الزجاج: دلوك الشمس زوالها ومَيْلها في وقت الظهر، وكذلك ميلها للغروب، وهو دلوكها أيضًا (٢).\nوقال المبرد: دلوك الشمس من لدن زوالها إلى غروبها عند العرب (٣).\nوقال الأزهري: القول عندي في دلوك الشمس أنه زوالها نصف النهار لتكون الآية جامعة للصلوات الخمس، والمعنى: أقم الصلاة؛ أي أدمها من وقت زوال الشمس إلى غسق الليل، فيدخل فيها الأولى والعصر وصلاتا غسق الليل، وهما العشاءان، ثم قال: ﴿قُرْآنَ الْفَجْرِ﴾، فهذه خمس صلوات، وإذا جعلت الدلوك: الغروب، كان الأمر في الآية مقصورًا على ثلاث صلوات.\n_________\n= وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\nوفي جميع النسخ: (غببوبته) مذكرًا، وحقها التأنيث؛ لأن الضمير يعود على الشمس وهي مؤنثة.\n(١) أخرجه \"الطبري\" ١٥/ ١٣٤ بمعناه عن ابن عباس من طريق مجاهد (صحيحة)، وابن زيد، وورد في \"تفسير الماوردي\" ٣/ ٢٦٢ - بمعناه عن ابن عباس وابن زيد، و\"الطوسي\" ٦/ ٥٠٨ بمعناه عن ابن عباس وابن زيد، انظر: \"تفسير ابن الجوزي\" ٥/ ٧٢، عنهم- ما عدا السدي، و\"الخارن\" ٣/ ١٧٤، عن إبراهيم والسدي.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٥٥، بنصه.\n(٣) ورد في تفسيره \"الوسيط\" تحقيق سيسي ٢/ ٥٣٠، بنصه.","vol":"13","page":432},{"text":"قال: ومعنى الدلوك في كلام العرب: الزوال، ولذلك قيل للشمس إذا زالت نصف النهار: دالكة، وقيل لها إذا أقلت: دالكة؛ لأنها في الحالتين زائلة، انتهى كلامه. (١) واللام في قوله: ﴿قُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ لام الأجل والسبب؛ وذلك أن الصلاة إنما تجب بزوال الشمس، فيجب على الصلي إقامتها لأجل دلوك الشمس.\nوقوله تعالى: ﴿إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾، غسق الليل: سواده وظلمته، قاله الفراء والزجاج وأبو عبيدة وابن قتيبة (٢).\nقال الكسائي: غسق الليل غسوقًا، والغسق الاسم بفتح السين (٣).\nوقال ابن شميل: غَسقُ الليلِ دخولُ أولِه، وأتيته حين غسق الليل، أي حين يختلط وَيسُدُّ المناظر (٤).\nوقال الفراء في المصادر: أغسق الليل إغساقًا وغسق غسوقًا (٥).\n_________\n(١) \"تهذيب اللغة\" (دلك) ٢/ ١٢٢٠ بتصرف يسير. وقد رجح الطبري هذا القول، قائلًا: وأولى القولين بالصواب قول من قال: عني بقوله: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾: صلاة الظهر؛ وذلك أن الدلوك في كلام العرب: الميل. ثم قال: فإذا كان معنى الدلوك في كلام العرب هو الميل، فلا شك أن الشمس إذا زالت عن كبد السماء، فقد مالت للغروب، وذلك وقت صلاة الظهر، وكذلك رجحه البغوي ٥/ ١١٤، و\"ابن عطية\" ٩/ ١٦٢، وذهب بعضهم إلى أن اللفظ يشمل الأمرين؛ لأن أصل الدلوك في اللغة هو الميل، والشمس تميل عند زوالها وغروبها، فلذلك انطلق على كل واحدٍ منهما. انظر: \"تفسير الماوردي\" ٣/ ٢٦٣.\n(٢) جاء بنحوه في \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٢٩، و\"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٥٥، و\"مجاز القرآن\" ١/ ٣٨٨، و\"الغريب\" لابن قتيبة ١/ ٢٦١.\n(٣) انظر: \"تفسير الفخر الرازي\" ٢١/ ٢٦، و\"أبي حيان\" ٦/ ٦٨، و\"القرطبي\" ١٠/ ٣٠٤ بلا نسبة.\n(٤) ورد في \"تهذيب اللغة\" (غسق) ٣/ ٢٦٦٤، بنصه.\n(٥) انظر: \"تفسير القرطبي\" ١٠/ ٣٠٤، و\"أبى حيان\" ٦/ ٦٨.","vol":"13","page":433},{"text":"وقال الزجاج في باب الوفاق: غسق الليل وأغسق (١).\nوأصل هذا الحرف من السَّيَلان، قال أبو زيد: غَسَقت العينُ تَغْسِقُ، وهو هَملانُ العينِ بالغَمَص والماء (٢)، والغاسق السائل، وأنشد شمر:\nأبْكي لِفَقْدِهِمُ بِعَيْن ثَرَّةٍ ... تَجْرِي مَسَارِبُها بِعَيْنٍ غاسقٍ (٣)\nأي سائل، وليس من الظلمة في شيء، ومن هذا قيل لما يسيل من أهل النار: الغَسَّاق، فمعنى غسق الليل: أي انصب بظلامه، وذلك أن الظلمة تنزل من فوق.\nوروى ثعلب عن ابن الأعرابي: الغَسَقان: الانْصِبَابُ، وغَسَقَتِ السماء: أرشَّتْ (٤).\nومنه قول عُمرَ حين غسقَ الليلُ على الظِّرابِ (٥)، أي انصَّبَ الليلُ على الجبال (٦).\nوأما قول المفسرين؛ فقال ابن عباس: غسق الليل: اجتماع الليل وظلمته (٧). وقال ابن جريج: قلت لعطاء: ما غسق الليل؟ قال: أوله حين\n_________\n(١) \"فعلت وأفعلت\" ص ٦٩، بنحوه\n(٢) ورد في \"تهذيب اللغة\" (غسق) ٣/ ٢٦٦٤، بنصه.\n(٣) ورد في \"تهذيب اللغة\" (غسق) ٣/ ٢٦٦٤، و\"اللسان\" (غسق) ٦/ ٣٢٥٥.\n(٤) الراء والشين أصلٌ واحد يدلّ على تفريق الشيء، والرشُّ يكون للماء والدم والدمع، ويقال: رشَّت السماءُ وأرشت، وكذلك أرشّت الطعنةُ الدم، وأرشّت العينُ الدمع. انظر: \"مقاييس اللغة\" ٢/ ٣٧٣، و\"اللسان\" (رشش) ٣/ ١٦٥٠.\n(٥) ورد أثر عمر -﵁- في: \"النهاية\" ٣/ ١٥٦، و\"اللسان\" (ظرب) ٥/ ٢٧٤٥، (غسق) ٦/ ٣٢٥٥. والظِّراب: جمع ظَرِبٍ بوزن كَتِفٍ، وهي الروابي الصغار. قال الليث: الظَربُ من الحجارة ما كان ناتئًا في جبلٍ أو أرض خَربةٍ\n(٦) ورد في\"تهذيب اللغة\" (غسق) ٣/ ٢٦٦٤، بنصه.\n(٧) ورد في \"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ١٨٢ بنصه، و\"تفسير الجصاص\" ٣/ ٢٠٦ =","vol":"13","page":434},{"text":"يدخل (١)\nوقال ابن مسعود: غسق الليل إظلام الليل (٢).\nوسأل نافع بن الأزرق ابن عباس: ما الغسق؟ قال: دخول الليل بظلمته، وأنشد بيت زهير:\nظلَّتْ تَجُوب يَدَاهَا وهي لاهِيَةٌ ... حتى إذا جَنَحَ الإظلامُ والغَسَقُ (٣) (٤)\nوقال الأزهري: غسق الليل عندي: غَيْبُوبةُ الشَّفق الأحمر حين تحِلُّ صلاةُ عِشاء الآخرة، يدل على ذلك سِيَاقُ الآية في الأمر بالصلوات الخمس، فيدخل الظهر والعصر والمغرب والعشاء في قوله: ﴿لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ (٥).\nوقوله تعالى: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ قال ابن عباس: يريد صلاة الصبح (٦)، وكذلك قال ابن مسعود ومجاهد ومسروق وقتادة وجميع\n_________\n= بنصه، انظر: \"تفسير ابن العربي\" ٣/ ١٢١٩، و\"القرطبي\" ١٠/ ٣٠٤، وأورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ٣٥٤ وعزاه إلى ابن المنذر.\n(١) أخرجه \"عبد الرزاق\" ٢/ ٣٨٤ بنصه، انظر: \"تفسير الفخر الرازي\" ٢١/ ٢٧.\n(٢) ورد في تفسيره \"الوسيط\" تحقيق سيسي ٢/ ٥٣١.\n(٣) لم أجده في ديوانه، وورد في: \"إيضاح الوقف والابتداء\" ١/ ٨٩، و\"الإتقان\" ٢/ ٨٦، و\"الدر المنثور\" ٤/ ٣٥٤، وبرواية تجود في \"تفسير الماوردي\" ٣/ ٢٦٣، و\"القرطبي\" ١٠/ ٣٠٤، و\"أبي حيان\" ٦/ ٦٨، و\"شرح القصائد السبع الطوال\" ص ٥٥٩ بلا نسبة.\n(٤) ورد في \"إيضاح الوقف والابتداء\" ١/ ٨٩، انظر: \"تفسير الفخر الرازي\" ٢١/ ٢٧، و\"أبي حيان\" ٦/ ٦٨ بدون الشعر فيهما، و\"الإتقان\" ٢/ ٨٦، و\"تفسير الآلوسي\" ١٥/ ١٣٢، و\"مسائل ابن الأزرق\" [ذيل الإعجاز البياني لبنت الشاطئ] ص ٥٧٤.\n(٥) \"تهذيب اللغة\" (غسق) ٣/ ٢٦٦٤، بتصرف.\n(٦) أخرجه \"الطبري\" ١٥/ ١٤٠، بنصه من طريق العوفي (ضعيفة)، وأورده في \"الدر المنثور\" ٤/ ٣٥٥.","vol":"13","page":435},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2205>٧٩ </span>- قوله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ﴾، أصل معنى الهجود في اللغة النوم (١)، وهو معروفٌ كثيرٌ في الشعر، وأهجدته وهجدته أي أنمته، ومنه قول لبيد قال:\nهجِّدْنا فقد طال السُّرى (٢)\nكأنه قال: نَوِّمْنَا فإن السُّرى قد طال علينا النوم، هذا هو الأصل، وروى أبو عبيد عن أبي عبيدة: الهاجد النائم، والهاجد: المصلِّي بالليل (٣).\nوروى أبو العباس عن ابن الأعرابي: هجَّد الليلَ الرجلُ إذا صلى من الليل، وهَجَّد: إذا نام بالليل، قال: والمتهجد يكون مصليًا ويكون\n_________\n(١) انظر: (هجد) في \"المحيط في اللغة\" ٣/ ٣٧٠، و\"الصحاح\" ٢/ ٥٥٥، و\"اللسان\" ٨/ ٤٦١٦.\n(٢) وتمامه:\nقال هَجِّدْنا ........... ... وقَدَرْنَا إن خَنَا الدَّهْرِ غَفَل\n\"شرح ديوان لبيد\" ص ١٨٢، وورد في: \"الأضداد\" لابن السِّكِّيت [ثلاثة كتب في الأضداد] ص ١٩٤، و\"مجاز القرآن\" ١/ ٣٨٩، و\"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٥٦، و\"الأضداد\" لابن الأنباري ص ٥١، و\"تهذيب اللغة\" (هجد) ٤/ ٣٧١٦، و\"الصحاح\" (هجد) ٢/ ٥٥، و\"تفسير الطوسي\" ٦/ ٥١١، و\"تفسير ابن الجوزي\" ٥/ ٧٤، و\"اللسان\" (هجد) ٤/ ٤٦١٦ (خنا) ٣/ ١٢٨٣، (السُّري): سير الليل عامة، (قدرنا): أي وقدرنا على ورود الماء، وذلك إذا قربوا منه، (الخنى): الآفة والفساد، أي إن غفل عنا فساد الدهر فلم يعقنا، وقيل قدرنا: أي على التهجد، وقيل: على السير، والشاعر يصف نفسه بالجلد في السفر وكثرة السهر حتى تأذى رفيقه بذلك وقال له: خلنا ننام ونسحريح، قد قدرنا على ما نريد ووصلنا إلى ما نحب إن غفل عنا الدهر ولم يفسد علينا أمرنا.\n(٣) ورد في \"تهذيب اللغة\" (هجد) ٤/ ٣٧١٦، بنصه.","vol":"13","page":436},{"text":"نائمًا (١).\nوروى عمرو عن أبيه قال: هَجد وهَجَّد: إذا قام مصلِّيًا، وهَجَد: إذا نام (٢)، وقال الليث: تهجد إذا استيقظ اللصلاة (٣).\nوقال ابن بُزُرْج: هَجّدْتُه: أيقظته (٤)، وهذا قول أهل اللغة (٥) في تفسير هذا الحرف، وعلى ما ذكروا هو من الأضداد (٦)؛ كما بَيّنا، وأجاد الأزهري في تفسير التهجد فقال: المعروف في كلام العرب: أن الهاجد: النائم، وقد هجد هجودًا إذا نام، وأما المتهجِّد فهو القائم إلى الصلاة من النوم، وكأنه قيل له: متهجد؛ لإلقائه الهجود عن نفسه؛ كما قيل للعابد: متحنث؛ لإلقائه الحِنْثَ عن نفسه، وهو الإثم (٧)، وعلى ما ذكر، التهجد: بمعنى الصلاة، هو من باب تَحَرَّج وتأثَّم وتحوَّب، وهو ترك الهجود، ثم صار بمعنى الصلاة لمّا كان المصلي بالليل يترك النوم.\nقال ابن عباس في قوله: ﴿فَتَهَجَّدْ بِهِ﴾ فَصَلِّ بالقرآن (٨)، وقال مجاهد: التهجد: بعد النوم (٩)، وهذا قول عبد الرحمن بن الأسود (١٠)\n_________\n(١) ورد في \"تهذيب اللغة\" (هجد) ٤/ ٣٧١٦، بنصه تقريبًا.\n(٢) و(٣) ورد في \"تهذيب اللغة\" (هجد) ٤/ ٣٧١٦، بنصه.\n(٤) ورد في \"تهذيب اللغة\" (هجد) ٤/ ٣٧١٦ بلفظه، انظر: \"تفسير الألوسي\" ١٥/ ١٣٨.\n(٥) في (أ)، (د): (الليل)، وهو خطأ ظاهر، والمثبت من (ش)، (ع) هو الصواب.\n(٦) انظر: \"ثلاثة كتب في الأضداد\": للأصمعي ص ٤٠، والسجستاني ص ١٢٣، وابن السكت ص ١٩٤، و\"الأضداد\" لابن الأنباري ص ٥٠.\n(٧) \"تهذيب اللغة\" (هجد) ٤/ ٣٧١٦، بنصه.\n(٨) انظر: \"تفسير ابن الجوزي\" ٥/ ٧٤، بنصه.\n(٩) انظر: \"تفسير ابن الجوزي\" ٥/ ٧٤، بنصه.\n(١٠) عبد الرحمن بن الأسود بن يزيد بن قيس النخعي، أبو حفص، ثقة، روى عن أبيه =","vol":"13","page":437},{"text":"المفسرين (١)، وانتصابه على أنه معطوف بالعطف على الصلاة في قوله: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ﴾ قاله الفراء (٢) والزجاج، قال الزجاج: أي: وأقم قرآن الفجر، قال: وفي هذا الموضع فائدة عظيمة؛ تدل على أن الصلاة لا تكون إلا بقراءة؛ لأنه قال: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ﴾، وأقم قرآن الفجر، فأمر أن يقيم الصلاة بالقراءة، حيث سميت الصلاة قرآنًا، فلا تكون صلاةٌ إلا بقراءة؛ انتهى كلامه (٣).\nوقوله تعالى: ﴿إنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِكَانَ مَشْهُودًا﴾، كلهم قالوا: صلاة الفجر تشهدها ملائكة الليل وملائكة النهار (٤).\nوروى أبو هريرة أن النبيّ -ﷺ- قال: \"تجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار في صلاة الصبح\"، ثم يقول أبو هريرة: اقرءوا إن شئتم: ﴿قُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ الآية. (٥)\n_________\n(١) \"تفسير مجاهد\" ص ٣٦٨ بنصه، وأخرجه \"الطبري\" ١٥/ ١٣٩ - ١٤٠، عنهم - عدا مسروق، أورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ٣٥٥ وزاد نسبته إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر عن مجاهد.\n(٢) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٢٩، بمعناه.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٥٥، بنصه.\n(٤) انظر: \"تفسير الطبري\" ١٥/ ١٣٩، و\"ابن عطية\" ٩/ ١٦٦.\n(٥) وطرف الحديث: \"فضل صلاة الجميع على صلاة الواحد خمس وعشرون درجة، وتجتمع ملائكة الليل .. \" الحديث، أخرجه عبد الرزاق في \"المصنف\" ١/ ٥٢٢ بنصه، وأحمد ٢/ ٤٧٤، بنحوه، والبخاري (٤٧١٧) كتاب: التفسير، سورة الإسراء، باب: قوله ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ ...﴾ بنصه، ومسلم (٦٤٩/ ٢٤٦) كتاب: المساجد، فضل الجماعة، وابن ماجه (٦٧٠) كتاب: مواقيت الصلاة؛، وقت الصلاة الفجر، بنحوه، والترمذي (٣١٣٥) كتاب: التفسير، الإسراء، بنحوه وقال: حسن صحيح، والنسائي: الصلاة، فضل الصلاة الجماعة =","vol":"13","page":438},{"text":"وقال ابن مسعود: يتدارك الحارسان؛ حارس الليل وحارس النهار من الملائكة في صلاة الفجر، وإن شئتم فاقرءوا: ﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ (١).\nوقال الكلبي: ملائكة الليل وملائكة النهار يجتمعون في صلاة الغداة خلف الإمام، تنزل ملائكة النهار عليهم وهم في صلاة الغداة قبل أن تعرج ملائكة الليل، فإذا فرغ الإمام من صلاته عرجت ملائكة الليل ومكثت ملائكة النهار، فتقول ملائكة الليل إذا صعدت إلى ربها: ربنا إنا تركنا عبادك يصلون لك، ويقول الآخرون: ربنا أتينا عبادك وهم يصلون، فيقول الله لملائكته: اشهدوا أني قد غفرت لهم (٢)، وهذا معنى قول ابن عباس، ويريد أن ذلك كفارة لما صنعت، وفي هذا أيضًا دليل على أن السُنَّة التبكير بهذه الصلاة؛ لأنه إنما يشهدها القبيلان من الملائكة إذا بُكِّرَ بها، فإذا لم يُبَكَّر بها في أول الفجر كانت ملائكة الليل قد عرجت فلم تشهدها، والسُنَّة أن يصلى في الوقت الذي يشهدها القبيلان جميعًا.\n_________\n= ١/ ٢٤١ بنصه، و\"الطبري\" ١٥/ ١٤١، بنحوه، وورد في \"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ١٨٣، بنحوه، و\"تفسير الثعلبي\" ٧/ ١١٧ أ، بنصه، و\"الدر المنثور\" ٤/ ٣٥٥ وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم وابن مردويه.\n(١) أخرجه \"الطبري\" ١٥/ ١٤١، بنحوه، والطبراني في \"الكبير\" ٩/ ٢٦٥، بنحوه، وورد في \"تفسير هود الهواري\" ٢/ ٤٣٧، بنحوه، و\"الدر المنثور\" ٤/ ٣٥٥ وزاد نسبته إلى سعيد بن منصور وابن المنذر.\n(٢) لم أقف عليه، وقد ورد بهذا المعنى حديث صحيح مشهور، رواه أبو هريرة عن النبي -ﷺ- وطرفه: (يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار ..) أخرجه البخاري (٥٥٥) كتاب: مواقيت الصلاة، باب: فضل صلاتى العصر، ومسلم (٦٣٢) كتاب: المساجد ومواضع الصلاة، باب: فضل صلاتي الصبح والعصر.","vol":"13","page":439},{"text":"وعلقمة وإبراهيم وجميع المفسرين (١).\nقال الحجاج بن عمرو المازني (٢): أيحسب أحدكم إذا قام من الليل فصلى حتى يصبح أنه قد تهجد؟! إنما التهجد: الصلاة بعد رقدة ثم صلاة بعد رقدة ثم صلاة بعد رقدة، وتلك كانت صلاة (٣) رسول الله -ﷺ- (٤)، وهذا يدل على صحة قول الأزهري في تفسير التهجد، حيث لم يجعلوا الساهر ليله كله متهجدًا، وجعلوا التهجد بعد النوم، ولو كان ضدًا للنوم لكان الساهر جميع ليله متهجدًا.\n_________\n= وعلقمة، وعنه الأعمش وهارون بن عنترة، مات سنة (٩٩ هـ)، انظر: \"الجرح والتعديل\" ٥/ ٢٠٩، و\"الكاشف\" ١/ ٦٢١ (٣١٤١)، و\"تقريب التهذيب\" (٣٨٠٣).\n(١) أخرجه \"الطبري\" ١٥/ ١٤١ - ١٤٢ بنصه من طرق عنهم، وورد في \"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ١٨٣ بنصه عن علقمة والأسود، و\"تفسير الجصاص\" ٧/ ٢٠٣ بنصه عن الأسود وعلقمة، و\"الثعلبي\" ٧/ ١١٧ أبنصه، و\"الطوسي\" ٦/ ٥١١ بنصه عن الأسود وعلقمة، انظر: \"تفسير ابن كثير\" ٣/ ٦١، عنهم، وأورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ٣٥٥ وزاد نسبته إلى ابن المنذر ومحمد بن نصر في كتاب الصلاة عن علقمة والأسود.\n(٢) الحجاج بن عمرو المازني الأنصاري الخزرجي -﵁-، له صحبة، روى عن النبي -ﷺ- حديثين؛ أحدهما في الحج والآخر في التهجد، وهو الذي ضرب مروان يوم الدار -يوم حصر عثمان -﵁- في داره- فأسقطه، وشهد صفين مع علي.\nانظر: \"الاستيعاب\" ١/ ٣٧٨، و\"أسد الغابة\" ١/ ٦٩٢، و\"الإصابة\" ١/ ٣١٣، و\"تقريب التهذيب\" ص ١٥٣ (١١٣٢).\n(٣) ساقطة من (د).\n(٤) أخرجه \"الطبري\" ١٥/ ١٤٢ مختصرًا، وورد في \"تفسير الجصاص\" ٣/ ٢٠٧ بنصه، وانظر: \"تفسير ابن عطية\" ٩/ ١٤٢ و\"الفخر الرزي\" ٢١/ ٣٠، و\"القرطبي\" ١٠/ ٣٠٨، و\"الألوسي\" ١٥/ ١٣٨.","vol":"13","page":440},{"text":"وقوله تعالى: ﴿بِهِ﴾ قالوا: بالقرآن نافلة لك، معنى النافلة في اللغة: ما كان زيادة على الأصل، ذكرنا هذا في قوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾، ومعناها أيضًا في هذه الآية: الزيادة.\nقال مجاهد: النافلة للنبيّ -ﷺ- خالصة؛ من أجل أنه غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فما عمل من عمل سوى المكتوبة فهي نافلة له، من أجل أنه لا يعمل ذلك في كفارة الذنوب، فهي نوافل له خاصة وزيادة، والناس يعملون ما سوى المكتوبة لذنوبهم في كفارتهم فليس لهم نوافل (١).\nوقال السدي: نافلة لرسول الله -ﷺ- خاصة؛ لأنه قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وليست لنا بنافلة لكثرة ذنوبنا إنما نعمل لكفاراتها (٢)، وهذا قول أكثر المفسرين.\n_________\n(١) أخرجه \"الطبري\" ١٥/ ١٤٣ بنصه، والبيهقي في \"الدلائل\" ٥/ ٤٨٧ بنصه تقريبًا، وورد في \"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ١٨٤، بنحوه، و\"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢٨٠ مختصرًا، و\"الثعلبي\" ٧/ ١١٧ أ، بنحوه، و\"الماوردي\" ٣/ ٢٦٤ مختصرًا، و\"الطوسي\" ٦/ ٥١٢ مختصرًا، وأورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ٣٥٦ وزاد نسبته إلى ابن المنذر ومحمد بن نصر، ولم ير الطبري هذا القول، ورده وحكم عليه بالفساد، وقال: لا معنى له؛ لأن النبي -ﷺ - فيما ذكر عنه- أكثر ما كان استغفارًا لذنوبه بعد نزول قول الله ﷿: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ٢]، وكان يعد له في المجلس الواحد استغفار مئة مرة، ومعلوم أن الله لم يأمره أن يستغفر إلا لما يغفر له باستغفاره ذلك. ا. هـ. نعم كان النبي -ﷺ- يكثر من الاستغفار، لكن لا على أنه استغفار من الذنوب كذنوبنا، بل كما قال: \"إنه ليُغان على قلبي، وإني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة\" رواه مسلم (٢٧٠٢) كتاب: الذكر والدعاء، باب استحباب الاستغفار، قال ابن الأثير: الغين: الغيم، أراد ما يغشاه من السّهو الذي لا يخلو منه بشر؛ لأن قلبه أبدًا كان مشغولًا بالله تعالى. \"النهاية\" ٣/ ٤٠٣.\n(٢) انظر: تفسير الفخر الرازي\" ٢١/ ٣٠، بنحوه، و\"أبي حيان\" ٦/ ٧١.","vol":"13","page":441},{"text":"قال أبو أمامة: إنما النافلة للنبيّ -ﷺ- (١).\nوقال الحسن: لا تكون نافلة إلا للنبيّ -ﷺ- (٢).\nوقال ابن عباس خاصة (٣)، وهذا كله مما ذكره مجاهد والسدي: أن صلاة الليل كانت زيادة للنبيّ -ﷺ- للدرجات لا للكفارات.\nولا يدل قوله: ﴿نَافِلَةً﴾ على أنها لم تكن واجبة عليه، فقد روى عطاء عن ابن عباس في قوله: ﴿نَافِلَةً لَكَ﴾ يريد فريضة عليك زائدة على الفرائض خُصِصتَ بها من بين أمتك (٤)، هذا الذي ذكرنا مذهب أكثر أهل التفسير (٥).\nوذهب قوم إلى أن معنى النافلة: التطوع الذي يتبرع به الإنسان، وقالوا: إن صلاة الليل كانت واجبة عليه ثم نُسخت عنه فصارت نافلة، أي تطوعًا وزيادة على الفرائض يتبرع بها، وهو قول قتادة والمبرد وعبد الله بن\n_________\n(١) أخرجه الطيالسي ص ١٥٥ بنصه تقريبًا، و\"الطبري\" ١٥/ ١٤٣ بنصه، والطبراني في \"الكبير\" ٨/ ١٤٥، بنصه، والبيهقي في الشعب ٣/ ٢٨، بنصه، وورد في \"تفسير الجصاص\" ٣/ ٢٠٧ بنصه، و\"السمرقندي\" ٢/ ٢٨٠ - بنحوه، وأورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ٣٥٦ وزاد نسبته إلى ابن نصر وابن مردويه.\n(٢) انظر: \"تفسير ابن الجوزي\" ٥/ ٧٥، بنحوه، وأورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ٣٥٦ وعزاه إلى محمد بن نصر.\n(٣) ورد في \"تفسير الثعلبي\" ٧/ ١١٧ أ- بلفظه، انظر: \"تنوير المقباس\" ص ٣٠٤.\n(٤) أخرجه \"الطبري\" ١٥/ ١٤٢، بنحوه من طريق العوفي (ضعيفة)، ورد في \"تفسير الثعلبي\" ٧/ ١١٧ أ، بنحوه، و\"الماوردي\" ٣/ ٢٦٤ - مختصرًا، و\"الطوسي\" ٦/ ٥١١، بنحوه، أورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ٣٥٥ وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم وابن مردويه.\n(٥) انظر: \"تفسير الطبري\" ١٥/ ١٤٢ - ١٤٣ ورجحه، و\"هود الهواري\" ٢/ ٤٣٧، و\"الثعلبي\" ٧/ ١١٧ أ، و\"السمعاني\" ٣/ ٢٦٩، و\"البغوي\" ٥/ ١١٥.","vol":"13","page":442},{"text":"مسلم (١) وانتصب نافلة بوقوع التهجد عليه؛ لأن معى التهجد: صل بالليل نافلة، أي صلاة نافلة.\nوقوله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ﴾ قال ابن عباس: عسى من الله واجب (٢)، وكذلك قال المفسرون كلهم في عسى من الله (٣).\nقال أهل المعاني: وإنما كان كذلك لأن معنى عسى في اللغة: التقريب والإطماع، ومَنْ أطمع إنسانًا في شيء ثم حَرَمَه كان غارًّا، والله أكرم من أن يُطمع أحدًا في شيء ثم لا يعطيه ذلك (٤).\nقوله تعالى: ﴿مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ أجمع المفسرون على أنه مقام الشفاعة (٥)؛ كما قال النبيّ -ﷺ- في هذه الآية: \"هو المقام الذي أشفع فيه\n_________\n(١) \"الغريب\" لابن قتيبة ١/ ٢٦١ قال: تطوعًا، وأخرجه \"عبد الرزاق\" ٢/ ٣٨٦، و\"الطبري\" ٨/ ١٣٠، عن قتادة، قال: تطوعًا وفضيلة لك، وورد عن قتادة -كروابة الطبري- في \"تفسير الجصاص\" ٣/ ٢٠٧، و\"الثعلبي\" ٧/ ١١٧ أ، وأورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ٣٥٦ وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم ومحمد بن نصر عن قتادة.\n(٢) ورد في \"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ١٨٥، بنحوه من طريق ابن أبي طلحة (صحيحة)، انظر: \"تنوير المقباس\" ص ٣٠٤، وأورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ١/ ٤٣٨ بنصه، وعزاه إلى ابن المنذر والبيهقي في سننه.\n(٣) ورد في \"تفسير مقاتل\" ١/ ٢١٨ ب، و\"الطبري\" ١٤٣/ ١٥، و\"هود الهواري\" ٢/ ٤٣٧، و\"الطوسي\" ٦/ ٥١٢.\n(٤) ورد نحوه في \"تفسير الطبري\" ١٥/ ١٤٣، و\"الثعلبي\" ٧/ ١١٧ أ، انظر: \"تفسير الفخر الرازي\" ٢١/ ٣١، و\"الخازن\" ٣/ ١٧٥.\n(٥) انظر: \"تفسير مجاهد\" ١/ ٣٦٩، و\"تفسير مقاتل\" ١/ ٢١٨ ب، و\"عبد الرزاق\" ٢/ ٣٨٦، و\"الطبري\" ٨/ ١٣١ - ١٣٢، و\"هود الهواري\" ٢/ ٤٣٧، و\"الثعلبي\" ٧/ ١١٧ أ، و\"الماوردي\" ٣/ ٢٦٥، و\"الطوسي\" ٦/ ٥١٢، وأورده السيوطي في =","vol":"13","page":443},{"text":"لأمتي\" (١)، رواه أبو هريرة.\nقال ابن عباس: عسى من الله واجب، يريد أعطاك الله يوم القيامة مقامًا محمودًا يحمدك فيه الأولون والآخرون، تَشْرُف فيه على جميع الخلائق، وتَسأل فتُعطى وتَشفع فتُشَفَّع، ليس أحدٌ إلا تحت لوائك (٢)\nوروي عن مجاهد في تفسير قوله: ﴿يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ قال: يجلسه معه على العرش (٣).\nوروي عن ابن مسعود أنه قال في هذه الآية: يقعده على العرش (٤)،\n_________\n= \"الدر المنثور\" ٤/ ٣٥٦ - ٣٥٩ بعدة روايات عن: ابن عمر وأبي هريرة وابن عباس وسعد بن أبي وقاص وكعب بن مالك وحذيفة وابن مسعود وأبي سعيد الخدري وجابر بن عبد الله وسلمان -﵃-.\n(١) أخرجه ابن أبي شيبة ٦/ ٣٢٣ بمعناه، وأحمد ٢/ ٤٤١، ٥٢٨ بنصه، والترمذي (٣١٣٧) كتاب: التفسير، باب: ومنه سورة بني إسرائيل. بمعناه وحسنه، و\"الطبري\" ١٥/ ١٤٦ بنصه، والبيهقي في \"الدلائل\" ٥/ ٤٨٤ - بمعناه، وورد في \"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ١٨٥، بنصه، أورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ٣٥٦ وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم وابن مردويه. والحديث ضعيف- كما قال شاكر في \"شرح المسند\" ٩/ ٢٠٤ - لضعف داود الأَوْديّ الذي روى الحديث عن أبيه عن أبي هريرة، وقد ضعفه كثير من العلماء، انظر: ترجمته في \"ميزان الاعتدال\" ٢/ ٢١١، و\"تهذيب التهذيب\" ١/ ٥٧٢.\n(٢) ورد في تفسيره \"الوسيط\" تحقيق سيسي ٢/ ٥٣٤، انظر: \"تفسير الزمخشري\" ٢/ ٣٧٢، و\"تنوير المقباس\" ص ٣٠٤.\n(٣) أخرجه ابن أبي شيبة ٦/ ٣٠٨، بنحوه، و\"الطبري\" ١٥/ ١٤٥ بنصه، وورد في \"تفسير الثعلبي\" ٧/ ١١٨ أبنصه، و\"الماوردي\" ٣/ ٢٦٥، بنحوه، وانظر: \"تفسير البغوي\" ٥/ ١٢١، و\"ابن الجوزي\" ٥/ ٧٦، و\"العلو\" للذهبي ص ٩٤.\n(٤) ورد في \"تفسير الثعلبي\" ٧/ ١١٨ أبنصه، انظر: \"تفسير ابن الجوزي\" ٥/ ٧٦، و\"العلو\" للذهبي ص ٧٥.","vol":"13","page":444},{"text":"وهذا تفسير فاسد وقول رذل، وقول مجاهد: معه، قولٌ موحش فظيع، ونص الكتاب ينادي بفساد هذا التفسير؛ وهو قوله: ﴿يَبْعَثُكُمْ﴾ والبعث لا يكون بمعنى الإجلاس، ومن فَسَّر البعث بالإجلاس فقد فَسَّره بضد ما وُضع له؛ لأن البعث وضع للإثارة؛ يقال: بعثت المبارك والقاعد فانبعث، هذا هو الأصل، ثم يقال: بعث الله الميت، وبعث بمعنى أرسل راجع إلى هذا، لأنه يقيمه إلى ما يرسله إليه وله، ولأن الله تعالى قال: ﴿مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ ولم قل: مقعدًا، والمقام موضع القيام، يدل على هذا قوله: ﴿مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾ [آل عمران: ٩٧]، وهو موضع قدميه في حال قيامه، وقول الشاعر:\nهذا مقام قدمي رباح (١)\nوإذا فسد هذا الفساد الظاهر لم يُعتد به (٢).\n_________\n(١) سبق.\n(٢) لقد أجاد الواحدي -﵀- في رد هذا القول، لكن الغريب أن الطبري -مع ترجيحه لقول الجمهور- لم يستنكر هذا القول، بل قال: إن ما قاله مجاهد قول غير مدفوع صحته، لا من جهة خبر ولا نظر، وذلك لأنه لا خبر عن رسول الله -ﷺ- ولا عن أحد من أصحابه، ولا عن التابعين بإحالة ذلك. \"تفسير الطبري\" ١٥/ ١٤٧، ومعلوم أن عدم ورود الخبر عن المعصوم بذلك يكفي لإبطال هذا القول لا العكس، ولأن هذا الخبر غيبي عقدي فلا يثبت إلا بالخبر الصحيح ولا يجدي النظر في إثبات هذه القضية، لذلك لا محيد عن قول الجمهور في هذه القضية، وهو الذي أيّدته الأخبار الصحيحة، وكذلك الأخبار التي اعتمد عليها الطبري في تسويغ الجلوس لا تثبت؛ فقد ردها علماء الحديث، وفي مقدمتهم الذهبي، فقد أورده في \"العلو\" ص ٧٥ من طريقين عن أحمد بن يونس عن سلمة الأحمر عن أشعث بن طليق عن ابن مسعود بنحوه، ثم قال: هذا حديث منكر لا يفرح به، وسلمة هذا متروك الحديث، وأشعث لم يلحق ابن مسعود، وذكر الذهبي للأثر شاهدًا بنحوه عن عبد الله بن سلام موقوفًا عيه، وقال: هذا كوقوف ولا =","vol":"13","page":445},{"text":"وفي القول الذي عليه الناس معنى قوله: ﴿يَبْعَثَكَ﴾ يقيمك في ذلك\n_________\n= يثبت إسناده، وإنما هذا شيء قاله مجاهد. كما أن له شاهدًا آخر من حديث ابن عباس أخرجه الطبراني في \"الكبير\" ١٢/ ٦١ - بنحوه، من طريق ابن لهيعة عن عطاء بن دينار عن ابن جبير عن ابن عباس، وأورده الهيثمي في \"المجمع\" ٧/ ٥١ وقال: وفيه ابن لهيعة وهو ضعيف إذا لم يتابع، وعطاء بن دينار قيل لم يسمع من سعيد بن جبير.\nأما أثر مجاهد فقد أورده الذهبي في \"العلو\" ص ٩٤ وقال: لهذا القول طرق خمسة، وأخرجه ابن جرير في تفسيره، وعمل فيه المروزي مصنفًا. وفي سند الطبري ليث بن أبي سليم، وهو ضعيف مختلط- كما في \"ميزان الاعتدال\" ٣/ ٤٢٠، وهذا الأثر مما أُنكر على مجاهد حتى قُرن في ترجمته، قال الذهبي في ترجمة مجاهد في \"ميزان الاعتدال\" ٤/ ٣٥٩: ومن أَنْكَر ما جاء عن مجاهد في التفسير في قوله: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ قال: يُجلسه معه على العرش. وقال ابن عبد البر: مجاهد وإن كان أحد الأئمة بالتأويل، فإن له قولين مهجورين عند أهل العلم؛ أحدهما هذا القول، والثاني في تأويل ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢، ٢٣] قال: معاه تنتظر الثواب. انظر: \"تفسير القرطبي\" ١٠/ ٣١١، و\"أبي حيان\" ٦/ ٧٢، والشوكاني ٣/ ٣٦٠.\nفالحديث باطل لا يثبت لا من جهة الخبر ولا النظر، والأغرب من قول الطبري تشبث بعض المحدثين بهذا الخبر والمبالغة في قبوله إلى حد الغلو، فقد ذكر الذهبي في \"العلو\" ص ١٠٠ - ١٠١ - ١١٧ - ١١٨ أن بعض المحدثين قال: لو أن حالفًا حلف بالطلاق ثلاثًا أن الله يقعد محمدًا -ﷺ- على العرش واستفتاني، لقلت له: صدقت وبررت! وعقب الذهبي قائلًا: فابصر -حفظك الله من الهوى- كيف آل الغلو بهذا المحدث إلى وجوب الأخذ بأثر منكر ..، وذكر النقاشر عن أبي داود السجستاني أنه قال: من أنكرَ هذا الحديث فهو عندنا متهم، ما زال أهل العلم يتحدثون بهذا. انظر: \"تفسير ابن عطية\" ٩/ ١٧١، و\"القرطبي\" ١٠/ ٣١١، و\"أبي حيان\" ٦/ ٧٢، و\"تفسير الماوردي\" ٣/ ٢٦٥ حاشية رقم (٤٤٩)، و\"سلسلة الأحاديث الضعيفة\" رقم (٨٦٥) ٢/ ٢٥٥.","vol":"13","page":446},{"text":"المقام، يدل على هذا ما رُوي في حديث الشفاعة: \" .. فأكون أول من يدعى وأول من ينادى فأقول: لبيك وسعديك .. \" الحديث (١).\nوانتصب قوله: ﴿مَقَامًا﴾ على الظرف؛ كأنه قيل في مقام.\nوقوله تعالى: ﴿مَحْمُودًا﴾ يجوز أن يكون انتصابه على الحال مِنْ ﴿يَبْعَثَكَ﴾، أي: يبعثك محمودًا يحمدك فيه الخلق، وبجوز أن يكون نعتًا في اللفظ، وهو في المعنى لمحمد -ﷺ-، تقديره: مقامًا محمودًا فيه أنت، ويدل على هذا الوجه ما رُوي في الحديث: \"وابعثه المقام المحمود حتى يغبطه به الأولون والآخرون\" (٢)، والمعنى: ابعثه المقام المحمود فيه هو.\n_________\n(١) أحاديث الشفاعة كثيرة وبعدة روايات في الصحيحين وغيرهما، لكني لم أقف على حديث بهذا اللفظ، وأقرب لفظ وجدته حديثان؛ أحدهما: موصول، والآخر: مرسل، أما الحديث الموصول، فعن حذيفة -﵁- قال: (يُجْمَعُ الناس في صعيد، فلا تكلم نفسٌ، فأول من يتكلم محمد -ﷺ- فيقول لبيك وسعديك والخير في يديك .. قال حذيفة: فذلك المقام المحمود) أخرجه \"عبد الرزاق\" ٢/ ٣٨٧، وابن أبي شيبة ٦/ ٣٢٣، ٧/ ١٥٣، والنسائي في \"تفسيره\" ١/ ٦٦٠، والبزار [البحر الزخار] ٧/ ٣٢٩، و\"الطبري\" ١٥/ ١٤٤، والحاكم: التفسير/ الإسراء ٢/ ٣٦٣ وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه بهذه السياقة ووإفقه الذهبي، وأبو نعيم في \"الحلية\" ١/ ٢٧٨، وأورده الهيثمي في \"المجمع\" ١٠/ ٣٧٧ وقال: رواه البزار موقوفًا ورجاله رجال الصحيح، أورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ٣٥٧ وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في البعث والخطيب في المتفق والمفترق. أما الحديث المرسل؛ فأخرجه \"عبد الرزاق\" ٢/ ٣٨٧، عن معمر عن الزهري عن علي بن الحسين، أن النبي قال: (إذا كان يوم القيامة مدّ الله الأرض مد الأديم .. قال النبي -ﷺ- فأكون أول من يدعى، وجبريل عن يمين الرحمن، والله ما رآه قبلها ..) الحديث.\n(٢) لم أجد حديثًا بهذا اللفظ، وأقرب لفظ لهذا الحديث ما ورد في فضل الدعاء عند النداء، وروايته: عن جابر بن عبد الله أن رسول الله -ﷺ- قال: \"من قال حين يسمع =","vol":"13","page":447},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2206>٨٠ </span>- قوله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾ الآية. روى قابوس (١) عن أبيه عن ابن عباس قال: كان رسول الله -ﷺبمكة، ثم أُمر (٢) بالهجرهَ، وأُنزل عليه هذه الآية (٣)، فعلى هذا يريد ﴿أَدْخِلْنِي﴾: المدينهَ واصرفني من مكة، وهذا قول الحسن وقتادة (٤).\nوقال الكلبي: هذا حين خرج من المدينة يريد الشام لقول اليهود،\n_________\n= النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة، آت محمدًا الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته، حلت له شفاعتي يوم القيامة\" أخرجه أحمد ٣/ ٣٥٤، والبخاري (٦١٤): الأذان، الدعاء عند النداء، والنسائي: الأذان، الدعاء عند الأذان ٢/ ٢٧، سنن البيهقي: الصلاة، ما يقول إذا فرغ من ذلك ١/ ٤١٠.\n(١) قابوس بن أبي ظِبْيان بالكسر والفتح، وأبو ظبيان والده هو حُصين بن جُنْدب الجَنْبي الكوفي، ضعيف الحديث، قال أبو حاتم: لين يكتب حديثه ولا يحتج به، وقال ابن حبان: كان رديء الحفظ؛ ينفرد عن أبيه بما لا أصل له، وربما رفع المراسيل وأسند الموقوف، روى عنه الثوري وجرير، مات سنة (١٢٩ هـ).\nانظر: \"المجروحين\" لابن حبان ٢/ ٢١٥، و\"الجرح والتعديل\" ٧/ ١٤٥، و\"الكاشف\" ٢/ ١٢٦، و\"ميزان الاعتدال\" ٤/ ٢٨٧، و\"تقريب التهذيب\" (٤٤٩).\n(٢) في (د): (أمرنا).\n(٣) أخرجه الترمذي (٣١٣٩): التفسير، الإسراء ٥/ ٣٠٤ وقال: حديث حسن صحيح، و\"الطبري\" ١٥/ ١٤٨ - ١٤٩ بنصه (طريق ضعيفة لضعف قابوس)، وورد عند الثعلبي ٧/ ١١٨ ب بمعناه، و\"الطوسي\" ٦/ ٥١٢ بمعناه، وأورده المصنف في \"أسباب النزول\" ص ٢٩٨ بلا سند عن الحسن، وورد في \"لباب النقول\" ص ١٣٩.\n(٤) أخرجه \"عبد الرزاق\" ٢/ ٣٨٩، بنحوه عن قتادة، و\"الطبري\" ١٥/ ١٤٩، بنحوه عنهما، وورد بنحوه في \"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ١٨٥، عنهما، و\"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢٨١، عن الحسن، و\"الثعلبي\" ٧/ ١١٨ ب، عنهما، و\"الماوردي\" ٣/ ٢٦٦، عن قتادة، و\"الطوسي\" ٦/ ٥١٢، بنحوه عنهما.","vol":"13","page":448},{"text":"وقد ذكرنا القصة (١)، فقال الله له: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾ يعنى المدينة، ﴿وَأَخْرِجْنِي﴾: (منها إلى مكة) (٢)، ﴿مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾، أي: افتحها، واختار الفراء هذا القول (٣).\nوقال مجاهد: أدخلني في أمرك الذي أرسلتني به من النبوة مُدْخل صدق، وأخرجني منه مُخْرج صدق (٤)، ومُدخل بضم الميم مصدر الإدخال؛ يقال: أدخلته مُدخلًا، كما قال: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا﴾ [المؤمنون: ٢٩]، ومعنى إضافة المدخل والمخرج إلى الصدق: مزجهما؛ كأنه سأل الله تعالى إدخالًا حسنًا لا يرى فيه ما يكره، وكذلك الإخراج.\nقال الليث: يقال: هذا رجل صدق، مضافٌ، بكسر الصاد، معناه: نِعْم الرجل هو، وامرأة صدق؛ كذلك (٥).\nوذكرنا فيما تقدم أن موضوع (ص د ق) للصحة والكمال، فكأنه سأل الله أن يخرجه من مكة إخراجًا لا يلتفت إليها قلبُه، ويدخله المدينة إدخالًا يطمئن فيها قلبُه، ولذلك كان يدعو فيقول: \"اللهم حبب إلينا المدينة كلما حببت إلينا مكة\" (٦)، وكل شيء أضفت إلى الصدق، فقد مدحته وجودته.\n_________\n(١) عند آية [٧٦].\n(٢) ما بين القوسين ساقط من (أ)، (د).\n(٣) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٢٩، وهو ما رجحه \"الطبري\" ١٥/ ١٥٠ وأيّده بالسياق.\n(٤) \"تفسير مجاهد\" ص ٤٤١، بنحوه، أخرجه \"الطبري\" ١٥/ ١٤٩، بنحوه من طريقين، وورد في \"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ١٨٦ بمعناه، و\"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢٨١، بنحوه، و\"الثعلبي\" ٧/ ١١٨ ب، بنصه، و\"الماوردي\" ٣/ ٢٦٦، بنحوه.\n(٥) ورد في \"تهذيب اللغة\" (صدق) ٢/ ١٩٩٠، بنصه.\n(٦) أخرجه أحمد ٦/ ٥٦، والبخاري (١٨٨٩): فضائل المدينة، كراهية النبي -ﷺ- أن تُعْرَى المدينة، ومسلم (١٣٧٦): الحج، الترغيب في سكنى المدينة واللفظ له، =","vol":"13","page":449},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا﴾ قال ابن عباس ومجاهد: أي حُجَّة بينة تنصرني بها على جميع من خالفني (١).\nوقال الحسن وقتادة: ملكًا قويًا تنصرني به على من ناوأني، وعزًا ظاهرًا أقيم به دينك (٢)، وهذا معنى قول الحسن: اجعلني أقيم الحدود (٣)، وعلى هذا القول: سأل الله تعالى سلطان القدرة، وعلى القول الأول: سأل الحجة. وقد جمع بينهما أبو إسحاق فقال: أي اجعل نصرتي من عندك تسليطي بالقدرة والحجة.\nوقد أجاب الله دعاءه وأعلمه أنه يعصمه من الناس فقال: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧]، وقال: ﴿فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [المائدة: ٥٦]، وقال: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ (٤) [الصف: ٩]، وذهب\n_________\n= والبيهقي: الجنائز، قول العائد للمريض: كيف نجدك ٣/ ٣٨٢، والبيهقي في \"الدلائل\" ٢/ ٥٦٦، والبغوي في \"شرح السنة\" ٧/ ٣١٧، وكلهم عن عائشة، وكلهم -إلا مسلم- بلفظ: \"اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة .. \".\n(١) \"تفسير مجاهد\" ١/ ٣٦٨ مختصرًا، وأخرجه \"الطبري\" ١٥/ ١٥١ مختصرًا عن مجاهد من طريقين، وورد مختصرًا عن مجاهد في \"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ١٨٦، عن مجاهد، و\"تفسير هود الهواري\" ٢/ ٤٣٨، و\"الثعلبي\" ٧/ ١١٨ ب، و\"الماوردي\" ٣/ ٢٦٧،و\"الطوسي\" ٦/ ٥١٢\n(٢) أخرجه \" الطبري\" ١٥/ ١٥١ بمعناه عنهما، وورد في \"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ١٨٦ بمعناه عن الحسن، و\"تفسير الثعلبي\" ٧/ ١١٨ ب بنصه عن الحسن، و\"الماوردي\" ٣/ ٢٦٧ بمعناه عن قتادة، و\"الطوسي\" ٦/ ٥١٢ بمعناه عنهما، انظر: \"تفسير البغوي\" ٥/ ١٢٢ بنصه عن الحسن.\n(٣) ورد في \"تفسر الماوردي\" ٣/ ٢٦٧ بمعناه، انظر: \"تفسير أبي حيان\" ٦/ ٧٣، وفييما تقيد إقامة الحدود على المنافقين، وفيه نظر!\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٥٧، بنصه.","vol":"13","page":450},{"text":"الكلبي أيضًا إلى سلطان القدرة، فَفسَّر السلطان النصير هاهنا بِعَتَّاب بن أَسيد حين استعمله نبيّ الله -ﷺ- على أهل مكة، فاشتد عليهم وقال: لا يبلغني من محتلم ترك الصلاة إلا ضربت عنقه (١).\n\n﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء:<span data-type=\"title\" id=toc-2207> ٨١]</span>.\n٨١ - قوله تعالى: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ﴾ قال المفسرون في شى ﴿وَزَهَقَ﴾: بطل واضمحل (٢)، وأصله من قولهم: زَهَقَتْ نَفْسُه تَزْهَقُ زُهُوقًا، وأزهقتها أنا، أي: أهلكتها (٣)، فكأن معنى: ﴿وَزَهَقَ الْبَاطِلُ﴾: خرج إلى الهلاك، قال الليث: وكل شيء هلك وبطل فقد زهق (٤).\nواختلفوا في معنى الحق والباطل هاهنا؛ فقال السدي: الحق: الإسلام، والباطل: الشرك (٥).\nوقال قتادة: الحق: القرآن، والباطل: الشيطان (٦).\n_________\n(١) أخرجه العقيلي في \"الضعفاء الكبير\" ٤/ ٣٣٩ مختصرًا من طريق الكلبي عن ابن عباس، ورد في \"تفسير الثعلبي\" ٧/ ١١٨ ب، بنحوه، انظر: \"تفسير الزمخشري\" ٢/ ٣٧٢، و\"تفسير مبهمات القرآن\" للبلنسي ٢/ ١٣٣، و\"الإصابة\" ٢/ ٤٥١.\n(٢) ورد في \"تهذيب اللغة\" (زهق) ٢/ ١٥٧١ بنصه، و\"تفسير هود الهواري\" ٢/ ٤٣٨ - بمعناه، و\"الطوسي\" ٦/ ٥١٢، بنحوه.\n(٣) انظر (زهق) في \"المحيط في اللغة\" ٣/ ٣٣٨، و\"الصحاح\" ٤/ ١٤٩٣، و\"مجمل اللغة\" ١/ ٤٤٣، و\"اللسان\" ٣/ ١٨٧٩.\n(٤) ورد في \"تهذيب اللغة\" (زهق) ٢/ ١٥٧١، بنصه.\n(٥) ورد في \"تفسير الثعلبي\" ٧/ ١١٩ أبنصه، انظر: \"تفسير البغوي\" ٥/ ١٢٢، بنصه.\n(٦) أخرجه \"عبد الرزاق\" ٢/ ٣٨٩، بنصه، و\"الطبري\" ١٥/ ١٥٢ بنصه، وورد بنصه في \"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ١٨٦، و\"الثعلبي\" ٧/ ١١٩ أ، و\"الماوردي\" ٣/ ٢٦٧، وأورده السيوطي في \"الدر\" ٤/ ٣٦٠ وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"13","page":451},{"text":"وقال ابن جريج: الحق: الجهاد والقتال، والباطل: الشرك وما هم فيه (١).\nقال ابن عباس (٢): أمر الله نبيه -ﷺ- إذا دخل مكة أن يقف على الأصنام التي كانوا يعبدونها ويقول: ﴿جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ﴾.\nوروي عن ابن مسعود أنه دخل مكة يوم الفتح وحول البيت ثلاثمائة وستون نُصُبًا، فجعل يطعنها بعود في يده ويقول: ﴿جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ﴾، فجعل الصنم ينكب لوجهه (٣).\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ قال ابن عباس: يريد كل ما كان من الشيطان كان خارجًا من الحق (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2208>٨٢ </span>- قوله تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (من) هاهنا ليست للتبعيض بل هو للجنس، [كقوله: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ [الحج: ٣٠]، والمعنى: ﴿وَنُنَزِّلُ﴾: من هذا الجنس] (٥) الذي\n_________\n(١) أخرجه \"الطبري\" ١٥/ ١٥٢ بنصه، وورد في \"تفسير الثعلبي\" ٧/ ١١٩ أمقتصرًا على معنى الحق بنصه، والماوردي ٣/ ٢٦٧، بنصه.\n(٢) في (أ)، (د)، (ش): (قال الله تعالى)، والصواب المثبت من (ع)\n(٣) أخرجه بنحوه: \"عبد الرزاق\" ٢/ ٣٨٨، وابن أبي شيبة ٧/ ٤٠٣، عن جابر؛ والبخاري (٤٧٢٠) كتاب: التفسير، باب: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ﴾، ومسلم (١٧٨١) كتاب: الجهاد، باب: إزالة الأصنام من حول الكعبة، والترمذي (٣١٣٨): التفسير، الإسراء، والنسائي في تفسيره ١/ ٦٦٥، و\"الطبري\" ١٥/ ١٥٢، و\"البغوي\" ٣/ ١٣٣، وورد بنصه تقريبًا في \"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢٨١، و\"الثعلبي\" ٧/ ١١٩ أ، و\"الطوسي\" ٦/ ٥١٢، وأورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ٣٦٠ وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن مردويه.\n(٤) ورد في تفسيره \"الوسيط\" تحقيق سيسي ٢/ ٥٣٧، بنصه.\n(٥) ما بين معقوفين ساقط من (أ)، (د).","vol":"13","page":452},{"text":"هو قرآن، ﴿مَا هُوَ شِفَاءٌ﴾، فجميع القرآن شفاء للمؤمنين، قال قتادة: إذا سمعه المؤمن انتفع به وحفظه ووعاه (١)، فعلى هذا، معنى كونه شفاءً: أنه (٢) ببيانه يزيل عمى الجهل وحَيْرَة الشك، يُستشفى به من الشبهة، ويهتدى به من الحيرة، فهو شفاء من داء الجهل.\nوقال ابن عباس: يريد شفاءً من كل داء (٣)، وعلى هذا، معناه: أنه يُتَبَرَّك به؛ فيدفع الله به كثيرًا من المكاره والمضار، ويؤكد هذا الوجه ما روي أن النبيّ -ﷺ- قال: \"من لم يستشف بالقرآن فلا شفاه الله\" (٤).\nوقوله تعالى: ﴿وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ قال ابن عباس: يريد ثوابًا من الله لا انقطاع له (٥)، يعني: في تلاوته، يرحمهم الله بها ويثيبهم عليها.\n_________\n(١) أخرجه \"الطبري\" ١٥/ ١٥٣ بنصه، وورد في \"تفسير الثعلبي\" ٩/ ١١٧ أبنصه، انظر: \"تفسير ابن كثير\" ٣/ ٦٦، وأورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ٣٦٠ وزاد نسبته إلى عبد الرزاق -لم أجده- وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(٢) ساقطة من (ع).\n(٣) ورد في تفسيره \"الوسيط\" تحقيق سيسي ٢/ ٥٣٧، وورد بلا نسبة في \"تفسير الثعلبي\" ٧/ ١١٩ أ.\n(٤) وورد في \"تفسير الثعلبي\" ٩/ ١١٧ أب نصه عن رجاء الغنوي، و\"الزمخشري\" ٢/ ٣٧٣، و\"الفخر الرازي\" ٢١/ ٣٤، و\"أسد الغابة\" ٢/ ٢٧١ في ترجمة رجاء، وورد في \"تفسير القرطبي\" ١٠/ ٣١٥، و\"كنز العمال\" ١٠/ ٩ وعزاه إلى الدارقطني في الأفراد، وقد أشار إلى ضعف الحديث الذهبي -فيما نقله المناوي عنه في \"الفيض\" ١/ ٤٩١ في تاريخ الصحابة- فقال في ترجمة رجاء: هذا له صحبة، نزل البصرة، وله حديث لا يصح في فضل القرآن. أما الشوكاني فقد ذكره في \"الموضوعات\" [الفوائد المجموعة] ص ٢٩٦ وقال: هو موضوع، وقال الألباني: ضعيف جدًا. \"سلسلة الأحاديث الضعيفة\" (١٥٢) (١/ ٢٨٣)\n(٥) ورد في تفسير \"الوسيط\" تحقيق سيسي ٢/ ٥٣٧","vol":"13","page":453},{"text":"قوله تعالى: ﴿وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ يعني لا يزيد ما هو شفاء للمؤمنين إلا خسارًا للظالمين، والفعل الذي هو (يزيد) مسند إلى ما في قوله: ﴿مَا هُوَ شِفَاءٌ﴾، المراد بـ ﴿الظَّالِمِينَ﴾: المشركين، قاله ابن عباس.\nقال قتادة: لأنه لا يحفظه ولا ينتفع به ولا ينتفعون بمواعظه (١)، فالقرآن سبب لهداية المؤمنين وزيادة لخسار الكافرين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2209>٨٣ </span>- قوله تعالى: ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ﴾ قال ابن عباس: يريد الوليد بن المغيرة (٢)، ﴿أَعْرَضَ﴾، معنى أعرض في اللغة: وَلَّى عَرْضَه، أي ناحيته (٣)، والمعنى: أنه لا يُقْبِل على الدعاء والابتهال على حسب ما يُقْبل في حال البلوى والمحنة (٤).\n﴿وَنَأَى بِجَانِبِهِ﴾ قال مجاهد وابن عباس: تباعد (٥).\n_________\n(١) أخرجه \"الطبري\" ١٥/ ١٥٣، بنحوه، انظر: \"تفسير ابن كثير\" ٣/ ٦٧، وأورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ٣٦٠ وزاد نسبته إلى عبد الرزاق -لم أجده- وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(٢) ورد في تفسيره \"الوسيط\" تحقيق سيسي ٢/ ٥٣٨، وانظر: \"تفسير ابن الجوزي\" ٥/ ٨٠، و\"الفخر الرازي\" ٢١/ ٣٥، والآية عامة في كل من اتصف بما فيها، وذكر الوليد من قبيل التفسير بالمثال.\n(٣) انظر عرض في \"المحيط في اللغة\" ١/ ٣٠٦، و\"الصحاح\" ٣/ ١٠٨٤، و\"اللسان\" ٥/ ٢٨٨٩.\n(٤) ورد في \"الحجة للقراء\" ٥/ ١١٦، بنصه تقريبًا.\n(٥) \"تفسير مجاهد\" ١/ ٣٦٨ بلفظه، وأخرجه \"الطبري\" ١٥/ ١٥٣ بلفظه عن مجاهد من طريقين، وورد بلفظه عن مجاهد في \"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ١٨٧، و\"تفسير هود الهواري\" ٢/ ٤٣٨، و\"الطوسي\" ٦/ ٥١٤، وأورده المسيوطى في \"الدر المنثور\" ٤/ ٣٦١ وزاد نسبته إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"13","page":454},{"text":"وروى شِبْل عن مجاهد: بَعُدَ مِنّا (١)، وقال عطاء: تَعَظَّم وتَكَبَّر (٢).\nوقال أهل المعاني: بَعَّد نفسه عن القيام بحقوق نعم الله -﷿- (٣)، ومعني. النَّأْي في اللغة: البُعْد، ونَأَى الشيءَ إذا بَعّده (٤)، وذكرنا الكلام في النَّأْي عند قوله: ﴿وَيَنْئَوْنَ عَنهُ﴾ [الأنعام:٢٦]، ومعنى ﴿وَنَأَى بِجَانِبِهِ﴾ كمعنى أعرض، وفيه زيادة معنى البعد، وفي قوله: ﴿وَنَأَى﴾ وجوه من القراءة؛ أحدها: وهو قراءة العامة (نَئَا) بفتحتين (٥)، وقرأ ابن عامر (نآء) مثل بَاعَ (٦)، وهذا على القلب، وتقديره: فلعَ (٧)، ومثل هذا في القلب: رأى وراءَ، قال كثير:\nوكلُّ خليلٍ راءني فهو قائلٌ ... مِن أجلِكِ هذا هامَةُ اليومِ أو غَدِ (٨) (٩)\n_________\n(١) انظر: \"تفسير ابن كثير\" ٣/ ٦٧.\n(٢) ورد في \"تفسير الثعلبي\" ٧/ ١١٩ أ، بنصه، انظر: \"تفسير البغوي\" ٥/ ١٢٣، و\"تفسير ابن الجوزي\" ٥/ ٨٠ بلا نسبة.\n(٣) ورد في \"تفسير الطوسي\" ٦/ ٥١٤، بنصه، انظر: \"تفسير القرطبي\" ١٠/ ٣٢١.\n(٤) انظر: \"تهذيب اللغة\" (ناء) ٤/ ٣٤٧٢، و\"المحيط في اللغة\" (نأى) ١٠/ ٤١٩، و\"اللسان\" (نأي) ٧/ ٤٣١٤.\n(٥) قرأ بها: ابن كثير ونافع وأبو عمرو وحفص وغيرهم. انظر: \"السبعة\" ص ٣٨٤، و\"علل القراءات\" ١/ ٣٢٧، و\"إعراب القراءات السبع وعللها\" ١/ ٣٨٢، و\"الحجة للقراء\" ٥/ ١١٥، و\"المبسوط في القراءات\" ص ٢٣٠.\n(٦) انظر المصادر السابقة.\n(٧) أي مقلوب الميزان فعل: فلع.\n(٨) \"ديوانه\" ص ١٣٣، وورد في \"الكتاب\" ٣/ ٤٦٧، و\"الكامل\" ٢/ ٨٠٦، و\"الحلبيات\" ص ٤٧، و\"أمالي ابن الشجري\" ٢/ ٢٠٢، و\"اللسان\" (هوم) ٨/ ٤٧٢٣، (رأى) ٣/ ١٥٤٥، (هامةُ اليوم أو غد): كناية عن اقتراب المريض من أجله؛ أي سيموت أليوم أو غدًا، وذلك من تأثير الشوق والحزن فيه، وأصل الهامة: طائر يخرج من رأس الميت -كما تزعم العرب. والشاهد: راءني يريد رآني، ولكنه قلب فأخّر الهمزة.\n(٩) ورد في\"الحجة للقراء\" ٥/ ١١٧، بنصه.","vol":"13","page":455},{"text":"قال أبو عبيدة: والعرب تقول ذلك، تُقَدّم الهمزة وتؤخرها (١) وأنشد (٢):\nولقد أراكَ تُشَآء بالأَظْعَانِ (٣)\nأراد تُشَاء فأَخَّر الهمزة، ومما (٤) قدَّموا قولهم في جمع البِئْر: آبار، وأصلها: أبآر (٥)، فقدَّموا الهمزة مثل: جِذْع وأجْذَاع، وقِطع وأقطاع.\nوقرأ حمزة والكسائي: (نِئى) بإمالة الفتحتين (٦)، ووجه ذلك: أنه أمال فتحة الهمزة لأن الألف منقلبة من الياء التي في (النَّأي)، فأراد أن\n_________\n(١) ليس في مجازه\n(٢) للحارث بن خالد المخزومي (جاهلي).\n(٣) وصدره:\nمرّ الحُمُولُ فما شَأَوْنَكَ نَقْرَةً\n\"شعر الحارث بن خالد\" ص ١٠٧، وورد في: \"المعاني الكبير\" ١/ ٧٠، و\"تهذيب اللغة\" (شأي) ٢/ ١٨١٧، و\"المنصف\" ٣/ ٧٧، و\"اللسان\" (شأي) ٤/ ٢١٧٩، و\"المزهر\" ١/ ٤٧٩، و\"نوادر أبي زيد\" ص ٢٢٤ نسبه للأصمعي، وورد بلا نسبة في \"المخصص\" ١٤/ ٢٧، و\"الخزانة\" ٨/ ١٦٧ (الحمول): الإبل عليها النساء، (شَأَوْنَكَ): شَآني الشيءُ شَاوًا: أعجبني، وقيل: حَزَنَنِي، (نقرة): النقر هو الصوت العالي، كضرب الرّحى والحجر، (الأظعان): واحده ظعينة، وهو الهودج تكون فيه المرأة، يقول: مرت الحمول فما هيجن شوقك وكنت قبل ذلك يهيج وجدك بهن إذا عاينت الحمول. انظر: \"اللسان\" (نقر) ٨/ ٤٥١٨، (ظعن) ٥/ ٢٧٤٨.\n(٤) ساقطة من (ع).\n(٥) ساقط من (أ)، (د).\n(٦) انظر: \"السبعة\" ص ٣٨٤، و\"علل القراءات\" ١/ ٣٢٧، و\"إعراب القراءات السبع وعللها\" ١/ ٣٨٢، و\"الحجة للقراء\" ٥/ ١١٥، و\"المبسوط في القراءات\" ص٢٣٠.","vol":"13","page":456},{"text":"ينحو نحوها، فأمال فتحة النون لإمالة فتحة الهمزة، ولم يمل خلاَّد (١) عن سُلَيْم (٢) فتحة النون لأجل إمالة فتحة الهمزة، وقرأ (نَئِيَ) بفتح النون وكسر الهمزة (٣).\nوقوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا﴾ قال ابن عباس: يريد إذا أصابه مرض أو فقر يئس من رحمة الله (٤).\nوقال أهل المعاني: هذا من صفة الجاهل بالله، وهو ذمّ له بأنه لا يثق بفضل الله على عباده، فيطمع في كشف تلك البلية من جهته، وحَسِبَ أن الشَّرّ ضَرْبَة لازب (٥)، ويؤوس: فعول من اليأس، ومضى الكلام في اليأس\n_________\n(١) في جميع النسخ: (خلف)، والصحيح (خلاَّد)، كما ورد في المصدر \"الحجة\"، و\"السبعة\" ص ٣٨٤، و\"المبسوط في القراءات\" ص٢٣٠، أما رواية خلف عن سُليم فهي: بإمالة النون وكسر الهمزة، كما في السبعة والحجة.\nوخلاَّد هو: ابن خالد، أبو عيسى الصَّيرفي الكوفي، الأحول، إمام في القراءة ثقة عارف محقق أستاذ، أخذ القراءة عرضًا عن سليم، وهو من أضبط أصحابه وأجلهم، روى القراءة عنه عرضًا أحمد الحلواني وعنبسة بن النضر، حدث عنه أبو زرعة وأبو حاتم، مات سنة (٢٢٠ هـ).\nانظر: \"معرفة القراء الكبار\" ١/ ٢١٠، و\"غاية النهاية\" ١/ ٢٧٤، و\"النشر\" ١/ ١٦٦.\n(٢) سُلَيْم بن عامر بن غالب، أبو عيسى الحنفي الكوفي، المقرئ صاحب حمزة الزيات وأخص تلامذته وأحذقهم بالقراءة، وهو الذي خلف حمزة في الإقراء بالكوفة، قرأ عليه خلف وخلاد، ولد سنة (١٣٠ هـ)، وتوفي سنة (١٨٨ هـ) انظر: \"معرفة القراء الكبار\" ١/ ١٣٨، و\"غاية النهاية\" ١/ ٣١٨، و\"النشر\" ١/ ١٦٦.\n(٣) ورد في \"الحجة للقراء\" ٥/ ١١٧، باختصار وتصرف.\n(٤) ورد في تفسيره \"الوسيط\" تحقيق سيسي ٢/ ٥٣٩، انظر: \"تنوير المقباس\" ص ٣٠٤.\n(٥) أي لازم، يقول الفراء: اللاّزب واللاصق واحد، والعرب تقول: ليس هذا بِضَرْبة لازم ولازب، يبدلون الباءَ ميمًا. ورد في \"تهذيب اللغة\" (لزب) ٤/ ٣٢٥٨.","vol":"13","page":457},{"text":"عند قوله: ﴿فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ﴾ [يوسف: ٨٠]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2210>٨٤ </span>- قوله تعالى: ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ﴾ اختلفت العبارة في تفسير الشاكلة؛ فقال ابن عباس في رواية الوالبي وعطاء: على ناحيته (١)، وهو قول الأخفش (٢)، والفراء قال: ومِثْلُه الطريقة والجَدِيلة (٣).\nوقال مجاهد: على جديلته (٤)، وروي عنه: على طبيعته (٥).\nقال شمر: ما رأيت تصحيفًا أشبه بالصواب مما قرأ مالك بن سليمان الهروي (٦) في التفسير عن مجاهد في قوله: ﴿كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ﴾ أي جديلته، فصَحَّفَ وقال: حَدٍ يليه، وهو قريب بعضه من بعض (٧).\n_________\n(١) أخرجه \"الطبري\" ١٥/ ١٥٤ بلفظه من طريق ابن أبي طلحة (صحيحة)، وورد في \"تفسير الثعلبي\" ٧/ ١١٩ ب- بلفظه، انظر: \"تفسير البغوي\" ٥/ ١٢٣، و\"ابن عطية\" ٩/ ١٧٨، و\"الدر المنثور\" ٤/ ٣٦١ وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(٢) ليس في معانيه، وورد في \"تهذيب اللغة\" (شكل) ٢/ ١٩١٥، بلفظه.\n(٣) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٣٠، بلفظه.\n(٤) أخرج الطبري عنه ١٥/ ١٥٤ بمعناه، قال: على ناحيته. (الجديلة): هي الشاكلة والناحية. انظر: (جدل) في \"المحيط في اللغة\" ٧/ ٤٣، و\"القاموس المحيط\" (٩٧٧).\n(٥) أخرجه \"الطبري\" ١٥/ ١٥٤ بلفظه، وورد بلفظه في \"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ١٨٨، و\"تفسير الجصاص\" ٣/ ٢٠٧، و\"الطوسي\" ٦/ ٥١٤، انظر: \"تفسير القرطبي\" ١٠/ ٣٢٢.\n(٦) في المصدر سليمان بن مالك والصحيح ما ذكره الواحدي، ومالك بن سليمان الهروي، قاضي هراة، روى عن إسرائيل وشعبة، قال عنه العقيلي: فيه نظر، وضعفه الدارقطني، وقال أبو حاتم: لا أعرفه. انظر: \"الجرح والتعديل\" ٨/ ٢١٠، و\"الضعفاء الكبير\" ٤/ ١٧٣، و\"ميزان الاعتدال\" ٤/ ٣٤٧.\n(٧) ورد في \"تهذيب اللغة\" (جدل) ١/ ٥٦٠، بنصه تقريبًا.","vol":"13","page":458},{"text":"وقال الحسن وقتادة: على نيته (١)، وقال ابن زيد: على دينه (٢).\nوقال الزجاج: على مذهبه (٣).\nوقال أبو عبيدة والقتيبي: على خليقته (٤)، هذا كلامهم، وأصل هذا في اللغة من المشابهة؛ يقال لِشِبْهِ الشيء: شَكْلُه، يقال: في فلان شَكْلٌ من أبيه، وأَشْكَلَةٌ وشُكْلَةٌ وشاكلٌ ومشاكلةٌ (٥)، ومنه قوله تعالى: ﴿وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ﴾ [ص: ٥٨]، أي: من مثل ذلك الأول.\nوقال الأخفش: يقال: هذا من شكل هذا، أي: من ضربه ونحوه (٦).\nوقال الليث: الشاكلة من الأمور ما وافق فاعله (٧)، والمعنى: أن كل أحد يعمل على طريقته التي تُشاكل أخلاقه، وعبارات المفسرين في تفسير الشاكلة متقاربة، والكل ينبئ عما يشاكل طبيعة الإنسان، وكل إنسان يجري على مذهبه وطريقته وعادته التي أَلِفَها وجُبِل عليها، والإشارة في هذا؛ أن الكافر يعمل ما يشبه طريقته من الشكر عند الرخاء، والصبر والاحتساب\n_________\n(١) أخرجه \"الطبري\" ١٥/ ١٥٤، بنحوه عن قتادة، وورد بلفظه في \"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ١٨٨، عن الحسن، و\"تفسير الثعلبي\" ٧/ ١١٩ ب، عن قتادة، و\"الماوردي\" ٣/ ٢٦٩، انظر: \"تفسير البغوي\" ٣/ ١٣٣، عنهما، و\"ابن الجوزي\" ٥/ ٨٠، عن الحسن، وأورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ٣٦١ وعزاه إلى هناد وابن المنذر عن الحسن.\n(٢) أخرجه \"الطبري\" ١٥/ ١٥٤ بلفظه، وورد بلفظه في \"تفسير الماوردي\" ٣/ ٢٦٩، انظر \"تفسير ابن عطية\" ٩/ ١٧٨، و\"ابن الجوزي\" ٥/ ٨٠، و\"القرطبي\" ١٠/ ٣٢٢.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٥٧، بلفظه.\n(٤) \"مجاز القرآن\" ١/ ٣٨٩ - بلفظه، و\"الغريب\" لابن قتية ١/ ٢٦١، بلفظه.\n(٥) ورد في \"تهذيب اللغة\" (شكل) ٢/ ١٩١٥، بنصه.\n(٦) ورد في \"تهذيب اللغة\" (شكل) ٢/ ١٩١٦، بنصه.\n(٧) ورد في \"تهذيب اللغة\" (شكل) ٢/ ١٩١٦، بنحوه.","vol":"13","page":459},{"text":"عند البلاء، ألا ترى أنه قال: ﴿فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلًا﴾، أي: بالمؤمن الذي لا يعرض عند النعمة ولا ييأس عند المحنة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2211>٨٥ </span>- قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ الآية. قال ابن عباس في رواية عطاء: اجتمعت قريش فقال بعضهم لبعض: والله ما كان محمد بكذاب، ولقد نشأ فينا بالصدق والأمانة، فإن شئتم فأرسلوا منكم جماعة إلى يهود يثرب حتى يسألوهم عنه، فخرج منهم طائفة حتى لقوا أحبار اليهود فسألوهم عنه، فقال لهم اليهود: سلوه (١) عن ثلاثة، فإن أخبركم عن اثنين وأمسك عن الثالثة فهو نبي؛ سلوه عن فتية فُقِدوا، وسلوه عن ذي القرنين، وسلوه عن الروح، فقدم النفر من قريش إلى مكة ثم اجتمعوا فسألوا النبيّ -ﷺ- فقال لهم رسول الله -ﷺ-: \"غدًا أخبركم\" ولم يستثن، فأبطأ عنه الوحي أربعين يومًا لِمَا أراد الله، ثم نزل الوحي عليه بعد أربعين يومًا: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٣، ٢٤] ثم فَسَّر لهم أمر الفية الذين فُقِدوا في سورة الكهف، وفَسَّر لهم قصة ذي القرنين، وأبهم قصة الروح؛ وذلك أنه ليس في التوراة قصته ولا تفسيره إلا ذكر اسمه الروح، وأنزل قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ الآية (٢)، فعلى هذا القول سألته قريش عن الروح، ونحو هذا روى عكرمة\n_________\n(١) في (أ)، (ش)، (د): (سلوهم)، والمثبت من (ع) وهامش نسخة (أ) هو الصحيح.\n(٢) ورد في \"السيرة\" لابن هشام ١/ ٣٢١، وأخرجه \"الطبري\" ١٥/ ١٥٥ مطولًا من طريق عكرمة، والبيهقي في \"الدلائل\" ٢/ ٢٧٠ من طريق سعيد بن جبير، وورد في \"دلائل النبوة\" للأصبهاني ص ٢١٦، وأورده السيوطي في \"الدر\" ٤/ ٣٦١ وزاد نسبته إلى ابن المنذر، وفي \"الباب النقول\" ١٤٣، والحديث ضعيف بسبب الجهالة والاضطراب؛ إذ رواه ابن إسحاق في رواية الطبري عن رجل من أهل مصر، وفي رواية البيهقي عن رجل من أهل مكة، لكن في سورة الكهف آيات تشير إلى حدوث الأسئلة.","vol":"13","page":460},{"text":"عن ابن عباس (١)\nوقال ابن مسعود: سألته اليهود عن الروح وذَكر في (٢) ذلك قصة (٣)، ونحو هذا قال مجاهد (٤).\n_________\n(١) أخرجه أحمد ١/ ٢٥٥، والترمذي (٣١٤١) في التفسير، باب ومن سورة بني إسرائيل، وقال حسن صحيح، وابن أبي عاصم في السنة ١/ ٢٦٤، وأبو يعلى في \"مسنده\" ٤/ ٣٨١، وأبو الشيخ في \"العظمة\" ص ١٩٢، والحاكم ٢/ ٥٣١ وقال: صحيح الإسناد ووافقه الذهبي، والبيهقي في \"الدلائل\" ٢/ ٢٦٩، وأورده المصنف في \"أسباب النزول\" ص ٢٩٩.\n(٢) في (أ)، (د): (وذكرو ذلك)، والمثبت من: (ش)، (ع).\n(٣) ورد لهذه القصة عدة روايات، منها ما رواه الشيخان، البخاري (١٢٥) كتاب: العلم، باب قول الله تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾، ومسلم (٢٧٩٤)، في الجنة والنار، باب سؤال اليهود النبي -ﷺ- عن الروح. عن ابن مسعود -﵁- قال: بينا أنا مع النبي -ﷺ- في حرث وهو متكئٌ على عسيب إذ مرّ اليهود، فقال بعضهم لبعض: سلوه عن الروح، فقال: ما رابكم إليه؟ [أي ما إربكم وحاجتكم إلى سؤاله] وقال بعضهم: لا يستقبلُكم بشيء تكرهونه، فقالوا: سلوه، فسألوه عن الروح، فأمسك النبي -ﷺ- فلم يردّ عليهم شيئًا، فعلمت أنه يوحى إليه، فقمت مقامي، فلما نزل الوحيُ قال: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾، أخرجه أحمد ١/ ٣٨٩، والبخاري (٤٧٢١) التفسير، الإسراء، ومسلم (٢٧٩٤) الموضع السابق، والترمذي (٣١٤١) في التفسير، باب ومن سورة بني إسرائيل، وابن أبي عاصم في \"السنة\" ١/ ٢٦٣، والنسائي في \"تفسيره\" ١/ ٦٧٠، و\"الطبري\" ١٥/ ١٥٥، والبيهقي في \"الأسماء والصفات\" ص ٤٥٩، وأبو نعيم في \"الدلائل\" ٢/ ٣٥٧، وورد في \"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ١٨٩، و\"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢٨٢، و\"الثعلبي\" ٧/ ١١٩ ب، وأوردها المصنف في \"أسباب النزول\" ص ٢٩٩، وأورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ٣٦١ وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن حبان وابن مردويه والبيهقي في الدلائل، وليس فيها؛ بل في \"الأسماء والصفات\".\n(٤) \"تفسير مجاهد\" ١/ ٣٦٩، وأخرجه \"الطبري\" ١٥/ ١٥٦ من طريقين.","vol":"13","page":461},{"text":"واختلفوا في الروح المسؤول عنه؛ فقال علي بن أبي طلحة: هو مَلَك (١)، وهو قول علي -﵁- قال: هو ملك من الملائكة له سبعون ألف وجه، لكل وجه سبعون ألف لسان، لكل لسان سبعون ألف لغة يُسَبّح الله -﷿- بتلك اللغات كلها، يخلق الله من كل تسبيحة ملكًا يطير مع الملائكة إلى يوم القيامة (٢)، ونحو هذا قال سعيد بن جبير، قال: ولم يخلق الله خلقًا أعظم من الروح غير العرش، لو شاء أن يبلع السموات السبع والأرضين السبع ومن فيها بلقمة واحدة لفعل، وهو المذكور في قوله -﷿-: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا﴾ (٣) [النبأ: ٣٨].\nوقال الحسن وقتادة: هو جبريل (٤)، قال أبو إسحاق: ومن تأول ذلك\n_________\n(١) أخرجه عن ابن عباس من طريق ابن أبي طلحة \"الطبري\" ١٥/ ١٥٦، والبيهقي في \"الأسماء والصفات\" ص ٤٦٢.\n(٢) أخرجه \"الطبري\" ١٥/ ١٥٦ بنصه، وابن الأنباري في \"الأضداد\" ص ٤٢٣، بنصه، وأبو الشيخ في \"العظمة\" ص ١٩٤، والبيهقي في \"الأسماء والصفات\" ص ٤٦٢، بنصه، وورد في \"تفسير الثعلبي\" ٧/ ١١٩ ب، بنصه، و\"الماوردي\" ٣/ ٢٦٩ - بنحوه، و\"الطوسي\" ٦/ ٥١٥، بنحوه، وأورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ٣٦١ وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم، والأثر ضعيف، لجهالة أحد الرواة، وهو شيخ أبي هران الذي لم يسم، حيث قال: ... حدثني أبو هران يزيد بن سمرة القيساري عمن حدثه عن علي -﵁- أنه قال: الحديث. وقال ابن عطية: وما أظن القول يصحُّ عن علي -﵁-، وقد ضعفه الفخر الرازي -كذلك- من عدة وجوه، وقال ابن كثير: وهذا أثر غريب عجيب. انظر: \"تفسير ابن عطية\" ٩/ ١٨١، و\"الفخر الرازي\" ٢١/ ٣٩، و\"ابن كثير\" ٣/ ٦٩.\n(٣) ورد في \"تفسير الثعلبي\" ٧/ ١٢٠ أمطولًا، وانظر: \"البغوي\" ٥/ ١٢٥، و\"الخازن\" ٣/ ١٧٩، وقد ورد في هذا الأثر أشياء غيبية غريبة لا يصح الاقول بها إلا بخبر صحيح عن المعصوم، وهو ما لم أقف عليه، وحسبك لرده أن مصدره الثعلبي!\n(٤) أخرجه \"عبد الرزاق\" ٢/ ٣٨٨ بلفظه عنهما، و\"الطبري\" ١٥/ ١٥٦ بلفظه عن =","vol":"13","page":462},{"text":"فدليله قوله: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ﴾ [الشعراء: ١٩٣، ١٩٤]، وقال مجاهد: الروح: خَلْقٌ ليسوا بالملائكة على سورة بني آدم، يأكلون، ولهم أيد وأرجل ورؤوس (١).\nوقال أبو صالح: يشبهون الناس، وليسوا بالناس (٢).\nوقال قوم: هو القرآن (٣)، وذلك أن المشركين قالوا: يا محمد، من أتاك بهذا القرآن، فبين الله أنه من عنده، فقال: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ قال أبو إسحاق: ودليل هذا القول قوله: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى: ٥٢]، وتأويل تسمية القرآن بالروح أن القرآن حياة القلوب\n_________\n= قتادة، وورد بلفظه في \"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ١٩٠، عن الحسن، و\"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢٨٢، عنهما، و\"الثعلبي\" ٧/ ١١٩ ب، عنهما، ولا وجه البتة لتفسيره بجبريل هنا.\n(١) أخرجه \"الطبري\" ٣٠/ ٢٣، بنحوه، وأبو الشيخ في \"العظمة\" ص ١٩٧، بنحوه، وورد بنحوه في: \"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢٨٢، و\"الثعلبي\" ٧/ ١١٩ ب، انظر: \"تفسير البغوي\" ٥/ ١٢٥، قال الفخر الرازي -تعقيبًا على هذا القول والذي يليه-: ولم أجد في القرآن ولا في الأخبار الصحيحة شيئًا يمكن التمسك به في إثبات هذا القول، وأيضًا فهذا شيء مجهول فيبعد صرف هذا السؤال إليه. \"تفسير الفخر الرازي\" ٢١/ ٣٩.\n(٢) أخرجه \"الطبري\" ٣٠/ ٢٣ بنصه، وأبو الشيخ في \"العظمة\" ص ١٩٥ بنصه، والبيهقي في \"الأسماء والصفات\" ص ٤٦٣، بنحوه، وورد في \"تفسير الثعلبي\" ٧/ ١١٩ ب، بنحوه، وهو كسابقه.\n(٣) أخرجه بلفظه \"الطبري\" ٣٠/ ٢٣، عن ابن زيد، وأبو الشيخ في \"العظمة\" ص ١٩٦، عن الضحاك، وورد بلفظه في \"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ١٩٠، و\"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢٨٢، و\"هود الهواي\" ٢/ ٤٤٠، عن الحسن، و\"الثعلبي\" ٧/ ١٢٠ أو\"الماوردي\" ٣/ ٢٦٩، عن الحسن، و\"الطوسي\" ٦/ ٥١٥، عن الحسن، وهو أيضًا بعيد هنا.","vol":"13","page":463},{"text":"وحياة النفوس (١) فيما تصير إليه من الخير عند الله -﷿- (٢).\nوقال آخرون: هو روح الحيوان (٣)، وهو الأظهر في الكلام الذي يسبق إلى الأفهام (٤)، ونذكر هاهنا الكلام في الروح واشتقاقه ومعناه وبالله التوفيق، الروح الذي يحيا به البدن يُذَكّر وُيؤَنث، وأكثر الناس على أن اشتقاقه من الريح، والريح في الأصل روح، والعرب تسمي النفخ والنفس الذي يخرج من الإنسان روحًا.\nقال ذو الرُمَة:\nفقلتُ له ارفعها إليك وأحْيِها ... برُوحك واجعله لها قِيتَةً قدْرا (٥)\n_________\n(١) في (د): (النفس).\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٥٨، بنصه تقريبًا.\n(٣) ورد في \"تفسير الجصاص\" ٣/ ٢٠٧، بلفظه، و\"الثعلبي\" ٧/ ١٢٠، بمعناه، و\"الماوردي\" ٣/ ٢٧٠، بلفظه، و\"الطوسي\" ٦/ ٥١٥، بلفظه.\n(٤) وهذا هو القول المشهور والصحيح، وعليه أكثر المفسرين، ذكره البيهقي في \"الأسماء والصفات\" ص ٤٥٩، والسمعاني في \"تفسيره\" ٣/ ٢٧٤، وقال أبو حيان ٦/ ٧٥ هو قول الجمهور، وقد ذهب إليه: \"الجصاص\" ٣/ ٢٠٧، والطوسي ٥/ ٥١٥، والسمعاني ٣/ ٢٧٤، و\"البغوي\" ٥/ ١٢٦، و\"الخازن\" ٣/ ١٧٩، وابن حجر في \"الفتح\" ٨/ ٢٥٥ وقال: وجنح ابن القيم -في كتاب \"الروح\" ٢/ ٥٢٤ - إلى ترجيح أن المراد بالروح المسؤول عنها في الآية ما وقع في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا﴾ [النبأ: ٣٨] قال: وأما أرواح بني آدم فلم يقع تسميتها في القرآن إلا نفسًا. ثم قال: ولا دلالة في ذلك لما رجحه، بل الراجح الأول، وأيده بما رواه \"الطبري\" ١٥/ ١٥٦، عن ابن عباس ﵄ من طريق العوفي في هذه أنهم سألوه عن الروح: وكيف يعذب الروح الذي في الجسد، وإنما الروح من الله؟ فنزلت الآية.\n(٥) \"ديوانه\" ٣/ ١٤٢٩ برواية: (واقْتَتْهُ) بدل: (واجعله)، وورد في \"تهذيب اللغة\" (راح) ٢/ ١٣١٣ و\"الأسماء والصفات\" ص ٤٦١، و\"الأساس\" ١/ ٤٣٧٨، =","vol":"13","page":464},{"text":"يذكر نارًا ناولها صاحبه، وقوله: (أحيها بروحك)، أي: بنفخك، وقد قال الله تعالى: ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ [الحجر: ٢٩] وقال آخرون: سمي روحًا لأنه يهتز وينبسط وينتشر في جميع البدن، من قولهم: رجْلٌ أروح، ورِجلٌ روحاء، هي التي في صَدْرِ قدمها انبساط، وقَصْعَةٌ رَوْحَاءُ قريبة القَعْرِ منبسطة، وإناء أروح (١)، وسميت الخمر رَاحًا لاهتزاز البدن وخفته وانبساطه عند شربها (٢).\nواختلفوا في ماهية (٣) الروح (٤)؛ فقال قوم: إن الروح هو الدم، ألا ترى أن من نزف دمه مات، والميت لا يفقد جِسْمُه إلا الدم (٥)، وزعمت\n_________\n= و\"اللسان\" (روح) ٣/ ١٧٦٦، و\"المفردات\" ص ٦٨٧ بلا نسبة.\n(ارفعها): أي ارفع النار، (اقتته): افتَعِلهُ من القوت، وقاته يقوته قُوتًا: أطعمه قُوتَه، وأقاته يُقِيتُهُ: جعل له ما يقوته، ويقال: ما له قوت ليلة، وقِيتُ ليلة، وقيتَةُ ليلة، نحوُ: الطعْمِ والطِّعْمَةِ.\n(١) انظر: راح في \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٣١٣، و\"المحيط في اللغة\" ٣/ ١٩٨، و\"مقاييس اللغة\" ٢/ ٤٥٤، و\"الصحاح\" ١/ ٣٦٧، و\"اللسان\" ٣/ ١٧٦٦.\n(٢) انظر: \"التلخيص في معرفة أسماء الأشياء\" ٢/ ٥٠٤.\n(٣) في جميع النسخ: (مائية)، والصواب المثبت كما دلّ عليه التفصيل بعده.\n(٤) ليت الواحدي -﵀- لم يخض في هذا الموضوع الفلسفي الذي لا طائل من ورائه ولا يقوم عليه عمل، وبحث لا يستند إلى علم، لذلك كان الأولى، بل الواجب أن يفوض أمر ماهية الروح ومسكنه ومدخله ومخرجه -مما تكلم عنه- إلى الله تعالى، كما قال: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾، وهذا هو مذهب أهل السنة والجماعة، وما أحسن ما قاله ابن الجوزي، قال: وقد اختلف الناس في ماهية الروح .. ولا يُحتاج إلى ذكر اختلافهم؛ لأنه لا برهان على شيء من ذلك، وإنما هو شيء أخذوه عن الطب والفلاسفة، فأما السلف فإنهم أمسكوا عن ذلك، لقوله تعالى: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ انظر: \"البغوي\" ٥/ ١٢٦، و\"ابن الجوزي\" ٥/ ٨٣.\n(٥) انظر: \"تفسير البغوي\" ٥/ ١٢٦، و\"الخازن\" ٣/ ١٧٩.","vol":"13","page":465},{"text":"طائفة أن الروح استنشاق الهواء، ألا ترى أن المخنوق ومن مُنع عن استنشاق الهواء يموت (١).\nوأخبرني العروضي عن الأزهري قال: سمعت المنذري يقول: سمعت أبا الهيثم يقول: الروح إنما هو النَّفَسُ الذي يتنفسه الإنسان، وهو جار في جميع الجسد، فإذا خرج لم يتنفس بعد خروجه، وإذا تَتَامَّ خروجه بقي بصره شاخصًا نحوه حتى يُغْمض، وهو بالفارسية جان (٢).\nوزعم ابن الروندي (٣) أنه جسم لطيف أُسكن البدن (٤).\nوقال عامة المعتزلة والنجارية (٥):\n_________\n(١) انظر: \"تفسير الخازن\" ٣/ ١٧٩.\n(٢) ورد في \"تهذيب اللغة\" (راح) ٢/ ١٣١٣، بنصه.\n(٣) أحمد بن يحيى بن إسحاق الراوندي، وقيل: الرِّيوَنْديّ، الزنديق الشهير، كان من متكلمي المعتزلة ثم تزندق واشهر بالإلحاد، وقيل: كان لا يستقر على مذهب، كان غاية في الذكاء ولم يك زكي النفس، صنف كتبًا كثيرة يطعن فيها على الإسلام، وألَّف لليهود والنصارى يحتجُّ لهم في إبطال نبوة سيد البشر، وكان يلازم الرافضة والملاحدة، قيل: كان أبوه يهوديًا فأسلم هو، فكان بعض اليهود يقول للمسلمين: لا يفسد هذا عليكم كتابكم كما أفسد أبوه علينا التوراة، قال ابن الجوزي: وإنما ذكرته ليعرف قدر كفره، وقال ابن حجر: إنما أوردته لألعنه، مات سنة (٢٩٨ هـ).\nانظر: \"المنتظم\" ١٣/ ١٠٨، و\"وفيات الأعيان\" ١/ ٩٤، و\"سير أعلام النبلاء\" ١٤/ ٥٩، و\"لسان الميزان\" ١/ ١٩٤.\n(٤) ورد في \"مقالات الإسلاميين\" ص ٣٣٢، بنحوه، انظر: \"تفسير البغوي\" ٥/ ١٢٦، و\"الخازن\" ٣/ ١٧٩ بلا نسبة فيهما.\n(٥) هم أتباع الحسين بن محمد النجّار، من فوق المرجئة، يعتقدون أن الإيمان بالقول دون العمل، وأن من كان مؤمنا لا يزول عنه اسم الإيمان إلا بالكفر، ويثبتون للفعل فاعلين؛ الله تعالى والعبد، واتفقوا مع المعتزلة في نفي بعض الصفات =","vol":"13","page":466},{"text":"الروح عرض (١)، ومثله حكى القلانسي (٢) من أصحابنا عن عبد الله ابن سعيد (٣).\nوقال بعض الحكماء: إن الله تعالى خلق الأرواح من ستة أشياء: من جوهر النور والطِّيبِ والبقاء والحياة والعلم والعلو، ألا ترى أنه ما دام في الجسد كان الجسد نورانيًا؛ تبصر العينان وتسمع الأذنان، ويكون طَيبًا فإذا خرج نَتِنَ الجسدُ، ويكون باقيًا فإذا زايله الروح لم يعلم شيئًا، ويكون الجسد علويًّا لطيفًا مادام فيه الروح، فإذا خرج صار سفليًّا كثيفًا (٤).\nوقال محمد بن موسى الواسطي (٥): خلق الله الأرواح\n_________\n= والقول بخلق القرآن، وهم أكثر من عشر فرق بالري. انظر: \"مقالات الإسلاميين\" ١٣٥، و\"الفرق بين الفرق\" ٢٥، و\"البرهان في معرفة عقائد أهل الأديان\" ٣٩.\n(١) ورد في \"مقالات الإسلاميين\" ص ٣٣٤ بلا نسبة، انظر: \"تفسير البغوي\" ٥/ ١٢٦ بلا نسبة، و\"الروح\" لابن القيم ٢/ ٥٧٣ بلا نسبة.\n(٢) أبو أحمد مصعب بن أحمد الغدادي القلانسي [نسبة إلى القلانس -جمع قلنسوة- وعملها]، شيخ الصوفية، صاحب أبي حمزة وعليه تخرج، وكان أبو حمزة والجنيد وجماعة المشايخ يكرمونه ويقدمونه على غيره، وكان أبو سعيد ابن الأعرابي ينتمي إليه في التصوف وصحبه إلى أن مات، حج سنة (٢٧٠ هـ) فمات بمكة. انظر: \"حلية الأولياء\" ١٠/ ٣٠٦، و\"اللباب في تهذيب الإنساب\" ٣/ ٦٧، و\"سير أعلام النبلاء\" ١٣/ ١٧٠.\n(٣) عبد الله بن سعيد بن حصين الكندي الكوفي المفسّر، أبو سعيد الأشج، حدث عن هُشيم وأبي بكر بن عياش، وعنه الأئمة الستة وابن خزيمة، قال الذهبي: رأيت تفسيره مجلدٌ، مات سنة (٢٥٧ هـ) انظر: \"الجرح والتعديل\" ٥/ ٧٣، و\"سيرأعلام النبلاء\" ١٢/ ١٨٢، و\"طبقات المفسرين\" للداوودي ١/ ٢٣٥.\n(٤) انظر: \"تفسير البغوي\" ٥/ ١٢٦ مختصرًا، و\"الخازن\" ٣/ ١٧٩ مختصرًا.\n(٥) محمد بن موسى الواسطي، قاضى الرملة، قال ابن يونس -في تايخ مصر- كان =","vol":"13","page":467},{"text":"من (١) بين الجمال والبهاء، فلولا أنه سترها لسجد لها كل كافر (٢)\nوقال أبو قِلابَة: ما خلق الله شيئًا أطيب من الروح وما انتزع من شيء إلا نتن (٣)، والاختيار في ماهية الروح أنه جسم لطيف توجد به الحياة، وقوله: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ﴾ إلى قوله: ﴿يُرْزَقُونَ (١٦٩) فَرِحِينَ﴾ [آل عمران: ١٦٩، ١٧٠] يدل على أن الروح جسم؛ لأن الارتزاق والفرح من صفات الأجسام، والمراد بهذا أرواحهم لأن أبدانهم قد بليت في التراب، وكذلك ما روي: \"أن أرواح الشهداء تَعْلُقُ من شجر الجنة وتأوي إلى قناديل معلقة تحت العرش\" (٤)، وهذا الفعل لا يتأتى من العَرَض.\n_________\n= عالمًا بالفقه والتفسير، ويتفقه على مذهب أهل الظاهر، وقد رمي بالقدر، مات سنة (٣٢٠ هـ). انظر: \"طبقات المفسرين\" للسيوطي ص ١١٧، و\"طبقات المفسرين\" للداوودي ٢/ ٢٦٤.\n(١) في د: (ما).\n(٢) لم أقف عليه.\n(٣) لم أقف عليه.\n(٤) لم أقف على هذه الرواية بنصها، بل وردت مفرداتها في أحاديث متفرقة، أقربها: عن ابن كعب بن مالك عن أبيه أن رسول الله -ﷺ- قال: \"إن أروح الشهداء في طير خُضرٍ تَعْلُقُ من ثمرة الجنة أو شجر الجنة .. \" أخرجه أحمد ٦/ ٣٨٦، والترمذي (١٦٤١) كتاب فضل الجهاد، باب ما جاء في ثواب الشهداء ٤/ ١٧٦ وقال: حديث حسن صحيح، والطبراني في \"الكبير\" ١٩/ ٦٦، بنحوه، وفي رواية عن ابن مسعود أن النبي -ﷺ- سئل عن قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا﴾ [آل عمران: ١٦٩] فقال: \"أرواحهم في جوف طير خُضرٍ لها قناديل معلقةٌ بالعرش .. \" أخرجه مسلم (١٨٨٧) في الأمارة، باب بيان أن أرواح الشهداء في الجنة ٣/ ١٥٠٢، والترمذي (٣٠١١) كتاب تفسير القرآن، باب ومن سورة آل عمران، وقال: حسن صحيح، وابن ماجه (٢٨٠١): الجهاد، باب فضل الشهادة =","vol":"13","page":468},{"text":"وأما مدخل الروح ومخرجه، فقال قوم: يدخل من المنافذ كلها ويخرج من المنافذ كلها، وقال بعضهم: يدخل من الأنف ويخرج من الفم.\nوحكى علي بن مهدي (١) -من أصحابنا- أنه يدخل من حيث شاء الله ويخرج من الأنف، لقولهم: مات حتف أنفه (٢)، وأما مسكنه فقال قوم: مسكن الروح القلب، وعمله شائع في جميع البدن كقرصة الشمس مسكنها الفلك ونورها ينتشر في الدنيا.\nوقال آخرون: مسكنها الدماغ، وقيل: مسكنه الدم، وقال بعضهم:\n_________\n= في سبيبل الله، والبيهقي: السير، باب فضل الشهادة في سبيل الله ٩/ ١٦٣، (تَعْلُقُ): أي تتناول.\n(١) علي بن محمد بن مهدي الطبري الأشعري، أبو الحسن، تلميذ أبي الحسن الأشعري، صحبه بالبصرة وأخذ عنه، كان من المبرزين في علم الكلام والقوَّامين بتحقيقه، وله كتاب تأويل الأحاديث المشكلات الواردات في الصفات، كان حافظًا للفقه والتفاسير والمعاني وأيام العرب، فصيحًا مبارزًا في النَّظر، توفي في حدود سنة (٣٨٠ هـ) انظر: \"طبقات الشافعية\" للسبكي ٣/ ٤٦٦، و\"تبيين كذب المفتري\" ص ١٩٥، و\"الوافي بالوفيات\" للصفدي ٢٢/ ١٤٣، و\"طبقات الفقهاء الشافعية\" للعبادي ص ٨٥\n(٢) جزء من حديث رواه عبد الله بن عتيك -﵁-، وطرفه: \"من خرج من بيته مجاهدًا في سبيل الله .. -إلى أن يقول- أو مات حتف أنفه، فقد وقع أجره على الله -﷿-\" ثم يقول الرواي: والله إنها لكلمة ما سمعتها من أحد من العرب قبل رسول الله -ﷺ- ...، أخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ٢١٠، وأحمد ٤/ ٣٦، والطبراني في \"الكبير\" ٢/ ١٩١، والحاكم ٢/ ٨٨، وصححه ووافقه الذهبي، وورد في \"تهذيب اللغة\" (حتف) ١/ ٧٣٧، وأورده في \"المجمع\" ٥/ ٢٧٧ وقال: وفيه محمد بن إسحاق مدلس، وباقية رجال أحمد ثقات، انظر: \"مجمع الأمثال\" ٢/ ٢٦٦، و\"المستقصى\" ٢/ ٣٣٨، ويُروى: حتف أنْفَيْه، ومعناه: أي مات بلا ضرب ولا قتل، قال أبو عبيد: هو أن يموت موتًا على فراشه من غير قتل ولا غرق ولا سبْع ولا غيره.","vol":"13","page":469},{"text":"هو يشتمل جميع البدن، ففي كل بعضٍ من أبعاضِ البدن بعضٌ مِن أبعاضِ الروح، واحتج بقوله: ﴿وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ﴾ [إبراهيم: ١٧]، وهذا كله إذا رجعت إلى التحقيق ضرب من التكلُّف (١)؛ لأن الله تعالى أبهم على ذلك (٢).\nقال عبد الله بن بُريدة: ما يبلغ الجن والإنس والملائكة والشياطين علم الروح، ولقد مات رسول الله -ﷺ- وما يدري ما الروح (٣).\nوقال الفراء: الروح هو الذي يعيش به الإنسان، لم يخبر الله به أحدًا من خلقه، ولم يعط علمه أحدًا من عباده (٤).\nوقال في قوله: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ من علم ربي لا تعلمونه (٥)، وقيل: من خلق ربي، أي: أنه مخلوق له.\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾، أي: بالإضافة إلى علم الله تعالى، وذلك أن اليهود كانت تدّعى علم كل شيء بما في كتابهم التوراة، فقال الله تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ قال أبو إسحاق: وقليل وكثير لا يصلح إلا بالإضافة، وإنما يَقِلُّ الشيء عند ما هو أكثر منه، وكذلك يكثر عند ما هو أقل منه (٦)، ويجوز أن يكون الخطاب في قوله:\n_________\n(١) في جميع النسخ: (التكليف). والصواب ما أثبته.\n(٢) لذلك كان الأولى أن لا يخوض في هذه المسألة أصلًا.\n(٣) ورد في \"الأضداد\" لابن الأنباري ص ٤٢٦ مختصرًا، وأخرجه أبو الشيخ في \"العظمة\" ص ١٩٣، بنصه، انظر:\"تفسير السمعاني\" ٣/ ٢٧٥، أورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ٣٦٢ مختصرًا، وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم.\n(٤) ورد في \" تهذيب اللغة\" (راح) ٢/ ١٣١٣، بنصه تقريبًا.\n(٥) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٣٠، بنحوه.\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٥٨، بتصرف يسير.","vol":"13","page":470},{"text":"﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ للنبي -ﷺ- والمؤمنين، وذلك حين لم يعرف رسول الله -ﷺ- علم الروح، ولم يبين الله له ذلك، قال له: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾، يدل على هذا: قوله: ﴿وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2212>٨٦ </span>- قال أبو الفتح الموصلي: ليست اللام في: ﴿لَئِنْ﴾ بجواب القسم، وإنما الجواب: لنذهبنّ، وعليه وقع الحَلِف، واللام في ﴿لَئِنْ﴾ زائدة مؤكدة، ويدل على أن اللام الأولى زائدة أن الثانية هي التي تلقت القسم (١)، [ونظير] (٢) جواز سقوط الأولى في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [المائدة: ٧٣]، وإذا قلتَ: والله لئن (٣) قمت لأقومن، كان اعتماد القسم على اللام في لأقومن، واللام في لئن (٤) زائدة مؤكدة (٥).\nومعنى الآية: أي إني أقدر أن آخذ (ما أعطيتك؛ كأنه يقول: لم تؤت إلا قليلًا من العلم، وإن شئتُ أن آخذ ذلك) (٦) قدرت.\nقال أبو إسحاق: لو شئنا لمحونا من القلوب ومن الكتب حتى لا يُوجَد له أثر (٧)، ﴿ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلًا﴾، أي: لا تجد من يُتَوكَّل عليه في رد شيء منه، كقوله: ﴿ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٦].\n_________\n(١) في (أ)، (د)، (ش): (الاسم)، والمثبت من (ع) وهو الصواب.\n(٢) هذه إضافة يقتضيها الساق، وقد وردت هذه الكلمة في المصدر بنحو هذا السياق.\n(٣) و(٤) في (أ)، (د)، (ش): (لأن)، والمثبت من (ع) وموافق لما في المصدر.\n(٥) \"سر صناعة الإعراب\" ١/ ٣٩٦ - ٣٩٧، باختصار وتصرف.\n(٦) ما بين القوسين ساقط من (أ)، (د)\n(٧) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٥٨، بنصه.","vol":"13","page":471},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2213>٨٧ </span>- ثم قال: ﴿إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ قال الفراء: هو استثناء، كقوله: ﴿إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ﴾ (١) [يوسف: ٦٨].\nوقال أبو إسحاق: ﴿رحَمَتَ﴾ استثناء ليس من الأول (٢)، المعني لكن الله رَحِمَك، فأثبت ذلك في قلبك وقلوب المؤمنين (٣).\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا﴾ قال ابن عباس: يريد حيث جعلتك سيدَ ولد آدم، وختمت بك النبيين، وأعطيتك المقام المحمود (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2214>٨٨ </span>- قوله تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا﴾ الآية. هذا احتجاج من الله تعالى عليهم بالمعجزة، أعلمهم -وهم أهل البيان وتأليف الكلام- عجزهم عن الإتيان بمثل ما أتى به الرسول -ﷺ- وإن تعاونوا عليه، قال المفسرون: هذا تكذيب للنضر بن الحارث حين قال: ﴿لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا﴾ (٥) [الأنفال: ٣١].\nوقال مقاتل: إن نبيّ الله -ﷺ- تحداهم أولًا فقال: ﴿فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ﴾ [هود: ١٣]، فعجزوا عن ذلك، فتحداهم وقال: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [البقرة: ٢٣]، فعجزوا، فآيسهم الله تعالى عن معارضته بمثل ما أتى به في هذه الآية (٦).\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٣٠، بنصه.\n(٢) أي أنه ليس متصلًا، بل هو استثناء منقطع.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٥٩، بنصه.\n(٤) ورد في تفسيره \"الوسيط\" تحقيق سيسي ٢/ ٥٤٦ بنصه، وبلا نسبة في \"تفسير الفخر الرازي\" ٢١/ ٥٤، و\"القرطبي\" ١٠/ ٣٢٥، و\"الخازن\" ٣/ ١٨٠.\n(٥) ورد في \"تفسير الثعلبي\" ٧/ ١٢٠ ب، بنحوه، انظر: \"تفسير ابن الجوزي\" ٥/ ٨٤.\n(٦) \"تفسير مقاتل\" ١/ ٢١٩ أ، بنحوه.","vol":"13","page":472},{"text":"قال أهل المعاني: والمثل الذي طُلب منهم في التحدي كلام له نظم كنظم القرآن في أعلى طبقات البلاغة، إذا قُوبل به ظهر أنه في تلك المنزلة، كما يكون بين الشعراء من معارضة القصيدة بالقصيدة؛ كمعارضة علقمة (١) لامرئ القيس، ومعارضة جرير للفرزدق (٢)، ثم لمّا عرضوا القرآن على جميع أجناس كلامهم عجزوا عن المعارضة في النظم بَلْهَ البلاغة، وذلك أن كلامهم لم يخرج من أجناس ثمانية؛ أربعة معقودة وأربعة منثورة؛ فالمنثورة منها أربعة أجناس: منها الكلام الذي يدور بين الناس فيما يحتاجون إليها، ومنها الرسائل، ومنها الخُطَب، ومنها السجع، فلم يكن واحد من هذه الأجناس يشبه نظم القرآن، وبعض ما يُحتَاج إليه في هذه الآية قد ذكرنا في قوله: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ في سورة البقرة (٣).\nوقوله تعالى: ﴿لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ هذا جواب (لئن) بالرفع (٤).\nقال الفراء: والعرب إذا أجابت (لئن) بـ (لا) جعلوا ما بعد (لا) رفعًا، لأن (لئن) كاليمين، وجواب اليمين بـ (لا) مرفوعٌ، وربما جزم الشاعر\n_________\n(١) علقمة بن عَبَدَة بن النعمان، شاعر جاهلي من بني تميم، لقب بالفحل لأنه خلف على امرأة امرئ القيس لما حكمت له بأنه أشعر منه، فطلقها، عدّه الجمحي في الطبقة الرابعة من فحول شعراء الجاهلية، وله قصيدة طويلة في معارضة امرئ القيس. انظر: \"طبقات فحول الشعراء\" ١/ ١٣٧، و\"الشعر والشعراء\" ص ١٢٥، و\"الأغاني\" ٢١/ ٢٠٥، و\"المنتخب في محاسن أشعار العرب\" ١/ ١٧، و\"الخزانة\" ٣/ ٢٨٢.\n(٢) ورد في \"تفسير الطوسي\" ٦/ ٥١٧، بنحوه.\n(٣) آية: [٢٣].\n(٤) قال الطوسي ٦/ ٥١٧: وإنما رفعه لأنه غلب جواب القسم على جواب (إن) لوقوعه في صدر الكلام.","vol":"13","page":473},{"text":"بـ (لئن) وجوابها؛ لأن (لئن): (إن) التي يجازى بها زيدت عليها لام، وأنشد للأعشى:\nلئن مُنِيْتَ بنا عن غِبّ معركة ... لا تُلْفِنا من دماء القوم ننتَفِلُ (١)\nفجزم الجواب بـ (لا) (٢).\nقال: وأنشدني الكسائي (٣):\nلَئِنْ تَكُ قد ضَاقتْ عليكم بلادُكُم ... لَيَعْلَمْ ربي (٤) أن بيتي لواسعُ (٥) (٦)\nفجزم بلئن (٧).\n_________\n(١) \"ديوانه\" ص ١٤٩ وفيه: لم تلفنا، وورد في \"تفسير الطبري\" ١٥/ ١٥٩، و\"الطوسي\" ٦/ ٥١٧، و\"ابن عطية\" ٩/ ١٨٦، و\"اللسان\" (نفل) ٨/ ٤٥١٠، و\"تفسير أبي حيان\" ٦/ ٧٨، و\"الدر المصون\" ٧/ ٤٠٧، و\"الخزانة\" ١١/ ٣٢٩، وورد بلا نسبة في: \"شرح ابن عقيل\" ٤/ ٤٥، و\"شرح الأشموني\" ٤/ ٦٩، (منيت): ابتليت، ننتفل، الانتفال: التبرؤ، يقال: انتفل من الشيء تبرأ منه.\n(٢) وكان حقه الرفع لا تلفينا بإثبات الياء، جوابًا للقسم المتقدم على الشرط، لكنه جزمه بحذفها لأنه جعله جوابًا للشرط بإنْ ولم يُجِب القسم، بل حذفه لدلالة جواب الشرط عليه. انظر: \"شرح ابن عقيل\" ٤/ ٤٥.\n(٣) البيت للكميت بن معروف.\n(٤) ساقطة من (د).\n(٥) ورد في \"الخزانة\" ١٠/ ٦٨، ١١/ ٣٣١ وفيه: بيوتكم، وواسع، وورد بلا نسبة في: \"الدر المصون\" ٢/ ٤٦، و\"شرح التصريح\" ٢/ ٢٥٤، و\"شرح الأشموني\" ٣/ ٣٩٧، ٤/ ٧٢.\n(٦) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٣١، بتصرف واختصار.\n(٧) يقول السمين: ولا يحذف جواب الشرط إلا وفعله ماضٍ، وقد يكون مضارعًا. وهنا قد حذف للضرورة -كما قال البغدادي- لأن القياس يقتضي أن يقول: لئن كانت. وأن يقول في الجواب؛ ليعْلَمنّ. انظر: \"الدر المصون\" ٢/ ٤٦،و\"شرح التصريح\" ٢/ ٢٥٤، و\"شرح الأشموني\" ٤/ ٧٢، و\"الخزانة\" ١٠/ ٦٨، ١١/ ٣٥١.","vol":"13","page":474},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ الظهير: المعين المظاهر لك، وهو فعيل بمعنى المظاهر.\nقال ابن عباس: يريد معينًا (١)، مثل ما يتعاون الشعراء على بيت شعر فيقيمونه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2215>٨٩ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ﴾ أي بَيّنا، وذكرنا الكلام في هذا في هذه السورة (٢)، قال ابن عباس: وأراد بالناس أهل مكة (٣)، ﴿مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾، أي: من كل نوع وشِبْه، يريد من الأمثال التي يجب بها الاعتبار، ﴿فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ﴾ قال ابن عباس: يريد أكثرَ أهلِ مكة (٤).\n﴿إِلَّا كُفُورًا﴾ يريد جحودًا للحق وإنكارًا، وذلك أنهم أنكروا القرآن وكونه معجزة بعد قيام الحجة عليهم، واقترحوا من الآيات ما ليس لهم، وهو قوله: ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ﴾ قال ابن عباس: لن نصدقك (٥)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2216>٩٠ </span>- قال المفسرون: نزلت في رؤساء مكة اقترحوا عليه ما ذكر الله عنهم في هذه الآيات (٦).\n_________\n(١) لم أقف عليه منسوبًا إليه، وأخرجه \"الطبري\" ١٥/ ١٥٩، عن ابن جريج، وورد في \"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ١٩٣، وبلا نسبة في \"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢٨٣.\n(٢) عند آية [٤١].\n(٣) انظر: \"تنوير المقباس\" ص ٣٠٥، و\"تفسير الفخر الرازي\" ٢١/ ٥٥، و\"الألوسي\" ١٥/ ١٦٧ بلا نسبة فيهما.\n(٤) ورد بلا نسبة في \"زاد المسير\" ٥/ ٨٥، و\"الفخر الرازي\" ٢١/ ٥٥، و\"القرطبي\" ١٠/ ٣٢٧.\n(٥) انظر: \"تنوير المقباس\" ص ٣٠٥، وورد بلا نسبة في \"تفسير الطبري\" ١٥/ ١٥٩، و\"السمرقندي\" ٢/ ٢٨٣.\n(٦) ورد في \"تفسير مقاتل\" ١/ ٢١٩ ب، و\"السيرة\" لابن هشام ١/ ٣١٥ مطولًا، =","vol":"13","page":475},{"text":"وقوله تعالى: ﴿حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا﴾ وذلك أنهم سألوه أن يُجري لهم نهرًا كأنهار الشام والعراق، وقرئ ﴿تَفْجُرَ﴾ بالتخفيف (١)، يقال: فَجَرْتُ الماءَ فَجْرًا وفَجَّرتُه تفجيرًا وتَفْجرةً، (فمن ثَقَّل (٢) أراد كثرة الانفجار من الينبوع، وهو وإن كان واحد فَلِتَكَرُّر الانفجار فيه يحسن أن يثقل، كما تقول: ضُرِّب زيد، إذا كثر الضرب فيه، فيُكَثُّر فِعْلُه وإن كان الفاعل واحدًا، ومن خفف فلأن الينبوع واحد، ودليل التشديد من التنزيل قوله: ﴿وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا﴾ [الكهف: ٣٣]، ودليل التخفيف قوله: ﴿فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾ [البقرة: ٦٠] والانفجار مطاوع الفجر) (٣).\nومضى الكلام في الفجر والانفجار في سورة البقرة (٤).\nوقوله تعالى: ﴿يَنْبُوعًا﴾ يعني عينًا يَنْبَع الماء منه، وهو مفعول من نَبَع\n_________\n= أخرجه \"الطبري\" ١٥/ ١٥٩ من طريق عكرمة عن ابن عباس، وورد في \"تفسير هود الهواري\" ٢/ ٤٤٢، و\"الثعلبي\" ٧/ ١٢٠ ب، وأورده المصنف -بلا سند- في \"أسباب النزول\" ص ٣٠٠، و\"تفسير البغوي\" ٥/ ١٢٨، و\"ابن الجوزي\" ٥/ ٨٥، و\"الفخر الرازي\" ٢١/ ٥٦، و\"القرطبي\" ١٠/ ٣٢٨، و\"ابن كثير\" ٣/ ٧٠، أورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ٣٦٧ وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم. والحديث في إسناده رجل مجهول، فقد رواه ابن إسحاق عن شيخ من أهل مصر قدم منذ أربعين سنة عن عكرمة عن ابن عباس - كما في رواية الطبري.\n(١) أي بفتح التاء وتسكين الفاء وضم الجيم مع التخفيف، قرأ بها: عاصم وحمزة والكسائي، انظر: \"السبعة\" ص ٣٨٥، و\"علل القراءات\" ١/ ٣٢٨، و\"الحجة للقراء\" ٨/ ١١٥، و\"المبسوط في القراءات\" ٢٣٠، و\"النشر\" ٢/ ٣٠٨.\n(٢) أي بضم التاء وفتح الفاء وتشديد الجيم، وقرأ بها: ابن كثير ونافع وأبو عمرو وأبن عامر. انظر المصادر السابقة.\n(٣) ورد في \"الحجة للقراء\" ٥/ ١١٩، بتصرف.\n(٤) آية [٦٠].","vol":"13","page":476},{"text":"الماءُ يَنْبَعُ ويَنْبُعُ نَبْعًا ونُبوعًا ونَبْعَانًا، ذكره الفراء (١) والليث (٢).\nقال أهل المعاني: وإنما لم يجابوا إلى ما سألوا؛ لأنهم طلبوا ذلك دليلًا على صدقه، وقد أتاهم من القرآن بما يدل على صدقه، فليس لهم أن يطلبوا دليلًا آخر إلا بعد القدح في الدليل الأول بما يبين أنه شبهة لا يدل على صحة المعنى، فأما طلبهم الدليل على جهة الإنكار الأول فهو سفه وجهل لا يستحقون أن يجابوا إليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2217>٩١ </span>- قوله تعالى: ﴿أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ﴾ هذا أيضًا كان فيما اقترحوا عليه، وقوله: ﴿فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ﴾ عطف على قوله: ﴿أَوْ تَكُونَ﴾.\n<span data-type=\"title\" id=toc-2218>٩٢ </span>- ﴿أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ﴾، هذا كان فيما اقترح عليه المشركون، قالوا له: فأسقط السماء علينا، قال ابن عباس: يعنون العذاب، وهو كما زعمت (٣). قال عكرمة: كما زعمت يا محمد أنك نبي، فأسقط السماء علينا (٤). وقال آخرون: كما زعمت أن ربك إن شاء فعل (٥)، وكذا ذكر المفسرون بالقصة (٦).\nوقوله تعالى: ﴿كِسَفًا﴾ فيه وجهان من القراءة؛ جزم السين (٧)\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٣١، بنحوه.\n(٢) ورد في \"تهذيب اللغة\" (نبع) ٤/ ٣٤٩٧، بنصه تقريبًا.\n(٣) ورد في تفسيره \"الوسيط\" ٢/ ٥٤٨ بنصه تقريبًا؛ بدون ضمير الفصل وهو.\n(٤) انظر: \"تفسير الرازي\" ٢١/ ٥٧.\n(٥) انظر: \"تفسير الرازي\" ٢١/ ٥٧، و\"أبي حيان\" ٦/ ٧٩.\n(٦) عند آية [٩٠].\n(٧) قرأ بها: ابن كثير وأبو عمرو وحمزة والكسائي، انظر: \"السبعة\" ص ٣٨٥، و\"إعراب القراءات السبع وعللها\" ١/ ٣٨٢، و\"علل القراءات\" ١/ ٣٢٩، و\"الحجة للقراء\" ٥/ ١١٩، و\"المبسوط في القراءات\" ص ٢٣١، و\"التيسير\" ص ١٤١، و\"النشر\" ٢/ ٣٠٩.","vol":"13","page":477},{"text":"وفتحها (١).\nقال أبو زيد: يقال: كَسَفْتُ الثوبَ أكْسِفُه كَسْفُا، إذا قَطَّعته قِطَعًا (٢)\nوقال الليث: الكَسْفُ: قَطْعُ العُرْقُوب (٣)، والكِسْفَة: القطعة.\nقال الفراء: وسمعت أعرابيًّا يقول لبزاز: أعطني كِسْفة، يريد قطعة كقولك: خِرْقَة (٤).\nروى عمرو عن أبيه: يقال لخِرَق القميص قبل أن يُؤَلَّفَ: الكِسَف، واحدها كِسْفَة (٥)، فمن قرأ بسكون السين احتمل قوله وجوهًا، أحدها: أن يكون جمع كِسْفة، على حد دِمْنَةٍ ودِمَن (٦)، وسِدْرة، وسِدَر هذا قول الفراء (٧)، وقال الكسائي: من وَحَّد خفف (٨).\n_________\n(١) قرأ بها: ابن عامر ونافع وعاصم. انظر المصادر السابقة.\n(٢) ورد في \"الحجة للقراء\" ٥/ ١١٩، بنصه، و\"تفسير الطوسي\" ٦/ ٥١٨، بنصه.\n(٣) ورد في \"تهذيب اللغة\" (كسف) ٤/ ٣١٤٣ بنصه. (العُرْقُوب): هو العصبُ الغليظُ المُوَتَّر فوق عقبِ الإنسان، أو خلف الكعبين. انظر: \"اللسان\" (عرقب) ٥/ ٢٩٠٩، \"متن اللغة\" ٤/ ٨٣.\n(٤) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٣١ بتصرف يسير، وورد في \"تهذيب اللغة\" (كسف) ٤/ ٣١٤٣، بنصه.\n(٥) ورد في \"تهذيب اللغة \" (كسف) ٤/ ٣١٤٣، بتصرف يسير.\n(٦) الدِّمنة: آثار الناس وما سَوَّدوا، وقيل: ما سوَّدوا من آثار البعر، والجمع: دمن، وهو البعر، ودمَّنت الماشيةُ المكانَ: بعَرت فيه وبالت. انظر: \"اللسان\" (دمن) ٣/ ١٤٢٨.\n(٧) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٣١، بنحوه، ورد في \"تهذيب اللغة\" (كسف) ٤/ ٣١٤٣، بنحوه، وما في التهذيب أقرب.\n(٨) لم أقف عليه. قال القرطبي: قال الأخفش: من قرأ: كسْفًا من السماء، جعله، واحدًا، ومن قرأ: كِسَفًا، جعله جمعًا. \"تفسير القرطبي\" ١٠/ ٣٣٠.","vol":"13","page":478},{"text":"قال أبو علي: إذا كان المصدرُ الكسْفَ، فالكسْفُ (١): الشيء المقطوع؛ كما يقال في الطَّحْن والطِّحْن، والسَقي والسِّقي (٢)، ويؤكد هذا قوله: ﴿وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا﴾ [الطور: ٤٤]، وذكر الزجاج وجهًا ثالثًا، فقال: من قرأ كِسْفًا فكأنه قال: أو تسقطها طبَقًا علينا، واشتقاقه من كَسَفْتُ الشيء إذا غَطَّيته (٣)، ومن فتح السين فهو جمع كِسْفَةٍ مثل قِطْعَةٍ وقِطَعٍ، وسِدْرَةٍ وسِدَرٍ، وهو نصب على الحال في القراءتين جميعًا، كأنه قال: أو تسقط السماء علينا مقطعة (٤).\nقال ابن عباس في قوله: ﴿كِسَفًا﴾: قطعًا (٥)\nوقال مجاهد: السماء جميعًا (٦)، وهذا على قراءة من سَكَّن السين، ومعناه كما قال الزجاج: طبقًا، أو كما قال أبو علي: قطعة واحدة.\nوقوله تعالى: ﴿أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا﴾ ذكروا في هذا ثلاثة أقوال: قال ابن عباس في رواية الضحاك: عيانًا (٧)، وهو قول قتادة وابن\n_________\n(١) في جميع النسخ: (والكسف) بالواو عطفًا، والصواب ما أثبته من المصدر بالفاء؛ لأنه جواب شرط قرن بالفاء.\n(٢) \"الحجة للقراء\" ٥/ ١١٩، بنصه.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٥٩، بنصه.\n(٤) ورد في \"الحجة للقراء\" ٥/ ١٢٠، بنحوه\n(٥) أخرجه \"الطبري\" ١٥/ ١٦١ بلفظه من طريق ابن أبي طلحة (صحيحة)، ومن طريق العوفي (ضعيفة)، وورد بلفظه في \"تفسير الماوردي\" ٣/ ٢٧٣، و\"الطوسي\" ٦/ ٥١٩.\n(٦) \"تفسير مجاهد\" ١/ ٣٧٠، وأخرجه \"الطبري\" ١٥/ ١٦١ بنصه من طريقين، انظر: \"تفسير ابن عطية\" ٩/ ١٩٦\n(٧) انظر: \"تفسير ابن الجوزي\" ٥/ ٨٧، أورده السيوطي \"الدر المنثور\" ٤/ ٣٦٧ وعزاه إلى ابن أبي حاتم.","vol":"13","page":479},{"text":"جريج (١)، والمعنى: تأتي بهم حتى نراهم مقابلة، والعرب تُجري القبيل في هذا المعنى مجرى المصدر، فلا يثنى ولا يجمع ولا يؤنث، وذكرنا هذا عند قوله: ﴿وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا﴾ [الأنعام: ١١١]، وهذا القول منهم يدل على جهلهم بصفة الله؛ حيث لم يعلموا أنه لا يجوز على الله المقابلة.\nالقول الثاني: ما قاله ابن عباس في رواية عطاء: يريد فوجًا بعد فوج (٢).\nقال الليث: وكل جيل من الجن والناس قبيل (٣)، ذكرنا ذلك في قوله: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ﴾ [الأعراف: ٢٧]، وهذا قول مجاهد (٤).\nالقول الثالث: أن قبيلًا معناه هاهنا ضامنًا وكفيلًا، روي ذلك عن ابن عباس (٥)، وذكره الزجاج وابن قتيبة (٦).\nقال الزجاج: يقال: قَبُلْتُ به أقْبُل، كقولك: كَفُلت أكفُل (٧)، وهو\n_________\n(١) أخرجه \"عبد الرزاق\" ٢/ ٣٨٩ بلفظه عن قتادة، و\"الطبري\" ١٥/ ١٦٢، بنحوه عنهما، وورد في \"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ١٩٤ بلفظه عن قتادة، و\"تفسير الثعلبي\" ٧/ ١٢١ أبلفظه، و\"الماوردي\" ٣/ ٢٧٣، بنحوه عنهما، و\"الطوسي\" ٦/ ٥٢٠، بنحوه عنهما.\n(٢) انظر: \"تفسير الفخر الرازي\" ٢١/ ٥٨.\n(٣) ورد في \"تهذيب اللغة\" (قبل) ٣/ ٢٨٧٦، بنصه.\n(٤) \"تفسير مجاهد\" ١/ ٣٧٠ بمعناه، أخرجه \"الطبري\" ١٥/ ١٦٢ بمعناه من طريقين، وورد في \"تفسير الثعلبي\" ٧/ ١٢١ أبمعناه، انظر: \"زاد المسير\" ٥/ ٨٨.\n(٥) ورد في \"تفسير الثعلبي\" ٧/ ١٢١ أبلفظه، انظر: \"زاد المسير\" ٥/ ٨٨، و\"القرطبي\" ١٠/ ٣٣١.\n(٦) \"الغريب\" لابن قتيبة ١/ ٢٦٢، بنحوه.\n(٧) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٥٩، بنصه تقريبًا.","vol":"13","page":480},{"text":"على هذا واحدٌ أريد به الجمع، وقد جاء [فعيل مفردًا] (١) يُراد به الكثرة، كقول رؤبة:\nدَعْها فما النَّحْوِيُ من صديقِها (٢)\nوكقوله تعالى: ﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ (٣) [النساء: ٦٩]، واختار أبو علي أن يكون معناه المعاينة، قال: إذا حملته على المعاينة كان القبيل مصدرًا كالنذير والنكير، قال: ولو أريد به الكفيل لكان خليقًا أن يجمع على فعلاء كما قالوا: كفلاء؛ لأنه في الأصل صفة وإن كان قد استعمل استعمال الأسماء، قال: ويدل على أن المراد بالقبيل المعاينة لا الكفيل قوله: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا﴾ [الفرقان: ٢١]، وكما اقترح ذلك غيرهم في قوله: ﴿أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [النساء: ١٥٣]، وقد مرّ (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2219>٩٣ </span>- قوله تعالى: ﴿أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ﴾ قال المفسرون: كان فيما اقترحوا من الآيات أن يكون له جنان وكنوز وقصور من ذهب، فذلك قوله: ﴿أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ﴾، قال ابن عباس ومجاهد وقتادة\n_________\n(١) ما بين المعقوفين من (ش)، (ع) وفي (أ)، (د): (فصل مفرد).\n(٢) \"ديوانه\" ص ١٨٢، وورد في \"جمهرة اللغة\" ٢٠/ ٦٥٦، و\"المذكر والمؤنث\" لابن الأنباري ١/ ٢٩٥، و\"الأغاني\" ٢٠/ ٣٦٧، و\"أساس البلاغة\" ٢/ ١١، و\"شرح شواهد الإيضاح\" ٥٧٣، و\"اللسان\" (ذبح) ٣/ ١٤٨٦، (صدق) ٤/ ٢٤١٨، و\"تخليص الشواهد\" ص ١٨٤.\nوالشاهد: أنه قال من صديقها: أي من أصدقائها، فهو مفرد وقع موقع الجمع.\n(٣) قال الواحدي -﵀-: قال الفراء: وإنما وحّد الرفيق وهو حقه الجمع؛ لأن الرفيق والبريد والرسول تذهب به العرب إلى الواحد وإلى الجمع.\n(٤) \"الحجة للقراء\" ٣/ ٣٨٦، بنصه تقريبًا.","vol":"13","page":481},{"text":"والسدي: من ذهب (١).\nقال مجاهد: كنا لا ندري ما الزخرف حتى رأيت في قراءة عبد الله: (أو يكون لك بيت من ذهب) (٢).\nقال أبو إسحاق: وأصل الزُّخْرُف والزَّخْرَفة في اللغة: الزينة (٣)، يدل على ذلك قوله: ﴿إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا﴾ [يونس: ٢٤]، أي: أخذت كمال زينتها، ولا شيء في تحسين بيت وتزيينه كالذهب، فليس يخرج قول المفسرين عن الحق في هذا (٤). وقال الحسن: الزخرف: النقوش (٥). وفَسَّرنا الزخرف في سورة الأنعام [١١٢] وسورة يونس [٢٤].\nوقوله تعالى: ﴿أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ﴾ قال المفسرون: قال عبد الله بن\n_________\n(١) \"تفسير مجاهد\" ١/ ٣٧٠ بلفظه، وأخرجه بلفظه: \"عبد الرزاق\" ٢/ ٣٩٠، عن قتادة، و\"الطبري\" ١٥/ ١٦٣، عن ابن عباس من طريق العوفي (ضعيفة) وعن مجاهد وقتادة من طرق، وورد بلفظه في: \"تفسير هود\" ٢/ ٤٤٢، عن ابن عباس، و\"الماوردي\" ٣/ ٢٧٣، عن ابن عباس وقتادة، و\"الطوسي\" ٦/ ٥٢٠، عنهم عدا السدي، وأورده السيوطي في \"الدر\" ٤/ ٣٦٧ وعزاه إلى عبد بن حميد عن قتادة.\n(٢) أخرجه \"الطبري\" ١٥/ ١٦٣ بنصه، وورد بنصه في \"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ١٩٥، و\"الثعلبي\" ٧/ ١٢١ ب، و\"الماوردي\" ٣/ ٢٧٣، أورده السيوطي في \"الدر\" ٤/ ٣٦٧ وزاد نسبته إلى أبي عبيد في فضائله وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري في \"المصاحف\" وأبي نعيم في الحلية - لم أقف عليه. وهذه قراءة شاذة، تعد من قبيل التفسير، لمخالفتها سواد المصحف. انظر: \"تفسير أبي حيان\" ٦/ ٨٠.\n(٣) انظر (زخرف) في \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٥٢٠، و\"المحيط في اللغة\" ٤/ ٤٦٥، و\"اللسان\" ٣/ ١٨٢١.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٦٠، بتصرف.\n(٥) لم أقف عليه.","vol":"13","page":482},{"text":"أُمَيَّة: لا أؤمن بك يا محمد أبدًا حتى تتخذ إلى السماء سُلَّمًا، ثم ترقى فيه وأنا انظر حتى تأتيها، وتأتي بنسخة منشورة معك، ونفر من الملائكة يشهدون لك أنك كما تقول، فذلك قوله: ﴿أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ﴾، قال الفراء: يقال: رَقِيتُ، وأنا أرقى، رَقْيُا ورُقْيًّا ورُقِيًّا، وأنشد (١):\nأنتِ التي (٢) كَلَّفتِني رَقْي الدَّرْج ... على الكِلالِ والمَشِيبِ والعَرْج (٣)\nقال: [والمعنى إلى السماء، غير أنهم قالوا: أو تضع سُلَّمًا فترقى عليه إلى السماء فذهبت (في) إلى السُلَّم] (٤).\nوقوله تعالى: ﴿حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ﴾ وقال ابن عباس ومجاهد: كتابًا نقرأه منشورًا من رب العالمين إلى فلان وفلان، عند كل رَجُل منا صحيفة يصبح عند رأسه يقرأها (٥)، (قَالَ سُبْحَانَ رَبِّي) (٦)، أي:\n_________\n(١) نسب في \"اللسان\" لابن بري.\n(٢) في جميع النسخ: (أنت)، وفي جميع المصادر: (الذي).\n(٣) ورد في: \"اللسان\" (رقا) ٣/ ١٧١١، وورد بلا نسبة في \"الطبري\" ١٥/ ١٦٣، و\"الرازي\" ٢١/ ٥٨، (الكلال): الضعف والإعياء. و\"متن اللغة\" ٥/ ٩٥.\n(٤) ورد ما بين المعقوفين -فقط- في \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٣١، بنصه، وورد قوله بنحوه وبلا نسبة في \"تفسير الطبري\" ١٥/ ١٦٣\n(٥) \"تفسير مجاهد\" ١/ ٣٧٠، بنحوه، وأخرجه \"الطبري\" ١٥/ ١٦٤، بنحوه عن مجاهد من طريقين، وورد في \"تفسير هود الهواري\" ٢/ ٤٤٣، بنحوه عن مجاهد، انظر: \"تفسير ابن الجوزي\" ٥/ ٨٨، عن ابن عباس، وأورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ٣٦٧ وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد.\n(٦) قرأ بها: ابن كثير وابن عامر. انظر: \"السبعة\" ص ٣٨٥، و\"إعراب القراءات السبع وعللها\" ١/ ٣٨٣، و\"علل القراءات\" ١/ ٣٣٠، و\"الحجة للقراء\" ٥/ ١٢١، و\"المبسوط في القراءات\" ص ٢٣١، و\"النشر\" ٢/ ٣٠٩.","vol":"13","page":483},{"text":"قال النبي -ﷺ- ذلك، وقرئ: ﴿قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي﴾ (١)،على الأمر له بأن يقول ذلك.\nقال ابن عباس: يقول: عَظُمَ ربي وكَرُمَ، ﴿هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا﴾، كقوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ [الكهف: ١١٠]، أي: إن هذه الأشياء ليس في قوى البشر أن يأتوا بها، فلا وجه لطلبكم هذه الآيات مني مع صفتي أني بشر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2220>٩٤ </span>- قوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ﴾ قال ابن عباس: يريد أهل مكة (٢)، ﴿أَنْ يُؤْمِنُوا﴾، أي: الإيمان والتصديق، ﴿إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى﴾: أي البينات والرشاد من الله تعالى على لسان محمد -ﷺ-، وهو القرآن، ﴿إِلَّا أَنْ قَالُوا﴾، أي: إلا قولهم في التعجب والإنكار، ﴿أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا﴾ قال أهل المعاني: ووجه تعجبهم من بعث الله بشرًا رسولًا، جهلهم في التعظيم؛ وهو قولهم: الله أعظم من أن يكون رسوله بشرًا، كما توهموا أن عبادة الأصنام تجوز من طريق التعظيم لله (٣)، و﴿رَسُولًا﴾ منصوب على أنه مفعول ثان للبعث، كقولك: بعثت زيدًا رسولًا إلى فلان، وفي إنكارهم كون البشر رسولًا اقتضاءُ أن يُبْعَثَ إليهم مَلَكٌ، وكأنه قيل: أبعث الله بشرًا رسولًا؟! هلا بعث مَلَكًا (٤) رسولًا!\n<span data-type=\"title\" id=toc-2221>٩٥ </span>- فقال الله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ\n_________\n(١) قرأ بها: نافع وعاصم وأبو عمرو وحمزة والكسائي. انظر: المصادر السابقة.\n(٢) انظر: \"تفسير ابن الجوزي\" ٥/ ٨٩، و\"تنوير المقباس\" ص ٣٠٥، وورد بلا نسبة في \"تفسير مقاتل\" ١/ ٢١٩ ب، و\"السمرقندي\" ٢/ ٢٨٤.\n(٣) ورد نحوه في \"تفسير الطوسي\" ٦/ ٥٢١\n(٤) في (د): (ما كان)،وفي (أ): (ما كا)، ويبدو أنها تصحفت عن (ملكًا).","vol":"13","page":484},{"text":"مُطْمَئِنِّينَ﴾ قال الحسن: قاطنين (١)، وقال الكلبي: مقيمين (٢)، وقال الزجاج: مستوطنين الأرض (٣)، وأصل الطمأنينة السكون، وجُعل هاهنا عبارة عن المقام والاستيطان؛ لأنه يقال: سكن فلان بلدة كذا، وسكن دار فلان، وإن كان فيها ماشيًا منقلبًا في حاجاته، وليس يراد السكون الذي هو ضد الحركة، كذلك هاهنا ليس المراد بالاطمئنان الذي هو ضد المشي، إنما المراد به الإقامة، كما ذكرنا عن أهل التفسير.\nوقوله تعالى: ﴿لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا﴾ قال أبو إسحاق: أعلمهم الله أن الأعدل والأبلغ في الأداء إليهم بشرٌ (٤)؛ لأنه لا يُرْسِل إلى خلق إلا ما كان من جنسهم، فلو كان في الأرض بدل الآدميين ملائكة، لنزلنا عليهم ملكًا رسولًا (٥)\nفإن قيل: لم جاز أن يرسل إلى النبيّ وهو بشر ملكٌ ليس من جنسه، ولم يجز أن يرسل غير النبيّ من البشر؟\nالجواب: أن النبيّ قد اختير للهداية والمصلحة، وهو صاحب معجزة، فصارت حاله بذلك مقاربة لحال الملك، مع أن الجماعة الكثيرة ينبغي أن يُتَخيّر لها ما يجتمع عليه هَمُّها، إذا أريد الصلاح لجميعها بما لا يحتاج إليها في الواحد منها.\n_________\n(١) ورد في \"تفسير الطوسي\" ٦/ ٥٢٢، بلفظه.\n(٢) انظر: \"تنوير المقباس\" ص ٣٠٥، ورد بلا نسبة في \"تفسير مقاتل\" ١/ ٢١٩ ب، و\"السمرقندي\" ٢/ ٢٨٤، و\"هود الهواري\" ٢/ ٤٤٣.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٦١، بنصه.\n(٤) في (أ)، (د): (بشرًا)، وهو خطأ نحوي ظاهر.\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٦١ بتصرف.","vol":"13","page":485},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2222>٩٦ </span>- قوله تعالى: ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ فسرنا هذا في آخر سورة الرعد [آية: ٤٣].\n<span data-type=\"title\" id=toc-2223>٩٧ </span>- قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ﴾ قال ابن عباس: من يرد الله هُدَاه (١)، ﴿فَهُوَ الْمُهْتَدِ﴾، ﴿وَمَنْ يُضْلِلْ﴾ قال: ومن يخذل، ﴿فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ﴾: يهدونهم من دون الله، ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ﴾، في حديث أبي هريرة، قيل: يا رسول الله، وكيف يمشون على وجوههم، قال: \"إن الذي أمشاهم على أقدامهم قادر أن يمشيهم على وجوههم، إنهم يتقون (٢) بوجوههم كل حَدَبٍ وشَوْك\" (٣).\nوقوله تعالى: ﴿عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا﴾ روى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في تفسير هذه الآية، ثم قال: ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ﴾ [الكهف: ٥٣]، وقال: ﴿سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا﴾ [الفرقان: ١٢]، وقال: ﴿دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا﴾ [الفرقان: ١٣]، فكيف قال في هذه الآية: ﴿عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا﴾، ثم أجاب\n_________\n(١) ورد في \"الوسيط\" ٢/ ٥٥٢، انظر: \"تفسير ابن الجوزي\" ٥/ ٩٠.\n(٢) في (ش): (يتقوه).\n(٣) جزء من حديث طرفه: \"بحشر الناس يوم القيامة ثلاثة أصناف .. \" أخرجه الترمذي (٣١٤٢) كتاب: التفسير، باب: ومن سورة بني إسرائيل بنصه عن أبي هريرة وحسنه، و\"الطبري\" بنصه دون الزيادة بين التنصيص، وورد في \"تفسير الثعلبى\" ٧/ ١٢١ ب، بنصه، وأورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ٣٦٨ وزاد نسبته إلى ابن مردويه وأبي داود والبيهقي في البعث -لم أجده فيهما، وللحديث شاهد من طريق أنس بن مالك -﵁- دون الزيادة بين التنصيص- أخرجه: أحمد ٣/ ١٦٧، والبخاري (٤٧٦٠) كتاب: التفسير، سورة الفرقان ٤/ ١٧٨٤، ومسلم (٢٨٠٦) كتاب: الجنة والنار، باب. صفات المنافقين، يحشر الكافر على وجهه ٤/ ٢١٦١، والحاكم: التفسير، الفرقان ٢/ ٤٠٢.","vol":"13","page":486},{"text":"ابن عباس: فقال عميًا لا يرون شيئًا يسرهم، صُمًّا لا يسمعون شيئًا يسرهم، بكمًا لا ينطقون بحجة (١).\nوقال في روايهَ عطاء: يريد عُميًا عن النظر إلى ما جعله الله لأوليائه، وبكمًا عن مخاطبة الله تعالى، وصُمًّا عما مدح الله به أولياءه (٢).\nوقال مقاتل: هذا حين يقال لهم: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨]، فيصيرون عميًا بكمًا صمًا لا يرون ولا يسمعون ولا ينطقون بعد ذلك (٣).\nوقوله تعالى: ﴿كُلَّمَا خَبَتْ﴾ الخبو: سكون النار، يقال: خبت النار تخبو إذا سكن لهيبها، ومعنى خبت سَكَنت وطَفِئت، ويقال في مصدره: الخبؤ، وأخبأها المخبئ، أي أخمدها (٤).\nقال الكميت:\nمؤجِّج نيرانِ المكارم لا المُخْبي (٥)\n_________\n(١) أخرجه \"الطبري\" ١٥/ ١٦٨بنصه (صحيحة)، وورد بنحوه مختصرًا في \"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ١٩٧، و\"تفسير الثعلبي\" ٧/ ١٢١ ب، و\"الماوردي\" ٣/ ٢٧٥، و\"الطوسي\" ٦/ ٥٢٤، بنحوه، انظر: \"تفسير الفخر الرازي\" ٢١/ ٦١، وأورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ٣٦٨ وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم.\n(٢) انظر: \"تفسير ابن الجوزي\" ٥/ ٩٠، و\"الفخر الرازي\" ٢١/ ٦١، و\"أبي حيان\" ٦/ ٨٢ بلانسبة.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ١/ ٢٢٠ أ، بنحوه.\n(٤) انظر: \"الأضداد\" لابن الأنباري ص ١٧٧، و\"تهذيب اللغة\" (خبأ) ١/ ٩٧، و\"المحيط في اللغة\" (خبو) ٤/ ٤٢٧، و\"اللسان\" (خبا) ٢/ ١٠٩٨.\n(٥) صدره:\nومنّا ضرارٌ وابْنَماهُ وحاجبٌ","vol":"13","page":487},{"text":"قوله تعالى: ﴿زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا﴾ قال ابن عباس: سُعِّر العذابُ عليهم بأشد مما كان (١)، وقال ابن قتيبة: زدناهم نارًا تَتَسَعَّر، أي تَتَلَهَّب (٢)، ومضى الكلام في السعير في سورة النساء [آية:١٠].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2224>٩٨ </span>- قوله تعالى ﴿ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ﴾ هذه الآية مفسرة في هذه السورة (٣)\n<span data-type=\"title\" id=toc-2225>٩٩ </span>- ثم أجابهم الله عن إنكارهم البعث بقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ﴾ الآية. ومعنى ﴿أَوَلَمْ﴾ هاهنا: أولم يعلموا، وذكرنا الكلام في هذا عند قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ﴾ [البقرة: ٢٥٨]، والمعنى: ألم يعلموا أن من قدر على خلق السموات في عظمها، ﴿قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾، أي: على أن يخلقهم ثانيًا، وأراد بمثلهم إيّاهم، وذلك أن مثل الشيء مساوٍ له في حالته، فجاز أن يُعَبِّرَ به عن الشيء نفسه، وخَلْقُ مِثْلِهم كخلقهم، والمعنى: قادر على أن يخلق مثلهم في ضعفهم وصغرهم، هذا\n_________\n= ومنا لقيط .... مؤرث نيران ....\nوورد في \"مجاز القرآن\" ١/ ٣٩١، و\"الأضداد\" لابن الأنباري ص ١٧٥، و\"الأزهية\" ص ٢٤، و\"اللسان\" (خبا) ٢/ ١٠٩٨، وبلا نسبة في \"جمهرة اللغة\" ٣/ ١٣٠٨، (ابنماه): تثنية ابن، حيث زادوا في (ابن) ميمًا للتوكيد وألحقوها الإعراب، وحركوا النون بحركتها، فقالوا: جاءني ابنُمٌ، ورأيت ابنَمًا، ومررتُ بابنِمٍ، وقالوا في الجمع: هؤلاء ابنُمونَ، (المخبي): الذي يطفئ النار؛ يقال: خبت النار والحرب، تخبو خبوًا وخُبُوًا: سكنت وطفئت وخمد لهبها، وهي خابية، وأخْبيتها أنا: أخمدتها.\n(١) أخرج \"الطبري\" ١٥/ ١٦٨ بمعناه من طريق العوفي (ضعيفة)، وابن الأنباري في \"الأضداد\" ص ١٧٦ - بمعناه من طريق ابن جريج \"صحيحة\"، وأورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ٣٦٩ وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(٢) \"الغريب\" لابن قتيبة ١/ ٢٦٢، بنصه.\n(٣) عند آية [٩٨].","vol":"13","page":488},{"text":"معنى قول أكثر المفسرين (١).\nوقال عطاء عن ابن عباس: ﴿قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ يريد عبيدًا يوحدونني ويعظمونني ولا يعدلون بي شيئًا (٢)، فالمعنى على هذا يخلق مثلهم في الخلقة والشبه، ويكون المعنى كقوله: ﴿وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [إبراهيم: ١٩].\nوقوله تعالى: ﴿يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨]، والقول هو الأول (٣)؛ لأنه أشبه بما قبله، ولأنه لا دليل على توحيد المخلوقين مثلهم في الآية، وتَمَّ الكلام، أي لا دليل في الآية على أن الذين يخلقهم أمثالهم يوحدونه ويعظمونه كما ذكرتم.\nقال: ﴿وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ قال ابن عباس: يريد أجل الموت وأجل القيامة (٤)، وهذا جواب لاستدعائهم العذاب في قولهم: ﴿أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا﴾، ﴿فَأَبَى الظَّالِمُونَ﴾ أي المشركون، ﴿إِلَّا كُفُورًا﴾: جحودًا بذلك الأجل، وهو البعث والقيامة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2226>١٠٠ </span>- وقوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ﴾ قال أبو إسحاق: ﴿أَنْتُمْ﴾ مرفوعة بفعل مضمر، المعنى: قل: لو تملكون أنتم؛ لأن (لو) يقع بها\n_________\n(١) انظر: \"تفسير الطبري\" ١٥/ ١٦٩، و\"السمرقندي\" ٢/ ٢٨٥، و\"هود الهواري\" ٢/ ٤٤٤، و\"الثعلبي\" ٧/ ١٢٢ أ.\n(٢) ذكره الفخر الرازي ٢١/ ٦٢ بلا نسبة، وورد في \"تفسير الألوسي\" ١٥/ ١٧٧٥ بلا نسبة بصيغة التمريض وردَّه.\n(٣) وهو الصحيح والذي عليه الجمهور -كما ذكر- ولم يكن حاجة إلى إيراد القول الثانى المرجوح جدًا خاصة أن طريقه مقطوعة.\n(٤) ورد في \"الوسيط\" ٢/ ٥٥٤ بنصه، وورد بلا نسبة \"تفسير الزمخشري\" ٢/ ٣٧٦، و\"ابن عطية\" ٩/ ٢٠٤، و\"القرطبي\" ١٠/ ٣٣٤ و\"الخازن\" ٣/ ١٨٢.","vol":"13","page":489},{"text":"الشيء لوقوع غيره، فلا يليها إلا الفعل، فإذا وليها الاسم عمل فيه الفعل المضمر (١)، وأنشد قول المُتَلَمِّس (٢):\nفلو غيرُ أخوالي أرادوا نَقِيصَتِي ... نَصَبْتُ لهم فَوقَ العَرانِينِ مِيسًَا (٣)\nالمعنى: لو أراد غير أخوالي (٤).\nوأنشد غيره لجرير (٥):\nلو غَيْرُكم عَلِقَ الزُّبَير بحبله ... أدّى الجوارَ إلى بني العَوّامِ (٦)\n_________\n(١) انظر: \"المقتضب\" ٣/ ٧٧، و\"الكامل\" ١/ ٢٧٩، و\"مغني اللبيب\" ص ٣٥٣، و\"الدرر اللوامع\" ٥/ ٩٩.\n(٢) المتلمس؛ هو جرير بن عبد المسيح، من بني ضُبَيعة، وأخواله بنو يَشْكُر، وهو خال طرفة بن العبد، شاعر جاهلي مُفْلقٌ مُقلّ، عدّه الجمحي في الطبقة السابعة من شعراء الجاهلية، دبّر عمرو بن هند ملك الحيرة قتله هو وطرفة بعد أن هَجَوَاه، فنجا المتلمس وهرب إلى بني جفنة ملوك الشام وقتل ابن أخته، قتله عامل البحرين، توفي نحو سنة (٥٦٩ م).\nانظر: \"طبقات فحول الشعراء\" ١/ ١٥٥، و\"الشعر والشعراء\" ص ٩٩، و\"لأغاني\" ٢٤/ ٢١٦، و\"الخزانة\" ٦/ ٣٤٥.\n(٣) \"ديوانه\" ص ٢٩، وورد في \"الأصمعيات\" ص ٢٤٥، و\"مختارات ابن الشجري\" ص ١٢٢، و\"تفسير ابن الجوزي\" ٥/ ٩١، و\"الخزانة\" ١٠/ ٥٩، وورد بلا نسبة في: \"الكامل\" ١/ ٢٧٩، و\"المقتضب\" ٣/ ٧٧، و\"تذكرة النحاة\" ص ٤٩٠، و\"اللسان\" (نقص) ٨/ ٤٥٢٣، وفي الديوان وجميع المصادر -عدا ابن الجوزي-: (جعلت) بدل (نصبت). (نقيصتي): تنقصي، (العرانين): جمع عِرْنين؟ وهو أعلى قصبة الأنف، (ميسما): الميسم: هو الآلة التي يوسم بها، ومقصوده: أَسِمُهم على العرانين، أي أهجوهم هجاءً يبقى أثرُه في وجوهم ويلزمهم لزوم الميسم للأ نف.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٦٢، بنصه.\n(٥) ساقطة من (ش).\n(٦) \"ديوانه\" ص ٤٥٣ وفيه (ورَحْلَهُ)، وورد في: \"الكامل\" ١/ ٢٧٩، =","vol":"13","page":490},{"text":"أي لو عَلِقَ غيْرَكُمْ، والخطاب في هذه الآية للمشركين، قال ابن عباس: ﴿قُلْ﴾: يا محمد (١)، ﴿لَّوْ انتُمْ﴾: يا معشر المشركين، ﴿تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي﴾ يريد خزائن الرزق، ﴿إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ﴾ يريد إذا لبخلتم.\nقال أبو إسحاق: أعلمهم الله أنهم لو ملكوا خزائن الأرزاق لأمسكوا شُحًّا وبُخْلًا، قال: وهذا جواب لقولهم: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا﴾ (٢) يريد أنهم طلبوا عين ما في بلدهم ليكثر مالهم ويتسع عيشهم، فأعلمهم الله أنهم لو ملكوا الكثير لبخلوا؛ لأنهم جُبِلوا على الإمساك، والبخيل لا ينفعه كثرة المال.\nوقوله تعالى: ﴿خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ﴾ خشية منصوب على أنه مفعول له.\nقال ابن عباس: خشية الفقر (٣)، وقال قتادة: خشية الفاقة (٤).\nقال أبو عبيدة: يقال: قد أملق الرجل إملاقًا، وأنفق إنفاقًا، إذا قَلّ ماله (٥).\n_________\n= و\"شرح شواهد المغني\" ٢/ ٦٥٧، و\"الخزانة\" ٥/ ٤٣٢، و\"الدرر اللوامع\" ٥/ ٩٨، وورد بلا نسبة في \"المقتضب\" ٣/ ٧٨، و\"تفسير الطوسي\" ٦/ ٥٢٥، و\"مغني اللبيب\" ص ٣٥٣.\n(١) ورد بلا نسبة في \"تفسير الطبري\" ١٥/ ١٧٠، و\"الطوسي\" ٦/ ٥٢٥.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٦١، بنصه مع تقديم وتأخير.\n(٣) أخرجه \"الطبري\" ١٥/ ١٧٠ بلفظه من طريق الحجاج عن ابن جريج (صحيحة)، وورد بلفظه في \"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ١٩٨.\n(٤) أخرجه \"عبد الرزاق\" ٢/ ٣٩٠ - بلفظه، و\"الطبري\" ١٥/ ١٧٠ بلفظه من طريقين، وورد في \"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ١٩٨ - بمعناه، و\"تفسير الماوردي\" ٣/ ٢٧٦ - بمعناه، و\"الطوسي\" ٦/ ٥٢٥ - بمعناه، أورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ٣٦٩ - ٣٧٠، وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم.\n(٥) \"مجاز القرآن\" ١/ ٢٠٨ وعبارته: ﴿مِنْ إِمْلَاقٍ﴾: من ذهاب ما في أيديكم؛ يقال: أملق فلان؛ اي ذهب ماله.","vol":"13","page":491},{"text":"قال المبرد: المعروف في الإنفاق أنه إخراج المال عن اليد، فإن كان قد روي في اللغة معنى الإعدام فهو كما قال أبو عبيدة، وإلا فمعنى الكلام في الآية: خشية أن يستفرغكم الإنفاق ويُجْحِفَ بكم، فيكون الكلام من باب حذف المضاف على تقدير: خشية ضرر الإنفاق وما أشبهه (١)، وهذا معنى قول السدي: خشية أن ينفقوا فيفتقروا (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا﴾ قال ابن عباس وقتادة وغيرهما: بخيلًا (٣)، يقال: قَتَرَ يَقْتِرُ ويَقْتُر قَتْرًا، وأقْتَرَ إقتارًا، وقَتَّر تَقْتيرًا، إذا قَصَّر في الإنفاق (٤).\nقال الليث: القَتْرُ: الرُّمْقة في النَّفقة؛ وهو أن ينفق ما (٥) يُمْسِك الرّمَق (٦).\nفإن قيل في الناس: الجواد المُبَذِّر، فلم قيل: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا﴾؟ الجواب: أن الأغلب عليهم البخل والاقتصار، ولا اعتبار بالنادر، على أن\n_________\n(١) لم أقف عليه.\n(٢) ورد في تفسيره \"الوسيط\" تحقيق سيسي ٢/ ٥٥٤، بنصه.\n(٣) أخرجه \"الطبري\" ١٥/ ١٧٠ بلفظه عن ابن عباس من طريق ابن أبي طلحة (صحيحة)، ومن طريق ابن جريج (صحيحة)، وعن قتادة، وورد بلفظه في \"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ١٩٩، عن ابن عباس، و\"تفسير الماوردي\" ٣/ ٢٧٦، عنهما، أورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ٣٦٩ وزاد نسبته إلى ابن المنذر عن ابن عباس، وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم عن قتادة.\n(٤) انظر: (قتر) في \"جمهرة اللغة\" ١/ ٣٩٣، و\"المحيط في اللغة\" ٥/ ٣٦٠، و\"مجمل اللغة\" ٢/ ٧٤٢، و\"اللسان\" ٦/ ٣٥٢٥.\n(٥) في (أ)، (د)، (ش): (ماله)، والمثبت من. (ع)، وبه يستقيم المعنى، وهو أقرب لما في المصدر.\n(٦) ورد في \"تهذيب اللغة\" (قتر) ٣/ ٢٨٨، بتصرف.","vol":"13","page":492},{"text":"كل أحد بخيل بالإضافة إلى جُود الله؛ إذ لو ملك خزائن ربه لادّخر معظمها لنفسه، والله -﷿- يفيضها على عباده لا يمنعه عن ذلك الإبقاء لنفسه، لأنه يجلّ عن لحَاق النفع والضر.\nوقال أبو إسحاق: يعني بالإنسان هاهنا الكافر خاصة، كما قال: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾، ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ﴾ [العاديات:٦، ٨]، أي: المال (١)، ﴿لَشَدِيدٌ﴾: لبخيل (٢)، وهذا قول الحسن (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2227>١٠١ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ﴾ الآية. وجه اتصال معنى هذه الآية بما قبلها أنه ذكر في هذه الآية إنكارَ فرعونَ آياتِ موسى مع وضوحها، فيكون في ذلك تشبيها لحال هؤلاء المشركين بحاله وتسلية للنبيّ -ﷺ-. واختلفوا في الآيات التسع مع اتفاقهم أن منها: الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم، فهذه خمس، وأما الأربعة الباقية، فروى قتادة عن ابن عباس قال: هي يده البيضاء عن غير سوء، وعصاه إذا ألقاها، وما ذكر في قوله: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ [الأعراف: ١٣٠] قال: ﴿السِّنِينَ﴾ لأهل البوادي حتى هلكت مواشيهم، ﴿وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ لأهل القرى، وهاتان آيتان (٤)، ونحو هذا\n_________\n(١) ساقطة من (ع).\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٦١، بتصرف يسير.\n(٣) ورد في \"تفسير الماوردي\" ٣/ ٢٧٦، انظر: \"تفسير القرطبي\" ١٠/ ٣٣٥، وورد بلا نسبة في: \"تفسير مقاتل\" ١/ ٢٢٠ أ، و\"هود الهواري\" ٢/ ٤٤٥، والجمهور -كما في \"التفسير الماوردي\"- على أنها عامة، وهو الصحيح.\n(٤) أخرجه \"عبد الرازق\" ٢/ ٣٩٠، بنحوه، و\"الطبري\" ١٥/ ١٧١، بنحوه من طريقين، وورد في:\"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢٨٥، بنحوه، و\"الثعلبي\" ٧/ ١٢٢ أ، =","vol":"13","page":493},{"text":"روى أبو صالح وعكرمة (١)، وهذا قول مجاهد (٢). وقال محمد بن كعب القرظي بدل السنين ونقص من الثمرات فَلْق البحر والطمسة، وهي أن الله تعالى مسخ أموالهم حجارة ميت النخل والدقيق والأطعمة والدراهم والدنانير (٣)، وهذا الذي ذكرنا أجود ما قيل في تفسير الآيات (٤).\nوقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ قال ابن عباس: فأسأل يا محمد بني إسرائيل (٥)، يريد المؤمنين من قريظة والنضير، ﴿إِذ جَآءَهُم﴾ يريد موسى، ونظم الآية على غير ما هو عليه في الظاهر؛ لأن (إذ) تتعلق بالإتيان لا بالسؤال، وتقدير الآية: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾، ﴿إِذ جَاَءَهُم﴾:\n_________\n= و\"الماوردي\" ٣/ ٢٧٧، و\"الطوسي\" ٦/ ٥٢٧ وفي المصادر الثلاثة الأخيرة: العقدة بلسانه [وفيه نظر؛ لأن وجه الآية فيه غير ظاهر]، وفَلْق البحر بدل السنين ونقص الثمرات، وأورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ٣٧٠، وزاد نسبته إلى سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم من طرق.\n(١) أخرجه \"الطبري\" ١٥/ ١٧١، بنحوه عن عكرمة، وورد في \"تفسير الثعلبي\" ٧/ ١٢٢ أ، بنحوه عن عكرمة، و\"الطوسي\" ٦/ ٥٢٧، بنحوه عن عكرمة عن ابن عباس.\n(٢) ورد بنحوه في \"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ٢٠٠، و\"تفسير الثعلبي\" ٧/ ١٢٢ أ، و\"الطوسي\" ٦/ ٥٢٧.\n(٣) أخرجه \"الطبري\" ١٥/ ١٧١، بنحوه، لكنه ذكر الحجر بدل فلق البحر، وعرفّ الطمسة بقوله: دعا موسى وأمَّن هارون، فقال ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾ [يونس: ٨٩]، وورد في \"تفسير الثعلبي\" ٧/ ١٢٢ أمع زيادات، و\"الماوردي\" ٣/ ٢٧٧، كرواية الطبري، و\"الطوسي\" ٦/ ٥٢٧، بنحوه.\n(٤) قال ابن كثير ٣/ ٧٥: وهذا القول ظاهر جلي، حسن قوي، يقصد قول ابن عباس ومجاهد وعكرمة.\n(٥) ورد بلا نسبة في \"تفسير الطبري\" ١٥/ ١٧٣، و\"الثعلبي\" ٧/ ١٢٢ ب، و\"هود الهواري\" ٢/ ٤٤٥، و\"البغوي\" ٥/ ١٣٤، و\"الخازن\" ٣/ ١٨٣.","vol":"13","page":494},{"text":"بني إسرائيل فسألهم، إلا أنه لمّا عُلِّق السؤال ببني إسرائيل كُنِّى عنهم [في قوله: ﴿جَاءَهُمْ﴾ والمراد: إذ جاء آباءهم الذين كانوا في ذلك الوقت، ولكنهم لمَّا كانوا من بني إسرائيل كنى عنهم] (١)؛ لتقدم ذكر بني إسرائيل في الجملة، وقوله: ﴿فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ اعتراض دخل في كلام متصل.\nوقال أهل المعاني في معنى هذا السؤال: إن النبيّ -ﷺ- أُمر بأن يسألهم لا ليعرف ذلك من جهتهم، ولكن لينكشف لعامة اليهود بقول علمائهم صِدقُ ما أتى به وأَخْبَر عنه، فيكون هذا السؤال سؤال استشهاد.\nوقوله تعالى: ﴿فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُورًا﴾، قيل في المسحور هاهنا: إنه بمعنى الساحر؛ كالمشؤوم والميمون، وذكرنا هذا في قوله: ﴿حِجَابًا مَسْتُورًا﴾ [الإسراء: ٤٥] هذا قول الفراء وأبي عبيدة (٢)، وقيل: إنه مفعول من السحر؛ أي أنك قد سُحِرت فأنت تحمل نفسك على هذا الذي تقوله للسحر الذي بك (٣).\nوقال محمد بن جرير: أي مُعْطَى عِلْم السحر، فهذه العجائب التي تأتي بها من سحرك (٤)، فأجابه موسى:\n_________\n(١) ما بين المعقوفين ساقط من (د).\n(٢) ليس في المعاني ولا المجاز، وورد في \"تفسير الثعلبي\" ٧/ ١٢٢ ب، بنحوه عنهما، وهو مصدره، وانظر: \"تفسير البغوي\" ٥/ ١٣٥، و\"القرطبي\" ١٠/ ٣٣٦، عنهما، و\"ابن الجوزي\" ٥/ ٩٤، و\"الفخر الرازي\" ٢١/ ٦٥، كلاهما عن الفراء.\n(٣) ورد نحوه في \"تفسير الطبري\" ١٥/ ١٧٣ - ١٧٤، و\"الماوردي\" ٣/ ٢٧٨، و\"الطوسي\" ٦/ ٥٢٨.\n(٤) \"تفسير الطبري\" ١٥/ ١٧٣ - ١٧٤، بنحوه، وورد في \"تفسير الثعلبي\" ٧/ ١٢٢ ب بنصه، والظاهر أنه اقتبسه منه لا من الطبري.","vol":"13","page":495},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2228>١٠٢ </span>- بقوله: ﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ﴾ يعني الآيات، ﴿إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ﴾ أي عِبرٌ أو دلالات، وذكرنا معنى البصائر في آخر سورة الأعراف [: ٢٠٣].\nوقراءة العامة بفتح التاء (١)، [وقرأ الكسائي: علمتُ بضم التاء (٢)، والاختيار عند الجميع فتح التاء، وهو قراءة ابن عباس، وضم التاء] (٣) قراءة علي -﵁-، وكان يقول: والله ما عَلِمَ عدو الله، ولكن موسى هو الذي عَلِم، فبلغ ذلك ابن عباس فاحتج بقوله تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النمل: ١٤]، على أن فرعون وقومه كانوا قد عرفوا صحة أمر موسى (٤).\nوقال الزجاج: (الأجود في القراءة فتح التاء؛ لأن عِلم فرعونَ) (٥) بأنها آيات من عند الله أوكد في الحجة (٦)؛ فموسى يحتج عليه بما علم\n_________\n(١) انظر: \"السبعة\" ص ٣٨٦، و\"إعراب القراءات السبع وعللها\" ١/ ٣٨٣، و\"علل القراءات\" ١/ ٣٣٠، و\"الحجة للقراء\" ٥/ ١٢٢، و\"المبسوط في القراءات\" ص ٢٣١، و\"التبصرة\" ص ١٤١، و\"النشر\" ٢/ ٣٠٩.\n(٢) انظر المصادر السابقة.\n(٣) ما بين المعقوفين ساقط من (أ)، (د).\n(٤) ورد بنحوه في \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٣٢، و\"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ٢٠١، و\"إعراب القراءات السبع وعللها\" ١/ ٣٨٤، و\"تفسير الثعلبي\" ٧/ ١٢٢ ب، وانظر: \"تفسير الرازي\" ٢١/ ٦٥، بنصه، وأورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ٣٧٠ - ٣٧١ وعزاه إلى سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم، دون رد ابن عباس -﵁-. قال أبو حيان ٦/ ٨٦: وهذا القول عن علي -﵁- لا يصح؛ لأنه رواه كلثوم المرادي، وهو مجهول.\n(٥) ما بين التنصيص ساقط من (أ)، (د)\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٦٣ بنصه. وعبارته الأجود غير جيدة؛ لأنها تقتضي انتقاص القراءة الأخرى السبعية.","vol":"13","page":496},{"text":"هؤلاء بما علم موسى، وأما من ضم التاء فحجته ما ذكرنا عن علي.\nفإن قيل: كيف يصح الاحتجاج عليه بعلمه، وعلمه لا يكون حجة على فرعون؟\nفالجواب: أنه لما قيل له: ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾ [الشعراء: ٢٧]، قال موسى: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ﴾، فكأنه نفى ذلك وقال: لقد علمتُ صحةَ ما أَتَيْتُ به علمًا صحيحًا؛ علم العقلاء (١)، وفي قوله: ﴿مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ﴾ دليل على قول من يقول: إن الآيات التسع كانت آيات من التوراة، وهو ما رُوي عن صفوان بن عسال (٢) عن يهوديين سألا رسول الله -ﷺ- عن قوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ فقال رسول الله -ﷺ-: \"لا تشركوا بالله، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق، ولا تزنوا، ولا تسرقوا، ولا تسحروا، ولا تمشوا ببريء إلى ذي سلطان فيقتله، ولا تأكلوا الربا، ولا تقذفوا محصنة، ولا تفروا من الزحف، وعليكم خاصة ألا تعدوا في السبت، قال؛ فَقَبَّلا يديه ورجليه وقالا: نشهد أنك نبيّ\" (٣).\n_________\n(١) ورد في \"الحجة للقراء\" ٥/ ١٢٣، بنحوه، و\"تفسير الطوسي\" ٦/ ٥٢٦، بنحوه\n(٢) صفوان بن عسال -﵁- صحابي من بني الرَّبَض بن زاهر المرادي، سكن الكوفة، غزا مع النبي -ﷺ- اثنتي عشرة غزوة، وروى عن النبي -ﷺ- عدة أحاديث، روى عنه عبد الله ابن مسعود، وزِر بن حُبَيْش، وعبد الله بن سَلِمَة.\nانظر: \"الاستيعاب\" ٢/ ٢٧٩، و\"أسد الغابة\" ٣/ ٢٨، و\"الإصابة\" ٢/ ١٨٩.\n(٣) أخرجه بنحوه: ابن أبي شيبة ٧/ ٣٢٩، وأحمد ٤/ ٢٣٩، والترمذي (٣١٤٤) كتاب التفسير، باب: ومن سورة بني إسرائيل، وقال: حسن صحيح، والنسائي: تحريم الدم والسحر ٧/ ١١١، و\"الطبري\" ١٥/ ١٧٢ بنصه وبنحوه من طرق، والطبراني ٨/ ٨٣، والحاكم ١/ ٩ وصححه، وأبو نعيم في \"الحلية\" ٥/ ٩٧، والبيهقي في \"الدلائل\" ٦/ ٢٦٨ وورد في \"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ١٩٩ بنصه مع زيادة في =","vol":"13","page":497},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ قال الكلبي: وإني لأعْلَمُك يا فرعون (١)، ﴿مَثْبُورًا﴾ قال ابن عباس: ملعونًا (٢).\nوقال قتادة: مهْلَكًا (٣)، وقال مجاهد: هالِكًا (٤).\nقال الفراء: المثبور: الملعون المحبوس عن الخير، والعرب تقول: ما ثَبَرك عن هذا؟ أي ما منعك منه وما صرفك (٥).\nوروى أبو عبيد عن أبي زيد: ثَبَرْتُ فلانًا عن الشيء: رَدَدْتُه عنه (٦).\n_________\n= آخره، و\"الماوردي\" ٣/ ٢٧٧، بنحوه، و\"الطوسي\" ٦/ ٥٢٧، بنحوه.\nقال ابن كثير ٣/ ٧٥: وهو حديث مشكل، وعبد الله بن سَلِمَة في حفظه شيء، وقد تكلموا فيه، ولعله اشتبه عليه التسع الآيات بالعشر الكلمات، فإنها وصايا في التوراة لا تعلق لها بقيام الحجة على فرعون. وعليه فالحديث لا دلالة فيه، فضلًا عن كونه ضعيفًا.\n(١) ورد بلا نسبة في \"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢٨٦، وهو قول أكثر المفسرين، كما قال ابن الجوزي ٥/ ٩٤.\n(٢) أخرجه \"الطبري\" ١٥/ ١٧٥ بلفظه من طريق سعيد بن جبير، ومن طريق ابن أبي طلحة (كلاهما صحيحة)، وورد بلفظه في \"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ٢٠٣، و\"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٢٨٦، و\"الثعلبي\" ٧/ ١٢٢ ب، أورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ٣٧١ وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم من طرق.\n(٣) أخرجه \"عبد الرزاق\" ٢/ ٣٩١ بلفظه، و\"الطبري\" ١٥/ ١٧٦، بنحوه من طريقين، وورد في \"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ٢٠٣ بلفظه، و\"تهذيب اللغة\" (ثبر) ١/ ٤٧١، بنحوه، و\"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٣٨٦ بلفظه، والماوردي ٣/ ٢٧٨، بنحوه.\n(٤) \"تفسير مجاهد\" ١/ ٣٧١، بنحوه، أخرجه \"الطبري\" ١٥/ ١٧٦ بلفظه من طريقين، وورد بلفظه في \"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ٢٠٣، و\"تهذيب اللغة\" (ثبر) ١/ ٤٧١، و\"تفسير الثعلبي\" ٧/ ١٢٢ ب، و\"الطوسي\" ٦/ ٥٢٨.\n(٥) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٣٢، بنصه تقريبًا.\n(٦) ورد في \"تهذيب اللغة\" (ثبر) ١/ ٤٧١، بنصه.","vol":"13","page":498},{"text":"وروى ثعلب عن ابن الأعرابي: المثْبُور: الملْعُون المطْرود المُعَذَّب (١)، هذا وجه قول ابن عباس.\nوأما وجه قول مجاهد وقتادة، فقال الزجاج: ثُبِرَ الرجل فهو مثبور إذا أهلك (٢)، والثبور الهلاك، قال شمر: ومَثَلٌ للعرب: إلى أُمّه يأوي من ثُبِر؛ أي مَن أُهلِك (٣).\nقال أبو عبيد: والمعروف في الثبور الهلاك، والملعون هالك (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2229>١٠٣ </span>- قوله تعالى: ﴿فَأَرَادَ﴾ قال ابن عباس: يريد فرعون (٥) ﴿أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ﴾، أي: يخرجهم، يعني: موسى وقومه بني إسرائيل، ومضى تفسير الاستفزاز في هذه السورة [آية: ٦٤]، ﴿مِنَ الْأَرْضِ﴾ يعني: أرض مصر (٦).\nقال أبو إسحاق: جائز أن يكون استفزازهم إخراجهم منها بالقتل وبالتنحية، وهذه الآية وما بعدها تسلية للنبيّ -ﷺ- إذ قص عليه -في إِثْر ما ذكر من تكذيب قومه وهمهم بإخراجه- قصة فرعون، وما همّ به من استفزاز موسى وبني إسرائيل من أرض مصر، حتى أهلكه الله تعالى وأورثهم\n_________\n(١) ورد في \"تهذيب اللغة\" (ثبر) ١/ ٤٧١، بنصه.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٦٣، بنصه.\n(٣) ورد في \"تهذيب اللغة\" (ثبر) ١/ ٤٧١ بنصه، انظر: \"اللسان\" (ثبر) ١/ ٤٦٩، و\"موسوعة أمثال العرب\" ٢/ ٦٥٠.\n(٤) لم أقف على مصدره.\n(٥) ورد بلا نسبة في \"تفسير الثعلبي\" ٧/ ١٢٣أ، و\"الطوسي\" ٦/ ٥٢٩، و\"البغوي\" ٥/ ١٣٥، و\"ابن الجوزي\" ٥/ ١٣٥.\n(٦) ورد بلفظه في \"تفسير هود الهواري\" ٢/ ٤٤٦، و\"الثعلبي\" ٧/ ١٢٣ أ؛ و\"الطوسي\" ٦/ ٥٢٩، والبغوي\" ٥/ ١٣٥.","vol":"13","page":499},{"text":"أرضهم وديارهم وأموالهم، لذلك أظهر نبيه محمدًا (١) -ﷺ- على المشركين، ورده إلى مكة ظاهرًا عليهم، فأنجز وعْدَه، ونصر عبده.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2230>١٠٤ </span>- وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ﴾ قال ابن عباس: يريد القيامة (٢)، ﴿جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا﴾، أي: جميعًا، في قول مجاهد وقتادة (٣).\nوقال ابن عباس: يريد من كل موضع (٤).\nوروى منصور عن أبي رَزين (٥): من كل قوم (٦).\nقال الفراء: من هاهنا وهاهنا (٧).\nوقال الزجاج: من كل قبيلة (٨).\nوروى عمرو عن أبيه: اللفيف: الجمع العظيم من أخلاط شتى،\n_________\n(١) ساقطة من (أ)، (د).\n(٢) انظر: \"تنوير المقباس\" ص ٣٠٦، وورد بلا نسبة في \"تفسير مقاتل\" ١/ ٢٢٠ ب، و\"الطبري\" ١٥/ ١٧٦، و\"السمرقندي\" ٢/ ٢٨٦، و\"الثعلبي\" ٧/ ١٢٣ أ، وهذا هو قول الجمهور.\n(٣) \"تفسير مجاهد\" ١/ ٣٧١ بلفظه، أخرجه \"عبد الرزاق\" ٢/ ٣٩١ - بلفظه عن قتادة، و\"الطبري\" ١٥/ ١٧٧ بلفظه عنهما من طرق، وورد بلفظه: في \"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ٢٠٤، عنهما، و\"تفسير هود\" ٢/ ٤٤٦، عن مجاهد، و\"الثعلبي\" ٧/ ١٢٣أ، و\"الماوردي\" ٣/ ٢٧٨، عن قتادة.\n(٤) ورد في \"تفسير الماوردي\" ٣/ ٢٧٨ بمعناه، وفي \"تفسير الطبري\" ١٥/ ١٧٧، عنه من طريق العوفي (ضعيفة): جميعًا.\n(٥) تقدمت ترجمته.\n(٦) أخرجه \"الطبري\" ١٥/ ١٧٧ بنصه، وورد بنصه في \"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ٢٠٤\n(٧) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٣٢، بنصه.\n(٨) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٦٣، بنحوه.","vol":"13","page":500},{"text":"فمنهم الشريف والدني، والمطيع والعاصي، والقوي والضعيف (١).\nوقال المبرد: الأكثر عند العرب أن اللفيف إنما يقال للمختلطين من كل شيء خلطته بشيء فقد لففته، ومنه قيل: لفَفَتَ الجيوشَ إذا ضربت بعضها ببعض، والتفت الزحوف (٢).\nوالمعنى: جئنا بكم من قبوركم إلى المحشر أخلاطًا، يعني جميع الخلق؛ المسلم والكافر والبر والفاجر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2231>١٠٥ </span>- قوله تعالى: ﴿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ﴾ الحق نقيض الباطل، وهو الثابت الذي لا يزول، كما أن الباطل: الزائل الذاهب، وأراد بالحق هنا: الدين الحق والأمر الحق، وهو ما كان عليه محمد -ﷺ- والكناية في: ﴿أَنْزَلْنَاهُ﴾ للقرآن، ومعناه: أنزلنا القرآن بالأمر الثابت والدين القائم، قال أبو علي الفارسي: (الباء) في: ﴿وَبِالْحَقِّ﴾ في موضع الحال من الضمير في ﴿أَنْزَلْنَاهُ﴾، يعني أنه بمعنى: مع، كما تقول: نزل بِعُدّته وخرج بسلاحه، والمعنى: أنزلنا القرآن مع الحق.\nوقوله تعالى: ﴿وَبِالْحَقِّ نَزَلَ﴾ قال: يحتمل الجار فيه ضربين؛ أحدهما: أن يكون التقدير نزل بالحق كما تقول: نزلت يزيد، والثاني: أن يكون حالًا من الضمير الذي في نزل، هذا كلامه (٣)، وعلى القول الأول: الحق محمد -ﷺ-؛ لأن القرآن نزل به عليه، وعلى القول الثاني: معناه نزل مع الحق، كما قلنا في قوله: ﴿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ﴾.\n_________\n(١) ورد في \"تهذيب اللغة\" (لفف) ٤/ ٣٢٨١، بنصه.\n(٢) لم أقف عليه، وورد نحوه بلا نسبة في \"تفسير الثعلبي\" ٧/ ١٢٣ أ، و\"الطوسي\" ٦/ ٥٢٩، و\"الفخر الرازي\" ٢١/ ٦٦.\n(٣) لم أقف عليه.","vol":"13","page":501},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2232>١٠٦ </span>- قوله تعالى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ﴾ يَنْتَصبُ قرآنًا بإضمار فعل، مثل الذي ظهر (١)، قال أبو علي: (وَقُرْءَانًا) يحتمل أمرين، أحدهما: أن يكون محمولًا على ﴿أَنْزَلْنَاهُ﴾ كأنه قال: بالحق أنزلناه وأنزلنا قرآنًا، فانتصابه على أنه مفعول به، والوجه الآخر: أن تعطفه على ما يتصل به كأنه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ وذا قرآن وصاحبَ قرآن (٢)، فحذف المضاف (٣)، وعلى ما ذكر أبو علي -في القول الثاني- يجب أن يكون القرآن نكرة لوصفه له بالجملة من غير الذي، وقد ذكر في قوله: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [الزمر: ٢٨] أنه يجوز أن يكون نكرة (٤)، وذلك غير جيد لتنكير (٥) الاسم العلم (٦)، و﴿فَرَقْنَاهُ﴾: فَصَّلناه، قاله علي بن أبي طلحة عن ابن عباس (٧).\n_________\n(١) مذهب سيبويه؛ أن نصبه بفعل مضمر يفسره الظاهر بعدُ؛ أي: وفرقناه قرآنًا، \"تفسير ابن عطية\" ٩/ ٢١٥.\n(٢) في (أ)، (د)، (ش): (قرآنًا). وهو خطأ نحوي ظاهر، والمثبت من (ع) وموافق لما في المصدر.\n(٣) \"المسائل الحلبيات\" ص ٢٩٨، بنصه. وهذا القول فيه تكلف وبعد عن ظاهر القرآن الواضح، وظاهر الآيتين أن الله تعالى وصف القرآن الكريم بثلاث صفات، أنه كله حق لأنه نزل من عنده، والثاني: أن جميع ما فيه حق لا مرية فيه، والثالث: أنه جاء محكمًا مفصلًا وواضحًا بَيّنًا، أو أراد وصفه بأنه نزل منجمًا مفرقًا بحسب الوقائع والأحداث. أملاه عليّ أ. د. فضل عباس، أحد علماء الأردن المعاصرين.\n(٤) المصدر السابق ص ٢٩٧، بنحوه.\n(٥) في (أ)، (د)، (ش): (لنكير)، والمثبت من (ع).\n(٦) وهذه إشارة إلى أنه من القائلين بأن القرآن علم مرتجل، وهي مسألة خلافية بين العلماء في أصل القرآن، هل هو مشتق أو علم مرتجل؟ انظر: \"مناهل العرفان\" ١/ ١٤، و\"المدخل لدراسة القرآن الكريم\" ص ١٧، و\"مباحث في علوم القرآن\" ص ١٦.\n(٧) أخرجه \"الطبري\" ١٥/ ١٧٨ بلفظه من هذه الطريق (صحيحة)، وورد بلفظه في \"تفسير الثعلبي\" ٧/ ١٢٣ أ.","vol":"13","page":502},{"text":"وقال سعيد بن جبير عنه: نزل القرآن كله ليلة القدر من السماء العليا إلى السماء السفلى في السنين التي نزل فيها (١).\nوقال قتادة: كان بين أوله وآخره عشرون سنة (٢)، وهو معنى قوله: ﴿لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ﴾، وقال السدي: قطعناه آية آية وسورة سورة، ولم ننزله جملة (٣)، والاختيار عند الأئمة: فرقناه مخففًا (٤)، وفَسّره أبو عمرو: بَيَّناه (٥).\nوقال الفراء: أحكمناه (٦) وفصَّلناه؛ كما قال: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان: ٤] أي يُفَصّل (٧).\nقال أبو عبيد: والتخفيف أعجب إليّ لأن تفسيره: بَيّناه، ومن قرأ بالتشديد (٨) لم يكن له معنى إلا أنه أُنزل متفرقًا، والتأويل الأول أعجب إليّ\n_________\n(١) أخرجه \"الطبري\" ١٥/ ١٧٨، بنحوه من طريق عكرمة (حسنة)، وورد في \"تفسير الطوسي\" ٦/ ٥٣٠، بنحوه. انظر: \"تفسير الرازي\" ٢١/ ٦٨، عن ابن جبير.\n(٢) أخرجه \"عبد الرزاق\" ٢/ ٣٩١ بنصه، و\"الطبري\" ١٥/ ١٧٨ بنصه، وورد في \"تفسير الطوسي\" ٦/ ٥٣٠ بنصه.\n(٣) ورد في تفسيره \"الوسيط\" ٢/ ٥٥٩، بنصه، وهو في معنى قول ابن عباس وقتادة السابقين.\n(٤) قرأ بها السبعة وعامة قراء الأمصار، انظر: \"تفسير الطبري\" ١٥/ ١٧٨، و\"إعراب القراءات السبع وعللها\" ١/ ٣٨٤.\n(٥) ورد في \"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ٢٠٥ بلفظه.\n(٦) في جميع النسخ: (حكيناه)، والصواب ما أثبته؛ لأنه هو المناسب للمعنى والمقابل لقوله: فصلناه، وقد ورد في المصدر والتهذيب: أحكمناه\n(٧) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٣٣ بنصه تقريبًا، انظر: \"تهذيب اللغة\" (فرق) ٣/ ٢٧٧٨.\n(٨) أخرجها الطبري عن ابن عباس ١٥/ ١٧٨، ونسبت في \"القرأءات الشاذة\" لابن خالويه ص٨١ إلى أُبيّ وابن عباس ومجاهد، وأوردها ابن جني في \"المحتسب\" ٢/ ٢٣، ونسبها إلى علي وابن عباس وابن مسعود وأُبيّ والشعبي والحسن وقتادة وغيرهم. وفي \"الإتحاف\" ص ٢٨٧ قرأ بها ابن محيصن. وزاد ابن عطية ٩/ ٢١٦ أن في قراءة ابن مسعود وأبي زيادة كلمة (عليك)، أي: فَرَّقْنَاه عليك لتقرأه، وكلتا الروايتين قراءة شاذة كما هو ظاهر.","vol":"13","page":503},{"text":"وأشرق، هذا كلامه (١)، وحصل من هذا أن معنى الفَرْق تفصيل يتضمن التبيين، والتفريق لا يتضمن التبيين، ولهذا فسروا هاهنا وفي قوله: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ﴾ [الدخان: ٤] بالتبيين.\nومما يرجح التخفيف ما روى ثعلب عن ابن الأعرابي أنه قال: فرقتُ أفْرُقُ بين الكلام، وفَرَّقتُ بين الأجسام (٢)، ويدل على هذا قوله -ﷺ-: \"البَيِّعان بالخيار ما لم يتفرقا\" (٣)، ولم يقل: يفترقا، والتفرق مطاوع التفريق، والافتراق مطاوع الفرق، ومعنى: ﴿عَلَى مُكْثٍ﴾ على تؤدة وتَرَسُّل، قاله مجاهد (٤).\nقال الفراء: يقال: مَكُثَ ومَكَثَ ومَكِثَ، ويقال في الفعل: مَكُث\n_________\n(١) لم أقف عليه.\n(٢) ورد في \"تهذيب اللغة\" (فرق) ٣/ ٢٧٧٨ بنصه.\n(٣) أخرجه بلفظه: أحمد ٢/ ٩، عن ابن عمر، والبخاري (٢٠٧٩) كتاب: البيوع، باب: إذا بيَّن البيّعان عن حكيم بن حزام، والدارمي: البيوع، في البيعان بالخيار ٢/ ٣٢٥، عن حكيم، والطبراني في \"الكبير\" ٣/ ١٩٩، عن حكيم، والحاكم: البيوع، البيعان بالخيار ٢/ ١٦، عن سمرة بن جندب، والبيهقي: البيوع، المتبايعان بالخيار ٥/ ٢٦٩، عن ابن عمر.\n(٤) \"تفسير مجاهد\" ١/ ٣٧١ بمعناه؛ قال: على ترتيل، وأخرجه \"عبد الرزاق\" ٢/ ٣٩١، بلفظه، و\"الطبري\" ١٥/ ١٧٩ بلفظه وبمعناه، وورد بلفظه في \"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ٢٠٥ و\"تفسير هود الهواري\" ٢/ ٤٤٦، و\"الماوردي\" ٣/ ٢٧٩، و\"الطوسي\" ٦/ ٥٣١.","vol":"13","page":504},{"text":"ويَمْكُث ومَكَث يَمْكَث (١)، والفتح قراءة عاصم في قوله: ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ (٢) [النمل: ٢٢]، قال: فَرَّقَه الله في التنزيل ليفهمه الناس، فقال: ﴿لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ﴾.\nوقوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ قال ابن عباس: [نجوما بعد نجوم، وشيئًا بعد شيء (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2233>١٠٧ </span>- قوله تعالى: ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا﴾ قال ابن عباس] (٤): ﴿قُلْ﴾: لأهل مكة، ﴿آمِنُوا﴾: بالقرآن (٥)، ﴿أَوْ لَا تُؤْمِنُوا﴾ وهذا تهديد؛ أي فقد أنذر الله ووعد (٦) وبَلَّغَ الرسول، فاختاروا ما تريدون، كما قال: ﴿فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٥٥].\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ﴾ أي من قبل نزول القرآن، قال مجاهد: هم ناس من أهل الكتاب حين سمعوا ما أُنزل على محمد -ﷺ- خروا سجدًا (٧).\n_________\n(١) ورد في \"تهذيب اللغة\" (مكث) ٤/ ٣٤٣٣ مختصرًا، وورد في \"تفسير الفخر الرازي\" ٢١/ ٦٨ مختصرًا، ومكث مثلثة الأول بمعنى اللَّبْث والإقامة، انظر: \"إكمال الإعلام بتثليث الكلام\" ١/ ١٥، و\"الدرر المبثّثة في الغرر المثلثة\" ص ١٩٠.\n(٢) انظر: \"السبعة\" ص ٤٨٠، و\"الحجة للقراء\" ٥/ ٣٨٠، و\"المبسوط في القراءات\" ص ٢٧٨، و\"التيسير\" ص ١٦٧.\n(٣) لم أقف عليه، وأخرجه \"الطبري\" ١٥/ ١٧٩ - ١٨٠ بمعناه عن الحسن وقتادة، وورد في \"تفسير الطوسي\" ٦/ ٥٣١، وورد في \"الوسيط\" ٢/ ٥٥٩ بنصه غير منسوب.\n(٤) ما بين المعقوفين ساقط من (ش).\n(٥) ورد بلا نسبة في \"تفسير مقاتل\" ١/ ٢٢١ أ، و\"الطبري\" ١٥/ ١٨٠، و\"الوسيط\" للواحدي ٢/ ٥٥٩.\n(٦) في (أ)، (د): (ووعده)، والمثبت من (ش)، (ع).\n(٧) أخرجه \"الطبري\" ١٥/ ١٨١، بنحوه، وورد في \"تفسير الثعلبي\" ٧/ ١٢٣ أ، بنحوه، و\"الطوسي\" ٦/ ٥٣٢، بنحوه.","vol":"13","page":505},{"text":"وقال ابن عباس: منهم زيد بن عمرو بن نفيل، وورقة بن نوفل (١)، وعلى هذا ليس المراد بقوله: ﴿أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ أهل الكتاب، وإنما هم طلاب الدين.\nوقوله تعالى: ﴿يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا﴾ قال ابن عباس في رواية؛ الوالبي: يخرون للوجوه (٢)، وهو قول قتادة (٣).\nوقال في رواية عطاء: يريد: يسجدون بوجوههم وجباههم وأذقانهم (٤).\nقال أبو إسحاق: والذَّقَنُ مجمع اللَّحْيَيْنِ (٥)، وهو عضو من أعضاء الوجه، وكما يبتدئ المبتدئ يَخِرُّ فأقرب الأشياء من وجهه إلى الأرض الذَّقَنُ (٦)، وعلى هذا إنما خص الذقن بالذكر؛ لأنه أقرب أبعاض الوجه إلى الأرض، وهو هاهنا عبارة عن الوجه.\n_________\n(١) لم أقف عليه، وورد بلا نسبة في: \"تفسير البغوي\" ٥/ ١٣٦، و\"ابن عطية\" ٩/ ٢١٧، و\"الفخر الرازي\" ٢١/ ٦٩.\n(٢) أخرجه \"الطبري\" ١٥/ ١٨٠ بلفظه من طريق ابن أبي طلحة (صحيحة)، وورد بلفظه في \"تفسير الجصاص\" ٣/ ٢٠٩، و\"الثعلبي\" ٧/ ١٢٣ أ، و\"الماوردي\" ٣/ ٢٨٠، و\"الطوسي\" ٦/ ٥٣٢، وأورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ٣٧٢ وزاد نسبته إلى ابن المنذر.\n(٣) أخرجه \"عبد الرزاق\" ٢/ ٣٩٢ بلفظه، و\"الطبري\" ١٥/ ١٨٠ بلفظه من طريقين، وورد بلفظه في \"معاني القرآن\" للنحاس ٨/ ٢٠٥، و\"تفسير الجصاص\" ٣/ ٢٠٩، و\"الماوردي\" ٣/ ٢٨٠، و\"الطوسي\" ٦/ ٥٣٢.\n(٤) ورد في تفسيره \"الوسيط\" تحقيق سيسي ٢/ ٥٦٠ بنصه بلا نسبة.\n(٥) في (أ)، (د): (للجبين)، والمثبت من (ش)، (ع)، وهوالصحيح والموافق للمصدر. انظر: \"المحيط في اللغة\" (ذقن) ٥/ ٣٧٥.\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٦٤، بنصه.","vol":"13","page":506},{"text":"وروى عبد الرزاق عن معمر قال: قال الحسن: لِلّحى (١)، وعلى هذا القول: الأذقان عبارة عن اللِّحَى، وخصت بالذكر لأن المعنى أنهم يضعونها على الأرض للسجود تواضعًا لله تعالى، واللِّحْية تُلْقي بالإكرام والتنظيف، فإذا أذلوها في التراب فهو غاية التواضع، واللام هاهنا بمعنى على، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ﴾ [الحجرات: ٢] أي عليه، والعرب تقول: سقط فلان لفيه، أي على فيه، قال الشاعر:\nفخر صريعًا لليدين وللفم (٢)\n_________\n(١) أخرجه \"عبد الرزاق\" ٢/ ٣٩٢ بلفظه، و\"الطبري\" ١٥/ ١٨٠ بلفظه، وورد بلفظه في \"تفسير الجصاص\" ٣/ ٣٥٩، و\"الماوردي\" ٣/ ٢٨٠، و\"الطوسي\" ٦/ ٥٣٢.\n(٢) صدره:\nتناولهُ بالرُّمحِ ثُمَّ اتَّنَى لَهُ\nنسب لجابر بن حُنَيّ التَّغْلِبي في \"المفُضَّليات\" ص ٢١٢، و\"شرح شواهد المغني\" ٢/ ٥٦٢.\nونسب لربيعة بن مُكدَّم في \"الأغاني\" ١٦/ ٧٥ برواية:\nوهتكت بالرمح الطويل إهابه ... فهوى ............\nونسب لعمام بن مقشعر البصري في \"معجم الشعراء\" ص ١٠١ برواية:\nدلفته بالرمح من تحت بزه\nونسب للأشعث الكندي في \"الأزهية\" ص ٢٨٨ برواية:\nتناولْت بالرُّمْحِ الطَّويلِ ثِيَابَهُ\nوورد بلا نسبة في: \"أدب الكاتب\" ص ٥١١، و\"تفسير الزمخشري\" ٢/ ٣٧٨، و\"القرطبي\" ١٠/ ٣٤١، و\"رصف المباني\" ص ٢٩٧، و\"الجنى الداني\" ص ١٠١، و\"مغني اللبيب\" ص ٢٨٠، و\"شرح الأشموني\" ٢/ ٣٨٨.\n(تناوله بالرمح): طعنه، (اتَّنَى): أراد اثتنى فأدغم الثاء في التاء، فأبدلهما تاءً، ويروى انثنى، (خرّ): سقط. \"شرح اختيار المفضل\" ٢/ ٩٥٥.","vol":"13","page":507},{"text":"والمعنى أنهم يبادرون إلى السجود فيسقطون على الأذقان أولًا إذا وقعوا بالأرض إلى أن نصبوا (١) جباههم على الأرض للسجود؛ لأن الذقن ليس من أعضاء السجود، ويدل على هذا (٢) قوله: ﴿يَخِرُّونَ﴾ ولم يقل: يسجدون؛ لأنه أراد مسارعتهم إلى ذلك حتى إنهم ليسقطون ويقولون في سجودهم: ﴿سُبْحَانَ رَبِّنَا﴾، أي: ينزهونه ويعظمونه، ﴿إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا﴾: أي وعده بإنزال (٣) القرآن وبعث محمد -ﷺ-، وهذا يدل على أن هؤلاء كانوا من أهل الكتاب؛ لأن الوعد ببعث محمد -ﷺ- سبق في كتابهم، فهم كانوا ينتظرون ذلك الوعد.\nوذكر الليث وجهًا آخر في قوله: ﴿يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ﴾ فقال: العرب تقول إذا خَرّ الرجل فوقع على وجهه: خَرّ للذقن، وكذلك الشجر والحجر إذا قلبه السيل يقال: كبه السيل للذقن (٤)، ويدل على ما ذكره قول امرئ القيس يصف سيلًا شديدًا (٥):\nيَكُبُّ على الأذْقَانِ دَوْحَ الكَنَهْبَلِ (٦)\n_________\n(١) هكذا في جميع النسخ، والعبارة قلقة، ولعلها (يصيبوا) من الإصابة، وهي الإنسب للسياق.\n(٢) في (أ)، (د)، (ش): (أن هذا) والمثبت من (ع).\n(٣) في (أ)، (د): (بأنزل)، والمثبت من (ش)، (ع).\n(٤) ورد بنحوه غيرمنسوب في \"تفسير الفخر الرازي\" ٢١/ ٦٩.\n(٥) في (أ)، (د): (سبيلًا شديد)، والصحيح المثبت من (ش)، (ع) لغويًّا ونحويًّا.\n(٦) وصدره:\nوأضْحى يَسُحُّ الماءَ عن كلِّ فيقةٍ\n\"ديوانه\" ص ١٢١، وورد في: \"أساس البلا غة\" ص ٢٩٩ مادة: (ذقن)، و\"اللسان\" (كهبل) ٧/ ٣٩٤٥، (ذقن) ٣/ ١٥٠٦ (فيقة): الفيقة: الفترة ما بين الحلبتين، (كنهبل): أصله كَهْبَل والنون فيه زائدة، وهو شجر عظام من العِضاه، وقيل: صنف من الطَّلح قصار الشوك، والمعنى: كأنه يقول: إن المطر يسح ويسكن أخرى، يكب على الأذقان دوح الكنهبل، يقتلع شجر الكنهبل من أصوله ويلقيه على أم رأسه لشدة سحه وهيجه.","vol":"13","page":508},{"text":"فلما استعمل ذلك في الشجر إذا سقط واستعير له الذقن، كان ذكره في الإنسان الذي له الذقن أولى.\nوقوله تعالى: ﴿سُجَّدًا﴾ حال (١) مقدرة، المعنى: يَخِرّون مقدرين للسجود؛ لأن الإنسان في حال خُرُورِه لا يكون ساجدًا، قاله أبو إسحاق في قوله: ﴿خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ (٢) [مريم: ٥٨]، ومثله: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥]، وقد مرّ.\nقال أبو إسحاق: و(إن) و(اللام) في: ﴿إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا﴾ دخلتا للتوكيد (٣)، ومضى الكلام في مثل هذا في مواضع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2234>١٠٩ </span>- قوله تعالى: ﴿يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ﴾ أعاد هذا لأن الأول للسجود، والثاني لغير السجود، ولكن للذّلة والخشوع عند استماع القرآن، يدل عليه قوله: ﴿وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾، ويجوز أن يكون تكرير القول دلالة تكرر الفعل منهم.\nوقوله تعالى: ﴿يَبْكُونَ﴾ معناه الحال، ﴿وَيَزِيدُهُمْ﴾، أي: القرآن، ﴿خُشُوعًا﴾: تواضعًا، وذكرنا معنى الخشوع في أوائل سورة البقرة (٤).\n_________\n(١) في (أ)، (د)، (ش): (قال)، والمثبت من (ع).\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٣٣٥، بنصه.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٦٤، بنصه.\n(٤) آية [٤٥].","vol":"13","page":509},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2235>١١٠ </span>- قوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ﴾ الآية. قال ابن عباس: إن رسول الله -ﷺ- قال وهو ساجد ذات ليلة: يا رحمن، فسمعه أبوجهل -وهم لا يعرفون الرحمن-، فقال: إن محمدًا ينهانا أن نعبد إلهين وهو يدعو إلهًا آخر مع الله يقال له: الرحمن، فأنزل الله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ﴾ (١)،أي: قل يا محمد: ادعوا الله يا معشر المشركين (٢)، ﴿أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ أي إن شئتم قولوا: يا الله، وإن شئتم قولوا: يا رحمن.\n﴿أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ قال أبو إسحاق: أعلمهم الله أن دعاءهم الله ودعاءهم الرحمن يرجعان إلى واحدٍ، فقال: ﴿أَيًّا مَا تَدْعُوا﴾ المعنى أي أسماء الله تدعوا ﴿فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ (٣).\nوقال المبرد: يقول إذا دعوتم الله الرحمن فإنما تدعون واحدًا، يعني أن تَخْيِيره (٤) بين أن يُدْعى الله وبين أن يدعى الرحمن إنّما هو لأنهما واحد، يَدلّ على هذا: ﴿أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ (٥) قال النحويون: (أي) في الكلام تقع في ثلاثة مواضع؛ أحدها: الاستفهام، والآخر: الجزاء، والثالث: الخبر (٦)، فإذا كان استفهامًا أو جزاءً لم تَحْتَج إلى صلة، وعمل\n_________\n(١) أخرجه \"الطبري\" ١٥/ ١٨٢، بنحوه من طريق أبي الجوزاء (ضعيفة)، وورد بنحوه في \"تفسير الثعلبي\" ٧/ ١٢٣ ب، و\"الماوردي\" ٣/ ٢٨١، و\"الطوسي\" ٦/ ٥٣٣، وأورده المؤلف في \"أسباب النزول\" ص ٣٠٢، بنحوه بلا سند، وأورده السيوطي في \"الدر\" و\"اللباب\" ٥/ ٣٤٨، ص ١٤٢ وعزاه إلى ابن مردويه.\n(٢) في جميع النسخ: (يا معشر المؤمنين)، والصواب ما أثبته، كما في \"الطبري\" ١٥/ ١٨٢، و\"ابن كثير\" ٣/ ٧٧، وسياق الكلام يدل عليه.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٦٤، بنصه\n(٤) في (أ)، (د)، (ش): (يختبره)، والمثبت من (ع).\n(٥) لم أقف عليه.\n(٦) ذكر في \"الأزهية\" أنها تأتي على سنة أوجه: تكون جزاءً، واستفهامًا، وخبرًا، وتعجبًا، ونداءً، ونعتًا فيه معنى المدح، انظر:\"حروف المعاني\" للزجاجي ص ٦٢، و\"الأزهية\" ص ١٠٦، و\"مغني اللبيب\" ص ١٠٧.","vol":"13","page":510},{"text":"فيها ما بعدها، ولم يجز أن يحمل فيها ما قبلها إلا ما يَجُرّ، وسنذكر ذلك عند قوله: ﴿لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ﴾ [الكهف: ١٢] إن شاء الله، وإذا كانت خبرًا احتاجت إلى صلة نحو صلة الذي، ويعمل فيها ما قبلها وما بعدها سوى صلتها؛ كقولك: لأضربن أيهم في الدار.\nقال الفراء: العرب تقول: أيّ وأيّان وأيّون، إذا أفردوا (أيًّا) أنَّثُوها وجمعوها، وأنَّثُوها فقالوا: أيّة وأيّتان وأيّات، وإذا أضافوها إلى ظاهر أفردوها، وذكّروا فقالوا: أيّ الرجلين؟ وأيّ المرأتين؟ وأيّ الرجال؟ وأيّ النساء؟ وإذا أضافوا إلى مُكَنّى المؤنث أنثوا وإلى مُكَنّى المذكر ذَكّروا، فقالوا: أيّهما وأيّتهما للمرأتين، قال الله -﷿-: ﴿أَيًّا مَا تَدْعُوا﴾، وقال زهير في لُغة من أَنّث:\nوزوَّدُوكَ (١) اشتياقًا أَيَّةً سَلَكُوا (٢)\nيُرادُ أَيّةُ وجْهة، فانَّثها حين لم يُضِفْها؛ ولو قال: أيًّا سلكوا، بمعنى: أيّ وجهة، كان جائزًا، ويقول لك قائل: رأيتُ رجلا، فتجيبه: أيًّا؟ ويقول: رجلين، فتقول: أَيَّيْن؟ وفي الرجال: أَيّون؟ وفي المرأة: أيّة؟ وفي النساء: أيّات؟ (٣) و(ما) في قوله: ﴿أَيًّا مَا﴾ صلة، كقوله: ﴿جُندٌ مَّا\n_________\n(١) في (أ)، (د)، (ش): (زودك)، والمثبت من (ع) وهو موافق للديوان.\n(٢) وصدره:\nبانَ الخليطُ ولم يأْوُوا لمَن ترَكوا\n\"شرح ديوان زهير\" ص ١٦٤، وورد في \"الخزانة\" ٥/ ٤٥٣، (الخليط): المجاور لك في الدار، (ولم يأوُوا):لم يرحموا، (وأيَّةً سلكوا):أيّ جهةٍ سلكوا فأنت مشتاق.\n(٣) ورد في \"تهذيب اللغة\" (أي) ١/ ٢٤١ نقل طويل مع تصرف يسير.","vol":"13","page":511},{"text":"هُنَالِكَ﴾ [ص: ١١]، و﴿عَمَّا قَلِيلٍ﴾ [المؤمنون: ٤٠]، و﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ﴾ [نوح: ٢٥]، و﴿تَدْعُونَ﴾ في موضع جزم بأي؛ لأنه من حروف الشرط والجزاء، يقول: أيّهم يعط أعط، وعلامة الجزم في تدعوا سقوط النون التي تثبت للرفع في يفعلون، وجواب الشرط (الفاء) في قوله: ﴿فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ روى سعيد بن جبير عن ابن عباس في هذه الآية قال: (كان رسول الله -ﷺ- يرفع صوته بالقرآن فإذا سمعه المشركون سَبُّوه وسَبُّوا من جاء به، فأوحى الله إليه: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ﴾ فيسمعه المشركون فيسبوه، ﴿وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ فلا يسمع أصحابك، ﴿وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾، أي: أسمعهم القرآن أحيانًا يأخذوا عنك) (١)، وهذا قول قتادة والسدي (٢)، واختيار أبي إسحاق، قال: المخافتة: الإخفاء، والجهر: رفع الصوت.\nوكان النبيّ -ﷺ- إذا جهر بالقرآن سبّ المشركون القرآن، فأمر الله أن لا يعرّض القرآن لسبهم، وأن لا يخافت مخافتةً لا يسمعها من يصلي خلفه من أصحابه فقال: ﴿وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾، أي اسلك طريقًا بين الجهر\n_________\n(١) أخرجه بنحوه من طريق سعيد: أحمد ١/ ٢٣، والبخاري (٤٧٢٢) كتاب التفسير، باب ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾، ومسلم (٤٤٦) في الصلاة، باب التوسط في القراءة في الصلاة الجهرية، و\"الطبري\" ١٥/ ١٨٤ من طرق، والطبراني في \"الكبير\" ١٢/ ٥٥، وورد بنحوه في \"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ٢٠٧، و\"تفسير الثعلبي\" ٧/ ١٢٣ ب، و\"الماوردي\" ٣/ ٢٨١، وأخرجه المؤلف في \"أسباب النزول\" ص ٣٠٣، بنحوه.\n(٢) أخرجه \"عبد الرزاق\" ٢/ ٣٩٢، بنحوه عن قتادة، و\"الطبري\" ١٥/ ١٨٦، بنحوه من طريقين عن قتادة.","vol":"13","page":512},{"text":"والمخافتة (١)، يقال: خَفَتَ صوته يَخْفِت خُفُوتًا وخُفَاتًا، إذا ضَعُفَ وسكن، وصوتٌ خَفِيتٌ، أي: خَفِيضٌ، ومن هذا يقال للرجل إذا مات قد خَفَتَ، أي انقطع كلامه، وخفت الزرع إذا ذَبُلَ ولَانَ، وزرع خَافِت، والرجل يخافت بقراءته: إذا لم يبين قراءته برفع الصوت، وقد تخافت القومُ إذا تشاوَرُوا بينهم (٢)، وقال الجعدي:\nولَسْتُ وإنْ عَزُّوا عليّ بِهَالِكٍ ... خُفاتًا ولا مُسْتَهْزِمٍ ذاهبِ العَقْلِ (٣)\nيقول: لست أهلك خفاتًا أي ضعفًا لمصاب من أُصبت به منهم، وإن كانوا أعزة، ولكني أتصبَّر وأتجلَّد، هذا الذي ذكرنا في الجهر والمخافتة بالصلاة مذهب أكثر المفسرين (٤)، ومعنى الصلاة في هذا القول: القراءة، وذلك أن الصلاة لا تصح إلا بقراءة، فسميت القراءة صلاة، كما سميت الصلاة قراءة في قوله: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ [آية: ٧٨]، وقد مرّ. وفي الآية قول ثان؛ وهو أن المراد بالصلاة الدعاء، وهذا قول أبي هريرة وعائشة ومجاهد (٥).\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٦٥، بنصه تقريبًا.\n(٢) ورد في \"تهذيب اللغة\" (خفت) ١/ ١٠٦٤، بنحوه، انظر: (خفت) في \"المحيط في اللغة\" ٤/ ٣١٣، و\"الصحاح\" ١/ ٢٤٨، و\"اللسان\" ٢/ ١٢٠٨.\n(٣) \"شعر النابغة الجعدي\" ص ٢٢٥، وورد في \"تهذيب اللغة\" (خفت) ١/ ١٠٦٤، و\"اللسان\" (خفت) ٢/ ١٢٠٨، (خفاتًا): ضعفًا وتذَلُّلًا، (مستهزم): جزوع.\n(٤) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١/ ٢٢١ أ، و\"الطبري\" ١٥/ ١٨٤، و\"السمرقندي\" ٢/ ٢٨٧، و\"الثعلبي\" ٧/ ١٢٣ ب، و\"الماوردي\" ٣/ ٢٨١، و\"الطوسي\" ٦/ ٥٣٤، وقد رجحه الطبري لصحة الإسناد الذي روي به عن صحابي وهو ابن عباس من طريق سعيد، ولآنه أشبه الأقوال بما دلّ عليه ظاهر التنزيل.\n(٥) \"تفسير مجاهد\" ١/ ٣٧٢ بلفظه، أخرجه ابن أبي شيبة ٢/ ٢٠٠ بلفظه، و\"الطبري\" ١٥/ ١٨٤ بلفظه من طرق عن مجاهد، وورد بلفظه في تفسير الثعلبي ٧/ ١٢٤ أ، و\"الطوسي\" ٦/ ٥٣٤.","vol":"13","page":513},{"text":"قال أبو هريرة في الآية: يعني بذلك الدعاء والمسألة (١).\nوقالت عائشة: هي في الدعاء (٢)، وروي هذا مرفوعًا: أن النبيّ -ﷺ- قال في هذه الآية: \"إنما ذلك في الدعاء لا ترفع صوتك، فتكثر ذنوبك، فيُسمع منك، فتُعيَّر به\" (٣)، وهذا قول إبراهيم وابن عباس في رواية عطاء (٤)، كل هؤلاء قالوا: في الدعاء، وعلى هذا: الصلاة الدعاء، والجهر به منهي عنه، وكذلك الإسرار الذي هو إخفاء، والمستحب منه ما بين ذلك، وحدّه أن يُسْمِع نفسه (٥)؛ كما روي عن ابن مسعود أنه قال: لم\n_________\n(١) انظر: \"تفسير الفخر الرازي\" ٢١/ ٧١، و\"ابن الجوزي\" ٥/ ١٠١.\n(٢) أخرجه ابن أبي شيبة ٢/ ٢٠٠ بلفظه، و\"الطبري\" ١٥/ ١٨٣ بلفظه من طرق، وورد بلفظه في \"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ٢٠٧، و\"تفسير الماوردي\" ٣/ ٢٨١، و\"الطوسي\" ٦/ ٥٣٤، وأخرجه المؤلف في \"أسباب النزول\" ص ٣٠٤ بلفظه، وأورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ٣٧٥ وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه.\n(٣) لم أقف عليه مسندًا، وورد في \"تفسير الثعلبي\" ٧/ ١٢٤، بنحوه، و\"الفخر الرازي\" ٢١/ ٧١ بنصه.\n(٤) أخرجه ابن أبي شيبة ٢/ ٢٠٠ بلفظه عن ابن عباس من طريق عكرمة (حسنة)، وعن عطاء ٦/ ٩٧، و\"الطبري\" ١/ ١٨٤٥ بلفظه عن ابن عباس من طريق العوفي (ضعيفة)، وعن عطاء، وورد في \"تفسير الطوسي\" ٦/ ٥٣٤ بلفظه عن ابن عباس وعطاء، انظر: \"تفسير البغوي\" ٥/ ١٣٧، و\"الخازن\" ٣/ ١٨٤ فيهما عن إبراهيم.\n(٥) يؤيّده ما رواه الشيخان عن أبي موسى -﵁- قال: كنا مع النبي -ﷺ- في سفر فجعل الناس يجهرون بالتكبير، فقال النبي -ﷺ-: \"أيها الناس اربعوا [أي: ارفقوا] على أنفسكم، إنكم ليس تدعون أصمّ ولا غائبًا، إنكم تدعون سميعًا قريبًا وهو معكم\" أخرجه البخاري (٢٩٩٢) كتاب الجهاد، باب: ما يكره من رفع الصوت في\nالتكبير، ومسلم (٢٧٠٤) كتاب الذكر والدعاء، باب: استحباب خفض الصوت بالذكر واللفظ له.","vol":"13","page":514},{"text":"يخافت من أسمع أذنيه (١)، وفي الآية قول ثالث؛ وهو ما روى منصور عن الحسن ومعمر (٢) عنه قال: لا تُراء بعلانيتها ولا تسئْ سريرتها (٣)، وهذا قول ابن عباس في رواية الوالبي، قال: يقول لا تصل مراءاة للناس، ولا تدعها مخافة للناس (٤)؛ وعلى هذا القول: الجهر بالصلاة هو إعلانها مراءاة، والمخافتة بها تركها مخافة أو إساءتها سرًّا؛ على ما قال الحسن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2236>١١١ </span>- قوله تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾ الآية. قال رسول الله -ﷺ- في هذه الآية: \"إنها آية العزة\"، وكان يعلمها الصغير من أهله والكبير (٥).\nوقال قتادة: كذّب الله بهذه الآية اليهودَ والنصارى وأهلَ الفِرَاء\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي شيبة ٢/ ٢٠٠ بنصه، و\"الطبري\" ١٥/ ١٨٨ بنصه، وأورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ٣٧٦.\n(٢) في جميع النسخ (مغيرة)، والصواب ما أثبته من تفسير عبد الرزاق والطبري.\n(٣) أخرجه \"عبد الرزاق\" ٢/ ٣٩٣، بنحوه من طريق معمر، و\"الطبري\" ١٥/ ١٨٧ بنصه من طريق منصور ومعمر وعوف، وورد بلفظه في \"تفسير الثعلبي\" ٧/ ١٢٤ أ، و\"الماوردي\" ٣/ ٢٨١، و\"الطوسي\" ٦/ ٥٣٤.\n(٤) أخرجه \"الطبري\" ١٥/ ١٨٧ بنصه من طريق ابن أبي طلحة (صحيحة)، والطبراني في \"الكبير\" ١٢/ ٢٥٦، بنصه، وورد في \"تفسير الثعلبي\" ٧/ ١٢٤ أ، بنصه، أورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ٣٧٥ وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم.\n(٥) لم أقف عليه مسندًا، وأخرج \"الطبري\" ١٥/ ١٨٩، عن قتادة قال: ذُكر لنا أن نبي الله -ﷺ- كان يعلِّم أهله هذه الآية، الصغير من أهله والكبير، وفي \"تفسير الثعلبي\" ٧/ ١٢٤ أقال معاذ -﵁-: قال النبي -ﷺ-: آية العز: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾. انظر: \"تفسير القرطبي\" ١٠/ ٣٤٥، و\"ابن كثير\" ٣/ ٧٨.","vol":"13","page":515},{"text":"عليه (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ﴾ قال ابن عباس: لم يكن له ولي ينصره ممن استذله (٢).\nوقال مجاهد: لم يحالف أحدًا ولم يبتغ نصر أحد (٣)، فليس له حليف من خلقه ولا ناصر، يعني: أنه لا يحتاج إلى ولاء النصرة والمحالفة، وإنما يحتاج إلى ذلك من يُستذلُ وُيقْهر، وهو العزيز القهار، وهو معنى قول أبي إسحاق: لم يحتج أن ينتصر بغيره، ﴿وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾، أي: عَظِّمه تعظيمًا عظمةً تامةً (٤).\n_________\n(١) في (أ)، (د)، (ش): (عنه)، والمثبت من (ع) و\"الوسيط\"، وقد ورد قولُ قتادة في \"تفسير الوسيط\" ٢/ ٥٦٤، بنصه، انظر: \"تفسير القرطبي\" ١٠/ ٣٤٥ بلا نسبة.\n(٢) ورد بمعناه في \"تفسير الزمخشري\" ٢/ ٣٧٩ بلا نسبة، و\"القرطبي\" ١٠/ ٣٤٥، عن الحسن بن الفضل، و\"الخازن\" ٣/ ١٨٥ بلا نسبة.\n(٣) \"تفسير مجاهد\" ١/ ٣٠٤ بنصه، وأخرجه \"الطبري\" ١٥/ ١٨٩ بنصه من طريقين، وأورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ٣٧٦ وزاد نسبته إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم، وفيه: لم يخف أحدًا.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٦٥، بنصه.","vol":"13","page":516},{"text":"التَّفْسِيرُ البَسِيْط\nلأبي الحسن على بن أحمد بن محمد الواحدي\n(ت ٤٦٨ هـ)\nمن أول سورة الكهف إلى آية (٣١)\nتحقيق\nد. عبد العزيز بن محمد اليحيى","vol":"13","page":517},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2237>سورة الكهف</span>\nبسم الله الرحمن الرحيم\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2238>١ </span>- ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١) قَيِّمًا﴾.\nذكرنا معنى العَوج والفرق بينه وبين العِوج في قوله: ﴿تَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ [آل عمران: ٩٩] (١). روى الوالبي عن ابن عباس في قوله: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾ قال: (ملتبسًا) (٢). ومعناه: التباس، أي: لم يجعل ملتبسًا لا يُفهم، ومعوجًا لا يستقيم.\nوقال أبو إسحاق: (لم يجعل فيه اختلافًا) (٣). كما قال: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢]. يدل على هذا قوله: ﴿قَيِّمًا﴾ قال ابن عباس: (يريد مستقيمًا عدلًا) (٤). وذكرنا الكلام في القيِّم\n_________\n(١) العَوج بالفتح: ما كان منصوبًا كالحائط والعود. والعِوج بالكسر: ما كان في بساط أو أمر نحو: دين، ومعاش. انظر: \"تهذيب اللغة\" (عاج) ٣/ ٢٢٦٤، و\"معجم مقاييس اللغة\" (عوج) ٤/ ١٨٠، و\"لسان العرب\" (عوج) ٥/ ٣١٥٤، و\"القاموس المحيط\" (عوج) ص ٢٠٠، و\"المفردات في غريب القرآن\" (عوج) ٣٥١.\n(٢) \"جامع البيان\" ١٦٩/ ١٢٧، و\"الكشف والبيان\" ٣/ ٣٨٥/ أ، و\"الدر المنثور\" ٤/ ٣٨١ وعزاه لابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه من طريق علي عن ابن عباس.\n(٣) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٢٦٧.\n(٤) \"جامع البيان\" ١٥/ ١٩٠، و\"الكشف والبيان\" ٣/ ٣٨٥ أ، و\"معالم التنزيل\" ٥/ ١٤٣، و\"المحرر الوجيز\" ٩/ ٢٨٨،و\"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ٨٠، و\"الدر المنثور\" ٤/ ٣٨١.","vol":"13","page":519},{"text":"عند قوله: ﴿دِينًا قِيَمًا﴾ [الأنعام: ١٦١]، وجميع أهل اللغة والتفسير قالوا: (هذا من التقديم والتأخير، وتقديره: أنزل على عبده الكتاب قيمًا ولم يجعل له عوجًا) (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2239>٢ </span>- وقوله تعالى: ﴿لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا﴾ قال ابن عباس: (يريد: لينذر عذابًا شديدًا) (٢) [قال الفراء: (مع البأس أسماء مضمرة يقع عليها الفعل قبل أن يقع على البأس) (٣).\nيعني أن] (٤) المفعول الأول للإنذار محذوف على تقدير: لينذر الكافرين بأسًا، كما قال في ضده: ﴿وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، فأظهر (٥). وفسر الزجاج فقال: (أي لينذرهم بالعذاب البئيس) (٦).\nوقوله تعالى: ﴿مِنْ لَدُنْهُ﴾ قال ابن عباس: (يريد من عنده) (٧).\nوقال الزجاج:- (من قِبَلِهِ) (٨). قال: (وفي لدن لغات يقال: لدُ،\n_________\n(١) \"جامع البيان\" ١٥/ ١٩١، و\"معالم التنزيل\" ٥/ ١٤٣، و\"المحرر الوجيز\" ٩/ ٢٢٨، و\"معاني القرآن\" للأخفش ٢/ ٦١٦.\n(٢) ذكرته كتب التفسير بدون نسبة. انظر: \"جامع البيان\" ١٥/ ١٩٢، و\"تفسير كتاب الله العزيز\" ٣/ ٨٠، و\"المحرر الوجيز\" ٩/ ٢٢٨، و\"زاد المسير\" ٥/ ١٠٣، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٠/ ٣٥٢.\n(٣) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٣٣.\n(٤) ما بين المعقوفين ساقط من نسخة (س).\n(٥) انظر: \"لكشاف\" ٢/ ٣٧٩، و\"الدر المصون\" ٧/ ٤٣٧، و\"البحر المحيط\" ٦/ ٩٦.\n(٦) \"معاني القرآن\" للزجاج ص ٣/ ٢٦٧.\n(٧) ذكرته كتب التفسير بدون نسبة \"معالم التنزيل\" ٥/ ١٤٣، و\"المحرر الوجيز\" ٩/ ٢٢٨، و\"زاد المسير\" ٥/ ١٠٣.\n(٨) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٢٦٧.","vol":"13","page":520},{"text":"ولَدُنْ، ولَدَى، والمعنى (١) واحد. قال: وهي لا تتمكَّن تمكُّن عند؛ لأنك تقول: هذا القول عندي صواب، ولا تقول: هو لدني صواب (٢)، وتقول (٣): عندي مال عظيم، والمال غائب عنك، ولدن لما يليك لا غير) (٤).\nوقرأ عاصم في رواية أبي بكر: (من لَدُنِهِ)، بشم الدال الضمة وبكسر النون والهاء (٥). وهي لغة الكلابيين (٦).\nروى أبو زيد عنهم أجمعين: (هذا من لدُنِه، فتحوا اللام وضموا الدال وكسروا النون) (٧).\nقال أبو علي الفارسي: (في لدُنْ لغات: لدن مثل سبعٍ، وتخفف\n_________\n(١) قوله: (المعنى) ساقط من نسخة: (س).\n(٢) قوله: (ولا تقول: هو لدني صواب)، مكرر في نسخة (س).\n(٣) (ويقول) في نسخة (س).\n(٤) ذكره الزجاج مختصرًا في \"معاني القرآن\" ٣/ ٣٠٣، وأورده الأزهري في \"تهذيب اللغة\" (لدن) ٤/ ٣٢٥٦، والفارسي في \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ١٢٥.\n(٥) انظر: \"السبعة\" ٣٨٨، \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ١٢٤، و\"المبسوط\" ٢٣٣، و\"التبصرة\" ٢٤٧، و\"الكشف عن وجوه القراءات\" ٢/ ٥٤، و\"العنوان في القراءات\" ١٢٢.\n(٦) الكلابيون: بطن عظيم من عامر بن صعصعة من العدنانية، وهو بنو كلاب بن ربيعة ابن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن بن قيس بن عيلان، كانت ديارهم حمى ضرية، وهو حمى كليب، وحمى الربذة في جهات المدينة المنورة، وفدك والعوالي، ثم انتقلوا إلى الشام. انظر: \"نهاية الأرب\" ص ٣٦٥، و\"معجم قبائل العرب\" ٣/ ٩٨٩، و\"التعريف في الأنساب\" ص ٧٧.\n(٧) \"تهذيب اللغة\" (لدن) ٤/ ٣٢٥٦، \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ١٢٥.","vol":"13","page":521},{"text":"الدال، فإذا خففت على ضربين أحدهما: أن تحذف (١) الضمَّة من الدال فيقال: لدن. والآخر: أن تحذف الضمة من الدال وتنقل إلى اللام، فيقال: لدن، مثل: عضد، وفي كلا الوجهين يجتمع في الكلمة ساكنان: الدال المنقول عنها الحركة، والمحذوفة منها مع النون. فأما قراءة عاصم: (من لَدْنِهِ) (٢) فالكسرة في النون ليست بجر، إنما هي كسرة للتقاء الساكنين، وذلك أن الدال أسكنت كما أسكنت في سبُعٍ، والنون ساكنة، فلما التقى ساكنان كسر الثاني منهما وأشمت (٣) الدال الضمة، لتدل على أنها كانت متحركة بها، كما قالوا: أنت تَغْزُين. وقولهم: قُيل، أشمت الكسرةُ فيهما الضمة، لتدل على أن الأصل فيهما التحريك بالضم، وإن كان إشمام عاصم ليس بحركة خرجت إلى اللفظ، وإنما هو تهيئة العضو لإخراج الضمة، ولو كانت حركة لم يلتق ساكنان ولم تكسر النون لاجتماعهما) (٤). وليس يحتمل هذا الموضع من الكلام في لدن أكثر مما ذكرنا، وما بقي نذكره عند قوله: ﴿قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا﴾ [الكهف: ٧٦]، إن شاء الله.\n_________\n(١) في نسخة (س): (أن تخفف)، وهو تصحيف.\n(٢) من طريق شعبة عن عاصم.\nانظر: \"السبعة\" (٣٨٨)، و\"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ١٢٤، و\"التبصرة\" (٢٤٧)، و\"الكشف عن وجوه القراءات\" ٢/ ٥٤.\n(٣) الإشمام: إطباقك الشفين بعد الإسكان وتدع بينهما انفراجًا ليخرج النفس بغير صوت، وذلك إشارة للحركة التي ختصت بها الكلمة، ويكون في المرفوع والمضموم، ولا يعرف ذلك الأعمى؛ لأنه لرؤية العين. انظر: \"التحديد في الإتقان والتجويد\" ص ٩٨، و\"البرهان في تجويد القرآن\" ص ٦٦.\n(٤) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ١٢٤، و\"البحر المحيط\" ٦/ ٩٦، و\"الدر المصون\" ٧/ ٤٣٨.","vol":"13","page":522},{"text":"والجار في قوله: \"من لدنه\" يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون صفة النكرة التي هي قوله: \"بأسًا\"، وفيها ذكر الموصوف. والآخر: يكون متعلقًا بشديد (١).\nوقوله تعالى: ﴿أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا﴾ قال الزجاج: (المعنى بأن لهم أجرًا حسنًا) (٢).\n\nقال ابن عباس: (يريد ثوابًا عظيمًا) <span data-type=\"title\" id=toc-2240>(٣)</span>.\nوقال السدي: (هو الجنة) <span data-type=\"title\" id=toc-2241>(٤)</span>.\n٣ - قوله تعالى: ﴿مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا﴾ بمعنى: خالدين (٥). وهو حال للمؤمنين من قوله: (أن لهم أجرًا) (٦).\n\n٤ - وقوله تعالى: ﴿وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾ قال ابن عباس: (يريد بعذاب الله ونقمته) (٧).\nقال الكلبي، والسدي: (يعني اليهود والنصارى) (٨).\n_________\n(١) \"الدر المصون\" ٧/ ٤٣٩)، و\"الجدول في إعراب القرآن الكريم\" ١٥/ ١١٢.\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ٢/ ٢٦٨.\n(٣) \"جامع البيان\" ١٥/ ١٩٢، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ٨٠ بمعناه بدون نسبة.\n(٤) \"معالم التنزيل\" ٥/ ١٤٣ بدون نسبة، و\"المحرر الوجيز\" ٢٢٩/ ٩ بدون نسبة، و\"الدر المنثور\" ٤/ ٣٨٢ وعزاه لابن أبي حاتم.\n(٥) \"جامع البيان\" ١٥/ ١٩٢، و\"القرطبي\" ١٠/ ٣٤٨، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ٨٠.\n(٦) \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٢٢٩، و\"البحر المحيط\" ٦/ ٩٦، و\"الدر المصون\" ٧/ ٤٣٩، و\"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٢٦٨.\n(٧) ذكره ابن جرير الطبري في \"تفسيره\" ١٥/ ١٩٣ بدون نسبة، وكذلك ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٥/ ١٠٤.\n(٨) \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٢٠٣: بدون نسبة، و\"زاد المسير\" ٥/ ١٠٤ بدون نسبة، و\"الدر المنثور\" ٧/ ٣٨٢ ونسبه لابن أبي حاتم.","vol":"13","page":523},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2242>٥ </span>- قوله تعالى: ﴿مَا لَهُمْ بِهِ﴾ أي: بذلك القول ﴿مِنْ عِلْمٍ﴾ يعني: قالوه جهلًا، وافتراء على الله تعالى ﴿وَلَا لِآبَائِهِمْ﴾ اختار الفراء ﴿كَلِمَةً﴾ بالنصب.\nقال الفراء: (من نصب أضمر الفاعل؛ كأنه قيل: كبرت تلك الكلمة كلمة، ومن رفع لم يضمر شيئًا، كما تقول: عظم قولك) (١).\nوقال الزجاج: (المعنى: كبرت مقالتهم كلمة، و﴿كلِمَةً﴾ منصوب على التمييز)؛ هذا كلامه (٢).\nومعنى التمييز في هذا: أنك إذا قلت: كبرت المقالة، أو الكلمة، جاز أن يتوهم أنها كبرت كذبًا، أو جهلًا، أو افتراء، فلما قلت: كلمة، ميزتها من محتمل فانتصب، كما تقول في باب التمييز.\nقال أبو عبيد: (والنصب وجه القراءة؛ لأن الكلمة قد ذكرت قبل، وهي قوله: ﴿قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾، فصارت مضمرة في (كبرت) (٣).\nقال الأخفش: (هذه في النصب كقول الشاعر:\nولقد علمت إذا العشار ترَوَّحت .... هدج الرئال تكبهن شمالًا (٤)\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٣٤.\nقراءة النصب هي القراءة الصحيحة الثابتة، وقراءة الرفع قراءة شاذة قرأ بها: الحسن وابن محيصن. انظر: \"معا ني القرآن\" للزجاج ٣/ ٢٦٨، و\"إعراب القرآن\" للنحاس ٢/ ٢٦٥، و\"مشكل إعراب القرآن\" ص ٤٣٧، و\"القراءات الشاذة\" ص ٨١.\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٢٦٨.\n(٣) ذكرته كتب التفسير بلا نسبة. انظر: \"البحر المحيط\" ٦/ ٩٧، و\"الدر المصون\" ٧/ ٤٤٠، و\"التفسير الكبير\" ٢١/ ٧٨، و\"روح المعاني\" ١٨/ ٢٠٤.\n(٤) البيت للأخطل. انظر: \"ديوان\" ص٣٨٧، و\"معاني القرآن\" للأخفش ١/ ٦١٦، و\"شرح القصائد السبع\" لابن الأنباري ص ٥٨١.","vol":"13","page":524},{"text":"أي: تكبُّهنَّ الرياح شمالًا، وهاهنا كأنه قيل: كبرت تلك الكلمة) (١).\n\n﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ [الكهف:<span data-type=\"title\" id=toc-2243> ٦]</span>.\n٦ - قوله تعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ﴾ قال ابن عباس، ومجاهد: (قاتل نفسك) (٢). وهو قول المفسرين، وأهل المعاني (٣). قال الفراء في المصادر: (بَخَعَها، يبخَعُهَا، بخعًا، وبخوعًا) (٤). وقال الليث: (بَخَعَ الرجل نفسه إذا قتلها غيظًا من شدة وجده بالشيء) (٥).\nوأنشد قول ذي الرمة (٦):\nألا أيُّهذا الباخعُ الوجد نفسه ... لشيءٍ نحته عن يديه المقادر\nقال أبو عبيدة: (كان ذو الرمة ينشد الوجد رفعًا) (٧).\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للأخفش ١/ ٦١٦.\n(٢) \"جامع البيان\" ١٥/ ١٩٤، و\"الدر المنثور\" ٤/ ٣٨٢ وعزاه لابن المنذر.\n(٣) \"جامع البيان\" ١٥/ ١٩٤، و\"بحر العلوم\" ٢/ ٢٨٩، و\"الكشاف\" ٢/ ٣٨٠، و\"زاد المسير\" ٥/ ١٠٤، و\"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٢٦٨، و\"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ١/ ٣٩٣.\n(٤) لم أقف عليه. وذكره ابن منظور بلا نسبة في \"لسان العرب\" (بخع) ١/ ٢٢٢.\n(٥) ذكرت نحوه كتب اللغة. انظر: \"تهذيب اللغة\" (بخع) ١/ ٢٨٥، \"ومقاييس اللغة\" (بخع) ١/ ٢٠٦، و\"لسان العرب\" (بخع) ١/ ٢٢٢، و\"القاموس المحيط\" (بخع) ص ٧٠٢.\n(٦) البيت الذي الرمة. انظر: \"ديوانه\" (٢٥١)، و\"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ١/ ٣٩٣، و\"تهذيب اللغة\" (بخع) ١/ ٢٨٦، و\"مقاييس اللغة\" (نجع) ١/ ٢٠٦، و\"الصحاح\" (نجع) ص ١٧، و\"اللسان\" (نجع) ١/ ٢٢٢، و\"الدر المصون\" ٧/ ٤٤٢.\n(٧) \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ١/ ٣٩٣.","vol":"13","page":525},{"text":"وقال الأصمعي: (يقول: إنما هو الوجد بالفتح) (١).\nوأصل معنى البَخْع: الجهد، يقال: بَخَعْت لك نفسي، أي جهدتها، ذكره الفراء، والأخفش (٢). وفي حديث عائشة: (أنها ذكرت عمر فقالت: بَخَعَ الأرض) (٣). أي: جهدها حتى أخرج ما فيها من أموال الملوك.\nوقال الكسائي: (بَخَعْتُ الأرض بالزراعة، إذا أنهكتها وتابعت (٤) حراثتها، ولم تجمَّها عامًا، وبَخَعَ الوجدُ نفسه إذا أنهكها، وأنشد بيت ذي الرمة) (٥). وعلى هذا معنى: ﴿بَاخِعٌ نَفْسَكَ﴾ أي: ناهكها، وجاهدها حتى تهلكها، ولكن أهل التأويل كلهم قالوا: قاتل نفسك ومهلكها؛ والأصل هو ما ذكرنا (٦).\nوقوله تعالى: ﴿عَلَى آثَارِهِمْ﴾ قال الزجاج: (أي من بعدهم) (٧). وهذا كلام العرب يقولون: مات فلان واحدًا على أثر فلان، أي: بعده، وأصل هذا من التأثير، والأثر الذي هو العلامة، وذلك أنهم يقولون: خرجت في أثر فلان، وجئت على أثره، يعنون بعده، كأنهم يريدون أثر سلوكه\n_________\n(١) \"الدر المصون\" ٧/ ٤٤٢.\n(٢» \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٣٤، و\"تهذيب اللغة\" (بخع) ١/ ٢٨٥.\n(٣) انظر: \"النهاية في غريب الحديث\" ١/ ١٠٢،و\"التفسير الكبير\" ٢١/ ٧٩، و\"تهذيب اللغة\" (بخع) ١/ ٢٨٥.\n(٤) في نسخة (ص): (بايعت)، وهو تصحيف.\n(٥) \"تهذيب اللغة\" (بخع) ١/ ٢٨٥، و\"الدر المصون\" ٧/ ٤٤٢.\n(٦) انظر: \"تهذيب اللغة\" (بخع) ١/ ٢٨٥، و\"مقاييس اللغة\"، (بخع) ١/ ٢٠٦، و\"لسان العرب\" (بخع) ١/ ٢٢٢، و\"القاموس المحيط\" (بخع) ص ٧٠٢، و\"الصحاح\" (بخع) ٣/ ١١٨٣، و\"المفردات في غريب القرآن\" (بخع) ص ٣٨.\n(٧) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٢٦٨.","vol":"13","page":526},{"text":"الطريق، ثم كثر هذا حتى استعمل بمعنى بعد حيث لا يتحقق الأثر، كقول: مات فلان على أثر فلان أي: بعده، وأثر كذا بكذا أتبعه إياه (١)، ومنه قول متمم (٢):\nفأثر سيل الواديين بديمةٍ\nأي: أتبعه بمطر.\nومعنى ﴿عَلَى آثَارِهِمْ﴾ هاهنا: من بعدهم، وتحقيقه ما بينَّا، وليس يريد من بعد موتهم، وإنما التأويل: من بعد توليهم وإعراضهم عنك (٣).\nقوله تعالى: ﴿إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ﴾ قال ابن عباس وغيره: (يعني القرآن) (٤).\n﴿أَسَفًا﴾ قال مجاهد: (جزعًا) (٥).\n_________\n(١) انظر: \"تهذيب اللغة\" (أثر) ١/ ١١٩، و\"مقاييس اللغة\" (أثر) ١/ ٥٣، و\"الصحاح\" (أثر) ٢/ ٥٧٤، و\"اللسان\" (أثر) ١/ ٢٥، و\"المفردات\" (أثر) ص ٩.\n(٢) هذا صدر بيت لمتمم يصف الغيث، وعجزه:\nترشِّح وسميًّا من النبت خروعا\nوالمعنى: أتبع مطرًا تقدم بديمة بعده انظر: \"الشعر والشعراء\" ص ٢١٩، و\"الأغاني\" ١٥/ ٢٩٨، و\"المفضليات\" ص ٢٦٨، و\"خزانة الأدب\" ١/ ٢٣٦، و\"تهذيب اللغة\" (أثر) ١/ ١١٩، و\"لسان العرب\" (أثر) ١/ ٢٥.\n(٣) \"جامع البيان\" ١٥/ ١٩٤، و\"معالم التنزيل\" ٥/ ١٤٤، و\"المحرر الوجيز\" ٩/ ٢٣٢ - ٢٣٣، و\"زاد المسير\" ٥/ ١٠٥.\n(٤) \"جامع البيان\" ١٥/ ١٩٤، و\"معالم التنزيل\" ٥/ ١٤٤،و\"الكشاف\" ٢/ ٢٨٠، و\"الدر المنثور\" ٤/ ٣٨٢. ويشهد لهذا قوله سبحانه في سورة الزمر الآية رقم (٢٣): ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾ الآية.\n(٥) \"جامع البيان\" ١٥/ ١٩٥،\"المحرر الوجيز\" ٩/ ٢٣٣ و\"زاد المسير\" ٥/ ١٠٥.","vol":"13","page":527},{"text":"وقال السدي: (حزنًا) (١). وقال سفيان: (غضبًا) (٢).\nوجمع ابن عباس بينهما فقال: (يريد: غضبًا وحزنًا) (٣). وقال الزجاج: (والأسف: المبالغة في الحزن والغصب) (٤). وذكرنا الكلام في هذا عند قوله: (غضبان أسفًا) في سورة الأعراف. وانتصابه يجوز أن يكون على المصدر، ودل ما قبله من الكلام على أنه تأسف، ويجوز أن يكون مفعولًا له أي: للأسف، كقولهم: جئتك ابتغاء الخير (٥).\nوقال الزجاج: (﴿أَسَفًا﴾ منصوب؛ لأنه مصدر في موضع الحال) (٦). وفي هذه الآية إشارة إلى نهي النبي -ﷺ- عن كثرة الحرص على إيمان قومه حتى يؤدي ذلك إلى هلاك نفسه بالأسف، والفاء في قوله: ﴿فَلَعَلَّكَ﴾ جواب الشرط، وهو قوله: ﴿إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا﴾ قدّم عليه، ومعناه التأخير.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2244>٧ </span>- قوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا﴾ قال مجاهد: (ما عليها من شيء من البحار، والجبال، والأشجار، والنبات) (٧). والمعنى:\n_________\n(١) \"جامع البيان\" ١٥/ ١٩٥، و\"المحرر الوجيز\" ٩/ ٢٣٣ عن قتادة، و\"زاد المسير\" ٥/ ١٠٥ عن ابن عباس وابن قتيبة، و\"تفسير القرآن العظيم\" عن قتادة ٣/ ٨١.\n(٢) \"معالم التنزيل\" ٥/ ١٤٤، و\"الدر المنثور\" ٤/ ٣٨٢، وعزاه لابن أبي حاتم، و\"فتح القدير\" ٣/ ٣٨٥ بدون نسبة.\n(٣) ذكرته كتب التفسير بدون نسبة انظر: \"الكشف والبيان\" ٣/ ٣٨٥ ب، و\"المحرر الوجيز\"، ٩/ ٢٣٣، و\"معالم التنزيل\" ٥/ ١٤٤، و\"زاد المسير\" ٥/ ١٠٥، و\"الكشاف\" ٢/ ٤٧٣، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ٨١.\n(٤) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٢٦٩.\n(٥) انظر: \"الكشاف\" ٣/ ٣٨٠، و\"البحر المحيط\" ٦/ ٩٨، و\"الدر المصون\" ٧/ ٤٤٣، و\"إعراب القرآن\" للنحاس ٢/ ٢٦٦، و\"إملاء ما من به الرحمن\" ١/ ٣٩٤.\n(٦) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٢٦٨.\n(٧) \"جامع البيان\" ١٥/ ١٩٥، و\"زاد المسير\" ٥/ ١٠٥ - ١٠٦، و\"الدر المنثور\" =","vol":"13","page":528},{"text":"إنا زينّا الأرض بما خلقنا فيها من الماء، والمعادن، وأنواع المخلوقات، ويدخل في هذا كل ما على الأرض من ذي الروح والجماد.\nوقوله تعالى: ﴿لِنَبْلُوَهُمْ﴾ قال ابن عباس: (يريد الاختبار في خلقه بما يفهمون) (١). ومضى الكلام في مثل هذا في مواضع (٢).\nوقوله تعالى: ﴿أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ قال الحسن: (أيّهم أزهد في الدنيا زهدًا، وأترك لها تركًا) (٣). وهذا قول أبي إسحاق قال: (فالحسن العمل من زهد فيما زيِّن له من الدنيا) (٤).\nوقال مقاتل: (أيهم أصلح فيما أوتي من المال) (٥).\nوذكر قتادة في تفسير هذه الآية قول النبي -ﷺ-: \"إن الدنيا خضرة حلوة،\n_________\n= ٤/ ٣٨٣ وعزاه لابن المنذر، وابن أبي حاتم. وذكره السمرقندي في \"بحر العلوم\" ٢/ ٢٨٩ بلا نسبة.\n(١) ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة. انظر: \"جامع البيان\" ١٥/ ١٩٥، و\"النكت والعيون\" ٣/ ٢٨٥، و\"زاد المسير\" ٥/ ١٠٦، و\"التسهيل لعلوم التنزيل\" ص ٣٧٦، و\"لباب التأويل\" ٤/ ١٩٢.\n(٢) نحو قوله تعالى في سورة هود الآية رقم (٧): ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [لملك:٢]، وقال سبحانه في سورة الملك الآية رقم (٢) ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾.\n(٣) ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة. انظر: \"جامع البيان\" ١٥/ ١٩٥ - ١٩٦، و\"بحر العلوم\" ٢/ ٢٨٩، و\"النكت والعيون\" ٣/ ٢٨٥، و\"معالم التنزيل\" ٥/ ١٤٤، و\"الجامع لأحكام القرآن\"١٠/ ٣٥٥.\n(٤) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٢٦٩.\n(٥) ذكر نحوه البغوي في \"تفسيره\" ٥/ ١٤٤ بدون نسبة. وكذلك ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٥/ ١٠٦.","vol":"13","page":529},{"text":"وإن الله مستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون، فاتقوا فتنة الدنيا\" (١). قال الزجاج: (و﴿أَيُّهُمْ﴾ رفع بالابتداء؛ لأن لفظه لفظ الاستفهام) (٢). والمعنى: ليختبر أهذا أحسن أم هذا، والاستفهام لا يعمل فيه ما قبله إلا ما يخبر، وإنما يعمل فيه ما بعده. ثم أعلم جل وعز أنه [مبيد] (٣) ومُفْن ذلك كله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2245>٨ </span>- بقوله: ﴿وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا﴾ [الكهف: ٨].\nقال أبو عبيد: (الصعيد: المستوي من الأرض) (٤). وقال الزجاج: (الصعيد: الطريق الذي لا نبات فيه) (٥). ومثله قال المفضل. وقد ذكرنا تفسير الصعيد في آية التيمم (٦).\nوأما الجرز فقال الفراء: (الجُرُز: الأرض لا نبات فيها، يقال: جُرِزَت الأرض فهي مجروزة، وجَرَزَها الجرادُ أو النساء أو الإبل أكلت ما عليها) (٧).\nوقال الزجاج: (الجرز: الأرض التي لا تنبت، كأنها تأكل النَّبْت\n_________\n(١) أخرجه مسلم في \"صحيحه\" كتاب: الرقائق باب: أكثر أهل الجنة الفقراء ٤/ ٢٠٩٨، والترمذي في \"جامعه\" كتاب: الفتن باب: ما جاء في ما أخبر النبي -ﷺ- أصحابه ٤/ ٤٨٣، وابن ماجه في \"سننه\" كتاب: الفتن، باب: فتنة النساء ٢/ ١٣٢٥، والإمام أحمد في \"مسنده\" ٣/ ١٩.\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٢٦٩.\n(٣) في الأصل وجميع النسخ التي اطلعت عليها: (مبتدأ)، وما أثبته في الأصل هو الصواب عندي، وهو الذي يدل عليه السياق، وهو المثبت في تفسيره الوسيط.\n(٤) \"غريب الحديث\" لأبي عبيد ١/ ٢٧٥، و\"تهذيب اللغة\" (صعد) ٢/ ٢٠١٤.\n(٥) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٢٦٩.\n(٦) عند قوله سبحانه في سورة النساء الآية رقم (٤٣)، وفي سورة المائدة الآية رقم (٦): ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣].\n(٧) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٣٤.","vol":"13","page":530},{"text":"أكلًا، يقال: أرض جُرُز، وأرَضُون أَجْرازٌ) (١).\nوامرأة جَرُوز إذا كانت أكولا، وسيف جرَّاز إذا كان مستأصلًا (٢)، ونذكر شيئًا من هذا عند قوله: ﴿نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ﴾ [السجدة: ٢٧] إن شاء الله.\nقال مجاهد في هذه الآية: (بلاقع ليس فيه نبات) (٣). وقال عطاء عن ابن عباس في هذه الآية: (يريد يوم القيامة يجعل الله الأرض جرزًا ليس فيها ماء ولا نبات) (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2246>٩ </span>- قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ﴾ الآية. ذكرنا سبب نزول قصة أصحاب الكهف عند قوله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ [الإسراء: ٨٥]. وذكر محمد بن إسحاق سبب نزول هذه القصة مشروحًا، فقال: (كان النضر ابن الحارث من شياطين قريش، كان يؤذي رسول الله ﷺ، وينصب له العداوة، وكان قدم الحيرة (٥) وتعلم بها أحاديث رستم (٦)،\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٢٦٩.\n(٢) انظر: \"تهذيب اللغة\" (جرز) ١/ ٥٨٠، و\"مقاييس اللغة\" (جرز) ١/ ٤٤١، و\"الصحاح\" (جرز) ٣/ ٨٦٦، و\"المفردات في غريب القرآن\" (جرز) (٩١).\n(٣) \"جامع البيان\" ١٥/ ١٩٦، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ٨١، و\"تفسير مجاهد\" ١/ ٣٧٣.\n(٤) ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة. انظر: \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٢٣٦، و\"زاد المسير\" ٥/ ١٠٦ - ١٠٧، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ٨١، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٠/ ٣٥٦.\n(٥) الحِيرة -بكسر الحاء وسكون الياء-: مدينة مشهورة على ثلاثة أميال من الكوفة، تقع على نهر يربطها بالفرات، وكانت مسكنًا لملوك العرب في المجاهلية التابعين لمملكة الفرس، وهى قريبة من النجف. انظر: \"معجم البلدان\" ٢/ ٣٢٨، و\"معجم المعالم الجغرافية\" ص ١٠٧.\n(٦) رستم الشديد بن دستار بن بريمان، من ملوك الفرس. انظر: \"تاريخ الطبري\" =","vol":"13","page":531},{"text":"واسفنديار (١)، وكان رسول الله -ﷺ- إذا جلس مجلسًا ذكر فيه الله تعالى، وحذر قومه ما أصاب من كان قبلهم من الأمم، خلفه في مجلسه إذا قام، ثم قال: وإنا والله يا معشر قريش أحسن حديثًا منه فهلمّوا أحدثكم بأحسن من حديثه، ثم يحدثهم عن ملوك فارس، فبعثته قريش، وبعثوا معه عقبة بن أبي معيط (٢) إلى أحبار يهود [بالمدينة، وقالوا لهما: سلوا عن محمد، وعن صفته، وأخبروهم بقوله، فإنهم أهل الكتاب الأول، وعندهم من العلم مما ليس عندنا من علم الأنبياء، فخرجا حتى قدما المدينة فسألوا أحبار يهود] (٣) عن رسول الله -ﷺ- ووصفوا لهم صفته، وأخبروهم بأمره وببعض قوله، فقالت لهم أحبار يهود: سلوه عن ثلاث: عن فتية ذهبوا في الدهر الأول، ما كان من أمرهم؟ فإنه كان لهم حديث عجيب، وعن رجل طوّاف قد بلغ مشارق الأرض ومغاربها ما كان نبأه؟ وسلوه عن الروح ما هو؟ فإن أخبركم فهو نبي فاتبعوه، وإن لم يخبركم فهو متقوّل. فأقبل النضر بن الحارث وصاحبه حتى قدما مكة وقالا: قد جئناكم بفصل ما بيننا وبين محمد، وأخبراهم بما قالت اليهود. فجاؤوا رسول الله -ﷺ- وسألوه عن هذه الأشياء، فقال رسول الله -ﷺ-: \"أخبركم بما سألتم عنه غدًا\". ولم يستثن،\n_________\n= ١/ ٥٠٤، و\"الروض الأنف\" ٢/ ٥٢، و\"الكامل في التاريخ\" ١/ ١٣٧.\n(١) اسفنديار بن بشتاسب، من ملوك الفرس. انظر: \"تاريخ الطبري\" ١/ ٥٦٢، و\"الروض الأنف\" ٢/ ٥٢، و\"الكامل في التاريخ\" ١/ ١٥٤.\n(٢) عقبة بن أبان بن ذكوان بن أمية بن عبد شمس بن أبي معيط، من مقدمي قريش في الجاهلية، كنيته أبو الوليد، وكنية أبيه أبو معيط، كان شديد الأذى للمسلمين عند ظهور الدعوة، أسر يوم بدر وقتل وصلب. انظر: \"الروض الأنف\" ٢/ ٧٦، و\"ابن الأثير\" ٢/ ٢٧، و\"الأعلام\" ٤/ ٢٤٠.\n(٣) ما بين المعقوفين ساقط من نسخة (س).","vol":"13","page":532},{"text":"فانصرفوا عنه، فمكث رسول الله -ﷺ- فيما يذكرون خمس عشرة ليلة لا يحدث الله إليه في ذلك وحيا، ولا يأتيه خبر، حتى أرجف أهل مكة به، وقالوا: وعدنا محمد غدًا واليوم خمس عشرة ليلة، وشقّ عليه ذلك، ثم جاءه جبريل من الله -﷿- بسورة أصحاب الكهف فيها معاتبة الله إياه على حزنه عليهم، وخبر ما سألوا عنه من أمر الفتية، والرجل الطوّاف) (١).\nوافتتح السورة ﵎ بحمده وذكر نبوة رسوله لما أنكروه عليه من ذلك وهو قول: ﴿أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾ [الكهف: ١]، فذكر أنه أنزل عليه القرآن للإنذار والتبشير إلى قوله: ﴿وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾، يعني قريشًا في قولهم: الملائكة بنات الله (٢).\nثم عاتبه على حزنه عليهم حين فاته ما كان يرجو منهم من الإسلام بقوله: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ﴾ الآية. ثم قال: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ أيهم أتبعُ لأمري وأعمل بطاعتي، ﴿وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا﴾، يعني أنَّ ما على الأرض فانٍ زائل، وأن المرجع إلى فأجزي كلا بعمله، فلا يحزنك ما ترى وتسمع.\nثم أخبر عن ما سألوه عنه من شأن الفتية فقال: ﴿أَمْ حَسِبْتَ﴾ فقال أبو إسحاق: (معناه: بل حسبت) (٣). والكلام في ﴿أَمْ﴾ في مثل هذا\n_________\n(١) \"جامع البيان\" ١٥/ ١٩٧، و\"بحر العلوم\" ٢/ ٢٩٠، و\"المحرر الوجيز\" ٩/ ٢٢٩ - ٢٣٠، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ٨٣، و\"الدر المنثور\" ٤/ ٣٨٠، و\"أسباب النزول\" للواحدي ص ٣٠٦، و\"لباب النقول في أسباب النزول\" ص ١٤٣، و\"جامع النقول في أسباب النزول\" ص ٢٠٨، و\"الفتح السماوي\" ٢/ ٤٩٤.\n(٢) نحو قوله تعالى في سورة النحل الآية رقم (٥٧): ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ﴾، وقوله سبحانه في سورة الصافات الآية رقم (١٤٩): ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ﴾.\n(٣) \"معاني القرآن\" ١/ ٢٨٥.","vol":"13","page":533},{"text":"الموضع قد ذكرناه في قوله: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٢١٤] وفي غيره من مواضع (١).\nوقوله: ﴿أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ﴾ يعني أولئك الفتية الذين سئل عن قصتهم (٢).\nو﴿الْكَهْفِ﴾ قال الليث: (كالمغارة في الجبل) (٣). روى عكرمة عن ابن عباس أنه قال: (كل القرآن أعلمه إلا أربعة: غسلين (٤)، وحنان (٥)، والأواه (٦)، والرقيم) (٧).\nوروى عكرمة أيضًا عن ابن عباس أنه سئل عن الرقيم فقال: (زعم كعب أنها القرية التي خرجوا منها) (٨)؛ ونحو هذا قال السدي (٩).\n_________\n(١) نحو قوله سبحانه في البقرة الآية رقم (١٠٨). ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى﴾ [البقرة: ١٠٨] الآية وقوله سبحانه في سورة السجدة الآية رقم (٣): ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾ الآية.\n(٢) في نسخة: (س): (بعضهم)، وهو تصحيف.\n(٣) \"تهذيب اللغة\" (كهف) ٤/ ٣١٩٩.\n(٤) الواردة في قوله سبحانه: ﴿وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ﴾ [الحاقة: ٣٦].\n(٥) في قوله تعالى: ﴿وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا﴾ [مريم: ١٣].\n(٦) في قوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾. ومثلها قوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ﴾ [هود: ٧٥].\n(٧) \"تفسير القرآن\" للصنعاني ٢/ ٣٩٧، و\"جامع البيان\" ١٥/ ١٩٨، و\"المحرر الوجيز\" ٩/ ٢٣٧ - ٢٣٨، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ٨٢، و\"الدر المنثور\" ٤/ ٣٨٤.\n(٨) \"تفسير القرآن\" للصنعاني ٢/ ٣٩٧، و\"جامع البيان\" ١٥/ ١٩٨، و\"بحر العلوم\" ٢/ ٢٩٠، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ٨٣.\n(٩) \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٢٣٧، و\"زاد المسير\" ٥/ ١٠٨، و\"الدر المنثور\" ٤/ ٣٨٤ وعزاه لابن أبي حاتم، و\"التفسير الكبير\" ١١/ ٨٢.","vol":"13","page":534},{"text":"وروي كن ابن أبي طلحة عنه قال: (\"الرَّقِيم\": الكتاب) (١).\nوهو قول مجاهد (٢). وسعيد بن جبير قال: (\"الرَّقِيم\": لوح من حجارة) (٣).\nوقيل: (من رصاص كتب فيه أسماؤهم وقصتهم، وجعل في البناء على باب الكهف) (٤)، ونحو هذا قال عطاء عن ابن عباس (٥)، وهو قول جميع أهل المعاني والعربية قالوا: (الرقيم: الكتاب) (٦).\nوالأصل فيه المرقوم ثم حُول إلى فعيل، والرَّقْم: الكتابة، ومنه قوله -﷿-: ﴿كِتَابٌ مَرْقُومٌ﴾ [المطففين: ٩] أي: مكتوب، وأنشدوا (٧):\n_________\n(١) \"جامع البيان\" ١٥/ ١٩٨، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ٨٢، و\"الدر المنثور\" ٤/ ٣٨٣، وعزاه لابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(٢) \"جامع البيان\" ١٥/ ٩٨٥ - ١٩٩، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ٨٢ عن ابن عباس، و\"الدر المنثور\" ٤/ ٣٨٤ عزاه لابن أبي شيبة وابن المنذر.\n(٣) \"جامع البيان\" ١٥/ ١٩٩، و\"معالم التنزيل\" ٥/ ١٤٥، و\"المحرر الوجيز\" ٩/ ٢٨٣، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ٨٢، و\"الدر المنثور\" ٤/ ٣٨٤.\n(٤) \"بحر العلوم\" ٢/ ٢٩٠، و\"معالم التنزيل\" ٥/ ١٤٤ - ١٤٥، و\"الكشاف\" ٢/ ٣٨١، و\"المحرر الوجيز\" ٩/ ٢٨٣، و\"البحر المحيط\" ٦/ ١٠١.\n(٥) \"جامع البيان\" ١٥/ ١٩٩، و\"معالم التنزيل\" ٥/ ١٤٤ - ١٤٥، و\"زاد المسير\" ٥/ ١٠٧، و\"الدر المنثور\" ٤/ ٣٨٤.\n(٦) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٢٦٩، و\"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٣٤، و\"إملاء ما من به الرحمن\" ١/ ٣٩٥، و\"تهذيب اللغة\" رقم ٢/ ١٤٥٤، و\"مقاييس اللغة\" رقم ٢/ ٤٢٥، و\"المفردات في غريب القرآن\" رقم (٢٠١).\n(٧) لم أهتد إلى قائله، وذكرته كتب اللغة بدون نسبة. القَرَاح: الماء الذي لا يخالطه شيء يطيب به كالعسل والتمر والزبيب. انظر: \"تهذيب اللغة\" رقم ٢/ ١٤٥٤، و\"مقاييس اللغة\" مريم ٢/ ٤٢٥، و\"لسان العرب\" رقم ٣/ ١٧٠٩.","vol":"13","page":535},{"text":"سأرقم في الماء القراح إليكم ... على بعدكم إن كان في الماء راقمُ\nوقال الفراء: (الرقيم: لوح كان فيه أسماؤهم) (١)، ونرى أنه إنما سُمى رقيما؛ لأن أسماءهم كانت مرقومة (٢) فيه (٣).\nوقوله تعالى: ﴿كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا﴾ قال مجاهد، وسفيان: (لم يكونوا بأعجب آياتنا) (٤). قال المفضل: (أم حسبت أنهم كانوا عجبًا من آياتنا فقط، فلا يحسن ذلك، فإن آياتنا كلها عجيب) (٥). وقال أبو إسحاق: (أعلم الله أن قصة أصحاب الكهف ليست بعجيبة من آيات الله؛ لأن خلق السموات والأرض وما بينهما مما يشاهد أعجب من قصة أصحاب الكهف) (٦). والعجب هاهنا مصدر سمي المفعول به.\nوالتقدير: كانوا معجوبًا منهم، فسموا بالمصدر، والمفعول من هذا يستعمل باسم المصدر (٧).\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٣٤.\n(٢) في (ص): (من قومه)، وهو تصحيف.\n(٣) وهذا القول هو الراجح، وهو الذي تعضده اللغة، ورجحه أكثر المفسرين. انظر: \"جامع البيان\" ١٥/ ١٩٩، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ٨٢، و\"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٤٥٤، و\"لسان العرب\" رقم ٣/ ١٧١٠.\n(٤) \"جامع البيان\" ١٥/ ١٩٧، و\"معالم التنزيل\" ٥/ ١٤٤ بدون نسبة، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ٨٢، و\"الدر المنثور\" ٤/ ٣٨٤.\n(٥) ذكرته كتب التفسير بدون نسبة. انظر: \"جامع البيان\" ١٥/ ١٩٧، و\"الكشف والبيان\" ٣/ ٣٨٥ ب، و\"المحرر الوجيز\" ٩/ ٢٣٧، و\"معالم التنزيل\" ٥/ ١٤٤، و\"زاد المسير\" ٥/ ١٠٨، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ٨٢.\n(٦) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٢٧٠.\n(٧) \"الكشاف\" ٢/ ٣٨١، و\"الدر المصون\" ٧/ ٤٤٦، و\"البحر المحيط\" ٦/ ١٠١، و\"التفسير الكبير\" ١١/ ٨٣.","vol":"13","page":536},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2247>١٠ </span>- قوله تعالى: ﴿إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ﴾ الآية، \"إِذْ\" هنا لا يجوز أن يكون متعلقًا بما قبله على تقدير: أم حسبت إذ أوى الفتية؛ لأنه كان بين النبي -ﷺ- وبينهم مدة طويلة، فلم يتعلق الحسبان بذلك الوقت الذي أووا فيه إلى الكهف، وإذ يتعلق بمحذوف كأنه قيل: اذكر إذا أوى (١). كما قلنا في مواضع كثيرة. ومعنى ﴿أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ﴾: صاروا إليه وجعلوه مأواهم (٢).\nقال ابن عباس: (يريد هربوا إلى الكهف) (٣). وذكرنا الكلام في الفتية عند قوله: ﴿وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ﴾ [يوسف: ٦٢] في سورة يوسف.\nوقوله تعالى: ﴿فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾ أخبر الله تعالى أنهم لما هربوا عمن يطلبهم اشتغلوا بالدعاء والتضرع إلى الله تعالى: ﴿فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾ أي: أعطنا من عندك مغفرة ورزقًا (٤).\nقال ابن عباس: (يريدون تغنينا بها عن جميع من سواك) (٥)، يعني أن قولهم: ﴿مِنْ لَدُنْكَ﴾ تتضمن هذا المعنى.\n_________\n(١) \"الدر المصون\" ٧/ ٤٤٦، و\"البحر المحيط\" ٦/ ١٠٢، و\"التفسير الكبير\" ١١/ ٨٣، و\"إملاء ما من به الرحمن\" ١/ ٣٩٥.\n(٢) \"زاد المسير\" ٥/ ١٠٨، و\"التفسير الكبير\" ١١/ ٨٣، و\"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٢٧٠.\n(٣) ذكرته كتب التفسير بلا نسبة. انظر: \"النكت والعيون\" ٣/ ٢٨٧، و\"المحرر الوجيز\" ٩/ ٢٣٩، و\"زاد المسير\" ٥/ ١٠٨.\n(٤) \"معالم التنزيل\" ٥/ ١٥٥ بمعناه، و\"الكشاف\" ٢/ ٣٨١، و\"المحرر الوجيز\" ٩/ ٢٤٥، و\"زاد المسير\" ٥/ ١٠٩.\n(٥) ذكر نحوه ابن الجوزي بلا نسبة في \"زاد المسير\" ٥/ ١٠٩، والرازى في \"التفسير الكبير\" ٢١/ ٨٣، والألوسي في \"روح المعاني\" ١٥/ ٢١١.","vol":"13","page":537},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَهَيِّئْ لَنَا﴾ أي: أصلح، من قولك: هيأت الأمر فتهيأ ﴿مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا﴾ الرَّشَد، والرُّشْد، والرَّشاد، والرّشَاد: نقيض الضلال (١).\nقال أبو إسحاق: (أي أرشدنا إلى ما يقرب منك ويزلف عندك) (٢) وهذا معنى قول ابن عباس: (أرشد أفعالنا إلى محبتك) (٣). وقال أهل المعاني: (تقدير الآية: هيئ لنا من أمرنا ذا رشد) (٤). أي: أمر ذا رشد. فحذف الموصوف، ثم حذف المضاف أيضًا، كأنهم قالوا: هيئ لنا من أمرنا ما نصيب به الرشد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2248>١١ </span>- قوله تعالى: ﴿فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ﴾ قال المفسرون: (معناه: أنمناهم) (٥).\nقال أبو إسحاق: (أي منعناهم أن يسمعوا؛ لأن النائم إذا سمع انتبه) (٦). فالمعنى: أنمناهم ومنعناهم السمع. وهذا معنى قول ابن عباس: (فضربنا على آذانهم بالنوم) (٧). والمعنى: سددنا آذانهم بالنوم الغالب عن\n_________\n(١) \"زاد المسير\" ٥/ ١٠٩، و\"التفسير الكبير\" ١١/ ٨٣، و\"تهذيب اللغة\" (رشد) ٢/ ١٤١١، و\"مقاييس اللغة\" (رشد) ٢/ ٣١٨، و\"لسان العرب\" ٣/ ١٦٤٩.\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٢٧٠.\n(٣) ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة.\nانظر: \"زاد المسير\" ٥/ ١٠٩، و\"التفسير الكبير\" ٢١/ ٨٣، و\"روح المعاني\" ١٥/ ٢١١، و\"أنوار التنزيل\" ٣/ ٢١٧.\n(٤) \"التفسير الكبير\" ١١/ ٨٣.\n(٥) \"جامع البيان\" ١٥/ ٢٠٤، و\"بحر العلوم\" ٢/ ٢٩٠، و\"معالم التنزيل\" ٥/ ١٥٥، و\"الكشاف\" ٢/ ٣٨١، و\"المحرز الوجيز\" ٩/ ٢٤٥، و\"زاد المسير\" ٥/ ١٠٩.\n(٦) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٢٧١.\n(٧) ذكرته كتب التفسير بدون نسبة. انظر: \"جامع البيان\" ١٥/ ٢٠٦، و\"المحرر =","vol":"13","page":538},{"text":"نفوذ الأصوات إليها، ومن هذا النظم قال الأسود بن يَعْفُر (١):\nومن الحَوادِثِ لا أَبالَكِ أَنَّثِي ... ضربَتْ عليَّ الأرضُ بالأسْدَادِ\nوذلك أنه كان ضريرًا لا يتمكن من المشي في الأرض، فكأن الأرض قد ضربت بالأسداد عليه، حيث منع من التصرف.\nوقوله تعالى: ﴿فِي الْكَهْفِ﴾ بيان أن محل الضرب على آذانهم بالنوم كان في الكهف، فهو ظرف له بمنزلة المكان. ثم ذكر ظرف الزمان فقال: ﴿سِنِينَ عَدَدًا﴾، وذكر العدد هاهنا يفيد كثرة السنين (٢)، وكذلك كل شيء مما يعد إذا كثر فيه العدد ووصف به أريد كثرته؛ لأنه إذا قلَّ فُهِم مقداره فلم يحتج أن يعد، وإذا كثر احتيج إلى أن يُعد، فإذا قلت: أقمت أيامًا عددًا. أردت به الكثرة (٣). وفي انتصابه وجهان أحدهما: أنه نعت للسنين. المعنى: سنين ذات عدد، أي معدودة، هذا قول الفراء، والزجاج (٤).\nوعلى هذا يجوز في الآية ضربان من التقدير أحدهما: حذف المضاف. والثاني: تسمية المفعول باسم المصدر. قال الزجاج: (ويجوز أن\n_________\n= الوجيز\" ٩/ ٢٤٥، و\"معالم التنزيل\" ٥/ ١٥٥، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ٨٢، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٠/ ٣٦٣.\n(١) البيت للأسود بن يعفر النهشلي. الأسْدَاد: جمع سد، وهو الحاجز بين الشيئين، يشير هنا إلى ضعفه فقد عمي. انظر: \"ديوانه\" ص ٢٥، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٠/ ٣٦٣، و\"البحر المحيط\" ٦/ ١٠٣، و\"الدر المصون\" ٧/ ٤٤٧، و\"المفضليات\" ص ٢١٦، و\"اللامات\" ص ١٠٣، و\"لسان العرب\" (سدد) ٤/ ١٩٦٩.\n(٢) \"معالم التنزيل\" ٥/ ١٥٥، و\"الكشاف\" ٢/ ٢٨١، و\"المحرر الوجيز\" ٩/ ٢٤٥، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٠/ ٣٦٣، و\"البحر المحيط\" ٦/ ١٠٣.\n(٣) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٧١، \"التفسير الكبير\" ١١/ ٨٣.\n(٤) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٣٥، و\"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٢٧١.","vol":"13","page":539},{"text":"ينتصب على المصدر، المعنى: نعد عددًا) (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2249>١٢ </span>- قوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ﴾ قال ابن عباس: (يريد من بعد نومهم) (٢)، يعني: أيقظناهم بعد نومهم، وقوله تعالى: ﴿لِنَعْلَمَ﴾ المفسرون يقولون في هذا: (لنرى) (٣).\nوقد تكلمنا في مثل هذا عند قوله: ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ﴾ [البقرة: ١٤٣] في سورة البقرة، وقوله: ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ﴾ [آل عمران: ١٤٢] في سورة آل عمران.\nوقوله تعالى: ﴿أَيُّ الْحِزْبَيْنِ﴾ الآية، ﴿أَيُّ﴾ رفع بأحصى على الابتداء والخبر، ولم يوقع العلم على شيء منهما في الظاهر، وهو في الباطن واقع على ما يتضمنان من القصة، كما تقول: اذهب فاعلم أيهم قام (٤). قال الله تعالى: ﴿سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِيمٌ﴾ [القلم: ٤٠]. و﴿أَيُّ﴾ من حروف الاستفهام فلا يعمل فيه ما قبله، سوى ما يجر، وذكرنا هذا.\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٢٧١.\n(٢) ذكرته كتب التفسير بلا نسبة. انظر: \"معالم التنزيل\" ٥/ ١٥٥، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٠/ ٢٦٤، و\"البحر المحيط\" ٦/ ١٠٣.\n(٣) \"معالم التنزيل\" ٥/ ١٥٥ بمعناه، و\"زاد المسير\" ٥/ ١١٤، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٠/ ٣٦٤ وعلمه ﷾ كامل محيط بكل شيء جملة وتفصيلًا، فالله يعلم ما كان وما يكون وما لم يكن أن لو كان كيف يكون، والعلم صفة من صفاته سبحانه نثبتها له من غير تحريف ولا تعطيل ولا تشبيه ولا تمثيل.\nقال الشنقيطي في \"أضواء البيان\" ٤/ ٢٤: (لنعلم أي الحزبين)، أي: لنعلم ذلك علمًا يظهر الحقيقة للناس، فلا ينافي أنه كان عالمًا به قبل ذلك دون خلقه. وانظر: \"شرح العقيدة الطحاوية\" ١/ ١٣٢، و\"العقيدة الواسطية\".\n(٤) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٢٧١، و\"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٣٥ و\"إعراب القرآن\" للنحاس ٢/ ٢٦٧، و\"مشكل إعراب القرآن\" ٢/ ٤٣٧.","vol":"13","page":540},{"text":"وسنذكر استقصاء المسألة عند قوله: ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ﴾ [مريم: ٦٩] إن شاء الله.\nواختلفوا في الحزبين، فقال عطاء عن ابن عباس: (الحزبين الملوك الذين تداولوا المدينة مَلِكًا بعد مَلِك، وأصحاب الكهف حزب والملوك حزب) (١). وقال مجاهد: (الحزبين من قوم الفتية) (٢). وقال الكلبي: (يعني المؤمنين والكافرين) (٣).\nوحكى الفراء: (أن طائفتين من المسلمين في دهر أصحاب الكهف اختلفوا في مدة لبثهم) (٤). قال من اختار هذا القول: (تنازع المسلمون الأولون أصحاب الملك الذي أطلقه الله تعالى على أصحاب الكهف، والمسلمون الذين أسلموا حين رأوا أصحاب الكهف في قدر مدة لبثهم في الكهف) (٥). فهذا ما وجدته للمفسرين في هذه الآية، وهو غير مقنع، ولا كاف، إذ لم يفتح غلقا.\nوقال صاحب النظم: [(هذا ما قصه ربنا] (٦) فيما بعد هذا الفصل في\n_________\n(١) \"البحر المحيط\" ٦/ ١٠٣، و\"التفسير الكبير\" ١١/ ٨٤، و\"روح المعاني\" ١٥/ ٢١٢.\n(٢) \"جامع البيان\" ١٥/ ٢٠٦، و\"النكت والعيون\" ٣/ ٢٨٩، و\"البحر المحيط\" ٦/ ١٠٣، و\"التفسير الكبير\" ١١/ ٨٤، و\"الدر المنثور\" ٤/ ٣٨٩ وعزاه لابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(٣) \"النكت والعيون\" ٣/ ٢٨٩، و\"زاد المسير\" ٥/ ١١٤ ذكره بدون نسبة، و\"روح المعاني\" ١٥/ ٢١٢، وذكره السمرقندي في \"بحر العلوم\" ٢/ ٢٩٢ بلا نسبة.\n(٤) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٣٦.\n(٥) \"المحرر الوجيز\" ١٠/ ٣٧١، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٠/ ٣٦٤، و\"البحر المحيط\" ٦/ ١٠٤، و\"روح المعاني\" ١٥/ ٢١٢.\n(٦) ما بين المعقوفين ورد في جميع النسخ بلفظ: (هذه مقتصة من بناجا)، وما أثبته هو الصواب إن شاء الله، والموافق للسياق.","vol":"13","page":541},{"text":"قوله: ﴿بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ﴾ [الكهف: ١٩]، وهذا يدل على تنازع كان فيما بينهم فيما لبثوا، وكان ذلك سبب بعث الله إياهم، كما أعلمنا -﷿- وهو عالم بما كان منهم، وبما يكون قبل أن يكون، ويتعالى عن أن يكون شيء سببًا لعلمه، والتأويل -إن شاء الله-: ثم بعثناهم ليكون ذلك منهم، أي: تساؤل وتنازع واختلاف في مدة لبثهم) (١). فجعل صاحب النظم ﴿لِنَعْلَمَ﴾ هاهنا بمعنى ليكون ذلك لنعلم كائنًا قال الله تعالى: ﴿أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ﴾ [الرعد: ٣٣]، أي: بما ليس ولا يعلمه كائنا.\nقال: (والحزبان جميعًا من أصحاب الكهف، أنهم قالوا هذا القول منكرين على من قال: ﴿لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ [الكهف: ١٩]، فدل هذا على أن أصحاب الكهف كانوا حزبين) (٢)؛ هذا كلامه، وهو بعيد؛ لأنه يجعل معنى قوله: ﴿لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا﴾ [الكهف: ١٢] بمعنى: ليكون بينهم تساؤل وتنازع، وهذه العبارة التي في نظم الآية لا ينسى عن هذا المعنى الذي (٣) ذكره، وقد ارتكب في كتابه أشياء بعيدة لم أحكها لبعدها. ومعنى الآية على ما ذكره المفسرون: قتادة، ومجاهد، وغيرهما: (ليعلم أي الحزبين من المؤمنين والكافرين من قوم أصحاب الكهف عدّ أمد لبثهم وعلم ذلك، وكأنه وقع بينهم تنازع في مدة لبثهم في الكهف، وخروجهم من بيتهم، فبعثهم الله ليبين ذلك ويظهر) (٤).\n_________\n(١) ذكر نحوه الرازي في \"التفسير الكبير\" ٢١/ ٨٣.\n(٢) ذكر نحوه الرازي في \"التفسير الكبير\" ٢١/ ٨٤.\n(٣) قوله: (الذي)، ساقط من نسخة (ص).\n(٤) \"جامع البيان\" ١٥/ ٢٠٦، و\"بحر العلوم\" ٢/ ٢٩٢، و\"النكت والعيون\" ٣/ ٢٨٩، و\"معالم التنزيل\" ٣/ ١٥٢، و\"زاد المسير\" ٥/ ١١٤، و\"الدر المنثور\" ٤/ ٣٨٩.","vol":"13","page":542},{"text":"وأما وجه نصب قوله: ﴿أَمَدًا﴾ فقال الفراء: (ويكون نصبه على وجهين: إن شئت جعلته خرج من أحصى مفسرًا، كما تقول: أي الحزبين أصوب قولًا، وإن شئت أوقعت عليه اللُّباث للباثهم أمدا) (١).\nوقال أبو إسحاق نحو هذا سواء فقال: (﴿أَمَدًا﴾ منصوب على نوعين: وهو على التمييز إن شئت كان على أحصى أمدا، فيكون العامل فيه أحصى، كأنه قيل: لنعلم أهؤلاء أحصى للأمد أم هؤلاء؟. والوجه الثاني: أن يكون منصوبًا بلبثوا، ويكون أحصى متعلقًا بلما، فيكون المعنى: أيّ الحزبين أحصى للبثهم في الأمد) (٢).\nقال أبو علي الفارسي: (إن انتصاب الأمد بالتمييز عندي ممتنع غير مستقيم؛ وذلك أنه لا يخلو من أن يحمل أحصى على أن يكون فعلًا ماضيًا، أو أفعل نحو: أحسن وأعلم، فلا يجوز أن يكون أحصى أفعل، وغير مثال الماضي لأمرين أحدهما: أنه يقال: أحصى يحصى في التنزيل: ﴿أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ﴾ [المجادلة: ٦] وأفعل يفعل لا يقال منه: هو أفعل من كذا، فأما قولهم: ما أولاه للخير، وما أعطاه للدرهم، فمن الشاذ النادر الذي حكمه أن يحفظ لقلته، وسبيل ما كان كذلك أن لا يقاس عليه، ولا جوز أن يكون أحصى أفعل من كذا لهذا. والأمر الآخر: هو أن ما ينتصب على التمييز في نحو: هو أكثر منك مالًا، وأحسن وجهًا، وأغزر علمًا، هو في المعنى فاعل، وإن كان في اللفظ منتصبًا، ألا ترى أن الأمد ليس هو الذي أحصى، فهو خارج عن ما عليه (٣) الأسماء المنتصبة على التمييز،\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٣٦.\n(٢) \"معانى القرآن\" للزجاج ٣/ ٢٧١.\n(٣) في نسخة (ص). (عن حد ما عليه).","vol":"13","page":543},{"text":"وإذا كان كذلك لم يجز أن يكون منها كان أحصى مثالًا ماضيًا، ويكون المعنى: لنعلم أي الحزبين أحصى أمدًا للبثهم، فيكون الأملى على هذا منتصبًا بأنه مفعول به، والعامل فيه أحصى الذي هو فعل، ومن قدّر أن أحصى أفعل من كذا فمخطئ لما ذكرنا) (١).\nوهذا الذي ذكره أبو علي قول ثالث؛ لأن ﴿أَمَدًا﴾ عند الفراء وأبي إسحاق: ينتصب إما على التمييز، أو على الظرف، وعند أبي علي أنه مفعول به (٢). قال (٣): (ويجوز مع تأويل أحصى أفعل من كذا أن ينتصب الأمد بلبثوا، ويكون المعنى: للبثهم أمدا أي في الأمد، يتصل أحصى باللام، قال: وهذا القول مستكره؛ لأنك جعلت أحصى أفعل من كذا. قال: ومن قدّر أحصى فعلا وقدّر انتصاب الأمد بلبثوا دون أحصى فقد أساء، وعدل بالكلام عن وجهه، ألا ترى أن الكلام: أحصيت كذا، وفي التنزيل ﴿أَحْصَاهُ اللَّهُ﴾ [المجادلة: ٦]، و﴿وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾ [الجن: ٢٨]، فأوصل الفعل بلا حرف، وإذا كان تأويله انتصاب الأمد بلبثوا يؤدي إلى أن الفعل الذي هو أحصى المتعدي بلا حرف يتعدى بحرف استقبحنا هذا التأويل، وكرهناه، واستبعدناه) (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2250>١٤ </span>- قوله تعالى: ﴿وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ قال المفسرون: (ألهمناها\n_________\n(١) \"الإغفال فيما أغفله الزجاج من المعاني\" ص ٩٣٢.\n(٢) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٣٦، و\"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٢٧١، و\"الإغفال فيما أغفله الزجاج من المعاني\" ص ٩٣٢.\n(٣) لفظ: (قال)، ساقط من نسخة (س).\n(٤) \"الاغفال فيما أغفله الزجاج من المعاني\" ص ٩٣٨.","vol":"13","page":544},{"text":"الصبر وثبتناها) (١)\nوذكرنا معنى الربط على القلب في سورة الأنفال (٢).\nوقوله تعالى: ﴿إِذْ قَامُوا﴾ قال عطاء ومقاتل: (يعني من النوم) (٣). وهذا يتعدّى من وجوه، أحدها: أن الله تعالى استأنف قصتهم بقوله: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ﴾ [الكهف: ١٣] الآية، فلأنه قال: ﴿إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ وكانوا قد قالوا هذا قبل نومهم في الكهف، ولكن الوجه تفسير ﴿قَامُوا﴾: (أنهم قاموا بين يدي ملكهم دقيانوس الجبار الذي كان يفتن أهل الإيمان عن دينهم، فربط الله على قلوبهم بالصبر واليقين حتى قالوا بين يديه: ﴿رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ الآية، وذلك أنه كان يدعو الناس إلى عبادة الأصنام، والذبح للطواغيت، فثبت الله هؤلاء الفتية وعصمهم، حتى عصوا ذلك الجبار وأقروا بربوبية الله -﷾- ووحدانيته، وأنهم إن دعوا غيره وعبدوه كان ذلك شططا) (٤).\nوفي تفسير شبل عن مجاهد قال: (إنهم أبناء عظماء مدينتهم، فخرجوا فاجتمعوا وراء المدينة من غير ميعاد، فقال رجل منهم هو أسن القوم: إني لأجد في نفسي شيئًا ما أظن أن أحدًا يجده. قالوا: ما تجد؟\n_________\n(١) \"جامع البيان\" ١٥/ ٢٥٧، و\"النكت والعيون\" ٣/ ٢٨٩، و\"زاد المسير\" ٥/ ١١٥، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٠/ ٣٦٥.\n(٢) عند قوله سبحانه: ﴿وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ﴾ [الأنفال: ١١].\n(٣) \"البحر المحيط\" ٦/ ١٠٦، و\"روح المعاني\" ١٥/ ٢١٨، و\"التفسير الكبير\" ١١/ ٩٨ وقال: وهذا بعيد؛ لأن الله استأنف قصتهم بقوله: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ﴾ [آية ١٣].\n(٤) هذا قول جمهور المفسرين. انظر: \"جامع البيان\" ١٥/ ٢٠٧، و\"معالم التنزيل\" ٥/ ١٥٦، و\"الكشاف\" ٢/ ٣٨٣، و\"زاد المسير\" ٥/ ١١٥، و\"ابن كثير\" ٣/ ٨٣ - ٨٤.","vol":"13","page":545},{"text":"قال: أجد في نفسي أن ربي رب السموات والأرض. فقالوا: نحن كذلك نجده في أنفسنا، فقاموا جميعًا فقالوا: ربنا رب السموات والأرض) (١).\nوقوله تعالى: ﴿لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا﴾ أي: كذبًا وجورًا، قاله المفسرون (٢).\nومعنى الشطط في اللغة: مجاوزة القدر (٣). قال الفراء: (يقال: قد أشطّ في السَّوم، إذا جاوز القدر، ولم أسمع إلا أَشطَّ، يُشِطُّ، إِشطَاطًا، شَطَطًا) (٤). وحكى الزجاج وغيره: (شَطَّ الرجل وأَشَطَّ إذا جار) (٥). ومنه قوله: ﴿وَلَا تُشْطِطْ﴾ [ص: ٢٢]، ومثله أَشَطَّ، وأصل هذا من قولهم: بما شَطَّت الدار، إذا بعدت، فالشَّطَطُ في القول بعد عن الحق؛ وهو هاهنا منصوب على المصدر، والمعنى: لقد قلنا إذا قول شَطَط، قاله الزجاج (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2251>١٥ </span>- وقوله تعالى: ﴿هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً﴾ هذا من قول أصحاب الكهف، ويعنون الذين كانوا في زمان دقيانوس عبدوا الأصنام ﴿لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ﴾ بحجة بينة.\n_________\n(١) \"جامع البيان\" ١٥/ ٢٠٧، و\"زاد المسير\" ٥/ ١١٠، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٠/ ٣٦٥، و\"الدر المنثور\" ٤/ ٣٨٨ وعزاه لابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(٢) \"جامع البيان\" ١٥/ ٢٠٨، و\"معالم التنزيل\" ٥/ ١٥٦، و\"المحرر الوجيز\" ٩/ ٢٥١، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ٨٤.\n(٣) \"مقاييس اللغة\" (شط) ٣/ ١٦٥، و\"القاموس المحيط\" (شط) ص ٦٧٤، و\"لسان العرب\" (شطط) ٤/ ٢٢٦٣، و\"المفردات في غريب القرآن\" (شطط) (٢٦٠).\n(٤) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٤٠٣.\n(٥) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٢٧٢.\n(٦) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ١٧٢.","vol":"13","page":546},{"text":"قال الزجاج: (ومعنى ﴿عَلَيْهِمْ﴾ أي على عبادة الآلهة) (١). وهذا قول يوجب تقدير حذف المضاف، أي: هلا يأتون على عبادتهم، أو على اتخاذهم بسلطان بين، ثم حذف المضاف (٢).\nوقال صاحب النظم: (ظاهر قوله: ﴿لَوْلَا يَأْتُونَ﴾، حث وسؤال، وتأويله نفي وإبطال، على معنى: اتخذوا من دونه آلهة لا يأتون عليهم يسلطان؛ لأن في قولك: لولا فعلت كذا، دليل على أنه لم يفعله، وكان من حقه أن يفعل، وهذا من باب الإيماء إلى الشيء بالشيء)؛ انتهى كلامه (٣). وعلى قوله أيضًا يرجع حقيقة التأويل إلى تقدير حذف المضاف؛ لأن معنى ﴿لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ﴾ لا يأتون على عبادتهم، أي: على عبادة الآلهة، على هذا يحسن الكلام؛ لأن الحجة على الآلهة ضد الحجة لهم، فلابد من تقدير حذف المضاف، وإذا كان كذلك فالقول الأول أولى؛ لأنه لا يحتاج فيه إلى العدول عن ظاهر قوله: ﴿لَوْلَا يَأْتُونَ﴾، والكناية في قوله: ﴿عَلَيْهِمْ﴾ يجوز أن تكون عن القوم في قوله: ﴿هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا﴾ وهو الظاهر، ويجوز أن تكون عن الآلهة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2252>١٦ </span>- وقوله تعالى: ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ﴾ قال ابن عباس: (هذا من قول تمليخا، وهو رئيس أصحاب الكهف، قال لهم: وإذا اعتزلتموهم، أي: فارقتموهم وتنحيتم عنهم جانبًا، يعني عبدة الأصنام) (٤).\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٢٧٢.\n(٢) \"الكشاف\" ٢/ ٣٨٢، و\"الدر المصون\" ٧/ ٤٥٤، و\"روح المعاني\" ١٥/ ٢١٩.\n(٣) ذكر نحوه الرازي في \"التفسير الكبير\" ٢١/ ٩٨، و\"البحر المحيط\" ٦/ ١٠٦، و\"روح المعاني\" ١٥/ ٢١٩.\n(٤) \"زاد المسير\" ٥/ ١١٦، و\"البحر المحيط\" ١٥/ ١٠٧.","vol":"13","page":547},{"text":"﴿وَمَا يَعْبُدُونَ﴾ قال أبو إسحاق: (﴿مَا﴾ نصب، المعنى: واعتزلتم ما يعبدون إلا الله، فإنكم لن تتركوا عبادته) (١)، وذلك أنهم كانوا يشركون بالله فقال: اعتزلتم الأصنام ولم تعتزلوا الله ولا عبادته، وهذا قول الفراء وهو: (أن ﴿مَا﴾ اسم وليس بنفي) (٢).\nوروى عطاء عن ابن عباس في قوله: ﴿وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾ قال: (يريد لم يعبد أصحاب الكهف إلا الله) (٣). وهذا يحمل على أن الله أخبر عنهم أنهم لم يعبدوا غيره، وعلى هذا لا يكون هذا حكايته قولهم؛ والقول ما قاله الفراء، والزجاج، وأهل التفسير (٤)، يدل على صحته ما روي أنه في مصحف عبد الله: (وما يعبدون من دون الله) (٥). وهذا يقطع يكون \"ما\" اسمًا.\nوقوله تعالى: ﴿فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ﴾ قال الفراء: (هذا جواب \"إذ\" كما تقول: إذ فعلت كذا فافعل كذا) (٦)، ومعناه: صيروا إليه واجعلوه مأواكم.\n﴿يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ أي: يبسطها عليكم، ﴿وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا﴾ قال ابن عباس: (يسهل عليكم ما خوفكم من الملك وظلمه،\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٢٧٢.\n(٢) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٣٦.\n(٣) ذكرت نحوه كتب التفسير بلا نسبة انظر: \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٢٥٣، و\"البحر المحيط\" ٦/ ١٠٦، و\"روح المعاني\" ١٥/ ٢٢٠، و\"فتح القدير\" ٣/ ٢٧٣.\n(٤) \"جامع البيان\" ٩٥/ ٢٠١، و\"الكشاف\" ٢/ ٣٨٢، و\"زاد المسير\" ٥/ ١١٦، و\"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٣٦، و\"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٢٧٢.\n(٥) \"جامع البيان\" ١٥/ ٢٠٩، و\"معالم التنزيل\" ٥/ ١٥٦، و\"المحرر الوجيز\" ٩/ ٢٥٣، و\"زاد المسير\" ٥/ ٨١، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٠/ ٣٦٧.\n(٦) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٣٦.","vol":"13","page":548},{"text":"ويأتيكم من الله اليسر والرفق واللطف) (١).\nوقال الكلبي: (يعني غداء يأكلونه) (٢). ويقال: (مخرجا) (٣). وكل ما ارتفقت به فهو مِرْفَق، ويقال فيه أيضًا: مَرْفَق، ويقال فيه أيضًا: مَرْفِق بفتح الميم وكسر الفاء، كقراءة أهل المدينة (٤)، وهما لغتان في مِرْفَق اليد، والأمر، والمتكأ، قال أبو عبيدة: (المَرْفَق: ما ارتفقت به، وبعضهم يقول: المَرْفِق، فأما ما في اليدين فهو مِرْفَق) (٥).\nوقال الأخفش: (﴿مِرْفَقًا﴾ أي: شيئًا يَرْتَفقُون به، مثل المِقْطَعِ) (٦).\nومن قرأ: مَرْفِقًا، جعله اسما مثل المسجد، ويكون لغة. قال أبو علي: (قوله: جعله اسما، أي: جعل المِرْفَقَ اسمًا ولم يجعله اسم المكان ولا المصدر من رَفَقَ يَرْفُقُ، كما أن المسجد ليس باسم الموضع من سَجَدَ يَسْجُدُ، وقوله: أو يكون لغة أي: لغة في اسم المصدر، كما جاء المَطْلِعُ ونحوه، ولو كان على القياس لفتحت اللام) (٧).\n_________\n(١) \"زاد المسير\" ٥/ ١١٦، و\"البحر المحيط\" ٦/ ١٠٧.\n(٢) لم أقف عيه.\n(٣) \"جامع البيان\" ١٥/ ٢٠٩، و\"بحر العلوم\" ٢/ ٢٩٣.\n(٤) قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وعاصم، وحمزة، والكسائي: (مِرْفَقًا) بكسر الميم وفتح الفاء. وقرأ نافع، وابن عامر، والكسائي عن أبي بكر عن عاصم: (مَرْفِقَا) بفتح الميم وكسر الفاء. انظر: \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ١٣٠، و\"السبعة\" ص ٣٨٨، و\"الغاية\" ص ٣٠٥، و\"التبصرة\" ص ٢٤٨، و\"الكشف عن وجوه القراءات\" ٢/ ٥٦، و\"النشر في القراءات العشر\" ٢/ ٣١٠.\n(٥) \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ١/ ٣٩٥\n(٦) \"معاني القرآن\" للأخفش ٢/ ٦١٧.\n(٧) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ١٣١.","vol":"13","page":549},{"text":"قال الفراء: (وأكثر العرب على كسر الميم، من الأصل ومن مِرْفَق الإنسان، والعرب أيضًا تفتح الميم فيهما، فهما لغتان في هزا وفي هذا) (١). وكأن الذين فتحوا الميم أرادوا أن يفرقوا بين المَرْفَق من الإنسان، وقال يونس: (الذي أختار المَرْفَق في الأمر، والمِرْفَق في اليد) (٢).\nوقال الأصمعي: (لا أعرف إلا الكسر فيهما) (٣)؛ يعني كسر الميم في الأمر واليد، وذكر قطرب اللغتين جميعًا فيهما (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2253>١٧ </span>- قوله تعالى: ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ﴾ الآية، التاء في قوله: ﴿وَتَرَى﴾ لمخاطب، أي: ترى أنت أيها المخاطب الشمس عند طلوعها تميل عن كهفهم، وليس أن من خوطب بهذا يرى ذلك، ولكن العادة في المخاطبة تكون على هذا النحو، ومعناه: أنك لو رأيته على هذه الصورة (٥).\nومعنى ﴿تَزَاوَرُ﴾ قال ابن عباس: تتنحى (٦). وقال في رواية الوالبي: (تميل عنهم) (٧). ومعنى التَّزَاور: التمايل من الزَّوْر والأزور، فإن قيل: التَّزاور إنما يستعمل في زيارة بعض الناس بعضا، فكيف يحسن استعمال\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٣٦.\n(٢) \"تهذيب اللغة\" (رفق) ٢/ ١٤٤٤.\n(٣) \"معاني القرآن\" للزحاج ٣/ ٢٧٢، و\"إعراب القرآن\" للنحاس ٢/ ٢٦٨.\n(٤) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٢٧٣.\n(٥) \"زاد المسير\" ٥/ ١١٧، و\"القرطبي\" ١٠/ ٣٦٨، و\"التفسير الكبير\" ١١/ ٩٩.\n(٦) ذكرته كتب التفسير بلا نسبة. انظر: \"القرطبي\" ١٠/ ٣٦٨، و\"إرشاد العقل السليم\" ٥/ ٢١١، و\"روح المعاني\" ١٥/ ٢٢٢.\n(٧) \"جامع البيان\" ١٥/ ٢١٠، و\"الدر المنثور\" ٤/ ٣٩١ وعزاه لابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"13","page":550},{"text":"بمعنى الميل، كما قالوا: تمايل، أجروا تَزَاور مجرى تمايل، قال الشاعر (١):\nكَلَون الحِصَان الأنبطِ البطن قائمًا ... تمايل عنه الجلُّ واللونُ أشقرُ\nوكذلك قالوا: تجانف، بهذا المعنى (٢)، وقراءة أهل الكوفة: بحذف تاء التفاعل، وقرأ ابن عامر: تَزْوَرُّ (٣). قال أبو الحسن: (لا يوضع في هذا المعنى إنما يقال: هو مزْوزٌّ عني، أي: منقبض) (٤). ويدل على أن معنى ازوزَّ انقبض قول عنترة (٥):\n_________\n(١) البيت لذي الرمة. والنبط: بياض الجنبين، فإذا كان الفرس أبيض البطن فهو أنبط. قال الليث: النبط والنبطة: بياض تحت أبط الفرس، وربما عرض حتى يغشى البطن والصدر. انظر: \"ديوانها\" (٢٢٧)، و\"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ١٣٣، و\"تهذيب اللغة\" (نبط) ٤/ ٣٤٩٧، و\"لسان العرب\" (نبط) ٧/ ٤٣٢٦.\n(٢) الزَّوْرُ: الميل في وسط الصدر، ويقال للقوس: زَوْرَاء لميلها. والازوار عن الشيء: العدول عنه. انظر: \"تهذيب اللغة\" (زار) ٢/ ١٤٩٩، و\"اللسان\" (زور) ٣/ ١٨٨٧.\n(٣) قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو: (تَزَّاور) بثديد الزاي. وقرأ عاصم، وحمزة، والكسائي: (تَزَاور) خفيفة. وقرأ ابن عامر: (تَزْور) بغير ألف، على وزن: تحمر. انظر: \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ١٣١، و\"السبعة\" ص ٣٨٨، و\"الغاية\" ص ٣٠٥، و\"التبصرة\" ص ٢٤٨، و\"الكشف عن وجوه القراءات\" ٢/ ٥٦.\n(٤) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ١٣٢، و\"الدر المصون\" ٧/ ٤٥٧، و\"روح المعاني\" ١٥/ ٢٢٢.\n(٥) هذا صدر بيت لعنترة، وعجزه:\nوشكا إلى بعبرة وتحمحم\nازور من وقع القنا، أي: أعرض الفرس لما رأى الرماح تقع بنحوه. واللبان: الصدر، وقيل: ما بين الثديين ويكون للإنسان وغيره. والتحمحم: الصوت الخفي، فإن اشتد فهو الصهيل. انظر: \"ديوانه\" ص ١٨، و\"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ١٣٢، و\"الجامع لآحكام القرآن\" ١٠/ ٣٨٦.","vol":"13","page":551},{"text":"ازورَّ من وقع القنا بلبانهِ\nأي: انقبض. والذي حسَّن القراءة به قول جرير (١):\nوفي الأظعان عن طلح ازورار\nفظاهر استعمال هذا في الأظعان مثل استعماله في الشمس (٢).\nوقوله تعالى: ﴿ذَاتَ الْيَمِينِ﴾، أي: ناحية اليمين، فذات هاهنا صفة قامت مقام الموصوف، كأنه قيل: ناحية ذات اليمين. قال الأخفش: (وهو نصب على الظرف) (٣).\nوقوله تعالى: ﴿تَقْرِضُهُمْ﴾ قال الوالبي عن ابن عباس: (تذرهم) (٤).\nوقال قتادة: (تدعهم) (٥). وقال مقاتل: (تجاوزهم) (٦).\nوقال الأخفش، والزجاج، وأبو عبيدة: (تعدل عنهم وتتركهم) (٧). وقال الكسائي: (قرضت المكان، أي: عدلت عنه) (٨).\n_________\n(١) هذا عجز بيت لجرير. وصدره:\nعفن على الأماعز من حبي\nعسفن: عدلن. والأماعز: الواحد أمعز: وهو المكان الصلب الكثير الحجارة والحصى. وطلح: مكان. انظر: \"ديوانه\" ص ١٨٢، و\"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ١٣٣.\n(٢) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ١٣٣.\n(٣) \"معاني القرآن\" للأخفش ٢/ ٦١٧.\n(٤) \"جامع البيان\" ١٥/ ٢١٢، و\"الكشف والبيان\" ٣/ ٣٨٨ أ.\n(٥) \"تفسير القرآن\" للصنعاني ١/ ٣٣٦، و\"جامع البيان\" ١٥/ ٢١٢، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٠/ ٣٦٩.\n(٦) \"الكشف والبيان\" ٣/ ٣٨٨ أ، و\"تفسير المشكل\" لمكي بن أبي طالب ص ١٤٢.\n(٧) \"معالم التنزيل\" ٥/ ١٥٧، و\"زاد المسير\" ٥/ ١١٧ بدون نسبة، و\"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٢٧٣، و\"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ١/ ٣٩٦.\n(٨) \"تهذيب اللغة\" (قرض) ٣/ ٢٩٣٢، و\"روح المعاني\" ١٥/ ٢٢٢.","vol":"13","page":552},{"text":"وأنشد قول ذي الرمة (١):\nإلى ظُعُنٍ يَقْرضْن أقواز مشرفٍ ... شمالا عن أيمانهن الفوارسُ\nوقال أبو عبيد: (القرض في أشياء) فمنها: القطع، وكذلك السير في البلاد إذا قطعتها، وأنشد البيت (٢).\nقال أبو عبيدة: (تقول لصاحبك: هل وردت مكان كذا؟ فيقول المجيب: إنما قرضته ذات الشمال، إذا مرَّ به وتجاوز عنه وهو على شماله) (٣).\nقال الكلبي: (يقول إذا طلعت الشمس مالت عن كهفهم ذات اليمين، يعني: يمين الكهف، وإذا غربت تمر بهم ذات الشمال، يعني: شمال الكهف لا تصيبه، وكان كهفهم نحو بنات نعش (٤) في أرض الروم) (٥).\n_________\n(١) البيت لذي الرمة.\nالقَوَز: كثيب الرمل المستدير. ومشرف، والفوارس: موضعان. انظر: \"ديوانه\" (٣١٣)، و\"المحرر الوجيز\" ٩/ ٢٥٧، و\"الكشاف\" ٢/ ٣٨٨، و\"البحر المحيط\" ٦/ ٩٣، و\"تهذيب اللغة\" (قرض) ٣/ ٢٩٣٢، و\"الدر المصون\" ٧/ ٤٥٨، و\"لسان العرب\" (قرض) ٦/ ٣٥٩٠.\n(٢) ذكره الأزهري في \"تهذيب اللغة\" (قرض) ٣/ ٢٩٣٢.\n(٣) ذكره في \"مجاز القرآن\" ١/ ٣٩٦.\n(٤) بنات نعش: سبعة كواكب، فأربعة منها نعش؛ لأنها مربعة، وثلاثة منها بنات، يقال للواحد منها: ابن نعش؛ لأن الكوكب مذكر. انظر: \"تهذيب اللغة\" (نعش) ٤/ ٣٦١١، و\"مقاييس اللغة\" (نعش) ٥/ ٤٥٠، و\"لسان العرب\" (نعش) ٧/ ٤٤٧٤، و\"القاموس المحيط\" (نعش) ص ٦٠٧.\n(٥) \"زاد المسير\" ٥/ ١٥٧، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٠/ ٣٦٩، وذكره \"الكشف والبيان\" ٣/ ٣٨٨ أبلا نسبة.","vol":"13","page":553},{"text":"وقال المفسرون: (أعلم الله تعالى أنه ثواهم في مَقنَاة (١) من الكهف مستقبلًا بنات نعش، تميل عنهم الشمس طالعة وغاربة، لا تدخل عليهم فتؤذيهم بحرها، وتغير أوانهم، وتبلي ثيابهم) (٢).\nوقال أبو علي الفارسي: (إذا مالت الشمس عنهم إذا طلعت، وتجاوزتهم إذا غربت، دلَّ أن الشمس لا تصيبهم ألبتة، أو في أكثر الأمر، فتكون صورهم محفوظة) (٣).\nهذا الذي ذكرنا قول المفسرين قالوا في سبب ميل الشمس عنهم: (إنهم كانوا في مَقْنَاة) (٤). وقال أبو إسحاق: (هذا التفسير ليس ببين، إنما جعل الله فيهم هذه الآية أن الشمس لا تقربهم في مطلعها ولا عند غروبها) (٥)، ودل عليه قوله: ﴿ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ﴾ يعني: أن الله تعالى بقدرته (٦) حبس عنهم ضوء الشمس وحرها عند طلوعها وغروبها، فلا تنالهم طالعة ولا غاربة، لا بكونهم في مكان لا تصيبه الشمس، ولكن\n_________\n(١) المَقْنُوَةُ، خفيفة، من الظل: حيث لا تصيبه الشمس في الشتاء. قال أبو عمر: مَقْنَاةٌ ومَقْنُوة بغير همز. وقال ابن السكيت: المَقْنَأَة: المكان الذي لا تصيبه الشمس. انظر: \"تهذيب اللغة\" (قنا) ٣/ ٣٠٥٠، و\"لسان العرب\" (قنأ) ٦/ ٣٧٤٦.\n(٢) \"الكشف والبيان\" ٣/ ٣٨٨ أ، و\"بحر العلوم\" ٢/ ٢٩٣، و\"النكت والعيون\" ٣/ ٢٩٠، و\"معالم التنزيل\" ٥/ ١١٧، و\"المحرر الوجيز\" ٩/ ٢٥٥.\n(٣) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ١٣٤.\n(٤) \"معالم التنزيل\" ٥/ ١٥٧، و\"المحرر الوجيز\" ٩/ ٢٥٥، و\"البحر المحيط\" ٦/ ١٠٨، و\"أضواء البيان\" ٤/ ٤٣٥.\n(٥) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٢٧٣.\n(٦) قوله: (بقدرته)، ساقط من نسخة (س).","vol":"13","page":554},{"text":"بقدرة الله تعالى جعل ذلك آية من آياته، كما قال: ﴿ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ﴾ (١).\nثم أخبر أنهم كانوا في متسع من الكهف، ينالهم فيه برد الريح، ونسيم الهوى فقال: \"وهم في فجوة منه\" أي: من الكهف، والفجوة: متسع في مكان (٢).\nقال أبو عبيدة: (وجمعها فَجَوات) (٣) وفِجَا، نحو: زَكوات وزِكَاء. ومنه الحديث: (فإذا وجد فجوة نصّ) (٤) (٥).\n_________\n(١) \"الكشاف\" ٢/ ٣٨٢، و\"المحرر الوجيز\" ٩/ ٢٩٥. وهذا القول هو الراجح -والله أعلم- للقرينة القرآنية وهي قوله: ﴿ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ﴾، قال الشنقيطي في \"أضواء البيان\" ٤/ ٣٤: وأما القول الذي تدل القرينة في هذه الآية على صحته فهو أن أصحاب الكهف كانوا في فجوة من الكهف على سمت تصيبه الشمس وتقابله، إلا أن الله منع ضوء الشمس من الوقوع عليهم على وجه خرق العادة، كرامة لهؤلاء القوم الصالحين الذين فروا بدينهم طاعة لربهم جل وعلا.\nوقال الشوكاني في \"تفسيره\" ٣/ ٣٩٢: فإن صرف الشمس عنهم مع توجه الفجوة إلى مكان تصل إليه عادة أنسب بمعنى كونها آية، ويؤيده أيضًا إطلاق الفجوة وعدم تقيدها بكونها إلى جهة كذا. وانظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٢٧٣، و\"التفسير الكبير\" ١١/ ١٠٠.\n(٢) انظر: \"تهذيب اللغة\" (فج) ١٠/ ٥٠٧، و\"مقاييس اللغة\" (فجَّ) ٣/ ٢٧٤٢، و\"القاموس المحيط\" (فج) ص ٢٠٠، و\"الصحاح\" (فجَّ) ص ٢٠٦، و\"المفردات في غريب القرآن\" (فجج) ص ٣٧٣.\n(٣) \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ١/ ٣٩٦.\n(٤) النص: نصَّ الدابة ينصها نصًّا: رفعها في السير، قال أبو عبيد: النص التحريك حتى تستخرج من الناقة أقصى سيرها. وأصل النص أقصى الشيء وغايته، ثم سمي به ضرب من السير سريع. انظر: \"تهذيب اللغة\" (نصَّ) ٤/ ٣٥٨٥، و\"لسان العرب\" (نصص) ٧/ ٤٤٤١.\n(٥) أخرجه البخاري \"صحيحه\" كتاب: الجهاد، باب: السرعة في السير ٣/ ١٠٩٣، =","vol":"13","page":555},{"text":"وقال مجاهد: (الفجوة: المكان الذاهب) (١). يعني: الذاهب في السعة والعرض. قال ابن عباس في قوله: \"وهم في فجوة\" (يريد في سعة) (٢)، ﴿ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ﴾، أي: ذلك التزاور والقرض من دلائل قدرة الله ولطفه بأصحاب الكهف. ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَد﴾ أشار إلى أن الله تعالى هو الذي تولى هداية أصحاب الكهف] (٣)، ولولا ذلك لم يهتدوا، فالمهتدي من هداه الله كهؤلاء، ﴿وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾، كدقيانوس الكافر وأصحابه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2254>١٨ </span>- قوله تعالى: ﴿وَتَحْسَبُهُمْ﴾ معنى هذا الخطاب على ما ذكرنا في قوله: ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ﴾، أي: لو رأيتهم لحسبتهم أيقاظًا، هو جمع: أيقاظ، ويقظ، ويقظان، قا له الأخفمش، وأبو عبيدة، والزجاج (٤). وأنشدوا لرؤبة (٥):\n_________\n= ومسلم في \"صحيحه\" كتاب الحج، باب الإفاضة من عرفات إلى مزدلفة ٢/ ٩٣٦، وأبو داود في \"سننه\" كتاب الحج، باب الدفعة من عرفة ٢/ ٤٧٢، والنسائي في \"سننه\" كتاب الحج، باب كيف يسير من عرفة ٥/ ١٨٣، ومالك في \"الموطأ\" كتاب الحج، باب السير إلى عرفة ١/ ٣٩٢.\n(١) \"جامع البيان\" ١٥/ ١٤٥، و\"تفسير مجاهد\" ٤٤٦.\n(٢) ذكرته كتب التفسير بلا نسبة. انظر: \"جامع البيان\" ١٥/ ٢١٢ - ٢١٣ بمعناه، و\"الكشف والبيان\" ٣/ ٣٨٨ ب، و\"معالم التنزيل\" ٥/ ١٥٧، و\"المحرر الوجيز\" ٩/ ٢٩٥.\n(٣) ما بين المعقوفين ساقط من نسخة (س).\n(٤) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٢٧٤، و\"معاني القرآن\" للأخفش ١/ ٦١٧، و\"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ١/ ٣٩٦.\n(٥) هذا صدر بيت لرؤبة، وعجزه:\nوسيف غيَّاظٍ لهم غِيَاظا\nانظر: \"ديوانه\" ص ٨١، \"مجاز القرآن\" ١/ ٣٩٧، و\"معاني القرآن\"، للزجاج ٣/ ٢٧٤، و\"جامع البيان\" ١٥/ ٢١٣.","vol":"13","page":556},{"text":"ووجدوا إخوانهم أيقاظا\nومثله: نَجْدٌ، نُجد، وأَنْجاد.\nوقوله تعالى: ﴿وَهُمْ رُقُودٌ﴾ أي: نائمون، وهو مصدر سمِّي به، كما يقال: قوم ركوع، وقعود، وسجود، يوصف الجميع بالمصدر (١)، ومن قال: إنه جمع راقد، فقد أبعد؛ لأنه لم يجمع فاعل على فعول (٢).\n(وإنما يحسبون أيقاظًا؛ لأن أعينهم مفتحة وهم نيام) (٣)؛ قاله الكلبي. وحكى أبو إسحاق: (لكثرة تقلبهم، يظن أنهم غير نيام. قال: ويدل على هذا قوله: ﴿وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ﴾) (٤)، وعلى هذا يجب أن يكثر تقلبهم.\nقال قتادة: (ذكر لنا أن أبا عياض (٥) قال: كان لهم في كل عام\n_________\n(١) \"القرطبي\" ١٠/ ٣٧٠، و\"التفسير الكبير\" ١١/ ١٠١، و\"روح المعاني\" ١٥/ ٢٢٤.\n(٢) \"معالم التنزيل\" ٥/ ١٥٧، و\"الدر المصون\" ٧/ ٤٦٠، وقال القاسمي في \"تفسيره\" ١٠/ ٤٠٣٢: وما قيل أنه مصدر أطلق على الفاعل واستوى فيه القليل والكثير كركوع وقعود؛ لأن فاعلا لا يجمع على فعول، مردود بما نص عليه النحاة كما صرح به في المفصل والتسهيل.\n(٣) \"النكت والعيون\" ٣/ ٢٩١، و\"معالم التنزيل\" ٥/ ١٥٨، و\"الكشاف\" ٢/ ٣٨٣، و\"المحرر الوجيز\" ٩/ ٢٥٩، وقال الألوسي في \"تفسيره\" ١٥/ ٢٢٤: ولو صح فتح أعينهم بسند يقطع العذر كان أبين في هذا الحسبان.\n(٤) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٢٧٤.\n(٥) عمرو بن الأسود العنسي، الهمداني، الدمشقي، الدارني، أبو عياض، مخضرم، من كبار التابعين، أخرج له الستة، وكان من زهاد الشام الكبار، روى عن عمر وجماعة من الصحابة -﵃-، وروى عنه عدد من التابعين، توفى -﵀- في خافة معاوية -﵁-. انظر: \"طبقات ابن سعد\" ٧/ ١٥٣، و\"الجرح والتعديل\" ٣/ ٢٢٠، و\"الحلية\" لأبي نعيم ٥/ ١٥٥، و\"تهذيب التهذيب\" ٨/ ٤.","vol":"13","page":557},{"text":"تقليبتان) (١).\nوهو قول أبي هريرة (٢). قال ابن عباس في رواية عطاء: (لئلا تأكل الأرض لحومهم، ولا تبليهم) (٣).\nوروى ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: (يمكثون رقودًا على أيمانهم تسع سنين، ثم يقلبون على شمائلهم فيمكثون رقودًا تسع سنين) (٤). و﴿ذَاتَ﴾ منصوبة على الظرف؛ لأن المعنى: نقلبهم في ناحية اليمين، كما قلنا في قوله: ﴿تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ﴾.\nوقوله تعالى: ﴿وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ﴾ قال ابن عباس وأكثر المفسرين: (هربوا ليلًا من ملكهم، فمروا براع معه كلب، فتبعهم على دينهم ومعه كلبه) (٥). وقال كعب: (مروا بكلب فنبح عليهم فطردوه، فعاد ففعلوا ذلك مرارًا، فقال لهم الكلب: ما تريدون مني؟ لا تخشوا جانبي، أنا أحب أحباء الله، فناموا حتى أحرسكم) (٦).\n_________\n(١) \"جامع البيان\" ١٥/ ٢١٣، و\"المحرر الوجيز\" ٩/ ٢٦٠ ذكره بدون نسبة، و\"الدر المنثور\" ٤/ ٢٩١، و\"التفسير الكبير\" ١١/ ١٠١.\n(٢) \"معالم التنزيل\" ٥/ ١٥٨، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٠/ ٣٧٠، و\"التفسير الكبير\" ١١/ ١٠١.\n(٣) \"جامع البيان\" ١٥/ ٢١٤، و\"معالم التنزيل\" ٥/ ١٥٨، و\"زاد المسير\" ٥/ ١١٨، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ٨٥.\n(٤) \"روح المعاني\" ١٥/ ٢٢٥، وذكره الرازي في \"التفسير الكبير\" ١١/ ١٠١ وقال: هذه التقديرات لا سبيل للعقل إليها، ولفظ القرآن لا يدل عليها، وما لم يأت فيه خبر صحيح فكيف يعرف؟\n(٥) \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٢٦١، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٠/ ٣٧٠، و\"التفسير الكبير\" ١١/ ١٠١، و\"الدر المنثور\" ٤/ ٣٨٨.\n(٦) \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٠/ ٣٧٠، و\"التفسير الكبير\" ١١/ ١٠١، و\"روح المعاني\" ١٥/ ٢٢٥.","vol":"13","page":558},{"text":"وقال عبيد بن عمير: (كان ذلك كلب صيدهم) (١).\nومعنى: ﴿بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ﴾ أي: يلقيهما على الأرض مبسوطتين غير مقبوضتين، ومنه الحديث في الصلاة: أنه نهى عن افتراش السبع، وقال: \"لا تفترش ذراعيك افتراش السبع\" (٢)، هو أن يضعهما على الأرض، والذراع: اسم جامع في كل ما يسمى يدًا من ذوي الأيدان.\nقال الليث: (الذراع: من طرف المرفق إلى أطراف الأصبع الوسطى) (٣). قال ابن السكيت: (الذراع مؤنثة، تقول: هذه ذراع) (٤).\nقال أبو علي: (لولا حكاية الحال لم يعمل اسم الفاعل في ذراعيه؛ لأنه إذا مضى اختص وصار معهودًا، فخرج بذلك من شبه الفعل، ألا ترى أن الفعل لا يكون معهودًا، فكما أن اسم الفاعل إذا وصف وحقر لم يعمل عمل الفعل لزوال شبهه عنه، كذلك إذا كان ماضيًا، ولكن المعنى على\n_________\n(١) \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٢٦١، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٠/ ٣٧٠، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ٨٥، و\"التفسير الكبير\" ١١/ ١٠١، و\"محاسن التأويل\" ١١/ ٤٠٣٢.\n(٢) أخرجه ابن ماجه في \"سننه\" كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها باب الاعتدال في السجود ٢/ ٢٨٨، وأبو داود في \"سننه\" كتاب الصلاة، باب صلاة من لا يقيم صلبه في الركوع والسجود ١/ ٥٣٩، والنسائي في \"سننه\" كتاب التطبيق، باب النهي عن بسط الذراعين في السجود، وأحمد في \"مسنده\" ٥/ ٤٤٧، وأخرج نحوه الترمذي في \"جامعه\" كتاب الصلاة، باب ما جاء في الاعتدال في السجود حديث رقم (٢٧٥) وقال: هذا حديث حسن صحيح، وأورده ابن الأثير في \"جامع الأصول\" كتاب الصلة، باب هيئة الركوع والسجود ٥/ ٣٧٤.\n(٣) \"تهذيب اللغة\" (ذرع) ٢/ ١٢٧٧، و\"القاموس المحيط\" (الذراع) ص ٧١٦، و\"لسان العرب\" (ذرع) ٣/ ١٤٩٥.\n(٤) \"تهذيب اللغة\" (ذرع) ٢/ ١٢٧٧، و\"القاموس المحيط\" (الذراع) ص ٧١٦، و\"الصحاح\" (ذرع) ٣/ ١٢٠٩.","vol":"13","page":559},{"text":"حكايته الحال الماضية) (١). وهذا الفضل نذكره بأشرح من هذا عند قوله: ﴿رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ [الكهف: ٢٢].\nوقوله تعالى: ﴿بِالْوَصِيدِ﴾ قال ابن عباس في رواية على وعطاء: (بالفناء) (٢)، وهو قول أكثر المفسرين، قال مجاهد والضحاك: (يعني فناء الكهف) (٣)، وبه قال أكثر أهل اللغة.\nروى أبو عبيد عن الأحمر (٤): (الوصيد: الفناء) (٥).\nوقال الزجاج: (الوصيد: فناء البيت، وفناء الدار) (٦).\nوقال أبو عبيدة: (الوصيد: الفناء، والجميع وصائد ووصدٌ) (٧).\nوقال يونس والأخفش والفراء: (الوَصِيد والأصَيد لغتان، مثل:\n_________\n(١) \"الكشاف\" ٢/ ٣٨٣، و\"البحر المحيط\" ٦/ ١٠٩، و\"الدر المصون\" ٧/ ٤٦٠، و\"شرح الكافية الشافية\" ٢/ ١٠٤٣.\n(٢) \"جامع البيان\" ١٥/ ٢١٤، و\"تفسير المشكل من غريب القرآن\" ص ١٤٢، و\"اللغات في القرآن\" ص ٣٣، و\"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٣٧، و\"معالم التنزيل\" ٥/ ١٥٨، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٠/ ٢٤٣.\n(٣) \"جامع البيان\" ١٥/ ٢١٤، و\"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٣٧، و\"تفسير كتاب الله العزيز\" ٢/ ٤٥٣، و\"معالم التنزيل\" ٥/ ١٥٨.\n(٤) أبان بن عثمان بن يحيى بن زكريا اللؤلؤي البجلي بالولاء، أبو عبد الله المعروف بالأحمر، عالم بالأخبار والأنساب، أصله من الكوفة، وكان يسكنها تارة، ويسكن البصرة تارة أخرى، أخذ عنه أبو عبيدة معمر بن المثنى، وأبو عبد الله بن سلام وغيرهما، وله مصنفات وكتب. انظر: \"بغية الوعاة\" (١٧٧)، و\"إنباه الرواة\" ١/ ١٧٠، و\"الأعلام\" ١/ ٢٧.\n(٥) \"تهذيب اللغة\" (وصد) ١/ ١٦٥.\n(٦) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٢٧٤.\n(٧) \"مجاز القرآن\" ٣/ ٢٧٤.","vol":"13","page":560},{"text":"الوِكَاف (١) والإكاف) (٢).\nوقال الكسائي: (أهل تهامة (٣) يقولون: الوصيد، وهو الفناء، وأهل نجد (٤) يقولون: الأصيد، والقرآن بلغة تهامة نزل) (٥).\nوقال السدي: (الوصيد: الباب، وهو رواية عكرمة عن ابن عباس) (٦). واختيار المبرد قال: (﴿بِالْوَصِيدِ﴾ عند أهل اللغة: بالباب، أي: بحضرة الباب، يقال: فلان بالباب، وإنما يراد بحضرة الباب).\nوقال عطاء: (الوصيد: عتبة الباب) (٧). وهو اختيار ابن قتيبة قال: (لأنهم يقولون: أوصد بابك، أي: أغلقه، قال: وأصله أن تلصق الباب\n_________\n(١) يقال: استوكف: استقطر، والوِكَاف لغة في الإِكَاف. والوكفُ: الإثم والعيب، والوكف: النطع، والوِكَاف والإكَاف: يكون للبعير والحمار والبغل، والجمع وكف. انظر: \"تهذيب اللغة\" (وكف) ٤/ ٣٩٤٦، و\"مقاييس اللغة\" (وكف) ٦/ ١٣٩، و\"الصحاح\" (وكف) ٤/ ١٤٤١، و\"لسان العرب\" (وكف) ٨/ ٤٩٠٨.\n(٢) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٣٧، و\"تهذيب اللغة\" (وصد) ١/ ١٦٥، و\"التفسير الكبير\" ١١/ ١٠١.\n(٣) تِهَامة -بكسر التاء-: اسم لكل ما نزل عن نجد من بلاد الحجاز ومكة من تهامة، وقي: تهامة إلى عرق اليمن إلى أسياف البحر إلى الجحفة وذات عرق. انظر: \"معجم البلدان\" ٢/ ٦٣، و\"تهذيب الأسماء واللغات\" ٣/ ٤٤.\n(٤) نَجْد -بفتح أوله وسكون ثانيه-: اسم للأرض العريضة التي أعلاها تهامة واليمن، وأسفلها العراق والشام، فما ارتفع من بطن الرمة فهو نجد إلى ثنايا ذات عرق. انظر: \"معجم البلدان\" ٥/ ٢٦١، و\"تهذيب الأسماء واللغات\" ٣/ ١٧٥.\n(٥) \"جامع البيان\" ١٥/ ٢١٥، و\"زاد المسير\" ٥/ ١١٩، و\"تهذيب اللغة\" (وصد) ١/ ١٦٥.\n(٦) \"معالم التنزيل\" ٥/ ١٥٨، و\"الكشاف\" ٢/ ٣٨٣، و\"زاد المسير\" ٥/ ١١٩.\n(٧) \"تفسير المشكل من غريب القرآن\" ص ١٤٢، و\"النكت العيون\" ٣/ ٢٩٢، و\"معالم التنزيل\" ٣/ ١٥٤، و\"الكشاف\" ٢/ ٣٨٣.","vol":"13","page":561},{"text":"بالعتبة [إذا أغلقته، والكهف لم يكن له باب ولا عتبة، وإنما أراد أن الكلب منه بموضع العتبة من البيت] (١)، قال: وقد يكون الوصيد الباب نفسه) (٢)، وأنشد (٣):\nبأرض فضاءٍ لا يسدُّ وصيدها ... عليَّ ومعروفي بها غير منكرِ\nويقال: أصدت الباب، وأوصدته إذا أطبقته، وباللغتين قرئ: ﴿إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ﴾ [الهمزة: ٨] (٤). فمن قال: أَصَدت بالهمزة، قال: الأصيد، ومن قال: أوصدت، قال: الوصيد، ويقال للمطبق: الأصاد والوصاد، وهذا الاشتقاق يوجب أن يكون معنى الوصيد: الباب المطبق المجافى، فالذين قالوا: إنه الباب، وافق قولهم أصل اللفظ في اللغة، ويكون معنى الوصيد في الكهف: بأنه المسدود، كما روي في القصة: أن باب الكهف سدَّ عليهم، والذين قالوا: إنه الفناء؛ فلأن الكلب إذا كان داخل الكهف وراء بابه المسدود كان بالفناء؛ لأن ما جاوز فم الكهف كان من جملة الفناء، والكلب كان في آخر الفناء عند الباب. والقولان صحيحان على ما\n_________\n(١) ما بين المعقوفين ساقط من نسخة (س).\n(٢) \"تفسير غريب القرآن\" لابن قتيبة ١/ ٢٦٥، و\"النكت والعيون\" ٣/ ٢٩٢.\n(٣) البيت ينسب إلى عبيد بن وهب العبسي. انظر: \"تفسير غريب القرآن\" لابن قتيبة ١/ ٢٦٥، و\"النكت والعيون\" ٣/ ٢٩٢، و\"البحر المحيط\" ٦/ ٩٣، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٠/ ٣٥١، و\"روح المعاني\" ١٥/ ٢٢٦، و\"الدر المصون\" ٧/ ٤٦١.\n(٤) قرأ ابن كثير، وابن عامر، وعاصم في رواية أبي بكر، والكسائي: (موصدة) بغير همز، وقرأ أبو عمرو، وحمزة، وحفص عن عاصم: (مؤصدة) بالهمز. انظر: \"السبعة\" ص ٦٨٦، و\"التبصرة\" ص ٣٨١، و\"المبسوط في القراءات\" ص ٤١٠، و\"الكشف عن وجوه القراءات\" ٢/ ٣٧٧.","vol":"13","page":562},{"text":"بينا (١)؛ وأما ما روي عن سعيد بن جبير أنه فسر الوصيد: (الصعيد، والتراب) (٢)؛ فإنه أراد الفناء، ولكنه عبر بالصعيد.\nوقوله تعالى: ﴿لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ﴾، أي: أشرفت عليهم، يقال: أطلعت فلانًا على الشيء فاطلع هو، قال الله تعالى: ﴿فَاطَّلَعَ فَرَآهُ﴾ [الصافات: ٥٥].\n﴿لوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا﴾، أي: لأدبرت وانقلبت منهم فرارًا. قال الزجاج: (منصوب على المصدر؛ لأن معنى وليت منهم: فررت منهم) (٣). ﴿وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا﴾ أي: فزعًا وخوفًا، قال المفسرون: (هو أن الله تعالى منعهم بالرعب لئلا يراهم أحد) (٤).\nوقال أبو إسحاق: (قيل في التفسير: إنهم طالت شعورهم جدًا، وأظفارهم، فلذلك كان الرائي لو رآهم لهرب مرعوبًا) (٥).\n_________\n(١) قال الطبري في \"تفسيره\" ١٥/ ٢١٥: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال الوصيد: الباب أو فناء الباب، حيث يغلق الباب، وذلك أن الباب يوصد، وإيصاده إطباقه وإغلاقه من قول الله -﷾-: ﴿إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ﴾ [الهمزة: ٨]. وانظر: \"أضواء البيان\" ٤/ ٤١.\n(٢) \"جامع البيان\" ١٥/ ٢١٤، و\"المحرر الوجيز\" ٩/ ٢٦٣، و\"زاد المسير\" ٥/ ١١٩، و\"الدر المنثور\" ٤/ ٣٩٢.\n(٣) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٢٧٥.\n(٤) \"جامع البيان\" ١٥/ ٢١٥، و\"النكت والعيون\" ٣/ ٢٩٣، و\"معالم التنزيل\" ٥/ ١٥٩، و\"المحرر الوجيز\" ٩/ ٢٦٤.\n(٥) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٢٧٥. وهذا قول بعيد، ولو كانت حالهم هكذ لم يقولوا ﴿لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ [الكهف: ١٩]، وإذا الصحيح -والله أعلم- في آمرهم أن الله -﷿- حفظ لهم الحالة التى ناموا عليها لتكون لهم ولغيرهم آية. قال الشوكاني في \"تفسيره\" ٣/ ٣٩٣: ويدفعه قوله تعالى: ﴿لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ =","vol":"13","page":563},{"text":"وفي قوله: ﴿وَلَمُلِئْتَ﴾ قراءتان: التخفيف، والتشديد (١)، والاختيار التخفيف. قال أبو الحسن: (الخفيفة أجود في كلام العرب، يقولون: ملأتني رعبًا، ولا يكادون يعرفون (٢) ملأتني) (٣). ويدل على هذا كثرة استعمالهم الملء كقوله (٤):\nفيملأ بيتنا أقطًا وسمنًا\nوقول الآخر (٥):\nومن مالئ من شيء غيره إذا ... راح نحو الحمرة البيض بالدُّمى\nوقول الآخر (٦):\n_________\n= فإن ذلك يدل على أنهم لم ينكروا من حالهم شيئًا ولا وجدوا من أظافرهم وشعورهم ما يدل على طول المدة. وانظر: \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٢٦٤، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٠/ ٣٧٣.\n(١) قرأ ابن كثير، ونافع: (ولَمُلِّئْت) بالتشديد والهمز. وقرأ ابن عامر، وعاصم، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي: (ولملئت) بالتخفيف والهمز. انظر: \"السبعة\" (٣٨٩)، و\"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ١٣٤، و\"الغاية\" ص ٣٠٥، و\"التبصرة\" ٢٤٨، و\"النشر في القراءات العشر\" ٢/ ٣١٠.\n(٢) من هنا ساقط حتى قوله: (.. المختلفون في عدد) من نسخة (ص).\n(٣) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ١٣٤، و\"التفسير الكبير\" ١١/ ١٠١.\n(٤) هذا صدر بيت لامرئ القيس. وعجزه:\nوحسبك من غنى شبع وريُّ\nوالأقطُ: شيء يتخذ من اللبن المخيض يطبخ ثم يترك ثم يمصل.\nوالسَّمنُ: سلاء الزبد. انظر: \"ديوانه\" ص ١٧١، و\"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ١٣٤، و\"التفسير الكبير\" ١١/ ١٠٢، و\"لسان العرب\" (سمن) ٤/ ٢١٠٤.\n(٥) لم أهتد إلى قائله، وأورد أبو علي الفارسي الشطر الأول منه في كتابه \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ١٣٥ بدون نسبة، وكذلك الرازي في \"التفسير الكبير\" ١١/ ١٠٢.\n(٦) هذا شطر بيت من الرجز. وبعده: =","vol":"13","page":564},{"text":"لا تملأ الدَّلو وعرِّق فيها\nوقول الآخر (١):\nامتلأ الحوض وقال قطني\nوامتلأ يدل على ملأ؛ لأنه مطاوعه، وقد جاء الثقيل أيضًا، أنشدوا للمُخبَّل السعدي (٢):\nوإذا فتك النعمان بالنَّاس محرمًا ... فملئ من كعب بن عوفٍ سلاسله\nقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ﴾ أشار إلى ما تقدم من قوله: ﴿فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ﴾ [الكهف: ١١]، وقوله: ﴿وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ [الكهف: ١٣]، وقوله: ﴿وَنُقَلِّبُهُمْ﴾ أي: كما فعلنا بهم هذه الأشياء بعثناهم، قال ابن قتيبة: (أجسامهم من تلك النومة التي تشبه الموت) (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2255>١٩ </span>- وقوله تعالى: ﴿لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ﴾ قال أبو علي الجرجاني: (ليكون بينهم تساؤل وتنازع واختلاف في مدة لبثهم) (٤).\n_________\n= ألا ترى حبار من يسقيها\nعرِّق: عرِّق الدلو جعل فيها ماء قيلًا. انظر: \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ١٣٥، و\"تهذيب اللغة\" (عرق) ٥/ ٢٤٥٩، و\"لسان العرب\" (عرق) ٥/ ٢٩٠٥، و\"التفسير الكبير\" ١١/ ١٠٢، و\"مجالس ثعلب\" ص ٢٣٨.\n(١) هذا شطر بيت من الرجز. وبعده:\nمهلًا رويدًا قد ملأت بطني\nقطني: بمعنى حسبي. وقد تقدم.\n(٢) هذا البيت ضمن قصيدة قالها حينما بعث النعمان إلى كعب بن عوف جيشًا في الشهر الحرام وهم آمنون فقتل فيهم وسبى. انظر: \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ١٣٥، و\"تهذيب اللغة\" (فتك) ٣/ ٢٧٣٧، و\"لسان العرب\" (فتك) ٦/ ٣٣٤٣، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٠/ ٣٧٤.\n(٣) \"تفسير غريب القرآن\" لابن قتيبة ١/ ٢٦٥\n(٤) ذكر نحوه بلا نسبة الرازي \"التفسير الكبير\" ٢١/ ١٠٢، والطبرسي في \"مجمع =","vol":"13","page":565},{"text":"﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ﴾ قال ابن عباس: (يريد كم لنا منذ دخلنا الكهف) (١).\n﴿قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ قال المفسرون: (إنهم دخلوا الكهف غدوة، وبعثهم الله في آخر النهار، لذلك قالوا: ﴿يَوْمًا﴾ فلما رأوا الشمس قالوا: ﴿أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾، وكان قد بقيت من النهار بقية) (٢).\n﴿قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ﴾ قال ابن عباس: (يرد تمليخا رئيسهم رد علم ذلك إلى الله) (٣)، ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ﴾، الورق: اسم للدراهم.\nوقال أبو عبيدة: (الفضة كانت مضروبة دراهم أو لا) (٤)؛ يدل على هذا ما روي: (أن عرفجة (٥) اتخذ أنفًا من ورق) (٦). وفيه لغات: وَرِق،\n_________\n= البيان\" ٦/ ٧٠٥، وقال الشوكاني في \"فتح القدير\" ٣/ ٢٩٣: ليقع التساؤل بينهم والاختلاف والتنازع في مدة اللبث لما يترتب على ذلك من انكشاف الحال وظهور القدرة الباهرة، والاقتصار على علة التساؤل لا ينفي غيرها، وإنما أفرده لاستتباعه لسائر الآثار.\n(١) ذكره \"زاد المسير\" ٥/ ١٢٠، و\"التفسير الكبير\" ١١/ ١٠٣ بدون نسبة.\n(٢) \"النكت والعيون\" ٣/ ٢٩٣، و\"معالم التنزيل\" ٥/ ١٥٩، و\"زاد المسير\" ٥/ ١٢٠، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٠/ ٣٧٥.\n(٣) \"معالم التنزيل\" ٥/ ١٥٩، و\"زاد المسير\" ٥/ ١٢٠، و\"التفسير الكبير\" ١١/ ١٠٣.\n(٤) ذكره الأزهري في \"تهذيب اللغة\" (ورق) ٤/ ٣٨٧٤.\n(٥) عرفجة بن أسعد بن كريب، وقيل: ابن صفوان التيمي، العطاردي، أحد أصحاب النبي -ﷺ-، أصيب أنفه يوم الكلاب بالجاهلية، وكان من أهل البصرة، روى عنه ابنه طرفة، وابن ابنه عبد الِرحمن. انظر: \"أسد الغابة\" ٣/ ٥١٨، و\"الاستيعاب\" ٣/ ١٠٦٢، و\"الإصابة\" ٢/ ٤٦٧، و\"تهذيب التهذيب\" ٧/ ١٧٦.\n(٦) أخرجه أبو داود في \"سننه\" كتاب: الخاتم، باب: ما جاء في ربط الأسنان =","vol":"13","page":566},{"text":"وَوَرْق، وَوِرْق، مثل كَبِد، وكَبْد، وكِبْد، ذكر ذلك الفراء والزجاج (١). وكسر الواو أردؤها.\nويقال أيضًا: للورق: الرِّقَة، قال الأزهري: (أصله: وِرْقَة، مثل: صِلَة وعِدَة) (٢). وإنما قال هذه؛ لأنه عني بالورق الدراهم أو الفضة.\nقال ابن عباس: (وكانت معهم دراهم عليها صورة الملك الذي كان في زمانهم، فهربوا منه) (٣). ويعني بالمدينة: دقسوس، وهي مدينتهم، ويقال: هي اليوم طرسوس (٤).\nوقوله تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا﴾ قال عطاء عن ابن عباس: (يريد: أحل الذبائح) (٥).\n_________\n= بالذهب ٤/ ٤٣٤، والترمذي في \"جامعه\" كتاب: اللباس، باب: ما جاء في شد الأسنان بالذهب ٤/ ٢١١ وقال: هذا حديث حسن غريب. والنسائي في \"سننه\" كتاب: الزينة، باب: من أصيب أنفه هل يتخذ أنفًا من ذهب ٨/ ١٦٣، والإمام أحمد في \"مسنده\" ٤/ ٣٤٢، وابن الأثير في \"جامع الأصول\" كتاب: الزينة، فصل: في أنواع من الحلي متفرقة ٤/ ٧٣١، وابن حجر في \"الكافي الشاف\" ص ١٠٣.\n(١) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٣٧، و\"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٢٧٥.\n(٢) \"تهذيب اللغة\" (ورق) ٤/ ٣٨٧٦، و\"إعراب القرآن\" للنحاس ٢/ ٢٧٠.\n(٣) ذكرته كتب التفسير بلا نسبة انظر: \"جامع البيان\" ١٥/ ٢١٦، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٥/ ٣٧٥، و\"التفسير الكبير\" ١١/ ١٠٣.\n(٤) طَرَسوس: بفتح أوله وثانيه وسينين مهملتين بينهما واو ساكنة: عجمية رومية، وهي في الإقليم الرابع، وقالوا: سميت بـ (طرسوس بن الروم بن اليفز بن سام بن نوح)، وقيل: إن مدينة طرسوس أحدثها سليمان كان خادمًا للرشيد في سنة نيف وتسعين ومائة، وهي مدينة بثغور الشام بين أنطاكية وحلب وبلاد الروم. انظر: \"معجم البلدان\" ٤/ ٢٨، و\"تهذيب الأسماء واللغات\" ٣/ ١٥٢.\n(٥) \"زاد المسير\" ٥/ ١٢١، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٠/ ٣٧٥، و\"الدر المنثور\" ٤/ ٣٩٢، و\"البحر المحيط\" ٦/ ١١١.","vol":"13","page":567},{"text":"وهو قول سعيد بن جبير (١)، واختيار الفراء (٢). قالوا: لأن عامة بلدهم كانوا مجوسًا، وفيهم قوم يخفون إيمانهم.\nوقال مجاهد: (أيها أحل، وكان لهم ملك غشوم يظلم الناس في طعامهم وأسواقهم، فقالوا لصاحبهم: لا تبتع طعامًا فيه ظلم ولا غصبًا) (٣).\nوذكر أبو إسحاق القولين جميعًا وقال: (الآية من باب حذف المضاف؛ لأن المعنى: أي أهلها أزكى طعامًا، أي: أحل، إما من جهة أنه ذبيحة مؤمن، وإما من جهة أنه لا غصب فيه، هذا معنى قوله. قال: و﴿أَيُّهَا﴾ رفع بالابتداء، و﴿أَزْكَى﴾ خبره، و﴿طَعَامًا﴾ منصوب على التمييز) (٤).\nوقوله تعالى: ﴿وَلْيَتَلَطَّفْ﴾ قال ابن عباس: (يريد يكون ذلك في ستر وكتمان) (٥)، يعني دخول المدينة وشراؤه الطعام، ومعنى ﴿وَلْيَتَلَطَّفْ﴾: وليدقق النظر وليحتل حتى لا يطلع عليه.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا﴾ قال ابن عباس: (يريد لا يخبرن بكم، ولا بمكانكم أحدًا من أهل المدينة) (٦).\n_________\n(١) \"جامع البيان\" ١٥/ ٢٢٣، و\"تفسير القرآن\" للصنعاني ٤/ ٤٠٠، و\"زاد المسير\" ٥/ ١٨٥.\n(٢) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٣٧.\n(٣) \"زاد المسير\" ٥/ ١٢٢، و\"البحر المحيط\" ٦/ ١١، و\"التفسير الكبير\" ١١/ ١٠٣.\n(٤) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٢٧٦.\n(٥) ذكره البغوي في \"معالم التنزيل\" ٥/ ١٦٠ بدون نسبة.\n(٦) ذكره \"جامع البيان\" بدون نسبة ١٥/ ٢٢٤، وكذلك \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٠/ ٣٧٥، و\"التفسير الكبير\" ١١/ ١٠٣.","vol":"13","page":568},{"text":"وقال أبو إسحاق: (أي إن ظهر عليه فلا يوقعن إخوانه فيما يقع فيه) (١). وهذا خلاف ما ورد في التفسير، فقد ذكر السدي وغيره: (أن الرسول خرج من عندهم وقد أخذ عليه المواثيق، لئن أخذت لتدلن علينا ولا تستأثر بالشهادة) (٢)؛ وهذا أليق بحالهم مما ذكره أبو إسحاق. والمعنى ما قاله ابن عباس، أنه لا يتولى إعلام أحد، ثم إن عرف واحد دل على أصحابه ليشاركوه في الشهادة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2256>٢٠ </span>- قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ﴾، أي: يطلعوا ويشرفوا على مكانكم أو على أنفسكم، من قولهم: ظهرت على فلان إذا علوته، وظهرت على السطح إذا صرت فوقه، ومنه قوله: ﴿فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾ [الصف: ١٤]، أي: عالين (٣) غالبين، وكذلك قوله: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة: ٣٣]، أي: ليعليه، وقد مر.\nوقوله تعالى: ﴿يَرْجُمُوكُمْ﴾ قال ابن عباس: (يقتلوكم) (٤). والرجم بمعنى القتل قد ورد كثيرًا في التنزيل كقوله: ﴿وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ﴾ [هود: ٩١] وقوله: ﴿لَأَرْجُمَنَّكَ﴾ [مريم: ٤٦] وقوله: ﴿أَنْ تَرْجُمُونِ﴾ [الدخان: ٢٠]، وأصله: الرمي.\nقال أبو إسحاق: (أي يقتلوكم بالرجم، والرجم من أخبث القتل) (٥).\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٢٧٦.\n(٢) ذكر نحوه الثعلبي في \"الكشف والبيان\" ٣/ ٣٨٩ أ.\n(٣) قوله: (عالين) ساقطة من نسخة (س).\n(٤) ذكره \"النكت والعيون\" بدون نسبة ٣/ ٢٩٥، وكذلك \"معالم التنزيل\" ٥/ ١٦٠ بدون نسبة، و\"زاد المسير\" ٥/ ١٢٢، و\"التفسير الكبير\" ١١/ ١٠٣.\n(٥) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٢٧٦.","vol":"13","page":569},{"text":"ولما كانوا بالرجم سمي القتل: رجما، وقد يسمى السب والشتم: رجما، وهو قول ابن جريج في هذه الآية (١)، وذلك لأنه رمي بالقبيح من القول.\nوقوله تعالى: ﴿يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ﴾ قال ابن عباس: (يردوكم إلى دينهم) (٢)، ﴿وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا﴾ أي: إن رجعتم إلى دينهم لن تسعدوا في الدنيا ولا في الآخرة.\nقال الزجاج: (\"إذ\" يدل على الشرط، أي: ولن تفلحوا إن رجعتم إلى ملتهم أبدًا) (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2257>٢١ </span>- وقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ﴾ الآية. قال العلماء بأخبار القدماء: (إن الفتية لما هربوا من ملكهم دقيانوس ودخلوا الكهف، أمر دقيانوس بالكهف أن يسد عليهم، ويدعوهم كما هم في الكهف يموتوا عطشًا وجوعًا، وليكن كهفهم الذي اختاروا قبرًا لهم، وهو يظن أنهم أيقاظ، وقد توفي الله تعالى أرواحهم وفاة النوم، ثم إن رجلين مؤمنين كتبا شأن الفتية وأنسابهم وأسماءهم وخبرهم في لوح من رصاص، وجعلاه في تابوت من نحاس، وجعلا التابوت في البنيان الذي بنوا على باب الكهف، وقالا: لعل الله يظهر على هؤلاء قومًا مؤمنين قبل يوم القيامة، فيعلم خبرهم حين يقرأ هذا الكتاب. ثم انقرض أهل ذلك الزمان وخلفت بعدهم قرون وملوك كثيرة، وملك أهل تلك\n_________\n(١) \"جامع البيان\" ١٥/ ٢٢٤ بدون نسبة، و\"النكت والعيون\" ٣/ ٢٩٥، و\"زاد المسير\" ٥/ ١٢٢.\n(٢) ذكره \"زاد المسير\" بدون نسبة ٥/ ١٢٢، و\"التفسير الكبير\" ١١/ ١٠٣.\n(٣) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٢٧٦.","vol":"13","page":570},{"text":"البلاد رجل صالح يقال له: تندوسيس، وتحزب الناس في ملكه أحزابًا منهم من يؤمن بالله ويعلم أن الساعة حق، ومنهم من يكذب، فكبر ذلك على الملك الصالح وبكى إلى الله وتضرع إليه، وقال: أي رب، قد ترى اختلاف هؤلاء فأبعث لهم آية تبين لهم أن البعث حق وأن الساعة آتية لا ريب فيها. فألقى الله تعالى في نفس رجل (١) من أهل ذلك البلد الذي هو به الكهف أن يهدم البنيان الذي على فم الكهف فيبني (٢) به حظيرة لغنمه ففعل ذلك، وحجب الله الفتية عن الناس بالرعب، فلم يتجاسر أن يدخل عليهم أحد، وبعث الله الفتية من نومهم فجلسوا فرحين، وأرسلوا أحدهم ليطلب لهم طعامًا، فاطلع الناس على أمرهم كما ذكر في القصة، وبعثوا إلى الملك الصالح تندوسيس ليعلمونه الخبر، ليعجل القدوم عليهم وينظر إلى آية من آيات الله جعلها الله في ملكه آية للعالمين، فتية بعثهم الله وقد كان توفاهم منذ أكثر من ثلاثمائة سنة، فلما بلغه الخبر حمد الله تعالى، وركب معه أهل مدينته حتى أتوا مدينة أصحاب الكهف، ثم صعدوا نحو الكهف حتى أتوه. فذلك قوله: ﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ﴾، أي: أطلعنا وأظهرنا عليهم)، كذا قال المفسرون (٣). وذكرنا هذا عند قوله: ﴿فَإِنْ عُثِرَ﴾ [المائدة: ١٠٧].\nوقوله تعالى: ﴿لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ قال ابن عباس: (يريد الملك\n_________\n(١) قوله: (رجل)، ساقط من نسخة (س).\n(٢) في (س): (فيجنى)، وهو تصحيف.\n(٣) انظر: \"جامع البيان\" ١٥/ ٢٢٥، و\"الكشاف\" ٢/ ٣٨٤، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ٨٧، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٠/ ٣٧٨، و\"الدر المنثور\" ٤/ ٣٨٨.","vol":"13","page":571},{"text":"ورعيته) (١)، أن البعث والثواب والعقاب حق، والقيامة لا شك فيها.\nوقوله تعالى: ﴿إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ﴾ اختلفوا في هذا التنازع، فالأشبه ما قال عكرمة: (أن أهل ذلك الزمان تنازعوا بالبعث) (٢). كما ذكرنا في القصة.\nوالمراد بقوله: ﴿أَمْرَهُمْ﴾ ما تنازعوا فيه من أمر البعث. و﴿إِذْ﴾ منصوب بقوله: ﴿أَعْثَرْنَا﴾، والمعنى: أطلعنا عليهم إذ وقعت المنازعة في أمرهم (٣). قال أبو إسحاق: (ويجوز أن يكون منصوبًا بقوله: ﴿لِيَعْلَمُوا﴾ أي: ليعلموا في وقت منازعتهم) (٤).\nوقال ابن عباس في رواية عطاء في قوله: ﴿إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ﴾ (وذلك أن الرجل إذ خرج ليشتري لهم الطعام لما وقف يتنازع، نظروا إلى درهمه، فإذا عليه صورة دقيانوس)، وذكر القصة (٥). فعلى هذا التنازع: هو تنازع القوم مع هذا الواحد الذي كان يطلب لهم الطعام وتكذيبهم إياه فيما كان يخبر به.\nوقال قوم: (يعني تنازعوا في قدر مكثهم ولبثهم) (٦). وقيل: (تنازعوا\n_________\n(١) ذكره \"النكت والعيون\" بدون نسبة ٣/ ٢٩٥، و\"معالم التنزيل\" ٥/ ١٦١ بدون نسبة، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٥/ ١٢٣.\n(٢) \"تفسير كتاب الله العزيز\" ٢/ ٢١، و\"معالم التنزيل\" ٣/ ١٥٦، و\"زاد المسير\" ٥/ ١٢٣.\n(٣) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٢٧٦، و\"إملاء ما من به الرحمن\" ص ٢٩٦.\n(٤) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٢٧٦.\n(٥) \"النكت والعيون\" ٣/ ٢٩٥، و\"الكشاف\" ٢/ ٣٨٤، و\"زاد المسير\" ٥/ ١٢٣، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ٨٧.\n(٦) \"معالم التنزيل\" ٥/ ١٦١، و\"التفسير الكبير\" ١١/ ١٠٤.","vol":"13","page":572},{"text":"في عددهم) (١)، وهذا لا يتجه؛ لأن قوله: ﴿إِذْ يَتَنَازَعُونَ﴾ إما أن يتعلق بقوله: ﴿أَعْثَرْنَا﴾، أو بقوله: ﴿لِيَعْلَمُوا﴾ على ما بينا. وإذا جعلنا التنازع في قدر المكث أو في العدد لم يصح المعنى، إلا أن يجعل تمام الكلام عند قوله: ﴿لَا رَيْبَ فِيهَا﴾، ثم يقول: ﴿إِذْ يَتَنَازَعُونَ﴾، أي: اذكر يا محمد ﴿إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ﴾: مدة مكثهم، أو في عددهم فلا يتعلق بما قبله. ومنهم من قال: (هذا التنازع يعود إلى التنازع في البنيان، والمسجد)، يروى هذا عن ابن عباس (٢). يدل على هذا سياق الآية، وهو قوله: ﴿فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا﴾، يعني استروهم من الناس، قال ذلك المفسرون (٣).\nوقوله تعالى: ﴿رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ﴾ يدل على أنه وقع تنازع في عدتهم، فمعنى: ﴿رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ﴾، أي: بعددهم كما قال: ﴿قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ﴾ [الكهف: ٢٢]، ويحتمل أن هذا من قول الله ابتداء، ويحتمل أنه من قول بعض الناس الذين تكلموا في عددهم (٤).\nوقوله تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ﴾ قال ابن عباس: (يريد المؤمنين الذين لم يشكوا في البعث). قال المفسرون: (هم تندوسيس الملك وأصحابه) (٥).\n_________\n(١) \"معالم التنزيل\" ٥/ ١٦١، و\"زاد المسير\" ٥/ ١٢٣، و\"التفسير الكبير\" ١١/ ١٠٤.\n(٢) ذكرته كتب التفسير بلا نسبة. انظر: \"النكت والعيون\" ٣/ ٢٩٦، و\"معالم التنزيل\" ٥/ ١٦١، و\"زاد المسير\" ٥/ ١٢٣، و\"البحر المحيط\" ٦/ ١١٣.\n(٣) \"الكشاف\" ٢/ ٣٨٤، و\"زاد المسير\" ٥/ ١٢٣، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ٨٧، أي: سددوا عليم باب كهفهم، و\"التفسير الكبير\" ١١/ ١٠٥.\n(٤) \"البحر المحيط\" ٦/ ١١٣، و\"التفسير الكبير\" ١١/ ١٠٥.\n(٥) \"معالم التنزيل\" ٥/ ١٦١، و\"الكشاف\" ٢/ ١٨٤، و\"زاد المسير\" ٥/ ١٢٤، و\"روح المعاني\" ١٥/ ٢٣٦.","vol":"13","page":573},{"text":"﴿لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ قال أبو إسحاق: (هذا يدل على أنه لما ظهر أمرهم غلب المؤمنون بالبعث والنشور؛ لأن المساجد للمؤمنين) (١). ومعنى: ﴿عَلَيْهِمْ﴾ هاهنا وفي قوله: ﴿ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا﴾ أنهم يجعلون وراء ذلك، كما يقال: بني عليه جدارًا، إذا حوطه وجعله وراء الجدار، وقد ذكر في قصتهم: (أن الملك جعل على باب الكهف مسجدًا يصلى فيه، وجعل عنده عيدًا عظيمًا، وأمر أن يؤتى كل سنة) (٢). وقد نسقت شرح هذه الآية على ما أمكن، والآية مشكلة الظاهر والنظم، والله أعلم بما أراد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2258>٢٢ </span>- قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ الآية. قال المفسرون: (إن نصارى نجران (٣) كانوا عند النبي -ﷺ-، فجرى ذكر أصحاب الكهف، فقالت اليعقوبية (٤) منهم: كانوا ثلاثة رابعهم كلبهم. وقالت النسطورية (٥): كانوا خمسة\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٢٧٧.\n(٢) ذكر نحوه البغوي في \"معالم التنزيل\" بلا نسبة ٥/ ١٦١، والسيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ٣٩٢ وعزاه لابن أبي حاتم.\n(٣) نَجْرَان: بفتح النون وإسكان الجيم: بين مكة واليمن، قيل: أول من عمرها نجران بن زيدان بن سبأ بن قحطان، وكان أهلها يدينون بالنصرانية، حتى فتحت سنة عشر صلحًا، وهي الآن مدينة من مدن المملكة العربية السعودية. انظر: \"معجم البلدان\" ٥/ ٢٦٦، و\"معجم ما استعجم\" (١٢٩٨)، و\"تهذيب الأسماء واللغات\" ٣/ ١٧٦.\n(٤) اليعقوبية: فرقة من النصارى، منسوبون إلى يعقوب البرذعاني وكان راهبًا بالقسطنطينية، قالوا: إن المسيح هو الله نفسه -تعالى الله عما يقولون علوًّا كبيرًا- وإنه تعالى مات، وإن العالم بقي ثلاثة أيام بلا مدبر، ثم قام ورجع كما كان، وإنه عاد محدثًا وأن المحدث عاد قديمًا. انظر: \"الملل والنحل\" ص ٢٢٦ - ٢٢٧، و\"الفصل في الملل والأهواء والنحل\" ١/ ٤٩.\n(٥) النسطورية: فرقة من فرق النصارى، منسوبون إلى نسطور، وكان بالقسطنطينة، قالوا: إن مريم لم تلد الإله، وإنما ولدت الإنسان، وإن الله تعالى لم يلد الإنسان =","vol":"13","page":574},{"text":"سادسهم كلبهم. وقال المسلمون: كانوا سبعة وثامنهم كلبهم)، هذا حكاية ما ذكره المفسرون (١).\nونظم الآية يوجب أن يكون هذا التنازع بعد نزول الآية؛ لأن الله تعالى قال: ﴿سَيَقُولُونَ﴾، وهذه السين للتأخير، فالآية تكون نازلة قبل هذا التنازع، أخبر الله فيها أنه سيقع نزاع في عددهم، ثم وقع ذلك على ما في الآية، يدل على هذا أن السورة مكية ووفد نجران إنما أتوا النبي -ﷺ- بعد الهجرة.\nواختلف النحويون في نظم هذه الآية وسقوط الواو من قولهم: رابعهم وسادسهم، ودخولها في ثامنهم، بعد اجتماعهم على أن قوله: ﴿ثَلَاثَةٌ﴾ مرفوع بالابتداء محذوف على تقدير: هم ثلاثة (٢).\nفقال صاحب النظم: (﴿رَابِعُهُمْ﴾ ابتداء و﴿كَلْبُهُمْ﴾ خبره، وهو جملة في موضع الحال لقوله: ﴿ثلاثةٌ﴾ (٣). وتأويله: سيقولون ثلاثة بهذه\n_________\n= وإنما ولد الإله -تعالى الله عما يقولون- انظر: \"الملل والنحل\" ص ٢٢٥، و\"الفصل في الملل والأهواء والنحل\" ١/ ٤٩.\n(١) \"الكشف والبيان\" ٣/ ٣٨٩ ب، و\"بحر العلوم\" ٢/ ٢٩٥، و\"معالم التنزيل\" ٥/ ١٦١، و\"الكشاف\" ٢/ ٣٨٥، و\"زاد المسير\" ٥/ ١٢٤، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٠/ ٣٨٢.\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٢٧٧، و\"إعراب القرآن\" للنحاس ٢/ ٢٧١.\n(٣) ذكر نحوه بلا نسبة \"البحر المحيط\" ٦/ ١١٤، و\"الدر المصون\" ٧/ ٤٦٦، و\"روح المعاني\" ١٥/ ٢٤٠.\nوقال العكبري في \"إملاء ما من به الرحمن\" ص ٣٩٦: رابعهم مبتدأ وكلبهم خبره، ولا يعمل اسم الفاعل هنا لأنه ماض والجملة صفة لثلاثة وليس حالًا، إذ لا عامل لها؛ لأن التقدير: هم ثلاثة، وهم لا يعمل ولا يصح أن يقدر هؤلاء لأنها إشارة إلى حاضر ولم يشيروا إلى الحاضر.","vol":"13","page":575},{"text":"الحال فيكون قوله: ﴿رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ توقيتًا للآية وحالًا لهم، وكذلك قوله: ﴿خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ﴾، قال أبو الفتح الموصلي: (لا يجوز أن تكون الجملة حالًا لثلاثة؛ لأنك لو فعلت ذلك لم يجد الحال ما ينصبها، ألا ترى أن التقدير: سيقولون: هم ثلاثة، وليس في قولك: هم ثلاثة ما يجوز أن ينصب الحال) (١).\nوقال آخرون: (﴿رَابِعُهُمْ﴾ وصف لثلاثة، على أن يكون ﴿كَلْبُهُمْ﴾ رفع برابع، كما تقول: عندي غُلامٌ ضاربه زيد، فيرفع ضاربه؛ لأنه وهف لغلام، وترفع زيد بفعله، وهو الضرب) (٢).\nقال أبو الفتح: (وهذا الوجه أيضًا غير جائز، من قبل أن رابعهم في هذا الموضع، وإن كان اسم فاعل، فإنه أراد به الماضي، وإذا كان اسم الفاعل ماضيًا في المعنى لم يجز أن يعمل عمل الأفعال، لا رفعًا ولا نصبًا؛ ألا ترى أنك لا تقول: هذا رجل غلام أخوه، فترفع الأخ بفعل، وتجعل الغلام فعلا له؛ لأن اسم الفاعل إذا أريد به الماضي جرى مجرى غلام ورجل وفرس وما لا معنى فعل فيه، فقد بطل إذن أن يرتفع ﴿كَلْبُهُمْ﴾ بما في ﴿رَابِعُهُمْ﴾ من معنى الفعل) (٣). وقد ذكرنا هذا الفصل عند قوله: ﴿وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ﴾ [الكهف: ١٨]، من كلام أبي علي.\nوقال بعضهم: (﴿رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ مبتدأ وخبر، والجملة وصف لثلاثة، كما تقول: هؤلاء ثلاثة غُلامهم رابعهم) (٤).\nقال أبو الفتح: (وهذا الوجه غير سائغ ولا مختار، وإن كان في غير هذا الموضع جائزًا. والذي منع من إجازته هاهنا وضعفها أن الجملة التي\n_________\n(١) و(٢) و(٣) و(٤) \"سر صناعة الإعراب\" ٢/ ٦٤٣","vol":"13","page":576},{"text":"في آخر الكلام [فيها واو العطف، وهو قوله: ﴿وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾، فكما ظهرت الواو في آخر الكلام] (١) فكذلك هي -والله أعلم- مرادة في أوله؛ لتتجنَّس الجمل في أحوالها والمراد بها، فكأنه قيل: سيقولون: ثلاثة ورابعهم كلبهم، ويقولون: خمسة وسادسهم كلبهم رجمًا بالغيب، ويقولون: سبعة وثامنهم كلبهم، إلا أن الواو حذفت من الجملتين المتقدمتين؛ لأن الذي فيهما من الضمير يعقدهما بما قبلهما لا عقد الحال ولا عقد الوصف لما ذكرنا، ولكن عقد الإتباع، لا سيما وقد ظهرت الواو في الجملة الثالثة، فدل ذلك على أنها مرادة في الجملتين المتقدمتين)، انتهى كلامه (٢).\nونحو هذا قال أبو علي في هذه الآية فقال: (قوله: ﴿رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ و﴿سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾، جملتان استغني عن حرف العطف فيهما بما تضمنتا من ذكر الجملة الأولى، وهي قوله: ﴿ثلاثةٌ﴾، والتقدير: هم ثلاثة) (٣). وهذا الذي ذكره أبو علي وأبو الفتح في وجه نظم هذه الآية معنى قول أبي إسحاق: (دخول الواو في ﴿وَثَامِنُهُمْ﴾ وإخراجها من الأول واحد) (٤). وعلى ما قالوا قوله: ﴿رَابِعُهُمْ﴾ عطف على خبر الابتداء الذي هو ثلاثة، كما تقول: هو حلو وحامض. و﴿كَلْبُهُمْ﴾ مرفوع على أنه نعت لقوله: ﴿رَابِعُهُمْ﴾.\n_________\n(١) ما بين المعاقوفين مكرر في نسخة (س).\n(٢) \"سر صناعة الإعراب\" ٢/ ٦٤٤.\n(٣) \"الحجة للقراء السبعة\" ١/ ٢٨.\n(٤) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٢٢٧.","vol":"13","page":577},{"text":"وقوله تعالى: ﴿رَجْمًا بِالْغَيْبِ﴾ الرجم: القول بالظن والحَدْس (١).\nومنه قول زهير (٢):\nوما هو عنها بالحديث المرجَّم\nوذلك أنه رمى الظن إلى ذلك الشيء. قال أبو إسحاق: (أي تقولون ذلك رجما، أي ظنًّا وتخرصًا) (٣). ومعنى قول المفسرين: ظنًّا من غير يقين.\nوقوله تعالى: ﴿بِالْغَيْبِ﴾ الباء هاهنا ظرف للرجم، والتأويل: يرجمون القول فيهم بالغيبة عنهم، وتلخيصه: بالمكان الغائب عنهم، كما تقول: هو يحسن القول فيك بالغيب، ويظهر الغيب، والمعنى: أنهم يقولون هذا القول من غير مشاهدة.\nوقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ قال ابن عباس: (حين وقعت الواو وانقطعت العدة) (٤)؛ يريد أنهم سبعة وثامنهم كلبهم، وإلى هذا المعنى أشار أبو إسحاق فقال: (وقد يجوز أن يكون الواو\n_________\n(١) الحَدَس: التوهم في معاني الكلام والأمور. انظر: \"تهذيب اللغة\" (حدس) ١/ ٧٦٤، و\"مقاييس اللغة\" (حدس) ٢/ ٣٣، و\"القاموس المحيط\" (الحدس) ص ٥٣٧، و\"الصحاح\" (حدس) ٣/ ٩١٥، و\"لسان العرب\" (حدس) ٢/ ٨٠٥.\n(٢) هذا عجز بيت لزهير بن أبي سلمى. وصدره:\nوما الحرب إلا ما علمتم وذقتم\nانظر: \"ديوانه\" ص ٨١، و\"تهذيب اللغة\" (رجم) ٢/ ١٣٧٥، و\"شرح القصائد العشر\" للتبريزي ص١٤٠، و\"خزانة الأدب\" ٣/ ١٠، و\"لسان العرب\" (رجم) ٣/ ١٦٠٢، و\"همع الهوامع\" ٢/ ٩٢، و\"الدر المصون\" ٧/ ٤٦٧.\n(٣) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٢٧٧.\n(٤) \"الكشاف\" ٢/ ٣٨٥، و\"روح المعاني\" ١٥/ ٢٤٢.","vol":"13","page":578},{"text":"يدخل ليدل على انقطاع القصة وأن الشيء قد تمَّ) (١). إلى هاهنا إخبار عما يقوله المختلفون في عدد (٢) أصحاب الكهف، ثم قال: ﴿قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ﴾، أي: ما يعلم عددهم إلا قليل من الناس. قال ابن عباس: (أنا من ذلك القليل) (٣). فقال في رواية الضحاك: (أنا من أولئك القليل، ثم ذكرهم بأسمائهم، فذكر سبعة) (٤). وقال في رواية عكرمة: (كانوا سبعة) (٥). وقال في رواية سعيد بن جبير: (كانوا سبعة أو ثمانية) (٦). وقال في رواية عطاء الخراساني: ﴿مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ﴾، يعني أهل الكتاب) (٧).\nوروى السدي عن ابن عباس قال: (أرجو أن أكون من القليل، أظن القوم كانوا ثلاثة، يقول واحد منهم: كم لبثتم؟ فقال الثاني: لبثنا يومًا أو بعض يوم، قال الثالث: ربكم أعلم بما لبثتم) (٨).\nوقوله تعالى: ﴿فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا﴾ قال السدي: (يقول بما\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٢٧٧.\n(٢) من قوله: (يعرفون ملأتني ..) إلى هنا ساقط من نسخة (ص).\n(٣) \"جامع البيان\" ١٥/ ٢٢٦، و\"تفسير القرآن\" للصنعاني ١/ ٣٣٧، و\"معالم التنزيل\" ٥/ ١٦٢، و\"الكشاف\" ٢/ ٣٨٥، و\"الدر المنثور\" ٤/ ٣٩٣.\n(٤) \"معالم التنزيل\" ٥/ ١٦٢، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٠/ ٣٨٤، و\"الدر المنثور\" ٤/ ٣٩٣.\n(٥) \"تفسير كتاب الله العزيز\" ٢/ ٤٥٦، و\"جامع البيان\" ١٥/ ٢٢٦، و\"النكت والعيون\" ٣/ ٢٩٧، و\"المحرر الوجيز\" ٩/ ٢٧٥.\n(٦) ذكره الشنقيطي في \"أضواء البيان\" ٤/ ٧٥ ونسبه لابن جريج.\n(٧) \"جامع البيان\" ٢٢٦/ ١٥، و\"الكشف والبيان\" ٣٨٩/ ٣، و\"الكشاف\" ٢/ ٣٨٥.\n(٨) \"بحر العلوم\" ٣٩٥/ ٢، و\"المحرر الوجيز\" ٩/ ٢٧٥، و\"معالم التنزيل\" ١٦٢/ ٥.","vol":"13","page":579},{"text":"أوحى إليك من القرآن) (١).\nوقال سفيان: (إلا بما قصصنا عليك في القرآن) (٢).\nوروي عن ابن عباس، وقتادة، والضحاك في قوله: ﴿إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا﴾ (حسبك ما قصصنا عليك من شأنهم) (٣). وقال ابن زيد: (المراء الظاهر: أن تقول لهم: ليس كما تقولون، ليس كما تعلمون عدتهم) (٤)؛ يعني إنما يعلمهم القليل. ومعنى المراء في اللغة: الجدال، يقال: مَارَى يُماري، مُمارَاة ومِراء، أي: جادل (٥).\nقال أبو إسحاق: (أي لا تأت في أمرهم بغير ما أوحي إليك، أي: أفت في قصتهم بالظاهر الذي أنزل عليك) (٦). فعلى ما قالوا المراء الظاهر هو: أن يجادلهم بما أنزل إليه من أنه لا يعلم عددهم إلا القليل، كما قال ابن زيد.\n_________\n(١) ذكره ابن عطية في \"المحرر الوجيز\" بلا نسبة ٩/ ٢٧٥، والقرطبي في \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٠/ ٣٨٤.\n(٢) ذكرت كتب التفسير نحوه بلا نسبة. انظر: \"جامع البيان\" ١٥/ ٢٢٧، و\"النكت والعيون\" ٣/ ٢٣٨، و\"زاد المسير\" ٥/ ١٢٧، و\"لباب التأويل\" ٤/ ٢٠٧.\n(٣) \"جامع البيان\" ١٥/ ٢٢٧، و\"تفسير القرآن\" للصنعاني ١/ ٣٣٧، و\"النكت والعيون\" ٣/ ٢٩٨، و\"زاد المسير\" ٥/ ١٢٧، و\"الدر المنثور\" ٤/ ٣٩٣.\n(٤) \"جامع البيان\" ١٥/ ٢٢٧، و\"زاد المسير\" ٥/ ١٢٧.\n(٥) المِرَاء: المماراة والجدل، وأصله في اللغة: الجدال وأن يستخرج الرجل من مناظرة كلامًا ومعاني الخصومة وغيرها. انظر: \"تهذيب اللغة\" (مرى) ٤/ ٣٣٨٣، و\"مقاييس اللغة\" (مرى) ٥/ ٣١٤، و\"مختار الصحاح\" (مرا) (٢٦٠)، و\"المصباح المنير\" (المرئ) ص ٢١٧.\n(٦) \"معاني القرآن\" للزجاج ٢٧٧/ ٣","vol":"13","page":580},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ﴾، أي: في أصحاب الكهف ﴿مِنْهُمْ﴾، أي: من اليهود وأهل الكتاب. قال الفراء: (هم فريقان أتوه من أهل نجران: يعقوبي ونسطوري، فسألهم النبي -ﷺ- عن عددهم فَنُهي) (١). قال أصحابنا: (وهذا دليل على منع المسلمين من استفتاء اليهود والنصارى) (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2259>٢٣ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا﴾ ذكرنا قبل هذا سبب نزول هذه الآية (٣). قال المفسرون: (هذا تأديب من الله تعالى لنبيه -﵇-، وأمر له بالاستثناء فيما يعزم بمشيئة الله، إذا قلت لشيء: إني فاعله غدًا، فقل: إن شاء الله) (٤). قال الفراء في قوله: (إِلَّا أَن يَشَاء اللهُ﴾: إلا أن يريد الله) (٥).\nقال أبو إسحاق: (موضع ﴿أَن﴾ نصب، المعنى: لا تقولن إني أفعل إلا بمشيئة الله) (٦). جعل أبو إسحاق ﴿أَن﴾ مع الفعل مصدرًا وأضمر الباء.\nوقال الأخفش: (أي: إلا أن يقول: إن شاء الله. فأجزأ من ذلك\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٣٨.\n(٢) انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٠/ ٣٨٤.\n(٣) عند قوله سبحانه في سورة الإسراء (٨٥) ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ الآية. وعند قوله سبحانه في سورة الكهف (٩) ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا﴾.\n(٤) \"جامع البيان\" ١٥/ ٢٢٨، و\"معالم التنزيل\" ٥/ ١٦٢، و\"المحرر الوجيز\" ٩/ ٢٧٧، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ٨٨.\n(٥) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٣٨.\n(٦) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٢٧٨.","vol":"13","page":581},{"text":"هذا، وكذلك إذا طال الكلام أجزأ فيه، شبيه بالإيماء؛ لأن بعضه يدل على بعض) (١). ونحو هذا روي عن المبرد عن الكسائي والفراء قالا: (المعنى إني فاعل ذلك غدًا إلا أن يقول: إن شاء الله) (٢)؛ فأضمر القول، ومثله كثير في القرآن، وهذا على ما ذكروا، ولما حذف يقول نقل شاء إلى لفظ الاستقبال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2260>٢٤ </span>- وقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ أكثر الناس على أن معناه: إذا نسيت الاستثناء بمشيئة الله تعالى فاذكره، وقله إذا ذكرت.\nقال ابن عباس رواية عطاء: (يريد الاستثناء ولو بعد شهر) (٣). يعني أن من قال: أفعل غدًا كذا وكذا، ونسي أن يقول: إن شاء الله، فقد واقع ما نهى الله عنه، فإذا ذكر أنه كان قد نسي الاستثناء فقاله وضع عنه الحرج.\nوقال سعيد بن جبير: (إذا قلت لشيء إنك فاعله غدًا، فنسيت أن تقول: إن شاء الله، ثم ذكرت، فقل: إن شاء الله، وإن كان بعد يوم أو شهر أو سنة) (٤).\nوقال أبو العالية: (إذا ذكرت فاستثن) (٥).\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للأخفش ١/ ٦١٨.\n(٢) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٣٨، و\"إملاء ما من به الرحمن\" ١/ ٣٩٧.\n(٣) \"زاد المسير\" ٥/ ١٢٩، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ٨٩، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٠/ ٣٨٦، و\"التفسير الكبير\" ١١/ ١١٠.\n(٤) \"الكشاف\" ٢/ ٣٨٦، و\"زاد المسير\" ٥/ ١٢٨، و\"الدر المنثور\" ٤/ ٣٩٤، و\"التفسير الكبير\" ١١/ ١١٠.\n(٥) انظر: \"جامع البيان\" ١٥/ ٢٢٩، و\"المحرر الوجيز\" ٩/ ٢٧٨، و\"زاد المسير\" ٥/ ١٢٩، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ٨٩، و\"الدر المنثور\" ٤/ ٣٩٤.","vol":"13","page":582},{"text":"وقال عمرو بن دينار: (له الاستثناء متى ما ذكر) (١). هذا كله فيما يعد من نفسه أن يفعله من غير يمين، فإن حلف ثم استثنى بمشيئة الله متصلًا بيمينه فلا حنث عليه، كذلك روى أبو هريرة عن النبي - ﷺ: \"مَنْ حلف فقال: إن شاء الله، لم يحنث\" (٢).\nوروى ابن عمر عن النبي -ﷺ- قال: \"مَنْ حلف على يمين فقال: إن شاء الله، فهو بالخيار\" (٣).\nولا خلاف في هذا بين الناس، وإنما الخلاف فيه إذا انقطع الاستثناء عن اليمين، روى قتادة عن الحسن في الرجل يحلف فيستثني في يمينه قال: (له ثنياه إذا اتصل كلامه، ولم يكن بين ذلك كلام) (٤).\n_________\n(١) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ٣/ ٤٣١، وذكرته كتب الفقه بلا نسبة. انظر: \"أحكام القرآن\" لابن العربي ٣/ ١٢٣٥، و\"أحكام القرآن\" للجصاص ٥/ ٤١، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٦/ ٢٧٣، و\"المغني\" لابن قدامة ١٣/ ٤٨٥.\n(٢) أخرجه ابن ماجة في \"سننه\" كتاب: الكفارات، باب: الاستثناء في اليمين ١/ ٦٨٠، النسائي في \"سننه\" كتاب الأيمان والنذر باب: الاستثناء ٧/ ٢٣، والترمذي في \"جامعه\" كتاب: النذور والأيمان باب: ما جاء في الاستثناء في اليمين ٤/ ٩١ وقال: حديث حسن. والإمام أحمد في \"مسنده\" ٢/ ٢٧٥، والدارمي في \"سننه\" كتاب: النذور والأيمان باب: في الاستثناء في اليمين ٢/ ١٠٦، وابن الأثير في \"جامع الأصول\" كتاب: الأيمان، باب: في الاستثناء في اليمين ١١/ ٦٦٤.\n(٣) أخرج نحوه الترمذي في \"جامعه\" كتاب: النذور والأيمان، باب: الاستثناء في اليمين ٤/ ٩١، والنسائي في \"سننه\" كتاب: الكفارات، باب: الاستثناء ٧/ ٢٣، وابن ماجة في \"سنة\" كتاب: الكفارات، باب: الاستثناء في اليمين ١/ ٦٨٠، والإمام أحمد في \"مسنده\" ٢/ ٦، ومالك في \"الموطأ\" كتاب: الأيمان، باب: ما لا تجب فيه الكفارة من اليمين ٢/ ٤٧٧ والدارمى في \"سننه\"، كتاب. النذور والأيمان باب: في الاستثناء في اليمين ٢/ ١٠٦، والسيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ٣٩٥.\n(٤) \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٢٧٨، و\"زاد المسير\" ٥/ ١٢٩، و\"تفسير القرآن العظيم\" =","vol":"13","page":583},{"text":"وقال طاووس: (له ثنياه ما كان في مجلسه) (١). وعن حماد (٢) قال: (إن استثنى في نفسه فليس بشيء حتى يسمع نفسه) (٣).\nوقال الحسن: (إذا حرك لسانه أجزأ عنه) (٤). ومذهب الشافعي -﵀-: أن الحالف إذا نسي الاستثناء موصولًا بكلامه، فات وقته في الطلاق والعتاق وسائر الأيمان (٥). حتى قال بعض أصحابنا: (إنما ينفعه الاستثناء إذا أنشأ أول يمينه مع نية الاستثناء ثم وصله باليمين، فإن أنشأ اليمين ثم بدا له أن يستثني فوصل الاستثناء لم ينفعه) (٦).\nوالصحيح: أنه إذا اتصل نفع، ووقع موقعه (٧).\n_________\n= ٣/ ٨٩، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٠/ ٣٨٦، و\"المغني\" لابن قدامة ١٣/ ٢٧٣.\n(١) \"الكشاف\" ٢/ ٣٨٦، و\"المحرر الوجيز\" ٩/ ٢٧٨، و\"التفسير الكبير\" ١١/ ١١٠، و\"روح المعاني\" ١٥/ ٢٤٩، و\"الدر المنثور\" ٤/ ٣٩٤.\n(٢) حماد بن زيد بن درهم الأزدي، تقدمت ترجمته.\n(٣) ذكرته كتب الفقه بلا نسبة. انظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص ٥/ ٤١، و\"المحلى\" ٨/ ٤٠٦، و\"بلغة السالك\" ١/ ٧٠٠، و\"المغني\" لابن قدامة ٣/ ٤٨٥، كتاب: \"الأيمان والنذور\" لأبي فارس ص ٣٧.\n(٤) ذكره القرطبي في \"الجامع لأحكام القرآن\" ٦/ ٢٨٣ بلا نسبة، وابن قدامة في \"المغني\" ١٣/ ٤٨٥.\n(٥) انظر: \"الأم\" للشافعي ٧/ ٦٥، و\"روضة الطالبين\" ١١/ ٣، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٦/ ٢٧٤.\n(٦) انظر: \"الأم\" للشافعي ٧/ ٦٥، و\"روضة الطالبين\" ١١/ ٤، و\"أحكام القرآن\" للجصاص ٥/ ٤١، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٦/ ٢٨٣، و\"المغني\" لابن قدامة ١٣/ ٤٨٤.\n(٧) وهذا ما عليه جمهور العلماء. قال الإمام الطبري -﵀- في \"تفسيره\" ١٥/ ٢٢٩: فأما الكفارة فلا تسقط عنه بحال إلا أن يكون استثناؤه موصولًا بيمينه، وقال الشنقيطي في \"أضواء البيان\" ٤/ ٧٩: والتحقيق الذي لا شك فيه أن =","vol":"13","page":584},{"text":"وروي عن ابن عباس أنه قال: (يستثني الرجل في يمينه متى ما ذكر، وإن تطاول الزمان، وقرأ هذه الآية) (١). وهذا لا يصح؛ لأن سبيل الاستثناء أن لا يكون منفردًا بنفسه، هو مضمر كلام غيره، والآية وردت في غير اليمين، وليس في الآية: ولا تحلفن على شيء إني فاعل ذلك غدًا، يدل على هذا سبب نزول الآية، والنبي -ﷺ- لما سألوه عن قصة أصحاب الكهف قال: غدًا أخبركم، ولم يحلف على ذلك، ويؤكد هذا ما روي أن النبي -ﷺ- قال: \"مَنْ حلف على يمين ورأى غيرها خيرًا منه، فليأتِ الذي هو خير ويُكَفّر عن يمينه\" (٢).\nولو كان يخرج بقوله: إن شاء الله عن الحنث، لقال: وليقل: إن شاء الله، وأيضًا فإن الإنسان إذا حلف من غير نية [فقد تمت يمينه واستقرت،\n_________\n= الاستثناء لا يصح إلا مقترنًا بالمستثنى منه، وأن الاستثناء المتأخر لا أثر له ولا تحل به اليمين، ولو كان الاستثناء المتأخر يصح لما علم في الدنيا أنه تقرر عقد ولا يمين ولا غير ذلك، لاحتمال طرو الاستثناء بعد ذلك. وانظر: \"روضة الطالبين\" ١١/ ٤، و\"بداية المجتهد\" ٨/ ٤٠٦، و\"أحكام القرآن\" للكيا الهراس ٤/ ٢٠٧، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٦/ ٢٧٣، و\"المغني\" لابن قدامة ١٣/ ٤٨٤.\n(١) ذكرت نحوه كتب التفسير. انظر: \"جامع البيان\" ١٥/ ٢٢٩، و\"الكشف والبيان\" ٣/ ٣٨٩ أ، و\"المحرر الوجيز\" ٩/ ٢٧٨، و\"معالم التنزيل\" ٥/ ١٦٢، و\"زاد المسير\" ٥/ ١٢٩، و\"ابن كثير\" ٣/ ٨٩.\n(٢) أخرجه البخاري كتاب: الأيمان والنذور، باب: قول الله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥] ٨/ ٢٢٩، ومسلم، كتاب: الأيمان، باب: ندب من حلف يمينًا فرأى غيرها خيرًا منها ٣/ ١٢٦٨، والنسائي كتاب: الأيمان والنذور، باب: الكفارة قبل الحنث ٧/ ٩، وابن ماجة كتاب: الكفارات، باب: من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها ١/ ٦٨١ ومالك في \"الموطأ\" كتاب: الأيمان، باب: ما جاء فيه الكفارة من الأيمان ٢/ ٤٧٨.","vol":"13","page":585},{"text":"فلم يجز أن ينقض حكمها شيء يحدثه بعد ذلك، بخلاف ما يقارنه الاستثناء] (١)؛ لأنه لا يستقر، على أن كثيرًا من المفسرين حملوا قوله: ﴿اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ على غير الاستثناء؛ لأن قوله: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ﴾ ابتداء كلام آخر وقصة أخرى، والاستثناء الذي ذكر وقع في موضعه متصلًا.\nقال عكرمة: (﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ قال: إذا غضبت) (٢)\nومعناه أنه إنما يغضب لما يطرأ عليه من نسيان ذكر الله، فأمر بذكر الله ليزول غضبه. وروي عن السدي والضحاك أنهما قالا: (هذا فيمن نسي صلاة فعليه أن يصليها إذا ذكرها) (٣).\nوقال المبرد: (إن ابن عباس أعلم من أن يسقط حكم الحنث بالاستثناء الذي لا يصله الحالف بيمينه، ولعله قال هذا في الاستثناء من غير يمين كما قال المفسرون، قال: إذا نسي أن يقول: إن شاء الله، ثم ذكر فليقله. فظن بعض الناس أنه يقول ذلك في اليمين، فروي عنه ذلك في اليمين) (٤).\nقوله تعالى: ﴿وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ﴾ إلى آخرها، قال أبو إسحاق:\n_________\n(١) ما بين المعقوفين ساقط من الأصل، والمثبت في بقية النسخ.\n(٢) \"جامع البيان\" ١٥/ ٢٢٩، و\"معالم التنزيل\" ٥/ ١٦٣، و\"المحرر الوجيز\" ٩/ ٢٧٨، و\"زاد المسير\" ٥/ ١٢٩، و\"الدر المنثور\" ٤/ ٣٩٥.\n(٣) \"معالم التنزيل\" ٥/ ١٦٣، و\"الكشاف\" ٢/ ٣٨٧، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٠/ ٣٨٦.\n(٤) انظر: \"جامع البيان\" ١٥/ ٢٢٩. وقال الشنقيطي في \"أضواء البيان\" ٧٩/ ٤: والتحقيق الذي لا شك فيه أن الاستثناء لا يصح، إلا مقترنًا بالمستثى منه وأن المستثناء المتأخر لا أثر له ولا تحل به اليمين، ولو كان الاستثناء المتأخر يصح لما علم في الدنيا أن تقرر عقد ولا يمين ولا غير ذلك لاحتمال طرو الاستثناء بعد ذلك، وهذا في غاية البطلان كما تري.","vol":"13","page":586},{"text":"(أي قل عسى أن يعطيني ربي من الآيات والدلالات على النبوة ما يكون أقرب في الرشد، وأدل من قصة أصحاب الكهف) (١).\nقال المفسرون: (إن الله -﷿- فعل به ذلك حيث آتاه من علم غيوب المرسلين، وخبرهم ما كان أوضح في الحجة وأقرب إلى الرشد من خبر أصحاب الكهف) (٢).\nوقال بعضهم: (هذا نبأ أمر أن يقوله مع الاستثناء إذا ذكر، وهو كفارة نسيان الاستثناء أن يقول: ﴿عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ﴾ إلى آخرها) (٣). والمعنى: عسى أن يهدين حتى لا أنسى الاستثناء بمشيئته، وهو أقرب رشدًا من أن ينسى ذلك.\nوقال بعضهم: (هذا فيما ينساه النبي -ﷺ- أمر أن يذكر الله تعالى فسأله أو يذكره ما نسي، أو يهديه لما هو خير له من ذكر ما نسيه) (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2261>٢٥ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ﴾ الآية، اختلفوا في معنى هذه الآية على قولين أحدهما: أن هذا إخبار عن أهل الكتاب أنهم قالوا ذلك (٥). وهذا قول ابن عباس في رواية الضحاك قال: (إن الرجل ليفسر الآية يرى أنها كذلك فيهوي أبعد مما بين السماء والأرض ثم تلا: ﴿وَلَبِثُوا\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٢٧٨.\n(٢) \"معالم التنزيل\" ٥/ ١٦٣، و\"الكشاف\" ٢/ ٣٨٧، و\"زاد المسير\" ٥/ ١٢٩ و\"التفسير الكبير\" ١١/ ١١١.\n(٣) \"جامع البيان\" ١٥/ ٢٣٠، و\"معالم التنزيل\" ٥/ ١٦٤، و\"المحرر الوجيز\" ٩/ ٢٨١، و\"الدر المنثور\" ٤/ ٣٩٥.\n(٤) \"معالم التنزيل\" ٥/ ١٦٤، و\"الكشاف\" ٢/ ٣٨٧.\n(٥) \"تفسير كتاب الله العزيز\" ٢/ ٤٥٨، و\"جامع البيان\" ١٥/ ٢٣٠، و\"معالم التنزيل\" ٥/ ١٦، و\"النكت والعيون\" ٣/ ٣٠٠.","vol":"13","page":587},{"text":"فِي كَهْفِهِمْ﴾ الآية، ثم قال: كم لبث القوم؟ قالوا: ثلاثمائة سنة وتسع سنين، قال: فلو كانوا لبثوا ذلك لم يقل الله: ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا﴾، ولكنه حكى مقالة القوم، فقال: سيقولون: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ﴾ الآية (١).\nوقال قتادة: (هذا قول أهل الكتاب، فرد الله عليهم بقوله: ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا﴾ قال: ويدل على صحة هذا قراءة ابن مسعود: قالوا لبثوا في كهفهم) (٢). ونحو هذا قال مطر الورّاق (٣) (٤).\nالقول الثاني: أن هذه الآية إخبار عن الله تعالى، أخبر عن قدر لبثهم في الكهف من يوم دخلوا إلى أن بعثهم الله وأطلع عليهم الخلق (٥)؛ وهذا قول مجاهد قال في هذه الآية: (هو عدد ما لبثوا) (٦)، ونحوه قال عبد الله بن عبيد بن عمير (٧)،\n_________\n(١) \"زاد المسير\" ٥/ ١٣٠، و\"الدر المنثور\" ٤/ ٣٩٥ وعزاه لابن أبي حاتم وابن مردويه.\n(٢) \"جامع البيان\" ١٥/ ٢٣٠، و\"معالم التنزيل\" ٥/ ١٦٤، و\"النكت والعيون\" ٣/ ٣٠٠، و\"المحرر الوجيز\" ٩/ ٢٨٢، و\"الدر المنثور\" ٤/ ٣٩٥.\n(٣) مطر بن طهمان الوراق، أبو رجاء الخراساني السلمي، مولى علي، من أهل البصرة، روى عن: أنس، وعكرمة، والحسن، وقتادة، وروى عنه: إبراهيم بن طهمان، ومعمر بن هشام، وشعبة، وغيرهم كثير، وكان من أكبر أصحاب قتادة، وثقه بعض العلماء، توفي سنة ١٢٥ هـ، وقيل غير ذلك. انظر: \"الجرح والتعديل\" ٨/ ٢٨٧، و\"الكاشف\" ٣/ ١٤٩، و\"ميزان الاعتدال\" ٤/ ١٢٦، و\"تهذيب التهذيب\" ١٠/ ١٥٢.\n(٤) \"جامع البيان\" ١٥/ ٢٣١، و\"المحرر الوجيز\" ٩/ ٢٨٢.\n(٥) \"جامع البيان\" ١٥/ ٢٣١، و\"عالم التنزيل\" ٥/ ١٦٤، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ٨٩، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٠/ ٣٨٦.\n(٦) \"جامع البيان\" ١٥/ ٢٣١، و\"الكشف والبيان\" ٣/ ٣٨٩ أ.\n(٧) عبد الله بن عبيد بن عمير الليثي، المكي، أبو هاشم، إمام تابعي مشهور، عرف بالصلاح والتقوى، وثقة العلماء، وروى لي الأربعة، ومسلم في \"صحيحه\"، =","vol":"13","page":588},{"text":"والضحاك (١).\nواختاره الزجاج وقال: (هو الأجود عندي) (٢)، وهو اختيار ابن قتيبة (٣). وعلى هذا القول معنى قوله: ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا﴾ ما قاله القتبي: (وهو أنهم اختلفوا في لبثهم فقال الله: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ﴾ الآية، ثم قال: ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا﴾ أي. وأنا أعلم بما لبثوا من المختلفين) (٤). وهذا معنى قول الزجاج، والكلبي: (قالت نصارى نجران: أما الثلاثمائة فقد عرفناها، وأما التسع فلا علم لنا بها، فنزلت: ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا﴾ (٥).\nوقال كثير من أهل التفسير: (معنى قوله: ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا﴾ أن أهل الكتاب قالوا على رسول الله -ﷺ-: أن الفتية من لدن دخلوا الكهف إلى يومنا هذا ثلاثمائة وتسع سنين، فرد الله -﷿- عليهم وقال: ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا﴾ بعد أن قبض أرواحهم المرة الثانية إلى يومنا هذا لا يعلم ذلك غير الله تعالى) (٦).\n_________\n= روى عن أبيه وغيره، عنه الأوزاعي وطائفة من التابعين، توفي -﵀- سنة ١١٣ هـ. انظر: \"طبقات ابن سعد\" ٥/ ٢٤٩، و\"الجرح والتعديل\" ٢/ ١٠١، و\"الحلية\" ٣/ ٣٥٤، و\"تهذيب التهذيب\" ٥/ ٣٠٨، و\"شذرات الذهب\" ١/ ١٩٤.\n(١) \"جامع البيان\" ١٥/ ٢٣١، و\"زاد المسير\" ٥/ ١٣٠.\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٢٧٨.\n(٣) \"تفسير غريب القرآن\" لابن قتية ١/ ٢٦٦.\n(٤) \"تفسير غريب القرآن\" لابن قتية ١/ ٢٦٧.\n(٥) \"معالم التنزيل\" ٥/ ١٦٥، و\"زاد المسير\" ٥/ ٩٢، و\"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٢٧٩.\n(٦) \"جامع البيان\" ١٥/ ٢٣١، و\"معالم التنزيل\" ٥/ ١٦٥، و\"المحرر الوجيز\" ٩/ ٢٨، و\"زاد المسير\" ٥/ ١٣٠.","vol":"13","page":589},{"text":"هذا الذي ذكرنا تفسير الآية (١)، فأما إعرابها فقال ابن عباس في رواية عطاء: (نزل قوله: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ﴾ فلم يدرِ رسول الله -ﷺ- أسنين، أم أشهر، أم أيام، أم ساعات، حتى نزل جبريل فقال: ﴿سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾ (٢)؛ ونحو هذا قال الضحاك، ومقاتل (٣). وعلى هذا أجاز ابن مجاهد الوقف على ثلاثمائة، لفصل ما بينهما في النزول (٤). والاختيار ترك الوقف؛ لأن سنين وإن نزل بعد ثلاثمائة فقد التحق به في قول جميع النحويين، وصار التقدير: سنين ثلاثمائة. قاله الفراء، والزجاج، وأبو عبيدة، والكسائي. وعلى هذا ﴿سِنِينَ﴾ في موضع نصب بالفعل (٥). قال أبو إسحاق: (ويجوز في تقدير العربية أن يكون سنين معطوفًا على ثلاث، عطف البيان والتوكيد) (٦). وقال أبو علي: ﴿سِنِينَ﴾ بدل من قوله: ﴿ثَلَاثَ\n_________\n(١) قال الطبري -﵀- في \"تفسيره\" ١٥/ ٢٣١: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال كما قال الله عز ذكره، ولبث أصحاب الكهف في كهفهم رقودًا إلى أن بعثهم الله ليتساءلوا بينهم وإلى أن أعثر عليهم من أعثر ثلاثمائة سنين، وذلك لأن الله بذلك أخبر في كتابه. وقال ابن كثير -﵀- في \"تفسيره\" ٣/ ٨٩: والظاهر من الآية إنما هو أخبار من الله لا حكاية عنهم، ورواية قتادة قراءة ابن مسعود منقطعة، ثم هي شاذة بالنسبة إلى قراءة الجمهور فلا يحتج بها، والله أعلم. وانظر: \"المحرر الوجيز\" لابن عطية ٩/ ٢٨٣.\n(٢) ذكرت كتب التفسير نحوه. انظر: \"جامع البيان\" ١٥/ ٢٣١، و\"الكشف والبيان\" ٣/ ٣٨٩ أ، و\"معالم التنزيل\" ٥/ ١٦٥، و\"زاد المسير\" ٥/ ١٣٠، و\"لباب النقول في أسباب النزول\" ١٤٤، و\"جامع النقول في أسباب النزول\" ٢/ ٢٠٩.\n(٣) \"الكشف والبيان\" ٣/ ٣٨٩ أ.\n(٤) ذكر نحوه بلا نسبة \"المكتفى في الوقت والابتداء\" ٣٦٨.\n(٥) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٣٨، و\"إعراب القرآن\" للنحاس ٢/ ٢٧٢، و\"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٢٧٨.\n(٦) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٢٧٨.","vol":"13","page":590},{"text":"مِائَةٍ﴾ وموضعه نصب، كما أن موضع المبدل منه كذلك وهذا كما تقول: أعطيته ألفا درهما ومائة أثوابا) (١). قال الفراء: (ويجوز أن يكون ﴿سِنِينَ﴾ نصبا بالتفسير للعدد، كما قال عنترة (٢):\nفيها اثنتان وأربعون حلوبةً ... سودًا كخافية الغراب الأسحم\n[وهي جمع مفسرة كما يفسر الواحد) (٣).\nوقال أبو إسحاق: (وجائز أن يكون ﴿سِنِينَ﴾ من نعت المائة، وهو راجع في المعنى إلى ثلاث، كما قال الشاعر، وأنشد البيت)] (٤) (٥). فجعل سودا نعتا للحلوبة، وهي في المعنى نعت لجملة العدد. وهذا القول أحسن من قول الفراء؛ لأنه جعل سودًا تفسيرًا للعدد، وليس كذلك تفسير العدد حلوبة، وسودًا نعت للحلوبة راجع إلى جملة العدد، كذلك قوله: ﴿سِنِينَ﴾ نعت المائة راجع إلى جملة العدد، وعلى هذا يكون ﴿سِنِينَ﴾ في محل الجر، غير أنه يفتح النعت بالسنين؛ لأنها اسم جامد فلا يحسن النعت بها.\n_________\n(١) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ١٤١.\n(٢) البيت لعنترة. كَخَافِية الغُرَاب: أواخر الريش من الجناح مما يلي الظهر، وسميت بذلك لخفائها.\nوالأسْحم: الأسود. والشاهد فيه قوله: (سودا) وهو حال من النكرة (حلوبة) في بعض التخريجات، وفيه دليل على مجيء صاحب الحال نكرة واستشهد به أبو حيان على نعت التمييز المفرد بالجمع مراعاة للمعنى. انظر: \"ديوانه\" ص ١٣، و\"الحيوان\" ٣/ ٤٢٥، و\"خزانة الأدب\" ٧/ ٣٩٠، و\"شرح شذور الذهب\" ص ٣١١، و\"شرح القصائد السبع\" لابن الأنباري ٣٠٥، و\"شرح القصائد العشر\" ٢١٧، و\"المقاصد النحوية\" ٤/ ٤٨٧.\n(٣) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٣٨.\n(٤) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٢٧٨.\n(٥) ما بين المعقوفين ساقط من الأصل ومثبت في بقية النسخ.","vol":"13","page":591},{"text":"وقد حصل في قوله: ﴿سِنِينَ﴾ خمسة أوجه من الإعراب: الظرف، وعطف البيان، والبدل، والتفسير، والنصت. هذا الذي ذكرنا وجه قراءة العامة وهو تنوين (مِائَةٍ)، وقراءة حمزة، والكسائي: \"ثلاثمائةِ سنين\" مضافة غير منونة (١)، وهذه قراءة غير جيدة (٢).\nقال أبو الحسن: (لا يحسن إضافة المائة إلى السنين، لا تكاد العرب تقول: مائة سنين) (٣).\nوقال صاحب النظم: (من أضاف وأظهر العدد اعتسف) (٤). إلا أن أبا الحسن قال: (هو جائز، وقد يقوله بعض العرب) (٥).\n_________\n(١) قرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وعاصم، وابن عامر: (ثلاث مائةٍ سنين) منونًا. وقرأ حمزة، والكسائي: (ثلاث مائةِ سنين) مضافًا غير منون. انظر: \"السبعة\" لابن مجاهد (٣٩٠)، و\"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ١٣٦، و\"المبسوط\" (٢٣٤)، و\"التبصرة\" (٢٤٨)، و\"الكشف عن وجوه القراءات\" ٢/ ٥٨، و\"النشر\" ٢/ ٣١٠.\n(٢) قول المؤلف -غفر الله له- هذه قراءة غير جيدة. غير جيد؛ لأنها قراءة سبعية صحيحة ثابتة عن النبي -ﷺ- فلا يجوز الطعن فيها.\nقال ابن عطية في \"تفسيره\" ٩/ ٢٨٥: وهي قراءتنا معشر المغاربة ولا يقوم فيها مخالفة قانون النحاة المشار إليه بقول الخلاصة: ومائة والألف للفرد أضف. لأن القرآن برواية أهل السبع عن رسول -ﷺ- حجة على النحاة لا العكس، لا سيما وأبو علي الفارسي يرى أن قاعدة إضافة المائة إلى الفرد، أغلبية لا كلية مطردة، وبهذا يرد على من أنكر هذه القراءة.\nوقال أبو حيان في \"البحر المحيط\" ٦/ ١١٧: وقرأ حمزة والكسائي مائة بغير تنوين مضافًا إلى سنين أوقع الجمع موقع المفرد، وأنحى أبو حاتم على هذه القراءة ولا يجوز له ذلك.\n(٣) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ١٣٧، و\"مجمع البيان\" ٣/ ٧١٦.\n(٤) ذكر نحوه الفارسي في \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ١٣٧ بلا نسبة.\n(٥) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ١٣٧.","vol":"13","page":592},{"text":"قال الفراء: (مِنَ العرب من يضع السنين في موضع سنة، وهي حينئذٍ (١) في موضع خفض لمن أضاف) (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾ قال أبو إسحاق: (لا يكون على معنى تسع ليال، ولا تسع ساعات؛ لأن العدد يعرف تفسيره، فإذا تقدم تفسيره استغنى بما تقدم عن إعادة ذكر التفسير، تقول: عندي مائة درهم وخمسة، فتكون الخمسة قد دل عليها ذكر الدراهم) (٣).\nوقال أبو علي: (﴿وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾ أي: ازدادوا لُبث تسع، فحذف المصدر وأقيم المضاف إليه مقامه، وانتصاب تسع انتصاب المفعول به لا انتصاب الظرف، كما أن المضاف لو ظهر وأضيف إلى التسع كان كذلك) (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2262>٢٦ </span>- قوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا﴾ ذكرنا تفسيره في الآية المتقدمة.\nوقوله تعالى: ﴿لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ ذكرنا تفسيره في آخر سورة هود (٥).\n﴿أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ﴾ قال الأخفش: (أي ما أبصره وأسمعه! كما تقول: أكرم به! أي ما أكرمه! قال: ويدلك على ذلك أن العرب تقول: يا\n_________\n(١) في (ص): (مسد)، وهو تصحيف.\n(٢) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٣٨.\n(٣) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٢٧٩.\n(٤) \"الحجة للقراء السبعة\" ١/ ٣٢٣.\n(٥) عند قوله سبحانه في سورة هود الآية رقم (١٢٣): ﴿ولله غيب السموات والأرض وإليه يرجع الأمر كله فاعبده وتوكل عليه وما ربك بغافل عما تعملون﴾.","vol":"13","page":593},{"text":"أمة الله أكرم يزيد! فهذا معناه ما أكرمه! ولو كان يأمرها أن تفعل شيئًا لقال: أكرمي زيدًا) (١).\nوقال الفراء: (﴿أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ﴾ يريد الله، كقولك: أكرم بعبد الله! ومعناه: ما أكرم عبد الله! وكذلك قوله: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾ [مريم: ٣٨] ما أسمعهم وما أبصرهم!) (٢).\nوقال أبو إسحاق: قوله: (﴿أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ﴾ أجمع العلماء أن معناه: ما أسمعه وأبصره! أي: هو عالم بقصة أصحاب الكهف وغيرهم) (٣).\nوقال أبو علي: (العرب تتسع فتقيم المثال الذي يختص بالأمر مقام الخبر، والمثل المختص بالخبر موقع الدعاء والأمر مما أقيم من أمثلة الأمر موقع الخبر قولهم: أكرم يزيد! وقوله تعالى: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾ [مريم: ٣٨]، ومعنى هذا ما أكرم زيدًا، واسمعوا وأبصروا، أي: صار زيد ذا كرم، وصار هؤلاء ذوي أسماع وأبصار. قال: وموضع الباء مع ما بعده من المنجر رفع، كما أن الباء في: ﴿كَفَى بِاللَّهِ﴾ [العنكبوت: ٥٢] كذلك فوقع مثال الأمر هاهنا موقع الخبر، كما وقع مثال الخبر موقع الأمر في الدعاء في مثل: غفر الله لزيد، وقطع الله يد فلان، وجاء في التنزيل: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾ [مريم: ٧٥] فهذا لفظه كلفظ أمثلة الأمر، ومعناه الخبر، ألا ترى أنه لا وجه للأمر هاهنا وأن المعنى مده الرحمن مدا، ويدلك على أن المراد بقوله: أكرم يزيد! أن معناه أنه قد\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للأخفش ٢/ ٦١٨.\n(٢) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٣٩.\n(٣) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٢٨٠.","vol":"13","page":594},{"text":"كرم، وأن الكرم وما أشبهه من الأحداث لا يخاطب ولا يؤمر ولا ينهى، وأنه ليس للأمر هاهنا معنى ولا متوجه، وأيضًا فإنك إذا قلت: يا زيد أكرم بعمرو، فليس يخلو هذا الفعل من أن يكون له فاعل، وفاعله لا يخلو من أن يكون المخاطب أو المتعجب منه، فلو كان المخاطب لوجب أن يجمع الضمير في الفعل ويلحق علامة التأنيث، فلما لم يفعل من ذلك شيء، بل أجروا هذا الفعل بعد المذكر والمؤنث والجمع والتثنية مجرى واحد أعلم أن فاعله المتعجب منه دون المخاطب، وثبت أن الجار مع المجرور في موضع رفع) (١).\nهذا الذي ذكره أبو علي أصل هذا الكلام، وشرح وضعه، ثم صار من ألفاظ التعجب حتى لا فصل بين قولك: ما أحسن زيدًا! وقولك: أحسن بزيد، وإذا كان كذلك فقدله تعالى: ﴿أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ﴾ قال المفسرون: (ما أبصر الله بكل موجود، وأسمعه بكل مسموع) (٢).\nوقال ابن زيد: (معناه أنه يرى أعمال أهل السموات والأرض، ويسمع منهم) (٣). هذا الذي ذكرنا إجماع من أهل العلم أن قوله: ﴿أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ﴾ معناه ما أبصره وأسمعه!.\nوروى عطاء عن ابن عباس أنه قال: (معناه أبصر أوليائي بعجائب القرآن، وأسمع به أوليائي) (٤). وعلى هذا ﴿أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ﴾ المراد به\n_________\n(١) ذكر نحوه في \"الحجة للقراء السبعة\" ٢/ ٢٠٥.\n(٢) \"جامع البيان\" ١٥/ ٢٣٢، و\"معالم التنزيل\" ٥/ ١٦٥، و\"النكت والعيون\" ٣/ ٣٠٠.\n(٣) \"جامع البيان\" ١٥/ ٢٣٢، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ٨٩.\n(٤) ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة. انظر: \"زاد المسير\" ٥/ ١٣١، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٠/ ٣٨٨، و\"روح المعاني\" ١٥/ ١٥٥.","vol":"13","page":595},{"text":"الأمر، والمفعول محذوف على تقدير: أبصرهم وأسمعهم، وقوله: ﴿بِهِ﴾ أي: بالقرآن، كأنه قيل: اجعلهم يبصرون بالقرآن غيري، وولايتي ويسمعون ذلك (١). والقول الذي عليه الناس هو الأول.\nوقوله تعالى: ﴿مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ﴾ قال المفسرون: (أي ليس لأهل السموات والأرض من دون الله) (٢). والكناية تعود إلى أهل السموات والأرض، وقد سبق ذكرهم في قوله: ﴿غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، وهم من غيبها، أي: مما غابوا فيها. وقال عطاء عن ابن عباس: (﴿مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ﴾ يريد قد عرفوا عظمتي وربوبيتي فلم يتخذوا من دوني وليًّا) (٣). وعلى هذا الكناية في قوله تعود إلى المؤمنين خاصة من أهل السموات والأرض (٤).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا﴾ قال أبو إسحاق: (هذا على معنيين أحدهما: أنه جرى ذكر علمه وقدرته، فأعلم أنه لا يشرك في حكمه بما يخبر به من الغيب أحدًا كما قال: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ٢٦]. ويكون على معنى: أنه لا يجوز أن يحكم حاكم\n_________\n(١) \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٠٠، و\"زاد المسير\" ٥/ ١٣١، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٠/ ٣٨٨. والحق أن يقال في تفسير هذه الآية: ما أبصره وما أسمعه -ﷺ- وذكر في كتاب الله -﷿- آيات كثيرة تدل على اتصافه سبحانه بالسمع والبصر الذي يليق بجلاله. وقال ابن سعدي في \"تفسيره\" ٥/ ٢٧: تعجب من كمال سمعه وبصره، وإحاطتهما بالمسموعات والمبصرات، بعد ما أخبر بإحاطة علمه بالمعلومات.\n(٢) \"جامع البيان\" ١٥/ ٢٣٢، و\"معالم التنزيل\" ٥٣/ ١٦٥، و\"الكشاف\" ٢/ ٣٨٧، و\"زاد المسير\" ٥/ ١٣١.\n(٣) ذكره الطبري في \"جامع البيان\" ١٥/ ٢٣٢ بدون نسبة.\n(٤) \"البحر المحيط\" ٦/ ١١٧، و\"روح المعاني\" ١٥/ ٢٥٦.","vol":"13","page":596},{"text":"إلا بما حكم الله، وبما دل عليه حكم الله، وليس لأحد أن يحكم من ذات نفسه فيكون شريكًا في حكمه يأمر بحكم كما أمر الله) (١). وقرأ ابن عامر: ولا تشرك (٢)، على معنى: ولا تشرك أنت أيها الإنسان في حكمه أحدًا، على النهي عن الإشراك في حكمه، أي: لا يكن كمن قيل فيه: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ)﴾ [الأعراف: ١٩١]. وعلى هذه القراءة في الآية رجوع من الغيبة إلى الخطاب، والقراءة الأولى التي عليها العامة أشبه لتقدم اسم الغيبة، وهو قوله: ﴿مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ﴾، والهاء للغيبة فكذلك قوله: ﴿وَلَا يُشْرِكُ﴾ أي: ولا يشرك الله في حكمه أحدًا (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2263>٢٧ </span>- قوله تعالى: ﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ﴾ قال المفسرون: (معناه: أَتبع القرآن) (٤).\nوقوله تعالى: ﴿لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ قال ابن عباس: (يريد لمواعيده) (٥).\nوإلي هذا أشار الزجاج فقال: (أي ما أخبر الله به، وما أخبر به فلا مبدل له) (٦). وعلى هذا المعنى: لا مبدل لحكم كلماته مما وعد به وأمر،\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٢٨٠.\n(٢) قرأ ابن عامر الشامي: (ولا تشرك) بالتاء جزمًا. وقرأ نافع، وأبو عمرو، وابن كثير، وحمزة، وعاصم، والكسائي: (ولا يشرك) بالياء والرفع. انظر: \"السبعة\" (٣٩٠)، و\"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ١٤١، و\"الغاية في القراءات العشر\" (٣٠٦)، و\"العنوان في القراءات السبع\" ص ١٢٢، و\"النشر في القراءات العشر\" ٢/ ٣١٠.\n(٣) \"جامع البيان\" ١٥/ ٢٣٣، و\"النكت والعيون\" ٣/ ٣٠٠، و\"زاد المسير\" ٥/ ١٣١.\n(٤) \"جامع البيان\" ١٥/ ٢٣٣، و\"معالم التنزيل\" ٥/ ١٦٥، و\"المحرر الوجيز\" ١٠/ ٣٩٢، و\"زاد المسير\" ٥/ ٩٣.\n(٥) \"معالم التنزيل\" ٥/ ١٦٥، و\"روح المعاني\" ١٥/ ٢٥٧.\n(٦) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٢٨٠. ويشهد لهذا قوله سبحانه في سورة الأنعام: =","vol":"13","page":597},{"text":"وقال الكلبي: (لا مغير للقرآن) (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ قال مجاهد: (ملجأ) (٢) وقال الفراء: (الملتحد: الملجأ) (٣). وقال أبو عبيدة: (معدلا) (٤).\nوقال الزجاج: (أي لن تجد معدلا عن أمره ونهيه) (٥). وأصل هذا الحرف: من الميل، ومن قال: ملجأ، فهو يؤول إلى هذا المعنى أيضًا؛ لأنك إذا لجأت إلى شيء فليس يكون إلا بالميل منك إليه، وذكرنا هذا الحرف عند قوله: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ﴾ [النحل: ١٠٣].\nوقال ابن زيد في هذه الآية: (لا تجدون من دونه ملجأ ولا أحدا يمنعكم) (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2264>٢٨ </span>- قوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ مفسرا بما فيه من النزول، واختلاف القراءة في سورة الأنعام (٧).\n_________\n= ١١٥: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾\n(١) \"الكشف والبيان\" ٣/ ٣٨٩/ ب، و\"معالم التنزيل\" ٣/ ١٥٨.\n(٢) \"جامع البيان\" ١٥/ ٢٣٣، و\"معالم التنزيل\" ٥/ ١٦٦، و\"النكت والعيون\" ٣/ ٣٠١، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ٩٠.\n(٣) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٣٩٨.\n(٤) \"مجاز القرآن\" ١/ ٣٩٨.\n(٥) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٢٨٠.\n(٦) \"جامع البيان\" ١٥/ ١٥٤.\n(٧) عند قوله سبحانه في سورة الأنعام: ٥٢: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾.","vol":"13","page":598},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ﴾ قال علي عن ابن عباس: (يقول لا تتعداهم إلى غيرهم) (١). وقال عطاء عنه: (يريد يصدهم بالنظر والمحبة لهم) (٢).\nوقال الفراء: (لا تصرف عيناك عنهم) (٣).\nوقال الزجاج: (لا تصرف بصرك إلى غيرهم من ذوي الهيئات والزينة) (٤). والنهي في الظاهر واقع على العينين، والمراد منه صاحب العينين، وهو النبي -ﷺ-.\nقوله تعالى: ﴿تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ قال المفسرون: (يعني مجالسة أهل الشرف والغنى) (٥).\nوقال أهل المعاني: (قوله: ﴿تُرِيدُ﴾ هاهنا في موضع الحال) (٦)، أي: مريدًا، نهي أن يرفع بصره عن ضعفاء المؤمنين مريدًا مجالسة الأشراف. وكان -ﷺ- حريصًا على إيمان الرؤساء طمعًا في إيمان أتباعهم، ولم ينسب إلى إرادة زينة الحياة الدنيا؛ لأنه لم يمل إلى الدنيا قط ولا إلى أهلها، وإنما كان يلين في بعض الأحيان للرؤساء طمعًا في إيمانهم،\n_________\n(١) \"جامع البيان\" ١٥/ ٢٣٤.\n(٢) ذكرت نحوه كتب التفسير بلا نسبة انظر: \"جامع البيان\" ١٥/ ٢٣٤، و\"بحر العلوم\" ٢/ ٢٩٧، و\"النكت والعيون\" ٣/ ٣٠٢، و\"المحرر الوجيز\" ٩/ ٢٩٣، و\"زاد المسير\" ٥/ ١٣٢.\n(٣) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٤٠.\n(٤) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٢٨١.\n(٥) \"جامع البيان\" ١٥/ ٢٣٥، و\"معالم التنزيل\" ٥/ ١٦٦، و\"النكت والعيون\" ٣/ ٣٠٢، و\"زاد المسير\" ٥/ ١٣٣.\n(٦) \"الكشاف\" ٢/ ٣٨٨، و\"البحر المحيط\" ٦/ ١١٩، و\"الدر المصون\" ٧/ ٤٧٤.","vol":"13","page":599},{"text":"فعوتب بهذه الآية، وأمر بأن يجعل إقباله على المؤمنين، وأن لا يلتفت إلى غيرهم، ونهي أن يكون له حال يميل فيها إلى الأشراف دون الضعفاء، ومثل هذه الآية قوله: ﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (٥) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى﴾ [عبس: ٥، ٦].\nوقوله تعالى: ﴿لَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا﴾ قال ابن عباس: (يريد عيينة وأباهه) (١)، أي: لا تطعهم في تنحية الفقراء عنك ليجلسوا إليك.\nوسئل أبو العباس عن قوله: ﴿لَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا﴾ فقال: (من جعلناه غافلًا. قال: ويكون في الكلام أغفلته سميته غافلًا، ووجدته غافلًا) (٢)، وتأويل ﴿أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا﴾ تركناه غُفْلا عن الذكر، كالأرض الغُفْل التي لا علامة بها، والكتاب الغُفْل الذي لا شكل عليه.\nوقوله تعالى: ﴿وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ قال مجاهد: (ضياعا) (٣). وقال قتادة: (ضاع أكبر الضيعة) (٤). وقال السدي: (هلاكا) (٥).\nوقال أبو الهيثم: (أمر فرط، أي: متهاون به) (٦). وشبه أن يكون أصل هذا من التفريط، وهو تقديم العجز، وهذا بمعنى قول أبي إسحاق (٧). ومن قدم العجز في أمره أضاعه وأهلكه، ومعنى هذا أنه ترك الإيمان\n_________\n(١) ذكره البغوي في \"معالم التنزيل\" ٥/ ١٦٦ بدون نسبة، و\"زاد المسير\" ٥/ ١٣٣، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٠/ ٣٩٢.\n(٢) \"تهذيب اللغة\" (غفل) ٣/ ٢٦٨١.\n(٣) \"جامع البيان\" ١٥/ ٢٣٦، و\"معالم التنزيل\" ٥/ ١٦٧، و\"زاد المسير\" ٥/ ١٣٣، و\"الدر المنثور\" ٤/ ٣٩٩.\n(٤) \"معالم التنزيل\" ٥/ ١٦٧.\n(٥) \"جامع البيان\" ١٥/ ٢٣٦، و\"بحر العلوم\" ٢/ ٢٩٧.\n(٦) \"تهذيب اللغة\" (فرط) ٣/ ٢٧٧٣.\n(٧) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٢٨١.","vol":"13","page":600},{"text":"والاستدلال بآيات الله واتبع هواه.\nالليث: (الفَرَطُ: الأمر الذي يُفَرَّط فيه، تقول: كل أمر فلان فَرَط) (١)، ونحو هذا قال الفراء: (فُرُطا: متروكًا قد ترك فيه الطاعة) (٢).\nوقال ابن عباس في رواية عطاء: (يريد أنه أفرط في مسألته، وأحب أن يرتفع عند الله بغير تقوى) (٣)، يعني حين أراد مجالسة النبي -ﷺ- والقرب منه، والتقدم على أهل الإيمان من غير طاعة وتقى. وعلى هذا الفَرَط اسم من الإفراط وهو مجاوزة الحد، ونحو هذا روي عن مقاتل أنه قال في قوله: ﴿فُرُطًا﴾ قال: (سرفا) (٤). فيحتمل أنه يريد بالمسرف ما ذكرنا عن ابن عباس، ويحتمل أن يريد ما ذكره الكلبي والفراء.\nقال الكلبي: (قال عيينة: إنا رؤوس مضر (٥) وأشرافها، فإن نسلم يسلم الناس بعدنا) (٦).\nوقال الفراء: (إنه أفرط في القول فقال: نحن رؤوس مضر وأشرافها،\n_________\n(١) \"التفسير الكبير\" ١٦/ ١١٨، و\"تهذيب اللغة\" (فرط) ٣/ ٢٧٧٣.\n(٢) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٤٠.\n(٣) ذكر نحوه بلا نسبة الألوسي في \"روح المعاني\" ١٥/ ٢٦٥.\n(٤) \"معالم التنزيل\" ١٥/ ١٦٧، و\"النكت والعيون\" ٣/ ٣٠٢، و\"البحر المحيط\" ٦/ ١٢٠، و\"روح المعاني\" ١٥/ ٢٦٥.\n(٥) مضر: نسبة إلى مضر بن نزار بن معد بن عدنان، وهو جد جاهلي تنتسب إليه كثير من القبائك العدنانية، وهو أخو ربيعة بن نزار. انظر: \"سير ابن هشام\" ١/ ٧٣، و\"الأنساب\" ٥/ ٣١٨، و\"الإيناس بعلم الإنساب\" ص ٢٩، و\"المنتخب في ذكر أنساب قبائل العرب\" ص ٤٠٣.\n(٦) ذكر نحوه البغوي في \"معالم التنزيل\" ٥/ ١٦٧، و\"زاد المسير\" ٥/ ١٣٣، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٠/ ٣٩٢.","vol":"13","page":601},{"text":"وليس كذلك) (١). وعلى هذا كان أمره فُرُطا لإفراطه في القول والبذخ حين قال: إنه رأس العرب وهم أتباعه على دينه. ويقال: أمر فُرُط، أي مجاوز فيه الحدود. روي عن أبي زيد البلخي أنه قال: (معناه: قدما في الشر) (٢). وعلى هذا أصله من قوله: فَرَطَ منه أمر، أي: سبق وبدر (٣).\nومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا﴾ [طه: ٤٥]، ومنه يقال: فرس فُرُط، أي: سريعة، قال لبيد (٤):\nفُرُط وشاحي إذ غدوتُ لجامها\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2265>٢٩ </span>- قوله تعالى: ﴿وقُلِ﴾ قال عطاء عن ابن عباس: (وقيل يا محمد\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٤٠.\n(٢) ذكره الأزهري في \"تهذيب اللغة\" بلا نسبة (فرط) ٣/ ٢٧٧٣، و\"لسان العرب\" (فرط) ٦/ ٣٣٩١.\n(٣) انظر: \"تهذيب اللغة\" (فرط) ٣/ ٢٧٧٣، و\"مقاييس اللغة\" (فرط) ٤/ ٤٩٠، و\"القاموس المحيط\" (فرط) ص (٦٨١)، و\"لسان العرب\" ٦/ ٣٣٩١، و\"الصحاح\" (فرط) ٣/ ١١٤٨. وقال الطبري -﵀- في \"تفسيره\" ١٥/ ٢٣٦: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال معناه ضياعًا وهلاكًا من قولهم: أفرط فلان في هذا الأمر إفراطًا، إذا أسرف فيه وتجاوز قدره. وكذلك قوله ﴿وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: ٢٨]، معناه وكان أمر هذا الذي أغفلنا قلبه عن ذكرنا في الرياء والكبر واحتقار أهل الإيمان سرفًا قد تجاوز حده فضيع بذلك الحق وهلك.\n(٤) هذا عجز بيت لبيد، وصدره:\nولقد حميتُ الخيل تحمل سكَّتى\nوالفرَطُ: الفرس السريعة التي تتفرط الخيل أي تتقدمها. وشاحي، لجامها: أن الفرسان كان أحدهم يتوشح اللجام، وتوشحه إياه أن يلقيه على عاتقه ويخرج يده منه. انظر: \"ديوانه\" ٣١٥، و\"تهذيب اللغة\" (فرط) ٣/ ٢٧٧٣، و\"لسان العرب\" (فرط) ٦/ ٣٣٩١، و\"شرح القصائد العشر\" للتبريزي ١٩٥.","vol":"13","page":602},{"text":"لمن جاءك من أهل الدنيا شريفًا أو وضيعًا) (١). قال المفسرون: قل لهؤلاء الذين أمروك بتنحية الفقراء عنك، وإدناء مجلسهم ليؤمنوا بك.\nوقوله تعالى: ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ قال الكسائي: (يعني هو الحق من ربكم، وهو الإسلام) (٢).\nوقال الأخفش: (أي قل: هو الحق) (٣).\nقال أبو إسحاق: (أي الذي أتيتكم به الحق من ربكم) (٤). وهذا معنى قول قتادة: (﴿الْحَقُّ﴾ هذا القرآن) (٥).\nوقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ قال السدي: (هذا على وجه الوعيد) (٦). وقال قتادة: (إن ربكم بين ثم خير) (٧)؛ يعني التخيير\n_________\n(١) ذكرت كتب التفسير نحوه انظر: \"جامع البيان\" ١٥/ ٢٣٧، و\"بحر العلوم\" ٢/ ٢٩٧، و\"المحرر الوجيز\" ٩/ ٢٩٤، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ٩١.\n(٢) ذكره الألوسي في \"روح المعاني\" ١٥/ ٢٦٦ ونسبه للكرماني.\n(٣) \"معاني القرآن\" للأخفش ١/ ٦١٨.\n(٤) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٢٨١.\n(٥) ذكره الثعلبي في \"الكشف والبيان\" ٣/ ٣٨٩ ب بلا نسبة، والسمرقندي في \"بحر العلوم\" ٢/ ٢٩٧، والسيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ٣٩٩ وعزاه لابن أبي حاتم.\n(٦) ذكره القرطبي في \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٠/ ٣٢٥ بدون نسبة.\n(٧) لم أقف على القول. وقال الشنقيطي -﵀- عند هذه الآية ٤/ ٩٢: المراد من الآية الكريمة ليس هو التخيير وإنما المراد بها التهديد والتخويف، والتهديد بمثل هذه الصيغة التي ظاهرها التخيير أسلوب من أساليب اللغة العربية، والدليل من القرآن العظيم على أن المراد في الآية التهديد والتخويف أنه أتبع ذلك بقوله: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ [الكهف: ٢٩] الآية، وهذا أصرح دليل على أن المراد التهديد والتخويف، إذ لو كان التخيير على بابه لما توعد فاعل أحد الطرفين المخير بينهما بهذا العذاب الأليم، وهذا أوضح كما ترى. وقال ابن =","vol":"13","page":603},{"text":"الذي هو للتهديد، كما قال الزجاج: (هذا الكلام ليس بأمر لهم ما فعلوا منه فهم فيه مطيعون، ولكنه كلام وعيد وإنذار، قد بين بعده ما لكل فريق من مؤمن وكافر) (١). هذا الذي ذكرنا قول أكثر أهل التفسير (٢).\nوروى الوالبي عن ابن عباس والضحاك في هذه الآية يقول: (من يشاء الله له الإيمان آمن، ومن شاء الله له الكفر كفر) (٣). وهو كقوله: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٩]، فعلى هذا القول قوله: ﴿فَمَن شَآءَ﴾، أي: من شاء الله، فالمشيئة مسندة إلى الله.\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا﴾ أي: هيأنا وأعددنا. ومضى الكلام في معنى الإعتاد (٤). ﴿لِلظَّالِمِينَ﴾ الذين عبدوا غير الله تعالى (٥).\n﴿نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ معنى السرادق في اللغة: كل ما أحاط\n_________\n= تيمية في \"العقيدة الواسطية\" ٤٥: وأهل السنة وسط بين الجبرية والقدرية لأن الجبرية يثبتون قضاء الله في أفعال العبد ويقولون: إنه مجبر لا قدرة له ولا اختيار، والقدرية ينكرون قضاء الله في أفعال العباد ويقولون: إن العبد قادر مختار لا يتعلق فعله بقضاء الله. وأهل السنة يثبتون قضاء الله في أفعال العبد ويقولون: إن له قدرة واختيارًا أودعهما الله فيه متعلقتين بقضاء الله، فيثبتون للعبد مشيئة واستطاعة وهي القدرة إلا أنهما تابعان لمشيئة الله تعالى.\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٢٨١.\n(٢) \"جامع البيان\" ١٥/ ٢٣٧، و\"معالم التنزيل\" ٥/ ١٦٧، و\"المحرر الوجيز\" ٩/ ٢٩٤.\n(٣) \"جامع البيان\" ١٥/ ٢٣٨، و\"معالم التنزيل\" ٥/ ١٦٧، و\"الدر المنثور\" ٤/ ٣٩٩.\n(٤) عند قوله سبحانه في سورة النساء: ١٨: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾.\n(٥) ويشهد لهذا قوله تعالى في سورة لقمان (١٣): ﴿يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾.","vol":"13","page":604},{"text":"بشيء واشتمل عليه من ثوب أو حائط. وأكثر ما يستعمل في الفسطاط.\nقال الليث: (السرادق: كالحجرة المحوطة من غزل غليظ منسوج مضرب الأسفار للملوك، والجمع: سرادقات) (١).\nقال رؤبة (٢):\nسرادق المجد عليك ممدود\nقال الأزهري: (ويقال للغبار الساطع، والدخان الشاخص المحيط بالشيء: سرادق) (٣).\nقال لبيد يذكر الإبل (٤):\nرفعن سرادقًا في يوم ريح ... يصفق بين ميل واعتدال\nهذا معنى السرادق في اللغة (٥). فأما التفسير فروى أبو سعيد الخدري عن النبي -ﷺ- قال: \"سرادق النار أربع جدر، كثف كل جدار منها مسيرة\n_________\n(١) \"تهذيب اللغة\" (سردق) ٢/ ١٦٦٩.\n(٢) هذا عجز بيت لرؤبة، وصدره:\nيا حكم بن المنذر بن الجارود\nانظر: \"ديوانه\" ص ١٧٢، و\"الكتاب\" ١/ ٣١٣، و\"المفصل\" ٢/ ٥، و\"الدر المصون\" ٧/ ٤٧٨، و\"لسان العرب\" (سردق) ٤/ ١٩٨٨.\n(٣) \"تهذيب اللغة\" (سردق) ٢/ ١٦٦٩.\n(٤) البيت للبيد بن ربيعة العامري. السرادق هنا: الغبار الساطع، والدخان الشاخص المحيط بالشيء. انظر: \"ديوانه\" ص ١٠٨، و\"تهذيب اللغة\" (سردق) ٢/ ١٦٦٩ - ١٦٧٠، و\"المخصص\" ١٠/ ٦٦، و\"لسان العرب\" (سردق) ٤/ ١٩٨٩.\n(٥) السرادق هو: كل ما أحاط بشيء نحو الشقة في المضرب، أو الحائط المشتمل على الشيء.\nانظر: \"تهذيب اللغة\" (سردق) ٢/ ١٦٦٩، و\"الصحاح\" (سردق) ٤/ ١٤٩٦، و\"القاموس المحيط\" (السرادق) ص ٨٩٣.","vol":"13","page":605},{"text":"أربعين سنة\" (١)\nوقال الكلبي: (هو دخان يحيط بالكفار يوم القيامة) (٢). وبهذا فسِّر قوله تعالى: ﴿وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ﴾ [الواقعة: ٤٣]، وقوله: ﴿انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ﴾ [المرسلات: ٣٠] الآية؛ وهذا اختيار أبي عبيدة، وابن قتيبة (٣).\nوقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا﴾ قال المفسرون: أي مما هم فيه من العذاب وشدة العطش.\n﴿يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ﴾ قال أبو عبيد: (المهل: كل فِلِزٍّ (٤) أذيب) (٥).\nوروي في حديث أبي بكر -﵁- أنه أوصى في موضعه فقال \"ادفنوني\n_________\n(١) أخرجه الترمذي في \"جامعه\" كتاب: جهنم، باب: ما جاء في صفة شراب أهل النار ٤/ ٦٠٩، والإمام أحمد في \"مسنده\" ٣/ ٢٩، وابن المبارك في \"الزهد\" ٢/ ٩٠، وأبو نعيم في \"الحلية\" ١٠/ ٢٩٠، وابن الأثير في \"جامع الأصول\" كتاب: القيامة، باب: في ذكر الجنة والنار ١٠/ ٥١٤، والطبري في \"جامع البيان\" ١٥/ ٢٣٩، والبغوي في \"معالم التنزيل\" ٥/ ١٦٨، وابن كثير في \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ٩٢، والسيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ٣٩٩.\n(٢) \"جامع البيان\" ١٥/ ٢٣٩، و\"تفسير القرآن\" للصنعاني ١/ ٣٣٨، و\"زاد المسير\" ٥/ ١٣٤.\n(٣) \"تفسير غريب القرآن\" لابن قتيبة ١/ ٢٦٧، و\"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ١/ ٣٩٨.\n(٤) الفِلِزّ بكسر الفاء واللام وتشديد الزاي: نحاس أبيض تجعل منه القدور المفرغة، أو خبت الحديد، أو الحجارة، أو جواهر الأرض كلها، أو ما ينفيه الكير من كل ما يذاب منها. انظر: \"تهذيب اللغة\" (فلز) ٣/ ٢٨٢٨، و\"مقاييس اللغة\" (فلز) ٤/ ٤٥١، و\"القاموس المحيط\" (الفلز) ص (٥٢٠)، و\"لسان العرب\" (فلز) ٦/ ٣٤٦٠.\n(٥) \"غريب الحديث\" لأبي عبيد ٣/ ٢١٧، و\"تهذيب اللغة\" (مهل) ٤/ ٣٤٦٤.","vol":"13","page":606},{"text":"في ثوبي هذين، فإنما هما للمهل والتراب\" (١).\nقال أبو عبيدة: (المهل في هذا الحديث: الصديد والقيح) (٢).\nوقال أبو عمرو: (المهل في شيئين: هو في حديث أبي بكر: القيح والصديد، وفي غيره: دردي الزيت) (٣).\nوقال اليث: (المهل: ضرب من القطران، يقال: مَهَلْتُ البعير فهو مَمْهُول) (٤).\nوروى شمر عن ابن شميل: (المهل عندهم الملَّة إذا حميت جدًّا رأيتها تموج) (٥).\nوقالت العامرية: (المهل عندنا السُّمّ) (٦). هذا معنى المهل في اللغة، وهو على ستة معان. روى أبو سعيد الخدري عن النبي -ﷺ- في قوله: \"بماء كالمهل\" قال: \"كعكر الزيت\" (٧).\n_________\n(١) \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٢٩٨، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٠/ ٣٩٥، و\"تهذيب اللغة\" (مهل) ٤/ ٣٤٦٤، و\"غريب الحديث\" لأبي عبيد ٣/ ٢١٧، و\"الفائق في غريب الحديث\" للزمخشري ٣/ ٣٩٥.\n(٢) \"تهذيب اللغة\" (مهل) ٤/ ٣٤٦٤.\n(٣) \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٠/ ٣٩٥، و\"تهذيب اللغة\" (مهل) ٤/ ٣٤٦٤.\n(٤) \"تهذيب اللغة\" (مهل) ٤/ ٣٤٦٥.\n(٥) \"تهذيب اللغة\" (مهل) ٤/ ٣٤٦٥.\n(٦) \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٠/ ٣٩٤ بلا نسبة، و\"أضواء البيان\" ٤/ ٩٥، و\"تهذيب اللغة\" مهل ٤/ ٣٤٦٥.\n(٧) أخرجه الإمام أحمد في \"مسنده\" ١/ ٢٢٢، والترمذي في \"جامعه\" كتاب: جهنم، باب: في صفة شراب أهل النار ٤/ ٦٠٨ قال: هذا حديث إنما نعرفة من حديث رشدين بن سعد، وفي رشدين مقال، وقد تكلم فيه من قبل حفظه. وأخرجه ابن حبان في \"صحيحه\"، باب: صفة النار وأهلها ٩/ ٢٧٩، والطبري في \"جامع =","vol":"13","page":607},{"text":"وهو قول ابن عباس في رواية سعيد بن جبير قال: (كدردي الزيت) (١). ونحو هذا روى عنه الوالبي والعوفي (٢). وقال مجاهد: \"كالمهل\" (القيح والدم) (٣).\nوقال عطاء عن ابن عباس: (هو عكر القطران) (٤).\nوروى قتادة والحسن عن ابن مسعود: (أنه سئل عن المهل، فدعا بذهب وفضة فخلطهما، فأذيبا حتى إذا أزبدا وانماعا قال: هذا أشبه شيء في الدنيا بالمهل الذي هو شراب أهل النار) (٥). وإلى هذا القول ذهب من قال في تفسير المهل: هو الذي قد انتهى حره؛ لأنه لا شيء أشد حرارة من هذه الجواهر إذا أذيبت. وهذا القول هو اختيار الزجاج فقال: (يعني أنهم\n_________\n= البيان\" ٢٥/ ١٣٢، والبغوي في \"معالم التنزيل\" ٥/ ١٦٨، وابن كثير في \"تفسيره\" ٣/ ٩٢، والسيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ٤٠٠، وابن حجر في \"الكافي الشاف\" (١٠٣) وقال: أخرجه الترمذي من طريق رشدين بن سعد عن عمرو بن الحارث عن دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد، وتعقب قوله: بأن أحمد وأبا يعلى أخرجاه من طريق ابن لهيعة من دراج، وبأن ابن حبان والحاكم أخرجاه من طريق ابن وهب عن عمرو بن الحارث.\n(١) \"جامع البيان\" ١٥/ ١٥٨، و\"بحر العلوم\" ٣/ ٢٩٧، و\"معالم التنزيل\" ٣/ ١٦٠، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ٨٤، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٠/ ٣٩٤.\n(٢) \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٠٣، و\"زاد المسير\" ٥/ ٩٥.\n(٣) \"جامع البيان\" ١٥/ ١٥٨، و\"معالم التنزيل\" ٣/ ١٦٠، و\"النكت والعيون\" ٣/ ٣٠٣، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ٨٤.\n(٤) \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٠/ ٣٩٤، و\"البحر المحيط\" ٦/ ١٢١.\n(٥) \"جامع البيان\" ١٥/ ١٥٨، و\"الكشف والبيان\" ٣/ ٣٨٩، ٧ب، و\"معالم التنزيل\" ٣/ ١٦٠، و\"المحرر الوجيز\" ١٠/ ٣٩٦، و\"زاد المسير\" ٥/ ٩٥، و\"الدر المنثور\" ٤/ ٤٠٠.","vol":"13","page":608},{"text":"يغاثون بماء كالرصاص المذاب والصُّفْر أو الفضة) (١).\nوقوله تعالى: ﴿يَشْوِي الْوُجُوهَ﴾ يقال: شويتُ اللحم أشويه شيًّا، فإذا شويته لنفسك خاصة قلت: أشويت. قال لبيد (٢):\nفاشتوى ليلة ريحٍ واجتمل\nوانشوى اللحم انشواء، ويقال: اشتوى أيضًا بهذا المعنى (٣).\nروى الخدري عن النبي -ﷺ- في هذه الآية قال: \"فإذا قربه إليه سقط فروة وجهه فيه\" (٤).\nوقال ابن عباس: (يشويه حتى يسقط لحم وجهه) (٥). ثم ذمه فقال:\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٢٨٢.\n(٢) هذا عجز بيت للبيد، وصدره:\nأو نهته فأتاه رزقه\nاجتمل: انتفع بالشحم، والشحم يسمى الجميل. انظر: \"ديوان لبيد\" ص ١٤٠، و\"مقاييس اللغة\" (شوى) ٣/ ٢٢٥، و\"لسان العرب\" (شوا) ٤/ ٢٣٦٧.\n(٣) انظر: \"تهذيب اللغة\" (شوى) ٢/ ١٩٥٠، و\"مقاييس اللغة\" (شوى) ٣/ ٢٢٤، و\"لسان العرب\" (شوا) ٤/ ٢٣٦٧، و\"مختار الصحاح\" (شوى) ص (١٤٨).\n(٤) أخرجه الإمام أحمد في \"مسنده\" ١/ ٢٢٢، والترمذي في \"جامعه\" كتاب: جهنم، باب: ما جاء في صفة شراب أهل النار ٤/ ٦٠٨، وقال: هذا حديث إنما نعرفه من حديث رشدين بن سعد، وفي رشدين مقال، وقد تكلم فيه من قبل حفظه. وأخرجه ابن حبان في \"صحيحه\"، باب: صفة النار وأهلها ٩/ ٢٧٩، وأخرج نحوه الحاكم في \"مستدركه\" كتاب: التفسير، سورة الكهف ٢/ ٣٦٨، والطبري في \"جامع البيان\" ١٥/ ٢٤١، وابن كثير في \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ٩٢، والسيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ٤٠٠.\n(٥) ذكرته كتب التفسير بدون نسبة.","vol":"13","page":609},{"text":"﴿بِئْسَ الشَّرَابُ﴾ هذا الماء الذي وصفنا. ﴿وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ أي: ساءت النار مرتفقا، وهو نصب على التمييز (١). ومعنى المرتفق في اللغة: ما يرتفق به (٢).\nقال ابن عباس: (يريد وبئس ما ارتفقوا به) (٣). واختلفت العبارات عن المفسرين في هذا، فقال مجاهد: (مجتمعا) (٤).\nوقال عطاء: (مقرًّا) (٥). وقال الزجاج: (منزلا) (٦).\nوقال ابن قتيبة: (مجلسا) (٧). ومعنى هذه الألفاظ واحد، وهي كلها ترجع إلى أصل واحد، فيجوز أن ترجع إلى ما ذكرنا، وذلك أن المنزل والدار مما يرتفق به، ويجوز أن يكون أصلها من الارتفاق وهو الاتكاء على المرفق، ومنه قول الهذلي (٨):\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٢٨٢.\n(٢) انظر: \"القاموس المحيط\" (الرفق) ص ٨٨٧، و\"الصحاح\" (رفق) ٤/ ١٤٨٢، و\"لسان العرب\" (رفق) ٣/ ١٦٩٦.\n(٣) ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة. انظر: \"جامع البيان\" ١٥/ ٢٤١، و\"بحر العلوم\" ٢/ ٢٩٨، و\"زاد المسير\" ٥/ ١٣٦، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ٩٢.\n(٤) \"جامع البيان\" ١٥/ ١٥٨، و\"معالم التنزيل\" ٥/ ١٦٨، و\"المحرر الوجيز\" ٩/ ٢٩٩، و\"النكت والعيون\" ٣/ ٣٠٣.\n(٥) \"معالم التنزيل\" ٥/ ١٦٨، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٠/ ٣٩٥، و\"البحر المحيط\" ٦/ ١٢١، و\"روح المعاني\" ١٥/ ٢٦٩.\n(٦) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٢٨٢.\n(٧) \"تفسير غريب القرآن\" لابن قتيبة ١/ ٢٦٧.\n(٨) هذا صدر بيت لأبي ذؤيب الهذلي، ورد برواية:\nنام الخلي وبت مشتجرا ... كأن عيني فيها الصاب مذبوح\nالخليُّ: الذي ليس به هم. والصَّابُ. شجر بتهامة إذا قطع منه عود خرج منه لبن =","vol":"13","page":610},{"text":"نام الخلي وبتُّ مرتفقا\nوهذا قول ابن السكيت في قوله: ﴿مُرْتَفَقًا﴾ قال: (متكأ) (١). وكل موضع نزلته وقعدت فيه فهو مرتفق لك ومتكأ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2266>٣٠ </span>- ثم ذكر ما وعد المؤمنين فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ الآية. واختلف النحويون في جواب ﴿إِنَّ﴾ الأولى، فذكر أبو إسحاق وأبو علي فيه ثلاثة أوجه:\nأحدها: أن خبره قوله: ﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ على إضمار منهم، فحذف الراجع من الخبر؛ لأنه معلوم أن الله إنما لا يضيع أجر من أحسن عملًا من المؤمنين، فأما من أحسن عملًا من غير المؤمنين فإن الله يحبط عمله.\nالوجه الثاني: أن المعنى إنا لا نضيع أجرهم، إلا أنه وقع المظهر موقع المضمر؛ لأن من أحسن عملًا في المعنى الذين آمنوا وعملوا الصالحات.\nالوجه الثالث: أن الخبر قوله: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ ويكون قوله: ﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ﴾ اعتراضًا بين الاسم والخبر، وجاز ذلك؛ لأن من أحسن عملًا بمنزلة الذين آمنوا (٢). وذكر الفراء وجهين آخرين أحدهما: (أن قوله: ﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ﴾ من عمل صالحًا، فترك الكلام الأول واعتمد على\n_________\n= إذا أصاب العين أحرقها. انظر: \"ديوان الهذليين\" ١/ ١٠٤، و\"شرح أشعار الهذليين\" ١/ ١٢٠، و\"الدر المصون\" ٧/ ٤٨٥، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٠/ ٣٩٥، و\"لسان العرب\" (صوب) ٤/ ٢٥٢٠.\n(١) \"تهذيب اللغة\" (رفق) ٢/ ١٤٤٤.\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٢٨٣، و\"الجحة\" للقراء السبعة ٣/ ٦٣.","vol":"13","page":611},{"text":"الثاني كقول الشاعر (١):\nإنَّ الخليفة إنَّ الله سربله ... سربال ملك به تزجى الخواتيم\nالثاني: أن يجعل ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ في مذهب جزاء ويضمر، فيصير كأنك قلت: إن من عمل صالحًا فإنا لا نضيع أجره) (٢). والقول ما ذكره أبو إسحاق وأبو علي (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2267>٣١ </span>- قوله تعالى: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ﴾ قال أبو إسحاق: (أساور جمع أسورة، وأسورة جمع سوار، يقال: سوار في اليد بالكسر، وقد حُكي: سوار، وحكى قطرب: إسوار، وذكر أن أساور جمع إسوار)؛ انتهى كلامه (٤). وقال أبو زيد: (هو سوار المرأة، وسوار المرأة، وأسورة لجماعتها، وهما قلبان يكونان في يدها) (٥).\nقال أبو علي: (قول من قال: سوار صحيح، يدل عليه قوله (٦):\n_________\n(١) البيت لجرير، وصدره:\nيكفي الخليفة أن الله سربله\nانظر: \"ديوان جرير\" ص ٤٣١، و\"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٤٠، و\"خزانة الأدب\" ٤/ ٣٤٤، و\"البحر المحيط\" ٦/ ١٢١، و\"الدر المصون\" ٧/ ٤٨١، و\"معجم الشواهد النحوية\" ص ٥٩٥، و\"المعجم المفصل في شواهد النحو الشعرية\" ٢/ ٨٨٣، و\"أبيات النحو في تفسير البحر المحيط\" ص ٣١٣.\n(٢) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٤٠.\n(٣) انظر: \"إعراب القرآن\" للنحاس ٢/ ٢٧٣، و\"إملاء ما من به الرحمن\" ١/ ٣٩٨، و\"البحر المحيط\" ٦/ ١٢١، و\"الدر المصون\" ٧/ ٤٨١.\n(٤) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٢٨٣.\n(٥) ذكر نحوه \"تهذيب اللغة\" (سار) ٢/ ١٥٩٤ بلا نسبة، وكذلك الصحاح (سور) ٢/ ٦٩٠.\n(٦) البيت لعدى بن زيد العبادي، وصدره:\nعن مبرقات بالبرين وتبدو","vol":"13","page":612},{"text":"وفي الأكفِّ اللامعات سور\nففعل يجمع به هذا النحو، فأما من حكى أسوار فهذا الضرب من الأسماء قليل جدًّا، إلا أن الثقة إذا حكى شيئًا لزم قبوله، ونظيره قولهم: الإعصار، والإسكان، ولا يجوز عندي أن يكون الجمع الذي جاء في التنزيل مكسرا على هذا الواحد، ألا ترى أنه لو كان كذلك لوجب ثبات الياء في التكسير ليكون على زنة: دنانير؛ لأن حرف اللين إذا كان رابعًا في الواحد، ثبت أنه الآخر الذي هو سوار جمع على أسورة، ثم جمع أسورة على أساور، كما حكى سيبويه من جمعهم أسقية على: أساق (١). ولو كان أساور التي في التنزيل جمع: أسوار، لكان يجب أن يكون أساوير، فلما كانت بغير الياء كانت جمع: سِوَار، كما أن أسقية جمع: سقاء، ثم جمع على: (أساق) (٢).\nقال سعيد بن جبير: (على كل واحد منهم ثلاثة من الأساور، واحد من فضة، وواحد من ذهب، وواحد من لؤلؤ ويواقيت) (٣). وقال أهل المعاني: (السوار: زينة تلبس في الزند من اليد، وهو من زينة الملوك تسور\n_________\n= المبرقات: النساء المتزينات والبرين: جمع برة، وهو الحلي. وسور: جمع سوار. انظر: \"ديوان عدي\" ص ١٢٧، و\"الكتاب\" لسيبويه ٤/ ٣٥٩، و\"المخصص\" ٤/ ٤٦، و\"المنصف\" ١/ ٣٣٨، و\"الحجة للقراء السبعة\" ٢/ ١٥٠، و\"شرح المفصل\" ٥/ ٤٤، و\"شرح الكافية\" لابن مالك ٤/ ١٨٣٧، و\"اللسان\" (لمع) ٧/ ٤٠٧٤.\n(١) \"الكتاب\" لسيبويه ٣/ ٢٣٠\n(٢) \"الإغفال فيما أغفله الزجاج من المعاني\" لأبي علي الفارسي ص ٩٤٠.\n(٣) \"معالم التنزيل\" ٥/ ١٦٩، و\"زاد المسير\" ٥/ ١٣٧، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٠/ ٣٩٦.","vol":"13","page":613},{"text":"في اليد وتتوج على الرأس) (١).\nويروى: (أن كسرى كان له تاج وسواران، فأتي بها عمر -﵁-) (٢).\nوقوله تعالى: ﴿مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ﴾ قال الزجاج: (هما نوعان من الحرير) (٣).\nوقال المفسرون: (السندس: ما رقَّ من الديباج، والإستبرق: مما غلظ منه) (٤) قال المرقش (٥) (٦):\nتراهنَّ يلبسن المشاعر مرَّةً ... وإستبرق الديباج طورًا لباسها\nوهو اسم أعجمي أصله بالفارسية: [استبر، ونقل من العجمية إلى العربية، كما سمي الديباج، وهو منقول من الفارسية] (٧).\nقال أبو علي: (الإستبرق لا تخلو حروفه من أن تكون أصولًا كلها أو\n_________\n(١) انظر: \"تهذيب اللغة\" (سار) ٢/ ١٥٩٤، و\"الصحاح\" (سور) ٢/ ٦٩٠، و\"لسان العرب\" (سور) ٤/ ٢١٤٨.\n(٢) ذكره ابن حجر في الإصابة في \"تمييز الصحابة\" ٣/ ٦٩ عند ترجمة سراقة بن مالك -﵁-، و\"أسد الغابة\" ٢/ ١٨٠ ترجمة سراقة بن مالك.\n(٣) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٢٨٤.\n(٤) \"جامع البيان\" ١٥/ ٢٤٣، و\"معالم التنزيل\" ٥/ ١٦٩، و\"المحرر الوجيز\" ٩/ ٣٠٢.\n(٥) ربيعة بن سعد بن مالك، ويقال هو: عمرو بن سعد بن مالك بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة، أحد المتيمين، كان يهوى ابنة عمه أسماء بنت عوف بن مالك، وهو شاعر جاهلي، عرف بالشجاعة والقوة، والمرقش لقب غلب عليه، بسبب قوله بيت من الشعر فلقب به. انظر: \"الشعر والشعراء\" ص ١١٩، و\"خزانة الأدب\" ٨/ ٣١٣.\n(٦) البيت للمرقش ذكرته كتب التفسير بدون نسبة. انظر: \"جامع البيان\" ١٥/ ٢٤٣، و\"النكت والعيون\" ٣/ ٣٠٥، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٠/ ٣٩٧، و\"الدر المصون\" ٧/ ٤٨٤، و\"فتح القدير\" ٣/ ٤٠٤.\n(٧) ما بين المعقوفين ساقط من الأصل.","vol":"13","page":614},{"text":"بعضها أصولًا وبعضها زائدًا، ولا يجوز أن تكون أصولا؛ لأنه ليس من كلامهم في الأسماء والأفعال ما هو على ستة أحرف أصول، ولا يجوز أن تكون الهمزة وحدها زائدة؛ لأنها لم تلحق زائدة أول بنات الأربعة، فإن لا تلحق أوائل بنات الخمسة أجدر، فإذا لم يجز هذا فلابد من أن ينضم إليها في الزيادة غيرها، فلا يجوز أن تكون السين؛ لأنها لم تزد مع الهمزة أولًا، ولا يجوز أيضًا أن تكون التاء مع الهمزة، كما لم يجز أن تكون السين، فإذا لم يجز هذا علمت أن الزيادة، وهي التاء والسين مع الهمزة، وأن الكلمة من الثلث، ولما نقلت فأعربت وافق التعريب وزن استفعل الذي هو مثال من أمثلة الماضي، إلا أن الهمزة منه قطعت لينقل من مثال الفعل إلى الاسم، وكان قطع الهمزة أحد ما نقل به الفعل إلى أحكام الاسم، وجعل النحويون هذا الحرف ومجيء الهمزة مقطوعة فيه أصلًا لجميع ما أوله همزة موصولة إذا نُقل سمي به، فقطعوا الهمزة في جميع ذلك، يقال: لو سميت رجلًا بأضرب وأشرب أو أقتل قطعت الهمزة في جميع ذلك؛ لأنه ليس من حكم الاسم أن يلحق همزة الوصل أولها، والحروف التي لحقت همزة الوصل أولها كما لابن والاسم أشبهت الأفعال عند النحويين لما لحق أواخرها الحذف الذي يلحق الأفع الذي الجزم، فلحق أولها همزة الوصل أيضًا لهذه المشابهة التي بينها) (١).\nوروي عن ابن محيصن (٢) أنه كان يقرأ: واستبرق، موصولة الألف\n_________\n(١) ذكر نحوه مختصرًا في \"الإغفال فيما أغفله الزجاج من المعاني\" (٩٤٤).\n(٢) محمد بن عبد الرحمن بن محيصن السهمي، إمام فاضل، علم بالقراءات، ثقة محدث، قرأ القرآن على عدد من أصحاب النبي -ﷺ-، وقرأ عليه عدد من التابعين، توفي -﵀- في مكة سنة ١٢٣ هـ. انظر: \"الوافي بالوفيات\" ٣/ ٢٢٣، =","vol":"13","page":615},{"text":"مفتوحة الآخر على مثال الماضي (١)، نحو: استفعل، وذلك لا يجوز؛ لأنه ليس هذا الحرف استفعل من برق، وإنما وافق اللفظ، واللفظ في التقريب [كما أن سراويل في التقريب] (٢) وافق هذا اللفظ وإن لم يكن في كلامهم، وإذا كان كذلك لم يتبع أن يجعل مثال الماضي، ولكنه اسم جنس، يدلك على ذلك دخول لام المعرفة عليه، والجار في نحو قوله: ﴿بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾ [الرحمن: ٥٤]. وإذا كان كذلك ففتحه لا يجوز إذ ليس بفعل، وإذا لم يكن فعلًا كان اسمًا أعجميًّا [معربًا واقعًا على الجنس، كما أن السندس والخَزّ (٣) كذلك] (٤) كان بمنزلة الديباج والفِرنْد (٥)، والبَرِيم (٦)، ونحو ذلك من الأسماء المنقولة نكرة، وليس من باب إبراهيم وإسماعيل، وإذا كان من\n_________\n= و\"غاية النهاية\" ٢/ ١٦٧، و\"معرفة الكبار\" ١/ ٩٨، و\"تهذيب التهذيب\" ٧/ ٤٧٤، و\"شذرات الذهب\" ١/ ١٦٢.\n(١) \"المحتسب\" لابن جني ٢/ ٢٩، و\"القراءات الشاذة\" للقاضي ص ٦٣، و\"إتحاف فضلاء البشر\" ٢/ ٢١٣.\n(٢) ما بين المعقوفين ساقط من الأصل ومثبت في بقية النسخ.\n(٣) الخَزُّ: نوع منه الثياب معروف مشتق منه، عربي صحيح، وهو من الجواهر المصوف بها. انظر: \"القاموس المحيط\" (الخز) ص ٥١٠، و\"الصحاح\" (خزز) ٣/ ٨٧٧، و\"لسان العرب\" (خزز) ٢/ ١١٤٩، و\"مختار الصحاح\" (خزز) ص (٧٣).\n(٤) ما بين المعقوفين ساقط من الأصل ومثبت في بقية النسخ.\n(٥) الفِرِنْدُ: دخيل معرب وهو اسم للثوب. ويطلق على السيف. انظر: \"تهذيب اللغة\" (فرند) ٣/ ٢٧٨٣، و\"القاموس المحيط\" (الفرند) ص ٣٠٦، و\"الصحاح\" (فرند) ٢/ ٥١٩، و\"لسان العرب\" (فرند) ٦/ ٣٤٠٥.\n(٦) البَرِيْمُ: ثوب فيه قز وكتان. وقيل: خيط ينظم فيه خرز فتشده المرأة على حقويها. انظر: \"تهذيب اللغة\" (برم) ١/ ٣٢١، و\"معجم مقاييس اللغة\" (برم) ١/ ٢٣١، و\"الصحاح\" (برم) ٥/ ١٨٦٩.","vol":"13","page":616},{"text":"هذا الضرب لم يكن فيه إلا الصرف إلا أن يُسمَّى به شيء فينضم إلى مثال الفعل التعريف، فإذا لم يكن كذلك فترك الصرف فيه لا يستقيم.\nوقوله تعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا﴾ يقال: اتكأ الرجل، وأصله: اوتكا، مثل: اتزن من الوزن، والتُكأة أصلها: وُكأة، ومنه التَّوكؤ، وهو: التحامل على الشيء، قال الله تعالى: ﴿قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا﴾ [طه: ١٨]؛ ورجل تُكأة إذا كان كثير الاتِّكاءِ، وهو في الأصل وكأة، فقلبت الواو تاء كما قالوا: تكلة في موضع وكلة ويقال: تكأ الرجل يتكئ مثل اتكأ، وأوكأت فلانًا إذا نصبت له متكأ (١).\nوقوله: ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ﴾ جمع أريكة. قال الليث: (وهي سرير حجلة، فالحجلة والسرير أريكة، وجمعها: أرائك) (٢). وهو قول المفسرين؛ قال ابن عباس ومجاهد: ﴿الْأَرَائِكِ﴾ هو: السُّرر في الحجال) (٣). ولا يكون أريكة حتى يكون السرير في الحجلة.\nوقال أبو إسحاق: (﴿الْأَرَائِكِ﴾: الفرش في الحجال) (٤).\n_________\n(١) انظر: \"تهذيب اللغة\" (تكئ) ١/ ٤٤٥، و\"الصحاح\" (وكأ) ١/ ٨٢، و\"لسان العرب\" (وكأ) ٨/ ٤٩٠٤.\n(٢) ذكرته كتب اللغة بدون نسبة. انظر: \"تهذيب اللغة\" (أرك) ١/ ١٤٩، و\"تاج العروس\" (أرك) ١٣/ ٥٠٤، و\"القاموس المحيط\" (الأراك) ص ٩٣١، و\"لسان العرب\" (أرك) ١/ ٦٤ وقال: هي الأسرة، وهي في الحقيقة الفرش، كانت في الحجال أو في غير الحجال، وقِل: الأريكة لسرير منجد مزين في قبة أو بيت فإذا لم يكن فيه سرير فهو حجلة.\n(٣) \"جامع البيان\" ١٥/ ٢٤٣، و\"تفسير القرآن\" ٣/ ٩٣، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٠/ ٣٩٨، و\"الدر المنثور\" ٤/ ٤٠٣.\n(٤) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٢٨٤.","vol":"13","page":617},{"text":"قال ابن عباس (١): (يريد الأَسِرَّة من ذهب مكللة بالدر والياقوت عليها الحجال، الأريكة ما بين صنعاء (٢) إلى أيلة (٣)، وما بين عدن (٤) إلى الجابية (٥». وما نزلت من الصفة أعظم.\n_________\n(١) \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٠/ ٣٩٨.\n(٢) صنعاء: موضعان أحدهما: باليمن وهي العظمى، وأخرى: قرية بالغوطة من دمشق، وصنعاء اليمن: اسمها قديمًا أزال، وبينها وبين عدن ثمانية وستون ميلًا، وهي قصبة اليمن، وأحسن بلادها، وقيل: سميت بصنعاء بن أزال بن يقطن بن عابر وهو الذي بناها، وأثنى عليها العلماء ومدحوها ونسب إليها خلق كثير.\nوصنعاء دمشق: قرية كانت في جانبها الغربي على باب دمشق دون المزة، مقابل مسجد خاتون خريت، وهي اليوم مزرعة وبساتين وقد خربت من العمران، وينسب إليها جماعة من المحدثين والعلماء. انظر: \"معجم البلدان\" ٣/ ٤٢٥، و\"تهذيب الأسماء واللغات\" ٣/ ١٨٢، و\"معجم ما استعجم\" ص ٨٤٣.\n(٣) أيلة: بالفتح مدينة على ساحل بحر القلزم، مما يلي الشام، وقيل: هي مدينة عامرة في بلاد الشام بين الفسطاط ومكة على شاطى بحر القلزم، وقيل: سميت بأيلة بنت مدين بن إبراهيم -﵇-. انظر: \"معجم البلدان\" ١/ ٢٩٢، و\"تهذيب الأسماء واللغات\" ٣/ ١٩.\n(٤) عدن بالتحريك وآخره نون، وهو من قولهم: عدن بالمكان إذا أقام به، وبذلك سميت عدن، وهي مدينة مشهورة على ساحل بحر الهند من ناحية اليمن، وهذا الموضع هو مرفأ مراكب الهند والتجار يجتمعون إليه، لأجل ذلك فإنها بلدة تجارة وعدن جنوبية تهامة وهو أقدم أسواق العرب، وقيل: سميت عدن: بعدن بن سينان بن نفيشان بن إبراهيم. وقيل غير ذلك. انظر: \"معجم البلدان\" ٤/ ٨٩، و\"معجم ما استعجم\" ٣/ ٩٢٤، و\"تهذيب الأسماء واللغات\" ٣/ ٥٥.\n(٥) الجابية: قرية من أعمال دمشق، ثم من أعمال الجيدور من ناحية الجولان قرب مرج الصقر في شمالي حوران، وهي قرية معروفة بجنب نوى على ثلاثة أميال منها من جانب الشمال، وإلى هذه القرية ينسب باب الجابية أحد أبواب دمشق، وسميت الجابية تشبيهًا بما يجبى فيه الماء، فإن الجابية اسم للحوض، فسميت =","vol":"13","page":618},{"text":"وقوله تعالى: ﴿نِعْمَ الثَّوَابُ﴾ قال: يريد طاب ثوابهم وعظم، ﴿وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا﴾ يعني حسنت الأرائك مرتفقا، أي: موضع ارتفاق، بمعنى اتكأ؛ قاله الفراء في المصادر (١). ومر معنا تفسير المرتفق آنفًا.\n_________\n= جابية لكثرة مياهها، وقيل: سميت بذلك لاجتماع الناس بها وكثرتهم فيها لكونها أرضًا خصبة. انظر: \"معجم البلدان\" ٢/ ١٩، و\"تهذيب الأسماء واللغات\" ٣/ ٦٠.\n(١) ذكره الأزهري في \"تهذيب اللغة\" بلا نسبة (رفق) ٢/ ١٤٤٤، وابن منظور في \"لسان العرب\" (رفق) ٣/ ١٦٩٥.","vol":"13","page":619},{"text":"المملكة العربية السعودية\nوزارة التعليم العالي\nجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية\nعمادة البحث العلمي\nالتَّفْسِيرُ البَسِيْط\nلأبى الحسن علي بن أحمد بن محمد الواحدي\n(ت ٤٦٨ هـ)\nمن آية (٣٢) من سورة الكهف إلى آخر سورة طه\nتحقيق\nد. عبد العزيز بن محمد اليحيى\nأشرف على طباعته وإخراجه\nد. عبد العزيز بن سطام آل سعود ... أ. د. تركى بن سهو العتيبى\nالجزء الرابع عشر","vol":"14","page":1},{"text":"المملكة العربية السعودية\nوزارة التعليم العالي\nجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية\nعمادة البحث العلمي\nالتَّفْسِيرُ البَسِيْط\nلأبى الحسن علي بن أحمد بن محمد الواحدي\n(ت ٤٦٨ هـ)\nمن آية (٣٢) من سورة الكهف إلى آخر سورة طه\nتحقيق\nد. عبد العزيز بن محمد اليحيى\nأشرف على طباعته وإخراجه\nد. عبد العزيز بن سطام آل سعود ... أ. د. تركى بن سهو العتيبى\nالجزء الرابع عشر","vol":"14","page":2},{"text":"جامعة الإمام محمد بن سعود الاسلامية ١٤٣٠ هـ\nفهرسة مكتبة الملك فهد اثناء النشر\nالواحدى، على بن أحمد\nالتفسير البسيط لأبى الحسن على بن أحمد بن محمد\nالواحدى (ت ٤٦٨ هـ)./عبد العزيز بن محمد اليحيى، الرياض\n١٤٣٠ هـ.\n٢٥ مج. (سلسلة الرسائل الجامعية)\nردمك: ٤ - ٨٥٧ - ٠٤ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ - (مجموعة)\n٠ - ٨٧١ - ٠٤ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (ج ١٤)\n١ - القرآن الكريم ... ٢ - الواحدى، على بن أحمد\nأ-العنوان ... ب-السلسلة\nديوي ٢٢٧.٣ ... ٨٦٨/ ١٤٣٠\nرقم الإيداع: ٨٦٨/ ١٤٣٠ هـ\nردمك: ٤ - ٨٥٧ - ٠٤ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (مجموعة)\n٠ - ٨٧١ - ٠٤ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (ج ١٤)","vol":"14","page":3},{"text":"التَّفْسِيرُ البَسِيْط\nلأبى الحسن علي بن أحمد بن محمد الواحدي\n(ت ٤٦٨ هـ)\n[١٤]","vol":"14","page":4},{"text":"بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ","vol":"14","page":5},{"text":"باقي سورة الكهف","vol":"14","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2268>٣٢ </span>- قوله تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ﴾ الآية، قال ابن عباس في رواية عطاء: (يريد ابني ملك كان في بني إسرائيل توفي وترك ابنين، فاتخذ أحدهما القصور والأجنة، والآخر كان زاهدًا في الدنيا، راغبًا في الآخرة، فكان إذا عمل أخوه شيئًا من زينة الدنيا أخذ مثل ذلك فقدم لآخرته، واتخذ به عند الله الأجنة والقصور، حتى نفذ ماله. فضربهما مثلًا للمؤمن والكافر الذي أبطرته النعمة) (١).\nوقال الكلبي: (هما أخوان من بني مخزوم (٢): أحدهما مؤمن وهو: أبو سلمة عبد الله بن عبد الأسد (٣) زوج أم سلمة. والآخر: كافر وهو: الأسود (٤).\n_________\n(١) \"معالم التنزيل\" ٥/ ١٦٩ - ١٧٠، \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٣٠٥ - ٣٠٦، \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٠٦، \"زاد المسير\" ٥/ ١٣٨ - ١٣٩.\n(٢) بني مخزوم: هذه النسبة ترجع إلى قبيلتين: إحداهما تنسب إلى بني مخزوم بن عمرو، ومخزوم قريش هو: مخزوم بن يقظة بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب، وقد نسب إلى هذه القبيلة خلق كثير، وأما مخزوم بن المغيرة فقد نسب إليه عدد كبير.\nانظر: \"الأنساب\" ٥/ ٢٢٥، \"اللباب\" ٤/ ١٧٩، \"نهاية الأرَب\" (٢٨١)، \"الاشتقاق\" ٢/ ٢٦٩.\n(٣) عبد الله بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم المخزومي، أبو سلمة المكي، أمه برة بنت عبد المطلب، وكان أخًا للنبي -ﷺ- من الرضاعة، هاجر الهجرتين، وشهد بدرًا مع النبي -ﷺ-، توفي -﵁- بالمدينة في حياة النبي -ﷺ- في السنة الرابعة من الهجرة، فتزوج النبي -ﷺ- بزوجته أم سلمة -﵁-.\nانظر: \"أسد الغابة\" ٣/ ١٩٠، \"الإصابة في تمييز الصحابة\"، \"سيرة ابن هشام\" ١/ ٢٥٢، \"تهذيب التهذيب\" ٥/ ٢٥١.\n(٤) \"الكشف والبيان\" ٣/ ٣٨٩ ب، \"بحر العلوم\" ٢/ ٢٩٨، \"معالم التنزيل\" ٥/ ١٦٩ - ١٧٠، \"الكشاف\" ٢/ ٣٨٩، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٠/ ٣٩٩.","vol":"14","page":7},{"text":"قال أبو إسحاق: (كان المشركون سألوا النبي -ﷺ- بمشورة اليهود عن قصة أصحاب الكهف، وعن الروح، وعن هذين الرجلين فأعلمه الله الجواب؛ لأنه مثل له -ﷺ- وللكفار، ومثل لجميع من آمن بالله، وجميع من عَنَدَ عنه وكفر به) (١). فقال: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ﴾ منصوب (٢) على معنى المفعول.\nوقوله تعالي: ﴿وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ﴾ الحفُّ: الإطافة بالشيء، يقال: حفَّ القوم بسيدهم يَحُفُّون بضم الحاء إذا أطافوا به وعكفوا (٣)، ومنه قوله: ﴿حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ﴾ [الزمر: ٧٥]. والمعنى: جعلنا النخل مطبقًا بها ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا﴾ أي: بين الجنتين ﴿زَرْعًا﴾ ثم أخبر أنهما كاملتان في مادة حملهما وأعنابهما، والزرع الذي بينهما.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2269>٣٣ </span>- فقال: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا﴾ ذكرنا الكلام في (كلا) عند قوله: ﴿أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا﴾ [الإسراء: ٢٣]، وأما ﴿كِلْتَا﴾ فذهب سيبويه إلى أنها فعلى بمنزلة الذكرى، وأصلها كلوى، فأبدلت الواو تاء كما أبدلت في أنحت وبنت (٤). والذي يدل على أن لام \"كلتا\" معتلة قولهم في مذكرها: كِلَى، وكِلَى فِعَل، ولامه معتلة بمنزلة لام حِجَى وَرِضَى، وهما من الواو لقولهم: حَجَى يَحْجُو، والرضوان، ولذلك مثلها سيبويه بما اغتسلت لامه فقال: (هي بمنزلة شروى) (٥).\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٢٨٤.\n(٢) في (ص): (رجلين منصوب).\n(٣) انظر: \"تهذيب اللغة\" (حف) ١/ ٨٦٩، \"الصحاح\" (حف) ٤/ ١٣٤٤، \"القاموس المحيط\" (حف) ص ٨٠١، \"لسان العرب\" (حفف) ٢/ ٩٣٠.\n(٤) \"الكتاب\" لسيبويه ٣/ ٣٦٤.\n(٥) \"الكتاب\" لسيبويه ٣/ ٣٦٤.","vol":"14","page":8},{"text":"وأما أبو عمرو الجرمي فذهب إلى أنها معتلة وأن التاء فيها علامة تأنيثها (١). وخالف سيبويه، وشهد بفساد هذا القول أن التاء لا تكون علم تأنيث الواحد إلا وقبلها فتحة، مثل: حَمْزَة وطلحة وقاعدة، أو تكون قبلها ألف نحو: سعلاة وعزهاة، والسلام في كلتا ساكنة كما ترى. ووجه آخر: أن علامة التأنيث لا تكون أبدًا وسطا، إنما تكون آخرا لا محالة، وكلتا اسم مفرد يفيد معنى التثنية فلا يجوز أن يكون علامة تأنيثه التاء، وما قبلها ساكن، وأيضًا فإن فعلى مثال لا يوجد في الكلام أصلًا، فيحمل هذا عليه، فإن سميت بـ (كلتا) رجلًا لم تصرفه في قول سيبويه معرفة ولا نكرة؛ لأن ألفها للتأنيث بمنزلة ألف ذكرى، وتصرفه نكرة في قول أبي عمرو، لأن أقصى أحواله عنده أن يكون كتائهة وقاعدة وعزة وحمزة (٢).\nوقوله تعالى: ﴿آتَتْ أُكُلَهَا﴾ قال الأخفش: (جعل الفعل واحدًا ولم يقل: آتتا، لأنه جعل ذلك لقوله: ﴿كِلْتَا﴾ هو في اللفظ، ولو جعله على معنى قولك: كلتا، لقال: آتتا) (٣). ونحو هذا قال الزجاج (٤). ومعنى ﴿آتَتْ أُكُلَهَا﴾ صاحبها أكلها أي: أدت إليه ريعها تامًا من غير نقصان، وهو قوله: ﴿وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ قال ابن عباس والمفسرون: (لم تنقص منه شيئًا) (٥).\n_________\n(١) انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٠/ ٤٠٢، \"البحر المحيط\" ٦/ ١٢٣، \"الدر المصون\" ٧/ ٣٣٦، \"روح المعاني\" ١٥/ ٢٧٤.\n(٢) انظر: \"البحر المحيط\" ٦/ ١٢٣، \"الدر المصون\" ٧/ ٣٣٦، \"روح المعاني\" ١٥/ ٢٧٤.\n(٣) \"معاني القرآن\" للأخفش ١/ ٦١٩.\n(٤) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٢٨٥.\n(٥) \"جامع البيان\" ١٥/ ٢٤٤، \"معالم التنزيل\" ٥/ ١٧١، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ٩٣، \"الدر المنثور\" ٤/ ٤٠٣.","vol":"14","page":9},{"text":"يقال: ظلمهُ حقه إذا نقصه، وقد مر. ﴿وَفَجَّرْنَا﴾ أي: أنبطنا (١) وأخرجنا ﴿خِلَالَهُمَا﴾ وسط الجنتين ﴿نَهَرًا﴾ أخبر أن شربهما كان من ماء نهر، وهو من أعذب الشرب، والكلام في التفجير والخلال قد مر في سورة بني إسرائيل (٢).\nقوله تعالى: ﴿وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ﴾ أي: كان للأخ الكافر أموال كثيرة، قال ابن عباس في رواية علي بن أبي طلحة في قوله: ﴿ثَمَرٌ﴾ يقول: (مال) (٣). وقال مجاهد: (ذهب وفضة) (٤). وقال قتادة: (يقول ومن كل المال) (٥).\nواختلف القراء في قوله: ﴿ثَمَرٌ﴾ علي ثلاثة أوجه: ثُمُر بضم الثاء والميم وهو قراءة أكثر القراء، وقرأ أبو عمرو: بضم الثاء وسكون الميم، وقرأ عاصم: بفتحهما (٦).\n_________\n(١) النبط: الماء الذي ينبط من قعر البئر إذا حفرت. انظر (نبط) في: \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٤٩٧، \"القاموس المحيط\" ص (٦٨٩)، \"معجم مقاييس اللغة\" ٥/ ٣٨١.\n(٢) عند قوله تعالى في سورة الإسراء الآية: (٩٠، ٩١): ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (٩٠) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا﴾.\n(٣) \"جامع البيان\" ١٥/ ٢٤٥، \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٠٦، \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٣٠٨، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ٩٣.\n(٤) \"جامع البيان\" ١٥/ ٢٤٥، \"معالم التنزيل\" ٥/ ١٧١، \"الكشاف\" ٢/ ٣٩٠، \" الدر المنثور\" ٤/ ٤٠٣.\n(٥) \"جامع البيان\" ١٥/ ٢٤٥، \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٣٥٨، \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٠٦، \"البحر المحيط\" ٦/ ١٢٥.\n(٦) قرأ أبو عمرو البصري: (ثُمْر) بضم الثاء وسكون الميم. وقرأ عاصم: (ثَمَر) بفتح الثاء والميم. وقرأ الباقون (ثُمُر) بضم الثاء والميم. انظر: \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ١٤٢، \"السبعة\" ص ٣٩، \"المبسوط في القراءات\" ص ٢٣٤، \"التبصرة\" ص ٢٤٨، \"النشر في القراءات العشر\" ٢/ ٣١٠.","vol":"14","page":10},{"text":"قال الليث: (الثَمَر: حمل الشجر) (١). والثُمُر أنواع المال، يقال: أثمر الرجل إذا كثر ماله، وثَمَّر الله مال فلان، أي: كثره. وروى الفراء بإسناده عن مجاهد قال: (ما كان في القرآن من ثُمُر فهو مال، وما كان من ثَمَر فهو من الثمار) (٢).\nوقال ابن زيد: (الثُّمُر الأصل، والثَّمَرة ما يجتنى من ذي الثمر) (٣). ويجمع ثَمَرَات مثل: رَقَبَة ورَقَبات، قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ﴾ [النحل: ٦٧]، وثِمَار أيضًا مثل: رِقَاب في جمع رَقَبَة، ويجوز أن يُكسَّر ثَمَار على ثُمُر ككِتَاب وكُتُب، ويجوز في جمع ثَمَرَة وجهان آخران: ثَمَر مثل: بَقَرة وبَقَر، وثُمْر أيضًا كبَدَنة وبُدْن وخَشَبَة وخُشْب.\nفقراءة أبي عمرو بالتخفيف تحتمل ثلاثة أوجه أحدها: أن يكون جمع ثِمَار، فخفِّف نحو كتُب في جمع (٤) كِتَاب. الثاني: أن يكون جمع ثمرة مخفف نحو خُشْب جمع في (٥) خَشَبَة. الثالث: أن يكون ثُمُر واحد مثل ثَمَر فخفف نحو (٦) عَنُق وطُنُب. فعلى أي: هذه الوجوه كان، جاز إسكان العين (٧) وساغ (٨).\nوأما قراءة العامة بضمتين، فلأن أهل اللغة فرقوا بين الثُمر والثمَر\n_________\n(١) \"تهذيب اللغة\" (ثمر) ١/ ٤٩٨.\n(٢) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٤٤.\n(٣) \"جامع البيان\" ١٥/ ٢٤٦، \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٠٦، \"البحر المحيط\" ٦/ ١٢٥.\n(٤) قوله: (في جميع) ساقط من الأصل، ومثبت في بقية النسخ.\n(٥) كلمة: (في) ساقط من الأصل، ومثبت في بقية النسخ.\n(٦) كلمة: (نحو) ساقط من الأصل، ومثبت في بقية النسخ.\n(٧) في (س): (العنق).\n(٨) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ١٤٣.","vol":"14","page":11},{"text":"فقالوا: الثَمَر المال، والثُمُر المأكول. وأكثر المفسرين على أن الثَمَر هاهنا: الأموال، وعلى قول ابن زيد الثُمُر: الأصول التي تحمل الثمرة لا نفس الثمرة. وهذه القراءة أقوى الوجوه لقوله: ﴿فأصبحَ يُقلِّب كفَّيه عَلَى ما أَنْفَقَ فيها﴾ أي: في الجهة، والنفقة إنما تكون على ذوات الثمر في أغلب العرف (١). وقال أبو إسحاق: (الثُمُر هاهنا أحسن؛ لأن قوله: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا﴾ قد دل على الثَمَر) (٢).\nوحكي عن أبي عمرو أنه قال: (الثَمَر والثُمُر أنواع المال) (٣). وهو المراد في هذه الآية، لا الثمرة التي تُجنى، دل على هذا قوله: \"وأحيط بثَمَره\" أي: أهلك جنته وماله وأصول نخله وشجره، وإذا كان كذلك فمن قرأ: بثُمْره وثُمُره كان قوله أبين، وأما قراءة عاصم في قوله: \"وكان له ثَمَر\" يعني ثَمَر (٤) نخله وكرمه، فليس بالجيد (٥)، لأن هذا قد فُهم من قوله: ﴿آتَتْ أُكُلَهَا﴾ وفي قوله: \"وأحيط بثمره\" كأنه أخبر عن بعض ما أصيب وأمسك عن بعض، وقراءة الباقين في قوله: \"وأحيط بثمرة\" جيدة عامة في الثَمَرة والأصول، لأنه لا يكون أن يصاب الأصل ولا يصاب الثمرة.\n_________\n(١) \"جامع البيان\" ١٥/ ٢٤٥ - ٢٤٦، \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ١٤٣.\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٢٨٥.\n(٣) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ١٤٣، \"البحر المحيط\" ٦/ ١٢٥، \"التفسير الكبير\" ٢١/ ١٢٥.\n(٤) قوله: (ثمر) ساقط من الأصل.\n(٥) قول المؤلف -غفر الله له-: (فليس بجيد). ليس بجيد، فإن أراد القراءة، فهي سبعية ثابتة عن النبي -ﷺ-، ولا يجوز ردها ولا تضعيفها. وإن أراد المعنى، فقد وافقت وجهًا صحيحًا من أوجه اللغة العربية.","vol":"14","page":12},{"text":"وقال محمد بن سلام: (قال سلام أبو المنذر القارئ (١): من قرأ: \"ثَمَر\" قال: من كل المال، ومن قرأ: \"ثُمُر\" فهو جمع ثَمَره. فأخبرت بذلك يونس فقال: هما سواء) (٢).\nوهذا على أنه جعل الثُمْر جمع ثَمَرة، كما ذكرنا في خَشَبَة وخُشب، والصحيح الفرق بين القراءتين على ما ذكرنا.\nوالثمّر في جمع الثَّمَرة صحيح، غير أن الثُّمُر هاهنا الأولى أن يحمل على الأموال كما بينا (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2270>٣٤ </span>- وقوله تعالى: ﴿فَقَالَ لِصَاحِبِهِ﴾ قال ابن عباس: (يريد لأخيه) (٤). ﴿وَهُوَ يُحَاوِرُهُ﴾ أي: يراجعه في الكلام ويجاوبه.\nقال ابن عباس: (وذلك أنه سأله عن ماله فيما أنفقه؟ فقال: قدمته بين يدي لأقدم عليه) (٥). فقال: ﴿أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا﴾ روى أبو عبيد عن أبي زيد: (النفر والرهط ما دون العشرة من الرجال) (٦).\n_________\n(١) سلام بن سليمان المزني الضري أبو المنذر، المقرئ، عالم باللغة والنحو، والقراءات، من علماء خرسان، قرأ على عاصم الجحدري، وروى عن الحسن، ومطر الوراق، وثابت وغيرهم، وقرأ عليه يعقوب الحضرمي، وكان صدوق، صالح الحديث، توفي ﵀ سنة ١٧١ هـ انظر: \"الجرح والتعديل\" ٤/ ٢٥٩، \"تهذيب التهذيب\" ٤/ ٢٨٤، \"الكاشف\" ١/ ٤١٣، \"ميزان الاعتدال\" ٢/ ١٧٧، \"غاية النهاية\" ١/ ٣٠٩، \"معرفة القراء الكبار\" ١/ ١٣٢.\n(٢) \"تهذيب اللغة\" (ثمر) ١/ ٤٩٨.\n(٣) وعلى هذا قول أكثر المفسرين. انظر: \"جامع البيان\" ١٥/ ٢٤٥، \"إرشاد العقل السليم\" ٥/ ٢٢١، \"الدر المصون\" ٧/ ٨٠.\n(٤) ذكره الماوردي في \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٠٦ بدون نسبة.\n(٥) \"معالم التنزيل\" ٥/ ١٧١، \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٣٠٩، \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٠٦.\n(٦) \"تهذيب اللغة\" (نفر) ٤/ ٣٦٢٧، \"لسان العرب\" (نفر) ٨/ ٤٤٩٨.","vol":"14","page":13},{"text":"وقال أبو العباس: (النفر، والقوم، والرهط هاهنا معناهم الجمع لا واحد لهم من لفظهم للرجال دون النساء) (١).\nوقال الليث: (يقال: هؤلاء عشرة نفر أي: عشرة رجال، ولا يقال: عشرون نفرًا، ولا ما فوق العشرة) (٢).\nقال ابن عباس: (يريد كثرة العبيد وعزة فيهم) (٣).\nوقال الزجاج: (أخبر أن ناصره كثير) (٤). وقال قتادة في هذه الآية: تلك والله أمنية الفاجر كثرة المال وعزة النفر، وهم الخدم والحشم) (٥). مقاتل: (يعني ولدًا) (٦). دليله قوله: ﴿إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا﴾ وقال المفسرون: (يعني عشيرة ورهطًا) (٧). ومنه قول امرئ القيس (٨):\nماله لا عدَّ من نفره\nأي: من رهطه وعشيرته.\n_________\n(١) \"تهذيب اللغة\" (نفر) ٤/ ٣٦٢٧، \"لسان العرب\" (نفر) ٨/ ٤٤٩٨.\n(٢) \"تهذيب اللغة\" (نفر) ٤/ ٣٦٢٧.\n(٣) ذكرت نحوه كتب التفسير بدون نسبة. انظر: \"جامع البيان\" ١٥/ ٢٤٦، \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٣٠٩، \"زاد المسير\" ٥/ ١٤٢، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٠/ ٤٠٣.\n(٤):معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٢٨٥.\n(٥) \"جامع البيان\" ١٥/ ٢٤٦، \"معالم التنزيل\" ٥/ ١٧١، \"ابن كثير\" ٣/ ٩٣.\n(٦) \"الكشف والبيان\" ٣/ ٣٨٩ ب، \"البغوي\" ٥/ ١٧١، \"روح المعاني\" ١٥/ ٢٧٥.\n(٧) \"معالم التنزيل\" ٥/ ١٧١، \"البحر المحيط\" ٦/ ١٢٥، \"روح المعاني\" ١٥/ ٢٧٥، \"التفسير الكبير\" ٢١/ ١٢٥.\n(٨) هذا عجز بيت لامرئ القيس يصف رجلًا بجودة الرمي. وصدره:\nفهو لا تنمي رميتة\nلا عد من نفره: دعاء له يوهم الدعاء عليه وهو كقولهم: ماله قاتله الله. انظر: \"ديوان امرئ القيس\" ص ٧٦، \"لسان العرب\" (نفر) ٨/ ٤٤٩٩.","vol":"14","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2271>٣٥ </span>- قوله تعالى: ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ﴾ [قال المفسرون: (أخذ بيد أخيه المسلم فأدخله جنته] (١) يطوف به فيها، ويريه إياها ويعجبه منها) (٢). وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ قال ابن عباس: (يعني خارجًا عن الإيمان إلى الكفر بالله) (٣).\nقال الزجاج: (وكل من كفر بالله فنفسه ظلم، لأنه يولجها النار، وأي ظلم للنفس فوق هذا) (٤).\nوقوله تعالى: ﴿قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا﴾ أنكر أن الله تعالى يفني الدنيا، لما رأى ما راقه وكبر في نفسه، وتوهم بجهله أنه يدوم، وأن مثله لا يبيد ولا يفنى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2272>٣٦ </span>- قوله تعالى: ﴿وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً﴾ قال ابن عباس: (أنكر البعث والثواب والعقاب) (٥).\nوقال أبو إسحاق: (أخبر أخاه بكفره بالساعة، وبكفره بفناء الدنيا) (٦).\n_________\n(١) ما بين المعقوفين ساقط من الأصل ومثبت في بقية النسخ.\n(٢) \"معالم التنزيل\" ٥/ ١٧١، \"الكشاف\" ٢/ ٣٩٠، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٠/ ٤٠٤.\n(٣) ذكرت كتب التفسير نحوه بلا نسبة. انظر: \"جامع البيان\" ١٥/ ٢٤٦، \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٣١٠، \"معالم التنزيل\" ٥/ ١٧١، \"الكشاف\" ٢/ ٤٨٤، \"زاد المسير\" ٥/ ١٤٢. ويشهد لهذا قوله تعالى في سورة لقمان الآية رقم (١٣): ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾.\n(٤) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٢٨٥.\n(٥) ذكرته كتب التفسير بلا نسبة. انظر: \"جامع البيان\" ١٥/ ٢٤٦، \"تفسير كتاب الله العزيز\" ٢/ ٤٦٣، \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٣١٢ - ٣١٣، \"معالم التنزيل\" ٥/ ١٧١، \"زاد المسير\" ٥/ ١٤٢ - ١٤٣.\n(٦) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٢٨٥.","vol":"14","page":15},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي﴾ الآية، قال ابن عباس: (يريد إن كان البعث حقًا) (١) ﴿لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا﴾ يريد: كما أعطاني هذا في الدنيا سيعطيني في الآخرة أفضل منه لكرامتي عليه (٢).\nوقال أهل المعاني: (هذا يدل على أن صاحبه المؤمن قد أعلمه أن الساعة تقوم، وأنه يبعث، فأجابه بأن قاله له: إن كان الأمر على ما أعلمتني أني أبعث، ليعطيني في الآخرة خيرًا مما أعطاني في الدنيا؛ لأنه لم يعطني هذا في الدنيا إلا وهو يريدني) (٣).\nوقال ابن زيد: (شك، ثم قال على شكه في الرجوع إلى ربه: ما أعطاني هذا إلا ولي عنده خير منه) (٤). تهكما سولته له نفسه.\nواختلفوا في قوله: ﴿مِنْهَا﴾ فقرؤا بالإفراد والتثنية (٥). والإفراد أولى من حيث كان أقرب إلى الجنة المفردة في قوله: ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ﴾، والتثنية لا تمتنع لتقدم ذكر الجنتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2273>٣٧ </span>- فأجابه صاحبه مكفرًا له بهذا القول فقال: ﴿أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ\n_________\n(١) ذكره القرطبي في \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٠/ ٤٠٤ بلا نسبة.\n(٢) وما تضمنته هذه الآية من جهل الكفار واغترارهم بالحياة الدنيا جاء مبينًا في آيات أخر ومنها في سورة فصلت الآية رقم (٥٠): ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى﴾.\n(٣) \"معالم التنزيل\" ٥/ ١٧٢، \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٢٨٦.\n(٤) \"جامع البيان\" ٢٤٧/ ١٥.\n(٥) قرأ أبو عمرو، وعاصم، وحمزة، والكسائي: (خيرًا منها) بالإفراد. وقرأ ابن كثير، ونافع، وابن عامر. (خيرًا منهما) بالتثنية. انظر: \"السبعة\" ص ٣٩٠، \"الحجة\" ٥/ ١٤٤، \"المبسوط في القراءات\" ٢٣٤، \"التبصرة\" ص ٢٤٨، \"العنوان\" ص ١٢٣.","vol":"14","page":16},{"text":"مِنْ تُرَابٍ﴾ قال ابن عباس: (يريد أن آدم خلق من تراب) (١). ثم ولده من نطفة، وإذا كان أبوه من تراب فهو من تراب، ومعنى النطفة في اللغة: الماء، يقال: في القربة نطفة من ماء (٢). ولا فعل للنطفة.\nقال الأزهري: (والعرب تقول للماء القليل والكثير: نطفة) (٣). وسمى الله ﷿ المني نطفة قال: ﴿أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى﴾ [القيامة: ٣٧].\nوقوله تعالى: ﴿ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا﴾ قال الكلبي: (جعلك معتد الخلق والقامة، صحيح اليدين، والرجلين، والعينين) (٤). والتسوية: جعل الشيء على المقدار.\nوقال الزجاج: (أي: ثم أكملك) (٥). وهذا الجيد في تفسير سواك هاهنا، لأن العرب تقول للغلام إذا تم شبابه: قد استوى، ومنه قوله: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى﴾ [القصص: ١٤] أي: تم شبابه واجتمع، فالتسوية هاهنا: واقع الاستواء بالمعنى الذي ذكرنا، يقال: سواه الله رجلًا فاستوى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2274>٣٨ </span>- ثم أعلمه صاحبه أنه موحد لله فقال: ﴿لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي﴾\n_________\n(١) ذكره الطبري في \"جامع البيان\" ١٥/ ٢٤٧ بدون نسبة، و\"المحرر الوجيز\" ٩/ ٣١١، \"روح المعاني\" ١٥/ ٢٧٦. ويشهد لهذا قوله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٥٩].\n(٢) انظر: \"تهذيب اللغة\" (نطف) ٤/ ٣٦٠، \"مقاييس اللغة\" (نطف) ٥/ ٤٤٠، \"الصحاح\" (نطف) ٤/ ١٤٣٤، \"لسان العرب\" (نطف) ٧/ ٤٤٦٢.\n(٣) \"تهذيب اللغة\" (نطف) ٤/ ٣٦٠١.\n(٤) ذكرت نحوه كتب التفسير بلا نسبة. انظر: \"إرشاد العقل السليم\" ٥/ ٢٢٢، \"البحر المحيط\" ٦/ ١٢٧، \"روح البيان\" ٥/ ٢٤٧، \"فتح القدير\" ٣/ ٤٠٩.\n(٥) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٢٨٦.","vol":"14","page":17},{"text":"وأصله: لكن أنا، كما هو في قراءة أُبي (١)، فخفف الهمزة التخفيف القياسي، وألقى حركتها على النون فصار لكننا، فاجتمع المثلان، فأدغموا المثل الأول في الثاني بعد أن أسكنوها، فصار في الدرج: لكنا هو الله، فلم تثبت ألف أنا في الوصل، كما لم تثبت الهاء في الوصل في نحو: إِرْمه، وأُغزه، و(كِتَابِيهْ) [الحاقة: ١٩]، و(حِسَابِيهْ) [الحاقة: ٢٠]؛ لأنها إنما تلحق في الوقف لتبين (٢) الحرف الموقوف عليه، فإذا وقف على ﴿لَكِنَّا﴾ أثبت الألف في الوقف، كما تثبت الهاء في الوصل، وإذا لم يقف حذفها، هذا وجه قراءة العامة (٣).\nومثل هذه القراءة في الإدغام ما حكاه أبو زيد في قول من سمعه يقرأ: ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [الحج: ٦٥] (يريد: على الأرض، لكنه خفف الهمزة، وألقى حركتها على لام المعرفة فصار: (على الرض)، فاجتمع لامان مثلان فأدغم الأول في الثاني) (٤). وهذا كله في إجراء المنفصل مجرى المتصل في نحو: شدَّ، وحلَّ.\nوقرأ ابن عامر، ونافع في رواية المسيبي (٥): ﴿لَكِنَّا﴾ بإثبات الألف\n_________\n(١) \"المحتسب\" ٢/ ٢٩، \"المحرر الوجيز\" ٣١١/ ٩ - ٣١٣، \"البحر المحيط\" ٦/ ١٢٨، \"الدر المصون\" ٧/ ٤٩٣.\n(٢) في الأصل: (ليس) وهو تصحيف.\n(٣) قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وعاصم، وحمزة، والكسائي: (لكنا هو الله) بإسقاط الألف في الوصل، وإثباتها في الوقف. انظر: \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ١٤٥، \"العنوان في القراءات\" ص ٣٠٧، \"الكشف عن وجوه القراءات\" ٢/ ٦١، \"النشر في القراءات العشر\" ٢/ ٣١١.\n(٤) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ١٤٥.\n(٥) هو: إسحاق بن محمد بن عبد الرحمن المسيبي، عالم بالقراءات، تقدمت ترجمته.","vol":"14","page":18},{"text":"في الوصل والوقف (١). وهذا على إجراء الوصل مجرى الوقف. وهو غير مختار في القراءة. فتكون كقراءة حمزة: (ومكر السيئ) بالجزم في الوصل (٢). غير أن أبا علي الفارسي ذكر وجهًا جيدًا لهذه القراءة، فجعل النون والألف في ﴿لَكِنَّا﴾ الضمير المتصل في نحو: فعلنا، ولم يجعله الضمير المنفصل وهو: أنا، كما ذكرنا في القراءة الأولى فقال: (أدغم النون من لكن لسكونها في النون من علامة الضمير، فيكون على هذا في الوصل والوقف ﴿لَكِنَّا﴾ بإثبات الألف لا غير، ألا ترى أن أحدًا لا يحذف الألف في: نحن فعلنا. وعاد الضمير الذي دخلت عليه لكن على المعنى، ولو عاد على اللفظ لكان: لكنا هو الله ربنا) (٣).\nوقال أبو إسحاق في توجيه هذه القراءة: (أثبت الألف في الوصل، كما كان يثبتها في الوقف، وهذا على لغة (٤) من قال: أنا قمت، فأثبت الألف، قال الشاعر (٥):\n_________\n(١) قرأ ابن عامر الشامي، ونافع المدني في رواية المسيبي: (لكنا هو الله) بإثبات الألف في الوصل والوقف. انظر: \"السبعة\" ص ٣٩١، \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ١٤٥، \"الغاية\" ص ٣٠٧، \"التبصرة\" ص ٢٤٩.\n(٢) قرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمر، وابن عامر، والكسائي، وعاصم: (ومكر السيئ) بكسر الهمزة.\nوقرأ حمزة: (ومكر السيئ) ساكنة الهمزة انظر: \"السبعة\" ص ٥٣٥، \" الكشف عن وجوه القراءات\" ٢/ ٢١٢، \"المبسوط في القراءات\" ص ٣٠٩، \"النشر في القراءات\" ٣/ ٣٥٢.\n(٣) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ١٤٦، \"إعراب القرآن\" للنحاس ٢/ ٢٧٥ - ٢٧٦.\n(٤) في الأصل: (لون) وهو تصحيف.\n(٥) البيت لحميد بن ثور. قد تذريت السنا: أي علوت ذروته، وبلغت غاية المجد. والشاهد فيه. ثبوت ألف أنا في الوصل. انظر: \"ديوانه\" ص ١٣٣، \"أساس =","vol":"14","page":19},{"text":"أنَا سيف العشيرة فاعرفوني ... حميد قد تذريت السناما\nثم قال: فأما: ﴿لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي﴾ فهو الجيد بإثبات الألف؛ لأن الهمزة قد حذفت من أنا فصار إثبات الألف عوضًا من الهمزة) (١). فاختار قراءة ابن عامر على قراءة عامة القراء (٢).\nورد ذلك عليه أبو علي فيما استدرك عليه فقال: (لا أرى ما قاله كما قال، وذلك أن هذه الألف تلحق للوقوف، ولا يسوغ أن تلحق في الوصل، ألا ترى أن الهمزة في: ذيل أمه قد حذفت حذفًا على غير الحذف الذي توجه قياس التخفيف، ولم يعوض منها، فأن لا يعوض منها في التخفيف القياسي أجدر؛ لأنها في هذا الوجه في تقدير الثبات، ولولا ذلك لم يحرك حرف اللين، كقولهم: جيل في تخفيف جيال، فلما كانت في تقدير الثبات لم يلزم منها بدل. ومما يؤكد أن العوض لا يجب أن (أنا) علامة ضمير، وعلامات الضمير لا ينكر كونها على حرف أو حرفين، بل ذلك الأغلب من أحوالها والأكثر، وأيضًا فلو جاز أن تثبت الألف التي حكمها أن تلحق في الوقف دون الوصل للحذف اللاحق للحرف، للزم أن تثبت الهاء التي تلحق في الوقف [أيضًا إذا لحق كلمة محذوفة منها نحو: عه، وشه، وارمه،\n_________\n= البلاغة\" ١/ ٢٩٨، \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٢٨٧، \"الحجة للقراء السبعة\" ١٥/ ٤٦، \"شرح المفصل\" ٣/ ٩٣، \"المنصف\" ١/ ١٠، \"الإغفال فيما أغفله الزجاج من المعاني\" ص ٩٥٧.\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٢٨٦.\n(٢) قال الزجاج في \"معانيه\" ٣/ ٢٨٨: والأجود إتباع القراء، ولزوم الرواية، فإن القراءة سنة، وكلما كثرت الرواية في الحرف وكثرت به القراءة فهو المتبع، وما جاز في العربية ولم يقرأ به قارئ فلا تقرأن به فإن القراءة به بدعة، وكل ما قلت فيه الرواية وضعف عند أهل العربية فهو داخل في الشذوذ ولا ينبغي أن تقرأ به.","vol":"14","page":20},{"text":"واغزه، فتثبت] (١) في هذا الضرب ليكون عوضًا من المحذوف من الكلمة، فإذا لم يجز هذا أحدًا فالأول كذلك لا فصل) (٢).\nوقوله تعالى: ﴿هُوَ﴾ من ﴿هُوَ اللَّهُ رَبِّي﴾ ضمير علامة الحديث والقصة، كما أنه قوله: ﴿فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنبياء: ٩٧] وقوله: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] كذلك، ويسمى هذا الضمير على شريطة التفسير، وقد مضت هذه المسألة مشروحة عند قوله: ﴿فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ﴾ [يوسف: ٧٧]. وهذا الضمير يدخل على المبتدأ والخبر، فيصير المبتدأ والخبر في موضع خبره.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا﴾ قال أبو إسحاق: (دل خطابه على أن صاحب الجنتين مشرك عابد مع الله غيره) (٣). وهذا من أبي إسحاق قول بمفهوم الخطاب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2275>٣٩ </span>- ثم أقبل على أخيه يلومه فقال: ﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ﴾ بمعنى: هلا، وتأويله التوبيخ. ﴿قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ ذكر الفراء والزجاج في ﴿مَا﴾ وجهين:\nأحدهما: أنه في موضع رفع على معنى: الأمر ما شاء الله، أو: هو ما شاء الله. والمعنى: أن الأمر بمشيئة الله، وفي هذا رد على الأخ الكافر، حيث قال حين دخل جنته: ﴿مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا﴾ فرد عليه الأخ المؤمن وقال: هلا قلت حين دخلتها: الأمر بمشيئة الله وما شاء الله كان.\nالوجه الثاني: أن ﴿مَا﴾ في موضع نصب بـ (شاء) على معنى الشرط\n_________\n(١) ما بين المعقوفين ساقط من الأصل ومثبت في بقية النسخ.\n(٢) \"الإغفال فيما أغفله الزجاج من المعاني\" ص ٩٥٩.\n(٣) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٢٨٦.","vol":"14","page":21},{"text":"والجزاء، ويكون الجواب مضمرًا على تقدير: ما شاء الله كان. ويكون التأويل: أي شيء شاء الله كان، فطرحت كان وأضمرته، وجاز طرح الجواب كما قال: ﴿فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا﴾ [الأنعام: ٣٥] الآية. ليس له جواب، لأن معناه معروف (١).\nوقوله تعالى: ﴿لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ قال أبو إسحاق: (أي لا يقوى أحد على ما في يديه من ملك ونعمة إلا بالله، ولا يكون له إلا ما شاء الله) (٢). قال ابن عباس: (ثم رجع إلى نفسه) (٣). فقال: ﴿إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا﴾. قال الفراء: (﴿أَنَا﴾ إذا نصبت ﴿أَقَلَّ﴾ عماد، وإذا رفعت ﴿أَقَلَّ﴾ فهي اسم، والقراءة بهما جائزة) (٤)، هذا كلامه (٥).\nوقال أبو إسحاق بيانًا فقال: (﴿أَنَا﴾ يصلح لشيئين: إن شئت كانت توكيدًا للنون والياء، وإن شئت كانت فصلًا، كما تقول: كنت أنت القائم) (٦). و﴿أَقَلَّ﴾ هو منصوب مفعول ثان لترن، ويجوز رفعه على أن يكون ﴿أَنَا﴾ ابتداء، و﴿أَقَلَّ﴾ خبره، والجملة في موضع المفعول الثاني لترن) (٧).\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٤٥، \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٢٨٨.\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٢٩٠.\n(٣) ذكر نحوه السمرقندي بلا نسبة في \"بحر العلوم\" ٢/ ٣٠٠، والرازي ٢١/ ١٢٧.\n(٤) قراءة النصب للجمهور. وقراءة الرفع لعيسى بن دينار، وهي قراءة شاذة لا يقرأ بها. انظر: \"الكشاف\" ٢/ ٣٩١، \"البحر المحيط\" ٦/ ١٢٩، \"الدر المصون\" ٧/ ٤٩٦.\n(٥) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٤٥.\n(٦) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٢٨٨.\n(٧) \"إملاء ما من به الرحمن\" ١/ ٤٩٩، \"مشكل إعراب القرآن\" ٢/ ٤٤٢، \"إعراب القرآن\" للنحاس ٢/ ٢٧٦ - ٢٧٧.","vol":"14","page":22},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2276>٤٠ </span>- قوله تعالى: ﴿فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ﴾ قال ابن عباس: (يريد في الآخرة) (١).\nقال الزجاج: (وجائز أن يكون أراد في الدنيا) (٢).\n﴿وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء: (نارًا من السماء) (٣). وهو قول الكلبي (٤).\nوقال قتادة والضحاك: (عذابًا) (٥). وقال ابن زيد: (قضاء من أمر الله يقضيه) (٦). هذا كلام المفسرين في تفسير الحسبان، [وذلك كله معنى، وليس بتفسير. وتفسيره ما ذكره أهل اللغة، قال الأخفش: (الحُسْبَان)] (٧) المرامي، واحدتها حُسْبَانة) (٨).\nوقال ابن الأعرابي مما روى عنه ثعلب من رواية أبي عمرو: (أراد بالحسبان المرامي، قال: والحُسْبَانة: السحابة، والحُسْبَانة: الصاعقة) (٩).\n_________\n(١) ذكره ابن عطية في \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٣١٥ بلا نسبة، والماوردي في \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٠٧.\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٢٩٠.\n(٣) \"معالم التنزيل\" ٥/ ١٧٣، \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٠٧، \"الدر المنثور\" ٤/ ٤٠٦.\n(٤) \"بحر العلوم\" ٢/ ٣٠٠، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ٩٤، \"الدر المنثور\" ٤/ ٤٠٦، \"البحر المحيط\" ٦/ ١٢٩.\n(٥) \"جامع البيان\" ١٥/ ٢٤٩، \"معالم التنزيل\" ٥/ ١٧٣، \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٠٧، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ٩٤.\n(٦) \"جامع البيان\" ٢٤٩/ ١٥، \"الكشف والبيان\" ٣٨٩/ ٣/ ب، \"البحر المحيط\" ٦/ ١٢٩.\n(٧) ما بين المعقوفين ساقط من نسخة (س).\n(٨) \"معاني القرآن\" للأخفش ٢/ ٤٩٨، \"تهذيب اللغة\" (حسب) ١/ ٨١١.\n(٩) \"تهذيب اللغة\" (حسب) ١/ ٨١١، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٠/ ٤٠٨.","vol":"14","page":23},{"text":"وقال النضر: (الحُسْبَانُ: سهام يرمي بها الرجل في جوف قصبة ينزع القوس ثم يرمي بعشرين منها دفعة، فلا تمر بشيء إلا عقرته من صاحب سلاح وغيره، فإذا نزع في القصبة خرجت الحُسْبَان كأنها غيثة مطر، فتفرقت في الناس، واحدها حُسْبَانَة، قال: والمرامي مثل المسالِّ دقيقة فيها شيء من طُول لا حُروف لها) (١). ونحو هذا قال أبو عبيدة، وابن قتيبة، وكل أهل اللغة (٢). والمعنى في هذه الآية: أن يرسل عليها عذاب حسبان، وذلك الحسبان حساب ما كسبت يداك (٣). فجعل الآية من باب حذف المضاف، وجعل الحسبان بمعنى حساب ذنوبه، قال الأزهري: (الذي قاله الزجاج بعيد، والقول ما قاله الأخفش وابن الأعرابي والنضر. والمعنى والله أعلم: أن الله يرسل عليها مرامي من عذابه، إما بَرَدا، وإما حِجَارة أو غيرهما مما يشاء) (٤). وقول المفسرين يوافق قول أهل اللغة، لأن ما قالوه لا يخرج عن أن يكون مرامي.\nوقال أهل المعاني: (إنما سُمِّي المرامي حُسبَانا، لأنها تكثر كثرة الحسبان) (٥).\nوذكرنا الحسبان بمعنى الحساب في تفسير قوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا﴾ [الأنعام: ٩٦].\n_________\n(١) \"تهذيب اللغة\" (حسب) ١/ ٨١١، \"لسان العرب\" (حسب) ٢/ ٨٦٧.\n(٢) \"تفسير غريب القرآن\" لابن قتيبة ١/ ٢٦٧، \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ١/ ٤٠٣، \"تفسير المشكل من غريب القرآن\" ص ١٤٣.\n(٣) \"معاني القرآن\" للزجاج ٢/ ٢٩٥، \"القرطبي\" ١٥/ ٤٥٨، \"البحر المحيط\" ٦/ ١٢٩.\n(٤) \"تهذيب اللغة\" (حسب) ١/ ٨١١.\n(٥) \"تهذيب اللغة\" (حسب) ١/ ٨١١، \"لسان العرب\" (حسب) ٢/ ٨٦٧.","vol":"14","page":24},{"text":"وقوله تعالى: ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ قال ابن عباس: (أرضا لا نبات فيها). وهو قول الكلبي وغيره (١). والزَّلق في اللغة: المكان المزلقة، ومنه قول الشاعر (٢):\nفمن علا زلقا عن غرة زلقا\nوالذي في الآية ليس من هذا؛ لأنه ليس أنها تفسير مزلقة، ولكن معناه: أنها تفسير جرداء لا نبات بها، من قولهم: زَلَقَ رأسه، وأَزْلَقه، وزَلَقه إذا حلقه، والزَّلْق: الحَلْق، والزَّلق: المحلوق، كالنَّقْض والنَّقَض فشبه الصعيد الذي لا نبات فيه بالرأس المحلوق (٣). قال الفراء: (الزَّلَق التراب الذي لا نبات فيه) (٤). وقال قتادة: وفي قوله: ﴿صَعِيدًا زَلَقًا﴾ يقول: (قد حصد ما فيها فلم يُتْرَك فيها شيءٌ) (٥). وذهب ابن قتيبة إلى الإملاس فقال: (الزَّلق: الإملاس الذي تزل عليه الأقدام) (٦). وهذا الذي ذكره هو الأصل، من أن المراد: ذهاب النبات لا الإملاس. والمعنى: أن هذا العذاب يهلكها ويبطل غلتها.\n_________\n(١) \"جامع البيان\" ١٥/ ٢٤٩، \"الكشف والبيان\" ٣/ ٣٨٩ ب، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ٩٤، \"الدر المنثور\" ٤/ ٤٠٧.\n(٢) هذا عجز بيت لابن يسير. وصدره:\nاقدر لرجلك قبل الخطو منزلها\nانظر: \"الكامل في اللغة\" للمبرد ٤/ ١٢٧.\n(٣) انظر: \"تهذيب اللغة\" (زلق) ٢/ ١٥٥٠، \"مقاييس اللغة\" (زلق) ٣/ ٢١، \"القاموس المحيط\" (زلق) ص ٨٩١، \"الصحاح\" (زلق) ٤/ ١٤٩١.\n(٤) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٤٥.\n(٥) \"جامع البيان\" ١٥/ ٢٤٩، \"الكشف والبيان\" ٣/ ٣٨٩ ب، \"الدر المنثور\" ٤/ ٤٠٧.\n(٦) \"تفسير غريب القرآن\" لابن قتيبة ١/ ٢٦٧.","vol":"14","page":25},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2277>٤١ </span>- قوله تعالى: ﴿أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا﴾ قال ابن عباس: (يعني النهر الذي من خلالها) (١) (٢). ﴿غَوْرًا﴾ يقال: غَارَ الماء في الأرض، يَغُور غَورًا، أو غوورًا إذا ذهب، وغَارَت العين في الرأس فهي غائرة (٣).\nوفي قوله: ﴿أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا﴾ وجهان أحدهما: ذا غور فحذف المضاف (٤). والثاني: وهو قول جميع أهل المعاني: أن الغور هاهنا بمعنى: الغائر أقيم المصدر مقام الصفة للمبالغة، كما يقال: وجه فلان نور ساطع، وعلى هذا يقال: ماء غَوْرٌ، ومياه غُورٌ، كما يقال: رجل عدل (٥). قال الشاعر (٦):\n_________\n(١) في نسخة (ص): (في جلالها)، وهو تصحيف.\n(٢) ذكرته كتب التفسير بلا نسبة. انظر: \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٠٧، \"البحر المحيط\" ٦/ ١٢٩، \"فتح القدير\" ٣/ ٢٦٢٠.\n(٣) \"تهذيب اللغة\" (غار) ٨/ ١٨٤، \"القاموس المحيط\" (الغور) ٤٥٢، \"الصحاح\" (غور) ٢/ ٧٧٤، \"لسان العرب\" (غور) ٦/ ٣٣١٢.\n(٤) \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٠/ ٤٠٩، \"إعراب القرآن\" للنحاس ٢/ ٢٧٧.\n(٥) \"جامع البيان\" ١٥/ ٢٤٩، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٠/ ٤٠٩، \"البحر المحيط\" ٦/ ١٢٩، \"إرشاد العقل السليم\" ٥/ ٢٢٣، \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٢٩٠، \"غريب القرآن\" لابن قتيبة ١/ ٢٦٧.\n(٦) هذا جزء من عجز بيت ذكرته كتب التفسير بلا نسبة. والبيت:\nهريقي من دموعهما سجاما ... ضياع وجاؤوني نوحا قياما\nانظر: \"جامع البيان\" ١٥/ ٢٤٩، \"الكشف والبيان\" ٣/ ٣٨٩ ب، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٠/ ٤٠٩. وذكره ابن منظور في \"لسان العرب\" (نوح) ٨/ ٤٥٧٠ برواية أخرى ونسبها لثعلب فقال:\nسمعن بموته فظهرن نوحا ... قياما ما يحل لهن عود","vol":"14","page":26},{"text":"وجاؤوني نوحًا قيامًا\nيريد (١): نساء نائحات قائمات، فوصفهن بالمصدر. وقال قتادة في قوله: ﴿غَوْرًا﴾ يقول: (ذاهبا قد غار في الأرض) (٢).\nوقوله تعالى: ﴿فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا﴾ أي: لا يبقى له أثر يطلبه به. وقال الكلبي: (لن تستطيع له حيلة) (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2278>٤٢ </span>- قوله تعالى ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾ معنى \"أحيط\" هاهنا: أهلك، أى أحاط العذاب بثمره، كما يحيط القوم بعدوهم فيهلكونهم عن آخرهم (٤). وذكرنا الكلام في هذا عند قوله: ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ [البقرة:٨١].\nوقوله تعالى: ﴿بِثَمَرِهِ﴾ قال ابن عباس: (بأشجار الثمر والنخل) (٥). وذكرنا الكلام واختلاف القراء في هذا عند قوله: ﴿وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ﴾ [الكهف: ٣٤].\nوقوله تعالى: ﴿فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ﴾ قال ابن عباس: (يضرب يديه واحدة على الأخرى ندامة) (٦). وقال الكلبي: (يصفق بالواحدة على\n_________\n(١) في (س): (يعني).\n(٢) \"جامع البيان\" ١٥/ ٢٥٠، وذكر نحوه الثعلبي في \"الكشف والبيان\" ٣/ ٣٨٩ ب.\n(٣) ذكره السمرقندي في \"بحر العلوم\" ٢/ ٣٠٠ بلا نسبة، والقرطبي في \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٠/ ٤٠٩.\n(٤) \"جامع البيان\" ١٥/ ٢٥٠، \"معالم التنزيل\" ٥/ ١٧٣، \"الكشاف\" ٢/ ٣٩١، \"البحر المحيط\" ٦/ ١٣٠.\n(٥) ذكرته كتب التفسير بدون نسبة. انظر: \"معالم التنزيل\" ٥/ ١٧٣، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٠/ ٤٠٩، \"التفسير الكبير\" ٢١/ ١٠٩.\n(٦) ذكرته كتب التفسير بدون نسبة. انظر: \"الكشف والبيان\" ٣٨٩/ ٣/ ب، \"بحر العلوم\" ٢/ ٣٠٠، \"معالم التنزيل\" ٥/ ١٧٣.","vol":"14","page":27},{"text":"الأخرى ندما) (١).\nوقال أبو عبيدة، والزجاج، والمفضل، وابن قتيبة: (يقال: فلان يقلب كفيه على ما فاته، وتقليب الكفين يفعله النادم كثيرًا، والعرب تقول للرجل إذا ندم على الشيء وجعل يفكر فيه: يقلب يديه وكفيه؛ لأن ذلك يكثر من فعله. فصار تقليب الكف عبارة عن الندم كعض اليد) (٢). قال الشاعر (٣):\nكمغبون يعض على يديه ... يُقلب كفَّه بعد السباع\nوقوله تعالى: ﴿عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا﴾ يقال: أنفقت في هذه الدار، وفي هذا الثوب كذا وكذا، وأنفقت عليها أيضًا، فيجوز أن يكون هاهنا بمعنى: على، كقوله: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١].\nوقوله تعالى: ﴿وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ ومضى الكلام في هذا مستقصى في سورة البقرة (٤). والعروش في هذه الآية تعم سقوف الأبنية، وما عُرِش للكروم. يريد: أنها ساقطة على سقوفها خالية من عريشها (٥). وقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا﴾ تمنى منه حين لا ينفعه التمني. أخبر الله تعالى أنه سلبه ما أنعم عليه في الدنيا، فندم حين لم ينفعه الندامة، وتمنى أنه كان موحدًا غير مشرك.\n_________\n(١) \"جامع البيان\" ١٥/ ٢٥٠، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ٩٣، ونسباه لقتادة.\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ٢٨٩/ ٣، \"تفسير غريب القرآن\" لابن قتيبة ١/ ٢٦٨، \"تفسير المشكل من غريب القرآن\" ص ١٤٤.\n(٣) لم أهتد إلى قائله.\n(٤) عند قوله سبحانه في سورة البقرة: ٢٥٩: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ الآية.\n(٥) \"معالم التنزيل\" ٥/ ١٧٣، \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٣١٦، \"الكشاف\" ٢/ ٣٩١.","vol":"14","page":28},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2279>٤٣ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ قال ابن عباس: (لم ينصره النفر الذين افتخر بهم في قوله: ﴿وَأَعَزُّ نَفَرًا﴾) (١).\nقال الفراء والزجاج: (﴿يَنْصُرُونَهُ﴾ محمول على معنى الفئة، ولو حمل على لفظها لقيل: تنصره، كما قال: ﴿فِئَةٌ تُقَاتِلُ﴾ [آل عمران: ١٣]) (٢). ﴿وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا﴾ بأن يسترد بدل ما ذهب منه. قال الزجاج: (وما كان هو أيضًا قادر على نصرة نفسه) (٣).\nوقال قتادة: (وما كان ممتنعًا) (٤). وقد تمت هاهنا قصة الأخوين، وضربت مثلًا للمؤمن مع الكافر، فالكافر تغره دنياه ويتبجح بها ويظن أنها تبقى له، والمؤمن يصبر على نوائبها احتسابًا من الله تعالى جميل الأجر وجزيل الذخر، ولا يركن إليها لما يعلم من فنائها. وقبل ذكر قصة الأخوين ذكر الله تعالى ما أعد للكافرين في قوله: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا﴾ [الكهف: ٢٩] إلى آخر الآية، وما أعد للمؤمنين في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [الكهف: ٣٠ - ٣١] الآيتان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2280>٤٤ </span>- ثم عاد الكلام إلى ما قبل القصة فقال: ﴿هُنَالِكَ﴾ قال الكلبي: (يقول عند ذلك، وهو يوم القيامة) (٥).\n_________\n(١) ذكرت كتب التفسير نحوه بلا نسبة. انظر: \"جامع البيان\" ١٥/ ٢٥٠ - ٢٥١، \"بحر العلوم\" ٢/ ٣٠٠، \"الجامع لأحكلام القرآن\" ١٠/ ٤١٠، \"إرشاد العقل السليم\" ٥/ ٢٢٤، \"روح المعاني\" ١٥/ ٢٨٤.\n(٢) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٤٥، \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٢٨٩.\n(٣) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٢٨٩.\n(٤) \"جامع البيان\" ١٥/ ٢٥١، \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٠٨، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٠/ ٤١٠، \"الدر المنثور\" ٤/ ٤٠٧.\n(٥) \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٠٩، وذكره السمرقندي في \"بحر العلوم\" ٢/ ٣٠٠ بدون نسبة، وكذلك القرطبي ١٠/ ٤١١.","vol":"14","page":29},{"text":"وذكرنا عند (١) قوله: ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ﴾ [آل عمران: ٣٨] أنه يجوز أن يشار بهنالك إلى المكان، وإلى ما مضى من الزمان.\nوقوله تعالى: ﴿الْوَلَايَةُ﴾ أكثر القراء على فتح الواو (٢)، والولاية: نقيض العداوة، ومعناها التولي، وهو مصدر الوَلِيِّ (٣). وروي عن أبي عمرو، والأصمعي أنهما قالا: (الولاية بالكسر هاهنا لحن (٤)، والكسر في فعالة يجيء فيما كان صنعة نحو: الخياطة والصناعة (٥)، أو معنى متقلدًا كالكتابة والإمارة والخلافة، وليس هنا معنى تولي أمر، إنما (٦) الولاية من الدين) (٧). وكذلك التي في الأنفال: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنفال: ٧٢]. وأما ولاية الأمور فهو بالكسر، كولاية السلطان، ومن أهل اللغة من يقول: يجوز الفتح في هذه، والكسر في تلك. كما قالوا: الوِكالة\n_________\n(١) قوله: (عند) ساقط من الأصل.\n(٢) قرأ ابن كثير، ونافع، وابن عامر، وعاصم، وأبو عمر: (الولاية) بفتح الواو. وقرأ حمزة، والكسائي: (الولاية) بكسر الواو. انظر: \"السبعة\" ص ٣٩٢) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ١٤٩، \"التبصرة\" ص ٢٤٨، \"العنوان\" ص ١٢٣.\n(٣) انظر: \"تهذيب اللغة\" (ولى) ٤/ ٣٩٥٥، \"مقاييس اللغة\" (ولى) ٦/ ١٤١، \"لسان العرب\" (ولى) ٨/ ٤٩٢٠.\n(٤) قولهما: (أن الكسر هنا لحن). قول لا يعول عليه، لأنه مخالف لقراءة سبعية ثابتة عن النبي -ﷺ-، والقراءة الثابتة حجة على اللغة، فلا يجوز ردها أو تضعيفها، كما أن الفتح والكسر هنا جائز عند أكثر أهل اللغة.\n(٥) في (ص): (الصياغة).\n(٦) في (س): (إنما هو الولاية).\n(٧) \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٣١٨، \"البحر المحيط\" ٦/ ١٣٠، \"الدر المصون\" ٧/ ٤٩٩، \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ١٤٩.","vol":"14","page":30},{"text":"والوَكالة، والوصاية والوصاية بمعنى واحد (١).\nوقوله تعالى: ﴿لِلَّهِ الْحَقِّ﴾ من كسر القاف جعله من وصف الله سبحانه، ووصفه بالحق وهو مصدر كوصفه بالعدل وبالسلام (٢). والمعنى: أنه ذو الحق وذو السلام. وكذلك الإله معناه ذو العبادة، ويدل على صحة هذه القراءة: ﴿وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ﴾ [النور: ٢٥]، وقوله: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ﴾ [الأنعام: ٦٢]، ويصدقه قراءة عبد الله: (هنالك الولاية لله وهو الحق) (٣). وقرأ أبو عمرو والكسائي: ﴿للهِ الحقُّ﴾ بضم القاف (٤). جعلا الحق من صفة الولاية، وحجتهما قراءة أبي: (هنالك الولاية الحقّ لله) (٥). ومعنى وصف الولاية بالحق: أنه لا يشوبها غيره، ولا يخاف فيها ما يخاف في سائر الولايات من غير الحق.\nوأما معنى الآية فقال أبو إسحاق: (في تلك الحال بيانُ الولاية لله أي: عند ذلك يتبين وليُّ الله بتولي الله إياه) (٦). قوله: (في تلك الحال)\n_________\n(١) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ١٥٠، \"إملاء ما من به الرحمن\" ١/ ٣٩٩، \"الدر المصون\" ٧/ ٤٩٨.\n(٢) قرأ ابن كثير، ونافع، وابن عامر، وعاصم: (لله الحقِّ) بالكسر. انظر: \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ١٤٩، \"الغاية في القراءات العشر\" ص ٣٠٧، \" التبصرة\" ص ٢٤٩، \"النشر\" ٢/ ٣١١.\n(٣) انظر كتاب قراءة عبد الله بن مسعود ص ١٢٤.\n(٤) قرأ أبو عمرو البصري، والكسائي: (لله الحقُّ) بالضم.\nانظر: \"السبعة\" ص ٣٩٢، \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ١٤٩، \"المبسوط في القراءات\" ٢٣٥، \"حجة القراءات\" ٤١٨.\n(٥) \"معالم التنزيل\" ٥/ ١٧٣، \"روح المعاني\" ١٥/ ٢٨٥، \"البحر المحيط\" ٦/ ١٣١.\n(٦) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٢٨٩.","vol":"14","page":31},{"text":"يعني: في حال مجازاة الله الكافر والمؤمن الولاية لله، على معنى: هنالك يتبين ذلك على ما ذكر. وقال ابن قتيبة: (يريد يومئذ يتولون الله ويؤمنون به، ويتبرؤون مما كانوا يعبدون) (١). وهذا أظهر من قول الزجاج. وذهب غيرهما في معنى الولاية في هذه الآية: إلى تولي الأمر، لا إلى معنى الموالاة، فقال: (معنى الآية: في ذلك الموطن الذي هو موطن الجزاء لا يتمكن أحد من نصرة أحد، بل الله تعالى يتولى ذلك، فينصر المؤمنين ويخذل الكافرين، لا يملك ذلك أحد من العباد، فالولاية يومئذ تخلص له كما قال: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤] (٢).\nوقوله تعالى: ﴿هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا﴾ يقول: هو أفضل ثوابًا يقول: هو أفضل ثوابًا ممن يرجى ثوابه. قال أهل المعاني: (قوله: ﴿هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا﴾ مع أنه لا يثبت إلا هو، على تقدير: لو كان يثبت غيره لكان هو خير ثوابًا) (٣).\nوقيل: (هذا على ادعاء الجهال والكفار أنه قد يثبت غير الله) (٤). ﴿وَخَيْرٌ عُقْبًا﴾ وعُقُبَا (٥). وهما لغتان في العاقبة يقال: عُقْب، وعُقُب، وعَاقِبَة وعُقْبى، والعقب لا يكون لله تعالى كما يكون الثواب له. ولا يجوز\n_________\n(١) \"تفسير غريب القرآن\" ١/ ٢٦٨.\n(٢) \"معالم التنزيل\" ٥/ ١٧٣، \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٠٩، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٠/ ٤١١، \"التفسير الكبير\" ٢١/ ١٢٩.\n(٣) \"معالم التنزيل\" ٥/ ١٧٣، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٠/ ٤١١.\n(٤) \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٠/ ٤١١.\n(٥) قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، والكسائي: (عُقُبا) مضمومة القاف. وقرأ عاصم، وحمزة: (عُقْبا) ساكنة القاف. انظر: \"السبعة\" ص ٣٩٢، \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ١٥٠، \"التبصرة\" ص ٢٤٩، \"العنوان\" ص ١٢٣، \"حجة القراءات\" ص ٤١٩.","vol":"14","page":32},{"text":"أن يضاف العاقبة إلى الله تعالى أو يوصف بالعاقبة، وإنما المعنى عاقبة طاعته خير من عاقبة طاعة غيره، فهو خير عقب طاعة وإثابة ونصرة وما يكون من هذا المعنى، ثم حذف المضاف إليه (١).\n\n﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا﴾ [الكهف:<span data-type=\"title\" id=toc-2281> ٤٥]</span>.\n٤٥ - قوله تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ قال ابن عباس: (يريد لقومك) (٢). وقوله تعالى: ﴿كَمَاءٍ﴾ الكاف في محل الرفع لخبر ابتداء محذوف، أي: هو كماء يعني: مثل الحياة الدنيا (٣).\n﴿كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ﴾ يعني: المطر (٤). ﴿فَاخْتَلَطَ﴾ فالتف واجتمع به، بذلك الماء أي: بسببه؛ لأن النبات إنما يختلط ويكثر بالماء (٥).\nوقال أبو إسحاق: (تأويله أنه نجع في النبات حتى خالطه، فأخذ النبات زخرفه) (٦). يريد: أن النبات شرب من ذلك الماء فبدأ فيه الري والنضارة، فعلى هذا الوجه قد اختلط النبات بالماء حيث يروى به.\nوقوله تعالى: ﴿فَأَصْبَحَ﴾ أي: النبات ﴿هَشِيمًا﴾ معنى الهَشْم في اللغة: الكسر، والهَاشِم: الذي يَهْشِم الخبز ويكسره في الثريد، وبه سمي\n_________\n(١) \"تفسير غريب القرآن\" ١/ ٢٦٨، \"مجاز القرآن\" ١/ ٤٠٥، \"القرطبي\" ١/ ٤١١.\n(٢) ذكره البغوي في \"تفسيره\" ٥/ ١٧٤ بدون نسبة، وكذلك القرطبي ١٠/ ٤١١.\n(٣) \"إملاء ما من به الرحمن\" ١/ ٤٠٠ \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٣١٩، \"الدر المصون\" ٧/ ٥٠٠.\n(٤) \"جامع البيان\" ١٥/ ٢٦٤، \"معالم التنزيل\" ٥/ ١٧٤.\n(٥) \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٣١٩، \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٠٩، \"القرطبي\" ١٠/ ٤١٢.\n(٦) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٢٩١.","vol":"14","page":33},{"text":"هَاشِم، والهَشِيم: ما تَكَسَّر وتَهَشَّم وتَحَطَّم من يَبَسِ النبات (١).\nوقال المفسرون في الهشيم: (أنه الكسير المتفتت) (٢).\nوقوله تعالى: ﴿تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ﴾ الذَّرُّ حمل الريح الشيء ثم تثيره، يقال: ذَرَتْه الريح، تَذْرُوه، وتَذْرِيه، وبه قرأ عبد الله: (تَذْرِيه الرياح) (٣). وتَذْرُوة، وتَذْرِية وتُذْرِية لغات أربع (٤).\nقال المفسرون: (تَرْفعه وتُفْرقه وتنسفه) (٥). وهذه الآية مختصرة من قوله في سورة يونس: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ﴾ [يونس: ٢٤] الآية. وقد شرحناها هناك.\nقال أبو إسحاق: (أعلم الله أن الحياة الدنيا زائلة، وأن مثلها هذا المثل) (٦).\nوقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرً﴾ أي: على كل شيء من الإنشاء والإفناء قادرًا، أنشأ النبات ولم يكن، ثم أفناه. قال الحسن: (كان الله على كل شيء مقتدرًا أن يكونه قبل كونه) (٧). قال الزجاج وهو مذهب\n_________\n(١) انظر: \"تهذيب اللغة\" (هشم) ٤/ ٣٧٦٣، \"مقاييس اللغة\" (هشم) ٦/ ٥٣، \"القاموس المحيط\" (هشم) ١١٧٠،\"الصحاح\" (هشم) ٤/ ٢٠٥٨.\n(٢) \"جامع البيان\" ١٥/ ٢٥٢، \"معالم التنزيل\" ٥/ ١٧٤، \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٣٢٥، \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٠٩.\n(٣) \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٣٢٠، \"الكشاف\" ٢/ ٣٩٢، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٠/ ٤١٣، \"البحر المحيط\" ٦/ ١٣٣.\n(٤) انظر: \"تهذيب اللغة\" (ذرا) ٢/ ١٢٧٢، \"لسان العرب\" (ذرا) ٣/ ١٤٩١.\n(٥) \"معالم التنزيل\" ٥/ ١٧٤، \"المحرر الوجيز\" ٣٢٠/ ٩، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ٩٥، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٠/ ٤١٣.\n(٦) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٢٩١.\n(٧) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٢٩١.","vol":"14","page":34},{"text":"النحويين في هذا: (أن معناه كان مقتدرًا لم يزل) (١). أي: ما شاهدتم من قدرته ليس بحادث عنده. وهذا مما سبق بيانه قديمًا.\n\n﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾ [الكهف:<span data-type=\"title\" id=toc-2282> ٤٦]</span>.\n٤٦ - قوله تعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ قال المفسرون: (هذا رد على عيينة بن حصين، والأقرع والرؤساء الذين كانوا يفتخرون بالمال والغنى والأبناء. أخبر الله تعالى أن ذلك مما يُتَزيَّن به في الحياة الدنيا ويُتَجمل به، لا مما ينفع في الآخرة) (٢). ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ﴾ يعني: ما يأتي به سلمان، وصهيب، وفقراء المسلمين (٣).\nواختلفوا في المراد بالباقيات الصالحات، فقال ابن عباس في رواية سعيد بن جبير: (هي الصلوات الخمس) (٤). وهو قول مسروق، وإبراهيم، ومحمد بن كعب (٥). وقال في رواية عطاء: (يريد سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر) (٦). وهذا قول مجاهد، وعكرمة، والضحاك (٧). وروي ذلك مرفوعًا: (أن النبي -ﷺ- سمَّي هذه الأذكار الباقيات الصالحات\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٢٩١.\n(٢) \"جامع البيان\" ١٥/ ٢٥٣.\n(٣) \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٠/ ٤١٤، \"التفسير الكبير\" ٢١/ ١٣١.\n(٤) \"جامع البيان\" ١٥/ ٢٥٤، \"معالم التنزيل\" ٥/ ١٧٥، \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٣٢٢، \"النكت والعيون\" ٣/ ٣١٠.\n(٥) المذكور في الطبرى وابن كثير خلاف هذا انظر: ١٥/ ٢٥٥، وابن كثير ٣/ ٩٦.\n(٦) \"جامع البيان\" ١٥/ ٢٥٤، \"معالم التنزيل\" ٥/ ١٧٤، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ٩٦.\n(٧) \"جامع البيان\" ١٥/ ٢٥٦، \"معالم التنزيل\" ٥/ ١٧٤، \"بحر العلوم\" ٢/ ٣٠١، \"الكشف والبيان\" ٣/ ٣٨٩ ب.","vol":"14","page":35},{"text":"فقال: \"وهي الباقيات الصالحات\") (١). روى ذلك أنس، وأبو هريرة، والخدري -﵃-. وزاد عثمان، وابن عمر، وسعيد بن المسيب: (لا حول ولا قوة إلا بالله، مع هذه الأذكار في تفسير الباقيات الصالحات) (٢).\nوقال فى رواية العوفي: (هي الكلام الطيب) (٣). وهذا أيضًا راجع إلى ذكر الله؛ لأنه الكلام الطيب.\nوقال في رواية الوالبي: (هي الأعمال الصالحات وجميع الحسنات) (٤).\nوهو قول قتادة قال: (هي كل ما أريد به وجه الله) (٥). واختاره الزجاج فقال: (هي كل عمل صالح يبقى ثوابه) (٦) (٧).\n_________\n(١) أخرجه الإمام مالك في \"الموطأ\" كتاب: القرآن، باب: ما جاء في ذكر الله ﵎ ١/ ٢١٠، والإمام أحمد في \"مسنده\" ٤/ ٢٦٨، والهيثمي في \"مجمع الزوائد\" كتاب: الصلاة، باب: فضل الصلاة وحقنها للدم ١/ ٢٩٧، وقال: رواه أحمد، وأبو يعلى، والبزار، ورجاله ورجال الصحيح، غير الحارث بن عبد الله مولى عثمان وهو ثقة. وابن الأثير في \"جامع الأصول\" كتاب: التفسير سورة الكهف ٢/ ٢٢٠، والطبراني في \"الصغير\" ١/ ١٤٥، وابن عدي في \"الكامل\" ٦/ ٢٥٨٥، والطبري في \"تفسيره\" ١٥/ ٢٥٥، والسيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ٤٠٨.\n(٢) \"جامع البيان\" ١٥/ ٢٥٥، \"الكشف والبيان\" ٣/ ٣٨٩ ب، \"النكت والعيون\" ٣/ ٣١٠، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ٩٦، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٠/ ٤١٤، \"تفسير الباقيات الصالحات وفضلها\" ٣٢.\n(٣) \"جامع البيان\" ١٥/ ٢٥٦، \"النكت والعيون\" ٣/ ٣١٠، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ٩٦، \"الدر المنثور\" ٤/ ٤٠٩.\n(٤) \"جامع البيان\" ١٥/ ٢٥٦، \"معالم التنزيل\" ٥/ ١٧٥، \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٣٢٢، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ٩٦.\n(٥) \"معالم التنزيل\" ٥/ ١٧٥، \"الكشاف\" ٢/ ٣٩٢، \"الدر المنثور\" ٤/ ٤١٠.\n(٦) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٢٩٢.\n(٧) والراجح -والله أعلم- أن الباقيات الصالحات: كل عمل خير، فلا وجه لقصرها =","vol":"14","page":36},{"text":"قوله تعالى: ﴿خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾ قال ابن عباس: (يريد أفضل ثوابًا وأفضل أملًا من المال والبنين) (١). وهذا على عادة خطاب العرب تقول في الشيئين: هذا خير، وإن لم يكن في الثاني شيء يُخيَّر به. كقوله تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا﴾ [الفرقان: ٢٤]، ومعلوم أنه، لا خير في مستقر أهل النار، وإلى هذا المعنى أشار الفراء فقال في قوله: ﴿وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾ الأمل للعمل الصالح خير من الأمل للعمل السيئ) (٢).\nوقال ابن قتيبة: (﴿وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾ مما يؤملون) (٣). أي: هو خير أن يؤمل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2283>٤٧ </span>- قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ﴾ قال الزجاج: (هو منصوب على معنى واذكر، ثم قال: ويجوز أن يكون نصبه على معنى: خير يوم تسير الجبال، أي: خير في القيامة) (٤). وهذا الوجه يحسن لو لم يكن في ﴿وَيَوْمَ﴾ الواو (٥).\nوقوله تعالى: ﴿نُسَيِّرُ الْجِبَالَ﴾ معنى التسيير: جعل الشيء يسير، وقال الكلبي: (تُسير الجبال عن وجه الأرض، كما تُسير السحاب في\n_________\n= على عمل دون آخر، ولا على ما كان يفعله فقراء المهاجرين باعتبار السبب؛ لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.\nوهذا اختيار كثير من المفسرين. انظر: \"جامع البيان\" ١٥/ ٢٥٦، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٠/ ٤١٤، \"أضواء البيان\" ٤/ ١٠٩.\n(١) ذكره القرطبي ١٠/ ١٤٤ بدون نسبة، وكذلك \"روح المعاني\" ١٥/ ٢٨٧.\n(٢) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٤٦.\n(٣) \"تفسير غريب القرآن\" لابن قتيبة ١/ ٢٦٨.\n(٤) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٢٩٢.\n(٥) \"مشكل إعراب القرآن\" ١/ ٤٤٣، \"إعراب القرآن\" للنحاس ٢/ ٢٧٩.","vol":"14","page":37},{"text":"الدنيا، ثم تكسر فتعود في الأرض) (١). وهذا معنى قوله: ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا (٥) فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا (٦)﴾ [الواقعة: ٥، ٦] وقرئ: ﴿نُسَيِّرُ الْجِبَالَ﴾ علي بناء الفعل للفاعل (٢). وهذه القراءة أشبه بما بعده من قوله: ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ﴾، وحجة القراءة الأولى قوله: ﴿وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ﴾ [النبأ: ٢٠]، وقوله: ﴿وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ﴾ [التكوير: ٣]، فبني الفعل للمفعول به.\nوقوله تعالى: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً﴾ قال ابن عباس: (يريد لا جبل ولا بناء ولا شجر ولا ماء) (٣). وقال مجاهد: (لا خَمَر (٤) فيها) (٥). وقال الكلبي: (ظاهرة ليس عليها شيء) (٦).\nوقال أهل المعاني: (لا شيء يسترها، يحشر الناس فيكونون كلهم في صعيد واحد، يرى بعضهم بعضًا) (٧). وهذا قول قتادة في البارزة: (أنها\n_________\n(١) ذكره الماوردي في \"تفسيره\" ٣/ ٣١١ بدون نسبة، وكذلك القرطبي في \"تفسيره\" ١٠/ ٤١٦.\n(٢) قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر: (ويوم تُسير الجبالُ) بالتاء، ورفع الجبال. وقرأ نافع، وعاصم، وحمزة، والكسائي: (ويوم نُسير الجبالَ) بالنون، ونصب الجبال. انظر: \"السبعة\" ص ٣٩٣، \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ١٥١، \"التبصرة\" ص ٢٤٩، \"العنوان\" ١٢٣، \"النشر\" ٢/ ٣١١.\n(٣) ذكره الثعلبي في \"الكشف والبيان\" ٣/ ٣٨٩ ب بدون نسبة.\n(٤) قال الأزهري في \"تهذيب اللغة\" (خَمَر) ١/ ١١٠٠: الوهدة: خَمر، والأكمة: خَمر، والجبل: خَمر، والشجر: خَمر، وكل ما خلفك فهو خمر. وانظر: \"القاموس المحيط\" (الخمر) ٣٨٧، \"الصحاح\" (خمر) ٢/ ٦٥٠.\n(٥) \"جامع البيان\" ١٥/ ٢٥٧، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ٩٨، \"تفسير كتاب الله العزيز\" ٢/ ٤٦٥، \"تفسير مجاهد\" ١/ ٣٧٧.\n(٦) ذكر نحوه الثعلبي في \"الكشف والبيان\" ٣/ ٣٨٩ ب بدون نسبة، وكذلك السمرقندي في \"بحر العلوم\" ٢/ ٣٠٢.\n(٧) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٤٥، \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٢٩٢.","vol":"14","page":38},{"text":"الظاهرة التي لا بناء عليها،ولا شجر) (١). وقال عطاء: (قد برز الذين كانوا في بطنها فصاروا على ظهرها) (٢). وحكى الكلبي هذا القول أيضًا فقال: (ويقال برز كل شيء فيكون على ظهرها) (٣). وذكره الفراء فقال: (﴿وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً﴾ يقول: أبرزنا أهلها من بطنها) (٤).\nوالقول الأول هو الأولى (٥). وهذا لا يصح إلا على بعد.\nواستكره بأن يجعل برز بمعنى: أبرز، فقد قال ابن هانئ (٦) في قول لبيد (٧):\n_________\n(١) \"جامع البيان\" ١٥/ ٢٥٧، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ٩٨، \"الدر المنثور\" ٤/ ٤١١.\n(٢) \"الكشف والبيان\" ٣/ ٣٨٩ ب، \"معالم التنزيل\" ٥/ ١٧٦، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٠/ ٤١٧.\n(٣) ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة. انظر: \"جامع البيان\" ١٥/ ٢٥٧، \"الكشف والبيان\" ٣/ ٣٩٠ أ، \"النكت والعيون\" ٣/ ٣١١، \"لباب التأويل\" ٤/ ٢١٥، \"الجامع حكام القرآن\" ١٠/ ٤١٧.\n(٤) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٤٦.\n(٥) وهذا هو الراجح -والله أعلم- وما عليه جمهور المفسرين، فهي ظاهرة وليس عليه ما يسترها من جبل ولا شجر ولا بنيان، أي: قد اجتثت ثمارها وقلعت جبالها وهدم نيانها فهي بارزة ظاهرة. انظر: \"جامع البيان\" ١٥/ ١٦٧، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٠/ ٤١٦، \"أضواء البيان\" ٤/ ١١١.\n(٦) محمد بن هانئ بن محمد بن سعدون الأزدي الأندلسي، أبو القاسم، يتصل نسبة بالمهلب بن أبي صفرة، أشهر المغاربة على الإطلاق، وقد عاصر المتنبي، وولد بإشبيلية ورحل إلى المنصورية بقرب قيروان مدة قصيرة، ثم رحل إلى مصر، وقتل غيلة برقة سنة ٣٦٢ هـ وله ديوان مطبوع.\nانظر: \"وفيات الأعيان\" ٢/ ٤، \"النجوم الزاهرة\" ٤/ ٦٧، \"شذرات الذهب\" ٣/ ٤١، \"الأعلام\" ٧/ ١٣٠.\n(٧) هذا عجز بيت للبيد. وصدره: =","vol":"14","page":39},{"text":"النَّاطق المبروز والمختوم\nقال: (يقال: بَرَزْته بَرَز، بمعنى: أبرزته) (١).\nويكون معنى الآية على هذا: وترى الأرض مبرزة ما فيها، كما قال: ﴿وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ﴾ [الانشقاق: ٤]. وهذه لغة شاذة لا يفسر بها كتاب الله.\nوقوله تعالى: ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ﴾ أي: المؤمنين والكافرين، وقد تقدم ذكرهم في هذه السورة. ﴿فَلَمْ نُغَادِرْ﴾ أي: لم نترك ولم نخلف، يقال: غَادَرَه وأغدره إذا تركه، ومنه الغدر، لأنه ترك الوفاء، والغدير: الماء الذي غادره السيل والمطر (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2284>٤٨ </span>- وقوله تعالى: ﴿وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ﴾ يعني المحشورين. ﴿صَفًّا﴾ الصف مصدر وصف به، ووضع موضع الحال، فهو بمعنى مصفوفين: كل زمرة وأمة صف (٣).\nوقوله تعالى: ﴿لَقَدْ جِئْتُمُونَا﴾ القول هاهنا مضمر، أي: يقال لهم: لقد جئتمونا. أو فيقول لهم الله: ﴿لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ قال ابن\n_________\n= أو مذهب جدد على ألواحه\nالمَبْرُوز: المكتوب المنشور، من أبرز الكتاب إذا أخرجه ونشره. المخْتُوم: الذي لم ينشر. انظر: \"ديوان لبيد بن ربيعة\" ص ١٥١، \"تهذيب اللغة\" (برز) ١/ ٣١٠، \"لسان العرب\" (برز) ١/ ٢٥٥.\n(١) \"تهذيب اللغة\" (برز) ١/ ٣١٠.\n(٢) انظر: \"تهذيب اللغة\" (غدر) ٣/ ٢٦٣٨، \"القاموس المحيط\" (غدر) ص ٤٤٨، \"الصحاح\" (غدر) ٢/ ٧٦٦.\n(٣) \"إعراب القرآن\" للنحاس ٢/ ٢٨٠، \"مشكل إعراب القرآن\" ١/ ٤٤٣، \"إملاء ما من به الرحمن\" ١/ ٤٠٠، \"الدر المصون\" ٧/ ٥٠٥.","vol":"14","page":40},{"text":"عباس: (يريد حفاة عراة غرلًا) (١)\nوقيل: (يعني فرادى) (٢). كما قال في سورة الأنعام: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ الآية. وقال أبو إسحاق: (أي بعثناكم كما خلقناكم) (٣). لأن قوله: ﴿لَقَدْ جِئْتُمُونَا﴾ يعني: بعثناكم.\nوقوله تعالى: ﴿بَلْ زَعَمْتُمْ﴾ خطاب لمنكري البعث خاص، ومعناه: بل زعمتم في الدنيا أن لن تُبعثوا، لأن الله وعدهم البعث فلم يصدقوا، والمعنى: ﴿أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا﴾ للبعث والجزاء، و﴿بَلْ﴾ هاهنا إيذان بأن القصة الأولى قد تمت وبدأ في كلام آخر، وذلك أن الآية عامة في المؤمن والكافر إلى قوله: ﴿بَلْ زَعَمْتُمْ﴾ فلما أخذ في كلام خاص لأحد الفريقين أدخل ﴿بَلْ﴾ ليؤذن بتحقيق ما سبق، وتوكيد ما يأتي بعده، كقوله تعالى: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾ [النمل: ٦٦]، وقد يجيء ﴿بَلْ﴾ في الكلام لترك ما سبق من غير إبطال له (٤)، كقول لبيد (٥):\n_________\n(١) ذكرته كتب التفسير بدون نسبة انظر: \"الكشف والبيان\" ٣/ ٣٨٩ ب، \"بحر العلوم\" ٢/ ٣٠٢، \"معالم التنزيل\" ٥/ ١٧٦ بمعناه بدون نسبة، \"النكت والعيون\" ٣/ ٣١٢، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٠/ ٤١٧. ويشهد لهذا حديث عائشة ﵂ في \"الصحيحين\" قالت: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: (يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلا ..) الحديث.\n(٢) \"الكشف والبيان\" ٣/ ٣٩٨ ب، \"معالم التنزيل\" ٥/ ١٧٦، \"الكشاف\" ٢/ ٣٩٢، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٠/ ٤١٧.\n(٣) \"معاني القرآن\" للزجاج ٢/ ٢٩٢.\n(٤) \"البحر المحيط\" ٦/ ١٣٤، \"الدر المصون\" ٧/ ٥٠٦، \"إرشاد العقل السليم\" ٥/ ٢٢٦، \"إملاء ما من به الرحمن\" ١/ ٤٠٠، \"أضواء البيان\" ٤/ ١١٦.\n(٥) البيت للبيد. نوار: اسم امرأة. ونأت: بعدت. والأسباب: الحبال. =","vol":"14","page":41},{"text":"بل ما تذكر من نوار وقد نأت ... وتقطعت أسبابها ورمامها\nلم يرد ببل هاهنا إبطال ما سبق، وإنما أراد الإذان بترك الكلام الأول، كما تقول: دع ذا، واترك ذا، عند تمام ما يتكلم به والانتقال إلى غيره، كما قال امرئ القيس (١):\nفدع ذا وسلِّ الهمَّ عنك بجسرةٍ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2285>٤٩ </span>- قوله تعالى: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ﴾ قال المفسرون: (يعني كتب أعمال الخلق) (٢). و﴿الْكِتَابُ﴾ اسم الجنس، فيعمُّ عند الإطلاق. قال أبو إسحاق: (معناه ووضع كتاب كل امرئ بيمينه أو شماله) (٣).\nوقوله تعالى: ﴿فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ﴾ قال ابن عباس: (يريد المشركين. ﴿مُشْفِقِينَ﴾ قال: خائفين) (٤). ومعنى الإشفاق في اللغة: الخوف والحذر من وقوع المكروه، ويقال: شَفَقَ بمعنى أَشْفَقَ شفقةً، وإشْفاقًا فهو مشفق وشَفِق، وأصل الحرف من الرقة (٥). وسنذكر ذلك مستقصى عند قوله: ﴿فَلَا\n_________\n= والرِّمام: الحبال الضعاف التي أخلقت وكادت تتقطع. انظر: \"ديوانه\" ص ١٦٦.\n(١) هذا صدر بيت لامرئ القيس. وعجزه:\nذمولٍ إذا صام النَّهار وهجرا\nجَسْرَة: يقال ناقة جسرة طويلة ضخمة، والجسر العظيم من الإبل. ذَمُول: السريعة.\nانظر: \"ديوانه\" ص ٦٣، \"تهذيب اللغة\" (صام) ٢/ ١٩٦٥، \"لسان العرب\" (هجر) ٤٦١٩.\n(٢) \"جامع البيان\" ١٥/ ٢٥٨، \"معالم التنزيل\" ٥/ ١٧٧، \"النكت والعيون\" ٣/ ٣١٢، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ٩٦.\n(٣) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٢٩٣.\n(٤) ذكرته كتب التفسير بلا نسبة. انظر: \"جامع البيان\" ٢٥٨/ ١٥، \"البغوي\" ٣/ ١٧٧ بدون نسبة، \"القرطبي\" ١٠/ ٤١٨، \"الرازي\" ١١/ ١٣٤، \"أضواء البيان\" ٤/ ٢٤٩.\n(٥) انظر: \"تهذيب اللغة\" (شفق) ٢/ ١٩٠٠، \"القاموس المحيط\" (شفق) ٣/ ٨٩٧، \"لسان العرب\" (شفق) ٤/ ٢٢٩٢.","vol":"14","page":42},{"text":"أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ﴾ [الانشقاق: ١٦] إن شاء الله.\nوقوله تعالى: ﴿مِمَّا فِيهِ﴾ أي: من الأعمال السيئة.\n﴿وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا﴾ لوقوعهم في الهلكة يدعون بالويل على أنفسم: ﴿مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً﴾ أي: لا تاركًا صغيرة، فقوله: ﴿لَا يُغَادِرُ﴾ في موضع الحال، قال ابن عباس في رواية عكرمة: (الصغيرة التبسم، والكبيرة الضحك) (١).\nونحو هذا روى عنه الذبال بن عمرو الأوزاعي فيما كان يعظ به المنصور (٢) (٣). ونحو هذا روي عن الحسن عن ابن عباس، وهو قول ابن أبي ليلى (٤)، والكلبي (٥). وقال في رواية عطاء: ﴿لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً﴾ يريد:\n_________\n(١) \"معالم التنزيل\" ٥/ ١٧٧، \"الكشاف\" ٢/ ٣٩٣، \"القرطبي\" ١٠/ ٤١٩، \"الدر المنثور\" ٤/ ٤١١.\n(٢) عبد الله بن محمد بن علي بن العباس، أبو جعفر المنصور، ثاني خلفاء بني العباس، وأول من عني بالعلوم من ملوك العرب، وكان عارفًا بالفقه والأدب محبًا للعلم والعلماء، ولي الخلافة بعد وفاه أخيه السفاح سنة ١٣٦ هـ، وعرف بالشجاعة والحزم، توفي ببئر ميمون من أرض الحجاز محرمًا بالحج، ودفن في الحجون بمكة سنة ١٥٨ هـ، ودامت خلافته ٢٢ عامًا. انظر: \"تاريخ بغداد\" ١٠/ ٥٣، \"الجرح والتعديل\" ٥/ ١٥٩، \"تاريخ الطبري\" ٩/ ٢٩٢، \"الأعلام\" ٤/ ١١٧.\n(٣) \"جامع البيان\" ١٥/ ٢٥٨.\n(٤) عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري، تابعي ثقة، قرأ القرآن على أبيه، وقرأ عليه أخوه محمد بن عبد الرحمن، وأبوهما ممن قرأ على علي بن أبي طالب -﵁- وله رواية قليلة في \"السنن\". انظر: \"التاريخ الكبير\" ٦/ ٣٩٠، \"الكاشف\" ٢/ ٣٦٨، \"غاية النهاية\" ١/ ٦٠٩، \"تهذيب التهذيب\" ٨/ ٢١٩، \"معرفة القراء الكبار\" ١/ ٦٦.\n(٥) \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٣٢٦، \"النكت والعيون\" ٣/ ٣١٢، \"القرطبي\" ١٠/ ٤١٩.","vol":"14","page":43},{"text":"من أعمالنا ﴿وَلَا كَبِيرَةً﴾ يريد: الشرك) (١). وقال سعيد بن جبير: (الصغيرة: اللمم، والكبيرة: الزنا) (٢).\nوقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَحْصَاهَا﴾ أي: عدَّها، وأثبتها، وكتبها، وحفظها، كل هذه ألفاظ المفسرين (٣). والمعنى: إني أحصيت وأثبت في الكتاب. فأضيف الإحصاء إلى الكتاب توسعًا.\nقال قتادة في هذا: (اشتكى القوم -كما تسمعون- الإحصاء، فإياكم والمحقرات من الذنوب، فإنها تجتمع على صاحبها حتى تهلكه) (٤).\nوقوله تعالى: ﴿وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا﴾ أي: في الكتاب مكتوبًا مثبتًا ذكره. ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ قال الزجاج: (أي: يعاقبهم، فيضع العقوبة موضعها في مجازاة الذنوب، قال: وأجمع أهل اللغة: أن الظلم وضع الشيء في غير موضعه) (٥).\nوتأويل هذا: أنه لا يعاقب أحدًا بغير جرم، وهو معنى قول الضحاك: (لا نأخذ أحدًا بجرم لم يعمله) (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2286>٥٠ </span>- قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ قال المفسرون:\n_________\n(١) ذكره القرطبي في \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٠/ ٤١٨ بلا نسبة.\n(٢) \"معالم التنزيل\" ٥/ ١٧٧، \"الكشاف\" ٢/ ٣٩٣، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٠/ ٤١٩، \"البحر المحيط\" ٦/ ١٣٥.\n(٣) \"جامع البيان\" ١٥/ ٢٥٨، \"معالم التنزيل\" ٥/ ١٧٧، \"الكشاف\" ٢/ ٣٩٣، \"أضواء البيان\" ٤/ ١١٦.\n(٤) \"جامع البيان\" ١٥/ ٢٥٨، \"النكت والعيون\" ٣/ ٣١٣، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٠/ ٤١٩، \"الدر المنثور\" ٤/ ٤١١.\n(٥) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٢٩٣.\n(٦) \"معالم التنزيل\" ٥/ ١٧٨، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٠/ ٤١٩.","vol":"14","page":44},{"text":"أمر الله تعالى نبيه -ﷺ- أن يذكر هؤلاء المتكبرين عن مجالسة الفقراء قصة إبليس، وما أورثه الكبر، فقال: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ﴾ أي: واذكر يا محمد ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء: (يريد أن ملائكة السماء الدنيا يقال لهم: الجن) (١). مقل قوله: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾ [الصافات: ١٥٨] يعني حين قالوا: الملائكة بنات الله. وكان ابن عباس يقول: (لو لم يكن من الملائكة لم يؤمر بالسجود) (٢).\nوروى سعيد عن قتادة قال: (كان من قبيل من الملائكة يقال لهم: الجن) (٣). وقال شهر بن حوشب: (كان إبليس من الجن الذين ظفر بهم الملائكة) (٤).\nوقال الحسن: (ما كان إبليس من الملائكة طرفة عين، وإنه لأصل الجن، كما أن آدم أصل الإنس) (٥).\nوقد ذكرنا الخلاف في هذا في سورة البقرة عند ذكر قصة آدم بالشرح (٦) (٧).\n_________\n(١) \"جامع البيان\" ١٥/ ٢٥٩، \"زاد السير\" ٥/ ١٥٣، \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٣٢٩.\n(٢) \"جامع البيان\" ١٥/ ٢٦٠، \"الدر المنثور\" ٤/ ٤١٢.\n(٣) \"جامع البيان\" ١٥/ ٢٦٠، \"تفسير القرآن\" للصنعاني ١/ ٤٠٤، \"الدر المنثور\" ٤/ ٤١٢.\n(٤) \"جامع البيان\" ١٥/ ٢٦١، \"البحر المحيط\" ٦/ ١٣٦، \"الدر المنثور\" ٤/ ٤١٣، \"روح المعاني\" ١٥/ ٢٩٢.\n(٥) \"جامع البيان\" ١٥/ ٢٦٠، \"معالم التنزيل\" ٥/ ١٧٨، \"النكت والعيون\" ٣/ ٣١٢.\n(٦) عند قوله سبحانه في سورة البقرة (٣٤) ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٣٤].\n(٧) والذي عليه كثير من المفسرين رحمهم الله تعالى أن إبليس كان من الملائكة، أو =","vol":"14","page":45},{"text":"وقوله تعالى: ﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ ذكر أهل التأويل في هذا ثلاثة أوجه: أحدها وهو الأكثر: أن معناه خرج عن أمر ربه إلى معصيته في ترك السجود. وهو قول الفراء، وأبي عبيدة.\nقال الفراء: (أي خرج عن طاعة ربه، والعرب تقول: فسقت الرطبة\nمن قشرها لخروجها منه، وكأن الفأرة إنما سميت فويسقة لخروجها (١) من جحرها على الناس) (٢).\nوقال أبو عبيدة: (﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ أي: جار ومال عن طاعته) (٣)، وأنشد لرؤية (٤):\n_________\n= من طائفة منهم يقال لهم: الجن.\nقال الطبري بعد أن ذكر الأقوال في هذه المسألة: \"وهذه علل تنبئ عن ضعف معرفة أهلها، وذلك أنه غير مستنكر أن يكون الله -جل ثناؤه- خلق أصناف ملائكته من أصناف من خلقه شتى، فخلق بعضًا من نور وبعضًا من نار وبعضًا مما شاء من غير ذلك، وليس في ترك الله الخبر عما خلق منه ملائكته واخباره عما خلق منه إبليس ما يوجب أن يكون إبليس خارجًا عن مسماهم .. وأما خبر الله عنه أنه من الجن فغير مدفوع أن يسمى ما اجتن من الأشياء عن الأبصار كلها جنا فيكون إبليس والملائكة منهم لاجتنانهم عن أبصار بني آدم\". انظر: \"جامع البيان\" ١/ ٢٢٧، \"المحرر الوجيز\" ١/ ٢٤٦، \"معالم التنزيل\" ١/ ٦٣، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١/ ٢٩٤، \"البحر المحيط\" ١/ ١٥٣.\n(١) قوله: (لخروجها)، ساقط من نسخة (ص).\n(٢) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٤٧.\n(٣) \"تهذيب اللغة\" (فسق) ٣/ ٢٧٨٨، \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ١/ ٤٠٦.\n(٤) هذا عجز بيت لرؤية يصف إبلًا منعدلة عن قصد نجد. وصدره:\nيهوين في نجد وغورًا غائزًا.\nانظر: \"ديوانه\" ١٩٠، \"مجاز القرآن\" ١/ ٤٠٦، \"تهذيب اللغة\" (فسق) ٣/ ٢٧٨٨، \"البحر المحيط\" ٦/ ١٣٦، \"الزاهر\" ١/ ٢١٨، \"لسان العرب\" (فسق) ٦/ ٣٤١٤.","vol":"14","page":46},{"text":"فواسقًا عن قصده جوائرا\nالوجه الثاني: ما ذكره الأخفش قال: (معنى ﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ نحو قول العرب: اتخم عن الطعام، أي: عن أكله، ولما رد هذا الأمر فسق) (١). ونحو هذا حكى الزجاج عن قطرب (٢). قال أبو العباس: (ولا حاجة به إلى هذا، الفسوق معناه: الخروج، ﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ أي: خرج) (٣).\nالوجه الثالث: ما ذهب إليه سيبويه والخليل: (أن معنى ﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ أتاه الفسق لما أُمِرَ فعصى، وكان سبب فسقه أمر ربه، كما تقول: أطعمه عن جوع وكساه عن عُرِي، المعنى: كان سبب فسقه الأمر بالسجود، كما كان سبب الإطعام الجوع، وسبب الكسوة العري) (٤).\nقال أبو عبيد: (وهذه الكلمة -يعني الفسوق- لم أسمعها في شيء من أشعار الجاهلية ولا أحاديثها، وإنما تكلمت بها العرب بعد نزول (٥) القرآن) (٦). قال أهل المعاني المبرد وغيره: (هي كلمة فصيحة على ألسنة العرب) (٧). وأوكد الأمور ما جاء في القرآن، ومعناه: الخروج، كما قال: فواسقا ... البيت (٨).\n_________\n(١) \"جامع البيان\" ١٥/ ٢٦١، \"تهذيب اللغة\" (فسق) ٦/ ٣٤١٤.\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٢٩٤.\n(٣) \"تهذيب اللغة\" (فسق) ٣/ ٢٧٨٨، \"لسان العرب\" (فسق) ٦/ ٣٤١٤\n(٤) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٩٤، \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٣٣٠، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٠/ ٤٢٠، \"التفسير الكبير\" ٢١/ ١٣٧.\n(٥) في (ص): (تبدل)، وهو تصحيف.\n(٦) ذكر نحوه ابن منظور في \"لسان العرب\" (فسق) ٦/ ٣٤١٤.\n(٧) \"تهذيب اللغة\" (فسق) ٣/ ٢٧٨٨، \"لسان العرب\" (فسق) ٦/ ٣٤١٤\n(٨) يريد به بيت رؤبة السابق الذكر. =","vol":"14","page":47},{"text":"وقوله تعالى: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي﴾ قال قتادة: (وهم أولاده، وهم يتوالدون كما يتوالد بنوا آدم) (١). ﴿أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي﴾ قال الكلبي: (ليس تصلون له ولا تصومون، ولكن من أطاع شيئًا فقد عبده) (٢). واختلف في كيفية ولادة إبليس وحصول ذريته، فقال مجاهد فيما روى عنه ابن جريج: (أن إبليس أدخل ذكره في دبره، فباض خمس بيضات فهم ذريته) (٣).\nوقال الشعبي في هذه الآية: (لا تكون ذريته إلا من زوجة) (٤).\nوروى عبد الله بن المغيرة (٥): (أن أبا هريرة قال: اسم امرأة إبليس\n_________\n= وهذا ما ذهب إليه جمهور أهل اللغة والتفسير أن الفسق معناه: الخروج.\nانظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٤٧، \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٣٢٩، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٠/ ٤٢٠، \"البحر المحيط\" ٦/ ١٣٦، \"إرشاد العقل سليم\" ٥/ ٢٢٧، \"أضواء البيان\" ٤/ ١٢١.\n(١) \"جامع البيان\" ١٥/ ٢٦٢، \"معالم التنزيل\" ٥/ ١٧٩، \"البحر المحيط\" ٦/ ١٣٦، \"إرشاد العقل السليم\" ٥/ ٢٢٧.\n(٢) ذكر نحوه السمرقندي في \"بحر العلوم\" ٢/ ٣٠٢.\n(٣) \"معالم التنزيل\" ٥/ ١٧٩، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٠/ ٤٢٠، \"إرشاد العقل السليم\" ٥/ ٢٢٧، \"الدر المنثور\" ٤/ ٤١٣.\n(٤) \"معالم التنزيل\" ٥/ ١٧٩ بمعناه، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٠/ ٤٢٠، \"البحر المحيط\" ٦/ ١٣٦، \"روح المعاني\" ١٥/ ٢٩٥.\n(٥) عبد الله بن عثمان بن المغيرة الثقفي، إمام زاهد، تابعي محدث، روى عن ابن عباس وغيره من أصحاب النبي -ﷺ-، وروى عنه ابن جريح والحسن البصري وغيرهما من التابعين. انظر: \"الجرح والتعديل\" ٢/ ١١١، \"تهذيب التهذيب\" ٥/ ٣١٧، \"الخلاصة\" ص ٢٠٦، \"تقريب التهذيب\" ص ٢٠٧.","vol":"14","page":48},{"text":"ردة) (١). وروى ليث عن مجاهد قال: (ذريته الشياطين) (٢) (٣).\nوقوله تعالى: ﴿وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ﴾ أعلم الله تعالى أنه من العداوة والحسد لبني آدم على مثل الذي كان لأبيهم. قال ابن عباس: (يريد كما أخرج أبويكم من الجنة) (٤).\nوقوله تعالى: ﴿بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾ قال ابن عباس: (يريد حيث استبدلوا بالرحمن عبادة الشيطان) (٥).\nوقال الحسن: (بئس ما استبدلوا بعبادة ربهم أن أطاعوا إبليس، فبئس ذلك لهم بدلًا) (٦).\n_________\n(١) لم أقف على هذا القول. وقد ذكر ابن عطية مثل هذا القول في \"تفسيره\" ١٠/ ٤١٣ ثم قال: \"وهذا وما جانسه مما لم يأت به سند صحيح، وقد طول النقاش في هذا المعنى وجلب حكايات تبعد عن الصحة، ولم يمر بي في هذا صحيح إلا ما في كتاب: مسلم من أن للوضوء والوسوسة شيطانًا يسمى خنزب، وذكر الترمذي أن للوضوء شيطانًا يسمى الولهان، والله أعلم بتفاصيل هذه الأمور لا رب غيره\".\n(٢) \"جامع البيان\" ١٥/ ٢٦٢، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٠/ ٤٢١.\n(٣) والحق في ذلك -والله أعلم- أن الله أخبر أن لإبليس أتباعًا وذرية، وأنهم يوسون إلى بني آدم ليضلوهم. أما كيفية ولادة تلك الذرية فلم يثبت فيه نقل صحيح، ومثله لا يعرف بالرأي، بل يتوقف الأمر فيه على النقل الثابت عن النبي -ﷺ-.\n(٤) لم أقف على القول. ويشهد له قوله تعالى في سورة البقرة الآية رقم (٣٦) ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾.\n(٥) ذكرته كتب التفسير بدون نسبة. انظر: \"الكشف والبيان\" ٣/ ٣٩٠ أ، \"بحر العلوم\" ٢/ ٣٠٢، \"معالم التنزيل\" ٣/ ١٦٧.\n(٦) \"زاد المسير\" ٥/ ١٥٤، \"معالم التزيل\" ٥/ ١٨٠، ونسبه لقتادة، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٠/ ٤٢٠.","vol":"14","page":49},{"text":"وقال الزجاج: (بئس ما استبدل به الظالمون من رب العزة إبليس) (١). والمعنى: بئس هو بدلًا أي: إبليس.\n\n﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا﴾. [الكهف:<span data-type=\"title\" id=toc-2287> ٥١]</span>\n٥١ - وقوله تعالى: ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: ما أحضرتهم يعني إبليس وذريته (٢).\nقال صاحب النظم: (أومأ بقوله: ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ﴾ إلى أنه لم يشاورهم في خلق السموات والأرض ولا في خلق أنفسهم) (٣). أي: أنه خلقها وخلقهم على ما أراد وقدر من غير مشاورة لهم، وإنما ضمن الإشهاد الإيماء إلى المشاورة؛ لأن الرجل إذا أراد مشاورة إنسان أشهده نفسه، أو شهده بنفسه، يدل على صحة هذا المعنى قوله: ﴿وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا﴾ أي: الشياطين الذين يضلون الناس.\nوقال أهل المعاني: هذه الآية تأكيد في زجرهم عن اتخاذ إبليس وذريته أولياء. يقول: ليس عندهم علم ما تحتاجون إليه فتقبلوا أنتم على إتباعهم، فإني لم أشهدهم خلق السموات والأرض. وقيل: (إن هذه الآية إخبار عن كمال قدرة الله تعالى، واستغنائه عن الأنصار والأعوان) (٤).\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٢٩٤.\n(٢) \"جامع البيان\" ١٥/ ٢٦٣، \"معالم التنزيل\" ٥/ ١٨٠، \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٣٣٣، \"النكت والعيون\" ٣/ ٣١٥.\n(٣) ذكره البغوي في \"معالم التنزيل\" ٥/ ١٨٠ بدون نسبة، والسمرقندي في \"النكت والعيون\" ٣/ ٣١٥.\n(٤) \"الكشف والبيان\" ٣/ ٣٩٠ أ، \"بحر العلوم\" ٢/ ٣٠٣.","vol":"14","page":50},{"text":"قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا﴾ قال قتادة: (أعوانا) (١). ولفظ العَضُد يستعمل كثيرًا في معنى العون، وذلك أن العضْد قوام اليد، منه الاعتضاد وهو التَّقوِّى، واعتضدت بفلان معناه: استعنت به، ومن هذا قوله تعالى: ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ﴾ [القصص: ٥٣] أي: سنعينك ونقويك، وكل معين فهو عضد، وعاضدني فلان أي: عاونني، وفي العضد لغات: عَضُد، وعَضْد، وعُضُد، وعُضْد (٢). والناس على أن معنى هذا: استغنى الله تعالى بقدرته عن الأنصار.\nوقال ابن عباس في رواية عطاء: (يريد: لم يعضدوا لي وليًا، ولم ينصروا لي عبدًا، ولم يقوموا لأحد من أوليائي بحق) (٣). ومعنى هذا: أنهم لو نصروا أولياء الله لكان كأنهم نصروا الله، ولما لم يفعلوا ذلك أخبر الله تعالى أنه لم يتخذهم أعوانًا. والقول هو الأول، وإنما قال: عَضُد على واحد لوفاق الفواصل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2288>٥٢ </span>- قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ﴾ أي: الله تعالى، وقراءة العامة: بالياء لقوله: ﴿شُرَكَائِيَ﴾ وقرأ حمزة: بالنون (٤)، حملًا على ما تقدم في المعنى من قوله: ﴿وَمَا كُنْتُ﴾ [الكهف: ٥١] فكما أن كنت للمتكلم كذلك: نقول، والجمع والإفراد في ذلك بمعنى.\n_________\n(١) \"جامع البيان\" ١٥/ ٢٦٣، \"تفسير القرآن\" للصنعاني ١/ ٣٤١، \"الدر المنثور\" ٤/ ٤١٢.\n(٢) انظر: \"تهذيب اللغة\" (عضد) ٣/ ٢٤٧١، \"مقاييس اللغة\" (عضد) ٤/ ٣٤٨، \"القاموس المحيط\" (العضد) ١/ ٢٩٩، \"الصحاح\" (عضد) ص ٥٠٩.\n(٣) لم أقف عليه.\n(٤) قرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، والكسائي، وعاصم: (يقول) با لياء. وقرأ حمزة: (نقول) بالنون. انظر: \"السبعة\" ص ٣٩٣، \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ١٥١، \"المبسوط في القراءات\" ٢٣٦، \"التبصرة\" ص ٢٤٩، \"النشر\" ٢٠/ ٣١١.","vol":"14","page":51},{"text":"قال ابن عباس: (يريد يوم القيامة) (١). قال المفسرون: (يقول الله تعالى يوم القيامة: ادعوا الذين أشركتم بي ليمنعوكم من عذابي) (٢). وهو قوله: ﴿نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ﴾ قال ابن عباس: (يريد في الدنيا) (٣) ﴿فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا﴾ قال أنس: (هو واد في جهنم من قيح ودم) (٤). وهو قول مجاهد، وعبد الله بن عمر (٥).\nوقال نوف البكالي: (هو واد بين أهل الضلال وبين أهل الإيمان) (٦). وقال البكالي: (هو واد يفرق به (٧) بين أهل لا إله إلا الله ومن سواهم) (٨). وهذا القول يوافق قول ابن عباس في رواية عطاء فإنه قال: (يريد حِجازًا وحاجزْا) (٩). ونحو هذا قال ابن الأعرابي في الموبق قال: (وكل حاجِز بين شيئين فهو مُوبِق) (١٠). وعلى هذا القول الكناية في قوله: ﴿بَيْنَهُمْ﴾ يعود\n_________\n(١) ذكره البغوي في \"تفسيره\" ٥/ ١٨١ بلا نسبة، والسمرقندي في \"بحر العلوم\" ٢/ ٣٠٣.\n(٢) \"معالم التنزيل\" ٥/ ١٨١، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٢.\n(٣) ذكره ابن كثير في \"تفسيره\" ٣/ ١٠١ بلا نسبة، والسمرقندي ٢/ ٣٠٣.\n(٤) \"جامع البيان\" ١٥/ ٢٦٥، \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٣٣٥، \"النكت والعيون\" ٣/ ٣١٦ \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٠١٢.\n(٥) \"جامع البيان\" ١٥/ ٢٦٤، \"معالم التنزيل\" ٥/ ١٨١ بمعناه بدون نسبة لابن عمر، \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٣٣٥، \"الدر المنثور\" ٤/ ٤١٤.\n(٦) ذكره الطبري في \"تفسيره\" ١٥/ ٢٦٤ ونسبه إلى عمرو البكالي، وكذلك ابن كثير ٣/ ١٠١، \"والجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٣.\n(٧) قوله: (به)، ساقط من الأصل ومثبت في بقية النسخ.\n(٨) \"تفسير كتاب الله العزيز\" ٢/ ٤٦٨، \"الدر المنثور\" ٤/ ٤١٤، \"أضواء البيان\" ٤/ ١٢٧.\n(٩) \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٢.\n(١٠) \"معالم التنزيل\" ٣/ ١٠١، \"أضواء البيان\" ٤/ ١٢٨، \"تهذيب اللغة\" (وبق) ٤/ ٣٨٢٨، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٢.","vol":"14","page":52},{"text":"إلى الفريقين من المؤمنين والكافرين، وليس يعرف للموبق بمعنى الحاجز اشتقاق. وقال ابن عباس في رواية الوالبي: (مهلكا) (١). وهو قول قتادة، والضحاك، وابن زيد، والسدي (٢). وجميع أهل المعاني (٣).\nقال الفراء: (يقول: جعلنا تواصلهم في الدنيا موبقا، أي: مهلكا لهم في الآخرة) (٤). وعلى هذا ﴿بَيْنَهُمْ﴾ ينتصب انتصاب المفعول به؛ لأنه جعل البين بمعنى التواصل، فلا ينتصب انتصاب، والكناية تعود على المشركين فقط (٥).\nوقال أبو إسحاق: (أي جعلنا بينهم من العذاب ما يوبقهم أي: يهلكهم) (٦). والبين على هذا ظرف، والموبق على القولين في مصدر، كأنه قيل: جعلنا تواصلهم في الدنيا هلاكًا لهم في الآخرة. والتأويل: سبب هلاك. هذا تقدير قول الفراء. وعلى قول أبي إسحاق كأنه قيل: جعلنا بينهم هلاكًا. يعني: عذابًا يهلكهم. ونص الضحاك على لفظ الهلاك فقال في قوله: ﴿مَوْبِقًا﴾: (هلاكًا) (٧).\nقال الفراء في \"المصادر\": (يقال: وَبِقَ، يَوبقُ، وَبَقًا، فهو وَبِق،\n_________\n(١) \"جامع البيان\" ١٥/ ٢٦٤، \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٣٣٥، \"النكت والعيون\" ٣/ ٣١٦، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ٩٢.\n(٢) \"جامع البيان\" ١٥/ ٢٦٤، \"تفسير الصنعاني\" ١/ ٣٤١، \"معالم التنزيل\" ٣/ ١٠١.\n(٣) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٢٩٥، \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٤٧، \"تفسير المشكل من غريب القرآن\" ٢/ ٢٦٨.\n(٤) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٤٧، \"تهذيب اللغة\" (وبق) ٤/ ٣٨٢٨.\n(٥) \"إملاء ما من به الرحمن\" ١/ ٤٠٠.\n(٦) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٢٩٥.\n(٧) \"جامع البيان\" ١٥/ ٢٦٤، \"معالم التنزيل\" ٣/ ١٠١، \"النكت والعيون\" ٣/ ٣١٦.","vol":"14","page":53},{"text":"قال: وبنو عامر (١) يقولون: يابِق، وتميم (٢) تقول: يَبِق والمصدر واحد) (٣). وحكى الكسائي: (وَبَقَ، يَبِقُ، وُبُوقًا، فهو وابِق، قال: ولم أسمعها (٤).\nوذكر الزجاج هذه اللغات كلها (٥).\nوذُكِرَ في تفسير الموبق قولان آخران لا يدرى لهما أصل.\nأحدهما: ما روي عن الحسن أنه قال: (جعلنا بينهم عداوة يوم القيامة) (٦). فقال بعض أهل المعاني في هذا: يعني عداوة مهلكة. وهذا بعيد.\nوالقول الآخر: ما قاله أبو عبيدة قال في تفسير الموبق: (أنه الموعد، واحتج بقول الشاعر (٧):\n_________\n(١) بنو عامر: بطن من قيس عيلان من العدنانية، وهذه النسبة إلى ثلاثة رجا: عامر بن لؤي، وعامر بن صعصعة، وعامر بن عدي بن نجيب. انظر: \"الأنساب\" للسمعاني ٤/ ١١٣، \"التعريف في الأنساب\" ص ٧٨، \"معجم قبائل العرب\" ٣/ ٤٢٢، \"الجمهرة\" ص ٢٨٠.\n(٢) تميم: قبيلة كبيرة، قوية من العدنانية، منازلهم في نجد والبصرة، واليمامة، ويمتدون إلى الكوفة، ويمكن حصرهم اليوم في ثلاثة بطون: بطن حنظلة بن مالك ابن زيد بن مناة بن تميم، وبطن سعد بن زيد بن مناة بن تميم، وبطن عمر بن تميم. انظر: \"نهاية الأرب\" ١٧٧، \"معجم قبائل العرب\" ١/ ١٢٥، \"اللباب في تهذيب الأنساب\" ١/ ٢٢٢، \"الأنساب\" للسمعاني ١/ ٤٧٨.\n(٣) \"جامع البيان\" ١٥/ ٢٦٥، \"لسان العرب\" (وبق) ٨/ ٤٧٠٥.\n(٤) \"جامع البيان\" ١٥/ ٢٦٥، \"تهذيب اللغة\" (وبق) ٤/ ٣٨٢٨.\n(٥) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٢٩٥.\n(٦) \"جامع البيان\" ١٥/ ٢٦٤، \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٣٣٥، \"النكت والعيون\" ٣/ ٣١٦، \"الكشاف\" ٢/ ٣٩٤، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٠١.\n(٧) البيت لخفاف بن ندبة السلمي. شَرَوْرَى، والسِّتَار، وتِعَار: أسماء أماكن وجبال لبني سليم. انظر: \"مجاز القرآن\" ١/ ٤٠٦، \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٨٢٨ (وبق)، \"الأصمعيات\" (١٥)، \"لسان العرب\" (وبق) ٨/ ٤٧٥٥.","vol":"14","page":54},{"text":"وجاد شرورى والستار فلم يدع ... تعارًا له والواديين بموبق\nقال: معناه بموعد) (١). ولم يذكر أحد من أهل اللغة وَبَقَ بمعنى: وعد، ثم وإن صح، فأي معنى لقوله: وجعلنا بينهم موعدًا. وهذا القول فاسد لفظًا ومعنى. وقد قال الأخفش: (موبق مثل: موعد) (٢). ولعله رأى هذا فظن أنه يقول: هو مثله في التفسير. وذهب عليه أن يريد ذلك في اللفظ؛ لأنه قال: هو مثل: موعد، من وَبَقَ يَبِقُ. فظن أن وَبَقَ بمعنى: وعد، لما رأى مثل موعد. والله أعلم (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2289>٥٣ </span>- قوله تعالى: ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ﴾ قال ابن عباس: (يريد المشركين) (٤). وهي تتلظى حنقا عليهم ﴿فَظَنُّوا﴾، قال ابن عباس، ومجاهد: (تيقنوا) (٥).\nوقال السدي: (استيقنوا) (٦).\n_________\n(١) \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ١/ ٤٠٦،\"تهذيب اللغة\" (وبق) ٤/ ٣٨٢٨.\n(٢) \"معاني القرآن\" للأخفش ٢/ ٦١٩.\n(٣) الراجح -والله أعلم- هو أن \"وبق\" بمعنى: هلك. قال الطبري -﵀- في \"تفسيره\" ١٥/ ٢٦٥: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب القول الذي ذكرناه عن ابن عباس ومن وافقه في تأويل الموبق المهلك، وذلك أن العرب تقول في كلامها: قد أوبقت فلانًا، إذا أهلكته، ومنه قوله -﷿ -: ﴿أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا﴾ بمعنى: يهلكهن. وانظر: \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٠١، \"أضواء البيان\" ٤/ ١٢٧، \"تهذيب اللغة\" (وبق) ٤/ ٣٨٢٨\n(٤) ذكره الطبري في \"جامع البيان\" ١٥/ ٢٦٥ بدون نسبة، والبغوي في \"معالم التنزيل\" ٥/ ١٨١، والسمرقندي في \"بحر العلوم\" ٢/ ٣٠٣.\n(٥) ذكرته كتب التفسير بدون نسبة. انظر: \"المحرر الوجيز\" ٢/ ٣٣٦، \"الكشاف والبيان\" ٣/ ٣٩١ أ، \"الكشاف\" ٢/ ٤٨٩، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٠/ ١١٠، \"البحر المحيط\" ٦/ ١٣٧.\n(٦) ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة. انظر: \"الكشف والبيان\" ٣/ ٣٩١ أ، \"بحر =","vol":"14","page":55},{"text":"وهو قول جميع المفسرين (١). والظن هاهنا بمعنى: العلم.\nوقوله تعالى: ﴿أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا﴾ قال ابن عباس: (أنهم واردوها) (٢). وقال الحسن: (أنهم داخلوها) (٣). وقال مجاهد: (مقتحموها) (٤).\nومعنى المواقعة في اللغة: ملابسة الشيء بشدة، يقال: واقَعَهُ مُوَاقَعَةً، وأَوْقَعَ به إِيْقاعًا، ومنه: وقائع الحروب، وتَوَقَعَ أي: ترقب وقعة شيء، ومن هذا يقال للجماع: الوِقَاع؛ لأنه يلابسه بدفع وشدة (٥). والمعنى: ملابسون إياها ملابسة تقع بهم وتشتد عليهم. ﴿وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا﴾ قال ابن عباس: (يريد قد أحاطت بهم من كل جانب، فلم يقدروا على الهرب ولا على الرجوع عنها) (٦). وقال أهل اللغة: (معنى المصرف: المعدل. وهو الموضع الذي يصرف إليه) (٧).\n_________\n= العلوم\" ٢/ ٣٠٣، \"معالم التنزيل\" ٥/ ١٨١، \"لباب التأويل\" ٤/ ٢١٨، \"إرشاد العقل السليم\" ٥/ ٢٢٩.\n(١) \"الكشف والبيان\" ٣/ ٣٩٠ أ، \"بحر العلوم\" ٢/ ٣٠٣، \"معالم التنزيل\" ٥/ ١٨١.\n(٢) ذكر نحوه بلا نسبة السمرقندي في \"بحر العلوم\" ٢/ ٣٠٣، والماوردي في \"النكت والعيون\" ٣/ ٣١٧.\n(٣) ذكره الثعلبي في \"الكشف والبيان\" ٣/ ٣٩٠ أبدون نسبة، وكذلك السمرقندي في \"بحر العلوم\" ٢/ ٣٠٣.\n(٤) \"الكشف والبيان\" ٣/ ٣٩٠ أ.\n(٥) انظر: \"تهذيب اللغة\" (وقع) ٤/ ٣٩٣٥، \"مقاييس اللغة\" (وقع) ٦/ ١٣٣، \"القاموس المحيط\" (وقع) (٨٢٦)، \"الصحاح\" (وقع) ٣/ ١٣٠١، \"لسان العرب\" (وقع) ٨/ ٤٨٩٥.\n(٦) ذكرت كتب التفسير نحوه بلا نسبة. انظر: \"معالم التنزيل\" ٥/ ١٨١، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٠/ ١١٠، \"لباب التأويل\" ٤/ ٢١٨.\n(٧) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٢٩٥، \"تهذيب اللغة\" (صرف) ٢/ ٢٠٠٧،=","vol":"14","page":56},{"text":"قال أبو كبير الهذلي (١):\nأزهير هل عن شيبةٍ من مَصْرِفِ\nوالمصرف في هذه الآية: موضع، وليس بمعنى المصدر، ولو كان مصدرًا كان مفتوح الراء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2290>٥٤ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ مفسرًا في سورة بني إسرائيل في موضعين (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ قال ابن عباس: (يريد النضر بن الحارث، وجداله في القرآن) (٣). وقال الكلبي: (يعني أبي بن خلف) (٤) (٥).\n_________\n= \"القاموس المحيط\" (صرف) ص ٧٧٢، \"الصحاح\" (صرف) ٤/ ١٣٨٥، \"لسان العرب\" (صرف) ٨/ ٢٤٣٥\n(١) هذا صدر بيت لأبي كبير الهذلي. وعجزه:\nأم لا خلود لباذل متكلف\nانظر: \"شرح أشعار الهذليين\" ٣/ ١٠٨٤، \"جامع البيان\" ١٥/ ٢٦٦، \"النكت والعيون\" ٣/ ٣١٧، \"البحر المحيط\" ٦/ ١٣٨، \"الدر المصون\" ٧/ ٥١٠، \"مجاز القرآن\" ١/ ٤٠٧، \"لسان العرب\" (صرف) ٨/ ٢٤٣٥.\n(٢) سورة الإسراء الآية رقم (٤١): ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُورًا﴾. وقوله في الآية رقم (٨٩): ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾ [سورة الإسراء]\n(٣) \"معالم التنزيل\" ٥/ ١٨١، \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٣٣٧، \"البحر المحيط\" ٦/ ١٣٩.\n(٤) أبي بن خلف بن وهب الجمحي، كان من أشد الناس وأكثرهم أذى للرسول -ﷺ- وللصحابة رضوان الله عليهم، رماه النبي -ﷺ- يوم أحد بحربة فقتله.\nانظر: \"جوامع السير\" ص ٥٤، \"الكامل في التاريخ\" ٢/ ١٤٨، \"الأعلام\" ٢/ ٢٢.\n(٥) \"معالم التنزيل\" ٥/ ١٨١، \"البحر المحيط\" ٦/ ١٣٩، \"القرطبي\" ١١/ ٥.","vol":"14","page":57},{"text":"وقال أبو إسحاق: (معناه كان الكافر، ويدل عليه قوله: ﴿وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ﴾ [الكهف: ٥٦] الآية. وإن قيل: هل يجادل غير الإنسان؟ قيل: إن إبليس قد جادل، وإن كل ما يعقل من الملائكة، والجن يجادل، ولكن الإنسان أكثر هذه الأشياء جدلًا) (١) (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2291>٥٥ </span>- قوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ﴾ قال ابن عباس: (يريد أهل مكة) (٣). ﴿أَنْ يُؤْمِنُوا﴾ أي: الإيمان ﴿إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى﴾ محمد -ﷺ- جاءهم من الله بالرشاد والبيان (٤). وهذا مفسر في سورة بني إسرائيل (٥).\nوقوله تعالى: ﴿وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ﴾ عطف على أن يؤمنوا.\nوقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ﴾ قال صاحب النظم: (﴿سُنَّةُ اَلأَوَّلِينَ﴾ أنهم إذا تمردوا ولم يؤمنوا أن يعذبوا ويهلكوا) (٦).\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٢٩٦.\n(٢) الأولى -والله أعلم- أن تكون عامة في المؤمن والكافر، ويؤيد هذا ما ثبت في \"الصحيحين\" وغيرهما من حديث علي -﵁- أن النبي -ﷺ- طرقه وفاطمة ليلًا فقال: ألا تصليان؟ فقلت: يا رسول الله إنما أنفسنا بيد الله إن شاء أن يبعثنا بعثنا، فانصرف حين قلت ذلك ولم يرجع إلى شيئًا، ثم سمعته يضرب فخذه ويقول: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ [الكهف: ٥٤].\n(٣) ذكرته كتب التفسير بلا نسبة. انظر: \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٣٣٩، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٠/ ١١٠، \"روح المعاني\" ١٥/ ٣٠٠.\n(٤) \"معالم التنزيل\" ٥/ ١٨٢، \"فتح القدير\" ٣/ ٤٢٢.\n(٥) عند قوله سبحانه في سورة الإسراء الآية رقم (٩٤): ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا﴾.\n(٦) لم أقف عليه. ويشهد لهذا عدد من الآيات التي تحققت فيها سنته سبحانه في إهلاك من كفر وصد عن سبيله فعم قوم نوح الغرق، وأهلكت عاد الريح العقيم، وأخذت ثمود الصيحة، وقلبت على اللوطية ديارهم فجعل الله عاليها سافلها قال سبحانه =","vol":"14","page":58},{"text":"يقول: فقدرت على هؤلاء العذاب أي: لم أقدر عليهم الإيمان، فذلك الذي يمنعهم من الإيمان؛ لأني قد قدرت عليهم الإهلاك وهو سنة الأولين (١) -وهذه الآية على هذا التفسير دليل إثبات القدر.\nوقال أبو إسحاق: (المعنى إلاَّ طلب أن تأتيهم سنة الأولين، وسنة الأولين أنهم عاينوا العذاب فطلب المشركون ذلك ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ﴾ [الأنفال: ٣٢] (٢).\nوقوله تعالى: ﴿أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلًا﴾ قال ابن عباس والكلبي: (يريد قتل المؤمنين إياهم ببدر) (٣). معنى ﴿قبُلًا﴾: عيانًا أي: مقابلة. قرأ أهل الكوفة: قُبُلًا (٤)، وهو يحتمل تأويلين أحدهما: أنه بمعنى قِبَلًا، فقد\n_________\n= في سورة العنكبوت الآية رقم (٤٠): ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾.\n(١) ويشهد لهذا عدد من الآيات في كتاب الله، يقول -﷾- في سورة يونس الآية (٩٦، ٩٧): ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾. وقوله تعالى في سورة يونس الآية (١٠١): ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾.\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٢٩٦.\n(٣) ذكرته كتب التفسير بدون نسبة. انظر: \"معالم التنزيل\" ٥/ ١٨٢ بمعناه، \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٣٤٠، \"الكشاف\" ٢/ ٢٩٤، \"تفسير كتاب الله العزيز\" ٢/ ٤٦٩. وذكره القرطبي في \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٦ ونسبه لابن عباس والكلبي.\n(٤) قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر: (قِبَلًا) بكسر القاف. وقرأ عاصم، وحمزة، والكسائي: (قُبُلًا) بضم القاف.\nانظر: \"السبعة\" ص ٣٩٣، \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ١٥٢، \"المبسوط في القراءات\" ٢٣٦، \"التبصرة\" ص ٢٤٩، \"النشر\" ٢/ ٣١١.","vol":"14","page":59},{"text":"قال أبو زيد: (لقيت فلانًا قِبَلًا ومُقابَلَةً وقَبَلًا وقُبُلًا وقَبَلِيًّا وقبيلًا) (١). أي: صنفًا صنفًا، كل قبيل منه غير صاحبه، ويجوز أن يكون ضربًا واحدًا، ويجيئهم منه شيء بعد شيء. وهذا الحرف قد مضى تفسيره في سورة بني إسرائيل (٢)، والأنعام (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2292>٥٦ </span>- وقوله تعالى: ﴿وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ﴾ قال ابن عباس: (يريد المستهزئين، والمقتسمين وأتباعهم) (٤). وجدالهم بالباطل: أنهم ألزموه أن يأتي بالآيات على أهوائهم على ما كانوا يقترحون.\nوقوله تعالى: ﴿لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ﴾ قال ابن عباس: (ليبطلوا به ما جاء به محمد -ﷺ-) (٥). ومعنى الإدحاض: الإذهاب والإهلاك. يقال: دَحَضَتْ رجله تَدْحَضُ دَحْضًا أي: زلت. ودَحَضْتَ حجته: إذا أبطلتها (٦).\nومن هذا ما روي في الحديث: (أنه كان يصلي الأولى حين تَدْحَض\n_________\n(١) \"جامع البيان\" ١٥/ ٢٦٧، \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ١٥٣، \"لسان العرب\" (قبل) ٦/ ٣٥٢٠.\n(٢) عند قوله سبحانه في سورة الإسراء الآية رقم (٩٢): ﴿أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا﴾.\n(٣) عند قوله سبحانه في سورة الأنعام الآية رقم (١١١): ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ﴾\n(٤) \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٦.\n(٥) ذكره الطبري في \"جامع البيان\" ١٥/ ٢٦٧ بدون نسبة، وكذلك الثعلبي في \"الكشف والبيان\" ٣/ ٣٩٠ ب.\n(٦) انظر: \"تهذيب اللغة\" دحض) ٢/ ١١٥٤، \"مقاييس اللغة\" (دحض) ٢/ ٣٣٢، \"القاموس المحيط\" (دحض) ٦٤٢، \"الصحاح\" (دحض) ٣/ ١٠٧٥.","vol":"14","page":60},{"text":"الشمس) (١). أي: تزول وتزلق عن بطن السماء.\nوقوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا آيَاتِي﴾ يعني القرآن ﴿وَمَا أُنْذِرُوا﴾ وإن جعلت ﴿مَا﴾ موصولًا بمعنى: الذي، كان الراجع من الصلة محذوفًا على تقدير: وما أنذروا به أي: خوفوا به من النار والقيامة. وإن جعلت بمعنى المصدر لم يحتج إلى الراجع، ويكون المعنى: واتخذوا آياتي هزوا (٢). والهزؤ: مصدر وصف به، كقوله تعالى: ﴿أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا﴾ [البقرة: ٦٧]، وقد مر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2293>٥٧ </span>- قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظلَمُ﴾ استفهام بمعنى التقرير أي: لا أحد أظلم: ﴿مِمَّن ذُكِرَ﴾. قال ابن عباس: (وعظ) (٣). ولهذا دخلت الباء في ﴿بِآيَاتِ رَبِّهِ﴾ يريد: العقاب والعذاب. ﴿فَأَعْرَضَ عَنْهَا﴾ قال: (يريد فتهاون بها) (٤). قال قتادة في هذه الآية: (إياكم والإعراض عن ذكر الله، فإن من أعرض عن ذكر الله فقد اغتر أكبر الغرة) (٥).\n_________\n(١) أخرج نحوه البخاري كتاب: مواقيت الصلاة، باب: وقت الظهر عند الزوال ١/ ٢٠٠، وأبو داود كتاب: الصلاة باب: وقت صلاة الظهر ١/ ٢٨٥، وابن ماجه كتاب الصلاة، باب: وقت الظهر ١/ ٢٢١، والنسائي كتاب المواقيت، باب: أول وقت الظهر ١/ ١٧٦، والإمام أحمد في \"مسنده\" ٤/ ٤٢٠.\n(٢) \"الكشاف\" ٢/ ٣٩٤، \"البحر المحيط\" ٦/ ١٣٩، \"التفسير الكبير\" ٢١/ ١٤١.\n(٣) ذكره البغوي في \"تفسيره\" ٥/ ١٨٢ بدون نسبة، وكذلك السمرقندي في \"بحر العلوم\" ٢/ ٣٠٤، والقرطبي في \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٧.\n(٤) ذكره القرطبي في \"تفسيره\" ١٠/ ١١٢ بدون نسبة، والشوكاني في \"فتح القدير\" ٣/ ٤٢٣.\n(٥) لم أقف عليه. ويدل عليه قوله سبحانه في سورة طه الآيات (١٢٤، ١٢٥، ١٢٦): ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (١٢٥) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾.","vol":"14","page":61},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾ قال قتادة: (نسي ما سلف من الذنوب الكبيرة) (١).\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾ مفسر في سورة بني إسرائيل (٢)، والأنعام (٣). ﴿وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى﴾ قال ابن عباس: (يريد إلى الإيمان) (٤). ﴿فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا﴾ قال أبو إسحاق: (أخبر الله أن هؤلاء بأعيانهم أهل الطبع) (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2294>٥٨ </span>- قوله تعالى: ﴿بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ﴾ قال المفسرون: (يعني البعث والحساب) (٦). ﴿لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا﴾ قال الأخفش، وأبو عبيد: (منجا، من وأل يئل وألًا على فعول) (٧). وأنشد أبو عبيدة للأعشى (٨):\nوقد أخالس ربَّ البيت غفلته ... وقد يحاذر مني ثم ما يئل\nوقال الفراء: (﴿مَوْئِلًا﴾: منجا وهو: الملجأ) (٩). ومعناهما واحد،\n_________\n(١) \"جامع البيان\" ١٥/ ٢٦٨، وذكره السمرقندي في \"بحر العلوم\" ٢/ ٣٠٤ بلا نسبة.\n(٢) عند قوله سبحانه في سورة الإسراء الآية رقم (٤٦) ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾ الآية.\n(٣) عند قوله سبحانه في سورة الأنعام الآية رقم: (٢٥) ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾. الآية.\n(٤) ذكره القرطبي في \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٧ بلا نسبة.\n(٥) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٢٩٧.\n(٦) \"معالم التنزيل\" ٥/ ١٨٣، \"الكشاف\" ٢/ ٣٩٤، \"الدر المنثور\" ٤/ ٤١٦.\n(٧) \"معاني القرآن\" للأخفش ١/ ٦١٩.\n(٨) البيت للأعشى. أخالس: خلس الشئ أي سرقه. ثم ما يئل: ما ينجو.\nانظر: \"ديوانه\" ص ٥٩، \"مجاز القرآن\" ١/ ٤٠٨، \"جامع البيان\" ١٥/ ٢٦٩، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٨، \"البحر المحيط\" ٦/ ١٣٢، \"الدر المصون\" ٧/ ٥١٣.\n(٩) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٤٨.","vol":"14","page":62},{"text":"والعرب تقول: إنه ليوائل إلى موضعه. يريدون يذهب إلى حرزه، والمنجا والملجأ في هذا لفظ المفسرين. قال ابن عباس في رواية الوالبي: (ملجأ) (١). وهو قول الكلبي ومجاهد في رواية إسرائيل (٢). وروى ورقاء عنه: (محرزًا) (٣). وقال قتادة وابن زبد: (منجا) (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2295>٥٩ </span>- وقوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ﴾ قال الزجاج: (﴿وَتِلْك﴾ رفع بالابتداء، و﴿الْقُرَى﴾ صفة لها، و﴿أَهْلَكنَاهُمْ﴾ خبر الابتداء. قال: وجائز أن يكون موضع ﴿وَتِلْكَ الْقُرَى﴾ نصبا، ويكون ﴿أَهْلَكْنَاهُمْ﴾ مفسرًا للناصب، ويكون المعنى: وأهلكنا تلك القرى أهلكناهم) (٥). قال الأخفش: (أراد أهلها لذلك قال: ﴿أهلَكْنَاهُمْ﴾ حملة على القوم والأهل) (٦).\nقال ابن عباس: (يريد ما أهلك بالشام واليمن لما ظلموا وأشركوا وكذبوا بالأنبياء) (٧).\n_________\n(١) \"جامع البيان\" ١٥/ ٢٦٩، \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٢٠، \"القرطبي\" ١١/ ٨.\n(٢) ذكرته كتب التفسير بدون نسبة. انظر: \"جامع البيان\" ١٥/ ٢٦٩، \"معالم التنزيل\" ٥/ ١٨٣، \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٢٠، \"الكشاف\" ٢/ ٤٨٩، \"القرطبي\" ١٠/ ١١٢.\n(٣) \"جامع البيان\" ١٥/ ٢٦٩، \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٢٠، \"البحر المحيط\" ٦/ ١٤٠.\n(٤) \"تفسير القرآن\" للصنعاني ١/ ٣٤١، وذكره الثعلبي في \"الكشف والبيان\" ٣/ ٣٩٠ أبدون نسبة، وكذلك السمرقندي في \"بحر العلوم\" ٢/ ٣٠٤.\n(٥) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٢٩٨.\n(٦) \"معاني القرآن\" للأخفش ١/ ٦١٩.\n(٧) لم أقف عليه. وهذا الإجمال في تعيين هذه القرى وأسباب هلاكها، وأنواع الهلاك الذي وقع عليها جاء مفصلًا في آيات أخرى كثيرة، كما جاء في القرآن الكريم من قصة قوم نوح، وقوم هود، وقوم صالح، وقوم شعيب، وقوم موسى.","vol":"14","page":63},{"text":"﴿وَجَعَلْنَا لِمَهلِكِهِم﴾ والمهلك هاهنا يجوز أن يكون: مصدرًا، وأن يكون: وقتًا، والمعنى: جعلنا لإهلاكهم أو لوقت إهلاكهم، وكل فعل على أفعل.\nفالمصدر واسم الزمان والمكان فيه سواء، تقول: أدخلتُه مُدْخلًا وهذا مُدْخله، أي: المكان الذي يدخل منه وقت إدخاله (١). وقرأ عاصم في رواية أبي بكر: ﴿لِمَهْلَكِهم﴾ بفتح الميم واللام (٢)، وهو مصدر هلك يهلك، والمعنى لوقت هلاكهم يكون المهلك مصدرًا مضافًا إلى الفاعل (٣).\nقال أبو علي: (ويجوز على لغة تميم أن يكون مصدرًا مضافًا إلى المفعول؛ لأنهم يقولون: هلكني زيد، كأنهم جعلوه من باب رجع، ورجعته، وغاض الماء وغضته، وعلى هذا حمل بعضهم (٤):\nومهمهٍ هالك من تعرَّجا\nقال: هو بمنزلة: مُهْلِكِ مَنْ تَعَرَّجا. فقدل: ﴿لِمَهْلَكِهم﴾، على قول\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٤٨، \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٢٩٧، \"إعراب القرآن\" للنحاس ٢/ ٢٨٣، \" إملاء ما من به الرحمن\" ١/ ٤٠١.\n(٢) قرأ عاصم في رواية أبي بكر: (لِمَهْلَكِهم) بفتح الميم واللام الثانية.\nانظر: \"السبعة\" ص ٣٩٣، \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ١٥٦، \"المبسوط في القراءات العشر\" ص ٢٣٦، \"التبصرة\" ص ٢٤٩.\n(٣) \"الدر المصون\" ٧/ ٥١٥، \"إعراب القرآن\" للنحاس ٢/ ٢٨٣، \"مشكل إعراب القرآن\" ١/ ٤٤٤، \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٤٨.\n(٤) هذا عجز بيت للعجاج وصدره:\nعصرًا وحضنا عيشة المعذلجا\nانظر: \"ديوانه\" ٢/ ٤٣، \"المحتسب\" ١/ ٩٢، \"المقتضب\" ٤/ ١٨٠، \"الخصائص\" ٢/ ٢١٠، \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ١٥٦، \"الدر المصون\" ٧/ ٥١٥.","vol":"14","page":64},{"text":"من عَدَّى: هلكت مصدر مضاف إلى المفعول به، نحو ﴿مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ﴾ [فصلت: ٤٩]. وقرئ في رواية حفص (١): ﴿لِمَهْلِكِهِم﴾ بفتح الميم وكسر اللام (٢).\nقال أبو إسحاق: (هذا على أن يكون مهلك اسما للزَّمان، يقال: هلك يهلك، هذا زمن مهلكه) (٣).\nقال أبو علي: (ويجوز أن يكون مصدرًا، وقد جاء المصدر من باب فعل يفعل بكسر العين قال: ﴿إِلىَّ مَرْجِعُكُمْ﴾ [آل عمران: ٥٥]، وقال: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، والفتح في المصدر أكثر وأوسع) (٤).\nوقوله تعالى: ﴿مَوْعِدًا﴾ قال ابن عباس: (يريد وقتًا) (٥). وقال مجاهد: (أجلا) (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2296>٦٠ </span>- قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ﴾ الآية. روي عن أبي بن كعب من طرق كثيرة أنه قال: (سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: \"بينما موسى في ملأ من بني إسرائيل إذ جاءه رجل فقال: هل تعلم أحدًا أعلم منك؟ فقال\n_________\n(١) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ١٥٦.\n(٢) قرأ عاصم في رواية حفص: (لِمَهْلِكِهم) بكسر اللام فيهما وفتح الميم. انظر: \"الغاية في القراءات\" ص ٣٠٨، \"العنوان في القراءات\" ص ١٢٣، \"حجة القراءات\" ص ٤٢١، \"الكشف عن وجوه القراءات\" ٢/ ٦٥.\n(٣) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٢٩٧.\n(٤) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ١٥٧.\n(٥) ذكره الماوردي في \"تفسيره\" ٣/ ٣٢١ بدون نسبة.\n(٦) \"جامع البيان\" ١٥/ ٢٧٠، \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٢١، \"تفسير كتاب الله العزيز\" ٢/ ٤٦٩.","vol":"14","page":65},{"text":"موسى: لا. فأوحى الله إلى موسى: بلى عبدنا خضر (١)، فسأل موسى السبيل إلى لقياه فجعل الله له الحوت آية. [وقيل؛ إذا فقدت الحوت] (٢) فأرجع فإنك ستلقاه\" (٣).\nوروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: (قام موسى خطيبًا في بني إسرائيل فأبلغ في الخطبة، وحدث في نفسه أن أحدًا لم يؤت من العلم ما أوتي، فعلم الله الذي حدث نفسه من ذلك فقال له: يا موسى إن من عبادي من قد آتيته من العلم ما لم أوتك، قال: إي ربي من عبادك؟ قال: نعم،\n_________\n(١) الخضر هو صاحب موسى﵇-، وقد اشتهر بهذا اللقب وسمي به في القرآن والسنة، وقد أخرج البخاري في \"صحيحه\" ٦/ ٣٠٩ بسنده عن أبي هريرة -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: \"إنما سمي الخضرة لأنه جلس على فروة بيضاء، فإذا هي تهتز من خلفه خضراء\".\nقال ابن كثير -﵀- في \"البداية والنهاية\" ١٥/ ٣٢٧: قيل إنما سمي الخضر خضرا: لحسنه وإشراقة وجهه، وهذا لا ينافي ما ثبت في الصحيح؛ فإن كان ولابد من التعليل بأحدهما فما ثبت في الصحيح أولى وأقوى بل لا يلتفت إلى ما عداه.\n(٢) ما بين المعقوفين ساقط من الأصل ومن نسخة (ص).\n(٣) \"جامع البيان\" ١٥/ ٢٧٨، \"تفسير القرآن\" للصنعاني ١/ ٣٤٠، \"معالم التنزيل\" ٥/ ١٨٤، \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٣٤٧ - ٣٤٨، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٠٣، \"الدر المنثور\" ٤/ ٤١٧، \"تفسير النسائي\" ٢/ ٨. وأخرجته كتب الصحاح والسنن من عدة طرق.\nفقد أخرجه البخاري في كتاب التفسير سورة الكهف ٨/ ٤٠٩، وفي كتاب: العلم ١/ ١٧٣، وكتاب أحاديث الأنبياء باب حديث الخضر ٦/ ٤٣١، وكتاب: التوحيد ١٣/ ٤٤٨، وأخرجه مسلم في \"صحيحه\" في كتاب: الفضائل، باب: فضل الخضر -﵇- ٤/ ١٨٥٠، وأخرجه الترمذي في \"جامعه\" كتاب: التفسير سورة الكهف ٨/ ٥٥٨، وأخرجه أبو داود في \"سننه\" كتاب: السنن، باب: في القدر حديث رقم (٤٧٠٥)، وأخرجه الإمام أحمد في \"مسنده\" ٥/ ١١٧.","vol":"14","page":66},{"text":"قال: فدلني على هذا الرجل الذي آتيته من العلم ما لم تؤتني حتى أتعلم منه قال: يدلك عليه بعض زادك. فقال لفتاه يوشع: ﴿لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ﴾ الآية، فكان فيما تزود حوتًا مالحًا في زبيل (١)، ثم كان من أمرهما ما قص الله في كتابه) (٢).\nفقوله: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى﴾ معناه: واذكر إذ قال موسى، لما في قصته من العبرة وقوله تعالى: ﴿لِفَتَاهُ﴾ أجمعوا أنه: يوشع بن نون. قال عطاء عن ابن عباس: (يريد غلامه) (٣).\nقال الفراء، والزجاج: (وإنما سمي فتى موسى؛ لأنه كان ملازمًا له يأخذ عنه العلم ويخدمه) (٤).\nوقوله تعالى: ﴿لَا أَبْرَحُ﴾ قال جميع أهل التأويل: (معناه لا أزال) (٥). يقال: برحت أفعل كذا أي: ما زلت، ومنه قوله تعالى: ﴿لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ﴾ [طه: ٩١]، أي: لن نزال. وأصله من قوله: برح الرجل\n_________\n(١) الزبيل: الجراب، وقيل: وعاء يحمل فيه. انظر: \"تهذيب اللغة\" (زبل) ٢/ ١٥٠٩، \"لسان العرب\" (زبل) ٦/ ١٥.\n(٢) \"جامع البيان\" ١٥/ ٢٧٨، \"تفسير القرآن\" للصنعاني ١/ ٤٠٥، \"ابن كثير\" ٣/ ١٠٣، \"الدر المنثور\" ٤/ ٤٢١. وأخرجه البخاري في كتاب: التفسير سورة الكهف ٨/ ٤٠٩، ومسلم في كتاب الفضائل باب: فضل الخضر ٤/ ١٨٥٠، والترمذي في كتاب: التفسير: سورة الكهف ٨/ ٥٨٨، والنسائي في \"تفسيره\" ٢/ ٨.\n(٣) ذكر نحوه بلا نسبة \"جامع البيان\" ١٥/ ٢٧١، \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٢١، \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٣٤٦ - ٣٤٧، \"زاد المسير\" ٥/ ١٦٤، \"القرطبي\" ١١/ ١١.\n(٤) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٢٩٩، \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٥٤.\n(٥) \"معالم التنزيل\" ٥/ ١٨٥، \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٣٤٨، \"النكت والعيون\" ٢/ ٣٢٣، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٩.","vol":"14","page":67},{"text":"براحا، إذا راح من موضعه، ومنه قوله: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ﴾ [يوسف: ٨٠] وقد مرَّ بنا، فإذا قلت: ما برح يفعل كذا، فكأنك قلت: أقام يفعل ذلك، ودام على حاله تلك من غير مفارقة. قال أبو إسحاق: (معنى ﴿لَا أَبْرَحُ﴾: لا أزال، ولو كان معناه لا أزول كان محالًا؛ لأنه إذا لم يزل من مكانه لا يقطع أرضًا، وأنشد (١):\nوأبرح ما أدام الله قومي ... بحمد الله مُنْتَطِقًا مُجِيدًا\nأي: لا زال) (٢). وقال صاحب النظم: (قوله: ﴿لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ﴾ مكفوف عن إتمام نظمه؛ لأن فيه إضمارًا وهو: لا أبرح أمضى ماضيًا، أي: سائرًا حتى أبلع مجمع البحرين) (٣).\nقال ابن عباس في رواية عطاء: (يريد ملتقى البحرين العذب والمالح) (٤).\nوقال قتادة: (يعني بحر فارس وبحر الروم) (٥). وكان مجمع البحرين الموضع الذي وعد موسى للقاء الخضر -﵇-.\n_________\n(١) البيت لخداش بن زهير. منتطق: يقال جاء فلان منتطقًا فرسه إذا جنبه ولم يركبه. انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٢٩٨، \"المقاصد النحوية\" ٢/ ٦٤،\"أساس البلاغة\" ٢/ ٤٥٤، \"خزانة الأدب\" ٩/ ٢٤٣، \"شرح ابن عقيل\" ١/ ٢٦٤، \"تهذيب اللغة\" (نطق) ٤/ ٣٦٠٢، \"لسان العرب\" (نطق) ٧/ ٤٤٦٣.\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٢٩٨.\n(٣) ذكر نحوه بلا نسبة \"الكشاف\" ٢/ ٣٩٥، \"إملاء ما من به الرحمن\" ص ٤٠١، \"البحر المحيط\" ٦/ ١٤٤، \"الدر المصور\" ٧/ ٥١٧، \"التفسير الكبير\" ٢١/ ١٤٥.\n(٤) \"جامع البيان\" ١٥/ ٢٧١، \"الدر المنثور\" ٤/ ٤١٧.\n(٥) \"جامع البيان\" ١٥/ ٢٧١، \"تفسير القرآن\" للصنعاني ١/ ٤٠٥، \"معالم التنزيل\" ٥/ ١٨٥، \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٣٤٩.","vol":"14","page":68},{"text":"وقوله تعالى: ﴿أَوْ أَمْضِيَ﴾ أو أسير. ﴿حُقُبًا﴾ قال ابن عباس فيما روى عنه الوالبي يقول: (دهرًا) (١). وقال في رواية عطاء: (الحقب الواحد بضع وثمانين سنة، السنة ثلاثمائة وستون يومًا، اليوم الواحد ألف سنة) (٢). وقال مجاهد: (الحقب سبعون خريفًا) (٣).\nوأمما أهل اللغة فإنهم كلهم قالوا: (الحقب ثمانون سنة) (٤).\nقال صاحب النظم: (﴿أَوْ﴾ بمعنى حتى، مثل قولك: لا آتيك أو تكرمني، فيرجع تأويل الآية: لا أبرح ماضيًا إلى أن أمضي حقبًا حتى أبلغ مجمع البحرين. قال: ونظير هذا في الكلام أن تقول: لا أزال إلى أن أسير سنة حتى أقضى حاجتي. ومعنى إلى أن أسير سنة: وإن احتجت إلى أن أسير سنة) (٥). وعلى ما ذكر يكون في الآية تقديم وتأخير، ولا يجوز أن يجعل ﴿أَوْ﴾ للعطف؛ لأنه ليس المراد حتى أبلغ مجمع البحرين وحتى أمضي حقبا، و﴿أَوْ﴾ هاهنا الناصبة للفعل بإضمار أن كما تقول: لألزمنك\n_________\n(١) \"جامع البيان\" ١٥/ ٢٧٢، \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٢٢، \"ابن كثير\" ٣/ ١٠٣.\n(٢) ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة.\nانظر: \"التسهيل لعلوم التنزيل\" ص ٣٨٥، \"الكشاف\" ٢/ ٤٩٠، \"التفسير الكبير\" ٢١/ ١٤٦، \"أنوار التنزيل\" ٣/ ٢٣٠، \"زاد المسير\" ٥/ ١٦٥، \"مدارك التنزيل\" ٢/ ٩٥٦، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ١٠.\n(٣) \"جامع البيان\" ١٥/ ٢٧٢، \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٢٢، \"ابن كثير\" ٣/ ١٠٣، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ١١.\n(٤) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٢٩٩، \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٥٤، \"تفسير المشكل من غريب القرآن\" ص ١٤٤.\n(٥) ذكر نحوه بلا نسبة \"البحر المحيط\" ٦/ ١٤٥، \"الدر المصون\" ٨/ ٥١٧، \"إملاء ما من به الرحمن\" ٤٠١، \"التفسير الكبير\" ٢١/ ١٤٦.","vol":"14","page":69},{"text":"أو تعطيني حقي، التقدير: إلى أن تعطيني حقى (١)، ومنه قول امرئ القيس (٢):\nفقلت له لا تبك عينك إنَّما ... نحاول ملكًا أو نموت فنعذرا\nالمعنى: إلى أن نموت.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2297>٦١ </span>- قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا بَلَغَا﴾ يعني: موسى وصاحبه. ﴿مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا﴾ قال ابن عباس: (يريد ملتقى العذب والمالح) (٣). وعلي قول قتادة: (ملتقى بحر الروم وبحر فارس) (٤). وهو حيث وعد لقاء الخضر.\nوقوله تعالى: ﴿نَسِيَا حُوتَهُمَا﴾ إلى آخر الآية. قال سعيد بن جبير عن ابن عباس: (كان فيما تزودا حوتًا مالحًا في زبيل، وكان يصيبان منه عند العشاء والغداء، فلما انتهيا إلى الصخرة على ساحل البحر، وضع فتاه المكتل (٥) فأصاب الحوت [ندى البحر فتحرك في] (٦) المكتل فقلب المكتل، وانسرب في البحر) (٧).\n_________\n(١) \"البحر المحيط\" ٦/ ١٤٥، \"الدر المصون\" ٧/ ٥٢٠، \"إملاء ما من به الرحمن\" ص ٤٠١، \"روح المعاني\" ١٥/ ٣١٢.\n(٢) البيت لامرئ القيس. انظر: \"ديوانه\" ص ٦٤، \"الكتاب\" لسيبويه ٣/ ٤٧، \"خزانة الأدب\" ٤/ ٢١٢، \"المقتضب\" ٢/ ٢٨، \"اللامات\" ص ٦٨، \"شرح المفصل\" ٧/ ٢٢.\n(٣) \"جامع البيان\" ١٥/ ٢٧١، \"الدر المنثور\" ٤/ ٤١٧.\n(٤) \"جامع البيان\" ١٥/ ٢٧١، \"تفسير القرآن\" للصنعاني ١/ ٤٠٥، \"معالم التنزيل\" ٥/ ١٨٥، \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٣٤٩.\n(٥) المكتل: الزنبيل يحمل فيه التمر وغيره. انظر: \"تهذيب اللغة\" (كتل) ٤/ ٣١٠٠، \"القاموس المحيط\" (الكتلة) ص ١٠٥٢، \"لسان العرب\" (كتل) ٦/ ٣٨٢٢.\n(٦) في جميع النسخ: جرى البحر فترك المكتل. وما أثبته هو الصواب والموافق للسياق، والمخبت في \"الوسيط\" للمؤلف ٣/ ١٥٧.\n(٧) \"جامع البيان\" ١٥/ ٢٧٨، \"تفسير القرآن\" للصنعاني ١/ ٤٠٨، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٠٣، \"الدر المنثور\" ٤/ ٤٢١.","vol":"14","page":70},{"text":"وروى أبي بن كعب عن رسول الله -ﷺ- قال: \"لما أراد موسى أن يطلبه قيل له: تزود معك حوتًا مالحًا فحيث (١) يفقد الحوت ثم تجد الرجل، فانطلق هو وفتاه حتى أتيا الصخرة، فقال لفتاه: امكث حتى آتيك، وانطلق موسى لحاجته، فجرى الحوت حتى وقع في البحر، فقال فتاه: إذا جاء نبي الله حدثته، فأنساه الشيطان\" (٢).\nقال ابن عباس في رواية عطاء: (نسي الفتى أن يذكر قصة الحوت لموسى) (٣).\n﴿فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا﴾ قال: (يريد مسيرًا) (٤). وفي حديث أبي: \"جعل لا يصيب الحوت شيئًا من الماء إلا جمد، حتى اتخذ سبيله في البحر سربًا شبه النقب\" (٥).\nوقال قتادة: (جعل لا يسلك طريقًا إلا صار الماء جامدًا) (٦).\nوقال الربيع بن أنس: (انجاب الماء على مسلك الحوت فصارت كوة لم تلتئم) (٧).\n_________\n(١) في (ص): (فحنت)، وهو تصحيف.\n(٢) سبق تخريج الحديث في أول القصة.\n(٣) \"الكشف والبيان\" ٣/ ٣٩٠ أ، \"بحر العلوم\" ٢/ ٣٠٥ وذكره بدون نسبة.\n(٤) ذكر نحوه بلا نسبة \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٣٥٢، \"بحر العلوم\" ٢/ ٣٠٥، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ١٣.\n(٥) سبق تخريج الحديث في أول القصة.\n(٦) \"جامع البيان\" ١٥/ ٢٧٤، \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٣٥٢، \"البحر المحيط\" ٦/ ١٤٥.\n(٧) ذكرته كتب التفسير ونسبته لأبي بن كعب. انظر: \"جامع البيان\" ٢٧٣/ ١٥، \"الكشف والبيان\" ٣/ ٣٩ أ، \"لباب التأويل\" ٤/ ٢٢٣، \"معالم التنزيل\" ٥/ ١٨٦، \"زاد المسير\" ٥/ ١٦٦، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٠٣.","vol":"14","page":71},{"text":"وروي أيضًا عن النبي -ﷺ- في حديث أبي بن كعب قال: \"ما انجاب الماء مذ كان الناس غير مكان الحوت الذي دخل منه كالكوة، حتى رجع إليه موسى فرأى مسلكه\" (١). هذا معنى قوله: ﴿فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا﴾.\nوقال الكلبي: (كان عند تلك الصخرة التي نزلا عندها عين ماء فتوضأ يوشع من ذلك الماء، فانتضح على الحوت في المكتل ثم طفر في البحر) (٢).\nوالسَّرب معناه في اللغة: المحفور في الأرض لا نفاذ له، شبه مسلك الحوت في الماء (٣)، والماء منجاب عنه بالسَّرب. كما قال الفراء: (حيي الحوت بالماء الذي أصابه من العين، فلما وقع في الماء جمد مذهبه في البحر فكان كالسرب) (٤).\nهذا قول المفسرين في هذه الآية. وعلى ما قالوا في نظم الآية تقديم وتأخير على تقدير: فلما بلغا مجمع بينهما اتخذ الحوت [سبيله في البحر سربا، ونسي يوشع أن يذكر ذلك لموسى؛ لأن النسيان لم يتقدم على ذهاب الحوت] (٥)، ذهب الحوت فنسي الفتى أن يذكر ذلك لموسى حتى جازوا ذلك المكان على ما في القرآن من الآيات بعد هذه الآية.\n_________\n(١) \"جامع البيان\" ١٥/ ٢٧٣، \"معالم التنزيل\" ٥/ ١٨٦، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٠٣.\nوسبق تخريج الحديث في أول القصة.\n(٢) \"معالم التنزيل\" ٥/ ١٨٦، \"بحر العلوم\" ٢/ ٣٠٥، \"الكشاف\" ٢/ ٣٩٥، \"روح المعاني\" ١٥/ ٣١٤، \"التفسير الكبير\" ٢١/ ١٤٦.\n(٣) انظر (سرب) \"تهذيب اللغة\" ٣/ ١٦٦٣، \"الصحاح\" ١/ ١٤٦، \"اللسان\" ٤/ ١٩٨١.\n(٤) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٥٤.\n(٥) ما بين المعقوفين ساقط من نسخة (س).","vol":"14","page":72},{"text":"وقوله تعالى: ﴿نَسِيَا حُوتَهُمَا﴾ إجماع المفسرين أن النسيان هاهنا معناه: نسيان الفتى ذكر قصة الحوت لموسى، والناسي كان أحدهما، وأضيف إليهما جميعًا.\nواختلفوا في وجه هذا فقال الفراء: (إنما نسيه يوشع فأضافة إليهما كما قال: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ [الرحمن: ٢٢] وإنما يخرج من الملح دون العذب) (١). وعلى هذا أضيف إليهما توسعا، وذكر غيره العلة في جواز هذا التوسع فقال: (إنهما كانا جميعًا تزوداه لسفرهما، فجاز إضافته إليهما كما يقال: نسي القوم زادهم، وإنما نسيه أحدهم) (٢).\nوقال أبو علي الفارسي: (هذا من باب حذف المضاف. المعنى: نسي أحدهما حوتهما، فلما حذف المضاف عادت الكناية إلى الفعل فقيل: نسيا. قال: وكذلك قوله: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا﴾ [الرحمن: ٢٢] المعنى: من أحدهما، وفيه حذف أيضًا من وجه آخر وهو أن التقدير: نسيا أمر حوتهما وقصته؛ لأن يوشع نسي أن يذكر أمره لموسى على ما بينا) (٣).\nهذا الذي ذكره مذهب المفسرين، وجميع أهل المعاني، وقد أغنى الزجاج عن الحذف والتقديم والتأخير الذي يلزم على مذهب هؤلاء فقال في قوله: ﴿نَسِيَا حُوتَهُمَا﴾ (كان النسيان من يوشع أن يقدمه، وكان النسيان من موسى أن يأمره فيه بشيء) (٤).\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٥٤.\n(٢) \"جامع البيان\" ١٥/ ٢٧٣، \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٣٥٤، \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٢٣، \"روح المعاني\" ١٥/ ٣١٤.\n(٣) \"الحجة للقراء السبعة\" ٢/ ٣١١.\n(٤) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٢٩٩.","vol":"14","page":73},{"text":"وعلى هذا المعنى لما بلغا مجمع بينهما نسي يوشع أن يقدم الحوت للأكل، ونسي موسى أيضًا أن يأمره بذلك، فلما نسياه حيا بإذن الله، وذهب في البحر، فصح المعنى واستغنى عن تقدير الحذف والتقديم والتأخير، غير أن مذهب المفسرين في النسيان ما ذكرنا أولى.\nوذكر في انتصاب قوله: ﴿سَرَبًَا﴾ وجهين أحدهما: أنه مفعول ثان، كما تقول: اتخذت زيدًا وكيلًا.\nوالثاني: أن \"سَرَبا\" هاهنا مصدر سرب ينسرب إذا ذهب على وجهه (١). منه قول الشاعر (٢):\nونحن خلعنا قيده فهو سارب\nوذكرنا هذا عند قوله: ﴿وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾ [الرعد: ١٠]، وكأنه قيل: سَرب الحوت سربًا، ودل عليه قوله: ﴿وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ﴾ [الكهف: ٦٣]؛ لأنه بمعنى سرب، ولهذا نظائر كثيرة في التنزيل. وعلى هذا قد حصل في معنى السرب قول آخر. وبنحو هذا القول أخبرني العروضي عن الأزهري قال: (أخبرني المنذري عن ابن اليزيدي عن أبي حاتم. في قوله: ﴿سَرَبًا﴾ قال: أظنه يريد ذهابًا يسرب سربًا، كقولك: يذهب ذهابًا) (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2298>٦٢ </span>- قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاوَزَا﴾ أي: ذلك المكان الذي كانت عنده\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٢٩٩، \"مشكل إعراب القرآن\" ١/ ٤٤٥، \"إعراب القرآن\" للنحاس ٢/ ٢٨٣، \"تهذيب اللغة\" (سرب) ٢/ ١٦٦٣.\n(٢) هذا عجز بيت للأخنس بن شهاب التغلبي، وصدره:\nوكل أناس قاربوا قيد فحلهم\nانظر: \"تهذيب اللغة\" (سرب) ٢/ ١٦٦٢، \"لسان العرب\" (سرب) ٤/ ١٩٨٠.\n(٣) \"تهذيب اللغة\": (سرب) ٢/ ١٦٦٣.","vol":"14","page":74},{"text":"الصخرة وذهب الحوت.\nقال رسول الله -ﷺ-: \"انطلقا وأصابهما ما يصيب المسافر من النصب والكلال\" (١). ولم يجد النَّصَب حتى جاوز حيث أمره الله تعالى ﴿قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا﴾ الآية. ونحو هذا قال ابن عباس وجميع المفسرين: (إنه لم ينْصَب حتى جاوز الموضع الذي يريده، فلما خرج من حد الموضع نصب فدعا بالطعام ليأكل) (٢). والغداء: الطعام الذي يؤكل بالغداة. كالعشاء: الطعام الذي يؤكل بالعشي. والنَّصب: التعب والوهن الذي يكون عن الكلال (٣).\nقال الليث: (النَّصب الإعياء من العناء، والفعل نَصِبَ يَنْصَب، وأنْصَبَنِي هذا الأمر) (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2299>٦٣ </span>- قال المفسرون: فلما قال له موسى ذلك تذكر قصة الحوت؛ لأنه كان من عنده عذابهما، فقال: ﴿أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ﴾ [الكهف: ٦٣] الآية.\nقال صاحب النظم: (الأمر عند الناس قوله: أرأيت من رؤية البصر، وليس كذلك، إنما هي كلمة وضعت لتنبيه المسؤول (٥) عنه وبعثه على\n_________\n(١) سبق تخريج الحديث في أول القصة.\n(٢) \"جامع البيان\" ١٥/ ٢٧٨، \"معالم التنزيل\" ٥/ ١٨٦، \"الكشاف\" ٢/ ٣٩٦، \"لجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ١٣.\n(٣) انظر: \"تهذيب اللغة\" (نصب) ٤/ ٣٥٨١، \"مقاييس اللغة\" (نصب) ٥/ ٤٣٤، \"القاموس المحيط\" (نصب) ١/ ١٣٨.\n(٤) \"تهذيب اللغة\" (نصب) ٤/ ٣٥٨١.\n(٥) في نسخة (ص): (على ما يسأل عنه).","vol":"14","page":75},{"text":"التفهم والإجابة كما قال -﷿ -: ﴿أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى﴾ [العلق: ١١]، والدليل على ذلك أن الفاء في قوله: ﴿فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ﴾ يدل على أنه جواب لمعنى يقتضي الفاء، والتأويل: إن شاء الله أرأيت. أي: اسمع وتفهم فإني نسيت الحوت) (١). ونحو هذا قال أبو علي الفارسي: (وأما ما جاء أرأيت فيه بمعنى انتبه فقوله: ﴿أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ﴾ كأن المعنى: انتبه فإني نسيت الحوت، ولذلك دخلت الفاء كما تدخل في جواب الجزاء. ومثله: ﴿أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ﴾ [الملك: ٣٠]، كأنه انتبهوا فمن يأتيكم) (٢).\nوقوله تعالى: ﴿إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ﴾ يعني: حين نزلا هناك ووضع يوشع المكتل الذي فيه الحوت عند الصخرة.\nوقوله تعالى: ﴿فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ﴾ قال ابن عباس في حديث أبي بن كعب مرفوعًا: (فإني نسيت الحوت أن أحدثكه) (٣). وعلى هذا المعنى نسيت قصة الحوت وأمره على ما ذكرنا. ثم اعتذر فقال: ﴿وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ﴾ وذلك؛ لأنه لو ذكر لموسى قصة الحوت عند الصخرة ما جاوزها موسى، وما ناله النصب الذي شكاه في قوله: ﴿لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾ فاعتذر فتاه من ذلك بأن أنساه الشيطان إياه. قال أهل المعاني: (معناه شغل قلبي بوسوسته حتى نسيته؛ لأن الشيطان لا يقدر على فعل النسيان وإنما عرضه له) (٤).\n_________\n(١) ذكر أبو علي الفارسي نحوه في \"الحجة للقراء السبعة\" ٣/ ٣٠٩.\n(٢) ذكر نحوه في \"الحجة للقراء السبعة\" ٣/ ٣٠٩.\n(٣) سبق تخريج الحديث في أول القصة.\n(٤) \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٢٤، \"التفسير الكبير\" ٢١/ ١٤٧.","vol":"14","page":76},{"text":"وقوله تعالى: ﴿أَنْ أَذْكُرَهُ﴾ قال أبو إسحاق: (﴿أَنْ أَذْكُرَهُ﴾ بدل من الهاء لاشتمال الذكر على الهاء في المعنى، وما أنساني أن أذكره إلا الشيطان) (١). قال ابن عباس: (يريد أن أحدث بقصة الحوت) (٢). وهذه الآية تدل على صحة قول المفسرين في قوله: ﴿نَسِيَا حُوتَهُمَا﴾.\nوقوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا﴾ قال ابن عباس في رواية سعيد بن جبير: (اتخذ موسى سبيل الحوت في البحر عجبا) (٣). ونحو هذا قال قتادة، ومجاهد، وابن زيد (٤). وقد ذكرنا: أن مسلك الحوت لم يلتئم فدخل موسى ذلك المسلك. وينتصب ﴿عَجَبًا﴾ على هذا بوقوعه موقع الحال، كأنه قيل: واتخذ موسى سبيل الحوت عاجبًا من ذلك الأمر (٥).\nقال مجاهد: (تعجب موسى من أثر الحوت في البحر ودورانه التي غاب فيها) (٦).\nوقال ابن زيد: (أي شيء أعجب من حوت كان دهرًا من الدهور يؤكل منه، ثم صار حيًا حتى مشى في البحر) (٧). وهذا القول اختيار الفراء\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٠٠.\n(٢) ذكرته كتب التفسير بدون نسبة. انظر: \"جامع البيان\" ١٥/ ٢٧٨، \"الكشف والبيان\" ٣/ ٣٩١ أ، \"بحر العلوم\" ٢/ ٣٠٥، \"تفسير كتاب الله العزيز\" ٢/ ٢٧١، \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٣٥٤ - ٣٥٥، \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٢٤.\n(٣) \"جامع البيان\" ١٥/ ٢٧٥.\n(٤) \"جامع البيان\" ١٥/ ٢٧٥، \"تفسير كتاب الله العزيز\" ٢/ ٤٧٢.\n(٥) \"إملاء ما من به الرحمن\" ص ٤٠٢، \"مشكل إعراب القرآن\" ١/ ٤٤٥، \"إعراب القرآن\" للنحاس ٢/ ٢٨٤.\n(٦) \"جامع البيان\" ١٥/ ٢٧٦، \"إعراب القرآن\" للنحاس ٢/ ٢٨٤.\n(٧) \"جامع البيان\" ١٥/ ٢٧٥،\"معالم التنزيل\" ٥/ ١٨٧.","vol":"14","page":77},{"text":"فقد قال: (واتخذ موسى سبيل الحوت في البحر عجبًا) (١). ويجوز أن ينتصب عجبا بأنه نعتُ محذوفٍ؛ كأنه قيل: سبيلًا عجبًا. ذكره ابن قتيبة (٢). وهذا القول الذي ذكرنا عن هؤلاء بعيدة لأن اتخاذ موسى سبيل الحوت مسلكًا كان بعد أن ارتدا على آثارهما قصصًا، إلا أن تحمل النظم على التقديم والتأخير، ولكن التقريب أن يجعل قوله: ﴿وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا﴾ من قول يوشع [إخبارًا عن الحوت أنه فعل ذلك. ذهب إلى هذا طائفة من المفسرين فقالوا: (هذا من قول يوشع] (٣) يقول: اتخذ الحوت سبيله في البحر سبيلًا عجبًا) (٤). وذكر الزجاج هذا القول (٥).\nوذكر كثير من أهل العلم: (أن الكلام قد تمَّ عند قوله: ﴿وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ﴾ ويحسن الوقف هاهنا ثم تقول (٦): ﴿عَجَبًا﴾) (٧). ووجه هذا ما قاله أبو إسحاق: (وهو أن يكون قال يوشع: ﴿وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ﴾ فأجابه موسى فقال: ﴿عَجَبًا﴾ كأنه قال: أعْجَبُ عَجَبًا) (٨).\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٥٤.\n(٢) \"تفسير غريب القرآن\" ١/ ٢٦٨.\n(٣) ما بين المعقوفين ساقط من نسخة (ص).\n(٤) \"معالم التنزيل\" ٥/ ١٨٧، \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٣٥٥، \"الكشاف\" ٢/ ٣٩٦، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ١٤.\n(٥) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٠٠.\n(٦) قوله: (تقول)، ساقط من (ص).\n(٧) \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٣٥٥، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ١٤، \"البحر المحيط\" ٦/ ١٤٦، \"المكتفى في الوقف والابتداء\" ص ٣٧٠، \"الإيضاح\" ٢/ ٢٥٩، \"القطع والإئتناف\" ص ٤٤٨.\n(٨) \"معالم التنزيل\" ٥/ ١٨٧، \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٠٠.","vol":"14","page":78},{"text":"ونحو هذا حكى أبو حاتم (١) عن أهل التفسير فقال: (إنهم قالوا: ﴿وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ﴾ تمام، ثم قال: ﴿عَجَبًا﴾ أي: أعْجَبُ عَجَبًا، وعلى هذا يجوز أن يكون العجب راجعًا إلى يوشع أخبر عن اتخاذ الحوت سبيله في البحر، ثم أخبر عن تعجبه من ذلك) (٢). والوقف على قوله: ﴿فِي الْبَحْرِ﴾ مذهب الحسن، وعيسى بن عمر (٣)، ويعقوب (٤).\nقال سعيد بن جبير عن ابن عباس: (لما قال هذا يوشع ذكر موسى ما كان عهد إليه أنه يدلك عليه بعض زادك) (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2300>٦٤ </span>- فقال: ﴿ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ﴾ قال ابن عباس في رواية سعيد بن جبير: (أي هذه حاجتنا) (٦). وهذا اللفظ يحتمل معنيين أحدهما: أن المراد بحاجته التي كان يطلبها الخضر -﵇-، وعلى هذا الإشارة بقوله: ﴿ذَلِكَ﴾ إلى الخضر. هذا قول ذكره المتأخرون من أهل التفسير. والصحيح: أنه\n_________\n(١) هو السجستاني.\n(٢) \"الكشف والبيان\" ٣/ ٣٩١، \"بحر العلوم\" ٢/ ٣٠٦، \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٣٥٥، \"لباب التأويل\" ٤/ ٢٢٢، \"الكشاف\" ٢/ ٤٩٢، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ١٤، \"إرشاد العقل السليم\" ٥/ ٢٣٣.\n(٣) في (ص): (عيسى بن مريم)، وهو تصحيف.\n(٤) \"المكتفى في الوقف والابتداء\" ص ٣٧٠، \"القطع والائنتاف\" ص ٤٤٨، \"الإيضاح\" ٢/ ٢٥٩.\n(٥) ذكره الماوردي في \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٢٤ بدون نسبة، وذكر نحوه السيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ٤١٧.\n(٦) ذكره الثعلبي في \"الكشف والبيان\" ٣/ ٣٩١ أبدون نسبة، وكذلك السمرقندي في \"بحر العلوم \" ٢/ ٣٠٦.","vol":"14","page":79},{"text":"أراد بقوله: ﴿ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ﴾ انسراب الحوت (١)؛ لأن هذا جواب لقول يوشع حين أخبره بذلك الحوت، وعنده الخضر في ذلك المكان الذي تنسرب فيه السمكة، فقال موسى: ﴿ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ﴾ أي: نطلب ونريد من العلامة، ولو أراد الخضر بقوله: ﴿مَا كُنَّا نَبْغِ﴾ لقال: ذلك من كنا نبغي. ولكن يوشع لم يخبره عن الخضر بشيء حتى يكون معنى قوله: ﴿ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ﴾ الخضر. ودل كلام أبي إسحاق، والفراء على هذا القول (٢).\nوقوله تعالى: ﴿فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا﴾ قال المفسرون: (رجعا وعادا عودهما على بدئهما في الطريق الذي جاءا منه) (٣). ﴿قَصَصًا﴾ أي: يقصان آثارهما قَصَصا. والقَصَص: إتباع الأثر (٤)، وقد مر ذكره. وانتصابه على المصدر (٥).\nودل قوله: ﴿فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا﴾ حتى انتهيا إلى الصخرة التي فعل عندها الحوت ما فعل، وأبصر موسى أثر الحوت فأخذا أثر الحوت يمشيان على الماء حتى انتهيا إلى جزيرة من جزائر البحر فوجدا الخضر (٦).\n_________\n(١) \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٣٥٦، \"الكشاف\" ٢/ ٣٩٦، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ١٥، \"البحر المحيط\" ٦/ ١٤٧.\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٠٠، \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٥٥.\n(٣) \"معالم التنزيل\" ٥/ ١٨٧، \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٣٥٦، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٠٣ - ١٠٤، \"الكشاف\" ٢/ ٣٩٦.\n(٤) \"العمدة في غريب القرآن\" ص ١٩١.\n(٥) \"البحر المحيط\" ٦/ ١٤٧، \"الدر المصون\" ٧/ ٥٢٥، \"مشكل إعراب القرآن\" ١/ ٤٤٥.\n(٦) \"جامع البيان\" ١٥/ ٢٧٩، \"الدر المنثور\" ٤/ ٤٢١.","vol":"14","page":80},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2301>٦٥ </span>- فذلك قوله تعالى: ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا﴾ أي: صادفا وأدركا الخفر. قال المفسرون: (اسمه بليا بن ملكان) (١).\nوقال مقاتل بن سليمان: (اسم المذكور في القرآن اليسع) (٢).\nقال مجاهد: (سمي الخضر؛ لأنه إذا صلى اخضر ما حوله) (٣).\nوقوله تعالى: ﴿آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا﴾ قال ابن عباس: (يريد نبوة) (٤).\n﴿وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾ قال: (أعطاه علمًا من علم الغيب) (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2302>٦٦ </span>- ﴿قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ وقرئت:\n_________\n(١) \"معالم التنزيل\" ٥/ ١٨٨، \"البحر المحيط\" ٦/ ١٤٧،\"روح المعاني\" ١٥/ ٣١٩.\n(٢) \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٢٥، \"البحر المحيط\" ٦/ ١٤٧، \"روح المعاني\" ١٥/ ٣١٩.\n(٣) \"معالم التنزيل\" ٥/ ١٨٨، \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٢٥، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ١٦، \"الدر المنثور\" ٤/ ٤٢٤ وقد صح عند البخاري ٦/ ٣٠٩، من حديث أبي هريرة -﵁- النبي -ﷺ- قال: إنما سمي الخضر؛ لأنه جلس على فروة بيضاء فإذا هي تهتز من خلفه خضراء.\nوانظر:\"صحيح مسلم بشرح النووي\" ١٥/ ١٣٦، \"مسند الإمام أحمد\" ٢/ ٣١٢.\n(٤) ذكرته كتب التفسير بدون نسبة. انظر: \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٢٥، \"الكشاف\" ٢/ ٣٩٦، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ١٦.\nوقال ابن عطية في \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٣٥٦. والخضر نبي عند الجمهور، والآية شهد بنبوته؛ لأن بواطن أفعاله هل كانت إلا بوحي الله.\nوقال القرطبي ١١/ ١٦: إن الإنسان لا يتعلم ولا يتبع إلا من فوقه، وليس يجوز أن يكون فوق النبي من ليس بنبي.\nوانظر: \"الزهر النضر في نبأ الخضر\" ص ١١٠،\"الخضر بين الواقع والتهويل\" ص ٦٢، \"الخضر نسبه ونبوته\" ص ١٧، \"الخضر وآثاره بين الحقيقة والخرافة\" ص ١٨.\n(٥) \"جامع البيان\" ١٥/ ٢٧٦، \"معالم التنزيل\" ٣/ ١٨٨، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ١٦.","vol":"14","page":81},{"text":"رَشَدا (١)، ومثله كثير في العربية نحو: البُخْل والبَخَل، والعُجْم والعَجَم، والعُرْب والعَرَب.\nقال أبو علي الفارسي: (فُعْل وفَعَل قد أجرى العرب كل واحد منهما مجرى الآخر (٢)، ألا ترى أنهم جمعوهما جمعًا واحدًا فقالوا: تاجٌ وتِيْجان، وقاعٌ وقِيْعان، وحُوت وحِيْتان، ونُوْنٌ ونيْنان، وكما جمعوا فعلًا على فعلٍ نحو: أَسَد وأُسْد، ووَثَن ووُثْن، جمعوا فُعْلا على فُعْلٍ أيضًا، كما جمعوا فَعَلًا وذلك قولهم: الفلك، قال الله تعالى: ﴿فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ [الشعراء: ١١٩] أراد الواحد. وقال: ﴿وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ﴾ [البقرة: ١٦٤]، أراد الجمع. وقيل: أرجح الوجهين قراءة من قرأ: رَشَدا، لاتفاقهم على الفتح في قوله: ﴿فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا﴾ [الجن: ١٤]. وقد اجتمعا في أن كل واحد منهما فاصلة. فأما وجه انتصابه فقوله: ﴿عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ﴾ حال من قوله: ﴿أَتَّبِعُكَ﴾، والراجع إلى الموصول في قوله: ﴿مِمَّا عُلِّمْتَ﴾ محذوف تقديره: مما علمته. و﴿رُشْدًا﴾ منصوب على أنه مفعول له، كأنه قيل: أتبعك للرشد. ويجوز أن يكون مفعولًا به تقديره: هل أتبعك على أن تعلمني رشدًا مما علمته (٣).\n_________\n(١) قرأ ابن كثير، ونافع، وعاصم، وحمزة، والكسائي: (رشدا) مضمومة الراء خفيفة الشين. وقرأ ابن عامر: (رُشُدا) مضمومة الراء والشين، وقرأ أبو عمرو البصري: (رَشَدا) مفتوحة الراء والشين.\nانظر: \"السبعة\" ص ٣٩٤، \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ١٥٤، \"التبصرة\" ص ٢٥٠، \"حجة القراءات\" ص ٤٢٢، \"النشر\" ٢/ ٣١١.\n(٢) في نسخة (ص): (الأثري)، وهو تصحيف.\n(٣) \"مشكل إعراب القرآن\" ١/ ٤٤٥، \"إملاء ما من به الرحمن\" ٤٠٢، \"الدر المصون\" ٧/ ٥٢٥.","vol":"14","page":82},{"text":"ومعنى: ﴿رُشدًا﴾ أمرا ذا رشد، وعلما ذا رشد) (١)، وذكرنا معنى الرشد عند قوله: ﴿وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الرُّشَدِ﴾ [الأعراف: ١٤٦] وفي موضع آخر.\nوهذه الآية بيان عما يوجبه العلم من تعظيم صاحبه، ألا ترى كيف دعت موسى مع جلالة شأنه وما أتاه الله من التوراة والعلم، في إتباع من يتعلم منه فيزداد إلى علمه.\nقال أبو إسحاق: (وفيما فعل موسى وهو من جلة الأنبياء ﵈ من طلب العلم والرحلة في ذلك، ما يدل على أنه لا ينبغي لأحد أن يترك طلب العلم، وإن كان قد بلغ نهايته، وأحاط بأكثر ما يدركه أهل زمانه، وأن يتواضع لمن هو أعلم منه) (٢).\nوقال قتادة: (لو كان أحد مكتفيًا من العلم لاكتفى موسى نبي (٣) الله حيث قال: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ﴾ الآية) (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2303>٦٧ </span>- وقوله تعالى: ﴿قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ هذا قول الخضر لموسى ﵉. قال ابن عباس: (يريد لن تصبر على صنيعي؛ لأني علمت علم غيب، علم ربي) (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-2304>٦٨ </span>- وقال أبو إسحاق: (ثم أعلمه العلة في ترك الصبر، فقال:\n_________\n(١) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ١٥٥.\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٠١.\n(٣) في (س): (نجبى)، وهو تصحيف.\n(٤) \"روح البيان\" ١٥/ ٢٧٤، \"مجمع البيان\" ٦/ ٤٤٦.\n(٥) ذكر نحوه \"جامع البيان\" ١٥/ ٢٨٠، \"ومعالم التنزيل\" ٣/ ١٧٣، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ١٦.","vol":"14","page":83},{"text":"﴿وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾ أي: كيف تصبر على ما ظاهره منكر، والأنبياء والصالحون لا يصبرون على ما يرونه منكرًا) (١).\nوقال الكلبي: (يقول لا ينبغي لرجل صالح أن يصحبني يرى مني ما ينكر لا يغيره) (٢). وقال ابن عباس: (يريد لم تحط بعلم الغيب) (٣).\nوقال الزجاج: (نصب ﴿خُبْرًا﴾ على المصدر؛ لأن معنى ﴿لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾ أي: لم يخبره خبرا) (٤). ومعنى لم يخبره خبرا: لم يعلمه. والخبر: علمك بالشيء، يقال: من أين خبرت هذا؟ أي: علمت. وليس هذا من الخبر بمعنى التجربة. وقد روي ذلك عن عطاء في هذه الآية قال: (يريد لم يخبر من علم الغيب شيئًا) (٥). وهو بعيد مع قوله: ﴿لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾ ولفظ الإحاطة يستعمل في معنى العلم لا في معنى التجربة، فقوله: ﴿لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾ كقولك: لم تحط به علمًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2305>٦٩ </span>- ﴿قَالَ﴾ موسى ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا﴾ قال الكلبي: (يقول لا أسألك عن شيء حتى تكون أنت تحدثني) (٦) ﴿وَلَا أَعْصِي لَكَ\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٠١.\n(٢) ذكر السمرقندي في \"بحر العلوم\" ٢/ ٣٠٦ بدون نسبة، وكذلك القرطبي ١١/ ١٦.\n(٣) \"الكشف والبيان\" ٣/ ٣٩١ أ. وذكر نحوه بدون نسبة:\"جامع البيان\" ١٥/ ٢٨٣، \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٢٦.\n(٤) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٠٢.\n(٥) ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة. انظر: \"جامع البيان\" ١٥/ ٢٨٣، \"الكشف والبيان\" ٣/ ٣٩١ أ، \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٢٦، وذكر السيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ٤٢٠ نحوه عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، وعزاه لعبد بن حميد، وابن مردويه.\n(٦) ذكره نحوه السمرقندي في \"بحر العلوم\" ٢/ ٣٠٦ بدون نسبة.","vol":"14","page":84},{"text":"أَمْرًا﴾ قال ابن عباس: (يريد ولا أخالفك في شيء) (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2306>٧٠ </span>- قال له الخضر: ﴿فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي﴾ قال ابن عباس: (وذلك أنه كان رجلًا يعمل على الغيب) (٢).\nوقوله تعالى: ﴿حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ قال: (يريد حتى أكون أنا الذي أفسره لك؛ لأنه قد غاب علمه عنك) (٣). هذا كلامه، وتفسير ﴿أُحْدِثَ لكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ أبتدئ بذكره لك وبيانه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2307>٧١ </span>- وقوله تعالى: ﴿فَاَنطَلَقَا﴾ روي عن أبي بن كعب مرفوعًا أنه قال: (فانطلقا يمشيان على ساحل البحر، فمرت بهم سفينة وكلموهم أن يحملوهما، فحملوهما بغير أجر، فلما ولجوا البحر أخذ الخضر فأسًا فخرق لوحًا من السفينة، فحشاها موسى بثوبه، وقال له: ﴿أَخَرَقنَهَا﴾ الآية) (٤). فذلك قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا رَكبَا في اَلسَّفِينَهِ﴾ أراد ركبا البحر في السفينة، فحذف المفعول للعلم به. والسفينة معروفة أصلها: من السَّفن وهو القشر، سميت لِسَفْنِهَا وجه الماء كأنها تَقْشرة، وهي فَعِيلَة بمعنى فَاعِلة. وروى ثعلب عن ابن الأعرابي قال: (قيل لها سَفِينَة؛ لأنها تَسْفِنُ الرَّمْل إذا قلَّ الماء. قال: ويكون مأخوذًا من السَّفن، وهو الفأس التي ينجر\n_________\n(١) ذكرته كتب التفسير بدون نسبة. انظر: \"معالم التنزيل\" ٥/ ١٨٩، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٠٤، \"لباب التأويل\" ٤/ ٢٢٣.\n(٢) ذكر نحوه \"جامع البيان\" ١٥/ ٢٨٣، و\"معالم التنزيل\" ٥/ ١٨٩، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ١٦.\n(٣) \"الكشف والبيان\" ٣/ ٣٩١ أ، \"الدر المنثور\" ٤/ ٤٢٠ وعزاه لابن عساكر.\n(٤) سبق تخريج الحديث في أول القصة.","vol":"14","page":85},{"text":"به النجار) (١). ومنه قوله (٢):\nكما تخوَّف عود النبعة السَّفن\nفهي على هذا فعيلة بمعنى مَفْعولة؛ لأنه نُحِتَت من الخشب بالسَّفَن فهي مَسْفونة، أي: منجورة منحوتة (٣).\nوقوله تعالى: ﴿خَرَقَهَا﴾ أي: شقها. جاء في التفسير: (أنه قلع لوحين مما يلي الماء) (٤)، فقال موسى منكرًا عليه: ﴿أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا﴾ قال مجاهد: (منكرا) (٥). وهو قول قتادة، والمفسرين (٦).\n_________\n(١) \"تهذيب اللغة\" (سفن) ٢/ ١٧٠٨.\n(٢) هذا عجز بيت اختلف في نسبته. وصدره:\nتخوَّف الرَّحل منها تامكًا صلبًا\nتخوف: التخوف التنقص شيئًا فشيئًا. والتامك: السنام المرتفع.\nوالنبعة: واحدة النبع وهو شجر تتخذ منه القسي. والسَّفن: مبرد الحديد الذي ينحت به الخشب.\nانظر: \"الجامع البيان\" ١٤/ ١١٣، \"الكشاف\" ٢/ ٤١١، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٠/ ١١٠، \"تهذيب اللغة\" (سفن) ٢/ ١٧٠٨، \"لسان العرب\" (سفن) ٤/ ٢٠٣٢، \"الصحاح\" (سفن) ٥/ ٢١٣٦.\n(٣) انظر المواضع السابقة من: \"تهذيب اللغة\"، \"الصحاح\"، \"لسان العرب\".\n(٤) \"معالم التنزيل\" ٣/ ١٧٣، \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٣٦٠، \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٢٧، \"الكشاف\" ٢/ ٣٩٧.\n(٥) \"جامع البيان\" ١٥/ ٢٨٤، \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٣٦١، \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٢٧، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ١٩.\n(٦) \"جامع البيان\" ١٥/ ٢٨٤، \"فتح القدير\" ٣/ ٤٣١.","vol":"14","page":86},{"text":"وقال أبو عبيدة: (داهية نكرا) (١)، وأنشد (٢):\nقد لقي الأقران منِّي نكرا ... داهيةً دهياء إدًّا إمرا\nوقال الكسائي: (شديدًا عظيمًا) (٣). من أَمِر الأمر إذا كبر أمرا بفتح الميم، والإمر الاسم (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2308>٧٢، ٧٣ </span>- فقال له الخضر محققًا ما كان قال له أولًا: ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٧٢) قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ﴾ روى ابن عباس، وأبي بن كعب عن النبي -ﷺ- قال: \"كانت الأوُلى من أمر موسى في النسيان، والثانية العذر، ولو صبر موسى لقص الله علينا أكثر مما قص\" (٥). فعلى هذا معنى قوله: ﴿نَسِيتُ﴾ غفلت عن التسليم لك، وترك الإنكار عليك ونسيت ذلك.\nوروي عن ابن عباس نفسه أنه قال: (بما تركت من عهدك) (٦). وهو قول الكلبي يقول: (ما تركت من وصيتك) (٧). وعلى هذا القول النسيان\n_________\n(١) \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ٢/ ٤٠٩.\n(٢) لم أهتد إلى قائله، وذكرته كتب التفسير واللغة بدون نسبة. انظر: \"الطبري\" ١٥/ ٢٨٤، \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٢٧، \"القرطبي\" ١١/ ١٩، \"مجاز القرآن\" ١/ ٤٠٩، \"الدر المصون\" ٧/ ٥٢٨، \"شواهد الكشاف\" ص ١٣٠، \"اللسان\" (أمر) ١/ ١٢٩.\n(٣) \"روح المعاني\" ١٥/ ٣٣٧.\n(٤) \"جامع البيان\" ١٥/ ٢٨٥، \"القرطبي\" ١١/ ١٩، \"فتح القدير\" ٣/ ٤٣٢، \"لسان العرب\" (أمر) ١/ ١٢٩.\n(٥) \"جامع البيان\" ١٥/ ١٨٤، \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٢٧، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٠٥. وسبق تخريج الحديث في أول القصة.\n(٦) \"جامع البيان\" ١٥/ ٢٨٥، \"معالم التنزيل\" ٥/ ١٩٠، \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٢٧، \"الكشف والبيان\" ٣/ ٣٩١ أ.\n(٧) \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٢٨، وذكره \"بحر العلوم\" ٢/ ٣٠٧ بدون نسبة، وكذلك \"جامع البيان\" ١٥/ ٢٨٥، و\"الكشاف\" ٢/ ٤٩٣.","vol":"14","page":87},{"text":"بمعنى: الترك، لا بمعني الغفلة. وروي عن أبي بن كعب نفسه أنه قال: (لم ينسها ولكنها من معاريض الكلام) (١). وهذا القول مروي عن أبي عمرو بن العلاء قال: (ما كان نسي (٢)، ولكن هذا من معاريض الكلام) (٣). ومعني هذا: أنه اعتذر بالنسيان كالعادة في الكلام، وأن لفظ النسيان كثيرًا ما يذكر معترضًا به من غير حقيقة. وقال بعضهم: (أراد أنه لم يقل له: نسيت فيكون كاذبًا، ولكنه قال: ﴿لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ﴾ فأوهمه النسيان تعريضًا) (٤). وقد حصل في قوله: ﴿بِمَا نَسِيتُ﴾ ثلاثة أوجه (٥).\nقوله تعالى: ﴿وَلَا تُرْهِقْنِي﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء: (تلحقني) (٦). روى سلمة عن الفراء: (رهِقَني الرجل، يَرْهَقني، رهقًا، أي:\n_________\n(١) \"جامع البيان\" ١٥/ ٢٨٥، \"الكشف والبيان\" ٣/ ٣٩١ أ، \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٣٦٢، \"البحر المحيط\" ٦/ ١٥٠، \"روح المعاني\" ١٥/ ٣٣٨.\n(٢) في (ص): (مني)، وهو تصحيف.\n(٣) لم أقف عليه عن أبي عمرو. وذكره \"جامع البيان\" ١٥/ ٢٨٥ ونسبه لأبي بن كعب، وكذلك \"الكشف والبيان\" ٣/ ٣٩١، و\"المحرر الوجيز\" ٩/ ٣٦٢، و\"زاد المسير\" ٥/ ١٧١، و\"الدر المنثور\" ٤/ ٤٢٨.\nوذكره \"بحر العلوم\" ٢/ ٣٠٧، ونسبه لابن عباس، وكذلك \"معالم التنزيل\" ٥/ ١٩٠، و\"النكت والعيون\" ٣/ ٣٢٧، و\"زاد المسير\" ٥/ ١٧١، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٢٠.\n(٤) \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٢٦٢، \"بحر العلوم\" ٢/ ٣٠٧.\n(٥) والقول الأول -والله أعلم- هو الراجح وهو قول جمهور العلماء. قال ابن جرير الطبري ١٥/ ١٨٤: والصواب من القول في ذلك أن يقول أن موسى سأل صاحبه أن لا يؤاخذه بما نسي فيه عهده من سؤاله إياه على وجه ما فعل وسببه لا بما سأله عنه وهو لعهده ذاكرًا للصحيح عن رسول الله -ﷺ- بأن ذلك معناه من الخبر.\nوانظر: \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٣٦٢، \"البحر المحيط\" ٦/ ١٥٠.\n(٦) ذكره الماوردي في \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٢٨ بدون نسبة.","vol":"14","page":88},{"text":"لَحِقَني وغَشِيَني، وأَرْهَقته إذا أَرْهَقَته غيرك) (١).\nوقال أبو إسحاق: (معنى ﴿تُرْهقِنى﴾ تغشيني) (٢). ونحو ذلك قال ابن قتيبة (٣)، وهو قول العامة. ويغشني ويلحقني بمعنى واحد، ومن لحق شيئًا فقد غشيه.\nوقال الكلبي في قوله: (﴿وَلَا تُرْهِقْنى﴾ لا تكلفني) (٤) قال أبو زيد: (أرهقتُه عُسْرًا إذا كلَّفته ذاك) (٥). وهذا قريب من الأول، والكلام في هذا الحرف قد سبق عند قوله: ﴿وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ﴾ [يونس: ٢٦].\nومعنى الآية؛ عاملني باليسر لا بالعسر، ولا تضيق عليَّ الأمر في صحبتي إياك (٦).\nوقال الفراء في قوله: ﴿وَلَا تُرْهِقْنىِ﴾: (لا تعجلني) (٧).\nقال ابن شميل: (أرهَقَني القوم أن أصلِّي، أي: أعْجَلُوني) (٨).\nوقال ابن الأعرابي: (إنه لرَهِقٌ أي: سريع إلى الشر سريع الحِدَّة) (٩).\nوقال الكسائي: (فيه رَهَق، أي: خفِّة وحدِّة) (١٠). والأحسن في تفسير\n_________\n(١) \"تهذيب اللغة\" (رهق) ٢/ ١٤٧٩.\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٠٢.\n(٣) \"غريب القرآن\" لابن قتيبة ١/ ٢٦٩.\n(٤) \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٢٨، وذكره السمرقندي في \"بحر العلوم\" ٢/ ٣٠٧ بدون نسبة.\n(٥) \"تهذيب اللغة\" (رهق) ٢/ ١٤٨٩.\n(٦) \"جامع البيان\" ١٥/ ١٨٥، \"معالم التنزيل\" ٥/ ١٩٠، \"البحر المحيط\" ٦/ ١٥٠.\n(٧) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٥٥.\n(٨) \"تهذيب اللغة\" (رهق) ٢/ ١٤٨٩، \"تاج العروس\" (رهق) ١٣/ ١٨٣.\n(٩) \"تهذيب اللغة\" (رهق) ٢/ ١٤٨٩، \"لسان العرب\" (رهق) ٣/ ١٧٥٦.\n(١٠) \"لسان العرب\" (رهق) ٣/ ١٧٥٦.","vol":"14","page":89},{"text":"﴿ترهقني﴾ مع قوله: ﴿مِنْ أَمْرِي عُسْرًا﴾ قول ابن عباس، والكلبي. وقول الفراء بعيد في تفسير الآية، لا يحسن أن نقول: لا تعجلني من أمري عسرا، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2309>٧٤ </span>- وقوله تعالى: ﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ﴾ في حديث أبي بن كعب: (أنهما خرجا مع الصبيان فقال به هكذا، كأنه اجتذب رأسه فقلعه. وأشار عبد الرزاق (١) حين روى هذا الحديث بأصابعه الثلاثة: السبابة، والوسطى، والإبهام وفتحها) (٢).\nوروى سعيد بن جبير عن ابن عباس: (أن ذلك الغلام كان من أحسن أولئك الغلمان وأصبحهم) (٣).\nوقال أبو العالية: (كان الخضر عبدًا لا تراه الأعين، ورآه موسى، ولو رآه الناس يقتله ما تركوه) (٤).\n_________\n(١) عبد الرزاق بن همام بن نافع الحافظ أبو بكر الحميري بالولاء، من علماء اليمن، حدث عن جماعة منهم: الأوزاعي، والثوري، ومالك بن أنس، وحدث عنه: الإمام أحمد وغيره. توفي -﵀- سنة ٢١١ هـ.\nانظر: \"طبقات ابن سعد\" ٥/ ٥٤٨، \"ميزان الاعتدال\" ٢/ ٦٠٩، \"سير أعلام النبلاء\" ٩/ ٥٦٣.\n(٢) \"تفسير القرآن\" للصنعاني ١/ ٣٤٠، \"معالم التنزيل\" ٥/ ١٩٠، \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٣٦٤.\nوسبق تخريج الحديث في أول القصة.\n(٣) \"جامع البيان\" ١٥/ ٢٨٦. وذكر نحوه الثعلبي في \"الكشف والبيان\" ٣/ ٣٩١ أ، وكذلك السمرقندي في \"بحر العلوم\" ٢/ ٣٠٨.\n(٤) \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٢٠، \"فتح القدير\" ٣/ ٤٣٦ وقال ﵀: وأقول ينبغي أن ينظر من أين له هذا؟ فإن لم يكن مستندًا إلاَّ قوله: ولو رآه القوم .. الخ، فليس ذلك بموجب لما ذكره، أما أولًا: فإن من الجائز أن يفعل ذلك من غير أن =","vol":"14","page":90},{"text":"قال موسى حين رأى ذلك: ﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً﴾ قال ابن عباس ومجاهد: (لم يبلغ الحلم) (١). ومعنى الزاكية: الطاهرة من الذنوب، وذلك؛ لأنه كان صغيرًا لم يبلغ حد التكليف. وقرئ: زاكيه (٢). وهي البرئية من الذنوب. كذا قال الأعمش وغيره، وهو قول أبي إسحاق (٣). وقال الفراء: (الزَاكِية والزَكِية مثل: القَاسِية والقَسِية) (٤).\nقال الليث: (الزكاة: الصلاح) (٥). ورجل زاكٍ وزَكِي أي: تَقِي، ومنه قوله تعالى: ﴿خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً﴾ [الكهف: ٨١] أي: صلاحًا.\nقال الكسائي: (والفعل منه زَكَوْتُ، يزْكُو، زُكُوًا، وزكاءً ممدود) (٦). هذا الذي ذكرنا أنه كان صبيًا لم يبلغ الحنث، قول أكثر المفسرين (٧).\n_________\n= يراه أهل السفينة وأهل الغلام، لا لكونه لا تراه الأعين بل لكونه فعل ذلك من غير إطلاعهم. وأما ثانيًا: فيمكن أن أهل السفينة وأهل الغلام قد عرفوه وعرفوا أنه لا يفعل ذلك إلا بأمر من الله كما يفعل الأنبياء، فسلموا لأمر الله.\nوانظر: \"أضواء البيان\" للشنقيطي ٤/ ١٧٣.\n(١) \"معالم التنزيل\" ٥/ ١٩١، \"الكشف والبيان\" ٣/ ٣٩١ ب، و\"زاد المسير\" ٥/ ١٧٢.\n(٢) قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمر: (زاكية) بالألف.\nوقرأ عاصم، وابن عامر، وحمزة، والكسائي: (زكية) بغير ألف مع التشديد.\nانظر: \"السبعة\" ص ٣٩٥، \"المبسوط في القراءات\" ص ٢٣٧، \"التبصرة\" ص ٢٥٠، \"حجة القراءات\" ص ٤٢٤، \"النشر\" ٢/ ٣١٣.\n(٣) \"معاني القرآن\" ٣/ ٣٠٣، \"الكشف والبيان\" ٣/ ٣٩١ ب.\n(٤) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٥٥.\n(٥) \"تهذيب اللغة\" (زكا) ٢/ ١٥٤٢.\n(٦) \"الكشف والبيان\" ٣/ ٣٩١/ ب، وذكر نحوه بدون نسبة \"تهذيب اللغة\" (زكا).\n(٧) \"معالم التنزيل\" ٥/ ١٩١، \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٣٦٤، \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٢٨، \"زاد المسير\" ٥/ ١٧٢.","vol":"14","page":91},{"text":"وقال الضحاك: (كان غلامًا يعمل بالفساد ويتأذى منه أبواه) (١).\nوقال الكلبي: (كان يقطع الطريق) (٢). وعلى هذا معنى قوله: \"زاكية\" ما قال قتادة: (الزاكية التائبة) (٣). يعني النامية، وكل شيء يزداد ويسمن فهو يزكو، زكاء والمعنى: أنه كان غلامًا مقتبل الشباب (٤). أو تقول معنى زاكية على تفسير الضحاك والكلبي: (أنها كانت زاكية في رأي العين؛ لأنه لم يجن جناية توجب قتله بحضرة موسى) (٥).\nوقوله تعالى: ﴿بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ قال ابن عباس: (يريد من غير قود) (٦). والمعنى: بغير قتل نفس: ﴿لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئا نُكْرًا﴾ أي: فظيعًا منكرًا لا يعرف. قال قتادة: (والنكر أشد من الإمر) (٧). وهو اختيار ابن كيسان (٨). والمعنى على هذا: لقد جئت شيئًا أنكر من الأول.\nوقال أبو إسحاق: (و﴿نُّكْرًا﴾ أقل من قوله: ﴿إِمْرًا﴾؛ لأن تغريق من في السفينة كان عنده أنكر من قتل نفس واحدة) (٩). وانتصاب قوله: ﴿شَيْئًا\n_________\n(١) \"معالم التنزيل\" ٥/ ١٩١، \"الكشف والبيان\" ٣/ ٣٩١.\n(٢) \"معالم التنزيل\" ٥/ ١٩١، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٢٢، \"الكشف والبيان\" ٣/ ٣٩١ ب.\n(٣) \"جامع البيان\" ١٥/ ٢٨٦، \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٢٩.\n(٤) \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٢٩، \"زاد المسير\" ٥/ ١٧٣.\n(٥) \"جامع البيان\" ١٥/ ٢٨٦، \"الكشف والبيان\" ٣/ ٣٩١ ب.\n(٦) \"جامع البيان\" ١٥/ ٢٨٦ بغير نسبة.\n(٧) \"جامع البيان\" ١٥/ ٢٨٧، \"معالم التنزيل\" ٥/ ١٩١، \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٣٠، \"الدر المنثور\" ٤/ ٤٢٨.\n(٨) \"الكشف والبيان\" ٣/ ٣٩١ ب.\n(٩) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٠٣.","vol":"14","page":92},{"text":"نُّكْرًا﴾ على المفعول به؛ لأن المعنى: أتيت شيئًا نكرا. قال الزجاج: (ويجوز أن يكون معناه جئت بشيء نكر، فلما حذف الباء أمضى الفعل فنصب) (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2310>٧٦ </span>- قوله تعالى: ﴿قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا﴾ قال أهل المعاني: أراد إن سألتك سؤال توبيخ وإنكار، كما قال في السفينة: ﴿أَخَرَقْتَهَا﴾ وفي الغلام: ﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا﴾ وذاك أن السؤال على وجوه: منه ما هو: طلب الأخبار عن المعنى للفائدة، ومنه ما هو: للتقرير، ومنه ما هو: للتوبيخ. والكناية في قوله: ﴿بَعْدِهَا﴾ تعود إلى النفس المقتولة.\nوقوله تعالى: ﴿قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّدُنِى عُذرًا﴾ قال ابن عباس: (يريد أنك قد أعذرت فيما بيني وبينك، وقد أخبرتني أني لا أستطيع معك صبرا) (٢). وقال أهل المعاني: (هذا إقرار من موسى بأن الخضر قد قدم إليه ما يوجب العذر عنده، فلا يلزمه ما أنكر) (٣).\nوروي: أن النبي -ﷺ- تلا هذه الآية فقال: \"استحيا نبي الله موسى عندها، ولو صبر لرأى ألفا من العجائب\" (٤).\n_________\n(١)؛ \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٠٣.\n(٢) \"زاد المسير\" ٥/ ١٧٥.\n(٣) ذكره نحوه \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٣٦٧، \"إعراب القرآن\" للنحاس ٢/ ٢٨٦.\n(٤) أخرجه البخاري في التفسير، سورة الكهف ٨/ ٤٠٩، ومسلم في الفضائل، باب فضائل الخضر ٤/ ١٨٥١، وأخرجه ابن جرير في \"تفسيره\" ١٥/ ١٨٦، والترمذي في الدعوات، باب ما جاء أن الداعي يبدأ بنفسه ٥/ ٤٦٣، وأبو داود في \"سننه\" كتاب الحروف والقراءات ٤/ ٢٨٦، وابن أبي شيبة في \"المصنف\" ١٠/ ٢١٩، والحاكم في \"المستدرك\" ٢/ ٥٧٤، وأورده السيوطي في \"الدر\" ٤/ ٤٢٨.","vol":"14","page":93},{"text":"واختلف القراء في قوله: (مِن لَّدُنِّي) فقراءة العامة: بتشديد النون، وقرأ أهل المدينة: بتخفيفها (١).\nقال أبو إسحاق: (الأجود تشديد النون؛ لأن أصل نون لَدُنْ الإسكان، فإذا أضفتها إلى نفسك زدت نونًا ليِعْلَمَ سكون النون الأولى، تقول: من لدنْ زيدٍ، فتسكن النون ثم تضيف إلى نفسك فتقول: من لَدُنِي، كما تقول: عن زيدٍ، ثم تقول: عَنِي) (٢).\nوقال أبو علي: (من قال من لَدُنِّي زاد النون التي تزاد مع علامة المضمر المجرور والمنصوب، في نحو مِنِّي، وعَنِّي، وقَطْنِي، وضَرَبَني، فأدغم الأولى الساكنة في التي تزاد مع الضمير، فصار من لدنِّي، وهذا هو القياس والذي عليه الاستعمال. ومن خفف فإنه لم يلحق النون التي تلحق علامة الضمير في نحو: ضَرَبني، وقدني كما قال (٣):\n_________\n(١) قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، وحمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم: (من لدنِّي) بتشديد النون.\nوقرأ نافع: (من لَدُنِي) بضم الدال مع تخفيف النون.\nوقرأ عاصم في رواية أبي بكر: (من لدني) بشم الدال شيئًا من الضم، مع تخفيف النون.\nانظر: \"السبعة\" ص ٣٩٧، \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ١٦٠، \"التبصرة\" ص ٢٥٠، \"حجة القراءات\" ص ٤٢٤، \"النشر\" ٢/ ٣١٣.\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٠٣.\n(٣) هذا صدر بيت لحميد بن مالك الأرقط. وعجزه:\nليس الإمام بالشحيح الملحد\nقَدْني: حسبي. الخبيبان: عبد الله بن الزبير وابنه، وقيل: هما عبد الله وأخوه مصعب. انظر: \"الكتاب\" ٢/ ٣٧١، \"الخزانة\" ٥/ ٣٨٢، \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ١٦١، \"المحتسب\" ٢/ ٢٢٣، \"الكامل\" ص ٨٤، \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٠٤، \"مغني اللبيب\" ١/ ١٧٠، \"الإنصاف\" ص ١٠٨، \"لسان العرب\" (خب) ٢/ ١٠٨٧.","vol":"14","page":94},{"text":"قَدْنِي من نصر الخُبَيْبَيْن قدي\nلم يلحق النون، كذلك قرأ نافع: لدني. ولا تكون النون المحذوفة نون لدن لثبوته في قولك: لدنه، ولدنك، ولدنَّا) (١).\nوقال أبو إسحاق: (ومن قال: لدني، لم يجز له أن يقول: عَنِي، ومِنِي؛ لأن لَدُن اسم غير متمكن، ومن، وعن حرفان جاءا لمعنى، ولدن مع ذلك أثقل من: مِنْ، وعَنْ، والدليل على أن الأسماء يجوز فيها حذف النون قولهم: قدنى، في معنى: حسبي) (٢)، هذا كلامه. وذكر الفرق بين لدني مخفف، ومتى خفف لا يجوز من وجهين أحدهما: أن لَدُنْ اسم والاسم يجوز الحذف فيه كقولهم: قَدِي. والآخر: أن لدن أثقل من (من).\nوقال أبو علي فيما استدرك عليه: (النون مع الياء التي للمتكلم إنما اجتلبت ليسلم سكون الحرف، كما اجتلبت في (قد)، كذلك ثم استجيز الحذف في لدن، كما استجيز في (قد): (قدي)، فيجب أن ينظر في أي: موضع يجوز الحذف في (قدي)، فيجوز في لدن على ذلك الحد. فوجدنا الحذف في (قد) إنما وقع في الضرورة في الشعر دون الكلام، ولم يجيء الحذف في غير الشعر فإذا كان كذلك فلا يستحسن على هذا الحذف في القراءة من لدني؛ لأنه ليس بموضع ضرورة، ولم يفصل أبو إسحاق ما يجوز في الشعر، مما يجوز في الكلام والقرآن، حتى صار الجائز في الضرورة يتوهم من كلامه جوازه في الكلام. فإن قيل: إن الحذف للنون في (لدني) أدنى مزية في الحسن على (قدي)، لاجتماع المثلين فيه وهم\n_________\n(١) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ١٦١، \"الإغفال فيما أغفله الزجاج من المعاني\" ٩٦٨.\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٠٣.","vol":"14","page":95},{"text":"يكرهون اجتماعهما، فيكون الحذف فيه أمثل منه في (قدي)، فيجوز في الكلام. قلنا: ليس بأمثل؛ لأن المثلين ليسا بلازمين، فلا يستحسن فيهما ما يستحسن في اللازمين من الحذف للتخفيف، على أنه قد يجرى غير اللازم مجرى اللازم في الإدغام نحو: علماء بنو فلان، وكثير من الأحكام. وإجازة (لدني) في الكلام قياسًا على هذا وجيه، والأول أعجب إلينا. وأما فصله بين (لدني)، و(مني)، بأن أحدهما اسم والآخر حرف، فغير صحيح؛ لأنه لو امتنع الحذف في [منِّي وعنِّي؛ لأنهما حرفا معنى لامتنع في إنِّي وأَنني، ولَعَلِي ولَعَلَنِي، وكأني وكأنَنِي، وليتني وليتي فلما لم يمتنع الحذف في] (١) النون من هذه الكلم وهي حروف، دل أن الحذف في النون من منِّي لم يمتنع من حيث كان حرفا، ولذلك لم يجر الحذف في لدني من حيث كان اسمًا، وليس في كون الكلمة اسمًا ما يوجب الحذف منه أو يجوزه فيه، بل ظاهر الأمر يوجب أن تبقية الزيادة في الاسم أولى، إذ الاسم للزيادة أحمل، وإنما امتنع الحذف في مني وعني؛ لأن هذه النون [اجتلبت ليسلم به سكون الحرف كما] (٢) اجتلبت لتسلم به الحركة في ضرني ويضربني، فحذفه هو خلاف ما قصدوا له وإبطاله، والحذف في قدي إنما جاز في الشعر للضرورة، والشاعر إذا اضطر حذف ورد الكلمة إلى الأصل، ولو اضطر فحذف في مني وعني لجاز ذلك أيضًا وكان أمثل من قدي؛ لأنه مثلان في قد، وما لم تجتمع المتماثلة أو المتقاربة لم يحسن الحذف في الكلام، وإنما يجيء في الضرورة، ألا ترى أن ليت لما لم يجتمع\n_________\n(١) ما بين المعقوفين ساقط من الأصل ومثبت في بقية النسخ.\n(٢) ما بين المعقوفين مكرر في الأصل.","vol":"14","page":96},{"text":"المماثلة فيه لم يحذف في الكلام، وإنما جاء الحذف في بيت الكتاب. وأما قوله: (ولدن أثقل من مني، فلذلك حذف) فليس بشيء أيضًا، ألا ترى أنه قد حذف من قد وهو مثل: من في أنه على حرفين، فليس الحذف في هذه الحروف معتبرًا به لثقلها ولخفتها، وإنما الإثبات في هذه الحروف لما ذكرت من أنه ليسلم السكون أو الحركة، والحذف للضرورة إلا عند اجتماع الأمثال نحو: كأن، وأن، أو المتقاربة: كلعل، فإن هذا يجوز في الكلام، والأحسن فى لدن ألا يحذف في الكلام ويلحق بباب قد) (١).\nوروى أبو عبيدة عن الكسائي عن أبي بكر عن عاصم: (من لدن بضم اللام وتسكين الدال) (٢). قال ابن مجاهد: (وهو غلط) (٣).\nقال أبو علي: (يشبه أن يكون التغليط منه في وجه الرواية، فأما من جهة اللغة ومقاييسها فهو صحيح، ألا ترى أن عَضُد إذا خفف فتخفيفه على ضربين أحدهما: أن تحذف الضمة وتبقى فتحة الفاء على حالها، فيقال: عَضْدٌ. والآخر: أن تلقى الحركة التي هي الضمة على الفاء، وتحذف الفتحة فيقال: عُضْدٌ (٤). وكذلك (٥): أرني، ولدني، إلا أن التخفيف في لدني مستقبح من حيث أنه امتناع بعد الحذف والنون، وإن كسرت من أجل مجاورة الياء في نية سكون، فكما أنه إذا سكنت النون لم يجز الإسكان في\n_________\n(١) \"الإغفال فيما أغفله الزجاج من المعاني\" ص ٩٧٢ - ٩٩٠.\n(٢) \"السبعة\" ص ٣٩٧، \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ١٦٢، \"المبسوط في القراءات\" ٢٣٧.\n(٣) \"السبعة\" ص ٣٩٧.\n(٤) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ١٦٢.\n(٥) في (ص): (ولذلك).","vol":"14","page":97},{"text":"الدال، كذلك إذا حركت وكانت في نية سكون، ألا تراهم قالوا: لم يردد الرجل، فلم يدغموا لما كان الآخر في نية سكون، كما لم يدغموا إذا كان على لفظ السكون، ووجه الجواز فيه ما مر من: أنه قد يجري المنفصل مجرى المتصل في نحو: وَهُوَ، ولَهُو، هذا الذي ذكرنا الكلام في وجوه القراءة (١). فأما حكم هذه الكلمة: فاعلم أن لدن اسم غير متمكن، حذفت اللام منها في حال الإضافة إلى المظهر في نحو قولهم: مِنْ لدُ الحائط. وقول الشاعر (٢):\nمن لد شولا فإلى إتلائها\nو(٣):\nمن لد لحييه إلى منحوره\nوكان القياس ألا يحذف منه شيء لمشابهة الاسم للحرف في البناء،\n_________\n(١) \"السبعة\" ص ٣٩٧، \"الحجة للقراءة السبعة\" ٥/ ١٦١، \"المبسوط\" ٢٣٧، \"الكشف عن وجوه القراءات\" ٢/ ٦٩، \"النشر\" ٢/ ٣١٣.\n(٢) هذا من مشطور الرجز لم أهتد إلى قائله، وذكرته كتب اللغة بلا نسبة.\nالشَّوْل: النوق التي جف لبنها وارتفع ضرعها، وأتى عليها من نتاجها سبعة أشهر أو ثمانية، وقيل غير ذلك الإتلاء: مصدر أتلت الناقة إذا تلاها ولدها أي تبعها. انظر: \"الكتاب\" ١/ ١٣٤، \"خزانة الأدب\" ٢/ ٨٤، \"شرح أبيات مغني اللبيب\" ٦/ ٢٨٧،\"سر صناعة الإعراب\" ٢/ ٥٤٦، \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ١٢٥، \"أوضح المسالك\" ص ٤٩، \"المقاصد النحوية\" ٢/ ٥١، \"لسان العرب\" (لدن) ٧/ ٤٠٢٢.\n(٣) هذا عجز بيت لغيلان بن حريث يصف فيه فرسًا أو بعيرًا بطول العنق. وصدره:\nيستوعب البوعين من جريره\nواللحي: العظم الأسفل من الشدق. والمنحور والنحر: الصدر. انظر: \"الكتاب\" ٤/ ٢٣٤، \"المخصص\" ١٤/ ٦٠، \"شرح شواهد الشافية\" ص ١٦١، \"الإغفال فيما أغفله الزجاج من المعاني\" ص ٩٦٩، \"اللسان\" (لدن) ٧/ ٤٠٢٢.","vol":"14","page":98},{"text":"والحرووف لا تحذف إذا لم تكن مضاعفة، وليس هنا تضعيف، إلا أنه لما كان اسمًا وإن كان مشابهًا لحروف اللين استجيز الحذف فيه في حال الإضافة إلى المظهر، فألزم الرد في حال الإضافة إلى المضمر، ليكون ذلك دلالة علي أن الحذف لم يكن بقياس فيه، فكأنه جرى مجرى الأشياء التي تحذف في اللفظ للتخفيف، والمراد إثباتها، فإذا اتصل بالمضمر رد إلى أصله كقولهم: أعْطَيْتُكُمُوه ونحوه، كذلك قيل في هذا: من لدنه ولدنا). هذا كلام أبي علي (١).\nوقال ابن كيسان: (لَدُن حرف يَخْفِض، وربما نُصِب بها، وقال: وحكى البصريون: أنها تنصب غدوة خاصة من بين الكلام) (٢). وأنشدوا (٣):\nمازال مهري مزجر الكلب منهم ... لدن غدوةً حتى دنت لغروب\nوأجاز الفراء في: غُدْوَة: الرفع، والنصب، والخفض (٤). قال ابن كيسان: (من خفض بها أجراها مجرى: مِنْ، وعَنْ، ومن رفع أجراها مجرة مذْ، ومن نصب جعلها وقتا، وجعل ما بعدها ترجمة عنها) (٥). وإن\n_________\n(١) \"الإغفال فيما أغفله الزجاج من المعاني\" ص ٩٦٩ - ٩٧١.\n(٢) \"تاج العروس\" (لدن) ١٨/ ٥٠٦، \"لسان العرب\" (لدن) ٧/ ٤٠٢٢.\n(٣) البيت لأبي سفيان بن حرب.\nانظر: \"الحيوان\" ١/ ٣١٨، \"الدرر\" ٣/ ١٣٨، \"جواهر الأدب\" ص ١٢٨، \"الروض الآنف\" ٣/ ١٦٤، \"المقاصد النحوية\" ٣/ ٤٢٩، \"تاج العروس\" (لدن) ١٨/ ٥٠٦، \"لسان العرب\" (لدن) ٧/ ٤٠٢٢.\n(٤) \"سر صناعة الإعراب\" ٢/ ٥٤٣، \"لسان العرب\" (لدن) ٧/ ٤٠٢٢.\n(٥) \"تاج العروس\" (لدن) ١٨/ ٥٠٦، \"لسان العرب\" (لدن) ٧/ ٤٠٢٢.","vol":"14","page":99},{"text":"شئت أضمرت كان، كما قال (١):\nمن لد شولا فإلى إتلائها\nأراد: من لد كانت شولا. وحكى أبو عمرو عن أحمد بن يحيى، والمبرد أنهما قالا: (العرب تقول لَدُن غُدْوَةٌ، وغُدْوَةً، وغُدوةٍ، فمن رفع أراد: لدن كانت غدوةٌ، ومن نصب أراد: لَدُنْ كان الوقت غدوةً، ومن خفض أراد: من عند غدوةٍ) (٢).\nوقال أبو الفتح الموصلي: (إنهم شبهوا النون في لدن بالتنوين في ضارب فنصبوا غدوة، نحو: هذا ضارب زيدًا، ووجهه الشبه بينهما اختلاف حركة الدال قبل النون، وذلك لأنه يقال: لدن، ولدن بفتح الدال وضمها، فلما اختلفت الحركات قبل النون شابهت النون التنوين، وشابهت الحركتان قبلها باختلافهما حركات الإعراب في نحو: ضَارِبٌ، وضاربًا، فلما أشبهت النون التنوين من حيث ذكرنا انتصب غدوةً تشبيهًا بالمفعول، وكذلك شبه بعضهم غدوةً بالفاعل، فرفعها فقال: لدن غدوةٌ، كما تقول: أقائم زيد؟ ومنهم من يلزم القياس فيها، فيجر بها فيقول: لدن غدوةٍ) (٣).\nقال سيبويه: (ولا تنصب مع لدن غير غُدوة، فلا تقول: لدن بكرةً؛ لأنها لم تكثر في كلامهم كثرة غدوة) (٤).\nقال أبو الفتح: (ويزيد عندك في شبه نون لدن بتنوين اسم الفاعل، أن\n_________\n(١) سبق عزو البيت وتوثيقه.\n(٢) \"تهذيب اللغة\" (لدن) ٤/ ٣٢٥٦، \"تاج العروس\" (لدن) ١٨/ ٥٠٦،\"لسان العرب\" (لدن) ٧/ ٤٠٢٢.\n(٣) \"سر صناعة الإعراب\" ٢/ ٥٤٢.\n(٤) \"الكتاب\" لسيبويه ١/ ٢١٠، ٣/ ١١٩.","vol":"14","page":100},{"text":"العرب قد حذفتها في بعض المواضع تخفيفًا، فقالت: من لَدُ الحائط، ولَدُ الصلاةِ، وقد حذفوها أيضًا ولا ساكن بعدها. أنشد سيبويه (١):\nمن لد شولا فإلى إتلائها\nفلما حذفت النون تارة، وثبتت أخرى، قوي شبه النون بالتنوين الذي حذف تارة وثبت أخرى) (٢).\nوقال القاضي أبو سعيد السيرافي في (٣) حكم لدن: (أن يخفض بها على الإضافة؛ لأن النون من أصل الكلمة بمنزلة الدال من عند، كما قال الله تعالى: ﴿مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ [النمل: ٦] ﴿مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [هود: ١] غير أن من العرب من ينصب بها، وإنما يفعل ذلك؛ لأنه ينزع النون عنها فيقال: لَدُ، فشبهت الأصلية بالزائدة حين ثبتت في حال وسقطت في حال، كما ثبتت الزائدة في حال وسقطت في حال) (٤).\nوكنت قد وعدت في أول هذه السورة، عند قوله: ﴿مِن لَّدُنْهُ﴾ [الكهف: ٢] بسط الكلام في هذا الحرف، وقد ذكرت ذلك على حد الإيجاز والله المستعان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2311>٧٧ </span>- قوله تعالى: ﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ﴾ هي: أنطاكية (٥) في\n_________\n(١) سبق عزو البيت وتوثيقه.\n(٢) \"سر صناعة الإعراب\" ٢/ ٥٤٦.\n(٣) قوله: (في)، ساقط من نسخة (ص).\n(٤) ذكره نحوه بلا نسبة \"إعراب القرآن\" للنحاس ٢/ ٢٨٧، \"سر صناعة الإعراب\" ٢/ ٥٤٦، \"الإغفال فيما أغفله الزجاج من المعاني\" ص ٩٦٦، \"إملاء ما من به الرحمن\" ص ٤٠٣.\n(٥) أنطاكية: بالفتح: السكون قصبة العوصم من الثغور الشامية، وهي من أعيان البلاد وأمهاتها، موصوفة بالنزاهة والحسن وطيب الهواء وعذوبة الماء وكثرة الفواكه وسعة الخير، قيل إن أول من بناها وسكها: أنطاكية بنت الروم بن اليقن بن سآم بن نوح -﵇-، وقيل إن أول من بناها: أنطيغونيا في السنة السادسة من موت الإسكندر ولم يتمها، فأتمها بعد سلوقوس، وقيل غير ذلك، وفتحها أبو عبيدة بن الجراح سار إليها من حلب، وألزم أهلها بالجزية.\nانظر: \"معجم البلدان\" ١/ ٢٦٦.","vol":"14","page":101},{"text":"قول ابن عباس (١). والأيلة، في قول ابن سيرين (٢).\nوقوله تعالى: ﴿فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا﴾ روى أبي بن كعب أن النبي -ﷺ- قال: \"كانوا أهل القرية لئام\" (٣). والتضييف والإضافة فيه بمعنى واحد، يقال: ضافَه وتَضَيَّفه إذا نزل به وصار له ضيفًا، وأضافه وضيَّفه إذا أنزله وقراه، وأصل هذا في اللغة: من الميل والإمالة، يقال: ضاف يضِيف إذا مال، وأضافه إذا أماله، يقال: هذا مُضاف إلى كذا، أي: ممال إليه، ومنه قيل للدَّعي: مُضاف؛ لأنه مستند إلى قوم ليس منهم (٤).\nومنه: (قوله -ﷺ- في النهي عن الصلاة: \"إذا أضفت الشمس للغروب\") (٥). أي: مالت.\n_________\n(١) \"معالم التنزيل\" ٥/ ١٩٢، \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٢٧٠ ذكره بدون نسبة، \"زاد المسير\" ٥/ ١٧٥.\n(٢) \"جامع البيان\" ١٥/ ٢٨٨، \"معالم التنزيل\" ٥/ ١٩٢، \" المحرر الوجيز\" ٩/ ٢٧٠، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٢٤.\n(٣) سبق تخريج الحديث وعزوه في بداية القصة.\n(٤) انظر: \"تهذيب اللغة\" (ضاف) ٣/ ٢٠٨٠، \"القاموس المحيط\" (الضيف) ص ٨٣٠، \"مقاييس اللغة\" (ضيف) ٣/ ٣٨٠، \"الصحاح\" (ضيف) ٤/ ١٣٩٢.\n(٥) أخرجه أبو داود في الجنائز، باب الدفن عند طلوع الشمس وعند غروبها ٣/ ٥٣١، والترمذي في الجنائز، باب كراهية الصلاة على الجنازة عند طلوع الشمس وعند غروبها ٣/ ٣٤٨، وقال: حديث حسن صحيح، والنسائي في الجنائز، باب الساعات التي نهى عن إقبار الموتى فيهن ٤/ ٦٢، وابن ماجه في الجنائز، باب =","vol":"14","page":102},{"text":"قال أبو عبيد: (ومنه سمي الضَّيف ضيفًا، يقال: ضِفْت فلانًا إذا ملت إليه، وأضفته: إذا أَمَلْتَه إليك) (١). ومن الناس من فرق بين التضييف والإضافة، قال شمر: (سمعت رجاء بن سلمة (٢) يقول: التَّضيف الإطعام، تقول: ضيَّفته إذا أطعمتَه، وأضافه إذا لم يُطْعِمْهُ. وقال في هذه الآية معناه: فأبوا أن يطعموهما) (٣).\nوقال أبو الهيثم: (هما عندنا بمعنى واحد) (٤). وقال الفراء في هذه الآية: (لو قرئت يُضيِفُوهُما كان صوابًا) (٥).\nوقوله تعالى: ﴿فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارً﴾ هو الجَدْرُ، والجِدَارُ، ومنه الحديث: \"حتى يبلغ الماء الجَدْرُ\" (٦). ومكان جَدِير ومجدور: قد بني\n_________\n= ما جاء في الأوقات التي لا يصلى فيها على الميت ولا يدفن ١/ ٤٨٦، والإمام أحمد ٤/ ١٥٢، وأورده الألباني في \"إرواء الغليل\" ٢/ ٢٣٦٨ وقال: صحيح.\n(١) \"غريب الحديث\" لأبي عبيد ١/ ٢٢، \"تهذيب اللغة\" (ضاف) ٣/ ٢٠٨٠.\n(٢) رجاء بن أبي سلمة مهران أبو المقدام الفلسطيني، نزل البصرة ثم تحول إلى الشام، روى عن: عمر بن عبد العزيز، وعمرو بن شعيب، والزهري، وغيرهم، وروى عنه: ابن عون، وابن عبلة، وبشر بن المفضل وغيرهم وثقه العلماء، وكان من أفاضل أهل زمانه، توفي ﵀ سنة ٦١ هـ، وله من العمر سبعين سنة.\nانظر: \"الجرح والتعديل\" ٣/ ٥٠٣، \"الكشاف\" ١/ ٣٠٨، \"حلية الأولياء\" ٦/ ٩٢، \"تهذيب الكمال\" ٩/ ١٦١، \"تهذيب التهذيب\" ٣/ ٢٣١\n(٣) \"تهذيب اللغة\": (ضاف) ٣/ ٢٠٨١، \"لسان العرب\" (ضيف) ٥/ ٢٦٢٥.\n(٤) \"تهذيب اللغة\": (ضاف) ٣/ ٢٠٨١.\n(٥) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٥٥.\n(٦) أخرجه البخاري في \"صحيحه\" كتاب: الصلح، باب: إذا أشار الإمام بالصلح فأبي حكم عليه ٣/ ١٧١، ومسلم في \"صحيحه\" كتاب: الفضائل، باب: وجوب إتباعه -ﷺ- ٤/ ١٨٢٩، وأبو داود في \"سننه\" كتاب: الأقضية أبواب: من القضاء =","vol":"14","page":103},{"text":"حواليه جدار؛ وأصله من الرفع، ومنه: أجدرت الشجرة إذا أخرجت في الربيع وأطلعت، ومنه: الجدري (١).\nوقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ الإرادة في صفة الجِدَار مجاز على جميع أهل المعاني، ومعناه: قرب أن ينقض، وذلك على التشبيه بحال من يريد أن يفعل (٢).\nقال الفراء: (وذلك من كلام العرب أن يقولوا: الجدار يريد أن يسقط) (٣). ومثله قوله تعالى: ﴿ولَمَّا سَكَتَ عَن مُّوسَى الْغَضَبُ﴾ [الأعراف: ١٥٤]، وقوله: ﴿فَإِذَا عَزَمَ اَلأَمْرُ﴾ [محمد: ٢١]، يريد: أن إضافة السكوت إلى الغضب، والعزم إلى الأمر، كإضافة الإرادة إلى الجدار.\n_________\n= ٤/ ٥١، والترمذي في \"جامعه\" كتاب: الأحكام، باب: ما جاء في الرجلين يكون أحدهما أسفل من الآخر في الماء ٣/ ٦٤٤، والنسائي في \"سننه\" كتاب: آداب القضاة باب: الرخصة للحاكم الأمين أن يحكم وهو غضبان ٨/ ١٧٣، والإمام أحمد في \"مسنده\" ٤/ ٥.\n(١) انظر: \"تهذيب اللغة\" (جدر) ١/ ٥٥٧، \"مقاييس اللغة\" (جدر) ١/ ٤٣١، \"القاموس المحيط\" (الجدار) ص ٣٦٢،\"الصحاح\" (جدر) ٢/ ٦٠٩.\n(٢) \"النكت والعيون\" ٣/ ١٧٥، \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٣٧١، \"الكشاف\" ٢/ ٣٩٨، \"البحر المحيط\" ٦/ ١٥١.\nوذهب قوم إلى منع المجاز في القرآن، قال الشنقيطي في \"أضواء البيان\" ٤/ ١٧٩: وزعم من لا علم عنده: أن هذه الأمور لا حقيقة لها، وإنما هي ضرب أمثال زعم باطل؛ لأن نصوص الكتاب والسنة لا يجوز صرفها عن معناها الواضح المتبادر إلا بدليل يجب الرجوع إليه، وبذلك تعلم أنه لا مانع من إبقاء إرادة الجدار على حقيقتها، لإمكان أن يكون الله علم منه إرادة الإنقضاض وإن لم يعلم خلقه تلك الإرادة، مع أنه من الأساليب العربية إطلاق في الإرادة على المقاربة والميل إلى الشيء.\n(٣) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٥٦.","vol":"14","page":104},{"text":"وقال الكسائي: (قوله للجدار: ﴿يُرِيدُ﴾ من أفصح كلام العرب، وإنما إرادة الجدار ميله) (١).\nقال أبو عبيد: (وهذا كقوله -ﷺ-: \"لا تتراءى ناراهما\") (٢). وإنما هو أن تكون ناران كل واحدة من صاحبتها بالموضع الذي لو قام فيه إنسان رأى الأخرى في القرب (٣).\nوقال ابن قتيبة: (الجدار إذا أشرف على الانهيار يقال فيه: جدار يهم أن ينقض، أو يكاد، أو يقارب، وأياما يقال فقد جعل فاعلا، ولا يوصل إلى هذا المعنى إلا بمثل هذه الألفاظ. قال: والعرب تقول بأرض بني فلان شجر قد صاح، إذا طال وتبين للناظر بطوله جعلوه كأنه صائح؛ لأن الصائح يدل على نفسه بصوته) (٤). ويقال: شجر واعد إذا نور؛ كأنه ما نور وعد أن يثمر، وكل هذا مجاز كلام العرب واستعارتهم، وأنشد أبو عبيدة في مثل هذه الآية (٥):\n_________\n(١) ذكر نحوه بلا نسبة \"الكشاف\" ٢/ ٣٩٨، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٢٥، \"البحر المحيط\" ٦/ ١٥١.\n(٢) أخرجه أبو داود في \"سننه\" كتاب: الجهاد، باب: النهي عن قتل من اعتصم بالسجود ٣/ ١٠٤، والترمذي في \"جامعه\"، كتاب: السير، باب: ما جاء كراهية المقام بين أظهر المشركين ٤/ ١٣٢، والنسائي في كتاب: القسامة، باب: القود بغير حديدة ٨/ ٢٦، والطبراني في \"المعجم الكبير\" ١/ ١٠٩، والحاكم في \"المستدرك\" ٢/ ١٤١، وصححه ووافقه الذهبي، وأحمد في \"مسنده\" ٤/ ٣٦٥، والطبري في \"جامعه\" ١٥/ ٢٩٠، وابن عطية في \"المحرر الوجيز\" ١٠/ ٤٣٢، وقال عنه الألباني في \"إرواء الغليل\" ٥/ ٢٩: صحيح.\n(٣) \"جامع البيان\" ١٥/ ٢٩٠.\n(٤) \"تأويل مشكل القرآن\" ص ١٣٢.\n(٥) البيت للحارثي.","vol":"14","page":105},{"text":"يريد الرمح صدر أبي براء ... ويرغب عن دماء بني عقيل\nوأنشد الفراء (١):\nإنَّ دهرًا يلف شملي بجملٍ ... لزمان يهم بالإحسان\nوأنشد أبو عبيد لذي الرمة، يذكر حوضًا دارسًا قد كان (٢):\n... قد هم بالبيود\nومثل هذا كثير مستفيض في كلامهم. وقال أبو إسحاق: (الجدار لا يريد إرادة حقيقية، إلا أن هيئته في التهيؤ للسقوط قد ظهرت، كما تظهر أفعال المريدين القاصدين، فوصف بالإرادة إذا كانت الصورتان واحدة) (٣). وأنشد\n_________\n= انظر: \"مجاز القرآن\" ١/ ٤١٠، \"جامع البيان\" ١٥/ ٢٨٩، \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٣١، \"الكشاف\" ٢/ ٣٩٨، القرطبي ١/ ١٦٨، \"لسان العرب\" (رود) ٣/ ١٧٧٢.\n(١) البيت ينسب لحسان بن ثابت -﵁-.\nالشَّمل: الاجتماع يقال: جمع الله شملك، وجمع الله شملهم أي: ما تشتت من أمرهم.\nوالجُمل: جماعة الشيء، وأجمل الشيء: جمعه عن تفرقه.\nانظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٥٦، \"جامع البيان\" ١٥/ ٢٨٩، \"الكشف والبيان\" ٣/ ٣٩١ ب، \"الكشاف\" ٢/ ٣٦٨، \"زاد المسير\" ٥/ ١٢٣، \"روح المعاني\" ١٦/ ٦، \"تهذيب اللغة\" (دهر) ٢/ ١٢٤٠، \"لسان العرب\" (دهر) ٣/ ١٤٣٩.\n(٢) هذا شطر من بيت لذي الرمة يقول فيه:\nمن عطن قد هم بالبيود ... طلاوة من جائل مطرود\nبيد: باد الشيء يبيد بيودًا: إذا انقطع وذهب، وباد يبيد إذا هلك.\nانظر: \"ديوان شعر ذي الرمة\" (١٦٠)، \"جامع البيان\" ١٥/ ٢٩٠.\n(٣) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٠٦، وقال الطبري ١٥/ ١٨٧: والذكره نقول به في =","vol":"14","page":106},{"text":"الراعي يصف إبلا (١):\nفي مهمة فلقت به هاماتها ... فلق الفؤوس إذا أردن نصولا\nوقوله تعالى: ﴿أَنْ يَنْقَضَّ﴾ معنى الانقضاض: السقوط بسرعة يقال: انقض الحائط إذا وقع، وانقض الطائر إذا هوى من طيرانه ليسقط علي شيء. وقال الليث؛ (يقال: قضضنا عليهم الخيل فانقضت عليهم أي: أوقعنا عليهم فوقعت، وأنشد (٢):\nقضوا غضابًا عليك الخيل من كثبٍ\nوهذا قول مجاهد في هذه الآية: (يريد أن يسقط) (٣).\n_________\n= ذلك: أن الله عز ذكره بلطفه جعل الكلام بين خلقه رحمة منه بهم ليبين بعضهم\nلبعض عما في ضمائرهم مما لا تحسه أبصارهم، وقد علمت أن معناه قد قارب من أن يقع أو يسقط، وإنما خاطب -جَلَّ ثناؤه- بالقرآن من أنزل الوحي بلسانه وقد عقلوا ما عني به، وإن استعجم عن فهمه ذو البلادة والعمى، وضل فيه ذو الجهالة والغبا.\n(١) البيت لعبيد بن حصين النميري الراعي.\nانظر: \"ديوانه\" ص ١٢٨، \"جامع البيان\" ١٥/ ٢٩٠، \"الكشاف\" ٢/ ٣٩٨، \"القرطبي\" ١١/ ٢٦، \"التفسير الكبير\" ٢١/ ١٥٧، \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٠٦، \"وضح البرهان في مشكلات القرآن\" ٢/ ٣٩، \"لسان العرب\" (رود) ٣/ ١٧٧٢.\n(٢) لم أهتد إلى قائله، وذكرته كتب اللغة بدون نسبة.\nانظر: \"تهذيب اللغة\" (قض) ٣/ ٢٩٨٢، \"لسان العرب\" (قضض) ٦/ ٣١٦١.\n(٣) ذكرته كتب التفسير بدون نسبة، انظر: \"جامع البيان\" ١٥/ ٢٩٠، \"بحر العلوم\" ٢/ ٣٠٨،\"المحرر الوجيز\" ٩/ ٣٧٤، \"معالم التنزيل\" ٥/ ١٩٣، \"الكشاف\" ٢/ ٤٩٤، \"زاد المسير\" ٥/ ١٧٦.","vol":"14","page":107},{"text":"وقال آخرون: (معنى ﴿يَنْقَضَّ﴾ ينكسر، يقال: قضضت الشيء إذا كسرته ودققته، ومنه قيل للحَصَى الصغار: قضض (١). وكلا اللفظين ذكرهما المفسرون في تفسير ﴿يَنْقَضَّ﴾ فقالوا (ينكسر ويسقط)، وذكرهما ابن قتيبة (٢).\nوقوله تعالى: ﴿فَأَقَامَهُ﴾ روى ابن عباس عن أبي بن كعب عن النبي -ﷺ- قال: (انتهى إلى جدار مائل فدفعه بيده فقام) (٣).\nوقال مجاهد: (مسحه بكفه حتى استوى) (٤).\nومعنى أقامه: سواه، وذلك أن قوله: ﴿يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ معناه: مال، كأنه قال: فوجدا جدارًا قد مال فأقامه. فقال موسى: ﴿لَوْ شِئْتَ لَتَّخَذتَ عَلَيْهِ﴾ أي: على إقامته وإصلاحه ﴿أَجرًا﴾ قال الفراء: (لو شئت لم تقمه حتى يقرونا فهو الأجر) (٥).\nوقال أبو إسحاق: (وذلك أنهما لما نزلا القرية لم يضيفهما أهلها، فقال موسى: لو شئت لأخذت أجرة إقامتك هذا الحائط) (٦).\n_________\n(١) \"تهذيب اللغة\" (قض) ٣/ ٢٩٨٢، \"القاموس المحيط\" (قضض) ص ٦٥٢، \"الصحاح\" (قض) ٣/ ١١٠٢.\n(٢) \"تفسير غريب القرآن\" ص ٢٦٩، \"النكت والعيون\" ٣/ ١٧٥، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٢٥.\n(٣) سبق تخريج الحديث وعزوه في بداية القصة.\n(٤) ذكر نحوه البغوي ٥/ ١٩٣ ونسبه لسعيد بن جبير، وكذلك ابن عطية في \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٣٧٤، والقرطبي ١١/ ٢٧، والسيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ٤٢٩.\n(٥) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٥٦.\n(٦) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٠٦.","vol":"14","page":108},{"text":"وروى هارون. بن عنترة (١) عن أبيه عن ابن عباس في هذه الآية قال: (كان قول موسى في الجدار لنفسه لطلب شيء من الدنيا، وكان قوله في السفينة وفي الغلام لله) (٢).\nوقراءة العامة: ﴿لَتَّخَذْتَ﴾، افتعلت من الأخذ. وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو: لَتَخِذْتَ (٣). وهي قراءة مجاهد، واختيار أبي زيد الأنصاري قال: (وكذلك هو مكتوب في الإمام، ومن قرأ: لاتخذت، فإنه يخالف الكتابة) (٤).\nقال الليث: (يقال: اتَّخذ فلان يتَّخِذ اتِّخاذًا، ويقال: تَخِذَ يتخذ تخذًا، وتَخِذْتُ مالًا كسبتُه، ألزمت التاء الحرف كأنها أصلية) (٥). قال\n_________\n(١) هارون بن عنترة بن عبد الرحمن الشيباني، أبو عبد الرحمن بن أبي وكيع الكوفي، تابعي ثقة، روى عن أبيه، وعبد الرحمن بن الأسود، وسعيد بن جبير، ومحارب ابن دثار، وروى عنه: ابنه عبد الملك، وعمر بن مرة، وسفيان الثوري وغيرهم، وثقه أكثر العلماء، توفي ﵀ من ١٤٢ هـ.\nانظر: \"الثقات\" لابن حبان ٧/ ٥٨٢، \"الكاشف\" ٣/ ٢١٤، \"الجرح والتعديل\" ٩/ ٩٢، \"تهذيب التهذيب\" ١١/ ١٠، \"ميزان الاعتدال\" ٤/ ٢٨٤.\n(٢) \"زاد المسير\" ٥/ ١٧٨، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٣٣، \"البحر المحيط\" ٦/ ١٥٣، \"روح المعاني\" ١٦/ ٨.\n(٣) قرأ نافع، وابن عامر، وحمزة، والكسائي، وعاصم: (لتَّخذْتَ) وكلهم أدغم إلا ما روى حفص من عاصم فإنه لم يدغم.\nوقرأ أبو عمرو، وابن كثير: (لَتَخِذْتَ) بكسر الخاء، وكان أبو عمرو يدغم الذال، وابن كثير يظهرها.\nانظر: \"السبعة\" ص ٣٩٦، \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ١٦٣، \"التبصرة\" ص ٢٥٠، \"العنوان في القراءات\" ص ٢٤، \"النشر\" ٢/ ٣١٤.\n(٤) \"تهذيب اللغة\" (أخذ) ١/ ١٣٠، \"لسان العرب\" (أخذ) ١/ ٣٧.\n(٥) \"تهذيب اللغة\" (أخذ) ١/ ١٣٠، \"لسان العرب\" (أخذ) ١/ ٣٧، \"تاج العروس\" (أخذ) ٥/ ٣٤٥.","vol":"14","page":109},{"text":"الفراء: (وأصلها اتَّخَذَ افْتَعَل) (١).\nوحكى (٢) النضر: (اسْتَخَذْتُ عليهم يدًا أي: اتَّخَذْتُ) (٣). ومثل هذا حكى سيبويه: (استخذ فلان أرضًا) (٤).\nقال أبو علي الفارسي: (وتأويله على أمرين أحدهما: أنه اتخذ فأبدل السين من التاء الأولى. والآخر: أنه استفعل من تخذ فحذف التاء التي هي فاء من تخذت) (٥). وكلهم أنشدوا (٦):\nوقد تخذت رجلي إلى جنب غرزها ... نسيفًا كأفحوص القطاة المطرَّق\nفحصل من هذا أن تَخِذ لغة بمعنى اتخذ، وأصله: اتخذ، على ما قال الفراء، كأنهم لما رأوا التاء في اتخذ ظنوها أصلية فقالوا في الثلاثي: تخذ، كما قالوا: اتقى من يتقي (٧).\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٥٦.\n(٢) في (ص): (حلي)، وهو تصحيف.\n(٣) \"تاج العروس\" (أخذ) ٥/ ٣٤٥، \"لسان العرب\" (أخذ) ١/ ٣٧.\n(٤) \"الكتاب\" لسيبويه ٤/ ٤٨٣.\n(٥) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ١٦٣.\n(٦) البيت للممزق العبدي، واسمه: شأس بن نهار.\nغرزها: الغرز للناقة مثل الحزام للفرس، والنسيف: أثر ركض الرجل بجنبي البعير. والأفحوص: المبيض، والمطرق: وصف للقطاة إذا حان خروج بيضها. انظر: \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ١٦٣، \"الخصائص\" ٢/ ٢٨٧، \"الأصمعيات\" ص ٦٥، \"الحيوان\" ٢/ ٢٩٨، \"مجالس العلماء\" للزجاجي ص ٣٣٣، \"الإغفال فيما أغفله الزجاج من المعاني\" ص ٩٩٣، \"تهذيب اللغة\" (نسف) ٤/ ٣٥٦٢، \"لسان العرب\" (فحص) ٦/ ٣٣٥٦.\n(٧) \"إملاء ما من به الرحمن\" ص ٤٠٣، \"سر صناعة الإعراب\" ١/ ١٩٨.","vol":"14","page":110},{"text":"قال أبو إسحاق: (وأصل تَخِذْتُ: أخَذْتُ) (١). وأنكر عليه أبو علي وقال: (تَخِذْتُ فعلت وأَخَذْتُ فعلت، وإبدال الحرف من الكلمة ليس يوجب تغيير بنائها عما كان عليه قبل البدل، لكن ينبغي أن يحافظ على البناء الأول، ليكون أدل على أنه قد أبدل منه شيء، ولا يظن أنه بناء آخر وصياغة أخرى) (٢).\nوقال ابن الأنباري: (العرب تجعل تَخَذَ وتَخِذَ مستغنيا عما سقط منه، قائمًا بنفسه، جاريًا مجرى طعم أطعم، وعلمت أعلم، وبنوا يقنت على أيقنت، واتقى على يتقى، فلم يغيروا شيئًا من ماضيه ولا مستقبله ليجرى مجرى ما الساقط مظهر معه، وهو بالأفعال، وهذا لافتنانهم وإسباغ مبانيهم في لغاتهم) (٣).\nوقال أبو العباس: (الاختيار لاتخذت؛ لأنه هو أصل الحرف يعرى من الحذف واللبس، قال: والقراءة الأخرى من لغة معروفة) (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2312>٧٨ </span>- قوله تعالى: ﴿قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾ معناه: هذا الذي عليه فراق بيني وبينك، هذا الكلام، والإنكار على ترك الأجر هو المفرق بيننا (٥). وذلك أن موسى قد كان قال له: ﴿إِن سَأَلْتُكَ عَن شَئٍ بَعْدَهَا﴾ الآية. وقيل معناه: (هذا وقت فراق بيني وبينك) (٦).\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٠٧.\n(٢) \"الإغفال فيما أغفله الزجاج من المعاني\" ص ٩٩٢.\n(٣) ذكر نحوه بلا نسبة \"سر صناعة الإعراب\" ١/ ٩٨، \"البحر المحيط\" ٦/ ١٥٢.\n(٤) ذكر نحوه \"تهذيب اللغة\" (أخذ) ١/ ١٣٠، \"لسان العرب\" (أخذ) ١/ ٣٧.\n(٥) \"معالم التنزيل\" ٥/ ١٩٣، \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٣١، \"الكشاف\" ٢/ ٣٩٩، \"زاد المسير\" ٥/ ١٧٧.\n(٦) \"معالم التزيل\" ٥/ ١٩٣؛ \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٣١.","vol":"14","page":111},{"text":"وقال الزجاج: (المعنى هذا فراق بيننا، أي: هذا فراق اتصالنا، وكرر \"بين\" تأكيدًا، ومثل هذا من الكلام: أخزى الله الكاذب مني ومنك) (١). قال ابن الأنباري: (ويجوز أن يكون \"بين\" هاهنا ظرف وموضعًا) (٢). فلما قال الخضر هذا أخذ موسى بطرف ثوبه فقال: حدثني. فقال الخضر: ﴿سَأُنَبِّئُكَ﴾ الآية (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2313>٧٩ </span>- ثم فسر له فقال: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾ هذه الآية دلالة على أن الفقير أسوأ حالًا من المسكين؛ لأن الله تعالى أخبر أنهم كانوا مساكين مع أنهم كانوا يملكون سفينة وهي تساوى جملة من الدنانير (٤)، وذكرنا هذا عند قوله: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة: ٦٠] الآية، ويجوز أن تكون المسكنة هاهنا لم يعن بها الفقر وقلة ذات اليد، لكن أريد بها عدم الناظر وانقطاع الحيلة، كما يقال للذي يظلمه عدوه: مسكين فلان. يراد بالمسكين المستضعف المهتضم، وإن كان كثير المال واسع الملك.\nومن هذا الباب ما روي في الحديث: \"مسكين لا زوجة له\" (٥). يعني\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٠٤.\n(٢) ذكر نحوه \"التفسير الكبير\" ٢١/ ١٥٨، \"البحر المحيط\" ٦/ ١٥٢، \"روح المعاني\" ١٦/ ٨.\n(٣) \"معالم التنزيل\" ٥/ ١٩٣، \"روح المعاني\" ١٦/ ٨.\n(٤) \"معالم التنزيل\" ٥/ ١٩٤، \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٣٧٦، \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٣٢.\n(٥) أورده الهيثمي في \"مجمع الزوائد\"، كتاب: النكاح، باب: الحث على النكاح ٤/ ٢٥٢ وقال: رواه الطبراني في \"الأوسط\" ورجاله ثقا إلا أن أبا نجيح لا صحبة له. وابن الأثير في \"جامع الأصول\" كتاب: النكاح، باب: في الحث على النكاح والترغيب فيه ١١/ ٤٢٩، و\"الترغيب والترهيب\" للمنذري ٣/ ٦٧، وقال: ذكره =","vol":"14","page":112},{"text":"في العجز عن الصبر في بعض الأحوال وضعف الحيلة، وإن كان له مال كثير (١).\nوقوله تعالى: ﴿فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا﴾ قال مجاهد: (أخرقها) (٢). وعَابَ في اللغة يكون على معان ثلاثة يقال: عَابَ فلان فلانًا يعيبه عَيبًا، ورجل عَيَّاب، وعاب الحائط، والشئ إذا صار ذا عيب (٣) (٤).\nوقوله تعالى: ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ﴾ أكثر أهل العلم من المفسرين وأصحاب المعاني قالوا: ﴿وَرَاءَهُمْ﴾ هاهنا معناها أمامهم) (٥). وكذا كان ابن عباس يقرأ: (وكان أمامهم ملك) (٦). ووراء بمعنى: أمام، ورد كثيرًا في التنزيل والشعر، فمن ذلك قوله تعالى: ﴿وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ﴾\n_________\n= رزين ولم أره في شي من أصوله. وذكره الما وردي في \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٣٢، و\"منتخب الكنز بحاشية مسند الإمام أحمد\" ٦/ ٣٩٠.\n(١) \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٣٧٧، \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٣٢، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٣٤، \"روح المعاني\" ١٦/ ٩، وقال ابن عطية في \"تفسيره\" ٩/ ٣٧٧: وتحرير هذا عندي أنهما لفظان يدلان على ضعف الحال جدًا، ومع المسكنة انكشاف وذل وسؤال، ولذلك جعلهما الله صنفين في قسم الصدقات.\n(٢) \"جامع البيان\" ١٦/ ١، \"الدر المنثور\" ٤/ ٤٣٠.\n(٣) في (س) قال: وعبته أنا، قال أبو الهيثم: ومنه قوله تعالى: ﴿فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا﴾ أي: أجعلها ذات عيب.\n(٤) انظر: \"تهذيب اللغة\" (عاب) ٣/ ٢٢٦٣، \"مقاييس اللغة\" (عيب) ٤/ ١٨٩، \"الصحاح\" (عيب) ١/ ١٩٠.\n(٥) \"جامع البيان\" ١٦/ ١، \"الكشف والبيان\" ٣/ ٣٩١ ب، \"بحر العلوم\" ٢/ ٣٠٩، \"معالم التنزيل\" ٥/ ١٩٤، \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٣٢، \"الكشاف\" ٢/ ٣٩٩.\n(٦) \"جامع البيان\" ١٦/ ١، \"معالم التنزيل\" ٥/ ١٩٤، \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٣٧٨، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٣٤.","vol":"14","page":113},{"text":"[إبراهيم: ١٧]، ﴿وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ﴾ [المؤمنون: ١٠٠]، وقول لبيد (١):\nأليس ورائي إن تراخت منيتي\nوهذا قول أبي حاتم، وأبي عبيد، وابن السكيت، وأبي عبيدة، والفراء، والزجاج (٢)، وذكرنا هذا في سورة إبراهيم (٣).\nوأنشد أبو عبيدة: لسوار بن المضرب السعدي (٤):\nأيرجو بنو مروان سمعي وطاعتي ... وقومي تميم والفلاة ورائيا\nأي: أمامي (٥). قال: ووراء الرجل خلفه، ووراءه قدامه، وأنشد أيضًا (٦):\n_________\n(١) هذا صدر بيت للبيد بن ربيعة وعجزه:\nلزوم العصا تحنى عليها الأصابع\nانظر: \"ديوانه\" ص ٨٩، \"البحر المحيط\" ٦/ ١٥٤، \"الدر المصون\" ٧/ ٥٣٧، \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٠٥، \"تهذيب اللغة\" (ورى) ٤/ ٣٨٧٨، \"لسان العرب\" (ورى) ٨/ ٤٨٢٣.\n(٢) \"مجاز القرآن\" ١/ ٤١٢،\"معاني القرآن\"، للفراء ٢/ ١٥٧، \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٠٥، \"إعراب القرآن\" للنحاس ٢/ ٢٨٨، \"البحر المحيط\" ٦/ ١٥٤.\n(٣) عند قوله سبحانه في سورة إبراهيم الآية رقم (١٧): ﴿يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ﴾.\n(٤) البيت لسوار بن المضرب السعدي.\nانظر: \"مجاز القرآن\" ١/ ٤١٢، \"جامع البيان\" ١٦/ ١، \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٣٢، \"البحر المحيط\" ٦/ ١٥٤، \"الدر المصون\" ٧/ ٥٣٧، \"الكامل\" ص ٢٨٩، \"جمهرة اللغة\" ١/ ٢٣٦، \"لسان العرب\" (ورى) ٨/ ٤٨٢٣.\n(٥) \"مجاز القرآن\" ١/ ٤١٢.\n(٦) البيت لعروة بن الورد.\nانظر: \"ديوانه\" ص ١١٤، \"الأضداد\" لابن الأنباري ٦٩ ص، \"البحر المحيط\" ٦/ ١٥٤، \"الدر المصون\" ٧/ ٥٣٧، \"روح المعاني\" ١٦/ ٩.","vol":"14","page":114},{"text":"أليس ورائي أن أدبَّ على العصا ... فيأمن أعدائي ويسأمني أهلي\nولا خلاف بين أهل اللغة أن وراء يجوز أن تكون بمعنى قدام، واختلفوا في معنى ذلك، فقال الفراء: (لا يجوز أن يقال لرجل بين يديك: هو وراءك، إنما يجوز ذلك في المواقيت من الأيام والليالي والدهر، تقول: وراءك برد شديد، وبين يديك برد شديد، جاز الوجهان؛ لأن البرد إذا لحقك صار من ورائك، وكأنك إذا بلغته كان بين يديك) (١).\nوقال غيره: (يجوز استعمال وراء بمعنى أمام على الاتساع؛ لأنها جهة مقابلة لجهة، فكأن كل واحد من الجهتين وراء الآخر، إذا لم يرد معنى المواجهة، ويجوز ذلك في الأجسام التي لا وجه لها مثل: حجرين متقابلين كل واحد منها وراء الآخر) (٢).\nوأكثر أهل اللغة على أن وراء من الأضداد.\nقال أبو علي: (وقد حكى متقدمو أهل اللغة وقوع الاسم على الشيء وعلى ضده، وصنفوا فيه الكتب؛ كقطرب، والتوَّزي (٣)، ويعقوب\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٥٧.\n(٢) \"البحر المحيط\" ٦/ ١٥٤، ونسبه لأبي علي، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٣٦، \"روح المعاني\" ١٦/ ١٠.\n(٣) عبد الله بن ثابت بن يعقوب بن قيس بن إبراهيم أبو محمد العبقسي، النحوي، التوزي نسبة إلى توَّز مدينة في فارس عند بحر الهند، سكن بغداد، روى عن أبيه عن هذيل بن حبيب تفسير مقاتل بن سليمان، وروى عن عمر بن شبَّة النميري، وروى عنه أبو عمر بن السماك، ولد سنة ٢٢٣ هـ، وتوفي ﵀ سنة ٣٣٠ هـ، ودفن بالرملية.\nانظر: \"إنباه الرواة\" ٢/ ١١٢، \"طبقات ابن قاضي شهبه\" ٢/ ٢٦، \"طبقات القراء\" ١/ ٤١١، \"النجوم الزاهرة\" ٣/ ١٩٩.","vol":"14","page":115},{"text":"وغيرهم، وربما أنكر ذلك بتعسف وتأويلات غير سهلة، وليس ينكر ان اللفظ الواحد يقع على الشيء وعلى خلافه، فلذلك لا ينبغي أن ينكر وقوعه على الشيء وضده؛ لأن الضد ضرب من الخلاف، فإن زعموا أن ذلك يلبس [فهو في الخلاف أيضًا يلبس)] (١) (٢).\nوروى الأزهري بإسناده عن ابن السكيت قال: (وراء، وأمام، وقدام يؤنَّثن ويُذَكَّرن، ويصغر أمام فيقال: أُمَيِّم ذلك وأُمَيِّمة، وقُدَيْدِيم ذلك وقديديمه، وهو وريئ ذلك (٣) الحائط، ووريئة الحائط) (٤).\nقال أبو علي: (اللام من هذه الكلمة همزة، والقول في تحقيرها: وُرَئِّيةٌ مثل: وديعة، حكى ذلك أبو عثمان وغيره، ولو كان من باب الوري والتواري لكان تحقيره: وريَّةً، قال: ومن نادر ما جاء في هذه الكلمة دخول الهاء في تحقيرها مع أنها على أربعة أحرف، وكذلك دخلت في قُدَيْديمة تحقير قُدَام، وأنشد (٥):\nقديديمة التجريب والحلم إنني ... أرى غفلات العيش قبل التجارب\nوما كان على أربعة أحرف لا تدخله هاء التأنيث (٦)، كما تدخل عامة ما كان على ثلاثة أحرف، وذلك أن الحرف الأصلي قام مقام الزائد، كما\n_________\n(١) ما بين المعقوفين ساقط من نسحة: (ص).\n(٢) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ١٨٧.\n(٣) قوله: (ذلك)، ساقط من (ص).\n(٤) \"تهذيب اللغة\" (ورى) ٤/ ٣٨٧٨.\n(٥) البيت للقطامي.\nانظر: \"ديوانه\" ص ٤٤، \"خزانة الأدب\" ٧/ ٨٦، \"المقتضب\" ٢/ ٢٧٣، \"شرح المفصل\" ٥/ ١٢٨، و\"اللمع في العرية\" ص ٣٠٣، \"لسان العرب\" (قدم) ٦/ ٣٥٥٢.\n(٦) في نسخة (ص): (في التحقير).","vol":"14","page":116},{"text":"قام مقامه في قولهم: لم يَغْزُ، ولم يَرْمِ، ولم يَخْشَ، ألا ترى أن هذه اللامات حذفت كما تحذف الحركات للجزم، فأما دخولها على قُدَيْديمةٍ، ووُرَيِّئةٍ فمن الأشياء التي شذت فترد إلى الأصل المرفوض نحو: استحوذ، والقصوى، والقود) (١). وهذا الذي ذكره أبو علي خلاف ما ذكره ابن السكيت؛ لأنه لم يجعل الهمز أصلًا (٢).\nقال أبو علي: (ووراء معرفة لا يصرف للتأنيث والتعريف) (٣). والآية تدل على أن معنى وراء أمام؛ لأنه لو كان بمعنى خلف كانوا قد جاوزوه فلا يأخذ سفينتهم. واختار الزجاج أن يكون وراء بمعنى: خلفهم قال: (هذا أجود الوجهين- وعلى هذا قال: يجوز أن يكون: كان رجوعهم في طريقهم عليه، ولم يكونوا عالمين بخبره، فأعلم الله الخضر خبره حتى عاب السفينة لتسلم من الغصب) (٤).\nوقوله تعالى: ﴿يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ قال أهل المعاني: (أراد كل سفينة صالحة) (٥). وكذا كان يقرأ ابن عباس، وأبي، وحذفت في قراءة الناس للعلم بها (٦).\nوروي في حديث أبي عن النبي -ﷺ- في هذه القصة: \"أن الخضر\n_________\n(١) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ١٨٨.\n(٢) \"تهذيب اللغة\" (ورى) ٤/ ٣٨٧٨.\n(٣) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ١٩٠.\n(٤) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٠٥.\n(٥) \"بحر العلوم\" ٢/ ٣٠٩، \"زاد المسير\" ٥/ ١٧٩، \"روح المعاني\" ١٦/ ١٠، \"فتح القدير\" ٣/ ٤٣٧.\n(٦) \"جامع البيان\" ٣/ ١٦، \"الكشف والبيان\" ٣/ ٣٩١ ب، \"بحر العلوم\" ٢/ ٣٠٩، \"زاد المسير\" ٥/ ١٧٩، \"البحر المحيط\" ٦/ ١٥٤، \"الدر المنثور\" ٤/ ٤٣٠.","vol":"14","page":117},{"text":"قال (١): وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا، فإذا مرت عليه فرآها منخرقة تركها، ورقعها أهلها بقطعة خشب فانتفعوا بها\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2314>٨٠ </span>- قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ﴾ الآية. روى ابن عباس عن أبي بن كعب قال: (سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: في قوله: ﴿وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ﴾ قال: كان طبع يوم طبع كافرًا، وكان قد ألقى عليه محبة من أبويه) (٣) (لأرهقهما طُغْيَانًا وَكُفْرًا) وكذا كان يقرأ ابن عباس، وأبي: (وأما الغلام كان كافرًا وكان أبواه مؤمنين) (٤).\nوقوله تعالى: ﴿فَخَشِينَا﴾ قال الفراء (فعلمنا) (٥). وهو قول ابن عباس في رواية عطاء (٦). وهي قراءة أبي: (فخاف ربك) (٧). على معنى: علم ربك، وذكرنا الخوف بمعنى: العلم عند قوله: ﴿فَمَنْ خَافَ مِن مُوصٍ﴾ [البقرة: ١٨٢] الآية. وقال قطرب والأخفش: (معناه فكرهنا) (٨).\n_________\n(١) قوله: (قال)، مكرر في نسخة: (ص).\n(٢) سبق تخريج الحديث وعزوه في بداية القصة.\n(٣) سبق تخريج الحديث وعزوه في بداية القصة.\n(٤) \"جامع البيان\" ١٦/ ٣ ذكره عن قتادة عن أبي، \"معالم التنزيل\" ٥/ ١٩٤، \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٣٨١، \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٣٤، \"الدر المنثور\" ٤/ ٤٣٠.\n(٥) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٥٧.\n(٦) ذكرته كتب التفسير بلا نسبة. انظر: \"معالم التنزيل\" ٥/ ١٩٤، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٣٦، \"زاد المسير\" ٥/ ١٧٩.\n(٧) \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٣٦، \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٥٧، \"البحر المحيط\" ٦/ ١٥٥.\n(٨) \"معاني القرآن\" لأخفش ٢/ ٦٢٠.","vol":"14","page":118},{"text":"قال أبو إسحاق: (الخشية من الله معناه الكراهة، ومعناها من الآدميين الخوف) (١). قال ابن الأنباري: (الخشية صلحت خبرا عن الله بمعنى الكراهية، فإذا وصف المخلوق بها أفادت هلعًا وفزعًا، وإذا أخبر بها عن الخالق دلت على تأويل الكراهة، كما كان الاستهزاء من المخلوق سفها، ومن الخالق استدراجا) (٢).\n﴿فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾ [الكهف: ٨١].\nوقال قوم: (هذا من كلام الخضر، ولا يجوز أن يكون فخشينا عن الله بل الخضر -﵇- خشي أن يرهق الغلام أبويه طغيانًا وكفرا فلذلك قتله، قالوا: والدليل على أن هذا من كلام الخضر قوله تعالى: ﴿فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا﴾ ولو كان من كلام الله لقال: فأردنا أن نبدلهما خيرًا منه ولم يعد ذكر الرب) (٣). والظاهر يعضد هذا، غير أن أبا إسحاق قال: (هذا جائز أن يكون عن الله بمعنى فكرهنا، وقوله: ﴿فَأَرَدْنَا﴾ بمعنى فأراد الله، ولفظ الإخبار عن الله كذا أكثر من أن يحصى) (٤). هذا كلامه. وقول من قال: إنه من كلام الخضر ظاهر جلي.\nوقوله تعالى: ﴿أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾ أي: يغشيهما ويكلفهما، وذكرنا الكلام في هذا الحرف عند قوله: ﴿وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا﴾ [الكهف: ٧٣].\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٠٥.\n(٢) ذكر نحوه مختصرًا \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٣٨١، \"زاد المسير\" ٥/ ١٧٩، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٣٦، \"البحر المحيط\" ٦/ ١٥٥.\n(٣) \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٣٨١، \"الكشاف\" ٢/ ٤٠٠، \"زاد المسير\" ٥/ ١٧٩، \"البحر المحيط\" ٦/ ١٥٥، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٣٦.\n(٤) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٠٥.","vol":"14","page":119},{"text":"قال المفسرون: (خشينا أن يحملهما حبه على أن يتبعاه ويدينا بدينه) (١). وقال ابن عباس في رواية عطاء: (كان الغلام يؤذي الجيران، ويفعل القبيح، وكان أبواه يحلفان عنه بالكذب طغيانًا وكفرًا) (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2315>٨١ </span>- وقوله تعالى: ﴿فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا﴾ وقرئ: بالتخفيف (٣). وبدل وأبدل متقاربان في المعنى، كما أن نزل وأنزل كذلك. وفرق قوم بينهما، وذكرنا ذلك عند قوله: ﴿بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ [النساء: ٥٦] الآية.\nقوله: ﴿خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً﴾ قال ابن عباس في رواية سعيد بن جبير: (خيرًا منه دينًا) (٤). وهو قول قتادة (٥). ومعنى هذا ما قاله الكلبي، والفراء: (خيرًا منه صلاحًا) (٦). والزكاة: الصلاح، والزاكي: الصالح، ذكرنا ذلك عند قوله: ﴿نَفْسًا زَكِيَّةً﴾ [الكهف: ٧٤] وفسر الصلاح: بالدين؛ لأن الصلاح يكون من الدين. وكذلك تفسير ابن جريج الزكاة في هذه الآية: (بالإسلام) (٧). فيكون كتفسير ابن عباس بالدين.\n_________\n(١) \"معالم التنزيل\" ١٥/ ١٩٤، \"زاد المسير\" ٥/ ١٧٩، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٣٦، \"الدر المنثور\" ٤/ ٤٣٠.\n(٢) ذكر نحوه المارودي في \"تفسيره\" ٣/ ٣٣٣، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٥/ ١٧٩، الألوسي في \"روح المعاني\" ١٦/ ١١.\n(٣) قرأ نافع، وأبو عمرو البصري: (أن يبدلهما) بالتشديد.\nوقرأ ابن عامر، وابن كثير، وحمزة، والكسائي، وعاصم: (أن يبدلهما) بالتخفيف. انظر: \"السبعة\" ص ٣٩٦، \"الحجة\" ٥/ ١٦٤، \"التبصرة\" ص ٢٥١، \"النشر\" ٢/ ٣١٤.\n(٤) \"زاد المسير\" ٥/ ١٨٠، \"القرطبي\" ١١/ ٣٧، بدون نسبة، \"روح المعاني\" ١٦/ ١١.\n(٥) ذكره القرطبي في \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٣٧ بدون نسبة.\n(٦) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٥٧، \"الكشف والبيان\" ٣/ ٣٩١ ب.\n(٧) \"جامع البيان\" ١٦/ ٤، \"معالم التنزيل\" ٥/ ١٩٥، \"المحرر الوجيز\" ٩/ ١٩٣، \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٣٤، \"الدر المنثور\" ٤/ ٤٣١.","vol":"14","page":120},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾ والرُّحْمُ، والرُّحُمُ، والرَّحْم: العطف والرحمة (١). قاله أبو عبيدة، والزجاج (٢). وأنشد أبو عبيدة للعجاج (٣):\nولم تعوَّج رحم من تعوَّجا\nوأنشد غيره لرؤبة (٤):\nيا منزل الرَّحم على إدريس ... ومنزل اللعن علي إبليس\nويستعمل الرحم بمعنى القرابة لا بمعنى الشفقة. ويقال: فلان أشفق منك رحما، وفلان أمس رحما من فلان أي: قرابة. وأما الذي في الآية فقال قتادة: (أبر بوالديه) (٥). وهو قول ابن عباس قال: (أوصل للرحم، وأبر بوالديه) (٦). وروى عنه سعيد بن جبير: (وأقرب مودة) (٧). وهذا قول أكثر المفسرين جعلوا البدل: أبر بالوالدين.\n_________\n(١) \"تفسير غريب القرآن\" ١/ ٢٧٠، \"العمدة في غريب القرآن\" ص ١٩٢، \"لسان العرب\" (رحم) ٣/ ١٦١٣.\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٠٥، \"مجاز القرآن\" ١/ ٤١٢.\n(٣) البيت للعجاج.\nانظر: \"ديوانه\" ٢/ ٦٦، \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ١/ ٤١٣، \"جامع البيان\" ١٦/ ٤، \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ١٦٦، \"لسان العرب\" (رحم) ٣/ ١٦١٣.\n(٤) البيت لرؤبة.\nانظر: \"ديوانه\" ص ١٧٥، \"المحرر الوجيز\" ٩/ ١٩٣، \"البحر المحيط\" ٦/ ١٥٥، \"الدر المصون\" ٧/ ٥٣٩، \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ١٦٦، \"إعراب القرآن\" للنحاس ٢/ ٢٩٠ والشطر الأول منه في \"لسان العرب\" (رحم) ٣/ ١٦١٣.\n(٥) \"جامع البيان\" ١٦/ ٤، \"معالم التنزيل\" ٥/ ١٩٥، \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٣٥، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١١٠.\n(٦) \"زاد المسير\" ٥/ ١٨٠، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٣٧.\n(٧) ذكره النحاس في \"إعراب القرآن\" ٢/ ٢٩٠ بدون نسبة.","vol":"14","page":121},{"text":"ومنهم من جعل الوالدين أبر بالبدل، وهو قول ابن جريج، والفراء. قال ابن جريج: (أرحم به منهما بالذي قتل الخضر) (١). يعني رحمة الوالدين عليه أكثر.\nوقال الفراء: (أقرب أن يرحماه) (٢). فعلى هذا، الرحم من جهة الوالدين، وعلى القول الأول الرحم من جهة الولد، وكلهم على أن معنى الرحم هاهنا: الرحمة والشفقة والعطف، غير أن الزجاج قال في هذه الآية: (أقرب عطفا، وأمس بالقرابة) (٣). وَهِمَ؛ لأن الأولاد لصلب الوالدين سواء في القرابة، ولا يكون بعضهم أمس بالقرابة من بعض.\nقال النبي -ﷺ- في حديث أبي بن كعب: \"فوقع أبوه على أمه فنقلت: فولدت خيرًا منه زكاة وأقرب رحما\" (٤).\nوقال سعيد بن جبير عن ابن عباس: (ولدت جارية فولدت نبيا) (٥). وروى عكرمة عنه في قوله: ﴿خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾ قال: (ولدا كان في بطن أمه) (٦). وقال مجاهد: (كان ذلك الولد جارية) (٧). وهو قول جميع\n_________\n(١) \"جامع البيان\" ١٦/ ٤.\n(٢) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٥٧.\n(٣) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٠٥.\n(٤) سبق تخريج الحديث وعزوه في بداية القصة.\n(٥) \"جامع البيان\" ١٦/ ٤، \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٣٥، \"زاد المسير\" ٥/ ١٨١، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٣٧.\n(٦) ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة انظر: \"جامع البيان\" ١٦/ ٤، \"لباب التأويل\" ٤/ ٢٢٧، \"الكشاف\" ٢/ ٤٩٦، \"زاد المسير\" ٥/ ١٢٦، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١١٠، \"التفسير الكبير\" ٢١/ ١٦١، \"البحر المحيط\" ٦/ ١٥٥.\n(٧) \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٣٥ بدون نسبة، وذكر نحوه الثعلبي عن الكلبي ٣/ ٣٩١ ب، \"بحر العلوم\" ٢/ ٣٠٩.","vol":"14","page":122},{"text":"المفسرين إلا ابن جريج، فإنه قال: (أبدلهما الله غلامًا مسلمًا، وكان المقتول كافرًا) (١). وقال ابن عباس في رواية عطاء: (أبدلهما الله به جارية ولدت سبعين نبيا) (٢). وهذا قول الباقر (٣).\nوالجمع بين هذا وبين قوله في رواية سعيد: (ولدت نبيا)، أن السبعين كانوا من نسلها ولم تلد لبطنها إلا نبيًا. قال مطرف (٤) في هذه الآية: (أيم الله لقد كان أبوه فرحا بمولده، وحزينًا بمقتله، ولو عاش كان في بقائه هلكتهما، فقضاء الله خير من قضائك لنفسك، وما يقضيه الله لك بما تكرهه خير من قضائك لنفسك بما تحب يا بني، فاستخر الله وارض) (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2316>٨٢ </span>- قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ﴾ يعني:\n_________\n(١) \"جامع البيان\" ٤/ ١٦، \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٣٤، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١١٠، \"زاد المسير\" ٥/ ١٨١.\n(٢) \"معالم التنزيل\" ٥/ ١٩٥، \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٣٨٣، \"زاد المسير\" ٥/ ١٨١، \"البحر المحيط\" ٦/ ١٥٥.\n(٣) \"الكشف والبيان\" ٣/ ٣٩١ ب، \"روح المعاني\" ١٦/ ١٢.\n(٤) مطرف بن عبد الله بن الشخير الحرشي العامري، أبو عبد الله البصري، من كبار التابعين، ولد في حياة النبي -ﷺ-، وكان من عباد أهل السمرة وزهادهم، روى عن: أبيه، وعثمان، وعلي، وعمار بن يسار وغيرهم، وروى عنه: عبد الله بن هاني، والحسن البصري، وسعيد الجريري. وكان من أهل البصرة وثقه العلماء، توفي ﵀ في أول ولاية الحجاج، وقيل سنة ٩٥ هـ.\nانظر: \"الجرح والتعديل\" ٨/ ٣١٢، \"الكاشف\" ٣/ ١٥٠، \"تذكرة الحفاظ\" ١/ ٦٤، \"تهذيب التهذيب\" ١٠/ ١٥٧.\n(٥) \"جامع البيان\" ١٦/ ٤ ذكره عن قتادة، \"معالم التنزيل\" ٣/ ١٧٧، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١١٠، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٣٨، \"الدر المنثور\" ٤/ ٤٣٠.","vol":"14","page":123},{"text":"القرية التي ذكرها في قوله: ﴿حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ﴾ [الكهف: ٧٧]، وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا﴾ روى أبو الدرداء أن رسول الله -ﷺ- قال: (كان ذهبًا وفضة) (١). وهذا قول عكرمة وقتادة (٢).\nوقال ابن عباس في رواية عطاء: (كان لوحًا من ذهب فيه مكتوب: عجبا لمن أيقن بالقدر ثم هو ينصب، عجبا لمن أيقن بالنار ثم يضحك، عجبا للمؤمن كيف يفرح، عجبا لمن يوقن بالرزق كيف يتعب، عجبا لمن يؤمن بالحساب كيف يغفل، عجبا لمن رأى الدنيا وتقلبها بأهلها كيف يطمئن إليها، أنا الله لا إله إلا أنا محمد عبدي ورسولي. وفي الشق الآخر: أنا الله لا إله إلا أنا وحدي لا شريك لي، خلقت الخير والشر، فطوبي لمن خلقته للخير وأجريته على يديه، والويل لمن خلقته للشر وأجريته على يديه) (٣).\n_________\n(١) أخرجه الترمذي في التفسير سورة الكهف ٥/ ٣١٣، وقال: هذا حديث غريب. وأخرجه الحاكم في \"المستدرك\" كتاب: التفسير ٢/ ٣٦٩ وقال: حديث صحيح. وعلق عليه الذهبي بقوله: قلت: بل يزيد بن يوسف متروك. وقال الحافظ بن حجر في \"الكافي الشاف\" ص ١٠٤ حديث رقم (٣٢٤): وفيه يزيد بن يوسف الصنعاني وهو ضعيف. وأورده البغوي في \"معالم التنزيل\" ٥/ ١٩٥.\n(٢) \"جامع البيان\" ١٦/ ٦، \"معالم التنزيل\" ٥/ ١٩٥، \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٣٨٤، \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٣٦، \"زاد المسير\" ٥/ ١٨١\nوقال الطبري في \"تفسيره\" ١٦/ ٦: وأولى التأويلين في ذلك بالصواب القول الذي قاله عكرمة؛ لأن المعروف من كلام العرب أن الكنز اسم لما يكنز من مال، وأن كل ما كنز فقد وقع عليه اسم الكنز فإن التأويل موصوف إلى الأغلب من استعمال المخاطبين بالتنزيل ما لم يأت دليل يجب من أجله صرفه إلى غير ذلك لعلل.\nوانظر: \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١١٠، \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٠٧.\n(٣) \"جامع البيان\" ١٦/ ٥، \"معالم التنزيل\" ٥/ ١٩٦، \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٣٦، \"زاد المسير\" ٥/ ١٨١. =","vol":"14","page":124},{"text":"وهذا قول الحسن (١)، وأكثر أهل التفسير (٢).\nوقال في رواية سعيد بن جبير، وكريب: (كان صحفا وعلما) (٣). وهو قول مجاهد: (كان صحفا للغلامين فيها علم) (٤).\nقال أبو إسحاق: (المعروف في اللغة أن الكنز إذا أفرد فمعناه: المال المدفون والمدَّخر، فإذا لم يكن المال قيل: عنده كنز علمٍ، وله كنز فهمٍ، والكنز هاهنا بالمال أشبه. قال: وجائز أن يكون الكنز كان مالًا مكتوب فيه علم على ما روي، فهو مال وعلم عظيم من توحيد الله وإعلام أن محمد -ﷺ- مبعوث) (٥). وعلى ما ذكره أبو إسحاق قول من قال: (إنه كان صحفا فيها علم)، بعيد.\nقال ابن الأنباري: (من قال: إن الكنز كان علمًا سمى العلم كنزًا؛ لأنه يتعجل من نفعه أفضل بما ينال من ناحية الأموال) (٦). فمعنى قوله:\n_________\n= وأخرجه البيهقي في \"الشعب\" ١/ ٦٤، والبزار، كما في \"كشف الأستار\" ٣/ ٥٧. وقال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" ٧/ ٥٣: رواه البزار من طريق بشر بن المنذر عن الحارث بن عبد الله اليحصبي ولم أعرفهما. وقال الحافظ بن حجر في \"الكافي الشاف\" ص ١٠٥: رواه الواحدي من رواية محمد بن مروان السدي الصغير عن أبان عن أنس مرفوعًا، وأبان والسدي الصغير متروكان.\n(١) \"جامع البيان\" ١٦/ ٦، \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٣٦، \"زاد المسير\" ٥/ ١٨١ منسوب لابن عباس، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١١١.\n(٢) \"معالم التنزيل\" ٥/ ١٩٦، \"القرطبي\" ١١/ ٣٨، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١١٢.\n(٣) \"جامع البيان\" ١٦/ ٥، \"معالم التنزيل\" ٥/ ١٩٦، \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٣٦٦، وأخرجه الحاكم في \"المستدرك\" ٢/ ٣٦٩ وقال: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي.\n(٤) \"جامع البيان\" ١٦/ ٥، \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٣٦، \"زاد المسير\" ٥/ ١٨١.\n(٥) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٠٧.\n(٦) ذكره ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٥/ ١٨١، وذكره بلا نسبة: \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٣٦، \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٣٨٤، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٣٨.","vol":"14","page":125},{"text":"﴿كَنْزٌ لَهُمَا﴾ مثل الكنز، كما يقال: هو الأسد شدة، والقمر حسنا معناه: مثل الأسد، ومثل القمر. وعلى قول من قال: إنه مال، لم يكن الكنز حرامًا على أهل ذلك الزمان.\nقال قتادة: (كانت الكنوز حلالًا لمن كان قبلنا، وكانت الغنائم محرمة عليهم، فأحل الله لنا الغنائم، وحرم علينا الكنوز) (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا﴾ قال سعيد بن جبير عن ابن عباس: (حفظا بصلاح أبيهما، ولم يذكر منهما صلاحا) (٢).\nقال جعفر بن محمد: (كان بينهما وبين ذلك الأب الصالح سبعة أباء) (٣) (٤).\n﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ﴾ يا موسى ﴿أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا﴾ قال ابن عباس: (أن يكبرا ويعقلا) (٥). ﴿وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا﴾ ومضى الكلام في بلوغ الغلامين الأشد. ولما أراد الله تعالى أن يبقي ذلك إلى بلوغ الغلامين حتى يستخرجاه\n_________\n(١) \"جامع البيان\" ١٦/ ٦، \"الكشاف\" ٢/ ٤٠٠، \"الدر المنثور\" ٤/ ٤٣١.\n(٢) \"جامع البيان\" ١٦/ ٦، \"معالم التنزيل\" ٥/ ١٩٦، \"بحر العلوم\" ٣/ ٣١٠، \"زاد المسير\" ٥/ ١٨٢.\n(٣) \"جامع البيان\" ١٦/ ٥، \"معالم التنزيل\" ٥/ ١٩٦، \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٣٨٤، \"الكشاف\" ٢/ ٤٠٠، \"زاد المسير\" ٥/ ١٢٧.\n(٤) قال ابن كثير ﵀ في \"تفسيره\" ٣/ ١١٢ عند قوله: ﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا﴾ وفيه دليل على أن الرجل الصالح يحفظ في ذريته، وتشمل بركة عبادته لهم في الدنيا والآخرة بشفاعته فيهم ورفع درجتهم إلى أعلى الدرجات في الجنة لتقر عينه بهم كما جاء في القرآن ووردت به السنة.\n(٥) ذكرته كتب التفسير بدون نسبة. انظر: \"بحر العلوم\" ٢/ ٣١٠، \"معالم التنزيل\" ٥/ ١٩٦، \"زاد المسير\" ٥/ ١٨٢.","vol":"14","page":126},{"text":"أمر الخضر حتى أقام الجدار لأن لا ينهدم.\nوقولى تعالى: ﴿رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ منصوب على ضربين: أحدهما: على معنى أراد ذلك للرحمة، كما تقول: أنقذتك من الهلكة رحمة لك، والثاني: أن يكون منصوبًا على المصدر؛ لأن ما تقدم من الكلام معناه: رحمهما الله بذلك. وهذا معنى قول أبي إسحاق (١).\nوقوله تعالى: (﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ قال ابن عباس: (يريد انكشف لي من الله علم فعملت به ﴿ذَلِكَ تَأْوِيلُ﴾ قال: يريد هذا تفسير ﴿مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾) (٢). وتسطع بمعنى تستطيع، ويذكر الكلام فيه عند قوله: ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ﴾ إن شاء الله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2317>٨٣ </span>- قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ﴾ الآية. قد ذكرنا أن اليهود سألت النبي -ﷺ- عن الروح، وقصة أصحاب الكهف، وعن رجل طواف بلغ شرق الأرض وغربها؟ فكان من جوابه في الروح وقصة أصحاب الكهف ما تقدم (٣).\nواختلفوا في ذي القرنين فقال مجاهد: (كان نبيا) (٤). وهو قول عبد\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٠٧.\n(٢) \"مجمع البيان\" ٦/ ٧٥٤، وذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة. انظر: \"جامع البيان\" ١٦/ ٦، \"بحر العلوم\" ٢/ ٣١٠، \"معالم التنزيل\" ٥/ ١٩٦، \"لباب التأويل\" ٤/ ٢٢٨، \"زاد المسير\" ٥/ ١٨٢، \"الكشاف\" ٢/ ٤٩٦.\n(٣) سبق توثيقه عند قوله سبحانه في سورة الكهف (٩): ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا﴾.\n(٤) \"معالم التنزيل\" ٥/ ١٩٧، \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٣٧، \"فتح القدير\" ٣/ ٤٣٨، ذكروه بدون نسبة.","vol":"14","page":127},{"text":"الله بن عمرو (١). وقال علي -﵁-: (كان عبدًا صالحًا أحب الله فأحبه الله، وناصح الله فنصحه الله) (٢).\nوروى عقبة بن عامر (٣) أن النبي -ﷺ- قال: \"إن أول أمره أنه كان غلامًا من الروم أعطي ملكًا\" (٤). فهو ملك على هذا القول.\nوروى خالد بن معدان (٥): (أن عمر بن الخطاب -﵁- سمع رجلًا\n_________\n(١) \"بحر العلوم\" ٢/ ٣١٠، \"زاد المسير\" ٥/ ١٨٤، \"فتح القدير\" ٣/ ٤٤٣.\n(٢) \"جامع البيان\" ١٦/ ٨، \"معالم التنزيل\" ٥/ ١٩٧، \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٣٧، \"الدر المنثور\" ٤/ ٤٣٥.\n(٣) عقبة بن عامر بن عيسى بن عمرو بن عدي بن عمرو الجهني، أبو حماد، ويقال أبو عمرو، روى عن عمر بن الخطاب، وروى عنه: أبو أمامة، وابن عباس، وقيس بن أبي حازم وغيرهم، ولي أمرة مصر من قبل معاوية -﵁- سنة ٥٨ هـ، وكان من القراء، عالمًا بالفرائض والفقه، فصيح اللسان، يجيد الشعر والكتابة، شهد أحد، وتوفي في آخر خلافة معاوية رضي عنهما.\nانظر: \"أسد الغابة\" ٣/ ٥٥٠، \"الإصابة\" ٤/ ٢٥٠، و\"الجرح والتعديل\" ٦/ ٣١٣، \"تهذيب التهذيب\" ٧/ ٢١٦.\n(٤) أخرجه ابن جرير في \"جامع البيان\" ١٦/ ٨ بسنده عن عقبة بن عام، وذكره ابن عطية في \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٣٨٨ وقال: وهو حديث واهي السند. وأورده ابن كثير في \"تفسيره\" ٣/ ١١٢ قال: وفيه طول ونكاره ورفعه لا يصح وأكثر ما فيه أنه من أخبار بني إسرائيل، والعجب أن أبا زرعة الرازي مع جلالة قدره ساقه في كتابه دلائل النبوة وذلك غريب منه، وفيه من النكارة أنه من الروم، وإنما الذي كان من الروم الإسكندر الثاني وهو ابن قيليس المقدوني الذي تؤرخ به الروم، وأما الأول فقد ذكر الأزرقي وغيره أنه طاف بالبيت مع إبراهيم الخليل ﵇ أول ما بناه وآمن به واتبعه.\nوأخرجه السيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ٤٣٦ وعزاه لابن عبد الحكم في فتح مصر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ والبيهقي في الدلائل عن عقبة بن عامر.\n(٥) خالد بن معدان بن أبي كريب الكلاعي، أبو عبد الله، الشامي، الحمصي، روى عن ثوبان وابن عمر وغيرهما من أصحاب النبي -ﷺ-، وروى عنه عدد من التابعين، توفي =","vol":"14","page":128},{"text":"يقول: يا ذا القرنين. فقال: اللهم غفرا، أما رضيتم أن تتسموا بالأنبياء حتى تسميتم بالملائكة) (١). والله أعلم أي: ذلك كان.\nواختلفوا أيضًا في تسميته بذي القرنين فقال علي -﵁-: (دعا قومه إلى الله فضربوا على قرنه (٢) الأيمن فمات، فأحياه الله، ثم دعا قومه إلى الله فضربوا على قرنه الأيسر فمات، فأحياه الله فسمي ذو القرنين) (٣).\nقال أبو إسحاق: (ويجوز على مذهب أهل اللغة أن يكون سمي ذا القرنين؛ لأنه بلغ قطري الأرض، مشرق الأرض ومغربها) (٤). وهذا قول الزهري قال: (إنما سمي ذا القرنين؛ لأنه بلغ قرن الشمس من مغربها وقرنها من مطلعها) (٥).\nوقال محمد بن إسحاق عن وهب: (إنما سمي [ذا القرنين؛ لأن صفحتي رأسه كانتا من نحاس) (٦). ويقال: (إنما سمي] (٧)؛ لأنه كانت له\n_________\n= ﵀ سنة ١٠٤ هـ.\nانظر: \"تاريخ الثقات\" ص ١٤٢، \"الكاشف\" ١/ ٢٠٨، \"تهذيب التهذيب\" ٢/ ١١٨.\n(١) \"معالم التنزيل\" ٣/ ١٩٨، \"الكشاف\" ٢/ ٤٠٠، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٤٦.\n(٢) في (ص، س): (قرية)، وهو تصحيف.\n(٣) \"جامع البيان\" ١٦/ ٨، \"معالم التنزيل\" ٥/ ١٩٨، \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٣٩٠، \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٣٧، \"الدر المنثور\" ٤/ ٤٣٥.\n(٤) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٠٨.\n(٥) \"معالم التنزيل\" ٥/ ١٩٨، \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٣٧، \"تهذيب اللغة\" (قرن) ٣/ ٢٩٤٧.\n(٦) \"جامع البيان\" ١٦/ ٩، \"المحرر الوجيز\" ١٠/ ٤٤٢، \"زاد المسير\" ٥/ ١٨٣، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١١٢.\n(٧) ما بين المعقوفين ساقط من نسخة (س).","vol":"14","page":129},{"text":"ضفيرتان) (١).\nوقوله تعالى: ﴿قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ أي: خبرا يتضمن في ذكره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2318>٨٤ </span>- قوله تعالى: ﴿إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ﴾ قال على -﵁-: (سخر الله له السحاب فحمله عليها، ومد له في الأسباب، وبسط له النور وكان الليل والنهار (٢) عليه سواء) (٣). وهذا معنى تمكينه في الأرض، وهو: أنه سهل عليه المسير فيها، وذلل له طرقها، وحزومها حتى تمكن منها أنى شاء (٤).\nوقوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾ قال علي عن أبي طلحة عن ابن عباس: (علما) (٥). وهو قول قتادة، وابن زيد، والضحاك، وابن جريج قالوا: (علما يتسبب به إلى ما يريد) (٦).\nوقال أبو إسحاق: (أي آتيناه من كل شيء يبلغ به في التمكن أقطار الأرض) (٧). ﴿سَبَبًا﴾ أي: علما يوصله إلى حيث يريد. قال المبرد: (وكل ما وصل شيئًا بشيء فهو سبب) (٨). وهذا بما يقدم فيه القول، وقال بعض\n_________\n(١) \"معالم التنزيل\" ٥/ ١٩٨، \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٣٨٩، \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٣٧، \"زاد المسير\" ٥/ ١٨٤.\n(٢) قوله: (والنهار)، ساقط من نسخة: (س).\n(٣) \"معالم التنزيل\" ٥/ ١٩٨، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١١٣، \"روح المعاني\" ١٦/ ٣٠.\n(٤) في (ص): (أين شاء).\n(٥) \"جامع البيان\" ١٦/ ٨، \"زاد المسير\" ٥/ ١٨٥، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٤٨، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٠٤.\n(٦) \"جامع البيان\" ١٦/ ٨، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١١٣، \"الدر المنثور\" ٤/ ٤٤٥.\n(٧) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٠٨.\n(٨) ذكره بلا نسبة الأزهري في \"تهذيب اللغة\" (سب) ٣/ ١٦٠٥، \"لسان العرب\" (سبب) ٤/ ١٩٠٩.","vol":"14","page":130},{"text":"المتأولين: (المعنى: وآتيناه من كل شيء بالخلق إليه ﴿سَبَبًا﴾ أي: علما ومعونة) (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2319>٨٥ </span>- وقوله تعالى: ﴿فَأَتْبَعَ سَبَبًا﴾ قال مجاهد: (طريقًا بين المشرق والمغرب) (٢). وهو قول قتادة، والضحاك، وابن زيد، والكلبي وجميعهم (٣). قال أبو عبيدة: (اتبع طريقًا وأثرا) (٤). والمعنى على هذا: أنه، اتبع طريقًا يؤديه إلى مغرب الشمس. وعلى هذا السبب الثاني غير الأول؛ لأن معناه: الطريق، والأول بمعنى: العلم.\nوقال أبو إسحاق: (فأتبع سببا من الأسباب التي أوتي) (٥). وذلك أنه أوتي من كل شيء سببا فأتبع من تلك الأسباب التي أوتي سببا في المسير إلى المغرب. وعلى هذا القول هما سواء. والقراءة الجيدة: فاتبع، وقرئ: فأتبع بقطع الألف (٦). قال الأصمعي: (ومعناه: لحق، يقال: أتبعْتُ القوم لحقتهم، واتَّبع إنما هو أن يتتبع آثارهم وإن لم يلحقهم) (٧). وذكرنا هذا عند\n_________\n(١) ذكرت كتب التفسير نحوه. انظر: \"بحر العلوم\" ٢/ ٣١٠، \"معالم التنزيل\" ٥/ ١٩٨، \"لباب التأويل\" ٤/ ٢٢٩، \"القرطبي\" ١١/ ٤٨، \"التفسير الكبير\" ٢١/ ١٦٥.\n(٢) \"جامع البيان\" ١٦/ ١٠، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١١٣، \"الدر المنثور\" ٤/ ٤٤٥.\n(٣) \"جامع البيان\" ١٦/ ١٠، \"بحر العلوم\" ٢/ ٣١٠، \"زاد المسير\" ٥/ ١٨٥.\n(٤) \"مجاز القرآن\" ١/ ٤١٣.\n(٥) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٠٨.\n(٦) قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو البصري: (فاتبع) بالوصل والتشديد. وقرأ عاصم، وابن عامر، وحمزة، والكسائي: (فأتبع) بالقطع والتخفيف. انظر: \"السبعة\" ص ٣٩٨، \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ١٦٦، \"التبصرة\" ص ٢٥١، \"النشر\" ٢/ ٣١٤.\n(٧) \"إعراب القرآن\" للنحاس ٢/ ٢٩٠، \"لسان العرب\" (تبع) ١/ ٤١٦.","vol":"14","page":131},{"text":"قوله: ﴿فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ﴾ [الأعراف: ١٧٥]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2320>٨٦ </span>- وقوله تعالى ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ أي: ذات حمأة وهي: الطين الأسود المنتن (١). قال ابن السكيت: (أحمأتُ الركيَّة القيت فيها الحمأة، وحمأتُها إذا نزعت حَمْأتَها) (٢). ونحو هذا روى أبو عبيد عن أبي زيد (٣).\nوقال الأصمعي في الأجناس: (على القلب من هذا) (٤). قال الأزهري: (وليس ذلك بمحفوظ، والصواب ما قاله ابن السكيت) (٥).\nويقال: حمئت البئر تحمأ حمأ إذا صارت ذات حمأة فهي حمئة، وهذه قراءة ابن عباس، ومجاهد، وفسراها: (حَمَأة سوداء، وطينة سوداء) (٦). ولما اختلف ابن عباس ومعاوية في حَمِئة وحامية، أرسلا إلى أبي بن كعب: (أين تجد الشمس تغرب؟ فقال: في طينة سوداء. فوافق ابن عباس) (٧).\nوقرأ ابن الزبير، وابن مسعود: حامِية، من غير همز (٨). وهي فاعلة من\n_________\n(١) \"جامع البيان\" ١٦/ ١١، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٤٩، \"فتح القدير\" ٣/ ٤٤٤.\n(٢) \"تهذيب اللغة\" (حما) ١/ ٩٠٩.\n(٣) و(٤) \"تهذيب اللغة\" (حما) ١/ ٩٠٩، \"لسان العرب\" (حمم) ٢/ ١٠٠٦.\n(٥) \"تهذيب اللغة\" (حما) ١/ ٩٠٩.\n(٦) \"جامع البيان\" ١٦/ ١١، \"بحر العلوم\" ٢/ ٣١١، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١١٣.\n(٧) \"جامع البيان\" ١٦/ ١١، \"تفسير القرآن\" للصنعاني ١/ ٤١١، \"معالم التنزيل\" ٥/ ١٩٩، \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٣٩٣، \"الدر المنثور\" ٤/ ٤٤٥.\n(٨) قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وحفص عن عاصم: (حمئه) مهموزة بغير ألف. وقرأ عاصم في رواية أبي بكر، وابن عامر، وحمزة، والكسائي: (حاميه) بألف من غير همز. =","vol":"14","page":132},{"text":"حَمِيَت تَحْمَى فهي حامية أي: حارة، ويدل على صحة هذه القراءة ما روي: (أن النبي -ﷺ- نظر إلى الشمس حين غابت فقال: \"في نار الله الحامية، في نار الله الحامية\") (١). وقال ابن عباس في رواية الوالبي والحسن في قوله: \"في عين حامية\" (عين حارة) (٢). وتترجح هذه القراءة؛ لأنها تجمع المعنيين (٣). وهو ما\n_________\n= انظر: \"السبعة\" ص ٣٩٨، \"الحجة\" للقراءة السبعة ٥/ ١٦٩، \"العنوان في القراءات\" ١٢٤، \"المبسوط في القراءات\" ص ٢٣٧.\n(١) أخرج الإمام أحمد في \"مسنده\" ٢/ ٢٠٧، وانظر: \"المطالب العالية\" ٣/ ٣٥٠، و\"الكافي الشاف\" لابن حجر ص ١٠٤، والطبري في \"جامع البيان\" ١٦/ ١٢، وابن عطية ٩/ ٣٩٣، وابن كثير في \"تفسيره\" ٣/ ١١٣ وقال: رواه الإمام أحمد عن يزيد ابن هارون، وفي صحة رفع هذا الحديث نظر، ولعله من كلام عبد الله بن عمرو من زاملتيه اللتين وجدهما يوم اليرموك، والله أعلم.\nوأورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ٤٤٧، وزاد في نسبته لأبي يعلى، وابن منيع، وابن مردويه.\n(٢) \"جامع البيان\" ١٦/ ١٢، \"تفسير القرآن\" للصنعاني ١/ ٤١٠، \"زاد المسير\" ٥/ ١٨٥٠، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١١٤.\n(٣) قال الطبري -﵀- في \"تفسيره\" ١٦/ ١٢: والصواب من القول في ذلك عندي: أن يقال أنهما قراءتان مستفيضتان في قراءة الأمصار ولكل واحدة منهما وجه صحيح ومعنى مفهوم غير مفسد أحدهما صاحبه، وذلك أنه جائز أن تكون الشمس تغرب في عين حارة ذات حمأة وطين، فيكون القارئ: في عين حامية واصفها بصفتها التي هي لها وهي الحرارة، ويكون القارئ: في عين حمئة واصفها بصفتها التي هي بها وهي أنها ذات حمأ وطين، وقد رُوِي -بكلا صفتيهما اللتين قلت: إنهما من صفتها- أخبار.\nوقال ابن كثير في \"تفسيره\" ٣/ ١٠٥: ولا منافاة بين معنييهما إذ قد تكون حارة لمجاورتها الشمس عند غروبها وملاقاتها الشعاع بلا حائل، وحمئة في ماء وطين أسود، كما قال كعب الأحبار.","vol":"14","page":133},{"text":"ذكره أبو إسحاق فقال: (وقد تكون حارة ذات حمأةٍ) (١).\nوقال أبو علي: (يجوز أن تكون حامية فاعِلةً من الحَمَأة، فخفف الهمزة بأن قلبت ياء محضة، على قياس قول أبي الحسن، وعلى قول الخليل كانت بَين بَين) (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا﴾ أي: عند العين: ﴿قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ﴾ قال ابن الأنباري: (من قال: إن ذا القرنين كان نبيا، فإن الله قال له كما يقول للأنبياء إما بتكلم، أو بوحي، ومن قال: لم يكن نبيا قال: معنى ﴿قُلْنَا﴾ هاهنا: ألهمنا) (٣) ﴿إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ﴾ قال ابن عباس: (يريد إما أن [تقتل ﴿وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا﴾ قال: وإما أن تسبيهم) (٤).\nقال المفسرون: (يريد إما أن] (٥) تقتلهم إن أبوا ما تدعوهم إليه، وإما أن تأسرهم فتعلمهم وتبصرهم الرشاد) (٦). وعلى هذا المراد بالتعذيب: القتل، وباتخاذ الحسن فيهم: أن لا يقتلهم بل يأسرهم فيسلموا عنده.\nوقال الكلبي في قوله: ﴿وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا﴾ (يريد تعفو أو\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٠٨.\n(٢) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ١٦٩.\n(٣) ذكرته كتب التفسير. انظر: \"معالم التنزيل\" ٥/ ١٩٩، \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٣٩٥، \"زاد المسير\" ٥/ ١٨٥، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٥٢.\n(٤) ذكرت كتب بالتفسير نحوه بدون نسبة. انظر: \"جامع البيان\" ١٦/ ١١، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٠٠، \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٣٩٥، \"لباب التأويل\" ٤/ ٢٢٩، \"أنوار التنزيل\" ٣/ ٢٣٥.\n(٥) ما بين المعقوفين ساقط من نسخة (س).\n(٦) \"جامع البيان\" ١٦/ ١٢، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٠٠، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١١٤، \"بحر العلوم\" ٢/ ٣١١.","vol":"14","page":134},{"text":"تنعم) (١). وعلى هذا المراد باتخاذ الحسن فيهم: عفوهم وتركهم. والأول القول؛ لأنه (٢) لو أمر بتركهم والعفو عنهم لم يكن في الدعوة فائدة. قال أبو إسحاق: (أباح له الله ﷿ هذين الحكمين يعني: القتل، والأسر، كما أباح لمحمد الحكم بين أهل الكتاب أو الإعراض) (٣). يعني قوله: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [المائدة: ٤٢].\nقال ابن الأنباري: (موضع ﴿أَن﴾ نصب؛ لأن المعنى: اختر التعذيب أو اتخذا الحسن عندهم، فأفادت ﴿إِمَّا﴾ التخيير، قال: ويجوز أن يكون رفعا بتأويل: إما هو التعذيب، وإما هو الاتخاذ) (٤). قال قتادة: (فقضى فيهم بقضاء الله، وكان عالمًا بالسياسة) (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2321>٨٧ </span>- فقال: ﴿أَمَّا مَنْ ظَلَمَ﴾ قال ابن عباس: (يريد أشرك) (٦) ﴿فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ﴾: نقتله إذا لم يرجع عن الشرك. ﴿ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ﴾ بعد قتلي إياه ﴿فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا﴾ يعني في النار، وعذاب الله إياه بالنار أنكر من عذاب القتل. قاله الزجاج (٧).\n_________\n(١) ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة. انظر: \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٠٠، \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٣٩، \"لباب التأويل\" ٤/ ٢٣٠، \"التفسير الكبير\" ٢١/ ١٦٧.\n(٢) قوله: (القول لأنه)، ساقط من نسخة (س).\n(٣) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٠٩.\n(٤) ذى بلا نسبة في \"إعراب القرآن\" للنحاس ٢/ ٢٩١، \"إملاء ما من به الرحمن\" ص ٤٠٤، \"البحر المحيط\" ٦/ ١٦٠، \"الدر المصون\" ٧/ ٥٤٢.\n(٥) لم أقف عليه وذكره المؤلف في \"تفسيره الوسيط\" ٣/ ١٦٥.\n(٦) \"مجمع البيان\" ٦/ ٧٥٧. وذكرته كتب التفسير بدون نسبة. انظر: \"زاد المسير\" ٥/ ١٨٦، \"الكشاف\" ٢/ ٤٩٧، \"أنوار التنزيل\" ٣/ ٢٣٥، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١١٤، \"روح المعاني\" ١٦/ ٣٤، \"إرشاد العقل السليم\" ٥/ ٢٤٣.\n(٧) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٠٩.","vol":"14","page":135},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2322>٨٨ </span>- ﴿وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى﴾ يكون هذا الجزاء من الله تعالى، والحسنى هاهنا على معنيين أحدهما: الجنة، وأضيف الجزاء إليها وهي الجزاء، كما قال: ﴿حَقُّ الْيَقِينِ﴾، ﴿وَلَدَارُ الْآخِرَةِ﴾، و﴿دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٥]، وهذا قول الفراء (١). والثاني: أن تكون الحسنى حسناته، ويكون المعنى: له جزاء الخلال الحسنة التي آتاها وعملها. وهذا القول ذكره الفراء أيضًا، واختاره أبو علي وحرره (٢). ويجوز أن يكون هذا الجزاء المذكور من ذي القرنين، وهو قول ابن عباس؛ كأنه قال: أتفضل عليه وأعطيه. وعلى هذا لا يكون معنى الحسنى: الجنة؛ لأن الجزاء بها لا يجزيه إلا الله عز ذكره، ومضى الكلام في الحسنى عند قوله: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى﴾ [يونس: ٢٦] الآية.\nوقرأ أهل الكوفة: فله جزاءً نصبا منونًا (٣). قال الفراء: (أي فله الحسنى جزاء، نصبت ﴿جَزَاءً﴾ هو على التفسير) (٤).\nوقال الزجاج: (﴿جَزَاءً﴾ مصدر منصوب في موضع الحال، المعنى: فله الحسنى مجزيًا بها جزاء) (٥). ونحو هذا قال أبو علي: (هو مصدر واقع موقع الحال، المعنى: فله الحسنى مجزية) (٦).\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٥٩.\n(٢) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٥٩، \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ١٧٠.\n(٣) قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وعاصم في رواية أبي بكر: ﴿جَزَاءً الْحُسْنَى﴾ منونًا منصوبًا. انظر: \"السبعة\" ص ٣٩٨، \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ١٧٠، \"الغاية في القراءات\" ٣١٢، \"التبصرة\" ص ٢٥١، \"النشر\" ٢/ ٣١٥.\n(٤) \"معاني القرآن\" للفراء٢/ ١٥٩.\n(٥) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٠٩.\n(٦) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ١٧٠.","vol":"14","page":136},{"text":"قال الأخفش: (وهذا لا يكاد العرب تكلم به مقدما إلا في شعر) (١). وذكر ابن الأنباري في انتصاب ﴿جَزَاءً﴾ وجهين أحدهما: (المصدر على معنى: فيجزى الحسنى جزاء، كما يقال: هو لك هبة. والآخر: أن ينتصب على التفسير بمعنى: فله الحسنى من جزاء، كما قالوا: لك أسمنها كبشا، أي: من كبش) (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا﴾ قال الكلبي: (أي خيرًا) (٣). وقال مجاهد: (معروفًا) (٤). وقال أبو إسحاق: (أو نقول له قولا جميلًا) (٥).\nوقال عباس: (يريد كما يحيي المؤمنون بعضهم بعضًا، مثل قول النبي -ﷺ-: يكن لك ما لنا، وعليك ما علينا) (٦). فجعل القول باليسر هاهنا السلم والمشاركة معه في الخير والشر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2323>٨٩ </span>- وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا﴾ إخبار عن ذي القرنين أنه سلك طريقًا آخر مما يوصله إلى المشرق.\n<span data-type=\"title\" id=toc-2324>٩٠ </span>- قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا﴾ قال قتادة: (لم يكن بينهم وبين الشمس ستر، وذلك\n_________\n(١) ذكره الفارسي في \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ١٧٠.\n(٢) ذكر بلا نسبة في \"إملاء ما من به الرحمن\" ص ٤٠٤، \"إعراب القرآن\" للنحاس ٢/ ٢٩٢، \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٣٩٥، \"الدر المصون\" ٧/ ٥٤٣.\n(٣) ورد نحوه بلا نسبة في \"جامع البيان\" ١٦/ ١٣، \"الكشاف\" ٢/ ٤٠١، \"بحر العلوم\" ٢/ ٣١١.\n(٤) \"جامع البيان\" ١٦/ ١٣، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٠٠، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١١٤، \"الدر المنثور\" ٤/ ٤٤٨.\n(٥) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٠٩.\n(٦) لم أقف عليه.","vol":"14","page":137},{"text":"أنهم كانوا في مكان لا يستقر عليه بناء) (١).\nونحو هذا قال الحسن (٢). وقال الكلبي بإسناده عمن لقيهم: (كان أحدهم يفرش أذنه ويلبس الأخرى، وقال: كانوا عراة حفاة) (٣). وعلى هذا القول لا ستر بينهم وبين الشمس مما يلبسون. وعلى القول الأول من البناء. وجمع بينهما أبو إسحاق فقال: (لم يكن لهم شيء يظلهم من سقف ولا لباس) (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2325>٩١ </span>- قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ﴾ اختلفوا في المشبه به، والمشار إليه فقال الزجاج: (يجوز أن يكون التقدير: وجدها تطلع على قوم، كذلك القبيل الذي كانوا عند مغرب الشمس وأن حكمهم حكم أولئك) (٥). وقال غيره: (المعنى كما بلغ مغرب الشمس فكذلك بلغ مطلعها) (٦). وقيل: (أتبع سببًا،\n_________\n(١) \"جامع البيان\" ١٦/ ١٤، \"تفسير القرآن\" للصنعاني ١/ ٣٤٧، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٠٠، \"زاد المسير\" ٥/ ١٨٨.\n(٢) \"جامع البيان\" ١٦/ ١٤، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٠٠، \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٣٩٨ - ٣٩٩، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٥٤.\n(٣) \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٠١، \"الكشاف\" ٢/ ٤٠١، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٥٤، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٥. ولعل هذه من الروايات الإسرائيلية.\n(٤) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٠٩.\nوقال ابن عطية في \"تفسيره\" ٩/ ٣٩٨: والظاهر من اللفظ أنها عبارة بليغة عن قرب الشمس منهم وفعلها لقدرة الله تعالى فيهم، ونيلها منهم، ولو كان لهم أراب تغني لكان سترًا كثيفًا، وإنما هم في قبضة القدرة سواء كان لهم أسراب أو دور أو لم يكن، ألا ترى أن الستر عندنا نحن إنما هو من السحاب والغمام وبرد الهوى، ولو سلط الله علينا الشمس لأحرقتنا فسبحان المنفرد بالقدرة التامة.\n(٥) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٠٩.\n(٦) \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٠١، \"بحر العلوم\" ٢/ ٣١١، \"زاد المسير\" ٥/ ١٨٨.","vol":"14","page":138},{"text":"كما أتبع سببا) (١). والقول ما قاله أبو إسحاق؛ لأن التشبيه بالكاف يجب أن يرجع إلى أقرب المذكور إليه، والأقرب وجود القوم لا البلوغ والإتباع.\nوقوله تعالى: ﴿وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا﴾ قال مقاتل: (وقد أحطنا بما قبله علما) (٢). أي: علمنا ما كان عنده من الجيوش والعدة. وهذا معنى قول ابن عباس؛ لأنه يقول: (يقول الله سبحانه: مكنته (٣) وملكته) (٤). يعني أنا أعطيته ما كان عنده، وإذا كان عطاؤه كان معلومه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2326>٩٢ </span>- ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا﴾ ثالثًا، مما يبلغه قطرا من أقطار الأرض.\n٩٣ - قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ﴾ قرئ: بالفتح، والضم (٥). قال أبو عبيدة: السُّد مضموم إذا كان مخلوقًا من فعل الله تعالى، فإن كان من فعل الآدميين فهو سَدّ مفتوح) (٦). وهذا قول عكرمة (٧)، والأخفش (٨).\n_________\n(١) \"جامع البيان\" ١٦/ ١٤، \"زاد المسير\" ٥/ ١٨٨ - ١٨٩، \"البحر المحيط\" ٦/ ١٦١.\n(٢) \"بحر العلوم\" ٢/ ٣١١.\n(٣) في (ص): (مكية)، وهو تصحيف.\n(٤) ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة. انظر: \"جامع البيان\" ١٦/ ١٥، \"بحر العلوم\" ٢/ ٣١٢، \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٤٢، \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٣٩٩، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٦/ ١٩.\n(٥) قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وحفص عن عاصم: ﴿بَيْنَ السَّدَّيْنِ﴾ بفتح السين. وقرأ ابن عامر، ونافع، وحمزة، والكسائي، وعاصم في رواية أبي بكر ﴿بين السُّدين﴾ بضم السين.\nانظر: \"السبعة\" ص ٣٩٩، \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ١٧١، \"المبسوط في القراءات\" ص ٢٣٧، \"التبصرة\" ص ٢٥١.\n(٦) \"مجاز القرآن\" ١/ ٤١٤، \"تهذيب اللغة\" (سد) ٢/ ١٦٥٥.\n(٧) \"جامع البيان\" ١٦/ ١٥، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٠١، \"زاد المسير\" ٥/ ١٨٩ - ١٩٠.\n(٨) ذكره الأزهري في \"تهذيب اللغة\" (سد) ٢/ ١٦٥٥.","vol":"14","page":139},{"text":"وقال الكسائي: (ضم السين وفتحها سواء) (١).\nوقال ابن الأعرابي: (كل ما قابلك فَسَدَّ ما وراءه فهو سَدّ وسُدّ، وهذا نحو: الضَعف والضُعف، والفَقر والفُقر) (٢). وقال أبو علي الفارسي: (يجوز أن يكون السَّد مصدرًا، والسُّد المسدود كالأشياء التي يفصل فيها من المصادر والأسماء، نحو: السِّقي والسُّقي، والطِّحن والطُّحن، والشِّرب والشُّرب، والقَبْض والقُبْض، وإذا كان كذلك فالأشبه بين السدين؛ لأنه المسدود، وأما من فتح السين جعله اسما للمسدود نحو: نَسجُ اليمن، وضَربُ الأمير) (٣).\nوقال الأخفش: (المفتوحة أكثر اللغتين) (٤).\nقال ابن عباس: (هما جبلان سَد ذو القرنين ما بينهما جاجزًا بين يأجوج ومأجوج ومن سواهم) (٥).\nوقوله تعالى: ﴿لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا﴾ أي: يعلمونه فلا يستنبطون من فحواه شيئًا، وقرئ: يُفقهون بضم الياء (٦). والمعنى: لا يكادون يفقهون\n_________\n(١) \"تهذيب اللغة\" (سد) ٢/ ١٦٥٥، \"إعراب القرآن\" للنحاس ٢/ ٢<span data-type=\"title\" id=toc-2327>٩٣</span>.\n(٢) \"زاد المسير\" ٥/ ١٨٩، \"تهذيب اللغة\" (سد) ٢/ ١٦٥٥، \"الحجة\" ٥/ ١٧١.\n(٣) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ١٧١.\n(٤) ذكره الفارسي في \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ١٧١.\n(٥) \"جامع البيان\" ١٦/ ١٦، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٠١، \"بحر العلوم\" ٢/ ٣١٢.\n(٦) قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وعاصم، وابن عامر: ﴿يَفْقَهُونَ﴾ بفتح الياء والقاف.\nوقرأ حمزة، والكسائي: ﴿يُفقِهون﴾ بضم الياء وكسر القاف.\nانظر: \"السبعة\" ص ٣٩٩، \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ١٧٢، \"المبسوط\" ص٢٣٩، \"التبصرة\" ص٢٥٢.","vol":"14","page":140},{"text":"أحدًا قولًا، فحذف أحد المفعولين كما حذف من قوله: ﴿لِيُنْذِرَ بَأْسًا﴾ [الكهف: ٢] وهذا الحذف غير ضيق. قال ابن عباس: (يريد لا يفهمون كلام أحد ولا يفهم الناس كلامهم) (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2328>٩٤ </span>- قوله تعالى: ﴿قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ﴾ إن قيل: كيف خاطبوا ذا القرنين وقد وصفهم الله تعالى بأنهم لا يَفهمون ولا يُفهمون؟\nوالجواب عن هذا أن يقال: كلم عنهم قوم آخرون مترجمة عن لغتهم، فنسب القول إليهم، لما كان بأمرهم وإرادتهم، وهذا على قول من يجعل يكادون صلة كقوله: ﴿لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ [النور: ٤٠] (٢).\nومن لم يجعل صلة قال: هم يفقهون وُيفقهون وإذا قلت: لا يكاد فلان يفعل كذا، كان المعنى أنه يقارب أن لا يفعل ولكن يفعل (٣). وذكرنا هذا عند قوله: ﴿وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة: ٧١].\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ﴾ أكثر أهل العلم على أن هذين اسمان أعجميان مثل: طالوت وجالوت، وهاروت وماروت، لا ينصرفان للتعريف والعجمة (٤). والقراءة فيها: بترك الهمز، وقرأ عاصم بالهمز (٥).\n_________\n(١) \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٠١، وذكره السمرقندي في \"بحر العلوم\" ٢/ ٣١٢ بدون نسبة.\n(٢) \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٠١ - ٢٠٢، \"زاد المسير\" ٥/ ١٩٠، \"فتح القدير\" ٣/ ٤٤٥.\n(٣) \"زاد المسير\" ٥/ ١٩٠، \"روح المعاني\" ١٦/ ٣٨، \"مفاتح الغيب\" ٢١/ ١٧٠.\n(٤) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣١٠، \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ١٧٣.\n(٥) قرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، وحمزة، والكسائي: (ياجوج وماجوج) بغير همز. وقرأ عاصم: (يأجوج ومأجوح) بالهمز.\nانظرت: \"السبعة\" ص٣٩٩، \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ١٧٢، \"الغاية في القراءات\" ص ٣١٢، \"الكشف عن وجوه القراءات\" ٢/ ٧٧.","vol":"14","page":141},{"text":"قال الليث: (والهمز لغة رديئة) (١).\nوذكر الأخفش، والزجاج، وأبو علي وجه جواز كون الاسمين عربيين فقالوا: (من همز يأجوج يجوز أن يكون عربيًا، ويكون على وزن يفعول مثل: يربوع من أَجَّةِ النار والحر، ومن لم يهمز أمكن أن يكون خفف الهمزة فقلبها ألفا مثل رأس وأما يأجوج فيمن همز: فمفعول (٢) من أجَّ، والكلمتان من أصل واحد في الاشتقاق ومن لم يهمز فيجوز أن يكون خفف الهمزة كما ذكرنا، ويجوز أن يكون فاعول من مجَّ، والكلمتان على هذا من أصلين، وليستا من أجل واحد، ويكون ترك الصرف فيهما للتأنيث والتعريف، كأنه اسم للقبيلة كمجوس. وهذه التمثيلات لا يصح فيها إن جعلتها من العجمي؛ لأن العجمي لا يشتق (٣) من العربية) (٤).\nقال ابن الأنباري: (وجه همزه على هذا القول أنه لا يعرف له أصل، كما أن العرب همزت حروفًا لا تعرف للهمزة فيها أصل، كقولهم: لبأت (٥)، ورثأت (٦)، واستنشأت الريح (٧)، وإذا كان هذا معروفًا في أبنية\n_________\n(١) لم أقف عليه. وهو قول ضعيف لا يصح، لأنه مخالف لقراءة سبعية ثابتة متواترة عن النبي -ﷺ-، والقراءة الصحيحة حجة على اللغة.\n(٢) قوله: (فمفعول)، ساقط من نسخة (ص).\n(٣) في (ص): (لا يسبق)، وهو تصحيف.\n(٤) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣١٠، \"معاني القرآن\" للأخفش (٦٢١)، \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ١٧٣.\n(٥) لبأت: اللبأ هو أول اللبن في النتاج، تقول لبأت الناقة إذا حلبت لباء. انظر: \"تهذيب اللغة\" (لب) ٤/ ٣٢٢٤، \"الصحاح\" (لبأ) ١/ ٧٠.\n(٦) رثأت: الرِثيئة الحامض يحلب عليه فيخثر. انظر: \"تهذيب اللغة\" (رث) ٢/ ١٣٥٨، \"لسان العرب\" (رثأ) ٣/ ١٥٧٩ - ١٥٨٠.\n(٧) اسْتَنْشأت: من نَشَيْت الريح بلا همز أي: شممتها. والاستنشاء يهمز ولا يهمز، وقيل: هو من الإنشاء: الابتداء. =","vol":"14","page":142},{"text":"العرب كان معروفًا في الألفاظ التي أصلها للعجم) (١). هذا هو الكلام في أصل الكلمتين من العربية.\nوأما المسمون بهذين الاسمين فقال وهب: (هم من ولد يافث بن نوح، أب الترك) (٢). وهذا قول مقاتل بن سليمان (٣).\nوقال الضحاك: (هم جيل من الترك) (٤). وقال السدي: (الترك سرية من يأجوج ومأجوج خرجت تعبر، فجاء ذو القرنين فبنى السد على إحدى وعشرين قبيلة، وبقيت منهم قبيلة واحدة دون السد فهم الترك) (٥).\nوقال كعب: (هم نادرة في ولد آدم، وذلك أن آدم احتلم ذات يوم، وامتزجت نطفته بالتراب، فخلق الله من ذلك الماء يأجوج ومأجوج، فهم متصلون بنا من جهة الأب دون الأم) (٦).\n_________\n= انظر: \"تهذيب اللغة\" (نشأ) ٤/ ٣٥٦٦، \"لسان العرب\" (نشأ) ٧/ ٤٤١٨.\n(١) ذكره \"فتح القدير\" ٣/ ٣١٢، وورد معناه بلا نسبة في \"إعراب القرآن\" للنحاس ٢/ ٢٩٤، \"إملاء ما من به الرحمن\" ص ٤٠٤، \"البحر المحيط\" ٦/ ١٦٣، \"الدر المصون\" ٧/ ٥٤٥.\n(٢) \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٠٢، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١١٦، \"روح المعاني\" ١٦/ ٣٨.\n(٣) \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٥٦، \"فتح القدير\" ٣/ ٤٤٥.\n(٤) \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٠٢، \"زاد المسير\" ٥/ ١٩٠، \"روح المعاني\" ١٦/ ٣٨.\n(٥) \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٠٢، \"زاد المسير\" ٥/ ١٩٠، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٥٨، \"البحر المحيط\" ٦/ ١٦٣.\n(٦) \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٠٣، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٥٦.\nوذكره ابن كثير ﵀ في \"تفسيره\" ٣/ ١١٦ وقال: وهذا قول غريب جدًا، لا دليل عليه لا من عقل ولا من نقل، ولا يجوز الاعتماد هاهنا على ما يحيكه بعض أهل الكتاب لما عندهم من الأحاديث المفتعلة. والله اعلم. =","vol":"14","page":143},{"text":"وقال ابن عباس في رواية عطاء: (هم عشرة أجزاء، وولد آدم كلهم جزء) (١).\nوقوله تعالى: ﴿مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ قال قتادة: (هما: حيَّان حيَّا سوء، كانا أهل بغي وظلم على من جاورهما) (٢).\nوقال الكلبي: (كانوا يخرجون إلى أرض هؤلاء الذين شكوهم إلى ذي القرنين أيام الربيع، فلا يدعون فيها شيئًا أخضر إلا أكلوه) (٣).\nوقوله تعالى: ﴿فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا﴾ وقرئ: خَرَاجًا (٤).\nقال ابن عباس: (يريد: جعلًا) (٥).\nقال الليث: (الخَرْجُ والخَرَاجُ شيء واحد، وهو شيء يُخرجه القوم من مالهم بقدر معلوم) (٦). والمعنى على هذا: هل نخرج إليك من أموالنا\n_________\n= وقال القرطبي ١١/ ٥٦: وهذا فيه نظر، لأن الأنبياء صلوات الله عليهم لا يحتلمون.\nوانظر: \"روح المعاني\" ١٦/ ٣٨.\n(١) \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٠٢، \"زاد المسير\" ٥/ ١٣٣.\n(٢) \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٥٩ بدون نسبة، \"البحر المحيط\" ٦/ ١٦٤.\n(٣) \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٠٤، \"الكشاف\" ٢/ ٤٠٢.\n(٤) قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وعاصم: (خرجا) بغير ألف. وقرأ حمزة، والكسائي: (خراجا) بألف.\nانظر: \"السبعة\" ص٤٠٠، \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ١٧٤، \"المبسوط\" ص ٢٣٩، \"التبصرة\" ص ٢٥٢.\n(٥) \"جامع البيان\" ١٦/ ٢٢، \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٤٠٣، \"زاد المسير\" ٥/ ١٩١، \"البحر المحيط\" ٦/ ١٦٤، \"الدر المنثور\" ٤/ ٤٥١.\n(٦) \"زاد المسير\" ٥/ ١٩١، \"البحر المحيط\" ٦/ ١٦٤، \"تهذيب اللغة\" (خرج) ١/ ١٠٠٣.","vol":"14","page":144},{"text":"[شيئًا كالجُعل لك عطية نخرجه إليك من أموالنا] (١)، وكل ما استخرج من ضَرِيبة وجزية وغلة فهو خَراج وخَرْج، ومنه الحديث: \"الخَرَاخ بالضمان\" (٢). يعني الغَلَّة، سمي خراجا وخَرْجا؛ لأن المؤدي يُخرجه، والآخذ يستخرجه.\nوفصل قوم بين الخَرْج والخراج فقالوا: (الخرج المصدر لما يخرج من المال كالضرب والقطع، والخراج الاسم لما يخرج من الأرض ونحوه كالنبات والحصاد فالخرج والخراج بمنزلة الحصد والحصاد). وهذا معنى قول الفراء والزجاج (٣).\nوقال ابن الأعرابي -ونحو هذا قال ثعلب-: الخرج أخص، والخراج أعم. يقال: أدَّى خرج رأسه، وأخذ الإمام خراج البلد) (٤).\nوقد حكى أبو عبيدة: (العبد يؤدي إليك خرجه أي: غلته، والرعية تؤدي إلى الأمير الخرج) (٥). فحكى الخرجة في الضريبة التي على الأرضين فدل أن كلامهما بمعنى. وقال العجاج (٦):\n_________\n(١) ما بين المعقوفين مكرر في (ص).\n(٢) أخرجه الترمذي، كتاب: البيوع، باب: ما جاء فيمن يشتري العبد ويستعمله ثم يجد به عيبًا ٣/ ٥٨١ وقال: هذا حديث حسن صحيح. والنسائي، كتاب: البيوع، باب: الخراج بالضمان ٧/ ١٨٢، وابن ماجه كتاب: التجارات، باب: الخراج بالضمان ٢/ ٧٥٣، وأبو داود في كتاب: البيوع باب: فيمن اشترى عبدًا فاستعمله ثم وجد به عيبًا ٣/ ٧٧٧، والحاكم ٢/ ١٥ وصححه، ووافقه الذهبي.\n(٣) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣١٠، \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٥٩.\n(٤) \"البحر المحيط\" ٦/ ١٦٤، \"روح المعاني\" ١٦/ ٣٩.\n(٥) \"تهذيب اللغة\" (خرج) ١/ ١٠٠٣.\n(٦) هذا عجز بيت العجاج، وصدره: =","vol":"14","page":145},{"text":"يوم خراجٍ يُخْرِج السمرَّجا\nوهذا ليس على الضرائب التي ألزمت الأرضين؛ لأن ذلك لا يكاد يضاف إلى وقت من يوم وغيره، وإنما هو شيء مؤبد لا يتغير عما عليه (١) وقال أبو الحسن: (لا أدري أيهما أكثر في بلاد العرب) (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2329>٩٥ </span>- ويدل على أن المراد بالخَرْج والخَرَاج هاهنا: العطية منهم له، قوله تعالى في جوابه لهم: ﴿قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ﴾ والمعنى: ما مكني فيه من الاتساع في الدنيا، خير من خرجكم الذي تبذلونه لي، ومكَّن منقول من مكن يقال: مكُنَ مَكَانَةً، وهو مَكِين عند السلطان من قوم مُكناء، ومكَّن غيره إذا جعله ذا تمكن. وقراءة العامة: ما مَكَّنِّي بنون واحدة مشددة (٣). أدغموا النون في النون لاجتماع النونين كقوله: ﴿لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ﴾ [يوسف: ١١] وقرأ ابن كثير: بنونين؛ لأنهما من كلمتين والثانية غير لازمة؛\n_________\n= عكف النبيط يلعبون الفنزجا\nالفنزجا: يعني به رقص المجوس إذا أخذ بعضهم يد بعض وهم يرقصون.\nالسمرجا: يوم للعجم يستخرجون فيه الخراج في ثلاث مرات، وعربه رؤبة بأن جعل الشين سينًا.\nانظر: \"ديوانه\" ص ٢٥، \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ١٧٤، \"تهذيب اللغة\" (السمرج) ٢/ ١٧٥٣، \"لسان العرب\" (شمرج) ٤/ ٢٣٢٣.\n(١) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ١٧٤.\n(٢) ذكر نحوه الأزهري في \"تهذيب اللغة\" (خرج) ١/ ١٠٠٣.\n(٣) قرأ نافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وحمزة، والكسائي، وعاصم: (ما مكنِّي) بنون واحدة مشددة.\nوقرأ ابن كثير: (ما مكنني) بنونين.\nانظر: \"السبعة\" ص ٤٠٠، \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ١٧٦، \"المبسوط في القراءات\" ص ٢٣٩، \"النشر\" ص ٣١٥٢.","vol":"14","page":146},{"text":"لأنك تقول: مكنتك ومكنته فلم تدغم (١).\nقال ابن عباس: (يريد ما أعطاني وملكني أفضل من عطيتكم) (٢).\nوقولى تعالى: ﴿فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ﴾ قال: (يريد بقوة الأبدان) (٣).\nوقال الزجاج: (بعمل يعملونه) (٤).\nمعنى: ﴿أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا﴾ سدًّا وحاجزًا.\nقال ابن عباس: (وهو أشد الحجاب) (٥).\nومعنى الرَّدم في اللغة: سدُّك بابًا كله أو ثلمةً أر مدخلًا، يقال: رَدَمَه يردمه ردمًا (٦).\nقال أبو إسحاق: (والرَّدْمُ في اللغة أكثر من السدِّ؛ لأن الردم ما جعل بعضه على بعض، يقال: ثوب مردم إذا كان قد رُقِع رقعة فوق رُقعة) (٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2330>٩٦ </span>- قوله تعالى: ﴿آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ﴾ لم يرد فأتوني استدعاء تمليك عين، ولكن تمليك المناولة بالأنفس؛ لأنه كلفهم المعونة على عمل السد\n_________\n(١) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ١٧٧، \"الكشف عن وجوه القراءات\" ٢/ ٧٨.\n(٢) ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة. انظر: \"جامع البيان\" ١٦/ ٢٣، \"بحر العلوم\" ٢/ ٣١٢، \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٤٠٣، \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٤٢، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ١٩، \"التفسير الكبير\" ٢١/ ١٧١، \"أنوار التنزيل\" ٣/ ٢٣٦.\n(٣) \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٤٠٣، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٠٤، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٦٠\n(٤) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣١١.\n(٥) \"جامع البيان\" ١٦/ ٢٣، \"الدر المنثور\" ٤/ ٤٥٢، \"روح المعاني\" ١٦/ ٤٠، \"فتح القدير\" ٣/ ٤٤٦.\n(٦) انظر: \"تهذيب اللغة\" (ردم) ٢/ ١٣٩٥، \"القاموس المحيط\" (ردم) ص١١١٢، \"المعجم الوسيط\" (ردم) ١/ ٣٣٩، \"مختار الصحاح\" (ردم) (١٠١).\n(٧) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣١١.","vol":"14","page":147},{"text":"بقوله: ﴿فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ﴾ ولم يقل: الخرج الذي بذلوه، فلا يسألهم الحديد أيضًا (١). وهذا معنى قول ابن عباس: (يريدا احملوا إلى زبر الحديد) (٢) ألا ترى أنه فسره بالحمل إليه لا بمعنى التمليك.\nقال الفراء: (معناه: آتوني) (٣). يريد: فلما ألقيت الباء زيدت ألف، كما تقول: قد أتيتك زيدًا، تريد: أتيتك يزيد، ويقوي هذا المعنى الذي ذكرناه قراءة من قرأ: ائتوني (٤). موصولًا من الإتيان على معنى جيؤني، وهو هاهنا حسن لاختصاصه بالمعونة فقط دون أن يكون سؤال عينه. وعلى هذه القراءة انتصب زبر الحديد بحذف الحرف اتساعًا، فيصل الفعل إلى المفعول الثاني على حد: أمرتك الخير، والتقدير: ايتوني بزبر الحديد (٥).\nوزبر الحديد: قطعه في قول الجميع. قال الليث: (زبرة الحديد: قطعة ضخمة منه) (٦). وأصلها الاجتماع ومنه: زبرى الأسد، وهي: ما اجتمع من الشعر على كاهله، وزَبَرْت الكتاب: إذا كتبته؛ لأنك جمعت\n_________\n(١) \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٤٠٥، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٦٠، \"البحر المحيط\" ٦/ ١٦٤.\n(٢) \"زاد المسير\" ٥/ ١٩٢.\n(٣) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٦٠.\n(٤) قرأ نافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وحمزة، والكسائي، وابن كثير، وحفص عن عاصم: (ردما آتوني) بالمد. وقرأ عاصم في رواية أبي بكر: (ردما آئتوني) بالقصر وكسر التنوين ووصل الألف. انظر: \"السبعة\" ص ٤٠٠، \"الحجة\" ٥/ ١٧٥، \"التبصرة\" ص ٢٥٢، \"المبسوط\" ص ٢٤٠.\n(٥) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ١٧٥، \"حجة القراءات\" ص٤٣٤، \"الكشف عن وجوه القراءات\" ٢/ ٧٩.\n(٦) \"تهذيب اللغة\" (زبر) ٢/ ١٥٠٦، \"لسان العرب\" (زبر) ٣/ ١٨٠٤.","vol":"14","page":148},{"text":"حروفه، وزبرة الحديد: جملة مجتمعة منه (١).\nقال ابن عباس في تفسير ﴿زُبَرَ الْحَدِيدِ﴾: (هي على قدر الحجارة التي يبنى بها قدر ما يحمل الرجل) (٢). ومعنى الآية: أنه يأمرهم أن ينقلوا إليه زبر الحديد ليعمل بها الردم في وجوه يأجوج ومأجوج، فأتوه بها فبناه ﴿حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ﴾ قال الفراء: (ساوى وسوَّى بينهما: واحد) (٣). والمعنى: أنه جمع زبر الحديد ووضع بعضها على بعض بين الصدفين حتى سوى بينهما بالحديد. والصدفان: (الجبلان) في قول جميع المفسرين (٤). قال أبو عبيدة: (الصدفان جانبا الجبل) (٥). ونحوه قال الزجاج (٦).\nوقال الأزهري: (الصَّدف والصُّدْفة الجانب والناحية، يقال: لجانبي الجبل إذا تحاذا صدفان لتصادفهما أي: تلاقيهما، ومن هذا يقال: صادفت فلانا أي: لاقيته) (٧). ويقال للبناء العظيم المرتفع: صَدَف. شبه بجانب الجبل، ومنه الحديث: (إذا مر بصدف مائل أسرع المشي) (٨). وفيه ثلاثة\n_________\n(١) انظر: \"تهذيب اللغة\" (زبر) ٢/ ١٥٠٦، \"مقاييس اللغة\" (زبر) ٣/ ٤٤، \"الصحاح\" (زبر) ٢/ ٦٦٦ \"لسان العرب\" (زبر) ٣/ ١٨٠٤.\n(٢) ذكر نحوه الطبري في \"جامع البيان\" ١٦/ ٢٤، والسمرقندي في \"بحر العلوم\" ٢/ ٣١٣.\n(٣) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٦٠.\n(٤) \"جامع البيان\" ١٦/ ٢٤، \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٤٠٧، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٠٥، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٦١.\n(٥) \"مجاز القرآن\" ١/ ٤١٤.\n(٦) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣١١.\n(٧) \"تهذيب اللغة\" (صدف) ٢/ ١٩٨٩.\n(٨) أخرجه الإمام أحمد ٢/ ٣٥٦ عن أبي هريرة -﵁-، وأورده القرطبي ١١/ ٦١، وأورده الأزهري في \"تهذيب اللغة\" (صدف) ١٢/ ١٤٦.","vol":"14","page":149},{"text":"أوجه من القراءة: الصدفين بضم الصاد والدال، والصدفين بفتحهما، والصدفين بضم الصاد وتسكين الدال (١). وكلها لغات في هذه الكلمة فاشية.\nوقوله تعالى: ﴿قَالَ انْفُخُوا﴾ قال ابن عباس: (يريد انفخوا على زبر الحديد بالكير) (٢). قال الزجاج: (جعل بينهما الحطب والفحم، ووضع عليها المنافيخ حتى إذا صارت كالنار، وهو قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا﴾ والحديد إذا أُحمي بالفحم والمنفاخ صار كالنار) (٣).\nوقوله تعالى: ﴿قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾ قال ابن عباس: (أذاب النحاس، ثم أفرغه على زبر الحديد فاختلط ولصق بعضه ببعض، حتى صار جبلًا صلدًا من حديد ونحاس) (٤). قال قتادة: (وهو كالبُرْد المحبَّر طريقة سوداء، وطريقة حمراء) (٥).\nوالقطر: النحاس الذائب، وأصله من القطر وذلك أنه إذا أذيب قطر كما يقطر الماء (٦).\n_________\n(١) قرأ ابن كثير، وأبو عمر، وابن عامر: (الصدفين) بضم الصاد والدال.\nوقرأ نافع، وحمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم: (الصدفين) بفتح الصاد والدال. وقرأ عاصم في رواية أبي بكر: (الصدفين) بضم الصاد وتسكين الدال.\nانظر: \"السبعة\" ص ٤٠١، \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ١٧٧، \"العنوان في القراءات\" ص ١٢٥، \"التبصرة\" ص ٢٥٢، \"النشر\" ٢/ ٣١٦.\n(٢) ذكرته كتب التفسير بدون نسبة. انظر: \"بحر العلوم\" ٢/ ٣١٣، \"القرطبي\" ١١/ ٦٢، \"روح المعاني\" ١٦/ ٤١.\n(٣) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣١١.\n(٤) ذكرته كتب التفسير بدون نسبة. انظر: \"بحر العلوم\" ٢/ ٣١٣، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٠٥، \"الكشاف\" ٢/ ٤٠٢، \"زاد المسير\" ٥/ ١٩٣، \"القرطبي\" ١١/ ٦٢.\n(٥) \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٠٥، \"زاد المسير\" ٥/ ١٩٣، \"القرطبي\" ١١/ ٦٢، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١١٦.\n(٦) انظر: (قطر) في \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٩٩٠، \"مقاييس اللغة\" ٥/ ١٠٥، \"القاموس المحيط\" ص ٤٦٣، \"الصحاح\" ٢/ ٧٩٦، \"المعجم الوسيط\" ٢/ ٧٤٤.","vol":"14","page":150},{"text":"ومضى الكلام في الإفراغ. وقرئ: ايتوني (١)، موصولًا من الإتيان على معني: جيؤوني به. واللفظ على اتصال الفعل إلى المفعول الثاني بالحرف، إلا أنه أعمل الفعل الثاني وهو الإفراغ، ولو أعمل الأول لكان أفرغه عليه، وقد وصل الفعل الأول هاهنا إلى المفعول الثاني بلا حرف، كما ذكرنا في قراءة من قرأ إيتوني بزبر الحديد، ومن قرأ آتوني أفرغ عليه فمعناه: ناولوني. كما ذكرنا في أول الآية (٢)\nقال ابن الأنباري: (يجوز أن يكون (قِطْرًا) معمول ﴿آتُونِي﴾ وأضمر لأفرغ مفعول على تقدير: أفرغه، وحذف لدلالة (قِطْرًا) عليه. ويجوز أن يكون معمول أفرغ وأضمر لآتوني مفعول على تقدير: آتوني قطرا أفرغ عليه قطرا، فحذف الأول لدلالة الثاني عليه) (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2331>٩٧ </span>- قوله تعالى: ﴿فَمَا اسْطَاعُوا﴾ أصله: (استطاعوا) فلما اجتمعت متقاربتان، وهما التاء والطاء، أحبوا التخفيف بالإدغام، كما أحبوا ذلك في المثلين، فلما لم يسمع التخفيف بالإدغام لتحريك ما لم يتحرك في\n_________\n(١) قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، والكسائي، وحفص عن عاصم: (آتوني) ممدودا.\nوقرأ حمزة، وعاصم في رواية أبي بكر: (آئتوني) قصرا.\nانظر: \"السبعة\" ص ٤٠١، \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ١٧٨، \"الغاية في القراءات\" (٣١٣)، \"التبصرة\" ص ٢٥٣.\n(٢) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ١٧٨، \"حجة القراءات\" (٤٣٤)، \"الكشف عن وجوه القراءات\" ٢/ ٧٩.\n(٣) ذكر نحوه بلا نسبة \"إعراب القرآن\" للنحاس ٢/ ٢٩٥، \"إملاء ما من به الرحمن\" (٤٠٥)، \"الكشاف\" ٢/ ٣٩٨، \"الدر المصون\" ٧/ ٥٤٩.","vol":"14","page":151},{"text":"موضع، وذلك أنه كان يلزم تحريك السين لئلا يجتمع ساكنان، ولم تْحرك سين استفعل في موضع، فلما لم يسمع هذا عدل عن الإدغام إلى الحذف، كما أنه لما اجتمع المثلان في قولهم: على الماء بنو فلان، حذفوا أحد المثلين، فقالوا: عَلْمَاءِ، ولم يسمع الإدغام، وإن كانت تتحرك لام المعرفة في الماء، فحذفوا الأول من المثلين حيث لم يتجه الإدغام. والحذف في اسطاع أولى، لأن هذه السين لم تتحرك في موضع شيء من الحركات، وقد تحرك لام المعرفة نحو قولهم: أَلَحْمَرُ في الأحمر، فلما حذفوا في: عَلْماء أحد المثلين، ولم يدغموا مع جواز تحريك لام المعرفة فلا يؤدي إلى الجمع بين ساكنين كان الحذف في اسطاع أولى. وقد أجروا المتقاربين في مجرى المثلين فقالوا: بلغني لما كانت النون متقاربة للام وكانت تدغم فيها نحو: مَنْ لَكَ، أريد إدغام في هذا الموضع أيضًا، فلما لم يسمع ذلك عندهم خففوا بالحذف كما خففوا به في المثلين.\nوفي (استطاع) لغة ثالثة وهو قولهم: يستيع في يستطيع، وهذا يحتمل أمرين أحدهما: [أنه أبدل من الطاء التي هي فاء التاء لقربها من الحرف الذي قبلها، فأبدل التاء لتوافق السين في الهمس، كما أبدل الدال] (١) من التاء في نحو: ازدان ليوافق ما قبله في الجهر. والآخر: أن يكون حذف الطاء لما يستقيم إدغام ما قبلها من المتقارب فيها، كما حذف المثل والمقارب من: عَلْماء بنو فلان، وبَلْعَنْبَر، ويكون هذا في أنه حذف من الكلمة الأصل للتخفيف، بمنزلة قولهم: تقيت، ألا ترى أنه في الأصل اتَّقى فحذف الفاء التي هي في الأصل واو، فلما حذفها سقطت همزة\n_________\n(١) ما بين المعقوفين ساقط من نسخة (س).","vol":"14","page":152},{"text":"الوصل المجتلبة لسكون الفاء فبقي: تَقَيْتُ على فعلت (١).\nفأما قولهم: أسطاع بقطع الألف، يُستطيع بضم الياء، فقال أبو علي الفارسي: (قولهم: أسطاع أَفْعَلَ، وإنما ألحقت السين لنقل الحركة إلى الفاء وتهيئة الكلمة بنقل الحركة فيها للحذف، ألا ترى أنها هيأت الكلمة للحذف منها في نحو: لم يَسْطِعْ، ومثل السين في ذلك الهاء، ففي قول من قال: أهَرَاق يُهَريق، فالهاء في: أنها عوض مثل السين في اسْطاع، وليس هذا العوض بلازم، ألا ترى أن ما كان نحوه لم يلزم هذا العوض) (٢). هذا كلامه.؟\nوشرحه أبو الفتح الموصلي فقال: (قولهم: أسطاع يستطيع، ذهب سيبويه فيه إلى أن أصله: أطاع يُطِيع، وأن السين زيدت عوضًا من حركة عين الفعل، وذلك أن أطاع أصله: أطْوَع، فنقلت فتحة الواو إلى الطاء، فانقلبت الواو ألفًا لتحركها في الأصل وانفتاح ما قبلها الآن) (٣).\nوتعقب أبو العباس هذا القول فقال: (إنما يعوض من الشيء إذا فقد وذهب، فأما إذا كان موجودًا في اللفظ فلا وجه للتعويض منه، وحركة العين التي كانت في الواو قد نقلت إلى الطاء التي هي الفاء، ولم تعدم، وإنما نقلت (٤) فلا وجه للتعويض من شيء موجود غير مفقود (٥).\n_________\n(١) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ١٨١، \"سر صناعة الإعراب\" ١/ ١٩٩، \"الكتاب\" لسيبويه ٤/ ٢٨٥.\n(٢) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ١٧٩.\n(٣) \"سر صناعة الإعراب\" ١/ ١٩٩، \"الكتاب\" لسيبويه ٤/ ٢٨٥، ٤٨٣.\n(٤) في (ص): (وإنما نقلت الطاء التي هي الفاء).\n(٥) \"سر صناعة الإعراب\" ١/ ١٩٩، \"الممتع\" (٢٢٤)، \"شرح المفصل\" ١٠/ ٦.","vol":"14","page":153},{"text":"(والذي يدل على صحة قول سيبويه في هذا وأن السين عوض من حركة عين الفعل، هو أن الحركة التي هي الفتحة، وإن كانت كما قال أبو العباس موجودة منقولة إلى الفاء لما فقدتها العين، فسكنت توهنت بالسكون، وبالتهيؤ للحذف عند سكون اللام وذلك قولك: لا تُطِع، وأطِع، ولم يُطِع، ففي كل هذا قد حذفت العين لالتقاء الساكنين، ولو كانت العين بحالها متحركة لما حذفت؛ لأنه لم يكن هناك التقاء ساكنين، ألا ترى أنك لو قلت: أطْوَع، يُطْوِع (١)، ولم يُطْوِع، وأَطْوَعْ زيدا، لصحت العين ولم تحذف، فلما نقلت عنها الحركة وسكنت، سقطت لاجتماع الساكنين، فكان هذا توهينًا وضعفًا للعين، فجعلت السين عوضًا عن سكون العين الموهِّن لها المسبب لقلبها، وحركة الفاء بعد سكونها لا تدفع عن العين ما لحقها من الضعف في السكون والتهيؤ للحذف عند سكون اللام.\nويؤكد ما قال سيبويه من أن السين عوض من ذهاب العين، أنهم قد عوضوا من ذهاب حركة هذه العين حرفًا آخر غير السين، وهو الهاء في قول من قال: أهْرَقت فسكن الهاء، وجمع بينها وبين الهمزة، فالهاء هاهنا عوض من ذهاب فتحة العين؛ لأن الأصل: أرْوَقت، فجعلوا الهاء عوضًا من نقل فتحة العين عنها إلى الفاء، وأنشد (٢):\nفأصبحت كالمهريق فضلة مائه ... لضاحي سرابٍ بالملا يترقرق\n_________\n(١) في نسخة (ص): (تطوع).\n(٢) ينسب هذا البيت لكثير.\nالضاحي: البارز. والمَلاَ: الصحراء. وترقرق: يلمع.\nانظر: \"ديوانه\" ص٢٣٧، \"سر صناعة الإعراب\" ١/ ٢٠٢، \"الأغاني\" ٩/ ١٢، \"وصف المباني\" ص ٤٠١، \"لسان العرب\" (هرق) ٨/ ٤٦٥٥.","vol":"14","page":154},{"text":"انتهى كلامه (١).\nأخبرني العروضي عن الأزهري عن المنذري عن الحراني (٢) عن ابن السكيت قال: (يقال ما أستطيع، وما أسطيع، وما أستيع، وما أسطيع أربع لغات) (٣). وقد ذكرنا وجوهها.\nوقرأ حمزة: ﴿فما اسْطَّاعوا﴾ مشددا الطاء، كأنه أدغم بالافتعال في الطاء (٤).\nقال أبو إسحاق: (من قرأ بهذه القراءة فهو لاحن مخطئ، زعم ذلك الخليل، ويونس، وسيبويه وجميع من يقول بقولهم، وحجتهم في ذلك: أن السين ساكنة وإذا أدغمت التاء في الطاء صارت طاء ساكنة، ولا يجمع بين ساكنين) (٥).\n_________\n(١) \"سر صناعة الإعراب\" ١/ ٢٠٢، \"الكتاب\" لسيبويه ٤/ ٢٨٥، ٤٨٣.\n(٢) عبد الله بن الحسن بن أحمد الأموي، أبو شعيب الحراني، إمام ثقة، محدث صدوق، لازم ابن السكيت وأخذ عنه، توفي ﵀ في بغداد سنة ٢٩٥ هـ. انظر: \"تاريخ بغداد\" ٩/ ٤٣٥، \"إنباه الرواة\" ٢/ ١١٥، \"سير أعلام النبلاء\" ١٣/ ٥٣٦، \"لسان الميزان\" ٣/ ٢٧١.\n(٣) \"تهذيب اللغة\" (طاع) ٣/ ٢١٥٢.\n(٤) قرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، والكسائي، وعاصم: (فما اسطاعوا) بتخفبف الطاء.\nوقرأ حمزة: (فما اسطاعوا) مشددة الطاء.\nانظر: \"السبعة\" ص ٤٠١، \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ١٧٨، \"المبسوط في القراءات\" ص ٢٤٠، \"التبصرة\" ص ٢٥٣.\n(٥) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣١٢.\nإن طعنهم في قراءة حمزة ﵀ مردود، فهي قراءة متواترة، والجمع بين الساكنين في هذا سائغ، جائز، مسموع في مثله فقد ذكر أن الجزري في \"النشر\" ٢/ ٣١٦ عن أبي عمرو قوله: ومما يقوي ذلك ويسوغه أن الساكن الثاني لما كان =","vol":"14","page":155},{"text":"قال أبو علي: (وقد قرأت القراء غير حرف من هذا كقوله: ﴿لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ﴾ [النساء: ١٥٤] في قراءة من شدد الدال فأدغم فيها تاء افتعل (١)، وكذلك قراءة من قرأ: ﴿لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى﴾ [يونس: ٣٥] (٢)،\n_________\n= اللسان عنده يرتفع عنه وعن المدغم ارتفاعة واحدة صار بمنزلة حرف متحرك، فكأن الساكن الأول قد ولى متحركًا.\nوذكر في \"غيث النفع\" ص ١٥٠: أن منع الجمع بين الساكنين أصل مختلف فيه عند أهل العربية، والقراءة لا تتبع العربية، بل العربية تتبع القراءة، لأنها مسموعة من أفصح العرب وهو النبي -ﷺ- وأصحابه من بعده.\nوقال ابن الحاجب: إذا اختلف النحويون والقراء كان المصير إلى القراء أولى، لأنهم ناقلون عمن ثبتت عصمته من الغلط، ولأن القراءة ثبتت تواترًا وما نقله النحويون آحاد.\nوانظر: \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٤٠٨، \"النشر\" ٢/ ٣١٦، \"إتحاف فضلاء البشر\" ص ٢٩٥، \"الكشف عن وجوه القراءات\" ٢/ ٨٠.\n(١) قرأ نافع: (لا تعْدّوا) بتسكين العين وتشديد الدال. وروى عنه ورش: (لا تعدوا) بفتح العين وتشديد الدال.\nوقرأ بقية القراء: (لا تعدوا) بتخفيف الدال، وإسكان العين.\nانظر: \"السبعة\" ص ٢٤٠، \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ١٩٠، \"التبصرة\" ص ١٨٥، \"النشر\" ٢/ ٢٥٣.\n(٢) قرأ أبو بكر عن عاصم: (أمن لا يهِدّي) بكسر الياء والهاء وتشديد الدال.\nوقرأ حفص عن عاصم: (أمن لا يهدي) بفتح الياء وكسر الهاء وتشديد الدال.\nوقرأ ابن كثير، وابن عامر، وورش عن نافع: (أمن لا يَهَدّي) بفتح الياء والهاء وتشديد الدال.\nوقرأ حمزة، والكسائي: (أمن لا يَهْدي) بفتح الياء وإسكان الهاء وتخفيف الدال.\nوقرأ أبو عمرو، وقالون عن نافع: (أمن لا يهدي) بفتح الياء وتشديد الدال.\nانظر: \"السبعة\" ص ٣٢٦، \"التبصرة\" ص ٢٢٠، \"المبسوط في القراءات\" ص ٢٠٠، \"إتحاف فضلاء البشر\" ص ٢٤٩، \"النشر\" ٢/ ٢٨٣.","vol":"14","page":156},{"text":"﴿يَخِصِّمُونَ﴾ [يس: ٤٩] (١).\nوقدمنا وجه ذكر هذا النحو) (٢).\nوقال ابن الأنباري: (عظم تشنيع البصريين على حمزة في هذا الحرف، وتلحينهم إياه، وقولهم: جمع بين ساكنين لا ينبسط اللسان عليهما، وفي هذا تعد منهم عليه إذ جرى إلى مثله جماعة هن القراء، فلم ينسبوا إلى الذي نسب إليه، فقد قرأ الحسن: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾ [البقرة: ١٨٥] بالإدغام (٣)، فإنه يقرؤه، ويقرأ ﴿نَحْنُ نَقُصُّ﴾ [يوسف: ٣]، ﴿وَالْحَرْثِ ذَلِكَ﴾ [آل عمران: ١٤]، ومعلوم أن الإدغام إذا وقع هاهنا اجتمع ساكنان، وقرأ: ﴿فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ﴾ [الحج: ٣١] (٤) بالإدغام، ﴿يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾ [البقرة: ٢٠] (٥) في نظائر يطول ذكرها، ولا وجه للتشنيع على\n_________\n(١) قرأ حمزة: (يخْصمون) بإسكان الخاء وتخفيف الصاد.\nوقرأ أبو عمرو، وقالون عن نافع: (يخْصّمون) بإسكان الخاء وتشديد الصاد.\nوقرأ ورش عن نافع، وابن كثير: (يخَصّمون) بفتح الخاء وتشديد الصاد.\nوقرأ عاصم، وابن عامر، والكسائي: (يخِصمون) بكسر الخاء وتشديد الصاد.\nانظر: \"السبعة\" ص ٥٤١، \"التبصرة\" ص ٣٠٦، \"المبسوط في القراءات\" ص ٣١٢، \"الكشف عن وجوه القراءات\" ٢/ ٢١٧.\n(٢) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ١٨١.\n(٣) قرأ أبو عمرو البصري، والحسن: (شهر رمضان) بإدغام راء (شهر) في راء (رمضان).\nانظر: \"إتحاف فضلاء البشر\" ١/ ١٥٤، \"القراءات الشاذة\" ص ٤٦.\n(٤) قرأ الحسن: (فتخطفه الطير) بكسر الخاء والطاء وتشديدها.\nانظر: \"إتحاف فضلاء البشر\" ص ٣١٥، و\"القراءات الشاذة\" ص ٦٨٥.\n(٥) قرأ الحسن: (يخطف) بكسر الياء والخاء والطاء المشددة.\nانظر. \"إتحاف فضلاء البشر\" ص ١٢٨، و\"القراءات الشاذة\" ص ٢٨.","vol":"14","page":157},{"text":"الأئمة والرؤساء في الخير بما يعرف له مساغ وطريق إلى الصواب) (١).\nوقوله تعالى: ﴿أَنْ يَظْهَرُوهُ﴾ قال ابن عباس وغيره: (أن يصعدوه ويعلوه) (٢). يقال: ظهرت السطح إذا صرت فوقه، ومنه قوله تعالى ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة: ٣٣] معناه: ليعلنه.\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾ يقال: نقبت الحائط: إذا خرقت فيه خرقا يخلص إلى ما وراءه (٣). قال أبو إسحاق: (أي ما قدروا أن يعلوا عليه لارتفاعه وإملاسه، وما استطاعوا أن ينقبوه من أسفله لشدته وصلابته) (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2332>٩٨ </span>- قوله تعالى: ﴿قَالَ هَذَا﴾ قال ذو القرنين لما فرغ من بنائه هذا. قال أبو إسحاق: (أي التمكين الذي أدركت به السد ﴿رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي﴾ (٥). وهذا معنى قول ابن عباس: (يريد معونة من ربي حيث ألهمني وقواني) (٦).\nوقال ابن الأنباري: (يجوز أن تكون الإشارة بهذا إلى السد، أي:\n_________\n(١) لم أقف عليه.\n(٢) ذكره ابن عطية في تفسيره ٥/ ٤٠٨ بدون نسبة، وكذلك السمرقندي في \"بحر العلوم\" ٢/ ٣١٣.\n(٣) \"تهذيب اللغة\" (نقب) ٤/ ٣٦٣٩، \"مقاييس اللغة\" (نقب) ٥/ ٤٦٥، \"القاموس المحيط\" (النقب) ص ١٣٩، \"الصحاح\" (نقب) ١/ ٢٢٧.\n(٤) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣١٢.\n(٥) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣١٢.\n(٦) ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة. انظر: \"بحر العلوم\" ٢/ ٣١٤، \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٤٥، \"زاد المسير\" ٥/ ١٩٥. وقال ابن سعدي في \"تفسيره\" ٥/ ٩٣: (هذا رحمة من ربي) أي: من فضله وإحسانه علي.","vol":"14","page":158},{"text":"هذا السد رحمة من ربي) (١). ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي﴾ يعني: القيامة، في قول ابن عباس (٢).\nوقال الكلبي: (يقول: أجل ربي أن يخرجوا منه) (٣).\n﴿جَعَلَهُ دَكَّاءَ﴾ أي: دَكَه دَكًا، ويجوز أن يكون المعنى: جعله ذا دك. ومن قرأ: في دكاء ممدودة (٤)، كان التقدير: جعله مثل دكَّاء، وهي: الناقة التي لا سنام لها (٥)، فحذف المضاف ولابد من تقدير الحذف؛ لأن السد مذكر ولا يوصف بدكاء؛ لأنه من وصف المؤنث. ومضى الكلام في هذا في سورة الأعراف (٦). ﴿وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾ يعني: بالثواب والعقاب في القيامة، في قول ابن عباس (٧).\n_________\n(١) ورد بلا نسبة في \"الكشاف\" ٢/ ٤٠٢، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٦٣، و\"البحر المحيط\" ٦/ ١٦٥.\n(٢) ذكره البغوي في \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٠٥ بدون نسبة، و\"بحر العلوم\" ٢/ ٣١٤، و\"زاد المسير\" ٥/ ١٩٥.\n(٣) \"جامع البيان\" ١٦/ ٢٧، \"بحر العلوم\" ٢/ ٣١٤، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٦٥.\n(٤) قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر: (دكًّا) منون غير مهموز ولا ممدود. وقرأ حمزة، والكسائي، وعاصم: (دكاء) ممدود مهموز بلا تنوين.\nانظر: \"السبعة\" ص٤٠٢، \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ١٨٢، \"المبسوط في القراءات\" ٢٤٠، \"الكشف عن وجوه القراءات\" ٢/ ٨١\n(٥) انظر: \"تهذيب اللغة\" (دك) ٢/ ١٢١٢، \"القاموس المحيط\" (دك) (٩٣٩)، \"الصحاح\" (دك) ٤/ ١٥٤٨، \"المعجم الوسيط\" (دكه) ١/ ٢٩١.\n(٦) عند قوله سبحانه في سورة الأعراف الآية رقم (١٤٣): ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾.\n(٧) ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة. انظر: \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٤٥، \"معالم =","vol":"14","page":159},{"text":"وقال الكلبي: (وكان أجل ربي بخروجهم حقًّا كائنًا) (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2333>٩٩ </span>- قوله تعالى: ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾ يقال: ماجَ الماء يَمُوج إذا اضطرب، وماجَ الناس إذا في دخل بعضهم في بعض حيارى كموج الماء (٢). قال كثير من المفسرين: (تركنا الجن والإنس يدخل بعضهم في بعض يوم القيامة) (٣). والصحيح أن قوله: ﴿بَعْضَهُمْ﴾ الكناية فيه عن يأجوج ومأجوج. يقول: تركناهم يوم انقضاء السد يموجون في الدنيا مختلطين لكثرتهم (٤). ثم ذكر نفخ الصور بعد هذا فقال: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ لأن: خروج يأجوج ومأجوج من علامات قرب الساعة ﴿فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا﴾ حشرنا الخلق كلهم.\n<span data-type=\"title\" id=toc-2334>١٠٠ </span>- قوله تعالى: ﴿وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ﴾ الآية. قال الفراء: (أبرزناها حتى نظر إليها الكفار) (٥).\nوقال أبو إسحاق: (تأويل ﴿عَرَضْنَا﴾ أظهرنا لهم جهنم حتى شاهدوها\n_________\n= التنزيل\" ٥٣/ ٢٠٥، \"زاد المسير\" ٥/ ١٩٥، \"الكشاف\" ٢/ ٤٩٨، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٦٣، \"التفسير الكبير\" ٢١/ ١٧٢.\n(١) ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة. انظر: \"جامع البيان\" ١٦/ ٢٨، \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٤٥، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٠٥، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١١٧، \"روح المعاني\" ١٦/ ٤٢.\n(٢) انظر: \"تهذيب اللغة\" (ماج) ٤/ ٣٣٢٢، \"القاموس المحيط\" (الموج) ص ٢٠٦، \"الصحاح\" (موج) ١/ ٣٤٢، \"لسان العرب\" (موج) ٧/ ٤٢٩٧.\n(٣) \"جامع البيان\" ١٦/ ٢٨، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٠٩، \"الكشاف\" ٢/ ٤٠٣، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٦٥، \"الدر المنثور\" ٤/ ٤٥٤.\n(٤) \"جامع البيان\" ١٦/ ٢٨، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٠٩، \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٤٥، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٦٥.\n(٥) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٦٠.","vol":"14","page":160},{"text":"ورأوها) (١). ومضى الكلام في العرض (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2335>١٠١ </span>- قوله تعالى: ﴿كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي﴾ الغطاء ما تغطيت به أو غطيت به، والجمع الأغطية، يقال: غطا الشيء، وغطا عليه إذا ستره (٣). ومعنى قوله: في ﴿أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي﴾ كقوله تعالى: ﴿وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾ [البقرة: ٧].\nقال ابن عباس في قوله: ﴿عَنْ ذِكْرِي﴾ (يريد عما جاء به محمد -ﷺ- من البينات والهدى) (٤). وصف الله تعالى هؤلاء الكفار بأنهم عمي عن آيات الله، وأدلة توحيده لما سبق لهم من الشقاء، وإذا لم يبصروا أدلة توحيده، وعجائب قدرته لم يتذكروا بقلوبهم؛ لأن العين رائد القلب، ألا ترى أن الشاعر يقول (٥):\nألا إنما العينان للقلب رائد ... فما تألف العينان فالقلب يألف\nوهذا أبلغ في وصف غفلتهم من أن لو قيل (٦): في غطاء عن الذكر؛ لأن وصفهم بالعمى عن الأدلة يوجب غفلة قلوبهم، ووصفهم بعمى القلوب\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣١٣.\n(٢) عند قوله سبحانه في سورة البقرة الآية رقم (٣١): ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.\n(٣) \"تهذيب اللغة\" (غطى) ٣/ ٢٦٧٨، \"مقاييس اللغة\" (غطو) ٤/ ٤٢٩، \"لسان العرب\" (غطى) ٦/ ٣٢٧٣، \"المصباح المنير\" (غطو) ص ١٧١.\n(٤) ذكرت التفسير نحوه بدون نسبة. انظر: \"جامع البيان\" ١٦/ ٣١، \"بحر العلوم\" ٢/ ٣١٤، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٠٩، \"الكشاف\" ٢/ ٥٠٠، \"لباب التأويل\" ٤/ ٢٣٥، \"فتح القدير\" ٣/ ٤٥٠.\n(٥) لم أهتد إلى قائله.\n(٦) في (ص): (أن لو قيل قلوبهم).","vol":"14","page":161},{"text":"لا يوجب عمى أبصارهم (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾ قال ابن عباس (٢): (يريد لا يسمعون القرآن ولا يحبونه) (٣). وقال أبو إسحاق: (كانوا لعدواتهم النبي -ﷺ- لا يقدرون أن يسمعوا ما يتلو عليهم، كما تقول للكاره لقولك: ما يقدر أن يسمع كلامي) (٤). قال ابن الأنباري: (كان يثقل عليهم السمع وهم له مستطيعون، كما تقول: ما أستطيع البصر إليك. معناه: لما ثقل علي كنت كأني غير مستطيعه. قال: ويجوز أن يكون الله منعه الاستطاعة؛ لأن يسمع الهدى، وجعل على بصره غطاء عقابًا من الله له على عناده الحق) (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2336>١٠٢ </span>- قوله تعالى: ﴿أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ﴾ يقول: أفظنوا أنهم يتخذونهم أربابًا من دوني، وعنى بالعباد هاهنا: المسيح، والملائكة (٦).\nوقال ابن عباس: (يعني الشياطين، تولوهم وأطاعوهم من دون\n_________\n(١) \"التفسير الكبير\" ١٢/ ٧٣١، \"فتح القدير\" ٣/ ٤٥٠.\n(٢) قوله: (عباس)، ساقط من نسخة (ص).\n(٣) ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة. انظر: \"بحر العلوم\" ٢/ ٣١٤، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٠٩، \"لباب التأويل\" ٤/ ٢٣٥، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٦٥، \"مدارك التنزيل\" ٢/ ٩٦٧، \"إرشاد العقل السليم\" ٥/ ٣٤٧.\n(٤) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣١٣.\n(٥) ذكر نحوه بلا نسبة \"الكشاف\" ٣/ ٤٠٢، \"التفسير الكبير\" ١٢/ ٧٣١، \"البحر المحيط\" ٦/ ١٦٥.\n(٦) \"جاء البيان\" ١٦/ ٣١، \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٤١٣، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٠٩، \"زاد المسير\" ٥/ ١٩٦.","vol":"14","page":162},{"text":"الله) (١). وقال مقاتل: (يعني الأصنام سماها عبادًا) (٢)، كما قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ [الأعراف: ١٩٤]. وجواب هذا الاستفهام محذوف.\nقال ابن عباس: (يريد أني لا أغضب لنفسي، ولا أعاقبهم) (٣). ويدل علي هذا المحذوف قوله: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلًا﴾، لأن هذا يدل على أنه يريد عقوبتهم.\nوقال قوم: (هذا لا يقتضي جوابًا؛ لأنه أراد بالأولياء هاهنا الأنصار، والمعنى: أفحسبوا أنهم اتخذوهم أنصارا يمنعونهم من عذابي ويدفعون عنهم) (٤). وهذا معنى قول الزجاج في هذه الآية قال: (تأويله: أفحسبوا أن ينفعهم اتخاذهم عبادي أولياء) (٥).\nوقوله تعالى: ﴿نُزُلًا﴾ قال أبو إسحاق: (هو بمعنى: منزلا) (٦). وهو\n_________\n(١) \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٠٩، \"زاد المسير\" ٥/ ١٩٦، \"البحر المحيط\" ٦/ ١٦٦، \"التفسير الكبير\" ٢١/ ١٧٤.\n(٢) \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٠٩، \"زاد المسير\" ٥/ ١٩٦، \"التفسير الكبير\" ٢١/ ١٧٤.\nوقال الشنقيطي -﵀- في \"تفسيره\" ٤/ ١٩٠: والأظهر المتبادر من الإضافة في قوله: \"عبادي\" أن المراد بهم نحو الملائكة، وعيسى، وعزيز، لا الشاطين ونحوه؛ لأن مثل هذه الإضافة للتشريف غالبًا، وقد بين تعالى أنهم لا يكونون أولياء لهم في قوله: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (٤٠) قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ﴾. الآية.\n(٣) \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٠٩، \"زاد المسير\" ٥/ ١٩٦.\n(٤) \"زاد المسير\" ٥/ ١٩٦، \"البحر المحيط\" ٧/ ١٦٦.\n(٥) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣١٤.\n(٦) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣١٤.","vol":"14","page":163},{"text":"معني قول ابن عباس: (يريد هي مثواهم ومصيرهم) (١). والنُّزُل على هذا التفسير المنزل.\nوقال آخرون: النُّزُل ما يقال للضيف إذا نَزَل، والنزالة الضيافة، ومنه قوله (٢):\nفجاءت بيتن للنزالة أرشما.\nوالمعنى: أن جهنم معدة لهم عندنا، كما يهيؤ النُّزل للضيَّف النازل (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2337>١٠٣ </span>- وقوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا﴾ أي: بالقوم الذين هم أخسر الخلق فيما عملوا. قال ابن عباس في رواية عطاء: (يرد كفار أهل الكتاب) (٤).\nوهو قول الكلبي: (اليهود والنصارى) (٥). وروي عن علي -﵁- أنه قال: (هم الرهبان أصحاب الصوامع) (٦).\n_________\n(١) \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢١٠.\n(٢) هذا عجز بيت للبعيث، يهجو جريرًا، وصدره:\nلقى حملته أمُّه وهي ضيفةً\nأرْشَما: الأرشم الذي يتشمم الطعام ويحرص عليه.\nانظر: \"تهذيب اللغة\" (نزل) ٤/ ٣٥٥٥، \"لسان العرب\" (رشم) ٣/ ١٦٥٢.\n(٣) \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٤١٣، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢١٠، \"الكشاف\" ٢/ ٤٠٣، \"زاد المسير\" ٥/ ١٩٧، \"البحر المحيط\" ٦/ ١٦٦.\n(٤) \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢١٠.\n(٥) \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢١٠، \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٤٧، ونسبه لسعد بن أبي وقاص، وكذلك \"زاد المسير\" ٥/ ١٩٧.\n(٦) \"جامع البيان\" ١٦/ ٣٢، \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٤٧، \"زاد المسير\" ٥/ ١٩٧، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٦٦.","vol":"14","page":164},{"text":"وعنه أيضًا أنه قال: (هم أهل حَرَوْرَاء) (١) (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2338>١٠٤ </span>- وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ﴾ يجوز في ﴿الَّذِينَ﴾ الخفض بالنعت للأخسرين. ويجوز الرفع على الاستيئناف على معنى: هم الذين ضل سعيهم، بطل عملهم واجتهادهم في الدنيا: ﴿وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ يظنون أنهم بفعلهم محسنون، والصنع: مصدر صَنَع إليه معروفًا يصنع صنعًا، وأكثر ما يستعمل الصنع في الأعمال الحسنة (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-2339>١٠٥ </span>- قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ﴾ أي: الأخسرين أعمالاهم: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ﴾ جحدوا دلائل توحيده وقدرته ﴿وَلِقَائِهِ﴾ وكفروا بالبعث، والثواب، والعقاب.\n﴿فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ قال ابن عباس: (بطل اجتهادهم) (٤).\n_________\n(١) حَرَوراء: بفتحتين وسكون الواو وراء أخرى وألف ممدودة: قرية بظاهر الكوفة، وقيل موضع على ميلين منها، نزل به الخوارج الذين خالفوا علي بن أبي طالب -﵁- فنسبوا إليها. انظر: \"معجم البلدان\" ٢/ ٢٤٥.\n(٢) \"جامع البيان\" ١٦/ ٣٤، \"تفسير القرآن\" للصنعاني ١/ ٣٤٨، \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٤١٥، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢١٠ وقال ابن كثير في \"تفسيره\" ٣/ ١١٩: إن هذه الآية تشمل الحرورية، كما تشمل اليهود والنصارى وغيرهم، لا أنها نزلت في هؤلاء على الخصوص، ولا هؤلاء بل هي أهم من هذا، فإن هذه الآية مكية قبل خطاب اليهود والنصارى، وقبل وجود الخوارج بالكلية، وإنما هي عامة في كل من عبد الله على غير طريقة مرضية يحسب أنه مصيب فيها، وأن عمله مقبول وهو مخطئ وعمله مردود، كما قاله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ (٢) عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ (٣) تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً﴾ [الغاشية: ٢: ٤].\n(٣) \"تهذيب اللغة\" (صنع) ٢/ ٢٠٦٤، \"الصحاح\" (صنع) ٣/ ١٢٤٥، \"المعجم الوسيط\" (الصنع) ١/ ٢٣٦، \"مختار الصحاح\" (صنع) ص ١٥٥.\n(٤) ذكرته كتب التفسير بدون نسبة. انظر: \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢١٠، \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٤١٥، \"زاد المسير\" ٥/ ٩٧، \"لباب التأويل\" ٤/ ٢٣٦.","vol":"14","page":165},{"text":"﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ روى المفسرون في تفسير هذا: حديث أبي هريرة أن النبي -ﷺ- قال: \"ليؤتين يوم القيامة بالعظيم، الطويل، الشروب، الأكلول فلا يزن عند الله جناح بعوضه\"، ثم يقول: \"اقرؤا ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآية\" (١).\nوقال كعب بن عجرة (٢): (يؤتى برجل يوم القيامة فيوزن بحبة فلا يزنها، فيوزن بجناح بعوضة فلا يزنها، ثم قرأ هذه الآية) (٣). ونحو هذا قال عبيد بن عمير (٤).\nوروى عطاء عن ابن عباس في هذه الآية قال: (يريد أن ليس لهم وزن يوم القيامة، إنما يوزن من له عمل صالح، وكان على التوحيد) (٥). وهذه الأقوال في الظاهر تدل على أن أعيان الرجال يوزنون، وليس كذلك؛ لأن\n_________\n(١) \"جامع البيان\" ١٦/ ٣٥، \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٤١٦، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢١١، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١١٩، \"الدر المنثور\" ٤/ ٤٥٦.\nوأخرجه البيهقي في \"شعب الإيمان\" ٥/ ٤٦٦، وأورده الحافظ بن حجر في \"فتح الباري\" ٨/ ٤٢٦، ومسلم في \"صحيحه\" كتاب: صفات المنافقين وأحكامهم ٣/ ٢١٤٧.\n(٢) كعب بن عجرة القضاعي، حليف الأنصار، صحب النبي -ﷺ-، وعاش في المدينة، وشهد الحديبية، ثم سكن الكوفة، وتوفي -﵁- في المدينة سنة ٥٢ هـ. انظر: \"الاستيعاب\" ٣/ ١٣٢١، \"الإصابة\" ٥/ ٦٠٠.\n(٣) \"جامع البيان\" ١٦/ ٣٥، \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٤٧، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١١٩، \"الدر المنثور\" ٤/ ٤٥٧.\n(٤) \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٦٦، \"الدر المنثور\" ٤/ ٤٥٧.\n(٥) ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة. انظر: \"جامع البيان\" ١٦/ ٣٥، \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٤١٦، \"الكشاف\" ٢/ ٥٠٠، \"زاد المسير\" ٥/ ١٩٨، \"لباب التأويل\" ٤/ ٢٣٦، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٦٧، \"التفسير الكبير\" ٢١/ ١٧٤، \"روح المعاني\" ١٦/ ٤٩.","vol":"14","page":166},{"text":"الأعمال توزن يوم القيامة. والصحيح في هذا ما قاله أهل المعاني، روى أبو العباس عن ابن الأعرابي في هذه الآية قال: (العرب تقول: ما لفلان عندنا وزن، أي: قدر، لخسته، ويوصف الجاهل بأنه لا وزن له، لخفته بسرعة طيشه، وقلة تثبته فيما ينبغي أن يتثبت فيه) (١).\nفالمعنى على هذا: أنهم لا يعتد بهم، ولا يكون لهم عند الله قدر ومنزلة (٢). وحديث أبي هريرة محمول أيضًا على هذا، وهو: أن العظيم، الأكول، الشروب لا قدر له ولا وزن عند الله، إذا لم يكن من أهل التوحيد.\nوقال بعضهم: (معنى هذا خفة موازينهم من الحسنات، وذلك أن الموازين إنما ترجح بالطاعات، وتنقص بالمعاصي، فيوضع الكافر في الميزان يوم القيامة فلا يزن شيئًا لخلوه مما يثقل الميزان به من توحيد الله) (٣).\nوذكر ابن الأنباري وجه ما ذكره المفسرون فقال: (إن الله ﷿ يأمر بوزن أهل الكفر تحقيرًا لهم، وتصغيرًا لأمرهم، حتى يتبين الخلق أنهم لا يزنون في ذلك المشهد وزن ذرة ولا جناح بعوضة) (٤).\nيدل على صحة هذا ما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال:\n_________\n(١) \"زاد المسير\" ٥/ ٩٨، \"تهذيب اللغة\" (وزن) ٤/ ٣٨٨٦.\n(٢) \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٤١٦، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢١٠ - ٢١١، \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٤٧، \"زاد المسير\" ٥/ ١٩٨.\n(٣) \"جامع البيان\" ١٦/ ٣٥، \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٤٧، \"الكشاف\" ٢/ ٤٠٣، \"زاد المسير\" ٥/ ١٩٨.\n(٤) ذكر نحوه بلا نسبة \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٤٧، \"الكشاف\" ٢/ ٤٠٣، \"زاد المسير\" ٥/ ١٩٨، \"التفسير الكبير\" ٢١/ ١٧٤، \"البحر المحيط\" ٦/ ١٦٧.","vol":"14","page":167},{"text":"قال رسول الله -ﷺ-: \"يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر في صور الناس، يعلوهم كل شيء من الصغار، حتى يدخلون إلى سجن في جهنم يقال له: بولس، يعلوهم فيه نار الأنيار، يسقون من طينة الخبال من عصارة أهل النار\" (١).\nقال أبو بكر: (وإنما يجعلون أمثال الذر تصغيرًا لهم عند أنفسهم، ومن يحضر القيامة) (٢). وذكر من عنده في الآية وجهان: الكافر يقدم علي بسيئات لا حسنة معها، والموازين القسط يوزن فيها حسنات العبد وسيئاته، فإذا خلا الكافر من الحسنات، وحصل على السيئات استحق النار بغير وزن، ولا إقامة ميزان، وما فعل الكافر في الدنيا من نصرة مظلوم، وإطعام جائع، وعمل بر يكافؤ عليه في الدنيا بتوسعة له في الرزق، ويقدم على الله صفرا من كل خير. الثاني: لا يقيم لهم يوم القيامة وزنا؛ لأن الوزن عليهم لا لهم؛ لأنه لا عمل لهم من أعمال الخير يوزن. الوجه الثالث: هو ما ذكره أبو العباس عن ابن الأعرابي، وقد حكيناه (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2340>١٠٦ </span>- قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ﴾ الذي ذكرت من حبوط أعمالهم،\n_________\n(١) أخرجه الترمذي في \"جامعه\" كتاب: صفة القيامة، باب: ما جاء في شدة الوعيد للمتكبرين ٤/ ٥٦٥ وقال: هذا حديث حسن صحيح. وأخرجه الإمام أحمد في \"مسنده\" ٢/ ١٧٩، وابن الأثير في \"جامع الأصول\" كتاب: في الكبر والعجب النوع الثالث ١٠/ ٦١٦، والمنذري في \"الترغيب والترهيب\" كتاب: الآداب وغيره، باب: الترغيب في التواضع والترغيب من الكبر ٣/ ٥٤١.\n(٢) ورد نحوه بلا نسبة في \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٤٧، \"زاد المسير\" ٥/ ١٩٨، \"التفسير الكبير\" ٢١/ ١٧٤.\n(٣) انظر: \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٤٨، \"زاد المسير\" ٥/ ١٩٨، \"التفسير الكبير\" ٢١/ ١٧٤، \"فتح القدير\" ٣/ ٤٥١.","vol":"14","page":168},{"text":"وخسة قدرهم. ثم ابتدأ فقال: ﴿جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ﴾ قال ابن الأنباري: (ويجوز أن يكون ﴿ذَلِكَ﴾ في موضع نصب، بمعنى: فعل الله ذلك الاحتقار بكفرهم، وجزاؤهم جهنم، فأضمرت واو الحال مع الجملة) (١).\nوقوله تعالى ﴿بِمَا كَفَرُوا﴾ أي: بكفرهم واتخاذهم آياتي، يعني: القرآن. ﴿وَرُسُلِي هُزُوًا﴾ قال ابن عباس: (يريد الذين كانوا يستهزئون بالنبي -ﷺ-) (٢). وإنما قال: ﴿وَرُسُلِي﴾ والمراد محمد -ﷺ-؛ لأن من استهزأ به فقد استهزأ بجميع الرسل؛ لأن الإيمان واجب بهم، فالكفر بواحد كفر بالجميع. ونحو هذا قال الكلبي: (ورسلي محمد -ﷺ-) (٣).\nوقوله تعالى: ﴿هُزُوًا﴾ مصدر، والمراد المفعول به.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2341>١٠٧ </span>- قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ﴾ قال رسول الله -ﷺ-: \"الفردوس ربوة الجنة، وأوسطها، وأفضلها، وأحسنها، وفوقه عرش الرحمن، ومنه تفجر أنهار الجنة، فإذا سألتم الله الجنة فاسألوه الفردوس\" (٤).\n_________\n(١) ذكره نحوه بلا نسبة في \"إملاء ما من به الرحمن\" ص ٤٠٥، \"البحر المحيط\" ٦/ ١٦٧، \"روح المعاني\" ١٦/ ٤٩.\n(٢) ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة. انظر: \"بحر العلوم\" ٢/ ٣١٥، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢١١، \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٤١٦.\n(٣) ذكره السمرقندي في \"بحر العلوم\" ٢/ ٣١٥ بدون نسبة.\n(٤) أخرجه الطبري في \"جامع البيان\" ١٦/ ٣٧ بسنده عن أبي هريرة -﵁-، والبغوي في \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢١١، وابن كثير في \"تفسيره\" ٣/ ١٢٠.\nوأخرج نحوه البخاري في كتاب: الجهاد، باب: درجات المجاهدين ٦/ ١١، ومسلم كتاب: الإيمان، باب: إثبات رؤية المؤمنين ١/ ١٦٣، والترمذي كتاب: صفة الجنة، باب: ما جاء في صفة درجات الجنة ٤/ ٦٧٣، وابن ماجه في المقدمة باب: فيما أنكرت الجهمية ١/ ٦٦، والإمام أحمد في \"مسنده\" ٢/ ٣٣٥.","vol":"14","page":169},{"text":"وقال كعب: (هو البستان الذي فيه الأعناب) (١). وهو قول الليث قال: (الفردوس جنة ذات كرم، يقال: كَرْم مُفَردس أي: مُعَرَّش) (٢).\nوقال الضحاك: (هي الجنة الملتفة الأشجار) (٣). وهو اختيار المبرد قال: (الفردوس -فيما سمعت من كلام العرب-: الشجر الملتف، والأغلب عليه العنب، وجمعه الفراديس. قال: ولهذا سمي باب الفراديس بالشام) (٤). وأنشد لجرير (٥):\nفقلت للركب إذ جد الرحيل بنا ... ما بعد يبرين من باب الفراديس.\nوقال مجاهد: (هو البستان بالرومية) (٦). واختاره الزجاج فقال: (هو بالرومية منقول إلى لفظ العربية، وأنشد لحسان (٧):\nوإن ثواب الله كل موحد ... جنان من الفردوس فيها يخلد\n_________\n(١) \"جامع البيان\" ١٦/ ٣٦، \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٤١٧، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢١١، \"زاد المسير\" ٥/ ١٩٩.\n(٢) \"زاد المسير\" ٥/ ١٩٩، \"تهذيب اللغة\" (فردوس) ٣/ ٢٧٦٢.\n(٣) \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢١١، \"زاد المسير\" ٥/ ١٩٩، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٢٠.\n(٤) ذكره الأزهري بلا نسبة في \"تهذيب اللغة\" (فردوس) ٣/ ٢٧٦٢.\n(٥) البيت لجرير من قصيدة قالها يهجو التيم.\nيبرين: مكان في بلاد بني سعد. والفراديس: مكان بدمشق.\nانظر: \"ديوان جرير\" ص ٢٥٠.\n(٦) \"جامع البيان\" ١٦/ ٣٦، \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٤١٨، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢١١، \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٤٨، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١١١.\n(٧) البيت لحسان بن ثابت -﵁- من قصيدة قالها يمدح فيها النبي -ﷺ-.\nانظر: \"ديوان حسان\" ٩٢، \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٤١٨، \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣١٥، \"سيرة ابن هشام\" ٤/ ٣٥٠، \"لسان العرب\" (فردس) ٦/ ٣٣٧٥.","vol":"14","page":170},{"text":"قال: وحقيقته: أنه البستان الذي يجمع كل ما يكون في البساتين) (١).\nومعنى ﴿كَانَتْ لَهُمْ﴾ قال ابن الأنباري: (في علم الله قبل أن يخلقوا) (٢).\nوقوله: ﴿نُزُلًا﴾ أي: منزلا. قال أبو علي: (ويجوز أن يكون ﴿نُزُلًا﴾ يراد به القوت الذي يقام للنازل أو الضيف، فيكون النزل القوت، وهذا الوجه يحتاج فيه إلى تقدير المضاف على معنى: كانت له ثمار جنات الفردوس، أو نعيمها. قال: ويجوز أن يكون النُزُل جمع نَازِل، ويكون حالًا والعامل فيه معنى الفعل في لهم) (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2342>١٠٨ </span>- ويدل على هذا الوجه قوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا﴾ قال الليث: (الحِوَلُ يجرى مجرى التَّحويل، تقول: حُوِّلوا عنها تحويلا وحِولا) (٤).\nقال الأزهري: (فالتحويل مصدر حقيقي من حوَّلت، والحول اسم يقوم مقام المصدر) (٥). ونحو هذا قال ابن قتيبة في تفسير (حِوَلًا): (تَحْوِيلا) (٦). ورواه أيضًا أبو العباس عن ابن الأعرابي (٧).\nوقال أبو عبيدة (حِوَلًا): (تحويلا) (٨).\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣١٥.\n(٢) ذكره ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٥/ ١٩٩.\n(٣) \"الحجة للقراء السبعة\" ٦/ ٢٦٤.\n(٤) \"تهذيب اللغة\" (حال) ١/ ٧٠٩.\n(٥) \"تهذيب اللغة\" (حال) ٥١/ ٧٠٩.\n(٦) \"تفسر غريب القرآن\" ١/ ٢٧١.\n(٧) \"تهذيب اللغة\" (حال) ١/ ٧٠٩.\n(٨) \"مجاز القرآن\" ١/ ٤١٦.","vol":"14","page":171},{"text":"[قال الفراء: (وهو مصدر تحولت، ذكر على أصله)] (١) (٢). يعني بحذف الزوائد، كالصغر والعوج. ونحو هذا قال الزجاج: (أي لا يريدون عنها تحويلا) (٣).\nقال ابن عباس: (لا يريدون أن يتحولوا عنها، كما ينتقل الرجل من دار إذا لم توافقه إلى دار أخرى، والجنة ليست هكذا) (٤).\nوقال مجاهد في قوله: (حِوَلًا) (متحولا) (٥). يعني بالتحول المصدر، وذكر الزجاج وجهين آخرين في الحول، أحدهما: قال: (يقال: قد حال من مكانه حِوَلًا، كما قالوا في المصادر: صَغُرَ صِغَرًا، وعَظُم عِظَمًا وعادني حبها عِوَدًا، فعلى هذا الحِوَل الحِيلَةُ، فيكون المعنى على هذا: لا يحتالون منزلا غيرها) (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2343>١٠٩ </span>- قوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ﴾ الآية. روى عكرمة عن ابن عباس، قال: (قالت قريش لليهود: أعطونا شيئًا نسأل عنه هذا الرجل. فقالوا: سلوه عن الروح، فنزلت: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥]، فقالوا: أوتينا علمًا كثيرًا، أوتينا التوراة، فأنزل الله: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ﴾ الآية) (٧).\n_________\n(١) ما بين المعقوفين مكرر في نسخة (ص).\n(٢) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٦١.\n(٣) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣١٥.\n(٤) \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢١٢.\n(٥) \"جامع البيان\" ١٦/ ٣٨، \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٤١٨، \"الدر المنثور\" ٤/ ٤٥٨، \"فتح القدير\" ٣/ ٤٥٢.\n(٦) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣١٥.\n(٧) \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٤١٩، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢١٢، \"زاد المسير\" ٥/ ٢٠١، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٦٩، \"أسباب النزول\" للوحدي ص ٣٠٨.","vol":"14","page":172},{"text":"ومعنى المداد في اللغة: المجيء شيئًا بعد شيء على اتصال، ومنه يقال للزيت الذي يوقد به السراج: مداد (١).\nقال الأخطل (٢):\nرأوا بارقات بالأكف كأنها ... مصابيح سرج أوقدت بمداد\nأي: بزيت يمدها. قال ابن الأنباري: (سمي المداد مدادا لإمداده الكاتب) (٣). وأصل هذا من الزيادة والكثرة، من قوله: مد النهر إذا كثر ماؤه ومده نهر آخر، ومنه قوله: ﴿وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ﴾ [لقمان: ٢٧]، قال مجاهد: (لو كان البحر مدادًا للقلم، والقلم يكتب، لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي) (٤).\nقال ابن عباس: (يريد أن كلماته أعظم من أن يكون لها أمد) (٥). والكلام القديم صفة من صفات ذاته (٦)، فلا يجوز أن يكون لكلامه غاية\n_________\n(١) \"تهذيب اللغة\" (مد) ٤/ ٣٣٦١، \"القاموس المحيط\" (المد) ١/ ٣١٨، \"الصحاح\" (مدد) ٢/ ٥٣٧، \"لسان العرب\" (مدد) ٧/ ٤١٥٨.\n(٢) البيت للأخطل، غياث بن غوث بن الصلت التغلبي.\nسرج: السراج الزاهر الذي يزهر بالليل، والمسرجة التي توضع فيها الفتيلة. انظر: \"لسان العرب\" (مدد) ٧/ ٤١٥٦.\n(٣) ذكره ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٥/ ٢٠١، والطبري في \"مجمع البيان\" ٦/ ٧٧٠، والشوكاني في \"فتح القدير\" ٣/ ٤٥٤، وذكر نحوه الأزهري في \"تهذيب اللغة\" (مد) ٤/ ٣٣٦١.\n(٤) \"جامع البيان\" ١٦/ ٣٩، \"معالم التنزيل\" ١٥/ ٢١٢، \"زاد المسير\" ٥/ ٢٠١.\n(٥) ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة. انظر: \"جامع البيان\" ١٦/ ٣٩، \"معالم التنزيل\" ١٥/ ٢١٢، \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٤٢٠، \"لباب التأويل\" ٤/ ٢٣٧، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٢٠، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٦٩.\n(٦) الكلام صفة من صفات الله ﷿ نثبتها كما أثبتها لنفسه من غير تحريف ولا تعطيل =","vol":"14","page":173},{"text":"ومنتهى، كما ليس له غاية وحد، فأوصاف ذاته غير محدودة أيضًا. وهذا رد على اليهود حين ادعوا أنهم أوتوا العلم الكثير، وكأنه قيل لهم: أي: شيء الذي أوتيتم في علم الله، فكلماته التي لا تنفذ ولا تتناهى، كما لو كتبت بماء البحار وأضعاف ذلك. وقال ابن عباس في تفسير ﴿كَلِمَاتُ رَبِّي﴾: (يريد مواعظ الشكر (١) مني، أو مواعيد ربي وعلمه في خلقه) (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ أي: بمثل البحر في كثرة مائه مدادا زيادة له.\nوأراد لو جئنا بمثله مدادًا له، والمدد: كل شيء زاد في شيء. يقال أمددناهم بمدد أي: بقوم يزيدون في عددهم. قال الزجاج: (﴿مَدَدًا﴾ منصوب على التمييز، يقول: ملؤ هذا، ومثل هذا ذهبًا، أي: من الذهب) (٣). كقوله: ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ [المائدة: ٩٥] قال ابن الأنباري: (ويجوز أن يكون ﴿مَدَدًا﴾ منصوب على المصدر لجئنا بتقدير: لمدد البحر بمثله مددا، كما تقول: جاء فلان ركضا. قال: ويجوز أن يكون نائبا عن الحال بتقدير: لو جئنا بمثله مادين) (٤).\n_________\n= ولا تشبيه، وهو صفة ذاتية باعتبار أصله؛ لأن الله تعالى لم يزل ولا يزال متكلمًا، وباعتبار آحاد الكلام صفة فعلية؛ لأن الكلام يتعلق بمشيئته يتكلم متى شاء بما شاء. وقد تقدم التعليق مرارا على الأقوال التي يوردها الواحدي والمتعلقة بالأسماء والصفات.\nوانظر: \"شرح العقيدة الطحاوية\" ١/ ١٧٢، \"القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى\" للشيخ: محمد بن عثيمين ص ٣٣، \"العقيدة الواسطية\" ص ٤٣.\n(١) في (ص): (الشك)، وهو تصحيف.\n(٢) \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٦٩.\n(٣) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣١٦.\n(٤) ذكر نحوه بلا نسبة في \"المحتسب\" ٢/ ٣٥، \"إملاء ما من به الرحمن\" ص ٤٠٥، =","vol":"14","page":174},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2344>١١٠ </span>- قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ قال ابن عباس: (علم الله رسوله التواضع لئلا يزهو على خلقه) (١). وهذا أمر من الله لرسوله بأن يقر على نفسه بأنه آدمي كغيره، إلا أنه أكرم بالوحي وهو قوله: ﴿يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ لا شريك له. ذكر المفسرون في سبب نزول هذه الآية: (أن رجلًا أتى النبي -ﷺ- فقال: إني لأصلي، وأتصدق، وأحب مع ذلك أن يطلع عليه الناس، فأنزل الله هذه الآية) (٢). والإشارة في ذكر توحيده هاهنا إلى من راءى بعمله (٣)، فكأنه أشرك فيه غير الله، والمعبود واحد لا يقبل الشركة.\nقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ﴾ لقاء البعث والمصير إلى الله، والرجاء يذكر بمعنى الخوف؛ لأنه يتضمن الخوف، ومنه قول الهذلي (٤):\nإذا لسمعته النَّحل لم يرج لسعها\n_________\n= \"البحر المحيط\" ٦/ ١٦٩، \"الدر المصون\" ٧/ ٥٥٨.\n(١) \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢١٣، \"زاد المسير\" ٥/ ٣٠٢، \"مجمع البيان\" ٥/ ٧٧٠.\n(٢) \"جامع البيان\" ١٦/ ٤٠،\"المحرر الوجيز\" ٩/ ٤٢١، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٦٩، وأخرجه الحاكم في \"المستدرك\" كتاب: التفسير ٤/ ٣٢٩، \"أسباب النزول\" للواحدي ٣٠٨، \"لباب النقول في أسباب النزول\" ص ١٤٥.\n(٣) في (ص): (بعلمه).\n(٤) هو صدر بيت لأبي ذؤيب الهذلي، وعجزه:\nوخالفها في بيت نوبٍ عواسل\nاللسع: لما ضرب بمؤخرة، واللسع لذوات الإبر من العقارب والزنابير ونحوها والنوب: النحل وهو جمع نائب لأنها شرعى وتنوب إلى مكانها. انظر: \"شرح أشعار الهذليين\" ١/ ١٤٤، \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٢٨٦، \"تفسير غريب القرآن\" ١/ ٢٧١، \"تهذب اللغة\" (ناب) ٤/ ٣٤٧٦، \"اللسان\" (نوب) ٨/ ٤٥٦٩.","vol":"14","page":175},{"text":"أي: لم يخف. وهذا قول الكلبي، ومقاتل (١). وهو باطل عند الفراء؛ لأن الرجاء لا تذهب به العرب مذهب الخوف إلا مع الجحد (٢). كقوله: ﴿لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ﴾ [الجاثية: ١٤]، و﴿لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾ [نوح: ١٣].\nقال ابن الأنباري: (\"من\" حرف شرط، والشرط يقع على ما لم يتحصل، فجرى الشرط في هذا مجرى الجحد) (٣). وقال سعيد بن جبير: (من كان يأمل ثواب الله) (٤).\nوقوله تعالى: ﴿فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا﴾ أي: خالصًا لا يرائي به. والمفسرون والصحابة على أن هذه الآية نزلت: في النهي عن الرياء، وذكروا في تفسير هذه الآية: ما روي عن النبي -ﷺ- أنه قال: \"قال الله: أنا خير الشركاء، من عمل لي عملًا وأشرك فيه غيري، فأنا منه بري، وهو للذي أشرك\" (٥).\n_________\n(١) ذكره ابن عطية في \"تفسيره\" ٩/ ٤٢٠ بدون نسبة، و\"بحر العلوم\" ٢/ ٣١٥، و\"معالم التنزيل\" ٥/ ٢١٣، و\"النكت والعيون\" ٣/ ٣٤٩، \"أضواء البيان\" ٤/ ٢٠٠، \"تفسير غريب القرآن\" لابن قتيبة ١/ ٢٧١، و\"تفسير المشكل\" لمكي ص ١٤٥.\nوقال الشنقيطي -﵀- في \"أضواء البيان\" ٤/ ٢٠٠: الرجاء يستعمل في رجاء الخير، ويستعمل في الخوف أيضًا، واعلم أنهما متلازمان فمن كان يرجو ما عند الله من الخير فهو يخاف ما لديه من الشر كالعكس.\n(٢) \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٢٨٦.\n(٣) ذكر نحوه في \"زاد المسير\" ٣/ ٢٠٥، \"مجمع البيان\" ٦/ ٧٧٠، \"روح المعاني\" ١٦/ ٥٣.\n(٤) \"جامع البيان\" ١٦/ ٣٩، \"بحر العلوم\" ٢/ ٣١٥، \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٥٠، \"الدر المنثور\" ٤/ ٤٦٠.\n(٥) أخرجه الإمام مسلم في \"صحيحه\" كتاب: الزهد، باب: من أشرك في عمله غير الله ٣/ ٢٢٨٩، وابن ماجه في سننه، كتاب: الزهد، باب: الرياء والسمعة =","vol":"14","page":176},{"text":"وهذا قول عبادة بن الصامت، وشداد بن أوس (١) (٢).\nوقال كثير بن زياد (٣): (قلت للحسن: قول الله: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ﴾ الآية، قال: في المؤمن نزلت. قلت: مشركا بالله؟ قال: لا، ولكن أشرك في عمله، يريد الله به والناس، فذلك الذي يرد عليه) (٤).\nوقال سعيد بن جبير في قوله: ﴿وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ (ولا يرائي) (٥).\n_________\n= ٢/ ١٤٠٥، وذكره ابن كثير في \"تفسيره\" ٣/ ١٢٢، وأورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ٤٦٠ وعزاه لأحمد ومسلم وابن أبي حاتم وابن مردويه.\n(١) شداد بن أوس بن ثابت المنذر بن حرام، أبو علي، الأنصاري، النجاري الخزرجي، ابن أخي حسان بن ثابت، وهو من فضلاء الصحابة وعلمائهم، توفي -﵁- سنة ٦٤ هـ. انظر: \"حلية الأولياء\" ١/ ٢٦٤، \"الجرح والتعديل\" ٤/ ٣٢٨، \"تهذيب التهذيب\" ٤/ ٣١٥، \"شذرات الذهب\" ١/ ٦٤، \"طبقات ابن سعد\" ٧/ ٤٠١.\n(٢) أخرجه أحمد في \"مسنده\" ٤/ ١٢٥، والحاكم في \"المستدرك\" ٣/ ٥٠٦ وصححه، والطبري في \"تفسيره\" ١٦/ ٤٠، والسيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ٤٦٠ وعزاه لأحمد وابن أبي الدنيا وابن مردويه والهيثمي في \"مجمع الزوائد\" ١٠/ ٢٢١.\n(٣) كثير بن زياد، أبو سهل البرساني الأزدي، العتكي، البصري، سكن بلخ، وكان ثقة، وهو من أكابر أصحاب الحسن، روى عن: الحسن، وعمر بن عثمان، وأبي سمية، وأبي العالية، وروى عنه: حماد بن زيد، وجعفر بن سلمان، وعمرو بن الرماح البلخي وغيرهم، وثقه العلماء وأُثنوا عليه.\nانظر: \"الثقات\" لابن حبان ٧/ ٣٥٣، \"الكشاف\" ٣/ ٤، \"ميزان الاعتدال\" ٣/ ٤٠٤، \"تهذيب الكمال\" ٢٤/ ١١٢، \"تهذيب التهذيب\" ٨/ ٣٧٠.\n(٤) أورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ٤٥٩ وعزاه لابن أبي حاتم.\n(٥) \"جامع البيان\" ١٦/ ٤٠، \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٤٢١، \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٥٠، \"زاد المسير\" ٥/ ٢٠٣، \"الدر المنثور\" ٤/ ٤٥٩.","vol":"14","page":177},{"text":"ونحو هذا قال مجاهد، وموسى بن عقبة (١) (٢).\nهذا الذي ذكرنا قول الجمهور، وروى الوالبي عن ابن عباس: (أن هذه الآية أنزلت في المشركين الذين عبدوا مع الله غيره، وليست في المؤمنين) (٣)\nوالصحيح الذي عليه الناس، وقد بين ذلك ابن عباس فيما روى عنه عطاء، وهو أنه قال: (قال الله: ﴿وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ﴾، ولم يقل: ولا يشرك بربه؛ لأنه أراد العمل الذي يعمل الله، ويحب أن يحمد عليه، قال: وكذلك يستحب للرجل أن يدفع صدقته إلى غيره ليقسمها، كيلا يعظمه ويوقره من يصله بها) (٤).\nقال الكلبي، ومقاتل: (نزلت هذه الآية في رجل يقال له: جندب بن زهير (٥)، قال: يا رسول الله أعمل العمل ألتمس به ثواب الله وأحب أن\n_________\n(١) موسى بن عقبة بن أبي عياش الأسدي، مولى آل الزبير، تابعي جليل، روى عن: أم خالد بنت سعيد بن العاص، والأعرج، وعكرمة، وعروة بن الزبير وغيرهم، وروى عنه: بكير بن الأشج، وسفيان الثوري، وسفيان بن عيينة، وابن جريج وغيرهم، وكان ثقة، كثير الحديث، اشتهر بالصلاح والتقوى، توفي سنة ١٤١ هـ بالمدينة.\nانظر: \"الجرح والتعديل\" ٨/ ١٥٤، \"الكاشف\" ٣/ ١٨٦، \"ميزان الاعتدال\" ٤/ ٢١٤، \"تهذيب التهذيب\" ١٠/ ١٢١.\n(٢) \"جامع البيان\" ١٦/ ٤٠، \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٥٠، \"الدر المنثور\" ٤/ ٤٥٧.\n(٣) \"الدر المنثور\" ٤/ ٤٥٨، \"روح المعاني\" ١٦/ ٥٥، \"فتح القدير\" ٣/ ٤٥٥، \"إعراب القرآن\" للنحاس ٢/ ٢٩٧.\n(٤) \"روح البيان\" ٥/ ٣٠٩، \"مجمع البيان\" ٥/ ٧٧٠.\n(٥) جندب بن زهير الأزدي، الغامدي، أحد أصحاب النبي -ﷺ-، عالم، زاهد، تقي، ورع، روى عنه عدد من التابعين منهم: أبو عثمان الهندي، والحسن البصري، وتميم بن الحارث، قتل -﵁- في موقعة صفين وكان مع علي بن أبي طالب -﵁- أميرًا على الرجالة.=","vol":"14","page":178},{"text":"يثني عليَّ به، فأنزل الله فيه هذه الآية) (١). ونحو هذا قال مجاهد (٢)، وطاووس (٣).\n_________\n= انظر: \"أسد الغابة\" ١/ ٣٠٣، \"الإصابة\" ١/ ٢٤٩، \"الاستيعاب\" ١/ ٢١٩، \"الكاشف\" ١/ ١٣٢، \"تهذيب التهذيب\" ٢/ ١١٨، \"سير أعلام النبلاء\" ٣/ ١٧٤.\n(١) \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٥٠، \"زاد المسير\" ٥/ ٢٠٣، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٧٠، \"تفسير مقاتل\" ص ٢٣١، \"أسباب نزول القرآن\" للواحدي ص ٣٠٧، \"لباب النقول في أسباب النزول\" للسيوطي ص ١٤٥، \"جامع النقول في أسباب النزول\" ص ٢١١، وذكره ابن حجر في \"الكافي الشاف\" ٤/ ١٠٥.\n(٢) \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٧٢، \"زاد المسير\" ٥/ ٢٠٣، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١١٢، \"الدر المنثور\" ٤/ ٤٥٩، \"أسباب نزول القرآن\" للواحدي ص ٣٠٧، \"لباب النقول في أسباب النزول\" للسيوطي ص ١٤٥، \"جامع النقول في أسباب النزول\" (٢١١).\n(٣) \"جامع البيان\" ١٦/ ٤٠، \"تفسير القرآن\" للصنعاني ١/ ٣٤٨، \"زاد المسير\" ٥/ ٢٠٣، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٦٩، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٢٠، \"الدر المنثور\" ٤/ ٤٥٩، \"أسباب نزول القرآن\" للواحدي ص ٣٠٧، \"لباب النقول في أسباب النزول\" للسيوطي ص ١٤٥، \"جامع النقول في أسباب النزول\" ص ٢١١.","vol":"14","page":179},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2345>سورة مريم</span>","vol":"14","page":181},{"text":"تفسير سورة مريم\nبسم الله الرحمن الرحيم\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2346>١ </span>- ﴿كهيعص﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء: (كاف: كاف، ها: هاد، عين: عالم، صاد: صادق، والياء: يد من الله على خلقه) (١). وهذا قول الكلبي، وزاده بيانا فقال: (معناه كاف لخلقه، هاد لعباده، يده فوق أيديهم، عالم ببريته، صادق في وعده) (٢). وعلى هذا كل واحد من هذه الحروف يدل على صفة من صفات الله.\nوذكر أبو الهيثم قال: (روى سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال في \"كهيعص\": هو كاف، هاد، يمين، عزيز، صادق) (٣).\nقال أبو الهيثم: (جعل الياء من يمين من قولك: يمن الله الإنسان يمينه، يمنًا، ويُمْنًا فهو مَيْمُون، قال: فَاليَمِيْنُ واليَامِنُ يكونان بمعنى واحد كالقدير والقادر) (٤).\n_________\n(١) انظر \"جامع البيان\" ١٦/ ٤١، \"بحر العلوم\" ٢/ ٣١٧، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٧٤.\n(٢) \"تفسير القرآن\" للصنعاني ٢/ ٥، \"جامع البيان\" ١٦/ ٤٢،\"معالم التنزيل\" ٥/ ٢١٨، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٧٤.\n(٣) \"تفسير القرآن\" للصنعاني ٢/ ٥، \"جامع البيان\" ١٦/ ٤١، \"معالم التزيل\" ٥/ ٢١٨، \"الدر المنثور\" ٤/ ٤٦٥.\n(٤) \"تهذيب اللغة\" (يمن) ٤/ ٣٩٨٤.","vol":"14","page":183},{"text":"وقال أبو إسحاق: (قال أكثر أهل اللغة: إنها حروف التَّهَجِّي تدل على الابتداء بالسورة) (١) (٢).\nوقُرئ: ها، يا، بالتفخيم والإمالة (٣). قال أبو علي: (إمالة هذه\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣١٧.\n(٢) قال الطبري في \"تفسيره\" ١/ ٩٣: والصواب من القول عندي في تأويل مفاتيح السور التي هي حروف المعجم: أن الله ثناؤه جعلها حروف مقطعة ولم يصل بعضها ببعض فيجعلها كسائر الكلام المتصل الحروف؛ لأنه عن ذكره أراد بلفظه الدلالة بكل حرف منه على معان كثيرة لا على معنى واحد. وقال ابن كثير في \"تفسيره\" ١/ ٤٠: إنما ذكرت هذه الحروف في أوائل السور التي ذكرت فيها بيانا لإعجاز القرآن وأن الخلق عاجزون عن معارضته بمثله، هذا مع أنه مركب من هذه الحروف المقطعه التي يتخاطبون بها.\nوقال الشوكاني في \"تفسيره\" ٣/ ٣٦٤: وكما وقع الخلاف في هذا وأمثاله بين الصحابة وقع بين من بعدهم ولم يصح مرفوعًا في ذلك شيء، ومن روي عنه من الصحابة في ذلك شيء فقد روي عن غيره ما يخالفه، وقد يروى عن الصحابي نفسه التفاسير المتخالفه المتناقضة في هذه الفواتح فلا يقوم شيء من ذلك حجة، بل الحق الوقف ورد العلم في مثيلها إلى الله سبحانه.\nانظر: \"المحرر الوجيز\" ١/ ١٣٨، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١/ ١٥٤، \"التفسير الكبير\" ٢/ ٥، \"التحرير والتنوير\"١/ ٩٤، \" أضواء البيان\" ٤/ ٣٩٩، \"مشكل القرآن\" لابن قتيبة ٢٩٩.\n(٣) قرأ: أبو بكر عن عاصم، والكسائي: (كهيعص) بإمالة الهاء والياء. وقرأ: أبو عمرو البصري: (كهيعص) بإمالة الهاء وفتح الياء. وقرأ: ابن عمر، وحمزة: (كهيعص) بإمالة الياء وفتح الهاء. وقرأ: نافع المدني: (كهيعص) بين اللفظين فيهما، وذكر عنه الفتح. وقرأ: ابن كثير المكي، وحفص عن عاصم: (كهيعص) بفتحهما وتبيين الدال. انظر: \"السبعة\" ص ٤٠٦، \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ١٨٤، \"المبسوط في القراءات\" ص ٢٤٢، \"حجة القراءات\" ص ٤٣٧، \"التبصرة\" ص ٢٥٥.","vol":"14","page":184},{"text":"الحروف لا يمتنع؛ لأنها ليست بحروف معنى، وإنما هي أسماء لهذه الأصوات) (١).\nقال سيبويه: (قالوا: يا، تا؛ لأنها أسماء ما يتهجى به) (٢). (فلما كانت أسماء غير حروف [جازت فيها الإمالة كما جازت في الأسماء، ويدلك على أنها أسماء غير حروف] (٣) أنها إذا أخبرت عنها أعربتها، كما أن أسماء العدد إذا أخبرت عنها أعربتها، فكما أن أسماء العدد قبل أن تعربها أسماء، فكذلك هذه الحروف، وإذا كانت أسماء شاعت فيها الإمالة) (٤).\nوروى حفص عن عاصم: عين صاد بين النون (٥).\nقال أبو عثمان: (بيان النون مع حروف الفم (٦) لحن؛ إلا أن هذه تجري على الوقف عليها والقطع لها مما بعدها، فحكمها البيان وأن لا تُخفى) (٧). (وقول عاصم هو القياس فيها، وكذلك أسماء العدد حكمها على الوقف وعلى أنها منفصلة مما بعدها، ومما يبين أنها على الوقف أنهم قالوا: ثلاثة، أربعه، فألقوا حركة الهمزة على الهاء لسكونها ولم يقلبوها تاء وإن كانت موصولة لما كانت النية بها الوقف، فكذلك النون ينبغي أن\n_________\n(١) \"الحجة للقراء السبعة\" ١٨٥/ ٥.\n(٢) \"الكتاب\" لسيبويه ٢/ ٢٦٧.\n(٣) ما بين المعقوفتين ساقط من (س).\n(٤) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ١٨٥.\n(٥) انظر: \"السبعة\" ص ٤٠٧، \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ١٨٥.\n(٦) في (ص): (الفهم)، وهو تصحيف.\n(٧) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ١٨٥.","vol":"14","page":185},{"text":"تبين؛ لأنها في نية الوقف والانفصال مما بعدها. ولمن لم يبين أن يستدل بتركهم قطع الهمزة في قولهم: ﴿الم (١) اللَّهُ﴾ [آل عمران: ١،<span data-type=\"title\" id=toc-2347>٢] </span>ألا ترى أن الهمزة لم تقطع، وإن كانت في تقدير الانفصال مما قبلها، وكما لم تقطع الهمزة في (الم الله) وفي قولهم: واحد اثنان، كذلك لم تبين النون؛ لأنها جعلت في حكم الاتصال كما كان الهمزة فيما ذكرنا) (١). كذلك قال أبو الحسن: (تبين النون أجود في العربية؛ لأن حروف العدد والهجاء منفصل بعضه من بعض، وعامة القراء على خلاف التبيين) (٢).\n٢ - وقوله تعالى: ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا﴾ قال أبو إسحاق: (\"ذكر\" مرتفع بالمضمر المعنى: هذا الذي نتلو عليك ذكر) (٣). قال الأخفش: (كأنه قال: ومما نقص عليك ذكر رحمة ربك) (٤).\nوذكر الفراء وجها آخر فقال: (الذكر مرفوع بكهيعص) (٤). وأنكره الزجاج فقال: (هذا محال؛ لأن كهيعص ليس مما أنباء الله به عن زكريا، ولم يجيء في شيء من التفسير أن كهيعص هو قصة زكريا) (٦).\nوقول الفراء صحيح على قول من يقول: كهيعص اسم لهذه السورة،\n_________\n(١) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ١٨٦.\n(٢) \"معاني القرآن\" للأخفش ١/ ١٧٣، \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ١٨٦.\n(٣) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣١٨.\n(٤) \"معاني القرآن\" للأخفش ٢/ ٦٢٤.\n(٥) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٦١. قال أبو البقاء في \"إملاء ما من به الرحمن\" ١/ ١١٠: وفيه بعد؛ لأن الخبر هو المبتدأ في المعنى وليس في الحروف المقطعة ذكر الرحمة، ولا في ذكر الرحمة معناها.\n(٦) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣١٨.","vol":"14","page":186},{"text":"وهو قول الحسن (١). ويصير المعنى كأنه قيل هذه السورة ذكر رحمة ربك، وقد تضمنت هذه السورة قصة زكريا.\n\nوذكر صاحب النظم هذا القول فقال: (هذه الحروف كأنها اسم لهذه السورة، فصارت مبتدأ وصار خبرها في قوله: ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ﴾ (٢) <span data-type=\"title\" id=toc-2348>(٣)</span>.\nوقال ابن الأنباري مصححًا قول الفراء منكرًا على الزجاج: (تلخيص قول الفراء كهيعص ابتداء ذكر رحمة ربك، وتقدمه ذكر رحمة ربك ثم حذف المضاف، وافتتاح الشيء داخل فيه ومحسوب من جملته) (٤). والمراد بالرحمة هاهنا: إجابة الله تعالى زكريا حين دعاه وسأله الولد (٥). وانتصب قوله: \"عبده\" بالذكر، ومعنى الآية على التقديم والتأخير تقديرها: ذكر ربك عبده بالرحمة، هذا قول الفراء، والزجاج، وصاحب النظم (٦).\nوقال الأخفش: (انتصب العبد بالرحمة كما نقول: هذا ذكر ضرب زيد عمرا) (٧). وهذا هو الوجه؛ لأن الله تعالى ذكر في هذه السورة رحمته زكريا بإجابة دعائه، وليس يحتاج في هذا القول تقدير التقديم والتأخير.\n\n٣ - قوله تعالى: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا﴾ بمعنى: الخافي، يقال:\n_________\n(١) \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٥٢، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢١٧، \"زاد المسير\" ٥/ ٢٠٦.\n(٢) في (ص): (ثم حذف المضاف)، زائد على الأصل.\n(٣) ذكره نحوه بلا نسبة \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٤٢٣، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٧٥، \"البحر المحيط\" ٦/ ١٧٢.\n(٤) أورده بلا نسبة \"المحتسب\" ٢/ ٣٧، \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٤٢٥، \"البحر المحيط\" ٦/ ١٧٢، \"الدر المصون\" ٧/ ٥٦١.\n(٥) \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٥٤، \"التفسير الكبير\" ١١/ ١٧٩، \"فتح القدير\" ٣/ ٤٥٨.\n(٦) \"معاني القرآن للفراء\" ٢/ ٢٦١، \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣١٨.\n(٧) \"معاني القرآن\" للأخفش ٢/ ٦٢٤.","vol":"14","page":187},{"text":"خفي الشيء يخفى، خفاء، فهو خاف، وخفي كما يقال: سامع وسميع (١). قال ابن عباس: (يريد يخفي ذلك في نفسه) (٢). قال ابن جريج: (لا يريد رياء) (٣).\nوهذا يدل على أن المستحب في الدعاء الإخفاء. قال الحسن: (وقد كان المسلمون يجتهدون في الدعاء، وما يسمع لهم صوت إن كان إلا همسًا بينهم وبين ربهم، وذلك أن الله -﷿- يقول (٤): ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف: ٥٥] (٥). وذكر الله عبدا صالحًا ورضي قوله فقال: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا﴾ وقال الكلبي: (أخفاه وأسره عن قومه لئلا يسمعوه) (٦). وهذا يقرب من قول من قال: إنما أخفى؛ لأنه خاف أن يلام على مسألته الولد عند كبر سنه فدعاء الله خفيا من قومه. وهذا القول حكاه ابن الأنباري عن الكلبي، ومقاتل بن سليمان قالا: (إنما أخفى نداءه استيحاء من أن يرى الناس شيخا كبيرا يتمنى الولد ويحب أن يرزقه) (٧).\n_________\n(١) انظر: \"تهذيب اللغة\" (خفى) ١/ ١٠٧٠، \"المعجم الوسيط\" (خفى) ١/ ٢٤٧.\n(٢) ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة. انظر: \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٥٤، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١١٣، \" الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٧٦، \"التفسير الكبير\" ٢١/ ١٨٠، \"روح المعاني\" ١٦/ ٥٩.\n(٣) \"جامع البيان\" ١٦/ ٤٥، \" النكت والعيون\" ٣/ ٣٥٤، \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٤٢٦، \"زاد المسير\" ٥/ ٢٠٦، \"الدر المنثور\" ٤/ ٤٦٦.\n(٤) قوله: (يقول)، ساقط من (ص).\n(٥) ذكر نحوه مختصرًا الهواري في \"تفسيره\" ٣/ ٦.\n(٦) ذكرته كتب التفسير بدون نسبة.\nانظر: \"بحر العلوم\" ٢/ ٣١٨، \"زاد المسير\" ٥/ ٢٠٦، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٧٦، \"التفسير الكبير\" ١١/ ١٨٠، \"البحر المحيط\" ٦/ ١٧٣ \"أنوار التنزيل\" ٤/ ٢.\n(٧) \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٥٤، \"زاد المسير\" ٥/ ٢٠٦. وقال الشقيطي في \"أضواء =","vol":"14","page":188},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2349>٤ </span>- قوله تعال ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي﴾ وهن: ضعف يَهِن وَهْنا، ووَهَنا، فهو واهنِ، وأوهنه يُوهِنُه (١). ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ﴾ أي: انتشر فيه الشيب كما ينتشر شعاع النار في الحطب، وهذا من أحسن الإشارة إذ شبه بياض الشيب وانتشاره في الرأس بشعاع النار وانتشارها (٢). وأصل هذا الحرف من الاشتعال يقال: غارة مُشْعِلة، وقد أَشْعَلَت إذا تفرقت.\nقال ابن السكيت: (جاء جيش كالجراد المُشْعِل، وهو الذي يخرج في كل وجه، وكَتِيْبَةٌ مُشْعَلَةُ: إذا انتشرت) (٣). قال جرير (٤):\nعَايَنْت مُشْعِلَةَ الرِّعَالِ كَأنَّها طَيْرٌ ... تُغَاوِلُ في شَمَامِ وُكُوْرا\nويقال أيضًا: أَشْعَلْت جَمْعَهم، أي: فرقتهم، ومنه يقال: أَشْعَلْتُ النار في الحطب، أي: فرقتها فيه فَاشْتَعَلَت. قال الزجاج: (يقال للشيب إذا كثر جدا: قد اشتعل رأس فلان) (٥). قال لبيد (٦):\n_________\n= البيان\" ٤/ ٢٠٤ بعد ذكر هذه الأقوال: كل ذلك ليس بالأظهر، والأظهر أن السر في إخفائه هو ما ذكرنا من كون الإخفاء أفضل من الإعلان في الدعاء.\n(١) انظر: \"تهذيب اللغة\" (وهن) ٤/ ٣٩٦٦، \"مقاييس اللغة\" (وهن) ٦/ ١٤٩، \"القاموس المحيط\" (وهن) ١٢٣٩، \"لسان العرب\" (وهن) ٨/ ٤٩٣٥.\n(٢) انظر: \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٥٥، \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٤٢٦، \"الكشاف\" ٢/ ٤٠٥، \"الإيضاح في علوم البلاغة\" ٣٠٢، \"البرهان في علوم القرآن\" ٣/ ٤٣٥.\n(٣) \"تهذيب اللغة\" (شعل) ٢/ ١٨٩١.\n(٤) البيت لجرير في قصيدة يهجو بها الأخطل، المُشْعَلَة: المتفرقه والرِّعَال: قطع الخيل. وتُغاوِلُ: تبادر سرعة. وشَمَام: جبل.\nانظر: \"ديوان جرير\" ص ٢٢٤، \"تهذيب اللغة\" (غال) ٣/ ٢٦٢٤، \"لسان العرب\" (غول) ٦/ ٣٣١٩.\n(٥) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣١٩.\n(٦) البيت للبيد من قصيدة يتحدث فيها عن مآثره ومواقفه، ويأسى لفقد أخيه أربد. انظر: \"ديوان لبيد بن ربيعة\" ص ١٤٠.","vol":"14","page":189},{"text":"أَلَمْ تَرَى رَأْسي أَمْسَى وَاضِحًا ... سُلِّطَ الشَّيْب عَلَيْه فَاشْتَعَل\nأي: انتشر وكثر، والإشتعال للشيب إلا أنه نقل الفعل إلى الرأس فخرج الشيب مفسرًا ولذلك نصب كما يقال: ألم رأسه، ووجع بطنه (١).\nوقال بعضهم: انتصب قوله: \"شيبا\" على المصدر كأنه قال: شاب رأسي شيبًا (٢).\nقال ابن الأنباري: (المعنى واشتعل شيب الرأس، فنقل الفعل عن الشيب إلى الرأس وانتصب الشيب بتحول الفعل عنه وخروجه من الوصف، يعني من أن يوصف بأنه فاعل، كما يقال: مررت برجل حسن وجها، نقلوا الحسن إلى الرجل، فلما انعدل الحسن عن الوجه انتصب بخروجه عن الوصف. قال: ويجوز أن يكون الشيب نائبًا عن المصدر، والتأويل واشتعل الرأس اشتعالا، فسد الشيب مسد الاشتعال، كما تقول: جاء فلان ركضا، والتأويل ركض ركضا أو جاء مجيئًا) (٣).\nومعنى الشيب: مخالطة الشعر الأبيض الأسود، وهو موافق لمعنى الشايب الذي يخلط الشيء بغيره (٤).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ﴾ أي: بدعائي إياك، والمصدر هاهنا مضاف إلى المفعول ﴿رَبِّ شَقِيًّا﴾ قال ابن عباس: (لم تكن تخيب\n_________\n(١) \"إملاء ما من به الرحمن\" ١/ ١١٠، \"إعراب القرآن\" للنحاس ٢/ ٣٠١.\n(٢) \"معاني القرآن\" للأخفش ٢/ ٦٢٤، \"إعراب القرآن\" للنحاس ٢/ ٣٠١.\n(٣) ذكره نحوه بلا نسبة \"إملاء ما من به الرحمن\" ص ٤٠٦، \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٤٢٦، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٧٧، \"الدر المصون\" ٧/ ٥٦٥.\n(٤) انظر: \"تهذيب اللغة\" (شاب) ٢/ ١٧٩٩، \"مقاييس اللغة\" (شيب) ٣/ ٢٣٢، \"القاموس المحيط\" (شيب) ٩٩، \"المعجم الوسيط\" (شيب) ١/ ٥٠٢.","vol":"14","page":190},{"text":"دعائي إذا دعوتك) (١).\n[وقال مجاهد: (كنت تعرفني الإجابة إذا دعوتك)] (٢) (٣). وهذا قول الجميع. ويقال: شقي فلان بكذا (٤) إذا أتعب بسببه ولم يحصل له طائل، يقول: لم أكن أتعب بالدعاء ثم أخيب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2350>٥ </span>- وقوله تعالى: ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي﴾ أراد بالموالي: الورثة، وهم العصبة، والكلالة. قاله ابن عباس في رواية الضحاك، وهو قول مجاهد، وجميع أهل التفسير (٥).\nقال الزجاج: (ومعنى \"الموالي\": هم الذين يلونه في النسب، كما أن معنى القرابة: الذين يقربون منه بالنسب) (٦).\nوقال الفراء: (﴿الْمَوَالِيَ﴾ هم: بنو العم، وورثته، والولي والمَوْلَى في كلام العرب واحد) (٧).\nويقول تعالى: ﴿مِنْ وَرَائِي﴾ أي: من بعد موتي، واختلفوا في معنى\n_________\n(١) ذكرته بعض كتب التفاسير بدون نسبة.\nانظر: \"جامع البيان\" ١٦/ ٤٦، \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٥٥، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢١٨، \"تنوير المقباس\" ٢٥٤.\n(٢) ذكره الطبري في \"تفسيره\" ١٦/ ٤٦ بدون نسبة، وكذلك الماوردي في \"تفسيره\" ٣/ ٣٥٥.\n(٣) ما بين المعقوفين ساقط من نسخة (س).\n(٤) قوله: (بكذا)، ساقط من (س).\n(٥) \"تفسير القرآن\" للصنعاني ٢/ ٣، \"جامع البيان\" ١٦/ ٤٦ - ٤٧، \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٥٥، \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٤٢٧، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢١٨.\n(٦) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٢١٩.\n(٧) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٦١.","vol":"14","page":191},{"text":"خوفه فقال بعضهم: (خاف أن يرثه غير الولد) (١).\nوقيل: (خاف أن تذهب النبوة من نسبه إلى بني الأعمام) (٢). وهذا ليس بشيء؛ لأنه لا يكون خوفًا من الموالي، والصحيح في معنى خوفه ما ذكره أبو علي فقال: (الخوف لا يكون من الأعيان في الحقيقة، إنما يكون من معان فيها، فإذا قال القائل: خفت الله، وخفت الوالي، وخفت الناس، فالمعنى: خفت عقاب الله ومؤاخذته، وخفت عقوبة الوالي، وملامة الناس، وكذلك أي: \"خفت الموالي من ورائي\"، أي خفت تضيج بني عمي، فحذف المضاف، والمعنى تضييعهم للدين، ونبذهم إياه وإطراحهم له، فسأل ربه وليا يرث نبوته وعلمه لئلا يضيع الدين، وكأن الذي حمله على مسألة ذلك ما شاهدهم عليه من تبديلهم للدين وتوثُّبِهِم على الأنبياء وقتلهم إياهم) (٣).\nويؤكد هذا ما روى عطاء عن ابن عباس قال: (يريد بالموالي بني إسرائيل) (٤). وبنو إسرائيل كانوا يبدلون ويقتلون الأنبياء (٥)، وعلى هذا\n_________\n(١) \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٤٢٧، \"الكشاف\" ٢/ ٤٠٥، \"زاد المسير\" ٥/ ٢٠٩، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٧٨.\n(٢) ذكرت كتب التفسير نحوه. انظر: \"جامع البيان\" ١٦/ ٤٦، \"تفسير القرآن\" للصنعاني ٢/ ٣، \"الكشف والبيان\" ٣/ ٢ أ، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢١٨، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٢٤، \"زاد المسير\" ٥/ ٢٠٩.\n(٣) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ١٨٩.\n(٤) ذكر في كتب التفاسير بدون نسبة. انظر: \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٥٥، \"الكشاف\" ٢/ ٤٠٥، \"روح المعاني\" ١٦/ ٦١، \"الدر المصون\" ٧/ ٥٦٦.\n(٥) وإلى هذا أشار القرآن الكريم في قوله تعالى في سورة البقرة الآية (٥٩): ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ الآية. =","vol":"14","page":192},{"text":"سَمَّى بني إسرائيل موالي؛ لأنهم كانوا بني أعمامه.\nوقوله تعالى: ﴿وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا﴾ أي: عقيما لا تلد، وهذا الذي قاله زكريا إخبار عن خوفه فإما مضى حين كانت امرأته لا تلد، وكان هو آيسًا من الولد لذلك ذكره بلفظ الماضي في \"خفت\" \"وكانت\".\nوقوله تعالى: ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا﴾ أي: ابنا صالحًا يتولاه، قال أبو إسحاق: (قوله: ﴿وَلِيًّا﴾ يدل على أنه سأل ولدًا دَيِّنًا؛ لأن غير الدَّيِّنِ لا يكون وليا لنبي) (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2351>٦ </span>- قوله تعالى: ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ﴾ قرئ: بالرفع، والجزم (٢). فالرفع على صفة الولي، كأنه سأل وليا وارثًا علمه ونبوته، والجزم على جواب الأمر، والرفع أصح القراءتين، إذ ليس المعنى على الجزاء وذلك؛ لأنه ليس كل ولي يرث، وإذا كان كذلك لم يسهل الجزاء من حيث لم يصح إن وهبته ورث؛ لأنه قد يهب له وليا لا يرث بأن يموت قبله، أو لا يصلح لخلافة النبوة، وإذا كان كذلك كان الوجه الرفع، ووجه الجزم أنه أراد بالولي وليا وارثًا، فيصح الشرط بأن تقول: إن وهبت ورث إذا كان المسؤول وليًا وإرثًا (٣).\n_________\n= وقال سبحانه في الآية (٦١): ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾.\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٢٠.\n(٢) قرأ: ابن كثير، ونافع، وعاصم، وابن عامر، وحمزة: (يرثنني ويرث) برفعهما. وقرأ: أبو عمرو والبصري، والكسائي: (يرثني ويرث) بالجزم فيهما.\nانظر: \"السبعة\" ص ٤٠٧، \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ١٩١، \"العنوان في القراءات\" ١٢٦، \"النشر\" ٢/ ٣١٧.\n(٣) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ١٩١.","vol":"14","page":193},{"text":"واختلفوا فيم يرثه هذا الولي فقال ابن عباس في رواية عطاء: (يرث النبوة) (١). وهو قول أبي صالح: (يكون نبيا كما كانت أباؤه أنبياء) (٢). وقال مجاهد والسدي: (يرث العلم والنبوة) (٣).\nوقال الكلبي: (يرث مكاني وحبورتي) (٤).\nوقال قتادة: (نبوتي وعلمي) (٥).\nوقال ابن قتيبة: (يرثني الحبورة، وكان زكريا حبرا، ﴿وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ الملك، قال: وكذلك قيل في التفسير) (٦).\nوقال قوم: أراد وراثة المال. وهو قول ابن عباس في رواية عكرمة قال: (يرث مالي ويرث من آل يعقوب النبوة). وهو قول الحسن وسفيان (٧). والصحيح القول الأول (٨).\n_________\n= قرئ بالرفع والجزم كما مر معنا آنفا، وثبتت القراءة بهما وصحت عن النبي -ﷺ- فلا وجه لتضعيف قراءة الجزم.\n(١) \"التفسير الكبير\" ١١/ ١٨٤، وذكره بدون نسبة ابن الجوزي في \"تفسيره\" ٥/ ٢٠٩، وكذلك القرطبي في \"تفسيره\" ١٦/ ٨١.\n(٢) \"جامع البيان\" ١٦/ ٤٧، \"الدر المنثور\" ٤/ ٤٦٧.\n(٣) \"جامع البيان\" ١٦/ ٤٨، \"الوسيط\" ٣/ ١٧٦.\n(٤) \"روح المعاني\" ١٦/ ٦٢، وذكره بدون نسبة البغوي في \"تفسيره\" ٥/ ٢١٩، والزمخشري في \"كشافه\" ٢/ ٤٠٥.\n(٥) \"تفسير القرآن\" للصنعاني ٢/ ٥، \"جامع البيان\" ١٦/ ٤٨، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٢٤.\n(٦) \"غريب القرآن\" لابن قتيبة ٢/ ٢.\n(٧) \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٥٦، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢١٩، \"زاد المسير\" ٥/ ٢٠٩، \"الدر المنثور\" ٤/ ٤٦٧.\n(٨) وهو قول جمهور المفسرين، وتشهد له الأحاديث الصحيحة.\nقال ابن كثير -﵀- في \"تفسيره\" ٣/ ١٢٤: إن النبي أعظم مزلة وأجل قدرًا =","vol":"14","page":194},{"text":"قال أبو إسحاق: (لا يجوز أن يخاف زكريا أن يورث المال؛ لأن أمر الأنبياء والصالحين أنهم لا يخافون أن يرثهم أقرباؤهم ما جعله الله لهم) (١). وكان يحيى بن يعمر (٢) يقول: (لئن كان إنما قال يرثني مالي إن كان إذا لجشعا) (٣).\nقال أبو علي: (لا يخلو هذا من أن يكون أراد يرث مالي، وعلمي، ونبوتي، وفيما أثر عن رسول الله -ﷺ- من أنه قال: \"نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة\" (٤). دلالة على أن الذي سأل أن يرثه وليه ليس\n_________\n= من أن يشفق على حاله إلى ما هذا حده، وأن يأنف من وراثه عصابته له ويسأل أن يكون له ولد ليحوز ميراثه دونهم هذا وجه.\nوالثاني: أنه لم يذكر أنه كان ذا مال بل كان نجارا يأكل من كسب يديه ومثل هذا لا يجمع ولا سيما أن الأنبياء كانوا أزهد شيء في الدنيا.\nوالثالث: أنه قد ثبت في الصحيحين من غير وجه أن رسول الله -ﷺ- قال: \"لا نورث مما تركنا صدقه\". وعلى هذا فيتعين أن المراد ميراث النبوة. وانظر: \"زاد المسير\" ٥/ ٢٠٩، \"أضواء البيان\" ٤/ ٢٠٦.\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٢٠.\n(٢) يحيى بن يعمر العدواني، أبو سليمان البصري، قاضي مرو، إمام تابعي ثقة، فقيه مقرئ، نحوي أديب، عالم باللغة، يقال أنه أول من نقط المصحف، مات -﵀- قبل المائة وقيل بعدها. انظر:\"سير أعلام النبلاء\" ٤/ ٤٤١، \"غاية النهاية\" ٢/ ٣٨١، \"تهذيب التهذيب\" ١١/ ٣٠٥، \"معجم البلدان\" ٢٠/ ٤٢.\n(٣) لم أقف عليه، وهو قول بعيد؛ لأنه لا يصح أن يقال ذلك في حق الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- فهو وصف لا يليق بمكانة نبي الله زكريا -﵇-، وحاشاه أن يوسف بالجشع وهو صفة ذم، والأنبياء ﵈ لهم صفات المدح والثناء فمَد اصطفاهم الله واختصهم بالنبوة وشرفهم بها.\n(٤) أخرجه البخاري: كتاب: فضائل الصحابة، باب: مناقب قرابة رسول الله -ﷺ- ومنقبة فاطمة ﵍ ٣/ ١٣٦٠، ومسلم: كتاب: الجهاد والسير باب قول =","vol":"14","page":195},{"text":"المال، فإذا بطل هذا ثبت الوجه الآخر، على أنه لا يجوز على نبي الله أن يقول: أخاف أن يرثني بنو عمي وعصبتي على ما فرضته لهم، ويدل على صحة هذا قراءة عثمان -﵁-: (وإني خَفَّتِ الموالي) (١). أي: أنهم قَلُّوا وقَلَّ من كان منهم يقوم بالدين فسأل وليا يقوم به) (٢).\nوبين عبد الله بن مسلم هذا فقال: (زكريا لم يرد يرثني مالا، وأي مال كان لزكريا فيظن به عن عصبته حتى يسأل الله أن يهب له ولدًا يرثه، لقد جَلَّ هذا المال إذا وعَظُم عنده، ونافس عليه منافسة أبناء الدنيا الذين لها يعملون وللمال يكدحون، وإنما كان زكريا ابن آذر نجارا وكان حبرا). كذلك قال وهب بن منبه (٣).\nوكلا هذين الأمرين يدل على أنه لا مال له، والذين قالوا: يرثني مالي رووا عن رسول الله -ﷺ-: أنه كان إذا قرأ هذه الآية قال: (رحم الله زكريا ما كان عليه من ورثته) (٤). وهذا لا يدل على أنه فسر الآية بوارث\n_________\n= النبي -ﷺ-: \"لا نورث ما تركناه صدقة\" (٣/ ١٣٧٩، والترمذي في \"جامعه\" كتاب: السير، باب: ما جاء في تركة رسول الله -ﷺ- ٤/ ١٣٥، وقال: حديث صحيح، وأخرجه النسائي: كتاب: قسم الفيء ٧/ ٩٥، والإمام أحمد في مسنده ١/ ٤.\n(١) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ١٨٩، \"مختصر ابن خالويه\" ٨٣، \"إعراب القرآن\" للنحاس ٣/ ٥، \"المحتسب\" ٢/ ٣٧.\n(٢) \"الحجة السبعة\" للفراء ٥/ ١٨٩.\n(٣) لم أقف على هذا القول. ولكن له شواهد، فقد صح من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي -ﷺ- قال: كان زكريا نجارا. انظر: \"صحيح مسلم\" كتاب الفضائل، باب: من فضائل زكريا ﵇ ٤/ ١٨٤٧، وابن ماجه كتاب: التجارات، باب: الصناعات ٢/ ٧٢٧، وأحمد ٢/ ٢٩٦، وابن كثير في \"تفسيره\" ٣/ ١١٤.\n(٤) رواه الطبري في \"تفسيره\" ١٦/ ٣٧ بسنده عن قتادة، وعبد الرزاق في \"تفسيره\" ٢/ ٣، والثعلبي في \"الكشف والبيان\" ٣/ ١ ب، والماوردي في \"النكت\" =","vol":"14","page":196},{"text":"الوالي وإنما أراد -ﷺ-: وما كان عليه من وراثة النبوة والعلم، كأنه يقول: لو لم يسأل الله ولدا يرثه علمه ونبوته ما كان الله ليضيع دينه، وكان يرث ما كان قوم به من أمر الدين غير ولده.\nوقولى تعالى: ﴿مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ أكثر الناس على أن هذا يعقوب بن إسحاق، وكان زكريا من سبط يهوذا بن يعقوب (١).\nوقال الكلبي: (هو يعقوب بن ماتان، رؤوس بني إسرائيل وبنو ملوكهم، وكان آل يعقوب أخوال ولده؛ لأن امرأة زكريا حنة أخت مريم بنت عمران بن ماتان) (٢).\nقوله تعالى: ﴿وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾ الرضى بمعنى المرضي، قال ابن عباس: (يريد يكون عبدًا مرضيا في الصلاح والعفاف والنبوة) (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2352>٧ </span>- وقوله تعالى: ﴿يَا زَكَرِيَّا﴾ فيه إضمار والمعنى: استجاب الله دعاءه فقال: ﴿يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى﴾ وذكرنا في سورة آل عمران هذه القصة (٤).\n_________\n= ٣/ ٣٥٦، وابن عطية في \"المحرر الوجيز\" ١١/ ١٣، والسيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ٤٦٧ وعزاه لعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم، وأورده ابن كثير في \"تفسيره\" ٣/ ١٢٤، وقال: وهذه مرسلات لا تعارض الصحاح، والله أعلم.\n(١) \"الكشاف\" ٢/ ٤٠٥، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٢٤، \"زاد المسير\" ٥/ ٢٠٩، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٨٢.\n(٢) \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٥٦، \"زاد المسير\" ٥/ ٢٠٩، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٨٢، \"روح المعاني\" ١٦/ ٦٢.\n(٣) ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة. انظر: \"الكشف والبيان\" ٣/ ٢ أ، \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٤٣٠، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢١٩، \"التفسير الكبير\" ٢١/ ١٨٥.\n(٤) عند قوله سبحانه في سورة آل عمران الآية (٣٩): ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾","vol":"14","page":197},{"text":"وقوله تعالى: ﴿لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا﴾ قال ابن عباس في رواية عكرمة: (لم يسم أحد قبله يحيى) (١). وهذا قول قتادة، والكلبي، وابن جريج، والسدي، وابن زيد، واختيار القتبي (٢). وعلى هذا فالفضيلة تثبت ليحيى من حيث أن الله تعالى تولى تسميته باسم لم يسبق به، ولم يكل تسميته إلى الأبوين فكان ذلك تفضيلًا له من هذا الوجه. قال الزجاج: (قيل: سمي يحيى؛ لأنه حيي بالعلم والحكمة التي أوتيها) (٣).\nوقال ابن عباس في رواية عطاء: ﴿لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا﴾ يريد: (لم يكن له في سابق علمي نظير ولا شبه) (٤).\nوقال في رواية الوالبي: (لم تلد العواقر مثله ولدًا) (٥). وهذا قول سعيد بن جبير: ﴿لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا﴾ قال: (عدلًا) (٦). وقال مجاهد: (مثلًا) (٧).\n_________\n(١) \"زاد المسير\" ٥/ ٢١٠،\"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٧٣، \"روح المعاني\" ١٦/ ٦٥، \"الدر المنثور\" ٤/ ٤٦٨، \"تفسير ابن عباس\" ٢/ ٥٩٩.\n(٢) \"تفسير القرآن\" للصنعاني ٢/ ٦، \"جامع البيان\" ١٦/ ٥٠، \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٥٧، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢١٩.\n(٣) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٢٥.\n(٤) ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة. انظر: \"جامع البيان\" ١٦/ ٤٩، \"الكشف والبيان\" ٣/ ٢/ أن \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٥٧، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٢٠، \"زاد المسير\" ٥/ ٢١١، \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٤٣٢، \"تفسير القرآن العظيم \" ٣/ ١٢٤.\n(٥) \"جامع البيان\" ١٦/ ٤٩،\"النكت والعيون\" ٣/ ٣٥٧، \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٤٣١، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٢٠.\n(٦) \"الدر المنثور\" ٤/ ٤٦٨، وقال: شبيهًا. \"الكشف والبيان\" ٣/ ٣.\n(٧) \"جامع البيان\" ١٦/ ٤٩، \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٤٣١، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٢٤، \"زاد المسير\" ٥/ ٢١١.","vol":"14","page":198},{"text":"وعلى هذا القول فالمراد بالسمي: المثل والنظير كقوله: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٥]، أي: مثلا وعدلا، ولم يكن ليحيى مثل من البشر من حيث أنه لم يعص ولم يهم بمعصية قط.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2353>٨ </span>- وقوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ﴾ مضى الكلام في معنى هذا الاستفهام في سورة آل عمران (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا﴾ قال كثير من الناس: (كَانَت) هاهنا زيادة (٢)، والمعنى: وامرأتي عاقرًا، كما قال في موضع آخر: ﴿وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ﴾ [آل عمران: ٤٠]. قال ابن الأنباري: (كَانَت) هاهنا ماضٍ، معناه الحال كأنه قال: وكائنة امرأتي في الحال، فصلح وضع الماضي في وضع الدائم؛ لأن المعنى مفهوم غير ملتبس، كقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ٩٦]، و﴿كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١١]. المعنى: وكائن الله غفورا أبدا. قال: وفي المسألة جواب ثالث: وهو أنه لما بشر بالولد وقع في نفسه أنه يكون بزوال العقر عن زوجته فقال بعد وقوع هذا المعنى في نفسه ﴿وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا﴾ أي: إلى هذا الوقت الذي لا أدري أزال العقر عنها أم لا؟ قال: وهذا جواب جيد صحيح) (٣).\n_________\n(١) عند قوله سبحانه في سورة آل عمران الآية: (٤٠): ﴿قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾.\n(٢) التعبير بلفظ الزيادة، لا يصح القول به في القرآن الكريم، فإن كل حرف منه ورد ليدل على معنى من المعاني فزيادة المبني تدل على زيادة المعنى والمنزل الحكيم سبحانه لا ينزل الشيء إلا لفائدة.\n(٣) ذكر نحوه في \"المحر الوجيز\" ٩/ ٤٣٢، \"زاد المسير\" ٥/ ٢١١، \"التفسير الكبير\" ٢١/ ١٨٤.","vol":"14","page":199},{"text":"قوله تعالى: ﴿وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا﴾ قال أبو عبيد: (يقال للشيخ إذا ولى وكبر: عَتَا، يَعْتُو، عِتِيّا) (١).\nوقال أبو عبيدة: (كل مبالغ في شيء أو كفر فقد عَتَا، عِتِيّا، فهو عَاتٍ) (٢).\nوقال أبو إسحاق: (كل شيء انتهى فقد عَتَا يَعْتْوا عُتُوًّا وعِتيًا) (٣).\nوقال الفراء: (يقال للشيخ إذا كبر عَتَا وعِتِيا) (٤).\nقال أهل المعاني: (يقال للذي غيره الزمان إلى حال اليبس والجفاف: هو عَاتٍ وعَاس) (٥).\nوبهذا المعنى فسره مجاهد فقال: (هو نحول العظم) (٦). وهو قول قتادة (٧).\nوقال ابن قتيبة: ﴿عِتِيًّا﴾ هو أي: يبسا ومنه يقال: ملك عَاتٍ إذا كان قاسي القلب غير لين) (٨).\nوقال ابن عباس في معنى قوله: ﴿وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا﴾ (لا\n_________\n(١) \"تهذيب اللغة\" (عتا) ٣/ ٢٣١٣، \"لسان العرب\" (عتا) ٥/ ٢٨٠٤.\n(٢) \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢.\n(٣) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٢٠.\n(٤) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٦٢.\n(٥) \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٥٧، \"لسان العرب\" (عتا) ٥/ ٢٨٠٤.\n(٦) \"جامع البيان\" ١٦/ ٥١، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٢٥، \"زاد المسير\" ٥/ ٢١١، \"تفسير كتاب الله العزيز\" ٣/ ٧.\n(٧) \"تفسير القرآن\" للصنعاني ٢/ ٦، \"جامع البيان\" ١٦/ ٥، \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٥٧، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٢٠.\n(٨) \"تفسير غريب القرآن\" ٢٧٢.","vol":"14","page":200},{"text":"أقدر على مجامعة النساء) (١). وهذا راجع إلى ما ذكرنا من معنى اليبوسة.\nوروى عمرو بن ميمون: (أن نافع بن الأزرق سأل ابن عباس فقال: أخبرني عن قول الله -﷿-: ﴿وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا﴾ ما العتي؟ قال: اليبوس من الكبر) (٢).\nوقرأ القراء: عُتِيا بالضم، وعِتيا بالكسر (٣). وكذلك: (صليا) [مريم: ٧٠]، (بكيا) [مريم: ٥٨]، (جثيا) [مريم: ٦٨]، والأصل في هذا أن ما كان من فُعُول جمعا من المعتل اللام، فاللام إذا كانت واوا لزمه القلب على الإطراد إلى الياء، ثم تقلب واو فُعول إلى الياء لادغامها في الياء، وتكسر عين الفعل كما كسرت في مرمي ونحوه، وذلك نحو: حَقْو وحُقِي، ودَلْو ودُلِي، وعَصَا وعُصِي، وصَفَا وصَفِي، وكسر الفاء مطرد في هذا نحو: دِلِي، وحِقِي، وعِصِي، وجاز ذلك؛ لأنها غيرت تغيرين وهما: أن الواو التي هي لام قلبت، والواو التي كانت قبلها قلبت أيضا، فلما غيرت تغيرين قويا على هذا التغيير من كسر الفاء هذا في الجمع، فأما ما كان من ذلك مصدرا فالقياس فيه أن يصح نحو: العُتْو والقُلُو؛ لأن واوه لم يلزمها الإنقلاب كما لزمها في الجمع، ولكن لما كانوا قد قلبوا الواو من هذا\n_________\n(١) ذكره الطبرسي في \"مجمع البيان\" ٦/ ٧٨٠، وورد بلا نسبة في \"جامع البيان\" ١٦/ ٥٠، \"بحر العلوم\" ٢/ ٣١٩، \"الكشف البيان\" ٣/ ٣ أ.\n(٢) ذكر بلا نسبة في \"بحر العلوم\" ٢/ ٣١٩، \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٥٧، \"الكشف والبيان\" ٣/ ٣ أ.\n(٣) قرأ: ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وعاصم في رواية أبي بكر، وابن عامر: (عُتيا) بالضم، وقرأ: حمزة، والكسائي، وحفصر عن عاصم: (عتيا) بالكسر.\nانظر: \"السبعة\" ص ٤٠٧، \"الحجة للاقراء السبعة\" ٥/ ١٩٢، \"المبسوط في القراءات\" ص ٢٤٢، \"التبصرة\" ص ٢٥٥.","vol":"14","page":201},{"text":"النحو وإن كان مفردا نحو: مَرْمِي وقلبوا ما كان قبل الآخر بحرف كما قلبوا الآخر نحو: صيَّم، وكان هذا على وزنه غير أيضًا تغيرين كما غيروا في الجمع ثم أجرى المصدر مجرى الجمع في كسر الفاء منه، ويروى أن في حرف عبد الله: (ظلما وعليا) [النمل: ١٤] في علو (١). وقال الله تعالى: ﴿وَعَتَوْا عُتُوًّا﴾ [الفرقان: ٢١] وقال في موضع آخر: ﴿أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا﴾ [مريم: ٦<span data-type=\"title\" id=toc-2354>٩] </span>يعني هاهنا كالذي في هذه الآية. وقد ذكرنا في هذا النحو في قوله تعالى: ﴿مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا﴾ [الأعراف: ١٤٨].\n٩ - قوله تعالى: ﴿قَالَ كَذَلِكَ﴾ قال الزجاج: (أي الأمر كما قيل لك) (٢). وقال مقاتل بن سليمان: (كَذَلِكَ: بمعنى: هكذا) (٣).\nقال ابن الأنباري: (وعلى هذا القول كَذَلِكَ: بجملته في موضع نصب، ولا يقضي على الكاف بانفراد مما بعدها) (٤).\n﴿قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ قال الفراء: (أي خلقه على هين) (٥).\nقال ابن عباس: (يريد: أردًّ عليك قوَّتك حتى تقوى على الجماع، وأفتق رحم امرأتك بالولد) (٦).\n_________\n(١) \" الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ١٩٣، \"إعراب القرآن\" للنحاس ٢/ ٣٠٥، \"إملاء ما من به الرحمن\" ١/ ١١١، \"الدر المصون\" ٧/ ٥٦٩.\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٢١.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٢٣٢.\n(٤) ذكر نحوه بلا نسبة في \"الكشاف\" ٢/ ٤٠٦، \"إملاء ما من به الرحمن\" ص ٤٠٧، \"البحر المحيط\" ٦/ ١٧٥، \"الدر المصون\" ٧/ ٥٧١.\n(٥) \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ١٦٢.\n(٦) \"مجمع البيان\" ٥/ ٧٨٠، \"روح البيان\" ٥/ ٣١٧.","vol":"14","page":202},{"text":"﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ﴾ يحيى. قرئ: خلقناك (١)، لكثرة ما جاء من (٢) لفظ الخلق مضاف إلى لفظ الجمع كقوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ﴾ [الحجر: ٢٦]، في مواضع. وقوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ﴾ [الأعراف: ١١]، ولغة الجمع قد جاء بعد لفظ الافراد كقوله: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى﴾ [الإسراء: ١]، ثم قال: ﴿وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ [الإسراء: ٢]. واختار أبو عبيد التاء (٣)؛ لأنها تشاكل الياء في: ﴿عَلَيَّ هَيِّنُ﴾.\nوقال أحمد بن يحيى (٤): (الاختيار النون والألف؛ لأن فيه زيادة حرف وبكل حرف عشر حسنات) (٥). والقراءة غير مخالفة خط المصحف؛ لأنهم يسقطون الألف من الهجاء في مئل هذا البناء؛ ولأن فيه الفخامة والتعظيم لاسم الله -﷿- وله المثل الأعلى.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ يريد أنه كان عدما فأوجده بقدرته، وفي هذا رد على القدرية في تسميتهم المعدوم شيئًا (٦). والله تعالى يقول\n_________\n(١) قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وعاصم: (خلقتك) بالتاء من غير ألف. وقرأ: حمزة، والكسائي: (خلقناك) بالنون والألف. انظر: \"السبعة\" ص ٤٠٨، \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ١٩٥، \"التبصرة\" ص ٢٥٥، \"النشر\" ٢/ ٣١٧.\n(٢) قوله: (من لفظ الخلق مضاف إلى) ساقط من نسخة: (س).\n(٣) ذكره بلا نسبة الفارسي في \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ١٩٥.\n(٤) هو: ثعلب، تقدمت ترجمته.\n(٥) لم أقف عليه. ويشهد له ما صح من حديث ابن مسعود -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: \"من قرأ حرفا من كتاب الله فله حسنة والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول ألم حرف ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف\".\n(٦) قال القاضي علي بن أبي العز في \"شرح العقيدة الطحاوية\" ١/ ١١٧: أهل السنة عندهم أن الله على كل شيء قدير، وكل ممكن فهو مندرج في هذا، وهذا الأصل هو الإيمان بربوبيته العامة التامة، وأن المعدوم ليس بشئ في الخارج، ولكن الله =","vol":"14","page":203},{"text":"لزكريا حين كان معدوما: ﴿وَلَمْ تَكُ شَيْئًا﴾. قال الزجاج: (أي فخلق الولد لك كخلقك) (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2355>١٠ </span>- قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً﴾ قال قتادة: (سأل نبي الله آية على حمل امرأته بعد ما شافهته الملائكة بالبشارة مشافهة) (٢).\nقال ابن الأنباري: (وفي سؤاله الآية وجوه:\nأحدها: أن التماسه الآية كان على معنى المزيد من الله والتكرمة من الله بإعطائه الآية، ليتم نعمة إلى نعمة، وكلتاهما يد من الله -﷿- عنده.\nوالثاني: [أنه لما بشر بالولد كان على يقين منه، غير أنه تاقت إلى سرعة الأمر فسأل الله آية يستدل بها على قرب ما من به عليه] (٣).\nوالثالث: أنه لما بشر بالولد غلب عليه طبع البشرية، فسأل الآية ليزداد بها يقينا وإيمانا، فعاقبه الله بأن حبس لسانه ثلاث ليال حين احتاج إلى مشافهة الملائكة بالبشارة إلى علامة تدل على صحة ما وعد به) (٤).\nوإلى هذا ذهب الكلبي ومقاتل (٥)، وقتادة، قال (٦) قتادة: (قوله: ﴿آيَتُكَ\n_________\n= يعلم ما يكون قبل أن يكون، ويكتبه، وقد يذكره ويخبر به فيكون شيئا في العلم والذكر والكتاب لا في الخارج، قال تعالى: ﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ أي: لم تكن شيئًا في الخارج، وإن كان شيئًا في علمه تعالى. وانظر: \"أضواء البيان\" ٤/ ٢١٧.\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٢١.\n(٢) \"جامع البيان\" ١٦/ ٥٢، \"تفسير كتاب الله العزيز\" ٣/ ٧.\n(٣) ما بين المعقوفين مكرر في نسخة (س).\n(٤) ذكرته كتب التفسير بلا نسبة. انظر: \"جامع البيان\" ١٦/ ٥٢، \"تفسير كتاب الله العزيز\" ٣/ ٧، \"معالم التنزيل\" ٣/ ١٨٩.\n(٥) \"تفسيرمقاتل\" ٢٣٢.\n(٦) قوله: (قال)، ساقط من نسخة (س).","vol":"14","page":204},{"text":"أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ﴾ حبس لسانه عقوبة لما سأل الله الآية بعد ما شافهته الملائكة بالبشارة، وكان لا يفيض بكلمة إنما يومئ إيماء) (١). ﴿قَالَ آيَتُكَ﴾ أي قال الله علامتك على خلق الولد لذلك ﴿أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ﴾، أي: تمنع الكلام فلا تقدر عليه ﴿ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾ صحيحًا من غير ما بأس ولا خرس. قال مجاهد: (أي لا يمنعك مرض) (٢). و﴿سَوِيًّا﴾ هو منصوب على اقال. قال ابن الأنباري: (ويجوز أن يكون ﴿سَوِيًّا﴾ نعت مصدر محذوف على معنى أن لا يكلم الناس تكليمًا سويًا، يصحح هذا أنه كان يشير في الليالي الثلاث ولا يتكلم تكلما صحيحا) (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2356>١١ </span>- قوله تعالى: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ﴾ قال ابن زيد: (من مصلاه) (٤).\n﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ﴾ قال ابن عباس: (يريد أشار إليهم) (٥)، وهو قول القرظي (٦)، وقال قتادة: (أو ماء إليهم) (٧). وقال مجاهد: (كتب إليهم في\n_________\n(١) \"جامع البيان\" ١٦/ ٥٢، وذكره الهواري في \"تفسيره\" ٣/ ٧ بدون نسبة، \"الدر المنثور\" ٢/ ١٩٢.\n(٢) \"جامع البيان\" ١٦/ ٥٢، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٢٠، \"الدر المنثور\" ٤/ ٤٦٩.\n(٣) ذكر نحوه بلا نسبة \"المسير الكبير\" ٢١/ ١٩٠، \"البحر المحيط\" ٦/ ١٧٦، \"الدر المصون\" ٧/ ٥٧٣.\n(٤) \"جامع البيان\" ١٦/ ٥٣، \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٥٨، \"الدر المنثور\" ٤/ ٤٦٩.\n(٥) ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة. انظر: \"جامع البيان\" ١٦/ ٥٣، \"المحرر الوجيز\" ١٠/ ١٦، \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٥٨، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٢١، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٥٨.\n(٦) \"روح المعاني\" ١٦/ ٧١، \"فتح القدير\" ٣/ ٢٦٤.\n(٧) \"تفسير القرآن\" للصنعاني ٢/ ٦، \"جامع البيان\" ١٦/ ٥٤، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٢٦، \"روح المعاني\" ١٦/ ٧١.","vol":"14","page":205},{"text":"الأرض) (١). وهو قول الحكم، وإبراهيم (٢). ويدل على صحة الإشارة قوله: ﴿ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾ [آل عمران: ٤١] ﴿أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ ومعنى أمره إياهم بالصلاة ما ذكره سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: (كان يأمرهم بالصلاة بكرة وعشيا) (٣). والمعنى أنه كان يخرج على قومه بكرة وعشيا فيأمرهم بالصلاة. فلما كان وقت حمل امرأته ومنع الكلام خرج عليهم فأمرهم بالصلاة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2357>١٢ </span>- وقوله تعالى: ﴿يَا يَحْيَى﴾ قال أبو إسحاق: (المعنى فوهبنا له وقلنا: ﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾) (٤). قال ابن عباس: (التوراة بقوة) (٥). قال مجاهد: (بجد) (٦). وقال ابن عباس: (بقوة منك أعطيتكها وقويتك على حفظها والعمل بما فيها) (٧).\n﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ قال: (يريد النبوة في صباه وهو ابن ثلاث سنين) (٨).\n_________\n(١) \"جامع البيان\" ١٦/ ٥٤، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٢١، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٢٦، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٨٥.\n(٢) \"جامع البيان\" ١٦/ ٥٤، \"الدر المنثور\" ٤/ ٤٦٩.\n(٣) \"روح المعاني\" ١٦/ ٧١، \"الدر المنثور\" ٤/ ٤٦٩، \"تنوير المقباس\" ٢٥٤.\n(٤) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٢١.\n(٥) \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٥٩، \"تنوير المقباس\" ٢٥٤.\n(٦) \"جامع البيان\" ١٦/ ٥٥، \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٥٩، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٨٦، \"الدر المنثور\" ٤/ ٤٧٠.\n(٧) ذكرت كتب التفسير نحوه. انظر: \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٤٣٦، \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٦٠، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٨٦، \"التفسير الكبير\" ٢١/ ١٩١.\n(٨) \"زاد المسير\" ٥/ ٢١٣، \"روح المعاني\" ١٦/ ٧٢، \"الدر المنثور\" ٤/ ٤٧٠ ونسبة لقتادة.","vol":"14","page":206},{"text":"وقال مجاهد: (الحكم والفهم هو أنه أعطي فهما لكتاب الله حتى حصل له عظيم الفائدة) (١).\nوقال معمر: (هو أن الصبيان قالوا له: اذهب بنا نلعب. فقال ما للعب خلقت) (٢).\nوقال الحسن: (﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾: اللب) (٣). والحكم عند العرب: ما يمنع من الجهل والخطأ ويصرف عنهما (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2358>١٣ </span>- قوله تعالى: ﴿وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا﴾ الحنان معناه في اللغة: العطف والرحمة. يقال: حنانك وحنانيك يذكره الرحمة والبر، ومنه قول الشاعر (٥):\nحَنَانَيْكَ بَعضُ الشَّرِّ أَهْوَنُ مِنْ بَعْضِ\nويقال: حَنَّ عليه أي: عطف عليه، وحَنَّ إليه أي: نزع إليه (٦)، ونحو\n_________\n(١) \"زاد المسير\" ٥/ ٢١٣، \"الدر المنثور\" ٤/ ٤٧٠، \"فتح القدير\" ٣/ ٤٦٦.\n(٢) \"تفسير القرآن\" للصنعاني ٢/ ٦، \"جامع البيان\" ١٦/ ٥٥، \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٦٠، \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٤٣٦.\n(٣) \"زاد المسير\" ٥/ ٢١٣.\n(٤) انظر: \"تهذيب اللغة\" (حكم) ١/ ٨٨٥، \"مقاييس اللغة\" (حكم) ٢/ ٩١، \"الصحاح\" (حكم) ٥/ ١٩٠١، \"لسان العرب\" (حكم) ٢/ ٩٥١.\n(٥) هذا عجز بيت لطرفة بن العبد، وصدره:\nأبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا\nانظر: \"ديوانه\" ٦٦، \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ٢/ ٢، \"الكتاب\" لسيبويه ١/ ٣٤٨، \"همع الهوامع\" ١/ ١٩٠، \"الدر المصون\" ٧/ ٥٧٥، \"لسان العرب\" (حنن) ٢/ ١٠٣٠، \"جمهرة أشعار العرب\" ٣/ ٤٤٩.\n(٦) انظر: \"تهذيب اللغة\" (حن) ١/ ٩٤٥، \"القاموس المحيط\" (الحنين) ١١٨٨، \"الصحاح\" (حنن) ٥/ ٢١٠٤.","vol":"14","page":207},{"text":"هذا قال المفسرون في معنى الحَنَان، قال ابن عباس في رواية علي بن أبي طلحة: ﴿وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا﴾ يقول: (رحمة من عندنا) (١). وهو قول عكرمة، وقتادة، والربيع (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَزَكَاةً﴾ قال ابن عباس: (يعني بالزكاة طاعة الله والإخلاص) (٣).\nوقال قتادة: (هي العمل الصالح) (٤). وهو قول الضحاك وابن جريج (٥). ومعنى الآية: وآتيناه رحمة من عندنا وتحننا على العباد ليدعوهم إلى طاعة ربهم وعملا صالحا في إخلاص، فعلى هذا الموصوف بالحنان والزكاة يحيى؛ لأن الله آتاه إياهما.\nوقال ابن عباس في رواية عكرمة: (لا أدري ما الحنان؟ غير أني أظنه يعطف الله على عبده) (٦). ونحو هذا قال مجاهد في تفسير: ﴿وَحَنَانًا﴾ (تعطفا من ربه على يحيى) (٧).\n_________\n(١) \"جامع البيان\" ١٦/ ٥٥، \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٦٠، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٢٦، \"زاد المسير\" ٥/ ٢١٤، \"الدر المنثور\" ٤/ ٤٧١.\n(٢) \"جامع البيان\" ١٦/ ٥٥، \"تفسير القرآن\" للصنعاني ٢/ ٧، \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٦٠، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٢٦.\n(٣) \"معالم التزيل\" ٥/ ٢٢٢، \"زاد المسير\" ٥/ ٢١٤.\n(٤) \"جامع البيان\" ١٦/ ٥٧، \"معالم التزيل\" ٥/ ٢٢٢، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٢٦، \"زاد المسير\" ٥/ ٢١٤.\n(٥) \"جامع البيان\" ١٦/ ٥٨، \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٦٠، \"معالم التزيل\" ٥/ ٢٢٢.\n(٦) \"جامع البيان\" ١٦/ ٥٦، \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٤٣٧، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٢٦، \"الدر المنثور\" ٤/ ٤٧١.\n(٧) \"جامع البيان\" ١٦/ ٥٦، \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٦٠، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٢٦، \"زاد المسير\" ٥/ ٢١٤.","vol":"14","page":208},{"text":"وقال أبو إسحاق في تفسير ﴿وَزَكَاةً﴾: (الزكاة التطهير) (١). وعلى هذا معني الآية: وآيتنا يحيى تعطفا منا عليه، وتطهيرا إياه من عندنا، والموصوف بالحنان والزكاة هو الله تعالى على هذا القول؛ لأنه ذو الرحمة على يحيى والمطهر له.\nوقال قوم: الحنان والزكاة يعودان إلى زكريا، وهو قول الكلبي والفراء. قال الفراء: (وفعلنا ذلك رحمة لأبويك) (٢). وقال الكلبي في قوله: ﴿وَزَكَاةً﴾ (يعني: صدقه تصدق الله بها على أبويه) (٣). وعلى هذا القول يحتاج إلى إضمار كما ذكره الفراء ويكون التقدير: وفعلنا ذلك يعني هبة الولد واستجابة الدعاء حنانا من لدنا أي: رحمة منا على زكريا، وزكاة، وصدقة منا عليه (٤).\nوقوله تعالى: ﴿وَكَانَ تَقِيًّا﴾ قال ابن عباس: (جعلته يتقيني ولا يعدل بي غيري) (٥).\nقال المفسرون: (وكان من تقواه أنه لم يعمل خطيئة ولا هم بها) (٦). كما قال رسول الله -ﷺ-: \"ما من الناس عبد إلا قد هم بخطيئه أو عملها غير\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٢٢.\n(٢) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٦٣.\n(٣) \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٢٢.\n(٤) قال الشنقيطي في \"أضواء البيان\" ٤/ ٢٢٩: والتحقيق فيه إن شاء الله هو أن المعنى: وأعطيناه زكاة أي: طهارة من الذنوب والمعاصي بتوفيقنا إياه للعمل بما يرضي الله تعالى. وانظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٨٨.\n(٥) \"زاد المسير\" ٥/ ٢١٤.\n(٦) \"جامع البيان\" ١٦/ ٥٨، \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٤٣٨، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٢٢، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٨٨.","vol":"14","page":209},{"text":"يحيى بن زكريا\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2359>١٤ </span>- قوله تعالى: ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ﴾ البَرُّ بمعنى البار كالصب والطب فعل بمعنى فاعل، والمعنى لطيفا بهما محسنا إليهما (٢). ﴿وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا﴾ قال الكلبي: (هو الذي يقتل على الغضب ويضرب على الغضب) (٣). ﴿عَصِيًّا﴾ عاصيا. قال ابن عباس: (يريد لا يرتكب لي معصية) (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-2360>١٥ </span>- قوله تعالى: ﴿وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ﴾ الآية، قال أبو إسحاق: (سلام مما يبتدأ به في النكره؛ لأنه اسم يكثر استعماله تقول: سلام عليك،\n_________\n(١) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ١٦/ ٥٨، والصنعاني في \"تفسيره\" ٢/ ٧، والإمام أحمد في \"مسنده\" ١/ ٢١٥، وذكره ابن كثير في \"تفسيره\" ٣/ ١٢٦، بروايات مختلفة وضعفها جميعا. وقال الشنقيطي في \"أضواء البيان\" ٤/ ٢٢٦: والظاهر أنه لم يثبت شيء من ذلك مرفوعًا: إما بانقطاع، وإما بعنعنة مدلس، وإما بضعف راوٍ كما أشار له ابن كثير وغيره.\nوأخرج نحوه ابن أبي شيبه في مصنفه موقوفًا على عبد الله بن عمرو بن العاص ١١/ ٥٦١، و\"الحاكم في مستدركه\" ٢/ ٣٧٣ وقال: صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبي، والسيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ٤٧١ وعزاه لأحمد وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتاده.\n(٢) انظر: \"تهذيب اللغة\" (بر) ١/ ٣٠٨، \"مقاييس اللغة\" (بر) ١/ ١٧٧، \"القاموس المحيط\" (البر) ١/ ٣٤٨، \"الصحاح\" (برر) ٢/ ٥٨٨، \"لسان العرب\" (برر) ١/ ٢٥٢.\nوانظر: \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٢٢، \"بحر العلوم\" ٢/ ٣٢٠، \"زاد المسير\" ٥/ ٢١٥، \"أضواء البيان\" ٤/ ٢٢٩.\n(٣) \"الكشف والبيان\" ٣/ ٣ ب، وذكره البغوي في \"تفسيره\" ٥/ ١٢٢ بدون نسبة.\n(٤) ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة. انظر: \"الكشف والبيان\" ٣/ ٢ ب، \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٤٤٠، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٢٢، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٢٦، \"لباب التأويل\" ٤/ ٢٤٠، \"روح المعاني\" ١٦/ ٧٣.","vol":"14","page":210},{"text":"والسلام عليك، وأسماء الأجناس يبدأ بها؛ لأن فائدة نكرتها قريب من فائدة معرفتها تقول: لبيك وخير بين يديك، وإن شئت قلت: والخير بين يديك) (١).\nقال عطاء عن ابن عباس: (يريد سلام عليه مني في هذه الأيام) (٢).\nوقال الكلبي: (سلامة له منا) (٣). وقال سفيان بن عيينه: (أوحش ما يكون الخلق في ثلاثة مواطن: يوم ولد فيرى نفسه خارجا مما كان، ويوم يموت فيرى قوما لم يكن عاينهم، وأحكاما يشير له بها عهد، ويوم يبعث فيرى نفسه في محشر لم يره، فخص الله فيها بالكرامة يحيى بن زكريا فسلم عليه بالمواطن الثلاثة) (٤). فقال: ﴿وَسَلَامٌ عَلَيْه﴾ الآية.\nقال ابن الأنباري: (لم يقصد باليوم قصد يوم واحد؛ لأنه يجوز أن يموت بالليل، وأن لا يولد نهارا، ولكن اليوم يقع على الزمان الذي يشتمل على الساعات والليالي) (٥).\nوتلخيص معنى الآية: ويسلم عليه في زمان مولده، وكذلك ما بعده. وقد قال الكلبي عن ابن عباس: (وسلم عليه حين ولد) (٦).\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٢٩.\n(٢) ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة. انظر: \"جامع البيان\" ١٦/ ٥٨، \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٤٤٠، \"زاد المسير\" ٥/ ٢١٥، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٢٦، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٨٩، \"لباب التأويل\" ٤/ ٢٤٠.\n(٣) \"الكشف والبيان\" ٣/ ٣ ب.\n(٤) \"جامع البيان\" ١٦/ ٥٩، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٢٢، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٢٧، \"زاد المسير\" ٥/ ٢١٥.\n(٥) ذكر نحوه الأزهري في \"تهذيب اللغة\" (يوم) ٤/ ٣٩٩٠، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٥/ ٢١٥.\n(٦) \"الكشف والبيان\" ٣/ ٣ ب.","vol":"14","page":211},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2361>١٦ </span>- قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ﴾ قال ابن عباس: (يعني واذكر يا محمد من أمر مريم لأهل مكة) (١). ﴿إِذِ انْتَبَذَتْ﴾ قال الكلبي والزجاج: (تنحت) (٢). وأصله من النبذ، وهو طرحك الشيء ورميك به. يقال: نبذْتُه ناحية فانتبذ، وجلس فلان نَبْذَةً ونُبُذَةً أي ناحية، وانْتَبَذَ فلان ناحية أي: تنحى ناحية (٣).\nوقال قتادة: (انفردت) (٤). وقال ابن قتيبة: (اعتزلت) (٥). والقولان معنى، وليس بتفسير، وتفسير (انتبذت): تَنحَّت.\n﴿مِنْ أَهْلِهَا﴾ يعني ممن كانوا معها في الدار ﴿مَكَانًا شَرْقِيًّا﴾ إلى مكان في جانب الشرق. وقال ابن السكيت: الشرق: الشمس، والشرق بسكون الراء المكان الذي تشرق فيه الشمس) (٦).\nقال ابن عباس في رواية عطاء: (أن مريم أذاها القمل (٧) في رأسها\n_________\n(١) ذكرت نحوه كتب التفسير بدون نسبة. انظر: \"جامع البيان\" ١٦/ ٥٩، \"بحر العلوم\" ٢/ ٣٢٠، \"تفسير كتاب الله العزيز\" ٣/ ٨، \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٤٤١، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٩٥. والأولى العموم فالذكر لأهل مكة ولغيرهم من أمة محمد -ﷺ-.\n(٢) \"الكشف والبيان\" ٣/ ٤ أ، \"معاني القرآن للزجاج\" ٣/ ٣٢٢.\n(٣) انظر: \"تهذيب اللغة\" (نبذ) ٤/ ٣٤٩٤، \"الصحاح\" (نبذ) ٢/ ٥٧١، \"المعجم الوسيط\" (نبذ) ٢/ ٨٩٧، \"المفردات في غريب القرآن\" (نبذ) ٤٨٠، \"لسان العرب\" (نبذ) ٧/ ٤٣٢٢.\n(٤) \"جامع البيان\" ١٦/ ٥٩، \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٦١، \"الكشف والبيان\" ٣/ ٤ أ.\n(٥) \"تفسير غريب القرآن\" لابن قتيبة ٢/ ٣.\n(٦) \"تهذيب اللغة\" (شرق) ٢/ ١٨٦٥.\n(٧) القمل: دواب صغار من جنس القردان إلا أنها أصغر منها، واحدتها قملة.\nانظر: تهذيب اللغة (قمل) ٩/ ١٨٦، \"الصحاح\" (قمل) ٥/ ١٨٠٥، \"لسان العرب\" (قمل) ٦/ ٤٧٤٣.","vol":"14","page":212},{"text":"كنت أن تجد خلوة فتفلي رأسها، فخرجت في يوم شديد البرد فجلست في مشرقة الشمس) (١).\nوقال عكرمة: (أنها كانت تكون في المسجد فإذا حاضت تحولت إلى بيت خالتها ثم أنها أرادت الغسل من الحيض فتحولت إلى مشرقة دارهم للسغل) (٢). فذلك قوله: ﴿إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا﴾ ونحو هذا قال الكلبي (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2362>١٧ </span>- قوله: ﴿فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ﴾ أي من دون أهلها لئلا يرونها ﴿حِجَابًا﴾ سترًا حاجزًا. قال ابن عباس: (يريد جعلت الجبل بينها وبين الناس) (٤). والحجاب: الجبل كقوله: ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ [ص: ٣٢] وهذا قول مقاتل (٥). وقال السدي: (حجابا من الجدران) (٦). ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا﴾ قال المفسرون: (بينما هي تغتسل من الحيض إذ عرض لها جبريل -﵇- في صورة شاب أمرد وضيء الوجه) (٧).\n_________\n(١) \"زاد المسير\" ٥/ ٢١٥، \"الكشاف\" ٢/ ٤٠٧، \"البحر المحيط\" ٦/ ١٨٠ بدون نسبة.\n(٢) \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٢٣، \"الكشف والبيان\" ٣/ ٤ أ.\n(٣) ذكرت نحوه كتب التفسير بدون نسبة. انظر: \"الكشف والبيان\" ٣/ ٤ أ، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٢٣، \"الكشاف\" ٣/ ٥٠٥، \"أنوار التنزيل\" ٤/ ٤، \"روح المعاني\" ١٦/ ٧٥، \"مجمع البيان\" ٥/ ٧٨٤، \"روح البيان\" ٥/ ٣٢١.\n(٤) ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة. انظر: \"الكشف البيان\" ٣/ ٤ أ، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٢٣، \"الكشاف\" ٢/ ٥٠٦، \"لباب التأويل\" ٤/ ١٤١، \"التفسير الكبير\" ٢١/ ١٩٦، \"البحر المحيط\" ٦/ ١٨٠.\n(٥) \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٢٣، \"تفسير مقاتل\" ٢٣٢، \"الكشف والبيان\" ٣/ ٤ أ.\n(٦) \"جامع البيان\" ١٦/ ٦٠، \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٦١، \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٤٤٢، \"زاد المسير\" ٥/ ٢١٥.\n(٧) \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٢٣، \"الكشاف\" ٢/ ٤٠٧، \"زاد المسير\" ٥/ ٢١٧، \"الكشف والبيان\" ٣/ ٤ أ.","vol":"14","page":213},{"text":"فذلك قوله: ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا﴾ يعني جبريل ﴿فَتَمَثَّلَ﴾ فتصور وتشبه ﴿لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ معتدلًا تامًّا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2363>١٨ </span>- قال ابن عباس: (فلما رأت جبريل يقصد نحوها نادته مر بعيد) (١) بقوله: ﴿قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ أي مخلصا مطيعا. قال أبو إسحاق: (تأويله إني أعوذ بالله منك، فإن كنت تقيا فستتعظ بتعوذي بالله منك) (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-2364>١٩ </span>- قوله تعالى: ﴿قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ﴾ هذا جواب جبريل -﵇- لمريم ﴿لِأَهَبَ لَكِ﴾ اللام متعلقة بمعنى قوله: ﴿رَسُولُ رَبِّكِ﴾ أي: أرسلني ليهب لك. ومن قراء: لأهب (٣)، استند إلى المتكلم وهو جبريل والهبة لله سبحانه، والرسول والوكيل قد يسندون هذا النحو إلى أنفسهم، وإن كان الفعل للموكل والمرسل للعلم به، وإن الرسول مترجم عنه (٤).\nوقوله تعالى: ﴿غُلَامًا زَكِيًّا﴾ قال قال ابن عباس: (يريد نبيا) (٥). وقال\n_________\n(١) ذكره البغوي في \"تفسيره\" ٥/ ٢٢٣ بدون نسبة.\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٢٣.\n(٣) قرأ: ابن كثير، وعاصم، وابن عامر، وحمزة، والكسائي، وقالون عن نافع: (لأهب) بالهمز.\nوقرأ: أبو عمرو البصري، وورش عن نافع: (ليهب) بغير همز.\nانظر: \"السبعة\" ص ٤٠٨، \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ١٩٥، \"التبصرة\" ص ٢٥٦، \"النشر\" ٢/ ٣١٧.\n(٤) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ١٩٥.\n(٥) ذكرته كتب التفسير بدون نسبة. انظر: \"مجمع البيان\" ٥/ ٧٨٤، \"التفسير الكبير\" ٢١/ ١٩٩، \"روح المعاني\" ١٦/ ٧٧. \"فتح القدير\" ٣/ ٤٦٨.","vol":"14","page":214},{"text":"الكلبي: (يعني صالحا) (١). وهو قول الضحاك (٢).\nوقيل: (طاهرا من الذنوب) (٣). وقيل: (ناميا على الخير) (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2365>٢٠ </span>- ﴿قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ لم يقربني زوج ﴿وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا﴾ فاجرة زانية.\nوقال ابن عباس: (تريد ليس لي زوج، ولست بزانية، وليس يكون الولد إلا من زوج أو من الزنا) (٥).\nويقال: بَغَت المرأة تبغي بَغْيًا إذا فجرت، وأصله: من البَغْي والذي هو الطلب وذلك أنهم يبغين بالفجور، والعرب تسمي الإماء البَغَايا والواحدة منها: بَغِي، ذكره ابن السكيت (٦). وذلك أن العرب كانوا يأمرونهن بالمباغاة تكسبا بهن فكن يبغين الأجور فجرى هذا الاسم على الإماء. وبغي فعيل بمعنى فاعل ويكون منقولا غير مبني على الفعل فلذلك\n_________\n(١) ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة. انظر: \"معالم التزيل\" ٥/ ٢٢٣، \"بحر العلوم\" ٢/ ٣٢٠، \"لباب التأويل\" ٤/ ٢٤١، \"روح المعاني\" ١٦/ ٧٧.\n(٢) ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة. انظر: \"تفسير كتاب الله العزيز\" ٣/ ٩، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٢٣، \"بحر العلوم\" ٢/ ٣٢٠.\n(٣) \"جامع البيان\" ١٦/ ٦١، \"معالم التزيل\" ٥/ ٢٢٣، \"زاد المسير\" ٥/ ٢١٧، سعيد \"فتح القدير\" ٣/ ٤٦٨.\n(٤) \"زاد المسير\" ٥/ ٢١٨، \"التفسير الكبير\" ١١/ ٢١٩، \"روح المعاني\" ١٦/ ٧٧.\n(٥) ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة. انظر: \"جامع البيان\" ١٦/ ٦٢، \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٤٤٤، \"معالم التنزيل\" ٣/ ١٩١، \"زاد المسير\" ٥/ ٢١٨، \"لباب التأويل\" ٤/ ٢٤١.\n(٦) انظر: \"تهذيب اللغة\" (بغي) ١/ ٣٦٧، \"مقاييس اللغة\" (بغي) ١/ ٢٧٢، \"المفردات في غريب القرآن\" (بغي) ص ٥٥، \"لسان العرب\" (بغا) ١/ ٣٢١.","vol":"14","page":215},{"text":"لم تدخله الهاء، وقد ذكرنا تمام هذا الفصل عند قوله: (والنطيحة) (١).\nوقال ابن الأنباري: (إن بغي النساء أغلب عليه، قل ما تقول العرب: رجل بغي، إنما يغلب عليهم امرأة بغي، ورجل عاهر فاجر، فلما انفردت المرأة بالوصف استغنى عن إلحاق علامات التأنيث، وجرى مجرى حائض وطالق) (٢).\nوقال المازني: (بغي (٣) ليس بفعيل إنما هو فعول الأصل بغوي فلما التقت واو وياء وسبق أحدهما بالسكون أدغمت الواو في الياء فقيل: بغي، كما تقول: امرأة صبور بغير هاء؛ لأنها بمعنى صابرة) (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2366>٢١ </span>- قوله تعالى: ﴿قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ مفسر في هذه السورة (٥). ومعنى الهين: المتأتي من غير مشقة، والهين من باب الصيب والميت (٦).\nقال ابن عباس: (يريد يسير أن أهب لك غلاما من غير فحل) (٧).\n_________\n(١) عند قوله سبحانه في سورة المائدة الآية رقم (٣): ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ﴾ الآية.\n(٢) \"الكشاف\" ٢/ ٤٠٧،\"زاد المسير\" ٥/ ٢١٨، \"إملاء ما من به الرحمن\" ص ٤٠٨، \"الدر المصون\" ٧/ ٥٧٨.\n(٣) في (س): (يعني)، وهو تصحيف.\n(٤) ذكر نحوه بلا نسبة \"الكشاف\" ٢/ ٤٠٨، \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٤٤٤، \"إملاء ما من به الرحمن\" ٤٠٨، \"الممتع\" ١/ ٥٤٩، \"الدر المصون\" ٧/ ٥٧٨.\n(٥) عند قوله سبحانه في هذه السورة الآية رقم (٩): ﴿قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا﴾.\n(٦) انظر: \"تهذيب اللغة\" (هَيَن) ٤/ ٣٦٩٨، \"القاموس المحيط\" (هَيَنَ) (١٢٤٠)، \"المفردات في غريب القرآن\" (هَيَن) ص ٥٤٧.\n(٧) ذكرت نحوه كتب التفسير بدون نسبة. انظر: \"جامع البيان\" ١٦/ ٦٢، \"بحر =","vol":"14","page":216},{"text":"﴿وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ﴾ قال: (يريد عجيبة للناس) (١). كونه غلاما ليس له أب ﴿وَرَحْمَةً مِنَّا﴾ لمن تبعه وصدق به.\nوقوله تعالى: [﴿وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً﴾ عطف جملة على جملة، واللام تعلق بمحذوف تقديره] (٢): ولنجعله آية للناس، ﴿وَرَحْمَةً مِنَّا﴾ خلقناه. وقال ابن الأنباري: (هو معطوف على مضمر محذوف التقدير: هو علي هين لننفعك به ولنجعله، فحذف الكلام الأول اختصارا ودل الثاني عليه) (٣). ﴿وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا﴾ أي كان خلقه أمرا محكوما به مفروغا منه سابقا في علم الله أن يقع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2367>٢٢ </span>- قوله تعالى: ﴿فَحَمَلَتْهُ﴾ هو مختصر والمعنى: فنفخ فيها جبريل فحملته. وحذف ذلك؛ لأن النفخ قد بين في غير هذا الموضع، والقرآن كله كتاب واحد (٤). قال ابن عباس: (دنا منها جبريل فأخذ ردن قميصها فنفخ فيه فحملت مريم من ساعتها بعيسى ووجدت حس الحمل) (٥). فذلك قوله:\n_________\n= العلوم\" ٢/ ٣٢١، \"زاد المسير\" ٥/ ٢١٨، \"مجمع البيان\" ٥/ ٧٨٩، \"مدارك التنزيل\" ٢/ ٩٧٥، \"روح البيان\" ٥/ ٣٢٣.\n(١) ذكرت نحوه كتب التفسير بدون نسبة. انظر: \"زاد المسير\" ٥/ ٢١٨، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٩١، \"روح المعاني\" ١٦/ ٧٨.\n(٢) ما بين المعقوتين ساقط من نسخه (س).\n(٣) ذكر نحوه بلا نسبة في \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٩١، \"التفسير الكبير\" ٢١/ ٢٠٠، \"البحر المحيط\" ٦/ ١٨١، \"الدر المصون\" ٧/ ٥٧٩.\n(٤) عند قوله سبحانه في سورة التحريم الآية رقم (١٢): ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا﴾.\nوقوله في سورة الأنبياء الآية رقم (٩١): ﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا﴾.\n(٥) \"جامع البيان\" ١٦/ ٦٢، \"الكشاف\" ٢/ ٤٠٨، \"زاد المسير\" ٥/ ٢١٨، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٩١، \"الدر المنثور\" ٤/ ٤٧٨.","vol":"14","page":217},{"text":"﴿فَحَمَلَتْهُ﴾.\nوقوله تعالى: ﴿فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا﴾ أي تنحت بالحمل إلى مكان بعيد. قال ابن عباس: (يريد أقصى الوادي) (١). وهو: وادي بيت لحم (٢) (٣). وهذا الإنتباذ إنما كان عند وضعها، فرارا من زكريا ومن قومها أن يعيروها بولادتها من غير زوج.\nقال ابن عباس: (ما هو إلا أن حملت فوضعت) (٤). وعلى هذا دل ظاهر قوله: ﴿فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ﴾ ذكر الانتباذ عقب الحمل، والانتباذ إنما كان عند الوضع (٥) والقَصِي فَعِيْل بمعنى فَاعِل من قَصَى يَقْصُو إذا بعد (٦)،\n_________\n(١) \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٢٤، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٩٢.\n(٢) بيت لحم: بالفتح وسكون الحاء قرية قرب البيت المقدس، عامرة حافلة، وهي مهد عيسى -﵇-، ومن قرى فلسطين. انظر: \"معجم البلدان\" ١/ ٥٢١.\n(٣) \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٤٤٥، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٢٤، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٩٢، \"أضواء البيان\" ٤/ ٢٤٠.\n(٤) \"بحر العلوم\" ٢/ ٣٢١، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٢٤، \"الكشاف\" ٢/ ٤٠٨، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١١٩ وقال: وهذا غريب، \"الدر المنثور\" ٤/ ٤٧٩، \"زاد المسير\" ٥/ ٢١٨.\n(٥) وهذا خلاف قول الجمهور. قال ابن كثير في \"تفسيره\" ٣/ ١٢٩: فالمشهور عن الجمهور أنها حملت به تسعة أشهر .. والفاء وإن كانت للتعقيب لكن تعقيب كل شيء بحسبه.\nوقال ابن عطية في \"تفسيره\" ٩/ ٤٤٥: وظاهر قوله: (فأجاءها المخاض) يقتضي أنها كانت على عرف النساء، وتظاهرت الروايات على ذلك.\nوقال الشنقيطي في \"أضواء البيان\" ٤/ ٢٤٤: وأظهر الأقوال أنه حمل كعادة حمل النساء وإن كان منشؤه خارقا للعادة.\n(٦) انظر: \"تهذيب اللغة\" (قصا) ٣/ ٢٩٦٩، \"مقاييس اللغة\" (قصوى) ٥/ ٩٤، \"لسان العرب\" (قصا) ٦/ ٣٦٥٧، \"المفردات في غريب القرآن\" (قصى) ٤٠٥.","vol":"14","page":218},{"text":"قال الراجز (١):\nلَيَقْعُدنَّ مَقْعَدَ القَصِي ... مِنِّي ذَي القَاذُورةِ المَقْلِي\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2368>٢٣ </span>- قوله تعالى: ﴿فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ﴾ أي: الجأها واضطرها يقال: جاء بها وأجاءها بمعنى هذا قول جميع أهل اللغة (٢)، وأنشدوا لزهير (٣):\nأَجَأَتْهُ المَخَافَةُ والرَّجَاء\nقالوا: والعرب تقول في أمثالها: شر مَا أَلجَأكَ إلى مُخَّةِ عُرْقُوب (٤). يريدون اضطرك وألجأك إليها. قال ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، والسدي في تفسير أجاءها: (ألجأها) (٥). والمخاض: وجع الولادة وهو الطلق، ومَخِضتِ المرآة تَمْخَضُ مَخَاضًا، وناقة مَاخِض وشاة مآخِضٌ إذا دنا ولادتها (٦)، ويقال\n_________\n(١) ذكرته كتب التفسير واللغة بلا نسبة.\nانظر: \"جامع البيان\" ١٦/ ٦٣، \"معاني القرآن للفراء\" ٢/ ٧٠، \"المذكر والمؤنث\" لابن الأنباري ٣٣٤، \"لسان العرب\" (ذا) ٣/ ١٤٧٢.\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٢٤، \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٦٤، \"إملاء ما من به الرحمن\" ١/ ١١٢، \"المحتسب\" ٢/ ٣٩، \"غريب القرآن لابن الملقن\" ٢٣٩.\n(٣) هذا عجز بيت لزهير، وصدره:\nوَجَار سارَ مُعْتَمِدًا إليكُم\nانظر \"ديوانه\" ص ١٣، \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٢٤، \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٤٤٦، \"البحر المحيط\" ٦/ ١٨٢، \"الدر المصون\" ٧/ ٥٨١، \"لسان العرب\" (جيأ) ٢/ ٧٣٦.\n(٤) المعنى: أن العرقوب لا مخ له، وإنما يلجأ إليه من لا يقدر على شيء.\nانظر: \"جامع البيان\" ١٦/ ٦٣، \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٦٤، \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٢٤، \"لسان العرب\" (مخ) ٧/ ٤١٥٥.\n(٥) \"جامع البيان\" ١٦/ ٦٤، \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٦٣، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٢٥، \"الدر المنثور\" ٤/ ٤٨١.\n(٦) في (ص): (ولادها).","vol":"14","page":219},{"text":"أيضًا دجاجة مَاخِضٌ إذا قربت أن تبيض، ومنه قول الراجز (١):\nتُنْقِضُ إنْقضَاض الدَّجَاجِ المُخَّضِ\nوالمخاض من الإبل: الحوامل، سميت مخاضًا تفاؤلا بأنها تَمْخِضُ بالولد إذا أنجبت (٢).\nوقوله تعالى: ﴿إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ الجذع: ساق النخل، قال ابن عباس: (نظرت مريم إلى أكمة (٣) فصعدت مسرعة، فإذا على الأكمة جذع نحو جذع نخلة فأسرعت المشيء حتى سارت إلى الجذع) (٤). فذلك قوله: ﴿فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ قال المفسرون: (وكان جذع نخلة يابسة لس لها سعف) (٥). ولهذا قال الله تعالى: ﴿إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ ولم يقل إلى\n_________\n(١) هذا عجز البيت وصدره:\nوَمَسدٍ فَوْقَ محالٍ نُغَّيضِ\nذكر البيت الأزهري في \"تهذيب اللغة\" (مخض) ٤/ ٣٣٥٨ بدون نسبة، وكذلك \"لسان العرب\" (مخض) ٧/ ٤١٥٣.\n(٢) نظر: \"تهذيب اللغة\" (مخض) ٤/ ٣٣٥٨، \"مقاييس اللغة\" (مخض) ٥/ ٣٠٤، \"القاموس المحيط\" (مخض) ٢/ ٦٥٣، \"لسان العرب\" (مخض) ٧/ ٤١٥٣.\n(٣) الأكمة: هو الموضع الذي هو أشد ارتفاعا مما حوله، وهو دون الجبال ومثل الروابي.\nانظر: \"تهذيب اللغة\" (أكم) ١/ ١٧٧، \"الصحاح\" (أكم) ٥/ ١٨٦٢، \"لسان العرب\" (أكم) ١/ ١٠٣.\n(٤) ذكرت نحوه كتب التفسير بدون نسبة انظر: \"الكشاف\" ٢/ ٥٠٦، \"زاد المسير\" ٥/ ٢٢٠، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٩٠، \"مجمع البيان\" ٥/ ٥٩٠، \"روح المعاني\" ١٦/ ٨١، \"لباب التأويل\" ٤/ ٢٤٢.\n(٥) \"بحر العلوم\" ٢/ ٣٢١، \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٤٤٦، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٢٥، \"زاد المسير\" ٥/ ٢٢٠، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٩٢.","vol":"14","page":220},{"text":"النخلة؛ لأنها لم يبق منها إلا الجذع.\nوقوله تعالى: ﴿قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا﴾ قال السدي: [(قالت في حال الطلق: يا ليتني مت قبل هذا استحياء من الناس) (١). وقيل:] (٢) (إنما قالت ذلك بطبع البشرية خوف الفضيحة) (٣). وقيل: (إنما جاز أن تتمنى الموت قبل تلك الحال التي قد علمت أنها من قضاء الله، لكراهتها أن يعصي الله بسببها إذ كان الناس يتسرعون إلى القول في ذلك بما يسخط الله جل وعز) (٤).\nوقال أبو إسحاق: (معناه لو خيرت قبل هذه الحال بين الموت أو الدفع إلى هذه الحال لاختارت الموت) (٥). ومعنى قوله: ﴿قَبْلَ هَذَا﴾ أي: قبل هذا اليوم، أو هذا الوقت، أو هذا الأمر (٦).\nوقوله تعالى: ﴿وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾ قال أبو إسحاق: (النسي في كلام العرب الشيء المطروح لا يؤبه له) (٧).\n_________\n(١) \"جامع البيان\" ١٦/ ٦٦، \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٦٤، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٢١.\n(٢) ما بين المعقوفين ساقط من نسخه (س).\n(٣) \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٤٤٧، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٢٥، \"الكشاف\" ٢/ ١٠٨، \"روح المعاني\" ١٦/ ٨٢.\n(٤) \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٦٤، \"الكشاف\" ٢/ ٤٠٩، \"زاد المسير\" ٥/ ٢٢٠، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٩٢.\n(٥) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٢٤.\n(٦) \"زاد المسير\" ٥/ ٢٢٠، \"روح المعاني\" ١٦/ ٨٢، \"فتح القدير\" ٣/ ٤٦٩.\n(٧) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٢٤.","vol":"14","page":221},{"text":"قال الشنفري (١) (٢):\nكَأَنَّ لَهَا في الأرضِ نِسْيًا تَقُصُّه ... عَلَى أُمِّهَا وإِن تُكَلِمْكَ تَبْلَتِ\nيصف امرأة بالخفى (٣). وقال الأخفش، وأبو عبيدة: (النسي ما أغفل من شيء حقير ونسي) (٤).\nوقال يونس: (العرب تقول إذا ارتحلوا من المنزل انظروا أنساكم، أي: الشيء اليسير نحو: العصا، والقدح، والشِّظَاظ (٥).) (٦). هذا معنى النسي في اللغة.\nفأما التفسير فقال ابن عباس: (نسيًا: متروكا لا يذكر) (٧).\n_________\n(١) الشنفري بن مالك الأزدي، والشنفري اسمه، وقيل لقب له لأنه غليظ الشفة، واختلف في اسمه، وهو شاعر جاهلي فحل، له أشعار في الفخر والحماسة وأشهرها لاميته، وهو من عدائي العرب.\nانظر: \"نزهة الألباء\" ١/ ٤٠٨، \"الأعلام\" ٥/ ٨٥، \"الخزانة\" ٣/ ٣٤٣.\n(٢) البيت للشنفري يصف امرأة كأنها من شدة حيائها إذا مشت تطلب شيئًا ضاع منها.\nتبلت: انقطعت في كلامها فلا تطيله.\nانظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٢٥، \"شرح المفضليات\" ٢٠١، \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ٢/ ٤٦، \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ١٩٦، \"وضح البرهان في مشكلات القرآن\" ٢/ ٤٦، \"المخصص\" ١٢/ ٢٧، \"لسان العرب\" (نسا) ٧/ ٤٤١٧.\n(٣) في (ص): (بالخفر).\n(٤) \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ٢/ ٤، \"تهذيب اللغة\" (نسى) ٤/ ٣٥٦٥.\n(٥) الشِّظَاظُ: خُشَيْبَة عَقْفَاء محددة الطرف توضع في الجوالق أو بين الأونين يشد بها الوعاء. انظر: \"تهذيب اللغة\" (شظ) ٢/ ١٨٧٩، \"لسان العرب\" (شظظ) ٢/ ١٨٧٩، \"مختار الصحاح\" (شظظ) ٣٣٨.\n(٦) \"الكشاف\" ٢/ ٤٠٨، \"تهذيب اللغة\" (نسى) ٤/ ٣٥٦٥.\n(٧) ذكر نحوه \"جامع البيان\" ١٦/ ٦٦، و\"النكت والعيون\" ٣/ ٣٦٤، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٢٩، \"زاد المسير\" ٥/ ٢٢١، \"الدر المنثور\" ٤/ ٤٨١.","vol":"14","page":222},{"text":"وهو قول قتادة (١).\nوقال عكرمة، والضحاك، ومجاهد: (حيضة ملقاة) (٢).\nوالمنسي: المفعول؛ من نسيت الشيء ضد ذكرته، ويجوز أن يكون مفعولًا من نسيت بمعنى: تركت، وهو هاهنا من صفة الشيء، ومعناه المبالغة؛. لأن النسي وإن كان حقيرًا فقد يطلب ويذكر، فهي تقول ياليتني (٣) كنت ذلك الشيء الذي لا يذكر ولا يطلب.\nوقال السدي: (﴿وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾ أي نسي ذكري، ومنسيا أي: نسي أثري فلا يرى لي أثر ولا عين) (٤).\nوقرئ: نسيا بالفتح (٥). قال الفراء: (هما لغتان مثل: الجَسْر والجِسْر، والحَجْر والحِجْر، والوَتْر والوِتْر. والنسي: ما تلقيه المرآة من خرق اعتلالها وهو اللقَى) (٦).\n_________\n(١) \"جامع البيان\" ١٦/ ٦٦، \"بحر العلوم\" ٢/ ٣٢١، \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٦٤، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٤٥، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٢٩.\n(٢) \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٦٤، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٢٥، \"زاد المسير\" ٥/ ٢٢١، \"الدر المنثور\" ٤/ ٤٨١.\n(٣) في (س): (بالشيء)، وهو تصحيف.\n(٤) \"جامع البيان\" ١٦/ ٦٦.\n(٥) قرأ: ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، ونافع، والكسائي، وعاصم في رواية أبي بكر: (نِسيا) بكسر النون.\nوقرأ: حمزة، وعاصم في رواية حفص: (نَسيا) بفتح النون.\nانظر: \"السبعة\" ص ٤٠٨، \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ١٩٦، \"المبسوط في القراءات\" ٢٤٣، \"النشر\" ٢/ ٣١٨.\n(٦) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٦٤.","vol":"14","page":223},{"text":"وقال أهل اللغة: (الكسر أعلى اللغتين) (١). ويجوز في غير هذا أن يكون النسي مصدرًا كالنسيان كما يقال: العصي والعصيان، والآتي والإتيان، أنشد الفراء (٢):\nمِنْ طَاعَة الرَّب وعَصْى الشَّيْطَان\nوأنشد (٣) (٤):\nأَتْيُ الفَوَاحِشِ فِيْهمُ مَعْرُوفَة ... وَيرَونَ فِعْلَ المَكْرُمَات حَرَاما\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2369>٢٤ </span>- قوله تعالى: ﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا﴾ قال ابن عباس: (سمع جبريل كلامها وعرف جزعها فناداها من تحتها أسفل منها تحت الأكمة (٥). ﴿أَلَّا تَحْزَنِي﴾. وهذا قول الضحاك، والسدي، وقتادة: (أن المنادي كان جبريل، ناداها من سفح الجبل) (٦). وقال مجاهد، والحسن: (الذي ناداها عيسى) (٧). وهو قول وهب، وسعيد بن جبير، وابن زيد (٨).\n_________\n(١) \"إعراب القرآن\" للنحاس ٩/ ٣٥٢، \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ١٩٦، \"الدر المصون\" ٧/ ٥٨٢.\n(٢) ذكره الفراء في \"معاني القرآن\" ٢/ ١٦٥ بلا نسبة، وكذلك الطبري في \"جامع البيان\" ١٦/ ٦٦.\n(٣) في (ص): (وأنشد أيضًا).\n(٤) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٦٥.\n(٥) ذكره نحوه \"جامع البيان\" ١٦/ ٦٧، \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٦٤، \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٤٥٠، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٢٦، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٣٥.\n(٦) \"تفسير القرآن\" للصنعاني ٢/ ٧، \"جامع البيان\" ١٦/ ٦٧ - ٦٨، \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٦٤، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٢٦، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ٣٢١.\n(٧) \"تفسير القرآن\" للصنعاني ٢/ ٦، \"جامع البيان\" ١٦/ ٦٨ \"بحر العلوم\" ٢/ ٣٢١، \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٦٤، \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٤٥٠.\n(٨) \"جامع البيان\" ١٦/ ٦٨، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٢٦، \"تفسير القرآن العظيم\" =","vol":"14","page":224},{"text":"قال أبو إسحاق: (ويكون المعنى في مناداة عيسى لها أن يبين الله لها الآية في عيسى) (١).\nوقال أبو علي: (وأن يكون المنادي لها عيسى أشبه وأشد إزالة لما خامرها من الوحشة والاغتمام لما يوجد به طعن عليها) (٢): ولهذا كان الاختيار قراءة من قرأ: مَنْ تَحْتَهَا بفتح الميم (٣)، يعني به عيسى. وهو من وضع اللفظة العامة موضع الخاصة كما تقول: رأيت مَنْ عندك، وأنت تعني أحدًا بعينه (٤).\nوقوله تعالى: ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ قال ابن عباس: (يريد السري الجدول، وكان ساقيه للماء قبل ذلك، ثم انقطع [الماء منه، فأرسل الله الماء فيه لمريم) (٥).\n_________\n= ٣/ ١٣١، \"الدر المنثور\" ٤/ ٤٨٢، وهذا ما رجحه الطبري في \"تفسيره\" ١٦/ ٦٨، وقال الشنقيطي في \"أضواء البيان\" ٤/ ٢٤٦: أظهر القولين عندي أن الذي ناداها هو ابنها عيسى وتدل على ذلك قرينتان الأولى: أن الضمير يرجع إلى أقرب مذكور. والقرينة الثانية: أنها لما جاءت به قومها تحمله وقالوا لها ما قالوا أشارت إلى عيسى ليكلموه، وإشارتها إليه ليكلموه قرينة على أنها عرفت قبل ذلك أنه يتكلم على سبيل خرق العادة لندائه لها عندما وضعته.\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٢٥.\n(٢) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ١٩٧.\n(٣) قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وعاصم في رواية أبي بكر، وابن عامر: (مَن تَحْتَها) بفتح الميم والتاء.\nوقرأ نافع، وحمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم: (مِن تَحْتِها) بكسر الميم والتاء. انظر: \"السبعة\" ص ٤٠٨، \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ١٩٧، \"النشر\" ٢/ ٣١٨.\n(٤) في (س): (يعني).\n(٥) ذكر نحوه \"جامع البيان\" ١٦/ ٦٩، و\"النكت والعيون\" ٣/ ٣٦٥، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٣١، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٩٤.","vol":"14","page":225},{"text":"وهذا قول عامة المفسرين (١).\nقال أبو إسحاق: (وروي عن الحسن أنه قال: (يعني عيسى ﵇، كان والله سريا من الرجال) (٢). فعرف الحسن أن من العرب من يسمي النهر سريا (٣). فرجع إلى هذا القول. ولا خلاف بين أهل اللغة أن السري: النهر بمنزلة الجدول) (٤). وأنشد للبيد (٥):\n_________\n(١) \"تفسير القرآن\" للصنعاني ٢/ ٧، \"جامع البيان\" ١٦/ ٦٩ - ٧٠، \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٦٥، \"المحرر الوجيز\" ١١/ ٢٣، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٢١.\nوجمهور المفسرين على ذلك وهو ما رجحه ابن جرير الطبري ﵀ في \"تفسيره\" ١٦/ ٧١، وابن كثير ٣/ ١٢١. وقال الشنقيطي في \"أضواء البيان\" ٤/ ٢٤٨: أظهر القولين عندي أن السري في الآية النهر الصغير، والدليل على ذلك أمران أحدهما: القرينة من القرآن فقدله: ﴿فَكُلِي وَاشْرَبِي﴾ قرينة على أن ذلك المأكول والمشروب هو ما تقدم الامتنان به. الأمر الثاني: حديث جاء بذلك عن النبي -ﷺ- يقول فيه: \"إن السرى الذي قال الله لمريم: ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ نهر أخرجه الله لها لتشرب منه\". فهذا الحديث المرفوع إلى النبي -ﷺ- وإن كانت طرقه لا يخلو شيء منها من ضعف؛ أقرب إلى الصواب من دعوى أن السري عيسى بغير دليل يجب الرجوع إليه.\n(٢) \"جامع البيان\" ١٦/ ٧٠، \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٦٥، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٢٦، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٣١، \"زاد المسير\" ٥/ ٢٢٢.\n(٣) السَّرِي: الجدول وهو قول جميع أهل اللغة.\nانظر: \"تهذيب اللغة\" (سري) ٢/ ١٦٨٠،\"لسان العرب\" (سرا) ٤/ ٢٠٠٢، \"المفردات في غريب القرآن\" (سري) ص ٢٣١.\n(٤) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٢٥.\n(٥) البيت للبيد وقد ورد في معلقته. عُرْضَ: الناحية. ومَسْجُورَة: عين مملوءة. القُلام: نبت ينبت على الأنهار، قيل هو نوع من الحمض.\nانظر \"ديوانه\" ص ١٧٠، \"شرح القصائد العشر\" للتبريزي ص ١٧٦، \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٢٥، \"الدر المصون\" ٧/ ٥٨٤.","vol":"14","page":226},{"text":"فتوَسَّطَا عُرْضَ السَّرِيِّ وَصدَّعَا ... مَسْجُورَةً مُتَجَاوِزًا قُلامُهَا\nومعنى قوله: (تَحْتَكِ) قال الكلبي: (بحيال قدميك) (١). فجعل تحت هاهنا إسما للجهة المحاذية للمتمكن، وهذا يوافق قول من قال: (إن جبريل ضرب الأرض من تحت قدمها) (٢). ويقال: (إن عيسى ضرب برجله فظهر عين ماء عذب وجرى) (٣).\nوقيل: (معنى قوله: ﴿تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ لم يكن الجدول محاذيًا لهذه الجهة، ولكن المعنى جعله دونك، وقد يقال: فلان تحتنا أي: دوننا في المواضع). قال ذلك أبو الحسن (٤).\nوقال بعض المفسرين: (معنى قوله: (تَحْتَكِ) أن الله تعالى جعل النهر تحت أمرها إن أمرته أن يجري جرى، وإن أمرته بالإمساك أمسك لقوله تعالى فيما أخبر عن فرعون: (وهذه الأنهار تجرى من تحتي) (٥) أي: من تحت أمري) (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2370>٢٥ </span>- قوله تعالى: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ﴾ الهز معناه: التحريك (٧)، يقال: هَزَزْتُه فاهْتَزَّ، ومعنى ﴿إِلَيْكِ﴾ اجذبيه إليك أي: حركيه بأن تجذبيه إليك.\n_________\n(١) \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٦٤.\n(٢) \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٢٦، \"الكشف والبيان\" ٣/ ٤ أ، \"التفسير الكبير\" ١١/ ٢٠٥.\n(٣) \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٢٦، \"روح المعاني\" ١٦/ ٨٣.\n(٤) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ١٩٧.\n(٥) سورة الزخرف الآية رقم: (٥١).\n(٦) \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٢٦، \"الكشف والبيان\" ٣/ ٤ أ، \"التفسير الكبير\" ١١/ ٢٠٥، \"روح المعاني\" ١٦/ ٨٣.\n(٧) انظر: \"مقاييس اللغة\" (هز) ٦/ ٩، \"القاموس المحيط\" (هز) ص ٥٢٩، \"الصحاح\" (هزز) ٣/ ٩٠١، \"المفردات في غريب القرآن\" (هزز) ص ٥٤٢.","vol":"14","page":227},{"text":"وقوله تعالى: ﴿بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ قال الأخفش: (الباء زائدة) (١). وهي تزاد كثيرًا في الكلام يقال: خذ بالزمام، وتناول بالخطام، ومد بالحبل، وأعطني بيدك، وأنشد:\nبِوَادٍ يَمَانٍ يُنْبِتُ الشَّثَّ صَدْرُه ... وَأَسْفَلُه بِالمَرْخِ والشَّبَهَانِ (٢)\nونحو هذا قال الفراء، قال: (والعرب تقول: هَزَّ بِه وَهَزَّه، وقوله تعالى: ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ﴾ [الحج: ١٥]، معناه فَلْيَمدْدُ سببا) (٣).\nويقال: ألقى بيده، أي ألقى يده، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٥].\nقال أبو علي: (ويحتمل أن يكون معنى ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ أي: بهز جذع النخله رطبا فحذف المضاف) (٤).\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للأخفش ٢/ ٦٢٦، وقال أبو السعود في \"تفسيره\" ٣/ ٥٧٩: الباء صلة للتوكيد.\nوقول أبو السعود أولى من القول بالزيادة، وذلك أدبا مع القرآن الكريم فإن كل حرف ورد فيه يقصد به معنى من المعاني. ولذلك قال ابن جرير -﵀- في \"تفسيره\" ١٦/ ٧٣: تدخل الباء في الأفعال وتخرج فيكون دخولها وخروجها بمعنى فمعنى الكلام: وهزي إليك جذع النخلة.\n(٢) ورد البيت في عدد من الكتب ونسب إلى رجل من عبد القيس، وقيل إنه ليعلى الأحول.\nالشَّث: الكثير من الشيء وهو ضرب من الشجر طيب الريح مر الطعم.\nوالشبهان: ضرب من الرياحين. انظر: \"مجاز القرآن\" ٢/ ٤٨، \"معاني القرآن\" للأخفش ٢/ ٦٢٦، \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٢٠٠، \"أدب الكاتب\" ٤١٦، \"الجمهرة\" ١/ ٤٥، \"الدر المصون\" ٧/ ٥٨٥، \"لسان العرب\" (شبه) ص ٢١٩١.\n(٣) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٦٥.\n(٤) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ١٩٨.","vol":"14","page":228},{"text":"والمعنى: إذا هززت الجذع هززت بهزه رطبا، فإذا هززت الرطب سقط. وهذا على قول من يخصب الرطب بالهز، وهو قول المبرد، حكى عنه الزجاج قال: (والمعنى هزي إليك بجذع النخلة رطبا تساقط عليك) (١).\nوقوله تعالى: ﴿تُسَاقِطْ عَلَيْكِ﴾ أي: تتساقط فأدغمت التاء في السين، وتساقط هاهنا بمعني: تسقط، وتفاعل مطاوع فاعل كما أن تفعل مطاوع فَعَّل وكما عدّى تفعل في: تجرعته، وغليته، وتَمَزَّزْته، كذلك عدي تفاعل فمما جاء من ذلك قول الشاعر:\nتُطَالِعنا خَيَالاتٌ لِسَلْمَى ... كَمَا يَتَطَالعُ الدَّينَ الغَرِيمُ (٢)\nويكون المعنى: تسقط عليك النخلة رطبا جنيا، وانتصب (رُطَبًا) على أنه مفعول به (٣). وقرأ حمزة: تَسَاقَطْ، مخففا (٤). حذف التاء التي أدغمها غيره، ويجوز أن يكون المعنى: تساقط عليك ثمرة النخلة رطبا، فيكون انتصاب رطبا على الحال، وجاز أن يضمر الثمرة وإن لم يجر لها ذكر؛ لأن ذكر النخلة يدل عليها، وعلى هذا الوجه تساقط مطاوع (٥)، وعلى قول\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٢٥.\n(٢) البيت لسلمة بن الخرشب الأنماري. ويريد به أن خيال صاحبته يكثر معاودته، كما يلح الدائن على المدين بكثرة ترداده عليه.\nانظر: \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ١٩٩، \"المحتسب\" ٢/ ٣٥٨، \"المفضليات\" ٣٩.\n(٣) \"الحجه للقراء السبعة\" ٥/ ١٩٨، \"إملاء ما من به الرحمن\" ١/ ١١٣، \"الدر المصون\" ٧/ ٥٨٨.\n(٤) قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، والكسائي: (تساقط) بفتح التاء وتشديد السين. وقرأ حمزة: (تَسَاقط) بفتح التاء وتخفيف السين.\nانظر: \"السبعة\" ص ٤٠٩، \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ١٩٨، \"المبسوط في القراءات\" ص ٢٤٣، \"حجة القراءات\" ص ٤٤٢.\n(٥) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٢٠٠.","vol":"14","page":229},{"text":"الفراء، والزجاج (١) انتصب (رُطَبًا) على التمييز والتفسير؛ لأن الفعل نقل من الرطب إلى النخلة فلما حول الفعل إليها خرج الرطب مفسرًا كقولهم: تصبب عرقا، كذلك تساقطت النخلة رطبا (٢).\nوروى حفص عن عاصم: تُسَاقِطْ على وزن تفاعل (٣)، وساقط بمعنى: أسقط، قال يصف الثور والكلاب (٤):\nيُسَاقِطُ عَنْهُ رَوْقُهُ ضَارِيَاتِهَا ... سِقَاطَ حَدِيدِ القَيْنِ أَخْوَلَ أَخْوَلاَ\nوقوله تعالى: (رُطَبًا) الرُّطَبُ: الناضج من البسر (٥)، وقد أَرْطَبَتِ النخلة وأَرْطَبَ القوم إذا أَرْطَبَ نخلهم، ورَطَّبْتَ القوم أطعمتهم رُطَبًا. والجَنَى بمعنى المَجْنِي يقال: جَنَيْتُ الثمر، وأَجْنَيْته، وجَنَا الشجرة ما جُنِي منها (٦). قال ابن عباس: (فعجبت مريم من قول جبريل حين قال لها:\n_________\n(١» \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٦٦، \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٢٥.\n(٢) \"إملاء ما من به الرحمن\" ١/ ١١٣، \"الدر المصون\" ٧/ ٥٨٨.\n(٣) قرأ حفص عن عاصم: (تُسَاقِط) بضم التاء وكسر القاف مخففة السين. وقرأ أبو بكر عن عاصم: (تَسُاقط) بفتح التاء وتشديد السين.\nانظر: \"السبعة\" ص ٤٠٩، \"الحجة للقراء السبعة\" ١٩٨، \"العنوان في القراءات\" ١٢٦، \"التبصرة\" ص ٢٥٦.\n(٤) البيت لضابئ البرجمي، يصف الثور والكلاب. الروق: القرن. أَخْوَل أَخْوَلاَ: متفرقا.\nانظر: \"المحتسب\" ٢/ ٤١، \"الخصائص\" ٢/ ١٣٠، \"تهذيب اللغة\" (خال) ١/ ٩٦٩، \"لسان العرب\" (خول) ٣/ ١٢٩٤.\n(٥) انظر: \"تهذيب اللغة\" (رطب) ٢/ ١٤٢١، \"الصحاح\" (رطب) ١/ ١٣٦، \"لسان العرب\" (رطب) ٣/ ١٦٦٤، \"المفردات في غريب القرآن\" (رطب) ١٩٧.\n(٦) انظر: \"تهذيب اللغة\" (جني) ١/ ٦٧٤، \"مقاييس اللغة\" (جني) ١/ ٤٨٢، \"المفردات في غريب القرآن\" (جنى) ص ١٠١، \"لسان العرب\" (جني) ٢/ ٧٠٧.","vol":"14","page":230},{"text":"﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ وذلك أنه كان جذعًا نخرًا ليس له سعف فلمَّا هزته نظرت إلى أعلى الجذع فإذا السعف قد طلع، ثم نظرت إلى الطلع، ثم خرج من بين السعف، ثم نظرت إلى الطلع قد اخضر فصار بلحا، ثم نظرت إلى البلح قد احمر فصار زهوا، ثم نظرت إلى البسر الأحمر قد صار رطبا كل ذلك طرفة عين قبل أن يرتد إليها طرفها، فجعل الرطب يقع بين يديها في أقماعه ولا يتشدخ منها شيء، فطابت نفسها) (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2371>٢٦ </span>- قوله تعالى: ﴿فَكُلِي﴾ قال ابن عباس: (من الرطب ﴿وَاشْرَبِي﴾ من السري ﴿وَقَرِّي عَيْنًا﴾ يريد بعيسى) (٢). قال الكسائي: (قَرِرْتُ به عينا أَقَرُّ، قُرَّةً، وقُرُورًا) (٣).\nوبعضهم يقول: قَرِرْتُ، أَقَرُ، القُرَّةُ المصدر، والقُرَّة كل شيء قَرَّتْ به عينك، وأَقَرَّ الله عينه فَقَرَّت (٤). قال الأصمعي: (أَقَرَّ مأخوذ من القُرُّ والقِرَّة، وهما البرد، ومعنى أَقَرَّ الله عينه أبرد الله دمعه؛ لآن دمعة السرور باردة ودمعة الحزن حارة (٥).\nقال المنذري: (وعرض هذا القول على أحمد بن يحيى فأنكره،\n_________\n(١) \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٩٥، \"روح المعاني\" ١٦/ ٨٥، \"البحر المحيط\" ٦/ ١٨٤.\n(٢) ذكر نحوه \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٢٧، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٩٦، \"تنوير المقباس\" ٢٥٥.\n(٣) \"تهذيب اللغة\" (قر) ٣/ ٢٩٢٤.\n(٤) \"تهذيب اللغة\" (قر) ٣/ ٢٩٢٤، \"لسان العرب\" (قرر) ٦/ ٣٥٨١.\n(٥) \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٦٧، \"زاد المسير\" ٥/ ٢٢٤، \"إعراب القرآن\" للنحاس ٣١١، \"تهذيب اللغة\" (قر) ٣/ ٢٩٢٤، \"لسان العرب\" (قرر) ٦/ ٣٥٨١.","vol":"14","page":231},{"text":"وقال: الدمع كله حار في فرح كان أو حزن) (١).\nوحكي عن جماعة من أهل اللغة أنهم قالوا: (أَقَرَّ الله عينك سكن الله عينك بالنظر إلى ما تحب. أي: صادفت ما يرضيك فَتَقَرّ عينك من النظر إلى غيره. والعرب تقول للذي يدرك ثاره: وقعت بقرك، أي: صادف فؤادك ما كان متطلعا إليه فَقَرَّ) (٢).\nوقولهم: فلان قُرَّة عيني معناه رضي نفسي، أي: ترضى نفسي وتَقر وتسكن بقربه مني ونظري إليه (٣).\nقال أبو عمرو الشيباني: (أقر الله عينه أنام الله عينه، والمعنى صادف سرورًا يذهب سهره فينام) (٤)، وأنشد (٥):\nأَقَرَّ بِه مَوَالِيْك العُيُونَا\nأي: نامت عيونهم لما ظفروا بما أرادوا. وقال الفراء: ﴿وَقَرِّي عَيْنًا﴾ جاء في التفسير: طيبي نفسا، وإنما نصبت العين؛ لأن الفعل كان\n_________\n(١) \"تهذيب اللغة\" (قر) ٣/ ٢٩٢٤.\n(٢) \"زاد المسير\" ٥/ ٢٢٤، \"تهذيب اللغة\" (قر) ٣/ ٢٩٢٤، \"لسان العرب\" (قر) ٦/ ٣٥٨١.\n(٣) انظر: \"تهذيب اللغة\" (قر) ٣/ ٢٩٢٤، \"مقاييس اللغة\" (قر) ٥/ ٧، \"الصحاح\" (قرر) ٢/ ٧٨٨، \"المفردات في غريب القرآن\" (قر) ٣٩٧، \"لسان العرب\" (قر) ٦/ ٣٥٨١.\n(٤) \"إعراب القرآن\" للنحاس ٢/ ٣١١، \"تهذيب اللغة\" (قر) ٣/ ٢٩٢٤، \"لسان العرب\" (قرر) ٦/ ٣٥٨١.\n(٥) هذا عجز بيت ينسب لعمرو بن كلثوم وصدره:\nبيوم كريهة ضربًا وطعنًا\nانظر: \"تهذيب اللغة\" (قرر) ٣/ ٢٩٢٤، \"لسان العرب\" (قرر) ٦/ ٣٥٨١.","vol":"14","page":232},{"text":"لها، فصيرته للمرأة فمعناه لتقر عينك، فإذا حول الفعل عن صاحبه إلى ما قبله نُصب صاحب الفعل على التفسير، كقوله تعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا﴾ [النساء: ٤]، معناه: فإن طابت أنفسهن، ومثله: ﴿وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾ (١)، وسؤت به ظنا) (٢).\nوقوله تعالى: ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ﴾ ترين كان في الأصل ترأيين فحذفت الهمزة كما حذفت من يرى وترى، ونقلت فتحتها إلى الراء، فصار تريين فلما تحركت الياء الأولى وانفتح ما قبلها صارت ألفا، فاجتمع ساكنان أحدهما الألف المنقلبة في الياء والأخرى ياء التأنيث، فحذفت الألف لالتقاء الساكنين، فصار (تَرَيْنَ) ثم حذفت النون علامة للجزم؛ لأن قوله: إما حرف شرط فبقي ترى، ثم دخلته نون التأكيد وهي منقلة فكسرت الياء أعني ياء التأنيث لالتقاء الساكنين إذ النون المثقلة بمنزلة نونين الأولى منها ساكنة فصار تنوين (٣).\nقال الزجاج: (وكذلك تقول للمرآة: اخشينَّ زيدا) (٤). يعني أن ياء التأنيث تكسر لأجل نون التأكيد وكذلك تقول: ألم تَرَى القوم، ولم تَخْشَى الرجل فتحرك بالكسر مع لام المعرفة وسائر السواكن كذلك حركتها مع النون الشديدة بالكسر ولم ترد اللام التي حذفتها لالتقاء الساكنين لما حركت الساكن الذي كنت حذفت اللام لالتقائها معه؛ لأن حركة الالتقاء الساكن غير لازمه وهي في تقدير السكون كما لم ترد في قولك: رَمَتِ ابنك\n_________\n(١) سورة هود الآية رقم: (٧٧)، وسورة العنكبوت الآية رقم: (٣٣).\n(٢) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٦٦.\n(٣) \"إملاء ما من به الرحمن\" ١/ ١١٣، \"الدر المصون\" ٧/ ٥٩١.\n(٤) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٢٧.","vol":"14","page":233},{"text":"ونحوه، وإذا قلت للواحدة: تَرَيْنَ كان اضافته على ضمير التأنيث وليست لام الفعل؛ لأن لام الفعل قد حذفت لالتقاء الساكنين كما ذكرنا، فإن خاطبت جماعة نساء قلت: كيف تَرَيْنَ؟ فالياء لام الفعل، وليست التي للضمير كما كانت] (١) في خطاب الواحدة ألا ترى أن قولك: أَنْتُنَّ تَذْهَبْنَ، تلي فيه الباء التي هي لام الفعل علامة الضمير للتأنيث وهي النون، فقياس المعتل في هذا قياس الصحيح، ولذلك لو قلت للواحدة: كيف تَرَيْنَك كانت النون علامة للرفع والياء علامة الضمير، ولو قلت لجماعة نساء: كيف تَرَيْنَكُنَّ، كانت النون علامة الضمير والياء لام الفعل، فإذا ألحق الجازم والناصب ترين، وتأتين حذفت النون للجزم والنصب، ولو لحق فعل الجميع لم تحذف النون كما لم تحذف في؛ لم تَضرِبنَ. ذكر هذا كله أبو علي الفارسي في \"المسائل الحلبية\" (٢).\nقوله تعالى: ﴿فَقُولِي﴾ فيه اختصار؛ لأن المعنى: فإما ترين من البشر أحدًا فسألك عن ولدك فقدلي: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ قال ابن عباس: (صمتا) (٣). ومعنى الصوم في اللغة: الإمساك عن الأكل وعن الكلام (٤). والمعنى أوجبت على نفسي لله تعالى أن لا أتكلم.\nوقال قتادة: (صامت من الكلام، والطعام، والشراب) (٥).\n_________\n(١) من قوله: (فأرسل الله الماء فيه لمريم ..) إلى هنا ساقط من نسخة: (س).\n(٢) \"المسائل الحلبيات\" لأبي علي الفارسي ٨٧.\n(٣) \"جامع البيان\" ١٦/ ٧٤، \"بحر العلوم\" ٢/ ٣٢٢، \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٦٧، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٣١، \"زاد المسير\" ٥/ ٢٢٥، \"الدر المنثور\" ٤/ ٤٨٥.\n(٤) انظر: \"تهذيب اللغة\" (صام) ٢/ ١٩٦٤، \"مقاييس اللغة\" (صوم) ٣/ ٣٢٣، \"القاموس المحيط\" (صام) ص ١١٣١، \"المفردات في غريب القرآن\" (صوم) ٢٩١.\n(٥) \"تفسير القرآن\" للصنعاني ٢/ ٨، \"جامع البيان\" ١٦/ ٧٤، \"النكت والعيون\" =","vol":"14","page":234},{"text":"وعلى هذا معنى قوله: ﴿نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ هو الصوم المعروف الذي هو عبادة. قال السدي، وابن زيد: (كان في بني إسرائيل من أراد أن يجتهد صام عن الكلام، كما يصوم عن الطعام فلا يتكلم الصائم حتى يمسي) (١). ويدل على صحة هذا القول قوله: ﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾ أي: إني صائم فلا أكلم اليوم أحدًا. ولو أريد بالصوم هاهنا الصمت فقط لم يحتج إلى قوله فلن أكلم اليوم. وأيضًا فإنه قال: ﴿نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ والصوم الذي هو لله إنما هو (٢) ترك الطعام لا ترك الكلام.\nقال المفسرون: (كان قد أذن لها أن تقول: ﴿نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾ [ثم تسكت ولا تتكلم بشيء آخر) (٣).\nوقال قوم: (كانت تقول هذا القدر إشارة بحيث يعرف أنها ممسكة عن الكلام) (٤). وأما سبب أمرها] (٥) بترك الكلام فقال ابن مسعود، وابن\n_________\n= ٣/ ٣٦٧، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ٣٣١.\n(١) \"جامع البيان\" ١٦/ ٧٤، \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٤٥٨، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٢٧، \"زاد المسير\" ٥/ ٢٢٥، \"الدر المنثور\" ٤/ ٤٨٥.\n(٢) قوله: (هو)، ساقط من نسخة (س).\n(٣) \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٦٨، \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٤٥٨، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٢٧،\" الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٩٨.\nوهذا قول جمهور المفسرين. قال أبو حيان في \"تفسيره\" ٦/ ١٩٥: إن المعنى فلن أكلم اليوم إنسيا بعد قولي هذا، وبين الشرط وجزائه جملة محذوفة يدل عليه المعنى أي: فإما ترين من البشر أحدًا وسألك أو حاورك الكلام فقولي. وانظر: \"أضواء البيان\" ٤/ ٢٥٤.\n(٤) \"بحر العلوم\" ٢/ ٣٢٢، \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٤٥٨، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٢٨، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٣١.\n(٥) ما بين المعقوفين ساقط من نسخة (س).","vol":"14","page":235},{"text":"زيد، ووهب: (أمرت بالصمت؛ لأنها لم يكن لها حجة عند الناس ظاهرة في شأن ولدها، فأمرت بالكف عن الكلام ليكفيها الكلام ولدها بما يبرئ به ساحتها) (١). وقيل في قوله: ﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾ خصت الإنس لأنها كانت تكلم الملائكة (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2372>٢٧ </span>- قوله تعالى: ﴿فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ﴾ قال ابن عباس في رواية: (خرجت مريم من عندهم ضحى تتشرق للشمس (٣) ليس بها (٤) قلبه (٥)، فجاءت عند الظهر ومعها صبي تحمله، فكان الحمل والولادة في ثلاث ساعات من النهار) (٦). وقال الكلبي: (أتت به قومها تحمله بعد أربعين يوما، وذلك أنها ولدت حيث لم يشعر بها قومها، ومكثت أربعين يوما حتى طهرت من نفاسها، ثم حملت عيسى إلى قومها، فلما دخلت عليهم ومعها الصبي بكوا وحزنوا وكانوا أهل بيت صالحين) (٧). فقالوا: ﴿قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا﴾ قال أبو عبيدة: (كل فائق من عجب أو عمل فهو: فري،\n_________\n(١) \"جامع البيان\" ١٦/ ٧٥، \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٦٨، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٣١، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٩٨.\n(٢) \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٢٨، \"الكشاف\" ٢/ ٤٠٩، \"زاد المسير\" ٥/ ٢٢٥، \"الدر المنثور\" ٤/ ٤٨٥.\n(٣) قوله: (للشمس)، ساقط من نسخة (س).\n(٤) في (ص): (فيها).\n(٥) قلبه: أي ما به على يخشى عليه منها. وقيل: معناه ما به شيء يقلقله.\nانظر: \"تهذيب اللغة\" (قلب) ٣/ ٣٠٢٦، \"الصحاح\" (قلب) ١/ ٢٠٥، \"المعجم الوسيط\" (قلب) ٢/ ٧٥٣، \"لسان العرب\" (قلب) ٦/ ٣٧١٣.\n(٦) \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٩٩، \"زاد المسير\" ٥/ ٢٢٦.\n(٧) \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٢٨، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٩٩، \"الكشاف والبيان\" ٣/ ٥ / أ.","vol":"14","page":236},{"text":"وهو هاهنا: عجب) (١). وقال الفراء [والزجاج وجميع أهل اللغة: (الفَرِي: الأمر العظيم، يقال فلان يَفْرِي الفَرِي] (٢) إذا كان يعمل عملا يفضل فيه الناس) (٣). ومنه قول -﵇- في صفة عمر: (فلم أرَ عبقريا يَفْرِي فَرِيَّه) (٤). قال ابن عباس: ﴿لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا﴾ أي: عظيما منكرا لا يعرف منك ولا من أهل بيتك) (٥). وهذا قول مجاهد، وقتادة، والسدي قالوا: (الفري: العظيم من الأمر) (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2373>٢٨ </span>- قوله تعالى: ﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ﴾ اختلفوا في هارون من هو؟ فقال ابن عباس في رواية عطاء: (أن مريم كانت عابدة، وكان في بني إسرائيل رجل عابد يقال له هارون، تبع جنازته يوم مات أربعون ألفا كلهم اسمه هارون) (٧).\nوهذا قول قتادة، وكعب، وابن زيد قالوا: (هارون رجل صالح من\n_________\n(١) \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ٢/ ٧.\n(٢) ما بين المعقوفين ساقط من نسخة (س).\n(٣) \"تهذيب اللغة\" (فرا) ٣/ ٢٧٥٦، \"لسان العرب\" (فرا) ٦/ ٣٤٠٨.\n(٤) أخرجه البخاري في صحيحه كتاب: \"فضائل الصحابة\" باب: قول النبي -ﷺ- \"لو كنت متخذًا خليلًا\" ٣/ ١٣٤٥، ومسلم في صحيحه كتاب: فضائل الصحابة، باب: فضائل عمر -﵁- ٤/ ١٨٦٠، والترمذي في جامعه كتاب: الرؤيا، باب: ما جاء في رؤيا النبي -ﷺ- ٤/ ٤٦٨، والإمام أحمد في \"مسنده\" ٢/ ٢٨، والثعلبي في \"تفسيره\" ٣/ ٥/ أ، والبغوي في \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٠٢٨.\n(٥) \"زاد المسير\" ٥/ ٢٢٦، \"تنوير المقباس\" ٢٥٥.\n(٦) \"جامع البيان\" ١٦/ ٧٧، \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٦٨، \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٤٥٩، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٣٢، \"الدر المنثور\" ٤/ ٤٨٦.\n(٧» \"جامع البيان\" ١٦/ ٧٧، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٢٨، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ١٠٠.","vol":"14","page":237},{"text":"بني إسرائيل ينسب إليه من عرف بالصلاح) (١). والمعنى: يا شبيهته في العفة. ونحو هذا روى المغيرة بن شعبة عن النبي -ﷺ- (٢). وقال السدي: (عنوا هارون أخا موسى، ونسبت مريم إلى أنها أخته؛ لأنها من ولده، كما يقال للتميمي: يا أخا تميم) (٣). وقال الكلبي: (كان هارون أخا مريم من أبيها ليس من أمها، وكان أمثل رجل في بني إسرائيل) (٤). وقيل: (إن هارون هذا كان فاسقا معلنا بالفسق فشبهت به) (٥).\n_________\n(١) \"تفسير القرآن\" للصنعاني ٢/ ٩، \"جامع البيان\" ١٦/ ٧٧، \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٦٨، \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٤٥٩، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٢٨.\n(٢) الحديث رواه المغيرة بن شعبة وقال: بعثني رسول الله -ﷺ- إلى أهل نجران، فقالوا: ألستم تقرؤن \"يا أخت هارون\" وقد علمتم ما كان بين موسى وعيسى؟ فلم أدر ما أجيبهم، فرجعت إلى رسول الله -ﷺ- فأخبرته، فقال: ألا أخبرتهم أنهم كانوا يسمون بأنبيائهم والصالحين قبلهم.\nأخرجه مسلم في صحيحه كتاب: الآداب، باب: النهي عن التكني بأبي القاسم وبيان ما يستحب من الأسماء ٢/ ١٦٨٥ والترمذي في جامعه كتاب: التفسير سورة مريم ٢/ ١٤٤، والنسائي في \"تفسيره\" ٢/ ٢٩، والإمام أحمد في \"مسنده\" ٤/ ٢٥٢، أخرجه الطبري في \"جامع البيان\" ١٦/ ٧٨، والماوردي في \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٦٨، والبغوي في \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٢٨، والسمرقندي في \"بحر العلوم\" ٢/ ٣٢٣، وابن عطية في \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٤٥٩، والسيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ٤٨٦ وزاد في نسبته إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن حبان، والطبراني، وابن مردويه، والبيهقي.\n(٣) \"جامع البيان\" ١٦/ ٧٨، \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٦٩، \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٤٦٠، \"معالم التزيل\" ٥/ ٢٢٨، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٣٢.\n(٤) \"بحر العلوم\" ٢/ ٣٢٣، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٢٨، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ١٠٠، \"روح المعاني\" ١٦/ ٨٨.\n(٥) \"جامع البيان\" ١/ ٧٨٦، \"بحر العلوم\" ٢/ ٣٢٣، \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٦٩،=","vol":"14","page":238},{"text":"وقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ﴾ قال ابن عباس: (يريد زانيا) (١).\n﴿وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ يريد زانية. وذكرنا الكلام في البغي في هذه السورة (٢). والمعنى في نفي الزنا عن أبويها تعريض بزناها، كأنهم قالوا: لم يكونا زانيين فمن أين لك هذا الولد؟. قال الفراء: (أي أهل بيتك أخوك وأبوك صالحون وقد أتيت أمرا عظيما) (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2374>٢٩ </span>- قوله تعالى: ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ﴾ قال ابن عباس: (تريد أن كلموه وهو يرضع فنظر بعضهم إلى بعض تعجبا منها حين أشارت إليه) (٤). ﴿قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ﴾ الآيه. وقال أبو إسحاق: (أشارت إليه بأن يجعلوا الكلام معه، ودل على أنها أشارت إليه في الكلام، قوله: ﴿قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾) (٥). قال ابن عباس: (يريد في الحجر رضيعا) (٦).\n_________\n= \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٤٦١، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٢٨، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٣٢.\nهذا القول بعيد، والراجح -والله أعلم- من هذه الأقوال ما ثبت في الصحيح من حديث المغيرة بن شعبة ﵁ والذي مر بنا آنفًا.\nوانظر: \"جامع البيان\" ١٦/ ٧٨، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٣٢، \"فتح القدير\" ٣/ ٤٧٣، \"أضواء البيان\" ٤/ ٢٧١.\n(١) \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٢٩، \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٦٩، \"تنوير المقباس\" ص ٢٥٥.\n(٢) عند قوله سبحانه في الآية رقم: (٢٠): ﴿قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا﴾.\n(٣) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٦٧.\n(٤) \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ١٠٢.\n(٥) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٢٨.\n(٦) ذكره \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٢٦٢ بدون نسبة، و\"النكت والعيون\" ٣/ ٣٧٠ ونسبة لقتادة، و\"زاد المسير\" ٥/ ٢٢٦.","vol":"14","page":239},{"text":"والمَهْدُ: الموضع الذي يُهَيَأ لينام فيه الصبي (١). فيجوز أن يكون الحجر كما ذكره ابن عباس، وقتادة، والكلبي (٢).\nويجوز أن يكون: سريرا كالمَهْد المعروف للصبيان (٣). واختلفوا في ﴿كَانَ﴾ هاهنا فقال أبو عبيدة: (﴿كَانَ﴾ هاهنا حشو زائد (٤)، والمعنى: كيف نكلم صبيا في المهد) (٥). وهذا اختيار ابن قتيبة، وكثير من أهل التفسير ذكروه (٦)، واحتجوا بقول الفرزدق (٧):\nفَكَيْفَ إذَا رَأَيْتَ دِيَارَ قَوْمٍ ... وَجِيْرَانٍ لَنَا كَانُوا كِرَام\nوقال قوم: (﴿كَانَ﴾ في معنى وقع وحدث) (٨). والمعنى: كيف نكلم\n_________\n(١) انظر: \"تهذيب اللغة\" (مهد) ٤/ ٣٤٦١، \"الصحاح\" (مهد) ٢/ ٥٤١، \"المفردات في غريب القرآن\" (مهد) ص ٤٧٦، \"المصباح المنير\" (المهد) ص ٥٨٢.\n(٢) \"جامع البيان\" ١٦/ ٧٩، \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٧٠، \"زاد المسير\" ٥/ ٢٢٦.\n(٣) \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٦٩، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٢٩، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ١٠٢.\n(٤) هذا القول بعيد ولا يليق أن يوصف كلام الله بالحشو الزائد، وكتاب الله هو الحكم في اللغة. قال القرطبي ١١/ ١٠٢: لا يجوز أن يقال زائدة وقد نصبت (صبيا). وانظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٢٨، \"البيان في غريب القرآن\" ٢/ ١٢٤، \"البحر المحيط\" ٦/ ١٨٧.\n(٥) \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ٢/ ٧، \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٢٨، \"البحر المحيط\" ٦/ ١٨٧.\n(٦) \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٢٩، \"زاد المسير\" ٥/ ٢٢٨، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ١٠٢.\n(٧) البيت للفرزدق قاله في قصيدة يمدح فيها هشام بن عبد الملك. انظر \"ديوانه\" ص ٥٩٧، \"خزانة الأدب\" ٩/ ٢١٧، \"الكتاب\" ٢/ ١٥٣، \"المقتضب\" ٤/ ١١٦، \"الدر المصون\" ٧/ ٥٩٥، \"لسان العرب\" (كون) ٧/ ٣٩٦١.\n(٨) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٢٨، \"إعراب القرآن\" للنحاس ٢/ ٣٠٨.","vol":"14","page":240},{"text":"صبيا قد حدث في المهد. وقال الزجاج: (وأجود الأقوال أن يكون في معنى الشرط والجزاء فيكون المعنى: من يكن في المهد صبيا، فكيف نكلمه؟ كما تقول: من كان لا يسمع ولا يعقل فكيف أخاطبه) (١). قال ابن الأنباري: (لا يجوز أن يكون الكون مُلْغًى، وهو عامل في الصبي النصب، وقول من قال: إن ﴿كَانَ﴾ بمعنى حدث قبيح أيضا؛ لأن الصبي لما انتصب بالكون لم يكن الكون بمعنى الحدوث؛ لأنه إذا كان بمعنى الوقوع والحدوث استغنى عن خبره، كما تقول: كان البرد وكان الحر، تريد وقع وحدث -ثم اختار قول الزجاج- قال: والذي نذهب إليه أن يكون ﴿مَنْ﴾ في معنى الجزاء و﴿كَانَ﴾ بمعنى يكون، والتقدير: من يكن في المهد صبيا فكيف نكلمه؟ كما تقول: كيف أعظ من كان لا يقبل عظتي؟ معناه: من يكن لا يقبل، والماضي يكون بمعنى المستقبل في باب الجزاء، كقوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ﴾ [الفرقان: ١٠] معناه: إن شاء يجعل) (٢).\nقال السدي: (لما أشارت إليه غضبوا وقالوا: سخريتها بنا حيث تأمرنا أن نسأل هذا الصبي أعظم علينا مما صنعت) (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2375>٣٠ </span>- وكان عيسى يرضع فلما سمع كلامهم لم يزد على أن ترك الرضاع وأقبل عليهم بوجهه وأشار بسبابته فقال: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ وقال ابن\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٢٨.\n(٢) ذكر في \"زاد المسير\" ٥/ ٢٢٨، \"البحر المحيط\" ٦/ ١٨٧، \"الدر المصون\" ٧/ ٥٩٤.\n(٣) \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٤٦٢، \"الكشاف\" ٢/ ٤١٠، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٣٣، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ١٠٢.","vol":"14","page":241},{"text":"عباس: (أقر بالعبودية على نفسه، وبربوبية الله أول ما تكلم) (١). ﴿آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ أي: حكم لي بإيتاء الكتاب والنبوة فيما قضى وسبق، وهذا إخبار عما سبق له مما هو كائن فيما بعد. وقال قوم: (أخبر عما حصل له؛ لأن الله تعالى علمه وهو في بطن أمه التوارة والحكمة والخط وجعله نبيا ينبئ عن الله، وكان كلامه في حال الرضاع معجزته، وذلك أن الله تعالى كمل عقله في ذلك الوقت). والأول قول عكرمة وجماعة (٢). والثاني معنى قول ابن عباس في رواية عطاء (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2376>٣١ </span>- قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا﴾ قال ابن عباس: (لأن أدعوا إلى الله وإلى توحيده وعبادته) (٤).\nوقال مجاهد: (جعلني معلما للخير نفاعا) (٥). وقال غيره: (بركته (٦) الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) (٧).\n﴿وَأَوْصَانِي﴾ أمرني، وتقدم إلى ﴿بِالصَّلَاةِ﴾ بإقامتها ﴿وَالزَّكَاةِ﴾ أي:\n_________\n(١) ذكر نحوه \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٣٠، و\"ابن كثير\" ٣/ ١٣٣، \"القرطبي\" ١١/ ١٠٢، \"فتح القدير\" ٣/ ٣٣٢.\n(٢) \"جامع البيان\" ١٦/ ٨٠، \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٤٦٤، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٣٠، \"ابن كثير\" ٣/ ١٣٣، \"الدر المنثور\" ٤/ ٤٨٧.\n(٣) \"بحر العلوم\" ٢/ ٣٢٣، \"ابن كثير\" ٣/ ١٣٣، \"زاد المسير\" ٥/ ٢٢٩.\nوالقول الأول أولى، وقد ضعف القول الثاني عدد من المفسرين، قال ابن عطية في \"تفسيره\" ١١/ ٢٩: وهذا في غاية الضعف.\n(٤) \"معالم التزيل\" ٣/ ١٩٥.\n(٥) \"جامع البيان\" ١٦/ ٨١، \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٤٦٤، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٣٠، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٣٣، \"زاد المسير\" ٥/ ٢٢٩.\n(٦) في (س): (تركته)، وهو تصحيف.\n(٧) المراجع السابقة.","vol":"14","page":242},{"text":"زكاة الأموال (١). وقيل: معنى الزكاة هاهنا: (طهارة الجسد من الذنوب واجتناب المعاصي) (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2377>٣٢ </span>- ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَتِي﴾ مطيعا لها لطيفا بها، وهو عطف على ﴿مُبَارَكًا﴾ (٣). قال ابن عباس: (لما قال: ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَتِي﴾ ولم يقل: بوالدي علموا أنه شيء من الله) (٤). ﴿وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا﴾ متعظمًا يقتل ويضرب على الغضب (٥). ﴿شَقِيًّا﴾ عاصيا لربه (٦).\n<span data-type=\"title\" id=toc-2378>٣٣ </span>- قوله تعالى: ﴿وَالسَّلَامُ عَلَيَّ﴾ قال أبو إسحاق: (لما جرى ذكر السلام قبل هذا بغير ألف ولام كان الأحسن أن يذكر ثانية بالألف واللام، ومعنى السلام هاهنا: عموم العافيه؛ لأنه مصدر سَلَّمْتُ سَلاَمًا) (٧).\nقال المفسرون: (السلامة عليَّ من الله تعالى يوم ولدت حتى لم يضرني شيطان) (٨). وهذا معنى ما روي أن النبي -ﷺ-! قال: \"ما من مولود يولد إلا ويطعن الشيطان في جنبه وذلك حين يستهل صارخا، إلا عيسى بن\n_________\n(١) المراجع السابقة.\n(٢) \"جامع البيان\" ١٦/ ٨١، \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٤٦٣.\n(٣) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٢٩، \"إعراب القرآن\" للنحاس ٢/ ٣١٣، \"إملاء ما من به الرحمن\" ١/ ١١٤.\n(٤) \"زاد المسير\" ٥/ ٢٣٠، \"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي ١١/ ١٠٣.\n(٥) \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٢٤، \"القرطبي\" ١١/ ١٠٣.\n(٦) \"جامع البيان\" ١٦/ ٨٢، \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٧١، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٣٠، \"زاد المسير\" ٥/ ٢٣٠، \"الدر المنثور\" ٤/ ٤٨٨.\n(٧) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٢٩، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٢٤.\n(٨) \"الطبري\" ١٦/ ٨٢، \"الماوردي\" ٣/ ٣٧١، \"البغوي\" ٥/ ٢٣٠، القرطبي ١١/ ١٠٤.","vol":"14","page":243},{"text":"مريم، فإنه ذهب يطعن فطعن في الحجاب\" (١). والآية مفسرة في قصة يحيى في هذه السورة (٢). قال ابن عباس والمفسرون: (كلمهم عيسى بهذا ثم سكت فلم يتكلم حتى بلغ المدة التي يتكلم فيها الصبيان) (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2379>٣٤ </span>- قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ قال أبو إسحاق: (أي ذلك الذي قال ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ الآيات، هو عيسى بن مريم، لا ما يقول النصارى من أنه ابن الله وأنه إله) (٤). ﴿قَوْلَ الْحَقِّ﴾ ﴿الْحَقِّ﴾ هاهنا يجوز أن يراد به الله تعالى، وهو قول مجاهد (٥). ويرتفع (قَوْل) على أنه نعت لعيسى (٦)، أي: ذلك عيسى بن مريم قول الله، أي: كلمته، والكلمة قول، ويجوز أن يضاف القول إلى الحق (٧)، ومعناه: القول الحق، كما قيل: ﴿حَقُّ الْيَقِينِ﴾ [الواقعة: ٩٥، الحاقة ٥١]، و﴿وَعْدَ الصِّدْقِ﴾ [الأحقاف: ١٦]، و﴿الدَّارُ\n_________\n(١) أخرج نحوه البخاري في \"صحيحه\"، كتاب الأنبياء، باب قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا﴾ ٣/ ١٢٦٥، ومسلم، في الفضائل، باب فضل عيسى -﵇- ٤/ ١٨٣٨، والإمام أحمد ٢/ ٥٥٣، والماوردي في \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٧١.\n(٢) عند قوله سبحانه في الآية رقم (١٥): ﴿وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾.\n(٣) \"بحر العلوم\" ٢/ ٣٢٣، \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٤٦٦، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٣٠، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ١٠٤، \"الدر المنثور\" ٤/ ٤٨٨.\n(٤) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٢٩.\n(٥) \"جامع البيان\" ١٦/ ٨٣، \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٧٢، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ١٠٥ ذكره بدون نسبة.\n(٦) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٦٨، \"إعراب القرآن\" للنحاس ٣/ ٣١٣، \"إملاء ما من به الرحمن\" ١/ ١٤٤، \"الدر المصون\" ٧/ ٥٩٨.\n(٧) \"جامع البيان\" ١٦/ ٨٣، \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٦٨.","vol":"14","page":244},{"text":"الْآخِرَةِ﴾ [يوسف: ١٠٩] وعلى هذا يجوز أن يرتفع ﴿قَوْلَ الْحَقِّ﴾ على النعت لعيسى كما ذكرنا، ويجوز أن يرتفع على أنه خبر ابتداء مضمر (١)، دل عليه قوله: ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ والمعنى: هذا الكلام قول الحق، أي: هذا الذي ذكرنا من صفته، وأنه ابن مريم قول الحق، ومن قرأ: قَوْلَ الحق، بالنصب فهو نصب على المصدر (٢)، أي: قال قول الحق.\n[وقال أبو علي: (أما النصب فهو أن قوله: ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ هو يدل على: أَحقُّ قَولَ الحَقّ] (٣). وتقول: هذا زيدُ الحقّ لا الباطل؛ لأن قول هذا زيد، بمنزله أحُقُّ، كأنك قلت: أحُقُّ الحَقَّ، وأَحَقُّ قَولَ الحَقِّ) (٤).\nويكون على هذا التقدير اعتراضا بين الصفة والموصوف؛ لأن التقدير: ذلك عيسى بن مريم الذي فيه. وقال الفراء: (وإن نصبت القول وهو في النية من نعت عيسى كان صوابا، كأنك قلت: هذا عبد الله الأَسَدَ عَاديًا، كما تقول: أَسَدًا عَاديِا) (٥).\nوقوله تعالى: ﴿الَّذِي﴾ هو هو من نعت عيسى ﴿فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ أي: يشكون فيختلفون، فيقول قائل: هو ابن الله، ويقول آخر: هو الله (٦). ثم\n_________\n(١) \"جامع البيان\" ١٦/ ٨٣، \"إملاء ما من به الرحمن\" ١/ ١١٤، \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٢٠١، \"الدر المصون\" ٧/ ٥٩٨.\n(٢) قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، ونافع، وحمزة، والكسائي: (قولُ الحق) رفعا. وقرأ عاصم، وابن عامر: (قولَ الحق) نصبا.\nانظر: \"السبعة\" ص ٤٠٩، \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٢٠١، \"التبصرة\" ص ٢٥٦.\n(٣) ما بين المعقوفين ساقط من نسخة (س).\n(٤) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٢٠٢.\n(٥) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٦٨.\n(٦) \"تفسير القرآن\" للصنعاني ٢/ ٨، \"جامع البيان\" ١٦/ ٨٣ - ٨٤، \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٧٢، \"معالم التزيل\" ٥/ ٢٣١.","vol":"14","page":245},{"text":"نفى عن نفسه اتخاذ الولد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2380>٣٥ </span>- فقال؛ ﴿مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ﴾ إن مع الفعل بمنزلة المصدر أي: ما كان له اتخاذ الولد على معنى أن ذلك ليس من صفته، ولا مما يليق به؛ لأن الولد مجانس للوالد، وكذلك من اتخذ ولدا إنما يتخذه من جنسه والله تعالى ليس كمثله شيء، فلا يجوز أن يكون له ولد، ولا أن يتخذ ولدا، وذكر ابن الأنباري في هذا وجهين:\nأحدهما: (أن هذه من المقلوب على معنى ما كان للولد أن يتخذه الله، فدخلت اللام في غير موضعها على مذهب العرب في الاتساع وقد تقدم لهذا نظائر.\nوالثاني: أن المعنى ما كان ينبغي لله أن يتخذ من ولد، فنابت اللام عن الفعل الذي هو ينبغي، وتأويل لا ينبغي: لا يصلح ولا يستقيم) (١).\nوقوله تعالى: ﴿مِنْ وَلَدٍ﴾: ﴿مِنْ﴾ زائدة مؤكدة لاستغراق الجنس، فلا يجوز أن يتخذ ولدا واحدا ولا أكثر، هذا معنى قول الزجاج: (﴿مِنْ﴾ مؤكدة تدل على نفي الواحد والجماعة) (٢).\nثم نزه نفسه عن مقالتهم بقوله سبحانه، ثم بين السبب في كون عيسى من غير أب فقال: ﴿إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ أي: إذا أراد أن يحدث ولدا من غير أب ﴿فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ كما فعل بآدم إذ خلقه من غير أب ولا أم، وهو قوله تعالى: ﴿مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل\n_________\n(١) ذكر نحوه بلا نسبة في \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٤٦٩، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ١٠٧.\n(٢) \"معاني القرآن للزجاج\" ٣/ ٣٢٩. وقول الزجاج أولى من القول بالزيادة، وذلك أدبًا مع كتاب الله -﷿- فإن وجل فإن كل حرف ورد فيه يقصد به معنى من المعاني.","vol":"14","page":246},{"text":"عمران: ٥٩]، والمعنى: أن كون عيسى إنما كان بقضاء الله وإرادته، وإذا أراد أمرا لم يتعذر عليه، وأوجده على الوجه الذي أراده، والكلام في مثل هذه الآية قد تقدم في سورة البقرة في قوله: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [البقرة: ١١٧] الآية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2381>٣٦ </span>- قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ﴾ الآية. ذكر الفراء في فتح ﴿أَن﴾ ثلاثة أوجه أحدها: العطف على عيسى بن مريم، بتأويل ذلك عيسى بن مريم، وأن الله ربي وربكم، فيكون في موضع رفع. والثاني: ولأن الله ربي ربكم [فاعبدوه، فيعمل فيه فاعبدوه] (١) وهذا الوجه اختيار أبي علي (٢). وروي وجه رابع عن أبي عمرو بن العلاء وهو: أن المعنى وقضى الله ربي وربكم (٣)، ومن كسر استأنف الكلام وجعله معطوفا على المستأنف قبله وهو (٤) قوله: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ ويجوز أن يكون استئنافًا بالواو من غير عطف، ويؤكد هذا الوجه ما روي في قراءة أبي: أن الله ربي وربكم، بغير واو (٥). وعلى الأوجه كلها الآية من كلام عيسى لقومه.\n_________\n(١) ما بين المعقوفين ساقط من نسخه (س).\n(٢) \"الحجة للقراء السبعة\" ٢/ ٢٠٣.\n(٣) \"إعراب القرآن\" للنحاس ٢/ ٣١٥، \" الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ١٠٨، \"البحر المحيط\" ٦/ ١٩٠.\nوقال السمين الحلبي في \"الدر المصون\" ٧/ ٦٠٠: واستبعد الناس صحة هذا النقل عن أبي عمرو؛ لأنه من الجلالة في العلم والمعرفة بمنزلة يمنعه من هذا القول، وذلك لأنه إذا عطف على (أمرا) لزم أن يكون داخلا في حيز الشرط به (إذا) وكونه تبارك ربنا لا يتقد يشترط البته.\n(٤) في (س): (وهذا).\n(٥) \"جامع البيان\" ١٦/ ٨٥، \"بحر العلوم\" ٢/ ٣٢٤، \"الكشاف\" ٢/ ٤١١، \"البحر المحيط\" ٦/ ١٨٩، \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٦٨.","vol":"14","page":247},{"text":"قوله تعالى: ﴿هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ أي: هذا الذي أخبرتكم أن الله أمرني به هو الطريق المستقيم الذي يؤدي إلى الجنة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2382>٣٧ </span>- قوله تعالى: ﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ﴾ يعني: فرق النصاري اختلفوا في عيسى فقال بعضهم: هو الله (١)، وقال بعضهم: ابن الله (٢)، وقال بعضهم: ثالث ثلاثة (٣).\nقوله تعالى: ﴿مِنْ بَيْنِهِمْ﴾ أي: بينهم، ومن زائدة. قال المفسرون: (كانوا أحزابا متفرقين ﴿بَيْنِهِمْ﴾ في أمر عيسى) (٤).\n﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فشدة عذاب للذين كفروا بالله بقولهم في المسيح بأنه ابن الله وأنه إله ﴿مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ أي: من حضور ذلك اليوم، والمشهد مصدر يراد به [الشهود، والمعنى: ويل لهم إذا جاءت القيامة (٥).\n_________\n= واختلف القراء في قراءة هذه الآية: فقرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو: (وأن الله ربي) بنصب الألف. وقرأ ابن عامر، وعاصم، حمزة، والكسائي: (وإن الله) بالكسر.\nانظر: \"السبعة\" ص ٤١٠، \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٢٠٢، \"المبسوط في القراءات\" ص ٢٤٣، \"النشر\" ٢/ ٣١٨.\n(١) وهم اليعقوبية. انظر: \"تفسير القرآن\" للصنعاني ٢/ ٨، \"جامع البيان\" ١٦/ ٨٥ - ٨٦، \"بحر العلوم\" ٢/ ٣٢٤، \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٤٧١، \"زاد المسير\" ٥/ ٢٣٢.\n(٢) وهم النسطورية. انظر: \"تفسير القرآن\" للصنعاني ٢/ ٩، \"جامع البيان\" ١٦/ ٨٦، \"وبحر العلوم\" ٢/ ٣٢٤، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٣١، \"الدر المنثور\" ٢/ ٤٨٨.\n(٣) وهم الإسرائيلية من ملوك النصارى. انظر: \"تفسير القرآن\" للصنعاني ٢/ ٩، \"جامع البيان\" ١٦/ ٨٦، \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٤٧١، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٣٥.\n(٤) \"جامع البيان\" ١٦/ ٨٦، \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٤٧١، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٣١، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٣٥.\n(٥) \"جامع البيان\" ١٦/ ٨٦، \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٤٧١، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٣٥.","vol":"14","page":248},{"text":"ويجوز أن يكون الحضور لهم وأضيف إلى الظرف لوقوعه فيه، كما تقول: ويل لفلان] (١) من قتال يوم كذا، والمعنى: ويل لهم حضورهم ذلك وشهودهم إياه للجزاء والحساب (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2383>٣٨ </span>- قوله تعالى: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾ قال قتادة: (ذلك والله يوم القيامة سمعوا حين لم ينفعهم السمع وأبصروا حين لم ينفعهم البصر) (٣).\nوقال ابن عباس، والسدي وجميع المفسرين: (ما أسمعهم وأبصرهم يوم القيامة) (٤). وقال الكلبي: (يقول: ما أبصرهم بالهدى يوم القيامة، وأطوعهم أن عيسى ليس الله، ولا ابن الله، ولا ثالث ثلاثة) (٥).\nفجعل السمع هاهنا بمعنى الطاعة وهو حسن. وقال الحسن: (لئن كانوا في الدنيا صما عميا عن الحق فما أبصرهم به وأسمعهم يوم القيامة) (٦). ﴿لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾. يعني أن الكافرين والمشركين ضلوا في الدنيا، وعموا عن الحق وآثروا الهوى على الهدى.\nوقوله تعالى: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾ لفظ التعجب كما قالوا في تفسيره:\n_________\n(١) ما بين المعقوفين ساقط من نسخة (س).\n(٢) \"الكشاف\" ٢/ ٤١١، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ١٠٨، \"البحر المحيط\" ٦/ ١٩٠، \"فتح القدير\" ٣/ ٤٧٧.\n(٣) \"جامع البيان\" ١٦/ ٨٦، \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٧٣، \"الدر المنثور\" ٤/ ٤٨٩، \"البحر المحيط\" ٦/ ١٩١.\n(٤) \"جامع البيان\" ١٦/ ٨٧، \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٤٧٢، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٣٢، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٣٥، \"زاد المسير\" ٥/ ١٦٣.\n(٥) \"معالم التنزيل\" ٣/ ٢٣٢، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ١٠٨، \"الكشف والبيان\" ٣/ ٧ أ.\n(٦) \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٧٣.","vol":"14","page":249},{"text":"ما أسمعهم وأبصرهم (١)، وللتعجب لفظان أحدهما: ما أكرم زيدا، وذكرنا الكلام فيه عند قوله: ﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾ [البقرة: ١٧٥]، والثاني: أكرم يزيد وأسمع بهم وأبصر.\nقال أبو علي: (وهذا مثال الأمر أقيم مقام الخبر، والمعنى: اسمعوا وأبصروا أي: صاروا ذوي سماع وإبصار، فوقع مثال الأمر هاهنا موقع الخبر، كما وقع مثال الخبر موقع الأمر في الدعاء في مثل: غفر الله لزيد، وقطع الله يد فلان، وسلام عليك، وخير بين يديك ونحوه مما يراد به الدعاء، وهو على لفظ الخبر، ومثل هذا مما جاء في التنزيل قوله: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾ [مريم: ٧٥] فهذا لفظه كلفظ أمثلة الأمر ومعناه الخبر، ألا ترى أنه لا وجه للأمر هاهنا وأن المعنى: يمده الرحمن مداد، ويدلك على أن المراد في هذا الخبر أن السمع والبصر وغيرهما من الأحداث لا يخاطب ولا يؤمر ولا ينهي، فليس للأمر هاهنا معنى ولا متوجه) (٢).\nوموضع الباء مع ما بعدها من المنجر في قولك أكرم يزيد رفع، كما أن الباء في: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ﴾ (٣) كذلك، وذلك أن المتعجب منه وقع موقع الفاعل، وفاعل هذا الفعل المتعجب منه، فلذلك قلنا إن الجار مع المجرور في موضع رفع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2384>٣٩ </span>- قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ﴾ أي: خوف يا محمد كفار مكة يوم الندامة يتحسر المسيء هلا أحسن العمل، والمحسن هلا إزداد من\n_________\n(١) \"إعراب القرآن\" للنحاس ٢/ ٣١٦، \" إملاء ما من به الرحمن\" ١/ ١١٤.\n(٢) ذكره مختصرًا في \"الحجة للقراء السبعة\" ٢/ ٢٠٥.\n(٣) وردت في مواطن كثيرة ومنها ما ورد في سورة النساء الآية رقم: (٦).","vol":"14","page":250},{"text":"الإحسان. وقال أكثر أهل التأويل: (يعني الحسرة حين يذبح الموت بين الفريقين، ويقال: يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت، فلو مات أحد فرحا لمات أهل الجنة، ولو مات أحد حزنا لمات أهل النار) (١).\nقال مقاتل: (لولا ما قضى الله من تخليد أهل النار فيها لماتوا حسرة حين رأوا ذلك) (٢). وهذا يروى مرفوعًا عن النبي -ﷺ- (٣).\nقوله تعالى: ﴿إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ﴾ هو أي: فرغ من الحساب، وأدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار. والمعنى: إذ يقضى الأمر؛ لأنه لم\n_________\n(١) \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٤٧٢، \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٧٤، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٣٢، \"زاد المسير\" ٥/ ٢٣٣، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ١٠٩.\n(٢) \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٧٤، \"الكشف والبيان\" ٣/ ٧ أ.\n(٣) أخرج البخاري في صحيحه عن أبي سعيد قال: قال رسول الله -ﷺ-: \"إذا دخل أهل النار النار وأدخل أهل الجنة الجنة يجاء بالموت كأنه كبش أملح فينادي منادي: يا أهل الجنة تعرفون هذا؟ قال: فيشرئبون وينظرون وكل قد رأوه فيقولون: نعم هذا الموت، ثم ينادي: يا أهل النار تعرفون هذا؟ فيشرئبون وينظرون، وكلهم قد رأوه فيقولون: نعم هذا الموت، فيؤخذ فيذبح، ثم ينادي: يا أهل الجنة خلود ولا موت، ويا أهل النار خلود ولا موت، فذلك قوله: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ﴾ قال: أهل الدنيا في غفلة\".\nأخرجه البخاري في \"كتاب التفسير\" سورة مريم ٦/ ١١٧، ومسلم في كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب: النار يدخلها الجبارون والجنة يدخلها الضعفاء ٤/ ٢١٨٨، والترمذي في جامعه كتاب: التفسير سورة مريم ١٢/ ١٤، والدرامي كتاب: الرقائق، باب: ذبح الموت ٢/ ٣٢٩، وأحمد في \"مسنده\" ٣/ ٩، والنسائي في \"تفسيره\" ٢/ ٣٠، والطبري في \"جامع البيان\" ١٦/ ٨٧، والسيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ٤٨٩ وزاد في نسبته إلى سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه.","vol":"14","page":251},{"text":"يأت بعد إلا أن ما كان من أحكام الآخرة يذكر بلفظ الماضي فىِ القرآن؛ لأنها كأنها قد وقعت حيث هي كائنة لا شك، كقوله: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ﴾ [الأعراف: ٥٠]. وقال ابن جريج في قوله: (﴿إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ﴾ إذ ذبح الموت) (١). وقال مقاتل بن سليمان: (إذ قضي لهم العذاب في الآخرة وهم في الدنيا في غفلة) (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ﴾ وقال ابن عباس: (يريد في الدنيا) (٣). وهذا استئاف إخبار عنهم أنهم في غفلة عن ذلك اليوم وأحكامه. ثم أخبر عن كفرهم بذلك اليوم فقال: ﴿وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ قال ابن عباس: (لا يصدقون بالبعث) (٤).\nوقال السدي: (وهم في غفلة في الدنيا عما يصنع الموت ذلك اليوم، وهم لا يؤمنون بما يصنع بالموت ذلك اليوم) (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2385>٤٠ </span>- قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ﴾ أي: نميت سكانها فنرثها\n_________\n(١) \"جامع البيان\" ١٦/ ٨٨، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٣٩، \"زاد المسير\" ٥/ ٢٣٤، \"البحر المحيط\" ٦/ ١٩١.\n(٢) \"زاد المسير\" ٥/ ٢٣٤، \"البحر المحيط\" ٦/ ١٩١.\n(٣) ذكره بدون نسبة \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٤٧٣، و\"تفسير كتاب الله العزيز\" ٣/ ١٦، \"البحر المحيط\" ٦/ ١٩١.\n(٤) ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة. انظر: \"جامع البيان\" ١٦/ ٨٨، \"بحر العلوم\" ٢/ ٣٢٤، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٣٢، \"زاد المسير\" ٥/ ٢٣٤، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٣٥، \"لباب التأويل\" ٤/ ٢٤٧.\n(٥) ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة. انظر: \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٣٢، \"زاد المسير\" ٥/ ٢٣٥، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٣٥، \"البحر المحيط\" ٦/ ١٩١.","vol":"14","page":252},{"text":"ومن عليها لأني أميتهم وأهلكهم (١)، وهذا كقوله: ﴿وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ﴾ [الحجر: ٢٣]، وذكرنا الكلام فيه. ﴿وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾ بعد احيائنا إياهم للثواب والعقاب.\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ﴾ كقولك لغيرك: أرثك وأرث مالك. أي: تموت فينتقل إلى مالك. والمعنى: أنهم يموتون وتبقى الأرض لا مالك لها إلا الله -﷿-.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2386>٤١ </span>- قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ﴾ اقصص عليهم قصته. قال ابن عباس: (اذكر لقومك إبراهيم فقد انتهى إليهم دينه، وعرفوا أنهم من ولده، وأنه كان حنيفا مسلما) (٢). وهو معنى قوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا﴾ والصديق: اسم للمبالغ في الصدق. وقد مر (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-2387>٤٢ </span>- ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ﴾ سبق الكلام في هذه التاء في (أبت) في أول سورة يوسف (٤) (٥).\n_________\n(١) \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٣٢، \"زاد المسير\" ٥/ ٢٣٥، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ١٠٩، \"فتح القدير\" ٣/ ٤٧٧.\n(٢) ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة. انظر: \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٣٧، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ١١٠، \"التفسير الكبير\" ٢١/ ٢٢٣، \"روح البيان\" ٥/ ٣٣٦.\n(٣) عند قوله سبحانه في سورة يوسف الآية رقم: (٤٦): ﴿يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ﴾ الآية.\n(٤) عند قوله سبحانه في سورة يوسف الآية رقم: (٤): ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾.\n(٥) قال الزمخشري في \"الكشاف\" ٢/ ٤١٢: انظر حين أراد أن ينصح أباه ويعظه فيما كان متورطا فيه من الخطأ العظيم والارتكاب الشنيع الذي عصا فيه أمر العقلاء وانسلخ عن قضية التميز ومن الغباوة التي يشير بعدها غباوة، كيف رتب الكلام =","vol":"14","page":253},{"text":"﴿لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ﴾ يعني الصنم (١)، وبخه على عبادته شيئا لا سمع له ولا بصر ﴿وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ لا يدفع عنك ضرًا ولا يكفيك شيئا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2388>٤٣ </span>- ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ﴾ قال ابن عباس: (من اليقين والمعرفة بالله) (٢). قال أبو إسحاق: (وهذا يدل على أنه كان قد آتاه الوحي) (٣). ﴿فَاتَّبِعْنِي﴾ الآية قال ابن عباس: (يريد اتبعني على جاءني من ربي أرشدك إلى دين مستقيم) (٤). ﴿يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ﴾ قال ابن عباس: (لا تطعه) (٥). قال أبو إسحاق: (معنى عبادة الشيطان: طاعته فيما يسول من الكفر والمعاصي) (٦). والمعنى أن عبادتك الصنم عبادة الشيطان؛ لأن من أطاع شيئًا في معصية الله فقد عبده.\n<span data-type=\"title\" id=toc-2389>٤٤ </span>- ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا﴾ قيل: كان زائدة. وقيل: أنه بمعنى صار (٧). والصحيح: أنه بمعنى الحال (٨). أي: كائن كما ذكرنا في\n_________\n= معه في أحسن إتساق وساقه أرشق مساق مع استعمال المجاملة واللطف والرفق واللين والأدب الجميل والخلق الحسن منتصحا في ذلك بنصيحة ربه عز وعلا.\n(١) \"جامع البيان\" ١٦/ ٨٩، \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٤٧٦، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٣٤، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ١١١.\n(٢) ذكره بدون نسبة \"البغوي\" ٥/ ٢٣٤، و\"القرطبي\" ١١/ ١١١.\n(٣) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٣٢.\n(٤) ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة. انظر: \"بحر العلوم\" ٢/ ٣٢٥، \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٤٧٦، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٣٤، \"ابن كثير\" ٣/ ١٣٧، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ١١١.\n(٥) ذكرته كتب التفسير بدون نسبة انظر: المراجع السابقة، \"زاد المسير\" ٥/ ٢٣٦.\n(٦) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٣٢.\n(٧) \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ١١١.\n(٨) \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٣٤، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ١١١.","vol":"14","page":254},{"text":"قوله: ﴿وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ﴾ [مريم: ٨] الآية. والعصي: بمعنى العاصي على فعيل مثل القادر والقدير وبابه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2390>٤٥ </span>- ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ﴾ أخشى أن يصيبك عذاب الله بطاعتك الشيطان ﴿فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا﴾ قرينا في النار. قال الفراء: (﴿أَخَافُ﴾ أي: أعلم، كقوله: ﴿فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا﴾ [الكهف: ٨٠]، أي: فعلمنا) (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-2391>٤٦ </span>- فقال أبوه مجيبا له: ﴿أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ﴾ أي: أتاركها أنت وتارك عبادتها، يقال: رغب عن الشيء إذا تركه عمدا (٢). ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ﴾ لم تمتنع عن شتمها وعيبها، ومعنى الإنتهاء: الامتناع من الفعل المنهي عنه، يقال: نهاه عن كذا فانتهى (٣).\nوقوله تعالى: ﴿لَأَرْجُمَنَّكَ﴾ (لأرمينك بالقول القبيح وأشتمك)، قاله الضحاك، ومقاتل، والسدي، والكلبي، ومجاهد، وابن جريج (٤). واختيار الزجاج قال: (يقال: فلان يرمي فلانا، ويرجم فلانا معناه: يشتمه) (٥). وقال ابن عباس في رواية عطاء: (لأقتلنك) (٦).\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٦٩.\n(٢) انظر: \"تهذيب اللغة\" (رغب) ٢/ ١٤٣٢، \"مقاييس اللغة\" (رغب) ٢/ ٤١٥، \"القاموس المحيط\" (رغب) ص ٩٠، \"المفردات\" (رغب) ص ١٩٨.\n(٣) انظر: \"تهذيب اللغة\" (نهى) ٤/ ٣٦٨٠، \"الصحاح\" (نهى) ٦/ ٢٥١٧، \"المفردات في غريب القرآن\" (نهى) ٥٠٧، \"لسان العرب\" (نهى) ٨/ ٤٥٦٤.\n(٤) \"جامع البيان\" ١٦/ ٩١، \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٧٤، \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٤٧٨، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٣٤، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٣٧.\n(٥) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٣٢.\n(٦) ذكره ابن عطية في \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٤٧٨ بدون نسبة، وكذلك السمرقندي في \"بحر العلوم\" ٢/ ٣٢٥.","vol":"14","page":255},{"text":"وقال الحسن: (لأرمينك بالحجارة حتى تبعد عني) (١). وهذا كما روي عن ابن عباس أنه قال: (لأضربنك بالحجارة) (٢). وذكرنا الكلام في معاني الرجم عند قوله: ﴿وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ﴾ [هود: ٩١].\nوقوله: ﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ ويقال: هَجَرَ الرجل هَجْرًا إذا تباعد ونأى، وهَجَرَ في الصوم يَهْجُرُ هِجْرَانًا، قاله أبو زيد (٣). قال ابن عباس: (واعتزلني) (٤). وقال الكلبي: (واتركني) (٥).\n﴿مَلِيًّا﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء: (يريد حينا) (٦). وهو قول مجاهد (٧). وقال عكرمة: (دهرا) (٨). وقال الحسن: (زمانا طويلا) (٩). وهو قول الكلبي (١٠). وقال السدي: (أبدا) (١١).\n_________\n(١) \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٧٤، \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٤٧٨، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٣٥٤، \"زاد المسير\" ٥/ ٢٣٧، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ١١١.\n(٢) \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٣٤، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ١١١.\n(٣) \"تهذيب اللغة\" (هجر) ٤/ ٣٧١٧، \"لسان العرب\" (هجر) ٨/ ٤٦١٧.\n(٤) \"الكشف والبيان\" ٣/ ٧ ب، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٣٤، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ١١١، \"لباب التأويل\" ٤/ ٢٤٨.\n(٥) \"الكشف والبيان\" ٣/ ٧ ب، وذكر نحوه \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٣٤.\n(٦) \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٧٤، \"زاد المسير\" ٥/ ٢٣٧، \"فتح القدير\" ٣/ ٣٣٧.\n(٧) \"جامع البيان\" ١٦/ ٩١، \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٧٤، \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٤٧٨، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٣٤، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٣٧.\n(٨) \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٧٤، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٢٧.\n(٩) \"تفسير القرآن\" للصنعاني ٢/ ١٠، \"جامع البيان\" ١٦/ ٩١، \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٧٤، \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٤٧٨، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٣٧.\n(١٠) \"جامع البيان\" ١٦/ ٩١، \"الكشف والبيان\" ٣/ ٧، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٣٤، \"الدر المنثور\" ٤/ ٤٩١.\n(١١) \"جامع البيان\" ١٦/ ٩١، \"بحر العلوم\" ٢/ ٣٢٥، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٣٧.","vol":"14","page":256},{"text":"قال الليث: (الملِيُّ من الدهر حين طويل، ويقال: أقام مَلِيًا) (١).\nوقال الفراء: (يقال: مَلْوَةً من الدهر، ومُلْوَةً، ومِلْوَةً، ومُلاَوَةً، ومِلاَوَةً وكله من الطول) (٢). والله يُمْلِي من يشاء فيؤجله ومنه قوله تعالى: ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ﴾ (٣)، قال الأصمعي: (وأَمْلَى عليه الزمن أي: طال عليه، وَأمْلِي له أي: طول له وأمهله) (٤). قال ابن السكيت: (تَمَلَّيْت العيش: إذا عشت مَلِيًّا؛ أي: طويلًا (٥).\nقال العجاج (٦):\nمُلاَوَةَ مُلِّيْتُهَا كَأَنِي ... ضَارِبُ صَنْجِ نَشْوَةٍ مُغَنِّي\nمَلَّيتها؛ أي: طولت لي، وذكرنا الكلام في هذا الحرف عند قوله: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [آل عمران: ١٧٨]\nوقال أبو علي الفارسي: (قالوا انتظرته مَلِيًا من الدهر، أي: متسعا منه، وهو صفة استعمل استعمال الأسماء، والمَلأَة من هذا الزيادة عرضها واستاعها، والهمزة فيه منقلبة عن حرف لين، يريد به سقوطها في التحقير،\n_________\n(١) ذكرته كتب اللغة بدون نسبة. انظر (ملا) في: \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٤٣٨، \"القاموس المحيط\" ٤/ ٥٢، \"تاج العروس\" ١/ ٢٥٢، \"اللسان\" ٧/ ٤٢٧٣.\n(٢) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٦٩.\n(٣) سورة الأعراف: (١٨٣)، وسورة القلم: (٤٥).\n(٤) \"تهذيب اللغة\" (ملا) ٤/ ٣٤٣٨، \"لسان العرب\" (ملا) ٤٧/ ٢٧٣.\n(٥) انظر: \"لسان العرب\" (ملا) ٧/ ٤٢٧٣، \"تاج العروس\" (ملا) ١/ ٢٥٢.\n(٦) البيت للعجاج. والصَّنْجُ: هو الذي يتخذ من صفر يضرب أحدهما بالآخر، وقيل الصنج: ذو الأوتار الذي يلعب به. انظر: \"تهذب اللغة\" (ملا) ٤/ ٣٤٣٨، \"لسان العرب\" (ملا) ٧/ ٤٢٧٣.","vol":"14","page":257},{"text":"ولو كانت الهمزة لاما لم تسقط) (١).\nوروي عن ابن عباس في قوله: ﴿مَلِيًّا﴾ قال: (سالم العِرض لا يصيبك مني مكروه) (٢). وهو قول قتادة، وعطية، والضحاك قالوا في معنى ﴿مَلِيًّا﴾ قال: (سويا سليما) (٣). وأصل هذا من قولهم: فلان مَلِئٌ بهذا الأمر. والقول هو الأول؛ لأن الملي بالأمر أصله الهمز (٤).\nقال أبو زيد: (مَلُؤ الرجل، يَمْلُؤُ، مَلاَءَة فهو مَلِئ) (٥). ولم يروى عن القراء: (وَأهْجُرنِى مليئًا) بالهمز.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2392>٤٧ </span>- فقال إبراهيم مجيبا لأبيه: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكَ﴾ أي: سلمت مني لا أصيبك بمكروه (٦). وذلك أنه لا يؤمر بقتاله على كفره فلذلك قال: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكَ﴾ وسئل سفيان بن عيينة: (أيجوز السلام على أهل الذمة؟ فقال: نعم، إنما حضر ذلك في دار الحرب، فأما في السلم فلا، وقد قال الله\n_________\n(١) ذكر نحوه في \"الحجة للقراء السبعة\" ٣/ ١٠٢.\n(٢) \"جامع البيان\" ١٦/ ٩٢، \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٧٤، \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٤٧٩، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٣٥، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٣٧.\n(٣) \"تفسير القرآن\" للصنعاني ٢/ ١٠، \"جامع البيان\" ١٦/ ٩٢، \"بحر العلوم\" ٢/ ٣٢٥، \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٧٤، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٣٥.\n(٤) قال ابن جرير الطبري -﵀- في \"تفسيره\" ١٦/ ٩٢: وأولى القولين بتأويل الآية عندي قول من قال: معنى ذلك واهجرني سويا سليما من عقوبتي؛ لأنه عقيب قوله: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ﴾ وذلك وعيد منه له إن لم ينته عن ذكر آلهته بالسوء أن يرجمه بالقول السيء والذي هو أولى بأن يتبع ذلك المتقدم إليه بالانتهاء عنه قبل أن تناله العقوبة، فأما الأمر بطول هجره فلا وجه له.\n(٥) \"تهذيب اللغة\" (ملا) ٤/ ٣٤٣٨.\n(٦) \"جامع البيان\" ٦/ ٩٢، \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٧٥، \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٤٨٠، \"معالم التنزيل\" ٣/ ١٩٨، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٣٧.","vol":"14","page":258},{"text":"تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ﴾ [الممتحنة: ٨] الآية، وقال في قصة إبراهيم: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ﴾ إلى قوله: ﴿لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾ [الممتحنة: ٤]، فاستثنى الاستغفار، ولم يستثن السلام) (١). وقد قال إبراهيم: ﴿قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي﴾ سأدعو لك ربي بالمغفرة والتوبة، وذلك أنه لما أعياه أمره وعده أن يراجع الله في بابه فيسأله أن يرزقه التوحيد ويغفرله، واستغفاره له يتضمن مسألة التوحيد؛ لأنه لا يغفر له ما ثبت على شركه، ألا ترى أن الله تعالى قال: ﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾ [التوبة: ١١٤] أي: لما مات على شركه ترك الاستغفار له. والمعنى على هذا سأسأل الله لك توبة تنال بها مغفرته (٢). وقيل: (أنه وعد أباه الاستغفار وهو لا يعلم أن ذلك محظور على المصر على الكفر فلما أعلمه الله، (٣) ما فيه قطع الاستغفار وبريء من أبيه) (٤).\nقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾ قال ابن عباس، ومقاتل: (لطيفا بارا)] (٥). وهو قول أكثر المفسرين.\n_________\n(١) ذكره القرطبي ١١/ ١١ أو قال: والجمهور على أن المراد بسلامه المسالمة التي هي المتاركة لا التحية، وقال النقاش: حليم خاطب فيها كما قال: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾.\n(٢) \"بحر العلوم\" ٣٢٥/ ٢، \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٧٥، \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٤٨٠، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٣٥، \"زاد المسير\" ٥/ ٢٣٧.\n(٣) من قوله: (وموضع الباء مع ما بعدها ..) إلى هنا ساقط من (س).\n(٤) \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٤٨٠، \"ابن كثير\" ٣/ ١٣٧، \"فتح القدير\" ٣/ ٤٨٣.\nويشهد لهذا قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٤].\n(٥) \"جامع البيان\" ١٦/ ٩٢، \"ابن كثير\" ٣/ ١٣٧، \"زاد المسير\" ٥/ ٢٣٨، \"فتح القدير\" ٣/ ٣٣٧. وما بين المعقوفين ساقط من نسخة (س).","vol":"14","page":259},{"text":"قال الزجاج: (يقال: تَحَفَّى به تَحَفِّيًا، وحَفِي به حَفْوَة إذا بره وألطفه) (١).\nوقال الكلبي: (﴿حَفِيًّا﴾: عالما) (٢). وهو قول ابن عباس في رواية عطاء (٣). قال جابر: (معينا) (٤).\nوذكر الفراء القولين جميعا (٥). والكلام في هذا قد مر مستقصى في قوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا﴾ [الأعراف: ١٨٧].\nقوله تعالى: ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ﴾ أي: أتنحى عنكم وأفارقكم. يقال: عَزَلْتُه عن الشيء نحيته عنه فَاعْتَزَل (٦).\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي: أعتزل ما تعبدون من دون الله يعني: الأصنام (٧). ﴿وَأَدْعُو رَبِّي﴾ أعبده ﴿عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا﴾ أرجو أن لا أشقى بعبادته، وفي هذا إشارة إلى أنهم شقوا بعبادة الأصنام؛ لأنها لا تنفعهم ولا تجيب دعاءهم (٨).\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٣٣.\n(٢) \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٧٥، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٣٥.\n(٣) ذكرته كتب التفسير بدون نسبة. انظر: \"الكشف والبيان\" ٣/ ٧، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٣٥، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ١١٣.\n(٤) ذكره أبو حيان في \"النهر المارد\" بدون نسبة ١/ ٣٩٢، وكذلك ابن سعدي في \"تيسير الكريم الرحمن\" ٥/ ١١٣.\n(٥) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٦٩.\n(٦) انظر: \"تهذيب اللغة\" (عزل) ٥/ ٢٩٣٠، \"مقاييس اللغة\" (عزل) ٤/ ٣٠٧، \"المفردات في غريب القرآن\" (عزل) ٣٣٤، \"مختار الصحاح\" (عزل) ٤٣٠.\n(٧) \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٣٦، \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٤٨١، \"زاد المسير\" ٥/ ٢٣٨.\n(٨) \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٣٩، \"زاد المسير\" ٥/ ٢٣٨.","vol":"14","page":260},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2393>٤٩ </span>- ﴿فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ هاجرهم بالخروج إلى ناحية الشام (١). ﴿وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ آنسنا وحشته من فراقهم بأولاد كرام على الله (٢). ﴿وَكُلًّا﴾ من هذين ﴿جَعَلْنَا نَبِيًّا﴾.\n<span data-type=\"title\" id=toc-2394>٥٠ </span>- قوله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا﴾ قال الكلبي: (المال والولد) (٣). وهو قول الأكثرين قالوا: (رحمته ما بسط لهم في الدنيا من سعة الرزق) (٤). فقوله: ﴿مِنْ رَحْمَتِنَا﴾ في محل النصب بوقوع الهبة عليه. وقال آخرون: (يعني الكتاب والنبوة) (٥). ﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ﴾ أي: ثناء حسنا في الناس ﴿عَلِيًّا﴾ مرتفعا سائرا في الناس (٦). وكل أهل الأديان يتولون إبراهيم وذريته ويثنون عليهم، واللسان يذكر ويراد به: القول واللغة، وإضافته إلى الصدق مدح له، والعرب إذا مدحت شيئًا أضافته إلى الصدق يقال: فلان رجل صدق. قال الله تعالى: ﴿مُبَوَّأَ صِدْقٍ﴾ [يونس: ٩٣]. وقال: ﴿قَدَمَ صِدْقٍ﴾ [يونس: ٢]، وتقول العرب: إن لسان الناس عليه لحسنة، وحسن، أي: ثناؤهم، يقولون: إن شفة الناس عليك لحسنة (٧).\n<span data-type=\"title\" id=toc-2395>٥١ </span>- قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا﴾ قال\n_________\n(١) \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٤٨١، \"الكشاف\" ٢/ ٤١٣، \"زاد المسير\" ٥/ ٣٢٨.\n(٢) \"جامع البيان\" ١/ ٩٣٦، \"زاد المسير\" ٥/ ٢٣٨، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ١١٣.\n(٣) \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٣٦، \"الكشاف\" ٢/ ٤١٤، \"زاد المسير\" ٥/ ٨٣٨.\n(٤) \"جامع البيان\" ١٦/ ٩٣، \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٤٨١، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٣٦.\n(٥) \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٣٦، \"فتح القدير\" ٣/ ٤٨٣.\n(٦) \"جامع البيان\" ١٦/ ٩٣، \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٤٨١، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٣٦، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٣٨، \"زاد المسير\" ٥/ ٢٤٠.\n(٧) \"تهذيب اللغة\" (لسن) ٤/ ٣٢٦٢.","vol":"14","page":261},{"text":"الكلبي: (أخلص العبادة والتوحيد لله تعالى (١). أي: جعلها خالصة من شائبة تفسدها. وقال الزجاج: (جعل نفسه خالصة في طاعة الله غير دنسه) (٢). ومن قرأ: ﴿مُخْلَصًا﴾ بالفتح (٣). فهو الذي أخلصه الله وجعله مختارا خالصا من الدنس، فحجة من كسر اللام قوله: ﴿وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ﴾ [النساء: ١٤٦]، وحجة من فتحها قوله: ﴿إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ﴾ [ص: ٤٦].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2396>٥٢ </span>- وقوله تعالى: ﴿وَنَادَيْنَاهُ﴾ قال ابن عباس: (يريد حيث أقبل من مدين (٤)، ورأى النار في الشجرة، وهو يريد من يهديه إلى طريق مصر، فلما انتهى إلى الشجرة ناداه الله) (٥). وهو قوله: ﴿يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ\n_________\n(١) ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة. انظر: \"جامع البيان\" ١٦/ ٩٤، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٣٦، \"زاد المسير\" ٥/ ٢٤٠، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٣٨، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ١١٤، \"التفسير الكبير\" ٢١/ ٢٣١.\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٣٣.\n(٣) قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وعاصم في رواية الكسائي عن أبي بكر والمفضل عن عاصم: (مُخْلِصًا) بكسر اللام.\nوقرأ حمزة، والكسائي، وعاصم في رواية يحيى عن أبي بكر، وحفص عنه: (مُخْلَصا) بفتح اللام.\nانظر: \"السبعة\" ٤١٠، \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٢٥٢، \"المبسوط في القراءات\" ص ٢٤٤، \"حجة القراءات\" ص ٤٤٥.\n(٤) مدين: مدينة على البحر الأحمر، محاذية لتبوك من الجنوب على نحو ست مراحل، وكانت منازل العاربة من طسم، وجديس، وأميم، وجرهم، وقد هلك من هلك من بقايا العاربة بمدين، وخلفهم فيها بنو قحطان ابن عابر فعرفوا بعرب مدين. انظر: \"محجم البلدان\" ٥/ ٧٧، \"معجم ما استعجم\" ٤/ ١٢٠١، \"نهاية الأرب\" ص ١٩.\n(٥) ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة. انظ: \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١١٠، \"البحر المحيط\" ٦/ ١٩٩، \"مجمع البيان\" ٥/ ٨٠٠، \"روح البيان\" ٥/ ٣٣٩. =","vol":"14","page":262},{"text":"الْعَالَمِينَ﴾ [القصص: ٣٠]\nوقوله تعالى: ﴿مِنْ جَانِبِ الطُّورِ﴾ أي: من ناحية الجبل، وهو جبل بين مصر ومدين اسمه: زبير (١).\nوقوله تعالى: ﴿الْأَيْمَنِ﴾ قال الكلبي: (يعني يمين موسى، ولم يكن للجبل يمين ولا شمال) (٢). ونحو هذا قال الفراء وقال: (إنما هو الجانب الذي يلي يمين موسى، كما تقول: عن يمين القبلة وشمالها) (٣). ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ أي: مناجيا، والنجي بمعنى: المناجي كالجليس، والنديم، قاله الفراء، والزجاج (٤). وقد يكون النجي اسما ومصدرًا، وذكرنا ذلك عند قوله: ﴿خَلَصُوا نَجِيًّا﴾ [يوسف: ٨٠]. قال ابن عباس في رواية عطاء: (يريد قربه الله وكلمه) (٥). وهذا قول جماعة جعلوا معنى هذا التقريب أن أسمعه كلامه (٦). وهو قول أبي عبيدة، واختيار الزجاج قال: (قربه منه في المنزلة حتى سمع مناجاة الله وهي كلام الله -عزوجل-) (٧).\n_________\n= ويشهد لهذا ما ورد في سورة القصص الآية رقم: (٣٠): ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾.\n(١) \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٣٦، \"زاد المسير\" ٥/ ٢٤٠، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ٥٨، \"التبيان في أقسام القرآن\" ١٦٥، \"فتح القدير\" ٣/ ٤٨٣.\n(٢) ذكره بدون نسبة \"بحر العلوم\" ٢/ ٣٢٦، و\"النكت والعيون\" ٣/ ٣٧٦، \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٤٨٢، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٣٦.\n(٣) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٦٩.\n(٤) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٣٣، \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٦٩.\n(٥) \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٣٦.\n(٦) \"بحر العلوم\" ١/ ٣٢٦، \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٧٦، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ١١٤.\n(٧) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٣٣.","vol":"14","page":263},{"text":"قال ابن عباس في رواية سعيد بن جبير: (قربه حتى سمع صريف القلم حين كتب في اللوح) (١). وهو قول الكلبي، ومجاهد (٢). وقال الحسن: (أدخل في السماء الدنيا فكلم) (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2397>٥٣ </span>- قوله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا﴾ أي: من نعمتنا ﴿أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا﴾. قال ابن عباس: (يريد حيث سألني) (٤). فقال: ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي﴾ [طه: ٢٩ - ٣٠] الآية. [قال الكلبي: (وكان معه وزيرا) (٥). و﴿نَبِيًّا﴾ منصوب بوهبنا على تقدير ووهبنا له من رحمتنا نبيا أخاه هارون] (٦) على أن تجعل أخاه بدلا من نبيا، ولا يجوز أن تجعل أخاه منصوبا بوهبنا؛ لأنه لم يسأل الله أن يهب له أخا إنما سأله أن يشرك أخاه في نبوته ويجعله وزيرًا [له\n_________\n(١) \"جامع البيان\" ١٦/ ٩٤، \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٧٦، \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٤٨٥، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٣٧، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٢٨.\n(٢) \"جامع البيان\" ١٦/ ٩٥، \"بحر العلوم\" ٢/ ٣٢٦، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٣٨، \"الدر المنثور\" ٤/ ٤٩٢.\n(٣) ذكرته كتب التفسير ونسبته للسدي. انظر: \"بحر العلوم\" ٢/ ٣٢٦، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٣٨، \"أضواء البيان\" ٤/ ٢٩٧.\n(٤) ذكرته كتب التفسير بدون نسبة. انظر: \"الكشف والبيان\" ٣/ ٧ ب، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٣٧، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٣٨، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ١١٤، \"التفسير الكبير\" ٢١/ ٢٣١.\nويشهد لهذا قوله سبحانه في سورة القصص الآية رقم (٣٤): ﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾.\n(٥) ذكرته كتب التفسير بدون نسبة. انظر: \"بحر العلوم\" ٢/ ٣٢٦، \" المحرر الوجيز\" ٩/ ٤٨٥، \"لباب التأويل\" ٤/ ٢٤٩، \"روح البيان\" ٥/ ٣٣٩.\n(٦) ما بين المعقوفين ساقط من نسخة (س).","vol":"14","page":264},{"text":"فوهبه الله ذلك بأن] (١) أكرم أخاه بالنبوة (٢). يدل على هذا ما روى عكرمة عن ابن عباس قال. (هارون أكبر من موسى [وإنما وهبت له نبوته)] (٣) (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2398>٥٤ </span>- قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ﴾ قال مجاهد: (لم يعد شيئا إلا وفي به) (٥). قال مقاتل: (أقام ينتظر إنسانا لميعاد ثلاثة أيام) (٦).\nوقال الكلبي: (أقام حتى حال عليه الحول) (٧). وقال عطاء عن ابن عباس: (وعده إنسان أن يعود إليه فأقام ولم يبرح من مكانه، وكان في ضميره أن لو أقام سنة لم يخلفه موعده، حتى أتاه جبريل فقال: إن الفاجر الذي سألك أن تقعد حتى يعود إليك هو إبليس، فلا تقعد ولا كرامة) (٨).\n_________\n(١) ما بين المعقوفين ساقط من نسخة (س).\n(٢) \"إعراب القرآن\" للنحاس ٢/ ٣١٩، \"إملاء ما من به الرحمن\" ١/ ١١٥.\n(٣) \"جامع البيان\" ١٦/ ٧١، \"الكشاف\" ٢/ ٤١٤، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٣٨، \"فتح القدير\" ٣/ ٤٨٣.\n(٤) ما بين المعقوفين ساقط من نسخة (س).\n(٥) \"بحر العلوم\" ٢/ ٣٢٦، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٣٧، \"زاد المسير\" ٥/ ٢٤٥.\n(٦) \"بحر العلوم\" ٢/ ٣٢٦، \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٧٦، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٣٧، \"زاد المسير\" ٥/ ٢٤٠.\n(٧) \"بحر العلوم\" ٣/ ٣٢٦، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٣٧، \"الكشف والبيان\" ٣/ ٨/ أ.\nوذكره ابن عطية في \"تفسيره\" ٩/ ٤٨٥ بدون نسبة، وقال: وهذا بعيد غير صحيح. والراجح في ذلك قول مجاهد -﵀- فإن إسماعيل لم يعد شيئًا إلا وفي به، وهو الذي يقتضيه ظاهر الآية.\n(٨) \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ١١٥ أو قال: وهذا بعيد ولا يصح. وذكر نحوه الماوردي في \"تفسيره\" ٣/ ٣٧٦، والزمخشري في \"كشافه\" ٢/ ٤١٤، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٥/ ٢٤٠.","vol":"14","page":265},{"text":"فسماه الله صادق الوعد ﴿وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا﴾ قال: (أرسل إلى جرهم) (١) (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2399>٥٥ </span>- وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ﴾ قال ابن عباس: (يريد قومه) (٣). قال الزجاج: (أهله جميع أمته، ممن كانت بينه وبينهم قرابة أو لم يكن، وكذلك أهل كل نبي أمته) (٤)؛ لأن كل نبي (٥) فهو بمنزلة الأب لأمته فإذا كانت الأمة كالأولاد له (٦) فهم أهله. قاله مقاتل (٧). نظيره: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ﴾ [طه: ١٣٢] أي: قومك.\nوقوله تعالى: ﴿بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ﴾ قال ابن عباس: (يريد التي افترضها الله عليهم وهي الحنيفية التي افترضت علينا) (٨). ﴿وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ\n_________\n(١) جرهم: بطن من القحطانية كانت منازلهم باليمن ثم انتقلوا إلى الحجاز فنزلوه ثم نزلوا مكة واستوطنوها، وكانوا ملوكًا في الحجاز حتى نزل إسماعيل ﵇ مكة نزلوا عليه، وتزوج منهم، واستولت جرهم على البيت، ثم تفرقت قبائل العرب بسيل العرم، ونزلت عليهم حزاعة وأخرجت جرهما من مكة.\nانظر: \"معجم قبائل العرب\" ١/ ١٨٣، \"الأنساب للسمعاني\" ٢/ ٤٧، \"نهاية الإرب\" ص٢١١، \"المنتخب في ذكر أنساب العرب\" ص ١٧٢.\n(٢) \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٣٧، \"زاد المسير\" ٥/ ٢٤٠، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ١١٦، \"فتح القدير\" ٣/ ٤٨٣.\n(٣) ذكر في كتب التفسير بدون نسبة انظر: \"بحر العلوم\" ٢/ ٣٢٦، \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٧٧، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٣٧، \"زاد المسير\" ٥/ ١٤٠.\n(٤) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٣٣.\n(٥) في (س): (شيء)، وهو تصحيف.\n(٦) قوله: (له)، ساقط من نسخة (س).\n(٧) ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة. انظر: \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٣٧، \"زاد المسير\" ٥/ ٢٤٠، \"البحر المحيط\" ٦/ ١٩٩، \"روح المعاني\" ١٦/ ١٠٠، \"أنوار التنزيل\" ٤/ ١٠.\n(٨) \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٤٠.","vol":"14","page":266},{"text":"مَرْضِيًّا﴾ قال: (يريد قام لله بطاعته) (١).\nقال الزجاج: (ويقال: فلان مَرْضُو، ومَرْضِي، وأَرْضٌ مَسْنُوَّة ومَسْنِية إذا سقيت بالسواني، والأصل الواو إلا أنها قلبت عند الخليل؛ لأنها طرف) (٢). وقال الفراء: (الأصل الواو بدليل الرِّضْوَان، والذين قالوا مَرْضِيَّا بنوه طى رَضِيْت أَرْضِي، أصله رَضَوْت أَرْضُو فصارت الواو في رَضَوْت ياء لإنكسار ما قبلها، وغلبت الفتحة على الواو من أَرْضُو فجعلتها (٣) ألفا وبني مَرْضِي على رَضِيْت. هذا مذهب الفراء (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2400>٥٦، ٥٧ </span>- قوله تعالى في ذكر إدريس: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء: (يعني الجنة) (٥). والقصة في كيفية ذلك معروفة. وروى أنس بن مالك أن نبي الله -ﷺ- قال: (لما عرج بي رأيت إدريس في السماء الرابعة) (٦).\n_________\n(١) ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة. انظر: \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٣٧، \"لباب التأويل\" ٤/ ٢٤٩، \"التفسير الكبير\" ١١/ ٢٣٢، \"روح البيان\" ٥/ ٣٤١.\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٣٤.\n(٣) في (س): (فجعلها).\n(٤) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٧٠.\n(٥) ذكرته كتب التفاسير من غير نسبة. انظر: \"بحر العلوم\" ٢/ ٣٢٦، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٣٨، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٤٠، \"زاد المسير\" ٥/ ٢٤١.\n(٦) أخرج البخاري في كتاب: بدء الخلق، باب: ذكر الملائكة ٤/ ٧٧، ومسلم في صحيحه كتاب: الإيمان، باب: الإسراء ١/ ١٤٩، والترمذي كتاب: التفسير، سورة مريم ١٢/ ١٤، وأحمد في \"مسنده\" ٣/ ٢٧٠، وابن أبي شيبة في \"مصنفه\" ١١/ ٥٣٣ والحاكم في \"المستدرك\" ٢/ ٣٧٣ وصححه ووافقه الذهبي، وابن جرير الطبري في \"تفسيره\" ١٦/ ٩٦، وابن كثير \"تفسيره\" ٣/ ١٤٠، والسيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ٤٩٤ وزاد نسبته لابن المنذر، وابن مردويه، وعبد بن حميد.","vol":"14","page":267},{"text":"ونحو ذلك روى أبو سعيد الخدري (١). وهو قول كعب، ومجاهد قال: (رفع إلى السماء الرابعة ولم يمت كما رفع عيسى) (٢). وروي عن ابن عباس أيضًا: (أنه رفع إلى السماء السادسة) (٣). وهو قول الضحاك (٤) وقال أبو إسحاق: (وجائز أن قوله: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ في النبوة والعلم) (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2401>٥٨ </span>- قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ﴾ يعني الذين ذكرهم من الأنبياء في هذه السورة، ثم بين مراتبهم في شرف النسب فقال: ﴿مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ﴾ قال ابن عباس، والسدي: (يعني إدريس، ونوحا) (٦). ﴿وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ﴾ إبراهيم؛ لأنه من ولد سام بن نوح، ويريد بالحمل مع نوح العمل في سفينته. ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ﴾ يريد إسحاق، وإسماعيل، ويعقوب.\nوقوله تعالى: ﴿وَإِسْرَائِيلَ﴾ يعني: ومن ذريته وهم: موسى، وهارون،\n_________\n(١) \"جامع البيان\" ١٦/ ٧٢، \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٧٧، \"زاد المسير\" ٥/ ٢٤١، \"فتح القدير\" ٣/ ٤٨٣، \"الدر المنثور\" ٤/ ٤٩٤.\n(٢) \"جامع البيان\" ١٦/ ٩٦، \"بحر العلوم\" ٢/ ٣٢٦، \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٧٧، \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٤٩٠، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٤٠.\n(٣) \"جامع البيان\" ١٦/ ٩٦، \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٧٧، \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٤٩٠، \"الكشاف\" ٢/ ٤١٤، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٤٠، \"زاد المسير\" ٥/ ٢٤١.\n(٤) \"جامع البيان\" ١٦/ ٩٦، \" النكت والعيون\" ٣/ ٣٧٧، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٤٠، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ١١٧.\nوقال ابن حجر -﵀- في \"فتح الباري\" ٦/ ٣٧٥: وكون إدريس رفع وهو حي لم يثبت من طرف مرفوعة قوية.\n(٥) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٣٥.\n(٦) \"جامع البيان\" ١/ ٩٧٦، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٤١، \"أضواء البيان\" ٤/ ٣٠٥.","vol":"14","page":268},{"text":"وزكريا، ويحيى، وعيسى (١)، وكان لإدريس، ونوح شرف القرب من آدم، ولإبراهيم شرف القرب من نوح. وإسماعيل، وإسحاق، ويعقوب لما تباعدوا من آدم حصل لهم الشرف بإبراهيم (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا﴾ أي: هؤلاء كانوا ممن أرشدنا واصطفينا ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ قال ابن عباس: (سجدًا متضرعين إليه) (٣). قال أبو إسحاق: (قد بين الله أن الأنبياء كانوا إذا سمعوا آيات الله سجدوا وبكوا) (٤). وذكر الكلام في انتصاب سجدا عند قوله: ﴿يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا﴾ [الإسراء: ١٠٧] ﴿وَبُكِيًّا﴾: جمع باك مثل ساجد وسجود، وقاعد وقعود أصله: بكوي ففعل كما فعل بمرمى ومقضى، وقد ذكرنا ذلك في هذه السور (٥)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2402>٥٩ </span>- قوله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾ ذكرنا الكلام في هذا في سورة الأعراف [١٦٩]. قال السدي: (هم اليهود والنصارى) (٦). وقال مجاهد وقتادة: (هم من هذه الأمة عند قيام الساعة، وذهاب صالحي أمة\n_________\n(١) \"جامع البيان\" ١٦/ ٩٧، \"المحرر الوجيز\" ٩/ ١٩٠، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٤٠، \"الكشاف\" ٢/ ٤١٥، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٤١.\n(٢) \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٦/ ١٢٠.\n(٣) ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة انظر: \"جامع البيان\" ٩٧/ ١٦، \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٤٩١، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٤١، \"التفسير الكبير\" ٢١/ ٢٣٤.\n(٤) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٣٥.\n(٥) عند قوله سبحانه في الآية رقم: (٨): ﴿قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا﴾.\n(٦) \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٤٠، \"زاد المسير\" ٥/ ٢٤٥، \"أضواء البيان\" ٤/ ٣٠٨، \"الدر المنثور\" ٤/ ٤٩٩.","vol":"14","page":269},{"text":"محمد -ﷺ- قوما يتبارون ينزوا بعضهم على بعض في الأزقة (١) زناة) (٢).\nوقوله تعالى: ﴿أَضَاعُوا الصَّلَاةَ﴾ قال محمد بن كعب: (تركوها) (٣) وقال القاسم بن مخيمرة (٤): (أخروها عن وقتها) (٥). وهو قول إبراهيم، وسعيد بن المسيب، وعمر بن عبد العزيز (٦). قال إبراهيم: (أضاعوا الوقت) (٧).\nوقال عمر: (شربوا الخمر فأضاعوها) (٨).\n_________\n(١) الزقاق: الطريق الضيق دون السكة والجمع أزقة، وزقاق.\nانظر: \"تهذيب اللغة\" (زقق) ٢/ ١٤٠١، \"الصحاح\" (زقق) ٤/ ١٤٩١، \"لسان العرب\" (زقق) ٣/ ١٨٤٥.\n(٢) \"جامع البيان\" ١٦/ ٩٩، \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٤٩٣، \"معالم التنزيل\" ٥/ ١٤١، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٤٢، \"زاد المسير\" ٥/ ٢٤٥.\n(٣) \"جامع البيان\" ١٦/ ٩٩، \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٧٩، \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٤٩٣، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٤٢، \"الدر المنثور\" ٤/ ٤٩٩.\n(٤) القاسم بن مخيمرة الهمداني، أبو عروة الكوفي نزيل الشام، تابعي، إمام عابد، محدث فقيه، توفي -﵀- سنة ١٠٠ هـ.\nانظر: \"الجرح والتعديل\" ٧/ ١٢٠، \"سير أعلام النبلاء\" ٥/ ٢٠١، \"تهذيب التهذيب\" ٨/ ٣٣٧.\n(٥) \"جامع البيان\" ١٦/ ٩٩، \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٤٩٣،\"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٤٢، \"زاد المسير\" ٥/ ٢٤٥، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ١٢٢.\n(٦) ذكر ابن جرير الطبري في \"تفسيره\" ١٦/ ٩٩ رأيًا نقله عن العلماء يقول فيه: أضاعوا المواقيت ولو كان تركًا كان كفرًا. وقال القرطبي في \"تفسيره\" ١١/ ١٢٣: وجملة القول في هذا الباب أن من لم يحافظ على كمال وضوئها وركوعها وسجودها فليس بمحافظ عليها، ومن لم يحافظ عليها فقد ضيعها فهو لما سواها أضيع، كما أن من حافظ عليها حفظ الله عليه دينه ولا دين لمن لا صلاة له.\n(٧) \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٤١، \"الكشاف\" ٢/ ٤١٥، \"زاد المسير\" ٥/ ٢٤٥، \"الدر المنثور\" ٤/ ٤٩٩.\n(٨) ذكر نحوه \"جامع البيان\" ١٦/ ٩٩، \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٧٩، \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٤٩٤،\"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٤٢، \"الدر المنثور\" ٤/ ٤٩٩.","vol":"14","page":270},{"text":"وقال سعيد: (هو أن لا يصلي الظهر حتى يأتي العصر، ولا العصر حتى تغرب الشمس) (١). وقال السدي: (لم يتركوها ولكنهم أضاعوا وقتها) (٢).\nوقال الحسن: (عطلوا المساجد ولزموا الضيعات) (٣) (٤).\nقال الزجاج: (والأشبه في تفسير: ﴿أَضَاعُوا الصَّلَاةَ﴾ تركوها البته؛ لأنه يدل على أنه يعني به الكفار، ودليل ذلك قوله: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ﴾) (٥).\nوقوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ﴾ قال ابن عباس: (اتبعوا المعاصي) (٦). قال الكلبي: (يعني اللذات شرب الخمر وغيره) (٧). المعنى: آثروا شهوات\n_________\n(١) \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٤١.\n(٢) ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة. انظر: \"جامع البيان\" ١٦/ ٩٩، \"الكشف والبيان\" ٣/ ٩، \"بحر العلوم\" ٢/ ٣٢٨، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٤١، \"زاد المسير\" ٥/ ٢٤٥، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٤٢.\n(٣) الضيعة: الحرفة والتجارة، وضيعة الرجل: حرفته وصناعته، ومعاشه وكسبه. وقيل: الضياع المنازل، وسميت ضياعًا؛ لأنها تضيع إذا ترك تعهدها وعمارتها. انظر: \"تهذيب اللغة\" (ضيع) ٣/ ٢٥٧٩، \"الصحاح\" (ضيع) ٣/ ١٢٥٢، \"لسان العرب\" (ضيع) ٥/ ٢٦٢٤، \"مختار الصحاح\" (ضيع) ص ١٦٢.\n(٤) \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٤٢، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ١٢٣.\n(٥) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٣٥.\nوالراجح -والله أعلم- أن من أخر الصلاة عن وقتها، وترك فرضا من فروضها، أو شرطا من شروطها، أو ركنا من أركانها فقد أضاعها، وإن كانت أنواع الإضاعات تتفاوت، ويدخل تحت الإضاعة تركها أو جحدها دخولًا أوليًّا.\nانظر: \"جامع البيان\" ١٦/ ٩٩، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ١٢٣، \"فتح القدير\" ٣/ ٤٨٥، \"أضواء البيان\" ٤/ ٣٠٨.\n(٦) ذكرته كتب المفسير بدون نسبة. انظر: \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٤١، \"زاد المسير\" ٥/ ٢٤٥، \"لباب التأويل\" ٤/ ٢٥٢، \"روح المعاني\" ١٦/ ١٠٩.\n(٧) ذكره بدون نسبة البغوي \"تفسيره\" ٥/ ٢٤١، والزمخشري في \"كشافه\" ٢/ ٤١٥.","vol":"14","page":271},{"text":"أنفسهم على طاعة الله، ويمكن الجمع بين القولن في الآية بأن يقال: \"أضاعوا الصلاة\" يعني: المقصرين فيها في هذه الأمة، ﴿وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ﴾ يعني: اليهود والنصارى والمجوس. فقد قال مقاتل في تفسيره: (استحلوا نكاح الأخت. ثم قال: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ﴾ يعني تاب من التقصير في الصلاة \"وآمن\" يعني: اليهود والنصارى) (١).\nوقوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ قال ابن عباس في رواية عطاءة (الغي: واد في جنهم) (٢)، وهو قول ابن مسعود (٣)، وأبي أمامة (٤)، وشفي بن ماتع (٥) (٦)، ومجاهد (٧)، ووهب (٨)، وكعب (٩). وعلى\n_________\n(١) \"الكشف والبيان\" ٣/ ٩ أ، \"تفسير كتاب الله العزيز\" ٣/ ١٨، \"بحر العلوم\" ٢/ ٣٢٨، \"الكشاف\" ٢/ ٤٠٥، \"روح المعاني\" ١٦/ ١٠٩.\n(٢) \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٤١، \"زاد المسير\" ٥/ ٢٤٥، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ١٢٥، \"فتح القدير\" ٣/ ٤٨٥، \"الدر المنثور\" ٤/ ٥٠٠.\n(٣) \"جامع البيان\" ١٦/ ١٠٠، \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٨٠، \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٤٩٥، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٣٢.\n(٤) \"جامع البيان\" ٦/ ١٠٠، \"المحرر الوجيز\" ١١/ ٤١، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٤١، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٤٣، \"الدر المنثور\" ٤/ ٥٠٠.\n(٥) شفي بن ماتع، ويقال: ابن عبد الله الأصبحي، أبو عثمان المصري، تابعي ثقة، روى عن عبد الله بن عمرو بن العاص، وأبي هريرة وغيرهما، وروى عنه عقبة بن مسلم، وأيوب بن بشير، وأبو هاني وغيرهم، وثقة العلماء وذكروه في كتب الثقات، وكان عالمًا حكيمًا، توفي -﵀- سنة ١٠٥ هـ.\nانظر: \"تهذيب التهذيب\" ٤/ ٣١٥، \"الجرح والتعديل\" ٤/ ٣٨٩، \"الثقات\" لابن حبان ٤/ ٣٧١، \"الكاشف\" ٢/ ١٤.\n(٦) \"أضواء البيان\" ٤/ ٣٥٩، \"الدر المنثور\" ٤/ ٥٠٠.\n(٧) \"زاد المسير\" ٥/ ٢٤٥، \"البحر المحيط\" ٦/ ٢٠١.\n(٨) \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٤١، \"الكشف والبيان\" ٣/ ٩/ أ، \"البحر المحيط\" ٦/ ٢٠١.\n(٩) \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٤١، \"زاد المسير\" ٥/ ٢٤٥، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ١٢٥.","vol":"14","page":272},{"text":"هذا قال أبو إسحاق: (جائز أن يكون نهرًا وواديًا أعد للغاوين فسمي غيا) (١).\nوروي عن ابن عباس في قوله: (غَيًّا) قال: (شرا وخيبة) (٢). وهو قول ابن زيد (٣). وقال الضحاك: (خسرانا وعذابا) (٤). وعلى هذا القول معنى الغي في اللغة: الفساد (٥). روى ذلك ثعلب عن ابن الأعرابي قال: (وقول الله تعالى: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ [طه: ١٢١] أي: فسد عليه عيشه) (٦).\nوذكر الزجاج وجها آخر في معنى الغي وهو أنه قال: (فسوف يلقون مجازاة الغي، كما قال: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ [الفرقان: ٦٨] أي: مجازاة الأثام) (٧).\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٣٦.\n(٢) ذكر نحوه: \"جامع البيان\" ١٦/ ١٠٠، \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٨٠، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٤٣، \"زاد المسير\" ٥/ ٢٤٥، \"أضواء البيان\" ٤/ ٣٠٩.\n(٣) \"جامع البيان\" ١٦/ ١٠٠، \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٨٠، \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٤٩٤، \"زاد المسير\" ٥/ ٢٤٥، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ١٢٥.\n(٤) \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٤١، \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٤٩٤.\n(٥) انظر: \"تهذيب اللغة\" (غوى) ٣/ ٢٧٠٦، \"مقاييس اللغة\" (غوى) ٤/ ٣٩٩، \"المفردات في غريب القرآن\" (غوى) ٣٦٩، \"لسان العرب\" (غوى) ٦/ ٣٣٢٠.\n(٦) \"تهذيب اللغة\" (غوى) ٨٣/ ٢٧٠٦، \"لسان العرب\" (غوى) ٦/ ٣٣٢٠.\n(٧) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٣٦.\nوالظاهر -والله أعلم- أن هذه الأقوال متقاربة المعاني وذلك أن من فعل هذه الأفعال فسوف يلقى عذابا عظيما ومن لقيه فقد لقي خسرانا وشرا حسبه به شرا. انظر: \"جامع البيان\" ١٦/ ١٠١، \"أضواء البيان\" ٤/ ٣١٠.","vol":"14","page":273},{"text":"ومعنى ﴿يُلْقُونَ﴾ هاهنا ليس بمعنى يرون فقط؛ لأن اللقاء معناه الاجتماع والملابسة مع الرؤية (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2403>٦٠ </span>- قوله تعالى: ﴿إَلا مَن تَابَ﴾ قال الزجاج: (﴿مَنْ﴾ في موضع النصب، أي: فسوف يلقون العذاب إلا التائبين. قال: وجائز أن يكون نصبا استثناء من غير الأول ويكون المعنى لكن من تاب) (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا يُظلَمُونَ شَيْئًا﴾ قال ابن عباس: (يريد ولا ينقصون ثوابا) (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2404>٦١ </span>- قوله تعالى: ﴿جَنَّاتِ عَدْن﴾ بدل من قوله: ﴿يَدخُلُونَ اَلجَنَّةَ﴾ (٤). ومضى الكلام في معنى عدن (٥).\nوقوله تعالى: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ﴾ قال ابن عباس: (يريد أنهم غابوا عما فيها مما لا عين رأت) (٦). والمعنى أنهم لم يروها فهي غيب لهم ﴿إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا﴾ قال الكسائي: (لابد من أن يؤتى\n_________\n(١) \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٤١، \"زاد المسير\" ٥/ ٢٤٥.\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٣٦.\n(٣) ذكره بدون نسبة الطبري في \"تفسيره\" ١٦/ ١٠٠١.\n(٤) \"إعراب القرآن\" للنحاس ٢/ ٣٢٠، \"إملاء ما من به الرحمن\" ١/ ١١٥، \"الدر المصون\" ٧/ ٦١٠.\n(٥) في سورة التوبة الآية رقم: (٧٢) عند قوله سبحانه: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾.\n(٦) ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة. انظر: \"جامع البيان\" ١٦/ ١٠١، \"الكشف والبيان\" ٣/ ٩ أ، \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٤٩٦، \"زاد المسير\" ٥/ ٢٤٦، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٤٣، \"جامع البيان\" ٥/ ٨٠٤.","vol":"14","page":274},{"text":"عليه ومن أن يبلغ ويصار إليه. ولو كان آتيا لكان صوابا كما قال: ﴿إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ﴾ [الأنعام: ١٣٤] ولكن مأتيا لرؤس الآيات) (١). وقال الفراء: (مأتيا ولم يقل آتيا؛ لأن كل ما أتاك فقد أتيته ألا ترى أنك تقول: أتيت على خمسين سنة وأتت علي خمسون سنة) (٢). ونحو هذا في الزجاج سواء، ومثله بقولك: وصلت إلى خبر فلان، ووصل إلى خبر فلان (٣). وذكر ابن جرير وجهًا آخر قال: (وعده في هذه الآية موعوده وهو الجنة، ومأتيا ما يأتيه أولياؤه وأهل طاعته) (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2405>٦٢ </span>- قوله تعالى: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا﴾ اللغو: الهدر من الكلام، واللغو ما يلغى من الكلام ويؤثم فيه (٥). وقد تقدم القول في هذا (٦). قال ابن عباس في رواية الوالبي: (لغوا: باطلًا) (٧).\nوقال في رواية عطاء: (اللغو: كل ما لم يكن فيه ذكر الله) (٨).\nوقوله تعالى: ﴿إِلَّا سَلَامًا﴾ استثناء من غير الجنس، معناه: لكن\n_________\n(١) \"تهذيب اللغة\" (أتى) ١/ ١١٨، \"لسان العرب\" (أتى) ١/ ٢٢.\n(٢) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٧٠.\n(٣) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٣٦.\n(٤) \"جامع البيان\" ١٦/ ١٠١.\n(٥) انظر: \"تهذيب اللغة\" (لغا) ٤/ ٣٢٧٥، \"مقاييس اللغة\" (لغو) ٥/ ٢٥٥، \"المفردات في غريب القرآن\" (لغا) ٤٥١، \"لسان العرب\" (لغا) ٧/ ٤٠٤٩.\n(٦) في سورة البقرة الآية رقم: (٢٥٥) قال سبحانه: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾\n(٧) \"الدر المنثور\" ٤/ ٥٠٠، \"فتح القدير\" ٣/ ٤٨٥، وذكره بدون نسبة: \"جامع البيان\" ١٦/ ١٠٢، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٤٣، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ١٢٦.\n(٨) \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ١٢٦، \"فتح القدير\" ٣/ ٤٨٥.","vol":"14","page":275},{"text":"يسمعون سلاما (١). قال ابن عباس: (يريد ذكر الله وما يثابون عليه) (٢) (٣). وقال المفسرون: (يُحىِّ بعضُهم بعضًا بالسلام، ويرسل إليهم الرب الملائكة بالسلم) (٤). قال الزجاج: (السلام (٥): اسم جامع للخير؛ لأنه يتضمن السلامة. والمعنى: أن أهل الجنة لا يسمعون ما يؤثمهم وإنما يسمعون ما يسلمهم) (٦).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ قال ابن عباس: (ليس في الجنة بكرة ولا عشية ولكن على قدر ما يعرفون في الدنيا من الغداء والعشاء) (٧). [وقال الضحاك عنه: (يؤتون به على مقادير الليل والنهار) (٨). وقال قتادة: (كانت العرب إذا أصاب أحدهم الغداء والعشاء] (٩) أعجب به، فأخبر الله أن لهم في الجنة رزقهم بكرة وعشيا على قدر ذلك\n_________\n(١) \"جامع البيان\" ١٦/ ١٠٢، \"محرر الوجيز\" ٩/ ٤٩٦، \"الكشاف\" ٢/ ٤١٦، \"البحر المحيط\" ٦/ ٢٠٢ \"الدر المصون\" ٧/ ٦١٣، \"أضواء البيان\" ٤/ ٣٣٥.\n(٢) في (س): (يثابون عليه)، بدون واو.\n(٣) ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة. انظر: \"بحر العلوم\" ٢/ ٣٢٨، \"التفسير الكبير\" ٢١/ ٢٣٧، \"لباب التأويل\" ٤/ ٢٥٢.\n(٤) \"جامع البيان\" ١٦/ ١٠٢، \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٨١، \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٤٩٦، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٤٣، \"روح المعاني\" ١٦/ ١١٢.\n(٥) في (س): (السلم).\n(٦) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٣٧.\n(٧) \"الدر المنثور\" ٤/ ٥٠١، \"فتح القدير\" ٣/ ٤٨٥، وذكره بدون نسبة: \"جامع البيان\" ١٦/ ١٠٢، \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٨١.\n(٨) \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٤٣، وذكره بدون نسبة الطبري في \"جامع البيان\" ١٦/ ١٠٢.\n(٩) ما بين المعقوفين ساقط من نسخة (س).","vol":"14","page":276},{"text":"الوقت) (١). وقال الحسن: (كانت العرب لا تعرف شيئا من العيش أفضل من الغداء والعشاء، فذكر الله جنته فقال: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾) (٢). وقال الزجاج: (ليس ثم بكرة ولا عشي، ولكنهم خوطبوا بما يعقلون في الدنيا، فالمعنى: لهم رزقهم في مقدار الغداة والعشي) (٣). وهذا قول جميع أهل التأويل (٤).\nوقال أهل المعاني: (لهم رزقهم على مقادير أرِفَّة عيش في الدنيا؛ لأن أَرِفَّة عيشها (٥) أن يكون الإنسان آكلا بكرة وعشيًّا كيف شاء، فضرب الله ذلك مثلًا لرغد العيش في الجنة، [وزمان الجنة] (٦) كله نهار) (٧).\n_________\n(١) \"تفسير القرآن\" للصنعاني ٢/ ١٠، \"جامع البيان\" ١٦/ ١٠٢، \"بحر العلوم\" ٢/ ٣٢٩، \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٤٩٦، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٣٤.\n(٢) \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٤٩٦، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٤٣، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٤٣، \"زاد المسير\" ٥/ ٢٤٦، \"الدر المنثور\" ٤/ ٥٠٠.\n(٣) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٣٧.\n(٤) \"تفسير القرآن\" للصنعاني ٢/ ١٠، \"جامع البيان\" ١٦/ ١٠٢، \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٤٩٦، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٤٣، \"زاد المسير\" ٥/ ٢٤٦.\n(٥) في نسخة (س): (عيش).\n(٦) ما بين المعقوفين ساقط من نسخة (س).\n(٧) ويشهد لهذا ما رواه القرطبي في \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ١٢٧ قال: وخرج الترمذي في نوادر الأصول من حديث أبان عن الحسن وأبي قلابة قالا: (قال رجل: يا رسول الله هل في الجنة من ليل؟ قال: \"وما هيجك على هذا؟ \" قال: سمعت الله تعالى يذكر في كتابه ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ فقلت: الليل بين البكرة والعشي. فقال رسول الله -ﷺ-: \"ليس هناك ليل إنما هو ضوء ونور يرد الغدو على الرواح والرواح على الغدو، وتأتيهم طرف الهدايا من الله تعالى لمواقيت الصلاة التي كانو يصلون فيها في الدنيا وتسلم عليهم الملائكة\" وهذا في غاية البيان.\nوقال العلماء. ليس في الجنة ليل ولا نهار وإنما هم في نور أبدا إنما يعرفون =","vol":"14","page":277},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2406>٦٣ </span>- قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ في معنى إيراث الجنة قولان للمفسرين:\nأحدهما: أن معناه ننزل. وهو قول الكلبي (١). وجعل ذلك كالميراث من جهة أنه يملك بحال استؤنفت عن حال قد انقضت من أمر الدنيا كما ينقضي حال الميت من أمر الدنيا.\nالقول الثاني: أن الله تعالى يورث عباده المؤمنين من الجنة المساكن التي كانت لأهل النار لو آمنوا (٢). وقوله: ﴿مَنْ كَانَ تَقِيًّا﴾ أي: اتقى معصية الله وعقابه بالطاعة والإيمان.\n_________\n= مقدار الليل من النهار بإرخاء الحجب واغلاق الأبواب ويعرفون مقدار النهار برفع الحجب وفتح الأبواب.\nوانظر: \"جامع البيان\" ١٦/ ١٠٢، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٤٤، \"الدر المنثور\" ٤/ ١٠٥، \"الفتاوى\" لابن تيمية ٤/ ٣١٢، \"أضواء البيان\" ٤/ ٣٤٠.\n(١) ذكرته كتب التفسير بدون نسبة. انظر: \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٤٣، \"البحر المحيط\" ٦/ ٢٠١، \"التفسير الكبير\" ١١/ ٢٣٧، \"روح المعاني\" ١٦/ ١١٣، \"فتح القدير\" ٣/ ٤٨٥.\n(٢) \"جامع البيان\" ٦/ ١٠٣، \"معالم التنزيل\" ٥/ ١٤٣، \"زاد المسير\" ٥/ ٢٤٦، \"الدر المنثور\" ٤/ ١٠٥، \"روح المعاني\" ١٦/ ١١٣.\nقال الشنقيطي في \"أضواء البيان\" ٤/ ٣٤٢: قد جاء حديث يدل لما ذكر من أن لكل أحد منزلا في الجنة ومنزلا في النار، إلا أن حمل الآية عليه غير صواب؛ لأن أهل الجنة يرثون من الجنة منازلهم المعدة لهم بأعمالهم وتقواهم، كما قال تعالى: ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ونحوها من الآيات. ولو فرضنا أنهم يرثون منازل أهل النار فحمل الآية على ذلك يوهم أنهم ليس لهم في الجنة إلا ما أورثوا من منازل أهل النار، والواقع بخلاف ذلك كما ترى.\nوانظر: \"روح المعاني\" للآلوسي ١٦/ ١١٣.","vol":"14","page":278},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2407>٦٤ </span>- قوله تعالى: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ الآيه. روي بطرق كثيره عن سعيد بن جبير عن ابن عباس: (أن رسول الله -ﷺ- قال لجبريل: \"ما يمنعك أن تزورنا أكثر مما تزورنا؟ فنزلت هذه الآية جوابا لرسول الله -ﷺ-) (١). وقال في رواية عطاء: (سأل المشركون رسول الله -ﷺ- عن ذي القرنين، وعن أصحاب الكهف، وعن الروح فقال: غدًا أخبركم، ولم يستثن وأبطأ عليه الوحي أربعين يوما، ثم نزل جبريل فقال: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٣، ٢٤]، وقال رسول الله -ﷺ-: ألا (٢) زرتنا حين أبطأ عن الوحي، فأنزل الله: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ﴾ الآية) (٣).\nوالمفسرون كلهم [في سبب نزول] (٤) هذه الآية على هذا، قالوا:\n_________\n(١) أخرجه البخاري في كتاب: التفسير سورة مريم ٦/ ١١٨، والترمذي في جامعة كتاب. التفسير سورة مريم ١٢/ ١٥، والحاكم في \"مستدركه\" ٢/ ٦١١، وصححه ووافقه الذهبي، والنسائي في \"تفسيره\" ٢/ ٣٤، والإمام أحمد في \"مسنده\" ١/ ٢٣١، والطبراني في \"الكبير\" ١٢/ ٣٣، والطبري في \"جامع البيان\" ١٦/ ١٠٣، والبغوي في \"معالم التزيل\" ٣/ ٢٠٢، والسمرقندي في \"بحر العلوم\" ٢/ ٣٢٩، وابن كثير في \"تفسيره\" ٣/ ١٤٤، والسيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ٥٠١، وزاد نسبته لمسلم، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي.\n(٢) في (س): (لازرتنا).\n(٣) أورده الطبري في \"جامع البيان\" ١٦/ ١٠٣، والسمرقندي في \"بحر العلوم\" ٢/ ٣٢٩، وابن عطية في \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٤٩٨، والماوردي في \"النكت\" ٣/ ٣٨١، \"والبغوي\" في \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٤٣، وابن كثير في \"تفسيره\" ٣/ ١٤٥، والسيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ٥٠٢ وابن إسحاق في \"السيرة\" ١٨٢، والواحدي في \"أسباب النزول\" ٣٠٨، و\"لباب النقول في أسباب النزول\" للسيوطي ١٤٥، و\"جامع النقول في أسباب النزول\" ٢١٢.\n(٤) ما بين المعقوفين ساقط من نسخة (س).","vol":"14","page":279},{"text":"(استبطأ رسول الله -ﷺ- جبريل ثم جاءه فقال رسول الله -ﷺ-: \"يا جبريل إن كنت لمشتاقا إليك\". قال: وأنا والله يا محمد قد كنت إليك مشتاقا، ولكني عبد مأمور إذا بعثت نزلت، وإذا حبست احتبست. وأنزل الله: ﴿وَمَا نَتَنَزَّل﴾ الآية) (١).\nوقوله تعالى: ﴿لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا﴾ قال سعيد بن جبير: (﴿لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا﴾ من أمر الآخرة (وما خلفنا من أمر الدنيا) (٢). وهذا قول سفيان، وقتادة، ومقاتل (٣). وقال الآخرون: ﴿لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا﴾ الدنيا ﴿وَمَا خَلْفَنَا﴾ الآخرة) (٤). وهذا قول السدي، ومجاهد (٥).\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ﴾ قال سعيد بن جبير: (ما بين الدنيا والآخرة) (٦). وهو قول مجاهد في رواية ابن أبي نجيح (٧). وقال في رواية\n_________\n(١) أورده بسنده ابن جرير الطبري في \"جامع البيان\" ١٦/ ١٠٣، وابن عطية في \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٤٩٨، والبغوي في \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٤٣، وابن كثير في \"تفسيره\" ٣/ ١٤٥ وقال: رواه ابن أبي حاتم -﵀- وهو غريب. والسيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ٥٠٢ وعزاه لعبد بن حميد، وابن أبي حاتم، وذكره الواحدي في \"أسباب النزول\" ٣٠٨، و\"جامع النقول في أسباب النزول\" ٢١٢.\n(٢) \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٤٩٩، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٤٣، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٤٥، \"زاد المسير\" ٥/ ٣٤٦، \"الدر المنثور\" ٤/ ٥٠٢.\n(٣) \"جامع البيان\" ١٦/ ١٠٤، \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٨٢، \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٥٠٠، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٤٣، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٤٥.\n(٤) \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٨٢، \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٥٠٠، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٤٣.\n(٥) \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٤٥، \"زاد المسير\" ٥/ ٢٥٠\n(٦) \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٤٥، \"زاد المسير\" ٥/ ٢٥٠، \"الدر المنثور\" ٤/ ٥٠٢.\n(٧) ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة. انظر: \"الكشف والبيان\" ٣/ ١٠ أ، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٤٤، \"زاد المسير\" ٥/ ٢٥٠، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٤٥، \"الجامع لآحكام القرآن\" ١١/ ١٢٩، \"التفسير الكبير\" ٢١/ ٢٣٩.","vol":"14","page":280},{"text":"الليث: (وما بين ذلك ما بين النفختين) (١). وهو قول السدي (٢)، وقتادة (٣)، وسفيان (٤)، والربيع (٥)، والضحاك (٦)، وأبي العالية (٧).\nوقال أبو إسحاق: (﴿مَا بَيْنَ أَيْدِينَا﴾ من أمر الآخرة والثواب والعقاب، ﴿وَمَا خَلْفَنَا﴾ جميع ما مضى من أمر الدنيا، ﴿وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ﴾ ما يكون منا في هذا الوقت إلى يوم القيامة) (٨). وهذا هو الاختيار؛ لأنه لم يجز للنفختين ذكر حتى يشار إليه (٩).\n_________\n(١) \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٤٥، \"زاد المسير\" ٥/ ٢٥٠.\n(٢) \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٤٥.\n(٣) \"الجامع البيان\" ٦/ ١٠٤، \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٨٢، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٤٥، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ١٢٩، \"الدر المنثور\" ٤/ ٥٠٢.\n(٤) ذكرته كتب التفسير بدون نسبة. انظر: \"الكشف والبيان\" ٣/ ١٠ أ، \"بحر العلوم\" ٢/ ٣٢٩، \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٨٢، \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٥٠، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٤٤، \"زاد المسير\" ٥/ ٢٥٠.\n(٥) \"جامع البيان\" ١٦/ ١٠٤، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٤٥.\n(٦) \"جامع البيان\" ١٦/ ١٠٤.\n(٧) \"جامع البيان\" ١٦/ ١٠٤، \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٥٠٠، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٤٥، \"زاد المسير\" ٥/ ٢٥٠، \"الدر المنثور\" ٤/ ٥٠٢.\n(٨) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٣٧.\n(٩) وقال ابن جرير الطبري -﵀- في \"تفسيره\" ٦/ ١٠٥: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال معناه ما بين أيدينا من أمر الآخرة؛ لأن ذلك لم يجيء وهو جاء فهو بين أيديهم وما خلفنا من أمر الدنيا وذلك ما قد خلفوه فمضى فصار خلفهم بتخليفهم إياه، وما بين ذلك ما بين ما لم يمضي من أمر الدنيا إلى الآخرة؛ لأن ذلك هو الذي بين الوقتين، وإنما قلنا ذلك أولى؛ لأن ذلك هو الظاهر الأغلب وإنما يحمل تأويل القرآن على الأغلب من معانيه مالم يمنع من ذلك ما يجب التسليم له.","vol":"14","page":281},{"text":"وقال ابن عباس في رواية عطاء: (﴿لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا﴾ يريد الدنيا يعني الأرض. ﴿وَمَا خَلْفَنَا﴾ يريد السموات ﴿وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ﴾ يريد الهواء) (١) والمعنى: أن كل ما ذكر لله فلا نقدر على فعل إلا بأمره (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ قال ابن عباس: (يريد تاركا لك منذ أبطاء عنك الوحي) (٣). وعلى هذا النسي بمعنى الناسي، وهو التارك، وقال السدي: (ما نسيك ربك) (٤). [وذلك أن المشركين قالوا لما أبطأ عنه الوحي: قد نسيه وودعه، فنزل: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾] (٥) ونزل: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [الضحى: ٣]. وقال أبو إسحاق: (أي قد علم الله ما كان وما يكون وما هو كائن وهو حافظ لذلك لا ينسى منه شيئًا) (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2408>٦٥ </span>- قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: مالكهما ﴿وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ أي: ومالك ما بينهما من خلقه ﴿فَاعْبُدْه﴾ أي: وحده؛ لأن عبادته بالشرك كلا عبادة ﴿وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ﴾ قال ابن عباس: (لطاعته) (٧).\nوقال غيره: (اصبر على أمره ونهيه) (٨). ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ قال في\n_________\n(١) \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٢٩، وذكره بدون نسبة: \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٤٤، \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٨٢.\n(٢) في (س): (الأمر).\n(٣) \"زاد المسير\" ٥/ ٢٥٠، وذكره الطبري في \"تفسيره\" ١٦/ ١٠٠ بدون نسبة.\n(٤) \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٣٥، \"الدر المنثور\" ٤/ ٥٠٢، وذكره بدون نسبة: \"الجامع البيان\" ١٦/ ١٠٦، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٤٤.\n(٥) ما بين المعقوفين ساقط من نسخة (س).\n(٦) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٣٧.\n(٧) ذكره بدون نسبة: \"جامع البيان\" ١٦/ ١٠٦ \"بحر العلوم\" ٢/ ٣٢٩.\n(٨) \"جامع البيان\" ١٦/ ١٠٦، \"بحر العلوم\" ٢/ ٣٢٩، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٤٤، \"زاد المسير\" ٥/ ٢٥٠.","vol":"14","page":282},{"text":"رواية الوالبي: (هل تعلم للرب مثلًا أو شبها) (١). وهو قول مجاهد (٢)، وسعيد بن جبير (٣)، وابن جريج (٤) وعلى هذا السَّمي: عبارة عن المثل والشبيه.\nوقال في رواية سماك: (هل تعلم أحدًا اسمه الرحمن غيره) (٥). وهو قول السدي (٦).\nودليل هذا القول قراءة ابن مسعود: (الرحمن هل تعلم له سميا).\nوقال في رواية عطاء: (هل تعلم أحدا يسمى الله غيره) (٧). وهذا قول الكلبي (٨).\n_________\n(١) \"جامع البيان\" ١٦/ ١٠٦، \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٨٢، \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٥٠٣، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٤٤، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٣٥.\n(٢) \"جامع البيان\" ١٦/ ١٠٦، \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٨٢، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٤٥، \"زاد المسير\" ٥/ ٢٥١.\n(٣) \"جامع البيان\" ١٦/ ١٠٦، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٤٤، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٤٥.\n(٤) \"جامع البيان\" ١٦/ ١٠٦، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٤٥، \"زاد المسير\" ٥/ ٢٥١، \"روح المعاني\" ١٦/ ١١٦.\n(٥) \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ١٣٠، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٤٥، \"الدر المنثور\" ٤/ ٥٠٣، \"البحر المحيط\" ٦/ ٢٠٥.\n(٦) ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة. انظر: \"بحر العلوم\" ٢/ ٣٢٩، \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٥٠٣، \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٨٢، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٤٥، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ١٣٠.\n(٧) \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٤٥، \"زاد المسير\" ٥/ ٢٥١، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ١٣٠.\n(٨) \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٨٢، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٤٤، \"الكشف والبيان\" ٣/ ١٠ أ.","vol":"14","page":283},{"text":"وقال أبو إسحاق: (تأويله -والله أعلم- هل تعلم له سميا يستحق أن يقال له: خالق، وقادر، وعالم بما كان وبما يكون، فذلك ليس إلا من صفة الله) (١). وعلى هذا لا سمي لله في جميع أسمائه، لأن غيره وإن سمي [بشيء من أسمائه فإنه غير مستحق للوصف به، والله تعالى حقيقته ذلك الوصف. وقال مقاتل: (لا يسمى باسم الله غير الله، لما حاول المشركون التسمية باللهِ قالوا: اللات، وقالوا في العزيز: العزى) (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2409>٦٦ </span>- قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ﴾ يعني الكافر الذي لا يؤمن بالبعث إذا مات (٣).\n﴿لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا﴾ يقول ذلك استهزاء وتكذيبا منه بالبعث. قال ابن عباس في رواية عطاء: (نزلت في الوليد بن المغيرة) (٤). وقال في رواية الكلبي عن أبي صالح: (نزلت في أبي بن خلف حين أخذ عظاما بالية يفتها بيده ويقول: زعم لكم محمد أن الله يبعثنا بعد أن نموت) (٥).\nوقال صاحب النظم: (اللام في قوله: ﴿لَسَوْفَ﴾ لام تأكيد يؤكد بها ما بعدها من الخبر، وهذا الإنسان كافر لا يؤمن بالبعث، والكلام محكي عنه\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٣٨.\n(٢) ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة. انظر: \"الكشف والبيان\" ٣/ ١٠ أ، \"بحر العلوم\" ٢/ ٣٢٩، \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٨٢، \"الكشاف\" ٢/ ٥١٧، \"زاد المسير\" ١٥/ ٢٥١.\n(٣) في (س): (إذا مات).\n(٤) \"زاد المسير\" ٥/ ٢٥٢، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ١٣١، \"البحر المحيط\" ٦/ ٢٠٦، \"روح المعانى\" ١٦/ ١١٦.\n(٥) \"بحر العلوم\" ٢/ ٣٢٩، \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٥٠٦، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٤٥، \"زاد المسير\" ٥/ ٢٥٢، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ١٣١.","vol":"14","page":284},{"text":"فلم حكي عنه بالتأكيد وهو منكر له ومن أنكر شيئا لم يؤكده؟ قال: والجواب أن هذا من باب الحكاية والمجازاه. كأن النبي -ﷺ- قال له: لسوف تخرج بعد الموت حيا، فقال حاكيا ومعارضا لكلامه: ﴿أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا﴾ ولا يذهب مذهب التأكيد، وإنما يذهب مذهب الحكاية والمعارضة والمجازاة لكلامه، كما تقول العرب: رأيت زيدًا، فيقول السامع: من زيدا؟ وإذا قال: مررت بزيد، قال: من زيد؟ بالخفض أتبعوا آخر الكلام أوله على الحكاية والمجازاة) (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2410>٦٧ </span>- فقال الله تعالى مجيبا لذلك الكافر ﴿أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ﴾ أي: هذا الذي جحد البعث أو لا يتذكر أول خلقه فيستدل (٢) بالإبتداء على أن الإعادة مثله، وهو قوله: ﴿أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا﴾ أي: من قبل إنكاره البعث خلقناه ولم يكن شيئا، كذلك نعيده كما قال: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس: ٧٩] وقرئ: يذكر بالتشديد، والتخفيف (٣). والتشديد في هذا المعنى أكثر؛ لأنه يراد به التدبر والتفكر وليس ذكرا عن نسيان، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ [فاطر:٣٧]، وقال: ﴿إِنَّمَا يَتذكَّرُ أُولُوا\n_________\n(١) ذكر نحوه في \"الكشاف\" ٢/ ٤١٧، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ١٣١، \"البحر المحيط\" ٦/ ٢٠٧، \"الدر المصون\" ٧/ ٦١٧.\n(٢) في نسخة (س): (فاستدل).\n(٣) قرأ عاصم، نافع، وابن عامر: (أو لا يذْكر الإنسان) ساكنة الذال خفيفة.\nوقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي: (أو لا يذَّكَّر الإنسان) بفتح الذال مشددة الكاف.\nانظر: \"السبعة\" ص ٤١٠، \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٢٠٤، \"حجة القراءات\" ص ٤٤٥، \"التبصرة\" ص ٢٥٦، \"النشر\" ٢/ ٣١٨.","vol":"14","page":285},{"text":"الأَلبَابِ﴾ (١) وإضافته إلى أولي الألباب يدل على أن (٢) المراد به النظر والتفكر، وزعموا أن في حرف أبي: (تتذكر) بالتاء (٣). والمعنى: أولا يتدبر ويتفكر هذا الجاحد في أول خلقه. ومن قرأ بالتخفيف من الذكر أراد هذا المعنى أيضا، وقد ترد الخفيفة أيضًا بهذا المعنى كقوله: ﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ﴾ (٤)، ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ﴾ (٥). ثم أقسم أنه يحشرهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2411>٦٨ </span>- فقال: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ﴾ أي: لنجمعنهم في المعاد. قال الكلبي: (يعني الذين أنكروا البعث) (٦).\nوقوله تعالى: ﴿وَالشَّيَاطِينَ﴾ أي: ولنحشرن الشياطين قرناء معهم قال المفسرون: (يحشر كل كافر مع شيطان في سلسلة) (٧). وذلك أن ذكر حشر الشياطين مع حشرهم يدل على أنهم يجمعون معهم.\nوقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا﴾ قال المفسرون: (في جهنم) (٨). وذلك أن حول الشيء يجوز أن يكون خارجه، ويجوز أن يكون\n_________\n(١) سورة الرعد (١٩)، وسورة الزمر (٩).\n(٢) قوله: (أن) ساقط من نسخة (س).\n(٣) \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٥٠٦، \"الكشاف\" ٢/ ٤١٨، \"زاد المسير\" ٥/ ٢٥٢، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ١٣١، \"البحر المحيط\" ٦/ ٢٠٧، \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٢٠٤.\n(٤) سورة المزمل (١٩)، وسورة الإنسان (٢٩).\n(٥) سورة المدثر (٥٥)، وسورة عبس (١٢).\n(٦) ذكرته كتب التفسير بدون نسبة انظر: \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٥٠٦، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٤٥، \"زاد المسير\" ٥/ ٢٥٢، \"لباب التأويل\" ٤/ ٢٥٤.\n(٧) \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٤٥، \"الكشاف\" ٢/ ٤١٨، \"زاد المسير\" ٥/ ٢٥٢، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ١٣٢، \"البحر المحيط\" ٦/ ٢٠٨.\n(٨) \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٤٥، \"زاد المسير\" ٥/ ٢٥٢، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ١٣٣.","vol":"14","page":286},{"text":"داخله يقال: جلس القوم حول البيت، وحوالي البيت إذا جلسوا داخله مطيقين به. قال ابن الأنباري: (ويجوز أن يجثون حول جهنم قبل أن يدخلوها) (١).\nوقوله تعالى: ﴿جِثِيًّا﴾ مستوفزين على الركب. قاله مجاهد، وسفيان (٢). وقال السدي: (قياما) (٣). أراد قياما على الركب وذلك لضيق المكان لا يمكنهم أن يجلسوا ولا أن يقوموا أيضا. وهو جمع: جاثٍ من قولهم: جَثَا على ركبته (٤) يَجْثُو جُثُوًا فهو جَاثٍ (٥). قال الله تعالى: ﴿وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً﴾ [الجاثية: ٢٨] ويجمع الجَاثِي جُثِيَا كما قلنا في البكي، وأصله فعول وقد تقدم القول فيه (٦). وقال ابن عباس في قوله: ﴿جِثِيّا﴾: (جماعات جماعات) (٧).\n_________\n(١) ذكر نحوه بلا نسبة \"الكشاف\" ٢/ ٤١٩، \"زاد المسير\" ٥/ ٢٥٢، \"الكشف والبيان\" ٣/ ١٠ ب.\n(٢) \"زاد المسير\" ٥/ ٢٥٣ \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ١٣٣ \"البحر المحيط\" ٦/ ٢٠٨.\n(٣) \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٤٥، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٤٦، \"زاد المسير\" ٥/ ٢٥٣، \"الدر المنثور\" ٤/ ٥٠٤.\n(٤) في (س): (ركبتيه).\n(٥) جثا: أي: جلس على ركبتيه للخصومة ونحوها.\nانظر: \"تهذيب اللغة\" (جثا) ١/ ٥٣٨، \"الصحاح\" (جثا) ٦/ ٢٢٩٨، \"المفردات في غريب القرآن\" (جثا) ٨٨، \"لسان العرب\" (جثا) ١/ ٥٤٦.\n(٦) عند قوله سبحانه في سورة مريم الآية رقم: (٥٨): ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾.\n(٧) \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٤٥، \"زاد المسير\" ٥/ ٢٥٣، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ١٣٣، \"البحر المحيط\" ٦/ ٢٠٨.","vol":"14","page":287},{"text":"وهو قول مقاتل، والكلبي (١). وعلى هذا الجُثَي جمع جَثْوَة وجُثْوَة وهي: المجموع من التراب والحجارة، ومنه قول طرفة (٢):\nتَرَى جُثْوَتَيْنِ مِنْ تُرَابٍ عَلَيْهِمَا ... صَفَائِحُ صُمٌّ مِنْ صفِيْحٍ مُنَضَّدِ\nوالأول اختيار الزجاج، وأبي عبيدة (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2412>٦٩ </span>- وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ﴾ أي: لنأخذن ولنخرجن ﴿مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ﴾ من كل فرقة وجماعة ﴿أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا﴾ أي: الأعتى فالأعتى منهم، كأنه يبدأ بالتعذيب بأشدهم ثم الذي يليه. قال أبو الأحوص (٤): (يبدأ بالأكابر فالأكابر جرما) (٥). وقال قتادة: (لننزعن من كل أهل دين قادتهم ورؤسهم في الشر) (٦). ونحو هذا قال الكلبي في\n_________\n(١) \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٨٣، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ١٣٣، \"الكشف والبيان\" ٣/ ١٠/ ب.\n(٢) هذا بيت لطرفة بن العبد من قصيدة قالها يصف قبري أخوين غني وفقير. انظر: \"شرح القصائد العشر\" للتبريزي ١٠٨، \"تهذيب اللغة\" (جثا) ١/ ٥٣٨، \"لسان العرب\" (جثا) ١/ ٥٤٦، \"شرح المعلقات السبع\" للزوربي ص ٩٠.\n(٣) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٣٨، \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ٢/ ٩.\nقال الشنقيطي في \"أضواء البيان\" ٤/ ٣٤٦: إنه جثيهم على ركبهم وهو الظاهر، وهو قول الأكثرين، وهو الإطلاق المشهور في اللغة.\n(٤) سلام بن سليم الكوفي، أبو الأحوص، عالم باللغة والتفسير، صدوق، زاهد، وثقه العلماء وأثنوا عليه، توفي -﵀- سنة ١٩٩ هـ.\nانظر: \"ميزان الاعتدال\" ٢/ ١٧٦، \"الكاشف\" ٣/ ٢٦٩، \"تذكرة الحفاظ\" ١/ ٢٥٠، \"تهذيب التهذيب\" ٤/ ٢٨٢، \"طبقات الحفاظ\" ١٠٦.\n(٥) \"تفسير القرآن\" للصنعاني ٢/ ١٠، \"جامع البيان\" ١٦/ ١٠٧، \"بحر العلوم\" ٢/ ٣٣٠، \"المحرر الوجيز\" ٩/ ١٥٠، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٤٦، \"الدر المنثور\" ٤/ ٥٠٤.\n(٦) \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٣٥، \"الدر المنثور\" ٤/ ٥٠٤، \"فتح القدير\" ٣/ ٤٩١.","vol":"14","page":288},{"text":"تفسير: ﴿أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا﴾ قال: (قائدهم ورأسهم في الشر) (١). والعتي هاهنا مصدر كالعتو وهو: التمرد في العصيان (٢). قال ابن عباس في رواية الوالبي: (أيهم أشد عصيانا) (٣). وقال في رواية عطاء: (أيهم أعظم فرية) (٤). وقال مقاتل: (أيهم أشد علوا في الكفر) (٥).\nوقال الكلبي: (يعني جراءة بالفراء والكذب) (٦). وقال مجاهد: (كفرا) (٧). قال أبو إسحاق: (فأما رفع ﴿أَيُّهُمْ﴾ فهي القراءة، ويجوز (أيَّهُم) بالنصب، حكاها سيبويه وذكر: أنها قراءة هارون الأعور (٨) (٩).\n_________\n(١) \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٤٥، \"الكشف والبيان\" ٣/ ١٠ ب.\n(٢) انظر: \"تهذيب اللغة\" (عتا) ٣/ ٢٣١٣، \"معجم مقاييس اللغة\" (عتو) ٤/ ٢٢٥، \"المفردات في غريب القرآن\" (عتا) ٣٢١، \"لسان العرب\" (عتا) ٥/ ٢٨٠٤.\n(٣) \"جامع البيان\" ١٦/ ١٠٧، \"الدر المنثور\" ٤/ ٥٠٤.\n(٤) \"الكشف والبيان\" ٣/ ١٠ ب، \"اللغات في القرآن\" ٣٤.\n(٥) ذكرته التفسير بدون نسبة. انظر: \"جامع البيان\" ١٦/ ١٠٧، \"بحر العلوم\" ٢/ ٣٣٠، \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٥١٠، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٤٥، \"زاد المسير\" ٥/ ٢٥٣، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٤٦.\n(٦) \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٨٣.\n(٧) \"جامع البيان\" ١٦/ ١٠٧، \"الدر المنثور\" ٤/ ٥٠٤، \"روح المعاني\" ١٦/ ١١٩.\n(٨) هارون بن موسى بن شريك الدمشقي، أبو عبد الله التغلبي، شيخ المقرئين بدمشق في زمانه، وكان من أهل الفضل، قرأ على ابن ذكوان، وحدث عنه خلق كثير، ورحل إليه الطلبة من الأقطار لإتقانه وتبحره، صنف في القراءات والعربية، إليه رجعت الإمامة في قراءة ابن ذكوان.\nانظر: \"طبقات النحويين\" للزبيدي ٢٦٣، \"تذكرة الحفاظ\" ٢/ ٦٥٩، \"غاية النهاية\" ٢/ ٣٤٧، \"طبقات المفسرين\" ٢/ ٣٤٧، \"شذرات الذهب\" ٢/ ٢٠٩، \"معرفة القراءة الكبار\" ١/ ٢٤٧.\n(٩) \"الكتاب\" ١/ ٢٥٩، \"الإغفال فيما أغفله الزجاج من المعاني\" ٩٩٤، \"الإنصاف =","vol":"14","page":289},{"text":"وفي رفعها ثلاثة أقوال: قال يونس: قوله: ﴿لَنَنزِعَنَّ﴾ معلقة لم تعمل شيئا، ثم استأنف فقال: ﴿أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا﴾ ومثله عنده قول الشاعر (١):\nوَلَقَدْ أَبِيْتُ مِن الفَتَاةِ بِمَنْزِلٍ ... فَأَبِيْتُ لا حَرِجٌ وَلاَ مَحْرُوْمُ\nوالمعنى: فأبيتُ بمنزلة الذي يقال له لا هو حرج ولا محروم (٢). وقال سيبويه: ﴿أَيُّهُم﴾ مبنية على الضم؛ لأنها خالفت أخواتها، واستعمل منها حذف الابتداء تقول: اضرب لأيهم أفضل تريد أيهم هو أفضل [فيحسن الاستعمال بحذف هو، ولا يحسن: اضرب من أفضل، حتى تقول: من هو أفضل] (٣)، ولا يحسن: كل ما أطيب، حتى تقول: ما هو أطيب، ولا تقول أيضا: خذ الذي أفضل، حتى تقول: الذي هو أفضل، فلما خالفت ما، ومن، والذي هذا الخلاف بنيت على الضم في الإضافة، والنصب حسن، وإن كنت قد حذفت هو؛ لأن هو قد يجوز حذفها، وقد قرئ: ﴿تَمَامًا عَلَى اَلَذِى أَحْسَنَ﴾ [لأنعام: ١٥٤] على معنى الذي هو أحسن) (٤). انتهت\n_________\n= في مسائل الخلاف\" ١/ ٥٧٣، \"إعراب القرآن\" للنحاس ٢/ ٣٢٢، \"المحرر الوجيز\" ٩/ ١٥٠، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ١٣٣.\n(١) البيت للأخطل، وصدره في ديوانه:\nولقد أكون من الفتاة بمنزل\nانظر: ديوانه ٨٤، \"الكتاب\" ١/ ٢٥٩، \"الخزانة\" ٢/ ٥٥٣، \"الإنصاف\" ٢/ ٥٧٢، \"الإغفال\" للفارسي ٩٩٥، \"الدر المصون\" ٧/ ٦٣١\n(٢) \"الإغفال فيما أغفله الزجاج من المعاني\" ص ٩٩٥، \"إعراب القرآن\" للنحاس (٢٢٣١٢)، \"إملاء ما من به الرحمن\" ١/ ١٢٦، \"الدر المصون\" ٧/ ٧٢١\n(٣) ما بين المعقوفين ساقط من نسخة (س).\n(٤) \"الكتاب\" لسيبويه ٢/ ٣٩٨، \"الإنصاف في مسائل الخلاف\" ص ٥٧٣، \"إعراب القرآن\" للنحاس ٢/ ٢٢٣، \"الإغفال فيما أغفله الزجاج من المعاني\" ص ٩٩٧، \"الدر المصون\" ٧/ ٦٢١.","vol":"14","page":290},{"text":"الحكايه عن أبي إسحاق (١)\nوذكرنا أحكام \"أي\" في قوله: ﴿أَيًّا مَا تَدْعُوا﴾ [الإسراء: ١١٠] وفي مواضع. واعلم أن \"أيًا\" من الأسماء الموصوله [كمن، وما، والذي إلا أن العرب قد استعملت حذف الراجع إلى الموصول] (٢) مع أي أكثر من استعمالهم مع الذي، وقد شرح أبو علي الفارسي ما ذكره أبو إسحاق فقال: (ينبغي أن يكون مراد يونس أن الفعل معمل في موضع كل شيعة، وليس يريد أنه غير معمل في شيء البتة، والدليل على ذلك أنه قال فيه: إن ذلك معلق. ولفظ التعليق إنما يستعمل فيما يعمل في الموضع دون اللفظ، ألا تراهم قالوا في علمت أزيد في الدار، أن الفعل معلق وهو معمل في موضع الجملة، وكذلك إذا قال هنا معلق، كان معملا في موضع الجار والمجرور، ولو أراد أنه لا عمل له في لفظ لقال ملغى، ولم يقل معلق، كما تقول في زيد ظننت منطلق، فقوله فيه معلق دلالة على مراده فيه أنه عامل في الموضع، وإن لم يكن عاملا في اللفظ، وإذا كان كذلك كان قول الكسائي في الآية مثل قول يونس؛ لأن الكسائي قال: إن قوله ﴿لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ﴾ كقولك: أكلت من طعام (٣)، فإذا كان كذلك كان ﴿أَيُهُم﴾\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٤٠ وقال: والذي أعتقده أن القول في هذا قول الخليل، وهو موافق للتفسير؛ لأن الخليل كان مذهبه أو تأويله في قوله: ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ﴾ الذي من أجل عتوه يقال: أي: هؤلاء اشتد عتيا. فيستعمل ذلك في الأشد فالأشد.\n(٢) ما بين المعقوفين ساقط من نسخة (س).\n(٣) \"الإغفال فيما أغفله الزجاج من المعاني\" ص ٩٩٨، \"إعراب القرآن\" للنحاس ٢/ ٣٢٢، \"إملا ما من به الرحمن\" ١/ ١١٦، \"الدر المصون\" ٧/ ٦٢١.","vol":"14","page":291},{"text":"منقطعًا من هذه الجملة وكانت جملة مستأنفة، لا يجيء (١) هذا على مذهب سيبويه؛ لأنه لا يرى في من مثل ما رآه الكسائي من زيادته في الإيجاب، فإن قال قائل: لم زعم سيبويه أنه إذا حذف العائد من الصلة وجب البناء على الضم؟ قيل: إن الصلة تبين الموصول وتوضحه، كما أن المضاف يبين المضاف إليه ويخصصه، فكما أنه لما حذف المضاف إليه من الأسماء التي تبينها الإضافة نحو: قبل، وبعد بنيت، كذلك لما حذفت العائد من الصلة إلى الموصول من هنا بنيت). وأطال أبو علي الكلام في هذه المسألة (٢). وليس يليق بهذا الكتاب أكثر مما حكينا (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2413>٧٠ </span>- قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا﴾ الصِّلي: مصدر صَلَى النار، صَلاَهَا، صُلِيًّا ووزنه فعول، ويجوز فيه صِلِيًا بالكسر وقد تقدم القول فيه. ومعنى الصِّلي: دخول النار ومقاساة حرها وشدتها نعوذ بالله منها.\nقال أبو إسحاق: (أي ثم لنحن أعلم بالذين هم أشد عتيا فهم أولى بها صليا) (٤). يعني أن الأولى بها صليا الذين هم أشد عتيا، فهؤلاء هم الأولى بالنار صليا على معنى الابتداء بهم دون أتباعهم؛ لأنهم كانوا رؤساء في الضلالة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2414>٧١ </span>- قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ﴾ أي: وما منكم أحد ﴿إِلَّا وَارِدُهَا﴾\n_________\n(١) في (س): (لا يجوز).\n(٢) \"الإغفال فيما أغفله الزجاج من المعاني\" لأبي علي الفارسي ص ٩٩٨.\n(٣) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٤٠، \"إعراب القرآن\" للنحاس ٢/ ٣٢٢، \"إملاء ما من به الرحمن\" ١/ ١١٦، \"الإنصاف\" ١/ ٥٧٣، \"الدر المصون\" ٧/ ٦٢١.\n(٤) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٤٠.","vol":"14","page":292},{"text":"وارد جهنم ﴿كَانَ عَلَى رَبِّك﴾ ورودكم ﴿حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ والحتم إيجاب القضاء، والقطع بالأمر، ويقال: كان ذلك الأمر حتما أي: موجبا، ويقال للأقضية والأمور التي قضى الله بكونها الحتوم، قال أمية:\nحنَانَي رَبِّنَا وَلَه عَنَوْنَا ... بِكَفَّيْهِ المَنَايَا وَالحُتُومُ (١)\nوقوله تعالى: ﴿مَقْضِيًّا﴾ أي: قضاه الله عليكم.\nقال ابن مسعود في قوله: ﴿حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾: (قسما واجبا) (٢). وكان الإجماع أن هذه الآية قسم من الله بورود النار، وموضع القسم قوله تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ﴾ الآية وهذه الآية (٣) ترجع إلى ما قبلها بالعطف، وهي داخلة في الجملة المقسم عليها، وقيل: القسم مضمر بتقدير: وإن منكم والله إلا واردها كقوله: ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ﴾ [النساء: ٧٢] [المعنى: والله لمن ليبطئن] (٤) فأضمر (٥). وأكثر الناس على الحكم بظاهر هذه الآية وهو:\n_________\n(١) البيت لأمية بن أبي الصلت. انظر: \"لسان العرب\" (حتم) ٢/ ٧٧١.\n(٢) \"جامع البيان\" ١٦/ ١١٤، \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٨٥، \"ابن كثير\" ٣/ ١٤٦.\n(٣) قوله: (وهذه الآية)، ساقط من نسخة (س).\n(٤) ما بين المعقوفين ساقط من نسخة (س).\n(٥) \"إعراب القرآن\" للنحاس ٢/ ٣٢٢، \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٥١٠، \"البحر المحيط\" ٦/ ٢٠٩، \"الدر المصون\" ٧/ ٦٢٥. وقال الشنقيطي في \"أضواء البيان\" ٤/ ٣٥٤: الذي يظهر لي والله أعلم أن الآية ليس يتعين فيها قسم؛ لأنها لم تقترن بأداة من أدوات القسم، ولا قرينة واضحة دالة على القسم، ولم يتعين عطفها على القسم، والحكم بتقدير قسم من كتاب الله دون قرينة ظاهرة فيه زيادة على كلام الله بغير دليل يجب الرجوع إليه، وأقرب أقوال من قالوا: إن في الآية قسما قول من قال إنه معطوف على قوله: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ﴾ لدلالة قرينة لام القسم في الجمل المذكورة على ذلك، أما قوله: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ فهو محتمل للعطف أيضا، ومحتمل، للاستئناف والعلم عند الله تعالى.","vol":"14","page":293},{"text":"أن الخلق كلهم يرد النار ثم ينجي الله المؤمنين (١).\nروي عن ابن مسعود أن رسول الله -ﷺ- قال: \"يرد الناس جهنم (٢) ثم يصدرون عنها بأعمالهم، فأولهم كالبرق، ثم كالريح، ثم كأجود الخيل، ثم كالراكب في رجله، ثم كشد الرَّجل، ثم كمشيه\" (٣). وقال ابن عباس في هذه الآية: (الورود الدخول، وأخذ بيد مجاهد وقال: أما أنا وأنت فسندخلها) (٤). وخاصمه نافع بن الأزرق فقال: (إن الشيء ربما ورد الشيء ولكن لا يدخله، فقال ابن عباس: يا ابن الأزرق أما أنا وأنت فسندخلها فانظر هل ينجينا الله منها بعد أم لا) (٥)\nوسئل جابر -﵁- عن هذه الآية فقال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: \"الورود الدخول لا يبقى بر ولا فاجر إلا دخلها، فتكون على المؤمن بردًا\n_________\n(١) \"جامع البيان\" ١٦/ ١١٥ \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٨٥، \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٥١١، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٤٦، \"زاد المسير\" ٥/ ٢٥٧، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ١٣٨.\n(٢) لفظ: (جهنم) ساقط من نسخة (س).\n(٣) أخرجه الترمذي في جامعه كتاب التفسير سورة مريم ١٢/ ١٦ ح ٣١٥٩ وقال: حديث حسن. والحاكم في \"مستدركه\" ٢/ ٣٧٥ وصححه ووافقه الذهبي، وأحمد في \"مسنده\" ١/ ٤٣٣، والدرامي في كتاب: الرقائق، باب: في ورود النار ٢/ ٣٢٩، وأخرج نحوه البخاري في كتاب: الرقائق، باب: الصراط جسر جهنم ٨/ ١٤٦، ومسلم كتاب: الإيمان، باب: معرفة طريق الرؤية ١/ ١٨٧، والطبري في \"جامع البيان\" ١٦/ ١١٤، وابن كثير في \"تفسيره\" ٣/ ١٤٧.\n(٤) \"جامع البيان\" ١٦/ ١١٤، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٤٧.\n(٥) \"تفسير القرآن\" للصنعاني ٢/ ١١، \"جامع البيان\" ١٦/ ١١٤، \"بحر العلوم\" ٢/ ٣٣٠، \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٥١٢، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٤٦، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٤٧.","vol":"14","page":294},{"text":"وسلاما، كما كانت على إبراهيم\" (١).\nوروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: (يرد الناس جميعا نار جهنم، وكان قسما من ربنا وحتما مقضيا تخلف فيها أهل الشرك وهم ظالمون، وأقام أهل الصلاة والإيمان فيها بقدر أعمالهم، ونادى المنادي فقال: إن الله يقول ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ فخرجوا واحترق بعضهم). وذكر حديثًا طويلا (٢). وهذا الذي ذكرنا مذهب أهل السنة واحتجوا من طريق اللفظ بأن قالوا: جرى ذكر الكافرين، ثم قال بعد: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ فنظم الكلام أوجب أن هذا عام، والورود بمعنى الدخول قد أتى\n_________\n(١) أخرجه الإمام أحمد في \"مسنده\" ٣/ ٣٢٩، ورجاله ثقات غير أبي سمية قال عنه الحافظ: مقبول، وأورده الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" كتاب: البعث، باب: ما جاء في الصراط والميزان والورود ١٠/ ٣٦٠ وقال: رواه أحمد ورجاله ثقات، وابن حجر في \"الكافي الشاف\" ١٥٧، وأورده ابن كثير في \"تفسيره\" ٣/ ٤٧ وقال: غريب ولم يخرجوه. وكذلك القرطبي في جامعه ١١/ ١٣٦، والسيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ٥٠٥ ونسبة لابن أبي حاتم وابن مردويه، وعبد ابن حميد.\nوقال الشنقيطي -﵀- في \"أضواء البيان\" ٤/ ٣٥١ بعد ذكره لهذا الحديث: أبو سمية قد ذكره ابن حبان في الثقات، وبتوثيق أبي سمية المذكور تتضح صحة الحديث؛ لأن غيره من رجال الإسناد ثقات معروفون، مع أن حديث جابر المذكور يعتضد بظاهر القرى وبالآيات الأخرى التي استدل بها ابن عباس وآثار جاءت عن علماء السلف -﵃- كما ذكره ابن كثير عن خالد بن معدان، وعبد الله بن رواحة، وذكره ابن جرير عن أبي ميسرة، وذكره ابن كثير عن عبد الله بن المبارك عن الحسن البصري، كلهم يقولون: إنه ورود دخول.\n(٢) لم أقف عليه وذكرت كتب التفسير نحوه مختصرًا. انظر: \"جامع البيان\" ١٦/ ٨٣، \"معالم التنزيل\" ٣/ ٢٠٤ \"بحر العلوم\" ٢/ ٣٣٠، \"المحرر الوجيز\" ١١/ ٤٨، \"الكشف والبيان\" ٣/ ١١ أ.","vol":"14","page":295},{"text":"في التنزيل قال الله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٨]، ﴿لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا﴾ [الأنبياء: ٩٩] ويراد بالورود هاهنا: الدخول، وقال تعالى: ﴿فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ﴾ [هود: ٩٨]؛ ولأن الله تعالى قال فيما بعد: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ والنجاة لا تكون إلا مما دخلت فيه؛ ولأنه قال: ﴿نَذَرُ الظَّالِمِين﴾ ولم يقل وندخل الظالمين، ونذر: نترك الشيء وقد حصل في مكانه.\nوروى الحسن بن مسلم (١) عن عبيد بن عمير في هذه الآية قال: (ورودها حضورها) (٢). وروى يزيد النحوي (٣) عن عكرمة في هذه الآية\n_________\n(١) الحسن بن مسلم بن يناق، المكي، روى عن صفية بنت شيبة، وطاوس، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وروى عنه: ابن جريج، وأبان بن صالح، وإبراهيم بن نافع وغيرهم، وهو ثقة، ثبت، توفي -﵀- سنة ٩٨ هـ وقيل غير ذلك.\nانظر: \"تهذيب التهذيب\" ٢/ ٣٢٢، \"طبقات ابن سعد\" ٥/ ٤٧٩، \"تهذيب الأسماء واللغات\" ١/ ١٦١، \"الكاشف\" ١/ ٢٢٧، \"تهذيب الكمال\" ٦/ ٣٢٥.\n(٢) \"زاد المسير\" ٥/ ١٧٨، وذكر البغوي في \"تفسيره\" ٣/ ٢٠٤ بدون نسبة.\n(٣) يزيد بن أبي سعيد النحوي، أبو الحسن القرشي مولاهم، المروزي، من بني نحو بطن من الأزد، روى عن سليمان بن بريدة، وعكرمة مولى بن عباس، ومجاهد وغيرهم، وروى عنه: الحسن بن رشيد، والحسين بن واقد، ومحمد بن بشار وغيرهم، وثقه العلماء، وكان متقنًا، من العباد، تقيًا من الرفعاء، تاليًا لكتاب الله، عالمًا بما فيه، قتل سنة ١٣١ هـ.\nانظر: \"طبقات ابن سعد\" ٧/ ٣٦٨، \"اللباب\" ٣/ ٣٠١، \"الكاشف\" ٣/ ١٧٨، \"تهذيب التهذيب\" ١١/ ٣٣٢، \"الأنساب\" للسمعاني ٥/ ٤٦٩، \"تهذيب الكمال\" ٣٢/ ١٤٣.","vol":"14","page":296},{"text":"قال: (الورود الدخول) (١). وبكى عبد الله بن رواحة لما نزلت هذه الآية وقال: (إني علمت أني وارد النار فما أدري أناج منها أم لا) (٢). هذا هو الكلام في الورود، ثم الله تعالى قادر بلطفه أن يسلم المؤمنين منها إذا وردوها حتى يعبروها ويخرجوا منها سالمين كما ذكرنا في حديث جابر أن النبي -ﷺ- قال: \"فتكون على المؤمن بردًا وسلامًا\" (٣).\nوقال خالد بن معدان: (إذا جاز المؤمنون الصراط قال بعضهم لبعض: ألم يعدنا ربنا أن نمر على جسر النار، فيقولون: بلى ولكنا مررنا عليها وهي خامدة لمرورنا) (٤).\nوقال أشعث الجذامي: (بلغني أن أهل الإيمان إذا مروا بصراط جهنم تقول لهم: جوزوا عني قد بردتم وهجي ذروني لأهلي) (٥).\nوروى أن النبي -ﷺ- قال: \"تقول النار للمؤمن يوم القيامة: جز يا مؤمن فقد أطفأ نورك لهبي\" (٦).\n_________\n(١) ذكره الماوردي في \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٨٤ بدون نسبة، وكذلك البغوي في \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٤٦.\n(٢) \"تفسير القرآن\" للصنعاني ٢/ ١١، \"جامع البيان\" ١٦/ ١١٤، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٤٧، \"زاد المسير\" ٥/ ٢٥٥.\n(٣) سبق تخريج الحديث وعزوه.\n(٤) \"جامع البيان\" ١٦/ ١١٤، \"بحر العلوم\" ٢/ ٣٣٠، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٤٦، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٤٧، \"زاد المسير\" ٥/ ٢٥٥.\n(٥) ذكرت نحوه كتب التفسير بدون نسبة.\nانظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ١٤١، \"روح المعاني\" ١٦/ ١٢٢، \"لباب التأويل\" ٤/ ٢٥٦.\n(٦) أخرجه أبو نعيم في \"الحلية\" ٩/ ٣٢٩، والقرطبي في \"تذكرته\" ص ٢٣٤، والطبراني في \"الكبير\" ص ٦٦٨، وأورده الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" كتاب البعث، باب: =","vol":"14","page":297},{"text":"وروى عثمان بن الأسود عن مجاهد في هذه الآية قال: (من حمَّ من المسلمين فقد وردها) (١). لأن الحمَّى من فيح جهنم قال رسول الله -ﷺ-: \"الحمَّي كير من جهنم فما أصاب المؤمن منها كان حظه من النار في الآخرة\" (٢) (٣).\n_________\n= ما جاء في الميزان والصراط والورود ١٠/ ٣٦٠، وقال: رواه الطبراني وفيه سليم بن منصور بن عمار وهو ضعيف. وأورده البغوي في \"تفسيره\" ٣/ ٢٠٥، والسيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ٢٨٢، وأورده الألباني في \"السلسلة الضعيفة\" (٣٤١٣)، والحديث بجميع طرقه ضعيف فيه بشير بن طلحة ضعيف، وخالد بن دريك لم يسمع من يعلي بن منية فهو منقطع، وكذلك سليم بن منصور ضعيف.\n(١) \"جامع البيان\" ١٦/ ١١١، \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٤٨، \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٥١٥، \"معالم التنزيل\" ٣/ ٢٠٥، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٣٧.\n(٢) أخرجه الإمام أحمد في \"مسنده\" ٥/ ٢٥٢، عن أبي أمامة ﵁، ورواه الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" ٢/ ٣٠٥، وقال: رواه أحمد وفيه أبو حصين الفلسطيني ولم أر له راويًا غير محمد بن مطرف. وأخرج نحوه البخاري في \"صحيحه\" كتاب الطب، باب: الحمى من فيح جهنم ٥/ ٢١٦٢، ومسلم في \"صحيحه\" كتاب السلام، باب: لكل داء دواء واستحباب التداوي ٤/ ١٧٣٢، وابن ماجه في \"سننه\" كتاب الطب، باب: الحمى ٢/ ١١٤٩، والدرامي كتاب الرقائق، باب: الحمى من فيح جهنم ٢/ ٢٢٤، والحاكم في \"المستدرك\" ١/ ٣٤٥، وقال: صحح الإسناد ووافقه الذهبي، والطبري في \"جامع البيان\" ١٦/ ١١١، والبغوي في \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٤٩، وابن كثير في \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٤٧.\n(٣) قال الشنقيطي -﵀- في \"أضواء البيان\" ٤/ ٣٥٢ بعد ذكره لهذا القول: وأجابوا عن الاستدلال بحديث \"الحمى من فيح فجهنم\" قالوا: الحديث حق صحيح ولكنه لا دليل فيه لمحل النزاع؛ لأن السياق صريح في أن الكلام في النار في الآخرة وليس في حرارة منها في الدنيا؛ لأن أول الكلام قوله تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا﴾ -إلى أن قال- ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ فدل على أن كل ذلك في الآخرة لا في الدنيا كما ترى.","vol":"14","page":298},{"text":"وقال قوم: (إن هذا إنما يعني به المشركين خاصة) (١). واحتجوا بقراءة بعضهم: ﴿وَإِن مِّنهمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ (٢). وهذا معنى قول ابن عباس في رواية عطاء (٣). ويكون على مذهب هؤلاء معنى: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ نخرجهم من جملة من يدخل النار.\nوقال ابن زيد: (الورود عام لكل مؤمن وكافر غير أن ورود المسلمين على الجسر، وورود الكافرين أن يدخلوها) (٤). وهذا يروى عن الحسن، وقتادة أنهما قالا: (ورودها ليس دخولها) (٥).\nقال أبو إسحاق: (وحجتهم في ذلك قوية من جهات أحدها: أن العرب تقول: وردت ماء كذا ولم تدخله، ووردت بلد كذا إذا أشرف عليه ولم يدخله، قال: والحجة القاطعة عندي قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١) لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا﴾ [الأنبياء: ١٠١، ١٠٢] (٦). ومن قال بالقول الأول قال في هذه الآية: (وهم عن\n_________\n(١) \"الجامع البيان\" ١٦/ ١١٠، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٣٦، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ١٣٨.\n(٢) قرأ بها ابن عباس، وعكرمة ﵄.\nانظر: \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٥١١، \"الكشاف\" ٢/ ٤١٩، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٤٧ \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٣٨، \"البحر المحيط\" ٦/ ٢١٠.\n(٣) \"جامع البيان\" ١٦/ ١١٤، \"زاد المسير\" ٥/ ٢٥٥، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ١٣٨.\n(٤) \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٤٨، \"زاد المسير\" ٥/ ٢٥٥، \"روح المعاني\" ١٦/ ١٢٢.\n(٥) \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ١٣٦، \"البحر المحيط\" ٦/ ٢٠٩ \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٤١.\n(٦) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٤١.","vol":"14","page":299},{"text":"مكروهها مبعدون؛ لأنه لا ينالهم أذاها ووهجها إذا وردوها) (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2415>٧٢ </span>- قوله تعالى: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ قال ابن عباس: (يريد اتقوا الشرك وصدقوا بنبيي) (٢). ﴿وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ﴾ قال: (يريد المشركين والكفار والمنافقين) (٣). ﴿فِيهَا جِثِيًّا﴾ قيل: على الركب، وقيل: جميعًا، وقد مر قبل\n_________\n(١) والراجح -والله أعلم- القول الأول. قال ابن جرير الطبري -﵀- في \"تفسيره\" ١٦/ ١١٤: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال يردها الجميع ثم يصدر عنها المؤمنون فينجيهم الله ويهوي فيها الكفار وورودهما هو ما تظاهرت به الأخبار عن رسول الله -ﷺ- من مرورهم على الصراط المنصوب على متن جهنم فناج مسلم ومكدس فيها.\nوقال البغوي -﵀- في \"تفسيره\" ٥/ ٢٤٩: والأول أصح، وعليه أهل السنة أنهم جميعًا يدخلون النار ثم يخرج الله -﷿- منها أهل الإيمان؛ بدليل قوله تعالى: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ أي: اتقوا الشرك، وهم المؤمنون، والنجاة إنما تكون مما دخلت فيه لا ما وردت.\nوقال الشنقيطي -﵀- في \"أضواء البيان\" ٤/ ٣٥٢ بعد ترجيحه لهذا القول: وأجاب من قال: بأن الورود في الآية الدخول عن قوله: ﴿أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ بأنهم مبعدون عن عذابها وألمها، فلا ينافي ذلك ورودهم إياها من غير شعورهم بألم ولا حر منها.\nانظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ١٣٩، \"التفسير الكبير\" ١١/ ٢٤٤، \"أضواء البيان\" ٤/ ٣٥٠.\n(٢) ذكرت نحوه كتب التفسير بدون نسبة.\nانظر: \"الكشف والبيان\" ٣/ ١٢ أ، \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٥١٦، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٤٩، \"زاد المسير\" ٥/ ٢٥٧، \"إرشاد العقل السليم\" ٥/ ٢٧٦.\n(٣) ذكرت نحوه كتب التفسير بدون نسبة.\nانظر: \"بحر العلوم\" ٢/ ٣٣١، \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٥١٦ \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٤٩، \"التفسير الكبير\" ٢١/ ٢٤٥.","vol":"14","page":300},{"text":"ذلك (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2416>٧٣ </span>- قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ يعني: على المشركين ﴿آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ﴾ يريد القرآن ﴿قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ مشركوا قريش ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الفقراء المؤمنين] (٢) ﴿أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ﴾ أنحن أم أنتم ﴿خَيْرٌ مَقَامًا﴾ وقرئ: مُقَاما بالضم (٣). وهما المنزل والمسكن، وكذا قال المفسرون (٤).\nوالمَقَام بالفتح المصدر واسم الموضع جميعًا، وفَعَلَ يَفْعُل المصدر واسم الموضع منه على مَفْعَلٍ نحو: قَتَلَن يَقْتُل، مَقْتَلًا، وهذا مَقْتَلُ فلان، وأما المُقَام بالضم فيصلح أن يكون بمعنى الإقامة فعول أقَمْت مُقَاما كما تقول: أَقَمْت إِقَامَة، ومكان الإقَامَة مُقَام أيضًا، وكذلك ما زاد من الأفعال على ثلاثة أحرف بحرف زائد أو أصلي فالمصدر اسم الموضع يكون منه على مفعل (٥). والمَقَام والمُقَام في هذه الآية يراد به المكان كما ذكرنا.\nقال الأخفش: (يقال للمَقْعد المَقَام وللمشهد المَقَام) (٦). ومنه قوله\n_________\n(١) عند قوله سبحانه: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا﴾. [مريم: ٦٨]\n(٢) ما بين المعقوفين ساقط من نسخة (س).\n(٣) قرأ ابن كثير المكي: ﴿خَيْرٌ مُقاما﴾ بضم الميم. وقرأ نافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وحمزة، والكسائي، وعاصم: ﴿خَيْرٌ مَقَامًا﴾ بفتح الميم.\nانظر: \"السبعة\" ص ٤١١، \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٢٠٥، \"التبصرة\" ص ٢٥٦، \"الغاية في القراءات\" ص ٣١٧.\n(٤) \"تفسير القرآن\" للصنعاني ٢/ ١١، \"جامع البيان\" ١٦/ ١١٤، \"بحر العلوم\" ٢/ ٣٣١ \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٨٥ \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٥١٦.\n(٥) انظر: \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٢٠٧، \"إملاء ما من به الرحمن\" ١/ ١١٦، \"الدر المصون\" ٧/ ٦٢٨.\n(٦) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٢٠٦.","vol":"14","page":301},{"text":"تعالى: ﴿قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ﴾ [النمل: ٣٩] أي: من مشهدك، وقد يكون المقام حيث يقوم الإنسان كقول الراجز (١):\nهَذَا مُقَامُ قَدَمَيْ رَبَاحِ\nأي: موضع قيامه.\nوقوله تعالى: ﴿وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾ الندي فعيل بمعنى الفاعل وهو المجلس، وكذلك النادي، يقال: نَدَوْتُ القوم، أَنْدُوهم، نَدْوًا إذا جمعتهم، ويقال للموضع الذي يجتمعون فيه: النَّادِي، والنَّادِي لا يسمى نَادِيًا حتى يكون فيه أهله، وإذا تفرقوا لا يكون نَادِيا ومن هذا قوله: ﴿وَتَأْتُونَ في نَادِيكُمُ الْمُنْكَر﴾ [العنكبوت: ٢٩] ولذلك سميت دار النَّدْوة بمكة، كانوا إذا حز بهم أمر نَدَوا إليها فاجتمعوا للتشاور، وأُنَادِيك أشاورك، وأجالسك من النَّادِي (٢). قال كُثَير:\nأُنَادِيْكَ مَا حَجَّتْ حَجِيْجٌ وَكَبَرَتْ ... بِفَيْفَا غَزَالٍ رُفْقَةٌ وَأَهَلَّتِ (٣)\nوالمعنى: أن المشركين قالوا للفقراء المؤمنين أنحن أم أنتم أعظم شأنًا، وأعز مجلسًا في قومه افتخروا عليهم بمساكنهم، ومجالسهم وحسن\n_________\n(١) هذا صدر بيت لقطر. وعجزه:\nذَبَّبَ حَتى دَلَكَتْ بَرَاحِ\nوالبَرَاحِ: الشمس. ومعنى البيت: أن الشمس قد غربت وزالت فهم يضعون راحاتهم على عيونهم ينظرون هل غربت أو زالت.\nانظر: \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٢٠٨، \"النوادر\" ص ٣١٥، \"لسان العرب\" (برح) ١/ ٢٤٥.\n(٢) \"تهذيب اللغة\" (ندا) ٤/ ٣٥٤٣، \"الصحاح\" (ندا) ٦/ ٢٥٠٥، \"المفردات في غريب القرآن\" (ندا) ص ٤٨٧، \"لسان العرب\" (ندى) ٧/ ٤٣٨٧.\n(٣) البيت لكثير. انظر: \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٢٠٨، \"المنصف\" ٢/ ١٨٠.","vol":"14","page":302},{"text":"معاشهم (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2417>٧٤ </span>- فقال الله تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا﴾ قال الليث: (الأثاث: أنواع المتاع من متاع البيت ونحوه) (٢).\nوقال أبو زيد: (الأثاث: المال أجمع، المال، والإبل، والغنم، والعبيد، والمتاع قال: وواحدتها أثاثة) (٣).\nوقال الفراء: (الأثاث: لا واحد له، كما أن المتاع لا واحد له) (٤). قال ابن عباس، والسدي: (الأثاث: المال) (٥).\nوقال قتادة: (﴿أَحْسَنُ أَثَاثًا﴾: أكثر أموالًا) (٦). وقال الحسن: (الأثاث: اللباس) (٧).\nوقال مجاهد: (الأثاث: المتاع والزينة) (٨).\nوقال عطاء عن ابن عباس في قوله: ﴿أَحْسَنُ أَثَاثًا﴾ قال: (مثل\n_________\n(١) \"جامع البيان\" ١٦/ ١١٦، \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٨٦، \"معالم التنزيل\" ٣/ ١٥٢، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٤٨، \"زاد المسير\" ٥/ ١٥٧.\n(٢) \"تهذيب اللغة\" (أث) ١/ ١١٨.\n(٣) \"تهذيب اللغة\" (أث) ١/ ١١٨.\n(٤) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٧١.\n(٥) \"جامع البيان\" ١٦/ ١١٦، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٤٩.\n(٦) \"جامع البيان\" ١٦/ ١١٦، وذكره الماوردي في \"تفسيره\" ٣/ ٣٨٦ بدون نسبة، وكذلك ابن كثير في \"تفسيره\" ٣/ ١٣٨.\n(٧) ذكر في كتب التفسير بدون نسبة.\nانظر: \"جامع البيان\" ١٦/ ١١٦، \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٨٦، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٤٩.\n(٨) \"جامع البيان\" ١٦/ ١١٦، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٤٩.","vol":"14","page":303},{"text":"الدَّرَانِيْك (١)، والطَّنَافِس) (٢) (٣). وأصل الحرف من قولهم: أَثَّ النبات يَئِثُّ أَثَاثَةً إذا كثر والتف، ويوصف به الشعر (٤)، ومنه قوله (٥):\nأَثِيْث كَقِنْوِ النَّخْلَة المُتَعَثْكِلِ\nوقوله تعالى: ﴿وَرِئْيًا﴾ قال أبو إسحاق: (منظرًا من رأيت) (٦).\nقال أبو علي: (رِئْيٌ فعل من رأيت، وكأنه اسم لما ظهر وليس\n_________\n(١) الدَّرْنيك: ضرب من الثياب أو البسط، له خمل قصير كخمل المناديل، ويشبه فروة البعير والأسد.\nانظر: \"تهذيب اللغة\" (درنك) ٢/ ١١٨١، \"مقاييس اللغة\" (الدرنوك) ٢/ ٣٤١، \"الصحاح\" (درنك) ٤/ ١٥٨٣، \"لسان العرب\" (درنك) ٣/ ١٣٦٩.\n(٢) الطَّنْفُسَة: بضم الفاء، البساط الذي له حمل رقيق. ويقال للإنسان إذا لبس الثياب الكثيرة: مطنفس.\nانظر: \"تهذيب اللغة\" (طنفس) ٣/ ٢٢٢٤، لسان (طفنس) ٥/ ٢٧١٠، \"القاموس المحيط\" (طنفس) ٢/ ٥٩٦.\n(٣) ذكر نحوه بالنسبة القرطبي في \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ١٤٣.\n(٤) انظر: \"تهذيب اللغة\" (أث) ١/ ١١٨، \"مقاييس اللغة\" (أث) ١/ ٨، \"القاموس المحيط\" (أث) ١/ ١٦١٦، \"المعجم الوسيط\" (أث) ١/ ٥، \"لسان العرب\" (أثث) ١/ ٢٤.\n(٥) هذا عجز بيت لامرئ القيس. وصدره:\nوَفَرْع يِزينُ الَمَتَن أَسْوَدَ فَاحِمِ\nوالفرع: الشعر التام، والفاحم: الشديد السواد، العثكال: بمعنى القنو وقد يكون قطعة منه. فقد ذكر المرأة تبدي عن شعر طويل تام يزين ظهرها إذا أرسلته ثم شبه ذؤابتيها بقنو نخلة خرجت قنوانها.\nانظر: \"ديوانه\" ص ٤٤، \"شرح القصائد\" للتبريزي ص ٤٤، \"شرح المعلقات السبع\" ص ٣٢، \"تهذيب اللغة\" (أث) ١/ ١١٨، \"لسان العرب\" (أثث) ١/ ٢٤.\n(٦) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٤٢.","vol":"14","page":304},{"text":"المصدر، إنما المصدر الرأي والرؤية، ومنه قوله: ﴿رأي العين﴾ [آل عمران: ١٣] فالرأي الفعل، والرئي المرئي كالطَّحْن والطِّحْن، والسَّقْي والسِّقْي، والرَّعْي والرِّعْي) (١). وقول المفسرين في تفسير الرئي: (المنظر)، قاله ابن عباس وغيره (٢). وقال الحسن: (الصور) (٣). وهو راجع إلى النظر. وقرئ: وريا بغير همز.\nقال أبو إسحاق: (وله تفسيران: على معنى الأول بطرح الهمز، وعلى معنى أن منظرهم مُرْتو من النعمة، كأن النعيم بين فيهم) (٥).\nقال أبو علي: (ريا بغير همز يجوز أن يكون بمعنى رئيا فخففت الهمزة، وإذا خففت لزم أن يبدل منها الياء لانكسار ما قبلها، كما تبدل في: ذيب، وبير، فإذا أبدل منها الياء وقعت ساكنة قبل حرف مثله فلابد من الإدغام، وليس يجوز الإظهار لاجتماع المثلين الأول ساكن، ويجوز أن يكون أصله غير الهمز من الري الذي هو ضد العطش، والمراد به في الآية الطراوة والنضارة؛ لأن الري يتبعه ذلك، كما أن العطش يتبعه الذبول والجهد).\n_________\n(١) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٢١٠\n(٢) \"جامع البيان ١٦/ ١١٧، \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٨٦، \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٥٢٠، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٨٣، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ١٤٣\n(٣) \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٥٢٠، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٤٩، \"البحر المحيط\" ٦/ ٢١٠.\n(٤) قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وعاصم، وحمزة، والكسائي: (ورئيا) مهموزة بين الراء والياء. وقرأ ابن عامر، ونافع: (وريا) بغير همز.\nانظر: \"السبعة ص ٤١١، \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٢٠٩، \"حجة القراءات\" ص ٤٤٧، \"المبسوط في القراءات\" ص ٢٤٤.\n(٥) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٤٢.\n(٦) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٢١٠.","vol":"14","page":305},{"text":"قال الفراء: (والقراءة بغير همز وجه جيد؛ لأنه مع آيات ليست بمهموزات الأواخر) (١). وروي عن عاصم في بعض الروايات: وَرِئيًا مثل وريعًا (٢). وهذا على الهمز التي هي عين إلى موضع اللام ويكون تقديره: فَلِعًا، ومن العرب من يقول: رَاءَني زيدٌ بقلب الهمز فيؤخره فرئيا من رآني (٣). والمعنى: أن الله تعالى قد أهلك قبلهم أقوامًا كانوا أكثر متاعًا، وأحسن منظرًا فأهلك أموالهم، وأفسد عليهم صورهم فليخافوا نقمة الله بالإهلاك كسنة من قبلهم من الكفار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2419>٧٥ </span>- قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ في الضَّلَالَةِ﴾ قال ابن عباس: (قل لهم يا محمد من كان في العماية) (٤). يعني عن التوحيد ودين الله ﴿فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾ قال أبو إسحاق: (فليمدد لفظ أمر في معنى الخبر، وتأويله إن الله جعل جزاء ضلالته أن يتركه، ويمده فيها إلا أن لفظ الأمر يؤكد معنى الخبر، كان لفظ الأمر يريد به المتكلم نفسه إلزامًا، كأنه يقول أفعل ذلك وآمر نفسي، فإذا قال قائل: من زارني فلأكرمه، فهو ألزم من قوله أكرمه، كأنه قال: من زارني فأنا آمر نفسي بإكرامه وألزمها ذلك) (٥).\nوقال أبو علي: (هذا لفظه كلفظ أمثله الأمر ومعناه الخبر ألا ترى أنه\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٧١.\n(٢) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٢٠٩، \"المبسوط في القراءات العشر\" ص ٢٤٤.\n(٣) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٤٣، \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٢٠٩، \"المحتسب\" ٢/ ٤٤.\n(٤) ذكرته كتب التفسير نحوه بدون نسبة.\nانظر: \"جامع البيان\" ١٦/ ١١٩، \"زاد المسير\" ٥/ ٢٥٩.\n(٥) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٤٣.","vol":"14","page":306},{"text":"لا وجه للأمر هاهنا، وأن المعنى مده الرحمن مدا) (١). وابن عباس فسره أيضًا بالخبر فقال: (يريد فإن الله يمد له فيها حتى يستدرجه) (٢). وقد تقدم القول في وضع بعض الأمثلة موضع البعض في آيات.\nومعنى المد في الضلالة ذكرناه في قوله: ﴿وَيَمُدُّهُمْ في طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [البقرة: ١٥]. وقال صاحب النظم: (من شرط وللشرط جزاء واجتمع في قوله: ﴿فَلْيَمْدُدْ﴾ جزاء الشرط والفاء دليل عليه، وابتداء الأمر ولو تمحض جزاء لكان يمدد ولكنه دعاء عليهم بأن يمدهم الله في الضلالة والدعاء يكون بلفظ الأمر كأنه أمر النبي -ﷺ- أن يدعوا على من كان في الضلالة بهذا الدعاء، وهذا كما تقول في الكلام: من سرق مالي فليقطع الله يده، فهذا دعاء على السارق وهو جواب للشرط) (٣). هذا معنى كلامه. وعلى ما ذكر لا يكون ﴿فَلْيَمْدُدْ﴾ خبرًا كما قاله الزجاج، وأبو علي، وأكد ابن الأنباري هذا الوجه فقال: (اللام في ﴿فَلْيَمْدُدْ﴾ لام الدعاء وتقديرها في الآية: قل يا محمد من كان في الضلالة فاللهم مد له في العمر مدا) (٤).\nوقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا رَأَوْا﴾ هو متصل بالمد؛ لأن المعنى مده الله في ضلالته حتى يرى ما يوعد من العذاب أو الساعة، وإنما قال ﴿رَأَوْا﴾ بعد\n_________\n(١) \"الحجة للقراء السبعة\" ٢/ ٢٠٥.\n(٢) ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة.\nانظر: \"الكشف والبيان\" ٣/ ١٢ أ، \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٥٢٢، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٥٣، \"زاد المسير\" ٥/ ٢٥٩، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ١٤٤، \"روح المعاني\" ١٦/ ١٢٧.\n(٣) ذكر نحوه القرطبي في \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ١٤٤.\n(٤) ذكر نحوه بلا نسبة في \"الكشاف\" ٢/ ٤٢١، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ١٤١، \"البحر المحيط\" ٦/ ٢١٢.","vol":"14","page":307},{"text":"قوله ﴿فَلْيَمْدُدْ﴾ لأن لفظ من يصلح للواحد والجمع، وإذا مع الماضي يكون بمعنى المستقبل، والمعنى: حتى يروا ما يوعدون.\nوقوله تعالى: ﴿إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ﴾ منصوبان على البدل من ﴿مَا يُوعَدُونَ﴾ (١). قال أبو إسحاق: (و﴿الْعَذَابَ﴾ هاهنا ما وعدوا به من نصر المؤمنين عليهم، فإنهم يعذبونهم قتلًا، وأسرًا، و﴿اَلسَّاعَةُ﴾ يعني بها يوم القيامة وما وعدوا فيها من الخلود في النار) (٢). والمعنى: ﴿فَسَيَعْلَمُونَ﴾ بالنصر والقتل أيهم ﴿وَأَضْعَفُ جُنْدًا﴾ كما قاله الزجاج وأبو علي (٣)، أهم أم المؤمنون، ويعلمون بمكانهم من جهنم ومكان المؤمنين من الجنة ﴿مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا﴾ قال ابن عباس: (أراد الله هذا الرد عليهم في قولهم: ﴿أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾) (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2420>٧٦ </span>- قوله تعالى: ﴿وَيَزِيدُ الله الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾ قال [الربيع بن أنس: (يزيد الله الذين اهتدوا] (٥) بكتابه هدى بما ينزل عليهم من الآيات فيصدقون بها) (٦). وقال الكلبي: (ويزيد الله الذين اهتدوا بالمنسوخ هدى\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٤٣، \"إعراب القرآن\" للنحاس ٢/ ٣٢٦.\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٤٣.\n(٣) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٤٣، \"الحجة للقراء السبعة\" ٢/ ٢٠٥.\n(٤) ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة.\nانظر: \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٠٣، \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٥٢٤، \"زاد المسير\" ٥/ ٢٥٩ \"الكشاف\" ٢/ ٥٢٢، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ١٤٤.\n(٥) ما بين المعقوفين مكرر في نسخة (س).\n(٦) ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة.\nانظر: \"جامع البيان\" ١٦/ ١١٩، \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٨٧، \"زاد المسير\" ٥/ ٢٥٩، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ١٤٤، \"التفسير الكبير\" ٢١/ ٢٤٨.","vol":"14","page":308},{"text":"بالناسخ) (١). وقيل معناه: (يزيدهم إخلاصًا وإيمانًا) (٢). وقيل: (يزيدهم هدى بالتوفيق حتى يستكثروا من الطاعات) (٣). وقال أبو إسحاق: (المعنى أن الله تعالى يجعل جزاء المؤمنين أن يزيدهم يقينًا كما جعل جزاء الكافر (٤) أن يمده في ضلالته) (٥).\n﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ﴾ الأذكار والأعمال الحسنة من الطاعات التي تبقى لصاحبها ولا تحيط (٦). ﴿خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا﴾ جزاء في الآخرة مما يفتخر به الكفار من مالهم وحسن معاشهم. ومضى القول في الباقيات الصالحات في سورة الكهف (٧).\nوقوله تعالى: ﴿وَخَيْرٌ مَرَدًّا﴾ المراد هاهنا مصدر مثل الرد، والمعنى: وخير ردًّا على عامليها للثواب، ليست كأعمال الكفار التي خسروها فبطلت، ويقال: هذا الأمر أرد عليك أي: أنفع لك (٨). والمعنى: أنه يرد\n_________\n(١) \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٨٧، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ١٤٤، وذكره بدون نسبة \"جامع البيان\" ١٦/ ٩٠، \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٥٢٤، \"زاد المسير\" ٥/ ٢٥٩.\n(٢) \"زاد المسير\" ٥/ ٢٥٩، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ١٤٤، \"التفسير الكبير\" ١١/ ١٤٨.\n(٣) \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٨٧، \"زاد المسير\" ٥/ ٢٥٩، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ١٤٤، \"فتح القدير\" ٣/ ٤٩٨.\n(٤) في (س): (الكافرين).\n(٥) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٤٤.\n(٦) \"تفسير القرآن\" للصنعاني ٢/ ١٢، \"جامع البيان\" ١٦/ ١١٩، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٥٣.\n(٧) عند قوله سبحانه: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾ [الكهف: ٤٦].\n(٨) انظر: \"تهذيب اللغة\" (رد) ٢/ ١٣٩٠، \"الصحاح\" (ردد) ٢/ ٤٧٣، \"لسان العرب\" (ردد) ٣/ ١٦٢١، \"المفردات في غريب القرآن\" (رد) ص ١٩٣.","vol":"14","page":309},{"text":"عليك ما تريد، كذلك أعمال المؤمنين ترد عليهم الجنة التي فقدوها بإخراج أبيهم آدم منها (١). ويجوز أن يكون المرد بمعنى: المرجع وكل واحد يرد إلى عمله الذي عمله، فيجمع بينه وبين ما عمل فالأعمال الصالحة خير مردًا من الأعمال السيئة (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2421>٧٧ </span>- قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا﴾ قال ابن عباس وجماعة أهل التفسير: (نزلت في العاص بن وائل (٣)، وذلك أن خباب بن الأرت كان له عليه دين فأتاه يتقاضاه فقال: لا أقضيك حتى تكفر بآلهة محمد، فقال خباب: والله لا أكفر بإله محمد حيًا ولا ميتًا ولا حين أبعث، فقال: أوتبعث أيضًا؟ فدع مالك قبلي، فإذا بعثت أعطيت مالًا وولدًا وقضيتك مما أعطى، يقول ذلك مستهزءًا) (٤).\nوقال مقاتل والكلبي: (قال لخباب: لئن كان ما تقول حقًا فإني لأفضل ثَمَّ نصيبًا منك، فأنزل الله ﷿: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا﴾ يعنىِ: العاص كفر بالقرآن) (٥). ﴿وَقَالَ لَأُوتَيَن﴾ لأعطين أي: والله لأوتين القسم\n_________\n(١) \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ١٤٥.\n(٢) \"الكشاف\" ٢/ ٤٢١، \"زاد المسير\" ٥/ ٢٥٩، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ١٤٥، \"فتح القدير\" ٣/ ٤٩٨.\n(٣) العاص بن وائل بن هاشم السهمي، أحد المجاهرين بالعداوة والأذى للرسول -ﷺ- وللصحابة رضوان الله عليهم، توفي بعد الهجرة بشهرين وهو والد الصحابي الجليل عمرو بن العاص ﵁.\nانظر: \"جوامع السيرة\" ص ٥٣، \"الكامل\" لابن الأثير ٢/ ٤٨، \"الأعلام\" ٣/ ٢٤٧.\n(٤) \"جامع البيان\" ١٦/ ١٢٠، \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٨٧، \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٥٢٦، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٥٣، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٥٠.\n(٥) \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ١٤٥، \"الكشف والبيان\" ٣/ ١٢ ب.","vol":"14","page":310},{"text":"مضمر ﴿مَالًا وَوَلَدًا﴾ يعني في الجنة بعد البعث.\nوقرئ: وَلَدا، ووُلْدا (١). قال الليث: (الولد اسم يجمع الواحد والكثير والذكر والأنثى) (٢). قال الزجاج: (الوَلَدُ والوُلْدُ واحد مثل العَرَبُ، والعُرْبُ، والعَجَمُ، والعُجْمُ، والبَخَل، والبُخْلُ) (٣). ونحو ذلك قال الفراء (٤)، وأنشد (٥).\nوَلَقَدْ رَأَيْتُ مَعَاشِرًا ... قَدْ ثَمَّرُوا مَالًا وَوُلدَا\nواحتج على استعمال المضموم في الواحد بقول العرب في المثل: (وُلْدُكِ مَنْ دَمَّى عَقِبَيْكِ) (٦)، وأنشد (٧):\n_________\n(١) قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، ونافع، وعاصم، وابن عمر: (وَوَلَدًا) بفتح الواو. وقرأ حمزة، والكسائي: (وَوُلْدا) بضم الواو.\nانظر: \"السبعة\" ص ٤١٢، \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٢١١، \"التبصرة\" ص ٢٥٧، \"النشر\" ٢/ ٣١٩.\n(٢) \"تهذيب اللغة\" (ولد) ٤/ ٣٩٥١.\n(٣) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٤٤.\n(٤) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٧٣.\n(٥) البيت للحارث بن حلزة.\nانظر: \"جامع البيان\" ١٦/ ١٢٢، \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٨٧، \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٧٣، \"الدر المصون\" ٧/ ٦٣٥، \"تهذيب اللغة\" (ولد) ٤/ ٣٩٥١، \"لسان العرب\" (ولد) ٨/ ٤٩١٤.\n(٦) المعنى: ابنكِ الذي نَفُسْتِ به حتى أدمى النفاس عقبيك، فهو ابنك حقيقة لا من اتخذته وتبنيته وهو من غيرك.\nانظر: \"جامع البيان\" ١٦/ ١٢٢، \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٧٣، \"الأمثال\" للسدوسي ص ٥١، \"المستقصى في أمثال العرب\" ١/ ٣٠، \"الأمثال\" لابن سلام ص ١٤٧، \"تهذيب اللغة\" (ولد) ٤/ ٣٩٥٠، \"لسان العرب\" (ولد) ٨/ ٤٩١٤.\n(٧) لم أهتد إلى قائله، وذكرته كتب التفسير واللغة بلا نسبة. =","vol":"14","page":311},{"text":"فَلَيْتَ فُلاَنًا كَانَ في بَطْنِ أُمَّه ... وَلَيْتَ فُلاَنا كَانَ وُلْدَ حِمَارِ\nفهذا واحد قال: (وقيس تجعل الوُلْد جمعًا، والوَلَد واحدًا) (١). وقال ابن السكيت: (الوُلْدُ يكون واحدا وجمعًا) (٢).\nقال أبو علي: (هو كالفُلْك الذي يكون مرة جمعًا ومرة واحدًا، ويكون لفظ واحده [موافقًا للفظ جمعه] (٣)، قال: ويجوز أن يكون الوُلْدُ جمع وَلَد مثل أَسَدٍ، وأُسْدٍ، وثَمَرٍ، وثُمْرٍ) (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2422>٧٨ </span>- قال الله تعالى مكذبًا له ومنكرًا عليه ﴿أَطَّلَعَ الْغَيْبَ﴾ قال ابن عباس، ومجاهد: (يريد أعلم ما غاب عنه حتى يعلم أفي الجنة هو أم لا) (٥). وقال الكلبي: (معناه: انظر في اللوح المحفوظ) (٦).\nوقوله تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ قال ابن عباس: (يريد: من قال: لا إله إلا الله فارحمه بها) (٧).\n_________\n= انظر: \"جامع البيان\" ١٦/ ١٢٢، \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٥٢٧، \"البحر المحيط\" ٦/ ٢١٣، \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٢١١، \"المحتسب\" ١/ ٣٦٥، \"الدر المصون\" ٧/ ٦٣٦، \"تهذيب اللغة\" (ولد) ٤/ ٣٩٥١، \"لسان العرب\" (ولد) ٨/ ٤٩١٤.\n(١) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٧٣.\n(٢) \"تهذيب اللغة\" (ولد) ٤/ ٣٩٥١، \"لسان العرب\" (ولد) ٨/ ٤٩١٤.\n(٣) ما بين المعقوفين ساقط من نسخة (س).\n(٤) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٢١٢.\n(٥) \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٥٣، \"زاد المسير\" ٥/ ٣٦١، \"القرطبي\" ١١/ ١٤٦.\n(٦) ذكرته كتب التفسير ونسبته لابن عباس.\nانظر: \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٥٣، \"زاد المسير\" ٥/ ٣٦١، \"القرطبي\" ١١/ ١٤٦.\n(٧) \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٥٠، و\"زاد المسير\" ٥/ ٢٦١، و\"الدر المنثور\" ٤/ ٥٠٦.","vol":"14","page":312},{"text":"وقال قتادة: (يعني: أقدم عملًا صالحًا فهو يرجوه) (١) (٢).\nوقال السدي: (العهد: الطاعة لله -﷿-) (٣). وهذا القول منتزع مما روى أن النبي -ﷺ- قال: \"يقول الله: من صلى الصلوات لوقتها ولم يذرها استخفافا بها لقيني يوم القيامة وله عندي عهدًا أدخله به الجنة، ومن لم يصلها لوقتها وتركها استخفافًا بها لقيني يوم القيامة وليس له عندي عهد\" (٤).\nوعلى [هذا المعنى فالآية] (٥): أم صلى الصلوات الخمس فاتخذ بها عندي عهدًا. وقال الكلبي: (أعهد إليه الله أنه يدخله الجنة) (٦). وهو اختيار الزجاج يقول: (أم أعطى عهدًا) (٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2423>٧٩ </span>- وقوله تعالى: ﴿كَلَّا﴾ (٨) هذه الكلمة ترد في القرآن بمعنيين\n_________\n(١) قوله: (فهو يرجوه)، ساقط من نسخة (س).\n(٢) \"جامع البيان\" ١٦/ ١٢٢، \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٨٨، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٥٣ \"زاد المسير\" ٥/ ٢٦١، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ١٤٦.\n(٣) ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة. انظر: \"جامع البيان\" ١٦/ ١٢٢، \"بحر العلوم\" ٢/ ٣٣٢، \"روح المعاني\" ١٦/ ١٣٠.\n(٤) أخرج نحوه أبو داود في \"سننه\" في الوتر، باب فيمن لم يوتر ٢/ ١٣١، والنسائي في الصلاة، باب فضل الخمس ١/ ١٦٤، وابن ماجه في \"سننه\" كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب ما جاء في فرض الصلوات الخمس ١/ ٤٤٨، والإمام أحمد في \"مسنده\" ٤/ ٢٤٤، والهواري في \"تفسيره\" ٣/ ٧٦.\n(٥) ما بين المعقوفين ساقط من نسخة (س).\n(٦) \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٥٤، \"زاد المسير\" ٥/ ٢٦١، \"القرطبي\" ١١/ ١٤٦.\n(٧) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٤٥.\n(٨) قال الألوسي في \"روح المعاني\" ١٦/ ٣١٣: وهذا أول موضع وقع فيه من القرآن، وقد تكرر في النصف الأخير فوقع في ثلاثة وثلاثين موضعًا.","vol":"14","page":313},{"text":"أحدهما: الرد لكلام تقدم (١). والثاني: بمعنى: حقًّا (٢).\nقال الفراء: (كلا بمنزلة سوف، وتجيء حرف رد فكأنها نعم ولا) (٣).\nوهذا الذي قاله (٤) الفراء هو أصل معنى كلا، فإنه ينفي ما قبله ويحقق ما بعده، ولذلك اختلف المفسرون في معناه فجعله (٥) بعضهم بمنزلة حقًا، وبعضهم جعله ردًا لما قبله وردعًا، وهو متضمن للمعنيين كما ذكره الفراء (٦).\nوقال الكسائي: (لا تنفي حسب، وكلا تنفي شيئًا وتوجب شيئًا كقولك لرجل قال لك: أكلت شيئًا؟ قلت: لا، ويقول آخر: أكلت تمرًا فتقول (٧): كلا، أردت أنك أكلت عسلًا لا تمرًا، قال: وتأتي كلا بمعنى قول حقًّا) قال ذلك كله أحمد بن يحيى عن سلمة عن الفراء عن الكسائي (٨).\nقال الفراء: (ويجوز أن تجعلها صلة لما بعدها كقولك: كلا ورب الكعبة، فتكون بمنزلة: إي ورب الكعبة، قال الله تعالى: ﴿كَلَّا وَالْقَمَرِ﴾\n_________\n(١) لفظ: (تقدم): ساقط من نسخة (س).\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٤٥، \"إملاء ما من به الرحمن\" ١/ ١١٧، \"البحر المحيط\" ٦/ ٢١٤، \"روح المعاني\" ١٦/ ١٣١، \"الدر المصون\" ٧/ ٦٣٧.\n(٣) أورد نحوه بلا نسبة \"الكشاف\" ٢/ ٤٢٢، \"البحر المحيط\" ٦/ ٢١٤، \"الدر المصون\" ٧/ ٦٣٧.\n(٤) قوله: (قاله)، ساقط من نسخة (س).\n(٥) قوله: (فجعله)، ساقط من نسخة (س).\n(٦) \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٥٢٨، \"الكشاف\" ٢/ ٤٢٢، \"القرطبي\" ١١/ ١٤٧.\n(٧) قوله: (فتقول)، ساقط من نسخة (س).\n(٨) \"تهذيب اللغة\" (كلا) ٤/ ٣١٧٩، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ١٤٩، \"شرح كلا وبلى ونعم\" لمكي بن أبي طالب ص ٢٤.","vol":"14","page":314},{"text":"[المدثر:٢٢] فإذا جعلتها صلة لما بعدها لم تقف عليها كقوله: ﴿كَلَّا وَالْقَمَر﴾ والوقف على ﴿كَلَّا﴾ قبيح؛ لأنها صلة لليمين) (١).\nوقال الأخفش: (﴿كَلَّا﴾ ردع وزجر) (٢). وهذا مذهب سيبويه (٣)، وإليه ذهب الزجاج -ﷺ- في جميع القرآن (٤). قال أبو حاتم: (وتجيء ﴿كَلَّا﴾ بمعنى \"أَلَا\" التي هي للتنبيه يستفتح بها الكلام كما يستفتح بأَلَا) (٥)، واحتج بقول الأعشى (٦):\nكَلَّا زَعَمْتُمُ بِأَنَّا لاَ نُقَاتِلكُمْ ... إِنَّا لأَمْثَالِكُمْ يَا قَوْمَنَا قُتل\nقال ابن الأنباري: (هذا غلط منه ﴿كَلَّا﴾ لا تكون افتتاح الكلام، والذي في البيت بمعنى \"لا\"، أي: ليس الأمر على ما يقولون) (٧). واحتج أيضًا بقوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى﴾ [العلق: ٦]، قال معناه: (أَلَا أن الإنسان ليطغى) (٨).\n_________\n(١) \"تهذيب اللغة\" (كلا) ٤/ ٣١٧٩، \"الإيضاح في الوقف والابتداء\" ٢/ ٧٧٦، \"القطع والائتناف\" ص ٤٥٨، \"المكتفى في الوقف والابتداء\" ص ٣٧٧، \"شرح وكلا وبلى ونعم\" ص ١٩.\n(٢) \"تهذيب اللغة\" (كلا) ٤/ ٣١٧٩، \"شرح كلا وبلى ونعم\" ص ٢٨.\n(٣) \"الكتاب\" لسيبويه ٢/ ٣١٢.\n(٤) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٤٥.\n(٥) \"تهذيب اللغة\" (كلا) ٤/ ٣١٧٩، \"القطع والائتناف\" ص ٤٥٨، \"المكتفى في الوقف والابتداء\" ص ٣٧٧، \"شرح كلا وبلى ونعم\" ص ٢٥.\n(٦) البيت للأعشى.\nانظر: \"شرح القصائد\" للتبريزي ص ٣٤٧، \"شعراء النصرانية\" ص ٣٦٩، \"تهذيب اللغة\" (كلا) ٤/ ٣١٧٩، \"لسان العرب\" (كلا) ٧/ ٣٩٢٦.\n(٧) انظر: \"تهذيب اللغة\" (كلا) ٤/ ٣١٧٩، \"لسان العرب\" (كلا) ٧/ ٣٩٢٦.\n(٨) انظر: المراجع السابقة، \"شرح كلا وبلى ونعم\" ص ٢٦.","vol":"14","page":315},{"text":"قال ابن الأنباري: (معنى ﴿كَلَّا﴾ في هذه الآية الذي احتج بها حقًا، كأنه قال: حقًّا إن الإنسان ليطغى، قال: ويجوز أن يكون بمعنى \"لا\" كأنه لا ليس الأمر على ما تظنون يا معشر الكفرة، كما قال: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَة﴾ [القيامة: ١]، ولا راد لكلامه ثم ابتداء فقال: أقسم) هذا كلام أبي بكر (١). وقد ذكر سيبويه أن كلا بمعنى: (حقًّا) (٢).\nوعلى هذا يجوز أن تكون بمعنى (أَلَا)، ولا يجوز على الوجه الذي ذكره أبو حاتم؛ لأنه يجعله افتتاحًا لا بمعنى حقًا. واختلفوا في الوقف على كلا؛ فقال أبو العباس أحمد بن يحيى: (لا يوقف على ﴿كَلَّا﴾ في جميع القرآن؛ لأنها جواب والفائدة تقع فيما بعدها) (٣). ومنهم من قال: (يوقف على ﴿كَلَّا﴾ في جميع القرآن) (٤). ومنهم من قال: (يوقف على ما قبل ﴿كَلَّا﴾ ويبتدأ بها) (٥).\nفأما في هذه الآية فقال ابن الأنباري: (الوقف على ﴿كَلَّا﴾ جائز؛ لأن المعنى ليس الأمر) (٦). كذا قال، ويجوز أن يوقف على قوله:\n_________\n(١) \"تهذيب اللغة\" (كلا) ٤/ ٣١٧٩، \"شرح كلا وبلى ونعم\" ص ٦١.\n(٢) \"الكتاب\" ٢/ ٣١٢، \"تهذيب اللغة\" (كلا) ٤/ ٣١٧٩.\n(٣) انظر: \"القطع والائتناف\" ص ٤٥٨، \"المكتفى في الوقف والابتداء\" ص ٣٧٧، \"تهذيب اللغة\" (كلا) ٤/ ٣١٧٩، \"شرح كلا وبلى ونعم\" ص ١٩.\n(٤) الجام ١١/ ١٤٧، \"روح المعاني\" ١٦/ ١٣١، \"المكتفى في الوقف والابتداء\" ص ٣٧٧.\n(٥) \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ١٤٧، \"روح المعاني\" ١٦/ ١٣١، \"المحتسب\" ٢/ ٤٥، \"شرح كلا وبلى ونعم\" ص ١٩.\n(٦) \"تهذيب اللغة\" (كلا) ٤/ ٣١٧٩، وقال مكي بن أبي طالب في شرح كلا وبلى ونعم ص ١٩: يوقف عليها إذا كان ما قبلها يرد وينكر، ويبتدأ بها إذا كان ما قبلها لا =","vol":"14","page":316},{"text":"﴿عَهْدًا﴾ أي لم يطلع الغيب ولم يتخذ عند الله عهدا. ومنهم من قال: (معناه: ليس الأمر كما يظنه من أنه يؤتى المال والولد) (١).\nوقوله تعالى: ﴿كَلَّا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ﴾ أي: سنأمر الحفظة بإثباته لنجازيه في الآخرة ﴿وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا﴾ نزيده عذابًا فوق العذاب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2424>٨٠ </span>- وقوله تعالى: ﴿وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ﴾ فيه قولان أحدهما: (نرثه ما عنده من المال والولد بإهلاكنا إياه وإبطال ملكه). وهذا قول ابن عباس، وقتادة، وابن زيد (٢). ويدل عليه قراءة ابن مسعود: (ونرثه ما عنده) (٣). وما بعده من قوله: ﴿وَيَأْتِينَا فَرْدًا﴾ يدل على هذا القول؛ أي: أنه يأتي الآخرة بلا مال ولا ولد. القول الثاني: ما قاله السدي قال: (نرثه أهله وماله الذي في الجنة) (٤). وهو قول الكلبي قال: ﴿وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ﴾ في الجنة من الذهب والفضة والحرير فنجعله لغيره من المسلمين) (٥).\nوعلى هذا معنى الآية: لا نعطيه ما يقول ونسلبه الذي آتيناه في الدنيا حتى يأتينا خاليًا منه. وهو قوله: ﴿وَيَأْتِينَا فَرْدًا﴾ أي: خاليًا من الأموال والأولاد.\n_________\n= يرد ولا ينكر، وتوصل بما قبلها وما بعدها إذا لم يكن قبلها كلام تام. وهذا المذهب أليق بمذهب القراء وحذاق أهل النظر، وهو الاختيار، وبه آخذ.\n(١) \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ١٤٧.\n(٢) \"تفسير القرآن\" للصنعاني ٢/ ١٢، \"جامع البيان\" ١٦/ ١٢٣، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٥١، \"زاد المسير\" ٥/ ٢٦١، \"الدر المنثور\" ٤/ ٥٠٦.\n(٣) \"تفسير القرآن\" للصنعاني ١/ ١٣، \"جامع البيان\" ١٦/ ١٢٣، \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٥٢٩، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٥١.\n(٤) ذكره في \"زاد المسير\" ٥/ ٢٦١ بدون نسبة، \"أضواء البيان\" ٤/ ٣٨٥.\n(٥) \"البحر المحيط\" ٦/ ٢١٤، وذكره بدون نسبة \"زاد المسير\" ٥/ ٢٦١.","vol":"14","page":317},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2425>٨١ </span>- قوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا﴾ معنى العز: الامتناع من الضيم، والعزيز: المنيع من أن ينال بسؤ (١). والمعنى: عبدوها ليمتنعوا بها من عذابي.\nقال أبو إسحاق: (﴿لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا﴾ أي: أعوانًا) (٢).\nوقال الفراء: (ليكونوا له شفعاء في الآخرة) (٣). وهذا معنى قول ابن عباس: (ليمنعوهم مني) (٤). وذلك أنهم رجوا منها الشفاعة والنصرة والمنع من عذاب الله، ووحد العز؛ لأنه مصدر وكان من حق هذا المعنى أن يقال: واتخذوا من دون الله آلهة ليعزوا بها أعزة؛ لأنهم رجوا منها العز، ولكن جعلت الآلهة عزًا في اللفظ لحبهم عبادتها وقوة رجائهم في العز بها، فلغلوهم في حبها والطمع في الامتناع بها جعلت هي في اللفظ العز، وإن كانوا إنما يرجون العز بها في الحقيقة كما يقال: السخاء حاتم (٥)، والشعر زهير، والشجاعة عنترة، وهو لا يكونون نفس هذه الأحاديث وإنما توجد بهم.\n_________\n(١) انظر: \"تهذيب اللغة\" (عز) ٣/ ٢٤١٩، \"مقاييس اللغة\" (عز) ٤/ ٣٨، \"لسان العرب\" (عزز) ٥/ ٢٩٢٥، \"مختار الصحاح\" (عزز) ص ٤٢٩.\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٤٥.\n(٣) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٧١.\n(٤) ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة.\nانظر: \"جامع البيان\" ١٦/ ١٢٣، \"بحر العلوم\" ٢/ ٣٣٣، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ١٤٨، \"مجمع البيان\" ٥/ ٨١٧، \"فتح القدير\" ٣/ ٥٠٠.\n(٥) حاتم بن عبد الله بن سعد الطائي، أبو عدي، شاعر جاهلي، اشتهر بالجود والكرم، والخلق والسماحة، ويضرب به المثل في جوده وكرمه، يتميز شعره بذكر السخاء والكرم، والحكم الجاهلية، توفي في السنة الثامنة بعد مولد النبي -ﷺ-. انظر: \"الشعر والشعراء\" ص ١٤٣، \"تهذيب تاريخ ابن عساكر\" ٣/ ٤٢٤، \"الأعلام\" ٢/ ١٥١، \"إنباه الرواة\" ٣/ ٣٢٠.","vol":"14","page":318},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2426>٨٢ </span>- قال الله تعالى: ﴿كَلَّا﴾ قال ابن عباس: (يجحدون بعبادتهم) (١). وهذا يحتمل وجهين:\nأحدهما: أن العابدين يجحدون أنهم عبدوها، وذلك لما رأوا من سوء عاقبتها (٢).\nالثاني: تجحد الآلهة عبادة المشركين لها، كما قال الله في موضع آخر: ﴿تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ﴾ [القصص: ٦٣] وذلك أن تلك الآلهة كانت جمادًا لا تعلم العبادة (٣). وقيل معناه: (ما كانوا إيانا يعبدون بأمرنا وإرادتنا) (٤).\nوقوله تعالى: ﴿وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ قال ابن عباس: (يقول أعوانًا) (٥).\n_________\n(١) ذكرته كتب التفسير بدون نسبة.\nانظر: \"جامع البيان\" ١٦/ ١٢٣ \"بحر العلوم\" ٢/ ٣٣٣، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٥٤، \"زاد المسير\" ٥/ ٢٦٢، \"الكشاف\" ٢/ ٥٢٣، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ١٤٨، \"أنوار التنزيل\" ٤/ ١٥.\n(٢) \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٨٩، \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٥٣١، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ١٤٨.\n(٣) \"جامع البيان\" ١٦/ ١٢٣، \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٥٣١، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٥٤، \"زاد المسير\" ٥/ ٢٦٢، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ١٤٨.\n(٤) \"جامع البيان\" ١٦/ ١٢٣، \"التفسير الكبير\" ١١/ ٢٥٠.\nوقال الشنقيطي في \"أضواء البيان\" ٤/ ٣٨٨: (والقرينة المرجحة لهذا القول أن الضمير في قوله: ﴿وَيَكُونُونَ﴾ راجع إلى المعبودات، وعليه فرجوع الضمير في ﴿يَكْفُرُونَ﴾ للمعبودات أظهر لانسجام الضمائر بعضها مع البعض، وتفريق الضمائر خلاف الظاهر والعلم عند الله تعالى).\n(٥) \"جامع البيان\" ١١/ ٢٣٦، \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٥٣٢، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٠١، \"الدر المنثور\" ٤/ ٥٠٦.","vol":"14","page":319},{"text":"وهو اختيار أبي إسحاق قال: (أي يصيرون أعوانًا عليهم) (١).\nوقال مجاهد: (تكون عونًا عليهم) (٢). وهو قول الفراء (٣). والمعنى: أن الأصنام التي عبدوها تكون أعوانًا على عابديها يكذبونهم ويلعنونهم ويتبرؤون منهم، وهو معنى قول عكرمة ﴿وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ قال: (أعداء) (٤). وهذا اللفظ اختيار ابن قتيبة قال في قوله: (ضِدًّا): (أي أعداء يوم القيامة وكانوا في الدنيا أولياءهم) (٥).\nقال الأخفش: (الضَّد يكون واحد أو جماعة مثل الرَّصد والأَرْصَاد، قال: والرَّصَدُ يكون للجماعة) (٦). وروى ثعلب عن الفراء أنه قال: (معناه في التفسير: ويكونون عليهم عونًا) (٧). فلذلك وحده، يقال: فلان ضد فلان، إذا كان مخالفًا كالبياض ضد للسواد، فإذا قلت: فلان ضد على فلان، كان المعنى أنه مخالف معاد له.\nوروى عن قتادة أنه قال في قوله: ﴿وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ قال: (قرناء في النار) (٨).\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٤٥.\n(٢) \"جامع البيان\" ١٦/ ١٢٤، \"النكت والعيون\" ٣/ ١٤١، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٥١، \"الدر المنثور\" ٤/ ٥٠٦.\n(٣) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٧٢.\n(٤) ذكرته كتب التفسير ونسبته إلى الضحاك.\nانظر: \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٥٤، \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٨٩، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ١٤٨.\n(٥) \"تفسير غريب القرآن\" ٢/ ٤.\n(٦) \"معاني القرآن\" للأخفش ٢/ ٦٢٨.\n(٧) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٧٢، \"تهذيب اللغة\" (ضد) ٢/ ٢١٠٠.\n(٨) \"تفسير القرآن\" للصنعاني ٢/ ١٢، \"جامع البيان\" ١٦/ ١٢٤، \"النكت والعيون\" =","vol":"14","page":320},{"text":"والصحيح ما عليه الجماعة (١)، لقوله: ﴿عَلَيْهِمْ﴾ ولو قال لهم ضدا احتمل ما قاله قتادة؛ لأن الضد قد ورد في اللغة بمعنى مثل الشيء حكاه ابن السكيت عن أبي عمرو (٢)، فلما قال: ﴿وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ كان المعنى: أنهم عون عليهم أعداء لهم، ويبعد أن يفسر بالقرناء. قال ابن الأنباري: (ويجوز أن تكون الهاء في عليهم ترجع على الأصنام بتأويل ويكون الكفار على الأصنام ضد؛ لأنه يبيحون بعيبها ويخبرون بعجزها عند البراءة منها) (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2427>٨٣ </span>- قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ قال الكلبي: (نزلت في المستهزئين بالقرآن) (٤). وذكر أبو إسحاق في قوله: ﴿أَرْسَلْنَا﴾ وجهين:\nأحدهما: (أن المعنى خلينا الشياطين وإياهم فلم نعصمهم من القبول منهم) (٥).\nقال أبو علي: (الإرسال يستعمل على معنى التخلية بين المرسل وبين\n_________\n= ٣/ ٣٨٩، \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٥٣٢، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٥١.\n(١) ويشهد لذلك قوله سبحانه: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الأحقاف: ٥، ٦]\n(٢) \"تهذيب اللغة\" (ضد) ٢/ ٢٠٠.\n(٣) ذكر نحوه بلا نسبة \"الكشاف\" ٢/ ٤٢٣، \"البحر المحيط\" ٦/ ٢١٥، \"الدر المصون\" ٧/ ٦٤٠.\n(٤) \"بحر العلوم\" ٢/ ٣٣٣.\n(٥) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٤٥.","vol":"14","page":321},{"text":"ما يريد وليس يراد به معنى البعث، كما قال الراجز (١):\nأَرْسَلَ فِيْهَا بَازِلًا يَقدمه\nوَهُوَ بِهَا بخوا طَرِيْقًا يَعْلَمُه\nيريد خلى، يريد: بين الفحل وبن طروقته ولم يمنعه منها. قال فمعنى الآية: خلينا بين الشياطين وبين الكافرين. أي: لم نعصمهم منهم ولم نعذهم، بخلاف المؤمنين الذين قيل فيهم: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَان﴾ [الحجر: ٤٢]، [الإسراء:٦٥] هذا كلام أبي علي في شرح أحد وجهي الإرسال (٢). وإلى هذا الوجه يذهب القدرية في معنى الآية. وليس المعنى على ما يذهبون إليه (٣).\n_________\n(١) لم أهتد إلى قائله. بازلًا: يقال للبعير إذا استكمل السنة الثامنة وطعن في التاسعة وفطر نابه فهو حينئذ بازل، وهو أقصى أسنان البعير، وسميي بازلًا من البزل، ويقال للأنثى بازل وجمعها بوازل. بخبخة البعير: هدير يملأ الفم شقشقته.\nانظر: \"تهذيب اللغة\" (بزل) ١/ ٣٢٨، \"لسان العرب\" (بزل) ١/ ٢٧٦.\n(٢) لم أقف عليه.\n(٣) وقال الشنقيطي -﵀- في \"أضواء البيان\" ٤/ ٣٨٩: أي: سلطانهم عليهم وقيضناهم لهم وهذا هو الصواب. خلافًا لمن زعم أن المعنى: ﴿أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ﴾ الآية، أي: خلينا بينهم وبينهم، ولم نعصمهم من شرهم. يقال أرسلت البعير أي: خليته.\nقال الرازي في \"تفسيره\" ١١/ ٢٥١: وقد تعلق المجبرة بذلك لأن عندهم أن ضلال الكافر من قبله تعالى بأن خلق فيهم الكفر وقدر الكفر فلا تأثير لما يكون من الشيطان، وإذا بطل حمل اللفظ في ظاهره فلابد من التأويل فتحمله على أنه تعالى خلى بين الشياطين وبين الكفار وما منعهم من إغوائهم وهذه التخلية تسمى إرسالًا في سعة اللغة، وهذه التخلية وإن كان فيها تشديد للمحنة عليهم فهم متمكنون من أن لا يقبلوا منهم ويكون ثوابهم على ترك القبول أعظم والدليل عليه قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ﴾، =","vol":"14","page":322},{"text":"قال أبو إسحاق: (والوجه الثاني وهو المختار: أنهم أرسلوا عليهم وقيضوا لهم بكفرهم كما قال: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف: ٣٦]، وكما قال: ﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ﴾ [فصلت: ٢٥] الآية. قال: ومعنى الإرسال هاهنا: التسليط، تقول: قد أرسلت فلانًا علي فلان، إذا سلطته عليه كما قال: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الحجر: ٤٢] فأعلم أن من اتبعه هو مسلط عليه) (١). وقد بان بما ذكره أبو إسحاق أن الوجه في معنى الآية هذا.\nوقوله تعالى: ﴿تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾ معنى الأز في اللغة: التحريك والتهييج (٢). قاله ابن الأعرابي وأبو عبيدة (٣)، وأنشد لرؤبة (٤):\n_________\n= والله تعالى ما أرسل الشياطين إلى الكفار بل أرسلها عليهم والإرسال عليهم هو التسليط لا إرادة أن يصبر مستوليًا عليه ..... وكما خلى بين الشياطين والكفرة فقد خلى بينهم وبين الأنبياء.\nانظر: \"شرح العقيدة الطحاوية\" ١/ ٣٤، \"العقيدة الواسطية\" ص ٥٨.\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٤٥. انظر: \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٥٢، \"أضواء البيان\" ٤/ ٣٨٩.\n(٢) انظر: \"تهذيب اللغة\" (أز) ١/ ١٥٥، \"مقاييس اللغة\" (أز) ١/ ١٣، \"القاموس المحيط\" (أزت) (١٤٦)، \"الصحاح\" (أزز) ٣/ ٨٦٤، \"لسان العرب\" (أزز) ١/ ٧٢.\n(٣) \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ٢/ ١١، \"تهذيب اللغة\" (أز) ١/ ١٥٥.\n(٤) البيت لرؤبة.\nالتأفيك: من الإفك وهو الكذب. والتحزي: التكهن. والطيخ: الجهل، ويطلق على الكبر.\nانظر: \"ديوانه\" ص ٦٤، \"مجاز القرآن\" ٢/ ١١، \"الجمهرة\" ١/ ١٧، \"تهذيب اللغة\" (أز) ١/ ١٥٥، \"لسان العرب\" (أزز) ١/ ٧٢.","vol":"14","page":323},{"text":"لاَ يَأْخُذُ التَّأْفِيْكُ والتَّحَزَّي ... فِيْنَا ولاَ طَيْخُ العِدَى ذُو الأَزَّ\nومنه يقال لغليان القدر: الأزيز، وذلك أن الماء يتحرك عند الغليان، ومنه الحديث: (إنه كان لجوفه أزيز كأزيز المرجل من البكاء) (١).\nقال أبو عبيدة: (الأزيز الإلتهاب والحركة كالتهاب النار في الحطب، يقال: أُزَّ قِدْرَك، أي: ألهب تحتها النار، وائْتَزَّتِ القدر إذا اشتد غليانها) (٢).\nوقال شمر: (أقرأنا ابن الأعرابي عن المفضل: أن لقيم بن لقمان قال لأبيه: اطْبَخْ جَزُورَكَ فَأُزَّ مَاء أو وغَلَّه حَتى ترى الكَرَاديْسَ (٣) كأنها رُؤُوس شُيُوخٍ صُلْعٍ، في كلام ذكر) (٤).\nوقد حصل للأز معنيان، أحدهما: التحريك. والثاني: الإيقاد والإلهاب، وأحدهما قريب من الآخر. وكلام المفسرين غير خارج عن الأصلين، واختلفت عبارات ابن عباس وغيره في تفسير الأَزّ، فقال في\n_________\n(١) أخرجه النسائي في \"سننه\" كتاب الصلاة، باب: البكاء في الصلاة ٣/ ١٣، وأبو داود في \"سننه\" كتاب الصلاة (١٥٧)، والإمام أحمد في \"مسنده\" ٤/ ٢٥ عن مطرق بن عبد الله عن أبيه، وأخرجه ابن ماجة في المقدمة ١/ ٣، والطبري في \"جامع البيان\" ١٦/ ١٢٥، وابن عطية في \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٥٣٢، وذكره القرطبي في \"تفسيره\" ١٦/ ١٥٠، وذكره ابن حجر في \"فتح الباري\" ٢/ ٢٠٦، وقال: الحديث رواه أبو داود والنسائي والترمذي في \"الشمائل\" وإسناده قوي وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم، ووهم من زعم أن سلمًا أخرجه.\n(٢) \"تهذيب اللغة\" (أز) ١/ ١٥٥.\n(٣) الكَرَادِيس: رؤوس العظام، واحدها: كردوس. ولك عظم تام ضخم فهو كردوس. انظر: \"تهذيب اللغة\" (كردس) ٤/ ٣١٢٢، \"مقاييس اللغة\" (الكردوس) ٥/ ١٩٤، \"القاموس المحيط\" (الكردوسة) (٥٧٠)، \"اللسان\" (كردس) ٧/ ٣٨٥٠.\n(٤) \"تهذيب اللغة\" (أز) ١/ ١٥٥، \"لسان العرب\" (أزز) ١/ ٧٢.","vol":"14","page":324},{"text":"رواية الوالبي: (﴿تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾ أي: تغويهم إغواء) (١). وهو قول سعيد بن جبير (٢)، وسفيان (٣)، ومجاهد إلا أنه ذكر لفظًا آخر فقال: (تشليهم أشلًا) (٤). وقال في رواية الضحاك: (تحرضهم تحريضًا) (٥). وقال في رواية عطاء: (تزعجهم إلى المعاصي إزعاجًا) (٦). وهو قول قتادة (٧)، واختيار أبي إسحاق، وابن قتيبة (٨).\nوروى ميمون بن مهران أن نافع بن الأزرق قال لابن عباس: (أخبرني عن قول الله: ﴿تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾ قال: توقدهم) (٩).\nوالمعنى أنها تحركهم كما تحرك الماء بالإيقاد تحته، وهذا كما قال الأخفش والمؤرج: (توهجهم وتحركهم) (١٠).\n_________\n(١) \"جامع البيان\" ١٦/ ١٢٥، \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٨٩، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٥٢، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٦/ ١٥٠.\n(٢) \"الكشف والبيان\" ٣/ ٩ أ.\n(٣) \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٤١.\n(٤) \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٥٣٢، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٥٢، \"الدر المنثور\" ٤/ ٥٠٧، \"أضواء البيان\" ٤/ ٣٨٩.\n(٥) ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة.\nانظر: \"الكشف والبيان\" ٣/ ٩ أ، \"لباب التأويل\" ٤/ ٢٦٠، \"الدر المنثور\" ٤/ ٥٠٧، \"روح المعاني\" ١٦/ ١٣٤، \"فتح القدير\" ٣/ ٥٠١.\n(٦) \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٦/ ١٥٠.\n(٧) \"تفسير القرآن\" للصنعاني ٢/ ١٢، \"جامع البيان\" ١٦/ ١٢٥، \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٨٩ \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٥١، \"الدر المنثور\" ٤/ ٥٠٧.\n(٨) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٤٥، \"تفسير غريب القرآن\" لابن قتيبة ٢/ ٤.\n(٩) \"الدر المنثور\" ٤/ ٥٠٧ وعزاه لابن الأنباري.\n(١٠) ذكرته كتب اللغة بدون نسبة.","vol":"14","page":325},{"text":"وقال الضحاك: (تأمرهم أمرًا) (١). وهذا أضعف العبارات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2428>٨٤ </span>- قوله تعالى: ﴿فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا﴾ أي: بطلب العذاب لهم ﴿إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا﴾ أي: أجلناهم إلى أجل يبلغونه بالعدد. وروي عن ابن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: ﴿إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا﴾ قال: (أنفاسهم التي (٢) يتنفسون في الدنيا فهي معدودة كستيهم وآجالهم) (٣). وقال في رواية عطاء: (يريد الأنفاس) (٤). وقال الكلبي: (﴿إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا﴾ الليالي والأيام والشهور والسنين والساعات) (٥). والمعنى: أنا لم نغفل عنهم نعد لهم هذه الأشياء إلى الأجل الذي أجلنا لعذابهم، وهذا من أبلغ الوعيد. ومثله: كقول عمرو بن معد يكرب في الوعيد والتهديد (٦):\nأَغْنَى عَنَا المَيْتِين ... أَعُدُّ الأَعْدَاء عَدًا\nقيل في تفسيره: أعدا أنفاسهم لأنتهز الفرصة في الإيقاع بهم. والمعنى: لا أغفلهم، وهذا مأخوذ من الآية.\n_________\n= انظر: \"تهذيب اللغة\" (أز) ١٣/ ٢٨٠، \"مقاييس اللغة\" (أز) ١/ ١٣، \"القاموس المحيط\" (أزت) ص ٥٠٢، \"لسان العرب\" (أزز) ١/ ٧٢، \"الصحاح\" (أزز) ٣/ ٨٦٤، \"تاج العروس\" (أزز) ٨/ ٧.\n(١) \"بحر العلوم\" ٢/ ٣٣٣، \"الكشف والبيان\" ٣/ ٩ أ.\n(٢) قوله: (التي)، ساقط من (ص).\n(٣) \"جامع البيان\" ١٦/ ١٢٦، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٥٢، \"الدر المنثور\" ٤/ ٥١٧.\n(٤) \"زاد المسير\" ٥/ ٢٦٢.\n(٥) \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٨٩، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٥٥ \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٦/ ١٥٠.\n(٦) لم أهتد إليه.","vol":"14","page":326},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2429>٨٥ </span>- وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ﴾ أي: اذكر لهم يا محمد هذا اليوم الذي يجمع فيه من اتقى الله في الدنيا بطاعته واجتناب معاصيه إلى الجنة، هذا معنى قوله: ﴿إِلَى الرَّحْمَنِ﴾ أي: إلى جنته ومحل كرامته، قاله قتادة (١). ﴿وَفدًا﴾ قال الفراء، والأصمعي (﴿وَفدًا﴾ الوَفْدُ، يَفِدُ، وَفْدًا، وَوِفَادَةً، وَوُفُودًا إذا خرج إلى ملك وأمير في فتح أوامر، ويقال: وَفَّدَ الأمير إلى الذي فوقه وأَوْفَدَ) (٢).\nقال الفراء: (والوَفْدُ اسم الوَافدِين كما قالوا: صوم وفطر وزور) (٣). وقال ابن قتيبة: (الوَفْدُ جمع الوَافِدِ، كما يقال: رَاكِب ورَكْب، وصَاحِب وصَحْب) (٤). قال ابن عباس في رواية الوالبي: (وفدا: ركبانًا) (٥). وقال أبو هريرة: (على الإبل) (٦).\nوقال سفيان: (على النوق) (٧). وجمع ابن عباس في رواية عطاء بين\n_________\n(١) \"تفسير القرآن\" للصنعاني ٢/ ١٣، \"جامع البيان\" ١٦/ ١٢٦، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٥٢، \"الدر المنثور\" ٤/ ٥٠٨.\n(٢) \"تهذيب اللغة\" (وفد) ٤/ ٣٩٢٥، \"تاج العروس\" (وفد) ٥/ ٣٢٢.\n(٣) ذكرت كتب اللغة نحوه.\nانظر: \"تهذيب اللغة\" (وفد) ٤/ ٣٩٢٥، \"تاج العروس\" (وفد) ٥/ ٣٢٢، \"لسان العرب\" (وفد) ٨/ ٤٨٨١.\n(٤) \"تفسير غريب القرآن\" لابن قتيبة ٢/ ٤.\n(٥) \"جامع البيان\" ١٦/ ١٢٧، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٥٥، \"زاد المسير\" ٥/ ٢٦٣، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ١٥٢، \"الدر المنثور\" ٤/ ٥٠٨.\n(٦) \"جامع البيان\" ١٦/ ١٢٧، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٥٥،\"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٥٢، \"الدر المنثور\" ٤/ ٥٠٨.\n(٧) \"جامع البيان\" ١٦/ ١٢٧، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٥٢، \"أضواء البيان\" ٤/ ٣٩١.","vol":"14","page":327},{"text":"هذه الأقوال فقال: (من كان يحب ركوب الخيل وفد إلى الله على خيل، لا تَرُوث، ولا تبول، لَجْمُها (١) من الياقوت (٢) الأحمر، ومن الزَّبَرْجَد (٣) الأخضر، ومن الدّر (٤) الأبيض وسُرُوحُهَا (٥) من السندس (٦)، ومن كان\n_________\n(١) لَجْمَة الدابة: موقع اللجَام من وجهها. واللَّجَام: حبل أو عصا تدخل في فم الدابة وتلزق إلى قفاه.\nانظر: \"تهذيب اللغة\" (لجم) ٤/ ٣٢٣٨، \"الصحاح\" (لجم) ٥/ ٢٠٢٧، \"لسان العرب\" (لجم) ٧/ ٤٠٠١.\n(٢) اليَاقُوت: حجر من الأحجار الكريمة، وهو أكثر المعادن صلابة بعد الماس. ويستعمل للزينة. وهو فاعول الواحدة ياقوتة والجمع اليواقيت. انظر: \"الصحاح\" (يقت) ١/ ٢٧١، \"المعجم الوسيط\" (الياقوت) ٢/ ١٠٦٥، \"لسان العرب\" (يقت) ٨/ ٤٩٦٤.\n(٣) الزَّبَرْجد: حجر كريم يشبه الزمرد، ويستعمل للزينة، وهو من الجواهر المعروفة. انظر: \"تهذيب اللغة\" (زبرجد) ٢/ ١٥٠٨، \"لسان العرب\" (زبرجد) ٣/ ١٨٠٦، \"المعجم الوسيط\" (الزبرجد) ١/ ٣٨٨، \"مختار الصحاح\" (الزبرجد) ص ١١٣.\n(٤) الدُّر: العظام من اللؤلؤ، الواحدة درة، ومنه الكوكب الدري نسبة إلى الدر في صفائه وحسنه.\nانظر: \"تهذيب اللغة\" (درر) ٢/ ١١٧٢، \"مقاييس اللغة\" (در) ٢/ ٢٥٥، \"لسان العرب\" (درأ) ٣/ ١٣٤٧، \"القاموس المحيط\" (الدر) ص ٣٩١.\n(٥) السَّرِيْح: السير الذي تشد به الخدمة فوق الرسغ، والسرائح والسرح: نعال الإبل، وقيل سيور نعالها كل سير منها سريحة\nانظر: \"تهذيب اللغة\" (سرح) ٢/ ١٦٦٥، \"القاموس المحيط\" (السرح) ١/ ٢٢٣، \"لسان العرب\" (سرح) ٤/ ١٩٨٤.\n(٦) السُّندس: رقيق الديباج ورفيعه. والاستبرق: غليظ الديباج.\nانظر: \"تهذيب اللغة\" (سندس) ٢/ ١٧٧٢، \"القاموس المحيط\" (السندس) ص ٥٥١، \"لسان العرب\" (سندس) ٤/ ٢١١٧، \"المعجم الوسيط\" (السندس) ١/ ٤٥٤.","vol":"14","page":328},{"text":"يحب ركوب الإبل فعلى نَجَائِب (١) لا تبعر ولا تبول، أَزِمَّتُها (٢) الياقوت والزبرجد، ومن كان يحب ركوب السفن فعلى سفن من زبرجد وياقوت قد أمنوا الغرق وأمنوا الأهوال) (٣)\nوقال أهل اللغة: (الوفد: الركبان المكرمون) (٤).\nوإلى هذا ذهب الربيع بن أنس فقال في قوله: ﴿وَفْدًا﴾ قال: (يُحيَّون ويعطون ويكرمون ويشفعون) (٥).\nقال صاحب النظم: (هذا من باب الإيماء بالشيء إلى الشيء؛ لأن قوله: ﴿وَفدًا﴾ دليل على أنهم يثابون ويجزون؛ لأن الوفد هم الرسل يقدمون على الملوك بالصلح وبالفتوح والبشارات فهم يتوقعون الجوائز، وكذلك أهل الجنة بهذه الحال) (٦).\nوقال أصحاب العربية: (اسم الوفد لا يقع إلا على الركبان؛ لأن\n_________\n(١) النَّجِيْبُ من الإبل: القوي منها، الخفيف السريع.\nانظر: \"تهذيب اللغة\" (نجب) ٤/ ٣٥١١، \"القاموس المحيط\" (النجيب) ص ١٣٦، \"لسان العرب\" (نجب) ٧/ ٤٣٤٢، \"مختار الصحاح\" (نجب) ص ٢٦٩.\n(٢) الزَّمَام: الخيط الذي يشد في البرة، أو في الخشاش ثم يشد في طرفه المقود، وزَمَمْتُ البعير: خطمته.\nانظر: \"تهذيب اللغة\" (زم) ٢/ ١٥٥٩، \"الصحاح\" (زمم) ٥/ ١٩٤٤، \"لسان العرب\" (زمم) ٣/ ١٨٦٥، \"المعجم الوسيط\" (الزمام) ١/ ٤٠١.\n(٣) \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ١٥١.\n(٤) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٧٢، \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٤٦، \"تهذيب اللغة\" (وفد) ٤/ ٣٩٢٥.\n(٥) \"بحر العلوم\" ٢/ ٣٣، \"الكشف والبيان\" ٣/ ١٣ أ، \"الدر المنثور\" ٤/ ٥٠٨.\n(٦) ذكر نحوه الزمخشري في \"الكشاف\" ٢/ ٤٢٣ بلا نسبة، وكذلك أبو حيان في \"البحر المحيط\" ٦/ ٢١٦.","vol":"14","page":329},{"text":"اشتقاقه من قولهم أوفد على الشيء إذا أشرف عليه، وأنشدوا (١):\nتَرَى العِلاَفِيَّ عَلَيْهَا مُوْفَدًا ... كَأَنَّ بُرْجًا فَوْقَهَا مُشَيَّدَا\nويقال: رأيت فلانًا مسْتَوْفِدًا إذا قعد منتصبًا غير مطمئن. فهذا الاسم من حيث الاشتقاق يدل على أنه يقع على الركبان؛ لأنهم أشرفوا علي مركوبهم) (٢).\nويدل على صحة هذا ما روي عن علي -﵁- أنه قال: (لما نزلت هذه الآية قلت: يا رسول الله قد رأيت الملوك ووفودهم، فلم أرى وفدًا إلا ركبانًا فما وفد الله؟ الحديث بطوله) (٣). ومن حيث العرف يدل على أن هذا\n_________\n(١) لم أهتد إلى قائله. ورود البيت في كتب اللغة والمعاجم.\nالعِلاَفَّي: هو الرجل المنسوب إلى علاف، رجل من الأزد وهو زبان أبو جرم من قضاعة كان يصنع الرحال، وقيل هو أول من عملها فقيل لها علافية لذلك.\nانظر: \"تهذيب اللغة\" (وفد) ٤/ ٣٩٢٥، \"لسان العرب\" (وفد) ٨/ ٤٨٨١.\n(٢) انظر: \"تهذيب اللغة\" (وفد) ٤/ ٣٩٢٥، \"مقاييس اللغة\" (وفد) ٦/ ١٢٩، \"الصحاح\" (وفد) ٢/ ٥٥٣، \"لسان العرب\" (وفد) ٨/ ٤٨٨١، \"المفردات في غريب القرآن\" (وفد) ص ٥٢٨.\n(٣) رواه ابن كثير في \"تفسيره\" ٣/ ١٤١ عن ابن أبي حاتم وقال: وروى ابن أبي حاتم هاهنا حديثًا غريبًا جدًا مرفوعًا عن علي -ثم ذكر الحديث وقال في نهايته- هكذا وقع في هذه الرواية مرفوعًا رويناه في المقدمات من كلام علي ﵁ بنحوه وهو أشبه بالصحة والله أعلم.\nوأخرجه السيوطي في \"الدر\" ٤/ ٥٠٨، وعزاه لابن أبي الدنيا، وابن أبي حاتم، وابن مردويه من طرق عن علي، وذكره القرطبي ١١/ ١٥٢، والألوسي في \"روح المعاني\" ١٦/ ١٣٥. وأخرج نحوه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" كتاب الجنة ١٢/ ١٦١، والحاكم في \"المستدرك\" ٢/ ٣٧٧ وصححه، وتعقبه الذهبي لضعف عبد الرحمن بن إسحاق، وأخرج نحوه الإمام أحمد في \"مسنده\" ١/ ١٥٥.","vol":"14","page":330},{"text":"الاسم يقع على من يُحيَّا ويكرم كما ذكره صاحب النظم، فإذا معنى الوفد: الركبان المكرمون، كما ذكره أهل اللغة، وهو اختيار أبي إسحاق (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2430>٨٦ </span>- قوله تعالى: ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ﴾ قال ابن عباس في رواية الضحاك: (الكافرين) (٢) ﴿إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ قال جماعة أهل التفسير: (عطاشا) (٣). وزاد أبو عبيدة والفراء، والزجاج: (مشاة) (٤). والوُرُوْدُ في اللغة معناه: الجماعة التي تَرِد الماء من طير أو إبل (٥).\nقال ابن السكيت: (الوِرْدُ وُرُوْدُ القوم الماء، والوِرْدُ الماء الذي يُوْرَدُ، والوِرْدُ الإبل الوَارِدَة) (٦).\nقال رؤبة (٧):\nلَوْ دَقَّ وِرْدِي حَوْضَه لَمْ يَنْدَهِ\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٤٦.\n(٢) ذكرته كتب التفسير بدون نسبة.\nانظر: \"جامع البيان\" ١٦/ ١٢٧، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٥٥، \"زاد المسير\" ٥/ ٢٦٤، \"لباب التأويل\" ٤/ ٢٦٠.\n(٣) \"جامع البيان\" ١٦/ ١٢٧، \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٩٠، \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٥٣٥، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٥٥، \"ابن كثير\" ٣/ ١٥٣، \"الدر المنثور\" ٤/ ٥٠٩.\n(٤) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٧٢، \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٤٦.\n(٥) انظر: \"تهذيب اللغة\" (ورد) ٤/ ٣٨٦٩، \"مقاييس اللغة\" (ورد) ٦/ ١٠٥، \"الصحاح\" (ورد) ٢/ ٥٤٩، \"لسان العرب\" (ورد) ٨/ ٤٨١٠، \"المفردات في غريب القرآن\" (ورد) ص ٥١٩.\n(٦) \"تهذيب اللغة\" (ورد) ٤/ ٣٨٦٩، \"لسان العرب\" (ورد) ٨/ ٤٨١٠\n(٧) البيت لرؤبة. لم ينده: النده الزجر عن كل شيء والطرد عنه بالصياح تقول: ندهت البعير إذا زجرته عون الحوض وغيره.\nانظر: \"تهذيب اللغة\" (ورد) ٤/ ٣٨٦٩، \"لسان العرب\" (ورد) ٨/ ٤٨١٠.","vol":"14","page":331},{"text":"قال صاحب النظم: (هذا من باب الإيماء بالشيء إلى الشيء؛ لأن الوِرْد وُرُوْد الماء، ولا يَرِدُ أحدًا الماء إلا بعد العطش ليشرب، فأوماء بهذا إلى أنهم عطاش يساقون إلى النار) (١). ومضى الكلام في الورد عند قوله: ﴿وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ﴾ [هود: ٩٨].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2431>٨٧ </span>- قوله تعالى: ﴿لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَة﴾ أي: لا يملك هؤلاء الكافرون الشفاعة. والمعنى: لا يشفعون ولا يشفع لهم حين يشفع أهل الإيمان بعضهم لبعض وهو قول: ﴿إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ﴾ و﴿مِّن﴾ في موضع نصب على استثناء ليس من الأول على معنى: لا يملك الشفاعة المجرمون، ثم قال: ﴿عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ على معنى: لكن من اتخذ عند الرحمن عهدًا فإنه يملك الشفاعة (٢).\nقال ابن عباس في رواية الوالبي: (العهد: شهادة أن لا إله إلا الله، ويتبرأ إلى الله من الحول والقوة، ولا يرجو إلا الله) (٣).\nومضى الكلام في تفسير اتخاذ العهد عند قوله: ﴿أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ [مريم: ٧٨].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2432>٨٨ </span>- قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا﴾ يعني: اليهود،\n_________\n(١) ذكرت كتب التفسير نحوه بلا نسبة.\nانظر: \"الكشاف\" ٢/ ٤٢٣، \"زاد المسير\" ٥/ ٢٦٤، \"البحر المحيط\" ٦/ ٢١٧، \"روح المعاني\" ١٦/ ١٣٦، \"لسان العرب\" (ورد) ٨/ ٤٨١٠.\n(٢) \"جامع البيان\" ١٦/ ١٢٨، \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٥٣٦، \"البحر المحيط\" ٦/ ٢١٧، \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٤٦، \"إملاء ما من به الرحمن\" ١/ ١١٧ \"إعراب القرآن\" للنحاس ٢/ ٣٢٦.\n(٣) \"جامع البيان\" ١٦/ ١٢٨، \"المحرر الوجيز\" ١١/ ٥٧، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٥٣، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ١٥٤، \"الدر المنثور\" ٤/ ٥١٠.","vol":"14","page":332},{"text":"والنصارى، ومن زعم من المشركين أن الملائكة بنات الله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2433>٨٩ </span>- قال الله تعالى مخاطبًا لهم: ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا﴾ أي: (عظيمًا)، في قول ابن عباس، وجميع المفسرين (١). قال الراجز (٢):\nقَدْ لَقِي الأَعْدَاءُ مِنَّي مُنْكرَا\nدَاهِيَةً دَهْيَاءَ إِدًا إِمْرَا\nقال الفراء، والزجاج: (يقال: إِدًّا وأَدًّا، وهي قراءة السلمي (٣) (٤)، وآدّ بوزن: مَاد ومعناه: الشيء العظيم) (٥). وأنشد الليث لرؤبة (٦):\nوَالإِدَدَ الإِدَادَ وَالعَضَائِلاَ\n_________\n(١) \"تفسير القرآن\" للصنعاني ٢/ ١٣، \"جامع البيان\" ١٦/ ١٢٩، \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٩٠، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٥٥، \"ابن كثير\" ٣/ ١٥٣، \"الدر المنثور\" ٤/ ٥١١.\n(٢) لم أهتد إلى قائله. وذكرته كتب التفسير واللغة بدون نسبة.\nانظر: \"جامع البيان\" ١٦/ ١٢٩، \"النكت والعيون\" ١٣/ ٣٢٧، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ١٩، \"مجاز القرآن\" ١/ ٤٠٩، \"الدر المصون\" ٧/ ٥٢٨، \"شواهد الكشاف\" ص ١٣٠، \"لسان العرب\" (أمر) ١/ ١٢٩.\n(٣) عبد الله بن حبيب بن ربيعة، أبو عبد الرحمن السلمي، من كبار التابعين، ولد في عهد النبي -ﷺ-، ولأبيه صحبة، قرأ القرآن وجوده وعرضه على عثمان، وعلي، وابن مسعود -﵃- وروى عن عدد من الصحابة، توفي -﵀- سنة ٧٤ هـ.\nانظر: \"طبقات ابن سعد\" ٦/ ١٧٢، \"الجرح والتعديل\" ٥/ ٣٧، \"تذكرة الحفاظ\" ١/ ٥٨، \"غاية المنتهى\" ١/ ٤١٣، \"معرفة القراء الكبار\" ١/ ٥٢، \"سير أعلام النبلاء\" ٤/ ٢٦٧.\n(٤) \"جامع البيان\" ١٦/ ١٢٩، \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٥٤٠، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ١٥٦، \"البحر المحيط\" ٦/ ٢١٨، \"المحتسب\" ٢/ ٤٥.\n(٥) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٧٣، \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٤٦.\n(٦) البيت لرؤبة. انظر: \"تهذيب اللغة\" (أد) ١/ ١٣٣، \"لسان العرب\" (أدد) ١/ ٤٣.","vol":"14","page":333},{"text":"قال: (وواحد الإِدَد إِدَّة، وواحد الأَدَاد أَدّ) (١). ومعنى الآية: قلتم قولًا عظيمًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2434>٩٠ </span>- قوله تعالى: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ﴾ وقرئ: بالياء (٢). وكلاهما حسن، وقد تقدم ذلك.\nقال أبو علي: (إلحاق علامة التأنيث أحسن؛ لأن الجمع بالألف والتاء في الأصل للجمع القليل، والجمع القليل يشبه الآحاد، وكما أن الأحسن في الآحاد إلحاق العلامة في هذا النحو فكذلك مع الألف والتاء) (٣).\nوأهل التأويل على أن المعنى ﴿تَكَادُ﴾ هاهنا: تدنو من الانشقاق، كما يقال: كاد يفعل ذلك إذا دنا من أن يفعله. وزعم أبو الحسن الأخفش أن ﴿تَكَادُ﴾ هاهنا معناه: نريد من غير دنو فقال: (هممن به إعظامًا لقول المشركين، ولا يكون من هم بالشيء أن يدنو منه، ألا ترى أن رجلًا لو أراد أن ينال السماء لم يدن من ذلك وقد كانت منه إرادة، ونحو هذا قال في قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُف﴾ [يوسف: ٧٦]، أي: أردنا له) (٤)، وأنشد:\nكَادَتْ وَكِدْتُ وَتِلْكَ خَيْرُ إِرَادَةٍ ... لَوْ عَادَ مِنْ لَهْمِ الصَّبَابَةِ مَا مَضَى (٥).\n_________\n(١) \"تهذيب اللغة\" (أد) ١/ ١٣٣، \"لسان العرب\" (أدد) ١/ ٤٣.\n(٢) قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، وعاصم، وحمزة: (تكاد) بالتاء. وقرأ نافع، والكسائي، (يكاد) بالياء.\nانظر \"السبعة\" ص ٤١٣، \"الحجة\" ٥/ ٢١٣، \"التبصرة\" ص ٢٥٧، \"النشر\" ٢/ ٣١٩.\n(٣) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٢١٤.\n(٤) \"معاني القرآن\" للأخفش ٢/ ٦٢٧، \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٢١٥، \"البحر المحيط\" ٦/ ٢١٩.\n(٥) لم أهتد لقائله. وورد البيت في كتب التفسير واللغة. =","vol":"14","page":334},{"text":"وقوله تعالي: ﴿يَتَفَطَّرْن﴾ وقرئ: ينفطرن (١). ومعناهما واحد، يقال: انفطر الشيء، وتفطر: إذا تشقق. قال امرئ القيس (٢):\nكَخُرْعُوْبَةِ البَانَةِ المُنفَطِرْ\nإلا أن انفَطَر مطاوع فَطَر، وتَفَطَّر مطاوع فَطَّر، واختار أبو عبيدة ينفطرن بالنون (٣)، لقوله: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ﴾ [الانفطار: ١]، وقوله: ﴿السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ [المزمل: ١٨].\nقال أبو علي: (وهذا لا يدل على ترجيح هذه القراءة؛ لأن ذلك في القيامة لما يريد الله سبحانه من إبادتها وإفنائها. وما في هذه السورة إنما هو لعظم فِرْيتهم وعُتوهم في كفرهم. والمعنيان مختلفان، وتفطر بهذا الموضع\n_________\n= انظر: \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٢١٥، \"البحر المحيط\" ٦/ ٢١٨، \"الدر المصون\" ٧/ ٦٤٧، \"معاني القرآن\" للأخفش ٢/ ٦٢٧، \"المحتسب\" ٢/ ٣١، \"الأضداد\" لابن الأنباري ص ٩٧، \"لسان العرب\" (كيد) ٧/ ٣٩٦٦ ..\n(١) قرأ أبو بكر عن عاصم، وأبو عمرو، وحمزة، وابن عامر: (ينفطرن) بالنون والتخفيف. وقرأ حفص عن عاصم، وابن كثير، ونافع، والكسائي: (يتفطرن) بالتاء والتشديد.\nانظر: \"السبعة\" ص ٤١٣، \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٢١٤، \"التبصرة\" ص ٢٥٧، \"العنوان في القراءات\" ١٢٧.\n(٢) هذا عجز بيت لامرئ القيس يصف فرسه وخروجه إلى الصيد، وصدره:\nبَرَهْرَهَةُ رُودَةُ رَخْصَةُ\nالبَرَهْرَهَة: الرقيقة الجلد وقيل الملساء المترجرجة والرُوْدَة: الرخصة الناعمة، والخُرْعُوْبَة: القضيب الغض، والغض المنثني.\nانظر: \"ديوانه\" ص ٦٩، \"تهذيب اللغة\" (الخرعبة) ١/ ١٠١٤، \"لسان العرب\" (خرعب) ٢/ ١١٣٨.\n(٣) \"مجاز القرآن\" لأي عبيدة ٢/ ١٢، \"إعراب القرآن\" للنحاس ٢/ ٣٢٨.","vol":"14","page":335},{"text":"أليق من انفطر، لما فيه من معنى المبالغة، لأنه يدل على الكثرة، كما أن فطر يدل على التكثير) (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا﴾ تخر: تسقط. وقد مضى الكلام فيه (٢). والهد: الكسر الشديد والهدم، يقال: هّدَّنِي هذا الأمر وهَدّ ركني (٣).\nقال ابن عباس في رواية الوالبي: (هدما) (٤). وروي عنه: (كسرًا) (٥). وهو قول الفراء (٦).\nوقال أبو عبيدة: (سقوطًا) (٧). وهو اختيار القتبي (٨).\nقال المفسرون: (لما قالوا ﴿اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾ اقشعرت الأرض، وشاك الشجر (٩)، وغضبت الملائكة، واستعرت جنهم، وفزعت السموات والأرض والجبال وجميع الخلائق إلا الثقلين) (١٠).\n_________\n(١) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٢١٤.\n(٢) عند قوله سبحانه: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ الآية [الأعراف: ١٤٣].\n(٣) انظر: \"تهذيب اللغة\" (هد) ٤/ ٣٧٢٨، \"مقاييس اللغة\" (هد) ٦/ ٧، \"القاموس المحيط\" (الهد) ص ٣٢٨، \"الصحاح\" (هدد) ٢/ ٥٥٥، \"المفردات في غريب القرآن\" (هدد) ص ٥٣٨.\n(٤) \"جامع البيان\" ١٦/ ١٣٠، \"تفسير ابن كثير\" ٣/ ١٥٤، \"القرطبي\" ١١/ ١٥٧.\n(٥) \"الكشف والبيان\" ٣/ ١٣ ب، وذكره \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٥٦ بدون نسبة، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٥٤، \"فتح القدير\" ٣/ ٥٠٣.\n(٦) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٧٣.\n(٧) \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ٢/ ١٢.\n(٨) \"تفسير غريب القرآن\" ٢/ ٤.\n(٩) صار ذا شوكٍ.\n(١٠) \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٥٣٩، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٥٦، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٥٤، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٥٨.","vol":"14","page":336},{"text":"قال ابن عباس في رواية عطاء: (فلما كادت السموات أن تنشق، والأرض أن تنشق، والجبال أن تنهد اقشعرت الجبال وما فيها من الأشجار والبحار وما فيها من الحيتان، فصار في الحيتان الشوك، وفي الأشجار الشوك) (١). هذا كلام المفسرين.\nوذهب أهل المعاني: (إلى أن هذا مثل على عادة العرب، وذلك أن العرب كانت إذا سمعت كذبًا ومنكرًا تعاظمته عظمته بالمثل الذي كان عندها عظيمًا فتقول: كادت الأرض تنشق، واظلم على ما بين السماء والأرض، فلما افتروا على الله الكذب ضرب مثل كذبهم بأهول الأشياء وأعظمها) (٢).\nومما يقرب من هذا قول الشاعر (٣):\nأَلَمْ تَرَ صَدْعًا في السَّمَاءِ مُبَيَّنًا ... عَلَى ابْنِ لُبَيْنَى الحَارِثِ بنِ هِشَام\nوقول الآخر (٤):\nوَأَصبَحَ بَطْنُ مَكَّةَ مُقْشَعِرًّا ... كَأَنَّ الأَرْضَ لَيْسَ بِهَا هِشَام\n_________\n(١) \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٥٦، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٥٨.\n(٢) \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٥٤١، \"الكشاف\" ٢/ ٤٢٤، \"البحر المحيط\" ٦/ ٢١٨، \"التفسير الكبير\" ٢١/ ٢٥٤، \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٢١٥.\n(٣) لم أهتد إلى قائله. وقد ورد البيت في كتب التفسير.\nانظر: \"المحرر الوجيز\" ٩/ ٥٤١، \"البحر المحيط\" ٦/ ٢١٨، \"ورح المعاني\" ١٦/ ١٤١، \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٢١٦.\n(٤) البيت للحارث بن خالد بن العاص.\nانظر: \"البحر المحيط\" ٦/ ٢١٨، \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٢١٦، \"الاشتقاق\" ص ١٠١، \"الكامل\" ٢/ ٤٨٧، \"التصريح\" ١/ ٢١٢، \"لسان العرب\" (قثم) ٦/ ٣٥٣٤.","vol":"14","page":337},{"text":"وقول آخر (١):\nلَمَّا أَتَى خَبَرُ الزُّبَيْر تَوَاضَعَتْ ... سُوْرُ المَدِيْنَةِ وَالجِبَالُ الخُشَّعُ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2435>٩١ </span>- قوله تعالى: ﴿أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا﴾ قال الفراء: (أن دعوا، ولأن دعوا وموضع ﴿أَن﴾ نصب بسقوط الخافض) (٢). وقال الكسائي: (موضعها خفض) (٣). وهذه المسألة قد تقدمت. ومعنى: دعوا له ولدًا سموًا له ولدًا، وجعلوا له ولدًا. أنشد ابن الأعرابي على هذا (٤):\nأَلاَ رُبَّ منْ تَدْعْو صدِيْقًا وَإِنْ تَرَى ... مَقَاَلَته بِالغَيْبِ يَأتِيْكَ مَا يفْرِي\nقال: يريد تدعو: تحقق صداقته وتجعله صديقًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2436>٩٢ </span>- قال الله تعالى: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ أي: لا يليق به اتخاذ الولد؛ لأن اتخاذ الولد يقتضي مجانسة وكل من اتخذ ولدًا اتخذه من جنسه والله تعالى منزه من أن يجانس شيئًا أو يجانسه شيء، محال في وصفه اتخاذ الولد، وقال المفسرون في قوله: ﴿وَمَا يَنْبَغِي﴾ (وما يصلح) (٥). وهذه اللفظة لا يستعمل منها المصدر والفاعل، وقد استعمل\n_________\n(١) البيت لجرير، قاله في قصيدة يهجو بها الفرزدق. انظر: \"ديوان جرير\" ص ٢٧٠، \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٢١٦، \"البحر المحيط\" ٦/ ٢١٨، \"لسان العرب\" (حرث) ٢/ ٨٢١.\n(٢) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٧٣.\n(٣) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٧٣، \"إعراب القرآن\" للنحاس ٢/ ٣٢٨، \"الدر المصون\" ٧/ ٦٤٨.\n(٤) لم أهتد لقائله.\n(٥) \"جامع البيان\" ١٦/ ١٣١، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٥٤، \"زاد المسير\" ٥/ ٢٦٥، \"فتح القدير\" ٣/ ٥٠٣.","vol":"14","page":338},{"text":"منها الماضي نادرًا\nقوله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ﴾ أي: ما كل ﴿مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ من فيها من الملائكة ﴿الْأَرْضِ﴾ من فيها من الخلق ﴿إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ﴾ إلا يأتيه يوم ﴿عَبْدًا﴾ ذليلًا خاضعًا منقادًا يعني: أن الخلق عبيده، وأن عيسى وعزيرًا من جملة العبيد، وانتصب ﴿عَبْدًا﴾ على الحال ﴿لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا﴾ أي: عرف عددهم ﴿وَعَدَّهُمْ عَدًّا﴾ لا يخفى عليه مبلغ جمعهم، ولا واحد منهم مع كثرتهم ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ بلا مال ولا معه شيء من الدنيا (١). وقيل -وهو الصحيح-: (أنه يأتي وحده لا أنصار له ولا أعوان؛ لاشتغال كل واحد بنفسه) (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2437>٩٦ </span>- قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ أي: يجعلهم يحب بعضهم بعضًا، فيتراحمون ويتعاطفون بما جعل الله لبعضهم في قلوب بعض.\nقال ابن عباس: (يحبهم ويحببهم إلى المؤمنين) (٣). ونحو هذا قال مجاهد، وقتادة (٤).\n_________\n(١) \"بحر العلوم\" ٢/ ٣٣٤، \"زاد المسير\" ٥/ ٢٦٥، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ١٦٠.\n(٢) \"جامع البيان\" ١٦/ ١٣٢، \"معالم التنزيل\" ٢٥٧/ ٥، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٥٤.\n(٣) \"تفسير القرآن\" للصنعاني ٢/ ١٤، \"جامع البيان\" ١٦/ ١٣٢، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٤٤، \"زاد المسير\" ٥/ ٢٦٦، \"الدر المنثور\" ٤/ ٥٨٢.\n(٤) \"جامع البيان\" ١٦/ ١٣٢، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٥٧ \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٥٤.","vol":"14","page":339},{"text":"وقال هرم بن حيان (١): (ما أقبل عبد بقلبه إلى الله إلا أقبل الله بقلوب المؤمنين إليه، حتى يرزقه محبتهم ومودتهم ورحمتهم) (٢). وقال بعضهم: (يجعل لهم في قلوب الملائكة ودا ثم في قلوب العباد) (٣).\nوهذا مروي عن النبي -ﷺ- في حديث أبي هريرة قال: \"إذا أحب الله عبدًا نادى جبريل إني قد أحببت فلانًا فأحبه، قال: فينادي في السماء، ثم تنول له المحبة في أهل الأرض\" (٤). فذلك قول الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآية. قال عطاء عن ابن عباس: (نزلت الآية في عبد الرحمن بن عوف جعل الله له في قلوب العباد المودة لا يلقاه مؤمن إلى وقره، ولا مشرك ولا منافق إلا عظمه) (٥).\n_________\n(١) هرم بن حيان الأزدي، العبدي، أحد التابعين روى عن بعض الصحابة مثل عمر بن الخطاب -﵁-، وروى عنه الحسن البصري، اشتهر بكثرة العبادة والزهد.\nانظر: \"الجرح والتعديل\" ٩/ ١١٠، \"الثقات\" لابن حبان ٧/ ٥٥٨، \"التاريخ الكبير\" ٤/ ٢٤٢، \"الطبقات الكبرى\" ٧/ ١٠٢.\n(٢) \"جامع البيان\" ١٦/ ١٣٣ \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٥٤ \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ١٦١.\n(٣) \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ١٦١، \"البحر المحيط\" ٦/ ٢٢٠، \"التفسير الكبير\" ٢١/ ٢٥٦.\n(٤) أخرجه البخاري في بدء الخلق، باب ذكر الملائكة ٦/ ٣٠٣، ومسلم في البر والصلة، باب: إذا أحب الله عبدًا حببه إلى عباده ٤/ ٢٠٣٠، والإمام أحمد في \"مسنده\" ٩٢/ ٢٦٧، وانظر: ابن كثير ٣/ ١٥٤، و\"الدر المنثور\" ٤/ ٥١٣.\n(٥) \"القرطبي\" ١١/ ١٦١، وذكره نحوه \"جامع البيان\" ٦/ ١٣٣، وابن كثير ٣/ ١٥٤، وقال: روي أن هذه الآية نزلت في هجرة عبد الرحمن بن عوف وهو خطأ فإن هذه السورة بكاملها مكية لم ينزل منها شيء بعد الهجرة ولم يصح سند ذلك والله أعلم. انظر في \"لباب النقول في أسباب النزول\" للسيوطي ص ١٤٦، \"جامع النقول في أسباب النزول\" ص ٢١٤.","vol":"14","page":340},{"text":"وعلى هذا القول قال ابن الأنباري: (سمي الواحد باسم الجمع لدخول من فعل مثل فعله في مثل وصفه وحسن جزائه) (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2438>٩٧ </span>- قوله تعالى: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ﴾ أي: هوناه وأنزلناه بلغتك ليسهل عليك الإبلاغ ﴿لِتُبَشِّرَ بِه﴾ أي: بالقرآن من أطاعك ﴿وَتُنْذِر﴾ من عصاك. وقال الكلبي: (هوناه على لسانك) (٢). وعلى هذا لم يرد باللسان اللغة.\nوقوله تعالى ﴿قَوْمًا لُدًّا﴾ قال أبو صالح (٣): (عوجًا عن الحق) (٤).\nوقال مجاهد: (لا يستقيمون) (٥). وقال قتادة: (جدلًا بالباطل) (٦).\nوذكرنا الكلام في هذا الحرف عند قوله: ﴿أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ [البقرة: ٢٠٤]. وروي عن الحسن أنه قال في \"تفسيره\": (صما) (٧). وزاد الربيع بيانًا فقال: (صم آذان القلوب) (٨).\n_________\n(١) ذكر نحوه في \"المذكر والمؤنث\" ص٦٧١.\n(٢) ذكرت نحوه كتب التفسير بدون نسبة.\nانظر \"بحر العلوم\" ٢/ ٣٣٤، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٥٨، \"زاد المسير\" ٥/ ٢٦٦، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ١٦٢، \"لباب التأويل\" ٤/ ٢٦٢.\n(٣) هو باذام الهاشمي، مولى أم هانئ بنت أبي طالب.، تقدم\n(٤) \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٥٥، \"البحر المحيط\" ٦/ ٢٢١، \"روح المعاني\" ١٦/ ١٤٤، \"تفسير سفيان الثوري\" ص ١٩٠.\n(٥) \"جامع البيان\" ١٦/ ١٣٢، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٥٨، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٥٥، \"الدر المنثور\" ٤/ ٥١٣.\n(٦) \"تفسير القرآن\" للصنعاني ٢/ ١٤، \"جامع البيان\" ١٦/ ١٣٢، \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٩١، \"الدر المنثور\" ٤/ ٥١٣.\n(٧) \"جامع البيان\" ١٦/ ١٣٥، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٥٨، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٥٥، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ١٦٢، \"الدر المنثور\" ٤/ ٥١٣.\n(٨) \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ١٦٢، \"الكشف والبيان\" ٣/ ١٤ ب، وذكره ابن =","vol":"14","page":341},{"text":"وهذه الأقوال كلها معنى وليس بتفسير. والتفسير قول قتادة، وذلك أن خصومتهم بالباطل إنما هو بصمم قلوبهم، ولو فهموا ما أتى به الي النبى -ﷺ- لتركوا جدالهم، فإذا الصمم وغير ذلك مما ذكرنا من قول المفسرين معاني اللدّ لا تفسيره.\nقال ابن الأنباري: (وخص اللد بالإنذار؛ لأنهم إذا قامت عليه الحجة صار غيرهم لاحقًا بهم من أجل أن الذي لا عناد عنده يسرع انقياده، فالمقصود بالإنذار هؤلاء اللد المخاصمون) (١).\nقوله تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ﴾ يعني: قبل القوم اللد وهم قريش، وهذا تخويف لهم بالإهلاك.\nوقوله تعالى: ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنْهُم﴾ أي: هل ترى من الذين أهلكناهم ﴿مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا﴾ أي: (صوتًا). قاله ابن عباس والمفسرون (٢). وقال زيد: (حسا) (٣). وقال أهل اللغة: (الركز: الصوت الخفي) (٤)، وأنشدوا قول لبيد (٥):\n_________\n= كثير في \"تفسيره\" ٣/ ١٥٥ بدون نسبة.\n(١) ذكر نحوه الزمخشري في \"الكشاف\" ٢/ ٤٢٦، والقرطبي ١١/ ١٦٢.\n(٢) \"جامع البيان\" ١٦/ ١٣٥، \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٩١، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٥٥ \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ١٦٢، \"الدر المنثور\" ٤/ ٥١٤.\n(٣) \"جامع البيان\" ١٦/ ١٣٥، \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٩١،\"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ١٦٢.\n(٤) انظر (ركز) في \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٤٥٩، \"القاموس المحيط\" ص ٥١٢، \"الصحاح\" ٣/ ٨٨٠، \"اللسان\" ٣/ ١٧١٧، \"المفردات في غريب القرآن\" ص ٢٠٢.\n(٥) البيت للبيد، ذكره في معلقه.\nانظر \"ديوانه\" ص ١٧٣، \"شرح القصائد العشر\" للتبريزى ص ١٨٤،\"شرح المعلقات السبع\" للزوزبي ص ٢٣٨، \"الدر المصون\" ٧/ ٦٥٤.","vol":"14","page":342},{"text":"وَتَوَجَّسْتُ رِكْزَ الأَنِيْسِ فَرَاعَهَا ... عَنْ ظَهرِ غَيْبٍ وَالأَنِيْسُ سَقَامُهَا\nومضى الكلام في معنى أحس (١)، وتحقيق معنى الآية: وكم أهلكنا قبلهم من قرن بتكذيب المرسلين يعضهم بهذا، ويلزمهم الاعتبار بمن تقدم من الأمم المكذبة.\n_________\n(١) عند قوله سبحانه: ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّه﴾ الآية [آل عمران: ٥٢].","vol":"14","page":343},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2439>سورة طه</span>","vol":"14","page":345},{"text":"تفسير سورة طه\nبسم الله الرحمن الرحيم\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2440>١ </span>- ﴿طه﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء: (يا رجل، يريد محمدً -ﷺ- (١). وهو قول الحسن، وعكرمة، وسعيد بن جبير، والضحاك، وقتادة، وابن أبي نجيح عن مجاهد، والكلبي (٢).\nقال عكرمة: (هي بلسان الحبشة) (٣).\nوقال سعيد بن جبير والضحاك: (بالنبطية) (٤).\nوقال قتادة: (بالسريانية) (٥).\n_________\n(١) \"جامع البيان\" ١٦/ ١٣٥، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٦٢، \"زاد المسير\" ٥/ ٣٦٩، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٥٧، \"الدر المنثور\" ٤/ ٥١٦.\n(٢) \"تفسير القرآن\" للصنعاني ٢/ ١٤، \"جامع البيان\" ١٦/ ١٣٥، \"الكشف والبيان\" ٣/ ١٤ ب، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٥٧، \"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي ١١/ ١٦٦.\n(٣) \"زاد المسير\" ٥/ ٣٦٩، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ١٦٦، \"الدر المنثور\" ٤/ ٥١٧، \"التفسير الكبير\" ٢٢/ ٣.\n(٤) \"جامع البيان\" ١٦/ ١٣٥، \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٩٢، \"زاد المسير\" ٥/ ٣٦٩، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٥٧، \"الدرر المنثور\" ٤/ ٥١٧.\n(٥) \"جامع البيان\" ١٦/ ١٣٥، \"معالم التنزيل\" ٥/ ١٣٥، \"زاد المسير\" ٥/ ٣٦٩، \"التفسير الكبير\" ٣/ ١٥٧.","vol":"14","page":347},{"text":"وقال الكلبي: (هي بلغة عك) (١) (٢).\nوأنشد لشاعرهم (٣):\nإِنَّ السّفَاهَة طَه من خَلائِقكُم ... لاَ قَدسَ اللهُ أروَاحَ المَلاَعين\nوقال السدي: (يا فلان) (٤).\nوروى خصيف عن مجاهد قال: (هي من فواتح السور) (٥). وهو اختيار أبي إسحاق (٦).\nوقال ابن عباس في رواية الوالبي: (هو قسم أقسم الله به) (٧). وهذا القول اختيار صاحب النظم (٨).\n_________\n(١) عك: بطن اختلف في نسبة، فقال بعضهم: بنو عك بن عدنان بن عبد الله بن الأزد من كهلان من القحطانية. وذهب آخرون إلى أنهم: من العدنانية، وعك أصغر من معد بن عدنان، أبو العدنانية. وقال آخرون: إنه عك بن الديث بن آذر، أخو معد ابن عدنان. حالفوا اليمن، ونزلوا في الأشعريين، وقيل غير ذلك. انظر \"أنساب العرب\" ٣٢٨، \"الأنساب\" للسمعاني ٤/ ٢٢٥، \"معجم قبائل العرب\" ٢/ ٨٠٢، \"التعريف بالأنساب\" ١٢٥، \"معجم البلدان\" ٤/ ١٤٣.\n(٢) \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٩٢، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٦٢، \"القرطبي\" ١١/ ١٦٥، \"البحر المحيط\" ٦/ ٢٢٤.\n(٣) البيت ليزيد بن المهلهل. انظر: \"جامع البيان\" ١٦/ ١٣٧، \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٩٢، \"المحرر الوجيز\" ١٠/ ٢، \"الكشاف\" ٢/ ٥٢٨،، \"القرطبي\" ١١/ ١٦٦، \"البحر المحيط\" ٦/ ٢٢٤، \"أضواء البيان\" ٤/ ٣٩٩، \"مجمع البيان\" ٧/ ٥.\n(٤) \"الكشف والبيان\" ٣/ ١٤ ب، \"ابن كثير\" ٣/ ١٥٧، \"للقرطبي\" ١١/ ١٦٦.\n(٥) \"بحر العلوم\" ٢/ ٣٣٦، \"الدر المنثور\" ٤/ ٥١٧، \"تفسير سفيان الثوري\" ١٩٢.\n(٦) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٤٩.\n(٧) \"جامع البيان\" ١٦/ ١٣٦، \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٩٣، \"زاد المسير\" ٥/ ٢٧٠، القرطبي \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ١٦٦، \"الدر المنثور\" ٤/ ٥١٧.\n(٨) ذكرته كتب التفسير بلا نسبة. انظر: \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٩٣، \"زاد المسير\" ٥/ ٢٧٠، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ١٦٦.","vol":"14","page":348},{"text":"وفسر القرظي هذا القسم فقال: (أقسم الله ﷿ بَطوْلِه وهدايته) (١).\nوقال مقاتل بن حيان: (معناه: طاء الأرض بقدميك، يريد به التهجد) (٢). ومال قوم إلى هذا التفسير، واحتجوا بما بعده، وبما ذكر في سبب النزول وهو: (أن النبي -ﷺ- في ابتداء الوحي ربما علق إحدى رجليه في الصلاة تخشعًا وشكرًا، فقيل له: طأها. أي: طاء الأرض برجلك وضعها عليها) (٣). وقالوا: أصله طأها من (٤) وطئ الأرض، والهاء كناية عن الأرض ثم لينت الهمزة فقيل: طه.\nقال صاحب النظم: (ولو كان الأمر على ما ذهبوا إليه لما كتبت حرفين، ووجه الكتب أربعة أحرف، كمن تكتب الكلام المؤلف) (٥).\nوروى الفراء بإسناده: (أن رجلًا قرأ على ابن مسعود: ﴿طه﴾ بالكسر. فقال له الرجل: يا أبا عبد الرحمن أليس إنما أمر أن يطأ قدمه؟ فقال له عبد الله: ﴿طه﴾ هكذا أقرأني رسول الله -ﷺ-) (٦) (٧).\n_________\n(١) \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٦٢، \"زاد المسير\" ٥/ ٢٧٠.\n(٢) \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٦٢، \"زاد المسير\" ٥/ ٢٧٠، \"الكشف والبيان\" ٣/ ١٤/ ب.\n(٣) \"بحر العلوم\" ٢/ ٣٣٦، \"المحرر الوجيز\" ١٠/ ٢ بدون نسبة،، \"الكشاف\" ٢/ ٥٢٨، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٥٧، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ١٦٧.\n(٤) في نسخة (س): أمر.\n(٥) لم أقف عليه.\n(٦) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٧٤، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ١٦٨، \"الدر المنثور\" ٤/ ٥١٧.\n(٧) اختلف العلماء في الحروف الهجائية في فواتح السور وما المراد بها إلى أقوال كثيرة. والصواب -والله أعلم- أن علمها إلى الله ﷿، وهذا ما ذهب إليه أكثر المحققين من المفسرين. قال ابن جرير الطبري في \"تفسيره\" ١/ ٩٣: (والصواب =","vol":"14","page":349},{"text":"فلو كان المعنى كما ذهبوا إليه ما أنكر ابن مسعود قراءة من قرأ: ﴿طه﴾ بإسكان الهاء (١). وأصله: طأ بالهمز فأبدلت منها الهاء، كما قالوا: هياك وهرقت، في إياك، وأرقت، ويجوز أن يكون الأصل طا من وطي على ترك الهمز، ثم أثبتت الهاء فيها للوقف، والوجهان ذكرهما أبو إسحاق (٢). وهذه قراءة شاذة لا يقرأ بها.\n_________\n= من القول عندي في تأويل مفاتيح السور التي هي حروف المعجم: أن الله جل ثناؤه جعلها حروفًا مقطعة، ولم يصل بعضها ببعض فيجعلها كسائر الكلام المتصل الحروف؛ لأنه عز ذكره أراد بلفظه الدلالة بكل حرف منه على معان كثيرة لا على معنى واحد).\nوذهب بعض العلماء إلى أن هذه الحروف إنما ذكرت في أوائل السور التي ذكرت فيها بيانًا لإعجاز القرآن، وأن الخلق عاجزون عن معارضته بمثله، هذا مع أنه مركب من هذه الحروف المقطعة التي يتخاطبون بها.\nوقال الشوكاني -﵀- في \"فتح القدير\" ٣/ ٤٦٤: (وكما وقع الخلاف في هذا وأمثاله بين الصحابة وقع بين من بعدهم، ولي يصح مرفوعًا في ذلك شيء، ومن روي عنه من الصحابة في ذلك شيء فقد روي عن غيره ما يخالفه، وقد يروى عن الصحابي نفسه التفاسير المتخالفة المتناقضة في هذه الفواتح، فلا يقوم شيء من ذلك حجة، بل الحق الوقف ورد العلم في مثلها إلى الله سبحانه).\nوقال الدكتور محمد صالح في كتابه \"تفسير سورة الرعد\" ص ٤٣ بعد أن ذكر بعض الأقوال: (ولكن الأقوال المحكية، والنقول المروية لا تصح نقلًا، ولا تسلم عقلًا، فالله أعلم بحقيقة المراد).\nانظر \"المحرر الوجيز\" ١/ ١٣٨، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١/ ١٥٤، \"تفسير القرآن العظيم\" ١/ ٣٨، \"التفسير الكبير\" ٢/ ٥، \"التحرير والتنوير\" ١/ ٢٠٦، أضواء البيان ٤/ ٣٩٩، \"تأويل مشكل القرآن\" لابن قتيبة ٢٩٩.\n(١) قراء الحسن: (طه) بسكون الهاء من غير ألف قبلها. انظر: \"القراءات الشاذة\" للقاضي ص ٦٦، \"إتخاف فضلاء البشر\" ص ٣٠١.\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٤٩.","vol":"14","page":350},{"text":"قال ابن الأنباري: (وجه قول من قال: إن ﴿طه﴾ لغة غير العرب، أن لغة قريش وافقت تلك اللغة في هذا المعنى من جهة اتفاق اللغتين؛ لأن الله تعالى لم يخاطب نبيه -ﷺ- بلسان غير قريش) (١).\n\nفمن بني ﴿طه﴾ على يا رجل قال: موضعه رفع بالنداء المفرد. ووجه قول من قال: إنه قسم أن التأويل: وحق طه وحق حروف المعجم التي نزل القرآن بها، وأثنى على الباري وسبح ومجد بما انتظم من كلمها، وموضعه خفض بإضمار واو القسم، أو نصب على أنه حلت محل: حقًا ويقينًا، ويمينًا صادقة، وحلفًا بارًا. وقول من قال: إنه من فواتح السور أن يصرف طه إلى مثل ألا في افتتاح الكلام حين يقال: ألا إن عبد الله مقيم <span data-type=\"title\" id=toc-2441>(٢)</span>.\n٢ - قوله تعالى: ﴿مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾ أي: لتتعب وتبلغ من الجهد ما بلغت. قال أبو إسحاق: (أي لتصلي على إحدى رجليك فيشتد عليك) (٣).\nقال الكلبي: (لما نزل على رسول الله -ﷺ- الوحي بمكة اجتهد في العبادة واشتدت عبادته، فأمره الله أن يخفف على نفسه، وذكر له أنه ما أنزل عليه الوحي ليتعب كل ذلك التعب، وكان بعد نزول هذه الآية ينام بعض الليل ويصلي بعضه) (٤).\nوذكر مقاتل في سبب النزول غير هذا وهو أنه قال: (قال أبو جهل\n_________\n(١) \"زاد المسير\" ٥/ ٢٦٩، \"روح المعاني\" ١٦/ ١٤٨، \"فتح القدير\" ٣/ ٥٠٨.\n(٢) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٧٤، \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٤٩، \"إملاء ما من به الرحمن\" ١/ ١١٨، \"البحر المحيط\" ٦/ ٢٢٤.\n(٣) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٤٩.\n(٤) \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٦٣، \"القرطبي\" ١١/ ١٦٧ \"الكشف والبيان\" ٣/ ١٥ أ.","vol":"14","page":351},{"text":"والمشركون للنبي -ﷺ-: إنك لتشقى بترك دنيا، وذلك لما رأوا من جهده وطول عبادته، فأنزل الله هذه الآية جوابًا للمشركين) (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2442>٣ </span>- قوله تعالى: ﴿إِلَّا تَذْكِرَةً﴾ قال الفراء: (نصبها على قوله: ما أنزلناه إلا تذكرة) (٢). فأضمر ما أنزلناه لدلالة ما قبله عليه. قال المبرد: (لكن تذكرة أي: لكن أنزلناه تذكرة، كقوله تعالى: ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى (١٩) إِلَّا ابْتِغَاءَ﴾ [الليل:١٩ - ٢٠]، أي: لكن فعله ابتغاء وجه ربه) (٣).\nوقال صاحب النظم: (﴿إِلّا﴾ هاهنا بمعنى بل، المعنى: بل أنزلناه تذكرة) <span data-type=\"title\" id=toc-2443>(٤)</span>. وهذا أضعف الوجوه. ومعنى الآية: أنزلنا القرآن لتذكر به من يخشى الله، والتذكرة مصدر كالتذكير.\n٤ - قوله تعالى: ﴿تَنْزِيلًا﴾ قال الزجاج: (المعنى أنزلناه تنزيلًا) (٥). فعلى هذا ينتصب على المصدر، وأنزلنا ونزلنا بمعنى واحد، فهو من باب المصدر على غير الصدر.\nوقال المبرد: (تنزيلًا بدل من تذكرة) (٦).\n_________\n(١) \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ١٦٨،\"التفسير الكبير\" ٢٢/ ٣، \"روح المعاني\" ١٦/ ١٤٩، \"تفسير مقاتل\" ص ٢.\n(٢) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٧٤.\n(٣) ذكره الطبري في \"تفسيره\" ٧/ ٥، وذكرته كتب التفسير بدون نسبة. انظر: \"المحرر الوجيز\" ١٠/ ٣، \"إملاء ما من به الرحمن\" ١/ ١١٨،\"روح المعاني\" ١٦/ ١٥١، \"فتح القدير\" ٣/ ٥٠٩.\n(٤) ذكره بلا نسبة \"إملاء ما من به الرحمن\" ١/ ١١٨، \"الكشاف\" ٢/ ٥٢٩، \"البحر المحيط\" ٦/ ٢٢٥.\n(٥) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٥٠.\n(٦) ذكرته كتب التفسير بدون نسبة.","vol":"14","page":352},{"text":"وقال ابن الأنباري: (معناه نزلناه تنزيلًا) (١). فأكد المصدر فعلًا أتى الكلام السابق بتأويله، كما قال الهذلي (٢):\nمَا إِنْ يَمَسُّ الأَرْضَ إِلاَ مَنْكِبٌ ... مِنْهُ وَحَرْفُ السَّاقِ طَيَّ المِحْمَلِ\nنصب طي على المصدر من غير أن يذكر فعله؛ لأن ما تقدم من الكلام يدل على طوى، ومثله قول امرئ القيس (٣):\nوأَلْقَى بِصَحْرَاءِ الغَبِيطِ بِقَاعَه ... نُزُولَ اليَمَانِي ذِي العِيَابِ المُحَمَّلِ\nوقوله تعالى: ﴿مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى﴾ قال ابن عباس: (أخبر بعظمته وجلاله) (٤).\n_________\n= انظر: \"زاد المسير\" ٥/ ٢٧٠، \"التفسير الكبير\" ٢٢/ ٥، \"روح المعاني\" ١٦/ ١٥١.\n(١) انظر المراجع السابقة.\n(٢) البيت لأبي كبير الهذلي.\nالمِحْمَلُ: مِحْمَلُ السيف. ويريد الشاعر: أنه إذا اضطجع لم يمس الأرض إلا منكبه وحرف ساقه، لأنه خميص البطن فلا يصيب بطنه الأرض. انظر: \"شرح أشعار الهذليين\" ٣/ ١٠٧٤، \"خزانة الأدب\" ٨/ ١٩٤، \"شرح أبيات سيبويه\" ١/ ٣٢٤، \"شرح شواهد الإيضاح\" ص ١٤٧، \"الشعر والشعراء\" ص ٤٤٧، \"المقاصد النحوية\" ٣/ ٥٤.\n(٣) البيت لامرئ القيس في معلقته.\nالغبيط: أكمة قد إنخفض وسطها وارتفع طرفاها، وسميت غبيطًا تشبيهًا بغبيط البعير، ويقال: إن صحراء الغبيط هي أرض بني يربوع. والبِعَاع: الثقل. ونزول اليماني: أي: نزول التاجر اليماني. العِيَاب: جمع عيبة الثياب. انظر: \"ديوان امرئ القيس\" ص ٦٢، \"شرح القصائد العشر\" للتبريزي ص ٧١، \"شرح المعلقات السبع\" للزورني ص ٥٩، \"الخصائص\" لابن جني ٢/ ١٢٦.\n(٤) ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة.\nانظر: \"القرطبي\" ١١/ ١٦٩، \"البحر المحيط\" ٦/ ٢٢٦، \"أنوار التنزيل\" ٤/ ١٨.","vol":"14","page":353},{"text":"قال أبو إسحاق: (العلى جمع العليا، كما يقال: الكبرى والكبر) (١). قال المبرد: (وهو مثل ظُلْمَة وظُلَم، ورُكْبَة ورُكَب، وكذلك العُلْيَا والعُلَى، والدُنْيَا والدُنَى، فالألف بحذاء الهاء للتأنيث) (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2444>٥ </span>- قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنِ﴾ قال الأخفش: (هو الرحمن) (٣). [قال المبرد: (﴿الرَّحْمَنِ﴾ مرفوع على خبر المبتدأ المضمر) (٤). لأنه لما قال: ﴿تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَق﴾ بينه فكأنه قال: هو الرحمن] (٥)، كقوله: ﴿بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ النَّار﴾ [الحج: ٧٢]، المعنى ففي النار.\nقوله تعالى: ﴿عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ قال كثير من أهل التأويل: استوى معناه استولى (٦).\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٥٠.\n(٢) أورد نحوه بلا نسبة العبكري في \"إملاء ما من به الرحمن\" ١/ ١١٨، والقرطبي في \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ١٦٩، والألوسي في \"روح المعاني\" ١٦/ ١٥٢.\n(٣) \"معاني القرآن\" للأخفش ٢/ ٦٢٩.\n(٤) انظر: \"الكشاف\" ٢/ ٥٢٩، \"البحر المحيط\" ٦/ ٢٢٦، \"فتح القدير\" ٣/ ٥٠٩.\n(٥) ما بين المعقوفين ساقط من نسخة: (ص).\n(٦) تفسير الاستواء بالاستعلاء قول المعتزلة والجهمية والحرورية قالوا: إن استوى بمعنى استولى وملك وقهر. قال أبو الحسن الأشعري في \"الإبانة عن أصول الديانة\" ص ٤٩: (فلو كان الله مستويًا على العرش بمعنى الاستيلاء، وهو ﷿ مستول على الأشياء كلها، لكان مستويًا على العرش وعلى الأرض وعلى السماء .. لأنه قادر على الأشياء مستول عليها ..، لم يجز أن يكون الاستواء على العرش: الاستيلاء الذي هو عام في الأشياء كلها، ووجب أن يكون معناه استواء يخص العرش دون الأشياء كلها).\nوقال ابن تيمية -﵀- في \"مجموعة الفتاوى\" ٥/ ١٤٤، في الرد على من فسر ﴿اسْتَوَى﴾ بـ (استولى): (ومن تلك الوجوه أنه لم يرد عن أحد من الصحابة ولا التابعين لهم، بل تفسير حدث من المبتدعة بعدهم، ثم هو ضعيف لغة).","vol":"14","page":354},{"text":"وقد بينا استقصاء هذا عند قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء﴾ (١).\nوأخبرني العروضي عن الأزهري عن المنذري قال: (سئل أحمد بن يحيى عن قول الله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ فقال: الاستواء الإقبال على الشيء) (٢).\nوقال الأخفش: (استوى أي علا تقول: استويت فوق الدابة وعلى ظهر البيت أي علوته) (٣). ونحو هذا قال أبو عبيدة (٤). وعلى هذا التفسير معنى الآية: أنه ﷿ علا على العرش بقدرته وقوته، وخص العرش بالذكر؛ لأنه أعظم المخلوقات. وعامة السلف أعرضوا عن الكلام في هذه الآية ونظائرها وذلك طريقة مالك، والشافعي، والأوزاعي، والثوري ﵏ (٥).\n_________\n(١) سورة البقرة: (٢٩). وانظر تعليق المحقق عليه.\n(٢) \"تهذيب اللغة\" (سواء) ٢/ ١٧٩٤.\n(٣) \"معاني القرآن\" للأخفش ٢/ ٦٣١، \"تهذيب اللغة\" (سواء) ٢/ ١٧٩٤.\n(٤) \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ٢/ ١٥.\n(٥) إن أريد إعراضهم عن معانيها؛ فهذا قول المفوضة لا قول أهل السنة، فإن أهل السنة يثبتون الأسماء والمعاني والصفات الثابتة اللائقة بالله ﷿، وأما الإعراض في آيات الصفات فإنما يكون للكيفية فهي التي لا يعلمها إلا الله تعالى، ومثل هذا يقال في معنى الاستواء، فالمنهج السوي أن نثبت لله ما أثبته لنفسه، فهو سبحانه مستو على عرشه عال على خلقه، ولا يلزم لهذا أي: لازم باطل مما يلزم لاستواء المخلوقين.\nقال ابن كثير -﵀- في \"تفسيره\" ٢/ ٢٢٠: (وللناس في هذا المقام مقالات كثرة جدًّا يشير هذا موضع بسطها، وإنما نسلك في هذا المقام مذهب السلف الصالح مالك، والأوزاعي، والثوري، والليث بن سعد، والشافعي، وأحمد وإسحاق بن راهوية وغيرهم من أئمة المسلمين قديمًا وحديثًا وهو: إمرارها كما =","vol":"14","page":355},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2445>٦ </span>- قوله تعالى: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ الآية، تأويلها إنه مالك كل شيء ومدبره. وقوله تعالى: ﴿وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ قال المبرد: (يعني الهواء) (١). ﴿وَمَا تَحْتَ الثَّرَى﴾ الثرى في اللغة معناه: التراب الندي، وثَرَّيْتُ التربة بللتها، ويقال: ثَرِيْتُ الأرضَ ثَرَّى فهي ثَرِيَّةٌ إذا ابتل ترابها بعد الجدوبة، وأَثْرَتْ فهي ثَرِيَّة إذا كثر ثَراها، ويقال: أرض ثَرِيَّةٌ أي ذات ثَرَى، والثَرى يستعمل في أشياء كثيرة يقال: قد بدا ثَرَى الماء من الفرس، وهو حين يندى بعرقه (٢).\nوقال ابن الأعرابي: يقال: فلان قريب الثَّرَى بعِيد النَّبَط للذي يعد ولا وفاء له (٣). ويقال: إِني لأَرَى ثَرَى الغضب في وجه فلان أي: أَثَره، ومنه قول الشاعر (٤):\nوإِنَّي لَتَرَّاكُ الضغَّينَةِ قَدْ أَرَى ... ثَرَاهَا من المَوْلَى فَمَ أَسْتَثْيِرُهَا\n_________\n= جاءت من غير تكييف ولا تشبيه ولا تعطيل فإن الله لا يشبه شيء من خلقه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾. انظر: \"الإبانة عن أصول الديانة\" ص ٤٨، \"شرح العقيدة الطحاوية\" ص ٣١٣، \"الرسالة التدمرية\" ص ٨١، \"مجمع فتاوى شيخ الإسلام\" ابن تيمية ٥/ ٩٥، \"أضواء البيان\" ٢/ ٣١٦.\n(١) ذكرته كتب التفسير بلا نسبة.\nانظر: \"التفسير الكبير\" ٢٢/ ٨، \"مجمع البيان\" ٧/ ٥، \"روح المعاني\" ١٦/ ١٦١، وقال: ﴿وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ من الموجودات الكائنة في الجو كالهواء، والسحاب، وخلق لا نعلمهم هو سبحانه يعلمهم.\n(٢) انظر: \"تهذيب اللغة\" (ثرا) ١/ ٤٧٨، \"الصحاح\" (ثرا) ٦/ ٢٢٩١، \"اللسان\" (ثرا) ١/ ٤٧٩، \"المعجم الوسيط\" (ثرى) ١/ ٩٥، \"مختار الصحاح\" (ثرى) ص٨٣.\n(٣) \"تهذيب اللغة\" (ثرا) ١/ ٤٧٩، \"لسان العرب\" (ثرا) ١/ ٤٧٩.\n(٤) نسبة في \"الأغاني\" إلى شبيب بن البرصاء، وذكرته كتب اللغة بدون نسبة. انظر: \"تهذيب اللغة\" (ثرى) ١/ ٤٧٩، \"لسان العرب\" (ثرا) ١/ ٤٧٩.","vol":"14","page":356},{"text":"ويقال: الثَرَى بيني وبين فلان نَد، إذا لم ينقطع ما بينك وبينه، ومنه (١) قول جرير (٢):\nفَلاَ تُوبِسُوا بَيْنِي وبَيْنَكُمُ الثَّرَى ... فإِنَّ الذِي بَيْنِي وبَيْنَكمُ مُثْرى\nوالمفسرون يقولون في (الثرى) في هذه الآية: أراد الثرى الذي تحت الصخرة التي عليها الثور الذي تحت الأرض، ولا يعلم ما تحت الثرى إلا الله ﷿ (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2446>٧ </span>- قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرّ﴾ اختلفوا في وجه هذا النظم، ومعنى الآية، وكان من حق المقابلة أن يقول: وإن أسررت القول فإنه يعلم السر.\nفقال المفضل: (﴿وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ﴾ أي: ترفع صوتك بالقراءة ﴿فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرّ وَأخْفَى﴾ فلا تجهد نفسك بالمبالغة في رفع الصوت؛ فإنك وإن لم تجهر [به وأسررته علم ذلك السر) (٤).\nوقال صاحب النظم: (معناه وإن تجهر بالقول فتظهره] (٥) فهو يعلم\n_________\n(١) قول: (ومنه)، ساقط من نسخه: (ص).\n(٢) البيت لجرير. انظر: \"ديوانه\" ص ٢١٣، \"الصحاح\" (ثرى) ٦/ ٢٢٩٣، \"لسان العرب\" (ثرا) ١/ ٤٨٠.\n(٣) \"الكشف والبيان\" ٣/ ١٥ أ، \"بحر العلوم\" ٢/ ٣٣٦، \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٩٤، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٦٣، \"زاد المسير\" ٥/ ٢٧٠، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ١٦٩.\nود ذكر ابن كثير -﵀- في \"تفسيره\" ٣/ ١٥٧ بعض هذه الروايات وضعفها وقال غريبة جدًّا، ورفعها فيه نظر.\n(٤) ذكرته كتب التفسير بلا نسبة. انظر: \"زاد المسير\" ٥/ ٢٧٠، \"التفسير الكبير\" ٢٢/ ٨، \"الفتوحات الإلهية\" ٣/ ٨٢، \"مجمع البيان\" ٧/ ٦، \"فتح القدير\" ٣/ ٥١٠.\n(٥) ما بين المعقوفين ساقط من نسخة: (س).","vol":"14","page":357},{"text":"السر وأخفى منه فكيف الجهر) (١). وذكر وجهًا آخر وهو: أن يكون في الكلام اختصار على معنى: وإن تجهر بالقول، أو لم تجهر فهو يعلم السر وأخفى منه. أي فما حاجتك إلى الجهر، أي: إن في غير الجهر كفاية لك.\nفأما معنى: (السر وأخفى) قال ابن عباس فيما روى عنه سعيد بن جبير: (السر ما علمت أنت مما أسررت في نفسك، وأخفى من السر ما لم يكن بعد وهو كائن) (٢).\nوقال في رواية الوالبي: (السر: ما أسر ابن آدم في نفسه، وأخفى: ما خفي على ابن آدم مما هو فاعله قبل أن يعلمه، والله يعلم ذلك كله، فيعلمه فيما مضى من ذلك وما بقي علم واحد) (٣). وهو قول مجاهد، وقتادة، وسفيان، والضحاك، وسعيد بن جبير (٤). وأكثرهم قالوا: (السر ما أسره في نفسه، وأخفى: ما لم يحدث به نفسه مما يكون في غد) (٥).\nوقال عكرمة: (السر: ما حدث به الرجل أهله، وأخفى: ما تكلمت به في نفسك) (٦).\n_________\n(١) ذكرت نحوه كتب التفسير بلا نسبة. انظر: \"المحرر الوجيز\" ١٠/ ٥، \"البحر المحيط\" ٦/ ٢٢٦، \"روح المعاني\" ١٦/ ١٦٢.\n(٢) \"جامع البيان\" ١٦/ ١٤٠، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٦٤، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ١٧٠، \"الدر المنثور\" ٤/ ٥١٩.\n(٣) \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٦٤، \"زاد المسير\" ٥/ ٢٧١، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ١٧٠، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٥٨، \"الدر المنثور\" ٤/ ٥١٨.\n(٤) \"تفسير القرآن\" للصنعاني ٢/ ١٤ \"جامع البيان\" ١٦/ ١٤٠ \"بحر العلوم\" ٢/ ٣٣٦ \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٩٤، \"الكشف والبيان\" ٣/ ١٥ ب.\n(٥) \"جامع البيان\" ١٦/ ١٤٠، \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٩٤، \"زاد المسير\" ٥/ ٢٧١، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ١٧٠، \"الدر المنثور\" ٤/ ٥١٩.\n(٦) \"جامع البيان\" ١٦/ ١٣٩، \"بحر العلوم\" ٢/ ٣٣٦، \"الكشف والبيان\" ٣/ ١٥ ب.","vol":"14","page":358},{"text":"وهذا قول الحسن (١). وعلى هذا؛ المراد: وأخفى منه إلا أنه حذف منه للعلم به. قال المفضل: (ومثله قول القائل: الله أكبر، معناه: أكبر من كل شيء) (٢). وأنشد قول الفرزدق (٣):\nإِنَّ الذِي سَمَكَ السَّمَاءَ بَنَى لَنَا ... بَيْتًا دَعَائِمُه أَعَزُّ وأَطْوَلُ\nمعناه: أعز وأطول من دعائم بيتك، فحذفه للعلم به.\nقال المبرد: (لم يقل: وأخفى منه؛ لأنه قد ذكر السر فبان ما يتصل بأخفى، كقولك: فلان كالفيل أو أعظم، والعرب تحذف ما لا يبطل المعنى استخفافًا واختصارًا، ألا تراهم يقولون: أزيد أفضل أم عمرو، وتمام الكلام: أزيد أفضل من عمرو أم عمرو أفضل من زيد) (٤).\nوقال زيد بن أسلم في قوله: ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾: (يعلم أسرار العباد، وأخفى سره عنهم فلا يعلم) (٥). فعلى هذا لا يحتاج إلى تقدير محذوف؛ لأن أخفى على هذا القول أَفْعَل من الإخفاء. وعلى القول الأول أفعل من الخفاء، والألف للتفضيل.\nوذهب قوم إلى أن (أخفى) هاهنا بمعنى الخفي، وأفعل يأتي في الكلام ولا يراد به التفضيل. كقول الشاعر:\n_________\n(١) \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٦٤، \"الكشف والبيان\" ٣/ ١٥ ب، \"الدر المنثور\" ٤/ ٥١٩.\n(٢) لم أقف عليه.\n(٣) البيت للفرزدق. انظر: \"ديوانه\" ٢/ ١٥٥، \"الأشباه والنظائر\" ٦/ ٥٠، \"خزانة الأدب\" ٦/ ٥٣٩، \"شرح المفصل\" ٦/ ٩٧، \"المقاصد النحوية\" ٤/ ٤٢، \"لسان العرب\" (كبر) ٦/ ٣٨٠٨.\n(٤) ذكره نحوه بدون نسبة الطبرسي في \"مجمع البيان\" ٧/ ٦.\n(٥) \"جامع البيان\" ١٦/ ١٤٠، \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٩٤، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٦٤، \"زاد المسير\" ٥/ ٢٧١.","vol":"14","page":359},{"text":"تَمَنَّى رِجَالٌ أَنْ أَمُوتَ وإنْ أَمُتْ ... فَتِلْكَ سَبِيلُ لَسْتُ فِيهَا بأَوحَدِ (١)\nأي: بواحد. وقيل في بيت الفرزدق: إن قوله: أعز وأطول؛ بمعنى: عزيزة طويلة، وهذا قول أبي عبيدة (٢). قال ابن الأنباري: (وهذا القول يخالف الآثار، ويبعد متناوله عند أهل النحو، إذ ترتيب أفعل أن لا يعرى من التزيد حتى يقوم بذلك دليل عند الاضطرار والبناء على الأحرف، والأشهر عند أهل الأثر أوجب) (٣). والأولى من هذه الأقاويل ما عليه المفسرون (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2447>٨ </span>- قوله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ قال المبرد: يجوز أن يكون ﴿اللهُ﴾ ابتداء، وخبره ﴿لا إِلَهَ إِلا هُو﴾ ويجوز أن تكون خبر ابتداء على\n_________\n(١) البيت لطرفة بن العبد.\nانظر: \"جامع البيان\" ١٦/ ١٤٠، \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ٢/ ١٦، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ١٧٠.\n(٢) \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ٢/ ١٦.\n(٣) ذكره نحوه بلا نسبة في \"الكشاف\" ٢/ ١٦٢، \"المحرر الوجيز\" ١٠/ ٦، \"البحر المحيط\" ٦/ ٢٢٧.\n(٤) قال الطبري -﵀- في \"تفسيره\" ١٦/ ١٤٠: (والصواب من القول في ذلك قول من قال: معناه يعلم السر وأخفى من السر: لأن ذلك هو الظاهر من الكلام، ولو كان معنى ذلك ما تأوله ابن زيد لكان الكلام وأخفى الله سره؛ لأن أخفى فعل واقع متعد إذ كان بمعنى فعل، على ما تأوله ابن زيد، وفي انفراد أخفى من مفعوله والذي يعمل فيه لو كان بمعنى فعل الدليل الواضح على أنه بمعنى أفعل وأن تأويل الكلام: فإنه يعلم السر وأخفى منه، فإذا كان ذلك تأويله فالصواب من القول في معنى (أخفى) من السر أن يقال: هو ما علم الله مما أخفى عن العباد ولم يعلموه مما هو كائن ولما يكن).\nوانظر: \"تفسير غريب القرآن\" لابن قتيبة ٢/ ٨، \"غريب القرآن\" لعبد الله بن المبارك ص ٢٤٣، \"المحرر الوجيز\" ١٦/ ٦.","vol":"14","page":360},{"text":"قدير: هو الله لا إله إلا هو، نعت) (١). والمعنى: لا معبود يستحق العبادة غيره. ﴿لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ يعني: التسعة والتسعين التي ورد بها الخبر (٢). والحسنى تأنيث الأحسن، كالكبرى والعليا، ووحدت الحسنى والأسماء جمع؛ لأنها مؤنثه والجماعة توصف بصفة المؤنث الواحد كقوله: ﴿حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَة﴾ [النمل: ٦٠]، و﴿مَارِبُ أُخْرَى﴾ [طه:١٨]، كأنها اسم واحد للجميع (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2448>٩ </span>- قوله تعالى: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى﴾ روى سلمة عن الفراء:\n_________\n(١) انظر: \"إعراب القرآن\" للنحاس ٢/ ٣٣٢، \"البحر المحيط\" ٦/ ٢٢٧، \"روح المعاني\" ١٦/ ١٦٤ \"الفتوحات الإلهية\" ٣/ ٨٢\n(٢) وهو ما أخرجه البخاري عن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: لله تسع وتسعون اسمًا من أحصاها دخل الجنة\".\nأخرجه البخاري في التوحيد، باب: لله ﷿ مائة اسم غير واحد ٨/ ١٦٩، ومسلم في الذكر والدعاء، باب: في أسماء الله تعالى ٤/ ٢٠٦٢.\nوالحديث الذي فيه ذكر الأسماء أخرجه ابن ماجه ٢/ ١٢٦٩، والحاكم في \"المستدرك\" ١/ ١٦، والبيهقي في \"الأسماء والصفات\" ص ١٥، والترمذي ٥/ ٥٣٠، وقال: هذا حديث غريب، وذكر الأسماء ليس له إسناد صحيح.\nوقال ابن تيمية -﵀- في \"الفتاوى\" ٦/ ٣٧٩: (وتعيينها ليس من كلام النبي -ﷺ- باتفاق أهل المعرفة بالحديث، ولم يرد في تعيينها حديث صحيح عن النبي -ﷺ-).\nوقال النووي في \"شرح مسلم\" ٧/ ١٧: (اتفق العلماء على أن هذا الحديث ليس فيه حصر لأسمائه ﷾ فليس معناه إنه ليس له أسماء غير هذه التسعة والتسعين، وإنما مقصود الحديث: أن هذه التسعة والتسعين من أحصاها دخل الجنة، فالمراد الإخبار عن دخول الجنة بإحصائها لا الإخبار بحصرها).\nانظر: \"أحكام القرآن\" لابن العربي ٢/ ٨٠٢، \"شرح أسماء الله الحسني\" للرازي ص ٣٦، \"القواعد المثلى\" للشيخ محمد بن عثيمين ص ١٣.\n(٣) \"الكشاف\" ٢/ ٥٣٠ \"البحر المحيط\" ٦/ ٢٢٧، \"روح المعاني\" ١٦/ ١٦٥.","vol":"14","page":361},{"text":"(هل (١) تكون جحدًا، وتكون خبرًا، قال: وقول الله تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾ [الإنسان: ١]، من الخبر معناه قد أتى، قال: والجحد أن يقول: وهل يقدر أحد على مثل هذا. قال: ومن الخبر قولك للرجل: هل وعظتك، هل أعطيتك، تقرره بأنك قد وعظته وأعطيته) (٢). فعلى هذا قوله ﴿وَهَلْ أَتَاكَ﴾ استفهام يراد به التقرير والخبر. أي: وقد أتاك (حديث موسى).\nوقال الكلبي: (لم يكن آتاه حديثه ثم أخبره) (٣). والصحيح أنه استفهام تقرير بمعنى الخبر (٤). وعلى هذا فسره ابن عباس، فقال: (يريد وقد أتاك) (٥).\nقال أهل المعاني: (معنى ذكر قصة موسى ﵇ هاهنا تسلية للنبي -ﷺ- مما ناله من أذى قومه، وتثبيت بالصبر على ذلك، كما صبر أخوه موسى حتى نال الفوز في الدنيا والآخرة) (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2449>١٠ </span>- قوله تعالى: ﴿إِذْ رَأَى نَارًا﴾ قال وهب: (استأذن موسى ﵇ شعيبًا (٧) بالرجوع إلى والديه فأذن له، فخرج بأهله فولد له ابن في الطريق\n_________\n(١) في (س): (هل قد تكون).\n(٢) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢١٣.\n(٣) \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٦/ ١٧١، \"التفسير الكبير\" ٢٢/ ١٤.\n(٤) \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٦٤، \"البحر المحيط\" ٦/ ٢٢٩.\n(٥) \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٦/ ١٧١، \"التفسير الكبير\" ٢٢/ ١٤، وذكره البغوي في \"تفسيره\" ٥/ ٢٦٤ بدون نسبة.\n(٦) \"الكشاف\" ٢/ ٥٣١، \"البحر المحيط\" ٦/ ٢٢٩، \"التفسير الكبير\" ٢٢/ ١٤، \"روح المعاني\" ١٦/ ١٦٤.\n(٧) لم يرد دليل صحيح في أن الذي صاهره موسى ﵇ هو نبي الله شعيب، ولم ينقل عن أحد من الصحابة في ذلك شيء، وقد توسع شيخ الإسلام ابن تيمية في الرد =","vol":"14","page":362},{"text":"في ليلة شاتية مثلجة، وقد حاد عن الطريق فقدح موسى النار فلم تنور المقدحة شيئًا، فبينما هو في مزاولته ذلك أبصر نارًا من بعيد عن يسار الطريق، فذلك قوله: ﴿إِذْ رَأَى نَارًا﴾) (١).\nوقال عطاء عن ابن عباس: (كان موسى رجلًا غيورًا لا يصحب الرفقة لئلا ترى امرأته، فأخطأ الطريق في ليلة مظلمة فرأى نارًا من بعيد) (٢) ﴿فَقَالَ لِأَهْلِهِ﴾ يريد امرأته بنت شعيب ﴿امْكُثُوا﴾ أقيموا مكانكم، الخطاب لامرأته ولكنه خرج على ظاهر لفظ الأهل، فإن الأهل يقع على الجماعة كما يقال: أهل البيت (٣).\n﴿إِنِّي آنَسْتُ نَارًا﴾ قال المبرد: (ويقول الذي يبصر الشيء من بعيد مما تسكن إليه نفسه: آنست كذا أي رأيته لي أنسًا، ويقال: أنس الطائر إذا\n_________\n= على من يقول بذلك القول في رسالة جميعها في ذلك ضمن \"جامع الرسائل\" ١/ ٦٣، وقال فيها: وإن كان الثعلبي قد ذكر أنه شعيب النبي فقد قال ما ليس له به علم وما لم ينقل عن النبي -ﷺ- ولا عن الصحابة ولا عمن يحتج بقوله من علماء المسلمين، وخالف في ذلك ما ثبت عن ابن عباس والحسن البصري مع مخالفته أيضًا لأهل الكتاب فإنهم متفقون على أنه في هو شعيب النبي فإن في التوراة عند اليهود والإنجيل الذي عند النصارى أن اسمه: (يثرون) وليس لشعيب النبي عندهم ذكر في التوراة.\n(١) \"جامع البيان\" ١٦/ ١٤٢، \"زاد المسير\" ٥/ ٢٧٢، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ١٧١، \"الكشف والبيان\" ٣/ ١٦ أ، \"الدر المنثور\" ٤/ ٥١٩.\n(٢) \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ١٧١، وذكره نحوه البغوي في \"تفسيره\" ٥/ ٢٦٥، بدون نسبة، وابن عطية في \"تفسيره\" ١٠/ ٧.\n(٣) انظر: \"تهذيب اللغة\" (أهل) ١/ ٢٢٧، \"الصحاح\" (أهل) ٤/ ١٦٢٨، \"القاموس المحيط\" (أهل) ص ٩٦٣.","vol":"14","page":363},{"text":"كان مما يصيد فرأى صيدًا) (١).\nقال العجاج (٢):\nأَنَسَ خِرْبَانَ فَضاَءٍ فَانْكَدَرْ\nوذكرنا هذا الحرف عند قوله: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾ [النساء: ٦]، والأصل فيه ما ذكره المبرد. والمفسرون يقولون: (رأيت وأبصرت) (٣).\nوقوله تعالى: ﴿آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ﴾ القبس: شعلة من نار يقتبسها من معظم النار (٤).\nقال أبو زيد: (أقبست الرجل علمًا بالألف، وقبسته نارًا إذا جئته بها، فإن كان طلبها قال: أقبسته بالألف) (٥).\nوقال الكسائي: (أقبسته نارًا وعلمًا سواء، وقد يجوز طرح الألف منهما) (٦). قال المبرد: (والأصل واحدة لأن كلاهما مستضاء به) (٧).\n_________\n(١) ذكر بلا نسبة في \"تهذيب اللغة\" (أنس) ١/ ٢١٧، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ١٧٢، \"البحر المحيط\" ٦/ ٢٣٠.\n(٢) البيت للعجاج.\nالخِرْب: ذكر الحبارى، وقيل: هو الحبارى كلها. انظر: \"ديوانه\" ص ١٧، \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ٢/ ٢٨٧.\n(٣) \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٩٥، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٦٥، \"المحرر الوجيز\" ١٠/ ٨، \"الكشاف\" ٢/ ٥٣١، \"زاد المسير\" ٥/ ٢٧٢.\n(٤) انظر: \"تهذيب اللغة\" (قبس) ٣/ ٢٨٧١، \"مقاييس اللغة\" (قبس) ٥/ ٤٨، \"الصحاح\" (قبس) ٣/ ٩٦٠، \"لسان العرب\" (قبس) ٦/ ٣٥١٠.\n(٥) \"تهذيب اللغة\" (قبس) ٣/ ٢٨٧١.\n(٦) \"تهذيب اللغة\" (قبس) ٣/ ٢٨٧١، \"لسان العرب\" (قبس) ٦/ ٣٥١٠.\n(٧) انظر: \"الفتوحات الإلهية\" ٣/ ٨٣، \"فتح القدير\" ٣/ ٥١١.","vol":"14","page":364},{"text":"وقوله تعالى: ﴿أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى﴾ قال ابن عباس: (من يدل على الطريق) (١) وقال مجاهد: (هاديًا يهدي إلى الطريق) (٢).\nقال الفراء: (أراد: هاديًا فذكره بلفظ المصدر) (٣).\nقال الزجاج: (رجاء أن يجد عند النار من يهديه للطريق) (٤). لأن النار لا تخلو من أهل لها وناس عندها. قاله السدي (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2450>١١ </span>- قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا﴾ قال ابن عباس: (لما توجه نحو النار فإذا النار في شجرة عناب، فوقف متعجبًا من حسن ضوء تلك النار، وشدة خضرة تلك الشجرة فلا شدة حر النار تغير حسن خضرة الشجرة ولا كثرة ماء الشجرة يغير حسن ضوء النار، فسمع النداء من الشجرة ﴿يَا مُوسَى﴾) (٦).\n_________\n(١) \"جامع البيان\" ١٦/ ١٤٢، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٥٩، \"الدر المنثور\" ٤/ ٥١٩.\n(٢) \"جامع البيان\" ١٦/ ١٤٣، \"الدر المنثور\" ٤/ ٥١٩.\n(٣) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٧٥.\n(٤) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٥١.\n(٥) ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة. انظر: \"الكشاف\" ٢/ ٥٣١، \"زاد المسير\" ٥/ ٢٧٢، \"التفسير الكبير\" ٢٢/ ١٥، \"مجمع البيان\" ٧/ ١٠، \"روح المعاني\" ٥/ ٣٦٩.\n(٦) \"بحر العلوم\" ٢/ ٣٣٧، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٥١١، \"القرطبي\" ١١/ ١٧٢.\nقال الشنقيطي -﵀- في \"أضواء البيان\" ٤/ ٢٩٣: (والنداء المذكور في جمغ الآيات المذكورة نداء الله له، فهو كلام الله أسمعه نبيه موسى، ولا يعقل أنه كلام مخلوق ولا كلام خلقه الله في مخلوق كما يزعم بعض الملاحدة الجهلة، فالله هو المتكلم بذلك صراحة لا تحتمل غير ذلك كما هو معلوم عند من له أدنى معرفة بدين الإسلام.\nوقال ابن تيمية -﵀- في \"العقيدة الواسطية\" ص ٣٥: قول أهل السنة في كلام الله أنه صفة من صفاته لم يزل ولا يزال يتكلم بكلام حقيقي بصوت لا يشبه أصوات =","vol":"14","page":365},{"text":"قال نوف (١): (فلما سمع النداء قال: من أنت الذي تناديني وتدعوني؟ قال: أنا ربك الأعلى فذلك قوله: ﴿إِنِّي أَنَا رَبُّكَ﴾) (٢). وقرئ: ﴿أَنِّي﴾ بالفتح (٣).\nقال الزجاج: (من فتح كان المعنى نودي أني أنا ربك. وموضع أن نصب، ومن كسر فالمعنى: نودي، فقال الله له: إني ربك) هذا كلامه (٤) وشرحه أبو علي فقال: (من كسر فلأن هذا الكلام حكاية، كأنه نودي فقيل: يا موسى إني أنا ربك. ومن فتح كان المعنى: نودي بكذا، ونادى قد يوصل بحرف الجر) (٥). قال (٦):\nنَادَيْتُ باسمِ رَبِيْعةَ بَنِ مُكْدَّمٍ ... أَن المُنَوَّهَ باسْمِهِ المَوْثُوقُ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2451>١٢ </span>- وقوله تعالى: ﴿فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾ الخلع: النزع، يقال: خلع ثوبه\n_________\n= المخلوقين وحروف يتكلم بما شاء ومتى ما شاء وكيف شاء وأدلتهم على ذلك كثيرة. وانظر: \"شرح العقيدة الطحاوية\" ١/ ١٧٢، \"الفتاوى\" لابن تيمية ٥/ ٥٢.\n(١) قوله: (قال نوف)، ساقط من نسخة: (س).\n(٢) \"أنوار التنزيل\" ٤/ ١٩، \"الفتوحات الإلهية\" ٣/ ٨٤.\n(٣) قرأ ابن كثير المكي، وأبو عمرو البصري: (أَنَّيَ) بفتح الألف والياء.\nوقرأ عاصم، وحمزة، والكسائي، ونافع: (إِني) بكسر الألف.\nانظر: \"السبعة\" ص ٤١٧، \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٢١٨، \"المبسوط\" في القراءات ص ٢٤٧، \"التبصرة\" ص ٢٥٨.\n(٤) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٥١.\n(٥) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٢١٨.\n(٦) البيت للفرزدق يمدح فيه حمزة بن عبد الله بن الزبير. كما في أخباره في \"الأغاني\"، وذكرته كتب التفسير واللغة بدون نسبة. انظر: \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٢١٨، \"المحرر الوجيز\" ١٠/ ٩، \"البحر المحيط\" ٦/ ٢٣٠، \"خزانة الأدب\" ٢/ ٥٢١، \"إيضاح الشعر\" للفارسي ص ٤٢٩، \"مجمع البيان\" ٧/ ٧.","vol":"14","page":366},{"text":"خلعًا (١) والنعل: ما جعلته وقاية لقدميك من الأرض، يقال: نَعِلَ، يَنْعَلُ، فهو نَاعِل، وانْتَعَل بكذا (٢).\nواختلفوا لم أمر بخلع النعل فروى ابن مسعود عن النبي -ﷺ- في هذه الآية قال: \"كانتا من جلد حمار ميت\" (٣). وهو [قول علي -﵁-، وسفيان، وكعب والأكثرين (٤).\nقال الكلبي: (كانت نعلًا، فقيل] (٥) له: لا تدخل الوادي وهما\n_________\n(١) انظر: \"تهذيب اللغة\" (خلع) ١/ ١٠٨٤، \"مقاييس اللغة\" (خلع) ٢/ ٢٠٩، \"الصحاح\" (خلع) ٣/ ١٢٠٥، \"مختار الصحاح\" (خلع) ص ٧٨.\n(٢) انظر: \"تهذيب اللغة\" (نعل) ٤/ ٣٦١٤، \"القاموس المحيط\" (نعل) ص ١٠٦٣، \"لسان العرب\" (نعل) ٧/ ٤٤٧٧، \"المفردات في غريب القرآن\" (نعل) ص ٤٤٩.\n(٣) أخرجه الترمذي في \"جامعه\" كتاب اللباس، باب: ما جاء في لبس الصوف ٧/ ٢٤٠، وقال: (حديث غريب، وحميد هو ابن علي الكوفي ... منكر الحديث). وأخرجه مالك في \"الموطأ\" في ما جاء في الانتعال (٧٩٥) موقوفًا على كعب الأحبار، وذكره ابن عدي في \"الكامل في الضعفاء\" ٢/ ٦٨٨، في ترجمة حميد الأعرج، وابن جرير في \"تفسيره\" ١٦/ ١٤٤، وقال: (في إسناده نظر يجب التثبت فيه). والذهبي في \"ميزان الاعتدال\" ١/ ٦١٤، في ترجمة حميد الأعرج، والحاكم في \"المستدرك\" ٢/ ٣٧٩، وصححه، وقال الذهبي: (في الإسناد حميد بن قيس كذا وهو خطأ، إنما هو حميد الأعرج الكوفي أحد المتروكين). وأورده ابن حجر في \"الكافي\" ص ١٠٨، والبغوي في \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٦٦، وابن كثير في \"تفسيره\" ٣/ ١٥٩، والسيوطي في \"تفسيره\" ٤/ ٥٢٢.\nوسبب إعلال العلماء لسند هذا الحديث وجود حميد الأعرج فقد ضعفه جمهور العلماء. انظر: \"الجرح والتعديل\" ٣/ ٢٢٦، \"الكامل\" لابن عدي ٢/ ٦٨٨، \"ميزان الاعتدال\" ١/ ٦١٤، \"تهذيب التهذيب\" ٣/ ٥٣.\n(٤) \"تفسير القرآن\" للصنعاني ١/ ١٤، \"جامع البيان\" ١٦/ ١٤٤، \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٩٦، \"زاد المسير\" ٥/ ٢٧٣، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٥٩.\n(٥) ما بين المعقوفين ساقط من نسخة (س).","vol":"14","page":367},{"text":"عليك) (١).\nوقال ابن عباس: (يريد: باشر الأرض بقدميك فإنك بواد مقدس) (٢)\nوقال الحسن: (كانتا من جلد بقرة ذكية، ولكنه أمر بخلعها ليباشر تراب الأرض المقدسة فيناله بركتها) (٣). وهذا قول سعيد بن جبير، وقتادة، ومجاهد، وابن جريج (٤).\nقال ابن أبي نجيح: (يقول: أفض بقدميك إلى بركة الوادي) (٥) (٦).\n_________\n(١) ذكرت كتب التفسير نحو بدون نسبة. انظر: \"الكشف والبيان\" ٣/ ١٦ ب، \"بحر العلوم\" ٢/ ٣٣٧، \"الكشاف\" ٢/ ٥٣١، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ١٧٣، \"التفسير الكبير\" ٢٢/ ١٧.\n(٢) ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة. انظر: \"جامع البيان\" ١٦/ ١٤٤، \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٩٦، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٦٦، \"زاد المسير\" ٥/ ٢٧٣، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ١٧٣.\n(٣) \"جامع البيان\" ١٦/ ١٤٤، \"زاد المسير\" ٥/ ٢٧٣، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ١٧٣.\n(٤) \"تفسير القرآن\" للصنعاني ٢/ ١٤، \"جامع البيان\" ١٦/ ١٤٤، \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٩٦، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٦٦.\n(٥) \"جامع البيان\" ١٦/ ١٤٤.\n(٦) قال الطبري في \"تفسيره\" ١٦/ ١٤٤: (وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال: أمره الله تعالى بخلع نعليه ليباشر بقدميه بركة الوادي إذ كان واديًا مقدسًا، وإنما قلنا ذلك أولى التأويلين بالصواب؛ لأنه لا دلالة في ظاهر التنزيل على أنه أمر بخلعهما من أجل أنهما من جلد حمار، ولا لنجاستهما ولا خبر بذلك عمن يلزم بقوله الحجة، وإن قوله: (إنك بالواد المقدس) يعقبه دليلًا واضحًا على أنه إنما أمره بخلعهما لما ذكرنا، ولو كان الخبر الذي روي عن ابن مسعود صحيحًا لم نعده إلى غيره، ولكن في إسناده نظر يجب التثبت فيه).\nوقال الشنقيطي في \"أضواء البيان\" ٤/ ١٩٢: (وأظهرها عندي والله تعالى أعلم: =","vol":"14","page":368},{"text":"وقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ﴾ أي: المطهر (١). قال ابن عباس في رواية عطاء: (قدسته مرتين) (٢). وهو قول عكرمة (٣).\nوقال في رواية الوالبي: (المقدس المبارك) (٤). وذكرنا الكلام في هذا عند قوله: ﴿ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ﴾ [المائدة: ٢١]. وقوله تعالى: (طوى) قال ابن عباس: (هو اسم الوادي) (٥). وهو قول جميع المفسرين (٦). وقال الحسن: (أي طوى بالبركة مرتين) (٧). فعلى هذا (طوى) مصدر من قولك: طويته طوى. قال عدي بن زيد (٨):\nأُعَاذِلُ إِنَّ اللَّوْمَ في غَيْرِ كُنْهِه ... عَليَّ طُوى مِنْ غَيَّك المُتَرَدَّدِ\n_________\n= أن الله أمره بخلع نعليه أي: نزعهما من قدميه ليعلمه التواضع لربه حين ناداه، فإن نداء الله لعبده أمر عظيم يستوجب من العبد كمال التواضع والخضوع، والله أعلم).\n(١) \"جامع البيان\" ١٦/ ١٤٥، \"بحر العلوم\" ٢/ ٣٣٧، \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٩٦، \"المحرر الوجيز\" ١٠/ ١٠.\n(٢) \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٩٦.\n(٣) ذكرته كتب التفسير بدون نسبة انظر: \"الكشف والبيان\" ٣/ ١٦ ب، \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٩٦، \"جامع البيان\" ١٦/ ١٤٥، \"معالم التنزيل\" ٣/ ٢١٣، \"المحرر الوجيز\" ١٠/ ١٠، \"الكشاف\" ٢/ ٥٣١.\n(٤) \"جامع البيان\" ١٦/ ١٤٥، \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٩٦.\n(٥) \"جامع البيان\" ١٦/ ١٤٥، \"زاد المسير\" ٥/ ٢٧٣، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٥٩، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ١٧٥، \"الدر المنثور\" ٤/ ٥٢٣.\n(٦) \"جامع البيان\" ١٦/ ١٤٥، \"ابن كثير\" ٣/ ١٥٩، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ١٧٥.\n(٧) \"جامع البيان\" ١٦/ ١٤٥، \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٩٦، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ١٧٥، \"الدر المنثور\" ٤/ ٥٢٣.\n(٨) البيت لعدي بن زيد التميمي.\nانظر: \"جامع البيان\" ١٦/ ١٤٥، \"زاد المسير\" ٥/ ٢٧٣، \"مجمع البيان\" ٧/ ٩، \"روح المعاني\" ١٦/ ١٧٠، \"لسان العرب\" (طوى) ٥/ ٢٧٣٠.","vol":"14","page":369},{"text":"أراد إن لومك مكرر علي، والصحيح هو الأول.\nقال أبو إسحاق: ويجوز فيه أربعة أوجه، -يعني من القراءة -: ضم الطاء، وكسرها، والإجراء، وترك الإجراء (١)، فمن أجرى فلأنه مذكر سُمّيَ بمذكر على فُعَل نحو: حُطَم وصُرَد، ومن لم يجري ترك صرفه من جهتين أحدهما: أن يكون معدولًا عن طاء، فيصير مثل عُمَر. والآخر: أن يكون اسمًا للبقعة، كما قال الله ﷿: ﴿فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ﴾ [القصص: ٣٠].\nقال: وإذا كُسِرَ طِوى فهو مثل: مِعى، وضِلع. ومن لم ينون جعله اسمًا للبقعة) هذا كلامه (٢).\nوقال أبو علي: (الصرف من وجهين أحدهما: أن يجعل اسم الوادي فيصرف؛ لأنه مذكر سمَّي بمذكر. والوجه الآخر: أن يجعل طوى صفة، وذلك في قول من قال: إنه قُدس مرتين، فيكون طِوى كقولك: ثنى، ويكون صفة كقوله: ﴿مَكَانًا سُوًى﴾ [طه:٥٨]، وقومٌ على، وجاء في (طوى) الضم والكسر، ما جاء في قوله: (مكان سوى) الكسر والضم، وكذلك يقال: ثِنى وثُنى. قال: ومن لم يصرف احتمل أمرين أحدهما: أن يكون (طوى) اسمًا لبقعة أو أرض وهو مذكر، فهو بمنزلة امرأة أسميتها باسم مذكر فيجتمع التعريف والتأنيث. والثاني: أن يكون معدولًا كعمر، فإن قلت: إن عمر معدول عن عامر، وهذا الاسم لا يعرف عمَّ عُدل، فإنه\n_________\n(١) قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو: (طُوى) غير مجراة، مضمومة الطاء. وقرأ عاصم، وابن عامر، وحمزة، والكسائي: (طُوى) مجراة، مضمومة الطاء. وقرأ الأعمش، والحسن: (طِوى) بكسر الطاء.\nانظر: \"السبعة\" ص ٤١٧، \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٢١٩، \"العنوان في القراءات\" ص ١٢٩، \"النشر\" ٢/ ٣١٩، \"القراءات الشاذة\" للقاضي ص ٦٦.\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٥١.","vol":"14","page":370},{"text":"لا يمتنع العدل عما لم يخرجوه إلى الاستعمال، ألا ترى أن جُمَع وكُتَع معدولتان عما لم يستعملا، فكذلك يكون طوى) (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2452>١٣ </span>- قوله تعالى: ﴿وَأَنَا اخْتَرْتُكَ﴾ قال الكلبي: (أنا اخترتك برسالتي لكي تقوم بأمري) (٢). ﴿فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى﴾ أي: اعمل بما آمرك به وأنهاك عنه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-2453>١٤ </span>- وقوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ فيه وجهان: أحدهما -وهو الذي عليه العامة-: أن معناه أقم الصلاة متى ذكرت أن عليك صلاة، كنت في وقتها أو لم تكن (٣).\nوهذا المعنى ما روي أن النبي -ﷺ- قال: \"من نسي صلاة، أو نام عنها فليصلها إذا ذكرها، إن الله ﷿ يقول: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ \" (٤).\nوالثاني: معناه أقم الصلاة لأن تذكرني؛ لأن الصلاة لا تكون إلا بذكر الله. وهذا قول الحسن (٥).\n_________\n(١) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٢١٩.\n(٢) ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة.\nانظر: \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٦٧، \"الكشاف\" ٢/ ٥٣٢، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ١٧٦، \"روح المعاني\" ١٦/ ١٧٠١، \"فتح القدير\" ٣/ ٥١٢.\n(٣) \"جامع البيان\" ١٦/ ١١٢، \"بحر العلوم\" ٢/ ٣٣٨، \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٩٧، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٦٧، \"زاد المسير\" ٥/ ٢٧٥، \"ابن كثير\" ٣/ ١٦٠.\n(٤) أخرجه البخاري في المواقيت، باب: من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها ٢/ ٧٠، ومسلم في المساجد، باب: قضاء الصلاة الفائتة ١/ ٤٧٧، والترمذي في الصلاة ١/ ١١٤، وأبو داود في الصلاة ١/ ٢٥٠، والطبري في \"جامع البيان\" ١٦/ ١٤٨، والصنعاني في \"تفسيره\" ١/ ١٥، والإمام أحمد في \"مسنده\" ٣/ ١٠٠.\n(٥) ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة. انظر: \"جامع البيان\" ١٦/ ١٤٨، \"المحرر الوجيز\" ١٠/ ١١، \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٩٧، \"الكشاف\" ٢/ ٥٣٢، \"زاد المسير\" ٥/ ٢٧٥، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ١٧٧، \"التفسير القيم\" ص ٣٥٧.","vol":"14","page":371},{"text":"ومجاهد قال: (إذا صلى عبد ذكر ربه) (١). واختاره ابن قتيبة فقال: (لتذكرني فيها) (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2454>١٥ </span>- قوله تعالى: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾ قال أكثر المفسرين: (أخفيها من نفسي)، وهذا قول سعيد بن جبير، ومجاهد، وعطاء بن السائب (٣). وهذا التفسير موافق لما روي: أن في مصحف أبي: (أكاد أخفيها من نفسي) (٤)، (فكيف يعلمها مخلوق)، وفي بعض القراءات: (أكاد أخفيها من نفسي فكيف أظهركم عليها) (٥).\nقال أبو إسحاق: (والله أعلم بحقيقة هذا التفسير) (٦). وكأنه لم يعلم (معنى) (٧) هذا، وعلمه قطرب، والمبرد، وابن الأنباري، قال قطرب: (هذا على عادة مخاطبة العرب بعضهم بعضًا، إذا بالغوا في كتمان السر: كتمته حتى من نفسي، والمعنى لم أطلع عليه أحدًا) (٨). وأنشد (٩):\n_________\n(١) \"جامع البيان\" ١٦/ ١٤٨، \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٩٧، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٦٧، \"الدر المنثور\" ٤/ ٥٢٤.\n(٢) \"تفسير غريب القرآن\" لابن قتيبة ٢/ ٨.\n(٣) \"جامع البيان\" ١٦/ ١٤٩، \"بحر العلوم\" ٢/ ٣٣٨، \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٩٧، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٦٧، \"زاد المسير\" ٥/ ٢٧٥.\n(٤) \"بحر العلوم\" ٢/ ٣٣٨، \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٩٧، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٦٧، \"الكشاف\" ٢/ ٥٣٢، \"زاد المسير\" ٥/ ٢٧٦.\n(٥) \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٦٧، \"الكشاف\" ٢/ ٥٣٢، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ١٨٥، \"الكشف والبيان\" ٣/ ١٦.\n(٦) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٥٢.\n(٧) زيادة من (ص).\n(٨) ذكره ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٥/ ٢٧٦، والقرطبي ١١/ ١٨٥.\n(٩) ذكره الثعلبي في \"الكشف والبيان\" ٣/ ١٦ ب بدون نسبة، وكذلك القرطبي في =","vol":"14","page":372},{"text":"أيامَ تَصْحَبني هِنْد وَأخبرُها ... ما أكتم النَّفْسَ مِنْ حَاجِي وأَسْرَارِي\nأي: أخبرها بما لا أطلع عليه أحدًا، هذا معناه.\nوقال المبرد: (هذا مستعمل في الكلام وجار على الأفواه أن يقول القائل -إذا أراد أن يستر شيئًا سترًا شديدًا-: أنا أسر هذا من نفسي، وأكاد أسره من نفسي. أي: أقارب ذلك، فيأتي على جهة المثل، وعلى المبالغة في ستر الشيء) هذا كلامه (١). وعلى هذا معنى الآية: إن الله تعالى بالغ في إخفاء الساعة، فذكره بأبلغ ما تعرفه العرب في مثله. وهذا موافق لما قال ابن عباس في تفسيره: (قد أخفها من الملائكة يقول: لا أظهر عليها أحدًا). قاله في رواية سعيد بن جبير والوالبي (٢).\nوالمعنى: أنه لم يطلع على وقت قيام الساعة ملكًا مقربًا، ولا نبيًا، حتى لو جاز أن يخفيه عن نفسه أخفاها.\nقال ابن الأنباري: (والمعنى في إخفائها التهويل والتخويف؛ لأن الناس إذا لم يعلموا متى تقوم الساعة كانوا على حذر منها كل وقت) (٣). هذا معنى قول المفسرين في هذه الآية (٤). وكاد -على قولهم- للمقاربة.\n_________\n= \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ١٨٥، وذكره \"البحر المحيط\" ٦/ ٢٣٣ بدون نسبة بلفظ:\nأيام تصحبني هند وأخبرها ... ما كدت أكتمه عني من الخبر\n(١) ذكرته كتب التفسير. انظر: \"زاد المسير\" ٥/ ٢٧٦، \"البحر المحيط\" ٦/ ٢٣٣، \"مجمع البيان\" ٧/ ١١، \"فتح القدير\" ٣/ ٥١٣.\n(٢) \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٦٠، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ١٨٥، \"الدر المنثور\" ٤/ ٥٢٥.\n(٣) ذكرته كتب التفسير. انظر: \"المحرر الوجيز\" ١٠/ ١٥، \"زاد المسير\" ٥/ ٢٧٦، \"البحر المحيط\" ٦/ ٢٣٣.\n(٤) \"جامع البيان\" ١٦/ ١٤٩، \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٩٧، \"المحرر الوجيز\" ١٠/ ٥.","vol":"14","page":373},{"text":"ولأهل المعنى وجوه من التأويل، قال ابن الأنباري وهو قول الأخفش: (﴿أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾: أريد أخفيها) (١).\nوعلى هذا ﴿أَكَادُ﴾ لا يكون للمقاربة، ولا يحتاج أن يقال: من نفسي، يقول الله تعالى: أريد إخفاء الساعة.\nقال أبو بكر: (ويجوز أن يكون ﴿أَكَادُ﴾ مزيدًا للتوكيد فيكون المعنى: إن الساعة آتية أخفيها) (٢). ونذكر جواز زيادة كاد عند قوله: ﴿لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ [النور: ٤٠]، إن شاء الله.\nوقال قطرب: (يقال: أخفيت الشيء: إذا كتمته، وأخفيته: إذا أظهرته، كما يقال: أسررت الشيء بالمعنيين) (٣).\nوذكر أبو عبيد: أخفيت بالمعنيين جميعًا (٤).\nوهذا أيضًا مذهب أبي عبيدة في هذه الآية قال: (أخفيها أظهرها) (٥). واحتج بقول الشاعر (٦):\nفَإِنْ تَكْتِمُوا الدَّاءَ لاَ نُخْفِهِ ... وَإِنْ تَبْعَثُوا الحَرْبَ لاَ نَقْعُدِ\nرواه بضم النون، وغيره يرويه بفتحها من خفاء إذا أظهر.\nوقال أبو الفتح الموصلي: (﴿أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾ تأويله عند أهل النظر:\n_________\n(١) و(٢) \"الأضداد\" لابن الأنباري ص ٩٧.\n(٣) انظر: \"تهذيب اللغة\" (خفي) ١/ ١٠٧٠، \"لسان العرب\" (خفا) ٢/ ١٢١٦.\n(٤) \"تهذيب اللغة\" (خفى) ١/ ١٠٧٠.\n(٥) \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ٢/ ١٦.\n(٦) البيت لامرئ القيس. انظر: \"ديوانه\" ١/ ١٠٧٠، \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ٢/ ١٧، \"الأضداد\" لابن الأنباري ص ٩٦، \"تهذيب اللغة\" (خفى) ١/ ١٠٧٠، \"لسان العرب\" (خفا) ٢/ ١٢١٦.","vol":"14","page":374},{"text":"أكاد أظهرها. وتلخيص هذه اللفظة: أكاد أزيل عنها خفاها، وخفاء كل شيء: غطاؤه، من ذلك خفاء القِرْبة للكساء الذي يكون عليها. وأَفْعلت يأتي والمراد به السَّلْب والنفي، كقولهم: أَعْجَمْت الكتاب وأَشْكَلته أي: أزلت عجمته وإشكاله، وأَشْكيته أزلت ما يشكوه) (١).\nوهذا الذي ذهبوا إليه في معنى الآية يوافق قول ابن عباس في رواية عطاء قال: (يريد: أكاد أظهرها) (٢). وعلى هذا معنى الآية: إن الله تعالى أخبر عن إرادته إظهار الساعة كما قال: ﴿لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأعراف: ١٨٧]. غير أن هذا المعنى أصح في قراءة من قرأ: (أَخفيها) بفتح الألف (٣)؛ لأن كلام العرب الجيد: خفيت الشيء: أظهرته، وأخفيته: سترته.\nقال الأزهري: (هذه اللغة الجيدة) (٤). وقد روي: خفيت بالمعنيين المتضادين، كما روى أخفيت، وكتاب الله تعالى يفسر بأفصح اللغات. وروي عن بعض أهل اللغة في هذه الآية وجه آخر وهو أن المعنى: الساعة آتية أكاد، وتم الكلام هاهنا (٥). والمعنى: أكاد أن آتي بها، ثم ابتدأ فقال:\n_________\n(١) \"سر صناعة الإعراب\" ١/ ٣٨\n(٢) ذكرته كتب التفسير بدون نسبة.\nانظر: \"جامع البيان\" ١٦/ ١٤٩، \"الكشف والبيان\" ٣/ ١٦ ب، \"بحر العلوم\" ٣/ ٣٣٨، \"المحرر الوجيز\" ١٠/ ١٥، \"زاد المسير\" ٥/ ٢٧٧، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٦٠.\n(٣) قرأ سعيد بن جبير: (أكاد أخفيها) بفتح الألف.\nانظر: \"جامع البيان\" ١٦/ ١٥٠، \"الكشاف\" ٢/ ٤٣٠، \"تهذيب اللغة\" (خفى) ١/ ١٠٧٠، \"المحتسب\" ٢/ ٤٧.\n(٤) \"تهذيب اللغة\" (خفي) ١/ ١٠٧٠.\n(٥) \"جامع البيان\" ١٦/ ١٥٢، \"النكت والعيون\" ٣/ ٩٧٣، \"المحور الوجيز\" ١٠/ ١٥، \"المكتفى في الوقف والابتداء\" ص ٣٧٩.","vol":"14","page":375},{"text":"أخفيها، والمعني: لكني أخفيها لتجزي كل نفس بما تسعى، وهذا وجه لا بأس فيه (١).\nوقوله تعالى: ﴿لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ﴾ قال ابن الأنباري: (من قال: أخفيها معناه: أظهرها، جعل اللام في ﴿لِتُجْزَى﴾ من صلة أخفيها، والمعنى: أظهرها للجزاء، ومن قال: أخفيها: أسترها، جعل اللام معلقة بقوله: إن الساعة آتية لتجزي كل نفس) (٢).\nوبهذا قال الزجاج (٣).\nوقوله تعالى: ﴿بِمَا تَسْعَى﴾ بما تعمل من خير وشر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2455>١٦ </span>- قوله تعالى: ﴿فَلَا يَصُدَّنَّكَ﴾ الصد: الصرف عن الخير، يقال: صده عن الإيمان وعن الحق، ولا يقال: صده عن الشر. والمعنى لا يمنعنك ولا يصرفنك (٤).\n_________\n(١) والقول الأول هو قول جمهور المفسرين، قال ابن جرير الطبري -﵀- في \"تفسيره\" ١٦/ ١٥٠: (والذي هو أولى بتأويل الآية من القول قول من قال: معناه أكاد أخفيها من نفسي؛ لأن تأويل أهل التأويل بذلك جاء. وإنما وجهنا معنى أُخفيها بضم الألف إلى معنى أسترها من نفسي؛ لأن المعروف من معنى الإخفاء في كلام العرب الستر، يقال: قد أخفيت الشيء إذا سترته، وأما وجه صحة القول في ذلك فهو أن الله تعالى ذكره خاطب بالقرآن العرب على ما يعرفونه من كلامهم وجرى به خطابهم بينهم، وإنما اخترنا هذا القول على غيره من الأقوال لموافقة أقوال أهل العلم من الصحابة والتابعين إذ كنا لا نستجيز الخلاف عليهم فيما استفاض القول به منهم، وجاء عنهم مجيئًا يقطع العذر، والذي ذكر عن سعيد بن جبير من قراءة ذلك بفتح الألف، قراءة لا أستجيز القراءة بها لخلافها قراءة الحجة التي لا يجوز خلافها فيما جاءت به نقلًا مستفيضًا).\n(٢) \"الأضداد\" لابن الأنباري ص ٩٦.\n(٣) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٥٣.\n(٤) انظر \"تهذيب اللغة\" (صد) ٢/ ١٩٨٤ \"مقاييس اللغة\" (صد) ٣/ ٢٨٢، =","vol":"14","page":376},{"text":"وقوله تعالى: ﴿عَنْهَا﴾ قال الفراء: (يريد عن الإيمان بها) (١).\nوقال الزجاج: (عن التصديق بها) (٢). ﴿مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا﴾ أي: من لا يؤمن بأنها تكون.\n﴿وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ مراده وخالف أمر الله ﴿فَتَرْدَى﴾ فتهلك، يقال: رَدِيَ، يَرْدَى، رَدًى فهو رَدٍ، ومثله تَرَدَّى إذا هلك (٣)، قال الله تعالى: ﴿وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى﴾ [الليل: ١١]. والظاهر أن هذا خطاب لموسى، ثم هو نهي لجميع المكلفين عن ترك الإيمان بالساعة والتأهب لها، وإنذار بالهلاك لمن فعل ذلك (٤). وجعل أبو إسحاق هذا خطابًا لنبي -ﷺ- فقال: (وخطاب النبي -ﷺ- هو خطاب سائر أمته) (٥).\nومعنى ﴿وَلَا يَصُدُّنَّكَ﴾: لا يصدنكم، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ﴾ [الطلاق: ١]، فَنُبِه النبي -ﷺ- وخوطب هو وأمته بقوله: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2456>١٧ </span>- قوله تعالى: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى﴾ قال أبو إسحاق:\n_________\n= \"القاموس المحيط\" (صد) ١/ ٢٩٢، \"لسان العرب\" (صد) ٧/ ٢٤٠٩.\n(١) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٧٧.\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٥٣.\n(٣) انظر: \"القاموس المحيط\" (ردى) ٤/ ١٢٨٧، \"الصحاح\" (ردي) ٦/ ٢٣٥٤، \"لسان العرب\" (ردى) ٥/ ١٦٣٠، \"المفردات في غريب القرآن\" (ردأ) ص ١٩٤.\n(٤) \"المحرر الوجيز\" ١٠/ ١٦، \"البحر المحيط\" ٦/ ٢٣٣، \"روح المعاني\" ١٦/ ١٧٣.\n(٥) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٠٣٥٣ الراجح -والله أعلم- أن الخطاب لموسى ﵇، وهو ما عليه جمهور المفسرين.\nانظر: \"المحرر الوجيز\" ١٠/ ١٦، \"البحر المحيط\" ٦/ ٢٣٣، \"التفسير الكبير\" ٢٢/ ٢٣.","vol":"14","page":377},{"text":"(﴿تِلْكَ﴾ اسم مبهم يجري مجرى التي، ويوصل كما توصل التي، المعنى: ما التي بيمينك) (١).\nوقال الفراء: (معنى: ﴿تِلْكَ﴾ هذه) (٢). و﴿بِيَمِينِكَ﴾ في مذهب صلة لتلك؛ لأن تلك وهذه توصلان كما توصل الذي. فتلك على قول الزجاج بمعنى: التي، وعلى قول الفراء بمعنى: هذه، كما أن ذلك يكون بمعنى هذا، كما بينا في قوله: ﴿ذَلِكَ﴾ في قوله: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ [البقرة: ٢]. وقال أهل المعاني: (معنى سؤال موسى عما في يده من العصا التنبيه له عليها، ليقع المعجز بها بعد التثبيت فيها والتأمل لها) (٣).\nوقد كشف أبو إسحاق عن هذا المعنى فقال: (هذا الكلام لفظه لفظ الاستفهام ومجراه في الكلام مجرى ما يسأل عنه، ويجيب المخاطب بالإقرار به لتثبت عليه الحجة بعد ما اعترف، فيستغنى بإقراره عن أن يجحد بعد وقوع الحجة، ومثله من الكلام أن تُرِي المخاطب ماءً فتقول: ما هذا؟ فيقول ماء. ثم تحيله بشيء من الصبْع فإن قال: إنه لم يزل هكذا، قلت: ألست قد اعترفت بأنه ماء) (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2457>١٨ </span>- قوله تعالى: ﴿قَالَ هِيَ عَصَايَ﴾ جواب الاستفهام والسؤال عما في يده، قال وهب: (لما قال موسى: ﴿هِيَ عَصَايَ﴾، قال الله تعالى: وما تصنع بها) (٥). ولا أحد أعلم منه بذلك، قال موسى: ﴿أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا﴾؛ لأن\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٥٣.\n(٢) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٧٧.\n(٣) \"بحر العلوم\" ٢/ ٣٣٩، \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٩٩، \"الكشاف\" ٢/ ٥٣٣، \"البحر المحيط\" ٦/ ٢٣٣.\n(٤) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٥٤.\n(٥) ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة.","vol":"14","page":378},{"text":"هذا جواب السؤال عما يصنع بها؟ والسؤال الأول يكفيه من الجواب قوله: ﴿هِيَ عَصَايَ﴾ ومعنى التَوكُؤ (١): التحامل على العصا في المشي، ومنه الاتكَأ، أصله: الاوتكأ، والمعنى: أعتمد عليها إذا مشيت (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي﴾ قال الأصمعي: (هَشَّ يَهِشُّ هَشًَّا: إذا خبط الشجر فألقاه لغنمه) (٣).\nقال الفراء: (أي أضرب بها الشجر اليابس ليسقط ورقه فترعاه الغنم) (٤). قال الراجز (٥):\nأَهُشُّ بالعَصا عَلَى أَغْنَامِي\nمِنْ نَاعِمِ الأَرَاكِ وَالبَشَامِ\nقال الزجاج: (واشتقاقه من أني أُحيلُ الشيء إلى الهشاشة والإمكان) (٦). وذلك أن الهش من كل شيء فيه رخاوة، يقال: رجل\n_________\n= انظر: \"زاد المسير\" ٥/ ٢٧٨، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ١٨٦، \"التفسير الكبير\" ٢٢/ ٢٦، \"روح المعاني\" ١٦/ ١٧٧.\n(١) في (س): (التوكيد)، وهو تصحيف.\n(٢) انظر: \"تهذيب اللغة\" (تكئ) ١/ ٤٤٥، \"لسان العرب\" (وكأ) ٨/ ٤٩٠٤، \"المعجم الوسيط\" (أوكأ) ٢/ ١٠٥٢، \"المفردات في غريب القرآن\" (وكأ) ص ٥٣٢، \"القاموس المحيط\" (توكأ) (٥٦).\n(٣) \"لسان العرب\" (هش) ٨/ ٤٦٦٧، \"الصحاح\" (هشش) ٣/ ١٠٢٧.\n(٤) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٧٧.\n(٥) لم أهتد إلى قائله. وذكرته كتب التفسير واللغة بدون نسبة. والأراك، والبَشَام: نوعان من الشجر تأكلهما الماشية، وفي أغصانهما لين، ولهما ريح طيب، ويستاك بهما. انظر: \"جامع البيان\" ١٦/ ١٥٤، \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٩٩، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ١٨٧، \"مجاز القرآن\" ٢/ ١٧، \"فتح القدير\" ٣/ ٥١٧، \"تهذيب اللغة\" (بشم) ١/ ٣٤٠، \"لسان العرب\" (أرك) ١/ ٦٤.\n(٦) \"معانى القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٥٤.","vol":"14","page":379},{"text":"هَش، وجوز هش، وإذا خبط الشجر فسقط ورقه سهل على الغنم تناوله.\nقال عكرمة: (يقال: أضرب الشجر فيتساقط الورق على غنمي) (١).\nوقوله: ﴿وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى﴾ المآرب: الحوائج، واحدتها مأرَبة بفتح الراء وضمها، حكاهما جميع أهل اللغة (٢).\nوحكى ابن الأعرابي: (مأربِة بكسر الراء) (٣). ومنه المثل: مَأرُبَة لا حَفَاوة (٤). وكذلك الأرب والإربة ومنه قوله تعالى: ﴿غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ﴾ [النور: ٣١].\nوقوله تعالى: ﴿أُخْرَى﴾ جاء على لفظ صيغه الواحدة؛ لأن مأرب في معنى جماعة، فكأنه جماعة من الحاجات أخرى. وقاله الزجاج (٥). وذكرنا مثل هذا في قوله: ﴿الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [طه: ٨]، قال مجاهد، وسفيان والمفسرون: (ولي فيها حاجات أخرى) (٦).\nوقال عطاء، وقتادة: (منافع أخرى) (٧). وذكر المفسرون تلك\n_________\n(١) \"جامع البيان\" ١٦/ ١٥٤، \"الدر المنثور\" ٤/ ٥٢٦.\n(٢) انظر: \"تهذيب اللغة\" (أرب) ١/ ١٤٢، \"مقاييس اللغة\" (أرب) ١/ ٨٩، \"الصحاح\" (أرب) ١/ ٨٧، \"لسان العرب\" (أرب) ١/ ٥٥، \"المفردات في غريب القرآن\" (أرب) ص ١٥.\n(٣) \"تهذيب اللغة\" (أرب) ١/ ١٤٢، \"لسان العرب\" (أرب) ١/ ٥٥.\n(٤) \"مجمع الأمثال\" للميداني، \"فرائد اللآلي في مجمع الأمثال\" ٢/ ٢٧٣. والمعنى: إنما يكرمك لأرب له فيك، لا لمحبته لك.\n(٥) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٥٥.\n(٦) \"تفسير القرآن\" للصنعاني ٢/ ١٥، \"جامع البيان\" ١٦/ ١٥٤، \"النكت والعيون\" ٣/ ٣٩٩، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٦٨، \"الدر المنثور\" ٤/ ٥٢٦.\n(٧) \"تفسير القرآن\" للصنعاني ٢/ ١٥، \"الطبري\" ١٦/ ١٥٤، \"الدر المنثور\" ٤/ ٥٢٦.","vol":"14","page":380},{"text":"الحوائج التي كانت في عصاه، فقال ابن عباس في رواية عطاء: (إذا أتيت إلى بئر فقصر الرشا، وصلته بالعصا حتى ينال الماء، وإذا أصابني حر الشمس أقمتها في الأرض، وجعلت لي عليها ظلًا بثوب يسترني من الشمس، وإذا خفت شيئًا من هوام الأرض قتلتها بالعصا) (١).\nوقال وهب: (كان لها شعبتان ومحجن (٢) تحت الشعبتين، فإذا طال الغصن حناه بالمحجن، وإذا أراد كسره لواه بالشعبتين، وكان إذا شاء ألقاها على عاتقه، فعلق بها قوسه، وكنانته (٣)، ومَرْجونَته (٤)، ومِخْلاته (٥)، وثوبه وزادًا إن كان معه، وكان يقاتل بها السباع عن غنمه) (٦).\n_________\n(١) \"الكشف والبيان\" ٣/ ١٧ أ، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ١٨٧.\n(٢) الحجن: اعوجاج الخشبة وغيرها. والمحجن: خشبة أو عصا معقفة الرأس. انظر: \"تهذيب اللغة\" (حجن) ١/ ٧٥٣، \"مقاييس اللغة\" (حجن) ٢/ ١٤١، \"القاموس المحيط\" (حجن) ٤/ ١١٨٨، \"لسان العرب\" (حجن) ١/ ٧٩١.\n(٣) الكنانة: الجعبة تتخذ للنبل والسهام.\nانظر: \"تهذيب اللغة\" (كن) ٤/ ٣١٩٦، \"الصحاح\" (كن) ٦/ ٢١٨٨، \"لسان العرب\" (كنن) ٧/ ٣٩٤٣، \"المعجم الوسيط\" (الكنانة) ٢/ ٨٠١.\n(٤) المَرْجُونة: القفة، وهي الزبيل، لها معاليق تعلق بها في آخر الزاد يوضع فيها الزاد والتمر.\nانظر: \"تهذيب اللغة\" (قفف) ٣/ ٣٠٢١، \"القاموس المحيط\" (رجن) ٤/ ١١٩٩، \"لسان العرب\" (قفف) ٦/ ٣٧٠٤.\n(٥) المخلات: ما يوضع فيه الحشيش الرطب. وبه سميت المخلاة. والخلي: هو الحشيش الذي يحتش من بقول الربيع، وقد اختليته، وبه سميت المخلات، والواحدة خلاة، وأعطني مخلاة أخلي فيها. انظر: \"القاموس المحيط\" (الخلي) ٤/ ١٢٨١، \"لسان العرب\" (خلا) ٢/ ١٢٥٨، \"الصحاح\" (خلا) ٦/ ٢٣٣١.\n(٦) \"الدر المنثور\" ٤/ ٥٢٠، \"التفسير الكبير\" ٢٢/ ٢٧، \"روح المعاني\" ١٦/ ١٧٦.","vol":"14","page":381},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2458>١٩ </span>- قوله تعالى: ﴿قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى﴾ قال الكلبي: (ألقها من يدك) (١). وقال وهب: (قال له الرب: (ألقها يا موسى) فظن موسى أنه يقول ارفضها فألقاها على وجه الرفض) (٢). ثم حانت منه نظرة فإذا بأعظم ثعبان نظر إليه الناظرون.\n<span data-type=\"title\" id=toc-2459>٢٠ </span>- فذلك قوله: ﴿فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى﴾ تشد، وتمشي مسرعة على بطنها.\nقال ابن عباس: (فابتلعت الصخور والشجر وكل ما مرت به) (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2460>٢١ </span>- وخاف موسى فناداه ربه: ﴿خُذْهَا وَلَا تَخَفْ﴾ وذلك أن الله تعالى أراد أن يري موسى ما أعطاه من الآيات التي لا يقدر عليها مخلوق؛ لئلا يفزع منها إذا ألقاها عند فرعون ولا يولي مدبرًا. ولم يذكر خوف موسى في هذه السورة، وذكر في سورة القصص (٤). وقوله هاهنا: ﴿وَلَا تَخَفْ﴾ يدل على خوفه.\nوقوله تعالى: ﴿سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى﴾ قال عطاء والسدي: (نردها عصا كما كانت) (٥).\n_________\n(١) ذكرته كتب التفسير بدون نسبة انظر: \"الكشف والبيان\" ٣/ ١٧ أ، \"بحر العلوم\" ٢/ ٣٣٩، \"زاد المسير\" ٥/ ٢٧٩، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٦١.\n(٢) \"جامع البيان\" ١٦/ ١٥٦، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٦٩، \"الدر المنثور\" ٤/ ٥٢٠.\n(٣) \"جامع البيان\" ١٦/ ١٥٦، \"الكشاف\" ٢/ ٥٣٤، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ١٩٠، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٦١، \"الدر المنثور\" ٤/ ٥٢٧.\n(٤) عند قوله سبحانه في سورة [القصص: ٣١]: ﴿وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ﴾.\n(٥) ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة. انظر: \"جامع البيان\" ١٦/ ١٥٧، \"الكشف والبيان\" ٣/ ١٧ أ، \"تفسير كتاب الله العزيز\" ٣/ ٣٦، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٦٩، \"زاد المسير\" ٥/ ٢٧٠، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٦١.","vol":"14","page":382},{"text":"قال ابن عَباس: (﴿سِيرَتَهَا﴾ حالتها) (١).\nوقال مجاهد. (هيئتها) (٢). وقال أبو عبيدة: (خلقتها الأولى) (٣). يقال لمن كان على شيء فتركه، ثم عاد فتحول إليه: عاد إلى سيرته. وقال المبرد: (أي يجعلها كما كانت) (٤). والسيرة: الهيئة (٥).\nوالمعنى في الآية: أنها تجري على ما كانت تجري عليه من قبل، من كونها عصا، ونحو هذا قال أبو إسحاق في السيرة: (أنها الهيئة، يقال إذا كان القوم مشتبهين: هم على سيرة واحدة. قال: و﴿سِيرَتَهَا﴾ منصوبة على إسقاط الخافض، وأفضى الفعل إليها، والمعنى: إلى سيرتها، فلما حذفت (إلى) أفضى الفعل، وهو ﴿سَنُعِيدُهَا﴾ فنصب) (٦).\nقال وهب: (لما أمره الله بأخذها أدنى طرف المدرعة (٧) على يده، فقال له مَلك: أرأيت يا موسى لو أذن الله بما تحاذر، أكانت المدرعة تغني عنك شيئًا؟ قال: لا، ولكني ضعيف ومن ضعف خلقت. فكشف عن يده ثم وضعها في فم الحية وقبض، فإذا عصاه التي عهدها، وإذا يده في موضعه\n_________\n(١) و(٢) \"جامع البيان\" ١٦/ ١٥٧، \"الدر المنثور\" ٤/ ٥٢٧.\n(٣) \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ٢/ ١٨.\n(٤) ذكر بلا نسبة في \"المحرر الوجيز\" ١٠/ ٢١، \"زاد المسير\" ٥/ ١٨٠، \"البحر المحيط\" ٦/ ٢٣٥.\n(٥) انظر: \"القاموس المحيط\" (السير) ٢/ ٤، \"الصحاح\" (سير) ٢/ ٦٩١، \"لسان العرب\" (سير) ٤/ ٢١٦٩، \"المفردات في غريب القرآن\" (سار) ص ٢٤٧.\n(٦) \"معاني القرآن\" للزحاج ٣/ ٣٥٥.\n(٧) المدرعة: ضرب من الثياب التي تلبس ولا تكون إلا من الصوف.\nانظر: \"تهذيب اللغة\" (درع) ٢/ ١٧٥، \"مقاييس اللغة\" (درع) ٢/ ٢٦٨، \"القاموس المحيط\" (درع) ٤/ ٧، \"الصحاح\" (درع) ٣/ ١٢٠٦.","vol":"14","page":383},{"text":"التي كان عهدها إذا توكأ بين الشعبتين) (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2461>٢٢ </span>- قوله تعالى: ﴿وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ﴾ اختلفوا في الجناح هاهنا، فقال أبو عبيدة (كل ناحيتين جناحان) (٢).\nوقال المبرد: (الجناح الجانب) (٣). فعلى هذا الجنب والإبط جناح، وهذا قول الكلبي، والسدي في هذه الآية (٤). واختيار ابن قتيبة (٥).\nوقال الفراء، والزجاج: (جناح الإنسان عضده إلى أصل غبطه) (٦). وهذا قول مجاهد قال: (﴿إِلَى جَنَاحِكَ﴾ تحت عضدك) (٧). وهذا القول أشبه؛ لأن يدي الإنسان مشبهتان بجناح الطائرة ولأنه قال: ﴿تَخْرُجْ بَيْضَاءَ﴾ والمعنى: أدخل يدك تحت عضدك تخرج بيضاء، ولو كان المراد بالجناح الجنب والإبط لم يقل: تخرج.\nوقال ابن عباس في رواية عطاء: (يريد إلى صدرك) (٨). ولا أدري كيف فسر الجناح بالصدر!.\n_________\n(١) \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٦١، \"الدر المنثور\" ٤/ ٥٢٠، \"روح المعاني\" ١٦/ ١٧٩، \"الزهد\" للإمام أحمد ص ٦٣.\n(٢) \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ٢/ ١٨.\n(٣) ورد نحوه بلا نسبة في \"بحر العلوم\" ٢/ ٣٣٩، \"الكشف والبيان\" ٣/ ١٧ أ، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ١٩١.\n(٤) \"بحر العلوم\" ٢/ ٣٣٩، \"الكشف والبيان\" ٣/ ١٧ أ.\n(٥) \"تفسير غريب القرآن\" لابن قتيبة ص ٢٧٨.\n(٦) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٧٨، \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٥٥.\n(٧) \"جامع البيان\" ١٦/ ٢٥٧، \"تفسير كتاب الله العزيز\" ٣/ ٣٦، \"النكت والعيون\" ٣/ ٤٠٠، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٧٠، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٦٢.\n(٨) \"التفسير الكبير\" ٢٢/ ٣٠.","vol":"14","page":384},{"text":"وقوله تعالى: ﴿تَخْرُجْ بَيْضَاءَ﴾ أراد وأخرجها تخرج بيضاء، وكذلك قوله: ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ﴾ [النمل: ١٢]، المعنى: أخرجها تخرج، وذكرنا مثل هذا في قوله تعالى: ﴿فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا﴾ [البقرة: ٦١].\nقال ابن عباس: (كان ليده نور ساطع يضيء بالليل والنهار، كضوء الشمس والقمر وأشد ضوءًا) (١). فذلك قوله: ﴿بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ من غير برص، في قول جميع المفسرين (٢).\nقال الليث: (ويكنى بالسوء عن اسم البرص) (٣). وقال أبو عمرو: (﴿سُوءٍ﴾ أي: برص) (٤).\nوقال المبرد: (السوء إذا أطلق فهو البرص، وإذا وصلوه بشيء فهو كل ما يسؤ، والأغلب عليه عند العرب من الأدواء البرص) (٥).\nوقوله تعالى: (آية أخرى) قال الأخفش: (جعل ﴿آيَةً﴾ بدل من ﴿بَيْضَاءَ﴾) (٦).\n_________\n(١) \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٧٠، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ١٩١.\n(٢) \"تفسير القرآن\" للصنعاني ٢/ ١٥، \"جامع البيان\" ١٦/ ١٥٨، \"تفسير كتاب الله العزيز\" ٣/ ٣٦، \"بحر العلوم\" ٢/ ٣٣٩، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٧٠.\n(٣) انظر: \"تهذيب اللغة\" (ساء) ٢/ ١٥٨٣، \"لسان العرب\" (سوأ) ٤/ ٢١٦٠.\n(٤) ذكرته كتب اللغة بدون نسبة.\nانظر: \"تهذيب اللغة\" (ساء) ٢/ ١٥٨٣، \"لسان العرب\" (سوأ) ٤/ ٢١٦٠، \"المفردات في غريب القرآن\" (سوأ) ص ٢٥٢، \"مختار الصحاح\" (سوأ) ص ١٣٤.\n(٥) ذكر نحوه بلا نسبة في: \"المحرر الوجيز\" ١٠/ ٢٢، \"الكشف والبيان\" ٣/ ١٧ أ، \"زاد المسير\" ٥/ ٢٨٠، \"البحر المحيط\" ٦/ ٢٣٦، \"تهذيب اللغة\" (ساء) ٢/ ١٥٨٣.\n(٦) \"معاني القرآن\" للأخفش ٢/ ٦٢٩.","vol":"14","page":385},{"text":"وقال الزجاج: (هي اسم في موضع الحال، المعنى: تخرج بيضاء مبينة آية أخرى. قال: ويجوز أن تكون منصوبة على آتيناك آية أخرى، أو نؤتيك آية؛ لأنه لما قال: ﴿تَخْرُجْ بَيْضَاءَ﴾ كان في ذلك دليل أنه يعطى آية، فلم يحتج إلى ذكر آتينا؛ لأن في الكلام دليلًا عليه) (١). قال المبرد: (ولا تكون أخرى إلا بعد الأولى) (٢) قوله: ﴿فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى﴾ [طه: ٢٠].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2462>٢٣ </span>- قوله تعالى: ﴿لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى﴾ تأنيث الأكبر، وهي نعت الآيات، ولم يقل الأكبر لما ذكرنا في قوله: ﴿مَآرِبُ أُخْرَى﴾ [طه: ١٨]. ولو قيل الكبر لجاز وحسن، ولكن لوفاق رؤوس الآي جاءت الكبرى، ويجوز أن تكون ﴿الْكُبْرَى﴾ نعتًا لمنعوت محذوف على تقدير: لنريك من آياتنا الآية الكبرى، وهذا مذهب أبي عبيدة (٣). وبه قال جماعة من المفسرين (٤).\nقال ابن عباس: (كانت يد موسى أكبر آياته) (٥).\nوقال الكلبي: (يده أعظم ما رأى من الآيات) (٦).\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٥٥.\n(٢) ذكره القرطبي في \"الجامع لأحكام القرآن\" بلا نسبة ١١/ ١٩١، والرازي في \"التفسير الكبير\" ٢٢/ ٣٠.\n(٣) \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ٢/ ١٨.\n(٤) \"جامع البيان\" ١٦/ ١٥٨، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٧٠، \"المحرر الوجيز\" ١٠/ ٢٢، \"الكشاف\" ٢/ ٥٣٤، \"التفسير الكبير\" ٢٢/ ٣٠.\n(٥) \"الكشف والبيان\" ٣/ ١٧ أ، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٧٠، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ١٩١.\n(٦) ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة. انظر: \"الكشف والبيان\" ٣/ ١٧ أ، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ١٩١، \"التفسير الكبير\" ٢٢/ ٣٠، \"فتح القدير\" ٣/ ٥١٨.","vol":"14","page":386},{"text":"وقال الثوري: (يده هي الآية الكبرى) (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2463>٢٤ </span>- قوله تعالى: ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾ أي: جاوز القدر في العصيان، وذلك أنه خرج من معصيته إلى فاحش تجاوز به معاصي الناس.\nقال أهل المعاني: (وفي الآية محذوف؛ لأن المعنى: إذهب إلى فرعون فادعه إلى توحيد الله ﴿إِنَّهُ طَغَى﴾؛ لأنه أمر بالذهاب إليه، وأن يدعوه إلى التوحيد) (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2464>٢٥ </span>- قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ ذكرنا الكلام في معنى شرح الصدر في سورة الأنعام (٣). يقول افتح صدري ووسعه لقبول الحق.\n_________\n(١) ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة.\nانظر: \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٧٠، \"الكشف والبيان\" ٣/ ١٧/ ب، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ١٩١، \"التفسير الكبير\" ٢٢/ ٣٠، \"الفتوحات الإلهية\" ٣/ ٨٨.\nوقال أبو حيان في \"البحر المحيط\" ٦/ ٢٣٧: (ويبعد ما قيل من أن اليد أعظم في الإعجاز من العصا؛ لأنه ذكر عقيب اليد). ﴿لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى﴾ لأنه جعل الكبرى مفعولًا ثانيًا لنريك وجعل ذلك راجعًا إلى الآية القريبة وهي إخراج اليد بيضاء من غير سؤ، وقد ضعف قوله هذا؛ لأنه ليس في اليد إلا تغيير اللون، وأما العصا ففيها تغيير اللون، وخلق الزيادة في الجسم، وخلق الحياة، والقدرة، والأعضاء المختلفة، وابتلاع الشجر والحجر ثم عادت عصا بعد ذلك فقد وقع التغيير مرارًا فكانت أعظم من اليد).\n(٢) \"جامع البيان\" ١٦/ ١٥٨.\n(٣) عند قوله سبحانه في سورة [الأنعام: ١٢٥]: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾.","vol":"14","page":387},{"text":"قال ابن عباس: (يريد حتى لا أخاف غيرك. وذلك أنه كان يضيق صدره بما كلف من مقاومة فرعون وحده، فسأل الله تعالى أن يوسع قلبه للحق حتى يعلم أن أحدًا لا يقدر على مضرته إلا بإذن الله، وإذا علم ذلك حق العلم لم يخف فرعون وإن اشتدت شوكته، وكثر جنوده) (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2465>٢٦ </span>- قوله تعالى: ﴿وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي﴾ قال ابن عباس: (يريد سهل علي مابعثتني له) (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-2466>٢٧ </span>- ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي﴾ العقدة: الربطة في الحبل والخيط (٣). وأراد بالعقدة هاهنا رثة (٤) كانت في لسانه، تمنعه من الإنطلاق في الكلام. قال سعيد بن جبير، وهو قول العامة: (عجمة من جمرة نار أدخلها في فيه) (٥). والقصة في ذلك معروفة (٦). قال ابن عباس: (يريد أطلق عن لساني\n_________\n(١) \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٧٠.\n(٢) ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة.\nانظر: \"جامع البيان\" ١٦/ ١٥٩، \"الكشف والبيان\" ٣/ ١٧ ب، \"المحرر الوجيز\" ١٠/ ٢٣، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٧١، \"زاد المسير\" ٥/ ٢٨١.\n(٣) انظر: \"تهذيب اللغة\" (قعد) ٣/ ٢٥١١، \"مقاييس اللغة\" (عقد) ٤/ ٨٦، \"المعجم الوسيط\" (عقد) ٢/ ٦١٣، \"المفردات في غريب القرآن\" (عقد) ص ٣٤١.\n(٤) الرثة: عجلة في الكلام، وقلة أناة، وقلب لبعض الحروف، فتسمع الصوت ولا يبين لك تقطيع الكلام. والأرث: الذي في لسانه قعدة وحبسه، ويعجل في كلامه، فلا يطاوعه لسانه.\nانظر: \"تهذيب اللغة\" (رث) ٢/ ١٣٥٩، \"القاموس المحيط\" (الرث) (١٦٩)، \"لسان العرب\" (رثت) ٣/ ١٥٨٠.\n(٥) \"جامع البيان\" ١٦/ ١٥٩، \"القرطبي\" ١٦/ ١١، \"الدر المنثور\" ٤/ ٥٢٨.\n(٦) \"الكشف والبيان\" ٣/ ١٧ ب، \"تفسير كتاب الله العزيز\" ٣/ ٣٦، \"بحر العلوم\" ٢/ ٣٣٩، \"النكت والعيون\" ٣/ ٤٠٠، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٧١. =","vol":"14","page":388},{"text":"العقدة التي فيه حتى يفهموا كلامي) (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2467>٢٩ </span>- قوله تعالى: ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي﴾ قال المفسرون: (عونًا وظهيرًا من أهل بيتي) (٢).\nقال أبو إسحاق: (الوزير في اللغة اشتقاقه من الوَزَرِ، وهو الجبل الذي يعتصم به لينجي من الهلكة، وزير الخليفة معناه: الذي يعتمد على رأيه في أموره ويلتجئ إليه. وقوله تعالى: ﴿كَلَّا لَا وَزَرَ﴾ [القيامة: ١١] معناه: لا شيء يعتصم به من أمر الله) (٣).\nوقال غيره: (قيل لوزير السلطان: وزير؛ لأنه يَزِرُ عن السلطان أثقال ما أسند إليه من تدبير الولاية، أي: يحمل. وزَرْتُ الشيء أي: حملته، أَزِرُه وَزْرًا) (٤). وذكرنا هذا عند قوله: ﴿وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ)﴾ [الأنعام: ٣١]. الآية.\nوقال الليث: (الوَزِيرُ الذي يَسْتَوزره الملك فيستعين به، وصناعته الوزارة، وهو يُوَازر الملك مُوَازَرة أي: يعاونه، والزرع يُوَازِر بعضه بعضًا إذا\n_________\n= ذكر بعض المفسرون هذه القصة وبها فسروا العقدة، ولم يثبت في هذا خبر صحيح عن الرسول -ﷺ- وقد نسب هذا التفسير لبعض التابعين والذي يظهر -والله أعلم- أنه من قبيل الإسرائيليات، وأولى ما فسرت به العقدة ما ذكره أبو عبيدة في \"مجاز القرآن\" ٢/ ١٨ حيث قال: مجاز العقدة في اللسان كل ما لم ينطق بحرف أو كانت منه مسكة من تمتمة أو فأفأة.\n(١) \"الكشف والبيان\" ٣/ ١٧ ب، \"الكشاف\" ٢/ ٥٣٥.\n(٢) \"جامع البيان\" ١٦/ ١٦٠، \"الكشف والبيان\" ٣/ ١٧ ب، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٧١.\n(٣) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٥٧.\n(٤) \"البحر المحيط\" ٦/ ٢٣٩، \"تفسير غريب القرآن\" لابن قتيبة ص ٢٧٨، \"تهذيب اللغة\" (وز) (٤/ ٣٨٨٣، \"القاموس المحيط\" (الوزر) ٢/ ٥٢٨، \"لسان العرب\" (وزر) ٨/ ٤٨٢٤.","vol":"14","page":389},{"text":"تلاحق والتفَّ) (١). وذكر المفضل الوجهين اللذين ذكرناهما في الوزير) (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2468>٣٠ </span>- قوله تعالى: ﴿هَارُونَ أَخِي﴾ يجوز في نصب ﴿هَارُونَ﴾ وجهان أحدهما: أنه مفعول الجعل على تقدير: اجعل هارون أخي وزيري. والثاني: على البدل من وزير. والوجهان ذكرهما الفراء، والزجاج (٣). و﴿أَخِي﴾ نعت لهارون.\n<span data-type=\"title\" id=toc-2469>٣١ </span>- قوله تعالى: ﴿اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي﴾ قال المفسرون: (قوي ظهري وأعني به) (٤).\nقال ابن الأعرابي: (الأَزْرُ: القوة، والأزر: الظهر، والأزر: الضعف. وفسر قوله: ﴿اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي﴾ بالقوة، والظهر والضعف) (٥). وأنشد أبو عبيدة على أن الأزر في هذه الآية الظهر (٦)، قول ذي الرمة (٧):\n_________\n(١) ذكرت نحوه كتاب اللغة بدون نسبة.\nانظر: \"تهذيب اللغة\" (وزر) ٤/ ٣٨٨٣، \"الصحاح\" (وزر) ٢/ ٨٤٥، \"القاموس المحيط\" (الوز) ص ٥٢٨، \"لسان العرب\" (وزر) ٨/ ٤٨٢٤.\n(٢) ذكرت نحوه كتاب اللغة بدون نسبة.\nانظر: \"تهذيب اللغة\" (وزر) ١٣/ ٢٤٣، \"الصحاح\" (وزر) ٢/ ٨٤٥، \"القاموس المحيط\" (الوزر) ٢/ ١٥٤، \"لسان العرب\" (وزر) ١٥/ ٢٨٤.\n(٣) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٧٨، \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٥٦.\n(٤) \"جامع البيان\" ١٦/ ١٦٠، \"الكشف والبيان\" ٣/ ١٧ ب، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٧١، \"زاد المسير\" ٥/ ٢٨٢.\n(٥) \"تفسير غريب القرآن\" لابن قتيبة ص ٢٧٨، \"تفسير غريب القرآن\" لابن الملقن ص ٢٤٥، \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٨٨٣، \"إعراب القرآن\" للنحاس ٢/ ٣٣٧.\n(٦) \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ٢/ ١٨.\n(٧) البيت لذي الرمة. المحافظة: الذب عن المحارم، والمنع لها عند الحروب. انظر: \"ديوان ذي الرمة\" ص ٢٢٠، \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ٢/ ١٨.","vol":"14","page":390},{"text":"إِذَا مُدَّت الأَيْدِي الكِرَام إِلى العُلَى ... وشُدَّ لأَيَّامِ المُحَافَظَةِ الأَزْرُ\nويقال: آزَرَه ووَازَرَه: إذا عاونه. ونذكر الكلام فيه عند قوله: ﴿فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ﴾ [الفتح: ٢٩]. إن شاء الله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2470>٣٢ </span>- ﴿وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾ أي: اجمع يبني وبينه في النبوة، فالمراد بالأمر هاهنا: النبوة، قاله ابن عباس، والكلبي (١).\nوقراءة العامة: ﴿اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (٣١) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾ على الدعاء، وقرأ ابن عامر: (أَشدد به أزري وأُشركه) على الجواب والمجازاة (٢)، والوجه الدعاء؛ لأنه معطوف على ما تقدمه من قوله: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (٢٥) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي﴾ [طه: ٢٦،٢٥]، فكما أن ذلك كله دعاء فكذلك ما عطف عليه، وأما الاشتراك في النبوة لا يكون إلا من الله سبحانه، اللهم إلا أن يجعل أمره شأنه الذي هو غير النبوة، وإنما ينبغي أن يكون النبوة، كما فسره ابن عباس. فأما ﴿اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي﴾ فحمله على الإخبار وغير الدعاء أسهل، ولا يسوغ أن يحمل ﴿وَأَشْرِكْه﴾ في أمري على غير النبوة؛ لأنه قد\n_________\n(١) ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة. انظر: \"جامع البيان\" ١٦/ ١٦١، \"المحرر الوجيز\" ١٠/ ٢٦، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٧١، \"زاد المسير\" ٥/ ٢٨٢، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ١٩٢.\n(٢) قرأ ابن عامر الشامي: (أَشدد به) بفتح الهمزة وجعلها ألف المتكلم، وقرأ: ﴿وَأَشْرِكْه﴾ بضم الهمزة على الجواب والمجازاة.\nقرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي، وعاصم: ﴿اشْدُدْ بِهِ﴾ بوصل الألف والإبتداء بالضم، وقرأوا: ﴿وَأَشْرِكْهُ﴾ بفتح الهمزة على الدعاء.\nانظر: \"السبعة\" ص ٤١٧، \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٢٢١، \"التبصرة\" ص ٢٥٩، \"حجة القراءات\" ص ٤٥٢، \"المبسوط في القراءات\" ص ٢٤٧.","vol":"14","page":391},{"text":"جاء ما يعلم فيه مسألة موسى لذلك (١)، وذلك قوله: ﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي﴾ [القصص:<span data-type=\"title\" id=toc-2472> ٣٤] </span>الآية\n<span data-type=\"title\" id=toc-2471>٣٣ </span>- قوله تعالى: ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا﴾ [قال الكلبي: (يقول: نصلي لك كثيرًا] (٢).\n٣٤ - ﴿وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا﴾ بحمدك والثناء عليك بما أوليتنا من نعمك، ومننت به علينا من تحميل رسالتك) (٣). فاستجاب الله دعاءه وقال: ﴿قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى﴾ أي: أعطيت ما سألت.\nقال الكلبي: (فلق الله له صدره، وحل عقدة من لسانه، وبعث معه أخاه هارون) (٤).\nقال الأزهري: (سُؤل الإنسان: أمنيته التي يطلبها، والتسويل تفعيل منه وهو تزين ذلك، وأصل السؤال مهموز، غير أن العرب استثقلوا فيه الهمز لما كثر في كلامهم) (٥).\nوقال الراعي فلم يهمز السول (٦):\nاخْتَرْتُكَ النَّاسُ إِذْ رَثَّتْ خَلاَئِقُهُم ... واعْتَلَّ مَنْ كَانَ يُرْجَى عِنْدَه السُّولُ\n_________\n(١) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٢٢٢.\n(٢) ما بين المعقوفين مكرر في نسخة (س).\n(٣) \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٧٢.\n(٤) ذكره الطبري في \"جامع البيان\" ١٦/ ١٦١ بدون نسبة، وكذلك ابن عطية في \"المحرر الوجيز\" ١٠/ ٢٦.\n(٥) \"تهذيب اللغة\" (سول) ٢/ ١٧٩١.\n(٦) البيت للراعي. رثت: الرثأة قلة الفطنة، وضعف الفؤاد. والخليقة: الفطرة يقال: إنه لكريم الطبيعة، والخليقة، والسليقة بمعنى واحد.\nانظر: \"تهذيب اللغة\" (سول) ٢/ ١٧٩١، \"لسان العرب\" (سول) ٤/ ٢١٥٧.","vol":"14","page":392},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2473>٣٧ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى﴾ أي: أحسنا إليك وأنعمنا عليك قبل هذه المرة، والمن: الإحسان إلى من لا يَسْتَثيِبه (١). وذكرنا معاني المَن عند قوله: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٦٤] الآية.\n<span data-type=\"title\" id=toc-2474>٣٨ </span>- وقوله تعالى: ﴿مَرَّةً أُخْرَى﴾ تفسيره قوله: ﴿إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ﴾ قال المفسرون: (وحي إلهام) (٢). مثل: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ [النحل: ٦٨] أي: ألهمناها حين عيت بأمرك، بلطف إلهامنا إياها ما كان فيه سبب نجاتك من القتل.\nوقوله تعالى ﴿مَا يُوحَى﴾ أي: ما يلهم، ثم فسر هذا الملهم بقوله:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2475>٣٩ </span>- ﴿أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ﴾. وذكر ابن الأنباري في قوله: ﴿مَا يُوحَى﴾ وجهين أحدهما: (أن معناه وأوحينا إلى أمك الذي يجوز أن يوحى إليها، والضرب الذي يمكن أن تكون مختصة به؛ لأنه ليس كل الأمور يصلح وحيها إليها، فكأنها اختصت بما يجوز أن يختص به أمثالها ممن ليس بنبي ولا رسول. والثاني: أن ﴿مَا يُوحَى﴾ أفاد في الآية توكيد أوحينا، كأنه قيل: أوحينا إلى أمك إيحاء) (٣). ومعنى: ﴿أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ﴾ اجعليه فيه بأن ترميه فيه، واستعمل لفظ القذف هاهنا للعجلة، كي تعجل قبل أن يطلع\n_________\n(١) انظر: \"تهذيب اللغة\" (منّ) ٤/ ٣٤٥٣، \"القاموس المحيط\" (منّ) ص ١٢٣٣، \"الصحاح\" (منن) ٦/ ٢٢٠٧، \"لسان العرب\" (منن) ٧/ ٤٢٧٧،\"المفردات في غريب القرآن\" (منن) ص ٤٧٤.\n(٢) \"الكشف والبيان\" ٣/ ١٧ ب، \"تفسير كتاب الله العزيز\" ٣/ ٣٧، \"بحر العلوم\" ٢/ ٣٤٠، \"معالم التزيل\" ٥/ ٢٧٢، \"المحرر الوجيز\" ١٠/ ٢٦.\n(٣) ذكره ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٥/ ٢٨٣، والطبرسي في \"مجمع البيان\" ٥/ ١٧.","vol":"14","page":393},{"text":"عليها الذابحون. ومعنى القذف في اللغة: الرمي بالسهم والحصى والكلام وكل شيء، ويقال للسب: القذف؛ لأنه رمي بالقبيح من القول (١).\nوقوله تعالى: ﴿فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ﴾ قال ابن عباس: (يريد النيل) (٢)\nقال الليث: (﴿الْيَمِّ﴾: البحر الذي لا يدرك قعره ولا شطاه) (٣)\nقال الأزهري: (﴿الْيَمِّ﴾: البحر، وهو معرب وأصله بالسريانية، فعربته العرب وأصله: يم، ويقع اسم اليم على ما كان ماؤه ملحًا زعاقًا، وعلى النهر الكبير العذب الماء كالذي في هذه الآية، وهو نهر النيل بمصر وماؤه عذب. قال الله تعالى: ﴿فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ﴾ فجعل له ساحلًا، وهذا كله دليل على بطلان قول الليث في اليم) (٤).\nقال صاحب النظم: (اشترك في قوله: ﴿فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ﴾ الأمر والجزاء؛ لأنه جواب لقوله: ﴿فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ﴾ وهو أمر بالإلقاء، فصار كقوله: ﴿اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾ [العنكبوت: ١٢]، فقوله: ﴿اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا﴾ أمر وله جواب، وجوابه في قوله: (نحمل)، ودخول الواو واللام دلالة على استئناف أمر لنفسه، كما قال الشاعر (٥):\n_________\n(١) انظر: \"تهذيب اللغة\" (قذف) ٣/ ٢٩٠٧، \"مقاييس اللغة\" (قذف)، \"القاموس المحيط\" (قذف) (٨٤٣)، \"الصحاح\" (قذف) ص ٤/ ١٤١٤، \"لسان العرب\" (قذف) ٦/ ٣٥٦٠.\nويشهد لهذا المعنى قوله سبحانه في سورة [النور: ٢٣]: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾.\n(٢) ذكرته كتب التفسير بدون نسبة. انظر: \"جامع البيان\" ١٦/ ١٦١، \"الكشف والبيان\" ٣/ ١٧ ب، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ١٩٥.\n(٣) \"تهذيب اللغة\" (يم) ٤/ ٣٩٨٤.\n(٤) نفسه.\n(٥) اختلف في نسبة هذا البيت.","vol":"14","page":394},{"text":"فَقُلْتُ ادْعِي وأَدْعُ فَإنَّ أَنْدَى ... لِصَوْتِ أَنْ يُنَادِيَ دَاعِيَانِ\nبمعنى: ولأَدْعُ أنا، فهو جواب وأمر لنفسه بذلك، وذكرنا هذا في قوله: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ﴾ [مريم: ٧٥] (١».\nوهذا الذي ذكره صاحب النظم شرح ما ذكره الفراء وبيانه (٢). والساحل: شاطئ البحر، والوادي سمي ساحلًا؛ لأن الماء يسحله أي: يقشره إذا علاه، وهو فاعل بمعنى مفعول هاهنا، ذكره الأزهري (٣). وذكر في التفسير: أن النيل ألقاه إلى مشرعة (٤) آل فرعون (٥).\n_________\n= فنسب للأعشى في \"الكتاب\" ١/ ٤٢٦، \"الرد على النحاة\" ص ١٢٨، \"العيني\" ٤/ ٣٩٢، \"الدرر\" ٢/ ٩، وليس في ديوانه.\nونسب للفرزدق في \"آمالي القالي\" ٢/ ٩٢، وليس في ديوانه.\nونسب لدثار بن شيبان النمري ذكر ذلك: \"الأغاني\" ٢/ ١٥٩، \"سمط اللآلي\" ص ٧٢٦، \"لسان العرب\" (ندى) ٧/ ٤٣٨٨.\nوذكر بغير نسبة في: \"الإنصاف\" ٩/ ٤، \"سر صناعة الإعراب\" ١/ ٣٩٢، \"مجالس ثعلب\" ص ٤٥٦، \"معنى اللبيب\" ١/ ٣٩٧.\n(١) ذكرته كتب التفسير بدون نسبة.\nانظر: \"المحرر الوجيز\" ١٠/ ٢٦، \"الكشاف\" ٢/ ٥٣٦، \"البحر المحيط\" ٦/ ٢٤١، \"إعراب القرآن\" للنحاس ٢/ ٣٢٦.\n(٢) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٧٩.\n(٣) \"تهذيب اللغة\" (سحل) ٢/ ١٦٤٥.\n(٤) الْمَشْرَعةُ: التي يَشْرَعها الناس فيشربون منها ويستقون، وربما شرعوها دوابهم حتى تشرعها وتشرب منها، والعرب لا تسميها شريعة حتى يكون الماء عدّا لا انقطاع له، ويكون ظاهرًا معينًا لا يستقى منه بالرشاء. انظر: \"تهذيب اللغة\" (شرع) ٢/ ١٨٥٨، \"القاموس المحيط\" (الشريعة) ص ٧٣٢، \"الصحاح\" (شرع) ٣/ ١٢٣٦، \"لسان العرب\" (شرع) ٤/ ٢٢٣٨.\n(٥) \"الكشف والبيان\" ٣/ ١٧ ب، \"المحرر الوجيز\" ١٠/ ٢٦، \"زاد المسير\" ٥/ ٢٨٤، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ١٩٥.","vol":"14","page":395},{"text":"وقوله تعالى: ﴿يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ﴾ يعني فرعون، ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء: (لا يراك أحد إلا أحبك، لا مؤمن ولا كافر) (١).\nوقال سلمة بن كهيل (٢): (حببتك إلى عبادي) (٣).\nوقال عكرمة: (حسن وملاحة) (٤). فحيث أبصرت وجهه آسيه (٥)، قالت لفرعون: ﴿قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ﴾ وروي عن ابن عباس أنه قال: (أحبه وحببه إلى خلقه) (٦).\nوقال العوفي: (جعل عليه مسحة من جمال لا يكاد يصبر عنه من\n_________\n(١) \"زاد المسير\" ٥/ ٢٨٤.\n(٢) سلمة بن كهيل الحضرمي، التنعي، الكوفي أبو يحيى من كبار التابعين، روى له الستة، وروى عن سعيد بن جبير ومجاهد وغيرهما، وروى عنه الثوري وغيره، وهو ثقة، ثبت في الحديث، وكان فيه تشيع قليل، توفي -﵀- سنة ١٢١ هـ، وقيل غير ذلك.\nانظر: \"طبقات ابن سعد\" ٦/ ٢٢١، \"الجرح والتعديل\" ٢/ ١٧٠، \"الكامل\" ٥/ ٩٦، \"تهذيب التهذيب\" ٤/ ١١٥، \"شذرات الذهب\" ١/ ١٥٩.\n(٣) \"جامع البيان\" ١٦/ ١٦١، \"النكت والعيون\" ٣/ ٤٠٢، \"معالم التزيل\" ٥/ ٢٧٢، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٦٤، \"الدر المنثور\" ٤/ ٥٢٩.\n(٤) \"جامع البيان\" ١٦/ ١٦١، \"النكت والعيون\" ٣/ ٤٠٢، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ١٩٦، \"الدر المنثور\" ٤/ ٥٢٩.\n(٥) آسية بنت مزاحم، زوجة الطاغية فرعون، وهي من أفضل النساء لإيمانها وصبرها، وقد ورد بذلك الخبر عن النبي -ﷺ- كما رواه الإمام أحمد ١/ ٣١٦، وأخرجه الحاكم في \"مستدركه\" ٢/ ٥٩٤ أنه قال: \"أفضل نساء الجنة خديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد، ومريم بنت عمران، وآسية بنت مز احم امرأة فرعون\".\n(٦) \"الكشف والبيان\" ٣/ ١٧ ب، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٧٣، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ١٩٦.","vol":"14","page":396},{"text":"رآه) (١).\nوقال قتادة: (ملاحة كانت في عيني موسى ما رآه أحد إلا عشقه) (٢).\nوقال في رواية سعيد بن جبير: (ألقى عليه منها محبة لم يلق منها على أحد من البشر) (٣). وهذا كلام المفسرين.\nفأما ظاهر اللفظ فإنه يقتضي أن الله تعالى أحبه، وحب الله تعالى إياه أعظم نعمة وأجمل إحسان (٤). ومن قال: إنه حببه إلى خلقه كان المعنى: ألقيت عليك محبة للعباد، وهي مني مخلوقة لي. ومن فسر هذه المحبة بالحسن والجمال كان المعنى: ألقيت عليك سبب محبة، فسمي سبب الحب حبًا، أو حذف المضاف.\nوقال أبو عبيدة في هذه الآية: (يقول: جعلت لك محبة عندي وعند\n_________\n(١) \"الكشف والبيان\" ٣/ ١٧ ب، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ١٩٦.\n(٢) \"الكشف والبيان\" ٣/ ١٧ ب، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٧٣، \"زاد المسير\" ٥/ ٢٨٤، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ١٩٦، \"الدر المنثور\" ٤/ ٥٢٩.\n(٣) ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة. انظر: \"جامع البيان\" ١٦/ ١٦١، \"المحرر الوجيز\" ١٠/ ٢٩، \"التسهيل لعلوم التنزيل\" ص ٤٠٣، \"مجمع البيان\" ٧/ ١٨، \"روح المعاني\" ١٦/ ١٨٩.\n(٤) قال الإمام الطبري في \"تفسيره\" ١٦/ ١٦١: والذي هو أولى بالصواب من القول في ذلك أن يقال إن الله ألقى محبته على موسى كما قال جل ثناؤه: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ فحببه إلى آسية امرأة فرعون حتى تبنته وغذته وربته.\nوقال ابن تيمية في \"العقيدة الواسطية\" ص ٢٠: (ومحبة الله صفة من صفاته الفعلية ودليلها قوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾.\nويشهد لهذا ما رواه البخاري في التوحيد، باب: كلام الرب مع جبريل قال -ﷺ-: \"إذا أحب الله العبد نادى جبريل إني أحب فلانا فأحبه فيحبه جبريل ثم ينادي في السماء أن الله يحب فلانا فأحبوه فيحبه أهل السماء ويوضع له القبول في الأرض\".","vol":"14","page":397},{"text":"غيري) (١). أحبك فرعون فسلمت من شره، وأحبتك امرأته آسية فتبنتك. واستعملت لفظة الإلقاء للمبالغة في هذا المعنى، والعرب تقول إذا أحب الواحد منهم أخاه: ألقيت عليك رحمتي وشفقتي، فيكون هذا أبلغ من قولهم: رحمتك وأشفقت عليك (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَلِتُصْنَعَ﴾ قال المفسرون: (ولتربي تغذي) (٣). يقال: صنع الرجل جاريته، وصنعها إذا رباها، وصنع فرسه إذا داوم على علفه والقيام عليه، ومن هذا يقال: فلان صنيع فلان، وصنيعته، إذا رباه وأبه حتى يخرجه (٤).\nوقوله تعالى: ﴿عَلَى عَيْنِي﴾ ذكر المفسرون في تفسيره: (مرآى مني) (٥). وهو جائز من حيث اللفظ، ولكن لا يكون في هذا تخصيص لموسى، فإن جميع الأشياء بمرآى من الله لا يغيب عن رؤيته شيء. والصحيح في هذا ما روى قتادة أنه قال: (لتغذى على محبتي وإرادتي) (٦). واختاره أبو عبيدة وذكره فقال: (أي لتربي وتغذي على محبتي وما أريد.\n_________\n(١) و(٢) \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ٢/ ١٩.\n(٣) \"جامع البيان\" ١٦/ ١٦٢، \"الكشف والبيان\" ٣/ ١٧ ب، \"تفسير كتاب الله العزيز\" ٣/ ٣٨، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ١٧٩.\n(٤) انظر: \"تهذيب اللغة\" (صنع) ٢/ ٢٠٦٥، \"القاموس المحيط\" (صنع) ص ٧٣٨، \"الصحاح\" (صنع) ٣/ ١٢٤٥، \"لسان العرب\" (صنع) ٤/ ٢٥٠٨.\n(٥) \"جامع البيان\" ١٦/ ١٦٣، \"الكشف والبيان\" ٣/ ١٧ ب، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٧٣، \"المحرر الوجيز\" ١٠/ ٣٠.\n(٦) \"النكت والعيون\" ٣/ ٤٠٢، وذكرته كتب التفسير بدون لفظ الإرادة.\nانظر: \"تفسير القرآن\" للصنعاني ١/ ١٦، \"جامع البيان\" ١٦/ ١٦٢، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ١٧٩، \"الدر المنثور\" ٤/ ٥٢٩.","vol":"14","page":398},{"text":"قال: والعرب تقول: اتخذه لي على عيني، أي على محبتي) (١).\nوقال ابن الأنباري: (العين في هذه الآية يقصد بها قصد الإرادة والاختيار، من قول العرب: غذى فلان على عيني أي على المحبة مني والإشفاق) (٢).\nوأنشد لخفاف بن ندبة (٣):\nإِن تَكُ خَيْلِي قَدْ أُصِيبَ صَمِيمُها ... فَعَمْدًا عَلى عَيْنٍ تَيَمَّمْتُ مَالِكَا\nوذكر صاحب النظم في اللام التي في قوله: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ أوجهًا أحدها: (أنها متصلة بما قبلها، وهو قوله: ﴿إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى﴾؛ لأن ذلك الإيحاء كان من أسباب تربية موسى على ما أراد الله، وعلى هذا يجب أن تكون الواو مقحمة زائدة في ﴿وَلِتُصْنَعَ﴾. الثاني: أن اللام متصلة بما بعدها، وهو قوله تعالى: ﴿إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ﴾ كأن المعنى:\n_________\n(١) \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ٢/ ١٩.\n(٢) ذكره ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٥/ ٢٨٤، والألوسي في \"روح المعاني\" ١٦/ ١٩٠.\nوقال ابن تيمية في \"العقيدة الواسطية\" ص ٢٢: (إن عيني الله من صفاته الذاتية الثابتة له حقيقة على الوجه اللائق به ينظر بهما ويبصر ويرى ودليل ذلك قوله: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ ولا يجوز تفسيرها بالعلم ولا بالرؤية مع نفي العين لأنه مخالف لظاهر اللفظ وإجماع السلف على ثبوت العين لله). وأولى ما حملت عليه هذه الآية أن يقال فيها: أي: على نظر مني ومرئ فأنت بحفظي ورعايتي.\nانظر: \"الفتاوى\" لابن تيمية ٣/ ١٣٣، \"تيسير الكريم الرحمن\" ٥/ ١٥٦، \"القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى\" ص ٩٠.\n(٣) البيت لخفاف بن ندبة، قاله بعد قتله لمالك بن حمار، سيد بني شمخ بن فزارة. انظر: \" الشعر والشعراء\" ص ٢١٢، \"الخزانة\" ٥/ ٤٤٣، \"الأغاني\" ١٣/ ١٣٥، \"لسان العرب\" (عين) ٦/ ٣١٩٩.","vol":"14","page":399},{"text":"ولتصنع على عيني قدرنا مشي أختك، وقولها: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ﴾ قال: وقيل أيضًا: ولتصنع على عيني فعلمنا ذلك، كما قلنا في مثل هذا في مواضع) (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2476>٤٠ </span>- قوله تعالى: ﴿إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ﴾ [يعني حين قالت لها أم موسى: قصيه فاتبعت موسى على أثر الماء.\nوقوله تعالى: ﴿فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ﴾ [القصص: ١٢] الآية. (٢)، قال الفراء: (كثير وهو من كلام العرب أن تجتزي بحذف كثير من الكلام إذا كان المعنى معروفًا) (٣).\nوقوله تعالى: ﴿عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ﴾ أي: يرضعه ويضمه إليه (٤)، وذكرنا هذا عند قوله: ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ [آل عمران: ٣٧]. فقيل له: ثم رددناك إليها كي تقر عينها بك وبرؤيتك. وذكرنا الكلام في قراءة العين عند قوله: ﴿وَقَرِّي عَيْنًا﴾ [مريم: ٢٦].\nوقوله تعالى: ﴿وَقَتَلْتَ نَفْسًا﴾ يعني: القبطي الذي وكزه موسى فقضى عليه (٥).\n_________\n(١) ذكر نحوه بلا نسبة في \"الكشاف\" ٢/ ٥٣٧، \"البحر المحيط\" ٦/ ٢٤٢، \"التفسير الكبير\" ٢٢/ ٥٤، وقال: ويجوز أن تكون الواو مقحمة أي: ألقيت عليك محبة مني لتصنع، وهذا بعيد. وقال الألوسي في \"روح المعاني\" ١٦/ ١٩٠: وزعم أنه متعلق بألقت على أن الواو مقحمة ليس بشيء.\n(٢) في (ص) قال: (حين تركت موسى المراضع).\n(٣) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٧٩.\n(٤) \"جامع البيان\" ١٦/ ١٦٣، \"الكشف والبيان\" ٣/ ١٨ أ، \"بحر العلوم\" ٢/ ٣٤٠، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٧٣، \"زاد المسير\" ٥/ ٢٨٥.\n(٥) كما قال سبحانه في سورة [القصص: ١٥]: ﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا =","vol":"14","page":400},{"text":"وقوله تعالى: ﴿فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ﴾ قال ابن عباس: [(يريد الهم الذي كنت تخافه من عذاب الله، ومن قتل فرعون، فخلصناك منه حين هربت إلى مدين) (١).\nوقوله: ﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾ قال ابن عباس في رواية علي بن أبي طلحة: (أختبرناك اختبارًا) (٢). واختاره الزجاج، وابن قتيبة (٣).\nوقال الفراء: (أبتليناك بغم القتل) (٤).\nوتفسير ﴿وَفَتَنَّاكَ﴾ بالاختبار والابتلاء صحيح، إلا أنه لا يأتي بالمعنى هاهنا، والوجه ما ذكره ابن عباس في رواية عطاء قال: (يريد خلصناك إخلاصًا من الذبح وغيره) (٥). وهذا قول سعيد بن جبير حين سأله عن الفتون ما هو؟ في حديث طويل (٦).\n_________\n= فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾.\n(١) ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة.\nانظر: \"جامع البيان\" ١٦/ ١٦٤، \"زاد المسير\" ٥/ ٢٨٥، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٦٤، \"التفسير الكبير\" ٢٢/ ٥٤، \"ارشاد العقل السليم\" ٦/ ١٦.\n(٢) \"جامع البيان\" ١٦/ ١٦٤، \"الكشف والبيان\" ٣/ ١٨ أ، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٧٣، \"زاد المسير\" ٥/ ٢٨٥، \"الدر المنثور\" ٤/ ٥٢٩.\n(٣) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٥٧، \"تفسير غريب القرآن\" لابن قتيبة ص ٢٧٩.\n(٤) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٧٩.\n(٥) \"جامع البيان\" ١٦/ ١٦٤، \"الكشف\" ٢/ ٢٣٧، \"زاد المسير\" ٥/ ٢٨٥.\n(٦) \"جامع البيان\" ١٦/ ١٦٤، \"بحر العلوم\" ٢/ ٣٤٠، \"الكشف\" ٢/ ٥٣٧، \"ابن كثير\" ٣/ ١٦٤، وقال -﵀- بعد أن ساق الحديث بطوله: وهو موقوف من كلام ابن عباس، وليس مرفوع إلا قليل منه، وكأنه تلقاه ابن عباس -﵁- مما أبيح =","vol":"14","page":401},{"text":"وعن مجاهد في رواية ابن أبي نجيح قال: (الفتون وقوعه في محنة خلصه الله منها أولها: أن أمه حملته في السنة التي كان يذبح الأطفال فيها، ثم: إلقاؤه في البحر، ثم: منعه الرضاع إلا من ثدي أمه، ثم: جره لحية فرعون حتى هم بقتله، ثم: تناوله الجمرة بدل الدرة، ثم: مجيء رجل من شيعته يسعى ليخبره بما عزموا عليه من قتله) (١). وهذا معنى قولهما وقد اختصرته. وكان ابن عباس يقص القصة على سعيد بن جبير ويقول عند كل بلية: (هذا من الفتون يا ابن جبير) (٢). ويؤكد هذا ما روي عن سفيان أنه قال: (بلغني عن ابن عباس في هذه: ﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾ قال: بلاء على كل بلاء) (٣). وعلى هذا معنى ﴿وَفَتَنَّاكَ﴾: خلصناك من تلك المحن، كما يفتن الذهب بالنار فيخلص من كل خبيث وشائب (٤). والفتون مصدر.\nقال ابن الأنباري في القول الأول: (معناه الامتحان الذي يبتلى معه صبر الممتحن، والأنبياء وأهل الخير يختبرهم الله تعالى ليسعدهم، ويجعل حسن العقبى لهم، فتفسير: ﴿وَفَتَنَّاكَ﴾ ابتليناك بغم القتل، يعني: قتل\n_________\n= نقله من الإسرائيليات عن كعب الأحبار أو غيره والله أعلم.\nانظر: \"الدر المنثور\" ٤/ ٥٣٠، \"مجمع الزوائد\" للهيثمي ٧/ ٦٦، وقال: رواه أبو يعلى ورجاله رجال الصحيح غير أصبغ بن زيد، والقاسم بن أبي أيوب وهما ثقتان.\n(١) \"جامع البيان\" ١٦/ ١٦٤، \"النكت والعيون\" ٣/ ٤٠٣، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٧٣، \"زاد المسير\" ٥/ ٢٨٥، \"الجامع\" ١١/ ١٩٨.\n(٢) \"جامع البيان\" ١٦/ ١٦٤، \"بحر العلوم\" ٢/ ٣٤١، \"الكشاف\" ٢/ ٥٣٧، \"زاد المسير\" ٥/ ٢٨٥، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٦٤، \"الدر المنثور\" ٤/ ٥٣٠.\n(٣) \"زاد المسير\" ٥/ ٢٨٥.\n(٤) انظر (فتن) في: \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٧٤، \"مقاييس اللغة\" ٤/ ٤٧٢، \"القاموس المحيط\" (١٢٢٠)، \"لسان العرب\" ص ٣٣٤٤.","vol":"14","page":402},{"text":"القبطي. والفتنة] (١) في القول الثاني: الإخلاص من قولهم: فتنته (٢) فتنة في النار، إذا خلصته مما يتعلق به مما يفسده) (٣).\nوقوله تعالى: ﴿فَلَبِثْتَ سِنِينَ﴾ [نظم الآية: وفتناك فتونًا، فخرجت خائفًا إلى أهل مدين، فلبثت سنين] (٤) ولكنه من الحذف الذي ذكره الفراء (٥).\nوقوله تعالى: ﴿فِي أَهْلِ مَدْيَنَ﴾ يعني بلد شعيب، وكان على ثمان مراحل من مصر. ﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى﴾ قال ابن عباس: (يريد موافقًا للنبوة؛ لأن الأنبياء لا يبعثون إلا أبناء أربعين سنة) (٦).\nوقال قتادة: (على قدر الرسالة والنبوة) (٧).\nوقال ابن كيسان: (على رأس أربعين سنة، وهو القدر الذي يوحى فيه إلى الأنبياء) (٨). والعرب تقول: جاء فلان على قدر، إذا جاء لميقات\n_________\n(١) من قوله: (يعني حين قالت لها أم موسى ..) إلى هنا ساقط من نسخة (س)، ومن قوله: (يريد الهم الذي كنت تخافه ..) إلى هنا ساقط من نسخة (ص).\n(٢) قوله: (فتنه) ساقط من نسختي: (س، ص).\n(٣) ذكر نحوه بلا نسبة في \"الكشاف\" ٢/ ٥٣٧، \"زاد المسير\" ٥/ ٢٨٥، \"البحر المحيط\" ٦/ ٢٤٣.\n(٤) ما بين المعقوفين ساقط من نسخة (س).\n(٥) \"جامع البيان\" ١٦/ ١٦٧، \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٧٩.\n(٦) \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ١٩٨.\n(٧) \"تفسير القرآن\" للصنعاني ٢/ ١٦، \"جامع البيان\" ١٦/ ١٦٧، \"النكت والعيون\" ٣/ ٤٠٣، \"ابن كثير\" ٣/ ١٦٤.\n(٨) \"الكشف والبيان\" ٣/ ١٨ أ، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٧٤، \"القرطبي\" ١١/ ١٩٨.","vol":"14","page":403},{"text":"الحاجة إليه (١)، قال جرير (٢):\nنَالَ الخِلاَفَةَ إِذْ كَانَتْ لَه قَدَرًا ... كَمَا أَتَى رَبَّهُ مُوسَى عَلَى قَدَرِ\nوعلى هذا معنى القدر: قدر السن [الذي هو: أربعون سنة] (٣) وهو مبلغه. قال الزجاج: (قيل: على قدر من تكليمي إياك) (٤). وهو هذا المعنى الذي ذكرناه وإنما لم يوصف القدر وهو نكره؛ لأنه معلوم عند الله، وعند الناس كم هو. وقال مجاهد: (﴿عَلَى قَدَرٍ﴾ علي موعد) (٥). وهذا أيضًا بالمعنى الأول؛ لأنه لم يسبق بين الله وموسى مواعدة للمجيء حتى يقال: إن موسى أتى على ذلك الوعد، ولكن المعنى: على الموعد الذي وعده الله وقدره في علمه أن يوحي إليه الرسالة وهو أربعون سنة. وهذا معنى قول محمد بن كعب: (ثم جئت على القدر الذي قدرت أنك تجيء) (٦).\nوقال الفراء: (يريد على ما أراد الله من تكليمه) (٧). يعنىِ على ذلك السن. وقال الكلبي: (وافق الكلام عند الشجرة) (٨).\n_________\n(١) \"جامع البيان\" ١٦/ ١٦٧، \"تهذيب اللغة\" (قدر) ٣/ ٢٨٩٦، \"لسان العرب\" (قدر) ١١/ ٣٥٤٥.\n(٢) البيت لجرير من قصيدة يمدح فيها عمر بن عبد العزيز -﵀-.\nانظر: \"ديوانه\" ص ٢١١، \"جامع البيان\" ١٦/ ١٦٨، \"النكت والعيون\" ٣/ ٤٠٤، \"الأضداد\" ص ٢٧٩، \"أمالي المرتضى\" ٢/ ٥٧، \"همع الهوامع\" ١/ ١٦٧.\n(٣) ما بين المعقوفين ساقط من نسخة (س).\n(٤) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٥٧.\n(٥) \"جامع البيان\" ١٦/ ١٦٨، \"تفسير كتاب الله العزيز\" ٣/ ٣٨، \"النكت والعيون\" ٣/ ٤٠٣، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ١٩٨، \"ابن كثير\" ٣/ ١٥٧.\n(٦) \"الكشف والبيان\" ٣/ ١٨ أ، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٧٤، \"القرطبي\" ١١/ ١٩٨.\n(٧) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٧٩.\n(٨) \"الكشف والبيان\" ٣/ ١٨ أ.","vol":"14","page":404},{"text":"وقال الليث: (وإذا وافق الشيء الشيء قلت: جاء قدره) (١). وروى مغيرة (٢) عن إبراهيم: (أنه كان يكره أن يضرب المثل في القرآن) (٣). مثل قوله: ﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2477>٤١ </span>- قوله تعالى: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ الاصطناع: اتخاذ الصنيعة وهي الخير تسديه إلى الإنسان، وهذا افتعال من الصنع (٤). قال الشاعر (٥):\nفَإذا اصْطَنَعْتَ صَنِيعَة فَاقْصد بِها ... الله ولِذَوي القَرَابة أَودَع\nومعنى ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ قال ابن عباس: (يريد اصطنعتك لوحيي ورسالتي) (٦).\nوقال الكلبي (٧): (اخترتك بالرسالة لنفسي، لكي تحبني وتقوم بأمري) (٨).\n_________\n(١) \"تهذيب اللغة\" (قدر) ٣/ ٢٨٩٦.\n(٢) مغيرة بن مقسم الضبي أبو هاشم، مولاهم، الكوفي، الأعمى أحد الأئمة الأعلام، ومن رواة السنة، روى عن إبراهيم النخعي، وروى عنه الثوري، وثقه العلماء وكان ذكيًا، حافظًا، صاحب سنة توفي -﵀- سنة ١٣٦ هـ وقيل غير ذلك. انظر: \"الطبقات لابن سعد\" ٦/ ٢٣٥، \"الجرح والتعديل\" ٤/ ٢٢٨، \"التذكرة\" للذهبي ١/ ١٣٥، \"ميزان الاعتدال\" ٢/ ٤٩٦، \"تهذيب التهذيب\" ١٠/ ٢٦٩، \"شذرات الذهب\" ١/ ١٩١.\n(٣) لم أهتد إليه.\n(٤) انظر: \"تهذيب اللغة\" (صنع) ٢/ ٢٠٦٥، \"القاموس المحيط\" (صنع) ص ٧٣٨، \"الصحاح\" (صنع) ٣/ ١٢٤٥، \"لسان العرب\" (صنع) ٤/ ٢٥٠٨.\n(٥) البيت لهذيل الأشجعي. انظر: \"تهذيب اللغة\" (صنع) ٢/ ٢٠٦٥، \"الكامل\" ٢/ ١٢٣.\n(٦) \"زاد المسير\" ٥/ ٢٨٦، \"القرطبي\" ١١/ ١٩٨،\"روح المعاني\" ١٦/ ١٩٣.\n(٧) في (س): (قال الكلبي: تقول اخترتك).\n(٨) ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة. انظر: \"جامع البيان\" ١٦/ ١٦٨، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٧٤، \"زاد المسير\" ٥/ ٢٨٦، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٧٠، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ١٩٩.","vol":"14","page":405},{"text":"قال أهل المعاني: (معنى ﴿لِنَفْسِي﴾ لتتصرف بإرادتي ومحبتي). وجاز ﴿لِنَفْسِي﴾ بمعنى لمحبتي؛ لأن المحبة أخص شيء بالنفس، فحسن أن يجعل ما اختص بها مختصًّا بالنفس على هذا الوجه. وهذا معنى قول ابن عباس: (لوحيي ورسالتي) (١). لأن تبليغه الوحي وقيامه بأداء الرسالة تصرف على إرادة الله تعالى ومحبته (٢).\nوقال بعضهم: (معنى ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾: اخترتك بالإحسان إليك لإقامة حجتي) (٣). أي: لتتكلم عني وتبلغ عني وتقيم حجتي على خلفي. وهذا ظاهر في معنى لنفسي، وقد كشف عنه أبو إسحاق فقال: (تأويله: اخترتك لإقامة حجتي، وجعلتك بيني وبين خلقي حتى صرت في الخطاب عني والتبليغ عني بالمنزلة التي أكون أنا بها لو خاطبتهم واحتججت\n_________\n(١) \"زاد المسير\" ٥/ ١٩٩، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ١٩٨ \"روح المعاني\" ١٦/ ١٩٣.\n(٢) قال ابن أبي العز في \"شرح العقيدة الطحاوية\" ١/ ٢٦٤: وأما لفظ الأركان والأعضاء والأدوات فيستدل بها النفاة على نفي بعض الصفات الثابتة بالأدلة القطعية كاليد والوجه قال أبو حنيفة: (له يد ووجه ونفس كما ذكر تعالى في القرآن من ذكر اليد والوجه والنفس فهو له صفة بلا كيف) فالألفاظ الشرعية صحيحة المعاني سالمة من الاحتمالات الفاسدة، فلذلك يجب أن لا يعدل عن الألفاظ الشرعية نفيًا ولا إثباتًا لئلا يثبت معنى فاسد أو ينفى معنى صحيح وكل هذه الألفاظ المجملة عرضة للمحق والمبطل.\nوقال ابن كثير في \"تفسيره\" ٣/ ١٧٠: أي: اصطفيتك واجتبيتك رسولًا لنفسي أي: كما أريد وأشاء.\nانظر: \"الفقه الأكبر\" ص ٣٦، \"تيسير الكريم الرحمن\" ٥/ ١٥٨، \"القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى\".\n(٣) \"المحرر الوجيز\" ١٠/ ٣٢، \"روح المعاني\" ١٦/ ١٩٣.","vol":"14","page":406},{"text":"عليهم) (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2478>٤٢ </span>- قوله تعالى: ﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي﴾ قال ابن عباس: (يعني الآيات التسع التي بعث بها موسى) (٢).\nوقال آخرون: (بحججي) (٣).\nوقال ابن الأنباري: (يجوز أن يريد ﴿بِآيَاتِي﴾ العصا، واليد، وأوقع عليهما اسم الجمع، ويجوز أن يريدهما مع حل العقدة من لسانه التي لم يزل موسى يعرف بها) (٤).\nقال الكلبي: (وكان هارون يومئذ بمصر، فألهم أن يتلقى موسى، فتلقاه من مصر، فلما لقي موسى قال له موسى: إن الله أمرني أن آتي فرعون فسألت ربي أن يجعلك معي) (٥).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنِيَا﴾ أي: (لا تضعفا ولا تفترا)، قاله المفسرون (٦).\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٦٥.\n(٢) \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٧٤، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ١٩٨، \"روح المعاني\" ١٦/ ١٩٣. ويشهد لذلك قوله سبحانه في سورة [الإسراء: ١٠١]: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُورًا﴾.\n(٣) \"جامع البيان\" ١٦/ ١٦٨، \"زاد المسير\" ٥/ ٢٨٦، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٧٠، \"لباب التأويل\" ٤/ ٢٧٠.\n(٤) ذكره ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٥/ ٢٨٧، وذكر بلا نسبة في \"الكشف والبيان\" ٣/ ١٨ أ، \"التفسير الكبير\" ٢٢/ ٥٧، \"البحر المحيط\" ٦/ ٢٤٥.\n(٥) \"الكشف والبيان\" ٣/ ١٨ أ، وذكره البغوي في \"تفسيره\" ٥/ ٢٧٤ بدون نسبة، وكذلك ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٥/ ٢٨٧.\n(٦) \"تفسير القرآن\" للصنعاني ٢/ ١٦، \"جامع البيان\" ١٦/ ١٦٩، \"الكشف والبيان\" ٣/ ١٨ أ، \"تفسير كتاب الله العزيز\" ٣/ ٣٩، \"بحر العلوم\" ٢/ ٣٤٤.","vol":"14","page":407},{"text":"يقال: وَنَى، يَنِي، وَنْيًا، ووَانٍ إذا ضعف (١). قال العجاج (٢):\nفَمَا وَنَى مُحَمَد مُذْ أَنْ غَفَر ... لَه الإِلَه مَا مَضَى ومَا غَبَر\nويقال: هو وَانٍ في الأمر ومُتَوَان.\nوقوله تعالى: ﴿فِي ذِكْرِي﴾ قال الفراء: (في ذكري، وعن ذكري سواء) (٣). والمعنى: لا تقصرا في ذكري بالإحسان إليكما والإنعام عليكما. وذكر النعمة شكرها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2479>٤٣ </span>- قوله تعالى: ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ﴾ تكرير الأمر بالذهاب للتأكيد. ﴿إنه طغى﴾ قد مر في هذه السورة (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-2480>٤٤ </span>- ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا﴾ ذكر ابن عباس فيه قولين: أحدهما: (كنياه) (٥)، وهو قول عكرمة، والسدي (٦).\nواختلفوا في كنيته فقيل: أبو العباس، وأبو الوليد، وأبو مرة (٧).\n_________\n(١) انظر: \"تهذيب اللغة\" (وني) ٤/ ٣٩٦٠، \"مقاييس اللغة\" (وني) ٦/ ١٤٦، \"القاموس المحيط\" (الونى) ٤/ ١٣٤٤، \"الصحاح\" (وني) ٦/ ٢٥٣١، \"لسان العرب\" (وني) ٨/ ٤٩٢٨.\n(٢) البيت لرؤبة بن العجاج. انظر: \"ديوانه\" ص ١٥، \"جامع البيان\" ١٦/ ١٦٩، \"النكت والعيون\" ٣/ ٤٠٤.\n(٣) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٧٩.\n(٤) عند قوله سبحانه: ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾ [طه: ٢٤].\n(٥) \"زاد المسير\" ٥/ ٢٨٨، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٢٠٠، \"الدر المنثور\" ٤/ ٥٣٦، \"روح المعاني\" ١٦/ ١٩٥.\n(٦) \"جامع البيان\" ١٦/ ١٦٩، \"الكشف والبيان\" ١٨/ ٣ أ، \"النكت والعيون\" ٣/ ٤٠٥، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٧٤.\n(٧) الكشف والبيان\" ٣/ ١٨ أ، \"النكت والعيون\" ٣/ ٤٠٥، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٧٤، \"زاد المسير\" ٥/ ٢٨٨.","vol":"14","page":408},{"text":"والثاني: (أن القول اللين هو: أن موسى أتاه فقال له: تسلم وتؤمن بما جئت به، وتعبد رب العالمين على أن لك شبابك فلا تهرم إلى الموت، وملكًا لا ينزع منك حتى تموت، ولا ينزع منك لذة المطعم والمشرب والنكاح حتى تموت، وينسى في أجلك أربع مائة سنة، فإذا مت دخلت الجنة) (١). فهذه الكلمات اللينات التي أتى بها موسى فرعون، وهذا معنى قول ابن عباس في رواية عطاء، وأبي صالح السدي عن أبي مالك، ومرة عن ابن مسعود، وناس من الصحابة (٢).\nوقال مقاتل: يعني بالقول اللين: ﴿فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (١٨) وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى﴾ [النازعات: ١٩،١٨] (٣).\nوقوله تعالى: ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ أي: ادعوه على الرجاء والطمع، لا على الناس من فلاحه، فوقع التعبد لهما على هذا الوجه؛ لأنه أبلغ في دعائه إلى الحق بالحرص الذي يكون من الراجي (٤).\nوقد كشف أبو إسحاق عن هذا المعنى فقال: (خاطب الله العباد بما\n_________\n(١) انظر المراجع السابقة والذي يظهر لي -والله أعلم- أن هذا من أخبار بني إسرائيل، ولم يصح في ذلك شيء ولو كان في التفصيل هذا منفعة لنا لبينه القرآن الكريم وذكرته السنة النبوية.\n(٢) \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٧٤، \"زاد المسير\" ٥/ ٢٨٨.\n(٣) \"الكشف والبيان\" ٣/ ١٨ أ، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٧٤، \"تفسير مقاتل\" ٢ أ. وقال القرطبي -﵀- في \"تفسيره\" ١١/ ٢٠٠: القول اللين هو: القول الذي لا خشونة فيه، يقال: لان الشيء يلين لينا، وشيء لين ولين مخفف منه، والجمع أليناء، فإذا كان موسى أمر بأن يقول لفرعون قولًا لينا، فمن دونه أحرف بأن يقتدى بذلك في خطابه، وأمره بالمعروف في كلامه.\n(٤) \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٧٥، \"المحرر الوجيز\" ١٠/ ٣٣، \"القرطبي\" ١١/ ٢٠٠.","vol":"14","page":409},{"text":"يعقلون، والمعنى في هذا عند سيبويه: اذهبا على رَجَائِكُمَا وطَمَعكُما (١). والعلم من الله قد أتى من رواء ما يكون، وإنما تبعث الرسل وهي لا تعلم الغيب، ولا تدري أيقبل منها أم لا، وهم يرجون ويطمعون أن يقبل منهم، ومعنى (لعل) متصور في أنفسهم، وعلى تصور ذلك تقوم الحجة، وليس علم الله بما سيكون يجب به الحجة على الآدميين، ولو كان ذلك لم يكن في الرسل فائدة) (٢).\nوقال ابن الأنباري: (مذهب الفراء في ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ﴾ كي يتذكر ويخشى في تقديركما وما تمضيان عليه) (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2481>٤٥ </span>- قوله تعالى: ﴿قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا﴾ أي: يبادر ويعجل بعقوبتنا. قاله ابن عباس، ومجاهد، والمفسرون (٤). وجميع أهل اللغة. [يقال: فَرَطَ علينا فلان إذا عجل بمكروه، وفَرَطَ منه أمرًا أي: بدر وسبق (٥).\nوقال الكسائي] (٦): (يقال: فَرَطَ عليهم، يَفْرُطُ، فُرُوطًا، وفَرْطًا، وفُرطَانا) (٧).\n_________\n(١) \"الكتاب\" لسيبويه ٢/ ١٤٨.\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٥٧.\n(٣) ذكره ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٥/ ٢٨٨، \"البحر المحيط\" ٦/ ٢٤٦.\n(٤) \"جامع البيان\" ١٦/ ١٧٠، \"تفسير كتاب الله العزيز\" ٣/ ٣٩، \"النكت والعيون\" ٣/ ٤٠٥، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٧٥، \"زاد المسير\" ٥/ ٢٨٩.\n(٥) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٥٨، \"تهذيب اللغة\" (فرط) ٣/ ٢٧٧٣، \"مقاييس اللغة\" (فرط) ٤/ ٤٩٠، \"القاموس المحيط\" (فرط) ص ٦٨٠، \"الصحاح\" (فرط) ٣/ ١١٤٨، \"المفردات في غريب القرآن\" (فرط) ص ٣٧٦.\n(٦) ما بين المعقوفين ساقط من الأصل ومن (ص).\n(٧) ذكرت نحوه كتب اللغة بدون فسبة. انظر: \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٧٧٣، \"لسان العرب\" ٦/ ٣٣٨٩، \"المعجم الوسيط\" (فرط) ٢/ ٦٨٣.","vol":"14","page":410},{"text":"وقال الأصمعي: (يقال: فَرَطْتُ القوم، وأنا أَفْرِطُهم فَرْطًا إذا تقدمتهم، ومنه الفَارِطُ والفَرَطُ إلى الماء) (١). وذكرنا هذا الحرف عند قوله: ﴿وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ﴾ [النحل: ٦٢].\nوقال ابن الأعرابي: (الفَرَطُ: العجلة، يقال: فَرَطَ يَفْرُطُ) (٢).\nوقوله تعالى: (أو أن يطغى) أي: يجاوز الحد في الإساءة بنا.\nقال الكلبي: (يقتلنا) (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2482>٤٦ </span>- ﴿قَالَ لَا تَخَافَا﴾ جواب لقولهما: ﴿إِنَّنَا نَخَافُ﴾ [وقوله: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا﴾ وعد لهما في النصرة والمعونة والغلبة] (٤) (٥).\nوقوله تعالى: ﴿أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ قال ابن عباس: (أسمع دعاءكما فأجيبه، وأرى ما يراد بكما فأمنع) (٦). والمعنى: لست بغافل عنكم فلا تهتما (٧).\n_________\n(١) \"تهذيب اللغة\" (فرط) ٣/ ٢٧٧٣.\n(٢) \"تهذيب اللغة\" (فرط) ٣/ ٢٧٧٣.\n(٣) ذكرته كتب التفسير بدون نسبة انظر: \"الكشف والبيان\" ٣/ ١٨ ب، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٧٥، \"لباب التأويل\" ٤/ ٢٧٠، \"روح المعاني\" ٥/ ١٩.\n(٤) ما بين المعقوفين ساقط من الأصل ومن (ص).\n(٥) إن ما جاء في القرآن من ألفاظ المعية حق على حقيقته وظاهره، يقول الشيخ ابن عثيمين في \"القواعد المثلى\" ص ٧١: إن ظاهره وحقيقته أن الله تعالى مع خلقه معية تقتضي أن يكون محيطًا بهم علمًا وقدرة وسمعًا وبصرًا وتدبيرًا وسلطانًا وغير ذلك من معاني ربوبيته مع علوه على عرشه فوق جميع خلقه.\nوقال ابن سعدي في \"تفسيره\" ٥/ ١٦٠: أي: أنتما بحفظي ورعايتي أسمع قولكما وأرى جميع أحوالكما فلا تخافا منه. انظر: \"الفتاوي\" لابن تيمية ٥/ ١٠٣، \"العقيدة الواسطية\" ص ٣٣.\n(٦) \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٧٥.\n(٧) السمع والرؤية من صفات الله ﷿ الثابتة له على الوجه اللائق به ﷿ نثبتها له كما =","vol":"14","page":411},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2483>٤٧ </span>- قوله تعالى: ﴿قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ﴾ قيل: العصا (١)، وقيل: اليد (٢).\nوقال ابن الأنباري: (أراد جميع (٣) آيات موسى، فذكرها بلفظ الواحد، كما تقع اللفظة على جماعة الألفاظ والكلمة على جملة الكلمات) (٤). ﴿وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى﴾ قال عطاء عن ابن عباس: (يريد من الله ﷿ على من اتبع البيان الذي جاء به موسى) (٥).\nوقال أبو إسحاق: (ليس يعني به التحية، وإنما معناه: أن من اتبع الهدى يسلم من عذاب الله وسخطه، والدليل على أنه ليس سلام: أنه ليس ابتداء لقاء وخطاء) (٦). والذي ذكره عطاء يحتمل التحية ويحتمل ما قاله أبو إسحاق.\nوقال الفراء: (يريد والسلامة على من أَتبع الهدى، ولمن ابتع الهدى\n_________\n= أثبتها لنفسه من غير تحريف ولا تعطل ولا تشبيه ولا تمثيل، وقد يراد مع إدراك السمع والرؤية النصر والتأييد. انظر: \"العقيدة الواسطية\" ص ٢٥، \"الفتاوى\" لابن تيمية ٣/ ١٣٤، \"القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى\".\n(١) \"تفسير كتاب الله العزيز\" ٣/ ٣٩، \"بحر العلوم\" ٢/ ٣٤٥، \"زاد المسير\" ٥/ ٢٩٠، \"القرطبي\" ١١/ ٢٠٣.\n(٢) \"تفسير كتاب الله العزيز\" ٣/ ٣٩، \"بحر العلوم\" ٢/ ٣٤٥، \"زاد المسير\" ٥/ ٢٩٠.\n(٣) قوله: (جميع) ساقط من نسخة (س).\n(٤) ذكر نحوه بلا نسبة في \"الكشاف\" ٢/ ٥٣٩، \"المحرر\" ١٠/ ٣٥، \"البحر المحيط\" ٦/ ٢٤٦، \"روح المعاني\" ١٦/ ١٩٨، وقال: وتوحيد الآية مع تعددها لأن المراد إثبات الدعوى ببرهانها لا بيان الحجة فكأنه قيل: جئناك بما يثبت مدعانا.\n(٥) ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة. انظر: \"جامع البيان\" ١٦/ ١٧١، \"زاد المسير\" ٥/ ٢٩٠، \"الجامع لأححَام القرآن\" ١١/ ٢٠٤.\n(٦) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٥٨.","vol":"14","page":412},{"text":"واحد. قال: ويدل على صحة هذا المعنى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2484>٤٨ </span>- قوله تعالى: ﴿إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾) (١). أي: إنما يعذب الله تعالى من كذب بما جئنا به، وأعرض عنه، فأما من اتبعه فإنه يسلم من العذاب.\nوقيل: هذه أرجى آية (٢) في كتاب الله للمؤمنين، وذلك أن الله أوحى إليهما أن العذاب على من كذب أنبياء الله وأعرض عن الإيمان (٣). و﴿الْعَذَابَ﴾ هاهنا اسم الجنس وظاهر هذا موجب أن من صدق وآمن لم يكن عليه شيء من العذاب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2485>٤٩ </span>- وقوله تعالى: ﴿قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا﴾ قال أبو إسحاق: (المعنى فأتياه فقالا له ما أخبر الله في كتابه، فقال لهما فرعون: ﴿فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى﴾ دليل على أنهما أتياه فقالا له) (٤). وفي قوله: ﴿فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى﴾ وجهان أحدهما: أن المعنى فمن ربك وربه يا موسى، فغلب الخطاب؛ لأن المخاطب كان موسى دون هارون. [الثاني: أن كليهما مخاطب، ترك ذكر هارون] (٥) اكتفاء بموسى ولموافقة رؤوس الآي (٦). ويدل على أن المخاطب موسى دون هارون قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبُّنَا﴾ ولم يقل: قالا ولو كان الخطاب لهما كان الجواب منهما.\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٨٠.\n(٢) في (س): (إنه)، وهو تصحيف.\n(٣) \"الكشف والبيان\" ٣/ ١٨ ب، \"القرطبي\" ١١/ ٢٠٤، \"البحر المحيط\" ٦/ ٢٤٧.\n(٤) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٥٨.\n(٥) ما بين المعقوفين ساقط من نسخة (س).\n(٦) \"الكشف والبيان\" ٣/ ١٨ ب، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٢٠٤.","vol":"14","page":413},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2486>٥٠ </span>- وقوله تعالى: ﴿أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ﴾ فيه وجهان أحدهما: ما قاله مجاهد وهو أنه قال: (لم يجعل خلق الإنسان كخلق البهائم، ولا خلق البهائم كخلق الإنسان، ولكن خلق كل شيء فقدره تقديرًا) (١). وأكثر أقوال المفسرين تعود على هذا. قال عطية، ومقاتل: (﴿أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ﴾ يعني صورته) (٢). فهذا كقول مجاهد؛ لأن المعنى خلق كل جنس من الحيوان على صورة أخرى.\nوقال الحسن، وقتادة: (أعطى كل شيء صلاحه وما يصلحه) (٣). والمعنى ما يصلحه من الخلق والصورة، فكل شيء أعطي من الصورة ما يصلح لما خلق له.\nوقوله تعالى: (ثم هدى) قالوا: هداه لما يصلحه من معيشته ومشربه ومنكحه إلى غير ذلك. وهذا القول اختيار أبي إسحاق وبينه فقال: (معناه: خلق كل شيء على الهيئة التي بها ينتفع، والتي هي أصلح الخلق له، ثم هداه لمعيشته) (٤). وقال عطاء عن ابن عباس: (يريد أتقن كل ما خلق) (٥). والمعنى على هذا: أعطى كل شيء تمام خلقه.\n_________\n(١) \"جامع البيان\" ١٦/ ١٧٢، \"الكشف والبيان\" ٣/ ١٨ ب، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٧٦، \"زاد المسير\" ٥/ ٢٩١، \"القرطبي\" ١١/ ٢٠٤، \"الدر المنثور\" ٤/ ٥٣٨.\n(٢) \"الكشف والبيان\" ٣/ ١٨ ب، \"زاد المسير\" ٥/ ٢٩١، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٢٠٥، \"البحر المحيط\" ٦/ ٢٤٧.\n(٣) \"تفسير القرآن\" للصنعاني ١/ ١٦، \"جامع البيان\" ١٦/ ١٧٢، \"تفسير كتاب الله العزيز\" ٣/ ٤٠، \"بحر العلوم\" ٢/ ٣٤٥، \"النكت والعيون\" ٣/ ٤٠٦.\n(٤) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٥٨.\n(٥) ذكرته كتب التفسير بدون نسبة. انظر: \"جامع البيان\" ١٦/ ١٧٢، \"المحرر الوجيز\" ١٠/ ٣٦، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٧٢.","vol":"14","page":414},{"text":"[الوجه الثاني في تفسير هذه الآية قول الكلبي، والسدي قالا: (أعطى الرجل المرأة، والبعير الناقة، والذكر الأنثى من جنسه) (١). وعلى هذا المعنى أعطى كل شيء من جنس خلقه] (٢). وصرح السدي بهذا اللفظ قال: (أعطى الذكر الأنثى مثل خلقه (ثم هدى) قال: إلى الجماع) (٣).\nوهو قول الكلبي (٤). والمعنى: ألهم كيف يأتي الذكر الأنثى في النكاح. وهذا القول اختيار ابن قتيبة (٥)، والفراء. قال الفراء: (أعطى الذكر من الناس امرأة مثله من صنفه، والشاة شاة، والثور بقرة (ثم هدى) ألهم الذكر المأتى) (٦).\nقال أبو إسحاق: (وهذا التفسير جائز؛ لأنا نرى الذكر من الحيوان يأتي الأنثى، ولم يرى ذكرًا قد أتى أنثى قبله، فألهمه الله ذلك وهداه إلى المأتى. قال: والقول الأول ينتظم هذا المعنى؛ لأنه إذا هداه لمصلحته فهذا داخل في المصلحة) (٧).\nوروي عن الضحاك قول آخر في ﴿أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ﴾ قال: (يعني اليد: البطش، والرجل: المشي، واللسان: النطق، والعين: البصر،\n_________\n(١) \"جامع البيان\" ١٦/ ١٧٢، \"تفسير القرآن\" للصنعاني ٢/ ١٦، \"تفسير كتاب الله العزيز\" ٣/ ٤٠، \"زاد المسير\" ٥/ ٢٩١، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٢٠٤.\n(٢) ما بين المعقوفين ساقط من الأصل ومن نسخة (ص).\n(٣) \"جامع البيان\" ١٦/ ١٧٢، \"زاد المسير\" ٥/ ٢٩١، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٢٠٤.\n(٤) \"تفسير القرآن\" للصنعاني ٢/ ١٦، \"تفسير كتاب الله العزيز\" ٣/ ٤٠.\n(٥) \"تفسير غريب القرآن\" ص ٢٧٩.\n(٦) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٨١.\n(٧) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٥٩.","vol":"14","page":415},{"text":"والأذن: السمع) (١). والمعنى على هذا: أعطى كل عضو من الأعضاء ما خلق له من النفع الذي فيه (٢). والخلق في هذا القول في معنى المخلوق، والبطش والمشي والنظر وهذه المعاني كلها مخلوق لله تعالى، أودعها الأعضاء وأعطاها. والاحتجاج على فرعون من هذا الجواب: أنه قد ثبت خلق وهداية لا خلاف، ولابد لهما من خالق وهاد، ذلك الخالق والهادي هو الرب، لا رب غيره، فلما دعاه إلى دين الله وإتباع الهدى واحتج عليه بأن الرب هو الخالق الهادي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2487>٥١ </span>- قال له فرعون: ﴿قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى﴾ قال ابن عباس: (يريد ما حال القرون التي مضت) (٣). ومعنى البال هاهنا: الحال والشأن (٤).\nوالمعنى: ما حالها فإنها لم تقر بالله وبما تدعو إليه، ولكنها عبدت\n_________\n(١) \"الكشف والبيان\" ٣/ ١٩ أ، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٧٧، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٢٠٥، \"أضواء البيان\" ٤/ ٤١٨.\n(٢) قال الشنقيطي -﵀- في \"أضواء البيان\" ٤/ ٤١٩: ولا مانع من شمول الآية الكريمة لجميع الأقوال المذكورة، لأنه لا شك أن الله أعطى الخلائق كل شيء يحتاجون إليه في الدنيا ثم هداهم إلى طريق الانتفاع به، ولا شك أنه أعطى كل صنف شكله وصورته المناسبة له، وأعطى كل ذكر وأنثى الشكل المناسب له من جنسه في المناكحة والألفة والاجتماع، وأعطى كل عضو شكله الملائم للمنفعة المنوطة به فسبحانه جل وعلا.\n(٣) ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة. انظر: \"جامع البيان\" ١٦/ ١٧٣، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٧٧، \"زاد المسير\" ٥/ ٢٩١، \"لباب التأويل\" ٤/ ٢٧١، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٢٠٥.\n(٤) انظر: \"تهذيب اللغة\" (بال) ١/ ٢٦٣، \"الصحاح\" (بول) ٤/ ١٦٤٢، \"لسان العرب\" (بول) ١/ ٣٨٩، \"المفردات في غريب القرآن\" (بال) ص ٦٧، \"مختار الصحاح\" (بول) ص ٢٨.","vol":"14","page":416},{"text":"الأوثان. ويعني بالقرون الأولى: الأمم المتقدمة مثل: قوم نوح، وعاد، وثمود.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2488>٥٢ </span>- فقال موسى: ﴿عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي﴾ قال أبو إسحاق: (أي أعمالهم محفوظة عند الله يجازي بها) (١). وعلى هذا يكون التقدير: علم أعمالها عند ربي ﴿فِي كِتَابٍ﴾ قال الكلبي: (اللوح المحفوظ) (٢). والمعنى: أن أعمالهم مكتوبة مثبتة. ومعنى هذا الجواب أنهم يجازون بما عملوا، وأنت تجازى بما تعمل، كما قال في آية أخرى: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ١٣٤].\nوقوله تعالى: ﴿لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾ تأكيد وتحقيق للجزاء بالأعمال. قال: يريد لا يترك من كفر به حتى ينتقم منه، ولا ينسى من وحده حتى يجازيه. وقال الكلبي: (لا يخطئ ربي ولا ينسى ما كان من أمرهم، حتى يوافيهم بأعمالهم بالحسن حسنًا وبالسيئ سيئًا) (٣).\nقال الفراء: (يقال أضللت الشيء: إذا ضاع منك مثل: الدابة وما أشبهها إذا انفلت منك، وإذا أخطأت موضع الشيء الثابت مثل: الدار والمكان، قلت: ضللته ولا يقال أضللته) (٤).\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٥٩.\n(٢) ذكرته كتب التفسير بدون نسبة.\nانظر: \"الكشف والبيان\" ٣/ ١٩ أ، \"بحر العلوم\" ٢/ ٣٤٥، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٧٧، \"المحرر الوجيز\" ١٠/ ٤٠، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٢٠٥.\n(٣) ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة.\nانظر: \"جامع البيان\" ١٦/ ١٧٣، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٧٧، \"زاد المسير\" ٥/ ٢٩٢، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٢٠٨.\n(٤) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٨١.","vol":"14","page":417},{"text":"وقال أبو إسحاق: (ضَلَلْتُ الشيء أَضِلُّه إذا جعلته في مكان لم تدر أين هو، وأَضْلَلْتُه أضعته) (١). وتقدير الآية: لا يضله ربي ولا ينساه، يعني به الكتاب، ويجوز لا يضلها ولا ينساها، يعني به القرون. هذا كلامهما، والمعنى على ما ذكر الفراء: لا يخطئ ربي كما ذكره الكلبي. وعلى ما ذكر أبو إسحاق معنى يضل: ينسى. وقد قال مجاهد: (يضل ربي ولا ينسى هما شيء واحد) (٢). وقال السدي: (لا يغفل ولا يترك شيئًا) (٣). فجعل النسيان بمعنى: الترك. وفي قول مجاهد النسيان معناه: ضد الذكر.\nوقال أبو عمرو: (يقال أَضْلَلْتُ بعيري: إذا كان معقولًا فلم يهتد لمكانه، وأَضْلَلْتُه إِضْلاَلًا: إذا كان مطلقًا فذهب ولا يدري أين ذهب وأخذ، وكل ما جاء من الضَّلال من قِبَلِك قلت: ضَلَلْتُه، وما جاء من المفعول به قلت: أَضْلَلْته. قال: وأصل الضلال: من الغيبوبة، يقال: ضَلَّ الماء في اللبن إذا غاب، وضَلَّ الكافر غاب عن الحجة، وضَلَّ الناسي إذا غاب عن حفظه) (٤).\nوقوله تعالى: ﴿لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾ أي: لا يغيب عن شيء ولا يغيب عنه شيء.\nوقال ابن الأنباري: (مذهب مقاتل في هذه الآية: أن عدو الله فرعون كان قد قال له مؤمن آل فرعون: ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ (٣٠) مِثْلَ\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٥٩.\n(٢) \"جامع البيان\" ١٦/ ١٧٣، \"الكشف والبيان\" ٣/ ١٩ أ، \"بحر العلوم\" ٢/ ٣٤٥، \"الدر المنثور\" ٤/ ٥٣٨.\n(٣) \"بحر العلوم\" ٢/ ٣٤٥.\n(٤) \"تهذيب اللغة\" (ضل) ٣/ ٢١٢٩، \"لسان العرب\" (ضلل) ٥/ ٢٦٠٢.","vol":"14","page":418},{"text":"مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ﴾ [غافر: ٣١ - ٣١]. وكان هذا في قلب فرعون يحب أيعلم حالاتهم، فلما أورد موسى عليه الآية الباهرة التي عجز عن معارضتها أحب أن يعلم من جهته أخبارهم، ولم يكن عند موسى في ذلك الوقت علم بأخبارهم؛ لأنه عرف أخبار القرون من التوراة ولم تنزل التوراة على موسى إلا بعد هلكة فرعون وغرقه) (١). فلذلك قال موسى: ﴿عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ﴾ يعني: اللوح المحفوظ، ﴿لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾ قال وذهب الأولون إلى أن المعنى في: ﴿لَا يَضِلُّ رَبِّي﴾ لا يضل الكتاب من ربي. قال وهذا باطل؛ لأن الخافض لا يحتمل له سقوط في مثل هذا المكان، لا يجوز أن تقول: سقط الدرهم كمك. وأنت تريد من كمك، كذلك هاهنا لا يجوز) (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2489>٥٣ </span>- قوله تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا﴾ وقرئ: مهدًا (٣). قال أبو علي: (المهد مصدر كالفرش، والمهاد مثل الفِراش والبِساط، وهما اسم ما يفرش ويبسط، ويجوز أن يكون المهد استعمل استعمال الأسماء فجمع كما يجمع فَعْل على فِعَال والأول أبين، قال: ويجوز أن يكون المعنى في قوله: ﴿مَهْدًا﴾ ذات مهد، فيكون في المعنى كقول من قال: مهادًا) (٤).\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ٣ أ، \"النكت والعيون\" ٣/ ٤٠٧، \"زاد المسير\" ٥/ ٢٩٢.\n(٢) ذكر نحوه بلا نسبة في \"الكشاف\" ٢/ ٥٣٩، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٢٠٨، \"البحر المحيط\" ٦/ ٢٤٨، \"إملاء ما من به الرحمن\" ١/ ١٢٢.\n(٣) قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، ونافع، وابن عامر: (مهادا) بالألف. وقرأ عاصم، وحمزة، والكسائي: (مهدا) بغير ألف.\nانظر: \"السبعة\" ص ٤١٨، \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٢٢٣ \"التبصرة\" ص ٢٥٩، \"المبسوط في القراءات\" ص ٢٤٨.\n(٤) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٢٢٣.","vol":"14","page":419},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا﴾ السلك: إدخال الشيء في الشيء يسلكه فيه قال الله تعالى: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾ [المدثر: ٤٢]، والطاعن يسلك الرمح في المطعون (١). أدخل في الأرض لأجلكم طرقًا تسلكونها، كما قال ابن عباس: (سهل لكم فيها طرقًا) (٢).\nولما كانت الطرق المسلوكة ممتدة على الأرض ظاهرة عليها جعلت كأنها مسلوكة فيها، وإن كانت من الأرض تشبيهًا بالشيء الذي يسلك في الشيء. ﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ يعني: المطر ﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ﴾ قال صاحب النظم: (تم الإخبار والحكاية عن موسى عند قوله: ﴿مَاءً﴾ ثم أخبر الله تعالى عن نفسه متصلًا بالكلام الأول بقوله: ﴿فَأَخْرَجْنَا﴾ يدل على هذا قوله: ﴿كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ﴾ [طه: ٥٤]، قال: وقد قيل: إن معناه مضاف إلى موسى على تأويل: الذي أنزل من السماء ماء فأخرجنا نحن معاشر عباده ﴿بِهِ﴾ بذلك الماء ﴿أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى﴾ على الحراثة، أي: إنما حرثناه بذلك الماء، ولولا ذلك الماء ما نبت كما قال سبحانه: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ﴾ [الواقعة: ٦٣]، فأضاف الحراثة إليهم) (٣).\nوقوله: ﴿أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى﴾ قال ابن عباس: (يريد أصنافًا من النبات مختلفة) (٤). وقال الكلبي: (﴿شَتَّى﴾ مختلفًا ألوانه أبيض وأحمر\n_________\n(١) انظر: \"تهذيب اللغة\" (سلك) ٢/ ١٧٣، \"مقاييس اللغة\" (سلك) ٣/ ٩٧، \"القاموس المحيط\" (سلك) ص ٩٤٣، \"الصحاح\" (سلك) ٤/ ١٥٩١، \"لسان العرب\" (سلك) ٤/ ٢٠٧٣.\n(٢) \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٧٨، وذكره الطبري في \"تفسيره\" ١٦/ ١٧٤ بدون نسبة.\n(٣) لم أقف على قول صاحب النظم. وذكر نحوه \"المحرر الوجيز\" ١٠/ ٤٠، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٢٩، \"التفسير الكبير\" ٢٢/ ٦٨، \"روح المعاني\" ١٦/ ٢٠٦.\n(٤) \"جامع البيان\" ١٦/ ١٧٤، \"الدر المنثور\" ٤/ ٥٣٩.","vol":"14","page":420},{"text":"وأخضر وأصفر كل لون منها زوج) (١).\nوقال الفراء: (﴿شَتَّى﴾ مختلف الألوان والطعوم) (٢). والزوج: اللون، والأزواج: الألوان، قال الأعشى (٣):\nوَكُلُّ زَوْجٍ منْ الدَّيْبَاجٍ يَلْبَسُهُ ... أَبُو قُدَامَةَ مَحْبُوا بِذَاكَ مَعَا\nوتقدم الكلام في معاني الزوج (٤).\nوقوله تعالى: ﴿شَتَّى﴾ معناه: مختلف متفرق، ولا واحد له من لفظه، مثل: فوضى، يقال: شتَّ الشيء إذا تفرق، يَشِتُّه شَتَّا وشَتَاتًا وشَتّتَه إذا فرقه، وأَشَتَّه وشَتّتَه ويقال: وقعوا في أمرٍ شَتّ وشتَّى (٥). و﴿شَتَّى﴾ في هذه الآية نعت للأزواج؛ لأن المراد ألوان مختلفة، ويجوز أن يكون من نبات (٦). قال الأخفش: (كل ذلك مستقيم) (٧).\nذكر ابن الأنباري القولين فقال: (النبات يقع على جمع لا ينفرد\n_________\n(١) ذكره البغوي في \"تفسيره\" ٥/ ٢٧٨ بدون نسبة.\n(٢) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٨١.\n(٣) البيت للأعشى. والديباج: ضرب من الثياب. والحبوة: الثوب الذي يحتبى به. انظر: \"ديوانه\" ص ١٠٨، \"تهذيب اللغة\" (زاج) ٢/ ١٤٩٧، \"لسان العرب\" (زوج) ٣/ ١٨٨٦.\n(٤) عند قوله سبحانه ﴿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الرعد: ٣].\n(٥) انظر: \"تهذيب اللغة\" (شت) ٢/ ١٨٢٥، \"مقاييس اللغة\" (شت) ٣/ ١٧٧، \"القاموس المحيط\" (شت) ص ١٥٤، \"الصحاح\" (شت) ١/ ٢٥٤، \"لسان العرب\" (شت) ٤/ ٢١٩٢، \"المفردات في غريب القرآن\" (شتت) ص ٢٥٥.\n(٦) \"الكشاف\" ٢/ ٥٤٠، \"البحر المحيط\" ٦/ ٢٥١، \"إملاء ما من به الرحمن\" ١/ ١٢٢.\n(٧) \"معاني القرآن\" للأخفش ٢/ ٦٣١.","vol":"14","page":421},{"text":"واحده، وكذلك ﴿شَتَّى﴾) (١). وذهب بها مذهب: عطشى، وكسلى، وإن قدر واحد النبات نباتة، وواحد شَتَّى شَتيت صح ووضح التشاكل، وإن حمل ﴿شَتَّى﴾ على أزواج، وقدر أزواجًا شَتَّى من نبات فهو معنى صحيح.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2490>٥٤ </span>- قوله تعالى: ﴿كُلُوا وَارْعَوْا﴾ أي: مما أخرجنا بالمطر من النبات، ﴿وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ﴾ يقال: رعت الماشية الكلأ رعيًا، ورعاها صاحبها رعاية، إذا أسامها وسرحها وأراحها (٢).\nوالمعنى: أسيموا مواشيكم فيما أنبتناه بالمطر، وهذا أمر إباحة (٣) معناه التذكير بالنعمة، قال ابن عباس: هذا كقوله: ﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا﴾ -إلى قوله- ﴿مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾ [عبس: ٢٧ - ٣٢]) (٤).\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ معنى ما ذكر من الدلالة على توحيده ﴿لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى﴾ قال اللحياني: (النَّهْيَة: العقل، والنُّهَى جمع نُهْيَه، ورجل نَهٍ ونَهِىُّ من قوم نَهِين وأَنْهِياء، ولقد نَهُوَ ما شاء، كل ذلك من العقل. وسمي العقل نَهْيَة؛ لأنه يُنْتَهَى إلى ما أَمَر به، لا يُجَاوز أَمْرَه) (٥).\nوقال أبو إسحاق: (يقال: فلان ذُو نُهْيةٍ، ومعناه ذُو عَقل يَنْتَهي به عن\n_________\n(١) أورده بلا نسبة في \"الكشاف\" ٢/ ٥٤٠، \"زاد المسير\" ٥/ ٢٩٢، \"التفسير الكبير\" ٢٢/ ٦٩، \"البحر المحيط\" ٦/ ٢٥١.\n(٢) انظر: \"تهذيب اللغة\" (رعى) ص ١٤٣٠، \"القاموس المحيط\" (الرعى) ص ١٢٨٩، \"الصحاح\" (رعى) ٦/ ٢٣٥٨، \"لسان العرب\" (رعى) ٣/ ١٦٧٦، \"المفردات في غريب القرآن\" (رعى) ص ١٩٨.\n(٣) في (ص): (افاته)، وهو تصحيف.\n(٤) ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة. انظر: \"الكشاف\" ٢/ ٥٤٠، \"الفتوحات الإلهية\" ٣/ ٩٦، \"أضواء البيان\" ٤/ ٤٢٣.\n(٥) \"تهذيب اللغة\" (نهى) ٤/ ٣٦٨٠.","vol":"14","page":422},{"text":"المقابح ويدخل به في المحاسن، قال: وقال أهل اللغة: ذُو النُّهْيِةِ الذي يُنْتَهَى إلى رأيه وعقله، قال: وهذا أحسن أيضًا) (١).\nوهذا معنى قول اللحياني في اشتقاق النهيه.\nوقال أبو علي: (لا يخلو النُّهَى من أن يكون مصدرًا كالهدى، أو جمعًا كالظلم. وقوله تعالى: ﴿لِأُولِي النُّهَى﴾ يقوي أنه جمع لإضافة الجمع إليه، وإن كان المصدر يجوز أن يكون مفردًا في موضع الجمع؛ لأنه لا يثنى ولا يجمع، والنُّهى معناه في اللغة: الثبات والحبس، ومنه النهى والتنهية للمكان الذي ينتهي إليه الماء فيستنقع فيه لشغله ولمنعه بارتفاع ما حوله من أن يسيح فيذهب على وجه الأرض) (٢). هذا كلامه. وقد رجع القولان في اشتقاق النُّهية إلى قول واحد، وهو الحبس، والنُّهية هي التي تنهي وتحبس عن المقابح (٣).\nقال ابن عباس في رواية عطاء: (﴿لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى﴾ يريد العبرة لذوي العقول) (٤). يريد للذين يتناهون بعقولهم عن معاصي الله. ونحو هذا قال الضحاك (٥).\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٥٩.\n(٢) لم أهتد إليه.\n(٣) انظر: \"تهذيب اللغة\" (نهى) ٤/ ٣٦٨٠، \"القاموس المحيط\" (نهاه) ص ١٣٤١، \"الصحاح\" (نهى) ٦/ ٢٥١٧، \"لسان العرب\" (نهى) ٨/ ٤٥٦٤، \"المفردات في غريب القرآن\" (نهى) ص ٥٠٧.\n(٤) \"الدر المنثور\" ٤/ ٥٣٩، \"روح المعاني\" ١٦/ ٢٠٧، وذكره الطبري في \"تفسيره\" ١٦/ ١٧٥ بدون نسبة.\n(٥) \"الكشف والبيان\" ٣/ ١٩/ أ، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٧٨، \"روح المعاني\" ١٦/ ٢٠٧.","vol":"14","page":423},{"text":"وقال في رواية الوالبي: (لذوي التقى) (١).\nوقال قتادة: (لذوي الورع) (٢). وهذا معنى وليس بتفسير، وذلك أن ذا العقل يكون ورعًا تقيًا، ليس أن النهي تكون بمعنى الورع والتقى. وقال أهل المعاني: (إنما اختص أولو النهى؛ لأنهم أهل الفكر والاعتبار والتدبر والاتعاظ) (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2491>٥٥ </span>- قوله تعالى: ﴿مِنْهَا﴾ أي: من الأرض، وجرى ذكرها عند قوله: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا﴾ [طه: ٥٣]، ﴿خَلَقْنَاكُمْ﴾ يعني خلق آدم من الأرض والبشر كلهم منه (٤).\n﴿وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ﴾ أي: بعد الموت ﴿وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ يريد عند البعث، يعني كما أخرجكم أولًا عند خلق آدم من الأرض. قال الزجاج: (لأن إخراجهم وهم تراب بمنزلة خلق آدم من تراب، فكأنه قال -والله أعلم-: ومنها نخلقكم تارة أخرى) (٥). ومضى الكلام في تارة عند قوله: ﴿أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى﴾ [الإسراء: ٦٩].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2492>٥٦ </span>- وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ﴾ يعني فرعون ﴿آيَاتِنَا كُلَّهَا﴾ يعني الآيات التسع ومضى تفصيلها (٦). ﴿فَكَذَّبَ﴾ نسب جميع ذلك إلى الكذب،\n_________\n(١) \"الكشف والبيان\" ٣/ ١٩ أ، \"الدر المنثور\" ٤/ ٥٣٩.\n(٢) \"الكشف والبيان\" ٣/ ١٩ أ، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٧٨، \"الدر المنثور\" ٤/ ٥٣٩.\n(٣) ذكره الفراء في \"معاني القرآن\" ٢/ ١٨١ والزجاج في \"معاني القرآن\" ٣/ ٣٥٩.\n(٤) ويشهد لهذا قوله سبحانه ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٥٩].\n(٥) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٦٠.\n(٦) عند قوله سبحانه وتعالي: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُورًا﴾ [الإسراء: ١٠١].","vol":"14","page":424},{"text":"أو نسب موسى إلى الكذب ﴿وَأَبَى﴾ وأمتنع أن يقبل التوحيد، ونَسَب موسى إلى السحر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2493>٥٧ </span>- وهو قوله تعالى: ﴿قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا﴾ يعني: مصر ﴿بِسِحْرِكَ يَا مُوسَى﴾ تريد أن تغلب على ديارنا بسحرك، فتمتلكها وتخرجنا منها.\n<span data-type=\"title\" id=toc-2494>٥٨ </span>- ﴿فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ﴾ فلنقابلن ما جئتنا به من السحر بسحر مثله ﴿فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا﴾ الموعد في اللغة: يجوز أن يكون اسمًا للوعد فيكون مصدرًا، ويجوز أن يكون اسمًا لمكان الوعد (١). كقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ﴾ [الحجر: ٤٣]. فالموعد هاهنا ينبغي أن يكون مكانًا؛ لأن جهنم مكان، ويجوز أن يكون الموعد اسمًا لزمان الوعد، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ﴾ [هود:٨١]، والذي في هذه الآية هو المصدر: اجعل بيننا وبينك وعدًا، ويدل على هذا قوله: ﴿لَا نُخْلِفُهُ﴾ أي: لا نخلف ذلك الوعد، والإخلاف: أن يعد العدة فلا ينجزها.\nوقوله تعالى: ﴿مَكَانًا سُوًى﴾ ينتصب على الظرف للوعد (٢)، وعند البصريين لا يجوز أن يكون ظرفًا للوعد الظاهر في الآية ويتعلق به؛ لأنه قد وصف بالجملة التي هي ﴿لَا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنْتَ﴾ وإذا وصف لم يجز أن يتعلق به بعد الوصف له شيء منه؛ لأنه لا يوصف الاسم قبل تمامه،\n_________\n(١) انظر: \"تهذيب اللغة\" (وعد) ٤/ ٣٩١٥، \"القاموس المحيط\" (وعده) ١/ ٣٢٦، \"الصحاح\" (وعد) ٢/ ٥٥١، \"لسان العرب\" (وعد) ٨/ ٤٨٧١، \"المفردات في غريب القرآن\" (وعد) ص ٥٢٦.\n(٢) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٢٢٤، \"إملاء ما من به الرحمن\" ١/ ١٢٢، \"إعراب القرآن\" للنحاس٣/ ٤٢، \"البحر المحيط\" ٦/ ٢٥٣","vol":"14","page":425},{"text":"وكذلك لا يعطف عليه ولا يؤكد ولا يخبر عنه، والوصف والعطف والتوكيد والخبر كل هذا يؤذن بتمام الاسم، فلا يجوز أن يتعلق بالاسم بعد هذه الأشياء شيء، مثال ذلك أنك لا تقول: هذا ضارب ظريف زيدًا على أن ينصب زيدًا بضارب؛ لأنك وصفت الضارب فلا يتعلق به بعد الوصف شيء، وكذلك لا يجوز المعطي عمرًا زيدًا، على أن ينصب زيدًا بالمعطي؛ لأنك قد أخبرت عنه، ولا يجوز مررت بالضارب وعمرو زيدًا، ولا مررت بالضارب نفسه زيدًا؛ لأنك لا تؤكد ولا تعطف على الاسم وقد نفيت منه بقيه، وكذلك البدل لا يجوز أن يبدل من الاسم قبل تمامه كقولك: مررت بالضارب أخيك زيدًا، على أن تبدل الأخ من الضارب، وقد جاء في الشعر شيء من هذا كقول بشر بن أبي خازم (١):\nإِذَا فاقِدٌ خَطْباءَ فَرْخَين رَجَّعَتْ ... ذَكَرتُ سُلَيمَى في الخَلِيطِ المُباين\nأعمل فاقدا بعد وصفه بخطباء. وهذا الذي جاء منه في الشعر يحمل النحويون مثله على إضمار فعل آخر مثل الذي ظهر، كأنه قال بعد قوله خطباء: فقدت فرخين، ودل عليه فاقد، كذلك قوله تعالى: ﴿مَكَانًا﴾ لا يجوز على ما ذكرنا أن يتعلق بموعد، ولكنه يتعلق بمحذوف يدل عليه الظاهر، كأنه قيل: عدنا مكانا سوى، ويجوز أن يتعلق بالموعد المذكور في الآية؛ لأنه ظرف والظرف (٢) يتجوز فيه ما لا يتجوز في غيره، ألا ترى\n_________\n(١) البيت لبشر بن أبي خازم.\nانظر: \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٢٢٥، \"المقرب\" لابن عصفور ١/ ١٢٤، \"المقاصد النحوية\" ٣/ ٥٦٠، \"شرح شاهد الألفية\" للعيني ٣/ ٥٦٠، \"لسان العرب\" (فقد) ٦/ ٣٤٤٤، \"مجمع البيان\" ٧/ ٢٥.\n(٢) في (ص): (والمظروف).","vol":"14","page":426},{"text":"أن الظروف تقع مواقع لا يقعها غيرها (١).\nومما جاء مثل هذا في التنزيل قوله تعالى: ﴿لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ﴾ [غافر: ١٠]، فالظرف الذي هو (إذ) يتعلق بالمقت الأول؛ لأن المعنى: لمقت الله إياكم إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون أكبر من مقتكم أنفسكم الآن، فقوله: ﴿إِذْ تُدْعَوْنَ﴾ يتعلق بالمقت الأول، وقد وقع بعد الاختلاف عنه بقوله أكبر من مقتكم الآن، وهذا يحمل على أحد الوجهين الذين ذكرناهما من تقدير الحذف، كأنه قيل: مقتكم إذ تدعون، أو على أنه ظرف يتجوز فيه.\nقال أبو علي الفارسي: (ولم نعلم في التنزيل مجيء (٢) شيء من هذا إلا في الظرف) (٣). ويجوز أن يكون الموعد في هذه الآية اسمًا لزمان الوعد، كقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا﴾ [الكهف: ٥٩]، فيكون مجيء الموعد اسمًا للزمان، كقولهم: كان هذا مقدم الحاج، ومبعث الجيوش، ومضرب الشُّوْل (٤) أي: وقت قدومهم ووقت بعثهم، ووقت\n_________\n(١) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٢٢٦.\n(٢) في نسخة (س): (جيء).\n(٣) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٢٢٦.\n(٤) الشُّوْل من النوق: التي قد أتى عليها سبعة أشهر من يوم نتاجها، فلم يبق في ضروعها إلا شَول من اللبن، أي: بقية وأما الناقة الشائل بغير هاء: فهي التي ضربها الفحل فشالت بذنبها، أي: رفعته تري الفحل أنها لا قح، وذلك آية لقاحها.\nانظر: \"تهذيب اللغة\" (شال) ٢/ ١٨١١، \"مقاييس اللغة\" (شول) ٣/ ٢٣٠، \"القاموس المحيط\" (شالت) (١٠٢١)، \"الصحاح\" (شول) ٥/ ١٧٤٢، \"لسان العرب\" (شول) ٤/ ٢٣٦٣.","vol":"14","page":427},{"text":"ضربها، وأنشد أبو الحسن (١):\nكُلَّمَا قُلْتُ: غَدًا مَوعِدنا ... غَضِبَتْ هِنْدٌ وَقالَت بَعْدَ غَدْ\nوالموعد في هذا البيت اسم للزمان، والكلام في انتصاب مكانًا على هذا الوجه يكون كما ذكرنا في الوجه الأول في موعد؛ لأن التقدير: اجعل بيننا وبينك وقت وعد، أو زمان وعد لا نخلفه نحن ولا أنت في مكان سوى. والذي يختاره أبو علي في وجه نصب ﴿مَكَانًا﴾: (أن يكون مفعولًا ثانيًا لجعلت بمنزلة قوله: ﴿جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾ [الحجر: ٩١]، وقوله: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا﴾ [الزخرف: ١٩]، في أنه انتصب على أنه مفعول ثان لجعلت) (٢). وعلى هذا يجب أن يكون الموعد اسمًا للمكان، ويجوز أن يكون بدلًا منه. وأما معنى (سوى) قال الزجاج: (﴿مكانا سوى﴾ ويقرأ: سُوى بالضم (٣). ومعناه: مَنْصفًا أي مكانًا يكون النَّصفَ فيما بيننا وبينك، وقد جاء في اللغة سواء ممدود مفتوح بهذا المعنى تقول: هذا مكان سواء، أي متوسط بين المكانين) (٤).\nوقال أبو عبيدة: (مكان سُوى وسِوى بضم أوله وبكسر، مثل: طُوى\n_________\n(١) البيت لعمرو بن أبي ربيعة.\nانظر: \"ديوانه\" ص ٣٢٣، \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٢٢٨.\n(٢) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٢٢٨.\n(٣) قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، والكسائي: (مكانا سِوى) بكسر السين. وقرأ ابن عامر، وعاصم، وحمزة: (مكانا سُوى) بضم السين.\nانظر: \"السبعة\" ص ٤١٨، \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٢٢٣، \"المبسوط في القراءات\" ص ٢٤٨، \"التبصرة\" ٢٥٩.\n(٤) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٦٠.","vol":"14","page":428},{"text":"وطِوى وهو المكان المنصف فيما بين القريتين) (١)، وأنشد لموسى بن جابر الحنفي (٢):\nوإِنَّ أَبانا كانَ حَلَّ بِبَلدَةٍ ... سِوى بين قَيْسٍ عَيْلاَنَ والفِزْرِ\nفسِوى مثل: بِلى، وقِرى، ومِعى، ورِيي، وقِمع، وضِلع، وقِطع. وسُوى بالضم مثل: ضُحى وسُدى وهُدى ومثل: صُرَد وحُطَم ونحو ذلك. وقال أبو علي: (سِوى فِعَلْ من التسوية، فكأن المعنى: يستوي مسافته على الفريقين فتكون مسافة كل فريق إليه كمسافة الفريق الآخر، وهذا ما يقل في الصفات ومثله: قوم عِدىً، [وأما فُعَلْ فهو في الصفات أكثر من فِعَل نحو: دَليلٍ خُنَعْ] (٣)، ومالٍ لُبَدْ، ورَجلٍ حُطَمٍ) (٤). هذا كلام أهل اللغة في هذا الحرف (٥).\nفأما قول المفسرين فقال قتادة: (نصفا) (٦).\n_________\n(١) \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ٢/ ٢٠.\n(٢) البيت لموسى بن جابر الحنفي.\nانظر: \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ٢/ ٢٠، \"جامع البيان\" ١٦/ ١٣٤، \"النكت والعيون\" ٣/ ٤٠٨، \"المحرر الوجيز\" ١٠/ ٤٣، \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٢٢٤، \"الخزانة\" ١/ ١٤٦، \"الأغاني\" ١٠/ ١٠٧، \"لسان العرب\" (سوى) ٤/ ٢١٦٣.\n(٣) ما بين المعقوفين ساقط من الأصل، ومثبت في بقية النسخ.\n(٤) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٢٢٤.\n(٥) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٨١، \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٦٠ ن \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٢٢٤، \"تهذيب اللغة\" (سوى) ٢/ ١٧٩٥، \"تفسير غريب القرآن\" لابن قتيبة ص ٢٧٩.\n(٦) \"تفسير القرآن\" للصنعاني ٢/ ١٦، \"جامع البيان\" ١٦/ ١٧٦، \"الدر المنثور\" ٤/ ٥٤٠.","vol":"14","page":429},{"text":"وقال مقاتل: (عدلا بيننا وبينك) (١). ونحوه قول السدي (٢).\nوقال مجاهد: (منصفا بيننا وبينك) (٣).\nوقال ابن مسلم: (وسطًا بين القريتين) (٤). وهذه الأقوال بمعنى واحد.\nوقال ابن زيد: (مكانًا مستويًا يتبين الناس ما بيننا فيه) (٥). وعلى هذا التسوية من صفة المكان، لا من صفة المسافة إليه، كأنه قيل: مكانًا لا يحجز الناظر إليه من (٦) انخفاض وارتفاع. وقيل (مكانا سوى) أي: تستوي حالنا في الرضا به (٧).\nوقال الكلبي: «سوى) يعني سوى هذا المكان) (٨). يعني الذي كان فرعون فيه وقت خطابه موسى. و(سوى) على هذا القول يكون بمعنى: غير، ويحتاج إلى تقدير محذوف.\nوقال عطاء عن ابن عباس: «مكانا سوى) يريد موضعًا معروفًا) (٩).\n_________\n(١) \"الكشف والبيان\" ٣/ ١٩ ب، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٧٩، \"تفسير مقاتل\" ص ٣.\n(٢) \"جامع البيان\" ١٦/ ١٧٦، \"بحر العلوم\" ٢/ ٢٣٦، \"النكت والعيون\" ٣/ ٤٠٨، \"الدر المنثور\" ٤/ ٥٤٠.\n(٣) \"جامع البيان\" ١٦/ ١٧٦، \"تفسير كتاب الله العزيز\" ٣/ ٤٢، \"بحر العلوم\" ٢/ ٣٤٦، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٧٩، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٢١٢.\n(٤) \"الكشف والبيان\" ٣/ ١٩ ب، \"بحر العلوم\" ٢/ ٣٤٦، \"النكت والعيون\" ٣/ ٤٠٨، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٧٩، \"زاد المسير\" ٥/ ٢٠٥.\n(٥) \"جامع البيان\" ١٦/ ١٧٦، \"النكت والعيون\" ٣/ ٤٠٨، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٢١٢، \"الدر المنثور\" ٤/ ٥٤٠.\n(٦) في (س): (شيء من الخفاء).\n(٧) \"التفسير الكبير\" ٢٢/ ٧٢، \"روح المعاني\" ١٦/ ٢١٧.\n(٨) \"الكشف والبيان\" ٣/ ١٩ ب، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٧٩، \"القرطبي\" ١١/ ٢١٢.\n(٩) ذكرت نحوه كتب التفسير بدون نسبة.\nانظر: \"ابن كثير\" ٣/ ١٧٣، \"الفتوحات الإلهية\" ٣/ ٩٧، \"روح المعاني\" ١٦/ ٢١٧.","vol":"14","page":430},{"text":"وهذا القول يشبه معنى قول ابن زيد. والقول ما عليه الجمهور. ومعنى الآية: اجعل بيننا وبينك موعدًا لنجيء بسحر مثل الذي جئت به، فننظر أينا يغلب صاحبه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2495>٥٩ </span>- قوله تعالى: ﴿قَالَ﴾ أي: موسى: ﴿مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ﴾ [إن جعلت الموعد اسمًا لزمان الوعد رفعت اليوم على خبر الابتداء، من حيث كان الثاني هو الأوّل كما ذكرنا في البيت الذي أنشده أبو الحسن] (١)، وإن جعلت الموعد بمعنى الوعد، فقال أبو إسحاق: (المعنى وقت موعدكم يوم الزينة) (٢).\nوقال أبو علي: (اليوم ظرف أشبه فيه، فجعله الأوّل لما كان فيه، وأخرج من أن يكون ظرفًا ويدل على هذا قوله: ﴿وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى﴾ ألا ترى أن قوله: ﴿وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ﴾ ليس من الظروف في شيء، فلولا أن اليوم في قوله: ﴿مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ﴾ قد خرج من أن يكون ظرفًا لم يعطف عليه ما لا يكون ظرفًا) (٣).\nومن قرأ: يومَ الزينة بالنصب (٤)، فقال أبو إسحاق: (يوم منصوب على الظرف، المعنى: يقع يوم الزينة) (٥).\nقال أبو علي: (وعلى هذه القراءة يضمر قوله: ﴿وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى﴾ ما يكون مبنيًا عليه، كأنه قيل: موعدكم يقع يوم الزينة، وموعدكم أن\n_________\n(١) ما بين المعقوفين مكرر في نسخة (س).\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٦٠.\n(٣) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٢٢٧.\n(٤) قرا الحسن، والمطوعي: (يومَ الزينة) بنصب يوم.\nانظر: \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٢٢٧، \"القراءات الشاذة\" للقاضي ص ٦٧.\n(٥) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٦٠.","vol":"14","page":431},{"text":"يحشر الناس ضحى. وإن عطفت وأن يحشر على الزينة لم يحتج إلى إضمار، ويكون المعنى: موعدكم يوم الزينة ويوم حشر الناس) (١).\nواختلفوا في ﴿يَوْمُ الزِّينَةِ﴾ فقال الأكثرون: (كان ذلك يوم عيد لهم يتزينون فيه) هذا قول مجاهد، وقتادة، ومقاتل، وابن جريج، والسدي، وابن زيد، ومحمد بن إسحاق، والكلبي (٢).\nقال الكلبي: (ويقال: يوم سوق كانت تكون لهم يتزينون فيها) (٣).\nوقال سعيد بن جبير: (كان ذلك يوم عاشورا) (٤).\nوقوله تعالى: ﴿وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى﴾ يعني ضحى ذلك اليوم، ويريد بالناس: أهل مصر.\nقال الكلبي: (يقول: يحشرون إلى العيد ضحى فينظرون إلى أمري وأمرك) (٥).\n_________\n(١) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٢٢٧.\n(٢) \"تفسير القرآن\" للصنعاني ٢/ ١٦، \"جامع البيان\" ١٦/ ١٧٧، \"الكشف والبيان\" ٣/ ١٩ ب، \"النكت والعيون\" ٣/ ٤٠٩، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٧٩، \"زاد المسير\" ٥/ ٢٠٥، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٧٣، \"الدر المنثور\" ٤/ ٥٤٠، \"تفسير مقاتل\" ٣ ب.\n(٣) ذكره القرطبي في \"تفسيره\" ١١/ ٢١٣، ونسبة لسعيد بن المسيب، وذكره ابن كثير في \"تفسيره\" ٣/ ١٧٤، والسيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ٥٤٠، ونسباه لسعيد بن جبير.\n(٤) \"الكشف والبيان\" ٣/ ١٩ ب، \"بحر العلوم\" ٢/ ٣٤٦، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٧٩، \"زاد المسير\" ٥/ ٢٩٤، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٢١٣.\n(٥) ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة.\nانظر: \"جامع البيان\" ١٦/ ١٧٧، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٧٩، \"النكت والعيون\" ٣/ ٤٠٩، \"زاد المسير\" ٥/ ٢٩٤، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٧٣، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٢١٣.","vol":"14","page":432},{"text":"وقال الفراء: (يقول: إذا رأيت الناس يحشرون من كل ناحية ضحى فذلك الموعد) (١). ولم يرد أن الناس يحشرون ليجتمعوا لأمر موسى، ولكن جرت عادتهم بحشر الناس (٢) في ذلك اليوم لعيد كان لهم، أو سوق على ما ذكر في التفسير (٣). فواعده موسى ذلك اليوم ذلك الوقت. قال الفراء: (وموضع ﴿أَنْ﴾ رفع يرد على اليوم، وخفض يرد على الزينة، ويكون التقدير: يوم الزينة والحشر) (٤). ونحو هذا قال أبو إسحاق: (موضع ﴿أَنْ﴾ رفع، المعنى: موعدكم حشر الناس ضحى، وتأويله: إذا رأيتم الناس قد حشروا ضحى. قال: ويجوز أن يكون في موضع خفض عطفًا على الزينة، المعنى: موعدكم يوم الزينة ويوم حشر الناس ضحى) (٥).\nقال الليث: (الضحو ارتفاع النهار، والضحى فوق ذلك) (٦).\nوقال أبو الهيثم: (الضُّحَى على فُعَل: حين تطلع الشمس فيصفوا ضؤها، والضَحاء بالفتح والمد: إذا ارتفع النهار) (٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2496>٦٠ </span>- قوله تعالى: ﴿فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ﴾ يجوز أن أن يكون المعنى: تولى فرعون ذلك الأمر، أي: تولاه بنفسه (٨). ويجوز أن يكون المعنى: فرجع\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٨٢.\n(٢) في (ص): (النا)، وهو تصحيف.\n(٣) \"تفسير القرآن\" للصنعاني ٢/ ١٦، \"جامع البيان\" ١٦/ ١٧٧، \"الكشف والبيان\" ٣/ ١٩ ب، \"النكت والعيون\" ٣/ ٤٠٩، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٧٩، \"زاد المسير\" ٥/ ٢٩٤، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٧٣، \"الدر المنثور\" ٤/ ٥٤٠.\n(٤) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٨٢.\n(٥) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٦٠.\n(٦) \"تهذيب اللغة\" (ضحا) ٣/ ٢٠٩٤.\n(٧) \"تهذيب اللغة\" (ضحا) ٣/ ٢٠٩٤.\n(٨) \"روح المعاني\" ١٦/ ٢٢٠.","vol":"14","page":433},{"text":"إلى أهله وانقلب لاستعداد مكائده، وهو قول الكلبي (١).\nوقال مقاتل ابن سليمان: (﴿فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ﴾ أعرض من الحق، وعما يلزمه من الطاعة) (٢).\nوقوله تعالى: ﴿فَجَمَعَ كَيْدَهُ﴾ أي: مكره وحيله، وذلك جمعه سحرته ﴿ثُمَّ أَتَى﴾ أي: حضر الموعد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2497>٦١ </span>- ﴿قَالَ لَهُمْ مُوسَى﴾ أي: للسحرة الذين جمعهم فرعون ليغلبوا موسى، وهم المعنيون بقوله: ﴿فَجَمَعَ كَيْدَهُ﴾ ﴿وَيْلَكُمْ﴾ قال أبو إسحاق: (منصوب على ألزمهم الله ويلَا. قال: ويجوز أن يكون منصوبًا على النداء، كما قال: ﴿يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا﴾ [يس: ٥٢]) (٣). ﴿لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ﴾ قال ابن عباس: (لا تشركوا مع الله أحدًا) (٤).\nوقال آخرون: (لا تقولوا اليد والعصا ليستا آيتين من قبل الله فإنكم عند هذا القول تكذبون على الله) (٥). ﴿فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ﴾ ويقرأ: فيُسحتكم بضم الياء (٦).\n_________\n(١) ذكرته كتب التفسير بدون نسبة.\nانظر: \"زاد المسير\" ٥/ ٢٩٥، \"ابن كثير\" ٣/ ١٧٤، \"البحر المحيط\" ٦/ ١٥٤.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ٣ ب، \"زاد المسير\" ٥/ ٥٩٥.\n(٣) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٦٠.\n(٤) \"زاد المسير\" ٥/ ٢٠٦.\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ٣ ب.\n(٦) قرأ ابن كثير، ونافع، وعاصم في رواية أبي بكر، وأبو عمرو، وابن عمر: ﴿فَيُسْحِتَكُمْ﴾ بفتح الياء. وقرأ عاصم في رواية حفص، وحمزة، والكسائي: ﴿فَيُسْحِتَكُمْ﴾ بضم الياء.\nانظر: \"السبعة\" ص ٤١٩، \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٢٢٨، \"النشر\" ٢/ ٢٢٠.","vol":"14","page":434},{"text":"يقال: سَحَته وأَسْحته إذا استأصله وأهلكه (١)، قاله أبو عبيدة، والأخفش، والفراء، والزجاج، وجميع أهل اللغة (٢)، وأنشدوا للفرزدق (٣):\nوعَضُّ زَمانٍ يا بنَ مَرْوانَ لم يَدَع ... مِنَ المالِ إِلا مُسْحَتًا أو مُجَلَّف\nقال ابن عباس في رواية الوالبي: (﴿فَيُسْحِتَكُمْ﴾: فيهلككم) (٤). وهو قول مجاهد، ومقاتل، والكلبي (٥).\nوقال قتادة، وأبان بن تغلب (٦): (فيستأصلكم) (٧). وقال في رواية\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٨٢، \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٦١، \"المفردات في غريب القرآن\" (سحت) ص ٢٣٥، \"لسان العرب\" (سحت) ٤/ ١٩٤٩.\n(٢) \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ٢/ ٢١، \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٨٢، \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٦١.\n(٣) البيت للفرزدق من قصيدة يهجو فيها جريرًا، ويفخر بمآثر قومه.\nالسُّحت: ما خبث من المكاسب وحرم، وأَسْحَت الرجل: استأصل ما عنده.\nمُجْلِف: الذي أتى عليه الدهر فأذهب ماله.\nانظر: \"ديوانه\" ص ٣٨٦، \"جامع البيان\" ١٦/ ١٧٨، \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ٢/ ٢١، \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٢٢٩، \"شرح المفضليات\" ص ٣٩٦، \"الخزانة\" ٢/ ٣٤٧، \"لسان العرب\" (جلف) ٢/ ٦٦٠.\n(٤) \"جامع البيان\" ١٦/ ١٧٨.\n(٥) \"الكشف والبيان\" ٣/ ١٩ ب، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٨٠، \"تفسير مقاتل\" ٣ ب.\n(٦) أبان بن تغلب الربيعي، أبو سعد الكوفي، روى عن: أبي إسحاق السيعي، والحكم بن عتيبة، وفضيل بن عمر، وروى عنه: موسى بن عقبه، وشعبة، وحماد ابن زيد، وابن عيينة وغيرهم، وثقه أهل العلم، وهو من أهل الصدق في الروايات، ومن النساك الثقات، عرف بالفصاحة والبيان.\nانظر: \"الجرح والتعديل\" ٢/ ٢٩٦، \"الكاشف\" ١/ ٧٤، \"ميزان الاعتدال\" ١/ ٥، \"تهذيب التهذيب\" ١٠/ ٨١.\n(٧) \"تفسير القرآن\" الصنعاني ٢/ ١٧، \"جامع البيان\" ١٦/ ١٧٨، \"الكشف والبيان\" ٣/ ١٩ ب، \"معالم التزيل\" ٥/ ٢٨٠.","vol":"14","page":435},{"text":"عطاء: (فيجهدكم بعذاب) (١).\nقال الليث: (يقال: سحتناهم بلغنا مجهودهم في المشقة عليهم. قال: وأسحتناهم لغة) (٢).\nقال أهل المعاني: (السَّحت في اللغة معناه: استقصى الحلق، يقال: سَحَت الشَّعر إذا استقصى حَلقه، وسَحَت الحالق إذا استأصل، وأَسْحَت الخاتن في ختان الصبي إذا استأصله) (٣). والمعنى: إن العذاب إذا أتى من قبل الله أخذهم عن آخرهم.\nوقوله تعالى: ﴿وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى﴾ قال ابن عباس: (خيب (٤) من ادعى مع الله إلهًا آخر) (٥). وقال قتادة: (خسر من كذب على الله ونسب إليه باطلًا) (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2498>٦٢ </span>- قوله تعالى: ﴿فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ﴾ قال ابن عباس: (يريد فتشاوروا بينهم) (٧).\n_________\n(١) ذكر نحوه الثعلبي في \"الكشف والبيان\" ٣/ ١٩ ب، وابن عطية في \"المحرر الوجيز\" ١٠/ ٤٦.\n(٢) \"تهذيب اللغة\" (سحت) ٢/ ١٦٣٧.\n(٣) انظر (سحت): \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٦٣٧، \"مقاييس اللغة\" ٣/ ١٤٣، \"القاموس المحيط\" ١/ ١٥٣، \"الصحاح\" ١/ ٢٥٢، \"لسان العرب\" ٤/ ١٩٤٩.\n(٤) في (ص): (خسر).\n(٥) \"المحرر الوجيز\" ١٠/ ٤٦، \"لباب التأوبل\" ٤/ ٢٧٣.\n(٦) ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة.\nانظر: \"بحر العلوم\" ٢/ ٣٤٦، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٢١٥، \"لباب التأويل\" ٤/ ٢٧٣، \"مجمع البيان\" ٧/ ٣٠، \"فتح القدير\" ٣/ ٥٣٣.\n(٧) ذكرته كتب التفسير بدون نسبة.\nانظر: \"معالم التنزيل\" ٩/ ٢٨٠، \"زاد المسير\" ٥/ ٢٩٦، \"الجامع لأحكام القرآن\" =","vol":"14","page":436},{"text":"وقال آخرون: (تناظروا فيما بينهم) (١). يعني السحرة، والتشاور في الأمر كالتناظر فيه، وذلك أن السحرة تنازعوا فيما أمرهم به فرعون من معارضة موسى، وتشاوروا بينهم سرًا من فرعون وقومه وذلك قوله: ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى﴾ قال قتادة: (قالوا: إن كان ساحرًا فإنا سنغلبه، وإن كان من السماء كما يزعم فله أمر) (٢).\nوقال محمد بن كعب: (قال بعضهم لبعض: لو كان هذا سحرًا لعرفناه، كما أن الكاتب إذا كتب عرف الذي يعرف الكتاب بما كتب) (٣).\nوقال الكلبي: (تكلم السحرة فيما بينهم سرًا من فرعون فقالوا: إن غلبنا موسى اتبعناه) (٤). وهذا القول اختيار الفراء، والزجاج (٥).\nوقال محمد بن إسحاق: (لما قال موسى: ﴿وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ الآية، تراد السحرة بينهم، وقال بعضهم لبعض: ما هذا بقول (٦) ساحر، ثم قالوا وأسر بعضهم إلى بعض يتناجون: ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ (٧).\n_________\n= القرآن\" ١١/ ٢١٥، \"التفسير الكبير\" ٢٢/ ٧٣، \"روح المعاني\" ١٦/ ٢٢٠.\n(١) \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٨٠، \"التفسير الكبير\" ٢٢/ ٧٣، \"روح المعاني\" ١٦/ ٢٢٠.\n(٢) \"جامع البيان\" ١٦/ ١٧٨، \"النكت والعيون\" ٣/ ٤١٠، \"زاد المسير\" ٥/ ٢٠٧، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٢١٥.\n(٣) ذكرت نحوه كتب التفسير بدون نسبة.\nانظر: \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٨٠، \"مجمع البيان\" ٧/ ٣٠، \"روح المعاني\" ١٦/ ٢٢١، \"فتح القدير\" ٣/ ٥٣٣.\n(٤) \"النكت والعيون\" ٣/ ٤١٠، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٨٠، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٢١٥.\n(٥) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٨٣، \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٦١.\n(٦) في (ص). (يقال).\n(٧) \"جامع البيان\" ١٦/ ١٧٨، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٨٠، \"روح المعاني\" ١٦/ ٢٢١.","vol":"14","page":437},{"text":"[وهو قول السدي في: ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى﴾ قال: (أسروا دون موسى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2499>٦٣ </span>- بقولهم: ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾)] (١) (٢).\n[وعلى قول السدي، وابن يسار نجواهم: ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾] (٣) إلى قوله: ﴿من استعلى﴾. وعلى قول الآخرين نجواهم ما ذكروا.\nوقال أبو علي الفارسي: (التنازع إنما هو في أمر موسى وهارون هل هما ساحران؟ على ما ظنوه من أمرهما. وقد تقدم من قولهم ما نسبوهما فيه إلى السحر وهو قولهم: ﴿أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَا مُوسَى﴾ [طه: ٥٧] (٤).\nقوله تعالى: ﴿قَالُوا﴾ أي: السحرة قال بعضهم لبعض: ﴿إِنْ هَذَانِ﴾ يعنون موسى وهارون ﴿لَسَاحِرَانِ﴾.\nواختلفوا في وجه ارتفاع ﴿هَذَانِ﴾ بعد قوله: ﴿إِنْ﴾ بعد اجتماعهم على أن هذا لغة حارثية، وذلك أن بالحارث بن كعب (٥)، وخثعما (٦)،\n_________\n(١) ما بين المعقوفين ساقط من الأصل ومن نسخة (ص).\n(٢) \"جامع البيان\" ١٦/ ١٧٨، \"النكت والعيون\" ٣/ ٤١٠، \"زاد المسير\" ٥/ ٢٩٧، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٢١٥.\n(٣) ما بين المعقوفين ساقط من (ص).\n(٤) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٢٣٠.\n(٥) بالحارث بن كعب: ينسب إليه فخذ من القحطانية، وهم بنو الحارث بن كعب من مذحج.\nانظر: \"نهاية الأرب\" ٢/ ٢٠٣، \"معجم قبائل العرب\" ١/ ١٠٢.\n(٦) خثعم: قبيلة تنسب إلى خثعم بن أنمار بن أراش بن عمرو بن الغوث بن نبت بن ملكان بن زيد بن كهلان، وخثعم: جبل قيل أن هذه القبيلة سميت بذلك لنزولها إياه وتعاقدها عليه، وقيل: سموا بذلك من الخثعمة وهي: أن يدخل كل واحد من الرجلين إصبعه في منخر ناقته ينجو به ثم يتعاقدا، وقيل غير ذلك.","vol":"14","page":438},{"text":"وزبيدًا (١)، وقبائل من اليمن يجعلون ألف الاثنين في الرفع والنصب والخفض على لفظ واحد، يقولون: أتاني الزيدان، ورأيت الزيدان، ومررت بالزيدان، وذلك أنهم يقلبون كل ياء ساكنة انفتح ما قبلها ألفا، فعاملوا ياء التثنية أيضًا هذه المعاملة، كما قال قائلهم (٢):\nتَزَوَّدَ مِنَا بَيْنَ أُذْنَاهُ ضَرْبَةً ... دَعَتْهُ إلى هابِي التُّرَابِ عَقِيمِ\nفقال أذناه وهو خفض؛ لأن النون مفتوحة والياء بعد ساكنة، فقلبت الياء ألفًا وأنشدوا أيضًا على هذه اللغة (٣):\n_________\n= انظر: \"جمهرة أنساب العرب\" ص ٣٨٧، \"الأنساب\" ٢/ ٣٢٦، \"تهذيب الأسماء واللغات\" ٢/ ٢٨٩، \"التعريف في الأنساب\" ص ١٨٧، \"المنتخب في ذكر أنساب قبائل العرب\" ص ٥٠٣.\n(١) زبيدًا: قبيلة قديمة من مذحج، أصلهم من اليمن، نزلوا الكوفة، وتنسب إلى زبيد واسمه: منبه بن صعب، وهو زبيد الأكبر، وإليه ترجع قبائل زبيد، ومن ولد منبه بن ربيعة، وهو زبيد الأصغر، وقيل لهم زبيد: لأن منبهًا الأصغر قال: من يزبدني رقده؟ فأجابه أعمامه كلهم من زبيد الأكبر، فقيل لهم جميعًا: زبيد. وقيل نسبة إلى موضع في اليمن.\nانظر: \"الأنساب\" للسمعاني ٣/ ١٣٥، \"معجم البلدان\" ٣/ ١٣١.\n(٢) البيت لهوبر الحارثي. هابي التراب: ما اختلط منه بالرماد.\nانظر: \"الكشف والبيان\" ٣/ ٢٠ أ، \"المحرر الوجيز\" ١١/ ٨٥، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٢١٧، \"سر صناعة الإعراب\" ٢/ ٧٠٤، \"جمهرة اللغة\" ص ٧٠٧، \"خزانة الأدب\" ٧/ ٤٥٣، \"شرح المفصل\" ٣/ ١٢٨، \"تاج العروس\" (هبا) ١٠/ ٤٠٥، \"لسان العرب\" (صرع) ٤/ ٢٤٣٣.\n(٣) البيت للمتلمس من قصيدة يعاتب فيها خاله الحارث اليثسكري. الشُّجَاع: الحية الذكر. المَسَاغ: المدخل. صَمَّم: عض ونيب فلم يرسل ما عض.\nانظر: \"ديوانه\" ص ٣٤، \"الأصمعيات\" ص ٢٤٦، \"الشعر والشعراء\" ص ٨٠، \"خزانة الأدب\" ٧/ ٤٨٧، \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٨٤، \"معاني القرآن\" =","vol":"14","page":439},{"text":"فَأَطْرَقَ إِطْراقَ الشُّجَاعِ وَلَو يَرَى ... مَسَاغًا لِنَابَاه الشُّجَاعُ لَصَّمَمَا\nوقول آخر (١):\nأَي قَلُوصٍ رَاكِب تَرَاهَا ... طَارُوا عَلاَهُنَّ مطْر عَلاَهَا\nوهذه ليست ياء التثنية، ولكن لما كانت اللام قبل الياء في عليها مفتوحة قلبوها ألفًا، وحكى هذه اللغة جميع النحويين (٢).\nوحكى أبو إسحاق عن النحويين القدماء قولين أحدهما: (أن هنا هاء مضمرة، المعنى: إنه هذان لساحران، وهذه الهاء كناية عن الأمر والشأن فحذفت، و﴿هَذَانِ﴾ ابتداء وخبره ﴿لَسَاحِرَانِ﴾. القول الثاني: أن معنى ﴿إِنْ﴾ نعم) (٣)، وينشدون (٤):\n_________\n= للزجاج ٣/ ٣٦٢، \"المؤتلف والمختلف\" ص ٧١، \"الحيوان\" ٤/ ٢٦٣، \"لسان العرب\" (صمم) ٤/ ٢٥٠٠.\n(١) البيت لرجل من بني الحارث ولم يذكر اسمه.\nقَلوص: القَلوص بفتح القاف الناقة الفتية. طَاروا: نفروا مسرعين، وارتفعوا على إبلهم. انظر: \"الكشف والبيان\" ٢٠/ ٢٠ ب، \"بحر العلوم\" ٢/ ٣٤٧، \"الإنصاف\" ص ١٨، \"تأويل مشكل القرآن\" ص ٥٠، \"الخصائص\" ٢/ ٢٦٩، \"التصريح على التوضيح\" ١/ ٦٥، \"همع الهوامع\" ١/ ٣٩، \"شرح المفصل\" ٧/ ٦٨.\n(٢) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٨٤، \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٦٣، \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٢٣٠، \"إعراب القرآن\" للنحاس ٢/ ٣٤٤، \"الإنصاف\" ص ١٨ \"التصريح على التوضيح\" ١/ ٦٥، \"همع الهوامع\" ١/ ٣٩، \"شرح المفصل\" ٨/ ٦٨.\n(٣) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٦٣.\n(٤) البيت لعبيد الله بن قيس الرقيات.\nانظر: \"ديوانه\" ص ٦٦، \"تأويل مشكل القرآن\" لابن قتيبة ص ٥٠، \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٦٣، \"إعراب القرآن\" للنحاس ٢/ ٣٤٥، \"سر صناعة الإعراب\" =","vol":"14","page":440},{"text":"وَيَقُلْنَ شَيْبٌ قَدْ عَلاَكَ ... وَقَدْ كَبِرْتَ فَقلْتُ إِنَّه\nهذا الذي ذكرنا حكاية القولين.\nفأما معنى نعم هاهنا فقال أبو علي: (معنى نعم هاهنا وإن لم يتقدم سؤال يكون نعم جوابًا له، كما تقدم في قوله: ﴿فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ﴾ [الأعراف: ٤٤] فقد تقدم: (أجئتنا لتخرجنا من أرضنا) إلى قوله: ﴿بِسِحْرٍ مِثْلِهِ﴾ [طه:٥٧، ٥٨] فيكون نعم منصرفًا إلى تصديق أنفسهم فيما ادعون من السحر، و﴿إِنْ﴾ بمنزلة: نعم (١). وقد قال سيبويه: (نعم عدة وتصديق) (٢). هذا كلامه (٣).\nوعلى هذين القولين أدخلت اللام على خبر المبتدأ وكان من حقها أن تدخل على المبتدأ دون خبره، وهذا قول النحويون فيه: أنه يجوز في الشعر على الضرورة (٤). وأنشدوا في ذلك (٥):\n_________\n= ٢/ ٤٩٢، \"خزانة الأدب\" ١١/ ٢١٣، \"شرح أبيات سيبويه\" ٢/ ٣٧٥، \"الخصائص\" ٢/ ٢٦٩، \"لسان العرب\" (أنى) ١/ ١٥٦.\n(١) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٢٣٠.\n(٢) \"الكتاب\" ١/ ٤٧٥، \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٢٣٠.\n(٣) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٢٣٠، \"أعراب القرآن\" للنحاس ٢/ ٣٤٣.\n(٤) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٨٤، \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٦٣، \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٢٣٠.\n(٥) لم أهتد إلى قائله. وذكرته كتب اللغة بدون نسبة.\nانظر: \"خزانة الأدب\" ١٠/ ٣٢٣، \"سر صناعة الإعراب\" ١/ ٣٧٨، \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٢٦٣، \"شرح التصريح\" ١/ ١٧٤، \"المقاصد النحوية\" ١/ ٥٥٦، \"شرح ابن عقيل\" ١/ ٢٣٧، \"فوائد القلائد\" ص ٨١، \"شرح الأشموني\" ١/ ١٠٠، \"لسان العرب\" (شهرب) ٤/ ٢٣٥٢.","vol":"14","page":441},{"text":"خالِي لأَنْتَ وَمَنْ جَرِيرٌ خَالُهُ ... يَنَلِ العُلاءَ ويَكْرُمِ الأَخوَالا\nوأنشدوا أيضًا (١):\nأُمُّ الحُلَيْسِ لَعَجُوزٌ شَهْرَبَهْ\nويقبح حمل كتاب الله على لغة لا تجوز في السعة ومختار الكلام. قال ابن الأنباري: (أنكر الكسائي والفراء هذا (٢)؛ لأن المبتدأ لا يحال بينه وبين خبره باللام، لا يقال: عبد الله لقائم؛ لأنّ اللام تحجز بين الحرفين، ومنع الذي بعدها من تقريب الذي قبلها) (٣).\nوقال أبو إسحاق: (هذا أجود ما سمعنا إن ﴿أَن﴾ بمعنى: نعم، واللام وقعت موقعها المعنى: نعم هذان لهما ساحران. قال: وعرضت هذا القول على محمد بن يزيد، وعلى إسماعيل بن إسحاق بن حماد بن زيد (٤)\n_________\n(١) هذا صدر بيت من الرجز ينسب إلى رؤية بن العجاج وعجزه:\nتَرْضى مِنَ اللحْمِ بِعظْمِ الرَقَبة\nالحُلَيْس: تصغير حلس وهو كساء رقيق يوضع تحت البرذعة، وأصل هذه كنية الأتنان.\nالشَّهْرَبَه: العجوز الكبيرة انظر: \"ديوان رؤبة\" ص ١٧٠، \"شرح التصريح\" ١/ ١٧٤، \"شرح المفصل\" ٣/ ١٣٠، \"الإغفال فيما أغفله الزجاج من المعاني\" ص ١١٠٥، \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٦٣، \"الخزانة\" ٣/ ١٣٠، \"أوضح المسالك\" ١/ ٢١٠، \"المقاصد النحوية\" ١/ ٥٣٥، \"لسان العرب\" (شهرب) ٤/ ٢٣٥٢.\n(٢) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٨٤.\n(٣) ذكر نحوه الفراء في \"المعاني\" ٢/ ١٨٤، والعكبري في \"إملاء ما من به الرحمن\" ١/ ١٢٣، والثعلبي في \"الكشف والبيان\" ٣/ ٢٠ ب، ومكي في \"الكشف\" ٢/ ١٠٠\n(٤) إسماعيل بن إسحاق بن حماد بن زيد القاضي، روى عن: عبد الله بن مسلمة القعقبي، وإسماعيل بن أبي أويس، وعمرو بن مرزوق، وحجاج بن المنهال وغيرهم كثير، وثقه العلماء وأثنوا عيه، اشتهر بصدقه وصلاحه، ولي القضاء ببغداد، توفي -﵀- سنة ٢٨٣ هـ.\nانظر: \"الجرح والتعديل\" ٢/ ١٥٨، \"كتاب الثقات\" ٨/ ١٠٥.","vol":"14","page":442},{"text":"فقبلاه، وذكر أنه أجود ما سمعاه) (١).\nقال أبو علي: (ما ذكره أبو إسحاق من التقدير تأويل غير مرضي، وذلك أن هذه اللام للتأكيد، ويقبح أن يذكر التأكيد ويحذف نفس المؤكد، ألا ترى أن إظهار المؤكد وترك إضماره وحذفه أولى من أن يحذف ويذكر ما يؤكده، ولو كان المبتدأ محذوفًا من الآية كما ذهب إليه أبو إسحاق لم يحتج معه إلى التأكيد باللام، ويدلك على أن هذا ليس بالوجه أن النحويين أنشدوا (٢):\nأُمُّ الحُلَيْسِ لَعَجُوزٌ شَهْربَه\nوحملوا هذا على الضرورة، وعلى أنه أدخل اللام على خبر المبتدأ، وكان من حقها أن تدخل على المبتدأ، فلو كان ما ذكره وجهًا في الآية لكان النحويون لا يحملون هذا الكلام على الضرورة، ويقدرون فيه ما قدر من أنه دخل على مبتدأ محذوف، ولا يحملونه على الاضطرار إذا وجدوا له مصرفًا قريبًا إلى الاختيار والسعة، فحملهم ذلك على الضرورة دلالة على أنهم تجنبوا ما ذكر من التقدير؛ لأنه أذهب في باب الفتح والضرورة مما حملوه عليه) (٣).\nوقال الفراء: (الوجه في هذه المسألة أن تقول وجدت الألف من هذا دعامة وليست بلام فعل، فلما ثنيت زدت عليها نونًا ثم تركت الألف ثابتة على حالها لا تزول في كل حال، كما قالت العرب: (الذي) ثم زادوا نونًا\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٦٣.\n(٢) سبق ذكر البيت وعزوه.\n(٣) \"الإغفال فيما أغفله الزجاج من المعاني\" ص ١٠١٣.","vol":"14","page":443},{"text":"تدل على الجماع فقالوا: (الذين) في رفعهم ونصبهم وخفضهم، كذلك تركوا (هذان) بالألف في رفعه ونصبه وخفضه) (١).\nوحرر صاحب النظم هذا القول فقال: (هذا اسم منهوك؛ لأنه على حرفين أحدهما: حرف علة وهو الألف وهاء للتنبيه، وليس من الاسم فلما ثني واحتيج إلى ألف التثنية لم يوصل إليهما لسكون الألف الأصلية، واحتيج إلى حذف أحدهما فقالوا: إن حذفنا الألف الأصلية بقي الاسم على حرف واحد، وإن أسقطنا ألف التثنية كان في النون منها عوض ودلالة على معنى التثنية، فحذفوا ألف التثنية، فلما كانت الألف الباقية هي ألف الاسم واحتاجوا إلى إعراب التثنية لم يغيروا الألف عن صورتها؛ لأن الإعراب واختلافه في التثنية والجمع إنما يقع على الحرف الذي هو علامة التثنية والجمع، فتركوها على حالها في النصب والخفض، وعلى هذا القول الألف في هذان التي كانت في هذا ليس الذي جلبتها التثنية) (٢).\nقال أبو علي: (لو كان الأمر على ما زعم لم تقلب هذا الألف في تثنيته فقط (٣)، كما أن الألف التي في هذا لا تنقلب على حال، وفي كون هذه الألف مرة ياء ومرة ألفًا دلالة على أنه كسائر التثنية، ويدل على أن هذا الألف للتثنية أن التي كانت في الواحد قد حذفت، كما حذفت الياء من الذي والتي إذا قلت: اللذان واللتان واللذين واللتين، فالياء كانت في الاسم قد حذفت وجيء بالتي للتثنية، كذلك تحذف من قولهم: هذا، ألفه،\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٨٤.\n(٢) ذكر نحوه مختصرًا بلا نسبة الفارسي في \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٢٣١.\n(٣) في (ص): (قط).","vol":"14","page":444},{"text":"وتلحق التي تكون علمًا للتثنية، ومن ثم انقلبت مرة ياء ومرة ألفًا، والتي تثبت لا يتعاوره القلب، ولا تزول عن أن تكون ألفًا) (١). هذا كلامه.\nوهذه الأقوال هي التي قالها المتقدمون من النحويين، ولم يسلم من هذه الأقوال على الاعتبار إلا قول من يقول: إنها لغة بلحارث. وقد قال ابن عباس في قوله: ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾: (هي لغة بلحارث بن كعب) ذكره عطاء عنه (٢).\nوقال أبو إسحاق في ارتضاء هذا المذهب في هذه الآية: (حق الألف أن تدل على الاثنين وكان حقها ألّا تتغير كما لم تتغير ألف رحى وعصى، ولكن نقلها إلى الياء في النصب والخفض أبين وأفضل بين المرفوع والمنصوب والمجرور) (٣).\nوقال الفراء في ارتضاء المذهب: (العرب جعلوا الواو تابعة للضمة والياء متابعة للكسرة نحو قولهم: مسلمون ومسلمين، فلما رأوا الياء من الاثنين لم يمكنهم كسر ما قبلها وثبت مفتوحًا تركوا الألف تتبعه فقالوا: رجلان في كل حال. وقد اجتمعت العرب على إثبات الألف في: كلا الرجلين في النصب والخفض وهما اثنان) (٤).\n_________\n(١) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٢٣١.\n(٢) ذكرته كتب التفسير بدون نسبة.\nانظر: \"جامع البيان\" ١٦/ ١٨٠، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٨١، \"النكت والعيون\" ٣/ ٤١١، \"زاد المسير\" ٥/ ٢٩٧، \"الكشاف\" ٢/ ٥٤٣، \"البحر المحيط\" ٦/ ٢٥٥، \"إرشاد العقل السليم\" ٦/ ٢٥.\n(٣) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٦٤.\n(٤) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٨٤.","vol":"14","page":445},{"text":"وحكى ابن الأنباري قولًا آخر للفراء وهو: (أن الألف في هذان شبهت بالألف في: تفعلان ويفعلان، فلما كانت تلك الألف لا تتغير في تثنية الفعل لم يغيروا هذه الألف في شبه الاسم) (١). وذكر علي بن عيسى النحوي (٢) قولًا آخر فقال: (إنما جاز ﴿إِنْ هَذَانِ﴾ لضعف عمل ﴿إِنً﴾ وذلك أنها تعمل بالشبه للفعل وليست بأصل في العمل، ألا ترى أنها لما خففت لم تعمل، فلما ضعف عملها لم تعمل في هذان) (٣).\nهذا الذي ذكرنا كله وجه قراءة العامة. وقرا أبو عمرو: إن هذين بالياء (٤). بخلاف المصحف، واحتجاجه في ذلك أنه روي: أنه غلط من الكتاب، وإن في الكتاب غلطًا ستقيمه العرب بألسنتها. يروي ذلك عن عثمان، وعائشة -﵄- (٥).\n_________\n(١) ذكره نحوه الثعلبي في \"الكشف والبيان\" بلا نسبة ٣/ ٢٠ ب، والقرطبي في \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٢١٩.\n(٢) علي بن عيسى بن علي أبو الحسن النحوي، المعروف بالرماني، تقدمت ترجمته.\n(٣) ذكره الألوسي في \"روح المعاني\" ١٦/ ٢٢٣.\n(٤) قرأ نافع، وابن كثير، وابن عامر، وحمزة، والكسائي، وعاصم: (إن هذان لساحران). وقرا أبو عمرو البصري: (إن هذين لساحران). انظر: \"السبعة\" ص ٤١٩، \"الحجة\" ٥/ ٢٢٩، \"التبصرة\" ص ٢٦٠، \"النشر\" ٢/ ٣٢١.\n(٥) \"الكشف والبيان\" ٣/ ٢٠ ب، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٨٠، \"المحرر الوجيز\" ١٠/ ٢٩٧، \"زاد المسير\" ٥/ ٢٩٧، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٢١٦، \"البحر المحيط\" ٦/ ٢٥٥، \"الإتقان\" ١/ ١٨٢.\nوقد رد العلماء هذا الأثر المروي عن عائشة وعثمان -﵄- من جهة إسناده ومتنه، فلا يصح الاحتجاج به على رد القراءة المتواترة الثابتة عن النبي -ﷺ-. قال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- في \"الفتاوى\" ٢/ ٢٥٢: وقد زعم قوم أن قراءة من قرأ: ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ لحن وأن عثمان -﵁- قال: إن في المصحف =","vol":"14","page":446},{"text":"وهذه القراءة هي قراءة عيسى بن عمر (١).\nقال أبو إسحاق: (ولا أجيزها؛ لأنها خلاف المصحف، ولا أجيز مخالفته؛ لأن إتباعه سنة) (٢).\n_________\n= المصحف لحنًا ستقيمه العرب بألسنتها. وهذا خبر باطل لا يصح.\nوقال في \"تفسيره\" ٥/ ٢٠٩: ومن زعم أن الكتاب غلط فهو الغالط غلطًا منكرًا، فإن المصحف منقول بالتواتر وقد كتبت عدة مصاحف وكلها مكتوبة بالألف فكيف يتصور في هذا غلط.\nوقال الألوسي في \"روح المعاني\" ١٦/ ٢٢٤: والذي أجنح إليه تضعيف جميع ما ورد مما فيه طعن بالمتواتر، ولم يقبل تأويلًا ينشرح له الصدر ويقبله الذوق، وإن صححه من صححه، والطعن في الرواية أهون بكثير من الطعن بالأئمة الذين تلقوا القرآن الذي وصل إلينا بالتواتر عن النبي -ﷺ- ولم يألوا جهدًا في إتقانه وحفظه. وقال الدكتور عبد الحي الفرماوي في كتابه \"رسم المصحف\" ص ١٣١ بعد أن ضعف هذه الرواية: وقد ذكر بعض العلماء هذه الرواية في كتبهم بحسن قصد من غير تحر ولا دقة فاتخذها أعداء الإسلام من المارقين والمستشرقين للطعن في الإسلام وفي القرآن، لتوهين فقه المسلمين بكتاب ربهم - .. ثم قال-: ويجاب عن تصحيح السيوطي: بأن هذه الرواية على فرض صحتها، فهي رواية آحادية لا يثبت بها قرآن، وهي معارضة للقطعي الثابت بالتواتر فهي باطلة مردودة، فإن من قواعد المحدثين أن مما يدرك به وضع الخبر ما يؤخذ من حال المروي كأن يكون مناقضًا لنص القرآن أو السنة أو الإجماع أو صريح العقل، حيث لا يقبل شيء من ذلك التأويل أو لم يحتمل سقوط شيء منه يزول به المحذور، وهذه الرواية مخالفة للمتواتر القطعي الذي تلقته الأمة بالقبول فيها باطلة لا محالة.\nانظر: \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ١٠٦، \"جامع البيان\" ١٦/ ١٨٠، \"الجامع لأحكام القرآن\" ٦/ ١٤، \"دقائق التفسير\" ٥/ ٢٠٢، \"الإتقان\" ١/ ١٨٢، \"مناهل العرفان\" ١/ ١٨٦، \"رسم المصحف بين المؤيدين والمعارضين\" ص ١٣١.\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٦١، \"إعراب القرآن\" للنحاس ٢/ ٣٤٣، \"البحر المحيط\" ٦/ ٢٥٥، \"التفسير الكبير\" ٢٢/ ٧٤.\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٦٤.","vol":"14","page":447},{"text":"وقرا ابن كثير وحفص عن عاصم: إنْ هذان بتخفيف ﴿إِنْ﴾ (١)، على معنى ما هذان إلا ساحران كقوله: ﴿وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [الشعراء: ١٨٦]، وإن إذا خفف كان الوجه أن يرفع الاسم بعدها، وإذا كان كذلك رفع هذان بعدها، وأدى مع ذلك خط المصحف.\nقال أبو إسحاق: (أستحسن هذه القراءة، وفيها إمامان عاصم والخليل، وكان يقرا بهذه القراءة، والإجماع أنه لم يكن أحد بالنحو أعلم من الخليل؛ ولأن هذه القراءة توافق قراءة أبي في المعنى، وإن خالفه اللفظ) (٢). وقراءته: إن ذان إلا ساحران (٣).\nوقال الأخفش: (﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ خفيفة في معنى ثقيلة، وهي لغة لقوم يرفعون بها، وإن ثقلت فهي لغة لبني الحارث بن كعب الاثنين في كل موضع) (٤). هذا كلامه.\nوقد بأن أن القراءة الصحيحة في هذه الآية قراءة العامة، وقراءهَ من خفف ﴿أَن﴾ على التعليل (٥).\n_________\n(١) قرأ ابن كثير، وحفص عن عاصم: (إنْ هذان) بتخفيف (إنّ). وقرا نافع، وابن عامر، وحمزة، والكسائي، وعاصم في رواية أبي بكر: (إنَّ هذان) بتشديد (إنّ). وكذلك قرأ أبو عمرو: بتشديد (إنّ).\nانظر: \"السبعة\" ص ٤١٩، \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٢٢٩، \"التبصرة\" ص ٢٦٠، \"المبسوط في القراءات\" ص ٢٤٩.\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٦٤.\n(٣) \"الكشف والبيان\" ٣/ ٢٠ ب، \"بحر العلوم\" ٢/ ٣٤٨، \"النكت والعيون\" ٣/ ٤١٠، \"الكشاف\" ٢/ ٥٤٢، \"التفسير الكبير\" ٢٢/ ٧٥.\n(٤) \"معاني القرآن\" للأخفش ٢/ ٦٢٩.\n(٥) وقوله المؤلف -﵀-: (وقد بأن أن القراءة الصحيحة) لا يفهم منه أن =","vol":"14","page":448},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾ قال عكرمة: (يذهبا بخياركم) (١).\nوقال الحسن، وأبو صالح: (بأشرافكم) (٢).\nوعن أبي صالح: (بسراة الناس) (٣).\nوقال مجاهد: (أولوا العقل والشرف والأسنان) (٤). وهذه الأقوال معناها واحد، هو معنى قول ابن عباس في رواية الوالبي: (أمثلكم) (٥).\nقال الزجاج: (معناه بجماعتكم الأشراف. قال: والعرب تقول للرجل الفاضل: هذا طَرِيقَة قَومِه، ونَظِيرة قَومِه، ونَظُورَة قَومِه، للرجل الفاضل،\n_________\n= القراءة الأخرى قراءة ضعيفه؛ لأنها قد ثبتت القراءة بها وصحت عن الرسول -ﷺ- كما وصلت إلينا بالتواتر، فلا يجوز ترجيح قراءة على أخرى؛ لأنها كلها ثابتة متواترة عن النبي -ﷺ- والقراءة سنة متبعة. أما عن توجيه القراءة فما ذكره المؤلف -﵀- هو قول جمهور العلماء من المفسرين.\nقال أبو حيان في \"البحر المحيط\" ٦/ ٢٥٥: والذي نختاره في تخريج هذه القراءة بأنها جاءت على لغة بعض العرب من إجراء المثنى بالألف دائمًا، وهي لغة كنانة ولبني الحارث بن كعب وخثعم وزبيد وأهل تلك الناحية.\nانظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٨٤، \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٦٤، \"إعراب القرآن\" للنحاس ٢/ ٣٤٧، \"التفسير الكبير\" ٢٢/ ٧٥، \"روح المعاني\" ١٦/ ٢٢٣، \"الفتاوى\" لابن تيمية ٢/ ٢٥٢.\n(١) \"الكشف والبيان\" ٣/ ٢٠ ب، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٧٥.\n(٢) \"جامع البيان\" ١٦/ ١٨٢، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٧٥، \"الدر المنثور\" ٤/ ٥٤١.\n(٣) \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٦٢، \"تفسير سفيان الثوري\" ص ١٩٥٤.\n(٤) \"جامع البيان\" ١٦/ ١٨٦، \"النكت والعيون\" ٣/ ٤١١، زاد المسير\" ٥/ ٣٠٠، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٧٤، \"الدر المنثور\" ٤/ ٥٤١.\n(٥) \"زاد المسير\" ٥/ ٢٠٨.","vol":"14","page":449},{"text":"وإنما تأويله: هذا (الذي) (١) ينبغي أن يجعله قومه قدوة، ويسلكوا طريقته، وينظروا إليه ويتبعوه) (٢).\nوقال الفراء: (العرب تقول للقوم: هؤلاء طَريقة قومهم، وطرائق قومهم لأشرافهم (٣)، ويقولون للواحد أيضًا: طَريقة قومه ونَظُورة قومه\nونَظيرة قومه، ويقولون للجمع بالتوحيد، والجميع يعني طريقه، وطرائق، قال: ومن ذلك قوله: ﴿طَرَائِقَ قِدَدًا﴾ [الجن: ١١]) (٤). وجعل الزجاج الآية من باب حذف المضاف، فقال: (المعنى عندي: يذهبا بأهل طريقتكم المثلى، قال: وكذلك قول العرب: هذا طريقة قومه، معناه هذا صاحب طَريقة قومه) (٥). هذا كلامه. وليس يحتاج إلى تقدير المضاف على ما ذكره الفراء، فإن الطريقة اسم للأفاضل على معنى أنهم الذين يقتدى بهم ويتبع آثارهم، كما تسلك الطريقة، فتقدير المضاف تكلف. و(المثلي) تأنيث الأمثل، والأمثل معناه في اللغة: الأفضل، يقال: فلان أَمْثَل قومه أي: أفضلهم، وهم الأماثل (٦).\nومنه قول الشاعر (٧):\n_________\n(١) كذا في نسخة (س) وهو أصوب، وكذا هي في معاني الزجاج، وفي غيرها (الفتى).\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٦٤.\n(٣) في نسخة (س): (أشرافهم).\n(٤) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٨٥.\n(٥) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٦٥.\n(٦) انظر: \"تهذيب اللغة\" (مثل) ٤/ ٣٣٤٢، \"القاموس المحيط\" (المثل) ٤/ ٤٨، \" مقاييس اللغة\" (مثل) ٥/ ٢٩٧، \"المعجم الوسيط\" (الأمثل) ٢/ ٨٥٤، \"لسان العرب\" (مثل) ٧/ ٤١٣٤، \"المفردات في غريب القرآن\" (مثل) ص ٤٦٣.\n(٧) لم أهتد لقائله. وذكره نحوه: \"تاج العروس\" (نصف) ٦/ ٢٥٦، ونسبة لابن =","vol":"14","page":450},{"text":"وَإِنْ أَتَوكَ فَقالوا إِنَّها نصَفٌ ... فَإِنَ أَمْثَل نِصْفَها الذِي ذَهَبا\nأي: أشقهما وأفضلهما.\nقال الأخفش والكسائي: (يقال: قد مَثَلَ يَمْثُلُ مُثُولًا، أي: صار فاضلًا) (١).\nواختلف لم قيل للأفضل أَمْثَل؟ فقال بعضهم: معنى الأمثل: الأشبه بالحق، ثم صار اسمًا للأفضل (٢). وقيل: معنى الأمثل في اللغة: الأظهر، من قولهم: مَثَلَ الشيء يَمْثُلُ مُثُولًا: إذا قام وانتصب فظهر للعيون (٣). قال لبيد (٤):\nثمَّ أَصدَرْناهُما في وارِدٍ ... صادِرٍ وَهْمٍ صُواه قَدْ مَثَلْ\nأي: انتصب وظهر، ولما كان الفاضل الشريف ظاهرًا من القوم\n_________\n= العربي، وكذلك ابن منظور في \"لسان العرب\" (نصف) ٧/ ٤٤٤٣ بلفظ:\nوإن أتوك فقالوا إنها نصف ... فإن أطيب نصفها الذي غبرا\n(١) ذكر نحوه الأزهري في \"تهذيب اللغة\" (مثل) ٤/ ٣٣٤٣.\n(٢) \"القاموس المحيط\" (المثل) ١٠٥٦، \"لسان العرب\" (مثل) ٧/ ٤١٣٤، \"المفردات في غريب القرآن\" (مثل) ص ٤٦٢.\n(٣) انظر: \"الصحاح\" (مثل) ٧/ ٤١٣٤، \"مقاييس اللغة\" (مثل) ٥/ ٢٩٧، \"المعجم الوسيط\" (مثل) ٢/ ٨٥٣، \"لسان العرب\" (مثل) ٧/ ٤١٣٤، \"المفردات في غريب القرآن\" (مثل) ص ٤٦٢.\n(٤) البيت للبيد بن ربيعة.\nأصدرناهما في وارد: الصادر والوارد الطريق، يقال: طريق صادر أي: أنه يصدر بأهله عن الماء، أو طريق وارد يرد بهم. وَهْم: واسع ضخم. والصُوَى: أعلام من حجارة منصوبة في الفيافي المجهولة يستدل بها على طرقها، واحدتها صُوة.\nانظر: \"ديوان لبيد بن ربيعة\" ص ١٤٣،\"تهذيب اللغة\" (صدر) ٢/ ١٩٨٧، \"لسان العرب\" (صدر) ٤/ ٢٤١١.","vol":"14","page":451},{"text":"بفضله وشرفه قيل له: الأمثل. ومعنى الآية ما روى الشعبي عن علي -﵁- أنه قال: (﴿وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾ يصرفا وجوه الناس إليهما) (١).\nوالمعنى: أن يغلبا بسحرهما، فتمثل إليهما السادة والأشراف منكم. وقال قتادة: (طريقتكم المثلى يومئذ بنو إسرائيل كانوا أكثر القوم عددا وأموالًا، فقالوا: إنما يريد أن يذهبا بهما لأنفسهم) (٢). فجعل قتادة هؤلاء الأفاضل من بني إسرائيل. وهذا قول ابن عباس في رواية الوالبي: (هم بنو إسرائيل) (٣). هذا الذي ذكرنا قول المفسرين، وأهل التأويل، وعلى هذا مقاتل، والكلبي (٤).\nوقال ابن زيد: (ويذهبا بالطريقة التي أنتم عليها في السيرة) (٥). وهذا القول اختيار أبي عبيدة، والكسائي، قال أبو عبيدة: (﴿بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾ [بسنتكم ودينكم وما أنتم عليه) (٦).\nوقال الكسائي: (﴿بِطَرِيقَتِكُمُ﴾ يعني سنتكم وهداكم وسمتكم) (٧).\n_________\n(١) \"جامع البيان\" ١٦/ ١٨٣، \"الكشف والبيان\" ٣/ ٢٠ ب، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٨٢، \"زاد المسير\" ٥/ ٣٠٠، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٧٤.\n(٢) \"تفسير القرآن\" للصنعاني ٢/ ١٨، \"جامع البيان\" ١٦/ ١٨٣، \"الكشف والبيان\" ٣/ ٢٠/ ب، \"النكت والعيون\" ٣/ ٤١١، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٨٢.\n(٣) \"جامع البيان\" ١٦/ ١٨٢، \"روح المعاني\" ١٦/ ٢٢٤.\n(٤) \"الكشف والبيان\" ٣/ ٢٠، \"تفسير مقاتل\" ٤ أ.\n(٥) \"جامع البيان\" ١٦/ ١٨٣، \"النكت والعيون\" ٣/ ٤١٢، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٧٥، \"الدر المنثور\" ٤/ ٥٤١.\n(٦) \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ٢/ ٢٣.\n(٧) \"الكشف والبيان\" ٣/ ٢٠ ب.","vol":"14","page":452},{"text":"و(المثلى)] (١) نعت للطريقة. ولا إشكال على هذا القول، و(المثلى) تأنيث الأمثل، بمعنى: الأفضل، وبمعنى: الأظهر (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2500>٦٤ </span>- قوله تعالى: ﴿فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ﴾ قال الفراء: (الإجماع: الأحكام والعزيمة على الشيء، تقول: أجمعت الخروج، وعلى الخروج، مثل: أزمعت، وأنشد (٣):\nيا لَيْتَ شِعْرِي والمُنَى لا تَنْفَع ... هَلْ أَغْدُون يَومًا وأَمْرِي مُجْمَعُ\nيريد قد أحكم وعزم عليه) (٤).\nوقال أبو إسحاق: (معناه: ليكن عزمكم كلكم على الكيد مُجْمَعًا لا تختلفوا) (٥). ومضى الكلام معنى الإجماع عند قوله: ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ﴾ [يونس: ٧١]. وقرا أبو عمرو: فاجْمَعوا (٦)، موصولًا من الجمع، وحجته\n_________\n(١) ما بين المعقوفين ساقط من الأصل ومن نسخة (ص).\n(٢) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٨٥، \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٦٤.\n(٣) لم أهتد إلى قائله. وذكرته كتب التفسير واللغة بلا نسبة.\nانظر: \"جامع البيان\" ١٦/ ١٨٣، \"النكت والعيون\" ٣/ ٤١٢، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٢/ ١٢١، \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٥٨، \"وضح البرهان في مشكلات القرآن\" ٢/ ٦٤، \"تهذيب اللغة\" (جمع) ١/ ٦٥٢، \"لسان العرب\" (جمع) ٢/ ٦٨١، \"نوادر أبي زيد\" ص ١٣٣، \"إصلاح المنطق\" ص ٢٦٣.\n(٤) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٨٥.\n(٥) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٦٥.\n(٦) قرأ: نافع، وابن كثير، وابن عامر، وحمزة، والكسائي وعاصم: (فَأجْمِعوا) بقطع الألف وكسر الميم. وقرا أبو عمرو البصري: (فَاجمَعوا) بوصل الألف وفتح الميم.\nانظر: \"السبعة\" ص ٤١٩، \"الحجة للقراء السبعة\" ص ٢٣٢، \"المبسوط في القراءات\" ص ٢٤٩، \"التبصرة\" ص ٢٦٠.","vol":"14","page":453},{"text":"قوله: ﴿فَجَمَعَ كَيْدَهُ﴾ [طه: ٦٠].\nقال الفراء: (معناه: فلا تَدعوا من كيدكم شيئًا إلا جئتم به) (١).\nوقال الزجاج: (جيئوا بكل ما تقدرون عليه، ولا تبقوا منه شيئًا) (٢). واختار الأخفش هذه القراءة وقال: (إنما يقولون بالقطع إذا قالوا: أجمعنا على كذا وكذا، فأما إذا قالوا: أجمعوا أمركم، وأجمعوا شركأكم، فلا يقولون إلا بالوصل. والقطع أكثر القراءة، ولعله لغة في جمع؛ لأنّ داب فَعَلت وأَفْعلت كثير) (٣).\nقال أبو علي: (يشبه أن يكون ذلك على لغتين، كما ظنه أبو الحسن، كقول الشاعر) (٤) (٥):\nوأَنْتُمُ مَعْشَرٌ زيدٌ عَلَى مِائَةٍ ... فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ طُرًّا فَكِيْدُوني\nوقال الهذلي (٦):\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٨٥.\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٦٥.\n(٣) ذكر نحوه \"معاني القرآن\" للأخفش ٢/ ٥٧١، \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٢٣٢.\n(٤) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٢٣٢.\n(٥) البيت لذي الإصبع العدواني.\nمَعْشَر: المعشر الجمع ولا واحد له من لفظه، ومعشر الرجل أهله. طُرًّا: جمعًا. انظر: \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٢٣٣، \"شرح المفصل\" ١/ ٣٠، \"لسان العرب\" (عشر) ٥/ ١٢٩٥، \"مجمع البيان\" ٧/ ٢٩.\n(٦) البيت لأبي ذؤيب الهذلي يصف حُمرًا.\nالجَزْع، ونُبَاع، وأُولاَت ذِى العَرجَاء: أسماء أماكن. والنَّهَب المُجْمَع: إبل القوم التي أغار عليها اللصوص، وكانت متفرقة في مراعيها فجمعوها من كل ناحية حتى اجتمعت لهم ثم طردوها وساقوها.\nانظر: \"شرح أشعار الهذليين\" ١/ ١٧، \"المفصليات\" ص ٤٢٣، \"الجامع لأحكام =","vol":"14","page":454},{"text":"فَكَأَنَّهَما بالجِزْعِ بَيْنَ نُبَايعٍ ... وَأَولاَتِ ذِي العَرْجَاءِ نَهْبٌ مُجْمَعُ\nأي: مجموع، وهذا فيما يتواصى به السحرة من جمع كيدهم، وما يستظهرون به من المبالغة في سحرهم.\nوقوله تعالى: ﴿ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا﴾ قال أبو عبيدة: (الصف: موضع الجمع، ويسمى المصلّى: الصف، يقال: هل أتيت الصف اليوم؟ أي: المصلّى الذي يصلى فيه. قال: وقد يكون على المصدر، كما تقول: جاءوني صفًا أي: مصطفين) (١).\nوذكر أبو إسحاق الوجهين فقال: (معناه: ثم ائتوا الموضع الذي تجتمعون فيه لعيدكم وصلاتكم، يقال: أتيت صَفا بمعنى أتيت المصَلّى، قال: ويجوز أن يكون ﴿ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا﴾ أي: مصطفين مجتمعين ليكون أنظم (٢) لأموركم وأشد لهيئتكم) (٣).\nوالمفسرون يقولون في قوله: ﴿ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا﴾: (جميعًا)، قاله مقاتل، والكلبي، وابن عباس في رواية عطاء (٤). وهو بمعنى: مصطفين ﴿وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى﴾ قال ابن عباس: (يريد قد سعد اليوم من غلب) (٥).\n_________\n= القرآن\" ١١/ ٢٢٠، \"تهذيب اللغة\" (جمع) ١/ ٦٥٢، \"لسان العرب\" (جمع) ٢/ ٦٧٨.\n(١) \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ٢/ ٢٣.\n(٢) قوله: (ليكون أنظم)، ساقط من نسخة (س).\n(٣) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٦٥.\n(٤) \"الكشف والبيان\" ٣/ ٢١ أ، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٨٣، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٢٢١، \"تفسير مقاتل\" ٤ أ.\n(٥) \"زاد المسير\" ٥/ ٣٠١، وذكره الطبري في \"تفسيره\" ١٦/ ١٨٤ بدون نسبة.","vol":"14","page":455},{"text":"قال الليث: (ويقال لكل من قهر أمرًا أو علاه: اعتلا، واستعلاه واستعلى عليه) (١).\nوقال الزجاج: «استعلى) أي: علا بالغلبة) (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2501>٦٥ </span>- قوله تعالى: ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى﴾ قال الفراء: (المعنى: اختر أحد هذين الأمرين) (٣). والمراد بالإلقاء هاهنا: إلقاء العصا على الأرض، وكانت السحرة معهم عصي، وكان موسى قد ألقى عصاه يوم دخل على فرعون، كما قال الله تعالى: ﴿فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ﴾ (٤)، ولما أراد السحرة معارضته قالوا له هذا القول.\n<span data-type=\"title\" id=toc-2502>٦٦ </span>- فقال موسى: ﴿بَلْ أَلْقُوا﴾ أمرهم بالإلقاء أولًا، لتكون معجزته أظهر إذا ألقوا هم بم معهم، ثم يلقي هو عصاه فتبتلع كل ذلك على ما ذكر (٥).\nوقوله تعالى: ﴿فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ﴾ في الكلام محذوف تقديره: فألقوا فإذا حبالهم.\n[قال أبو إسحاق: (وترك هاهنا؛ لأنه قد جاء في موضع آخر: ﴿فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ﴾ [الشعراء: ٤٤] (٦)] (٧).\n_________\n(١) \"تهذيب اللغة\" (علا) ٣/ ٢٥٣٦.\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٦٥.\n(٣) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٨٥.\n(٤) وردت في سورة [الأعراف: ١٠٧]، وفي سورة [الشعراء: ٣٢].\n(٥) ويشهد لذلك قوله سبحانه: ﴿فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ﴾ [الشعراء: ٤٥].\n(٦) ما بين المعقوفين ساقط من نسخة (س).\n(٧) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٦٥.","vol":"14","page":456},{"text":"قال ابن عباس في رواية عطاء: (كان عدد السحرة سبعين ألف رجل، ومع كل رجل عصا وحبل غليظ مثل حبال السفن) (١).\nوقال عكرمة، وابن جريج: (كانوا تسع مائة) (٢).\nوقال محمد بن إسحاق: (كانوا خمسة عشر ألفًا) (٣).\nوقوله تعالى: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ يقال خُيل على الرجل تخييلا: إذا أدخل عليه التهمة والشبهة، وأصل هذا الحرف: من الشَبَه والاشتباه الذي ينافي الحق والحقيقة، ومنه الخَيَال الذي يشبه الشيء وليس منه كخَيال الإنسان في المرآة، وخَياله في النوم، وأَخَال الشيء إذا اشتبه وأشكل فهو مخيل (٤)، ومنه قول الشاعر (٥):\nوالصَّدْقُ أَبْلَجُ لا يُخَيلُ سَبِيلُهُ ... والصَّدقُ يَعْرِفُهُ ذَوُو الأَلبَابِ\nومعنى هذه الآية كمعنى قوله: ﴿سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ﴾ [الأعراف:\n_________\n(١) ذكرته كتب التفسير بدون نسبة.\nانظر: \"جامع البيان\" ١٦/ ١٨٤، \"النكت والعيون\" ٣/ ٤١٣، \"المحرر الوجيز\" ١٠/ ٥٢، \"الكشاف\" ٢/ ٥٤٣.\n(٢) \"جامع البيان\" ١٦/ ١٨٥، \"النكت والعيون\" ٣/ ٤١٣، \"التفسير الكبير\" ٢٢/ ٨٣.\n(٣) \"جامع البيان\" ١٦/ ١٨٥، وذكره ابن عطية في \"المحرر الوجيز\" ١٠/ ٥٢ بدون نسبة.\nوقال الألوسي في \"روح المعاني\" ١٦/ ٢٢٥ بعد ذكر هذه الأقوال: ولا يخفى حال الأخبار في ذلك، والقلب لا يميل إلى المبالغة والله تعالى أعلم.\nوقال الشنقطي في \"أضواء البيان\" ٤/ ٤٣٨ بعد ذكر هذه الأقوال: وهذه الأقوال من الإسرائيليات.\n(٤) انظر: \"تهذيب اللغة\" (خال) ١/ ٩٦٦، \"القاموس المحيط\" (خال) ص ٩٩٦، \"الصحاح\" (خيل) ٤/ ١٦٩٢، \"لسان العرب\" (خيل) ٣/ ١٣٠٤.\n(٥) لم أهتد إلى قائله. وذكر في كتب اللغة بلا نسبة.\nانظر: \"تهذيب اللغة\" (خال) ١/ ٩٦٨، \"لسان العرب\" (خيل) ٣/ ١٣٠٤.","vol":"14","page":457},{"text":"١١٦] وذكر الكلام فيه. وموضع (أن) من قوله: ﴿أَنَّها تَسْعَى﴾ رفع على معنى يخيل إليه سعيها (١).\nقال الكلبي: (خُيل إلى موسى أن الأرض حيات كلها، وأنها تسعي على بطنها) (٢). وكثير من الكلام اللائق بهذه الآيات قد مضى في سورة الأعراف (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2503>٦٧ </span>- قوله تعالى: ﴿فَأَوْجَسَ﴾ قال الفراء: (أحس (٤) ووجد) (٥).\nوقال الزجاج: (أضمر) (٦). وقال في موضع آخر: (وقع في نفسه الخوف) (٧). وقد ذكرناه مستقصى في سورة هود (٨).\nوقوله تعالى: ﴿خِيفَةً مُوسَى﴾ أي: خوفًا، وأصلها: خوفه فانقلبت\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٨٦، \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٦٦، \"إعراب القرآن\" للنحاس ٢/ ٣٤٨.\n(٢) \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٢٢٢.\nاختلف العلماء هل للسحر حقيقة أم لا؟ فقال الشنقيطي في \"أضواء البيان\" ٤/ ٤٣٧: والتحقيق الذي عليه جماهير العلماء من المسلمين: أن السحر منه ما هو أمر له حقيقة لا مطلق تخيل لا حقيقة له، ومنه ما هو تخيل لا حقيقة له.\nانظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢/ ٤٤، \"التفسير الكبير\" ٣/ ٢١٣، \"أحكام السحر والسحرة\" للرازي ص ١١٠، \"السحر\" للدكتور مسفر الدميني ص ٢٥، \"السحر بين الحقيقة والخيال\" للدكتور أحمد الحمد ص ٣٧.\n(٣) وردت قصة موسى ﵇ مع فرعون في سورة الأعراف (١٠٣ - ١٦٢).\n(٤) في (س): (أجس).\n(٥) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٨٢.\n(٦) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٦١.\n(٧) \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ٥٥٣.\n(٨) عند قوله سبحانه: ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ﴾ [هود: ٣].","vol":"14","page":458},{"text":"الواو ياء لانكسار الخاء (١). وإنما خاف موسى؛ لأن سحرهم كان من جنس ما أراهم في العصا، فخاف أن يلتبس على الناس أمره، ولا يؤمنوا به. هذا معنى قول الكلبي، ومقاتل (٢).\nوقيل: (كان خوف طباع، لكثرة ما يخيل له من الحيات العظام)، وهذا معنى قول محمد بن إسحاق (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2504>٦٨ </span>- فقال الله تعالى: ﴿لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى﴾ قال ابن عباس: (يريد أنت الغالب) (٤). والمعنى: أنت الأعلى عليهم بالظفر والغلبة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-2505>٦٩ </span>- ﴿وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ﴾ يعني العصا ﴿تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا﴾ قال الزجاج: (القراءة بالجزم (٥)، جواب الأمر، ويجوز الرفع على معنى الحال، كأنه قال: ألقها تلقفه) (٦)، هذا كلامه.\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٦٧، \"إعراب القرآن\" للنحاس ٢/ ٣٤٩.\n(٢) \"الكشف والبيان\" ٣/ ٢١ أ، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٨٣، \"البحر المحيط\" ٦/ ٢٦٠، \"التفسير الكبير\" ٢٢/ ٨٤، \"تفسير مقاتل\" ٤ أ.\n(٣) \"بحر العلوم\" ٢/ ٣٤٩، وذكرته كتب التفسير بدون نسبة.\nانظر: \"النكت والعيون\" ٣/ ٤١٣، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٨٣، \"المحرر الوجيز\" ١٠/ ٥٤، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٢٢٢.\n(٤) ذكرته كتب التفسير بدون نسبة.\nانظر: \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٨٤، \"زاد المسير\" ٥/ ٣٠٥، \"القرطبي\" ١١/ ٢٢٣.\n(٥) قرأ نافع، وأبو عمرو، وابن كثير، وحمزة، والكسائي، وعاصم في رواية أبي بكر: (تَلقَّفْ مَا صَنعوا) بتشديد القاف وجزم الفاء. وقرأ عاصم في رواية حفص: (تَلْقَفُ مَا صَنعوا) بتخفيف القاف ورفع الفاء. وقرأ ابن عامر الشامي: (تَلْقَّفُ مَا صَنعوا) بتشديد القاف ورفع الفاء.\nانظر: \"السبعة\" ص ٤٢٠، \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٢٣٥، \"المبسوط في القراءات\" ص ٢٤٩، \"النشر\" ٢/ ٣٢١.\n(٦) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٦٧.","vol":"14","page":459},{"text":"وشرحه أبو علي فقال: (وجه قراءة من قرأ: ﴿تَلْقَفُ﴾ بالرفع، وهي قراءة ابن عامر: أنه في موضع الحال، والحال يجوز أن يكون من الفاعل المُلْقِي، ويجوز أن يكون من المفعول المُلْقَى، فإن جعلته من الفاعل المُلْقِي جعلته المُتلَقَّفَ، وإن كان التَّلَقُفُ في الحقيقة للعصا، ووجه جعل المُتَلَقَّف أن التَّلَقُفُ في الحقيقة للعصا، ووجه جعل المُتَلَقَّف أن التَّلَقُف بإلقائه كان فجاز أن ينسب إليه، والفعل كثيرًا يضاف إلى المسبب، ويجوز أن يكون الحال من المفعول، وجعلت تَلْقَفْ حالًا، وإن لم تتلقف بعد، كما جاء في التنزيل: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥] وكما أجاز النحويون: مررتُ برجلٍ معه صقر صائدًا به غدًا، وهذا النحو من الحال كثير في التنزيل وغيره) (١).\nوقال: (﴿تَلْقَفْ﴾ على التأنيث، حملًا للكلام على المعنى؛ لأنه المراد بما في يمينه العصا. ومن قرأ: تلقفْ بالجزم، فعلى أن يكون جوابًا، كأنه: إن تُلْقِهِ تَلَقَّفْ، ويجوز أن يكون تَلْقَفْ خطابًا لموسى، كما ذكر في قراءة من رفع يجوز أن يكون حالًا للفاعل) (٢). وذكرنا معنى التلقف في سورة الأعراف مستقصى (٣).\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ﴾ أي: الذي صنعوه كيد ساحر. وقرئ: كيد سحر (٤). وساحر أقوى؛ لأنّ الكيد للساحر في الحقيقة وليس\n_________\n(١) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٢٣٦.\n(٢) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٢٣٦.\n(٣) عند قوله سبحانه: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ﴾ [الأعراف: ١١٧].\n(٤) قرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، وعاصم: ﴿كَيْدُ سَاحِرٍ﴾ بالألف.","vol":"14","page":460},{"text":"للسحر، ومن قرأ: كيد سحر، أضاف الكيد إلى السحر على التوسع، وأراد كيد ذي سحر، فيكون المعنى مثل كيد ساحر، ويجوز أن يكون معنى كيد سحر: كيد من سحر كما قالوا: قميص حرير، وجبة وَشْي، ذكر ذلك ابن الأنباري (١). والمعنى: الذي صنعوه تخيل سحر لا حقيقة له.\n[وقوله: ﴿وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ قال ابن عباس: (ولا يسعد الساحر حيث ما كان) (٢).\nوروى جندب بن عبد الله البجلي (٣): أن رسول الله -ﷺ- قال: \"إذا أخذتم الساحر فاقتلوه، ثم قرأ: ﴿وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ قال: لا يأمن حيث وجد\" (٤).\n_________\n= وقرأ حمزة، والكسائي: (كيد سحر) بغير ألف.\nانظر: \"السبعة\" ص ٤٢١، \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٢٣٧، \"حجة القراءات\" ص ٤٥٨، \"الغاية في القراءات\" ص ٣٢٣.\n(١) ذكر بلا نسبة في \"الكشاف\" ٢/ ٥٤٥، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٢٢٤، \"التفسير الكبير\" ٢٢/ ٨٥، \"البحر المحيط\" ٦/ ٢٦٠.\n(٢) \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٨٤، \"زاد المسير\" ٥/ ٣٠٦.\n(٣) جندب بن عبد الله بن سفيان البجلي، ينسب إلى جده، أحد أصحاب النبي -ﷺ- روى عن النبي -ﷺ- روى عنه الحسن، وابن سيرين، وأخرج له الجماعة، توفي -﵁- سنة ٦٤ هـ.\nانظر: \"الاستيعاب\" ١/ ٢١٩، \"أسد الغابة\" ١/ ٣٠٣، \"الإصابة\" ١/ ٢٤٩، \"تهذيب التهذيب\" ٢/ ١١٨، \"سير أعلام النبلاء\" للذهبي ٣/ ١٧٤، \"الكاشف\" ١/ ١٣٢.\n(٤) أورده ابن كثير في \"تفسيره\" ٣/ ١٧٥، وقال: وقد روى أصله الترمذي موقوفًا ومرفوعًا. وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٢/ ٥٤١، وعزاه لابن أبي حاتم وابن مردويه، وذكره ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٥/ ٢١٠، والقرطبي في \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢/ ٤٨، والشوكاني في \"نيل الأوطار\" باب: ما جاء في حد السحر ٧/ ٦٣٢، والألوسي في \"روح المعاني\" ١٦/ ٢٣٠. =","vol":"14","page":461},{"text":"قال أبو إسحاق: (معناه حيث كان الساحر يجب أن يقتل. قال: وكذلك مذهب أهل الفقه في السحرة) (١). ونحوه هذا المعنى ذكر الفراء] (٢) (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2506>٧٠ </span>- وقوله تعالى: ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا﴾ ففعل ما أمر به موسى، ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا﴾ وترك ذكره؛ لأنه ذكر في سورة الأعراف (٤)، والشعراء (٥) أنه ألقى عصاه، فتلقفت ما صنعوا، وما يقع من الكلام في تفسير هذه الآية قد سبق في سورة الأعراف (٦).\n_________\n= وأخرج الترمذي في جامعه نحوه في كتاب الحدود، باب: ما جاء في حد السحر ٤/ ٦٠، والحاكم في \"المستدرك\" ٤/ ٣٦٠، وصححه ووافقه الذهبي، وذكره ابن حزم في \"المحلى\" ١١/ ٣٩٦، وابن حجر في \"فتح الباري\" ١٠/ ٢٣٦، والذهبي في \"الكبائر\" ص ٤٦.\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٦٧.\n(٢) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٨٦.\nاختلف العلماء في حكم السحر والساحر، والصحيح -والله أعلم- أن السحر نوعان منه ما هو كفر، ومنه ما لا يبلغ درجة الكفر، فإن كان الساحر استعمل السحر الذي هو كفر فإنه يقتل كفرًا، وأما إن كان الساحر عمل السحر الذي لا يبلغ الكفر فهو محل خلاف بين العلماء، والراجح -والله أعلم- أنه لا يقتل.\nانظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢/ ٤٨، \"أحكام القرآن\" للجصاص ١/ ٦١، \"أحكام القرآن\" لابن العربي ١/ ٣١، \"المبسوط\" للسرخسي ١٠/ ٢٠٨، \"الزواجر\" ٢/ ١٠٤، \"المغني\" لابن قدامة ٨/ ١٥١.\n(٣) ما بين المعقوفين ساقط من الأصل ومن نسخة (ص).\n(٤) عند قوله سبحانه: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ﴾ [الأعراف: ١١٧].\n(٥) عند قوله سبحانه: ﴿فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ﴾ [الشعراء: ٤٥].\n(٦) سورة الأعراف الآيات: (١١٧ - ١٢٠).","vol":"14","page":462},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2507>٧١ </span>- قوله تعالى: ﴿قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾ الكلام في هذا، ووجه اختلاف القراء في ﴿آمَنْتُمْ﴾ (١). قد تقدم في سورة الأعراف (٢). بوصل الباء إذا كان باللهِ تعالى، وإذا كان بغيره وصل باللام، كذا جاء في التنزيل (٣)، مثل قوله: ﴿فَمَا آمَنَ لِمُوسَى﴾ [يونس: ٨٣]، ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ﴾ [الإسراء: ٩٠]، ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ [يوسف: ١٧]، ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ [العنكبوت: ٢٦]؛ لأنه يراد به مجرد التصديق، وقد قال في سورة الأعراف: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ﴾ [الأعراف: ١٢٣]، فهما بمعنى واحد.\nقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ﴾ قال ابن عباس: (يريد معلمكم) (٤). وقال: (ولذلك يقول أهل مكة: جئت (٥) من عند كبيري، [وحتى أستأذن كبيري) (٦).\nوقال الكسائي: (الصبي بالحجاز إذا جاء من عند معلمه قال: جئت من عند كبيري) (٧)] (٨).\n_________\n(١) قرأ ابن كثير، وحفص عن عاصم، وورش عن نافع: (آمنتم) على لفظ الخبر. وقرأ أبو عمرو، وابن عامر، ونافع: (آمنتم) بهمزة ممدودة. وقرأ حمزة، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم: (أآمنتم) بهمزتين الثانية ممدودة انظر: \"السبعة\" ص ٤٢١، \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٢٣٨، \"حجة القراءات\" ص ٤٥٨.\n(٢) عند قوله سبحانه: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾ [الأعراف: ١٢٣] الآية.\n(٣) \"الكشاف\" ٢/ ٥٤٦، \"البحر المحيط\" ٦/ ٢٦١، \"روح المعاني\" ١٦/ ٢٣١.\n(٤) \"زاد المسير\" ٥/ ٢٠٧.\n(٥) في (ص) (حيث)، وهو تصحيف.\n(٦) \"الكشاف\" ٢/ ٥٤٥، \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ٢/ ٢٣.\n(٧) \"زاد المسير\" ٥/ ٢٠٧، \"فتح القدير\" ٣/ ٥٣٧.\n(٨) ما بين المعقوفين ساقط من الأصل ومن نسخة (ص).","vol":"14","page":463},{"text":"وقال محمد بن إسحاق: (إنه لعظيم السحار) (١).\nوالكبير في اللغة: الرئيس (٢)، ومنه قوله تعالى: ﴿قَالَ كَبِيرُهُمْ﴾ [يوسف: ٨٠]، يعني رئيسهم الذي هو أعلمهم، ولم يرد الكبير في السن، ولهذا يقال للمعلم: الكبير.\nقال أهل المعاني: جعل نسبتهم إلى اتباع رئيسهم بالسجود علة لصرف الناس عن اتباع موسى.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ قال المبرد: (المعنى على جذوع النخل، وإنما وقعت في ومعانيها الوعاء، كقولك: زيد في الدار، والمتاع في الوعاء؛ لأنّ الجذع جعل كأنه قد حل فيه، فصار الجذع له مكانًا كالبيت) (٣). كما قال الأسدي (٤):\nتَداركت شَمْاسًا ويَحْيى وخالدِا ... وقَد نصبت فَوقَ الجُذُوع قُبُورهَا\nأي: جعلت الجذوع لهم مكان القبور، ونحو هذا قال أبو عبيدة، والفراء، والزجاج (٥) وأنشدوا (٦):\n_________\n(١) \"جامع البيان\" ١٦/ ١٨٨ \"فتح القدير\" ٣/ ٥٣٧.\n(٢) انظر: \"تهذيب اللغة\" (كبر) ص ٣٠٩٠، \"القاموس المحيط\" (كبر) ص ٤٦٨، \"لسان العرب\" (كبر) ٦/ ٣٨٠٧.\n(٣) ذكره مختصرًا في \"المقتضب\" ٢/ ٣١٨.\n(٤) لم أهتد إليه.\n(٥) \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ٢/ ١٢٣، \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٨٦، \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٦٨.\n(٦) اختلف في نسبة هذا البيت، فنسب لسويد بن أبي كأهل.\nانظر: \"الأزهية\" ص ٢٧٨، \"شرح شواهد المغني\" ١/ ٤٧٩، \"الكشف والبيان\" ٣/ ٢١ \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٢٢٤، \"السان العرب\" (شمس) ٤/ ٢٣٢٤.=","vol":"14","page":464},{"text":"وَهُم صَلَبُوا العَبدِيَّ في جِذْعِ نَخْلَةِ ... فَلا عَطَستْ شَيْبَانُ إِلاَ بِأجْدَعا\nولما كانت الجذوع تضمهم كما يضم الوعا ما فيه قيل: ﴿فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾، وهذا كقوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ﴾ [الطور: ٣٨]، أي: عليه. ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ﴾ أيها السحرة ﴿أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا﴾ لكم ﴿وَأَبْقَى﴾ وأدوم أنا على إيمانكم، أو رب موسى على ترككم الإيمان به.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2508>٧٢ </span>- قوله تعالى: ﴿قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ﴾ أي: لن نفضلك ولن نختارك ﴿عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ﴾ قال ابن عباس: (يريد من اليقين والعلم) (١). وقال مقاتل: (يعني اليد والعصا) (٢).\nوقال عكرمة: (هو أنهم حيث خروا سجدًا أراهم الله في سجودهم منازلهم في الجنة التي إليها يصيرون) (٣). ونحو هذا قال القاسم بن أبي بزة (٤): (ما رفعوا رؤوسهم حتى رأوا الجنة والنار، ورأوا ثواب أهلها عند\n_________\n= ونسب البيت لامرأة من العرب. انظر: \"الخصائص\" ٢/ ٣١٣، \"شرح المفصل\" ٨/ ٢١، \"لسان العرب\" (فيا) ١٠/ ٣٧٣.\nوورد بلا نسبة في: \"جامع البيان\" ١٦/ ١١٨، \"البحر المحيط\" ٢/ ٢٦١، \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ٢/ ٢٤، \"معاني القرآن\" ٣/ ٣٦٨، \"المقتضب\" ٢/ ٣١٩، \"أدب الكاتب\" ص ٥٠٦.\n(١) \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٢٢٥.\n(٢) \"الكشف والبيان\" ٣/ ٢١ ب، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٨٥، \"تفسير مقاتل\" ٤ ب.\n(٣) \"النكت والعيون\" ٣/ ٤١٤، \"الكشاف\" ٢/ ٥٤٥، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٢٢٥، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٧٦، \"الدر المنثور\" ٤/ ٥٤٢، \"أضواء البيان\" ٤/ ٤٧٢، وقال: والظاهر أن ذلك من نوع الإسرائيليات.\n(٤) القاسم بن نافع بن أبي بزة، واسم أبي بزة: يسار، وقيل نافع، مولى عبد الله بن السائب بن صيفي المخزومي المكي، ويكنى القاسم بأبي عبد الله، وأصله من همدان، تابعي ثقة، روى عن: أبي الطفيل، وأبي معبد، ومجاهد، وسعيد بن =","vol":"14","page":465},{"text":"ذلك قالوا: ﴿لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ﴾) (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَالَّذِي فَطَرَنَا﴾ ذكر الفراء والزجاج فيه وجهين أحدهما: (لن نؤثرك على الله والذي خلقنا. والثاني: أنه قسم) (٢).\n﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾ قال ابن عباس وجميع المفسرين: (فاصنع ما أنت صانع) (٣). ﴿إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ قال ابن عباس: (يريد إنما سلطانك وملكك في هذه الدنيا، فأما في الآخرة فليس لك فيها حظ ولا سلطان) (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2509>٧٣ </span>- قوله تعالى: ﴿إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا﴾ قال ابن عباس: (الشرك الذي كنا فيه) (٥). ﴿وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ﴾ روي: (أن فرعون\n_________\n= جبير. وروى عنه: عمرو بن دينار، وعبد الملك بن أبي سليمان، وابن جريج وغيرهم كثير، توفي -﵀- سنة ١٢٤ هـ بمكة. انظر: \"الجرح والتعديل\" ٧/ ١٢٢، \"طبقات ابن سعد\" ٥/ ٤٧٩، \"الثقات\" لابن حبان ٧/ ٣٣٠، \"شذرات الذهب\" ١/ ١٦٢، \"تهذيب التهذيب\" ٨٩/ ٢٧٨.\n(١) \"الكشف والبيان\" ٣/ ٢١ ب، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٨٥، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٧٦، \"الدر المنثور\" ٤/ ٥٤٢.\n(٢) \"معاني القرآن\" ٢/ ١٨٧، \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٦٨.\n(٣) \"جامع البيان\" ١٦/ ١٨٩، \"الكشف والبيان\" ٣/ ٢٢ أ، \"النكت والعيون\" ٣/ ٤١٥، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٨٥، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٢٢٦.\n(٤) ذكرته كتب التفسير بدون نسبة.\nانظر: \"جامع البيان\" ١٦/ ١٨٩، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٨٥، \"النكت والعيون\" ٣/ ٤١٥، \"زاد المسير\" ٥/ ٣٠٧، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٧٦.\n(٥) ذكرت نحوه كتب التفسير بدون نسبة.\nانظر: \"بحر العلوم\" ٢/ ٣٥٠، \"زاد المسير\" ٥/ ٣٠٧، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٢٢٦، \"مجمع البيان\" ٧/ ٣٥.","vol":"14","page":466},{"text":"كان يكره الناس على تعلم السحر) (١).\nوروي: (أنه أكرههم على معارضة موسى بالسحر) (٢). والقولان مرويان في التفسير.\n﴿وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ قال ابن عباس: (يريد ثواب الله خير وأبقى) (٣). فعلى هذا المضاف محذوف.\nوقال أبو إسحاق: (أي الله خير لنا منك وأبقى عذابًا) (٤). وهذا جواب قوله: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى﴾ [طه: ٧١] وهذا معنى قول محمد بن إسحاق: (والله خير منك [ثوابًا وأبقى عقابًا) (٥).\nوقال محمد بن كعب: (والله خير منك إن أطيع، وأبقى عذابًا منك] (٦) إن عصي) (٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2510>٧٤ </span>- قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا﴾ هذا ابتداء كلام من الله تعالى وانتهى الإخبار عن السحرة (٨).\n_________\n(١) \"جامع البيان\" ١٦/ ١٨٩، \"الكثف والبيان\" ٣/ ٢٢أ، \"بحر العلوم\" ٢/ ٣٥٠، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٨٥، \"المحرر الوجيز\" ٧/ ٥٨، \"زاد المسير\" ٥/ ٣٠٧.\n(٢) \"المحرر الوجيز\" ٣/ ٥٨، \"الكشاف\" ٢/ ٥٤٦، \"زاد المسير\" ٥/ ٣٠٨، \"التفسير الكبير\" ٢٢/ ٨٩، \"روح المعاني\" ١٦/ ٢٣٣.\n(٣) \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٢٢٦.\n(٤) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٦٩.\n(٥) \"جامع البيان\" ١٦/ ١٩٠، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٨٥، \"ابن كثير\" ٣/ ١٧٦.\n(٦) ما بين المعقوفين ساقط من الأصل ومن نسخة (ص).\n(٧) المراجع السابقة، \"الدر المنثور\" ٤/ ٥٤٢، \"فتح القدير\" ٣/ ٥٣٨.\n(٨) \"بحر العلوم\" ٢/ ٣٥٠، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٨٦، \"المحرر الوجيز\" ١٠/ ٥٩، \"الكشاف\" ٢/ ٥٤٦.","vol":"14","page":467},{"text":"وقيل: (هذا أيضًا إخبار عنهم أنهم قالوه) (١).\nوالكناية في قوله: ﴿إِنَّهُ﴾ الأمر والشأن، أي: بأن الأمر والشأن هذا، وهو أن المجرم يدخل النار، والمؤمن يدخل الجنة، ويجوز أن يكون هاء الإضمار على شريطة التفسير، وبينا ذلك في سورة يوسف [٩٠].\nومعنى ﴿مُجْرِمًا﴾ قال ابن عباس في رواية الضحاك: (المجرم الكافر) (٢).\nوقال في رواية عطاء: (يريد أجرم، وفعل مثل ما فعل فرعون) (٣). ﴿فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى﴾ قال: (يريد لا يموت فيستريح، ولا يحيي فيفتر عنه العذاب) (٤).\nقال الكلبي: (ولا يحيي فيها حياة تنفعه) (٥).\n_________\n(١) \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٨٦، \"المحرر الوجيز\" ١٠/ ٥٩، \"الكشاف\" ٢/ ٥٤٦، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٢٢٦، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٧٧.\n(٢) ذكرته كتب التفسير بدون نسبة.\nانظر: \"جامع البيان\" ١٦/ ١٩٠، \"بحر العلوم\" ٢/ ٣٥٠، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٢٢٧، \"مجمع البيان\" ٧/ ٣٥، \"البحر المحيط\" ٦/ ٢٦٢.\n(٣) \"مجمع البيان\" ٧/ ٣٥.\n(٤) ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة.\nانظر: \"بحر العلوم\" ٢/ ٣٥٠، \"زاد المسير\" ٥/ ٣٠٩، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٢٢٧، \"مجمع البيان\" ٧/ ٣٥، \"البحر المحيط\" ٦/ ٢٦٢، \"فتح التقدير\" ٥/ ٥٣٨.\n(٥) ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة.\nانظر: \"زاد المسير\" ٥/ ٣٠٩، \"البحر المحيط\" ٦/ ٢٦٢، \"فتح القدير\" ٥/ ٥٣٨. ويشهد لذلك قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ﴾ [فاطر: ٣٦]","vol":"14","page":468},{"text":"وروى أبو نضرة (١) عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله -ﷺ-: \"إن أهل النار الذين لا يريد الله إخراجهم تُميتهم النار إماتة حتى يصيروا فحمًا، ثم يخرجون ضبائر (٢) فيلقون على أنهار الجنة، فيرش عليهم من أنهار الجنة، حتى ينبتوا كما تنبت الحبة في حميل السيل) (٣) (٤).\nقال المبرد: (تأويل قوله: ﴿لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى﴾ لا يموت ميتة مريحة، ولا يحيى حياة ممتعة، وهو يألم كما يألم الحي ليفهم ذلك، ويبلغ بهم حالة الموتى في المكروه، إلا أنه لا يبلغ الحالة التي يبطل فيها عن الفهم، والعرب تقول: فلان لا حي ولا ميت، إذا كان غير منتفع بحياته، وكذلك يقولون لمن يكلم ولم يبلغ حاجته: تكلمت ولم تتكلم، أي: لم\n_________\n(١) المنذر بن مالك بن قطعة العبدي، العوفي، البصري، من الطبقة الوسطى، من علماء التابعين، وثقه عدد من العلماء، وشهدوا له بالصلاح والتقوى. توفي -﵀- سنة ١٠٨ هـ انظر: \"تهذيب التهذيب\" ١٠/ ٣٠٢، \"سير أعلام النبلاء\" ٤/ ١٢٩، \"تقريب التهذيب\" ٢/ ٢٧٥.\n(٢) الضبائر: جماعات الناس، يقال: رأيتهم ضبائر أي: جماعات.\nانظر: \"تهذيب اللغة\" (ضبر) ٣/ ٢٠٨٧، \"مقاييس اللغة\" (ضبر) ص٣٨٦، \"الصحاح\" (ضبر) ٢/ ٧١٨، \"لسان العرب\" (ضبر) ٤/ ٢٥٤٧.\n(٣) حميل السيل: ما حمله السيل من الغثاء والطين، وكل محمول فهو حميل.\nانظر: \"تهذيب اللغة\" (حمل) ١/ ٩٢٥، \"الصحاح\" (حمل) ٤/ ١٦٧٨، \"القاموس المحيط\" (حمله) (٩٨٧)، \"لسان العرب\" (حمل) ٢/ ١٠٠١.\n(٤) أخرجه النسائي في \"سننه\" كتاب التطبيق، باب: موضع السجود ٢/ ١٦٣، والترمذي في صفة جهنم، باب: (١٠) ٤/ ٦١٥، وقال: هذا حديث حسن صحيح. وابن ماجة في الرقاق، باب: ما يخرج الله من النار برحمته ٢/ ٢٣٨، وأورده في \"الدر المنثور\" ٢/ ٥٤٢، وزاد نسبته لابن مردويه عن أبي سعيد.","vol":"14","page":469},{"text":"تبلغ) (١). كما قال ابن مرداس (٢) (٣):\nوقَدْ كُنْتُ في الحَرْبِ ذا تُدْرَاءٍ ... فَلَمْ أُعْطَ شَيْئًا ولَمْ أُمْنَعِ\nلأنه عندما أعطيه يقصر عن حقه، بأنّه قد وصل إليه القليل لم يمنع. وأنشد ابن الأنباري في مثل هذا المعنى لعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود (٤):\nأَلاَ مَا لِنَفْسٍ لا تَمُوُت فَيَنْقَضِي ... شَقاهَا ولا تَحْيَا حَياةً لَهَا طَعْمُ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2511>٧٥ </span>- قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا﴾ قال ابن عباس: (مصدقًا) (٥). ﴿قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ﴾ [قال: (يريد قد أدى الفرائض) (٦). فهذا من صفة النكرة\n_________\n(١) ذكر نحوه \"المحرر الوجيز\" ١٠/ ٥٩، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٨٩، \"البحر المحيط\" ٦/ ٢٦٢.\nويشهد له قوله سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ﴾ [فاطر: ٣٦].\n(٢) عباس بن مرداس بن أبي عامر السلمي، أبو الهيثم، الصحابي، تقدم.\n(٣) البيت لعباس بن مرداس.\nذا تدرأ: أي: ذو هجوم لا يتوقى ولا يهاب ففيه قوة على دفع أعدائه.\nانظر: \"ديوانه\" ص ٨٤، \"الشعر والشعراء\" ٢/ ٧٥٢، \"شرح التصريح\" ٢/ ١١٩، \"شرح شواهد المغني\" ٢/ ٩٢٥، \"المقاصد النحوية\" ٤/ ٦٩، \"همع الهوامع\" ٢/ ١٢٠، \"لسان العرب\" (درأ) ٣/ ١٣٤٧.\n(٤) ذكرته كتب التفسير واللغة بلا نسبة.\nانظر: \"النكت والعيون\" ٣/ ٤١٥، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٢٢٧، \"أضواء البيان\" ٤/ ٤٧٨، \"لسان العرب\" (طعم) ٨/ ١٦٥.\n(٥) ذكرته كتب التفسير بلا نسبة.\nانظر: \"بحر العلوم\" ٢/ ٣٥٠، \"لباب التأويل\" ٤/ ٢٧٦، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٢٢٦، \"مجمع البيان\" ٧/ ٣٥، \"مدارك التنزيل\" ٢/ ١٠١٦.\n(٦) ذكرته كتب التفسير بلا نسبة. =","vol":"14","page":470},{"text":"التي هي الحال] (١)، ﴿فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى﴾ قال: (قصرت دونها الصفة) (٢).\nقال ابن عباس فيما روى عنه سعيد بن جبير: (لله عباد ولدوا في الإسلام ونشؤا في أعمال البر، لم يخالطوا المعاصي وأهلها حتى ماتوا على ذلك، إذا كان يوم القيامة نادى المنادي: أين من أتى ربه مؤمنًا فاضلًا قد عمل الصالحات بصدق النية، فعرف القوم صفتهم، فقالوا: لبيك دعوتنا، قال: فإن الله يقول: ﴿فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى (٧٥) جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ الآية، وعقد لهم لواء فاتبع القوم لواءهم حتى دخلوا الجنة) (٣).\nوالآية دليل على أن الأمور بخواتيمها وأن الإيمان بالموافاة لقوله: ﴿وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا﴾ ودليل على أن الدرجات إنما تستحق بالأعمال الصالحة، وقد يدخل الجنة من لا ينال الدرجات العلى.\nوهذا معنى قوله﵇-: \"تدخلون الجنة برحمة الله وتقسمون الدرجات بأعمالكم\" (٤).\n_________\n= انظر: \"جامع البيان\" ١٦/ ١٩٠، \"زاد المسير\" ٥/ ٣٠٩ ذكره منسوب لابن عباس، \"لباب التأويل\" ٤/ ٢٧٦، \"مجمع البيان\" ٧/ ٣٥، \"روح المعاني\" ١٦/ ٢٤٠.\n(١) ما بين المعقوفين ساقط من الأصل ومن نسخة (ص).\n(٢) ذكر نحوه بدون نسبة \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٢٢٧، \"فتح القدير\" ٥/ ٥٣٩.\n(٣) لم أقف عليه.\n(٤) أخرج البخاري نحوه في \"صحيحه\" كتاب الرقائق، باب: القصد والمداومة على العمل ٥/ ٢٣٧٣، ومسلم في \"صحيحه\" كتاب صفات المنافقين وأحكامهم، باب: لن يدخل الجنة أحد بعمله بل برحمة الله تعالى ٤/ ٢١٦٩، وابن ماجة كتاب الزهد، باب: التوفي على العمل ٢/ ١٤٠٥، والإمام أحمد في \"مسنده\"٢/ ٢٢٢، والدارمي في \"سننه\" كتاب الرقائق، باب: لن ينجي أحدكم عمله ٢/ ٢١٥.","vol":"14","page":471},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2512>٧٦ </span>- قوله تعالى: ﴿وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى﴾ قال عطاء عن ابن عباس: (من قال لا إله إلا الله) (١). ونحو ذلك قال الكلبي (٢).\nومعنى ﴿تَزَكَّى﴾ تطهير من الذنوب بالطاعة بدلًا من التدنس بالمعاصي. وقصد أن يكون زاكيا في الخير.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2513>٧٧ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي﴾ سر بهم ليلًا من أرض مصر ﴿فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ﴾ أي: اجعل لهم طريقًا في البحر بالضرب بالعصا حتى ينفلق لهم البحر عن طريق (٣). فعدي الضرب إلى الطريق لما دخله هذا المعنى، وهو أنه أريد بضرب الطريق جعل الطريق بالضرب.\nوقوله تعالى: ﴿يَبَسًا﴾ قال الليث: (طريق يبس: لا نداوة فيه ولا بلل) (٤). وقال أبو عبيدة: (يَبَسْ وَيبْس بمعنى: يَابس) (٥)، وأنشد لعلقمة بن عبدة (٦):\n_________\n(١) \"الكشاف\" ٢/ ٥٤٦، \"التفسير الكبير\" ٢٢/ ٩١، \"روح المعاني\" ١٦/ ٢٣٥.\n(٢) \"الكشف والبيان\" ٣/ ٢٢ أ، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٨٦.\n(٣) \"جامع البيان\" ١٦/ ١٩١، \"تفسير كتاب الله العزيز\" ٣/ ٤٥، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٨٦.\n(٤) \"تهذيب اللغة\" (يبس) ٤/ ٣٩٧٣.\n(٥) \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ٢/ ٢٤.\n(٦) البيت لعلقمة بن عبدة التميمي.\nخَشْخَش: الخشخاش الجماعة عليهم سلاح ودروع. واليَبَس: بالفتح اليابس، وهو نقيض الرطوبة.\nانظر: \"ديوانه\" ص ١٠٧، \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ٢/ ٢٤، \"الاقتضاب\" ص ٤٦٠، \"لسان العرب\" (خشخش) ٢/ ١١٦٤.","vol":"14","page":472},{"text":"تَخَشْخَشُ أَبْدَانُ الحَدِيْدِ عَلَيهِمُ ... كَمَا خَشْخَشَتْ يَبْسَ الحَصَاد جَنُوُب\nوقال الأزهري: (يقال للأرض إذا يَبِسَت: يَبَس، وللبقول والحطب يَبِس (١)، وأنشد (٢):\nولَمْ يَبْقَ بالخَلْصاءِ مِما عَنَتْ بِه ... مِنَ الرُّطَبِ إلا يَبْسُهَا وهَجِيرُها\nوقال أبو إسحاق: (يقال: يَبَسَ الشيء يَبَسًا ويُبْسًا ويَيْسًا ثلاث لغات في المصدر، وطريقًا يَبَسًا نعت بالمصدر والمعنى: طريق ذا يَبَسٍ) (٣). قال مجاهد: (يَبَسًا يابِسًا) (٤). وذلك أن الله تعالى أيبس لهم ذلك الطريق حتى لم يكن فيه ماء ولا طين.\nوقوله تعالى: ﴿لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى﴾ قال ابن عباس وجميع المفسرين: (لا تخاف [أن يدركك فرعون، ولا أحد من خلفك، ولا تخشى البحر) (٥).\nوقال سيبويه: (﴿لَا تَخَافُ دَرَكًا﴾] (٦) رفعه على وجهين أحدهما: على\n_________\n(١) \"تهذيب اللغة\" (يبس) ٤/ ٣٩٧٣.\n(٢) البيت لذي الرمة.\nوالخلصاء: مكان. وعنت به: أنبتته نباتًا حسنًا. واليبس: ما يبس من العشب والبقول التي تتناثر إذا يبست. والهجير: يبيس الحمض الذي كسرته الماشية. وهجر: ترك. انظر: \"ديوان ذي الرمه\" ص ٣٠٥، \"تهذيب اللغة\" (يبس) ٤/ ٣٩٧٣، \"لسان العرب\" (هجر) ٨/ ٤٦١٦.\n(٣) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٦٩.\n(٤) \"جامع البيان\" ١٦/ ١٤٣، \"الدر المنثور\" ٤/ ٥٤٣.\n(٥) \"جامع البيان\" ١٦/ ١٩١، \"الكشف والبيان\" ٣/ ٢٢ أ، \"تفسير كتاب الله العزيز\" ٣/ ٤٥، \"النكت والعيون\" ١٦/ ١٩١، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٨٦.\n(٦) ما بين المعقوفين ساقط من نسخة (ص).","vol":"14","page":473},{"text":"الحال، كقولك: غير خائف ولا خاش، كلما قال: ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ [المدثر: ٦]، أي مستكثرًا، قال: ويكون على قطع وابتداء أي: أنت لا تخاف) (١).\nوقرأ حمزة: لا تخف جزمًا (٢). وله وجهان: أحدهما ما ذكره الزجاج وهو: (أنه نهي عن أن يخاف، معناه: ولا تخف أن يدرككم (٣) فرعون) (٤). والثاني: ما ذكره أبو علي وهو: (أنه جعله جواب الشرط على معنى إن تضرب لا تخف دركًا ممن خلفك) (٥).\nقال أبان بن تغلب (٦) وأبو عبيد: (لو كان لا يخف لكان لا يخشى) (٧).\nوهذا لا يلزم حمزة لوجوه أحدها: ما ذكره الفراء وغيره: (أنه نوى بقوله: (ولا تخشى) الاستئناف) (٨). كما قال الله تعالى: ﴿يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ﴾ [آل عمران: ١١١]، فاستأنف بثم، ويكون المعنى: لا تخف\n_________\n(١) ذكره الرازي في \"التفسير الكبير\" ٢٢/ ٩٢، وذكر نحوه الفارسي في \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٢٣٩، والعكبري في \"إملاء ما من به الرحمن\" ١/ ١٢٥.\n(٢) قرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، والكسائي، وعاصم: (لا تخافُ دركا) رفعًا بألف. وقرأ حمزة: (لا تخفْ دركا) جزمًا بغير ألف.\nانظر: \"السبعة\" ص ٤٢١، \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٢٣٩، \"الغاية في القراءات\" ص ٣٢٣، \"النشر\" ٢/ ٣٢١.\n(٣) في نسخة (ص) يدكك.\n(٤) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٧٠.\n(٥) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٢٣٩.\n(٦) هو الجريري، له كتاب في غريب القرآن توفي سنة (١٤١ هـ)\n(٧) أورد نحوه الزجاج في \"معاني القرآن\" ٣/ ٣٧٠ بلا نسبة، والزمخشري في \"الكشاف\" ٢/ ٥٤٧، والقرطبي في \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٢٢٨.\n(٨) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٨٧، \"إملاء ما من به الرحمن\" ١/ ١٢٥.","vol":"14","page":474},{"text":"العدو وراءك على النهي، أو على الجواب وأنت لا تخشى الغرق أمامك. وذكر (١) الفراء وجهًا آخر قال: (ولو نوى حمزة بقوله: (ولا تخشى) الجزم، وإن كانت فيه الياء كان صوابًا، كما قال (٢):\nهُزَّي إِلَيْكِ الجِذْعَ يُجْنِيْكِ الجَنَى\n[وقال آخر (٣):\nهَجَوْتَ زَبَّانَ ثمَّ جِئْتَ مُعْتَذِرًا ... مِنْ هَجْمِ زَبَّانَ لَمْ تَهْجُو وَلَمْ تَدَعِ] (٤)\nوقال آخر (٥):\n_________\n(١) في (ص): (وذلك)، وهو تصحيف.\n(٢) لم أهتد إلى قائله. وذكرته كتب التفسير واللغة بلا نسبة.\nالجَنَى: الرطب والعسل، وكل ثمر فهو جنى، والإجتناء أخذك إياه.\nانظر: \"جامع البيان\" ١٦/ ١٩٢، \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٨٧، \"تهذيب اللغة\" (جنى) ١/ ٦٧٤، \"لسان العرب\" (جنى) ٢/ ٧٠٧.\n(٣) ينسب هذا البيت لأبي عمرو بن العلاء، يخاطب به الفرزدق عندما جاء إليه معتذرًا من أجل هجو بلغه عنه.\nانظر: \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٢٤٠، \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٨٨، \"إعراب القرآن\" للنحاس ٢/ ٣٥٢، \"الإنصاف\" ١٩، \"خزانة الأدب\" ٨/ ٣٥٩، \"سر صناعة الإعراب\" ٢/ ٣٦٠، \"معجم الأدباء\" ١١/ ١٥٨، \"شرح شواهد الشافية\" ص ٤٠٦، \"شرح المفصل\" ١٠/ ١٠٤.\n(٤) ما بين المعقوفين ساقط من نسخة (س).\n(٥) البيت لقيس بن زهير العبسي.\nتنمي: تبلغ. لبون: اللبون من الشاة والإبل ذات اللبن.\nانظر: \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٢٤٠ \"الكتاب\" ١/ ٣٢، \"الخزانة\" ٣/ ٥٣٤، \"الخصائص\" ١/ ٣٣٣، \"الأغاني\" ١٧/ ١٣١، \"شرح شواهد الشافعية\" ص ٤٠٨، \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٨٨، \"إعراب القرآن\" للنحاس ٢/ ٣٥٢، \"سر صناعة الإعراب\" ١/ ٧٨، \"المحتسب\" ١/ ٦٧.","vol":"14","page":475},{"text":"أَلَمْ يَأتِيْكَ والأَنْبَاءُ تَنْمَي ... بِمَا لاَقَتْ لَبُونُ بَنِي زِيَاد\nفأثبت الياء (١) في موضع جزم، ولسكونها جاز ذلك) (٢).\nقال أبو علي: (وهذا لا يحمل على ما ذكره الفراء؛ لأن ذلك إنما يجيء في ضرورة الشعر كقوله (٣):\nكَأَنْ لَمْ تَرَ قَبْلِي أَسِيرًا يَمَانِيَا\nولكن تقدر أنه حذف الألف المنقلبة عن اللام للجزم، تم أشبعت الفتحة؛ لأنها فاصلة، فأثبت الألف عن إشباع الفتحة [ومثل هذا مما يثبت في الفاصلة قوله: ﴿فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا﴾ [الأحزاب: ٦٧]، وقد جاء إشباع هذه الفتحة] (٤) في كلامهم) (٥)، قال (٦):\nفَأَنْتَ مِنْ الغَوائِلِ حِينَ تُرْمَى ... ومِن ذَمَّ الرِّجَالِ بِمُنْتَزَاحِ\n_________\n(١) في (س): (الثاني)، وهو تصحيف.\n(٢) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٨٨.\n(٣) هذا عجز بيت لعبد يغوث بن وقاص الحارثي، وصدره:\nوتضحك مني شيخة عبشمية\nانظر: \"سر صناعة الإعراب\" ١/ ٧٦، \"الحجة\" ٥/ ٢٣٩، \"ذيل الأمالي\" ص ١٣٤، \"خزانة الأدب\" ٢/ ٢٠١، \"الأغاني\" ١٦/ ٢٥٨، \"شرح شواهد المغني\" ٢/ ٦٧٥، \"المحتسب\" ١/ ٦٥، \"شرح المفصل\" ٥/ ٩٧، \"لسان العرب\" (شمس) ٢/ ١٩٢٦.\n(٤) ما بين المعقوفين ساقط من نسخة (ص).\n(٥) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٢٤٠.\n(٦) اليت لابن هرمة يرثي ابنه. والغوائل: نوازل الدهر. بمنتزاح: ببعد عنه.\nانظر: \"ديوان ابن هرمة\" ٩٢، \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٢٤٠، \"المحتسب\" ١/ ١٦٦، \"المسائل الحلبيات\" ١١٢، \"الأشباه والنظائر\" ٢/ ٣٠، \"سر صناعة الإعراب\" ١/ ٢٥، \"الخصائص\" ٢/ ٣١٦، \"شرح شواهد الشافية\" ص ٢٥، \"الإنصاف\" ١/ ٢٥، \"خزانة الأدب\" ٧/ ٥٥٧، \"لسان العرب\" (نزح) ١٤/ ١٠٤.","vol":"14","page":476},{"text":"وقال أبو الفتح الموصلي: (العرب قد تشبع الفتحة فيتولد بعدها ألف؛ لأن الألف في الحقيقة فتحة مشبعة، أنشد سيبويه (١):\nفَبَيْنَا نَحْنُ نَرقُبُه أَتَانَا ... عُلِّقَ وَفْضَةٍ وَزِنادَ راعِي\nأراد: بين نحن نرقبه، فأشبع الفتحة فحدثت بعدها ألف، قال: ومثل هذا يفعلون في الضمة فتتولد الواو، وفي الكسرة فتتولد الياء) (٢). والدَّرَك اسم من الإدراك يوضع موضع المصدر (٣).\nقال الليث: (الدَّرَك: إدراك الحاجة يقال: بكر ففيه درك) (٤).\nوقال شمر: قال أبو عدنان: (يقال: أدركوا ماء الرُّكَيَّةَ (٥) إِدْراكًا ودَرَكًا) (٦).\nقال الأخفش: (ومعنى الآية: اضرب لهم طريقًا لا تخاف فيه دركا، وحذف فيه كما تقول: زيد أكرمت أي: أكرمته، وكما قال: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا\n_________\n(١) البيت ينسب لرجل من قيس عيلان. الوفضة: خريطة يحمل فيها الراعي أداته وزاده. والزناد: ما تقدح به النار.\nانظر: \"الكتاب\" ١/ ١٧١، \"المحتسب\" ٢/ ٧٨، \"سر صناعة الإعراب\" ١/ ٢٣، \"شرح شواهد المغني\" ٢/ ٧٩٨، \"خزانة الأدب\" ٧/ ٧٤، \"شرح المفصل\" ٤/ ٩٧، \"الأشباه والنظائر\" ٢/ ٣٦، \"لسان العرب\" (بين) ١/ ٥٦١.\n(٢) \"سر صناعة الإعراب\" ١/ ٢٣.\n(٣) انظر: \"تهذيب اللغة\" (درك) ٢/ ١١٧٦، \"لسان العرب\" (درك) ٣/ ١٣٦٣، \"المعجم الوسيط\" (الدرك) ١/ ٢٨١.\n(٤) \"تهذيب اللغة\" (درك) ٢/ ١١٧٦، \"لسان العرب\" (درك) ٣/ ١٣٦٣.\n(٥) الرُكَية: بئر تحفر، وهي جنس للركية وهي البئر.\nانظر: \"تهذيب اللغة\" (ركا) ٢/ ١٤٥٥، \"لسان العرب\" (ركا) ٣/ ١٧٢٢، \"المعجم الوسيط\" (الركية) ١/ ٣٧١.\n(٦) \"تهذيب اللغة\" (درك) ٢/ ١١٧٦.","vol":"14","page":477},{"text":"تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٤٨] أي: لا تجزي فيه) (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2514>٧٨ </span>- قوله تعالى: ﴿فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ﴾ أي: لحقهم كقوله. ﴿فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ﴾ [الأعراف: ١٧٥] وقوله: ﴿فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾ [الصافات: ١٠]، والباء في ﴿بِجُنُودِهِ﴾ في موضع حال من الفاعل على معنى ومعه جنوده، كما يقال: ركب بسلاحه، وخرج بثيابه، وهذا اللحاق إنما كان أن أول مقدمة فرعون قرب من ساقة قوم موسى وهم يعبرون البحر، أو يحمل على الإشراف على اللحاق والقرب منه (٢). ويجوز أن كون اتبع مطاوع تبع كقوله: ﴿وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً﴾ [هود: ٩٩]، وقوله تعالى: ﴿وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً﴾ [القصص: ٤٢]، والباء على هذا تكون زائدة، كما يزاد في كثير من المفعولات نحو (٣):\nلاَ يَقْرأَنَ بالسُّورِ\nوروي عن أبي عمرو أنه قرأ: فأتبعهم موصولة (٤). وعلى هذا الباء للتعدية؛ لأن اتبع بمعنى تبع كما يقال: شوى واشتوى، وحفى واحتفى،\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للأخفش ٢/ ٦٣٢.\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٧٠، \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٢٤١.\n(٣) هذا جزء من عجز بيت ينسب إلى الراعي النميري وتمامة:\nهُنْ الحَرائِرُ لا رَبَاتُ أَحْمِرة ... سُودُ المحَاجِر لا يَقْرأْنَ بالسُّوَرِ\nانظر: \"ديوانه\" ١٢٢، \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٢٤١، \"أدب الكاتب\" ٥٢١، \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ١/ ٤، \"خزانة الأدب\" ٩/ ١٠٧، \"المخصص\" ١٤/ ٧٠، \"مجالس ثعلب\" ص ٣٦٥، \"شرح أبيات المغني\" ١/ ١٢٨، \"لسان العرب\" (سود) ٤/ ٢١٤١.\n(٤) قرأ عبيد عن هارون عن أبي عمرو (فأتبعهم فرعون) موصولة.\nانظر: \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٢٤٠.","vol":"14","page":478},{"text":"وفدى وافتدى والمعنى: لحق جنوده بهم (١). قال أبو إسحاق: (وجائز أن يكون معهم على هذا اللفظ، وجائز أن لا يكون، إلا أنه قد كان معهم) (٢).\nوقوله تعالى: ﴿فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ﴾ قال ابن عباس: (يريد: الغرق) (٣).\nوقال أبو إسحاق: فغشيهم من البحر ما غَرَّقَهم) (٤).\nوشرح ابن الأنباري هذا فقال: (يسأل فيقال: ما الفائدة في قوله: ﴿مَا غَشِيَهُمْ﴾؟ فيقال: المعنى غشيهم من اليم البعض الذي غشيهم [لأنه لم يغشهم كل مائه، بل الذي غشيهم] (٥) بعضه فقال الله تعالى: ﴿مَا غَشِيَهُمْ﴾ ليدل على أن الذي غرقهم بعض الماء وأنهم لم يغرقوا بجميعه) (٦). هذا كلامه. وأجود منه ما ذكره محمد بن يزيد الثمالي وهو أنه قال: (معناه: غشيهم من اليم ما عرفتم أنه غشيهم) (٧). كما قال أبو النجم (٨):\n_________\n(١) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٢٤١، \"إملاء ما من به الرحمن\" ١/ ١٢٥.\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٧٠.\n(٣) ذكره كتب التفسير بدون نسبة. انظر: \"جامع البيان\" ١٦/ ١٩١، \"تفسير كتاب الله العزيز\" ٣/ ٤٥، \"النكت والعيون\" ٣/ ٤١٦، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٨٧ \"زاد المسير\" ٥/ ٣١٦.\n(٤) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٧٠.\n(٥) ما بين المعقوفين ساقط من الأصل ومن نسخه: (ص)\n(٦) ذكره ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٥/ ٣١١، وأورد نحوه بلا نسبة الزمخشري في \"الكشاف\" ٢/ ٥٤٧، \"البحر المحيط\" ٦/ ٢٦٤.\n(٧) ذكر نحوه في \"الكامل\" ١/ ٤٤.\n(٨) هذا الرجز لأبي النجم.\nانظر: \"الخزانة\" ١/ ٤٣٩، \"الأغاني\" ٩/ ٧٥، \"الكشاف\" ٤/ ٥٩، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٧٨، \"المصنف\" ١/ ١٠، \"الخصائص\" ٣/ ٣٣٧.","vol":"14","page":479},{"text":"أَنا أَبُو النَّجْمِ وشِعْرِي شِعْرِي\nأي: شعري ما قد عرفتم.\nوقال سيبويه: (من كلام العرب: إن فعلت كذا وكذا فأنت أنت، أي: أنت كما تعرف، ويقولون: الناس ناس، أي: هم كما قد عرفتم) (١).\nومعنى ﴿غَشِيَهُمْ﴾ علاهم وسترهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2515>٧٩ </span>- ﴿وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ﴾ حيث دعاهم إلى عبادته (وما هدى) ما هداهم إلى مراشدهم، وهذا تكذيب له إذا قال: ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ [غافر: ٢٩].\nوقال ابن عباس: (يريد ما أرشد نفسه) (٢). وعلى هذا معنى (ما هدى) ما هدى نفسه. والمعنى: أنه أهلك نفسه وقومه بضلاله ودعائهم إلى الضلالة حتى أوردهم مواقع الهلكة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2516>٨٠ </span>- قال ابن عباس: (ثم ذكر الله تعالى منته على بني إسرائيل فقال: ﴿بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ﴾ يعني فرعون أغرقه بمرآى منهم) (٣).\n﴿وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ﴾ وذلك أن الله تعالى وعد موسى بعد أن أغرق فرعون التأني جانب الطور الأيمن، فيؤتيه التوراة فيها بيان ما يحتاجون إليه، وقد ذكرنا هذا المعنى عند قوله: ﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ\n_________\n(١) لم أقف عليه.\n(٢) \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٢٢٩، وذكره بدون نسبة \"بحر العلوم\" ٣/ ٣٥٠، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٨٧.\n(٣) ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة. انظر: \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٨٧، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٧٨، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٢٢٣، \"إرشاد العقل السليم\" ٦/ ٢٣، \"روح المعاني\" ١٦/ ٢٣٨.","vol":"14","page":480},{"text":"لَيْلَةً﴾ [البقرة: ٥١]. واختلف القراء في: واعدنا ووعدنا (١) (٢).\nوزعم أبو الحسن الأخفش أن: (واعدنا لغة في وعدنا) (٣). وإذا كان كذلك، فمن قرأ بالألف لم يدل اللفظ على أن الفعل من الاثنين، كما أن استحر واستقر ونحو ذلك من بناء استفعل، لا يدل على استدعاء الفعل، والقراءة بوعد أحسن؛ لأنّ واعد هاهنا بمعنى وعد، ويعلم من وعد أنه فعل واحد لا محالة، وليس واعد كذلك فالأخذ بالأبين أولى (٤). وهذا الذي ذكرنا زيادة في توجيه القراءتين لم نذكرها في سورة البقرة (٥). وهذا الوعد إنما كان لموسى، ولكن خوطبوا به؛ لأن الوعد كان لأجلهم (٦). والمعنى: واعدناكم إتيان جانب الطور فحذف المضاف، والمراد بالأيمن الجانب الذي على يمين موسى (٧)، وقد مر (٨).\n_________\n(١) قوله: (ووعدنا) ساقط من نسخة (ص).\n(٢) قرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، وعاصم: (وواعدناكم) بالنون. وقرا أبو عمرو البصري: (ووعدناكم) بغير ألف. وقرأ حمزة والكسائي: (وواعتكم) بالتاء.\nانظر: \"السبعة\" ٤٢٢، \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٢٤١، \"حجة القراءات\" ٤٦٠، \"الغاية في القراءات\" ٣٢٣، \"المبسوط في القراءات\" ٢٤٩.\n(٣) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٢٤٢.\n(٤) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٢٤٢.\n(٥) عند قوله سبحانه في سورة البقرة الآية رقم (٥١): ﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ﴾.\n(٦) \"الكشاف\" ٢/ ٥٤٧، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٢٣٠، \"البحر المحيط\" ٦/ ٢٦٥، \"التفسير الكبير\" ٢٢/ ٩٥.\n(٧) \"القرطبي\" ١١/ ٢٣٠، \"البحر المحيط\" ٦/ ٢٦٥، \"التفسير الكبير\" ٢٢/ ٩٦.\n(٨) عند قوله سبحانه في سورة مريم الآية رقم (٥٢): ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾.","vol":"14","page":481},{"text":"وقيل في التفسير: (وعدهم الله جانب الجبل ليسمعوا كلام الله -﷿- لموسى بحضرتهم هناك) (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2517>٨١ </span>- قوله تعالى: ﴿كُلُوا﴾ أي: وقلنا لهم كلوا ﴿مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ وهذا أمر يقتضي التعديد بالنعم ﴿وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ﴾ قال ابن عباس في رواية الوالبي: (يقول لا تظلموا) (٢).\nوقال مقاتل: (ولا تعصوا) (٣). والمعنى لا تبطروا فيما أنعمت عليكم فتظالموا. وهذا المعنى قول من قال: (لا تتقووا بنعمي على معاصي) (٤).\nوقال الكلبي: (لا تجحدوا نعمة الله فيما رزقكم منه فتكونوا طاغين) (٥).\nوقال مقاتل: (لا تتعدوا ما حد الله لكم في المن والسلوى فتتجاوزوا قدر ما يكفيكم وتدخروا، فمتى ادخرتم منهما شيئًا فأنتم في ذلك طاغون) (٦).\nوقوله تعالى: ﴿فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي﴾ أي: يجب، قاله قتادة وغيره (٧).\n_________\n(١) \"إعراب القرآن\" للنحاس ٢/ ٣٥٣.\n(٢) \"جامع البيان\" ١٦/ ١٤٤، \"الكشف والبيان\" ٣/ ٢٢ ب، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٨٧، \"البحر المحيط\" ٦/ ٢٦٥.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ٥ أ.\n(٤) \"الكشف والبيان\" ٣/ ٢٢ ب، \"النكت والعيون\" ٣/ ٤١٦، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٨٧.\n(٥) \"الكشف والبيان\" ٣/ ٢٢ ب، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٨٧، \"البحر المحيط\" ٦/ ٢٦٥.\n(٦) \"تفسير مقاتل\" ٥/ أ، وذكر نحوه: \"بحر العلوم\" ٢/ ٣٥١، \"النكت والعيون\" ٣/ ٤١٦، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٨٧.\n(٧) المروي في كتب التفسير عن قتادة: ينزل عليكم غضبي. انظر: \"تفسير القرآن للصنعاني\" ٢/ ١٧، \"جامع البيان\" ١٦/ ١٩٣.","vol":"14","page":482},{"text":"وقرئ: ﴿فَيَحِلَّ﴾ ﴿وَمَنْ يَحْلِلْ﴾ بالكسر والضم (١).\nقال الفراء: (والكسر أحب إلي من الضم؛ لأن الضم من الحلول بمعنى الوقوع، ويحل: يجب، وجاء التفسير بالوجوب لا بالوقوع) (٢).\nوقال الزجاج: (﴿فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ﴾ معناه فيجب عليكم، ومن قرأ: بالضم، فمعناه التنزيل) (٣). هذا كلامه، ومعنى القراءتين قريب من السواء؛ لأن من قرأ بالكسر فمعناه: من حَل الشيء يَحِل حَلا وحَلال إذا حُلت عنه عقدة التحريم، وزال عنه الحظر والحجر والمنع، فمعنى يحل عليكم: ينزل بكم وينالكم بعدما كان ذا حظر وحجر ومنع عنكم، ومن فسر يحل يجب، فهو معنى وليس بتفسير، وذلك أنهم ما لم يطغوا كان العذاب ممنوعًا محظورًا عليهم، فإذا طغوا ارتفع ذلك الحظر فحل العذاب لهم، ومعنى غضب الله: عذابه إياهم (٤)، ويقوي هذه القراءة قوله: ﴿وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ [هود: ٣٩]، أي: ينزل به بعد أن لم يكن، وقوله: ﴿أم\n_________\n(١) قرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، وحمزة، وعاصم: (فيحِل .. ومن يحلِل) بالكسر في الحاء من (فيحِل) واللام الأولى من (يحلِل)، وقرأ الكسائي: (فيحُل عليكم) بضم الحاء، (ومن يحلُل عليه) بضم اللام.\nانظر: \"السبعة\" ص ٤٤٢، \"الحجة\" ٥/ ٢٤٣، \"التبصرة\" ٢٦٠، \"النشر\" ٢/ ٣٢١.\n(٢) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٨٨.\n(٣) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٧٠.\n(٤) الغضب صفة من صفات الله سبحانه، نثبتها له سبحانه كما أثبتها لنفسه من غير تحريف ولا تعطيل ولا تشبيه، وتأويلها العذاب لا يصح؛ لأنه مخالف لظاهر اللفظ وإجماع السلف، وليس عليه دليل.\nانظر: \"شرح العقيدة الطحاوية\" ٢/ ٦٨٤، \"العقيدة الواسطية\" ٢٣.","vol":"14","page":483},{"text":"أردتم أن يحل عليكم غضب من ربكم) [طه: ٨٦]، ولم يختلفوا في كسر هذين، ومن قرأ بالضم فوجهه: أن الغضب لما كان يتبعه العقوبة والعذاب جعله بمنزلة العذاب فقال: يَحُل أي: ينزل. فجعله بمنزلة قوله: حَلَّ بالمكان يَحُلَّ. هذا معنى قول أبي علي وبعض كلامه (١).\nوقوله تعالى: (فقد هوى) يقال: هَوَى يَهْوِي هَوِيًا: إذا سقط من علو إلى أسفل، وهَوَتْ العُقَابُ تَهْوِى هُوِيًا: إذا سقطت على صيد، وهَوَى يَهْوِي هَوِيًا: إذا وقع مَهْواه، وهَوَى فُلان: إذا مات، قال النابغة (٢):\nوقال الشامتون هوى زياد ... لكل منية سبب مبين\nوهَوَى: إذا هلك. ومنه قول كعب بن سعد (٣) (٤):\nهَوَتْ أمُّه ما يَبْعَثُ الصُّبُح غادِيَا\nأي: هلكت أمه. هذا معاني (هوى) في اللغة (٥). فأما التفسير فقيل:\n_________\n(١) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٢٤٣.\n(٢) البيت للنابغة الذبياني. الشماتة: فرح العدو. وقيل: الفرح ببلية تنزل بمن تعاديه. انظر: \"تهذيب اللغة\" (هوى) ٤/ ٣٨١٣، \"لسان العرب\" (هوا) ٨/ ٤٧٢٦.\n(٣) تقدمت ترجمته في سورة البقرة.\n(٤) هذا صدر بيت لكعب بن سعد الغنوي يرثي أخاه. وعجز البيت:\nومَاذَا يُودي الليلُ حِينَ يَؤُوبُ\nانظر: \"تهذيب اللغة\" (هوى) ٤/ ٣٨١٣، \"الصحاح\" (هوى (٦/ ٣٩، \"لسان العرب\" (هوا) ١٥/ ١٦٩، \"الأمالي\" للقالي ٢/ ١٥٠، \"التكملة\" للصنعاني (هوى) ٦/ ٥٤٠.\n(٥) انظر: \"تهذيب اللغة\" (هوى) ٤/ ٣٨١٣، \"مقاييس اللغة\" (هوى) ٦/ ١٥، \"القاموس المحيط\" (الهواء) ٤/ ٤٠٤، \"الصحاح\" (هوى) ٦/ ٢٥٣٧ \"لسان العرب\" (هوا) ٨/ ٤٧٢٦.","vol":"14","page":484},{"text":"(هلك) (١). وقيل: (صار إلى الهاوية، بمعنى تردى فيها) (٢).\nقال ابن عباس في رواية الوالبي: (يقول: فقد شقي) (٣).\nقوله تعالى: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ﴾ قال ابن عباس في رواية الوالبي وعطاء: (تاب من الشرك) (٤). ﴿وَآمَنَ﴾: وحد الله وصدقه ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾: أدى فرائض الله، وعمل صالحًا فيما بينه وبين الله ﴿ثُمَّ اهْتَدَى﴾ قال في رواية عطاء: (علم أن ذلك بتوفيق من الله له) (٥).\nوقال في رواية الوالبي: (لم يشكك) (٦).\nوقال في رواية أبي صالح: (علم أن له ثوابًا بهذا) (٧)، هذا قول سفيان، والكلبي، والشعبي، ومقاتل (٨). واختيار الزجاج؛ لأنه يقول: (ثم أقام على إيمانه) (٩).\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ٥ أ.\n(٢) \"جامع البيان\" ١٦/ ١٩٤، \"بحر العلوم\" ٢/ ٣٥١، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٨٨.\n(٣) \"جامع البيان\" ١٦/ ١٩٤، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٧٨، \"الدر المنثور\" ٤/ ٥٤٤.\n(٤) \"جامع البيان\" ١٦/ ١٩٤، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٨٨، \"زاد المسير\" ٥/ ٣١٢، \"الدر المنثور\" ٤/ ٥٤٤.\n(٥) \"معالم التنزيل\" ٣/ ٢٢٧، \"زاد المسير\" ٥/ ٢١٤.\n(٦) \"جامع البيان\" ١٦/ ١٩٤، \"النكت والعيون\" ٣/ ٤١٦، \"زاد المسير\"، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٢٣١، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ٧٩، \"الدر المنثور\" ٤/ ٥٤٤.\n(٧) \"زاد المسير\" ٥/ ٣١٢، \"الدر المنثور\" ٤/ ٥٤٤.\n(٨) \"جامع البيان\" ١٦/ ١٩٥، \"الكشف والبيان\" ٣/ ٢٣ أ، \"بحر العلوم\" ٢/ ٣٥١، \"النكت والعيون\" ٣/ ٤١٧، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٨٨، \"تفسير مقاتل\" ٥ ب.\n(٩) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٧٠.","vol":"14","page":485},{"text":"وقال عطاء بن يسار: (ثم أصاب بقوله وعمله السنة) (١). وهذا نحو قول سعيد بن جبير: (لزم السنة والجماعة) (٢).\nوقال فضيل الناجي (٣): (اتبع السنة) (٤).\nوقال زيد بن أسلم: (علم علما يحسن به عمله. قال: يقول: ﴿اهْتَدَى﴾ كيف يعمل) (٥). ونحو هذا قال ابنه: (أصاب العمل بالعلم) (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2518>٨٣ </span>- قوله تعالى: ﴿وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسَى﴾، قال المفسرون: (كانت المواعدة أن يوافي موسى وجماعة من وجوه قومه، فسار موسى بهم، ثم عجل من بينهم شوقا إلى ربه، وخلف السبعين يلحقون به على أثره) (٧). فقال الله تعالى: ﴿وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسَى﴾\n_________\n(١) ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة. انظر: \"النكت والعيون\" ٣/ ٤١٧، \"زاد المسير\" ٥/ ٣١٢، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٧٩، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٢٣٣، \"لباب التأويل\" ٤/ ٢٧٦.\n(٢) \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٨٨، \"زاد المسير\" ٥/ ٣١٢، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٢٣١، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٧٩، \"الدر المنثور\" ٤/ ٥٤٤.\n(٣) فضيل الناجي. ذكره ابن حجر في \"التهذيب\" وقال: مجهول، وعنه حفص بن حميد القمي.\nانظر: \"تهذيب التهذيب\" ٨/ ٢٧٠، \"تهذيب الكمال\" ٢٣/ ٣١١، \"تقريب التهذيب\" ٢/ ١١٤.\n(٤) \"الكشف والبيان\" ٣/ ٢٣ أ.\n(٥) \"الكشف والبيان\" ٣/ ٢٣ أ، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٨٨، \"زاد المسير\" ٥/ ٣١٢.\n(٦) \"جامع البيان\" ١٦/ ١٩٥، \"النكت والعيون\" ٣/ ٤١٧، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٢٣١.\n(٧) \"جامع البيان\" ١٦/ ١٩٥، \"الكشف والبيان\" ٣/ ٢٣ أ، \"بحر العلوم\" ٢/ ٣٥١، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٨٨، \"زاد المسير\" ٥/ ٣١٢.","vol":"14","page":486},{"text":"قال ابن عباس في رواية عطاء: (يريد رقة من الله -﷿-) (١). يعني رحمة؛ كأنه يقول: إنما سأله الله -﷿- عن سبب عجلته رحمة عليه، ومحبة له وإلا فكان هو عالمًا بذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2519>٨٤ </span>- فقال موسى: ﴿هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي﴾ وذكرنا معنى أولاء عند قول: ﴿هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ﴾ [آل عمران: ١١٩]، ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾ قال الكلبي: (لتزداد رضا) (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-2520>٨٥ </span>- قوله تعالى: ﴿قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ﴾ قال أبو إسحاق: (أي ألقيناهم في فتنة ومحنة من بعدك) (٣).\nوقال ابن الأنباري: (صيرناهم مفتونين أشقياء بعبادة العجل لما سبق لهم في حكمنا من بعد انطلاقك من بينهم) (٤).\n﴿وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ﴾ قال ابن عباس: (يريد أن الضلالة كانت على يدي السامري) (٥). يعني أنه كان سبب إضلالهم حين دعاهم إلى الضلالة، كما قال الكلبي: (فهم السامري إلى عبادة العجل) (٦).\n_________\n(١) \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٦/ ٢٣٣.\n(٢) ذكرته كتب التفسير بدون نسبة. انظر: \"بحر العلوم\" ٢/ ٣٥١، \"الكشف والبيان\" ٣/ ٢٣ أ، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٨٨، \"زاد المسير\" ٥/ ٣١٣.\n(٣) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٢٧١.\n(٤) ذكره الشوكاني في \"فتح القدير\"، وقال ابن سعدي في \"تفسيره\" ٥/ ١٨٠: ابتليناهم اختبرناهم فلم يصبرا وحين وصلت إليهم المحنة كفروا.\n(٥) ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة. انظر: \"المحرر الوجيز\" ١٠/ ٧، \"معالم التزيل\" ٥/ ٢٨٨، \"النكت والعيون\" ٣/ ٤١٨، \"زاد المسير\" ٥/ ٢١٣، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٢٣٣.\n(٦) ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة. انظر: \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٨٩، \"روح المعاني\" ١٦/ ٢٤٤، \"روح البيان\" ٥/ ٤١٤.","vol":"14","page":487},{"text":"قال سعيد بن جبير عن ابن عباس: (كان السامري من أهل باجرمى (١) وقع بأرض مصر، فدخل في بني إسرائيل، وكان من قوم يعبدون البقر، وكان حب عبادة البقر في نفسه، وكان قد أظهر الإسلام مع بني إسرائيل وفي نفسه ما في نفسه) (٢).\nوقال في رواية عطاء: (كان السامري رجلًا من القبط، جارًا لموسى آمن به وصدقه وخرج معه فابتلي) (٣).\nوقال أبو إسحاق: (الأكثر في التفسير: أنه كان عظيمًا من عظماء بني إسرائيل من قبيلة تعرف بالسَّامِرَة (٤) وهم إلى هذه الغاية في الشام تعرف بالسامريين) (٥).\nوروي عن راشد بن سعد (٦) أنه قال: (قال الله لموسى: إن قومك\n_________\n(١) بَاجَرْمَى: بفتح الجيم، وسكون الراء، وميم وألف مقصورة: قرية من أعمال البليخ قرب الرقة من أرض الجزيرة.\nانظر: \"معجم البلدان\" ١/ ٣١٣.\n(٢) \"بحر العلوم\" ٢/ ٣٥٢، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٦/ ٢٣٣، \"الدر المنثور\" ٤/ ٥٤٥، \"التفسير الكبير\" ٢٢/ ١٠١.\n(٣) \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٦/ ٢٣٤، \"التفسير الكبير\" ٢٢/ ١٠١، \"روح المعاني\" ١٦/ ٢٤٤.\n(٤) في (ص): (السامري).\n(٥) \"تفسير كتاب الله العزيز\" ٣/ ٤٧، \"الكشاف\" ٢/ ٥٤٩، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٦/ ٢٣٤، \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٧١، \"التفسير الكبير\" ٢٢/ ١٠١.\n(٦) راشد بن سعد المقرائي، ويقال: الحيراني الحمصي، تابعي ثقة، كان من أثبت أهل الشام، شهد صفين مع معاوية -﵁-، روى عن: ثوبان، وسعد بن أبي وقاص، وأبي الدرداء، وعمرو بن العاص وغيرهم، وروى عنه: صفوان بن عمرو، ومعاوية بن صالح، وعلي بن أبي طلحة، وغيرهم كثير، توفي -﵀- سنة ١١٣ هـ. =","vol":"14","page":488},{"text":"اتخذوا من بعدك عجلًا جسدًا له خوار. قال: يا رب فمن جعل فيه الروح؟ قال: أنا. قال: فأنت أضللتهم يا رب؟ قال: يا موسى إني رأيت ذلك في قلوبهم فيسرته لهم) (١). ومعنى هذا أنهم كانوا يعتقدون التشبيه حين قالوا لموسى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ [الأعراف: ١٣٨]، فجزاهم الله بذلك الاعتقاد أن فتنهم بالعجل، فهذا معنى قوله: رأيت ذلك في قلوبهم فيسرته لهم.\nوقال عطاء عن ابن عباس: (قال موسى: يا رب هذا السامري أخرج لهم عجلًا من حليهم، فمن جعل له الجسد والخوار (٢)؟ قال الله تعالى: أنا. قال موسى: وعزتك، وجلالك، وارتفاعك، وعلو سلطانك ما أضلهم غيرك. قال: صدقت يا حكيم الحكماء) (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2521>٨٦ </span>- قوله تعالى: ﴿فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا﴾ سبق الكلام في هذا في سورة الأعراف (٤). ﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا﴾\n_________\n= انظر: \"الجرح والتعديل\" ٣/ ٤٨٣، \"الكاشف\" ١/ ٢٩٩، \"ميزان الاعتدال\" ٢/ ٣٥، \"تهذيب التهذيب\" ٣/ ١٩٥.\n(١) \"الدر المنثور\" ٤/ ٥٤٥، \"روح المعاني\" ١٦/ ٢٤٧.\n(٢) الخَوار: صوت الثور، وما اشتد من صوت البقرة والعجل، تقول: خَار يَخُور خَوارا.\nانظر: \"تهذيب اللغة\" (خار) ١/ ٩٥٩، \"القاموس المحيط\" (الخوار) ٢/ ٢٥، \"الصحاح\" (خور) ٢/ ٦٥١، \"لسان العرب\" (خور) ٣/ ١٢٨٥.\n(٣) \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٦/ ٢٣٥، \"الدر المنثور\" ٤/ ٥٤٤، \"روح المعاني\" ١٦/ ٢٤٧. ولعل هذه من الروايات الإسرائيلية التي رويت في هذا الباب.\n(٤) عند قوله سبحانه في سورة الأعراف الآية رقم: (١٥٠): ﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا﴾.","vol":"14","page":489},{"text":"صدقًا لإيتاء الكتاب (١). ﴿أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ﴾ مدة مفارقتي إياكم (٢) ﴿أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ بعبادتكم العجل، وتلخيص المعنى: أم أردتم أن تصنعوا صنعًا يكون سبب غضب ربكم؛ لأن أحدًا لا يتطلب غضب ربه، ولكن قد يأتي سبب ذلك ﴿فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي﴾ ما وعدتموني من حسن الخلافة بعدي، هذا في قوله: ﴿بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي﴾ [الأعراف: ١٥٠].\nوقال مجاهد: (﴿فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي﴾ قال عهدي) (٣). يعني ما عهد إليهم موسى وأوصاهم به من الإقامة على طاعة الله. وقيل في التفسير: (﴿فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي﴾ أي: تركتم السير على أثري) (٤). وهذا إنما يصح لو روي أن موسى وعدهم ذلك، ولم نر في شيء من الروايات أن موسى وعد قومه: أن يسيروا على أثره.\nوقال ابن الأنباري: (﴿فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي﴾ أي: نسبتموه إلى الخلاف) (٥). يعني وعده بالرجوع إليهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2522>٨٧ </span>- قوله تعالى: ﴿قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا﴾ قال قتادة:\n_________\n(١) \"النكت والعيون\" ٣/ ٤١٨، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٨٩، \"الكشاف\" ٢/ ٥٤٩، \"زاد المسير\" ٥/ ٣١٣، \"روح المعاني\" ١٦/ ٢٤٤.\n(٢) \"الكشف والبيان\" ٣/ ٢٣ أ، \"بحر العلوم\" ٢/ ٣٥١، \"النكت والعيون\" ٣/ ٤١٨، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٨٩، \"زاد المسير\" ٥/ ٣١٣.\n(٣) \"زاد المسير\" ٥/ ٣١٣، \"التفسير الكبير\" ٢٢/ ٢٠٢، \"تفسير مجاهد\" ٤٦٤.\n(٤) \"جامع البيان\" ١٦/ ١٩٦، \"تفسير كتاب الله العزيز\" ٣/ ٤٦، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٦/ ٢٣٤.\n(٥) ذكر نحوه بلا نسبة القرطبي في \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٢٣٤، والرازي في \"التفسير الكبير\" ٢٢/ ١٠٢.","vol":"14","page":490},{"text":"(بطاقتنا) (١). وقال مقاتل: (ونحن نملك أمرنا) (٢). وهذا معنى قول ابن عباس في رواية الوالبي يقول: (بأمرنا) (٣).\nوقال مجاهد: (بأمر نملكه) (٤).\nقال الفراء: (في التفسير إنا لم نملك الصواب وإنما أخطأنا) (٥).\nوحكى الزجاج أيضًا: (﴿مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ﴾ بأن ملكنا الصواب) (٦). ومعنى هذا أنهم أقروا على أنفسهم بالخطأ، وقالوا: إنا لم نملك أمرنا حتى وقعنا بالذي وقعنا فيه من الفتنة، وهذا التفسير لا يطرد عليه نظم الآية، ولا يبقى معه معنى كقراءة من قرأ: بِمُلْكِنَا بالضم (٧). ولكان يجب أن يقولوا: فأخرج لنا عجلًا جسدًا، ولكن الصحيح ما ذكره بعض أهل التفسير: (أن هذا من قول المؤمنين الذين لم يعبدوا العجل) (٨). ولعل هذا أصح؛ لأن العتاب جرى معهم في سوء خلافتهم من ترك الإنكار على عبدة العجل، فقالوا له: ما أخلفنا موعدك الذي وعدناك من حسن الخلافة، ونحن نملك\n_________\n(١) \"تفسير القرآن\" للصنعاني ٢/ ١٧، \"جامع البيان\" ١٦/ ١٩٧، \"النكت والعيون\" ٣/ ٤١٨، \"زاد المسير\" ٥/ ٣١٣، \"الدر المنثور\" ٤/ ٥٤٧.\n(٢) \"الكشف والبيان\" ٣/ ٢٣ أ، \"تفسير مقاتل\" ٥ ب.\n(٣) \"جامع البيان\" ١٦/ ١٩٧، \"الدر المنثور\" ٤/ ٥٤٧، \"فتح القدير\" ٣/ ٥٤٤.\n(٤) \"جامع البيان\" ١٦/ ١٩٧، \"الدر المنثور\" ٤/ ٥٤٧.\n(٥) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٨٩.\n(٦) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٧١.\n(٧) قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر: (بمِلْكِنَا) بكسر الميم. وقرأ نافع، وعاصم: (بِمَلْكِنَا) بفتح الميم. وقرأ حمزة، والكسائي: (بِمُلْكِنَا) بضم الميم.\nانظر: \"السبعة\" ٤٢٢، \"الحجة\" ٥/ ٢٤٤، \"التبصرة\" ٢٦١، \"النشر\" ٢/ ٣٢١.\n(٨) \"النكت والعيون\" ٣/ ٤١٨، \"زاد المسير\" ٥/ ٣١٤، \"التفسير الكبير\" ٢٢/ ١٠٢، \"أضواء البيان\" ٤/ ٤٩٤.","vol":"14","page":491},{"text":"شيئًا من أمرنا، أو نطيق ردهم عن عظم ما ارتكبوا؛ لأنا كنا مغلوبين لقلتنا وكثرتهم، وكذا جاء في رواية: (إن الذين لم يعبدوا العجل كانوا اثني عشر ألفا وافتتن الباقون بالعجل وكانوا جميعًا ستمائة ألف) (١).\nوأكثر القراء: بِمِلْكِنَا بالكسر (٢). والتقدير: بملكنا أمرنا، فأضيف المصدر إلى الفاعل وحذف المفعول، كما أنه قد يضاف إلى المفعول، ويحذف الفاعل في نحو: ﴿دُعَاءِ الْخَيْرِ﴾ [فصلت: ٤٩]، ﴿بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ﴾ [ص: ٢٤]، ومن قرأ: بِمِلكنا فهو المصدر الحقيقي يقال: مَلَكْتُ الشيء أَمْلِكُه مَلْكًا، والمِلْكُ ما مُلِكَ مثل: الطَّحْن والطِّحْن، والسَّقي والسِّقي، وقد وضع الاسم موضع المصدر، كما قال (٣):\nوَبَعْدَ عَطائِكَ المِائَةَ الرَّتَاعَا\n_________\n(١) \"الكشف والبيان\" ٣/ ٢٣ أ، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٨٨، \"الكشاف\" ٢/ ٥٤٩، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٦/ ٢٣٤.\n(٢) قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر: (بِمِلْكِنَا) بكسر الميم.\nانظر: \"السبعة\" ص ٤٢٢، \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٢٤٤، \"المبسوط في القراءات\" ٢٥٠، \"حجة القراءات\" ٤٧١.\n(٣) هذا عجز بيت للقطامي من قصيدة يمدح فيها زفر بن الحارث الكلابي، وصدر البيت:\nأَكُفْرأَ بَعَدَ رَدِّ الموْتِ عِنِّي\nالرتاع: الإبل الراعية. يقول: لا أكفر معروفك بعد أن أطلقتني من الأسر، وأعطيتني مائة من الإبل الرتاع. انظر: \"ديوانه\" ص ٣٧، \"تذكرة النحاة\" ص ٤٥٦، \"خزانة الأدب\" ٨/ ١٣٦، \"الشعر والشعراء\" ٢/ ٧٢٣، \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٢٤٥، \"الخصائص\" ٢/ ٢٢١، \"شرح المفصل\" ١/ ٢٠، \"همع الهوامع\" ١/ ١٨٨، \"لسان العرب\" (عطا) ٥/ ٣٠٠١.","vol":"14","page":492},{"text":"أعمل الاسم إعمال المصدر (١).\nومن قرأ: بِمُلكنا بضم الميم فمعناه بقدرتنا وسلطاننا، يعني لم نقدر على ردهم، وأنكر أبو عبيد هذه القراءة (٢)، فقال: (المُلْك إنما هو من السلطان والعزة، وأي مُلْك كان لبني إسرائيل يومئذ، وإنما كانوا بمصر مستضعفين) (٣). كما قال الله تعالى: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٧] وقال: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [القصص: ٥]. فليس الأمر كما ذهب إليه؛ لأنه ليس معنى الملك هاهنا: السلطان الشديد والكبرياء، وإنما معناه: القدرة فقط (٤). وأصل الملك راجع إلى معنى واحد ذكرناه عند قوله: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤].\nعلى أن أبا الحسن الأخفش حكى: (أن الملك مصدر في المالك) (٥). وحكى الفراء: (مَالِي مُلْك أي: شيء أَمْلِكُه) (٦). وعلى هذا معنى الوجوه كلها واحد (٧).\n_________\n(١) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٢٤٥.\n(٢) لعل الإنكار للمعنى وليس للقراءة، فالقراءة ثابتة بالتواتر فلا يجوز إنكارها.\n(٣) \"غريب الحديث\" لأبي عيدة ٣/ ١٣٦، \"جامع البيان\" ١٦/ ١٩٨، \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٢٤٥.\n(٤) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٢٤٥.\n(٥) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٢٤٥.\n(٦) \"معاني الفراء\" للفراء ٢/ ١٨٩.\n(٧) قال ابن جرير الطبري \"تفسيره\" ١٦/ ١٩٩: وكل هذا الأقوال الثلاثة في ذلك متقاربات المعنى؛ لأن من لم يملك نفسه لغلبة هواه على ما أمر فإنه لا يمتنع في اللغة أن يقول فعل فلان هذا الأمر وهو لا يملك نفسه وفعله وهو لا يضبطها، =","vol":"14","page":493},{"text":"ثم ذكروا قصة إتخاذ العجل فقالوا: ﴿وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ﴾ أي: أثقالًا وأحمالًا (١). قال قتادة: (كانت حليا تعوروها (٢) من آل فرعون فساروا وهي معهم) (٣).\nوقال مجاهد: (أوزارًا من زينة الحلي الذي استعاروه من آل فرعون وهي الأثقال) (٤). وهذا قول ابن عباس، والسدي، وابن زيد (٥). والأكثرين: أن (الأوزار) هي الأحمال، و﴿زِينَةِ الْقَوْمِ﴾ حلي آل فرعون استعارة بنو إسرائيل قبل خروجهم من مصر فبقي في أيديهم، وكان موسى قد أمرهم بذلك (٦).\nوقال الزجاج: (يعنون بالأوزار: حليا كانوا أخذوها من آل فرعون،\n_________\n= وفعله لا يطيق تركه وإذا كان ذلك كذلك فسواء بأي القراءات الثلاث قرأ ذلك القاري.\n(١) \"تفسير القرآن\" للصنعاني ٢/ ١٨، \"الكشف والبيان\" ٣/ ٢٣، \"جامع البيان\" ١٦/ ١٩٩، \"تفسير كتاب الله العزيز\" ٣/ ٤٧، \"النكت والعيون\" ٣/ ٤١٨.\n(٢) العارية والعارة: ما تداولوه بينهم، وقد أعاره الشيء وأعاره منه، والمعاورة والتعاور: شبه المداولة والتداول في الشيء يكون بين اثنين، واستعار الشيء واستعاره منه: طلب منه أن يعيره إياه.\nانظر: \"تهذيب اللغة\" (عار) ٣/ ٢٢٧٣، \"القاموس المحيط\" (العور) ٢/ ٩٧، \"لسان العرب\" (عور) ٥/ ٣١٦٥، \"مختار الصحاح\" (عور) ص ٤٦٢.\n(٣) \"تفسير القرآن\" للصنعاني ٢/ ١٨، \"جامع البيان\" ١٦/ ١٩٩.\n(٤) \"جامع البيان\" ١٦/ ١٩٩، \"النكت والعيون\" ٣/ ٤١٨، \"تفسير كتاب الله العزيز\" ٣/ ٤٧.\n(٥) \"جامع البيان\" ١٦/ ١٩٩، \"النكت والعيون\" ٣/ ٤١٨.\n(٦) \"جامع البيان\" ١٦/ ١٩٩، \"الكشف والبيان\" ٣/ ٢٣ ب، \"تفسير كتاب الله العزيز\" ٣/ ٤٧، \"النكت والعيون\" ٣/ ٤١٨، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٨٩.","vol":"14","page":494},{"text":"حين قذفهم البحر فألقاهم على الساحل، فأخذوا الذهب والفضة وسميت أوزارًا. قال: وسميت أوزارًا؛ لأن معناها الآثام) (١). ونحو هذا ذكر الفراء (٢). وعلى هذا المراد بزينة القوم: ما كان معهم حين أغرقوا من مصوغات الذهب والفضة للمناطق وزينة الدواب، وغير ذلك فسميت أوزارًا، بأن معناها أثام لم يحل لهم أخذها (٣). وعلى هذا القول يجوز أن يكون المراد بالأوزار الأحمال؛ لأن الوزر في اللغة: الحمل (٤).\nوقرئ: بالتشديد وضم الحاء (٥). المعنى: جعلونا نحمل، وحُمِلْنا على ذلك وأُردنا له وكلفنا حمله، ومن قرأ: حَمَلْنا أراد أنهم فعلوا ذلك. قال أبو عبيد: (وهو الاختيار؛ لأنّ التفسير قد جاء أنهم حملوا معهم ما كان في أيديهم من حلي آل فرعون) (٦).\nوقوله تعالى: ﴿فَقَذَفْنَاهَا﴾ أي: طرحناها، واختلفوا أين طرحوها؟ وكيف فعلوا؟ فقال قتادة: (لما مضت ثلاثون يومًا ولم يرجع موسى قال السامري: هذه العقوبة التي أصابتكم بتخلف موسى عن الوقت الذي وقته\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٧٢.\n(٢) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٨٩.\n(٣) \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٨٩.\n(٤) انظر: \"تهذيب اللغة\" (وزر) ٤/ ٣٨٨٣، \"القاموس المحيط\" (الوزر) ٢/ ١٥٤، \"الصحاح\" (وزر) ٢/ ٨٤٥، \"لسان العرب\" (وزر) ٨/ ٤٨٢٣.\n(٥) قرأ ابن كثير، ونافع، وابن عامر، وحفص عن عاصم: (حُمِّلنا) بضم الحاء وتشديد الميم، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي: (حَمَلنا) بفتح الحاء وتخفيف الميم. انظر: \"السبعة\" ص ٤٢٣، \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٢٤٦، \"حجة القراءات\" ص ٤٦٢، \"المبسوط في القراءات\" ص ٢٥٠.\n(٦) \"تفسير القرآن\" للصنعانى ٢/ ١٧.","vol":"14","page":495},{"text":"لرجوعه إليكم، إنما أصابتكم بالحلي التي معكم، فاجمعوها حتى يجيء موسى فنقضي منه فجمعت ودفعت إليه) (١). وعلى هذا معنى ﴿فَقَذَفْنَاهَا﴾ ألقيناها إليه، وهذا قول قتادة قال: (فقذفوها إليه) (٢).\nوقال ابن عباس في رواية سعيد بن جبير: (قال لهم هارون: إنكم تحملتم أوزارًا من زينة آل فرعون فتطهروا منها، فإنها نجسة، وأوقد لهم نارًا وقال: اقذفوا ما كان معكم من ذلك فيها. قالوا: نعم فجعلوا يأتون بما كان معهم من تلك الحلي فيقذفونها فيه، حتى استلب الحلي فيها) (٣). وعلى هذا معنى ﴿فَقَذَفْنَاهَا﴾ ألقيناها في النار. ونحو هذا ذكر الزجاج (٤).\nوقال السدي: (قال هارون لهم: إن الحلي غنيمة ولا تحل لكم الغنيمة فاحفروا لهذا الحلي حفرة فاطرحوه فيها) (٥). وعلى هذا المعنى فقذفناها في الحفرة.\nقوله تعالى: ﴿فَكَذَلِكَ﴾ أي: فكما ألقيت (ألقى السامري) قال ابن عباس في رواية عطاء: (يريد ألقى الحلي -وهو الذهب- في النار) (٦).\nوهذا اختيار الزجاج والفراء، قالا: (وكذلك فعل السامري؛ أي:\n_________\n(١) \"جامع البيان\" ١٦/ ١٩٩، \"النكت والعيون\" ٣/ ٤١٨، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٦/ ٢٣٦.\n(٢) \"تفسير القرآن\" للصنعاني ٢/ ١٧.\n(٣) \"بحر العلوم\" ٢/ ٣٥٢، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٨٩، \"الدر المنثور\" ٤/ ٥٤٦.\n(٤) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٧٢.\n(٥) \"جامع البيان\" ١٦/ ٢٠٠، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٨٩، \"روح المعاني\" ١٦/ ٢٤٧.\n(٦) ذكرته كتب التفسير بدون نسبة. انظر: \"جامع البيان\" ١٦/ ١٩٩، \"المحرر الوجيز\" ١٠/ ٧٦، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٩٠ منسوب لابن عباس، \"زاد المسير\" ٥/ ٣١٥، \"الكشاف\" ٢/ ٥٥٠، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٨٠.","vol":"14","page":496},{"text":"ألقى حليًا كان معه في النار) (١). وعلى هذا دل كلام مجاهد؛ لأنه يقول: (فلذلك صنع السامري) (٢). أي: فعل كما فعلنا. وقال آخرون: (وكذلك ألقى السامري يعني: ما كان معه من تربة حافر فرس جبريل) (٣).\nقال قتادة: (وقد كان صر في عمامته قبضة من أثر فرس جبريل يوم جاوز ببني إسرائيل فقذفها فيها) (٤). فهذا معنى قول ابن عباس في رواية السدي عن أبي مالك عنه (٥). وعلى هذا معنى ﴿أَلْقَى﴾ ألقى القبضة التي كانت معه من التراب. ولعل الأقرب هذا القول (٦)؛ لأن الله تعالى أتبعه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2523>٨٨ </span>- بقوله: ﴿فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا﴾ قال سعيد بن جبير عن ابن عباس: (لما أسبكت الحلي في النار أقبل السامري إلى النار، فقال لهارون: يا نبي الله ألقي ما في يدي؟ قال: نعم، ولا يظن هارون إلا أنه لبعض ما جاء به غيره من تلك الحلي والأمتعة، فقذفه فيها، وقال: كن عجلًا جسدًا له\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٨٩، \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٧٢.\n(٢) \"جامع البيان\" ١٦/ ٢٠٠، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٢٣٥، \"تفسير مجاهد\" ٤٦٥.\n(٣) \"جامع البيان\" ١٦/ ١٩٩، \"تفسير كتاب الله العزيز\" ٣/ ٤٧، \"بحر العلوم\" ٢/ ٣٥٢، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٩٠، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٦/ ٢٣٥.\n(٤) \"جامع البيان\" ١٦/ ١٩٩، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٩٠، وذكر نحوه الصنعاني في \"تفسير القرآن\" ٢/ ١٧.\n(٥) \"جامع البيان\" ١٦/ ٢٠٠، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٨٠، \"الدر المنثور\" ٤/ ٥٤٥.\n(٦) قال ابن عطية ١٠/ ٧٢: وروي -وهو الأصح الأكثر-: (أنه ألقى الناس الحلي في حفرة أو نحوها وألقى هو عليه القبضة فتجسد العجل، وهذا وجه فتنة الله تعالى لهم، وعلى هذا انخرقت للسامري عادة، وأما على أن يصوغه فلم تنخرق له عادة وإنما فتنوا حينئذٍ بخواره فقط، وذلك الصوت قد تولد في الأجرام بالصنعة).","vol":"14","page":497},{"text":"خوار، فكان للبلاء والفتنة) (١).\nوقال السدي عن أبي مالك عن ابن عباس: (قال لهم هارون: اجمعوا هذا الحلي حتى يجيء موسى فيقضي فيه، قال: فجمع ثم أذيب، فلما ألقى السامري القبضة تحول عجلًا جسدًا له خوار) (٢).\nوقال علي بن أبي طالب: (لما تعجل موسى إلى ربه، عمد السامري فجمع ما قدر عليه من حلي نساء بني إسرائيل، فضربه عجلًا ثم ألقى القبضة في جوفه فإذا هو عجل جسد له خوار) (٣).\nوقال قتادة: (ضربها صورة بقرة، وقذف فيها القبضة فأخرج لهم عجلًا جسدًا له خوار، فجعل يخور خوار البقرة) (٤).\nوقال ابن عباس في رواية عطاء: (﴿فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا﴾ يريد لحمًا ودمًا ﴿لَهُ خُوَارٌ﴾ كما يخور الحي من العجول) (٥). وذكر في التفسير وحكاه الزجاج (٦). وهو قول ابن عباس في رواية عكرمة: (أن هارون مر بالسامري وهو يصنع العجل، فقال له: ما تصنع؟ قال: اصنع ما ينفع ولا يضر. وقال: ادع. فقال: اللهم أعطه ما يسأل كما يجب. فسأل الله أن\n_________\n(١) \"بحر العلوم\" ٢/ ٣٥٢، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٦/ ٢٣٥، \"الدر المنثور\" ٤/ ٥٤٧، \"روح المعاني\" ١٦/ ٢٤٧.\n(٢) \"النكت والعيون\" ٣/ ٤١٩.\n(٣) \"بحر العلوم\" ٢/ ١٥٢، \"الدر المنثور\" ٤/ ٥٤٥.\n(٤) \"جامع البيان\" ١٦/ ٢٠٠، \"النكت والعيون\" ٣/ ٤١٩، وذكر نحوه الصنعاني في \"تفسير القرآن\" ٢/ ١٧.\n(٥) \"بحر العلوم\" ٢/ ١٥٢، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٦/ ٢٣٥.\n(٦) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٧٢.","vol":"14","page":498},{"text":"جعل للعجل خوار) (١).\nوقال الحسن: (صور بقرة صاغها من الحلي الذي كان معهم ثم ألقى عليها من أثر فرس جبريل فانقلبت حيوانًا يخور) (٢).\nوقال مجاهد: (خواره حفيف الريح إذا دخلت جوفه) (٣).\nقال أبو إسحاق: (الذي قاله مجاهد من أن الخوار حفيف الريح، فيه أسوغ إلى القبول؛ لأنه شيء ممكن، والتفسير الآخر من: أنه خار، ممكن في محنة الله) (٤).\nوقوله تعالى: ﴿فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى﴾ أكثر أهل التفسير: (فقال السامري هذا إلهكم [وإله موسى) (٥).\nوروي عن علي -﵁-: (فقال لهم السامري: هذا إلهكم)] (٦) (٧).\nوقال قتادة: (فقال عدو الله: هذا إلهكم) (٨).\n_________\n(١) \"الكشف والبيان\" ٣/ ٢٣ ب، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٨٩، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٦/ ٢٣٥، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٨٠، \"الدر المنثور\" ٤/ ٥٤٦.\n(٢) \"النكت والعيون\" ٣/ ٤١٩.\n(٣) \"تفسير كتاب الله العزيز\" ٣/ ٤٨، \"بحر العلوم\" ٢/ ٣٥٢، \"النكت والعيون\" ٣/ ٤١٩، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٦/ ٢٣٥.\n(٤) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٧٢.\n(٥) \"جامع البيان\" ١٦/ ٢٠١ \"زاد المسير\" ٥/ ٣١٥، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٢٣٦، \"روح المعاني\" ١٦/ ٢٤٨.\n(٦) ما بين المعقوفين ساقط من نسخة (س).\n(٧) ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة. انظر: \"النكت والعيون\" ٢/ ٤١٢، \"زاد المسير\" ٥/ ٣١٥ \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٢٣٦، \"لباب التأويل\" ٤/ ٢٧٧، \"إرشاد العقل السليم\" ٦/ ٣٦.\n(٨) \"المحرر الوجيز\" ١١/ ٩٩، \"زاد المسير\" ٥/ ٣١٥، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٢٣٦، روح المعانى ١٦/ ٢٤٨.","vol":"14","page":499},{"text":"والمفسرون يقولون: فقال: هذا إلهكم. وفي التنزيل: ﴿فَقَالُوا﴾ فيحتمل أن المعنى: وقال السامري ومن تابعه ممن افتتن بالعجل.\nقال سعيد بن جبير عن ابن عباس: (عكفوا عليه وأحبوه حبًّا لم يحبوه شيئًا قط) (١).\nوقوله تعالى: ﴿فَنَسِيَ﴾ روي السدي عن أبي مالك عن ابن عباس في قوله: ﴿فَنَسِيَ﴾ قال: (إن موسى ذهب يطلب ربه فضل ولم يعلم مكانه) (٢). ونحو هذا قال في رواية عطاء: (أي ضل وأخطأ الطريق) (٣).\nوروى سماك بن حرب عنه قال: (نسي موسى أن يذكر لكم أن هذا إلهه وإلهكم) (٤). ونحو هذا روى عكرمة عنه (٥).\nوقال السدي: (﴿فَنَسِيَ﴾ يقول: ترك موسى إلهه هاهنا وذهب يطلبه) (٦).\nوقال قتادة: (يقول: إن موسى إنما طلب هذا، ولكنه نسيه وخالفه في طريق آخر) (٧). وعلى هذا قوله: ﴿فَنَسِيَ﴾ إخبار عن السامري [أنه قال ذلك.\n_________\n(١) \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٦٧.\n(٢) \"جامع البيان\" ١٦/ ٢٠١ \"تفسير القرآن\" ٣/ ١٨٠، وذكره \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٩٠ بدون نسبة، وكذلك \"المحرر الوجيز\" ١/ ٧٨.\n(٣) \"زاد المسير\" ٥/ ٣١٥، \"البحر المحيط\" ٦/ ٢٦٩، \"روح المعاني\" ١٦/ ٢٤٨، وذكره \"معالم التنزيل\" ٣/ ٢٢٨ بدون نسبة، وكذلك \"القرطبي\"١١/ ٢٣٦.\n(٤) \"القرطبي\" ١١/ ٢٣٦، \"ابن كثير\" ٣/ ١٨٠، وذكره نحوه \"الدر المنثور\" ٤/ ٥٤٧.\n(٥) \"بحر العلوم\" ٢/ ٣٥٢، \"زاد المسير\" ٥/ ٣١٥، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٨٠، \"أضواء البيان\" ٤/ ٤٩٧.\n(٦) \"جامع البيان\" ١٦/ ٢٠١ وذكره \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٢٣٦ بدون نسبة.\n(٧) \"جامع البيان\" ١٦/ ٢٠١ \"بحر العلوم\" ٢/ ٣٥٢، \"النكت والعيون\" ٣/ ٤١٩، \"زاد المسير\" ٥/ ٣١٥، \"البحر المحيط\" ٦/ ٢٦٩.","vol":"14","page":500},{"text":"وقال ابن عباس في رواية سعيد بن جبير: (﴿فَنَسِيَ﴾ أي: ترك ما كان عليه من الإسلام) (١). يعني السامري] (٢)، وعلى هذا القول قوله: ﴿فَنَسِيَ﴾ كلام الله تعالى في وصف السامري أنه نسي، أي: ترك ما كان عليه من الإيمان؛ لأنه نافق لما عبر البحر (٣)، فعيرهم الله بصنيعهم، وقال موبخًا لهم:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2524>٨٩ </span>- ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ﴾ قال المبرد: (أفلا يعلمون؛ لأن رأيت على ضربين: على رؤية القلب، وعلى رؤية العين، وما كان من رؤية القلب فالمراد به العلم) (٤).\nوقوله تعالى: ﴿أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا﴾ قال أبو إسحاق: (الاختيار الرفع ويكون المعنى: أنه لا يرجع، كما قال: ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ﴾ [الأعراف: ١٤٨]، قال: ويجوز أن لا يرجع ينتصب بأن) (٥).\nقال المبرد: (﴿أَنَّ﴾ هاهنا مخففة من الثقيلة والمعنى: أنه لا يرجع، كقوله: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ﴾ [المزمل: ٢٠]، ولا يكون بعد العلم إلا ثقيلة، ومخففة من الثقيلة، وتخفف إذا جئت بالعوض نحو: السنن وسوف، نحو:\n_________\n(١) \"جامع البيان\" ١٦/ ٢٠١ \"النكت والعيون\" ٣/ ٤١٩، \"زاد المسير\" ٥/ ٣١٥، \"ابن كثير\" ٣/ ١٨٠، \"البحر المحيط\" ٦/ ٢٦٩، \"أضواء البيان\" ٤/ ٤٩٧.\n(٢) ما بين المعقوفين ساقط من الأصل ومن نسخة (ص).\n(٣) قال ابن جرير في الطبري -﵀- في \"تفسيره\" ١٦/ ٢٠١: (والذي هو أولى بتأويل ذلك القول الذي ذكرناه عن هؤلاء وهو أن ذلك خبر من الله عز ذكره عن السامري أنه وصف موسى بأنه نسي ربه، وأن ربه الذي ذهب يريده هو العجل الذي أخرجه السامري، لإجماع الحجة من أهل التأويل عيه وأنه عقيب ذكر موسى، وهو أن يكون خبرًا من السامري عنه بذلك أشبه من غيره).\n(٤) ذكره نحوه في \"المقتضب\" ٢/ ٣١.\n(٥) \"معانى القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٧٣","vol":"14","page":501},{"text":"علمت أن سيذهبون، وأن سوف يذهبون، وعلى (١) هذا قولنا: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله خففت الأولى من الثقيلة؛ لأنك جئت بالعوض وهو لا وشددت الثانية؛ لأنه الإيجاب (٢).\nوهذا الفصل مستقصى عند قوله: ﴿وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [المائدة: ٧١]، ومعنى ﴿أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا﴾ لا يكلمهم ولا يرد لهم جوابًا، كما قال في هذا المعنى: ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ﴾ [الأعراف: ١٤٨].\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾ توبيخ لهم إذا عبدوا من لا يملك ضرًا من ترك عبادته، ولا ينفع من عبده، وتركوا عبادة من يملكها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2525>٩٠ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ﴾ أي: من قبل أن يأتي موسى، وذلك أنه لما رأى ما وقعوا فيه قال لهم: ﴿يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ﴾ قال عطاء عن ابن عباس: (ضللتم به) (٣). وقيل: (ابتليتم به) (٤). ﴿وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ﴾ لا العجل ﴿فَاتَّبِعُونِي﴾ في عبادته ﴿وَأَطِيعُوا أَمْرِي﴾ ولا أمر السامري، فعصوه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-2526>٩١ </span>- وقالوا: ﴿لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ﴾ لن نزال مقيمين على عبادة العجل (٥). ﴿حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى﴾ فلما رجع موسى.\n_________\n(١) في (ص): (ومن).\n(٢) \"المقتضب\" ٣/ ٧.\n(٣) ذكره القرطبي في \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٢٣٦ بدون نسبة.\n(٤) \"جامع البيان\" ١٦/ ٢٠٢، \"الكشف والبيان\" ٣/ ٢٣ ب، \"المحرر الوجيز\" ١٠/ ٧٨، \"زاد المسير\" ٥/ ٣١٥، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٢٣٦.\n(٥) \"جامع البيان\" ١٦/ ٢٠٢، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٩٠، \"زاد المسير\" ٥/ ٣١٦. \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٢٣٧.","vol":"14","page":502},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2527>٩٢ </span>- ﴿قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا﴾ أي: افتتنوا في دينهم. وقال الكلبي: (كفروا وأخطأوا الطريق) (١)\n<span data-type=\"title\" id=toc-2528>٩٣ </span>- ﴿أَلَّا تَتَّبِعَنِ﴾ لا زائدة (٢) أي: ما منعك من اتباعي واللحوق بي، وترك المقام بين أظهرهم ليرغبهم خروجك من بينهم (٣). وقيل: (من اتباعي في الإنكار عليهم) (٤).\n﴿أفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾ هو قال ابن عباس: (يريد أن مقامك بينهم وقد عبدوا غير الله عصيان منك) (٥). وعلى هذا إنما عذله على المقام فيما بينهم وقد كفروا، ثم أخذ برأس أخيه غضبًا منه عليه. الكلبي: (أخذ شعره بيمينه ولحيته\n_________\n(١) ذكره في \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٢٣٧ بدون نسبة.\n(٢) قال ابن عطية في \"المحرر الوجيز\" ١٠/ ٨٠: (ذهب حذاق النحاة إلى أنها مؤكدة وأن في الكلام فعلًا مقدرًا كأنه قال ما منعك ذلك أو حضك أو نحو هذا على أن لا تتبعن وما قبل وما بعد يدل على هذا ويقتضيه). وقال الزركشي في \"البرهان\" ٣/ ٩٠: (وقيل ليست بزائدة من وجهين:\n١ - أن التقدير ما دعاك إلى ألا تتبعني؛ لأن الصارف عن الشيء داع إلى تركه فيشتركان في كونهما من أسباب عدم الفعل.\n٢ - إن التقدير: ما منعك من ألا تتبعني، وهذا أقرب مما قبله؛ لأن فيه إبقاء المنع على أصله، وعدم زيادتها أولى؛ لأن حذف حرف الجر مع أنه كثير لا تصل إلى المجاز، والزيادة في درجتها. قالوا: وفائدة زيادتها تأكيد الإثبات، فإن وضع ﴿لَا﴾ نفي ما دخلت عليه فهي معارضة للإثبات ولا يخفى أن حصول الحكم مع المعارض أثبت مما إذا لم يعترضه المعارض أو أسقط معنى ما كان من شأنه أن يسقط). وانظر: \"النبأ العظيم\" الدكتور محمد عبد الله دراز ١٣٠ - ١٣٦.\n(٣) \"جامع البيان\" ١٦/ ٢٠٢، \"الكشف والبيان\" ٣/ ٢٣ ب، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٩١.\n(٤) \"زاد المسير\" ٥/ ٣١٦، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٢٣٨.\n(٥) \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٢٣٧.","vol":"14","page":503},{"text":"بشماله) (١). ولم يذكر هاهنا أخذه لذكره في سورة أخرى (٢)؛ ولأن قوله: ﴿لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي﴾ يدل على الأخذ، فلما أخذ موسى ذلك منه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2529>٩٤ </span>- ﴿قَالَ ابْنَ أُمَّ﴾ أضافه إلى الأم دون الأب ترقيقًا واستعطافًا، هذا معنى قول الكلبي (٣).\nوقال أبو إسحاق: (وقيل في هارون إنه لم يكن أخا موسى لأبيه وكان أخاه لأمه) (٤). وقرئ: (يابن أم) بالكسر والفتح (٥). وذكرنا الوجه في سورة الأعراف (٦).\n_________\n(١) ذكرته كتب التفسير بدون نسبة. انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٢٣٧، \"التفسير الكبير\" ٢٢/ ١٠٩، \"روح المعاني\" ١٦/ ٢٥١.\n(٢) عند قوله سبحانه: ﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ﴾ [الأعراف: ١٥٠] الآية.\n(٣) \"الكشف والبيان\" ٣/ ٢٣ ب، \"المحرر الوجيز\" ١٠/ ٨١، \"روح المعاني\" ١٦/ ٢٥ وقال: (فإن الجمهور على أنهما كان شقيقين).\n(٤) ذكر هذا القول \"الكشف والبيان\" ٣/ ٢٣ ب، ولم أجده بهذا اللفظ عند الزجاج، والذي ورد في \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٧٣ قوله: وقد قيل في هارون إنه لم يكن أخا موسى لأمه.\nوقال ابن عطية في \"المحرر الوجيز\" ١٠/ ٨١: وقالت فرقة لم يكن هارون أخا موسى إلا من أمه، وهذا ضعيف.\n(٥) قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وحفص عن عاصم: (يابن أمَّ) بفتح الميم، وقرأ ابن عامر، وحمزة، والكسائي، وعاصم في رواية أبي بكر: (يابن أمِّ) بكسر الميم. انظر: \"السبعة\" ٤٢٣، \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٢٤٨، \"العنوان في القراءات\" ص ١٣٠.\n(٦) عند قوله سبحانه في سورهَ الأعراف الآية رقم (١٥٠): ﴿قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾.","vol":"14","page":504},{"text":"وقوله تعالى: ﴿لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي﴾ أراد ولا شعر رأسي. فإن قيل: الأخذ باللحية يؤدي إلى الاستخفاف بمن فعل به، فلم فعل ذلك موسى؟ والجواب: أن العادة في ذلك الزمان لم تكن كهذه العادة بل كان يجري ذلك مجرى القبض على اليد، والأشياء تختلف حكمها بحسب العادة فيها (١)، وقيل: (إنه أجراه مجرى نفسه إذا غضب في القبض على لحيته؛ لأنه لم يكن يتهم عليه كما لا يتهم على نفسه) (٢).\nقال ابن الأنباري: (وقع في نفس موسى أن هارون (٣) عصى الله بترك اتباعه، فأخذ بلحيته ورأسه غضبًا لله، وتأديبًا لهارون) (٤).\nوقوله تعالى: ﴿إِنِّي خَشِيتُ﴾ قال ابن عباس: (يريد إن أنا أتيتك) (٥) بمعنى: إن فارقتهم واتبعتك ﴿أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ قال ابن عباس: (يريد (٦): جماعتهم) (٧). وذلك أنه لو لحق بموسى لصاروا أحزابًا: حزب يسيرون معه، وحزب يتخلفون عنه مع الإيمان والإنكار على عبدة العجل، وحزب مع السامري، فلا يؤمن أن يصيروا في الخلاف إلى تسافك، فاعتذر بما مثله يقبل؛ لأنه وجه من وجوه الرأي (٨).\n_________\n(١) \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٢٣٩.\n(٢) \"إعراب القرآن\" للنحاس ٣/ ٥٥.\n(٣) في (ص): (أن موسى)، وهو تصحيف.\n(٤) ذكره ابن الجوزي بلا نسبة في \"زاد المسير\" ٥/ ٣١٧.\n(٥) ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة انظر: \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٩١، \"زاد المسير\" ٥/ ٣١٧، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٢٣٩، \"روح المعاني\" ١٦/ ٢٥١.\n(٦) قوله: (يريد)، ساقط من نسخة (س).\n(٧) ذكرته كتب التفسير بدون نسبة. انظر: \"جامع البيان\" ١٦/ ٢٠٣، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٩١، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٢٣٩، \"لباب التأويل\" ٤/ ٢٧٨.\n(٨) \"جامع البيان\" ١٦/ ٢٠٤، \"الكشف والبيان\" ٣/ ٢٣ ب، \"القرطبي\" ١١/ ٢٣٩.","vol":"14","page":505},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ يعني: ولم تحفظ وصيتي حين قلت لك: اخلفني في قومي (١).\nوقال ابن جريج في قوله: (ألا تتبعني) أي: في شدة الزجر لهم عن الكفر بالله وعبادة غير الله) (٢).\nوقال في قوله: ﴿خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾: (خشيت من العنف بهم أن يتفرقوا أحزابًا فيقتل بعضهم بعضًا) (٣). فلما اعتذر هارون بهذا العذر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2530>٩٥ </span>- قال موسى للسامري: ﴿فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ﴾ قال ابن عباس: (يريد ما قصتك) (٤).\nقال المفسرون: (ما شأنك الذي دعاك إلى ما صنعت) (٥). وأصل الخطب: الجليل من الأمر، كأنه قيل له: ما هذا الأمر العظيم الذي صنعت (٦). وقال الزجاج: (ما أمرك الذي تخاطب به) (٧).\n_________\n(١) \"جامع البيان\" ١٦/ ٢٠٤، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٩١، \"القرطبي\" ١١/ ٢٣٩.\n(٢) ذكرته كتب التفسير نحوه بدون نسبة انظر: \"النكت والعيون\" ٣/ ٤٢٠، \"زاد المسير\" ٥/ ٣١٧، \"القرطبي\" ١١/ ٢٣٧، \"لباب التأويل\" ٤/ ٢٧٨.\n(٣) ذكرته كتب التفسير بدون نسبة. انظر: \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٩١، \"زاد المسير\" ٥/ ٣١٧، \"القرطبي\" ١١/ ٢٣٩.\n(٤) ذكره \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٢٣٩ بدون نسبة.\n(٥) \"جامع البيان\" ١٦/ ٢٠٤، \"الكشف والبيان\" ٣/ ٢٤ أ، \"بحر العلوم\" ٢/ ٣٥٣، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٩١، \"المحرر الوجيز\" ١٠/ ٨٢.\n(٦) انظر: \"تهذيب اللغة\" (خطب) ١/ ١٠٥٢، \"القاموس المحيط\" (الخطب) ١/ ٦٢، \"لسان العرب\" (خطب) ٢/ ١١٩٤، \"المفردات في غريب القرآن\" (خطب) ١٥٠.\n(٧) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٧٤.","vol":"14","page":506},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2531>٩٦ </span>- قوله تعالى: ﴿قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ﴾ يقال: بصر الرجل إذا صار عليمًا بالشيء (١). قال أبو عبيدة: (علمت ما لم تعلموا) (٢).\nوقال ابن عباس: (عرفت مالم تعرفوا) (٣).\nوقرئ: ﴿يَبْصُرُوا﴾ بالياء والتاء (٤). من قرأ بالياء فالمعنى: بصرت بما لم يبصر به بنو إسرائيل، ومن قرأ بالتاء: صرف الخطاب إلى الجميع. قال له موسى: وما الذي أبصرت دون بني إسرائيل؟ قال: ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ﴾ قال ابن عباس وجميع المفسرين: (يريد أثر فرس جبريل) (٥).\nقال أبو إسحاق: (كان رأى فرس جبريل، فقبض قبضة من تراب حافر الفرس) (٦).\nوروى السدي عن أبي عمارة (٧) عن علي -﵁- قال: (إن جبريل لما نزل\n_________\n(١) انظر: \"تهذيب اللغة\" (بصر) ١/ ٣٤١، \"مقاييس اللغة\" (بصر) ١/ ٢٥٣، \"الصحاح\" (بصر) ٢/ ٥٩١، \"مختار الصحاح\" ص ٥٤، \"المصباح المنير\" ١/ ٥٠.\n(٢) مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ٢/ ٢٦.\n(٣) ذكرته كتب التفسير بدون نسبة. انظر: \"الكشف والبيان\" ٣/ ٢٤ أ، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٩١، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٢٣٩، \"التفسير الكبير\" ٢٢/ ١١٣.\n(٤) قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وعاصم: (يبصروا) بالياء. وقرأ حمزة، والكسائي: (تبصروا) بالتاء.\nانظر: \"السبعة\" ٤٢٤، \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٢٤٩، \"التبصرة\" ٢٦١، \"النشر\" ٢/ ٣٢٢.\n(٥) \"تفسير القرآن\" للصنعاني ٢/ ١٧، \"جامع البيان\" ١٦/ ٢٠٥، \"الكشف والبيان\" ٣/ ٢٤ أ، \"تفسير كتاب الله العزيز\" ٣/ ٤٩.\n(٦) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٧٤.\n(٧) قيس أبو عمارة الفارسي مولى الأنصار، وقيل: مولى سودة بنت سعد مولاة بني =","vol":"14","page":507},{"text":"ليصعد بموسى إلى السماء أبصره السامري من بين الناس، فقبض قبضة من أثر الفرس) (١). وعلى هذا معنى ﴿بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ﴾ أي: رأيت ما لم تروه. وقال الكلبي: (قال السامري: رأيت جبريل على الفرس، وحي الحياة بلقاء أنثى، خطوها مد البصر، فألقي في نفسي أن أقبض من أثرها، فما لقيته على شيء إلا صار له روح ولحم ودم، فحين رأيت قومك سألوك أن تجعل لهم إلهًا (٢)، حدثت لي نفسي بذلك ﴿فَنَبَذْتُهَا﴾) (٣). وعلى هذا معنى: ﴿بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ﴾ أي: علمت ما لم تعلم بنو إسرائيل من أخذ تراب حافر فرس جبريل. وقال الكلبي بإسناده عن ابن عباس: (لما أمر\n_________\n= ساعدة من الأنصار، روى عن: عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن حزم، وروى عنه: إسماعيل بن أبي أويس، وخالد بن مخلد، ومعن بن عيسى، وثقة العلماء وأثنوا عليه، وروى له ابن ماجه وغيره، توفي -﵀- سنة ١٦٠ هـ.\nانظر: \"الجرح والتعديل\" ٧/ ١٠٦، \"الثقات\" ٩/ ١٥، \"تهذيب التهذيب\" ٨/ ٤٠٦، \"الكاشف\" ٢/ ٤٠٣، \"تهذيب الكمال\" ٢٤/ ٨٩.\n(١) \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٢٣٩، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٨١ وقال: غريب. \"التفسير الكبير\" ٢٢/ ١١٠، \"روح المعاني\" ١٦/ ٢٥٣.\n(٢) ويشهد لهذا قوله سبحانه: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٨].\n(٣) ذكره الصنعاني مختصرًا في \"تفسير القرآن\" ٢/ ١٧، وذكره \"القرطبي\" ١١/ ٢٣٩ بدون نسبة، وأورد نحوه ابن كثير ٣/ ١٨٢. وقد ورد في حديث الفتون عن ابن عباس ما يخالف ذلك فقد قال: (اجتمع ما كان في الحفرة من متاع أو حلية أو نحاس أو حديد فصار عجلًا أجوف ليس فيه روح له خوار، ثم قال ابن عباس: والله ما كان له صوت قط إنما كانت الريح تدخل دبره فتخرج من فيه، وكان ذلك الصوت من ذلك).\nانظر: \"مجمع الزوائد\" كتاب التفسير - سورة طه ٧/ ٦٤.","vol":"14","page":508},{"text":"فرعون بذبح ولدان بني إسرائيل كانت المرأة تلد فتطرح ولدها حيث لا يشعر به أصحاب فرعون، فيأخذ الولدان الملائكة، فيربوهم حتى يترعرعوا ويختلطوا بالناس، فكان السامري ممن أخذه جبريل، فغذاه فلما رآه على فرسه عرفه، فقبض القبضة من تحت حافر فرسه) (١).\nوقوله: إنها إذا جعلت في موات حي، فذلك قوله: ﴿بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ﴾ أي: من أثر فرسه يعني من حيث وضع عليه حافره ﴿فَنَبَذْتُهَا﴾ وألقيتها في صورة العجل ﴿وَكَذَلِكَ﴾ وكما حدثتك يا موسى ﴿سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي﴾ زينت لي نفسي من أخذ القبضة وإلقائها في صورة العجل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2532>٩٧ </span>- قوله تعالى: ﴿قَالَ فَاذْهَبْ﴾ روي في التفسير: (أن موسى -﵇- همَّ بقتل السامري، فنهاه الله عن ذلك وقال: لا تفعل، فإنه سخي) (٢) (٣).\n_________\n(١) ذكر نحوه \"جامع البيان\" ١٦/ ٢٠٥، وكذلك \"بحر العلوم\" ٢/ ٣٥٢، وأورده \"النكت والعيون\" ٣/ ٤٢٣ بدون نسبة، وكذلك \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٩٢، وابن عطية في \"المحرر الوجيز\" ١١/ ١٠١ وقال: (هذا ضعيف). \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٢٤٠، والرازي في \"التفسير الكبير\" ٢٢/ ١١١ وقال: (والذي ذكروه من أن جبريل -﵇- هو الذي رباه فبعيد).\nولعل هذا القول من الروايات الإسرائيلية التي ذكرت في هذا الباب.\n(٢) السخاوة والسخاء: الجود، والسخي: الجواد. انظر: \"تهذيب اللعة\" (سخا) ٧/ ٤٨٧، \"القاموس المحيط\" (السخي) ٤/ ٣٤١، \"لسان العرب\" (سخا) ٩/ ٢٠٨، \"مختار الصحاح\" (سخا) ٢٩١.\n(٣) \"الكشف والبيان\" ٣/ ٢٤ أ، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٢٤١، \"روح المعاني\" ١٦/ ٢٥٦. وهذا القول من الروايات الإسرائيلية التي ذكرها أهل التفسير في هذه الآية.","vol":"14","page":509},{"text":"فقال له موسى: ﴿فَاذْهَبْ﴾ أي: من بيننا ﴿فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسَ﴾ قال ابن عباس: (لك (١) ولولدك) (٢). والمساس: فِعال من المساسة ومعنى لا مساس: لا يمس بعضنا بعضًا (٣).\nقال الكلبي: (يقول: لا يخالط أحدًا ولا يخالطك) (٤). وأمر موسى بني إسرائيل أن لا يخالطوه ولا يؤاكلوه ولا يقربوه (٥).\nوقال أبو إسحاق: (التأويل: أن موسى حرم (٦) مخالطة السامري، والمعنى: أنك في الدنيا لا تخالط جزاء لفعلك) (٧). وعلى هذا كأن موسى صيره مهجورًا، وأمر قومه بمجانبته، وأن لا يخالطوه ولا يؤاكلوه ولا يبايعوه، هذا معنى ما ذكر في هذه الآية (٨). غير أن اللفظ لا يدل على هذا؛ لأنه إذا هجر لم يقل: لا مساس إنما يقال له ذلك (٩).\n_________\n(١) قوله: (لك)، ساقط من نسخة (ص).\n(٢) \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٩٢، \"روح المعاني\" ١٦/ ٢٥٦.\n(٣) انظر: \"تهذيب اللغة\" (مس) ٤/ ٣٣٩، \"مقاييس اللغة\" (مس) ٥/ ٢٧١، \"لسان العرب\" (مسس) ٧/ ٤٢٠١، \"المفردات في غريب القرآن\" (مسس) ص ٤٦٧.\n(٤) ذكرته كتب التفسير بدون نسبة. انظر: \"جامع البيان\" ١٦/ ٢٠٦، \"الكشف والبيان\" ٣/ ٢٤ أ، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٢٤٠.\n(٥) \"جامع البيان\" ١٦/ ٢٠٦، \"الكشف والبيان\" ٣/ ٢٤ أ، \"النكت والعيون\" ٣/ ٤٢٤، \"معالم التنزيل\" ٣٥/ ٢٩٢.\n(٦) قوله: (حرم)، ساقط من نسخة (ص).\n(٧) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٤٧٣.\n(٨) \"جامع البيان\" ١٦/ ٢٠٦، \"الكشف والبيان\" ٣/ ٢٤ أ، \"المحرر الوجيز\" ١٠/ ٨٤، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٢٤٠.\n(٩) قال الرازي -﵀- في \"تفسيره\" ٢٢/ ١١٣: وهذا الإعتراض ضعيف؛ لأن الرجل إذا بقي طريدًا فريدًا فإذا قيل له كيف حالك؟ فله أن يقول: لا مساس. أي: =","vol":"14","page":510},{"text":"على أن ابن الأنباري ذكر في هذا وجهين أحدهما: (أن السامري ألهم هذا القول، وأجبر عليه إذلالا له وتصغيرًا لشأنه. والثاني: (أن الفعل نسب إلى السامري وهو في المعنى لغيره. وتلخيصه: فاذهب فإن لك في الحياة أن يقال لك: لا مساس فنسب إليه قول غيره تحقيقًا للزوم الفعل وبقائه) (١)، هذا كلامه.\nوالصحيح ما ذكر في التفسير من وجه آخر: أنه جعل يهيم في البرية مع الوحوش والسباع لا يمس أحدًا ولا يمسه أحد، عاقبه الله بذلك) (٢). وكان إذا لقى أحدًا يقول: لا مساس أي: لا تقربني ولا تمسني، وصار ذلك عقوبة له ولولده حتى أن بقاياهم اليوم يقولون ذلك (٣). وذكر: (أنه إن مس واحدًا من غيرهم أحدًا منهم حمَّ كلاهما في الوقت) (٤).\n_________\n= لا يماسني أحد ولا أماس أحدًا، المعنى: إني أجعلك يا سامري في المطرودين بحيث لو أردت أن تخبر غيرك عن حالك لم تقل إلا أنه لا مساس، وهذا الوجه أحسن وأقرب إلى نظم الكلام.\n(١) ورد نحوه بلا نسبة في \"زاد المسير\" ٥/ ٣١٩، \"البحر المحيط\" ٦/ ٢٧٥، \"روح المعاني\" ١٦/ ٢٥٦.\n(٢) \"النكت والعيون\" ٣/ ٤٢٣، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٩٢، \"زاد المسير\" ٥/ ٣١٩، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٤١.\n(٣) \"جامع البيان\" ١٦/ ٢٠٦، \"الكشف والبيان\" ٣/ ٢٤، \"تفسير كتاب الله العزيز\" ٣/ ٤٩. \"زاد المسير\" ٥/ ٣١٩.\nقول المؤلف -﵀-: (إن بقاياهم اليوم يقولون ذلك) قول يحتاج إلى دليل فليس في ظاهر الآية دليل على هذا القول. وقد قال سبحانه في سورة النجم: ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾.\n(٤) \"الكشف والبيان\" ٣/ ٢٤ أ، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٩٢، \"الكشاف\" ٢/ ٥٥١ \"زاد المسير\" ٥/ ٣١٩، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٢٤١.","vol":"14","page":511},{"text":"وهذا معنى ما ذكره قتادة في قوله: ﴿لَا مِسَاسَ﴾ قال: (عقوبة لهم) (١). ومعنى: أن ذلك في الحياة أي: أنك ما دمت حيًّا تعاقب بهذه العقوبة فإذا صرت إلى الآخرة جوزيت بما تستحق، وهو قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا﴾ قال ابن عباس: (يريد موعد القيامة) (٢). والموعد هاهنا هصدر يعني أن لك وعدًا لعذابك ﴿لَنْ تُخْلَفَهُ﴾ وقرئ: بفتح اللام (٣)، فمن كسر اللام كان المعنى: لن تخلف ذلك الوعد أي: ستأتيه ولا مذهب لك عنه، ومن فتح اللام كان المعنى: لن تخلف ذلك الوعد أي: سيأتيك به الله ولن يتأخر عنك.\nقال أبو إسحاق: (أي يكافئك الله على ما فعلت في القيامة والله لا يخلف الميعاد. ومن قرأ: ﴿لَنْ تُخْلَفَهُ﴾ فالمعنى: أنك تبعث وتوافي القيامة لا تقدر على غير ذلك) (٤).\nوقوله تعالى: ﴿وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا﴾ قال ابن عباس: (يريد الذي طفقت تعبده وظللت عليه مقيمًا) (٥). وظلْتَ أصله. ظلَلت.\n_________\n(١) \"تفسير القرآن\" للصنعاني ٢/ ١٨، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٢٤٢، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٨٣، \"الدر المنثور\" ٤/ ٥٤٨.\n(٢) ذكره القرطبي في \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٢٤٢ بدون نسبة.\n(٣) قرأ نافع، وعاصم، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي: (لن تخلَفه) بفتح اللام. وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو: (لن تخلِفه) بكسر اللام. انظر: \"السبعة\" ص ٤٢٤، \"الحجة\" ٥/ ٢٤٩، \"حجة القراءات\" ص ٤٦٣، \"التبصرة\" ص ٢٦١.\n(٤) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٧٥.\n(٥) \"جامع البيان\" ١٦/ ٢٠٧، \"زاد المسير\" ٥/ ٣١٩، \"فتح القدير\" ٣/ ٥٤٩.","vol":"14","page":512},{"text":"قال الزجاج: (ولكن اللام حذفت لثقل التضعيف والكسر) (١). والعرب تفعل ذلك كثيرًا، قال ابن مغراء (٢) (٣):\nمَسْنَا السَّمَاءَ فَنِلْنَاهَا وطَالَهُمُ ... حَتَى رأَوا أُحُدًا يَمْشِي وَثَهْلانَا\nفحذفوا أحد السينين من مسسنا استثقالا للجمع بينهما ومثله كثير.\nوقوله تعالى: ﴿لَنُحَرِّقَنَّهُ﴾ قال ابن عباس في رواية الوالبي: (يقول بالنار) (٤). وروي عنه: (فحرقه بالنار ثم ذراه في البحر) (٥) (٦).\nوقال الكلبي: (أحرق العجل بالنار، ثم دق، ثم ذري في البحر) (٧). وهو النسف.\nوقال السدي: (أخذ موسى العجل فذبحه، فسأل منه دمًا كما يسيل\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٧٥.\n(٢) أوس بن مغراء من بني ربيعة بن قريع بن عوف بن كعب بن سعد، شاعر اشتهر في الجاهلية، وعاش زمنًا في الإسلام، له شعر في الهجاء والمدح.\nانظر: \"الشعر والشعراء\" ص ٤٥٧، \"سمط اللآلي\" ص ٧٩٥، \"الأغاني\" ٥/ ١٢، \"الأعلام\" ٢/ ٣١.\n(٣) البيت لأوس بن مغراء السعدي.\nانظر: \"تهذيب اللغة\" (مس) ٤/ ٣٣٩، \"لسان العرب\" (مسس) ١٧/ ٤٢٠١.\n(٤) \"جامع البيان\" ١٦/ ٢٠٨، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٨٢، \"الدر المنثور\" ٤/ ٥٤٩، \"روح المعاني\" ١٦/ ٢٥٧.\n(٥) في (ص): (في اليم).\n(٦) \"جامع البيان\" ١٦/ ٢٠٨، \"الكشف والبيان\" ٣/ ٢٤ أ، \"الدر المنثور\" ٤/ ٥٤٩، \"روح المعاني\" ١٦/ ٢٥٨.\n(٧) ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة. انظر. \"جامع البيان\" ١٦/ ١٥٣، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٩٣، \"زاد المسير\" ٥/ ٣١٩، \"القرطبي\" ١١/ ٢٤٢، \"التفسير الكبير\" ٢٢/ ١١٣.","vol":"14","page":513},{"text":"من العجل إذا ذبح، ثم حرقه بالمبرد، ثم ذراه في اليم) (١). وهذا على معنى حرق عظامه بالمبرد، كما قال الكلبي: (ثم دق). وهذا على قراءة من قرأ: لَنُحْرِقَنَّه وليست قراءته في مشهور القراءة (٢). والصحيح: أن ذلك العجل صار لحمًا ودمًا، وإذا كان كذلك فالحرق بالمبرد فيه بعيد. وفي حرف عبد الله: لنذبحنه ثم لنحرقنه (٣).\nوروى عطاء عن ابن عباس: (فبرد بالمبارد ثم ألقي في البحر) (٤).\nوهذا يحمل على برد عظامه، إلا على قول مجاهد فإنه لم يجعله لحمًا ودمًا، وحينئذ برد العجل بالمبرد وهو من الذهب. والدليل على أن المبرد كان للعظام قول ابن مسلم في قوله: ﴿لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا﴾ (أي: لنطيرن تلك البرادة والرماد في البحر) (٥). والرماد يكون لما أحرق بالنار. ومعنى النسف: نقض الشيء لتذهب به الريح، وهو: التذرية (٦).\n_________\n(١) \"الكشف والبيان\" ٣/ ٢٤ أ، \"القرطبي\" ١١/ ٢٤٢، وذكر نحوه \"جامع البيان\" ١٦/ ٢٠٨، \"تفسير كتاب الله العزيز\" ٣/ ٥٠.\n(٢) قرأ علي بن أبي طالب -﵁-: ﴿لَنُحَرِّقَنَّهُ﴾ بفتح النون وضم الراء. وقرأ الحسن: ﴿لَنُحَرِّقَنَّهُ﴾ بضم النون وسكون الحاء وكسر الراء.\nانظر: \"جامع البيان\" ١٦/ ٢٥٨، \"المحتسب\" ٢/ ٥٨، \"إعراب القرآن\" للنحاس ٣/ ٥٧، \"غريب القرآن\" لابن قتيبة ٢٨١، \"غريب القرآن\" لابن الملقن ٢٤٩.\n(٣) \"جامع البيان\" ١٦/ ٢٠٨، \"الكشف والبيان\" ٣/ ٢٤/ أ، \"بحر العلوم\" ٢/ ٣٥٣، \"المحرر الوجيز\" ١٠/ ٨٧، \"الكشف\" ٢/ ٥٥٢.\n(٤) ذكر نحوه السيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ٥٤٩ وعزاه لابن أبي حاتم.\n(٥) ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة. انظر: \"جامع البيان\" ١٦/ ٢٠٨، \"بحر العلوم\" ٢/ ٣٥٣، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٩٣، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٤٣. \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٢٤٣.\n(٦) انظر: \"تهذيب اللغة\" (نسف) ٤/ ٣٥٦١، \"القاموس المحيط\" (نسف) ٣/ ١٩٩.","vol":"14","page":514},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2533>٩٨ </span>- قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ هذا أيضًا إخبار عن موسى أنه قال لقومه. والمعنى: إلهكم الذي يستحق العبادة الله لا العجل ﴿وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ تامًا لم يضق علمه عنه، فلا يخفى عليه شيء والتقدير: وسح كل شيء علمه، ثم نقل الفعل عن العلم ونصب على اقفسير، وهي لفظة عجيبة في الفصاحة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-2534>٩٩ </span>- ﴿كَذَلِكَ﴾ كما قصصنا عليك نبأ موسى وقومه ﴿نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا﴾ قال ابن عباس: (يريد القرآن) (١).\nثم أوعد على الإعراض عنه وترك الإيمان به\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2535>١٠٠ </span>- فقال: ﴿مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا﴾ قال مجاهد: (إثمًا) (٢). قال أهل المعاني: (إثمًا عظيمًا) (٣). لأن الوزر معناه: الحمل الثقيل (٤)\n<span data-type=\"title\" id=toc-2536>١٠١ </span>- ﴿خَالِدِينَ فِيهِ﴾ أي: في عذابه عذاب ذلك الوزر ﴿وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا﴾ قال الوالبي عن ابن عباس: (يقول: بئس ما حملوا) (٥). [وقال\n_________\n= \"الصحاح\" (نسف) ٤/ ١٤٣١، \"لسان العرب\" (نسف) ٧/ ٤٤١١، \"المفردات في غريب القرآن\" (نسف) ٤٩٠.\n(١) ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة. انظر: \"جامع البيان\" ١٦/ ٢٠٩، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٢٤٤.\n(٢) \"جامع البيان\" ١٦/ ٢٠٩، \"تفسير كتاب الله العزيز\" ٣/ ٥٠، \"البحر المحيط\" ٦/ ٢٧٨، \"الدر المنثور\" ٤/ ٥٤٩.\n(٣) \"القرطبي\" ١١/ ٢٤٤، \"البحر المحيط\" ٦/ ٢٧٨، \"روح المعاني\" ١٦/ ٢٥٩.\n(٤) انظر: \"تهذيب اللغة\" (وزر) ٤/ ٣٨٨٣، \"القاموس المحيط\" (الوزر) ٢/ ١٥٤، \"الصحاح\" (وزر) ٢/ ٨٤٥، \"لسان العرب\" (وزر) ٨/ ٤٨٢٣.\n(٥) \"جامع البيان\" ١٦/ ٢٠٩، \" الدر المنثور\" ٤/ ٥٤٩،\"فتح القدير\" ٣/ ٣٨٥.","vol":"14","page":515},{"text":"عطاء عنه: (يريد: بئس يوم القيامة ﴿حِمْلًا﴾ يريد: سوء العذاب) (١).\nوقال الكلبي: (بئس ما حملوا] (٢) على أنفسهم من المآثم كفرا بالقرآن) (٣).\nقال أبو إسحاق: (المعنى. بئس الوزر لهم حملًا يوم القيامة، وحملًا منصوب على التمييز) (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2537>١٠٢ </span>- قوله تعالى ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾ وقرأ أبو عمرو (ننفخ) بالنون، والوجه قراءة العامة (٥) لقوله: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ (٦)، وقوله: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا﴾ [النبأ: ١٨]، ولأن النفخ يكون من المَلَك الموكل بالصور بأمر الله، فالأجود أن يقرأ على غير تسمية الفاعل، ووجه قراءة أبي عمرو: أنه على معنى إضافة الأمر بالنفخ إلى الله تعالى، ويقوي ذلك ما عطف عليه من قوله: ﴿وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾ يقال: زَرِقَت عينه، تَزْرَقُ، زَرَقًا، وزُرْقَةً، وازْرَاقَّت، ازرِقَاقًا (٧).\n_________\n(١) ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة. انظر: \"جامع البيان\" ١٦/ ٢٠٩، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٢٤٤، \"فتح القدير\" ٣/ ٣٨٥.\n(٢) ما بين المعقوفين مكرر في نسخة (س).\n(٣) \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٩٣، \"مجمع البيان\" ٧/ ٤٧، \"البحر المحيط\" ٦/ ٢٧٨.\n(٤) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٧٦.\n(٥) قرأ نافع، وابن كثير، وابن عامر، وحمزة والكسائي، وعاصم: (ينفح) بالياء، وقرأ أبو عمرو البصري: (تنفخ) بالنون.\nانظر: \"السبعة\" ص ٤٢٤، \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٢٥٠، \"حجة القراءات\" ص ٤٦٣،\"التبصرة\" ٢٦١.\n(٦) وردت هذه الآية في سور متعددة: في الكهف: (٩٩)، ويس: (٥١)، والزمر (٦٨)، وق: (٢٠).\n(٧) انظر: \"تهذيب اللغة\" (زرق) ٢/ ١٥٢٥، \"القاموس المحيط\" (الزرق) ٣/ ٢٤٠،=","vol":"14","page":516},{"text":"قال ابن عباس: (يريد: بالمجرمين الذين اتخذوا مع الله إلهًا) (١).\nقال: (يريد: زرق العيون سود الوجوه) (٢). وإلى هذا ذهب جماعة من المفسرين: (أن معنى الزرق هاهنا أن في عيونهم زرقًا، وهي الخضرة في سواد العين) (٣). كعين السَّنَّوْرُ (٤) والعرب تتشاءم بالزرت وتذمه (٥). والمعنى في هذا: تشويه الخلق بسواد الوجوه وزرقة العيون.\nوقال الكلبي: (زرقا: عميا) (٦).\nوذكره الفراء وابن الأعرابي، والزجاج (٧)، قال الزجاج: (يخرجون من قبورهم بصراء ويعمون في المحشر. قال: وإنما قيل للعمى: زرق؛ لأن السواد يزرق إذا ذهب نواظرهم) (٨)، هذا كلامه، ولم يكشف عن المعنى.\n_________\n= \"الصحاح\" (زرق) ٤/ ١٤٨٩، \"لسان العرب\" (زرق) ٣/ ١٨٢٧.\n(١) ذكر نحوه ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٥/ ٣٢١ بدون نسبة.\n(٢) \"روح المعاني\" ١٦/ ٢٦٠، وذكره البغوي في \"تفسيره\" ٥/ ٢٩٤ بدون نسبة.\n(٣) \"الكشف والبيان\" ٣/ ٢٤ ب، \"بحر العلوم\" ٢/ ٣٥٤، \"عالم التنزيل\" ٥/ ٢٩٤، \"فتح القدير\" ٣/ ٥٥١.\n(٤) السَّنَّوْرُ: الهر، مشتق منه، وجمعه السَّنَانيِر. انظر: \"لسان العرب\" (سنر) ٤/ ٢١١٧، \"المعجم الوسيط\" (السنور) ١/ ٤٥٤.\n(٥) قال الزمخشري في \"تفسيره\" ٢/ ٥٥٣: إن الزرقة أبغض شيء من ألوان العيون إلى العرب؛ لأن الروم أعداؤهم وهم زرق العيون، ولذلك قالوا في صفة العدو: أسود الكبد، أصهب السيال، أزرك العين.\n(٦) \"زاد المسير\" ٥/ ٣٢١، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٢٤٤، \"التفسير الكبير\" ٢٢/ ١١٤، وذكرته بعض كتب التفسير بدون نسبة. انظر: \"جامع البيان\" ١٦/ ٢١٠، \"بحر العلوم\" ٢/ ٣٥٤، \"النكت والعيون\" ٣/ ٤٢٤.\n(٧) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٩١، \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٧٦، \"تهذيب اللغة\" (زرق) ٢/ ١٥٢٥.\n(٨) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٦٧.","vol":"14","page":517},{"text":"وذكر ابن قتيبة فقال: (أي بيض العيون من العمى قد ذهب الناظر والسواد) (١). وهذا كلامه كما قال؛ لأن العرب تسمى كل أبيض صافي البياض: أزرق، ويقال للمياه الصافية: زرق، قال زهير (٢):\nفلَمَّا وَرَدْنَ المَاءَ زُرْقًا جِمَامهُ ... وَضَعْنَ عِصيّ الحَاضِر المتَخَيَمِ\nويقال للأسنة: زرق لصفاء لونها (٣). وهذا التفسير يوافق قوله: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا﴾ [الإسراء: ٩٧]، وحكى الفراء، والزجاج في تفسير ﴿زُرْقًا﴾: (عطاشا) (٤).\nورواه أيضًا أبو العباس عن ابن الأعرابي (٥).\nقال أبو إسحاق: (ومن قال: عطاشا فجيد أيضًا؛ لأنهم من شدة العطش يتغير سواد أعينهم، حتى يزرق) (٦). وهذا الذي ذكره صحيح؛ لأن\n_________\n(١) \"تفسير غريب القرآن\" لابن قتيبة ص ٢٨٢.\n(٢) البيت لزهير بن أبي سلمى.\nزرقاء: الزرقة: شدة الصفاء، يقال: ما أزرق إذا اشتد صفاؤه.\nجِمَامَة: الجمام جمع جم الماء، وجمته وهو: ما اجتمع منه في البئر والحوض وغيرهما. وضع العصي: كناية عن الإقامة. الحاضر المتخيم: الحاضر النازل على الماء والمتخيم المقيم، وأصله من تخيم إذا نصب الخيمة.\nانظر: \"ديوان زهير\" ص ٧٨، \"المحرر الوجيز\" ١٠/ ٩١، \"البحر المحيط\" ٦/ ٢٧٩، \"شرح القصائد العشر\" للتبريزي ص ١٣٣، \"شرح المعلقات السبع\" للزوزني ص ١٤١، \"تهذيب اللغة\" (زرق) ٢/ ١٥٢٥، \"لسان العرب\" (زرق) ٣/ ١٨٠٢٧.\n(٣) انظر: \"تهذيب اللغة\" (زرق) ٢/ ١٥٢٥، \"القاموس المحيط\" (الزرق) ٣/ ٢٤٠، \"لسان العرب\" (زرق) ٣/ ١٨٢٧.\n(٤) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٩١، \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٧٦.\n(٥) \"تهذيب اللغة\" (زرق) ٢/ ١٥٢٥.\n(٦) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٧٦.","vol":"14","page":518},{"text":"العطش يؤثر في العين، ومن مات عطشا ظهر ذلك في سواد عينيه، ويشهد لهذا التفسير قوله تعالى: ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ [مريم: ٨٦]. وحكى ثعلب عن ابن الأعرابي في تفسير ﴿زُرْقًا﴾: (طامعين فيما لا ينالونه) (١). ووجه هذا التفسير: أن من يتطلع إلى شيء وطال به انتظاره يقول: قد ابيضت عيني بطول انتظاري (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2538>١٠٣ </span>- قوله تعالى: ﴿يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ﴾. قال ابن عباس والمفسرون: (يتسارون بينهم) (٣)، وذكرنا معنى هذا الحرف عند قوله: ﴿وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ [الإسراء: ١١٠]. ﴿إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا﴾ وذلك لهول ما عاينوا نسوا مقدار مدة لبثهم في الدنيا، فيقولون هذا القول (٤).\nوقيل: (يذهب عنهم طول لبثهم في الدنيا فيقولون هذا القول) (٥).\nوقيل: (يذهب عنهم طول لبثهم في قبورهم لشدة ما يرون من أحوالهم التي دهمتهم فكأنهم كانوا نيامًا فانتبهوا) (٦).\nوقال عطاء عن ابن عباس: (﴿إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا﴾ يريد من النفخة\n_________\n(١) \"تهذيب اللغة\" (زرق) ٢/ ١٥٢٥.\n(٢) ويشهد لهذا قوله تعالى في سورة يوسف الآية رقم (٨٤): ﴿وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾.\n(٣) \"جامع البيان\" ١٦/ ٢١١، \"تفسير كتاب الله العزيز\" ٣/ ٥١، \"النكت والعيون\" ٣/ ٤٢٥، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٩٤، \"المحرر الوجيز\" ١٠/ ٩٢.\n(٤) \"جامع البيان\" ١٦/ ٢١١، \"تفسير كتاب الله العزيز\" ٣/ ٥١، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٩٤، \"زاد المسير\" ٥/ ٣٢١، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٢٤٥.\n(٥) \"جامع البيان\" ١٦/ ٢١١، \"الكشف والبيان\" ٣/ ٢٤ ب، \"زاد المسير\" ٥/ ٣٢١.\n(٦) \"الكشف والبيان\" ٣/ ٢٤ ب، \"النكت والعيون\" ٣/ ٤٢٥، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٩٤، \"زاد المسير\" ٥/ ٣٢١.","vol":"14","page":519},{"text":"الأولى إلى الثانية، وذلك أنه يكف العذاب عنهم بين النفختين، فإذا كانت النفخة الثانية بعثوا) (١). وذلك قوله: ﴿يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ [يس: ٥٢].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2539>١٠٤ </span>- قال الله تعالى: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ﴾ أي: بالنجوى بينهم ﴿إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً﴾ هو قال ابن عباس في رواية عطاء: (أعدلهم) (٢). [وقال الكلبي: (أعدلهم] (٣) قولًا) (٤). وقال السدي: (أمثلهم حالًا) (٥).\nوقال سعيد بن جبير: (أوفاهم عقلًا) (٦). وعنه أيضًا: (أعلمهم في نفسه) (٧). وهو اختيار الزجاج قال: (أعلمهم عند نفسه بما يقول) (٨).\nوقال الفراء: (أجودهم قولًا في نفسه وعندهم) (٩). والمعنى في ﴿أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً﴾ أشبههم طريقة بأهل العقل. وذكرنا الكلام في هذا عند قوله: ﴿بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾ [طه: ٦٣].\n_________\n(١) \"زاد المسير\" ٥/ ٣٢١، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٢٤٥، وذكره البغوي في \"تفسيره\" ٥/ ٢٩٤ بدون نسبة.\n(٢) ذكره السمرقندي في \"تفسيره\" ٥/ ٢٩٤ بدون نسبة.\n(٣) ما بين المعقوفين ساقط من نسخة (س).\n(٤) ذكره البغوي في \"تفسيره\" ٣/ ٢٣١ بدون نسبة.\n(٥) ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة. انظر: \"الكشف والبيان\" ٣/ ٢٤ ب، \"بحر العلوم\" ٢/ ٣٥٤، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٩٤، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٢٤٥.\n(٦) \"جامع البيان\" ١٦/ ٢١١، وذكره \"بحر العلوم\" ٢/ ٣٥٤ بدون نسبة. وكذلك \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٩٤.\n(٧) \"جامع البيان\" ١٦/ ٢١١، \"الدر المنثور\" ٤/ ٥٥٠.\n(٨) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٧٦.\n(٩) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٦١.","vol":"14","page":520},{"text":"﴿إِنْ لَبِثْتُمْ﴾ أي: في الدنيا، أو في القبور، أو فيما بين النفختين على ما ذكرنا. ﴿إِلَّا يَوْمًا﴾ قال ابن عباس: (وقد لبثوا أربعين سنة؛ لأن ما بين النفختين أربعين سنة) (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2540>١٠٥ </span>- قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ﴾ قال ابن عباس: (سأل رجال من ثقيف (٢) رسول الله -ﷺ- فقالوا: كيف تكون الجبال يوم القيامة؟ فأنزل الله هذه الآية) (٣).\nوقوله تعالى: ﴿يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا﴾ قال الكلبي: (يقلعها قلعًا) (٤).\nوقال الزجاج: (النسف: التذرية تصير الجبال كالهباء المنثور تذرى تذرية) (٥).\nوقال المفسرون: (يصيرها الله رملًا يسيل سيلًا ثم يصيرها كالصوف المنفوش تطيرها الرياح هكذا وهكذا) (٦)\n_________\n(١) \"زاد المسير\" ٥/ ٣٢١، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٢٤٥، \"روح المعاني\" ١٦/ ٢٦١، وذكره البغوي في \"تفسيره\" ٥/ ٢٩٤ بدون نسبة.\n(٢) ثقيف: بطن من هوازن من العدنانية، وينسبون إلى ثقيف، وهو: ثقيف بن منبه بن بكر بن هوزان بن قيس بن عيلان بن مضر، وقيل إن اسم ثقيف: قيس. ونزلت هذه القبيلة بالطائف، وانتشرت منها في البلاد. انظر: \"نهاية الأرب\" ص ١٩٨، \"الأنساب\" ١/ ٥٥٨، \"المنتخب في ذكر أنساب العرب\" ص ٤١٢.\n(٣) \"بحر العلوم\" ٢/ ٣٥٤، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٦٤، \"المحرر الوجيز\" ١٠/ ٩٢، \"زاد المسير\" ٥/ ٣٢٢، وذكر نحوه الهواري في \"تفسيره\" ٣/ ٥٢، \"لباب النقول في أسباب النزول\" ص ١٤٦، \"جامع النقول في أسباب النزول\" ص ٢١٦.\n(٤) ذكرته كتب التفسير بدون نسبة. انظر: \"جامع البيان\" ١٦/ ٢١١، \"بحر العلوم\" ٢/ ٣٥٤، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٩٤، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٣٤٥، \"لباب التأويل\" ٤/ ٢٨٠.\n(٥) \"معانى القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٧٦.\n(٦) \"النكت والعيون\" ٣/ ٤٢٥، \"الكشاف\" ٢/ ٥٥٣، \"زاد المسير\" ٥/ ٣٢٢، =","vol":"14","page":521},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2541>١٠٦ </span>- ﴿فَيَذَرُهَا﴾ أي: يدع أماكنها من الأرض إذا نسفها (قاعا) قال الفراء: (القَاع: ما انبسط من الأرض، وفيه يكون السَّراب نصف النهار، وجمعه: قِيْعَة، كما قالوا: جَارٌ وجِيْرَة) (١).\nوقال الليث، والأصمعي: (القَاع: أرض واسعة سهلة مطئنة قد انفرجت عنها الجبال والأكام) (٢). وقال: هذه قَاع، وثلث أَقْوَع، وأقْوَاع كثيرة، وتجمع القِيعَة والقِيعَان، وهو: ما استوى من الأرض وما حواليه أرفع منه، وهو مصب المياه، ويصغر: قُوَيْعَةً في قول من أنت، ومن ذكر قال: قُوَيْعٌ، ودلت هذه الواو أن ألفها واوا (٣). وقال رؤبة (٤):\nوَوَدَّعْن أَقْوَاعَ الشَّمَالِيلِ بَعْدَمَا ... ذَوَى بَقْلُهَا أَحْرَارُهَا وذُكُورُهَا\nوقوله تعالى: ﴿صَفْصَفًا﴾ قال الفراء: (هو الأملس الذي لا نبات فيه) (٥).\n_________\n= \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٢٤٥. ويشهد لهذا قوله سبحانه في سورة القارعة\nالآية رقم: (٥): ﴿وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ﴾.\n(١) \"معاني الفراء\" ٢/ ٢٥٤.\n(٢) \"تهذيب اللغة\" (قاع) ٣/ ٢٨٥٨.\n(٣) انظر: \"تهذيب اللغة\" (قاع) ٣/ ٢٨٥٨، \"مقاييس اللغة\" (قوع) ٥/ ٤٢، \"القاموس المحيط\" (قاع) ٣/ ٧٧، \"الصحاح\" (قوع) ٣/ ١٢٧٤، \"لسان العرب\" (قوع) ٦/ ٣٧٧٥، \"المفردات في غريب القرآن\" (قيع) ص ٤١٥.\n(٤) هذا البيت ينسب لذي الرمة، ولم أقف عليه منسوبًا لرؤبة. الأقول: جمع قاع وهي الأرض المستوية حرة الطين لا رمل فيها ولا حجارة. الشماليل: مكان. أحرار البقل: ما روق منه وحلى، والذكر: ما خشن منه.\nانظر: \"ديوان ذي الرمة\" ص ٣٠٥، \"تهذيب اللغة\" (قاع) ٣/ ٢٨٥٨، \"لسان العرب\" (قوع) ٦/ ٣٧٧٥.\n(٥) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٩١.","vol":"14","page":522},{"text":"وقال الزجاج: (المستوي من الأرض) (١). وقال ابن الأعرابي: (الصفصف: القرعاء) (٢). وأنشد شمر (٣):\nإِذَا رَكِبْتَ دَاوَّيةً مُدْلَهِمَّةً ... وَغَرَّدَ حَادِيْهَا لَهَا بِالصَّفَاصِفِ\nقال ابن عباس والمفسرون في قوله: ﴿قَاعًا صَفْصَفًا﴾: (مستويا لا نبات فيه أملس) (٤). هذا قول مجاهد، والسدي، وابن زيد (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2542>١٠٧ </span>- قوله تعالى: ﴿لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا﴾ العِوَج: بكسر العين في الدين، وفي الطرف، وفيما لا ينتصب. والعَوَج: بالفتح في العود (٦).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا أَمْتًا﴾ قال أبو عبيدة: (الأمت: إرتفاع وهبوط، يقال: مَدَّ حَبْلَه حتى ما ترك فيه [أَمَتًا، ومَلأَ سقاءه حتى لم يدع فيه أمتا) (٧).\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٧٧.\n(٢) \"تهذيب اللغة\" (صف) ٢/ ٢٠٢٨.\n(٣) البيت ينسب لشمر. الدو: الفلاة الواسعة، وداوية: إذا كانت بعيدة الأطراف، مستوية واسعة. مدلهمة: المدلهم الأسود، وادلهم الليل والظلام، وفلاة مدلهمة: لا علامة فيها. غرد: طرب في الصوت والغناء، والتغريد الصوت. حاديها: حدى الإبل وحدابها زجرها وساقها، والحدو سوق الإبل والغناء لها.\nانظر: \"تهذيب اللغة\" (صف) ٢/ ٢٥٢٨، \"لسان العرب\" (صفف) ٤/ ٢٤٦٢.\n(٤) \"جامع البيان\" ١٦/ ٢١٢، \"النكت والعيون\" ٣/ ٤٢٦، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٩٥، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٢٤٦.\n(٥) \"جامع البيان\" ١٦/ ٢١٢، \"بحر العلوم\" ٢/ ٣٥٤، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٢٤٦، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٨٣.\n(٦) انظر: \"تهذيب اللغة\" (عاج) ٣/ ٢٢٦٤، \"مقاييس اللغة\" (عوج) ٤/ ١٧٩، \"القاموس المحيط\" (عوج) ١/ ٢٠١، \"لسان العرب\" (عوج) ٥/ ٣١٥٥، \"المفردات في غريب القرآن\" (عوج) ص ٣٥١.\n(٧) \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ٢/ ٢٩. ومن قوله (أمتا) ساقط من (س) ينتهي ص ٥٥٨.","vol":"14","page":523},{"text":"وأنشد ليزيد بن شيبة النميري (١) (٢):\nلَهَا صُوْرَةٌ كَالشَّمْس أَشْرَقَ ضَوؤهَا ... لُبَاخِية هَيْفَاء لَيسَ بِهَا أَمْتُ\nقال المبرد: (الُبَاخِيَّة الممتلئة الخلق) (٣).\nوقال الليث: (الأَمت: أن يصب في السِّقا ماء فلا يمتلئ فينثني، فذلك الشيء هو الأَمْت. وتقول للقربة إذا امتلأت: لاَ أَمْتَ فيها) (٤).\nوقال الفراء: (الأَمْتُ موضع النَّبْكُ (٥) من الأرض وهو ما ارتفع منها، وسمعت العرب يقولون: مَلأَ القِربة مَلأً لا أَمْتَ فيه) (٦).\n_________\n(١) يزيد بن مقسم الثقفي، من مواليهم، وضبة أمه، وهو شاعر كبير من أهل الطائف مات أبوه وخلفه صغيرًا فحضنته أمه فنسب إليها، انقطع إلى الوليد بن يزيد فكان لا يفارقه، ولما انتقلت الخلافة إلى هشام أبعده، وبقي في الطائف، يقال: أن له ألف قصيدة اقتسمها شعراء العرب وانتحلتها فدخلت في أشحارها، وكان يتعمد الإتيان بغريب اللغة، مات بالطائف سنة ١٣٠ هـ.\nانظر: \"تهذيب الكمال\" ٣٢/ ٣٥٠، \"تهذيب التهذيب\" ١١/ ٣١٧، \"تقريب التهذيب\" ١/ ٦٠٥.\n(٢) ورد هذا البيت في \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ٢/ ٣٠.\n(٣) ذكره الأزهري في \"تهذيب اللغة\" (لبخ) ١٤/ ٤٢٣.\n(٤) ذكرته كتب اللغة بدون نسبة. انظر: \"تهذيب اللغة\" (أمت) ١/ ١٩٤، \"الصحاح\" (أمت) ١/ ٢٤١، \"لسان العرب\" (أمت) ١/ ١٢٤.\n(٥) النَّبْك هي: الأرض فيها صعود وهبوط، والجمع نَبَك بالتحريك، وقال الأصمعي: النبك: ما ارتفع من الأرض، وقيل: كل رابية من روابي الرمال كانت مسلكة الرأس ومحددته.\nانظر. \"تهذيب اللغة\" (نبك) ٤/ ٣٤٩٩، \"القاموس المحيط\" (النبكة) ٣/ ٣٢١، \"الصحاح\" (نبك) ٤/ ٢٦١٢، \"لسان العرب\" (نبك) ٧/ ٣٤٢٨.\n(٦) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٩١.","vol":"14","page":524},{"text":"وقال ابن الأعرابي: (الأَمْتُ: وَهْدَةٌ بَين نُشُوزٍ) (١).\nقال ابن عباس في رواية الوالبي: (﴿لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا﴾ يقول: واديا، ﴿وَلَا أَمْتًا﴾ يقول: رابية) (٢).\nوقال قتادة: (﴿لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا﴾ أي: صدعا ﴿وَلَا أَمْتًا﴾ ولا أكمة) (٣). وهذا كقول ابن عباس سواء.\nوقال الكلبي: (﴿لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا﴾ وهي الأودية ﴿وَلَا أَمْتًا﴾ يعني النَّبَاك) (٤). وقال مجاهد: (لا انخفاضا ولا ارتفاعا) (٥).\nوقال عكرمة عن ابن عباس: (ليس فيها منخفض ولا مرتفع) (٦).\nوقال في رواية بن الأزرق: (الأَمْت: الشيء الشاخص من الأرض) (٧). وقال في رواية عطاء: (﴿وَلَا أَمْتًا﴾ يريد نتوا) (٨).\n_________\n(١) \"تهذيب اللغة\" (أمت) ١/ ١٩٤.\n(٢) \"جامع البيان\" ١٦/ ٢١٣، \"تفسير كتاب الله العزيز\" ٣/ ٥٢، \"النكت والعيون\" ٣/ ٤٢٦، \"زاد المسير\" ٥/ ٣٢٣، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٢٤٦، \"الدر المنثور\" ٤/ ٥٥٠.\n(٣) \"تفسير القرآن\" للصنعاني ٢/ ١٩، \"جامع البيان\" ١٦/ ٢١٣، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٩٥، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٢٤٦، \"الدر المنثور\" ٤/ ٥٥٠.\n(٤) ذكره ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٥/ ٣٢٣ بدون نسبة، وكذلك القرطبي في \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٣٤٦.\n(٥) \"جامع البيان\" ١٦/ ٢١٣، \"الكشف والبيان\" ٣/ ٢٤ ب، \"تفسير كتاب الله العزيز\" ٣/ ٥٢، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٩٥، \"زاد المسير\" ٥/ ٣٢٣.\n(٦) \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٢٤٦، \"الدر المنثور\" ٤/ ٥٥٠.\n(٧) \"الدر المنثور\" ٤/ ٥٥٠، وعزاه لأبن الأنباري.\n(٨) ذكرته كتب التفسير بدون نسبة. انظر: \"الكشاف\" ٢/ ٥٥٣، \"البحر المحيط\" ٦/ ٢٨٠، \"روح المعاني\" ١٦/ ٢٦٣، \"أنوار التنزيل\" ٤/ ٣٠.","vol":"14","page":525},{"text":"وقال السدي: (العوج: الطريق في الجبال، والأمت: الروابي) (١). فهذه أقوال أهل اللغة والمفسرين في الأَمْت أنه: المرتفع.\nوروى أبو بكر الهذلي عن الحسن قال: (العوج: ما انخفض من الأرض، والأمت: ما نشز من الروابي) (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2543>١٠٨ </span>- قوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ﴾ قال الفراء: (صوت الداعي للحشر) (٣).\nقال المفسرون: (يتبعون صوت داعي الله تعالى الذي يدعوهم إلى موقف القيامة) (٤).\n﴿لَا عِوَجَ لَهُ﴾ قال الفراء: (لا عوج لهم عن الداعي، وجاز أن يقول: ﴿لَهُ﴾؛ لأن المذهب إلى الداعي وصَوته، فهو كما تقول في الكلام: دَعَوتني دَعْوةً لا عوج لك عنها، أي: إني لا أعوج لك ولا عنك) (٥).\nوقال أبو إسحاق: (المعنى لا عِوَج لهم عن دعُائة، لا يقدرون أن لا\n_________\n(١) ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة. انظر: \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٩٥، \"زاد المسير\" ٥/ ٣٢٣، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٢٤٦، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٨٣.\n(٢) \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٩٥.\nوقال الطبري -﵀- في \"جامع البيان\" ١٦/ ٢١٣: (أصوب الأقوال في تأويله: ولا ارتفاع ولا انخفاض؛ لأن الانخفاض لم يكن إلا عن ارتفاع، فإذا كان ذلك كذلك فتأويل الكلام لا ترى فيها ميلا عن الاستواء ولا ارتفاعًا ولا انخفاضًا ولكنها مستوية ملساء كما قال جل ثناؤه: ﴿قَاعًا صَفْصَفًا﴾).\n(٣) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٩٢.\n(٤) \"جامع البيان\" ١٦/ ٢١٤، \"الكشف والبيان\" ٣/ ٢٤، \"تفسير كتاب الله العزيز\" ٣/ ٥٢، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٩٥.\n(٥) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٩٢.","vol":"14","page":526},{"text":"يَتَّبِعوا) (١). وهذا معنى قول ابن عباس: (يريد: البعيد والقريب سواء كلهم يتبع الصوت ولا يتعوج عنه) (٢).\n﴿وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ﴾ قال الوالبي عنه: (يريد: سكنت) (٣).\nوقال عطاء: (يريد: خضعت وذلت) (٤). وهو قول السدي: (ذلت) (٥). وهو قوله: ﴿فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا﴾ همس الأقدام أخفى ما يكون من الصوت، وقال أبو عبيدة: (الهمس والرِّكْز واحد وهو: الصوت الخفي. ويقال: همس لي بكذا، أي: أخفاه إلي) (٦). وذكر عن ابن عباس أنه تمثل بقول الراجز (٧):\nوَهُنَّ يَمْشِيْنَ بِنَا هَمِيْسَا\nيعني: صوت أخفاف الإبل في سيرها. وقال أبو الهيثم: (إذا مَضَغَ\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٧٧.\n(٢) ذكره الطبري في \"جامع البيان\" ١٦/ ٢١٤ بدون نسبة.\n(٣) \"جامع البيان\" ١٦/ ٢١٤، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٢٤٧، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٨٤.\n(٤) ذكره البغوي في \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٩٥ بدون نسبة.\n(٥) ذكرته كتب التفسير بدون نسبة. انظر: \"بحر العلوم\" ٢/ ٣٥٥، \"عالم التنزيل\" ٥/ ٢٩٥، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٢٤٧.\n(٦) \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ٢/ ٣٠.\n(٧) هذا صدر بيت من الرجز ذكرته كتب التفسير واللغة بلا نسبة. وعجزه:\nإن يصدق الطير تبكي لميسا\nانظر: \"جامع البيان\" ١٦/ ٢١٤، \"الكشف والبيان\" ٣/ ٢٥ أ، \"النكت والعيون\" ٣/ ٤٢٧، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٢٤٧، \"مجمع البيان\" ٧/ ٤٩، \"روح المعاني\" ١٦/ ١٦٤، \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٩٢، \"تهذيب اللغة\" (همس) ٤/ ٣٧٩٣، \"لسان العرب\" (همس) ٨/ ٤٧٠٠.","vol":"14","page":527},{"text":"الرجل الكلام وفُوه مُنضَمُّ قيل: هَمَس يَهْمِس هَمْسا) (١). قال (٢):\nيَأْكُلْنَ مَا في رَحْلِهِنَّ هَمْسَا\nوالهَمُوسُ من أسماء الأسد؛ لأنه يَهْمِس في الظلمة، أي: يطأ وطأً خفيا (٣). ومنه قول أبي زبيد (٤) (٥):\nفَيَأتُوان يُدْلِجُون ويَأْتِ يَسرِي ... بَصِيرٌ بِالدُّجَي هَادٍ هَمُوسُ\nيعني: الأسد.\nقال ابن عباس في رواية الوالبي في قوله: ﴿إِلَّا هَمْسًا﴾ يقول: (الصوت الخفي) (٦).\nوفسر ذلك الصوت في رواية سعيد بن جبير وعطاء فقال: (يريد\n_________\n(١) \"تهذيب اللغة\" (همس) ٤/ ٣٧٩٣.\n(٢) لم أهتد إلى قائله، وقد ذكرته كتب التفسي بلا نسبة. وقبله:\nلقد رأيت عجبًا قد أمسا ... عجائزًا مثل السعالي خمسا\nانظر: \"خزانة الأدب\" ٧/ ١٦٧، \"شرح شذور الذهب\" ١٢٨، \"الكتاب\" ٣/ ٢٨٤، \"المقاصد النحوية\" ٤/ ٣٥٧، \"أوضح المسالك\" ٤/ ١٣٢، \"جمهرة الذهب\" ص ٨٤١، \"شرح المفصل\" ٤/ ١٠٦، \"تهذيب اللغة\" (همس) ٤/ ٣٧٩٣، \"تاج العروس\" (همس) ٤/ ٢٧٥، \"لسان العرب\" (همس) ٨/ ٤٧٠٠.\n(٣) \"تهذيب اللغة\" (همس) ٤/ ٣٧٩٣\n(٤) تقدمت ترجمته في سورة البقرة.\n(٥) البيت لأبي زبيد الطائي. الدلجة: سير السحر، يقال: أدلج القوم: ساروا من آخر الليل. الدجى: سواد الليل. انظر: \"تهذيب اللغة\" (همس) ٤/ ٣٧٩٣، \"لسان العرب\" (همس) ١/ ٤٧٠٠.\n(٦) \"جامع البيان\" ٦/ ٢١٥، \"النكت والعيون\" ٣/ ٤٢٧، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٢٤٧، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٨٤، \"الدر المنثور\" ٤/ ٥٥١.","vol":"14","page":528},{"text":"صوت وقع الأقدام كمشي الإبل) (١).\nوهذا قول أكثر المفسرين قالوا: (يعني: صوت ثقل الأقدام إلى الحشر). وهذا قول عكرمة، وسفيان، والحسن والسدي (٢)، واختيار الفراء، والزجاج (٣).\nوروى سعيد بن جبير عن ابن عباس ﴿فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا﴾ (يعني: تحريك الشفاه بغير نطق) (٤). وهو قول مجاهد: (الكلام الخفي) (٥).\nقال الليث: (الهمس: حس الصوت في الفم مما لا إشراب له من صوت الصدر، ولا جهارة في المنطق، ولكنه كلام مهموس في الفم كالسر) (٦). والمعنى على هذا التفسير: سكنت الأصوات ولا يجهر أحد بكلام إلا كالسر في الإشارة بالشفة وتحريك الفم بغير صوت.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2544>١٠٩ </span>- قوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾ قال الفراء: (﴿مَنْ﴾ في موضع نصب، لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له أن يشفع فيه) (٧) هذا كلامه والمعنى: لا تنفع الشفاعة أحد من الناس إلا من أذن الله\n_________\n(١) \"جامع البيان\" ١٦/ ٢١٥، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٢٤٧، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٨٤، \"الدر المنثور\" ٤/ ٥٥١.\n(٢) \"تفسير القرآن\" للصنعاني ٢/ ١٨، \"جامع البيان\" ١٦/ ٢١٥، \"الكشف والبيان\" ٣/ ٢٥ أ، \"تفسير كتاب الله العزيز\" ٣/ ٥٣، \"زاد المسير\" ٥/ ٣٢٣.\n(٣) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٩٢، \"معاني الزجاج\" ٣/ ٣٧٧.\n(٤) \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٩٥، \"زاد المسير\" ٥/ ٣٢٣، \"الدر المنثور\" ٤/ ٥٥١.\n(٥) \"جامع البيان\" ١٦/ ٢١٥، \"الكشف والبيان\" ٣/ ٢٥ أ، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٩٥، \"زاد المسير\" ٥/ ٣٢٣، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٢٤٧.\n(٦) \"تهذب اللغة\" (همس) ٤/ ٣٧٩٣.\n(٧) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٩٢.","vol":"14","page":529},{"text":"أن يشفع له فذلك الذي تنفعه الشفاعة، والكناية في قوله: ﴿لَهُ﴾ تعود إلى ﴿من﴾ وهو المشفوع له المأذون له في شفاعته (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ يعني قال: لا إله إلا الله. قاله ابن عباس، والكلبي (٢).\nقال الفراء: (يقال: رضيت لك عملك، ورضيته منك) (٣). وهذا يدل على أنه لا حظ في الشفاعة لغير المؤمن، وذكر في الآية وجه آخر وهو: أن المعنى لا تنفع الشفاعة إلا شفاعة من أذن له الرحمن، فعلى هذا من أذن هو الشفيع لا المشفوع له ﴿وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ إن كان مؤمنا، فإن الكافر لا يؤذن له في الشفاعة، ولا يكون شفيعًا ولا مشفوعًا له، وعلى هذا التأويل الكنايتان تعود إلى الشفيع (٤). والآية تدل على أن الشفيع إنما يشفع بعد الإذن إذا كان مؤمنا.\nقال الكلبي: (وذلك أن الأنبياء يشفعون، والملائكة يشفعون، والأباء والأبناء يشفعون) (٥).\n_________\n(١) \"جامع البيان\" ١٦/ ٢١٥، \"المحرر الوجيز\" ١١/ ٩٥، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٢٤٧.\n(٢) \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٩٦، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٢٤٧، \"روح المعاني\" ١٦/ ٢٦٥.\n(٣) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٩٢.\n(٤) \"المحرر الوجيز\" ١٠/ ٩٥، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٢٤٧.\n(٥) لم أقف عليه، ويشهد له ما ثبت في صحيح مسلم من حديث أي سعيد الخدري -﵁- مرفوعًا قال: (فيقول الله: شفعت الملائكة، وشفع النبيون، وشفع المؤمنون، ولم يبق إلا أرحم الراحمين فيقبض قبضة من النار فيخرج منها قومًا لم يعملوا خيرًا قط).","vol":"14","page":530},{"text":"وقال رسول الله -ﷺ-: \"وإن الرجل من أمتي ليشفع بالقبيلة، ويشفع للفئام من الناس، ويشفع للعصبة، والثلاثة وللرجلين وللرجل\" (١) (٢).\nقوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ الكناية راجعة إلى الذين ذكروا في قوله: ﴿يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ﴾ (٣) أي: يعلم ما يصيرون إليه من الثواب والعقاب. ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ ما قد وقع من أعمالهم. قال ابن عباس: (يريد ما قدموا وما خلفوا) (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2545>١١٠ </span>- وقال الكلبي: (﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ من أمر الآخرة ﴿وَمَا\n_________\n(١) أخرجه الترمذي في \"جامعه\"، كتاب صفة القيامة، باب ما جاء في الشفاعة ٤/ ٥٤١، وقال: هذا حديث حسن. وأخرجه الإمام أحمد ٣/ ٢٠.\nوفي إسناده عطية العوفي، وهو ضعيف مدلس، قال الذهبي في \"الميزان\" قال أحمد: بلغني أن عطية كان يأتي الكلبي فيأخذ عنه التفسير، وكان يكنيه بأبي سعيد، فيقول: قال أبو سعيد. قلت: يوهم أنه الخدري. وقال النسائي وجماعة: ضعيف.\n(٢) والشفاعة نوعان: الأول: شفاعة نفاها القرآن وأخبر أنها لا تقبل وهي الشفاعة للكفار والمشركين فقال سبحانه في سورة المدثر الآية (٤٨): ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾.\nالنوع الثاني: شفاعة أثبتها القرآن وهي الشفاعة للمؤمنين الموحدين ولا تحصل إلا بشرطين: الأول: إذن الله للشافع بالشفاعة كما قال سبحانه في سورة البقرة الآية رقم (٢٥٥): ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ الآية.\nالثاني: رضاه سبحانه عن المشفوع له بأن يشع له كما قال سبحانه في سورة الأنبياء الآية رقم: (٢٨): ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾.\nانظر: \"العقيدة الطحاوية\" ص ٢٥٢، \"فتح المجيد شرح كتاب التوحيد\" ص ٢٠٤.\n(٣) سورة طه الآية رقم: (١٠٨).\n(٤) ذكرت نحوه كتب التفسير بدون نسبة. انظر: \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٩٦، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٢٤٨، \"التفسير الكبير\" ٢٢/ ١١٩، \"مجمع البيان\" ٧/ ٥٠.","vol":"14","page":531},{"text":"خَلْفَهُمْ﴾ من أمر الدنيا) (١).\nوقال مجاهد: (﴿مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ ما مضى من الدنيا ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ الآخرة) (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ الظاهر أن الكناية في قوله ﴿بِهِ﴾ تعود إلى ﴿مَا﴾ في قوله: ﴿مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ أي: هو يعلم ذلك وهم لا يعلمونه (٣). وعلى هذا كلام ابن عباس حيث قال: (يريد ولا يحيطون بشيء من علمه أي: بما علمه) (٤). ويجوز أن تعود الكناية إلى الله تعالى؛ لأن عباده لا يحيطون به علمًا (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2546>١١١ </span>- قوله تعالى: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ﴾ قال ابن عباس في رواية الوالبي، وقتادة: (ذلت) (٦).\n_________\n(١) ذكره \"جامع البيان\" ١٦/ ٢١٥، ونسبة لقتادة، وذكره الهواري في \"تفسيره\" ٣/ ٥٣ بدون نسبة، وكذلك البغوي في \"تفسيره\" ٥/ ٢٩٦.\n(٢) ذكرته كتب التفسير بدون نسبة انظر: \"التفسير الكبير\" ٢٢/ ١١٩، \"مجمع البيان\" ٧/ ٥٠، \"روح المعاني\" ١٦/ ٢٦٥.\n(٣) \"جامع البيان\" ١٦/ ٢١٥، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٩٦، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٢٤٨.\n(٤) ذكرت نحوه كتب التفسير بدون نسبة انظر: \"جامع البيان\" ١٦/ ٢١٦، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٩٦، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٢٤٨، \"التفسير الكبير\" ٢٢/ ١١٩.\n(٥) \"جامع البيان\" ١٦/ ٢١٦، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٩٦، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٢٤٨، \"الدر المنثور\" ٤/ ٥٥١.\n(٦) \"تفسير القرآن\" للصنعاني ٢/ ١٨، \"جامع البيان\" ١٦/ ٢١٦، \"بحر العلوم\" ٢/ ٣٥٥، \"النكت والعيون\" ٣/ ٤٢٧، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٢٤٨، \"الدر المنثور\" ٤/ ٥٥٢.","vol":"14","page":532},{"text":"وقال مجاهد، وسفيان: (خشعت) (١). وقال السدي: (استسلمت) (٢).\nقال عطاء عن ابن عباس: (خضعت) (٣).\nقال أبو إسحاق: (معنى ﴿وَعَنَتِ﴾ مهو في اللغة: خضعت، يقال: عَنَا يَعْنُوا إذا خَضعَ، ومنه يقال: أخذت البلاد عَنْوَةً إذا أخذت غَلَبَة، وأُخِذت بِخِضوعٍ من أهلها) (٤).\nوقال أهل المعاني: (معنى ﴿وَعَنَتِ﴾ خضعت وذلت خضوع الأسير في يد المالك القاهر له، والعاني: الأسير لخضوعه وذله) (٥).\nقال أبو عبيدة: (وكل من ذل واستكان فقد عَنَا، والاسم منه العنوة (٦).\nوأنشد للقطامي (٧):\nوَنأَتْ بِحَاجَتِنَا وَرُبَّتَ عَنْوَةٍ ... لَكَ مِن مَوَاعِدِها التي لَمْ تَصْدُقِ\nأي: رب ذلة وخضوع منك لها لأجل مواعدها. ومن هذا يقال:\n_________\n(١) \"جامع البيان\" ١٦/ ٢١٦، \"النكت والعيون\" ٣/ ٤٢٧، \"تفسير سفيان الثوري\" ص ١٩٦.\n(٢) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ٣/ ٢٥ بدون نسبة.\n(٣) \"الدر المنثور\" ٤/ ٥٥٢، وذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ٥٢ بدون نسبة، وذكره ابن الملقن في \"تفسير غريب القرآن\" ص٢٥٠.\n(٤) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٧٧.\n(٥) انظر: \"تهذيب اللغة\" (عنا) ٣/ ٢٥٨٠، \"مقاييس اللغة\" (عني) ٤/ ١٤٦، \"القاموس المحيط\" (عنوت) ٤/ ٢٦٧، \"الصحاح\" (عنا) ٦/ ٢٤٤٠، \"لسان العرب\" (عنت) ٥/ ٣١٢٠، \"المفردات في غريب القرآن\" (عنت) ٣٤٩.\n(٦) ذكره الأزهري في \"تهذيب اللغة\" (عنا) ٣/ ٢٥٨٥، وورد نحوه مختصرًا في \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ٢/ ٣٠.\n(٧) البيت لعمر القطامي. انظر: \"ديوانه\" ص ٣٥، \"تهذيب اللغة\" (عنا) ٣/ ٢٥٨٠، \"معجم مقاييس اللغة\" (عني) ٤/ ١٤٦، \"لسان العرب\" (عنن) ٥/ ٣١٣٩.","vol":"14","page":533},{"text":"أخذت الشيء عَنْوَة أي: غلبة بذل المأخوذ منه، ومن صريح التفسِر وعنت. قال: (والعاني الأسير، والعاني العبد) (١). وقال الفراء: (عَنَا يَعْنُوا عَنْوا إذا خضع، وقولهم: أخذت الشيء عَنْوة يكون غلبة، ويكون عن تسليم وطاعة ممن يؤخذ منه الشيء؛ لأنه على طاعة الذليل للعزيز) (٢). وأنشد أهل التفسير في ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ﴾ بمعنى: ذلت وخضعت، قول أمية (٣):\nمَلِيكٌ عَلَى عَرْشِ السَّمَاء مُهَيْمِنٌ ... لِعِزَّته تَعْنُو الوجُوهُ وتَسْجُدُ\nوفسر طلق بن حبيب (٤) عَنْو الوجوه في هذه الآية: (بالسجود) (٥). هذا الذي ذكرنا قول أكثر أهل التأويل. وقال الكلبي: (وعملت الوجوه. قال: ويقال نصبت) (٦).\nواختاره الفراء فقال في تفسيره: (يقال: نصبت به، وعملت له) (٧). وعلى هذا عَنَت من العَنَا بمعنى التعب، والعَنَا: الحبس في شدة وذل، هذا أصل معناه، ثم قيل لكل تعب: عَنَا، يقال: لقيت من فلان عَنْيَة وعَنَاء أي: تَعَبا، وعَنَّيْتُه أُعَنِّيه تَعْنِية إذا أسرته فحبسته مضيقا عليه في الشدة، وكل حبس\n_________\n(١) \"مجاز القرآن\" ٢/ ٣٠، \"تهذيب اللغة\" (عنا) ٣/ ٢٥٨٠.\n(٢) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٩٢.\n(٣) البيت لأمية بن أبي الصلت. انظر: \"الكشف والبيان\" ٣/ ٢٥، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٢٤٨.\n(٤) تقدمت ترجمته في سورة الإسراء.\n(٥) \"جامع البيان\" ١٦/ ٢١٦، \"الكشف والبيان\" ٣/ ٢٥ أ، \"النكت والعيون\" ٣/ ٤٢٨، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٩٦، \"المحرر الوجيز\" ١٠/ ٩٦، \"الدر المنثور\" ٤/ ٥٥٢.\n(٦) \"النكت والعيون\" ٣/ ٤٢٧، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٢٤٨.\n(٧) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٩٢.","vol":"14","page":534},{"text":"طويل عَنية (١)، ومنه قول الشاعر (٢):\nقَطَعْتَ الدَّهْرَ كَالسَّدِمِ المُعَنَّى ... تُهَدِّرُ في دِمَشْقَ ومَا تَرِيمُ\nقال ابن قتيبة: (والعاني بمعنى الأسير) (٣). من هذا، فالقولان إذًا يعودان إلى أصل واحد ومعنى واحد؛ لأن نصب الوجوه يعني به: السجود لله تعالى.\nوقوله تعالى: ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا﴾ قال ابن عباس: (يريد حْسر من أشرك بالله -﷿-) (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2547>١١٢ </span>- قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ﴾ يجوز أن تكون ﴿مِن﴾ هو للتبعيض فيكون المعنى: شيئًا من الصالحات، ويجوز أن تكون للجنس فيكون المعنى: ومن يعمل الصالحات ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ جملة في موضع نصب على الحال.\n_________\n(١) انظر: \"تهذيب اللغة\" (عنا) ٣/ ٢٥٨٠، \"مقاييس اللغة\" (عني) ٤/ ١٤٦، \"القاموس المحيط\" (عنوت) ٤/ ٣٦٧، \"الصحاح\" (عنا) (٦/ ٢٤٤٠، \"لسان العرب\" (عنت) ٥/ ٣١٢٠.\n(٢) البيت للوليد بن عقبة يخاطب فيه معاوية ﵄.\nالسَّدِمُ: الذي يرغب عن فحلته فيحال بينه وبين الافه ويقيد إذا هاج، فيرعى حوالي الدار، وإن سأل جعل له حجام يمنعه عن فتح فمه. الهدير: تردد صوت البعير في حنجرته. الريم: البراح يقال: ما يريم يفع ذلك أي: ما يبرح، وريم المكان: أقام به.\nانظر: \"تهذيب اللغة\" (عني) ٣/ ٢٥٨٠، \"الصحاح\" (عنا) ٦/ ٢٤٤١، \"لسان العرب\" (سدم) ٤/ ١٩٧٦.\n(٣) \"تفسير غريب القرآن\" لابن قتيبة ٢٨٢.\n(٤) \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٩٦، \"زاد السير\" ٥/ ٣٢٤، \"روح المعاني\" ١٦/ ٢٦٦.","vol":"14","page":535},{"text":"وقوله تعالى: ﴿فَلَا يَخَافُ﴾ في موضع جواب الشرط، والمبتدأ محذوف مراد بعد الفاء، المعنى: فهو لا يخاف (١). وهذا كقوله: ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٩٥]، ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا﴾ [البقرة: ١٢٦]، ﴿فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ﴾ [الجن: ١٣].\nوقرأ ابن كثير: فلا يخف على النهي (٢). وهو حسن؛ لأن المعنى: ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فيأمن؛ لأنه لم يفرط فيما وجب عليه، ونهيه عن الخوف أمر بالأمن، ولفظ الآية في قوله: فلا تخف على النهي، والمراد الخبر بأن المؤمن الصالح لا خوف عليه، وإذا كان كذلك كان معنى القراءتين واحد (٣).\nوقوله تعالى: ﴿ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا﴾ قال الفراء: (تقول العرب: هضمت لك من حقي أي: تركته) (٤).\nوقال المبرد، والزجاج: (الهضم النقص، يقال: فلان هضمني حقي، أي: نقصني، وكذلك هذا يهضم الطعام أي: ينقص ثقله) (٥). ومنه للدواء هَاضوم؛ لأنه يقع في الطعام الذي كظ فيهضمه، وقيل للخميص\n_________\n(١) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٢٥٢.\n(٢) قرأ نافع، وابن عامر، وأبو عمرو، وعاصم، وحمزة، والكسائي: (فلا يخاف) بالألف على الخبر. وقرأ ابن كثير المكي: (فلا يخف) على النهي.\nانظر: \"السبعة\" ص ٤٢٤، \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٢٥١، \"حجة القراءات\" ص ٤٦٤، \"المبسوط في القراءات\" ص٢٥٠.\n(٣) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٢٥٢.\n(٤) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٩٣.\n(٥) \"معاني القرآن\" للزجاج ٢/ ٣٧٧.","vol":"14","page":536},{"text":"البطن: هضم (١). وقال أبو عبيدة: (﴿وَلَا هَضْمًا﴾ نقيصة (٢)، وأنشد للبيد (٣):\nومُقَسِّمٌ يُعْطِي العَشِيْرَةَ حَقَّهَا ... ومُغَذْمِرٌ لِحُقُوقِهَا هَضَّامُهَا\nقال ابن عباس في رواية الوالبي: (لا يخاف أن يظلم فيزاد عليه في سيئاته، ولا أن يهضم من حسناته) (٤). ونحو هذا قال الحسن (٥).\nوقال في رواية عطاء: (لا ينتقص من ثوابه، ولا يحط من حسناته) (٦). وأجاد الضحاك في قوله: (لا يخاف ظلما): (لا يؤخذ بذنب لم يعمله ﴿وَلَا\n_________\n(١) انظر: \"تهذيب اللغة\" (هضم) ٤/ ٣٧٦٧، \"مقاليس اللغة\" (هضم) ٦/ ٥٥، \"القاموس المحيط\" (هضم) ٤/ ١٩١، \"لسان العرب\" (هضم) ٨/ ٤٦٧٢، \"المفردات في غريب القرآن\" (هضم) ٥٤٣.\n(٢) \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ٢/ ٣١.\n(٣) البيت للبيد بن ربيعة العامري.\nغَذْمَر: المغذمر الذي يركب الأمور فيأخذ من هذا ويعطي هذا ويدع لهذا من حقه، ويقال للرئيس الذي يسوس عشيرته بما شاء من عدل وظلم: مغذمر.\nانظر: \"ديوانه\" ص ١٧٩، \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ٢/ ٣١، \"شرح القصائد العشر\" للتبريزي ص ٢٠٥، \"شرح المحلقات السبع\" للزوزني ص ٢٥٠، \"تهذيب اللغة\" (غذمر) ٣/ ٢٦٤٢، \"لسان العرب\" (غذمر) ٦/ ٣٢٢٢.\n(٤) \"جامع البيان\" ١٦/ ٢١٨، \"الكشف والبيان\" ٣/ ٢٥/ ب، \"النكت والعيون\" ٣/ ٤٢٨، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٩٦، \"زاد المسير\" ٥/ ٣٢٤، \" الدر المنثور\" ٤/ ٥٥٢.\n(٥) \"جامع البيان\" ١٦/ ٢١٧، \"الكشف والبيان\" ٣/ ٢٥ ب، \"تفسير كتاب الله العزيز\" ٣/ ٥٣، \"النكت والعيون\" ٣/ ٤٢٨.\n(٦) ذكرت نحوه كتب التفسير بدون نسبة. انظر: \"جامع البيان\" ١٦/ ٢١٨، \"المحرر الوجيز\" ١٠/ ٩٧، \"النكت والعيون\" ٣/ ٤٢٨، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٩٧، \"زاد المسير\" ٥/ ٣٢٤.","vol":"14","page":537},{"text":"هَضْمًا﴾ لم يبطل حسنه عملها) (١).\nوقال الكلبي: (﴿فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا﴾ يعنىِ ذهابا لعمله كله ﴿وَلَا هَضْمًا﴾ يقول: لا ينتقص من عمله شيء) (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2548>١١٣ </span>- قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ﴾ أي: وكما بينا في هذه السورة ﴿أَنْزَلْنَاهُ﴾ أنزلنا هذا الكتاب ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ﴾ أي: بينا فيه ضروب الوعيد وما فيه العقاب.\nقال قتادة: (يعني: عذابه ووقائعه في الأمم قبلكم) (٣). ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُون﴾ ليكون سببا لاتقائهم الشرك بالاتعاظ من قبلهم. ﴿أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا﴾ قال ابن عباس: (موعظة فينتفعون بها) (٤). يعني: يحدد لهم القرآن ذكرًا واعتبارًا واتعاظًا فيتذكروا به عقاب الله للأمم المكذبة فيعتبروا ويتفكروا، وهذا معنى قول قتادة في قوله: ﴿ذِكْرًا﴾: (جدا وورعا) (٥).\nوذكر الفراء قولين هما للكلبي ﴿أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا﴾ يقول: (لو أخذوا\n_________\n(١) \"الكشف والبيان\" ٣/ ٢٥ ب، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٩٧، \"زاد المسير\" ٥/ ٣٢٤، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٨٤.\n(٢) ذكرت نحوه كتب التفسير بدون نسبة انظر: \"جامع البيان\" ١٦/ ٢١٦، \"المحرر الوجيز\" ١٠/ ٩٧، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٩٧، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٨٥، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٢٤٩.\n(٣) \"جامع البيان\" ١٦/ ٢١٨.\n(٤) ذكرته كتب التفسير بدون نسبة. انظر: \"المحرر الوجيز\" ١٠/ ٩٧، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٩٧، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٢٥٠، \"روح المعاني\" ١٦/ ٢٦٧.\n(٥) \"تفسير القرآن\" للصنعاني ٢/ ١٨، \"جامع البيان\" ١٦/ ٢١٩، \"الكشف والبيان\" ٣/ ٢٥ ب، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٢٥٥، \"الدر المنثور\" ٤/ ٥٥٢.","vol":"14","page":538},{"text":"به كان القرآن لهم شرفًا بإيمانهم به) (١). وهذا كقوله: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف: ٤٤]، ويقال: (﴿أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا﴾ عذابًا أي: يتذكرون حلول العذاب الذي وعدوه) (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2549>١١٤ </span>- قوله تعالى: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ﴾ أي: جل عن إلحاد الملحدين، ونزه عما يقول المشركون في صفته (٣). ويجوز أن يكون المعنى: تعالى استحق في المدح صفات لا تساوى؛ لأنه أقدر من كل قادر، وأعلم من كل عالم، وقادر سواه محتاج إليه وهو غني عنه. ﴿الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾ قال ابن عباس: (يريد الذي بيده الثواب والعقاب) (٤). يعني أنه يملكها. و﴿الْحَقُّ﴾ معناه: ذو الحق، وقد مر وتقدم الكلام فيه (٥).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء وأبي صالح: (كان النبي -ﷺ- يبادر جبريل فيقرأ قبل أن يفرغ جبريل من الوحي، ولا يفرغ جبريل مما يريد من التلاوة حتى يتكلم النبي -ﷺ- بأوله حرصًا منه على ما كان ينزل عليه، وشفقة على القرآن مخافة الإنفلات\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٩٣، وذكرته كتب التفسير بدون نسبة. انظر: \"جامع البيان\" ١٦/ ٢١٩، \"بحر العلوم\" ٢/ ٣٥٥، \"المحرر الوجيز\" ١٠/ ٩٧.\n(٢) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٩٣، وذكرته كتب التفسير بدون نسبة. انظر: \"بحر العلوم\" ٢/ ٣٥٥، \"المحرر الوجيز\" ١٥/ ٩٧، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٢٥٠.\n(٣) \"جامع البيان\" ١٦/ ٢١٩، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٩٧، \"زاد المسير\" ٥/ ٣٢٥، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٨٥.\n(٤) ذكر نحوه الألوسي في \"روح المعاني\" ١٦/ ٢٦٧ بدون نسبة. وكذلك الشوكاني في \"فتح القدير\" ٣/ ٣٨٩.\n(٥) عند قوله سبحانه في سورة الأنعام الآية رقم (٦٢): ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾.","vol":"14","page":539},{"text":"والنسيان، فنهاه الله عن ذلك) (١). فقال: ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ﴾ أي: بقراءته ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾ من قبل أن يفرغ جبريل من تلاوته عليك. وقال المفضل: (من قبل أن يوفى ويتمم) (٢).\nوقال السدي: (كان رسول الله -ﷺ- إذا نزل عليه جبريل بالقرآن أتعب نفسه في حفظه حتى يستوعبه يتخوف أن يصعد جبريل ولم يحفظه فينسى ما علمه، فأنزل الله هذه الآية) (٣). قال عطاء عن ابن عباس: (وهذا كقوله: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾) [القيامة: ١٦] (٤). وهذا قول الكلبي، واختيار الفراء، وابن قتيبة (٥).\nوقال مجاهد، وقتادة: (لا تتله على أحد حتى نبينه لك) (٦). وعلى\n_________\n(١) \"الكشف والبيان\" ٣/ ٢٥ ب، \"زاد المسير\" ٥/ ٣٢٥، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٢٥٠، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٨٥، \"الباب النقول في أسباب النزول\" للسيوطي ص ١٤٧، \"جامع النقول في أسباب النزول\" ٢١٧، وأخرج نحوه البخاري في \"صحيحه\"، كتاب التوحيد، باب قوله تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ﴾ ٩/ ١٨٧، ومسلم في \"صحيحه\"، كتاب الصلاة، باب الاستماع للقراءة ١/ ٣٣٠، والسيوطي في \"الدر المنثور\" ٥/ ٥٥٢.\n(٢) ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة. انظر: \"الكشف والبيان\" ٣/ ٢٥ ب، \"النكت والعيون\" ٣/ ٤٢٩، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٢٥٠، \"التفسير الكبير\" ٢٢/ ١٢٢.\n(٣) \"الدر المنثور\" ٤/ ٥٥٢، وعزاه لابن أبي حاتم.\n(٤) ذكرته كتب التفسير بدون نسبة. انظر: \"جامع البيان\" ١٦/ ٢١٩، \"بحر العلوم\" ٢/ ٣٥٦، \"تفسير كتاب الله العزيز\" ٣/ ٥٤، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٩٧، \"المحرر الوجيز\" ١٥/ ٩٨.\n(٥) \"معاني القرآن\" للفراء ١٢/ ٩٣، \"تفسير غريب القرآن\" لابن قتيبة ٢٨٣.\n(٦) \"جامع البيان\" ١٦/ ٢٢٥، \"الكشف والبيان\" ٣/ ٢٥ ب، \"معالم التزيل\" ٥/ ٢٩٧، \"زاد المسير\" ٥/ ٣٢٦، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٢٥٠.","vol":"14","page":540},{"text":"هذا نهى عن تلاوة الآية التي تنزل عيه، وإملائه على أصحابه قبل أن يتبين له معناها.\nوهذا معنى رواية عطية عن ابن عباس قال: (لا تلقه إلى الناس قبل أن يأتيك بيان تأويله) (١).\nوذكر بعض أهل التفسير أن معنى هذه الآية: (لا تسأل إنزال القرآن من قبل أن يأتيك وحيه) (٢). وروى جرير (٣) عن الحسن في سبب نزول هذه الآية: (أن رجلًا لطم امرأته، فجاءت إلى النبي -ﷺ- تطلب القصاص فجعل النبي -ﷺ- بينهما القصاص، فأنزل الله هذه الآية، فوقف النبي -ﷺ- حتى نزلت: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣٤]) (٤). ولا تعلق لهذه الآية في القصة التي ذكرها الحسن حتى يقال إنها نازلة فيها، إلا لقوله: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ وذلك أن النبي -ﷺ- حكم بالقصاص، وأبى الله ذلك وأنزل: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ وقد تقدم بيانه (٥). وأمره في هذه الآية\n_________\n(١) \"جامع البيان\" ١٦/ ٢٢٠، \"الكشف والبيان\" ٣/ ٢٥ ب.\n(٢) \"النكت والعيون\" ٢/ ٤٢٩، \"زاد المسير\" ٥/ ٣٢٥، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٢٥٠.\n(٣) جرير بن حازم بن زيد بن عبد الله بن شجاع الأزدي، البصري أحد التابعين وعد من صغارهم، روى عن: الحسن وابن سيرين وقتادة وغيرهم وروى عنه: ابنه وابن المبارك وغيرهما، وثقة أكثر العلماء، توفي -﵀- سنة ١٧٥.\nانظر: \"الجرح والتعديل\" ٢/ ٥٠٤، \"ميزان الاعتدال\" ١/ ٣٩٢، \"تهذيب التهذيب\" ٢/ ٦٩.\n(٤) \"بحر العلوم\" ٣٥٦/ ٢، \"زاد المسير\" ٥/ ٣٢٦، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٢٥٠، \"الدر المنثور\" ٤/ ٥٥٣، \"لباب النقول في أسباب النزول\" ٦٨.\n(٥) عند قوله سبحانه في سورة النساء الآية رقم (٣٤): ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ الآية.","vol":"14","page":541},{"text":"بأن يسأل الله تعالى زيادة علم، والمعنى: علمني ما لا أعلمه (١).\nوقيل معناه: (زدني علمًا بالقرآن ومعانيه) (٢). وهذا موافق للتفسير الأول في الآية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2550>١١٥ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ﴾ أي: أمرناه وأوصينا إليه. قال الكلبي والسدي: (عهدنا إليه ألا يأكل من الشجرة) (٣).\nوقال ابن عباس: (ألا يقرب الشجرة) (٤). ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ قال الكلبي: (من قبل أن يأكل من الشجرة) (٥). وقال غيره: (من قبل هؤلاء الذين فقضوا عهدي وتركوا الإيمان بي) (٦). وهم الذين ذكرهم في قوله: ﴿وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ\n_________\n(١) \"جامع البيان\" ١٦/ ٢٢٥، \"النكت والعيون\" ٣/ ٤٢٩، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٩٧، \"الكشاف\" ٢/ ٥٥٥.\n(٢) \"الكشف والبيان\" ٣/ ٢٥ ب، \"النكت والعيون\" ٣/ ٤٢٩، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٩٧.\n(٣) ذكره \"زاد المسير\" ٥/ ٣٢٧ بدون نسبة.\n(٤) \"الدر المنثور\" ٤/ ٥٥٣، \"التفسير الكبير\" ٢٢/ ١٢٤.\n(٥) ذكرته كتب التفسير بدون نسبة. انظر: \"تفسير كتاب الله العزيز\" ٣/ ٥٤، \"المحرر الوجيز\" ١٠/ ١٠٠، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٩٧، \"لجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٢٥١.\n(٦) \"جامع البيان\" ١٦/ ٢٢٠، \"الكشف والبيان\" ٣/ ٢٥ ب، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٩٧، \"زاد المسير\" ٥/ ٣٢٧، وقال ابن عطية -﵀- في \"المحرر الوجيز\" ١٠/ ١٠٠: (وهذا التأويل ضعيف وذلك أن يكون آدم مثالا للكفار الجاحدين بالله ليس بشيء وآدم إنما عصى بتأويل ففي هذا غضاضة عليه وأما الظاهر في هذه الآية إما أن يكون ابتداء قصص لا تعلق له بما قبله وإما أن يجعل تعلقه أنه لما عهد إلى محمد أن لا يعجل القرآن مثل له بنبي قبله عهد إليه فنسي نحوف لتكون أشد في التحذير وأبلغ في العهد إلى محمد).","vol":"14","page":542},{"text":"الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [طه: ١١٣] والمعنى: أنهم نقضوا العهد، فإن آدم أيضًا عهدنا إليه ﴿فَنَسِيَ﴾ قال ابن عباس: (فترك عهدي) (١). وقال مجاهد: (ترك ما أمر به) (٢).\nوقال السدي: (ترك عهدنا) (٣).\nوقال أبو إسحاق: (﴿فَنَسِيَ﴾ هاهنا فترك؛ لأن الناسي لا يؤاخذ بنسيانه) (٤). هذا قول الجميع في أن نسي هاهنا: ترك. وحمل ابن زيد النسيان هاهنا على الذي هو ضد الذكر (٥). ولا يصح هذا؛ لأن الناسي لا يؤاخذ بنسيانه، ولأن إبليس حين استغواهما ذكرهما النهي فقال: ﴿مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا﴾ [الأعراف: ٢٠].\nوقوله تعالى: ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ معنى العزم: عقد القلب على أمر يفعله، وهو توطين النفس على الفعل، هذا معناه في اللغة (٦).\nقال ابن عباس في رواية عطاء: (يريد صبرًا عن أكل الشجرة) (٧).\n_________\n(١) \"جامع البيان\" ١٦/ ٢٢٥، \"زاد المسير\" ٥/ ٣٢٧.\n(٢) \"جامع البيان\" ١٦/ ٢٢٥، \"النكت والعيون\" ٣/ ٤٣٠، \"زاد المسير\" ٥/ ٣٢٨، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٢٥١، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٨٥.\n(٣) ذكرته كتب التفسير بدون نسبة. انظر: \"جامع البيان\" ١٦/ ٢٢٠، \"الكشف والبيان\" ٣/ ٢٥ ب، \"المحرر الوجيز\" ١٠/ ١٥٠، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٩٧، \"زاد المسير\" ٥/ ٣٢٨، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٨٥.\n(٤) \"معاني القرآن للزجاج\" ٣/ ٣٧٨.\n(٥) \"جامع البيان\" ١٦/ ٢٢١، \"الكشف والبيان\" ٣/ ٢٥ ب، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٢٥١.\n(٦) انظر (عزم): \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٤٢٥، \"القاموس المحيط\" ٤/ ١٤٩، \"الصحاح\" ٥/ ١٩٨٥، \"لسان العرب\" ٥/ ٢٩٣٢، \"المفردات في غريب القرآن\" ٣٣٤.\n(٧) \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٢٥٠، \"روح المعاني\" ١٦/ ٢٦٩.","vol":"14","page":543},{"text":"والمعنى: أنه لم يصبر على ما وطن عليه نفسه من ترك ما نهي عن أكله، وهو معنى قول الحسن: (صبرًا عما نهي عنه) (١).\nوقال عطية العوفي: (عن ما حفظنا لما أمر به) (٢).\nوقال السدي: (صبرًا على الذنوب) (٣). وقال عبد الله بن مسلم: (رأيا معزوما عليه) (٤). وقيل: (عقدًا ثابتًا حيث أطاع عدوه إبليس الذي حسده وأبى أن يسجد له) (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2551>١١٧ </span>- قوله تعالى: ﴿فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء: (يريد شقاء الدنيا ونصبها) (٦).\nوقال الحسن: (عني به شقاء الدنيا، ألا ترى ابن آدم إلا ناصبا شقيا) (٧).\nوقال سعيد بن جبير: (أهبط إلى آدم ثورا أحمر كان يعتمل عليه، ويمسح العرق عن جبينه، فكان ذلك شقاؤه) (٨).\n_________\n(١) \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٩٧.\n(٢) \"جامع البيان\" ١٦/ ٢٢١، \"الكشف والبيان\" ٣/ ٢٥ ب، \"بحر العلوم\" ٢/ ٣٥٦، \"النكت والعيون\" ٣/ ٤٣٠، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٩٧، \"الدر المنثور\" ٤/ ٥٥٤.\n(٣) \"بحر العلوم\" ٢/ ٢٥٦.\n(٤) \"تفسير غريب القرآن\" لابن قتيبة ٢٨٣.\n(٥) \"زاد المسير\" ٥/ ٣٢٨.\n(٦) ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة. انظر: \"المحرر الوجيز\" ١٠/ ١٥١، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٩٨، \"زاد المسير\" ٥/ ٣٢٨، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٢٥٣.\n(٧) \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٢٥٣، \"الدر المنثور\" ٤/ ٥٥٥.\n(٨) \"جامع البيان\" ١٦/ ٢٢٢، \"الكشف والبيان\" ٣/ ٢٥ ب، \"بحر العلوم\" ٢/ ٣٥٧، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٩٨، \"المحرر الوجيز\" ١٠/ ١٠١، \"الدر المنثور\" ٤/ ٥٥٥.","vol":"14","page":544},{"text":"وقال السدي: (الحرث والزرع والعجن والخبر) (١).\nوقال زيد بن علي: (فتشقى في كد المعيشة) (٢).\nقال الفراء: (ولم يقل: فتشقيا، لأن آدم المخاطب وفي فعله اكتفاء من فعل المرأة) (٣). يعني: أن أول الآية خطاب لآدم، وصرف الخطاب في آخرها إلى آدم لوفاق الفواصل، وكان في خطابه اكتفاء عن خطاب حواء كما قال: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ اكتفى بالقعيد عن صاحبه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2552>١١٨ </span>- قوله تعالى: ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ﴾ ﴿إِنَّ﴾ في موضع نصب بأن، كما تقول: إن لك مالا (٤). و﴿أَلَّا تَجُوعَ﴾ بمعنى الشبع، كأنه قيل: إن لك الشبع فيها والاكتساء. قال الكلبي: (من لباس الثور) (٥).\nقال ابن عباس: (يريد أن لك ما دمت في الجنة ألا تجوع فيها) (٦). (ولا تعرى) يقال: عَرِيَ فلان من ثوبه يَعْرَى عُرْيًا فهو عَارٍ وعُرْيَانٌ، والأنثى عُرْيَانَةٌ وعَرِيَةٌ والمصدر العُرِي وسمي العُرْيَان العُرِي (٧). ومنه الحديث: (أن\n_________\n(١) \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٩٨، \"زاد المسير\" ٥/ ٣٢٨، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١/ ٢٥٣.\n(٢) ذكرته كتب التفسير بدون نسبة. انظر: \"جامع البيان\" ١٦/ ٢٢٢، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٩٨، \"زاد المسير\" ٥/ ٣٢٨، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٨٦.\n(٣) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٩٣.\n(٤) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٩٣. \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٧٨، \"إعراب القرآن\" للنحاس ٣/ ٥٩.\n(٥) ذكر نحوه الثعلبي في \"الكشف والبيان\" ٣/ ٢٥ ب.\n(٦) ذكرته كتب التفسير بدون نسبة. انظر: \"جامع البيان\" ١٦/ ٢٢٢، \"بحر العلوم\" ٢/ ٣٥٧، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٩٩، \"القرطبي\" ١١/ ٢٥٣، \"ابن كثير\" ٣/ ١٨٦.\n(٧) فرس عري، أي: لا سرج عليه ولا غيره. يقال: دابة عري، وخيل أعراء، ورجل عريان، وامرأة عريانه إذا عريا من أثوابهما. =","vol":"14","page":545},{"text":"النبي -ﷺ- ركب فرسًا لأبي طلحة عُرْيًا) (١).\nقال الأزهري: (والعرب تقول: فَرَس عُرْيٌ. وخَيل أَعْرَاءٌ ولا يقال رَجل عُرْيٌ)] (٢) (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2553>١١٩ </span>- قوله: ﴿وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا﴾ قال أبو إسحاق: ﴿وَأَنَّكَ﴾ في موضع نصب نسقا على قوله: ﴿أَلَّا تَجُوعَ﴾ ويجوز أن تكون في موضع رفع، وإن كان معطوفًا على اسم إن؛ لأن معنى إن زيدًا قائم زيد قائم، فيكون المعنى ذلك أنك لا تظمأ) (٤). يعني كأنه لم يذكر أن في أول الآية الأولى. ومن قرأ: وإنك بالكسر على الاستئناف، وعطف جملة كلام على جملة (٥).\nوقوله تعالى: (ولا تضحى) يقال: ضَحَا الرجل إذا برز للشمس فأصابه حرها، ضَحَا، وضُحِيًّا (٦). وقال النضر: (ضَحَا للشمس يَضْحَى،\n_________\n= انظر: \"تهذيب اللغة\" (عرا) ٣/ ٢٣٧٣، \"القاموس المحيط\" (العرى) ٤/ ٣٦١، \"الصحاح\" (عرا) ٦/ ٢٤٢٤، \"لسان العرب\" (عرا) ٥/ ٢٩١٩.\n(١) أخرج نحوه البخاري في الجهاد، باب مبادرة الإمام عند الفزع ٣/ ١٠٨٤، ومسلم، في الفضائل، باب في شجاعة النبي وتقدمه في العرب، والترمذي في \"جامعه\"، في الجهاد، باب ما جاء في الخروج عند الفزع ٤/ ١٧١، وابن ماجه في الجهاد باب الخروج في النفير ٢/ ٩٩٦، والإمام أحمد في \"مسنده\" ٢/ ١٤٧.\n(٢) \"تهذيب اللغة\" (عرا) ٣/ ٢٣٧٣.\n(٣) من قوله: (أمت وملأ سقاءه ..) ص ٥٢٣ إلى هنا ساقط من نسخة (ش).\n(٤) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٧٨.\n(٥) قرأ نافع، وعاصم في رواية أبي بكر: (وإِنك) بكسر الألف، وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، وحمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم: (وأَنك) مفتوحة الألف.\nانظر: \"السبعة\" ص ٤٢٤، \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٢٥١، \"المبسوط في القراءات\" ص ٢٥١، \"حجة القراءات\" ص ٤٦٤.\n(٦) انظر: \"تهذيب اللغة\" (ضحا) ٣/ ٢٠٩٣، \"مقاييس اللغة\" (ضحى) ٣/ ٢٩١، =","vol":"14","page":546},{"text":"ضُحُوًّا (١).\nوقال ابن الأعرابي: (ضَحِيْتُ للشمس، وضحَيْتُ، أَضْحَى منهما جميعًا) (٢). وحكى شمر: (ضَحِي، يَضْحَى، ضُحِيًا، وضَحَا، يَضْحُو، ضُحُوًّا) (٣). وأنشد الزجاج (٤):\nرَأَتْ رَجُلًا أَمَّا إِذَا الشَّمْسُ عَارَضَتْ ... فَيَضحَى وأَمَّا بِالعَشِّي فَيَخْصَر\nقال ابن عباس في رواية الضحاك يقول: (لا تعطش فيها كما يعطش أهل الدنيا، ولا يصيبك فيها حر كما يصيب أهل الدنيا) (٥).\nوقال في رواية عكرمة: (لا تصيبك الشمس) (٦). وقال في رواية الوالبي، وعطاء: (لا يصيبك فيها حر ولا عطش) (٧). والمعنى: لا تبرز\n_________\n= \"القاموس المحيط\" (الضحو) ٤/ ٣٥٤، \"الصحاح\" (ضحا) ٦/ ٢٤٥٦، \"لسان العرب\" (ضحا) ٥/ ٢٥٥٩.\n(١) \"تهذيب اللغة\" (ضحا) ٣/ ٢٠٩٣.\n(٢) \"تهذيب اللغة\" (ضحا) ٣/ ٢٠٩٣، \"لسان العرب\" (ضحا) ٥/ ٢٥٥٩.\n(٣) \"تهذيب اللغة\" (ضحا) ٣/ ٢٠٩٣، \"لسان العرب\" (ضحا) ٢٥٥٩.\n(٤) البيت لعمرو بن أبي ربيعة.\nانظر: \"ديوانه\" ص ٩٤، \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٧٨، \"الأغاني\" ١/ ٨١، \"خزانة الأدب\" ٥/ ٣١٥، \"المحتسب\" ١/ ٢٨٤، \"مغني اللبيب\" ١/ ٥٥، \"الممتع في التصريف\" ١/ ٣٧٥، \"تهذيب اللغة\" (ضحا) ٣/ ٢٠٩٣، \"لسان العرب\" (ضحا) ٥/ ٢٥٥٩.\n(٥) ذكر نحوه الطبري ١٦/ ٢٢٣ بدون نسبة، وكذلك السيوطي في \"الدر\" ٤/ ٥٥٥.\n(٦) \"جامع البيان\" ١٦/ ٢٢٣، \"الكشف والبيان\" ٣/ ٢٥ ب، \"عالم التنزيل\" ٥/ ٢٩٩، \"الدر المنثور\" ٤/ ٥٥٥.\n(٧) \"جامع البيان\" ١٦/ ٢٢٣.","vol":"14","page":547},{"text":"للشمس فيؤذيك حرها؛ لأنه ليس في الجنة شمس إنما هو ظل ممدود.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2554>١٢٠ </span>- وقوله تعالى: ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ﴾ كقوله: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ﴾ في سورة الأعراف [٢٠] ﴿قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ﴾ قال الكلبي: (على شجرة من أكل منها لم يمت) (١). (وملك لا يبلى) لا يفنى. قال ابن عباس: (وهذا كقوله: ﴿مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ﴾ [الأعراف: ٢٠]) (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-2555>١٢١ </span>- قوله تعالى: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ﴾ قال الكلبي: (بأكله من الشجرة) (٣). (فغوى) أي: فعل ما لم يكن له فعله (٤). وقيل: (ظل حيث طلب الخلد والملك بأكل ما نهي عن أكله) (٥). هذان قولان حكاهما المفسرون.\nوقال ابن الأعرابي: (الغي: الفساد) (٦).\nوقوله تعالى: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ أي: فسد عليه عيشه، وقال ابن قتيبة: (الغي ضد الرشد، كما أن المعصية ضد الطاعة) (٧).\n_________\n(١) ذكره السمرقندي في \"بحر العلوم\" ٢/ ٣٥٧ بدون نسبة.\n(٢) وذكر القول ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٥/ ٣٢٩، بدون نسبة.\n(٣) ذكره البغوي في \"تفسيره\" ٥/ ٢٢٣ بدون نسبة، وكذلك السمرقندي في \"تفسيره\" ٢/ ٣٥٧.\n(٤) \"جامع البيان\" ١٦/ ٢٢٤، \"الكشف والبيان\" ٣/ ٢٥ ب، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٢٩.\n(٥) \"بحر العلوم\" ٢/ ٣٥٧، \"عالم التنزيل\" ٥/ ٢٢٣.\n(٦) \"معالم التنزيل\" ٥/ ٢٢٩، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٢٥٧، \"تهذيب اللغة\" (غوى) ٨/ ٢١٨، وذكره الشنقيطي في \"أضواء البيان\" ٤/ ٥٣٥، وقال: وهذا خلاف الظاهر.\n(٧) قال القرطبي في \"تفسيره\" ١١/ ٢٥٧: (فغوى) فسد عليه عيشه بنزوله إلى الدنيا، والغي الفساد، وهو تأويل حسن، وهو أولى من تأويل من يقول (غوى) معناه ضل، من الغي الذي هو ضد الرشد.","vol":"14","page":548},{"text":"وقد أكل آدم من الشجرة التي نهي عنها باستزلال إبليس وخداعه إياه بالله والقسم إنه لمن الناصحين (١)، حين دلاه بغرور ولم يكن ذنبه عن إرصاد وعداوة وإرهاص كذنوب أعداء الله، فنحن نقول: عصى وغوى، كما قال الله في القرآن ولا نقول: آدم عاص وغاوي؛ لأن ذلك لم يكن عن اعتقاد متقدم، ولا نية صحيحة كما تقول لرجل قطع ثوبه وخاطه: قد قطعه وخاطه، ولا تقول: خياط حتى يكون معاودًا لذلك الفعل معروفًا به (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2556>١٢٢ </span>- وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ﴾ قال ابن عباس: (اصطفاه وتاب عليه) (٣). عاد عليه بالعفو.\n﴿هَدَى﴾ قال الكلبي: (هداه بالتوبة) (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2557>١٢٣ </span>- ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا﴾ قال ابن عباس: (يريد آدم وإبليس) (٥).\n_________\n(١) ويشهد لهذا قوله سبحانه في سورة الأعراف الآية رقم (٢١): ﴿وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾.\n(٢) قال أبو بكر بن العربي في \"أحكام القرآن\" ٣/ ١٢٦١: \"لا يجوز لأحد منا اليوم أن يخبر بذلك عن آدم إلا إذا ذكرناه في أثناء قوله تعالى عنه، أو قول نبيه، فأما أن يتبدئ ذلك من قبل نفسه فليس بجائز في آبائنا الأدنين إلينا، المماثلين لنا، فكيف في أبينا الأقدم الأعظم الأكرم النبي المقدم، الذي عذره الله -﷿- وتاب عليه وغفر له). وانظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٢٥٥، \"التفسير الكبير\" ٢٢/ ١٢٨، \"أضواء البيان\" ٤/ ٥٣٨.\n(٣) ذكره الطبري في \"جامع البيان\" ١٦/ ٢٢٤، بدون نسبة، وكذلك البغوي في \"معالم التنزيل\" ٥/ ٣٠٠.\n(٤) ذكر هـ السمرقندي في \"بحر العلوم\" ٢/ ٣٥٧ بدون نسبة. وكذلك البغوي ٥/ ٣٠٠.\n(٥) ذكرته كتب التفسير بدون نسبة. انظر: \"جامع البيان\" ١٦/ ٢٢٤، \"بحر العلوم\" ٢/ ٣٥٧، \"زاد المسير\" ٥/ ٣٣٠، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٢٥٨. =","vol":"14","page":549},{"text":"والآية مفسرة في سورة البقرة (١).\nوقوله تعالى: ﴿فَلَا يَضِلُّ﴾ أي: في الدنيا (ولا يشقى) [في الآخرة. قال ابن عباس: (أجار الله تابع القرآن من أن يضل في الدنيا أو يشقى في الآخرة ثم قرأ: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾] (٢) (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2558>١٢٤ </span>- ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي﴾ قال ابن عباس: (يريد عن موعظتي) (٤). وقال الكلبي: (عن القرآن فلم يؤمن به ولم يتبعه) (٥).\n﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ الضَّنْك أصله في اللغة: الضيق والشدة، وكل ما ضاق فهو ضَنْك يقال: منزل ضَنْك، وعيش ضَنْك، وضَنُك عيشه يَضْنَك ضَنَاكَة وضَنْكًا (٦).\nوأنشد أبو عبيدة قول عنترة (٧):\n_________\n= وقال الشنقيطي في \"أضواء البيان\" ٤/ ٥٣٩: (الظاهر أن ألف الإثنين في قوله: ﴿اهْبِطَا﴾ راجعة إلى آدم وحواء، خلافًا لمن زعم أنها راجعة إلى إبليس وآدم، والتثنية باعتبار آدم وحواء فقط، والجمع باعتبارهما مع ذريتهما).\n(١) عند قوله سبحانه في سورة البقرة الآية رقم: (٣٨): ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾.\n(٢) ما بين المعقوفين ساقط من نسخة (ص).\n(٣) \"جامع البيان\" ١٦/ ٢٢٤، \"الكشف والبيان\" ٣/ ٢٦ أ، \"بحر العلوم\" ٢/ ٣٥٧، \"النكت والعيون\" ٣/ ٤٣١، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٣٠٠، \"الدر المنثور\" ٤/ ٥٥٦.\n(٤) \"زاد المسير\" ٥/ ٣٣٠.\n(٥) \"زاد المسير\" ٥/ ٣٣٠، وذكره السمرقندي ٢/ ٣٥٧، والبغوي في \"معالم التنزيل\" ٥/ ٣٠١ بدون نسبة.\n(٦) انظر (ضنك) في: \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢١٣٨، \"مقاييس اللغة\" ٣/ ٣٧٣، \"القاموس المحيط\" (الضنك) ٤/ ٣١١، \"الصحاح\" ٤/ ١٥٩٨، \"لسان العرب\" ٥/ ٢٦١٣، \"المفردات في غريب القرآن\" ٢٩٩.\n(٧) البيت لعنترة. =","vol":"14","page":550},{"text":"إِنَّ المَنِيةَ لَو تُمَثَّلُ مُثِّلَتْ ... مِثلي إِذَا نَزَلُوا بِضَنْكِ المَنْزِلِ\nومنه قيل للمرأة الضخمة الكثيرة اللحم: ضِنَاك؛ لأن جلدها قد ضاق بلحمها، والضَنَك في الأصل مصدر ثم وصف به، ولذلك قيل معيشة ضَنْكا (١).\nوأكثر ما جاء في التفسير المعيشة الضَنْك: (أنه عذاب القبر) عن النبي -ﷺ-، وعن أبي هريرة، وأبي سعيد الخدري، وابن مسعود (٢).\nوقال الحسن، والكلبي، وابن زيد، وقتادة: (هو عذاب النار، وأكل الزقوم، والغسلين، والضريع) (٣).\n_________\n= انظر: \"ديوانه\" ٢٥٢، \"النكت والعيون\" ٣/ ٤٣١، \"المحرر الوجيز\" ١٠/ ١٠٦، \"البحر المحيط\" ٦/ ٢٨٦، \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ٢/ ٣٢، \"مختار الشعر الجاهلي\" ١/ ٢٨٨.\n(١) \"تهذيب اللغة\" (ضنك) ٣/ ٢١٣٨.\n(٢) أخرجه الطبري في \"جامع البيان\" ١٦/ ٢٢٧، والصنعاني في \"تفسيره\" ٢/ ٢١، والثعلبي في \"الكشف والبيان\" ٣/ ٢٦ أ، والهواري في \"تفسيره\" ٣/ ٧٥، والسمرقندي في \"بحر العلوم\" ٢/ ٣٥٧، والماوردي في \"النكت\" ٢/ ٤١٣، والبغوي في \"معالم التنزيل\" ٥/ ٣٠١، والسيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ٥٥٧، والحاكم في \"المستدرك\"، كتاب التفسير- سورة طه ٢/ ٣٨١ وقال: هذا الحديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وذكره \"مجمع الزوائد\" في \"كتاب التفسير\" سورة طه ٧/ ٦٧ وقال: رواه الطبراني، وفيه المسعودي وقد اختلط وبقية رجاله ثقات.\n(٣) \"جامع البيان\" ١٦/ ٢٢٦، \"الكشف والبيان\" ٣/ ٢٦ أ، \"النكت والعيون\" ٣/ ٤٣١، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٣٠١ \"الكشف\" ٢/ ٥٥٨، \"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي ١١/ ٢٥٩، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٨٧، \"الدر المنثور\" ٤/ ٥٥٨، ولعل المراد ما جاء في الآيات التالية: =","vol":"14","page":551},{"text":"وقال ابن عباس في رواية عطاء: (يريد: ضغطة القبر حتى تختلف أضلاعه) (١).\nوقال في رواية الوالبي: (الشقي) (٢) (٣).\nوقوله تعالى: ﴿وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ قيل في التفسير: (أعمى البصر) (٤). وقيل: (أعمى الحجة) (٥).\nقال أبو إسحاق: (وتأويله أنه لا حجة له يهتدي إليها، أن له حجة\n_________\n= الزقوم ورد في قوله سبحانه في سورة الواقعة: ﴿لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ﴾.\nوالغسلين ورد في قوله سبحانه في سورة الحاقة: ﴿وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ﴾.\nوالضريح ورد في قوله سبحانه في سورة الغاشية: ﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ﴾.\n(١) \"زاد المسير\" ٥/ ٢٢٨، \"روح المعاني\" ١٦/ ٢٧٧. وذكره الطبري في \"جامع البيان\" ١٦/ ٢٢٦ ونسبة لأبي سعيد الخدري، وكذلك البغوي في \"تفسيره\" ٥/ ٣٠١.\n(٢) \"جامع البيان\" ١٦/ ٢٢٦، \"الكشف والبيان\" ٣/ ٢٦ أ، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٣٠١، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٨٧، \"الدر المنثور\" ٤/ ٥٥٧.\n(٣) قال الشنقيطي في \"أضواء البيان\" ٤/ ٥٤٨: (قد جاء عن النبي -ﷺ- من حديث أبي هريرة أن المعيشة الضنك في الآية: عذاب القبر. وبعض طرقه بإسناد جيد كما قاله ابن كثير في تفسير هذه الآية، ولا ينافي ذلك شمول المعيشة الضنك لمعيشته في الدنيا، وطعام الضريع، والزقوم، فتكون معيشته ضنكًا في الدنيا والبرزخ والآخرة، والعياذ بالله تعالى).\nوانظر: \"جامع البيان\" ١٦/ ٢٢٩، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٢٥٩، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٨٧.\n(٤) \"جامع البيان\" ١٦/ ٢٢٩، \"الكشف والبيان\" ٣/ ٢٦ أ، \"بحر العلوم\" ٢/ ٣٥٨، \"النكت والعيون\" ٣/ ٤٣١، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٣٠١، \"المحرر الوجيز\" ١٥/ ١٠٧.\n(٥) \"تفسير القرآن\" للصنعاني ٢/ ٢٠، \"جامع البيان\" ١٦/ ١٦٥، \"الكشف والبيان\" ٣/ ٢٦ أ، \"تفسيركتاب الله العزيز\" ٣/ ٥٨، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٣٠١، \"الدر المنثور\" ٤/ ٥٥٨.","vol":"14","page":552},{"text":"وأنه يعمى عنها) (١).\nوقال غيره: (العمى إذا أطلق كان الظاهر عمى البصر) (٢). وعلى هذا يدل ما بعده من.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2559>١٢٥ </span>- قوله: ﴿قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى﴾ عن حجتي ﴿وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا﴾ بها في الدنيا، ولا أدري كيف وجه هذا، ومتى كان الكافر بصيرًا بحجته، ولا حجة له في الدنيا ولا في الآخرة (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-2560>١٢٦ </span>- قوله تعالى: ﴿قَالَ كَذَلِكَ﴾ أي: قال الله مجيبًا لهذا الكافر كذلك الأمر كما ترى.\n﴿أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا﴾ تركتها ولم تؤمن بها ﴿وَكَذَلِكَ﴾ وكما تركتها ﴿الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ تترك في النار. هذا قول ابن عباس، والكلبي، وأهل التفسير (٤).\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٧٩.\n(٢) ذكرت نحوه كتب التفسير بدون نسبة. انظر: \"المحرر الوجيز\" ١٠/ ١٠٧، \"البحر المحيط\" ٦/ ٢٨٧، \"روح المعاني\" ١٦/ ٢٨٧، \"إرشاد العقل السليم\" ٦/ ٤٨.\n(٣) قال الطبري -﵀- في \"تفسيره\" ١٦/ ٢٢٩: (والصواب من القول في ذلك عندنا أن الله عز شأنه وجل ثناؤه عم بالخبر عنه بوصفه نفسه بالبصر ولم يخصص منه معنى دون معنى فذلك على ما عمه فإذا كان ذلك كذلك فتأويل الآية: قال رب لم حشرتني أعمى عن حجتي ورؤية الأشياء وقد كنت في الدنيا ذا بصر بذلك كله). وانظر: \"المحرر الوجيز\" ١٥/ ١٥٨، \"البحر المحيط\" ٦/ ٢٨٧، \"أضواء البيان\" ٤/ ٥٤٨.\nويشهد لهذا قوله تعالى في سورة بني إسرائيل الآية رقم (٩٧): ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا﴾.\n(٤) \"تفسير القرآن\" للصنعاني ٢/ ٢٠، \"جامع البيان\" ١٦/ ٢٣٠، \"الكشف والبيان\" =","vol":"14","page":553},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2561>١٢٧ </span>- ﴿وَكَذَلِكَ﴾ كما ذكرنا ﴿نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ﴾ قال ابن عباس: (أشرك) (١). ﴿وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى﴾ لا أفظع وأعظم مما ذكر في عذاب القبر، وهذا يدلس على أن المراد بقوله: ﴿مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ عذاب القبر.\n<span data-type=\"title\" id=toc-2562>١٢٨ </span>- قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ﴾ نبين لهم إذا نظروا يعني لكفار مكة ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا﴾ قال الفراء: (﴿كَمْ﴾ في موضع نصب بأهلكنا، ومثله من الكلام: أو لم يتبين لكم من يعمل خيرًا يجز به، فجملة الكلام فيها معنى رفع، ومثله أن تقول: قد تبين لي أقام عبد الله أم زيد) (٢).\nقال أبو إسحاق: (والمعنى أفلم يتبين لهم الأمر بإهلاك من قبلهم من القرون) (٣).\n_________\n= ٣/ ٢٦ أ، \"تفسير كتاب الله العزيز\" ٣/ ٥٨، \"بحر العلوم\" ٢/ ٣٥٨، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٣٠١، \"المحرر الوجيز\" ١٠/ ١٠٨، \"الدر المنثور\" ٤/ ٥٥٨.\n(١) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ١٦/ ٢٣١ بدون نسبة، وذكره \"الدر المنثور\" ٤/ ٥٥٩ ونسبة لسفيان.\n(٢) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٩٥.\nقال ابن جرير الطبري في \"تفسيره\" ١٦/ ١٦٧ بعد أن ذكر قول الفراء: (وليس الذي قال الفراء من ذلك كما قال: لأن كم وإن كانت من حروف الاستفهام فإنها لم تجعل في هذا الموضع للإستفهام بل هي واقعة موقع الأسماء الموصوفة، ومعنى الكلام ما قد ذكر قبل وهو أفلم يتبين لهم كثرة إهلاكنا قبلهم القرون التي يمشون في مساكنهم، أو أفلم تهدهم القرون الهالكة، وقد ذكر أن ذلك في قراءة عبد الله: أفلم يهد لهم من أهلكنا، فكم واقعة موقع من في قراءة عبد الله هي في موضع رفع بقوله: يهد لهم، وهو أظهر وجوهه وأصح معانيه، وإن كان للذي قاله وجه ومذهب على بعد).\n(٣) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٧٩.","vol":"14","page":554},{"text":"وقوله تعالى: ﴿يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ﴾ يعني: أهل مكة كان يتّجرون ويسيرون في مساكن عاد وثمود، وفيها علامات الإهلاك يقول: فلا يخافون أن يقع بهم مثل ما وقع بالذين رأوا مساكنهم (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2563>١٢٩ </span>- وقوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ﴾ أي: في تأخير العذاب عن هؤلاء الكفار إلى يوم القيامة وهو قوله: ﴿وَأَجَلٌ مُسَمًّى﴾ يعني القيامة وهو عطف على الكلمة، وقد أخر عن موضعه والتقدير: ولولا كلمة سبقت من ربك وأجل مسمى لكان لزامًا (٢). هذا قول الجميع.\nوقال مجاهد: [﴿وَأَجَلٌ مُسَمًّى﴾ يعني الدنيا (٣). وعلى هذا الأجل في تركهم عن العذاب، ومن قال: هو القيامة] (٤) فهو أجل تعذيبهم، واللِزَام يجوز أن يكون فعالا من الملازمة، ويجوز أن يكون مصدرًا كاللزوم، والمعنى: لكان العذاب لازمًا لهم، فهو مصدر وصف به، وأضمر اسم كان، وهو العذاب لتقدم ذكره وللعلم به (٥)، والمعنى: لعذبوا في الدنيا ولزمهم العذاب كما لزم القرون الماضية لما كذبوا الرسل، هذا معنى الآية.\n_________\n(١) \"جامع البيان\" ١٦/ ٢٣١، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٣٥٢، \"المحرر الوجيز\" ١٠/ ١١١، \"زاد المسير\" ٥/ ٣٣٣، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٢٦٠.\nويشهد لهذا قوله سبحانه في سورة إبراهيم الآية رقم: (٤٥): ﴿وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ﴾.\n(٢) \"جامع البيان\" ١٦/ ٢٣٢، \"الكشف والبيان\" ٣/ ٢٦ أ، \"بحر العلوم\" ٢/ ٣٥٨، \"النكت والعيون\" ٢/ ٤٣٢، \"الدر المنثور\" ٤/ ٥٥٩.\n(٣) \"جامع البيان\" ١٦/ ٢٣٢.\n(٤) ما بين المعقوفين مكرر في الأصل وفي نسخة (س).\n(٥) انظر: \"تهذيب اللغة\" (لزم) ٤/ ٣٢٦٠، \"القاموس المحيط\" (لزم) ٤/ ١٧٥، \"الصحاح\" (لزم) ٥/ ٢٠٢٩، \"لسان العرب\" (لزم) ٧/ ٤٠٢٧.","vol":"14","page":555},{"text":"وقال أبو عبيدة: (اللزام: الفيصل) (١).\nونحو هذا روى ثعلب عن ابن الأعرابي: (اللَّزْمُ: فصل الشيء من قوله تعالى: ﴿لَكَانَ لِزَامًا﴾ أي: فيصلًا) (٢). وعلى هذا معنى الآية: لكان العذاب فصلًا بينك وبين قومك، أي: لوقع الفصل بتعذيبهم، وتخبط المفسرون في تفسير اللِّزَام فقالوا: (أخذا وموتًا، وعذاب يوم بدر) (٣) (٤). وكلل ذلك وَهْم لا يصح تفسير اللزام به، وتصحيحه أن يقال: لكان الأخذ أو الموت أو القتل كما وقع ببدر لزامًا، أي: لازما لهم فالذي ذكروا في تفسير اللزام هو تفسير المضمر من اسم كان لا تفسير اللزام (٥).\n_________\n(١) \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ٢/ ٣٢.\n(٢) \"تهذيب اللغة\" (لزم) ٤/ ٣٢٦٠.\n(٣) بدر: هو ماء مشهور بين مكة والمدينة، أسفل وادي الصفراء، بينه وبين المدينة ثمانية وعشرون فرسخًا، وفيه حصلت الموقعة المشهورة بين المسلمين وكفار قريش في رمضان سنة ٢ للهجرة، وبدر الآن فيها إمارة متابعة لإمارة المدينة المنورة، وغالب سكانها بنو سالم بن حرب.\nانظر: \"معجم ما استعجم\" ١/ ٢٣١، \"معجم البلدان\" ١/ ٣٥٧، \"معجم المعالم الجغرافية\" ٤١، \"مراصد الاطلاع\" ١/ ١٧٠، \"قاموس الأمكنة والبقاع\" ص ٤٦.\n(٤) \"جامع البيان\" ١٦/ ٢٣٢، \"النكت والعيون\" ٣/ ٤٣٢، \"المحرر الوجيز\" ١٠/ ١١١، \"زاد المسير\" ٥/ ٣٣٣، \"الدر المنثور\" ٤/ ٥٥٩.\n(٥) قال ابن جرير الطبري -﵀- في \"تفسيره\" ١٦/ ٢٣٢: (ولولا كلمة سبقت من ربك يا محمد أن كل من قضى له أجلًا فإنه لا يخترمه قبل بلوغه أجله ﴿وَأَجَلٌ مُسَمًّى﴾ يقول وقت مسمى عند ربك سماه لهم في أم الكتاب وخطه فيه هم بالغوه ومستوفوه لكان لزامًا يقول للازمهم الهلاك عاجلًا).\nوانظر: \"تأويل مشكل القرآن\" لابن قتيبة ٢٠٩، \"غريب القرآن\" ٢٨٣، \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٩٥، \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٨٠.","vol":"14","page":556},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2564>١٣٠ </span>- قوله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾ أمره بالصبر إلى أن يحكم الله، ثم حكم فيهم بالقتل، فنسخ الصبر على ما يسمع من أذاهم (١). ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ صل لله بالحمد له والثناء عليه (٢). ﴿قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ﴾ يريد: الفجر ﴿وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ يريد: العصر (٣). ﴿وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ﴾ (٤) ساعاته واحدها إِنْيٌ مثل: نِحْيٍ وأَنْحَاء، وإِنْيً مثل: مِعيً وأَمْعَاء (٥)، قال الأعشى (٦):\n_________\n(١) \"الكشف والبيان\" ٣/ ٢٦ أ، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٣٠٢، \"زاد المسير\" ٥/ ٣٣٣، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٢٦٠، \"التفسير الكبير\" ٢٢/ ١٢٣.\nوالذي يظهر لي والله أعلم أنه لا نسخ في هذه الآية، فالآية تأمر النبي -ﷺ- بالصبر على ما كان يفعله كفار قريش وما يقولونه ويتهمونه به، وفي نفس الوقت تتوعد المشركين بعقاب الله الشديد في الآخرة، فلا تعارض بين الأمر بالصبر وقتالهم. انظر: \"الناسخ والمنسوخ\" للنحاس ٢٥١، \"نواسخ القرآن\" لابن الجوزي ٣٩٩، \"قلائد المرجان في بيان الناسخ والمنسوخ\" ١٤٠، \"ناسخ القرآن العزيز ومنسوخه\" ٤٠.\n(٢) \"جامع البيان\" ١٦/ ٢٣٣، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٣٠٢، \"زاد المسير\" ٥/ ٣٣٣.\n(٣) \"تفسير القرآن\" للصنعاني ٢/ ٢٠، \"جامع البيان\" ١٦/ ١٦٨، \"الكشف والبيان\" ٣/ ٢٦/ أ، \"بحر العلوم\" ٢/ ٣٥٨، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٨٨.\n(٤) في نسخة (ص): أناء الليل ساعاته.\n(٥) انظر: \"تهذيب اللغة\" (أنى) ١/ ٢٢٥، \"القاموس المحيط\" (أنى) ٤/ ٣٠١، \"الصحاح\" (أنا) ٦/ ٢٢٧٣، \"لسان العرب\" (أنى) ١/ ١٦٧.\n(٦) هذا عجز بيت ينسب لأبي أثيلة المتنخل الهذلي، ولم أقف عليه منسوبًا للأعشى. وصدر البيت:\nحُلْو وَمْر كَعَطْفِ الاقِدْح مِرَتُهُ\nانظر: \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ١/ ١٠٢، \"شرح أشعار الهذليين\" ٣/ ١٢٨٣، \"الشعر والشعراء\" ٢/ ٦٦٦، \"المنصف\" ٧/ ١٠٧، \"كتاب حروف المدود والقصور\" ٦٤، \"تهذيب اللغة\" (أنى) ١/ ٢٢٥، \"لسان العرب\" (أنى) ١/ ١٦١، \"الصحاح\" (أنا) ٦/ ٢٢٧٣.","vol":"14","page":557},{"text":"بِكُلِّ إِنْيٍ قَضَاهُ اللَّيلُ يَنْتَعِلُ\nوأنشد بن الأعرابي في الإنى (١):\nأَتَمَّتْ حَمْلَهَا في نِصْف شَهر ... وَحَمْلُ الحَامِلاَتِ إِنىً طَويلُ\nقال ابن عباس: (يريد أول الليل المغرب والعشاء) (٢). ﴿فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ﴾ يريد: الظهر. هذا الذي ذكرنا في تفسير هذه الآية من أوقات الصلاة المكتوبة، قول ابن عباس في رواية عطاء، ومذهب مجاهد، وقتادة (٣). وعلى هذا سمي وقت صلاة الظهر أطراف النهار؛ لأن وقته عند الزوال وهو طرف النصف الأول وطرف النصف الثاني، فجعل الطرفان أطرافًا على مذهبهم في تسمية الإثنين باسم الجمع كقوله: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ وقد مر. وهذا قول الفراء في هذه الآية (٤). وقال أبو العباس: (جمع الطرفين؛ لأنه يلزم في كل نهار يعود) (٥). ومن المفسرين من حمل أطراف النهار على: الغدوة والعشية (٦). وعلى هذا استفاد من الآية بقوله: ﴿قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾. وقال ابن الأعرابي: (أطراف النهار: ساعاته) (٧).\nوقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكَ تَرْضَى﴾ قال ابن عباس: (يريد: الثواب\n_________\n(١) لم أقف على قائله. وذكرته كتب اللغة بلا نسبة. انظر: \"تهذيب اللغة\" (أنى) ١/ ٢٢٥، \"لسان العرب\" (أنى) ١/ ١٦١.\n(٢) \"معالم التنزيل\" ٥/ ٣٠٢، \"زاد المسير\" ٥/ ٢٣٠.\n(٣) \"تفسير القرآن\" للصنعاني ٢/ ٢٠، \"جامع البيان\" ١/ ٢٣٣٦، \"زاد المسير\" ٥/ ٣٣٣، \"الدر المنثور\" ٤/ ٥٥٩.\n(٤) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٩٥.\n(٥) \"تهذيب اللغة\" (طرف) ٣/ ٢١٨١.\n(٦) \"جامع البيان\" ١٦/ ٢٣٣، \"تفسير كتاب الله العزيز\" ٣/ ٥٩.\n(٧) \"تهذيب اللغة\" (طرف) ٣/ ٢١٨١.","vol":"14","page":558},{"text":"والمعاد واجبًا من الله لك) (١) وفيه قراءتان:\nضم التاء وفتحها (٢). فمن فتح التاء وهو الذي فسره ابن عباس فحجته قوله: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ [الضحى: ٥]. ومن ضم التاء فحجته قوله: ﴿وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾ [مريم: ٥٥] ويكون المعنى لعلك ترضى بفعل ما أمرك به من الأفعال التي يرضاها الله، أو ترضى بما تعطاه من الدرجة الرفيعة (٣). واختار أبو عبيد هذه القراءة لاحتمالها معنيين أحدهما: ترضى: تعطى الرضى، والآخر: يرضاك الله، قال: (وتصديقها قوله: ﴿وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾ [مريم: ٥٥] قال: وليس في الآخرة إلا وجه واحد) (٤). هذا كلامه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2565>١٣١ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾ الآية، قال أبو رافع (٥): (نزل\n_________\n(١) لم أقف عليه. ويشهد لهذا المعنى قوله سبحانه في سورة الضحى الآية رقم (٥): ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾. والحق أن الله تعالى لا يجب عليه شيء لخلقه، وما يعطيهم فهو فضل منه وكرم. قال الألوسي في \"روح المعاني\" ١٦/ ٢٨٣: رجاء أن تنال عنده ما ترضى به نفسك من الثواب، واستدل به على عدم الوجوب على الله تعالى.\n(٢) قرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، وحمزة، وعا صم في رواية حفص: (لعلك تَرضى) بفتح التاء، وقرأ الكسائي، وعاصم في رواية أبي بكر: (لعلك تُرضى) بضم التاء.\nانظر: \"السبعة\" ص ٤٢٥، \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٢٥٢، \"المبسوط في القراءات\" ص ٢٥١، \"التبصرة\" ص ٢٦١\n(٣) \"جامع البيان\" ١٦/ ٢٣٤، \"تفسير كتاب الله العزيز\" ٣/ ٦، \"بحر العلوم\" ٢/ ٣٥٩.\n(٤) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٢٥٣، \"حجة القراءات\" ص ٤٦٤.\n(٥) أبو رافع، مولى رسول الله -ﷺ-، اشتهر بكنيتته، واسمه على المشهور أسلم، دخل في الإسلام قبل بدر ولم يشهدها، وشهد أحدًا وما بعدها، وروى عن النبي -ﷺ- =","vol":"14","page":559},{"text":"رسول الله -ﷺ- ضيف فبعثني إلى يهودي فقال: \"قل له إن رسول -ﷺ- يقول: بعني وأسلفني إلى رجب\". وأتيته فقلت له ذلك، فقال: والله لا أبيعه ولا أسلفه إلا برهن (١). فأتيت رسول الله -ﷺ- وأخبرته، فقال: \"والله لو باعني أو أسلفني لقضيته، وإني لأمين في السماء أمين في الأرض، اذهب بدرعي الحديد إليه\"، قال: فنزلت هذه الآية) (٢).\n_________\n= وعن بعض الصحابة- رضوان الله عليهم-، توفي -﵁- في آخر خلافة عثمان بن عفان وقيل في أول خلافة علي بن أبي طالب -﵁- أجمعين.\nانظر: \"الاستيعاب\" ١/ ٦١، \"الإصابة\" ١/ ٥٤، \"الكاشف\" ٣/ ٢٩٤.\n(١) الرهن: ما وضع عند الإنسان مما ينوب مناب ما أخذ منه. يقال: رهنت فلانًا دارًا رهنًا، وارتهنته إذا أخذه رهنًا.\nانظر: \"تهذيب اللغة\" (رهن) ٢/ ١٤٩١، \"القاموس المحيط\" (رهن) ٤/ ٢٣٠، \"الصحاح\" (رهن) ٥/ ٢١٢٨، \"لسان العرب\" (رهن) ٣/ ١٧٥٧.\n(٢) \"جامع البيان\" ١٦/ ٢٣٥، \"الكشف والبيان\" ٣/ ٢٦ ب، \"بحر العلوم\" ٢/ ٣٥٩، \"النكت والعيون\" ٣/ ٤٣٣، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٣٠٣، \"الدر المنثور\" ٤/ ٥٦٠، \"أسباب النزول\" للواحدي ص ٣١٣، \"لباب القول في أسباب النزول\" ص ١٤٧، \"جامع النقول في أسباب النزول\" ص ٢١٧. وأورده الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" ١٠/ ١٢٦، \"كتاب البيوع\"، باب البيع إلى أجل. وقال: رواه الطبراني في \"الكبير\" والبزار وفيه موسى بن عبيدة الربذي وهو ضعيف.\nوذكره ابن حجر في \"الكافي الشاف\" ص ١٠٩ وقال: (وفيه موسى بن عبيدة وهو متروك).\nوقال ابن عطية -﵀- في \"تفسيره\" ١٠/ ١١٦ بعد ذكر هذا القول: (وهذا معترض أن يكون سببا لأن السورة مكية والقصة المذكورة مدنية في آخر عمر النبي -ﷺ- لأنه مات ودرعه مرهونة بهذه القصة اقي ذكرت، وإنما الظاهر أن الآية متناسقة مع ما قبلها وذلك أن الله تعالى وبخهم على ترك الاعتبار بالأمم السالفة ثم توعدهم بالعذاب المؤجل ثم أمر نبيه بالاحتقار لشأنهم والصبر على أقوالهم والإعراض عن أموالهم وما في أيديهم من الدنيا إذ ذاك منحصر عندهم صائر بهم إلى خزي).","vol":"14","page":560},{"text":"وقوله تعالى: ﴿أَزْوَاجًا مِنْهُمْ﴾ قال أبي بن كعب: (أشباها من الكفار) (١). يعني أشكالًا من المزاوجة بين الأشياء وهي المشاكلة، وذلك أنهم أشكال في الذهاب عن الصواب. وقد فسرنا هذه الآية في آخر سورة الحجر (٢). وقال أبي بن كعب في هذه الآية: (فمن لم يتعز بعزة الله تقطعت نفسه حسرات على الدنيا، ومن يتبع بصره ما في أيدي الناس يطل حزنه، ولا يشفى غيظه، ومن لم ير الله عليه نعمة إلا في مطعمه ومشربه نقص علمه وحضر عذابه) (٣).\nوقوله تعالى: ﴿زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ قال ابن عباس، والسدي: (زينة الدنيا) (٤). وقال أهل اللغة: (زهرة الدنيا بهجتها ونضارتها وحسنها، وأصلها من زهرة الشجرة، وهي الأنوار التي تروق عند الرؤية) (٥). قال أبو إسحاق: (و﴿زَهْرَةَ﴾ منصوب بمعنى متعنا؛ لأن معناه جعلنا لهم ما متعناهم به زهرة الحياة الدنيا) (٦).\n_________\n(١) ذكرت نحوه كتب التفسير بدون نسبة. انظر: \"جامع البيان\" ١٦/ ٢٣٥، \"المحرر الوجيز\" ١٥/ ١١٦، \"التفسير الكبير\" ٢٢/ ١٣٦، \"روح المعاني\" ١٦/ ٢٨٣.\n(٢) عند قوله سبحانه في سورة الحجر الآية رقم: (٨٨): ﴿لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾.\n(٣) \"معالم التنزيل\" ٣/ ٢٣٧.\n(٤) \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٨٩، وذكره الطبري في \"تفسيره\" ١٦/ ٢٣٥ ونسبة لقتادة، وكذلك الماوردي في \"النكت والعيون\" ٣/ ٤٣٣، والسيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ٥٦٠.\n(٥) انظر: \"تهذيب اللغة\" (زهر) ٢/ ١٥٦٩، \"مقاييس اللغة\" (زهر) ٣/ ٣١، \"القاموس المحيط\" (الزهرة) ٢/ ٤٣، \"الصحاح\" (زهر) ٢/ ٦٧٤، \"لسان العرب\" (زهر) ٣/ ١٨٧٧.\n(٦) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٨٠.","vol":"14","page":561},{"text":"وقوله تعالى: ﴿لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾ قال السدي: (لنبتليهم) (١). والمعنى: لنعاملهم معاملة المبتلي المختبر شكرهم بما أنعمنا عليهم.\nوقال أبو إسحاق: (لنجعل ذلك فتنة لهم) (٢).\nقال ابن عباس: (ضلالة مني لهم) (٣). وعلى هذا معنى لنفتنهم فيه لنضلهم بأن أقلد لهم النعمة فيزيدوا كفرًا وطغيانًا. وهذا تفسير أشبه بحال الكفار وبمعاملة الله معهم.\n﴿وَرِزْقُ رَبِّكَ﴾ قال ابن عباس: (يريد: في المعاد) (٤). وقال السدي وعْيره: (يعني الجنة) (٥) ﴿خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ أكبر وأدوم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2566>١٣٢ </span>- قوله تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ﴾ روي: (أنه لما نزلت هذه الآية كان رسول الله -ﷺ- يذهب إلى علي وفاطمة كل صباح فيقول: \"الصلاة\" فكان يفعل ذلك أشهر متوالية) (٦).\nومعنى الأهل هاهنا: قومه ومن كان على دينه (٧). وذكرنا هذا عند\n_________\n(١) ذكره السمرقندي في \"بحر العلوم\" ٢/ ٣٥٩ بدون نسبة، وكذلك القرطبي في \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٢٦٢.\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٨١.\n(٣) \"التفسير الكبير\" ٢٢/ ١٣٦.\n(٤) ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة. انظر: \"المحرر الوجيز\" ١٠/ ١١٩، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٣٥٤، \"زاد المسير\" ٥/ ٣٣٥، \"الكشاف\" ٢/ ٥٦٠، \"الباب التأويل\" ٤/ ٢٨٧.\n(٥) \"الدر المنثور\" ٤/ ٥٦٠، وذكره السمرقندي في \"بحر العلوم\" ٢/ ٣٥٩ بدون نسبة.\n(٦) \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٢٦٣، \"التفسير الكبير\" ٢٢/ ٧١٣٧، \"روح المعاني\" ١٦/ ٢٨٤، \"فتح القدير\" ٣/ ٥٦٤.\n(٧) \"تفسير كتاب الله العزيز\" ٣/ ٦١، \"بحر العلوم\" ٢/ ٣٥٩، \"النكت والعيون\" ٣/ ٤٣٤، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٣٠٤، \"زاد المسير\" ٥/ ٣٣٥","vol":"14","page":562},{"text":"قوله: ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ﴾ الآية.\n﴿وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ للاستعانة على الصبر عن محارم الله -﷿-؛ لأن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر (١). ﴿لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا﴾ قال ابن مسلم: (لا نسألك رزقا لخلقنا، ولا رزقا لنفسنا) (٢). ﴿نَحْنُ نَرْزُقُكَ﴾ قال عبد الله بن سلام: (كان النبي -ﷺ- إذا أنزل بأهله ضيق أو قال شدة أمرهم بالصلاة ثم تلا هذه الآية) (٣).\nوقوله: ﴿وَالْعَاقِبَةُ﴾ قال ابن عباس، والسدي: (يريد: بالعاقبة الجنة) (٤).\nوقوله تعالى: ﴿لِلتَّقْوَى﴾ قال الأخفش: (أي لأهل التقوى) (٥). قال ابن عباس: (يريد: الذين صدقوك واتبعوك واتقوني) (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2567>١٣٣ </span>- قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا﴾ يعني المشركين ﴿لَوْلَا يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ هلا يأتينا محمد بآية من ربه كما أتى بها الأنبياء نحو الناقة والعصا (٧). قال أبو إسحاق: (وقد أتتهم الآيات ولكنهم طلبوا أن يأتيهم ما\n_________\n(١) ويشهد لذلك قوله تعالى في سورة العنكبوت الآية رقم (٤٥): ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾.\n(٢) ذكرته كتب التفسير من غير نسبة. انظر: \"بحر العلوم\" ٢/ ٣٥٩، \"معالم التزيل\" ٥/ ٣٠٤، \"زاد المسير\" ٥/ ٣٣٦، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٢٦٣.\n(٣) \"معالم التزيل\" ٥/ ٣٠٤، \"الدر المنثور\" ٥/ ٥٦١، \"التفسير الكبير\" ٢٢/ ١٣٧، \"روح المعاني\" ١٦/ ٢٨٥، \"فتح القدير\" ٣/ ٥٦٤.\n(٤) \"الدر المنثور\" ٤/ ٥٦١، \"التفسير الكبير\" ٢٢/ ١٣٧.\n(٥) \"معاني القرآن\" للأخفش ٢/ ٦٣١.\n(٦) \"معالم التزيل\" ٥/ ٣٠٤.\n(٧) \"جامع البيان\" ١٦/ ٢٣٧، \"زاد المسير\" ٥/ ٣٣٦، \"الجامع لأحكام القرآن\" =","vol":"14","page":563},{"text":"يقترحون) (١).\nقال الله: ﴿أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى﴾ يعني: أو لم تأتيهم بالقرآن ببيان ما في التوراة والإنجيل والكتب المتقدمة، وذلك أعظم آية إذ أخبر أُمِّي بما فيها من غير قراءة كتاب على ما تصدقه أهل الكتب. هذا معنى قول الكلبي وغيره (٢).\nوفيه قول آخر وهو: (أن المعنى أولم تأتهم ببيان ما في الكتب من أنباء الأمم التي أهلكناهم لما سألوا الآيات ثم كفروا بها فماذا يؤمنهم أن يكون حالهم في سؤال الآية كحال أولئك، وإنما أتاهم هذا البيان في القرآن) (٣). وقال بعض أهل التفسير: ﴿بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى﴾ ما تقدم من البشارة بمحمد -ﷺ- في الكتب المتقدمة وبيان نعته وصفته) (٤).\n_________\n= ١١/ ٢٦٤، \"فتح القدير\" ٣/ ٥٦٤، ويشهد لهذا قوله سبحانه في سورة هود: ﴿وَيَا قَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ﴾.\nوقوله سبحانه في سورة الشعراء: ﴿فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ﴾.\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٨١.\n(٢) \"الكشف والبيان\" ٣/ ٢٧، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٩٥، \"التفسير الكبير\" ٢٢/ ١٣٧.\n(٣) \"جامع البيان\" ١٦/ ٢٣٧، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٣٠٤، \"زاد المسير\" ٥/ ٣٣٦، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٢٦٤.\n(٤) \"بحر العلوم\" ٢/ ٣٥٩، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٢٦٤، \"التفسير الكبير\" ٢٢/ ١٣٧.\nكما قال سبحانه في سورة الصف الآية رقم (٦): ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾.","vol":"14","page":564},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2568>١٣٤ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ﴾ يعني مشركي مكة ﴿بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ﴾ من قبل بعث محمد ونزول القرآن ﴿لَقَالُوا﴾ يوم القيامة ﴿رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا﴾ هلا أرسلت إلينا رسولا يدعونا إلى طاعتك في ﴿فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ﴾ نعمل بما فيها يعني بما نزل على ذلك الرسول ويأتينا به ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى﴾ في جهنم، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥].\n<span data-type=\"title\" id=toc-2569>١٣٥ </span>- قوله تعالى: ﴿قُلْ﴾ أي: قل لهم يا محمد ﴿كُلٌّ﴾ منا ومنكم ﴿مُتَرَبِّصٌ﴾ مهو نحن نتربص بكم وعدا لنا فيكم، وأنتم تتربصون بنا الدوائر فتستريحوا منا (١). ﴿فَتَرَبَّصُوا﴾ أي: فانتظروا.\n﴿فَسَتَعْلَمُونَ﴾ إذا جاء أمر الله وقامت القيامة ﴿مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ﴾ قال ابن عباس: (يريد الدين المستقيم) (٢).\n﴿مَنِ اهْتَدَى﴾ أي: من الضلالة أنحن أم أنتم.\n_________\n(١) ويشهد لهذا قوله تعالى في سورة الطور الآيتان (٣٠، ٣١): ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ (٣٠) قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ﴾.\n(٢) ذكرته كتب التفسير بدون نسبة. انظر: \"النكت والعيون\" ٣/ ٤٣٤، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٣٠٥، \"زاد المسير\" ٥/ ٣٣٧، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ٢٦٥، \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ١٩٠.","vol":"14","page":565},{"text":"المملكة العربية السعودية\nوزارة التعليم العالي\nجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية\nعمادة البحث العلمي\nالتَّفْسِيرُ البَسِيْط\nلأبي الحسن علي بن أحمد بن محمد الواحدي\n(ت ٤٦٨ هـ)\nمن أول سورة الأنبياء إلى آية (٥٦) من سورة المؤمنون\nتحقيق\nد. عبد الله بن عبد العزيز بن محمد المديميغ\nأشرف على طباعته وإخراجه\nد. عبد العزيز بن بسطام آل سعود ... أ. د. تركي بن سهو العتيبي\nالجزء الخامس عشر","vol":"15","page":1},{"text":"التَّفْسِيرُ البَسِيْط\nلأبي الحسن علي بن أحمد بن محمد الواحدي\n(ت ٤٦٨ هـ)\n[١٥]","vol":"15","page":2},{"text":"جامعة الامام محمد بن سعود الإسلامية ١٤٣٠ هـ\nفهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية أثناء النشر\nالواحدي، علي بن أحمد\nالتفسير البسيط لأبي الحسن علي بن أحمد بن محمد الواحدي\n(ت ٤٦٨)./ عبد الله بن عبد العزيز بن محمد المديميغ، الرياض\n١٤٣٠ هـ.\n٢٥ مج. (سلسلة الرسائل الجامعية)\nردمك: ٤ - ٨٥٧ - ٠٤ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (مجموعة)\n٧ - ٨٧٢ - ٠٤ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (ج ١٥)\n١ - القرآن تفسير ... ٢ - الواحدي، علي بن أحمد\nأ- العنوان ... ب- السلسلة\nديوي ٢٢٧.٣ ... ٨٦٨/ ١٤٣٠\nرقم الإيداع: ٨٦٨/ ١٤٣٠ هـ\nردمك: ٤ - ٨٥٧ - ٠٤ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (مجموعة)\n٧ - ٨٧٢ - ٠٤ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (ج ١٥)","vol":"15","page":3},{"text":"المملكة العربية السعودية\nوزارة التعليم العالي\nجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية\nعمادة البحث العلمي\nالتَّفْسِيرُ البَسِيْط\nلأبي الحسن علي بن أحمد بن محمد الواحدي\n(ت ٤٦٨ هـ)\nمن أول سورة الأنبياء إلى آية (٥٦) من سورة المؤمنون\nتحقيق\nد. عبد الله بن عبد العزيز بن محمد المديميغ\nأشرف على طباعته وإخراجه\nد. عبد العزيز بن بسطام آل سعود ... أ. د. تركي بن سهو العتيبي\nالجزء الخامس عشر","vol":"15","page":4},{"text":"بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ","vol":"15","page":5},{"text":"(٢١)<span data-type=\"title\" id=toc-2570> سورة الأنبياء</span>\n(٢٢) الحج\n(٢٣) المؤمنون\nحتى آية ٥٦","vol":"15","page":6},{"text":"تفسير سورة الأنبياء ﵈\nبسم الله الرحمن الرحيم\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2571>١ </span>- قوله: ﴿اقْتَرَبَ﴾ افتعل من القُرْب (١). يقال: قَرُب الشيء واقترب، كما يقال: كسب واكتسب.\nقال المبرِّد: هما (٢) واحد، إلا أن افتعل مؤكد (٣).\nومعنى الاقتراب هاهنا: قصر (٤) المدة التي بينهم وبين الحساب (٥).\n_________\n(١) القرب: نقيض البعد، وهو الدنو. انظر: \"تهذيب اللغة\" للأزهري ٩/ ١٢٤ (قرب)، \"لسان العرب\" لابن منظور ١/ ٦٦٢، ٦٦٣، ٦٦٦ (قرب).\n(٢) في (ع): (وهما).\n(٣) لم أجد من ذكره عنه. قال أبو حيان في \"البحر المحيط\" ٦/ ٢٩٥: (اقترب) افتعل بمعنى الفعل المجرد وهو (قرب)، كما تقول: ارتقب ورقب. وقيل: هو أبلغ من \"قرب\" للزيادة التي في البناء. ا. هـ. وذكر الزبيدي في \"تاج العروس\" ٤/ ١٣ (قرب) أن شيخه أبا عبد الله الفاسي نقل عن ابن عرفه: (اقترب) أخص من (قرب) فإنه يدل على المبالغة في القرب.\nقال الزبيدي: ولعل وجهه أنَّ افتعل يدل على اعتمال ومشقة في تحصيل الفعل، فهو أخص مما يدل على القرب بلا قيد، كما قالوه في نظائره. اهـ. وقال ابن عاشور في \"التحرير والتنوير\" ٨/ ١٧: والاقتراب مبالغة في القرب، فصيغة الافتعال الموضوعة للمطاوعة مستعملة في تحقق الفعل، أي: اشتد قرب وقوعه بهم.\n(٤) في (ع): (قصد)، وهو خطأ.\n(٥) انظر: \"التبيان\" للطوسي ٧/ ٢٠٢.","vol":"15","page":7},{"text":"وقوله تعالى: ﴿لِلنَّاسِ﴾ قال الكلبي: يعني أهل مكة (١).\n﴿حِسَابُهُمْ﴾ قال المفسرون: محاسبة الله إياهم على أعمالهم (٢). وقال عطاء، عن ابن عباس (٣): يريد عذابهم: لأن من نوقش الحساب عذب (٤).\nفعلى هذا الحساب: يعني به (٥): العذاب. وقال الزجاج: المعنى -والله أعلم-: اقترب للناس (٦) وقت حسابهم (٧).\n_________\n(١) ورد هذا القول في \"تنوير المقباس\" ص ٢٠٠، الذي هو من رواية الكلبي. وذكر الزمخشري في \"الكشاف\" ٢/ ٥٦١ نحو هذا القول عن ابن عباس ثم قال: هذا من إطلاق اسم الجنس على بعضه للدليل القائم وهو ما يتلوه من صفات المشركين. قال ابن عطية في \"المحرر الوجيز\" ١٠/ ١٢٢: عام في جميع الناس، وإن كان اليسار إليه في ذلك الوقت كفار قريش، ويدل على ذلك ما بعده من الآيات، وقوله (وهم في غفلة معرضون) يريد الكفار.\n(٢) هذا نص كلام الثعلبي في \"تفسيره الكشف والبيان\" ٣/ ٢٧ أ. وأصله عند الطبري في \"جامع البيان\" ١/ ١٧: حساب الناس على أعمالهم التي عملوها في دنياهم.\n(٣) في (ع): (عن الكلبي)، وهو خطأ.\n(٤) لم أجده من رواية عطاء، عن ابن عباس. وهذه الرواية عن ابن عباس باطلة، وقد تقدم الكلام عنها. وجاء في \"تنوير المقباس\" من تفسير ابن عباس ص ٢٠٠: (دنا لأهل مكة ما وعد لهم في الكتاب من العذاب. وهذا التفسير لا يصح عن ابن عباس ﵄؛ لأنه مروي عنه من طريق محمد بن مروان السدي، عن الكلبي، عن أبي صالح، وهذا الإسناد من أضعف الأسانيد عن ابن عباس. انظر: \"العجاب في بيان الأسباب\" لابن حجر (٣ ب). وقد نسب هذا القول -يعني أن المراد بالحساب هنا العذاب- إلى الضحاك. وذكره الماروردي في \"النكت والعيون\" ٣/ ٤٣٥ والقرطبي في \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ١٦٧.\n(٥) به: زيادة\n(٦) في (ع) زيادة بعد قوله: (للناس).\n(٧) \"معاني القرآن وإعرابه\" للزجاج ٣/ ٣٨٣.","vol":"15","page":8},{"text":"وعلى (١) هذا يعني به القيامة كما قال في سورة أخرى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾ [القمر: ١].\nقال أهل المعاني: واقتراب (٢) حسابهم يحمل على أحد معنيين: إما لأن كل ما هو آت فهو قريب، وإما أنه قريب بالإضافة إلى ما مضى من الزمان (٣).\nوقوله تعالى: ﴿فِي غَفْلَةٍ﴾ قال الكلبي: جهالة (٤).\nوقال المفسرون: عما الله فاعل بهم ذلك اليوم (٥).\n﴿مُعْرِضُونَ﴾ عن [التأهب] له (٦) (٧).\n_________\n(١) في (ع): (فعلى).\n(٢) في (أ): (واقترب).\n(٣) ذكر الماوردي (٣/ ٤٣٥)، والزمخشري في \"الكشاف\" ٢/ ٥٦١، وابن الجوزي ٥/ ٣٣٩، والرازي في \"مفاتيح الغيب\" ٢٢/ ١٣٩ هذين المعنيين من غير نسبة لأحد. وزاد الرازي القول الثاني بيانًا بقوله: إنَّ المعاملة إذا كانت مؤجلة إلى سنة ثم انقضى منها شهر؛ فإنه لا يقال: اقترب الأجل، أما إذا كان الماضي أكثر من الباقي فإنه يقال: اقترب الأجل، فعلى هذا الوجه قال العلماء: إن فيه دلالة على قرب القيامة، ولهذا الوجه قال النبي -ﷺ- \"بعثت أنا والساعة كهاتين\" [رواه البخاري في صحيحه (١١/ ٣٤٧) كتاب الرقاق].\nوذكر الرازي قولًا ثالثًا: أن معنى اقتراب حسابهم أنه مقترب عند الله تعالى. قال: والدليل عليه قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج: ٤٧].\n(٤) لم أجده.\n(٥) هذا كلام الطبري في \"تفسيره\" ١/ ١٧ مع تصرف يسير.\n(٦) ساقط من (ع).\n(٧) الطبري ١٧/ ٢، \"الكشف والبيان\" للثعلبي ٣/ ٢٧ أ.","vol":"15","page":9},{"text":"وقال عطاء، عن ابن عباس: أعرضوا عمّا جاء به (١) محمد -ﷺ- <span data-type=\"title\" id=toc-2572>(٢)</span>.\n٢ - قوله تعالى: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ أي: من وعظ بالقرآن على لسان محمد -ﷺ- (٣).\n﴿مُحْدَثٍ﴾ أي: با لإنزال، تنزل (٤) السورة بعد السورة، والآيةُ بعد الآية (٥).\nوهذا معنى قول المفسرين: أي في زمن بعد زمن (٦).\nوقال مقاتل: يحدث الله الأمر بعد الأمر (٧).\nومعنى الإحداث راجع إلى الإنزال وتلاوة جبريل -﵇- على رسول الله -ﷺ- (٨).\nوقوله تعالى: ﴿اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ قال ابن عباس: يريد يسمعون (٩)\n_________\n(١) في (أ، د): (جاتة)، وفي (ت): (جاءه).\n(٢) ذكر هذا القول القرطبي ١١/ ٢٦٧، ولم ينسبه لأحد.\n(٣) انظر: \"الطبري\" ٢/ ١٧، و\"الكشف والبيان\" للثعلبي ٣/ ٢٧ ب.\n(٤) في (أ)، (ت): (ننزل)، بإهمال أوله.\n(٥) ذكر هذا القول الطوسي في \"التبيان\" ٧/ ٢٠٢ ولم ينسبه لأحد.\n(٦) ذكر أبو حيان في \"البحر\" ٦/ ٢٩٦ نحو هذا القول ولم ينسبه لأحد.\n(٧) ذكره عنه: الثعلبي ٣/ ٢٧ ب، والبغوي ٥/ ٣٠٩.\n(٨) قال الطبري ١٧/ ٢: يقول تعالى ذكره: ما يحدث الله من تنزيل شيء من هذا القرآن للناس.\nوقال أبو العباس أحمد بن تيمية \"مجموع الفتاوى\" ١٢/ ٥٢٢: المحدث في الآية ليس هو المخلوق الذي يقوله الجهمي، ولكنه الذي أنزل جديدًا، فإن الله كان ينزل القرآن شيئًا بعد شيء، فالمنزل أولًا هو قديم بالنسبة إلى المنزل آخرًا. وكك ما تقدم على غيره فهو قديم في لغة العرب.\n(٩) في (ع): (يستمعون).","vol":"15","page":10},{"text":"القرآن مستهزئين (١).\nوقال الحسن وقتادة: أي كلما جدد لهم الذكر استمروا على الجهل (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2573>٣ </span>- قوله تعالى: ﴿لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ﴾ قال ابن عباس: أي عما يراد بهم (٣).\nوقال السدي: عما جاء به محمد -ﷺ- (٤).\nوانتصابه على وجهين: أحدهما: إلا استمعوه لاعبين لاهية قلوبهم،\nلأن قوله: ﴿وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ في موضع الحال (٥). والثاني: أن يكون منصوبًا بقوله: ﴿وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ (٦). وهذا قول الفراء (٧)، والمبرد، والزجاج (٨).\nوقوله تعالى: ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى﴾ تناجوا فيما بينهم يعني المشركين الذين وُصفوا باللهو واللعب.\n_________\n(١) ذكره عنه ابن الجوزي ٥/ ٣٣٩. ونحوه في \"تنوير المقباس\" ص ٢٠٠.\n(٢) ذكره بنصه عن الحسن وقتادة: الطوسي في \"التبيان\" ٧/ ٢٠٣، والحاكم الجشمي في \"التهذيب\" ٦/ ١٣٦ أ. وذكر هذا القول عن الحسن: الماوردي في \"النكت والعيون\" ٣/ ٤٣٦، والقرطبي في تفسيره ١١/ ٢٦٨.\n(٣) لم أجده.\n(٤) لم أجده.\n(٥) فيكون قوله \"لاهية\" حالا بعد حال من فاعل \"استمعوه\". وهذا قول الكسائي. انظر: \"إعراب القرآن\" للنحاس ٣/ ٦٣، \"البيان في غريب إعراب القرآن\" لأبي البركات ابن الأنباري ٢/ ١٥٧، \"إملاء ما من به الرحمن\" للعكبري ٢١/ ١٣٠، \"الدر المصون\" للسمين الحلبي ٨/ ١٣٠.\n(٦) فيكون منصوبًا على الحال من الضمير في \"يلعبون\". انظر ما تقدم من مراجع في الفقرة السابقة.\n(٧) \"معاني القرآن\": ٢/ ١٩٨.\n(٨) انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" للزجاج ٣/ ٣٨٣.","vol":"15","page":11},{"text":"ثم بين من هم فقال: ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ قال ابن عباس: يريد الذين أشركوا (١).\nوفي محل ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ وجوه (٢): أحدها: البدل من الواو في ﴿وَأَسَرُّوا﴾ فيكون في موضع رفع (٣).\nقال المبرد: وهذا كقولك في الكلام: إن الذين في الدار انطلقوا بنو عبد الله. على البدل مما في انطلقوا (٤).\nوالثاني: أن يكون رفعًا على الذم على معنى: هم الذين ظلموا. أويجوز أن يكون في موضع نصب على معنى: (أعني) (٥) الذين ظلموا] (٦) (٧).\n_________\n(١) مثله في \"تنوير المقباس\" ص ٢٠٠.\n(٢) في (ع): (وجوه)، وهو خطأ.\n(٣) وهذا قول سيبويه كما في \"الكتاب\" ٢/ ٤١. وجود هذا القول الزجاج في \"معانيه\" ٣/ ٣٨٣، وحسنه ابن جزي الكلبي في \"التسهيل\" ٣/ ٤٧، واستظهره الشنقيطي في \"أضواء البيان\" ٤/ ٥٥٥.\n(٤) ذكره البغوي ٥/ ٣١٠، والقرطبي ١١/ ٢٦٩ هذا القول بنصه عن المبرد. ونسب أبو حيان في \"البحر المحيط\" ٦/ ٢٩٧ للمبرد القول بأن \"الذين\" بدل، وذكر السمين الحلبي في \"الدر المصون\" ٨/ ١٣٢ أن هذا القول معزو للمبرّد.\n(٥) أعني: زيادة من \"معاني القرآن\" للزجاج يتضح بها المعنى.\n(٦) ساقط من (أ)، (ت).\n(٧) من قوله أن يكون رفعا .. إلى هنا. هذا نص كلام الزجاج في \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٣٨٣ - ٣٨٤. وفي رفع \"الذين\" وجوه أخرى منها.\nالأول: أن يكون في موضع رفع بـ\"أسرّوا\" وسيذكره المصنف.\nالثاني: أن يكون \"الذين\" مبتدأ، و\"أسروا\" جملة خبرية قدمت على المبتدأ. وهذا القول حكاه الثعلبي عن الكسائي.\nالثالث: أن يكون الذين مرفوعًا بفعل مقدر تقديره: يقول الذين كفروا. =","vol":"15","page":12},{"text":"ويجوز أن يكون في موضع خفض تبعًا للناس، كأنك قلت (١): اقترب للناس الذين ظلموا (٢).\nوقد قال قومٌ: ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ في موضع رفع بأسرّوا، واستعمل الفعل مقدما كما يستعمل مؤخرا. قالوا: وعلامة الجمع ليست بضمير (٣). فيجوز: انطلقوا إخوتك، وانطلقا صاحباك، تشبيها بعلامة التأنيث، نحو: ذهبت جاريتك (٤).\nفجعلوا الألف والواو في التثنية والجمع كهذه التاء التي تقدم لتؤذن\n_________\n= وحسن هذا الوجه النحاس وقال: فالدليل على صحة هذا الجواب أن بعده: \"هل هذا إلا بشر مثلكم\" فهذا الذي قالوه.\nالرابع: أن يكون خبر مبتدأ محذوف، وتقديره: هم الذين ظلموا.\nالخامس: أنه مبتدأ، وخبره محذوف تقديره: الذي يقولون ما هذا إلا بشر مثلكم. وفي نصبه وجه آخر سوي ما ذكره الواحدي، وهو نصبه على الذمّ. انظر: \"إعراب القرآن\" لمكي بن أبي طالب ٢/ ٤٧٧، \"البيان في غريب إعراب القرآن\" لأبي البركات الأنباري ٢/ ١٥٨، \"الدر المصون\" للسمين الحلبي ٨/ ٣٢ - ١٣٣.\n(١) في (ع): (تقول).\n(٢) فيكون \"الذين\" في موضع جر نعتا \"للناس\". وهذا قول الفراء. انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٩٨، \"إعراب القرآن\" لابن الأنباري ٢/ ١٥٨. وقيل: الذين في موضع جر وهو بدل من \"الناس\". قال أبو حيان: وهو أبعد الأقوال. \"البحر المحيط\" لأبي حيان ٦/ ٢٩٧.\n(٣) في (أ): (لضمير).\n(٤) قاله أبو عبيدة، والأخفش، وغيرهما. انظر. \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ١/ ١٠١، ٢/ ٣٥، \"معاني القرآن\" للأخفش ٢/ ٤٧٥، ٦٣٢، \"البحر المحيط\" لأبي حيان ٦/ ٢٩٧، \"الدر المصون\" للسمين ٨/ ١٣٣. وذكر الطوسي \"التبيان\" ٧/ ٢٠٤ هذا القول ونسبه لقوم كما فعل الواحدي.","vol":"15","page":13},{"text":"بالتأنيث (١).\nقال الأخفش: وهذا على لغة الذين يقولون (٢): \"أكلوني البراغيت\"، و\"ضربوني (٣) قومك\" (٤).\nوقال المبرد: الذي قالوه يجوز، ولكنه بعيد لا يختار في القرآن (٥).\nقال صاحب النظم (٦): لأنه ليس من مذهب العرب أن يظهروا العدد في\n_________\n(١) انظر: \"الكتاب\" لسيبويه ٢/ ٤٠.\n(٢) في (ت): (يقولوني)، وهو خطأ.\n(٣) في (ع): (وضربني)، وهو خطأ.\n(٤) \"معاني القرآن\" للأخفش ٢/ ٤٧٥، ٦٣٢.\n(٥) ذكره عن المبرّد: الطوسيُّ في \"التبيان\" ٧/ ٢٠٤. وذكر أبو حيان في \"البحر\" ٦/ ٢٩٧ أنه قيل: إنها لغة شاذة. ولم ينص على أحد. وكذا ذكر السمين في \"الدر المصون\" ٨/ ١٣٣ أن بعضهم ضعف هذه اللغة.\nثم قال أبو حيان: وقيل: والصحيح أنها لغة حسنة، وهي من لغة أزد شنوءه، وخرج عليه قوله: \"ثم عموا وصموا كثير منهم\" [المائدة: ٧١].\n(٦) تنبيه: ذهب د. جودة المهدي في كتابه \"الواحدي ومنهجه في التفسير\" ص ١٤١ إلى أن صاحب النظم الذي ينقل عنه الواحدي هو الحسين بن علي بن نصر بن منصور الطوسي؛ لأن الداودي ذكر له في \"طبقات المفسرين\" ١/ ١٤١ - ١٤٢ كتاب نظم القرآن. والصواب خلاف ما قال، وأن صاحب النظم هو الحسن بن يحيى الجرجاني، ولو أن د. المهدي رجع إلى كتاب \"تاريخ جرجان\" للسهمي لرجح هذا، مع أنه نقل عن ابن قاضي شهبة في كتابه طبقات النحاة قوله -وهو يتناول مصادر تفسير البسيط في ترجمته للواحدي- وكتاب \"نظم القرآن\" للجرجاني، وليس هو عبد القاهر الجرجاني كما غلط فيه الإمام فخر الدين الرازي إنّما هذا تأليف شخص ذكره حمزة السهمي في \"تاريخ جرجان\". ومما يدل على أن مؤلف النظم الذي ينقل عنه الواحدي هو الحسن بن يحيى الجرجاني لا الحسن بن علي الطوسي أن الثعلبي -شيخ الواحدي- ذكر الجرجاني وذكر كتابه \"النظم\"، فقال في مقدمة تفسيره \"الكشف والبيان\" ١/ ٨ أ -وهو يذكر مصادره-: كتاب \"النظم\" =","vol":"15","page":14},{"text":"الفعل المتقدم للأسماء؛ لأن الفعل إذا تقدم الاسم فليس فيه ضمير، إنما هو فعل ابتدئ وصاحبه بالخيار من بعد في تفسيره بمن شاء وبما شاء، فلذلك خلا من الضمير، ووحد في الصورة. وإذا تقدمت الأسماء فالفعل معطوف عليها؛ لأنه (١) ليس لصاحب الكلام أن يزول بالفعل عن الأسماء التي أرصدها للفعل، فإذا كان معطوفا عليها وقد أضمرت الأسماء فيها وبضمنها (٢)، فلا بد حينئذ من إظهار العدد فقوله: ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى﴾ فعل قد تقدمت الأسماء عليه، وهم الذين ذكرهم في قوله: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ﴾، وقد تكرر ذكرهم إلى أن قال (٣): ﴿وَأَسَرُّوا﴾ فجاء قول ﴿وَأَسَرُّوا﴾ معطوفا عليها، وصارت الأسماء مضمرة في هذا الفعل. هذا كلامه.\nوما ذكرنا من الوجوه في إعراب ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ قول الفراء والزجاج (٤) والكسائي والمبرد.\nوقوله تعالى: ﴿هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ ترجمة سرهم، أي: تناجوا بهذا القول فيما بينهم يريدون: أن محمدا بشر آدمي مثلكم، لحم\n_________\n= \"النظم\": قرأ علينا أبو القاسم الحسن بن محمد بن حبيب بلفظه قال: قرأت على أبي النضر محمد بن محمد بن يوسف بـ\"طوس\" قال: قرأت على أبي علي الحسن بن يحيى بن نصر الجرجاني\". وتقدم أن الجرجاني يروي عنه أبو النضر -كما ذكر ذلك السهمي في \"تاريخ جرجان\". ويدل على ذلك أيضًا أن ابن الجوزي قال في \"زاد المسير\" ٩/ ١٦٥: وقال الحسين -هكذا في المطبوع وهو تصحيف- بن يحيى الجرجاني، ويقال له صاحب النظم.\n(١) (لأنه): ساقطة من (ع).\n(٢) (ويضمنها) مهملة في (ع).\n(٣) في (أ): (قالوا)، وهو خطأ.\n(٤) (والزجاج) ساقط من (أ).","vol":"15","page":15},{"text":"ودم، ليس مثل الملائكة.\n﴿أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ قال ابن عباس: يريدون أن الذي جاء به محمد -ﷺ- سحر (١).\nوقال السدي: يقولون إن متابعة محمد -ﷺ- متابعة السحر (٢).\nوالمعنى: أتقبلون السحر وأنتم تعلمون أنه سحر (٣).\nفأطلع الله نبيه على ما تناجوا به\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2574>٤ </span>- وقال له: ﴿قَالَ رَبِّي﴾ أي: قل لهم يا محمد ربي ﴿يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ أي لا يخفي عليه شيء مما يقال في السماء والأرض.\nوقرأ أهل الكوفة (٤) \"قال ربي\" على إضافة القول إلى الرسول -ﷺ-. وكذا هو في مصاحفهم (٥) يعنون: قال محمد: ربي يعلم القول في السماء والأرض.\n_________\n(١) روى الطبري (١٧/ ٣) هذا القول عن ابن زيد.\n(٢) ذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٥/ ٦١٦، وعزاه لابن أبي حاتم في \"تفسيره\".\n(٣) ذكره الطوسي في \"التبيان\" ٧/ ٢٠٣، والحاكم الجشمي في \"التهذيب\" ٦/ ١٣٦ أهذا القول ولم ينسباه لأحد.\n(٤) قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم: (قال ربي) بألف على الخبر، وقرأ الباقون بغير ألف (قل) على الأمر. \"السبعة\" لابن مجاهد ٤٢٨، \"المبسوط\" لابن مهران (٢٥٣)، \"التبصرة\" لمكي بن أبي طالب ٢٦٣، \"التيسير\" لأبي عمرو الداني ١٥٤، \"النشر\" لابن الجزري ٢/ ٣٢٣.\n(٥) من قوله: وقرأ أهل .. إلى هنا، هذا كلام أبي علي في \"الحجة\" ٥/ ٢٥٤ مع اختلاف في بعض العبارات. والقائل وكذا هو في مصاحفهم هو ابن مجاهد كما نقله عنه أبو علي، وهو في \"السبعة\" ص ٤٢٨. وانظر أيضًا: \"علل القراءات\" للأزهري ٢/ ٤٥٣، \"إعراب القراءات السبع وعللها\" لابن خالويه ٢/ ٦٠، \"حجة القراءات\" لأبي زرعة بن زنجلة ص ٤٦٥ - ٤٦٦.","vol":"15","page":16},{"text":"﴿وَهُوَ السَّمِيعُ﴾ لما تكلموا به (١) ﴿الْعَلِيمُ﴾ بما قولوا وبما في قلوبهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2575>٥ </span>- قوله تعالى: ﴿بَلْ قَالُوا﴾ قال المبرد: \"بل\" لها موضعان في الكلام يجمعهما (٢) شيء واحد وهو التنقل من خبر إلى خبر، ومن أمر إلى أمر، وقد يكون الانتقال رغبة عن الأول، إمَّا غلط القائل فاسْتَثْبَتَ (٣) وترك الأول وإما نسي فذكر. وقد يكون لما فرغ من خبر انتقل إلى آخر على أن الأول (٤) مصحح مفروغ منه، والذي يأتي من عند الله [لا يكون] (٥) إلا الانتقال من خبر إلى خبر، وكلاهما محكم (٦).\nقال صاحب النظم: فقوله -﷿-: ﴿بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ﴾ خبر (٧) من الله -﷿- معطوف على قوله: ﴿هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ أي أنهم قد قالوهما (٨) جميعًا، إلا أنهم خلطوا من جهة الحَيْرة التي دخلتهم في أمر الرسول -ﷺ- فلم يدروا ما قصته، فقالوا: ﴿بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ﴾ فأعلم الله -﷿- أنهم قالوا هذه الأقوال على حيرة منهم في أمره.\n_________\n(١) في (أ): (أنه)، وهو خطأ.\n(٢) في (أ): (مجمعهما).\n(٣) في (أ)، (ت): (فاستب)، مهملة الآخر.\n(٤) في (د)، (ع): (إلى آخر عن الأول).\n(٥) ساقط من (ع).\n(٦) في \"المقتضب\" ٣/ ٣٠٥ نحو هذا القول باختصار. وانظر: \"حروف المعاني والصفات\" للزجاجي ص ٢٩، \"الأزهية في علم الحروف\" للهروي ص ٢٢٩ - ٢٣٠، \"رصف المباني في شرح حروف المعاني\" للمالقي ص٢٣٠، \"مغني اللبيب\" لابن هشام ١/ ١٣٠ - ١٣١.\n(٧) في (أ)، (ت): (وخير).\n(٨) في (أ)، (ت): (قالوا هما)، وهو خطأ.","vol":"15","page":17},{"text":"وقوله تعالى: ﴿أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ﴾ أي: الذي أتى به النبي (١) -ﷺ- أضغاث أحلام.\nقال قتادة: تخاليط (٢) رؤيا رآها في المنام (٣).\nوذكرنا الكلام في أضغاث الأحلام (٤) في سورة يوسف.\nوقوله تعالى: ﴿بَلِ افْتَرَاهُ﴾ أي: اختلقه وفتعله من نفسه ﴿بَلْ هُوَ شَاعِرٌ﴾.\nقال أبو إسحاق (٥): أي أخذوا ينقضون [أقوالهم] (٦) بعضها ببعض، فمرة يقولون: هذه أحلام، ومرة يقولون (٧): هذا شعر، ومرة (٨): هذا (٩) مفترى (١٠).\nوعلى هذا معنى \"بل\": الإخبار عنهم بنقضهم قولهم في القرآن،\n_________\n(١) في (د)، (ع): (الرسول).\n(٢) في (أ): (مخاليط).\n(٣) ذكره بهذا النص عن قتادة: الطوسي في \"التبيان\" ٧/ ٢٠٣، والحاكم الجشمي في \"التهذيب\" ٦/ ١٣٦ ب، وأخرج عبد الرزاق في \"تفسيره\" (ج١ ق ٢)، والطبري في \"تفسيره\" ١٦/ ١١٨ طبعة شاكر عن قتادة - في قوله (قالوا أضغاث أحلام) [يوسف: ٤٤] قال: أخلاط أحلام. وذكر السيوطي في \"الدر المنثور\" ٥/ ٦١٧ عن ابن المنذر وابن أبي حاتم أخرجا عن قتادة في قوله \"بل قالوا أضغاث أحلام\" قال: أي: فعل الأحلام، إنما هي رؤيا رآها.\n(٤) في (د): (أضغاث أحلام).\n(٥) هو أبو إسحاق الزجَّاج.\n(٦) كشط في (ت).\n(٧) (يقولون): ساقط من (أ).\n(٨) في (د): (ومرة ومرة). تكرار.\n(٩) في (أ): (هذه)، وهو خطأ.\n(١٠) \"معاني القرآن وإعرابه\" للزجاج ٣/ ٣٨٤.","vol":"15","page":18},{"text":"وانتقالهم عما قالوه أولا إلى آخر.\nوالمعنى: أنهم قالوا في القرآن قول متحير قد بهره ما سمع؛ فمرة يقول: سحر، ومرة يقول: شعر، ومرة يقول: افتراء، لا يجزم على أمر واحد (١).\nوقوله تعالى: ﴿فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ﴾ قال ابن عباس: مثل الناقة التي أتى بها صالح، والعصا التي أتى بها موسى (٢).\nقال أبو إسحاق: فاقترحوا الآيات التي لا يقع معها إمهال إذا كُذّب بها (٣).\nوفي الآية حذف يدل عليه الكلام، على تقدير: كما أرسل الأولون بالآيات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2576>٦ </span>- فقال الله تعالى مجيبا لهم: ﴿مَا آمَنَتْ قَبْلَهُمْ﴾ قبل (٤) مشركي مكة ﴿مِنْ قَرْيَةٍ﴾ يعني أهلها ﴿أَهْلَكْنَاهَا﴾ وصفٌ للنكرة التي هي قرية (٥).\nوالمعنى: ما آمنت (٦) قرية مهلكة بالآيات المرسلة ﴿أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ﴾ يعني: أنَّ الأمم التي أهلكناها بتكذيبها بالآيات لم يؤمنوا بالآيات لما أتتهم، فكيف يؤمن هؤلاء؟\nووجه الاحتجاج عليهم من هذه الآية هو أن مجيء الآيات لو كان\n_________\n(١) ذكر الطوسي في \"التبيان\" ٧/ ٢٠٣ - ٢٠٤ هذا المعنى من غير نسبة لأحد.\n(٢) ذكره الألوسي في \"روح المعاني\" ١٧/ ١١. وروي الطبري ١٧/ ٤ عن قتادة نحوه.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" للزجاج ٣/ ٣٨٤.\n(٤) في (د)، (ع): (من).\n(٥) انظر: \"المحرر الوجيز\" لابن عطية ١٠/ ١٢٦، \"إملاء ما من به الرحمن\" للعكبري ٢/ ١٣٠.\n(٦) في (أ)، (ت): (ما أتت).","vol":"15","page":19},{"text":"سببًا يؤدي [إلى الإيمان من غير إرادة الله لهم ذلك لكان سببا] (١) إلى إيمان أولئك لا محالة، فلما بطل أن يكون سببا لإيمانهم، بطل أن يكون سببًا لإيمان هؤلاء.\nوهذا احتجاج على القدرية (٢) ظاهر (٣)، وبيان أن مجيء الآيات لا ينفع مع القضاء السابق بالكفر، كما لم ينفع الأمم السالفة.\nويزيد لهذا تأكيدًا ما روى عطاء، عن ابن عباس في قوله: ﴿أَهْلَكْنَاهَا﴾ يريد: كان في (٤) علمي (٥) هلاكها (٦).\n_________\n(١) ساقط من (أ)، (ت).\n(٢) القدرية: هم الذين نفوا القدر، وقد حدثت بدعتهم في أواخر زمن الصحابة، وقيل: إن أول من ابتدعه رجل من أهل البصرة يقال له: سيسويه من أبناء المجوس، وتلقاه عنه معبد الجهني الذي قال: \"لا قدر، والأمر أنف\"، ولما ابتدع هؤلاء التكذيب بالقدر رده عليهم من بقي من الصحابة -﵃- كابن عمر وابن عباس وغيرهما. وقد تبنَّى المعتزلةُ القول بنفي القدر؛ ولذا سموا أيضًا بالقدرية، وجعلوه من أصول مذهبهم، وأدخلوه تحت ما يسمى عندهم بـ\"العدل\"، ومن قولهم في هذا: أن العبد هو خالق أفعاله خيرها وشرها بدون سبق قدر، وليس لله في أفعالهم صنع ولا تقدير، وأن الكفر والفسوق والعصيان أفعال قبيحة، والله منزه عن فعل القبيح وأن يضاف إليه شر وظلم وفعل هو كفر ومعصية، فلا تكون فعلا له ولا قدرها. انظر في تفصيل ذلك والردّ عليهم: \"الفَرْق بين الفرق\" للبغدادي ص ١١٤ - ١١٥، التبصير في الدين لأبي المظفر الاسفراييني ص ٣٧ - ٣٨، والملل والنحل للشهرستاني ١/ ٤٣، ٤٥، \"مجموع الفتاوى\" لشيخ الإسلام ابن تيمية ٧/ ٣٨٤ - ٣٨٥، ٨/ ٢٥٨ - ٢٦١، \"شرح العقيدة الطحاوية\" ص ٢٧٦ فما بعدها، \"تاريخ الجهمية والمعتزلة\" لجمال الدين القاسمي ص ٧١ - ٧٣.\n(٣) ظاهر: ساقطة من (د)، (ع).\n(٤) (في): ساقطة من (أ).\n(٥) في (أ): (علي)، وهو خطأ.\n(٦) ذكره القرطبي ١١/ ٢٧١ عن ابن عباس.","vol":"15","page":20},{"text":"فعلى هذا معنى ﴿مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا﴾ أردنا إهلاكها بتكذيبها والتقدير الأول في ﴿أَهْلَكْنَاهَا﴾ هو معنى قول الكلبي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2577>٧ </span>- قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا﴾ هذا جواب لقولهم: ﴿هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ [الأنبياء: ٣] (١).\nيقول الله: لم نرسل قبل محمد إلا رجالا من بني آدم، لا ملائكة.\n﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ قال الحسن، وقتادة، والكلبي: يعني أهل التوراة والإنجيل (٢).\nوقال السدي: يعني اليهود والنصارى (٣).\nيقول (٤): سلوهم هل جاءهم إلا رجال (٥) يوحى إليهم.\n﴿إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ أن الرسل بشر.\nوأنكر قوم هذا التفسير، وقالوا: لا يجوز مراجعة اليهود والنصارى في شيء، وقالوا: المراد بأهل الذكر من آمن منهم بمحمد -ﷺ-.\nوهو قول ابن عباس في رواية عطاء قال: يريد أهل التوراة الذين آمنوا بالنبي -ﷺ- (٦).\n_________\n(١) هذا قول الثعلبي في \"الكشف والبيان\" ٣/ ٢٢٨.\n(٢) ذكره عن الحسن وقتادة: الطوسي في \"التبيان\" ٧/ ٢٠٥، والحاكم الجشمي في \"التهذيب\" ٦/ ١٣٧ ب، والماوردي في \"النكت والعيون\" ٣/ ٤٣٨. ورواه الطبري ١٧/ ٥، عن قتادة. ورواه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ٢/ ٢٢ عن الكلبي قال: يعني أهل التوراة.\n(٣) ذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٥/ ١٣٢، وعزاه لابن أبي حاتم. ذكره عند قوله تعالى ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ [النحل: ٤٣].\n(٤) في (ت): (بقوله).\n(٥) في (أ): (رجالًا).\n(٦) روى الطبري ١٤/ ١٠٩ من طريق الضحاك عن ابن عباس قال: يعني أهل الكتب =","vol":"15","page":21},{"text":"وقال ابن زيد: يعني (١): فاسألوا المؤمنين العالمين من أهل القرآن. قال: وأراد بالذكر هاهنا القرآن (٢).\nوقال أبو إسحاق: هذا السؤال إنما يكون لمن (٣) كان مؤمنا من أهل الكتاب لأن القبول من أهل الصدق والثقة (٤).\nهذا قول هؤلاء. والوجه القول الأول (٥)؛ لأن الله تعالى أمر المشركين بهذا السؤال لا المسلمين وهم إلى تصديق من لم يؤمن بالنبي -ﷺ- من أهل الكتاب أقرب منهم إلى تصديق من آمن. واليهود والنصارى لا\n_________\n= الماضية، وروي أيضًا ١٤/ ١٠٩ من طريق مجاهد قال: إن محمدًا رسول الله في التوراة والإنجيل.\n(١) (يعني): ساقطة من (د)، (ع).\n(٢) \"الكشف والبيان\" للثعلبي ٣/ ٢٨ أ. ورواه الطبري ١٧/ ٥ مختصرًا. وقد رد ابن عطية -رحمة الله- هذا القول، فقال في \"المحرر الوجيز\" ١٠/ ١٢٧: الذكر هو كل ما يأتي من تذكير الله عباده، فأهل القرآن أهل ذكر، وأما المحال على سؤالهم في هذه الآية فلا يصح أن يكونوا أهل القرآن في ذلك الوقت: لأنهم كانوا خصومهم. كما استبعده الرازي، فقال في \"التفسير الكبير\" ٢٢/ ١٤٤: وهو بعيدة لأنهم كانوا -يعني المشركين- طاعنين في القرآن وفي الرسول -ﷺ-.\n(٣) في (أ): (ممن)، وهو خطأ.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" للزجاج ٣/ ٣٨٥ وفيه: لأن القول يكون .. وفيه أيضًا أهل الكتب.\n(٥) وبه قال الطبري، والبغوي، وابن عطية، والرازي، وابن كثير وغيرهم، واستظهره أبو حيان. قال ابن عطية: وإنما أحيلوا على سؤال أحبار أهل الكتاب من حيث كانوا موافقين لهم على ترك الإيمان بمحمد -ﷺ- فتجيء شهادتهم -بأن الرسل قديمًا من البشر لا مطعن فيها- لازمة لكفار قريش. انظر: \"الطبري\" ١٧/ ٥، و\"معالم التنزيل\" ٣/ ٣١١، و\"المحرر الوجيز\" ١٠/ ١٢٧، و\"التفسير الكبير\" ٢٢/ ١٤٤، و\"البحر المحيط\" ٦/ ٢٩٨، و\"تفسير ابن كثير\" ٣/ ١٧٤.","vol":"15","page":22},{"text":"ينكرون أن الرسل كانوا بشرا وإن أنكروا نبوة محمد -ﷺ-. وهذا السؤال مختصّ بالكفار (١) في هذه المسألة فقط.\nفأما المسلمون فلا يجوز لهم مراجعة أهل الكتاب في شيء من الدين (٢).\nوهذه الآية بعينها قد مضت في سورة النحل (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2578>٨ </span>- قوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَاهُمْ﴾ يعني الرسل ﴿جَسَدًا﴾ قال أبو إسحاق: جسد هو واحد ينبئ (٤) عن جماعة، أي: وما جعلناهم ذوي أجساد (٥).\nوعند الفراء أنه بمنزلة المصدر؛ لأنه يقال شيء مجسد، فهو (٦) مشتق من فعل فلذلك لم يجمع (٧).\nوقوله تعالى: ﴿لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ﴾ [قال ابن عباس: يريد: إلا يأكلون (٨) الطعام] (٩) (١٠).\nونحو هذا قال الزجاج. قال (١١): وذلك أنهم قالوا: ﴿مَالِ هَذَا\n_________\n(١) في (أ)، (ت): (الكفارة)، هو خطأ.\n(٢) انظر: \"التفسير الكبير\" للرازي ٢٢/ ١٤٤.\n(٣) في سورة النحل: ٤٣.\n(٤) في (ت): (يثني)، وهو خطأ.\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" للزجاج ٣/ ٣٨٥.\n(٦) في (د)، (ع): (وهو).\n(٧) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١٩٩، والطبري ١٧/ ٥.\n(٨) في (د)، (ع): (يأكلوا).\n(٩) ساقط من (أ).\n(١٠) أخرج ابن أبي حاتم كما في \"الدر المنثور\" ٥/ ٦١٧، عن ابن عباس أنه قال: لم نجلهم جسدًا ليس يأكلون الطعام، إنّما جعلناهم جسدًا يأكلون الطعام.\n(١١) (قال): ساقطة من (ع).","vol":"15","page":23},{"text":"الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ﴾ [الفرقان: ٧] فأُعلموا أن الرسل أجمعين يأكلون الطعام (١).\nوروى أبو عمر (٢) عن أبوي العباس (٣) أنهما قالا: العرب (٤) إذا جاءت بجحدين (٥) في كلام: كان الكلام إثباتًا وإخبارا. قالا: ومعنى الآية: إنما جعلناهم جسدا ليأكلوا (٦) الطعام. قالا: ومثله من الكلام ما سمعت منك ولا أقبل منك [وإنما سمعت منك لأقبل] (٧) (٨).\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ﴾ يعني: أنهم يموتون كسائر البشر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2579>٩ </span>- قوله تعالى: ﴿ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ﴾ أي: أنجزنا وعدهم الذي وعدناهم بإنجائهم وإهلاك مخالفيهم، وهو قوله: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُمْ﴾ أي: من العذاب الذي [وعدناهم أن] (٩) ينزل (١٠) بمن كذَّبهم.\n﴿وَمَنْ نَشَاءُ﴾ قال ابن عباس: يعني الذين صدقوهم (١١). ﴿وَأَهْلَكْنَا\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" للزجاج ٣/ ٣٨٥.\n(٢) في (ت): (أبو عمرو)، وهو خطأ.\n(٣) في (د)، (ع): (أبو العباس)، هما ثعلب والمبرد).\n(٤) في (د)، (ع): (زيادة (إن) قبل قوله: (العرب).\n(٥) في (د)، (ع): (يجحدون)، وهو خطأ.\n(٦) في (أ): (ليأكلون)، وهو خطأ.\n(٧) ساقط من (د)، (ع).\n(٨) ذكره ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٥/ ٣٤١ عن المبرد وثعلب إلى قوله: \"الطعام\".\n(٩) ساقط من (أ).\n(١٠) في (أ): (نزل).\n(١١) ذكره ابن الجوزي ٥/ ٣٤١، ولم ينسبه لأحد.","vol":"15","page":24},{"text":"الْمُسْرِفِينَ﴾ (١) قال: يريد المشركين (٢).\nوفي هذا تخويف لكفار (٣) مكة، ثم مَنَّ عليه بالقرآن\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2580>١٠ </span>- فقال: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ﴾ قال ابن عباس: أنزلنا إليكم يا معشر قريش ﴿كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾ قال: يريد فيه شرفكم، كقوله: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف: ٤٤] (٤).\nيريد إنه لشرف.\nوهذا اختيار الفراء (٥)، وابن قتيبة. وذلك أنه كتاب عربي بلغة قريش.\nوقال الحسن: ﴿فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾ أي (٦): ما تحتاجون إليه من أمر دينكم (٧).\n_________\n(١) في (أ)، (ت): (المشركين)، وهو خطأ.\n(٢) ذكر الطوسي في \"التبيان\" ٧/ ٢٠٦، والحاكم الجشمي في \"التهذيب\" ٦/ ٣١٧ ب هذا القول عن قتادة.\n(٣) في (د)، (ع): (للكفار).\n(٤) أخرج البيهقي في \"شعب الإيمان\" ٢/ ٢٣٢ - ٢٣٣ عن ابن عباس قال: فيه شرفكم. وذكر السيوطي في \"الدر المنثور\" ٥/ ٦١٧، عزاه لعبد بن حميد وابن بردويه وابن حاتم والبيهقي في \"شعب الإيمان\". وقال ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٥/ ٣٤١: قاله أبو صالح، عن ابن عباس وذكره ابن كثير في \"تفسيره\" ٣/ ١٧٤ منسوبًا إلى ابن عباس.\n(٥) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٠٠.\n(٦) (أي): ساقطة من (أ).\n(٧) ذكره بهذا اللفظ عن الحسن الطوسي في \"التبيان\" ٧/ ٢٠٦، والحاكم الجشمي في \"التهذيب\" ٦/ ١٣٧ ب، والبغوي في \"تفسيره\" ٥/ ٣١١، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٥/ ٣٤١. وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٥/ ٦١٧ عن الحسن بلفظ: فيه دينكم، أمسك عليكم دينكم كتابكم. وعزاه لابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.","vol":"15","page":25},{"text":"وقال السدي: ما تعنون به (١) من أمر (٢) دنياكم وآخرتكم وما بينكم (٣).\nوقال مجاهد: ﴿فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾ حديثكم (٤).\nقال أبو إسحق: يعني (٥) ما تلقونه من رحمة أو عذاب (٦).\nوقوله تعالى: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ قال ابن عباس: يريد أفلا تعقلون ما فضلتكم (٧) به على غيركم؛ أنزلتكم حرمي، وبعثت فيكم نبيي (٨).\nثم خوفهم بهلاك من كان في مثل حالهم من التكذيب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2581>١١ </span>- فقال: ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا﴾ قال مجاهد والسدي: أهلكنا (٩). وقال\n_________\n(١) في (ت): (يغنون)، وفي (أ): (تعنون).\n(٢) أمر: ساقطة من (د)، (ع).\n(٣) ذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٥/ ٦١٧ بلفظ: فيه ذكر ما تعنون به وأمر أخرتكم ودنياكم وعزاه لابن أبي حاتم في تفسيره.\n(٤) \"تفسير مجاهد\" ١/ ٤٩٧ ورواه الطبري ١٧/ ٦ - ٧. وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٥/ ٦١٧ وعزاه لابن أبي شيبة، وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(٥) (يعني): ساقطة من (أ).\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه\" للزجاج ٣/ ٣٨٥. قال القرطبي ١١/ ٢٧٣ بعد أن ذكر أقوالًا في معنى الآية نحو ما ذكر الواحدي هنا-: وهذه الأقوال بمعنى، والأول- يعني أن المراد بالذكر هنا الشرف- يعمها، إذ هي شرف كلها، والكتاب شرف لنبينا -ﷺ-، لأنه معجزته، وهو شرفٌ لنا إن عملنا بما فيه، دليله قوله -﵇-: \"والقرآن حجة لك أو عليك\".\n(٧) في (د)، (ع): (فضلتم).\n(٨) ذكره ابن الجوزي ٥/ ٣٤١ باختصار، ولم ينسبه لأحد.\n(٩) \"تفسير مجاهد\" ١/ ٤٠٧ - ٤٠٨ ورواه الطبري ١٧/ ٧ عن مجاهد، وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٥/ ٦١٨ وعزاه لابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم. ولم أجد من ذكره عن السدي.","vol":"15","page":26},{"text":"الكلبي: عذبنا. وأصل القصم في اللغة: كسر الشيء ودقة، يقال: قصمته فانقصم (١). قال الشاعر:\nكأن لم يلاق المرء عيشًا بنعمة ... إذا نزلت بالمرء قاصمة الظهر (٢)\nيعني: داهية شديدة تكسر (٣) الصلب.\nوقال أبو إسحق: معنى (٤) قصمنا: أهلكنا وأذهبنا، يقال: قصم الله عمر الكافر (٥)، أي: (٦) أذهبه (٧).\nوقوله تعالى: ﴿مِنْ قَرْيَةٍ﴾ قال ابن عباس: يريد مدائن كانت باليمن، حَضُوراء (٨)، وبيت شِبَام (٩)، مدائن كثيرة (١٠).\n_________\n(١) انظر: \"العين\" ٥/ ٧، \"مقاييس اللغة\" لابن فارس ٥/ ٩٢ (قصم).\n(٢) عجز هذا البيت في \"العين\" ٥/ ٧٠ (قصم) من غير نسبة. وهو بشطريه في \"أساس البلاغة\" للزمخشري ٢/ ٢٥٩ من غير نسبه أيضًا.\n(٣) في (أ): (ينكسر)، وهو خطأ.\n(٤) معنى: ساقطة من (د)، (ع).\n(٥) في (أ): (الكافرين).\n(٦) أي: ساقطة من (أ).\n(٧) \"معاني القرآن وإعرابه\" للزجاج ٣/ ٣٨٦.\n(٨) في (أ)، (د)، (ع): (حصوراء)، بالمهملة، والمثبت من (ت). وحضوراء: بالفتح ثم الضم وسكون الواو ويقال: حضور على وزن فعول-: بلدة باليمن سميت بحضور بن عدي بن مالك، وهو سبأ الأصغر. انظر: \"معجم البلدان\"، لياقوت ٣/ ٩٢٩٦، \"معجم ما استعجم\" للبكري ١/ ٤٥٥.\n(٩) في (ع)، (د): (شيام)، وشبام: بكسر أوله، اسم مشترك بين عدد من المواضع باليمن. انظر في تفصيل ذلك: \"الإكليل\" للهمداني ص ٤٨، \"معجم البلدان\" ٥/ ٢٢٦ - ٢٢٧، \"معجم المدن والقبائل\" للمقحفي ص ٢٢٣ - ٢٢٥.\n(١٠) ذكر الزمخشري في \"الكشاف\" ٢/ ٥٦٤، والرازي في \"التفسير الكبير\" ٢٢/ ١٤٥ وابن جزي الكلبي في \"التسهيل\" ٣/ ٤٩، وأبو حيان في \"البحر المحيط\" ٦/ ٣٠٠ =","vol":"15","page":27},{"text":"وقال الكلبي: هي حصون بني أزد (١).\n﴿كَانَتْ ظَالِمَةً﴾ أي: كافرة، يعني أهلها ﴿وَأَنْشَأْنَا﴾ وأحدثنا وأوجدنا \"بعدها\" بعد إهلاك أهلها (٢) ﴿قَوْمًا آخَرِينَ﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2582>١٢ </span>- قوله: ﴿فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا﴾ أي: رأوا عذابنا بحاسة البصر. ويجوز أن يكون المعنى لما ذاقوا عذابنا (٣).\nقال المفسرون: هؤلاء كانوا عربا كذبوا بنبيهم وقتلوه؛ فسلط الله عليهم بُخْتُنَصّر (٤) حتى قتلهم وسباهم ونكأ فيهم (٥) (٦).\nومعنى البأس هاهنا: القتل بالسيوف.\n_________\n= واللفظ لابن جزي وابن حيان: عن ابن عباس قال: قرية باليمن يقال لها حضور، وعند أبي حيان: حضوراء. قال الزمخشري: وظاهر الآية على الكثرة، ولعل ابن عباس ذكر حضور بأنها إحدى القرى التي أرادها الله بهذه الآية. وقال ابن جزي: وظاهر اللفظ أنه على العموم؛ لأن (كم) للتكثير، فلا يريد قرية معينة، وقال أبو حيان: وما روي عن ابن عباس ..، فيحمل على سبيل التمثيل لا على التعيين في القرية؛ لأن كم تقتضي التكثير.\n(١) في جميع النسخ: (أريد)، والتصويب من تفسير عبد الرزاق، وصفة جزيرة العرب للهمداني (ص ١٥٦)، \"الدر المنثور\"، وغيرها.\n(٢) رواه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ٣/ ٢٢، وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٥/ ٦١٨ وعزاه لعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(٣) انظر: البغوي ٥/ ٣١٢، وابن الجوزي ٥/ ٣٤٢، والقرطبي ١١/ ٢٧٤.\n(٤) بضم الباء والتاء وفتح النون والصاد المشددة قيل هو ابن الملك \"نابو بولصر\" ملك بابل، فتولى بعد أبيه. وقال الأصمعي: إنما هو\"بوختنصر\".\n(٥) في (أ)، (ت): (ونكأ فيهم)، مهملة.\n(٦) \"الكشف والبيان\" للثعلبي ٣/ ٢٨ أ. وانظر ما تقدم من التعليق على قول ابن عباس.","vol":"15","page":28},{"text":"وقوله تعالى: ﴿إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ﴾ يفرون، وينهزمون، ويهربون من العذاب. هذا قول المفسرين (١).\nوأصل معنى الركض في اللغة: ضرب الرجل مَرْكَلَي (٢) الدابة برجليه.\nيقال: ركض الفرس، إذا كده (٣) بساقيه، فلما كثر هذا على ألسنتهم استعملوه في الدواب، فقالوا: هي تركض، كأن الركض منها، وأصل الركض: الضرب (٤).\nيقال: ركضت المرأة ذيلها عند المشي، إذا ضربنه برجلها، وركض (٥) البعير كما يقال: رمح ذو الحافر، ومنه قوله: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ﴾ [ص: ٤٢] أي: اضرب الأرض بها، وقد ركض الرجل إذا فَرَّ وعدا (٦).\nوالأصمعي يقول: ركضت الدابة (٧)، ولا يقال: ركض هو (٨).\n_________\n(١) كمجاهد والسدي والربيع وغيرهم. انظر: \"الطبري\" ١٧/ ٨، \"الدر المنثور\" للسيوطي ٥/ ٦١٨.\n(٢) في جميع النسخ: (من كلي)، والصواب: (مر كلي) كما في \"التهذيب\" للأزهري ١٠/ ٣٧، وغيره. قال الجوهري في \"الصحاح\" ٤/ ٧١١٢ (ركل): (ومَرَاكل الدابة: حيث يركلها الفارس برجله إذا حركه للركض، وهما مركلان.\n(٣) في (د)، (ع): (أكده).\n(٤) الضرب: ساقط من (أ)، (ت).\n(٥) في (أ): (فركض).\n(٦) هذا الكلام في معنى الركض منقول عن \"تهذيب اللغة\" للأزهري ١٠/ ٣٧ - ٣٩ \"ركض\" مع تصرف وحذف. وانظر: (ركض) في \"الصحاح\"، للجوهري ٣/ ١٠٧٩ - ١٠٨٠.\n(٧) (الدابة): ساقطة من (أ)، (ت).\n(٨) قول الأصمعي في \"تهذيب اللغة\" ١٠/ ٣٩ (ركض).","vol":"15","page":29},{"text":"وقال شِمْر (١): وقد وجدنا في كلامهم: رَكَضَت الدابة في سيرها، وركض الطائر في طيرانه (٢). ومنه قوله:\nلو كان يُدْرِكُه رَكضُ اليعاقيب (٣)\nوقال سيبويه (٤): ركضت (٥) الدابة وركضته (٦).\nوقوله تعالى: ﴿إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ﴾ [يجوز أن يكون المعنى: يركضون دوابهم] (٧)، [ويجوز أن يكون المعنى: يركضون] (٨) هم بأنفسهم\n_________\n(١) ضبط هذا الاسم محقق \"تهذيب اللغة\" للأزهري هكذا: شِمْر، بكسر الشين وسكون الميم.\nوضبط في بعض مصادر ترجمته المطبوعة هكذا: شَمِر، بفح الشين وكسر الميم. وضبط في بعضها: شَمْر.\n(٢) قول شمر في \"تهذيب اللغة\" ١٠/ ٣٩ مادة (ركض).\n(٣) هذا عجز بيت لسلامة بن جندل السعدي يصف فيه الشباب الذاهب، وصدره:\nولى حثيثا وهذا الشيب يطلبه\nوهو في \"ديوانه\" ص ٩١، \"المفضليات\" ص ١١٩، \"الشعر والشعراء\" لابن قتيبة ص ١٦٦، \"مقاييس اللغة\" ٢/ ٢٩ (حث)، \"تهذيب اللغة\" للأزهري ١/ ٢٧٨ (عقب)، المحكم لابن سيده ٦/ ٤٣٤ (ركض)، \"لسان العرب\" ٢/ ٦٢٢ (عقب). واليعاقيب في البيت قيل: يعني اليعاقيب من الخيل، سميت بذلك تشبيها بيعاقيب الحجل لسرعتها، وقيل: يعني ذكرر الحجل. انظر: \"تهذيب اللغة\" ١/ ٢٧٨، \"لسان العرب\" ١/ ٦٢٢.\n(٤) (سيبويه): ساقط ميت (أ).\n(٥) هكذا في (ع). وفي باقي النسخ: (ركض)، والمثبت هو الموافق لما في الكتاب.\n(٦) \"الكتاب\" ٤/ ٥٨، وفيه: (وركضتها).\n(٧) ساقط من (ت).\n(٨) ساقط من (د)، (ع).","vol":"15","page":30},{"text":"على معنى يفرون كما ذكره المفسرون. وجملة المعنى (١): يهربون سراعًا (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2583>١٣ </span>- قوله تعالى: ﴿لَا تَرْكُضُوا﴾ قال المفسرون: لما أخذتهم السيوف وانهزموا -وكانوا قد خرجوا من مساكنهم لقتال بختنصر فلما انهزموا- مروا على دورهم منهزمين، وديارهم (٣) بها أهلوهم وذراريهم فلم يلووا (٤) عليهم فنادتهم الملائكة استهزاء بهم ﴿لَا تَرْكُضُوا﴾ (٥).\n[والتقدير في النظم فقيل لهم: لا تركضوا] (٦).\nقال صاحب النظم: ومن عادة العرب إذا ظفر الواحد منهم بواتر له (٧) أن يقول له (٨) مثل هذا القول، كما قال الشاعر:\n_________\n(١) في (د)، (ع): (الأمر).\n(٢) انظر: \"التبيان\" للطوسي ٧/ ٢٠٨.\n(٣) (ديارهم): ساقطة من (أ)، (ت).\n(٤) في (أ)، (ت): (فلوتلوا).\n(٥) ذكر الثعلبي في \"الكشف والبيان\" ٣/ ٢٨ أنحوًا من ذلك. وانظر: \"الدر المنثور\" ٥/ ٦١٨ - ٦١٩. والأظهر أن الآيات وصف قصة كل قرية، وأنه لم يرد تعيين حضوراء ولا غيرها، فالمعنى على هذا: أن أهل تلك القرى الظالمة لما تيقنوا أن العذاب نازل بهم لا محالة ركضوا فارين، فقيل لهم- على وجه الهزء والتهكم: لا تركضوا هاربين من العذاب وارجعوا إلى ما كنتم فيه من النعمة والسرور والمعيشة والمساكن الطيبة. فاحذروا -أيها المخاطبون- أن تستمروا على تكذيب أشرف الرسل، فيحل بكم كما حل بأولئك. انظر: \"المحرر الوجيز\" ١٠/ ١٣٠ - ١٣١، \"تفسير ابن كثير\" ٣/ ١٧٤، \"تفسير ابن سعدي\" ٣/ ٢٧٠.\n(٦) ساقط من (د)، (ع).\n(٧) بواتر: أي: من أصابه بوتر، والوتر: الجناية التي يجنيها الرحل على غيره من قتل أو نهب أو سبي. \"لسان العرب\" ٥/ ٢٧٤ (وتر).\n(٨) (له): ساقطة من (أ)، (ت)","vol":"15","page":31},{"text":"هَلَّا سألت جُمَوع كنْدَة ... يوم ولَّوا أين أينا (١)؟ (٢).\nفجاء هذا على تلك العادة التي هي بينهم.\nوقوله تعالى: ﴿وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ﴾ قال الكلبي: خولتم (٣) ونعمتم (٤) فيه (٥).\nوقال ابن عباس: يريد ما كنتم تتنعمون فيه (٦).\nوقال السدي: ﴿إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ﴾ أن تجبرتم (٧).\nوقال ابن قتيبة: أي إلى نعمكم التي أترفتم (٨).\nومضى الكلام في هذا عند قوله: ﴿أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا﴾ [الإسراء: ١٦].\nوقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ﴾ قال قتادة: أي شيئًا من دنياكم، استهزاء بهم (٩).\n_________\n(١) في (ت)، (أ): (أبنا)، والصواب ما في (ع)، (ر).\n(٢) البيت لعبيد بن الأبرص ضمن أبيات يقولها لامرئ القيس، وكان امرؤ القيس قد توعَّد بني أسد إذ قتلوا أباه. وكندة قوم امرئ القيس. والبيت في \"ديوان عبيد\" ص ١٤٢، و\"الشعر والشعراء\" لابن قتيبة ص ١٦١، و\"مشكل القرآن\" له أيضًا ص ١٨٦، و\"معاني القرآن\" للفراء ١/ ١٧٧.\n(٣) خولتم: أي: أعطيتم وملكتم. \"الصحاح\" للجوهري ٤/ ١٦٩٠ (خول)، \"القاموس المحيط\" ٣/ ٣٧٢.\n(٤) في (ت): (تعميم).\n(٥) انظر: البغوي ٥/ ٣١٢، ابن الجوزي ٥/ ٣٤٢.\n(٦) انظر: \"تنوير المقباس\" ص ٢٠٠.\n(٧) لم أجده.\n(٨) \"غريب القرآن\" لابن قتيبة ص ٢٨٤. وفيه أي: إلى نعمكم التي أترفتكم.\n(٩) رواه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ٢/ ٢٢، والطبري ١٧/ ٨، وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٥/ ٦١٨ وعزاه لعبد الرازق وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"15","page":32},{"text":"والمعنى على هذا أن الملائكة قالت لهم: ارجعوا إلى نعمكم ومساكنكم لعلكم تسألون [شيئًا] (١) من دنياكم، فإنكم أهل ثروة ونعمة، استهزاء بهم، كما ذكره قتادة. وهذا في الحقيقة توبيخ لهم؛ إذ جهلوا قدر نعمة الله عليهم بنذيب نبيه والإقدام على قتله، فوبختهم الملائكة بهذا ألقول، وذكَّروهم ما كانوا فيه من النعم؛ ليكون ذلك أشد لتحسرهم.\nوقول قتادة في هذه الآية هو (٢) الصحيح، وذكرت أقوال، وهي بعيدة في المعنى، قال السدي: ﴿لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ﴾ يوم القيامة (٣).\nوقال الكلبي: ﴿لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ﴾ عن قتل هذا النبي (٤).\nوقال الحسن: ﴿لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ﴾ أي تعذبون (٥).\nوكل هذه الأقوال بعيدة عن معنى هذه الآية.\nقال أبو [إسحاق] (٦). ويجوز لعلكم تسألون فتجيبون عما تشاهدون إذا رأيتم ما نزل بمساكنكم وما أترفتم فيه (٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2584>١٤ </span>- قوله تعالى: ﴿قَالُوا يَا وَيْلَنَا﴾ قال المفسرون: لما رأوا أن الصوت (٨) لا يسكت عنهم، وهو قو [ل الملائكة لهم [لا تركضوا] (٩) الآية\n_________\n(١) كشط في (ت).\n(٢) في (١): (وهو).\n(٣) لم أجده.\n(٤) ذكره عنه ابن الجوزي ٥/ ٣٤٢.\n(٥) لم أجده.\n(٦) ما بين المعقوفين كشط في (ت).\n(٧) \"معاني القرآن وإعرابه\" للزجاج ٣/ ٣٨٦.\n(٨) في (ت): (الصواب)، وهو خطأ.\n(٩) ما بين المعقوفين كشط في (ت).","vol":"15","page":33},{"text":"ولم يروا شخصًا ينادي بذلك الصوت، ورأوا أنهم يُقتلون، عرفوا أنَّ الله تعالى هو سلَّط عليهم عدوهم بقتلهم النبي الذي بعث فيهم، قالوا عند ذلك: (ياويلنا) (١).\nقال قتادة: ما كان هجيراهم (٢) إلا الويل (٣).\n﴿إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ قال ابن عباس: لأنفسنا حيث كذبنا رسل ربنا. والمعنى: أنهم اعترفوا بالذنب حين عاينوا العذاب، وقالوا هذا على سبيل التندم حين لم ينفعهم الندم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2585>١٥ </span>- قال الله تعالى: ﴿فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ﴾ أي: ما زالت الكلمة (٤) التي هي قولهم: يا ويلنا دعاءهم يدعون بها على أنفسهم. أي: لم يزالوا يردّدونها.\nقال ابن عباس: ﴿فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ﴾ يريد: قولهم (٥).\nوهذا الآية كقوله تعالى: ﴿فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا﴾ [الأعراف: ٥]. الآية.\nوقوله تعالى: ﴿حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ﴾ بالسيوف كما يحصد\n_________\n(١) انظر: الثعلبي ٣/ ٢٨ أ، البغوي ٥/ ٣١٢، القرطبي ١١/ ٢٧٤. وما ذكر هنا الله أعلم بصحته.\n(٢) هجّيراهُم: يعني دأبهم وعادتهم وشأنهم. \"الصحاح\" ٢/ ٨٥٢ (هجر)، \"القاموس المحيط\" ٢/ ١٥٨.\n(٣) رواه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ٢/ ٢٢، والطبري ١٧/ ٩، وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٥/ ٦١٨ وعزاه لعبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(٤) في (أ)، (ت): (العلّة)، هو خطأ.\n(٥) مثله في \"تنوير المقباس\" ص ٢٠٠.","vol":"15","page":34},{"text":"الزرع بالمنجل (١) (٢).\nومضى الكلام في الحصيد عند قوله: ﴿مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ﴾ [هود: ١٠٠].\nوقوله تعالى: ﴿خَامِدِينَ﴾ أي: ميتين، كخمود (٣) النار إذا طفئت.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2586>١٦ </span>- قوله: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ﴾ يريد لم خلقهما عبثا وباطلا (٤)، خلقناهم لأمر وهو ما ذكره ابن عباس فقال (٥): لأجازي أوليائي، وأعذَّب أعدائي (٦).\nوقال غيره: خلقناهم حجة ودلالة على قدرتنا ووحدانيتنا؛ ليعتبروا خلقها ويتفكروا فيها (٧)، فيعلموا أنَّ العبادة لا تصلح إلا لخالقها (٨).\n_________\n(١) المنْجَل -كمنبر-: هو حديدة يُحْصد بها الزرع. \"الصحاح\" ٥/ ١٨٢٦ \"نجل\"، \"القاموس المحيط\" ٤/ ٥٤.\n(٢) انظر:\"تفسير الطبري\" ١٧/ ٩. وهذا القول بناء على أن القرية هنا حضوراء، والأولى عدم تخصيص الحصد بالسيوف بل يحصدون بالعذاب. قال ابن كثير ٣/ ١٧٤: حتى حصدناهم حصيدًا. قال ابن عطية في المحرر ١٠/ ١٣٠: \"حصيدًا\" أي: بالعذاب تركوا كالحصيد، و\"الحصيد\" يشبه بحصيد الزرع بالمنجل، أي: ردّهم الهلاك كذلك.\n(٣) في (أ): (لخمود).\n(٤) وهذا تفسير قتادة. انظر: \"الطبري\" ١٧/ ٩، \"الدر المنثور للسيوطي\" ٥/ ٦١٩.\n(٥) في (أ)، (ت): (يقال).\n(٦) ذكر أبو حيان في \"البحر المحيط\" ٦/ ٣٠٢ هذا القول بمعناه ونسبه للكرماني. قال: إنما خلقناهما لنجازي المحسن والمسيء.\n(٧) في (ت): (يتفكروها فيها)، وهو خطأ.\n(٨) ذكر ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٥/ ٣٤٣ ولم ينسبه لأحد. وقال الطبري ١٧/ ٩: (وما خلقنا ..) إلا حجة عليكم أيها الناس، ولتعتبروا بذلك كله. فتعلموا أن الذي دبره وخلقه لا يشبهه شيء، وأنه لا تكون الألوهية إلا له، ولا تصلح العبادة لشيء غيره. فيظهر أن مراد الواحدي بقوله \"غيره\": هو الطبري.","vol":"15","page":35},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2587>١٧ </span>- قوله تعالى: ﴿لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء: يريد النساء (١).\nوهو قول الحسن، وقتادة، قالا: اللهو بلغة أهل اليمن: المرأة (٢).\nوقال (٣) في رواية الكلبي، عن أبي صالح عنه: اللهو: الولد بلغة حضرموت (٤). وهو قول السدي (٥).\nقال الزجاج وغيره: تأويله في اللغة: أن المرأة لهو الدنيا، وكذلك الولد (٦).\nوالمعنى على ذي اللهو أي: الذي يُلهى به. ومعنى اللهو: طلب التزويج (٧) عن النفس.\n_________\n(١) ذكر البغوي في \"معالم التنزيل\" ٥/ ٣١٣، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٥/ ٣٤٣ هذه الرواية عن عطاء عن ابن عباس بلفظ: المرأة.\n(٢) قول الحسن رواه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" كما في \"الدر المنثور\" ٥/ ٦٢٠. ورواه الطبري ١٧/ ١٠ عن الحسن من غير قوله بلغة أهل اليمن. وذكر السيوطي في \"الدر المنثور\" ٥/ ٦٢٠ عن الحسن أنه قال: النساء. وعزاه لعبد بن حميد وابن المنذر. وأما قول قتادة: فقد رواه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٢، والطبري ١٧/ ١٠، وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٥/ ٦٢٠ وعزاه لابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(٣) (قال): ساقطة من (أ)، (ت).\n(٤) روى الفراء في كتابه \"معاني القرآن\" ٢/ ٢٠٠ هذه الرواية قال: حدثنا حبان، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، فذكرها. وذكرها البغوي في \"معالم التنزيل\" ٥/ ٣١٣ وابن الجوزي ٥/ ٣٤٣.\n(٥) ذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٥/ ٦٢٠ عن السدي، وعزاه لابن أبي حاتم. وذكره البغوي ٥/ ٣١٣، وابن الجوزي ٥/ ٣٤٣.\n(٦) انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" للزجاج ٣/ ٣٨٦.\n(٧) في جميع النسخ (التزويج)، وفي \"لسان العرب\" ١٥/ ٢٥٩: وطلب اللهو الخلو، أي: طلب الخلو التزويج. وقد يكون صواب العبارة: طلب الترويح عن النفس.","vol":"15","page":36},{"text":"يقول: لو أردنا أن نتخذ ولدًا ذا لهو أو امرأة ذات لهو. ﴿لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا﴾.\nقال المفسرون: من الحور العين (١).\nوهذا إنكار على من أضاف الصاحبة والولد إلى الله تعالى، واحتجاج عليهم بأنه لو كان جائزا في صفته لم يتخذه بحيث يظهر لهم ويستر ذلك لأن من قدر على ستر النقص لم يظهره، وهذا معنى قوله: ﴿لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا﴾ أي: من عندنا بحيث لا تطلعون عليه (٢).\nقال ابن قتيبة في هذه الآية: التفسيران في اللهو متقارنان؛ لأن امرأة الرجل لهوه (٣)، [وولده لهوه] (٤)، لذلك (٥) يقال: امرأة الرجل وولده ريحانتاه، وأصل اللهو: الجماع، كني عنه باللهو (٦)، كما كني عنه بالسر، ثم قيل للمرأة: لهو؛ لأنها تجامع. قال امرؤ القيس:\nألا زعمت بسباسة اليوم أنني ... كبرت وألا يحسن اللهو أمثالي (٧)\nأي: النكاح.\n_________\n(١) ذكر السيوطي في \"الدر المنثور\" ٥/ ٦٢٠ هذا القول من رواية ابن أبي حاتم عن إبراهيم النخعي. وذكره البغوي ٥/ ٣١٣، وأبو حيان ٦/ ٣٠٢، ولم ينسباه لأحد.\n(٢) ذكر هذا المعنى: الطوسي في \"التبيان\" ٧/ ٢٠٩، والجشمي في \"التهذيب\" ٦/ ١٣٩ ب، والبغوي ٥/ ٣١٣، وأبو حيان في \"البحر\" ٦/ ٣٠٢، ولم ينسبوه لأحد.\n(٣) في (د)، (ع): (إن المرأة للرجل لهوه).\n(٤) ساقط من (ت).\n(٥) في (أ)، (ت): (ولذلك).\n(٦) باللهو: ساقطة من (د)، (ع).\n(٧) البيت أنشده لامرئ القيس ابن قتيبة في \"مشكل القرآن\" ص ١٦٣. وهو في \"ديوانه\" ص ٢٨، و\"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ١/ ٧٦ وفيه: وألا يحسن السر أمثالي، =","vol":"15","page":37},{"text":"وتأويل الآية: أن النصاري لما قالت في المسيح وأمه ما قالت قال الله -﷿ -: ﴿لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا﴾ صاحبة كما تقولون، لا تخذنا ذلك (من [لدنا] (١» عندنا (٢)، ولم نتخذه من عندكم [لأنكم تعلمون] (٣) أنَّ (٤) ولد الرجل وزجه يكونان عنده لا عند غيره (٥).\nوقوله تعالى: ﴿إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ هو قال المفسرون -ابن عباس (٦)، وقتادة، والسدي وغيرهم-: ما كنا فاعلين (٧).\nقال الفراء (٨)، والزجاج (٩) والمبرد: يجوز أن تكون \"إن\" (١٠) للنفي هاهنا، كقوله: ﴿إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٣] ﴿إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ﴾\n_________\n= و\"معاني القرآن\" للقراء ١/ ٥٣ وفيه: وألا يشهد السر، و\"خزانة الأدب\" ١/ ٦٤. قال البغدادي في \"الخزانة\" ١/ ٦٤: بسباسة: امرأة من بني أسد، وكبر: شاخ، واللهو مصدر لهوت بالشيء إذا لعبن به. قال في \"الصحاح\": وقد يكنى باللهو عن الجماع.\n(١) (لدنا): موضعها بياض في (ت).\n(٢) (عندنا): ساقطة من (د)، (ع).\n(٣) ساقط من (د)، (ع).\n(٤) (أنَّ): ساقطة من (أ).\n(٥) \"مشكل القرآن\" لابن قتيبة ص ٦١٣ - ١٦٤ مع تصرف يسير.\n(٦) في (د)، (ع): (وابن عباس).\n(٧) ذكره ابن الجوزي ٥/ ٣٤٤ عن ابن عباس. وقول قتادة رواه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ٢/ ٢٢، والطبري ١٧/ ١٠. وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٥/ ٦١٨ عنه، بلفظ: إن ذلك لا يكون ولا ينبغي. وعزاه لابن المنذر وابن أبي حاتم. وقول السدي ذكره عنه ابن كثير في تفسيره ٣/ ١٧٥.\n(٨) انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" للفراء ٢/ ٢٠٠.\n(٩) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٨٧.\n(١٠) (إنْ): ساقطة من (ت).","vol":"15","page":38},{"text":"[الملك: ٢٠] ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ﴾ [الفرقان: ٤] ويكون المعنى تحقيقا لكذبهم في وصف الله تعالى بالولد والصاحبة أي (١): ما فعلنا ذلك [ولم نتخذ صاحبة ولا ولدا. قالوا: ويجوز أن يكون للشرط، أي: إن كنا ممن يفعل ذلك] (٢)، ولسنا ممن يفعله. فيكون ذلك توبيخا لهم هد توبيخ.\nقال أبو إسحاق: القول الأول قول المفسرين، والقول الثاني قول النحويين، وهم أجمعون يقولون القول الأول، ويستجيدونه؛ لأن \"إن\" تكون في معنى النفي، إلا أن أكثر ما تأتي مع اللام، تقول: إن كنت [لصالحا، معناه: ما كنت] (٣) إلا صالحا (٤).\nوقال الفراء: أشبه الوجهين بمذهب العربية أن تكون \"إن\" بمعنى (٥) الجزاء (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2588>١٨ </span>- قوله: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ﴾ معنى (٧) \"بل\" (٨) هاهنا: إبطال لكلامهم [ووصفهم الله] (٩) بما لا يجوز. يقول: دع ذلك فإنه باطل كذب.\n﴿نَقذِفُ بِاَلحقِ﴾ قذف بالشيء (١٠)، إذا رمى به (١١). أي: نسلط الحق\n_________\n(١) في (أ)، (ت): (إنْ)، وهو خطأ.\n(٢) ساقط من (ت).\n(٣) ساقط من (د)، (ع).\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" للزجاج ٣/ ٣٨٧.\n(٥) في (أ): (المعنى).\n(٦) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٠٠ مع اختلاف يسير.\n(٧) (معنى): ساقطة من (ع).\n(٨) بل: ساقطة من (أ)، (ت).\n(٩) بياض في (ت).\n(١٠) في (أ): (الشيء).\n(١١) انظر: \"تهذيب اللغة\" للأزهري ٩/ ٧٤ (قذف)، \"الصحاح\" للجوهري ٤/ ١٤١٤ (قذف)، \"المفردات للراغب\" الأصفهاني ص ٣٩٧.","vol":"15","page":39},{"text":"على باطلهم، [ونلقيه عليه حتى يذهبه.\nقال أبو إسحق: يعني بالحق القرآن (١)، على باطلهم (٢)] (٣) وهو كذبهم ﴿فَيَدْمَغُهُ﴾ قال الكلبي: فيهلكه (٤).\nقال ابن قتيبة: يكسره. وأصل هذا إصابة الدماغ بالضرب وهو مقتل (٥) (٦).\nوحقيقة ما قاله أبو إسحق: ﴿فَيَدْمَغُهُ﴾ فيذهبه (٧) ذهاب الصغار والاذلال (٨).\n﴿فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ أي: زائل، ذاهب (٩).\nقال ابن عباس: كما يذهب السهم من الرمية.\nوقال قتادة: هالك (١٠).\nوذكرنا هذا عند قوله: ﴿وَزَهَقَ اَلبَاطِلُ﴾ [الإسراء: ٨١] والمعنى:\n_________\n(١) قال ابن عطية ١٠/ ١٣٥: الحق عام في القرآن والرسالة والشرع.\n(٢) ساقط من (د)، (ع).\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" للزجاج ٣/ ٣٨٧.\n(٤) ذكره الثعلبي ٣/ ٢٨ ب، والبغوي ٣/ ٣١٣، ولم ينسباه لأحد.\n(٥) في (أ)، (ت): (مقيل)، وهو خطأ.\n(٦) \"غريب القرآن\" لابن قتيبة ص ٢٨٥.\n(٧) فيذهبه: ساقطة من (ز).\n(٨) \"معاني القرآن وإعرابه\" للزجاج ٣/ ٣٨٧.\n(٩) انظر: \"تهذيب اللغة\" للأزهري ٥/ ٣٩١ - ٣٩٢ (زهق)، \"لسان العرب\" ١٠/ ١٤٧ (زهق).\n(١٠) رواه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ٢/ ٢٣، والطبري ١٧/ ١١، وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٥/ ٦٢٠ وعزاه لعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"15","page":40},{"text":"إنما (١) نبطل كذبهم بما تبين من الحق حتى يضمحل (٢) ويذهب.\nثم أوعدهم على كذبهم فقال: ﴿وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾ قال ابن عباس: يريد واديا في جهنم (٣)، يقول لكم يا معشر الكفار الويل من كذبكم (٤) ووصفكم الله (٥) بما لا يجوز.\nقال مجاهد: ﴿مِمَّا تَصِفُونَ﴾ [مما تكذبون، كقوله: ﴿سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٩] (٦).\nوحقيقة تأويله ما ذكره أبو إسحق: أي:] (٧) مما تكذبون في وصفكم\n_________\n(١) في (د)، (ع): (إنَّا).\n(٢) يضمحل: أي: ينحل. \"القاموس المحيط\" ٤/ ٥.\n(٣) ذكره عنه القرطبي في \"تفسيره\" ١١/ ٢٧٧. وفي طبعتي \"الدر المنثور\" ١/ ٨٢ دار المعرفة، ١/ ٢٠٢ دار الفكر: (أخرج هناد في \"الزهد\" وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: ويل سيل من صديد في أصل جهنم -وفي لفظ- ويل واد في جهنم .. \". وهو تصحيف في الطبعتين، والصواب: عن أبي عياض. انظر: \"الزهد\" لهناد ١/ ٨٣، و\"تفسير الطبري\" ٢/ ٢٦٧ طبعة شاكر، وابن أبي حاتم ١/ ٢٤٣. وجاءت رواية \"ويل واد في جهنم\" مرفوعة إلى النبي -ﷺ-، فقد روي الإمام أحمد في \"مسنده\" ٣/ ٧٥ وغيره عن أبي سعيده -﵁- مرفوعًا: \"ويل واد في جهنم\" .. الحديث. قال ابن كثير -﵀- \"تفسيره\" ١/ ١١٧: وهذا الحديث -بهذا الإسناد مرفوعًا- منكر. والأظهر في هذا أن الويل: الهلاك والدمار، وهي كلمة مشهورة في اللغة. قاله ابن كثير في \"تفسيره\" ١/ ١١٧.\n(٤) العبارة في (د)، (ع): (الويل لكم الويل ممن كذبكم).\n(٥) لفظ الجلالة لم يرد في (د)، (ع).\n(٦) ذكره الثعلبي في \"الكشف والبيان\" ٣/ ٢٨ ب، ورواه الطبري ١٧/ ١١ من طريق ابن جريج عن مجاهد قال. \"سيجزيهم وصفهم\" قال: قولهم الكذب في ذلك.\n(٧) ساقط من (أ)، (ت).","vol":"15","page":41},{"text":"الله بأنَّ له ولدا (١).\nوقال الحسن في هذه الآية: هي والله (٢) لكل واصف كذب (٣) إلى يوم القيامة (٤).\nيعني من وصف كذبًا على الله في صفاته وأحكامه (٥)، فهو من أهل هذه الآية (٦).\nثم بين أن جميع المخلوقين عبيده.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2589>١٩ </span>- فقال: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي (٧): عبيدًا ومِلْكًا (٨) ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ﴾ يعني الملائكة.\n[قال أبو إسحق: أي هؤلاء الذين ذكرتم أنهم أولاد الله عباد الله] (٩)\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٨٧.\n(٢) في (د)، (ع): (لله)، وهو خطأ.\n(٣) في المطبوع من ابن أبي شيبة ١٧/ ٥٠٧: كذوب.\n(٤) رواه أبي شيبة في \"مصنفه\" ١٣/ ٥٠٦ - ٥٠٧، وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٥/ ٦٢٠ ونسبه لابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في البعث.\n(٥) في (د)، (ع): (وأحكامه).\n(٦) قال الطبري ١٧/ ١١: ﴿وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾ يقول: ولكم الويل من وصفكم ربكم بغير صفته، وقيلكم: إنه اتخذ زوجة وولدا، وفريتكم عليه. ثم قال -بعد أن ذكر قول مجاهد المتقدم وقول من قال \"تصفون\" تشركون-: وذلك وإن اختلفت به الألفاظ فمعانيه متفقة: لأن من وصف الله بأن له صاحبة فقد كذب في وصفه إياه بذلك وأشرك به ووصفه بغير صفته، غير أن أولى العبارات أن يعبر بها عن معاني القرآن أقربها إلى فهم سامعيه. اهـ.\n(٧) أي: ليست في (د)، (ع).\n(٨) \"الكشف والبيان\" للثعلبي ٣/ ٢٨ ب.\n(٩) ساقط من (أ)، (ت).","vol":"15","page":42},{"text":"﴿لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ﴾ [لا يأنفون عن عبادته] (١) ولا يتعظمون عنها (٢)، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٦]. الآية. وقد مرَّ.\n﴿وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ﴾ يقال: حَسَر (٣) واستَحْسَر، إذا تعب وأعيا. والحسير: المنقطع إعياء وكلالًا (٤). هذا معناه وتفسيره. وهذا قول قتادة، ومقاتل: لا يُعْيون (٥).\nوقال السدي: لا ينقطعون من العبادة (٦).\nوقال مجاهد (٧): لا يحسرون (٨).\nوقال ابن قتيبة: لا يعجزون (٩).\nوهذه الأقوال صحيحة متقاربة، ورويت أقوال بعيدة:\n_________\n(١) ساقط من (أ)، (ت).\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٨٧.\n(٣) كضرب وفرح. \"القاموس المحيط\" ٢/ ٨.\n(٤) من قوله يقال .. وإعياء. هذا كلام الزجاج في \"معانيه\" ٣/ ٣٨٥. ومن قوله الحسير: .. .. إلى آخره. هذا كلام ابن قتيبة في \"غريب القرآن\" ص ٢٨٥. وانظر: \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٢٨٧ (حسر)، \"تاج العروس\" للزبيدي ١١/ ١٣ (حسر).\n(٥) قول قتادة رواه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ٢/ ٢٣، والطبري ١٧/ ١٢. وقول مقاتل في \"تفسيره\" ٢/ ١٢ ب.\n(٦) رواه ابن أبي حاتم كما في \"الدر المنثور\" ٥/ ٦٢١.\n(٧) في (د)، (ع): (مقاتل)، وهو خطأ. والصواب مجاهد.\n(٨) رواه الطبري ١٧/ ١٢. وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٥/ ٦٢٠ ونسبه لعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم. وهو في تفسير مجاهد ١/ ٤٠٨ - ٤٠٩.\n(٩) في \"غريب القرآن\" لابن قتيبة ص ٢٨٥: (لا يعنون).","vol":"15","page":43},{"text":"قال الكلبي، عن ابن عباس: لا يستنكفون (١)\nوقال عطاء عنه: لا يخالفون (٢) ربوبيتي.\nوقال الوالبي عنه: لا يرجعون (٣).\n_________\n(١) ذكره الماوردي في \"النكت والعيون\" ٣/ ٤٤١ ونسبه للكلبي. ونسبه القرطبي لابن عباس: ١١/ ٢٧٨.\n(٢) في (ت)، (ز): (يخافون)، وهو خطأ.\n(٣) رواه الطبري ١٧/ ١٢ من طريق الوالبي، وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٥/ ٦٢ ونسبه لابن أبي حاتم. وذكره الثعلبي في \"الكشف والبيان\" ٣/ ٢٨ ب، وقد تكلم العلماء على رواية الوالبي عن ابن عباس، فقال أبو جعفر النحاس في \"الناسخ والمنسوخ\" ص ٧٥ عن هذا الطريق: وهو صحيح عن ابن عباس، والذي يطعن في إسناده يقول: ابن أبي طلحة لم يسمع من ابن عباس، وإنما أخذ التفسير عن مجاهد وعكرمة. قال أبو جعفر: وها القول لا يجب طعنا؛ لأنه أخذه عن رجلين ئقتين، وهو في نفسه ثقة صدوق. ثم روى النحاس بسنده عن أحمد بن حنبل ﵀ قال: بمصر كتاب التأويل عن معاوية بن صالح، لو جاء رجل إلى مصر فكتبه ثم انصرف ما كانت رحلته عندي ذهبن باطلا. وقال الذهبي في \"ميزان الأعتدال\" ٣/ ١٣٤ - ترجمة علي بن أبي طلحة- روى معاوية بن صالح، عنه، عن ابن عباس تفسيرًا كبيرًا ممتعا.\nوقال ابن حجر في \"العجاب في بيان الأسباب\" (ق ٣ ب): (وعليُّ صدوق، ولم يلق ابن عباس لكنه إنما حمل عن ثقات أصحابه؛ فلذا كان البخاري وأبو حاتم وغيرهما يعتمدون على هذه النسخة\". وقال أيضًا في \"تهذيب التهذيب\" ٧/ ٣٤٠ - في ترجمة علي-: \"ونقل البخاري من تفسيره رواية معاوية بن صالح، عنه، عن ابن عباس شيئًا في التراجم وغيرها ولكنه لم يسميه يقول: قال ابن عباس، أو يذكر عن ابن عباس\". وقال السيوطي في \"الإتقان\" ٢/ ٥٣٢: وقد ورد عن ابن عباس في التفسير ما لا يُحصى كثرة، وفيه روايات وطرت مختلفة، فمن جيدها طريق علي بن أبي طلحة الهاشمي عنه.","vol":"15","page":44},{"text":"وقال ابن زيد: لا يملون (١).\nوهذه الأقوال بعيدة من تفسير الاستحسار وأقربها قول ابن زيد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2590>٢٠ </span>- قوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ ينزهون الله دائمًا بقولهم سبحان الله ﴿لَا يَفتُرُونَ﴾ لا يضعفون ولا يملون (٢).\nقال الكلبي: التسبيح منهم بمنزلة التبسم من الإنسان.\nوقال كعب: سهل عليهم التسبيح كسهولة فتح الطرف والتنفس على الإنسان (٣).\nوقال الزجاج: مجرى التسبيح منهم كمجرى النفس منا لا يشغلنا عن النفس شيء، فكذلك (٤) تسبيحهم دائم (٥).\nوهذا معنى (٦) قول المفسرين: إن الملائكة قد ألهموا التسبيح كما يلهمون النفس (٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2591>٢١ </span>- ثم عاد إلى توبيخ المشركين فقال: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً﴾ قال المبرد: (أم) هاهنا تقريع وتوبيخ كالألف إلا أنَّ فيها زيادة انتقال عن\n_________\n(١) رواه الطبري ١٧/ ١٢، وذكره الثعلبي في \"الكشف والبيان\" ٧/ ٢٨ ب.\n(٢) في (١): (يملكون)، وهو خطأ.\n(٣) رواه الطبري ١٧/ ١٢، وأبو الشيخ في \"العظمة\" ٢/ ٧٣٨ - ٧٣٩، والبيهقي في \"شعب الإيمان\" ١/ ١/ ٤٨، وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٥/ ٦٢١ وعزاه لابن المنذر وابن أبي حاتم وأبي الشيخ في \"العظمة\" والبيهقي في \"شعب الإيمان\".\n(٤) في (أ): (فلذلك).\n(٥) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٨٧، ٣٨٨.\n(٦) (معنى): ساقطة من (د)، (ع).\n(٧) انظر: \"الكشف والبيان\" للثعلبي ٣/ ٢٨ ب.","vol":"15","page":45},{"text":"خبر (١) إلى خبر معناه: بل اتخذوا. وهذا معنى \"أم\" المنقطعة حيث وقعت (٢). وعنى بالآلهة الأصنام.\nوقوله تعالى: ﴿مِنَ الْأَرْضِ﴾ لأن أصنامهم كانت من الأرض من أي جنس كانت، من حجارة، أو خشب، أو ذهب، أو فضة.\n﴿هُمْ يُنْشِرُونَ﴾ أي: يُحيُون. يقال: أنشر الله الميت فانتشر، أي: أحياه فحيي (٣).\nوهذا توبيخ لهم على عبادتهم جمادًا من الأرض لا يقدر على شيء.\nوقال المفضل: لفظ الآية استفهام ومعناه جحد (٤).\nوعلى هذا معنى الآية: لم يتخذوا آلهة تقدر على الإحياء، وإن شئت جعلت هذا الاستفهام الذي معناه الإنكار والجحد واقعًا على الإنشار في المعنى، وإن كان في الظاهر على الاتخاذ على تقدير: أينشر آلهتهم التي اتخذوها؟ أي: ليست لها هذه الصفة، كما تقول: أزيدًا نضرب؟ توقع الاستفهام على زيد، والمراد الاستفهام عن الضرب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2592>٢٢ </span>- ثم ذكر الدلالة على توحيده وأنه لا يجوز أن يكون معه إله سواه فقال: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا﴾ أي: في السماء والأرض، وجرى ذكرهما قبل.\n﴿آلِهَةٌ﴾ معبودين يستحقون العبادة. ﴿إلا اللهُ﴾ قال الزجاج: \"إلا\" صفة في\n_________\n(١) في (ت): (خبر إلى خبر)، وهو خطأ.\n(٢) ذكره القرطبي ١١/ ٢٧٨ عن المبرد باختصار. وانظر: \"شرح التسهيل\" لابن عقيل ٢/ ٤٥٥ - ٤٥٦، \"رصف المباني\" للمالقي ص ١٧٩ - ١٨٠، \"مغني اللبيب\" لابن هشام ١/ ٥٥ - ٥٦، \"الجنى الداني\" للمرادي ص ٢٠٥ - ٢٠٦.\n(٣) انظر: \"تهذيب اللغة\" للأزهري ١١/ ٣٣٨ (نشر)، \"تاج العروس\" ١٤/ ٢١٥ (نشر).\n(٤) ذكره القرطبي ١١/ ٢٧٨.","vol":"15","page":46},{"text":"معنى غير، ولذلك ارتفع ما بعدها على لفظ الذي قبلها، وأنشد (١):\nوكلُّ أخٍ مُفارقُه أخوه ... لَعَمْرُ أبيكَ إلا الفَرْقَدانِ\nوقال: المعنى: وكل أخ غير الفرقدين مفارقه أخوه (٢).\nوعلى هذا التقدير: آلهة غير الله، فغير الله صفة الآلهة على معني: آلهة هم غير الله كما يزعم المشركون (٣).\nوقال الأخفش (٤) في هذه الآية: إلا وما بعدها بمنزلة غير، تقول: لو كان فيهما أحد إلا أنت لم أبل (٥) [أي غيرك، وكذلك لو أنه إلا أنت لم أبل\n_________\n(١) البيت أنشده الزجاج في \"معاني القرآن\" ٣/ ٣٨٧٨ من غير نسبة. وهو منسوب لعمرو بن معدي كرب في: \"الكتاب\" ٢/ ٣٣٤، \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ١/ ١٣١، \"البيان التبيين\" للجاحظ ١/ ٢٢٨، الطبري ٨/ ٥٢٧. وهو في ديوان عمرو ص ١٨٧، ونسبه الآمدي في \"المؤتلف والمختلف\" ص ٨٥ لحضرمي بن عامر الأسدي ضمن أبيات قالها. وهو من غير نسبة في: \"معاني القرآن\" للأخفش ١/ ٢٩٦، \"تهذيب اللغة\" للأزهري ١٥/ ٤٢٤. قال الشنتمري في \"تحصيل عين الذهب\" ١/ ٣٧١: وهذا على مذهب الجاهلية، وكأنه قاله قبل الإسلام، ويحتمل أنه يريد في مدة الدنيا. اهـ. والفرقدان: نجمان قريبان من القطب يهتدي بهما. انظر الصحاح للجوهري ٢/ ٥١٩ \"فرقد\"، \"القاموس المحيط\" ١/ ٣٢٣.\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٨٨. وهذا قول سيبويه والكسائي وغيرهما. انظر: \"الكتاب\" ٢/ ٣١٣ - ٣٣٢، \"إعراب القرآن\" للنحاس ٣/ ٦٧.\n(٣) وذهب الفراء إلى أن \"إلا\" هنا بمعنى سوى، وتقديره: لو كان فيهما آلهة سوى الله. انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٠٠، \"إعراب القرآن\" لابن الأنباري ٢/ ١٥٩.\n(٤) في \"معاني القرآن\" للأخفش ١/ ٢٩٥: ... وقد يكون ﴿إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ﴾ [يونس: ٩٩] رفعا، تجعل (إلا) وما بعده في موضع صفة بمنزلة: غير ... ومثلها ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ فقوله (إلا الله) صفة.\n(٥) قال سيبويه في \"الكتاب\" ٤/ ٤٠٥: وسألته -يعني الخليل- عن قولهم: لم أبل، فقال: هي من باليت، ولكنهم لما أسكنوا اللام حذفوا الألف؛ لأنه لا يلتقي ساكنان.","vol":"15","page":47},{"text":"إلا غيرك، ولو كان إلا أياك لم أبل] (١) كأنك قلت كغيرك.\nقال أبو علي في \"الإيضاح\": تقول: جاءني القوم إلا زيدًا، فتنصب الاسم بعد إلا على الاستثناء، ويجوز أن ترفعه إذا جعلت إلا وما بعدها صفة فتقول: جاءني القوم إلا زيد، وعلى هذا قوله: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ (٢).\nفظهر أن قوله: ﴿إلاَّ اللهُ﴾ ليس باستثناء إنما هو صفة للآلهة كما ذكرنا.\nوقوله تعالى: ﴿لَفَسَدَتَا﴾ أي: لخربنا وبطلتا وهلكتا، وهلك من فيهما لوجود التمانع بين الآلهة (٣)، فلا يجرى أمر العالم على النظام، ويؤدي ذلك\n_________\n(١) ساقط من (أ)، (ت).\n(٢) \"الإيضاح العضدي\" لأبي علي الفارسي ١/ ٢٢٩.\n(٣) يشير الواحدي بهذا إلى الدليل المشهور عند المتكلمين الذي يسمونه دليل التمانع، وهو: أنه لو كان للعالم صانعان فعند اختلافهما مثل أن يريد أحدهما تحريك جسم وآخر تسكينه، أو يريد أحدهما إحياءه والآخر إماتته، فإما: أن يحصل مرادهما، أو مراد أحدهما، أولا يحصل مراد واحد منهما. والأول ممتنع؛ لأنه يستلزم الجمع ببن الضدين، والثالث ممتنع، ويستلزم أيضًا عجز كل واحد منهما والعاجز لا يكون إلها، وإذا حصل مراد أحدهما دون الآخر كان هذا هو الإله القادر، والآخر عاجزًا لا يصلح للإلهية. انظر: \"الإنصاف\" للباقلاني ص ٣٤، \"الشامل في أصول الدين\" للجويني ص ٣٥٢، \"غاية المراد\" للآمدي ص ١٥١ - ١٥٢، \"منهاج السنة النبوية\" لأبي العباس أحمد بن تيمية ٣/ ٣٠٤ - ٣٠٥، \"شرح الطحاوية\" ص ٧٨ - ٧٩.\nلما كان كلام الواحدي هنا قد يفهم منه المقصود بهذه الآية دليل التمانع فإنه ينبغي الإشارة هنا إلى ما نبه عليه شيخ الإسلام ابن تيمية وابن جزي الكلبي وابن أبي العز الحنفي وغير واحد من أهل العلم وهو: أن طوائف من المتكلمين والمفسرين =","vol":"15","page":48},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= يظنون أن دليل التمانع الذي تقدم ذكره هو الدليل المذكور في القرآن في قوله \"لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا\"، وليس الأمر كذلك، فإن هؤلاء -كما يقول ابن أبي العز- في \"شرحه\" للطحاوية ص ٨٦ - ٨٧: \"غفلوا عن مضمون الآية، فإنه سبحانه أخبر أنه لو كان فيهما آلهة غيره، ولم يقل أرباب، وأيضًا فإن هذا إنما هو بعد وجودهما، وأنه لو كان فيهما وهما موجودتان آلهة سواه لفسدتا، وأيضًا فإنه قال: \"لفسدتا\" ولم يقل: لم يوجدا. ودلت الآية على أنه لا يجوز أن يكون فيهما آلهة متعددة، بل لا يكون الإله إلا واحدًا، وعلى أنه لا يجوز أن يكون هذا الإله الواحد إلا الله ﷾، وأن فساد السموات والأرض يلزم من كون الآلهة فيهما متعددة، ومن كون الإله الواحد غير الله، وأنه لا صلاح لهما إلا بأن يكون الإله فيهما هو الله وحده لا غيره، فلو كان للعالم إلهان معبودان لفسد نظامه، فإن قيامه إنما هو بالعدل وبه قامت السموات والأرض، وأظلم الظلم على الإطلاق الشرك، وأعدل العدل التوحيد\". اهـ. ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه \"اقتضاء الصراط المستقيم\" ص ٤٦١: \"هذه الآية ليس المقصود بها ما يقوله من يقوله من أهل الكلام من ذكر دليل التمانع على وحدانية الرب تعالى، فإن التمانع يمنع وجود المفعول لا يمنع وجوده بعد فساده\". ويقول في كتابه \"منهاج السنة النبوية\" ٣/ ٣٣٤ - ٣٣٥ بعد ذكره لدليل التمانع وبيان أنه دليل عقلي صحيح، ثم تنبيه على غلط من ظن أن هذا الدليل هو المقصود من قوله \"لو كان فيهما آلهة إلا الله\" يقول: والمقصود هنا أن من هذه الآية بيان امتناع الألوهية من جهة الفساد الناشئ من عبادة ما سوى الله تعالى؛ لأنه لا صلاح للخلق إلا بالمعبود المراد لذاته من جهة غاية أفعالهم ونهاية حركاتهم، وما سوى الله لا يصلح، فلو كان فيهما معبود غيره لفسدتا من هذه الجهة، فإنه سبحانه هو المعبود المحبوب لذاته، كما أنه هو الرب الخالق بمشيئته. وهذا معني قول النبي -صلي الله عليه وسلم -: أصدق كلمة قالها الشاعر كلمة لبيد:\nألا كل شيء ما خلا الله باطل ... وكل نعيم لا محالة زائل\nولهذا قال الله في فاتحة الكتاب: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ وقدم اسم الله على اسم الرب في أولها حيث قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ فالمعبود هو المقصود المطلوب المحبوب لذاته، وهو الغاية والمعين، وهو البارئ المبدع الخالق، ومنه ابتداء كل شيء، والغايات تحصل بالبدايات، والبدايات بطلب =","vol":"15","page":49},{"text":"إلى هلاك العالم؛ لأن كل أمر صدر عن اثنين فأكثر لا يجري على النظام وهذا كقوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ﴾ [الإسراء: ٤٢] الآية.\nوالمعنى: على نفي أن يكون في الأرض أو في السماء آلهة فهم (١) غير الله وإذا بطل ذلك ثبت أنه لا إله غيره.\nثم نزه نفسه عما يصفه به الكافرون من الشريك والولد بقوله: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2593>٢٣ </span>- قوله: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ قال الكلبي: لا يسأل الله عن فعله والناس يسألون عن أعمالهم (٢).\nوقال الضحاك: لا يسأل عما يقضي في خلقه، والخلق مسؤلون (٣) عن أعمالهم (٤).\nوقال أبو إسحق: لا يسأل في القيامة عن حكمه في عباده، ويَسْألُ عباده عن أعمالهم إيجابًا للحجة عليهم (٥).\nقال المفسرون (٦): إن الله تعالى لا يسأل عما يحكم في عباده من\n_________\n= بطلب الغايات، فالإلهية هي الغاية، ... وهو الذي يستحق لذاته أن يعبد ويحب ويحمد ويمجد، وهو سبحانه يحمد نفسه ويثني على نفسه ويمجد نفسه، ولا أحد أحق بذلك منه حامدًا محمودًا\". اهـ.\n(١) (فهم): ساقطة من (ت).\n(٢) انظر: \"تنوير المقباس\" ص ٢٠١.\n(٣) في (ت): (مسؤل).\n(٤) رواه الطبري ١٧/ ١٤. وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٥/ ٦٢٢ وعزاه لابن أبي حاتم فقط.\n(٥) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٨٨.\n(٦) معناه عند الطبري ١٧/ ١٤، و\"الكشف والبيان\" للثعلبى ٣٢/ ٨ ب.","vol":"15","page":50},{"text":"إعزاز وإذلال،. وهدى وضلال، وإسعاد وإشقاء؛ لأنه الرب مالك الأعيان، والخلق يُسألون سؤال توبيخ يقال لهم يوم القيامة: لم فعلتم (١) كذا وكذا؛ لأنهم العبيد وواجب عليهم امتثال أمر مولاهم، والله تعالى ليس فوقه أحد يقول له لشيء فعله لم فعلته؟.\nوهذا معنى ما روي عن أبي الأسود الديلي قال: غدوت على عمران ابن حصين يوما من الأيام فقال: أبا الأسود رأيت ما يعمل الناس اليوم ويكدحون فيه أشيء قضي عليهم في قدر قد سبق أو فيما يستقبلون؟ قال: قلت: بل شيء قضى عليهم، ومضى عليهم. قال: فهل يكون ذلك ظلمًا؟ قال: ففزعت من ذلك فزعًا شديدًا فقلت (٢): إنه ليس شيء إلا خَلْقُ الله وملك يده لا يسأل عما يفعل وهم يسألون فقال: سددك الله ما سألتك إلا لأجرب عقلك (٣).\nوهذا الآية بتفسير المفسرين والصحابة دليل ظاهر على القدرية في مسألة القدر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2594>٢٤ </span>- ولما أبطل الله تعالى أن يكون إله سواه من حيث العقل بقوله: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ أبطل جواز اتخاذ آلهة سواه من حيث الأمر بقوله: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً﴾ وهذا استفهام إنكار وتبكيت كما ذكرنا في قوله: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ﴾ وأعيد هاهنا لأنه أعيد عليهم\n_________\n(١) في (ت): (لم تعلم).\n(٢) في (ت): (وقلت).\n(٣) رواه الإمام أحمد في \"مسنده\" ٤/ ٤٣٨، ومسلم في \"صحيحه\" ٤/ ٢٠٤١، والطبري ٣٠/ ٢١١، واللالكائي في \"شرح أصول السنة\" ٣/ ٥٤٢.","vol":"15","page":51},{"text":"احتجاج من وجه آخر وهو (١) قوله: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾ أي: بينتكم (٢) على ما تقولون من جواز اتخاذ إله سواه.\n﴿هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ﴾ (٣) يعني القرآن يقول: فيه خبر (٤) من معي على ديني ممن يتبعني إلى يوم القيامة بما لهم من الثواب على الطاعة والعقاب على المعصية.\n﴿وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي﴾ من المفسرين من يجعل هذا أيضًا من صفة القرآن يقول: معناه: وخبر من قبلي من الأمم السالفة وما فعل الله بهم في الدنيا وما هو فاعل بهم في الآخرة. وهذا مذهب السدي والكلبي (٥).\nوعلى هذا المعنى: أنه لما طالبهم بالبرهان على ما هم عليه من الشرك أمره أن يذكر لهم برهانه على ما هو عليه من التوحيد وهو القرآن الذي فيه ما تحتاج إليه هذه الأمة من الأحكام مع أخبار الأمم السالفة.\nوقال ابن عباس -في رواية عطاء- في قوله: ﴿وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي﴾: يريد التوراة والإنجيل وما أنزل الله من الكتب (٦).\nوهذا القول هو اختيار الزجاج وعبد الله بن مسلم (٧) وصاحب النظم.\nوالمعنى على هذا القول: ﴿هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾ هذا القرآن وهذه\n_________\n(١) (وهو): ساقط من (د)، (ع).\n(٢) في (ت): (بينكم).\n(٣) موضع هذا بياض في (ت).\n(٤) في (ت): (خير).\n(٥) ذكره الرازي ٢٢/ ١٥٨ عن السدي، ونسبه أيضًا لسعيد بن جُبير وقتادة ومقاتل. ولم أجد من ذكره عن الكلبي وقد روى الطبري ١٧/ ١٥ هذا المعنى عن قتادة.\n(٦) ذكره البغوي ٥/ ٣١٤ من رواية عطاء، عن ابن عباس.\n(٧) هو ابن قتيبة، وقوله في كتابه \"غريب القرآن\" ص ٢٨٥.","vol":"15","page":52},{"text":"الكتب التي أنزلت قبلي، فانظروا هل في واحد من الكتب أن الله أقر باتخاذ إله [سواه؟\nفبطل بهذا البيان جواز اتخاذ معبود] (١) سواه من (٢) حيث الأمر بذلك.\nقال أبو إسحاق: قيل لهم: هاتوا برهانكم بأن رسولًا من الرسل (٣) أنبأ أمته بأن لهم إلهًا غير الله فهل في ذكر من معي وذكر من قبلي إلا توحيد الله (٤).\nوقال صاحب النظم: لما قال ﷿: ﴿هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾، أي: حجتكم على ما تفعلون قال لنبيه -ﷺ- قل لهم: ﴿هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ﴾ أي القرآن الذي أنزل علي ﴿وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي﴾ أي: ما عند اليهود والنصارى، هل فيه شيء (٥) أني أذنت لأحد، أو أمرته بأن يتخذ إلهًا دوني؟ وهل في ذلك (٦) كله إلا أني أنا الله وحدي لا شريك لي؟\nفلما توجهت الحجة عليهم ذمهم على جهلهم بمواضع الحق وتركهم للتأمل والتفكر فقال: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾.\nويدل (٧) على صحة هذا المعنى قوله تعالى بعد هذا: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾\n_________\n(١) ساقط من (أ)، (ت).\n(٢) موضع (سواه من) بياض في (ت).\n(٣) في (أ)، (ت): (الرسول)، وهو خطأ.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" للزجاج ٣/ ٣٨٩.\n(٥) شيء: ليست في (د)، (ع).\n(٦) في (أ)، (ت): (ذكر).\n(٧) في (ع): (يدل).","vol":"15","page":53},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2595>٢٦ </span>- قوله: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا﴾ قال ابن عباس: يريد من الملائكة (١).\n﴿سُبْحَانَهُ﴾ نزه نفسه عما يقولون ﴿بَلْ عِبَادٌ﴾ بل هم عباد يعني الملائكة. ﴿مُكْرَمُونَ﴾ قال ابن عباس: يريد أكرمتهم واصطفيتهم (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2596>٢٧ </span>- ﴿لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ﴾ لا يتكلمون إلا بما يأمرهم به ربهم.\nوقال ابن مسلم: أي لا يقولون حتى يقول ويأمر وينهى، ثم يقولون عنه (٣).\nوقال غيره: لا يخرجون بقولهم عن حد ما أمرهم به فقولهم طاعة لربهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2597>٢٨ </span>- قوله: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ قال عطاء، عن ابن عباس: يريد الآخرة ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ يريد الدنيا (٤).\nوعنه أيضًا: أي ما قدموا وأخروا من أعمالهم أي ما عملوا وما هم عاملون (٥).\nوقال السدي على عكس قول عطاء (٦).\n﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ قال ابن عباس: لمن قال لا إله إلا الله (٧).\n_________\n(١) مثله في \"تنوير المقباس\" ص ٢٠١.\n(٢) انظر المرجع السابق ص ٢٠١.\n(٣) \"غريب القرآن\" لابن قتيبة ص ٢٨٥.\n(٤) ذكره عنه القرطبي ١١/ ٢٨١.\n(٥) رواه بنحوه الطبري ١٧/ ١٦ من طريق العوفي عن ابن عباس. وذكره الثعلبي في \"الكشف والبيان\" ٣/ ٢٨ ب.\n(٦) لم أجده.\n(٧) رواه الطبري ١٧/ ١٦. وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٥/ ٦٢٤ وعزاه للطبري وابن أبي حاتم وابن المنذر والبيهقي في البعث.","vol":"15","page":54},{"text":"وقال مجاهد: لمن رضي عنه (١).\nوقال السدي: للمؤمنين.\n﴿وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ﴾ أي: خشيتهم منه فأضيف المصدر إلى المفعول ﴿مُشْفِقُونَ﴾ خائفون لا يأمنون مكره. وذكرنا الكلام في هذا أبلغ عند قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2598>٢٩ </span>- قوله: ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ﴾ أي: الملائكة ﴿إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ﴾ من دون الله ﴿فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ﴾ قال قتادة: (٣)، والضحاك (٤)، والسدي، والكلبي: يعني إبليس لعنة الله، لأنه أمر بطاعته ودعا إلى عبادة نفسه (٥).\n﴿كَذَلِكَ﴾ كما جزيناهم جهنم ﴿نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ قال ابن عباس: يريد المشركين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2599>٣٠ </span>- قوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: أولم يعلموا ﴿أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا﴾ قال أبو عبيدة، والزجاج: السموات لفظ الجمع يراد به الواحد، لذلك قال: ﴿كَانَتَا﴾ لأنه أراد السماء والأرض (٦).\n_________\n(١) رواه الطبري ١٧/ ١٧، وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ٦٢٤ وعزاه لعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(٢) المؤمنون: ٥٧. ولم تتقدم، وستأتي بعد.\n(٣) رواه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ٢/ ٢٣، والطبري ١٧/ ١٧، وذكره السيوطي في في \"الدر المنثور\" ٥/ ٦٢٥ وعزاه لعبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(٤) ذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ٦٢٥ وعزاه لابن أبي حاتم.\n(٥) قال ابن عطية ١٠/ ١٤٠: وهذا ضعيف؛ لأن إبليس لم يرد قط أنه ادعى ربوبية. اهـ. والأظهر أن يقال إنّ السياق في الملائكة، والمعنى على سبيل الفرض أنهم يقولون ذلك، وهم لا يقولونه. انظر: \"روح المعاني\" للآلوسي ١٧/ ٣٣.\n(٦) قول أبي عبيدة في كتابه \"مجاز القرآن\" ٢/ ٣٦. وقول الزجاج في كتابه: \"معاني القرآن\" ٢/ ٣٩٠.","vol":"15","page":55},{"text":"وهذا معنى قول الأخفش: جعلهما صنفين كقول العرب: لقاحان سوداوان (١) وفي كتاب الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا﴾ [فاطر: ٤١] (٢).\nقوله تعالى: ﴿رَتْقًا﴾ الرتق معناه في اللغة: السد. يقال: رتقت الشيء فارتتق، ومنه الرتقاء وهي المنضمة الفرج (٣).\nوقوله تعالى: ﴿فَفَتَقْنَاهُمَا﴾ الفتق: الفصل بين الشيئين الذين كانا ملتئمين أحدهما متصل بالآخر، فإذا فرق بينهما فقد فتقا. ويقال: فتق الخياط يفتقها، ومنه يقال: أفتق قرن الشمس، إذا أصاب فتقا من السحاب فبدا منه (٤).\nقال أبو إسحاق: وقيل ﴿رَتْقًا﴾ لأن الرتق مصدر، المعنى: كانتا ذواتي رتق (٥).\nواختلف المفسرون في تفسير هذه الآية على ثلاثة أوجه:\nأحدها: ما رواه عطاء، عن ابن عباس قال: يريد أن السماء لم تكن تنزل مطرًا، والأرض لا تنبن نباتًا، ففتق الله -﷿- السماء بالمطر والأرض\n_________\n(١) في \"معاني القرآن\" للأخفش ٢/ ٦٣٤: (سودان).\n(٢) \"معاني القرآن\" للأخفش ٢/ ٦٣٣ - ٦٣٤. وانظر: \"إعراب القرآن\" للنحاس ٣/ ٦٩، \"الدر المصون\" ٨/ ١٤٧.\n(٣) انظر: (رتق) في \"تهذيب اللغة\" للأزهري (٩/ ٥٣ - ٥٤)، \"الصحاح\" للجوهري ٤/ ٤٨٠، \"لسان العرب\" ١٠/ ١١٤.\n(٤) انظر: (فتق) في: \"تهذيب اللغة\" للأزهري ٩/ ٦٢، \"الصحاح\" للجوهري ٤/ ١٥٣٩ - ١٥٤٠، \"لسان العرب\" ١٠/ ٢٩٦ - ٢٩٧.\n(٥) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٩٠.","vol":"15","page":56},{"text":"بالنبات (١).\nوهذا قول مجاهد في رواية أبان بن تغلب (٢)، وعطية العوفي، وابن زيد (٣)، واختيار الفراء (٤) وابن قتيبة (٥).\n_________\n(١) روى الحاكم في \"مستدركه\" ٢/ ٣٨٢ والبيهقي في \"الأسماء والصفات\" ص ٤٣ من طريق طلحة، عن عطاء، عن ابن عباس بنحوه. قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وتعقبه الذهبي بقوله طلحة واه. وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٥/ ٦٢٥ وعزاه للفريابي وعبد بن حميد والحاكم والبيهقي في \"الأسماء والصفات\". وأخرج أبو نعيم في \"الحلية\" ١/ ٣٢٠ من طريق عبد الله بن دينار عن ابن عمر ﵄ أن رجلا أتاه فسأله عن قوله ﴿السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا﴾ قال: اذهب إلى ذلك الشيخ فاسأله ثم تعال فأخبرني ما قال، فذهب إلى ابن عباس فسأله قال: نعم، كانت السماء رتقاء لا تمطر .... فذكره بنحوه ما هنا. وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٥/ ٦٢٥ وعزاه لابن أبي حاتم وابن المنذر وأبي نعيم في الحلية. وفي \"الدر المنثور\" ٥/ ٦٢٥: أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس ﵄ في قوله \"كانتا رتقا\" قال لا يخرج منهما شيء \"ففتقناهما\" قال: فتقت السماء بالمطر، وفتقت الأرض بالنبات. فهذه روايات ثلاث عن ابن عباس ﵄، يعضد بعضها بعضًا.\n(٢) هو أبان بن تغلب، أبو سعد -وقيل: أبو أمية- الربعي، الكوفي، الشيعي، المقرئ. قال ابن عدي: وهو من أهل الصدق في الروايات، وإن كان مذهبه مذهب الشيعة. وقال الذهبي: وهو صدوق في نفسه، عالم كبير، وبدعته خفيفة، لا يتعرض للكبار. وقال ابن حجر: ثقة تكلم فيه للتشيع. توفي سنة ١٤٠ هـ، وقيل: ١٤١ هـ. \"الكامل\" لابن عدي ١/ ٣٨٠، \"تهذيب الكمال\" للمزي ٢/ ٦ - ٨، \"سير أعلام النبلاء\" للذهبي ٣٠٨ - ٣٠٩، \"تقريب التهذيب\" لابن حجر ٢/ ٣٠، \"غاية النهاية\" لابن الجزري ١/ ٤. ولم أجد هذه الرواية عن مجاهد من طريق أبان، لكن وجدتها من طريق خصيف، عن مجاهد رواه سفيان الثوري في \"تفسيره\" (ص ٢٠٠) عن خصيف.\n(٣) رواها الطبري في \"تفسيره\" ١٧/ ١٧. وذكرها الثعلبي في \"الكشف والبيان\" ٣/ ٢٩ أ.\n(٤) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٠١.\n(٥) انظر: \"غريب القرآن\" لابن قتيبة ص ٢٨٦.","vol":"15","page":57},{"text":"الوجه الثاني: أن المعنى كانتا شيئًا واحدا ملتزقتين، ففصل الله بينهما بالهواء. وهذا قول الحسن، وقتادة (١)، والضحاك (٢)، ورواية عكرمة عن ابن عباس (٣).\nقال كعب: خلق الله السموات والأرض بعضها على بعض ثم خلق ريحًا توسطتها ففتحها بها (٤).\nالوجه الثالث: أن المعنى كانت السموات مرتتقة فجعلت سبع سموات، وكذلك الأرضون.\nوهذا قول أبي صالح (٥)، ومجاهد في رواية ابن أبي نجيج (٦)،\n_________\n(١) رواه الطبري ١٧/ ١٨ عن الحسن وقتادة، وذكره عهما السيوطي في \"الدر المنثور\" ٥/ ٦٢٦ وعزاه لابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(٢) ذكره عن الضحاك الثعلبي في \"الكشف والبيان\" ٣/ ٢٩ أ. وروى سفيان الثوري في \"تفسيره\" ص ٢٠٠ عن الضحاك قال: كن سبعًا ملتزقات ففتق بعضهن عن بعض. ورواه الطبري ١٧/ ١٨ من طريق الضحاك، عن ابن عباس.\n(٣) روى سفيان في \"تفسيره\" ص ٢٠٠ عن أبيه، عن عكرمة، سئل ابن عباس ﵄. أيهما كان قبل الليل أو النهار؟ فقرأ \"أو لم ير .... \" الآية ثم قال: وهل كانن بينهما إلا ظلمة. وكذا رواه أبو الشيخ في \"العظمة\" ٤/ ١٣٦٨. ورواه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ٢/ ٢٣ والطبري ١٧/ ١٩ من طريق عكرمة مختصرًا.\n(٤) ذكره الثعلبي في \"الكشف والبيان\" ٣/ ٢٩ أ. وهو من الإسرائيليات.\n(٥) رواه عنه الطبري ١٧/ ١٩، وأبو الشيخ في \"العظمة\" ٣/ ١٠٢٥، وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٥/ ٦٢٦ ونسبه لعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأي الشيخ في العظمة.\n(٦) رواه الطبري ١٨/ ١٨، وأبو الشيخ في \"العظمة\" ٣/ ١٠٢٦، وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\": ٥/ ٦٢٦ وعزاه لابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبي الشخ في \"العظمة\".","vol":"15","page":58},{"text":"والسدي (١)، واختيار أبي إسحق، قال: المعنى أن السموات كانت سماء واحدة (٢) مرتتقة، ففتقها الله، فجعلها سبعًا وجعل الأرض سبع أرضين (٣).\nوأكثر الناس على القول الأول، وهو أنهما كانتا منسدتين لا فرج فيهما فصدعهما الله بما يخرج منهما.\nقال أبو إسحاق: ويدل على هذا التفسير قوله: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ (٤).\nأي: وأحيينا بالماء الذي نزله من السماء ﴿كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ يعني أنه سبب لحياة كل شيء، ويدخل فيه الشجر والنبات على التبع، ويكون التقدير: وجعلنا من الماء حياة كل شيء حي. وهذا قول قد حكي (٥)، وتحتمله دلالة الآية.\nوالمفسرون على قول آخر. قال قتادة: كل شيء حي خلق من الماء (٦).\n_________\n(١) رواه الطبري ١٧/ ١٩. وذكره الثعلبي في \"الكشف والبيان\" ٣/ ٢٩ أ.\n(٢) في (أ)، (ت): (واحد).\n(٣) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٩٠.\n(٤) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٩٠. وقال الطبري ١٧/ ١٩ عن هذا القول أنه أولى الأقوال بالصواب، لدلالة قوله \"وجعلنا من الماء كل شيء حي\" على ذلك، وأنّه لم يعقب ذلك بوصف الماء بهذه الصفة إلا والذي تقدّمه من ذكر أسبابه. وقال ابن عطية في \"المحرر\" ١٠/ ١٤١: وهذا قول حسن، يجمع العبرة وتعديد النعمة واحبيبة بمحسوس بين، ويناسب قوله ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾، فيظهر معنى الآية ويتوجه الاعتبار.\n(٥) انظر: \"الطبري\" ١٧/ ١٩ - ٢٠.\n(٦) رواه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ٢/ ٢٣، والطبري ١٧/ ٢٠.","vol":"15","page":59},{"text":"وقال أبو العالية -في هذه الآية-: يعني النطفة (١).\nقال المفسرون (٢) إنَّ كل شيء حي فهو مخلوق من الماء كقوله: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ﴾ [النور: ٤٥].\nوعلى هذا لا يتعلق قوله: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ﴾ بما قبله، وهو احتجاج آخر على المشركين.\nوقوله تعالى: ﴿أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾ أي: أفلا يصدقون بعد هذا البيان.\n\n٣١ - قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ﴾ ذكرنا تفسير هذه القطعة عند قوله: ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ في سورة النحل [آية: ١٥].\nوتقدير قوله: ﴿أَنْ تَمِيدَ﴾ كتقدير قوله: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦] وقوله: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا﴾ [البقرة: ٢٨٢] وذكرنا الخلاف بين النحويين في هذه المسألة (٣).\n_________\n(١) رواه البيهقي في \"الأسماء والصفات\" ص ٤٥، وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٥/ ٦٢٦ وعزاه لعبد بن حميد وابن أبي حاتم وابن المنذر والبيهقي في \"الأسماء والصفات\".\n(٢) انظر: \"الطبري\" ١٧/ ٢٠، و\"الثعلبي\" ٣/ ٢٩ أ.\n(٣) انظر: \"البسيط\" عند قوله تعالى: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾. وقد اختلف النحويون في تقدير \"أن تميد\" ونحوها من الآيات فعند الكوفيين \"إنْ\" بمعنى لئلا، أو ألَّا، على تقدير: لئلا تميد، لئلا تضلوا. وقال البصريون: المحذوف هاهنا مضاف، على تقدير: مخافة أن تميد أو كراهة أن تميد، وكراهة أن تضلوا. ثم حذف المضاف وأقيم المضاف إلى مقامه، قالوا: و\"لا\" حرف جاء لمعنى النفي فلا يجوز حذفه، وحذف المضاف أسوغ وأشيع من حذف \"لا\".\nانظر: \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٢٩٧، \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ٥١١، =","vol":"15","page":60},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا﴾ أي: في الرواسي.\n﴿فِجَاجًا﴾ قال أبو عبيدة: يعني المسالك (١).\nوقال أبو إسحق: كل مخترق بين جبلين فهو فج (٢).\nوقال الليث: الفج: الطريق الواسع بين الجبلين (٣).\nوقال أبو الهيثم: الفج: طريق في الجبل واسع، يقال: فَجٌّ وأفُجٌّ وفِجَاج (٤).\nوالفج في كلام العرب: تفريجك بين الشيئين، يقال: فججت رجلي أفجهما (٥) فجًّا، إذا وسعت بينهما.\nومنه قيل للطريق بين جبلين: فج؛ لأنه كأنه فرج بين الجبلين. ويقال: افجج فلان افتجاجا، إذا سلك الفجاج (٦).\nوذكر بعض أهل التفسير أن الكناية عن قوله: ﴿فِيهَا فِجَاجًا﴾ عائدة إلى الأرض (٧).\n_________\n= ٢/ ٣٩٣، \"الإملاء\" للعكبري ١/ ٢٠٥، ٢/ ١٣٢، \"البحر المحيط\" ٣/ ٤٠٨ - ٤٠٩، \"مغني اللبيب\" لابن هشام ١/ ٤٦، \"الجنى الداني في حروف المعاني\" للمرادي ص ٢٢٤ - ٢٢٥.\n(١) \"مجاز القرآن\" ٢/ ٣٧.\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٩٠.\n(٣) قول الليث في \"العين\" ٦/ ٢٤ \"فج\" مع اختلاف في آخره [في قبل جبل ونحوه].\n(٤) قول أبي الهيثم في \"تهذيب اللغة\" للأزهري ١٠/ ٥٩٧ - ٥٠٨ \"فَجَّ\".\n(٥) في جميع النسخ: (أفجها)، والتصويب من \"تهذيب اللغة\".\n(٦) \"تهذيب اللغة\" للأزهري ١٠/ ٥٠٨ (فجَّ) منسوبًا إلى الأصمعي.\n(٧) نسبه الرازي في تفسيره ٢٢/ ١٦٥ إلى الكلبي، وهو اختيار الطبري فقد قال في تفسيره ١٧/ ٢١: وإنما اخترنا القول الآخر، وجعلنا الهاء والألف من ذكر الأرض، لأنها إذا كانت من ذكرها دخل في ذلك السهل والجبل، وذلك أن ذلك =","vol":"15","page":61},{"text":"والأولى أن تعود إلى الجبال؛ لما ذكرنا أن الفج في اللغة: الطريق بين الجبلين، وابن عباس أيضًا قال في تفسير هذه الآية: وجعلنا من اجبال طرقًا؛ حتى يهتدوا إلى مقاصدهم في الأسفار للتجارات وغيرها (١).\nوقوله تعالى: ﴿سُبُلًا﴾ تفسير للفجاج، وبيان له. وفائدته أن الفج في موضوع اللغة يجوز أنه لا (٢) يكون طريقًا نافذًا مسلوكًا، فلما ذكر الفجاج بين أنه جعلها سبلًا نافذة مسلوكة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2600>٣٢ </span>- قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا﴾ السقف معناه في اللغة: غماء البيت (٣)، والسماء للأرض كالسقف للبيت، فجعلت السماء سقفًا\n_________\n= كله من الأرض، وقد جعل الله لخلقه من ذلك كله فجاجا سبلًا، ولا دلالة تدل على أنه عني بذلك فجاج بعض الأرض -التي جعلها لهم سبلا- دون بعض، فالعموم بها أولى. وقال ابن عطية في \"المحرر\" ١٠/ ١٤٤ عن هذا القول إنه أحسن.\nواستظهره أبو حيان في \"البحر\" ٦/ ٣٠٩. ويدل لهذا القول قوله تعالى ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا (١٩) لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا﴾ [نوح: ١٩ - ٢٠].\n(١) ذكره عن ابن عباس ابن الجوزي ٥/ ٣٤٩. وذكره القرطبي ١١/ ٢٨٥ مختصرًا. وذكر الرازي ٢٢/ ١٦٤ أوله ثم قال: وهو قول مقاتل، والضحاك، ورواية عطاء عن ابن عباس. وقد روى الطبري ١٧/ ٢١ من طريق ابن جريج قال: قال ابن عباس وجعلنا فيها فجاجا سبلا\" قال: بين الجبال. وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٥/ ٦٢٧ وعزاه للطبري وابن المنذر. وهي رواية ضعيفة؛ لأن ابن جريج لم يلق ابن عباس. قال الإمام أحمد: إذا قال ابن جريج: قال فلان وقال فلان وأخبرت جاء بمناكير، وإذا قال: أخبرني وسمعت. فحسبك. \"تهذيب التهذيب\" ٦/ ٤٠٤.\n(٢) (لا): ساقطة من (أ).\n(٣) انظر: \"تهذيب اللغة\" للأزهري ٨/ ٤١٣ وفيه هذا الكلام منسوبًا إلى الليث، و\"الصحاح\" للجوهري ٤/ ١٣٧٥، وفي \"العين\" ٥/ ٨١: سقف: عماد البيت، و\"لسان العرب\" لابن منظور ٩/ ١٥٥ (سقف).","vol":"15","page":62},{"text":"وسميت به، قال الله تعالى: ﴿وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ﴾ [الطور: ٥] يعني السماء.\nوقوله تعالى: ﴿مَحْفُوظًا﴾ قال ابن عباس: من الشياطين بالنجوم (١). وهو قول الكلبي، واختيار الفراء (٢) ودليل هذا التأويل قوله ﴿وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ﴾ [الحجر: ١٧].\nوذكر أبو إسحاق وجهًا آخر قال: حفظه الله من الوقوع على الأرض إلا بإذنه (٣).\nودليل هذا قوله: ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ﴾ [الحج: ٦٥].\nوزاد غيره: محفوظا من الهدم، ومن أن يلحقها ما يلحق غيرها من السقوف على طول الدهر (٤).\n_________\n(١) ذكره ابن الجوزي ٥/ ٣٤٩ من رواية أبي صالح عن ابن عباس.\n(٢) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٠١.\n(٣) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٩٠.\n(٤) جاء عن قتادة نحو هذا القول، فقد ذكر أبو حيان ٦/ ٣٩ عنه أنه قال: حفظ من البلى والتغير على طول الدهر. وقيل إن الحفظ هنا شامل لما تقدم، لدلالة الآيات المتقدمات. قال ابن عطية ١٠/ ١٤٤: والحفظ هاهنا عام في الحفظ من الشياطين. وقوى الرازي ٢٢/ ١٦٥ القول بأن المراد الحفظ من الوقوع والسقوط اللذين يجري مثلهما لسائر السقوف؛ لأن حمل الآيات عليه مما يزيد هذه النعمة عظما لأف سبحانه كالمتكفل بحفظه وسقوطه على المكلفين. ومن الآيات الدالة على ذلك قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ﴾ [الروم: ٢٥]، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا﴾ [فاطر: ٤١]، وقوله: ﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ [البقرة: ٢٥٥]. ومما يقوي هذا القول ويعضده أن الآيات سبقت للدلالة على التوحيد فكان تجريد العناية لبيان نعمة الله على عباده بحفظ هذه السماء من السقوط أولى من بيان حفظها من الشياطين.","vol":"15","page":63},{"text":"وقال مجاهد: ﴿سَقْفًا مَحْفُوظًا﴾ مرفوعًا (١).\nوهذا معنى وليس بتفسير. وذلك أنه مرفوع رفعًا لا يطمع أحد أن يناله بنقض أو يبلغه بحيلة، فرفعه سبب حفظه من أن يبلغه أحد.\nوقوله تعالى: ﴿وَهُمْ﴾ قال ابن عباس: يريد المشركين (٢).\n﴿عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ﴾ (٣) قال الكلبي وغيره من المفسرين: شمسها وقمرها ونجومها (٤).\n﴿مُعْرِضُونَ﴾ لا يتدبرونها، ولا يتفكرون فيها، فيعلموا (٥) أن خالقها لا شريك له.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2601>٣٣ </span>- قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ﴾ إلى قوله: ﴿كُلُّ﴾ يعني الطوالع كلها.\n﴿فِي فَلَكٍ﴾ قال الليث: الفلك في الحديث (٦) دوران (٧) السماء. وهو\n_________\n(١) رواه الطبري ١٧/ ٢٢، وأبو الشيخ في \"العظمة\" ٣/ ١٠٣٨. وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٥/ ٦٢٧ وعزاه لابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جريج وابن أبي حاتم وابن المنذر وأبي الشيخ.\n(٢) انظر: \"تنوير المقباس\" ص ٢٠١.\n(٣) في (د)، (ع): (آياتنا)، وهو خطأ في الآية.\n(٤) انظر: \"الطبري\" ١٧/ ٢٢، \"تنوير المقباس\" ص ٢٠١، القرطبي ١١/ ٢٨٥.\n(٥) في (ع): (فيعلمون)، وهو خطأ.\n(٦) في \"تهذيب اللغة\" ١٠/ ٢٥٤: جاء في الحديث أنه دوران السماء. والمراد بالحديث ما رواه أبو عيد في غريب الحديث ٤/ ٩٦: أن رجلًا أتى رجلًا وهو جالس عند عبد الله بن مسعود فقال: إني تركت فرسك يدور كأنه في فلك، قال عبد الله للرجل: اذهب فافعل به كذا وكذا.\n(٧) في (أ): (دور).","vol":"15","page":64},{"text":"اسم الدوران خاصة، وأما المُنجمون فيقولون: سبعة أطواق (١) دون السماء قد رُكِّبت فيها النجوم السبعة، في كل طوق منه (٢) نجم، وبعضها أرفع من بعض، يدور فيها بإذن الله (٣).\nوروى أبو عبيدة عن الأصمعي: الفلك: قطع من الأرض تستدير وترتفع عما حولها (٤)، والواحدة فلكة. قال الراعي:\nإذا جِفْنَ هَوْلَ بُطونِ (٥) البِلادِ ... تَضَمَّنَها فَلَكٌ مُزْهِرُ (٦)\nيَقول: إذا خافت الأدغال (٧) وبطون الأرض ظهرت الفلك (٨).\nوالفلك في كلام العرب: كل شيء مستدير، وجمعه أفلاك، ومنه فَلْكةُ المغزل، وتفلك ثدي الجارية (٩).\n_________\n(١) جمع طوق، وهو: كل ما استدار بشيء.\n\"تهذيب اللغة\" للأزهري ٩/ ٢٤٢ \"طوق\"، \"القاموس المحيط\" ٣/ ٢٥٩.\n(٢) (منه): ساقطة من (د)، (ع)، وفي (أ): (ومنه)، وفي \"تهذيب اللغة\" للأزهري ١٠/ ٢٥٤ منها.\n(٣) قول الليث في \"تهذيب اللغة\" للأزهري ١٠/ ٥٤ \"فلك\". وهو في \"العين\" ٥/ ٣٧٤ \"فلك\" مع اختلاف يسير، وليس فيه: في الحديث. وما ذكره الليث عن المنجمين لا دليل عليه من كتاب أو سنة صحيحة أو مشاهدة.\n(٤) في (أ): (حوله).\n(٥) هكذا في (أ)، (ت) والمطبوع من ديوان الراعي بطبعتيه -طبعة راينهرت فايبرت ص ١٠٧، وطبعة نوري القيسي وهلال ناجي ص ٢٠٨. وفي (د)، (ع): (إذا خفن هولا بطول)، وفي المطبوع من \"تهذيب اللغة\" للأزهري ١٠/ ٢٥٤: (بصون).\n(٦) البيت في \"ديوانه\" ص ٢٠٨، \"تهذيب اللغة\" للأزهري ١٠/ ٢٥٤. \"فلك\"، واللسان ١٠/ ٤٧٨: (فلك).\n(٧) في جميع النسخ: (الإدخال)، والتصويب من \"تهذيب اللغة\" و\"اللسان\".\n(٨) رواية أبي عبيد عن الأصمعي في \"تهذيب اللغة\" ١٠/ ٢٥٤.\n(٩) انظر: (فلك) في: \"الصحاح\" ٤/ ١٦٠٤، \"لسان العرب\" ١٠/ ٤٧٨.","vol":"15","page":65},{"text":"هذا (١) معنى الفلك في قول أهل اللغة.\nوأما المفسرون، فقال السدي في قوله: ﴿كُلٌّ فِي فَلَكٍ﴾: كل في مجرى واستداره (٢).\nوقال الكلبي: الفلك استدارة السماء، وكل شيء استدار فهو فلك (٣).\nوعلى هذا المراد بالفلك: السماء، والسماء مستديرة، والنجوم تدور فيها وهذا معنى قول مجاهد: كهيئة حديدة الرحى (٤) (٥).\nيريد: أن النجوم تسير وتجري حول القطب (٦) كدوران (٧) الرحى على حديدته (٨).\nوعلى (٩) هذا معنى قول أكثرُ المفسرين، قالوا: الفلك مدار النجوم الذي يضمها (١٠).\n_________\n(١) في (ت): (وهذا).\n(٢) ذكر الماوردي ٣/ ٤٤٥ عن السدي قال: الفلك: السماء.\n(٣) ذكر الأزهري في \"تهذيب اللغة\" ١٠/ ٢٥٤، والبغوي ٥/ ٣١٧ عن الكلبي الشطر الأول منه. وروي عبد الرزاق في \"تفسيره\" ٢/ ٢٤ عن الكلبي الشطر الثاني منه. وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ٦٢٧ وعزاه لعبد الرزاق وابن المنذر.\n(٤) الرَّحى: هي الحجر التي يطحن بها. \"لسان العرب\" ١٤/ ٣١٢ (رحا).\n(٥) رواه الطبري ١٧/ ٢٢، وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٥/ ٦٢٨ وعزاه لابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(٦) القُطْب: كوكب بين الجدي والفرقدين. قيل: وهو كوكب صغير أبيض، لا يبرح مكانه أبدًا، والجدي والفرقدان تدور عليه. \"الصحاح\" للجوهري ١/ ٢٠٤ (قطب)، \"لسان العرب\" ١/ ٦٨٢ (قطب).\n(٧) في (ع): (كودان).\n(٨) في (د)، (ع): (حديدة).\n(٩) في (أ)، (ت): (وهذا) معنى.\n(١٠) هذا قول الثعلبي ٣/ ٢٩ أبنصّه.","vol":"15","page":66},{"text":"وقال الحسن: الفلك طاحونة [كهيئة فَلْكة المغزل (١).\nيريد أن الذي يجري فيه النجوم مستدير كاستدارة الطاحونة] (٢).\nوقال ابن زيد: الفلك الذي بين السماء والأرض [من] (٣) مجاري النجوم والشمس والقمر (٤).\nوهذا كقول المنجمين، جعلوا الفلك في السماء.\nوقال أبو عبيدة: الفلك: القطب الذي تدور به النجوم (٥).\nوهذا القول بعيد؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ فيجب أن يكون الفلك اسمًا لما يتضمن النجوم وتجري فيه، ويكون مدورًا.\nوقوله تعالى: ﴿يَسْبَحُونَ﴾ أي: يجرون بسرعة كالسابح في الماء، وقد قال في موضع آخر في صفة النجوم: ﴿وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا﴾ [النازعات: ٣]، والسبح لا يختص بالجري في الماء فقد يقال للفرس الذي يمد يديه في الجري (٦): سابح (٧)، ومنه قول الأعشى:\n_________\n(١) ذكره البخاري تعليقًا في صحيحه (كتاب التفسير- سورة الأنبياء ٨/ ٤٣٥) ووصله ابن حجر في \"تغليق التعليق\" ٤/ ٢٥٧ فقال: قال ابن عيينة في تفسيره عن عمرو، عن الحسن في قوله \"كل في فلك يسبحون\" قال: مثل فلكة المغزل تدور.\n(٢) ما بين المعقوفين ساقط من (أ).\n(٣) زيادة من الطبري ١٧/ ٢٣، والدر المنثور.\n(٤) رواه الطبري ١٧/ ٢٣، وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٥/ ٦٢٧ وعزاه لابن جرير وابن أبي حاتم.\n(٥) \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ٢/ ٣٨.\n(٦) في (أ)، (ت): (البحر)، وما أثبتناه من (د)، (ع) هو الصحيح والموافق لما في \"تهذيب اللغة\".\n(٧) \"تهذيب اللغة\" للأزهري ٤/ ٣٣٨ (سبح)، بتصرف.","vol":"15","page":67},{"text":"وَسَابحٍ ذِي مَيْعَةٍ (١) ضَامِر (٢)\nوتَوهَّم بعضهم أن السبح يختص بالسير في الماء، فجعل الفلك موجًا من الماء تسير فيه النجوم لما رأى قوله: ﴿يُسَبحُونَ﴾ (٣).\nوحكى الفراء هذا القول في \"تفسير الفلك\" (٤).\nولما وصف النجوم بفعل ما يعقل (٥) جُمِعَ (٦) فعلها جَمْعَ فعل ما يعقل، قال أبو إسحق: قيل ﴿يَسْبَحُونَ﴾ هو كما يقال لما يعقل: لأنَّ هذه الأشياء وصفت بالفعل (٧) كما يوصف ما يعقل، كما قالت العرب -في رواية جميع النحويين-: \"أكلوني البراغيث\" لما وصفت بالأكل قيل:\n_________\n(١) في (أ)، (ت): (منعة)، والمثبن من (د)، (ع). وهو الموافق لما في \"تهذيب اللغة\"، وديوان الأعشى.\n(٢) هذا عجز البيت، وصدره:\nكم فيهم من شَطْبَة خَيْفق\nوهو في \"ديوانه\" ص ٤١٧، وفيه: ضابر، و\"تهذيب اللغة\" للأزهري ٤/ ٣٣٨ \"سبح\"، و\"اللسان\" ٢/ ٤٧١ (سبح). وهو أحد أبيات قصيدة يفضل فيها عامر بن الطفيل على علقمة بن علاثة في المنافرة التي جرت بينهما. والمعنى: كم فيهم من جواد سابح نشيط سابق. انظر: \"لسان العرب\" ٨/ ٣٤٥ (ميع)، \"القاموس المحيط\" ٢/ ٧٦، \"ديوان الأعشى مع التعليق عليه\" ص ٤١٧.\n(٣) هذا قول الكلبي، فقد ذكر الرازي ٢٢/ ١٦٧ أنه قال: الفلك ماء تجري فيه الكواكب، واحتج بأن السباحة لا تكون إلا في الماء. ثم ردّ عليه بقوله: لا يسلم فإنه يقال في الفرس يمد يديه في الجري: سابح.\n(٤) انظر: \"معاني القرآن\" ٢/ ٢٠١.\n(٥) في (ع): (ما تعقل).\n(٦) جمع: ساقطة من (ع).\n(٧) في (ع): (بالعقل).","vol":"15","page":68},{"text":"أكلوني (١)، وأنشد للجعدي:\nتَمرَّزْتُها والدِّيكُ يدعو صباحَه ... إذا ما بَنوُ نَعَش دَنَوْا فَتَصَوَّبُوا (٢)\nوهذا قول أبي عبيدة (٣)، والفراء (٤)، والمبرد، وجميع أهل اللغة (٥). وذكرنا هذا عند قوله: ﴿رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ [يوسف: ٤].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2602>٣٤ </span>- قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ﴾ الخلد: اسم من الخلود، وهو البقاء الدائم (٦).\nيقول: ما خلَّدنا قبلك أحدًا من بني آدم. يعني أن سبيله سبيل من مضى قبله من الرسل ومن بني آدم في الموت.\n﴿أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ موضع الاستفهام قوله: ﴿فَهُمْ﴾، ولكنه\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٩١ مع اختلاف يسير.\n(٢) البيت أنشده الزجاج في \"معاني القرآن\" ٣/ ٣٩١ من غير نسبة، وروايته فيه:\nشربت بها والديك يدعو صباحه\nوهو في مجاز القرآن لأبي عبيدة ٢/ ٣٨، \"لسان العرب\" ٦/ ٣٥٥ (نعش) بمثل رواية الواحدي منسوبًا للجعدي. وفي \"ديوانه\" ص ٤ والكتاب لسيبويه ٢/ ٤٧ بمثل رواية الزَّجاج. وفي \"معاني القرآن\" للأخفش ٢/ ٦٤٤: بكرتها والديك .. من غير نسبة. قال السيرافي في \"شرح أبيات سيبويه\" ١/ ٤٧٦: تمززتها: شربنها قليلًا قليلًا، وقوله: يدعو صباحه: أي: يدعو في وقت إصباحه، وقوله: دنوا: مالت بنات نعش إلى جانب السماء. اهـ. قال ابن منظور ٦/ ٣٥٥: وبنات نعش: سبعة كواكب.\n(٣) انظر: \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ٢/ ٣٨.\n(٤) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٠١.\n(٥) كالخليل وسيبويه وغيرهما. انظر \"الكتاب\" ٢/ ٤٧، \"إعراب القرآن\" للنحاس ٣/ ٦٩ - ٧٥، \"إعراب القرآن\" لابن الأنباري ٢/ ١٦.\n(٦) انظر: (خلد) في \"تهذيب اللغة\" للأرهري ٧/ ٢٧٧، \"الصحاح\" للجوهري ٢/ ٤٦٩، \"لسان العرب\" ٣/ ١٦٤.","vol":"15","page":69},{"text":"قدم إلى أول الكلام، وذكرنا هذا عند قوله: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ﴾ (١).\nوالمعنى: إن مت أفهم الخالدون؟ استفهام إنكاري، أي: لا يخلدون، يعني مشركي مكة حين قالوا: نتربص بمحمد ريب المنون. فقيل لهم: إن مات محمد فأنتم أيضًا تموتون (٢).\nوهو (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2604>٣٥ </span>- قوله تعالى (٤): ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾.\nوالإضافة في ﴿ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ في تقدير الانفصال؛ لأنه لما يستقبل ولكن عاقبن الإضافة التنوين. والمعنى على التنوين كقوله: ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ﴾ [المائدة: ١]، ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥].\nوقد أحكمنا هذا الفصل في سورة النساء عند قوله: ﴿ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [النساء: ٩٧].\nوقوله تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ قال الوالبي،\n_________\n(١) الأنبياء: ٢١. ولم يتقدم البحث عند هذه الآية.\n\n(٢) ذكر ذلك الثعلبي في \"الكشف والبيان\" ٣/ ٢٩ ب، والبغوي ٥/<span data-type=\"title\" id=toc-2603> ٣١</span>٨. وقيل إن سبب هذه الآية أن بعض المسلمين قال: إن محمدًا لن يموت، وإنما هو مخلد، فأنكر ذلك رسول الله -صلي الله عليه وسلم - ونزلت. وهذا قول مقاتل. وقيل: إن سبب الآية أن كفار مكة طعنوا على النبي -صلي الله عليه وسلم - بأنه بشر، وأنه يأكل الطعام ويموت، فكيف يصح إرساله. فنزلت الآية. وهذه الأقوال لا تعتمد على رواية صحيحة، فالله أعلم. انظر: \"المحرر الوجيز\" لابن عطية ١٠/ ١٤٥، \"تفسير الرازي\" ٢٢/ ١٦٩، \"البحر المحيط\" لأبي حيان ٦/ ٣١٠.\n(٣) (وهو): ساقط من (أ).\n(٤) (تعالى): زيادة من (أ).","vol":"15","page":70},{"text":"عن ابن عباس: أي: نبتليكم بالشدة والرخاء، والصحة والسقم، والغنى والفقر، والحلال والحرام، وكلها بلاء (١).\nوقال ابن زيد: نبلوكم بما تحبون وما تكرهون، لننظر كيف شكركم وصبركم فيما تحبون وفيما تكرهون (٢).\nوقال الكلبي: ﴿بِالشَّرِّ﴾ بالفقر والبلايا ﴿وَالْخَيْرِ﴾ بالمال والولد.\n﴿فِتْنَةً﴾ قال ابن عباس: يريد اختبارًا مني ﴿وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ تردون للجزاء بالأعمال حسنها وسيئها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2605>٣٦ </span>- قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قال ابن عباس: يعني المستهزئين.\n[وهم الذين ذكرناهم في قوله: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ (٣)] (٤).\n﴿إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا﴾ أي: ما يتخذونك إلا مهزوا به، كقوله: ﴿أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا﴾ [البقرة: ٦٧] وقد مرَّ.\nوقال السدي: نزلت في أبي جهل، مرَّ به النبي -صلي الله عليه وسلم- فضحك، وقال:\n_________\n(١) رواه الطبري ١٧/ ٢٥، وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٥/ ٦٢٩ وعزاه لابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم واللالكائي في السنة.\n(٢) رواه الطبري ١٧/ ٢٥ بنحوه.\n(٣) الحجر: ٩٥. قال الواحدي في \"البسيط\": (إنا كفيناك المستهزئين) بك، وهم خمسة نفر من المشركين: الوليد بن المغيرة. والعاص بن وائل وعدي بن قيس والأسود بن المطلب والأسود بن عبد يغوث. سلط الله عليهم جبريل حتى قتل كل واحد منهم أي: بآفة وكفى نبيه شرهم. هذا قول عامة المفسرين. اهـ. والأولى أنها عامة في كل مستهزئ.\n(٤) ساقط من (د)، (ع).","vol":"15","page":71},{"text":"هذا (١) نبي بني عبد مناف (٢) (٣).\nوقوله تعالى: ﴿أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ﴾ [فيه إضمار القول (٤)، وهو جواب إذا (٥).\nوقوله تعالى: ﴿إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا﴾ كلام معترض بين إذا وجوابه.\nقال ابن عباس في قوله: ﴿يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ﴾] (٦): يعيب أصنامكم. ونحوه قال الكلبي (٧).\n_________\n(١) (هذا): ساقطة من (أ)، (ت).\n(٢) بنو عبد مناف بطن من بطون قريش، من العدنانية. وهم بنو عبد مناف -ومناف اسم صنم وأصل اسم عبد مناف المغيرة- بن قصي بن كلاب بن مرة. ومن أفخاد بني عبد مناف: بنو هاشم وبنو المطلب وبنو عبد شمس وبنو نوفل. وكان بنو هاشم وبنو عبد شمس متقاسمين رئاسة بني عبد مناف. انظر: \"نسب قريش\" للمصعب الزبيري ص ١٤ - ١٥، \"البداية والنهاية\" ٢/ ٢٥٤ - ٢٥٥، \"نهاية الأرب في معرفة أنساب العرب\" للقلقشندي ص ٣١١، \"معجم قبائل العرب\" لكحالة ٢/ ٧٣٥.\n(٣) رواه ابن أبي حاتم كما في \"الدر المنثور\" ٥/ ٦٣٠. وهي رواية ضعيفة، لأنها مرسلة، فلا يعتمد كونها سببًا لنزول هذه الآية. وقال الألوسي ١٧/ ٤٨: وأنا أرى أن القلب لا يثلج لكون هذا سببا للنزول. اهـ. قال ابن عطية ١٠/ ١٤٨: وظاهر الآية أن كفار مكة وعظماءهم يعمهم هذا المعنى من أنهم ينكرون أخذ رسول الله -ﷺ- في أمر آلهتهم، وذكره لهم بفساد.\n(٤) في (د)، (ع): (من القول)، والمعنى: أن فيه إصمار \"يقولون\"، فيكون المعنى: وإذا رآك الذين كفروا -إن يتخذونك إلا هزوا- يقولون: أهذا ...\n(٥) وفي جواب إذا وجه آخر وهو \"إن\" النافية وما في حيزها في قوله \"إن يتخذونك\" واستظهره أبو حيان. انظر: \"البحر المحيط\" ٦/ ٣١٢. \"الدر المصون\" ٨/ ١٥٥.\n(٦) ما بين المعقوفين ساقط من (أ).\n(٧) ذكر ابن الجوزي ٥/ ٣٥٠ هذا القول من غير نسبة. وانظر. \"تنوير المقباس\" ص ٢٠٢.","vol":"15","page":72},{"text":"قال الفراء: وأنت قائل للرجل: لئن ذكرتني لتندمنّ. وأنت تريد: بسوء، فيجوز ذلك. وأنشد قول عنترة:\nلا تذكري فرسي وما أطْعَمْتُهُ ... فيكون جلدك مثل جلد الأجرب (١)\nأي: لا تعيبي (٢) مهري فجعل الذكر عيبًا (٣).\nوقال أبو إسحاق: يقال: فلان يذكر الناس، أي: يغتابهم، ويذكرهم بالعيوب. [ويقال: فلان يذكر الله، أي: يصفه بالعظمة، ويثني عليه] (٤). وإنّما يحذف مع الذكر ما عقل معناه (٥).\nوقال أهل المعاني: الذكر لا يكون بمعنى العيب (٦) في كلام العرب، وحيث يراد به العيب حذف منه السوء (٧). كما (٨) قال الزَّجَّاج؛ فلان يذكر الناس أي: يذكر مساوءهم وعيوبهم.\n_________\n(١) البيت في \"ديوانه\" ص ٢٧٢: لا تذكري مهري ...\nوفي \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٠٣: لا تذكري مهري ... جلد الأشهب.\nوفي \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٩٢ من غير نسبة: وفيه: (لونك) في موضع (جلدك).\nوعند الطبري ١٧/ ٢٥: لا تذكري مهري ... الأجرب.\nوهو من قصيدة يقولها لامرأة له تذكر خيله وتلومه في فرس كان يؤثرها. انظر: \"شرح ديوان\" عنترة للشنتمري ص ٢٧٢.\n(٢) في (أ)، (ت): (تعيين)، وعند الفراء في \"معانيه\" ٢/ ٢٠٣: لا تعيبين بأثرة مُهري.\n(٣) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٠٣.\n(٤) ساقط من (ع).\n(٥) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٩٢.\n(٦) في (أ)، (ت): (اللعب)، وهو خطأ.\n(٧) في (د)، (ع): (بشر).\n(٨) (كما): ساقطة من (أ)، (ت).","vol":"15","page":73},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ﴾ وذلك أنهم قالوا ما نعرف الرحمن (١).\nقال صاحب النظم: \"هم\" الثانية (٢) اختصاص، أي أنَّهم كافرون دون غيرهم، كما تقول في الكلام إذا قيل لك: [إنَّ زيدًا قال لك] (٣): إنك ظالم، فقلت: بل زيدٌ هو ظالم. فهو اختصاص له من بين غيره لهذا الوصف (٤).\nوقيل (٥): إنّه تأكيدٌ للكافرين، فقد (٦) وصفهم الله بغاية الجهل حيث هزئوا ممن جحد إلهية (٧) من (٨) لا نعمة له (٩)، وهم يجحدون إلهية مَنْ كُلُّ\n_________\n(١) قال ابن عطية في \"المحرر\" ١٠/ ١٤٨: وظاهر الكلام أن \"الرحمن\" قصد به العبارة عن الله تعالى، كما لو قال: وهم بذكر الله، وهذا التأويل أغرق في ضلالهم وخطئهم. وقال ابن جزي ٣/ ٥٥: \"وهم كافرون\" والجملة في موضع الحال، أي: كيف ينكرون ذمك لآلهتهم وهم يكفرون بالرحمن، فهم أحق بالملامة، وقيل -فذكر سبب النزول- ثم قال: والأولى أغرق في ضلالهم. وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي ٣/ ٢٧٩: وفي ذكر اسمه الرحمن هنا بيان لقباحة حالهم، وأنهم كيف قابلوا الرحمن -مسدي النعم كلها، ودافع النقم الذي ما بالعباد من نعمة إلا منه، ولا يدفع السوء إلا هو- بالكفر والشرك. اهـ\n(٢) في (ت): (البائنة)، وهو خطأ.\n(٣) ساقط من (أ)، (ع).\n(٤) ذكر الرازي ٢٣/ ١٧٠ هذا المعنى باختصار.\n(٥) انظر: \"تفسير الرازي\" ٢٣/ ١٧٠، \"البحر\" ٦/ ٣١٢، \"الدر المصون\" ٨/ ١٥٥.\n(٦) في (د)، (ع): (وقد).\n(٧) في (د)، (ع): (الإلهية).\n(٨) في (ع): (ممن).\n(٩) في (أ)، (ت) زيادة: (وهم يجحدون إلهية من لا نعمة له)، وهي خطأ.","vol":"15","page":74},{"text":"نعمة فهي منه (١) (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2606>٣٧ </span>- قوله تعالى: ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾.\nاختلف المفسرون في تفسير هذه الآية: فذهب كثيرٌ منهم إلى أن المراد بالإنسان هاهنا: آدم. وقالوا: لما نفخ فيه الروح لم تبلغ رجليه حتى استعجل، وأهوى إلى عنقود من عنب الجنة ليأكل منه، وأراد الوثوب قبل أن تبلغ الروح رجليه عجلان، وأورث أولاده العجلة. وهذا قول عكرمة (٣)، وسعيد بن جبير (٤)، والسدي (٥)، والكلبي (٦).\nوقال آخرون: معناه: خلق الإنسان من تعجيل في خلق الله إياه، وذلك أن الله تعالى خلق آدم في آخر النهار من يوم الجمعة قبل غروب الشمس، فأسرع في خلقه قبل مغيبها.\nوهذا مذهب مجاهد، قال؛ خلق الله آدم بعد كل شيء آخر النهار، فلما أحيا الروح رأسه (٧) ولم تبلغ أسفله قال: يا رب استعجل بخلقي قبل غروب الشمس (٨). وهذا القول اختيار قطرب قال: في قوله: ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ\n_________\n(١) في (أ): (فهي منه ومنه)، وفي (ت): (فهي منه منه).\n(٢) انظر: القرطبي ١١/ ٢٨٨.\n(٣) ذكره عنه السيوطي في \"الدر المنثور\" ٥/ ٦٣٠ وعزاه لسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(٤) رواه الطبري: ١٧/ ٢٦، وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\": ٥/ ٦٣٠ وعزاه لابن جرير وابن أبي حاتم.\n(٥) رواه الطبري ١٧/ ٢٦.\n(٦) نسبه للكلبي: الماوردي في \"النكت والعيون\" ١/ ٤٤٧.\n(٧) في (د)، (ع): زيادة (ووصلت إلى)، وما في (أ)، (ت). هو الموافق لما في تفسير الثعلبي.\n(٨) تفسير الثعلبي ٣/ ٢٩ ب.","vol":"15","page":75},{"text":"مِنْ عَجَلٍ﴾ أي: من سرعة الأمر في خلقه (١).\nوقال قتادة: ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ قال: خلق عجولًا (٢).\nوهذا القول اختيار جميع أهل اللغة (٣) والمعاني. والإنسان هاهنا اسم الجنس.\nقال الفراء: ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ كأنك قلت: بنيته وخلقته من العجل (٤) وعلى العجلة (٥).\nوقال الزجاج: خوطبت العرب بما تعقل، والعرب تقول للذي يكثر الشيء: خلقت منه، كما تقول: أنت من لعب [وخلقت من لعب] (٦)، تريد المبالغة بوصفه باللعب، ويدل على هذا المعنى قوله تعالى: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا﴾ [الإسراء: ١١] (٧).\nوقال المبرد: ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ أي: من شأنه العجلة (٨).\nوهذه ثلاثة أقوال عليها أهل التفسير والمعاني.\n_________\n= وقد رواه الطبري ١٧/ ٢٦، وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" وعزاه لابن شيبة وعبد بن حميد وابن جريج وابن أبي حاتم وابن المنذر وأبي الشيخ في \"العظمة\".\n(١) لم أجد هذا القول عن قطرب. وقد ذكر الشريف الرضي في \"الأمالي\" ١/ ٤١٦ عن قطرب أنه أجاب بأن في الكلام قلبا، وأن المعنى: خلق العجل من الإنسان.\n(٢) رواه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ٢/ ٢٤.\n(٣) (اللغة): ساقطة من (أ)، (ت).\n(٤) عند الفراء: العجلة.\n(٥) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٠٣.\n(٦) ما بين المعقوفين ساقط من (أ)، (ت).\n(٧) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٩٢. مع تقديم وتأخير.\n(٨) لم أجد من ذكره عنه.","vol":"15","page":76},{"text":"وقال أبو عبيدة: تأويل الآية على القلب، أي: خلق العجل من الإنسان (١).\nولا وجه لحمله على القلب مع ماله على (٢) الاستواء من المعنى المفهوم (٣).\nوقال نفطويه: قال بعض الناس: ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ أي: من طين، وأنشد (٤):\nوالنبع ينبت بين الصخر (٥) ضاحية ... والنخل ينبت بين الماء والعجل\n_________\n(١) \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ٢/ ٣٨، ولفظه: مجازه مجاز: خلق العجل من الإنسان.\n(٢) في (د)، (ع): (من).\n(٣) وقد ردّ ذلك أيضًا الإمام الطبري، فقال في \"تفسيره\" ١٧/ ٢٧: وفي إجماع أهل التأويل على خلاف هذا القول الكفاية المغنية عن الاستشهاد على فساده بغيره. اهـ.\n(٤) عجز هذا البيت في \"تهذيب اللغة\" للأزهري ١/ ٤٦٩ \"عجل\"من إنشاد نفطويه، من غير نسبة لأحد. والبيت في \"غريب القرآن وتفسيره\" لليزيدي ص ٢٥٥، من غير نسبة، وروايته فيه:\nالنبع في الصخرة الصماء منبته ... والنخل منبته في السهل والعجل\nو\"أمالي المرتضى\" ١/ ٤٦٩ وروايته:\nوالنبع ينبت بين الصخر ضاحية ... والنخل ينبت بين الماء والعجل\nثم قال المرتضى ١/ ٤٧٠: وقد رواه ثعلب، عن ابن الأعرابي، وخالف في شيء من ألفاظه، فرواه:\nالنبع في الصخرة الصماء منبته ... والنخل منبته في السهل والعجل\nو\"اللسان\" ١١/ ٤٢٨ \"عجل\" بمثل رواية ثعلب، عن ابن الأعرابي، وعجزه في \"الكشاف\" ٢/ ٥٧٣ ثم قال: والله أعلم بصحته. والنغ: شجر تتخذ منه الفسي، وهو من أشجار الجبال، الواحدة منه نبعه. \"لسان العرب\" ٨/ ٣٤٥ (نبع).\n(٥) في جميع النسخ: (النخل)، وهو خطأ، والصواب ما أثبتنا.","vol":"15","page":77},{"text":"قال: وليس عندي في هذا حكايته عمن يرجع إليه. [هذا كلامه] (١) (٢).\nوالعجل بمعنى الطين قد حكي من (٣) كلام العرب. رواه أبو عمر، عن أبي العباس (٤)، عن ابن الأعرابي (٥). [وهو صحيح ولكنه لا يصح تفسير] (٦) هذه الآية به، ولا يليق بالمعنى المراد من الآية.\nوتأويل الآية: خلق الإنسان عجولًا، ولذلك (٧) يستعجل ربه بالعذاب.\nومن قال معنى الآية: إن آدم خلق على عجلة - يقول: إنَّ ذلك أورثه وأولاده العجلة، فاستعجلوا (٨) في كل شيء حتى العذاب.\nوالآية نازلة في أهل مكة حين استعجلوا العذاب. قال ابن عباس -في رواية عطاء-: ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ يريد: النَّضْر بن الحارث، وهو الذي قال: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ﴾ [الأنفال: ٣٢] الآية (٩).\n_________\n(١) بياض في (ت).\n(٢) قول نفطويه في \"تهذيب اللغة\" للأزهري ١/ ٣٦٩ (عجل) وفيه تسميته بابن عرفه.\n(٣) في (د)، (ع): (في).\n(٤) في (أ)، (ت): (ابن عباس)، وهو خطأ.\n(٥) ذكر هذه الرواية من هذا الطريق الأزهري في \"تهذيب اللغة\" ١/ ٣٦٩ \"عجل\".\n(٦) ما بين المعقوفين بياض في (ت).\n(٧) في (أ)، (ت): (وكذلك)، وهو خطأ.\n(٨) في (أ)، (ت): (واستعجلوا).\n(٩) ذكره ابن الجوزي ٥/ ٣٥١، والرازي ٢٢/ ١٧١ من رواية عطاء عن ابن عباس. وذكره الزمخشري ٢/ ٥٧٣ منسوبًا إلى ابن عباس. وهذه الرواية عن ابن عباس باطلة كما تقدم، ولذا استظهر الزمخشري والرازي وأبو حيان وغيرهم أن المراد بالإنسان هنا: الجنس. قال الرازي ٢٢/ ١٧١: وهذا القول يعني القول بأن المراد بالإنسان الجنس - أولى؛ لأن الغرض ذم القوم، وذلك لا يحصل إلا إذا حملنا =","vol":"15","page":78},{"text":"وقوله تعالى: ﴿سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ﴾ قال (١): يريد القتل ببدر (٢).\n﴿فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ﴾ أي أنه نازل بكم. قال ابن عباس: وهو تهديد ووعيد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2607>٣٨ </span>- ﴿وَيَقُولُونَ﴾ يعني المشركين ﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ﴾ الذي تعدنا أنا نعذب.\nقال ابن عباس: يريدون (٣) وعد القيامة (٤) ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ أنا نعذب.\n_________\n= الإنسان على النوع. وقال أبو حيان ٦/ ٣١٣: والذي ينبغي أن تحمل الآية عليه هو القول الأول؛ لأنه المناسب لآخرها.\n(١) يعني ابن عباس.\n(٢) ذكره ابن الجوزي ٥/ ٣٥٢ ونسبه إلى مقاتل. وذكر الرازي ٢٢/ ١٧٢ ثلاثة أقوال في الآية:\nأحدها: أنها هي الهلاك المعجل في الدنيا والعذاب في الآخرة، ولذلك قال: \"فلا تستعجلون\" أي: أنها ستأتي لا محالة في وقتها.\nثانيهما: أنها أدلة التوحيد وصدق الرسول.\nثالثهما: أنها آثار القرون الماضية بالشام واليمن. ثم قال الرازي: والأول أقرب إلى النظم. وذكر أبو حيان في \"البحر\" ٦/ ٣١٣ الأقوال التي ذكرها الرازي ثم قال: والأول أليق، أي: سيأتي ما يسوؤكم إذا متم على كفركم، كأنه يريد يوم بدر وغيره في الدنيا والآخرة. ا. هـ والأظهر أن المراد بالآيات ما توعدهم الله من العذاب في الدنيا كما قال تعالى ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتًا أَوْ نَهَارًا مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ﴾ [يونس: ٥٠] ويدخل فيه ضمنا يوم بدر وغيره. والعذاب في الآخرة كما قال تعالى في ﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٥٤] وكما قال تعالى في هذه الآيات بعد ذلك ﴿لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ﴾ الآيات. وقوله ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ﴾ [القمر: ٤٦].\n(٣) في (د)، (ع): (يريد)، وما أثبتنا من (أ)، (ت). وهو الصواب.\n(٤) ذكره الثعلبي في \"الكشف والبيان\" ٣/ ٢٩ ب، وابن الجوزي ٥/ ٣٥٢، والقرطبي ١١/ ٢٨٩ من غير نسبة. والأظهر أنهم يريدوت كل ما وعدهم به رسول الله -ﷺ- والمؤمنون في الدنيا والآخرة.","vol":"15","page":79},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2608>٣٩ </span>- فقال الله تعالى: ﴿لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ﴾ العلم هاهنا بمعنى (١) المعرفة، فلا يقتضي (٢) مفعولًا (٣) ثانيًا، و﴿حِينَ﴾ نصب بوقوع العلم عليه، أي: لو عرفوا ذلك الوقت وذلك الحين (٤).\n﴿لَا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ﴾ [قال ابن عباس: يريد ساعة يدخلون النار] (٥). ﴿وَلَا عَنْ ظُهُورِهِمْ﴾ لإحاطتها بهم ﴿وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾\n_________\n(١) بمعنى: ساقطة من (ع).\n(٢) في (ع): (ينقضي)، وفي (د): (بنقفي مهملة).\n(٣) في (د)، (ع): (معروفا)، وهو خطأ.\n(٤) في \"يعلم\" في هذه الآية ومفعوله ثلاثة أوجه:\nأحدها: ما ذكره الواحدي هنا، أن \"يعلم\" عرفانية فهي تتعدي إلى مفعول واحد، ومفعول \"يعلم\" هو \"حين\"، فالحين منصوب على أنه مفعول به، وليس منصوبا على الظرفية، ويكون التقدير مثل ما قدره الواحدي أي: لو يعرفون حين وقوع العذاب بهم، ونحو ذلك.\nثانيهما: ما ذكره الزمخشري وغيره أن فعل \"يعلم\" منزل منزلة اللازم، فهو متروك بلا تعدية والغرض منه إثبات الفعل لفاعله، مع قطع النظر عن اعتبار تعلق الفعل بمن وقع عليه، والمعنى: لو كان معهم علم ولم يكونوا جاهلين لما كانوا مستعجلين. فلم يعتبر هنا ودوع العلم على معلومات من اتصف بذلك العلم. وعلى هذا فـ\"حين\" منصوب بمضمر، أي: حين لا يكفون عن وجوههم النار يعلمون أنهم كانوا على باطل.\nوثالثهما: ما ذكره أبو حيان: أن مفعول \"يعلم\" محذوف للدلالة ما قبله أي: لو يعلم الذين كفروا مجيء الموعود الذي سألوا عنه واستعجلوه، و\"حين\" منصوب بالمفعول الذي هو مجيء.\nواستظهر أبو حيان هذا الأخير، واستظهر الشنقيطي الأول.\nانظر: \"الكشاف\" للزمخشري ٢/ ٥٧٣، \"البحر المحيط\" لأبي حيان ٩/ ٣١٣، \"الدر المصون\" للسمين الحلبي ٨/ ١٥٨ - ١٥٩، \"أضواء البيان\" للشنقيطي ٤/ ٥٧٥ - ٥٧٦.\n(٥) ما بين المعقوفين ساقط من (د)، (ع).","vol":"15","page":80},{"text":"يمنعون مما نزل بهم.\nوجواب \"لو\" محذوف، على تقدير: لو علموا ذلك ما استعجلوا ولا قالوا متى هذا الوعد.\n[وقال الزَّجَّاج: وجواب \"لو\" محذوف، المعنى: لعلموا صدق الوعد؛ لأنهم قالوا ﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ﴾] (١) (٢).\nوجعل الله الساعة موعدهم فقال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2609>٤٠ </span>- قوله: ﴿بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً﴾ قال ابن عباس: فجأة (٣). يعني القيامة (٤).\n﴿فَتَبْهَتُهُمْ﴾ قال عطاء، عن ابن عباس: تصيبهم البهتة (٥).\nقال الزَّجَّاج: فتحيّرهم (٦).\n_________\n(١) ما بين المعقوفين ساقط من (أ)، (ت).\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" للزجاج ٣/ ٣٩٢ - ٣٩٣. قال ابن عطية ١٠/ ١٥٣: حذف جواب \"لو\" إيجازًا لدلالة الكلام عليه، وأبهم قدر العذاب لأنه أبلغ وأهيب من النص عليه. وقال ابن عاشور في كتابه \"التحرير والتنوير\" ١٧/ ٧٠: وحذف جواب \"لو\" كثير في القرآن، ونكتته تهويل جنسه فتذهب نفس السامع كل مذهب.\n(٣) مثله في \"تنوير المقباس\" ص ٢٠٢. وذكر الطبري ١٧/ ٢٩، \"الكشف والبيان\" للثعلبي ٣/ ٢٩ ب، \"المحرر الوجيز\" لابن عطية ١٠/ ١٥٣.\n(٤) ذكره القرطبي ١١/ ٢٩٠، ثم قال: وقيل: العقوبة، وقيل: النار فلا يتمكنون من حيلة. أهـ.\nوقال الزمخشري ٢/ ٥٧٣: إلى النار أو إلى الوعد؛ لأنه في معنى النار، وهي التي وعدوها، ... أو إلى الحين لأنه في معنى الساعة. قال أبو حيان في \"البحر\" ٦/ ٣١٤: والظاهر أن الضمير عائدٌ إلى الناس.\n(٥) ذكره الثعلبي في \"الكشف والبيان\" ٣/ ٣٠ أعن ابن عباس في قوله \"فتبهتهم\" قال: تفجؤهم.\n(٦) \"معاني القرآن\"، للزجاج ٣/ ٣٩٣.","vol":"15","page":81},{"text":"يقال: بهته يبهته إذا واجهه بشيء يحيّره (١). وذكرنا الكلام فيه عند قوله: ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ [البقرة: ٢٥٨]. ويقال: بهته: أخذه بغتة [بهتا (٢).\nفعلى هذا معنى ﴿فَتَبْهَتُهُمْ﴾ مهو تأخذهم بغتة] (٣): أي: تفجؤهم.\n﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا﴾ صرفها عنهم ﴿وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ يمهلون التوبة أو معذرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2610>٤١ </span>- ثم عزى نبيه ﵇ فقال: ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ أي: كما استهزأ قومك بك ﴿فَحَاقَ﴾ نزل وأحاط ﴿بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ﴾ من الرسل ﴿مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ أي العذاب الذي استهزأوا به وكذبوا به.\n<span data-type=\"title\" id=toc-2611>٤٢ </span>- قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ﴾ يقال: كلأك (٤) الله كلاءة أي: حفظك وحرسك (٥). قال ابن هرمة:\nإنَّ سُليمي واللهُ يَكْلَؤهَا (٦)\n_________\n(١) انظر: \"بهت\" في \"تهذيب اللغة\" للأزهري ٦/ ٤٢١، \"الصحاح\" للجوهري ١/ ٢٤٤ \"لسان العرب\" لابن منظور ٢/ ١٢.\n(٢) انظر: (بهت) في \"تهذيب اللغة\" للأزهري ٦/ ٤٢١، \"الصحاح\" للجوهري ١/ ٢٤٤ \"لسان العرب\" لابن منظور ٢/ ١٢.\n(٣) ما بين المعقوفين ساقط من (ع).\n(٤) في (ت): (كلال).\n(٥) \"تهذيب اللغة\" ١٥/ ٣٦٥ (كلأ) منسوبًا إلى الليث. وهو في كتاب \"العين\" ٥/ ٤٠٧ مادة (كلأ).\n(٦) هذا صدر البيت، وعجزه:\nضنَّت بشيء ما كان يرْزؤها\nوهو في \"ديوانه\" ص ٥٥ و\"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ٢/ ٣٩، والطبري ١٧/ ٣٠، و\"تهذيب اللغة\" للأزهري ١٠/ ٣٦٠ (كلأ).","vol":"15","page":82},{"text":"وقال أبو زيد: اكتلأت من الرجل اكتلاءً، إذا ما احترست منه. ويقال: أكتلأت عيني، إذا حذرت أمرًا فأسهرك (١) فلم تنم (٢).\nوقال المبرد: أكتلأت بهذه الدار إذا تحصَّنت بها وجعلتها تحفظك.\nقال ابن عباس: يريد من يمنعكم (٣) ﴿بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ﴾.\nوقال الكلبي: ﴿مِنَ الرَّحْمَنِ﴾ من عذاب الرحمن (٤).\nقال أبو إسحاق: معناه: من يحفظكم من بأس الرحمن (٥). كما قال: ﴿فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ﴾ [هود: ٦٣] أي: عذاب الله، كما قال في موضع آخر: ﴿فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ﴾ [غافر: ٢٩]. ونحو هذا قال الفراء (٦).\nوالمعنى: من يحفظكم مما يريد الرحمن إحلاله بكم من عقوبات الدنيا والآخرة. وهو استفهام إنكار، أي: لا أحد يفعل ذلك (٧).\nوقال مجاهد في هذه الآية: من يدفع عنكم بالليل والنهار إلا\n_________\n(١) في \"تهذيب اللغة\" ١٠/ ٣٦٢. فسهرت له.\n(٢) \"تهذيب اللغة\" للأزهري ١٠/ ٣٦١ - ٣٦٢ (كلأ) نقلًا عن أبي زيد.\n(٣) ذكره البغوي ٥/ ٣٢٥ منسوبًا إلى ابن عباس. وقد روى الطبري ١٧/ ٢٩ عن ابن عباس قال: يحرسكم.\n(٤) ذكر هذا القول الرازي ٢٢/ ١٧٤، والقرطبي ١١/ ٢٩، والسمين الحلبي في \"الدر المصون\" ٨/ ١٦٠ من غير نسبة لأحد.\n(٥) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٢٩٣.\n(٦) انظر: \"معاني القرآن\" ٢/ ٢٠٤.\n(٧) وعلى هذا يكون المعنى: لا كالئ لكم يحفظكم من عذاب الله البتة إلا الله تعالى؛ أي: فكيف تعبدون غيره؟. وقال أبو حيان في \"البحر\" ٦/ ٣١٤: هو استفهام وتوبيخ. فعلى هذا يكون توجه إليهم بالتقريع والتوبيخ: كيف يصرفون حقوق الذي يحفظهم بالليل والنهار إلى ما لا ينفع ولا يضر.","vol":"15","page":83},{"text":"الرحمن (١). وليس هذا بالوجه (٢).\nوقوله تعالى: ﴿بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ﴾ قال ابن عباس: يريد القرآن (٣).\nوقال غيره: عن مواعظ ربهم (٤). ﴿مُعْرِضُونَ﴾ أي لا يعتبرون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2612>٤٣ </span>- قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ﴾ أي: تجيرهم وتحفظهم، وقوله تعالى: ﴿مِنْ دُونِنَا﴾ مؤخّر معناه التقديم، أي: آلهة من دوننا تمنعهم، وتم الكلام. ثم وصف اَلهتهم بالضعف فقال: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ﴾ [أي: فكيف تنصرهم؟.\n_________\n(١) رواه سفيان الثوري في \"تفسيره\" ص ٢٠١ عن مجاهد دون قوله إلا الرحمن. وفي \"الدر المنثور\" ٥/ ٦٣٢: وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد .. قال: يحفظكم.\n(٢) وحكى الشنقيطي في \"أضواء البيان\" ٤/ ٤٧٨ القولين، واستظهر قول من قال: \"من الرحمن\" أي: من عذابه وبأسه قال: ونظيره من القرآن ﴿فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ﴾ [هود: ٦٣].\nوقال أبو العباس ابن تيمية في \"الفتاوى\" ٢٧/ ٤٤١، ٣٥/ ٣٧٢: \"قل من يكلؤكم بالليل والنهار من الرحمن\" بدلًا عن الرحمن. وهذا أصح القولين كقوله تعالى ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ﴾ [الزخرف: ٦٠] أي: لجعلنا بدلًا منكم كما قاله عامة المفسرين، ومنه قول الشاعر:\nفليت لنا من ماء زمزم شربة ... مبردة باتت على طهيان\nأي بدلًا من ماء زمزم. اهـ. واقتصر ابن كثير في \"تفسيره\" ٣/ ١٧٩ على هذا القول ولم يحك غيره واستشهد له يقول الراجز:\nجارية لم تلبس المرققا ... ولم تذق من البقول الفستقا\nأي لم تذق بدل البقول الفستق. اهـ.\n(٣) ذكره القرطبي ١١/ ٢٩١ من غير نسبة.\n(٤) قاله الطبري ١٧/ ٣٠. وقد جمع البغوي ٥/ ٣٢٠ القولين، فقال: عن القرآن ومواعظ الله.","vol":"15","page":84},{"text":"قاله ابن عباس (١).\nوالتقدير: آلهتهم لا يستطيعون نصر أنفسهم] (٢)، فقوله: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ خبر ابتداء محذوف دل عليه ما قبله من ذكر الآلهة، وإذا لم تقدر على منع نفسها عما يراد بها فكيف تقدر على منع عابديها؛ كما ذكره ابن عباس.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا هُمْ مِنَّا﴾ يعني الكفار (٣).\n﴿يُصْحَبُونَ﴾ قال الكلبي: يقول: لا يجارون من عذابنا (٤).\nوقال مجاهد: لا ينصرون (٥).\nقال الفراء: ﴿وَلَا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ﴾ أي: يجارون، يعني الكفار (٦). وقال ابن قتيبة: أي لا يجيرهم منّا أحدٌ؛ لأن المجير صاحب الجار (٧) (٨).\n_________\n(١) ذكره أبو حيان في \"البحر\" ٦/ ٣١٤ عن ابن عباس. وكذلك السمين الحلبي في \"الدر المصون\" ٨/ ١٦١. وانظر البغوي ٥/ ٣٢٠، وابن الجوزي ٥/ ٣٥٣، والرازي ٢٢/ ١٧٤، والقرطبي ١١/ ٢٢١ فقد ذكروا هذا القول من غير نسبة وذكروا التقديم والتأخير. ولم يذكره القرطبي.\n(٢) ما بين المعقوفين ساقط من (أ)، (ت).\n(٣) وقيل الضمير للأصنام. وهو مروي عن قتادة. واستظهر أبو حيان هذا القول، وقال عنه الألوسي إنه الأولى بالمقام. انظر: \"زاد المسير\" لابن الجوزي ٥/ ٣٥٣، \"البحر المحيط\" لأبي حيان ٦/ ٣١٤، \"روح المعاني\" للآلوسي ١٧/ ٥٢.\n(٤) مثله في \"تنوير المقباس\" ص ٢٠٢.\n(٥) رواه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ٢/ ٢٤، والطبري ١٧/ ٣٠. وذكره الثعلبي في \"الكشف والبيان\" ٣/ ٣٠ أ.\n(٦) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٠٢.\n(٧) في \"غريب القرآن\": منها، صاحب لجاره.\n(٨) \"غريب القرآن\" لابن قتيبة ص ٢٨٦.","vol":"15","page":85},{"text":"وعلى هذا معنى الصحبة: الإجارة، وذلك أن من صحب إنسانًا أجاره مما يخاف، تقول العرب: إنَّ لك من فلان صاحبًا، أي: يجيرك (١) ويمنعك (٢).\n[فلما كانت] (٣) الصحبة تقتضي الإجارة سميت الإجارة به. والعرب تقول: صحبك الله أي: حفظك الله وأجارك، ويقولون للمسافر: في صحبة الله وكلاءته (٤).\nوهذا وجه صحيح، وهو مروي عن ابن عباس أيضًا في رواية العوفي (٥)، قال: ولا الكفار منا يجارون (٦). وهو (٧) معنى قول مجاهد: لا يُنصرون.\n_________\n(١) في (أ)، (ت): (مجيرك)، وما أثبتناه من (د)، (ع) هو الأنسب لما بعده.\n(٢) هذا كلام الفراء في \"معانيه\" ٢/ ٢٠٥ مع تصرف يسير.\n(٣) مطموس في (ت).\n(٤) انظر: \"صحب\" في: \"تهذيب اللغة\" للأزهري ٤/ ٢٦٢، \"لسان العرب\" ١/ ٥٢٠، \"تاج العروس\" للزبيدي ٣/ ١٨٨.\n(٥) رواية العوفي عن ابن عباس يرويها المفسرون -كالطبري وابن أبي حاتم وغيرهم- من طريق محمد بن سعد العوفي، عن أبيه، عن عمه الحسين بن عطية بن سعد العوفي، عن أبيه، عن جده عطية العوفي، عن ابن عباس. وقد بين ضعف هذا الطريق السيوطي في \"الإتقان\" ٢/ ٥٣٥. وقال العلامة أحمد شاكر في تعليقه على \"تفسير الطبري\" ١/ ٢٦٣: وهذا إسناد مسلسل بالضعفاء من أسرة واحدة، إن صح هذا التعبير، وهو معروف عند العلماء بتفسير العوفي.\n(٦) رواه من طريق العوفي عن ابن عباس: الطبري ١٧/ ٣١، وابن أبي حاتم (كما في \"تغليق التعليق\" ٤/ ٢٥٨، وذكر سنده من طريق العوفي). وقد رواه الطبري ١٧/ ٣١ من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، بمثله. وروى الطبري ١٧/ ٣٠ - ٣١ وابن أبي حاتم (كما في \"الدر المنثور\" ٥/ ٦٣٢) من طريق ابن جريج قال: قال ابن عباس. (يصحبون) ينصرون.\n(٧) (وهو): ساقط من (د)، (ع).","vol":"15","page":86},{"text":"وقال المازني: أصحبت الرجل أي: منعته، وأنشد للهذلي (١):\nيرعى بروض الحَزْنِ من أبِّهِ ... قُرْيَانة (٢) في غاية (٣) تُصْحَبُ (٤) (٥)\nقال: تصحب: تمنع وتحفظ. قال: وهو من قول الله تعالى: ﴿وَلَا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ﴾ أي: يمنعون (٦).\nوعلى هذا قوله: ﴿يُصْحَبُونَ﴾ مهه من الإصحاب لا من الصحبة.\nوقال قتادة: لا يصحبون من الله بخير (٧).\n_________\n(١) في (أ)، (ت): (الهذلي). ولم يتميز لي من المراد به، فالهذليون الشعراء كثير.\n(٢) (قريانة): ساقطة من (أ)، (ت). ومهملة في (ع)، و(د): (قربانة).\n(٣) في (أ)، (ت): (غاية). ومهملة في (د)، (ع).\n(٤) في (أ)، (ع): (بصحب). مهملة وبياض في (ت). والمثبت من (د).\n(٥) إنشاد المازني لبيت الهذلي في \"تهذيب اللغة\" للأزهري ٤/ ٢٦٣ \"صحب\".\nوهو منسوب للهذلي في: \"لسان العرب\" ١/ ٥٢٠ \"صحب\" ووقع في المطبوع: قربانه في عابه.\nو\"تاج العروس\" للزبيدي ٣/ ١٨٨ (صحب).\nوالبيت أيضًا في \"مقاييس اللغة\" لابن فارس ١/ ٦ (أب) منسوبًا لأبي داود من إنشاد شبيل بن عزرة. وهو في ديوان أبي داود الإيادي ص ٢٩٦. وهو في كتاب \"الذيل والتكملة\" للصغاني ١٠/ ١٨٥: (صحب) من غير نسبة. قال محقق كتاب \"الذيل والتكملة في الحاشية\": وفي حاشية نسخة (ح): (أنشد الأزهري البيت للهذلي، وليس في أشعار هذيل. وقال الدينوري في كتابه النبات -وذكر الأبّ-: وقد أنشد شبيل بن عزرة بيتا مفتعلا نسب إلى أبي داود في وصف حمار وحشي، وأنشد البيت. وهو مفتعل كما قال وليس لأبي داود. اهـ. قال المازني كما في \"تهذيب اللغة\" ٢/ ٢٦٣: أبُّه: كلؤه. قُريانه: مجاري الماء إلى الرياض، الواحد: قريّ، قال: تصحب: تُمنْع وتحفظ: اهـ.\n(٦) قول المازني في \"تهذيب اللغة\" للأزهري ٤/ ٢٦٢ - ٢٦٣، و\"لسان العرب\" ١/ ٥٢٠، و\"تاج العروس\" للزبيدي ٣/ ١٨٨.\n(٧) رواه الطبري ١٧/ ٣٠، وابن أبي حاتم كما في \"الدر المنثور\" ٥/ ٦٣٢.","vol":"15","page":87},{"text":"وعلى هذا ليس الصحبة بمعنى الحفظ، والمعنى: لا يصحبهم الله خيرًا، أي: لا يجعل رحمته أو كلاءته صاحبًا لهم، والباء في قوله (١) بخير للتورية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2613>٤٤ </span>- ثم ذكر الله تعالى أن هؤلاء اغتروا بطول الإمهال إذ لم يُعَجَّلوا بالعقوبة، فقال: ﴿بَلْ مَتَّعْنَا هَؤُلَاءِ وَآبَاءَهُمْ﴾ يعني أهل مكة متعهم الله بما أنعم عليهم ﴿حَتَّى طَالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ﴾ فاغترّوا بذلك، فقال الله تعالى: ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾.\nقال ابن عباس: يعني القرية تخرب حتى يكون [العمران] (٢) في ناحية منها. قاله في رواية عكرمة (٣).\nوالمعنى: ألا يرون أنا نخرب القرى بأن ننقص من أطرافها نخرب ما حولها، أفلا (٤) يخافون أن نفعل ذلك بقريتهم؟ نخربها بموتهم وهلاكهم (٥).\n_________\n(١) يعني في قول قتادة.\n(٢) زيادة من الطبري يستقيم بها المعنى.\n(٣) رواه الطبري (١٦/ ٤٩٤ - ٤٩٥ شاكر)، من طريق عكرمة، عن ابن عباس.\nوذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ٦٦٧ وعزاه لابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(٤) في (ت): (فلا).\n(٥) قال ابن كثير ﵀ في \"تفسيره\" ٣/ ١٨٠ عند هذه الآية: اختلف المفسرون في معناه، وأحسن ما فسر به قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى وَصَرَّفْنَا الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الأحقاف: ٢٧] والمعنى: أفلا يعتبرون بنصر الله لأوليائه على أعدائه وأهلاكه الأمم المكذبة والقرى الظالمة وإبحائه لعبادة المؤمنين.\nقال الشنقيطي في \"أضواء البيان\" ٤/ ٥٨٢: ما ذكره ابن كثير ﵀ صواب، =","vol":"15","page":88},{"text":"وهذا معنى قول مجاهد وعكرمة، قالا: ننقصها من أطرافها بالموت وقبض الناس (١).\nيخوفهم بالهلاك بعد طول الإمهال.\nوقال الكلبي: نفتح من أطرافها لمحمد (٢). وهو قول السدي (٣).\nوقد أحكمنا هذا القول في آخر سورة الرعد (٤).\nثم وبخهم فقال: ﴿أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ أي: أفتغلبون محمدًا (٥)؟\nوقيل: أفهم الغالبون أم نحن؟ (٦) بعد أن فتحنا على محمد ما حول مكة.\nوهذا معنى قول ابن عباس: يريد بل لي الظفر، والغلبة (٧) لأنبيائي،\n_________\n= واستقراء القرآن العظيم يدل عليه. وعليه فالمعنى: أفلا يرى كفار مكة ومن سار سيرهم في تكذيبك يا نبي الله، والكفر بما جئت به \"أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها\" أي: بإهلاك الذين كذبوا الرسل كما أهلكنا قوم صالح وقوم لوط وهم يمرّون بديارهم، وكما أهلكنا قوم هود، وجعلنا سبأ أحاديث ومزقناهم كل ممزق كل ذلك بسبب تكذيب الرسل والكفر بما جاؤا به .. فاحذروا من تكذيب نبينا محمد -ﷺ-؛ لئلا ننزل بكم مثل ما أنزلنا بهم.\n(١) قول مجاهد رواه سفيان الثوري في \"تفسيره\" ص ٢٠١، وعبد الرزاق في \"تفسيره\" ١/ ٣٣٩، والطبري ١٦/ ٤٩٦ تحقيق شاكر، وقول عكرمة رواه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ١/ ٣٣٩، والطبري ١٦/ ٤٩٦ تحقيق شاكر.\n(٢) ذكره عنه الرازي في \"تفسيره\" ٢٢/ ١٧٥.\n(٣) ذكره عنه السيوطي في \"الدر المنثور\" ١/ ٦٦٦ وعزاه لابن أبي حاتم.\n(٤) سورة الرعد: ٤١.\n(٥) الطبري ١٧/ ٣٢ مع تصرف يسير.\n(٦) \"الكشف والبيان\" للثعلبي ٣/ ٣٠ أ.\n(٧) هنا يبدأ الخرم في نسخة (ت).","vol":"15","page":89},{"text":"وحزبي هم الغالبون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2614>٤٥ </span>- قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ﴾ الآية. ذكرنا (١) أن الإنذار يتعدى إلى مفعولين بغير حرف جر كقوله: ﴿فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً﴾ [فصلت: ١٣] وقوله: ﴿أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَابًا﴾ [النبأ: ٤٠]، وفي تعديته بالباء -هاهنا-، قال أبو علي: يجوز أن يكون لمّا دل على التخويف أجرى مجراه، تقول: أنذرته بكذا كما تقول: خوفته بكذا (٢).\nوكذا جاء في التفسير: أخوفكم بالقرآن (٣). والمعنى: أنذرتكم بالوحي الذي يوحيه الله إلى لا (٤) من قبل نفسي. وذلك أن الله أمر بإنذارهم، كقوله: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ﴾ [الأنعام: ٥١] ﴿لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا﴾ [يس: ٧٠]، ونحو هذا من أمره بالإنذار. هذا مذهب المفسرين ومعنى قولهم.\nوقال أبو علي: ويجوز أن يكون الوحي: الموحى، فسمى بالمصدر مثل الخلق والصيد، والموحى (٥) هو العذاب، فيكون كقوله: ﴿إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا﴾ [النبأ: ٤٠] (٦).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ إِذَا مَا يُنْذَرُونَ﴾ تمثيل\n_________\n(١) ذكر ذلك عند قوله تعالى: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ [البقرة: ٦].\n(٢) \"الحجَّة\" لأبي علي الفارسي ١/ ٢٥٣.\n(٣) قال الطبري ١٧/ ٣٢: أخوفكم به بأسي. وذكره البغوي ٥/ ٣٢١ وابن الجوزي ٥/ ٣٥٤ والقرطبي ١١/ ٢٩٢ من غير نسبة لأحد من المفسرين.\n(٤) (لا): ساقطة من (أ).\n(٥) في \"الحجة\" ١/ ٢٥٤: والوحي.\n(٦) \"الحجة\" لأبي علي الفارسي ١/ ٢٥٤.","vol":"15","page":90},{"text":"للكفار، يعني: كما أن الصُّم لا يسمعون النداء إذا أنذروا شيئًا كذلك هؤلاء في تركهم الانتفاع بما سمعوا، فالصم: الذين لا يسمعون.\nقال أبو إسحاق: الصم هاهنا: المعرضون عما يتلى عليهم من ذكر الله، فهم بمنزلة من لا يسمع (١).\nوقال أبو علي: هذا على وجه الذم لهم والتقريع بتركهم سمع ما يجب عليهم استماعه والانتهاء إليه، وقد تقول لمن تُقرّعه بتركه ما تدعوه إليه: ناديتك فلم تسمع. وقرأ ابن عامر: (ولا تُسْمِعُ الصُّمَ) (٢) حمله على ما قبله، والفعل مسندٌ إلى المخاطب فكذلك قوله: (ولا تسمع) مسند إليه، والمعنى: أنهم معاندون، فإذا أسمعتهم لم يعملوا (٣) بما سمعوه، ولم ينقادوا له كما لا يسمع الصم (٤) (٥).\nقال أبو علي: ولو كان كما قال [ابن عامر] (٦) لكان: إذا تنذرهم، فأما ﴿إِذَا مَا يُنْذَرُونَ﴾ فحسن أن يتبع ﴿وَلَا يَسْمَعُ الصُّمُّ﴾ كقراءة العامة (٧).\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٩٣.\n(٢) بالتاء مضمومة وكسر الميم، و\"الصم\" نصبًا. وقرأ الباقون: \"ولا يسمع\" بفتح الياء والميم، \"الصم\" رفعًا.\n\"السبعة\" ص ٤٢٩، \"التبصرة\" ص ٢٦٣، \"التيسير\" ص ١٥٥.\n(٣) في (أ): (يعلموا)، وهو خطأ.\n(٤) في \"الحجة\": الأصم.\n(٥) \"الحجة\" لأبي على الفارسي ٥/ ٢٥٥ مع تقديم وتأخير.\n(٦) ساقط من (أ).\n(٧) \"الحجة\" ٥/ ٢٥٥. وليس فيه كقراءة العامة. وانظر: \"حجة القراءات\" لابن زنجلة ص ٤٦٧ - ٤٦٨، \"الكشف\" لمكي ٢/ ١١٠ - ١١١.","vol":"15","page":91},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2615>٤٦ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذَابِ رَبِّكَ﴾ يقال: نفحت الرائحة تنفح نفحًا ونفوحًا، وله نفحة طيبة ونفحة خبيثة، ونفحت الدابة إذا رمحت برجلها، ونفحه بالسيف إذا تناوله شزرًا (١)، ونفحه بالمال نفحًا، وله نفحات من المعروف أي: دفعات (٢). هذا معنى النفح في اللغة، ثم يقال: نفحة الريح، ونفحة الدم: أول (٣) فورة منه (٤).\nقال أبو إسحاق: أي: مسهم (٥) أدنى شيء من العذاب (٦).\nوقال المبرد: النفحة: الدفعة (٧) من الشيء التي دون معظمه. يقال: نفحه نفحة بالسيف للضربة الخفيفة.\nوهذا موافق لقول ابن عباس في \"تفسيره\" ﴿نَفْحَةٌ﴾ قال: طرف (٨).\n_________\n(١) في (ع): (شررًا).\nومعنى تناوله شزرًا: أي: تناوله بالسيف من بعيد ومال بطعنه يمينا أو شمالا فذهب به عن الوجه وأصاب طرفا منه. انظر: \"الصحاح\" ٢/ ٦٩٧ (شزر)، ١/ ٤١٢ (نفح)، \"لسان العرب\" ٤/ ٤٥٤ - ٤٠٥ \"شزر\".\n(٢) \"تهذيب اللغة\" للأزهري ٥/ ١١ - ١١٢ (نفح) منسوبًا إلى الليث، إلا أن فيه (نفح الطيب) بدل (نفحت الرائحة) كما هنا. وهو في \"العين\" ٣/ ٢٤٩ (نفح) مع اختلاف يسير جدًّا.\n(٣) في (د): (أوفورة)، وفي (ع): (أي: فورة)، والصواب ما أثبتنا، وهو الموافق لما في \"تهذيب اللغة\".\n(٤) \"تهذيب اللغة\" للأزهري ٥/ ١١٣ (نفح) منسوبًا إلى خالد بن جنبة من رواية شمر عنه.\nوانظر: (نفح) في \"الصحاح\" ١/ ٤١٢ - ٤١٣، \"لسان العرب\" ٢/ ٦٢٢ - ٦٢٣.\n(٥) في (د)، (ع): (مستهم).\n(٦) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٩٣.\n(٧) في (د)، (ع): (الوقعة).\n(٨) ذكره عنه الثعلبي في \"الكشف والبيان\" ٣/ ٣٠ أ، والبغوي ٥/ ٣٢١، وابن =","vol":"15","page":92},{"text":"وقال ابن كيسان: قليل (١).\nوقال ابن جريج: نصيب (٢). من قولهم: نفحه من ماله إذا أعطاه.\nوقال غيره: أي الدفعة اليسيرة (٣).\nومعنى الآية: لئن أصابهم طرف من العذاب؛ لأيقنوا (٤) بالهلاك، ودعوا على أنفسهم بالويل، مع الإقرار بأنهم ظلموا أنفسهم بالشرك وتكذيب محمد -ﷺ-.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2616>٤٧ </span>- قوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ﴾ القسط معناه في اللغة: العدل (٥). وذكرنا الكلام فيه عند قوله: ﴿أَلَّا تُقْسِطُوا﴾ [النساء: ٣].\nقال الفراء: ﴿الْقِسْطَ﴾ من صفة الموازين وإن كان موحدًا، وهو كقوله (٦) للقوم: أنتم رضًا وعدل (٧).\nوقال (٨) أبو إسحاق: وقِسْط مثل عدل مصدر يوصف به، تقول:\n_________\n= الجوزي ٥/ ٣٥٤، والقرطبي ١١/ ٢٩٣، وأبو حيان في \"البحر\" ٦/ ٣١٦.\n(١) ذكره عنه الثعلبي ٣/ ٣٠ أ، والقرطبي ١١/ ٢٩٣.\n(٢) ذكره عنه الثعلبي في \"الكشف والبيان\" ٣/ ٣٠ أ، والبغوي ٥/ ٣٢١، والقرطبي ١١/ ٢٩٣، وأبو حيان في \"البحر\" ٦/ ٣١٦.\n(٣) ذكره القرطبي ١١/ ٢٩٣ من غير نسبة لأحد. والأقوال المذكورة في تفسيره \"نفحة\" لا يعارض بعضها بعضًا فهي اختلاف تنوع لا تضاد.\n(٤) في (د)، (ع): (لا يعر)، مهملة.\n(٥) انظر: (قسط) في \"تهذيب اللغة\" للأزهري ٨/ ٣٨٨، \"الصحاح\" للجوهري ٣/ ١١٥٢، \"لسان العرب\" لابن منظور ٧/ ٣٧٧.\n(٦) عند الفراء ٢/ ٢٠٥: كقولك.\n(٧) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٠٥.\n(٨) في (أ): (قال).","vol":"15","page":93},{"text":"ميزان قسط، وميزانان قسط، وموازين قسط، والمعنى: ذوات قسط (١)\nواختلفوا في ﴿الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ﴾ فقال الحسن: هو ميزان له كفتان ولسان (٢).\nوروي أحاديث كثيرة في الميزان الذي يوزن به الأعمال (٣)، وذكرنا الكلام في الموازين عند قوله: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾ [الأعراف: ٨].\nوقال مجاهد: هذا مَثَلٌ وإنّما أراد بالميزان العدل (٤).\nونحو هذا روى عن قتادة والضحاك (٥).\nقال أبو إسحاق: وهذا سائغ في باب اللغة، إلا أنّ الأولى أن يتبع ما جاء بالأسانيد الصحاح (٦).\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٩٤ مع تصرف يسير.\n(٢) ذكره عنه السيوطي في \"الدر المنثور\" ٣/ ٤١٨ وعزاه لابن المنذر واللالكائي.\n(٣) ومن هذه الأحاديث ما رواه البخاري في \"صحيحه\" كتاب: التوحيد - باب \"ونضع الموازين القسط ليوم القيامة\" ١٣/ ٥٣٧ من حديث أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: \"كلمتان حبيبتان إلى الرحمن، خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم\". وما رواه الحاكم في \"مستدركه\" ٤/ ٥٨٦ من حديث سلمان -﵁-، عن النبي -ﷺ- قال: \"يوضع الميزان يوم القيامة، فلو وزن فيه السموات والأرض لو سعت .. \" الحديث. وقد صححه الحاكم، ووافقه الذهبي، وصححه الألباني كما في \"سلسلة الأحاديث الصحيحة\" ٢/ ٦٥٦.\n(٤) ذكره الثعلبي في \"الكشف والبيان\" ٣/ ٣٠ أبهذا اللفظ. ورواه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ٢/ ٢٨، والطبري ١٧/ ٣٣.\n(٥) ذكره عن قتادة والضحاك الرازي ٢٢/ ١٧٦، والقرطبي ١٤/ ٢٩٣، وأبو حيان في البحر ٦/ ٣١٦.\nوذكره عن الضحاك أيضًا: الزجاج في \"معاني القرآن\" ٢/ ٣١٩.\n(٦) \"معاني القرآن\" للزجاج ٢/ ٣٩١ عند قوله تعالى: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾ الآية (٨) من سورة الأعراف. قال القشيري (كما في تفسير القرطبي =","vol":"15","page":94},{"text":"وقوله تعالى: ﴿لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ قال الفراء: في يوم القيامة (١).\n﴿فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ لا ينقص من إحسان محسن (٢)، ولا يزاد في إساءة مسيء.\n﴿وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ﴾ قال الزَّجَّاج: وإن كان العمل مثقال حبة (٣).\nوقال أبو علي: وإن كان الظلامة مثقال حبة. قال: وهذا حسن لتقدم\n_________\n= ٧/ ١٦٥) -معلقًا على قول الزجاج-: وقد أحسن فيما قال إذ لو حمل الميزان على هذا فليحمل الصراط على الدين الحق، والجنة والنار على ما يرد على الأرواح دون الأجساد، والشياطين والجنّ على الأخلاق المذمومة، والملائكة على القوى المحمودة، وقد أجمعت الأمة في الصدر الأول على الأخذ بهذه الظواهر من غير تأويل. وإذا أجمعوا على منع التأويل وجب الأخذ بالظاهر، وصارت هذه الظواهر نصوصا. اهـ.\n(١) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٠٥. وحكى أبو حيان هذا القول عن الكوفيين، قال: ووافقهم عليه ابن قتيبة من المتقدّمين، وابن مالك من أصحابنا المتأخرين. اهـ. وعلى هذا فاللام بمعنى \"في\" فيكون المعنى: ونضع الموازين القسط في يوم القيامة. وفي اللّام وجهان آخران:\nأحدهما: قال الزمخشري: مثلها: جئتك لخمس ليال خلون من الشهر.\nفعلى هذه القول تكون اللام للتوقيت بمعنى \"عند\"، فيكون معنى الآية: ونضع الموازين القسط عند يوم القيامة.\nثانيهما: أنها على بابها من التعليل، ولكن على حذف مضاف، أي: لأهل يوم القيامة، أو: لحساب يوم القيامة وبه قال الطبري وابن عطية وغير واحد. انظر: \"الطبري\" ١٧/ ٣٣، \"المحرر\" لابن عطية ١٠/ ١٥٨، \"الكشاف\" للزمخشري ٢/ ٥٧٤، \"البحر المحيط\" لأبي حيان ٦/ ٣١٦، \"الدر المصون\" للسمين الحلبي ٨/ ١٦٤ - ١٦٥، \"التحرير والتنوير\" لابن عاشور ١٧/ ٨٤، \"أضواء البيان\" للشنقيطي ٤/ ٥٨٥ - ٥٨٦.\n(٢) في (ع): (مسيء)، وهو خطأ.\n(٣) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٩٤.","vol":"15","page":95},{"text":"قوله: ﴿فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ وإذا (١) ذكر (تُظلم) فكأنَّه ذكر الظلامة، كقولهم: من كذب كان شرًا له (٢).\nوقرأ نافع: ﴿وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ﴾ رفعًا (٣) على إسناد الفعل إلى المثقال (٤).\nومثقال الشيء ميزانه من مثله (٥)، والمعنى: وإن كان قدر مما يزن ﴿حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ﴾.\n﴿أَتَيْنَا بِهَا﴾ قال أبو إسحاق: أي: جئنا بها (٦). يعني أحضرناها للمجازاة بها.\n﴿وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ قال ابن عباس: أي عالمين حافظين (٧) (٨).\nوالكلام في الباء التي في (٩) ﴿بِنَا﴾ (١٠) ذكرناه مستقصى (١١).\n_________\n(١) في \"الحجة\": فإذا.\n(٢) \"الحجة\" لأبي علي الفارسي ٥/ ٢٥٦.\n(٣) وقرأ الباقون: \"مثقال\" نصبًا. \"السبعة\" ص ٤٢٩، \"التبصرة\" ص ٢٦٣، \"التيسير\" ص ١٥٥.\n(٤) \"الحجة\" لأبي علي الفارسي ٥/ ٢٥٦. فمن رفع \"مثقال\" جعل \"كان\" تامّة لا تحتاج إلى خبر، وتكون بمعنى: حصل ووجد ووقع. ويكون \"مثقال\" فاعل لـ\"كان\" والمعنى: وإن حصل للعبد مثقال .. \"علل القراءات\" للأزهري ٢/ ٤٠٧، \"إعراب القراءات السبع\" وعللها ٢/ ٦١ - ٦٢، \"الكشف\" لمكي ٢/ ١١١.\n(٥) \"تهذيب اللغة\" للأزهري ٩/ ٨٠ (ثقل).\n(٦) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٩٤.\n(٧) (حافظين): ساقطة من (د)، (ع).\n(٨) ذكره البغوي ٥/ ٣٢٢. ومثله في \"تنوير المقباس\" ص ٢٠٢.\n(٩) (في): ساقطة من (أ).\n(١٠) في (د)، (ع): (البناء).\n(١١) انظر: \"البسيط\" عند قوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ [النساء: ٦]","vol":"15","page":96},{"text":"قال الزَّجَّاج: موضع الباء رفع (١). المعنى (٢): وكفينا حاسبين.\nو﴿حَاسِبِينَ﴾ (٣) منصوب على وجهين: على التمييز، وعلى الحال (٤).\nوقال السدي في قوله: ﴿وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ - قال: محصين (٥).\nوالحَسْبُ في اللغة معناه: العد (٦). ومن قال: حافظين عالمين؛ فلأن من حسب شيئًا حفظه وعلمه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2617>٤٨ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ﴾ قال مجاهد وقادة: يعني التوراة التي تفرق بين الحلال والحرام (٧).\n﴿وَضِيَاءً وَذِكْرًا﴾ من صفة التوراة. قال الفراء: والواو مقحمة كهي في قوله: ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ (٦) وَحِفْظًا﴾ [الصافات: ٦، ٧]\n_________\n(١) قال ابن جني في \"سر صناعة الإعراب\" ١/ ١٤١: وقوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ إنَّما هو: كفى الله، وكفينا .. فالباء وما عملت فيه في موضع مرفوع -رفع- بفعله، كقولك: ما قام من أحد، فالجار والمجرور في موضع مرفوع بفعله.\n(٢) (المعنى): ساقط من (د)، (ع).\n(٣) (حاسبين): في هامش (أ).\n(٤) انظر: \"إملاء ما من به الرحمن\" للعكبري ١/ ١٦٨.\n(٥) رواه ابن أبي حاتم كما في \"الدر المنثور\" ٥/ ٦٣٤.\n(٦) \"تهذيب اللغة\" للأزهري ٤/ ٣٢٩ (حسب).\n(٧) ذكره الماوردي في \"النكت والعيون\" ٣/ ٤٥٠ عن مجاهد وقتادة لكن وقع عنده: فرق فيها بين الحق والباطل. وذكره ابن الجوزي ٥/ ٣٥٤ عن مجاهد وقتادة بمثل رواية الواحدي هنا. وقد روى سفيان في \"تفسيره\" ص ٢٠١ عن مجاهد قال: فرق بين الحق والضلالة. وروى الطبري ١٧/ ٣٤ عن مجاهد قال: الكتاب. وفي \"تفسير مجاهد\" ١/ ٤١١: الفرقان هذا الكتاب. وروى الطبري ١٧/ ٣٤ عن قتادة قال: التوراة حلالها وحرامها، وما فرق الله بين الحق والباطل.","vol":"15","page":97},{"text":"والتقدير: الفرقان ضياء وذكرا (١). ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾.\nوالواو عند البصريين لا يجوز أن تزاد، ولكن هذا كله (٢) من نعوت التوراة: الفرقان (٣) والضياء والذكر، فعطف بعضها على بعض (٤).\nقال الزَّجَّاج ﴿وَضِيَاءً﴾ -هاهنا- مثل قوله: ﴿فِيهِ هُدًى وَنُورٌ﴾ [المائدة: ٤٦] (٥).\nوقال ابن زيد: معنى الفرقان هاهنا: البرهان الذين فرَّق به بين حقه (٦) وباطل فرعون وتلا قوله: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ﴾ [الأنفال: ٤١] (٧).\n_________\n(١) ليس هذا نصّ كلام الفراء في معانيه ٢/ ٢٠٥، فإنه قال فيه: (٣/ ٣٠ ب): (والواو علي هذا التأويل مقحمة زائدة كقوله (إنا زينا ...).\n(٢) في (د)، (ع): (كلمة)، وهو خطأ.\n(٣) في (أن): (والفرقان)، وهو خطأ.\n(٤) هذا مقتبس من كلام الزجاج، فإنّه قال في \"معانيه\" ٣/ ٣٩٤: وعند البصريين أن الواو لا تزاد ولا تأتي إلا بمعنى العطف. وانظر في هذه المسألة: \"سر صناعة الإعراب\" ٢/ ٦٤٥، \"الإنصاف في مسائل الخلاف\" للأنباري ٢/ ٤٥٦ - ٤٦٢، \"مغني اللبيب\" لابن هشام ٢/ ٤٧٣ - ٤٧٤.\n(٥) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٩٥.\n(٦) عند الماوردي وابن الجوزي: بين حق موسى.\n(٧) ذكره الماوردي في \"النكت والعيون\" ٣/ ٤٥٠، وابن الجوزي ٣/ ٣٥٥. لكن ليس عندهما الاستشهاد بالآية. وقد رواه الطبري ١٧/ ٣٤ بنحوه ثم قال: وهذا القول الذي قاله ابن زيد في ذلك أشبه بظاهر التنزيل؛ وذلك لدخول الواو في الضياء، ولو كان الفرقان هو التوراة -كما قال من قال ذلك- لكان التنزيل: ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان ضياء. ثم ذكر الطبري القول الأول الذي حكاه الواحدي عن مجاهد وقتادة، ثم قال: إن ذلك وإن كان الكلام يحتمله فإن الأغلب من معانيه ما قلنا، والواجب أن يوجه معاني كلام الله إلى الأغلب الأشهر من وجوهما المعروفة عند =","vol":"15","page":98},{"text":"وهذا مثل قول السدي في ﴿الْفُرْقَانَ﴾ قال: هو النصر الذي أوتي موسى (١).\nوعلى هذا قوله \"وضياء\" يعني التوراة أكبر (٢) استضاؤوا (٣) بها حتى اهتدوا في دينهم، وكأنّه قيل: آتيناهما البرهان والنصر والضياء يعني: الكتاب الذي فيه ضياء، وذكرا للمتقين كي يذكروه ويعملوا بما فيه ويتعظوا بمواعظه.\n_________\n= العرب ما لم يكن بخلاف ذلك ما يجب التسليم له من حجة خبر أو عقل. ونصر ابن القيم في \"بدائع الفوائد\" ٢/ ١٥ هذا القول وأيَّد آخرون القول بأن الفرقان هنا التوراة.\nقال ابن كثير ٣/ ١٨١: وجامع القول في هذا أن الكتب السماوية مشتملة على التفرقة بين الحق والباطل والهدى والضلال والغي والرشاد والحلال والحرام، وعلى ما يحصل نورًا في القلوب وهداية، وخوفا وإنابة وخشية ...\nوقال الألوسي ١٧/ ٥٧ والمراد بالفرقان: التوراة، وكذا الضياء والذكر، والعطف كما في قوله:\nإلى الملك القرم وابن الهمام ... وليث الكتيبة في المزدحم\nإلى أن قال: والمعنى: وبالله لقد آتيناهما كتابا جامعًا بين كونه فارقًا بين الحق والباطل، وضياء يستضاء به في ظلمات الجهل والغواية، وذكرًا يتعظ به الناس ويتذكرون. ثم ذكر الألوسي الأقوال الأخرى في معنى الفرقان، ثم قال عن القول الأول -يعني قول مجاهد وقتادة-: وهو اللائق بتناسق النظم الكريم فإنه لتحقيق أمر القرآن المشارك لسائر الكتب الإلهية لا سيما التوراة فيما ذكر من الصفات.\n(١) ذكره الثعلي ٣/ ٣٠ ب عن ابن زيد، وذكره المارودي ٣/ ٤٥٠ وابن الجوزي ٥/ ٣٥٥ عن الكلبي، وذكره الرازي ٢٢/ ١٧٨ عن ابن عباس، ولم أجد من ذكره عن السدي.\n(٢) هكذا في جميع النسخ، ولعل الصواب: التي.\n(٣) في (أ): (استيضاؤا)، وهو خطأ.","vol":"15","page":99},{"text":"وكثير (١) مما يقع من الكلام في هذه الآية قد سبق في قوله: ﴿وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ﴾ [البقرة: ٥٣] الآية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2618>٤٩ </span>- وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ﴾ أي في الدنيا ولم يروه. والمعنى: يخشون ربهم غائبين عن الآخرة وأحكامها (٢).\n﴿وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ﴾ أي: من (٣) أهوالها وعذابها ﴿مُشْفِقُونَ﴾ خائفون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2619>٥٠ </span>- قوله تعالى: ﴿وَهَذَا ذِكْرٌ﴾ قال أبو إسحاق: المعنى هذا القرآن ذكر لمن تذكر به وعظة لمن اتعظ (٤).\n﴿مُبَارَكٌ﴾ تقدم تفسيره في قوله: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾ [الأنعام: ٩٢].\n﴿أَفَأَنْتُمْ﴾ [يا أهل مكة] (٥) ﴿لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ إياه جاحدون مكذبون.\n\n٥١ - قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ﴾ قال مجاهد: هداه (٦)\n_________\n(١) في (د): (وكبير)، وهو خطأ.\n(٢) وقيل المعنى: يخافونه ولم يروه. قاله الجمهور. وقيل المعنى: يخافونه في غيبتهم وخلواتهم وحيث لا يراهم أحد. قاله الزجاج، ورجّحه ابن عطية، وقال عنه الرازي: وهذا هو الأقرب. انظر: \"المحرر الوجيز\" ١٠/ ٥٩، ابن الجوزي ٥/ ٣٥٦، الرازي ٢٢/ ١٧٩.\n(٣) (من): ساقطة من (أ).\n(٤) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٩٥ إلى قوله ذكر.\n(٥) ما بين المعقوفين ساقط من (أ).\n(٦) رواه سفيان الثوري في \"تفسيره\" ص ٢٠١، ٢٠٢، والطبري ١٧/ ١٦. وذكره السيوطيِ في \"الدر المنثور\" ٦/ ٦٣٥ بلفظ هديناه. وعزاه لابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"15","page":100},{"text":"ونحوه قال الزجاج (١)، والفراء (٢)، واعتبرا (٣) بقوله: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ [السجدة: ١٣].\nوقوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ أي من قبل موسى وهارون (٤).\nوقال (٥) مجاهد: أي: هديناه صغيرًا (٦).\nوهذا قول المفسرين (٧)، وا ختيار الفراء (٨) والزَّجَّاج (٩)، قالوا: آتيناه هداه حَدَثًا.\nوعلى هذا التقدير: من قبل بلوغه (١٠).\n_________\n(١) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٩٥.\n(٢) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٠٦.\n(٣) في (أ): (واعتبروا).\n(٤) وهذا مروي عن ابن عباس، والضحاك. انظر: \"زاد المسير\" لابن الجوزي ٥/ ٣٥٧، والرازي ٢٢/ ١٨٠. قال السمين الحلبي في \"الدر المصون\" ٨/ ١٦٧: وهذا أحسن ما قدر به المضاف إليه.\n(٥) في (ع):) قال).\n(٦) رواه سفيان الثوري في \"تفسيره\" ص ٢٠١، ٢٠٢ بلفظ: هداه صغيرا، ورواه الطبري ١٧/ ٣٦، وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٥/ ٦٣٥ وعزاه لابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(٧) انظر: \"الكشف والبيان\" للثعلبي ٣/ ٣٠ ب.\n(٨) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٠٦.\n(٩) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٩٥.\n(١٠) ذكره ابن الجوزي ٥/ ٣٥٦ من رواية أبي صالح عن ابن عباس، وحكاه الرازي ٢٢/ ١٨٠ عن مقاتل.\nقال أبو حيان في \"البحر\" ٦/ ٣٢٠: وأبعد من ذهب إلى أن القدير: من قبل بلوغه، أو من قبل نبوته، ..، أو من قبل محمد -ﷺ-؛ لأنها محذوفات لا يدل على حذفها دليل، بخلاف: من قبل موسى وهارون، لعدم ذكرهما وقربه.","vol":"15","page":101},{"text":"يعني: حين كان في السَّرَب (١)، ألهمناه الرشد والهدى حتى عرف الحق من الباطل.\n﴿وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ﴾ أي: نعلم (٢) أنَّه موضع لإيتاء (٣) الرشد، وأنه يصلح للنبوة (٤).\n_________\n(١) السرب (بفتحتين): حفير تحت الأرض، وقيل: بيت تحت الأرض. \"لسان العرب\" لابن منظور ١/ ٤٦٦ (سرب). وما ذكره الواحدي هنا هو كلام الفراء في \"معانيه\" ٢/ ٢٠٦. وهذا القول معتمد على روايات خلاصتها: أن إبراهيم حين ولد خيف عليه من ملك زمانه وكان ذلك الملك قد أخبره منجموه أن ولدًا يقال له إبراهيم يولد في شهر كذا وكذا من سنة كذا وكذا يفارق دين الملك ويكسر الأصنام، فكان الملك يقتل كل غلام يولد في ذلك الشهر من تلك السنة، فجعل في سَرَب، فبقى في ذلك السرب خمسة عشر شهرًا، ثم قال لأمه أخرجيني، فلما خرج من ذلك السرب أراه الله ملكوت السموات والأرض، كما قصه الله في سورة الأنعام. انظر: \"الطبري\" ١١/ ٤٧٤، ٤٨٠ - ٤٨٣. وهذه الرواية لا صحة لها، وليس لها ما يعضدها من كتاب أو سنة صحيحة، بل متلقاة عن بني إسرائيل. قال ابن كثير -﵀- في \"تفسيره\" ٣/ ١٨١: وما يذكر من الأخبار عنه من إدخال أبيه له في السرب -وهو رضيع- وأنه خرج به بعد أيام، فنظر إلى الكوكب والمخلوقات فتبصر فيها وما قصه كثير من المفسيرين وغيرهم، فعامتها أحاديث بني إسرائيل فما وافق منها الحق مما بأيدينا عن المعصوم قبلناه لموافقته الصحيحة وما خالف شيئًا من ذلك رددناه، وما ليس فيه موافقة ولا مخالفة لا نصدقه ولا نكذبه بل نجعله وقفًا، وما كان من هذا الضرب منها فقد رخص في من السلف في روايته، وكثير من ذلك مما لا فائدة ولا حاصل له مما ينتفع به في الدين، ولو كانت فائدته تعود على المكلفين لبينتهُ هذه الشريعة الكاملة.\n(٢) (نعلم): ساقطة من (د)، (ع).\n(٣) في (أ): (لإتنا)، وهو خطأ.\n(٤) قال ابن عطية في \"المحرر\" ١٠/ ١٦١: وهذا نحو قوله تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤].","vol":"15","page":102},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2621>٥٢ </span>- قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ﴾ [قال أبو إسحاق: (إذ) في موضع نَصْب. المعنى: آتيناه رشده في ذلك الوقت (١) (٢) الذي قال لأبيه وقومه] (٣) وهم يعبدون الصنم ﴿مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ﴾ يعني: الأصنام (٤).\nوالتمثال: اسم للشيء المصنوع مُشَبَّها بخلق من خلق الله. وجمعه: التماثيل. وأصله من مَثَّلْتُ الشيء بالشيء، إذا شَبَّهته به (٥). واسم ذلك المُمَثَّل تمثال (٦).\nوقوله تعالى: ﴿الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ أي: على عبادتها مقيمون،\n_________\n(١) الوقلت: ساقطة من (د).\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٩٥ إلى هنا. وأما قوله \"الذي ... \" فليس من كلام الزجاج، بل هو تتمة الواحدي. وجوز أبو البقاء العكبري في \"الإملاء\" ٢/ ١٣٤ وتبعه السمين الحلبي في \"الدر المصون\" ٨/ ٨/ ١٦٧ أن يكون (إذ) منصوبًا بـ (رشده) أو (عالمين) أو ينتصب بإضمار أعني أو باضمار اذكر، أي: اذكر وقت. وانظر: \"إعراب القرآن\" للنحاس ٣/ ٧٣، \"مشكل إعراب القرآن\" لمكي ٢/ ٤٨٠.\n(٣) ساقط من (ع).\n(٤) \"الكشف والبيان\" للثعلبي ٣/ ٣٠ ب وعلى هذا فاللام في قوله (لها عاكفون) بمعنى (على) أي: عاكفون عليها، كقوله تعالى: ﴿لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ﴾ [طه: ٩١]. وقيل: اللام للعله، أي: عاكفون لأجلها. وقيل: اللام أفادت الاختصاص. وقيل: ضُمِّن (عاكفون) معنى عابدين، فلذلك أتى باللام. واستظهر أبو حيان أن تكون اللام للتعليل. وقال السمين الحلبي: والأولى أن تكون اللام لتعليل، وصلة (عاكفون) محذوفة، أي: عاكفون لأجلها لا لشيء آخر. \"الكشاف\" للزمخشري ٢/ ٥٧٥، \"إملاء ما من به الرحمن\" للعكبري ٢/ ١٣٤، \"البحر المحيط\" لأبي حيان ٦/ ٣٢٠، \"الدر المصون\" للسمين الحلبي ٨/ ١٦٨.\n(٥) عند الأزهري ١٥/ ٩٨، إذا قدرته به.\n(٦) \"تهذيب اللغة\" للأزهري ١٥/ ٩٨ (مثل). وانظر: (مثل) في: \"الصحاح\" ٥/ ١٨١٦ \"لسان العرب\" ١١/ ٦١٣ - ٦١٤.","vol":"15","page":103},{"text":"فأجابوه بأنَّهم وجدوا آباءَهم يعبدونها، فاقتدوا بهم وقلدوهم في عبادتها، فأجابهم إبراهيم بأنَّهُم -في تقليد الآباء- وآباءهم (١) كانوا في ضلال مبين بعبادة الأصنام. وهذا الذي ذكرنا معنى\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2622>٥٣ - ٥٥ </span>- قوله: ﴿قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا﴾ إلى قوله: ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ﴾ يعنون: أجاد أنت فيما تقول محق (٢)، أم أنت لاعب مازح؟ وهذا جهل منهم إذ تخيلوا المحق لاعبًا هازلًا، فأجابهم إبراهيم بما يزيل تخيلهم ويدلهم على أن المستحق للعبادة هو الله لا الصنم.\n<span data-type=\"title\" id=toc-2623>٥٦ </span>- وهو قوله تعالى: ﴿قَالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ أي: على أنه ربكم ورب السموات والأرض.\n<span data-type=\"title\" id=toc-2624>٥٧ </span>- قوله تعالى: ﴿وَتَاللهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ﴾ معنى الكيد: ضر الشيء بتدبير عليه (٣) ﴿بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ﴾ تنطلقوا ذاهبين.\nقال المفسرون: كان لهم في كل سنة مجمع وعيد، فقالوا لإبراهيم: لو خرجت معنا إلى عيدنا (٤) أعجبك ديننا (٥).\nفقال إبراهيم -سِرًّا من قومه (٦) -: ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ﴾ الآية.\n_________\n(١) في (أ): (آباؤهم)، وفي (د)، (ع): (آباءهم). والعبارة في \"الوسيط\" ٣/ ٢٤١: فأجابهم إبراهيم بأنهم فيما فعلوه وآباءهم كانوا في ضلال مبين. وعند ابن الجوزي ٥/ ٣٥٧: فأجابهم بأنهم فيما فعلوا وآباءهم في ضلال مبين.\n(٢) في (د)، (ع): (بحق).\n(٣) في \"تهذيب اللغة\" للأزهري ١٠/ ٣٢٧ (كيد). الكيد: التدبير بحق أو باطل. وانظر (كيد) في: \"الصحاح\" ٢/ ٥٣٣، \"لسان العرب\" ٣/ ٣٨٣ - ٣٨٤.\n(٤) في (ع): (دينا)، وهو خطأ.\n(٥) الثعلبي في \"الكشف والبيان\" ٣/ ٣٠ ب بنصه عن السدي. والله أعلم بصحة ذلك.\n(٦) في (ع): (قوطه).","vol":"15","page":104},{"text":"هذا قول مجاهد وقتادة قالا: لم يسمع هذا القول من إبراهيم إلا رجل واحد، وهو الذي أفشاه عليه (١).\nوقال الآخرون: لما خرج الناس إلى عيدهم وبقي ضَعْفَى الناس قال إبراهيم: ﴿وَتَاللهِ لَأَكِيدَنَّ﴾ الآية فسمعوها منه (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2625>٥٨ </span>- قوله تعالى: ﴿فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا﴾ الجَذُّ: القطع والكسر للشيء الصلب. والجُذَاذُ: قطع ما كُسر. الواحدة (٣): جُذاذة (٤). وهو مثل الحُطام والرُّفات والدُّقاق (٥).\nقال أبو إسحاق: وأبنية كل (٦) ما كسر وقطع على فُعال (٧).\n_________\n(١) ذكره الثعلبي في \"الكشف والبيان\" ٣/ ٣٠ ب عن مجاهد وقتادة بنصه. ورواه الطبري ١٧/ ٣٧ بنحوه عن مجاهد، وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ٦٣٦ وعزاه لابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر. وأورده الطبري ١٧/ ٣٧ بمعناه عن قتادة. وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ٦٣٧ وعزاه لابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(٢) هذا كلام السدي، ذكره عنه الثعلبي في \"الكشف والبيان\" ٣٠٣ ب. ورواه الطبري ١٧/ ٣٨. ورواه ابن أبي حاتم (كما في \"الدر المنثور\" ٥/ ٣٦/ أ، عن ابن مسعود نحو هذا القول والله أعلم بصحة ذلك.\n(٣) في (أ): (الواحد)، وهو كذلك في \"الوسيط\" ٣/ ٢٤٢. وما أثبتناه في (د)، (ع) هو الموافق لما في \"تهذيب اللغة\" للأزهري١٠/ ٤٧٠.\n(٤) \"تهذيب اللغة\" للأزهري ١٠/ ٤٦٩ - ٤٧ (جذذ) منسوبًا إلى الليث. ومن قوله (والجذاذ: قطع .. جذاذة) في \"العين\" ٦/ ١١ (جذ). وانظر (جذاذ) في: \"الصحاح\" ٢/ ٥٦١، \"لسان العرب\" ٣/ ٤٧٩.\n(٥) الرفات: هو ما بلي فتفتت: \"تاج العروس\" للزبيدي ٤/ ٥٢٦ (رفث). والدقاق: هو فُتات كل شيء. \"القاموس المحيط\" ٣/ ٢٣٢.\n(٦) في (أ): (كلما).\n(٧) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٩٦.","vol":"15","page":105},{"text":"وقرأ الكسائي ﴿جِذَاذًا﴾ (١) بكسر الجيم (٢). قال الفراء والزجاج: وهو جمع جذِيذ، مثل: ثَقيل وثِقال، وخَفيف وخِفَاف (٣).\nوالجذيذ بمعنى: المجذوذ، وهو المكسور. ويقال للحنطة المطحونة طحنًا غليظًا: جذيذ.\nقال المفسرون: لما انطلقوا إلى عيدهم رجع إبراهيم إلى بيت الأصنام، وجعل يكسرهن بفأس في يده، حتى إذا لم يبق إلا الصنم الأكبر علق الفأس في عنقه ثم خرج فذلك قوله: ﴿فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ﴾ (٤).\nقال أبو إسحاق: أي كَسَّر الأصنام إلا أكبرها (٥). وهذا قول المفسرين (٦).\nقال: وجائز أن يكون أكبرها عندهم في تعظيمهم إياه، لا في الخلقة (٧).\n_________\n(١) في (أ): (جذاذ)، وهو خطأ.\n(٢) وقرأ الباقون بضمها. \"السبعة\" ص ٤٤، \"التبصرة\" ص ٢٦٤، \"التيسير\" ص ١٥٥.\n(٣) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٠٦، و\"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٩٦. وانظر: \"علل القراءات\" للأزهري ٢/ ٤٠٨، \"إعراب القراءات السبع وعللها\" لابن خالويه ٢/ ٦٣ - ٦٤.\n(٤) \"الكشف والبيان\" للثعلبي ٣/ ٣٠ ب، ٣١ أنقلًا عن السدي. وذكره الطبري ١٧/ ٣٨ عن السدي.\n(٥) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٩٦.\n(٦) انظر: \"الطبري\" ١٧/ ٣٨ - ٣٩، و\"الدر المنثور\" ٥/ ٦٣٦ - ٦٣٧.\n(٧) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٩٦. قال الرازي ٢٢/ ١٨٣ بعد ذكر الأمرين: ويحتمل في الأمرين، يعني في التعظيم والخلقة.","vol":"15","page":106},{"text":"وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ﴾ أي: لكي يرجعوا إلى إبراهيم ودينه وإلى مما يدعوهم إليه بوجوب الحجة عليهم في عبادة ما لا يدفع عن نفسه، ويتنبهوا (١) على (٢) جهلهم وعظيم خطأهم. ويجوز أن يكون المعنى: ﴿لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ﴾ أي ينصرفون من عيدهم، فيرون الأصنام على تلك الصفة فيتبين لهم ضلالتهم (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2626>٥٩، ٦٠ </span>- قوله تعالى: ﴿قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا﴾ قال المفسرون: لما رجعوا من عيدهم ونظروا إلى آلهتهم وهم جذاذ قالوا هذا القول مستفهمين عمن صنع ذلك ومنكرين عليه بقولهم: ﴿إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ أي فعل ما لم يكن له أن يفعل (٤).\nويجوز أن يكون (مَن) ابتداء وخبره قوله: ﴿إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾، والمعني: قالوا فاعل (٥) هذا ظالم، فلا يكون في الكلام استفهام (٦).\nوالأول الوجه (٧)؛ لأن قول من قال: ﴿سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ﴾ جواب الاستفهام.\n_________\n(١) في (د)، (ع): (وبنتبهوا).\n(٢) في \"الوسيط\" ٣/ ٢٤٢: إلى.\n(٣) وقيل الضمير للصنم الكبير، أي: يرجعون إليه فيسألونه فلا يجيبهم، فيظهر لهم أنه لا يقدر على شيء. انظر: \"التسهيل\" لابن جزي ٣/ ٥٩. واستظهر ابن عطية في \"المحرر\" ١٠/ ١٦٢ أن الضمير لإبراهيم لدخول لعل في الكلام مما يضعف رجوع الضمير للصنم.\n(٤) الطبري ١٧/ ٣٩، \"الكشف والبيان\" للثعلبي ٣/ ٣١ أ. وانظر: \"الدر المنثور\" ٥/ ٦٣٦ - ٦٣٧.\n(٥) (فاعل): ساقط من (ع).\n(٦) وتكون (من) موصولة بمعنى الذي.\n(٧) واستظهره السمين الحلبي في \"الدر المصون\" ٨/ ١٧٤ فتكون (من) استفهامية =","vol":"15","page":107},{"text":"ولما قالوا هذا قال قائل منهم: أنا سمعت إبراهيم يقول ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ﴾. وهذا على قول من قال: سمع قول إبراهيم واحد منهم فأفشاه. وعلى القول الآخر: وقال الذين سمعوا، وهم الضَّعْفَى: ﴿سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ﴾. والظاهر هذا القول؛ لإضافة القول إلى جماعة. ومعنى ﴿يَذْكُرُهُمْ﴾ أي: بالعيب (١). وقد مر.\n﴿يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾ قال أبو إسحاق: يرتفع ﴿إِبْرَاهِيمُ﴾ على وجهين:\nأحدهما: على معنى: يقال له هو إبراهيم (٢)، وعلى النداء على معنى: يقال له: يا إبراهيم (٣).\n_________\n= وجملة (إنه لمن الظالمين) استئنافية لا محل لها من الإعراب. وانظر: \"الإملاء\" للعكبري ٢/ ١٣٤.\n(١) في (أ): (بالغيب)، وهو خطأ.\n(٢) و(إبراهيم) على هذا الوجه خبر مبتدأ مضمر. انظر: \"الإملاء\" ٢/ ١٣٤، \"الدر المصون\" ٨/ ١٧٦.\n(٣) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٩٦. وفي رفع (إبراهيم) وجه ثالث ذكره الزمخشري وابن عطية.\nقال الزمخشري ٢/ ٥٧٦ - ٥٧٧ بعد ذكر الوجهين اللذين ذكرهما الواحدي هنا: والصحيح أنه فاعل (يقال)؛ لأن المراد الاسم لا المسمى. وبين ابن عطية في \"المحرر\" ١٠/ ١٦٤ ذلك بقوله -بعد أن ذكر الوجهين: والوَجْه عندي أنه مفعول ما لم يسم فاعله، على أن تجعل (إبراهيم) غير دال على الشخص، بل تجعل النطق دالًا علي بناء هذه اللفظة، وهذا كما تقول: (زيد وزن فَعْل) أو (زيدٌ ثلاثة أحرف) فلم تدل بوجه على الشخص بل دللت بنطقها على نفس اللفظة. فعلى قول الزمخشري وابن عطية يكون التقدير: يقال له هذا القول وهذا اللفظ، أو يطلق عليه هذا اللفظ، و(إبراهيم) نائب فاعل لـ (يقال).\nوقد ذكر أبو حيان في \"البحر\" ٦/ ٣٢٤ قول ابن عطية والزمخشري، وتعقبه بأن هذا مختلف في إجازته بين النحويين، فمنهم من يجيز نصب القول للمفرد مما لا =","vol":"15","page":108},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2627>٦١ </span>- ولما بلغ هذه القصة نمروذ (١) وأشراف قومه ﴿قَالُوا فَأْتُوا بِهِ﴾ أي بالذي يقال له إبراهيم ﴿عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ﴾ أي ظاهرا بمرأى من الناس حتى يروه ﴿لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ﴾ عليه بما قاله فيكون ذلك حجة عليه بما فعل.\nوهذا قول الحسن وقتادة والسدي، قالوا: كرهوا أن يأخذوه بغير بينة (٢)\n_________\n= يكون مقتطعًا من جملة ولا مفردًا معناه معنى الجملة، ولا مصدرًا ولا صفة له بل لمجرد اللفظ نحو: قلت زيدًا، إلى أن قال: ومن النحويين من منع ذلك، وهو الصحيح؛ إذ لا يحفظ من لانهم: \"قال فلانٌ زيدا .. وإنما وقع القول في كلام العرب لحكاية الجمل. أهـ وتعقب الألوسي ١٧/ ٦٤ كلام أبي حيان بقوله (وعندي أن الآية ظاهرة فيما اختاره الزمخشري وابن عطية، ويكفي الظهور مرجحًا في مثل هذه المطالب.\nوقد ذكر ابن عاشور في \"التحرير والتنوير\" ١٧/ ٩٩ - ١٠٠ مسلكا يحصل به التخلص من قول المانعين، وهو أن (يقال) مُضمن لمعنى: يُدْعى أو يسمى، فكأنَّ تقدير الآية: سمعنا فتى يذكرهم يُدْعى -أو يُسَمَّى- إبراهيم. قال ابن عاشور: ورفع (إبراهيم) على أنه نائب فاعل (يقال) لأن فعل القول إذا بُني للمجهول كثيرًا ما يُضمن معنى الدعوة أو التسمية، فلذلك حصلت الفائدة من تعديته إلى المفرد البحت، وإن كان شأن فعل القول أن لا يتعدى إلا إلى الجملة أو إلى مفرد أو يسمى إبراهيم، أي: ليس هو من الناس المعروفين. وفي رفع (إبراهيم) وجه آخر ذكره أبو البقاء العكبري في \"الإملاء\" ٢/ ١٣٤، والسمين في \"الدر المصون\" ٨/ ١٧٦: وهو أن (إبراهيم) مبتدأ محذوف الخبر، أي: يقال له: إبراهيم فاعلٌ ذلك.\n(١) في (ع): (نمرود).\n(٢) رواه عن قتادة: الطبري ١٧/ ٤٠ وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ٦١٧ وعزاه لابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم. ورواه عن السدي: الطبري ١٧/ ٤٠. وذكره عن الحسن وقتادة والسدي كل من: الماوردي في \"النكت والعيون\" ٣/ ٤٥١، والبغوي ٥/ ٣٢٤، والرازي ٢٢/ ١٨٤ وزاد نسبته لعطاء وابن عباس. قال الألوسي ١٧/ ٦٤ عن هذا القول: والترجي -يعني قوله (لعلهم) - أوفق له.","vol":"15","page":109},{"text":"وقال ابن إسحاق: لعلهم يشهدون عقابه وما يصنع به (١). أي: يحضرون. وذكر الفراء والزجاج القولين جميعًا (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2628>٦٢ </span>- فلما أتوا به ﴿قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ﴾ الآية، أسند فعله إلى كبير الأصنام الذي لم يكسره، واختلفوا في وجه هذا. فالذي عليه المفسرون: أن إبراهيم ﵇ أراد إقامة الحجة عليهم، فقال: فعل هذا كبيرهم، غضب من أن تعبدوا (٣) معه هذه الصغار فكسرهن، ورووا عن النبي -ﷺ- أنه قال: \"لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات، كلها (٤) في الله: قوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩]. وقوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ﴾، وقوله لساره (هي أختي) \" (٥).\n_________\n(١) رواه الطبري ١٧/ ٤٠ عن ابن إسحاق.\n(٢) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٠٦، \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٩٦. وقد ذكر الرازي ٢٢/ ١٨٤ عن مقاتل والكلبي أنه المراد مجموع الوجهين، فيشهدون عليه بفعله ويشهدون عقابه.\n(٣) في (أ): (أن تُبد).\n(٤) (كلها): ساقطة من (د)، (ع).\n(٥) رواه الإمام أحمد في \"مسنده\" ٢/ ٤٠٣ - ٤٠٤، والبخاري في صحيحه (كتاب الأنبياء - باب قول الله تعالى ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ ٦/ ٣٨٨ فتح)، ومسلم في صحيحه (كتاب الفضائل، باب من فضائل إبراهيم الخليل ٤/ ١٨٤٠. وأبو داود في \"سننه\" كتاب الطلاق، باب: في الرجل يقول لامرأته: يا أختي ٦/ ٢٩٦، والترمذي في \"جامعه\" كتاب: التفسير، سورة الأنبياء ٩/ ٥ - ٦ من حديث أبي هريرة -﵁-، مع اختلاف بينهم في بعض الألفاظ. وسبب قول إبراهيم لسارة: هي أختي ما رواه الأئمة المتقدم ذكرهم إلا الترمذي -واللفظ للإمام أحمد- وهو بقية الحديث: قال: (ودخل إبراهيم قرية فيها ملك من الملوك أو جبار من الجبابرة، فقيل: دخل إبراهيم الليلة بامرأة. قال: فأرسل إليه الملك أو الجبار من هذه =","vol":"15","page":110},{"text":"قالوا: وجائز أن يكون الله أذن له في ذلك ليُوبخ (١) قومه ويعرفهم خطأهم، كما أذن ليوسف حين أمر مناديه فقال لإخوته: ﴿إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾ [يوسف: ٧٠] (٢)، ولم يكونوا سرقوا شيئًا. هذا مذهب المفسرين في هذه الآية] (٣).\nوأما أهل المعاني فإنهم تأولوها على غير هذا الوجه. روي عن (٤) الكسائي (٥) أنه كان يقف عند قوله (بل فعله) ويقول. معناه: فعله من فعله، ثم يبتدئ ﴿كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ (٦).\nوقال ابن قتيبة: جعل إبراهيم النطق شرطًا للفعل فقال: فعله كبيرهم هذا إنْ كانوا ينطقون (٧).\n_________\n= معك؟ قال: أختي. وعند مسلم: (إن هذا الجبار إن يعلم أنك امرأتي يغلبني عليك، فإن سألك فأخبريه أنك أختي، فإنك أختي في الإسلام، فإني لا أعلم في الأرض مسلما غيري وغيرك).\n(١) (أ): (لتوبيخ).\n(٢) ووقع في نسخة (د): (إنكم سارفون). وأثبتنا الآية.\n(٣) هذا كلام الطبري في \"تفسيره\" ١٧/ ٤١، والثعلبي في \"الكشف والبيان\" ٣/ ٣١ أ. مع اختلاف في بعض الألفاظ. وصحح البغوي ٥/ ٣٢٥ هذا القول للحديث: (لم يكذب ...).\n(٤) (عن): ساقطة من (أ).\n(٥) في (د)، (ع) (قال)، وهو خطأ.\n(٦) ذكر هذا عن الكسائي الثعلبي ٣/ ٣١ أ، والبغوي ٥/ ٣٢٥، وابن الجوزي ٥/ ٣٦٠، وأبو حيان ٦/ ٣٢٥، والقرطبي ١١/ ٣٠٠. قال ابن حجر في \"الفتح\" ٦/ ٣٩٢ عن قول الكسائي هذا: ولا يخفى تكلفه.\n(٧) \"الكشف والبيان\" للثعلبي ٣/ ٣١ أبنصه عن ابن قتيبة وهو في \"مشكل القرآن\" ص ٢٦٨ مع تقديم وتأخير، وقال الألوسي في \"روح المعاني\" ١٧/ ٦٥ عن قول ابن قتيبة: وهو خلاف الظاهر.","vol":"15","page":111},{"text":"وقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوهُمْ﴾ اعتراض بين الكلامين كما تقول: عليه الدراهم فاسأله إن أقر. والمعنى: إن قدروا على النطق قدروا على الفعل، فأراهم عجزهم عن النطق والفعل. وفي ضمنه: أنا فعلت ذلك (١). وهذا معنى قول الزجاج (٢).\nوقال غيره: هذا الكلام خرج مخرج الخبر، وليس بمعنى الخبر، إنما هو إلزام يدل على ذلك الحال، كأنه قال: بل ما تنكرون أن يكون فعله كبيرهم هذا (٣). والإلزام قد يكون بلفظ الخبر، والمعنى فيه: من اعتقد عبادتها لزمه أن يثبت لها فعلا. أي: فعله كبيرهم فيما يلزمكم (٤).\nوالفراء اختار مذهب المفسرين، وقال: قد أيد الله أنبياءه بأكثر من هذا (٥). والذين أحالوا أن يكون هذا كذبًا تأولوه على ما ذكرنا من الوجوه، وقالوا في قوله لساره هي أختي كانت أخته في الدين، وفي قوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ أي: مغتم بضلالتكم حتى كأني سقيم، وأما ما روي عن النبي -ﷺ-:\n_________\n(١) \"الكشف والبيان\" للثعلبي ٣/ ٣١ أبنصه.\n(٢) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٩٧.\n(٣) هذا: ليست في (ع).\n(٤) ذكره هذا القول الحاكم في \"التهذيب\" ٦/ ١٥١ ب، والطوسي في \"التبيان\" ٧/ ٢٢٩ - ٢٣٠، والماوردي في \"النكت والعيون\" ٣/ ٤٥٢. من غير نسبة لأحد. وذكره بمعناه الزمخشري ٢/ ٥٧٧ قال: ويجوز أن يكون حكاية لما يقول إلى تجويز مذهبهم كأن مثال لهم: ما تنكرون أن يفعله كبيرهم، فإنَّ من حق من يُعبد ويُدعى إلها أن يعبد على هذا وأشد منه. وذكره القرطبي ١١/ ٣٠٠ من غير نسبة. وابن جزي ٣/ ٦٠ من غير نسبة. قال: كأنه يقول: إن كان إلها فهو قادر على أن يفعل أو إنه لم يقدر فليس بإله، ولم يقصد الإخبار المحض؛ لأنه كذب.\n(٥) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٠٧.","vol":"15","page":112},{"text":"أن إبراهيم لم يكذب إلا ثلاث كذبات أراد إلا ثلاث كلمات هن في صورة الكذب في الظاهر، فأطلق عليها اسم الكذب لما أشبهت الكذب في الظاهر، ولم يرد به حقيقة الكذب (١).\n_________\n(١) نصَر هذا القول جماعة من العلماء منهم ابن العربي والقرطبي وابن تيمية وابن القيم. فقد ذكر ابن العربي في \"أحكام القرآن\" ٣/ ١٢٦٤ - ١٢٦٥ خلاف الناس في ظاهر المقصود به، فذكر أولًا أن منهم من قال: هذا تعريض، وفي المعاريض مندوحة عن الكذب، ثم ذكر أقوالًا أخرى، ثم قال: والأول أصح لأنه عدده على نفسه، فدل على أنه خرج مخرج التعريض، وذلك أنهم كانوا يعبدونهم ويتخذونهم آلهة من دون الله، وهم كما قال إبراهيم لأبيه: ﴿لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾. فقال إبراهيم: بل فعله كبيرهم هذا، ليقولوا إنهم لا ينطقون ولا يفعلون ولا ينفعون ولا يضرون؛ فيقول لهم فلم تعبدونهم؟ فتقوم الحجة عليهم منهم. ولهذا يجوز عند الأئمة فرض الباطل مع الخصم حتى يرجع إلى الحق من ذات نفسه .. \"\nقال القرطبي في \"تفسيره\" ١١/ ٣٠٠ - بعد ذكره للخلاف: (كان قوله من المعارض، وفي المعاريض مندوحة عن الكذب، أي: سلوهم إن يطقوا فإنهم يصدقون، وإن لم يكونوا ينطقون فليس هو الفاعل. وفي ضمن هذا الكلام اعتراف بأنه هو الفاعل. وهذا هو الصحيح؛ لأنه عدده على نفسه، فدل أنه خرج مخرج التعريض\".\nوقال ابن تيمية في \"الفتاوى\" ٢٨/ ٢٢٣: (ولكن تباح عند الحاجة الشرعية (المعاريض) وقد تُسمى كذب؛ لأن الكلام يعني به المتكلم معنى، وذلك المعنى يريد أن يفهمه المخاطب، فإذا لم يكن عل ما يعنيه فهو الكذب المحض، وإن كان على ما يعنيه ولكن ليس على ما يفهمه المخاطب فهذه المعاريض. وهي كذب باعتبار الأفهام، وإن لم تكن كذبًا باعتبار الغاية السائغة ومنه قول النبي -ﷺ-: \"لم يكذب .. وهذه الثلاثة معاريض\". وقال: ولهذا نفى عنه النبي -ﷺ- الكذب باعتبار القصد والغاية كما ثبت عنه أنه قال: الحرب خدعة. وأنه كان إذا أراد غزوة ورى بغيرها. ومن هذا الباب قول الصديق. هذا هادي يهديني -وفي عزوة بدر قال النبي -ﷺ-: \"نحن من ماء\". =","vol":"15","page":113},{"text":"وأما ما احتجوا به من قوله: ﴿إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾ تأويله: إنكم لسارقون يوسف، وكانوا قد سرقوه من أبيه حين أخفوه عنه في البئر (١).\nوكل هذا تكلف واحتيال مع ورود الخبر بأن إبراهيم كذب ثلاث كذبات، ويؤيد هذا حديث الشفاعة المروى في الصحيح (٢): أن الناس إذا جاؤا إلى إبراهيم ليشفع لهم يعتذر بهذه الكذبات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2629>٦٤ </span>- قوله تعالى: ﴿فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ أي تفكروا بقلوبهم ورجعوا إلى عقولهم فقال بعضهم لبعض ﴿إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ﴾ أي: هذا الرجل في مسألتكم إياه وهذه آلهتكم حاضرة فاسألوها (٣).\nوقيل: أنتم الظالمون بعبادتكم الصغار مع هذا الكبير (٤).\nوقال عطاء عن ابن عباس: يريد: حيث يعُبد (٥) من لا يتكلم (٦).\n_________\n= وقال ابن القيم في تعليقه على \"سنن أبي داود\" ٦/ ٢٩٦ - ٢٩٧: وسمى قول إبراهيم هذا كذبًا لأنه تورية. وقد أشكل على الناس تسميتها كذبة، لكون المتكلم إنما أراد اللفظ المعنى الذي قصده، فكيف يكون كذبًا؟ والتحقيق في ذلك: أنها كذبٌ بالنسبة إلى إفهام المخاطب، لا بالنسبة إلى غاية المتكلم، فإن الكلام له نسبتان: نسبة إلى المتكلم، ونسبة إلى المخاطب، فلما أراد الموري أنه يفهم المخاطب خلاف ما قصده بلفظه أطلق الكذب عليه بهذا الاعتبار، وإن كان المتكلم صادقا باعتبار قصده ومراده.\n(١) انظر القرطبي ٩/ ٢٣١.\n(٢) رواه البخاري في \"صحيحه\" كتاب: الأنبياء ٦/ ٣٩٥.\n(٣) \"تفسير الطبري\" ١٧/ ٤١، و\"الكشف والبيان\" للثعلبي ٣/ ٣١ أ.\n(٤) \"الكشف والبيان\" للثعلبي ٣/ ٣١ أ. وقد ذكره ابن الجوزي ٥/ ٣٦٤ عن وهب بن منبه.\n(٥) هكذا في (أ). وفي (د): (حبب يعبد). وفي (ع): (حدث يعبد)، وفي \"الوسيط\" ٣/ ٣٤٣: حيث عبدتم. ولعل صواب العبارة: حيث تعبدون.\n(٦) ذكره ابن الجوزي ٥/ ٣٦٤ وأبو حيان في \"البحر\" ٦/ ٣٢٥ منسوبًا إلى ابن عباس =","vol":"15","page":114},{"text":"فعلى هذا معناه: أنتم الظالمون أنفسكم بعبادتكم من يقدر على الكلام، وكأن هذا إقرار منهم على أنفسهم بالكفر واقترابٌ من قبول (١) حجة إبراهيم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2630>٦٥ </span>- قوله تعالى: ثم أدركتهم الشقاوة، فعادوا إلى كفرهم وهو قوله تعالى: ﴿ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ﴾ قال الفراء: نُكسوا نكسًا، ونكس المريض نكسا (٢).\nوقال الليث: النكس: قلبك شيئًا على رأسه تنكسه، ونُكس في مرضه نُكسا (٣).\nوقال شمر: النكس في أشياء، ومعناه يرجع إلى قلب الشيء ورده (٤) وجعل أعلاه أسفله ومقدمه مؤخره (٥).\nقال المبرد: ومنه نُكس المريض إذا خرج عن مرضه ثم عاد إلى مثله.\n_________\n= وذكره الرازي ٢٢/ ١٨٦ بمعناه من غير نسبة وقال عنه: وهو الأقرب. وذكره القرطبي ١١/ ٣٠١ بمعناه، واقتصر عليه فقال: أي: بعبادة من لا ينطق بلفظه ولا يملك لنفسه لحظة. وكيف ينفع عابديه ويدفع عنهم البأس من لا يرد عن رأسه الفأس.\n(١) (قبول): ساقطة من (د)، (ع).\n(٢) لم أجده في كتاب: \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٠ في هذا الموطن، ولا في مظانه من تفسيره.\n(٣) \"تهذيب اللغة\" للأزهري ١٠/ ٧٠ (نكس) منسوبًا إلى الليث.\nونُكْس: ضبطها الزبيدي في \"تاج العروس\" ١٦/ ٥٧٧ الضم والفتح (النكس والنكس) وهو في العين ٥/ ٣١٤ (نكس) مع اختلاف يسير.\n(٤) في (د)، (ع): (رده)، وغير واضح في (أ).\n(٥) \"تهذيب اللغة\" للأزهري ١٠/ ٧١ (نكس).","vol":"15","page":115},{"text":"وقال ابن شُمَيل نكست فلانًا في ذلك الأمر، أي رددته فيه بعد ما خرج (١). وهذا هو المعنى بالآية.\nقال الكلبي: يقول: رجعوا على أمرهم الأول الشرك بالله بعد المعرفة والصدق من قول إبراهيم (٢). وهذا معنى قول السدي: نكسوا (٣) في الكفر (٤).\nومعنى قول ابن عباس: نكسوا في الفتنة (٥).\nوالمعنى: ردوا إلى الكفر بعد أن أقروا على أنفسهم بالظلم كما ينكس الذي يرد إلى أمره الأول بعدما خرج منه. وهذا معنى ما جاء في التفسير: أدركت القوم حيرة (٦). أي: أنهم حاروا في الأمر فلم يهتدوا، وعادوا إلى التمادي في كفرهم. وقال الفراء: رجعوا عن قولهم عندما عرفوا من حُجة إبراهيم (٧).\nيعني: أنهم عرفوا حجة إبراهيم فأقروا على أنفسهم بالظلم، ثم رجعوا عن ذلك، وعادوا لكفرهم (٨) (٩). هذا الذي ذكرنا معنى أحد القولين\n_________\n(١) قول ابن شميل في \"تهذيب اللغة\" للأزهري ١٠/ ٧١ (نكس).\n(٢) ذكره الماوردي في \"النكت والعيون\" ٣/ ٤٥٢ معناه من غير نسبة لأحد.\n(٣) (نكسوا): ساقطة من (د)، (ع).\n(٤) روى الطبري ١٧/ ٤٢ عن السدي قال: في الفتنة.\n(٥) رواه الطبري ١٧/ ٤٢ عن السدي كما تقدم. ولم أجد من ذكره عن ابن عباس.\n(٦) رواه الطبري ١٧/ ٤٢ عن قتادة. وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٥/ ٦٣٧ عن -قتادة وتصحف (حيرة) إلى (غيره) - وعزاه لابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(٧) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٠٧.\n(٨) في (د)، (ع): (إلى كفرهم).\n(٩) تعقب الطبري ١٧/ ٤٢ هذا القول بعد ذكره عن بعض أهل الحربية -يعني الفراء- فقال: (وأما قول من قال من أهل العربية ما ذكرنا عنه، فقول بعيد عن المفهوم، لأنهم لو كان رجعوا عما عرفوا من حجة إبراهيم ما احتجوا عليه بما هو حجة =","vol":"15","page":116},{"text":"في ﴿ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ﴾ وهو موافق لقول ابن عباس في تفسير ﴿إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ﴾.\nالقول الثاني في ﴿ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ﴾: أنهم طأطؤا رؤوسهم خجلة من إبراهيم حيث ظهرت (١) حجته. وحكى (٢) الكلبي أيضًا هذا القول (٣). واختاره بعض أهل المعاني فقال: نكسوا رؤوسهم خَجْلة. ويقال لمن أطرق: نكس بصره ونكس رأسه. ومنه قول الفرزدق:\nوإذا الرجال رأوا يَزيدَ رأيتهم ... خُضْعَ الرقاب نَوَاكِس الأْبصَار (٤)\n_________\n= له، بل كانوا يقولون له: لا نسألهم، ولكن نسألك فأخبرنا من فعل ذلك، وقد سمعنا أنك فعلت ذلك. ولكن صدقوا القول فقالوا ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ﴾ وليس هذا رجوعًا عما كانوا عرفوا، بل هو إقرار به.\n(١) في (ع): (أظهرت)، وهو خطأ.\n(٢) في (أ): (حكى).\n(٣) ذكره الزمخشري في \"الكشاف\" ٢/ ٥٧٧، والرازي ٢٢/ ١٨٦، والقرطبي ١١/ ٣٠١، وأبو حيان ٦/ ٣٢٥ من غير نسبة لأحد.\n(٤) البيت في ديوانه ١/ ٣٠٤، \"الكتاب\" ٣/ ٦٣٣، \"الكامل\" للمبرد ٢/ ٥٧ - ٥٨، \"تهذيب اللغة\" للأزهري ١٥/ ٧٢ (نكس)، الخزانة للبغدادي ١/ ٢٠٤، ٢١١.\nوهو من قصيدة يمدح بها آل المهلب. ويزيد المذكور في البيت هو ابن المهلب بن أبي صفرة، أحد شجعان العرب وكرمائهم، كان واليا على خراسان، ثم صار أمير العراقيين بعد موت الحجاج، كان جوادًا ممدحًا كثير الغزو والفتوح. توفي مقتولًا في صفر سنة ١٠٢ هـ.\n\"العبر\" للذهبي ١/ ٩٣، \"خزانة الأدب\" للبغدادي ١/ ٢١٧.\nوقوله (خضع): (قال البغدادي ١/ ٢١١: (خضع) بضمتين: جمع خضوع، مبالغة خاضع عن الخضوع وهو التطامن والتواضع، .. ويحتمل أن يكون (خُضع) -بضمة فسكون-: جمع أخضع، وهو الذي في خلقه تطامن، وهذا أبلغ من الأول، أي: ترى أعناقهم إذا رأوه كأنها خلقت متطامنة من شدة تذللهم. أهـ.","vol":"15","page":117},{"text":"يعني: مطرقين مطأطئي الرؤوس. وكذلك من خجل واستحيا أو خزي وافتضح.\nوالقول هو الأول. ولو فعلوا هم ذلك خجلًا لقيل: ثم نكسوا رؤوسهم، فلما قيل: نكسوا على رؤوسهم، على الفعل الذي لم يسم فاعله، ظهر أن المعنى: رُدوا على ما كانوا عليه من أول الأمر.\nوفيه إثبات للقضاء والقدر، وهو أن الله فعل ذلك بهم للشقاوة التي أدركتهم.\nوقوله تعالى: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ﴾ فيه إضمار القول، أي: فقالوا لإبراهيم ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ﴾ (١).\nقال ابن عباس: لقد علمت أن هذه الأصنام لا تتكلم (٢).\nقال الزجاج: اعترفوا بعجز ما يعبدونه عن النطق (٣).\nوقال الفراء: العلم بمنزلة اليمين، ولذلك لقي بما يلقى به اليمين، كقوله (٤): والله ما أنت بأخينا. قال: ولو أدخلوا (٥) (أن) قبل (ما) فقيل: لقد علمت أن ما فيك خير، [كان صوابًا] (٦) (٧).\n_________\n(١) ذكر أبو حيان ٦/ ٣٢٥، والسمن الحلبي ٨/ ١٧٩ أن قوله (لقد علمت) جواب قسم محذوف، والقسم وجوابه معمولان لقول مُضْمر، وذلك القول المُضْمر حال من مرفوع (نكسوا)، والتقدير: أي: نكسوا قائلين والله لقد علمت.\n(٢) تقدم نحو هذا عن ابن عباس في قوله: (فاسألوهم إن كانوا ينطقون).\n(٣) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٩٧.\n(٤) عند الفراء: كقول القائل.\n(٥) عند الفراء: ولو أدخلت العرب.\n(٦) ساقط من (د)، (ع).\n(٧) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٠٧ مع تصرف.","vol":"15","page":118},{"text":"وذكرنا أن العلم يقع بمنزلة اليمين في قوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ﴾ [البقرة: ١٠٢] الآية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2631>٦٦ </span>- فلما اتجهت الحجة عليهم بإقرارهم وبَّخهم إبراهيم فقال: ﴿أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا﴾. قال السدي: يقول لا يرزقكم ولا يعطيكم شيئًا ﴿وَلَا يَضُرُّكُمْ﴾ قال: يقول إذا لم تعبدوها لم يضركم. وهذا معنى قول الكلبي: لا ينفعكم إن عبدتموه ولا يضركم إن تركتموه (١).\nوفي هذا حث على عبادة من يملك النفع بالثواب إذا عبد، والضر بالعقاب إذا لم يعبد، وهو الله تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2632>٦٧ </span>- ثم حقَّرهم وحقَّر معبودهم (٢)، فقال: ﴿أُفٍّ لَكُمْ﴾ أي (٣) نتنًا لكم (٤) ﴿وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ﴾. وذكرنا الكلام في (أف) في سورة سبحان (٥).\nوقوله تعالى: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ قال ابن عباس: يريد العقل بعينه (٦).\n_________\n(١) مثله في تنوير المقباس ص ٢٠٣.\n(٢) في (د)، (ع): (معبوديهم).\n(٣) (أي): زيادة من (د)، (ع).\n(٤) هذا تفسير الزجاج في \"معانيه\" ٣/ ٣٩٨.\nقال الطبري ١٧/ ٤٢: (أف لكم) أي: قبحا لكم وللآلهة التي تعبدون من دون الله. وقال الزمخشري ٢/ ٥٧٧: (أف) صوت إذ صوت له عُلم أن صحابه متضجر. أضجره ما رأى من ثباتهم على عبادتها بعد انقطاع عذرهم وبعد وضوح الحق وزهوق الباطل، فتأفف بهم.\n(٥) انظر: \"البسيط\" [الإسراء: ٢٣].\n(٦) ذكر هذا المعنى أبو حيان في \"البحر\" ٦/ ٣٢٦ ولم ينسبه لأحد، حيث قال: ثم نبههم على ما به يدرك حقائق الأشياء، وهو العقل فقال (أفلا تعقلون).","vol":"15","page":119},{"text":"يعني: أليس لكم عقل فتعلموا أن هذه الأصنام لا تستحق العبادة؟ فلما لزمتهم الحجة، وعجزوا (١) عن الجواب، غضبوا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2633>٦٨ </span>- فقالوا: ﴿حَرِّقُوهُ﴾ قال الكلبي: قال ملكهم نمروذ: حرقوه بالنار (٢) ﴿وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ﴾.\nوقال مجاهد: تلوت هذه الآية على عبد الله بن عمر، فقال (٣): هل تدري يا مجاهد (٤) من أشار بتحريق إبراهيم بالنار؟ قال: قلت: لا. قال: رجل من [أعراب فارس] (٥) قال: قلت: يا أبا عبد الرحمن وهل للفرس من أعراب؟ قال نعم، الكرد، هم أعراب (٦) فارس، فرجل منهم هو الذي أشار بتحريق إبراهيم بالنار (٧) (٨).\n_________\n(١) (وعجزوا، غضبوا): ساقطتان من (د)، (ع).\n(٢) حكى هذا القول من غير نسبة لأحد: البغوي ٥/ ٣٢٦، والزمخشري ٢/ ٥٧٨ والرازي ٢٢/ ١٨٧، وقال عنه إنه المشهور، والقرطبي ١١/ ٣٠٣.\n(٣) في (د)، (ع):) قال).\n(٤) في (أ): (محمد)، وهو خطأ.\n(٥) في جميع النسخ: من الأعراب. والتصحيح والزيادة من الطبري، ليستقيم بذلك المعنى.\n(٦) في (د)، (ع): (أكراد)، وهو خطأ.\n(٧) (بالنار): ساقطة من (ع).\n(٨) رواه الطبري ١٧/ ٤٣ قال: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، قال: ثني محمد بن إسحاق، عن الحسن بن دينار، عن ليث بن أبي سليم، عن مجاهد، قال: تلوت .. فذكره.\nوإسناد هذا الأثر ضعيف جدًا، لعلل منها:\nأولًا: ابن حميد: هو محمد بن حميد الرازي، ضعيف \"التقريب\" ٢/ ١٥٦.\nثانيًا: سلمة: وابن الفضل: صدوق، كثير الخطأ \"تقريب\" ٢/ ٣١٨.\nثالثًا: محمد بن إسحاق مدلس.\nرابعًا: ليث بن أبي سليم: ضعيف.","vol":"15","page":120},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ﴾ أي: بتحريق إبراهيم؛ لأنه يعيبها ويطعن عليها، فإذا حرقتموه كان ذلك (١) نصرًا منكم إياها.\n﴿إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾ قال ابن إسحاق (٢): إن كنتم ناصريها، أي: لا تنصروها منه إلا بالتحريق بالنار (٣).\nقال ابن عباس: ففعلوا ذلك، وألقوه في الجحيم، ثم نجاه الله منها، ووقاه حرها، وهو:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2634>٦٩ </span>- قوله تعالى: ﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا﴾ قال السدي: وكان جبريل هو الذي ناداها (٤) (٥). فقال: ﴿يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا﴾ أي: ذات برد وسلامة.\nقال ابن عباس: لو لم يتبع بردها (سلامًا) لمات إبراهيم من بردها (٦).\n_________\n(١) ذلك: في حاشية (ع) .. وعليها علامة التصحيح.\n(٢) في (د)، (ع): (أبو إسحاق)، وهو تصحيف. والصواب ما في (أ)؛ لأن هذا كلام ابن إسحاق كما سيأتي تخريجه، وليس هذا النص موجودا في \"معاني القرآن\" للزجاج.\n(٣) رواه الطبري ١٧/ ٤٣ عن ابن إسحاق.\n(٤) في (د)، (ع): (ناداه)، وهو خطأ.\n(٥) ذكره الثعلبي في \"الكشف والبيان\" ٣/ ٣٢ أ. ورواه الطبري ١٧/ ٤٤، وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٥/ ٦٣٩ وعزاه لابن جرير وابن أبي حاتم. قال أبو حيان في \"البحر\" ٦/ ٣٢٨: والظاهر أن القائل (قلنا يا نار) هو الله تعالى. وقال الرازي ٢٢/ ١٨٨، وهو قول الأكثرين أن القائل هو الله تعالى، وهو الأليق الأقرب بالظاهر.\n(٦) \"الكشف والبيان\" للثعلبي ٣/ ٣١ أ. ورواه الطبري ١٧/ ٤٤، وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٥/ ٦٤٠ وعزاه للفريابي وعبد ابن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم. وهذه الرواية عن ابن عباس منقطعة؛ لأنها من رواية السدي عن ابن عباس، والسدي لم يلق ابن عباس. وسيأتي نحوه عن علي -﵁-. وهي رواية ضعيفة كما سيأتي تقريره.","vol":"15","page":121},{"text":"قال المفسرون: لما انتهى إبراهيم إلى النار أخذت الملائكة بضبعيه (١) فأقعدوه على الأرض، فإذا عينُ ماء عذب وورد أحمر ونرجس، وأنزل الله زربِية (٢) من الجنة فبُسطَت في الجحيم، وما أحرقت النَّار من إبراهيم إلا وثاقه، وبعث الله إليه جبريل مع قميص من حرير الجنة، وقال له: يا إبراهيم إن ربك يقول: أما علمت أن النار لا تضر أحبابي (٣).\nوقال علي -﵁- في قوله: ﴿كُونِي بَرْدًا﴾ قال: بردت حتى كادت تقتل (٤)، فقال: (كوني سلامًا) لا تؤذيه (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2635>٧٠ </span>- قوله تعالى: ﴿وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا﴾ يعني التحريق بالنار ﴿فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ﴾ أي: الأخسرين أعمالًا.\nقال ابن عباس: وهو (٦) أن الله سلط البعوض على نمروذ وخيله حتى\n_________\n(١) بضبعيه: أي: بعضديه واحدها: ضبع. انظر: \"الصحاح\" ٣/ ١٥٤٧ (ضبع).\n(٢) زَرْبيَّة -بفتح الزاي وقيل: تكسر وتضم أيضًا، وسكون الراء: واحدة زرابي، والزربية: البساط، وقيل: كل ما بسط واتكىء عليه، وقيل: الطنفسَة. انظر: \"لسان العرب\" ١/ ٤٤٧) زرب)، \"تاج العروس\" للزبيدي ٣/ ١٢ (زرب).\n(٣) \"الكشف والبيان\" للثعلبي ٣/ ٣١ أبتصرف، وهو مجموع من كلام السدي وكعب الأحبار ومحمد بن إسحاق بن يسار. وانظر: \"الطبري\" ١٧/ ٤٤ - ٤٥.\nقال ابن عطية في \"المحرر\" ١٠/ ١٦٩: وقد أكثر الناس في قصص حرق إبراهيم ﵇ وذكروا مدة بقائه في النار وصورة بقائه فيها مما رأيت اختصاره هنا لقلة صحته، والصحيح من ذلك أنه ألقي في النار فجعلها الله تعالى عليه بردًا وسلامًا، فخرج منها سالمًا، فكانت أعظم آية.\n(٤) عند الطبري: تقتله.\n(٥) رواه سفيان الثوري في \"تفسيره\" ص ٢٠٢، والطبري في \"تفسيره\" ١٧/ ٤٤ من طريق الأعمش، عن شيخ، عن علي بن أبي طالب. وفي سنده مجهول. وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ٦٤١ وعزاه للفريابي وابن أبي شيبة وابن جرير.\n(٦) في (د)، (ع): (هو).","vol":"15","page":122},{"text":"أخذت (١) لحومهم وشربت دماءهم، فرأى عظام أصحابه وخيله تلوح، ووقعت واحدة في دماغه حتى أهلكته (٢).\nوالمعنى: أنهم كادوه بسوء فانقلب عليهم ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2636>٧١ </span>- قوله تعالى: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ﴾ أي من نمروذ وكيده. ﴿وَلُوطًا﴾ وهو ابن أخ إبراهيم، وكان قد آمن به، وهاجر من أرض العراق إلى أرض الشام، فذلك قوله تعالى: ﴿إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ﴾ أي: بالخصب وكثرة الأشجار والثمار والأنهار، ومنها بعث أكثر الأنبياء (٣).\nوقال أبي بن كعب: سماها مباركة لأنه ما من ماء عذب إلا وينبع أصله من تحت الصخرة التي ببيت المقدس (٤).\n_________\n(١) عند القرطبي ١١/ ٣٠٥ والأظهر أنه نقله عن الواحدي: أكلت.\n(٢) ذكره القرطبي ١١/ ٣٠٥ منسوبًا إلى ابن عباس. وذكره البغوي ٥/ ٣٢٩، وابن عطية ١٠/ ١٧٠، وابن الجوزي ٥/ ٣٦٨ من غير نسبة لأحد. والأظهر في معنى (الأخسرين أعمالا) ما قاله ابن عطية والزمخشري وابن عاشور: قال ابن عطية ١٠/ ١٧٠: وكانوا في خسارة من كفرهم وغلبته لهم.\nوقال الزمخشري ٢/ ٥٧٨: فأرادوا أن يكيدوه ويمكروا به، فما كانوا إلا مغلوبين مقهورين. غالبوه بالجدال فغلبه الله ولقنه بالمكبت، وفزعوا إلى القوة والجبروت فَنَصَره وقواه. وقال ابن عاشور ١٧/ ١٠٧: أي: فخابوا خيبة عظيمة، وذلك أن خيبتهم جمع لهم بها سلامة إبراهيم من أثر عقابهم وأن صار ما أعدوه للعقاب آية وتأييدًا لإبراهيم ﵇.\nذكر الألوسي ١٧/ ٧٠ نحو قول الزمخشري، ثم ذكر قول ابن عباس من غير نسبة، ثم قال: والمعول عليه التفسير الأول.\n(٣) \"الكشف والبيان\" للثعلبي ٣/ ٣٢ ب.\n(٤) \"الكشف والبيان\" للثعلبي ٣/ ٣٢ ب. وبنحوه رواه الطبري ١٧/ ٤٦ من طريق =","vol":"15","page":123},{"text":"ومعنى البركة: ثبوت الخير النامي (١).\nوروى العوفي عن ابن عباس ﴿إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ قال: هي مكة ونزول إسماعيل بها (٢). والمفسرون كلهم على أنها الشام (٣).\nوقوله تعالى: ﴿إِلَى الْأَرْضِ﴾ (إلى) من صلة (نجيناه) (٤) يعني (٥): نجيناه ولوطًا فخرجا إلى الأرض (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2637>٧٢ </span>- قوله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ﴾ يعني حين سأل ولدًا فقال: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ فاستجاب الله دعاءه، ووهب له إسحاق ولدًا.\n_________\n= الحسين بن واقد، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية عن أبي -﵁-، وذكر السيوطي في \"الدر المنثور\" ٥/ ٦٤٢ وعزاه لابن أبي حاتم فقط. وفي سند الطبري أن الحسين بن واقد وهو ضعيف وله أوهام. انظر: \"تقريب التهذيب\" ١/ ١٨٠، ٢٤٣. والخبر مُتلقى عن أهل الكتاب، والله أعلم. وقال ابن عطية في \"المحرر\" ١٠/ ١٧٢ لما ذكر هذا الأثر: وهذا ضعيف.\n(١) انظر: (برك) في \"تهذيب اللغة\" للأزهري ١٠/ ٢٣٠ - ٢٣١، \"الصحاح\" للجوهري ٤/ ١٥٧٥، \"المفردات\" للراغب الأصبهاني ص ٤٤.\n(٢) ذكره الثعلبي ٣/ ٣٣ أمن رواية العوفي عن ابن عباس. ورواه الطبري ١٧/ ٤٧ من طريق العوفي عن ابن عباس.\n(٣) اختاره الطبري ١٧/ ٤٧، وصوبه الثعلبي ٣/ ٣٣ أ.\n(٤) نجيناه: ساقط من (أ).\n(٥) في (د)، (ع): (أي.\n(٦) يريد المؤلف أن قوله (ونجيناه) مُضمن لمعنى أخرجناه بالنجاة، فلما ضُمن معنى أخرج تعدى (ونجيناه) بحرف الجر (إلى). ذكر هذا الوجه أبو حيان ٦/ ٣٢٩، والسمين ٨/ ١٨٠.\nوذكر أبو حيان احتمالا آخر وهو أن حرف الجر (إلى) يتعلق بمحذوف في موضح الحال من الضمير في (ونجيناه) أي: ونجيناه منتهيًا إلى الأرض. ولا تضمين في (ونجيناه) على هذا القول. وانظر: \"الدر المصون\" ٨/ ١٨٠ - ١٨١.","vol":"15","page":124},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً﴾ النافلة: اسم على فاعله، ليس له فعل، وهو كالنفل. ومعناه: الزيادة [على الأصل] (١) (٢). ذكرنا (٣) ذلك عند قوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ [الأنفال: ١] وقوله: ﴿نَافِلَةً لَكَ﴾ [الإسراء: ٧٩].\nوالنافلة: ولد الولد؛ لأن الأصل كان الولد [فصار ولد الولد] (٤) زيادة على الأصل (٥).\nقال ابن عباس: نَفَّله يعقوب. يريد: زيادة، زاده يعقوب من إسحاق (٦).\nوهذا قول أبي بن كعب، وقتادة، وابن زيد (٧)، قالوا: سأل واحدًا فأعطاه الله يعقوب زيادة على ما سأل.\nفعلى هذا النافلة يعقوب خاصة ومعناها: الزيادة على الأصل.\nوقال آخرون: معنى النافلة -هاهنا- العطية، وكل عطية تبرع بها معطيها فهي نافلة.\n_________\n(١) ساقط من (د)، (ع).\n(٢) \"تهذيب اللغة\" للأزهري ١٥/ ٣٥٥ (نفل) بنحوه. وانظر (نفل) في: \"الصحاح\" للجوهري ٥/ ١٨٣٣، \"لسان العرب\" لابن منظور ١١/ ٦٧١ - ٦٧٢، \"بصائر ذوي التمييز\" للفيروزآبادي ٥/ ١٠٩.\n(٣) في (د)، (ع): (وذكرنا).\n(٤) ساقط من (أ).\n(٥) \"تهذيب اللغة\" للأزهري ١٥/ ٣٥٦ (نفل) بنصه.\n(٦) ذكره الثعلي في \"الكشف والبيان\" ٣/ ٣٣ أعن ابن عباس. وقد رواه الطبري ١٧/ ٤٩ بمعناه عن ابن عباس من طريق العوفي.\n(٧) ذكره عنهم الثعلبي ٣/ ٣٣ أ. ورواه الطبري ١٧/ ٤٨ عن قتادة وابن زيد.","vol":"15","page":125},{"text":"وهذا مذهب مجاهد وعطاء في هذه الآية، قالا: معنى النافلة العطية، وإسحاق ويعقوب كانا جميعًا من عطاء الله تعالى (١).\nوعلى هذا النافلة لا يختص بيعقوب. والأكثرون على القول الأول وهو اختيار الفراء والزَّجَّاج.\n[قال الفراء: النافلة: يعقوب خاصة؛ لأنه ولد الولد (٢). ونحو هذا قال الزجاج] (٣) (٤).\nوقال الأزهري في هذه الآية: وهبنا لإبراهيم إسحاق، وكان كالفرض له، ثم قال: ﴿وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً﴾ فالنافلة يعقوب خاصة؛ لأنه ولد الولد، أي: وهبناه له (٥) زيادة على الفرض له (٦).\nوعلى هذا القول الحسن والضحاك (٧) والكلبي؛ لأنهم قالوا في قوله: ﴿نَافِلَةً﴾: فضلًا.\nقال الكلبي: وهو ولد الولد (٨).\n_________\n(١) \"الكشف والبيان\" للثعلبي ٣/ ٣٣ أبنصه، عن مجاهد وعطاء. وقد رواه عن مجاهد مختصرًا الطبري في \"تفسيره\" ١٧/ ٤٨ وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٥/ ٦٤٣ وعزاه لابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم. وعن عطاء رواه سفيان الثوري في \"تفسيره\" ص ٢٠٢، والطبري ١٧/ ٤٨.\n(٢) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٠٧.\n(٣) ما بين المعقوفين ساقط من (د)، (ع).\n(٤) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٩٨.\n(٥) في جميع النسخ: (وهبنا له)، والتصحيح من \"تهذيب اللغة\" للأزهري.\n(٦) \"تهذيب اللغة\" للأزهري ١٥/ ٣٥٦ (نفل). وبقية كلامه: وذلك أن إسحاق وهب له بدعائه، وزيد يعقوب تفضلا.\n(٧) ذكره الثعلبي في \"الكشف والبيان\" (٣/ ٣٣ أ) عن الحسن والضحاك.\n(٨) روى عبد الرزاق في \"تفسيره\" ٢/ ٢٤ عن الكلبي قال: دعى بإسحاق فاستجيب له =","vol":"15","page":126},{"text":"ويصح الوقف (١) على إسحاق في هذا القول ثم يبتدئ ﴿وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً﴾ على معنى: وزدناه (٢) يعقوب نافلة.\nواختار أبو جعفر النحاس (٣) القول الثاني وقال: الظاهر (٤) في العربية أن يكون الثاني معطوفًا على الأول، داخلًا فيما دخل فيه من غير إضمار فعل (٥).\n_________\n= وزيد يعقوب.\nقال ابن جزي الكلبي ٣/ ٦٢: واختار بعضهم الوقف على (إسحاق) لبيان المعنى، وهذا ضعيف لأنه معطوف على كل قول.\n(١) في (ع): (الولد)، وهو خطأ.\n(٢) في (أ): (وزيادة)، والصواب ما أثبتناه من (د)، (ع).\n(٣) هو أحمد بن محمد بن إسماعيل بن يونس، المصري، النحوي، اللغوي، المفسير، الأديب. سمع الحديث، وأخذ عن أصحاب المبرد كالزجاج وغيره. وصنف تصانيف نافعة منها \"معاني القرآن\"، و\"إعراب القرآن\"، و\"الناسخ والمنسوخ\". و\"القطع والآئتناف\" وغيرها. توفي في ذي الحجة سنة ٣٣٨ هـ. \"طبقات النحويين واللغويين\" ص ٢٣٩، \"معجم الأدباء\" ٤/ ٢٢٤ - ٢٣٠، \"إنباه الرواة\" ١/ ١٣٦ - ١٣٩، \"سير أعلام النبلاء\" ١٥/ ٤٠١ - ٤٠٢، \"البداية والنهاية\" ١١/ ٢٢٢، \"بغية الوعاء\" ١٥٧، \"طبقات المفسرين\" للداودي ١/ ٦٨ - ٧٠.\n(٤) في القطع والائتناف: البين.\n(٥) \"القطع والائتناف\" للنحاس ص ٤٧٦. واختار هذا القول ابن عطية لأنه أبين. انظر: \"المحرر\" ١٠/ ١٧٣. وقال عنه الرازي ٢٢/ ١٩١ إنه أقرب، لأنه تعالى جمع بينهما، ثم ذكر قوله (نافلة) فإذا صلح أن يكون وصفًا لهما فهو أولى. وقال الطبري ١٧/ ٤٨: النافلة: الفضل من الشيء يصير إلى الرجل من أي: شيء كان كذلك، وكلا ولديه إسحاق ويعقوب كان فضلًا من الله تفضل به على إبراهيم، وهبة منه له. وجائز أن يكون عني به أنه آتاهما إياه جميعًا نافلة منه له، وأن يكون بمعنى أنه آتاه نافلة يعقوب، ولا برهان يدل على أي: ذلك المراد من الكلام، فلا شيء أولى -أن يقال في ذلك- مما قال الله: ووهب الله لإبراهيم إسحاق ويعقوب نافلة.","vol":"15","page":127},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَكُلًّا﴾ يعني إبراهيم وإسحاق ويعقوب (١) ﴿جَعَلْنَا صَالِحِينَ﴾ أنبياء عاملين بطاعة الله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2638>٧٣ </span>- قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً﴾ سبق الكلام في الأئمة عند قوله: ﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾ [التوبة: ١٢] والمعنى: جعلناهم رؤساء يقتدى بهم في الخير ﴿يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾ يهدون الناس إلى ديننا بأمرنا إياهم بذلك (٢) (٣). قال ابن عباس: يدعون إلى عبادة الله (٤).\n﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ﴾ قال ابن عباس: شرائع النبوة (٥).\n﴿وَإِقَامَ الصَّلَاةِ﴾ قال الزجاج: إنما جاز حذف الهاء من إقامة؛ لأن الإضافة عوض منه، ولا يجوز -عند (٦) الإفراد (٧) - بغير هاء (٨).\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" ١٧/ ٤٩، \"الكشف والبيان\" للثعلبي ٣/ ٣٣ أ. وجزم أبو حيان في \"البحر\" ٦/ ٣٢٩ أنه (وكلا) يشمل كل من ذكر: إبراهيم ولوط وإسحاق ويعقوب. قال الشنقيطي في \"أضواء البيان\" ٤/ ٥٩٢: وهو الظاهر.\nوما قاله أبو حيان واستظهره الشنقيطي ليس بظاهر، بل ما ذكره الواحدي -وهو قول الطبري والثعلبي وجماعة المفسرين- هو الأظهر، لأنه كما قال ابن عاشور ١٧/ ١٠٩: الحديث الأخير فيهم، وأما لوط فإنه ذكر على طريق المعية، وسيخُص بالذكر بعد هذه الآية- انتهى.\n(٢) (بذلك) ساقطة من (د)، (ع).\n(٣) \"تفسير الطبري\" ١٧/ ٤٩.\n(٤) نحوه في \"تنوير المقباس\" ص ٢٠٣.\n(٥) ذكره عنه ابن الجوزي ٥/ ٣٦٩، وذكره البغوي ٥/ ٣٣١ من غير نسبة.\n(٦) (عند) ليست في (د)، (ع). وكأنها في (أ): (عنده).\n(٧) يعني عدم الإضافة.\n(٨) عبارة الزجاج في \"معاني القرآن\" ٣/ ٣٩٨ هي: (إقام) مفرد قليل في اللغة، =","vol":"15","page":128},{"text":"﴿وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ﴾ قال ابن عباس: مطيعين (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2639>٧٤ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلُوطًا آتَيْنَاهُ﴾ انتصب (لوطًا) (٢) بفعل مُضْمر تقديره: وآتينا لوطًا آتيناه.\nوالنصب هاهنا أحسن من الرفع؛ لأن قبل (آتينا) فعل (٣) وهو قوله: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ﴾ وليس كقوله: ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا﴾ (٤) ويجوز أن يكون منصوبًا على: واذكر لوطًا.\nوهذا كله قول الفراء والزجاج (٥).\nوقوله تعالى: ﴿حُكْمًا﴾ قال ابن عباس: يريد النبوة (٦).\n_________\n= تقول: أقمت إقامة. فأما (إقام الصلاة) فجائز؛ لأن الإضافة عوض من الهاء. أهـ. فأنت ترى أن الزجاج لم يقل: ولا يجوز -عند الإفراد- لغيرها: بل قال عن هذا أنه قليل في اللغة وسيأتي الكلام على هذه المسألة عند قوله تعالى ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ﴾ [النور: ٣٧] لأن الواحدي بسط الكلام هناك.\n(١) ذكره بالقرطبي ١١/ ٣٠٥ من غير نسبة لأحد.\n(٢) (لوطًا): ساقطة من (د)، (ع).\n(٣) هكذا في جميع النسخ: (فعل)، وفي \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٩٨: فعلا.\n(٤) النور: ١.\n(٥) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٠٧ - ٢٠٨، و\"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٩٨ - ٣٩٩. وانظر: \"إعراب القرآن\" للنحاس ٣/ ٧٥، \"مشكل إعراب القرآن\" لمكي ٢/ ٤٨٠، \" الإملاء للعكبري\" ٢/ ١٣٥.\n(٦) ذكره الماوردي ٣/ ٤٥٥ منسوبًا إلى ..، وذكره ابن الجوزي منسوبًا إلى ابن عباس، وذكره الزمخشري ٢/ ٥٧٩ من غير نسبة.\nوقيل المراد بـ (حكمًا): (حمة. وقيل: فصل القضاء بين الخصم. قال الشنقيطي ٤/ ٥٩٤ بعد ذكره للأقوال المتقدمة: أصل الحكم: المنع.\nفمعنى الآيات: أن الله آتاه من النبوة والعلم ما يمنع أقواله وأفعاله من أن يعتريها الخلل.","vol":"15","page":129},{"text":"﴿وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ﴾ يعني أهلها، والقرية سدوم (١)، والمراد بالخبائث إتيان الذكور [في قول ابن عباس والمفسرين (٢). وجمعها لإضافتها إلى فاعليها، وإن كان إتيان الذكور] (٣) خصلة واحدة من الخبائث.\nوقيل: إنه أراد ذلك وسائر ما كانوا يأتونه من المنكرات (٤).\nثم ذمهم يقول: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2640>٧٥ </span>- قوله تعالى: ﴿وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَا﴾ قال ابن عباس: يريد الجنة (٥). وقال غيره: أدخلناه في رحمتنا بإنجائنا إياه من القوم السوء وهلاكهم (٦).\n﴿إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ يعني من الأنبياء.\n_________\n(١) سَدُوم: بالدال المهملة، وقيل بالذال المعجمة، قرية بالشام، وهي أكبر مدائن قوم لوط. انظر: \"معجم البلدان\" ٥/ ٥٣، \"مراصد الاطلاع\" ٢/ ٧٠٠.\n(٢) ذكره الماوردي ٣/ ٤٥٥، والقرطبي ١١/ ٣٠٩ من غير نسبة.\n(٣) ما بين المعقوفين ساقط من (أ).\n(٤) انظر: \"الطبري\" ١٧/ ٤٩، \"الكشف والبيان\" للثعلبي ٣/ ٣٣ أ.\n(٥) نحوه في \"تنوير المقباس\" ص ٢٠٣. وذكره الزمخشري ٢/ ٥٧٩، والقرطبي ١١/ ٣٠٦ من غير نسبة، وذكر الرازي ٢٢/ ١٩٢ عن ابن عباس والضحاك أنهما قالا: الثواب. وهو بمعنى ما هنا.\n(٦) هذا قول الطبري في \"تفسيره\" ١٧/ ٤٩. قال الثشقيطي ٤/ ٥٩٥: (في رحمتنا) شامل لنجاته من عذابهم الذي أصابهم، وشامل لإدخاله إياه في رحمته التي هي الجنة، كما في الحديث الصحيح \"تحاجت الجنة والنار\" الحديث، وفيه: \"فقال للجنة: أنت رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادي\" أهـ. والحديث الذي أشار إلى الشنقيطي رواه البخاري كتاب: \"التفسير\" (تفسير سورة ق) ٨/ ٥٩٥ فتح ومسلم كتاب \"الجنة وصفة نعيمها وأهلها\" ٤/ ٢١٨٦.","vol":"15","page":130},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2641>٧٦ </span>- قوله تعالى: ﴿وَنُوحًا﴾ منصوب على معنى واذكر نوحًا (١) كذلك من ذكر بعده من النبيين في هذه السورة (٢).\n﴿إِذْ نَادَى﴾ دعا ربه ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ من قبل إبراهيم ولوط لأنه كان قبلهما (٣)، دعا على قومه بالهلاك فقال: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ﴾ [نوح: ٢٦] الآية.\n﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ﴾ يعني من كان معه في سفينته ﴿مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾ قال ابن عباس: يريد الغرق وتكذيب قومه له (٤).\n\n٧٧ - قوله تعالى: ﴿وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ﴾ أن منعناه منهم أن يصلوا إليه\n_________\n(١) (نوحًا) ساقطة من (أ).\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٩٩ مع اختلاف يسير. وفي نصب (نوحًا) وجه آخر: وهو أنه معطوف على (لوطا) فهو مشترك معه في عامله الذي هو (آتينا) المفسر بـ (آتيناه) الظاهر، وكذلك (داود وسليمان)، والتقدير: ونوحا آتيناه حكما، وداود وسليمان آتيناهما حكما. \"الإملاء\" للعكبري ٢/ ١٣٥، \"الدر المصون\" ٨/ ٨٤ - ١٨٥.\n(٣) قال ابن عاشور في \"التحرير والتنوير\" ١٧/ ١١٣: وفائدة ذكر هذه القبلية التنبيه على أن نصر الله أنبياءه سنته المرادة له، تعريضًا بالتهديد للمشركين المعاندين ليتذكروا أنه لم تشذ عن نصر الله رسله شاذة ولا فاذة.\n(٤) ذكره البغوي ٥/ ٣٣١، وابن الوزي ٥/ ٣٧٠، والرازي ٢٢/ ١٩٣ منسوبًا إلى ابن عباس. وقال الرازي عن هذا القول بعد ذكره لثلاثة أقوال في الكرب أولهما: أنه الغرف وثانيهما: أنه تكذيب قومه له، وثالثهما: أنه مجموع الأمرين وعزاه لابن عباس: وهو الأقرب؛ لأنه ﵇ كان قد دعاهم إلى الله تعالى مدة طويلة، وكان ينال منهم كل مكروه، وكان الغم يتزايد بسبب ذلك، وعند إعلام الله تعالى إياه أنه يغرقهم وأمره باتخاذ الفلك كان أيضًا على غم وخوف من حيث أنه لم يعلم من الذي يتخلص من الغرق ومن الذي يغرق، فأزال الله عنه الكرب العظيم بأن خلصه من جميع ذلك وخلص جميع من آمن معه.\nوعلى الوجه الثاني اقتصر ابن كثير -﵀- في \"تفسيره\" ٣/ ١٨٥.","vol":"15","page":131},{"text":"بسوء. و(من) في قوله: ﴿مِنَ الْقَوْمِ﴾ (١) من صلة معنى النصر (٢).\nقال المبرد: وكأن تقديره: ونصرناه من مكروه القوم (٣).\nوقال أبو عبيدة (من) بمعنى على (٤). والأول الوجه.\nوقوله تعالى: ﴿فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [قال الكلبي] (٥): يعني الصغير والكبير (٦)، فلم يبق منهم أحد (٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2642>٧٨ </span>- قوله تعالى: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ﴾ أكثر المفسرين على أن الحرث كان كرمًا قد نبتت عناقيده (٨).\nوهو قول ابن مسعود (٩)، ومسروق (١٠)،\n_________\n(١) (من القوم) ساقطة من (د)، (ع).\n(٢) وعلى هذا الوجه (نصرناه) ضمن معنى منعناه، وقدره بعضهم بعضمناه أو أنجيناه، ولما ضمن هذا المعنى عدي تعديته، فعدى بـ (من). انظر: \"البحر المحيط\" لأبي حيان ٦/ ٣٣٠، \"الدر المصون\" للسمين الحلبي ٨/ ١٨٤، \"أضواء البيان\" للشنقيطي ٤/ ٥٣٠. قال ابن عاشور ١٧/ ١١٣: وهو أبلغ من تعديته بـ (على) لأنه يدل على نصر قوي تحصل به المنعة والحماية فلا يناله العدو بشيء، وأما نصره عليه فلا يدل إلا على المدافعة والمعونة. أهـ.\n(٣) ذكره الرازي ٢٢/ ١٩٤ عن المبرد.\n(٤) ذكره عنه الثعلبي في \"الكشف والبيان\" ٣/ ٣٣ أ، ولم أقف عليه في مجال القرآن.\n(٥) ما بين المعقوفين ساقط من (ع).\n(٦) (والكبير) ساقط من (د)، (ع).\n(٧) ذكره القرطبي ١١/ ٣٠٦ من غير نسبة لأحد. وانظر: \"تفسير ابن كثير\" ٣/ ١٨٥.\n(٨) في (د)، (ع): (عنبًا قيده).\n(٩) رواه الطبري ١٧/ ٥١، والحاكم ٢/ ٨٨٥، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" ١٠/ ١١٨، وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٥/ ٥٤٦، وعزاه لابن جرير وابن مردويه والحاكم والبيهقي في \"سننه\".\n(١٠) رواه سفيان الثوري في \"تفسيره\" ص ٢٠٥، وعبد الرزاق في \"تفسيره\" ٢/ ٢٦، =","vol":"15","page":132},{"text":"ومعمر (١)، وشريح (٢)، وابن عباس في رواية عطاء (٣).\nوقال قتادة: كان زرعا (٤).\nوقوله تعالى: ﴿إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ﴾ أي: رعت ليلًا. في قول جميع المفسرين (٥).\nقال ابن السكيت: النَّفْشُ: أن تنتشر (٦) الغنم بالليل ترعى بلا راعٍ.\nوقد أنفشها صاحبها، إذا أرسلها بالليل ترعى بلا راعٍ. وهي غنم نُفَّاش (٧) وَنَفَاش ونَفَش (٨). وأنشد:\n_________\n= وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٥/ ٥٤٦، وعزاه لعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(١) رواه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ٢/ ٢٦.\n(٢) رواه الطبري في \"تفسيره\" ١٧/ ٥١، وذكره الثعلبي في \"الكشف والبيان\" ٣/ ٣٣ أ.\n(٣) ذكره عن ابن عباس: البغوي ٥/ ٣٣١ من غير نص على أنه من رواية عطاء.\n(٤) رواه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ٢/ ٢٦، والطبري ١٧/ ٥٠. وذكره الثعلبي في \"الكشف والبيان\" ٣/ ٣٣ أ.\nقال الطبري ١٧/ ٥١: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب ما قال الله ﵎ ﴿إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ﴾ والحرث: إنما هو حرث الأرض. وجائز أن يكون ذلك كان زرعًا، وجائز أن يكون غرسًا، وغير ضائر الجهل بأي ذلك كان.\n(٥) انظر: \"الطبري\" ١٧/ ٥١ - ٥٣، و\"الدر المنثور\" للسيوطي ٥/ ٦٤٦ - ٦٤٧.\n(٦) في (أ): (إذ ينتشر)، وفي (ع): (أو ينشر)، والتصويب من \"تهذيب اللغة\" و\"إصلاح المنطق\".\n(٧) كرُمَّان. كذا ضبطها الزبيدي في \"تاج العروس\" ١٧/ ٤٢٢ (نفش).\n(٨) بالتحريك كذا ضبطها الجوهري في \"الصحاح\" ٣/ ١٠ (نفش)، والفيروزآبادي في \"القاموس المحيط\" ٢/ ٢٩٠ (نفش). وذكر الزبيدي في \"تاج العروس\" ١٧/ ٤٢٢ (نفش) وجهًا آخر وهو: نفَّش، كَسْكَّر.","vol":"15","page":133},{"text":"فما لها الليلة من إنفاش (١)\nوقال الليث. إبلٌ نَافِشَةٌ ونَوَافِشٌ، وهي التي تردد بالليل في المرعى (٢) بلا راعٍ (٣).\nوكانت هذه القصة على ما ذكره المفسرون: أن رجلين (٤) دخلا على\n_________\n(١) هذا الشطر من الرجز في \"تهذيب اللغة\" للأزهري ١١/ ٣٧٧ من إنشاد ابن السكيت في رواية الحرّاني عنه، وقبله:\nأجرس لها يا ابن أبي كباش\nوالشطر المستشهد به ليس في إصلاح المنطق لابن السكيت (ص ٤١) وإنما فيه الشطر الأول: أجرس ..\nلكن ذكر الشطرين أبو البقاء العكبري في كتابه \"المشوف المعلم في ترتيب الإصلاح على حروف المعجم\" ٢/ ٧٨٣، ونسب الرجز لرجل من بني فقعس، قال: ويقال: هو لمسعود عبد بني الحارث بن حجر الفزاري.\nوالشطر في \"التكملة\" للصاغاني ٣/ ٣٣١ منسوبًا لمسعود عبد بني الحارث. وفي \"تاج العروس\" ١٧/ ٤٠٦ (نجش) منسوبًا لأبي محمد الفقعسي، أو مسعود. ومن غير نسبة في: \"الصحاح\" ٣/ ١٠٢٢ (نفش)، \"اللسان\" ٦/ ٣٦ (جرس)، ٦/ ٣٥١ (نفش)، ٦/ ٣٥٨ (نفش). وكلام ابن السكيت في \"تهذيب اللغة\" للأزهري (١١ - ٣٧٦ - ٣٧٧) (نفش) مع اختلاف في العبارة، وليس في التهذيب: ونفاش ونفش. وهو أيضًا في \"إصلاح المنطق\" لابن السكيت ص ٤١.\n(٢) في (د)، (ع): (المراعي).\n(٣) \"العين\" ٦/ ٢٦٨ (نفش): (وإبل نوافش): ترددت بالليل في المراعي بلا راعٍ. وفي \"مقاييس اللغة\" لابن فارس ٥/ ٤٦١ (نفش): (نفشت الإبل: ترددت وانشرت بلا راع، وفعلها نفش، وإبل نُفَّاش ونوافش.\n(٤) ذكر ابن عاشور ١٧/ ١١٩: أن ما ورد في الروايات عن ذكر رجلين، فإنما يحمل على أن الذين حضرا للحصومة هما راعي الغنم وعامل الحرث، وإلا فإن الغنم كانت لجماعة من الناس كما يؤخذ ذلك من قوله تعالى (غنم القوم)، وكذلك كان الحرث شركة بين أناس كما يؤخذ ذلك مما أخرجه ابن جرير من كلام مرة ومجاهد وقتادة، وما ذكره ابن كثير من رواية ابن أبي حاتم عن مسروق .. أهـ. بتصرف.","vol":"15","page":134},{"text":"داود، أحدهما صاحب حرث والآخر صاحب غنم، فقال صاحب الحرث: إن هذا (١) أنفلتت (٢) غنمه ليلًا فوقعت في حرثي ولم (٣) تبق منه شيئًا، فقال (٤): لك رقاب الغنم، فقال سليمان -وهو عنده: أو غير ذلك؟: ينطلق أصاب الكرم (٥) بالغنم فيصيبوا من ألبانها ومنافعها، ويقوم أصحاب الغنم على الكرم حتى إذا كان كليلة نفشت فيه دفع هؤلاء إلى هؤلاء غنمهم، ودفع هؤلاء إلى هؤلاء كرمهم، فقال داود: القضاء ما قضيت، وحكم بذلك، فهو قوله: ﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾ (٦).\nقال ابن عباس: يريد لم يغب عني من أمرهم شيئًا.\nقال الفراء: جمع اثنين فقال (لحكمهم) وهو يريد داود وسليمان؛ لأن الاثنين جمع (٧)، وهو مثل قوله: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾ (٨) [النساء: ١١] يريد: أخوين (٩).\nوقال غيره: إنما جمع لذكر القوم الذين تحاكموا إليه، والحكم لا\n_________\n(١) (هذا) ساقطة من (ع).\n(٢) في (أ): (انفتلت)، وفي (د): (انقلبت)، وفي (ع): (انقلب) مهملة. والتصويب من \"الكشف والبيان\" للثعلبي ٣/ ٣٣ أفالنص منقول عنه. وانفلتت: من الانفلات وهو التخلص من الشيء فجأة من غير تمكث. \"لسان العرب\" لابن منظور ٢/ ٦٦ (فلت).\n(٣) في (د)، (ع): (فلم).\n(٤) يعني داود ﵇.\n(٥) الكرم: العنب. \"الصحاح\" للجوهري ٥/ ٢٠٢٠ (كرم).\n(٦) \"الكشف والبيان\" للثعلبي ٣/ ٣٣ أ- ب، و\"تفسير الطبري\" ١٧/ ٥١ - ٥٤.\n(٧) عند الفراء: إذ جمع اثنين.\n(٨) في جميع النسخ: (وإن)، وهو خطأ.\n(٩) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٠٨ مع تصرف في العبارة. وفيه: أخوين فما زاد.","vol":"15","page":135},{"text":"ينفك عن تعلقه بالمحكوم له وعليه، ولذلك جمع (١).\nوقال (٢) الكلبي: قَوَّم داود الغنم والكرم، فكانت (٣) القيمتان سواء، فدفع الغنم إلى صاحب الكرم.\nوأمَّا في حكم سليمان فذكر أن القيمتين كانتا (٤) مستويتين: قيمة (٥) ما نالوا من الغنم، وقيمة ما أفسدت الغنم من الكرم (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2644>٧٩ </span>- قوله تعالى: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ أي: القضية (٧) والحكومة، فكنَّى عنهما؛ لأنه قد (٨) سبق ما يدل عليها من ذكر الحكم.\n[وهذا الحكم] (٩) الذي حكما (١٠) به بعضه موافق لشرعنا، وبعضه مخالف. أما الموافق فهو الحكم بالضمان على صحابي الماشية إذا أفسدت بالليل حرثًا، وكذا هو في شرعنا وهو ما رواه الزهريّ، عن حرام بن سعد ابن محيصة (١١):\n_________\n(١) ذكر نحوه الطبري ١٧/ ٥١. وبه علل الجمع ابن عطية ١٠/ ١٨٤، والزمخشري ٢/ ٥٧٦ وغيرهما.\n(٢) في (د)، (ع): (قال).\n(٣) في (د)، (ع): (وكانت).\n(٤) (كانتا) ساقطة من (د)، (ع).\n(٥) (قيمة) ساقطة من (أ).\n(٦) من قوله: فذكر أن القيمتين .. إلى هنا. هذا كلام الفراء بنصه في \"معانيه\" ٢/ ٢٠٨.\n(٧) في (د)، (ع): (القصة).\n(٨) (قد) ليست في (د)، (ع).\n(٩) ساقط من (أ).\n(١٠) في (أ): (حكمنا)، وهو خطأ.\n(١١) هو حرام بن سعد بن مُحيصة بن مسعود بن كعب الأنصاري، أبو سعد ويقال: أبو سعيد. روى عن جده محيصة، والبراء وقيل لم يسمع من البراء. وروى عنه =","vol":"15","page":136},{"text":"أن ناقة للبراء (١) بن عازب دخلت حائطًا لبعض الأنصار فأفسدته، فرفع ذلك إلى رسول الله -ﷺ- فقضى على البراء بن عازب بما أفسدته الناقة، وقال: \"على أصحاب الماشية حفظها بالليل، وعلى أصحاب الحوائط (٢) حفظ حيطانهم وزروعهم بالنهار\" (٣).\n_________\n= الزهري على اختلاف عليه فيه -توفي بالمدينة سنة ١١٣ هـ. قال الذهبي وابن حجر: ثقة. \"طبقات ابن سعد\" ٥/ ٢٥٨، \"الثقات\" لابن حبان ٤/ ١٨٤، \"الكاشف\" للذهبي ١/ ٢١١، \"تهذيب التهذيب\" ٢/ ٢٢٣، \"تقريب التهذيب\" ١/ ١٥٧.\n(١) في (أ): (البراء).\n(٢) في (د)، (ع): (الحائط).\n(٣) هذا الحديث -بهذا اللفظ- ذكره الثعلبي في \"الكشف والبيان\" ٣/ ٣٣ ب من رواية الزهري، عن حرام بن محيصة. وهذا الحديث رواه جماعة من أصحاب الزهري، عنه، عن حرام بن محيصة، مرسلا:\nومن طريق الإمام مالك رواه الإمام أحمد في \"مسنده\" ٥/ ٤٣٥، والبيهقي في \"سننه\" ٨/ ٣٤١، والبغوي في \"تفسيره\" ٥/ ٣٣٢. ورواه ابن ماجة في \"سننه\" (أبواب الأحكام -الحكم فيما أفسدت المواشي بالليل ٢/ ٤٢ عن طريق الليث، عن الزهري، عن حرام، بنحوه مرسلًا. ورواه الطبري ١٧/ ٥٣ من طريق ابن إسحاق، عن الزهري، عن حرام، بنحوه مرسلا. ورواه الإمام أحمد في \"مسنده\" ٥/ ٤٣٦، والبيهقي في \"سننه\" ٨/ ٣٤٢ من طريق سفيان ابن عيينة، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب وحرام بن محيصة، بنحوه مرسلًا. قال ابن عبد البر في \"التمهيد\" ١١/ ٨١ - ٨٢: هكذا رواه جميع رواة الموطأ -فيما علمت- مرسلا، وكذلك رواه أصحاب ابن شهاب مرسلا إلا أن ابن عيينة رواه عن الزهري عن سعيد ابن المسيب وحرام بن محيصة.\nثم قال: هذا الحديث -وإن كان مرسلًا- فهو حديث مشهور، أرسله الأئمة، وحدث به الثقات، واستعمله فقهاء الحجاز، وتلقوه بالقبول، وجرى في المدينة به العمل، وقد زعم الشافعي أنه تتبع مراسيل سعيد بن المسيب فألفاها صحاحًا وأكثر الفقهاء -يحتجون بها. أهـ. لكن قد رواه بعض أصحاب الزهري، عنه. موصولًا: =","vol":"15","page":137},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= فرواه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" ١٤/ ٢٢١ وابن ماجة في \"سننه\" (أبواب الأحكام) الحكم فيما أفسدت المواشي بالليل ٢/ ٤٢، والبيهقي في \"سننه\" ٨/ ٣٤١ من طريق سفيان، عن عبد الله بن عيسى، عن الزهري، عن حرام بن محيصة، عن البراء قال: أن ناقة لآل البراء أفسدت ..، فذكره بنحوه.\n- ورواه الإمام أحمد في \"مسنده\" ٤/ ٢٩٥، والبيهقي في \"سننه\" ٨/ ٣٤١ من طريق محمد بن مصعب وأبو داود في \"سننه\" كتاب: البيوع، باب: المواشي تفسد زرع قوم ٩/ ٤٨٣، والبيهقي في \"سننه\" ٨/ ٣٤١ من طريق الفريابي، والبيهقي في \"سننه\" ٨/ ٣٤١ من طريق أيوب بن سويد، كلهم -يعني ابن مصعب والفريابي وابن سويد- عن الأوزاعي، عن الزهري، عن حرام بنحوه. وقد خالف هؤلاء الثلاثة أبو المغيرة -من أصحاب الأوزاعي- فرواه عن الأوزاعي، عن الزهري، عن حرام، مرسلا. لم يذكر البراء.\nلكن المقدم رواية الثلاثة؛ لأنهم جماعة وأبو المغيرة فرد. قاله الألباني.\n-ورواه عبد الرزاق في \"مصنفه\" ١٠/ ٨٢ عن معمر، عن الزهري، عن ابن محيصة، عن أبيه، أن ناقة للبراء. فذكر نحوه. وقد رواه من طريق عبد الرزاق - بزيادة أبيه- الإمام أحمد في \"مسنده\" ٥/ ٤٣٦،، أبو داود في \"سننه\" كتاب: البيوع، باب: المواشي تفسد زرع قوم ٩/ ٤٨٣، والبيهقي في \"سننه\" ٨/ ٣٤٢ والواحدي في \"تفسيره الوسيط\" ٣/ ٢٤٦. قال البيهقي في \"السنن\" ٨/ ٣٤١ بعد ذكره لهذه الرواية: وقد خالفه -يعني عبد الرزاق- وهيب وأبو مسعود الزجاج عن معمر، فلم يقولا: عن أبيه. وقد ذهب الألباني إلى تصحيح رواية الأوزاعي وابن عيسى الموصولة، وقال في سلسلة الأحاديث الصحيحة (مج ١/ ق ٣/ ص ٨١) -بعد ذكره لرواية عبد الرزاق وكلام أهل العلم فيها: لكن قد وصله الأوزاعي بذكر البراء فيه- في أرجح الروايتين عنه. وقد تابعه عبد الله بن عيسى عن الزهري عن حرام بن محيصة، عن البراء .. وعبد الله بن عيسى وابن عبد الرحمن بن أبي ليلى -وهو ثقة محتج به في الصحيحين- فهي متابعة قوية للأوزاعي على وصله، فصح بذلك الحديث، ولا يضره إرسال من أرسله؛ لأن زيادة الشاقة مقبولة، فكيف إذا كانا ثقتين؟ وقد قال الحاكم عقب رواية الأوزاعي: صحح الإسناد، على خلاف فيه بين معمر والأوزاعي. ووافقه الذهبي. أهـ","vol":"15","page":138},{"text":"وروي عن الشعبي: أن شاة دخلت على حائك (١) فأفسدت عليه غزله، فاختصموا إلى شريح، فقال شريح: إن كان نهارًا فلا ضمان على صاحبها، وإن كان ليلًا ضَمِن. ثم قرأ هذه الآية (٢).\nوأما الذي يخالف شرعنا: هو (٣) أن الحكم في شرعنا ضمان ما أفسدت الماشية بالقيمة أو المثل، لا تسليم الماشية ولا تسليم منافعها (٤).\nويتعلق من يقول: إن كل مجتهد مصيب (٥) بهذه الآية، ويقول: إن الله تعالى أثنى على كل واحد منهما بقوله: ﴿وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾.\nومن قال: المصيب واحد (٦) يقول -في هذه الآية: إن الله تعالى خص سليمان بتفهيم القضية (٧)؛ فدل أن الثاني على غير الصواب، ولو كان على\n_________\n(١) الحائك: هو الذي ينسج الثياب. انظر: \"الصحاح\" للجوهري ٤/ ١٥٨٢ (حوك).\n(٢) رواه عبد الرزاق في \"المصنف\" ١٠/ ٨٢، وابن أبي شيبة في \"مصنفه\" ٩/ ٤٣٦، والطبري في \"تفسيره\" ١٧/ ٥٢، وابن حزم في \"المحلى\" ١١/ ٥.\n(٣) في (أ): (وهو).\n(٤) انظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص ٣/ ٢٢٣، \"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي ١١/ ٣١٤.\n(٥) وهو قول جمهور المتكلمين من الأشاعرة: كالأشعري وأبي بكر الباقلاني وأبي إسحاق الاسفراييني وابن فورك وغيرهم، ومن المعتزلة: كأبي الهذيل وأبي علي ؤأبي هاشم وأتباعهم. انظر: \"الفصول في أحكام الأصول\" للجصاص ٤/ ٣٠٧، \"العدة في أصول الفقه\" لأبي يعلى ٥/ ١٥٥٣، \"المحصول\" للرازي جـ ٢/ ق ٣/ ص ٤٧ - ٤٨، \"نهاية السول\" للأسنوي ٤/ ٥٦٠.\n(٦) وهو قول كافة الفقهاء، وينسب إلى بعض الأئمة الأربعة. انظر: \"الفصول\" للجصاص ٤/ ٣٢٨، \"التمهيد في أصول الفقه\" للكلوذاني الحنبلي ٤/ ٣١٦ - ٣١٧، \"المحصول\" للرازي جـ ٢/ ق ٣/ ص ٤٩، \"نهاية السول\" للأسنوي ٤/ ٥٦٠.\n(٧) في (د)، (ع): (القصة).","vol":"15","page":139},{"text":"الصواب لم يكن لتخصيص سليمان فائدة؛ لأن الأول أيضًا قد فهم صوابًا على قول من يقول كل مجتهد مصيب، وقوله (١) ﴿وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ ثناء عليهما بالحكم والعلم في غير هذه القضية وداود كان (٢) قد أوتي حكمًا وعلمًا وإن لم يصب في هذه المسألة، والذي يدل على هذا أنه قال: ﴿حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ فذكر (٣) بلفظ التنكير، ولو أراد الثناء عليهما في هذه المسألة بالحكم والعلم لقال: وكلا آتينا حكمها وعلمها.\nوقوله تعالى: ﴿وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ﴾ قال وهب: كان داود يمر بالجبال مسبحًا وهي تجاوبه بالتسبيح، وكذلك الطير (٤).\nوهذا كقوله: ﴿يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ﴾ [سبأ: ١٠] وقال سليمان بن حيان: كان داود إذا وجد فترة أمر الجبال فسبحت والطير (٥) حتى يشتاق (٦).\nوهذا أشبه بالآية؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ﴾ وتسخيرها أن تطيعه إذا أمرها بالتسبيح (٧).\n_________\n(١) في (أ): (بقوله).\n(٢) (كان) ليست في (د)، (ع).\n(٣) (فذكر) ساقطة من (د)، (ع).\n(٤) \"الكشف والبيان\" للثعلبي ٣/ ٣٣ ب عن وهب بنصه. وقد روى أبو الشيخ في العظمة ٥/ ١٧٠٣ عن وهب قال: أمر الله الجبال والطير أن تسبح مع داود إذا سبح.\n(٥) (والطير) في (د)، (ع) وليست في (أ).\n(٦) رواه أبو الشيخ في \"العظمة\" ٥/ ١٧٠٦ من طريق الفريابي، عنه. لكن المطبوع من العظمة: سليم بن حيان، وهو تصحيف. وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٥/ ٦٥٠ عن سليمان بن حيان، ونسبه للفريابي.\n(٧) الأشبه -والله أعلم- بالآية الأول، وهي أنها كانت تجاوبه الجبال الصم والطير البهم إذا سبح وأثنى على الله، وذلك لأمرين: =","vol":"15","page":140},{"text":"وتقدير الآية: وسخرنا (١) الجبال يُسبحن مع داود.\nوقوله تعالى: ﴿وَالطَّيْرَ﴾ قال أبو إسحاق: نصبه من وجهين: أحدهما: على معنى: وسخرنا الطير، والآخر: على معنى: يسبحن مع الطير (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَكُنَّا فَاعِلِينَ﴾ قال ابن عباس: يريد ما فعل بهم (٣).\nيعني: من التفهيم، وإيتائنا الحكم، والتسخير.\n_________\n=الأول: دلالة قوله تعالى في سورة أخرى (يا جبال أوبي معه والطير) والتأويب: الترجيع.\nالثاني: القرينة التي في الآية وهي (مع) حيث قال (وسخرنا مع) ولو كن كما قال الواحدي لكان: وسخرنا لداود الجبال، مثل ما قال في حق سليمان بعد ذلك (ولسليمان الريح). وانظر ما قاله ابن عاشور ١٧/ ١٢٠.\n(١) في (أ): (وسخرت).\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٤٠٠. ويكون نصبه على الوجه الأول على أنه معطوف على (الجبال) ونصبه على الوجه الآخر على أنه مفعول معه. انظر: \"إعراب القرآن\" للأنباري ٢/ ١٦٣، \"البحر المحيط\" لأبي حيان ٦/ ٣٣١، \"الدر المصون\" ٨/ ١٨٥.\n(٣) انظر: \"تنوير المقباس\" ص ٢٠٣. قال الشنقيطي ٤/ ٦٧٣: والظاهر أن قوله (وكنا فاعلين) مؤكد لقوله (وسخرنا مع داود الجبال يُسبحن والطير) والموجب لهذا التأكيد أن تسخير الجبال وتسبيحها أمر عجب وخارق للعادة مظنة لأن يكذب به الكفرة الجهلة. وقال الألوسي ١٧/ ٧٦: (وكنا فاعلين) تذييل لما قبله، أي: من شأننا أن نفعل أمثاله، فليس ذلك ببدع منا وإن كان ذلك بديعًا عندكم. وذهب الزجاج والزمخشري إلى أن (فاعلين) هنا بمعنى قادرين فقال الزجاج ٣/ ٤٠٠ أي: وكنا نقدر على ما نريده. وقال الزمخشري ٢/ ٥٨٠: أي: قادرين على أن نفعل هذا وإن كان عجبا عندكم. وتعقب الشنقيطي ٤/ ٧٦٣ هذا القول، وذكر أنه ظاهر السقوط، وعلل ذلك بقوله: لأن تأويل (وكنا فاعلين) بمعنى كنا قادرين بعيد، ولا دليل عليه.","vol":"15","page":141},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2645>٨٠ </span>- قوله تعالى: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ﴾ اللَّبُوس (١): الدرع. فكل (٢) شيء لبسته فهو لَبُوس، قال الشاعر (٣):\nالْبَسْ لكلِّ حالة لَبُوسَها\nهذا أصله. وهو فعول بمعنى: مفعول، كالركوب والحلوب ثم جعلت (٤) اسمًا للدرع؛ لأنها تُلْبَس (٥).\nقال قتادة: أول من صنع الدروع داود، وإنما كانت صفائح، فهو أول من سردها (٦) وحلَّقها (٧).\n_________\n(١) (اللبوس) ساقطة من (د)، (ع).\n(٢) في (د)، (ع): (فهو كل).\n(٣) هو بيهس الفزاري، وكان سابع سبعة إخوة، فأغار عليهم أناسٌ من بني أشجع، وهم في أبلهم، فقتلوا منهم ستة، وبقي منهم بيهس، وإنما تركوه لأنه كان يُحمق، فتركوه احتقارا له، ثم إنه مر يومًا بنسوة من قومه يصلحن امرأة منهن يردن أن يهدينها لبعض من قتل إخوته، فكشف عن دبره، وغطى رأسه، فقلن: ويحك، أي: شيء تصنع؟ فقال:\nألبس لكل حالة لبُوسها ... إما نعيمها وإما بُوسها\nو\"الخبر في الفاخر\" للمفضل بن سلمة ص ٦٢ - ٦٣، \"لسان العرب\" ٦/ ٢٠٢ - ٢٠٣ (لبس).\nوالبيت أيضًا في: \"إصلاح المنطق\" لابن السكيت ص ٣٣٣ من غير نسبة لأحد، \"شرح أبيات سيبويه\" للسيرافي ٢/ ٣٩٣، \"تاج العروس\" للزبيدي ١٦/ ٤٦٦ (لبس).\n(٤) في (د)، (ع): (جعل).\n(٥) انظر (لبس) في \"تهذيب اللغة\" للأزهري ١٢/ ٤٤٣، \"الصحاح\" للجوهري ٣/ ٩٧٤، \"لسان العرب\" لابن منظور ٦/ ٢٠٢ - ٢٠٣.\n(٦) سردها بتخفيف الراء وتشديدها: نسجها بإدخال الحلق بعضها في بعض وثقبها. انظر: \"الصحاح\" للجوهري ٢/ ٤٨٧، (سرد) \"لسان العرب\" لابن منظور ٣/ ٢١١ (سرد)، \"تاج العروس\" للزبيدي ٨/ ١٨٦ - ١٨٧ (سرد).\n(٧) ذكره الثعلي في \"الكشف والبيان\" ٣٣/ ٣ ب، بهذا اللفظ. وقد رواه عبد =","vol":"15","page":142},{"text":"فجمعت الخفة (١) والتحصين (٢).\nوقوله تعالى: ﴿لِتُحْصِنَكُمْ﴾ أي: ليحرزكم (٣) وقال ابن عباس: ليمنعكم (٤). يعني اللبوس وقال الزجاج: ويجوز ليحصنكم الله (٥). [قال أبو علي] (٦): ويجوز (٧) أن يكون داود، ويجوز أن يكون التعليم يدل عليه علمناه (٨).\nومن قرأ بالنون (٩) (١٠) فلتقدم قوله: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ﴾، ومن قرأ (بالتاء) حمله على المعنى؛ لأن اللبوس الدرع (١١).\nوقوله تعالى: ﴿مِنْ بَأْسِكُمْ﴾ أي من حربكم (١٢).\n_________\n= الرزاق في \"تفسيره\" ٢/ ٢٧، والطبري ١٧/ ٥٥ من قوله (كانت صفائح).\n(١) في (أ): (الحلقة)، وهو خطأ.\n(٢) قوله: فجمعت الخفة والتحصين. هذا كلام الزجاج في \"معانيه\" ٣/ ٤٠٠.\n(٣) الطبري ١٧/ ٥٥، و\"الكشف والبيان\" للثعلبي ٣/ ٣٣ ب.\n(٤) \"تنوير المقباس\" ص ٢٠٣.\n(٥) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٤٠٠.\n(٦) ساقط من (ع).\n(٧) في (د): (فيجوز).\n(٨) في (د)، (ع): (ما علمناه)، وهو خطأ.\n(٩) في (د)، (ع): (بالتنوين). وهو خطأ.\n(١٠) قرأ أبو بكر عن عاصم: (لتحصنكم) بالنون، وقرأ ابن عامر، وحفص عن عاصم: (لتحصنكم) بالتاء، وقرأ الباقون بالياء. \"السبعة\" ص ٤٣٠، \"التبصرة\" ص ٢٦٤، \"التيسير\" ص ١٥٥.\n(١١) \"الحجة\" لأبي علي الفارسي ٥/ ٢٥٨ مع تقديم وتأخير. وانظر: \"علل القراءات\" للأزهري ٢/ ٤٠٨ - ٤٠٩، \"حجة القراءات\" لابن زنجلة ص ٤٦٩، \"الكشف\" لمكي ٢/ ١١٢.\n(١٢) \"الكشف والبيان\" للثعلبي ٣/ ٣٣ ب.","vol":"15","page":143},{"text":"وقال السدي: من وقع السلاح فيكم (١). ووقع السلاح حرب.\nوقال ابن عباس: من السيف والسهم والرمح (٢). وعلى هذا التقدير: من آلة بأسكم. فحذف المضاف.\nوقوله تعالى: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ﴾ يريد فهل أنتم يا معشر أهل (٣) مكة ﴿شَاكِرُونَ﴾ يعني بطاعة الرسول وتصديقه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2646>٨١ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ﴾ قال أبو إسحاق: الريح نسق على الجبال. المعنى: وسخرنا لسليمان الريح (٤).\nوقوله تعالى: ﴿عَاصِفَةً﴾ أي شديدة الهبوب (٥). قال ابن عباس: إن أمر الريح أن تعصف عصفت وإذا أراد أن ترخي أرخت. وذلك قوله في سورة ص ﴿رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ﴾ [ص: ٣٦] والمعنى: أنها كانت تشتد (٦) إذا أراد، وتلين إذا أراد (٧).\n_________\n(١) ذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٥/ ٦٥٠.\n(٢) ذكره الماوردي في \"النكت والعيون\" ٣/ ٤٦٠، والقرطبي ١١/ ٣٢٠ عن ابن عباس بلفظ: من سلاحكم. وانظر: \"تنوير المقباس\" ص ٢٠٣.\n(٣) في (د)، (ع): (يا معشر قريش).\n(٤) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٤٠٠ مع اختلاف بعض الألفاظ. ويجوز أن ينصب (الريح) بفعل مقدر.\nانظر: \"إعراب القرآن\" للنحاس ٣/ ٦٧، \"الإملاء\" للعكبري ٢/ ١٣٥ - ١٣٦، \"الدر المصون\" ٨/ ١٨٧.\n(٥) الطبري ١٧/ ٥٥، و\"الكشف والبيان\" للثعلبي ٣/ ٣٤ ب.\n(٦) تشتد: ساقطة من (ع).\n(٧) هذا أحد الوجوه في التوفيق بين قوله تعالى في آية الأنبياء واصفًا الريح المسخرة لسليمان بأنها (عاصفة) وفي سورة ص (رخاء). وعلى ذلك فالريح تكون عاصفة تارة ورخاء تارة بحسب اختلاف مقصد سليمان منها. وهناك وجهان آخران في =","vol":"15","page":144},{"text":"﴿تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ قال ابن عباس: يريد أرض الشام. وقال الكلبي: يعني فلسطين بارك الله فيها بالماء والشجر والنخل.\nوينا هذا عند قوله: ﴿بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ٧١].\nقال الفراء: كانت تجري بسليمان إلى كل موضع، ثم تعود به من يومه إلى منزله، فذلك قوله: ﴿تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ﴾ [قال (٢) ابن عباس: يريد بكل شيء فعلنا.\nوقال أهل المعاني] (٣): وكنا بكل شيء علمناه عالمين بصحة التدبير\n_________\n= التوفيق بين الآيتين:\nأحدهما: أن هذه الريح المسخرة لسليمان قد جمعت أمرين: فهي رخاءٌ في نفسها أي: رخية طيبة كالنسيم، وعاصفة في عملها كما قال تعالى: ﴿غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾ [سبأ: ١٢]، مع طاعتها لسليمان وهبوبها على حسب ما يريد، فهي آية إلى آية، ومعجزة إلى معجزة. ذكره الزمخشري ٢/ ٥٨٠.\nالثاني: قال بعضهم: إن العاصفة هي في القفول على عادة البشر والدواب في الإسراع إلى الوطن ولذلك قال ﴿عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ وهي الشام مسكن سليمان، والرخاء في البدأة ﴿حَيْثُ أَصَابَ﴾ [ص: ٣٦] أي: حيث يقصد؛ لأن ذلك وقت تأن وتدبير وتقلب رأي. ذكره ابن عطية ١٠/ ١٨٦. وانظر: \"البحر المحيط\" ٦/ ٣٣٢.\n(١) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٠٩. وهذا من أخبار بني إسرائيل، فالله أعلم بصحته. قال أبو حيان في \"البحر\" ٦/ ٣٣٣: وقد أكثر الأخباريون في ملك سليمان، ولا ينبغي أن يعتمد إلا على ما قصه الله في كتابه وفي حديث رسول الله -ﷺ-. أهـ يعني ما صح من حديثه -ﷺ-.\n(٢) إلى قوله (قال) ينتهي الخرم من نسخة شستربتي، ويبدأ الموجود من قوله: ابن عباس.\n(٣) ما بين المعتقوفين ساقط من (د)، (ع).","vol":"15","page":145},{"text":"فيه وعلمنا أن ما (١) يعطى سليمان من تسخير الريح وغيره يدعوه إلى الخضوع لربه (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2647>٨٢ </span>- قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ﴾ قال أبو إسحاق: يجوز أن يكون موضع (من) نصبًا نسقًا (٣) على الريح، ويجوز أن يكون رفعا بالابتداء، ويكون (له) الخبر (٤).\nوالغوص: الدخول تحت الماء (٥). أي: يدخلون تحت الماء له وبأمره، فيستخرجون له الجواهر من البحر (٦).\n﴿وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ﴾ أي سوى الغوص من البناء وغيره من الأعمال (٧). قاله الكلبي (٨)، والفراء (٩)، والزجاج (١٠).\nقال الكلبي: كان الرجل في زمان سليمان يأتيه، فيسأله أن يبعث معه شيطانًا فيعمل له، فيبعث معه شيطانًا.\n_________\n(١) (ما) ساقطة من (د)، (ع).\n(٢) ذكره البغوي ٥/ ٣٣٥ بنصه، ولم ينسبه لأحد.\n(٣) عند الزجاج في معانيه: عطفًا.\n(٤) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٤٠١. وانظر: \"إعراب القرآن\" للنحاس ٣/ ٧٦، \"الإملاء\" للعكبري ٢/ ١٣٦، \"الدر المصون\" ٨/ ١٨٨.\n(٥) \"تهذيب اللغة\" للأزهري ٨/ ١٥٨ (غوص) نقلًا عن الليث. وانظر: \"الصحاح\" للجوهري ٣/ ١٠٤٧ (غوص).\n(٦) من قوله: أي .. إلى هنا: منقول عن الثعلبي ٣/ ٣٤ أ.\n(٧) قال تعالى: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ﴾ [سبأ: ١٣].\n(٨) انظر: \"تنوير المقباس\" ص ٢٠٤.\n(٩) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٠٦.\n(١٠) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٤٠١.","vol":"15","page":146},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ﴾ قال أبو إسحاق: كان أن الله يحفظهم من أن يفسدوا ما عملوا (١). ونحو هذا قال الفراء (٢).\nوشال الكلبي: ﴿وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ﴾ من أن يهيجوا (٣) أحدًا في زمانه (٤).\nوقيل: ﴿وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ﴾ حتى لا يخرجوا من أمره (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2648>٨٣ </span>- قوله تعالى: هوَ ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ﴾ قال ابن عباس: دعا ربه (٦).\n﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ وأصابني الجهد ﴿وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ أكثرهم رحمه. وهذا تعريض منه بمسالة الرحمة إذ أثنى عليه بأنه (٧) الأرحم وسكت.\nوقال أهل العلم: لم يكن هذا جزعًا من أيوب؛ لأن الله تعالى قال: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا﴾ ولكن هذا دعاء منه لله تعالى ألا ترى أن الله تعالى قال:\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٤٠١.\n(٢) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٠٩.\n(٣) غير واضحة في (أ)، (ت). ومعنى يهيجوا: يثيروا لمشقة أو ضرر. \"لسان العرب\" لابن منظور ٢/ ٣٩٤ (هيج)، \"تاج العروس\" للزبيدي ٦/ ٢٨٦ - ٢٨٧ (هيج).\n(٤) ذكره الرازي ٢٢/ ٢٠٢ عن الكلبي، وذكره الفراء في \"معانيه\" ٢/ ٢٠٩ من غير نسبة لأحد.\n(٥) هذا قول الثعلبي في \"الكشف والبيان\" ٣٤٣ أ. وكل ما ذكر داخل في الحفظ، وقد قال تعالى في آية أخرى: ﴿وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ [سبأ: ١٢] وقال ﴿وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ﴾ [ص: ٣٨]. وبالجملة فالله حافظهم أن يزيغوا عن أمره، أو يبدلوا أو يغيروا، أو يوجد منهم فسادٌ في الجملة فيما هم مسخرون فيه. قاله الزمخشري ٢/ ٥٨١.\n(٦) ذكره البغوي ٥/ ٣٣٧، وابن الجوزي ٥/ ٣٧٤ من غير نسبة لأحد.\n(٧) في (أ): (فإنه).","vol":"15","page":147},{"text":"﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ﴾ (١).\nوروي عن ربيعة بن كلثوم (٢) أنه قال: دخلنا على الحسن (٣) وهو يشتكي ضرسه وهو يقول: مسني الضر وأنت أرحم الراحمين، اقتدى بأيوب ﵇ في دعائه ليستجاب له كما استجيب لأيوب (٤).\nعلى أن الجزع إنما هو الشكوى إلى الخلق، فأما من اشتكى إلى الله تعالي ما حل به فليس يسمى جازعًا؛ لأنه مثاب على ذلك إذا كان إلى الله، والجازع مذموم، وقول يعقوب ﵇ ﴿أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف: ٨٦] لا يحمل على الجزع.\nوهذا معنى ما قال سفيان بن عيينة (٥) في هذه الآية: من شكا إلى الله لم يعد ذلك بشكوى ولا جزع، ألم تسمع قوله: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ قال وكذلك من شكا إلى الناس وهو في شكواه راض بقضاء الله لم يكن ذلك جزعًا ألم تسمع قول النبي -ﷺ-: \"أجدني مغمومًا وأجدني\n_________\n(١) قال الثعلبي في \"الكشف والبيان\" ٣/ ٣٩ ب: (سمعت أستاذنا أبا القاسم بن حبيب -﵀- يقول: حضرتُ مجلسًا غاصًّا بالفقهاء والأدباء في دار سلطان فسئلت عن هذه الآية بعد إجماعهم على أن قول أيوب (مسني الضر) شكاية، وقد قال الله تعالى (إنا وجدناه صابرا) فقلت: ليس هذا بشكاية، وإنما هو دعاء بيانه قوله (فاستجبنا له) والإجابة تعتقب الدعاء لا الاشتكاء، فاستحسنوه وارتضوه. أهـ.\n(٢) هو ربيعة بن كلثوم بن جبر البصري، روى عن أبيه والحسن البصري وغيرهما. قال الذهبي: ثقة وقال ابن حجر: صدوق يهم. \"الكاشف\" للذهبي ١/ ٣٠٧، \"تهذب التهذيب\" ٣/ ٢٦٣، \"تقريب التهذيب\" ١/ ٢٤٨.\n(٣) هو البصري.\n(٤) لم أجده.\n(٥) ذكره ابن الجوزي ٥/ ٣٧٤.","vol":"15","page":148},{"text":"مكروبًا\" (١)، وقوله: \"بل أنا وارأساه\" (٢).\nوليس في مثل هذا شكوى من الله، ولا قلة رضا بقضائه، بل رغبة فيه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2649>٨٤ </span>- قوله تعالى: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ﴾ قال ابن عباس يريد الأوجاع (٣).\n﴿وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ﴾ قال: إن الله تعالى رد إليه أهله ومثلهم معهم (٤).\nوالمراد بالأهل: الأولاد (٥). قال الكلبي: كانت امرأته ولدت له سبع\n_________\n(١) هذا طرف من حديث طويل رواه الطبراني في \"المعجم الكبير\" ٣/ ١٢٩ عن الحسين بن علي -﵁- وفيه أن جبريل ﵇ قال للنبي -ﷺ- كيف تجدك؟ فقال النبي -ﷺ-: \"أجدني يا جبريل مغمومًا، وأجدني يا جبريل مكروبًا\". قال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" ٩/ ٣٥: رواه الطبراني، وفيه عبد الله بن ميمون القداح وهو ذاهب الحديث.\n(٢) رواه البخاري في \"صحيحه\" كتاب: المرضى، باب: ما رخص للمريض أن يقول: إني وجع، أو وارأساه، أو اشتد بي الجوع ١٠/ ١٢٣ من طريق القاسم بن محمد قال: قالت عائشة: وارأساه. الحديث وفيه: فقال النبي -ﷺ-: \"بل أنا وارأساه\". ورواه الإمام أحمد في \"مسنده\" ٦/ ٢٢٨، وابن ماجة في \"سننه\" الجنائز، باب: ما جاء في غسل الرجل امرأته وغسل المرأة زوجها ١/ ٢٧٠ من طريق آخر عن عائشة ﵂ قالت: رجع رسول الله -ﷺ- ذات يوم من جنازة بالبقيع وأنا أجد صداعًا في رأسي، وأنا أقول: وارأساه! قال: \"بل أنا وارأساه\" الحديث. قال البوصيري في \"الزوائد\" ١/ ٤٧٥: إسناد رجاله ثقات، ورواه البخاري من وجه آخر عن عائشة مختصرًا.\n(٣) ذكر الرازي ٢٢/ ١٠ والقرطبي ١١/ ٣٢٦ القول بأن الله رد على أيوب أهله بأعيانهم ومثلهم معهم. ونسباه إلى جماعة منهم الكلبي. وروى عبد الرزاق في \"تفسيره\" ٢/ ٢٧ عن الكلبي قال: آتاه الله أهله في الدنيا، ومثلهم معهم في الآخرة.\n(٤) رواه الطبري ١٧/ ٧٢ من طريق العوفي.\n(٥) \"الكشف والبيان\" للثعلبي ٣/ ٤٠ أ.","vol":"15","page":149},{"text":"بنات وسبعة بنين، وكانوا هلكوا في بلاء أيوب، فنشروا له، وولدت له امرأته مثلهم سبعة بنين وسبع بنات (١).\nوهذا قول ابن مسعود، وقتادة، وكعب، [والحسن، قالوا (٢): أير الله له أولاده] (٣) وأوُتي مثلهم في الدنيا.\nوقال عكرمة: إن الله خيره، فاختار إحياء أهله في الآخرة، ومثلهم (٤) في الدنيا، وأوتي على ما اختار، وذلك أنه قال: يكونون لي في الآخرة، وأوتى مثلهم (٥) في الدنيا (٦).\n_________\n(١) ذكر الفراء مثل هذا النص -مع اختلاف يسير- في \"معانيه\" ٢/ ٢٠٩ وصدره بقوله: وذُكر. وذكر ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٥/ ٣٧٨ - ٣٧٩ مثله وعزاه إلى أبي صالح عن ابن عباس، ومعلوم أن هذه الرواية في الغالب من طريق الكلبي.\n(٢) ذكره الثعلبي في \"الكشف والبيان\" ٣/ ٤٠ أعن ابن مسعود وقتادة وكعب، ثم ذكر عن الحسن نحوه. ورواه عن ابن مسعود الطبري في \"تفسيره\" ١٧/ ٧٢، والطبراني في \"الكبير\" ٩/ ٢٥٤، وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٥/ ٦٥٤، ٦٥٥ وعزاه لابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر والطبراني.\nوهو من رواية الضحاك عن ابن مسعود، والضحاك لم يلق ابن مسعود، فهي رواية منقطعة ولذا قال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" ٧/ ٦٧: وإسناد منقطع.\nورواه الطبري ١٧/ ٧٣ عن الحسن وقتادة وروى عبد الرزاق ٢/ ٢٧ عن الحسن قال: آتاه الله أهله في الدنيا ومثلهم معهم من نسلهم. وقد وردت رواية عن الحسن أخرجها ابن عساكر وابن المنذر (كما في \"الدر المنثور\" ٥/ ٦٥٤ - ٦٥٥) أنه قال: (وآتيناه أهله) في الدنيا (ومثلهم معهم) في الآخرة.\n(٣) ما بين المعقوفين كشط في (أ).\n(٤) في (د)، (ع): (وأوتي مثلهم)، والصواب ما في (ت).\n(٥) في (ت): (مثلهم معهم)، والصواب ما في (د)، (ع).\n(٦) رواه الطبري ١٧/ ٧٢ بنحوه، وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٥/ ٦٥٦ وعزاه لابن جرير.","vol":"15","page":150},{"text":"وهذا (١) قول مجاهد في رواية ليث (٢). والقول الأول هو الظاهر.\nوقوله تعالى: ﴿رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا﴾ قال الفراء: فعلنا ذلك رحمة من عندنا (٣).\n﴿وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ﴾ قال ابن عباس: موعظة للمطيعين (٤).\nقال محمد بن كعب: أيما مؤمن أصابه بلاءً فليذكر ما أصاب أيوب، وليقل إنه قد أصاب من هو خير مني أعظم من هذا (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2650>٨٥ </span>- قوله تعالى: ﴿وَذَا الْكِفْلِ﴾ قال ابن عباس -في رواية عطاء (٦): إن نبيا من أنبياء بني إسرائيل أوحى الله إليه: أني أريد قبض روحك، فأعرض ملكك علي بني إسرائيل، فمن يكفل لك أنه يصلي بالليل لا يفتر، ويصوم بالنهار لا يفطر، ويقضي بين الناس، ولا يغضب، فادفع ملكك إليه. ففعل ذلك، فقام شاب، فقال: أنا أتكفل لك بهذا. فتكفل ووفى به،\n_________\n(١) في (د)، (ع): (وذلك).\n(٢) رواية ليث عن مجاهد رواها الطبري ١٧/ ٧٢ - ٧٣.\n(٣) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٠٩.\n(٤) انظر البغوي ٥/ ٣٤٧، وابن الجوزي ٥/ ٣٧٩. قال القرطبي ١١/ ٣٢٧: أي: وتذكيرًا للعباد؛ لأنهم إذا ذكروا بلاء أيوب وصبره عليه ومحنته له -وهو أفضل أهل زمانه- وطنوا أنفسهم على الصبر على شدائد الدنيا نحو ما فعل أيوب، فيكون هذا تنبيهًا لم على إدامة العبادة واحتمال الضرر. وقال ابن كثير ٣/ ١٩٠: أي: وجعلناه في ذلك قدوة لئلا يظن أهل البلاء إنما فعلنا بهم ذلك لهوانهم علينا، وليتأسوا به في الصبر على مقدورات الله وابتلائه لعباده بما يشاء وله الحكمة البالغة في ذلك.\n(٥) رواه الطبري ١٧/ ٧٣، وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٥/ ٦٥٦ وعزاه لابن جرير.\n(٦) (عطاء) ساقط من (أ)، (ت).","vol":"15","page":151},{"text":"فشكر الله ﵎ له، ونبأه (١) (٢).\nوهذا قول مجاهد، وقتادة.\nوقال أبو موسى الأشعري: لم يكن نبيًّا، ولكنه كفل بصلاة رجل كان يصلي كل يوم مائة صلاة فتوفي (٣)، وكفل بصلاته؛ لذلك سمي ذا الكفل (٤).\n_________\n(١) في (أ، د): (مناه). وفي (ع): (مناه) مهملة. والتصويب من الوسيط والرازي وابن الجوزي.\n(٢) ذكره الرازي ٢٢/ ٢١٠ - ٢١١ منسوبًا إلى ابن عباس في رواية، وذكره البغوي في \"تفسيره\" ٥/ ٣٤٨ وابن الجوزي ٥/ ٣٨٠ ونسباه إلى عطاء. وقد روى ابن أبي حاتم كما في تفسير ابن كثير ٣/ ١٩٠ - ١٩١ من طريق أبي بكر بن عياش، عن الأعمش عن ابن عباس: كان قاض في بني إسرائيل، فاحتضره الموت، فقال: من يقوم مقامي على أن لا يغضب، فذكر نحو القصة. قال ابن كثير ٣/ ١٩١: وهكذا روى عن عبد الله بن الحارث ومحمد بن قيس وأبي حجيرة الأكبر وغيرهم من السلف والله أعلم. وفي \"الدر المنثور\" ٥/ ٦٦٣: وأخرج ابن سعيد النقاش في كتاب القضاة عن ابن عباس، فذكر نحو هذه القصة.\n(٣) وقع في المطبوع من الطبري ١٧/ ٧٥: فوفى.\n(٤) رواه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ٢/ ٢٧ عن معمر، عن قتادة قال: قال أبو موسى الأشعري، فذكره.\nومن طريق عبد الرزاق رواه الطبري في \"تفسيره\" ١٧/ ٧٥. ورواه الطبري ٧٥/ ١٧ من وجه آخر عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة عن أبي موسى الأشعري، فذكره. وهذا رواية منقطعة؛ لأن قتادة لم يلق أبا موسى الأشعري -﵁- وقد رواه موصولا ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" كما في \"تفسير ابن كثير\" ٣/ ١٩١ من طريق أبي الجماهر، أخبرنا سعيد بن بشير، حدثنا قتادة، عن كنانة بن الأخنس قال: سمعت أبا موس الأشعري فذكره بنحوه. وفي سندها سعيد بن بشير الأزدي ضعفه الإمام أحمد وابن معين وابن المديني والنسائي وأبو داود وقال فيه ابن نمير: منكر الحديث، ليس بشيء، ليس بقوي الحديث، يروي عن قتادة المنكرات. وقال الساجي: حدث عن قتادة بمناكير. وقال ابن حبان: كان ردئ الحفظ، فاحش الخطأ، يرويَ عن قتادة مالا يتابع =","vol":"15","page":152},{"text":"قال الحسن: ذو الكفل نبي اسمه ذو الكفل (١).\nوقوله تعالى: ﴿كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ قال ابن عباس: يريد على طاعة الله، وعن معاصي الله (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2651>٨٦ </span>- قوله تعالى: ﴿وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا﴾ قال: يريد ما أنعم به (٣) عليهم من النبوة، وما صيرهم إليه في الجنة من الثواب (٤).\nوقال أهل المعاني: أدخلناهم في رحمتنا يقتضي أنه قد غمرتهم الرحمة، وليس كذلك رحمناهم (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2652>٨٧ </span>- قوله تعالى: ﴿وَذَا النُّونِ﴾ أي: واذكر ذا النون. وهو يونس بن متى (٦) سماه الله تعالى ذا النون لما حبسه في بطن النون، وهو الحوت كما قال في موضع آخر: ﴿وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ﴾ [القلم: ٤٨].\n_________\n= عليه. انظر: \"تهذيب التهذيب\" لابن حجر ٤/ ٨ - ١٠. وبالجملة فهذه الرواية عن أبي موسى ضعيفة. والله أعلم. والأثر ذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٥/ ٦٦٤ وعزاه لعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن أبي حاتم وابن جرير وابن المنذر. قال أبو حيان في \"البحر\" ٦/ ٣٣٤: وقيل في تسميته ذا الكفل أقوال مضطربة لا تصح.\n(١) ذكره الماوردي في \"النكت والعيون\" ٣/ ٤٦٤، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٥/ ٣٧٩، والقرطبى ١١/ ٣٢٨. قال ابن كثير ٣/ ١٩٠: وأما ذو الكفل فالظاهر من السياق أنه ما قرن مع الأنبياء إلا وهو نبي.\n(٢) ذكره ابن الجوزي ٥/ ٣٨٠ ولم ينسبه لأحد.\n(٣) (به) ليست في (د)، (ع).\n(٤) ذكره البغوي ٥/ ٣٤٩ ولم ينسبه لأحد.\n(٥) ذكره هذا المعنى: الطوسي في \"التبيان\" ٧/ ٢٤٢، والحاكم الجشمي في \"التهذيب\" ٦/ ٥٧ أ- ب) ولم ينسباه لأحد.\n(٦) متى: بفتح الميم، وتشديد المثناه، مقصور. وهو اسم أبيه -على الصحيح- كما ورد ذلك في حديث ابن عباس، انظر: \"فتح الباري\" ٨/ ٤٥١.","vol":"15","page":153},{"text":"وقوله تعالى: ﴿إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا﴾ قال الضحاك: مغاضبًا لقومه (١).\nوهو قول ابن عباس في رواية العوفي، قال: إن شعيا (٢) النبي والملك الذي كان في وقته وذلك القوم أرادوا أن يبعثوه إلى ملك كان قد غزا بني إسرائيل وسبى الكثير منهم ليكلمه حتى يرسل معه بني إسرائيل، فقال (٣) يونس لشعيا: هل أمرك الله بإخراجي؟ قال: لا. قال: فهل سماني لك؟ قال: لا، قال: فهاهنا غيري أنبياء. فألحوا عليه، فخرج مغاضبا للنبي -ﷺ- وللملك ولقومه، فأتى بحر الروم فكان من قصته ما كان (٤).\nوعلى هذا عوقب بتركه ما أمره به شعيا وقومه لأن الله تعالى قال فيه: ﴿فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ والمليم: الذي أتى ما يلام عليه.\nوقال آخرون: إنه ذهب مغاضبا لربه. وهذا قول ابن عباس في رواية عطاء (٥)، وابن مسعود، وسعيد بن جبير.\n_________\n(١) ذكره الثعلبي في \"الكشف والبيان\" ٣/ ٤١ أ. ورواه الطبري ١٧/ ٧٦، وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٥/ ٦٦٥ وعزاه لابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(٢) هو شعيا بن أمصيا، وقيل: ابن آموس. أحد أنبياء بني إسرائيل بعد داود وسليمان، وكان قبل زكريا ويحيى، وهو ممن بشر بعيسى ومحمد ﵉، قتله بنو إسرائيل لما وعظهم وذكرهم بالله. تاريخ الطبري ١/ ٥٣٢ - ٥٣٧، \"الكامل\" لابن الأثير ١/ ١٤٣ - ١٤٥، \"البداية والنهاية\" لابن كثير ٢/ ٣٢ - ٣٣، \"دائرة المعارف الإسلامية\" ١٣/ ٣١٦.\n(٣) في (ت): (فقالوا)، وهو خطأ.\n(٤) ذكره الثعلبي في \"الكشف والبيان\" ٣/ ٤١ أمن رواية العوفي عن ابن عباس. وقد رواه الطبري ١٧/ ٧٦ مختصرًا جدًا قال: غضب على قومه.\n(٥) ذكره عن ابن عباس الرازي ٢٢/ ٢١٤، والقرطبي ١١/ ٣٢٩، وأبو حيان في \"البحر\" ٦/ ٣٣٥.","vol":"15","page":154},{"text":"قال ابن عباس: لما وعد قومه العذاب، وخرج من بينهم، ورُفع عنهم العذاب بعد ما أظلهم على ما ذكر في القصة، فلما بلغ ذلك يونس أبق من ربه إلى الفلك المشحون.\nوروى مسروق عن عبد الله في قوله: ﴿إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا﴾ قال: عبد أبق من ربه (١).\nوقال سعيد بن جبير: ذهب مغاضبًا لربه (٢). ونحو هذا قال الحسن (٣).\nوإلى هذه الطريقة مال ابن قتيبة، فإنه يقول في هذه الآية: يستوحش كثير (٤) من الناس من أن يُلحقوا بالأنبياء ذنوبًا، ويحملهم التنزيه لهم على مخالفة كتاب الله، واستكراه التأويل، وعلى أن يلتمسوا لألفاظه المخارج البعيدة بالحيل الضعيفة، [روي في الحديث: أنه] (٥) ليس من نبي إلا (٦) وقد أخطأ وهمّ بخطيئة غير يحيى بن زكريا (٧).\n_________\n(١) رواه الطبراني في \"المعجم الكبير\" ٩/ ٢٥٥ من طريق مسروق، عن عبد الله قال: عبد أبق من سيده. الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" ٧/ ٦٨: وفيه يحيى الحماني وهو ضعيف.\n(٢) رواه عنه الثوري في \"تفسيره\" ص ٢٠٤، والطبري ١٧/ ٧٧.\n(٣) رواه الطبري ١٧/ ٧٧.\n(٤) كثير: ساقط من (أ)، (ت).\n(٥) ما بين المعقوفين كشط في (أ).\n(٦) إلا: ساقطة من (ت).\n(٧) روى الإمام أحمد في \"مسنده\" ١/ ٢٥٤، وأبو يعلى في \"مسنده\" ٤/ ٤١٨ عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله -ﷺ-: \"ما من أحد من ولد آدم إلا وقد أخطأ أو هم ليس يحيى بن زكريا\". قال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" ٨/ ٢٠٩: وفيه علي بن زيد ضعفه الجمهور، وقد وثق، وبقية رجال أحمد رجال الصحيح. وقال ابن كثير في \"تفسيره\" ٣/ ١١٤ بعد ذكره للحديث عن ابن عباس: وهذا أيضًا ضعيف؛ لأن علي بن زيد بن جدعان له منكرات كثيرة.","vol":"15","page":155},{"text":"ولذلك قال (١) يوسف ﵇: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ [يوسف: ٥٣] يريد: ما أضمره وحدث به نفسه [عند حدوث الشهوة. فإن كان ذو النون] (٢) قد غاضب قومه فبأي ذنب (٣) عوقب بالتقدم الحوت والحبس (٤) في الظلمات؟ وما الأمر الذي ألام فيه؟ فنعاه (٥) الله عليه إذ يقول ﴿فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ والمليم الذي أجرم جرمًا استوجب به اللوم.\n_________\n(١) هذا أحد وجهين في قائل هذه المقالة، والوجه الثاني أن قائل هذا هي امرأة العزيز حيث قال تعالى: ﴿قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٥١) ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ (٥٢) وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾ [يوسف: ٥١ - ٥٣]. قال أبو العباس بن تيمية في \"الفتاوى\" ١٠/ ٢٩٨: وقوله ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي ...﴾ الآية من كلام امرأة العزيز، كما يدل القرآن على ذلك دلالة بينة، لا يرتاب فيها من تدبر القرآن. ثم ساق الآيات ثم قال: فهذا كله كلام امرأة العزيز، ويوسف إذ ذاك في السجن، لم يحضر بعد إلى الملك، ولا سمع كلامه ولا رآه. ثم ذكر قول من قال إن هذا من كلام يوسف وتعقبه بقوله: وهذا قول في غاية الفساد، ولا دليل عليه، بل الأدلة تدل على نقيضه.\nوقال ابن كثير في \"تفسيره\" ٢/ ٤٨١، وهذا القول -يعين أن هذا من كلام امرأة العزيز- هو الأشهر والأليق والأنسب بسياق القصة ومعاني الكلام .. لأن سياق الكلام كله من كلام امرأة العزيز بحضرة الملك، ولم يكن يوسف ﵇ عندهم، بل بعد ذلك أحضره الملك. واستظهر هذا القول أيضًا أبو حيان في \"البحر\" ٥/ ٣١٧ هذا القول، ثم ذكر قول من قال إن هذا من كلام يوسف، وتعقبه بقوله: ومن ذهب إلى أن قوله (ليعلم) إلى آخره من كلام يوسف يحتاج إلى تكلف ربط بينه وبين ما قبله، ولا دليل يدل على أنه من قول يوسف.\n(٢) ما بين المعقوفين كشط في (أ).\n(٣) في (أ): (من غير ذنب).\n(٤) بعد قوله: (والحبس) يبدأ السقط في نسخة (أ).\n(٥) في (ت): (فعناه).","vol":"15","page":156},{"text":"ولم أخرجه من أولي العزم من الرسل حين يقول لنبيه: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ﴾ [القلم: ٤٨]؟ وإن كان مغاضبًا لقومه (١) فإن كان غضبه قبل أن يؤمنوا فإنما غضب على من يستحق في المدة أن يغضب (٢). وإن كان الغضب عليهم بعد أن آمنوا فكيف يجوز أن يغضب على قومه حين آمنوا؟ وبه بعث، وإليه دعى. ولكن (٣) نبي الله ﵇ لمّا أخبرهم (٤) عن الله أنه مُنزل العذاب عليهم لأجل، ثم بلغه بعد مضى الأجل أنه لم يأتهم ما وعدهم، خشي أن ينسب إلى الكذب، ويعيّر به، وُيحقق عليه، لا سيما ولم تكن قرية آمنت عند حضور العذاب فنفعها إيمانها غير قومه، فدخلته (٥) الأنفة والحمية، وكان مغيظًا بطول ما عاناه من تكذيبهم وهُزئهم وأذاهم واستخفافهم بأمر الله، مشتهيًا لأن ينزل بأس الله بهم. هذا إلى ضيق صدره وقلة صبره على ما صبر على مثله أولو العزم من الرسل.\nوقد روي في الحديث (٦): أنه كان ضيق الصدر، فلما حُمِّل أعباء\n_________\n(١) (لقومه) ساقطة من (ت).\n(٢) العبارة في \"مشكل القرآن\" لابن قتيبة ص ٤٠٥: (فإن كان نبي الله -ﷺ- ذهب مغاضبًا على قومه قبل أن يؤمنوا، فإنما راغم من استحق -في الله- أن يراغم، وهجر من وجب أن يهجر، واعتزل من علم أن قد حقت عليه كلمة العذاب.\n(٣) في \"المشكل\" لابن قتيبة ص ٤٠٧: (فكأن).\n(٤) في (د)، (ع): (خبرهم).\n(٥) في (ت): (فأخذته)، وما أثبتناه هو الموافق لما في \"مشكل ابن قتيبة\" ص ٤٠٧.\n(٦) روى الطبري في \"تفسيره\" ١٧/ ٧٧ والحاكم في \"مستدركه\" ٢/ ٥٨٤ - ٥٨٥ عن وهب بن منبه اليماني قال: إن يونس بن متى كان عبدًا صالحًا، وكان في خلقه ضيق، فلما حملت عليه أثقال النبوة -وهلا أحمال لا يحملها إلا قليل- تفسخ تحتها تفسخ الربع تحت الحمل، فقذفها تحت يديه، وخرج هاربًا منها، يقول الله =","vol":"15","page":157},{"text":"النبوة تفسخ تحتها تفسخ الربع (١) تحت الحمل الثقيل. فمضى على وجهه مُضي الآبق (٢) الناد (٣) لقول (٤) الله تعالى: ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٩) إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ [الصافات: ١٣٩، ١٤٠] انتهى كلامه (٥).\nوأكثر أهل المعاني اختاروا قول ابن عباس في رواية العوفي.\nقال الأخفش: إنه قد أذنب بتركه قومه، وإنما غاضب بعض الملوك، ولم يغاضب ربه، كان (٦) أعلم بالله من ذلك (٧).\nوأما وجه قول (٨) ابن عباس في رواية عطاء، فإنه من الصغائر التي يُجوّزها كثير من الناس على ما ذكره ابن قتيبة، وليس قول من قال مغاضبًا لربه على ظاهره ومعناه: مغاضبًا لأمر ربه وهو رفعه العذاب عنهم وكان\n_________\n= لنبيه -ﷺ- ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٣٥] ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ﴾ [القلم: ٤٨]. وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٧/ ١٢٤ وعزاه لابن جرير وابن أبي حاتم. والرواية كما ترى عن وهب بن منبه فهي من أخبار بني إسرائيل، وليس لها ما يعضدها من كتاب أو سنة صحيحة، فالله أعلم بصحتها.\n(١) الرُّبع: هو الفَصيل يُنتج في الربيع، وهو أول النتاج. \"الصحاح\" للجوهري ٣/ ١٢١٢ (ربع)، \"لسان العرب\" لابن منظور ٨/ ١٠٥ (ربع).\n(٢) الآبق: هو الهارب من العبيد من غير خوف ولا كد عمل، أو استخفى ثم ذهب. \"لسان العرب\" ١٠/ ٣ (أبق)، \"القاموس المحيط\" ٣/ ٢٠٨.\n(٣) موضع (الناد) بياض في (د)، (ع). والناد: الشارد. \"القاموس المحيط\" ١/ ٣٤١.\n(٤) هكذا في جميع النسخ، وفي \"المشكل\" لابن قتيبة ص ٤٠٨: (يقول).\n(٥) \"مشكل القرآن\" لابن قتيبة ص ٤٠٢ - ٤٠٨ بتصرف.\n(٦) في (د)، (ع): (وكان).\n(٧) \"معاني القرآن\" للأخفش ٢/ ٦٣٥.\n(٨) في (ت): (وجه قوله).","vol":"15","page":158},{"text":"يشتهي وقوعه بهم.\nوأما قول ابن عباس وابن مسعود: عبد (١) آبق من ربه، أي: من أمر ربه حين أُمر أن يعود إليهم بعد رفع العذاب عنهم فلم يعد، وركب البحر.\nويدُل على صحة ما ذكرنا ما روي عن ابن عباس في قصته: أنه لمّا خرج من بطن الحوت أنبت الله له شجرة من يقطين (٢)، فكان (٣) يستظل بورقها حتى قوي بعض القوة، فمضى يومًا إلى شط البحر، ثم رجع إلى تلك الشجرة، فوجدها قد جفت، فبكى حزنًا عليها، فأوحى الله إليه: أتحزن على شجرة أنبتها لك، وقد أردت أن أهلك أكثر من مائة ألف من عبادي، إذهب إلى قومك (٤).\nوهذا يدل على أنه اشتهى نزول عذاب الله بقومه، وكره دفعه عنهم، وأن ركوبه البحر كان معصية لله (٥) بترك أمره، إذ أمره أن يعود إليهم. فأما أن يقال إنه غاضب ربه، فهم عظيم، ولا يجوز القول بذلك في الأنبياء.\nوروي وجه آخر من التأويل في قوله: ﴿إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا﴾ وهو أن\n_________\n(١) (عبد) زيادة من (د)، (ع).\n(٢) يقطين: هو كل شجر لا يقوم على ساق، نحو الدباء والقرع والبطخ، \"لسان العرب\" لابن منظور ١٣/ ٣٤٥ (قطن).\n(٣) في (د)، (ع): (وكان).\n(٤) رواه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" ١٣/ ٥٧٨ - ٥٧٩ من طريق عبد الله بن مسلم عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، بنحوه. وعبد الله بن مسلم وابن هرمز المكي ضعيف كما قال الحافظ بن حجر في \"التقريب\" ١/ ٣٢٣. لكن روى ابن أبي شيبة ١١/ ٥٤٢ عن ابن مسعود نحو هذا. قال ابن حجر في \"الفتح\" ٦/ ٤٥٢: وإسناده صحيح أهـ. ويظهر أنه من أخبار بني إسرائيل. والله أعلم.\n(٥) في (ت): (الله)، وهو خطأ.","vol":"15","page":159},{"text":"معنى المغاضبة هاهنا: الأنفة؛ لأن الآنف من الشيء يغضب، فتُسمى الأنفة غضبًا، والغضب أنفة؛ إذ (١) كان كل واحد سببًا (٢) من الآخر، فمعنى ﴿ذَهَبَ مُغَاضِبًا﴾ ذهب (٣) أنفًا من ظهور خلف وعده وقال: والله لا أرجع إليهم كذابًا أبدًا، وعدتهم العذاب في يوم ما فلم يأت.\nوهذا الوجه اختيار ابن قتيبة (٤).\nوفي رواية أبي صالح: أن ملكًا من ملوك بني إسرائيل كان أمره بالمسير (٥) إلى ننوى (٦) ليدعو أهلها، بأمر شعيا النبي فأنف أن يكون ذهابه إليهم بأمر أحد غير الله، فخرج مغاضبًا للملك، فعاقبه الله (٧) بالتقام الحوت، فلما قذفه الحوت بعثه الله (٨) إلى قومه، فدعاهم، وأقام بينهم حتى آمنوا (٩).\n_________\n(١) في \"المشكل\" ص ٤٠٦: (إذا).\n(٢) في \"المشكل\" ص ٤٠٦: (بسبب).\n(٣) في (ت): (وذهب).\n(٤) \"مشكل القرآن\" لابن قتيبة ص ٤٠٦. قال القرطبي في \"تفسيره\" ١١/ ٣٣١ بعد حكايته لهذا القول، وأنه من قولهم غضب إذا أنف: وهذا فيه نظر، فإنه يقال لصاحب هذا القول: إن تلك المغاضبة -وإن كانت من الأنفة- فالأنفة لابد أن يخالطها الغضب، وذلك الغضب -وإن دق- على من كان؟ وأنت تقول لهم يغضب على ربه ولا على قومه. أهـ\n(٥) في (د)، (ع): (بالمصير).\n(٦) نينوى: بكسر أوله وسكون ثنانية وفتح النون والواو، قرية بالموصل. انظر: \"معجم البلدان\" ٨/ ٣٦٨، \"مراصد الاطلاع\" ٣/ ١٤١٤.\n(٧) لفظ الجلالة ليس في (ت) في الموضعين.\n(٨) لفظ الجلالة ليس في (ت) في الموضعين.\n(٩) ذكر رواية أبي صالح: ابن قتيبة في \"مشكل القرآن\" ص ٤٠٩ بهذا النص.","vol":"15","page":160},{"text":"وعلى هذا مغاضبته كانت قبل رسالته. ولكن الصحيح الذي تواترت به الرواية أن (١) هذه المغاضبة (٢) كانت بعد إرسال الله إياه إلى قومه ورفع العذاب عنهم بعد ما أظلهم. ووجه المغاضبة ما ذكرنا، وهو أنه كره رفع العذاب عنهم وأنف من أن يُجربوا عليه كذبًا؛ فأبق إلى الفلك المشحون.\nوقوله تعالى: ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ فيه قولان:\nأحدهما: ظن أن لن نقضي عليه العقوبة.\nوهذا قول مجاهد، وقتادة، والضحاك، والكلبي، ورواية عطية عن ابن عباس (٣).\nقال ابن عباس: أراد الظن بعينه.\nيعني (٤): ليس الظن-هاهنا- بمعنى العلم، بل هو بمعنى الحسبان.\nواختار الفراء والزجاج هذا القول.\n_________\n(١) في (ت): (أو).\n(٢) في (د)، (ع): (المعصية).\n(٣) ذكره الثعلبي في \"الكشف والبيان\" ٣/ ٤١ ب عن مجاهد، وقتادة، والضحاك، والعوفي عن ابن عباس. وعن مجاهد رواه الطبري ١٧/ ٧٨ والبيهقي في \"الأسماء والصفات\" ص ٦٥٤، وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٥/ ٦٦٥ وعزاه لابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات. وعن قتادة والكلبي: رواه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ٢/ ٢٧، والطبري في \"تفسيره\" ١٧/ ٧٨. وقول الضحاك رواه الطبري في \"تفسيره\" ١٧/ ٧٨، وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٥/ ٦٦٥ - ٦٦٦ وعزاه لابن جرير وابن أبي حاتم. ورواية عطية عن ابن عباس رواها الطبري في \"تفسيره\" ١٧/ ٧٨، والبيهقي في الأسماء والصفات ص ٦٥٣ وذكرها السيوطي في \"الدر المنثور\" ٥/ ٦٦٦ وعزاه لابن جرير والبيهقي في الأسماء والصفات.\n(٤) (يعني) ساقطة من (ت).","vol":"15","page":161},{"text":"قال الفراء: ظن أن لن نقدر عليه من العقوبة ما قدرنا (١).\nوقال الزجاج: ونَقْدر بمعنى: نُقَدِّر (٢).\nويقال: قدَّر الله الشيء وقَدَرَهُ، أي: قضاه. والقَدْر يكون بمعنى التقدير، ويدل عليه قوله:\nومُفْرهَةٍ عَنْسٍ قَدَرْتُ لساقها ... فَخَرَّت كما تتَّايَع (٣) الرّيحُ بالقَفْلِ (٤)\nويدل على صحة هذا قراءة عمر بن عبد العزيز والزهري (فظن أن لن نُقَدِّر عليه) [بالتشديد (٥)، وقرأ عبيد بن عمير وقتادة (فظن أن لن يُقَدَّر\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٠٩.\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٤٠٢ وفيه: ويقْدر بمعنى: يُقدِّر.\n(٣) في (ت): (سايغ)، وفي (د)، (ع): (تتابع). والمثبت من \"تهذيب اللغة\"، و\"اللسان\" وغيرهما.\n(٤) البيت لأبي ذؤيب الهذلي. وهو في \"ديوان الهذليين\" ١/ ٣٨ وروايته فيه: لرجلها في موضع (لساقها)، و(تتابع) في موضع تتابع، و\"لسان العرب\" ٨/ ٣٨ (تبع)، ١١/ ٥٦١ (قفل). والشطر الأخير في \"تهذيب اللغة\" للأزهري ٣/ ١٤٥ (تاع)، ٩/ ١٦٠ (قفل). قال الأزهري في \"تهذيب اللغة\" ٣/ ١٤٥: (يقال: اتايعتت الريح بورق الشجر إذا ذهبت به. وأصله: تتايعت به. وقال أبو ذؤيب يذكر عقره ناقته، وأنها كاست على رأسها فخرت) - ثم ذكر شطر البيت ثم قال: (والقفل: ما يبس من الشجر). وبين السكري في \"شرح ديوان الهذليين\" ١/ ٣٩ معنى هذا البيت على رواية -تتابع- فقال: قوله (ومفرهة): (يعني ناقة تأتي بأولاده فواره، و(عنس): (شديدة)، (قدرت لرجلها): (أي: هيأت وضربت رجلها فخرت لما عرقبتها، (كما تتابع الريح بالقفل): (القفل: النبات اليابس)، و(تتابع): (تتابع. يقول: خرت هذه الناقة حين ضربت رجلها كما تمر الريح باليبس فيتبع بعضه بعضًا. أهـ\n(٥) بنون مضمومة وفتح القاف وكسر الدال. وذكر هذه القراءة عنهما: الثعلبي في \"الكشف والبيان\" ٣/ ٤١ ب، البغوي ٥/ ٣٥، الرازي ٢٢/ ٢١٥، القرطبي ١١/ ٣٣٢. وذكرها عن الزهري وحده: ابن الجوزي ٥/ ٣٨٢، أبو حيان ٦/ ٣٣٥، السمين الحلبي ٨/ ١٩١.","vol":"15","page":162},{"text":"عليه)] (١) بضم الياء والتشديد (٢)، وقرئ قوله (٣) ﴿نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ﴾ [الواقعة: ٦٠] وقوله: ﴿وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾ [الأعلى: ٣] بالوجهين من التخفيف والتشديد (٤).\nالقول الثاني: فظن أن لن يضيق عليه الحبس.\nوهذا معنى قول ابن عباس [في رواية عطاء ومنصور.\nقال] (٥) في رواية عطاء: أن لن نعاقبه (٦).\nوقال في رواية منصور: يعني (٧) البلاء الذي أصابه (٨). وهذا الوجه اختيار أبي الهيثم وابن قتيبة.\nقال أبو الهيثم: المعنى: فظن أن لن يضيّق عليه، من قوله ﷿ ﴿وَمَن\n_________\n(١) ساقط من (ت).\n(٢) ذكر هذه القراءة عنهما الثعلبي ٣/ ٤١ ب، القرطبي ١١/ ٣٣٢، وذكرها عن عبيد ابن عمير وحده: الرازي ٢٢/ ٢١٥.\n(٣) (قوله) زيادة من (د)، (ع).\n(٤) قرأ ابن كثير: (نحن قدرنا) بتخفيف الدال، وقرأ الباقون: (قدرنا) بتشديدها. \"السبعة\" ص ٦٢٣، \"التبصرة\" ص ٣٤٤، \"التيسير\" ص ٢٠٧. وقرأ الكسائي: (والذي قدر) بتخفيف الدال، وقرأ الباقون: (قدر) بتشديدها. \"السبعة\" ص ٦٨٠، \"التبصرة\" ص ٣٧٧، \"التيسير\" ص ٢٢١.\n(٥) ما بين المعقوفين ساقط من (د)، (ع).\n(٦) ذكره الثعلبي في \"الكشف والبيان\" ٣/ ٤١ ب عن عطاء وكثير من العلماء.\n(٧) (يعني) زيادة من (د)، (ع).\n(٨) رواه الطبري ١٧/ ٧٩ من رواية منصور، عنه. وهي رواية منقطعة فإن منصور بن المعتمر لم يدرك ابن عباس، وفيها ضعف من جهة محمد الرازي شيخ الطبري، لأنه ضعيف. انظر: \"تقريب التهذيب\" ٢/ ١٥٦.","vol":"15","page":163},{"text":"﴿قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ [الطلاق: ٧] أي: من ضيق عليه (١) [وكذلك قوله: ﴿وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ﴾ [الفجر: ١٦] بمعنى: ضيّق عليه] (٢). وقدر (٣) ضيّق الله على يونس أشد تضييق ضيقه على معذب في الدنيا؛ لأنه سجنه في بطن الحوت (٤).\nوقال ابن قتيبة: ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ أي: لن نضيّق عليه، وأنا نخليه ونمهله، والعرب تقول: فلان مقدّر (٥) عليه في الرزق ومقتر عليه، بمعنى واحد، أي: مضيق عليه.\nعاقب الله يونس عن حميته وأنفته (٦) وإباقته (٧) (٨) وكراهته العفو عن قومه وقبول إنابتهم بالحبس له والتضييق عليه في بطن الحوت (٩).\nوروى عوف، عن الحسن، أنه (١٠) قال: معناه: فظن أنه يعجز ربه\n_________\n(١) في (ت): (يعني: نضيق عليه)، وما أثبتناه من (د)، (ع). وهو الموافق لما في \"تهذيب اللغة\" ٩/ ٢٠.\n(٢) ما بين المعقوفين ساقط من (ت).\n(٣) (قد) ليست في (د)، (ع).\n(٤) قول أبي الهيثم في \"تهذيب اللغة\" للأزهري ٩/ ٢٠ (قدر).\n(٥) في \"المشكل\" مقدر .. في (ع): (يقدر)، وفي (د): (يقدر) غير منقوط الأول، وفي (ت): (مغيزر) وقد أثبتنا ما في \"المشكل\"؛ لأنه الموافق لما بعد: ومُقتر.\n(٦) في (ت): (وأبقته). وهو خطأ.\n(٧) في (ت): (وإباقه). وما أثبتنا من (د)، (ع). وهو الموافق لما في \"المشكل\".\n(٨) في (ت) زيادة: (وأبقته بعد، وإباقته)، وهو تكرار من الناسخ، وليست في نسختي (د)، (ع)، ولا في \"المشكل\".\n(٩) \"مشكل القرآن\" لابن قتيبة ص ٤٠٨ - ٤٠٩ بتصرف.\n(١٠) (أنه) بياض في (ت).","vol":"15","page":164},{"text":"فلا نقدر عليه (١).\nوهذا التأويل بعيد، ولا يجوز مثله على الأنبياء (٢).\nقال أبو الهيثم: من اعتقد أن يونس ظن أن لن يقدر الله عليه فهو كافر؛ لأن يونس رسول، لا يجوز ذلك الظن عليه (٣).\nوقال الأزهري: قوله (أن لن نقدر عليه) لا يجوز أن يكون من القدرة؛ لأن من ظن هذا فقد كفر، والظن شك، والشك في قدرة الله كفر، وقد عصم الله أنبياءه عن مثل ما ذهب إليه هذا المتأول، ولا يتأول مثله إلا جاهل بكلام العرب ولغاتها (٤).\nوقد ذهب الأخفش إلى مثل ما روي عن الحسن، فقال: فظن أن يفوتنا (٥).\nفقال أبو حاتم: لم يدر الأخفش ما معنى (نقدر) وذهب إلى القدرة\n_________\n(١) ذكره الثعلبي في \"الكشف والبيان\" ٣/ ٤١ ب من رواية عوف عن الحسن. ورواه الطبري في \"تفسيره\" ١٧/ ٧٩ من رواية عوف، عن سعيد بن أبي الحسن.\n(٢) قال الطبري ١٧/ ٧٩ عن هذا القول: ووصفه -يعني يونس- بأنه ظن أن ربه يعجز عما أراد به ولا يقدر عليه، وصف له بأنه جهل قدرة الله، وذلك وصف له بالكفر وغير جائز لأحد وصفه بذلك. وقال القرطبي ١١/ ٣٣١: وهذا قول مردود مرغوب عنه؛ لأنه كفر. ثم ذكر أن المهدوي حكاه عن سعيد بن جبير أو الثعلبي عن الحسن. ثم ذكر رواية أخرى عن الحسن أنه قال: هو من قوله تعالى ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ [الرعد: ٢٦] أي: يضيق، ثم قال القرطبي: وهذا الأشبه بقول سعيد والحسن.\n(٣) قول أبي الهيثم في \"تهذيب اللغة\" للأزهري ٩/ ٢٠ (قدر) مع حذف.\n(٤) \"تهذيب اللغة\" للأزهري ٩/ ٢١.\n(٥) ذكره عن الأخفش: أبو بكر بن الأنباري في كتابه \"إيضاح الوقف والابتداء\" ٢/ ص ٧٧٧، والأزهري في \"تهذيب اللغة\" ٩/ ٢٠.","vol":"15","page":165},{"text":"ولو علم أن معنى (نقدر) نضيق لم يخبط هذا الخبط، ولم يكن عالمًا بكلام العرب، وكان عالمًا بقياس النحو (١).\nوروي عن ابن زيد أنه قال: هذا إستيفاه (٢) (٣). أي استفهام على معنى: أفظن. وهذا الوجه بعيدٌ أيضا؛ لأنه لا (٤) يحذف حرف الاستفهام إلا في ضرورة الشعر سيما إذا لم يتبعه ما يدل عليه (٥).\nوقوله تعالى: ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ﴾ يعني: ظلمة الليل، وظلمة البحر، وظلمة بطن الحوت.\nقاله ابن عباس (٦) وجميع المفسرين (٧).\nوروي عن سالم بن أبي الجعد أنه قال: ظلمة جوف الحوت، ثم\n_________\n(١) قول أبي حاتم في \"تهذيب اللغة\" للأزهري ٩/ ٢٠ (قدر).\n(٢) في (ت، د): (استنفاه)، وفي (ع): (اسعاه)، غير منقوطة.\n(٣) ذكره بهذا اللفظ عن ابن زيد: النحاس في \"القطع والائتناف\" ص ٤٧٩ في إحدى النسخ.\nوقد رواه الطبري في \"تفسيره\" ١٧/ ٧٩ بلفظ: استفهام، وذكره الثعلبي في \"الكشف والبيان\" ٣/ ٤١ ب، بمثل رواية الطبري.\n(٤) في (د)، (ع): (لم).\n(٥) هذا كلام النحاس في كتابه \"القطع والائتناف\" ص ٤٧٩، وقال الطبري ١٧/ ٧٩ - ٨٠: وأما ما قاله ابن زيد، فإنه قول لو كان في الكلام دليل على أنه استفهام حسن، ولكنه لا دلالة فيه على أن ذلك كذلك، والعرب لا تحذف من الكلام شيئًا لهم إليه حاجة إلا وقد أبقت دليلًا على أنه مراد في الكلام.\n(٦) رواه الطبري ١٧/ ٨٠.\n(٧) انظر: \"الطبري\" ١٧/ ٨٠، و\"الكشف والبيان\" للثعلي ٣/ ٤٢ أ، وابن كثير ٣/ ١٩٢، و\"الدر المنثور\" للسيوطي ٥/ ٦٦٦.","vol":"15","page":166},{"text":"ظلمة جوف الحوت الآخر (١) الذي ابتلعه، ثم ظلمة البحر (٢).\nقال الفراء: يقال: ظلمة البحر، وبطن الحوت ومعاؤها الذي كان فيه يونس فتلك الظلمات (٣) (٤).\nوقوله تعالى: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ قال محمد بن قيس (٥): ﴿إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ حين عصيتك، وما صنعت\n_________\n(١) في (ت): (الأخرى).\n(٢) ذكره عن ابن أبي الجعد -بهذا اللفظ- الثعلبي في \"الكشف والبيان\" ٣/ ٤٢ أ. وقد رواه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" ١١/ ٥٤٣ - ٥٤٤ مختصرًا عنه قال: حوت في حوت، وظلمة البحر. ورواه الطبري ١٧/ ٨٠ عنه قال: أوحى الله إلى الحوت ألا تضر له لحمًا ولا عظمًا، ثم ابتلع الحوت حوت آخر (فنادى في الظلمات) ظلمة الحوت، ثم حوت، ثم ظلمة البحر. والقول بأن الحوت ابتلعه حوت آخر قول الله أعلم بصحته، وهو من الإسرائيليات.\n(٣) في (ت): (الكلمات)، وهو خطأ.\n(٤) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٠٩. قال ابن عطية ١٠/ ١٩٧: ويصح أن يعبر بالظلمات عن جوف الحوت الأول كما قال (في غيابات الجب) وكل جهاته ظلمة فجمعه سائغ. وقال الزمخشري ٢/ ٨٥١: أي: في الظلمة الشديدة المتكاتفة في بطن الحوت كقوله ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ﴾ [البقرة: ١٧]\nوقال أبو حيان ٦/ ٣٣٥: وجمع الظلمات لشدة تكاتفها، فكأنها ظلمة مع ظلمة.\n(٥) هو محمد بن قيس المدني، قاص عمر بن عبد العزيز، أبو إبراهيم، ويقال: أبو عثمان، ويقال: أبو أيوب، مولى معاوية بن أبي سفيان. روى عن أبي هريرة وجابر وعمر بن عبد العزيز وغيرهم. وعنه ابن أبي ذئب والليث بن سعد وأبو معشر وغيرهم. وكان ثقة عالمًا كثير الحديث. توفي بالمدينة أيام الوليد بن يزيد سنة ١٢٥ هـ أو ١٢٦ هـ.\n\"طبقات ابن سعد\" (القسم المتمم) ص ٣٢٥، \"الكاشف\" للذهبي ٣/ ٩١، \"تهذيب التهذيب\" ٩/ ٤١٤.","vol":"15","page":167},{"text":"من شيء. فلم أعبد غيرك (١). وهذا معنى قوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ﴾ (٢).\nوروى محمد بن سعد (٣)، عن أبيه، أن رسول الله -ﷺ- قال: \"دعاء ذي\n_________\n(١) ذكره بهذا الثعلبي في \"الكشف والبيان\" ٣/ ٤٢ أ. وقد رواه الطبري ١٧/ ٨١ من طريق أبي معشر قال: قال محمد بن قيس: قوله (لا إله إلا أنت سبحانك) ما صنعت من شيء فلم أعبد غيرك (إني كنت من الظالمين) حين عصيتك.\n(٢) قال أبو العباس أحمد بن تيمية:\nفإن يونس ﵇ ذهب مغاضبا، وقال تعالى ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ﴾ وقال تعالى ﴿فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ ففعل ما يلام عليه، فكان المناسب لحاله أن يبدأ بالثناء على ربه، والاعتراف بأنه لا إله إلا هو، فهو الذي يستحق أن يعبد دون غيره فلا يطاع الهوى، فإن اتباع الهوى يضعف عبادة الله وحده، وذو النون شهد ما حصل من التقصير في حق الإلهية بما حصل من المغاضبة ففي ذلك من المعارضة في الفعل لحب شيء آخر ما يوجب تجريد محبته لله وتألهه له وأن يقول (لا إله إلا أنت) وهذا الكلام يتضمن براءة ما سوى الله من الإلهية سواء صدر ذلك عن هوى النفس أو طاعة الخلق أو غير ذلك فإن قول العبد: لا إله إلا أنت يمحو أن يتخذ إلهه هواه. فكمل يونس صلوات الله عليه تحقيق إلهيته لله، ومحو الهوى الذي يتخذ إلها من دونه، لم يبق له صلوات الله عليه وسلامه عند تحقيق قوله (لا إله إلا أنت) إرادة تزاحكم إلهية الحق، بل كان مخلصًا لله الذين إذ كان من أفضل عباد الله المخلصين. وقوله ﴿سُبْحَانَكَ﴾، يتضمن تعظيمه وتنزيهه عن الظلم وغيره من النقائص، والمقام يقتضي تنزيهه عن الظلم والعقوبة بغير ذنب، يقول: أنت مقدس ومنزه عن ظلمي وعقوبتي بغير ذنب، بل أنا الظالم الذي ظلمت نفسي. انتهى كلامه رحمه ملخصا مع تصرف. انظر: \"الفتاوى\" ١٠/ ٢٤٨ - ٢٨٧.\n(٣) هو محمد بن سعد بن أبي وقاص، أبو القاسم، القرشي، الزهري، المدني. روى عن أبيه وعثمان وطائفة. وكان ثقة عالمًا. قام على الحجاج مع ابن الأشعث، فأسر يوم دعي الجماجم، فقتله الحجاج سنة ٨٢ هـ.\n\"طبقات ابن سعد\" ٥/ ١٦٧، ٦/ ٢٢١، \"سير أعلام النبلاء\" ٤/ ٣٤٨، \"تهذيب التهذيب\" ٩/ ١٨٣.","vol":"15","page":168},{"text":"النون (١) في بطن الحوت ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ لم يدع بها رجل مسلم في شيء قط إلا استجيب له\" (٢).\nوقال الحسن وقتاده: هذا القول من يونس اعتراف بذنبه، وتوبة من خطيئة، تاب إلى ربه في بطن الحوت وراجع نفسه، فقال: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2653>٨٨ </span>- قوله تعالى: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ﴾ أي: أجبنا دعاءه ﴿وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ﴾ قال ابن عباس: يريد من تلك الظلمات (٤).\n﴿وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ قال: وكذلك أفعل بأوليائي.\nوروي مرفوعًا (٥): أن قوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ شرط الله لمن دعاه بها أن يجيبه كما أجاب يونس، وينجيه كما أنجاه.\n_________\n(١) في (أ)، (ت): (قال ذو النون).\n(٢) رواه الترمذي في جامعه كتاب: الدعوات، باب: ٨٥/ ٩/ ٤٧٩ تحفة، والنسائي في \"عمل اليوم والليلة\" ص ٤١٦، والحاكم في \"مستدركه\" ١/ ٥٠٥، والطبراني في الدعاء ٢/ ٨٣٨. ورواه الإمام أحمد في \"مسنده\" ١/ ١٧٠، وأبو يعلى في \"مسنده\" ٢/ ١١٠ - ١١١ وفي أوله قصة، كلهم من طريق محمد بن سعد، عن أبيه، به.\nقال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" ٧/ ٦٨ رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح غير إبراهيم بن محمد بن سعد بن أبي وقاص وهو ثقة. والحديث صححه الحاكم ووافقه الذهبي، وصححه العلامة أحمد شاكر في تعليقه عن المسند ٣/ ٣٥ وصححه الألباني كما في \"صحيح الجامع\" ١/ ٦٣٧.\n(٣) ذكر الزمخشري ٢/ ٥٨٢ عن الحسن قال: ما نجاه الله إلا بإقراره على نفسه بالظلم.\n(٤) ذكره البغوي ٥/ ٣٥٢ من غير نسبة وانظر: \"تنوير المقباس\" ص ٢٠٤. قال أبو حيان ٦/ ٣٣٥. والغم ما كان ناله حين التقمه الحوت ومدة بقائه في بطنه.\n(٥) رواه الطبري ١٧/ ٨٢ من حديث سعد بن أبي وقاص. وفي سنده علي بن زيد بن جدعان وقد ضعف. انظر: \"التقريب\" ٢/ ٣٧.","vol":"15","page":169},{"text":"﴿وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي (١): كما أنجينا ذا النون.\nوروي عن عاصم أنه قرأ: (نجي) مشددة (٢) الجيم (٣). وخط المصحف بنون واحدة. قال الفراء (٤)، والزجاج (٥)، وابن مجاهد (٦): لأن النون الثانية (٧) تخفى مع الجيم وهي ساكنة، فلا تظهر على اللسان، فلما خفيت حذفت من الخط، وهي في اللفظ ثابتة.\nوقال أبو علي: إنما حذفت النون من الخط كراهية لاجتماع صورتين متفقتين، وقد كرهوا ذلك في الخط في غير هذا الموضع، وذلك أنهم كتبوا نحو: الدنيا والعليا بالألف، ولولا الياء التي قبل الألف لكتبوها بالياء كما كتبوا نحو: نهمى وحبلى، وأخرى ونحو ذلك بالياء، فلما كرهوا الجمع بين صورتين متفقتين في هذا النحو كذلك كرهوه في (ننجي) فحذف (٨) النون الساكنة (٩).\n_________\n(١) (أي): ساقطة من (أ).\n(٢) في (أ): (مشدد).\n(٣) قرأ عاصم في رواية أبي بكر، وابن عامر: (نجي) بنون واحدة ومشددة الجيم، وقرأ الباقون بنونين مخففا.\n\"السبعة\" ص ٤٣٠، \"المبسوط\" ص ٢٥٤، \"التبصرة\" ص ٢٦٤، \"التيسير\" ص ١٥٥، \"النشر\" ٢/ ٣٢٤.\n(٤) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٠٩.\n(٥) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٤٠٣.\n(٦) انظر \"السبعة\" لابن مجاهد.\n(٧) موضع (ثانية) بياض في (ت).\n(٨) في \"الحجة\": (فحذفوا).\n(٩) \"الحجة\" لأبي علي الفارسي ٥/ ٢٦٠.","vol":"15","page":170},{"text":"وأما قراءة عاصم فقد حكم عليها الزجاج (١) والفراء (٢) وجميع النحويين بالغلط عليها وأنها لحن (٣).\nثم ذكر الفراء لها وجهًا فقال: أضمر المصدر في (بني) فنوى به الرفع، ونصب المؤمنين، فيكون كقولك ضرب الضرب زيدًا؛ ثم تكني عن أنْضرب فتقول: ضُرب زيدًا، وكذلك (٤) نُجي النجاء زيدًا (٥).\nوممن صوّب هذه القراءة واختارها أبو عبيد، فقال (٦): وإنما (٧) قرأها عاصم كذلك اتباعًا للخط، وله مخرجان في العربية:\nأحدهما: أن يريد (نُنَجّي) (٨) مشددة لقوله: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ﴾ ثم تدغم النون الثانية في الجيم (٩).\n_________\n(١) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٤٠٣.\n(٢) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ٢١٠.\n(٣) قال السمين الحلبي في \"الدر المصون\" ٨/ ١٩٣: وهذه القراءة متواترة، ولا التفات على من طعن علي قارئها، وإن كان أبو علي قال: هي لحن. وهذه جرأة منه قد سبقه إليها أبو إسحاق الزجاج.\n(٤) في (أ): (وكذا).\n(٥) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢١٠.\n(٦) اختيار أبي عبيد وقوله في \"إعراب القرآن\" للنحاس ٣/ ٧٨، \"الكشف\" لمكي بن أبي طالب ٢/ ١١٢ - ١١٣، القرطبي ١١/ ٣٣٥.\nوبعضه في \"مشكل القرآن\" لابن قتيبة ص ٥٥، \"إعراب القراءات السبع\" لابن خالويه ٢/ ٦٧، \"حجة القراءات\" لابن زنجلة ص ٤٦٩ - ٤٧٠، \"البحر المحيط\" لأبي حيان ٦/ ٣٣٥.\n(٧) في (د)، (ع): (إنما).\n(٨) في (أ)، (ت): (ننج).\n(٩) سيأتي بيان ضعف هذا التوجيه.","vol":"15","page":171},{"text":"والمخرج الثاني: ذكره (١)، وهو ما ذكر الفراء، وذكره ابن قتيبة أيضًا وأنشد (٢):\nولو ولدت قُفَيْره جَرْوَ كَلْبٍ ... لَسُبَّ بذلك الجرْوِ الكلابا (٣)\nنصب الكلاب على إضمار المصدر (٤).\n_________\n(١) يعني ذكره أبو عبيد.\n(٢) في \"مشكل القرآن\" لابن قتيبة ص ٥٥: (وأنشدني بعض النحويين. ثم ساق البيت. وقد نسب البغدادي في \"خزانة الأدب\" ١/ ١٦٣ هذا البيت لجرير، وتبعه في ذلك الشنقيطي في \"الدرر اللوامع\" ١/ ٤٤. والبيت بلا نسبة في \"الحجة\" للفارسي ٥/ ٢٦٠، و\"الخائص\" لابن جني ١/ ٣٧٩، وأمالي ابن الشجري ٢/ ٢١٥، و\"همع الهوامع\" للسيوطي ١/ ١٦٢. قال البغدادي في \"الخزانة\" ١/ ١٦٣: قفيرة -بتقديم القاف والفاء والراء المهملة: اسم أم الفرذدق، والجرو -مثلث الجيم- ولد السباع. وهذا البيت من قصيدة لجرير يهجو بها الفرزدق مطلعها:\nأقلي اللوم عاذل والعتابا ... وقولي إن أصبت: لقد أصابا\nولم أجد هذا البيت في ديوانه المطبوع.\n(٣) \"مشكل القرآن\" لابن قتيبة ص ٥٥ - ٥٦.\n(٤) ذكر الواحدي وجهين في توجيه هذه القراءة، وهناك وجهان آخران: الوجه الأول: وهو أصح الأقوال -ما ذكره أبو جعفر النحاس في \"إعراب القرآن\" ٣/ ٧٨ قال: ولم أسمع في هذا -يعني توجيه هذه القراءة- أحسن شيء سمعته من علي بن سليمان -يعني الأخفش الأصغر- قال: الأصل (ننجي) فحذف إحدى النونين لاجتماعهما، كما يحذف إحدى التائين لاجتماعهما نحو قول الله: ﴿وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣] الأصل: تتفرقوا. قال النحاس: والدليل على صحة ما قال أن عاصمًا يقرأ (نجي) بإسكان الياء، ولو كان على ما تأوله من ذكرناه -بعد الوجهين الذين ذكرهما- لكان مفتوحًا. انتهى كلامه. وعلى هذا الوجه خرج أبو الفتح عثمان بن جني هذه القراءة فقال في كتابه \"الخصائص\" ١/ ٣٩٨: وأما قراءة من قرأ: ﴿وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ فليس على إقامة المصدر مقام الفاعل ونصب المفعول الصريح، لأنه عندنا على حذف إحدى نوني (ننجي) كما حذف ما بعد =","vol":"15","page":172},{"text":"وأما تسكين الياء من (نُجّيْ) على قراءة عاصم فقال ابن الأنباري: سكنت الياء من (نجي) وهو فعل ماض؛ لأن جماعة من العرب يستثقلون تحريك الياء فيقولون: بقي فلان، ورضي فلان. وإلى هذا ذهب الحسن فقرأ (١): (وذروا ما بقيْ من الربا)، قال الشاعر:\nليت شِعْري إذا القيامةُ قامَتْ ... وَدُعِي بالحسابِ أين المصيرا (٢) (٣)\n_________\n= حرف المضارعة في قوله سبحانه (تذكرون) أي: تتذكرون، ويشهد أيضًا لذلك سكون لام (نجي) ولو كان ماضيا لانفتحت اللام إلا في الضرورة. وجود هذا الوجه أبو شامة المقدسي في \"إبراز المعاني\" ص ٦٠١ وقال أيضًا: وهو وجه سديد غريب لا تعسف فيه، ويشهد له أيضًا حذف إحدى النونين من (تحاجوني)، و(تبشروني) و(تأمروني). واستظهره أيضًا ابن هشام في \"أوضح المسالك\" ٣/ ٣٥٠، وحسنه السمين الحلبي في \"الدر المصون\" ٨/ ١٩١ واستشهد له. لكن مكي بن أبي طالب ضعف هذا الوجه في كتاب مشكل \"إعراب القرآن\" ٢/ ٤٨٣، وتبعه أبو البقاء العكبري في \"الإملاء\" ٢/ ١٣٦ قالا- واللفظ للعكبري: وهذا ضعيف لوجهين: أن النون الثانية أصل وهي فاء الكلمة فيبعد حذفها، والثاني: أن حركتها غير حركة النون الأولى فلا يستقل الجمع بينهما. وقد رد السمين الحلبي في \"الدر\" ٨/ ١٩٢ على أبي البقاء فقال: أما كون الثانية أصلًا فلا أثر له في منع الحذف، ألا ترى أن النحويين اختلفوا في إقامة واستقامة أي: الألفين المحذوفة؟ مع أن الأولى هي أصل لأنها عين الكلمة. وأما اختلاف الحركة فلا أثر أيضًا؛ لأن الاستثقال باتحاد لفظ الحرفين على أي: حركة كانا. أهـ.\nالوجه الثاني: أن (نجي) فعل ماض مسند لضمير المصدر، فضمير المصدر أقيم مقام الفاعل، و(المؤمنين) منصرب بإضمار فعل مقدر، وليس منصوبا بنجي والتقدير: وكذلك نجي هو -أي: النجاء- ننجي المؤمنين.\nذكر أبو حيان ٦/ ٣٣٥، والسمين الحلبي ٨/ ١٩٣ هذا الوجه.\n(١) قراءة الحسن في: \"الشواذ\" لابن خالويه ص ١٧، القرطبي ٣/ ٣٦٩، \"البحر المحيط\" ٢/ ٣٣٧، \"الدر المصون\" ٢/ ٦٣٧.\n(٢) في (أ)، (ت)، (ع): (المصير)، والمثبت من (د) وبقية المصادر.\n(٣) هذا البيت أنشده ابن الأنباري في \"شرحه للقصائد السبع الطوال الجاهليات\" =","vol":"15","page":173},{"text":"قال: وقال الفراء (١): وقوم (٢) من العرب يكرهون تحريك الياء فيجعلونها ألفًا فيقولون في بقي: بقا (٣)،، وفي نعي (٤): نعا.\nوأنشد (٥):\nلعمرك ما أخشى التصعلك ما بقا ... على الأرض قيسيّ يسوق الأباعرا\nوأنشد أيضًا (٦):\n_________\n= ص ٢٩٥، ولم ينسبه لأحد. وهو من غير نسبة في: \"إيضاح الشعر\" لأبي علي الفارسي ٢/ ٣١٤، \"أمالي ابن الشجري\" ١/ ٣٦، القرطبي ١١/ ٣٣٥. قال القرطبي: سكن الياء في (دعي) استثقالا لتحريكها وقبلها كسره.\n(١) لم أجد قول الفراء.\n(٢) (وقوم): ساقطة من (أ)، (ت). وهؤلاء القوم هم طي كما سيأتي.\n(٣) في (أ)، (ت): (بقي، نعي).\n(٤) في (أ)، (ت): (بقي، نعي).\n(٥) البيت لزيد الخيل، وهو في ديوانه ص ٦٢، و\"النوادر\" لأبي زيد ص ٢٧٩، والطبري ١١/ ٦٩. قال أبو زيد: يقول ما أخشى ما بقي قيسي يسوق إبلا؛ لأني أغير عليهم. أهـ والتصعلك: الفقر. \"الصحاح\" للجوهري ٤/ ١٥٩٦ (صعلك). والشاهد من البيت قوله: مما بقا. إذ أصله: ما بقي، فقلبت الياء ألفا.\n(٦) هذان الشطران لزيد الخيل أيضًا، وقد روت المصادر -على خلاف بينها في بعض الألفاظ- هذا الشعر هكذا:\nأفي كل عام مأتم تبعثونه ... على محمر عود أثيب ومارُضا\nتجدون خمشا بعد خمش كأنَّه ... على فَاجعَ من خير قومكم نُعا\nوالبيتان في: ديوان زيد الخيل ص ٥٥، \"النوادر\" لأبي زيد ص ٣٠٢ - ٣٠٣، و\"شرح أبيات سيبويه\" للسيرافي ١/ ١٢١، و\"خزانة الأدب\" للبغدادي ٩/ ٤٩٤. والبيت الأول في \"الكتاب\" لسيبويه ١/ ١٢٩، \"الشعر والشعراء\" لابن قتيبة ص ١٧٦، \"لسان العرب\" ١٢/ ٤ (أتم). وهما من قصدة قالها زيد مجيبًا لكعب بن زهير، وكان زيد قد أخذ فرسًا لكعب، فقال كعب: =","vol":"15","page":174},{"text":"أفي كلِّ عَامٍ مَأتَمٌ تُحْدِثُونَه ... على فَاجِعٍ من خير قومِكم (١) نُعَا (٢)\nقال: وشبيه هذا إسكانهم الياء المنكسر ما قبلها في النصب كقول رؤبة:\nكأن أيْدِيهنَ بالقاعِ القَرِق (٣) (٤)\n_________\n= لقد نال زيد الخيل مالَ أخيكُمُ ... فأصبح زيدٌ بعد فَقْر قد اقتنى\nفقال زيد: أفي كل ...\nقال البغدادي في \"الخزانة\" ٩/ ٤٩٤ - ٤٩٥: قوله (أفي كل عام). إلخ استفهام توبيخي، و(المأتم) مهموز، وهو الجماعة من النساء -يجتمعن لحزن أو فرح، والمراد به هنا الحزن. وقال أبو زيد ص ٣٠٣: (المحمرَ: الفرس يشبه الحمار، .. و(العود): (المسن): أثيب: أعطى ثوابه. وقال السيرافي ١/ ١٢١: المحمر: البرذون، وقيل هو السكيت الذي لا خير منه من الخيل. يريد أنهم يجمعون نساء ليبكين على هذا المحمر .. والفاجع: الهالك الذي يؤذي أهله فقده .. و(رضا) و(نعا) أصلهما (رضي ونعي) فقلبت الياء فيها ألفا، وهذه لغة طائية. أهـ\n(١) في (أ)، (ت): (قومك).\n(٢) في (ت): (ناعيا).\n(٣) في (أ): (القرف).\n(٤) هذا الرجز لرؤبة، وبعده: أيدي جوار يتعاطين الورق. وهو في \"ديوانه\" (ص ١٧٩)، و\"الكامل\" للمبرد ٢/ ٣٢٠، و\"العمدة\" لابن رشيق ٢/ ١٩٣، و\"أمالي ابن الشجري\" ١/ ١٠٥، و\"خزانة الأدب\" ٨/ ٣٤٧.\nوغير منسوب في \"مقاييس اللغة\" لابن فارس ٥/ ٧٥ (قرق)، و\"الخصائص\" ابن جني ١/ ٣٠٦، و\"أمالي المرتضى\" ١/ ٥٦١، و\"لسان العرب\" ١٠/ ٣٢١ (قرق)، و\"همع الهوامع\" للسيوطي ١/ ٥٣.\nوالشاهد فيه إسكان الياء من (أيديهن) والقياس فتحها. قال ابن الشجري في \"أماليه\" ١/ ١٠٥: ضمير (أيديهن) للإبل، والقاع: المكان المستوي، والقرق- بفتح القاف الأولى وكسر الراء: الأملس، و(جوار) -بفتح الجيم: جمع جارية،=","vol":"15","page":175},{"text":"وهذا وجه قول من أجاز هذه القراءة.\nوالذين لم يجيزوها أبطلوا هذا، قال الزجاج: لا يجوز ضرب زيدا. تريد: ضرب الضرب؛ لأنك إذا قلت: ضرب زيد، فقد علم أن (١) الذي ضُرِبَهُ ضَرْبٌ، فلا فائدة من إضماره وإقامته مقام (٢) الفاعل (٣).\nوقال أبو علي: قول من قال إنه يسند الفعل إلى المصدر ويضمره لأن الفعل دل عليه فذلك مما يجوز في ضرورة الشعر والبيت الذي أنشد (٤):\nولو ولدت قفيره ...\nلا يكون حجة في هذه القراءة (٥).\nوأما ما ذكره أبو عبيد (٦) أنه (ننجي) من التنجيه فادغم النون في الجيم [هذا لا وجه له؛ لأنه لا يجوز إدغام النون في الجيم] (٧) سيما والنون متحركة والجيم مشددة بالتضعيف (٨).\n_________\n= ويتعاطين أي: يناول بعضهن بعضًا. والورق: الدراهم وفي التنزيل ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ﴾ [الكهف: ١٩]. أهـ وقال المرتضى في \"أماليه\" ١/ ٥٦١: شبه حذف منا سمهن له بحذف جوار يلعبن بدراهم، وخص الجواري لأنهن أخف يدا من النساء.\n(١) عند الزجاج: أنه.\n(٢) عند الزجاج: مع الفاعل.\n(٣) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٤٠٣.\n(٤) في (د)، (ع): (أنشدوا)، والمثبت من باقي النسخ هو الموافق لما في الحجة.\n(٥) \"الحجة\" لأبي علي الفارسي ٥/ ٢٦٠.\n(٦) في (د)، (ع): (أبو علي)، وهو خطأ.\n(٧) ساقط من (د)، (ع).\n(٨) وضعفه أيضًا النحاس في \"إعراب القرآن\" ٣/ ٧٨، وقال عنه ابن خالويه في \"إعراب القراءات السبع وعللها\" ٢/ ٦٧ إنه غلط، وضعفه جدًّا السمين الحلبي في \"الدر المصون\" ٨/ ١٩٣.","vol":"15","page":176},{"text":"وحمل أبو علي وجه هذه القراءة على أن الراوي عن (١) عاصم غلط في (٢) روايته وأن الغلط جاءه (٣) من جهة الراوي لا من جهة عاصم، فقال إن عاصمًا ينبغي أن يكون قرأ (ننجي المؤمنين) بنونين وأخفى (٤) الثانية؛ لأن هذه النون (٥) تخفى مع حروف الفم وتبيينها لحن، فلما أخفى عاصم ظن السامع أنه إدغام، فالتبس على السامع الإخفاء بالإدغام من حيث كان كل (٦) واحد غير مبين (٧) ويدل على هذا إسكانه الياء من (نجي) والفعل إذا\n_________\n(١) في (ع): (من).\n(٢) في (أ): (لي).\n(٣) في (أ): (جاءه).\n(٤) في (أ)، (ت): (واخفاء).\n(٥) في (أ)، (ت): (النونين).\n(٦) (كل): ساقطة من (أ)، (ت).\n(٧) هذه دعوى لا دليل عليها، فإنه الراوي عن عاصم هو أبو بكر بن عياش، وهو إمام ضابط القراءة حتى قال ابن مجاهد في \"السبعة\" (ص ٧١) - في سياق كلامه عن سبب عدم غلبة قراءة عاصم على أهل الكوفة: وإلى قراءه عاصم صار بعض أهل الكوفة، وليست بالغالبة عليهم؛ لأن أضبط من أخذ عن عاصم أبو بكر بن عياش -فيما يقال- لأنه تعلمها منه تعلما: خمسا خمسا. وكان أهل الكوفة لا يأتمون في قراءة عاصم بأحد ممن يثبتونه في القراءة عليه إلا بأبي بكر بن عياش، وكان أبو بكر لا يكاد يمكن من نفسه من أرادها منه، فقلت بالكوفة من أجل ذلك وقل من يحسنها. أهـ.\nثم إن هذه القراءة هي الموافقة لرسم المصحف ولذلك اختارها أبو عبيد، وقد بين العلماء وجهها من العربية. فلا مجال بعد ذلك للطعن فيها وتغليط رواته، لا سيما وقد قرأ بها ابن عامر أيضًا كما تقدم تخريج القراءه، ولم ينفرد بها أبو بكر، أفيقال أيضًا إن ابن عامر أو الرواة عنه غلطوا فظنوا أنه إدغام فالتبس عليهم الإخفاء بالإدغام؟!.","vol":"15","page":177},{"text":"كان مبنيًّا للمفعول به وكان ماضيًا لم يسكن آخره فإسكان الياء يدل على أنه قد قرأ (ننجي) كما روى حفص عنه (١)، ومما يمنع أن يظن ذلك به نصب قوله (المؤمنين) ولو كان على ما لم يسم فاعله لوجب أن يرتفع لأن الفعل إذا بني للمفعول ينبغي أن يسند إليه كما يسند المبني للفاعل إليه (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2654>٨٩ </span>- قوله تعالى: ﴿وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا﴾ قال ابن عباس: يريد وحيدا بلا ولد (٣).\nوهذا كقوله: ﴿مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (٥) يَرِثُنِي﴾ [مريم: ٥ - ٦]، الآية.\nوقوله تعالى: ﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ﴾ قال ابن عباس: أفضل الوارثين.\nوقال المفسرون: رد الأمر إلى الله (٤).\nومعنى هذا: إنه أثنى على الله بأنه الباقي بعد فناء خلقه، وأنه أفضل من بقي حيًّا بعد ميت، وأن الخلق كلهم يموتون ويبقى هو، هذا معنى قولهم رد الأمر إلى الله (٥).\n_________\n(١) انظر ما تقدم بيان سبب إسكان الباء.\n(٢) \"الحجة\" للفارسي ٥/ ٢٥٩ - ٢٦٠ مع تصرف.\n(٣) في \"تنوير المقباس\" ص ٢٠٤: وحيدا بلا معين.\n(٤) الطبري ١٧/ ٨٣، و\"الكشف والبيان\" للثعلبي ٣/ ٤٢ ب.\n(٥) ويحتمل أن يكون معنى قول المفسرين. رد الأمر إلى الله، ما قاله الزمخشري ٢/ ٥٨٢، وابن جزي ٣/ ٦٧، وأبو حيان ٦/ ٦٣٦: ثم رد أمره إلى الله مستسلمًا، فقال (وأنت خير الوارثين) أي: إن لم ترزقني من يرثني، فلا أبالي فإنك خير وارث. وقد اعترض على هذا الوجه وأنه لا يناسب مقام الدعاء فإن من آداب الداعي أن يدعو بجد واجتهاد وتصميم منه.\nوذكر الألوسي ١٧/ ٨٧ احتمال أن يكون معنى رد الأمر إلى الله من قبيل: ارزقني إن شئت، ولكن المقصود منه إظهار الرضا والاعتماد على الله -﷿- ولو لم يجب دعاءه. =","vol":"15","page":178},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2655>٩٥ </span>- وقوله تعالى: ﴿وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ﴾ قال قتادة: كانت عاقرًا فجعلها الله وَلودًا (١).\nوقال الكلبي: كانت عقيمًا لم تلد شيئًا قط، فأُصلحت بالولد فولدت وهي بنت تسع وتسعين سنة (٢).\nوهذا قول أكثر المفسرين أن إصلاح زوجه (٣) إزالة عقرها (٤).\nوقال ابن عباس في رواية عطاء: كان في لسان امرأة زكريا طول فأصلحه الله، فلم تكن تخالفه ولا تعصيه، وانقطع لسانها عنه (٥).\nوالأول أشبه (٦).\n_________\n= والأقرب أن معنى قوله ﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ﴾ ما قاله ابن كثير -﵀- في \"تفسيره\" ٣/ ١٩٣: دعاء وثناء مناسب للمسألة.\nوبينه ابن عاشور في \"التحرير والتنوير\" ١٧/ ١٣٥ بقوله: وجملة (وأنت خير الوارثين) ثناء لتمهيد الإجابة، أي: أنت الوارث الحق فاقض علي من صفتك العالية شيئًا، وقد شاع في الكتاب والسنة ذكر صفة من صفات الله عند سؤاله إعطاء ما هو من جنسها، كما قال أيوب (وأنت أرحم الراحمين)، ودل ذكر ذلك على أنه سأل الولد لأجل أن يرثه كما في آية سورة مريم ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾.\n(١) رواه الطبري ١٧/ ٨٣، وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٥/ ٦٧٠، وعزاه لابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(٢) ذكر الماوردي في \"النكت والعيون\" ٣/ ٤٦٨ عن الكلبي أنه قال: ولدت له وهو ابن بضع وسبعين سنة.\n(٣) في جميع النسخ: زوجها. وهو خطأ. والتصويب من \"الوسيط\" ٣/ ٣٥٠.\n(٤) انظر: \"الطبري\" ١٧/ ٨٣، \"الكشف والبيان\" للثعلبي ٣/ ٤٢ ب، \"ابن كثير\" ٣/ ١٩٣، \"الدر المنثور\" للسيوطي ٥/ ٦٧٠.\n(٥) رواه الحاكم في \"مستدركه\" ٣/ ٣٨٣ من طريق طلحة بن عمرو، عن عطاء، عن ابن عباس. وقال: حديث صحيح الإسناد. وتعقبه الذهبي بقوله: طلحة واه.\n(٦) وقال ابن كثير ٣/ ١٩٣، والأظهر من السياق الأول. وقال ابن عطية ١٠/ ٢٠٠: وعموم اللفظة يتناول كل وجوه الإصلاح.","vol":"15","page":179},{"text":"وقوله: ﴿إِنَّهُمْ﴾ الظاهر أن الكناية تعود إلى زكريا ويحيى وامرأة زكريا (١). ويدل على هذا ما روي أن أبا بكر -﵁- خطب فقال في خطبته: (وإن الله أثنى على زكريا وأهل بيته فقال: (إنهم كانوا يسارعون) الآية (٢).\nوقال بعض المفسرين: ﴿إِنَّهُمْ﴾ (٣) يعني الأنبياء الذين سماهم في هذه السورة (٤).\nومعنى ﴿يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ قال ابن عباس: يبادرون في طاعة الله (٥) وأداء فرائضه، ويتنافسون (٦) في المعروف على عباد الله (٧).\nوقوله تعالى: ﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾ الرَّغَبُ والرَّغْبُ والرَّغْبَةُ كلها\n_________\n(١) هذا قول الطبري ١٨/ ٨٣. وذكره الماوردي ٣/ ٤٦٨، وابن الجوزي ٥/ ٣٨٥ من غير نسبة.\n(٢) رواه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" ١٣/ ٢٥٨، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" كما في تفسير ابن كثير ٣/ ١٩٣، وأبو نعيم في \"الحلية\" ١/ ٣٥، والحاكم في \"مستدركه\" ٢/ ٣٨٣ - ٣٨٤ كلهم من طريق عبد الرحمن بن إسحاق، عن عبد الله القرشي، عن عبد الله بن حكيم قال: خطبنا أبو بكر، .. فذكره.\nقال الحاكم بعد إخراجه ٢/ ٣٨٤: هذا حديث صحيح الإسناد. لكن تعقبه الذهبي بقوله: عبد الرحمن بن إسحاق كوفي ضعيف.\nوقد ذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٥/ ٦٧١ وعزاه لابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبي نعيم والحاكم والبيهقي في شعب الإيمان.\n(٣) (إنهم): زيادة من (د)، (ع).\n(٤) هذا قول الثعلبي في \"الكشف والبيان\" ٣/ ٤٢ ب.\nوقد ذكره البغوي ٥/ ٣٥٣، والزمخشري ٢/ ٥٨٢ وابن الجوزي ٥/ ٣٨٥ من غير نسبة لأحد.\n(٥) لفظ الجلالة سقط من (د)، (ع).\n(٦) في (د)، (ع): (وينافسون).\n(٧) انظر: \"تنوير المقباس\" ص ٢٠٤.","vol":"15","page":180},{"text":"مصادر (١)، وكذلك في الرَّهَب (٢).\nوالرغباء والرهباء اسمان منهما، يقال: الرهباء من الله والرغباء إليه (٣).\nوانتصابها على المصدر على معنى: يرغبون رغبًا، ويرهبون رهبًا، أو على المفعول له أي: للرغب (٤) والرهب (٥).\nقال ابن عباس: يريد راغبين في الجنة وخائفين من النار (٦).\n﴿وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ قال مجاهد: متواضعين (٧).\nوقال قتادة: ذُلُلَ لأمر الله (٨).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2656>٩١ </span>- قوله تعالى ﴿وَالَّتِي﴾: يعني مريم بنت عمران. ﴿وَالَّتِي﴾ في\n_________\n(١) انظر (رغب) في: \"تهذيب اللغة\" ٨/ ١٢١، \"لسان العرب\" ١/ ٤٢٢ - ٤٢٣. \"القاموس المحيط\" ١/ ٧٤، \"تاج العروس\" ٢/ ٥٠٨.\n(٢) انظر (رهب) في: \"تهذيب اللغة\" ٦/ ٢٩٠، \"لسان العرب\" ١/ ٤٣٦، \"القاموس المحيط\" ١/ ٧٦، \"تاج العروس\" ١/ ٥٣٧.\n(٣) \"تهذيب اللغة\" للأزهري ٦/ ٢٩٢ - ٢٩٣ مع تصرف منسوبًا إلى الليث. وهو بنحوه في \"العين\" ٤/ ٤٧. وانظر ما تقدم من مصادر في (رغب) و(رهب).\n(٤) في (أ)، (ت): (الرغب)، وهو خطأ.\n(٥) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٤٠٣، \"الإملاء\" للعكبري ٢/ ١٣٦، \"البحر المحيط\" ٦/ ٣٣٦، \"الدر المصون\" ٨/ ١٩٤.\n(٦) نحوه في \"تنوير المقباس\" ص ٢٠٤.\n(٧) ذكره ابن كثير في \"تفسيره\" ٣/ ١٩٣ عن مجاهد. وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٥/ ٦٧١ عن مجاهد وعزاه لابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(٨) ذكره ابن كثير في \"تفسيره\" ٣/ ١٩٣ عن الحسن وقتادة بلفظ: متذللين لله -﷿-. وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٥/ ٦٧٠ عن قتادة بلفظ (أذلاء). وعزاه لابن جرير -ولم أره فيه- وابن المنذر وابن أبي حاتم.\nقال ابن كثير ٣/ ١٩٣ بعد سياقه لهذه الأقوال: وهذه الاقوال متقاربة.","vol":"15","page":181},{"text":"محل النصب بالعطف على ما قبلها (١).\n﴿أَحْصَنَتْ﴾ أحرزت ومنعت عن الفساد. ﴿فَرْجَهَا﴾ ذكر الفراء والزجاج أنه يعني: جيبها (٢).\nقال الفراء: ذكر المفسرون أنه جيب درعها (٣).\nوهذا محتمل؛ لأن الفرج معناه في اللغة: كل فرجة بين شيئين، ولذلك (٤) يقال [لما بين قوائم الدابة: الفروج. ومنه قوله:\nتَسُدُّ به فرجها من دبر (٥).\nأراد ما بين] (٦) فخذيها ورجليها (٧).\n_________\n(١) أو ينتصب بإضمار اذكر.\nوانظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٤٠٣، \"إعراب القرآن\" للنحاس ٣/ ٧٨، \"مشكل إعراب القرآن\" لمكي ٢/ ٤٨١، \"الدر المصون\" ٨/ ١٩٤.\n(٢) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٤٠٣.\n(٣) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢١٠.\n(٤) في (ت): (وكذلك).\n(٥) هذا عجز بيت لامرئ القيس، وصدره:\nلها ذنبٌ مثل \"ذيل العروس\"\nوهو في \"ديوانه\" ص ١٦٤، \"تهذيب اللغة\" للأزهري ١١/ ٤٥ (فرج)، \"مقاييس اللغة\" لابن فارس ٤/ ٤٩٩، (فرج) \"لسان العرب\" ٢/ ٣٤٢ (فرج)، \"تاج العروس\" للزبيدي ٦/ ١٤٣ (فرج). وهذا البيت من قصيدة قالها امرؤ القيس بعد قتله لثعلبة بن مالك، ويصف فرسه التي ركبها عند قتاله له ..\n(٦) ما بين المعقوفين ساقط من (أ)، (ت).\n(٧) من قوله كل في جه إلى هنا في \"تهذيب اللغة\" للأزهري ١١/ ٤٤ - ٤٥ (فرج) منسوبًا إلى الليث- وهو في \"العين\" ٦/ ١٠٩ (فرج) إلى قوله فهو فرج.\nوانظر المراجع اللغوية المتقدمة في تخريج البيت.","vol":"15","page":182},{"text":"وموضع جيب درع المرأة مشقوق فهو فرج. وهذا أبلغ في الثناء عليها من أن يجعل فرجها بمعنى الفرج المعروف للنساء؛ لأنها إذا منعت حبيب يرعها فهي لنفسها أمنع وأشد إحصانًا.\nوقد قيل: ﴿أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾ حفظت فرج نفسها (١).\nوقوله تعالى: ﴿فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا﴾ قال المفسرون: أمرنا جبريل حتى نفخ في درعها (٢).\nوعلى هذا المراد: فنفخنا في درعها. فحذف المضاف (٣) ويجوز أن\n_________\n(١) نسب ابن عطية في \"تفسيره\" ١٠/ ٢٠١ هذا القول إلى الجمهور.\nوقال الطبري ١٧/ ٨٤: والذي هو أولى القولين -عندنا بتأويل ذلك- قول من قال: أحصنت فرجها من الفاحشة؛ لأن ذلك هو الأغلب من معنييه عليه، والأظهر في ظاهر الكلام.\nوقال ابن عطية ١٠/ ٢٠١: وهو ظاهر القرآن. وقال عن القول الأول إنَّه ضعيف. وما اختاره الطبري وابن عطية ذهب إليه أبو العباس بن تيمية في \"الفتاوى\" ١٧/ ٢٦٢، واستظهره أبو حيان في \"البحر\" ٦/ ٣٣٦ واستشهد عليه بقولها ﴿وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا﴾ [مريم: ٢٠].\n(٢) \"الكشف والبيان\" للثعلبي ٣/ ٤٣ أ. بنصه.\n(٣) يرد هذا قوله تعالى في سورة التحريم: ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا﴾.\nقال أبو العباس بن تيمية -﵀- في \"الفتاوى\" ١٧/ ٢٦٢: وقد ذكر المفسرون أن جبريل نفخ في حبيب درعها، والجيب هو الطوق الذي في العنق ..، وذكر أبو الفرج وغيره قولين: هل كانت النفخة في حبيب الدرع أو في الفرج؟ فإن من قال بالأول قال: في فرج درعها، وأن من قال: هو مخرج الولد قال الهاء كناية عن غير مذكور، لأنه إنما نفخ في درعها لا في فرجها، وهذا ليس بشيء، بل هو عدول عن صريح القرآن. وهذا النقل إن كان ثابتًا لم يناقض القرآن، وإن لم يكن ثابتًا لم يلتفت إليه، فإن من نقل أن جبريل نفخ في جيب الدرع فمراده أنه -﵇- لم =","vol":"15","page":183},{"text":"يكون المراد في نفسها. والمعنى: وأجرينا (١) فيها روح المسيح كما تجري الربح بالنفخ، وذلك أن الله تعالى أجرى فيها روح عيسى بنفخ جبريل، وأحدث بذلك النفخ المسيح في رحمها (٢).\nوقوله تعالى: ﴿مِنْ رُوحِنَا﴾ يريد من روح عيسى. وأضاف الروح إليه إضافة الملك على معنى التشريف والتخصيص (٣).\nوقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ قال الفراء، والزجاج، والكسائي: وحد الآية بعد ذكرهما جميعًا لمّا كان شأنهما\n_________\n= يكشف بدنها ...، فنفخ في جيب الدرع فوصلت النفخة إلى فرجها.\nوالمقصود إنما هو النفخ في الفرج كما أخبر الله في آيتين، وإلا فإن النفخ في الثوب فقط من غير وصول النفخ إلى الفرج مخالف للقرآن، مع أنه لا تأثير له في حصول الولد، ولم يقل ذلك أحد من أئمة المسلمين، ولا نقله أحد عن عالم معروف من السلف. أهـ.\n(١) في (د)، (ع): (فأجرينا).\n(٢) هذا قول الثعلبي ٣/ ٤٣ أ.\nوذكره الماوردي في \"النكت والعيون\" ٣/ ٤٦٩ مختصرًا، وابن الجوزي ٥/ ٣٨٥ من غير نسبة.\n(٣) وفيه وجه آخر ذكره الزمخشري ٢/ ٥٨٣ وأبو العباس بن تيمية في \"الفتاوى\" ١٧/ ٢٦٣. وأبو حيان في \"البحر\" ٦/ ٣٣٦ والألوسي في \"روح المعاني\" ١٧/ ٨٨ وهو أن الروح هنا جبريل كما قال تعالى ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ [مريم: ١٧].\nقال أبو العباس ابن تيمية: فقوله ﴿فَنَفَخْنَا فِيهَا﴾ أو ﴿فِيهِ مِنْ رُوحِنَا﴾ أي: من هذا الروح الذي هو جبريل، وعيسى روح من هذا الروح، فهو روح من الله بهذا الاعتبار، و(من) لابتداء الغاية. وقال: ولهذا قيل في المسيح ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ باعتبار هذا النفخ.","vol":"15","page":184},{"text":"واحدًا، وكانت الآية فيهما آية واحدة، وهي ولادة من غير فحل (١).\nوهذا معنى قول ابن عباس في هذه الآية وذلك أنه لم يكن امرأة وَلَدْت بلا رجل، ولا رجل وُلِدَ بلا ذكر غير عيسى وأمه. هذا كلامه (٢).\nوالمعني: أن الآية فيهما واحدة وهي كون عيسى من غير أب وولادة أمه من غير ذكر. ومعنى كونهما آية للعالمين ما ظهر فيهما من التي دلت على قدرة الله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2657>٩٢ </span>- قوله تعالى ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ﴾ قال ابن عباس: يريد دينكم (٣). وهو قول الحسن (٤)، ومجاهد (٥)، وجميع المفسرين (٦).\nوقال الكلبي: ملتكم (٧). ومضى الكلام في معاني الأمة.\nوقال ابن قتيبة: الأمة: الدين. ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ [الزخرف: ٢٢] أي: على دين. وقال النابغة:\n_________\n(١) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢١٠، و\"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٤٠٤.\nوقال السمين الحلبي ٨/ ١٩٥ - بعد ذكره لهذا الوجه: أو نقول: إنه حذف من الأول لدلالة الثاني أو بالعكس، أي: وجعلنا ابن مريم آية، وأمه كذلك. وهو نظير الحذف في قوله تعالى ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: ٦٢].\n(٢) انظر: \"تنوير المقباس\" ص ٢٠٤.\n(٣) رواه الطبري ١٧/ ٨٥ وإسناده حسن، وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٥/ ٦٧٢ وعزاه لابن جرير وابن أبي حاتم.\n(٤) ذكره عنه الطوسي في \"التبيان\" ٧/ ٢٤٥.\n(٥) رواه الطبري ١٧/ ٨٥.\n(٦) انظر: \"ابن كثير\" ٣/ ١٩٤، و\"الدر المنثور\" للسيوطي ٥/ ٦٧٢.\n(٧) في \"الدر المنثور\" ٥/ ٦٧٢. وأخرج عبد بن حميد عن الكلبي قال: لسانكم لسان واحد.","vol":"15","page":185},{"text":"وهَلْ يَأثَمَنْ ذُو أُمَّةٍ وَهُوَ طَائِعُ؟ (١)\nأي: ذو دين. والأصل أنه يقال للقوم يجتمعون على دين واحد: أمه، فتقام الأمة مقام الدين (٢).\nقوله تعالى: ﴿أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ قال ابن عباس: يريد دينًا واحدًا (٣).\nقال الفراء وأبو عبيد: نصب ﴿أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ على القطع، لمجيء النكرة بعد تمام الكلام (٤).\nوالمعنى: أن هذه الشريعة التي بيّنتها لكم في كتابكم دينًا واحدًا.\nقال الحسن: بيّن لهم ما يتقون وما يأتون (٥).\nثم قال: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ إبطالًا لما سواها من الأديان (٦).\n_________\n(١) هذا عجز بيت للنابغة، وصدره:\nحَلفْتُ فلم أترك لنفسك ريبة\nوهو في \"ديوانه\" ص ٣٥، و\"مشكل القرآن\" لابن قتيبة ص ٤٤٦، و\"معاني القرآن\" للأخفش ١/ ٤١٩، و\"تهذيب اللغة\" للأزهري ١٥/ ٦٣٥ (أم)، و\"الصحاح\" للجوهري ٥/ ١٨٦٤ (أمم)، و\"لسان العرب\" ١٢/ ٢٤ (أمم).\n(٢) \"غريب القرآن\" لابن قتيبة ص ٤٤٦.\n(٣) رواه الطبري ١٧/ ٨٥ بسند حسن، وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٥/ ٦٧٢ وعزاه لابن جرير وابن أبي حاتم.\n(٤) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢١٠. ولم أجد من ذكره عن أبي عبيد.\nومعنى القطع: الحال. وفي نصب (أمة) وجه آخر وهو البدل من (هذه).\nانظر: \"إعراب القرآن\" للنحاس ٣/ ٧٩، \"البحر المحيط\" ٦/ ٣٣٧، \"الدر المصون\" ٨/ ١٩٥.\n(٥) ذكره عنه ابن كثير في \"تفسيره\" ٣/ ١٩٤.\n(٦) قوله: (إبطالا ..) هذا قول الثعلبي في \"تفسيره\" ٣/ ٤٣ أ.","vol":"15","page":186},{"text":"وعند الزجاج (أمة) نصب على الحال والمعنى: أن هذه أمتكم في حال اجتماعها على الحق، فإذا افترقت فليس من خالف الحق داخلًا فيها (١). هذا كلامه (٢).\nوالمعني: هذه أمتكم ما دامت واحدة واجتمعتم عليها، فإذا خالفتم (٣) فليس من خالف [الحق من] (٤) حملة أهل الدين الحق (٥)، ومثله في الكلام أن تقول: فلا صديقي عفيفا، أي: ما دام عفيفا، وما بقي على العفة، فإذا خالف العفة لم يكن صديقك.\nوقوله تعالى: ﴿وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ قال ابن عباس: فاطيعون (٦). أي: لا دين سوى ديني، ولا رب غيري.\nوفي هذا حث على الاجتماع، وتجنب الاختلاف (٧).\n_________\n(١) في (أ)، (ت): (فيه)، وما في (د)، (ع) هو الموافق لما في \"المعاني\" للزجاج.\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٤٠٣.\n(٣) في (أ): (خالفهم)، وهو خطأ.\n(٤) ما بين المعقوفين ساقط من (أ)، (ت).\n(٥) من قوله: (فإذا خالفتم. إلى هنا)، هذا معنى قول الزجاج ٣/ ٤٠٣.\n(٦) مثله في \"تنوير المقباس\" ص ٢٠٤.\n(٧) والمقصود أن الله تعالى بعد أن ذكر الأنبياء المتقدمين قال مخاطبًا الناس كافة: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ يعني أن دينكم دين جميع الأنبياء ورسل الله- الذين هم أمتكم وأئمتكم الذين بهم تأتمون وبهديهم تقتدون فقد كانوا على ملة واحدة ودين واحد وطريقة واحدة لا اختلاف فيها وأصول العقائد كما قال الله تعالى ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩] وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٥١) وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ [المؤمنون: ٥٢] وكما قال رسول الله -ﷺ-: \"نحن معاشر الأنبياء أولاد علات ديننا واحد\" [رواه البخاري في \"صحيحه\"- كتاب الأنبياء ٦/ ٤٧٨]. فالدين=","vol":"15","page":187},{"text":"ولما حث المؤمنين على الاجتماع ذم غيرهم من المشركين واليهود والنصارى بالاختلاف فقال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2658>٩٣ </span>- قوله تعالى: ﴿وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ﴾ قال ابن عباس: يريد المشركين اتخذوا من دونه آلهة (١). هذا كلامه في رواية عطاء.\nوالصحيح أن هذا إخبار عن جميع مخالفي شريعة محمد -ﷺ- يقول: اختلفوا في الدين فصاروا فيه فرقًا وأحزابًا. ويجوز أن يكون هذا الاختلاف راجعا إلى اختلاف أهل كل ملة كاختلاف اليهود فيما بينهم واختلاف النصارى وهذا هو الظاهر. ويجوز أن يرجع إلى مخالفتهم دين الحق.\nوعلى هذا معنى ﴿أَمْرَهُمْ﴾ أي: الأمر الذي شرع لهم ودعوا إليه. والمعنى الأول من قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٥٩] والمعنى الثاني من قراءة من قرأ: (فارقوا دينهم) (٢).\nقال الكلبي: يقول فرقوا دينهم فيما بينهم يلعن بعضهم بعضًا، ويتبرأ بعضهم من بعض، كل فرقة يرون أنهم على الحق (٣).\n_________\n= واحد والرب واحد ولهذا قال: ﴿وأَنَا رَبُّكُمُ﴾.\nفإن كان الرب واحدًا والدين واحدًا -وهو عبادة الله وحده- كان الواجب عليكم القيام بهذه العبادة ولهذا قال ﴿فَاعْبُدُونِ﴾ وكان اللائق هو الاجتماع على هذا الأمر وعدم التفرق.\nانظر: \"التسهيل\" لابن جزي ٣/ ٦٨، و\"البحر المحيط\" لأبي حيان ٦/ ٣٣٧، وابن كثير ٣/ ١٩٤، و\"تيسير الكريم المنان\" لابن سعدي ٣/ ٣٩٨.\n(١) في (د)، (ع): (إلهًا).\n(٢) قرأ حمزة، والكسائي: (فارقوا) بالألف مخففًا. وقرأ الباقون: (وفرقوا) بغير ألف مشددًا. \"السبعة\" ص ٢٧٤، \"التبصرة\" ص ٢٠٠، \"التيسير\" ص ١٠٨.\n(٣) ذكره البغوي ٥/ ٣٥٣ عن الكلبي إلى قوله: من بعض. وذكر الماوردي ٣/ ٤٧٠ عن الكلبي قال: تفرقوا.","vol":"15","page":188},{"text":"والتقطع في هذه الآية واقع بمنزلة التقطيع.\nقال أبو عبيدة والزجاج: أي اختلفوا وتفرقوا؛ لأن تقطعهم أمرهم بينهم تفرقة (١).\nقال الأزهري (٢): ويجوز أن يكون قوله: ﴿وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ﴾ أي: تفرقوا في أمرهم [ونَصَبَ أمرهم] (٣) بحذف (في) قال: وهذا القول أصوب (٤).\nوعلى هذا التقطع (٥) لازم (٦).\nثم أخبر﷿- أن مرجع جميع أهل الأديان إليه، وأنه مُجازٍ جميعهم فقال: ﴿كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ﴾ قال ابن عباس: يريد الذين عبدوا غيري، والذين وحدوني وأطاعوني.\nوقال أهل المعاني: كل إلينا راجعون أي: إلى حكمنا في الوقت الذي لا يقدر على الحكم سوانا. كما يقال رجع أمرهم إلى القاضي أي:\n_________\n(١) انظر: \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ٢/ ٤٢، \"ومعاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٤٠٤.\n(٢) في (أ)، (ت): (الزهري)، وهو تصحيف.\n(٣) ما بين المعقوفين ساقط من (د)، (ع).\n(٤) هذا النص عن الأزهري ليس موجودًا في المطبوع من \"تهذيب اللغة\" ١/ ١٨٧ - ١٩٦ (قطع)، فلعله سقط من المطبوع، أو من النسخة الخطية المعتمد عليها في الطباعة. وهو موجود بهذا النص في \"لسان العرب\" لابن منظور ٨/ ٢٧٦ (قطع) منسوبًا إلى الأزهري.\nوهو عند القرطبي ١١/ ٣٣٩ عز الأزهري إلى قوله: بحذف (في).\n(٥) في (ع): (القطع).\n(٦) وعلى الوجه الأول يكون (أمرهم) منتصبًا على أنه مفعول به، وعدى (تقطعوا) لأنه بمعنى: قطعوا.\nانظر: \"الإملاء\" للعكبري ٢/ ١٣٦ - ١٣٧، \"الدر المصون\" ٨/ ١٩٦.","vol":"15","page":189},{"text":"إلى حكمه (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2659>٩٤ </span>- قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ﴾ قال صاحب النظم: (من) هاهنا للتبعيض. أي: ومن يعمل شيئًا من الصالحات. أي من أداء الفرائض، وغيرها من صلة الرحم، ونصر المظلوم، ومعونة الضعيف، ونحو ذلك من أعمال البر.\n﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ قال ابن عباس: وهو مصدق بمحمد -ﷺ- وبما جاء به (٢).\n﴿فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ﴾ أي لا جحود لعمله (٣). يعني: أنه يقبل ويشكر بالثواب عليه ولا يبطل (٤).\nوالكُفْران والكُفُور والكُفْر مصادر مثل الشُّكْران والشُّكُور والشُّكْرُ (٥).\nقال ابن مسلم: أي: لا يُجْحد ما عمل (٦).\n_________\n(١) ذكر هذا القول: الطوسي في \"التبيان\" ٧/ ٢٤٦، والحاكم الجشمي في \"التهذيب\" ٣/ ١٦٠ أ، والقرطبي في \"تفسيره\" ١١/ ٣٣٩ من غير نسبة لأحد.\nوالذي يظهر أن قول أهل المعاني صادرٌ بسبب التأويل. والصواب أن المعنى: ﴿كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ﴾ أي: صائرون إليه سبحانه يوم القيامة، فيحكم بينهم في ذلك اليوم ويجازى جميعهم إن خيرًا فخير وإن شرًا فشر كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ [آل عمران: ٥٥].\nانظر: \"تفسير الطبري\" ١٧/ ٨٥، \"تفسير ابن كثير\" ٣/ ١٩٤.\n(٢) انظر: \"التبيان\" للطوسي ٧/ ٢٤٦، \"التهذيب\" للحاكم الجشمي ٦/ ١٦٠ أ.\n(٣) في (أ): (لعلمه)، وهو خطأ.\n(٤) انظر: \"الطبري\" ١٧/ ٨٦، \"الكشف والبيان\" للثعلبي ٣/ ٤٣ أ.\n(٥) الطبري ١٧/ ٨٦، و\"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٤٠٤.\nوانظر: \"الصحاح\" للجوهري ٢/ ٨٠٧ (كفر)، و\"لسان العرب\" لابن منظور ٥/ ١٤٤ (كفر).\n(٦) \"غريب القرآن\" لابن قتيبة ص ٢٨٨.","vol":"15","page":190},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ﴾ قال صاحب النظم: الهاء كناية للسعي على معنى: وإنا كاتبون لسعيه.\nوهذا وهم. الهاء كناية لـ (من) في قوله (فمن يعمل) والمعني (١): وإنا كاتبون لمن يعمل عمله. ولو كان على ما قال لقيل: وإنا وإياه كاتبون؛ لأنه يقال: كتب عمله، ولا يقال: كتب لعمله، ولكن يقال: كتب له عمله (٢). والمعنى: نأمر الحفظة بأن يكتبوا لذلك العامل ما عمل من الخير لنجازيه به.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2660>٩٥ </span>- قوله تعالى: ﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ﴾ هذه آية كثرت فيها الأقوال وتقسمت فيها الخواطر والآراء ولم يقع لها شرح شاف، ولا بيان لتفسيرها كاف. والذي يدل عليه (٣) ظاهر اللفظ- وبه قال كثير من المفسرين: أن الحرام هاهنا بمعنى الواجب.\nقال قتادة (٤)، عن ابن عباس [: معناه: واجب عليها ألا ترجع إلى دنياها إذا هلكت (٥).\n_________\n(١) ذكر أبو البقاء العكبري ٢/ ١٣٧ الوجهين في عود الضمير من غير نسبة، وقدم ما قاله صاحب النظم ثم قال: وقيل: يعود على (من).\nوعلى ما ذكر صاحب النظم اقتصر الزمخشري ٢/ ٥٨٢، والرازي ٢٢/ ٢٢٠، والسمين الحلبي ٨/ ١٩٧ وغيرهم من المفسرين.\nلكن الألوسي ١٧/ ٩٠ ذكر القولين ثم تعقب القول الثاني -الذي اختاره الواحدي- بقوله: وليس بشيء.\n(٢) في (د)، (ع): (يقال: له كتب عمله).\n(٣) في (د)، (ع): (عليها).\n(٤) (قتادة): ساقط من (د)، (ع).\n(٥) ذكر الأزهري في \"تهذيب اللغة\" ٥/ ٤٨ من رواية قتادة، عن ابن عباس، .. وهو منقطع. وقد رواه ابن المنذر وابن أبي حاتم كما في \"الدر المنثور\" ٥/ ٦٧٣ عن قتادة.","vol":"15","page":191},{"text":"وروى عكرمة، عن ابن عباس] (١): أنه قرأ (وَحِرْمٌ) قال: وجب (٢)\nقال الزجاج: وجاء أيضًا عن ابن عباس أنه قال: حتم عليهم لا يرجعون (٣) إلى دنياهم. قال: وجاء في \"التفسير\" (حِرْمٌ) في معنى: حتم (٤).\nوعن سعيد بن جبير: أنه قرأ (وحِرْمٌ على قرية) فسئل عنها فقال: عزم عليها (٥).\n_________\n(١) ما بين المعقوفين ساقط من (أ).\n(٢) رواه الأزهري في \"تهذيب اللغة\" ٥/ ٤٨ بسنده، عن عكرمة، عن ابن عباس، به. وقد نسب السيوطي في \"الدر المنثور\" ٥/ ٦٧٢ إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس أنه كان يقرأ (وحرم على قرية) قال: وجب على قرية ..\nوقد طالعت تفسير سعيد بن منصور (ل ١٥٥ أ) فوجدته رواه من طريق عكرمة، عن ابن عباس، وفيه ذكر القراءة دون التفسير.\nورواه الطبري ١٧/ ٨٦ من طريق عكرمة وسعيد بن جبير، عن ابن عباس، فأما رواية عكرمة ففيها ذكر القراءة والتفسير لكن ليس فيه (حرم) بمعنى وجب، وأما رواية سعيد بن جبير ففيه ذكر القراءة عن ابن عباس دون التفسير، ثم تفسير سعيد بن جبير نفسه لحرم بمعنى: حرم.\nلكن ذكر ابن كثير -وهو يعتمد كثيرًا على تفسير ابن أبي حاتم- في \"تفسيره\" ٣/ ١٩٤ عن ابن عباس أنه قال: وجب. فلعل هذا التفسير وقع في رواية ابن أبي حاتم أو غيره ممن ذكر السيوطي دون رواية سعيد بن منصور والطبري.\nوذى النحاس في \"إعراب القرآن\" ٣/ ٧٩ من رواية ابن عيينة. وهشيم وغيرهما، عن داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله (وحرام) قال: وجب.\n(٣) عند الزجاج: ألا يرجعوا.\n(٤) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٤٠٤.\n(٥) \"تهذيب اللغة\" للأزهري ٥/ ٤٨ وفيه: وقال أبو معاذ النحوي .. قال: وحدثت عن سعيد بن جبير، فذكره.\nوقد رواه الطبرى ١٧/ ٨٦ من طريق أبي المعلى يحيى بن ميمون، عن سعيد بن =","vol":"15","page":192},{"text":"والذين قانوا إن حرامًا -هاهنا- بمعنى: واجب أنشدوا (١) قول الخنساء:\nوإن (٢) حرامًا لا أرى الدَّهْر باكيًا ... على شَجْوِهِ إلا بكْيت على عَمْرو (٣)\nأي: واجب.\nونحو هذا قال عطاء، عن ابن عباس، في قوله: ﴿وَحَرَامٌ﴾ قال: يريد حتمًا مني (٤).\nوقال الكلبي: يقول: وجب على أهل قرية (أهلكناها) يريد عذبناها ﴿أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ إلى الدنيا أبدًا. قال: يعني أهل مكة من أهل القرى، لا يرجعون إلى يوم القيامة.\nهذا الذي ذكرنا قول واحد في هذه الآية، ومعناه: إن الله تعالى كتب على من أهلك أن يبقى في البرزخ إلى يوم القيامة، وأن لا يرجع إلى الدنيا\n_________\n= جبير، عن ابن عباس أنه قرأ (وحرم على قرية) قال -يعني أبا المعلى- فقلت لسعيد: أي: شيء حرم؟ قال: عزم.\n(١) ابن قتيبة في \"غريب القرآن\" ص ٢٨٨.\n(٢) عند ابن قتيبة ص ٢٨٨: (فإن).\n(٣) البيت أنشده ابن قتيبة في \"غريب القرآن\" ص ٢٨٨ من غير نسبة لأحد. ونسبه الثعلبي في \"الكشف والبيان\" ٣/ ٤٣ أللخنساء بمثل رواية الواحدي هنا.\nونسبه لها أيضًا القرطبي ١١/ ٣٤٠ لكن عنده: على صخر. وهو عند أبي حيان في \"البحر المحيط\" ٦/ ٣٣٨ - ٣٣٩، والسمين الحلبي في \"الدر المصون\" ٨/ ١٩٨ - ١٩٩ منسوبًا للخنساء لكن روايته:\nحرامٌ علي لا أري الدهر باكيًا ... على شجوه إلا بكيت على صَخْر\nولم أجد هذا البيت في ديوانها.\n(٤) ذكر ابن الجوزي ٥/ ٣٨٧ هذا القول عن عطاء.","vol":"15","page":193},{"text":"عزمًا منه ذلك حتمًا. وفي (١) هذا تخويف لكفار مكة بأنهم إن عذبوا وأهلكوا لم يرجعوا إلى الدنيا كغيرهم من الأمم المهلكة. وإلى هذا أشار الكلبي فيما حكينا عنه. وهذا التفسير موافق لظاهر اللفظ؛ إلا أن حرامًا بمعنى: وجب نادر، وهو مقبول من أهل التفسير، ولم يحتج في هذا القول إلى تقدير محذوف أو حكم على حرف بزيادة (٢).\nالقول الثاني: أن معنى الآية: ﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾. أي: أهلكناهم بالاستئصال والاصطلام؛ لأنهم إنما لا يرجعون للاستئصال الواقع بهم والإبادة لهم. وخبر المبتدأ على هذا محذوف، تقديره: وحرام على قرية أهلكناها بالاستئصال بقاؤهم أو حياتهم. ونحو ذلك مما يكون في الكلام دلالة عليه.\nوهذا القول ذكره أبو علي (٣).\nوإلى نحو هذا [من التقدير -الذي ذكره أبو علي-] (٤) ذهب الزجاج وقطرب (٥) في معنى هذه الآية.\nقال الزجاج: لما ذكر الله تعالى أنه لا يضيع عمل عامل من المؤمنين في قوله: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ﴾ الآية، ذكر في هذه الآية أنه قد حرم قبول أعمال الكفار. والمعنى: حرام على قرية أهلكناها أن يُتقبل منهم عملٌ؛ لأنهم لا يرجعون، أي: لا يتوبون كما قال -﷿-: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى\n_________\n(١) في (ت): (في).\n(٢) في (أ)، (ت): (بزيادة).\n(٣) \"الحجة\" لأبي علي الفارسي ٣/ ٣٨٢، وانظر ٥/ ٢٦١.\n(٤) ما بين المعقوفين ساقط من (أ).\n(٥) لم أجد من ذكره عن قطرب.","vol":"15","page":194},{"text":"قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ﴾ [البقرة: ٧] فأعلم أنهم لا يتوبون أبدًا، وكذلك ﴿أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ معناه: قد علم منهم أنهم لا يتوبون. هذا كلامه (١).\nونحتاج في هذا إلى شرح، وهو أن نقول: معنى هذا القول: وحرام على قرية حكمنا عليها بالهلاك -لعلمنا بأنهم لا يرجعون عن كفرهم- أن قبل منهم طاعة أو نثيبهم على عمل. فنحتاج إلى تقدير لام في (أنهم) كما قدر أبو علي باء وإلى إضمار خبر المبتدأ كما أضمره هو. وذكر (٢) قوله: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ احتجاجًا بأن قوله: ﴿أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ معناه: لا يرجعون من الشرك لحكم الله عليهم [بذلك كما قال] (٣) ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ الآية، واحتج على أن الله لا يقبل عمل كافر بقوله: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد:١] وهذا الذي ذهب إليه أبو إسحاق معنى قول [قتادة (٤). هذا كله إذا جعلت] (٥) (لا) في قوله: ﴿لَا يَرْجِعُونَ﴾ غير زائدة (٦).\n_________\n(١) ليس هذا كلامه بنصه، بل فيه زيادة وتصرف وحذف. انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٤٠٥.\n(٢) يعني الزجاج، وليس عند الزجاج الاحتجاج بهذه الآية بل فيه قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ انظر: \"المعاني\" ٣/ ٤٠٥.\n(٣) ما بين المعقوفين بياض في (ت).\n(٤) ذكره عنه السيوطي في \"الدر المنثور\" ٥/ ٦٧٣ وعزاه لابن أبي حاتم وابن المنذر. وانظر: \"تفسير ابن كثير\" ٣/ ١٩٤.\n(٥) ما بين المعقوفين بياض في (ت).\n(٦) وفي الآية وجه آخر حسن تكون فيه (لا) غير زائدة، و(حرام) على بابها. وهو أن الله -﷿- قال في الآيات التي قبل هذه الآية ﴿وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ (٩٣) فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ﴾ فبين﷿- أن الخلق راجعون إليه وأنه لا كفران لسعي أحد. ثم=","vol":"15","page":195},{"text":"فإن جعلت (لا) زائدة، وهو قول ابن جريج، وأبي عبيد (١)، وابن قتيبة (٢)، وكثير من أهل التفسير والمعاني، فالمعنى: حرام على قرية مهلكة رجوعهم إلى الدنيا كما قال: ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ [تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ] (٣) يَرْجِعُونَ﴾ [يس: ٥٠]، و(أن) في موضع رفع بأنّه خبر المبتدأ الذي هو\n_________\n= قال بعد ذلك: ﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ أي: ممتنع على أي: قرية أهلكها الله انتفاء الرجوع إلى الآخرة، فإذا امتنع الانتفاء وجب الرجوع، والمعنى: أنهم يجب رجوعهم إلى الحياة في الدار الآخرة، ويكون الفرض إبطال قول من ينكر البعث.\nانظر: \"تفسير الرازي\" ٢٢/ ١٢١، \"البحر المحيط\" ٦/ ٣٣٨، \"الدر المصون\" ٨/ ١٩٩. وقد أشار ابن عطية في \"المحرر\" ١٠/ ٢٠٤ إلى هذا المعنى بقوله: ويتجه في الآية معنى ضمنه وعيد بين، وذلك أنه ذكر من عمل صالحًا وهو مؤمن، ثم عاد إلى ذكر الكفرة الذين من كفرهم ومعتقدهم أنهم لا يحشرون إلى رب، ولا يرجعون إلى معاد؛ فهم يظنون بذلك أنه لا عقاب ينالهم، فجاءت الآية مكذبة لظن هؤلاء، أي: ممتنع على الكفرة المهلكين أنهم لا يرجعون، بل هم راجعون إلى عقاب الله وأليم عذابه. فتكون (لا) على بابها، والحرام على بابه، وكذلك الحرام، فتأمله) أهـ.\n(١) ذكر النحاس في \"إعراب القرآن\" ٣/ ٨٠ هذا القول عن أبي عبيد ولم يرضه، حيث قال: (وأما قول أبي عبيد: إن (لا) زائدة فقد رده عليه جماعة؛ لأنها لا تزاد في مثل هذ الموضع، ولا فيما يقع فيه إشكال).\nوذكر هذا القول عن أبي عبيد أيضًا: القرطبي ١١/ ٣٤٠، وأبو حيان ٦/ ٣٣٨.\n(٢) \"مشكل القرآن\" لابن قتيبة ص ٢٤٥، وانظر: \"غريب القرآن\" له ص ٢٨٨.\nقال الطبري ١٧/ ٧٨: وقد زعم بعضهم أنها في هذا الموضع صلة فإن معنى الكلام: وحرام على قرية أهلكناها أن يرجعوا. وأهل التأويل الذين ذكرناهم -يعني ابن عباس وسعيد بن جبير وعكرمة- كانوا أعلم بمعنى ذلك منه.\n(٣) بياض في (ت).","vol":"15","page":196},{"text":"حرام، و(لا) زائدة (١) لزيادتها في مواضع ذكرناها أنها صلة فيها. ومعنى هذا القول كمعني القول الأول في هذه الآية.\nوذكر على تقدير زيادة (لا) قول آخر، وهو: أن المعنى: وحرام على قرية حكمنا بهلاكها للشقاء الذي كتبنا عليها أن يرجعوا عن الشرك ويؤمنوا (٢).\nومعنى حرام على الأقوال كلها -غير القول الأول- أنهم يمنعون عن ذلك كما يمنعون من الأشياء المحرمة في الشرع، وليس كحظر الشريعة الذي إن شاء المحظور عليه ركبه وإن شاء تركه، وكان الأمر فيه موقوفًا على اختياره (٣).\nوالحرام بمعنى المنع قد ورد في التنزيل في مواضع كقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الأعراف: ٥٠] أي: منعهم منهما، وقوله تعالى: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ﴾ [القصص: ١٢] يعني تحريم منع، وهذا كما تقول: حرمت عليّ لقاءك أي: منعتني من ذلك (٤)، ولم يرد تحريم شرع.\nوقرئ (٥) (وحرْمٌ) (٦) وهو بمعنى حرام في قول جميع أهل اللغة كما\n_________\n(١) من قوله: (فالمعنى: حرام .. إلى هنا) هذا كلام أبي علي في \"الحجة\" ٣/ ٢٦١ مع اختلاف يسير.\n(٢) ذكر الرازي ٢٢/ ٢٢١، وأبو حيان ٦/ ٣٣٩ عن مجاهد والحسن قالا: لا يرجعون عن الشرك.\n(٣) انظر: \"المحرر\" لابن عطية ١٠/ ٢٠٤.\n(٤) في (أ): (مالك).\n(٥) في (أ)، (ت): (وقرأ).\n(٦) قرأ حمزة، والكسائي، وعاصم في رواية أبي بكر: (وحرم) بكسر الحاء وإسكان الراء من غير ألف. وقرأ الباقون: (وحرم) بالألف.\n\"السبعة\" ص ٤٣١، \"التبصرة\" ص ٢٦٤، \"التيسير\" ص ١٥٥.","vol":"15","page":197},{"text":"يقال حل (١) وحلال (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2661>٩٦ </span>- قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ﴾ معنى (حتى) هاهنا كمعنى (حتى) في قوله: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ﴾ (٣).\nوقرئ (٤) (فتحت) مخففًا ومشددًا (٥). فمن خفف -وهي القراءة المعروفة (٦) - فلأن الفعل في الظاهر مسند إلى هذين الاسمين، ولم يحمل ذلك على الكثرة حتى تشدد بمنزلة ﴿مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ﴾ [ص: ٥٠] ولأن المعنى على حذف المضاف لأن التقدير: فتح سد يأجوج ومأجوج، فحذف المضاف وأدخلت علامة التأنيث لما حذف المضاف (٧)؛ لأن يأجوج ومأجوج مؤنثان (٨) بمنزلة القبيلتين. ومن قرأ بالتشديد شدد لكثرة القبيلتين المسماتين بهذين الاسمين وعددهما كثير (٩).\nومعنى فتحهما: إخراجهما عن السد الذي جعلا وراءه وكأنهما قيدا\n_________\n(١) في (أ)، (ت): (حال)، وهو خطأ.\n(٢) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٤٠٤، \"علل القراءات\" للأزهري ٢/ ٤١٢، \"إعراب القراءات السبع وعللها\" لابن خالويه ٢/ ٦٨.\n(٣) يوسف: ١١٠. ويعني المؤلف أن (حتى) هنا للغاية. وفيها وجه آخر، وهو أنها ابتدائية. واستظهره ابن عطية ١٠/ ٢٠٥، وانظر: \"الدر المصون\" ٨/ ٢٠٢.\n(٤) في (أ)، (ت): (قرأ).\n(٥) قرأ ابن عامر: (فتحت) مشددة التاء، وقرأ الباقون: (فتحت) خفيفة. \"السبعة\" ص ٤٣١، \"التبصرة\" ص ١٩٣، \"التيسير\" ص ١٠٢.\n(٦) في (أ): (المعرفة).\n(٧) هنا ينتهي الموجود من نسخة (ت).\n(٨) في (د)، (ع): (مؤنثتان).\n(٩) انظر: \"الحجة\" للفارسي ٥/ ٢٦٢، \"علل القراءات\" للازهري ٢/ ٤١٥، \"حجة القراءات\" لابن زنجلة ص ٤٧٠.","vol":"15","page":198},{"text":"بذلك السد، وإذا ارتفع السد انفتحا. وتقدم الكلام في يأجوج ومأجوج في سورة الكهف [آية: ٩٤].\nوقوله تعالى: ﴿وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ﴾ معني الحدب في اللغة: الحُدور في صبب، والجمع: حِدَاب (١). ومنه قيل: حدبة الظهر.\nوقال الفراء (٢) والزجاج (٣): الحدب كل أكمة من الأرض مرتفعة.\nوقوله تعالى: ﴿يَنْسِلُونَ﴾ النسلان: مشية الذئب إذا أسرع (٤). والماشي ينسل، إذا أسرع. يقال: نسل في العدو يَنْسِلُ ويَنْسُلُ -بالكسر والضم- نسولًا (٥) ونسلانًا] (٦). ذكر ذلك الكسائي وغيره وأنشدوا قول الجعدي (٧):\nبَرَد الليلُ عليه فَنَسَل\nواختلفوا في المعنيين بقوله: ﴿وَهُمْ﴾ فأكثر المفسرين على أن (هم)\n_________\n(١) \"تهذيب اللغة\" للأزهري ٤/ ٤٢٩ (حدب) منسوبًا إلى الليث.\n(٢) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢١١.\n(٣) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٤٠٥.\n(٤) \"تهذيب اللغة\" للأزهري ١٢/ ٤٢٨ (نسل) منسوبًا إلى الليث.\n(٥) هكذا في جميع النسخ. ولم تذكر المصادر اللغوية التي اطلعت عليها هذا التصريف. وإنما ذكرت: نَسْلًا ونَسَلًا ونَسَلانًا.\n(٦) انظر (نسل) في: \"تهذيب اللغة\" للأزهري ١٢/ ٤٢٨، \"الصحاح\" للجوهري ٥/ ١٨٣٠، \"لسان العرب\" لابن منظور ١١/ ٦٦٠ - ٦٦١، \"القاموس المحيط\" ٤/ ٥٧.\n(٧) هذا عجز بيت، وصدره:\nعَسَلان الذئب أمْسى قَاربًا\nوقد أنشده للجعدي .. أبو عيدة في \"مجاز القرآن\" ٢/ ٤٢. وهو في \"ديوانه\" ص ٩٠. وهو منسوب للبيد في: \"الكامل\" للمبرد ١/ ٣٦٩، و\"الجمهرة\" لابن دريد ٣/ ٣٢. ومن غير نسبة في: الطبري ١٧/ ٩١، و\"تهذيب اللغة\" للأزهري ١٢/ ٤٢٨، و\"لسان العرب\" ١١/ ٦٦١ (نسل).","vol":"15","page":199},{"text":"كناية عن يأجوج ومأجوج وهو قول ابن مسعود (١).\nوالمعنى: وهم من كل نشز (٢) من الأرض يسرحون، يعني أنهم يتفرقون في الأرض فلا يرى أكمة (٣) إلا وقوم منهم يهبطون منها مسرعين.\nوقال آخرون (٤): ﴿وَهُمْ﴾ يعني الخلق كلهم يحشرون إلى أرض (٥) الموقف فهم يسرعون من كل وجه كما قال ابن عباس في رواية عطاء: ﴿وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ يريد من كل وجه يخرجون (٦).\nوهذا قول مجاهد (٧)، وكان يقرأ (وهم من كل جدث ينسلون) اعتبارًا بقوله ﴿فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ (٨) والظاهر هو الأول (٩).\n_________\n(١) ذكره الثعلبي في \"الكشف والبيان\" ٣/ ٤٣ ب.\nوقد رواه الطبري ١٧/ ٩٠، والحاكم في \"مستدركه\" ٤/ ٤٩٦ ضمن أثر طويل. وقال: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، وصحح إسناده أحمد شاكر في تعليقه على الطبري ٣/ ٢٩٧.\n(٢) في (أ): (بشر)، وهو خطأ. والنَّشَز -بفتح الشين وإسكانها: المكان المرتفع. \"الصحاح\" للجوهري ٣/ ٨٩٩ (نشز).\n(٣) الأكمة: التل وكل موضع يكون أشد ارتفاعًا مما حول. \"القاموس المحيط\" ٤/ ٧٥.\n(٤) ذكر هذا القول الثعلبي ٤٣٣ ب، ولم ينسبه لأحد.\n(٥) في (أ): (الأرض).\n(٦) انظر: \"تنوير المقباس\" ص ٢٠٤.\n(٧) رواه الطبري ١٧/ ٩٠، وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٥/ ٦٧٣ وعزاه لعبد بن حميد والطبري.\n(٨) يس: ٥١. وقد ذكر قراءة مجاهد والتعليل الئعلبي في \"الكشف والببان\" ٣/ ٤٣ ب.\nانظر: \"الشواذ\" لابن خالويه ص ٩٣، المحتسب لابن جني ٢/ ٦٦، \"تعليل القراءات الشاذة\" للعكبري ص ٢٦١.\n(٩) وصوبه الطبري ١٧/ ٩٠، وصححه ابن الجوزي ٥/ ٣٨٩، واستظهره أبو حيان في \"البحر\" ٦/ ٣٣٩.","vol":"15","page":200},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2662>٩٧ </span>- قوله تعالى: ﴿وَاقْتَرَبَ﴾ اختلفوا في هذه الواو: فقال الفراء: الواو مقحمة زائدة، المعنى: حتى إذا فتحت اقترب، ودخول الواو هاهنا بمنزلة قوله: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ [الزمر: ٧٣]، ومثله ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣) وَنَادَيْنَاهُ﴾ [الصافات: ١٠٣، ١٠٤]، ومعناه: ناديناه، وأنشد قول أمرىء القيس (١):\nفلمَّا أجَزْنَا ساَحَة الحيّ وانْتَحَى ... بنا بَطْن خَبْتٍ ذي حقاف عَقنْقَلِ\nقال: يريد: انتحى (٢).\n_________\n(١) البيت أنشده الفراء في \"معاني القرآن\" ٢/ ٢١ وروايته: ذي قفاف. وهو في ديوان امرئ القيس ص ١٥ من معلقته، ورواية شطره الثاني:\nبنا بطن ذي ركام عقنقل\nو\"شرح القصائد السبع الطوال\" لابن الأنباري ص ٥٤ مثل رواية الفراء، و\"تهذيب اللغة\" للأزهري ١١/ ١٤٨ (جئز) وفيه: ذي حقاف، و\"لسان العرب\" ٥/ ٣٢٦ (جوز) وفيه: ذي قفاف، قال: ويروى ذي حقاف. قال البطليوسي في \"الاقتضاب\" ٣/ ٢١٧: ومعى (أجزنا): (قطعنا وخلفنا، وساحة الحي: فناؤه، و(انتحى) اعترض. والحقف: الكثيب من الرمل يعوج وينثني، وبطنه: ما انخفض وغمض، و(ركامه): (ما تراكم منه بعضه فوق بعض، والعقنقل: ما تعقد منه ودخل بعضه في بعض. اهـ.\nوانظر: \"شرح السبع الطوال\" لابن الأنباري ص ٥٤ - ٥٥، \"شرح القصائد العشر\" للتبريزي ص ٨٦.\n(٢) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢١١ دون قوله: الواو زائدة مقحمة.\nوقد قال بزيادة الواو في هذه المواطن الكوفيون، ومنع من زيادتها جمهور البصريين. قال ابن جني في \"سر صناعة الإعراب\" ٢/ ٦٤٦ بعد ذكره لقول الكوفيين في إجازة أ، تكون الواو زائدة: فأما أصحابنا -يعني البصريين- فيدفعون هذا التأويل البتة، ولا يجيزون زيادة هذه الواو، ويرون أن أجوبة هذه الأشياء محذوفة للعلم بها والاعتياد في مثلها. =","vol":"15","page":201},{"text":"ونحو هذا قال الكسائي (١) قال: والعرب تدخل الواو في جواب (حتى إذا) (٢) و(لما) و(حين) و(ساعة) و(يوم) و(الواو) (٣) و(الفاء) و(ثم)، ومعناها الطرح فتقول: لما فعلت كذا وحين فعلت كذا، وأقبل (٤) يفعل أو ثم أقبل، والمراد أقبل يفعل، ومعنى (ثم) والواو الطرح.\nقال أبو إسحاق: والواو عند البصريين لا يجوز أن تدخل ويكون معناها الطرح، وجواب (حتى إذا) [مضمر في الآية] (٥) لأن قوله: ﴿يَا وَيْلَنَا\n_________\n= وقال في ٢/ ٦٤٩: وذهب أصحابنا إلى أن حذف الجواب في هذه الأشياء أبلغ في المعنى من إظهاره.\nوذكر ابن جني الجواب عن الآيتين اللتين استشهد بهما الفراء فقال ٢/ ٦٤٦ - ٦٤٧ عن قوله ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣) وَنَادَيْنَاهُ﴾: وتأويل ذلك عندنا على معنى: فلما أسلما وتله للجبين، وناديناه أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا أدرك ثوابنا ونال المنزلة الرفيعة عندنا .. وكذلك قوله -﷿-: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا﴾ تقديره: صادفوا الثواب الذي وعدوه. أهـ.\nوأما البيت الذي استشهد به الفراء فقد قال أبو عبيدة كما في \"شرح القصائد السبع\" لابن الأنباري ص ٥٥: (وانتحى): (نسق على (أجزنا) وجواب فلما أجزنا: (هصرت بفودي رأسها). أهـ.\nوانظر أيضًا: \"الكتاب\" لسيبويه ٣/ ١٠٣، \"الإنصاف في مسائل الخلاف\" للأنباري ٢/ ٤٥٦ - ٤٦٢، \"شرح المفصل\" لابن يعيش ٩/ ١٥٠، \"رصف المباني\" للمالقي ص ٤٨٧ - ٤٨٨، \"الجنى الداني\" للمرادي ص ١٦٤ - ١٦٦، \"مغني اللبيب\" لابن هشام ٢/ ٤١٧.\n(١) ذكر النحاس في \"إعراب القرآن\" ٣/ ٨٠، والقرطبي ١١/ ٣٤٢ عن الكسائي أن الواو في هذه الآية زائدة.\n(٢) في (أ): (إذ).\n(٣) في (أ): (الواو).\n(٤) في (أ): (قيل).\n(٥) ساقط من (أ). وفي (أ) عوضا منه: (أنتم).","vol":"15","page":202},{"text":"قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ﴾ هاهنا قول محذوف، المعنى: حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج واقترب الوعد الحق قالوا يا ويلنا. وخروج يأجوج ومأجوج من أعلام الساعة (١).\n﴿الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾ قال ابن عباس: يريد القيامة (٢).\nقال الكسائي (٣): ويجوز أن يكون واقترب عطفًا على \"إذا فتحت\" ويكون قوله: ﴿فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ﴾ جوابًا لهما لـ ﴿حَتَّى إِذَا﴾ ولقوله ﴿وَاقْتَرَبَ﴾.\nقوله تعالى: ﴿فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ﴾ قال الفرَّاء (٤): تكون \"هي\" عمادًا (٥) يصلح في موضعها \"هو\" فتكون كقوله: ﴿إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ﴾ [النمل: ٩] ومثله ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ﴾ [الحج: ٤٦] فجاز (٦) التأنيث؛ لأن\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٤٠٥، والثعلبي ٤٣٣ ب.\nوحسّن النحاس في \"إعراب القرآن\" ٣/ ٨١ قول الزجاج في تقدير جواب إذا.\nوحكى أبو حيان ٦/ ٣٣٩ تقدير الزجاج ثم قال: أو تقديره: فحينئذ يبعثون. وفي جواب (إذا) وجه آخر -سيذكره المصنف عن الكسائي- وهو ﴿فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، قال الزمخشري ٢/ ٥٨٤، واختاره ابن عطية ١٠/ ٢٠٥ وحكا أبو حيان ٦/ ٣٣٩، والسمين الحلبي ٨/ ٢٠٢ عن الحوفي.\n(٢) الثعلبي ٣/ ٤٣ ب، البغوي ٥/ ٣٥٥، القرطبي ١١/ ٣٤٢ من غير نسبة.\n(٣) ذكر النحاس في\"إعراب القرآن\" ٣/ ٨١ عن الكسائي أنه أجاز أن يكون جواب \"إذا\" \"فإذا شاخصة\".\n(٤) (الفراء): ساقطة من (ز).\n(٥) العماد عند الكوفيين هو ما اصطلح عليه البصريون بقولهم: ضمير الفصل. قال ابن عقيل في \"شرح التسهيل\" لابن مالك ١/ ١١٩: وسموه بذلك لأنه يعتمد عليه في الفائدة، إذ يتبين به أن الثاني ليس بتابع للأول.\nوانظر: \"همع الهوامع\" للسيوطي ١/ ٦٨.\n(٦) في (د)، (ع): (فجاءت)، وفي المطبوع من الفراء: فجاء.","vol":"15","page":203},{"text":"الأبصار مؤنثة والتذكير للعماد. قال: وسمعت بعض العرب يقول: كان مرة وهو ينفع الناس أحسابهم. فجعل \"هو\" عمادًا. قال: وأنشدني بعضهم (١):\nبِثَوْبٍ ودِينارٍ وشاةٍ ودرهمٍ ... فَهَلْ هو مَرْفُوعٌ بما هاهنا رأسُ\n[أراد فهل يرفع (٢) رأس بما هاهنا فجعل هو عمادا] (٣) قال: وإنْ شئت جعلت \"هي\" للأبصار كنيت عنها، ثم أظهرت الأبصار لتفسيرها (٤) كما قال الشاعر (٥):\n_________\n(١) البيت أنشده الفراء في \"معانيه\" ٢/ ٢١٢ ونسبه لبعضهم، وأنشده أيضًا ١/ ٥٢ مع بيتين قبله عن بعض العرب، والبيتان قبله هما:\nفأبلغ أبا يحيى إذا ما لقيته ... على العيس في آباطها عرق يبس\nبأن السلامي الذي بضرية ... أمير الحمى قد باع حقي بني عبس\nبثوب ودينار ..... والبيتان من غير نسبة في: الطبري ٢/ ٣١٣، ١٧/ ٩٣، \"البحر المحيط\" ٦/ ٣٤٠، \"الدر المصون\" ٨/ ٢٥٠.\n(٢) في (ع): (يرتفع).\n(٣) قوله: أراد .. عمادا. هذا من كلام الواحدي وليس من كلام الفرّاء.\n(٤) عند الفراء: لتفسرها.\n(٥) البيت أنشده الفراء في \"معانيه\" ٢/ ٢١٢ من غير نسبة.\nوهو من غير نسبة: الطبري ١٧/ ٩٢، \"المحرر الوجيز\" ١٠/ ٢٠٨، القرطبي ١١/ ٣٤٢، \"البحر المحيط\" ٦/ ٣٤٠، \"الدر المصون\" ٨/ ٢٠٥.\nونسبه الأصبهاني في \"الأغاني\" ١/ ٤٤٢، ١٦/ ٢٣٤ لمالك بن كعب والد كعب بن مالك الصحابي المشهور أحد الثلاثة الذين تيب عليهم، ورواية \"الأغاني\": \"خليلتي\" مكان ظعينتي.\nقال الأصفهاني ١٦/ ٢٣٤ عن مالك بن أبي كعب: وهو شاعر وله خبرٌ، وذكر في حرب الأوس والخزرج.\nوالظَّعينة: هي المرأة في الهودج، هذا هو الأصل، ثم كثر ذلك حتى قيل للمرأة بلا هودج ظعينة. انظر: \"لسان العرب\" ١٣/ ٢٧١ (ظعن).","vol":"15","page":204},{"text":"لعمرُ أبيها لا تقول ظعينتي .... ألا فَرَّعَنِّي مالك بن أبي كعب\nفذكر الظعينة وقد كنَّى عنها. انتهى كلامه (١).\nوعلى هذا إضمار على شريطة التفسير (٢) [أضمر الأبصار، ثم فسرها بقوله: ﴿أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (٣) وقد ذكرنا معنى الإضمار على شريطة التفسير] (٤) وبيَّنا هذه المسألة عند قوله: ﴿فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ﴾ [يوسف: ٧٧] من كلام أبي علي (٥).\nوقال المبرِّد -في هذه الآية-: قال سيبويه؛ إذا كان الخبر عن مذكر فحق الاضمار أن يكون بعلامة التذكير نحو قوله: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا﴾ [طه: ٧٤] وكذلك: ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا﴾ [الجن: ٣] تقديره: إن الأمر هذا، وإذا كان الخبر عن مؤنث يصلح أن يكون الإضمار بعلامة التأنيث ويكون تقديره: القصة نحو قولك: إنها أمَةُ الله خارجة، وإنَّها دارك خير من دار زيد، أي القصة كذا، ولو قلت: إنّه دارك، أي: إن الأمر، كان جيدًا بالغا، وإنما مِلْت إلى الضمير الذي يدل على القصة ليُنْبئْ عن أنَّك تريد أنْ يذكر مؤنثًا (٦).\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢١٢.\n(٢) قال نور الدين الجامي في شرحه لكافية ابن الحاجب ١/ ٣٥١: الشريطة والشرط واحد، وإضافتها إلى التفسير بيانية، أي: أضمر عامله على شرط وهو تفسيره.\n(٣) وهذا قول الزمخشري. انظر: \"الكشاف\" ٢/ ٥٨٤.\n(٤) ساقط من (ع).\n(٥) انظر: \"البسيط\" سورة يوسف: ٧٧.\n(٦) انظر: \"المقتضب\" ٢/ ١٤٤ - ١٤٥، \"الكتاب\" ١/ ٦٩ - ٧١، ٢/ ٧٢، \"شرح المفضل\" لابن يعيش ٣/ ١١٦، \"ارتشاف الضرب\" لأبي حيان ١/ ٤٨٦ - ٤٨٧، \"شرح التسهيل\" لابن عقيل ١/ ١١٦.","vol":"15","page":205},{"text":"وهذا قول ثالث في هذه الكناية.\nوقد يكون التقدير في الآية: فإذا القصة شاخصة أبصار الذين كفروا (١)، أي: القصة أنَّ أبصارهم عند ذلك تشخص كقوله: ﴿لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾ [إبراهيم: ٤٢] وقد مر.\nقال الكلبي: شخصت أبصار الكفار فلا تكاد تطرف من شدة ذلك اليوم وهوله (٢).\nوقوله تعالى: ﴿يَا وَيْلَنَا﴾ أي: قالوا يا ويلنا \"قد كنا في غفلة من هذا\" قال ابن عباس: يريد في الدنيا كنا في عماية عما يراد منا ﴿بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ أنفسنا بتكذيب محمد -ﷺ- واتخاذ الآلهة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2663>٩٨ </span>- قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ﴾ يعني الأوثان. والخطاب لأهل مكة ﴿حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ قال الليث: الحصب: الحطب الذي يلقى (٣) في تَنُّور أو في (٤) وَقُود (٥).\n_________\n(١) فتكون \"هي\" ضمير القصة و\"شاخصة\" خبر مقدم، و\"أبصار\" مبتدأ مؤخر.\nوقال السمين الحلبي ٨/ ٢٠٤ عن هذا الوجه إنه الأجود.\nوذكر الثعلبي ٣/ ١٤٤ وجهًا آخر، وهو أنَّ تمام الكلام عند قوله \"هي\" على معنى: فإذا هي بارزة واقفة، يعني من قربها كأنها حاضرة، ثم ابتدأ: \"شاخصة أبصار الذين كفروا\" علي تقديم الخبر على الابتداء.\nقال أبو حيان ٦/ ٣٤٠: وهذا وجه متكلّف، متنافر التركيب.\n(٢) ذكره البغوي ٥/ ٣٥٥ عن الكلبي.\n(٣) (يلقى): ساقطة من (أ).\n(٤) (في): ساقطة من (د)، (ع).\n(٥) قوله الليث في \"تهذيب اللغة\" للأزهري ٤/ ٢٦٠ (حصب). وهو في \"العين\" ٣/ ١٢٣ (حصب) مع اختلاف يسير جدًا.","vol":"15","page":206},{"text":"وقال الفراء: ذكر أن الحصب في لغة اليمن: الحطب. وقال: والحصب في لغة أهل نجد ما رميت به في النار (١).\nوقال الزَّجَّاج: كل ما يرمى به في جهنم حصب (٢).\nوالأصل في هذا ما ذكره ابن قتيبة: ﴿حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾: ما ألقي فيها. وأصله (٣) من قولهم: حَصَبْتُ فلانًا، إذا، رميته أحصبه (٤) حصْبًا -بتسكين الصاد- وما رميت به: حصَب، بفتح الصاد. كما لَقول: نفضت الشجر نفضًا [والنفض بفتح الفاء اسم ما نفضت] (٥) (٦).\nونحو هذا قال الأزهري سواء (٧).\nقال ابن عباس في قوله: ﴿حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ (٨) يريد وقودها (٩).\nوقال مجاهد، وقتادة، وعكرمة: حطبها (١٠).\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢١٢.\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٤٠٦.\n(٣) في \"غريب القرآن\" لابن قتيبة ص ٢٨٨: وأصله من الحصباء، وهي الحصى. يقال: حصبت.\n(٤) \"أحصبه\" مقحمة من كلام الأزهري في \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٢٦٠، وليس من كلام ابن قتيبة.\n(٥) ما بين المعقوفين عند ابن قتيبة ص ٢٣٨٨: وما وقع من ثمرها، نفض. وعند الأزهري ٤/ ٢٦٠: والمنفوض نفض.\n(٦) \"غريب القرآن\" لابن قتيبة ص ٢٨٨ مع حذف وزيادة وتصرّف.\n(٧) انظر: \"تهذيب اللغة\" للأزهري ٤/ ٢٦٠ \"حصب\".\n(٨) (حصب): ساقطة من (د)، (ع).\n(٩) \"الكشف والبيان\" للثعلبي ٣/ ٤٤ أ. وقد رواه الطبري ١٧/ ٩٤ بإسناد حسن عن ابن عباس قال: ﴿حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ شجر جهنم.\n(١٠) \"الكشف والبيان\" للثعلبي ٣/ ٤٤ أعن مجاهد وقتادة وعكرمة. =","vol":"15","page":207},{"text":"وقال الضحاك: يرمون بهم في النار كما يرمى بالحصباء (١).\nوقوله تعالى: ﴿أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ قال ابن عباس: يريد فيها داخلون (٢).\n_________\n= وعن مجاهد رواه الطبري ١٧/ ٩٤، وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٥/ ٦٨٠ وعزاه لعبد بن حميد وابن جرير.\nوعن قتادة رواه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ٢/ ٣٠ والطبري ١٧/ ٩٤.\nوعن عكرمة رواه سفيان الثوري في \"تفسيره\" ص ٢٠٥، والطبري في \"تفسيره\" ١٧/ ٩٤.\nوذكره البخاري في \"صحيحه\" كتاب التفسير، سورة الأنبياء ٨/ ٤٣٥ معلقا، ووصله ابن حجر في \"تغليق التعليق\" ٣/ ٥٠٨ من رواية ابن أبي حاتم في تفسيره من طريق سفيان الثوري. وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٥/ ٦٨٠ عن عكرمة، وعزاه لعبد بن حميد وابن جرير.\n(١) \"الكشف والبيان\" للثعلبي ٣/ ١٤٤ أعن الضحاك بنصّه.\nورواه الطبري ١٧/ ٩٤ بنحوه، وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٥/ ٦٨٠ وعزاه لابن جرير وابن أبي حاتم.\n(٢) قال عبد الرزاق في \"تفسيره\" ٢/ ١١: أنبأنا ابن عيينة، عن عمرو بن دينار قال: أخبرني من سمع ابن عباس يخاصم نافع بن الأزرق، فقال ابن عباس: الورود: الدخول. وقال نافع: لا. قال: فقرأ ابن عباس: (أنكم وما تعبدون من دون الله حصبُ جهنم أنتم لها واردون) وليس في هذه الرواية تسمية من سمع ابن عباس. وقد رواه الطبري ١٧/ ١١١، والمروزي في \"زوائد الزهد\" ص ٤٩٩ من طريق آخر عن مجاهد قال: كنت عند ابن عباس، فجاءه رجل يقال له أبو راشد، وهو نافع بن الأزرق، فقال له: يا ابن عباس أرأيت قول الله ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا ..﴾ الآية. قال: أما أنا وأنت يا أبا راشد فسنردها، فانظر هل تصدر عنها أم لا.\nورواه هناد في \"الزهد\" ١/ ١٦٤ قال: ثنا الحارثي، عن ليث، عن مجاهد قال: سأل نافع ابن الأزرق ابن عباس عن قوله \"وإن منكم إلا واردها\" .. فقال ابن عباس: أما أنا وأنت يا ابن الأزرق فسندخلها، فانظر هل يخرجنا الله منها أم لا. وقال السيوطي في \"الدر المنثور\" ٥/ ٥٣٥. وأخرج عبد الرزاق، وسعيد بن =","vol":"15","page":208},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2664>٩٩ </span>- قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ﴾ يعني الأصنام آلهة كما يزعم الكفار.\n﴿مَا وَرَدُوهَا﴾ يحتمل أن يكون المعنى: ما ورد عابدوها النار. ويحتمل أن يقال: ما وردهم (١) أي: الأصنام النار. والأولى أن يقال: ﴿مَا وَرَدُوهَا﴾ يعني العابدين والمعبودين لقوله: ﴿وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ يعني العابد والمعبود.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2665>١٠٠ </span>- قوله تعالى: ﴿لَهُمْ فِيهَا﴾ في جهنم ﴿زَفِيرٌ﴾. ﴿وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ﴾ قال ابن مسعود -في هذه الآية- \"إذا بقي في النار من يخلد فيها جعلوا في توابيت (٢) من نار، ثم جعلت التَّوابيت في توابيت أخرى، ثم جعلت التوابيت في توابيت أخرى؛ فلا يسمعون شيئا ولا يرى أحد منهم (٣) أن في النار أحدًا (٤) يعذب غيره (٥).\n_________\n= منصور، وهنّاد، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في البعث عن مجاهد قال: خاصم نافع بن الأزرق ابن عباس، فقال ابن عباس: الورود الدخول .. ثم ساق مثل رواية عبد الرزاق.\n(١) في (د)، (ع): (ودوهم). ولعل الصواب: وردوها.\n(٢) (توابيت): جمع تابوت، وهو: الصندوق. \"لسان العرب\" لابن منظور ٢/ ١٧ (تبت).\n(٣) (منهم): ساقطة من (د)، (ع).\n(٤) في (ع): (أحدٌ). وهو خطأ.\n(٥) رواه الطبري ١٧/ ٩٥، والبيهقي في \"البعث والنشور\" ص ٣١٤ من طريق المسعودي، عن يونس بن خباب، عن ابن مسعود، بنحوه.\nوفي سنده علتان: الأولى: المسعودي وهو عبد الرحمن بن عبد الله. وقد اختلط قبل موته- انظر: \"تقريب التهذيب\" ١/ ٤٨٧.\nوالثانية: يونس بن خباب صدوق يخطىء، ولم يسمع من ابن مسعود. انظر: \"تقريب التهذيب\" ٢/ ٣٧٨٤. =","vol":"15","page":209},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2666>١٠١ </span>- قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى﴾ الآية، قال الكلبي: أتى رسول الله -ﷺ- قريشًا، وهم في المسجد مجتمعون، وحول الكعبة ثلاثمائة وستون صنمًا، فتلا عليهم: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ الآيات الثلاث، فشق ذلك عليهم، فأتاهم عبد الله بن الزبعري السهمي، فرآهم قد ظهر ذلك منهم، فقال: مالي أراكم بحال لم أركم (١) عليها قبل أن أفارقكم؟ فقالوا: إنَّ محمدًا يزعم أنَّا وما نعبد في النار، فقال ابن الزبعري: والذي جعلها بيته لو كنت هاهنا لخصمته.\nوقالوا: وهل لك أن نرسل إليه (٢) فتكلمه (٣)؟ قال: نعم. وكان رسول الله -ﷺ- إذا بعثت (٤) إليه قريش أتاهم رجاء أن يسلموا، فبعثوا إليه، فأتاهم، فقال ابن الزبعرى: أرأيت يا محمد ما قلت لقومك آنفًا أخاصٌ أم عام؟\n_________\n= ورواه الطبراني في \"المعجم الكبير\" ٩/ ٢٥٥ من طريق يحيي الحماني، عن قيس بن الربيع، عن يونس بن خباب، عمن حدثه، عن عبد الله بن مسعود فذكره بنحوه. وفيه علتان: الأولى: ما ذكره الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" ٧/ ٦٩ بقوله: وفيه يحيى الحماني، وهو ضعيف.\nوالثانية: جهالة الراوي عن ابن مسعود.\nوقد رواه ابن أبي حاتم كما في \"تفسير ابن كثير\" ٣/ ١٩٧ من طريق المسعودي، عن أبيه، قال: قال ابن مسعود، فذكره بنحوه باختصار. وهو منقطع.\nفالأثر لا يصح عن ابن مسعود -﵁-.\nوقد ذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٥/ ٦٨١ وعزاه لعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وابن أبي الدنيا في صفة النار، والطبراني والبيهقي في البعث.\n(١) في (أ): (أراكم).\n(٢) في (أ): (الله). وهو خطأ.\n(٣) فتكلمه: ساقطة من (د)، (ع). وهي في (أ): (فيكلمه)، والصواب ما أثبتنا.\n(٤) في (أ)، (ع): (بعث).","vol":"15","page":210},{"text":"قال: بل عام، من عبد شيئًا من دون الله فهو وما يعبد في النار. قال: قد خصمتك ورب الكعبة [أليست اليهود تعبد عزيرًا، والنصارى تعبد المسيح، وبنو مليح (١) يعبدون الملائكة؟] (٢) فان كانوا هم ومعبودوهم في النار فما آلهتنا خير من معبوديهم (٣)، فسكت النبي -ﷺ- رجاء أن يأتيه جبريل، ولم يجبهم ساعة، فأنزل الله هذه الآية (٤).\nوروى أن النبي -ﷺ- قال لابن الزبعرى: بل هم يعبدون الشياطين، هي التي أمرتهم بذلك. وأنزل الله هذه الآية (٥).\nوأراد بقوله: ﴿سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى﴾ عزيرًا، وعيسى، والملائكة. وهذا قول يروى عن ابن عباس (٦). وهو قول مجاهد، وسعيد\n_________\n(١) بنو مليح: بطن هن خزاعة، من القحطانية. وهم بنو مليح بن عمرو بن عامر بن لحي. انظر: \"جمهرة أنساب العرب\" لابن حزم ص ٢٣٨، \"معجم قبائل العرب\" لكحالة ٣/ ١١٣٨.\n(٢) ما بين المعقوفين ساقط من (أ).\n(٣) في (أ): (معبودهم).\n(٤) ذكره عن الكلبي: هودُ بن محكّم الهواري.\nوالكلبي متهم بالكذب فلا يعتمد عليه في رواية.\nقال ابن عطية ١/ ٢١٣. ولا مرية أنها مع نزولها في خصوص مقصود تتناول كل من سعد في الآخرة.\n(٥) روى الطبري ١٧/ ٩٧ عن محمد بن حميد قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، فذكره مرفوعًا بنحوه. وإسناده لا يصح لضعف شيخ الطبري محمد بن حميد، ولإرساله.\n(٦) روى الطبري ١٧/ ٩٦ من طريق عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس. وفيه عطاء بن السائب قد اختلط في آخره.\nلكن يشهد له رواه البزار في \"مسنده\" كما في \"كشف الأستار\" ٣/ ٥٩ عنه بلفظ: عيسى بن مريم -﵇- ومن كان معه. قال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" ٧/ ٦٨: رواه =","vol":"15","page":211},{"text":"ابن جبير، وأبي صالح، والضحاك (١)، والسدي.\nوقال آخرون: هذه الآية مستأنفة ليست ترجع بمعناها إلى ما قبلها، وهي عامة في كل من سبقت لهم (٢) من الله السعادة.\nوهذا مذهب أمير المؤمنين علي -﵁- روي أنه قال: أنا منهم، وأبو بكر، وعمر، وعثمان، وطلحة، والزبير، وسعد (٣)، وسعيد (٤)، وعبد الرحمن بن عوف (٥).\n_________\n= البزار، وفيه شرحبيل بن سعد مولى الأنصار وثقه ابن معين وضعفه الجمهور، وبقية رجاله ثقات.\n(١) روى الطبري في \"تفسيره\" ١٧/ ٦٩ - ٩٧ هذا القول عن مجاهد وسعيد وأبي صالح والضحاك.\n(٢) في (أ): (له).\n(٣) هو سعد بن أبي وقاص.\n(٤) هو سعيد بن زيد بن عمرو بن نُفيل، العدوي، القرشي. أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، ومن السابقين الأولين، شهد المشاهد مع رسول الله -ﷺ-، وشهد حصار دمشق وفتحها، فولاه عليها أبو عبيدة بن الجراح. توفي بالعقيق سنة ٥٠ هـ وقيل: ٥١ هـ وحمل إلى المدنية.\n\"الاستيعاب\" ٢/ ٦١٤، \"سير أعلام النبلاء\" ١/ ١٢٤، \"الإصابة\" ٢/ ٤٤.\n(٥) قال الزيلعي في \"تخريج أحاديث الكشاف\" ٢/ ٣٧٢ - ٣٧٤: رواه ابن أبي حاتم، والثعلبي، وابن مردويه في تفاسيرهم، من حديث محمد بن الحسن بن أبي يزيد الهمداني، ثنا ليث -وتصحف في المطبوع إلى ليس- بن أبي سليم، عن ابن عم النعمان بن بشير- وفي المطبوع من \"الدر المنثور\" ٥/ ٦٨١: عن النعمان بن بشير، وهو خطأ- وكان من سمار علي قال: تلا علي .. ثم قال الزلعي بعد سياقه للأثر: انتهى بلفظ الثعلبي لم يذكر فيه سعدًا، ولفظ ابن أبي حاتم: وعبد الرحمن بن عوف أو قال: سعد، شك فيه.\nورواه ابن عدي في الكامل عن داود بن علية الحارثي، عن ليث بن أبي سليم، =","vol":"15","page":212},{"text":"وهذا اختيار أكثر (١) أهل المعاني. قالوا: وقوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ﴾ أراد أوثان قريش، ولو كان عزير وعيسى والملائكة داخلًا تحت الكلام لقيل: ومن تعبدون، ولأن الخطاب (٢) لمشركي مكة وهم كانوا أصحاب أوثان والإشارة بقوله: ﴿لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ﴾ إلى تلك الأصنام التي وقف عليها رسول الله -ﷺ- وكانت حول الكعبة. وقوله لآبن الزبعري هي عامة يعني في ما عبد من دون الله من غير العقلاء، وسكوته عند إلزامه إياه حديث عزير وعيسى إنما كان لإرادة أن يكون الجواب من الله إنْ صح أنه سكت.\n_________\n= به، فذكره، ولم يذكر سعدًا كالثعلبي. أهـ كلام الزيلعي.\nوفي النسخة الموجودة عندي من \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٤٤ ب ذكر سعدًا في الأثر، فلعله سقط من نسخته التي اعتمد عليه.\nوالأثر عند ابن عدي في \"الكامل\" ٣/ ٩٨٦.\nوذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٥/ ٦٨٢ وعزاه لابن أبي حاتم وابن عدي وابن مردويه.\nوهذا الأثر عن علي -﵁- فيه علتان: الأولى: ضعف ليث بن أبي سليم، والثانية: جهالة ابن عم النعمان بن بشير.\nوقد روى ابن أبي شيبة في مصنفه ١٢/ ٥١ - ٥٢، والطبري في \"تفسيره\" ١٧/ ٩٦، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" كما في \"تفسير ابن كثير\" ٣/ ١٩٨ عن محمد بن حاطب قال: سمعت عليًّا يخطب، فقرأ هذه الآية \"إن الذين سبقت .. قال عثمان -﵁- منهم\". ولفظ ابن أبي حاتم: عثمان وأصحابه.\nوذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٥/ ٦٨١ - ٦٨٢ وعزاه لابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير. وإسناده صحيح.\n(١) أكثر: ساقطة من (د)، (ع).\n(٢) في (د)، (ع): (الكلام).","vol":"15","page":213},{"text":"ومعنى قوله: ﴿سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى﴾ قال ابن عباس وعكرمة: يريد الرحمة (١).\nوقال ابن زيد: السعادة من الله لأهلها (٢).\nوروي عن ابن عباس: الحسنى الجنة (٣). وقد سبق من الله للمؤمنين الوعد بها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2667>١٠٢ </span>- قوله تعالى: ﴿لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا﴾ أي: حسها وحركة تلهّبها. والحَسِيسُ والحِسُّ: الحركة (٤).\nوقال الليث: الحِسُّ والحسيس تسمعه من الشيء يمر منك قريبًا ولا تراه، وأنشد في صفة باز (٥):\nترى الطير العتاق يظلن منه ... جنوحا إن سمعن له حسيسا (٦)\n_________\n(١) ذكر ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٥/ ٣٩٣ عن ابن عباس وعكرمة أنهما قالا: الجنة.\n(٢) رواه الطبري ١٧/ ٩٨، وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٥/ ٦٨١ وعزاه لابن مردويه وابن جرير وابن أبي حاتم.\n(٣) ذكره عنه ابن الجوزي كما تقدم. وانظر: \"تنوير المقباس\" ص ٢٠٥.\nوشهد لهذا قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]. والمعاني في تفسير \"الحسنى\" متقاربة.\n(٤) \"تهذيب اللغة\" للأزهري (حسن) بنصّه.\n(٥) قول الليث وإنشاده في \"تهذيب اللغة\" للأزهري ٣/ ٤٠٨ - ٤٠٩ (حس). وهو في كتاب \"العين\" ٣/ ١٦ (حس)، ولم ينسب البيت لأحد.\nوالبيت من غير نسبة أيضًا في \"لسان العرب\" ٢/ ٤٢٨ (جنح)، ٦/ ٥٠ (حسس)، \"تاج العروس\" للزبيدي ٦/ ٣٥٠ \"جنح\"، ١٥/ ٤٥٣٦ (حسس).\n(٦) قول الليث وإنشاده في \"تهذيب اللغة\" للأزهري ٣/ ٤٠٨ - ٤٠٩ (حس). وهو في كتاب \"العين\" ٣/ ١٦ (حس)، ولم ينسب البيت لأحد. =","vol":"15","page":214},{"text":"وقال أبو عبيدة: الحسيس والحس والجَرْس واحد، وهو الصوت الخفي الذي لا (١) يحس (٢).\nوقال ابن عباس: لا يسمعون حسيسها كما يسمع أهلها حسيسها من مسيرة خمسمائة عام.\nوالظاهر أن هذا مطلق لا يسمعون حسيسها أبدًا.\nوقال بعض المفسرين: يعني إذا نزلوا منازلهم من الجنة (٣).\nوعلى هذا كأنهم قبل دخول الجنة يسمعون حسّ النار.\n﴿وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ﴾ قال ابن عباس: يريد في الجنة. ومعنى الشهوة والاشتهاء ذكرنا فيما تقدم (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2668>١٠٣ </span>- قوله تعالى: ﴿لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ﴾ قال سعيد بن\n_________\n= والبيت من غير نسبة أيضًا في \"لسان العرب\" ٢/ ٤٢٨ (جنح)، ٦/ ٥٠ \"حسس\"، \"تاج العروس\" للزبيدي ٦/ ٣٥٠ (جنح)، ١٥/ ٤٥٣٦ (حسس).\n(١) لا: ساقطة من (أ).\n(٢) في \"مجاز القرآن\" ٢/ ٤٢: أي: صوتها، والحس والحسيس واحد.\nلكن قال البخاري في \"صحيحه\" ٨/ ٤٣٥ (فتح) في أول تفسير سورة الأنبياء: .. وقال غيره: .. الحسيس والحس والجرس والهمس واحد. وهو الصوت الخفي. قال ابن حجر في \"فتح الباري\" ٨/ ٤٣٦ شارحًا لقول البخاري \"وقال غيره\": كذا لهم -يريد ابن حجر لرواة الصحيح- وللنسفي -وهو أحد رواه الصحيح- \"وقال معمر\"، ومعمر هذا بالسكون هو أبو عبيدة معمر بن المثنى اللغوي، وقد أكثر البخاري نقل كلامه، فتارة يصرّح باسمه وتارة يبهمه.\n(٣) قال الطبري والثعلبي. انظر: \"الطبري\" ١٧/ ٩٨ و\"الكشف والبيان\" للثعلبي ٣/ ٤٤ ب.\n(٤) انظر: \"البسيط\" عند قوله تعالي: ﴿إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ [الأعراف: ٨١].","vol":"15","page":215},{"text":"جبير، والضحاك، والكلبي، والثوري (١): إطباق جهنم [على أهلها الفزع الأكبر] (٢).\nوقال الحسن: هو أن يؤمر (٣) بالعبد إلى النار (٤).\nوقال ابن جريج: هو ذبح الموت بين الفريقين (٥).\nوقال ابن عباس: هو النفخة الأخيرة (٦).\n_________\n(١) ذكره الثعلبي في \"الكشف والبيان\" ٣/ ٤٤ ب عن ابن جبير والضحاك. ورواه الطبري في \"تفسيره\" ١٧/ ٩٨، وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٥/ ٦٨٢، وعزاه لعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم.\nورواه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٠ عن الكلبي.\n(٢) ما بين المعقوفين ساقط من (د)، (ع).\n(٣) عند الطبري والثعلبي: حين يؤمر.\n(٤) \"الكشف والبيان\" للثعلبي ٣/ ٤٤ ب. ورواه الطبري ١٧/ ٩٩، وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٥/ ٦٨٢ وعزاه لابن جرير وابن أبي حاتم.\n(٥) رواه الطبري ١٧/ ٩٩. وانظر: \"الكشف والبيان\" للثعلبي ٣/ ٤٤ ب.\n(٦) \"الكشف والبيان\" للثعلبي ٣/ ٤٤ ب. ورواه الطبري ١٧/ ٩٩ من رواية العوفي، وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٥/ ٦٨٢ وعزاه لابن جرير وابن أبي حاتم. واختار الطبري هذا القول وقال: وذلك أن من لم يحزنه ذلك الفزع الأكبر وأمن منه، فهو مما بعده أحرى أن لا يفزع، وأن من أفزعه ذلك فغير مأمون عليه الفزع مما بعده.\nواستدل الثعلبي في \"الكشف\" ٣/ ٤٤ ب لهذا القول بقوله ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ ..﴾ [النمل: ٨٧].\nوقال ابن الجوزي ٥/ ٥٩٤: ويدل على صحة هذا الوجه قوله تعالى: ﴿وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾.\nوذهب ابن عطية -﵀- إلى أن الفزع الأكبر عام من غير تخصيص بشيء، فقال في المحرر ١٠/ ٢١٢: والفزع الأكبر عام في كل هول يكون في يوم القيامة، فكأن يوم القيامة بجملته هو الفزع الأكبر، وإن خُصِّص شيء من ذلك فيجب أن =","vol":"15","page":216},{"text":"وهذا (١) كمما قال في رواية عطاء، يريد البعث. يعني أنهم لا يحزنون للبعث كما يحزن غيرهم ممن يعلم أنه يصير إلى النار.\nقوله تعالى ﴿وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾: تستقبلهم ملائكة الرحمة. قال ابن عباس: وذلك عند خروجهم من القبور (٢).\nومعنى التلقي: التعرض (٣) للقاء الشيء، والمُسْتَقْبِلُ متعرض للقاء مُستَقْبَلَه (٤).\n﴿هَذَا يَوْمُكُمُ﴾ أي يقولون لهم (٥) (هذا (٦) يومكم الذي كنتم توعدون) أي: توعدونه في الدنيا.\n_________\n= يقصد الأعظم هو له.\nثم ذكر ابن عطية الأقوال المخصصة لذلك الفزع، ثم قال:\nوهذا -يعني قول من قال: هو وقت النفخة الآخرة- وما قبله أشبه أن يكون فيها الفزع؛ لأنها وقت لرجم الظنون وتعرّض الحوادث، فأما وقت ذبح الموت ووقوع طبق جهنّم فوقت قد حصل فيه أهل الجنّة في الجنّة، فذلك فزع بين أنه لا يصيب أحدًا من أهل الجنة فضلًا عن الأنبياء، اللهم إلا أن يريد: لا يحزنهم الشيء الذي هو عند أهل النار فزعٌ أكبر، فأمّا إن كان فزعًا للجميع فلا بدّ مما قلنا من أنه قبل دخول الجنة. أهـ.\n(١) (وهذا). ساقطة من (أ).\n(٢) ذكره القرطبي ١١/ ٣٤٦ وأبو حيان في البحر ٦/ ٣٤٢ عن ابن عباس.\nوذكره ابن كثير ٣/ ١٩٩ مقتصرًا عليه من غير نسبة.\nوقيل إنّ هذا التلقي قبل دخول الجنة رواه الطبري ١٧/ ٩٩ عن ابن زيد، فالملائكة تستقبلهم على أبواب الجنة، يهنئونهم يقولون \"هذا ...)\n(٣) في (أ): (التعريض).\n(٤) انظر (لقا) في \"تهذيب اللغة\" ٩/ ٢٩٨، \"الصحاح\" ٦/ ٢٤٨٤، \"لسان العرب\" ١٥/ ٢٥٦.\n(٥) (لهم): زيادة من (أ).\n(٦) (هذا): ساقطة من (أ).","vol":"15","page":217},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2669>١٠٤ </span>- قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ﴾ أي: لا يحزنهم الفزع الأكبر يوم نطوي السَّماء. وهذا يدل على أنَّ المراد بالفزع الأكبر البعث؛ لأنّه يقع في ذلك اليوم.\nوقال أبو علي: ﴿يَوْمَ نَطْوِي﴾ يكون في انتصابه وجهان: أحدهما: أن يكون بدلًا من الهاء المحذوفة من الصلة، ألا ترى أن المعنى: هذا يومكم الذي كنتم (١) توعدونه. والآخر: أن يكون منتصبًا بـ\"نعيده\" (٢).\nوقوله تعالى: ﴿كَطَيِّ السِّجِلِّ﴾ اختلفوا في معنى ﴿السِّجِلِّ﴾:\nفقال ابن عباس -في رواية عطاء-: يريد ملَكًا يقال له السجل (٣)، وهو الذي يطوي كتب بني آدم إذا رفعت إليه (٤).\nوهذا قول السدي، قال: السجل: ملك موكل بالصحف، فإذا مات الإنْسان دُفع كتابه إلى السجل (٥) فطواه ورفعه إلى يوم القيامة (٦).\n_________\n(١) كنتم: ساقطة من (د)، (ع).\n(٢) \"الحجة\" لأبي علي الفارسي ٥/ ٢٦٣.\nوجوز أبو حيان ٦/ ٣٤٢، وتبعه السمين الحلبي ٨/ ٢٠٨ أن يكون \"يوم\" منصوبًا بـ\"لا يحزنهم\" و\"تتلقاهم\"، أو يكون منصوبًا بإضمار أذكر أو أعني.\n(٣) في (أ): (سجل).\n(٤) ذكره عن ابن عباس: الرازي ٢٢/ ٢٢٨، والقرطبي ١١/ ٣٤٧، وأبو حيان ٦/ ٣٤٣. ورواية عطاء عن ابن عباس هذه باطلة، وقد تقدم الكلام فيها.\n(٥) في جميع النسخ: (سجل)، والتصحيح من تفسير ابن كثير \"الدر المنثور\".\n(٦) رواه عن السدي بهذا اللفظ ابن أبي حاتم كما في \"تفسير ابن كثير\" ٣/ ٢٠٠، و\"الدر المنثور\" ٥/ ٦٨٣.\nورواه سفيان الثوري في \"تفسيره\" ص ٢٠٦، والطبري ١٧/ ١٠٠ عن السدي مختصرًا، بلفظ: (السجل) ملك.","vol":"15","page":218},{"text":"وهذا القول مروي عن ابن عمر أيضًا (١).\nوقال (٢) في رواية أبي الجوزاء، وعكرمة: السجل كاتب كان لرسول الله -ﷺ- (٣).\n_________\n(١) رواه الطبري ١٧/ ٩٩، وابن أبي حاتم كما في \"تفسير ابن كثير\" ٣/ ٢٠٠، و\"الدر المنثور\" للسيوطي ٥/ ٦٨٣ من طريق يحيى بن يمان، قال: حدثنا أبو الوفاء الأشجعي، عن أبيه، عن ابن عمر قال: السجل ملك، فإذا صعد بالاستغفار قال: اكتبها نورًا.\n(٢) يعني ابن عباس.\n(٣) رواه أبو داود في \"سننه\" (كتاب الخراج والإمارة والفيء- باب اتخاذ الكاتب ٨/ ١٥٤، والنسائي في التفسير ٢/ ٧٤، والطبري في تفسيره ١٧/ ١٠٠، وابن أبي حاتم في تفسيره (كما في \"تفسير ابن كثير\" ٣/ ٢٠٠، والبيهقي في \"سننه\" ١٠/ ١٢٦ كلهم من طريق يزيد بن كعب. عن عمرو بن مالك، عن أبي الجوزاء، عن ابن عباس، به.\nوفي سنده يزيد بن كعب وهو العوذي قال الذهبي في \"الميزان\" ٤/ ٣٤٨: لا يدري من ذا أصلًا. وقال ابن حجر في التقريب ٢/ ٣٧٠: مجهول.\nوعمرو بن مالك وهو النكري قال عنه ابن حجر في \"التقريب\" ٢/ ٤٢٦: صدوق له أوهام.\nوقد تابع يزيد بن كعب يحيى بن عمرو بن مالك فرواه عن أبيه، عن أبي الجوزاء، عن ابن عباس به.\nورواه من هذا الوجه الطبراني في \"المعجم الكبير\" ١٢/ ١٧٠، وابن عدي في \"الكامل\" ٧/ ٢٦٦٢، والبيهقي في \"سننه\" ١٠/ ١٢٦.\nلكن قال ابن كثير في \"البداية والنهاية\" ٥/ ٣٤٨ - بعد ذكره لهذه المتابعة-: ويحيى هذا ضعيف جدًّا، فلا يصلح للمتابعة.\nوذكر ابن كثير في \"تفسيره\" ٣/ ٢٠٠ وفي \"البداية والنهاية\" ٥/ ٣٤٨ عن ابن عمر شاهدًا لهذا الأثر رواه الخطب البغدادي في \"تاريخه\" ٨/ ١٧٥ من حديث حمدان ابن سعيد، عن عبد الله بن نمير، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع عن ابن عمر =","vol":"15","page":219},{"text":"قال أستاذنا أبو إسحاق (١) -﵀-: هذا قول غير قوي؛ لأن كُتّاب رسول الله -ﷺ- كانوا معروفين، ليس (٢) يعرف فيهم من يسمى بهذا الاسم (٣).\nقال الزجاج: وقيل: السجل بلغة الحبش الرَّجُل (٤). وعلى هذه\n_________\n= قال: كان للنبيﷺ- كاتب يقال له سجل، فأنزل الله ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ﴾. ثم قال ابن كثير في \"تفسيره\": وهذا منكر جدًّا من حديث نافع عن ابن عمر لا يصح أصلًا، وكذلك ما تقدم عن ابن عباس -من رواية أبي داود وغيره- لا يصح أيضًا، وقد صرح جماعة من الحفاظ بوضعه -وإن كان في سنن أبي داود- منهم شيخنا الحافظ الكبير أبو الحجاج المزي.\nوقال في \"البداية والنهاية\" ٥/ ٣٤٧: وعرضت هذا الحديث -يعني حديث ابن عباس- على شيخنا الحافظ الكبير أبي الحجاج المزي فأنكره جدًا، وأخبرته أن شيخنا العلامة أبا العباس بن تيمية كان يقول: هو حديث موضوع وإن كان في سنن أبي داود، فقال شيخنا المزي: وأنا أقوله.\nوقال ابن القيم في تعليقه على (\"سنن أبي داود\" ٨/ ١٥٤ حاشية عون المعبود): (سمعت شيخنا أبا العباس بن تيمية يقول: هذا الحديث موضوع، ولا يعرف لرسول الله -ﷺ- كاتبٌ اسمه السجل قط. أهـ.\nأما رواية عكرمة عن ابن عباس فقد ذكرها الثعلبي في \"الكشف والبيان\" ٣/ ٤٥ أ.\n(١) هو أبو إسحاق، أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي، النيسابوري. صاحب التفسير الكبير المسمى بـ\"الكشف والبيان\".\n(٢) في (د)، (ع): (ولم).\n(٣) \"الكشف والبيان\" للثعلبي ٣/ ٤٥ أإلى قوله: معروفين. ولم أجد في \"تفسيره\" قوله. وليس ..\nوأصل الكلام للطبري -﵀- في \"تفسيره\" ١٧/ ١٠٠.\nقال ابن كثير في تفسيره ٣/ ٢٠٠: وقد تصدى الإمام أبو جعفر بن جرير للإنكار على هذا الحديث ورده أتم رد، قال: لا يعرف في الصحابة أحد اسمه السجل، وكتاب النبي -ﷺ- معورفون، وليس فيهم أحد اسمه السجل. وصدق ﵀ في ذلك، وهو من أقوى الأدلة على نكارة هذا الحديث.\n(٤) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٤٠٦.","vol":"15","page":220},{"text":"الأقوال لا يعرف السجل اشتقاق.\nوقال مجاهد: السجل: الصحيفة التي فيها الكتاب. يعني المكتوب (١).\nوهذا اختيار (٢) الفراء (٣) وابن قتيبة (٤)، وهو الذي يعرفه أهل اللغة من معنى السجل (٥). وهو قول الكلبي في روايته عن ابن عباس (٦) (٧).\nوقال قتادة: كطي الصحيفة فيها الكتب (٨).\nوأصله في المساجلة، والمساجلة مأخوذ (٩) من السِّجل، وهو الدلو\n_________\n(١) رواه الفريابي في \"تفسيره\" (كما في \"تغليق التعليق\" ٤/ ٢٥٩)، والطبري ١٧/ ١٠٠ عن مجاهد مختصرًا، بلفظ: السجل: الصحيفة.\nوذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٥/ ٦٨٤ وعزاه لعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وهو في \"تفسير مجاهد\" ١/ ٤١٧ بمثل رواية الفريابي وغيره.\n(٢) في (د)، (ع): (واختار هذا).\n(٣) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢١٣.\n(٤) انظر: \"غريب القرآن\" لابن قتيبة (ص ٢٨٨).\n(٥) هذا قول الطبري في \"تفسيره\" ١٧/ ١٠٠.\n(٦) في (أ): (في رواية ابن عباس)، وهو خطأ.\n(٧) لم أجده من رواية الكلبي عن ابن عباس، وروى الطبري ١٧/ ١٠٠ هذا القول عن ابن عباس من رواية علي بن أبي طلحة الوالبي، والعوفي.\nقال ابن كثير في \"تفسيره\" ٣/ ٢٠٠: والصحيح عن ابن عباس أن السجل هي الصحيفة. قاله علي بن أبي طلحة والعوفي عنه، ونص على ذلك مجاهد وقتادة وغير واحد. واختاره ابن جرير؛ لأنه المعروف في اللغة، فعلى هذا يكون معنى الكلام: يوم نطوي السماء كطي السجل للكتاب، أي: على الكتاب بمعنى المكتوب، كقوله ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ [الصافات: ١٠٣] أي: على الجبين، وله نظائر في اللغة.\n(٨) ذكره عنه ابن كثير ٣/ ٢٠٠.\n(٩) في المطبوع من \"تهذيب اللغة\" ١٠/ ٥٨٧، و\"اللسان\" ١١/ ٣٢٥: مأخوذة. =","vol":"15","page":221},{"text":"مَتْلأى ماء.\nوالرجلان يستقيان بالسجل فيكون لكل واحد منهما سجل. هذا هو الأصل، ثم قيل لكل أمر بين اثنين يكون (١) لهذا مرَّة ولهذا (٢) مرة: هو بينهما سجال: ومساجلة، ومنه قول اللهبي (٣):\nمن يساجلني يساجلْ ماجدًا ... يملأ الدلو إلى عَقْدَ الكَرَبْ (٤) (٥).\n_________\n= وأشار محقق \"تهذيب اللغة\" في الحاشية أنَّ في الأصل: \"مأخوذ\".\n(١) (يكون): ساقطة من (ع).\n(٢) في (أ): (ولذلك).\n(٣) هو الفضل بن العباس بن عتبة بن أبي لهب، القرشي. يقال له الذهبي نسبة إلى أبي لهب.\nشاعر من فصحاء بني هاشم، كان معاصرًا للأحوص والفرزدق، وله معهما أخبار. ومدح عبد الملك بن مروان، وهو أول هاشمي يمدح أمويًّا. توفي في خلافة الوليد ابن عبد الملك.\n\"معجم الشعراء\" للمرزباني ١٧٨، \"المؤتلف\" للآمدي ص ٣٥، \"الأعلام\" للزركلي ٥/ ١٥٠.\n(٤) في (أ): (الكذب)، وهو خطأ.\n(٥) البيت للهبي يقوله مفتخرا، وهو منسوب له في: \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ٢/ ٢٢٩، \"والمعاني الكبير\" لابن قتيبة ٢/ ٧٩٥، و\"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٧١، والطبري ١٢/ ٩٤، و\"الكامل\" للمبرد ١/ ١١٠، و\"تهذيب اللغة\" للأزهري ١٠/ ٥٨٦ \"سجل\"، و\"لسان العرب\" ١١/ ٣٢٦ (سجل).\nوالكرب: هو الحبل الذي يشد على الدلو. \"لسان العرب\" لابن منظور ١/ ٧١٤ \"كرب\".\nوالكلام الذي ذكره الواحدي هنا مع البيت منقولٌ من مواضع متفرقة من \"تهذيب اللغة\" للأزهري ١٠/ ٥٨٤ - ٥٨٨ \"سجل\".\nوانظر: \"الكشف والبيان\" للثعلبي ٣/ ٤٥ أ.","vol":"15","page":222},{"text":"ثم قيل للمكاتبة: مساجلة؛ لأنَّ المبتدئ يكتب مرة والمجيب أخرى، ولما قيل للكاتبة مساجلة قيل للكتاب: سِجل، وسَجَّل أي: كتب السجل.\nهذه أربعة أقوال في السجل. وعلى الأقوال الثلاثة المتقدمة (١) قوله: ﴿كَطَيِّ السِّجِلِّ﴾ المصدر مضاف إلى الفاعل، والمراد بالكتاب وبالكتب علي اختلاف القراءتين (٢): الصحائف كما تقول: كطي زيد الكتب، ومن أفرد فإنه واحد يراد به الكثرة. وتكود اللام (٣) في (للكتاب) زائدة كالتي في: ﴿رَدِفَ لَكُم﴾ [النمل: ٧٢]. هذا كلام أبي علي (٤).\nوعلى القول الرابع (٥) المصدر مضاف إلى المفعول، والفاعل (٦) محذوف عن (٧) اللفظ كقوله: ﴿بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ﴾ [ص: ٢٤] والتقدير: كطي الطاوي السجل، فحذف الطاوي وأضيف المصدر إلى المفعول، كما أن المعنى في سؤال نعجتك: بسؤاله نعجتك. وقوله تعالى: ﴿لِلْكُتُبِ﴾ أي: لدرج (٨) الكتب، فحذف المضاف، والمراد بالكتب والكتاب: المكتوب. هذا كله قول أبي علي (٩).\n_________\n(١) يعني أن السجل ملك، أو كتاب النبي -ﷺ-، أو الرجل بلغة الحبشة.\n(٢) قرأ حمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم: \"للكُتُب\" على الجمع والكاف والتاء مضمومتان وقرأ الباقون \"للكتاب\" على التوحيد.\n\"السبعة\" ص ٤٣١، \"التَّبْصرة\" ص ٢٦٤، \"التيسير\" ص ١٥٥.\n(٣) اللام: ساقطة من (أ).\n(٤) \"الحجة\" لأبي علي الفارسي ٥/ ٢٦٤.\nوانظر: \"حجّة القراءات\" لابن زنجلة ص٤٧٠ - ٤٧١، ٢/ ١١٤ - ١١٥.\n(٥) يعني أن السجل: الصحيفة.\n(٦) (والفاعل): ساقط من (د)، (ع).\n(٧) في \"الحجة\" ٥/ ٢٦٤: من.\n(٨) درج الكتاب: طيه وداخله. \"تاج العروس\" للزبيدي ٥/ ٥٥٦ (درج).\n(٩) \"الحجة\" لأبي علي الفارسي ٥/ ٢٦٤ مع تصرف.","vol":"15","page":223},{"text":"وقال المبرد: يجوز أن يكون الكتاب بدلًا من السجل، كأنه قيل: كطي الكتاب (١)، واللام مؤكدة. هذا كلامه (٢).\nويجوز تقدير آخر وهو أن (٣) السجل يكون بمنزلة الفاعل لما كان بانطوائه ينطوي المكتوب فيه، جعل كأنه يطوي الكتاب.\nوتم الكلام (٤)، ثم قال: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ (٥) وفيه ثلاثة أقوال:\nأحدها: كما بدأناهم في بطون أمهاتهم (٦) حفاة عراة غُرلًا (٧)، كذلك نعيدهم يوم القيامة.\nروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: قام فينا رسول الله -ﷺ- خطيبًا (٨) بموعظة (٩)، فقال: \"إنَّكم مَحشورون حفاة عراة كما\n_________\n(١) في (د)، (ع): (السجل)، وهو خطأ.\n(٢) لم أجده.\n(٣) (أنّ): ساقطة من (د)، (ع).\n(٤) في (أ): (الكتاب)، وهو خطأ.\n(٥) هذا قول الفراء ٢/ ٢١٣، والطبري ١٧/ ١٠١، والزجاج ٢/ ٤٠٦. والمعنى أن الكلام انقطع عند قوله \"للكتب\" ثم ابتدأ الخبر عما الله فاعل بخلقه يومئذٍ، فقال: كما بدأنا أول خلق نعيده.\nوقيل: إن الله تعالى لما قال \"وتتلقاهم الملائكة .. \" الآية، عقبه بقوله \"يوم نطوي السماء .. \" فوصف اليوم بذلك، ثم وصفه بوصف آخر فقال \"كما بدأنا أول خلق نعيده\". انظر: \"الرازي\" ٢٢/ ٢٢٨.\n(٦) في (أ): (أمهاتكم).\n(٧) (غرلا): جمع أغرل، وهو الأقلف الذي لم يختن. الفائق في \"غريب الحديث\" للزمخشري ١/ ١٣٧، \"غريب الحديث\" لابن الجوزي ٢/ ١٥٤.\n(٨) (خطيبًا): ساقطة من (أ).\n(٩) (بموعظة): ساقطة من (د)، (ع).","vol":"15","page":224},{"text":"بدأكم (١) أول خلق نعيده\" (٢)\nونحو هذا روت عائشة عن رسول الله -ﷺ- (٣).\nالقول الثاني: ما ذكره الفراء والزجاج، قال الفراء: ثم استأنف فقال: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ أي: نعيد الخلق كما بدأناهم (٤).\nوقال الزجاج: نبعث الخلق كما ابتدأناه، أي: قدرتنا على الابتداء (٥).\nوقال أبو علي: المعنى نعيد الخلق إعادة كابتدائه، أي كابتداء الخلق والخلق هاهنا اسم الحدث لا الذي يراد به المخلوق (٦).\nالقول الثالث: ما روي عن ابن عباس أنه قال: نهلك كل شيء كما كان أول مرة (٧). وهذا معنى قوله في رواية عطاء.\nوعلى هذا المعنى: كما بدأنا أول خلق نعيده إلى الفناء والهلاك. وعلى هذا ليس الكلام بمستأنف بل هو متصل بالأول يقول: نطوي السماء ثم نعيده (٨) إلى الفناء. قال ابن عباس: كما بدأ خلقها ثم يذهب فلا يكون شيء.\n_________\n(١) هكذا في جمغ النسخ. وفي مصادر التخريج: بدأنا.\n(٢) رواه الإمام أحمد في \"مسنده\" ٣/ ٣٥١ تحقيق شاكر، والبخاري في \"صحيحه\" كتاب التفسير -تفسير سورة الأنبياء ٨/ ٤٣٧، ومسلم في \"صحيحه\" ٤١/ ٢١٩٤ من طريق سعيد بن جبير، عن ابن عباس بألفاظ مقاربة.\n(٣) رواه الطبري في \"تفسيره\" ١٧/ ١٠٢، وصححه القرطبي ١١/ ٣٤٨.\n(٤) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢١٣.\n(٥) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٤٠٦. وفيه: كما ابتدأناهم.\n(٦) \"الحجة\" لأبي علي الفارسي ٥/ ٢٦٣. مع اختلاف يسير.\n(٧) رواه الطبرى في \"تفسيره\" ١٧/ ١٠٢ من رواية العوفي، عنه.\n(٨) في (أ): (ونعيده).","vol":"15","page":225},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَعْدًا عَلَيْنَا﴾ قال الزجاج: منصوب على المصدر؛ لأن قوله: ﴿نُعِيدُهُ﴾ بمعنى وعدنا هذا وعدا (١).\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ قال ابن عباس: يريد الفعل بعينه.\nومعنى هذا ما ذكره الزجاج: أي قادرين على فعل ما نشاء (٢).\nوقال الآخرون (٣): يعني البدء والإعادة. والمعنى إنا كنا فاعلين (٤) ما وعدناكم من ذلك والموعود هو الإعادة.\n\n١٠٥ - قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ﴾ الزبور: جميع (٥) الكتب المنزلة من السماء، والمراد بالذكر أم الكتاب الذي عند الله.\nهذا قول سعيد بن جبير، ومجاهد، وابن زيد (٦)، واختيار أبي إسحاق، قال: الزبور جميع الكتب: التوراة والإنجيل والقرآن (٧)، زبور\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٤٠٦. وانظر: \"البحر المحيط\" ٦/ ٣٤٤، \"الدر المصون\" ٨/ ٢١٣.\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٤٠٧.\n(٣) هذا قول الطبري ١٧/ ١٠٢، والثعلبي في \"الكشف والبيان\" ٣/ ٤٥ ب.\n(٤) عند الطبري ١٧/ ١٠٢: إنا كنا فاعلي.\n(٥) في (د)، (ع): (جمع)، وهو خطأ.\n(٦) ذكره الثعلبي في \"الكشف والبيان\" ٣/ ٤٥ ب عن ابن جبير ومجاهد وابن زيد. ورواه عن سعيد بن جبير سفيان في \"تفسيره\" ص ٢٠٦، وسعيد بن منصور في \"تفسيره\" ل ١٥٥ أ، وهناد في \"الزهد\" ١/ ١٢٣، والطبري في \"تفسيره\" ١٧/ ١٠٣، وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٥/ ٦٨٥ وعزاه لهناد وعبد بن حميد وابن جرير.\nورواه عن مجاهد الطبري ١٧/ ١٠٣، وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٥/ ٦٨٥ وعزاه لعبد بن حميد وابن جرير. ورواه عن ابن زيد الطبري ١٧/ ١٠٣.\n(٧) في المطبوع من المعاني: الفرقان.","vol":"15","page":226},{"text":"لأنّ الزبور والكتاب في معنى واحد، يقال: زبرت وكتبت، والمعنى: ولقد كتبنا في الكتب من بعد ذكرنا في السماء (١).\nقال ابن عباس في رواية الكلبي، والضحاك، والسدي: الذكر: التوراة، والزبور: الكتب المنزلة بعد التوراة (٢).\nوقال في رواية عطاء: يريد زبور داود من بعد التوراة. وهذا قول عامر الشعبي (٣).\nوالمختار قول سعيد لأنَّه الأجمع (٤)، وتأويل الكلام: لقد حكمنا فأثبتنا حكمنا في الكتب من بعد أم الكتاب.\n﴿أَنَّ الْأَرْضَ﴾ يعني أرض الجنة. قاله ابن عباس -في رواية عطاء- ومجاهد والسدي، وأبو صالحِ، وأبو العالية، وسعيد بن جبير، وابن زيد (٥)، واحتجوا بقوله: ﴿وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ﴾ [الزمر: ٧٤] الآية، ﴿يَرِثُهَا\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٤٠٧.\n(٢) ذكره الثعلبي في \"الكشف والبيان\" ٣/ ٤٥ ب عن ابن عباس والضحاك. ورواه الطبري في \"تفسيره\" ١٧/ ١٠٣ عن ابن عباس من طريق العوفي. ورواه عن الضحاك أيضًا ١٧/ ١٠٣. ورواه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٠ عن الكلبي.\n(٣) رواه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" ١٠/ ٥٥٥، والطبري في \"تفسيره\" ١٧/ ١٠٣، والحاكم في \"مستدركه\" ٢/ ٥٨٧، وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٥/ ٦٨٦ وعزاه لابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم.\n(٤) وهو اختيار الطبري في \"تفسيره\" ١٧/ ١٠٤، وما نقله الواحدي بعد ذلك من قوله: وتأويل الكلام. هو كلام الطبري ﵀.\n(٥) رواه الطبري في \"تفسيره\" ١٧/ ١٠٤ من طريق مجاهد عن ابن عباس، وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٥/ ٦٨٧ وعزاه للفريابي وابن جرير وابن أبي حاتم. =","vol":"15","page":227},{"text":"عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ قالوا: المؤمنون العاملون بطاعة الله (١).\nوروي عن ابن عباس أنه قال: يعني الدنيا تصير للمؤمنين من هذه الأمة، وهذا حكم من الله -﷿- بإظهار الدين وقهر الكافرين (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2671>١٠٦ </span>- قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي هَذَا﴾ يعني القرآن في قول الجميع (٣). ﴿لَبَلَاغًا﴾ لكفاية. يقال: في هذا الشيء بلاغٌ وبُلْغةٌ وتَبَلُّغ (٤)، أي: كفاية (٥).\nوالبلوغ: الوصول، والبلاغ: سبب الوصول، وهو ما يوصل به إلى\n_________\n= وروى الطبري ١٧/ ١٠٤ - ١٠٥ هذا القول عن سعيد بن جبير وأبي العالية ومجاهد وابن زيد.\nوذكر ابن كثير في \"تفسيره\" ٣/ ٢٠١ هذا القول عن أبي العالية ومجاهد وسعيد بن جبير والسدي وأبي صالح وغيرهم.\n(١) انظر: \"الطبري\" ١٧/ ١٠٤ - ١٠٥، و\"تفسير ابن كثير\" ٣/ ٢٠١، و\"الدر المنثور\" ٥/ ٦٨٦ - ٦٨٧.\n(٢) ذكره الثعلبي في \"الكشف والبيان\" ٣/ ٤٥ ب عن ابن عباس بهذا النّصّ. وقد ذكر الشنقيطي -﵀- في \"أضواء البيان\" ٤/ ٦٩٣ أن القولين كليهما حق داخل في الآية ويشهد لكل منهما قرآن. واستشهد للأول -أنها أرض الجنة- ما استشهد به الواحدي، واستشهد للثاني بآيات منها قوله تعالى \"وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأرضًا\" [الأحزاب: ٢٧]، وقوله تعالى ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ [النور: ٥٥] وغيرها من الآيات.\n(٣) انظر \"الطبري\" ١٧/ ١٠٥، الثعلبي ٣/ ٤٥ ب.\nوقيل: الإشارة في قوله ﴿إِنَّ فِي هَذَا﴾ أي: المذكور في هذه السورة من الأخبار والوعد والوعيد والمواعظ البالغة. انظر \"القرطبي\" ١١/ ٣٤٩، \"البحر المحيط\" ٦/ ٣٤٤.\n(٤) في (د)، (ع): (تبليغ).\n(٥) \"تهذيب اللغة\" للأزهري ٨/ ١٣٩ \"بلغ\" منسوبًا إلى الليث.","vol":"15","page":228},{"text":"الشيء كبلاغ المسافر (١).\nوالمعنى: أن من اتبع القرآن وعمل به كان القرآن بلاغه إلى الجنة (٢).\nقوله تعالى: ﴿لِقَوْمٍ عَابِدِينَ﴾ قال ابن عباس: مطيعين (٣).\nوقال كعب: هم أمة محمد -ﷺ- الذين يصلون الصلوات الخمس ويصومون شهر رمضان سماهم الله ﷾ عابدين (٤).\nوذكر (٥) بعضهم: البلاغ في هذه الآية بمعني التبليغ، على معنى: إنّ في القرآن تبليغًا من الله إلى خلقه، فلا يبقى لأحد بعده عذر. وهذا بعيد؛ لتخصيص العابدين بالذكر، ولأنه قال \"بلاغًا لقوم\" فوجب أن يكون البلاغ لهم، ولو كان بمعنى التبليغ لم يوصل باللام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2672>١٠٧ </span>- قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ قال ابن عباس: في رواية عطاء: يريد للبر والفاجر؛ لأن كل نبي غير محمد -ﷺ- إذا كُذِّب أهلك الله من كذَّبه، ومحمد أُخر من كذّبه إلى موت أو قيامة، والذي صدقه عُجلت له الرحمة في الدنيا والآخرة.\n_________\n(١) انظر: \"الصحاح\" ٤/ ١٣١٦ \"بلغ\"، \"لسان العرب\" ٨/ ٤١٩، \"القاموس المحيط\" ٣/ ١٠٣.\n(٢) انظر: \"الطبري\" ١٧/ ١٠٥، \"الكشف والبيان \" للثعلبي ٣/ ٤٥ ب.\n(٣) ذكره القرطبي ١١/ ٣٤٩ عن ابن عباس، وذكره الماوردي ٣/ ٤٧٥ من غير نسبة. وقد روى الطبري ١٧/ ١٠٦ من طريق ابن أبي طلحة، عن ابن عباس قال: عالمين. وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٥/ ٦٨٦ وزاد نسبته لابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(٤) ذكره بهذا اللفظ عن كعب: الثعلبيُ في \"الكشف والبيان\" ٣/ ٤٥ ب. وقد رواه الطبري ١٧/ ١٠٥ - ١٠٦ عنه بنحوه مفرَّقَا.\nقال ابن كثير -﵀- في \"تفسيره\" ٣/ ٢٠١: \"لقوم عابدين\" وهم الذين عبدوا الله بما شرعه وأحجه ورضيه، وآثروا طاعة الله على طاعة الشيطان وشهوات أنفسهم.\n(٥) في (د)، (ع): (وذكرهم)، وهو خطأ.","vol":"15","page":229},{"text":"وقال في رواية سعيد بن جبير: تمت الرحمة لمن آمن به (١)، ومن (٢) لم يؤمن عوفي مما أصاب الأمم قبلنا من المسخ (٣) والخسف والقذف (٤).\nوقال الكلبي: يعني الجن والإنس. وقال ابن زيد: يعني المؤمنين خاصة (٥).\n_________\n(١) به: ساقطة من (د)، (ع).\n(٢) في (د)، (ع): (ولمن)، وهو خطأ.\n(٣) المسخ: تحويل خلق إلى صورة أخرى. \"لسان العرب\" ٣/ ٥٥ (مسخ).\n(٤) رواه الطبري ١٧/ ١٠٦، وابن أبي حاتم (كما في \"تفسير ابن كثير\" ٣/ ٢٠٢) من طريق المسعودي، عن سعيد بن المرزبان البقال، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، بنحوه.\nورواه الطبري في \"المعجم الكبير\" ١٢/ ٢٣ من طريق أيوب بن سويد، عن المسعودي، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، بنحوه. قال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" ٧/ ٦٩: رواه الطبراني، وفيه: أيوب بن سويد، وهو ضعيف جدًّا وقد وثقه ابن حبان بشروط فيمن يروى عنه وقال: إنه كثير الخطأ، والمسعودي قد اختلط.\nوقد ذكر هذا الأثر عن ابن عباس السيوطي في \"الدر المنثور\" ٥/ ٦٨٧ وعزاه لابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه والطبراني والبيهقي في \"الدلائل\".\n(٥) \"الكشف والبيان\" للثعلبي ٣/ ٤٥ ب. ورواه الطبري ١٧/ ١٠٦ بنحوه واختار الطبري ١٧/ ١٠٦ العموم.\nفإن قيل: الكفار لم يرحموا به، فالجواب من وجهين:\nالأول: ما ذكره الطبري ١٧/ ١٠٦ - وجاءت به الرواية عن ابن عباس- وهو أنه دفع به عنهم عاجل البلاء الذي كان ينزل بالأمم المكذبه.\nالثاني: ما ذكره غير واحد منهم ابن جزي في التسهيل ٣/ ٧٢، والألوسي في روح المعاني ١٧/ ١٠٤ واستظهره، والشنقيطي في \"أضواء البيان\" ٤/ ٦٩٤ واستظهره، واللفظ له: أنه ما أرسل هذا النبي الكريم صوات الله وسلامه عليه إلى الخلائق إلا رحمة لهم؛ لأنه جاءهم بما يسعدهم وينالون به كل خير من خيري الدنيا والآخرة إن اتبعوه، ومن خالف ولم يتبع فهو الذي ضيع على نفسه نصيبه من تل الرحمة =","vol":"15","page":230},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2673>١٠٨ </span>- قوله تعالى: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ قال الكلبي: يعني مخلصون العبادة (١).\nومعناه: فهل أنتم مسلمون (٢) لهذا (٣) الوحي (٤) الذي يوحى (٥) إليَّ من إخلاص الإلهية والتوحيد لله.\nوالمراد بهذا الاستفهام الأمر (٦)، كقوله: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (٧). وقد مرَّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2674>١٠٩ </span>- قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ قال ابن عباس: يريد فإن لم يسلموا ﴿فَقُلْ آذَنْتُكُمْ﴾ قال: يريد للحرب ﴿عَلَى سَوَاءٍ﴾ يريد على بيان (٨).\nوالمعنى: أعلمتكم أنّي حرب لكم إعلامًا ظاهرًا، أستوي أنا وأنتم في العلم به، فاستوينا في العلم (٩).\nوقال أبو إسحاق: أعلمتكم بما يوحى إلى لتستووا في الإيمان به (١٠).\n_________\n= العظمى ... ويوضح ذلك قوله ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾ [إبراهيم: ٢٨].\n(١) ذكره ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٥/ ٣٩٩ ونسبه إلى ابن عباس.\n(٢) فيكون \"مسلمون\" بمعنى مستسلمون أو مذعنون أو منقادون. انظر: \"الطبري\" ١٧/ ١٠٧، وابن كثير ٣/ ٢٠٢.\n(٣) في (ع): (بهذا).\n(٤) (الوحي): ساقطة من (أ).\n(٥) في (د)، (ع): (أوحي).\n(٦) نسبه ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٥/ ٣٩٩ إلى أهل المعاني.\n(٧) هود: ١٤. ووقع في (أ)، (د): (هل أنتم مسلمون)، وهو خطأ.\n(٨) القرطبي ١١/ ٣٥٠ من غير نسبة لأحد. وانظر الماوردي ٣/ ٤٧٦.\n(٩) انظر: \"غريب القرآن\" لابن قتيبة ص ٢٨٩.\n(١٠) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٤٠٨.","vol":"15","page":231},{"text":"ومعنى هذا على سواء. وقد مرَّ.\nوقال أبو علي الفارسي: سواء تحتمل ضربين: أحدهما: أن يكون صفة لمصدر محذوف، التقدير: آذنتكم إيذانا على سواء، كقوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ﴾ [البقرة: ١٨١] التقدير: كتابة كما كتب، فحذف المصدر. ومعنى إيذانا على سواء: إعلامًا نستوي في علمه لا أستبد أنا به (١) دونكم؛ لتتأهبوا لما يراد منكم. والثاني: أن يكون حالًا. فإذا جعلته حالًا أمكن فيه ثلاثة أضرب: أحدها: أن يكون حالًا من الفاعل (٢). والآخر: أن يكون حالًا من المفعول به (٣). والثالث: أن يكون منهما جميعًا، على قياس ما جاء في قول عنترة:\nمتى ما نلتقي فردين ترجف ... روادف إليتيك وتستطارا (٤) (٥)\n_________\n(١) في (أ): (لا استيدابانه)، وفي (د)، (ع): (لا ستيذانابه)، ولعل الصواب ما أثبتناه.\n(٢) يعني الرسول -ﷺ-.\n(٣) يعني المخاطبين، وهم الكفار.\n(٤) البيت في \"ديوانه\" ص ٢٣٤، وفيه: روانف. و\"تهذيب اللغة\" للأزهري ١٤/ ١٤ (طار)، و\"أمالي ابن الشجري\" ١١/ ١٦، و\"المخصص\" لابن سيده ٢/ ٤٤، و\"لسان العرب\" ٤/ ٥١٣ \"طير\". وفي جميع ما مضى: روانف.\nوهو من قصيدة قالها عنترة يهجو بها عمارة بن زياد العبسي أحد سادة عبس، وكان يحسد عنترة ويقول لقومه: إنكم أكثرتم ذكره، والله لوددت أني لقيته خاليًا حتى أعلمكم أنه عبد، قال الشنتمري في شرحه لديوان عنترة ص ٢٣٤: قوله: نلتقي فردين: أي: منفردين أنا وأنت ..، والروانف: جوانب الإليتين وأعلاها وإجدتها رانفة. ومعنى ترجف: تضطرب جزعًا وجبنا، وتستطار: تكاد تطير، والألف في تستطار ضمير الروانف لأنهما في معني رانفين، ويجوز أن تكون ضمير الإليتين. اهـ. وانظر \"الخزانة للبغدادي\" ٣/ ٣٧٧.\nوالشاهد فيه: نصب \"فردين\" على الحال من ضميره النهاعل والمفعول في \"نلتقي\".\n(٥) انظر: \"مشكل إعراب القرآن\" لمكي ٢/ ٤٨٣ - ٤٨٤، \"إعراب القرآن\" للأنباري =","vol":"15","page":232},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2675>١١١ </span>- وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَدْرِي﴾ ما أدري ﴿أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ﴾ قال ابن عباس: يريد أجل القيامة لا يدريه أحد لا نبي ولا ملك (١).\n﴿وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ﴾ قال الزجاج: ما أدرى لعل ما آذنتكم به ﴿فِتْنَةٌ لَكُمْ﴾ أي: اختبار (٢).\nيعني: ما أخبرهم (٣) به من أنه لا يدري وقت عذابهم وهو القيامة، وكأنه قيل: لعل تأخير العذاب عنكم اختبار لكم ليرى كيف صنيعكم.\nوهذا معنى قول سعيد ابن جبير والأكثرين: أن الفتنة هاهنا بمعنى الاختبار (٤).\nوقال ابن عباس -في رواية عطاء-: لعله هلاككم (٥). يعني: أنهم يزدادون طغيانًا وتماديًا في الشر بتأخير العقوبة عنهم (٦).\nوقوله تعالى: ﴿وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ أي: تتمتعون إلى (٧) إنقضاء آجالكم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2676>١١٢ </span>- قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ﴾ قال قتادة: كانت الأنبياء\n_________\n= ٢/ ١٦٦ - ١٦٧، \"الدر المصون\" ٨/ ٢١٦.\n(١) ذكره القرطبي ١١/ ٣٥٠ عن ابن عباس. ثم قال القرطبي: وقيل: آذنتم بالحرب، ولكن لا أدري متى يؤذن لي في محاربتكم.\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٤٠٨.\n(٣) في (أ): (اختبرهم).\n(٤) لم أجد من ذكره عن سعيد، وقد ذكره الطوسي في \"التبيان\" ٧/ ٢٥٣، والجشمي في \"التهذيب\" ٦/ ١٦٤ ب ولم ينسباه لأحد.\n(٥) في (د)، (ع): (هلاكهم).\n(٦) ذكره الماوردي ٣/ ٤٧٧ من غير نسبة لأحد.\n(٧) في (د)، (ع): (في)، وهو خطأ.","vol":"15","page":233},{"text":"يقولون ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق. فأمر الله نبيه -ﷺ- أن يقول: ﴿رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ﴾ (١).\nفعلى هذا معنى ﴿بِالْحَقِّ﴾ أي: بعذاب كفار قومي الذي هو حق نازل بهم. ويدل على هذا ما روي أن النبي -ﷺ- كان إذا شهد قتالًا قال: رب احكم بالحق (٢).\nقال الكلبي: فحكم عليهم بالقتل (٣) يوم [بدر، ويوم] (٤) أحد، ويوم الأحزاب، ويوم خيبر، ويوم الخندق.\nفدل على أن المسئول بقوله: ﴿احْكُمْ بِالْحَقِّ﴾ عذاب قومه، والمعنى على هذا القول: افصل بيني وبين المشركين بما يظهر به الحق للجميع.\nوقال أبو عبيدة: معناه: رب احكم بحكمك [الحق] (٥)، فأقيم الحق (٦) مقامه؛ لأن حكمه لا يكون إلا حقًّا (٧).\n_________\n(١) رواه ابن أبي حاتم كما في \"الدر المنثور\" ٩/ ٦٨٥.\n(٢) رواه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ٢/ ٣٠، والطبري ١٧/ ١٠٨ عن قتادة مرسلًا. وهو ضعيف لإرساله، ومراسيل قتادة من أوهى المراسيل.\nوذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٥/ ٦٨٩، وعزاه لعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة، به مرسلا.\n(٣) في جميع النسخ: (القتل)، والمثبت من \"الوسيط\" ٣/ ٢٥٥.\n(٤) ما بين المعقوفين ساقط من (أ).\n(٥) زيادة من \"الكشف والبيان\" للثعلبي ٣/ ٤٦ أ.\n(٦) في (أ): (بالحق)، هو خطأ.\n(٧) لم أجده في المطبوع من \"مجاز القرآن\". وهو عند القرطبي ١١/ ٣٥١ منسوبًا إلى أبي عبيدة. وذكره الطبري ١٧/ ١٠٨ هذا القول وصدّره بقوله: وقد زعم بعضهم أن معنى .. فذكره، ثم قال الطبري: ولذلك وجه، غير أن الذي قلناه -يعني القول الأول الذي ذكره الواحدي، وهو أن معخى الحق هنا عذاب قومه- أوضح وأشبه بما قاله أهل التأويل، فلذلك اخترناه.","vol":"15","page":234},{"text":"وقال أهل المعاني: هذا الدعاء مما تُعبّد النبي -ﷺ- أن يقوله، ويدعو به، وإن كان الله لا يفعل غيره، لما في ذلك من التضرع (١)، والعبودية كقوله (٢): ﴿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ﴾ [آل عمران: ١٩٤] والله منجز وعده، وإن لم يسأل ذلك، وقوله: ﴿فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ﴾ [غافر: ٧، ٨] الآيتان (٣).\nوقرأ حفص (٤) ﴿رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ﴾ يعني قال الرسول ذلك (٥).\nوقوله تعالى: ﴿وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ قال ابن عباس: يريد من تكذيبهم النبي وخلافكم إياه، واتخاذكم الحجارة أربابًا.\nوقال غيره (٦): على ما تكذبون في قوله ﴿هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ [الأنبياء: ٣] وقولكم: ﴿اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا﴾ [الأنبياء: ٢٦]. والمعنى ﴿عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ من كذبكم وباطلكم.\nوالوصف بمعنى الكذب -على الوجه الذي ذكرنا- قد ذكر في مواضع من التنزيل كقوله: ﴿سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٩]، وقوله: ﴿وَلَكُمُ\n_________\n(١) في (د)، (ع): (النضر)، وهو خطأ.\n(٢) في (أ): (لقوله).\n(٣) ذكره هذا المعنى باختصار الطوسي في \"التبيان\" ٧/ ٢٥٣ ولم ينسبه لأحد.\n(٤) قرأ حفص عن عاصم: (قال) بألف، وقرأ الباقون: (قُل) بغير ألف. \"السبعة\" ص ٤٣١، \"التبصرة\" ص ٢٦٤، \"التيسير\" ص ١٥٦.\n(٥) أي: إخبار عن الله ﷿ عن نبيه -ﷺ- فهي مسألة سألها ربه، وقراءة الباقين: (قل) على الأمر، أي: قل يا محمد: يا رب احكم بالحق فهو تعلم من الله لنبيّه أن يسأله الحكم بالحق.\n\"علل القراءات\" الأزهري ٢/ ٤١٧، \"حجة القراءات\" لابن زنجلة ص ٤٧١.\n(٦) هذا قول الطبري في \"تفسيره\" ١٧/ ١٠٩.","vol":"15","page":235},{"text":"الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾ [الأنبياء: ١٨]، وقوله ﷾: ﴿مَا تَصِفُونَ﴾ وقرئ (تصفون) بالتاء والياء (١).\nفمن قرأ بالتاء ففي الآية إضمار، أي: وقيل للمشركين: وربنا الرحمن المستعان على ما تصفون. ومن قرأ بالياء فهو (٢) إخبار عن الكفار (٣).\n_________\n(١) قرأ ابن عامر في رواية ابن ذكوان: (يصفون) بالياء على الغيبة. وقرأ الباقون: (تصفون) بالتاء على الخطاب.\n\"السبعة\" ص ٤٣٢، \"النشر\" ٢/ ٣٢٥.\n(٢) (فهو): ساقطة من (د)، (ع).\n(٣) انظر: \"الحجة\" للفارسي ٥/ ٢٦٥، \"علل القراءات\" للأزهري ٢/ ٤١٧.","vol":"15","page":236},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2677>سورة الحج</span>","vol":"15","page":237},{"text":"تفسير سورة الحج\nبسم الله الرحمن الرحيم\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2678>١ </span>- قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ قال ابن عباس: يريد أهل مكة (١) ﴿اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾ احذروا عقابه بطاعته (٢).\nقوله تعالى: ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ﴾ الزلزلة: شدة الحركة على الحال الهائلة، وكأنَّ أصله من قولهم: زلَّت (٣) قدمه، إذا (٤) زالت عن الجهة بسرعة، ثم ضُوعف فقيل: زَلْزَل الله قدمه، كما قيل: دكَّه ودَكْدَكَه (٥) (٦).\nواختلفوا في هذه الزلزلة:\nفقال علقمة، والشعبي: هي من أشراط (٧) الساعة، وهي في (٨) الدنيا\n_________\n(١) ذكره أبو حيان في \"البحر\" ٦/ ٣٤٩ من غير نسبة، وقال: والظاهر أن قوله: \"يا أيها الناس\" عام.\n(٢) الطبري ١٧/ ١٠٩.\n(٣) في (د)، (ع): (زلزت).\n(٤) في (أ): (أي).\n(٥) في (أ): (دكدك له)، وهو خطأ.\n(٦) من قوله: الزلزلة: شدة ... إلى ضوعف. نقلا عن الكشف والبيان للثعلبي ٣/ ٤٦ ب.\n(٧) في (د)، (ع): (شرائط).\n(٨) (في): ساقطة من (أ).","vol":"15","page":239},{"text":"قبل (١) يوم القيامة (٢).\nوهذا معنى قول ابن عباس في رواية عطاء لأنه قال: يريد النفخة الأولى (٣). يعني أن هذه الزلزلة تكون معها.\nوقال الحسن والسدي: هذه الزلزلة تكون يوم القيامة (٤). ورويا بإسناديهما أن النبي -ﷺ- قرأ هذه الآية والتي بعدها، فقال له الناس: يا رسول الله أي يوم هذا؟ قال: \"هذا يوم يقول الله لآدم يا آدم قم فأبعث بعث النار\" (٥).\nوالحديث مشهور (٦).\n_________\n(١) في (د): (قيل)، وهو خطأ.\n(٢) رواه سفيان في \"تفسيره\" ص ٢٥٨، وابن أبي شيبة في \"مصنفه\" ١٣/ ٤١٠، والطبري ١٧/ ١٠٩ عن علقمة.\nوذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ٧ وعزاه لابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم.\nورواه الطبري ١٧/ ١٠٩ عن الشعبي، وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ٧ وعزاه لابن جرير وابن المنذر.\n(٣) ذكره القرطبي ١٢/ ٤، وأبو حيان في \"البحر\" ٦/ ٣٤٩ من غير نسبة لأحد.\n(٤) ذكره عنهما البغوي ٥/ ٣٦٣، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٥/ ٤٠٣.\n(٥) رواه سعيد بن منصور في \"تفسيره\" ١٥٥ أ، والترمذي في \"جامعه\" كتاب التفسير. ومن سورة الحج ٩/ ٩ - ١٠، والنسائي في \"تفسيره\" ٢/ ٨٢، والطبري ١٧/ ١١١، والحاكم في \"مستدركه\" ٢/ ٢٣٣ من طريق، عن الحسن البصري، عن عمران بن حصين، نحو ما ذكر هنا لكن في سائر الروايات أن النبي -ﷺ- هو القائل \"أتدرون أيّ يوم ذلك\". وليس الناس كما في الرواية التي ساقها الواحدي.\nوأما رواية السدي لهذا الحديث فلم أجدها.\n(٦) الحديث أخرجه الإمام البخاري في صحيحه (كتاب التفسير -سورة الحج ٨/ ٤٤١)، من حديث أبي سعيد الخدري -﵁- قال: قال النبي -ﷺ-: \"يقول الله -﷿- يوم القيامة: يا آدم، فيقول: لبيك ربنا وسعديك. فينادي بصوت: =","vol":"15","page":240},{"text":"وقال أبو إسحاق: وقيل إنّها الزلزلة التي تكون معها الساعة (١).\n\nوهذا قول الكلبي، قال <span data-type=\"title\" id=toc-2679>(٢): </span>إن زلزلة الساعة قيام الساعة (٣) (٤).\nيعني أن هذه الزلزلة تقارن قيام الساعة وتكون معها.\nوهذا كما روي عن ابن عباس أنه قال في ﴿زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ﴾ قيام الساعة (٥).\nقوله ﴿شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ يعني أنه لا يوصف لعظمه.\nوهذه الآية بيانٌ عما يوجبه شدة أهوال القيامة من التأهّب لها.\n\n٢ - قوله تعالى ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا﴾ يعني (٦): ترون (٧) تلك الزلزلة (٨).\n_________\n= إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثًا إلى الله\" الحديث .. وفط: \"فحينئذ تضع الحامل حملها، ويشيب الوليد، وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد\". الحديث.\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٤٠٩.\n(٢) قال: ساقطة من (د)، (ع).\n(٣) مثله في \"تنوير المقباس\" ص ٢٠٥.\n(٤) في (د) زيادة بعد قوله الساعة: (يعني أن هذه الزلزلة الساعة قيام الساعة. وهو تكرار وخطأ من الناسخ.\n(٥) ذكره عنه البغوي ٥/ ٣٦٣، وابن الجوزي ٥/ ٤٠٣.\n(٦) في (ع): (معنى).\n(٧) في (أ): (يرون).\n(٨) استظهر هذا القول أبو حيان ٦/ ٢٤٩، والسمين الحلبي ٨/ ٢٢٢.\nوقيل الضمير في قوله \"ترونها\" عائدٌ إلى الساعة، يعني: ترون الساعة.\nوقال ابن كثير: هذا من باب ضمير الشأن، ولهذا قال مفسرًا له: \"تذهل كل مرضعة ... \" ٣/ ٢٠٥. وانظر: القرطبي ١٢/ ٤، \"البحر المحيط\" ٦/ ٣٤٩ - ٣٥٠، \"الدر المصون\" ٨/ ٢٢٢.","vol":"15","page":241},{"text":"وانتصب ﴿يَوْمَ﴾ لأنه ظرف لقوله ﴿تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ﴾ أي في ذلك اليوم تذهل (١).\nقال الفرَّاء: ذَهَلْتُ عن كذا. وَذَهِلْتُ قليلة (٢) تذهل فيها جميعًا بفتح الهاء ليس غيره، وأذهلتُه: أنسيته (٣) إذْهالًا (٤).\nويقال: ذَهَلَ ذَهلًا وذُهولًا، إذا ترك الشيء وتناساه (٥) على عمد أو شغله عنه شغل. هذا معنى الذهول في اللغة (٦).\nفأما تفسير قوله (٧) ﴿تَذْهَلُ﴾ فقال الليث (٨) والضحاك (٩) وابن قتيبة (١٠) وأبو عبيدة (١١): تَسْلو. وأنشدوا قول كثير (١٢):\n_________\n(١) وهذا قول الزمخشري ٣/ ٤، وأبي حيان ٦/ ٣٤٩. وجوز أبو البقاء العكبري ٢/ ١٣٩ وتبعه السمين الحلبي ٨/ ٢٢٢ أن يكون انتصاب (يوم) على أنه ظرف لـ\"عظيم\"، أو على إضمار: اذكر.\n(٢) (قليلة): ساقطة من (ع).\n(٣) (أنسيته): ساقطة من (أ).\n(٤) ليس في المطبوع من الفراء، وفي الطبري ١٧/ ١١٣ نحوه باختصار.\n(٥) من قوله \"وتناساه\" يبدأ الموجود من نسخة الظاهرية [ظ].\n(٦) انظر: \"ذهل\" في: \"تهذيب اللغة\" للأزهري ٦/ ٢٦١، \"الصحاح\" للجوهري ٤/ ١٧٠٢، \"لسان العرب\" ١١/ ٢٥٩.\n(٧) في (د)، (ع): (فأما التفسير في قوله).\n(٨) قول الليث في \"تهذيب اللغة\" للأزهري ٦/ ٢٦١ (ذهل). وانظر: \"العين\" ٤/ ٤٩. (ذهل).\n(٩) ذكره عنه الثعلبي في \"الكشف والبيان\" ٣/ ٤٦ ب، وذكره ابن حجر في \"الفتح\" ٨/ ٤٤١ من رواية ابن المنذر عن الضحاك.\n(١٠) \"غريب القرآن\" لابن قتيبة ص ٢٩٠.\n(١١) \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ٢/ ٤٤.\n(١٢) هو أبو صخر، كثير بن عبد الرحمن بن الأسود، الخزاعي، المدني. شاعر =","vol":"15","page":242},{"text":"صحا قلبه يا عَزَّ أو كادَ يَذْهَلُ (١)\nوقال الزجاج: تحير (٢).\nوقال الكلبي: تلهى فلا تحرف ولدها صغيرًا كان أو كبيرًا، اشتغالًا بنفسها (٣).\nوقال المفسرون: تنسى وتترك ولدها للكرب الذي نزل بها (٤).\nوهذا قول مقاتل بن حيان (٥).\nوقال ابن عباس: تُشْغل (٦).\nوقوله: ﴿كُلُّ مُرْضِعَةٍ﴾ قال أبو إسحاق: مرضعة جاءت على الفعل على أرضعت، ويقال: امرأة موضع أي: ذات رضاع (٧).\n_________\n= مشهور، يعرف بكثير عزة؛ لأنه تتيم بعزة بنت جميل الصخرية، وشبب بها، وهو من غلاة الرافضة القائلين بالرجعة. مات سنة ١٠٥ هـ، وقيل ١٠٦ هـ، وقيل ١٠٧ هـ. \"طبقات فحول الشعراء\" ٢/ ٥٤٠، \"الشعر والشعراء\" ص ٣٣٤ - ٣٤٤، \"معجم الشعراء\" ص ٢٤٣، \"سير أعلام النبلاء\" ٥/ ١٥٢، \"شذرات الذهب\" ١/ ١٣١.\n(١) المنشد من قول كثير هو صدر بيت له من قصيدة يمدح بها عبد الملك بن مروان، وعجزه:\nوأضْحى يريد الصَّرمَ أو يتبدَّل.\nوهو في \"ديوانه\" ص ٢٥٤، و\"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ٢/ ٤٤، و\"الكامل\" للمبرد ٢/ ٢٩٩.\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٤٠٩.\n(٣) ذكره عنه الماوردي في النكت والعيون ٤/ ٦ مختصرًا.\n(٤) هذا قول الطبري في \"تفسيره\" ١٧/ ١١٣، والثعلبي في \"الكشف والبيان\" ٣/ ٤٦ ب.\n(٥) ذكره عنه الثعلبي في الكشف والبيان ٣/ ٤٦ ب.\n(٦) ذكره عنه الثعلبي في \"الكشف والبيان\" ٣/ ٤٦ ب. قال القرطبي ١٢/ ٤ بعد ذكره للأقوال المتقدمة: والمعنى متقارب.\n(٧) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٤٠٩ - ٤١٠. وفي المطبوع: ومرضحة جَارٍ على المفعل على ما أرضعت، ويقال ...","vol":"15","page":243},{"text":"وهذا (١) معنى قول الأخفش: إنما أراد -والله أعل - الفعل ولو أراد الصفة لقال: موضع (٢).\nقال المبرد: ولما (٣) قال ﵎ ﴿عَمَّا أَرْضَعَتْ﴾ كان حق هذا مرضعه.\nقوله: ﴿عَمَّا أَرْضَعَتْ﴾ قال الحسن في هذه الآية: تذهل المرضعة عن ولدها لغير فطام، وتضع الحامل ما في بطنها لغير تمام (٤).\nوعلى هذا -وهو قول جميع المفسرين (٥) - يكون التقدير: عمن أرضعت (ما) يكون بمعنى (من) (٦).\nوقال المبرد: (ما) بمعنى المصدر أي: تذهل عن الإرضاع (٧). يعني لا ترضع ولدها الصغير. والأول الوجه (٨).\n_________\n(١) في (ظ)، (د)، (ع): (هذا).\n(٢) \"معاني القرآن\" للأخفش ٢/ ٦٣٥.\nقال العلامة ابن القيم -﵀- في \"بدائع الفوائد\" ٤/ ٢١ - ٢٢: المرضع: من لها ولد تُرضعه، والمرضعة من ألقمت الثدي للرضيع. وعلى هذا فقوله تعالى \"يوم ترونها ذهل كل مرضعة عما أرضعت\" أبلغ من موضع في هذا المقام؛ فإن المرأة قد تذهل عن الرضيع إذا كان غير مباشر للرضاعة، فإذا التقم الثدي واشتغلت برضاعه لم تذهل عنه إلا لأمر هو أعظم عندها من اشتغالها بالرَّضاع.\n(٣) في (ظ): (لما).\n(٤) رواه الطبري ١٧/ ١١٤.\n(٥) انظر: الطبري ١٧/ ١١٤.\n(٦) فتكون \"ما\" على هذا الوجه موصولة بمعنى: الذي. انظر \"الأملاء\" للعكبري ٢/ ١٣٩، \"البحر المحيط\" ٦/ ٣٥٠، \"الدر المصون\" ٨/ ٢٢٤.\n(٧) ذكره عنه القرطبي ١٢/ ٤.\n(٨) واستظهره أبو حيان ٦/ ٣٥٠ وقال: ويقويه تعدي \"تضع\" إلى المفعول به في قوله \"حملها\" لا إلى المصدر، وانظر: \"الدر المصون\" ٨/ ٢٢٤.","vol":"15","page":244},{"text":"وقوله: ﴿وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا﴾ قال الكلبي: كل حبلى تضع ولدها لتمام أو غير تمام.\nيعني: من هول ذلك اليوم، وهذا يدل على أن هذه الزلزلة تكون في الدنيا؛ لأنَّ بعد البعث لا يكون حبلى. وعند شدة الفزع تلقي المرأة جنينها، وقد ذكرت العرب هذا في أشعارها (١)، ووصفوا شدة [الفزع به قال مُزَرِّدُ (٢) أخو (٣) الشَّمَّاحْ في] (٤) مرثيّة عمر -﵁-:\nتضل [الحصان البكر تُلقي جنينها ... نثا خبر فوق المُطيّ مُعلّق] (٥) (٦)\n_________\n(١) في (ظ): (أشعار).\n(٢) هو مُزَرِّد بن ضرار بن حرملة، المازني، الذبياني، العطفاني يقال: اسمه يزيد، ومزرد لقبه. وهو فارس وشاعر جاهلي. وكان هجاء في الجاهلية، أدرك الإسلام فأسلم. وهو الأخ الأكبر للشماخ الشاعر.\n\"طبقات فحول الشعراء\" ١/ ١٣٢، \"الشعر والشعراء\" لابن قتيبة ص ١٩٥، \"معجم الشعراء\" للمرزباني ص ٤٨٣، \"الاستيعاب\" لابن عبد البر ٤/ ١٤٧٠، \"أسد الغابة\" ٤/ ٣٥١، \"الإصابة\" ٣/ ٣٨٥.\n(٣) في (د)، (ع): (أخ).\n(٤) ما بين المعقوفين كشط في (ظ).\n(٥) كشط في (ظ).\n(٦) هذا البيت أحد أبيات قيلت في رثاء عمر -﵁- كما قال الواحدي، وقد اختلف في نسبتها.\nقال ابن أبي الحديد في \"شرح نهج البلاغة\" ١٢/ ١٩٤: والأكثرون يروونها لمزرّد أخي الشَّمَّاخ، ومنهم من يرويها للشَّمَّاخ نفسه.\nوقال التبريزي في \"شرح ديوان الحماسة\" ٣/ ٦٥ - معلقًا على قول أبي تمام: وقال الشَّمَّاخ يرثي عير بن الخطاب-: وقال أبو رياش: الذي عندي أنه لمزرّد أخيه، وقال أبو محمد الأعرابي: هو لُجزء بن ضرار أخيه.\nوالبيت في \"ديوان الحماسة\" لأبي تمام ١/ ٥٤١ منسوبًا للشماخ، وفي ملحق =","vol":"15","page":245},{"text":"أي: لهول ما تسمع من نعي [عمر تلقي جنينها.\nوقوله تعالى: ﴿وَتَرَى النَّاسَ﴾ قال صاحب النظم: خاطب] (١) جماعة الناس بقوله ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا﴾ ثم أفرد وترك مذهب الجمع في قوله ﴿وَتَرَى﴾ وذلك (٢) من فنون الخطاب كما جاز (٣) أن يخاطب عينًا ثم يترك مخاطبته إلى الحكاية عن غائب كقوله: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ [يونس: ٢٢] جاز أن ينادي جميعًا ويخاطبه (٤) ثم يرجع (٥) إلى واحد، ويجوز على الضد من هذا كقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ (٦) [الطلاق: ١].\nقال الحسن: ﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى﴾ من الخوف ﴿وَمَا هُمْ بِسُكَارَى﴾\n_________\n= \"ديوان الشماخ\" ص ٤٤٨ - ٤٤٩ وذكر الخلاف فيه، و\"شرح ديوان الحماسة\" للمرزوقي ٣/ ١٠٩٢، و\"شرح ديوان الحماسة\" للتبريزي ٣/ ٦٥، و\"شرح نهج البلاغة\" لابن أبي الحديد ١٢/ ١٩٤، والرواية عندهم: \"يلقى\" مكان \"تُلقي\"، على تقدير: يُلقى نثا خبر -يعني ظهوره- جنينها قال المرزوقي في \"شرحه\": الحصان العفيفة، .. والبكر: التي حملت أول حملها، والنثا: يستعمل في الخير والشر، يقال: نثوت الكلام أنثوه نثوا، إذا أظهرته.\nفيقول: ترى الحامل يسقط حملها ما ينثى من خبر سار به الركبان وتقاذفته الأقطار استفظاعًا لوقوعه واستشعارًا لكل بلاءً وخوف منه. اهـ.\nوذكر التبريزي مثل قول المرزوقي وزاد: و\"نثا خبر\" يجوز أن يكون مرفوعًا على أنه فاعل ومنصوبا على أنه مفعول به، وإذا كان منصوبًا يروى: تلقى -بالتاء، ومعلق نعت للخبر جعله .. لأنَّ الراكب أخبر بقتله.\n(١) كشط في (ظ).\n(٢) في (أ): (ذلك).\n(٣) في (ظ)، (د): (أجاز).\n(٤) في (د)، (ع): (وتخاطبه)، وفي (ظ): (مهملة).\n(٥) في (د)، (ع): (ترجع).\n(٦) النساء: ليست في (أ).","vol":"15","page":246},{"text":"وما هم بسكارى من الشراب (١). وهذا قول ابن عباس (٢)، وجميع المفسرين (٣).\nوقال أهل المعاني: وترى (٤) الناس كأنهم سكارى من ذهول عقولهم لشدة ما يمر بهم فيضطربون اضطراب السكران من (٥) الشراب (٦). يدل على صحة هذا قراءة من قرأ \"وتُرَى (٧) الناس\" بضم التاء (٨). أي: تَظُنّهم.\nقال الفرّاء -في هذه القراءة-: وهو وجه جيّد (٩).\nوحكى صاحب النظم عن بعض النحويين: أن قوله (ترى) كلمة موضوعة على الإفراد وتأويلها التشبيه، كأنَّه -﷿- قال: وكأنَّ الناس سكارى. واحتج بقول: ﴿أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى﴾ [العلق: ١١] معنى ﴿أَرَأَيْتَ﴾ هاهنا للتنبيه على السؤال والإجابة، وكذلك قوله: ﴿قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾ [الإسراء: ٦٢] وقد مرَّ. قال: ولا ينكر أن تكون \"ترى\" كلمة ضمنت\n_________\n(١) رواه الطبري ١٧/ ١١٥.\n(٢) ذكره عنه الرازي في \"تفسيره\" ٢٣/ ٤.\n(٣) انظر الطبري ١٧/ ١١٥، و\"الدر المنثور\" للسيوطي ٦/ ٧ - ٨\n(٤) وفي (ظ): (ويرى).\n(٥) في (ظ): (في)، وهو خطأ.\n(٦) ذكره الثعلبي في الكشف والبيان ٣/ ٥٤٦ باختصار، وعزاه لأهل المعاني.\n(٧) في (ظ): (ويرى).\n(٨) نُسبت هذه القراءة لأبي هريرة، وأبي زرعة بن عمرو بن جرير، وأبي نهيك وقراءة الجمهور: \"وترى\" بفتح التاء.\n\"الشواذ\" لابن خالويه ص ٩٤، \"إعراب القرآن\" للنحاس ٣/ ٨٥، \"الكشف والبيان\"\nللثعلبي ٣/ ٤٦ ب، القرطبي ١٢/ ٥، \"البحر المحيط\" ٦/ ٣٥٠، \"الدر المصون\" ٨/ ٢٢٤.\n(٩) \"معانى القرآن\" للفراء ٢/ ٢١٥.","vol":"15","page":247},{"text":"معنى لا يظهر في بنية صورتها (١) ولذلك تركت على حال واحدة بعد العطف بها على مخاطبة جماعة.\nو﴿سُكَارَى﴾ جمع سكران. وقرئ (سكرى) (٢).\nقال أبو الهيثم: النعت (٣) [الذي على فعلان يجمع] (٤) على فُعالى (٥) وفَعالى مثل: غَيْرانَ وغُيَارَى وغَيارى (٦)، وسكران [وسكارى. وإنما قالوا سكرى، وأكثر] (٧) ما يجيء فَعلى جمعًا لفعيل بمعنى مفعول، [مثل قتيل وقتلى وجريح وجرحى وصريع وصرعى] (٨)؛ لأنه شبه بالنَّوكى (٩) والجمعى [والهلكى لزوال عقل السكران (١٠).\n_________\n(١) العبارة في (أ): (ولا ينكر أن تكون \"ترى\" كلمة في معنى لا يطهر ضمنت نيه صورتها)، وهي عبارة ركيكة.\n(٢) قرأ حمزة والكسائي: \"سكرى\" بفتح السين من غير ألف، وقرأ البافون: \"سكارى\" بضم السين وبألف بعد الكاف. \"السبعة\" ص ٤٣٤، \"التبصرة\" ص ٢٦٥، \"التيسير\" ص ١٥٦.\n(٣) في (ظ): (البعث)، وهو خطأ.\n(٤) ما بين المعقوفين كشط في (ظ).\n(٥) في (ظ): (فعال)، وهو خطأ.\n(٦) غيارى: سا قطة من (ظ)، وفي (أ): (عبارى).\nوغيارى: جمع غيران وهو فعلان من المغيرة وهي الحمية والأنفة. انظر: \"لسان العرب\" ٥/ ٤٢ \"غير\".\n(٧) غيارى: ساقطة من (ظ)، وفي (أ): (عبارى).\nوغيارى: جمع غيران وهو فعلان من المغيرة وهي الحمية والأنفة. انظر: \"لسان العرب\" ٥/ ٤٢ \"غير\".\n(٨) ما بين المعقوفين كشط في (ظ).\n(٩) في (أ): (بالنكوى)، هو خطأ.\nوالنَّوْكى: جمع أنوك، وهو: الأحمق. \"الصحاح\" للجوهري ٤/ ١٦١٣ (نوك).\n(١٠) قول أبي الهيثم في \"تهذيب اللغة\" للأزهري ١٠/ ٥٧ (سكر).","vol":"15","page":248},{"text":"وقال سيبريه: قالوا رجل سكران] (١) وقوم سكرى. قال: وذلك أنهم جعلوه كالرضى (٢).\nقال أبو علي: ويجوز \"سكرى\" من وجه آخر وهو أن سيبويه حكى رسول سَكِرٌ (٣)، وقد جمعوا هذا البناء على فَعْلَى (٤) فقالوا: هَرِمٌ وهَرْمى وزَمِنٌ وزَمْنى وضَمِنٌ وضَمْنى (٥)؛ لأنه من باب الأدواء والأمراض التي ورصاب بها، فَفَعلى في هذا الجمع -وإن كان كعطشى- فليس يراد بها المفرد، إنّما يراد بها تأنيث الجمع كما أن الباضعة (٦) والطَّائفة (٧) وإن كان على لفظ الضّاربة والقائمة فإنّما لتأنيث الجمع دون تأنيث الواحد من المؤنث (٨).\n_________\n(١) ما بين المعقوفين كشط في (ظ).\n(٢) \"الكتاب\" لسيبويه ٣/ ٦٤٩.\n(٣) \"الكتاب\" لسيبويه ٣/ ٦٤٦.\n(٤) في (أ): (فعل)، وهو خطأ.\n(٥) زَمن: أي مبتلى بين الزَّمانة، والزمَّانة: العاهة. \"لسان العرب\" ١٣/ ١٩٩ (زمن). ضمن: هو الذي به ضمانة في جسده من زمانة أو بلاء أو كسر أو غيره. \"الصحاح\" للجوهري ٦/ ٢١٥٥، \"لسان العرب\" ١٣/ ٢٦٠ (ضمن).\n(٦) (الباضعة): مهملة في (أ). والباضعة هي: الفرق من الغنم، أو القطعة التي انقطعت من الغنم. \"الصحاح\" للجوهري ٣/ ١١٨٦ (بضع)، \"القاموس المحيط\" للفيروزآبادي ٣/ ٥.\n(٧) تصحفت في المطبوع من \"الحجة\" إلى: الطائعة.\nوالطائفة من الشيء: القطعة والجزء منه. ومنه الجماعة من الناس. \"الصحاح\" للجوهري ٤/ ١٣٧ (طوف)، \"لسان العرب\" ٩/ ٢٢٦ (طوف).\n(٨) \"الحجة\" لأبي علي الفارسي ٥/ ٢٦٦ - ٢٦٧.\nوانظر: \"علل القراءات\" للأزهري ٢/ ٤١٩، \"حجة القراءات\" لابن زنجلة ص ٤٧٢، \"الكشف\" لمكي بن أبي طالب ٢/ ١١٦.","vol":"15","page":249},{"text":"ونحو هذا قال الفراء في قراءة من قرأ (سكرى) قال: وهو وجه جيد في العربية؛ لأنه بمنزلة الهلكى والجرحى، والعرب تجعل فَعَلى علامة لجمع كل ذي زمانة وضرر وهلاك، ولا يبالون أكان واحده فاعلًا أم فحيلًا أم فعلان. قال: ولو قيل \"سكرى\" على أن (١) الجمع يقع عليه التأنيث فيكون كالواحدة كان وجها، كما قال الله: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الأعراف: ١٨٠] و﴿الْقُرُونِ الْأُولَى﴾ (٢) و﴿النَّاسَ﴾ جماعة فجائز <span data-type=\"title\" id=toc-2680>(٣): </span>أن يقع ذلك عليهم، وأنشد:\nأضحت بنو عامر غَضْبَى أنُوفُهم ... أنَّى عفوت (٤) فلا عارٌ ولا باس\nفقال غضبى للأنوف على ما فسَّرت لك (٥).\nوقوله: ﴿وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ دليل على سكرهم من خوف العذاب.\n\n٣ - قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ﴾ قال المفسرون: نزلت في النَّضْر بن الحارث، كان كثير (٦) الجدال، وكان ينكر أن الله قادرٌ على إحياء من بَلِيَ وصار ترابًا (٧).\nوقال ابن عباس في رواية عطاء: يريد الوليد بن المغيرة وعتبة بن\n_________\n(١) (أنَّ): ساقطة من (ظ)، (د)، (ع).\n(٢) طه: ٥١، القصص: ٤٣.\n(٣) في (ظ): (فجاز).\n(٤) في (أ): (عفرت)، وهو خطأ.\n(٥) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢١٤ - ٢١٥. والبيت الذي أنشده الفراء قال عنه: وأنشدني بعضهم.\n(٦) في (ظ): (كبير).\n(٧) \"الكشف والبيان\" للثعلبي ٣/ ٤٧ أ.","vol":"15","page":250},{"text":"ربيعة (١).\nوالمعني: أنه يخاصم (٢) في الله فيزعم أنه غير قادر على البعث.\n﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ يعني أنه لا علم له في ذلك إنما (٣) [يقوله بإغراء من الشيطان وطاعته إياه] (٤). وهو قوله ﴿وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ﴾ أي يتبع ما يسول له الشيطان قال ابن عباس] (٥): والمريد الذي يتمرد على الله -﷿- (٦).\nوقال (٧) أهل اللغة في المريد قولين (٨):\nأحدهما: أنه المتجرد للفساد.\nوالثاني: أنَّه العاري من الخير.\nوذلك أن أصله في اللغة: الإملاس، والمريد (٩): المتملس من\n_________\n(١) لم أجد من ذكره عن ابن عباس، وقد ذكر الماوردي ٤/ ٦، وابن الجوزي ٥/ ٤٠٥ عن ابن عباس أنها نزلت في النَّضر بن الحارث.\nوالصواب أنه لم يثبت أنها نزلت في واحد من هؤلاء بعينه، بل هي نازلة فيمن جادل في الله بغير علم ومنهم هؤلاء المذكورون، ثم هي بعد عامة في كل من اتصف بهذه الصفة. انظر: \"المحرر الوجيز\" لابن عطية ١٠/ ٢٢٦، \"البحر المحيط\" ٦/ ٣٥١.\n(٢) في (أ): (فخاصم).\n(٣) في (ظ): (وإنّما).\n(٤) ما بين المعقوفين كشط في (ظ).\n(٥) ما بين المعقوفين كشط في (ظ).\n(٦) انظر: \"تنوير المقباس\" ص ٢٠٦.\n(٧) في (ظ): (قال).\n(٨) انظر: (مرد) في: \"تهذيب اللغة\" للأزهري ١٤/ ١١٨ - ١١٩، \"لسان العرب\" لابن منظور ٣/ ٤٠٠ - ٤٠١.\n(٩) في (ظ): (فالمريد).","vol":"15","page":251},{"text":"الخير، ومنه قوله: ﴿صَرْحٌ مُمَرَّدٌ﴾ [النمل:<span data-type=\"title\" id=toc-2681> ٤</span>٤] وذكرنا الكلام في هذا عند قوله: ﴿مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ﴾ [التوبة: ١٠١].\n٤ - قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾.\nقال ابن عباس: قضى الله تعالى أن من أطاع إبليس أضله ولم يرشده وصيره إلى عذاب السعير (١).\nوالكناية في قوله ﴿عَلَيْهِ﴾ (٢) عائدة على (٣) الشيطان، وكذلك في قوله ﴿أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ﴾ (٤) (٥).\nوهذه الآية دليل على أنَّ (٦) الله قد كتب في الأزل وقضى على الشيطان إضلال من تولاه، وأنَّ ذلك من الله تعالى حكم (٧) لا نكير (٨) عليه فيه.\n_________\n(١) ورد نحوه باختصار عن مجاهد وقتادة. انظر الطبري ١٧/ ١١٦، \"الدر المنثور\" ٦/ ٨.\n(٢) (عليه): ساقطة من (ظ).\n(٣) في (ظ): (إلى).\n(٤) (فأنّه): ساقطة من (ظ).\n(٥) وقيل الكناية في \"عليه\"، \"أنّه\"، تعود على \"من\" الأولى، أي المجادل. واستظهره أبو حيّان.\nوقيل الضميران في \"عليه\"، \"أنه\" عائدان على \"من\" الأولى. والضمير في \"فأنّه\" ضمير الشأن.\nوقال ابن عطية -بعد أن ذكر أن الضمير في \"عليه\" عائد على الشيطان ثم ذى احتمالًا أنه يعود على المتولي-: والذي يظهر لي أن الضمير في \"أنّه\" الأولى للشيطان، وفي الثانية لـ\"من\" الذي هو المتولي. \"المحرر\" لابن عطية ١٠/ ٢٧، \"البحر المحيط\" ٦/ ٣٥١، \"الدر المصون\" ٨/ ٢٢٩ - ٢٣٠.\n(٦) (أن): ساقطة من (أ).\n(٧) (حكم): ساقطة من (ظ).\n(٨) في (ع): (لا يكبر)، وهو خطأ.","vol":"15","page":252},{"text":"وفيه تكذيب للقدرية في امتناعهم عن إضافة القدر إلى الله تعالى في الضلال والكفر، وعندهم أن شيئًا من اللطف لم يبق إلا وقد فعله الله بعباده فلم يؤمنوا، ولو منع شيئًا من اللطف خرج عن الإلهية، فإلاههم بزعمهم في صورة عاجز على الحقيقة لا يقدر أن يفعل ما يصير الناس به (١) مؤمنين وهم أبدا يقولون (٢): إضلاله إياهم وقضاؤه عليهم بالكفر سفه. فيقال (٣) ففي خلقه إيّاهم مع علمه بما سيكون منهم مثل ذلك السفه فلم خلقهم وهو يعلم أنهم لا يتعاطون سوى الكفر؟ وفي خلق القدرة لهم حتى يكفروا بها!.\nفبان بهذا أن الدين كله في الاستسلام للقدرة وتفويض الأمر إلى المشيئة من غير تحكم، يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد.\nقال (٤) أبو إسحاق: ﴿كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ﴾ (أنَّه) في] (٥) موضع أرفع (فأنَّه] (٦) يضله) عطف عليه، والفاء الأجود فيها أن تكون [في معنى الجزاء، وجائز كسر إنَّ مع الفاء وتكون (٧) جزاءً] (٨) لا غير. والتأويل: كتب على الشيطان [إضلال متوليه (٩) وهدايتهم إلى عذاب السعير. وحقيقة\n_________\n(١) في (ظ)، (د)، (ع): زيادة (إليه) بعد قوله الناس.\n(٢) في (أ): (يقول)، وهو خطأ.\n(٣) في (ظ): (فقال)، وهو خطأ.\n(٤) في (ظ): (يزعمون).\n(٥) في (أ): (وقال).\n(٦) بين المعقوفين كشط من (ظ).\n(٧) في المعاني: ويكون.\n(٨) بين المعقوفين كشط في (ظ).\n(٩) في (أ): (متوالية)، وهو خطأ.","vol":"15","page":253},{"text":"\"أن\"] (١) الثانية أنها مكررة على جهة التوكيد؛ لأن المعنى: كتب عليه أنه من تولاه أضله. انتهى كلامه (٢).\nقال أبو علي: إعراب هذه الآية مشكل، وأنا أشرحه -إن شاء الله- وأبيّن موضع السَّهو فيه.\nقوله ﴿كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ﴾ (أنه) في موضع رفع وهي توصل من الجمل (٣) بالابتداء والخبر. وخبر الابتداء معلومٌ وجوهه. وقوله ﴿مَنْ تَوَلَّاهُ﴾ لا تخلو \"مَن\" مِن أن تكون (٤) بمنزلة \"الذي\" وتكون بمعنى الجزاء. [فإن كان بمعنى الجزاء] (٥) فالفاء في \"فأنَّه\" إنّما هو جواب الجزاء، ولا تكون العاطفة [لأنَّها إذا كانت جوابًا للجزاء لم يجز أن تكون العاطفة] (٦) كما أنها إذا كانت داخلة على خبر المبتدأ إذا كان المبتدأ موصولًا، وكانت جملته بمعنى الجزاء لم تكن العاطفة نحو قوله: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ﴾ [البقرة: ٢٧٤] فـ\"من\" على هذا الوجه في موضع رفع، و﴿تَوَلَّاهُ﴾ في موضع جزم لكونه شرطًا، والفاء وما بعدها في موضع جزم لوقوعه موقع جزاء الشرط، و\"أن\" من قوله \"فأنه يضله\" موضعه رفع بإضمار مبتدأ بين الفاء و\"إنّ\"، لترتفع \"أنَّ\" على أنَّه (٧)\n_________\n(١) ما بين المعقوفين كشط في (ظ).\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٤١١.\n(٣) في \"الإغفال\" ص ١٠٣١: وهي ما توصل بالجمل.\n(٤) في \"الإغفال\" ص ١٠٣١: فلا يخلو \"من\" فيه من أن تكون ...\n(٥) ساقط من (ظ)، (د)، (ع) وليس موجودًا في الإغفال.\n(٦) ما بين المعقوفين ساقط من (ظ).\n(٧) (أنه): ساقطة من (ظ).","vol":"15","page":254},{"text":"خبرُ مبتدأ (١) محذوف تقديره: فشأنه أنَّه يُضلّه، أو أمره، أو نحو ذلك مما يصلح أن يكون مبتدأ لهذا الخبر، إذ كانت \"أنَّ\" لا تكون مبتدأة وإنَّما تكون مبنية على شيء، ومثل هذا قوله ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ﴾ [التوبة: ٦٣] فارتفاع \"أنَّ\" بما ارتفع به \"أنّ\" في قوله ﴿فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ﴾ وقوله] (٢) ﴿مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ في موضع رفع لوقوع جميع ذلك خبرًا لـ\"أنّ\". كما أنَّ ﴿مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ﴾ إلى قوله ﴿خَالِدًا فِيهَا﴾ (٣) في موضع رفع لوقوعها خبرًا لـ\"أنَّ\"، فالفاء في \"فإنه\" ليست بعاطفة في (٤) هذا الوجه.\nوإن كان \"من\" من قوله ﴿أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ﴾ بمعنى \"الذي\" (٥) فالتقدير: كتب على الشيطان أن الشيطان الذي تولاه. فاسم \"أنَّ\" الهاء التي هي ضمير الشيطان و\"من\" اسم مبتدأ وخبره ﴿فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ﴾ فالقول في ارتفاع \"أنَّ\" من قوله \"فأنه\" على هذا الوجه كالقول في الوجه الأول وما يقدر فيه من الإضمار الذي يكون \"أنَّ\" مبنيًّا عليه، وتقديره: الذي تولاه ﴿فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ﴾] (٦) فله إضلاله [أو\"فشأنه إضلاله] (٧) وهدايته إياه إلى عذاب\n_________\n(١) في (أ): (لمبتدأ).\n(٢) ما بين المعقوفين ساقط من (أ).\n(٣) فيها: ساقطة من (أ).\n(٤) في \"الإغفال\" ص ١٠٣٥: على.\n(٥) هذا هو شرح الاحتمال الثاني في معنى \"من\" من قول \"من تولاه\" الذي ذكره أبو علي في أول كلامه بقوله: وقوله \"من تولاه\" لا تخلو \"من\" من أن تكون بمنزلة الذي أو تكون بمعنى الجزاء.\n(٦) ما بين المعقوفين ساقط من (أ).\n(٧) ما بين المعقوفين ساقط من (ظ).","vol":"15","page":255},{"text":"السعير. فالفاء في هذا الوجه أيضًا داخلة لمعنى الجزاء، ولا يجوز أن تكون العاطفة. ألا ترى أنك لا تقول: زيد فمنطلق. فتعطف الخبر على مبتدأه، وإنّما دخلت هنا لما في الصلة من معنى الجزاء كقوله: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ﴾ [البقرة: ٢٧٤]، وقوله: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٥٣]. ومثله في التنزيل كثير.\nفإذا لم يخل من الوجهين اللذين ذكرنا، وكانت الفاء في كلا الوجهين متعلقة بها لا على جهة العطف لما بينا ثبت أنَّ قول أبي إسحاق: أنّ (١) \"فأنه\" عطف على \"أنَّ\" خطأ؛ إذ كانت الفاء لا تخلو: إما أن تكون مع ما بعدها في موضع جزم لوقوعه جزاء للشرط، واما أن تكون مع ما بعدها في موضع رفع لوقوعها خبرًا لمبتدأ واقع مع خبره موقع خبر \"أنَّ\" من قوله ﴿أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ﴾.\nوإذا بطل أن تكون الفاء للعطف بطل قول أبي إسحاق في \"أنَّ\" من قوله \"فأنّه يضله\" موضعها رفع أيضًا أن يكون مرفوعًا من الجهة التي ذكر وهو خطأ (٢) ثانٍ (٣) لزمه لجعله الفاء عاطفة و\"أن\" من قوله \"فأنّه يضله\" لا يجوز أن تكون معطوفة على الأولى (٤)؛ لأنه لا يخلو من أن يكون خبر مبتدأ، أو يكون جواب شرط، ومحال أن يعطف خبر المبتدأ على المبتدأ\n_________\n(١) أنّ: ساقطة من (ظ).\n(٢) في (أ): (التي ذكره)، هو خطأ.\n(٣) في (أ): (فإن)، وهو خطأ.\n(٤) في (ظ)، (د)، (ع): (الأول)، والمثبت مش (أ). وهو الموافق لما في \"الإغفال\" ص ١٠٤٠.","vol":"15","page":256},{"text":"بحرف (١) عطف أو يعطف جواب الشرط على شىء قبل الشرط (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2682>٥ </span>- قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ قال ابن عباس: يريد أهل مكة (٣) ﴿إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ﴾ قال: يريد إن كنتم في شك من القيامة ﴿فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ زيد آدم (٤).\nقال أبو إسحاق: قيل للذين جحدوا البعث وهم المشركون إن كنتم في شك من (٥) أن الله يبعث الموتى فتدبَّروا أمر خلقكم وابتدائكم فإنكم (٦) لا تجدون في القدرة فرقًا بين ابتداء الخلق وبين إعادته.\nثم بين لهم ابتداء خلقهم فأعلمهم (٧) أنَّهم خلقوا من تراب، وهو خلق آدم -﵇-، ثم خُلِقَ ولده من نطفة، ثم من علقة ثم من مضغة، فأعلمهم أحوال خلقهم (٨).\nوقال (٩): صاحب النظم: معنى الآية إن كنتم في ريب من البعث فإنا نخبركم أنا خلقناكم من تراب.\n_________\n(١) في (أ): (لحرف)، وهو خطأ.\n(٢) \"الإغفال\" لأبي علي الفارسي ٢/ ١٠٣١ - ١٠٤٠.\nوانظر: \"إعراب القرآن\" للنحاس ٣/ ٨٦، \"مشكل إعراب القرآن\" لمكي بن أبي طالب ٢/ ٤٨٦، \"البيان في غريب إعراب القرآن\" للأنباري ٢/ ١٦٨ - ١٦٩، \"البحر المحيط\" ٦/ ٣٥١، \"الدر المصون\" ٨/ ٢٢٧ - ٢٢٨.\n(٣) مثله في \"تنوير المقباس\" ص ٢٠٦، وذكره ابن الجوزي ٥/ ٤٠٦ من غير نسبة لأحد.\n(٤) مثله في \"تنوير المقباس\" ص ٢٠٦.\n(٥» من): ساقطة من (أ).\n(٦) (فإنكم): ساقطة من (ظ).\n(٧) في (ظ): (وعلَّمهم).\n(٨) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٤١٢.\n(٩) في (أ): (قال).","vol":"15","page":257},{"text":"وقوله ﴿ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ يعني ولد آدم (١)، خلقه من مني الأب.\nومعنى النطفة في اللغة: الماء القليل.\nيقال: في الغدير نطفة زرقاء، أي بقية ماء صاف. وأصلها من النَّطف (٢) وهو: القطر، يقال: نطفت السحابة وهي تُنْطُفُ -بالضم- نَطْفًا. وليلةٌ نَطُوف: تمطر حتى الصباح، والذي يخلق منه الولد يسمى نطفة، لأنه ماء يقطر (٣).\nوقوله: ﴿ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ﴾ العلق الدم الجامد قبل أن ييبس، والقطعة علقة منه (٤) (٥)، ومنه قول القُطامي:\nتَمجُّ عُروقُها عَلَقًا مُتَاعا (٦)\nوذلك أن النطفة المخلوق منها الولد تصير دمًا غليظًا.\nوقوله: ﴿ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ﴾ المضغة قطعة لحم، وقلب الإنسان مضغة من جسده وإذا صارت العلقة لحمة فهي مضغة.\n_________\n(١) آدم: ساقطة من (ظ).\n(٢) في (ظ): (النطفة).\n(٣) انظر: (نطف) في: \"تهذيب اللغة\" ١٣/ ٣٦٥ - ٣٦٦، \"الصحاح\" ٤/ ١٤٣٤، \"لسان العرب\" ٩/ ٣٣٥ - ٣٣٦.\n(٤) منه: ساقطة من (ظ)، (د)، (ع).\n(٥) انظر: \"علق\" في \"تهذيب اللغة\" ١١/ ٢٤٣، \"الصحاح\" ٤/ ١٥٢٩، \"لسان العرب\" ١٠/ ٢٦٧.\n(٦) هذا عجز بيت للقطامي من قصيدة يمدح بها زفر بن الحارث الكلابي، وصدره:\nوَظَلَّتْ تَعْبِطُ الأيدي كُلُوما\nوهو في \"ديوانه\" ص ٣٣، \"تهذيب اللغة\" للأزهري ٣/ ١٤٤ (تدع)، \"لسان العرب\" ٧/ ٣٤٨ (عبط).\nوالمتاع: القيء. \"لسان العرب\" ٨/ ٣٨ (تيع).","vol":"15","page":258},{"text":"قال ابن عباس. يريد من (١) لحم.\nوهذا كله في الأطوار أربعة أشهر، وهذا معنى ما روي في الحديث: \"إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يومًا نطفة، ثم أربعين يومًا علقة، ثم أربعين يومًا مضغة، ثم يبعث الملك فينفخ فيها الروح\" (٢).\nقال ابن عباس: [ثم يصوّر] (٣) في العشر بعد الأربعة الأشهر، ثم ينفخ فيه الروح، فذلك عدة المُتوفَّى عنها زوجها أربعة أشهر وعشرًا، فإذا تحرَّك في جوفها علمت أن فيه ولدًا (٤) (٥).\nقوله: ﴿مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ قال ابن الأعرابي: ﴿مُخَلَّقَةٍ﴾ قد بدا خلقه ﴿وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ بعد (٦) لم يصور (٧) (٨).\nهذا الذي ذكره ابن الأعرابي: مخلقة قدرًا (٩) هو معنى المخلقة في اللغة.\nوأما أهل التفسير: فإن مجاهدًا والسدي اتفقا (١٠) على أنَّ المخلقة\n_________\n(١) (من): ساقطة من (ظ).\n(٢) رواه البخاري كتاب \"القدر\" ١٢/ ٤٧٧، ومسلم كتاب \"القدر\" ٤/ ٢٠٣٦ من حديث ابن مسعود ﵁ قال: حدثنا رسول الله -ﷺ- وهو الصادق المصدوق، فذكره.\n(٣) ما بين المعقوفين ساقط من (أ).\n(٤) في (ظ)، (ع)، (د): (ولد)، وهو خطأ.\n(٥) ذكره عنه القرطبي ١٢/ ٦ باختصار.\n(٦) (بعد): ساقطة من (ظ)، (ع) وهي في (د): (قد).\n(٧) في (أ): (يتصور). وغير واضحة في (د).\n(٨) قول ابن الأعرابي في \"تهذيب اللغة\" للأزهري ٧/ ٢٨.\n(٩) (مخلقة قدرًا): ساقطة من (أ). وسقط من (ع): (قدرا).\n(١٠) (اتفقا): زيادة من (ظ).","vol":"15","page":259},{"text":"وغير المخلقة: يعني بهما السقط.\nقال (١) مجاهد -في رواية ابن نجيح- ﴿مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ قال: السقط مخلوق وغير مخلوق (٢).\nوقد كشف السدي عن هذا المعنى الذي ذكره مجاهد فقال: هذا في السقط، المرأة تسقط النطفة بيضاء والعلقة، وتسقط اللحم لم يخلق، وتسقط قد صور [بعضه، وتسقط قد صور] (٣) كله (٤).\nويدل على أن هذا (٥) في السقط قوله ﴿وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ﴾ يعني ما يولد لتمام المدة ولم تسقطه (٦) المرأة (٧).\nوذهب آخرون إلى أنَّ المخلقة في غير السقط، وغير المخلقة: هو السقط.\nقال (٨) ابن عباس -في رواية عكرمة-: المخلقة ما (٩) كان حيًّا، وغير المخلقة ما كان من سقط (١٠).\nونحو هذا قال مجاهد -في رواية خُصَيف- قال: المخلقة: الولد،\n_________\n(١) في (ظ): (وقال).\n(٢) رواه الطبري ١٧/ ١١٧ عن مجاهد من رواية ابن أبي نجيح.\n(٣) ما بين المعقوفين في حاشية (ظ).\n(٤) ذكره عنه ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٥/ ٤٠٧.\n(٥) العبارة في (ظ): (ويدل على هذا أنه).\n(٦) في (أ): (ولم تسقط).\n(٧) سيأتي بيان ضعف هذا القول مع القول الذي بعده.\n(٨) في (ظ)، (د)، (ع): (وقال).\n(٩) في (ظ): (ما قد كان حيًا).\n(١٠) رواه ابن أبي حاتم كما في \"الدر المنثور\" للسيوطي ٦/ ١٠.","vol":"15","page":260},{"text":"وغير مخلقة: السقط (١)\nوقال ابن عباس في رواية عطاء: المخلقة: ما أخذ منه الميثاق، وغير المخلقة: ما لم يؤخذ منه الميثاق ولا يكون مخلوقًا.\nويدل على صحة هذا التفسير ما روى علقمة، عن عبد الله بن مسعود (٢): إذا وقعت النطفة في الرحم بعث الله -﷿- ملكًا فقال: يا رب مخلقة أم غير مخلقة؛ فإن قال غير مخلقة مجّتها (٣) الأرحام، وإن قال مخلقة، قال: يا رب ما صفة هذه النطفة؟ أذكر أم أنثى؟ ما رزقها؟ ما أجلها؟ أشقيٌّ أم سعيدٌ؟ فيقال له: انطلق إلى أم الكتاب فاستنسخ منه (٤) صفة هذه النطفة (٥).\nوعلى هذا القول معنى (المخلقة): المخلوقة كما ذكره ابن عباس -في رواية عطاء- وهو: أنه أكمل خلقه بنفخ الروح فيه، فما أكمل خلقه بالروح ولد لتمام حيًّا، وما سقط كان غير مخلقة، أي: غير حي بإكمال خلقه بالروح (٦).\n_________\n(١) رواه عنه سعيد بن منصور في \"تفسيره\" ١٥٥ ب من رواية خصيف.\n(٢) في (ظ): (ابن عباس)، وهو خطأ.\n(٣) صحتها: رمتها. \"الصحاح\" ١/ ٣٤٠ (مجج).\n(٤) (منه): ساقطة من (ظ).\n(٥) رواه بهذا اللفظ الطبري في \"تفسيره\" ١٧/ ١١٧، قال ابن حجر في \"الفتح\" ١/ ٤١٩: وإسناده صحيح. وهو موقوف لفظا، مرفوع حكمًا. اهـ.\nورواه بنحوه مطولًا ابن أبي حاتم (كما في \"تفسير ابن كثير\" ٣/ ٢٠٧ و\"الدر المنثور\" ٦/ ٩)، والواحدي في \"الوسيط\" ٣/ ٢٥٩. والأثر لا يدل كما قال الواحدي على صحة هذا التفسير؛ لأنّ الأثر في النطفة: \"إذا وقعت النطفة\". وظاهر القرآن أن قوله تعالى \"مخلقة وغير مخلقة\" وصفٌ للمضغة لا للنطفة.\n(٦) ذكره ابن الجوزي ٥/ ٤٠٦ - ٤٠٧ عن ابن عباس.","vol":"15","page":261},{"text":"وقال (١) الكلبي: ﴿مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ يقول مخلوق وغير مخلوق، فالمخلوق: هو التمام من الولد، وغير المخلوق: هو السقط.\nوهذا القول مذهب أكثر أهل التفسير (٢)، وهو قول أبي عبيدة في\n_________\n(١) في (د)، (ع): (وقد قال).\n(٢) وهو اختيار الطبري -﵀- في \"تفسيره\" ١٧/ ١١٧.\nقال الشنقيطي -﵀- في \"أضواء البيان\" ٥/ ٢٢ - ٢٣ - بعد أن ذكر أن هذا القول اختيار الطبري. وغير واحد من أهل العلم-: هذا القول الذي اختاره الإمام الجليل الطبري -﵀- لا يظهر صوابه، وفي الآية الكريمة قرينة تدل على ذلك وهي قوله -جل وعلا- في أول الآية \"فإنا خلقناكم من تراب\" لأنّه على القول المذكور الذي اختاره الطبري يصير المعنى: ثم خلقناكم من مضغة مخلقة وخلقناكم من مضغة غير مخلقة.\nوخطاب الناس بأن الله خلق بعضهم من مضغة غير مصورة فيه من التناقض كما ترى. فافهم.\nفإن قيل: في نفس الآية الكريمة قرينة تدل على أن المراد بغير المخلقة السقط، لأن قوله \"ونقر في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى\" يفهم منه أن هناك قسمًا آخر لا يقره الله في الأرحام إلى ذلك الأجل المسمى وهو السقط؟.\nفالجواب: أنَّه لا تعين فهم السقط من الآية؛ لأن الله يقر في الأرحام ما يشاء أن يقرّه إلى أجل مسمّى، فقد يقره ستة أشهر، وقد يقره تسعة وقد يقره أكثر من ذلك كيف شاء.\nأما السقط فقد دلت الآية على أنّه غير مراد بدليل قوله \"فإنا خلقناكم\" الآية؛ لأن السقط الذي تلقيه أمُّه ميتًا -ولو بعد التشكيل والتخطيط- لم يخلق الله منه إنسانًا واحدًا من المخاطبين بقوله ﴿فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ الآية، فظاهر القرآن يقتضي أن كلا من المخلقة وغير المخلقة يخلق منه بعض المخاطبين في قوله \"يا أيها الناس .. \" الآية اهـ.\nوفي جواب الشنقيطي أيضًا ردّ على قول من قال السقط مخلوق وغير مخلوق.","vol":"15","page":262},{"text":"المخلقة: أنها المخلوقة (١).\nوفي هذا مذهب ثالث وهو: أن المخلقة وغير المخلقة كلاهما (٢) من صفة الولد الذي يولد، وليسا ولا أحدهما من صفة السقط.\nوهو مذهب قتادة، واختيار أبي إسحاق وثعلب.\nقال قتادة في قوله ﴿مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾: تامة وغير تامة (٣).\nوقال (٤) أبو إسحاق: وصف أحوال الخلق أنَّ منهم من يتم (٥) مضغته فيخلق له الأعضاء التي تكمل آلات الإنسان، ومنهم من لا يتمم الله (٦) خلقه (٧).\nوقال أبو العباس (٨): الناس خلقوا على ضربين: منهم تام الخلق، ومنهم خَدِيخٌ ناقصٌ غيرُ تام (٩).\nوعلى هذا القول معنى المخلقة: التام الخلقة والأعضاء (١٠). فحصل\n_________\n(١) \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ٢/ ٤٤.\n(٢) في (أ): (كلاها).\n(٣) رواه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ٢/ ٣٢، والطبري ١٧/ ١١٧. وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ١١ وعزاه لعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير.\n(٤) في (ظ): (قال).\n(٥) في (ظ): (تتم)، وفي (د): (تتم)، مهملة، وفي (ع): (يتم)، وما أثبتنا هو الموافق لما في المعاني.\n(٦) الاسم الجليل كتب في حاشية (ظ)، وعليه علامة التصحيح.\n(٧) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٤١٢.\n(٨) هو ثعلب.\n(٩) ذكره عن أبي العباس الأزهري في \"تهذيب اللغة\" ٧/ ٢٨ (خلق).\n(١٠) قال الشنقيطي في \"أضواء البيان\" ٥/ ٢٣ - ٢٤ عن هذا القول أنه أولى الأقوال في الآية وهو القول الذي لا تناقض فيه؛ لأن القرآن أنزل ليصدق بعضه بعضًا لا =","vol":"15","page":263},{"text":"في المخلقة ثلاثة أقوال في معناها وتفسيرها.\nقوله تعالى: ﴿لِنُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ اختلفوا في مفعول (١) التبيين (٢).\nفقال (٣) ابن عباس: لنبين لكم ما تأتون وما تذرون (٤).\nيعني أن الله تعالى خلق بني آدم ليبين لهم من أشدهم وما يحتاجون إليه في العبادة.\nوقال الزجاج: أي. ذكرنا أحوال خلق الإنسان لنبين لكم قدرتنا على ما نشاء ونعرفكم ابتداءنا (٥) خلقكم (٦).\n_________\n= ليتناقض بعضه مع بعض.\nوعزاه إلى قتادة والضحاك. قال: واقتصر عليه الزمخشري ثم نقل الشنقيطي عن الزمخشري -وقول الزمخشري في \"الكشاف\" ٣/ ٥ - أنه قال: والمخلقة: المسوّاه الملساء من النقص والعيب، يقال: خلق السواك والعود: إذا سواه وملسه، من قولهم: صخرة ملساء، إذا كانت ملساء، كانَّ الله تعالى يخلق المضغ متفاوتة، منها ما هو كامل الخلقة أملس من الجوب ومنها ما هو على عكس ذلك، فيتبع ذلك التفاوت تفاوت الناس في خلقهم وصورهم وطولهم وقصرهم وتمامهم ونقصانهم. قال الشنقيطي: وهذا المعنى الذي ذكره الزمخشري معروف في كلام. ثم ذكر الشنقيطي شواهد من شعر العرب وكلامهم في هذا المعنى.\n(١) في (ظ): (معنى).\n(٢) في (د)، (ع): (لنبين).\n(٣) في (ظ)، (د)، (ع): (قال).\n(٤) ذكره البغوي ٥/ ٣٦٦، وابن الجوزي ٥/ ٤٠٧ من غير نسبة لأحد.\n(٥) في (ظ): (ابتداء).\n(٦) ليس في المطبوع من \"معاني الزجاج\" ٣/ ٤١٢ إلا قوله: أي ذكرنا أحوال خلق الإنسان.","vol":"15","page":264},{"text":"وقال (١) صاحب النظم: لنبين لكم أن البعث حق يدل على هذا أن الآية أنزلت دلالة على البعث (٢).\nوقال ابن مسلم: لنبين لكم كيف نخلقكم في الأرحام (٣).\nوقال (٤) أهل المعاني: لندلكم على مقدورنا بتصريف ضروب الخلق (٥).\nقوله تعالى: ﴿وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ﴾ أي (٦): نثبت (٧) في الأرحام ما نشاء فلا يكون سقطا ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ أي إلى أجل الولادة.\nويجوز أن يكون المعنى: ﴿وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ﴾ فلا يخرج (٨) الأجل المعتاد ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ سماه الله لذلك (٩) الولد في أم الكتاب،\n_________\n(١) في (ظ): (قال).\n(٢) ذكر ابن عطية في \"المحرر\" ١٠/ ٢٢٩، وابن الجوزي ٥/ ٤٠٧ هذا القول مختصرًا من غير نسبة لأحد.\n(٣) \"غريب القرآن\" لابن قتيبة ص ٢٩٠.\n(٤) في (ظ): (قال).\n(٥) ذكره الثعلبي في \"الكشف والبيان\" ٣/ ٤٧ أمن غير نسبة لأحد.\nوانظر: \"الكشاف\" للزمخشري ٣/ ٥. حيث قال: ٣/ ٥: وورود الفعل غير معدى إلى المبيَّن إعلامٌ بأن أفعاله هذه يتبين بها من قدرته وعلمه الا يكتنهه ولا يحيط به الوصف.\n(٦) في (د): (أن)، وهو خطأ.\n(٧) في (أ): (يثبت)، وفي (ظ): (يثيب)، ومهملة في (د)، وفي (ع): (نبت)، وما أثبتنا هو الصواب.\n(٨) في (ظ)، (د)، (ع): (فلا يكون سقطا بخرج)، بزيادة: (يكون سقطا)، وهذه الزيادة تخل بالمعنى ويظهر لي أن ناسخ النسخة التي نسخت منها تلك النسخ رجع نظره إلى الجملة التي قبل هذه الجملة فهي مشابهة لها.\n(٩) في (أ): (كذلك)، وهو خطأ.","vol":"15","page":265},{"text":"وذلك أن مدة الحمل تختلف فيمتد من ستة أشهر إلى أربع سنين.\nوالقراءة في \"ونقرُّ\" بالرفع، وروى المفضل (١)، عن عاصم: \"ونقرَّ\" بالنصب (٢).\nقال أبو إسحاق: ولا يجوز فيه إلا الرفع، ولا يجوز أن يكون معناه فعلنا ذلك لنقر في الأرحام؛ لأنَّ الله -﷿- لم يخلق الأنام ليقرهم في الأرحام، وإنَّما خلقهم ليدلَّهم على رشدهم وصلاحهم (٣).\nوقال (٤) صاحب النظم: انقطع الخبر عند قوله ﴿لِنُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ ثم ابتدأ خبرًا آخر فقال (٥): ﴿وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ﴾ ولذلك ارتفع؛ لأنه منقطع مما قبله.\nوقوله: ﴿ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ث﴾ قال الزجاج: \"طفلًا\" في معنى أطفال،\n_________\n(١) هو المفضل بن محمد، الضبي، الكوفي، اللغوي، أبو محمد. كان من جلّة أصحاب عاصم، قرأ عليه، وتصدَّر للإقراء. وهو صاحب المفضليات\" المشهورة. قال الخطيب البغدادي: كان إخباريا علامة موثقا. لكن قال أبو حاتم الرازي: متروك القراءة والحديث. قال الذهبي -معلقًا على قول أبي حاتم: قلت: قد شذ عن عاصم بأحرف.\nوقال أبو حاتم السجستاني: ثقة في الأشعار، غير ثقة في الحروف. توفي سنة ١٦٨ هـ. \"الجرح والتعديل\" لابن أبي حاتم ٨/ ٣١٨، \"تاريخ بغداد\" ١٣/ ١٢١، \"إنباه الرواة\" ٣/ ٢٩٨، \"معرفة القراء الكبار\" للذهبي ١/ ١٣١، \"غاية النهاية\" ٢/ ٣٥٧ \"لسان الميزان\" لابن حجر ٦/ ٨١.\n(٢) ذكرها النحاس في \"إعراب القرآن\" ٣/ ٨٧ من رواية المفضل، عنه. وهي رواية شاذة لا تصح عن عاصم؛ لأنَّ المفضل متروك القراءة.\n(٣) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٤١٢.\n(٤) في (ظ): (قال).\n(٥) في (ظ)، (د): (قال)، وفي (أ): (وقال)، والمثبت من (ع).","vol":"15","page":266},{"text":"ودلَّ عليه ذكر الجماعة، وكأنَّ طفلا يدل على معنى: ونُخْرِج (١) كل واحد منكم (٢). طفلًا (٣).\nوقال المبرد: انتصب \"طفلًا\" على المصدر الذي هو في موضع الحال. وقد قال قوم: تمييز. والذي قال جائز في هذا الموضع كقوله: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا﴾ [النساء: ٤] فهذا لا يكون إلا تمييزا، إلا أنّا قدمنا المصدر؛ لأنَّه قد استعمل مصدرًا كالرّضا والعدل الذي يقع على الواحد والجماعة، قال الله -﷿-: ﴿أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا﴾ [النور: ٣١] فهذا فيه دليل على أنه مصدر (٤).\nوقال أبو عبيدة: طفلًا في موضع أطفال (٥). وأنشد (٦):\n_________\n(١) في (أ): (يخرج)، مهمل الأول. وفي (ط)، (د): (يخرج)، مهملة. والمثبت من (ع). وفي المطبوع من المعاني: ويخرج.\n(٢) في (أ): (منهم).\n(٣) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٤١٢.\n(٤) ذكر هذا القول عن المبرد باختصار القرطبي ١٢/ ١٢، وأبو حيان ٦/ ٣٥٢ والسمين الحلبي في \"الدر المصون\" ٨/ ٢٣٢.\n(٥) \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ٢/ ٤٤.\n(٦) هذا الشطر من الرجز أنشده أبو عبيدة في \"مجاز القرآن\" ٢/ ١٩٥ ونسبه للغنوي. وهو بلا نسبة في \"الكتاب\" ٩/ ٢٠١، \"معاني القرآن\" للأخفش ١/ ٤٣٧، المقتضب للمبرد ٢/ ١٧٢، \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٨٣.\nونسبه السيرافي في شرح أبيات سيبويه ١/ ٢١٢، والشنتمري في \"تحصيل عين الذهب\" ١/ ١٠٧، وابن منظور في \"لسان العرب\" ١٤/ ٤٢٣ \"شجا\" للمسيب بن زيد بن مناة الغنوي يخاطب به حنظلة بن الأعرف الضبابي، وكان حنظلة قد غزا غَنيّ فأخذ غلامًا منتهم، فبيع ذلك الغلام، فخفي شأنه زمانًا، ثم وجدته غنيّ في بيت ختنٍ لحنظلة بن الأعراف فأخذوا الغلام وقتلوا ختن حنظلة، فبلغهم أن =","vol":"15","page":267},{"text":"في حلقكم (١) عظم وقد شجينا\nوقال أبو الهيثم: الصبي يدعى طفلا حين يسقط من بطن أمه إلى أن يحتلم.\nقال: والعرب تقول: جاريةٌ طِفْلٌ، وجاريتان طِفْلٌ، وجَوارٍ طفلٌ وغلامٌ طفلٌ، وغلمان طفل (٢). [ويقال: طفل] (٣) وطفلة وطفلان وطفلتان في القياس وأطفال، ولا يقال: طفلات (٤) (٥).\nوأطفلت المرأةُ والظبيةُ (٦)، إذا صارت ذات طفل (٧).\nقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ﴾ ذكر صاحب النظم منه وجهين:\n_________\n= الأعرف يتبعهم ويتوعدهم، فقال المسيب:\nمالك يا أعرف تبتغينا\nإلى أن قال: في حلقكم عظمٌ وقد شجينا.\nقال السيرافي: الشاهد فيه قوله \"في حلقكم\" فوحّد وهو يريد في حلوقكم، فوضع الواحد في موضع الجمع .... وقوله \"في حلقكم عظم وقد شجينا\" هو على طريق المثل، يعني أنهم بمنزلة من قد غصّ بشيء في حلقه لأجل قتل ختنهم، ونحن قد شجينا بشيء في حلوقنا من أجل العلام الذي قد سبي هنا. اهـ.\n(١) في (أ)، (د)، (ع) خلقكم. والمثبت من (ظ) وباقي مصادر التخريج.\n(٢) وغلمان طفل: ليست في المطبوع من \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٣٤٨.\n(٣) ما بين المعقوفين ساقط من (ظ)، (د)، (ع).\n(٤) في \"تهذيب اللغة\" ١٣/ ٣٤٨ نقلًا عن أبي الهيثم: ويقال: طفلٌ، وطفلةٌ، وطفلان، وأطفال، وطفلتان، وطفْلات في القياس. وكذا في \"اللسان\" ١١/ ٤٠٢ (طفل).\nوعند القرطبي ١٢/ ١٢: ويقال أيضًا: طفل وطفلة وطفلان وطفلتان وأطفال، ولا يقال: طفلات مثل ما عند الوحدي.\n(٥) قول أبي الهثم في \"تهذيب اللغة\" للأزهري ١٣/ ٣٤٨.\n(٦) في (ظ): (الضبية).\n(٧) \"تهذيب اللغة\" للأزهري ١٣/ ٣٤٨ (طفل) نقلا عن الليث.","vol":"15","page":268},{"text":"أحدهما: أَن يكون فيه إضمار على تأويل: ثم نخرجكم طفلا، ثم نعمركم (١) لتبلغوا أشدكم (٢).\nوالوجه الآخر: أن تكون \"ثم\" في قوله ﴿ثُمَّ لِتَبْلُغُوا﴾ مقحمة (٣) [كما تقحم الواو؛ لأنها من حروف النسق ومعناه: ثم نخرجكم طفلًا لتبلغوا أشدكم (٤)] (٥).\nقال ابن عباس: يريد ثماني عشرة سنة (٦).\nقال الزَّجَّاج: وتأويله الكمال والقوة والتمييز وهو ما بين الثلاثين إلى الأربعين (٧). وهذا مما قد تقدم القول فيه.\nقوله تعالى: ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى﴾ قال ابن عباس: يريد من قبل ذلك. يعني من قبل بلوغ الأشد (٨).\n﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ﴾ أي: أخسّه وأدونه، وهو الخرف،\n_________\n(١) في (ظ): (نقمكم).\n(٢) ذكر ابن الجوزي ٥/ ٤٠ هذا الوجه، ولم ينسبه لأحد.\n(٣) في (أ): (مفخمة، تفخّم).\n(٤) ذكر القرطبي ١٢/ ١٢ هذا الوجه، وصدره بقوله: وقيل.\nوهذا الوجه الذي ذكره الواحدي عن صاحب النظم -مردود؛ قال أبو حيان في البحر ٥/ ١١٠: وغير ثابت من \"لسان العرب\" زيادة \"ثم\".\n(٥) ما بين المعقوفين ساقط من (ظ).\n(٦) ذكر ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٣/ ١٤٩ عند قوله تعالى ﴿حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ [الأنعام: ١٥٣] عن ابن عباس -من رواية أبي صالح- أنه قال: ما بين ثماني عثمرة إلى ثلاثين سنة.\nثم ذكر قولًا آخر أنه: ثماني عشرة سنة، وعزاه لسعيد بن جبير ومقاتل.\n(٧) \"معاني القرآن\" للز جاج ٣/ ٤١٣.\n(٨) ذكره ابن الجوزي ٥/ ٤٠٨ ولم ينسبه لأحد.","vol":"15","page":269},{"text":"يخرف حتى لا يعقل، وبيَّن ذلك بقوله ﴿لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا﴾.\nقال ابن عباس: يريد يبلغ من السن ما يتغير (١) عقله حتى لا يعقل شيئًا (٢).\nقال: وليس ذلك إلا في أهل الشرك (٣).\nوقال عكرمة: من قرأ القرآن لم يصر بهذه الحالة، واحتجّ بقوله: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (٥) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [التين: ٥، ٦] قال: إلا الذين قرأوا القرآن (٤).\nقوله ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً﴾ قال الزَّجَّاج: ثم دلَّهم على إحيائه (٥)\n_________\n(١) في (ظ)، (ع): (سعد) مهملة. وفي (أ): (يتعين)، والمثبت من (ع).\n(٢) في \"الوسيط\" ٣/ ٢٦٠ عن ابن عباس: يبلغ السن من بعد ما يتغير عقله حتي لا يعقل شيئا.\n(٣) ذكره ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٤/ ٤٦٨ عنه من رواية عطاء بمعناه. عند قوله تعالى ﴿لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا﴾ [النحل: ٧٠].\nوهذه الرواية لا تصح عن ابن عباس، وكم شوهد من أهل الإسلام من ردّ إلى أرذل العمر، وقد كان النبي -ﷺ- يقول في دعائه: \"وأعوذ بك أن أرد إلى أرذل العمر\" رواه البخاري كتاب الدعوات، باب التعوذ من البخل ١١/ ١٧٨.\n(٤) رواه الطبري ٣٠/ ٣٤٦ بنحوه، وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٨/ ٥٥٨ وعزاه لعبد بن حميد وابن جرير.\nوقد روى سعيد بن منصور في تفسيره (ل ١٥٥ ب) وابن أبي شيبة في مصنفه ١٠/ ٤٦٨ عنه قال: من قرأ القرآن لم يرد إلى أرذل العمل. ثم قرأ ﴿لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا﴾ [النحل: ٧٠].\nوذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٤/ ١٤٦ وعزاه لسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(٥) في (أ): (إحياء).","vol":"15","page":270},{"text":"الموتى بإحيائه الأرض (١).\nوقال صاحب النظم: هذا فصل منقطع مما قبله؛ لأنَّ الأول مخاطبة جماعة وهذا مخاطبة واحد، وهو معطوف على ما قبله بمثل معناه لأنّه من تبيين وجوب البعث (٢).\nقال الليث: أرض جامدة مقشعرةٌ لا نبات فيها إلاَّ يبيس (٣) مُتَحطّم (٤)، والهامد (٥) من الشجر: اليابس (٦).\nوقال شمر: الهامد: الأرض المسنتة (٧)، وهمودها (٨) ألا يكون فيها حياة (٩) والرَّماد (١٠) الهامد: المتلبّد البالي بعضه فوق بعض. وهمد (١١) الثوب يهمد همودًا، إذا تناثر من البِلى (١٢).\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٤١٣.\n(٢) ذكره القرطبي ١٢/ ١٣ بمعناه من غير نسبة لأحد.\n(٣) في (أ): (مهملة). وفي (ظ): (يبس).\n(٤) من (أ): (فيحكم)، وهو خطأ.\n(٥) في (ظ): (والهادرة).\n(٦) قول الليث في \"تهذيب اللغة\" للأزهري ٦/ ٢٢٨ \"همد\". وهو في \"العين\" ٤/ ٣١ \"همد\" بنصه.\n(٧) في (أ): (المسننة)، وفي (ظ)، (د): (المسنة). وفي (ع): (المسه)، مهملة. والتصويب من \"تهذيب اللغة\" ٦/ ٢٢٨. وفي \"تهذيب اللغة\" ١٢/ ٣٨٥: قال ابن شميل: أرضٌ مسنته: لم يصبها مطرٌ فلم تُنبت.\n(٨) في (أ): (وهودها)، وهو خطأ.\n(٩) في جميع النسخ: (حيا)، والتصويب في \"تهذيب اللغة\" ٦/ ٢٢٨.\n(١٠) في (ظ)، (د)، (ع): (والمراد)، وهو خطأ.\n(١١) في (أ): (وهذا)، وهو خطأ.\n(١٢) \"تهذيب اللغة\" للأزهري ٦/ ٢٢٨ (همد).","vol":"15","page":271},{"text":"قال (١) الأصمعى: همدت (٢) النار إذا طفئت ألبتة (٣) (٤). قال الأعشى:\nقالت قُتَيْلةُ ما لجسمك شاحبًا ... وأرى ثيابك باليات هُمَّدا (٥) (٦)\nقال ابن عباس: هامدة يريد التي قد تلبَّدت وذهب عنها النَّذى.\nوقال مجاهد: هالكة. يعني جافة (٧) يابسة؛ لأن هلاك الأرض يُبسها.\nوقال قتادة: غبراء متهشمة (٨). [يعني متهشمة] (٩) النبت.\nوقال أبو إسحاق: يعني جافة ذات تراب (١٠).\n_________\n(١) قال: ساقطة من (ظ)، (د)، (ع).\n(٢) في (أ): (همت)، وهو خطأ.\n(٣) ألبتة مهملة في (د).\n(٤) \"تهذيب اللغة\" للأزهري ٦/ ٢٢٨ \"همد\" من رواية أبي عبيد، عن الأصمعي.\n(٥) همدا: ساقطة من (ظ).\n(٦) البيت في \"ديوانه\" ص ٢٢٧، والرواية فيه (سايئا) في موضع (شاحبا)، والطبري ١٧/ ١١٩، و\"الأضداد\" لابن الأنباري ص ١٧٤، والقرطبي ١٢/ ١٣.\n(٧) في (أ): (حاقة)، وهو خطأ.\n(٨) قال السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ١١: وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله \"وترى الأرض هامدة\" أي: غبراء متهشمة.\nوهذه الرواية عن قتادة ليست موجودة في تفسير عبد الرزاق والطبري في هذا الموطن من سورة الحج كما عزى إليها السيوطي، وإنما موجودة في تفسير قوله تعالى \"ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة\" [فصلت: ٣٩] فروى عبد الرزاق في \"تفسيره\" ٢/ ١٨٨ والطبري ٢٤/ ١٢٢ عن قتادة في قوله \"ترى الأرض خاشعة\" قال: غبراء متهشمة.\n(٩) ساقط من (ظ)، (د)، (ع).\n(١٠) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٤١٣.","vol":"15","page":272},{"text":"وقال ابن مسلم: ميتة يابسة كالنار إذا طفئت فذهبت (١).\nوقوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ قال المفسرون: تحركت بالنبات (٢).\nوالمعنى على هذا تحركت بالنبات عند وقوع الماء، وذلك أن الأرض ترتفع عن النبات إذا ظهر فذلك تحركها، وهو معنى قوله ﴿وَرَبَتْ﴾ أي: ارتفعت وزادت.\nوقال الليث: يقال اهتزت الأرض (٣) إذا أنبتت (٤).\nوقال المبرد: أراد (٥) اهتز نباتها (٦). وعلى هذا حذف المضاف الذي هو النبات [فقيل: اهتزت. والاهتزاز في النبات أظهر، ويقال: اهتز النبات] (٧) إذا طال (٨).\nوقوله ﴿وَرَبَتْ﴾ أي زادت ونمت، أي الأرض أو نباتها على ما ذكرنا. ويقال: ربا الشيء، إذا زاد، ومنه الرَّبوة والرِّبا (٩).\n_________\n(١) غريب القرآن لابن قتيبة ص ٢٩٠.\n(٢) الطبري ١٧/ ١١٩، \"الكشف والبيان\" للثعلبي ٣/ ٤٧ ب.\n(٣) (الأرض): ساقطة من (ظ)، (د)، (ع).\n(٤) \"تهذيب اللغة\" للأزهري ٥/ ٣٥٠ (هزَّ) بنصِّه، لكن من غير نسبة لأحد. وكأنَّ في المطبوع سقطًا، وهو في العين ٢/ ٣٤٦ \"هزّ\" مع اختلاف يسير جدًّا.\n(٥) أراد: ساقطة من (ظ)، (د)، (ع).\n(٦) ذكره عن المبرد ابن الجوزي ٥/ ٤٠٨، والقرطبي ١٢/ ١٣.\n(٧) ما بين المعقوفين ساقط من (ظ)، (د)، (ع).\n(٨) انظر: \"تهذيب اللغة\" ٥/ ٣٥٠ (هز)، \"لسان العرب\" ٥/ ٤٢٤ (هزز).\nوقال أبو حيان في البحر ٥/ ٣٥٣: واختزازها: تخلخلها واضطراب بعض أجسامها لأجل خروج النبات.\n(٩) انظر: \"تهذيب اللغة\" للأزهري ٥/ ٢٧٢ - ٢٧٤ (ربا).","vol":"15","page":273},{"text":"وقوله ﴿وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ قال ابن عباس: من كل صنف حسن (١). والبهجة: حسن الشيء ونضارته (٢). والبهيج بمعنى المبهج، وهو الحسن الصورة الذي تمتع العين برؤيته.\nقال المبرّد: هو الشيء المشرق الجميل (٣)، ومنه قوله: ﴿حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ﴾ [النمل: ٦٠].\nوعلى هذا هو فعيل من بهج (٤)، وهو قول أبي زيد (٥)، قال: بهيج حسن (٦)، وقد (٧) بَهُج بَهاجة وبَهْجة (٨).\nويقال: تباهج الروض إذا كثر نواره (٩). وأنشد الليث (١٠):\n_________\n(١) روى ابن أبي حاتم (كما في \"الدر المنثور\" ٦/ ١١) عنه قال: \"بهيج\" أي حسن.\n(٢) \"تهذيب اللغة\" للأزهري ٦/ ٦٤ \"بهج\" عن الليث، وهو في العين ٣/ ٣٩٤ (بهج).\n(٣) ذكره الرازي ٢٣/ ٩ عن المبرّد.\n(٤) في (أ): (بهيج)، وهو خطأ.\n(٥) في جميع النسخ: (ابن زيد)، وهو تصحيف. والتصويب من \"تهذيب اللغة\" وغيره.\n(٦) (حسن): ساقط من (ظ)، (د)، (ع).\n(٧) في (ظ)، (د)، (ع): (قد).\n(٨) قول أبي زيد في \"تهذيب اللغة\" ٦/ ٦٥ (بهج).\n(٩) في \"تهذيب اللغة\" ٦/ ٦٤، \"لسان العرب\" ٢/ ٢١٦: نَوْرُهُ.\n(١٠) هذا الشطر أنشده الليث في العين ٣/ ٣٩٤ من غير نسبة، والرواية فيه: \"نوارها\" في موضع \"نواره\". وقال: يصف الروضة.\nوهو في \"تهذيب اللغة\" للأزهري ٦/ ٦٤ (بهج)، و\"لسان العرب\" ٢/ ٩٢١٦ (بهج)، وتاج العروس ٥/ ٤٣١ (بهج).\nوفي \"التكلمة\" للصاغاني ١/ ٤٠٣ أن القائل هو أسد بن ناعصة، وصدره فيها:\nفي بَطْنِ وادٍ مُسْجَهرٍّ رَفْرَفِ","vol":"15","page":274},{"text":"نوَّارُهُ مُتَباهج يَتَوَهَّجُ\nوأكثر أهل (١) النحو على أنَّ بهيج هاهنا (٢) فعيل بمعنى فاعل، وهو قول الأخفش وابن مسلم (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2683>٦ </span>- قوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ﴾ قال أبو إسحاق: المعنى الأمر ذلك. أي الأمر ما وصف لكم وبين بأن الحق هو الله [قال: ويجوز أن يكون نصبًا علي معنى: فعل الله ذلك بأنه هو الحق] (٤)، والأجود أن يكون موضع \"ذلك\" رفعًا (٥).\nقال أبو علي: موضع \"ذلك\" من الإعراب لا يخلو من أحد وجهين: أحدهما (٦) رفع، أو نصب. أمَّا جهة النصب فعلى أن يكون مفعولًا بفعل مضمر يدل عليه ما قبله من الأفعال المذكورة كما ذكره أبو إسحاق.\nوأمّا جهة الرفع فلا يخلو من أن يكون مبتدأً أو خبرًا، ولا يجوز أن يكون خبرًا لمبتدأ محذوف وهو الأمر والشأن على ما ذكره أبو إسحاق لأنه إذا قدر كذلك (٧) بقى الجار في (٨) قوله \"بأنَّ الله\" (٩) غير متعلق بشيء وذلك لأنَّ الجار إنّما يتعلق بقوله \"ذلك\" إذا قَدَّرته مبتدأ بتوسط (١٠) فعل مقدر\n_________\n(١) في (ظ)، (د)، ع): (هذا).\n(٢) العبارة في (ظ)، (د)، (ع): (علي بهيج يقال هاهنا)، وهي عبارة ركيكة.\n(٣) \"غريب القرآن\" لابن قتيبة ص٢٩٠.\n(٤) ما بين المعقوفين ساقط من (ظ).\n(٥) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٤١٣ مع تقديم وتأخير.\n(٦) أحدهما: ساقطة من (أ).\n(٧) في (أ): (ذلك)، وهو خطأ.\n(٨) (في): ساقطة من (أ).\n(٩) في (أ): (وقوله \"أن الله\")، وهو خطأ.\n(١٠) في (أ): (يتوسط)، وهو خطأ.","vol":"15","page":275},{"text":"محذوف لدلالة الجار على، والمعنى: ذلك فعله الله أو بَيَّنَه (١) الله بأن الله هو الحق، ثم حذف الفعل وصار الجار مع المجرور في موضعه خبرًا لـ\"ذلك\". وإذا قدرت \"ذلك\" خبر مبتدأ لم يجز أن يتعلق به الجار؛ لأن تعلق حرف الجر بالاسم لا يخلو من أمرين: إما أن يتعلق به على التقدير الذي تقدم، أو يتعلق به (٢) كما يعلق إذا كان الخبر اسم فاعل، نحو: ذاهب وقائم فيتصل الجار به [كما يتصل بالفعل نحو: هذا ذاهب به، أو قائم إلى عَمْرو وليس قولنا ذلك اسم فاعل فيتصل به هذا الاتصال، ولا يجوز أن يكون بتعلق الجار به (٣)] واتصاله بذلك، وهو مقدر خبر مبتدأ من حيث اتصل به وهو مقدر مبتدأ، وذلك أنَّك إذا قدرت مثل الفعل الذي يوصل الجار إلى ذلك وتعلقه به وجب أن يكون ذلك الفعل خبره، وإذا كان خبره كان ذلك مبتدأ، إذ لا متصل للفعْل (٤) بقوله ذلك إلا من هذه الجهة، واتصاله به يخرجه عن أن يكون خبرًا [فإذا لم يجز أن يكون موضع \"ذلك\" رفعًا على أنه خبر مبتدأ] (٥) وجب أن يكون موضعه رفعًا على أنه مبتدأ، والجار مع المنجر به في موضع خبره لا يجوز غير ذلك (٦).\nوأما معنى الآية فهو أن يقول: فعل الله ذلك -يعني ما ذكر من ابتداء الخلق وإحياء الأرض، ذلك الذي ذكر فعله (٧) الله بأنه هو (٨) الحق أي: ذو الحق.\n_________\n(١) في \"الإغفال\" ص ١٠٤٦: أو نَبَّه.\n(٢) في (ظ): (بهما).\n(٣) ما بين المعقوفين ساقط من (ظ).\n(٤) في (ظ): (إذْ لا يتصل الفعل)، وفي (د): (إذ لا يتصل للفعل).\n(٥) ما بين المعقوفين ساقط من (ظ).\n(٦) \"الإغفال\" لأبي علي الفارسي ٢/ ١٠٤٤ - ١٠٤٧.\n(٧) ي (ظ)، (د)، (ع): (فعل الله).\n(٨) هو: ليست في (ظ)، (د)، (ع).","vol":"15","page":276},{"text":"يعني أنَّ جميع ما يأمر به ويفعله هو الحق لا الباطل كما يأمر به الشيطان من الباطل.\nقوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى﴾ أي: وبأنه يحي الموتى. والمعنى أحيا الأرض وفعل ما فعل بقدرته على إحياء الموتى وبأنه قادر على ذلك، وقادر على كل (١) ما أراد وهو قوله ﴿وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2684>٧ </span>- قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ﴾ موضع \"أنَّ\" خفض فيِ الظاهر بالعطف على ما قبله من قوله (٢) ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ إلا أنه لا يصح في المعنى حمله بالعطف على ما قبله؛ لأنه لا يمكن أن يقال: فعل الله ما ذكر بأن الساعة آتية، ولكن يضمر لـ\"أنَّ\" فعلًا ينصبه، ودلَّ عليه ها تقدم، وهو أن يقول: المعنى: ولتعلموا أن الساعة آتية [أي بَدْءُ الخلق وإحياء الأرض بالماء دلالة لكم لتعلموا بها أن القيامة آتية] (٣) وأن البعث حق وهو قوله ﴿وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾.\n<span data-type=\"title\" id=toc-2685>٨ </span>- قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ﴾ أي في قدرة الله على البعث والإعادة.\nقال عطاء عن ابن عباس: يريد أبا جهل (٤).\nوقال الكلبي: نزلت في النضر بن الحارث (٥).\n_________\n(١) (كل): ساقطة من (ظ).\n(٢) من قوله: (ليست) في (ظ)، (د)، (ع).\n(٣) ما بين المعقوفين ساقط من (ظ)، (د)، (ع).\n(٤) ذكره عنه الزمخشري ٣/ ٦، والقرطبي ١٢/ ١٥، وأبو حيان ٦/ ٣٥٤.\n(٥) ذكره عنه الماوردي في \"النكت والعيون\" ٤/ ٨. وذكره أبو حيان ٦/ ٣٥٤ وعزاه للجمهور. ولم يثبت من هذا شيء.","vol":"15","page":277},{"text":"وقوله ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ مضى تفسيره في هذه السورة.\n﴿وَلَا هُدًى﴾ قال ابن عباس: ليس معه من ربه رشاد ولا بيان ﴿وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾ له نور (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2686>٩ </span>- وقوله: ﴿ثَانِيَ عِطْفِهِ﴾ يقال: ثنيت الشيء، إذا حنيته (٢) وعطفته (٣).\nذكرنا ذلك في قوله: ﴿يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ﴾ [هود: ٥].\nوالعِطْفُ: الجانب (٤). وعِطْفَا الرجل: ناحيتاه عن يمين وشمال، ومنكب الرجل: عطفه وإبطه.\nقال ابن الإعرابي: عطف كل إنسان ودابة: شقاه من لَدُنْ رأسه إلى وركيه (٥).\nوأصله من العطف، وهو: اللي، والعطف: الموضع الذي يعطفه الإنسان، أي: يلويه ويميله عند الإعراض والانحراف عن الشيء (٦).\n_________\n(١) قال الشنقيطي في \"أضواء البيان\" ٥/ ٤٠: قال بعض العلماء في قوله في هذه الآية الكريمة \"بغير علم\" أي بدون علم ضروري حاصل لهم بما يجادلون به \"ولا هدى\" أي استدلال ونظر عقلي يهتدي به العقل للصواب \"ولا كتاب منير\" أي وحي نّير واضح يعلم به ما يجادل به، فليس عنده علم ضروري، ولا علم مكتسب بالنظر الصحيح العقلي، ولا علم من وحي، فهو جاهلٌ محضٌ من جميع الجهات.\n(٢) في (أ): (حسه)، مهملة.\n(٣) \"تهذيب اللغة\" للأزهري ١٥/ ١٣٤ (ثنى) بنصِّه.\n(٤) \"الكشف والبيان\" للثعلبي ٣/ ٤٧ ب.\n(٥) من قوله: وعطفا الرجل ... إلى هنا، نقلًا عن \"تهذيب اللغة\" للأزهري ٢/ ١٨٠ (عطف).\n(٦) انظر: (عطف) في: \"الصحاح\" للجوهري ٤/ ١٤٠٥، \"لسان العرب\" ٩/ ٢٥٠ - ٢٥١، \"القاموس المحيط\" ٣/ ١٧٦.","vol":"15","page":278},{"text":"واختلفت (١) عبارة المفسرين في تفسير قوله ﴿ثَانِيَ عِطْفِهِ﴾:\nقال ابن عباس: مستكبرًا في نفسه (٢).\nوقال الضحاك: شامخًا (٣) بأنفه (٤).\nوقال مجاهد وقتادة: لاويًا عنقه (٥).\nوقال ابن زيد والعوفي: معرضًا عما يُدعى إليه كبرًا (٦).\nونحوه (٧). قال ابن جريج (٨).\nوقال السدي: معرضًا من العظمة ينظر في جانب واحد (٩).\nوهذه الألفاظ تعود إلى معنى واحد وهو الإعراض والتكبر.\n_________\n(١) في (أ): (واختلف).\n(٢) \"الكشف والبيان\" للثعلبي ٣/ ٤٧ ب.\nورواه الطبري ١٧/ ١٢١ وإسناده حسن، وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ١٣ وعزاه لابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(٣) في (ظ): (سافحًا)، وهو خطأ.\n(٤) ذكره عنه الثعلبي في \"الكشف والبيان\" ٣/ ٤٧ ب.\n(٥) ذكره عنهما الثعلبي في \"الكشف والبيان\" ٣/ ٤٧ ب. ورواه عن مجاهد الطبري ١٧/ ١٢١.\nورواه عن قتادة عبد الرزاق ٢/ ٣٣، والطبري ١٧/ ١٢١. وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ١٢ وعزاه لابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(٦) ذكره عنهما الثعلبي في \"الكشف والبيان\" ٣/ ٤٧ ب.\nوعن ابن زيد رواه الطبري ١٧/ ١٢١، وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ١٢. وعزاه لابن جرير وابن أبي حاتم.\nوعن العوفي رواه الطبري ١٧/ ١٢١ من طريق العوفي عن ابن عباس.\n(٧) في (ظ): (ونحو ما قال)، وفي (د)، (ع): (ونحو قال).\n(٨) ذكره عنه الثعلبي في \"الكشف والبيان\" ٣/ ٤٧ ب. ورواه الطبري ١٧/ ١٢١.\n(٩) ذكر السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ١٢ عن قتادة مثل هذا القول.","vol":"15","page":279},{"text":"قال أبو إسحاق: وهذا يوصف به المتكبر. والمعنى: ومن الناس من يجادل في الله متكبرًا (١) (٢).\nوقال المبرد: ﴿ثَانِيَ عِطْفِهِ﴾ عبارة عن التكبر والتهاون. تقول العرب: أتانا فلان ثاني عطفه وثاني جيده وشماخًا بأنفه. وأنشد (٣):\nيَهْدِي إلى خَنَاهُ ثاني الجيد (٤)\nأي: متهاونًا. قال: والعطف ما انعطف من العنق والمنكبين. وسمي الرداء العطاف؛ لأنه يقع في ذلك الموضع (٥).\nوانتصب \"ثاني\" على الحال، والتنوين فيه مقدر، والإضافة في تقدير\n_________\n(١) في (أ): (مكبرا).\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٤١٤.\n(٣) في (أ) زيادة: (فقال قوله وأنشد).\n(٤) هذا عجز بيت للشمَّاخ من قصيدة يهجو بها الربيع بن علباء السلمي، وصدره:\nنبئت أن ربيعًا إن رعى إبلا\nوهو في \"ديوانه\" ص ١١٥، و\"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ٢/ ٤٦، و\"المعاني الكبير\" لابن قتيبة ١/ ٤٩٦، و\"الكامل\" للمبرد ١/ ١٠، ٢/ ٤٠٣ و\"الاقتضاب\" للبطليوسي ٣/ ٤١١. قال ابن قتيبة في المعاني: أي صارت له إبل يرعاها، أرادك أن استغنى واستطال بذلك.\n\"ثاني الجيد\" أي رخي البال غير مكنز.\nوقال البطليوسي: يقول لما كثرت إبله وحسنت حاله أبطرته النعمة. وقيل معناه: أنا نغزوه في أيام الربيع حين يهيج الحيوان وطلب السفاد، وفي ذلك الوقت يغزو بعضهم بعضا.\n(٥) انظر: \"الكامل\" للمبرّد ١/ ١٠، ٢/ ٤٠٣ ففيه نحو من هذا، وفيه البيت.\nوفي \"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ٣٨٢ عن المبرد: العطف: ما انثنى من العنق ... الموضع.","vol":"15","page":280},{"text":"الانفصال (١)، كما ذكرنا في قوله: ﴿بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥] و﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ﴾ [المائدة: ١] ومواضع أخرى (٢).\nومثل قوله ﴿ثَانِيَ عِطْفِهِ﴾ في المعنى قوله: ﴿لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ﴾ [المنافقون: ٥] الآية\nوقوله ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [قال ابن عباس: عن طاعة الله (٣) (٤).\nوالمعنى: يجادل في الله بغير علم مستكبرًا لاويًا عنقه ليضل عن سبيل الله] (٥) ويذهب عنه لا (٦) أنّ له على ما يجادل فيه محجة أو دلالة (٧) أو لديه فيه بيانًا. ومثل هذا في المعنى قوله ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (٥٤) لِيَكْفُرُوا﴾ (٨) [النحل: ٥٤. ٥٥] فيمن جعل اللام الجارة، أي أشركوا ليكفروا بما بيناه لهم، لا لأنَّ (٩) لهم على ذلك حجة وبيانًا.\nوقوله: ﴿لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ﴾ قال ابن عباس: يريد الذي (١٠) أصابه يوم بدر (١١).\n_________\n(١) انظر: \"المعاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٤١٤.\n(٢) عند قوله تعالى ﴿ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [النساء: ٩٧].\n(٣) لفظ الجلالة لم يرد في (أ).\n(٤) ذكره القرطبي ١٢/ ١٣ من غير نسبة لأحد.\n(٥) ما بين المعقوفين ساقط من (ظ).\n(٦) في (ظ): (إلا)، وهو خطأ.\n(٧) (أو دلالة): ساقط من (أ).\n(٨) في (ظ): (يكفرون) بدلا من (يشركون)، وهو خطأ.\n(٩) في (أ): (أنَّ).\n(١٠) بعد قوله: (الذي) يبدأ المفقود من نسخة الظاهرية (ظ) ومقداره صفحتان.\n(١١) ذكره عنه الرازي ٢٣/ ١٢، وانظر: \"تنوير المقباس\" ص ٢٠٦.","vol":"15","page":281},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2687>١٠ </span>- قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ قال أبو إسحاق: المعنى: يقال له هذا العذاب بما قدمت يداك، وموضع \"ذلك\" رفع بالابتداء، وخبره ﴿بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ﴾، وموضع \"أنَّ\" من قوله ﴿وَأَنَّ اللَّهَ﴾ خفض؛ لأن المعنى: بما قدمت وبأنّ الله. قال: ويجوز أن يكون موضع \"ذلك\" رفعًا على خبر الابتداء، المعنى: الأمر ذلك بما قدمت يداك، ويكون موضع \"أنَّ\" الرفع على معنى: والأمر أنَّ الله ليس بظلام للعبيد (١).\nوأبطل أبو علي أن يكون \"ذلك\" خبر الابتداء؛ لأنَّ الجار يبقى غير متعلق بشيء. والقول في هذه الآية كالقول في قوله ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ﴾ لا فصل بينهما وإذا بطل هذا بطل أن يكون موضع \"أنَّ\" في قوله ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ رفعًا؛ لأنه إذا لم يجز إضمار الأمر الذي يكون مبتدأ لقوله ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ﴾ لم يجز إضماره هاهنا، وإذا لم يجز ذلك كان موضعه جرًا بالعطف (٢) على \"ما\" المنجر بالباء (٣).\nوأما معنى هذه الآية فهو مما ذكرناه في سورة الأنفال عند قوله ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [الأنفال: ٥١].\n\n١١ - قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾ أكثر المفسرين على أن المعنى: على شك (٤).\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٤١٤.\n(٢) في (أ): (جوابًا لعطف).\n(٣) كلام أبي علي في \"الإغفال\" ٢/ ١٠٤٨ - ١٠٤٩.\n(٤) انظر الطبري ١٧/ ١٢٣، والدر المنثور ٦/ ١٤.","vol":"15","page":282},{"text":"وهو قول مجاهد (١) والسدي وقتادة (٢)، واختيار أبي إسحاق (٣) وأبي زيد وابن الأعرابي.\nروى ابن اليزيدي (٤) عن أبي زيد: على حرف على شك (٥).\nوقال ابن الأعرابي: [الحرف] (٦) الشك في قوله تعالى ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ\n_________\n(١) ذكره الثعلبي في \"الكشف والبيان\" ٤٨٣ أ.\nورواه سعيد بن منصور في \"تفسيره\" ل ١٥٥ ب، والطبري ١٧/ ١٢٣.\nوذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ١٤ وعزاه لسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(٢) رواه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ٢/ ٣٣، والطبري ١٧/ ١٢٣ عن قتادة، وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ١٤ وعزاه لعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم.\n(٣) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٤١٤.\n(٤) في (أ): (ابن الزيدي)، وهو خطأ.\nوابن اليزيدي هو: إبراهيم بن يحيى بن المبارك بن المغيرة، أبو إسحاق بن أبي محمد العدوي مولاهم، المعروف بابن اليزيدي.\nبصري سكن بغداد وسمع من أبيه وأبي زيد الأنصاري والأصمعي وغيرهم. وكان ذا قدر وعلم بالنحو واللغة والقراعة والأدب. له مصنفات كثيرة منها: \"ما اتفق لفظه واختلف معناه\" كبير جدًّا، و\"مصادر القرآن\" بلغ فيه إلى سورة الحديد. توفي سنة ٢٢٥ هـ.\nواليزيدي: نسبة إلى يزيد بن منصور الحميري خال المهدي، وكان أبوه يحيى بن المبارك مؤدبًا، لأولاده منقطعًا إليه، فنسب إليه.\n\nانظر: \"تاريخ بغداد\" ٦/ ٢٠٩، \"إنباه الرواة\" ١/ ٢٢٤ - ٢٢٦، \"اللباب\" لابن الأثير ٣/ ٤<span data-type=\"title\" id=toc-2688>١١</span>، \"غاية النهاية\" ١/ ٢٩، \"طبقات المفسرين\" للداود ١/ ٢٥ - ٢٧.\n(٥) ذكره الأزهرى في \"تهذيب اللغة\" ٥/ ١٢ من رواية ابن اليزيدي، عن أبي زيد.\n(٦) زيادة من \"تهذيب اللغة\".","vol":"15","page":283},{"text":"يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾ أي شك (١). ونحو هذا قال أحمد بن يحيى (٢).\nوهذا الذي قالوا هو معنى \"حرف\" في هذه الآية لا تفسيره. وتفسير الحرف في اللغة: الطرف وهو منتهى الجسم، والحرف والطرف والجانب نظائر في اللغة.\nوالانحراف: الانعدال إلى الجانب وقلم محرف قد عدل بقطعة عن الاستواء والحرف منعدل إلى الجانب عن (٣) الوسط (٤).\nوقال أبو الفتح الموصلي: أما الحرف فالقول فيه أن (ح ر ف) أينما وقعت في الكلام (٥) يراد به حد الشيء وحدته، من ذلك حرف الشيء إنما هو حده وناحيته، وطعام حريف: يراد به (٦) حدته. ورجل محارف: أي محدود عن الكسب والخير، ومثله محرف كأنَّ الخير قد حرف عنه ما يحرف القلم (٧).\nوقولهم: انحرف فلان عني، من هذا، كأنّه جعل بيني وبينه حدًّا بالبعد والاعتزال. ومنه قولهم لهذه البقلة الحادة: الحُرْف (٨)، سمي بذلك\n_________\n(١) ذكره عنه ابن جني في \"سر صناعة الإعراب\" ١/ ١٤.\n(٢) ذكره الأزهري في \"تهذيب اللغة\" ٥/ ١٥ من رواية أبي العباس -وهو ثعلب: أحمد ابن يحيى- عن ابن الأعرابي.\n(٣) في (ع): (إلى)، وهو خطأ.\n(٤) انظر: \"حرف\" في \"تهذيب اللغة\" للأزهري ٥/ ١٢، ١٤، \"الصحاح\" للجوهري ٤/ ١١٣٢، \"لسان العرب\" ٩/ ٤١ - ٤٣.\n(٥) في (أ): (الكلاف)، وهو خطأ.\n(٦) به: ساقطة من (د)، (ع).\n(٧) العبارة في \"سر صناعة الإعراب\": ومثك مجرَّف ومجلَّف، كأنَّ الخير قد جُرِّف عن وجلف، كما يجلف القلم ونحوه.\n(٨) الحُرْف: حبَّ الرشاد. \"القاموس المحيط\" ٣/ ١٢٧.","vol":"15","page":284},{"text":"لحدته. هذا كلامه (١)\nوعلى القول الأول أصل الحرف من الميل سمي الطرف حرفًا لميله عن (٢) الوسط، وعلى قول أبي الفتح أصله من الحدّة والطرف حرفٌ لحدته.\nقال أبو إسحاق: وحقيقته أنه يعبد الله على حرف الطريقة في الدين، لا يدخل فيه دخول متمكن (٣).\nوقال أبو عبيدة -في قوله: ﴿عَلَى حَرْفٍ﴾ -: أي لا يدوم. قال: وتقول (٤): إنَّما أنت على حرف (٥)، أي لا أثق بك (٦).\nقال أبو الفتح: وهذا راجع إلى ما قدمناه لأن تأويله أنه قلق في دينه، على غير ثبات ولا طمأنينة ولا استحكام بصيرة، فكأنه معتمد (٧) على حرفٍ دينه غير واسط فيه، كالذي هو على حرف جبل ونحوه، يضطرب اضطرابا ويضعف قيامه، فهو يعرض أن يقع في أحد جانبي الطرف، فقيل للشاك في دينه أنه يعبد الله على حرف؛ لأنه لو عبده على يقين وبصيرة لم يكن في حرف يسقط عنه بأدنى شيء يصيبه. وهذا المعنى ظاهر في قوله: ﴿فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ﴾ الآية (٨).\n_________\n(١) \"سر صناعة الإعراب\" لابن جني ١/ ١٤، ١٥.\n(٢) في (أ)، (د): (على).\n(٣) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٤١٤.\n(٤) في (د)، (ع): (ويقولون).\n(٥) هكذا في جميع النسخ و\"سر صناعة الإعراب\"، وفي مجاز القرآن: إنما أنت لي على حرف. بزيادة (لي).\n(٦) \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ٢/ ٤٦.\n(٧) في (د)، (ع): (متعمّد).\n(٨) \"سر ساعة الإعراب\" لأبي الفتح ابن جني ١/ ١٤.","vol":"15","page":285},{"text":"وقال بعض أهل المعاني: إنما قيل للشاك في دينه: يعبد الله علي حرف؛ لضعفه واضطرابه في طريق العلم إذْ (١) لم يتمكن في الدلائل المؤدية إلى الحق، فأدنى شبهة تعرض له ينقاد لها ولا يعمل في حلها.\nوقال المبرد: والعرب تقول: فلان على حرف، إذا كان بين قوم يظهر الميل إلى أحدهم وفي نفسه من الآخرين شيء. ومعناه الشك وأصله من حرف الشيء، نحو: الحيل والدكان والحائط الذي القائم عليه غير مستقر.\nهذا الذي ذكرناه كله يعود إلى معنى واحد.\nوقال (٢) ابن قتيبة: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾ (٣) واحد (٤) أي: على وجه واحد ومذهب واحد (٥).\nواختار الأزهري هذا القول فقال: كأنَّ الخير والخصب ناحية، والضر والشر والمكروه ناحية أخرى، فهما حرفان، وعلى العبد أن يعبد خالقه على الحالتين (٦).\nأعني السَّرّاء والضراء، ومن عبد الله على السرَّاء وحدها دون أن\n_________\n(١) في (أ): (إذا).\n(٢) في (د)، (ع): (قال).\n(٣) إلى هنا ينتهي المفقود من نسخة (ظ)، والموجود يبدأ من قوله: (يعبد الله).\n(٤) هكذا في جميع النسخ، والأظهر حذفا فليس (واحد) عند ابن قتيبة.\n(٥) \"غريب القرآن\" لابن قتيبة ص ٢٩٠.\n(٦) في (أ) زيادة بعد قوله (الحالتين): (فقد عبده عباده)، وهي زيادة ناشئة من انتقال نظر الناسخ إلى الكلام الذي بعده.\nوليست في \"تهذيب اللغة\" للأزهري.","vol":"15","page":286},{"text":"يعبده على الضراء فقد عبده على حرف، ومن عبده على الحالتين فقد عبده عبادة العبد المقر بأنَّ له خالقًا (١) يصرفه كيف يشاء، وهو في ذلك عادل غير ظالم له (٢).\nفعلى هذا معنى قوله (٣) ﴿عَلَى حَرْفٍ﴾ على وجه واحد، وهو إذا أصاب خيرًا عبده، وإن أصابه شر ترك عبادته، على ما ذكره الأزهري.\nوقال الحسن: هو المنافق يعبد الله بلسانه دون قلبه (٤).\nويكون معنى ﴿عَلَى حَرْفٍ﴾ في هذا القول: على شك.\nقوله: ﴿فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ﴾ إن أصابه رخاء (٥) وعافية وخصب، وكَثُر ماله اطمأن على عبادة الله بذلك الخير الذي أصابه.\nوالكناية في ﴿بِهِ﴾ تعود إلى الخير.\n﴿وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ﴾ اختبار بجدب وقلة مال ﴿انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ﴾ قال أبو إسحاق: رجع عن دينه إلى الكفر وعبادة الأوثان (٦).\nوقال المبرد: تأويله قلب وجهه عمَّا كان عليه من الدين والعبادة. ويجوز أن يكون المعنى انقلب على وجهه الذي توجه (٧) منه، وهو الكفر.\nويكون معنى الوجه على هذا: طريقه الذي جاء منه (٨)، وهو الكفر.\n_________\n(١) في (أ): (بأنه خالق)، وهو خطأ.\n(٢) \"تهذيب اللغة\" للأزهري ٥/ ١٢ - ١٣ مع تصرف في العبادة.\n(٣) في (ظ): (فعلى هذا المعنى في قوله).\n(٤) ذكره عنه الثعلبي ٣/ ٤٨ أ، والبغوي ٥/ ٢٦٨ - ٢٦٩، والقرطبي ١٢/ ١٨.\n(٥) في (أ): (رجاء). وهو تصحيف.\n(٦) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٤١٤.\n(٧) توجَّه: مهملة في (أ).\n(٨) في (ظ)، (د)، (ع): (منهما).","vol":"15","page":287},{"text":"قال الكلبي وغيره من المفسرين: نزلت في أعراب كانوا يقدمون على رسول الله -ﷺ- المدينة. وكان أحدهم إذا صح جسمه، ونتجت (١) فرسه مهرًا حسنًا، وولدت امرأته غلامًا، وكثر ماله، رضي واطمأن، وقال: ما أصبت منذ دخلت في ديني هذا إلا خيرًا. وإن أصابه وجع في (٢) المدينة، وولدت امرأته جارية وأجهضت رماكه (٣)، وذهب ماله، وتأخرت عنه الصدقة أتاه الشيطان، فقال له (٤): والله ما أصبت منذ دخلت في هذا الدين إلا شرًا. فينقلب عن دينه. وذلك الفتنة (٥).\n_________\n(١) نتجت: ولدت. لسان العرب ٢/ ٣٧٤ (نتج).\n(٢) (في): ليست في (ظ)، (د)، (ع).\n(٣) في (ظ): (رماله).\nورماكه: جمع رمكه، والرمكة: الفرس والأنثى من البراذين. الصحاح للجوهري ٤/ ١٥٨٨ (رمك)، \"لسان العرب\" ١٠/ ٤٣٤ (رمك).\n(٤) (له): ساقطة من (أ)، (ع).\n(٥) ذكره بهذا اللفظ الثعلبي في الكشف والبيان ٣/ ٤٧ ب، ٤٨ أمن غير نسبة لأحد. وذكره عن الكلبي الرازي في \"تفسيره\" ٢٣/ ١٣.\nوقد رواه بنحوه الطبري في \"تفسيره\" ١٧/ ١٢٢ من رواية العوفي عن ابن عباس. وروى البخاري في صحيحه، كتاب التفسير، سورة الحج، باب: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾ ٨/ ٤٤٢ نحوه مختصرًا عن ابن عباس قال: كان الرجل يقدم المدينة، فإن ولدت امرأته غلامًا ونتجت خيله قال: هذا دين صالح، وإن لم تلد امرأته ولم تنتج خيله، قال: هذا دين سوء. وروى ابن أبي حاتم، كما في \"تفسير ابن كثير\" ٣/ ٢٠٩ بإسناد حسن عن ابن عباس قال: كان ناس من الأعراب يأتون النبي -ﷺ- فيسلمون. فإذا رجعوا إلى بلادهم، فإن وجدوا عام غيث وعام خصب وعام ولاد حسن قالوا: إن ديننا هذا لصالحٌ فتمسكوا به. وإن وجدوا عام جدوبة وعام ولاد سوء وعام قحط قالوا ما في ديننا هذا خير، فأنزل الله على نبيه \"ومن الناس .. \" الآية.","vol":"15","page":288},{"text":"وقوله تعالي: ﴿خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ﴾ يعني هذا الشاك خسر دنياه حيث لم يظفر بما طلب من المال، وخسر آخرته بارتداده عن الدين ﴿ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ أي الضرر الظاهر. يعني ذلك الذي فعل من انقلابه على وجهه وذلك (١) الخسران الذي لحقه هو الخسران المبين. وخسر يدل على الخسران؛ لأنّ الفعل يدل على المصدر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2689>١٢ </span>- قوله: ﴿يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي: هذا المرتد يدعو (٢) راجعًا إلى الكفر يعبد سوى الله ﴿مَا لَا يَضُرُّهُ﴾ في معاش إن لم يعبده، ولا ينفعه إنْ أطاعه، يعني الحجارة التي كانوا يعبدونها، ذلك الذي فعل ﴿هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ﴾ أي: عن الحق والرشد.\n<span data-type=\"title\" id=toc-2690>١٣ </span>- قوله: ﴿يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ﴾ هذه الآية كثير (٣) الاختلاف في إعرابها، ووجه دخول اللام في قوله ﴿لَمَنْ﴾، وأذكر الأقوال التي حكاها أبو إسحاق، وأتبع كل قول منها ما ذكر عليه إن شاء الله.\nقال أبو إسحاق: قد اختلف الناس في تفسير هذه (٤) اللام وفي ﴿يَدْعُو﴾ بأي شيء هي متعلقة، ونحن نفسر (٥) جميع ما قالوه وما أغفلوه\n_________\n= وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ١٣ وقال: بسند صحيح، وعزاه لابن أبي حاتم، وابن مردويه.\n(١) في (أ): (أو ذلك).\n(٢) (يدعو): ساقط من (أ).\n(٣) هكذا في جميع النسخ.\n(٤) في (ظ)، (د)، (ع) في تفسير هذه الآية، في اللام وفي يدعو. وما أثبتنا من (أ) هو الموافق لمعاني الزجاج.\n(٥) في (أ): (وعن تفسير)، وهو خطأ.","vol":"15","page":289},{"text":"مما هو أبين من جميع ما قالوه: إنْ شاء الله.\nقال البصريون والكوفيون: اللام معناها (١) التأخير، المعنى: يدعو من لضره (٢) أقرب من نفعه. ولم يشبعوا الشرح ولا قالوا من أين جاز أن تكون اللام في غير موضعها (٣)؟ وشرح ذلك: أنَّ اللام لليمين والتوكيد، فحقها أن تكون أول الكلام، فقدِّمت لتُجعل في حقها وإن كان أصلها أن تكون في \"لضرّه\" (٤) كما أنَّ لام \"إن\" حقها أن تكون في الابتداء، فلمَّا لم يجز أن تلي \"إنَّ\" جعلت في الخبر في مثل قولك: إن زيدًا لقائم. ولا يجوز: إن لزيدًا قائم، فإذا أمكنك (٥) أن تكون في الاسم كان ذلك أجود في الكلام تقول (٦) إنَّ في ذلك لآية. فهذا قول (٧).\nقال أبو علي: من زعم أنَّ هذه اللام في قوله \"لمن ضره\" كان حكمها أن تكون في المبتدأ الذي في صلة \"من\" وهو الضُرّ ثُمَّ قُدِّم (٨) إلى الموصول -وهو \"من\"- فهو مخطىء؛ لأنَّا قد أحاط علمنا بهذه اللام والمواضع التي (٩) يستعملونها فيها، وتلك المواضع:\n_________\n(١) في (أ): (معناه).\n(٢) في (أ): (يدعوا لمن يضره)، وهو خطأ.\n(٣) في (ظ)، (د)، (ع): (موضع. وفي (د) علامة .. بعدها.\n(٤) هكذا في (ظ)، (د)، (ع). والمعاني للزجاج. وفي (أ): (يضره)، ولعل الصواب في (ضره).\n(٥) في المطبوع ص المعاني ٣/ ٤١٥: أمكن. وقد أشار المحقق في الحاشية إلى أنه في الأصل (أمكنك)، فقام بتغييرها.\n(٦) في (ظ): (ويقول).\n(٧) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٤١٥.\n(٨) في جميع النسخ: (ثم أخر)، والتصوب من \"الإغفال\" للفارسي ٢/ ١٥٠٧.\n(٩) في (ظ): (الذي).","vol":"15","page":290},{"text":"منها المبتدأ، وهي فيه (١) على ضربين: إمَّا أن تكون للتأكيد مجردًا من تلقّي السم. وإمّا أن يكون لتلقي القسم والتأكيد.\nومنها \"إنَّ\" وهي تستعمل معها على ضربين أيضًا: إمَّا أن تدخل على اسم \"أنّ\" إذا فصل بينها وبين \"إنَّ\" نحو: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً﴾ (٢)، ولا تمنع \"إنَّ\" من أن تعمل في اسمها النصب؛ لأنَّ التقدير بها أول الكلام قبل \"إنَّ\". وإمَّا أنْ تدخل على خبرها، وهي تدخل على جميع أنواع خبر \"أنَّ\" من المفرد والجملة، نحو: إن زيدًا لأبوه منطلق، والفعل المضارع، ولا تدخل على الفعل الماضي إذا كان خبرًا لإنَّ، ومنها دخولها (٣) على خبر المبتدأ في الشذوذ والضرورة كقوله (٤):\nأم الحليس لعجوز شهربة (٥)\n_________\n(١) في \"الإغفال\" ٢/ ١٥٠٧: وهي فيه.\n(٢) (إنَّ): ساقطة من (أ).\n(٣) في جميع النسخ: دخوله. وأشار محقق \"الإغفال\" ٢/ ١٠٦٠ إلى أنّها في الأصل: دخولها. وفي نسختين من الإغفال: دخوله. فأثبتنا ما في النسخة الأصل للإغفال.\n(٤) هذا شطر من الرجز، وشطره الآخر:\nترضى من اللحم بعظم الرَّقَبة\nوهو بلاد نسبة في: الطبري ١٦/ ١٨١، و\"الصحاح\" للجوهري ١/ ١٥٩ (شهرب)، و\"اللسان\" ١/ ٥١٠، \"تاج العروس\" ٣/ ١٦٩ (شهرب).\nقال العيني في \"المقاصد النحوية\" ١/ ٥٣٥: قائلة رؤبة بن العجاج، ونسبة الصاغاني في \"إيجاب\" إلى عنترة بن عروس، وهو الصحيح. اهـ وهو في \"ديوان رؤبة\" ص ١٧٠.\nقال العيني ١/ ٥٣٥ - ٥٣٦: والحُليس بضم الحاء المهملة وفتح اللام وآخره سين مهملة. والشهربة: العجوز الكبير. وانظر ما تقدم من مراجع في اللغة.\n(٥) في (ظ). (شهرة).","vol":"15","page":291},{"text":"وكما حكى أبو الحسن (١) في حكايته نادرة: إنَّ زيدًا وجهه لحسن (٢).\nفإذا كان حق هذه اللام أنْ تدخل على المبتدأ، أو على اسم \"إن\" وخبرها من حيث دخلت على المبتدأ، وكان دخولها على خبر المبتدأ ضرورة وشذوذًا (٣) مع أنَّ خبر المبتدأ في المعنى هو المبتدأ، أو راجع [في المعنى إلى ما هو المبتدأ فدخوله في الموصول والمراد به] (٤) الصلة ينبغي أن لا يجوز؛ لأن الصلة ليست بالموصول، كما أن خبر المبتدأ [هو] المبتدأ (٥).\nفتبين بهذا أن قول من قال التقدير بها في الآية التأخير إلى الصلة خطأ، وأنّه تارك (٦) لمذهب العرب في تأويله إياها هذا (٧) التأويل.\nويفسد هذا القول أيضًا أن اللام إذا كان حكمه (٨) أن تكون في الصلة، ثم قدم إلى الموصول فغير سائغ، كما أن سائر ما يكون في الصلة لا يتقدم على الموصول.\nوأما تشبيهه تقدّم هذه اللام في الآية بتأخرها عن الاسم إلى الخبر في \"إنَّ\" فلا يشتبهان، وهو بعيد من الصواب؛ لأنه لا شيء يجب ويلزم له أن تقدم هذه اللام إلى الموصول من الصلة، كما كان في اسم \"إنّ\" سبب\n_________\n(١) هو الأخفش سعيد بن مسعدة.\n(٢) في (أ): (إن زيدًا لوجهه لحسن)، وهو خطأ.\n(٣) في \"الإغفال\" ٢/ ١٠٥٦: أو شذوذًا.\n(٤) ما بين المعقوفين ساقط من (ظ).\n(٥) هو: زيادة من الإغفال.\n(٦) في (أ): (لتارك).\n(٧) في (ظ): (بهذا).\n(٨) في الإغفال ٢/ ١٠٦٠: حكمها، وأشار المحقق إلى أنه في بعض النسخ: حكمه.","vol":"15","page":292},{"text":"يوجب تأخيرها إلى الخبر وهو اجتماع حرفين بمعنى واحد، ففساد هذا التشبية بين.\nوأما قوله: ولا يجوز إنَّ لزيدا قائم، فتمثيل سوء فيه إيهام (١) أنَّ اللام التقدير بها أن تكون بعد \"إنّ\" وليس كذلك (٢)؛ لأنَّ تقدير اللام أن (٣) تكون قبل \"إن\" يدلك على ذلك تعليقه الفعل وَوَقْعُهُ (٤) به عن \"إنَّ\" في نحو علمت إنَّ زيدًا لمنطلق.\nولو (٥) كان التقدير بها (٦) الوقوع بعد \"إن\" لفتح الفعل [في] \"إنَّ\" (٧)؛ لأنّه لم يكن له كاف عن \"إنّ\" وفتحها، ويدل أيضًا (٨) على أن التقدير بها التقديم قوله ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً﴾ فلو لم يكن التقدير بها التقديم على \"إن\" لكفت \"إنَّ\" عن العمل كما كفت الفعل عن العمل في نحو: علمت لزيد خيرٌ منك. فلما لم تكفّ \"إنَّ\" عن أن تعمل في اسمها كما كف الفعل ولم يعلقه؛ علمنا أن التقدير بها التقديم على \"إن\"، ويقوّي ذلك من (٩) السمع\n_________\n(١) في (أ): (إبهام).\n(٢) في (أ): (ذلك)، وهو خطأ.\n(٣) في (أ): (بأن).\n(٤) في (أ): (وومعه) مهملة، وفي (ظ): (ووقعه)، وفي (د)، (ع): (ووقفه)، ولعل الصواب ما أثبتنا، ففي \"الإغفال\" ٢/ ١٠٦٧: ووقوعه على \"إنَّ\" المكسورة في نحو قولك: علمت إنّ زيدًا لمنطلق.\n(٥) في (ظ): (فلو)\n(٦) في (ظ): (فيها).\n(٧) زيادة من \"الإغفال\" ٢/ ١٦٠٧.\n(٨) أيضًا: ليست في (ظ)، (د)، (ع).\n(٩) من: ساقطة من (ط).","vol":"15","page":293},{"text":"قولهم: لهنك (١) رجل صدق (٢). فاللام قبل \"إنَّ\" فتأمَّل هذا الكلام أي على هذا القول (٣).\nقال أبو إسحاق: وقالوا أيضًا: إنَّ \"يدعو\" معه هاء مضمرة وأنَّ \"ذلك\" من قوله ﴿ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ﴾ في موضع رفع و\"يدعو\" في موضع الحال المعنى: ذلك هو الضلال البعيد يدعوه. المعنى في حال دعائه إياه، ويكون ﴿لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ﴾ مستأنفًا مرفوعًا بالابتداء، وخبره ﴿لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ﴾ (٤).\nقال أبو علي: إنْ قال قائل: على هذا القول كيف يجوز هذا التأويل في التنزيل وحذف الهاء إنما يسوغ في الصلة والصفة، وليس هذا بصلة ولا صفة؟ والقول عندي أنَّ ذلك غير ممتنع لمضارعة الحال الصفة. ألا ترى أنَّك إذا قلت: جاء زيد راكبًا، فقد فصل راكب بين مجيئين أو أكثر كما أن قولك: جاءني رجل ظريف يفرق بين رجلين أو رجال والحال في هذا كالصفة، فتقدير قوله \"ذلك هو الضلال البعيد\" يدعو أشير إليه مدعوا (٥) (٦).\nوزاد أبو الفتح الموصلي بيانا لهذا القول فقال: في \"يدعو\" من قوله ﴿يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ﴾ هاء منصوبة بـ\"يدعو\" محذوفة، وتكون الجملة في موضع نصب على الحال من \"ذلك\" في قوله ﴿ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ﴾ [التقدير: ذلك\n_________\n(١) في (أ): (لمعنك).\n(٢) (صدق): ساقطة من (أ).\n(٣) \"الإغفال\" ٢/ ١٠٥١ - ١٠٦٨ مع تصرّف.\n(٤) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٤١٥ - ٤١٦.\n(٥) في \"الإغفال\" ٢/ ١٠٦٩: يدعو على هذا، أشير إليه مدعوًّا.\n(٦) \"الإغفال\" لأبي علي ٢/ ١٠٦٨ - ١٠٦٩ مع تصرّف.","vol":"15","page":294},{"text":"هو الضلال] (١) البعيد مدعوًّا. وغير منكر حذف الهاء من الحال؛ لأنها تضارع الصفة، والصفة يجوز فيها حذف الهاء جوازًا حسنًا، من ذلك قولك: الناس رجلان رجل أكرمت ورجل أهنت. ومن أبيات الكتاب (٢):\nأبحتَ (٣) حِمَى تهامة بعد نجد ... وما شيء حميت بمستباح (٤)\nأي حميته. فعلى هذا تقول: نظرت إلى زيد تضرب (٥) هند، [أي: ضربه هند] (٦)، فحذف الهاء من الحال لمضارعتها الصفة. وتكون اللام في \"لمن\" لام الابتداء و\"من\" مرفوعة بالابتداء، وقوله \"لبئس المولى\" خبر \"من\" كأنَّه قال: للذي ضره أقرب من نفعه لبئس المولى. واللام التي في \"لبئس\" هي اللام التي يتلقى بها القسم في نحو:\nلناموا فما إنْ مِنْ رقيب ولا صالي (٧)\n_________\n(١) ما بين المعقوفين ساقط من (أ).\n(٢) في (أ) زيادة: (فقال)، بعد قوله: (الكتاب).\n(٣) في (أ): (أبحب).\n(٤) البيت في الكتاب ١/ ٨٧ منسوبًا لجرير، وهو في \"ديوانه\" ١/ ٨٩. وأمالي ابن الشجري ١/ ٥، و\"المقاصد النحوية\" ٤/ ٧٥.\nقال الشنتمري في \"تحصيل عين الذهب\" ١/ ٤٥: يخاطب عبد الملك بن مروان فيقول: ملكت .. وأبحت حماها بعد مخالفتها لك، وما حميت لا يصل إليه من خالفك لقوة سلطانك، وتهامة ما تسفل من بلاد العرب ونجد ما ارتفع، وكنى بهما عن جميع بلاد العرب.\n(٥) في (ظ)، (د)، (ع): (نظرت)، وهو خطأ.\n(٦) ما بين المعقوفين ساقط من (ظ)، (د)، (ع).\n(٧) البيت لامرئ القيس وأوله:\nحَلَفتُ لها باللهِ حَلْفة فاجرٍ\nوهو في \"ديوانه\" ص ٣٢، \"سر صناعة الإعراب\" ١/ ٣٧٤، \"شرح المفصل\" =","vol":"15","page":295},{"text":"وهي تدل على يمين محذوفة، فكأنه قال: للذي ضَرُّه أقرب من نفعه والله لبئس المولى. كما تقول: زيد والله لقد قام. هذا كله كلام أبي الفتح (١) في بيان القول الثاني من (٢) الأقوال التي حكاها الزَّجَّاج.\nقال الزجاج: وفيه وجه ثالث: يكون \"يدعو\" في معنى يقول. ويكون \"من\" في موضع رفع، وخبره محذوف. ويكون المعنى: يقول لمن ضره أقرب من نفعه هو مولاي.\nومثل يدعو (٣) في معنى يقول قول عنترة:\nيدعون عنتر والرماح كأنها ... أشطان بئر في لبان الأدهم (٤)\nقال: ويجوز أن يكون يدعو في معنى يسمّى كما قال ابن أحمر (٥):\n_________\n= لابن يعيش ٩/ ٢٠، \"لسان العرب\" ٩/ ٥٣. (حلف)، \"همع الهوامع\" ٢/ ١١٥، \"خزانة الأدب\" ١٠/ ٧١، ٧٨.\nوعندهم (حديث) مكان (رقيب).\nوالفاجر هنا: الكاذب. والصالي: الذي يصطلي بالنار.\n(١) \"سر صناعة الإعراب\" ١/ ٤٠٢ - ٤٠٣ مع تقديم وتأخير.\n(٢) في (أ): (عين).\n(٣) (يدعو): ساقطة من (أ).\n(٤) البيت أنشده الزجاج لعنترة في \"معاني القرآن\" ٣/ ٤١٦.\nوهو في ديوانه ص ٩٢١٦ من معلقته، وفي \"لسان العرب\" ١٣/ ٢٣٧ (شطن) قال الشنتمري في شرحه لديوان عنترة ص ٢١٦: (قوله: يدعون عنتر، أي: ينادونني يا ضتر يا عنتر، ... والأشطان: الحبال، شبَّه الرماح بها في طولها واستقامتها. وقوله: في لبان الأدهم: يعني فرسه، واللبان: الصدر، أي: إذا نظر القوم إلى الرماح وقد كثرت وأشرعت في لبان الأدهم نادونني.\n(٥) في (ظ)، (د)، (ع): (ابن الأحمر).\nوهو عمرو بن أحمر بن العمّرد بن عامر، الباهلي، أبو الخطابى شاعر مخضرم، أسلم وغزى مغازي الروم، وعُمِّر تسعين سنة، ومات نحو ٦٥ هـ. =","vol":"15","page":296},{"text":"أهوى لها مشقصا حشرًا (١) فشبرقها ... وكنت أدعو قذاها الإثمد القردا (٢)\nووجه هذا القول كوجه الذي قبله (٣). انتهت الحكاية عنه.\nقال أبو علي: أقول إنَّ الدعاء بمعنى القول سائغ، وهذا الوجه الذي أجازه ممكن، أعني أن يصرف يدعو إلى معنى يقول فيحكى (٤) ما بعدها إذا (٥) كان في معنى القول وضربًا منه، واللام في \"لمن\" لام ابتداء،\n_________\n= \"الشعر والشعراء\" ٢٢٣، \"معجم الشعراء\" للمرزباني ص ٢٤، \"الإصابة\" ٣/ ١١٢، \"الأعلام\" ٥/ ٧٢.\n(١) في (أ): (حش)، وفي (ظ): (فردا).\n(٢) اليت أنشده الزجاج لابن أحمر في \"معاني القرآن\" ٣/ ٤١٦.\nوهذا البيت ضمن أبيات قالها ابن أحمر لما رماه رجلٌ يقال له مخشي بسهم فذهبت عينه، فقال:\nشلت أنامل مخشي فلا جبرت ... ولا استعان بضاحي كفِّه أبدا\nأهوى لها ...\nوهو في \"ديوانه\" ص ٤٩، \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ٢/ ١٣، \"الشعر والشعراء\" لابن قتيبة ص ٢٢٣، \"المعاني الكبير\" لابن قتيبة أيضًا ٢/ ٩٨٨، والطبري ١٦/ ١٣١.\nوالمشقص: نصل السهم، أو السهم الذي فيه نصل طويل أو عريض. حَشْر: لطيف القُذذ وهي الريش قد بُريت وحدّدت وسويت.\nشبرقها: مزّقها، أدعو: أسمّي، الإثمد: الكحل، القرد: المتلبِّد.\nانظر \"لسان العرب\" ٤/ ١٩٢ (حشر)، ١٠/ ١٧١ (شبرق)، ٣/ ٣٤٨ (قرد)، \"تاج العروس\" ١٨/ ١٥ - ١٦ (شقص)، ٧/ ٤٦٨ (ثمد).\nقال ابن قتيبة في \"المعاني الكبير\" ٢/ ٩٨٨: يقول: كنت من إشفاقي عليها أسمي ما يصلحها -يعني الإثمد- قذى، فكيف ما يؤذيها؟ وقوله: أدعو: أسمِّي.\n(٣) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٤١٦.\n(٤) في (ظ)، (د)، (ع): (فيحلى).\n(٥) في \"الإغفال\" ٢/ ١٠٧١: إذْ.","vol":"15","page":297},{"text":"وموضع \"من\" رفع، والخبر مضمر. ولا يجوز أن يكون الخبر ﴿لَبِئْسَ الْمَوْلَى﴾ أعني خبر \"لمن\" لأن الكافر المتمسك بعبادة الأصنام لا يقول للصنم لبئس المولى (١).\nوزاد أبو الفتح لهذا القول بيانًا فقال: \"يدعو\" بمنزلة (٢) يقول، أي يقول لمن ضره أقرب من نفعه إله (٣) أو رب، فتكون \"من\" (٤) مرفوعة بالابتداء، وخبرها محذوف مقدر، ويدل على أن \"يدعو\" بمنزلة يقول قول عنترة:\nيدعون عنترة أي يقولون: يا عنترة، فدل يدعون عليها.\nفإن قيل: فلم جعلوا خبر \"من\" محذوفا دون أن يكون قوله ﴿لَبِئْسَ الْمَوْلَى﴾ كما أجزتم في القول الثاني؟ قيل: إنَّ الكفار ليسوا (٥) يقولون لمن يدعونه إلها: لبئس المولى، ولو قالوا ذلك لما عبدوه.\nومعنى ﴿لَبِئْسَ الْمَوْلَى﴾ ذم لمعبودهم لا على الحكاية عنهم ولكن على الإخبار، أخبر الله تعالى أن من ضره أقرب من نفعه فإنَّه بئس المولى. فإنْ قيل: فإذا كان الأمر كذلك فكيف جاز أن يقول يدعو بمعنى يقول لمن ضره أقرب من نفعه إله، والكافر لا يقول ذلك؟ قيل: إنَّ ذلك على حكاية (٦) قولنا (٧) نحن فيه أي يقول لمن ضره أقرب من نفعه عندنا وفي قولنا إله عنده.\n_________\n(١) \"الإغفال\" لأبي علي الفارسي ٢/ ١٠٧١ - ١٠٧٢ مع تصرف.\n(٢) في (أ): (يميله).\n(٣) إله: ساقطة من (ظ).\n(٤) من: ساقطة من (أ).\n(٥) (ليسوا): ساقطة من (ظ).\n(٦) في (ظ)، (د)، (ع): (الحكايهَ).\n(٧) في (ظ): (وقولنا).","vol":"15","page":298},{"text":"وقد جاءت هذه الحكاية عنهم مجيئًا واسعًا من ذلك قوله تعالى: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان: ٤٩] وقوله: ﴿يَا أَيُّهَ السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ﴾ [الزخرف: ٤٩] وقالوا هذا بعد إيمانهم وتقديره: يا أيها الساحر عند أولئك الذين يدعونك ساحرًا، فأمَّا نحن فنعلم (١) أنك لست بساحر. انتهى كلامه (٢).\nوهذا القول -أنَّ \"يدعو\" بمعنى: يقول- هو قول الأخفش ذكره في كتابه (٣)، واختيار المبرّد.\nقال المبرد: يدعو بمعنى: يقول، كقول (٤) القائل: ما يدعى فلان فيكم أي: ما يقال له. فمعناه: يقول لمن ضره أقرب من نفعه إله، فالخبر (٥) محذوف لما دل عليه من قوله \"يدعو من دون الله\".\nقال أبو علي: فأما قوله: يجوز أن يكون يدعو (٦) في معنى يسمى، فقدل ممتنع غير جائز في الآية وقد أجاز سيبويه فقال: يقول دعوته زيدًا إذا أردت مني سميته فتعديه إلى مفعولين (٧). والذي منع من (إجازة ذلك في الآية دخول لام (٨) الابتداء في الكلام وإذا حمله على هذا التأويل لزمه\n_________\n(١) في (ظ)، (د)، (ع): (نعلم).\n(٢) \"سر صناعة الإعراب\" ١/ ٤٠٤ - ٤٠٦ مع تقديم وتأخير وتصرّف.\n(٣) \"معاني القرآن\" للأخفش ٢/ ٦٣٥ - ٦٣٦.\n(٤) في (ظ)، (د)، (ع): (كما يقول القائل).\n(٥) في (ظ): (والخبر).\n(٦) في (أ): (يدعوه).\n(٧) \"الكتاب\" ١/ ٣٧.\n(٨) في (ظ)، (د)، (ع): (اللام).","vol":"15","page":299},{"text":"أن] (١) يعلقه، لأنّه لا يعمله في اللفظ. والتعليق (٢) فيه لا (٣) يجوز؛ لأنَّ التعليق إنَّما يجوز فيما (٤) يجوز فيه الإلغاء (٥)، وهو علمت وبابه، ولو جاز التعليق (٦) في سمَّيت لجاز أن تقول: سميت (٧) أخوك زيد، كما تقول: علمت لزيد منطلق. وهذا قول الخليل وسيبويه وجميع البصريين (٨). إذ التعليق لا يجوز فيما عدا علمت وبابه، والبيت الذي أنشده يجوز أن يكون يدعو فيه بمعنى يسمى؛ لأنه لا شيء فيه يمنع من ذلك كما منع منه في الآية دخولُ اللام. ألا ترى أنَّ (٩) قوله:\nوكنت أدعو قذاها الإثمد القردا\nأنه بمنزلة (١٠) \"كنت أدعو أخاك زيدًا\". فلا يجوز أن يكون يدعو\n_________\n(١) ما بين المعقوفين في حاشية (د)، وعليه علامة التَّصْحيح.\n(٢) التعليق: هو إبطال عمل الفعل القلبي لفظًا لا محلًا لمانع، وسمي تعليقًا لأنه إبطال في اللفظ مع تعليق العامل بالمحل وتقدير إعماله.\nانظر: \"شرح التسهيل\" لابن عقيل ١/ ٣٦٨ - ٣٦٩، و\"همع الهوامع\" للسيوطي ١/ ١٥٥، \"معجم المصطلحات النحوية\" لمحمد اللبدي ص ١٥٥.\n(٣) في (ظ)، (د)، (ع): (فلا).\n(٤) في (أ): (فيها)، وهو خطأ.\n(٥) الإلغاء: هو إبطال العمل لفظًا ومحلًا لغير مانع لضعف العامل.\nانظر: \"شرح التسهيل\" لابن عقيل ١/ ٣٦٤، \"همع الهوامع\" ١/ ١٥٣، \"موسوعة النحو والصرف\" لإميل بديع ص ٢٦١.\n(٦) في (د)، (ع): (التعلق).\n(٧) انظر: \"الإغفال\" ٢/ ١٠٧٨.\n(٨) انظر: الكتاب ٣/ ١٤٩، \"شرح المفصل\" لا بن يعيش ٧/ ٨٦، \"أوضح المسالك\" لابن هشام ١/ ٣١٣ - ٣١٧، \"همع الهوامع\" للسيوطي ١/ ١٥٣ - ١٥٤.\n(٩) في (ظ): (إلي).\n(١٠) في (ظ)، (د)، (ع). (بمعنى كنت).","vol":"15","page":300},{"text":"بمعنى يسمى في الآية كما جاز [في تأويله الذي] (١) في (٢) هذا البيت (٣).\nقال أبو إسحاق: وفيها وجه رابع -وهو الذي أغفله الناس-: أنَّ \"ذلك\" في موضع نصب بوقوع \"يدعو\" عليه، ويكون \"ذلك\" في تأويل الذي، ويكون المعنى: الذي هو الضلال البعيد يدعو، ويكون ﴿لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ﴾ مستأنفًا. وذا مثل قوله ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى﴾ [طه: ١٧] على معنى: ما التي بيمينك؟ (٤).\nقال أبو علي: وهذا الوجه هو الحسن، أعني أن يتأوّل (٥) \"ذلك\" بمعنى \"الذي\"، ويجعل قوله \"هو الضلالة البعيد\" صلته، ويجعل (٦) الموصول في موضع نصب (٧)، فتكون اللام حينئذٍ داخلًا (٨) على اسم مبتدأ موصول، وقوله ﴿لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ﴾ في موضع رفع لوقوعه خبر المبتدأ، واللام التي في (٩) قوله ﴿لَبِئْسَ الْمَوْلَى﴾ لام اليمين، وهي التي إذا دخلت على المضارع لزمته النون، وهذا ما يجب أن تحمل الآية عليه (١٠) (١١).\n_________\n(١) ما بين المعقوفين ساقط من (ظ)، (د)، (ع).\n(٢) (في): ساقطة من (أ).\n(٣) \"الإغفال\" للفارسي ٢/ ١٠٧٣ - ١٠٧٨ مع تصرف.\n(٤) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣٠/ ٤١٦.\n(٥) في (أ): (تناول)، وهو خطأ.\n(٦) في (ظ): (ويحتمل).\n(٧) في \"الإغفال\": نصب بيدعو.\n(٨) في (ظ)، (د)، (ع): (داخلٌ)، وهو خطأ، وفي الإغفال: فتكون اللام حينئذ داخلة.\n(٩) (في): ساقطة من (ظ).\n(١٠) في (ظ)، (د)، (ع): (ما يجب على الآية).\n(١١) \"الإغفال\" للفارسي ٢/ ١٠٦٢ - ١٠٦٣ مع تصرف.","vol":"15","page":301},{"text":"وتعقَّب الموصلي هذا القول وزاده بيانًا، وقال: وجه هذا القول أن تجعل \"ذلك\" بمنزلة \"الذي\" وتجعل الجملة التي هي قوله ﴿هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ﴾ صلة له، وتنصب (١) \"ذلك\" التي بمعنى \"الذي\" بيدعو، فيصير التقدير: يدعو الذي [هو الضلال البعيد، ثم تقدم المفعول الذي] (٢) هو \"الذي\"، فصار كما تقول: زيد يضرب (٣)، و\"ذلك\" قد استعملت بمعنى \"الذي\" نحو قوله ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٢١٩] فيمن رفع الجواب فقال \"قل العفو\" (٤). وقد ذكرنا هذا فيما تقدَّم.\nهذا الذي ذكرنا هو الأقوال التي ذكرها أبو إسحاق في كتابه، وكلام الإمامين أبي علي وأبي الفتح عليها.\nثم ذكر أبو علي -من عند نفسه- قولًا خامسًا وهو: أن تجعل يدعو في قوله ﴿يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ﴾ تكرارًا للفعل الأول على جهة تكثير هذا الفعل الذي هو الدعاء من فاعله، ولا تعديه إذ قد عديته مرة. هذا كلامه (٥).\nوشرحه أبو الفتح فقال: يجعل (٦) \"يدعو\" تكرارًا و\"يدعو\" الأولى وهو قوله ﴿يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾، وترك إعمال الثاني؛ لأنَّها قد أعملت متقدمة، فاستغني فيها عن إعادة العمل، كما تقول: ضربت زيدًا ضربت. حكى ذلك\n_________\n(١) في (ظ)، (د)، (ع): (وانتصب)، والمثبت من (أ)، و\"سر صناعة الإعراب\".\n(٢) ما بين المعقوفين ساقط من (ظ).\n(٣) العبارة في \"سر صناعة الإعراب\": ثم يقدم المفعول الذي هو \"الذي\" فيصير التقدير: الذي هو الضلال البعيد يدعو، كما تقول: زيدًا يضرب. و\"ذا\" ..\n(٤) \"سر صناعة الإعراب\" لابن جني ١/ ٤٠٣.\n(٥) \"الإغفال\" للفارسي ٢/ ١٠٦٢.\n(٦) (يجعل): ساقط من (ظ)، (د)، (ع)،","vol":"15","page":302},{"text":"سيبويه، وتكون اللام في \"لمن\" لام الابتداء و\"من\" مرفوعة بالابتداء، وقوله \"لبئس المولى\" خبر \"من\" (١) (٢). على ما بينا في القول الثاني.\nوقال الفراء -في هذه الآية-: جاء التفسير: يدعو من ضره أقرب من نفعه، وكذا هو في قراءة عبد الله (٣) \"يدعو من ضره\" وقد حالت اللام بين الفعل والمفعول في قراءة العامة. ولم نجد العرب تقول: ضربت لأخاك، ولا رأيت لزيدًا. وترى أن جواز ذلك في الآية لأن \"من\" حرفٌ لا يتبين فيه (٤) الإعراب؛ فاستجيز الاعتراض باللام دون الاسم. وذكر عن العرب أنَّهم قالوا: عندي لما غيره خير منه، فحالوا باللام دون الرافع، وموقع اللام كان ينبغي أن يكون في \"ضره\" (٥) وفي قولك: عندي ما لغيره خير منه. فهذا وجه (٦).\nواعتمد ابن الأنباري هذا فذكره في كتاب \"الوقف والابتداء\" (٧).\nوأما معنى الآية: فقال السدي: ضره في الآخرة بعبادته (٨) إياه أقرب من النفع (٩).\n_________\n(١) في (ظ): (خبره من ضره)، وفي (د)، (ع): (خبر من ضره).\n(٢) \"سر صناعة الإعراب\" ١/ ٤٠٢ - ٤٠٣.\n(٣) انظر: الطبري ١٧/ ١٢٤، \"الشواذ\" لابن خالويه ص ٩٤، الثعلبي ٣/ ٤٨ أ، القرطبي ١٢/ ٢٠، \"البحر المحيط\" ٦/ ٣٥٧.\n(٤) في (أ): (فيها).\n(٥) في (ظ)، (د)، (ع): (خبره)، وهو خطأ.\n(٦) \"معاني القرآن\" ٢/ ٢١٧. وتتمته: هذا وجه القراءة للاتّباع.\n(٧) انظر: \"إيضاح الوقف والابتداء\" ٢/ ٨٧١.\n(٨) في (أ): (بعبادة)، وهو خطأ.\n(٩) رواه ابن أبي حاتم كما في \"الدر المنثور\" للسيوطي ٦/ ١٥.","vol":"15","page":303},{"text":"قال الزَّجَّاج: فإن قال قائل: كيف يقال ﴿أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ﴾ ولا نفع (١) من قبله ألبَتَّة. فالعرب تقول لما لا يكون: هذا بعيد. والدليل على ذلك قوله ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ [ق: ٣] هذا كلامه (٢).\nومعنى هذا (٣): أنه لما كان يقال لما لا يكون هذا بعيد، فنفع الصنم بعيد؛ لأنه لا يكون، فلمَّا كان نفعه بعيدًا قيل لضره أنَّه (٤) أقرب من نفعه، على معنى أنَّه كائن (٥).\n_________\n(١) في (أ): (ولا يقع)، وهو خطأ.\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٤١٥.\n(٣) في (ظ)، (د)، (ع): (ومعنى الآية هذا).\n(٤) أنه: ليست في (ظ)، (د)، (ع).\n(٥) ذكر البغوي في \"تفسيره\" ٥/ ٣٦٩ أن هذه الآية -يعني قوله ﴿لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ﴾ من مشكلات القرآن ثم قال: وفيها أسئلة. أولها: قالوا: قد قال الله في الآية الأولى \"يدعو من دون الله ما لا يضره\" وقال -هاهنا- \"لمن ضره أقرب من نفعه\" فكيف التوفيق بينهما؟.\nوللعلماء أجوبة أخرى أقربها جوابان:\nالأول: ما ذكره أبو حيان في البحر ٦/ ٣٥٥ بقوله: ونفى هنا التفسير والنفع وأثبتهما في قوله \"لمن ضره أقرب من نفعه\" وذلك لاختلاف المتعلق، وذلك أن قول \"ما لا ينفعه\" هو الأصنام والأوثان ولذلك أتى التعبير عنها بـ\"ما\" التي لا تكون لآحاد من يعقل، وقوله \"يدعو لمن ضره\" هو من عبد باقتضاء وطلب من عابديه من المدعين الإلهية كفرعون وغيره من ملوك بني عبيد الذين كانوا بالمغرب ثم ملكوا مصر فإنهم كانوا يدعون الإلهية ويطاف بقصرهم في مصر وينادون مما ينادى به رب العالمين من التسبيح والتقديس، فهؤلاء -وإن كان منهم نفع مّا لعابديهم في دار الدنيا- فضررهم أعظم وأقرب من نفعهم إذْ هم في الدنيا مملوكون للكفّار وعابدون لغير الله، وفي الآخرة معذبون العذاب الدائم، ولهذا كان التعبير هنا بـ\"من\" التي هي لمن يعقل. =","vol":"15","page":304},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= قال الشنقيطى في \"أضواء البيان \" ٥/ ٤٧ - بعد ذكره لجواب أبي حيان-: وله اتجاه.\nثم ذكر البغوي قول السدي وكلام الزجاج من غير نسبة لهما، واقتصر عليه.\nالثاني: ما ذكره أبو العباس ابن تيمية في الفتاوى ١٥/ ٢٦٩ - ٢٧٥ وخلاصة جوابه: أن قوله تعالى: ﴿مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنْفَعُهُ﴾ هو نفي لكون المدعو المعبود من دون الله يملك نفعا أو خيرا، وهذا يتناول كل ما سوى الله من الملائكة والبشر والجن والكواكب والأوثان كلها، فما سوى الله لا يملك -لا لنفسه ولا لغيره- ضرا ولا نفعا، كما قال الله تعالى في سياق نهيه عن عبادة المسيح ﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [المائدة: ٧٦]. وقد قال لخاتم الرسل ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلَا نَفْعًا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ [الأعراف: ١٨٨]. وقال على العموم ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [الزمر: ٣٨].\nفالمنفي في قوله ﴿مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنْفَعُهُ﴾ هو قدرة من سوى الله على النفع والضر، فنفى الله فعلهم، وأما قوله \"ضره أقرب من نفعه\" فالمثبت اسم مضاف إليه فإنّه لم يقل: يضر أعظم مما ينفع، بل قال \"لمن ضره أقرب من نفعه\" والشيء يضاف إلى الشيء بأدنى ملابسه، فقد يضاف إلى محله وزمانه ومكانه وسبب حدوثه وإن لم يكن فاعلا كقوله ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [سبأ: ٣٣]، وكقول الخليل عن الأصنام ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾ [إبراهيم: ٣٦] فنسب الإضلال إليه. ولا ريب أن بين المعبود من دون الله وبين ضرر عابديه تعلق يقتضي الإضافة. فما يدعى من دون الله هو لا ينفع ولا يضر، ولكن هو السبب في دعاء الداعي له وعبادته إياه. وعبادة ذلك ودعاؤه هو الذي ضره، فهذا الضر المضاف إليه غير الضر المنفي عنه. فضرر العابد له بعبادته يحصل في الدنيا والآخرة وإن كان عذاب الآخرة أشد. اهـ.\nوقد ارتضى هذا الوجه في الجمع ابن عاشور في \"التحرير والتنوير\" ١٧/ ٢١٦ حيث قال: ولما كان الضُرّ الحاصل من الأصنام ليس ضرًا ناشئا عن فعلها بل هو =","vol":"15","page":305},{"text":"وقوله ﴿لَبِئْسَ الْمَوْلَى﴾ أي: الناصر ﴿وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ﴾ أي: الصاحب والمخالط.\nقال المبرد: والعشير: المعاشر وهو المخالط. والعشيرة تأويلها: المجتمعة إلى أب واحد. وقولهم: بُرمة (١) أعشار، إنما هي كسور عن أصل واحد (٢).\nولما ذكر الشاك في الدين بالحيرة (٣) والرجوع إلى الكفر، وذمه بالخسران وعبادة ما لا ينفعه، ذكر (٤) ثواب المؤمنين فقال:\n﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2691>١٤ </span>- قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ قال ابن عباس: يريد أوليائه وأهل طاعته.\nوقال غيره: ﴿يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ فيعطي ما شاء (٥) من كرامته أهل طاعته،\n_________\n= ضر ملابس لها أثبت التفسير بطريق الإضافة للضمير دون طريق الإسناد إذْ قال تعالى: ﴿لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ﴾ ولم يقل: لمن يضر ولا ينفع. لأن الإضافة أوسع من الإسناد فلم يحصل تنافي بين قوله \"ما لا يضره\" وقوله \"لمن ضره\". اهـ.\n(١) في (أ): (تُرمه)، وهو خطأ. والبُرْمة: قدر من حجارة. \"تهذيب اللغة\" للأزهري ١٥/ ٢٢٠ (برم).\nوفي \"تهذيب اللغة\" للأزهري ١/ ٤١١ (عشر): (والعرب تقول: بُرمة أعشار، أي متكسرة.\n(٢) انظر (عشر) في: \"تهذيب اللغة\" ١/ ٤١١، \"الصحاح\" ٢/ ٧٤٧، \"لسان العرب\" ٤/ ٥٧٤.\n(٣) في (ظ): (بالخير).\n(٤) في (ظ): (وذكر).\n(٥) في (ظ)، (د)، (ع): (وقوله).","vol":"15","page":306},{"text":"وما شاء (١) من الهوان أهل (٢) معصيته (٣).\nوهذا يدل على تكذيب (٤) من (٥) زعم أن المؤمن يدخل الجنة باستيجابة (٦) ذلك على الله بطاعته (٧). وعلى تصديق قول (٨) الرسول -ﷺ-: \"لن يدخل الجنة أحدٌ إلا برحمة الله\" (٩).\nورحمته: إرادته الخير (١٠).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2692>١٥ </span>- قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ أكثر أهل التفسير على أن الهاء في (ينصره) كناية عن محمد -ﷺ- (١١).\n_________\n(١) في (ظ): (يشاء)، في الموضعين.\n(٢) في (ظ): (لأهل).\n(٣) هذا قول الطبري ١٧/ ١٢٥ بنصه.\n(٤) (تكذيب): ساقطة من (ظ)، (د)، (ع).\n(٥) في (ظ)، (د)، (ع): (أن)، وهو خطأ.\n(٦) (باستيجابة) مهملة في (أ)، (ظ)، (د)، والمثبت من (ع).\n(٧) هذا قول المعتزلة. انظر: \"الملل والنحل\" للشهرستاني ١/ ٤٥.\n(٨) (قول): ساقطة من (ظ).\n(٩) روي هذا الحديث بعدة ألفاظ، أقربها إلى لفظ المصنف رواية الإمام أحمد في \"مسنده\" ٢/ ٣٩٠ من حديث أبي هريرة ﵁.\nورواه البخاري في \"صحيحه\" كتاب: المرضى، باب: تمني المريض الموت ١٠/ ١٢٧، ومسلم في \"صحيحه\" كتاب: صفات المنافقين وأحكامهم، باب: لن يدخل أحد الجنة بحمله، بل برحمة الله ٤/ ٢١٧٠ بلفظ: \"لن يُدْخِل أحدًا منكم عمله الجنة\" قالوا: ولا أنت يا رسول الله! قال: \"ولا أنا. إلا أن يتغمدني الله منه بفضل ورحمة\".\n(١٠) هذا تأويل. والصواب أن الرحمة صفة من صفات الله وصف بها نفسه، ووصفه بها رسوله. فنثبتها لله سبحانه من غير تعطيل ولا تحريف ولا تكييف ولا تمثيل.\n(١١) \"الكشف والبيان\" للثعلبي ٣/ ٤٨ ب وانظر الطبري ١٧/ ١٢٥ - ١٢٧.","vol":"15","page":307},{"text":"قال ابن عباس: يريد أن لن ينصر الله محمدًا (١).\nوهو قول قتادة (٢)، والسدي، والكلبي (٣)، وابن زيد (٤)، واختيار الفراء والزجاج.\nقال الزجاج: أي من كان يظن أن لن ينصر الله محمدًا حتى يظهره على الدين كله فليمت غيظًا، وهو تفسير قوله ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ﴾ (٥) فليشدد حبلًا في سقفه (٦) ﴿ثُمَّ لْيَقْطَعْ﴾ أي: ليمد الحبل حتى ينقطع (٧) فيموت مختنقًا (٨).\nوقال الفراء: من كان منكم يظن أن الله لن ينصر محمدًا (٩) بالغلبة حتى يظهر دين الله فليجعل في سماء بيته حبلًا ثم ليختنق، فذلك قوله ﴿ثُمَّ لْيَقْطَعْ﴾ (١٠) أي: اختناقًا. وفي قراءة عبد الله (ثم ليقطعه) يعني السبب (١١).\n_________\n(١) رواه الطبري ١٧/ ١٢٦ - ١٢٧، والحاكم في \"مستدركه\" ٢/ ٣٨٦، وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ١٥ وعزاه للفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وابن مردويه.\n(٢) رواه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ٢/ ٣٣، والطبري ١٧/ ١٢٦.\n(٣) ذكره عن السدي والكلبي الرازي ٢٣/ ١٥، وأبو حيان في \"البحر\" ٦/ ٣٥٧.\n(٤) رواه الطبري ١٧/ ١٢٦، وابن أبي حاتم كما في \"الدر المنثور\" ٦/ ١٦.\n(٥) في (ظ): (من)، وهو خطأ.\n(٦) في (أ): (شقفه).\n(٧) في (ظ) زيادة: (الحبل)، بعد قوله (ينقطع)، وليست عند الزجاج.\n(٨) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٤١٧.\n(٩) العبارة في (ظ)، (د)، (ع): (أن لن ينصر الله محمدا)، وما أثبتنا من (أ) هو الموافق لمعاني الفراء.\n(١٠) في (ظ)، (د)، (ع) زيادة: (فذلك) بعد قوله: (ثم ليقط)، ولا معنى لها.\n(١١) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢١٨.","vol":"15","page":308},{"text":"وعلى هذا القول النصر معناه: حسن المعونة وعون المظلوم والإظهار بالغلبة.\nومعنى (فليقطع) فليختنق في قول جميع المفسرين (١).\nووجه ما ذكره (٢) الزجاج والفراء أنه يقطعه بجذبه إياه حتى ينقطع، فيموت اختناقًا.\nوذكر الأزهري وجها آخر فقال: أجمع المفسرون على أن تأويل قوله ﴿ثُمَّ لْيَقْطَعْ﴾ ثم ليختنق، وهو محتاج إلى شرح يزيد في بيانه، ومعنى ﴿لْيَقْطَعْ﴾ ليمد الحبل مشدودًا على حلقه مدًا شديدًا حتى يقطع (٣) حياته ونفسه خنقًا (٤).\nوعلى هذا معنى ﴿لْيَقْطَعْ﴾ ليقطع نفسه. والقول هو الأول، ويدل عليه قراءة عبد الله (ليقطعه) بالهاء الراجع إلى السبب.\nقال الأزهري: والمعنى: فليختنق غيظًا حتى يموت، فإن الله (٥) مظهره ولا ينفعه غيظه (٦).\n_________\n(١) القول بأن معنى (فليقطع) فليختنق في قول جميع المفسرين محل نظر، فقد قيل (فليقطع) أي فليقطع النصر أو الوحي عن محمد -ﷺ- إن تهيأ له ذلك. انظر: \"إعراب القرآن\" للنحاس ٣/ ٩٠، \"النكت\" للماوردي ٤/ ١٢، \"زاد المسير\" ٥/ ٤١٤.\n(٢) في (أ): (ذكرناه)، وهو خطأ.\n(٣) في (ظ): (تنقطع).\n(٤) \"تهذيب اللغة\" للأزهري ١/ ١٨٨ (قطع).\n(٥) لفظ الجلالة لم يرد في (د)، (ع). وفي (ظ): (فإنه مظهره).\n(٦) \"تهذيب اللغة\" للأزهري ١٢/ ١٦٠ (نصر) وفي المطبوع: ولا ينفعه موته خنقًا. وفي \"اللسان\" ٥/ ٢١٠: ولا ينفعه غيظه وموته خنقًا. فيظهر أن (غيظه) ساقطة من المطبوع.","vol":"15","page":309},{"text":"قوله تعالى: ﴿هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ﴾ أي: صنيعه وحيلته ﴿مَا يَغِيظُ﴾ (ما) بمعنى المصدر، أي: هل يذهبن كيده غيظه؟ ويجوز أن يكون (ما) بمعنى: (الذي)، والمعنى (١): هل يذهبن كيده الذي يغيظه؟ (٢).\nوالأول قول الفراء والزجاج (٣). ويقال: غظتُ فُلانًا أغيظُه غَيْظًا (٤).\nوروى ثعلب عن ابن الأعرابي: غاظهُ وأغَاظَهُ وغَيَّظه بمعنى واحد (٥).\nوشرح ابن قتيبة هذه الآية على هذا القول بأبلغ بيان فقال: كان قوم من المسلمين لشدة غيظهم وحنقهم على المشركين يستبطؤون ما وعد الله رسوله (٦) من النصر، وآخرون من المشركين يريدون اتباعه ويخشون أن لا يتم له أمره، فقال الله ﴿مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ﴾ يعني محمدًا -ﷺ- على مذهب العرب في الإضمار لغير مذكور (٧)، وهو يسمعني أعده النصر والإظهار والتمكين، أو كان (٨) يستعجل به قبل الوقت الذي قضيت أن يكون ذلك فيه ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ﴾ أي: بحبل ﴿إِلَى السَّمَاءِ﴾ يعني سقف البيت، وكل شيء علاك (٩) وأظلك فهو سماء، والسحاب: سماء، يقول\n_________\n(١) في (ظ)، (د)، (ع): (وهو المعنى).\n(٢) \"تفسير الطبري\" ١٧/ ١٢٨، \"الكشف والبيان\" للثعلبي ٣/ ٤٨ ب.\n(٣) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢١٨، و\"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٤١٧.\n(٤) \"تهذيب اللغة\" للأزهري ٨/ ١٧٣ (غاظ) نقلًا عن الليث. وهو في \"العين\" ٤/ ٤٣٩ (غيظ).\n(٥) \"تهذيب اللغة\" للأزهري ٨/ ١٧٣ (غاظ) عن ثعلب، عن ابن الأعرابي.\n(٦) في (أ): (ورسوله)، وما أثبتناه هو الموافق للمشكل ص ٣٥٨.\n(٧) العبارة في (ظ)، (د)، (ع): (لغيره في الإضمار مذكور. وهي عبارة غير مفهومة.\n(٨) في (ظ)، (د)، (ع): (إذ كان)، وفي \"المشكل\" ص ٣٥٨: (وإن كان.\n(٩) في (أ): (وكل ما علاك)، والمثبت هو الموافق للمشكل ص ٣٥٨.","vol":"15","page":310},{"text":"الله: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا﴾ (١) [ق: ٩]، وقال سلامة بن جندل (٢) يذكر قتل (٣) كسرى النعمان (٤):\nهُوَ المُدْخِلُ النُّعمانَ بيتًا سماؤه نُحورُ ... الفُيول (٥) بعد بَيْتِ مُسَرْدَق (٦)\n_________\n(١) في جميع النسخ: (وأنزلنا)، وهو خطأ.\n(٢) هو: سلامة بن جندل بن عبد عمرو، من بني كعب بن سعدة التميمي، أبو مالك.\nشاعر جاهلي قديم، وهو من فرسان تميم المعدودين، في شعره حكمة وجودة، وهو ممن يصف الخيل فيحسن.\n\"طبقات فحول الشعراء\" ١/ ١٥٥، \"الشعر والشعراء\" ص ١٦٦، \"خزانة الأدب\" ٤/ ٢٩، \"الأعلام\" للزركلي ٣/ ١٠٦.\n(٣) في (أ): (قبل)، وفي (د): (قبل): بإهمال ثانية. ومهملة في (ظ)، (ع).\n(٤) هو: النعمان بن المنذر بن المنذر بن امرئ القيس اللخمي، أبو قابوس. من أشهر ملوك الحيرة في الجاهلية، ملك الحيرة بعد أبيه، وكانت متابعة للفرس، وهو صاحب إيفاد العرب على كسرى، نقم عيله كسرى أمرًا فعزله وسجنه حتى مات، وقيل ألقاه تحت أرجل الفيلة فوطئته، فهلك نحو ١٥ ق. هـ.\nانظر: \"الكامل\" لابن الأثير ١/ ٢٤٦، \"البداية والنهاية\" ١/ ١٩٩، \"الأعلام\" للزركلي ٨/ ٤٣.\n(٥) في (أ): (القبول).\n(٦) البيت أنشده ابن قتيبة لسلامة في \"مشكل القرآن\" ص ٣٥٨.\nوهو في \"ديوانه\" ص ١٨٤، و\"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ١/ ٣٩٩ ومنه (المولج) في موضع (المدخل)، و(صدور) في موضع (نحور). والطبري ١٥/ ٢٣٨ بمثل رواية أبي عبيدة، و\"لسان العرب\" ١٠/ ١٥٨ وفيه صدور).\nوبيت مُسردق: هو أن يكون أعلاه وأسفله مشدود كله. \"لسان العرب\" ١٠/ ١٥٨ (سردق) \"القاموس المحيط\" ٣/ ٢٤٤.","vol":"15","page":311},{"text":"يعني: سقفه، وذلك أنه أدخله بيتًا فيه فيلة فتوطأته حتى قتلته (١). وقوله (٢) ﴿ثُمَّ لْيَقْطَعْ﴾ قال المفسرون: ليختنق. وقوله ﴿فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ﴾ (٣) هل يذهب ذلك ما (٤) في قلبه؟.\nوفعل هذا رجل وَعَدْتَه شيئًا مرة بعد مرة، ووكدت على نفسك الوعد (٥)، وهو يراجعك في ذلك، ولا تسكن نفسه إلى قولك، فتقول له: إن كنت لا تثق بما أقول، فاذهب فاختنق (٦). تريد: اجهد جهدك. هذا معنى قول المفسرين. انتهت الحكاية عنه (٧).\nومعنى ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ﴾ إلي آخر الآية إنما أمر بالخنق لا على وجه الإلزام، ولكن (٨) إشارة إلى أنه لا حيلة له، وليس يتوصل إلى تقديم النصر قبل وقته، وإخراج ما يظن من (٩) أن محمدًا -﵇- لا ينصر عن قلبه فلم يبق له (١٠) إلا الخنق ليستريح (١١) من غيظه بتأخر النصر عن محمد -ﷺ- كما قال الشاعر:\n_________\nفي (أ): (فيه قبله)، وانظر قصة قتل كسرى للنعمان في: \"الكامل\" لابن الأثير ١/ ٢٨٧ - ٢٨٩، \"خزانة الأدب\" للبغدادي ٣/ ٣٨٣ - ٣٨٦.\n(٢) في (أ): (قوله).\n(٣) من بعد (فلينظر) ساقط من (ظ)، (د)، (ع).\n(٤) في (ظ): (مما).\n(٥) في (ظ)، (د)، (ع): (الوعيد)، وهو خطأ.\n(٦) في (أ): (واختنق).\n(٧) \"مشكل القرآن\" لابن قتيبة ص ٣٥٨ - ٣٥٩ مع اختلاف يسير.\n(٨) في (ظ)، (د)، (ع): (لكن).\n(٩) (من): زيادة من (أ).\n(١٠) (له): ليست في (ظ)، (د)، (ع).\n(١١) في (أ): (لتستريح).","vol":"15","page":312},{"text":"إنْ كنت لا ترضى بما قد ترى (١) ... فدونك الحبل به فاختنق (٢)\nأي: لا سبيل إلى تغييره (٣)، فإنْ غاظك ما تراه ولا ترضاه فخذ الحبل واختنق حتى تستريح.\nوذُكر أنَّ هذه الآية نزلت في قوم من أسد وغطفان (٤) تباطؤوا عن الإسلام، وقالوا نخاف أن لا ينصر محمد فينقطع الذي بيننا وبين حلفائنا من اليهود فلا يميروننا (٥) ولا يؤوننا، فنزلت هذه الآية ذما لهم على هذا الظن واستعجالهم ما (٦) قد وعدهم (٧) الله (٨).\nولابن زيد طريق آخر في تفسير هذه الآية، وهو أن جعل السماء في\n_________\n(١) في (أ): (إن كنت لا ترى بما قد ترضى)، وهو خطأ.\n(٢) لم أهتد لهذا البيت.\n(٣) مهملة في (أ).\n(٤) أسد: قبيلة عظيمة، تنسب إلى أسد بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان، وهذه ذات بطون كثيرة.\nانظر: \"جمهرة أنساب العرب\" لابن حزم ص ١١، ٤٧٩، \"نهاية الأرب في معرفة أنساب العرب\" للقلقشندي ص ٤٧ - ٤٨، \"معجم قبائل العرب\" لكحالة ١/ ٢١. وغطفان: بطن عظيم متسع كثير الأفخاذ، وهم بنو غطفان بن قيس بن عيلان بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان.\nانظر: \"الجمهرة\" ص ٢٤٨، \"نهاية الأرب\" ص ٣٤٨، \"معجم قبائل العرب\" لكحالة ٣/ ٨٨٨ - ٨٨٩.\n(٥) يميروننا: يعني: يجلبوا لنا الطعام. \"لسان العرب\" ٥/ ١٨٨ (مير).\n(٦) في (ظ): (بما).\n(٧) في (أ): (وعده).\n(٨) ذكره الطبري ١٧/ ١٢٨ من غير سند، وذكره ابن الجوزي ٥/ ٤١٢ عن مقاتل. وهو في \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٢١ أ.","vol":"15","page":313},{"text":"قوله ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ﴾ السماء المعروفة، وقال: معناه: من كان يظن (١) أن لن ينصر الله نبيه، ويكايده (٢) في أمره، فليقطع ذلك من أصله من حيث يأتيه، فإن أصله في السماء، فذلك قوله ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ﴾ عن النبي -ﷺ- الوحي الذي يأتيه من الله، فلينظر هل يقدر على إذهاب (٣) غيظه بهذا الفعل؟ (٤).\nوهذا التفسير لا يوافق معنى قوله ﴿مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ﴾ (٥) لأن من ظن ذلك لا يقال له: إن كنت تظن أنه غير منصور فاقطع النصر عنه. ولو كان أول الكلام: من يغيظه أن ينصره الله، أو ما أشبه هذا؛ حج (٦) تفسير ابن زيد، وليس في أوائل (٧) الآية: من أراد أن يكايده، أو يقطع النصر عنه، أو شيء من هذا المعنى الذي بني ابن زيد تفسير باقي الآية عليه.\nهذا الذي ذكرنا كله على قول من يقول الهاء في (ينصره) كناية عن النبي -ﷺ-.\nومذهب مجاهد والضحاك (٨): أن الهاء كناية عن (من) في قوله ﴿مَنْ كَانَ﴾.\n_________\n(١) في (أ): (نظر)، وهو خطأ.\n(٢) في (أ): (لكابده).\n(٣) في (أ): (ذهاب).\n(٤) ذكر عنه بهذا اللفظ الثعلبي في \"الكشف والبيان\" ٣/ ٤٨ ب. وقد رواه الطبري ١٧/ ١٢٦، وابن أبي حاتم كما في \"الدر المنثور\" ٦/ ١٦ بنحوه.\n(٥) في (أ): (بنصر الله): وهو خطأ.\n(٦) في (أ): (أصح)، وهو خطأ.\n(٧) في (ظ)، (د)، (ع): (أواخر).\n(٨) يظهر أن الواحدي اعتمد في نسبة هذا القول على الطبري، فقد قال الطبري في \"تفسيره\" ١٧/ ١٢٧: وقال آخرون: الهاء في (ينصره) من ذكر (من) ... ثم قال =","vol":"15","page":314},{"text":"قال مجاهد: ﴿مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ﴾ أن لن يرزقه الله (١).\nوهذا القول هو اختيار أبي عبيدة، قال: ﴿أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ﴾ أن لن يرزقه (٢). قال: ووقف علينا رجل من بني أبي بكر (٣) بن كلاب فقال: من ينصرني نصره الله. أي: من يعطيني أعطاه الله. وأنشد للراعي:\n_________\n= الطبري: ذكر من قال ذلك. ثم ذكر الطبري آثارًا عن مجاهد وغيره، ثم قال ١٧٥/ ١٢٨: حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله (فليمدد بسبب) يعني: بحبل (إلى السماء) يعني: سماء البيت. أهـ.\nوالنص -كما ترى- ليس فيه ما يدل على أن الضحاك يرى أن الهاء عائدة إلى (من). وقد جاء عن الضحاك ما يخالف ما نسب إليه، فقد روى عبد بن حميد وابن المنذر كما في \"الدر المنثور\" ٦/ ١٦ عنه في الآية قال: من كان يظن أن لن ينصر الله محمدا، فليجعل حبلًا في سماء بيته، فليختنق به، فلينظر هل يغيظ ذلك إلا نفسه؟.\n(١) رواه الطبري ١٧/ ١٢٧، وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ١٥ وعزاه لعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر.\n(٢) في (د)، (ع): (أن لن ينصره) أن لن يرزقه.\n(٣) في المطبوع من \"المجاز\" ٢/ ٤٦، بني بكر، وأشار المحقق إلى أنه في نسخة: بني أبي بكر. وما ذكره الواحدي هنا من قوله (ابن كلاب) ليس في المجاز لأبي عبيدة فيحتمل أن يكون السائل من بني أبي بكر -كما وقع في إحدى نسخ المجاز وكما نسبه الواحدي إلى بني أبي بكر ابن كلاب- وهو كما قال ابن الأثير في تهذيب الأنساب ١/ ١٧٠ نسبة إلى أبي بكر بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، واسمه عبيد، ينسب إليه كثير. أهـ.\nويحتمل أن يكون السائل من بني بكر -كما وقع في بعض نسخ المجاز- وهو كما قال ابن الأثير (١٧٠٨) نسبة إلى بكر بن وائل، أبو بكر بن عبد مناة من كنانة بن خزيمة، أو بكر بن عوف بن النخع.\nوقد وقع عند ابن الجوزي ٥/ ٤، والرازي ١٧/ ٢٣، وأبي حيان ٣/ ٣٥٧، والشنقيطي ٥/ ٥١، من بني بكر.","vol":"15","page":315},{"text":"أبوك الذي أجْدى عليَّ بَنَصْرِهِ ... فأنْصت عنّي بعده كُلَّ قائل (١)\nوأصل هذا من قولهم: نصرت السماء أرض كذا، إذا سَقَتْها (٢).\nقال أبو عبيد: نُصَرت البلاد، فهي منصورة. ونُصِرَ القوم، إذا غِيثُوا (٣). وأنشد (٤):\nمن كان أخْطاه الربيع فإنّما ... نُصرَ الحجاز بغَيث عبد الواحد (٥)\nقال ابن قتيبة -على هذا القول-: كأنه يريد من كان قانطا من رزق الله ورحمته فليفعل ذلك الذي ذكره (٦) من الاختناق، ولينظر هل يذهب كيده -\n_________\n(١) البيت أنشده أبو عبيدة في \"مجاز القرآن\" ٢٥/ ٤٦ - ٤٧.\nوهو في \"ديوانه\" ص ٢٠٩ من أبيات يمدح بها يزيد بن معاوية بن أبي سفيان، وفيه (فأسكت) في موضع (فأنصت). و\"الاشتقاق\" لابن دريد ص ١١٠ وفيه (فأسكت).\nوهو من غير نسبة في: \"تهذيب اللغة\" للأزهري ١٢/ ١٥٥، و\"اللسان\" ٢/ ٩٩، و\"تاج العروس\" ٥/ ١٢٣ (نصت).\n(٢) انظر (نصر) في: \"تهذيب اللغة\" ١٢/ ١٦٠، \"الصحاح\" ٢/ ٨٢٩، \"لسان العرب\" ٥/ ٢١١.\n(٣) هكذا في جميع النسخ و\"اللسان\" لابن منظور ٥/ ٢١١. وفي المطبوع من \"تهذيب الأزهري\": أعيثوا.\n(٤) في (أ): (وأنشد الشاعر فقال).\n(٥) قول أبي عبيد وإنشاده في \"تهذيب اللغة\" للأزهري ١٢/ ١٥٩ - ١٦٠ منسوبًا إليه. والبيت لابن ميادة يمدح عبد الواحد بن سليمان بن عبد الملك. وهو في \"ديوانه\" ص ١١٢)، و\"الوحشيات\" (الحماسة الصغرى) لأبي تمام ص ٢٧٠، وفيه: (يجود) في موضع (يغيث). ومن غير نسبة في \"تهذيب اللغة\" للأزهري ١٢/ ١٦٠ (نصر)، و\"المخصص\" لابن سيدة ٩/ ١٢١، و\"اللسان\" ٥/ ٢١١ (نصر).\n(٦) في (أ): (ذكر).","vol":"15","page":316},{"text":"أي: حيلته- غيظه لتأخر الرزق عنه؟ (١).\nوقوله: ﴿مَا يَغِيظُ﴾ يعني حنقه أن لا يرزق. وهذا ذم على سوء الظن بالله.\nوفي قوله ﴿ثُمَّ لْيَقْطَعْ﴾ قراءتان: كسر اللام وتسكينها (٢).\nوالأصل (٣) الكسر عند الابتداء، فإذا تقدمها الواو والفاء أو (ثم) (٤) فمن أسكن مع الفاء (٥) والواو فلأنهما (٦) يصيران كشيء من نفس الكلمة؛ لأن كل واحد منهما لا ينفرد بنفسه. فسكن اللام، كما ذكرنا فيمن سكن (وهي) (فهي) (٧) (٨). وأما (ثم) فإنه ينفصل بنفسه ويسكت عليه، فليس في هذا كالفاء والواو [ولهذا لم يسكن أبو عمرو بعد (ثم). ومن سكن بعده شبه الميم من (ثم) بالواو والفاء] (٩) وجعله كقولهم: (أراك (١٠) منتفخًا). وعلى\n_________\n(١) \"مشكل القرآن\" لابن قتيبة ص ٣٦٥. وليس فيه: الذي ذكره من الاختناق.\n(٢) قرأ أبو عمرو، وابن عامر، وورش عن نافع: (ثم ليقطع) بكسر اللام، وقرأ الباقون بسكون اللام: (ثم ليقطع). \"السبعة\" ص ٤٣٤ - ٤٣٥، \"التبصرة\" ص ٢٦٥، \"التيسير\" ص ١٥٦، \"الإقناع\" ٢/ ٧٠٥.\n(٣) في (ظ)، (د)، (ع): (فالأصل).\n(٤) في (أ): (وثم)، والمثبت من باقي النسخ هو الموافق لما في الحجة.\n(٥) في (أ): (مع الواو والفاء).\n(٦) في (ظ): (فإنهما)، وهو خطأ.\n(٧) في (أ): (وفي)، وهو خطأ.\n(٨) في \"الحجة\" للفارسي ٥/ ٢٧٠: وقبل ذلك قولهم: ﴿وَهِىَ﴾ [هود: ٤٢]، ﴿فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ﴾ [البقرة: ٧٤].\n(٩) ساقط من (ظ)، (د)، (ع).\n(١٠) في (أ)، (د): (اذاك)، وفي (ظ)، (ع): (اداك)، والتصويب من \"الحجة\" ٥/ ٢٧٠.","vol":"15","page":317},{"text":"هذا قول العجاج:\nفَبَاتَ مُنْتَصْبًا وما تكَرْدَسا (١) (٢)\nوهذا مما تقدم الكلام فيه. ومن قرأ بعض هذا بالسكون وبعضه بالحركة (٣) من ﴿ثُمَّ لْيَقْطَعْ﴾ ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا﴾ ﴿وَلْيُوفُوا﴾ ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا﴾ [الحج: ٢٩] فإنه أخذ بالوجهين لاجتماعهما في الجواز (٤).\n_________\n(١) في (أ): (بكردشا).\n(٢) هذا الشطر من الرجز للعجاج بهذه الرواية (منتصبا) في \"الحجة\" للفارسي ١/ ٤٠٨، ٥/ ٢٧٠، و\"الخصائص\" لابن جني ٢/ ٣٣٨، وفي \"اللسان\" ١/ ٧٥٨ (نصب) من غير نسبة.\nوروايته في \"ديوان العجاج\" ص ١٣٠، و\"تهذيب اللغة\" ١٠/ ٤٢٣ (كردس)، و\"اللسان\" ٦/ ١٩٥ (كردس): (فبات منتصا وما تكردسا. ولا شاهد فيه على هذه الرواية. وهو يصف فيها حمارًا وحشيًّا، وبعده: إذا أحس نبأة توجسا.\nقال الأصمعي في \"شرحه لديوان العجاج\" ص ١٣٠: (قوله (منتصبا) أي منتصبًا. والمكردس: الذي قد رمى بنفسه.\n(٣) قرأ بعض هذا بالسكون وبعضه بالحركة: أبو عمرو، وابن عامر في غير رواية ابن ذكران، وورث عن نافع، وابن كثير في رواية قنبل.\nفقرأ أبو عمرو، وابن عامر، وورش عن نافع: (ثم ليقطع)، (ثم ليقضوا) بكسر اللام، ووافقهم في (ليقضوا) وحدها ابن كثير في رواية قنبل.\nووافق هؤلاء المتقدمون بقية القراء في قراءة (وليوفوا)، (وليطوفوا) بإسكان اللام. أمَّا رواية ابن ذكوان عن ابن كثير فبالكسر في المواطن الأربعة.\n\"السبعة\" ص ٤٣٤ - ٤٣٥، \"المبسوط\" لابن مهران ٢٥٧، \"التبصرة\" ص ٢١٥، \"التيسير\" ص ١٥٦، \"النشر\" ٢/ ٣٢٦.\n(٤) من قوله: (والأصل) إلى هنا هذا كلام الفارسي في \"الحجة\" ٥/ ٢٦٩ - ٢٧٠ مع تصرف وانظر: \"علل القراءات\" للأزهري ٢/ ٤٢٠ - ٤٢١، \"إعراب القراءات السبع وعللها\" لابن خالويه ٢/ ٧٣، و\"حجة القراءات\" لابن زنجلة ص ٤٧٣ - ٤٧٤.","vol":"15","page":318},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2693>١٦ </span>- وقوله ﴿وَكَذَلِكَ﴾ أي: ومثل ذلك. يعني ما تقدم من آيات القرآن (١). وإن شئت قلت: وهكذا. وهو مذهب مقاتل بن سليمان (٢). ﴿أَنْزَلْنَاهُ﴾ أنزلنا القرآن.\n﴿آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ قال ابن عباس: يريد لأهل التوحيد. ﴿وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ﴾ أي: وأنزلنا إليك أن الله يهدي. قال ابن عباس: يعني (٣) يرشد إلى دينه ﴿مَنْ يُرِيدُ﴾.\nوهذا الآية دليل على أن مِلاك الهدى والضلالة منوط بالإرادة تكذيبًا للقدرية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2694>١٧ </span>- قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآية، تقدم الكلام في تفسير هؤلاء الفرق المذكورة (٤) إلى قوله ﴿وَالْمَجُوسَ﴾.\nقال الأزهري: والمجوس معرب، أصله: منْج كُوش، وكان رجلًا صغير الأذنين، هو أول من دان بدين المجوس، ودعاهم إلى المجوسية، فعربته (٥) العرب فقالت: مجوس، وربما تركت العرب صرف مجوس تشبيهًا بالقبيلة وذلك أنه اجتمع فيه التأنيث والعجمة، ومنه قوله (٦):\n_________\n(١) انظر البغوي ٥/ ٣٧١، و\"زاد المسير\" لابن الجوزي ٥/ ٤١٤ - ٤١٥.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٢١ أ.\n(٣) في (ظ): (يريد).\n(٤) انظر: \"البسيط\" ١/ ٧٥٦، ٥٧ أ، ب أزهرية.\n(٥) في (ظ)، (د)، (ع): (فعربت).\n(٦) هذا عجز بيت أنشده الأزهري في \"تهذيب اللغة\" ١٠/ ٦٠٢ من غير نسبة وهو للتوأم اليشكري، أجاز به قال امرؤ القيس، وكان امرؤ القيس قد نازع التوأم وقال له: إن كنت شاعرًا فملط -التمليط: أن يقول الشاعر نصف بيت ويتمه الشاعر الآخر. \"القاموس المحيط\" ٢/ ٣٨٧ (ملط) - أنصاف ما أمول وأجزها، فقال =","vol":"15","page":319},{"text":"كنَارِ مَجُوس تَسْتَعرُ اسِتْعَارا\nوقد تمجَّس الرجل إذا دان (١) بدين المجوس، ومَجَّس غَيره إذا علَّمه دين المجوسية (٢).\nوقال غير الأزهري: المجوس يقال إنهم سموا بذلك لأن الميم جُعلت بدلًا من النون، كان يقال لهم النجوس (٣) لنجاستهم وتدينهم باستعمال النجاسة، وقد تعتقب الميم النون مثل الغيم (٤) والغين والأيم والأين (٥).\n_________\n= التوأم: نعم، فقال امرؤ القيس:\nأصاح أريك برقا هب وهنا\nويروى:\nأحارِ ترى بُريقا هب وهنا\nفقال التوأم:\nكنَارِ مَجُوس تَسْتَعرُ اسِتْعَارا\nوهذا البيت مع الخبر في \"ديوان امرئ القيس\" ص ١٧٤ من رواية الأصمعي عن أبي عمرو بن العلاء، وفي \"لسان العرب\" ٦/ ٢١٣ (مجس)، و\"تاج العروس\" للزبيدي ٢٠/ ١٢٣ (ملط).\nونسب سبيويه في \"الكتاب\" ٣/ ٢٥٤، والجوهري في \"الصحاح\" ٣/ ٩٧٧ (مجس) البيت لامرئ القيس.\nوهو من غير نسبة في: كتاب \"ما ينصرف وما لا ينصرف\" للزجاج ص ٨٢، \"المذكر والمؤنث\" لابن الأنباري ٢/ ١٣٩، \"تاج العروس\" للزبيدي ١٦/ ٤٩٦ (مجس).\n(١) في (أ): (كان)، وهو خطأ.\n(٢) \"تهذيب اللغة\" للأزهري ١٠/ ٦٠١ - ٦٠٢ (مجس).\nوانظر: \"الصحاح\" للجوهري ٣/ ٩٧٧ (مجس)، \"لسان العرب\" ٦/ ٢١٣، ٢١٥ (مجس).\n(٣) في (ظ)، (ع)، (د): (المجوس)، وهو خطأ.\n(٤) في (أ): (الغنم والغنن)، وهو خطأ.\n(٥) لم أجد من ذكر هذا القول فيما وقفت عليه من المصادر اللغوية. وقد ذكره =","vol":"15","page":320},{"text":"والقول ما ذكره الأزهري.\nقوله ﴿وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ يعني مشركي العرب.\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ قال أبو إسحاق: خبر (إن) الأولى جملة الكلام مع (إن) الثانية (١).\nيعني قوله ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ﴾.\nقال الفراء: وربما قالت العرب: إن أخاك إن الدين عليه لكثير. فيجعلون (إن) في خبره. وأنشد:\nإن الخليفة إن الله سربله ... البيت (٢)\n_________\n= باختصار السمين الحلبي في \"الدر المصون\" ٨/ ٢٤٥ ولم ينسبه لأحد. والغيم والغين: السحاب. والأيم والأين: الحية.\nانظر: \"الإبدال والمعاقبة والنظائر\" للزجاجي ص ١٠٥، \"الإبدال\" لأبي الطيب اللغوي ٢/ ٤٢٣، ٤٣٤.\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٤١٧.\n(٢) كلام الفراء وإنشاده في \"معاني القرآن\" له ٢/ ٢١٨. والبيت لجرير من قصيدة يمدح بها عبد العزيز بن عبد الوليد بن عبد الملك بن مروان، وتتمته:\nسِرْبال ملك به تُرْجَى الخواتيمُ\nوهو في \"ديوانه\" ٢/ ٦٧٢ وروايته فيه: يكفي الخليفة أن الله سربله، ولا شاهد فيه على ذلك.\nو\"خزانة الأدب\" ١٠/ ٣٦٤ - ٣٦٨ وعجزه عنده: لباس ملك به تُرْجى الخواتيم. قال البغدادي ١٠/ ٣٦٤: سربله: ألبسه، يتعدى لمفعولين أولهما ضمير الخليفة، والثاني اللباس بمعنى الثوب .. وتُرجى -بالزاي والجيم- والإرجاء: السوق. والخواتيم: جمع خاتام لغة في الخاتم. يريد إن سلاطين الآفاق يرسلون إليهم خواتمهم خوفًا منه، فيضاف ملكهم إلى ملكه. ويروى (ترجى) بالراء المهملة من الرجاء. وهذه الرواية أكثر من الأولى.","vol":"15","page":321},{"text":"وهذا كما ذكرنا (١) في قوله ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٣٠].\nقال الفراء: وإنما جاز هذا لأن الاسمين قد اختلفا، فحسن رفض الأول وجعل الثاني كأنه هو المبتدأ، فحسن لاختلاف اسمي (٢) (إن)، ولا يجوز: إنك إنك (٣) قائم، ولا: إن أباك إنه قائم؛ لاتفاق الاسمين (٤).\nقال الزجاج: وليس بين البصريين خلاف في أن (إن) (٥) تدخل على كل ابتداء وخبر، تقول: إن زيدًا إنه قائم (٦).\nفأجاز أبو إسحاق ما استقبحه الفراء ولم يجزه.\nوقال صاحب النظم: لما قال ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وما تبع ذلك (٧) من الكلام وطال صارت (إن) كأنها مُلغاة لتباعدها عن خبرها (٨) فأعاد (٩) ذكرها عند الجواب؛ ليعلم أن الجواب متصل بالابتداء توكيدًا للشرح. قال: ويجوز أن يكون إنما وجب أن يقدم ذكر الله -﷿- في مبتدأ الخبر (١٠) على نظم: إن الله يفصل (١١) يوم القيامة بين الذين آمنوا والذين\n_________\n(١) في (ع): (ذكره)، وهو خطأ.\n(٢) في (أ): (إسم).\n(٣) إنك (الثانية): ساقطة من (ظ).\n(٤) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢١٨ مع تصرف واختلاف في العبارة.\n(٥) (إن): ساقطة من (ظ).\n(٦) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٤١٨.\n(٧) ذلك: ساقطة من (ظ)، (د)، (ع).\n(٨) في (أ): (حيزها).\n(٩) في (أ): (وأعاد).\n(١٠) في (أ): (الخير). وهو تصحيف.\n(١١) في (ظ) زيادة (بينهم) بعد قوله (يفصل).","vol":"15","page":322},{"text":"هادوا. فلما قدم ذكرهم في الابتداء أعاد ذكر اسمه بالتقديم ليدل على أن وضع مبتدأيه (١) على هذا النظم.\nومعنى ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ﴾ قال ابن عباس: يقضي بينهم يوم القيامة.\nوفسر الزجاج هذا الفصل والقضاء بين هؤلاء الفرق بإدخال المؤمنين الجنة والآخرين النار، واحتج بقوله بعد هذا ﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ﴾. وقوله ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ الآية.\nوقوله ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ من أعمال هؤلاء الفرق.\nقال ابن عباس: شهيد على ما في قلوبهم عالم به. وقال أهل المعاني: إن الله -﷿- يفصل بين الخصوم في الدين يوم القيامة بما يضطر إلى العلم بصحة الصحيح فيبيض وجه المحق ويسود وجه المبطل (٢).\nومعنى الشهيد: العلم بما شاهده، والله -﷿- يعلم كل شيء قبل أن يكون بأنه علام الغيوب.\n\n١٨ - قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَر﴾ ألم تعلم؛ لأن المراد الرؤية بالقلب والفعل. وقد ذكرنا هذا في قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا﴾ [البقرة: ٢٤٣] الآية.\nوقوله: ﴿يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ قال الفراء: يعني أهل السموات ﴿وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ قال: يعني كل خلق [من الجبال ومن الجن وأشباه\n_________\n(١) في (أ): (مبتدأ به).\n(٢) انظر القرطبي ١٢/ ٢٣ فقد ذكر هذا القول مختصرًا بمعناه، وصدره بقول: قيل.","vol":"15","page":323},{"text":"ذلك (١).\nوقوله ﴿وَالشَّمْسُ﴾ إلى قوله ﴿وَالدَّوَابُّ﴾ وصف الله تعالى هذه الأشياء كلها] (٢) بالسجود واختلفوا في معنى سجود هذه الأشياء، والصحيح أن المراد بسجودها خضوعها وذلتها وانقيادها لمولاها فيما (٣) يريد منها (٤). وهذا القول هو اختيار الزجاج والنحاس.\nقال الزجاج: السجود هاهنا الخضوع لله، وهو طاعة مما خلق الله من الحيوان والموات فالسجود هاهنا سجود طاعة واحتج بقوله تعالى: ﴿فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١] (٥).\nوقال النحاس: هذا القول صحيح بيّن، فكل شيء منقاد لله -﷿- على ما خلقه، وعلى ما رزقه، وعلى ما أصحه وعلى ما أسقمه، وليس هذا سجود العبادة (٦).\nوقال قوم: إن السجود من هذه الأشياء التي هو موات ومن الحيوان الذي لا يعقل إنما هو أثر الصنعة فيها والتسخير والتصوير الذي يدعو\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢١٩.\n(٢) ما بين المعقوفين ساقط من (أ).\n(٣) في (أ): (بما).\n(٤) بل الصحيح ما قاله الأزهري في \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٤٠ بعد ذكره لهذه الآية: فسجود هذه المخلوقات عبادة منها لخالقها لا نفقهها عنها كما لا نفقه تسبيحها. أهـ.\n\n(٥) \"معاني القرآن\" ٣/ ٤<span data-type=\"title\" id=toc-2695>١٨</span>.\n(٦) من قوله: وقال قوم .. إلى قوله: أثر الصنعة فيها. منقول عن \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٤١٨.\nومن قوله: \"والتسخير ... إلخ\" منقول عن \"الكشف والبيان\" للثعلبي ٣/ ٤٩ أ.","vol":"15","page":324},{"text":"العارفين إلى السجود لله -﷿- (١)\nوهذا القول كالأول لأن تسخيرها وأثر الصنعة فيها لخضوعها وذلتها لخالقها ويدل على أن غير العاقل يوسف بسجود الخضوع قول الشاعر (٢):\nترى الأكْمَ فيها سُجَّدًا للحَوافِرِ\nأي: خشعت من وطي الحوافر عليها. هذا الذي ذكرنا مذهب أرباب المعاني (٣).\n_________\n(١) \"القطع والائتناف\" للنحاس ٤٨٩.\n(٢) هذا عجز بيت لزيد الخيل، وصدره:\nبجيش تضلُّ البُلْق في حَجَراته\nوهو في \"ديوانه\" ص ٦٦، وتأويل \"مشكل القرآن\" ص ٣٢٢، و\"المعاني الكبير\" ٢/ ٨٩٠ كلاهما لابن قتيبة، والطبري ٢/ ٢٤٢، و\"الكامل\" للمبرد ٢/ ٢٠١، والرواية عندهم: (منه) في موضع (فيها).\nوهو من غير نسبة في: \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٤١٨، \"الأضداد\" لابن الأنباري ص ٢٩٥، و\"الصحاح\" للجوهري ٢/ ٤٨٣ (سجد)، و\"للسان\" ٣/ ٢٠٦ (سجد). والرواية عندهما: فيها.\nوالبلق: جمع بلقاء، والبلقاء: هي الفرس التي يكون فيها بلق يعني: سواد وبياض. أو البلقاء: الفرس التي ارتفع التحجيل فيها إلى الفخذين. و(حجراته): نواحيه، والأكم: جمع أكمه: وهي التل أو الموضع يكون أشد ارتفاعًا مما حوله.\nانظر: \"لسان العرب\" ١٠/ ٢٥ (بلق)، ٤/ ١٦٨ (حجر)، \"القاموس المحيط\" ٣/ ٢١٤، ٤/ ٧٥.\nقال ابن قتيبة في \"المعاني الكبير\" ٢/ ٨٩: يقول: إذا ضلت البلق فيه مع شهرتها فلم تعرف فغيرها أحرى أن تضل، يصف كثرة الجيش، ويريد أن الأكم قد خشعت من وقع الحوافر.\n(٣) نسب الثعلبي في \"الكشف والبيان\" ٣/ ٤٩ أهذا القول لأرباب الحقائق.","vol":"15","page":325},{"text":"وقال مجاهد: سجود الجماد وكل شيء سوى المؤمنين تحول ظلالها كما قال: ﴿وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ [الرعد: ١٥] (١).\nقال أهل المعاني: كأنه يجعل ذلك لما فيه من العبرة بتصريف الشمس في دورها عليه سجودًا (٢).\nوقال أبو العالية: ما في السماء نجم ولا شمس ولا قمر إلا يقع لله ساجدا حين يغيب ثم لا ينصرف حتى يؤذن له فيرجع إلى مطلعه (٣).\nوعلى هذا فكل شيء مما خلقه (٤) الله تعالى يسجد لله حقيقة السجود ويدل عليه قوله -﷿-: ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٧٤] وقوله: ﴿وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ﴾ [الأنبياء: ٧٩] إلا أنا لا نعلم كيفية ذلك، وقد قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤].\nوقال أرباب الأصول: الجمادات لا تعقل ولا يتميز فإن حدثت لها حالة (٥) في التمييز فذلك (٦) بأن الله تعالى يحدث لها في تلك الحالة عقلًا وتمييزًا، وإلا فالتمييز منها محال ما دامت على حقيقة صنعتها الأولى.\n_________\n(١) ذكره عن مجاهد: الثعلبي ٣/ ٤٩ أوبنحوه رواه الطبري ١٧/ ١٣٠. وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ١٧ ونسبه أيضًا لعبد بن حميد وابن المنذر.\n(٢) ذكره الطوسي في \"التبيان\" ٧/ ٢٦٨، والجشمي في \"التهذيب\" ٦/ ١٧١ ب من غير نسبة لأحد.\n(٣) ذكره الثعلبي ٣/ ٤٩ أ، ورواه الطبري ١٧/ ١٣٠. وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ١٨ ونسبه أيضًا لعبد بن حميد وابن المنذر.\n(٤) في (ظ)، (د)، (ع): (خلق).\n(٥) في (ظ)، (د)، (ع): (حال).\n(٦) في (ظ)، (د)، (ع): (فذاك).","vol":"15","page":326},{"text":"قوله تعالى: ﴿وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ﴾ يعني المؤمنين الذين يسجدون لله تعالى. ﴿وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ﴾ بكفره وهو مع ذلك يسجد لله ظله، قاله مجاهد (١). فعلى هذا قوله ﴿وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ﴾ من جملة الساجدين.\nوقال قوم: تم الكلام في وصف الساجدين عند قوله ﴿وَالدَّوَابُّ﴾ ثم ابتدأ فقال: ﴿وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ﴾ (٢).\nروى ابن الأنباري عن ابن عباس أنه قال: وكثير من الناس في الجنة (٣).\nوقال في رواية عطاء: وكثير من الناس يوحده وليس كلهم وكثير حق عليه العذاب ممن لا يوحده (٤).\nوعلى هذا يصح الوقف على ﴿وَالدَّوَابُّ﴾، ثم ابتدأ بذكر فريقي الجنة والنار والإيمان والكفر.\nوقال آخرون؛ التمام عند قوله ﴿وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ﴾ وانقطع ذكر الساجدين ثم ابتدأ فقال ﴿وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ﴾ أي: بإبائه وامتناعه من السجود وهؤلاء غير داخلين في جملة الساجدين (٥).\n_________\n(١) \"الكشف والبيان\" للثعلبي ٣/ ٤٩ أعن مجاهد بنصه. وقد رواه الطبري ١٧/ ١٣٠. وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ١٧، وعزاه لعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر.\n(٢) انظر: \"المكتفى في الوقف والابتدا\" للداني ص ٣٩٣.\n(٣) رواه ابن الأنباري في كتابه \"إيضاح الوقف والابتداء\" ٢/ ٨٧٢. وذكره القرطبي ١٢/ ٢٤ عن ابن عباس من رواية ابن الأنباري. وذكره أبو عمرو الداني في كتابه \"المكتفى في الوقف والابتدا\" ص ٣٩٣ عن ابن عباس.\n(٤) ذكره الرازي ٢٣/ ٢٠ من رواية عطاء، عن ابن عباس.\n(٥) انظر: \"إيضاح الوقف والابتداء\" لابن الأنباري ٢/ ٧٨٢، \"القطع والائتناف\" =","vol":"15","page":327},{"text":"قال الفراء: قوله ﴿حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ﴾ يدل على أن المعنى: وكثير أبى السجود؛ لأنه لا يحق عليه العذاب إلا بتركه السجود (١).\nوهذا القول هو اختيار نافع والكسائي وأبي حاتم (٢) وهو أن الوقف على (الناس).\nوقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ قال الفراء: يريد من يُشقْهِ الله فما له من مُسْعد (٣). وكذا روى عن ابن عباس (٤).\nوقال في رواية عطاء: ﴿وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ﴾ يريد (٥): من تهاون بعبادة الله (٦).\nيعني أن تهاونه بعبادة الله [من إهانة الله] (٧) إياه وطرده ﴿فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ﴾ يريد أن مصيره إلى النار وليس إلى الكرامة كما يُكْرم أولياؤه (٨).\nوقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ أي: في خلقه من الإهانة والكرامة والشقاء والسعادة.\n_________\n= للنحاس ص ٤٨٨ - ٤٨٩، \"منار الهدى في بيان الوقف والابتدا\" للأشموني ص ٢٥٥.\n(١) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢١٩.\n(٢) ذكره عنهم النحاس في \"القطع والائتناف\" ص ٤٨٨.\n(٣) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢١٩.\n(٤) انظر: \"تنوير المقباس\" ص ٢٠٧.\n(٥) يريد: ساقطة من (ظ)، وفي (د)، (ع): (يريد: ومن يهن الله) من تهاون.\n(٦) ذكره عنه القرطبي ١٧/ ٢٤.\n(٧) ما بين المعقوفين ساقط من (ظ).\n(٨) قال الطبري ١٧/ ١٣٠: (فما لي من مكرم) بالسعادة يسعده بها.","vol":"15","page":328},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2696>١٩ </span>- وقوله تعالى: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ﴾ يعني: الفرق الخمسة الكافرة والمؤمنين، وهم الذين ذكروا في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآية. فالخصم: اسم للواحد وللجميع، فقدله هذان ﴿خَصْمَانِ﴾ كالفئتين، لذلك قال ﴿خَصْمَانِ﴾ لأنهما جمعان. قاله الزجاج (١).\nوزاد الفراء: وليسا برجلين، ولو قيل: اختصما كان صوابًا، ومثله: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات: ٩] يذهب إلى الجمع، ولو قيل: اقتتلتا لجاز (٢).\nوذكرنا معنى الاختصام عند قوله: ﴿وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ [النساء: ١٠٥].\nوقوله: ﴿فِي رَبِّهِمْ﴾ أي: في دين ربهم.\nقال الكلبي: وذلك أن اليهود والنصارى قالوا نحن أولى بالله منكم يا معشر المسلمين؛ لأن نبينا قبل نبيكم وديننا قبل دينكم وكتابنا قبل كتابكم. فقال المسلمون: بل نحن أولى وأحق بالله، آمنا بكتابنا ونبينا ونبيكم، وكفرتم أنتم بنبينا حسدًا. فكان هذا خصومتهم في ربهم (٣).\nهذا قول مجاهد والحسن (٤)، وابن عباس في رواية عطاء (٥)، وأكثر\n_________\n(١) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٤١٩.\n(٢) \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٢٢٠.\n(٣) روى الطبري ١٧/ ١٣٢ عن عاصم والكلبي أنهما قالا: أهل الشرك والإسلام حين اختصموا أيهم أفضل. وذكر الثعلبي في \"الكشف والبيان\" ٣/ ٤٩ أعن الكلبي قال: هم المؤمنون والكافرون.\n(٤) رواه الطبري ١٧/ ١٣٢ عن مجاهد والحسن قالا: هم المؤمنون والكافرون.\n(٥) لم أجد من ذكره من رواية عطاء، لكن رواه الطبري ١٧/ ١٣٢ من رواية العوفي =","vol":"15","page":329},{"text":"المفسرين (١)، واختيار الزجاج (٢) والفراء (٣)، وقالوا: الخصمان هم المؤمنون والكافرون.\nوروي عن أبي ذر وعلي ﵄ أنهما قالا: نزلت هذه الآية في الذين بارزوا يوم بدر من الفريقين، وكان من المسلمين حمزة وعلي وعبيدة بن الحارث (٤)، ومن الكفار عتبة وابنه الوليد وشيبة ابنا ربيعة (٥) وأقسم أبو ذر أن هذه الآية نزلت في هؤلاء الستة (٦).\n_________\n= بنحو ما ذكره الواحدي هنا عن الكلبي. وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ٢٠ وعزاه لابن جرير وابن مردويه.\n(١) انظر: الطبري ١٧/ ١٣٢، \" الكشف والبيان\" ٣/ ٤٩ أ، و\"الدر المنثور\" ٦/ ٢٠.\n(٢) انظر: \"معاني القرآن\" ٣/ ٤١٩ فقد ذكر نحو رواية الكلبي.\n(٣) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢١٩، فقد ذكره نحو رواية الكلبي.\n(٤) هو: عبيدة بر الحارث بن المطلب بن عبد مناف بن قصي، القرشي، المطلبي. أحد السابقين الأولين. أسلم قديما، وكان مع النبي -ﷺ- بمكة، ثم هاجر، وشهد بدرًا وبارز فيها وأصيب في المبارزة، فاحتمل وبه رمق، ثم توفي بالصفراء -قرية بين المدينة وينبع- في العشر الأخير من رمضان سنة اثنين من الهجرة ﵁. وكان ابن ثلاث وستين سنة.\n\"طبقات ابن سعد\" ٣/ ٥٠، \"الاستيعاب\" ٣/ ١٠٢٠، \"أسد الغابة\" ٣/ ٣٥٦، \"سير أعلام البنلاء\" ١/ ٢٥٦، \"الإصابة\" ٢/ ٤٤٢.\n(٥) هو: شيبة بن ربيعة بن عبد شمس، أحد زعماء قريش في الجاهلية، أدرك الإسلام ولم يسلم، وناصبه العداء، قتله حمزة ﵁ يوم بدر بعد مبارزته.\n\"السيرة النبوية\" لابن هشام ٢/ ٣٥٦، \"البداية والنهاية\" ٣/ ٢٧٧، \"الأعلام\" للزركلي ٣/ ١٨١.\n(٦) روى البخاري كتاب: التفسير -سورة الحج- باب: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ ٨/ ٤٤٣، ومسلم كتاب: التفسير، باب: في قوله تعالى ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ ٤/ ٢٣٢٣ عن أبي ذر ﵁ أنه كان يقسم قسمًا إن هذه =","vol":"15","page":330},{"text":"والظاهر هو الأول للإشارة بقوله ﴿هَذَانِ﴾ إلى الفئتين المذكورتين في قول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآية (١).\nوروي عن عكرمة أنه قال: الخصمان هما الجنة والنار (٢). وهذا ليس بالقوي ولا المرضي (٣).\nثم بيّن الله تعالى حال الفريقين فقال: ﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قال ابن عباس: يعني أهل الخمسة الأديان (٤).\n﴿قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ﴾ قال الأزهري: أي (٥): خيطت وسويت وجعلت لبوسًا لهم (٦).\n_________\n= الآية ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ نزلت في حمزة وصاحبه وعتبة وصاحبيه يوم برزوا في بدر.\nوروى البخاري كتاب: المغازي، باب: قتل أبي جهل ٧/ ٢٩٧، والنسائي في \"تفسيره\" ٢/ ٨٥ عن علي ﵁ قال: فينا نزلت هذه الآية ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾.\n(١) واختاره الطبري ١٧/ ١٣٣. قال ابن كثير ٣/ ٢١٢: وقول مجاهد وعطاء أن المراد بهذه الكافرون والمؤمنون يشمل الأقوال كلها، وينتظم فيه قصة بدر وغيرها، فإن المؤمنين يريدون نصرة دين الله -﷿- والكافرون يريدون إطفاء نور إيمان وخذلان الحق وظهور الباطل، وهو اختيار ابن جرير وهن حسن، ولهذا قال \"فالذين كفروا ... أهـ.\n(٢) رواه الطبري ١٧/ ١٣٢ - ١٣٣.\n(٣) قال الألوسي في \"روح المعاني\" ١٧/ ١٣٤: وأما ما قيل من أن المراد بهذين الخصمين الجنة والنار فلا ينبغي أن يختلف في عدم قبوله خصمان أو ينتطح فيه كبشان.\n(٤) ذكره القرطبي ١٢/ ٢٦ بمعناه من غير نسبة.\n(٥) (أي): ساقط من (ظ)، (د)، (ع).\n(٦) \"تهذيب اللغة\" للأزهري ١/ ١٨٨ (قطع).","vol":"15","page":331},{"text":"قال ابن عباس: يريد حين صاروا إلى جهنم لبسوا المقطعات مقطعات النيران (١).\nقال شمر: المقطعات من الثياب كل ثوب يقطع ثم يخاط (٢).\nوهذا القول هو الصحيح في تفسير المقطعات (٣).\nقال أبو إسحاق: وجاء في التفسير أن الثياب التي من (نار) (٤) من نحاس قد أذيب (٥). وهذا الذي ذكره هو قول سعيد بن جبير (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2697>٢١ </span>- وقوله ﴿يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ﴾ الحميم (٧) الماء الحار. وأحمَّ نفسه إذا غسلها بالماء الحار، ومثله استحم إذا اغتسل بالحميم. [والحمام مشتق من الحميم. والمحم: الإناء الذي يسخن فيه الماء.] (٨) والحميم عند ابن الأعرابي من الأضداد يكون الماء الحار والبارد (٩).\n_________\n(١) ذكره عنه بمعناه ابن الجوزي ٥/ ٤١٧، وذكره البغوي ٨/ ٣٧٤ وصدره بقوله: وقال بعضهم. وذكره القرطبي ١٢/ ٢٦ من غير نسبة.\n(٢) قول شمر في \"تهذيب اللغة\" للأزهري ١/ ١٨٨ - ١٨٩ (قطع).\n(٣) قال أبو حيان ٦/ ٣٦: والظاهر أن هذا المقطع من النار.\n(٤) في (أ): (من النار)، والمثبت من باقي النسخ وهو الموافق لما في المعاني.\n(٥) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٤١٩.\n(٦) رواه الطبري ١٧/ ١٣٣، وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ٢١ وعزاه لعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم.\n(٧) (الحميم): قلادة من (ظ)، (د)، (ع).\n(٨) ما بين المعقوفين ساقط من (ظ).\n(٩) \"تهذيب اللغة\" للأزهري ٤/ ١٥ (حم) وبعضه عن الليث وبعضه عن الأصمعي. والقائل: والحميم عن ابن الأعرابي .. هو الأزهري.\nوانظر: \"العين\" ٣/ ٣٣ (حم)، \"الأضداد\" لابن الأنباري ص ١٣٨)، \"الصحاح\" للجوهري ٥/ ١٩٠٥ (حمم)، \"لسان العرب\" ١٢/ ١٥٣ - ١٥٤ (حمم).","vol":"15","page":332},{"text":"قال رسول الله -ﷺ-: \"إنَّ الحميمَ ليصبُّ على رؤوسهم فينفذ (١) الجمجمة، حتى يخلص إلى جوفه، فيسلت (٢) ما في جوفه، حتى يبلغَ (٣) قدميه، وهو الصهر، ثم يعاد كما كان\" (٤).\nوقال ابن عباس: لو سقطت منه نقطة على جبال الدنيا لأذابها (٥). والذي ذكر في الخبر هو معنى\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2698>٢٠ </span>- قوله: ﴿يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ﴾.\nقال الليث: الصهر: إذابة الشحم، والصهارة ما ذاب منه، ويقال صهرته فاصطهر، ويقال للحرباء (٦) إذا تلألأ ظهرها (٧) من شدة الحر قد صَهَرَهُ الحر واصطهر الحرباء (٨).\n_________\n(١) ينفذ: أي يخرق ويجوز. \"الفائق في غريب الحديث\" للزمخشري ٢/ ٢٩٦، \"غريب الحديث\" لابن الجوزي ٢/ ٤٢٤.\n(٢) فيسلت: أي يقطع ويستأصل. \"لسان العرب\" ٢/ ٤٥ (سلت).\n(٣) في (ظ)، (ع)، (د): زيادة (إلى).\n(٤) رواه الإمام أحمد في \"مسنده\" ٢/ ٣٧٤ والترمذي أبواب صفة جهنم، باب: ما جاء في صفة شراب أهل النار ٧/ ٣٠٢ - ٣٠٣، والطبري في \"تفسيره\" ١٧/ ١٣٣ - ١٣٤، وابن أبي حاتم كما في \"تفسير ابن كثير\" ٣/ ٢١٢، والحاكم في \"مستدركه\" ٢/ ٣٨٧، وأبو نعيم في \"الحلية\" ٨/ ١٨٢ - ١٨٣ من طريق أبي السمح، عن أبي حجيرة، عن أبي هريرة، عن النبي -ﷺ-، به. قال الألباني في \"تخريج\" أحاديث \"مشكاة المصابيح\" ٣/ ١٥٨١. وإسناده ضعيف.\n(٥) ذكره عنه الزمخشري في \"الكشاف\" ٣/ ٩، والرازي في \"تفسيره\" ٢٣/ ٢٢.\n(٦) في (أ): (للحوباء)، وهو خطأ.\nوالحِرْباء: دويبة ذات قوائم أربع، دقيقة الرأس، مخططة الظهر، تستقبل الشمس بنهارها. قال الأزهري في \"تهذيب اللغة\" ٥/ ٢٤ (حرب).\n(٧) في \"تهذيب اللغة\": ظهره. ولعله أصوب لأن الحرباء ذكر أم حبين، انظر الأزهري.\n(٨) \"تهذيب اللغة\" للأزهري ٦/ ١٠٩ (صهر) نقلا عن الليث. =","vol":"15","page":333},{"text":"وقال ابن السكيت: يقال صهرته الشمس إذا اشتد وقعها عليه (١).\nوأنشد أبو عبيدة (٢) وغيره (٣) لابن أحمر (٤):\nتروى (٥) لقى ألقي في صفصف ... تصهره الشمس فما ينصهر (٦)\nوقال أبو زيد في قوله: ﴿يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ﴾ هو الإحراق، صَهَرتُه بالنار (٧) أصهره أنضجه (٨) (٩).\nونحو هذا قال الكسائي في تفسير الصهر: أنه الإحراق\n_________\n= وهو في \"العين\" ٣/ ٤١٢ مادة (صهر). مع اختلاف يسير جدًا وفيه إذا تلألأ ظهره.\n(١) \"تهذيب اللغة\" للأزهري ٦/ ١٠٩ مادة (صهر) عن ابن السكيت.\n(٢) \"مجاز القرآن\" ٢/ ٤٨.\n(٣) الطبري ١٧/ ١٣٤. والثعلبي في \"الكشف والبيان\" ٣/ ٤٩ ب.\n(٤) في (ظ)، (د)، (ع): (ابن الأحمر).\n(٥) في جميع النسخ: (تردي)، والتصويب من مجاز القرآن والطبري وغيرهما.\n(٦) البيت أنشده أبو عبيدة لابن أحمر في \"مجاز القرآن\" ٢/ ٤٨.\nوهو في ديوان ابن أحمر ص ٦٨، \"الأضداد\" لابن الأنباري ص ١٦٥، و\"مقاييس اللغة\" لابن فارس ٥/ ٢٦١ (لقى) وعنده: (تؤوي) في موضع (تروي)، و\"الصحاح\" للجوهري ٢/ ٧١٧ (صهر)، ٦/ ٢٣٦٤ (روى)، و\"لسان العرب\" ٤/ ٤٧٢ (صهر)، ومن غير نسبة في الطبري ١٧/ ١٣٤.\nوهو من أبيات له يصف فيها فرخ قطاة. وقوله (تروى) تسقي، قال أبو عبيدة: تفسير له راوية .. كما رواية القوم عليهم. أهـ (لقى) قال ابن الأنباري: اللقى: الشيء الملقى لا يلتفت إليه، فشبه الفرخ به. أهـ\nو(صفصف) الصفصف: المستوى من الأرض. قاله الفيروزآبادي ٣/ ١٦٣.\n(تصهره الشمس فما ينصهر) قال الجوهري: أي تذيبه الشمس فيصبر على ذلك.\n(٧) في (ظ): (النار).\n(٨) في (أ): (نضجته)، وفي \"تهذيب اللغة\": أنضجته.\n(٩) قول أبي زيد في \"تهذيب اللغة\" للأزهري ٦/ ١٠٩ (صهر).","vol":"15","page":334},{"text":"والإنضاج (١). قال قتادة: يُذاب (٢) بذلك الحميم ما في بطونهم (٣).\nوهذا عبارة الفراء (٤)، وهو معنى الحديث الذي ذكرنا. وهو قول جاهد (٥). ولفظ ابن عباس في رواية نافع بن الأزرق (٦). وقال ابن عباس في رواية عطاء: ينضج.\nوذكر (٧) الأزهري عن أهل التفسير: يُغلي به ما في بطونهم حتى يخرج من أدبارهم (٨).\nوهذا هو اختيار الزجاج (٩). وهو من قولهم صهرته الشمس، إذا اشتد وقعها عليه.\nفمعنى ﴿يُصْهَرُ﴾: يُنضج، وُيحرَّق، وُيذَاب، وُيغْلى. كل هذا صحيح مروي. والمعنى: أن أمعاءهم وشحومهم تذاب وتحرق بهذا الحميم، وتنشوي جلودهم فتتساقط من حره (١٠).\n_________\n(١) لم أقف عليه.\n(٢) في (أ): (بدأت)، وهو خطأ.\n(٣) رواه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ٢/ ٣٤، والطبري ١٧/ ١٣٥.\n(٤) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٢٥.\n(٥) رواه الطبري ١٧/ ١٣٤، وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ٢٢ وعزاه لعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(٦) روى ابن الأنباري والطستي في \"مسائله\" كما في \"الدر المنثور\" ٦/ ٢٢ عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله (يصهر) قال: يذاب.\n(٧) في (أ): (وذكرنا)، وهو خطأ.\n(٨) \"تهذيب اللغة\" للأزهري ٦/ ١٠٩.\n(٩) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٤١٩.\n(١٠) انظر: \"الكشف والبيان\" للثعلبي ٣/ ٤٩ ب.","vol":"15","page":335},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2699>٢١ </span>- وقوله: ﴿وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ﴾ قال الليث: المقمعة: شبه الجُرز (ا) من الحديد والعمد يضرب بها الرأس وجمعها المقامع (٢) (٣). وأنشد (٤):\nويمشي معد حوله بالمقامع\nوأصله من قولهم: قمعت رأسه إذا ضربته ضربًا عنيفًا.\nقال أبو عبيد: يقال: قمعت الرجل وأقمعته، بمعنى واحد (٥).\nقال الضحاك في قوله (٦) ﴿وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ﴾: هي المطارق (٧).\nوقال ابن عباس: يريد أن زبانية جهنم تقمعهم بمقامع الحديد يضربونهم بها كلما أرادوا أن يخرجوا منها (٨).\n_________\n(ا) في (أ): (الجوز)، وفي (ظ): (الحر)، وفي (د): (الحرز)، وفي (ع): (الحرر)، وفي \"تهذيب اللغة\" ٧/ ٢٩٣: الجرزة، والصواب ما أثبتنا.\nوالجُرْز (بالضم، وبضمتين كما قال الزبيدي في \"تاج العروس\" ١٥/ ٥٢ قال الأزهري في \"تهذيب اللغة\" ١٠/ ٦٩ (جرز): (هو عمود من حديد).\nونقل الأزهري عن الليث قال: والجُرز من السلاح، والجميع: الجِرَزَة.\n(٢) في (أ): (مقامع)، والمثبت من باقي النسخ والعين والتهذيب.\n(٣) قول اليث في \"العين\" ١/ ١٨٩، وهو في \"تهذيب اللغة\" للأزهري ١/ ٢٩٣ (قمع) من غير نسبة.\n(٤) هذا الشطر أنشده الليث في \"العين\" ١/ ١٨٥ (قمع) ولم ينسبه لأحد. وذكره الفيروزآبادي في \"بصائر ذوي التمييز\" ٤/ ٢٩٧ نقلًا عن اليث، ولم ينسبه. وفي المطبوع من البصائر: وتمشي معد.\n(٥) قول أبي عبيد في \"تهذيب اللغة\" للأزهري ١/ ٢٩١ (قمع).\n(٦) في جميع النسخ: (قولهم).\n(٧) رواه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" ١٣/ ١٦٦. وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ٢٢ وعزاه لابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن أبي حاتم.\n(٨) (منها): ساقطة من (أ).","vol":"15","page":336},{"text":"وقال الحسن: إن (ا) النار ترميهم بلهبها، إذا كانوا في أعلاها ضربوا بمقامع فهووا فيها سبعين خريفا، فإذا انتهوا إلى أسفلها ضربهم زفير لهبها فلا يستقرون ساعة (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2700>٢٢ </span>- فذلك قوله: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ﴾ يعني: كلما حاولوا الخروج من النار لما يلحقهم من الغم والكرب الذي أخذ بأنفاسهم، حتى ليس لها مخرج ردوا إليها بالمقامع.\nقال المفسرون: إن جهنم لتجيش (٣) بهم، فتلقيهم إلى أعلاها، فيريدون الخروج، فيردهم الخزان فيها (٤). وهذا كما قال الحسن.\nويقول لهم الخزنة: ﴿وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ والحريق: الاسم من الإحتراق. قال أبو إسحاق: وهذا لأحد الخصمين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2701>٢٣ </span>- وقال في الخصم الذين هم المؤمنون: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (٥) وهي مفسرة في سورة الكهف إلى قوله ﴿وَلُؤْلُؤًا﴾ وهو ما يستخرج من البحر من جوف الصدف، واللؤلؤ (٦) كباره، والمرجان صغاره. ويجوز فيه تخفيف الهمزتين (٧) ويجوز تخفيف إحداهما وتحقيق\n_________\n(ا) في (ظ)، (د)، (ع): (من)، وهو خطأ.\n(٢) ذكره عنه ابن الجوزي ٥/ ٤١٧، وذكره الزمخشري في \"الكشاف\" ٣/ ٩ والرازي ٢٣/ ٢٢ إلى قوله سبعين خريفًا.\n(٣) تجيش: أي تغلي وترتفع، \"لسان العرب\" ٦/ ٢٧٧ (جيش).\n(٤) انظر الطبري ١٧/ ١٣٥، و\"الكشف والبيان\" للثعلبي ٣/ ٤٩ ب.\n(٥) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٤١٩.\n(٦) في (ظ)، (د)، (ع): (فاللؤلؤ).\n(٧) في (ظ)، (د)، (ع): (الهمزة).","vol":"15","page":337},{"text":"الثانية (١).\nوالمعنى: أنهم يحلون أساور من ذهب ومن لؤلؤ. أي منهما؛ بأن يُرصع اللؤلؤ في الذهب. وقرئ (ولؤلؤا) بالنصب (٢) على: ويحلون لؤلؤا. ويجوز أن يحمل على موضع الجار والمجرور؛ لأن موضعهما نصب، ألا ترى أن معنى ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ﴾ [يحلون فيها أساور] (٣). فحمله على الموضع (٤).\nوقوله ﴿وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ يعني أنهم يلبسون في الجنة ثياب (٥) الإبريسم (٦)، وهو الذي حرم لبسه في الدنيا على الرجال. قال رسول الله -ﷺ-: \"من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة\" (٧).\n_________\n(١) انظر: \"الحجة\" للفارسي ٥/ ٢٦٨، \"إعراب القراءات السبع عللها\" لابن خالويه ٢/ ٧٣.\nفقد ذكرا ذلك. قال ابن خالويه: والأصل الهمز.\nقال ابن خالويه: العربية تحتمل همزتهما، وترك الهمز فيهما، وهمز إحداهما كل ذلك جائز، والأصل الهمز، وتركه تخفيف بالواو.\n(٢) قرأ نافع وعاصم (ولؤلؤا) بالنصب، وقرأ الباقون (ولؤلؤ) بالخفض. \"السبعة\" ص ٤٣٥، \"التبصرة\" ص ٢٦٦، \"التيسير\" ص ١٥٧.\n(٣) ما بين المعقوفين ساقط من (أ).\n(٤) من قوله: والمعنى: (أنهم يحلون أساور .. إلى هنا) نقلًا عن \"الحجة\" للفارسي ٥/ ٢٦٨ مع اختلاف يسير.\nوانظر: \"إعراب القراءات السبع وعللها\" لابن خالويه ٢/ ٧٣، \"حجة القراءات\" لابن زنجلة ص ٤٧٤.\n(٥) في (أ): (لباب)، وهو خطأ.\n(٦) الإبريسم: نوع من الحرير. \"القاموسر المحيط\" ٤/ ٧٩.\n(٧) رواه البخاري كتاب. اللباس، باب: لبس الحرير للرجال ١٠/ ٢٨٤، ومسلم كتاب: =","vol":"15","page":338},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2702>٢٤ </span>- قوله تعالى: ﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ أي: أرشدوا إلى الطيب من القول.\nقال ابن عباس: يريد لا إله إلا الله والحمد لله (١). وزاد ابن زيد: والله أكبر (٢).\nوقال السدي: إلى القرآن (٣).\n﴿وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ﴾ إلى الإسلام، وهو دين الله وطريقه (٤). والحميد: المحمود في أفعاله (٥).\n_________\n= اللباس والزينة، باب: تحريم استعمال .. والحرير على الرجل .. ٣/ ١٦٤١ - ١٦٤٢ من حديث ابن الزبير: سمعت عمر يقول: قال النبي -ﷺ- .. فذكره.\nورواه البخاري في الموطن السابق ومسلم في الكتاب والباب السابقين ٣/ ١٦٤٥ من حديث أنس ﵁.\n(١) ذكره عنه ابن الجوزي ٥/ ٤١٨، والقرطبي ١٢/ ٣٠، وأبو حيان ٦/ ٣٦١. وذكره البغوي عنه ٥/ ٣٧٦ بدون قوله الحمد لله. وذكره الرازي ٢٣/ ٢٢ عنه من رواية عطاء: هو قولهم ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ﴾.\n(٢) رواه الطبري ١٧/ ١٣٦، وذكره الثعلبي ٣/ ٥٠ أ.\n(٣) ذكره عنه البغوي ٥/ ٣٧٦، وابن الجوزي ٥/ ٤١٨. والرازي ٢٣/ ٢٢، وأبو حيان ٩/ ٣٦١ بنفس عبارة الواحدي.\nقال أبو حيان ٦/ ٣٦١: والطيب من القول إن كانت الهداية في الدنيا فهو قول لا إله إلا الله والأقوال الطيبة من الأذكار وغيرها، ويكون الصراط طريق الإسلام، وإن كان إخبارًا عما يقع منهم في الآخرة فهو قولهم (الحمد لله الذي صدقنا وعده) وما أشبه ذلك من محاورة أهل الجنة.\n(٤) انظر الطبري ١٧/ ١٣٦، فعلى هذا القول معنى صراط الحميد، أي طريق الله تعالى الذي دعا عباده إليه.\n(٥) والحميد: اسم من أسماء الله. واستظهر هذا القول أبو حيان ٦/ ٣٦١.\nوقال ابن عطية ١٠/ ٢٥٣ - بعد ذكره للقول الأول: ويحتمل أنه يريد بالحميد نفس =","vol":"15","page":339},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2703>٢٥ </span>- قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قال الفراء: رد يفعلون على فعلوا (١)؛ لأن المعنى: أن الصد منهم كالدائم فاختير له يفعلون، كأنك قلت: إن الذين كفروا (٢) من شأنهم الصد، ومثله قوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ﴾ [الرعد: ٢٨] قال: وإن شئت (٣) قلت: رد (٤) يفعلون على فعلوا، لأن معناهما كالواحد فلو قيل: إن الذين كفروا وصدوا لم يكن فيه ما يسأل عنه (٥).\nوهذا معنى قول الكسائي: إن الذين كفروا ويصدون ولم يقل وصدوا وهي هيئة (٦) يعني أنه بمعنى الماضي.\nونحو هذا قال الزجاج: لفظ المستقبل عطف به (٧) على الماضي، لأن معنى ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الذين هم كافرون، وكأنه قال: إن الكافرين والصادين (٨).\nفهؤلاء جعلوا لفظ المستقبل هاهنا بمنزلة الماضي.\nقال أبو علي: المعنى عندي إن الذين كفروا وصدوا [فلما كان\n_________\n= الطريق، فأضاف إليه على حد إضافته في قوله تعالى ﴿وَلَدَارُ الْآخِرَةِ﴾ [يوسف: ١٠٩]. أهـ.\n(١) أي عطف (يصدون) على (كفروا).\n(٢) عند الفراء ٢/ ٢٢١: إن الذين كفروا [و] من شأنهم الصد. زيادة واو.\n(٣) في (أ): (إن شئت).\n(٤) (رد): ساقطة من (ظ).\n(٥) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٢٠ - ٢٢١ مع اختلاف.\n(٦) (هيئ) ة: مهملة في (ظ)، (د)، (ع).\n(٧) في (ظ)، (د): (به عطف).\n(٨) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٤٢٠.","vol":"15","page":340},{"text":"المعطوف عليه ماضيًا بل على أن المراد بالمضارع أيضًا الماضي، ويقوي هذا قوله ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ [محمد: ١]. قال: ويجوز أن يكون المضارع على بأبه كأنه قال: إن الذين كفروا فيما مضى وهم الآن يصدون مع ما تقدم من كفرهم. والأول كأنه أقوى. والإرادة بمثال المضارع الماضي مذهب سيبويه لأنه قال (١): ويقع يفعل في موضع فعل في بعض المواضع وأنشد الشاعر (٢) فقال:\nولقد أمرُّ على اللئيم يسبني ... فمضيت ثمت قلت: لا يعنيني (٣)\nعلى معنى: ولقد مررت. انتهت الحكاية عن أبي علي (٤).\nوذكرنا هذا وبيانه عند قوله: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ﴾ [البقرة: ١٠٢] الآية.\nقوله تعالى: ﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ﴾ [قال أبو إسحاق: ﴿جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ﴾ (٥)] وقف التمام، ومعنى ﴿جَعَلْنَاهُ\n_________\n(١) \"الكتاب\" ٣/ ٢٤.\n(٢) في (أ): (وأنشد)، والمثبت من باقي النسخ.\n(٣) البيت أنشده سيبويه في \"الكتاب\" ٣/ ٢٤ منسوبًا لرجل مولد من بني سلول، وذلك في \"المقاصد النحوية\" للعيني ٤/ ٥٨ وفيه. وأعف ثم أقول ما ...، و\"تحصيل عين الذهب\" للشنتمري ١/ ٤١٦.\nونسبه الأصمعي في \"الأصمعيات\" ص ١٢٦ لشمر بن عمرو الحنفي، وروايته فيها: (مررت) في موضع (أمر)، ولا شاهد فيهما على هذه الرواية.\nوالبيت بلا نسبة في: \"معاني القرآن\" للأخفش ١/ ٣٢٣، والطبري ٢/ ٣٥١ وروايته فيه: فمضيت عنه وقلت: لا يعنيني، و\"الخصائص\" لابن جني ٣/ ٣٣٠. وانظر: \"الخزانة\" ١/ ٣٥٧.\n(٤) لم أجده بنصه. وانظر: \"الحجة\" ٣/ ٣٥.\n(٥) ما بين المعقوفين ساقط من (ظ)","vol":"15","page":341},{"text":"لِلنَّاسِ﴾ كما قال ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ٩٦] ويكون ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ رفعا على الابتداء والخبر (١).\nوهذا معنى قول الفراء: جعل الفعل -يعني جعلناه- واقعًا على الهاء واللام التي في الناس، ثم استأنف وقال: ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾.\nقال: ومن شأنِ العرب أن يستأنفوا بسواء (٢) إذا جاءت بعد حرف قد تم به الكلام، فيقولون: مررت برجل سواءٌ عنده الخير والشر. والخفض جائز. وإنما اختاروا الرفع لأن سواء بمعنى واحد. ولو قلت: مررت على رجل واحد عنده الخير والشر لرفعت (٣).\nقال أبو علي: قوله ﴿جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ﴾ أي مستقرًا ومنسكًا (٤) ومتعبدًا. والمعنى على أنه نصبه لهم منسكًا ومتعبدًا (٥) كما قال ﴿وُضِعَ لِلنَّاسِ﴾، وقوله ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ﴾ رفع على أنه خبر ابتداء مقدم، المعنى: العاكف والبادي فيه سواء. ومن نصب فقال (سواء (٦» أعمل المصدر عمل (٧) اسم الفاعل فرفع (العاكف) (٨) [به كما يرفع بمستواه لو قال: مستويًا فيه العاكف\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٤٢٠.\n(٢) في (أ): (السواء)، وهو خطأ.\n(٣) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٢٢. والعبارة الأخيرة فيه: لأن سواء في مذهب واحد، كأنك قلت: مررتُ على رجل واحدُ عند الخير والشر. وليس فيه لرفعت.\n(٤) في (أ): (أو منسكا).\n(٥) في (أ): (كررت جملة:، (والمعنى أنه نصب لهم منسكًا ومتعبدًا).\n(٦) قرأ حفص عن عاصم: (سواء) نصبًا، وقرأ الباقون (سواء) رفعا. \"السبعة\" ص ٤٣٥، \"التبصرة\" ص ٢٦٦، \"التيسير\" ص ١٥٧.\n(٧) في (ظ)، (ع): (على)، وهو خطأ.\n(٨) في \"الحجة\" ٥/ ٢٧١: فرفع (العاكف فيه) كما يرفع.","vol":"15","page":342},{"text":"والباد. فرفع العاكف] (١) بمستوٍ كذلك يرفعه بسواء. والأكثر الرفع في نحو هذا وأن لا تجعل هذا النحو من المصدر بمنزلة اسم الفاعل في الإعمال. ووجه إعماله أن المصدر قد يقام مُقَام اسم الفاعل في الصفة في نحو: رجل عدل. فيصير عدل كعادل (٢).\nقال المفسرون في قوله: ﴿الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ﴾ خلقناه وبنيناه (٣) للناس كلهم لم يخص به منهم بعضا دون بعض (٤).\n﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ قال ابن عباس: يريد الحاضر، والبادي: الذي يأتيه من البلاد، هم فيه سواء (٥).\nوقال سفيان: العاكف فيه: المقيم، والبادي: الذي ينتابه (٦).\n_________\n(١) ما بين المعقوفين ساقط عن (أ).\n(٢) \"الحجة\" لأبي علي الفارسي ٥/ ٢٧٠ - ٢٧٢. مع اختلاف يسير وتقديم وتأخير وانظر: \"علل القراءات\" للأزهري ٢/ ٤٢٣، \"إعراب القراءات وعللها\" لابن خالويه ٢/ ٧٤.\nوذكر مكي بن أبي طالب وأبو شامة وجهًا آخر في قراءة النصب، قال أبو شامة: ويجوز أن يكون حالًا من الهاء في (جعلناه)، و(للناس) هو المفعول الثاني، أي جعلناه لهم في حال استواء العاكف والبادي فيه.\n\"الكشف عن وجوه القراءات السبع\" لمكي ٢/ ١١٨، \"إبراز المعاني\" لأبي شامة ص ٦٠٤.\n(٣) هكذا في جميع النسخ. وفي \"الكشف والبيان\" للثعلبي (جـ ٣ ل ٥٠ أ) المنقول منه النص، و\"البسيط\" ٣/ ٢٦٥: بنيناه.\n(٤) \"الكشف والبيان\" للثعلبي ٣/ ٥٠ أ، وانظر الطبري١٧/ ١٣٧.\n(٥) روى ابن أبي حاتم كما في \"الدر المنثور\" ٦/ ٢٤ من ابن عباس (العاكف) أهل مكة (والباد) من كان من غير أهلها.\n(٦) انظر: \"المحرر\" لابن عطية ١٠/ ٢٥٦ عن سفيان الثوري.","vol":"15","page":343},{"text":"[وقال قتادة: العاكف: أهله، والبادي: غيرهم (١).\nوقال السدي: العاكف المقيم فيه من أهل البلد، والبادي الذي ينتابه] (٢) من غير أهله.\nوقال عطاء: العاكف أهل مكة، والبادي من أتاه من أرض غربة (٣)\nوقال الفراء: العاكف من كان من أهل مكة، والبادي من نزع إليه بحج أو عمرة (٤).\nوقال الزجاج: العاكف المقيم بها، والبادي النازع إليها من أي بلد كان (٥).\nوقال ابن قتيبة: البادي الطارئ من البدو (٦).\nومعنى البادي: النازع إليه من غربة. من قولهم: قد بدا القوم إذا خرجوا من الحضر إلى الصحراء والمسافر باد وهو خلاف الحاضر (٧).\nواختلفوا في أن العاكف والباد في إيش (٨) يستويان؟.\nفذهب (٩) الأكثرون إلى أنهما يستويان في سكنى مكة والنزول بها، فليس أحدهما بأحق بالمنزل يكون فيه من الآخر.\n_________\n(١) رواه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ٢/ ٣٤، والطبري ١٧/ ١٣٧.\n(٢) ما بين المعقوفبن ساقط من (ظ).\n(٣) رواه الطبري ١٧/ ١٣٨ بمعناه.\n(٤) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٢١.\n(٥) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٤٢١.\n(٦) \"غريب القرآن\" لابن قتيبة ص ٢٩١.\n(٧) انظر: \"لسان العرب\" ١٤/ ٦٧ (بدا).\n(٨) غير منقوطة في (أ). ومعنى إيشٍ: أي شيء.\n(٩) في (ظ): (فذكر).","vol":"15","page":344},{"text":"وقال عبد الرحمن بن سابط: العاكف فيه ومن يجيء من الحجاج والمعتمرين سواء في المنازل غير أن لا يخرج أحد من بيته (١).\nوهذا قول ابن عباس، وقتادة، وسعيد بن جبير، وابن زيد، وأبي صالح (٢).\nومن مذهب هؤلاء: أن كراء دور مكة وبيعها حرام لقوله تعالى ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ فجعل الطارئ كالمقيم فيه فليس أحد أحق بمنزلة من أحد إلا أن يكون سبق إلى منزل.\nقال أبو علي: واستواء العاكف والبادي فيه دلالة على أن (٣) أرض الحرم لا تملك، ولو ملكت لم يستويا فيه وصار العاكف فيها (٤) أولى بها من البادي لحق ملكه، ولكن سبيلها كسبيل المساجد الذي من سبق إليها كان أولى [بالمكان لسبقه، وسبيل المباح الذي من سبق إليه كان أولى] (٥) به (٦).\nوهذا مذهب ابن عمر، قال: سواء أكلت مُحرّمًا أو كراء دار مكة (٧).\nوعلى قول هؤلاء المسجد الحرام في هذه الآية معناه الحرم كله كقوله: ﴿الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الإسراء: ١] وقد مر.\nوقال آخرون (٨): معنى ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ في تفضيله وتعظيم\n_________\n(١) رواه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" ٤/ ٧٩ - ٨٠، ورواه الطبري ١٧/ ١٣٧ بنحوه.\n(٢) روى الطبري ١٧/ ١٣٧ هذا القول عن هؤلاء جميعًا.\nوذكره الثعلبي في \"الكشف والبيان\" ٣/ ٥٠ أعنهم سوى قتادة.\n(٣) أن: ساقطة من (ظ)، (د).\n(٤) في (ظ): (فيه).\n(٥) ما بين المعقوفين ساقط من (ظ).\n(٦) \"الحجة\" لأبي علي الفارسي ٥/ ٢٧١.\n(٧) ذكره عنه الثعلبي في \"الكشف والبيان\" (جـ٣ل ٥٠أ)\n(٨) في (ظ): (وقال آخرون) مكررة مرتين.","vol":"15","page":345},{"text":"حرمته وإقامة المناسك به (١).\nوهو مذهب مجاهد (٢) والحسن (٣)، وقول من أجاز بيع (٤) دور مكة.\nوعلى قول هؤلاء المراد بالمسجد الحرام عين المسجد الذي يصلي فيه اليوم.\nقال إسماعيل بن إسحاق القاضي: فظاهر القرآن يدل على أن المسجد الذي يكون فيه قضاء النسك وقضاء الصلاة، وكان المشركون يمنعون المسلمين عن الصلاة في المسجد الحرام والطواف فيه، ويدعون أنهم أربابه وولاته (٥)، وفي هذا نزل قوله تعالى: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [التوبة: ١٩] الآية. فأما المنازل فلم تزل (٦) لأهل مكة الدور والمساكن، غير أن المواساة تجب في أيام الموسم.\nوجرت في هذه المسألة مناظرة بين الشافعي وإسحاق الحنظلي -رحمهما الله- بمكة (٧)، وكان إسحاق (٨) لا يرخص في كراء بيوت مكة، فاحتج الشافعي عليه بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ [الحج: ٤٠] فنسب الديار إلى مالكيها، وقال النبي -ﷺ- يوم فتح مكة: \"من أغلق بابه فهو\n_________\n(١) (به): ساقطة من (أ).\n(٢) رواه الطبري ١٠/ ١٣٧ - ١٣٨.\n(٣) لم أقف عليه.\n(٤) بيع: ساقطة من (ظ)، (د)، (ع).\n(٥) في (أ): (وولاه).\n(٦) في (ط)، (د)، (ع): (يزل غير منقوط أوله.\n(٧) انظر خبر هذه المناظرة مفصلًا في: \"آداب الشافعي ومناقبه\" لابن أبي حاتم ص ١٨٠ - ١٨١، \"مناقب الشافعي\" للبيهقي ١/ ٢١٣ - ٢١٥، \"طبقات الشافعية\" للسبكي ٢/ ٨٩ - ٩٠.\n(٨) في (ظ)، (د): (أبو إسحاق)، وهو خطأ.","vol":"15","page":346},{"text":"آمن، ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن\" (١) وقال -ﷺ-: \"وهل ترك لنا عقيل من رِباع؟ \" (٢).\nقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ جميع أهل المعاني قالوا في (بإلحاد) زيادة (٣)، معناه: ومن يُرِدْ فيه إلحادًا بظلم، وهو قول الفراء (٤)، والأخفش (٥)، والمبرد (٦)،\n_________\n(١) رواه الإمام أحمد في \"مسنده\" ٢/ ٢٩٢، ومسلم في \"صحيحه\" كتاب: الجهاد والسير، باب: فتح مكة ٣/ ١٤٠٨ من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٢) رواه البخاري كتاب: الحج، باب: توريث دور مكة وبيعها وشرائها ٣/ ٤٥٠، ومسلم كتاب: الحج، باب: النزول بمكة للحاج وتوريث دورها ٢/ ٩٨٤ من حديث أسامة بن زيد ﵄.\nوالربع: الدار. الصحاح للجوهري ٣/ ١٢١١ (ربع).\n(٣) قال ابن العربي في \"أحكام القرآن\" ٣/ ١٢٧٦: تكلم الناس في دخول الباء (هاهنا)، فمنهم من قال: إنها زائدة. وهذا مما لا يحتاج إليه في سبيل العربية؛ لأن حمل المعنى على الفعل أولى من حمله على الحرف، فيقال المعنى: ومن يهم فيه بميل يكون ذلك الميل ظلمًا؛ لأن الإلحاد هو الميل في اللغة، إلا أنه قد صار في عرف الشريعة ميلا مذمومًا، فرفع الله الإشكال، وبين أن الميل بالظلم هو المراد هنا.\nوقال أبو حيان في \"البحر المحيط\" ٦/ ٣٦٣ - بعد ذكره لقول من قال إن الباء زائدة: والأولى أن تُضَمَّن (يرد) معنى (يتلبس) فيتعدى بالباء.\nوقال ابن كثير ٣/ ٢١٤: والأجود أنه ضمن الفعل هاهنا معنى (يهم)، ولذا عداه بالباء فقال (ومن يرد فيه بإلحاد) أي يهم فيه بأمر فظيع من المعاصي الكبار (بظلم) أي عامدًا قاصدًا أنه ظلم ليس بمتأول.\n(٤) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٢٣.\n(٥) انظر: \"معاني القرآن\" للأخفش ٢/ ٦٣٦.\n(٦) في نسبة هذا القول للمبرد والزجاج لظر.\nفإن أبا جعفر النحاس في كتابه \"معاني القرآن\" ٤/ ٣٩٥ بعد أن حكى عن الأخفش القول بأن الباء زائدة قال: وهذا عند أبي العباس خطأ؛ لأنه لا يزاد شيء لغير =","vol":"15","page":347},{"text":"والزجاج (١).\nقال الفراء: سمعت أعرابيًّا من ربيعة (٢) -وسألته عن شيء- فقال: أرجو بذاك (٣). يريد أرجو ذاك (٤) قال: ودخلت الباء في ﴿بِإِلْحَادٍ﴾ لأن تأويله: ومن يرد بأن (٥) يلحد فيه. ودخول الباء في (أن) أسهل منه في الإلحاد؛ لأن (أن) تُضمر (٦) الخافض (٧) معها كثيرًا، فاجتمعت (٨) [دخول\n_________\n= معنى. والقول عنده أن يريد ما يدل على الإرادة، فالمعنى: ومن إرادته بأن يلحد بظلم كما قال الشاعر:\nأريد لأنسى ذكرها فكأنّما ... تَمثّلُ لي ليلى بكل سبيل\nوأما الزجاج فقد قال في كتابه \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٤٢١. وقال أهل اللغة إن معنى الباء الطرح. المعنى: ومن يرد فيه إلحادًا بظلم وأنشدوا:\nثم ذكر الزجاج بيتين من الشعر. ثم قال: والذي يذهب إليه أصحابنا أن الباء ليست بملغاة، المعنى عندهم: ومن إرادته فيه بأن يلحد بلظم، وهو مثل قوله: أريد لأنسى ذكرها. البيت.\n(١) المرجع السابق.\n(٢) ربيعة اسم لقبائل كثيرة. ولم يتميز لي المراد بهاهنا. انظر: \"اللباب\" لابن الأثير ٢/ ١٥ - ١٦، \"معجم قبائل العرب\" لكحالة ٢/ ٤٢٠ - ٤٢٦.\n(٣) في جميع النسخ: بذلك. وأثبتنا ما في كتاب الفراء ٢/ ٢٢٣.\n(٤) في (ظ)، (د)، (ع): (بذلك)، وهو خطأ.\n(٥) في (ظ): (أن).\n(٦) في (د)، (ع): (يضم)، وهو خطأ.\n(٧) عند الفراء في \"المعاني\" ٢/ ٢٢٣: \"الخوافض\" وكذا الطبري ١٧/ ١٣٩ حيث نقل نص الفراء من غير تصريح باسمه.\n(٨) عند الفراء في \"المعاني\": فاحتملت، وكذا الطبري ١٧/ ١٣٩ حيث نقل نص الفراء من غير تصريح باسمه.","vol":"15","page":348},{"text":"الخافض وخروجه؛ لأن الإعراب لا يتبين فيها وقل] (١) دخولها في المصادر لتبين الإعراب (٢) فيها وأنشد (٣):\nألا هل أتاها والحوادث جَمَّة ... بأنَّ أمرأ القيس بن تَمْلِك بيقرا (٤)\nفأدخل الباء على (أن) وهي في موضع رفع (٥).\nوقال المبرد: قال آخرون: إنما يحمل هذا على مصدره. والمعنى: من كانت إرادته واقعة بالإلحاد (٦)، فدخلت الباء للمصدر.\n_________\n(١) ما بين المعقوفين ساقط من (ع).\n(٢) عن الفراء في \"المعاني\": لتبين الخفض والرفع فيها.\n(٣) في (أ) قلا دة: (الشاعر)، بعد قوله: وأنشد. والأولى حذفها.\n(٤) البيت أنشده الفراء٢/ ٢٢٢ لامرئ القيس، وهو في \"ديوانه\" ٣٩٢ من رواية السكري وغيره، والطبري ١٧/ ١٣٩، و\"الصحاح\" للجوهري ٢/ ٥٩٥ (بقر)، \"لسان العرب\" ٤/ ٧٥ (بقر)، و\"خزانة الأدب\" ٩/ ٥٢٤ - ٥٢٧.\nوهذا البيت من قصيدة طويلة قالها بعد أن ذهب إلى الروم مستنجدًا بقيصر للأخذ بثأر أبيه.\nقال البغدادي في \"الخزانة\" ٩/ ٥٢٦. قوله: (ألا هل أتاها) الضمير لحبيبته، وقوله (والحوادث جمة) أي كثيرة، جملة اعتراضية بين الفعل وفاعله ...، وفائدة الاعتراض: الإخبار بأن هجرته عن بلاده حادئة من الحوادث، والعرب تتمدح بالإقامة في البدو .. و\"تملك\" -بفتح المثناة الفوقية: اسم امرأة. فمنهم يعني من الشراح- من قال: أمه تَمْلك، ومنهم من قال جدته، ويحتمل أن تكون جدته من قبل أمه أو أمهاتها. والله أعلم. أهـ\nو(بيقرا): (قيل: بَيْقَرا لرجل بيقرة، إذا هاجر من أرض إلى أرض، وقيل: بَيْقر الرجل أقام بالحضر وترك قومه بالبادية. وقيل: بيقر الرجل إذا خرج من الشام إلى العراق. \"الصحاح\" للجوهري ٢/ ٥٩٥، \"لسان العرب\" ٤/ ٧٥.\n(٥) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٢٢ - ٢٢٣.\n(٦) في (ظ)، (د)، (ع): (على الإلحاد).","vol":"15","page":349},{"text":"وأنشد الزجاج (١) على هذا المذهب قول كثير:\nأُريد لأنْسى ذكرها ... البيت\nقال: والمعنى: إرادتي لهذا، ومعنى الإلحاد في اللغة: العدول عن القصد (٢). وذكرنا ذلك في سورة النحل (٣).\nواختلفوا في المراد بالإلحاد بالظلم المتوعد عليه بالعذاب الأليم:\nفقال مجاهد وقتادة: هو الشرك وعبادة غير الله (٤).\nوهو قول عطاء (٥)، وهو قول حبيب بن أبي ثابت، والكلبي.\nوذكر هو سبب نزوله قال (٦): نزل في عبد الله بن خطل (٧) حين قتل\n_________\n(١) البيت أنشده الزجاج في \"معاني القرآن\" ٣/ ٤٢١ من غير نسبة، وهو بتمامه:\nأريد لأنسى ذكرها فكأنَّما ... تمثل لي ليلى بكل سبيل\nوهو في \"ديوان كثير\" ص ١٠٨، \"الكامل\" للمبرد ٣/ ٩٧، و\"أمالي القالي\" ٢/ ٦٣، \"لسان العرب\" ٣/ ١٨٨ (رود)، و\"المقاصد النحوية\" للعيني ٢/ ٢٤٩، و\"خزانة الأدب\" ١٠/ ٣٢٩.\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٤٢١.\n(٣) عند قوله تعالى: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ﴾ [النحل: ١٠٣].\n(٤) ذكره الثعلبي في \"الكشف والبيان\" ٣/ ٥٠ ب عنهما. ورواه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ٢/ ٣٤، والطبري ١٧/ ١٤٠ عن قتادة.\n(٥) رواه سعيد بن منصور في \"تفسيره\" (ل ١٥٥ ب) من طريق حبيب بن أبي ثابت، عنه قال: القتل والشرك. وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ٢٩ وعزاه لسعيد وعبد ابن حميد وابن المنذر.\nوقال النحاس في \"معاني القرآن\" ٤/ ٣٩٤: وروى هشيم، عن الحجاج، عن عطاء (ومن يرد فيه بإلحاد) قال: من عبد غير الله ﷿. وقد تقدم أن الرواية عن عطاء هي من طريقه. وجاء عنه تفسير آخر، فروى الطبري ١٧/ ١٤١ عنه قال: هم المحتكرون الطعام بمكة.\n(٦) في (ظ): (وقال).\n(٧) هو: عبد الله بن هلال بن خطل، وقيل: غالب بن هلال بن خطل، اسم خطل:=","vol":"15","page":350},{"text":"الأنصاري، وارتد وهرب إلى مكة (١)، فنزل فيه ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ﴾ يعني يميل عن الإسلام، ثم يظلم، فيدخل الحرم بشرك (٢).\nوقال آخرون: هو كل شيء كان منهيا عنه، حتى قال ابن مسعود: لو أن رجلًا بـ (عدن أبين) (٣) همَّ أن (٤) يعمل بسيئة عند البيت أذاقه الله عذابًا أليما (٥). وقال الضحاك: إن الرجل ليهم بالخطيئة بمكة وهو بأرض أخرى،\n_________\n= عبد بن مناف، من بني تيم بن فهو بن غالب، كان اسمه عبد العُزى فأسلم فسمي عبد الله، ثم أن النبي -ﷺ- بعثه مصدقا، وبعث معه رجلا من الأنصار، وكان له مولى مسلم فغضب عليه غضبة، فقتله، ثم ارتد مشركا، وكان له قينتان تغنيان بهجاء رسول الله -ﷺ- والمسلمين، فلهذا أهدر النبي -ﷺ- دمه فقتل وهو معلق بأستار الكعبة يوم فتح مكة، واشترك في قتله أبو برزة الأسلمي وسعيد بن حريث المخزومي.\n\"السيرة النبوية\" لابن هشام ٤/ ٢٩، \"الكامل في التاريخ\" لابن الأثير ٢/ ١٦٩، \"البداية والنهاية\" ٤/ ٢٩٧، \"فتح الباري\" لابن حجر ٤/ ٦١.\n(١) المصادر السابقة.\n(٢) ذكره الرازي ٢٣/ ٢٥ عن مقاتل. وقد روى ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" كما في \"تفسير ابن كثير\" ٣/ ٢١٥ من طريق ابن لهيعة عن ابن عباس ﵄ قال في قوله (ومن يرد فيه بإلحاد): (نزلت في عبد الله بن أنيس أن رسول الله -ﷺ- بعثه مع رجلين أحدهما مهاجر والآخر من الأنصار، فافتخروا في الأنساب، فغضب عبد الله بن أنيس، فقتل الأنصاري ثم ارتد عن الإسلام، ثم هرب إلى مكة، فنزلت فيه ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ﴾. وسنده ضعيف، لضعف ابن لهيعة.\n(٣) في (أ): (بعدان أيبن)، وهو خطأ. و(عدن أبين) مدينة مشهورة على ساحل بحر اليمن، ويقال لها (عدن أبين) للتمييز بينها وبين (عدن لاعة) في بلاد حجة باليمن. انظر: \"معجم البلدان\" لياقوت ٦/ ١٢٦ - ١٢٧، \"مراصد الاطلاع\" للبغدادي ٢/ ٩٢٣، \"معجم المدن والقبائل اليمنية\" للمقحفي ص ٢٧٩.\n(٤) (أن): ساقطة من (ج)، (د)، (ع).\n(٥) رواه الإمام أحمد في \"مسنده\" ٦/ ٦٥ - ٦٦ وإسحاق بن راهويه في \"مسند =","vol":"15","page":351},{"text":"فتكتب عليه ولم يعلمها (١).\nوهذا قول السدي (٢)، وابن زيد (٣)، ومجاهد في رواية عثمان بن الأسود (٤).\nوقال ابن عباس: هو استحلال ما حرم الله (٥). وهذا قول ابن جريج (٦).\n_________\n= كما في \"المطالب العالية\" لابن حجر ص ٥١٥، و\"إتحاف المهرة\" للبوصيري (جـ ٣ ل ٩٠ ب)، والبزار في \"مسنده\" كما في \"كشف الأستار\" للهيثمي ٣/ ٦٠، والطبري في \"تفسيره\" ١٧/ ١٤١، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" كما في \"تفسير ابن كثير\" ٣/ ٢١٤ - ٢١٥، والحاكم في \"مستدركه\" ٢/ ٣٨٧ - ٣٨٨.\nقال ابن كثير في \"تفسيره\" ٣/ ٢١٥ - بعد أن ذكر سند ابن أبي حاتم ورواية الإمام أحمد: هذا الإسناد صحيح على شرط البخاري، ووقفه أشبه من رفعه.\nوقال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" ٧/ ٧٠: رواه أحمد وأبو يعلى والبزار، ورجال أحمد رجال الصحيح.\nوقال ابن حجر في \"المطالب العالية\" ٣/ ٣٥٢ والمسندة ص ٥١٥: (قوي الإسناد).\nوقال البوصيري في \"إتحاف المهرة\" ٣/ ٩٠ ب بعد ذكره لرواية إسحاق: هذا إسناد موقوف صحيح.\n(١) رواه الطبري ١٧/ ١٤١، وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ٢٩ وعزاه لابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر.\n(٢) انظر الطبري ١٧/ ١٤٠ - ١٤١.\n(٣) في الطبري ١٧/ ١٤١ عنه قال: الإلحاد: الظلم في الحرم.\n(٤) روى عبد الرزاق في \"تفسيره\" ٢/ ٣٤ عن الثوري، وسعيد بن منصور في \"تفسيره\" (ل ٥٥ ب) عن ابن المبارك كلاهما يعني الثوري وابن المبارك عن عثمان بن الأسود عن مجاهد قال: بيع الطعام بمكة إلحاد.\nورواه سعيد بن منصورل ٥٥ ب عن إسماعيل بن زكريا عن عثمان بن الأسود عن مجاهد قال: احتكار الطعام بمكة إلحاد، وليس الجالب كالمقيم.\n(٥) رواه الطبري ١٧/ ١٤٠ عنه من رواية العوفي.\n(٦) ذكره عنه الثعلبي في \"الكشف والبيان\" ٣/ ٥٠","vol":"15","page":352},{"text":"وقال في رواية عطاء: هو قتل ما نهى الله عنه من الصيد، ودخول مكة بغير إحرام، وأخذ حمام مكة، وأشياء كثيرة لا يجوز للمحرم أن يفعلها (١).\nوعلى هذا القول هذا الإلحاد والظلم يختص باستحلال محظورات الإحرام وركوبها (٢).\nوقوله ﴿نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ قال أبو إسحاق (٣): هو خبر (إن) للمذكور في أول الآية. قال: والمعنى أن الكافرين والملحدين (٤) في المسجد الحرام نذيقهم (٥) من عذاب أليم. قال: ويجوز أن يكون محذوفا فيكون المعنى: إن الذين هذه صفتهم هلكوا (٦).\nوالعرب ربما تحذف الخبر إيجازا واختصارا كما روي أن النبي -ﷺ-\n_________\n(١) في (ظ)، (د)، (ع): (لا يجوز أن يفعلها المحرم).\n(٢) قال الطبري ١٧/ ١٤١: وأولى الأقوال: التي ذكرناها في تأويل ذلك بالصواب القول الذي ذكرناه عن ابن مسعود وابن عباس من أنه معني بالظلم في هذا الموضع: كل معصية لله، وذلك لأن الله عم بقوله (ومن يرد فيه بإلحاد بظلم) ولم يُخصص به ظلم دون ظلم في خبر ولا عقل، فهو على عمومه.\nوقال النحاس في \"معاني القرآن\" ٤/ ٣٩٤: وأبين ما قيل فيه أن معنى (بإلحاد بظلم) لكل معصية؛ لأن الآية عامة. وقال أبو حيان في \"البحر\" ٦/ ٣٦٣ - بعد ذكره للأقوال: والأولى حمل هذه الأقوال على التمثيل لا على الحصر، إذ الكلام يدل على العموم. وقال ابن كثير ٣/ ٢١٥: وهذا الآثار وإن دلت على أن هذه الأشياء من الإلحاد ولكن هو أعم من ذلك، بل فيها تنبيه على ما هو أغلظ منها.\n(٣) (إسحاق): مكان بياض في (أ). ثم (أ) بعد ذلك (وعلى هذا القول) وقد ضرب عليه الناسخ، لأنه مكرر بسبب إنتقال نظره إلى السطر الذي قبله.\n(٤) (والملحدين): ساقطة من (ظ)، (د)، (ع).\n(٥) عند الزجاج: (نُذقُهم).\n(٦) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٤٢٠ مع تصرف يسير.","vol":"15","page":353},{"text":"رأى عبد الله بن عمر، فقال: \"إن عبد الله\" (١). ولم يزد على هذا كأنه أراد: إن عبد الله رجل صالح، أو ما أشبهه.\nقال أبو إسحاق: والأول الوجه (٢) (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2704>٢٦ </span>- قوله تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ﴾ الكلام في (بوأنا) قد سبق في مواضع منها قوله: ﴿تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٢١] وقوله: ﴿وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ﴾ [يونس: ٩٣].\nوقوله ﴿لِإِبْرَاهِيمَ﴾ أدخل اللام ولم يدخلها في ﴿بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ (٤). وذكر الفراء فيه وجهين:\n_________\n(١) رواه الطبراني كما في \"مجمع الزوائد\" ٩/ ٢٤٦ عن مجاهد قال: شهد ابن عمر -﵀- الفتح: وهو ابن عشرين ومعه فرس حرور ورمح ثقيل فذهب ابن عمي يختلي لفرسه فقال رسول الله -ﷺ-: \"إن عبد الله\".\nقال الهيثمي في \"المجمع\" ٩/ ٢٤٦: ورجاله رجال الصحيح إلا أن مجاهدًا أرسله. تنبيه: وقع في المطبوع من \"مجمع الزوائد\": (إن عبد الله رجل صالح) ولفظ (رجل صالح) زادها المعلق على المجمع كما نبه هو على ذلك في الحاشية حيث قال: (رجل صالح) مستدركة من \"شذرات الذهب\".\nوهذا خطأ من المعلق، فإن حديث (إن عبد الله رجل صالح) بزيادة (رجل صالح) حديث آخر رواه البخاري في \"صحيحه\" كتاب: التعبير، باب: الاستبرق ودخول الجنة في المنام ١٢/ ٤٠٣ عن ابن عمر ﵄ قال: رأيت في المنام كأن في يدي سرقة من حرير، لا أهوي بها إلى مكان في الجنة إلا طارت بي إليه، فقصصتها على حفصة، فقصتها حفصة على النبي -ﷺ- فقال: (إن أخاك رجل صالح)، أو قال: (إن عبد الله رجل صالح) أهـ.\n(٢) في (أ): (أوجه)، وهو خطأ.\n(٣) \"معاني القرآن\" للز جاج ٣/ ٤٢٠.\n(٤) في (أ): (بوأنا بني إسرائيل).","vol":"15","page":354},{"text":"أحدهما: أن اللام دخلت (١)؛ لأن المعنى: جعلنا (٢) [وكذلك (٣) فسره ابن عباس (٤).\nقال أبو إسحاق: جعلنا] (٥) مكان البيت مُبوَأً لإبراهيم (٦).\nوقال مقاتل بن حيان: هيأنا (٧). وعلى هذا اللام من صلة معنى (بوأنا) لا من صلة لفظه (٨).\nالوجه الثاني (٩): أن اللام صلة للتأكيد كقوله: ﴿رَدِفَ لَكُمْ﴾ [النمل: ٧٢] (١٠).\nوقال بعض أهل اللغة: تفسير ﴿بَوَّأْنَا﴾ هاهنا: بيّنا له مكان البيت، يدل على هذا ما ذكره السدي: أن الله لما أمره ببناء البيت لم يدر أين يبنى، فبعث الله ريحا خجوجا (١١)، فكنست له ما حول الكعبة عن الأساس الأول\n_________\n(١) في (أ) زيادة: (على) بعد قوله (دخلت)، ولا معنى لها.\n(٢) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٢٣.\n(٣) في (أ): (ولذلك)، وهو خطأ.\n(٤) ذكره عنه الثعلبي في \"الكشف والبيان\" ٣/ ٥١ أ.\n(٥) ما بين المعقوفين ساقط من (ظ).\n(٦) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٤٢٢.\n(٧) ذكره عنه الثعلبي في \"الكشف والبيان\" ٣/ ٥١ أ.\n(٨) في (ظ)، (د)، (ع): (لفظ).\n(٩) (الثاني): ساقط من (ظ)، (د)، (ع).\n(١٠) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٢٣، وفيه: وإن شئت كان بمنزلة قوله: (قل عسى أن يكون ردف لكم) معناه: ردفكم.\n(١١) عند الطبري: يقال لها ريح الخجوج. والخجوج: هي الريح الشديدة المرأ والملتوية في هبوبها. \"القاموس المحيط\" ١/ ١٨٤.","vol":"15","page":355},{"text":"الذي كان البيت عليه قبل أن رفع (١) أيام الطوفان (٢).\nوقال الكلبي: بعث الله سحابة على قدر البيت في العرض والطول فيها رأسٌ يتكلم له لسان وعينان، فقامت بحيال (٣) البيت، وقالت: يا إبراهيم ابن علي قدري. فذلك قوله: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ﴾ (٤).\nوقال بعض أهل المعاني: ﴿بَوَّأْنَا﴾ أصله من (باء) إذا رجع (٥)، وتفسير ﴿بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ﴾ جعلنا مكان البيت له مبوأ يرجع إليه بعلامة، [وتلك العلامة] (٦) ما ذكره السدي والكلبي.\nقوله تعالى ﴿أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا﴾ [قال الكلبي: لما فرغ إبراهيم من البيت، وطاف به أسبوعًا، أوحى الله إليه: أن يا إبراهيم لا تشرك بي شيئًا] (٧).\nوعلى هذا في الكلام محذوف وهو: وأوحينا إليه، أو: وعهدنا إليه.\n﴿أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا﴾ أي لا تعبد معي غيري. قال ابن عباس:\n_________\n(١) في جميع النسخ: (رفع)، وفي \"الوسيط\" ٢/ ٢٦٦: يرفع.\n(٢) رواه الطبري ١٧/ ١٤٣ عنه دون قوله: الذي مكان البيت .. الطوفان.\nوذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ٣١ وعزاه لابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل. والله أعلم بصحة ذلك فهو من الإسرائيليات.\n(٣) بحيال: أي بإزاء. \"الصحاح\" للجوهري ٤/ ١٦٧٩ (حيل).\n(٤) انظر: \"الدر المنثور\" ٦/ ٣٠. والله أعلم بصحة ذلك.\n(٥) ذكرهذا المعنى الطوسي في \"التبيان\" ٧/ ٢٧٤، والجشمي في \"التهذيب\" ٦/ ١٧٣ من غير نسبة لأحد.\n(٦) ما بين المعقوفين ساقط من (أ).\n(٧) ساقط من (ظ).","vol":"15","page":356},{"text":"وفي هذا رد على مشركي مكة؛ لأنهم كانوا يَدّعون أنهم (١) على دين إبراهيم، فأخبر الله تعالى أنهم قد كَذَبُوا؛ لأن إبراهيم كان موحدًا قد أوحى (٢) إليه: أن لا تشرك باللهِ شيئًا.\nوقال المبرد: معنى لا تشرك باللهِ شيئًا: وحد الله كأنه قيل له (٣): وحدني في هذا البيت.\nقوله ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ﴾ قال قتادة: من الشرك وعبادة الأوثان (٤).\nوقال عبيد بين عمير: من الآفات والريب (٥). وهذا مما سبق تفسيره في سورة البقرة (٦).\nقوله: ﴿وَالْقَائِمِين﴾ يعني: المصلين (٧) الذين هم قيام في صلاتهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2705>٢٧ </span>- قوله تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ معنى التأذين: النداء والتصويت للإعلام (٨) وذكرنا ذلك عند قوله: ﴿فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ﴾ [الأعراف: ٤٤] وقوله: ﴿ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ﴾ [يوسف: ٧٠] وقوله: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣].\n_________\n(١) (أنهم): ساقطة من (ظ)، (د)، (ع).\n(٢) في (ظ): (وأوحي).\n(٣) (له): ساقطة من (أ).\n(٤) رواه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ٢/ ٣٤، والطبري ١٧/ ١٤٣.\n(٥) رواه الطبري ١٧/ ١٤٣.\n(٦) انظر: \"البسيط\" عند قوله تعالى: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ﴾ [البقرة: ١٢٥].\n(٧) في (ظ): (والمصلين).\n(٨) انظر: (أذن) في: \"تهذيب اللغة\" للأزهري ١٥/ ١٧ - ١٨، \"الصحاح\" للجوهري ٥/ ٢٠٦٨، \"لسان العرب\" ١٣/ ٩، ١٢.","vol":"15","page":357},{"text":"قال جماعة المفسرين: لما فرغ إبراهيم من بناء البيت قيل له: أذن (١) في الناس بالحج. قال: يا رب وما يبلغ صوتي؟ قال: أذن وعلي البلاغ. فصعد إبراهيم على أبي قبيس والمقام معه، ثم صاح: يا أيها الناس إن الله يدعوكم إلى حج بيته الحرام، ليثيبكم به الجنة ويجيركم (٢) من عذاب النار. نادى ما شاء الله من ذلك، فأجابه من كان في أصلاب الرجال وأرحام النساء: لبيك اللهم لبيك. من (٣) أجاب يومئذ حج على قدر الإجابة، إن أجاب مرة فمرة، وإن أجاب مرتين فمرتين على قدر ذلك. فذلك (٤) قوله: ﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا﴾ (٥).\nهذا الذي ذكرنا هو (٦) قول جماعة المفسرين إلا الحسن، فإنه قال: هذا الأمر بالتاذين للنبي -ﷺ- أمر أن يفعل ذلك في حجة الوداع، ففعل ذلك حيث قال: يا أيها الناس كتب عليكم الحج (٧).\nوإنما قال: ﴿يَأْتُوكَ﴾ (٨) وإن كانوا يأتون الكعبة، لأن المنادي كان\n_________\n(١) في (أ): (فأذن).\n(٢) في (ظ): (يخرجكم)، وهو خطأ.\n(٣) في (ظ): (فمن).\n(٤) (فذلك): ساقطة من (أ).\n(٥) ذكر نحو هذا ابن كثير في \"تفسيره\" ٣/ ٢١٦ ثم قال: هذا مضمون ما ورد عن ابن عباس ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وغير واحد من السلف والله أعلم. أهـ. وانظر الطبري ١٧/ ١٤٤ - ١٤٥، و\"الكشف والبيان\" للثعلبي ٣/ ٥١ أ، و\"الدر المنثور\" للسيوطي ٦/ ٣٢ - ٣٥.\n(٦) (هو): ساقطة من (ط).\n(٧) ذكره الثعلبي في \"الكشف والبيان\" ٣/ ٥١ أوصدره بقوله: وزعم الحسن. أهـ. وهذا القول المروي عن الحسن خلاف الظاهر.\n(٨) (رجالا): في (أ): (يأتوك رجالا).","vol":"15","page":358},{"text":"إبراهيم فمن أتى الكعبة حاجًا فكأنه قد أتى إبراهيم ﵇، لأنه مجيب نداه. وفيه أيضا تشريف لإبراهيم حين خوطب بالإتيان.\nورجال: جمع راجل، مثل: صَاحِب وصِحَاب، وقَائِم (١) وقِيَام (٢). وبُدئ بذكرهم تشريفًا لهم لزيادة تعبهم.\nوقوله: ﴿وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ أي: وركبانًا. والضمور: الهزال، ومثله الضُّمْرُ (٣)، ضَمُرَ يَضْمُرُ ضُمُورًا (٤).\nقال ابن عباس: يريد الإبل وغيره (٥). قال الكلبي: لا يدخل بعير ولا غيره الحرم إلا وقد ضمر.\nوقوله ﴿يَأْتِينَ﴾ جمع الفعل لمعنى (٦) كل، ولو قال يأتي على اللفظ صح (٧).\nقوله ﴿مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ أي: طريق بعيد. قاله الجميع (٨).\nوذكرنا الكلام في الفج عند قوله: ميه ﴿فِجَاجًا سُبُلًا﴾ [الأنبياء: ٣١]. والعميق: البعيد. قال الليث: الفج: المضرب البعيد (٩).\n_________\n(١) وقائم: ساقطة من (أ).\n(٢) من قوله: (ورجال) إلى هنا منقول عن \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٤٢٢ بنصه.\n(٣) الضُّمْر: بالضم وبضمتين. و(ضمر) كنصر وكرم. قال الفيروزآبادي في \"القاموس المحيط\" ٢/ ٧٦ (ضمر).\n(٤) \"تهذيب اللغة\" للأزهري ١٢/ ٣٦ مادة (ضمر) نقلا عن الليث.\n(٥) رواه الطبري ١٧/ ١٤٦ دون قوله (وغيره).\n(٦) في (ظ): (بمعنى).\n(٧) صح: ساقطة من (أ).\n(٨) انظر الطبري ١٧/ ١٤٦، وابن كثير ٣/ ٢١٦، و\"الدر المنثور\" ٦/ ٣٦.\n(٩) \"تهذيب اللغة\" للأزهري ١/ ٢٩٠ (عمق) نقلا عن الليث. وانظر: \"العين\" ١/ ١٨٦ - ١٨٧ (عمق)، (معق).","vol":"15","page":359},{"text":"وقال غيره (١): هو الشعب الواسع بين جبلين. قال (٢): ويقال: مَعِيق وعَميق، العميق في الطريق أكثر.\nقال الفراء لغة أهل الحجاز عميق، وبنو تميم تقول (٣): معيق (٤).\nوتقول العرب (٥):\nبئر عميقة ومعيقة، [وقد] (٦) أعمقتها وأمعقتها، وقد عمُقَت ومَعُقَت مَعَاقَةَ، وإنها لبعيدة العَمْق والمَعْق (٧). والأمْعَاق والأعْمَاق: أطراف المفازة البعيدة (٨). قال رؤبة (٩):\n_________\n(١) القائل: وقال غيره. هو الأزهري انظر: \"تهذيب اللغة\" ١/ ٢٩٥.\n(٢) يعني الليث كما في \"تهذيب اللغة\" للأزهري ١/ ٢٩٠ (عمق)، انظر: \"العين\" ١/ ١٨٦ - ١٨٧.\n(٣) تقول: ساقطة من (ظ).\n(٤) \"تهذيب اللغة\" للأزهري ١/ ٢٩٥ (عمق)، وليس هذا النص موجودًا في معاني الفراء انظر ٢/ ٢٢٤.\n(٥) في (ظ)، (د)، (ع): (والعرب تقول).\n(٦) زيادة من \"تهذيب اللغة\" للأزهري ١٠/ ٢٩٠.\n(٧) \"تهذيب اللغة\" للأزهري ١/ ٢٩٠ (عمق) غير منسوب لأحد.\n(٨) \"تهذيب اللغة\" للأزهري ١/ ٢٩٠ (عمق) منسوبًا لليث. وهو في كتاب \"العين\" ١/ ١٨٧ (عمق) مع اختلاف يسير، ومعه بيت رؤية كاملا منسوبا إليه.\n(٩) هذا شطر من أرجوزة لرؤبة في وصف مفازة، وهو في ديوانه ص ١٠٤، ومجاز القرآن لأبي عبيدة ١/ ٣٨٠، والطبري ١٥/ ٨٨، و\"تهذيب اللغة\" للأزهري ١/ ٢٩٠ (عمق)، و\"اللسان\" ١٠/ ٢٧١ (عمق)، \"خزانة الأدب\" ١٠/ ٢٥ - ٢٦.\nقال البغدادي في \"الخزانة\" ١٠/ ٢٥، ١/ ٨١: (وقاتم) مجرور بـ (رب) المحذوفة بعد الواو. وهو صفة لموصوف محذوف، أي: رب بلد قاتم. قال الأصمعي: القُتْمةُ: الغبُرة. وأسود قاتم أي رب بلد مُغْبَرّ. والأعمال: جمع عمق بفتح العين وضمها، وهو ما بعد من أطراف المفاوز. والخاوي: الخالي. و\"المخترق\" بفتح الراء: مكان الاختراق، من الخرق وهو الشق، استعمل في قطع المفازة.","vol":"15","page":360},{"text":"وقاتم الأعماق خاوي المخترق\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2706>٢٨ </span>- قوله: ﴿لِيَشْهَدُوا﴾ أي: ليحضروا مشاهد مكة ومشاعرها. يعني: الناس الذين ذكروا في قوله ﴿يَأْتُوكَ﴾.\nقولى: ﴿مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ قال ابن عباس في رواية أبي رزين: هي الأسواق (١).\nوهو قول سعيد بن جبير والسدي: يعني التجارة (٢). واختيار ابن قتيبة (٣).\nوعلى هذا المنافع تختص بمنافع الدنيا.\nوقال في رواية عطاء: منافع لهم في الدنيا والآخرة (٤).\nوهو قول مجاهد: يعني التجارة، وما يرضي الله سبحانه من عمل الدنيا والآخرة (٥).\nوالمنافع على هذا القول شائعة في الأجر والتجارة (٦).\n_________\n(١) ذكره الثعلبي ٣/ ٥١ أعنه من رواية أبي رزين. ورواه الطبري ١٧/ ١٤٦ عنه من رواية أبي رزين. وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ٣٧ وعزاه لابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس.\n(٢) ذكره عن سعيد الثعلبي في \"الكشف والبيان\" ٣/ ٥١ ب، ورواه عنه الطبري ١٧/ ١٤٦.\nوذكره عن السدي ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٥/ ٤٢٤.\n(٣) انظر: \"غريب القرآن\" لابن قتيبة ص ٢٩٢.\n(٤) رواه ابن أبي حاتم كما في \"الدر المنثور\" ٦/ ٣٧ عنه، وذكره ابن كثير ٣/ ٢١٦ عنه ﵁ ولم يبين من رواه عنه.\n(٥) رواه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ٢/ ٣٦، والطبري ١٧/ ١٤٧.\n(٦) قال ابن الجوزي ٥/ ٤٢٥: وهو أصح.","vol":"15","page":361},{"text":"وقال العوفي، وسعيد بن المسيب، والباقر (١): هي العفو والمغفرة (٢). فخصوا المنافع بمنافع الآخرة.\nوهذا القول اختيار أبي إسحاق، قال: ليشهدوا ما ندبهم الله إليه مما فيه النفع لهم في آخرتهم (٣).\nقوله: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء: يريد أيام الحج، وهي يوم عرفة والنحر وأيام التشريق (٤).\n_________\n(١) في (أ): (النامر).\n(٢) ذكره عنهم جميعًا الثعلبي في \"الكشف والبيان\" ٣/ ٥١ ب. وعن الباقر رواه الطبري ١٧/ ١٤٧.\n(٣) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٤٢٣ قال الطبري -﵀- في \"تفسيره\" ١٧/ ١٤٧: وأولى الأقوال بالصواب: قول من قال: عني بذلك ليشهدوا منافع لهم من العمل الذي يرضي الله والتجارة، وذلك أن الله عم لهم منافع جميع ما يشهد له الموسم ويأتي له مكة أيام الموسم من منافع الدنيا والآخرة ولم يخصص من ذلك شيئا من منافعهم بخبر ولا عقل، فذلك على العموم في المنافع التي وصفت.\n(٤) ذكره عن ابن عباس من رواية عطاء البغوي في \"تفسيره\" ٥/ ٣٧٨. وذكره الرازي ٢٣/ ٢٩ عنه من رواية عطاء لكن ليس فيها ذكر يوم عرفة.\nوهذه الرواية التي ذكرها الواحدي هنا عن ابن عباس ضعيفة.\nوقد جاء عن ابن عباس روايات في المراد بالأيام المعلومات أصحها أن الأيام المعلومات هي أيام العشر. رواه البخاري عنه تعليقًا بصيغة الجزم كتاب: العيدين، باب: فضل العمل في أيام التشريق ٢/ ٤٥٧، ووصله ابن حجر في \"الفتح\" ٢/ ٤٥٨، و\"تغليق التعليق\" ٢/ ٣٧٧ من رواية عبد بن حميد في \"تفسيره\" من طريق عمرو بن دينار: سمعت ابن عباس -وفيه: والأيام المعلومات أيام العشر.\nورواه البيهقي في \"السنن الكبرى\" ٥/ ٢٢٨ من طريق هُشيم، حدثنا أبو بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: المعلومات: العشر. وإسناده صحيح.\nوذكره ابن كثير في \"تفسيره\" ٣/ ٢١٦ من رواية شعبة وهشيم، عن أبي بشر، عن=","vol":"15","page":362},{"text":"وهذا القول اختيار أبي إسحاق (١). وقال الحسن وقتادة: الأيام المعلومات أيام عشر ذي الحجة، والمعدودات أيام التشريق (٢).\nوإنما قيل لهذه معدودات لأنها قليلة، وقيل لتلك معلومات للحرص على علمها (٣) بحسابها من أجل وقت الحج في آخرها (٤).\nوقال مقاتل: المعلومات: أيام التشريق (٥). وهذا قول القرظي، لأنه\n_________\n= سعيد عن ابن عباس.\nوذكر هذا القول عن ابن عباس السيوطي في \"الدر المنثور\" ١/ ٥٦٢ فقال: وأخرج الفريابي وعبد بن حميد والمروزي في العيدين وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في \"الشعب والضياء\" في \"المختاره\" من طرق، عن ابن عباس قال: الأيام المعلومات أيام العشر، والأيام المعدودات أيام التشريق.\n(١) اختار أبو إسحاق الزجاج في كتابه \"معاني القرآن\" ٣/ ٤٢٣ أن الأيام المعلومات هي يوم النحر والأيام التي بعده ينحر فيها -قال: لأن الذكر هاهنا يدل على التسمية على ما ينحر لقوله: (على ما رزقهم من بهيمة الأنعام).\nفلم يذكر الزجاج يوم عرفة؛ لأن يوم عرفة ليس من أيام النحر، فقول الواحدي: وهذا القول -يعني قول ابن عباس في رواية عطاء- اختيار أبي إسحاق. خطأ.\n(٢) رواه عن قتادة عبد الرزاق في \"تفسيره\" ٢/ ٣٧، والطبري ١٧/ ١٤٨. وذكره عن الحسن الزمخشري ٣/ ١١، وابن الجوزي ٥/ ٤٢٥، وابن كثير ٣/ ٢١٦. وهذا القول هو أصح الروايات عن ابن عباس كما قدمنا. وهو قول أكثر المفسرين كما قال الثعلبي في \"الكشف والبيان\" ٣/ ٥١ ب.\nوقال ابن كثير في \"تفسيره\" ٣/ ٢١٦ - بعد ذكره هذا القول عن ابن عباس: وروى مثله عن أبي موسى الأشعري، ومجاهد، وقتادة، وعطاء، وسعيد بن حبير، والحسن والضحاك، وعطاء الخراساني، وإبراهيم النخعي، وهو مذهب الشافعي، والمشهور عن أحمد بن حنبل. أهـ.\n(٣) في (أ): (عملها)، وهو خطأ.\n(٤) هذا قول الثعلبي في تفسيره \"الكشف والبيان\" (جـ ٣ ل ٥١ ب).\n(٥) \"الكشف والبيان\" للثعلبي ٣/ ٥١ ب.","vol":"15","page":363},{"text":"جعل المعدودات والمعلومات واحدة (١). والاختيار قول ابن عباس.\nقال أبو إسحاق: لأن الذكر هاهنا يدل على التسمية على ما ينحر لقوله ﴿عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ (٢).\n[يعني أن هذه الأيام يجب أن تختص بأيام الذبح، لأن قوله ﴿لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ (٣) المراد به التسمية عند الذبح.\nقال قتادة: كان (٤) يقال: إذا ذبحت نسيكتك فقل: بسم الله والله أكبر، اللهم منك عن فلان (٥). ونحو هذا ذكر الكلبي.\nوأول وقت الذبح يوم النحر إذا طلعت الشمس، ومضى من اليوم مقدار صلاة رسول الله -ﷺ-، فمن ذبح قبل هذا لم يحتسب من الضحايا، وآخر أيام الذبح إذا غربت الشمس يوم الثالث عشر، فهي أربعة أيام، والليالي في خلال هذه الأيام وقت (٦) ذبح (٧).\nومن فسر المعلومات بالعشر من ذي الحجة قال: لما كان يقع هذا النوع من الذكر في آخر يوم منها جاز أن يوصف الذكر بأنه فيها كلها، لأن هذا اليوم وهو اليوم العاشر من جملة العشر فالذكر واقع في العشر، والعشر\n_________\n(١) ذكره عنه الثعلبي في \"الكشف والبيان\" ٣/ ٥١ ب.\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٤٢٣.\n(٣) ما بين المعقوفين ساقط من (أ).\n(٤) (كان): ساقطة من (أ).\n(٥) ذكره عنه السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ٣٧ وعزاه لعبد بن حميد وابن أبي حاتم.\n(٦) في (ظ): (للذبح).\n(٧) انظر: \"الأم\" ٢/ ١٨٧، \"الحاوي الكبير\" للماوردي ٤/ ٣٧٨، \"المغني\" لابن قدامة ٥/ ٣٠٠ - ٣٠١، \"روضة الطالبين\" للنووي ٣/ ١٩٩ - ٢٠٠، \"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي ١٢/ ٤٢ - ٤٤.","vol":"15","page":364},{"text":"ليس تخلو من هذا الذكر.\nقوله: ﴿عَلَى مَا رَزَقَهُمْ﴾ أي: على ذبح ما رزقهم من بهيمة الأنعام.\nقال ابن عباس: يريد البدن من الإبل والبقر والضأن والمعز، كل ذلك يريدون بها الله ﷾.\nو﴿بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ هي الأنعام، وذكرنا الكلام في هذا مستقصى في أول سورة المائدة.\nوفي هذا دليل على أن الضحايا والهدايا مختصة بالأنعام، وتفسيرها ما ذكره ابن عباس، وذكرناه في مواضع (١).\nقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ قال ابن عباس: أجاز الله تعالى الأكل مما أهديت، وأما الكفارة فلا يأكل منها أصحابُها.\nقال أبو إسحاق: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ ليس بأمر لازم، من شاء أكل من أضحيته ومن شاء لم يأكل، وإنما هو إباحة كما قال: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢]، وإنما قال ﴿فَاصْطَادُوا﴾ لأنه قد كان حظر عليهم الصيد وهم محرمون، فأباح لهم الصيد، وكذلك هذا الأمر هاهنا بعد حظرهم كان (٢) على أنفسهم أكل الأضاحي، لأن أهل الجاهلية كانوا إذا نحروا لم يستحلوا أن يأكلوا من نسائكهم شيئًا، فأعلم الله ﷿ أن ذلك جائز (٣).\nهذا معنى قول ابن عباس: أجاز الله الأكل بما أهديت. وقوله (٤) (أما الكفارة فلا يأكل منها أصحابها): كل هدي كان صاحبه متطوعًا به جاز له\n_________\n(١) انظر: \"البسيط\" عند قوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦].\n(٢) كان: ليست عند الزجاج، وهي في جميع النسخ.\n(٣) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٤٢٣.\n(٤) يعني ابن عباس.","vol":"15","page":365},{"text":"الأكل، فأما إذا كان كفارة وجبرانًا لنقصان نسك أو ترك نسك، فلا يجوز له أن يأكل منه، وذلك مثل دم القرآن والتمتع (١)؛ لأنه وجب بترك أحد الميقاتين، وكذلك دم الإساءة لأنه وجب بسبب مجاوزة الميقات وكذلك دما (٢) القَلَمِ والحلق وسائر المحظورات (٣)، وإنما أكل رسول الله -ﷺ- من لحم هديه (٤)، لأنه أفرد الحج فلم يجب عليه في حجه دم (٥).\nوالذي ذكرنا في قوله ﴿فَكُلُوا﴾ أنه أمر إباحة هو قول جميع المفسرين (٦).\n_________\n(١) هذا مذهب الشافعي. وذهب جمهور العلماء إلى جواز الأكل من دم القرآن والتمتع، لأن النبي -ﷺ- أكل من هديه وكان قارنًا، وأزواج النبي -ﷺ- تمتعن معه في حجة الوداع، وأدخلت عائشة الحج على العمرة فصارت قارنة، ثم ذبح عنهن النبي -ﷺ- البقرة، فأكلن من لحمها. انظر تفصيل ذلك في: \"صحيح البخاري\" كتاب: الحج، باب: ما يأكل من البدن ٣/ ٥٥٧ - ٥٥٨، \"أحكام القرآن\" للجصاص ٣/ ٢٣٦، \"المغني\" لابن قدامة ٥/ ٤٤٤ - ٤٤٦.\n(٢) في (ظ): (دم).\n(٣) انظر: \"الأم\" ٢/ ١٨٤، \"أحكام القرآن\" للجصاص ٣/ ٣٣٧، \"الحاوي\" ٤/ ١٨٧، \"المغني\" ٥/ ٤٤٤ - ٤٤٦، \"روضة الطالبين\" ٣/ ٢٢١ - ٢٢٢، \"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي ١٢/ ٤٤.\n(٤) روى مسلم في \"صحيحه\" كتاب: الحج، باب: حجة النبي -ﷺ- ٢/ ٨٩٢ من حديث جابر ﵁ أن النبي -ﷺ- أمر من كل بدنة ببضعة فجعلت في قدر، فطبخت، فأكلا من لحمها وشربا من مرقها.\n(٥) الصواب أن النبي -ﷺ- كان قارنًا للأحاديث الصحيحة الصريحة، ومن ذلك ما رواه مسلم في \"صحيحه\" كتاب: الحج، باب: جواز التحلل بالإحصار وجواز القرآن ٢/ ٩٠٤ عن ابن عمر أنه أوجب حجا مع عمرته، وطاف لهما طوافًا واحدًا، ثم قال: هكذا فعل رسول الله -ﷺ-. وانظر بسط القول في هذا الأمر وتحقيقه في \"زاد المعاد\" لابن القيم ٢/ ١٠٧ - ١٢٢.\n(٦) انظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص ٣/ ٢٣٥.","vol":"15","page":366},{"text":"قال إبراهيم ومجاهد: إن شاء أكل وإن شاء لم يأكل. وكان أهل الجاهلية إذا نحروا لم يستحلوا أكل ذبائحهم (١).\nقوله ﴿وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ قال ابن عباس: البائس: الذي ظهر بؤسه في ثيابه ووجهه، وبان البؤس عليه. والفقير الذي لم يظهر بؤسه، وثيابه نقيه، ووجهه وجه غني (٢).\nوهذا الذي ذكره يوجب الفرق بينهما، وحينئذ فيجب أن يكون (والفقير) بواو العطف، وإذا ذكر معه (٣) بغير حرف العطف فهو من صفة البائس.\nوالبائس: الذي ناله (٤) بؤس، وهو شدة الفقر. يقال: قد بؤس وبئس، إذا صار ذا بؤس. ذكر ذلك الزجاج (٥).\nوروي عن ابن عباس: أنه فسر البائس هاهنا بالزَّمِن (٦).\n_________\n(١) رواه سعيد بن منصور في \"تفسيره\" ل ١٥٦ ب، والطبري ١٧/ ١٤٨ عن إبراهيم دون قوله (وكان أهل ..\nوذكره ابن كثير في \"تفسيره\" ٣/ ٢١٧ عن إبراهيم بنحو ما ذكره الواحدي مع تقديم وتأخير.\nوذكره عنه السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ٣٧ بلفظ (كان المشركون لا يأكلون ذبائح نسائكهم) فأنزل الله (فكلوا ..) فرخص للمسلمين فمن شاء ..\nوعزاه لعبد الرزاق وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\nوعن مجاهد رواه الطبري ١٧/ ١٤٨ دون قوله: وكان المشركون.\n(٢) ذكره عنه الرازي ٢٣/ ٢٩.\n(٣) (معه): ساقطة من (ظ)، (د)، (ع).\n(٤) في (أ): (يناله).\n(٥) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٤٢٣.\n(٦) رواه الطبري ١٧/ ١٤٨ من رواية العوفي عنه.","vol":"15","page":367},{"text":"وقال عطاء ومجاهد: هو الذي يسألك (١) ويمد إليك يده (٢).\nقال أصحابنا: من أهدى أو ضحى فحسن أن يأكل النصف ويتصدق بالنصف لقوله: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا﴾ فتقسم الأضحية على هذين الأمرين (٣)، ومنهم من قال: يقسمها أثلاثًا لما روى أن النبي -ﷺ- قال: \"إنما نهيتكم عن أكل لحوم الأضاحي لأجل الدافة التي دفت، ألا فكلوا (٤) وادخروا (٥) وائتجروا\" (٦) أي: اطلبوا الأجر بالإطعام. فيقسمها أثلاثًا على الأوامر الثلاثة (٧).\nالدافة: الجماعة التي (٨) يدفون أي: يسيرون سيرًا ليس بالشديد (٩).\n_________\n(١) في (أ): (يسأل).\n(٢) رواه الطبري ١٧/ ١٤٩. وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ٣٨. وعزاه لعبد بن حميد.\n(٣) انظر: \"الحاوي الكبير\" للماوردي ٤/ ٣٨٥، \"روضة الطالبين\" للنووي ٣/ ٢٢٣.\n(٤) في (ظ)، (د)، (ع): (كلوا).\n(٥) في (أ): (فادخروا).\n(٦) رواه الإمام أحمد في \"مسنده\" ٦/ ٥١، ومسلم في \"صحيحه\" كتاب: الأضاحي ٣/ ١٥٦١، وأبو داود في \"سننه\" كتاب: الأضاحي باب: حبس لحوم الأضاحي ٨/ ٧ - ٨، والنسائي في \"سننه\" كتاب: الضحايا، باب: الادخار من الضحايا ٧/ ٢٣٥ من حديث عائشة ﵂ باللفظ المذكور هنا، لكن في روايتهم (وتصدقوا) بدل (وائتجروا).\nوقد وردت هذه اللفظة في الحديث الذي رواه أبو داود في \"سننه\" كتاب: الأضاحي، باب: حبس لحوم الأضاحي ٨/ ٩ من حديث نبيشة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: \"إنا كنا نهيناكم عن لحومها أن تأكلوها فوق ثلاث لكي تسعكم، فقد جاء الله بالسعة، فكلوا وادخروا وائتجروا\".\n(٧) انظر: \"الحاوي الكبير\" ٤/ ٣٨٠، \"روضة الطالبين\" ٣/ ٢٢٣.\n(٨) (التي): ساقطة من (ظ)، (د)، (ع).\n(٩) ذكره الأزهري في \"تهذيب اللغة\" ١٤/ ٧٢ (دف) من رواية أبي عبيد، عن أبي عمرو.","vol":"15","page":368},{"text":"ولعل قومًا وردوا على رسول الله -ﷺ-، فنهى أصحاب الضحايا عن أكلها لتشبع الواردة (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2707>٢٩ </span>- قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ قال أبو إسحاق: أهل اللغة لا يعرفون التفث إلا من التفسير (٢).\nوقال النضر: التفث: النسك من مناسك الحج، رجل تَفِث: أي: مُغْبرٌّ (٣) شعث، لم يدَّهن ولم يستحد (٤).\nقال الأزهري: لم يفسر أحد من اللغويين التفث كما فسره ابن شميل، جعل التفث الشعث، وجعل قضاءه إذهاب الشعث بالحلق وما أشبهه (٥).\nوقال ابن الأعرابي في قوله ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ قال: قضاء حوائجهم من الحلق والتنظيف (٦).\nوقال المبرد: التفث هاهنا فضول الشعر والأظفار من شعر الإبطين والعانة، وأصل التفث في كلام العرب: فعل قاذورة تلحق الإنسان فيجب عليه نقضها و﴿لْيَقْضُوا﴾ أي: ليحكموا (٧) الأمر فيه (٨).\n_________\n(١) في حديث عائشة الذي تقدم تخريجه: (دف أهل أبيات من أهل البادية حُضرة الأضحى زمن رسول الله -ﷺ-، فقال رسول الله -ﷺ-: \"ادخروا ثلاثًا ثم تصدقوا بما بقي\" الحديث.\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٤٢٣.\n(٣) في (أ): (مغير).\n(٤) قول النضر بن شميل في \"تهذيب اللغة\" للأزهري ١٤/ ٢٦٦ (تفث).\n(٥) \"تهذيب اللغة\" للأزهري ١٤/ ٢٦٦ (تفث).\n(٦) قول ابن الأعرابي في \"تهذيب اللغة\" للأزهري ٤/ ٢٦٧ (تفث).\n(٧) في (أ): (فيحكموا).\n(٨) ذكره الرازي ٢٣/ ٣٠ عن المبرد.","vol":"15","page":369},{"text":"هذا كلام أهل اللغة في التفث، والأمر على ما قاله الزجاج، وليس له أصل في اللغة يسند إليه وإنما عرف ذلك من التفسير. ويشبه أن يكون الأمر على ما ذكره المبرد من (١) أن التفث معناه في اللغة: الوسخ والقذارة من طول الشعر والأظفار. والقلم والحلق من أعمال الحج، ثم سمى أعمال الحج كلها التفث. يدل (٢) على هذا ما روي عن عكرمة أنه قال: التفث. الشعر والظفر (٣). يعني ما طال منهما.\nقال ابن عباس في رواية عطاء: يريد الذبح، وحلق الرأس والشعر كله، وقص الأظفار (٤).\nوقال في رواية الوالبي: هو وضع الإحرام بحلق الرأس، وقص الأظفار، ولبس الثياب، ونحوها (٥).\n_________\n(١) من: ساقطة من (أ).\n(٢) في (ظ): (ويدل).\n(٣) ذكره الثعلبي في \"الكشف والبيان\" ٣/ ٥١ ب. ورواه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" ٤/ ٨٤، والطبري ١٧/ ١٤٩.\n(٤) روى سعيد بن منصور في \"تفسيره\" ١٥٦ أ، وابن أبي شيبة في \"مصنفه\" ٤/ ٨٥، الطبري في \"تفسيره\" ١٧/ ١٤٩، والأزهري في \"تهذيب اللغة\" ١٤/ ٢٦٦ من طريق عبد الملك بن أبي سيمان، عن عطاء، عن ابن عباس قال في التفث: حلق الرأس، والأخذ من العارضين، ونتف الإبط، وحلق العانة، والموقف بعرفة، والسعي بين الصفا والمروة، ورومي الجمار، وقص الأظفار وقص الشارب والذبح. هذه رواية سعيد بن منصور وليس في رواية ابن أبي شيبة ذكر الموقف بعرفة أو السعي، ورواية الطبري نحو رواية سعيد، ورواية الأزهري نحو رواية ابن أبي شيبة.\n(٥) ذكره الثعلبي في \"الكشف والبيان\" ٣/ ٥١ ب من رواية الوالبي. ووراه الطبري ١٧/ ١٥٠ من رواية الوالبي، وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ٤٠ وعزاه لابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"15","page":370},{"text":"وقال في رواية عكرمة: قضاء النسك كله (١).\nوهو قول ابن عمر (٢)، ومجاهد (٣)، والقرظي (٤) أنه: مناسك الحج: من الوقوف والطواف، والسعي، ورمي الجمار، وأخذ الشارب، ونتف الإبط وحلق العانة، وقص الأظفار.\nقال أبو إسحاق: كأنه الخروج من الإحرام إلى الإحلال (٥).\nقال أصحابنا: ذكر الله تعالى النحر في الآية الأولى في قوله: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ ثم عقب ذلك بقضاء التفث؛ فدل على أن ترتيب أفعال يوم النحر: أن يبدأ الحاج بنحو الهدي بعد رمي الجمار ثم بالحلق وهذا من طريق الندب بالسنة لا من طريق الوجوب (٦).\nوأفعال يوم النحر أربعة: الرمي، والنحر، والحلق، والطواف، وهو طواف القرض. ويسعى بين الصفا والمروة إن لم يكن سعى على إثر طواف\n_________\n(١) ذكره ابن الجوزي ٥/ ٤٢٦ وابن كثير في \"تفسيره\" ٣/ ٢١٧ من رواية عكرمة، عنه.\n(٢) رواه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" ٤/ ٨٥، والطبري ١٧/ ١٤٩. وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ٣٩ وعزاه لابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر.\n(٣) رواه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" ٤/ ٨٥، والطبري ١٧/ ١٤٩. وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ٤٠ وعزاه لابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(٤) رواه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" ٤/ ٨٥، والطبري ١٧/ ١٤٩. وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ٤٠ وعزاه لابن أبي شيبة.\n(٥) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٤٢٤.\n(٦) انظر: \"الحاوي\" ٤/ ١٨٦، \"المغني\" ٥/ ٣٢٠، \"روضة الطالبين\" ٣/ ١٠٢.","vol":"15","page":371},{"text":"القدوم، وإن كان قد سعى يحسب له ذلك (١) من فرض حجه؛ لأن السعي يجوز أن يتقدم على الوقوف بعرفة، ولكن لا يصح سعي إلا في إثر طواف (٢). وطواف الفرض لا يصح إلا بعد الوقوف بعرفة. وتقديم أفعال يوم النحر بعضها على بعض يجوز (٣)، وما (٤) سئل رسول الله -ﷺ-[يوم النحر] (٥) عن شيء (٦) قدم أو أخر إلا قال: \"افعل ولا حرج\" (٧).\nوالقراءة في تسكين لام ﴿لْيَقْضُوا﴾ وتحريكها ذكرنا وجهها عند قوله ﴿ثُمَّ لْيَقْطَعْ﴾ (٨).\nوقوله: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ قال ابن عباس: هو نحو ما نذروا من البدن (٩). وقال مجاهد: يعني نذر الحج والهدي، وما نذر الإنسان من\n_________\n(١) (ذلك): ساقطة عن (أ).\n(٢) انظر: \"الحاوي\" ٤/ ١٥٧، \"المغني\" ٥/ ٢٤٠، \"روضة الطالبين\" ٣/ ٩٠.\n(٣) وهذا قول جمهور العلماء. وقال أبو حنيفة: إن قدم الحلق على الرمي أو على النحر فعليه دم. والحديث الآتي ذكره دليل عليه.\nانظر: \"الأم\" ٢/ ١٨٣، \"الحاوي\" ٤/ ١٨٦ - ١٨٧، \"المغني\" ٥/ ٣٢٠، \"روضة الطالبين\" ٣/ ١٠٢.\n(٤) في (د)، (ع): (ومما)، وهو خطأ.\n(٥) ما بين المعقوفين ساقط من (ع).\n(٦) في (ظ): (عن شيء يوم النحر)، تقديم وتأخير.\n(٧) رواه البخاري في \"صحيحه\" كتاب: الحج، باب: الفتيا على الدابة عند الجمرة ٣/ ٥٦٩، ومسلم في \"صحيحه\" كتاب: الحج، باب: من حلق قبل النحر أو نحو قبل الرمي ٢/ ٩٤٨ من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄.\n(٨) في (أ): (ثم ليقضوا)، وهو خطأ.\n(٩) رواه الطبري ١٧/ ١٥٠ من رواية علي بن أبي طلحة، وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ٤٠ وعزاه لابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"15","page":372},{"text":"شيء يكون في الحج (١). والمعنى: وليوفوا بما (٢) نذروا لله من هدي وبدنة وغير ذلك.\nوقال بعضهم: يعني الذين نذروا أعمال البر في أيام حجهم أمرهم الله بالوفاء بها (٣). وربما ينذر الرجل أن يتصدق إن رزقه الله لقاء الكعبة (٤). وإن كان على الرجل نذور مطلقة لا يتقيد بأهل بلدة (٥) مخصوصة فالأفضل (٦) أن يتصدق ويهدي إلى الكعبة وأهلها فذلك قوله ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ أي: وليتموها بقضائها، ولذلك لم يقل بنذورهم كما قال ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١١١] وقال ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ﴾ [الفتح: ١٠]؛ لأن المراد به الإتمام. والإتمام لا يقتضي الجارة.\nقوله: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ يعني الطواف الواجب ويسمى (٧) طواف الإفاضة، لأنه يكون بعد الإفاضة من عرفات، ويُسمى طواف الزيارة لأنه يزور البيت (٨) بعد الوقوف (٩). ويكون هذا الطواف في يوم النحر أو بعده.\n_________\n(١) رواه الطبري ١٧/ ٤٠. وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ٤٠ مختصرًا، وعزاه لابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(٢) في (أ): (مما).\n(٣) ذكره ابن الجوزي ٥/ ٤٢٧ من غير نسبة لأحد.\n(٤) يعني رؤية الكعبة.\n(٥) في (ظ)، (د)، (ع): (بلد).\n(٦) في (أ): (والأفضل).\n(٧) في (أ): (وسمي).\n(٨) في (أ): (إليها)، وهو خطأ.\n(٩) في (أ): (الطواف)، وهو خطأ.","vol":"15","page":373},{"text":"قال عطاء عن ابن عباس: إن كانت معك امرأة فإذا رميت (١) جمرة العقبة وزرت البيت حلت لك، وإن لم (٢) تكن معك امرأة فلا (٣) عليك أن تزور البيت حتى تفرغ من جميع أيام الجمار. يعني بالزيارة الطواف.\nقال أصحابنا: الآية تدل على وجوب الطواف بالبيت. فلو طاف فدخل (٤) الحجر أو مشى على جدار الحجر لم يحسب طوافه؛ لأنه طاف في البيت (٥)، وذلك أن الحجر من البيت (٦).\nوقوله ﴿الْعَتِيقِ﴾ روى (٧) ابن الزبير قال: قال رسول الله -ﷺ-: \"إنما سَمَّى الله (٨) البيت العتيق؛ لأن الله أعتقه من الجبابرة، فلم يظهر عليه جبار قط\" (٩).\n_________\n(١) في (ظ): (فارميت)، وهو خطأ.\n(٢) (لم): ساقطة من (ظ).\n(٣) في (د)، (ع): (ولا).\n(٤) في (ظ): (ودخل)، وفي (د)، (ع): (أو دخل).\n(٥) في (ظ): (بالبيت).\n(٦) انظر: \"الأم\" ٢/ ١٥٠ - ١٥١، \"الحاوي الكبير\" للماوردي ٤/ ١٤٩، \"روضة الطالبين\" للنووي ٣/ ٨٠ - ٨١.\n(٧) في (أ): (وروى).\n(٨) في (د)، (ع): (إنما سمي البيت العتيق).\n(٩) رواه البخاري في \"التاريخ الكبير\" ١/ ٢٠١، والترمذي في \"سننه\" كتاب: التفسير، سورة الحج ٩/ ١٤، والبزار في \"مسنده\" كما في \"كشف الأستار\" ٢/ ٤٥، والطبري في \"تفسيره\" ١٧/ ١٥١ - ١٥٢، والحاكم في \"مستدركه\" ٢/ ٣٨٩، والواحدي في \"الوسيط\" ٣/ ٢٦٨ - ٢٦٩ كلهم من طريق عبد الله بن صالح كاتب الليث، عن الليث، عن ابن خالد بن مسافر، عن الزهري، عن ابن عروة بن الزبير، عن عبد الله بن الزبير، به.\nوضعفه الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" ٣/ ٢٩٦، بعبد الله بن صالح كاتب الليث. وضعف هذا الحديث الألباني كما في \"ضعيف الجامع\" ٢/ ٢١٠.","vol":"15","page":374},{"text":"وهذا قول مجاهد وقتادة وابن عباس والكلبي (١)، قالوا: أُعتق من الجبابرة، فلم يسلط عليه جبار أراد دخوله، ولكن يذل له ويتواضع.\nوهذا القول أكثر ما جاء في التفسير (٢). وقال سفيان بن عيينة: سمي بذلك لأنه لم يملك قط (٣).-هو قول مجاهد- في رواية عبيد المكتب (٤) - قال: ليس لأحد فيه شيء (٥).\nفعلى هذا يُسمي العتيق؛ لأنه لم يدعه أحد من الناس.\nقال الزجاج: وقيل ﴿بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ الذي أعتق من الغرق أيام الطوفان (٦)، ودليل هذا القول ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ﴾\n_________\n(١) ذكره عن مجاهد وقتادة وابن عباس: الثعلبي في \"الكشف والبيان\" ٣/ ٥١ ب. وعن مجاهد رواه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ٢/ ٣٧، والطبري ١٧/ ١٥١، وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ٤١ وعزاه لابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم. وعن قتادة رواه الطبري ١٧/ ١٥١. وعن ابن عباس رواه عبد بن حميد وابن أبي حاتم كما في \"الدر المنثور\" ٦/ ٤١.\n(٢) انظر: الطبري ١٧/ ١٥١، و\"الكشف والبيان\" للثعلبي ٣/ ٥١ ب.\n(٣) ذكره عن ابن عيينة الثعلبي في \"الكشف والبيان\" (جـ ٣ ل ٥٢ أ). والبغوي ٥/ ٣٨٢، وابن الجوزي ٥/ ٤٢٨.\n(٤) هو عبيد بن مهران المكتب، الكوفي، مولى لبني ضَبَّة. روى عن مجاهد والشعبي وغيرهما. وهو ثقة قليل الحديث.\n\"طبقات ابن سعد\" ٦/ ٣٤٠، \"الكشاف\" للذهبي ٢/ ٢٣٩، \"تهذيب التهذيب\" ٧/ ٧٤، \"تقريب التهذيب\" ١/ ٥٤٥.\n(٥) ذكره الثعلبي ٣/ ٥٢ أ.\nورواه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ٢/ ٣٧ - وقد تصحف فيه المكتب إلى المكتري- والطبري ١٧/ ١٥١ عن مجاهد من رواية عبيد المكتب.\n(٦) وهو قول سعيد بن جبير وعكرمة. انظر ابن كثير ٣/ ٢١٨، و\"الدر المنثور\" ٦/ ٤١.","vol":"15","page":375},{"text":"[الحج: ٢٦] وهذا دليل أن البيت رفع وبقي مكانه (١).\nوعلى هذه الأقوال العتيق بمعنى: المعتق.\nيقال: أعتقت المملوك فهو معتق وعَتِيقٌ (٢). فالبيت (٣) مُعتقٌ من الجبابرة ومن ملك الناس ومن الغرق.\nوقال الحسن: ﴿بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾: البيت القديم (٤).\nوهو قول ابن زيد (٥) ودليل هذا التأويل قوله ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ٩٦] الآية. وعلى هذا القول ﴿الْعَتِيقِ﴾: فعيل من عتق يعتق إذا صار عتيقًا قديمًا (٦). وقول من قال إن العتيق: بمعنى الكريم من قولهم: فرس عتيق ليس بشيء؛ لأن معنى العتيق في الخيل: السابق، يقال عتقت الفرس إذا سبقت الخيل فنجت (٧) (٨).\nوليس يحسن هذا المعنى في البيت.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2708>٣٠ </span>- قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ﴾ قال أبو إسحاق: موضع (ذلك) رفع. المعنى: الأمر ذلك (٩).\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٤٢٤.\n(٢) هذا قول الزجاج بنصه ٣/ ٤٢٤.\n(٣) في (أ): (قال فالبيت).\n(٤) ذكره عنه الزجاج ٣/ ٤٢٤. وذكره السيوطي بمعناه في \"الدر المنثور\" ٦/ ٤١ وعزاه لابن أبي حاتم.\n(٥) رواه الطبري ١٧/ ١٥١.\n(٦) انظر (عتق) في: \"تهذيب اللغة\" للأزهري ١/ ٢١٠، \"الصحاح\" للجوهري ٤/ ١٢٥٠.\n(٧) (فنجت): ساقطة من (أ).\n(٨) \"تهذيب اللغة\" للأزهري ١/ ٢١٠ من رواية أبي عبيد عن الأصمعي.\n(٩) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٤٢٤.","vol":"15","page":376},{"text":"يعني ما ذكر من أعمال الحج.\nوقوله: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ﴾ قال الليث: الحرمة ما لا يحل انتهاكه، وتقول: فلان له حُرمة، أي تحرم منا لصحبة (١) أو حق (٢).\nوقال الزجاج: الحرمة: ما وجب القيام به وحرم التفريط فيه (٣).\nوأما معنى الحرمات -هاهنا- فقال عطاء: هي معاصي الله (٤).\nوعلى هذا الحرمات: هي ما نهي عنها، ومنع من الوقوع فيها وانتهاكها، وتعظيم حرمات الله ترك ما حرمه الله.\nوقال مجاهد: الحرمة مكة والحج والعمرة، وما نهى الله عنه من معاصيه (٥).\nفزاد مجاهد المناسك والمأمور بقيامها، وقد جمع في هذا القول المأمور به والمنهي عنه [فالمأمور به من مناسك الحج حرم التفريط فيه] (٦) والمنهي عنه من المعاصي حرم ملابستها فهي كلها حرمات.\nوقال ابن عباس في رواية عطاء: يريد فرائض الله ﷿ وسننه (٧).\nوهذا القول هو أجمع الأقوال لأنه يجمع المأمور به والمنهي عنه.\n_________\n(١) في (ظ)، (د)، (ع): (الصحبة)، وهو خطأ. وعند الأزهري: تحرم بنا بصحبة أو بحق.\n(٢) \"تهذيب اللغة\" للأزهري ٥/ ٤٤ (حرم) نقلا عن الليث، وهو في \"العين\" ٣/ ٢٢٣ وفيه: بصحبة وبحق.\n(٣) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٤٢٤.\n(٤) ذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ٤٤ عنه، وعزاه لعبد بن حميد.\n(٥) رواه الطبري ١٧/ ١٥٣، وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ٤٤ وعزاه لابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(٦) ما بين المعقوفين ساقط من (ظ).\n(٧) ذكره القرطبي ١٢/ ٥٤ من غير نسبة.","vol":"15","page":377},{"text":"وكثير من أهل التأويل اختاروا في معنى الحرمات هاهنا أنها المناسك، لدلالة ما يتصل بها من الآيات عليه، فقال أبو إسحاق: ﴿حُرُمَاتِ اللَّهِ﴾: الحج والعمرة وسائر المناسك. ثم قال: وكل ما فرضه الله فهو من حرمات الله (١).\nيعني أن تفسير الحرمات في هذه الآية ما ذكر، ويجوز أن يسمى الفرائض كلها حرمات الله؛ لأنها مما يحرم التفريط فيها.\nوقال ابن قتيبة: يعني رمي (٢) الجمار، والوقوف بجمع، وأشباه ذلك، وهي شعائر الله (٣).\nوهذه كلها (٤) من المناسك. وعلى هذا تعظيم المناسك: القيام بها.\nوخص ابن زيد الحرمات بما يقع عليه اسم الحرام، فقال: الحرمات: هي خمس: البيت الحرام، والبلد الحرام، والشهر الحرام، والمسجد الحرام، والإحرام (٥) (٦).\nويدل على هذا التأويل قوله تعالى: ﴿وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾ [البقرة: ١٩٤] وقد مر.\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٤٢٤.\n(٢) (رمي): ساقطة من (ظ).\n(٣) \"غريب القرآن\" لابن قتيبة ص ٢٩٢.\n(٤) في (ظ)، (د)، (ع): (وهذا كله).\n(٥) (والإحرام): ساقطة من (أ).\n(٦) رواه الطبري ١٧/ ١٥٣ وليس في روايته هي خمس، والإحرام وكذا ذكره الثعلبي في \"الكشف والبيان\" ٣/ ٥٢ أبمثل رواية الطبري.\nوذكره البغوي ٥/ ٣٨٣ بمثل رواية الواحدي دون قوله: هي خمس. وذكره أبو حيان في \"البحر\" ٦/ ٣٦٦ بمثل رواية الواحدي لكن بدل الإحرام: المحرم حتى يحل.","vol":"15","page":378},{"text":"وقوله: ﴿فَهُوَ﴾ أي: التعظيم. والفعل يدل على المصدر، فكنى عنه (١). وقوله ﴿خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ يعني في الآخرة.\nوقال ابن عباس: فإن ذلك زيادة له في طاعة الله والمخافة منه.\nوقوله: ﴿وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ﴾ يعني: الإبل والبقر والغنم ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ أي: تحريمه يعني في سورة المائدة من الميتة والمنخنقة. الآية (٢).\nقوله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ الرجس: الشيء القذر. وكل قذر رجس (٣). وذكرنا الكلام فيه عند قوله: ﴿رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ [المائدة: ٩٠] وقوله: ﴿كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ﴾ [الأنعام: ١٢٥].\nوالأوثان: جمع وثن. قال شمر: الأوثان عند العرب: كل تمثال من خشب أو حجارة أو ذهب أو فضة أو نحاس ونحوها، وكانت العرب تنصبها وتعبدها، وكانت النصارى تنصب الصليب وتعظمه، وهو كالتمثال، ولذلك سماه الأعشى وثنًا، فقال:\nتطوف (٤) العُفاة بأبوابه ... كطوف النصارى ببيت الوثن (٥)\n_________\n(١) انظر: \"البحر المحيط\" لأبي حيان ٦/ ٣٦٦.\n(٢) وهي الآية الثالثة من سورة المائدة.\n(٣) \"تهذيب اللغة\" للأزهري ١٠/ ٥٨١ (رجس).\n(٤) في (ظ)، (ع): (تطوف): وفي (د): (يطوف) وفي (أ): (بطوف)، وفي \"تهذيب اللغة\" (تطوف).\n(٥) البيت في \"ديوانه\" ص ٢١ ص قصيدة يمدح بها قيس بن معد يكرب، و\"الأضداد\" لابن الأنباري ص ٨٨، و\"تهذيب اللغة\" للأزهري ٣/ ٢٢٤ (عفا)، ١٥/ ١٤٤ (وثن)، و\"اللسان\" ١٣/ ٤٤٣ (وثن).","vol":"15","page":379},{"text":"أراد بالوثن: الصليب. وسمى رسول الله -ﷺ- الصليب وثنًا كما سماه الأعشى (١)، وهو ما روي أن عدي بن حاتم قال: قدمت على النبي -ﷺ-، وفي عنقي صليب من ذهب، فقال: \"ألق هذا الوثن عنك\" (٢) أراد به الصليب (٣).\nواشتقاق هذا اللفظ من قولهم: وَثَن الشيء، إذا قام في مكانه وثبت. والواثن: الشيء المقيم الراكد في مكانه. قال رؤبة:\nعلى أخلاء الصَّفاء الوُثَّن (٤)\n_________\n= والعفاة: جمع عاف ومعتف، وهو كل من جاءك يطلب فضلا أو رزقًا. \"تهذيب اللغة\" للأزهري ٣/ ٢٢٤ (عفا).\n(١) قوله: وسمى .. الأعشى. هذا من كلام الواحدي. أما شِمْر فإنه بعد أن فسَّر الوثن في البيت بالصليب قال: وقال عدي بن حاتم: قدمت.\n(٢) أخرجه البخاري في \"التاريخ الكبير\" ٧/ ١٠٦، والترمذي في \"جامعه\" كتاب: التفسير، سورة براءة ٨/ ٤٩٢، والطبري في \"تفسيره\" ١٤/ ٢١٠ (شاكر)، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٤/ ٤٢ ب، والطبراني في \"الكبير\" ١٧/ ٩٢، والبيهقي في \"سننه\" ١٠/ ١١٦.\nوقد حسن هذا الحديث أبو العباس بن تيمية في كتابه \"الإيمان\" ص ٦٤، وحسنه الألباني في كتاب \"غاية المرام في تخريج أحاديث الحلال والحرام\" ص ١٩، ٢٠.\n(٣) قول شمر في \"تهذيب اللغة\" للأزهري ١٥/ ١٤٤ (وثن).\n(٤) هذا الشطر من الرجز لرؤبة أنشده الأزهري في \"تهذيب اللغة\" ١٠/ ١٤٥ في سياق كلام نقله عن الليث، ثم قال الأزهري: قال الليث: يروى بالثاء والتاء.\nقال الأزهري: المعروف: وتَنَ يَتِنُ وتونا، بالتاء .. ولم أسمع (وثن) بهذا المعنى لغير الليث، ولا أدري أحفظه عن العرب أم لا؟ أهـ.\nوهذا الشطر في \"لسان العرب\" ١٣/ ٤٤٢ (وتن، وثن). وهو في \"ديوان رؤبة\" ص ١٦٣ ضمن أرجوزة يمدح بها بلال بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري، وروايته في الديوان (الوُتَّنِ).","vol":"15","page":380},{"text":"[يعني الدوم (١) على العهد] (٢) (٣).\nفسمى الصنم وثنًا، لأنَّه ينصب ويركز في مكان فلا يبرح عنه. والمعنى: كونوا على جانب من الأوثان فإنها رجس.\nقال ابن عباس: يريد عبادة الأوثان (٤). وعلى هذا فالرجس عبادة الأوثان، لأنها سبب الرجس، وهو المأثم في قول الكلبي (٥).\nوقال عطاء عن ابن عباس: الرجس: العذاب (٦). وهو قول ابن زيد (٧).\nوقال الزجاج: الرجس: اللعنة في الدنيا، والعذاب في الآخرة (٨).\nوهذا الأقوال ذكروها في قوله: ﴿كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ﴾ [الأنعام: ١٢٥].\nقال الأخفش في هذه الآية: المعنى: فاجتنبوا الرجس الذي يكون منها. أي: عبادتها (٩).\n_________\n(١) (الدوم): ساقط من (د)، (ع).\n(٢) ما بين المعقوفين ساقط من (ظ).\n(٣) من قوله: الواثن: الشيء .. إلى هنا. نقلا عن \"تهذيب اللغة\" للأزهري ١٥/ ١٤٥ (وثن) وهو منسوب فيه إلى الليث.\n(٤) روى الطبراني ١٧/ ١٥٤ من طريق العوفي، عن ابن عباس قال: فاجتنبوا طاعة الشيطان في عبادة الأوثان.\n(٥) ذكره عنه البغوي في \"تفسيره\" ٣/ ١٨٧.\n(٦) ذكره البغوي٣/ ١٨٧، وابن الجوزي ٣/ ١٢١ عن عطاء.\n(٧) رواه عنه الطبري ١٢/ ١١١ (شاكر).\n(٨) \"معاني القرآن\" للزجاج ٢/ ٢٩٠.\n(٩) \"معاني القرآن\" للأخفش ٢/ ٦٣٨.","vol":"15","page":381},{"text":"وعلى هذا سميت عبادتها رجسًا؛ لأنها تؤدي (١) إلى الرجس الذي هو اللعنة والعذاب. وعلى قول الكلبي هي رجس؛ لأنها مأثم.\nوقال أبو إسحاق: (من) هاهنا تخليص (٢) جنس من أجناس (٣)، المعنى: فاجتنبوا الرجس الذي هو وثن (٤).\nوهذا قول أكثر أهل التأويل جعلوا (من) هاهنا تبيينًا للجنس. وعلى هذا الرجس: الوثن، سمي رجسًا كما سمي عبادتها (٥) رجسًا في القول الأول. وليس الرجس في هذه الآية من القذارة والاستقذار في شيء.\nوقال المبرد: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ والأوثان كلها رجس، وتأويله -والله أعلم: فاجتنبوا الرجس (٦) المضاف إلى هذا الاسم، كما قال -﷿- في وصف أصحاب نبيه - ﷺ - ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: ٢٩] وكلهم مؤمن، ولكن تأويله -والله أعلم-: المضافين إلى هذا الوصف. قال: ومن ذلك قول سيبويه في أول كتابه: هذا باب علم ما الكلم من العربية (٧)، أي: ما الكلم المضاف\n_________\n(١) في (أ): (لا تؤدي)، وهو خطأ.\n(٢) عند الزجاج في \"معانيه\": لتخليص.\n(٣) هو أن تذكر شيئًا تحته أجناس، والمراد أحدها، فإذا أردت واحدًا منها بينته، كهذه الآية. فلو اقتصر على الرجس لم يعلم المراد، فلما صرح بذكر الأوثان علم أنها المراد من حسن الرجس. وقرنت بـ (من) للبيان.\nانظر: \"شرح المفصل\" لابن يعيش ٨/ ١٢، \"مغني اللبيب\" لابن هشام ١/ ٣٤٩ - ٣٥٠، \"البرهان\" للزركشي ٤/ ٤١٧.\n(٤) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٤٢٥.\n(٥) في (أ): (عادتها).\n(٦) (الرجس): ساقط من (أ).\n(٧) \"الكتاب\" لسيبويه ١/ ١٢.","vol":"15","page":382},{"text":"إلى هذه اللغة التي يقال لها العربية؛ لأن الكلم بعضها، كما أن الرجس ليس بعض الأوثان. انتهى كلامه (١).\nوهذا هو معنى ما ذكره الزجاج.\nقوله تعالى: ﴿وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ الزور (٢): الباطل والكذب (٣).\nواختلفوا في معنى قول الزور -هاهنا- فذهب قوم إلى أنه الشرك بالله. وهو أن أهل الجاهلية كانوا يقولون في تلبيتهم: لبيك لا شريك لك إلا شريك (٤) هو لك (٥) يريدون الصنم.\nوقال عطاء عن ابن عباس: يريد قولهم: الملائكة بنات الله. وروى خريم بن فاتك (٦): أن النبي -ﷺ- قام خطيبًا، فقال: \"عدلت شهادة الزور بالشرك بالله\". مرتين، ثم قرأ هذه الآية (٧). يريد أنه قد جمع في النهي بين\n_________\n(١) لم أقف عليه.\n(٢) (الزور): ساقطة من (أ). ومكانها: (حنفاء لله).\n(٣) \"تهذيب اللغة\" للأزهري ١٣/ ٢٣٨ نقلًا عن ابن السكيت.\n(٤) هكذا في جميع النسخ. وفي \"البسيط\"، وعند الثعلبي: إلا شريكًا.\n(٥) هذا قول مقاتل بن حيان رواه عنه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" كما في \"الدر المنثور\" للسيوطي ٦/ ٤٥.\n(٦) هو: خُريم بن فَاتِك بن الأخْرم -ويقال: خريم بن الأخرم بن شداد بن عمرو بن فاتك- الأسدي أسد خزمة، أبو أيمن، ويقال: أبو يحيى. له صحبة. قيل إنه شهد بدرًا، وقيل لم يشهدها وإنما شهد الحديبية، وقيل إنما أسلم يوم الفتح، توفي في عهد معاوية.\n\"طبقات ابن سعد\" ٦/ ٣٨، \"الاستيعاب\" ٢/ ٤٦، \"أسد الغابة\" ٢/ ١١٢، \"الإصابة\" ١/ ٤٢٣.\n(٧) رواه الإمام أحمد في \"مسنده\" ٤/ ٣٢١، وأبو داود في \"سننه\" كتاب: القضاء، باب: في شهادة الزور ١٠/ ٧، وابن ماجه في \"سننه\" كتاب: الأحكام، شهادة =","vol":"15","page":383},{"text":"عبادة الوثن وشهادة الزور (١).\nوهذا قول عبد الله بن مسعود (٢)، ووائل بن ربيعة (٣).\n_________\n= الزور ٢/ ٥٠ كلهم من طريق سفين بن زياد العصفري، عن أبيه، عن حبيب بن النعمان، عن خريم بن فاتك: أن النبي -ﷺ- صلى الصبح فلما انصرف قام قائمًا فقال: .. الحديث. وليس في رواية الإمام أحمد تكرار القول. وعند أبي داود وابن ماجه: ثلاث مرات.\nورواه الطبري ١٧/ ١٥٤ مختصرًا. ورواه الطبراني في \"الكبير\" ٤/ ٢٠٩ بمثل رواية أبي داود وابن ماجة.\nقال الزيلعي في كتابه \"تخريج أحاديث الكشاف\" ٢/ ٣٨٣ - ٣٨٤: قال ابن القطان في كتابه \"الوهم والإيهام\": حديث خريم -وتصحف في المطبوع- إلى خزيم -بن فاتك لا يصح؛ لأنه من رواية زياد العُصفري وهو مجهول، عن حبي بن النعمان الأسدي ولا يعرف بغير هذا ولا يعرف حاله. أهـ.\nوضعفه أيضًا الألباني في تعليقه على كتاب الإيمان لأبي عبيد ص ١٠٠، وأعله بالجهالة والاضطراب.\n(١) قال أبو عبيد القاسم بن سلام في كتابه \"الإيمان\" ص ١٠٠ معلقًا على الحديث والآية: نهى الله عنهما معًا في مكان واحد، فهما في النهي متساويان، وفي الأوزار والمأثم متفاوتان.\n(٢) رواه عبد الرزاق في \"مصنفه\" ٨/ ٩٣٢٧، وابن أبي شيبة في \"مصنفه\" ٧/ ٢٥٧، والطبري في \"تفسيره\" ١٧/ ١٥٤، والطبراني في \"الكبير\" ٩/ ١١٤.\nوقال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" ٤/ ٢٠١. وإسناده حسن.\nوذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ٤٥ وعزاه لعبد الرزاق والفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والطبراني والخرائطي في \"مكارم الأخلاق\"، والبيهقي.\n(٣) وائل بن ربيعة، روى عن ابن مسعود، يُعَدّ في الكوفيين، روى عنه المسيب بن رافع وشمر بن عطية. هذا مجموع ما قاله عنه ابن سعد في \"طبقاته\" ٦/ ٢٠٤، والبخاريَ في \"التاريخ الكبير\" ٨/ ١٧٦٠، وابن أبي حاتم في \"الجرح والتعديل\" ٩/ ٤٣، وابن حبان في \"الثقات\" ٥/ ٤٩٥. =","vol":"15","page":384},{"text":"وذكر أبو إسحاق قولا آخر، فقال: الآية تدل على أنهم نُهُوا أن يُحرِّمُوا ما حرم أصحابُ الأوثان نحو قولهم ﴿مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا﴾ [الأنعام: ١٣٩] ونحو تحريمهم (١) البحيرة والسائبة (٢)، فأعلمهم الله ﷿ أن الأنعام محللة إلا ما حرم منها، ونهاهم الله عن قول الزور وهو أن يقولوا: هذا حلال وهذا حرام ليفتروا على الله كذبًا (٣) (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2709>٣١ </span>- وقوله: ﴿حُنَفَاءَ﴾ قال ابن عباس: يريد موحدين. وهذا كقول من قال: مسلمين مستقيمين على الدين (٥). والحنيف: المائل عن الأديان كلهاه\n_________\n= وروى هذا الأثر عنه سعيد بن منصور في \"تفسيره\" ل ١٥٦ أ، وابن أبي شيبة في \"مصنفه\" ٧/ ٢٥٩، والطبري في \"تفسيره\" ١٧/ ١٥٤.\n(١) تصحفت في المطبوع من \"معاني الزجاج\" إلى: نحرهم.\n(٢) البحيرة: هي الناقة التي كان أهل الجاهلية يشقون في أذنها شقًا، والبحر في كلام العرب: الشق.\nوالسائبة: هي المسيبة المُخَلاة. وكان أهل الجاهلية يفعل ذلك أحدهم ببعض مواشيه، فيحرم الانفاع به على نفسه، أو يجعله لبعض آلهته.\nوبين أهل التفسير خلاف في صفة البحيرة والسائبة وكيفية عمل أهل الجاهلية فيها والسبب الذي من أجله كانوا يفعلون ذلك.\nانظر: \"تفسير الطبري\" ١١/ ١١٦ - ١٣٤، \"تهذيب اللغة\" للأزهري ٥/ ٣٧ - ٣٨ (بحر)، ١٣/ ٩٩ (سيب)، تفسير ابن كثير ٢/ ١٠٧ - ١٠٨.\n(٣) في (أ): (الكذب)، والمثبت من باقي النسخ هو الموافق لما في معاني الزجاج.\n(٤) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٤٢٥. قال النحاس في \"معاني القرآن\" ٤/ ٤٦ - بعد ذكره للأقوال في معنى الزور: والمعاني متقاربة، وكل كذب وزور، وأعظم ذلك الشرك.\nثم قال: والذي يوجب حقيقة المعنى. فذكر قول أبي إسحاق من غير نسبة.\n(٥) ذكر الماوردي في \"النكت\" ٤/ ٢٣ عن الضحاك قال: مسلمين لله.","vol":"15","page":385},{"text":"إلى دين الإسلام (١).\nوهذا القول اختيار الزجاج؛ لأنه قال: تأويله: مسلمين لا يميلون إلى دين غير (٢) الإسلام (٣).\nوقال مجاهد: ﴿حُنَفَاءَ﴾ (٤) متبعين (٥). والحنيفية عند مجاهد إتباع الحق. وقال السدي والحسن: حَجَّاجًا (٦).\nوالحنيفية عند العرب: حج البيت (٧). وذكرنا الكلام في هذا عند قوله ﴿بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [البقرة: ١٣٥].\nقوله: ﴿غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾ قال الكلبي: غير مشركين بالله في التلبية،\n_________\n(١) انظر: \"تهذيب اللغة\" للأزهري ٥/ ١١٠ (حنف).\n(٢) دين: زيادة من (أ).\n(٣) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٤٢٥.\n(٤) في (أ): (حنيفًا)، وهو خطأ.\n(٥) رواه الطبري ٣/ ١٠٧ (شاكر)، عند قوله: ﴿بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [البقرة: ١٣٥].\nوذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ٤٦ وعزاه لعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(٦) روى ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ١/ ٣٩٦ - ٣٩٧ عن ابن عباس في قوله (حنيفا) يقول: حاجا. ثم قال ابن أبي حاتم: وروى الحسن، والضحاك، وعطية، والسدي، نحو ذلك.\nوروى الطبري في \"تفسيره\" ٣/ ١٠٤، ١٠٦ عن كثير بن زياد قال: سألت الحسن عن الحنيفية قال: هو حج هذا البيت.\nوروى الأزهري في \"تهذيب اللغة\" ٥/ ١١٠ بإسناده عن مرزوق قال: سمعت الضحاك يقول في قوله (حنفاء لله غير مشركين به) قال: حجاجًا. وكذلك قال السدي قال. حنفاء: حجاحًا.\n(٧) انظر: \"تهذيب اللغة\" للأزهري ٥/ ١١٠ (حنف)، \"لسان العرب\" ٩/ ٥٧ (حنف).","vol":"15","page":386},{"text":"وذلك أن أهل الجاهلية كانوا يشركون في تلبيتهم بقولهم (١): إلا شريك هو لك.\nوقال عبد الله بن القاسم (٢) مولى أبي بكر -﵁-: كان الناس يحجون وهم مشركون، وكانوا يُسمون الحنفاء، لأن العرب تسمى الحاج: الحنيف، فلما أسلموا نزلت ﴿حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾ (٣).\nأي: كما أنهم كانوا حنفاء مشركين فأنتم حنفاء غير مشركين بالله.\nثم ضرب لمن أشرك مثلا، فقال: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ﴾ [أي سقط] (٤) ﴿مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ﴾ يقال: خَطِفَ يَخْطَفُ، إذا أخذ بسرعة (٥). وخَطَفَ يَخْطِفُ أيضًا (٦). وذكرنا الكلام فيه عند قوله ﴿يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾ [البقرة: ٢٠].\nوقرأ نافع (فتخطِّفه الطير) بالتشديد (٧). وإنما هو فتتخطِفه فحذف تاء\n_________\n(١) في (ظ): (يقولون).\n(٢) هو: عبد الله بن القاسم، التيمي، البَصري، مولى أبي بكر الصديق ﵁. رأى عمر، وروى عن جابر وابن عباس وغيرهما. وثقه ابن حبان، وقال ابن القطان: مجهول. وقال ابن حجر: مقبول.\n\"التاريخ الكبير\" للبخاري ٥/ ١٧٣، \"الثقات\" لابن حبان ٥/ ٤٦، \"الكاشف\" للذهبي ٢/ ١١٨، \"تهذيب التهذيب\" ٥/ ٣٥٩، \"تقريب التهذيب\" ١/ ٤٤١.\n(٣) رواه الطبري ٣/ ١٠٦ (شاكر) بنحوه. وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ٤٥ بنحوه وعزاه لابن أبي حاتم.\n(٤) ما بين المعقوفين ساقط من (أ).\n(٥) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٤٢٥.\n(٦) انظر: \"تهذيب اللغة\" الأزهري ٧/ ٢٤١ - ٢٤٣ (خطف).\n(٧) \"السبعة\" ص ٤٣٦، \"التبصرة\" ص ٢٦٦، \"التيسير\" ص ١٥٧. وقرأ الباقون بإسكان الخاء وتخفيف الطاء.","vol":"15","page":387},{"text":"التّفعّل (١)، وكلتا القراءتين حكايته حال تكون (٢). قال ابن عباس: يريد تخطف لحمه.\nوقوله: ﴿أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ﴾ أي: تسقطه. يقال: هوى إذا سقط من أعلى إلى أسفل (٣). وقد مر (٤).\nقوله ﴿فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ قال ابن عباس وغيره: بعيد (٥).\nوالسحق: البُعد. يقال: سحقًا له وبعدًا، وأسحقه الله سحقًا، وإنه لسحيق: بعيد (٦). والفعل منه (٧) سَحُقَ يَسْحَقَ (٨).\nقال قتادة: هذا مثل ضربه الله لمن أشرك به (٩) في بعده من الهدى\n_________\n(١) هكذا في (أ): وهو الموافق لما في \"الحجة\" للفارسي. وفي (ظ): (الفعل)، وفي (د)، (ع): (التفعيل).\n(٢) هذا كلام أبي علي الفارسي في \"الحجة\" ٥/ ٢٧٦.\nوقال أبو منصور الأزهري في \"علل القراءات\" ٢/ ٤٢٤: من قرأ (فتخطفه) والأصل (فتختطفه) فأدغم التاء في الطاء، وألقيت حركة التاء على الخاء ففتحت. وبنحوه قال ابن خالويه في \"إعراب القراءات السبع وعللها\" ٢/ ٧٧.\nوانظر أيضًا: \"حجة القراءات\" لابن زنجلة ص ٤٧٦، \"الكشف\" لمكي بن أبي طالب ٢/ ١١٩.\n(٣) انظر: \"تهذيب اللغة\" للأزهري ٦/ ٤٨٨ (هو ى).\n(٤) انظر: \"البسيط\" عند قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى﴾ [طه: ٨١].\n(٥) انظر الطبري ١٧/ ١٥٥، و\"الدر المنثور\" ٦/ ٤٦.\n(٦) \"تهذيب اللغة\" للأزهري ٤/ ٢٤ (سحق) عن الليث مع اختلاف يسير. وانظر:\n\"العين\" ٣/ ٣٧ (سحق).\n(٧) في (أ): (به).\n(٨) قال الفيروزآبادي في \"القاموس المحيط\" ٣/ ٢٤٤: والسحق -بالضم وبضمتين-: البعد، وقد سَحُق -ككرم وعلم- سُحقا بالضم.\n(٩) (به): ساقطة من (ظ).","vol":"15","page":388},{"text":"وهلاكه (١).\nوذكر أهل المعاني قول قتادة، فقال الزجاج: هذا مثل ضربه الله للكافر في بُعده من الحق، فأعلم أن بُعد من أشرك به من الحق كبعد من خر من السماء، فذهبت به الطير أو هوت به الريح في مكان بعيد (٢). ونحو هذا قال ابن قتيبة (٣).\nوقال غيره: شبه حال المشرك (٤) بحال الهاوي من السماء في أنه لا يملك لنفسه حيلة حتى يقع حيث تسقطه الريح، فهو هالك لا محالة إما باستلاب الطير لحمه وإما بسقوطه في المكان السحيق، كذلك الكافر لا يملك لنفسه شيئًا ولا دفع ضر يوم القيامة حتى يقع في النار، فهو هالك لا محالة (٥).\nوقال أبو علي الفارسي: المعنى في هذا (٦) أنه قوبل به قوله ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ﴾ [البقرة: ٢٥٦] فكما كان المؤمن في إيمانه متمسكًا بالعروة الوثقى] (٧)،\n_________\n(١) رواه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ٢/ ٣٨، والطبري ١٧/ ١٥٥، وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ٤٦ وعزاه لعبد الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتم.\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٤٢٥.\n(٣) انظر: \"غريب القرآن\" لابن قتيبة ص ٢٩٣.\n(٤) في (أ)، (د)، (ع): (الشرك).\n(٥) ذكر الثعلبي في \"الكشف والبيان\" ٣/ ٥٢ أنحو هذا المعنى باختصار، ونسبه إلى أهل المعاني. وذكره البغوي ٥/ ٣٨٤ إلى قوله: المكان السحيق. ولم ينسبه لأحد.\n(٦) في (ظ): (هذه). وفي (ع): (ذلك).\n(٧) ما بين المعقوفين ساقط من (ظ)، (د)، (ع).","vol":"15","page":389},{"text":"كان المشرك بعكس ذلك فلم يتمسك لكفره (١) وشركه بشيء يتعلق به، ولم يتمسك بما له فيه أمان من الخُرُور ونجاةٌ من الهُوي واختطاف الطير له، كالمؤمن المتمسك بإيمانه فصار كمن خر من السماء، فهوت به الريح، فلم يكن له في شيء من ذلك مُتعلق ولا معتصم فيكون له ثبات (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2710>٣٢ </span>- قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ﴾ أي: الأمر ذلك، كما قلنا في قوله ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ﴾ ذكره المبرد عن سيبويه في هذه الآية (٣).\nقوله: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ قال مجاهد في رواية الحكم وابن أبي نجيح يعني استعظام البدن، واستسمانها، واستحسانها (٤).\nوقال ابن عباس في رواية عطاء: يريد الهدي إذا أشعر وقلد، ثم نحر حتى يسيل دمه، ثم وقف في موقف عرفة.\nفعلى هذا يعني بتعظيم شعائر الله: استعظام الهدايا والضحايا.\nوالشعائر: جمع شعيرة، وهي البدن يقال: أشعر الرجل بدنته، إذا جعل عليها علامة ليعلم أنه أوجبها بدنة (٥) وهو مذهب الشافعي (٦) رحمه\n_________\n(١) في (ظ): (مكفره). وفي (د)، (ع): (بكفره).\n(٢) \"الحجة\" لأبي علي الفارسي ٥/ ٢٧٦.\n(٣) لم أقف عليه.\n(٤) رواه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" القسم الأول من الجزء الرابع ص ٢٩٥ من رواية الحكم، ولكن ليس فيها: واستسمانها.\nورواه عبد بن حميد في \"تفسيره\" كما في \"تغليق التعليق\" لابن حجر ٣/ ٨٧،\nوالطبري ١٧/ ١٥٦ من طريق ابن أبي نجيح، عن مجاهد، به.\n(٥) انظر: (شعر) في: \"تهذيب اللغة\" للأزهري ١/ ٤١٧، \"الصحاح\" للجوهري ٢/ ٦٩٨ \"لسان العرب\" ٤/ ٤١٣.\n(٦) انظر: \"الأم\" ٢/ ١٨٣، \"الحاوي الكبير\" ٤/ ٣٧٢ - ٣٧٣، \"روضة الطالبين\" ٣/ ١٨٩.","vol":"15","page":390},{"text":"الله في الإبل والبقر بجرح سنامها من الجانب الأيمن وهي مستقبلة القبلة كما فعل رسول الله -ﷺ-. وأما الغنم فإنها ضعيفة لا تحتمل الإشعار. والشعيرة بمعنى المُشْعَرة، وذكرنا الكلام في هذا عند قوله: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨].\nوعلى هذا القول المُهْدِي مندوب إلى طلب الأسمن والأعظم من الهدايا لقوله تعالى ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ ومن الشعائر التي أريد بها الضحايا قول الكُميت:\nنُقَتِّلهُم جيلًا فجيلًا نَرَاهُمُ ... شَعَائِر قُرْبَانٍ بِهِم يُتَقَرَّبُ (١)\nوهذا القول اختيار الزجاج؛ لأنه قال: والذي يعني به هاهنا البُدن (٢).\nوقوله: ﴿فَإِنَّهَا﴾ قال الفراء: يريد: فإن الفعلة كما قال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأعراف: ١٥٣] ومن بعده جائز. ولو قيل: فإنه من تقوى القلوب كان جائزًا. هذا كلامه (٣).\n_________\n(١) البيت في \"هاشميات الكميت\" ص ٦٧، بمثل الرواية هنا. وفي \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ١/ ١٤٦ منسوبًا للكميت، وفيه: تراهم ... بها يتقرب. وهو في \"تهذيب اللغة\" للأزهري ١/ ٤١٨ (شعر)، و\"اللسان\" ٤/ ٤١٤ (شعر)، و\"تاج العروس\" للزبيدي ١٢/ ١٩٠ (شعر) من إنشاد أبي عبيدة وبمثل روايته، من غير نسبة للكميت.\nقال أبو رياش القيسي في \"شرحه لهاشميات الكميت\" ص ٦٧: (جيلًا فجيلا: جيشًا وخلقًا بعد خلق. يقول: نجعل قتل الخوارج قربة إلى الله كما تُقرب الشعائر إلى الله.\n(٢) \"معانى القرآن\" للزجاج ٣/ ٤٢٦.\n(٣) \"معانى القرآن\" للفراء ٢/ ٢٢٥.","vol":"15","page":391},{"text":"وليس بقوي ولا ظاهر هاهنا، والصحيح أن المعنى: فإن تعظيمها، فحذف المضاف لدلالة ﴿يُعَظِّمْ﴾ على التعظيم كما قال ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾ [الحج: ٣٠] فكنى عن التعظيم لما دل يعظم عليه، كذلك هاهنا حذف التعظيم لما كان يعظم يدل عليه، والمعنى: فإن (١) اتخاذ البدن من أعظمها وأسمنها من تقوى القلوب.\nقال ابن عباس: يريد من التقوى الذي اتقاه المتقون.\nوأضاف التقوى إلى القلوب لأن حقيقة التقوى تقوى القلوب (٢)، كما روي في الحديث أن النبي -ﷺ- وقال: \"التقوى هاهنا\" وأشار إلى صدره (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2711>٣٣ </span>- قوله تعالى: ﴿لَكُمْ فِيهَا﴾ أي: في الشعائر ﴿مَنَافِعُ﴾ أكثر أهل التفسير على أن المراد بهذا: أن (٤) في الهدايا منافع لصاحبها إلى أن يسميها هديا ويشعرها، فله منافع رسلها (٥) ونسلها وأصوافها وأوبارها وركوب ظهورها (٦) ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ وهو أن يسميها هديًا فتنقطع المنافع بعد ذلك.\n_________\n(١) (فإن): ساقطة من (ظ).\n(٢) انظر: القرطبي ١٢/ ٥٦.\n(٣) هذا قطعة من حديث رواه الإمام أحمد في \"مسنده\" ٢/ ٢٧٧، ومسلم في \"صحيحه\" كتاب: البر والصلة، باب: تحريم ظلم المسلم ٤/ ١٩٨٦ من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٤) أن: ساقطة من (أ).\n(٥) رسلها: أي لبنها. \"لسان العرب\" ١١/ ٢٨٢ (رسل).\n(٦) في (أ): (ظهرها).","vol":"15","page":392},{"text":"وهذا قول مجاهد، وعطاء، والضحاك، وقتادة، ورواية مقسم عن ابن عباس، والكلبي (١)، قال: تُحلب وتركب إلى أن تُقلَّد وتُسمَّى.\nوهؤلاء لا يرون الانتفاع بلبنها ولا بوبرها ولا بظهرها بعد أن سُميت هديًا، ويقولون: لا ينتفع بها غير أهل الله (٢)، إلا عند الضرورة المخوف معها الموت.\nوروى ابن أبي نجيج، عن عطاء بن أبي رباح في قوله: ﴿لَكُمْ فِيهَا﴾ أي: في الهديا منافع، قال: هو ركوبها وشرب لبنها إن احتاج ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ إلى أن تنحر (٣).\nوهذا مذهب الشافعي (٤) ﵀، وعنده أن المُهْدِي لو ركب هديه ركوبًا غير فادح (٥) فلا بأس، لما روي أن النبي -ﷺ- مر برجل يسوق بدنة،\n_________\n(١) ذكره الثعلبي في \"الكشف والبيان\" ٣/ ٥٢ عنهم جميعًا إلا الكلبي.\nورواه الطبري في \"تفسيره\" ١٧/ ١٥٧ - ١٥٨ عنهم إلا الكلبي.\nوذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ٤٦ عن مجاهد، وعزاه لابن أبي شيبة وعبد ابن حميد وابن جرير. وابن أبي حاتم.\nورواه سعيد بن منصور في \"تفسيره\" ل ١٥٦ أعن عطاء والضحاك، وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ٤٦ عنهما، وعزاه لسعيد بن منصور وعبد بن حميد ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(٢) يعني: فقراء الحرم.\n(٣) رواه الطبري ١٧/ ١٥٨ عن عطاء من طريق ابن أبي نجيح إلى قوله: إن احتاج. أما قوله (إلى أجل مسمى) إلى أن تنحر، فرواه الطبري ١٧/ ١٥٨ من رواية ابن جريج قال: قال عطاء: فذكره.\n(٤) انظر: \"الأم\" ٢/ ١٨٣، \"الحاوي\" للماوردي ٤/ ٣٧٦ - ٣٧٧، \"فتح الباري\" ٣/ ٥٣٧.\n(٥) غير فادح: غير مثقل. \"لسان العرب\" ٢/ ٥٤٠ (فدح).","vol":"15","page":393},{"text":"فأمره بركوبها، وقال: (اركبها) فقال: إنها هدي فقال: (اركبها)، فقال: إنها هدي فقال: (اركبها ويحك) (١).\nوله أن يحلب لبنها، والآية تدل على هذا؛ لأن قوله ﴿لَكُمْ فِيهَا﴾ أي: في الشعائر، فالكناية عنها، ولا تسمى شعائر قبل إيجابها وتسميتها (٢). وهذا يدل على إباحة الانتفاع بها وهي تسمى شعائر (٣).\nوعلى هذا القول المراد بالأجل المسمى: نحرها وذبحها.\nوقوله ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا﴾ أي: حيث يحل [نحرها. وذكرنا هذا عند قوله ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦].\nوقوله ﴿إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ يعني عند البيت العتيق. وهو] (٤) الحرم كله، قال رسول الله -ﷺ-: \"كلُّ فِجاج مكة منحرٌ ومَذبح، وكلُّ فِجاجِ مِنى مَنْحر ومَذْبح\" (٥).\n_________\n(١) رواه بنحوه الإمام أحمد في \"مسنده\" ٣/ ٢٧٥ من حديث أنس ﵁، لكن فيه (بدنه) بدل قوله (هدي).\nورواه بنحوه البخاري في \"صحيحه\" كتاب: الحج، باب: ركوب البدين ٣/ ٥٣٦، ومسلم كتاب: الحج، باب: جواز ركوب البدنة المهداة لمن احتاج إليها ٢/ ٩٦٠ من حديث أبي هريرة ﵁ لكن عندهما (بدنه) بدل (هدى) و(ويلك) بدل (ويحك).\n(٢) في (أ): (تسمينها)، وهو خطأ.\n(٣) انظر: \"الأم\" ٢/ ١٨٣، \"الحاوي\" للماوردي ٤/ ٣٧٦، \"أحكام القرآن\" للكيا الهراسي ٣/ ٢٨٢، \"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي ١٢/ ٥٦ - ٥٧.\n(٤) ما بين المعقوفين ساقط من (أ).\n(٥) رواه أبو داود في \"سننه\" كتاب: الحج، باب: الصلاة بجمع ٥/ ٤١٣، وابن ماجه في \"سننه\" كتاب. المناسك، باب. الذبح ٢/ ١٨٦ من حديث جابر رضي الله =","vol":"15","page":394},{"text":"وكثيرمن المفسرين يقولون: عني بالبيت العتيق: الحرم كله؛ لأن الحرم كله منحر (١).\nوهذا وَهْمٌ لا يعبر عن الحرم بالبيت العتيق ولا يفهم ذلك منه؛ لأن البيت اسم للبنية المعروفة، فلا يقع على الحرم كله.\nواحتج من قال بهذا بقول ﴿فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨] يعني الحرم كله.\nوهذا لا يُشبه قوله ﴿بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ لأن الحرم كله مسجد، على معنى أنه يجوز الصلاة فيه (٢) كما روي في الحديث: \"جُعِلت لي الأرضُ مسجدًا\" (٣).\nفسماها كلها مسجدًا على المعنى الذي ذكرنا. والبيت لا يقع على الحرم كله، لو كان الأمر على ما قالوا لقيل: ثم محلها البيت العتيق، أي: الحرم، فلما قيل ﴿إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ (٤) دل على أن المعنى: عند البيت\n_________\n= عنه مرفوعًا، بلفظ: (كل عرفة موقف، وكل مني منحر، وكل المزدلفة موقف، وكل فجاج مكة طريق ومنحر).\nوحسن هذا الحديث الزيلعي في \"نصب الراية\" ٣/ ١٦٢. ومعنى فجاج: جمع فج وهو الطريق الواسع بين الجبلين. \"الصحاح\" للجوهري ١/ ٣٣٢ (فجج).\n(١) انظر: الطبري ١٧/ ١٦٠، و\"الكشف والبيان\" للثعلبي ٣/ ٥٢ ب.\n(٢) (فيه): ساقطة من (أ).\n(٣) هذا قطعة من حديث رواه البخاري في \"صحيحه\" كتاب: الصلاة، باب: قول النبي -ﷺ- \"جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا\" ١/ ٥٣٣ ومسلم في \"صحيح\" كتاب: المساجد، ومواضع الصلاة ١/ ٣٧ من حديث جابر ﵁، وأوله: \"أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد قبلي\".\n(٤) (العتيق): زيادة من (أ).","vol":"15","page":395},{"text":"وما يقرب منه؛ لأن (إلى) تضم الشيء إلى الشيء، وتقربه منه (١).\nهذا الذي ذكرنا كله على قوله من يقول: الشعائر: الهدايا.\nوقال آخرون: الشعائر المناسك (٢) كلها، ومشاهد (٣) مكة. وهي المعالم التي أمر الله بالقيام بها، وندب إليها منها: عرفة، والجمار، والصفا والمروة، والمشعر الحرام.\nوهذا قول ابن زيد (٤)، ورواية أبي رزين عن ابن عباس (٥).\nوعلى هذا معنى تعظيم الشعائر: توقيرها، وترك الاستهانة بها.\nقوله ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ﴾ أي: بالتجارة والأسواق، قال ابن عباس: لم يذكر منافع إلا للدنيا (٦) ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ إلى أن يخرج من مكة (٧).\nوقيل: ﴿مَنَافِعُ﴾ بالأجر والثواب لإقامة المناسك وتعظيم الشعائر ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ إلى انقضاء أيام الحج (٨).\nوقوله: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا﴾ المحل (٩) على هذا القول مصدر أضيف إلى\n_________\n(١) انظر \"الأزهية في معاني الحروف\" ص ٢٨٢، \"رصف المباني\" ص١٦٩، \"الجنى الداني\" ٣٨٥ - ٣٨٦.\n(٢) في (ع): (الهدايلك).\n(٣) في (ظ): (أي مشاهد).\n(٤) رواه الطبري ١٧/ ١٥٦، ١٥٩.\n(٥) ذكره الثعلبي في \"الكشف والبيان\" ٣/ ٥٢ ب من رواية أبي رزين، عن ابن عباس.\n(٦) في (أ): (الدنيا).\n(٧) رواه الطبري ١٧/ ١٥٩ عنه من طريق أبي رزين إلى قوله: للدنيا. وذكر باقيه الثعلبى في \"الكشف والبيان\" ٣/ ٥٢ ب عنه من رواية أبي رزين.\n(٨) \"الكشف والبيان\" للثعلبي ٣/ ٥٢ ب وصدره بقوله: وقال بعضهم.\n(٩) (المحل). ساقط من (ظ)، (د)، (ع).","vol":"15","page":396},{"text":"المفعول أي: الحل من هذه الأعمال إلى البيت العتيق، وهو الطواف به بعد قضاء المناسك. و﴿إِلَى﴾ هاهنا صلة لفعل محذوف، وهو القصد أو الحج. والمعنى: ثم محلكم أيها المحرمون حجكم وقصدكم ﴿إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ بالزيارة والطواف.\nوهذا معنى قول محمد بن أبي (١) موسى (٢): محل المناسك الطواف بالبيت (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2712>٣٤ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ﴾ أي: جماعة مؤمنة. يعني من الذين سلفوا وتقدموا ﴿جَعَلْنَا مَنْسَكًا﴾ المنسك هاهنا: المصدر من نَسَك يَنْسُك، إذا ذبح القربان (٤) (٥). وذكرنا معنى النسك في سورة البقرة (٦). قال مجاهد في قوله ﴿مَنْسَكًا﴾: يريد إهراقة الدماء (٧).\n_________\n(١) (أبي): ساقطة من (ظ).\n(٢) محمد بن أبي موسى. روى عن زياد الأنصاري عن أبي بن كعب، وروى عنه داود ابن أبي هند. وهو مجهول.\nانظر: \"التاريخ الكبير\" للبخاري ١/ ٢٣٦، \"تهذيب التهذيب\" ٩/ ٤٨٣.\n(٣) رواه الطبري ١٧/ ١٦٠ من طريق داود بن أبي هند، عنه. وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ٤٧، وعزاه لابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(٤) في (أ): (القران)، وهو خطأ.\n(٥) انظر: \"تهذيب اللغة\" للأزهري ١٠/ ٧٤ (نسك).\n(٦) عند قوله تعالى: ﴿وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا﴾ [البقرة: ١٢٨].\n(٧) رواه الطبري ١٧/ ١٦١ وذكره السيوطي \"الدر المنثور\" ٦/ ٤٧ وعزاه لعبد بن حميد وابن، أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"15","page":397},{"text":"وقال عكرمة (١)، وقتادة (٢)، ومقاتل بن حيان: يعني ذبحًا.\nوقراءة العامة بفتح السين، وقرأ حمزة والكسائي بكسرها (٣).\nقال أبو علي (٤): الفتح أولى لأنه لا يخلو من أن يكون مصدرًا أو مكانًا، وكلاهما مفتوح العين إذا كان الفعل على: فَعَل يَفْعُل، نحو: قَتَل يَقْتُلُ مَقْتَلا، وهذا مَقْتَلُه. ووجه الكسر: أنه قد يجيء اسم المكان على المَفْعِل من هذا النحو، نحو: المَطْلِع من طَلَع يَطْلُع، والمسجد من سجد يسجد، فيمكن أن يكون هذا بما شذَّ عن قياس الجمهور، فجاء اسم المكان على غير القياس، ولا يقدم على هذا إلا بالسمع، ولعل الكسائي سمع ذلك. هذا كلامه (٥).\n_________\n(١) رواه سفيان الثوري في \"تفسيره\" ص ٢١٣ عن أبيه، عن عكرمة بلفظ: ذبائح هم ذابحوها. وذكره النحاس في \"معاني القرآن\" ٤/ ٤٠٩ من رواية سفيان، بلفظ. ذبحًا. وبمثل لفظ النحاس ذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ٤٧ وعزاه لابن أبي حاتم.\n(٢) ذكر الماوردي في \"النكت والعيون\" ٤/ ٢٤، والقرطبي ١٢/ ٥٨ عن قتادة أنه قال: (منسكا) حجًّا.\n(٣) \"السبعة\" ص ٤٣٦، \"التبصرة\" ص ٢٦٦، \"التيسير\" ص ١٥٧، \"الإقناع\" لابن الباذش ٢/ ٦٠٧.\n(٤) في (أ): (أبو الفتح) سقطت لفظة (على)، فتحرفت الكلمة إلى (أبو الفتح).\n(٥) \"الحجة\" لأبي علي الفارسي ٥/ ٢٧٨، وقوله: (الفتح أولى) لا وجه له، لأن القراءة سنة متبعة. وقوله. (ولعل الكسائي سمع ذلك) ذكره نحوه السمينُ الحلبي في \"الدر المصون\" ٨/ ٢٧٤ عن ابن عطية، ثم تعقبه بقوله: وهذا الكلام منه غير مرضي، كيف يقول: ويشبه أن يكون الكسائي سمعه. الكسائي يقول: قرأت به فيكف يحتاج إلى سماع مع تمسكه بأقوى السماعات، وهو روايته لذلك قرآنًا متواترًا؟\nوانظر: \"علل القراءات\" للأزهري ٢/ ٤٢٤، \"حجة القراءات\" لابن زنجلة ص ٤٧٧، \"الكشف\" لمكي بن أبي طالب ٢/ ١١٩.","vol":"15","page":398},{"text":"والذي يدل على أن الكسائي سمع ذلك أنه قال في كتابه (١): (منسكًا).\nو\"منسكا\" لغتان، كل (٢) قد قرئ بها (٣).\nوقال عطاء عن ابن عباس: ﴿مَنْسَكًا﴾ يريد شريعة. يعني الذبح لأنه من جملة ما شرع.\nوقال الكلبي: عيدًا (٤).\nيعني وقتًا للذبح. فعلى هذا المنسك، اسم لزمان الذبح.\nقال (٥) أبو إسحاق: المنسك في هذا الموضع يدل على معنى النحر، فكأنه قال: لكل أمة أن تتقرب بأن تذبح الذبائح لله، ويدل على ذلك قوله ﴿لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ المعنى: ليذكروا اسم الله على نحو ما رزقهم من بهيمة الأنعام (٦).\nوخص بهيمة الأنعام، لأنَّ البهيمة من غير الأنعام لا يحل ذبحها وأكلها كالخيل والبغال والحمير (٧)، فالبهيمة من الأنعام هي التي يجوز أن تُذبح في المناسك.\nفي هذه الآية دليل على أنَّ الذبائح ليست من خصائص هذه الأمة بل\n_________\n(١) لعله ذكره في كتاب \"معاني القرآن\" له، وهو مفقود.\n(٢) كل: زيادة من (أ).\n(٣) انظر: \"إعراب القراءات وعللها\" لابن خالويه ٢/ ٧٧.\n(٤) ذكره عنه الماوردي ٤/ ٢٥.\n(٥) في (أ) بعد قوله قال: (فومله)، وليست في باقي النسخ، ولا معنى لها.\n(٦) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٤٢٦.\n(٧) الطبري ١٧/ ١٦٠، \"الكشف والبيان\" للثعلبي ٣/ ٥٢ ب.","vol":"15","page":399},{"text":"كانت لكل أمة، وعلى أنَّ الضحايا لم تزل من الأنعام، وأنَّ التسمية على الذبح كانت مشروعة.\nقوله تعالى: ﴿فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ قال أبو إسحاق: أي لا ينبغي أن تذكروا على ذبائحكم (١) إلا الله وحده (٢).\nوقوله ﴿أَسْلِمُوا﴾ أي: انقادوا وأطيعوا. وقال ابن عباس: أخلصوا (٣).\nوقوله: ﴿وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ﴾ قال ابن عباس، وقتادة، والضحاك: المتواضعين (٤). وقال مجاهد: المطمئنين إلى الله سبحانه (٥). وقال الأخفش: الخاشعين (٦). وقال ابن جرير: الخاضعين (٧).\n_________\n(١) في (أ): (ذبائحهم).\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٤٢٧.\n(٣) ذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ٤٨ عن مقاتل بن حيان، وعزاه لابن أبي حاتم.\n(٤) ذكره الثعلبي في \"الكشف والبيان\" ٣/ ٥٢ ب عن ابن عباس وقتادة.\nورواه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ٢/ ٣٨ والطبري ١٧/ ١٦١ عن قتادة.\nورواه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" ١٣/ ٥٨٠ عن الضحاك، وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ٤٩ عنه وعزاه لابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(٥) ذكره عنه بهذا اللفظ الثعلبي في \"الكشف والبيان\" ٣/ ٥٢ ب.\nورواه الطبري ١٧/ ١٦١ مقتصرًا على أدلة. وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ٤٨ بمثل رواية الطبري وعزاه لعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(٦) ذكره عنه الثعلبي في \"الكشف والبيان\" ٣/ ٥٢ ب. ولم أجده في كتابه \"معاني القرآن\".\n(٧) قوله في \"تفسيره\" ١٧/ ١٦١ بأطول من هذا حيث قال: الخاضعين لله بالطاعة، المذعنيق له بالعبودية، المنيبين إليه بالتوبة.","vol":"15","page":400},{"text":"قال الزَّجَّاج: اشتقاقه من الخَبْت (١)، وهو المنخفض من الأرض.\nفكل مخبت (٢) متواضع (٣). وذكرنا معنى الإخبات عند قوله ﴿وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ﴾ [هود: ٢٣].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2713>٣٥ </span>- قوله تعالى ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ قال ابن عباس: يريد: خافت.\nقال مقاتل بن حيان: ﴿وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ عندما يخوّفون (٤).\nوهذا على أنهم إنما توجل قلبوهم إذا خوفوا بالله، ليس (٥) أنهم يخافونه حتى لا يرجونه.\nوقوله ﴿وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ﴾ يعني من البلاء والمصائب في طاعة الله. قاله ابن عباس ومقاتل (٦).\n﴿وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ﴾ في أوقاتها، يؤدونها كما استحفظهم الله.\nقال أبو إسحاق في قوله] (٧) ﴿وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ﴾: القراءة الخفض وإسقاط النون، والخفض على الإضافة. [ويجوز: والمقيمين الصلاة (٨)، إلا أنه بخلاف المصحف] (٩). ويجوز أيضًا -على بعد-: والمقيمي\n_________\n(١) في (أ): (الخبت، مخبث)، وهو خطأ.\n(٢) في (أ): (الخبت، مخبث)، وهو خطأ.\n(٣) \"معاني القرآن\" ٣/ ٤٢٧. مع اختلاف يسير.\n(٤) ذكره عنه السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ٤٩ وعزاه لابن أبي حاتم.\n(٥) في (أ): (وليس).\n(٦) ذكره عن مقاتل السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ٤٩ وعزاه لابن أبي حاتم.\n(٧) ساقط من (أ).\n(٨) هذه القراءة مروية عن ابن مسعود. \"الشواذ\" لابن خالويه ص ٩٥. وانظر: \"تعليل القراءات الشواذ\" للعكبري ص ٢٦٧.\n(٩) ساقط من (ظ).","vol":"15","page":401},{"text":"الصلاةَ (١)، على حذف النون ونصب الصلاة لطول الاسم (٢)، وأنشد سيبويه (٣).\n_________\n(١) هذه قراءة ابن أبي إسحاق والحسن، ورويت عن أبي عمرو. \"الشواذ\" لابن خالويه ص ٩٥، \"المحتسب\" لابن جني ٢/ ٨٠.\n(٢) قال أبو الفتح عثمان بن جني في \"المحتسب\" ٢/ ٨٠: أراد \"المقيمين\" فخذف النون تخفيفا، لا لتعاقبهما الإضافة.\nوقال العكبري في \"تعليل القراءات الشواذ\" ص ٢٦٧: (والنون محذوفة للتخفيف لطول الكلمة، مثل قولهم: الحافظو ..\n(٣) ذكر الزجاج في \"معاني القرآن\" ٣/ ٤٢٧ إنشاد سيبويه لهذا البيت، لكن في المعاني \"نطف\" في موضع \"وكف\".\nوالبيت أنشده سيبويه في الكتاب ١/ ١٨٥ - ١٨٦ ونسبه لرجل من الأنصار وروايته فيه:\nوالحافظو ... من ورائنا نطف.\nوهو في \"شرح شواهد الإيضاح\" للقيسي ١٢٧، و\"خزانة الأدب\" ٤/ ٢٧٢ - وفيه: من ورائنا نطف، ٤/ ٢٧٥ - ٢٧٩ وفيه:- من ورائنا وكف) منسوبًا لعمرو بن امرئ القيس الخزرجي، وفي الاقتضاب للبطليوسي ٣/ ٢٠٧ منسوبًا لقيس بن الخطيم، وهو في ديوان قيس ١١٥، وفي \"لسان العرب\" ٩/ ٣٦٣ \"وكف\" منسوبًا لعمرو بن امرئ القيس أو قيس بن الخطيم.\nومن غير نسبة في \"الإيضاح العضدي\" للفارسي ص ١٧٥، \"تهذيب اللغة\" للأزهري ١٠/ ٣٩٣ \"وكف\".\nقال البطليوسي في \"الاقتضاب\" ٣/ ٢٠٧: العورة: المكان الذي نخاف منه العدو، والوكف هاهنا- العيب، ويروى: نطف وهو نحو الوكف. يقول: نحن نحفظ عورة عشيرتنا فلا يأتيهم من ورائنا شيء يعابون به من بيع ثغرهم وقلة رعايته، هذا على رواية من روى من ورائنا، ومن روى من ورائهم أخرج الضمير مخرج الغيبة على لفظ الألف واللام؛ لأن معنى \"الحافظو العشيرة\" نحن الذين يحفظون عورة العشيرة، كما تقول: أنا الذي قام، فيخرج الضمير مخرج الغيبة وإن كنت تعني نفسك؛ لأن معناه: أنا الرجل الذي قام، وقد يقولون: أنا الذي قمت، فعلى هذا رواية من روى: من ورائنا. اهـ.\nوانظر: \"الخزانة\" ٤/ ٢٧٤ - ٢٧٥.","vol":"15","page":402},{"text":"والحافظو عورة العشيرة لا ... يأتيهم من ورائهم وكف\nوزعم أنه شاذ. انتهت الحكاية عن أبي إسحاق (١).\nويحتاج هاهنا إلى أن نذكر طرفًا (٢) من شرح باب الإضافة مع الألف واللام.\nقال أبو علي في كتاب \"الإيضاح\": إذا ألحقت الألف واللام اسم الفاعل قلت: هذا الضارب زيدًا، ولا يجوز إضافة الضارب إلى زيد. فإن ثنيت (٣) قلت: الضاربان زيدًا، فإن حذفت النون قلت: الضاربا زيد، وكذلك الجميع، وقد يجوز إذا حذفت النون من اسم الفاعل في الاثنين والجميع إذا ألحقته (٤) الألف واللام أنْ تنصب فتقول: الضاربو زيدًا، وهكذا أنشدوا:\nالحافظو عورة العشيرة\nقال: والأكثر الجر كما قال تعالى: ﴿وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ﴾ هذا كلامه (٥).\nومعنى الضارب زيدًا أي: الذي ضرب زيدًا، ولا تجوز الإضافة في هذا، ويجوز في التثنية والجمع (٦) نحو: الضاربا زيد والضاربو زيد، وذلك لأنَّ زيدًا في التثنية والجمع يعاقب نون التثنية والجمع، والنون قد تكون مع الألف واللام، وزيد في الضارب زيد لا يعاقب تنوينًا، لأنه لا يكون\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٤٢٧.\n(٢) العبارة في (ظ): (ويحتاج إلى أن يذكرها هنا طرفا).\n(٣) في (أ): (نسيت)، وهو خطأ.\n(٤) في (ظ): (ألحقتهما)، وفي باقي النسخ: (لحقته)، والتصويب من كتاب \"الإيضاح\".\n(٥) \"الإيضاح العضدي\" لأبي علي الفارسي ١/ ١٧٥.\n(٦) في (ظ)، (د)، (ع). (الجميع).","vol":"15","page":403},{"text":"التنوين مع الألف واللام، فلا يكون في الإضافة فائدة، وذلك أن الغرض في الإضافة اللفظية أن يحذف التنوين، فيحصل في اللفظ اختصار وتخفيف بسقوط التنوين ويعاقبه المفعول المنصوب فينجرّ (١) لقيامه مقام التنوين في اللفظ، وليس في الضارب تنوين فيحذف لذلك، فإذا قلت: \"الضارب زيد\" كنت قد عدلت عن الأصل الذي هو النصب لغير غرض لفظي ولا حقيقي، وفي التثنية والجمع جاز الإضافة في اللفظ وعلى هذا قوله ﷿ ﴿وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ﴾، كما قال: الفاتحو باب الأمير المبهم، وأما من قال الضاربا زيدا والضاربو زيدا فإنه لم (٢) يحذف النون لأجل الإضافة، ولكنه يحذفه لطول الاسم، ولا يجعل لحذفه تأثيرًا (٣) في الحكم، ويبقى النصب على أصله كالبيت الذي أنشده سيبويه، والأصل (٤) في حذف النون لامتداد الاسم في بيت الكتاب (٥):\n_________\n(١) في (أ): (فيجر).\n(٢) موضع (لم) بياض في (ظ).\n(٣) تأثيرًا ليست واضحة في (ظ).\n(٤) في (ظ). (أصل).\n(٥) البيت في \"الكتاب\" ١/ ١٨٦ منسوبًا للأخطل.\nوهو في \"ديوانه\" ص ٣٨٧ أو ص ٤٤، و\"سر صناعة الإعراب\" ٢/ ٥٣٦ و\"أمالي ابن الشجري\" ٢/ ٣٠٦، و\"شرح المفصل\" لابن يعيش ٣/ ١٥٤، \"المقاصد النحوية\" للعيني ١/ ٣٢٤، و\"خزانة الأدب\" ٦/ ٦ - ٧.\nقال البغدادي في الخزانة ٦/ ٧:\nالبيت من قصيدة للأخطل يفتخر بقومه ويهجو جريرًا، والألف للنداء، وبنو كليب ابن يربوع: رهط جرير. فخر الأخطل على جرير بمن اشتهر من قوله من بني تغلب وساد كعمرو بن كلثوم التغلبي قاتل عمرو بن هند ملك العرب، وعضم أبي حنش قاتل شرحبيل بن عمرو بن حجر وغيرهم من سادات تغلب. والأغلال جمع غل =","vol":"15","page":404},{"text":"أبني كليب إن (١) عمي اللذا قتلا ... الملوك وفككا الأغلالا\nأراد اللذان فحذف النون لطول الاسم بالصلة، إذ قد اجتمع الذي والفعل والفاعل والمفعول، لأن جميع ما يتعلق بالموصول واصل في جملته وجار مجرى الجزء (٢) من الاسم، ألا ترى أن تقديمه ممتنع، والأحسن إذا حذفت النون الكسر، لأجل أن النون إذا حذف وجب أن يكون له أثر في اللفظ، وإذا قصد النصب وجب أن تبقى النون لفظًا، غير أن الذي ينصب مع الحذف لا يعتد بالحذف (٣) حرصًا على إبقاء لفظ (٤) النصب.\nهذا الذي ذكرنا شرح ما ذكره أبو إسحاق مجملًا وهو مذهب البصريين (٥).\nوقال الفراء: إنَّما جاز النصب مع حذف النون؛ لأنَّ العرب لا تقول في الواحد إلا بالنصب. فيقولون: هو الآخذ حقه، ينصبون الحق، لا يقولون إلا\n_________\n= وهو طوق من حديد يجعل في عنق الأسير، ... إي إنَّ عميّه يفكان الغل من عنق الإسراء وينجونهم من أسر أعدائهم قسرًا عليهم. اهـ\nقال السكري في \"شرح ديوان الأخطل\" ١/ ١٠٨ - ١٥٩، أحد عميه أبو حنش عصم بن النعمان قاتل شرحبيل بن الحارث بن عمرو آكل المراء يوم الكلاب الأول، والآخر دوكس بن الفدوكس بن مالك بن جشم.\nوانظر الخلاف في أسماء عميه في \"الخزانة\" ٦/ ٨ - ٩.\n(١) (إن): ساقطة من (أ).\n(٢) في (ظ)، (ع): (الجرّ).\n(٣) في (أ): (الحرف).\n(٤) في (أ): (اللفظ).\n(٥) انظر: \"شرح المفصّل\" لابن يعيش ٢/ ١٢٢ - ١٢٣، \"الفوائد الضيائية\" للجامي ٢/ ١٤.","vol":"15","page":405},{"text":"ذلك، والنون مفقودة، فبنوا الاثنين والجميع على الواحد، فنصبوا بحذف النون، والوجه في الاثنين والجميع الخفض؛ لأنَّ نونهما قد تظهر إذا شئت وتحذف إذا شئت، وهي في الواحد لا تظهر، فلذلك نصبوا، ولو خفض في الواحد لجاز ذلك، ولم أسمعه إلا في قولهم: الضّارب الرجل، فإنّهم يخفضون الرجل وينصبونه، فمن خفضه شَبَّهَه بمذهب قولهم: مررت بالحسن الوجه، فإذا أضافُوه إلى مكنّى قالوا: أنْت (١) الضَّارِبُهُ، وأنتما (٢) الضَّارِبَاهُ (٣)، وأنتم الضَّاربوه. والهاء في القضاء عليها خفض في الواحد والاثنين والجمع، ولو نويت بها النصب كان وجهًا. وكان ينبغي لمن نصب أن يقول: هو الضارب إيّاه، ولم أسمع ذلك. هذا كلامه (٤).\nوهو كما ذكرنا من مذهب البصريين إلا في إضافة الواحد، فإنه يجوزه وعندهم لا يجوز ذلك.\nوقوله: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ قال ابن عباس والكلبي: يريد يتصدقون من الواجب وغيره. وقال مقاتل: يؤذون الزكاة في طاعة ربهم (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2714>٣٦ </span>- قوله تعالى: ﴿وَالْبُدْنَ﴾ قال الزجاج: البدن بتسكين الدال وضمها، بَدَنَةٌ وبُدْنٌ وبُدُنٌ، مثل قولك: ثَمَرَةٌ وثُمْر وثُمُرٌ قال: وإنما سميت بدنة لأنها تبدن أي: تسمن (٦).\n_________\n(١) (أنت): ساقطة من (أ).\n(٢) في (ظ)، (د)، (ع): (وأنتم).\n(٣) في (ظ): (الضاربان).\n(٤) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٢٦.\n(٥) أنظر: \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٢٥ ب.\n(٦) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٤٢٨.","vol":"15","page":406},{"text":"وقال الليث وغيره: البدنة بالهاء تقع على الناقة والبقرة والبعير مما يجوز في الهدي والأضاحي، ولا تقع على الشاة، وسميت بدنة لعظمها (١).\nقال ابن السكيت: يقال: بدن (٢) الرجل يبدن بَدْنًا وبدانة فهو بادن إذا ضخم، وهو رجل بَدَنٌ إذا كان كبيرًا، وأنشد (٣):\nأمْ (٤) ما بكاءُ البدن الأشيب (٥)\nوقال ابن الأنباري: يجوز أن يكون سميت بدنة لعظمها وضخامتها.\nويجوز أن يكون سميت لسنّها، رجل بدن إذا كان كبير السنن، وبدنت أي أسنت، وبدنت أي: سمنت وضخمت (٦).\nوالمفسرون يقولون في تفسير البدنة: إنّها الإبل والبقر. وهو قول عطاء\n_________\n(١) \"تهذيب اللغة\" للأزهري ١٤/ ١٤٤ نقلًا عن الليث وغيره.\n(٢) (بدن): ساقطة من (ظ)، (د)، (ع). وبدن كبصر وكرم. قاله الفيروزآبادي في \"القاموس المحيط\" ٤/ ٢٠٠.\n(٣) البيت أنشده ابن السكيت في \"إصلاح المنطق\" ص ٣٣٠، للأسود بن يعفر، وأوله:\nهل لشباب فَاتَ من مَطلْبِ\nهو في \"ديوان الأسود\" ص ٢١ وروايته فيه: \"البائس\" في موضع \"البدن\"، و\"أدب الكاتب\" لابن قتيبة ص ٢٦٥، و\"تهذيب اللغة\" للأزهري ١٤/ ١٤٤ (بدن)، وفيه: \"بقاء\" في موضع \"بكاء\"، و\"لسان العرب\" ١٣/ ٤٨ (بدن).\nقال البطليوسي في \"الاقتضاب\" ٣/ ٢٠٩: يقول: هل يمكن طلب الشباب الغائب واسترجاعه، بل كيف يبكي الرجل الأشيب شوقًا إلى أحبته؟. وذلك لا يليق به.\n(٤) في (أ)، (ظ): (أمّا).\n(٥) قول ابن السكيت وإنشاده في \"تهذيب اللغة\" للأزهري ١٤/ ١٤٤، وهو في \"إصلاح المنطق\" ص ٣٣٠.\n(٦) لم أجد من ذكره عنه. وانظر: \"بدن\" في \"تهذيب اللغة\" للأزهري ١٤/ ١٤٤، \"الصحاح\" للجوهري ٥/ ٢٠٧٧، \"لسان العرب\" ١٣/ ٤٨ - ٤٩.","vol":"15","page":407},{"text":"والسدي (١).\nوقوله تعالى: ﴿جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ أي: من أعلام دينه. والمعنى: جعلنا لكم فيها عبادة لله -﷿-، من سوقها إلى البيت، وتقليدها، وإشعارها، ونحرها، والإطعام منها. ومضى الكلام في تفسير الشعائر (٢).\n_________\n(١) ذكره عنه الثعلبي في \"الكشف والبيان\" ٣/ ٥٢ ب.\nورواه الطبري ١٧/ ١٦٣ عن عطاء بلفظ: البقرة والبعير.\nوللمفسرين في البدن قول آخر وهو أنها الإبل خاصّة، ذكره الماوردي ٤/ ٢٦ وعزاه للجمهور. وحكاه القرطبي ١٢/ ٦١ عن ابن مسعود وعطاء والشافعي. وحكى القول الأول عن مالك وأبي حنيفة.\nثم قال القرطبي: والصحيح ما ذهب إليه الشافعي وعطاء، لقوله ﵇ في الحديث الصحيح في يوم الجمعة: \"من راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة\" الحديث. فتفريقه -﵇- بين البقرة والبدنة يدل على أن البقرة لا يقال لها بدنة. والله أعلم. وأيضًا قوله تعالى: \"فإذا وجبت جنوبها\" يدل على ذلك، فإن الوصف خاصٌ بالإبل، والبقر يضجع ويذبح كالغنم. انتهى من القرطبي ١٢/ ٦١.\nوالحديث الذي أشار إليه القرطبي رواه البخاري في صحيحه (كتاب الجمعة -باب فضل الجمعة ٢/ ٣٦٦، ومسلم في صحيحه (كتاب الجمعة -باب الطيب والسواك يوم الجمعة ٢/ ٥٨٢ من حديث أبي هريرة ﵁.\nوصحح ابن كثير ٣/ ٢٢١ أنَّ البقرة يطلق عليها بدنة شرعًا.\nونقل ابن الجوزي ٥/ ٤٣٢ عن القاضي أبي يعلى أنه قال: البدنة اسمٌ يختص الإبل في اللغة، والبقرة تقوم مقامها في الحكم؛ لأن النبي -ﷺ- جعل البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة. اهـ.\nوالذي يظهر أن البدن في الآية هي الإبل للتعليل الذي ذكره القرطبي، والبقرة تدخل في مسمى البدن من حيث اتحاد الحكم بينهما.\n(٢) في (ظ): (الشعيرة).","vol":"15","page":408},{"text":"وقوله: ﴿لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ﴾ قال ابن عباس: يريد في الدنيا والآخرة (١).\nقال المفسرون: يعني النفع في الدنيا والأجر في العقبى (٢).\nوذكرنا هذا (٣) المعنى (٤) مستقصىً عند قوله ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ إلا أن المراد بتلك المنافع الدنيا لقوله ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ والمراد بالخير هاهنا خير الدنيا والآخرة، كما ذكر ابن عباس.\nقوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ أي: على نحرها، لأنَّ السنة أن يذكر الله عند نحرها.\nقال ابن عباس: هو أن يقول: بسم الله، والله أكبر لا إله إلا الله، اللهم منك ولك (٥).\nوقوله ﴿صَوَافَّ﴾ جمع صافّة، وهي فاعلة من الصَفّ، وهو جعل الأجسام يلي أحدها الآخر على منهاج واحد (٦).\nقال ابن عباس في رواية ابن أبي مليكة: قيامًا (٧).\nوقال ابن عمر: قيامًا مقيدة، سنة محمد -ﷺ- (٨).\n_________\n(١) ذكره عنه الزمخشري في \"الكشاف\" ٣/ ١٤، وأبو حيان في \"البحر\" ٦/ ٣٦٩. وذكره القرطبي ١٢/ ٦١ من غير نسبة، وصوبه.\n(٢) \"الكشف والبيان\" للثعلبي ٣/ ٥٢ ب، ٥٣ أ.\n(٣) (هذا): ساقطة من (أ).\n(٤) في (ع): (الكلام).\n(٥) هذا مجموع روايات رواها الطبري ١٧/ ١٦٤ من طريق أبي ظَبيان، عن ابن عباس.\n(٦) انظر: \"لسان العرب\" ٩/ ١٩٤ (صفف)، \"القاموس المحيط\" ٣/ ١٦٢ - ١٦٣.\n(٧) رواه ابن أبي شيبة في مصنفه ٤/ ٨٣ عنه من رواية ابن أبي مليكة.\n(٨) رواه البخاري في صحيحه كتاب الحج -باب نحر الإبل مقيَّدة ٣/ ٥٥٣، ومسلم في \"صحيحه\" (كتاب الحج- باب نحر البدن قيامًا، مقيّدة ٢/ ٩٥٦).","vol":"15","page":409},{"text":"وقال مجاهد: الصَّواف: إذا عُقلت (١) إحدى يديها وقامت على ثلاث (٢)، وتنحر كذلك (٣).\nوعلى هذا هي صواف، لأنها قد صفت أيديها وأرجلها إذا وقفن على منهاج واحد، كما روى ليث، عن مجاهد قال (٤): يسوى بين أوظافها (٥) (٦).\nيعني لئلا يتقدم بعضها على بعض فلا تكون صواف.\nوفي هذا دليل على أنها تُنْحر قائمة واقفة مصفوفة، لأنها إن كانت باركة أو ماشية لا تكون صافة، ولا يتصور الصف في البدنة الواحدة إلا أن يقال إنها إذا وقفت صفت يديها أو رجليها (٧) إذا لم يعقل إحداهما، ولكن يتصور في البدن إذا وقفن فصففن أيديهن معقولة وغير معقولة، والدليل على أنها تعقل إحدى يديها قراءة عبد الله: \"صوافن\" (٨) وهي القائمة على ثلاث\n_________\n(١) في (أ): (علّقت).\n(٢) في (أ): (ثلاثة).\n(٣) ذكره عنه الثعلبي في الكشف والبيان ٣/ ٥٣ أ.\nوفيه: إذا عقلت رجلها اليسرى وقامت ... كذلك. وبنحوه مختصرًا رواه الطبري ١٧/ ١٦٤.\n(٤) قال: ساقطة من (ط).\n(٥) في (ظ)، (د)، (ع): (أوطانها. والصواب ما في (أ). وأوظافها: جمع وَظيف، قال الجوهري في الصحاح ٤/ ١٤٣٩ \"وظف\": الوظيف: مستدق الذراع والساق من الخيل والإبل ونحوها.\n(٦) رواه الطبري ١٧/ ١٦٤ من رواية ليث، عن مجاهد.\n(٧) في (ظ)، (د)، (ع): (رجليها أو يديها).\n(٨) انظر الطبري ١٧/ ١٦٥، \"إعراب القرآن\" للنحاس ٣/ ٩٩، \"الشواذ\" لابن خالوية ص ٩٥، \"المحتسب\" لابن جني ٢/ ٨١.","vol":"15","page":410},{"text":"قوائم، ونذكر تفسيرها عند قوله ﴿الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ﴾ [ص: ٣١].\nوقال أبو إسحاق -في قوله: ﴿صَوَافَّ﴾ -: أي قد صفت قوائمها (١).\nوقال أبو عبيدة: تصفّ بين أيديها (٢).\nوقال ابن قتيبة: أي: قد صُفَّت أيديها (٣).\nوقال ابن عباس في رواية أبي ظبيان في قوله ﴿صَوَافَّ﴾ قال: معقولة (٤).\nونحوه قال عطاء، والفرَّاء (٥). وهو معنى وليس بتفسير، وذلك أنها إذا عقلت إحدى يديها وقفت فصفت يدها مع يد التي إلى جنبها.\nوكثير من الصحابة قرؤوا \"صوافي\" (٦) على معنى: خالصة لله، جمع صافية، أي: لا يشركوا في التسمية على (٧) نحرها أحدًا. وإلى هذا ذهب كثير من المفسرين (٨). ويدل من الآية على أنها تُنْحر قيامًا.\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٤٢٨.\n(٢) \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ٢/ ٥٠.\n(٣) \"غريب القرآن\" لابن قتيبة ص ٢٩٣.\n(٤) رواه الطبري ١٧/ ١٦٤، والبيهقي في \"السنن\" ٥/ ٢٣٧ من طريق أبي ظبيان.\n(٥) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٢٦.\n(٦) رويت هذه القراءة عن أبي بن كعب وأبي موسى الأشعري ﵄. ونسبت إلى الحسن ومجاهد وزيد بن أسلم وسليمان التيمي وجماعة.\nانظر: الطبري ١٧/ ١٦٣، \"الشواذ\" لابن خالويه ص ٩٥، \"المحتسب\" لابن جني ٢/ ٨١، \"الكشف والبيان\" للثعلبي ٣/ ٥٣ أ، \"البحر المحيط\" ٦/ ٣٦٩.\n(٧) في (ظ)، (د)، (ع): (إلي).\n(٨) وهو ومروي عن الحسن وطاووس والزهري وابن زيد. انظر الطبري ١٧/ ١٦٥، وابن كثير ٣/ ٢٢٢.","vol":"15","page":411},{"text":"قوله تعالى: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا﴾ قال أبو عبيدة (١)، والزَّجَّاج (٢)، وجميع أهل اللغة (٣): سقطت إلى الأرض.\nيقال: وجب الحائط يجب وَجْبَةَ إذا سقط، وسمعت له وجْبَةً، أي. وقعة، ووجبت الشمس إذا وقعت للغروب في المغيب، ووجب الشيء إذا (وقع لازمًا، ووجب القلب وجيبًا إذا] (٤) وقع وتحرك باضطراب (٥)، وأنشدوا لأوس بن حجر يرثي (٦):\nألم تكسف الشمس والبدر ... والكواكب للجبل الواجب (٧)\nوقال الكميت:\nألم ترني لقيت ضباء (٨) أنس ... بخيف مني ولم تجب الجنوب (٩) (١٠)\n_________\n(١) \"مجاز القرآن \" لأبي عبيدة ٢/ ٥١.\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٤٢٨.\n(٣) انظر: \"تهذيب اللغة\" للأزهري ١١/ ٢٢٢ (وجب)، \"لسان العرب\" ١/ ٧٩٤ (وجب).\n(٤) ما بين المعقوفين ساقط من (د)، (ع).\n(٥) انظر \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٤٢٨، \"تهذيب اللغة\" للأزهري ١١/ ٢٢٢ - ٢٢٣ مادة \"وجب\"، \"لسان العرب\" ١/ ٧٩٤ \"وجب\".\n(٦) يرثي: ساقطة من (أ).\n(٧) البيت في \"ديوانه\" ص ١٠، و\"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ٢/ ٥١، والطبري ١٧/ ١٦٦، و\"التعازي والمراثي\" للمبرد ص ٣٣، و\"السمط اللآلي\" ص ٤٦٦. وهو من أبيات يرثي بها فضالة بن كلدة، وبعده:\nلفقد فضالة لا تستوي الـ ... فُقُود ولا خُلّة الذَّاهب\n(٨) في (أ): (طلبا)، وهو خطأ.\n(٩) في (و)، (ع): (الجبوب)، وهو خطأ.\n(١٠) هذا البيت والذي بعده أثبتها المعلق على \"مجاز القرآن\" ٢/ ٥١ في الهامش، =","vol":"15","page":412},{"text":"وقال آخر:\nحلفت برب مكة والهدايا ... غداة النحر واجبة الجنوب (١)\nقال ابن عباس ومجاهد، والضحاك: خرت لجنوبها (٢).\nوذلك عند نزف دمها وخروج الروح منها، ولذلك قال ابن زيد في تفسيرها: فإذا ماتت (٣). لأنها تقف ما دامت الروح تبقى فيها، فإذا سقطت إلى الأرض فذلك حين تهدأ (٤) وتسكن حركتها، وهو وقت الأكل منها، ولذلك عقَّب الله تعالى هذه الحالة بالأمر بالأكل منها فقال: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ وهذا يدل على أنّه لا ينبغي للمرء أن يعجل فيقطع منها ليأكل قبل أن يتم نحرها، ولكن يصبر حتى تسكن حركتها وكذلك السلخ يُبْتدأ بعد السكون، وهذا معنى قول عمر -﵁-: لا تعجلوا الأنفس أن تزهق (٥) (٦).\n_________\n= وذكر أنهما كتبا في حاشية نسخة \"س\" منسوبين للكُميت.\nواعتمد جامع ديوان الكميت على هذه الحاشية فأورد الأول في \"ديوانه\" ١/ ٨١، والثاني في ١/ ١٢٥ وأحال على حاشية المجاز.\n(١) في (د)، (ع): (الجبوب)، وهو خطأ.\n(٢) ذكره عن ابن عباس السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ٥٣ بلفظ: سقطت على جنبها. وعزاه لابن أبي حاتم. ورواه الطبري ١٧/ ١٦٦ عن مجاهد بلفظ سقطت على الأرض.\n(٣) رواه الطبري ١٧/ ١٦٦.\n(٤) في (أ): (يهدى)، وهو خطأ.\n(٥) في (ظ): (قبل أن تزهق).\n(٦) رواه الثوري في جامعه (كما في \"تفسير ابن كثير\" ٣/ ٢٢، ومسند عمر بن الخطاب له أيضًا ١/ ٣٣٥، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" ٩/ ٢٧٨ عن عمر ﵁، به). ورواه عنه عبد الرزاق \"المصنف\" ٤/ ٤٩٥، وابن أبي شيبة في مصنفه ٥/ ٢٩٢ - ٢٩٣ عنه بلفظ: وذر، وعند ابن أبي شيبة: وأقرّوا الأنفس حتى تزهق.","vol":"15","page":413},{"text":"ولهذا ايضا نُهي عن النَّخْع (١)، وهو أن يقطع الحلقوم والمريء بعد الذبح وفري الأوداج (٢)، وذلك غير جائز؛ لأنه زيادة جراحة بعد تمام الذبح. ومعنى النخع: قطع النخاع، وهو العرق الذي في الفقار (٣).\nوذكرنا وجه هذا الأمر فيما تقدم من هذه السورة.\nقوله تعالى: ﴿وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ القانع في الآية بمعنيين:\nأحدهما: أنه من القُنُوع بمعنى المسألة. يقال: قنع (٤) يقنع قنوعًا، إذا سأل.\nوالقانع: السائل. ومنه الحديث في ذكر من لا تجوز شهادته: \"ولا شهادة القانع مع أهل البيت\" (٥).\n_________\n(١) روى البخاري في صحيحه (كتاب الذبائح والصيد- باب النحر والذبح ٩/ ٦٤٠) تعليقا عن نافع أن ابن عمر نهى عن النَّخع.\nوانظر: \"تهذيب اللغة\" للأزهري ١/ ١٦٧ ففيه: وفي الحديث: \"ألا لا تنخعوا الذبيحة حتى تجب\".\nومثله في \"الفائق في غريب الحديث\" للزمخشري ٣/ ٤١٤، و\"غريب الحديث\" لابن الجوزي ٢/ ٣٨٩. ولم أجد هذا الحديث.\n(٢) الأوداج: جمع ودج، والودج: عرق في العنق، وهما ودجان. الصحاح للجوهري ١/ ٣٤٧ (ودج).\n(٣) انظر: (نخع) في \"تهذيب اللغة\" ١/ ٦٧، \"الصحاح\" للجوهري ٣/ ١٢٨٨، \"القاموس المحيط\" ٣/ ٨٧.\nوالفقار: جمع فقرة -بالكسر- وفقرة وفقارة -بفتحهما- وهو: ما انتضد من عظام الصلب من لدن الكاهل إلى العجب. \"لسان العرب\" ٥/ ٦١ (فقر)، \"القاموس المحيط\" ٢/ ١١١.\n(٤) كمنع. قاله الفيروزآبادي في \"القاموس\" ٣/ ٧٦.\n(٥) هذا طرف حديث رواه أبو عبيد في \"غريب الحديث\" ٢/ ١٥٦، والترمذي في \"جامعه\" كتاب الشهادات ٦/ ٥٨٠ - ٥٨١، والدراقطني في \"سننه\" ٤/ ٢٤٤، =","vol":"15","page":414},{"text":"قال أبو عبيد (١): هو الرجل يكون مع القوم يطلب فضلهم ويسأل معروفَهُم، وأنشد (٢):\nلمالُ المرء يُصلِحُه فيغني ... مَفَاقِرَةُ أعفُّ من القُنُوع\nأي: من المسألة (٣).\nومن هذا قول لبيد:\nوإعطائي المَوْلَى على حين فقره ... إذا قال أبْصِرْ خَلَّتي وقُنُوعي (٤)\nالمعنى الثاني: أن القانع الذي لا يسأل وهو من القناعة. يقال: قَنِعَ يقنع\n_________\n= والبيهقي في \"السنن الكبرى\" ١٠/ ٢٠٢ من حديث عائشة ﵂ مرفوعًا. قال الترمذي بعد روايته للحديث: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث يزيد ابن زياد الشَّامي، ويزيد يضعّف في الحديث.\nوضَعّف هذا الحديث بيزيد: الدارقطني والبيهقيُ.\n(١) في (ظ)، (د)، (ع): (أبو عبيدة)، وهو خطأ.\n(٢) البيت أنشده أبو عبيد في \"غريب الحديث\" ٢/ ١٥٦ للشمَّاخ.\nوهو في \"ديوانه\" ص ٥٦، و\"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ٢/ ٥١، و\"المعاني الكبير\" لابن قتيبة ١/ ٤٨٩ - ٤٩٩، \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٤٢٨، والطبري ١٧/ ٦٨، \"الأضداد\" لابن الأنباري ص ٦٦ - ٦٧.\n(٣) قول أبي عبيد وإنشاده في \"تهذيب اللغة\" للأزهري ١/ ٥٩ \"قنع\" كتاب \"غريب الحديث\" لأبي عبيد ٢/ ١٥٦ لكن فيه: هو الرجل يكون مع الرجل يطلب فضله ويسأل معروفه.\nوهو في كتاب \"غريب الحديث\" لأبي عبيد ٢/ ١٥٦، والكلام مفسر فيه مثل ما نقله الأزهري عنه.\n(٤) البيت في \"ديوانه\" ص ٧١، وفيه \"خشوعي\" في موضع \"قنوعي\".\nوفي \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ٢/ ٥٢، والطبري ١٧/ ١٧٠ بمثل الرواية هنا. قال الطوسي في شرحه لديوان لبيد ص ٧١: (المولى: ابن العم، الخلّة. الحاجة، خلَّتي وقنوعي: الاستكانه وسوء الحالة.","vol":"15","page":415},{"text":"قناعة وَقَنعًا (١) وقُنعَانًا (٢)، إذا رضي بما قُسم له وترك المسألة والتعرض (٣)\nقال ابن السكيت: ومن العرب من أجاز القُنُوع بمعنى القناعة، وكلام العرب الجيد هو الأول (٤).\nقال أبو زيد: قال بعضهم: القانع: السائل، وقال بعضهم: المتعفف؛ وكلُّ يصلح (٥). فذكر الوجهين.\nوكقول أبي زيد ذكر أبو عبيدة (٦) والزَّجَّاج (٧) الوجهين.\nوأما المعتر: فقال الأزهري: قال أهل اللغة: المعتر: الذي يُطِيف بك يطلب ما عندك سألك أو سكت عن السؤال (٨).\nوقال ابن الأعرابي: عررت (٩) فلانًا واعتررته وعروته (١٠) واعتريته (١١)، إذا أتيته تطلب معروفه (١٢).\n_________\n(١) قنعًا: ساقطة من (أ).\n(٢) في (ظ): (وقناعًا)، وفي (د)، (ع): (وقناعًا).\n(٣) انظر: \"قنع\" في \"تهذيب اللغة\" للأزهري ١/ ٢٥٩، \"الصحاح\" للجوهري ٣/ ١٢٧٣، \"لسان العرب\" ٨/ ٢٩٨.\n(٤) قول ابن السكيت في \"تهذيب اللغة\" للأزهري ١/ ٢٥٩ (قنع).\n(٥) قول أبي زيد في \"تهذيب اللغة\" للأزهري ١/ ٢٥٩ (قنع).\n(٦) انظر: \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ٢/ ٥١ - ٥٢.\n(٧) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٤٢٨.\n(٨) \"تهذيب اللغة\" للأزهري ١/ ٩٩ (عَرَّ).\n(٩) في المطبوع من \"تهذيب اللغة\" ١/ ٩٩: عروت.\n(١٠) في المطبوع من \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٩٩: وعررته.\n(١١) في (د)، (ع): (واعتروته).\n(١٢) قول ابن الأعرابي في \"تهذيب اللغة\" للأزهري ١/ ٩٩ (عرَّ)","vol":"15","page":416},{"text":"ونحو هذا قال أبو عبيدة (١)، وأنشد لحسان:\nلعمرك ما المعتر يأتي بيوتنا ... لنمنعه بالضّايع المتهضم (٢)\nفحصل من هذا أن القانع يجوز أن يكون السائل وغير السائل، وكذا المعتر إلا أنه لا ينفك من تعرض ونوع طلب.\nوعلى هذين الوجهين كلام المفسرين. منهم من يقول: القانع: الذي يسأل والمعتر الذي يأتيك بالسلام ويريك وجهه ولا يسأل، وهذا قول ابن عباس في رواية عطاء (٣)، وزيد بن أسلم (٤)، وابنه (٥)، وسعيد بن جبير (٦)، والكلبي (٧)، والحسن (٨)، وبكر بن عبد الله.\n_________\n(١) انظر: \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ٢/ ٥١.\n(٢) البيت أنشده أبو عبيدة لحسان في \"مجاز القرآن\" ٢/ ٥٢، وروايته عنده:\nلعمرك ما المعترُّ يأتي بلادنا ... لنمنعه ..............\n(٣) ذكر السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ٥٥ هذا القول عن ابن عباس من غير ذكر من رواه عنه، وعزاه لابن المنذر.\nوذكر هذا القول عن ابن عباس النحاس في \"معاني القرآن\" ٤/ ٤١٣. وذكره ابن الجوزي وعزاه لابن المنذر.\nوذكر هذا القول عن ابن عباس النحاس في \"معاني القرآن\" ٤/ ٤١٣. وذكره ابن الجوزي ٥/ ٤٣٣ وقال: رواه بكر بن عبد الله عن ابن عباس.\nوذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٢٢.\n(٤) وقوله ذكره عنه بنحوه الثعلبي في \"الكشف\" ٣/ ٥٣ أ. ورواه الطبري ١٧/ ١٦٩ بنحوه.\n(٥) ذكره عنه بنحوه الثعلبي في \"الكشف والبيان\" ٣/ ٥٣ أ.\n(٦) رواه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ٢/ ٣٨، والطبري ١٧/ ١٦٨، والبيهقي في \"سننه\" ٩/ ٢٩٤.\n(٧) ذكره الثعلبي ٣/ ٥٣ أ، والطبري ١٧/ ١٦٨\n(٨) رواه سعيد بن منصور في \"تفسيره\" (ل ١٥٦ ب)، وابن أبي شيبة في مصنّفه =","vol":"15","page":417},{"text":"ومنهم من يقول بعكس هذا فيقول: القانع: المتعفف الجالس في بيته، والمعترّ: السائل الذي يعتريك ويسأل.\nوهو قول ابن عباس في رواية الوالبي (١)، وعكرمة، وقتادة (٢)، وإبراهيم، ومجاهد (٣)، قالوا: القانع الذي يقنع ويجلس، والمعتر الذي يعتريك ويسأل.\nوروي عن ابن عباس قول ثالث وهو: أن كلاهما الذي لا يسأل، وهو رواية العوفي عنه، قال: القانع الذي يرضى بما عنده ولا يسأل، والمعتر الذي يتعرض لك ولا يسألك (٤).\nونحو هذا روى ليث عن مجاهد قال: القانع: جارك وإن كان موسرًا، والمعتر: الذي يعتريك ولا يسألك (٥). وهذا أيضًا رواية خصيف عنه (٦).\nوعلى هذا إنما يُطْعم القانع بأن يرسل إليه، كما روى قابوس، عن أبيه (٧)، عن ابن عباس قال: القانع من أرسلت إليه في بيته (٨).\n_________\n= ٤/ ٧٢، والطبري ١٧/ ١٦٨، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" ٩/ ٢٩٤.\n(١) ذكره الثعلبي ٣/ ٥٣ أمن رواية الوالبي. ورواه الطبري ١٧/ ١٦٧.\n(٢) رواه الطبري ١٧/ ١٦٧ عن عكرمة - وقتادة.\n(٣) رواه الطبري ١٧/ ١٦٨، والبيهقي في \"السنن\" ٩/ ٢٩٤.\n(٤) ذكره الثعلبي ٣/ ٥٣ أمن رواية العوفي. ورواه الطبري ١٧/ ١٦٧.\n(٥) رواه الطبري ١٧/ ١٦٧ من رواية ليث، عنه.\n(٦) روى ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" ٤/ ٧٢، والطبري ١٧/ ١٦٧ من طريق خصيف، عن مجاهد قال: القانع: أهل مكة، والمعتر الذي يعتريك فيسألك.\n(٧) هو: أبو ضبيان حصين بن جندب.\n(٨) رواه البيهقي في \"السنن الكبرى\" ٩/ ٢٩٤ من طريق قابوس، عن أبيه، عن ابن =","vol":"15","page":418},{"text":"والمستحب للمُهْدي أن يطلب القانع والمعتر، فيعطيهما جميعًا، قيامًا بالأمر وامتثالًا له.\nقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ﴾ كذلك أي: مثل ما وصفنا من نحرها قيامًا، والإطعام منها ﴿سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ﴾ نعمة منا عليكم لتتمكنوا من نحرها على الوجه المسنون.\n﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ قال ابن عباس: يريد لكي تطيعوني. وشكر الله طاعة له واعتراف بإنعامه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2715>٣٧ </span>- قوله تعالى: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا﴾ قال الكلبي: كان أهل الجاهلية إذا نحروا البدن نضحوا دماءها حول البيت قربة إلى الله، فأراد المسلمون أن يفعلوا ذلك، فأنزل الله هذه الآية (١).\n_________\n= عباس بلفظ: القانع بما أرسلت ... وهذا الأثر ضعيف لضعف قابوس.\nوذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ٥٤ - ٥٥ بمثل لفظ البيهقي، وعزاه لعبد بن حميد وابن المنذر والبيهقي في \"سننه\".\nواختار الطبري ١٧/ ١٧٠ أن القانع: السائل، والمعتر هو الذي يأتيك معترًا بك لتعطيه وتطعمه، وعّلل ذلك بقوله: لأنه لو كان المعني بالقانع -في هذا الموضع: المكتفى بما عنده والمستغني به- لقيل: وأطعموا القانع والسائل، ولم يقل \"وأطعموا القانع والمعتر\" وفي اتباع ذلك قوله \"والمعتر\" الدليل الواضح على أن القانع معني به السائل ..\nوقال النحاس في \"معاني القرآن\" ٤/ ٤١٣ عن القول بأن القانع هو السائل والمعتر الذي يتعرض لك ولا يسألك، إنه أحسن ما قيل في هذا وهو الصحيح في اللغة. واستظهر هذا القول الشنقيطي في \"أضواء البيان\" ٥/ ٦٩٥.\n(١) ذكر السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ٥٥ - ٥٦ نحوه عن ابن عباس، وعزاه لابن المنذر وابن مردويه. =","vol":"15","page":419},{"text":"وقال الزَّجَّاج: كانوا إذا ذبحوا لطَّخُوا البيت بالدم (١).\nوالمعنى: لن يصل إلى الله اللحوم ولا الدماء أي: لن يتقرب إليه بها.\nوقال مقاتل بن حيّان: لن يُرفع إلى الله لحومها ولا دماؤها، ولكن يرفع إلى الله منكم الأعمال الصالحة والتقوى (٢).\nوالمعنى لن يتقبل الله اللحوم ولا الدّماء، ولكن يتقبل التقوى فيها وفي غيرها بإيجاب الثواب عليها.\nوقيل: لن يبلغ رضا الله لحومها ولا دماؤها، ولكن يبلغه التقوى منكم (٣).\nوقال الأزهري: لن يصل إلى الله ما يُنيلكم به ثوابه غير التقوى، دون اللحوم والدماء (٤).\nقوله: ﴿وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ قال ابن عباس: يريد النيّات.\nوقال إبراهيم: التقوى ما أُريد به وجهه (٥).\n_________\n= وذكر ابن الجوزي ٥/ ٤٣٤ نحوه من رواية أبي صالح، عن ابن عباس.\nوذكر ابن كثير في \"تفسيره\" ٣/ ٢٢٥ نحوه من رواية ابن أبي حاتم عن ابن جريج. ولم يثبت في سبب نزول هذه الآية شيء صحيح.\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٤٢٩.\n(٢) ذكره عنه السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ٥٦، وعزاه لابن أبي حاتم.\n(٣) ذكر هذا القول الطوسي في \"التبيان\" ٧/ ٢٨٤، والحاكم الجشمي في \"التهذيب\" ٦/ ١٧٩ ب، ولم ينسباه لأحد.\n(٤) \"تهذيب اللغة\" للأزهري ١٥/ ٣٧٢ دون قوله: دون اللحوم والدماء.\n(٥) رواه الطبري ١٧/ ١٧٠. وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ٥٦، وعزاه لعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم بلفظ: ما التمس به وجه الله تعالى.","vol":"15","page":420},{"text":"وقال أبو إسحاق: أعلم الله أن الذي يصل إليه تقواه وطاعته فيما يأمر به (١).\nوحقيقة معنى هذا الكلام يعود إلى القبول. وذلك أنّ (٢) ما يقبله الإنسان يقال: قد ناله ووصل إليه. فخاطب الله تعالى الخلق كعادتهم في تخاطبهم والمعنى. لن يقبل الله اللحوم ولا الدماء إذا كانت من غير تقوى الله، وإنما يقبل منكم ما تتقونه به. وهذا دليل على أن شيئًا من العبادات لا يصح إلا بالنية، وهو أن ينوي بها التقرب إلى الله وأداء (٣) أمره واتقاء عقابه.\nوقوله: ﴿كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ﴾ تقدم تفسيره قبيل.\n﴿لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ قال ابن عباس: يريد على ما بين لكم وأرشدكم لمعالم (٤) دينه (٥) ومناسك حجه. وهو أن يقول: الله أكبر على ما هدانا (٦) ﴿وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ﴾ قال: يريد الموحّدين (٧) (٨).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2716>٣٨ </span>- قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ قال المفسرون: يعني غائلة المشركين (٩).\nوقال أبو إسحاق: هذا يدل على النصر من عنده، أي: فإذا فعلتم هذا\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٤٢٩.\n(٢) أن: ساقطة من (د)، (ع).\n(٣) في (أ)، (ع): (وإذا)، وهو خطأ.\n(٤) في (أ): (إلى دينه).\n(٥) في (د)، (ع): (دينكم).\n(٦) ذكره البغوي ٥/ ٣٨٨ من غير نسبه.\n(٧) في (أ): (المحدين).\n(٨) ذكره عنه البغوي ٥/ ٣٨٨، وأبو حيان في \"البحر\" ٦/ ٣٧٠.\n(٩) الطبري ١٧/ ١٧١، والثعلبي ٣/ ٥٣ ب.","vol":"15","page":421},{"text":"وخالفتم الجاهلية فيما يفعلونه في نحرهم وإشراكهم بالله، فإنّ الله يدفع عن حزبه (١).\nوقُرئ: \"إنَّ الله يدافع\" (٢). من دافع. وهو بمعنى دفع، وإن كان من المفاعلة، مثل: طارقت النعل، وعاقبت اللص، وعافاه الله (٣).\nقال الأخفش: أكثر الكلام \"إن الله يدفع\" بغير ألف. قال: ويقولون دفع الله عنك. قال: ودافع عربية إلا أن الأولى (٤) أكثر (٥).\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ﴾ قال ابن عباس: يريد: خانوا الله، وجعلوا معه شريكًا، وكفروا نعمه (٦).\nوقال أبو إسحاق: إنَّ من ذكر غير اسم الله، وتقرب إلى الأصنام بذبيحة؛ فهو خوان كفور (٧).\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٤٢٩.\n(٢) قرأ ابن كثير، وأبو عمرو (يدفع) بغير ألف. وقرأ الباقون (يدافع) بالألف. \"السبعة\" ص ٤٣٧، \"التبصرة\" ص ٢٦٦، \"التيسير\" ص ١٥٧.\n(٣) \"الحجة\" للفارسي ٥/ ٢٧٩ مع اختلاف يسير.\nوانظر: \"علل القراءات\" للأزهري ٢/ ٤٢٥، \"إعراب القراءات السبع وعللها\" لابن خالويه ٢/ ٧٩، \"الكشف\" لمكي بن أبي طالب ٢/ ١٢٠.\nوذكر ابن زنجلة في \"حجة القراءات\" ص ٤٧٨ وجها آخر في توجيه قراءة (يدافع) فقال: وحجتهم أنَّ \"يدافع\" عن مرات متواليات. اهـ\nوبينه مكي في \"الكشف\" ٢/ ١٥ بقوله: وقد تكون \"فاعل\" للتكرير، أي: يدفع عنهم مَرَّة بعد مرة.\n(٤) في \"الحجة\": الأول.\n(٥) قول الأخفش في \"الحجة\" للفارسي ٥/ ٢٧٩. ولم أجده في \"معاني القرآن\" للأخفش.\n(٦) ذكره عنه البغوي ٥/ ٣٨٨.\n(٧) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٤٢٩.","vol":"15","page":422},{"text":"وقال أهل التفسير: كل خوان في أمانة الله كفور لنعمته (١) (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2717>٣٩ </span>- وقوله: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾ قال ابن عباس فيما روى عنه سعيد بن جبير (٣)، وقتادة (٤)، والزهري (٥): هذه أول آية نزلت في القتال. وقال سعيد بن جبير: لما أخرج النبي -ﷺ- من مكة قال أبو بكر: أخرجوا نبيَّهم ليهلكن.\nفنزلت هذه الآية. قال أبو بكر: فعرفت أنه سيكون قتال (٦).\nقال المفسرون: كان مشركو أهل مكة يؤذون أصحاب رسول الله -ﷺ- فلا يزالون يجيئون من بين مضروب ومشجوج، ويشكون ذلك فيقول لهم النبي -ﷺ-: \"اصبروا فإنّي لم أؤمر بالقتال\"، حتى هاجر فأنزل الله هذه الآية (٧).\n_________\n(١) في (ط)، (د)، (ع): (لنعمه)، وعند الثعلبي: بنعمته.\n(٢) هذا قول الثعلبي في \"الكشف والبيان\" ٣/ ٥٣ أ.\n(٣) رواه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ٢/ ٣٩، والإمام أحمد في \"مسنده\" ٣/ ٢٦١ - ٢٦٢، والنسائي في \"التفسير\" ٢/ ٨٨، والطبري في \"تفسيره\" ١٧/ ١٧٢، والحاكم في \"مستدركه\" ٢/ ٦٦ كلهم من طريق سفيان الثوري، عن الأعمش، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس. قال أحمد شاكر في تعليقه على المسند ٣/ ٢٦١: إسناده صحيح.\n(٤) رواه عنه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ٢/ ٣٩، والطبري ١٧/ ١٧٣.\n(٥) رواه عنه النسائي في \"تفسيره\" ٢/ ٨٩ - ٩٠.\n(٦) رواه الترمذي في جامعه (كتاب التفسير -باب ومن سورة الحج ٩/ ١٥) من رواية سعيد بن جبير، عن ابن عباس. ثم قال: وقد رواه غير واحد عن سفيان، عن الأعمش، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير مرسلا وليس فيه عن ابن عباس.\n(٧) ذكره الثعلبي ٣/ ٥٣ ب بنصَّه.\nقال الزيلعي في كتابه \"تخريج أحاديث الكشاف\" ٢/ ٣٨٨ - بعد ذكره لما ساقه الزمخشري من وهو مثل الرواية هنا-: غريب جدًّا، وعزاه للواحدي في الوسيط. =","vol":"15","page":423},{"text":"وروى ابن أبي نجيح، عن مجاهد -في هذه الآية- قال: ناس مؤمنون مهاجرون خرجوا من مكة إلى المدينة، وكانوا يمنعون، فأدركهم كفار قريش، فأذن الله للمؤمنين بقتال الكفار (١).\nوعلى هذا القول الآية نازلةٌ في قوم مخصوصين بأعيانهم. والقول الأول عليه أهل التفسير.\nقال مقاتل بن حيان: إن مشركي مكة كانوا يؤذون المسلمين بمكة، فاستأذنوا النبي -ﷺ- في قتالهم، فنهاهم فلما خرج إلى المدينة أنزل عليه بالمدينة هذه الآية، وهي أول آية نزلت عليهم (٢) في القتال (٣).\nوقرئ \"أذن\" بفتح الألف وبضمها (٤). فمن فتح الألف بني الفعل\n_________\n= وقال ابن حجر في \"الكافي\": لم أجده هكذا. ثم قال: وهو منتزع من أحاديث أقربها ما أخرجه ابن أبي حاتم من طريق بكير بن معروف، عن مقاتل بن حيان في قوله \"أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا\": وذلك أن مشركي مكة كانوا يؤذون المسلمين بمكة، فأستاذنوا النبي -ﷺ- في قتالهم بمكة فنهاهم؛ ليمتحن بذلك النبي -ﷺ- عن ذلك، فلما خرج النبي -ﷺ- إلى المدينة أنزل عليه \"أذن للذين يقتلون بأنهم ظلموا\". وذكر الطبري عن الضحاك: أن الصحابة ﵃ استأذنوا رسول الله -ﷺ- في قتال الكفار إذ آذوهم واشتطوا عليهم بمكة قبل الهجرة غيلة وسرا، فأنزل الله \"إن الله لا يحب كل خوان كفور، فلما هاجروا أطلق لهم قتلهم وقتالهم، فقال \"أذن للذين يقاتلون\" الآية.\n(١) رواه الطبري ١٧/ ١٧٣ عنه من رواية ابن أبي نجيح، وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ٥٧ وعزاه لابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في \"الدلائل\".\n(٢) (عليهم): ساقطة من (ط)، وفي (د)، (ع): (نزلت في القتال عليهم).\n(٣) تقدم في كلام ابن حجر أنَّ ابن أبي حاتم أخرجه عنه.\n(٤) قرأ ابن كثير، وحمزة، والكسائي، وابن عامر: \"أذن\" مفتوحة الألف، وقرأ =","vol":"15","page":424},{"text":"للفاعل لما تقدم (١) من ذكر الله تعالى (٢)، وقوله ﴿لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ﴾ في موضع نصب ومن ضم الألف بني الفعل للمفعول به، والمعنى على أن الله ﷾ أذن لهم في القتال، والجار والمجرور في موضع رفع لإسناد الفعل المني للمفعول إليهم. والمأذون لهم في القتال أصحاب رسول الله -ﷺ- (٣).\nوقوله: \"يقاتِلون\" أي: الذين يقاتلون عدوهم الظالمين لهم بإخراجهم عن ديارهم. وهم المؤمنون.\nوقرئ \"يقاتَلون\" بفتح التاء (٤)، أي: الذين يقاتلهم المشركون، وهم المؤمنون، ويقوي هذه القراءة أن الفعل الذي بعده مسند إلى المفعول به وهو قوله: \"ظلموا\" (٥).\n_________\n= الباقون بضمها.\n\"السبعة\" ص ٤٣٧، \"التَّبصرة\" ص ٢٦٦، \"التيسير\" ص ١٥٧، \"الإقناع\" ٢/ ٧٠٦.\n(١) في (ظ): (علي ما تقدّم)، وفي \"الحجة\" للفارسي: فلما تقدم.\n(٢) يعني أنَّه قرب من قوله -قبلها-: \"إن الله لا يحب كل خوان كفور\"، فأسندوا الفعل إلى الله لتقدم اسمه وأنَّ الفعل قرب منه. قاله ابن زنجلة في \"حجة القراءات\" ص ٤٧٨.\n(٣) من قوله: من فتح الألف إلى هنا. هذا كلام أبي علي في \"الحجة\" ٥/ ٢٨٠ - ٢٨١ مع تقديم وتأخير.\nوانظر: \"علل القراءات\" للأزهري ٢/ ٤٢٦، \"حجة القراءات\" لابن زنجلة ص ٤٧٨، \"الكشف\" لمكي بن أبي طالب ٢/ ١٢٠.\n(٤) قرأ نافع، وحفص عن عاصم، وابن عامر: \"يقاتلون\" بفتح التاء، وقرأ الباقون بكسر التاء.\n\"السبعة\" ص ٤٣٧، \"التبصرة\" ص ٢٦٦: \"التيسير\" ص ١٥٧، \"الإقناع\" ٢/ ٧٠٦.\n(٥) من قوله: الذين يقاتلون عدوهم ... إلى هنا. هذا كلام أبي علي في \"الحجة\" ٥/ ٢٨٠ - ٢٨١ مع تقديم وتأخير. =","vol":"15","page":425},{"text":"وفي الآية محذوف يدل على ظاهر الكلام.\nقال الفراء (١) والزجاج (٢): المعنى: أذن لهم أن يقاتلوا.\nوقال أبو علي: المعنى فيه: أذن للذين يقاتَلون بالقتال. قال (٣): وحذف مثل هذه من الكلام للدلالة (٤) عليه حسن كثير (٥).\nوقوله: ﴿بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾ قال المبّرد: أي من أجل أنّهم ظلموا.\nوقال أبو إسحاق: بسبب ما ظلموا (٦).\nقال ابن عباس: اعتدوا عليهم وظاهروا عليهم وأخرجوهم من ديارهم وأموالهم.\nقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ قال مقاتل: يعني نصر أصحاب النبي -ﷺ- فنصرهم عليهم (٧).\nوقال أبو إسحاق: هذا وعبد من الله بالنَّصر (٨).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2718>٤٠ </span>- قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ [\"الذين\" في\n_________\n= وانظر: \"حجة القراءات\" لابن زنجلة ص ٤٧٨ - ٤٧٩، \"الكشف\" لمكي بن أبي طالب ٢/ ١٢١.\n(١) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٢٧.\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٤٣٠.\n(٣) (قال): ساقطة من (ظ).\n(٤) في (ظ): (بالدلالة).\n(٥) \"الحجة\" لأبي علي الفارسي ٥/ ٢٨١.\n(٦) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٤٣٠.\n(٧) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٢٦ أ.\n(٨) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٤٣٠ بنحوه.","vol":"15","page":426},{"text":"موضع خفض، المعنى: أذن للذين أخرجوا من ديارهم] (١) (٢).\nقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾ قال الفراء (٣)، والزجاج (٤): أي لم يخرجوا إلا بأن وحَّدُوا الله، فأخرجتهم (٥) عبدة الأوثان لتوحيدهم. وعلى هذا: \"لم يخرجوا\" مضمر في الآية، ودل عليه ذكر الإخراج في أول الآية والاستثناء المذكور (٦).\n_________\n(١) ما بين المعقوفين ساقط من (ظ)، (د)، (ع).\n(٢) هذا كلام الزجاج في \"معاني القرآن\" ٣/ ٤٣٠.\nويكون \"الذين\" في موضع خفض؛ لأنه بدل من \"الذين\" الأولى، أو صفة له.\nوجوز أبو البقاء في الإملاء ٢/ ١٤٥ أن يكون \"الذين\" في موضع نصب بأعْني، أو في موضع رفع على إضمار مبتدأ تقديره: هم الذين.\nوتبعه في ذلك أبو حيّان ٦/ ٣٧٤، والسمين الحلبي ٨/ ٢٨٢.\nوانظر أيضًا: \"إعراب القرآن\" للنحاس ٣/ ١٠٠، \"البيان في غريب إعراب القرآن\" للأنباري ٢/ ١٧٦ - ١٧٧.\n(٣) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٢٧.\n(٤) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٤٣٠.\n(٥) في (ظ): (فأخرجهم).\n(٦) وعلى قول الفراء والزجَّاج يكون الاستثناء في قوله: \"إلا أن يقولوا\". متصلًا، ويكون \"أن يقولوا\" في محل جر على البدل.\nوتبع الفراء والزجاج في هذا الزمخشري ٣/ ١٦ فقال: أي لغير موجب سوى التوحيد الذي ينبغي أن يكون موجب الإقرار والتمكين لا موجب الإفراج والتيسير. ومثله ﴿هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ [المائدة: ٥٩].\nوذكر أبو حيان ٦/ ٣٧٤ قول الزجاج والزمخشري وتعقبهما بقوله: وما أجازاه من البدل لا يجوز؛ لأنَّ البدل لا يكون إلا إذا سبقه نفي أو نهي أو استفهام في معنى النفي .. وأما إذا كان الكلام موجبًا أو أمرًا فلا يجوز البدل .. ولو قلت في غير القرآن: أخرج الناس من ديارهم إلا بأن يقولوا لا إله إلا الله، لم يكن كلاما. وانظر: \"الدر المصون\" ٨/ ٢٨٢ - ٢٨٣، \"فتح القدير\" للشوكاني ٣/ ٤٥٧.","vol":"15","page":427},{"text":"وقال سيبويه: هذا من الاستثناء المنقطع، المعنى: لكن بأن يقولوا ربنا الله (١).\nوالمعنى: ولكن أخرجوهم بتوحيدهم.\nوذكر الفرَّاء هذا القول أيضًا، فقال: وإن شئت جعلت \"أنْ\" مستثناة كما قال: ﴿إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى﴾ [الليل: ٢٠] (٢).\nوحكى المبرد عن بعضهم قولًا آخر، وهو: أنَّ المعنى أخرجوا من ديارهم بأن جعل الحق في إخراجهم، أي: الذين استحقوا به الإخراج قولهم: ربنا الله، كما تقول: ما غبت علي إلا أنّي منصفٌ، أي: جعلت سبب غضبك إنصافي. أي: عدوانًا وظلمًا (٣). هذا كلامه (٤).\nوعلى هذا الاستثناء متصل، واستثنى التوحيد من الباطل لضرب من المبالغة كقول النابغة:\nولا عيب فيهم غير أنَّ سيوفَهم ... بهن فلول (٥) من قِرَاعِ الكتائب (٦)\n_________\n(١) \"الكتاب\" لسيبويه ٢/ ٣٢٥.\n(٢) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٢٧.\n(٣) في (ظ)، (د)، (ع): (ظلمًا وعدوانا).\n(٤) لم أقف عليه.\n(٥) في (ظ): (كلول).\n(٦) البيت في \"ديوانه\" ص ٤٤، و\"الكتاب\" ٢/ ٣٢٦، \"المعاني الكبير\" لابن قتيبة ١/ ٣٦٠، \"الكامل\" للمبرد ١/ ٥١، \"همع الهوامع\" للسيوطي ١/ ١٣٢، \"شرح أبيات مغني اللبيب\" للبغدادي ٣/ ١٦.\nقال البغدادي ٣/ ١٩: وهو من قصيدة يمدح بها عمرو بن الحارث الأصغر من ملوك الشام الغسَّانيين، ويقال نهم: بنو جفنه.\nقال السيرافي في \"شرح أبيات سيبويه\" ٢/ ٥١: يمدح آل جفنه الغسانيين. والفلول =","vol":"15","page":428},{"text":"فاستثنى ما ليس بعيب من جملة العيب، وهو ضرب من المبالغة في الكلام، والمعنى على أنَّهم لا يعابون إلا بما ليس بعيب، كذلك هؤلاء ما أخرجوا من ديارهم إلا بما لا يوجب الإخراج.\nوقوله: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾ وقرئ: \"ولولا دفاع الله\" (١).\nومضى الكلام في هذا في الآية السابقة.\nقال أبو علي: ويجوز أن يكون الدفاع من دفع، كالكتاب من كتب، ولا يراد به مصدر فاعل، ولكن مصدر الثلاثة مثل: الكتاب والقيام والغياث (٢) (٣).\nوقوله: ﴿لَهُدِّمَتْ﴾ الهَدَم: مصدر هدمت البناء، إذا نقضته. يقال: هدمته فانهدم. والهدم: المهدوم (٤).\n_________\n= جمع فل، وهو الثلم الذي يكون في السيف. والمعنى: أنهم يغزون كثيرًا ويضاربون الأقران، فسيوفهم قد تفلّلت. والقراع والمقارعة: المضاربة بالسيوف، وقوله \"ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم مفللة هو بمنزلة: ليس فيهم عيب على وجه، لأنه إذا كان تفليل سيوفهم هو عيبهم -وهذا المعنى يمدح به- فلا عيب فيه على وجه. وهذا يقوله الناس على طريقة المبالغة في المدح.\n(١) قرأ نافع: \"ولولا دفاع الله\" بالألف وكسر الدال، وقرأ الباقون \"ولولا دفع الله\" بغير ألف وفتح الدال.\n\"السبعة\" ص ٤٣٧، \"المبسوط\" لابن مهران ص ٢٥٨.\n(٢) في \"الحجة\": العتاب.\n(٣) \"الحجة\" للفارسي ٥/ ٢٧٨.\n(٤) انظر: (هدم) في \"تهذيب اللغة\" للأزهري ٦/ ٢٢٢، \"الصحاح\" للجوهري ٥/ ٢٠٥٧، \"لسان العرب\" ١٢/ ٦٠٣.","vol":"15","page":429},{"text":"وقرئ \"لهدمت\" بالتخفيف والتشديد (١). فالتخفيف يكون للكثير والقليل، يدلك على ذلك أنّك تقول: ضربت زيدًا ضربة، وضربته ألف ضربة. فاللفظ في الكثرة والقلة على حال واحدة. والتشديد يختص به الكثير (٢).\nوقوله: ﴿صَوَامِعُ﴾ جمع صومعة، وهي مُتَعبّد الراهب.\nقال الأزهري: الصومعة من البناء سميت صومعة لتلطيف أعلاها. يقال: صَمَّع الثريدة، إذا رفع رأسها وحدَّده (٣)، وكذلك صعنبها (٤). وسُميت الثريدة إذا سويت كذلك صومعة. ومن هذا يقال: رجل أصمع إذا كان حادّ الفطنة (٥).\nقال مجاهد، والضحاك (٦): يعني صوامع الرهبان.\n_________\n(١) قرأ ابن كثير، ونافع: \"لهدمت\" بتخفيف الدال، وقرأ الباقون \"لهدمت\" بتشديد الدال.\n\"السبعة\" ص ٤٣٨، \"التبصرة\" ص ٢٦٧، \"التيسير\" ص ١٥٧، \"الإقناع\" ٢/ ٧٠٦.\n(٢) من قوله: فالتخفيف يكون ... إلى هنا هذا كلام أبي علي الفارسي في \"الحجة\" ٥/ ٢٧٩. وانظر: \"إعراب القراءات السبع وعللها\" لابن خالويه ٢/ ٧٨، \"الكشف\" لمكي بن أبي طالب ٢/ ١٢١.\n(٣) في (ظ)، (د)، (ع): (وحدده)، وفي (أ): (وحدّده)، وهو الموافق لما في \"تهذيب اللغة\".\n(٤) في (أ)، (ع): (وصعسها) مهملة، وفي (ظ): (وصعبتها)، وفي (د): (وصعنبها)، وهو الموافق لما في \"تهذيب اللغة\".\n(٥) \"تهذيب اللغة\" للأزهري ٢/ ٦١ (صمع)، وقوله \"ومن هذا يقال: رجل ... في ٢/ ٦٠.\n(٦) ذكره الثعلبي ٣/ ٥٣ ب عنهما. ورواه الطبري ١٧/ ١٧٥ عنهما.\nوذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ٦٠ وعزه لابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن أبي حاتم.","vol":"15","page":430},{"text":"وقال قتادة: الصوامع للصابئين (١).\nوقال مقاتل بن حيان: هي البيوت التي على الطرق (٢).\nوقوله: ﴿وَبِيَعٌ﴾ [جمع بِيعة] (٣)، وهي كنيسة النصارى في قول أهل اللغة (٤) والمفسرين (٥).\nوقوله: ﴿وَصَلَوَاتٌ﴾ قال أبو إسحاق وأبو العباس (٦). هي كنائس اليهود، وهي بالعبرانية صلوتا (٧).\nوهذا قول ابن عباس، وقتادة، والضحاك (٨)،\n_________\n(١) ذكره عنه الثعلبي ٣/ ٥٣ ب.\nورواه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ٢/ ٣٩، والطبري ١٧/ ١٧٦. وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ٦٠ وعزاه لعبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(٢) ذكره عنه ابن كثير في \"تفسيره\" ٣/ ٢٢٦.\n(٣) ما بين المعقوفين ساقط من (أ).\n(٤) انظر: (بيع) في \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٣٩، \"الصحاح\" للجوهري ٣/ ١١٨٩.\n(٥) هذا قول أبي العالية وقتادة والضحاك ومقاتل بن حيان وخصيف وغيرهم. قال ابن كثير ٣/ ٢٢٦.\nوقيل \"بيع\" كنائس اليهود، حكاه ابن جرير ١٧/ ١٧٦ والثعلبي ٣/ ٥٣ ب عن مجاهد وابن زيد.\nوأما في اللغة فإن ابن منظور قال في \"لسان العرب\" ٨/ ٢٦ (بيع): والبيعة -بالكسر- كنيسة النصارى، وقيل: كنيسة اليهود.\n(٦) قول أبي إسحاق في كتابه \"معاني القرآن\". وقول أبي العباس -ثعلب- في \"تهذيب اللغة\" للأزهري ١٢/ ٢٣٩ (صلى).\n(٧) في (أ): (صلاتا)، وهو خطأ.\n(٨) ذكره الثعلبي ٣/ ٥٣ ب عن ابن عباس والضحاك وقتادة.\nوعن ابن عباس رواه الطبري ١٧/ ١٧٦ من طريق العوفي بلفظ: الكنائس. وليس فيه تقييدها باليهود، وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ٥٩ عن ابن =","vol":"15","page":431},{"text":"ومقاتل (١).\nوقوله: ﴿وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ يعني مساجد المسلمين من أمة محمد -ﷺ- في قول ابن عباس وغيره (٢).\nوأما معنى الآية: فقال أبو إسحاق: تأويل هذا: لولا أن الله دفع بعض الناس ببعض لهُدّم في كل شريعة نبي (٣) المكان الذي يصلى فيه، فكان لولا الدفع لهدم في زمن موسى -﵇- الكنائس التي كان يصلى فيها في شريعته، وفي زمن عيسى (٤) -﵇- الصوامع والبيع، وفي زمن محمد -ﷺ- المساجد (٥).\nوقال الأزهري: أخبر الله جل ثناؤه أنه لولا دفعه الناس (٦) عن الفساد\n_________\n= عباس بلفظ: كنائس الهود. وعزاه لعبد بن حميد وابن جرير.\nوذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ٥٩ عن ابن عباس رواية أن الصلوات: كنائس النصارى. وعزاه لعبد بن حميد وابن أبي حاتم.\nوعن قتادة رواه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ٢/ ٣٩، والطبري ١٧/ ١٧٦، وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ٦٠ وعزاه لعبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم. وعن الضحاك رواه الطبري ١٧/ ١٧٦، وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ٦ وعزاه لابن أبي حاتم.\n(١) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٢٦ أ.\nوفي الصلوات قول آخر أنَّها مساجد للمسلمين وأهل الكتاب. رواه الطبري ١٧/ ١٧٧ وغيره عن مجاهد وابن زيد.\n(٢) ذكره عن ابن عباس السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ٥٩ وعزاه لعبد بن حميد وابن أبي حاتم.\n(٣) في المعاني: لهم في شريعة كل نبيّ.\n(٤) (عيسى) ساقطة من (أ).\n(٥) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٤٣١.\n(٦) في (ظ): (للناس).","vol":"15","page":432},{"text":"ببعض الناس لهدمت متعبدات كل فريق من أهل دينه وطاعته في كل زمان. فبدأ بذكر البيع لأن صلوات من تقدَّم من أنبياء بني إسرائيل وأصحابهم (١) كانت فيها قبل نزول القرآن، وأحدثت المساجد وسمّيت بهذا الاسم بدهم. فبدأ جلَّ ثناؤه بذكر الأقدم، وأخَّرَ ذكر الأحدث (٢)\nوهذا مذهب أكثر أهل التأويل في هذه الآية.\nوقال ابن زيد: الصَّلوات: صلوات أهل الإسلام تنقطع إذا دخل عليهم العدو (٣).\nوقال الأخفش: وعلى هذا فالصلوات لا تهدم، ولكن يحمل على فعل آخر كأنه قال: وتركت صلوات (٤).\nوقال أبو عبيدة: إنَّما يعني مواضع الصلوات (٥).\nوالقول هو الأول.\nوقال الحسن: يدفع عن هدم (٦) مصليات أهل الذمة بالمؤمنين (٧).\nوعلى هذا القول لا يحتاج إلى التفسير (٨) الذي ذكرنا في القول\n_________\n(١) في \"تهذيب اللغة\": وأمهم، الفرقان.\n(٢) \"تهذيب اللغة\" للأزهري ٣/ ٢٣٩.\nقال ابن كثير ٣/ ٢٢٦: وقال بعض العلماء: هذا ترق من الأقل إلى الأكثر إلى أن انتهى إلى المساجد، وهي أكثر عمارًا وأكثر عبادًا وهم ذوو القصد الصحيح.\n(٣) رواه الطبري ١٧/ ١٧٧، وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ٦٠ وعزاه لابن أبي حاتم.\n(٤) \"معاني القرآن\" للأخفش ٢/ ٦٣٦.\n(٥) \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ٢/ ٥٢ وعبارته: مجازه مصليات.\n(٦) في (أ): (هم).\n(٧) ذكره عنه الثعلبي ٥٤/ ٣ أ.\n(٨) في (د)، (ع). (تفسير).","vol":"15","page":433},{"text":"الأول، غير أن الأول (١) أولى؛ لأنهم قبل أن صاروا أهل الذمة حين كانوا على الحق كانت متعبداتهم مدفوعًا عنها، وأيضَّا فإنه يلزم أن يبدأ بدكر المساجد لفضلها، إذ بطلت البيع والكنائس في الإسلام.\nوقوله: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ أي: ينصر (٢) دينه وشريعته ونبيه.\nقال ابن عباس: يريد ينصر محمدًا -ﷺ-.\nقال مقاتل: وقد فعل، نَصر محمدًا (٣) ونَصر أهل دينه (٤).\nوقال أبو إسحاق: أي: من أقام شريعة من شرائعه نصر على إقامة ذلك (٥).\nوهذا وعد من الله بنصر من ينصر دينه وشريعته.\nوقوله ﴿إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ﴾ قال ابن عباس: على خلقه ﴿عَزِيزٌ﴾ منيع في سلطانه وقدرته (٦).\nوقال مقاتل: ﴿عَزِيزٌ﴾ في انتقامه من عدوه (٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2719>٤١ </span>- قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ﴾ ذهب بعض النحويين (٨) إلى أن هذا بدل من قوله ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾ ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ﴾\n_________\n(١) في (أ): (الأولى)، وهو خطأ.\n(٢) في (أ): (لينصر).\n(٣) في (أ): (محمد)، وهو خطأ.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ٣/ ٢٦ أ.\n(٥) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٤٣١\n(٦) انظر: الطبري ١٧/ ١٧٨، وابن كثير ٣/ ٢٢٦.\n(٧) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٢٦ أ\n(٨) انظر: \"إعراب القرآن\" للنحاس ٣/ ١٠١.","vol":"15","page":434},{"text":"﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ﴾ كل هذا من وصف قوم واحد (١).\nوعلى هذا ذكر الله تعالى المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم، ثم ذكر أنه كان ينصر في كل زمان أهل دينه، ويدفع عنهم بالغزاة، ولولا ذلك لغلب عدوهم حتى تخرب (٢) متعبداتهم، وكذا يفعل بهذه الأمة، ينصرهم حتى يأمنوا في مساجدهم وديارهم، ثم عاد إلى وصفهم فقال: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ﴾.\nوقال أبو إسحاق: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ﴾ من صفة ناصِريه (٣).\nيعني قوله ﴿مَنْ يَنْصُرُهُ﴾ وعلى هذا هو في محل النصب (٤). ومعنى ﴿مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ نصرناهم على عدوهم حتى يتمكنوا من البلاد غير مقهورين.\nوقوله: ﴿أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ\n_________\n(١) وعلى هذا القول فـ\"الذين\" في موضع خفض.\nانظر: \"إعراب القرآن\" للنحاس ٣/ ١٠١، \"الإملاء\" للعكبري ٢/ ١٤٥، \"البيان في إعراب غريب القرآن\" للأنباري ٢/ ١٧٧.\n(٢) في (ظ): (تحرب)، وفي (د): (بحرب)، وفي (ع): (نحرب).\n(٣) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٤٣١.\n(٤) انظر: \"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ١٠١، \"مشكل إعراب القرآن\" لمكي ٢/ ٤٩٤، \"البيان في غريب إعراب القرآن\" للأنباري ٢/ ١٧٧.\nوذكر أبو البقاء العكبري في \"الإملاء\" ٢/ ١٤٥ أن إعراب: \"الذين إن مكناهم\" مثل إعراب \"الذين أخرجوا\" واستظهره أبو حيان ٦/ ٣٧٦، وجوَّز ذلك السمين ٨/ ٢٨٦، ٨/ ٢٨٦ وقال: ويزيد هذا عليه -يعني: \"الذين إن مكناهم\"- بأن يجوز أن يكون بدلًا من \"من ينصره\" ذكره الزجَّاج، أي: ولينصرن الله الذين إن مكناهم في الأرض.","vol":"15","page":435},{"text":"الْمُنْكَرِ﴾ قال ابن عباس: يريد المهاجرين والأنصار والتابعين بإحسان (١).\nوقال قتادة: هم أصحاب محمد -ﷺ- (٢).\nونحو هذا قال مقاتل (٣).\nوقال محمد بن كعب: هم الولاة (٤).\nوقال أبو العالية: هم هذه الأمة (٥). وهذا قول الحسن (٦). وعكرمة: أهل الصلوات الخمس (٧).\nوهذه الآية تدل على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ إذ قرنا بالصلاة والزكاة.\nوقوله: ﴿وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ كقوله: ﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ [البقرة: ٢١٠]. والمعنى: أنه يبطل كل ملك سوى ملكه، فتصير الأمور إليه بلا منازع ولا مُدَّع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2720>٤٢ - ٤٤ </span>- ثم عزى نبيه -ﷺ- عن تكذيبهم إياه، وخوف مخالفيه بذكر من كذَّب نبيه فأُهلك (٨) بقوله: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ﴾ إلى قوله: ﴿وَكُذِّبَ مُوسَى﴾\n_________\n(١) ذكره عنه القرطبي ١٢/ ٧٣، وأبو حيان في \"البحر\" ٦/ ٣٧٦.\n(٢) ذكره عنه الثعلبى ٣/ ٥٤ أ.\n(٣) انظر: \"تفسيره\" ٣/ ٢٦ أ.\n(٤) ذكره عنه السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ٦٠ وعزاه لابن أبي حاتم.\n(٥) ذكره عنه الثعلبى ٣/ ٥٤ أ.\nوذكر السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ٦٠ عنه أنه قال: أصحاب محمد -ﷺ- وكذا ذكره ابن كثير ٣/ ٢٢٦.\n(٦) ذكره عنه الثعلبي ٣/ ٥٤ أ، والنحاس في \"معاني القرآن\" ٤/ ٤١٩.\n(٧) ذكره عنه الثعلبي ٣/ ١٥٤ أ.\n(٨) في (ظ): (وأهلك).","vol":"15","page":436},{"text":"[قال بعض أهل المعاني. إنما قال: ﴿وَكُذِّبَ مُوسَى﴾،] (١) ولم يقل: وقوم موسى كما ذكر (٢) قوم غيره من الأنبياء؛ لأن قوم موسى كانوا بني إسرائيل وهم آمنوا به، وإنما كذّبه فرعون وقومه، وغيره من الأنبياء كذَّبه قومه الذين كانوا من نسبه (٣).\nوقوله: ﴿فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ أي: أخَّرت العقوبة عنهم وأمهلتهم (٤).\nيقال: أمْلى الله لفلان في العمر، إذا أخَّر عنه أجله (٥). وأصل هذا من المَلَوين (٦).\nوذكرنا هذا عنِد قوله ﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ [مريم: ٤٦].\nوقوله: ﴿ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ﴾ أي: بالعذاب.\nقال ابن عباس: يريد: فعذبتهم (٧).\n﴿فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ استفهام معناه التقرير، والنكير اسم من الإنكار. يقول: كيف أنكرت عليهم بالعقوبة. ألم أبدلهم بالنعمة نقمة،\n_________\n(١) ما بين المعقوفين ساقط من (ط).\n(٢) في (أ): (ذكره).\n(٣) ذكر القرطبي ١٢/ ٧٣ وأبو حيان ٦/ ٣٧٦ هذا المعنى، ولم ينسباه لأحد.\n(٤) انظر الطبري ١٧/ ١٧٩، والثعلبي ٣/ ٥٤ أ.\n(٥) انظر: \"تهذيب اللغة\" للأزهري ١٥/ ٤٠٥ (ملا)، \"الصحاح\" للجوهري ٦/ ٢٤٩٧ (ملا).\n(٦) الملوان: اللفعل والنهار، أو طرفاهما. انظر: \"الصحاح\" للجوهري ٦/ ٢٤٩، (ملا)، و\"لسان العرب\" لابن منظور ١٥/ ٢٩١ \"ملا\".\n(٧) في (أ): (تعذيبهم).","vol":"15","page":437},{"text":"وبالكثرة (١) قلة، وبالحياة هلاكًا، وبالعمارة خرابًا؟ (٢).\nوقال أبو إسحاق: أي: ثم أخذتهم، فأنكرت أبلغ إنكار (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2721>٤٥ </span>- ﴿فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ﴾ (٤) أي: وكم من قرية. ومعنى وكم من قرية: عدد كثير (٥). يعني القرى المهلكة بظلم أهلها حين كذبوا نبيهم. وذكرنا الكلام في \"كأين\" في سورة آل عمران (٦).\nوقوله (٧): \"أهلكتها\" وقرئ \"أهلكناها\" (٨) والاختيار التاء؛ لقوله ﴿فَأَمْلَيْتُ﴾ ﴿ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ﴾ (٩). ومن قرأ بالنون ذهب إلى أمثاله مما ذكر بلفظ الجمع كقوله: ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ﴾ [الأنبياء: ١١] و﴿وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا﴾ [الأعراف: ٤] و﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ﴾ [يونس: ١٣] (١٠).\n_________\n(١) في (ج): (والكثرة).\n(٢) هذا كلام الطبري ١٧/ ١٧٩ مع تصرف.\n(٣) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٤٣١.\n(٤) في (أ)، (ظ)، (د): (وكأيّن)، وهو خطأ.\n(٥) هذا من كلام الزجاج. انظر: \"معاني القرآن\" ٣/ ٤٣١.\n(٦) عند قوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ [آل عمران: ١٤٦].\n(٧) (وقوله): ليست في (أ).\n(٨) قرأ أبو عمرو: \"أهلكتها\" بالتاء مضمومة من غير ألف على لفظ التوحيد، وقرأ الباقون: \"أهلكناها\" بالنّون بلفظ الجمع.\nانظر: \"السبعة\" ص ٤٣٨، \"التبصرة\" ص ٢٦٧، \"التيسير\" ص ١٥٧.\n(٩) قال مكي في الكشف ٢/ ١٢١ - ١٢٢: وحجة من قرأ بالتاء أنه حمله على لفظ التوحيد الذي أتى بالتاء قبله وهو قوله: \"فأمليت للكافرين ثم أخذتهم\"، وحمله أيضًا على لفظ التوحيد بعده في قوله: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ [الحج: ٤٨] فكان حيل الكلام على ما قبله وما بعده أحسن وأليق.\n(١٠) هذا كلام أبي علي في \"الحجة\" ٥/ ٢٨١ - ٢٨٢ مع تصرف. =","vol":"15","page":438},{"text":"وقوله: ﴿وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾ أي: أهلها ظالمون بالتكذيب والكفر ﴿فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ مضى تفسيره مستقصى في سورة البقرة (١).\nوقوله: ﴿وَبِئْرٍ﴾ ذكر الفراء في كسره ثلاثة أوجه:\nأحدها: العطف على العروش (٢).\nوالثاني: الإتباع كقراءة من قرأ ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ [الواقعة: ٢٢] بالخفض.\nالثالث: العطف على ﴿مِنْ قَرْيَةٍ﴾ (٣).\nوهذا هو المختار (٤)، والأولان خلفٌ (٥)؛ لأن المعنى وكم من بئر معطلة وقصر مشيد تركوها بعد إهلاكهم (٦).\nقوله تعالى: ﴿مُعَطَّلَةٍ﴾ أي: متروكة من العمل والاستقاء. ومعنى\n_________\n= قال مكي في \"الكشف\" ٢/ ١٢٢. وحجة من قرأ بلفظ الجمع أنه أفخم، وفيه معنى التعظيم، وبه جاء القرآن في مواضع.\nوانظر \"حجة القراءات\" لابن زنجلة ص ٤٨٠.\n(١) انظر: \"البسيط\" عند قوله تعالى: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ [البقرة: ٢٥٩].\n(٢) قال أبو حبان ٦/ ٣٧٧: وجعل \"وبئر معطلة وقصر مشيد\" معطوفين على \"عروشها\" جهل بالفصاحة، وقال السمين الحلبي ٨/ ٢٨٧ عن هذا القول، وليس بشيء. وكذا قال الألوسي ١٧/ ١٦٦.\n(٣) انظر كلام الفراء في \"معاني القرآن\" ٢/ ٢٢٨.\n(٤) وقال عنه السمين الحلبي ٨/ ٢٨٧، هذا هو الوجه. وانظر: \"إعراب القرآن\" للنحاس ٣/ ١٠٢، \"البحر المحيط\" ٦/ ٣٧٧.\n(٥) أي خطأ. قال الجوهري: الخلف: الرديء من القول. يقال سكت ألفًا وتكلم خلفًا، أي: سكت عن ألف كلمة ثم تكلم بخطأ. الصحاح ٤/ ١٣٥٤ (خلف).\n(٦) في (ط)، (د)، (ع): (هلاكهم).","vol":"15","page":439},{"text":"التعطيل: الترك من العمل. قال الليث: وإذا (١) ترك الثغر بلا حام يحميه فقد عطل، وبئر معطلة: لا يستقى منها، ولا ينتفع بمائها (٢).\nقال المبرد: والمعطل: المتروك على هيئته، وأصله مأخوذ من العطل، وهو: الجسم. وكأنها متروكة كما هي (٣).\nقل ابن عباس: يريد: بئر لا يستقى منها (٤).\nقوله: ﴿وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ فيه قولان:\nأحدهما: أنه بمعنى المشيَّد، وهو المطول (٥) المرفوع، وذكرنا ذلك في قوله: ﴿بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء: ٧٨]. وهو قول قتادة، والضحاك، ومقاتل (٦).\nوالثاني: أنه المجصص يقال: شاده يشيده، إذا بناه بالشِّيد وهو\n_________\n(١) في (أ): (فإذا)، وفي (د)، (ع): (إذا)، والمثبت من (ظ) وهو الموافق لما في \"تهذيب اللغة\".\n(٢) \"تهذيب اللغة\" للأزهري ٢/ ١٦٦ (عطل) نقلا عن الليث. وفي \"العين\" ٢/ ٩ (عطل): وبئر معطلة: أي لا تورد ولا يستقى منها.\n(٣) لم أجد من ذكره عنه.\n(٤) روى الطبري ١٧/ ١٨٠ عن ابن عباس \"وبئر معطلة\" قال: التي قد تركت وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ٦١ وعزاه لابن جرير وابن المنذر.\n(٥) في (أ): (المطلول)، وهو خطأ.\n(٦) ذكره الثعلبي ٣/ ٥٤ أعنهم جميعًا.\nوعن قتادة رواه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٤٠، والطبري ١٧/ ١٨١ بلفظ: كان أهله شيدوه وحصنوه.\nوعن الضحاك رواه الطبري ١٧/ ١٨١ بلفظ: طويل.\nوهو في \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٢٦ ب.","vol":"15","page":440},{"text":"الجص والنورة (١) وأنشد أبو عبيدة (٢) لعدي بن زيد:\nشماده مرمرًا وجلله كِلْسًا ... فللطير في ذراه وكور (٣)\nوقال أبو إسحاق: أصل الشيد: الجص والنورة، وكل ما بني بهما أو\n_________\n(١) انظر: \"تهذيب اللغة\" للأزهري ١١/ ٣٩٤ (شاد)، \"الصحاح\" للجوهري ٢/ ٤٩٥ \"شيد\"، \"لسان العرب\" ٣/ ٢٤٤ (شيد).\nوالنورة بالضم: الهناءُ، وهو من الحجر يُحرق ويسوّى منه الكلس. \"لسان العرب\" ٥/ ٢٤٤ \"نور\"، \"تاج العروس\" للزبيدي ١٤/ ٣٠٦ \"نور\".\n(٢) في (د)، (ع): (أبو عبيد)، والصواب ما في (أ)، (ظ).\n(٣) البيت أنشده أبو عبيدة لعدي بن زيد في كتابه \"مجاز القرآن\" ٢/ ٥٣. وهو في ديوان عدي بن زيد ص ٨٨، \"الشعر والشعراء\" لابن قتيبة ص ١٣، \"غريب القرآن\" لابن قتيبة ص ٢٩٤، \"الكامل\" ١/ ٩٠، والطبري ١٧/ ١٨٢، \"الجمهرة\" لابن دريد ٣/ ٤٥ \"كلس\"، \"لسان العرب\" ٦/ ١٩٧ \"كلس\". والرواية عندهم \"جلله\" إلا الديوان والجمهرة فإن الرواية فيهما: \"خلله\"، ثم قال ابن دريد بعد روايته للبيت:\nهكذا رواه الأصمعي بالخاء معجمة، وقال: ليس جلله -بالجيم- بشيء -وروى غيره بالجيم- وقال الأصمعي: إنَّما هو \"خلله\" أي: صير الكلس في خلل الحجارة، وكان يضحك من هذا ويقول: متى رأوا حصنًا مصهرجًا.\nالمرمر: الرخام. \"الصحاح\" للجوهري ٢/ ٨١٤ (مرر).\nو\"الكلس\" -بالكسر-: ما طلبي به حائط أو باطن قصر شبه الجص من غير آجر، وقيل هو الصاروج -يعني النورة وأخلاطها التي تطلى بها النزل، فارسي معرب- أو مثل الصاروج.\nانظر: \"لسان العرب\" ٦/ ١٩٧ (كلس)، ٢/ ٣١٠ (صرج)، \"تاج العروس\" للزبيدي ١٦/ ٤٤٨ (كلس).\n(ذراه): أعلاه. الصحاح للجوهري ٦/ ٢٣٤٥ (ذرا).\n(كُور): جميع وكر، وهو العش. \"لسان العرب\" ٥/ ٢٥٢ \"وكر\".","vol":"15","page":441},{"text":"بأحدهما فهو مَشِيد (١) بفتح الميم وكسر الشين.\nوهذا قول عطاء، وعكرمة، وأبي صالح، والسّدي، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وأكثر المفسرين (٢).\nومن المفسرين من يخصص البئر المذكورة في هذه الآية -وهو قول الضحاك، والسدي- قالا: كانت هذه البئر باليمن (٣).\nوليس بالوجه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2722>٤٦ </span>- ثم حث على الاعتبار بحال من مضى من الأمم المكذبة فقال: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ قال ابن عباس: يريد: أفلم يسر قومك في أرض\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٤٣٢. وقوله: \"بفتح الميم وكسر الشين\" هذا من كلام الواحدي.\n(٢) ذكره الثعلبي ٣/ ٥٤ أعن عطاء وعكرمة ومجاهد وسعيد بن جبير.\nورواه عن هؤلاء الأربعة الطبري ١٧/ ١٨٠ - ١٨١.\nورواه عن عطاء وعكرمة عبد الرزاق في \"تفسيره\" ٢/ ٣٩.\nولم أجده من ذكره عن أبي صالح والسدي.\nقال ابن كثير ٣/ ٢٢٧ بعد ذكره للأقوال: والأقوال متقاربة، ولا منافاة بينهما، فإنه لم يحمل أهله شدة بنائه ولا ارتفاعه ولا إحكامه ولا حصانته عن حلول بأس الله بهم كما قال تعالى: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء: ٧٨].\nوقال العلامة عبد الرحمن بن سعدي في \"تيسير الكريم الرحمن\" ٣/ ٣٢٧ - ٣٢٨: وكم من قصر تعب عليه أهله، فشيدوه ورفعوه وحصنوه وزخرفوه، فحين جاءهم الأمر لم يغن عنهم شيئا، وأصبح خاليًا من أهله.\n(٣) ذكره الثعلبي ٥٤/ ٣ أعن الضّحاك. وذكر فيها قصّة.\nوذكره القرطبي ١٢/ ٧٥ عن الضحاك وغيره، وساق عنه قصّة طويلها في خبر هذه البتر وأصحابها. الله أعلم بصحة هذا الخبر.","vol":"15","page":442},{"text":"الشام وأرض اليمن ﴿فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾ أي يعلمون بها مدلول ما يرون من العبر.\n(والمعنى: أفلم يسيروا فيعقلوا بقلوبهم ما نزل بمن كذب قبلهم. والتأويل: فتكون لهم قلوبٌ عاقلة [عالمة؛ لأن قوله) (١) ﴿يَعْقِلُونَ بِهَا﴾ صفة للنكرة، وقبل أن يسيروا لهم قلوب ولكن غير عاقلة، فإذا ساروا واعتبروا كانت لهم قلوب عاقلة] (٢) وعلى هذا النحو قوله ﴿أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا﴾.\nقال ابن عباس: يريد من يسمع فلم يجب فلم يسمع.\nيعني أنهم غير سامعين إذا صمُّوا عن دعائك، أفلا يسيرون فيسمعوا (٣) أخبار الأمم المكذبة فيعتبروا.\nقال ابن قتيبة -في هذه الآية والتي قبلها-: وهل شيء أبلغ في العظة والعبرة من هذه الآية؟ لأن الله تعالى أراد (٤): أفلم يسيروا في الأرض، فينظروا إلى آثار قوم أهلكهم الله بالعتو، وأبادهم بالمعصية، فيروا من تلك الآثار بيوتًا خاوية قد سقطت على عروشها، وبئرًا لشُرب أهلها قد عُطّلت (٥) (٦)، وقصرًا بناه ملكها (٧) بالشيد قد خلا من السكن وتداعى\n_________\n(١) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٢) ما بين المعقوفين ساقط من (ظ).\n(٣) في (أ): (فيسمعون)، وهو خطأ.\n(٤) (أراد): موضعه بياض في (ظ).\n(٥) في (أ): (غلطت)، وهو خطأ.\n(٦) العبارة عند ابن قتيبة: وبئرًا كانت لشُرب أهلها قد عطل رشاؤها وغار معينها، وقصرًا.\n(٧) عند ابن قتيبة: ملكه.","vol":"15","page":443},{"text":"بالخراب؛ فيتعظوا بذلك، ويخافوا من عقوبة الله وبأسه، مثل الذي (١) نزل بهم. ونحو هذا قوله ﴿فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾ [الأحقاف: ٢٥]. انتهى كلامه (٢).\nثم ذكر الله تعالى أنَّ (٣) أبصارهم الظاهرة لم تعم عن النظر، وإنما عميت أبصار (٤) قلوبهم فقال: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ﴾.\nقال الفراء: الهاء هاء عماد يوفى (٥) بها \"إنَّ\" ويجوز مكانها \"إنَّه\"، وكذلك هي في قراءة عبد الله (٦).\nوقال غيره: هي إضمار على شريطة التفسير. والمعنى: فإنَّ الأبْصار لا تعمى. ويجوز أن تكون الهاء لإضمار القصة. وذكرنا هذه الأقوال مشروحة في تفسير قوله ﴿فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنبياء: ٩٧].\nوقوله: ﴿الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ ذكر الفراء وأبو إسحاق (٧): أن هذا من التوكيد الذي تزيده العرب في الكلام، كقوله ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٦]. وقوله: ﴿يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٧]، وقوله ﴿يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ [الأنعام: ٣٨]. والتوكيد جار في الكلام مبالغ في الإفهام.\nوقال غيرهما: هذا التوكيد فائدته أنه يمنع من ذهاب الوهم إلى غير\n_________\n(١) (الذي): ساقطة من (أ).\n(٢) \"مشكل القرآن\" لابن قتيبة ص ١٠.\n(٣) (أن): ساقطة من (أ).\n(٤) (أبصار): ساقطة من (أ).\n(٥) عند الفراء. تُوَفّى.\n(٦) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٢٨.\n(٧) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٢٨، و\"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٤٣٢.","vol":"15","page":444},{"text":"معنى القلب المعروف، لأنَّه قد يذهب إلى أنَّ فيه اشتراكًا كقلب النَّخلة، فإذا (١) أكد كان أنس للبس بتجويز الاشتراك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2723>٤٧ </span>- قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ﴾ قال ابن عباس: كانوا يقولون للنبي -ﷺ-: ائتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين، فأنزل الله هذه الآية (٢).\nوالمعنى: يسألونك أن تأتي بعذابهم عاجلًا غير مؤخّر.\nوقوله: ﴿وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ أي: في أن ينزل بهم العذاب (٣) في الدنيا. قاله الفراء (٤).\nوقال ابن عبَّاس: يريد بهذا يوم بدر (٥).\nقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ قال مجاهد وعكرمة وابن زيد: هو من أيَّام الآخرة (٦).\nويدل على هذا ما روي في الحديث: \"أن الفقراء يدخلون الجنة قبل\n_________\n(١) في (أ): (وإذا).\n(٢) في \"تنوير المقباس\" ص ٢٠٩: (استعجله النضر بن الحارث قبل أجله. وذكر الثعلبي ٣/ ٥٤ ب، والبغوي ٥/ ٣٩١، والقرطبي ١٢/ ٨٨ أنها نزلت في النضر بن الحارث. ذكروا ذلك من غير سند ولا نسبة لأحد.\nقال القرطبي: وقيل نزلت في أبي جهل بن هشام.\nوجميع ما ذكر لا يثبت بمثله سبب في نزول الآية، والله أعلم.\n(٣) في (د)، (ع): (في نزول العذاب بهم).\n(٤) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٢٩.\n(٥) ذكر هذا القول الثعلبي ٥٤٣ ب ولم ينسبه لأحد.\n(٦) ذكره الثعلبي ٣/ ٥٤ ب عن مجاهد وعكرمة، ورواه عنهما الطبري في \"تفسيره\" ١٧/ ١٨٣. وذكره البغوي ٥/ ٣٩٢ عن ابن زيد.","vol":"15","page":445},{"text":"الأغنياء بنصف يوم: خمس مائة عام\" (١).\nوعلى هذا معنى الآية أنَّهم يستعجلون بالعذاب (٢) وإنّ يومًا من أيّام عذابهم في الآخرة ألف سنة.\nقال الفراء: ففي هذه الآية وعبد لهم بالعذاب في الدنيا والآخرة (٣)\nوقال (٤) أبو إسحاق: الذي تدل عليه الآية (٥) أنهم استعجلوا العذاب، فأعلم الله أنه لا يفوته شيء، وأن يومًا عنده وألف سنة في قدرته واحد، ولا فرق بين وقوع ما يستعلجون به (٦) من العذاب وتأخره في القدرة، إلا أنَّ الله تفضَّل بالإمهال، فالفرق بين التأخير والتقديم تفضل الله بالنَّظرة (٧) (٨).\nوهذا الذي ذكره معنى قول ابن عباس في رواية عطاء (٩).\n_________\n(١) رواه الإمام أحمد في \"مسنده\" ٢/ ٣٤٣، والترمذي في \"جامعه\" (أبواب الزهد - باب ما جاء أن فقراء المهاجرين يدخلون الجنة قبل أغنيائهم ٧/ ٢١ - ٢٣) من حديث أبي هريرة ﵁.\nقال المنذري: ورواته محتج بهم في الصحيح.\nوقال ابن القيم في \"حادي الأرواح\" ص ١١٠: (ورجال إسناده احتج بهم مسلم في \"صحيحه\".\n(٢) في جميع النسخ: يستعلجون العذاب إنّ. والتصويب من \"الوسيط\" للواحدي ٣/ ٢٧٥.\n(٣) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٢٩ بمعناه.\n(٤) في (أ): (قال).\n(٥) في (ظ): (الآخرة)، وهو خطأ.\n(٦) به: ساقطة من (أ).\n(٧) في (أ): (بالنظر).\n(٨) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٤٣٣ مع اختلاف يسير.\n(٩) ذكر البغوي ٥/ ٣٩٢ أن هذا معنى قول ابن عباس في رواية عطاء.","vol":"15","page":446},{"text":"والمعنى: إنَّ يومًا عنده في الإمهال وألف سنة سواء؛ لأنَّه قادرٌ عليهم متى شاء (١) أخذهم. وقد كشف أبو إسحاق عن هذا بأبلغ بيان (٢).\nوذُكر وجه ثالث (٣) في تفسير هذه الآية وهو: أنَّ المعنى: وإنَّ يومًا عند ربك من أيَّام عذابهم في الآخرة كألف سنة في الثِّقل والاستطالة، فكيف يستعجلون بالعذاب لولا جهالتهم.\nوهذا الوجه لأصحاب المعاني، ذكره الأخفش وغيره (٤).\nقال أبو علي: وقد جاء في كلامهم وصف اليوم ذي الشدائد والجهد بالطول، وجاء وصف (٥) خلافه بالقصر. أنشد أبو زيد (٦):\nتطاولت أيام معن بنا ... فيومٌ كشهرين إذ يُسْتَهل (٧)\nوقال آخر:\nيطول اليوم لا ألْقاك فيه ... وحَوْلٌ (٨) نلتقي فيه (٩) قصير (١٠)\n_________\n(١) في (أ): (متى ما شاء).\n(٢) (بيان): ساقطة من (ظ).\n(٣) هكذا في (ظ)، (د)، (ع). وفي (أ): (وذكر وجهًا ثالثًا)، فيعود على أبي إسحاق. والصواب ما أثبتنا؛ لأنه أبا إسحاق لم يذكر هذا الوجه، ولقول الواحدي بعد ذلك: وهذا الوجه لأصحاب المعاني ..\n(٤) انظر: \"معاني القرآن\" للأخفش ٢/ ٦٣٨. وقد ذكر هذا الوجه الثعلبي ٣/ ٥٤ ب وعزاه لأهل المعاني.\n(٥) في (ظ): (وجه)، وهو خطأ.\n(٦) البيت ذكره أبو علي في \"الحجة\" ٥/ ٢٨٣ من إنشاد أبي زيد ومن غير نسبة لأحد، ولم أهتد لقائله.\n(٧) في (أ): (يسهل).\n(٨) في \"الحجة\": ويوم.\n(٩) في (ظ)، (د). (ع)، (حول).\n(١٠) البيت في \"الحجة\" ٥/ ٢٨٣ من غير نسبة لأحد.","vol":"15","page":447},{"text":"وقال جرير:\nويومٌ كإبْهام الحُبارى لَهَوتُه (١) (٢)\nوهذا كما يقال: أيّام الهُموم طوال، وأيام السرور قصار (٣).\nفهذه أوجه ثلاثة (٤) في تأويل هذه الآية.\nوروي عن ابن عباس أنه قال -في قوله ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ﴾ الآية: هو من الأيَّام التي خلق الله فيها السَّموات والأرض (٥).\nوهذا لا يتوجّه في معنى الآية؛ لأن تلك الأيام قد مضت، إلا أن يُحمل على أن (٦) المراد أنّ أيّام الآخرة بمقدار هذه المدة فيعود المعنى إلى القول الأول.\nروى (٧) ابن أبي مليكة: أنّ ابن عباس سئل عن هذا وعن قوله (٨) ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: ٤] فقال: يومان ذكرهما الله\n_________\n(١) هذا الشطر من البيت لم أجده في \"ديوانه\"، وهو في \"الحجة\" ٥/ ٢٨٣ من غير نسبة.\nوإبهام الحُبارى يضرب به المثل، فقال: أقصر من إبهام الحبارى. انظر مجمع الأمثال للميداني ٢/ ٥٣٦.\n(٢) قول أبي علي، والأبيات في \"الحجة\" ٥/ ٢٨٣.\n(٣) قوله: وهذا كما يقال ... هذا كلام الثعلبي في \"الكشف والبيان\" ٣/ ٥٤ ب.\n(٤) في (ظ): (ثلاث)، وهو خطأ.\n(٥) رواه الطبري ١٧/ ١٧٣، وابن أبي حاتم (كما في تفسير ابن كثير ٣/ ٢٢٨). وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ٦٢ وعزاه لعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(٦) أن: ساقطة من (ظ).\n(٧) في (ظ): (وروى).\n(٨) في (ظ): (وعن قوله يوم كان ...)، وفي (د)، (ع): (وعن قوله كان مقداره ...).","vol":"15","page":448},{"text":"تعالى في كتابه أكره أنْ أقول في كتاب الله ما لا (١) أعلم (٢).\nوقرئ \"مما يعدّون\" و\"تعدّون\" (٣). فمن قرأ بالياء فوجهه قوله ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ﴾ فيكون الكلام من وجه واحد، ومن قرأ بالتاء فوجهه أنه أعمّ، ألا ترى أنه يجوز أن يُعنى به المستعجلون وغيرهم من المسلمين (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2724>٤٨ - ٥١ </span>- ثم أعلم الله أنه قد أخذ قومًا بعد الإملاء والتأخير فقال: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا﴾ الآية وهي مفسرة فيما سبق قبيل. وما بعدها ظاهر التفسير إلى قوله ﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا﴾ أي: عملوا في إبطالها ﴿مُعَاجِزِينَ﴾ قال ابن عباس: مشاقين معاندين مغالبين (٥).\nوقال الأخفش: مسابقين (٦).\nومعنى المعاجزة في اللغة: محاولة عجز المغالب (٧).\nقال أبو أسحاق وأبو علي: ﴿مُعَاجِزِينَ﴾ ظانين ومُقدرين أن\n_________\n(١) في (ظ): (مما لا أعلم)، وفي (د)، (ع): (بما لا أعلم).\n(٢) رواه عبد الرزاق ٢/ ١٠٨، والطبري ٢٩/ ٧٢.\nوذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ٥٣٧ وعزاه لعبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم، وابن الأنباري في المصاحف والحاكم.\n(٣) قرأ ابن كثير، وحمزة، والكسائي: \"مما يعدون\" بالياء. وقرأ الباقون بالتاء. \"السبعة\" ص ٤٣٩، \"التبصرة\" ص ٢٦٧، \"التيسير\" ص ١٥٨.\n(٤) \"الحجة\" لأبي علي الفارسي ٥/ ٢٨٣ مع اختلاف يسير. وانظرة \"حجة القراءات\" لابن زنجلة ص ٤٨٠، \"الكشف\" لمكي بن أبي طالب ٢/ ١٢٢.\n(٥) ذكره عنه الثعلبي ٣/ ٥٤ ب دون قوله معاندين.\nورواه الطبري ١٧/ ١٨٥ بلفظ: مشاقين.\n(٦) ذكره عنه الثعلبي ٥٤٣ ب.\n(٧) انظر: \"عجز\" في: \"تهذيب اللغة\" للأزهري ١/ ٣٤٠، \"لسان العرب\" ٥/ ٣٦٩ - ٣٧٠.","vol":"15","page":449},{"text":"يعجزوننا (١)، لأنهم ظنوا أن لا بعث ولا نشور، وأنه لا جنة ولا نار (٢)\nوهذا معنى قول قتادة: ظنوا أنهم يعجزون الله فلا يقدر عليه، ولن يعجزوه (٣). وهذا [في المعنى] (٤) كقوله: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا﴾ [العنكبوت: ٤].\nومن قرأ \"مُعجِّزين\" (٥) فالمعنى أنهم كانوا يُعجزون من اتبع النبي -ﷺ-، أي: ينسبونهم إلى العجز، كقولهم: جهلته وفسقته. وهذه قراءة مجاهد، وزعم (٦) في تفسير معجزين: مثبطين، أي: يئبطون الناس عن الإيمان بالنبي -ﷺ- (٧) (٨).\n_________\n(١) في (أ): (يعجزونا).\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٤٣٣، \"الحجة\" للفارسي ٥/ ٢٨٤.\n(٣) ذكره بهذا اللفظ الثعلبي ٣/ ٥٤ ب. وقد رواه عبد الرزاق ٢/ ٤٠، والطبري ١٧/ ١٨٥ دون قوله: فلا يقدر عليهم. وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ٦٤ وعزاه لعبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(٤) ما بين المعقوفين ساقط من (ع).\n(٥) قرأ ابن كثير، وأبو عمرو: \"معجِّزين\" بتشديد الجيم من غير ألف. وقرأ الباقون: \"معاجزين\" بألف بعد العين وتخفيف الجيم. \"السبعة\" ص ٤٣٩، \"التبصرة\" ص ٢٦٧، \"التيسير\" ص ١٥٨.\n(٦) في \"الحجة\": وزعموا أن مجاهدًا فسَّر.\n(٧) تفسير مجاهد رواه الطبري ١٧/ ١٧٨٦: مبطئين، يبطئون الناس عن اتباع النبي -ﷺ-. وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ٦٤ مثل لفظ الطبري وعزاه لابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(٨) من قوله: وهذا في المعنى .. إلى هنا. هذا كلام أبي علي في \"الحجة\" ٥/ ٢٨٤ مع تصرّف.\nوانظر أيضًا في توجيه القراءة: \"علل القراءات\" للأزهري ٢/ ٤٢٨ - ٤٢٩، \"حجة القراءات\" لابن زنجلة ص ٤٨١، \"الكشف\" لمكي بن أبي طالب ٢/ ١٢٣.","vol":"15","page":450},{"text":"وعلى هذا ليس المراد بالتعجيز النسبة إلى العجز، والمراد به طلب عجزهم (١) وجعلهم عاجزين بالتثبيط وأسبابه؛ كي يعجزوا فلا يؤمنوا.\nثم أخبر عن هؤلاء أنّهم أصحاب النار بقوله: ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2725>٥٢ </span>- قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾ الرسول: الذي أرسل إلى الخلق بإرسال جبريل إليه عيانًا، ومحاورته إيَّاه (٢) شفاهًا. والنبي: الذي (٣) تكون نبوته إلهامًا أو منامًا. فكلّ رسول نبيّ، وليس كل نبي رسولًا (٤).\n_________\n(١) أي: عجزهم الناس.\n(٢) في (أ): (ومجاورته إياها)، وهو خطأ.\n(٣) في (ظ): (التي).\n(٤) هذا كلام الثعلبي في \"الكشف والبيان\" ٣/ ٥٥ أمع اختلاف يسير. وقد اختلف في الفرق بين الرسول والنبي على أقوال:\nأحدها: ما ذكره المؤلف.\nالثاني: أن النبي الرسول هو من أنزل عليه كتاب وشرع مستقل يدعو الناس إليه، والنبي المرسل -الذي هو غير الرسول- هو من لم ينزل عليه كتاب وإنما أوحي إليه أن يدعو الناس إلى شريعة رسول قبله، كأنبياء بني إسرائيل الذين كانوا يرسلون ويؤمرون بالعمل بما في التوراة كما قال تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا﴾ [المائدة: ٤٤].\nالثالث: أن الرسول هو الذي أرسله الله تعالى، وهو مأمور بدعوة الخلق وتبليغهم رسالات ربه، والنبي هو المنبأ عن الله، فالله ينبئه بالغيب، وهو ينبئ الناس بالغيب. وقريب من هذا القول قول من قال: النبي هو من أوحي إليه وحي ولم يؤمر بتبليغه، والرسول هو النبي الذي أوحي إليه وأمر بتبليغ ما أوحي إليه.\nوهذا الأخير أضعف الأقوال، قال الشنقيطي ٥/ ٧٣٥ معللًا عدم صحة هذا القول-: لأن قوله ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾ الآيه يدل على أن=","vol":"15","page":451},{"text":"وهذا معنى قول الفراء: الرسول: النبي المرسل، والنبي: المحدَّث (١) الذي لم يرسل (٢).\nقوله: ﴿إِلَّا إِذَا تَمَنَّى﴾ قال ابن عباس -في رواية عطاء- إلا إذا قرأ (٣) وهذا معنى قول المفسرين: تلا (٤) وقال مجاهد: إذا قال (٥).\nوذكرنا التَّمنّي بمعنى التلاوة والقراءة مستقصى بذكر الحجج (٦) في سورة البقرة عند قوله: ﴿إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ [البقرة: ٧٨].\nقوله: ﴿أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ أي: تلاوته.\nقال المفسرون -بألفاظ مختلفة ومعاني متفقة-: إنَّ رسول الله -ﷺ- كان حريصًا على إيمان قومه أشد الحرص، فجلس يومًا في ناد من أنديتهم (٧)، وقرأ عليهم سورة النجم (٨)، فلما أتى على قوله ﴿أَفَرَأَيْتُمُ\n_________\n= كلًا منهما مرسل، وأنهما مع ذلك بينهما تغاير.\nوانظر: \"النكت والعيون\" للماوردي ٤/ ٣٦، \"تفسير الرازي\" ٢٣/ ٤٦، \"فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية\" ١٨/ ٧، \"روح المعاني\" للألوسي ١٧/ ١٧٢ - ١٧٣، \"أضواء البيان\" للشنقيطي ٥/ ٧٣٥.\n(١) المحدث: هو الملهم. \"لسان العرب\" ٢/ ١٣٤ (حدث).\n(٢) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٢٩.\nوقوله عن النبي أنه الذي لم يرسل يردُّه كما تقدم قوله ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾ الآية.\n(٣) روى البخاري في \"صحيحه\" ٨/ ٤٣٨ تعليقًا، والطبري في \"تفسيره\" ١٧/ ١٩٠ من طريق علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله (إذا تمنى) إذا حدث.\n(٤) انظر: الطبري ١٧/ ١٩٠، الثعلبي ٣/ ٥٥ أ، \"الدر المنثور\" ٦/ ٦٩.\n(٥) رواه الطبري ١٧/ ١٩٠.\n(٦) في جميع النسخ: (الحج)، والصواب ما أثبتناه.\n(٧) في (أ): (أيديهم)، وهو خطأ.\n(٨) في (د)، (ع): (سورة والنجم).","vol":"15","page":452},{"text":"اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ [النجم: ١٩، ٢٠] ألقى الشيطان في أمنيته حتى وصل به \"تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجي\" ثم قرأ السورة كلها حتى بلغ آخرها، فسجد رسول الله -ﷺ-، وسجد أصحابه معه، وسجد المشركون لذكره (١) آلهتهم، وفرحوا بذلك، وقالوا: قد ذكر محمد آلهتنا بأحسن الذكر، فأتاه (٢) جبريل -﵇-، وأخبره بما جرى من الغلط على لسانه، وقال: معاذ الله أن أكون أقرأتك هذا. فاشتد ذلك على رسول الله -ﷺ-، فأنزل الله هذه الآية، ونسخ ما ألقى الشيطان على لسانه، فقال المشركون: قد ندم محمد على ما ذكر من منزلة آلهتنا عند الله، وازدادوا شرًّا إلى ما كانوا عليه، وأما المؤمنون فقالوا -حين نسخ الأولى-: آمنا بما قال محمد -ﷺ-، وهذا قول ابن عباس (٣)،\n_________\n(١) في (أ): (لذكر).\n(٢) في (د)، (ع): (فأتى).\n(٣) ورد هذا القول عن ابن عباس من طرق، وكلها لا تخلو من مقال.\nالطريق الأول: طريق سعيد بن جبير، عن ابن عباس: رواه أبو بكر البزار في \"مسنده\" (كما في \"كشف الأستار عن زوائد البزار\" للهيثمي ٣/ ٧٢)، والطبراني في \"الكبير\" ١٢/ ٥٣ من طريق أميَّة بن خالد، عن شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس -فيما أحسب، أشك في الحديث-: إن النبي -ﷺ- كان بمكة، فقرأ سورة النجم حتى انتهى إلى قوله: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ فجرى على لسانه -وفي رواية الطبراني: ألقى الشيطان على لسانه- تلك الغرانيق العلي فذكره بنحوه مختصرًا.\nثم قال البزار: لا نعلمه يروى بإسناد متصل يجوز ذكره إلا بهذا الإسناد، وأميّة بن خالد ثقة مشهور، وإنما يعرف هذا من حديث الكلبي عن أبي صالح، عن ابن عباس. اهـ.","vol":"15","page":453},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= قال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" ٧/ ١١٥: رواه البزار والطبراني ... ورجالهما رجال الصحيح.\nوذكره السيوطي في \"الدر\" ٦/ ٦٥ وزاد نسبته لابن مردويه، وقال: بسند رجاله ثقات.\nوتعقَّب الألباني في \"نصب المجانيق\" ص ٦، قول السيوطي: \"بسند رجاله ثقات\"، فقال ذلك يوهم أنَّه ليس بمعلول، وهذا خلاف الواقع، فإنَّه معلول بتردَّد الراوي في وصله. اهـ.\nوذكر ابن كثير في \"تفسيره\" ٣/ ٢٢٩ رواية البزار، وقبل أن يسوقها قال: ولم أرها -يعني قصة الغرانيق- مسندة من وجه صحيح.\nوجاءت هذه الرواية عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس دون شك من الراوي في وصله، رواها ابن مردويه في \"تفسيره\" (كما في تخريج \"أحاديث الكشاف\" للزيلعي ٢/ ٣٩٤، من طريق أبي بكر محمد بن علي المقرئ البغدادي، ثنا عثمان بن الطيالسي، ثنا إبراهيم بن محمد بن عرعرة، ثنا أبو عاصم النبيل، ثنا عثمان بن الأسود، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: أن رسول الله -ﷺ- قرأ. فساق الحديث. قال الألباني في \"نصب المجانيق\" ص ٨ - ٩: (وهذا إسناد رجاله كلهم ثقات، وكلهم من رجال \"التهذيب\" إلا من دون ابن عرعرة، ليس فيهم من ينبغي النظر فيه غير أبي بكر محمد بن علي المقرئ البغدادي. وقد أورده الخطيب في \"تاريخ بغداد\" ... ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلا، فهو علة هذا الإسناد الموصول.\nثم ذكر الألباني أن الصواب عن عثمان بن الأسود إنما هو عن سعيد بن جبير مرسلًا كما رواه الواحدي في \"أسباب النزول\" ص ٢٥٦ - ٢٥٧، خلافا لرواية ابن مردويه عنه. ثم قال الألباني: وبالجملة، فالحديث مرسل، ولا يصح عن سعيد بن جبير موصولا بوجه من الوجوه. اهـ.\nوقد تقدَّم كلام ابن كثير أنه لم ير هذه القصة مسندة من وجه صحيح.\nالطريق الثاني: طريق العوفي، عن ابن عباس:\nرواه من هذا الطريق الطبري ١٧/ ١٨٩ قال: حدثني محمد بن سعد، قال: حدثني أبي، قال: حدثني عمي، قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، فذكره بمعناه. وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ٦٦ من طريق العوفي، عن ابن عباس، =","vol":"15","page":454},{"text":"والسدي (١)، ومجاهد (٢)، وقتادة (٣)، والزهري (٤)،\n_________\n= وعزاه لابن جرير وابن مردويه.\nقال العلامة أحمد شاكر في تعليقه على \"الطبري\" ١/ ٢٦٣ عن هذا الإسناد: وهو إسناد مسلسل بالضعفاء. وقال الألباني: وهذا إسناد ضعيف جدًا، مسلسل بالضعفاء. \"نصب المجانيق\" ص ١٧.\nالطريق الثالث والرابع والخامس:\nفرواه ابن مردويه كما في \"تخريج أحاديث الكشاف\" ٢/ ٣٩٤، \"فتح الباري\" ٨/ ٤٣٩، \"الدر المنثور\" للسيوطي ٦/ ٦٦ من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس، ومن طريق أبي بكر الهذلي وأيوب عن عكرمة عن ابن عباس، ومن طريق سليمان التيمي عمن حدثه عن ابن عباس ﵁: أن رسول -ﷺ- قرأ سورة النجم. وساق الحديث.\nقال ابن حجر في \"الفتح\" ٨/ ٤٣٩ بعد سوقه لهذه الطرق الثلاث ورواية سعيد بن جبير المرسلة -وستأتي- وغيرها: وكلّها سوى طريق سعيد بن جبير إمَّا ضعيف أو منقطع. وقال الألباني في \"نصب المجانيق\" ص ١٧ عن هذه الطرق الثلاث: وكلها ضعيفة.\n(١) رواه ابن أبي حاتم (كما في \"الدر المنثور\" ٦/ ٦٩ عن السدي قال: خرج النبي -ﷺ- إلى المسجد ليصلي، فقرأ ... وساق الحديث بمعناه، وهو مرسل.\n(٢) رواه عبد بن حميد كما في \"الدر المنثور\" ٦/ ٦٩ عنه، مختصرًا.\n(٣) رواه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ٢/ ٤٠، والطبري ١٧/ ١٩١.\nوذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ٨٦ وعزاه لابن أبي حاتم فقط.\nقال الألباني في \"نصب المجانيق\" ص ١٢: وهو صحيح إلى قتادة، ولكنه مرسل أو معضل.\n(٤) رواه ابن أبي حاتم كما في \"تفسير ابن كثير\" ٣/ ٢٢٩ - ٢٣٥، و\"الدر المنثور\" للسيوطي ٦/ ٦٦ عن الزهري مطولًا.\nقال الألباني في \"نصب المجانيق\" ص ٩: فهو مرسل، بل معضل. اهـ\nورواه الطبري ١٧/ ١٨٩ عن ابن شهاب: حدثني أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، فذكره مختصرًا. =","vol":"15","page":455},{"text":"والضحاك (١)، وسعيد بن جبير (٢)، ومحمد بن كعب (٣) وغيرهم (٤).\n_________\n= وذكر ابن حجر في \"فتح الباري\" ٨/ ٤٣٩ هذه الرواية وذكر أنها مرسلة وأنّ رجال إسنادها على شرط الشيخين.\nوقال السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ٦٦ - بعد عزوه هذه الرواية لعبد بن حميد وابن جرير: مرسل صحيح الإسناد.\nقال الألباني في \"نصب المجانيق\" ص ٩: وإسناده إلى أبي بكر بن عبد الرحمن صحيح كما قال السيوطي تبعًا للحافظ، لكن علته أنّه مرسل.\n(١) رواه الطبري ١٧/ ١٨٩ قال: حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: (وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي ..) الآية: أن نبي الله -ﷺ- وهو بمكة، فذكره بنحوه. قال الألباني في \"نصب المجانيق\" ص ١٥: (وهذا إسناد ضعيف منقطع مرسل).\n(٢) رواه الطبري ١٧/ ١٨٨ - ١٨٩، وابن أبي حاتم وابن المنذر كما في \"فتح الباري\" ٨/ ٤٣٩، \"الدر المنثور\" ٦/ ٦٥ - ٦٦ من طرق عن شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد ابن جبير. وقد صحح إسناده ابن حجر في \"الفتح\" والسيوطي في \"الدر المنثور\"، وقال الألباني في \"نصب المجانيق\" ص ٥: (وهو صحيح الإسناد إلى ابن جبير كما قال الحافظ. اهـ. ورواه الواحدي في \"أسباب النزول\" ص ٢٥٧ من طريق يحيى القطان، عن عثمان بن الأسود، عن سعيد بن جبير، بنحوه مختصرًا.\n(٣) رواه الطبري ١٧/ ١٨٧ - ١٨٨ من طريق ابن إسحاق، عن يزيد بن زياد المدني، عن محمد بن كعب القرظي، فذكره مطولًا.\nقال الألباني في \"نصب المجانيق\" ص ١٢: ويزيد هذا ثقة، لكن الراوي عنه ابن إسحاق مدلس وقد عنعنه. اهـ.\nوقد رواه الطبري ١٧/ ١٨٦ - ١٨٧ من طريق أبي معشر، عن محمد بن كعب ومحمد بن قيس قالا ... فذكره بنحوه.\nقال الألباني ص ١١: وأبو معشر ضعيف كما قال الحافظ في \"التقريب\".\n(٤) ورد هذا القول أيضًا عن أبي العالية، وعروة بن الزبير.\nفأمّا قول أبي العالية فرواه الطبري ١٧/ ٤٣٩، وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\": =","vol":"15","page":456},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ٦/ ٦٨، وعزاه لابن المنذر وابن أبي حاتم، وقال: بسند صحيح. وذكر ابن حجر في \"الفتح\" ٨/ ٤٣٩ أن رجال إسناده رجال الصحيحين.\nوقال الألباني في \"نصب المجانيق\" ص ١١: وإسناده صحيح إلى أبي العالية، لكن علته الإرسال.\nورواية عروة بن الزبير رواها الطبراني في \"المعجم الكبير\" ٩/ ٢٣ وقال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" ٧/ ٧٢: فيه ابن لهيعة، ولا يحتمل هذا من ابن لهيعة.\nوهذه الرواية المعروفة بقصّة الغرانيق اختلف العلماء فيها، وهم فريقان:\nالفريق الأول: القائلون بثبوتها؛ وهم على قولين:\nالقول الأول: أن الشيطان ألقى على لسان رسول الله -ﷺ- تلك الكلمات، ثم إنَّ الله أحكم آياته ودحر الشيطان ولقَّن نبيه حجته.\nوممن صحت عنه الرواية ممن قال بهذا القول من المفسرين: سعيد بن جبير وقتادة وأبي العالية. وبهذه القصة فسر هؤلاء آيات الحجّ.\nوتبعهم في ذلك طائفة من المفسرين ذكروا هذه القصة في كتبهم ولم ينكروها، وبها فَسَّروا الآيات، منهم: الطبري، والثعلبي، والواحدي، والزمخشري.\nوحكى الآلوسي ١٧/ ١٧٨ هذا القول عن بعض المتأخرين، فقال: وذهب إلى صحة القصّة أيضًا خاتمة المتأخرين الشيخ إبراهيم الكوراني ثم المدني.\nالقول الثاني: أنَّ هذه القصّة ثابتة، لكنَّ فيها ما يستنكر وهو قوله: ألقى الشيطان على لسانه .. فيتعين تأويله.\nقال الآلوسي ١٧/ ١٨٦: وتوسَّط جمع في أمر هذه القصّة فلم يثبتوها كما أثبتها الكوراني -عفا الله تعالى عنه- من أنَّه -ﷺ- نطق بما نطق عمدًا معتقدًا للتلبيس أنه وحي حاملًا له على خلاف ظاهره، ولم ينفوها بالكلية كما فعل أجلة أثبات وإليه أميل، بل أثبتوها على وجه غير الوجه الذي أثبته الكوراني، واختلفوا فيه على أوجه .... ثم ذكر الآلوسي هذه الأوجه، وخلاصة ما ذكره -وذكره قبله البغوي ٥/ ٩٤، والقاضي عياض في الشفا ٤/ ١٦٣ - ١٧٧، وابن حجر في \"الفتح\" ٨/ ٤٣٩ - ٤٤٠:-\nقيل: جرف ذلك على لسانه -ﷺ- حين أغفى إغفاءه وهو لا يشعر. وقد ردَّ هذا القول القاضي عياض.\nوقيل: لعل النبي -ﷺ- قاله أثناء تلاوته على تقدير التقريع والتوبيخ للكفّار، وأنَّه ليس =","vol":"15","page":457},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= من القرآن، بل قاله بعد السكت، ثم رجع إلى تلاوته.\nوقيل: أن النبي -ﷺ- لما وصل إلى قوله (ومناة الثالثة الأخرى) خشي المشركون أن يأتي بعدها بشئ يذم الهتهم به، فبادروا إلى ذلك الكلام فخلطوه في تلاوة النبي -ﷺ- على عادتهم في قولهم: (لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه) ونسب ذلك إلى الشيطان لأنه الحامل لهم على ذلك، أو المراد بالشيطان شيطان الإنس، وأن المشركين أشاعوا ذلك وأذاعوه وأن النبي -ﷺ- قاله، فحزن لذلك من كذبهم وافترائهم عليه، فسلاه الله بقوله: \"وما أرسلنا من قبلك .... \" الآية، وبين للناس الحق من ذلك الباطل.\nوقيل: كان النبي -ﷺ- يرتل القرآن، ارتصده الشيطان في سكته من السكتات، ونطق بتلك الكلمات محاكيا نغمته بحيث سمعه من دنا إليه فظنها من قوله وأشاعها.\nوقال ابن حجر من هذا الوجه أنه أحسن الوجوه .... اهـ.\nولا يخفى أن هذه أوجه متكلفة تحتاج إلى دليل، ولذا قال الألوسي عنها ٧/ ١٨٦: وكلها عندي مما لا ينبغي أن يلتفت إليها.\nوممن ذهب إلى هذا القول -يعني تصحيح القصة من تأويل ما يستنكر فيها- الحافظ ابن حجر، وتبعه السيوطي، والمناوي في الفتح السماوي ٢/ ٤٨٣ - ٨٤٧.\nقال ابن حجر في \"فتح الباري\" ٨/ ٤٣٩ - بعد أن ذكر روايات القصّة عن ابن عباس وسعيد بن جبير-: وكلها سوى طريق سعيد بن جبير -يعني المرسل- إما ضعيف وإمَّا منقطع، لكن كثرة الطرق تدل على أن للقصّة أصلا، مع أن لها طريقين آخرين مرسلين رجالهما رجال الصحيح.\nثم ذكر الحفاظ ابن حجر رواية الزهري عن أبي بكر بن عبد الرحمن ورواية أي العالية، ثم نقل كلامًا لأبي بكر بن العربي والقاضي عياش في إبطال هذه القصّة، ثم قال: \"وجميع ذلك لا يتمشّى على القواعد؛ فإن الطرق إذا كثرت وتباينت مخارجها دَلَّ ذلك على أنَّ لها أصلًا، وقد ذكرت أن تلاوته أسانيد منها على شرط الصحيح وهي مراسيل يحتج بمثلها ممن يحتج بالمرسل وكذا من لا يحتج به لاعتضاد بعضها ببعض، وإذا تقرَّر ذلك تعيَّن تأويل ما وقع فيها مما يستنكر\".\nوقد ردَّ الألباني في كتابه \"نصب المجانيق\" ص ١٩ - ٢٤ على الحافظ ابن حجر اعتماده في تصحيحه لهذه الرواية على كثرة الطرق عن ابن عباس إضافة إلى ما =","vol":"15","page":458},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= صح من المراسيل عن بعض التابعين، وحاصل ردّه:\nأولًا: أنَّ قاعدة تقوية الحديث بكثرة الطرق ليست على إطلاقها، كما نبه على ذلك غير واحد من علماء الحديث المحققين منهم الحافظ أبو عمرو من الصلاح حيث بين أنّه ليس كل ضعف في الحديث يزول بمجيئه من وجوه، بل ذلك يتفاوت فمن ذلك ضعف لا يزول بنحو ذلك لقوة الضعف كالضعف الذي ينشأ من كون الراوي متهمًا بالكذب، أو كون الحديث شاذًا.\nقال الألباني ص ٢١: ومن هذا القبيل حديث ابن عباس في هذه القصّة، فإن طرقه كلها ضعيفة جدًا، فلا تقوى بها أصلًا.\nثانيًا: أن الحديث المرسل، ولو كان المرسل ثقة، لا يحتج به عند أئمة الحديث كما بينه ابن الصلاح واختاره الخطيب وابن حجر وغيرهم، وسبب عدم احتجاج المحدثين بالمرسل من الحديث هو جهالة الواسطة التي روي عنها المرسلُ الحديث، فقد يكون المحذوف صحابيًا، ويحتمل أن يكون تابعيًا، وعلى الاحتمال الثاني يحتمل أن يكون ضعيفًا ويحتمل أن يكون ثقة، وعلى الاحتمال الثاني يحتمل أن يكون حمل على صحابي ويحتمل أن يكون حمل عن تابعي آخر، وعلى الثاني يعود الاحتمال السابق ويتعدد. وأكثر ما وجد بالاستقراء من رواية بعض التابعين عن بعض ستة أو سبعة.\nلكن بعض العلماء كالشافعي ﵀ وإليه ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية قبل المرسل إذا اعتضد بمجيئه من وجه آخر بشرط أن يكون مُرْسلة آخذ العلم عن غير رجال التابعي الأول، وكأن ذلك ليغلب على الظن أنَّ المحذوف في أحد المرسلين هو غيره في المرسل الآخر.\nقال الألباني ص ٢٣: ومع أن التحقق من وجود هذا الشرط في كل مرسل من هذا النوع ليس بالأمر الهين، فإنه لو تحققنا من وجوده، فقد يرد إشكال آخر، وهو أنه يحتمل أن يكون كل من الواسطتين أو أكثر ضعيفًا، وعليه يحتمل أن يكون ضعفهم من النوع الذكر ينجبر بمثله الحديث ... ويحتمل أن يكون من النوع الآخر الذي لا يقوى الحديث بكثرة طرقه ... إلى أن قال ص ٢٤: إننا لو ألقينا النظر على روايات هذه القصة، ألفيناها كلها مرسلة، حاشى حديث ابن عباس ولكن طرقه كلها واهية شديدة الضعف لا تنجبر بها تلك المراسيل، فينبغي النظر في هذه =","vol":"15","page":459},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= المراسيل، وهي سبعة، صحَّ إسناد أربعة منها، وهي مرسل سعيد بن جبير وأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث وأبي العالية، ومرسل قتادة، وهي مراسيل يرد عليها أحد الاحتمالين السابقين لأنَّهم من طبقة واحدة: فوفاة سعيد بن جبير سنة (٩٠ هـ)، وقتادة سنة بضع عشرة ومائة، والأول كوفي، والثاني مدني، والأخيران بصريان. فجائز أن يكون مصدرهم الذي أخذوا منه هذه القصّة وروها عنه واحدًا لا غير مجهول، وجائز أن يكون جمعًا ولكنهم ضعفاء جميعًا.\nفمع هذه الاحتمالات لا يمكن أن تطمئن النفس لقبول حديثهم هذا، لا سيما في مثل هذا الحدث العظيم الذي يمسَّ المقام الكريم، فلا جرم تتابع العلماء على إنكارها، بل التنديد ببطلانها. اهـ\nالفريق الثاني: القائلون ببطلانها.\nوهؤلاء قالوا: هذه الرواية معلولة بالضعف والإرسال، فليس في رواياتها ما يصلح للاحتجاج، ثم أن مما يؤكد ضعفها وبطلانها ما في متنها من النكارة مما لا يليق بمقام النبوة والرسالة، فقد جاء في تلك الروايات أن الشيطان تكلَّم على لسان النبي -ﷺ- بتلك الكلمات التي تمدح آلهة المشركين.\nوهذا الأمر قد دل الكتاب والسنّة والنظر على بطلانه.\nفأما القرآن فدل على بطلانه من جهتين:\nالجهة الأولى: دلالة آيات القرآن على وجه العموم على بطلان هذا القول، فقد قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]، وقال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (٤١) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤١ - ٤٢]، وقال تعالى: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (٢٢١) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾ [الشعراء: ٢٢١ - ٢٢٢]، وقال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣ - ٤].\nفهذه الآيات وغيرها دالة على بطلان القول بإلقاء الشيطان على لسان النبي -ﷺ- تلك المقالة.\nوقال الشنقيطي -﵀- في \"أضواء البيان\" ٥/ ٧٢٩: قد دلَّت آيات قرآنية على بطلان هذا القول، وهي الآيات الدالة على أن الله لم يجعل للشيطان سلطانًا على النبي -ﷺ- وإخوانه من الرسل وأتباعهم المخلصين كقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ =","vol":"15","page":460},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [النحل: ٩٩]، وقوله: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الحجر: ٤٢] ... وعلى القول المزعوم أنَّ الشيطان ألقى على لسانه -ﷺ- ذلك الكفر البواح، فأي سلطان أكبر من ذلك؟.\nالثانية: أن سياق آيات النجم على وجه الخصوص يدل على بطلان هذا القول: قال القاضي عياض ٤/ ١٥٣ - ١٥٤: هذا الكلام لو كان كما روي لكان بعيد الالتئام، متناقض الأقسام، ممتزج المدح بالذم، متخاذل التأليف والنظم، ولما كان النبي -ﷺ- ولا من بحضرته من المسلمين وصناديد المشركين ممن يخفى عليه ذلك، وهذا مما لا يخفى على أدنى متأمِّل، فكيف بمن رجح حُلمه، واتّسع في باب البيان ومعرفة الكلام علمه؟.\nوقد بين الشنقيطي ٥/ ٧٢٩ هذا الوجه بقوله: وهذا القول الذي زعمه كثير من المفسرين وهو أن الشنقيطي ٥/ ٧٢٩ هذا الوجه بقوله: وهذا القول الذي زعمه كثير من المفسرين وهو أن الشيطان ألقى على لسان النبي -ﷺ- هذا الشرك الأكبر والكفر البواح -الذي لا شك في بطلانه- في نفس سياق آيات النجم التي تخللها إلقاء الشيطان المزعوم قرينة واضحة على بطلان هذا القول؛ لأن النبي -ﷺ- قرأ بعد موضع الإلقاء المزعوم بقليل: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ وليس من المعقول أن النبي -ﷺ- يسب آلهتهم هذا السب العظيم في سورة النجم متأخرًا عن ذكره لها بخير المزعوم إلا وغضبوا، ولم يسجدوا؛ لأن العبرة بالكلام الأخير. اهـ.\nوأما السنة فقد روى الدارمي ١/ ١٢٥، وأبو داود في العلم -باب كتابة العلم ١٠/ ٧٩ عن عبد الله بن عمرو قال: \"كنت أكتب كلَّ شيء سمعته من رسول الله -ﷺ- أريد حفظه، فنهتني قريش وقالوا: أتكتب كل شيء تسمعه ورسول الله -ﷺ- بشر يتكلم في الغضب والرضى، فأمسكت عن الكتابة، فذكرت ذلك إلى رسول الله -ﷺ-، فأومأ بأصبعه إلى فيه فقال: أكتب، فوالذي نفسي بيده ما يخرج منه إلا حق\" ولا شك أن تلك الكلمات من أعظم الباطل المنافي للحق.\nوأما النظر، فقال ابن العربي في أحكام القرآن ٣/ ١٣٠٠: النبي -ﷺ- إذا أرسل إليه الملك بوحيه، فإنّه يخلق له العلم به، حتى يتحقق من أنه رسول من عنده، ولولا ذلك =","vol":"15","page":461},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ما صحت الرسالة، ولا تبينت النبوة، فإن خلق الله له العلم به تميّز عنده من غيره، وثبت اليقين، واستقام سبيل الدين، ولو كان النبي -ﷺ- إذا شافهه الملك بالوحي لا يدري أملك هو أم إنسان، أم صورة مخالفة لهذه الأجناس -ألقت عليه كلاما، وبلغت إليه قولا- لم يصح له أن يقول: إنه من عند الله، ولا ثبت عندنا أن أمر الله، فهذه سبيل متيقنة، وحالة متحققة لا بد منها، ولا خلاف في المنقول ولا في المعقول فيها، ولو جاز للشيطان أن يتمثل فيها أو يتشبه بها ما أمناه على آية، ولا عرفنا منه باطلا من حقيقة، فارتفع بهذا الفصل اللبس، وصح اليقين في النفس. وقال أيضًا ٣/ ١٣٠١: أن قول الشيطان: تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن ترتجى للنبي -ﷺ- قبله منه، فالتبس عليه الشيطان بالملك، واختلط عليه التوحيد بالكفر، حتى لم يفرق بينهما.\nوأنا من أدنى المؤمنين منزلة وأقلهم معرفة بما وفقني الله وآتاني من علمه، لا يخفى علي وعليكم أن هذا كفر لا يجوز وروده من عند الله، ولو قاله أحدٌ لكم لتبادر الكلّ إليه قبل التفكير بالإنكار والرَّدع والتقريب والتشنيع، فضلًا عن أن يجهل النبي -ﷺ- حال القول، ويخفى عليه قوله، ولا بتفطن لصفة الأصنام بأنها الغرانيق العلى وإن شفاعتهن ترتجى، وقد علم علمًا ضروريًا أنها جمادات لا تسمع ولا تبصر، ولا تنطق ولا تضر، ولا تنفع ولا تنصر ولا تشفع، بهذا كان يأتيه جبريل الصباح والمساء، وعليه انبنى التوحيد، ولا يجوز نسخُه .. فكيف يخفى هذا على الرسول؟. ونذكر هنا بعض العلماء والمفسرين قديما وحديثا الذين ردوا هذه الرواية، فمنهم: -محمد بن إسحاق بن خزيمة. الإمام المعروف، قال الرازي في \"تفسيره\" ٢٣/ ٥٠:\nروي عن محمد بن إسحاق بن خزيمة أنَّه سئل عن هذه القصّة؟ فقال: هذا وضع من الزنادقة. وصنف فيه كتابًا.\n- ابن حزم فقد قال في \"الفصل في الملل والأهواء والنحل\" ٤/ ٤٨: وأما الحديث الذي فيه: \"وإنّهن الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى\" فكذب بحت موضوع، لأنه لم يصح قط من طريق النقل.\n- أبو بكر البيهقي صحب كتاب \"السنن الكبري\" وغيرها، فقد نقل عنه الرازي في تفسيره ٢٣/ ٥٠ أنَّه قال: هذه القصّة غير ثابتة من جهة النقل. =","vol":"15","page":462},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= - أبو بكر بن العربي في \"أحكام القرآن\" ٣/ ٣٠٠ - ١٣٠٣ فقد ردّها في عشر مقامات.\n- القاضي عياض في كتابه \"الشفا في حقوق المصطفى\" ٤/ ١٣٩ - ١٧٧ حيث بين بطلانها سندًا، ثم شرع في بيان بطلانها متنا.\n- الرازي في \"تفسيره\" ٢٣/ ٥٠ - ٥٤ فقد ذكر أنَّ القرآن والسنَّة والمعقول يدل على بطانها، ثم شرع في بيان بطلانها.\n- القرطبي في \"أحكام القرآن\" ١٢/ ٨٠ - ٨٥.\n- أبو حيان في \"البحر المحيط\" ٦/ ٣٨١ - ٣٨٢ حيث قال: وذكر المفسرون في كتبهم: ابن عطية والزمخشري، فمن قبلها ومن بعدهما ما لا يجوز وقوعه من آحاد المؤمنين منسوبا إلى المعصوم صلوات الله عليه. ثم ذكر بعض أقوال العلماء في ردّه ووجوب اطراحه، ثم قال: ولذلك نزهت كتابي عن ذلك فيه ثم ردَّ ذلك بالقرآن والنظر.\n- الحافظ ابن كثير، فقد قال في \"تفسيره\" ٣/ ٢٢٩: قد ذكر كثير من المفسرين هاهنا قصة الغرانيق، وما كان من رجوع كثير من المهاجرة إلى أرض الحبشة، ظنَّا منهم أنَّ مشركي قريش قد أسلموا، ولكنَّها من طرق كلها مرسلة، ولم أرها مسندة من وجه صحيح.\n- البيضاوي فقد قال في \"تفسيره\" ٢/ ٩٦: وهو مردود عند المحققين.\n- وردها من شرَّاح صحيح البخاري: العيني في كتابه \"عمدة القارئ في شرح صحيح البخاري\" ١٩/ ٦٦.\nوردّها أيضًا الشوكاني في \"فتح القدير\" ٣/ ٤٦٢ فقال: \"ولم يصح شيء من هذا، ولا يثبت بوجه من الوجوه، ومع عدم صحته، بل بطلانه فقد دفعه المحققون بكتاب الله\". ثم شرع في ردّه\nوعلى هذا القول، فمعنى نسخ ما يلقي الشيطان: إزالته وإبطاله، وعدم تأثيره في المؤمنين الذين أتوا العلم. لأن النسخ هنا هو النسخ اللغوي، ومعناه: الإبطال والإزالة من قولهم: نسخت الشمس الظل، ونسخت الريح الأثر.\nومعنى \"يحكم آياته\": يتقنها بالإحكام، فيظهر أنها وحي منزل منه بحق، ولا يؤثر في ذلك محاولة الشيطان صد الناس عنها بإلقائه المذكور، وما ذكره هنا من أنه يسلط الشيطان فيلقي في قراءة الرسول والنبي، فتنة للناس ليظهر مؤمنهم من =","vol":"15","page":463},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= كافرهم بذلك الإمتحان جاء موضحًا في آيات كثيرة قدمناها مرارًا، كقوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ﴾ الآية [المدثر: ٣١]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ [البقرة: ١٤٣]، وقوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ﴾ [الإسراء: ٦٠] أي لأنها فتنة، كما قال: ﴿أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ (٦٢) إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ (٦٣) إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٦٢ - ٦٤]. لأنه لما نزلت هذه الآية قالوا: ظهر كذب محمد -ﷺ- لأن الشجر لا ينت في الموضع اليابس، فكيف تنبت شجرة في أصل الجحيم إلى غير ذلك من الآيات.\nوقد نقل العلامة القاسمي في \"محاسن التأويل\" ١٢/ ٤٦ - ٥٦ عن الشيخ محمد عبده مفتي مصر في هذه الآيات كلاما جيدًا، ومما قاله: \"لا يخفى على كل من يفهم اللغة العربية، وقرأ شيئًا من القرآن، أن قوله تعالى ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾ الآيات، يحكي قدرًا قدر للمرسلين كافة، لا يعدونه ولا يقفون دونه،. ويصف شنشنة عرفت فيهم، وفي أممهم. فلو صح ما قال أولئك المفسرون لكان المعنى: أن جميع الأنبياء والمرسلين قد سلط الشيطان عليهم فخلط في الوحي المنزل إليهم، ولكنه بعد هذا الخلط ينسخ الله كلام الشيطان ويحكم الله آياته إلخ، وهذا من أقبح ما يتصور متصور في اختصاص الله تعالى لأنبيائه، واختيارهم من خاصة أوليائه! .. ذكر الله لنبيه حالا من أحوال الأنبياء والمرسلين قبله، ليبين له سنته فيهم. وذلك بعد أن قال: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ﴾ [الحج: ٤٢] إلى آخر الآيات، ثم قال: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٤٩) فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٥٠) وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (٥١) وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾ إلخ، فالقصص السابق كان في تكذيب الأمم لأنبيائهم. ثم تبعه إلاَّمر الإلهي بأن يقول النبي -ﷺ- لقومه: إنني لم أرسل إليكم إلا لأنذركم =","vol":"15","page":464},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= بعاقبة ما أنتم عليه، ولأبشر المؤمنين بالنعيم. وأما الذين يسعون في الآيات والأدلة التي أقيمها على الهدي وطرق السعادة، ليحوّلوا عنها الأنظار ويحجبوها عن الأبصار، ويفسدوا أثرها الذي أقيمت لأجله، ويعاجزوا بذلك النبي -ﷺ- المؤمنين، أي يسابقونهم ليعجزوهم ويسكتوهم عن القول بذلك. ولك بلعبهم بالألفاظ وتحويلها عن مقصد قائلها، كما يقع عادة من أهل الجدل والمماحكة - هؤلاء الضالون المضلون هم أصحاب الجحيم. وأعقب ذلك بما يفيد أن ما ابتلي به النبي -ﷺ- من المعاجزة في الآيات، قد ابتلي به الأنبياء السابقون. فلم يبعث نبي في أمة إلا كان له خصوم يؤذونه بالتأويل والتحريف، ويضادّون أمانية، ويحولون بينه وبين ما يبتغي، بما يلقون في سبيله من العثرات.\nفعلى هذا المعنى الذي يتفق مع ما لقيه الأنبياء جميعًا، يجب أن تفسر الآية وذلك يكون على وجهين:\nالأول: أن يكون (تمنَّى) بمعنى (قرأ) و(الأمنية) بمعنى (القراءة) وهو معنى قد يصح. وقد ورد استعمال اللفظ فيه؛ قال حسان بن ثابت في عثمان ﵄:\nتمنى كتاب الله أول ليله ... وآخره لاقى حمام المقادر\nوقال آخر:\nتمنى كتاب الله أول ليله ... تمنى داود الزبور على رسل\nغير أن الإلقاء لا يكون على المعنى الذي ذكروه، بل على المعنى المفهوم من قولك (ألقيتُ في حديث فلان) إذا أدخلت فيه ما ربما يحتمله لفظه، ولا يكون قد أراده. أو نسبت إليه ما لم يقله تعللا بأن ذلك الحديث يؤدى إليه. وذلك من عمل المعاجزين الذين ينصبون أنفسهم لمحاربة الحق، يتبعون الشبهة، ويسعون وراء الريبة، فالإلقاء بهذا المعنى دأبهم، ونسبة الإلقاء إلى الشيطان لأنه مثير الشبهات بوساوسه، مفسد القلوب بدسائسه، وكل ما يصدر من أهل الضلال يصح أن ينسب إليه. ويكون المعنى: وما أرسلنا قبلك من رسول ولا نبيّ إلا إذا حدث قومه عن ربه، أو تلا وحيًا أنزل إليه في هدى لهم، قام في وجهه مشاغبون، يحولون ما يتلوه عليهم عن المراد منه. ويتقوّلون عليه ما لم يقله، وينشرون ذلك بين الناس، ليبعدوهم عنه، ويعدلوا بهم عن سبيله، ثم يحق الله الحق ويبطل الباطل. وما زال الأنبياء يصبرون على ما كذّبوا وأوذوا، ويجاهدون في الحق، =","vol":"15","page":465},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ولا يعتدّون بتعجيز المعجّزين، ولا بهزء المستهزئين إلى أي يظهر الحق بالمجاهدة، وينتصر على الباطل بالمجالدة. فينسخ الله تلك الشبه ويجتثها من أصولها، ويثبت آياته ويقررها. وقد وضع الله هذه السنة في الناس ليتميز الخبيث من الطيب، فيفتتن الذين في قلوبهم مرض، وهم ضعفاء العقول، بتلك الشبه والوساوس، فينطلقون وراءها. ويفتتن بها القاسية قلوبهم من أهل العناد والمجاحدة، فيتخذونها سندًا يعتمدون عليها في جدلهم. ثم يتمحص الحق عند الذين أتوا العلم، ويخلص لهم بعد ورود كل شبهة عليه، فيعلمون أن الحق من ربك فيصدقون به، فتخبت وتئن له قلوبهم. والذين أوتوا العلم هم الذين رزقوا قوة التمييز بين البرهان القاطع الذي يستقرّ بالعقل في قرارة اليقين. وبين المغالطات وضروب السفسطة التي تطيش بالفهم، وتطير به مع الوهم، وتأخذ بالعقل تارة ذات الشمال وأخرى ذات اليمين. وسواء أرجعت الضمير في (أنه الحق) إلى ما جاءت به الآيات المحكمات من الهدى الإلهي أو إلى القرآن، وهو أجلّها، فالمعنى من الصحة على ما يراه أهل التمكين هؤلاء الذين أتوا العلم هم الذين آمنوا. وهم الذين هداهم الله إلى الصراط المستقيم. ولم يجعل للوهم عليها سلطانا، فيحيد بهم عن ذلك النهج القويم. وأما الذين كفروا وهم ضعفاء العقول ومرضى القلوب، أو أهل العناد وزعماء الباطل وقساة الطباع، الذين لا تلين أفئدتهم ولا تبش للحق قلوبهم، فأولئك لا يزالون في ريب في الحق أو الكتاب. لا تستقر عقولهم عليه، ولا يرجعون في متصرفات شئونهم إليه. حتى تأتي ساعة هلاكهم بغتة، فيلاقوا حسابهم عند ربهم. أو إن امتد بهم الزمن، ومادّهم الأجل، فسيصيبهم عذاب يوم عقيم. يوم حرب يسامون فيه سوء العذاب، القتل أو الأسر. ويقذفون إلى مطارح الذل وقرارات الشر. فلا ينتج لهم من ذلك اليوم خير ولا بركة، بل يسلبون ما كان لديهم ويساقون إلى مصارع الهلكة. وهذا هو العقم في أتم معانيه وأشأم درجاته. ما أقرب هذه الآيات من مغازيها، إلى قوله تعالى في سورة آل عمران: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ٧]، وقد قال بعد ذلك: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ﴾ [آل عمران: ١٠] ثم قال: =","vol":"15","page":466},{"text":"وأما وجه جواز هذا الغلط على رسول الله -ﷺ- فقال ابن عباس في رواية عطاء: إن شيطانًا يقال له الأبيض كان قد أتى النبي -ﷺ- في صورة جبردل وألقى في قراءة النبي -ﷺ- فإنهن (١) الغرانقة العلى وإن شفاعتهن لترتجى (٢).\n_________\n= ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [آل عمران: ١٢] إلخ الآيات.\nوكأن إحدى الطائفتين من القرآن شرح للأخرى. فالذين في قلوبهم زيغ هم الذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم. والراسخون في العلم هم الذين أتوا العلم، وهؤلاء هم الذين يعلمون أنه الحق من ربهم. فيقولون آمنا به كل من عند ربنا، فتخبت له قلوبهم، وإن الله لهاديهم إلى صراط مستقيم. وأولئك هم الذين يفتتنون بالتأويل، ويشتغلون بقال وقيل بما يلقي إليهم الشيطان، ويصرفهم عن رامي البيان، ويميل بهم عن محجة الفرقان. وما يتكئون عليه من الأموال والأولاد، لن يغني عنهم من الله شيئًا. فستوافيهم آجالهم، وتستقبلهم الأنباء مع أممهم، وسبيل الحق مع الباطل من يوم أن رفع الله الإنسان إلى منزلة يميز فيها بين سعادته وشقائه، وبين ما يحفظه وما يذهب ببقائه. وكما لا مدخل لقصة الغرانيق في آيات آل عمران، لا مدخل لها في آيات سورة الحج، هذا هو الوجه الأول في تفسير آيات (وما أرسلنا) إلى آخرها، على تقدير أن (تمنَّى) بمعنى (قرأ) وأن (الأمنية) بمعنى (القراءة) والله أعلم\".\nثم ذكر الشيخ محمد عبده وجهًا ثانيًا في تفسير الآيات مبنيًّا على أن التمني هو على معناه المعروف من الأمنية. واقتصرنا على الوجه الأول؛ لأن عامّة المفسرين على أن التمني هنا بمعنى القراءة.\n(١) في (ظ)، (ع): (وإنّهن).\n(٢) ذكره الرازي ٢٣/ ٥٣ من روايه عطاء عن ابن عباس، وذكره القرطبي ١٢/ ٨٤ عن ابن عباس، وذكره البغوي ٥/ ٣٩٤ من غير نسبه.\nوهذا قول لا يصح عن ابن عباس ﵁.","vol":"15","page":467},{"text":"وقال السدي عن أصحابه: لما وقع من هذا ما وقع أنزل الله هذه الآية يطيب نفس محمد ويخبر (١) أن الأنبياء قبله قد كانوا مثله ولم يبعث نبي (٢) قط إلا تمنى (٣) أن يؤمن قومه ولم (٤) يتمن ذلك نبي قط إلا ألقى الشيطان عليه ما يرضي قومه (٥) ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ﴾ (٦).\nوعلى هذا (تمنى) في قوله ﴿إِلَّا إِذَا تَمَنَّى﴾ من الأمنية، لا بمعنى قرأ، ويكون المعنى إذا أحب شيئًا ألقى الشيطان في محبته.\nوهذا دليل على جواز الخطأ والنسيان على الرسل، ثم لا يقارُّون على ذلك (٧).\n_________\n(١) في (أ): (ويخبر).\n(٢) في (أ)، (ظ): (نبيًّا).\n(٣) في (ع): (يتمنى).\n(٤) لم: ساقطة من (أ).\n(٥) في جميع النسخ: (قومه قوله \"فينسخ ...) بزيادة قوله، وهي زيادة يختل بها المعنى فحذفناها، وهي ليست موجودة في الوسيط ٣/ ٢٧٧.\n(٦) لم أجد هذه الرواية عن السدي عن أصحابه. وقد ذكرها البغوي ٥/ ٣٩٤ عن ابن عباس بأخصر مما هنا.\nوالرسل والأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم معصومون فيما يخبرون به عن الله ﷿ وفي تبليغ رسالاته باتفاق الأمة.\nأما ما سوى ذلك فيجوز عليهم الخطأ والنسيان لكن لا يقارّون على ذلك. وعلى ذلك دل الكتاب والسنة.\nانظر: \"فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية\" ١٠/ ٢٩٠، ٢٩٥ وما بعده.\n(٧) حكي القرطبي ٢١/ ٨٦ هذا القول عن الثعلبي ثم قال: ولكن إنَّما يكون الغلط على حسب ما يغلط أحدنا، فأمَّا أنَّ يضاف إليه من قولهم: \"تلك الغرانيق العلى\" =","vol":"15","page":468},{"text":"وعلى ما قال ابن عباس إنما قاله الشيطان على لسان رسول الله -ﷺ- في أثناء قراءته، وأوهم أنَّه من القرآن، ولم يكن للنبي -ﷺ- إحساس بذلك، بل كان فتنة من الله لعباده المؤمنين والمشركين، وعلى هذا يدل قوله ﴿لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً﴾ الآية (١).\nقال أبو إسحاق: وذلك محنة من الله -﷿-، وله أن يمتحن بما شاء (٢)، فألقى الشيطان على لسان النبي -ﷺ- شيئًا من صفة الأصنام فافتتن بذلك أهل الشقاق والنفاق ومن في قلبه مرض (٣).\nوروي عن الحسن أنه قال في هذه الآية: أراد (٤) بالغرانيق العلى الملائكة (٥).\nوهذا غير مرضي من القول؛ لأن الله تعالى قال: ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ﴾ [أن (٦) يبطله، وشفاعة الملائكة غير باطلة، ثم وإنْ أُخذَ] (٧) بهذا (٨) فليس يمنع هذا القول من أن يكون النبي -ﷺ- قد سمع منه ما ليس بقرآن (٩).\n_________\n= فكذبٌ على النبي -ﷺ-؛ لأن فيه تعظيم الأصنام، ولا يجوز ذلك على الأنبياء. اهـ\n(١) قد تقدم بيان بطلان هذا القول.\n(٢) في (د)، (ع): (يشاء).\n(٣) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٤٣٣ - ٤٣٤.\n(٤) في (د)، (ع): زيادة إنّه قبل (أراد).\n(٥) ذكره عنه الماوردي ٤/ ٣٥، والقرطبي ١٢/ ٨٥\n(٦) هكذا في جميع النسخ، ولعلها: أي.\n(٧) ساقط من (ظ).\n(٨) في (ظ). (فهذا).\n(٩) انظر الثعلبي ٣/ ٥٥ أ - ب.","vol":"15","page":469},{"text":"وذهب بعض المتأولين (١) إلى أنَّ \"تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى\" ليس بثناء على آلهة المشركين ولا مدح لها، ولكن يكون التقدير فيه: تلك الغرانيق العلى وإنّ شفاعتهن لترتجى عندكم وفيما تذهبون إليه، لا أنَّها في الحقيقة كذلك، كما قال ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان: ٤٩] أي عند نفسك.\nوهذا في البعد، كما روي عن الحسن؛ لأن هذا التأويل لا يمنع من سماع هذا عن النبي -ﷺ- فيما بين القرآن.\nفإذًا (٢) الصحيح في هذا أن يقال: إنّه من السهو الذي لا يعرى منه بشر، ثم لا يلبث أن ينبهه الله (٣) عليه، وإما أن يقال إنَّه كان من الشيطان فتنة للناس كما ذكرنا.\nوقوله: ﴿أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ [إن قلنا] (٤) أن الشيطان تكلم بهذا على لسانه فهو ظاهر، وإن قلنا إنّه سهى وغلط (٥)؛ فإن ذلك السهو من جهة الشيطان ووسوسته فهو من إلقائه. ومفعول ﴿أَلْقَى﴾ غير مذكور في اللفظ لأنه كان معلومًا للنبي -ﷺ- ولأصحابه حين نبه على غلطه ألا ترى أنه نقل نقلًا مستفيضًا.\nوقوله ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ﴾ أي: يرفعه ويبطله بتنبيه\n_________\n(١) انظر: \"النكت والعيون\" للماوردي ٤/ ٣٥، \"الشفا\" للقاضي عياض ٤/ ١٧٣، \"فتح الباري\" لابن حجر ٨/ ٤٤٠.\n(٢) في (أ): (فإذن).\n(٣) لفظ الجلالة ليس في (ظ).\n(٤) ساقط من (أ).\n(٥) في (د)، (ع): (سهو وغلط).","vol":"15","page":470},{"text":"النبي -ﷺ- على ذلك ﴿ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ﴾ ينسخ ما ليس منها.\n﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾ بما أوحى إليه نبيه ﴿حَكِيمٌ﴾ في خلقه. قاله ابن عباس (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2726>٥٣ </span>- قوله تعالى: ﴿لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ هذه اللام تتعلق بقوله: ﴿أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ (٢) أي: ليجعل الله ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض.\nقال ابن عباس: شك ونفاق، وذلك أنهم افتتنوا لما سمعوا ذلك، ثم نسخ ورفع، وازدادوا تحيرًا، وظنوا أن محمدًا يقول الشيء من عند نفسه ثم يندم فيبطله، وكذلك المشركون ازدادوا شرًّا وضلالة وتكذيبًا (٣)، وهو قوله ﴿وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ﴾. قال ابن عباس: يريد المشركين، وهم الذين لا تلين قلوبهم لأمر الله (٤).\nوهذا صريح في أن الله تعالى أراد فتنتهم وضلالتهم (٥).\n_________\n(١) ذكره القرطبي ١٢/ ٨٦ من غير نسبة.\n(٢) في معلّق اللام في قوله \"ليجعل\" ثلاثة أوجه:\nأحدها: ما ذكره المؤلف وهو أنها متعلقه بـ\"ألقى\"، واستظهره الشنقيطي ٥/ ٧٣٣.\nالثاني: أنها متعلّقة بـ\"يحكم\" أي: يحكم الله آياته ليجعل. وهذا القول: عزاه أبو حيان ٦/ ٣٨٢ للحوفي، واستظهره السمين الحلبي في \"الدر المصون\" ٨/ ٢٩٨.\nالثالث: أنها متعلقة بـ\"ينسخ\" وإليه ذهب ابن عطية ١٠/ ٣٠٨.\n(٣) ذكره البغوي ٥/ ٣٩٥ هذا القول إلى قوله: فيبطله. من غير نسبة لأحد. وانظر \"النكت\" للماوردي ٤/ ٣٦، و\"البحر\" لأبي حيان ٦/ ٣٨٢.\n(٤) روى الطبري ١٧/ ١٩١ عن ابن جريج هذا القول مختصرًا. وذكر الماوردي ٤/ ٣٦، والبغوي ٥/ ٣٩٥ هذا القول من غير نسبة.\n(٥) في (ظ): (وضلالهم).","vol":"15","page":471},{"text":"قوله: ﴿وَإِنَّ الظَّالِمِينَ﴾ قال الكلبي: يعني أهل مكة.\n﴿لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ قال ابن عباس: لفي اختلاف شديد (١).\nوقال الزجاج: الشقاق غاية العداوة (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2727>٥٤ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ هذه اللام تتعلق بقول ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ﴾ في المعنى لقوله (٣): ﴿أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ يعني: نسخ ذلك وإبطاله ورفعه وأحكام الله آياته من الباطل حق من الله.\nوالمراد بالذين أوتوا العلم المؤمنون، الذين أوتوا التوحيد والقرآن. قاله ابن عباس، والكلبي، وغيره (٤).\nوقال السدي: صدقوا بما نسخ الله (٥). وهو معنى قوله ﴿فَيُؤْمِنُوا بِهِ﴾.\nوقوله: ﴿فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ﴾ قال الكلبي: ترق (٦) للقرآن قلوبهم.\nثم بين أنَّ (٧) هذا (٨) الإيمان والتصديق والإخبات إنما هو بلطف الله\n_________\n(١) ذكره البغوي ٥/ ٣٩٥ من غير نسبة لأحد.\nوذكر الماوردي ٦/ ٣٦ في الآية وجهين: أحدهما: لفي ضلال بعيد. وعزاه للسدي، والثاني: لفي فراق للحق بعيد إلى يوم القيامة. وعزاه ليحيى بن سلام.\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٤٣٤.\n(٣) في (ظ): (كقوله).\n(٤) ذكره هذا القول البغوي ٥/ ٣٩٥، وابن الجوزي ٥/ ٤٤٣ من غير نسبة لأحد.\n(٥) ذكره عنه البغوي ٥/ ٣٩٥، وابن الجوزي ٥/ ٤٤٣.\n(٦) في (ظ): (يرق القرآن).\n(٧) (أنَّ): ساقطة من (أ).\n(٨) في (ع): (هذه).","vol":"15","page":472},{"text":"وهدايته إيّاهم فقال: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2728>٥٥ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قال ابن عباس: يريد المشركين.\n﴿فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ﴾ المِرية والمُرية -بالكسر والضم- لغتان (١) (٢) معناها: الشك. ومنه الامتراء والتماري (٣).\nوقوله ﴿مِنْهُ﴾ أي: مما ألقى الشيطان على لسان رسول الله -ﷺ-. يقولون: ما باله ذكرها بخير ثم ارتد عنها؟ قاله السدي عن أصحابه (٤).\nوقال ابن جريج: من القرآن (٥).\n﴿حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ﴾ يعني: القيامة ﴿بَغْتَةً﴾ فجأة. وهذا وعيد لهم بالقيامة، وهم لم يدركوها (٦) في حياتهم، ولكن الله تعالى أوعدهم وذكر\n_________\n(١) (لغتان): ساقطة من (ظ).\n(٢) انظر: \"الصحاح\" للجوهري ٩/ ٢٤٩١ (مرا)، \"لسان العرب\" ١٥/ ٢٧٧ (مرا).\n(٣) قوله: \"الشك ومنه الامتراء والتَّماري\" في \"تهذيب اللغة\" ١٥/ ٢٨٥ (مري) منسوبًا إلى الليث.\n(٤) ذكره البغوي ٥/ ٣٩٧، والقرطبي ١٢/ ٨٧ من غير نسبة.\n(٥) ذكره الثعلبي ٣/ ٥٥ ب. ورواه الطبري ١٧/ ١٩٢. وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ٦٩ - ٧٠ وعزاه لابن المنذر.\nواختار هذا القول الطبري ١٧/ ١٩٢ - ١٩٣ وقال: وذلك أن ذلك من ذكر قوله: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ أقرب منه من ذكر قوله: ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ﴾ والهاء من قوله (أنّه) أي من ذكر القرآن وإلحاق الهاء في قوله: ﴿فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ﴾ بالهاء من قوله: ﴿إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ أولى من إلحاقها بما التي في قوله: ﴿مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ﴾ مع بعد ما بينهما.\n(٦) في (ظ): (يذكروها).","vol":"15","page":473},{"text":"أنَّهم يترددون في حيرتهم (١) وشكّهم إلى أن تفجأهم الساعة أو يقتّلوا، وهو قوله ﴿أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾.\nقال أبو إسحاق: أصل [العقم] (٢). العقم في الولادة. قال: هذه امرأة عقيم، كما قال الله -﷿-: ﴿عَجُوزٌ عَقِيمٌ﴾ [الذاريات: ٢٩] وكذلك: رجل عقيم، إذا كان لا يولد له (٣).\nالأصمعي: يقال: عَقَامٌ وعَقيم (٤) مثل بَجَال وبَجيل (٥).\nوجمعها: عقمٌ، ويقال: عقمت المرأة فهي معقومة وقد عقم الله رحمها وأعقمها (٦).\nوروى عمرو (٧)، عن أبيه: عَقِمَت المرأة تَعْقَمُ عَقْمًا، وعَقَمَت تَعْقُم عُقْمًا، وعَقُمَت تَعْقُم عَقَمًا (٨)، وهي عقيم إذا كانت لا تحمل (٩).\n_________\n(١) في (أ): (حياتهم).\n(٢) زيادة من \"معاني القرآن\" للزجاج.\n(٣) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٤٣٤.\n(٤) كسحاب وأمير. قاله الفيروزآبادي ٤/ ١٥٢.\n(٥) \"تهذيب اللغة\" للأزهري ١/ ٢٨٨ (عقم) من رواية أبي عبيد، عن الأصمعي.\nقال ابن منظور: رجل بجال وبجيل: يبجله الناس. وقيل: هو الشيخ الكبير العظيم السيد مع جمال ونبل. \"لسان العرب\" ١١/ ٤٤ (بجل).\n(٦) من قوله: (وجمعها ...) إلى هنا، هذا كلام أبي الهيثم كما في \"تهذيب اللغة\" للأزهري ١/ ٢٨٨ (عق)، دون قوله: وأعقمها.\n(٧) هو: عمرو بن إسحاق بن مرار، الشيباني، اللغوي.\n(٨) كفرح ونصر وكرم. قاله الفيروزابادي ٤/ ١٥٢.\n(٩) \"تهذيب اللغة\" للأزهري ١/ ٢٨٩ (عقم) من رواية عمرو عن أبيه.","vol":"15","page":474},{"text":"وقال أبو العباس: عقمت المرأة إذا لم تحمل، وهي عقيم (١).\nوأنشد أبو إسحاق (٢):\nعقم النساء فما يلدن ... شبيهه إن النساء بمثله عُقْم\nوأصل هذا من العقم، وهو القطع. ومنه يقال: المُلْك عقيم؛ لأنه تقطّع فيه الأرحام بالقتل والعقوق. هذا قول أبي عمرو (٣).\nوعلى هذا العقيم: التي قطعت ولادتها.\nوقال أبو عبيد: العقم: الشَّد (٤). يقال للمرأة: معقومة الرحم كأنَّها مشدودتها، ومنه الحديث: \"وتعقم أصلاب المنافقين فلا يقدرون على السجود\" (٥) أي: تشد وتيبس مفاصلهم.\n_________\n(١) لم أجد من ذكر هذا القول عن أبي العباس ثعلب، ولا عن أبي العباس المبرّد.\n(٢) البيت أنشده أبو إسحاق الزجاج في \"معاني القرآن\" ٣/ ٤٣٤ ولم ينسبه لأحد. ووقع في المطبوع: عقيم)، وهو خطأ.\nوالبيت ذكره أبو عمرو الشيباني في روايته لديوان أبي دهْبل الجمحي ص ٦٦، قال: حدثني موسى بن يعقوب قال: أنشدني أبو دهبل قوله في مدح رسول الله -ﷺ-: ثم ساق أبياتًا ومنها هذا البيت.\nونسب البيت أيضًا لأبي دهبل في: \"عيون الأخبار\" لابن قتيبة ١/ ٢٧٩، و\"نسب قريش\" لأبي عبد الله المصعب الزبيري ص ٣٣١، لكن عنده قالها في مدح عبد الله الأزرق بن عبد الرحمن بن الوليد بن عبد شمس، و\"الحماسة\" لأبي تمام ص ٢٥٧، و\"شرح ديوان الحماسة\" للتبريزي ٤/ ٧٥، وقال: قالوا يمدح رسول الله -ﷺ-.\nوالبيت نسبه ابن منظور في \"لسان العرب\" ١٢/ ٤١٢ (عقم) لأبي دهبل -وروايته فيه \"نسبه\" في موضع (ما) - ثم قال: وقيل: هو للحزين الليثي.\n(٣) قول أبي عمرو الشيباني في \"تهذيب اللغة\" للأزهري ١/ ٢٨٩ \"عقم\". وانظر: \"لسان العرب\" ١٢/ ٤١٣ (عقم).\n(٤) في (أ). (السدَّ).\n(٥) هذا قطعة من حديث رواه أبو عبيد في كتابه \"غريب الحديث\" ٤/ ٧١ عن عبد الله =","vol":"15","page":475},{"text":"هذا هو الكلام في أصل العقيم في اللغة. ثم يقال: \"يوم عقيم\" للذي لا يأتي فيه خير. ويوم القيامة عقيم على الكفّار؛ لأنّه لا يأتي لهم بخير كما\n_________\n= ابن مسعود موقوفًا. قال أبو عبيد: حدثنيه عبد الرحمن مهدي، عن سفيان، عن سلمة بن كهيل، عن أبي الزعراء، عن عبد الله بن مسعود.\nورواه الطبري في \"تفسيره\" ٢٩/ ٣٩ من حديث عبد الرحمن، به موقوفًا بلفظ: ويبقى المنافقون ظهورهم طبق واحد كانَّما فيها السَّفافيد.\nورواه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" ١٥/ ١٩١ - ١٩٥، والحاكم في \"مستدركه\" ٤/ ٥٩٨ - ٦٠٠ والطبراني في الكبير ٩/ ٤١٣ - ٤١٦ من حديث سفيان به، مطولًا جدًا، موقوفا، بمثل لفظ الطبري.\nوقال الحاكم بعد إخراجه ٤/ ٦٠٠: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرّجاه.\nوقال الذهبي -متعقبًا قول الحاكم-: قلت: ما احتجا بأبي الزعراء. أهـ.\nوهذا الخبر عن المنافقين رواه من وجه آخر عن ابن مسعود مرفوعا إسحاقُ بن راهوية في مسنده (كما في المطالب العالية لابن حجر ٤/ ٣٦٥ - ٣٦٧)، والطبراني في الكبير ٩/ ٤١٦ - ٤٢١، والحاكم في \"مستدركه\" ٤/ ٥٩٠ ولفظ إسحاق: \"وتدمج أصلاب المنافقين، فتكون عظمًا واحدا، كأنها صياصي البقر، ويخرّون على أقفيتهم\".\nقال ابن حجر في \"المطالب\" ٤/ ٣٦٧ بعد ذكره لرواية إسحاق: هذا إسناد صحيح متصل، ورجاله ثقات.\nوقال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" ١٠/ ٣٤٣: رواه كله الطبراني في طرق، ورجال أحدهما رجال الصحيح غير أبي خالد الدالاني وهو ثقة.\nوقال الذهبي في \"تلخيص المستدرك\" ٤/ ٥٩٢ - ٥٩٣ ما أنكره حديثًا على جودة إسناده، وأبو خالد -يعني الدالاني- شيعي منحرف. اهـ.\nوذكر هذا الحديث السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ٢٥٧ وعزاه لإسحاق بن راهويه وعبد بن حميد وابن أبي الدنيا والطبرابي والآجري في \"الشريعة\" والدارقطني في \"الرؤية\" والحاكم وابن مردويه والبيهقي في \"البعث\".","vol":"15","page":476},{"text":"يأتي للمؤمنين. والريح العقيم: التي لا تأتي بمطر ولا سحاب ولا تلقح (١) شجرًا (٢).\nوأما التفسير: فقال ابن عباس: يريد يوم بدر (٣).\nوهو قول قتادة (٤)، ومجاهد (٥)، والسدي (٦)، وأبيّ بن كعب (٧).\nواختلفوا: لم سُمِّي يوم بدر عقيمًا.\nفقال ابن عباس: لأنّه ليس ليوم بدر نظير من الأيام لا قبله ولا بعده، لم تقاتل الملائكة مع نبيّ قط إلاّ مع محمد -ﷺ-، ولم تقاتل مع محمد إلا يوم بدر.\nوعلى هذا سمي عقيمًا، لأنه لا نظير له في عِظَمِه بقتال الملائكة فيه، فكأنَّ الدهر عقيم عن مثل ذلك اليوم.\nوقال الكلبي: يوم عقيم لا فرج (٨) فيه وهو يوم بدر.\n_________\n(١) في (أ): (الذي، يلقح).\n(٢) انظر: (عقم) في \"تهذيب اللغة\" للأزهري ١/ ٢٨٨، \"الصحاح\" للجوهري ٥/ ١٩٨، \"لسان العرب\" ١٢/ ٤١٣.\n(٣) ذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ٧٠ وعزاه لابن مردويه والضياء في المختارة.\n(٤) رواه عنه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ٢/ ٤١، والطبري ١٧/ ١٩٣.\n(٥) رواه الطبري ١٧/ ١٩٣.\n(٦) ذكره عنه ابن الجوزي ٥/ ٤٤٤.\n(٧) رواه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ٢/ ٤١ عن قتادة قال: بلغني أن أبيّ بن كعب كان يقول: أربع آيات أنزلت في بدر. هذه إحداهن \"يوم عقيم\" يوم بدر.\nوهو منقطع. ورواه الطبري ١٧/ ١٩٣ من هذا الوجه مختصرًا.\nوذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ٧٠ وعزاه لابن مردويه.\n(٨) في (أ)، (ظ)، (د): (لا فرح)، والمثبت من (ع).","vol":"15","page":477},{"text":"وهذا اختيار الزَّجَّاج، قال: اليوم العقيم هو الذي لا يأتي فيه خير كالريح العقيم (١).\nوقال ابن جريج: لأنهم لم ينظروا فيه إلى الليل، بل قتلوا قبل المساء (٢). وعلى هذا القول سُمّي عقيمًا لانقطاع أعمارهم وفناء آجالهم، فلم يروا بعد ذلك اليوم ليلًا ولا نهارًا، فكأنَّ ذلك اليوم عليهم يومًا لا ليل لهم بعده.\nوروي عن عكرمة والضحاك في قوله ﴿عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾: إنه القيامة (٣).\nوالوجه القول الأول (٤)؛ لأن ذكر القيامة قد تقدّم في قوله ﴿حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2729>٥٦ - ٥٧ </span>- قوله تعالى: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ يعني يوم القيامة لله وحده يحكم بينهم بما ذكر من قوله ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ إلى قوله ﴿عَذَابٌ مُهِينٌ﴾.\n<span data-type=\"title\" id=toc-2730>٥٨ </span>- ثم ذكر فضل المهاجرين وقال: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قال الكلبي: من مكة إلى المدينة في طاعة الله.\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٤٣٤.\n(٢) ذكره الثعلبي ٣/ ٥٥ ب بهذا اللفظ، ورواه الطبري ١٧/ ١٩٣.\n(٣) ذكره عنهما الثعلبي في \"الكشف والبيان\" ٣/ ٥٥ ب. ورواه عنهما الطبري ١٧/ ١٩٣. وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ٧٠ عن الضحاك، وعزاه لعبد بن حميد وابن أبي حاتم.\n(٤) وهو اختيار الإمام الطبري ١٧/ ١٩٣ قال: وذلك أنَّ الساعة هي يوم القيامة، فإن كان اليوم العقيم أيضًا هو يوم القيامة فإنما معناه ما قلنا من تكرير ذكر الساعة مرتين باختلاف الألفاظ، وذلك لا معنى له.","vol":"15","page":478},{"text":"﴿ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا﴾ تسوية بين حالتهم من القتل أو الموت على الفراش. ولهذا قال فضالة بن عبيد (١) ورأى جنازتين أحدهما قتيل والآخر متوفى-: ما أبالي من أي حفرتيهما بعثتُ. وقرأ هذه الآية (٢).\nقوله تعالى: ﴿لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا﴾ قال ابن عباس: يريد لا انقطاع له (٣).\nوقال السدي: هو رزق الجنة (٤).\nوقرئ قوله ﴿ثُمَّ قُتِلُوا﴾ بالتخفيف والتشديد (٥). فالتخفيف يكون للكثير (٦) والقليل، والتشديد حسن؛ لأنهم قد أكثر فيهم القتل في وجوه توجهوا إليها (٧).\n_________\n(١) هو: فضالة بن عبيد بن نافذ بن قيس الأنصاري، الأوسي. صاحب رسول الله -ﷺ-، أسلم قديمًا، وشهد أحدًا وما بعدها، وشهد بيعة الرضوان.\nولي الغزو لمعاوية، ثم ولي له قضاء دمشق، وكان ينوب عن معاوية في الإمرة إذا غاب. توفي سنة ٥٣ هـ، وقيل بعدها.\n\"طبقات ابن سعد\" ٧/ ٤٠١، \"الاستيعاب\" ٣/ ١٢٦٢، \"أسد الغابة\" ٤/ ١٨٢، \"سير أعلام النبلاء\" ٣/ ١١٣، \"البداية والنهاية\" ٨/ ٧٨، \"الإصابة\" ٣/ ٢٠١.\n(٢) رواه الطبري ١٧/ ١٩٤ - ١٩٥ وابن أبي حاتم (كما في \"تفسير ابن كثير\" ٣/ ٢٣٢) عن فضالة.\nوذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ٧١ وعزاه لا بن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(٣) ذكر البغوي ٥/ ٣٩٦ هذا القول ولم ينسبه لأحد.\n(٤) انظر: \"الدر المنثور\" ٦/ ٧١.\n(٥) قرأ ابن عامر: \"قتلوا\" مشددة التاء، وقرأ الباقون: \"قتلوا\" خفيفة التاء. \"السبعة\" ص ٤٣٩، \"المبسوط\" لابن مهران ص ٢٥٨، \"النشر\" ٢/ ٣٢٧.\n(٦) في (د)، (ع): (للكثرة).\n(٧) هذا كلام أبي على في \"الحجة\" ٥/ ٢٨٤. وانظر: \"إعراب القراءات وعللها\" لابن خالويه ٢/ ٨٣، \"حجة القراءات\" لابن زنجلة ص ٤٨١.","vol":"15","page":479},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2731>٥٩ </span>- قوله تعالى: ﴿لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ قال ابن عباس: يريد الجنة.\nوقرىء: ﴿مُدْخَلًا﴾ بضم الميم وفتحها (١)، فالضمّ (٢) يجوز أن يراد به الإدخال، ويكون المعنى أنهم إذا أدخلوا أكرموا، فلم يكونوا كمن ذكر في قوله ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ﴾ [الفرقان: ٣٤]. ويجوز أن يعني به الموضع، ويرضونه لأن لهم فيه ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين، فهو خلاف المدخل الذي قيل فيه ﴿إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ﴾ [غافر: ٧١] الآية. والفتح يجوز أن يكون الدخول (٣)، ويجوز أن يكون موضعه كالمدخل. ودل ﴿لَيُدْخِلَنَّهُمْ﴾ على الدخول؛ لأنَّهم إذا أدخلوا دخلوا، فكأنه قال: ليُدْخلنهم فيَدخلون مَدْخلًا (٤).\nوقوله: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ قال ابن عباس: عليم بنياتهم، حليم عن عقابهم (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2732>٦٠ </span>- قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ﴾ قال أبو إسحاق: \"ذلك\" في موضع رفع،\n_________\n(١) قرأ نافع \"مدخلا\" بفتح الميم، وقرأ الباقون بضمها. \"السبعة\" ص ٤٣٩، \"التبصرة\" ص ١٨٢، \"التيسير\" ص ٩٥، \"الاقناع\" ٢/ ٦٢٩.\n(٢) في \"الحجة\": المدخل يجوز أن يراد به الإدخال.\n(٣) في \"الحجة\": وحجة من قال مدخلا أن المدخل يجوز أن يكون الدخول.\n(٤) \"الحجة\" لأبي علي الفارسي ٥/ ٢٨٤ - ٢٨٥ مع تقديم وتأخير.\nوانظر: \"إعراب القراءات السبع وعللها\" لابن خالويه ٢/ ٨٣، \"حجة القراءات\" لابن زنجلة ص ٤٨١ - ٤٨٢.\n(٥) ذكره عنه القرطبي ١٢/ ٨٩. وذكره ابن الجوزي ٥/ ٤٤٦ والبغوي ٥/ ٣٩٧ من غير نسبة.","vol":"15","page":480},{"text":"المعنى: الأمر ذلك، أي (١): الأمر ما قصصنا عليكم (٢).\nثم قال: ﴿وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ﴾ أي: من جازى الظالم بمثل ما ظلمه. وسمي جزاء العقوبة عقوبة لاستواء الفعلين في جنس المكروه كقوله ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠]، فالأول سيئة والمجازاة عليها سميت سيئة بأنها وقعت إساءة بالمفعول به، لأنه فعل [به] (٣) ما يسوؤه (٤). وذكرنا هذا في قوله ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٥].\nقال الحسن: ﴿وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ﴾ يعني: قاتل المشركين كما قاتلوه (٥).\n﴿ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ﴾ أي: ظلم بإخراجه من منزله.\nقيل: إنها نزلت في قوم من المسلمين قاتلوا قومًا من المشركين غير مبتدئين بالقتال بل دفعًا لهم عن أنفسهم، ثم أخرجوا من ديارهم (٦).\nقال الضحاك، عن ابن عباس في قوله ﴿ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ﴾: يعني ما أتاه المشركون من البغي على المسلمين حين أحوجوا (٧) إلى مفارقة أوطانهم (٨).\n_________\n(١) (أي): ساقطة من (أ).\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٤٣٥.\nوعلى هذا \"ذلك\" خبر مبتدأ مُضمر، وانظر \"الإملاء\" للعكبري ٢/ ١٤٦، \"الدر المصون\" ٨/ ٢٩٦.\n(٣) زيادة من معاني الزجاج يستقيم بها المعنى.\n(٤) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣٠/ ٤٣٥ مع اختلاف يسير.\n(٥) ذكره عنه البغوي ٥/ ٣٩٧.\n(٦) انظر: \"التهذيب في التفسير\" للجشمي ٦/ ١٨٦ ب.\n(٧) في (أ): (حين أخرجوا)، وفي (ظ): (حتى أخرجوا).\n(٨) ذكره البغوي ٥/ ٣٩٧ من غير نسبة لأحد.","vol":"15","page":481},{"text":"قوله: ﴿لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ﴾ يعني: هذا المظلوم الذي بغي عليه وعده الله النَّصر.\nقال ابن جريج: يعني نصرته محمدًا -ﷺ- وأصحابه (١).\n﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ قال ابن عباس: يريد عفى عن المؤمنين مساوءهم، وغفر لهم ذنوبهم (٢).\nوذكر مقاتل بن سليمان السَّبب في نزول هذه الآية وتفسيرها فقال: إنَّ مشركي مكة لقوا المسلمين في ليلتين بقيتا من المحرم، فقال بعضهم لبعض: إنَّ أصحاب محمد يكرهون القتال في الشهر الحرام فاحملوا عليهم، فناشدهم المسلمون ألا يقاتلوهم في الشهر الحرام، فأبى المشركون إلا القتال، فبغوا على المسلمين، فقاتلوهم وحملوا عليهم، وثبت المسلمون فنصر الله المسلمين عليهم، فوقع في أنفس المسلمين من القتال في الشهر الحرام فأنزل الله هذه الآية (٣).\nفالمعني بـ\"من\" (٤) في قوله ﴿وَمَنْ عَاقَبَ﴾ المؤمنون، جازوا الكفار وقاتلوهم كما قاتلوهم، وبغيهم عليهم: أنَّهم لم يرتدعوا ولم يكفوا عن القتال بمناشدتهم إياهم.\n\n٥٩ - وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ﴾ قال مقاتل: عنهم ﴿غَفُورٌ﴾ لقتالهم في الشهر الحرام (٥).\n_________\n(١) رواه الطبري ١٧/ ١٩٥ بمعناه\n(٢) ذكره البغوي ٥/ ٣٩٧ من غير نسبة.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٢٧ ب. وهذا القول غير معتمد في سبب نزول هذه الآية لأن مقاتل بن سليمان كذّبوه. انظر: \"تقريب التهذيب\" ٢/ ٢٧٢.\n(٤) في (أ): (مَّمن).\n(٥) \"تفسيره مقاتل\" ٢/ ٢٧ ب.","vol":"15","page":482},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2733>٦١ </span>- قوله: ﴿ذَلِكَ﴾ أي: ذلك النصر الذي أنصره من بُغي عليه بأنّي القادر على ما أشاء، فمن قدرته أنَّه ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ﴾ الآية (١). ومن قدر على ذلك قدر على نصرة من شاء ومعنى ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ﴾ قد سبق فيما مضى.\nقوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ قال ابن عباس: ﴿سَمِيعٌ﴾ لدعاء محمد ومن معه من المؤمنين ﴿بَصِيرٌ﴾ بهم حيث جعل فيهم البرَّ (٢) والتقوى والدين (٣).\n\n٦٢ - قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ﴾ أي: ذلك الذي فعل من نصر المؤمنين بأنّه (٤) ﴿هُوَ الْحَقُّ﴾ أي: ذو الحق في قوله وفعله، فدينه حق وعبادته حق، كل ما يصدر عنه من أمر ونهي حق، والمؤمنون الذين آمنوا به وصدقوا رسوله هم المحقون؛ فيستحقون من الله النصر.\n﴿وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ أي: الذي ليس بشيء ولا ينفع عبادته. قاله مقاتل (٥).\n﴿وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ﴾ العالي على كل شيء بقدرته، والعالي عن الأشباه والأشكال (٦) ﴿الْكَبِيرُ﴾ الذي كل شيء سواه يصغر مقداره.\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" ١٧/ ١٩٥، الثعلبي ٣/ ٥٦ أ.\n(٢) في (د)، (ع): (البر والفاجر)، بزيادة (والفاجر)، وهو خطأ.\n(٣) ذكره ابن الجوزي ٥/ ٤٤٧ مختصرًا من غير نسبة.\n(٤) في (أ): (وأنَّه).\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٢٧ أ.\n(٦) الحق أنَّ \"العلي\" يتضمن ثلاثة أمور، وهي علو الذات وعلو القدر وعلو القهر. وكلام المؤلف هنا حيدة منه عن إثبات علو الذات. وانظر بيان ذلك في قسم الدراسة عند الكلام على عقيدة المؤلف.","vol":"15","page":483},{"text":"٦٣ - قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ الآية. حكى المبرد (١) والزجاج (٢) عن سيبويه (٣): أنه سأل الخليل عن هذه الآية ورفع قوله ﴿فَتُصْبِحُ﴾ وهو جواب الاستفهام بالفاء ووجهة النصب؟ فقال: هذا ليس بجواب لقوله ﴿أَلَمْ تَرَ﴾، لأنه (٤) لو كان كذلك لكان التقدير: ألم تر فتصبح، بل هذا واجب و﴿أَلَمْ تَرَ﴾ تنبيه، وكأنَّه في التقدير-والله أعلم-: اسمع يا فلان: أنزل الله من السماء ماء فكان (٥) كذا وكذا. وأنشد الخليل للنّابغة (٦):\n_________\n(١) \"المقتضب\" ٢/ ٢١.\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٤٣٦.\n(٣) انظر: \"الكتاب\" ٣/ ٣٦.\n(٤) في (أ): (الآية)، وهو خطأ.\n(٥) في (أ): (وكان).\n(٦) إنشاد الخليل لبيتي النابغة في \"الكتاب\" ٣/ ٣٦ ورواية البيت الأول فيه:\nولا زال قبرٌ بين تُبْنى وجاسم ... عليه من الوَسْمِى جَوْدٌ ووابل\nوالبيتان في \"المقتضب\" للمبرد ٢/ ١٩ بمثل الرواية التي ساقها الواحدي، ويظهر أنه نقل البيتين من المبرد؛ فقد قال قبل قليل: حكى المبرد ....\nوهما في: \"ديوان النابغة\" ص ١٢١ من قصيدة يرثي بها النعمان بن الحارث الغَسَّاني مع اختلاف ففيه:\nسقى الغيث قبرا بين بصري وجاسم ... بغيث من الوسمي قطر ووابل\nوينبت ....\nقال الشنتمري في \"شرحه لديوان النابغة\" ص ١٢١ - ١٢٢: (\"بُصْرى وجاسم\" هما موضعان بالشام، والوسمي: أول المطر؛ لأنه بسم الأرض بالنبات، .... والوابل: أشد المطر، وينبت حوذانًا: أي ينبت هذا المطر الذي دعا للقبر به، والحوذان والعوف: ضربان من النبت طيب الرائحة، وقوله \"سأتبعه\" أي: سآتي عليه بخير القول وأذكره بأجمل الذكر. اهـ.\nوالسَّح: الصَبّ المتتابع. \"لسان العرب\" ٢/ ٤٧٦ (سحح).","vol":"15","page":484},{"text":"فلا زال قبرٌ بين بصرى وجاسم ... عليه من الوسمي سح ووابل\nفينبتُ حوذانًا وعوفًا مُنورًا ... سأتبعه من خير ما قال قائل\n[وقال: لم يرد لا زال فينبت، ولكنَّه لما دَعَى بالغيث] (١) قال: فينبت أي: فهو ينبت كأنَّه خبرٌ لقصة تكون عن هذا الغيث.\nونحو هذا قال الفراء -في هذه الآية- فقال: (ألم تر) معناه خبر، كأنَّك قلت في الكلام: اعلم أنَّ الله يُنزل من السماء ماء فتصبح الأرض.\nوهو مثل قول الشاعر (٢):\nألم تسأل الربع القديم فينطقُ (٣)\n_________\n(١) ساقطة من (ع).\n(٢) البيت أنشده الفراء في \"معاني القرآن\" ٢/ ٢٢٩ من غير نسبة، وتتمته:\nوهل تُخْبرَنْكَ اليوم بيداءُ سملقُ\nوهو بلا نسبة في الكتاب ٣/ ٣٧ وفيه: (القواء) في موضع (القديم)، والطبري ١٧/ ١٩٧ بمثل رواية الفرّاء. والبيت لجميل بن معمر، وهو في \"ديوانه\" ص ١٤٤، \"شرح أبيات سيبويه\" للسيرافي ٢/ ٢٠١، \"شرح المفصل\" لابن يعيش ٧/ ٣٦، ٣٧، \"شرح شواهد المغني\" للسيوطي ١/ ٤٧٤، \"لسان العرب\" ١٠/ ١٦٤ (سملق)، \"خزانة الأدب\" ٨/ ٥٢٤، ٥٢٦ - ٥٢٧، وروايتهم جميعًا: القواء.\nقال الشنتمري في \"تحصيل عين الذهب\" ١/ ٤٢٢: الشاهد فيه رفع \"ينطق\" على الاستئناف والقطع، على معنى: فهو ينطق .. والرَبْع المنزل، والقواء: القفر. وجعله ناطقًا للاعتبار بدروسه وتغيره. ثم حقق أنه لا يجيب ولا يخبر سائله لعدم القاطنين به. والبيداء: القفر. والسملق: التي لا شيء بها. اهـ\nوعند السيرافي ٢/ ٢٠١: البيداء: الصحراء الواسعة.\nقال البغدادي ٨/ ٥٢٨: وقوله: (وهل تخبرنك) إلخ ردَّ على نفسه بأن مثله لا ينطق فيجيب.\n(٣) \"معانى القرآن\" للفراء ٢/ ٢٢٩.","vol":"15","page":485},{"text":"قال الخليل: المعنى فهو مما ينطق (١). هذا كلامهم.\nوعند النحويين (٢) يجوز الرفع في الجواب بالفاء على تقدير الاستئناف، كقراءة من قرأ ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ﴾ [البقرة: ٢٤٥] بالرفع (٣)، أي: فهو يضاعفه (٤) وكما رفع في هذه الآيات. وذكرنا عند قوله ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٤٣] أن (٥) ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ تكون بمعنى التنبيه.\nفحصل في هذه الآية وجهان: أحدهما: أن قوله [فتصبح] ليس بجواب الاستفهام؛ لأنَّ هذا استفهام معناه التنبيه.\nوالثاني: أنه جواب الاستفهام بالرفع على ما ذكره النحويون.\nقال ابن عباس وغيره: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ يعني المطر (٦) ﴿فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً﴾ بالنبات (٧) ﴿إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ﴾\n_________\n(١) قول الخليل في \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٤٦. وهو بنحوه في \"الكتاب\" ٣/ ٣٧.\n(٢) انظر: \"الكتاب\" ٣/ ٣١، \"ارتشاف الضرب\" لأبي حبان ٢/ ٤٠٨ - ٤٠٩، \"شرح المفصل\" لابن يعيش ٧/ ٣٦ - ٣٧.\n(٣) قرأ أبو عمرو، ونافع، وحمزة، والكسائي: \"فيضاعفه\" بالألف ورفع الفاء.\nوقرأ ابن كثير: \"فيضعّفُه\" بغير ألف وتشديد العين ورفع الفاء.\nوقرأ ابن عامر: \"فيضعّفَه\" بغير ألف وتشديد العين ونصب الفاء.\nوقرأ عاصم: \"فيضاعفه\" بألف ونصب الفاء.\n\"السَّبعة\" ص ١٨٤ - ١٨٥، \"التبصرة\" ص ١٦١، \"التيسير\" ص ٨١.\n(٤) أو يكون معطوفًا على \"يقرض الله\"، انظر \"حجة القراءات\" لابن زنجلة ص ١٣٩، \"إبراز المعاني\" لأبي شامة ٣٦٣.\n(٥) أنّ: ساقطة من (ظ)، (د)، (ع).\n(٦) ذكره ابن الجوزي ٥/ ٤٤٧ من غير نسبة لأحد.\n(٧) ذكره البغوي ٥/ ٣٩٧، وابن الجوزي ٥/ ٤٤٧ من غير نسبة لأحد.","vol":"15","page":486},{"text":"بأرزاق عباده (١).\nوقال مقاتل: باستخراج النبات من الأرض (٢).\n﴿خَبِيرٌ﴾ قال ابيت عباس: خبير بما في قلوب العباد من القنوط (٣). يعني عند تأخر المطر.\nوقال غيره: خبير بما يحدث من ذلك الماء ومن ذلك النبت (٤) (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2736>٦٤ </span>- قوله تعالى: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ قال مقاتل: عبيده وفي ملكه (٦).\n﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ﴾ عن عباده ﴿الْحَمِيدُ﴾ إلى أوليائه وأهل طاعته. قاله ابن عباس.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2737>٦٥ </span>- قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ﴾ قال ابن عباس: يريد البهائم التي تركب وتؤكل (٧).\nقوله: ﴿وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ﴾ \"الفلك\" بالنصب نسق على \"ما\"\n_________\n(١) ذكره عنه الرازي ٢٣/ ٦٢، والقرطبي ١٢/ ٩٢. وذكره البغوي ٥/ ٣٩٧ من غير نسبة.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٢٧ ب.\n(٣) ذكره عنه الرازي ٢٣/ ٦٢، والقرطبي ١٢/ ٩٢.\n(٤) في (أ): (النبات)، والمثبت من باقي النسخ هو الموافق لما عند الطبري.\n(٥) هذا قول الطبري ١٧/ ١٩٦.\n(٦) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٢٧ ب.\n(٧) ذكره البغوي ٥/ ٣٩٨، وابن الجوزي ٥/ ٤٤٨ من غير نسبة.\nقال ابن كثير -﵀- في \"تفسيره\" ٣/ ٢٣٣: أي من حيوان وجماد وزروع وثمار كما قال: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية: ١٣].","vol":"15","page":487},{"text":"و\"تجري\" حال أي: وسخر لكم الفلك في حال جريها (١).\n﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ﴾ قال الزجاج: المعنى: كراهة (٢) أن تقع، [وموضع \"أنْ\" نصب بيمسك، وهو مفعول له، المعنى: لكراهة أن تقع] (٣) (٤).\nوقال مقاتل: لئلا تقع (٥). وهذا على مذهب الكوفيين (٦). وذكرنا الكلام في هذه المسألة في مواضع (٧).\nقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ قال مقاتل: يعني لرفيق رحيم بهم فيما سخر لهم وحبس عنهم السماء فلا تقع عليهم فيهلكوا (٨).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2738>٦٦ </span>- قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ﴾ بعد أن كنتم نطفًا ميتة. ﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾ عند آجالكم.\n_________\n(١) هذا قول الزجاج بنصَّه في \"معاني القرآن\" ٣/ ٤٣٧.\nوجوَّز أبو البقاء في الإملاء ٢/ ١٤٦ أن يكون انتصاب \"الفلك\" عطفًا على لفظ الجلالة على تقدير: وأن الفلك تجري في البحر، و\"تجري\" خبرٌ على هذا.\nوتبع السمين الحلبي ٨/ ٣٠٢ أبا البقاء في هذا.\nواستظهر أبو حيان ٦/ ٣٨٧ ما قاله الزجاج، واستبعد ما جوزه أبو البقاء، وقال: وهو إعراب بعيدٌ عن القصاحة.\n(٢) في (أ): (كراهية)، والمثبت هو الموافق لما في كتاب الزجاج.\n(٣) ما بين المعقوفين ساقط من (ظ).\n(٤) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٤٣٧.\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٢٧ ب.\n(٦) انظر: \"البسيط\" عند قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ﴾ [الأنبياء: ٣١].\n(٧) انظر: \"البسيط\" عند قوله تعالى: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦].\n(٨) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٢٧ ب.","vol":"15","page":488},{"text":"﴿ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ للبعث والحساب والثواب والعقاب (١).\n﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ﴾ قال ابن عباس: يعني جماعة من المشركين (٢).\nقال الكلبي: هو الكافر (٣).\n﴿لَكَفُورٌ﴾ قال مقاتل: لكفور لنعم الله في حسن خلقه حين لا يوحده (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2739>٦٧ </span>- قوله: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ﴾ أي: لكل قرن مضى ﴿جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ﴾ قال ابن عباس: يريد شريعة هم عاملون بها (٥).\nوقال مقاتل وغيره: يعني ذبيحة في عيدهم هم ذابحوه (٦).\nوهذا ممَّا (٧) تقدم الكلام فيه في هذه السورة (٨).\n_________\n(١) الطبري ١٧/ ١٩٨، الثعلبي ٣/ ٥٦ أ.\n(٢) ذكر الرازي ٢٣/ ٦٣ والقرطبي ١٢/ ٩٨ وأبو حيان ٦/ ٣٨٧ عنه أنه قال: هو الأسود بن عبد الأسد وأبو جهل والعاص وأبي بن خلف.\nقال الرازي: والأولى تعميمه في جميع المنكرين. وقال أبو حيان بعد ذكره لقول ابن عباس-: وهذا على طريق التمثيل.\nوقيل: هذا وصفٌ للجنس؛ لأن الغالب على الإنسان كفر النّعم كما قال تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣].انظر: القرطبي ١٢/ ٩٣.\n(٣) ذكر الرازي ٢٣/ ٦٣، وأبو حيان ٦/ ٣٨٧ هذا القول عن ابن عباس.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٢٨ أ.\n(٥) ذكره عنه البغوي ٥/ ٣٩٨. وروى عنه الطبري ١٧/ ١٩٨ - من طريق الوالبي، قال: عيدا.\n(٦) انظر: تفسير مقاتل ٢/ ٢٨ أ. وجاء نحوه عن عكرمة. انظر: \"الدر المنثور\" للسيوطي ٦/ ٧٣.\n(٧) في (أ): (ما).\n(٨) عند قوله: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ [الحج: ٣٤].","vol":"15","page":489},{"text":"﴿فَلَا يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ﴾ يعني في أمر الذبائح.\nقال الكلبي ومقاتل: نزلت في بديل بن ورقاء الخزاعي (١) وبشر بن سفيان الخزاعي (٢)، ويزيد بن خنيس وغيرهم من كفار قريش وخزاعة، خاصموا النبي -ﷺ- والمؤمنين في أمر الذبيحة، فقالوا: ما قتل الله لكم أحق أن تأكلوه أو ما قتلتم أنتم بسكاكينم؟ (٣).\nقال أبو إسحاق: معنى قوله ﴿فَلَا يُنَازِعُنَّكَ﴾ لا تنازعهم ولا تجادلهم، والدليل على ذلك قوله: ﴿وَإِنْ جَادَلُوكَ﴾، وكان هذا قبل القتال. فإن قيل (٤): فلم قيل: فلا ينازعنك في الأمر وهم قد نازعوه؟ فالمعنى: إنَّ هذا نهيٌ للنبي -ﷺ- عن منازعتهم كما تقول: لا يخاصمنّك فلان في هذا أبدًا، أي: لا تخاصمه.\nوهذا جائز في الفعل الذي لا يكون إلا من اثنين؛ لأنَّ المجادلة\n_________\n(١) هو: بُديل بن ورقاء بن عمرو بن ربيعة بن عبد العزى بن ربيعة الخزاعي، كتب إليه النبي -ﷺ-، يدعوه إلى الإسلام، وأسلم قبل الفتح، وقيل يوم الفتح، وشهد حنينًا، واستعمله -ﷺ- على سبى هوازن، وسار مع النبي -ﷺ- إلى تبوك، وشهد حجة الوداع. \"طبقات ابن سعد\" ٤/ ٢٩٤، \"الاستيعاب\" ١/ ١٥٠، \"أسد الغابة\" ١/ ١٧٠، \"الإصابة\" ١/ ١٤٥.\n(٢) هو: بشر -قال ابن هشام: ويقال: بسر- بن سفيان بن عمر بن عويمر الكعبي الخزاعي، كتب إليه النبي -ﷺ-، وأسلم سنة ست، وبعثه النبي -ﷺ- عينًا إلى قريش إلى مكة، وشهد الحديبية، وله ذكر في حديث الحديبية، وسكن مكة.\n\"طبقات ابن سعد\" ٤/ ٤٥٨، \"السيرة النبوية\" لابن هشام ٣/ ٣٥٦، \"الاستيعاب\" ١/ ١٦٦، \"الإصابة\" ١/ ١٥٣.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٢٨ أ.\n(٤) في (أ) زيادة: (لهم) بعد قوله: (قيل)، وهو خطأ.","vol":"15","page":490},{"text":"والمخاصمة لا تتم إلا باثنين، فإذا (١) قلت: لا يجادلنّك فلان، فهو بمنزلة لا تُجادلنَّه. ولا يجوز هذا في قولك: لا يضربنك فلان، وأنت تريد لا تضربه. ولكن لو قلت: لا يضاربنّك فلان، لكان (٢) كقولك: لا تضاربن فلانًا. هذا كلام أبي إسحاق (٣).\nوقوله: ﴿وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ﴾ قال مقاتل بن سليمان: يعني إلى معرفة ربك وهو التوحيد (٤).\nوقال ابن عباس: يريد قم بشرائع الحنيفية. والمعنى على هذا: ادع إلى الإيمان به وإعمال ما شرع من الشريعة.\nقوله: ﴿إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى﴾ دين ﴿مُسْتَقِيمٍ﴾ وهو قال ابن عباس: لم يخلق دينًا أقوم ولا أفضل منه ولا أحب إلى الله -﷿-\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2740>٦٨، ٦٩ </span>- قوله: ﴿وَإِنْ جَادَلُوكَ﴾ قال الكلبي: خاصموك في أمر الذبيحة (٥).\nوقال مقاتل: جادلوك في أمر الذبائح (٦). يعني هؤلاء النفر.\n﴿فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ قال ابن عباس: يريد من تكذيبهم\n_________\n(١) في (أ): (وإذا).\n(٢) (لكان): ساقط من (ظ).\n(٣) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٤٣٧. مع اختلاف يسير.\nوقيل معنى \"فلا ينازعنك في الأمر\": فلا تتأثر بمنازعتهم لك ولا يصرفك ذلك عمّا أنت عليه من الحق. وهذا كقوله ﴿وَلَا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ﴾ [القصص: ٨٧] أشار إليه ابن كثير ٣/ ٣٣٤.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٢٨ أ.\n(٥) ذكره ابن الجوزي ٥/ ٤٤٩ ولم ينسبه لأحد.\n(٦) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٢٨ أ.","vol":"15","page":491},{"text":"النبي -ﷺ- (١).\nوقال مقاتل: الله أعلم بما تعملون وما نعمل، فذلك قوله: ﴿اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ (٢).\nوعلى هذا في الآية محذوف حذف لدلالة الباقي عليه. والمعنى: أيضًا يحكم بيننا وبينكم. يعني: أنَّه عالم بأعمالنا فهو يحكم بيننا وبينكم يوم القيامة ﴿فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ أي: تذهبون فيه إلى خلاف ما نذهب. وهو معنى قول ابن عباس: يريد في خلافكم إيّاي (٣).\nقال الكلبي ومقاتل: نسختها آية السيف (٤).\nوهذا النسخ الذي قالا لا يرجع إلى الحكم، لأنَّ الله يحكم يوم القيامة بين المحق والمبطل فيدخل المحق الجنة والمبطل النار، ولكن النسخ يعود إلى النبي -ﷺ- لما أمر بالقتال كان يقاتل من خالفه ولم يصدقه، ولا يدفع بالقول والمداراة كما أمر في هذه الآية بأن يقول إذا جادلوه:\n_________\n(١) ذكره عنه القرطبي ١٧/ ٩٤.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٢٨ أ.\n(٣) ذكره القرطبي ١٢/ ٩٤ من غير نسبة، وفيه: آياتي بدل إيّاي.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٢٨ أ.\nوانظر: \"الناسخ والمنسوخ\" لهبة الله بن سلاهه ص٦٦، \"ناسخ القرآن العزيز ومنسوخه\" لابن البارزي ص ٤١.\nوالمراد بآية السيف هي قوله: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥].\nوقيل: في قوله: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦]. وقيل هما معًا.\nانظر: الإتقان للسيوطي ٢/ ٦٧، \"روح المعاني\" للألوسي ١٠/ ٥٠.\nوالقول بالنسخ محل نظر؛ لأنه لا دليل على النسخ، ولا تعارض بينها وبين آية السيف.","vol":"15","page":492},{"text":"﴿اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2741>٧٠ </span>- قوله: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الحج: ٧٠].\n[قال ابن عباس] (١): يريد قد علمت وأيقنت أني أعلم ما في السماء والأرض.\nوهذا استفهام يراد (٢) به التقرير كقوله:\nألستم خير من ركب المطايا\nقوله: ﴿إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ﴾ يعني ما يجري في السماء والأرض، كلّ ذلك مكتوب في اللوح المحفوظ، وذلك أن الله تعالى خلق القلم واللوح، فجرى القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة (٣).\nقوله: ﴿إِنَّ ذَلِكَ﴾ أي: علمه بجميع ذلك ﴿عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ أي: سهل. فلا يخفى عليه شيء يتعذر العلم به.\nوقال ابن جريج: إنَّ الحكم بين المختلفين في الدنيا يوم القيامة على\n_________\n(١) ما بين المعقوفين ساقط من (ظ).\n(٢) في (أ): (يريد).\n(٣) روى أبو يعلى في مسنده ٤/ ٢١٧، والطبراني في \"المعجم الكبير\" ١٢/ ٨ - ٩٦ واللفظ له عن ابن عباس -﵄- أن النبي -ﷺ- قال: \"لما خلق الله القلم قال له: اكتب، فجرى بما هو كائن إلى قيام الساعة\".\nقال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" ٧/ ١٩٠: رواه الطبراني ورجاله ثقات.\nوروى مسلم في \"صحيحه\" (كتاب القدر ٤/ ٢٠٤٤) عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله -ﷺ-: \"كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، قال: وكان عرشه على الماء\".","vol":"15","page":493},{"text":"الله يسير (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2742>٧١ </span>- قوله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ قال الكلبي: يعني أهل مكة (٢).\n﴿مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾ قال ابن عباس: يريد حجة (٣).\n﴿وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾ أنها آلهة ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ وما للمشركين من مانع من العذاب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2743>٧٢ </span>- قوله: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ﴾ قال ابن عباس: يريد: بان لهم ما هم فيه من الضلالة وما جاء به محمد -ﷺ- من الهدى.\n﴿تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ﴾ قال مقاتل: ينكرون القرآن أن يكون من الله (٤).\nوالمنكر بمعنى: الإنكار، والتأويل: أثر الإنكار من الكراهية والعبوس.\nوذهب بعضهم (٥) إلى أنَّ المنكر هاهنا مفعول الإنكار وليس بمعنى المصدر وقال: وتأويله: يتبين في وجوههم ما ينكره أهل الإيمان من تغيّرها (٦) عند سماع القرآن.\n_________\n(١) رواه الطبري ١٧/ ٢٠٠ - ٢٠١.\nواختار الأول لأنَّه أقرب مذكور إلى قوله: \"يسير\"، هو وقوله: ﴿إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ﴾.\n(٢) ذكر ابن الجوزي ٥/ ٩٤٥١، والقرطبي ١٢/ ٩٥ هذين القولين من غير نسبة لأحد.\n(٣) ذكر ابن الجوزي ٥/ ٩٤٥١، والقرطبي ١٢/ ٩٥ هذين القولين من غير نسبة لأحد.\n(٤) \"تفسيرمقاتل\" ٢/ ٢٨ أ.\n(٥) هو: الإمام الطبري ﵀. وقوله هذا في \"تفسيره\" ١٧/ ٢٠١.\n(٦) في (أ): (تغييرها)، وهو خطأ.","vol":"15","page":494},{"text":"قوله: ﴿يَكَادُونَ يَسْطُونَ﴾ قال الليث: السطو: شدة البطش. والفحل يسطو على طروقته (١).\nوقال أبو زيد والفراء: كادوا يبطشون بهم (٢).\nومنه يقال: الأيدي السواطي، التي تتناول الشيء. والساطي من الرجال الذي يسطو بقرنه فيبطش به ويتناوله. والله ذو سطوات أي: أخذات شديدة. ويقال: سطوت به وسطوت عليه (٣).\nوقال المبرد: يقال سطا زيد على عمرو وبعمرو. إذا تطاول عليه ليضع منه. وقال أبو إسحاق: يكادون يبطشون (٤).\nوقال مجاهد (٥) ومقاتل (٦): يكادون يقعون بمحمد -ﷺ- وأصحابه، وهو قوله: ﴿بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا﴾ أي: يبسطون إليهم أيديهم بالسوء.\nقوله: ﴿قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ﴾ قال المفسرون: قل يا محمد لهم: أفأنبئكم بشر لكم وأكره إليكم من هذا القرآن الذي تسمعون (٧). ثم\n_________\n(١) قوله في \"تهذيب اللغة\" للأزهري ١٣/ ٢٤، ٢٥ (سطا).\nوهو في \"العين\" ٧/ ٢٧٧ مادة (سطا).\nوطروقته: أنثاه. \"لسان العرب\" ١٠/ ٢١٦ (طرق).\n(٢) \"تهذيب اللغة\" للأزهري ١٣/ ٢٤ عن الفراء وأبي زيد. وقول الفراء في \"معاني القرآن\" له ٢/ ٢٣٠.\n(٣) انظر: (سطا) في \"تهذيب اللغة\" للأزهري ١٣/ ٢٤، \"الصحاح\" للجوهري ٦/ ٢٣٧٦،\n\"أساس البلاغة\" للزمخشري ص ٤٣٩، \"لسان العرب\" ١٤/ ٣٨٤.\n(٤) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٤٣٨.\n(٥) رواه الطبري ١٧/ ٢٠٢ عن مجاهد مختصرًا.\n(٦) \"تفسيرمقاتل\" ٢/ ٢٨ أ.\n(٧) \"الكشف والبيان\" للثعلبي ٣/ ٥٦ ب.","vol":"15","page":495},{"text":"ذكر (١) ذلك فقال: ﴿النَّارُ﴾.\nقال أبو إسحاق: أي هو النار أو هي النار، كأنهم (٢) قالوا: ما ذلك الذي هو شر؟ فقيل: النارُ. قال: ويجوز الخفض على البدل من (شر) والنصب على أعني (٣). قال: والرفع أثبت في النحو (٤).\nونحو هذا قال الفراء: سواء ترفع (النار) لأنها معرفة فسرت الشر وهو نكرة، كما تقول: مررت برجلين: أبوك وأخوك. ولو نصبتها بما عاد من ذكرها ونويت بها الاتصال بما قبلها كان وجهًا. ولو خفضتها على الباء: أنبئكم بشر من ذلكم [بالنار، كان صوابًا. والوجه الرفع (٥).\nوذهب مقاتل في تفسير قوله: ﴿بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ النَّارُ﴾] (٦) إلى غير ما ذكرنا وهو أنه قال: إن المشركين لما سمعوا القرآن قالوا: ما شأن محمد وأصحابه أحق بهذا الأمر منا والله إنهم لشر خلق الله، فأنزل الله ﴿قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ﴾ من النبي وأصحابه من وعده الله النار وصار إليها يعني الكافر فهم أشرار الخلق (٧).\nوهذا تعسف وتفسير لا يساعده اللفظ.\nوقال بعض أهل المعاني: معنى الآية: بشر عليكم مما يلحق التالي\n_________\n(١) في (أ) زيادة (من) بعد قوله: (ذكر)، وهو خطأ.\n(٢) في (ط)، (د)، (ع): (وكأنهم)، والمثبت من (أ) هو الموافق لما في المعاني.\n(٣) في (أ): (أعلى) والعبارة عند الزجاج: فهو على معنى: أعني النار.\n(٤) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٤٣٨.\n(٥) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٣٠.\n(٦) ما بين المعقوفين كرره ناسخ (أ) مرتين.\n(٧) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٢٨ ب.","vol":"15","page":496},{"text":"منكم، أوعدهم الله تعالى على سطوتهم بأهل الحق عقوبة هي شر من سطوتهم بالذي يتلو القرآن (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2744>٧٣ </span>- قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾ قال أبو إسحاق: لما عبدوا من دون الله ما لا يسمع ولا يبصر وما لم ينزل به حجة، أعلمهم الله الجواب فيما جعلوه له مثلًا، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ يعني الأصنام (٢).\nقال ابن عباس، والكلبي، ومقاتل (٣): ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ وهو يعني كفار مكة ﴿ضُرِبَ مَثَلٌ﴾ يعني ذكر شبه الصنم ﴿فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾. ثم أخبر عنه فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ يعني: تعبدون من دون الله من الأصنام، وكانت ثلاثمائة وستين صنمًا حول الكعبة ﴿لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا﴾ لن يستطيعوا أن يخلقوا ذبابًا في صغره وقلته.\nوقال الأخفش في هذه الآية: إن قيل فأين (٤) المثل الذي ذكره الله في قوله ﴿ضُرِبَ مَثَلٌ﴾؟ قلت: ليس هاهنا مثل؛ لأن المعنى أن الله تعالى قال: ضرب لي مثل، أي: شبه بي الأوثان، ثم قال: فاستمعوا لهذا المثل الذي جعلوه مثلي في قولهم، إنهم لن يقدروا على خلق ذباب ولو اجتمعوا له، أي: فكيف تُضرب هذه الآلهة في ضعفها وعجزها مثلًا لله وهو رب كل شيء ليس له شبه ولا مثل (٥).\n_________\n(١) ذكره الطوسي في \"التبيان\" ٧/ ٣٠٢، والقرطبي ١٢/ ٩٦ ولم ينسبه لأحد.\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٤٣٨.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٢٨ ب.\n(٤) في (ظ)، (د)، (ع): (أين).\n(٥) \"معاني القرآن\" للأخفش ٢/ ٦٣٧ مع تصرف. وقول الأخفش هذا محل نظر، فإن =","vol":"15","page":497},{"text":"وتأويل الآية: جعل المشركون الأصنام شركائي فعبدوها معي، فاستمعوا حالها وصفتها، ثم بين ذلك فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾. الآية.\nوالذُّبَاب اسم واحد للذكر والأنثى، وجمعه القليل: أذِبَّة، والكثير: ذِبَّان مثل غُراب وأغْرِبَة وغِرْبان (١).\nقال الزجاجي (٢): وسُمي هذا الطائر ذبابًا لكثرة حركته واضطرابه وسرعة انتقاله إلى الموضع الذي يُذَبّ عنه وينحى (٣).\n_________\n= الظاهر المتبادر أن في الآية مثلا، والضارب للمثل هو الله -﷿- ضرب مثلا لما يعبد من دونه. انظر \"البحر المحيط\" لأبي حيان ٦/ ٣٩٠، والألوسي ١٧/ ٢٠٠. وانظر: شرح الإمام ابن القيم لهذا المثل في كتابه \"إعلام الموقعين\" ١/ ١٨١ فقد بين -﵀- أنه حقيق على كل عبد أن يستمع قلبه لهذا المثل، ويتدبره حق تدبره، فإنه يقطع مواد الشرك من قبله، ثم شرع في بيان المثل.\n(١) هذا كلام الطبري ١٧/ ٢٠٣ والثعلبي ٣/ ٥٦ ب لكن ليس عندهما للذكر والأنثى. وانظر: \"تهذيب اللغة\" للأزهري ٤٥١/ ١٤ (ذب)، \"الصحاح\" للجوهري ١/ ١٢٦ (ذبب)، \"لسان العرب\" ١/ ٣٨٢ (ذبب).\n(٢) في (أ): (الزجاج)، والأظهر ما في باقي النسخ لأن هذا الكلام ليس موجودًا في كتاب \"معاني القرآن\". والزجاجي هو: عبد الرحمن بن إسحاق، أبو القاسم الزجاجي، أحد أئمة العربية. لزم أبا إسحاق الزجاج -وإليه ينسب- حتى برع في النحو، وأخذ عن أبي بكر بن السراج وعلي بن سليمان الأخفش وغيرهما. صنف \"الجمل في النحو\" الكتاب المشهور -وبه يعرف- وغيره من المصنفات. توفي سنة ٣٣٩ هـ وقيل ٣٤٠ هـ. \"طبقات النحويين واللغويين\" ص ١٢٩، \"نزهة الألباء\" ص ٣٠٦، \"إنباه الرواة\" ٢/ ١٦٠، \"سير أعلام النبلاء\" ١٥/ ٤٧٥، \"بغية الوعاة\" ٢/ ٧٧.\n(٣) لم أجده.","vol":"15","page":498},{"text":"وأصل (ذب ب) (١) على هذا الترتيب موضوع (٢) في كلامهم لسرعته في (٣) الحركة والانتقال والاضطراب والمجيء والذهاب، ومنه قولهم: ذبب الرجل وذبذب، إذا أخذ في السير وأسرع. وذباذبُ الهودج: ما تعلق منه فيتردد في الهواء. والذَّبْذَبُ: ذكر الرجل، سُمّي بذلك لتردده. الذبّ: الرجل الخفيف الحركة (٤).\nقوله: ﴿وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ﴾ أي: إن سلبهم الذباب شيئًا مما عليهم لا يقدرون أن يستردوا وينزعوا ذلك من الذباب. ومعنى الاستنقاذ والإنقاذ: التخليص (٥). وذكرنا ذلك عند قوله ﴿فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا﴾ [آل عمران: ١٠٣].\nقال ابن عباس: كانوا يطلون أصنامهم الزعفران فيجف، ويأتي الذباب فيختلسه (٦)، فقال الله تعالى: ﴿وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا﴾ يريد من العطر ﴿لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ﴾ يريد الذباب.\nوقال السدي عن أصحابه: كانوا يجعلون للأصنام طعامًا فيقع عليه\n_________\n(١) في (أ): (ذب).\n(٢) في (أ): (موضع)، وهو ساقط من (ظ).\n(٣) (في): ساقطة من (أ).\n(٤) انظر (ذبب) في: \"تهذيب اللغة\" للأزهري ١٤/ ٤١٤، \"الصحاح\" للجوهري ١/ ١٢٦ - ١٢٧، \"مقاييس اللغة\" لابن فارس ٢/ ٣٤٨ - ٣٤٩ (ذب)، \"لسان العرب\" ١/ ٣٨٤ (ذبب).\n(٥) انظر (نقذ) في \"تهذيب اللغة\" للأزهري ٩/ ٧٤، \"الصحاح\" للجوهري ٢/ ٥٧٢، \"لسان العرب\" ٣/ ٥١٦.\n(٦) ذكره عنه البغوي ٥/ ٤٠٠، وابن الجوزي ٥/ ٤٥٢، والقرطبي ١٢/ ٩٧.","vol":"15","page":499},{"text":"الذباب فيأكل، فلا يستطيع أن يستنقذه منه (١).\nوقال مقاتل: أي فكيف (٢) يعبدون من لا يخلق ذبابًا، ولا يمتنع من الذباب (٣).\nوقال أبو إسحاق: أعلم الله أن الذين عُبدوا من دونه لا يقدرون على خلق واحد قليل ضعيف من خلقه ولا على استنقاذ تافه حقير منه (٤).\nقوله: ﴿ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ قال ابن عباس: ﴿الطَّالِبُ﴾: الصنم، ﴿وَالْمَطْلُوبُ﴾: الذباب. هذا قوله في رواية عطاء (٥).\nوهو قول الكلبي، وابن زيد (٦)، ومقاتل (٧)، قالوا: ﴿الطَّالِبُ﴾ هو (٨) الصنم الذي سلبه الذباب ولم يمتنع منه، ﴿وَالْمَطْلُوبُ﴾ هو الذباب.\nوعلى هذا معنى الآية: ضعف ﴿الطَّالِبُ﴾ الذي هو الصنم فلم يطلب ما سلب منه، وضعف المطلوب منه وهو الذباب السالب.\nوهذا القول اختيار الفراء، فقال: ﴿الطَّالِبُ﴾: الآلهة، ﴿وَالْمَطْلُوبُ﴾\n_________\n(١) رواه ابن أبي حاتم عنه كما في \"الدر المنثور\" ٦/ ٧٥. وذكره عنه البغوي ٥/ ٤٠٠، وابن الجوزي ٥/ ٤٥٢، والقرطبي ١٢/ ٩٧.\n(٢) في (أ): (كيف).\n(٣) \"تفسيرمقاتل\" ٢/ ٢٨ ب.\n(٤) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٤٣٨.\n(٥) ذكره ابن الجوزي ٥/ ٤٥٢ عن عطاء، عن ابن عباس. ورواه الطبري ١٧/ ٢٠٣ هذا القول عن ابن عباس من طريق ابن جريج قال: قال ابن عباس. وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ٧٥ وعزاه لابن جرير وابن المنذر.\n(٦) ذكره عنه الثعلبي ٣/ ٥٦ ب.\n(٧) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٢٨ ب.\n(٨) (هو): ساقطة من (ظ).","vol":"15","page":500},{"text":"الذباب، وفيه معنى المثل (١).\nوروى عن ابن عباس: ﴿الطَّالِبُ﴾: الذباب، ﴿وَالْمَطْلُوبُ﴾: الصنم (٢). وذلك أن الذباب يطلب ما يسلب الصنم من طيب أو طعام والصنم المطلوب منه السلب.\nوقال الضحاك: يعني العابد والمعبود (٣). وهذا معنى قول السدي: الطالب: الذي يطلب إلى هذا الصنم بالتقرب إليه، والصنم المطلوب إليه (٤) (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2745>٧٤ </span>- قوله: ﴿مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ قال ابن عباس (٦)، ومقاتل (٧)، والزجاج (٨): ما عظموا الله حق عظمته حيث جعلوا هذه الأصنام شركاء له.\nوقال أبو عبيدة: ما عرفوا الله حق معرفته ولا وصفوه حق صفته (٩).\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٣٠.\n(٢) ذكره عنه الثعلبي ٣/ ٥٦ ب.\n(٣) ذكره عنه الثعلبي ٣/ ٥٦ أ.\n(٤) (إليه): ساقطة من (ظ).\n(٥) رواه ابن أبي حاتم كما في \"الدر المنثور\" ٦/ ٧٥. قال الإمام ابن القيم في \"إعلام الموقعين\" ١/ ١٨٢ - بعد ذكره للأقوال المتقدمة في معنى الطالب والمطلوب-: والصحيح أن اللفظ يتناول الجميع فضعف العابد والمعبود والمُستلِب والمُستلَب.\n(٦) ذكره ابن الجوزي ٥/ ٤٥٣، والقرطبي ١٢/ ٩٨ من غير نسبة لأحد.\n(٧) \"تفسيرمقاتل\" ٢/ ٢٨ ب.\n(٨) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٤٣٨.\n(٩) \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ٢/ ٥٤. وفيه: مبلغ صفته.","vol":"15","page":501},{"text":"وهذا مما قد تقدم (١) فيه الكلام (٢).\nثم أعلم الله -بعد ذكره ضعف المعبودين- قوته فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ قال ابن عباس: على خلقه ﴿عَزِيزٌ﴾ في ملكه.\nوقال مقاتل: إن الله لقوي في أمره منيع في ملكه، والصنم لا قوة له ولا منعة (٣).\nوقال الكلبي: نزلت هذه الآية في جماعة من يهود المدينة قالوا: فرغ الله من خلق السموات والأرض فأعيا فاستلقى فاستراح، ووضع إحدى رجليه على الأخرى، وكذب أعداء الله فنزل قوله: ﴿مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2746>٧٥ </span>- قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا﴾ قال ابن عباس والمفسرون: يريد إسرافيل وجبريل وميكائيل وملك الموت ﴿وَمِنَ النَّاسِ﴾ يريد النبيين (٥).\n_________\n(١) في (ظ)، (د)، (ع): (مما تقدم الكلام)، دون قد.\n(٢) انظر: \"البسيط\" عند قوله تعالى ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٩١].\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٢٨ ب.\n(٤) ذكره الرازي ٢٣/ ٦٩ عن الكلبي. وذكره الماوردي ٤/ ٤٠ وعزاه لابن عباس. وهذا القول في سبب نزول هذه الآية لا يصح قال الآلوسي ١٧/ ٢٠٣: الظاهر أن قوله (ما قدروا) إلخ إخبار عن المشركين وذم لهم. وقال ابن القيم في \"إعلام الموقعين\" ١/ ١٨٢: فمن جعل هذا -يعني الذي قال الله فيه ضعف الطالب والمطلوب- إلها مع القوي العزيز فما قدره حق قدره.\n(٥) انظر الطبري ١٧/ ٢٠٤، والثعلبي ٣/ ٥٧ أ.","vol":"15","page":502},{"text":"قال مقاتل (١) وغيره (٢): إن الوليد بن المغيرة قال: ﴿أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا﴾ (٣) [ص: ٨] فأنزل الله هذه الآية فأخبر بأن الاختيار إليه يختار من يشاء من خلقه فيجعلهم رسله وأنبياءه، ذلك كله بيد الله ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ﴾ لمقالتهم ﴿بَصِيرٌ﴾ بمن يتخذه رسولًا (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2747>٧٦ </span>- قوله: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ قال ابن عباس: يريد ما قدموا، ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ يريد ما خلفوا (٥).\nوقال الحسن: ﴿مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ ما عملوه ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ وما (٦) هم عاملون مما لم يعلموا بعد (٧).\nوقال مقاتل: يعلم ما كان قبل خلق الملائكة ويعلم ما يكون بعد خلقهم (٨).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2748>٧٧ </span>- قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ قال المفسرون: أي: صلوا، لأن الصلاة لا تكون إلا بالركوع والسجود (٩).\n﴿وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ﴾ قال مقاتل: يقول: وحّدوا ربكم (١٠).\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٢٨ ب.\n(٢) ذكره الطبري ١٧/ ٢٠٤ وصدره بقوله: قيل. والثعلبي ٣/ ٥٧ أ، وصدره بقوله: ويقال. ولا يعتمد على هذا في سبب نزول هذه الآية.\n(٣) في (أ): (أنزل).\n(٤) الطبري ١٧/ ٢٥٤، الثعلبي ٣/ ٥٧ أ.\n(٥) ذكره عنه البغوي ٥/ ٤٠١.\n(٦) في (ظ): (مما)، وفي (ع): (ما).\n(٧) ذكره عنه البغوي ٥/ ٤٠١.\n(٨) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٢٨ ب.\n(٩) الطبري ١٧/ ٢٠٤. وانظر البغوي ٥/ ٤٠١.\n(١٠) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٢٩ أ.","vol":"15","page":503},{"text":"يعني: أن من أشرك بعبادته غيره لم (١) يوحده، وعبادته إنما تصح مع التوحيد فجاز أن يسمي التوحيد عبادة؛ لأنه أصل العبادة وأعظمها.\nوقال أبو إسحاق: أي: اقصدوا بركوعكم وسجودكم الله -﷿- وحده (٢).\n﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ﴾ قال مقاتل: الخير الذي أمرتم به (٣). كأنه بمعنى (٤) الصلاة.\nوقال ابن عباس: يريد صلة الرحم ومكارم الأخلاق (٥).\nوقال الزجاج: الخير كل ما أمر الله به ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ قال: لترجوا أن تكونوا على فلاح (٦).\nوقال ابن عباس: يريد: كي تسعدوا وتبقوا في الجنة (٧).\nوذكرنا قديمًا هذين المذهبين في ﴿لَعَلَّكُمْ﴾ أينما كان في القرآن (٨).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2749>٧٨ </span>- قوله: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ قال ابن عباس -في رواية عطاء: بنية صادقة (٩) - وعلى هذه حق الجهاد أن يكون بنية صادقة خالصة لله تعالى.\n_________\n(١) في (ظ): (ولم).\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٤٣٩.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٢٩ أ.\n(٤) في (ظ)، (د)، (ع): (يعني).\n(٥) ذكره عنه البغوي ٥/ ٤٠١، والزمخشري ٣/ ٢٣، وأبو حيان ٦/ ٣٩١.\n(٦) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٤٣٩.\n(٧) ذكره عنه البغوي ٥/ ٤٠١، وذكره ابن الجوزي ٥/ ٤٥٤ من غير نسبة لأحد.\n(٨) انظر: \"البسيط\" ظهر قوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ٢١].\n(٩) ذكر هذا القول البغوي ٥/ ٤٠٢، وعزاه لأكثر المفسرين.","vol":"15","page":504},{"text":"وقال مقاتل بن حيان: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ يعني العمل أن تجتهدوا (١) فيه (٢).\nوقال السدي: هو أن يطاع فلا يعصى (٣).\nوقال مقاتل بن سليمان: يقول اعملوا لله بالخير حق عمله، نسختها الآية التي في التغابن ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] (٤).\nونحو هذا قال الضحاك (٥) سواء. واختاره الزجاج (٦).\n_________\n(١) في (ظ): (يجهدوا).\n(٢) رواه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" كما في \"الدر المنثور\" ٦/ ٧٨.\n(٣) رواه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" كما في \"الدر المنثور\" ٦/ ٧٨.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٢٩ أ.\n(٥) ذكره عنه الثعلبي ٣/ ٥٧ أ، وذكر الطبري ١٧/ ٢٠٥ هذا القول ثم قال: وهذا قول ذكره عن الضحاك عن بعض من في روايته نظر.\n(٦) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٤٣٩.\nوالقول بنسخ هذه الآية لا دليل عليه، ولا تعارض بين هذه الآية وآية التغابن، ولهذا قال أبو عثمان النحاس في \"الناسخ والمنسوخ\" ص ٥٧٧: وهذا لا نسخ فيه. وقال مكي بن أبي طالب في \"إيضاح ناسخ القرآن ومنسوخه\" ص ٣١٠: والقول في هذا أنه محكم، ومعناه: جاهدوا في الله بقدر الطاقة، إذ لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها.\nوقال ابن عطية ١٠/ ٣٢٦: ومعنى الاستطاعة في هذه الأوامر هو المراد من أول الأمر، فلم يستقر تكليف بلوغ الغاية شرعًا ثابتًا فيقال إنه نُسِخ بالتخفيف، وإطلاقهم النسخ في هذا غير محدق.\nوقال ابن القيم في \"زاد المعاد\" ٣/ ٨: ولم يصب من قال إن الآيتين -يعني هذه الآيهَ وقوله: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢]- منسوختان لظنه أنهما تضمنتا الأمر بما لا يطاق، وحق تقاته وحق جهاده. هو ما يطيقه كل عيد في نفسه، وذلك يختلف باختلاف أحوال المكلفين في القدرة والعجز والعلم والجهل. فحق =","vol":"15","page":505},{"text":"وروي عن ابن عباس: جاهدوا في سبيل الله أعداء الله باستفراغ الطاقة فيه (١). وروي عنه (٢) أيضًا: ﴿حَقَّ جِهَادِهِ﴾ أي لا تخافوا (٣) في الله لومة لائم (٤).\nوقال عبد الله بن المبارك: حق الجهاد مجاهدة النفس والهوى (٥).\nقوله: ﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ﴾ أي: اختاركم واصطفاكم واستخلصكم لدينه ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ قالوا جميعًا: من ضيق (٦).\nواختلفوا في وجه رفع الحرج. فروي عن ابن عباس أنه قال: جعل الله (٧) الكفارات مخرجًا (٨).\nيعني أن (٩) من أذنب ذنبًا جعل له منه مخرجًا (١٠)، إما بالتوبة، أو بالقصاص، أو برد المظلمة، أو بنوع كفارة فلم يُبتل المؤمن بشيء من\n_________\n= التقوى وحق الجهاد بالنسبة إلى القادر المتمكن العالم شيء، وبالنسبة إلى العاجز الجاهل الضعيف شيء، وتأمل كيف عقب الأمر بذلك بقوله: ﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ والحرج الضيق، بل جعله واسعًا يسع كل أحد.\n(١) ذكره عنه الثعلبي ٣/ ٥٧ أ.\n(٢) في (ظ): (عن ابن عباس).\n(٣) في (أ)، (ظ)، (د): (تخاف. والمثبت من (ع) هو الموافق لما عند الطبري والثعلبي.\n(٤) ذكره عنه الثعلبي ٣/ ٥٧ أ. ورواه الطبري ١٧/ ٢٠٥.\n(٥) ذكره عنه الثعلبي ٣/ ٥٧ أ.\n(٦) انظر: الطبري ١٧/ ٢٠٦، \"الدر المنثور\" ٦/ ٧٩ - ٨٠.\n(٧) لفظ الجلالة زيادة من (أ).\n(٨) سيأتي تخريجه.\n(٩) (أن): ساقطة من (ظ)، (ع).\n(١٠) في (د)، (ع): (مخرج).","vol":"15","page":506},{"text":"الذنوب إلا جُعل له منه مخرج. وهذا رواية الزهري عنه (١).\nوروي عنه قول آخر، قال: هذا في هلال شهر رمضان إذا شك فيه الناس، وفي الحج إذا شكوا في الهلال، وفي الفطر (٢) وأشباهه حتى يتيقنوا (٣).\nوعلى هذا رفع الحرج يعود إلى أنا أمرنا بالأخذ باليقين عند الاشتباه.\nوروي عن أبي هريرة أنه قال لابن عباس: أما علينا في الدين من حرج أن نسرق أو نزني؟ قال: بلى. قال (٤): قوله: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي\n_________\n(١) روى الطبري في \"تفسيره\" ١٧/ ٢٠٥ - ٢٠٦ عن الزهري قال: سأل عبد الملك بن مروان علي بن عبد الله بن عباس عن هذه الآية ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ فقال علي بن عبد الله: الحرج: الضيق، فجعل الله الكفارات مخرجًا من ذلك. سمعت ابن عباس يقول ذلك.\nوذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ٧٩ وعزاه لمحمد بن يحيى الذهلي في \"الزهريات\" وابن عساكر. وروى ابن أبي حاتم كما في \"الدر المنثور\" ٦/ ٧٨ - ٧٩ من طريق ابن شهاب، أن ابن عباس كان يقول في قوله ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾: توسعة الإسلام، وما جعل الله من التوبة ومن الكفارات.\n(٢) في (أ): (الفطرة).\n(٣) رواه سعيد بن منصور في \"تفسيره\" ل ١٥٦ ب، والطبري ١٧/ ٢٠٧ وابن أبي حاتم وابن المنذر كما في \"الدر المنثور\" ٦/ ٧٩ من طريق عثمان بن يسار -وتصحف في المطبوع من الطبري والدر المنثور إلى: بشار، والصواب يسار كما في \"التاريخ الكبير\" للبخاري ٦/ ١٧٣، و\"الجرح والتعديل\" لابن أبي حاتم ٦/ ٢٥٧ - عن ابن عباس.\nوليس قوله (حتى يتيقنوا) في رواية أحد منهم، وإنما أدخلها الواحدي من كلام الثعلبي ٣/ ٥٧ ب، حيث ذكر الثعلبي هذا القول ولم ينسبه لأحد.\n(٤) (قال): ساقطة من (ظ).","vol":"15","page":507},{"text":"الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾؟ قال: ذلك الإصر (١) الذي كان على بني إسرائيل، وضعه الله عنكم (٢).\nوقال مقاتل بن حيان: يعني إباحة الرخص عند الضرورات، كالقصر في الصلاة، والتيمم، وأكل الميتة، والإفطار عند المرض والسفر (٣).\nوهو قول الكلبي (٤)، واختيار الزجاج (٥).\nقوله تعالى: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ﴾ قال أكثر النحويين (٦): (ملة) منصوب على الأمر، معناه: اتبعوا ملة أبيكم.\nوقال المبرد: أي عليكم ملة أبيكم (٧).\n_________\n(١) في (ج)، (د)، (ع): (الأمر).\n(٢) رواه ابن أبي حاتم كما في \"الدر المنثور\" ٦/ ٧٨ عن محمد قال: قال أبو هريرة لابن عباس، فذكره.\n(٣) ذكره السيوطي عنه في \"الدر المنثور\" ٦/ ٨٠ بأطول من هذا، وعزاه لابن أبي حاتم.\n(٤) ذكره عنه البغوي ٥/ ٤٠٣.\n(٥) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٤٤٠. وما ذكر هنا من الأقوال داخل في معنى الآية، وكل ذكر مثلا على رفع الحرج. قال ابن العربي في \"أحكام القرآن\" ٣/ ١٣٠٥ - بعد أن ذكر وجوهًا من رفع الحرج: ولو ذهبت إلى تعديد نعم الله في رفع الحرج لطال المرام.\nوقال ابن القيم في \"زاد المعاد\" ٣/ ٨ - ٩: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ والحرج: الضيق، بل جعله واسعًا يسع كل أحد، ..، وما جعل على عبده في الدين من حرج بوجه ما .. وقد وسع الله -﷾- على عباده غاية التوسعة في دينه ورزقه وعفوه ومغفرته ..\nثم ذكر -﵀- أمثلة لذلك.\n(٦) انظر: \"إعراب القرآن\" للنحاس ٣/ ١٠٦، \"الإملاء\" للعكبري ٢/ ١٤٧، \"البحر المحيط\" ٦/ ٣٩١، \"الدر المصون\" ٨/ ٣٠٩.\n(٧) لم أجده.","vol":"15","page":508},{"text":"وتأويل عليكم: اتبعوا واحفظوا. وهذا قول الأخفش (١)، والفراء (٢)، والزجاج (٣).\nقال الفراء: ويجوز أن يكون المعنى كملة أبيكم فإذا ألقيت (٤) الكاف نصبت (٥).\nوقال أبو إسحاق: وجائز أن يكون منصوبًا بقوله: (٦) ﴿وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ﴾ فعل أبيكم إبراهيم (٧).\n_________\n(١) انظر: \"معاني القرآن\" للأخفش ٢/ ٦٣٨.\n(٢) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٣١ وفيه: وقد تنصب (ملة إبراهيم) على الأمر بها.\n(٣) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٤٤٠.\n(٤) في (أ): (الغيت).\n(٥) عبارة الفراء في \"معانيه\" ٢/ ٢٣١ هي: وقوله: (ملة أبيكم) نصبتها على: وسع عليكم كملة إبراهيم؛ لأن قوله ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ يقول: وسعة وسمحه كملة إبراهيم، فإذا ألقيت الكاف نصبت. وقد تنصب (ملة إبراهيم) على الأمر بها؛ لأن أول الكلام أمر كأنه قال: اركعوا والزموا ملة إبراهيم. انتهى كلامه. فليس في عبارة الفراء: ويجوز، بل إنه ذكر هذا القول ثم ذكر قولا آخر وصدره بقوله: وقد -وهو القول الذي ذكر الواحدي أنه قول الفراء- فعكس الواحدي الأمر. والله أعلم.\nوهذا الوجه الذي ذكره الفراء استبعده مكي في \"مشكل إعراب القرآن\" ٢/ ٤٩٥، والأنباري في \"البيان في غريب إعراب القرآن\" ٢/ ١٧٩.\n(٦) في (أ)، (ظ): (اعبدوا)، وهو هكذا في \"معاني الزجاج\".\n(٧) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣٠/ ٤٤٠. ونحو هذا قال الزمخشري ٣/ ٢٤: كأنه قال: وسع عليكم دينكم توسعة ملة أبيكم. ثم حذف المضاف -يعني توسعة- وأقيم المضاف إليه -يعني ملة- مقامه. وعلى هذا القول انتصاب (ملة) على أنها مفعول مطلق لفعل محذوف. واستظهر هذا الوجه السمين الحلبي ٨/ ٣١٠.\nوقيل (ملة) منصوبة على الاختصاص، أي: أعني بالدين ملة أبيكم. =","vol":"15","page":509},{"text":"وعلى هذا أقيم قوله (ملة) مقام المصدر، وذلك أن فعل إبراهيم هو ملته وشرعه (١).\nوقوله: ﴿أَبِيكُمْ﴾ إن حمل الكلام على تخصيص العرب (٢) بالخطاب في هذه الآية، فإبراهيم أبو العرب قاطبة، وإن حمل (٣) على التعميم فهو أبو المسلمين كلهم؛ لأن حرمته على المسلمين كحرمة الوالد كما قال -ﷺ-: \"إنما أنا لكم مثل الوالد\" (٤). وكقوله تعالى: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: ٦]. وهذا معنى قول الحسن (٥).\nقال المفسرون: وإنما أمرنا باتباع ملة إبراهيم، لأنها داخلة في ملة محمد عليهما (٦) السلام (٧).\n_________\n= وقيل: منصوبة بـ (جعلها) مقدرًا.\nانظر: \"إعراب القرآن\" للنحاس ٣/ ١٠٦، \"الإملاء\" للعكبري ٢/ ١٤٧، \"البحر المحيط\" ٦/ ٣٩٠، \"الدر المصون\" ٨/ ٣٠٩ - ٣١٠.\n(١) في (ظ): (شرعه).\n(٢) (العرب): ساقطة من (أ). فأصبحت العبارة في (أ): (على تخصيص الخطاب).\n(٣) في (أ): (عمل)، وهو خطأ.\n(٤) هذا قطعة من حديث رواه الدارمي في \"مسنده\" ١/ ١٧٢، الإمام أحمد في \"مسنده\" ١٣/ ١٠٠، والنسائي في \"سننه\" كتاب: الطهارة، باب: النهي عن الاستطابة بالروث ١/ ٣٨، وابن ماجة في \"سننه\" كتاب: الطهارة، باب: الاستنجاد بالحجارة والنهي عن الروث والرمة ١/ ٣ من حديث أبي هريرة ﵁. قال العلامة أحمد شاكر في \"قعليقه على المسند\" ١٣/ ١٠٠: إسناده صحيح.\n(٥) ذكره عنه الثعلبي ٣/ ٥٧ ب.\n(٦) ﵉: في حاشية (أ) وعليها علامة التصحيح. وفي (ظ): (﵈)، وفي (د)، (ع): (صلى الله عليهما وسلم)، وأثبتنا ما في (أ) لأنه الموافق لما عند الثعلبي. فالنص منقول منه.\n(٧) \"الكشف والبيان\" للثعلبي ٣/ ٥٧ ب.","vol":"15","page":510},{"text":"وقوله: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ﴾ قال جماعة المفسرين وأهل المعاني: هو كناية عن الله تعالى (١). أي (٢): الله تعالى سماكم المسلمين قبل إنزال القرآن في الكتب التي أنزلت قبله.\nوقال مقاتل بن حيان: ﴿مِنْ قَبْلِ﴾ وهو يعني [في أم الكتاب (٣). ﴿وَفِي هَذَا﴾ قالوا (٤): يعني القرآن.\nوقال ابن زيد: هو كناية عن إبراهيم (٥).\n_________\n(١) انظر الطبري ١٧/ ٢٠٧ - ٢٠٨، الثعلبي ٣/ ٥٧ ب، ابن كثير ٣/ ٢٣٦ \"الدر المنثور\" ٦/ ٨٠ - ٨١، \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٣١، \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٤٤٠.\n(٢) في (ظ): (أن).\n(٣) ذكره ابن الجوزي ٥/ ٤٥٧ ولم ينسبه لأحد.\n(٤) قالوا: يعني جماعة المفسرين وأهل المعاني. وانظر فقرة (٣).\n(٥) ذكره الثعلبي ٣/ ٥٧ ب، ورواه الطبري ١٧/ ٢٠٨، وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ٨١ وعزاه لابن أبي حاتم.\nقال الطبري ١٧/ ٢٠٨: ولا وجه لما قال ابن زيد من ذلك؛ لأنه معلوم أن إبراهيم لم يُسم أمة محمد مسلمين في القرآن؛ لأن القرآن أُنزل من بعده بدهر طويل، وقد قال الله تعالى ذكره ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا﴾ ولكن الذي سمانا مسلمين من قبل نزول القرآن وفي القرآن الله الذي لم يزل ولا يزال. أهـ.\nوقال الشنقيطي ٥/ ٧٥٠ وفي هذه الآيات قرينتان تدلان على أن قول عبد الرحمن ابن زيد بن أسلم غير صواب، ثم ذكر الشنقيطي الأولى وهو مثل ما قال الطبري، وأشار إلى أن ابن جرير نبه عليها. ثم قال: القرينة الثانية. أن الأفعال كلها في السياق المذكور راجعة إلى الله لا إلى إبراهيم، فقوله (هو اجتباكم) أي الله ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ﴾ أي الله. أهـ.\nفظهر بذلك أن القول الأول هو الصحيح، وصوبه ابن كثير ٣/ ٢٣٦ وغيره.","vol":"15","page":511},{"text":"يعني] (١) أن إبراهيم سماكم المسلمين من قبل هذا الوقت، وفي هذا الوقت وهو قوله: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ [البقرة: ١٢٨] (٢).\nوذكر أبو إسحاق القولين، وقال في القول الثاني: أي حكم إبراهيم أن كل من آمن بمحمد موحدًا لله فقد سماه إبراهيم مسلمًا (٣).\nقوله: ﴿لِيَكُونَ الرَّسُولُ﴾ أي: اجتباكم وسماكم المسلمين ليكون محمد (٤) ﵇ ﴿شَهِيدًا عَلَيْكُمْ﴾ يوم القيامة بالتبليغ ﴿وَتَكُونُوا﴾ أنتم ﴿شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ أن الرسول قد بلغهم.\nوهذا قول ابن عباس، وقتادة (٥)، وجميع المفسرين (٦).\nوقد سبق الكلام في هذا عند قوله ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣]. الآية.\nوقوله ﴿وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ﴾ قال ابن عباس: سلوا ربكم أن يعصمكم من كل ما يسخط ويكره (٧). وقال الحسن: تمسكوا بدين الله (٨).\n_________\n(١) ما بين المعقوفين في حاشية (ظ)، وعليه علامة التصحيح.\n(٢) الثعلبي ٣/ ٥٧ ب مع تصرف.\n(٣) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٤٤٠.\n(٤) في (ظ)، (ع): (محمدًا)، وهو خطأ.\n(٥) رواه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ٢/ ٤٢، والطبري ١٧/ ٢٠٨. وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ٨١ وعزاه لعبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(٦) انظر: الطبري ١٧/ ٢٠٨، الثعلبي ٣/ ٥٧ ب، \"الدر المنثور\" ٦/ ٨١.\n(٧) ذكره عنه البغوي ٥/ ٤٠٤، وابن الجوزي ٥/ ٤٥٧.\n(٨) ذكره عنه الثعلبي ٣/ ٥٧ ب.","vol":"15","page":512},{"text":"وقال مقاتل: وثقوا بالله (١). ﴿هُوَ مَوْلَاكُمْ﴾ قال ابن عباس: ناصركم (٢). والمعنى: هو الذي يتولى أموركم. وذكرنا معنى المولى فيما تقدم (٣).\nثم مدح نفسه فقال: ﴿فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ قال مقاتل: يقول: نعم المولى هو لكم، ونعم النصر هو لكم (٤) (٥).\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٢٩ أ.\n(٢) انظر البغوي ٥/ ٤٠٤، وابن كثير ٣/ ٢٣٧.\n(٣) انظر: \"البسيط\" عند قوله تعالى: ﴿بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٥٠].\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٢٩ أ.\n(٥) هنا ينتهي الموجود من نسخة (د). وكتب في ختامها: انتهت. العاشر، ويتلوه في الحادية عشر سورة المؤمنون -﵈- وهو قوله -﷿- ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ قال الليث: (قد) حرف، وفي آخر الأصل: (والحمد لله رب العالمين وصلواته على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم).","vol":"15","page":513},{"text":"(٢٣)<span data-type=\"title\" id=toc-2750> سورة المؤمنين</span>","vol":"15","page":515},{"text":"تفسير سورة المؤمنين (١)\nبسم الله الرحمن الرحيم\n\n١ - قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ قال الليث: (قد) حرف يُوجَبُ به الشيء (٢)، كقولك: قد كان كذلك (٣). والخبر (٤) أن تقول: كان كذا، فأدخل (قد) توكيدًا لتصديق ذلك (٥).\nوقال النحويون (٦): قد تقرب الماضي من الحال حتى تلحقه بحكمه، ألا تراهم يقولون: قد قامت الصلاة. قبل حال قيامها. وعلى هذا قول الشاعر:\n_________\n(١) في (ظ): (السورة التي يذكر فيها المؤمنون).\n(٢) في (أ) زيادة: (الحال)، بعد قوله: (الشيء)، وليست في باقي النسخ ولا في \"تهذيب اللغة\" ولا \"لسان العرب\". فلعله انتقال نظر من الناسخ إلى السطر الذي بعده\n(٣) في \"تهذيب اللغة\": قد كان كذا أو كذا.\n(٤) هكذا في (د) و\"لسان العرب\"، وفي (أ) و\"تهذيب اللغة\": والخير. وفي (ظ): (والخبر).\n(٥) \"تهذيب اللغة\" للأزهري ٨/ ٢٦٧ (قد) عن الليث. والنص في \"لسان العرب\" ٣/ ٣٤٦ (قد) منسوبًا إلى \"التهذيب\".\nوالنص في \"العين\" ٥/ ١٦ (قد): (وأما قد فحرف يوجب الشيء، كقولك: قد كان كذا وكذا، والخبر أن تقول: كان كذا وكذا، فأدخل (قد) توكيدًا لتصديق ذلك.\n(٦) انظر: \"شرح المفصل\" لابن يعيش ٨/ ١٤٧ \"ارتشاف الضرب\" لأبي حيان ٣/ ٢٥٦، \"مغني اللبيب\" لابن هشام ١/ ١٩٥، \"الجنى الداني في حروف المعاني\" للمرادي ص ٢٥٥.","vol":"15","page":517},{"text":"أمّ صَبي قَدْ حَبَا أو دَارِج (١).\nكأنه قال: حَاب أو دَارج.\nقال الفراء: الحال (٢) في الفعل الماضي لا يكون إلا بإضمار (قد) أو بإظهارها، كقوله تعالى: ﴿أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ [النساء: ٩٠] لا يكون حصرت حالًا إلا بإضمار قد (٣).\n_________\n(١) هذا الشطر من الرجز نسبه البغدادي في \"خزانة الأدب\" ٤/ ٢٣٨ لراجز اسمه جندب من عمرو يعرض فيه بإمرأة الشماخ بن ضرار الشاعر المشهور، وكانت أم صبي، واسمها سُليْمى، فقال:\nطَيْفُ خَيَالٍ من سُلَيْمى هائجي\nإلى أن قال:\nياليتني كلَّمت غير حَارجِ\nقبل الرَّواح ذاتَ لون باهجِ\nأم صَبي ...\nوقيل إن الرَّجز للشمَّاخ نفسه، وهو في \"ديوانه\" ص ٣٦٣.\nوهذا الشطر بلا نسبة في: \"شرح القصائد السبع\" لابن الأنباري ص ٣٧، \"سر صناعة الإعراب\" لابن جني ٢/ ٦٤١، \"تهذيب اللغة\" للأزهري ١٠/ ٦٤٣ (درج)، أمالي ابن الشجري ٢/ ١٦٧، \"أوضح المسالك\" لابن هشام ٣/ ٦١.\nوحَاب: يقال حبا الصبي حَبْوًا: مشى على أسته وأشرف بصدره. وقال الجوهري: وحبا الصبي على أسته حبوّا: إذا زحف. \"الصحاح\" للجوهري ٦/ ٢٣٠٧ (حبا)، \"لسان العرب\" ١٤/ ١٦١ (حبا).\nودارج: قال الأزهري في \"تهذيب اللغة\" ١٠/ ٦٤٣ (درج): (يقال للصبي إذا دب وأخذ في الحركة: درج يدرج درجانًا، فهو دارج.\n(٢) (الحال): ساقطة من (ظ).\n(٣) \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٢٤. وقوله: لا يكون حصرت حالا. ذكرها الواحدي بالمعنى وهي في المعاني: يريد -والله أعلم- جاءوكم قد حصرت صدورهم. =","vol":"15","page":518},{"text":"و(قد) هاهنا يجوز أن تكون تأكيدًا لفلاح المؤمنين، ويجوز أن تكون تقريبًا للماضي من الحال، ويكون المعنى: أن الفلاح قد حصل لهم، وأنهم عليه في الحال.\nقال ابن عباس في هذه الآية: يريد قد سعد المصدقون وبقوا في الجنة (١).\nوقال أبو إسحاق: أي قد نالوا البقاء الدائم (٢).\nوروى (٣) حميد، عن أنس، أن رسول الله -ﷺ- قال: \"خلق الله جنة عدن وغرس أشجارها بيده، وقال لها (٤): تكلمي. فقالت: قد أفلح المؤمنون\" (٥).\n_________\n= وقد وافق الفراء جمهور البصريين في هذه المسألة.\nوذهب الكوفيين إلى أن الفعل الماضي يجوز أن يقع حالًا من غير تقدير. وإليه ذهب أبو الحسن الأخفش من البصريين.\nوصحح أبو حيان قول الكوفيين معللا ذلك بكثرة وروده في \"لسان العرب\" كثرة توجب القياس وتمنع التأويل، لأن تأويل الكثير ضعيف جدًا.\nانظر: \"الإنصاف\" للأنباري ١/ ٢٥٣ - ٢٥٨، \"شرح المفصل\" لابن يعيش ٢/ ٦٦ - ٦٧، \"التبيين عن مذاهب النحويين\" للعكبري ص ٣٨٦ - ٣٩٠، \"البحر المحيط\" لأبي حيان ٣/ ٣١٧، ٧/ ٤٩٣، \"ارتشاف الضرب\" ٢/ ٣٧٠.\n(١) ذكره عنه البغوي ٥/ ٤٠٨، وروى الطستي في مسائله كما في \"الدر المنثور\" ٦/ ٨٣ عن ابن عباس، أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ فقال: فازوا وسعدوا.\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٥.\n(٣) من هنا يبدأ خرم في نسخة (ظ)، ومقداره صفحتان.\n(٤) (لها): ساقطة من (أ).\n(٥) أخرجه الحاكم في \"مستدركه\" ٢/ ٣٩٢، وابن عدي في \"الكامل\" ٥/ ٨٣٧، =","vol":"15","page":519},{"text":"[وهذا كما يروى عن كعب أنه قال: إن الله غرس جنة عدن بيده، ثم قال للجنة: تكلمي. فقالت: قد أفلح المؤمنون] (١). لما علمت فيها <span data-type=\"title\" id=toc-2751>(٢) </span>من كرامة الله لأهلها (٣).\n٢ - وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ قال الزهري (٤): هو سكون المرء في صلاته (٥).\nوذكرنا أن معنى (٦) الخشوع في اللغة: السكون (٧). وعلى هذا المعنى يدور كلام المفسرين في تفسير الخاشعين في الصلاة.\nفقال السدي: متواضعون (٨). وقال مجاهد وإبراهيم: ساكنون (٩).\n_________\n= والبيهقي في \"الأسماء والصفات\" ص ٤٠٣، والخطيب في \"تاريخ بغداد\" ١٠/ ١١٨ كلهم من طريق علي بن عاصم، عن حميد، عن أنس، به.\nقال الحاكم بعد إخراجه لهذا الحديث: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه. فتعقبه الذهبي بقوله: قلت: بل ضعيف.\n(١) ما بين المعقوفين ساقط من (ع).\n(٢) (فيها): ساقطة من (أ).\n(٣) رواه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ٢/ ٤٣، والطبري ١/ ١٨.\n(٤) في (ع): (الأزهري)، وهو خطأ.\n(٥) رواه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ٢/ ٤٣، والطبري ١٨/ ٢، وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ٨٥ وعزاه لعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم.\n(٦) معنى): ساقطة من (ع).\n(٧) انظر: (خشع) في \"تهذيب اللغة\" ١/ ١٥٢، \"لسان العرب\" ٨/ ٧١، \"القاموس المحيط\" ٣/ ١٨.\n(٨) لم أجده عنه، وهذا تفسير مقاتل. انظر: \"تفسيره\" ٢٩ أ، والثعلبي ٣/ ٥٨ أ.\n(٩) رواه ابن المبارك في \"الزهد\" ص ٥٥، والطبري ١٨/ ٢، عن مجاهد بلفظ: السكون فيها، وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ٨٥ بلفظ: الخشوع في =","vol":"15","page":520},{"text":"وقال عمرو بن دينار: هو السكون وحسن الهيئة (١).\nوقال الحسن وقتادة: خائفون (٢).\nوهذا معنى؛ لأن (٣) من سكن في صلاته إنما هو لخوفه من الله.\nفالخوف معنى للخشوع وليس بتفسير له. وكذلك قول من فسره بغض البصر وخفض الجناح (٤). كل ذلك يؤول إلى السكون، يدل عليه ما روي عن ابن عباس -في هذه الآية- قال: خشع (٥) من خوف الله، فلا يعرف مَنْ على يمينه ولا مَنْ على يساره (٦).\nوروي عن ابن سيرين قال: كان النبي -ﷺ- إذا صلى نظر في السماء،\n_________\n= الصلاة: السكوت فيها. وعزاه لابن المبارك وعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر.\nورواه عن إبراهيم الطبري في \"تفسيره\" ١٨/ ٢ وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ٨٤ بلفظ: ساكتون، وعزاه لابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير.\nقال النحاس في \"معاني القرآن\" ٤/ ٤٤٢: وقول مجاهد وإبراهيم في هذا حسن؛ وإذا سكن الإنسان تذلل ولم يطمح ببصره ولم يحرك يديه.\n(١) ذكره الثعلبي في \"الكشف والبيان\" ٣/ ٥٨ أ.\n(٢) ذكره عنهما الثعلبي و\"الكشف والبيان\" ٣/ ٥٨ أ.\nورواه عبد الرزاق ٢/ ٤٣، والطبري ١٤/ ٣ عن الحسن. وذكر السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ٨٤ أن عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر أخرجوا عن قتادة قال: الخشوع في القلب هو الخوف. ولم أر زيادة هو الخوف عند الطبري ١٨/ ٣.\n(٣) في (ع): (لا من. وبينهما بياض.\n(٤) هذا تفسير الحسن البصري كما عزاه إليه الطبري ١٨/ ٢، وتفسير مجاهد كما عزاه إليه الثعلبي ٣/ ٥٨ أ.\n(٥) في (أ): (يخشع).\n(٦) ذكره البغوي ٥/ ٤٠٨ بنحوه، وعزاه لسعيد بن جبير.","vol":"15","page":521},{"text":"حتى نزلت هذه الآية، وكان بعد ذلك يضع (١) بصره حيث يسجد (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2752>٣ </span>- قوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء -وهو قول الضحاك: عن الشرك بالله (٣).\nوقال الحسن: عن المعاصي (٤).\nوروي عن ابن عباس: عن الحلف الكاذب (٥).\nوقال مقاتل: الشتم والأذى إذا سمعوا من كفار مكة (٦).\nوقال الزجاج (٧) وغيره (٨): هو كل باطل ولهو وهزل، ومعصية وما لا يحمد (٩) في القول والفعل.\n_________\n(١) في (ز): (يغض)، وهو خطأ.\n(٢) رواه أبو داود في كتابه \"المراسيل\" ص ٤١، وعبد الرزاق في \"المصنف\" ٢/ ٢٥٤، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" ٢/ ٢٨٣ عن ابن سيرين بنحوه.\nقال الألباني في \"إرواء الغليل\" ٢/ ٧١: ضعيف.\n(٣) ذكره البغوي ٥/ ٤٠٩ من رواية عطاء عن ابن عباس. وذكره ابن الجوزي ٥/ ٤٦٠ من رواية أبي صالح عن ابن عباس. وذكره عن الضحاك النحاس في \"إعراب القرآن\" ٣/ ١٠٩، والقرطبي ١٢/ ١٥.\n(٤) ذكره الثعلبي ٣/ ٥٨ ب، ورواه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ٢/ ٤٣، والطبري ١٨/ ٣، وذكره السيوطي في \"الدر\" ٦/ ٨٧ وعزاه لعبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر.\nقال النحاس في \"إعراب القرآن\" ٣/ ١٠٩: ومن أحسن ما قبل فيه قول الحسن ..، فهذا قول جامع ...\nوبمثل قول النحاس قال القرطبي ١٢/ ١٥.\n(٥) ذكره عنه الثعلبي ٣/ ٥٨ ب.\n(٦) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٢٩ أ.\n(٧) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٦.\n(٨) عند الثعلبي (جـ٣ ل ٥٨ ب): (غيرهم: ما لا يحمل في القول والفعل.\n(٩) في (ع): (يحمل) مهملة. وعند الثعلبي: يجمل.","vol":"15","page":522},{"text":"وهؤلاء الذين ذكرهم الله تعالى بالإعراض عن اللغو شغلهم الجدُّ فيما أمرهم الله به عن اللغو. وهذا معنى قوله قتادة: أتاهم والله من أمر الله ما شغلهم عن الباطل (١).\nوذكرنا الكلام في اللغو عند (٢) قوله: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2753>٤ </span>- قوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ﴾ قال ابن عباس: يزكون أموالهم ابتغاء مرضات الله. وقال الكلبي: للصدقة الواجبة مُؤدون (٣).\nوقال أبو إسحاق: معنى ﴿فَاعِلُونَ﴾: مؤتون (٤). يعني أن الإيتاء فعلٌ، فعبر الله عنه (٥) بلفظ الفعل كما قال أمية:\nالمُطْعمُون الطَّعَام في السَّنَة ... الأزْمَة والفاعلون للزكوات (٦)\nوحكى الأزهري عن بعضهم: والذين هم للعمل الصالح فاعلون. قال: وكذلك قوله: ﴿خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً﴾ (٧) [الكهف: ٨١] أي: خير منه عملًا صالحًا (٨).\n_________\n(١) رواه ابن المبارك في \"الزهد\" ص ٥٥، وأبو نعيم في \"الحلية\" ٢/ ٣٣٩ وفيهما: ما وقذهم عن الباطل. وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ٨٧ وعزاه لابن المبارك.\n(٢) في (ع): (في).\n(٣) ذكره البغوي ٥/ ٤٠٩ من غير نسبة لأحد.\n(٤) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٦.\n(٥) في (ع): (فعبر عنه).\n(٦) البيت في \"ديوانه\" ص ١٦٥، و\"الكشاف\" للزمخشري ٣/ ٢٦، و\"الجامع\" للقرطبي ١٢/ ١٠٥، و\"البحر المحيط\" لأبي حيان ٦/ ٣٩٦.\nوالسَّنَة الأزْمَة: الشديدة المجدة. انظر: \"لسان العرب\" ١٢/ ١٦ (أزم).\n(٧) (أ)، (ع): (هو خير منه زكاة)، وهو خطأ.\n(٨) \"تهذيب اللغة\" للأزهري ١٠/ ٣٢٠، (زكا)","vol":"15","page":523},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2754>٥ </span>- قوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ قال الليث: الفرج اسم يجمع سوءات الرجال والنساء. فالقبلان (١) وما حواليهما كله فرج، وكذلك من الدواب (٢).\nومعنى الفرج في اللغة: الفرجة بين الشيئين (٣). ولهذا سُمي ما بين قوائم الدابة الفروج. ومنه قول الشاعر (٤):\nلها ذَنَبٌ مثلُ ذيل العروس ... تَسُدُّ به فرجها من دُبُر\nوالمراد بالفروج هاهنا: فروج الرجال خاصة، لدلالة ما بعدهما عليهما. قال الكلبي: يعني يعفون عما لا يحل لهم.\nوقال الزجاج: يحفظون فروجهم عن المعاصي (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2755>٦ </span>- قوله: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ﴾ قال الفراء: معناه إلا من أزواجهم (٦). وعلى هذا القول ﴿عَلَى﴾ بمعنى: من. وحروف الصفات متعاقبة (٧).\n_________\n(١) في (أ) زيادة: (هما) بعد قوله: (فالقبلان)، وليست في (ع) ولا في \"تهذيب اللغة\".\n(٢) قول الليث في \"تهذيب اللغة\" للأزهري ١١/ ٤٤ - ٤٥ (فرج)، وهو في \"العين\" ٦/ ١٠٩ (فرج).\n(٣) انظر (فرج) في: \"تهذيب اللغة\" للأزهري ١١/ ٤٤، \"لسان العرب\" ٢/ ٣٤١.\n(٤) في (ع): (ومنه قوله:\nوقائل هذا البيت هو: امرؤ القيس. وقد تقدم تخريج هذا البيت.\n(٥) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٦.\n(٦) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٣١.\n(٧) حروف الصفات: هي حروف الجر، أو حروف الإضافة كما يسميها البصريون. قال ابن يعيش في \"المفصل\" ٨/ ٧: (وقد يسميها الكوفيون حروف الصفات، لأنها تقع صفات لما قبلها من المنكرات) أهـ.\nوفي تعاقب حروف الصفات أو الجر مذهبان للنحويين:\n١ - مذهب الكوفيين: أنها تتعاقب وينوب بعضها عن بعض. وهو الذي ذكره =","vol":"15","page":524},{"text":"وقال الزجاج: دخلت ﴿عَلَى﴾ هاهنا لأن المعنى (١): أنهم يلامون (٢) في إطلاق ما حُظر عليهم، إلا على أزواجهم فإنهم لا يلامون، والمعنى: أنهم يلامون على سوى أزواجهم وملك أيمانهم (٣).\nوعلى هذا القول ﴿عَلَى﴾ من صلة اللوم المضمر، ودل عليه ذكر اللوم في آخر الآية (٤).\n_________\n= الواحدي هنا.\n٢ - مذهب البصريين: أن حروف الجر لا ينوب بعضها عن بعض بقياس، وما أوهم ذلك فهو عندهم إما مؤول تأويلا يقبله اللفظ، وإما على تضمين فعل معنى فعل يتعدى بذلك الحرف، وإما على شذوذ إنابة كلمة عن أخرى.\nانظر: \"مغني اللبيب\" لابن هشام ١/ ١٢٩ - ١٣٠، \"همع الهوامع\" للسيوطي ٢/ ٣٥. وانظر ما كتبه ابن جني في \"الخصائص\" ٢/ ٣٠٦ - ٣١٥، وابن القيم في \"بدائع الفوائد\" ٢/ ٢٠ - ٢٢ حول هذا الموضوع فهو مفيد.\n(١) في (أ): (معنى).\n(٢) في (ع): (لا يلامون).\n(٣) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٦.\n(٤) وهذا الوجه الذي ذكره الزجاج وبينه الواحدي، ذكره الزمخشري في \"الكشاف\" ٣/ ٢٦ ضمن وجوه منها:\nأن (على) متعلقة بمحذوف وقع حالا من ضمير (حافظون) والاستثناء مفرغ من أعم الأحوال، أي حافظون لفرجهم في جميع الأحوال إلا حال كونهم والين وقوامين على أزواجهم. من قولك: كان فلان على فلانة فمات عنها فخلف عليها فلانة. ونظيره كان زياد على البصرة، أي: واليًا عليها.\nوقد اعترض أبو حيان ٦/ ٣٩٦ على هذه الوجوه وذكر أنها متكلفة، وقال: والأولى أن يكون من باب التضمين، ضمن (حافظون) معنى: ممسكون أو قاصرون، وكلاهما يتعدى بـ (على) كقوله ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ [الأحزاب: ٣٧]. وانظر أيضًا: \"الإملاء\" للعكبري ٢/ ١٤٦، \"الدر المصون\" ٨/ ٣١٧ - ٣١٨، \"روح المعاني\" للألوسي ١٨/ ٦.","vol":"15","page":525},{"text":"قال مجاهد: يحفظ فرجه إلا من امرأته أو أمته، فإنه لا يلام على ذلك (١). وقال مقاتل: يعني (٢) حلايلهم والولايد، فإنهم لا يلامون على الحلال (٣).\n\nوقال أهل المعاني: هذه الآية مخصوصة بالحالة التي تصح (٤) فيها وطء الزوجة والأمة، وهي أن لا تكون حائضًا ولا مُظاهرًا عنها، فلا تكون الأمة مزوجة ولا في عدة زوج. ولم يذكر (٥) هذه الأحوال هاهنا للعلم بها (٦) <span data-type=\"title\" id=toc-2756>(٧)</span>.\nوقيل: المعنى أنهم لا يلامون من جهة وطء زوجة أو ملك يمينه، وإن استحق اللوم من وجه آخر إذا كان وطؤه في إحدى هذه الحالات (٨).\n\n٧ - قوله: ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ﴾ أي (٩): طلب سوى الأزواج والولائد.\n_________\n(١) ذكره البغوي ٥/ ٤١٠ من غير نسبة لأحد.\n(٢) في (ع): (معنى).\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٢٩ أ. وفيه: الحلائل.\n(٤) في (ع): (يصح).\n(٥) في (ع): (تذكر).\n(٦) ذكر هذا المعنى: الطوسي في \"التبيان\" ٧/ ٣٠٩، والحاكم الجشمي في \"التهذيب\" ٦/ ١٩٣ أ - ب، ولم ينسباه لأحد.\n(٧) هنا ينتهي الخرم. في نسخة (ظ).\n(٨) ذكر هذا المعنى: الطوسي في \"التبيان\" ٧/ ٣٠٩، والحاكم الجشمي في \"التهذيب\" ٦/ ١٩٣ أ - ب، ولم ينسباه لأحد.\n(٩) في (ظ): (وإن).","vol":"15","page":526},{"text":"و﴿وَرَاء﴾ هاهنا (١) بمعنى: سوى. قاله ابن الأعرابي (٢) وغيره (٣)، كقوله (٤): ﴿وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ﴾ [البقرة: ٩١] وقد مر.\n[وعلى هذا الوراء مفعول الابتغاء. قال أبو إسحاق: فمن طلب ما بعد ذلك (٥)] (٦).\nوعلى هذا الوراء ظرف، ومفعول الابتغاء محذوف (٧).\nوذكره مقاتل فقال: فمن ابتغى الفواحش بعد الأزواج والولائد (٨).\nوذلك إشارة إلى الأزواج والإماء. وذكرنا قديمًا أن (ذلك) يجوز أن (٩) يشار به إلى كل مذكور مؤنثًا كان أو مذكرًا (١٠).\nوقوله: ﴿فَأُولَئِكَ﴾ يعني المبتغين ﴿هُمُ الْعَادُونَ﴾ قال الزجاج: الجائرون الظالمون (١١). وقال المبرد: المتجاوزون إلى ما ليس لهم.\nيعني: يتعدون الحلال إلى الحرام (١٢). فالأول من عدا أي: جار\n_________\n(١) في (أ): (هنا).\n(٢) ذكره الأزهري في \"تهذيب اللغة\" ٥/ ٣٠٥١ من رواية أبي العباس ثعلب، عنه.\n(٣) هو قول الطبري ١٨/ ٤، والثعلبى ٣/ ٥٨ أ.\n(٤) في (أ): (لقوله).\n(٥) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٧.\n(٦) ما بين المعقوفين ساقط من (أ)، (ظ).\n(٧) انظر: \"القرطبى\" ١٢/ ١٠٧، \"البحر المحيط\" ٦/ ٣٩٧.\n(٨) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٢٩ أ - ب.\n(٩) في (ع): (إلى).\n(١٠) انظر: \"البسيط\" عند قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ [البقرة: ٢].\n(١١) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٧.\n(١٢) ذكر هذا المعنى: الطوسي في \"التبيان\" ٧/ ٣٠٩، والجشمي في \"التهذيب\" ٦/ ١٩٣ أ - ب ولم ينسباه لأحد.","vol":"15","page":527},{"text":"وظلم، والثاني من عدا، أي: جاوز (١).\nوهما يرجعان إلى أصل واحد؛ لأن الظالم مجاوز ما حُدَّ له.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2757>٨ </span>- قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ﴾ فيه قولان:\nأحدهما: أنها (٢) أمانات الناس التي ائتمنوا عليها. وهو قول ابن عباس (٣).\nوالثاني: أنها أمانات بين الله وبين عبده مما لا يطلع عليه إلا الله، كالوضوء والغسل من الجنابة والصيام وغير ذلك. وهو قول الكلبي (٤).\nوأكثر المفسرين على القول الأول (٥). وقرأ ابن كثير (لأمانتهم) واحدة (٦)، ووجهه: أنه مصدر واسم جنس فيقع على الكثرة، وإن كان مفردًا في اللفظ، كقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾ (٧)\n_________\n(١) انظر: (عدا) في \"تهذيب اللغة\" للأزهري ٣/ ١٠٨ - ١٠٩، \"الصحاح\" للجوهري ٦/ ٢٤٢٠ - ٢٤٢١، \"القاموس المحيط\" للفيروزآبادي ٤/ ٢٦٠.\n(٢) (أنها): ساقطة من (ع).\n(٣) ذكره الثعلبي ٣/ ٥٨ ب من غير نسبة لأحد.\n(٤) ذكر الجشمي في \"تهذيبه\" ٦/ ١٩٣ هذا القول باختصار ولم ينسبه لأحد.\n(٥) انظر: \"الطبري\" ١٨/ ٥، والثعلبي ٣/ ٥٨ ب، وابن كثير ٣/ ٢٣٩.\nقال أبو حيان ٦/ ٣٩٧، والظاهر عموم الأمانات، فيدخل فيها ما ائتمن الله تعالى عليه العبد من قول وفعل واعتقاد، فيدخل في ذلك جميع الواجبات من الأفعال والتروك وما ائتمنه الإنسان قبل، ويحتمل الخصوص في أمانات الناس ... قال تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨].\n(٦) وقرأ الباقون (لأماناتهم) جماعة. \"السبعة\" ص ٤٤٤، \"التبصرة\" ص ٢٦٩، \"التيسير\" ص ١٥٨.\n(٧) في (أ): (وكذلك)، وهو خطأ.","vol":"15","page":528},{"text":"[الأنعام:١٠٨] وجمع (١) في قوله: ﴿وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ﴾ [المؤمنون: ٦٣]. والأمانة تختلف ولها ضروب نحو: الأمانة التي بين الله وبين عبده كالصيام والصلاة والاغتسال، والأمانة التي بين العبيد في حقوقهم كالودائع والبضائع (٢)، ونحو ذلك بما تكون اليد فيه [يد] (٣) أمانة، واسم الجنس يقع عليها كلها (٤).\nووجه الجمع قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨] (٥). وقد مر. والأمانة مصدر سُمِّي به المفعول.\nوقوله: ﴿وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾. وقال الكلبي: يقول وحلفهم الذي يؤخذ\n_________\n(١) في (أ): (رجع)، وهو خطأ.\n(٢) في (أ): (والصنائع)، والمثبت من (ظ)، (ع) هو الموافق لما في \"الحجة\"، وعند البغوي: الصنائع.\n(٣) (يد): زيادة من \"الوسيط\" ٣/ ٢٨٤ يستقيم بها المعنى.\n(٤) من قوله: (ووجهه ... إلى هنا) نقلا عن \"الحجة\" لأبي علي الفارسي ٥/ ٢٨٧. وليس فيه: (واسم الجنس يقع عليها كلها). وذكر ابن خالويه وابن زنجلة أن وجه الإفراد أن الله قال بعد ذلك (وعهدهم) ولم يقل: وعهودهم. وقال مكي بن أبي طالب: فآثر التوحيد -يعني ابن كثير- لخفته، ولأنه يدل على ما يدل عليه الجمع، ويقوي التوحيد أن بعده (وعهدهم) وهو مصدر.\n\"إعراب القراءات السبع وعللها\" لابن خالويه ٢/ ٨٥، \"حجة القراءات\" لابن زنجلة ص ٤٨٢ - ٤٨٣، \"الكشف\" لمكي ٢/ ١٢٥.\n(٥) \"الحجة\" للفارسي ٥/ ٢٨٨. وانظر: \"إعراب القراءات السبع وعللها\" لابن خالويه ٢/ ٨٥، \"حجة القراءات\" لابن زنجلة ص ٤٨٣.\nوقال مكي بن أبي طالب في \"الكشف\" ٢/ ١٢٥: فأما من جمع فلأن المصدر إذا اختلفت أجناسه وأنواعه جمع، والأمانات التي تلزم الناس مراعاتها كثيرة، فجمع لكثرتها، ... وقد أجمعوا على الجمع في قوله ﴿أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ﴾ [النساء: ٥٨].","vol":"15","page":529},{"text":"عليهم. وقيل: يعني العقود التي عاقدوا الناس عليها (١). ومعنى ﴿رَاعُونَ﴾ حافظون.\nقال أبو إسحاق: أصل الرعي (٢) في اللغة: القيام على إصلاح ما يتولاه من كل شيء، تقول: الإمام يرعى رعيته، والقيّم بالغنم يرعى غنمه، وفلان يرعى ما بينه وبين فلان، أي: يقوم على إصلاحه (٣). يقال: رَعَى يَرْعَى رَعْيا وَرعَاية (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2758>٩ </span>- قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ﴾ وقرئ: صلاتهم (٥). فمن أفرد فلأن الصلاة في الأصل مصدر كالعمل والأمانة (٦)، ومن جمع فلأنه قد صار اسمًا شرعيًا لانضمام ما لم يكن في أجل اللغة أن ينضم إليها (٧).\nقال إبراهيم: عني الصلوات المكتوبة (٨).\nوقوله: ﴿يُحَافِظُونَ﴾ قال ابن عباس: يريد على مواقيتها (٩). وهو قول\n_________\n(١) هذا قول الطبري ١٨/ ٥، والثعلبي ٣/ ٥٨ ب.\n(٢) مكان (الرعي) بياض في (ظ).\n(٣) \"معاني القرآن\" للزجاج ٦/ ٧.\n(٤) انظر: \"تهذيب اللغة\" للأزهري ٣/ ١٦٢ (رعى)، \"القاموس المحيط\" ٤/ ٣٣٥.\n(٥) قرأ حمزة، والكسائي: (صلاتهم) على التوحيد، وقرأ الباقون: (صلواتهم) بالألف على الجمع.\n\"السبعة\" ص ٤٤٤، \"التيسير\" ص ١٥٨، \"الإقناع\" ٢/ ٧٠٨.\n(٦) في (ظ): (والإعانة).\n(٧) \"الحجة\" لأبي علي الفارسي ٥/ ٢٨٨. وانظر: \"حجة القراءات\" لابن زنجلة ص ٤٨٣، \"الكشف\" لمكي ١/ ٥٠٥ - ٥٠٦.\n(٨) رواه الطبري ١٨/ ٥.\n(٩) لم أجده عن ابن عباس، وهو مروي عن ابن مسعود. انظر: \"الدر المنثور\" ٦/ ٨٩.","vol":"15","page":530},{"text":"الكلبي، ومقاتل (١)، ومسروق (٢)، والجميع (٣).\nقال أبو إسحاق: المحافظة على الصوات أن تُصلى في أول وقتها (٤)، فأما (٥) الترك فداخل في باب الخروج عن الدين (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2759>١٠ </span>- قوله: ﴿أُولَئِكَ﴾ يعني: المؤمنين الموصوفين بالصفات المذكورة. ﴿هُمُ الْوَارِثُونَ﴾ فيه قولان:\nأحدهما: أنهم يرثون منازل أهل النار من الجنة.\nروى أبو هريرة قال: قال رسول الله -ﷺ-: \"ما منكم من أحد إلا له منزلان: منزل في الجنة ومنزل في النار، فإن مات فدخل النار ورث أهل الجنة منزله، قال: فدلك (٧) قوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ﴾ \" (٨). وهذا تفسير\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٢٩ ب.\n(٢) رواه الطبري ١٨/ ٥.\n(٣) انظر: الطبري ١٨/ ٥، و\"الدر المنثور\" ٦/ ٨٩.\n(٤) عند الزجاج: في أوقاتها.\n(٥) في (ظ): (وأما).\n(٦) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٧.\n(٧) في (ع): (وكذلك).\n(٨) رواه سعيد بن منصور في \"تفسيره\" ١٥٦ ب، وابن ماجه في \"سننه\" أبواب الزهد، صفة الجنة ٢/ ٤٥٨، والطبري ١٨/ ٥ - ٦، وابن أبي حاتم كما في \"تفسير ابن كثير\" ٣/ ٢٣٩.\nوذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ٩٠ وعزاه لمن تقدم وزاد نسبته لابن المنذر وابن مردويه والبيهقي في \"البعث\".\nقال البوصيري في \"مصباح الزجاجة\" ٣/ ٣٢٧: هذا إسناد صحيح على شرط الشيخين. وصحح إسناده الحافظ ابن حجر في \"فتح الباري\" ٣/ ٤٤٢.\nوذكره الألباني في صحيح الجامع ٢/ ١٠١٠ وقال: صحيح.","vol":"15","page":531},{"text":"النبي -ﷺ-.\nالقول الثاني: أنهم يرثون بيوتهم ومنازلهم التي بنيت بأسمائهم في الجنة. وهو قول الكلبي ورثوا الجنة دون الكفار خلصت لهم بأعمالهم - واختيار أبي إسحاق (١).\nوالمعنى: أنهم يؤول أمرهم إلى نعيم الجنة (٢).\nقال المبرد: وأصل الميراث: العاقبة وإن لم يكن للأول منها شيء بسبب نسب، وإنما معناه الانتقال عن (٣) هذا إلى هذا كما قال -﷿- ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا﴾ [الأعراف: ١٣٧] الآية. وقد مر.\nفعلى (٤) القول الأول: هم وارثون (٥) ورثوا من (٦) أهل النار منازلهم من الجنة. ويجوز أن يُسمى ميراثًا وإن لم يستحقوا ذلك بنسب.\nوعلى القول الثاني: صارت عاقبتهم الجنة. فهم وارثون ورثوا منازلهم التي بنيت لهم في الجنة.\n_________\n(١) قول الواحدي إن هذا اختيار أبي إسحاق محل نظر؛ لأن أبا إسحاق قال في كتابه \"معاني القرآن\" ٤/ ٦: \"أولئك هم الوارثون الذين يرثون الفردوس\" روى أن الله - جل ثناؤه جعل لكل امرئ بيتًا في الجنة وبيتًا في النار، فمن عمل عمل أهل النار ورث بيته من الجنة من عمل عمل أهل الجنة، ومن عمل عمل أهل الجنة ورث بيته من النار من عمل عمل أهل النار. والفردوس أهله ..\nفأبو إسحاق اقتصر على هذا القول ولم يحك غيره.\n(٢) ذكر هذا المعنى الثعلبي في \"الكشف والبيان\" ٣/ ٥٨ ب وعزاه لبعضهم.\n(٣) في (ع): (من).\n(٤) في (ظ): (زيادة (هذا)، بعد قوله (فعلى).\n(٥) في (ع): (الوارثون).\n(٦) (من): ساقطة من (أ)، (ظ).","vol":"15","page":532},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2760>١١ </span>- ثم ذكر ما يرثون فقال: ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ﴾ وهو البستان بلغة الروم (١). وقيل: بلغة الحبشة (٢).\nومضى الكلام في تفسير الفردوس في آخر سورة الكهف.\nقال ابن عباس: يريد خير الجنان.\n﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ يريد خلود (٣) لا موت معه (٤)، ولذة لا انقطاع لها، وملك لا زواله له، وشيء لا يعلمه إلا الله.\n\n١٢ - قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ السلالة: فعالة من السل، وهو استخراج الشيء من الشيء. يقال: سللت الشعر من العجين فانسل، وسللت السيف من غمده فانسل. ومن هذا يقال للنطفة: سُلَالة، وللولد: سَلِيل (٥) وسلالة (٦).\nقالت ينت النعمان بن بشير (٧) لزوجها روح بن زنباع (٨):\n_________\n(١) هذا قول مجاهد وسعيد بن جبير. انظر: \"الطبري\" ١٦/ ٣٦، و\"الدر المنثور\" ٥/ ٤٦٨، \"المهذب للسيوطي\" ص ١٢٠ - ١٢١.\n(٢) هذا قول عكرمة. ذكره عنه الثعلبي ٣/ ٥٨ به قال الفراء في \"معاني القرآن\" ٢/ ٢٣١: وهو عربي أيضًا، العرب تُسمى البستان الفردوس.\n(٣) في (ظ): (خلودًا، وملكًا).\n(٤) في (ظ): (فيه).\n(٥) في (ظ): (السليل).\n(٦) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٨، \"تهذيب اللغة\" للأزهري ١٢/ ٢٩٢ (سل) فقد نسب فيه بعض ما ذكر هنا لأبي الهيثم والليث، \"الصحاح\" للجوهري ٥/ ١٧٣١ (سلل)، \"لسان العرب\" ١١/ ٣٣٩ (سلل).\n(٧) هي: هند بنت النعمان بن بشير الأنصاري -﵁- فصيحة، كانت تحت روح بن رنباع ثم تزوجها الحجاج، ثم عبد الملك بن مروان. ولها معهم أخبار. انظر: \"وفيات الأعيان\" لابن خلكان ٣/ ٩٥، \"أعلاء النساء\" لكحالة ٥/ ٢٥٦ - ٢٥٩.\n(٨) هو: روح بن زنباع بن روح بن سلامة، الجذامي، أبو زرعة، أمير فلسطين وسيد =","vol":"15","page":533},{"text":"وهل كنت إلا مُهرة عربية ... سَلِيلَة أفْراس تَحَلَّلَها بَغْلُ (١)\nوقال آخر (٢):\n_________\n= قومه وقائدها وخيبها وشجاعها، وكان شبه الوزير لعبد الملك يستشيره في أمره. توفي سنة ٨٤ هـ.\n\"سير أعلام النبلاء\" ٤/ ٢٥١، \"البداية والنهاية\" ٩/ ٥٢، ٥٤ - ٥٥، \"شذرات الذهب\" ١/ ٩٥١، \"الأعلام\" للزركلي ٣/ ٣٤.\n(١) البيت في \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ٢/ ٥٥ منسوبًا لبنت النعمان بن بشير الأنصارية، وفيه: سلالة، تَجللها: بالجيم.\nوهو منسوب لهند بنت النعمان في \"أدب الكاتب\" لابن قتيبة ص ٣٥، وروايته فيه:\nوهل هذه إلا مهرة عربية ... سليلة أفراس تجَلَّلها نَغْل\nو\"اللآلى في شرح أمالي القالي\" لأبي عبيد البكري ص ١٧٩، و\"العقد الفريد\" لابن عبد ربه الأندلسي ٦/ ١١٥ وروايتها مثل ابن قتيبة لكن عند البكري: بغل، وفي المطبوع من العقد: بعل.\nو\"نسب الأصبهاني في الأغاني\" ٩/ ٢٢٩ هذا البيت لحميدة بنت النعمان تهجو زوجها روحًا. وروايته: وهل أنا .. تجللها بَغْل.\nوالبيت من غير نسبة في الطبري ١٨/ ٨، \"اللسان\" ١١/ ٣٣٩ (سلل).\nقال البطليوسي في \"الاقتضاب\" ٣/ ٤٩ عن رواية (بغل): (وأنكر كثير من أصحاب المعاني هذه الرواية، وقالوا: هي تصحيف؛ لأن البغل لا ينسل، والصواب: (نغل) بالنون، وهو الخسيس من الناس والدواب. أهـ.\nونقل هذا أيضًا ابن منظور في \"لسان العرب\" ١١/ ٣٣٩ عن ابن بري.\nقال البطليوسي ٣/ ٥٠: (وهل هند إلا مهرة) مثل ضربته. وذلك أنها انصارية، وكان روح بن زنباع جذاميا، والأنصار أشرف من جذام، فقالت: إنما مثلي ومثل روح: مهرة عربية عتيقة علاها بغل.\n(٢) ذكر محقق \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ٢/ ٥٥ أنه كتب في حاشية نسخة (س) من المجاز: وقال الشاعر - يعني بني علي بن أبي طالب: سوى أنهم ... البيت. وفي المجاز (ألقوا) في موضع (قالوا). ولم أهتد لقائل هذا البيت.","vol":"15","page":534},{"text":"سوى أنهم للحق أهل وأنهم ... إذا نسبوا قالوا: سلالة أحمد\nواختلفوا في المعنى بالإنسان في هذه الآية:\nفقال ابن عباس -في رواية عطاء- يريد آدم (١).\nوهو قول قتادة (٢)، ومقاتل (٣)، واختيار الفراء (٤). قال قتادة: استل (٥) آدم من طين، وخلقت ذريته من ماء مهين.\nونحو هذا قال الفراء: السلالة التي تسل من كل تربة (٦). وكذا روي في خلق آدم -﵇- أن طينه استل من الأرض طيبها وسبخها (٧) وجميع أنواعها (٨).\n_________\n(١) ذكره عنه ابن الجوزي ٥/ ٤٦٢، والرازي ٢٣/ ٨٤، وأبو حيان ٦/ ٣٩٨.\n(٢) رواه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ٢/ ٤٤، والطبري ١٨/ ٧.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٢٩ ب.\n(٤) يظهر أن الواحدي اعتمد في نسبة هذا القول إلى الفراء على الأزهري، فإن\nالأزهري في \"تهذيب اللغة\" ١٢/ ٢٩٣ ذكر قول قتادة: استل آدم ...، ثم قال: وإلى هذا ذهب الفراء.\nأما كتاب الفراء \"معاني القرآن\" ٢/ ٢٣١ فليس فيه ذكر لشيء من ذلك، وإنما فيه: السلالة ...\n(٥) في (ظ)، (ع): (أسل).\n(٦) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٣١.\n(٧) سبخها: السبخُ: المكان يسبخ فيبنت الملح، والسبخة - محركة ومسكنة: أرض ذات نَزٍّ وملح.\nانظر: \"لسان العرب\" ٣/ ٢٢٢٤ (سبخ) \"تاج العروس\" ٧/ ٢٦٩ (سبخ).\n(٨) روى أبو داود في \"سننه\" كتاب: السنة، باب: في القدر ١٢/ ٤٥٥، والترمذي في \"جامعه\" كتاب: التفسير، سورة البقرة ٨/ ٢٩٠ وغيرهما عن أبي موسى الأشعري =","vol":"15","page":535},{"text":"وقال الكلبي: السلالة: الطين إذا عصرته انسل من بين أصابعك، فذلك الذي يخرج هو السلالة (١). ونحو هذا قال مقاتل (٢).\nوعلى هذا أريد بالسلالة ذلك الطين الذي يخرج من الأصابع عند العصر. والوجه قول قتادة والفراء (٣).\nوروي عن ابن عباس ما يدل على أن المراد بالإنسان في هذه الآية: ابن آدم، لا آدم، وهو ما رواه أبو يحيى الأعرج (٤) أنه قال: السلالة صفوة (٥) الماء الرقيق الذي يكون منه الولد (٦). وهذا قول مجاهد وعكرمة.\n_________\n= -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: \"إن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قدر الأرض، جاء منهم الأحمر والأبيض والأسود وبين ذلك، والسهل والحزن والخبيث والطيب\". وصححه الألباني. انظر: \"صحيح الجامع\" ١/ ٣٦٢.\n(١) ذكره عنه أبو الليث السمرقندي في \"تفسيره\" ٢/ ١٣٥، والقرطبي ١٢/ ١٠٩.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٢٩ ب.\n(٣) قال ابن كثير ٣/ ٢٤٠ عن هذا الوجه: وهذا أظهر في المعنى وأقرب إلى السياق، فإن آدم خلق من طين لازب.\n(٤) هو: مصدع، أبو يحيى الأعرج، المعرقب. مولى عبد الله بن عمرو، ويقال مولى معاذ بن عفراء. روى عن علي وابن عباس وغيرهما. قال عمار الدهني: كان مصدع عالمًا بابن عباس. قال ابن المديني: وهو الذي مر به علي بن أبي طالب وهو يقص فقال له: تعرف الناسخ والمنسوخ قال: لا. قال: هلكت وأهلكت.\nقال ابن حبان: كان يخالف الأثبات في الروايات وينفرد بالمناكير. وقال الذهبي في \"الكاشف\": صدوق. وقال في \"المغني\": تكلم فيه. وقال ابن حجر: مقبول. \"الكاشف\" للذهبي ٢/ ٤٧، \"المغني في الضعفاء\" للذهبي ٢/ ٦٥٩، \"تهذيب التهذيب\" ١٠/ ١٥٨، \"تقريب التهذيب\" ٢/ ٢٥١.\n(٥) في (أ): (صفو).\n(٦) رواه الطبري ١٨/ ٧ عنه من رواية أبي يحيى الأعرج: مقتصرًا على: صفوة الماء.=","vol":"15","page":536},{"text":"قال مجاهد: ﴿سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾: من مني (١) آدم (٢). قال عكرمة: هو الماء يسيل من الظهر (٣) سلًا (٤).\nوعلى هذا القول أراد بالإنسان: ولد آدم. جعله اسمًا للجنس وهو اختيار الكلبي، لأنه قال في قوله: ﴿خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ﴾ (٥) هو ابن آدم (٦).\nوقوله: ﴿مِنْ طِينٍ﴾ أراد تولد السلالة من طين خلق آدم منه كما قال الكلبي: يقول من نطفة، سُلت تلك النطفة من طين والطين آدم (٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2762>١٣ </span>- ويدل على أن المراد بالإنسان ابن آدم قوله: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ﴾ يعني ابن آدم؛ لأن آدم لم يكن نطفة في رحم.\nوعلى القول الأول عادت الكناية إلى ابن آدم لا إلى الإنسان المذكور في الآية الأولى (٨)، وجاز ذلك لأنه (٩) لما ذكر (١٠) الإنسان - والمراد به\n_________\n= وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ٩١ بمثل السياق هنا، وعزاه لابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(١) في (ع): (بني)، وهو خطأ.\n(٢) رواه الطبري ١٨/ ٧، وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ٩١ وعزاه لعبد بن حميد وابن جرير.\n(٣) في (ظ): (الطين).\n(٤) ذكره عنه البغوي ٥/ ٤١١.\n(٥) في (ظ)، (ع): (خُلق)، وهو خطأ.\n(٦) ذكره عنه أبو الليث السمرقندي في \"تفسيره\" ٢/ ١٣٥.\n(٧) ذكره عنه البغوي ٥/ ٤١١.\n(٨) في (أ): (الأول).\n(٩) لأنه: ساقط من (ظ)، (ع).\n(١٠) في (ع): (ذكرنا).","vol":"15","page":537},{"text":"آدم- دل (١) ذلك على إنسان مثله (٢)، وعرف ذلك بفحوى الكلام فكُني عنه وهذا قول صاحب النظم.\nومثل هذا في القرآن (٣) قوله تعالى: ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا﴾ [المائدة: ١٠١] فالكناية في (عنها) ليست (٤) تعود على (أشياء) المذكورة في قوله: ﴿عَنْ أَشْيَاءَ﴾ ولكنها تعود على (٥) أشياء أخر (٦) سواها لا هي، وجاز ذلك لأن المذكورة دلت عليها من حيث اجتمعتا في اللفظ. وقد مر.\nوقوله: ﴿فِي قَرَارٍ مَكِينٍ﴾ يعني مستقر، وموضع قرار، فسماه بالمصدر.\nقوله: ﴿مَّكِينٍ﴾ قال المفضل: مطمئن غير مضطرب (٧). يقال: مكين: بين المكانة (٨).\nقال ابن عباس والمفسرون في قوله: ﴿مَّكِين﴾: يريد الرحم، مُكن فيه بأن هُيىء لاستقراره فيه إلى بلوغ أمده الذي جعل له (٩).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2763>١٤ </span>- قوله: ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ﴾ مفسر في سورة الحج إلى قوله:\n_________\n(١) في (ظ): (ودل).\n(٢) العبارة في (ظ): (على أن له إنسان مثله).\n(٣) في (ع) زيادة: (كثير) بعد قوله (القرآن).\n(٤) (ليست): ساقطة من (ع).\n(٥) في (أ): (إلي).\n(٦) (أُخَر): ساقطة من (أ).\n(٧) لم أجده.\n(٨) قوله: (يقال: مكين) إلى هنا في \"تهذيب اللغة\" للأزهري ١٠/ ٢٩٢ (مكان) منسوبًا لأبي زيد.\n(٩) انظر: \"الطبري\" ١٨/ ٩.","vol":"15","page":538},{"text":"﴿فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ﴾ (١).\n﴿عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا﴾ وقرئ كلاهما (عظمًا) على الواحد (٢).\nقال الزجاج (٣): التوحيد والجمع هاهنا جائزان؛ لأنه يعلم أن الإنسان ذو عظام، وإذا ذكر على التوحيد فلأنه يدل على الجمع، ولأن معه اللحم ولفظه لفظ الواحد فقد علم أن العظم يراد به العظام.\nقال: وقد (٤) يجوز من التوحيد إذا (٥) كان في الكلام دليل على الجمع ما هو أشد من هذا. قال الشاعر:\nفي حلقكم عظم (٦) وقد شجينا (٧)\nيريد في حلوقكم عظام (٨).\nوقال أبو علي: الجمع أشبه بما جاء في التنزيل في غير هذا الموضع كقوله (٩) ﴿وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا﴾ [الإسراء: ٤٩] ﴿أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً﴾\n_________\n(١) انظر: \"البسيط\" [لحج: ٥].\n(٢) قرأ ابن عامر، وعاصم في رواية أبي بكر بن عياش: (عظما فكسونا العظم) واحدًا ليس قبل الميم ألف بفتح العين وإسكان الظاء فيهمها.\nوقرأ الباقون: (عظاما فكسونا العظام) بالجمع فيهما، بكسر العين وفتح الظاء وألف بعدها. \"السبعة\" ص ٤٤٤، \"التبصرة\" ص ٢٦٩، \"التيسير\" ص ١٥٨، \"النشر\" ٢/ ٣٢٨.\n(٣) قوله: (على الواحد قال الزجاج): (كررت مرتين في (ظ).\n(٤) (قد): ساقطة من (ع).\n(٥) في جميع النسخ: وإذا. والتصحيح من المعاني.\n(٦) في (ع): (عظما).\n(٧) تقدم تخريج هذا الشطر.\n(٨) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٨ - ٩.\n(٩) في (ظ): (في قوله).","vol":"15","page":539},{"text":"[النازعات: ١١] ﴿قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ﴾ [يس: ٧٨].\nوالإفراد لأنه اسم (١) جنس، فأفرد كما أفرد (٢) المصادر (٣) وغيرها من الأجناس نحو: الإنسان والدرهم والشاء والبعير (٤).\nقوله: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا﴾ قال ابن عباس: يعني نفخ الروح فيه (٥).\nوهو قول السدي، ومجاهد، والشعبي، وعكرمة، والربيع، وأبي العالية (٦)، وابن زيد (٧). واختيار القتيبي (٨).\nوقال قتادة: هو نبات الشعر والأسنان (٩). وهو قول الضحاك (١٠).\n_________\n(١) (اسم): ساقط من (ع).\n(٢) في \"الحجة\": تفرد.\n(٣) في (ع): (الهادر).\n(٤) \"الحجة\" لأبي علي الفارسي ٥/ ٢٨٨ - ٢٨٩. وانظر: \"إعراب القراءات السبع وعللها\" لابن خالويه ٢/ ٨٥ - ٨٦، \"حجة القراءات\" لابن زنجلة ص ٤٨٤، \"الكشف\" لمكي ٢/ ١٢٦.\n(٥) رواه الطبري ١٨/ ٩، وذكره السيوطي في \"الدر\" ٦/ ٩١ وعزاه لابن أبي حاتم.\n(٦) في (ظ): (وأبو العالية).\n(٧) ذكره الثعلبي ٣/ ٥٨ ب عنهم سوى السدي والربيع. ورواه الطبري ١٨/ ١٠ عنهم سوى السدي. ذكره ابن كثير في \"تفسيره\" ٣/ ٢٤١ عن هؤلاء جميعًا.\nوذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ٩٢ عن مجاهد وعكرمة وأبي العالية، وعزاه لعبد بن حميد وابن جرير.\n(٨) انظر: \"غريب القرآن\" لابن قتيبة ص ٢٩٦.\n(٩) رواه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ٢/ ٤٤، والطبري ١٨/ ١٠ عنه دون قوله: الأسنان. وذكره بهذا اللفظ البغوي في \"تفسره\" ٥/ ٤١٢.\n(١٠) رواه الطبري ١٨/ ١٠. وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ٩٢ وعزاه لعبد بن حميد.","vol":"15","page":540},{"text":"وروي (١) عن ابن عمر أنه قال: هو استواء الشباب (٢). وهو قوله مجاهد (٣) في بعض الروايات (٤)\nوحكى الزجاج قولًا آخر وهو: أن جُعل ذكرًا وأنثى (٥).\nواختار صاحب النظم القول الأول، وقال (٦): قوله: ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا﴾ إلى قوله: ﴿لَحْمًا﴾ قصة واحدة، ثم قال ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ﴾ فجاء به على نظم سوى اللفظ الأول الذي درج عليه ما قبله من قوله خلقنا وخلقنا، والإنشاء هو الابتداء، فدل هذا على أنه أراد به نفخ الروح؛ لأنه لا يحتمل أن يكون خلقًا آخر إلا بأن يزول عن كيفيته (٧) الأولى وهي أنه كان لحمًا وعظمًا\n_________\n(١) في (أ): (يروى).\n(٢) ذكره عنه الثعلبي ٣/ ٥٨ ب.\n(٣) (مجاهد): ساقط من (ع).\n(٤) ذكره الثعلبي ٣/ ٥٨ ب عنه من رواية ابن أبي نجيح وابن جريج. ورواه الطبري ١٨/ ١٠ - ١١ عنه من الطريقين المتقدمين.\nوذكره عن مجاهد السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ٩٢ وعزاه لعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(٥) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٩. والقول الذي حكاه الزجاج مروي عن الحسن البصري. ذكره النحاس في \"معاني القرآن\" ٤/ ٤٤٩، والبغوي في \"تفسيره \" ٥/ ٤١٢.\nقال ابن عطية في \"المحرر\" ١٠/ ٣٣٦ - بعد أن ذكر الأقوال المتقدمة- وغيرها: وهذا التخصيص كله لا وجه له، وإنما هو عام في هذا وغيره من وجوه النطق والإدراك وحسن المحاولة هو بها آخر، وأول رتبة من كونه آخر هو نفخ الروح فيه، والطرف الآخر هو تحصيله المعقولات إلى أن يموت.\nوصحح القرطبي ١٢/ ١١٠ ما ذكره ابن عطية.\n(٦) في (ع) زيادة (في) بعد (وقال).\n(٧) في (أ)، (ظ): (كيفية).","vol":"15","page":541},{"text":"مواتًا، فلما حصل فيه الروح صار خلقًا آخر، حيوانًا بعد أن كان مواتًا.\nقال: وفي هذا دليل على أن الجنين إذا استوى عظمه ولحمه على العظم فقد صار إنسانًا تكون به الأمة أم ولد، والجنين ولدًا (١) إن شاء الله.\nقوله: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ﴾ أي استحق التعظيم والثناء بأنه (٢) لم يزل ولا يزال. والكلام في هذا مما قد (٣) سبق (٤).\nقوله: ﴿أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ أي: المصورين والمقدرين.\nوالخلق في اللغة: التقدير. والعرب تقول: قدرت الأديم وخلقته، إذا قسِته (٥) لتقطع منه مزادة أو قربة أو خُفًا (٦) (٧).\nوقال مجاهد: وتصنعون ويصنع الله، والله خير الصانعين (٨).\nقال الليث: رجل خالق، أي: صانع. وهن الخالقات، للنساء (٩).\nوقال مقاتل بن سليمان: يقول: هو أحسن خَلْقًا من الذين يخلقون التماثيل وغيرها التي لا يتحرك منها شيء (١٠).\n_________\n(١) في (ع): (ولد)، وهو خطأ.\n(٢) في (أ): (بالله)، وهو خطأ.\n(٣) في (ظ)، (ع): (مما سبق).\n(٤) انظر: \"البسيط\" عند قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤].\n(٥) في \"تهذيب اللغة\": والعرب تقول: خلقت الأديم، إذا قدرته وقسته.\n(٦) في (أ): (وخفا).\n(٧) هذا كلام الأزهري في \"تهذيب اللغة\" ٧/ ٢٦ (خلق).\n(٨) رواه الطبري ٨/ ١١.\n(٩) قول الليث في \"تهذيب اللغة\" للأزهري ٧/ ٢٧ (خلق). وفي \"العين\" ٤/ ١٥١ (خلق) والخالق: الصانع. وليس فيه وهن الخالقات للنساء. وإنما فيه. وامرأة خليقة: ذات جسم وخلق.\n(١٠) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٢٩ ب.","vol":"15","page":542},{"text":"ومعنى يخلقون: يصنعون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2764>١٥ </span>- قوله: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ﴾ بعد (١) ما ذكرنا من تمام الخلق. قال مقاتل (٢). ﴿لَمَيِّتُونَ﴾ (٣) عند آجالكم.\n<span data-type=\"title\" id=toc-2765>١٧ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ﴾ قال المفسرون (٤) وأهل اللغة (٥) كلهم: يعني: سبع سموات، كل سماء طريقه. قيل: سميت طريقة لتطارقها، وهو أن بعضها فوق بعض (٦).\nقال الليث: السموات السبع والأرضون السبع طرائق بعضها فوق بعض (٧).\nيقال: طارق الرجل نعليه، إذا أطبق نعلًا على نعل. وطارق الرجل بين ثوبين، إذا لبس ثوبًا على ثوب، وهو الطِّرَاق (٨).\nوقال أبو عبيدة: كل شيء فوقه مثله، فهو طريقة (٩).\n_________\n(١) (بعد): ساقطة من (ظ)، (ع).\n(٢) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٢٩ ب.\n(٣) (لميتون) لم تكتب في (ع) في هذا الموضع. بل كتبت ضمن الآية التي قبلها.\n(٤) انظر: الطبري ١٨/ ١٢، والثعلبي ٣/ ٦٠ أ.\n(٥) انظر: \"تهذيب اللغة\" للأزهري، \"المستدرك\" (ص ٢٢٨ - ٢٢٩)، \"لسان العرب\" ١٠/ ٢٢٠ (طرق).\n(٦) ذكره الثعلبي ٣/ ٦٠ ب وصدره بقوله: قيل. وهو قول أبي عبيدة في \"مجاز القرآن\"\n٢/ ٥٦، والطبري ١٨/ ١٢ وغيرهما.\n(٧) \"تهذيب اللغة\" للأزهري \"المستدرك\" ص ٢٢٨ - ٢٢٩ (طرق) نقلًا عن الليث. وهو في \"العين\" ٥/ ٩٧ (طرق).\n(٨) \"تهذيب اللغة\" للأزهري \"المستدرك\" ص ٢٣٣ (طرق)، مع اختلاف يسير.\n(٩) \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ٢/ ٥٦ ولفظه: كل شيء فوق شيء، فهو طريقه.","vol":"15","page":543},{"text":"وقال ابن قتيبة: إنما سميت طرائق؛ لأن بعضها فوق بعض، ويقال: ريش طراق (١).\nقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ﴾ قال مقاتل: يعني خلق السماء وغيره (٢).\nوقال الزجاج: أي لم يكن ليغفل عن حفظهن. كما قال الله -﷿-: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا﴾ [الأنبياء: ٣٢] (٣).\nوهذا معنى قول الفراء: عما خلقنا غافلين: يقول: كنا له حافظين (٤).\nوهذا الذي ذكراه (٥) هو ما قاله (٦) المفسرون: وما كنا عن (٧) خلقنا غافلين من أن تسقط السموات عليهم، بل أمسكنا السماء بقدرتنا لكيلا (٨) تسقط على الخلق فتهلكهم (٩).\nقال الزجاج: ويجوز أن يكون المعنى: إنا لِحِفْظِنَا إياهم خلقنا السموات (١٠).\n_________\n(١) \"غريب القرآن\" لابن قتيبة ص ٢٩٦. وفيه: ريش طرائق.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٢٩ ب.\n(٣) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٩.\n(٤) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٣٢.\n(٥) في (ظ): (ذكرنا).\n(٦) في (ظ): (قال).\n(٧) في (أ): (عن. والمثبت من (ظ)، (ع) هو الموافق لما عند الثعلبي.\n(٨) في (أ): (كيلا).\n(٩) هذا كلام الطبري ١٨/ ١٢ والثعلبي ٣/ ٦٠ أ. وذكره الرازي ٢٣/ ٨٧ وعزاه لسفيان بن عيينة.\n(١٠) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٩ وفيه: خلقنا هذا الخلق.","vol":"15","page":544},{"text":"أي لم نغفل عن الخلق إذ (١) بنينا فوقهم سماء أطلعنا فيها الشمس والقمر والكواكب، التي بها ينتفعون، وأنزلنا منها عليهم الماء. وكأن هذا أقوى الوجوه. وهو معنى قول الحسن، يعني: ننزل (٢) عليهم ما يحييهم من المطر (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2766>١٨ </span>- قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ﴾ أي: بقدر يعلمه الله.\nوقال مقاتل: بقدر ما يكفيهم للمعيشة (٤). قال ابن عباس: يريد النيل.\nوعلى هذا القول الماء المذكور في الآية مخصوص (٥).\nوقال الكلبي: هو المطر.\nوعلى هذا معنى ﴿فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ﴾ يريد ما يبقى في الغُدران والمستنقعات والدُّحلان (٦)، أقر الله الماء فيها لينتفع به الناس في الصيف وعند انقطاع الأمطار.\nوقال آخرون (٧): هو العيون والينابيع التي يخرج الماء منها، وذلك\n_________\n(١) في (أ): (إلا)، وهو خطأ.\n(٢) في (أ): (نزل).\n(٣) ذكره عنه الثعلبي ٣/ ٦٠ أ.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٢٩ ب.\n(٥) ولا وجه لهذا التخصيص، لعدم الدليل.\n(٦) في (اْ): (الدجلان)، وفي (ع): (الدخلان)، والصواب ما في (ظ). وهو جمع دحل، والدحل والدُّحل: هوة تكون في الأرض وفي أسافل الأودية، فيها ضيق ثم تتسع. \"الصحاح\" ٤/ ١٦٩٥ (دحل)، \"لسان العرب\" ١١/ ٢٣٧ (دحل).\nوالغُدْران: جمع غدير، وهو القطعة من الماء يغادرها السيل. \"الصحاح\" ٢/ ٧٦٦ - ٧٦٧ (غدر).\n(٧) ذكره البغوي ٥/ ٤١٣ وصدره بقول: قيل.","vol":"15","page":545},{"text":"من ماء السماء أودعه الله الأرض.\nوهذا معنى قول مقاتل بن سليمان، فقد قال: يعني العيون (١).\nوقال أبو إسحاق: هو دجلة والفرات وسيحان وجيحان، فقد روي أن هذه الأنهار الأربعة من الجنة (٢).\nومعنى ﴿فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ﴾ (٣) جعلناه ثابتًا فيها لا يزول (٤).\nقوله: ﴿وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ﴾ قال ابن عباس: يريد أنه سيغيض ويذهب. يعني النيل.\nوعلى هذا كأن الله تعالى وعد أنه يذهب النيل حتى ينقطع (٥).\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٢٩ ب.\n(٢) روى مسلم في صحيحه كتاب: الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب: ما في الدنيا من أنهار الجنة ٤/ ٢١٨٣ عن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ- \"سيحان وجيحان والفرات والنيل، كل من أنهار الجنة\".\nوروى النحاس في \"معاني القرآن\" ٤/ ٤٥٠، وابن عدي في \"الكامل\" ٦/ ٢٣١٦، والخطيب البغدادي في \"تاريخ بغداد\" ١/ ٥٧، والواحدي في \"الوسيط\" ٣/ ٢٨٦ كلهم من طريق مسلمة بن علي عن مقاتل بن حيان، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبي -ﷺ- قال: \"أنزل الله من الجنة إلى الأرض خمسة أنهار: سيحون وهو نهر الهند، وجيحون وهو نهر بلخ، ودجلة والفرات وهما نهرا العراق، والنيل وهو نهر مصر، أنزلها الله من عين واحدة من عيون الجنة من أسفل درجة من درجاتها على جناحي جبريل، فاستودعها الجبال وأجراها في الأرض ... فذلك قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ﴾ .. \" الحديث.\nوهذا الحديث قال عنه ابن عدي بعد روايته أنه منكر المتن. وضعف إسناده السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ٩٥.\n(٣) في (أ): (أسكناه)، وهو خطأ.\n(٤) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٠.\n(٥) لا دليل على هذا من كتاب أو سنة صحيحة.","vol":"15","page":546},{"text":"وعلى (١) قول الكلبي معناه: وإنا لقادرون على أن لا ننزل عليكم المطر، حتى تهلكوا وتهلك حروثكم وأنعامكم.\nوقال مقاتل: ﴿وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ﴾ فتغور العيون في الأرض فلا يقدر عليه (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2767>٢٠ </span>- قوله تعالى: ﴿وَشَجَرَةً تَخْرُجُ﴾ عطف على (جنات) في قوله: ﴿فَأَنْشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ﴾ (٣).\nوأجمع المفسرون كلهم على أن هذه شجرة الزيتون (٤).\nوخصت هذه الشجرة بالذكر؛ لأنه لا يتعاهدها أحد بالسقي ولا يراعيها (٥) أحد من العباد. وهي تخرج الثمرة التي يكون منها الدهن الذي (٦) تعظم به الفائدة وتكثر (٧) المنفعة، فذكرت للنعمة (٨) فيها والمن بها (٩).\nقوله: ﴿مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ﴾ مضى الكلام في الطور (١٠). واختلفوا في ﴿سَيْنَاءَ﴾ فقال ابن عباس - في رواية عطاء: يريد الجبل الحسن (١١).\n_________\n(١) في (ظ)، (ع): (وعلى هذا قول ...) بزيادة (هذا).\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٢٩ ب.\n(٣) انظر: \"إعراب القرآن\" للنحاس ٣/ ١١٢، \"البيان في غريب إعراب القرآن\" للأنباري ٢/ ١٨١.\n(٤) انظر: \"الطبري\" ١٨/ ١٣، الثعلبي ٣/ ٦٠ أ، \"الدر المنثور\" ٦/ ٩٥.\n(٥) في (أ): (ولا يرا عليها).\n(٦) في (ظ): (الذي يطعم وتعظم به الفائدة).\n(٧) في (ظ): (وتذكر).\n(٨) في (ظ): (النعمة).\n(٩) ذكر مثل هذا الطوسي في \"التبيان\" ٧/ ٣١٦، ولم يعزه لأحد.\n(١٠) انظر: \"البسيط\" عند قوله تعالى: ﴿ورفعنا فوقكم﴾ [البقرة: ٦٣].\n(١١) ذكره عنه ابن الجوزي ٥/ ٤٦٦ من رواية أبي صالح، وذكره عن عطاء.","vol":"15","page":547},{"text":"[وهو قول قتادة (١).\nوقال الضحاك: وهو بالنبطية (٢) (٣). وقال عكرمة: بالحبشية (٤)\nوقال مقاتل: كل جبل يحمل الثمار فهو سيناء، يعني: الحسن] (٥) (٦).\nوقال الكلبي: ﴿طُورِ سَيْنَاءَ﴾: الجبل المشتجر (٧).\nوقيل: معنى ﴿سَيْنَاءَ﴾ البركة، كأنه قيل: جبل البركة. وهذا قول ابن عباس في رواية عطية (٨).\nوقال مجاهد: ﴿سَيْنَاءَ﴾ حجارة (٩). يعني أن سيناء اسم حجارة بعينها أضيف الجبل إليها لوجودها عنده.\nوالأصح في هذا أن يقال: ﴿سَيْنَاءَ﴾ اسم ذلك المكان الذي به هذا\n_________\n(١) رواه عبد الرزاق ٢/ ٤٥، والطبري ١٨/ ١٣، وذكره السيوطي في \"الدر\" ٦/ ٩٥، وعزاه لعبد الرزاق وابن جرير وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(٢) في (أ): (بالقبطية)، وهو خطأ.\n(٣) رواه الطبري ١٨/ ١٣، وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ٩٥ وعزاه لابن جرير وابن أبي حاتم.\n(٤) رواه عنه الطبري ٣٠/ ٢٤٠ عند قوله ﴿طُورِ سَيْنَاءَ﴾ [التين: ٢]. وذكره عنه السيوطي في كتابه: \"المهذب فيما وقع في القرآن من المعرب\" ص ١٠٢ من رواية ابن جرير وابن أبي حاتم.\n(٥) ما بين المعقوفين ساقط من (ظ).\n(٦) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٢٩ ب.\n(٧) رواه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ٢/ ٤٥ بلفظ: ذو شجر. وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ٩٦ وعزاه لعبد الرزاق وابن المنذر.\n(٨) ذكره الثعلبي ٣/ ٦٠ أمن رواية عطية. ورواه الطبري ١٨/ ٣.\n(٩) ذكره عنه السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ٩٦ وعزاه لعبد بن حميد. وذكره عنه البغوي ٥/ ٤١٤، وابن الجوزي ٥/ ٤٦٦.","vol":"15","page":548},{"text":"الجبل؛ لأن سيناء لا تعرف في العربية (١).\nوهذا قول ابن زيد. قال: هو الجبل الذي نودي منه موسى -﵇- وهو بين مصر وأيلة (٢).\nونحو هذا روى الضحاك عن ابن عباس (٣). واختار (٤) الزجاج أنه اسم المكان (٥).\nوخُص هذا الجبل بنبات الزيتون فيه، لأن أول ما نبت الزيتون نبت هناك. قاله مقاتل (٦).\nواختلف القراء في قوله (٧) ﴿سَيْنَاءَ﴾ فقرئ بفتح السين وكسرها (٨) (٩).\nقال أبو إسحاق: من قال (سَيْنَاء)، فهو على وزن صحراء، لا ينصرف، ومن قال (١٠) بكسر السين فليس في الكلام فعلاء نحو:\n_________\n(١) انظر: \"الطبري\" ١٨/ ١٤.\n(٢) ذكره عنه بهذا اللفظ الثعلبي ٣/ ٦٠ أ. ورواه الطبري ١٨/ ١٤ بنحوه.\nوأيلة: بلدة على ساحل البحر الأحمر مما يلي الشام. انظر: \"معجم البلدان\" ١/ ٣٩١، \"مراصد الاطلاع\" ١/ ١٣٨.\n(٣) روى الطبري ١٨/ ١٤ نحوه عن ابن عباس من رواية عطاء الخراساني.\n(٤) (واختار): ساقطة من (ع).\n(٥) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٠.\n(٦) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٢٩ ب. وما ذكره يحتاج إلى دليل. فالله أعلم.\n(٧) (قوله): زيادة من (أ).\n(٨) في (أ)، (ع): (وكسره).\n(٩) قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو: (سيناء) مكسورة السين. وقرأ الباقون بفتحها. \"السبعة\" ص ٤٤٤ - ٤٤٥، \"التبصرة\" ص ٢٦٩، \"التيسير\" ص ١٥٨.\n(١٠) في (ظ): (قرأ).","vol":"15","page":549},{"text":"عِلباء (١)، غير منصرف، إلا أن سيناء هاهنا اسم للبقعة ولا (٢) ينصرف (٣).\nوشرح أبو علي هذا الفصل فقال: من فتح السين لم ينصرف الاسم (٤) عنده في المعرفة ولا النكرة؛ لأن الهمزة في هذا البناء لا تكون إلا للتأنيث ولا تكون للإلحاق، ألا ترى أن فَعْلَالَا (٥) لا يكون إلا في المضاعف نحو: الزَّلزال، والقَلْقَال (٦)، وإذا اختص هذا البناء هذا الضرب (٧) لم يجز أن يُلحق به شيء.\nوأمَّا من كسر السين فالهمزة فيه منقلبة عن الياء (٨) كعِلباء وحِرباء، وهي الياء (٩) التي ظهرت في نحو: درحاية (١٠) لما بنيت على التأنيث،\n_________\n(١) في (أ، ع): (علياء)، وفي (ظ): (علياء) مهملة. وعلباء: عصب العنق، واسم رجل. انظر: \"تهذيب اللغة\" ٢/ ٤٠٦، \"الصحاح\" للجوهري ١/ ١٨٨ (علب).\n(٢) في (ع): (لا ينصرف).\n(٣) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٠ مع حذف واختصار.\n(٤) في (ع): (والاسم).\n(٥) في (أ، ع): (فعلال)، وهو خطأ.\n(٦) القلقال: يقال: قلقل الشيء قَلْقَله وقِلْقَالا وقَلْقَالا وقُلقَالا، أي حرَّكه فتحرك فاضطرب فإذا كسرته فهو مصدر، وإذا فتحته فهو اسم مثل الزلزال والزُّلزال، والاسم: القُلقال والقَلْقال. ورجل قلقال: صاحب أسفار. \"لسان العرب\" ١١/ ٥٦٦ (قلل).\n(٧) في \"الحجة\": اختص البناء هذا الضرب.\n(٨) في (أ): (التاء) وفي (ظ): (مهملة).\n(٩) في (ع): (جرباء)، وهو خطأ.\n(١٠) في (أ): (درجاف)، وفي (ع): (درجايه)، وفي (ظ): مهملة. والتصويب من \"الحجة\".\nو(درحَايه): (في \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٤١٦: قال أبو عبيد: إذا كان مع القصر سمن فهو درحاية.","vol":"15","page":550},{"text":"وإنما لم ينصرف على (١) هذا القول وإن (٢) كان غير مؤنث؛ لأنه جعل اسم بقعة أو أرض، فصار بمنزلة امرأة سميت بجعفر (٣).\nقوله: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ وقرئ: تُنبت (٤). قال الزجاج: يقال: نبت الشجر وأنبت في معنى واحد، قال زهير:\nرأيت ذوي الحاجات حول بيوتهم ... قطينًا لهم حتى إذا أنبت البَقْل (٥) (٦)\n_________\n(١) في جميع النسخ: (وعلى)، والتصويب من \"الحجة\".\n(٢) في (أ): (فإن).\n(٣) \"الحجة\" للفارسي ٥/ ٢٨٩ - ٢٩٠. وانظر: \"الكشف\" لمكي بن أبي طالب ٢/ ١٢٧، \"الدر المصون\" للسمين الحلبي ٨/ ٣٢٦ - ٣٢٨.\n(٤) قرأ ابن كثير، وأبو عمرو: (تُنْبُتُ) بضم التاء وكسر الباء، وقرأ الباقون: (تَنْبُتُ) بفتح التاء وضم الباء.\n\"السبعة\" ص ٤٤٥، \"التبصرة\" ص ٢٦٩، \"التيسير\" ص ١٥٩.\n(٥) هذا البيت أنشده الزجاج لزهير في \"معاني القرآن\" ٤/ ١٠. وهو في \"ديوان زهير\" ص ٤١ من قصيدة يمدح بها سنان بن أبي حارثة المُري، وفيه: (بها) مكان (لهم)، و(نبت) مكان (أنبت).\nو\"المعاني الكبير\" لابن قتيبة ١/ ٥٣٩، \"جمهرة اللغة\" لابن دريد ص ٢٥٧، ١٢٦٢، \"مغني اللبيب\" لابن هشام ١/ ١٠٢، \"لسان العرب\" ٢/ ٩٦ (نبت)، و\"خزانة الأدب\" ١/ ٥٠.\nوقبل هذا البيت:\nإذا السَّنة الشَّهْباء بالناس أجحفت ... ونال كِرامَ المال في السَّنةِ الأُكْلُ\nرأيت ...\nقال الشنتمري في \"شرحه لديوان زهير\" ص ٤١: (قوله: (رأيت ذوي الحاجات يعني الفقراء والمحتاجين. والقطين: أهل الرجل وحشمه، والقطين أيضًا: الساكن في الدار النازل فيها، وأراد هنا الساكن. يعني أن الفقراء يلزمون بيوت هؤلاء القوم يعيشون من أموالهم حتى يَخصِب الناس وينبت البقل).\nوانظر \"شرح ثعلب لديوان زهير\" ص ٩٢٠، و\"شرح شواهد المغني\" ١/ ٣١٥.\n(٦) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٠.","vol":"15","page":551},{"text":"قال (١) أبو علي: قد قالوا أنبت في معنى: نبت، وكأن الهمزة في أنبت مرة للتعدي ومرة لغيره، يكون من باب: أحال وأجرب وأقطف، أي: صار ذا حيال وجرب، والأصمعي ينكر أنبت، ويزعم أن قصيدة زهير التي فيها: [حتى إذا] (٢) أنبت البقل، متهمة. وإذا (٣) جاء الشيء مجيئًا كان للقياس فيه مسلك وروته الرواة لم يكن بعد ذلك موضع مطعن (٤).\nوأما وجه القراءة (٥)، فمن قرأ ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ احتمل وجهين:\nأحدهما: أن يجعل الجار زائدًا، يريد: تنبت الدهن (٦). ولحقت الباء كما لحقت في قوله: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥] أي: لا تلقوا أيديكم، يدلك على ذلك قوله: ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [النحل: ٨] (٧) (٨).\nوقد زيدت هذه الباء مع الفاعل كما زيدت مع المفعول، وزيادتها مع\n_________\n(١) في (ظ)، (ع): (وقال).\n(٢) ما بين المعقوفين ساقط من (ع).\n(٣) في (ع): (إذا).\n(٤) \"الحجة\" ٥/ ٢٩٢.\n(٥) في (ظ): (القراء).\n(٦) في (أ): (بالدهن)، وهو خطأ.\n(٧) قوله [أن تميد بكم] ساقط من (ظ)، (ع).\n(٨) وعلى هذا الوجه تكون حجة من ضم التاء من قوله (تُنبت) أنه جعله رُباعيًا من: أنبت ينبت، وتكون الباء في (بالدهن) زائدة، لأن الفعل يتعدى إذا كان رباعيًا بغير حرف، كأنه قال: تنبت الدهن، لكن دلت بالباء على ملازمة الإنبات للدهن، كما قال تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١] فأتى بالباء، و(اقرأ) يتعدى بغير حرف لكن دلت الباء على الأمر بملازمة القراءة. أهـ من \"الكشف\" لمكي بن أبي طالب ٢/ ١٢٧.","vol":"15","page":552},{"text":"المفعول به أكثر، وذلك نحو قوله (١):\nألم يأتيك والأنْبَاء تَنْميِ ... بما لاقَتْ لَبُون بني زياد\nوقد زيدت مع هذه (٢) الكلمة بعينها قال:\n_________\n(١) هذا البيت أول أبيات لقيس بن زهير بن جُذيمة بن رواحة القيسي، وكان سيد قومه، ونشأت بينه وبين الربيع بن زياد القيسي شحناء في شأن درع ساومه فيها، ولما نظر الربيع إلى الدرع وهي على ظهر فرس قيس أخذها ثم ركض بها فلم يردها عليه، ثم إن قيسًا طرد إبلا للربيع، وقيل إبله وإبل إخوته، فقدم بها مكة، فباعها من عبد الله بن جدعان التيمي، معاوضة بأدراع وأسياف، وفي هذا يقول قيس:\nألم يأتيك ............\nوبعده:\nومَحْبَسُها على القُرشي تُشُرى ... بأدْراع وأسياف حداد\nانظر: \"خزانة الأدب\" ٨/ ٣٦٥ - ٣٦٩.\nوالبيت في \"ديوانه\" ص ٢٩ وروايته فيه: ألم يبلغك: \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٢٣، \"شرح أبيات سيبويه\" للسيرافي ١/ ٣٤٠، \"المقاصد النحوية\" للعيني ١/ ٢٣٠، \"لسان العرب\" ١٤/ ١٤ (أتى)، \"شرح شواهد المغني\" للسيوطي ١/ ٣٢٨، ٢/ ٨٠٨. \"خزانة الأدب\" ٨/ ٣٦١.\nوهو غير منسوب في \"الكتاب\" ١/ ٣١٦، \"الخصائص\" لابن جني ١/ ٣٣٦، \"سر صناعة الإعراب\" ١/ ٨٧، ٢/ ٦٣١.\nقال البغدادي في \"الخزانة\" ٨/ ٣٦٤: و\"الأنباء\": جمع نبأ وهو خبرٌ له شأن. و(اللبون): (قال أبو زيد: هي من الشاء، والإبل ذات اللبن .. وقيل: اللبون: الإبل ذوات اللبن. وبنو زيادهم: الربيع، وعمارة، وقيس، وأنس، بنو زياد بن سفيان بن عبد الله العبسي، والمراد لبون الربيع بن زياد فإن القصة معه.\nوانظر: \"شرح أبيات سيبويه\" للسيرافي ١/ ٣٤٠ - ٣٤٣.\n(٢) في (ع): (بهذه).","vol":"15","page":553},{"text":"بِوَادٍ يَمَانٍ يُنْبِتُ الشَّثَّ (١) صَدْرُه (٢) ... وأسفله بالمرخ والشِّمبُهان (٣)\nأي: المرخ (٤).\nويجوز أن يكون الباء متعلقًا بغير هذا الفعل الظاهر، ويقدر (٥) مفعولًا\n_________\n(١) في (أ): (الشت)، وفي (ظ)، (ع): (الشب)، والتصويب من \"الحجة\".\n(٢) في \"الحجة\": حوله.\n(٣) البيت أنشده أبو علي في \"الحجة\" ٥/ ٢٩١ من غير نسبة، وعنده: (حوله) مكان (صدره).\nونسبه الأصفهاني في \"الأغاني\" ١٩/ ١١٢ ليعلى الأحوال اليشكري من قصيد قالها في سِجنه لما سجنه عبد الملك بن مروان وروايته: (السدر).\nوليعلى نسبهُ ابن السيد البطليوسي في \"الاقتضاب\" ٣/ ٣٤١، والبغدادي في \"الخزانة\" ٥/ ٢٧٦ ضمن قصيدة له. ثم ذكر ٥/ ٢٧٨ أنه يقال: إنها لعمرو بن عمارة الأزدي من بني خنيس، ويقال: إنها لجواس بن حيان من أزد عمان.\nونسبه ابن منظور في \"لسان العرب\" ١٣/ ٥٠٦ (شبه) لرجل من عبد القيس، ثم قال -بعد روايته للبيت: قال ابن بري: قال أبو عبيدة: البيت للأحول اليشكري واسمه يعلى. وهو من غير نبسة في: \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ٢/ ٤٨، \" أدب الكاتب\" لابن قتيبة ص ٤١٦، \"معاني القرآن\" للأخفش ٢/ ٦٢٦، الطبري ١٦/ ٧٢ وعندهما- الأخفش والطبري: (السدر) مكان (الشث)، \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٤٢١، وتصحف (الشث) في المطبوع إلى: البث.\nقال البطليوسي في \"الاقتضاب\" ٣/ ٣٩٣ - ٣٩٤: الشثُّ: شجر طيب الريح مر الطعم فيما ذكر الخليل، وقال أبو حنيفة: أخبرني بعض الأعراب قال: الشَّث: مثل شجر التفاح الصغار. والمرخ: شجر خوار خفيف العيدان ليس له ورق ولا شوك، تصنع منه الزناد، وهو من أكثر الشجر نارا. والشبهان: شجر يشبه السمر. كثير الشوك وهو من العضاة. وقال الخليل: الشبهان: الثمام. أهـ.\nوالشبهان: ضبطه البغدادي ٥/ ٢٧٦ بفتح الشين المعجمة وضم الموحدة وفتحها.\n(٤) في \"الحجة\": حمله على: ويُنْبِتُ أسْفَلهُ المرخَ.\n(٥) في (ظ): (ونقدر).","vol":"15","page":554},{"text":"محذوفًا تقديره: وينبت جناها أو ثمرها وفيها دهن وصبغ (١).\nقال أبو الفتح الموصلي في شرح هذا الوجه الثاني: ذهب كثير من الناس إلى أن الباء في قوله: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ زائدة، وأن تقديره: تنبت الدهن. وهذا عند حذاق أصحابنا على غير وجه الزيادة، وتأويله عندهم: تنُبْت ما تنبته والدهن فيه، كما تقول: خرج زيد بثيابه، أي: وثيابه عليه، وركب الأمير بسيفه، أي: وسيفه معه، كما أنشده الأصمعي (٢):\nوَمُسْتَنّةٍ كاسْتِنان الخَرُو ... ف قَدْ قَطَعَ الحَبْلَ بِالمِرْوَدِ\nأي: قطع الحبل ومروده فيه (٣). وأنشد أبو علي في هذا الوجه فقال (٤):\n_________\n(١) \"الحجة\" لأبي علي الفارسي ٥/ ٢٩١ - ٢٩٢ مع تقديم وتأخير. وانظر: \"حجة القراءات\" لابن زنجلة ص ٤٨٥، \"الكشف\" لمكي بن أبي طالب ٢/ ١٢٧.\n(٢) إنشاد الأصمعي لهذا البيت في \"سر صناعة الإعراب\" لابن جني ١/ ١٣٤، وفي \"المحتسب\" ٢/ ٨٨ لابن جني أيضًا ولم يذكر قائله.\nوقد ذكر الجوهري في \"الصحاح\" ٤/ ١٣٤٨ (خرف) أن الأصمعي أنشده في كتاب (الفرس) ونسبه لرجل من بني الحارث. وكذا قال ابن منظور في \"لسان العرب\" ٩/ ٦٦ (خرف).\nوالبيت بلا نسبة في: \"تهذيب اللغة\" للأزهري ٧/ ٣٥٠ (خرف)، \"المخصص\" لابن سيده ٦/ ١٣٧.\nقال ابن منظور ٩/ ٦٦ - ٦٧: وقوله: (مستنة): (يعني طعنة فار دَمُها باستنان، والاستنانُ والسنُّ: المَرُّ على وجهه، يريد أن دمها مر على وجهه كما يَمْضي المُهْر .. والمِرْودَ: حديدة توتد في الأرض يُشَدّ فيها حَبْل الدَّابة.\nقال الجوهري ٤/ ١٣٤٨: والخروف: الحَمَلُ، وربَّما سُمِّي المُهْرُ إذا بلغ ستَّة أشهر أو سبعة أشهر خروفا، حكاه الأصمعي.\n(٣) \"سر صناعة الإعراب\" ١/ ١٣٤\n(٤) (فقال): ليست في (ظ)، (ع).","vol":"15","page":555},{"text":"يَعْثُرْنَ في حَدِّ الظُّبَاتِ (١) كَأنَّما ... كُسِيَتْ بُرُودَ بني يَزِيدَ الأذْرُعُ (٢)\nأراد يعثرن مطعونات، فالجار (٣) والمجرور في موضع الحال، ويكون الوجه في الآية على أن المفعول محذوف والباء للحال، والتقدير: تنبت ثمرة بالدهن (٤)، [فحذف المفعول، و(بالدهن) في موضع الحال كأنه نبت وفيه دهن] (٥) (٦).\n_________\n(١) في (أ): (الظهات، وفي (ع): (الطهات)، ومثلها في (ظ) مهملة. والتصويب من \"سر صناعة الإعراب\" وغيره من مصادر تخريج الخبر.\n(٢) البيت في \"سر صناعة الإعراب\" ١/ ١٣٤، و\"المحتسب\" ٢/ ٨٨ من غير ذكر لإنشاد أبي علي، بل نسب البيت للهذلي.\nوهو منسوب لأبي ذؤيب الهذلي في \"ديوان الهذليين\" ١/ ١٠، \"المفضليات\" ص ٤٢٥ وفيها: (تزيد) مكان (يزيد)، \"اللسان\" ٢/ ٩٥ (نبت) وفيه (تزيد)، \"خزانة الأدب\" (ب ١/ ٢٧٤) وهو من قصيدة له مشهورة أولها:\nأمن المنون وريبها ..... تتوجع.\nوهو في هذا البيت يصف حُمَر وحش أصابتها السهام، فقوله (في حد الظبات) الظُّبات: جمع (ظبة) وهو طرف النصل من أسفل، وبنو يزيد: قوم كانوا تجارًا بمكة نسبت إليهم هذه البرود، وهي برود حمر، فشبه طرائق الدم على أذرع تلك الحُمر بطرائق تلك البرود الحمر.\nانظر: \"شرح ديوان الهذليين\" للسكري ١/ ٢٥ - ٢٦، \"شرح ما يقع فيه التصحيف والتحريف\" لأبي أحمد العسكري ص ٤٤٦، وفيه الكلام على رواية (يزيد)، و(تزيد). وتصويب ابن دريد تصويب رواية (يزيد) وتخطئة (تزيد)، \"خزانة الأدب\" للبغدادي ١/ ٢٧٤ - ٢٧٧.\n(٣) في (ظ): (والجار).\n(٤) في (ع): (والدهن).\n(٥) ساقط من (ع).\n(٦) لم أقف على قول أبي علي وإنشاده.","vol":"15","page":556},{"text":"وذكر أبو علي (١) وجهين آخرين (٢):\nأحدهما: أن الآية من باب حذف المضاف، فيكون (٣) معنى ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ أي: بذي الدهن أي: تنبت ما فيه دهن.\nوالوجه الثاني: أن يكون أنبت بمعنى نبت، وتكون الباء للتعدي (٤).\nكما أنها لو كانت في (٥) نبت فكان كذلك (٦).\nومن قرأ ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ جاز (٧) أن يكون الجار فيه للتعدي أنبته ونبت به (٨)، ويجوز أن يكون الباء في موضح حال كما كان في القراءة الأولى، ولا تكون للتعدي ولكن: تنبت وفيها دهن (٩) (١٠).\n_________\n(١) (أبو علي) ساقط من (ظ)، (ع).\n(٢) ذكر أبو علي هذين الوجهين في \"الحجة\" ٥/ ٥٥ عند قوله تعالى: ﴿ينبت﴾ [النحل: ١١].\n(٣) في (ظ)، (ع): (ويكون).\n(٤) في \"الحجة\": وإذا ثبت (أنبت) في معنى: نبت، جاز أن تكون الباء للتعدي. وأبو علي يشير بهذا إلى إنكار الأصمعي لهذا كما تقدم.\n(٥) في \"الحجة\": مع.\n(٦) وعلى هذا الوجه تكون القراءتان على هذه اللغة بمعنى واحد. وانظر: \"علل القراءات\" للأزهري ٢/ ٤٣٣ - ٤٣٤، \"الكشف\" لمكي بن أبي طالب ٢/ ١٢٧.\n(٧) في (ع): (أجاز).\n(٨) به ساقطة من (أ). وفي (ظ): (ونبته)، والمثبت من (ع) وهو الموافق لما في \"الحجة\".\n(٩) في (ع): (ودهن).\n(١٠) من قوله: ومن قرأ .. إلى هنا نقلا عن \"الحجة\" لأبي علي ٥/ ٢٩٢. وفي الباء في قوله (بالدهن) وجه آخر ذكره ابن كثير ٣/ ٢٤٣ وهو أنها دخلت لأن فعل (ينبت) مضمن لمعنى فعل آخر، قال: وأما على قول من يضمن الفعل، فتقديره: تخرج بالدهن، أو: تأتي بالدهن، ولهذا قال: (وصبغ) أي أدم. قاله قتادة (للآكلين) أي فيها ما ينتفع به من الدهن والاصطباغ.","vol":"15","page":557},{"text":"قوله: ﴿وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ﴾ وصبغ للآكلين) قال الليث: الصبغ والصباغ: ما يصطبغ به من الأدم (١).\nوقال غيره: الأصل (٢) في الصبغ (٣) والصباغ: هو ما يلون (٤) به الثياب، فشبه به ما يصطبغ به. وذلك أن الخبز (٥) يُلون بالصبغ إذا غمر فيه، والاصطباغ بالزيت الغَمْس فيه للائتدام به (٦).\nوالمراد بالصبغ: الزيت. في قول ابن عباس. فإنه يُدَّهن به ويؤتدم (٧).\nوهو اختيار الفراء (٨). جعل الصبغ الزيت.\nوقال مقاتل: جعل الله في هذه الشجرة أدمًا ودهنًا (٩).\nوعلى هذا الأدم: الزيتون، والدهن: الزيت. وهو اختيار الزجاج، قال: يعني بالصبغ: الزيتون (١٠).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2768>٢١ </span>- قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا﴾\n_________\n(١) \"تهذيب اللغة\" للأزهري ٨/ ٢٧ (صبغ) نقلا عن الليث. وهو في \"العين\" ٤/ ٣٧٤ ما يصطبغ في \"الأطعمة\" ونحوها أي يؤتدم.\n(٢) (الأصل): ساقطة من (ظ).\n(٣) في (أ): (والصبغ).\n(٤) في (ظ): (يكون)، وهو خطأ.\n(٥) في (أ)، (ع): (الحر). مهملة وفي (ظ): (الحبر).\n(٦) انظر: \"تهذيب اللغة\" للأزهري ٨/ ٢٨ - ٢٩ (صبغ)، \"لسان العرب\" ٨/ ٤٣٧ (صبغ).\n(٧) في (ظ): (ويؤتدم به).\n(٨) الفراء ساقطة من (ظ)، (ع). وانظر: كلام الفراء في \"معاني القرآن\" ٢/ ٢٣٣.\n(٩) \"تفسير مقاتل\" ٣٠ أ، وفيها: إدامًا.\n(١٠) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١١. قال الأزهري في \"تهذيب اللغة\" ٨/ ٢٧ بعد حكاية هذا القول عن الزجاج: وهذا أجود القولين؛ لأنه قد ذكر الدهن قبله.","vol":"15","page":558},{"text":"مفسرة (١) في سورة النحل (٢).\n﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ﴾ في ظهورها، وألبانها، وأوبارها، وأصوافها، وأشعارها.\n﴿وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ قال ابن عباس: من لحومها وأولادها والكسب عليها (٣). قوله: ﴿وَعَلَيْهَا﴾ قال ابن عباس: يريد الإبل خاصة (٤).\n﴿وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ قال الكلبي: أما في البحر فالسفن، وأما في البر فالإبل (٥).\nوهذه الآية تدل على أنه يجوز أن يذكر أشياء، ثم يكنى (٦) عن بعضها، فتعود الكناية إلى البعض لا إلى الجميع، وذلك أن الأنعام اسم للإبل والبقر والغنم، ولسنا نحمل على شيء منها إلا الإبل، فعادت الكناية إليها من جملة الأنعام.\nوالبقر منهي عن ركوبها في الحديث الذي ورد: \"أن رجلًا ركب بقرة، فقالت: إنا لم نخلق لهذا، إنما خلقنا للحراثة\". والحديث مشهور (٧).\n_________\n(١) في (ظ)، (ع): (مفسر).\n(٢) عند قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ﴾ [النحل: ٦٦].\n(٣) و(٤) ذكرهما ابن الجوزي ٥/ ٤٦٨ من غير نسبة لأحد. وانظر: \"تنوير المقباس\" ص ٢١٢.\n(٥) ذكره البغوي ٥/ ٤١٥، وابن الجوزي ٥/ ٤٦٨ من غير نسبة.\n(٦) في (ظ): (يعني).\n(٧) رواه البخاري في \"صحيحه\" كتاب: الحرث، باب: استعمال البقر للحراثة ٥/ ٨، ومسلم في \"صحيحه\" كتاب: فضائل الصحابة، باب: من فضل أبي بكر الصديق ٤/ ١٨٥٥.","vol":"15","page":559},{"text":"ونظير هذه الآية في تذكير النعمة بالحمل على الإبل والسفن قوله: ﴿وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [الإسراء: ٧٠].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2769>٢٣ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ﴾ قال ابن عباس: يعزي نبيه -ﷺ- بأن غير أمته قد كذبوا أنبياءهم وجحدوا بالبعث (١) (٢).\n﴿فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ قال ابن عباس: أطيعوا الله. وقال مقاتل: وحدوا الله (٣).\n﴿مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ ما غيره لكم رب ومعبود. ﴿أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ أو لا تتقونه بالطاعة والتوحيد. قال ابن عباس: يريد: أفلا تخافون الله (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2770>٢٤ </span>- قوله: ﴿يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ﴾ قال ابن عباس: يريد أن يرأسكم ويسودكم (٥).\nوالمعنى: يريد أن يصير له الفضل عليكم فيكون متبوعًا، وأنتم له تبع (٦).\n﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ﴾ أن لا نعبد (٧) شيئًا سواه ﴿لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً﴾ لأرسل ملائكة فكانوا (٨) رسله، ولم يرسل بشرًا آدميًّا. ﴿مَا سَمِعْنَا﴾ الذي يدعونا إليه نوح من التوحيد.\n_________\n(١) في (ظ)، (ع): (البعث).\n(٢) ذكره ابن الجوزي: ٥/ ٤٦٩ بمعناه وعزاه للمفسرين.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٣٠ أ.\n(٤) انظر: \"الطبري\" ١٨/ ١٦، والبغوي ٥/ ٤١٥.\n(٥) انظر: \"القرطبي\" ١٢/ ١١٨.\n(٦) هذا قول الطبري ونصه ١٨/ ١٦.\n(٧) في (ط): (يعبدوا). وفي (ع): (يعبد). والمثبت من (أ) هو الموافق لما عند الطبري.\n(٨) في (ظ)، (ع): (وكانوا).","vol":"15","page":560},{"text":"﴿فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ﴾ قال ابن عباس: في الأمم الماضية (١).\nوالباء قوله ﴿بِهَذَا﴾ (٢) زائدة (٣)، و﴿فِي﴾ ظرف لمحذوف. كأنه قيل: ما سمعنا بهذا سابقًا أو كائنًا في آبائنا الأولين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2771>٢٥ </span>- قوله: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ﴾ أي حالة جنون، وهي غمرة تغطي العقل وتستره (٤).\nوقال الفراء: ﴿حَتَّى حِينٍ﴾ أي إلى وقت ما. ولم يعنوا بذلك وقتًا معلومًا، وهو كقول القائل: دعه إلى يوم ما (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2772>٢٦ </span>- قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي﴾ قال ابن عباس ومقاتل: انصرني بتحقيق قولي في العذاب أنه نازل بهم في الدنيا على من لم يطعني ولم يسمع رسالتي (٦).\n﴿بِمَا كَذَّبُونِ﴾ أي بتكذيبهم إياي. والمعنى: انصرني بإهلاكهم\n_________\n(١) ذكره عنه القرطبي ١٢/ ١١٨.\n(٢) في (ع): (هذا).\n(٣) هذا القول محل نظر، والأظهر في هذا أن فعل (سمعنا) مُضمن لمعنى فعل آخر فلذا عُدي بالباء.\nقال العلامة محمد الطاهر بن عاشور في \"التحرير والتنوير\" ١٨/ ٤٣: ولما كان السماع المنفي ليست سماعًا بآذانهم لكلام في زمن آبائهم، بل المراد ما بلغ إلينا وقوع مثل هذا في زمن آبائنا، عُدي فعل (سمعنا) بالباء لتضمينه معنى الاتصال. أهـ.\n(٤) انظر: \"لسان العرب\" ١٣/ ٩٢ (جنن).\n(٥) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٣٤ مع اختلاف يسير. وهذا كلام الطبري ١٨/ ١٧ بنصه، ولم ينسبه الطبري لأحد.\n(٦) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٣٠ أإلى قوله: نازل بهم في الدنيا. وذكر الرازي ٢٣/ ٩٣ هذا القول، ولم ينسبه لأحد.","vol":"15","page":561},{"text":"جزاء لهم بتكذيبهم.\nقال أهل المعاني: وهذا دعاء عليهم بالإهلاك (١) من أجل التكذيبة (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2773>٢٧، ٢٨ </span>- قوله: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ﴾ مفسر في سورة هود إلى قوله. ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ﴾ (٣).\nقوله: ﴿فَاسْلُكْ فِيهَا﴾ أي ادخل في سفينتك. وذكرنا تفسيره عند قوله: ﴿كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الحجر: ١٢].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2774>٢٩ </span>- قوله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا﴾ المنزل يجوز أن يكون مصدرًا بمنزلة: أنزلني إنزالًا مباركًا، وعلى هذا يجوز أن يعلى الفعل إلى مفعول آخر. ويجوز أن يكون المنزل موضعًا للإنزال كأنه قيل: أنزلني مكانًا أو موضعًا. وعلى هذا الوجه قد استوفى الإنزال مفعوليه. وقرأ أبو بكر عن عاصم (مَنزِلًا) بفتح الميم وكسر الزاي (٤). ويجوز على هذه القراءة الوجهان، أحدهما: أن يكون موضع نزول. والآخر أن يكون مصدرًا. ودل (أنزلني) على أنزل (٥) فانتصب (منزلًا) على أنه مصدر. وعلى الوجه الأول على أنه محل (٦).\n_________\n(١) في (ظ): (بإهلاكهم).\n(٢) ذكر الجشمي في \"تهذيبه\" ٦/ ١٩٧ ب نحو هذا المعنى ولم ينسبه لأحد.\n(٣) انظر: \"البسيط\" سورة هود: ٣٧ - ٣٨.\n(٤) وقرأ الباقون: (منزلا) بضم الميم وفتح الزاي. \"السبعة\" ص ٤٤٥، \"التبصرة\" ص ٢٦٩،\"التيسير\" ص ١٥٩.\n(٥) في \"الحجة\": على نزلت.\n(٦) هذا كلام أبي علي في \"الحجة\" ٥/ ٢٩٤ - ٢٩٤ مع تقديم وتأخير وتصرف. وانظر في توجيه القراءتين أيضًا. \"علل القراءات\" للأزهري ٢/ ٤٣٤، \"الكشف\" لمكي بن أبي طالب ٢/ ١٢٨.","vol":"15","page":562},{"text":"والمفسرون على أنه أُمر أن (١) يقول عند استوائه على الفلك: الحمد لله، وعند نزوله منها (٢) ﴿أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا﴾ (٣).\nقال مجاهد (٤): [قال نوح] (٥) حين خرج من السفينة ﴿أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا﴾ (٦). وقال مقاتل: يعني بالبركة أنهم توالدوا وأكثروا (٧) (٨).\nوهذا يدل على أن هذا الدعاء كان عند الهبوط. وقال الكلبي: منزلا مباركًا بالماء والشجر.\nوقال ابن عباس في قوله: ﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾ يريد من السفينة، مثل قوله: ﴿اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا﴾ [هود: ٤٨] (٩).\nوذهب بعض أهل المعاني إلى أن المنزل المبارك هو السفينة؛ لأنها كانت سبب النجاة (١٠).\n_________\n(١) (أن): ساقطة من (ظ).\n(٢) في (أ): (فيها).\n(٣) انظر: \"الطبري\" ١٨/ ١٨، و\"الدر المنثور\" ٦/ ٩٧.\n(٤) في (ع) (مقاتل)، وهو خطأ.\n(٥) ما بين المعقوفين في (ع): (يعني ...).\n(٦) رواه الطبري ١٨/ ١٨ بلفظ: قال نوح حين نزل من السفينة. وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ٩٧ بمثل لفظ الطبري وعزاه لابن أبي شيبة وعبدين حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(٧) في (أ)، (ظ): (وكثروا)، والمثبت من (ع) هو الموافق لما في \"تفسير مقاتل\".\n(٨) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٣٠ ب.\n(٩) ذكره عنه القرطبي ١٢/ ١٢٠.\n(١٠) ذكر الطوسي في \"التبيان\" ٧/ ٣٢١ هذا القول ونسبه للجبائي، وكذا ذكرِه الجشمي في \"التهذيب\" ٦/ ١٩٨ أ، وذكر الماوردي ٤/ ٥٣ وابن الجوزي ٥/ ٤٧، والقرطبي ١٢/ ١٢٠ هذا القول من غير نسبة لأحد. =","vol":"15","page":563},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2775>٣٠ </span>- قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ يعني في أمر نوح والسفينة وهلاك أعداء الله. ﴿لَآيَاتٍ﴾ لدلالات على قدرة الله ووحدانيته، وعبرًا لمن اعتبر.\n﴿وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ﴾ وما كنا إلا مختبرين إياهم بإرسال نوح ووعظه وتذكيره (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2776>٣١ - ٣٥ </span>- قوله: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾ يعني عادًا قوم هود، [وأراد (٢) بقوله] (٣): ﴿فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ هودًا.\nوالباقي ظاهر إلى قوله: ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ﴾ الآية.\nقال الفراء: أعيدت (أَنَّكُمْ) مرتين ومعناهما واحد، إلا أن ذلك حسن لما فرق بينهما بإذا، وهي في قراءة عبد الله (أيعدكم إذا مُتم وكنتم ترابا وعظامًا أنكم مخرجون) (٤).\nوقال أبو إسحاق: ﴿أَنَّكُمْ﴾ موضعها نصبٌ على معنى: أيعدكم بأنكم إذا متم. وموضع (أن) الثانية عند قوم كموضع الأولى، وإنما ذكرت توكيدًا. والمعنى على هذا القول: أيعدكم أنكم مخرجون إذا متم. فلما بعد ما بين (أن) الأولى والثانية بقوله (إذا متم وكنتم تربًا وعظامًا) أعيد ذكر (أن) كما قال -﷿-: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ﴾ [التوبة: ٦٣] المعنى: فله نار جهنم (٥).\n_________\n= قال القرطبي ١٢/ ١٢٠: وبالجملة فالآية تعليم من الله﷿لعباده إذا ركبوا وإذا نزلوا أن يقولوا هذا.\n(١) في (أ): (وتنكيره).\n(٢) (وأراد): في هامش (أ) وعليها علامة التصحيح.\n(٣) ما بين المعقوفين ساقط من (ع).\n(٤) \"معاني الفراء\" للفراء ٢/ ٢٣٤ مع اختلاف يسير.\n(٥) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١١.","vol":"15","page":564},{"text":"قال أبو علي الفارسي: لا يخلو (أن) الثانية في قوله: ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ﴾ الآية، وفي (١) قوله: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ﴾ الآية، وفي قوله: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٢) [الأنعام: ٥٤] من أن يكون: بدلًا من الأول (٣)، أو يكون مكررًا (٤) للتأكيد وطول الكلام، أو يكون زائدًا غير معتد (٥) به كما في قوله: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ﴾ (٦)، أو يكون مرتفعًا بالظرف. فمذهب (٧) سيبويه (٨): أن الثانية بدل من الأولى، ومذهب أبي العباس (٩) وأبي عمر الجرمي أنه مكرر للتأكيد، ومذهب أبي الحسن (١٠) أنه مرتفع بالظرف (١١)،\n_________\n(١) في (ع): (في).\n(٢) قوله: [سوءا بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح] ساقط من (ع). وفي (أ): (بيان)، وفي (ظ) قوله: (سوءًا بجهالة). ثم سقط ما بعده وهو قوله (ثم تاب من بعده وأصلح). وفي الإغفال الآية كاملة.\n(٣) هكذا في (أ)، (ظ)، والإغفال. وفي (ع): (الأول. وقد غيرها محقق الإغفال إلى الأولى. وأشار إلى ذلك في الحاشية ٢/ ١٠٨١.\n(٤) هكذا في جميع النسخ وفي الإغفال أيضا، وقد غيرها محقق الإغفال إلى: تكون مكرره. وغير ما بعدها أيضًا. وأشار إلى ذلك في الحاشية ٢/ ١٠٨١.\n(٥) في (ظ)، (ع): (غير متعد)، وفي (أ): (غير متعديه)، وانظر: \"الإغفال\" ٢/ ١٠٨١.\n(٦) النساء: ١٥٥، المائدة: ١٣.\n(٧) في (أ): (فذهب).\n(٨) \"الكتاب\" ٣/ ١٣٢ - ١٣٣.\n(٩) هو: المبرد وانظر قوله في \"المقتضب\" ٢/ ٣٥٦.\n(١٠) هو: الأخفش.\n(١١) ذكر الأخفش في \"معاني القرآن\" ١/ ٢٨٩ في هذه الآية ﴿أَيَعِدُكُمْ﴾ أن الآخرة بدل من الأولى.","vol":"15","page":565},{"text":"ولم يقل أحد أنه زائد غير معتد به (١).\nقال سيبويه (٢): مما جاء مبدلًا قوله: ﴿أَيَعِدُكُمْ ...﴾ الآية، فكأنه (٣) قال: أيعدكم أنكم مخرجون إذا متم. وذلك أريد بها ولكنه إنما قدمت (أن) الأولى. ليعلم بعد أي شيء الإخراج. قال ت وزعم الخليل أن مفعل ذلك قوله: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ﴾.\nقال أبو على: لا يجوز عندي (٤) أن تكون (أن) الثانية في شيء من الآي بدلًا من الأولى، وذلك لا يخلو من أحد أمرين: إما أن تبدل (أن) من (أن) (٥) وحدها من غير أن تتم بصلتها، وإما أن تبدل منها (٦) بعد تمامها بصلتها. فلا يجوز أن تبدل منها من غير أن تتم بصلتها (٧)؛ لأنها قبل أن تتم بصلتها حرف؛ ولم (٨) نرهم أبدلوا الحرف من الحروف كما أبدلوا (٩) الاسم من الاسم والفعل من الفعل. ولا يجوز أن يكون مبدلًا منها في الآية بعد تمام الصلة؛ لأن صلة الأولى لم تتم، وإنما تتم اسمًا إذا استوفت صلتها تامة. وصلتها يكون اسمًا كان مبتدأ قبل دخولها عليه مع خبره،\n_________\n(١) في (ظ)، (ع): (غيرمتعد به).\n(٢) \"الكتاب\" لسيبويه ٣/ ١٣٢ - ١٣٣.\n(٣) في (ع): (وكأنه).\n(٤) (عندي): ساقطة من (ع).\n(٥) من أن: ساقط من (ظ).\n(٦) في (ظ): (منهما).\n(٧) في \"الإغفال\" ٢/ ١٠٨٣، خ ل ١١٢ أ: (من غير أن تتم كل واحدة بصلتها). وأشار محقق الإغفال إلى سقوطها من بعض النسخ.\n(٨) في (ع): (ولا). وفي ساقطة من (ظ).\n(٩) في جميع النسخ: أبدل. والتصويب من \"الإغفال\" ٢/ ١٨٣، (خ) ١٢١ أ.","vol":"15","page":566},{"text":"وقوله: ﴿إِذَا مِتُّمْ﴾ لا يكون خبرًا لاسم (أن) كما لا يجوز أن يكون خبرًا له قبل دخول (أن)، ألا ترى أنك لو قلت: أنتم (١) إذا متم، لم يجز؛ لأن الظرف من الزمان لا يكون خبرًا عن الجثث (٢)، فكذلك (٣) لا يجوز أن تكون (إذا) خبرًا لاسم (أن) من قوله: ﴿أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ﴾، وإذا لم يجز أن يكون خبرًا له فقد ثبت أن ﴿أَنَّكُمْ﴾ الأولى لم تستوف صلتها، وإذا لم تستوف صلتها لم يجز البدل منها؛ لأن الاسم المبدل منه حكمه أن يكون تامًا. وكذلك لا يجوز أن تكون الثانية بدلًا من الأولى في قوله: ﴿أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ﴾ لأن الشرط وحده دون الجزاء لا يكون خبرًا لاسم (أن)، كما لم يجز أن يكون خبرًا للمبتدأ (٤). وأبو العباس يذهب إلى أن الثانية مكررة توكيدًا، ولست تريد بها إلا ما أردت بالأولى.\nقال (٥): وهذا أحسن الأقاويل عندي في هذه الآية (٦).\nقال أبو علي: قول أبي العباس (٧) لا يجوز عندي أيضًا، لأنه لا يخلو من أن يقع التكرير للتأكيد في (أن) وحدها دون صلتها أو مع صلتها. فلا يجوز التكرير (٨) فيها وحدها، كما لا تكرر سائر الموصولات دون\n_________\n(١) في (ع): (أنكم).\n(٢) في (أ): (الجثث). وفي (ظ): (الجثب). والمثبت من (ع)، والإغفال.\n(٣) في (ظ)، (ع): (فلذلك).\n(٤) في (ظ)، (ع): (لمبتدأ).\n(٥) القائل هو: أبو العباس المبرد.\n(٦) انظر: \"المقتضب\" ٣/ ٣٥٦ - ٣٥٧.\n(٧) في (أ): (يقول أبو العباس)، وهو خطأ.\n(٨) في (أ): (التكرار)، والمثبت من باقي النسخ هو الموافق لما في \"الإغفال\".","vol":"15","page":567},{"text":"صلاتها، ولو كررت اسمًا موصولًا نحو: ضربت الذي في الدار [الذي في الدار] (١)، لم تكرره إلا مستوفيًا لصلته [فلا يجوز أن يكون (أن) أيضًا مكررًا مفردًا من صلتها غير مستوفية لها] (٢). فلا يجوز في شىِء من الآي الثلاث التكرير؛ لأن الأولى لم تستوف صلتها في واحدة منها. فقد بان الدخل في هذا القول أيضًا. وهو عندي أشبه من القول الأول. وإذا بان فساد القولين ثبت أنها مرتفعة بالظرف الظاهر الذي هو (إذا) كأنه (٣) في التقدير: أيعدكم أنكم إذا متم إخراجكم. كما تقول: وقت موتكم إخراجكم. فموضع (إذا متم) إلى قوله (مخرجون) رفع، لكون ذلك جملة ووقوعه (٤) كله خبرًا لـ (أن) الأولى.\nفأما موضع (٥) (إذا) فنصبٌ من حيث انتصب مثل: يومَ الجمعة القتالُ، واليومَ الإخراج. وحكم هذا أن تُضمر للمرفوع خبرًا (٦) يكون إياه في المعنى، أو يكون له (٧) فيه ذكر؛ لأن يوم الجمعة ليس بالقتال ولا له فيه ذكر، وذلك الخبر المُضْمَر: كائن أو حادث أو يحدث، وما أشبه (٨) ذلك. فإذا أضمر هذا لعلما: الذي لابد من إضماره عمل في الظرف. ولا يجوز أن يكون العامل في الظرف الإخراج نفسه من جهة أن الكلام لا\n_________\n(١) ما بين المعقوفين ساقط من (ع).\n(٢) ما بين المعقوفين ساقط من (ع).\n(٣) في (أ): (فكأنه)، والمثبت من باقي النسخ هو الموافق لما في \"الإغفال\".\n(٤) في (ع): (وقوعه).\n(٥) في (أ): (مواضع)، وهو خطأ.\n(٦) في \"الإغفال\" أن يضمر له خبر. وقال المحقق: في (ش): (خبرًا).\n(٧) في الإغفال: أو يكون له خبر. وأشار المحقق إلى سقوط (خبر) من (ش).\n(٨) في (ع): (أو ما أشبه).","vol":"15","page":568},{"text":"يتم ولا يكون له خبر، فيحتاج إلى ما يصير خبرًا له ثم يحذف هذا (١) الخبر الذي ذكرت لك أنه لابد من إضماره (٢)، ويدل على حذفه هذا المنتصب.\nوكذلك (إذا) في الآية حكمه حكم قولك: غدًا الرحيل. كأن التقدير في الأصل: إذا متم إخراجكم كائن أو حادث أو يحدث، فـ (إذا) منتصب (٣) بالخبر المقدر انتصاب غد (٤)، وحذف الخبر كما حذف من غد، ثم قام (إذا) مقام الخبر المحذوف فصار فيه ضميره كما صار في سائر الظروف، ثم قام مقام الفعل فرفع (٥) كما رفع قوله غدًا الرحيل. فـ (غدًا) و(إذا)، و(في الدار)، وما أشبه ذلك من الظروف كان أصله ما عرفتك من الانتصاب بالفعل الذي تقدم (٦) أو ما يقوم مقامه، ثم يختزل فتقوم هي مقام المختزل، فتصير مواضعها لذلك (٧) رفعًا نحو: زيد في الدار، ونحو: القتال إذا أتيت زيدًا، فيرفع (٨) الظاهر كما يرفع المضمر (٩)، فإذا قدم الظرف (١٠) لم يكن له موضع من الإعراب، كما أنه ليس لقولك مبتدئًا:\n_________\n(١) في جميع النسخ: (وهذا)، والتصويب من \"الإغفال\" ٢/ ١٠٩٢.\n(٢) في (أ، ع): (إضمار)، والمثبت من (ظ) و\"الإغفال\".\n(٣) في (ظ)، (ع): (انتصب).\n(٤) في (ظ): (غدا).\n(٥) في \"الإغفال\" ٢/ ١٠٩٥: فرفع أن.\n(٦) في \"الإغفال\" ٢/ ١٠٩٥: (الذي يقدر).\n(٧) في (أ): (بذلك)، والمثبت من باقي النسخ و\"الإغفال\" ٢/ ١٠٩٥.\n(٨) في (ط)، (ع): (فرفع).\n(٩) في \"الإغفال\" ص ١٠٩٥ بعد قوله زيدًا: ثم تقدم فترفع الظاهر كما رفع المُضمر.\n(١٠) في (ظ)، (ع): (فرفع).","vol":"15","page":569},{"text":"(قام زيد) موضع من الإعراب يخالف لفظه [كما أن لقولك عندك (١) من قولك: زيد عندك موضع يخالف لفظه] (٢) وهو الرفع لوقوعه موضع خبر الابتداء، فكذلك (٣) حكم (إذا) في الآية، إلا أنه لما وقع موضع الخبر مع ما بعده قلنا إن الجملة بأسرها معها في موضع رفع، وأنها إذا كانت متقدمة (٤) مرتفعًا بها الاسم لا موضع لها (٥) من الإعراب مخالفًا للفظها (٦) من حيث لم يكن لقولك (٧): في الدار، وعندك -من قولك: في الدار زيد، وعندك عمرو- موضع من الإعراب لقيامهما (٨) مقام ما لا موضع له، فعلى هذا حكم هذه الظروف في قيامها (٩) مقام الفعل. وأبو العباس يقول- في هذه الآية: إن ارتفاعه بالظرف حسن جميل. هذا كله كلام أبي علي في كتاب (١٠) الإصلاح (١١).\nوقال في كتاب \"الحجة\": من قدر [في] (١٢) (أنَّ) الثانية البدل فإنه\n_________\n(١) في (ع): (عندي)، والتصويب من \"الإغفال\".\n(٢) ما بين المعقوفين ساقط من (أ)، (ظ).\n(٣) في جميع النسخ: وكذلك، مقدمه .. له .. للفظه)، والمثبت من \"الإغفال\".\n(٤) نفسه.\n(٥) نفسه.\n(٦) نفسه.\n(٧) في (ظ): (كقولك)، وهو خطأ.\n(٨) في (ظ): (لمقامها).\n(٩) في (أ): (مقامها)، والمثبت من (ظ)، (ع) هو الموافق لما في \"الإغفال\".\n(١٠) في (أ): (وكتاب).\n(١١) \"الإغفال\" لأبي علي الفارسىِ ٢/ ١٠٨١ - ١٠٩٧ مع تصرف واختصار.\n(١٢) (في): زيادة من \"الحجة\" يستقيم بها المعنى.","vol":"15","page":570},{"text":"ينبغي أن يقدر محذوفًا ليتم بذلك الكلام فيصح البدل، إذ لا يبدل من الاسم إلا بعد تمام الكلام فيكون التقدير: أيعدكم أن إخراجكم إذا متم، فيكون خبرًا لـ (أنَّ) وهو اسم الزمان، والإخراج حدث واسم الزمان يصح أن يكون خبرًا عن الأحداث. وإذا لم يقدر هذا المحذوف لم يتم الكلام؛ لأن قوله: ﴿إِذَا مِتُّمْ﴾ لا يصح أن يكون خبرًا عن المخاطبين بقوله: ﴿أَنَّكُمْ﴾ لأنهم أعيان (١)، وأسماء الزمان لا يصح أن تكون خبرًا عن الأشخاص، وإذا (٢) قدرت هذا التقدير صح أن يكون (أَنَّكُم) الثانية بدلًا من الأولى. ومن قدر في الثانية التكرير لم يحتج إلى تقدير محذوف (٣).\nقال: فأما (٤) قول أبي إسحاق ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ﴾ إن موضع (أنَّ) الأولى نصبٌ على معنى: أيعدكم بأنكم فإن (٥) وعدت تتعدى إلى مفعولين، وتعديه إلى المفعول الثاني بغير حرف، ولا حاجة إلى تقدير الباء ألا ترى أن ما جاء في التنزيل من هذا بغير الباء فمن ذلك قوله: ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ﴾ [الفتح: ٢٠] ﴿وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ﴾ [طه: ٨٠] وجانب مفعول ثان ولا يكون ظرفًا لاختصاصه ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً﴾ [الأعراف: ١٤٢] و﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً﴾ [الفتح: ٢٩] و﴿إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ﴾ [التوبة: ١١٤] فلم يتعد وعدت في كل هذا إلى المفعول الثاني بالباء، وكذلك ينبغي أن يكون المفعول الثاني في ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ﴾ لا\n_________\n(١) في (ع): (أعوان).\n(٢) في (ظ)، (ع): (فإذا).\n(٣) \"الحجة\" ٢/ ٦١.\n(٤) في (ظ). (وأما).\n(٥) في (أ): (قد).","vol":"15","page":571},{"text":"تحتاج فيه إلى تقدير حرف الخفض (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2777>٣٦ </span>- قوله تعالى: ﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ﴾ معنى (هيهات): بَعُدَ الأمرُ جدًّا حتى امتنع.\nوهو صوت بمنزلة صَهْ ومَهْ، إلا أن هذه الأصوات الأغلب عليها الأمر والنهي، وهذا في الخبر، ونظيره شتان، أي: بعد ما بينهما جدًا.\nوهذا الذي ذكرنا هو معنى ما ذكره أبو علي في كتاب \"الإيضاح\". فإنه ذكر فيه باب الأسماء التي سميت بها الأفعال فذكر فيه (رويد) بمعنى: أروِد أي: أمهل، و(إيه) بمعنى: حدث، وصَه ومَهْ بمعنى: أُسكت. وقال: أكثر ما تستعمل هذه الأسماء في الأمر والنهي، وقد جاء شيء من ذلك في الخبر، وذلك قولهم: شتان زيد وعمرو، فهذا بمنزلة: بعد زيد وعمرو، وقالوا: سرعان ذا إهالة (٢)، بمعنى: سَرُع، وقالوا (٣): هيهات زيد،\n_________\n(١) \"الإغفال\" للفارسي ٢/ ١١٠١ - ١١٠٣.\n(٢) سرعان -مثلثة السين- بمعنى: سرع، والإهالة: الودك.\nو(سرعان ذا إهالة) مثل أصله: أن رجلا كانت له نعجة عجفاء، ورُغامها يسيل من منخريها لهزالها، فقيل له: ما هذا الذي يسيل؟ فقال: ودكها. فقال السائل ذلك القول.\nوقيل إن أصل هذا المثل أن رجلًا كان يُحَمّق، اشترى شاة عجفاء يسيل رُغامها هزالا وسوء حال، فظن أنه ودك فقال: (سرعان ذا إهالة).\nو(إهالة) منصوب على الحال، و(ذا) إشارة إلى الرغام، أي: سرع هذا الرغام حال كونه إهالة وهو مثل يضرب لمن يخبر بكينونة الشيء قبل وقته.\nانظر: \"مجمع الأمثال\" للميداني ٢/ ١١ - ١١٢، \"لسان العرب\" ٨/ ١٥٢ (سرع)، \"القاموس المحيط\" ٣/ ٣٧، \"تاج العروس\" للزبيدي ٢١/ ١٨٦ (سرع).\n(٣) (قالوا): ساقطة من (أ).","vol":"15","page":572},{"text":"يريدون: بعد. هذا كلامه (١).\nوقد ثبت أن هيهات اسم سمي به الفعل وهو بعد في الخبر لا في الأمر كما عليه أكثر بابه، وتفسير هيهات: بَعُدَ، وليس له اشتقاق؛ لأنه بمنزلة الأصوات، وفيه زيادة معنى ليس في بَعُدَ، وهي أن المكلم بهيهات يخبر عن اعتقاده استبعاد ذلك الشيء الذي يخبر عن بُعْدِه، وكأنه بمنزلة أن تقول: بعد جدًّا وما أبعده، لا على أن يعلم المخاطب مكان ذلك الشيء في البعد فـ[حسب، كما لو قال: بعد زيد، يفهم من هذا أنه يخبر عن مكانه في البعد] (٢). ففي هيهات زيادة معنى على بعد وإن كنا (٣) نفسره ببعد.\nقال الفراء - في قوله: ﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ﴾: لو لم تكن اللام في (ما) كان صوابًا. ودخول اللام عربي، ومثله في الكلام: هيهات لك، وهيهات أنت منا، وهيهات لأرضك. وأنشد (٤):\n_________\n(١) \"الإيضاح العضدي\" ص ١٩١.\n(٢) ما بين المعقوفين ساقط من (ظ).\n(٣) في (ظ): (كان).\n(٤) البيت أنشده الفراء في \"معانيه\" ٢/ ٢٣٥ من غير نسبة، وروايته عنده:\nفأيهات أيهات العَقيقُ ومَن به ... وأيْهات وَصْل بالعقيق نواصله\nوالبيت لجرير، وهو في \"ديوانه\" ٢/ ٩٦٥ بمثل رواية الفراء لكن فيه (تواصله) مكان (نواصله)، و\"النقائض\" لأبي عبيدة ٢/ ٦٣٢: و\"الخصائص\" لابن جني ٣/ ٤٢ بمثل رواية الواحدي لكن فيه (ومن به) مكان (وأهله). و\"شرح المفصل\" لابن يعيش ٤/ ٣٥ بمثل رواية الواحدي.\nو\"اللسان\" ١٣/ ٥٥٣ (هيه) بمثل رواية الواحدي لكن فيه (نحاوله) مكان (نواصله) قال أبو عبيدة في \"النقائض\" ٢/ ٦٣٢. والعقيق: وادٍ لبني كلاب بالعالية.","vol":"15","page":573},{"text":"فَهَيْهات هيهات الحقيقُ وأهلُه (١) ... وهيهات خِلُّ بالعقيق نُوَاصِلُه\nفمن لم يدخل اللام رفع الاسم. ومعنى هيهات: بعيد (٢) كأنه قال: بعيد (٣) العقيق وأهله، ومن أدخل اللام قال (هيهات) أداة ليست (٤) بمأخوذة من فعل [فأدخلت لها اللام كما يقال: هَلُمَّ لك، إذْ لم تكن مأخوذة] (٥) من فعل (٦).\nوقال أبو إسحاق: ﴿هَيْهَاتَ﴾ موضعها الرفع، وتأويلها (٧): البعد لما توعدون.\nقال: ويقال: هيهات ما قلت، وهيهات لما قلت، فمن قال: هيهات لما قلت فمعناه البعد لقولك (٨)، ومن نون هيهات جلها نكرة، ويكون المعنى: بُعدًا (٩) لما توعدون (١٠).\nقال أبو علي: فيما أصلح (١١) عليه قوله في هيهات [أن موضعه] رفع\n_________\n(١) في (ع): (وأرضه).\n(٢) في (ع): (بعد).\n(٣) عند الفراء: كأنه قال: بعيد (ما توعدون) وبعيد العقيق ...\n(٤) في (ظ)، (ع): (ليس).\n(٥) ما بين المعقوفين ساقط من (ظ).\n(٦) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٣٥ مع اختصار.\n(٧) في (ظ): (تأويلها).\n(٨) عند الزجاج: فمن قال: هيهات ما قلت، فمعناه: البعد ما قلت، ومن قال: هيهات لما قلت.\n(٩) عند الزجاج: بعد.\n(١٠) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٣.\n(١١) في (ظ): (مما يصلح).","vol":"15","page":574},{"text":"وإجراؤه (١) إياها (٢) مجرى البعد في أن موضعه رفع، كما أن البعد رفع في قولك: \"البعد لزيد\" خطأ، وذلك أن هيهات اسم [سُمي به الفعل فهو اسم لبعد (٣) كما أن شتان كذلك، وهيهات] (٤) أشبه الأصوات نحو: مَه وصه وما لا حظ في الإعراب، وكما لا يجوز أن يحكم لشتان بموضع من الإعراب -من حيث كان اسمًا للفعل فلا موضع له من الإعراب كما لا موضع لقام من قولنا: قام زيد، وما أشبهه- كذلك لا يجوز أن يحكم لهيهات بأن موضعه رفع، ولو جاز أن يكون موضعه رفعًا لدلالته على معنى البعد لكان شتان أيضًا مرتفعًا لدلالته على ذلك، وليس (٥) للاسم الذي سُمي (٦) به الفعل موضع من الإعراب، كما لم يكن للفعل الذي جعل هذا اسمًا له موضع، فإذا ثبت أنه اسم سمي به الفعل كشتان لم يجز أن يخلو من فاعل ظاهر أو مضمر كما أن الفعل لا يخلو من ذلك، ولولا أن شتان وهيهات كبعد قولك: شتان زيد وهيهات العقيق لما تم الكلام به وبالاسم، فلما تم الكلام به علمنا أنه بمنزلة الفعل وأن الاسم مرتفع به، إذ لا يخلو من أن يكون بمنزلة الفعل أو بمنزلة المبتدأ، فلا يجوز أن يكون بمنزلة المبتدأ (٧)؛ لأن المبتدأ هو الخبر في المعنى أو يكون له فيه ذكر وليس\n_________\n(١) في \"الإغفال\" ٢/ ١١٢٥: (إجراؤه)، وأشار المحقق إلى أنه في نسخة (ش): وإجراؤه.\n(٢) في \"الإغفال\" ٢/ ١١٢٥: (إياه).\n(٣) (لبعد): ساقط من (أ).\n(٤) ما بين المعقوفين ساقط من (ع).\n(٥) في \"الإغفال\" ٢/ ١١٢٦: (فليس) وهي ساقطة من (ظ).\n(٦) في \"الإغفال\" ٢/ ١١٢٦: تُسمى.\n(٧) في \"الإغفال\" ٢/ ١١٢٨: (الابتداء).","vol":"15","page":575},{"text":"هيهات العقيق (١) ولا شتان يزيد (٢) ولو كان هيهات اسمًا للمصدر لما وجب بناؤه لأن المعنى الواحد قد يسمى بعدة أسماء ويكون ذلك كله معربًا، وأيضًا فإنك تقول: هيهات المنازل وهيهات الديار، فلو (٣) كان هيهات مبتدأ لوجب أن يجمع، إذ لا يكون المبتدأ واحدًا والخبر جمعًا.\nوأظن الذي حمل أبا إسحاق على أن قال: (هيهات: معناه البعد، وموضعه رفع كما أنك لو قلت: البعد لزيد كان البعد رفعًا). أنه لم ير (٤) في قوله: ﴿هَيْهَاتَ﴾ فاعلا ظاهرًا مرتفعًا فحمله على أن موضعه رفع كالبعد. والقول في هذا أن في (هيهات) ضميرًا مرتفعًا، وذلك الضمير عائد إلى قوله: ﴿أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ﴾ الذي هو بمعنى الإخراج، كأنهم لما قالوا -مستبعدين للوعد بالبعث ومنكرين له- ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ﴾ فكان قوله: ﴿أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ﴾ بمعنى الإخراج وصار (٥) في (هيهات) ضمير له، والمعنى: هيهات إخراجكم للوعد، أي (٦): بعد إخراجكم للوعد إذ كان الوعد إخراجكم بعد موتكم ونشركم بعد إضمحلالكم، فاستبعد أعداء الله إخراجهم ونشرهم لما كانت العِدة به بعد الموت، إغفالًا منهم للتدبر وإهمالًا (٧) للتفكر في قوله:\n_________\n(١) في \"الإغفال\" ٢/ ١١٢٨: وليس هيهات بالعقيق.\n(٢) هكذا في (ع) والإغفال. وفي (أ): (يريد)، وهي مهملة في (ظ).\n(٣) في \"الإغفال\" ٢/ ١١٢٩: ولو.\n(٤) في \"الإغفال\" ٢/ ١١٣٠: لم يرد، والصواب ما هنا.\n(٥) في \"الإغفال\" ٢/ ١١٣٠: صار.\n(٦) في (ع): (الذي).\n(٧) في (ع): (وإمهالا).","vol":"15","page":576},{"text":"﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ ففاعل هيهات هو هذا الضمير العائد إلى ﴿أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ﴾ التي هو بمعنى الإخراج كما أن فاعل هيهات في قول الشاعر:\nفهيهات هيهات العقيق\nالاسم الظاهر: وإنما كرر (١) هيهات في الآية والبيت للتأكيد.\nوأما (٢) قوله: (ويقال: هيهات ما قلت وهيهات لما قلت، فمن قال هيهات ما قلت فمعناه البعد ما قلت ومن قال لما قلت فمعناه البعد لقولك) فقد ذكرنا أن هيهات لا يجوز أن يكون كالبعد وأنه اسم سمي به الفعل فإجازته في هيهات ما قلت (٣) على أنه البعد ليس بجائز وإنما ما قلت يرتفع بهيهات كما يرتفع ببعد، أما (٤) إجازته هيهات لما قلت فإنما قاسه على قوله (٥) ﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ﴾ وليس قولك مبتدئًا: (هيهات لما قلت) مثل الآية، لأن التي في الآية فيها ضمير كما أعلمتك ولا ضمير فيها مبتدأ (٦). فبان (٧) أن قولك: (هيهات لما قلت) ليس كما قاسه عليه (٨)؛ لأنه\n_________\n(١) في (ع): (تكرر).\n(٢) في \"الإغفال\" ٢/ ١١٣٢: فأما قوله.\n(٣) في \"الإغفال\" ٢/ ١١٣٢: فإجازته هيهات ما قالت.\n(٤) في \"الإغفال\" ٢/ ١١٣٢: فأما.\n(٥) قوله: ساقط من (ع).\n(٦) في \"الإغفال\" ٢/ ١١٣٣: مبتدأ، وفي (أ): (مبتدأه)، وأشار المحقق إلى أنه في نسخة ش: مبتداه.\n(٧) في \"الإغفال\" ٢/ ١١٣٣: (فتبين)، وفي بعض النسخ كما أشار المحقق. فبين.\n(٨) في (ع): (عليك).","vol":"15","page":577},{"text":"حال (١) من ضمير الفاعل، فإن قال: هيهات لقولك، وكانا (٢) في هيهات (٣) كما في الآية جاز وإلا امتنع.\nوقوله: (فأما من نون هيهات فجعلها نكرة ويكون المعنى: بعدًا لما قلت منه اختلاف) (٤). قيل: إنه إذا نُوَّن كان نكرة، ووجه هذا القول أن هذه التنوين (٥) في الأصوات [إنما تُثْبت] (٦) علمًا للتنكير وتحذف علمًا للتعريف، كقولهم: عَاقِ وعاقٍ، وإيه وإيهٍ، ونحو ذلك، فجائز أن يكون المراد بهيهات إذا نون التنكير.\nوقيل: إنه إذا نون أيضًا كان معرفة كما كان قبل التنوين كذلك، وذلك أن التنوين في (مسلمات) ونحوه نظير النون في (مسلمين)، فهي إذا ثبتت لم تدل على التنكير كما تدل عليه في (عاق)؛ لأنه بمنزلة ما لا يدل على تنكير (٧) ولا تعريف، فهو على تعريفه الذي كان عليه قبل دخول التنوين، إذ ليس التنوين فيه كالذي في (عاق). قال أبو العباس في هذا الوجه: هو قول قوي. انتهى كلام أبي علي (٨).\nوحصل في معنى هيهات ثلاثة أقوال:\n_________\n(١) في \"الإغفال\" ٢/ ١١٣٣: خال بالمعجمة، وأشار المحقق إلى أنه في نسخة (ش): (حال).\n(٢) في (ظ)، و\"الإغفال\": (فكان).\n(٣) في \"الإغفال\" ٢/ ١١٣٣: (فكان في هيهات ضمير كما في الآية ....\n(٤) في \"الإغفال\" ٢/ ١١٣٣: (ويكون المعنى: بعدٌ لما قلت ففيه اختلاف.\n(٥) في بعض نسخ \"الإغفال\" كما أشار المحقق ٢/ ١١٣٣: أن التنوين.\n(٦) ساقط من (ظ).\n(٧) في (ع): (التنكير).\n(٨) \"الإغفال\" للفارسي ٢/ ١١٢٥ - ١١٣٤ بتصرف.","vol":"15","page":578},{"text":"أحدهما. أنه بمنزلة الصفة كقولك (١) بعيد. وهو قول الفراء.\nوالثاني: أنه بمنزلة البُعد. وهو قول الزجاج وابن الأنباري.\nوالثالث (٢): أنه بمنزلة بَعُدَ. وهو قول أبي علي وغيره من حذاق النحويين.\nفهو إذن على هذه الأقوال تكون بمنزلة الصفة والمصدر (٣) والفعل.\nوفيه لغات: فتح التاء بلا تنوين.\nقال الفراء: إنهما أداتان (٤) جمعتا فصارتا بمنزلة خمسة عشر (٥).\nقال: ويجوز أن يكون نصبها (٦) كنصب قولك: رُبت وتُمت، وأنشد (٧):\n_________\n(١) في (ع): (لقولك).\n(٢) من (ظ): وفي باقي النسخ: (والآخر).\n(٣) في (ظ): (والبُعْد).\n(٤) في (ع): (أداأتان)، وهو خطأ.\n(٥) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٣٥.\n(٦) في (ع): (نصبها نصبها).\n(٧) قول الفراء وإنشاده نقله عنه الواحدي بواسطة \"تهذيب اللغة\" للأزهري ٦/ ٤٨٥ (هيه)، وهو مع اختلاف في بعض ألفاظه في \"معاني القرآن\" ٢/ ٢٣٦.\nوالبيت أنشده الفراء في \"معانيه\" ٢/ ٢٣٦ من غير نسبة، وفيه (بل ربتما) مكان (ياربتما). والبيت منسوب لضمرة بن ضَمْرة النَّهشلي في \"النوادر\" لأبي زيد ص ٢٥٣٢، \"المعاني الكبير\" لابن قتيبة ٢/ ١٠٠٥، وروايتهما: (بل ربتما)، و\"خزانة الأدب\" ٩/ ٣٨٤ وفيها (ياربتما).\nومن غير نسبة في: الطبري ١٨/ ٢١، \"تهذيب اللغة\" للأزهري ٣/ ٦٤ (شعا)، \"لسان العرب\" ١٤/ ٤٣٥ (شعا).\nقال البغدادي في \"الخزانة\" ٩/ ٣٨٤ - ٣٨٥. ماوي: منادي مرخَّم ماوية. اسم امرأة. و(يا) في قوله (ياريتما) للتنبيه لا للنداء .. (ب). التاء لحقت (رب) للإيذان =","vol":"15","page":579},{"text":"مَاويّ ياربتما غارةٍ ... شَعْواءَ كاللَّذْعَةِ بِالميسَمِ\nونحو هذا ذكر أبو إسحاق فقال: من فتحها فلأنها بمنزلة الأصوات وليست مشتقة من فعل فبنيت هيهات كما بنيت (١) ذَيَّة (٢) (٣).\nويجوز التنوين مع الفتح.\nقال ابن الأنباري: من قال هيهاتًا بالتنوين (٤) شبهه بقوله: ﴿فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٨٨] (٥). يعني أن هيهاتًا بمنزلة بعيدًا.\nويجوز هيهات بكسر التاء.\nقال الفراء: هو بمنزلة دَرَاكِ ونَظَارِ (٦). يعني أن دراك اسم للأمر بمعنى\n_________\n= بأن مجرورها مؤنث، و(ما) زائدة بين رب ومجرورها ..، والغارة: اسم من أغار القوم إغارة، أي: أسرعوا في السير. (الشعواء): (الغارة المنتشرة، وهي بالعين المهملة، واللذعة بالذال المعجمة والعين المهملة، ثم لذعته النار، إذا أحرقته، والميسم: ما يوسم به البعير بالنار. أهـ.\nقال ابن قتيبة في \"المعاني\" ٢/ ١٠٠٥: يريد كأنها -يعني الغارة- في سرعتها لذعه بميسم في وَبْر.\n(١) في (ع): (كما بنيت هيهات)، كررت هيهات خطأ.\n(٢) في (أ): (إيه)، وفي (ع): (ربه). والمثبت من (ظ) وهو الموافق لما في \"معاني القرآن\" للزجاج.\nيقال: كان من الأمر ذَيَّة وذَيَّة بمعنى: كَيْتَ وكيْت. \"تاج العروس\" للزبيدي ٤/ ٤٢٣ (ذيت).\n(٣) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٢.\n(٤) (بالتنوين): ساقطة من (ط)، (ع).\n(٥) قول ابن الأنباري في \"تهذيب اللغة\" ٦/ ٤٨٤ (هيهات) بنصه.\n(٦) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٣٥. قال الجوهري: وقولهم: دَرَاكِ أي أدْرِكْ، وهو إسم لفعل الأمر، وكسرت الكاف لاجتماع الساكنين؛ لأن حقها السكون للأمر. وقولهم: نَظَارِ، مثل قَطَامِ، أي: انتظره. \"الصحاح\" ٢/ ٨٣٠ (انظر)، ٤/ ١٥٨٩ (درك).","vol":"15","page":580},{"text":"أدرك مبني على الكسر، كذلك هيهات اسم لبَعُدَ مبني على الكسر. ويجوز التنوين مع الكسر.\nقال (١) ابن الأنباري: من نون مع (٢) الكسر شبه بالأصوات كقولهم: غاقٍ وطاقٍ (٣). قال: ويجوز الرفع بغير تنوين وبتنوين (٤)، ومن العرب من يقول: أيْهات في هذه اللغات كلها، ومنهم من يقول: (أيْهان) بالنون، ومنهم من يقول: (أيها) بلا نون، ومن قال (أيها) حذف التاء كما حذف الياء من حاشَى فقيل (٥): حاش لله. وأنشد (٦):\nومن دُونِي الأعْراضُ والقِنْعُ (٧) كلُّه ... وكُتْمانُ أيْها ما أشَتَّ وأبْعَدا\nقال: والمستعمل من هذه اللغات كلها استعمالًا غالبًا (٨) الفتح بلا تنوين (٩).\n_________\n(١) في (ع): (قال قال) تكرار.\n(٢) في \"تهذيب اللغة\": من قال هيهات لك بالتنوين.\n(٣) غاق: حكايته صوت الغراب. \"الصحاح\" للجوهري ٤/ ١٥٣٩ (غيق).\n(٤) في \"تهذيب اللغة\" ٦/ ٤٨٥، ومن قال هيهات لك بالرفع ... ومن رفعها ونون. وليس فيه ويجوز الرفع بغير تنوين وبتنوين.\n(٥) في (أ): (وقيل).\n(٦) إنشاد ابن الأنباري في \"تهذيب اللغة\" للأزهري ٦/ ٤٨٥ (هيه) ولم يذكر قائله. وهو أيضًا في \"لسان العرب\" ١٣/ ٥٥٤. والأعراض: جمع عرض، والأعراض: قرى بين الحجاز واليمن. والقِنْعِ بالكسر. ثم السكون: جبل وماء لبني سعد بن زيد بن مناة بن تميم باليمامة.\nانظر: \"معجم البلدان\" ١/ ٢٨٩ - ٢٩٠، ٧/ ١٧٥.\n(٧) في (أ): (والنَّفع)، وفي (ظ): (والقع) وفي (ع): (والعنع)، مهملة.\n(٨) في المطبوع من \"تهذيب اللغة\". عاليًا. وأشار المحقق الحاشية إلى (غالبا).\n(٩) كلام ابن الأنباري في \"تهذيب اللغة\" ٦/ ٤٨٥ (هيهات) مع اختلاف يسير في العبارة. وانظر: \"شرح القصائد السبع\" لابن الأنباري ص ٤٣٩ - ٤٤٠.","vol":"15","page":581},{"text":"قال الأزهري. واتفق أهل اللغة على أن تاء هيهات ليست بأصلية أصلها هاء.\nقال أبو عمرو بن العلاء: إذا وصلت [هيهات فدع التاء (١) على] (٢) حالها، وإذا وقفت فقل: هيهاه (٣).\nويدل على هذا ما روي [عن سيبويه أنه قالما هي بمنزلة علقاه (٤). يعني في] (٥) التأنيث (٦).\nوإذا كان كذلك كان الوقف [بالهاء. قالما الفراء: كان الكسائي يختار الوقوف على الهاء] (٧) وأنا أختار [التاء في] (٨) الوقوف على [هيهات (٩).\nوعنده] (١٠) أن هذه التاء ليست بهاء تأنيث.\nوأما (١١) ما ذكره المفسرون في هذا: فقال ابن عباس -في رواية\n_________\n(١) في (ع): (الهاء)، وهو خطأ.\n(٢) ما بين المعقوفين كشد في (ظ).\n(٣) \"تهذيب اللغة\" للأزهري ٦/ ٤٨٤ (هيهات).\n(٤) عَلْقَاة: شجرة تدوم خضرتها في القَيْظ، وقضبانها دقاق طوال عَسرٌ رضها، وأورقها لطاف، يتخذ منها المكانس، \"لسان العرب\" ١٠/ ٢٦٤ (علق)، \"القاموس المحيط\" ٣/ ٢٦٧.\n(٥) ما بين المعقوفين كشط في (ظ).\n(٦) روى ذلك عنه الزجاج ٤/ ١٢ وهذا نصه. وانظر: \"الكتاب\" ٣/ ٢٩١.\n(٧) ما بين المعقوفين كشط في (ف).\n(٨) ما بين المعقوفين ساقط من (ع).\n(٩) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٣٦ مع تصرف في العبارة.\n(١٠) ما بين المعقوفين كشط في (ظ).\n(١١) في (أ): (أما).","vol":"15","page":582},{"text":"عطاء- في هذه الآية: يعنون أنَّ ذلك لا يكون (١).\nوقال الكلبي: يقول بعيدًا بعيدًا ما يعدكم ليوم البعث.\nوروي عن ابن عباس أيضًا أنه قال: هي كلمة بَعُد (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2778>٣٧ </span>- قوله: ﴿إِنْ هِيَ﴾ (هي) كناية عن الحياة، ودل عليها قوله: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا﴾ كأنهم قالوا: ما الحياة إلا ما نحن فيه لا الحياة الآخرة التي يَعِدُ بعد البعث. ﴿نَمُوتُ وَنَحْيَا﴾ قال مجاهد: أي نهلك نحن ويبقى أبناؤنا، ويهلك أبناؤنا ويبقى أبناؤهم (٣).\nونحو هذا قال الكلبي (٤) ومقاتل (٥). وقال آخرون: أي يموت قوم منا ويحيا آخرون (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2779>٣٨ </span>- قوله تعالى: ﴿افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ أي في ذكره البعث.\n<span data-type=\"title\" id=toc-2780>٣٩ </span>- قوله: ﴿قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ﴾ تقدم تفسيره هاهنا.\n_________\n(١) ذكر ابن الجوزي ٥/ ٤٧٢ هذا القول وعزاه المفسرين.\n(٢) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ٣/ ٦١ أ، والبغوي ٤/ ٣٧ والقرطبي ١٢/ ١٢٢. وقد أخرج الطبري ١٨/ ٢٠ عن ابن عباس أنه قال: بعيد، بعيد، وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ٩٨ وعزاه لابن جبير وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(٣) ذكر النحاس في \"معاني القرآن\" ٤/ ٤٥٨ هذا المعنى، ولم ينسبه لأحد.\n(٤) ذكره عنه الماوردي في \"النكت والعيون\" ٤/ ٥٣ بنحوه.\n(٥) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٣٠ ب.\n(٦) ذكر الماوردي ٤/ ٥٣ هذا القول ونسبه لابن عيسى. وذكره البغوي ٢/ ٤١٧ ولم ينسبه لأحد. وذكر السمين الحلبي في \"الدر المصون\" ٨/ ٣٤٢ هذا القول واستظهره.\nوفيه وجه ثالث ذكره النحاس ٤/ ٤٥٨ وهو أن في الآية تقديمًا وتأخيرًا، والمعنى: وما هي إلا حياتنا الدنيا نحيا فيها ونموت كما قال تعالى: ﴿وَاسْجُدِي وَارْكَعِي﴾ [آل عمران: ٤٣].","vol":"15","page":583},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2781>٤٠ </span>- قوله: ﴿قَلِيلٍ﴾ أي قال الله تعالى للنبي الذي دعاه بالنصرة ﴿عَمَّا قَلِيلٍ﴾ أي عن قليل من الزمان والوقت. قال ابن عباس: يريد بعد الموت.\nويجوز أن يحمل على وقت نزول العذاب بهم في الدنيا لأنهم يندمون عند معاينة العذاب.\nقوله: ﴿لَيُصْبِحُنَّ﴾ هذه اللام لام القسم على معنى: والله ليصبحن نادمين (١).\nقال الكلبي وغيره: على التكذيب والكفر (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2782>٤١ </span>- قوله: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ﴾ قال المفسرون: صاح بهم جبريل صيحة واحدة ماتوا عن آخرهم بتصدع قلوبهم (٣).\nوقوله: ﴿بِالْحَقِّ﴾ أي باستحقاقهم العذاب بكفرهم (٤). وهو معنى قول ابن عباس: يريد حيث كذبوا. يعني: أن العذاب نزل بهم بتكذيبهم.\nوقوله: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً﴾ الغثاء: ما جاء به السيل من نبات قد يبس. وقياس جمعه أغثيـ[ـة وأغْثَاء] (٥) قال امرؤ القيس:\nمن السَّيْلِ والأغْثَاءِ فَلْكَةُ مِغْزَ [ل (٦).\n_________\n(١) انظر: \"القرطبي\" ١٢/ ١٢٤، \"البحر المحيط\" ٦/ ٤٠٦، \"الدر المصون\" ٨/ ٣٤٣.\n(٢) ذكره البغوي ٥/ ٤١٨ من غير نسبة. وانظر: \"الطبري\" ١٨/ ٢٢، والثعلبي ٣/ ٦٠ أ.\n(٣) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٣٠ ب. والله أعلم بصحة ذلك.\n(٤) انظر هذا المعنى عند الطبري ١٨/ ٢٢.\n(٥) ما بين المعقوفين كشط في (ظ).\n(٦) هذا عجز بيت لامرئ القيس، وهو من معلقته، وصدره:\nكأن طمية المُجيمر غدوة\nوهو في \"ديوانه\" ص ٢٥ لكن فيه (الغُثَّاء) مكان (الأغثاء) شرح القصائد السبع =","vol":"15","page":584},{"text":"وكل ما يحمله السيل] (١) على رأس الماء من قصب وحشيـ[ش وعيدان شجر ونحو ذلك فهو غثاء (٢).\nوقال أبو زيد:] (٣) غثاء الماء يَغْثُو [وغُثَاء، إذا كثر فيه البَعَرُ والورق والقصب (٤).\nقال المفسرون:] (٥) صيرناهم هلكى (٦).\nقال الكلبي: [يبسوا كما يبس الغثاء من نَبْت الأرض فهمدوا.\nوقال] (٧) مقاتل: جعلناهم كالشيء البالي من نبت (٨) الأرض يحمل\n_________\n= الطوال لابن الأنباري ص ١٠٨، \"تهذيب اللغة\" للأزهري ٢/ ٣٣٩ (عرف)، \"شرح القصائد\" العشر للخطيب التبريزي ص ١٢٩، \"لسان العرب\" ١٣/ ٢٨٣ (عرف)، وعندهم جميعًا (الغثاء).\nوذكر ابن الأنباري في \"شرحه\" ص ١٠٨ أن الفراء رواه: من السيل والأغثاء، قال ابن الأنباري: وهو قليل في جمع المدود.\nوذكر محقق \"ديوان امرئ القيس\" ص ٣٧٥ أن (الأغثاء) وردت في رواية الطوسي والبطليوسي وأبي سهل لديوان امرئ القيس.\nقال ابن الأنباري ص ١٠٨: (المُجَيْمر: أرض لبني قزارة، و(طمية): (حبلٌ في بلادهم. فيقول: قد امتلأ المجيمر، فكأن الجبل في الماء فُلكة مِغْزل لما جمع السيل حوله من الغثاء. أهـ.\n(١) ما بين المعقوفين كشط في (ظ).\n(٢) انظر: \"الصحاح\" ٦/ ٢٤٣ - ٢٤٤ (غثا)، \"لسان العرب\" ١٥/ ١١٤ - ١١٥ (غثا).\n(٣) ما بين المعقوفين كشط في (ظ).\n(٤) قول أبي زيد في \"تهذيب اللغة\" للأزهري ٨/ ١٧٦ (غثى).\n(٥) ما بين المعقوفين كشط في (ظ).\n(٦) الطبري ١٨/ ٢٢.\n(٧) ما بين المعقوفين كشط في (ظ).\n(٨) في (أ): (نبات)، والمثبت من (ظ)، (ع) هو الموافق لما في \"تفسير مقاتل\".","vol":"15","page":585},{"text":"السيل، شبَّه أجسادهم بالشيء اليابس البالي (١).\nوقوله: ﴿فَبُعْدًا﴾ أي بُعدًا لهم من الرحمة، وهي كاللعنة التي هى إبعاد من رحمة الله (٢).\nوالمعنى على: ألزمهم الله (٣) بُعدًا لهم. وقال مقاتل: فبعدًا في الهلاك (٤).\nوذكرنا الكلام في هذا عند قوله: ﴿أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ﴾ [هود: ٩٥] الآية. قوله: ﴿لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ قال ابن عباس: يعني المكذبين. وقال مقاتل: يعني المشركين (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2783>٤٢ </span>- قوله: ﴿قُرُونًا آخَرِينَ﴾ قال ابن عباس: يريد بني إسرائيل (٦).\nوقيل: يعني جماعات مثل قوم صالح ولوط وشعيب وسائر الأنبياء (٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2784>٤٣ </span>- ﴿مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ﴾ أي أمة (٨) من هذه القرون.\n﴿أَجَلَهَا﴾ الوقت (٩) الذي حدد لهلاكها. ﴿وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ﴾ (١٠) عن\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٣٠ ب.\n(٢) ذكر الماوردي ٤/ ٥٤ هذا المعنى وعزاه لابن عيسى.\n(٣) لفظ الجلالة زيادة من (ع).\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٣٠ ب.\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٣٠ ب.\n(٦) ذكره عنه القرطبي ١٢/ ١٢٥، وأبو حيان ٦/ ٤٠٧. وهو محمول -إن صح عن ابن عباس- على التمثل.\n(٧) وهذا القول أظهر، ويدخل فيه الأول.\n(٨) أمه، الوقت: ساقطان من (ع).\n(٩) نفسه.\n(١٠) في (أ): (وما يتأخرون)، وهو خطأ في الآية.","vol":"15","page":586},{"text":"الوقت الذي قدر لهلاكهم. وهذا الآية مما قد (١) سبق تفسيره (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2785>٤٤ </span>- قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى﴾ اختلفوا في تترى، فأكثر القراء على ترك التنوين فيها (٣) (٤)؛ لأنها فَعْلى من المواترة، وفعلى لا يُنون كالتقوى والدعوى.\nقال أبو علي: والأقيس أن لا يصرف لأن المصادر تلحق أواخرها ألف التأنث كالدعوى والعدوى والذكرى والشورى (٥).\nوقال الفراء: أكثر العرب على ترك التنوين يُنزل بمنزلة تقوى (٦).\nوقرأ ابن كثير وأبو عمرو (تَتْرَا) منونة. وهذا القراءة تحتمل وجهين:\nأحدهما: أن تترى بمنزلة فعلا (٧)، والألف فيه بمنزلتها في رأيت زيدًا وعَمرًا. والآخر: أن تكون الألف للإلحاق نحو أرطى (٨) ومعزى.\n_________\n(١) (قد): زيادة من (ظ)، (ع).\n(٢) انظر: \"البسيط\" عند قوله تعالى: ﴿مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ﴾ [الحجر: ٥]\n(٣) في (ظ): (منها).\n(٤) قرأ نافع، وعاصم، وابن عامر، وحمزة، والكسائي: (تترا) بلا تنوين. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو؛ كما سيذكر الواحدي: (تترا) منونة.\n\"السبعة\" ص ٤٤٦، \"التبصرة\" ص ٢٦٩، \"التيسير\" ص ١٥٩.\n(٥) \"الحجة\" لأبي علي الفارسي ٢/ ٢٩٥. وانظر: \"علل القراءات\" للأزهري ٢/ ٤٣٥، \"حجة القراءات\" لابن زنجلة ص ٤٨٨، \"الكشف\" لمكي ٢/ ١٢٩.\n(٦) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٣٦.\n(٧) في (ظ)، (ع): (فعلاء).\n(٨) في (أ): (رطى) وأرطى: شجر من شجر الرمل. والواحدة: أرطأة. \"الصحاح\" للجوهري ٦/ ٢٣٥٨ (رطا).","vol":"15","page":587},{"text":"وهذان (١) الوجهان ذكرهما الفراء وأبو علي.\nأما الفراء فإنه يقول: من نون جعل الألف كألف الإعراب (٢). يعني التي في (زيدًا) و(عمرًا).\nقال: وإن شئت جعلت (٣) كأنها أصلية فتكون بمنزلة المعزى، ويكون الوقف (٤) عليها حينئذ بالياء وإشارة إلى الكسر، وإن جعلتها ألف إعراب لم تُشر إلى الكسر، لأنك لا تشير إلى ألفات الإعراب بالكسر، لأنك لا تقول: رأيت زيدًا (٥) ولا عَمْرا (٦).\nوقال أبو علي: من قرأ (تَتْرا) أمكن أن يريد به فعلا (٧) من المواترة فتكون الألف بدلًا من التنوين، وإن (٨) كان في الخط بالياء كان للإلحاق، والإلحاق في غير المصادر ليس بالقليل نحو: أرطى ومعزى، فإن كان في الخط ياء لزم أن يحمل على فعلى دون فعل (٩). ومن قال: تترى وأراد به فعلا فحكمه أن يقف بالألف مفخمًا، ولا يميلها إلا في قول من قال:\n_________\n(١) في (أ)، (ع): (والوجهان ...).\n(٢) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٣٦.\n(٣) في \"معاني القرآن\": جعلت بالياء.\n(٤) في (ظ)، (ع): (الوقوف)، أثبت محقق كتابه الفراء: الوقوف وأشار إلى أن في بعض النسخ: الوقف.\n(٥) أثبت محقق كتاب الفراء: زيدي ولا عمري. وقال في الحاشية: كتبت الألف فيهما ياء للإمالة كما يكتب الفتى والندى. ورسما في (أ): (وزيدًا وعمرا) وكتب فوق كل منهما. (يقال).\n(٦) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٣٦.\n(٧) في \"الحجة\": فعلى.\n(٨) في (ظ): (ولو)، في (أ)، (ع) و\"الحجة\": (وإن).\n(٩) في \"الحجة\": فعلا.","vol":"15","page":588},{"text":"رأيت عنتًا (١)، وهذا ليس بالكثير، ولا تحمل عليه القراءة ومن جعل الألف للإلحاق أو التأنيث أمال الألف إذا وقف عليها (٢).\nوالزجاج وأبو العباس يختاران (٣) أن تكون الألف في قراءة من قرأ بالتنوين ألف الإعراب. قال أبو العباس: من قرأ (تترى) بغير تنوين فهو مثل شكوى غير منونة، ومن قرأ تترًا (٤) مثل شكوت شكوى (٥).\nوقال أبو الفتح: من نون جعل ألفها للإلحاق بمنزلة ألف أرطى ومعزى، ومن لم ينون جعل ألفها للتأنيث بمنزلة ألف سكرى وغضبى (٦).\nوعلى القراءتين التاء الأولى بدل من الواو وأصلها: (وترى) و(وترا) (٧)، فأبدل التاء من الواو كما قالوا: تولج وأصله وولج من ولج. وأنشد أبو إسحاق (٨):\nفإن يَكُنْ أمْسَى البِلَى تَيْقُورِي\nأي: وْيقُوري فَيْعُول من الوقار (٩).\n_________\n(١) في (أ): (عثتًا)، وفي (ظ): (مهملة)، وفي (ع) و\"الحجة\": (عنتًا).\n(٢) \"الحجة\" لأبي علي ٥/ ٢٩٦.\n(٣) في (أ): (يختار).\n(٤) في \"تهذيب اللغة\" ١٤/ ٣١١: تترى.\n(٥) قول أبي العباس في \"تهذيب اللغة\" للأزهري ١٤/ ٣١١ (تترى) مع تقديم وتأخير.\n(٦) \"سر صناعة الإعراب\" (١٤٦ - ١٤٧).\n(٧) في (أ): (موتري).\n(٨) أنشد أبو إسحاق الزجاج هذا الشطر من الرجز في \"معاني القرآن\" ٤/ ١٤ ومن غير نسبة وهو للعجاج كما في \"ديوانه\" ص ٢٢٤، \"الكتاب\" ٤/ ٣٢، \"تهذيب اللغة\" للأزهري ١٤/ ٣١١ (تترى)، \"لسان العرب\" ٥/ ٢٩٠ (وقر).\n(٩) قوله: وعلى القراءتين إلى هنا نقلا عن \"معاني\" الزجاج ٤/ ١٠٦ مع اختلاف يسير.","vol":"15","page":589},{"text":"والمعنى: إن يكن أمسى الكبر وقاري، أي صوت وقورًا لبلاي وكبري (١). فقوله ﴿تترى﴾ فعلى أو فعلا من المواترة.\nقال الأصمعي: واترت الخبر: أتبعت بعضه بعضًا، وبين الخبرين هُنَيْهة (٢). وقال أبو عبيدة: (تترى) بعضها في أثر بعض، يقال: جاءت كتبه تترى (٣).\nوقال غيرهما: المواترة: المتابعة. أصل هذا كله من الوِتْر وهو الفرد (٤)، ومعنى واترت: جعلت كل واحد بعد صاحبه فردًا فردًا. حكاه الزجاح (٥) والأزهري (٦).\nوقال محمد بن سلّام: سألت يونس عن قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى﴾ فقال (٧): متقطعة (٨) متفاوتة، وجاءت الخيل تترى (٩) إذا جاءت\n_________\n(١) قال السيرافي في \"شرح أبيات\" سيبويه ٢/ ٤٢٣ - ٤٢٤: يقول: إن كن بلي جسمي وضعف جسمي قد صيراني وقورًا قليل الحركة، يريد أنه صار وقورًا لكبره وبلاه وضعفه، وفي (يكن) ضمير الأمر والشأن، و(البلى) اسم أمسى، و(تيقوري): خبر أمسى. أهـ.\n(٢) قول الأصمعي في \"تهذيب اللغة\" ١٤/ ٣١١ (تترى). وأصله عند الزجاج في \"معانيه\" ٤/ ١٤ لكن فيه: هنيفة.\n(٣) \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ٢/ ٩٥.\n(٤) في (أ): (الفر).\n(٥) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٤.\n(٦) \"تهذيب اللغة\" للأزهري ١٤/ ٣١١ (تترى).\n(٧) في (أ): (قال).\n(٨) في (أ)، (ع): (منقطعة)، والمثبت من (ظ) وهو الموافق للتهذيب.\n(٩) (تترى): ساقطة من (أ).","vol":"15","page":590},{"text":"متقطعة، وكذلك الأنبياء بين كل نبيين دهر طويل (١).\nوقال أبو هريرة: لا بأس بقضاء رمضان تترى (٢)، [أي متقطعًا] (٣). وكلا المعنيين قريب من السواء؛ لأن أصل (٤) المعنى من الإفراد، فإذا جاء الشيء فردًا فردًا (٥) يقال فيه: تترى، سواء اتصل أو انقطع.\nوفي الآية المراد إرسال الرسل بعضها في إثر بعض غير متصلين كما قال يونس.\nونحو هذا ذكر المفسرون في تفسير (تَتْرَا). فقال ابن عباس: يريد بعضها خلف بعض (٦). وقال السدي ومقاتل (٧): بعضهم في أثر بعض.\nوقال مجاهد: أتبع بعضها بعضًا (٨).\nوتترى في القراءتين مصدر أو اسم أقيم مقام الحال؛ لأن المعنى متواترة.\n_________\n(١) قول ابن سلام في \"تهذيب اللغة\" للأزهري ١٤/ ٣١١ (تترى).\n(٢) قول أبي هريرة -﵁- في \"تهذيب اللغة\" ١٤/ ٣١١ (تترى) بهذا اللفظ. وقد رواه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" ٣/ ٣٢ بلفظ: لا بأس بقضاء رمضان متفرقًا. وبنحو رواية أبي شيبة رواه عبد الرزاق في \"مصنفه\" ٤/ ٢٤٣، ٢٤٤، والبيهقي في \"سننه\" ٤/ ٢٥٨.\n(٣) ما بين المعقوفين ساقط من (أ)، (ع).\n(٤) في (ظ)، (ع): (الأصل).\n(٥) (فردا) الثانية: ساقطة من (ظ).\n(٦) روى الطبري ١٨/ ٢٣ من طريق علي بن أبي طلحة، عنه قال: يتبع بعضها بعضًا. وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ٩٩ وعزاه لابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، وقال: وفي لفظ قال: بعضهم على أثر بعض.\n(٧) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٣١ أ.\n(٨) رواه الطبري ١٨/ ٢٤، وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ٩٩ وعزاه لابن جرير وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"15","page":591},{"text":"قوله: ﴿فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا﴾ قال ابن عباس: فأهلكنا الأول والآخر.\nوالمعنى: أهلكنا الأمم بعضهم (١) في أثر بعض. وقال مقاتل: فأتبعنا بعضهم بعضًا في العقوبات والإهلاك (٢).\n﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ﴾ قال ابن عباس ومقاتل: يريد لمن بعدهم من الناس يتحدثون بأمرهم وشأنهم (٣).\nوالأحاديث جمع أحدوثة، وهي ما يتحدث به (٤).\nوالمعنى: أنهم يتحدث بهم على طريق المثل في الشر (٥)، ولا يقال: جعلته (٦) حديثًا في الخير (٧) (٨).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2786>٤٥ </span>- قوله تعالى: ﴿بِآيَاتِنَا﴾ يعني الدلائل التي كانت لها من الجراد والقُمَّل وأخواتهما (٩).\n﴿وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ قال ابن عباس: وحُجَّة بينة (١٠).\n_________\n(١) في (أ): (بعضها).\n(٢) \"تفسر مقاتل\" ٢/ ٣١ أ.\n(٣) ذكره البغوي ٥/ ٤١٨ من غير نسبة، وهو في \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٣١ أ.\n(٤) انظر: \"حدث\" في: \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٤٠٥، \"الصحاح\" ١/ ٢٧٨ - ٢٧٩.\n(٥) في (أ): (النشر)، وفي (ع): (الشيء)، وهما خطأ.\n(٦) في (أ): (جعل)، وهي ساقطة من (ظ).\n(٧) في (أ)، (ظ): (الخبر)، وهو خطأ.\n(٨) هذا قول أبي عبيدة في \"مجاز القرآن\" ٢/ ٥٩، وعزاه الثعلبي ٣/ ٦١ ب للأخفش، وهو قول الطبري ١٨/ ٢٤. وانظر: \"تاج العروس\" للزبيدي ٥/ ٢٢١ \"حدث\" فقد نقل عن بعضهم أنها تقال أيضًا في الخير واستشهد لذلك.\n(٩) في (أ): (وأخواتها).\n(١٠) ذكره البغوي ٥/ ٤١٨ من غير نسبة.","vol":"15","page":592},{"text":"قال مقاتل: يعني اليد والعصا (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2787>٤٦ </span>- قوله: ﴿فَاسْتَكْبَرُوا﴾ قال ابن عباس: عن عبادة الله.\nوقال الكلبي ومقاتل (٢): تكبروا (٣) عن الإيمان بالله.\n﴿وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ﴾ قاهرين للناس بالبغي والتطاول عليهم. وهو معنى قول ابن عباس. علوا (٤) علوًا على بني إسرائيل علوًا كبيرًا.\nقال المبرد: يقال: علا فلان، إذا ترفع وطغى وتجاوز، ومنه قوله تعالى: ﴿أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ﴾ [النمل: ٣١] أي لا تطغوا ولا تتكبروا (٥) علي، ومنه قوله: ﴿ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: ١٤] يعني استعلاءً بالباطل وبما لا يجب، وهو من تعدى الحق تجبرًا وتكبرًا (٦).\nوقال مقاتل: يعني متكبرين عن توحيد الله (٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2788>٤٧ </span>- وذكر تفسير هذا العلوّ فيما (٨) بعد وهو قوله: ﴿فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا﴾ قال ابن عباس ومقاتل: أنصدّق إنسانين مثلنا من لحم ودم ليس (٩) لهما علينا فضل (١٠). ﴿وَقَوْمُهُمَا﴾ يعني بني إسرائيل.\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ل ٣١ أ.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ل ٣١ أ.\n(٣) (تكبروا): ساقطة من (أ).\n(٤) في (أ): (علا).\n(٥) في (ظ): (وتتكبروا)، بدون (لا).\n(٦) انظر: (علا) في \"تهذيب اللغة\" للأزهري ٣/ ١٨٣، \"الصحاح\" للجوهري ٦/ ٢٤٣٥، \"لسان العرب\" ١٥/ ٨٣، ٨٥.\n(٧) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٣١ أ.\n(٨) في (أ): (فيها).\n(٩) في (ز): (وليس).\n(١٠) \"تفسير مقاتل\" ل ٣١ أوليس فيه قوله (من لحم ودم).","vol":"15","page":593},{"text":"﴿لَنَا عَابِدُونَ﴾ قال ابن عباس: مطيعون (١) (٢).\nقال أبو عبيدة: العرب تسمي كل من دان لملك عابدًا له، ومن ذلك قيل (٣) لأهل الحيرة (٤): العباد؛ لأنَّهم كانوا أهل طاعة لملوك العجم (٥).\nوقال المبرد: العابد: المطيع والخاضع، ومنه اشتق العبد. ومنه قوله: ﴿يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ﴾ [مريم: ٤٤] أي: لا تطعه (٦) (٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2789>٤٩ </span>- قوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ قال الكلبي ومقاتل (٨): يعني التوراة جملة واحدة.\n_________\n(١) في (أ): (يطيعون).\n(٢) ذكره الثعلبي ٣/ ٦١ ب، والبغوي ٥/ ٤١٩، وابن الجوزي ٥/ ٤٧٥، وذكره الماوردي في النكت ٤/ ٥٥ وعزاه لابن عيسى.\n(٣) في (ظ)، (ع): (قال).\n(٤) الحيرة -بكسر لحاء ثم سكون الياء-: مدينة كانت على ثلاثة أميال من الكوفة. \"معجم البلدان\" ٣/ ٣٧٦.\n(٥) انظر: \"مجاز القرآن\" ٢/ ٥٨٩. والعبارة فيه: وكل من دان لملك هو عابد له، ومنه سمي أهل الحيرة العباد.\nأمّا ما ذكره الواحدي (العرب تسمي ...) وكذلك زيادة (لأنهم كانوا أهل طاعة ... العجم) فهذه العبارة من قول (والعرب ... العجم) ذكرها الطبري في \"تفسيره\" ١٨/ ٢٥ وكذلك الثعلبي ٣/ ٦١ ب.\nفالواحدي نقلها إمّا من الطبري أو من الثعلبي وهو الأقْرب، ثم نسبها إلى أبي عبيدة. والله أعلم.\n(٦) في (ظ): (لا تطيعه).\n(٧) انظر: (عبد) في \"تهذيب اللغة\" للأزهري ٢/ ٢٣٤، ٢٣٦، \"الصحاح\" للجوهري ٢/ ٥٠٣.\n(٨) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٣١ أ.","vol":"15","page":594},{"text":"﴿لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ لكي يهتدوا به (١) من الضلالة.\nقال مقاتل: يعني بني إسرائيل؛ لأن التوراة أنزلت بعد هلاك فرعون وقومه (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2790>٥٠ </span>- وقوله: ﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً﴾ أي دلالة على قدرتنا وعبرة يعتبر بها ويتوصل (٣) بها إلى العلم بتوحيدنا وقدرتنا. هذا معنى قول المفسرين (٤).\nقال أبو إسحاق: لم يقل آيتين لأن المعنى فيها (٥) آية واحدة (٦).\nوهي ولادة من غير أبْ، فكانت الآية فيها واحدة (٧).\nقال: ولو قيل آيتين لجاز؛ لأنَّهما قد كان في كل واحد منهما ما لم يكن في ذكر ولا أنثى، من أن مريم ولدت من غير فحل وعيسى كان روحًا من الله ألقاه (٨) إلى مريم ولم يكن هذا في أحد قط (٩).\nقوله تعالى: ﴿وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾ أي جعلناهما يأويان إلى ربوة، وهي المكان المرتفع من الأرض (١٠). وقد مر في سورة\n_________\n(١) (به): ساقطة من (أ).\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٣١ أ.\n(٣) في (ع): (فيتوصل).\n(٤) انظر: \"الطبري\" ١٨/ ٢٥، والثعلبي ٣/ ٦١ ب.\n(٥) في (ظ)، (ع): (لأن المعنى فيهما معنى آية. بزيادة معنى. وليست هذه الزيادة عند الزجاج.\n(٦) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٤.\n(٧) انظر: \"الطبري\" ١٨/ ٢٥.\n(٨) في (أ): (ألقاها).\n(٩) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٤.\n(١٠) انظر: \"الطبري\" ١٨/ ٢٥، \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٤، \"تهذيب اللغة\" للأزهري ١٥/ ٢٧٣ (ربو).","vol":"15","page":595},{"text":"البقرة (١). واختلفوا في هذه الربوة:\nفقال عبد الله بن سلام: هي دمشق (٢). وهو قول سعيد بن المسيب (٣)، وسعيد بن جبير (٤)، ومقاتل (٥)، ورواية عكرمة عن ابن عباس (٦).\nوقال الحسن والضحاك: هي غُوطَة دمشق (٧).\nوقال ابن عباس -في رواية عطاء-: يريد بيت المقدس (٨).\nوهو قول قتادة (٩)، وكعب وقال: (١٠) هو أقرب الأرض إلى السماء\n_________\n(١) انظر: \"البسيط\" عند قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ﴾ [البقرة: ٢٦٥].\n(٢) رواه ابن عساكر في \"تاريخ دمشق\" ١/ ١٩٣، ١٩٤، والثعلبي في \"الكشف والبيان\" ٣/ ٦١ ب - ٦٢ أ.\n(٣) رواه عنه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ٢/ ٤٥، وابن أبي شيبة في مصنفه ١٢/ ١٩١، والطبري ١٨/ ٢٦، وابن عساكر في \"تاريخ دمشق\" ١/ ١٩٤، ١٩٥ وذكره السيوطي في \"الدر\" ٦/ ١٠١ ونسبه أيضًا لعبد بن حميد، وابن أبي حاتم والطبراني.\n(٤) ذكره عنه الماوردي في \"النكت والعيون\" ٤/ ٥٦.\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٣١ أ.\n(٦) رواه ابن عساكر في \"تاريخ دمشق\" ١/ ١٩٢، ١٩٣ وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ١٠١ وقال: بسند صحيح. وزاد نسبته لوكيع والفريابي، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وتمام الرازي في \"فضائل النبوة\" بلفظ: أنبئنا أنها دمشق.\nوذكره النحاس في \"معاني القرآن\" ٤/ ٤٦٢ من رواية عكرمة، عن ابن عباس بلفظ: نبئت أنّها دمشق.\n(٧) رواه ابن عساكر في \"تاريخ دمشق\" ١/ ١٩٧ عن الحسن. وذكره الثعلبي ٣/ ٦٢ أعن الضحّاك.\n(٨) ذكره عنه من رواية عطاء: البغوي ٥/ ٤١٩، وابن الجوزي ٥/ ٤٧٦.\n(٩) رواه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ٢/ ٤٥، والطبري ١٨/ ٢٧، وابن عساكر في \"تاريخ دمشق\" ١/ ٢٠١، وذكره السيوطي في \"الدر\" ٦/ ١٠٠ وعزاه أيضًا لعبد بن حميد.\n(١٠) في (ظ)، (ع): (قال: وهو أقرب).","vol":"15","page":596},{"text":"بثمانية عشر ميلًا (١).\nوهذا القول يروى أيضًا عن سعيد بن جبير (٢)، وعكرمة (٣)، والحسن (٤).\nوروي عن أبي هريرة أنّه قال: هي الرَّمْلة (٥).\nوقال السدي عن أصحابه: أنها أرض فلسطين من الشام (٦)\nقوله: ﴿ذَاتِ قَرَارٍ﴾ أي مستوية يستقر عليها.\nقال ابن عباس: هي أرض مستوية مرتفعة منبسطة (٧).\n_________\n(١) رواه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٤٦، والطبري ١٨/ ٢٧، والله أعلم بصحة ذكره.\n(٢) ذكره عنه السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ١٠٠ وعزاه لعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن عساكر. ولم أره عند ابن جرير.\n(٣) لم أجد من ذكره عنه.\n(٤) ذكره عنه ابن الجوزي ٥/ ٤٧٦.\n(٥) رواه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ٢/ ٤٦، والطبري (ب ١٨/ ٢٦)، وابن عساكر في \"تاريخ دمشق\" ١/ ٢٥١. وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ١٠٠ وعزاه أيضًا لعبد بن حميد وأبي نعيم وابن أبي حاتم.\nوإسناده ضعيف، لأنَّ بشر بن رافع قال عنه الذهبي في \"المغني\" ١/ ١٠٥: قال أحمد وغيره: ضعيف. وقال ابن حجر في \"التقريب\" ١/ ٩٩: ضعيف الحديث. وفيه أيضًا أبو عبد الله الدوسي ابن عم أبي هريرة قال الذهبي في \"المغني\" ٢/ ٧٩٥: لا يعرف.\nوتعقب الطبري هذا القول بأن الرملة لا ماء بها معين. انظر: الطبري ١٨/ ٢٧. والرَّملة: مدينة بفلسطين، وكانت قصبتها. \"معجم البلدان\" لياقوت ٤/ ٢٨٦.\n(٦) ذكره البغوي ٥/ ٤١٩ عن السدي.\nقال الطبري ١٨/ ٢٧ - بعد حكايته للأقوال في المكان الذي وصفه الله بهذه الصفة-: وأولى الأقوال بتأويل ذنك. أنَّها مكان مرتفع ذو استواء وماء ظاهر. وصَوَّب النحاس في \"معاني القرآن\" ٤/ ٤٦٣ هذا القول.\n(٧) ذكره عنه السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ١٠٠ بنحوه وعزاه لابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"15","page":597},{"text":"وقال قتادة: ذات ثمار (١). ذهب إلى أنّه لأجل الثمار يستقر فيها ساكنوها (٢).\nو\"قرار\": مصدر يراد به موضع قرار كقوله: ﴿مِنْ قَرَارٍ﴾ [إبراهيم: ٢٦] وقد مر.\nقوله: ﴿وَمَعِينٍ﴾ قال ابن عباس -في رواية عكرمة-: يعني أنها دمشق (٣).\nوروى ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: المعين: الماء (٤).\nوروى جابر (٥)، عنه أنه: الماء البخاري (٦)، وهو قول مقاتل (٧).\nوروى سفيان، عنه أنه قال: المعين: الماء الظاهر (٨) (٩).\n_________\n(١) رواه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ٢/ ٤٥، والطبري ١٨/ ٢٨. وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ١٠٠ وعزاه أيضًا لعبد بن حميد وابن عساكر.\n(٢) هذا قول الطبري. انظر تفسيره ١٨/ ٢٨.\n(٣) رواه ابن عساكر ١/ ١٩٢ - ١٩٣، وانظر تخريج الأثر عن ابن عباس ص ٦٦ فهذا بقيته.\n(٤) رواه الطبري ١٨/ ٢٧ من طريق ابن أبي نجيح.\n(٥) هو: جابر بن يزيد بن الحارث الجعفي، روى عن مجاهد وآخرين. واختلف فيه فوثقه شعبة والثوري، وضعفه الإمام أحمد وآخرون، وكدّبه بعضهم، وكان يؤمن بالرجعة. قال ابن حجر: ضعيف، رافضي.\nتوفي سنة ١٢٧ هـ، وقيل: ١٢٨ هـ، وقيل: ١٣٢ هـ.\nانظر: \"تهذيب الكمال\" للمزي ٤/ ٤٥٦ - ٤٧٢، \"المغني\" للذهبي ١/ ١٢٦، \"تهذيب التهذيب\" ٢/ ٤٦ - ٥١ و\"تقريب التهذيب\" ١/ ١٢٣ كلاهما لابن حجر.\n(٦) ذكره عن مجاهد بهذا اللفظ -السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ١٠٠ وعزاه لعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم. ولم أره عند ابن جرير الطبري.\n(٧) انظر \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٣١ أ.\n(٨) في (ظ)، (ع): (الطاهر)، بالمهملة، وهو خطأ لأن المراد أنه ظاهر تراه العيون.\n(٩) ذكر السيوطي في \"الدر المنثور\" ٨/ ٣٢٩ عند قوله: ﴿فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ﴾ =","vol":"15","page":598},{"text":"وهذا قول عكرمة، وسعيد (١)، والسدي.\nواختلفوا في اشتقاق معين:\nفقال الفَرَّاء: لك (٢) أن تجعل المعين مفعولًا من العين (٣)، وأن تجعله فعيلًا من الماعون، يكون أصله المَعْن، والمعن: الاستقامة (٤).\nواختار الزَّجَّاج وابن قتيبة القول الأول. واستبعد (٥) الزَّجَّاج أن يكون فعيلًا من المعن وقال: هذا بعيد؛ لأنَّ المعن في اللغة: الشيء القليل، ومعين: ماء جار من العيون (٦).\nوقال ابن قتيبة: ﴿وَمَعِينٍ﴾ ظاهر من الماء، وهو مفعول من العين، كأنَّ أصله معيون، كما يقال: ثوبٌ مخيط، وبرٌ مكيل (٧).\nواختار أبو علي القول الثاني، وزيف القول الأول، وقال: ليس المعن في اللغة الشيء القليل، ولكنَّه السهل الذي ينقاد ولا يعتاص (٨)،\n_________\n= [الملك: ٣٠] رواية عن بن عباس في قوله: \"بماء معين\" قال: ظاهر.\nثم قال السيوطي: وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد وعكرمة مثله.\n(١) في (أ): (سعيد وعكرمة).\nوروى هذا القول عن سعيد: الطبري ١٨/ ٢٧ وابن عساكر في \"تاريخ دمشق\" ١/ ١٩٨ ووقع فيه: \"الظاهر\" بالمهملة.\nوذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ١٠٠ وعزاه أيضًا لعبد بن حميد وابن المنذر.\n(٢) (لك): ساقطة من (أ).\n(٣) في (أ): (المعين)، وهو خطأ.\n(٤) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٣٧.\n(٥) في (أ): (فاستبعد).\n(٦) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٥ مع تقديم وتأخير.\n(٧) \"غريب القرآن\" لابن قتيبة ص ٢٩٧.\n(٨) في (ظ)، (ع): (ولا يعتاض)، وهو خطأ. ويعتاص: يصعب استخراجه. انظر: \"لسان العرب\" ٧/ ٥٨ (عوص).","vol":"15","page":599},{"text":"ومن هذا يقال: أمعن بحقِّه إذا أقرَّ، ومعنان (١) الماء: مسايله ومجاريه. والماعون: ما يسهل على معطيه من غير أن يكرثه، كالكلأ والماء والنار وسمي الزكاة ماعونًا لهذا (٢).\nوروى أحمد بن يحيى، عن ابن الأعرابي: معن الماء يمعن إذا جرى.\n[وأمعن أيضًا] (٣)، وأمعنته أنا، ومياه معنان (٤).\nومعنان (٥): جمع معين، كقضيب وقضبان (٦).\nقال (٧): ويدلك على (٨) أن الميم فيه فاء [وليس من العين (٩)] (١٠) أن أبا الحسن قال (١١): قد حكي في قوله: ﴿وَمَعِينٍ﴾: معن يمعن معانة.\n_________\n(١) مُعنان بالضمّ: كذا ضبطه الفيروزآبادي في \"القاموس المحيط\" ٤/ ٢٧٢ (المعن).\n(٢) \"الإغفال\" لأبي علي الفارسي ٢/ ١١٣٥ - ١١٣٧، وما نقله الواحدي عن أبي علي من قوله: ومن هذا يقال: أمعن ... ماعونا لهذا. هو في الإغفال منسوبًا لابن الأعرابي من رواية أحمد بن يحيى.\n(٣) ما بين المعقوفين ساقط من (أ).\n(٤) قول ابن الأعرابي في \"تهذيب اللغة\" ٣/ ١٦ من رواية ثعلب -أحمد بن يحيى- عنه.\nورواه النحاس في \"معاني القرآن\" ٤/ ٤٦٥ بإسناده عن ابن الأعرابي من طريق أحمد بن يحيى \"ثعلب\".\n(٥) (ومعنان): ساقط من (أ).\n(٦) انظر: \"لسان العرب\" ١٣/ ٤١٠ - ٤١١ \"معن\".\n(٧) يعني أبا علي الفارسي.\n(٨) في (ظ): (أن).\n(٩) (من العين): ساقط من (ظ).\n(١٠) ما بين المعقوفين ساقط من (أ).\n(١١) \"العبارة في الإغفال\" ٢/ ١١٣٧: أن أبا الحسن قد حكى في قوله ... وأبو الحسن هو الأخفش، ولم أجد كلامه في معاني القرآن.","vol":"15","page":600},{"text":"فمعين فعيل من هذا، لا يتجه على غير ذلك. فأما من ذهب فيه (١) إلى أنه من العين فما أرى قوله لا بعيدًا من الصواب ممتنعًا، ألا ترى أنه لا يقال: عين الماء إذا رؤى جاريًا من العين، وإنّما يقال: عين، إذا أصيب بعين، وله عندنا وجيه (٢) ضعيف، وذلك أنَّ أبا زيد حكى أنهم يقولون للجبان: مفؤود، ولا فعل (٣) له.\nوحكى أبو زيد أيضًا أنهم يقولون: مُدَرْهَمٌ (٤) ولم (٥) يقولوا دُرْهِمَ، فيجوز على قياس هذا الذي حكاه أبو زيد أن يكون معين مفعولًا، وإن لم يقل: عين. والقياس على هذا الشَّاذ النادر لا يراه سيبويه (٦)، وليس ينبغي أن يؤخذ بهذا لضعفه، مع (٧) فُشوّ (٨) الأول وكثرته وظهور المعنى الذي وصفناه (٩).\nثم ذكر (١٠) بإسناد له (١١) عن سالم الأفطس، عن سعيد بن جبير في\n_________\n(١) (فيه): ساقطة من (ظ).\n(٢) في (أ): (وجه).\n(٣) في الإغفال ٢/ ١١٣٨: قال: ولا فعل له.\n(٤) مُدَرْهَم: -بفتح الهاء-: كثير الدوام. \"لسان العرب\" ١٢/ ٦٩٩ \"درهم\"، \"القاموس المحيط\" ٤/ ١١١.\n(٥) في (ع): (ولا).\n(٦) انظر: \"الكتاب\" ٢/ ٤٠٢، ٤/ ٨.\n(٧) (مع): ساقطة من (ظ).\n(٨) في (ظ): (فشؤه).\n(٩) في (أ): (وصفت)، وفي (ظ)، (ع) والإغفال. (وصفاه).\n(١٠) يعني أبا علي الفارسي.\n(١١) في (أ): (بإسناده).","vol":"15","page":601},{"text":"قوله: ﴿فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ﴾ قال: سائح (١).\nوذكر بعض أصحاب المعاني أن معينًا فعيل من أمعن إذا أسرع. فهو فعيل بمعْنى مفعل (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2791>٥١ </span>- قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا﴾ اختلفوا في هذا الخطاب:\nفذهب قوم إلى أنه خطاب لجميع الرسل، كأنَّه إخبار عمل قيل لهم. وهذا قول الضحاك، ومعنى قول ابن عباس- في رواية عطاء (٣).\nويدل على هذا حديث أبي هريرة عن النبي -ﷺ- \"وإنّ الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ وقال ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [البقرة: ١٧٢] الحديث (٤).\n_________\n(١) \"الإغفال\" لأبي علي الفارسي ٢/ ١١٣٧ - ١١٤٠ مع تصرف -وأثره سعيد- الذي روه أبو علي في الإغفال رواه الطبري ٢٩/ ٢٣ من طريق سالم، عنه بلفظ: ظاهر.\n(٢) لم أقف عليه. وانظر: \"لسان العرب\" ١٣/ ٤٠٩ (معن).\n(٣) ذكر البغوي ٥/ ٤٢٠، والرازي ٢٣/ ١٠٤، والقرطبي ١٢/ ١٢٨ هذا القول من غير نسبة لأحد.\nوهذا القول هو أقرب الأقوال، لأنَّه أوفق للفظ الآية. قاله الرازي ٢٣/ ١٠٤ ولدلالة الحديث الذي ساقه الواحدي.\nوهو نداء خطاب لجميع الرسل باعتبار زمان كل واحد منهم، فدخل فيه محمد -ﷺ- وهو القول الثاني- وعيسى -ﷺ- وهو قول ابن جرير- دخولًا أوّليًّا.\nوإنَّما ذكر أن الرسل نودوا بذلك ووصُّوا به، ليعتقد السامع أن أمرًا نودي له جميع الرسل ووصُّوا به حقيقٌ أن يؤخذ به ويعمل عليه. قاله الزمخشري ٣/ ٣٤.\n(٤) رواه الإمام أحمد في \"مسنده\" ٢/ ٣٢٨، ومسلم في \"صحيحه\" كتاب الزكاة - باب قبول الصدقة من الكسب الطيب وتربيتها ٢/ ٧٠٣، والترمذي في \"جامعه\" (كتاب التفسير- باب: ومن سورة البقرة ٨/ ٣٣٣ - ٣٣٤.","vol":"15","page":602},{"text":"وهذا يدل على أن الله تعالى عمَّ المرسلين بهذه الآية.\nوقال الحسن، ومجاهد، وقتادة، والسدي، والكلبي (١)، ومقاتل (٢): يعني: محمدًا -ﷺ- وحده. واختاره الفراء، والقتيبي، والزَّجَّاج.\nقال الفراء: أراد النبيَّ -ﷺ- فجمع كما يقال في الكلام للرجل الواحد: أيها القوم كُفُّوا عنا أذاكم. قال: ومثله ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ﴾ (٣) وهو (٤) نعيم بن مسعود، كان رجلًا من أشجع (٥).\n_________\n(١) ذكره الثعلبي ٣/ ٦٢ أعنهم سوى الكلبي. وذكره ابن الجوزي ٥/ ٤٧٧ مثل الثعلبي وزاد ابن عباس ثم قال: في آخرين.\n(٢) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٣١ أ.\n(٣) آل عمران: ١٧٣.\n(٤) في (أ): (وهم).\n(٥) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٣٧.\nوما ذكره الفراء من أن المراد بالناس في قوله (الذين قال لهم الناس) هو نعيم بن مسعود قول حكاه القرطبي ١٢/ ٢٧٩ عن مجاهد وعكرمة ومقاتل والكلبي. وأنَّ أبا سفيان بعد وقعة أحد جعل لنعيم بن مسعود جُعْلا على أنْ يأتي النبي -ﷺ- فيخبره أن قريشًا قد اجتمعت وأقبلت لحربه هي ومن انضاف إليها.\nثم حكى القرطبي عن جماعة من أهل العلم: أن المراد بالناس: ركب عبد القيس، مرُّوا بأبي سفيان فدَسَّهم إلى المسلمين ليثبطوهم. وقيل: الناس هنا: المنافقون. وقيل: هم ناس من هذيل سألهم أصحاب رسول الله -ﷺ- عن أبي سفيان فقالوا: \"قد جمعوا لكم\".\nقال القرطبي ١٢/ ٢٨٠: فالناس على هذه الأقوال على بابه من الجمع.\nوقد صوَّب ابن عطية ٣/ ٢٩٨ - ٢٩٩ القول بأن الناس هم ركب عبد القيس. وعزاه للجمهور. وضعف القول بأن لفظة \"الناس\" تطلق على رجل واحدإن هذه الآية، ووصف القول بأن الناس هو نعيم بن مسعود بالشذوذ.\nوانظر: الطبري ٧/ ٤٠٥ - ٤١٣، وابن كثير ١/ ٤٢٨ - ٤٣٠.","vol":"15","page":603},{"text":"وقال الزَّجَّاج: إنّما خوطب بهذا رسول الله -ﷺ-، قيل: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ﴾، وتضمن هذا الخطاب أن الرسل جميعًا كذا أمروا (١).\nوقال ابن قتيبة: خوطب به النبي -ﷺ- وحده على مذهب العرب في مخاطبة الواحد مخاطبة الجميع (٢).\nوذهب أخرون إلى أن هذا إخبار عما قيل لعيسى -﵇- وهذا الخطاب له (٣).\nواختار محمد بن جرير هذا القول، واحتج بحديث أبي إسحاق السبيعي (٤)، عن عمرو (٥) بن شرحبيل في هذه الآية قال: كان عيسى يأكل من غزل أمّه (٦).\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٥.\n(٢) \"غريب القرآن\" لابن قتيبة ٣/ ٢٩٧.\n(٣) هذا قول الطبري ١٨/ ٢٨، والثعلبي ٣/ ٦٢ أ.\n(٤) هو: عمرو بن عبد الله، الهمداني، السبيعي، الكوفي، أبو إسحاق. شيخ الكوفة، وعلامها، ومحدثها. كان من العلماء العاملي، وقال علي بن المدينة: حفظ العلم على هذه الأمة ستة: ذكر منهم أبا إسحاق. قال الذهبي ثقة، حجة بلا نزاع، كبر وتغير حفظه تغير السن ولم يختلط. وقال ابن حجر: ثقة، عابد، اختلط بآخرة. توفي سنة ١٢٧ هـ، وقيل: ١٢٨ هـ.\n\"طبقات ابن سعد\" ٩/ ٣١٣، \"سير أعلام النبلاء\" ٥/ ٣٩٢، \"غاية النهاية\" ١/ ٦٠٢، \"تهذيب التهذيب\" ٨/ ٦٣، \"تقريب التهذيب\" ٢/ ٧٣، \"طبقات الحفاظ\" للسيوطي ص ٤٣.\n(٥) في (أ): (عمرة)، وهو نصحيف.\n(٦) رواه الطبري في \"تفسيره\" ١٨/ ٢٨ عن عمرو، به.\nوذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ١٠٠ وعزاه أيضًا لعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\nوقد تعقَّب ابن عطية في \"المحرر\" ١٠/ ٣٦٥ هذه الرواية بقوله: والمشهور أنه كان يأكل من بقل البرية.","vol":"15","page":604},{"text":"وروي هذا القول مرفوعًا أن النبي -ﷺ- قال في هذه الآية: \"ذاك عيسى ابن مريم كان يأكل من غزل أمه\" (١).\nقوله: ﴿كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ قال الضحّاك: أمرهم أن لا يأكلوا إلا حلالًا طيبًا (٢)، كلهم أمرهم بذلك (٣).\nوالمعنى: كلوا من الحلال. قاله ابن عباس.\nقال الزَّخَّاج: وكل مأكول حلال مستطاب (٤).\nويقول قوم: إذا قلنا إنَّ هذا خطاب لمحمد -ﷺ- فالمراد بالطيبات الغنائم وأنها ما أحلت إلا لرسول الله -ﷺ- (٥).\nقال الزَّجَّاج: وأطيب الطيبات الغنائم (٦).\nومضى الكلام في الطيبات عند قوله: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ (٧).\nقوله: ﴿وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ أي اعملوا (٨) بما أمركم الله به، وأطيعوه في أمره ونهيه.\n﴿إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ لا يخفى عليَّ شيء من أعمالكم.\n_________\n(١) رواه عبدان في الصحابة كما في \"الدر المنثور\" ٦/ ١٠٢ عن حفص بن أبي جبلة مرفوعًا. ثم قال السيوطي: مرسل، حفصٌ تابعي.\n(٢) (طيبا): ساقطة من (ظ).\n(٣) رواه عنه سعيد بن منصور في \"تفسيره\" (ل ١٥٧ أ) دون قوله: كلهم أمرهم بذلك.\n(٤) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٥ وتتمته: فهو داخل في هذا.\n(٥) لم أجده.\n(٦) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٥.\n(٧) البقرة: ٥٧، ١٧٢.\n(٨) (اعملوا): ساقطة من (أ).","vol":"15","page":605},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2792>٥٢ </span>- قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ في \"إنَّ\" ثلاثة أوجه من القراءة: أحدها: فتح الألف مع تشديد النّون (١) (٢).\nقال الفراء: الفتح على قوله: ﴿إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ وبأن هذه (٣) أمتكم، فموضعها خفض لأنها مردودة على (ما). قال: وإن شئت كان منصوبًا بفعل مُضْمرَ كأنك قلت: واعلمْ هذا. هذا (٤) كلامه (٥).\nوالوجه في هذه القراءة ما ذكره أبو إسحاق وشرحه (٦) أبو علي.\nقال أبو إسحاق -في قوله: ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ -: أي فاتقون لهذا (٧).\nقال أبو علي: المعنى في هذه القراءة في قول الخليل وسيبويه (٨) أنّه محمول على الجار، التقدير: ولأن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون. أي اتقون (٩) لهذا. ومثل ذلك عندهم قوله: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ١٨] أي لأن المساجد لله لا تدعوا معه غيره.\n_________\n(١) في (أ): (مع التشديد للنّون).\n(٢) أي: \"وأنَّ هذه\". وبها قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو.\n\"السبعة\" ص ٤٤٦، \"المبسوط\" لابن مهران ص ٢٦٢، \"التبصرة\" ص ٢٧٠، \"التيسير\" ص ١٥٩.\n(٣) عند الفراء: وعليم بأن هذه.\n(٤) (هذا): الثانية ساقطة من (ظ).\n(٥) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٣٧.\n(٦) في (أ): (شرحه)، بدون واو.\n(٧) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٥.\n(٨) \"الكتاب\" ٣/ ١٢٦ - ١٢٧.\n(٩) في \"الحجة\": اعبدوني.","vol":"15","page":606},{"text":"وكذلك عندهما قوله: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾ [قريش: ١] [كأنَّه فليعبدوا ربَّ هذا البيت لإيلاف قريش] (١)، أي: ليقابلوا هذه النّعمة بالعبادة للمنعم عليهم بها (٢).\nالوجه الثاني من القراءة: فتح الألف مع تخفيف \"أن\" (٣).\nومعنى هذه القراءة على تقدير الأولى. ألا ترى أنّ \"أنَّ\" إذا خُفِّفت اقتضت ما يتعلق به (٤) اقتضائها وهي غير مخفّفة (٥).\nقال أبو علي: والتخفيف حسن في هذا؛ لأنَّه لا فعل بعدها ولا شيء مما يلي (٦) أن، وإذا كان كذلك كان تخفيفها حسنًا، ولو (٧) كان بعدها فعل\n_________\n(١) ما بين المعقوفين ساقط من (أ).\n(٢) \"الحجة\" لأبي علي الفارسي ٥/ ٢٩٧. ويتحصل في نقل الواحدي عن الفراء والزجاج وأبي علي أن في قراءة من قرأ \"أنَّ هذه\" ثلاثة أوجه:\nأحدها: أنَّها على حذف اللام، أي: ولأنّ هذه، وهذه اللام تتعلق بـ\"اتقون\".\nالثاني: أنها معطوفة على ما قبلها وهو قوله \"بما تعملون\" أي: إني عليم بما تعملون وبأنَّ هذه.\nالثالث: أن في الكلام حذفًا، تقديره واعلموا أنَّ هذه أمتكم.\n\"حجة القراءات\" لابن زنجلة ص ٤٨٨، \"الكشف\" لمكي ٤/ ١٢٩، \"إملاء ما من به الرحمن\" للعكبري ٢/ ١٥٠، \"الدر المصون\" للسمين الحلبي ٨/ ٣٤٩.\n(٣) أي: \"وأنْ هذه\" بفتح الألف وسكون النون، وهي قراءة ابن عامر.\n\"السبعة\" ص ٤٤٦، \"المبسوط\" لابن مهران ص ٢٦٢، \"التبصرة\" ص ٢٧٠، \"التيسير\" ص ١٥٩.\n(٤) في (ظ)، (ع): (بها)، والمثبت من (أ) و\"الحجة\".\n(٥) هذا كلام أبي علي في \"الحجة\" ٥/ ٢٩٧. وانظرت \"علل القراءات\" للأزهري ٢/ ٤٣٦، \"الكشف\" لمكي بن أبي طالب ٢/ ١٢٩.\n(٦) في \"الحجة\": ما لا يلي.\n(٧) في (ظ): (وإن).","vol":"15","page":607},{"text":"لم يحسن حتى تُعوّض السّين أو سوف أو (لا) إذا كان في نفي. فإذا لم يكن فعل بعدها (١) ساغ التخفيف، ومثله قوله تعالى: ﴿دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس: ١٠] (٢).\nالوجه الثالث: كسر الألف مع التشديد (٣)، على الاستئناف (٤).\nومعنى الآية: أنتم أهل دعوة واحدة ونصرة؛ فلا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا (٥).\nقال مقاتل: يقول: هذه ملتكم التي أنتم عليها يعني ملة الإسلام ملة واحدة. عليها كانت الأنبياء والمؤمنون الذين نجوا من العذاب الذين ذكرهم الله في هذه السورة (٦).\nومضى الكلام في تفسير هذه الآية في سورة الأنبياء [آية: ٩٢].\nوأعلم الله (٧) أن قومًا جعلوا دينهم أديانًا فقال (٨):\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2793>٥٣ </span>- ﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ﴾ قال مجاهد: هؤلاء أهل الكتاب (٩).\n_________\n(١) (بعدها): ساقطة من (أ).\n(٢) \"الحجة\" للفارسي ٥/ ٢٩٧. وانظر: \"أوضح المسالك\" لابن هشام ٢/ ٢٦٥.\n(٣) أي: \"وأنَّ هذه\"، وهي قراءة عاصم، وحمزة، والكسائي.\n\"السبعة\" ص ٤٤٦، \"المبسوط\" لابن مهران ٢٦٢، \"التَّبصرة\" ص ٢٧٠، \"التيسير\" ص ١٥٩.\n(٤) \"الحجة للفارسي\" ٥/ ٢٩٧.\nوانظر: \"علل القراءات\" للأزهري ٢/ ٤٣٦، \"حجة القراءات\" لابن زنجلة ص ٤٨٨.\n(٥) هذا كلام أبي علي في \"الحجة\" ٥/ ٢٩٧ بنصِّه.\n(٦) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٣١ أ.\n(٧) في (ظ): (والله أعلم).\n(٨) من قوله: وأعلم الله إلى هنا. هذا قول الزجاج في \"معانيه\" ٤/ ١٥.\n(٩) رواه الطبري ١٨/ ٣٠.","vol":"15","page":608},{"text":"وقال الكلبي: يعني مشركي العرب واليهود (١)، والنصارى تفرّقوا أهواءً وأحزابًا (٢).\nوالكلام في هذا قد سبق في نظيرتها (٣) في سورة الأنبياء [آية: ٩٣].\nقوله: ﴿زُبُرًا﴾ قال مجاهد وقتادة: كتبًا (٤).\nقال أبو إسحاق: وتأويله جعلوا دينهم كتبًا مختلفة جمع زبور (٥).\nوهي كتب أحدثوها- يحتجون فيها لمذاهبهم (٦).\nوقرئ (زبرًا) بفتح الباء (٧). ومعناه: قطعًا. جمع زُبْرة كقوله: ﴿زُبَرَ الْحَدِيدِ﴾ [الكهف: ٩٦] (٨). قال ابن عباس: يريد فِرقًا (٩).\nوقال السدي ومقاتل: قِطعًا فرقًا، فصاروا أديانًا: يهودًا ونصارى وصابئين ومجوسًا وأصنافًا شتى كثيرة (١٠).\n_________\n(١) في (ظ): (اليهود).\n(٢) ذكره عنه ابن الجوزي ٥/ ٤٧٨، والرازي ٢٣/ ١٠٥.\n(٣) في (ظ): (نظيرها).\n(٤) رواه عن مجاهد الطبري في \"تفسيره\" ١٨/ ٣٠، وذكره السيوي في \"الدر المنثور\" ٦/ ١٠٣ وزاد نسبته لعبد بن حميد وابن أبي حاتم وابن المنذر في تفاسيرهم.\nورواه عن قتادة: عبد الرزاق في \"تفسيره\" ٢/ ٤٦، والطبري ١٨/ ٢٩، وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ١٠٣ وزاد نسبته لعبد بن حميد وابن أبي حاتم وابن المنذر.\n(٥) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٦.\n(٦) هذا كلام الطبري ١٨/ ٣٠، والثعلبي ٢/ ٦٢ أ.\n(٧) وهي قراءة الأعمش وأبي عمرو في رواية. انظر: \"الشواذ\" لابن خالويه ص ٩٩، \"البحر المحيط\" ٦/ ٣٣٨، القرطبي ١٢/ ١٣٠.\n(٨) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٣٨ و\"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٤٦.\n(٩) ذكره البغوي ٥/ ٤٢ ولم ينسبه لأحد.\n(١٠) ذكر الماوردي ٤/ ٥٧ أوَّله عن السدّي. وقول مقاتل في \"تفسيره\" ٢/ ٣١ أ.","vol":"15","page":609},{"text":"وقال الفراء: المعنى في زُبُر وزُبَر واحد (١).\nيعني أن الزُبْرة بمعنى القطعة تجمع على زُبُر وزُبَر، وعلى هذا ليس للكتب في الآية معنى، ويدل على هذا أنّ الذين قالوا من المفسرين في الآية فرقًا وقطعًا لم يقولوه في قراءة من قرأ بفتح الباء، وإنَّما فسروه على قراءة العوام.\nوقد قال المبرد: ﴿زُبَرًا﴾ أي فرقًا مختلفة وأحدها زَبُور. والزُّبَر واحدها زُبْرة وهي القطعة (٢). وعلى هذا الزبور الفرقة والطائفة.\nوقوله: ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ قال ابن عباس: يريد بما عندهم من خلاف النبي -ﷺ- مسرورون.\nوقال مقاتل: يقول: كل أهل ملة بما عندهم من الدين راضون (٣).\nومضى الكلام في الفرح عند قوله: ﴿فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [آل عمران: ١٧٠].\nوقال الفراء: يقول معجبون بدينهم يرون أنهم على الحق (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2794>٥٤ </span>- قوله تعالى: ﴿فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ﴾ قال مقاتل: يعني كفار مكة، يقول: خل عنهم في غفلتهم (٥).\nوقال ابن عباس: يريد في ضلالتهم (٦). وهو قول قتادة (٧).\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٣٨.\n(٢) لم أجده.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٣١ أ.\n(٤) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٣٨.\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٣١ ب.\n(٦) ذكره عنه الثعلبي ٣/ ٦٢ أ.\n(٧) رواه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ٢/ ٤٦.","vol":"15","page":610},{"text":"وقال ابن زيد: عماهم (١). وقال الفراء: في جهالتهم (٢).\nوقال الزَّجَّاج: في عمايتهم وحيرتهم (٣).\nومعنى الغمرة في اللغة: هي ما يغمرك ويعلوك ويغطي عليك. يقال: ما أشد غمرة هذا النهر، أي: يغطي على من دخله (٤).\nثم الجهالة والضلالة والحيرة مما يغطي على قلب الإنسان وعقله، فيقال لها: غمرة. وذكرنا (٥) الكلام فيها عند قوله: ﴿فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ﴾ [الأنعام: ٩٣].\nوقوله: ﴿حَتَّى حِينٍ﴾ قال ابن عباس: يريد نزول العذاب بالسيف أو بالموت (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2795>٥٥، ٥٦ </span>- قوله: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ قال الفراء: (ما) في موضع الذي، وليست بحرف واحد: يقول: أيحسبون أنَّ ما نعطيهم في هذه الدنيا من الأموال والبنين أنّا جعلناه لهم ثوابًا (٧).\n_________\n(١) ذكره عنه الثعلبي ٣/ ٦٢ أ.\n(٢) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٣٨.\n(٣) \"معاني القرآن\" اللزجاج ٤/ ١٦.\nقال الشنقيطي في أضواء \"البيان\" ٥/ ٧٩٥: وأقوال أهل العلم في معنى غمرتهم راجع إلى شيء واحد .. وهو أنَّه أمره أن يتركهم فيما هم فيه من الكفر والضلال والغي والمعاصي.\n(٤) انظر: (غمر) في \"تهذيب اللغة\" للأزهري ٨/ ١٢٨ - ١٢٩، \"الصحاح\" للجوهري ٢/ ٧٧٢، \"لسان العرب\" ٥/ ٢٩.\n(٥) في (أ): (ذكرنا).\n(٦) ذكره الرازي ٢٣/ ١٠٥ بمعناه من غير نسبة.\n(٧) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٣٨.","vol":"15","page":611},{"text":"وقال الزجاج: تأويل الآية: أيحسبون أنّ إمداد الله لهم بالمال والبنين مجازاة لهم؟ وإنَّما هو استدراج لهم من الله -وهو معنى قوله: ﴿لَا يَشْعُرُونَ﴾ (١) - و(ما) في معنى الذي، المعنى: أيحسبون أنّ الذي غرهم به (٢) من مال وبنين نسارع (٣) لهم في الخيرات (٤).\nومثل هذا ذكر صاحب النظم فقال: انتظام الآيتين بإضمار الباء على تأويل: نسارع لهم به في الخيرات (٥) كما قال -﷿-: ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ (٦)\n_________\n(١) قوله: وهو معنى قوله \"بل لا يشعرون\" مدرجة من كلام الواحدي وليست من كلام الزجاج.\n(٢) (به): ساقطة من (ظ).\n(٣) عند الزجاج: نسارع لهم به.\n(٤) \"معاني القرآن\" للزجَّاج ٤/ ١٦، وفي \"ما\" وجهان آخران:\nأحدهما: أن تكون مصدرية، والتقدير: أيحسبون أن إمدادنا لهم من كذا مسارعةٌ منا لهم في الخيرات.\nالثاني: أنَّها مهيئة كافَّة. وبه قال الكسائي، وحينئذ يجوز الوقف على \"زبنين\". انظر: \"القرطبي\" ١٢/ ١٣١، \"البحر المحيط\" ٦/ ٤٠٩، \"الدر المصون\" ٨/ ٣٥١.\n(٥) مراد صاحب النظم أن \"ما\" بمعنى الذي وهي اسم \"أنّ\"، وصلتها ما بعدها، وخبر \"أنَّ\" هو الجملة من قوله \"نسارع لهم في الخيرات\" والرابط لهذه الجملة ضمير محذوف لفهم المعنى تقديره: نسارع لهم في الخيرات. قال أبو حيان وحسَّن حذفه استطالة الكلام مع أمْن اللَّبس.\nوقيل: الرابط بين هذه الجملة واسم \"أنَّ\" هو الظاهر الذي قام مقام الضمير من قوله \"من الخيرات\" إذْ الأصل: نسارع لهم فيه، ثم أظهْر فأوقع \"الخيرات\" موقعه تعظيمًا وتنبيها على كونه من الخيرات، ولا حذف على هذا التقْدير.\nانظر: \"القرطبي\" ١٢/ ١٣٠، \"البحر المحيط\" ٦/ ٤٠٩، \"الدر المصون\" ٨/ ٣٥١.\n(٦) النحل: ٥٠، التحريم: ٦.","vol":"15","page":612},{"text":"[أي: يؤمرون] (١) به وكما (٢) قال: ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ [النمل: ٦٠] بالله غيره.\nقال ابن قتيبة: ﴿نُسَارِعُ﴾ بمعنى (٣): نُسرع (٤).\nوالمعنى: [أيحسبون أنَّا تقدم لهم ثواب أعمالهم لرضانا عنهم.\nوقال ابن عباس] (٥): أيحسبون أن الذي بسطت لهم في الرزق فأغنيتهم وأكثرت أموالهم (٦) وأولادهم إن ذلك خير لهم بل هو شر لهم ﴿لَا يَشْعُرُونَ﴾ لا يعلمون غيبي (٧).\nوقال مقاتل: يقول: لا يشعرون أن الذي أعطاهم من المال والبنين هو شر لهم كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا﴾ [آل عمران: ١٧٨] (٨).\n_________\n(١) ما بين المعقوفين ساقط من (ع).\n(٢) في (أ): (فكما).\n(٣) (بمعنى): ساقطة من (ظ).\n(٤) \"غريب القرآن\" لابن قتيبة ص ٢٩٨.\n(٥) ما بين المعقوفين ساقط من (ظ).\n(٦) (أموالهم): ساقطة من (أ، ظ)، وفيهما: وأكثرت أولادهم.\n(٧) في (أ): (غبني).\n(٨) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٣١ ب.","vol":"15","page":613},{"text":"المملكة العربية السعودية\nوزارة التعليم العالي\nجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية\nعمادة البحث العلمي\nسلسلة الرسائل الجامعية\n- ١١٠، ١١١ -\nالتَّفْسِيرُ البَسِيْط\nلأبي الحسن على بن أحمد بن محمد الواحدي\n(ت ٤٦٨ هـ)\nمن آية (٥٧) من سورة المؤمنون إلى آخر سورة النور\nسورة الفرقان\nتحقيق\nد. سليمان بن إبراهيم الحصين\nأشرف على طباعته وإخراجه\nد. عبد العزيز بن سطام آل سعود ... أ. د. تركي بن سهو العتيبي\nالجزء السادس عشر","vol":"16","page":1},{"text":"التَّفْسِيرُ البَسِيْط\nلأبي الحسن على بن أحمد بن محمد الواحدي\n(ت ٤٦٨ هـ)\n[١٦]","vol":"16","page":2},{"text":"جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ١٤٣٠ هـ\nفهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية أثناء النشر\nالواحدي، علي بن أحمد\nالتفسير البسيط لأبي الحسن علي بن أحمد بن محمد\nالواحدي (ت ٤٦٨ هـ)./ عبد الله بن عبد العزيز بن محمد\nالمديميغ؛ سليمان بن إبراهيم الحصين، الرياض ١٤٣٠ هـ\n٢٥ مج. (سلسلة الرسائل الجامعية)\nردمك: ٤ - ٨٥٧ - ٠٤ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (مجموعة)\n٤ - ٨٧٣ - ٠٤ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (ج ١٦)\n١ - القرآن تفسير ... ٢ - الواحدي، علي بن أحمد\nأ- العنوان ... ب- السلسلة\nديوي ٢٢٧.٣ ... ٨٦٨/ ١٤٣٠\nرقم الإيداع: ٨٦٨/ ١٤٣٠ هـ\nردمك: ٤ - ٨٥٧ - ٠٤ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (مجموعة)\n٤ - ٨٧٣ - ٠٤ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (ج ١٦)","vol":"16","page":3},{"text":"المملكة العربية السعودية\nوزارة التعليم العالي\nجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية\nعمادة البحث العلمي\nسلسلة الرسائل الجامعية\n- ١١٠، ١١١ -\nالتَّفْسِيرُ البَسِيْط\nلأبي الحسن على بن أحمد بن محمد الواحدي\n(ت ٤٦٨ هـ)\nمن آية (٥٧) من سورة المؤمنون إلى آخر سورة النور\nسورة الفرقان\nتحقيق\nد. سليمان بن إبراهيم الحصين\nأشرف على طباعته وإخراجه\nد. عبد العزيز بن سطام آل سعود ... أ. د. تركي بن سهو العتيبي\nالجزء السادس عشر","vol":"16","page":4},{"text":"بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ","vol":"16","page":5},{"text":"التَّفْسِيرُ البَسِيْط\nلأبي الحسن علي بن أحمد أحمد بن محمد الواحدي\n(ت ٤٦٨ هـ)\nمن آية (٥٧) من سورة المؤمنون إلى آخر سورة النور\nتحقيق\nد. عبد الله بن عبد العزيز بن محمد المديميغ","vol":"16","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2796>٥٧ </span>- ثم ذكر المؤمنين فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ الخشية من الله خشيته (١) من عذابه (٢) وسخطه. والإشفاق: الخوف، يقول: أشا مشفق (٣) من هذا الأمر. أي: خائف (٤) (٥).\nقال ابن عباس: يريد أشفقوا (٦) من (٧) عذابي، ولم يأمنوا مكري.\nوقال الكلبي: خائفون من عذابنا (٨). وهذه صفة أهل طاعته في الدنيا.\nوقال مقاتل: مشفقون من عذابه (٩).\nهذا قول المفسرين، وقد ذكروا ما يشفقون منه وهو العذاب، وحذف ذكره للإحاطة به والمعنى: والذين هم لما هم عليه من خشية الله مشفقون من عذابه (١٠). ولا يصح نظم الآية إلا بإضمار ما أشفقوا منه؛ لأنّه لا يقال: خشي من خشية الله إلا بإضمار مفعول لخشي. فإن جعلت من خشية الله مفعول خشي لم يحسن، لأنَّه لا يُخشى من الخشية، كذلك هؤلاء لم يشفقوا من الخشية إنما أشفقوا من العذاب لما انطووا عليه من خشية الله وحذر عذابه.\n_________\n(١) في (أ): (خشية).\n(٢) في (ظ)، (ع): (عقابه).\n(٣) في (ع): (مشفوق)، وفي (ظ): (مشفقون).\n(٤) في (ظ): (خائفون).\n(٥) هذا القول في \"تهذيب اللغة\" للأزهري ٨/ ٣٣٢ \"شفق\" منسوبًا إلى الليث. وانظر: \"لسان العرب\" ١٠/ ١٧٩ - ١٨٠ \"شفق\".\n(٦) في (أ): (شفقوا).\n(٧) (من): ساقطة من (أ)، (ع).\n(٨) ذكره عنه الرازي ٢٣/ ١٠٦، وأبو حيان ٦/ ٤١٠.\n(٩) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٣١ ب.\n(١٠) في (ظ)، (ع): (عقابه).","vol":"16","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2797>٥٨ </span>- قوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾ قال ابن عباس ومقاتل: يصدقون بالقرآن أنه من عند الله (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-2798>٥٩ </span>- ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ﴾ الأوثان في العبادة، ولا يعبدون معه غيره، لكنهم يوحدون ربهم. قاله الكلبي ومقاتل (٢).\nوقال أهل المعاني: هذا بيان بأن (٣) خصال الإيمان لا تصلح إلا بترك الإشراك، وليس (٤) على ما يقوله أهل الجاهلية: إنا مؤمنون بالله، وهم يعبدون معه غيره (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2799>٦٠ </span>- وقوله: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ قال ابن عباس: يريد يعملون الأعمال الصالحة ويتصدقون (٦) بالصدقة الكثيرة وقلوبهم خائفة من الله -﷿- أن لا يقبل ذلك منهم (٧).\nوقال الكلبي: قلوبهم خائفة ألا تقبل منهم.\nوقال الحسن: يعملون ما عملوا من البر والعمل الصالح (٨) وقلوبهم وجلة أيتقبل منهم أم لا (٩)؟.\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٣١ ب.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٣١ ب.\n(٣) في (أ)، (ع): (أن).\n(٤) في (أ)، (ع): (ليس).\n(٥) ذكر هذا المعنى الطوسي في \"التبيان\" ٧/ ٣٣٤ ولم ينسبه لأحد.\n(٦) في (أ): (ويصدّقون).\n(٧) روى الطبري ١٨/ ٣٣ عن ابن عباس قال: يعملون خائفين.\n(٨) في (ظ): (من العمل الصالح. سقط فيها البر).\n(٩) روى وكيع في \"الزهد\" ١/ ٣٩٠، وأحمد في \"الزهد\" ص ٢٨٦، والطبري ١٨/ ٣٢ عن الحسن الشطر الأول مه، ولفظ باقيه عندهم: وهم مشفقون -وعند الطبري: يخافون- أن لا ينجيهم ذلك من عذاب ربَّهم.","vol":"16","page":8},{"text":"وقال مجاهد في هذه الآية: المؤمن ينفق ماله وقلبه وجل (١).\nوقال قتادة والسدي: يُعطون ما أعطوا ويعملون ما عملوا من خير وقلوبهم خائفة من الله (٢).\nوهذا المعنى الذي ذكره المفسرون هو ما ذكره النبي -ﷺ- في حديث عائشة قالت: قلت: يا رسول الله ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ أهو الذي يزني ويشرب الخمر ويسرق (٣)؟ قال: \"لا كما ابنة الصديق! ولكنّه الرجل يصوم ويصلي ويتصدق ويخاف ألا يقبل منه\" (٤).\nوكانت عائشة تقرأ: (يأتون ما أتوا) (٥) أي يعملون ما عملوا. يقال:\n_________\n(١) رواه الطبري ١٨/ ٣٢، وذكره السيوطي في الدر المنثور\" ٦/ ١٠٦، وزاد نسبته إلى عبد بن حميد.\n(٢) رواه عن قتادة: عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٤٦، والطبري ١٨/ ٣٣، وذكره السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٠٦ وزاد نسبته لعبد بن حميد. ولم أجد من ذكره عن السدي.\n(٣) (ويسرق): ساقطة من (ظ)، (ع).\n(٤) رواه الإمام أحمد في \"مسنده\" ٦/ ١٥٩، والترمذي في (كتاب التفسير -ومن سورة المؤمنين ٩/ ٩، ٢٠، وابن ماجه في أبواب الزهد- باب التوقي على العمل ٢/ ٤٢٥، والطبري في \"تفسيره\" ١٨/ ٣٤، والحاكم في \"مستدركه\" ٢/ ٣٩٣ - ٣٩٤، والبغوي في \"معالم التنزيل\" ٥/ ٤٢١.\nوذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ١٠٥ وعزاه لمن تقدم سوى البغوي، وزاد نسبته إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن أبي الدنيا في نعت الخائفين. وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في شعب الإيمان.\nوالحديث صححه الحاكم ووافقه الذهبي، وصححه الألباني كما في \"سلسلة الأحاديث الصحيحة\" ١/ ٩٥ - ٩٧.\n(٥) بفتح الياء، وألف بعدها، و\"ما أتوا\" مقصور.\nانظر: \"الشواذ\" لابن خالويه ص ٩٨، \"المحتسب\" لابن جني ٢/ ٨٩٥، \"تعليل القراءات الشواذ\" للعكبري ص ٢٧٥.","vol":"16","page":9},{"text":"فلان يأتي العمل الصالح ويأتي العمل الخبيث، ولهذا (١) ذهب وَهْمُها (٢) إلى أنّه الذي يزني ويشرب (٣) ويسرق.\nوسألها عبيد بن عيير عن قراءتها فقالت: أشهد لكذلك (٤) كان رسول الله يقرؤها، وكذلك أنزلت (٥).\nوالقراء اليوم مجمعون على ﴿يُؤْتُونَ مَا آتَوْا﴾.\nقال ابن عمر: يؤدون الزكاة (٦).\nوإنّما خَصَّ إيتاء الزكاة من بين الطاعات؛ لأن من أدّى الزكاة وأطاع الله فيها فهو في غيرها أطوع، وكأنَّ إيتاء الزكاة عبارة عن الأعمال\n_________\n(١) في (ظ): (وهذا).\n(٢) وهمها: أي ظنها. انظر: \"الصحاح\" للجوهري ٥/ ٢٠٥٤ (وهم).\n(٣) ويشرب: ساقط من (أ).\n(٤) في (أ): (كذلك).\n(٥) رواه سعيد بن منصور في \"تفسيره\" (ل ١٥٧ أ)، والإمام أحمد في مسنده ٦/ ٩٥، ١٤٤. والبخاري في كتابه \"الكنى\" ص ٢٨.\nقال ابن كثير في \"تفسيره\" ٣/ ٢٤٨: فيه إسماعيل بن مسلم المكي، وهو ضعيف. قال ابن كثير ٣/ ٢٤٨: والمعنى على القراءة الأولى -يعني يؤتون- وهي قراءة السبعة وغيرهم أظهر، لأنَّه قال \"أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون\" فجعلهم من السابقين، ولو كان المعنى على القراءة الأخرى -يعني: يأتون ما أتوا- لأوشك أن لا يكونوا من السابقين بل من المقتصدين أو المقصرين. والله أعلم. اهـ.\n(٦) رواه الطبري ١٨/ ٣٢ من رواية ابن أبجر، عن ابن عمر.\nوفي سنده جهالة. وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ١٠٦ وزاد نسبته للفريابي. وذكر ابن عطية ١٠/ ٣٧٠ عن ابن عباس وابن جبير أنهما قالا: هو عام في جميع أنواع البرّ. ثم قال ابن عطية: وهذا حسن، كأنَّه قال: والذين يعطون من أنفسهم في طاعه الله ما بلغه جهدهم.","vol":"16","page":10},{"text":"الصالحة، إذْ هو الأفضل والأشق على النفس.\nقال الحسن في هذه الآية: المؤمن جمع إحْسانًا وشفقة (١).\nفأما نظم الآية فقد ذكر الفراء وجهًا، وذكر الزَّجَّاج وجها آخر، وجمعها صاحب النظم وشرحهما.\nقال الفراء: ﴿وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ أنّهم (٢) من أنَّهم فإذا ألقيت (مِنْ) نصبت (٣).\nوقال الزَّجَّاج: قلوبهم خائفة؛ لأنهم إلى ربهم راجعون، أي لأنهم يوقنون بأنّهم يرجعون إلى الله يخافون (٤).\nوقال صاحب النظم: في هذه الآية قولان:\nأحدهما: أن يكون قوله: ﴿وَجِلَةٌ﴾ واقعًا على قوله: ﴿أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ وهو على تأويل: خائفون (٥) رجوعهم. أي يخافون رجوعهم إلى ربِّهم. [فيكون الخوف منهم واقعًا على البعث والحساب وما يكون فيهما. وهذا معنى قول الفراء.\nوالقول الآخر: أن يكون الخوف واقعًا على مضمر، وقوله: ﴿أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ﴾ سببًا له على تأويل: وقلوبهم وجلةٌ أنَّها لا تقبل منهم لعلمهم أنهم إلى ربهم] (٦) راجعون. والخوف واقع (٧) على أنه لا يقبل منهم نفقاتهم.\n_________\n(١) رواه الطبري ١٨/ ٣٢. وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ١٠٥ وزاد نسبته لابن أبي حاتم.\n(٢) عند الفراء: وجلةٌ من أنّهم.\n(٣) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٣٨.\n(٤) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٧.\n(٥) في (أ)، (ع): (خائفة).\n(٦) ما بين المعقوفين ساقط من (أ).\n(٧) في (أ): (واقع عليه على أنّه) بزيادة عليه.","vol":"16","page":11},{"text":"وقوله (١) ﴿أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ سببٌ لهذا الخوف (٢).\nوهذا معنى قول أبي إسحاق وأكثر المفسرين لأنهم جعلوا الخوف واقعا على أن لا يقبل (٣) منهم (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2800>٦١ </span>- وقوله: ﴿أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ يبادرون في الأعمال الصالحة التي ذكر الله لهم قبل هذه الآية.\nقال الزَّجَّاج: يقال: أسرعت وسارعت في معنى واحد إلا أن سارعت أبلغ من أسرعت (٥).\nوهذا كقوله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ [الأنبياء: ٩٠] وقد مرّ.\nوقوله: ﴿وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ قال أبو إسحاق: فيه وجهان:\nأحدهما: هم إليها سابقون (٦).\nوهذا قول الفراء (٧)، ومعنى قول ابن عباس: ينافسون فيها أمثالهم من أهل البر والتقوى (٨).\n_________\n(١) في (أ): (قوله) سقطت الواو.\n(٢) والمعنى على هذا: سبب الوجل الرجوع إلى ربهم. انظر: \"الدر المصون\" ٨/ ٣٥٣.\n(٣) في (ظ)، (ع): (يتقبّل).\n(٤) انظر: \"الطبري\" ١٨/ ٣٢، القرطبي ١٢/ ١٣٢.\n(٥) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٧.\nقال السمين الحلبي في \"الدر المصون\" ٨/ ٣٥٣ - مبينا قول الزجاج-: يعني من حيث إنّ المفاعلة تدل على قوة الفعل لأجل المغالبة.\n(٦) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٧.\n(٧) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٣٨.\n(٨) ذكره عنه الماوردي ٤/ ٥٩، والبغوي ٥/ ٤٢٢.","vol":"16","page":12},{"text":"وقال الكلبي: سبقوا الأمم إلى الخيرات. وعلى هذا المعنى: هم إلى الخيرات سابقون غيرهم لإسراعهم فيها ومبادرتهم إليها.\nوالوجه الآخر: هم من أجلها، أي من أجل اكتسابها، كما تقول: أنا أكوم فلانا لك، أي: من أجلك (١) (٢).\nوالمعنى على هذا القول: وهم لأجل الخيرات سابقون غيرهم، أي إنما يسبقون غيرهم لأجل اكتسابها.\nوذكر صاحب النظم على هذا الوجه معنى آخر لقوله: ﴿سَابِقُونَ﴾ فقال: تأويل الآية: وهم من أجلها، أي: من أجل مسارعتهم في الخيرات سابقون يوم القيامة إلى الجنَّة يسبقون (٣) غيرهم ممن لا يسارع في الخيرات (٤).\nوعلى هذا، الكناية في لها تعود [إلى المسارعة ودل عليها قوله: ﴿يُسَارِعُونَ﴾، وعلى ما قال أبو إسحاق يعود] (٥) إلى الخيرات (٦).\n_________\n(١) في (ظ): (لأجلك).\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٧.\n(٣) في (ظ)، (ع): (أي يسبقون).\n(٤) ذكر مكي في \"الهداية إلى بلوغ النهاية\" ٣/ ١١٦ هذا القول ولم ينسبه لأحد. وانظر: \"الكشاف\" ٣/ ٣٥، \"الدر المصون\" ٨/ ٣٥٤.\n(٥) ما بين المعقوفين ساقط من (ع).\n(٦) قال الطبري ١٨/ ٣٤ - بعد أن ذكر أن بعضهم تأوّل ذلك بمعنى: وهم إليها سابقون، وبعضهم بمعنى: وهم من أجلها سابقون-: وأولى الأقوال في ذلك عندنا بالصواب القول الذي قاله ابن عباس من أنَّه سبقت لهم من الله السعادة قبل مسارعتهم في الخيرات، ولما سبق لهم من ذلك سارعوا فيها. قال: وإنَّما قلت ذلك أولى التأويلين بالكلام؛ لأنَّ ذلك أظهر معنييه، وأنَّه لا حاجة بنا إذا وجهنا =","vol":"16","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2801>٦٢ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ قال الكلبي: إلا طاقتها من العمل فمن لم يستطع أن يصلي قائمًا فليصل جالسًا (١) (٢).\nوهذا مما سبق الكلام فيه في سورة البقرة (٣).\nولا تعلق للقدرية بهذه الآية إن احتجوا بها علينا في تكليف الكافر الإيمان مع إرادة الله كفره، لأنّ الآية تحمل على ما (٤) لا يتوهم وجوده في المعقول مثل تكليف الأعمى أن ينظر والزَّمِن أن يمشي. فأمّا إيمان الكافر فذلك جائز في الموهوم أن يكون منه والإرادة مغيبة عنا وعنه. ثم يلزمهم مثل هذا في العلم وذلك أنّ كلّ من سبقت الإرادة له بالكفر فقد سبق العلم بأنه يموت كافرا والعلم لا يتبدل والمعلوم لا يتغير. فإن لزمنا على الإرادة تكليف ما لا يطاق لزم القدرية على العلم تكليف ما لا يطاق.\nوقوله: ﴿وَلَدَيْنَا كِتَابٌ﴾ قال ابن عباس ومقاتل: يريد اللوح\n_________\n= تأويل الكلام إلى ذلك إلى تحويل اللام التي في قوله \"وهم لها\" إلى غير معناها الأغلب عليها. اهـ.\nوقول ابن عباس الذي أشار إليه رواه هو في \"تفسيره\" ١٨/ ٣٤ وابن أبي حاتم (كما في \"تغليق التعليق\" لابن حجر ٥/ ١٩٠، ورواه البخاري في صحيحه (كتاب القدر- باب حق القلم على علم الله ١١/ ٤٩١) معلقا.\nقال ابن حجر في \"الفتح\" ١١/ ٤٩٢: ويجمع بين تفسير ابن عباس وظاهر الآية أن السعادة سابقة وأن أهلها سبقوا إليها، لا أنهم سبقوها.\n(١) في (ظ): (قاعدًا).\n(٢) ذكر البغوي ٥/ ٤٢٢ هذا المعنى ولم ينسبه لأحد.\n(٣) انظر: \"البسيط\" عند قوله تعالى: ﴿لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].\n(٤) في (أ): (عليها).","vol":"16","page":14},{"text":"المحفوظ (١) وفيه مكتوب كل شيء سبق في علم الله.\n﴿يَنْطِقُ بِالْحَقِّ﴾ يبين بالصدق (٢). والنطق مستعارٌ للكتاب يراد به التبيين.\nومعنى الآية: أنا لا نكلّف نفسًا إلا ما أطاقت من العمل، ونعلم إيش يعمل (٣)؛ لأنا قد أثبتنا عمله في اللوح المحفوظ، فهو ينطق به ويبينه.\nقوله: ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ قال ابن عباس: لا ينقصون من ثواب أعمالهم مثقال ذرَّة (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2802>٦٣ </span>- قوله تعالى: ﴿بَلْ قُلُوبُهُمْ﴾ قال مقاتل: يعني الكفار ﴿فِي غَمْرَةٍ﴾ في غفلة (٥).\nوقال الكلبي: في جهالة (٦). وقد مَرَّ قبيل (٧).\nوقوله: ﴿بَلْ قُلُوبُهُمْ﴾ قال مجاهد: يعني القرآن (٨). وهو قول مقاتل\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٣١ ب. وفي الكتاب. هنا- قول آخر حكاه الثعلبي ٣/ ٦٢ ب وهو أنه كتاب إحصاء الأعمال الذي تكتبه الحفظة. واستظهر هذا القول ابن عطية ١٠/ ٣٧٦، والقرطبي ١٢/ ١٣٤. وقال عنه الشنقيطي في \"أضواء البيان\" ٥/ ٧٩٦ إنّه الحق. واستدل له بقوله تعالى: ﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية: ٢٩].\n(٢) الطبري ١٨/ ٣٥.\n(٣) في (أ): (استعمل).\n(٤) ذكر ابن الجوزي ٥/ ٤٨١ هذا المعنى ولم ينسبه لأحد.\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٣١ ب.\n(٦) ذكره عنه الماوردي في \"النكت والعيون\" ٤/ ٥٨ عند قوله \"في غمرتهم حتى حين\".\n(٧) عند قوله تعالى ﴿فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ﴾.\n(٨) رواه الطبري ١٨/ ٣٥، وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ١٠٦ وزاد نسبته لابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن أبي حاتم وابن المنذر.","vol":"16","page":15},{"text":"يقول: في غفلة من الإيمان بهذا القرآن (١).\nوذكر أبو إسحاق وجهين آخرين:\nأحدهما: أن يكون هذا إشارة إلى [ما وصف من أعمال البر في الآيات المتقدمة.\nوالثاني: أن يكون إشارة إلى] (٢) الكتاب الذي ينطق بالحق وأعمالهم محصاة فيه (٣).\nقوله: ﴿وَلَهُمْ أَعْمَالٌ﴾ قال ابن عباس: يريد مما سبق في علمي وكان في اللوح المحفوظ.\nوقوله: ﴿مِنْ دُونِ ذَلِكَ﴾ قال الكلبي: ولهم أعمال خبيثة من دون أعمال المؤمنين التي ذكرها الله في الآيات (٤) السابقة (٥).\nوقال مقاتل: يعني غير الأعمال الصالحة التي ذكرت عن المؤمنين (٦).\nوعلى هذا الإشارة بقوله ذلك تعود إلى ما ذكر من أعمال البر على المؤمنين.\nوقال السدي: ﴿مِنْ دُونِ ذَلِكَ﴾ قبل أن يقع بهم العذاب، وذلك يوم بدر.\nوعلى هذا الإشارة تعود إلى قوله: ﴿حَتَّى حِينٍ﴾ يعني يوم بدر. يقول:\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٣١ ب.\n(٢) ما بين المعقوفين ساقط من (ظ).\n(٣) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٧ - ١٨ مع اختلاف يسير.\n(٤) في (أ): (الإيمان)، وهو خطأ.\n(٥) ذكره البغوي ٥/ ٤٢٢ هذا المعنى ولم ينسبه لأحد.\n(٦) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٣١ ب.","vol":"16","page":16},{"text":"لهم أعمال مكتوبة عليهم لا بد من (١) أن يعملوها قبل يوم بدر.\nوقال صاحب النظم: ﴿مِنْ دُونِ ذَلِكَ﴾ من غير ذلك كما قال: ﴿وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ (٢) أي لهم أعمال سوى ما في قلوبهم من الغمرة التي غمرتها وغلبت عليها.\nقوله: ﴿هُمْ لَهَا عَامِلُونَ﴾ [قال ابن عباس: يريد لا بد أن يعملوها (٣).\nوقال مقاتل: يقول وهم لتلك الأعمال الخبيثة عاملون،] (٤) أي أنهم سيعملونها لا بد لهم من أن يعملوها (٥).\nوقال مجاهد: أعمال لا بد لهم من أن يعملوها (٦).\nوقال حميد (٧): سألت الحسن عن قوله: ﴿هُمْ لَهَا عَامِلُونَ﴾ قال: أعمال لم يعملوها سيعملون بها (٨).\nوقال أبو إسحاق: أخبر الله -﷿- بما سيكون منهم، فأعلم أنهم سيعملون أعمالًا تباعد (٩) من الله غير الأعمال التي ذكروا بها (١٠).\n_________\n(١) (من): ساقطة من (أ).\n(٢) يونس: ٣٨، هود: ١٣.\n(٣) ذكره عنه السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ١٠٧ وعزاه لعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(٤) ما بين المعقوفبن ساقط من (ع).\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٣١ ب.\n(٦) رواه الطبري ١٨/ ٣٦، وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ١٠٧ وزاد نسبته لابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(٧) هو: حميد الطويل.\n(٨) رواه الطبري ١٨/ ٣٦ عن حميد، به. وفيه: سيعملونها.\n(٩) في (ع): (لا تباعد)، وهو خطأ.\n(١٠) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٨.","vol":"16","page":17},{"text":"وقال الفراء: أعمال منتظرة مما سيعملونها (١).\nقال صاحب النظم: ﴿لَهَا عَامِلُونَ﴾ أي بها فتقوم اللام مقام الباء، وقد تكون بمنزلة قوله: ﴿وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٤] وقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾ [يوسف: ٤٣] وقد يكون بمنزلة من أجل أي: ولهم أعمال سواها هم (٢) من أجل الغمرة التي على قلوبهم عاملون إياها. وفيه دليل على ثبوت القدر لإيجابه -﷿- إتيانهم (٣) أعمالًا يعملونها قبل كونها هذا كلامه.\nوقد ترى إجماع المفسرين وأصحاب المعاني على أنَّ هذا إخبار عمّا سيعملونه من أعمالهم (٤) الخبيثة التي كتبت عليهم لا بد لهم أن يعملوها. ففي هذا دليل على أن كلا ميسر لما خلق له وأن هؤلاء كتب عليهم ما هم عاملون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2803>٦٤ </span>- قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ﴾ قال ابن عباس، والكلبي، ومقاتل، والسدي: جبابرتهم وأغنياءهم ورؤوسهم (٥).\nقال المبرّد: المترف: المتقلب في لين العيش (٦). ومنه قوله -﷿-\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٣٨.\n(٢) (هم): ساقطة من (أ).\n(٣) في (أ): (إيتنافهم) وفي (ظ)، (ع): (إيتنامهم) ولعل الصواب: إتيانهم.\n(٤) في (أ): (أعمال).\n(٥) \"تفسر مقاتل\" ٢/ ٣١ ب. وذكر الماوردي ٤/ ٦ عن الكلبي أنه قال: الموسع عليهم بالمال والولد. وذكر الثعلبي ٣/ ٦٢ عن بعضه من غير نسبة الأحد.\n(٦) (العيش): ساقطة من (ظ)، (ع).","vol":"16","page":18},{"text":"﴿وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [المؤمنون: ٣٣] (١).\nوقوله: ﴿بِآلْعَذَابِ﴾ يعني بالسيوف يوم بدر. وهو قول ابن عباس (٢)، ومجاهد (٣)، وقتادة (٤)، ومقاتل (٥)، والسدي.\nوقال الكلبي (٦)، والضحاك (٧): يعني بالجوع سبع سنين، حين دعا عليهم رسول الله -ﷺ- (٨).\nوالقول هو الأول. وهو اختيار أبي إسحاق قال: العذاب الذي أخذوا به السيف (٩).\n_________\n(١) انظر: \"ترف\" في \"تهذيب اللغة\" للأزهري ١٤/ ٢٧١، \"لسان العرب\" ٩/ ١٧.\n(٢) ذكره عنه الثعلبي ٣/ ٦٢ ب.\n(٣) رواه الطبري ١٨/ ٣٧، وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ١٠٧ وزاد نسبته لابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(٤) رواه عبد الرزاق ٢/ ٤٧، وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ١٠٧ وزاد نسبته لعبد بن حميد وابن أبي حاتم.\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٣١ ب.\n(٦) ذكره عنه ابن الجوزي ٥/ ٤٨٢.\n(٧) ذكره عنه الثعلبي ٣/ ٦٢ ب. وذكره ابن الجوزي ٥/ ٤٨٢. مع القائلين بالقول الأول.\n(٨) روى البخاري في الدعوات -باب الدعاء على المشركين ١١/ ١٩٤ - ١٩٥، ومسلم في المساجد- باب استحباب القنوت في جميع الصلاة إذا نزلت بالمسلمين نازلة ١/ ٤٦٦ - ٤٦٧ من حديث أبي هريرة أن النبي -ﷺ- كان إذا قال سمع الله لمن حمده في الركعة الآخرة من صلاة العشاء قنت: \"اللهم اشدد وطأتك على مضر، اللهم اجعلها عليهم كسني يوسف\".\n(٩) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٨. والأولى عدم تقييده بعذاب معين. قال ابن كثير ٣/ ٢٤٩: أي إذا جاء مترفيهم وهم المنعمون في الدنيا، عذاب الله وبأسه ونقمته بهم.","vol":"16","page":19},{"text":"قوله تعالى: ﴿إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ﴾ قال ابن عباس: يتضرعون (١).\nوقال السدي ومقاتل: يصيحون إلى الله (٢).\nوقال الزجاج: يضجون (٣). قال المبرد: هو الضجيج الشديد.\nوأنشد أبو عبيدة (٤):\nإنَّنِي والله (٥) فاقْبَلْ حَلِفي (٦) ... بأبِيلٍ (٧) كلَّما صَلَّى جَأرْ (٨)\n_________\n(١) أخرج الطبري ١٨/ ٣٧ وابن أبي حاتم وابن المنذر كما في \"الدر المنثور\" ٦/ ١٠٨ عن ابن عباس قال: يستغيثون.\n(٢) ذكره الأزهري في \"تهذيب اللغة\" ١١/ ١٧٧ \"جأر\" عن السدّي. وانظر: \"تفسير مقاتل\" ٣١٢ ب وفيه: يضجون.\n(٣) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٨.\n(٤) في (أ): (أبو عبيد)، وهو خطأ.\n(٥) في (ظ)، (ع): (واه).\n(٦) في (ع): (خلفي) ومهملة في (ظ).\n(٧) في جميع النسخ: (بابيل) مهملة. والمثبت من مجاز القرآن وغيره.\n(٨) البيت أنشده أبو عبيدة في \"مجاز القرآن\" ٢/ ٦٠ عند هذه الآية من سورة \"المؤمنون\" ونسبه لعدي بن زيد، وروايته \"فاسمع\" مكان \"فأقبل\".\nوأنشد قبل ذلك ١/ ٣٦١ عند قوله ﴿فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾ [النحل: ٥٣] منسوبًا لعدي وروايته هناك: (فاقبل).\nوهو في \"ديوان عدي بن زيد العبادي\" ص ٦١، \"المعاني الكبير\" لابن قتيبة ٢/ ٨٣٧، \"الأغاني\" للأصفهاني ٢/ ١١٣، \"مقاييس اللغة\" ١/ ٤٢ والصاحبي في \"فقه اللغة\" (ص ١٠٧) كلاهما لابن فارس، \"الصحاح\" للجوهري ٤/ ١٦١٩ \"أبل\"، \"لسان العرب\" ١١/ ٧: (أبل)، \"خزانة الأدب\" ١/ ٦٥.\nورواية \"الديوان\" و\"الأغاني\": (لأبيل) مكان (بأبيل).\nورواية \"الديوان\" و\"الصاحبي\": \"حلفتي\" مكان (حلفي).\nوهذا البيت من قصيدة ذكر \"صاحب الأغاني\" ٢/ ١١٣ أنه قالها عندما سجنه =","vol":"16","page":20},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2804>٦٥ </span>- قوله: ﴿لَا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لَا تُنْصَرُونَ﴾. أي يقال لهم: لا تجأروا اليوم. فأضمر القول.\nقال ابن عباس: يريد لا تتضرعوا] (١) عندما أتاكم العذاب.\n﴿إِنَّكُمْ مِنَّا لَا تُنْصَرُونَ﴾ قال مقاتل: يقول: لا تمنعون منا (٢).\nوالمعنى: لا تُحفظون من أمر يريده الله بكم. يعني القتل ببدر.\nقال قتادة: نزلت في الذين قتلوا يوم بدر (٣).\nثم ذكر أن إعراضهم عن القرآن أوجب أخذهم بالعذاب بقوله:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2805>٦٦ </span>- ﴿قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ قال ابن عباس والمفسرون: يريد القرآن (٤).\n_________\n= النعمان بن المنذر ومطلعها:\nأبلغ النعمان مني مَألكا\nقال ابن منظور ١١/ ٧: الأبيل -بوزنه الأمير- الراهب. سُمّي به لتأبّله عن النساء وترك غشيانهن ...، وقيل: هو راهب النَّصارى.\nوالباء في قوله (بأبيل) تحتمل وجهين:\nالأول: أن تكون بمعنى الكاف، وهذا ما ذكره ابن فارس في الصاحبي، وقال: قالوا: معناه: كأبابيل، وهو ...\nالثاني: أن تكون باء القسم، فهو يريد استحلاف النعمان بالله أن يقبل حلفه بالأبيل.\nوهذا ما أشار إليه ابن منظور ١١/ ٧ بعد إنشاده للبيت، حيث قال: وكانوا يعظمون الأبيل فيحلفون به كما يحلفون بالله.\n(١) ما بين المعقوفين ساقط من (ظ).\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٣١ ب.\n(٣) رواه عبد الرزاق ٢/ ٤٧، وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ١٠٧ وزاد نسبته لعبد بن حميد وابن أبي حاتم.\n(٤) انظر: \"الطبرني\" ١٨/ ٣٨، والثعلبي ٣/ ٦٣ أ.","vol":"16","page":21},{"text":"قوله: ﴿فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ﴾ قال مقاتل: تتأخّرون عن الإيمان به تكذيبًا بالقرآن (١).\nومضى الكلام في النكوص (٢) عند قوله: ﴿نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ [الأنفال: ٤٨]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2806>٦٧ </span>- قوله: ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ﴾ أكثر المفسرين على أن الكناية في قوله: ﴿بِهِ﴾ (٣) تعود إلى الحرم، أو إلى البيت، أو إلى البلد مكة.\nقال مجاهد: ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ﴾ بالبلد مكة (٤).\nوقال أبو صالح: بالبيت (٥).\nوهو قول ابن عباس في رواية سعيد بن جبير (٦).\nقال قتادة: مستكبرين بالحرم، يقولون: نحن أهل الحرم فلا نخاف (٧).\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٣١ ب، ٣٢ أ.\n(٢) في (ع): (النكص).\n(٣) (به): ساقطة من (ظ).\n(٤) رواه الطبري ٨/ ٣٨، وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ١٠٨ وزاد نسبته لعبد ابن حميد وابن أبي حاتم.\n(٥) لم أجد من ذكر عنه هذا القول. وقد روى عبد بن حميد وابن أبي حاتم كما في \"الدر المنثور\" ٦/ ١٠٨ عن أبي صالح قال: بالقرآن.\n(٦) رواه النسائي في \"تفسيره\" ٢/ ٩٨، والحاكم في \"مستدركه\" ٢/ ٣٩٤ من رواية سعيد بن جبير، عنه.\nوذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ١٠٩ وزاد نسبته لابن أبي حاتم وابن مردويه.\n(٧) رواه عبد الرزاق ٢/ ٤٧، والطبري ١٨/ ٣٩، ٤٠، وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ١٠٨ وزاد نسبه لعبد بن حميد وابن أبي حاتم.","vol":"16","page":22},{"text":"ونحو هذا قال السدي، ومقاتل، وإبراهيم (١). واختاره الفراء، والزجاج، وابن قتيبة، [وأبو علي.\nقال الفراء: ﴿بِهِ﴾ بالبيت العتيق، يقولون: نحن أهله (٢).\nوقال الزجاج: ﴿بِهِ﴾ بالبيت الحرام (٣).\nوقال ابن قتيبة] (٤): ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ﴾ أي بالبيت العتيق، يفخرون ويقولون: نحن ولاته (٥).\nوقال أبو علي: مستكبرين بالبيت والحرم لأمنكم فيه، مع خوف سائر الناس في مواطنهم (٦) (٧).\nوعلى هذا فالكناية عن غير مذكور.\nوقال ابن عباس -في رواية عطاء-: ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ﴾ يريد بالقرآن (٨).\nوذكر أبو إسحاق هذا الوجه فقال: ويجوز أن تكون الهاء للكتاب، فيكون المعنى: فكنتم على أعقابكم تنكصون مستكبرين بالكتاب، أي: يحدث لكم بتلاوته عليكم استكبارًا (٩).\n_________\n(١) قول مقاتل في \"تفسيره\" ٢/ ٣٢ أ، ولم أجد من ذكره عن السدي وإبراهيم.\n(٢) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٣٩.\n(٣) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٨.\n(٤) ما بين المعقوفين ساقط من (أ).\n(٥) \"غريب القرآن\" لابن قتيبة ص ٢٩٨.\n(٦) في (أ): (مواصلتهم).\n(٧) \"الحجة\" لأبي علي ٥/ ٢٩٨.\n(٨) تقدّم أن هذا القول قال به أبو صالح.\n(٩) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٨ - ١٩. وجوَّد ابن عطية ١٠/ ٣٧٨ هذا الوجه.\nوذكر الزمخشري ٣/ ٣٦ وأبو حيان ٦/ ٤١٢، والسمين الحلبي ٨/ ٣٥٨ وجهًا =","vol":"16","page":23},{"text":"والمعنى على هذا القول: مستكبرين بسبب القرآن أو الكتاب.\nقوله: ﴿سَامِرًا﴾ السَّمر (١): حديث القوم بالليل. يقال: سمر يسمر سمرًا، فهو سأمر (٢). ومنه الحديث: \"جدب (٣) عمر السمر بعد العشاء\" (٤).\nوذكر أبو إسحاق اشتقاق السَّمر فقال: إنما سموا سمارا من السمر وهو (٥) ظل القمر، وكذلك السمرة في الألوان مشتقة من هذا. هذا كلامه (٦).\nوالسمر عنده ظل القمر.\nوقال الفراء: السمر كل ليلة ليس فيها قمر، ومنه قول العرب: لا\n_________\n= أجود من هذا وهو أن الكناية في \"به\" تعود للقرآن و\"مستكبرين\" ضُمِّن معنى مكذِّبين فعدى بالباء. وهو مناسب لقوله تعالى قبل ذلك ﴿قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ فهؤلاء جمعوا بين التكذيب والاستكبار.\n(١) في (ع): (السمر: الحديث، حديث).\n(٢) انظر: (سمر) في \"تهذيب اللغة\" للأزهري ١٢/ ٤١٩، \"الصحاح\" للجوهري ٢/ ٦٨٨، \"لسان العرب\" ٤/ ٣٧٧.\n(٣) في (أ): (جدب)، وفي (ظ): (حدث)، وهي ساقطة من (ع).\n(٤) رواه أبو عبيد في \"غريب الحديث\" ٣/ ٣٠٨، وابن أبي شيبة في \"مصنفه\" ٢/ ٢٧٩ عن حذيفة -﵁-: أن عمر جدب لنا السمر بعد العشاء. وعند أبي عبيد: العتمة.\nورواه ابن أبي شيبة ٣/ ٢٧٩ أيضًا عن سلمان بن ربيعة قال: كان عمر بن الخطاب يتجدب لنا السمر بعد العتمة.\nوذكره ابن كثير في \"سند عمر بن الخطاب\" ١/ ١٩٩ من حديث ابن مسعود: أجدب لنا عمر السمر بعد العشاء.\nقال أبو عبيد في \"غريب الحديث\" ٣/ ٣٠٨: قوله: جدب السمر يعني: عابه وذَمَّه. وانظر: \"تهذيب اللغة\" ١٠/ ٦٧٣ \"جدب\" فقد ذكر الحديث وتفسير أبي عبيد له.\n(٥) (وهو): ساقطة من (أ)، (ع).\n(٦) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٨، وليس في المطبوع: في الألوان.","vol":"16","page":24},{"text":"أفعل ذلك السمر والقمر، أي: ما طلع القمر وما لم يطلع (١).\nوجعل ابن أحمر السمر ليلًا فقال (٢).\nمن دونهم إن جئتهم سمرًا ... حَيُّ (٣) حلالٌ لملمٌ عكرُ (٤)\nأراد إنْ جئتهم ليلًا (٥).\n[والحديث بالليل سُمّي سمرًا باسم (٦) الليل] (٧)، أو لأنهم كانوا يتحدثون (٨) بالليلة المقمرة في ظلّ القمر (٩).\n_________\n(١) كلام الفراء في \"تهذيب اللغة\" للأزهري ١٢/ ٤١٩ من رواية سلمة عن الفراء، وليس في \"معاني القرآن\".\n(٢) بيت ابن أحمر بهذه الرواية في: \"تهذيب اللغة\" للأزهري ١٢/ ٤١٩ (سمر)، \"لسان العرب\" ١٢/ ٥٥٠ (لملم)، \"تاج العروس\" للزبيدي ١٢/ ٧٣ (سمر).\nوهو في \"ديوان ابن أحمر\" ص ٩٢، و\"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ٢/ ٦٠، \"الذيل والتكملة\" للصاغاني ٣/ ٣٥ (سمر) مع اختلاف في المصراع الثاني، فروايته عندهم: عزف القيان ومجلس غمر\nوصدر البيت في \"غريب القرآن\" لابن قتيبة ص ٢٩٨ منسوبًا لابن أحمر.\nوقوله \"حي حلال\" قال الأزهري في \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٤٣٩ \"حلل\": قال أبو عبيد: الحلال: جماعات بيوت الناس، واحدها حلة، قال: وحي حلال، أي: كثير. اهـ.\nو\"لملمٌ\": مجتمعٌ. \"لسان العرب\" ١٢/ ٥٥٠ (لملم).\nو\"عكر\": مختلط. \"الصحاح\" للجوهري ٢/ ٧٥٦ (عكر).\n(٣) في (ع): (حتى).\n(٤) في (ظ): (عكرا).\n(٥) من قوله: وجعل ابن أحمر ... إلى هنا. نقلًا عن \"تهذيب اللغة\" للأزهري ١٢/ ٤١٩ (سمر).\n(٦) في (أ): (اسم).\n(٧) ما بين المعقوفين ساقط من (ظ).\n(٨) في (ع): (يحدثون).\n(٩) انظر: \"لسان العرب\" ٤/ ٣٧٧.","vol":"16","page":25},{"text":"وذكر المفضل على العكس من هذا فقال: السمر الحديث بالليل، ثم كثر ذلك حتى سموا الظلمة سمرًا (١). ومنه قولهم: حلف فلان بالسمر والقمر (٢).\nواختلفوا في السمر هاهنا:\nفالأكثرون على أن السامر هاهنا: اسم للجماعة الذين يسمرون. وهو معنى قول ابن عباس (٣) وأكثر المفسرين (٤).\nقال أبو إسحاق: السامر: الجماعة الذين (٥) يتحدثون ليلًا (٦).\nوقال المبرّد (٧): السامر: اسم للجماعة (٨)، ويقال: هو في السَّامر. أي: السُّمّار (٩)، وأنشد لوضَّاح اليمن (١٠):\n_________\n(١) ذكر الأزهري في \"تهذيب اللغة\" ١٢/ ٤٢٠ نحو هذا القول عن الأصمعي.\n(٢) انظر: \"تهذيب اللغة\" للأزهري ٢/ ٤٢٠، \"لسان العرب\"٤/ ٣٧٧.\n(٣) ذكر السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ١٠٩ عن ابن عباس في قوله: \"سامرًا تهجرون\" قال: كانت قريش يتحلقون حلقا تحدثون حول البيت. وعزاه لعبد بن حميد وابن أبي حاتم وابن مردويه.\n(٤) انظر: \"الطبري\" ١٨/ ٣٩، \"الدر المنثور\" للسيوطي ٦/ ١٠٨ - ١٠٩.\n(٥) (الذين): موضعها بياض في (ظ).\n(٦) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٨.\n(٧) ذكر النحاس في \"معاني القرآن\" ٤/ ٤٧٥ عن المبرد أوَّله بمعناه.\n(٨) في (ظ): (الجماعة).\n(٩) في (أ): (السما).\n(١٠) هو: عبد الرحمن- وقيل: عبد الله، وقيل: وضاح- بن إسماعيل بن كلال، من آل حولان، الحميري، شاعر غزل ونسيب. قيل أنه قدم مكة حاجًا في خلافة الوليد بن عبد الملك فرأى \"أم البين\" بنت عبد العزيز بن مروان زوجة الوليد فغزل بها، فقتله الوليد. \"فوات الوفيات\" ١/ ٢٥٣، \"الأغاني\" ٦/ ٣٠ - ٤٤، \"النجوم الزاهرة\" ١/ ٢٦٦، \"الأعلام\" ٣/ ٢٩٩.","vol":"16","page":26},{"text":"قالت: إذا جئت أبا جابر\nفَأتِ إذا ما هجع السَّامر (١)\nوقال الأزهري: قد جاءت للعرب حروف على لفظ فاعل وهي جمع. فمنها الجامل وهي الإبل تكون فيها المذكور (٢) والإناث، والسَّامر: القوم يسمرون ليلًا، والحاضر: الحي النَّازل على الماء، والباقر: البقر (٣) (٤).\nوذهب قوم إلى أن السامر هاهنا واحد في معنى الجمع كما يراد بالواحد الجمع كقوله: ﴿ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾ [الحج: ٥]. وهو مذهب المفضل وأبي عبيدة (٥)، وأنشد (٦):\n_________\n(١) البيت في \"الأغاني\" للأصبهاني ٦/ ٢١٦ ورواية صدره فيه:\nقالت: لقد أعييتنا حُجَّةَ ..... فَأتِ\nوفي \"ديوان المعاني\" لأبي هلال العسكري ١/ ٢٢٦ ورواية صدره:\nقالت: فأمَّا كنت أعييتنا\nأحد أبيات قصيدة يذكر فيها \"روضة\" صاحبة، ومطلعها:\nقالت: ألا لا تَلِجْن دارنا ... إن أبانا رجل غائر\n(٢) في (أ): (الذكورة).\n(٣) في (ظ)، (ع): (والبقر).\n(٤) تهذيب اللغة\" ١٢/ ٤١٩ \"سمر\" مع اختلاف في بعض الألفاظ وتقديم وتأخير.\n(٥) انظر: \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ٢/ ٦٠. ولم أجد من ذكره عن المفضل، وقد ذكره الثعلبي ٣/ ٦٢ ب - ٦٣ أهذا القول وصدره بقوله: قيل، والثعلبي ينقل عن المفضّل.\n(٦) ورد البيت في حاشية نسخة (س) من المجاز من غير نسبة كما ذكر ذلك محققه ٢/ ٦٠. وهو بلا نسبة في \"تهذيب اللغة\" للأزهري ٤/ ٢٠٠ (حضر)، \"المحكم\" لابن سيده ٣/ ٨٦، \"لسان العرب\" ٤/ ١٩٧ (حضر).\nوعجزه بلا نسبة في \"مقاييس اللغة\" لابن فارس ٤/ ١٠٦. =","vol":"16","page":27},{"text":"في حاضر لجب بالليل سامره ... فيه الصَّواهلُ والرَّاياتُ والعكر\nوقال مجاهد: بالقول في القرآن (١).\nوقال الكلبي: يقولون الهُجْرَ من سب النبي -ﷺ- (٢).\nوقال السدي: تهجرون محمدًا بالشتيمة (٣).\nوقال إبراهيم: تقولون فيه غير الحق (٤). ونحو هذا قال عكرمة (٥).\nوقال الحسن: تهجرون رسول الله -ﷺ- وكتاب الله (٦).\n_________\n= والحاضر: الحيّ العظيم، والحي إذا حضروا الدار التي بها مجتمعهم. ابن سيدة ٣/ ٨٦.\nلجب: أي ذو جلبة وكثرة. \"الصحاح\" ١/ ٢١٨ (لجب).\nوالصواهل: قال ابن منظور ١١/ ٣٨٦: الصَّواهِل: جمع الصَّاهلة، مصدر على فاعلة بمعنى الصهيل، وهو الصوت كقولك: سمعت رواي الإبل. والصَّهيل للخيل. والرايات: الأعلام، واحدها راية. \"القاموس المحيط\" ٤/ ٣٣٨ (روى).\nوالعكرُ: قال ابن فارس في \"مقاييس اللغة\" ٤/ ١٠٦: العكرُ: القطيع الضَّخْم من الإبل فوق الخمسمائة. ثم أنشد عجز البيت.\n(١) رواه الطبري ١٨/ ٤٠، وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ١٠٨ وزاد نسبته إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم.\n(٢) روى عبد الرزاق ٢/ ٤٧ عن الكلبي قال: يقولون هجرًا. والهجر: القبيح من الكلام. \"القاموس المحيط\" ٢/ ١٥٨.\n(٣) لم أجد من ذكره عنه.\n(٤) روى الطبري ١٩/ ٩، وابن أبي حاتم ٧/ ١٨٠ عن إبراهيم النخعي في قوله تعالى ﴿إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان: ٣٠] قال: قالوا فيه غير الحق، ألم تر إلى المريض قال غير الحق.\n(٥) روى عبيد بن حميد كما في \"الدر المنثور\" ٦/ ١٠٩ عنه قال: تهجرون الحق. وذكر النحاس عنه في \"معاني القرآن\" ٤/ ٤٧٦ أنه قال: تشركون.\n(٦) رواه عبد الرزاق ٢/ ٤٧، والطبري ١٨/ ٤١، وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ١٠٨ ونسبه أيضًا لعبد بن حميد وابن أبي حاتم وابن المنذر.","vol":"16","page":28},{"text":"وقال مقاتل: تهجرون القرآن فلا تؤمنون به (١).\nوذكر الفراء، والكسائي، والزجاج، القولين جميعًا.\nقال الفراء: إذا كان الليل وسمرتم هجرتم القرآن والنبي -ﷺ-، فهذا من الهجر، أي تتركون ذلك وترفضونه. قال: ويجوز أن تجعله من الهذيان قال: هجر الرجل في منامه، إذا هذى. أي أنكم تقولون فيه ما ليس فيه ولا يضره فهو كالهذيان (٢).\nونحو هذا ذكر الكسائي (٣)، والزجاج (٤).\nواختار (٥) المفضل، وأبو علي القول الثاني.\nفقال المفضل: يعني تهجرون القرآن وترفضونه فلا تلتفتون إليه.\nوقال أبو علي: المعنى أنكم كنتم (٦) تهجرون آياتي وما يتلى عليكم من كتابي، فلا تنقادون له وتكذبون به، كقوله: ﴿قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ﴾ (٧).\nوقرأ نافع ﴿تُهجِرون﴾ بضم التاء (٨)، وهو قراءة ابن عباس ومجاهد (٩)،\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٣٢ أ.\n(٢) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٣٩ مع اختلاف يسير.\n(٣) ذكر النحاس في \"إعراب القرآن\" ٣/ ١١٨ عنه أنه قال: تهجرون: تهذون.\n(٤) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٨.\n(٥) في (أ): (واختيار).\n(٦) (كنتم): ساقطة من (أ).\n(٧) \"الحجة\" لأبي علي الفارسي ٥/ ٢٩٨.\n(٨) وكسر الجيم. وقراءة الباقين بفتح التاء وضم الجيم. \"السبعة\" ص ٤٤٦، \"التيسير\" ص ١٥٩، \"النشر\" ٢/ ٣٢٩.\n(٩) قراءة ابن عباس في \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٣٩، \"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ٤٧٦. وقد روى الأزهري في \"علل القرآن\" ٢/ ٤٣٧ من طريق مجاهد، عن ابن عباس هذه القراءة.","vol":"16","page":29},{"text":"وقالا: هو من الهجر وهو الُفحْش، وكانوا يسبُّون النبي -ﷺ- إذا خلوا حول البيت (١).\nيقال: هجر يهجر هجرًا وهجرانا (٢)، إذا صرم (٣) وتباعد ونأى. وهجر يهجر هجرا، إذا قال غير الحق (٤)، ومنه قول أبي سعيد الخدري لبنيه: إذا طفتم (٥) بالليل فلا تلغوا ولا تهجروا (٦). أي: لا تهذوا (٧).\n_________\n(١) من قوله \"وهو قراءة ابن عباس\" إلى هنا. هذه عبارة الفراء كما في \"معاني القرآن\" ٢/ ٢٣٩ و\"تهذيب اللغة\" ٦/ ٤١ مع اختلاف يسير في أوله وزاد الواحدي مجاهدًا. وقد روى الطبراني في \"الكبير\" ١١/ ٧٤ من طريق يحيى بن سلمة بن كهيل، عن أبيه، عن ابن عباس أنه كان يقرأ هذا الحرف \"مستكبرين به سامرًا تهجرون\" قال: كان المشركون يهجرون رسول الله -ﷺ- في شعرهم.\nقال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" ٧/ ٧٣: وفيه يحيى بن سلمة بن كهيل وهو ضعيف. اهـ.\nورواه الحاكم في \"مستدركه\" ٢/ ٢٤٦ مرفوعًا من طريق يحيى به، عن ابن عباس ﵄: أن رسول الله -ﷺ- كان يقرأ ... الحديث.\nقال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. فتعقّبه الذهبي بقوله: قلت: بل يحيى متروك، قال النسائي.\nوقد ذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ١٠٩ بمثل رواية الحاكم، ونسبه إليه وإلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه.\n(٢) بالكسر قاله الفيروزآبادي ٢/ ١٥٧.\n(٣) صرم: قطع. \"لسان العرب\" ١٢/ ٣١٣ (صرم).\n(٤) انظر: (هجر) في \"الصحاح\" للجوهري ٢/ ٨٥١، \"لسان العرب\" ٥/ ٢٥١ - ٢٥٤.\n(٥) في (أ): (حلفتم).\n(٦) ذكره الأزهري في \"تهذيب اللغة\" ٦/ ٤٢ عن أبي سعيد. ورواه أبو عبيد في \"غريب الحديث\" ٢/ ٦٣ - ٦٤.\n(٧) \"تهذيب اللغة\" ٦/ ٤٢ منسوبًا لأبي عبيد، وهو في \"غريب الحديث\" ٢/ ٦٤.","vol":"16","page":30},{"text":"والهجر هو الإفحاش في النطق. قاله الكسائي والأصمعي (١). ومنه قوله -ﷺ- في زيارة القبور: \"فزوروها ولا تقولوا هُجرا\" (٢) ويقال من هذا: أهْجَر الرجل يهجر. قال الشَّمَّاخ:\nكما جدة الأعراق قال ابنُ (٣) ضَرَّةٍ عليها كلامًا جار فيه وأهْجَرا (٤).\nوالاختيار القراءة الأولى؛ لأنها تجمع (٥) المعنيين (٦).\n_________\n(١) ذكره عنهما الأزهري في \"تهذيب اللغة\" ٦/ ٤٢ (هجر) من رواية أبي عبيد عنهما. وهو في \"غريب الحديث\" ٢/ ٦٣ لأبي عبيد.\n(٢) رواه أبو عبيد في \"غريب الحديث\" ٢/ ٦٣، والإمام أحمد في \"مسنده\" ٥/ ٣٦١، والنسائي في \"سننه\" (كتاب الجنائز- باب زيارة القبور ٤/ ٨٩) من حديث بريدة. قال الألباني في \"الصحيحة\" ٣/ ٥٧٦ عن رواية النسائي: بسند صحيح.\n(٣) في (أ): (لضرة)، وفي (د)، (ع): (لي ضرة)، والتصويب من غريب الحديث والتهذيب وغيرهما.\n(٤) بيت الشمَّاخ في \"غريب الحديث\" لأبي عبيد ٢/ ٦٣، \"تهذيب اللغة\" للأزهري ٦/ ٤٢ \"هجر\"، \"المحتسب\" لابن جني ٢/ ٩٦ - ٩٧ وفيه: الأعراف، وهو تصحيف، \"الصحاح\" للجوهري ٢/ ٨٥١ (هجر)، \"لسان العرب\" ٥/ ٢٥٣ \"هجر\". كلهم بمثل الرواية هنا. والبيت في \"ديوانه\" ص ١٣٥ وروايته فيه: مَمجّدة الأعراق.\nوقال عبد الله بن بَرَّي في كتابه \"التنبيه والإيضاح عما وقع في الصحاح\" ٢/ ٢٣٥: المشهور في رواية البيت عبد أكثر الرواة \"مبرأة الأخلاق\" عوضًا من قوله: كما جدة الأعراق، وهو صفة لمخفوض في بيت قبله، وهو:\nكأن ذراعيها ذراعا مدلة ... بعيد السباب حاولت أن تَعَذَّرا\nيقول: كأنَّ ذراعي هذه الناقة في حسنهما وحسن حركتهما ذراعا امرأة مدلة بحسن ذراعيها أظهرتهما بعد السَّباب لمن قال فيها من العيب ما ليس فيها، وهو قول ابن ضرتها، ومعنى تعذّر: أي تعتذر من سوء ما رميت به. اهـ.\n(٥) في (أ): (جمع).\n(٦) انظر في توجيه القراءتين: \"علل القراءات\" للأزهري ٢/ ٤٣٧، \"إعراب القراءات السبع وعللها\" لابن خالويه ٢/ ٩٢ - ٩٣، \"حجة القراءات\" لابن زنجلة ص ٤٨٩.","vol":"16","page":31},{"text":"وتقدير الآية: مستكبرين به سامرين هاجرين. غير أن الحال ترد بعبارات (١) فتكون أحسن، كما تقول: رأيت فلانًا راكبا يحدث وهو غضبان. [فتغير عبارات الحال، ويكون أحسن (٢) من أن تقول: رأيته راكبًا محدثًا غضبان] (٣).\nواختلفوا في موضع الوقف في هذه الآية:\nفالأكثرون على أن الوقف في آخرها؛ لأنّه منتهى ذكر الأحوال، ولا يحسن الوقف في أثنائها (٤) (٥).\nوقال أبو حاتم (٦): يحسن الوقف على قوله: ﴿مُسْتَكْبِرِينَ﴾ ثم يبتدئ ﴿بِهِ سَامِرًا﴾ (٧) وهذا مذهب النحاس وابن الأنباري.\nقال النحاس: ﴿بِهِ﴾ أي بالبيت ﴿سَامِرًا تَهْجُرُونَ﴾ آياتي أو تهذون (٨).\nوقال ابن الأنباري: ﴿مُسْتَكْبِرِينَ﴾ وقف حسن، ثم تبتدئ ﴿بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ﴾ على معنى: بالبيت العتيق تهجرون النبي -ﷺ- والقرآن في وقت سمركم. قال: ويجوز أن يكون معنى ﴿تَهْجُرُونَ﴾ تهذون (٩).\n_________\n(١) في (أ): (بمسارات).\n(٢) في (أ): (من احسن).\n(٣) ما بين المعقوفين ساقط من (ع).\n(٤) في (أ): (أبنائها).\n(٥) انظر: \"القطع والائتناف\" للنحاس ص ٥٠٣، \"منار الهدى\" للأشموني ص ٢٦٣.\n(٦) هو: أبو حاتم السجستاني.\n(٧) ذكره عنه النحاس في \"القطع والائتناف\" ص ٥٠٣، \"الداني في المكتفى\" ص ٤٠٢، الأشموني في \"منار الهدى\" ص ٢٦٣.\n(٨) \"القطع والائتناف\" ص ٥٠٣. ووقع في المطبوع: إبنيائي أو تهزؤن.\n(٩) \"إيضاح الوقف والابتداء\" ٢/ ٧٩٢ - ٧٩٣.","vol":"16","page":32},{"text":"وقال العباس بن الفضل (١): الوقف الكافي ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ﴾ (٢).\nوعلى هذا يكون قوله: (سامرًا) حالا مؤخرة في التقدير، أي: تهجرون سامرين بالليل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2807>٦٨ </span>- قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ﴾ أي: أفلم يتدبروا القرآن فيعرفوا ما فيه من العبر والآيات الدالة على صدق محمد -ﷺ-.\nوذكرنا معنى التدبّر عند قوله: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ [النساء: ٨٢].\nوقوله: ﴿أَمْ جَاءَهُمْ﴾ الآية. قال ابن عباس: يريد: أليس قد أرسلنا نوحًا وإبراهيم والنبيين إلى قومهم؟ فكذلك بعثنا محمدًا -ﷺ- (٣).\nوهذا استفهام يتضمن الإنكار. وكذلك ما بعده من قوله:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2808>٦٩ </span>- ﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ قال ابن عباس: أليس هو محمد بن عبد الله؟ يعرفونه صغيرًا وكبيرًا، صادق اللسان يفي بالعهد ويؤدي الأمانة (٤).\nوفي هذا توبيخ لهم وإنكار عليهم بالإعراض عنه بعد ما عرفوا نسبه وصدقه وأمانته.\n_________\n(١) هو: أبو القاسم، العباس بن الفضل بن شاذان بن عيسى، الرازي، المقرئ. إمام في القراءة متقن مشهور. صاحب القاطع والمبادئ. روى عنه القراءة ابن مجاهد وغيره. وبقي إلى سنة ٣١٠ هـ.\n\"معرفة القراءة\" للذهبي ١/ ٢٣٦، \"غاية النهاية\" لابن الجزري ١/ ٣٥٢ - ٣٥٣.\n(٢) ذكر قوله النحاس في \"القطع والائتناف\" ص ٥٠٣، و\"الدّاني في المكتفى\" (ص ٤٠٢).\n(٣) ذكر هذا المعنى البغوي ٥/ ٤٢٣ وابن الجوزي ٥/ ٤٨٤ من غير نسبة لأحد.\n(٤) ذكره عنه البغوى ٥/ ٤٢٣.","vol":"16","page":33},{"text":"قال سفيان، وأبو صالح في هذه الآية: بلى، قد عرفوه (١) ولكنهم (٢) حسدوه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2809>٧٠ </span>- قوله: ﴿أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ﴾ قال ابن عباس: يريد: وأيّ جنون يرون به؟.\n﴿بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ﴾ بالتنزيل الذي هو الحق. يعني القرآن في قول ابن عباس (٣). وقال مقاتل: يعني بالتوحيد (٤).\n﴿وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾ للقرآن أو التوحيد (٥) ﴿كَارِهُونَ﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2810>٧١ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ﴾ قال أبو صالح (٦)، وابن جريج (٧)، ومقاتل (٨)، والسدي (٩)، والكلبي (١٠): الحق هو الله. والمعنى: لو جعل مع نفسه كما يحبون شريكًا لفسدت السموات والأرض.\n_________\n(١) في (ع): (عرفوا).\n(٢) ذكره القرطبي ١٢/ ١٤٠ عن سفيان. وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ١١٠ عن أبي صالح، وعزاه لابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم.\nولم أره في المطبوع من الطبري.\n(٣) ذكر ابن الجوزي ٥/ ٤٨٤ هذا المعنى من غير نسبة لأحد.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٣٢ أ.\n(٥) في (ع): (للتوحيد).\n(٦) رواه الطبري ١٨/ ٤٢، وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ١١٠ وزاد نبته لعبد ابن حميد وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(٧) رواه عنه الطبري ١٨/ ٤٣.\n(٨) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٣٢ أ.\n(٩) ذكره عنه البغوي ٥/ ٤٢٤، وابن الجوزي ٥/ ٤٨٤.\n(١٠) رواه عنه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ٢/ ٤٧.","vol":"16","page":34},{"text":"وقال الفراء والزجاج: ويجوز أن يكون المراد بالحق -هاهنا-: التنزيل، أي: نزل بما (١) يريدون ويحبون (٢). يعني (٣) من جَعْل (٤) شريك وإثبات آلهة.\n﴿لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ﴾ كقوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢]. وقد مرَّ.\nوقال بعض أهل المعاني: الحقّ لما كان يدعو إلى المحاسن والأهواء تدعو إلى المقابح؛ فلو أَتبع الحق داعي الهوى لدعى إلى المقابح التي فيها الفساد والاختلال (٥)، فكان يوجد بطلان الأدلة وامتناع الثقة بالمدلول عليه، فكان (٦) ينقلب الأمر ويكثر الفساد (٧).\nقوله: ﴿بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ﴾ أي: جاء فيه فخرهم وشرفهم.\nقال ابن عباس: هو كقوله: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا﴾ [الأنبياء: ١٠]: وقوله: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف: ٤٤] (٨).\n_________\n(١) في (ظ): (ما).\n(٢) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٣٩، و\"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٩.\n(٣) (يعني): ساقطة من (أ).\n(٤) في (ظ): (فعل).\n(٥) في \"التبيان\" ٧/ ٣٣٨: والاختلاط.\n(٦) في (أ): (وكان).\n(٧) ذكره الطوسي في \"التبيان\" ٧/ ٣٣٨ ولم ينسبه لأحد.\n(٨) ذكره عنه البغوي ٥/ ٤٢٤.","vol":"16","page":35},{"text":"وقوله: ﴿فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ﴾ قال: يريد تولوا عما جاء به من شرف الدنيا والآخرة (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2811>٧٢ </span>- قوله تعالى: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا﴾. قال ابن عباس: يريد مالا يعطونك.\nوقال مقاتل: يعني لم يسألهم محمدٌ أجرًا على الإيمان بالقرآن (٢).\nوقال أبو إسحاق: أي لم تسألهم على ما أتيتهم به أجرا (٣).\nقوله: ﴿فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ﴾ قال ابن عباس: فعطاء ربك خير (٤).\nوقال مقاتل: فأجر ربك أفضل من خراجهم (٥).\nوالمعنى: أنّ أجر ربك وثوابه خير لك.\n﴿وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ أفضل من أعطى وأجزل (٦) وآجر.\nوقال أهل المعاني: قد دلت الآية على أن غير الله يرزق، ولولا ذلك لم يجز ﴿وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ (٧).\nويقال: رزق الأمير جنده فارتزقوا ارتزاقا (٨).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2812>٧٣ </span>- ﴿وَإِنَّكَ﴾ يا محمد ﴿لَتَدْعُوهُمْ﴾ يعني كفار قريش ﴿إِلَى صِرَاطٍ\n_________\n(١) ذكر الماوردي ٤/ ٦٣ هذا المعنى عن السدي.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٣٢ أ.\n(٣) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٩.\n(٤) ذكر البغوي ٥/ ٤٢٤ وابن الجوزي ٥/ ٤٨٥ هذا المعنى من غير نسبة لأحد. وذكره أبو حيان ٦/ ٤١٥ نحو هذا المعنى عن الكلبي.\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٣٢ أ.\n(٦) (وأجزل): ساقطة من (أ)، (ظ).\n(٧) ذكر الرازي ٢٣/ ١١٢ هذا القول وعزاه للجبَّائي.\n(٨) \"تهذيب اللغة\" للأزهري ٨/ ٤٢٩ (رزق) منسوبًا إلى الليث.","vol":"16","page":36},{"text":"مُسْتَقِيمٍ﴾ وهو دين الإسلام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2813>٧٤ </span>- قوله: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ قال ابن عباس، ومقاتل: بالبعث والثواب والعقاب ﴿عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ﴾ عن الدين لعادلون (١).\nوقال الفراء: لمعرضون عن الدين (٢).\nيقال: نكب فلان عن الطريق تنكب نكوبًا، إذا عدل عنه، والنعت منه: ناكب. ويقال: نكَّبَ عن الصَّواب تنكيبًا، ونكَّب غيره، يتعدّى ولا يتعدّى (٣). وفي الحديث (٤): \"نكَّبْ عنا ابن (٥) أم عبد\" أي: نَحِّه عنا.\nويقال: تنكب عنا فلان تنكبا، أي: مال عنا (٦).\nوينشد قول سعد بن ناشب (٧):\n_________\n(١) روى الطبري ١٨/ ٤٤ عن ابن عباس قال: عن الحق عادلون. وهو في \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٣١ أ.\n(٢) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٤٠.\n(٣) انظر: (نكب) في \"تهذيب اللغة\" ١٠/ ٢٨٦، \"الصحاح\" ١/ ٢٢٨، \"لسان العرب\" ١/ ٧٧٠، \"القاموس المحيط\" ١/ ١٣٤، \"تحفة العروس\" ٤/ ٣٠٤ - ٣٠٥.\n(٤) هذا من كلام عمر -﵁- أنه قال لهني مولاه: نكّب ...\nوهذا الأثر ذكره الأزهري في \"تهذيب اللغة\" ١٠/ ٢٨٦، وابن منظور في \"لسان العرب\" ١/ ٧٧٠، والزبيدي في \"تاج العروس\" ٤/ ٣٠٥. ولم أقف عليه مسندًا.\n(٥) في (أ): (إبر).\n(٦) \"تهذيب اللغة\" للأزهري ١٠/ ٢٨٦، وانظر: \"تحفة العروس\" ٤/ ٣٠٥ (نكب).\n(٧) في (أ): (ناسب)، وفي (ظ): (نابت)، وفي (ع): (نائب)، والتصويب من مصادر ترجمته.\nوهو سعد بن ناشب بن معاذ بن جعدة المارني، التميمي، من بني العنبر. شاعر فاتك من مردة العرب، من أهل البصرة، وهو شاعر إسلامي في الدولة المروانية. \"الشعر والشعراء\" لابن قتيبة ص ٤٦٤، \"خزانة الأدب\" ٨/ ١٤٥، \"الأعلام\" ٣/ ٨٨.","vol":"16","page":37},{"text":"وَنَكَّبَ عَنْ ذِكْر العَوَاقِبِ جَانِبًا (١)\n[على اللزوم] (٢).\nوقال الطُّهَوي (٣):\n_________\n(١) هذا عجز بيت لابن ناشب، وصدره:\nإذا هم ألقى بين عينيه عزمه\nوهو من أبيات قالها سعد وكان أصاب دمًا، فهدم بلال بن أبي بردة داره بالبصرة وحرَّقها، وقيل: إن الحجاج هو الذي هدم داره. ويقال: إن سعدًا قُتل له حميم، وإنَّه أوْعَده بلال بهدم داره إن طالب بثأره، فقال:\nسَأغْسلُ عَنِّي العارَ بالسَّيف جالبا ... عليَّ قضاء الله ما كان جالبا\nوأذهل عن داري وأجعل هدمها ... لعرضي من باقي المذَمَّة حاجبا\nالأبيات .....\nوالبيت في \"الشعر والشعراء\" لابن قتيبة ص ٤٦٤، \"الزهرة\" لابن داود ٢/ ٢١١ \"الحماسة\" لأبي تمام ١/ ٧٠، \"الكامل\" للمبرد ١/ ٢٠٦ وفيه \"فأعرض\" عوضًا من \"فنكّب\".\nقال المرزوقي في \"شرح الحماسة\" ١/ ٧٣: قوله: \"ألقى بين عينيه عزمه\" أي جعله بمرأى منه لا يغفل عنه، وقد طابق في المعنى لما قابله قوله: \"ألقى بين عينيه عزمه\" بقوله: \"نكّب عن ذكر العواقب جانبا\" ...\nوانتصب \"جانبًا\" على أنه ظرف، ونكَّب يكون بمعنى: تنكّب، والمعنى: أنه إذا هَمَّ بالشيء جعله نَصْب عينيه إلى أن ينفذ فيه ويخرج منه، ويصير في جانب من الفكر في العواقب.\nويجوز أن ينتصب \"جانبًا\" على المفعول، ويكون \"نكّب\" بمعنى: حَرَّف، والمراد انحرف عن ذكر العواقب وطوى كشحه دونه. اهـ\n(٢) ساقط من (ظ)، (ع).\n(٣) هو: أبو الغُول الطُّهَويّ، وهو من قوم من بني طُهَيَّة يقال لهم: بنو عبد شمس بن أبي سود، وأبو سود هو ابن مالك بن حنظلة التميمي، وأمّ أبي سود: طُهَيَّة بنت =","vol":"16","page":38},{"text":"فَنَكَّبَ عَنْهمُ دَرْأ الأعاَدِي (١)\nيُروى بالوجهين (٢).\n_________\n= عبد شمس بن سعد بن مناة بن تميم. وكان أبو الغُول يكنى أبا البلاد، وقيل له: أبو الغول؛ لأنه -فيما زعم- رأى غولا فقتلها.\nوذكر التبريزي أنه شاعر إسلامي، وأمَّا البغدادي فذكر أنَّه لم يقف على كونه جاهليا أو إسلاميا.\n\"المؤتلف والمختلف\" للآمدي ص ١٦٣، \"شرح الحماسة\" للتبريزي ١/ ١٤، \"خزانة الأدب\" للبغدادي ٦/ ٤٣٨.\n(١) هذا صدر بيت لأبي الغُول، وعجزه:\nوداوَوْا بالجُنون من الجُنون\nوقبله:\nهُمُ مَنَعُوا حِمَى الوَقْبَى بِضَرْبٍ ... يؤلِّف بين أشتات المنُونِ\nفنكّب ...\nوهو في \"الحماسة\" لأبي تمام ١/ ٦٢، \"الحيوان\" للجاحظ ٣/ ١٠٧، \"أمالي القالي\" ٢/ ٢٦١، \"بهجة المجالس\" لابن عبد البر ١/ ٥١٦ وفيه \"ظلم\" عوضًا من \"درأ\"، \"خزانة الأدب\" للبغدادي ٦/ ٤٣٤.\nقال التبريزي في \"شرح ديوان الحماسة\" ١/ ١٧: نكَّب قد جاء متعديًا إلى مفعولين، ...، والأكثر نكبته عن كذا، ... معناه: أن الضَّرْب حَرَّف عن هؤلاء القوم اعوجاج الأعداء وخلافهم، والدرء: أصله الدفع، ثم استعمل في الخلاف؛ لأن المختلفين يتدافعان.\n\"وداوَوْا بالجنوب من المجنون\" أي داوَوْا الشر بالشر، كما قالوا: الحديد بالحديد يفلح، والجنون هاهنا مثل ومعناه: اللجاج في الشر وركوب الرأس فيه. اهـ.\n(٢) يعني على التعدي واللزوم. فعلى رواية التعدّي: نكّبَ عنهم درأ الأعادي. يكون المعى: أن الضرب حَرَّف وأمال عن هؤلاء القوم درأ الأعادى. كما ذكر التبريزي. وعلى رواية اللزوم: فنكب عنهم درأ الأعادي. يكون نكَّب بمعنى تنكّب، والمعنى أن درأ الأعادي عَدَل وتنحّى عنهم.","vol":"16","page":39},{"text":"ويقال أيضا: نكب ينكب (١) إذا مال، والنعت منه أنكب (٢) ونكباء (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2814>٧٥ </span>- ﴿وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ﴾ قال المفسرون: يعني الجوع الذي أصابهم بمكة سبع سنين (٤).\nقوله: ﴿لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ لتمادوا في ضلالتهم يترددون.\nيقال: لجَّ فلان يلج ويلج لغتان (٥). قال:\nلججنا ولجت هذه في التغضّب (٦)\nقال الفراء: يقال: لَجَجْت -بالفتح والكسر- لَجاجَة ولَجَجَا (٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2815>٧٦ </span>- قوله: ﴿أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ﴾ قال ابن عباس: يريد بالأمراض والحاجة (٨).\n_________\n(١) كفرح ونصر. \"لسان العرب\" ١/ ٧٧٠، \"القاموس المحيط\" ١/ ١٣٤.\n(٢) في (ظ): (نكب).\n(٣) انظر: (نكب) في \"تهذيب اللغة\" ١٠/ ٢٨٥، \"الصحاح\" ١/ ٢٢٨، \"أساس البلاغة\" للزمخشري ٢/ ٤٧٤.\n(٤) ذكره ابن الجوزي ٥/ ٤٨٥ عن ابن عباس، وهو معنى قول الطبري ١٨/ ٤٤ ورواه عن ابن جريج باختصار.\n(٥) \"تهذيب اللغة\" للأزهري ١٠/ ٤٩٢ (لج) نقلًا عن الليث.\n(٦) لم أجده.\n(٧) قول الفراء في \"تهذيب اللغة\" للأزهري ١٠/ ٤٩٣ (لج). وليس في كتابه معاني القرآن. وفي التهذيب. لَجِجْتُ ولجَجْت\n(٨) ذكر القرطبي ١٢/ ١٤٣ هذا القول ولم ينسبه لأحد.\nوقد روى النسائي في \"تفسيره\" ٢/ ٩٨ - ٩٩، وابن حبان في صحيحه \"الإحسان\" ٢/ ٢٥٢)، والطبراني في \"الكبير\" ١١/ ٣٧٠ كلهم من طريق علي بن الحسين بن واقد، عن أبيه، عن يزيد النحوي عن عكرمة، عن ابن عباس قال: جاء أبو سفيان إلى النبي -ﷺ- فقال يا محمد: أنشدك الله والرحم، فقد أكلنا العِلْهِز -يعني الوبر والدم- فأنزل الله -﷿- \"ولقد أخذناهم بالعذاب ... \" الآية. =","vol":"16","page":40},{"text":"وقال مقاتل: يعني الجوع (١).\nقال أبو إسحاق: والذي أُخذوا به الجوع (٢).\n﴿فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ﴾ أي ما تواضعوا. يقال: أكانه يكينه إكانة إذا أخضعه (٣) حتى استكان وأدخل عليه من الذل ما أكانه (٤).\nوقال ابن عباس: يريد ما رجعوا عن معاصي الله.\nوقال الكلبي: لم يذلوا ولم تذل قلوبهم.\nوقال مقاتل: يقول: فما استسلموا، يعني الخضوع (٥) ﴿وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾ يقول: وما يرغبون إلى الله في الدعاء (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2816>٧٧ </span>- قوله: ﴿حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ قال ابن عباس -في رواية الوالبي-: ذاك يوم بدر (٧).\n_________\n= قال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" ٧/ ٧٣: وفيه علي بن الحسين بن واقد وثَّقه النسائي وغيره وضعفه أبو حاتم. اهـ.\nلكن رواه الحاكم في \"مستدركه\" ٢/ ٣٩٤ من طريق علي بن الحسين بن شقيق، عن الحسين بن واقد، عن يزيد، عن عكرمة، عن ابن عباس، به.\nوعلي هذا ثقة حافظ روى عن الحسين بن واقد وغيره وروى عنه البخاري وغيره. قاله ابن حجر في \"تهذيب التهذيب\" ٧/ ٢٩٨، \"تقريب التهذيب\" ٢/ ٣٤.\nفهذه الطريق تقوي الأولى. وقد رواه إبراهيم الحربي في \"غريب الحديث\" ٢/ ٧٢٧ من طريق آخر عن يزيد، عن عكرمة، عن ابن عباس، لكن ليس فيه ذكر لآية.\n(١) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٣٢ أ.\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٩.\n(٣) في (ظ): (خضعه).\n(٤) \"تهذيب اللغة\" للأزهري ١٠/ ٣٧٤ \"كان\" منسوبًا إلى أبي سعيد البغدادي الضرير.\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٣٢ أ.\n(٦) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٣٢ أ.\n(٧) رواه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" ١٤/ ٣٥٧، والطبري ١٨/ ٤٥ من رواية الوالبي.=","vol":"16","page":41},{"text":"وهو قول مجاهد (١). واختيار الزجاج (٢).\nوقال -في رواية عطاء- يريد الموت (٣).\nوقال مقاتل وغيره: يعني الجوع (٤).\nوقال السدي: هو فتح مكة (٥). ﴿إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ قال: أُبلسوا يومئذ تغيرت ألوانهم حين نظروا إلى أصنامهم تُنكّس على وجوهها.\nومعنى ﴿مُبْلِسُونَ﴾ آيسون من كل خير. وتقدم [لكلام في] (٦) معنى المبلس في سورة الأنعام (٧).\n_________\n= وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ١١٤ ونسبه أيضًا لابن مردويه.\n(١) ذكره عنه البغوي ٥/ ٤٢٥. وقد روى عنه الطبري ١٨/ ٤٦ أنّه الجوع، وذكر عنه الثعلبي ٣/ ٦٣ ب أنه القحط.\n(٢) انظر: \"معاني القرآن\" ٤/ ١٩ وقد صدره بقوله: قيل، ثم قال: السيف والقتل. قال ابن عطية ١٠/ ٣٨٨ وهذا القول يردّه بأن الجدب الذي أصابهم كان بعد وقعة بدر.\n(٣) ذكره البغوي ٥/ ٤٢٥: هذا القول وصدَّره بقول: قيل.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٣٢ أ. وهو اختيار الطبري ١٨/ ٤٦.\nواستشهد على ذلك بخبر ابن عباس في المجاعة التي أصابت قريش واستظهره أبو حيان ٦/ ٤١٥.\nوقيل: هو يوم القيامة. والمعنى: حتى إذا عذّبوا بنار جهنم أبلسوا، كقوله تعالى ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ﴾ [الروم: ١٢] وقوله ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (٧٤) لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ [الزخرف: ٧٤، ٧٥].\nذكر هذا القول أبو حيان ٦/ ٤١٦ - ٤١٧.\nوقيل: هو توعّد بعذاب غير معين. وصوّب هذا القول ابن عطية ١٠/ ٣٨٩.\n(٥) ذكر القرطبي ١٢/ ١٤٣ هذا القول عن عكرمة.\n(٦) ما بين المعقوفين ساقط من (أ).\n(٧) عند قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ [الأنعام: ٤٤].","vol":"16","page":42},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2817>٧٨ </span>- ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ﴾ خلق ﴿لَكُمُ السَّمْعَ﴾ الذي تسمعون به ﴿وَالْأَبْصَارَ﴾ الذي تبصرون بها ﴿وَالْأَفْئِدَةَ﴾ القلوب التي بها يعقلون.\n﴿قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ قال مقاتل: يعني أنهم لا يشكرون رب هذه النعم فيوحدونه (١). وذكر نا الكلام في مثل هذا عند قوله: ﴿فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ﴾. [البقرة: ٨٨].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2818>٨٠ </span>- قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ قال ابن عباس: يولد المولود حيًا ثم يمته ثم يبعثه.\n﴿وَلَهُ اخْتِلَافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ قال الفراء: هو الذي جعلهما مختلفين، كما تقول في الكلام: لك الأجر والصلة، أي أنك تصل وتؤجر (٢).\nوفسرنا اختلاف الليل والنهار في سورة البقرة (٣).\nقوله: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [قال ابن عباس: حيث تجعلون لي شريكًا من خلقي.\nوقال مقاتل: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾] (٤) توحيد ربكم فيما ترون من صنعه فتعتبرون (٥).\nثم عَيَّرهم بقولهم وأخبر عنهم أنهم قالوا مثل من كان قبلهم فقال:\n﴿بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الْأَوَّلُونَ﴾ قال الكلبي: بل كذبت قريش\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٣٢ ب.\n(٢) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٤٠.\n(٣) انظر: \"البسيط\" عند قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٦٤].\n(٤) ما بين المعقوفين ساقط من (أ)، (ع).\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٣٢ ب.","vol":"16","page":43},{"text":"حين (١) أخبرتهم (٢) بالبعث مثل ما كذب الأولون رسلهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2819>٨٤ </span>- ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ﴾ قال الكلبي: لما كذبوه أتاه جبريل فقال: يا محمد قل لأهل مكة: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ من خلق (٣) ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ من خالقها ومالكها (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-2820>٨٥ </span>- ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ (٥) قال ابن عباس: يريد إقرارهم له بالربوبية، ﴿قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ قال: يريد: أفلا تتعظون حيث تجعلون لإله السماء والأرض شريكًا.\nالمعنى: أنكم لو تذكرتم وتفكرتم لعلمتم أن من قدر على خلق ذلك ابتداءً فهو قادرٌ على إحيائهم بعد موتهم (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2821>٨٦ </span>- قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ وقرئ (الله) (٧)، وكذلك ما بعده.\nفمن قرأ (الله) فهو على ما يقتضيه اللفظ من جواب السؤال لأنّك إذا قلت: من رب السموات؟ فالجواب: الله. ومن قرأ (لله) فعلى المعنى (٨)،\n_________\n(١) في (أ): (حى).\n(٢) في (ع): (أخبرهم).\n(٣) ذكره الماوردي ٤/ ٦٢ عن الكلبي في قوله ﴿لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾ قال: ما بينهم من خلق.\n(٤) ذكر البغوي ٥/ ٤٢٦ هذا المعنى من قوله: يا محمد إلى هنا. ولم ينسبه لأحد.\n(٥) في (ط): (الله)، وهو خطأ.\n(٦) انظر هذا المعنى عند الطبري ١٨/ ٤٧، والثعلبي ٣/ ٦٣ ب.\n(٧) قرأ أبو عمرو وحده: ﴿سيقولون لله﴾ بالألف في هذه الآية والتي بعدها.\nوقرأ الباقون: ﴿سيقولون الله﴾ وكذلك ما بعده.\n\"السبعة\" ص ٤٤٧، \"التبصرة\" ص ٢٧٠، \"التيسير\" ص ١٦٠.\n(٨) في (أ): (الوجهين)، وهو خطأ.","vol":"16","page":44},{"text":"وذلك أنه إذا قال: من مالك هذا الدار؟ فقال في جوابه: لزيد. إجابة على المعنى دون ما يقتضيه اللفظ؛ لأن معنى من صاحب هذه الدار؟: لمن هذه الدار. والذي (١) يقتضيه اللفظ أن يقال في جوابه: زيد ونحوه، وإنّما استقام أن يقال في الجواب: لزيد؛ لأن معنى من مالك هذه الدر؟ ولمن (٢) هذه الدار؟ واحد. فلذلك حملت تارة على اللفظ وتارة على المعنى.\nوهذا الذي ذكرنا هو معنى كلام الفراء (٣) والزَّجَّاج (٤) وأبي علي (٥).\nوأنشد الفراء فقال:\nأعْلم أنني سأكون رَمْسًا ... إذا سار النَّواجعُ لا يسير\nفقال السائلون لمن حفرتم ... فقال المخبرون لهم: وزير (٦)\n_________\n(١) في (ظ): (الذي).\n(٢) في (ظ): (لمن).\n(٣) انظر: \"معانى القرآن\" للفراء ٢/ ٢٤٠.\n(٤) (والزجاج): ساقطة من (أ). وانظر: قوله في \"معاني القرآن\" له ٤/ ٢٠.\n(٥) انظر: كلام أبي علي في \"الحجة\" ٥/ ٣٠١.\nوانظر في توجيه القراعتين أيضًا: \"علل القراءات\" للأزهري ٢/ ٤٣٩ - ٤٤٠، \"إعراب القراءات السبع وعللها\" لابن خالويه ٢/ ٩٣ - ٩٤، \"الحجة\" لابن زنجلة ٤٩٠ - ٤٩١، \"الكشف\" لمكي ٢/ ١٣٠.\n(٦) البيتان أنشدهما الفراء عن بعض بني عامر في كتابه \"معاني القرآن\" ٢/ ٢٤٠. ونسبهما الجاحظ في \"البيان والتبيين\" ٣/ ١٨٤ للوزيريّ، وروايتهما عنده:\nواعلم أنَّني سأصير ميتًا ... إذا سار النَّواجع لا أسيرُ\nوقال السائلون: من المُسَجَّى ... فقال المخبرون لهم: وزيرُ\nوهما في الطبري ١٨/ ٤٨ بمثل رواية الفراء.\nوذكر البيتين أيضًا ابن خالويه في كتابه \"إعراب القراءات السبع وعللها\" ٢/ ٩٣ وصدرهما بقوله: أنشدني ابن مجاهد. =","vol":"16","page":45},{"text":"فأجاب المخفوض (١) بمرفوع (٢)؛ لأن معنى الكلام: فقال السائلون: من الميت؟ فقال المخبرون: الميت وزير (٣).\nقال أبو علي: والجواب على اللفظ هو الوجه (٤).\nقوله: ﴿أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ قال ابن عباس: أفلا تخافون حيث جعلتم لي ما تكرهون لأنفسكم، زعمتم أن الملائكة بناتي وكرهتم لأنفسكم البنات (٥).\nوقال الكلبي: أفلا تتقون عبادة غير الله (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2822>٨٨ </span>- قوله: ﴿قُلْ﴾ لهم كما محمد ﴿مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ قال ابن عباس: يريد السموات وما فوقها وما بينها (٧) والأرضين وما تحتها وما بينها وما لا يعلمه أحدٌ غيره (٨).\n_________\n= وذكرهما الأزهري في \"علل القراءات\" ٢/ ٤٣٩ - ٤٤٠ من أنشاد الفراء عن بعض العامريين، ثم قال: وكان وجه الكلام أن يقول: فقال المخبرون لهم: لوزير. فرفعه وأراد: الميت وزيرٌ.\nالنواجع: الذين يخرجون إلى البادية من المرْتع. انتهى كلامه ﵀.\nوالرَّمْسُ: تراب القبر، والقبر نفسه. \"لسان العرب\" ٦/ ١٠٢ (رمس).\n(١) في (ظ): (المحفوظ)، وهو خطأ.\n(٢) في (ظ): (بالمرفوع).\n(٣) من قوله: (فأجاب ... إلى هنا) هذا كلام الثعلبي ٣/ ٦٣ ب بنصِّه. وكذلك الطبري ٨/ ٤٨.\n(٤) \"الحجة\" لأبي علي الفارسي ٥/ ٣٠١.\n(٥) ذكر القرطبي ١٢/ ١٤٥ هذا القول ولم ينسبه لأحد.\n(٦) ذكر ابن الجوزي ٥/ ٤٨٧ هذا القول ولم ينسبه لأحد.\n(٧) في (أ): (وما بينهما).\n(٨) ذكره هذا القول القرطبي ١٢/ ١٤٥ ولم ينسبه لأحد.","vol":"16","page":46},{"text":"قال أهل اللغة: معنى الملكوت: عظم الملك. وفعلوت (١) من صفة المجالغة نحو جبروت ورحموت ورهبوت (٢) (٣).\nوالذي ذكره [ابن عباس] (٤) في تفسير الملكوت موافق لهذا المعنى لأنّه أخبر عن عظيم (٥) ملكه.\nوقال مجاهد: ﴿مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ خزائن كل شيء (٦).\nوهذا أيضًا راجع إلى المعنى الذي ذكرنا.\nقوله: ﴿وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ يقال أجرت فلانًا إذا استغاث بك فحميته. وأجرت عليه، إذا حميت عنه من يَرُومه (٧).\nومعنى الآية: أنّه يمنع من السوء من يشاء، ولا يمكن منع من أراده بسوء (٨) منه (٩). قال مقاتل: يُؤَمِّن ولا يؤمِّن عليه أحد (١٠).\n_________\n(١) في (أ): (وفعلون).\n(٢) في (ظ)، (ع): (ورهبوت ورحموت).\n(٣) انظر: (ملك) في \"الصحاح\" ٤/ ١٦٠، \"لسان العرب\" ١٠/ ٤٩٢، \"القاموس المحيط\" ٣/ ٣٢٠.\n(٤) ما بين المعقوفين ساقط من (أ).\n(٥) في (ع): (عظم).\n(٦) رواه الطبري ١٨/ ٤٨، ٤٩، وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ١١٣ وزاد نسبته لابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(٧) انظر: (جور) في \"تهذيب اللغة\" ١١/ ١٧٥ - ١٧٦، \"المحكم\" لابن سيده ٧/ ٣٧٦ - ٣٧٧، \"لسان العرب\" ٤/ ١٥٤ - ١٥٥.\n(٨) في (أ): (بشيء).\n(٩) انظر: \"الطبري\" ١٨/ ٤٩٠.\n(١٠) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٣٢ ب","vol":"16","page":47},{"text":"وقال الزَّجَّاج: يجير من عذابه ولا يجير (١) عليه أحدٌ من عذابه (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2823>٨٩ </span>- قوله: ﴿فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ قال الفراء (٣) والزجاج (٤) وابن قتيبة (٥): تصرفون عن الحق وتخدعون.\nوالمعنى: كيف يخيل لكم الحق باطلا والصحيح فاسدًا (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2824>٩٠ </span>- قوله تعالى: ﴿بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ قال الكلبي: فقال لهم رسول الله -ﷺ- ذلك الذي أمره الله به في هذه الآية فكذبوه (٧)، وقالوا: بل الملائكة بنات الله والأصنام شركاؤه، فنزل فيهم ﴿بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِالْحَقِّ﴾ يعني بالقرآن (٨).\nوقال مقاتل: بالتوحيد (٩).\n﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ فيما يضيفون إلى الله من الولد والشريك (١٠).\nثم نفى الولد والشريك عن نفسه فقال:\n﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ﴾ قال مقاتل: يعني الملائكة (١١).\n_________\n(١) في (ع): (ولا يجار).\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٢٠.\n(٣) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٤١.\n(٤) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٢٠.\n(٥) \"غريب القرآن\" لابن قتيبة ص ٢٢٩.\n(٦) انظر: \"الطبري\" ١٨/ ٤٩.\n(٧) في (أ): (فكذبوا).\n(٨) لم أجد من ذكره عن الكلبي. ولا يعتمد على الكلبي فيما يرويه فهو متهم بالكذب.\n(٩) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٣٢ ب.\n(١٠) انظر: الطبري ١٨/ ٤٩.\n(١١) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٣٢ ب.","vol":"16","page":48},{"text":"﴿وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ﴾ قال ابن عباس: ولا له شريك (١).\n﴿إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ﴾ هذا جواب لكلام مضمر (٢) التقدير: لو كانت معه آلهة إذن لذهب كل إله بما خلق، أي لاعتزل وانفرد بخلقه (٣)، فلا يرضى أن يضاف خلقه وإنعامه إلى غيره، ومنع (٤) الإله الآخر عن (٥) الاستيلاء على ما خلق (٦).\nقوله: ﴿وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ دليل آخر على (٧) نفي الشريك معطوف على الأول. قال الفراء: بغى بعضهم على بعض (٨).\nوقال الزجاج: طلب بعضهم مغالبة بعض (٩).\nوهذا معنى قول ابن عباس والمفسرين: لقاتل بعضهم بعضًا كما يفعل الملوك في الدنيا يقاتل هذا هذا (١٠).\n_________\n(١) ذكر البغوي ٥/ ٤٢٧ هذا القول ولم ينسبه لأحد.\n(٢) في (ظ): (الكلام مضمرًا).\n(٣) من قوله: هذا جواب إلى هنا. هذا كلام الطبري ﵀ في \"تفسيره\" ١٨/ ٤٩ مع اختلاف يسير جدًّا وتقديم وتأخير. و\"أصل الكلام\" للفراء ٢/ ٢٤١.\n(٤) في جميع النسخ: (ومنع)، وفي المطبوع من \"البسيط\" ٣/ ٢٩٦: ولمنع. وأشار المحقق في الحاشية إلى أنه في بعض النسخ: منع. وعند ابن الجوزي ٥/ ٤٨٨: ولمنع. وعند البغوي ٥/ ٤٢٧: ومنع.\n(٥) في (ظ): (من)، وفي باقي النسخ والوسيط والبغوي وابن الجوزي: عن.\n(٦) في (ع): (في).\n(٧) من قوله: \"فلا في .. \" إلى هنا ذكره الطوسي في \"التبيان\" ٧/ ٣٤٥ - ٣٤٦ من غير نسبة لأحد.\n(٨) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٤١.\n(٩) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٢٠.\n(١٠) ذكر البغوي ٥/ ٤٢٧ هذا المعنى ولم ينسبه لأحد.","vol":"16","page":49},{"text":"قال أهل العلم في هذه الآية: ذكر الله تعالى في أول الآية نفي الولد ونفي الشريك، ثم ذكر الدليل على نفي الشريك واقتصر عليه ولم يذكر الدليل على نفي الولد؛ لأن الدليل على نفي الشريك يتضمن نفي الولد، وذلك أن الولد ينازع الأب في الملك منازعة الأجانب، فلو كان لله ولد لأظهر المنازعة كما يكون بين الإلهين (١)، والملكين (٢).\nثم نزّه عما وصفوه به فقال: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2825>٩٢ </span>- قوله تعالى: ﴿عَالِمِ الْغَيْبِ﴾ قرئ (عَالِمُ الْغَيْبِ) (٣) رفعًا وجرًا (٤).\nقال الأخفش: الجر أجود ليكون الكلام من وجه واحد، وأما الرفع فعلى أن يكون خبر ابتداء محذوف. قال: ويقوي (٥) ذلك (٦) أن الكلام الأول قد انقطع (٧).\nواختار الفراء الرفع، فقال: وجه الكلام الرفع بالاستئناف، الدليل (٨) على ذلك دخول الفاء في قوله: ﴿فَتَعَالَى اللهُ﴾ ولو خفضت لكان وجه الكلم\n_________\n(١) في (ظ): (الأهلين).\n(٢) ذكر القرطبي ١٢/ ١٤٦ هذا المعنى باختصار ولم ينسبه لأحد.\n(٣) (الغيب) ليست في (ع).\n(٤) قرأ نافع، وعاصم في رواية أبي بكر، وحمزة، والكسائي: \"عالمُ\" رفعًا. وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وحفص عن عاصم، وابن عامر: \"عالمِ\" جرًا.\n\"السبعة\" ص ٤٤٧، \"التبصرة\" ص ٢٧١، \"التيسير\" ص ١٦٠.\n(٥) في (ظ): (ويقول)، وهو خطأ.\n(٦) في (أ): (ذاك).\n(٧) كلام الأخفش في \"الحجة\" للفارسي ٥/ ٣٠٢ بنصِّه. ولم أجده في كتابه المعاني.\n(٨) في (ظ): (والدليل). والمثبت من (أ)، (ع): وهو الموافق لما عند الفرّاء.","vol":"16","page":50},{"text":"أن يكون \"وتعالى\" بالواو لأنه إذا خفض أراد: سبحان الله عالمِ الغيب والشهادة وتعالى، فدخول (١) الفاء دليلٌ على أنه أراد: هو عالمُ الغيب والشهادة فتعالى؛ ألا ترى أنك تقول: مررت بعبد الله المحسنِ وأحسنت إليه.\nفلو رفعت \"المحسنُ\" لم يكن بالواو لأنك تريد: هو المحسنُ فأحسنت إليه.\nقال: وقد (٢) يكون الخفض في ﴿عَالِمِ﴾ تتبعه ما قبله وإن كان بالفاء؛ لأن العرب قد (٣) تستأنف بالفاء كما يستأنفون بالواو (٤).\n﴿قُلْ رَبِّ إِمَّا﴾ قال صاحب النظم: \"ما\" قد تكون شرطًا كقوله: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾ [البقرة: ١٠٦] و\"إمَّا\" إنَّما هو [إنْ ما، فـ] (٥) \"إنْ\" شرط و\"ما\" (٦) أيضًا شرط؛ فجمع بين الشرطين توكيدًا، فلما وكّد الشرط أدخل النون الثقيلة في الفعل توكيدًا، لأن النون الثقيلة تجيء (٧) توكيدًا للأفعال (٨).\n_________\n(١) في (ظ): (ودخول).\n(٢) (وقد): ساقطة من (ع).\n(٣) (قد): ساقطة من (ظ).\n(٤) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٤١. وانظر: \"علل القراءات\" للأزهري ٢/ ٤٤٠، \"الكشف\" لمكي ٢/ ١٣١.\n(٥) زيادة من القرطبي ١٢/ ١٤٧ بها يستقيم المعنى.\n(٦) في (أ): (وأما)، وهو خطأ.\n(٧) في (ع): (تجيء في افعل)، ويظهر أن تكرار.\n(٨) ذكر القرطبي ١٢/ ١٤٧ هذا المعنى باختصار إلى قوله بين الشرطين توكيدًا. ولم ينسبه لأحد.","vol":"16","page":51},{"text":"وقوله: ﴿مَا يُوعَدُونَ﴾ قال ابن عباس: من النقمة فيهم.\nوقال مقاتل: يعني القتل ببدر (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2826>٩٤ </span>- ﴿رَبِّ فَلَا تَجْعَلْنِي﴾ قال الفراء: هذه الفاء جواب لقوله: ﴿إِمَّا تُرِيَنِّي﴾ اعترض النداء بينهما كما تقول: إن تأتني كما زيد فعجّل (٢)، ولو لم يكن قبله جزاء لم يجز أن تقول: يا زيد فقم، ولا أن تقول: يا رب فاغفر لي؛ لأن النداء مستأنف، [وكذلك الأمر بعده مستأنف] (٣) لا تدخله الفاء ولا الواو (٤).\nقوله تعالى: ﴿فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ قال الكلبي: يعني مع (٥) الفئة الباغية (٦). قال أبو إسحاق: أي إن أنزلت بهم النقمة كما رب فاجعلني خارجًا عنهم (٧).\nقال مقاتل: وذلك أنَّ النبي -ﷺ- أراد أن يدعو على كفار مكة (٨).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2827>٩٥ </span>- فعلّمه الله كيف يدعو، وأخبر أنه قادر على إنزال العذاب بهم بقوله: ﴿وَإِنَّا عَلَى أَنْ نُرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ﴾.\nثم أمره بالصبر إلى أن ينقضي الأجل المضروب للعذاب فقال: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ قال المفسرون: يعني الإعراض والصفح\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٣٣ أ.\n(٢) في (أ)، (ظ): (فجعل).\n(٣) ما بين المعقوفين ساقط من (ع).\n(٤) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٤١.\n(٥) في (ع): (في).\n(٦) ذكر الرازي ٢٣/ ١١٨ نحو هذا القول ولم ينسبه لأحد.\n(٧) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٢١.\n(٨) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٣٣ أ.","vol":"16","page":52},{"text":"﴿السَّيِّئَةَ﴾ (١) وهي أذى المشركين إيّاه (٢).\nوالمعنى: ادفع بالخلّة التي هي أحسن -وهي الصبر والصفح- أذاهم وجفاهم (٣).\nوهذا قبل أن يؤمر بقتالهم (٤).\nوقال أهل المعاني: إذا ذكروا المنكر فاذكر الحجَّة في فساده والموعظة التي تصرف عنه إلى ضدّه من الحق بتلطّف في الدعاء إليه والحث عليه (٥).\n_________\n(١) في (ظ)، (ع): (والسيئة).\n(٢) الطبري ١٨/ ٥١ مع اختلاف يسير.\n(٣) الثعلبي ٣/ ٦٤ أ.\n(٤) ذكر هذا الطبري ١٨/ ٥١، والثعلبي ٣/ ٦٤ أ.\nوانظر: \"الناسخ والمنسوخ\" لهبة الله بن سلامة ص ٦٧، \"الناسخ والمنسوخ\" لابن حزم ص ٤٦، \"ناسخ القرآن العزيز ومنسوخه\" لابن البارزي ص ٤٢.\nوهي على قول هؤلاء منسوخة بآية الأمر بالقتال، والصواب أنَّها محكمة غير منسوخة، ولا تعارض بينها وبين آيات الأمر بالقتال، ولذا نقل ابن الجوزي في \"ناسخ القرآن ومنسوخه\" ص ٤٦٧ عن بعض المحققين من العلماء أنَّه قال: لا حاجة بنا إلى القول بالنسخ، لأن المداراة محمودة ما لم تضر بالدين، ولم تؤد إلى إبطال حق وإثبات باطل. اهـ.\nوقال ابن كثير ٣/ ٢٥٤: قال تعالى مرشدًا له -يعني للنبي -ﷺ- إلى الترياق النافع في مخالطة الناس وهو الإحسان إلى من يُسيء إليه ليستجلب خاطره فتعود عداوته صداقة وبغضه محبة .. وهذا كما قال: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت: ٣٤].\nوانظر: \"البحر المحيط\" ٦/ ٤٢٢، \"أضواء البيان\" ٥/ ٨١٨.\n(٥) ذكر الماوردي في \"النكت والعيون\" ٤/ ٦٦ هذا المعنى باخصار. وقال: حكاه ابن عيسى.","vol":"16","page":53},{"text":"وروي عن مجاهد وعطاء أنهما قالا في قوله: ﴿بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾: السلام يسلم عليهم إذا لقيهم (١).\nولا أدري هل كان يسلم على المشركين أم لا؟ فإنَّه -ﷺ- نهانا أن نبدأهم بالسلام (٢).\nقوله: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ﴾ قال ابن عباس: يريد بما يقولون من الشرك (٣). وقال مقاتل: بما يقولون من الكذب (٤).\nومعنى ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ﴾ إنَّا (٥) نجازيهم بما يستحقون (٦) من الجزاء في الوقت الذي يصلح للأخذ بالعقوبة.\nأي (٧): فليس يخفى علينا ما يقولون، ولسنا نغفل عن مجازاتهم.\n_________\n(١) رواه عن مجاهد عبد الرزاق في \"تفسيره\" ٢/ ٤٨، والطبري ١٨/ ٥١، وذكره عن عطاء السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ١٣ وعزاه لابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(٢) روى البخاري في الاستئذان -باب التسليم في مجلس فيه أخلاط من المسلمين والمشركين ١١/ ٣٨، ومسلم في الجهاد- باب في دعاء النبي -ﷺ- وصبره على المنافقين ٣/ ١٤٢٢ - ١٤٢٣، من حديث أسامة -﵁-: أن النبي -ﷺ- مر بمجلس فيه أخلاطٌ من المسلمين والمشركين عبدة الأوثان واليهود ... فسلم عليهم النبي -ﷺ-\" الحديث وروى مسلم في السلام - باب في السلام على أهل الذمة ١٤/ ١١١، والترمذي في السير- باب ما جاء في التسليم على أهل الكتاب ٥/ ٢٢٧، من حديث أبي هريرة -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال \"لا تبدؤا اليهود والنَّصّارى بالسلام\" الحديث.\n(٣) ذكر ابن الجوزي ٥/ ٤٨٩، والقرطبي ١٢/ ١٤٧ هذا القول ولم ينسبه لأحد.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٣٣ أ.\n(٥) في (ع): (بما). والمثبت من باقي النسخ والوسيط.\n(٦) في (ظ)، (ع): (بما يستحقون به).\n(٧) (أي): ساقطة من (أ).","vol":"16","page":54},{"text":"ثم أمره أن يتعوذ من الشيطان ليسلم في دينه فقال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2828>٩٧ </span>- ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ﴾ أي اطلب الاعتصام بك ﴿مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ﴾ الهمزات جمع همزة كقوله: تمرات (١) وتمرة. ومعنى الهمز في اللغة: الدفع (٢).\nروى أبو عبيد عن الكسائي: همزته ولمزته ولهزته (٣) ونهرته إذا دفعته (٤).\nوكان رسول الله -ﷺ- يقول: \"اللهمَّ إني أعوذ بك من هَمزْ الشيطان ونَفثه ونفخه\" فقيل: كما رسول الله ما همزه ونفثه ونفخه؟ قال: \"أما همزه فالموتة، وأما نفثه فالشِّعْرُ، وأما نفخه فالكبر\" (٥).\n_________\n(١) في (أ): (ثمرات وثمرة)، ومهملة في (ظ).\n(٢) انظر: \"لسان العرب\" ٥/ ٤٢٦ (همز)، \"القاموس المحيط\" ٢/ ١٩٦.\n(٣) (ولهزته): ساقطة من (أ).\n(٤) \"تهذيب اللغة\" للأزهري ٦/ ١٦٤ (همز) من رواية أبي عبيد عن الكسائي.\n(٥) ذكره بهذا اللفظ أبو عبيد في \"غريب الحديث\" ٣/ ٧٧ ولم يذكر له إسنادًا، وكذا ذكره الأزهري في \"تهذيب اللغة\" ٦/ ١٦٥.\nوقد رواه الإمام أحمد في \"مسنده\" ١/ ٤٠٣، وابن ماجه في \"سننه\" (أبواب إقامة الصلاة- باب الاستعاذة في الصلاة ١/ ١٤٥، وابن خزيمة في \"صحيحه\" ١/ ٢٤٠، وأبو يعلى الموصلي في مسنده ٩/ ٢٥٨، والحاكم في \"مستدركه\" ١/ ٢٠٧، من حديث عبد الله بن مسعود، عن النبي -ﷺ- أنه كان يتعوذ من الشيطان من همزه ونفثه ونفخه، قال: وهمزه: المُوتة، ونفثه: الشعر، ونفخه: الكبر.\nوهذا الحديث ضعف إسناده البوصيري في \"مصباح الزجاجة\" ١/ ٢٨٥.\nوحسَّن إسناده الحلامة أحمد شاكر في تعليقه على \"المسند\" ٥/ ٣١٨.\nوله شاهدان مرسلان يتقوى بهما:\nأولهما: ما رواه أحمد في \"مسنده\" ٥/ ١٥٦ من حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن=","vol":"16","page":55},{"text":"قال أبو عبيد (١): والموتة: المجنون. وإنَّما سمّاه همزًا؛ لأنَّه جعله من النخس والغمز، وكل شيء دفعته (٢) فقد همزته (٣).\nوعلى هذا معنى (٤) ﴿هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ﴾ دفعهم بالإغواء إلى المعاصي. وهو معنى قول ابن عباس والحسن: نزغات الشياطين ووساوسهم (٥).\nوذلك أنّه إنما يدفع الناس إلى (٦) المعاصي بما يوسوس إليهم من التسويل والتَّمنية (٧).\n_________\n= قال: كان رسول الله -ﷺ- إذا قام من الليل يقول: اللهم إنّي أعوذ بك من الشيطان الرجيم من همزة ونفثه ونفخه. قال: وكان رسول الله -ﷺ- يقول: تعوذوا من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه، قالوا: كما رسول الله وما همزه ..... الحديث.\nوالثاني: ما رواه عبد الرزاق في مصنفه ٢/ ٨٤ عن الحسن: أن النبي -ﷺ- كان يقول: اللهم إني أعوذ بك من الشيطان من همزه ونفثه ونفخه، فقالوا: ما أكثر ما نستعيذ من هذا! لمن هذا؟ قال: أمّا همزه فهو المجنون، وأما نفخه فالكبر، وأما نفثه فالشعر. وبمرسل أبي سلمة صحّحه الألباني في \"صحيح ابن ماجه\" ١/ ١٣٥.\nوانظر: \"إرواء الغليل\" للألباني ٢/ ٥٣ - ٥٧.\nوالموتة: بضم الميم وفتح التاء بدون همز.\n(١) في جميع النسخ: (أبو عبيدة)، وهو خطأ، والمثبت هو الصواب.\n(٢) في (ظ): (رفعته)، وهو خطأ.\n(٣) \"تهذيب اللغة\" للأزهري ٦/ ١٦٥ (همز) نقلًا عن أبي عبيد. وكلام أبي عبيد في كتابه \"غريب الحديث\" ٣/ ٧٨.\n(٤) (معنى): ساقطة من (ع).\n(٥) ذكره عنهما الثَّعلبي في \"الكشف والبيان\" ٣/ ٦٤ أ.\n(٦) (إلى): ساقطة من (ظ).\n(٧) كما قال تعالى: ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [النساء: ١٢٠].","vol":"16","page":56},{"text":"وقد يكون الهمز في اللغة بمعنى: العيب (١). ومنه قوله -﷿-: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ﴾ [الهمزة: ١] وهو الذي يهمز أخاه في قفاه من خلفه (٢) أي (٣): يغتابه ويعيبه (٤).\nقال المبرد: والهمز في كلام العرب: إنما هو أن (٥) يهمز الرجل بقول قبح من حيث لا يسمع، وسميت مكايدة (٦) الشيطان همزًا؛ لأن مكايدته خفيّة بالنزغة والوسوسة (٧).\nومن هذا قول مجاهد في تفسير الهمزات: نفخهم ونفثهم (٨).\nوذلك أن الشطان ينفخ في الإنسان عند الغضب وغيره، وينفث فيه من حيث لا يشعر به.\nوقد يكون الهمز في اللغة بمعنى: العصر. يقال: همزت رأسه،\n_________\n(١) هذا قول ابن الأعرابي كما في \"تهذيب اللغة\" للأزهري ٦/ ١٦٤ (همز). وانظر: \"الصحاح\" للجوهري ٣/ ٩٠٢ (همز)، \"لسان العرب\" ٥/ ٤٢٦ (همز).\n(٢) في (١): (خلف)، وفي (ع): (خلقه).\n(٣) في (أ): (إلي).\n(٤) قوله: (الذي يهمز .. خلفه). في \"تهذيب اللغة\" للأزهري ٦/ ١٦٤ - ١٦٥ (همز) منسوبًا إلى الليث.\n(٥) في (ع): (لمن).\n(٦) في (ظ): (مكايد).\n(٧) لم أجده.\n(٨) ذكره عنه الثعلبي في \"الكشف والبيان\" ٣/ ٦٤ أ.\nقال الإمام ابن القيم في \"إغاثة اللهفان\" ١/ ١٥٥: وظاهر الحديث -يعني استعاذة النبي -ﷺ- من همز الشيطان ونفخه ونفثه- أن الهمز نوع غير النفخ والنفث، وقد يقال -وهو الأظهر- إن همزات الشياطين إذا أفردت دخل فيها جميع إصاباتهم لابن آدم وإذا قرنت بالنفخ والنفث كانت نوعًا خاصا، كنظائر ذلك.","vol":"16","page":57},{"text":"وهمزت الجوز بكفي. ومنه:\nومن همزنا رأسه تهشَّما (١)\nوهذا معنى قول ابن زيد في هذه الآية ﴿مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ﴾ قال: خنقهم الناس (٢).\nومعنى قول (٣) أبي إسحاق في تفسير الهمزات أنها مس الشيطان (٤).\nوذكرنا معنى مسّ الشيطان عند قوله: ﴿الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة: ٢٧٥].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2829>٩٨ </span>- قوله تعالى: ﴿وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾ قال ابن زيد: يحضروني (٥) في أموري (٦) (٧). وقال الكلبي: عند تلاوة القرآن (٨).\nوقال عكرمة: عند النزع والسياق (٩).\n_________\n(١) من قوله: (الهمز .. إلى هنا). في \"تهذيب اللغة\" للأزهري ٦/ ١٦٤٥ (همز) منسوبًا إلى الليث. وهو في العين ٤/ ١٧ (همز) وفيه: الجوزة. وليس فيه الإنشاد.\nوهذا الشطر من الرجز لم ينسبه الأزهري. وهو لرؤبة في \"ديوانه\" (١٨٤٣)، \"التنبيه والإيضاح\" لا بن بزي ٢/ ٢٥٣، \"اللسان\" ٥/ ٤٢٥ (همز)، \"تاج العروس\" للزبيدي ١٥/ ٣٨٨ (همز).\n(٢) ذكره عنه الثعلبي ٣/ ٦٣ أ. ورواه الطبري ١٨/ ٥١.\n(٣) في (ع): (تفسير).\n(٤) \"معاني القرآن\" للزجَّاج ٤/ ٢١.\n(٥) (يحضروني): ساقطة من (أ).\n(٦) في (ع): (أمري).\n(٧) رواه الطبري ١٨/ ٥١، وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ١١٤ وعزاه لابن جرير وابن أبي حاتم.\n(٨) ذكره عنه ابن القيم في \"إغاثة اللهفان\" ١/ ١٥٥. وذكر الزمخشري ٣/ ٤٢ هذا القول ونسبه لابن عباس.\n(٩) ذكره عنه الزمخشري ٣/ ٤٢، وابن القيم في \"إغاثة اللهفان\" ١/ ١٥٥.","vol":"16","page":58},{"text":"قال صاحب النظم: هذا من باب الإيماء؛ لأن معنى قوله: ﴿أَنْ يَحْضُرُونِ﴾ إيماءً إلى أن يصيبوني بسوء، ومنه قولهم: حضر فلان، إذا دنى موته. ويقال: اللبن (١) محضور ومحتضر، أي: يصاب منه، وكذا (٢) الحُشُوش والكُنُف (٣) مُحْتَضَرة، أي يصاب الناس (٤) فيها، ومنه قوله﷿-: ﴿كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ﴾ [القمر: ٢٨] أي مصاب منه يصيب صاحبه. هذا كلامه.\nوالصحيح أن يقال: المعنى: وأعوذ بك ربِّ (٥) أن يحضرون بسوء، بحذف ذكر السوء اختصارًا على أنه مفهوم المعنى، وذلك قولهم اللبن محتضر (٦) فغط إناك، يعنون: تحتضره الدابة وغير ذلك من أهل الأرض (٧)، والكُنُف تحتضره الشياطين والجن، وقوله: ﴿كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ﴾ باحتضار صاحبه.\nوهذا معنى ما ذكره صاحب النظم من قوله: أن يصيبوني بسوء؛ لأنهم إذا حضروه بسوء أصابوه به (٨). وحذف ذكر السوء؛ لأن الشيطان لا يحضر\n_________\n(١) في (ظ): (الناس).\n(٢) في (أ): (وكذا).\n(٣) الحُشُوش: جمع: حُش -بضم الحاء وفتحها- وهو المخرج والمتوضأ. \"لسان العرب\" ٩/ ٢٨٦ (حشش).\nوالكنف: جمع كَنِيف وهو المرحاض. \"القاموس المحيط\" ٣/ ١٩٢.\n(٤) (الناس): ساقطة من (ظ). والعبارة في (ظ): (أي يصاب منه أي يصاب فيها).\n(٥) (ربِّ) ليست في (أ).\n(٦) (محتضر): ساقطة من (ع).\n(٧) قولى: (قولهم اللبن محتضر ... إلى هنا). هذا كلام الأصمعي كما في \"تهذيب اللغة\" للأزهري ٤/ ٢٠١ (حضر).\n(٨) (به): ساقطة من (أ).","vol":"16","page":59},{"text":"ابن آدم إلا بسوء (١)، فلذا (٢) أمر أن يتعوذ من أن يأتيه الشيطان أو يقربه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2830>٩٩ </span>- ثم أعلم -تعالى ذكره- أن هؤلاء الذين ذكروا قبل هذا الموضع ودفعوا البعث يسألون المرجع إلى الدنيا عند معاينة الموت فقال: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ قال مقاتل: يعني (٣) الكفار (٤).\n﴿الْمَوْتُ﴾ قال الكلبي ومقاتل (٥): يعني ملك الموت.\nوقال غيرهما: يعني (٦) أسباب الموت ومقدماته كقوله: ﴿وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ﴾ (٧) [إبراهيم: ١٧]. وقد مرّ.\n﴿قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ قال ابن عباس والمفسرون: يريد إلى الدنيا (٨).\nقال الفراء، والزجاج، وجميع أصحاب العربية: قوله: ﴿ارْجِعُونِ﴾ وهو يريد الله -﷿- وحده (٩)، فجاء الخطاب في المسألة على لفظ الإخبار، لأن الله -﷿- قال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ﴾ [ق: ٤٣] وهو وحده يحيي، وهذا لفظ تعرفه العرب للجليل الشأن يخبر عن نفسه بما يخبر به (١٠) الجماعة، فكذلك جاء الخطاب في ﴿ارْجِعُونِ﴾ (١١).\n_________\n(١) ذكر ابن الجوزي ٥/ ٤٨٩ هذا المعنى ولم ينسبه لأحد.\n(٢) في جميع النسخ: (فإذا). وما أثبتناه هو الصواب.\n(٣) (يعني): لست في (أ).\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٣٣ أ.\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٣٣ أ.\n(٦) (يعني): ساقطة من (أ).\n(٧) في (ظ): (فيأتيه).\n(٨) انظر: \"الطبري\" ١٨/ ٥٢.\n(٩) في (أ). (الله وحده -﷿-).\n(١٠) في (ع): (عن الجماعة).\n(١١) هذا كلاء الزجاج بنصِّه في \"معاني القرآن\" ٤/ ٢١ - ٢٢. وانظر: \"معاني القرآن\" =","vol":"16","page":60},{"text":"وروي عن ابن جريج أنه قال -في هذه الآية-: إنّهم استغاثوا (١) بالله أولًا ثم رجعوا إلى مسألة الملائكة المرجع (٢) إلى الدنيا (٣).\nواختار المبرد هذا الوجه فقال: ﴿ارْجِعُونِ﴾ خطاب للملائكة بعد أن قال: رب، مستغيثا. ومثل هذا يكثر (٤) في الكلام عن العرب أن يخاطبوا أحدًا ثم يصرف المخاطبة إلى غيره، لأنَّ المعنى مشتمل على ذلك. وأنشد\n_________\n= للفراء ٢/ ٢٤١ - ٢٤٢.\nوقد جَوَّد هذا الوجه السمين الحلبي ٨/ ٣٦٦، واستظهره الشنقيطي في \"تفسيره\" ٥/ ٨٢١.\n(١) في (أ): (استعانوا)، ومهملة في (ظ).\n(٢) في (ظ): (المرجع).\n(٣) ذكره القرطبي ١٢/ ١٤٩ وأبو حيان ٦/ ٤٢١ عن ابن جريج. وذكر البغوي ٥/ ٤٢٨ هذا القول وصدَّره بقيل.\nوفي نسبة هذا القول إلى ابن جريج نظر؛ والأظهر أن هذا قول الطبري، وبيان ذلك: أنَّ الطبري روى في \"تفسيره\" ١٨/ ٥٢ عن ابن جريج قال: قال النبي -ﷺ- لعائشة: \"إذا عاين المؤمن الملائكة قالوا: نرجعك إلى الدنيا؟ فيقول: إلى دار الهموم والأحزان! فيقول: بل قدَّماني إلى الله. وأما الكافر فيقال: نرجعك؟ فيقول: لعلّي أعمل صالحا فيما تركت ... \" الآية.\nثم قال الطبري بعد ذلك: وقيل \"ربِّ ارجعون\" فابتدأ الكلام بخطاب الله تعالى، ثم قيل \"ارجعون\" فصار إلى خطاب الجماعة، والله تعالى ذكره واحد.\nوإنما فعل ذلك كذلك؛ لأن مسألة القوم الرّد إلى الدنيا إنّما كانت منهم للملائكة الذين يقبضون روحهم كما ذكر ابن جريج أن النبي -ﷺ- قاله. وإنما ابتدئ الكلام بخطاب الله جل ثناؤه لأنَّهم استغاثوا به ثم رجعوا إلى مسألة الملائكة الرجوع والرد إلى الدنيا. اهـ.\nفظاهر العبارة أن قائل \"وإنما ابتدىء ... الدنيا\" هو الطبري. والله أعلم.\n(٤) في (ظ): (كثر).","vol":"16","page":61},{"text":"للأحوص (١):\nيا دارُ غَيَّرها البلى تغييرا (٢) ... وسفت (٣) عليها الريح بعدك مورا (٤)\nفدعا الدار، ثم أخبر عنها، ثم خاطب صاحبها (٥).\nقال: وذلك قول (٦) النابغة (٧):\n_________\n(١) في (ظ)، (ع): (للأخوص).\n(٢) في (ظ): (تغيَّرا).\n(٣) في (أ): (وسقت)، وفي (ظ) مهملة.\n(٤) البيت في \"ديوان الأحْوص\" ص ١٣٠، \"الكتاب\" ٢/ ٢٠١، \"تحصيل عين الذهب\" للشنتمري ١/ ٣١٢ وعندهم: \"حسَّرها البلى تحسيرا\" عوضًا من \"غيرها البلى تغييرًا\".\nونسبه الأصبهاني في \"الأغاني\" ٣/ ٣٣٦، والسيرافي في \"شرح أبيات سيبويه\" ١/ ٥٢٣ للحارث بن خالد المخزومي. وروايتهما مثل رواية الديوان إلا أنَّه وقع في الأغاني: \"بورا\" عوضًا من \"مورا\".\nوالبيت بمثل رواية الواحدي في \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٣٧٦ من غير نسبة.\nقال الشنتمري ١/ ٣١٢: البلى: القدم، ومعنى \"سفت\": طيرت، والمور: ما تطيره الريح من التراب.\n(٥) انظر: \"شرح أبيات سيبويه\" للسيرافي ١/ ٥٢٣.\n(٦) (قول): ساقطة من (أ).\n(٧) بيت النابغة هذا أول أبيات قصيدته المشهورة التي يعذر فيها للنعمان بن المنذر من وشاية بلغته عنه، ويمدحه فيها.\nوهو في \"ديوانه\" ص ١٤، \"شرح القصائد التسع\" للنَّحَّاس ٢/ ٧٣٣، \"شرح القصائد العشر\" للتبريزي ص ٥١٢.\nقال أبو جعفر النحاس في شرحه ٢/ ٧٣٣: قوله: \"يا دار ميَّة\" داء مضاف، و\"ميَّه\" معرفة، فذلك لم يصرفها. قال الأصمعي: \"العلياء\": مرتفع من الأرض.\nو\"السَّند\": سند الوادي في الجبل، وهو ارتفاعه حيث يُسند فيه، أي يُصعد.\nو\"أقوت\" خلت من أهلها .. السالف: الماضي .. و\"الأبد\": الدَّهْر. اهـ.","vol":"16","page":62},{"text":"يا دار ميَّة بالعلياء فالسند (١) ... أقوت (٢) وطال عليها سالف الأبد\nفدعا أولًا ثم حدث عنها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2831>١٠٠ </span>- قوله تعالى: ﴿لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا﴾ قال ابن عباس: يريد أشهد أن لا إله إلا الله (٣). وقال مقاتل: يعني الإيمان (٤).\nوقال قتادة: إما والله ما تمنى أن يرجع إلى أهل ولا عشيرة، ولكنه تمنى أن يرجع فيعمل بطاعة الله، فانظروا أمنية الكافر فاعملوا فيها (٥).\nقوله تعالى: ﴿فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا﴾ قال ابن عباس: فيما مضى من عمري (٦).\nوقال الكلبي: فيما كذّبت. وقال غيره: فيما ضيعت (٧).\nقال الله تعالى ﴿كَلَّا﴾ قال ابن عباس: يقول لا ترجع إلى الدنيا ﴿إِنَّهَا﴾ إن مسألته الرجعة ﴿إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا﴾ يريد لابد أن يقولها عند الموت حين (٨) يعاين عذاب الله (٩). ونحو هذا ابن زيد (١٠).\n_________\n(١) في (ظ): (والسَّند).\n(٢) في (أ)، (ظ): (أموت).\n(٣) رواه البيهقي في \"الأسماء والصفات\" ص ١٠٨، وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ١١٥ وعزاه للبيهقي.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٣٣ أ.\n(٥) ذكره عنه البغوي ٥/ ٤٢٨، وابن كثير ٣/ ٢٥٥.\n(٦) ذكره عنه ابن الجوزي ٥/ ٤٩٠.\n(٧) هذا قول الطبري في \"تفسيره\" ١٨/ ٥٢، والثعلبي ٣/ ٦٤ ب.\n(٨) (حين): ساقطة من (ع).\n(٩) ذكر ابن الجوزي ٥/ ٤٩٠ هذا القول إلى قوله: الرجعة. ولم ينسبه لأحد.\n(١٠) روى الطبري ١٨/ ٥٣ عنه قال: لابد أن يقولها.","vol":"16","page":63},{"text":"وقال آخرون (١): ﴿كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا﴾ يعني أن سؤاله الرجعة كلام يقوله (٢) ولا فائدة له؛ لأنّه لا يجاب إلى ما يسأل، فهو كلام يقوله ولا فائدة له، كقوله: ﴿ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ [التوبة: ٣٠] [وقوله: ﴿ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤]] (٣).\nوقوله: ﴿وَمِنْ وَرَائِهِمْ﴾ قال أبو عبيدة: ومن أمامهم (٤).\nوهذا مما يجوز أن يكون المراد به: ومن بين أيديهم، كما قال أبو عبيدة، ويجوز أن يكون المراد به (٥): ومن خلفهم، كما ذكرنا في قوله: ﴿مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ﴾ (٦) [إبراهيم: ١٦]. وقد مرّ.\nقوله تعالى: ﴿بَرْزَخٌ﴾ معنى البرزخ في اللغة: الحاجز بين الشيئين كيفما (٧) كان من عين أو معنى، نحو المسافة والجدار والأيام والعداوة وغير ذلك (٨).\nوهذا معنى قول الفراء، قال: البرزخ والحاجز والمهلة (٩) متقاربات في المعنى وذلك أنك تقول: بينهما حاجز أن يتزاورا، فتنوي بالحاجز (١٠)\n_________\n(١) ذكر الثعلبي ٣/ ٦٤ ب نحو هذا المعنى مختصرًا، ولم ينسبه لأحد. وذكره ابن الجوزي ٥/ ٤٩ مختصرًا.\n(٢) في (ع): (هو يقوله).\n(٣) ما بين المعقوفين ساقط من (ع).\n(٤) \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ٢/ ٦٢.\n(٥) (به): ساقطة من (أ).\n(٦) في (أ)، (ظ): (ورائهم)، وهو خطأ.\n(٧) في (ظ): (كيف).\n(٨) انظر: (برزخ) في \"تهذيب اللغة\" ٧/ ٦٧١، \"الصحاح\" ١/ ٤١٩، \"اللسان\" ٣/ ٨.\n(٩) في (ظ): (وأنهله).\n(١٠) في (ع): (بالحاجة)، وهو خطأ.","vol":"16","page":64},{"text":"المسافة وتنوي الأمر المانع (١)، مثل اليمين والعداوة، فصار المانع من المسافة كالمانع من الحوادث فوقع عليهما البرزخ (٢).\nومنه حديث علي -﵁- أنه صلى بقوم فأسْوى (٣) برزخا (٤). أي أسقط، وأراد بالبرزخ ما بين الموضع الذي [أسقط منه إلى الموضع الذي] (٥) انتهى إليه. قاله أبو عبيد (٦) (٧).\nوبرازخ الإيمان ما بين اليقين والشك. والبرزخ: ما بين كل شيئين. ومنه قيل للميت: هو في البرزخ؛ لأنّه بين الدنيا والآخرة (٨).\nوقال أبو إسحاق: البرزخ في اللغة: الحاجز، وهو هاهنا ما بين موت الميت وبعثه (٩).\n_________\n(١) في (ع): (المانع من المسافة). وهو انتقال نظر من الناسخ إلى ما بعده.\n(٢) كلام الفراء بنصَّه في \"تهذيب اللغة\" للأزهري ٧/ ٦٧١ (برزخ). وهو في \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٤٢ مع اختلاف يسير.\n(٣) في (أ)، (ع): (بما سوى). وفي (ظ): (فاستوى).\n(٤) ذكره بهذا اللفظ الأزهري في \"تهذيب اللغة\" ٧/ ٦٧١. وذكره أبو عبيد في غريب الحديث ٣/ ٤٤٨ بهذا اللفظ، ثم رواه من حديث أبي عبد الرحمن السلمي قال: ما رأيت أحدًا أقرأ من علي، صلينا خلفه فقرأ برزخًا فأسقط حرفًا فرجع فقرأه ثم عاد إلى مكانه.\n(٥) ما بين المعقوفين ساقط من (ظ).\n(٦) في جميع النسخ: (أبو عبيدة)، وهو خطأ.\n(٧) كلام أبي عبيد في \"تهذيب اللغة\" للأزهري ٧/ ٦٧١ (برزخ). وهو في كتاب \"غريب الحديث\" لأبي عبيد ٤٤٩/ ٣.\n(٨) من قوله: (وبرازخ إلى ... إلى هنا) في \"تهذيب اللغة\" للأزهري ٧/ ٦٧١ منسوبًا إلى أبي عبيد. وهو في \"غريب الحديث\" لأبي عبيد ٣/ ٤٤٨ - ٤٤٩.\n(٩) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٥٢.","vol":"16","page":65},{"text":"وهذا قول الضحاك وابن زيد: ما بين الموت إلى البعث (١) (٢).\nوروي عن ابن عباس: ([بَرْزَخٌ]: حجاب (٣).\nوقال السدي ومقاتل: أجل (٤). وقال مجاهد: حجاب بينهم وبين (٥) الرجوع إلى الدنيا وهم فيه إلى يوم يبعثون (٦).\nوقال قتادة: بقية الدنيا (٧).\nيعني (٨) أنهم يكونون في البرزخ إلى أنْ تفنى الدنيا فيبعثوا.\nوالكناية (٩) في قوله: ﴿وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ﴾ كالكناية في قوله: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ﴾.\nوقوله: ﴿إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ قال أبو إسحاق: ﴿يَوْمِ﴾ مضاف إلى (يُبْعَثُونَ) لأن أسماء الزمان تضاف إلى الأفعال (١٠).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2832>١٠١ </span>- ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ قال ابن عباس- فيما روى عنه سعيد بن\n_________\n(١) في (ظ): (والبعث).\n(٢) ذكره عنهما بهذا اللفظ الثعلبي ٣/ ٦٤ ب. ورواه عنهما الطبري ١٨/ ٥٣ بنحوه.\n(٣) ذكره عنه الثعلبي ٣/ ٦٤ ب.\n(٤) ذكره الثعلبي ٣/ ٦٤ ب عن السدي. وهو في \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٣٣ أ.\n(٥) في (أ): (وعن).\n(٦) ذكره عنه الثعلبي ٣/ ٦٤ ب. ورواه هنّاد بن السري في \"الزهد\" ١/ ١٩٥، والطبري ١٨/ ٥٣، وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ١١٥ ونسبه أيضًا لابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وأبي نعيم في الحلية.\n(٧) ذكره الثعلبي ٣/ ٦٤ ب، ورواه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ٢/ ٤٨، والطبري ١٨/ ٥٣، وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ١١٥ ونسبه أيضًا لحبد بن حميد.\n(٨) (يعني): ساقطة من (ع).\n(٩) في (ع): (فالكناية).\n(١٠) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٢٢.","vol":"16","page":66},{"text":"جبير-: هي النفخة الأولى، نفخ (١) في الصور فصعق من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله (٢).\nقوله: ﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ أي لا يتناسبون (٣) في ذلك الوقت ليعرف (٤) بعضهم بعضًا لاشتغال كل أحد بنفسه عن غيره، ولا يسأل بعضهم بعضًا عن حاله أو لا يتعاطفون بالإنساب (٥).\nوقال -في رواية عطاء-: هي (٦) النفخة الثانية ﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ﴾ قال: يريد لا تفاخر بينهم كما كانوا يتفاخرون في الدنيا ﴿وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ كما تسأل العرب في الدنيا من أي قبيلة أنت؟ (٧).\n_________\n(١) هكذا في جميع النسخ. وعند الثعلبي: \"ونفخ\".\n(٢) رواه الثعلبي ٣/ ٦٤ ب بإسناده من طريق سعيد بن جبير، عن ابن عباس، به، إلا أن فيه \"ونفخ\" كالآية.\nورواه البخاري في \"صحيحه\" (كتاب التفسير- سورة حم السجدة ٨/ ٥٥٥ - ٥٥٦) عن سعيد قال: قال رجلٌ لابن عباس: إني أجد في القرآن أشياء تختلف علي قال: \"فلا أنساب بينهم\" ... الحديث مطولًا، وفيه قال ابن عباس: في النفخة الأولى، ثم ينفخ في الصور ... ورواه الطبري ١٨/ ٥٤ عن سعيد عن ابن عباس بنحوه.\n(٣) في (ظ): (لا يتساءلون).\n(٤) في (أ): (لنعرض).\n(٥) ذكر الطوسي في \"التبيان\" ٧/ ٣٤٩ هذا المعنى وصدَّره بقوله: وقيل وذكر عن الحسن أنه قال: معناه: لا أنساب بينهم يتعاطفون بها.\n(٦) في (أ): (في).\n(٧) ذكره عنه البغوي ٥/ ٤٢٩ من رواية عطاء.\nوذكر ابن الجوزي ٥/ ٤٩٠ عنه أوله من رواية عطاء.\nوذكر الثعلبي ٣/ ٦٤ ب عنه قوله: يريد فلا تفاخر بينهم كما كانوا يتفاخرون في الدنيا. ولم يذكر من رواه عنه.","vol":"16","page":67},{"text":"وهذا قول ابن مسعود ومقاتل: أن المراد بقوله: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ النفخة الثانية (١).\nقال ابن مسعود: الخلق يومئذ أشد تعلقًا بعضهم ببعض منهم في الدنيا، الأب بابنه والابن بأبيه والأخ بأخته والأخت بأخيها والزوج بامرأته والمرأة بزوجها. وتلا هذه الآية (٢).\nولابد من تقدير محذوف في الآية على تأويل: فلا أنساب يومئذٍ يتفاخرون بها ويتعاطفون بها؛ لأن الأنساب لا تنقطع يومئذ إنما يرتفع التواصل والتعاطف والتفاخر بها والتَّساؤل.\nوهذه الآية لا تنافي قوله: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ [الصافات: ٢٧] لأن للقيامة أحوالًا، ومواطن، منها ما يشغلهم عظم الأمر الذي ورد عليهم عن المسألة، ومنها حال يفيقون فيها فيتساءلون.\nوهذا معنى قول ابن عباس -في رواية المنهال بن عمرو- لما سئُل عن\n_________\n(١) ذكره الثعلبي ٣/ ٦٤ ب عن ابن مسعود. وقول مقاتل في \"تفسيره\" ٢/ ٣٣ أ.\n(٢) لم أجده بهذا اللفظ.\nوقد رواه الطبري في \"تفسيره\" ٨/ ٣٦٢ - ٣٦٥ (شاكر) مطولًا، ١٨/ ٥٤ مختصرًا)، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (كما في تفسير ابن كثير ٢/ ٤٩٧)، والثعلبي في \"تفسيره\" ٣/ ٦٤ ب - ٦٥ أ، وأبو نعيم في \"الحلية\" ٤/ ٢٠٢، كلهم من طريق زاذان عن ابن مسعود -﵁-، ولفظه: فتفرح المرأة أن يكون لها الحق على أبيها أو ابنها أو على أخيها أو على زوجها، ثم قرأ ابن مسعود: \"فلا أنساب بينهم يومئذٍ ولا يتساءلون\".\nوقد صحح العلامة أحمد شاكر إسناد ابن أبي حاتم كما في \"تعليقه على الطبري\" ٨/ ٣٦٤.","vol":"16","page":68},{"text":"الآيتين فقال: هذه تارات (١) يوم القيامة (٢).\nوأجاب في رواية سعيد بن جبير يحمل آية التساؤل على أن ذلك في الجنة فقال: إنهم لما دخلوا الجنة أقبل بعضهم على بعض يتساءلون (٣).\nقال أبو علي: لا يجوز أن يكون \"إذا\" نصبا بـ\"نُفِخَ\" ولا بقوله: ﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ﴾ لأن ما بعد \"لا\" لا يعمل فيما قبلها، فإذا لم يجز نصبه على هذين انتصب بفعل مضمر يُفسره ويدل عليه قوله: ﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ﴾، على تقدير: تنقطع الأنساب إذا نفخ في الصور، أو لا تنفع الأنساب وما أشبه ذلك. وشرح هذه المسألة أن يذكر عند قوله: ﴿إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ [سبأ: ٧] الآية.\n_________\n(١) تارات: جمع تارة، وهي الحين والمرّة. والمراد أحوال يوم القيامة مرة بعد مرة وحينًا بعد حين. انظر: \"القاموس المحيط\" ١/ ٣٨١.\n(٢) لم أجده بهذا اللفظ، وقد روى البخاري في \"صحيحه\" (كتاب التفسير- سورة حم، السجدة ٨/ ٥٥٥ - ٥٥٦)، والطبري في الكبير ١٠/ ٣٠١ - ٣٠٢ من طريق المنهال بن عمرو عن سعيد قال: قال رجل لابن عباس: إني أجد في القرآن أشياء تختلف عليّ، قال: ﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ﴾، ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ ... فقال ابن عباس: ﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ﴾ في النفخة الأولى، ثم ينفخ في الصور فصعق من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله فلا أنساب بينهم عند ذلك ولا يتساءلون، ثم في النفخة الآخرة أقبل بعضهم على بعض يتساءلون.\nوروى سعيد بن منصور في \"تفسيره\" (ل ١٥٧ أ) من طريق أبي إسحاق الأشجعي عن ابن عباس أنه سُئل عن الآيتين فقال: إنها مواقف، فأما الموقف الذي لا أنساب بينهم ولا يتساءلون عند الصعقة الأولى لا أنساب بينهم فيها إذا صعقوا، فإذا كانت النفخة الآخرة فإذا هم قيام يتساءلون.\nورواه الطبري ١٨/ ٥٤ من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: بمعناه.\n(٣) رواه الطبري ١٨/ ٥٤، والحاكم في \"مستدركه\" ٢/ ٣٩٥ من رواية المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، به.","vol":"16","page":69},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2833>١٠٢ </span>- قوله: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾ هذه والآية (١) التي بعدها ذكرنا تفسيرهما في أوائل سورة الأعراف (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-2834>١٠٤ </span>- قوله تعالى. ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾ معنى اللفح: الإحراق. يقال: لفحته (٣) النار والسموم، إذا أحرقته (٤).\nوقال الزجاج: تلفح وتنفح بمعنى واحد، إلا أن اللفح أنهم تأثيرًا (٥) من النفح (٦).\nقوله تعالى: ﴿وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾ الكلوح: بدو الأسنان (٧) عند العبوس.\nيقال: كلح كلوحًا، وأكلحه (٨) كذا (٩). ويقال: دَهْرٌ كالح وبردٌ كالح. إذا كان شديدًا (١٠) (١١).\n_________\n(١) في (ظ)، (ع): (الآية).\n(٢) انظر: \"البسيط\" [الأعراف: ٨ - ٩].\n(٣) في (أ): (ألفمه).\n(٤) انظر: \"لفح\" في \"تهذيب اللغة\" ٥/ ٧٣، \"الصحاح\" ١/ ٤٠١، \"لسان العرب\" ٢/ ٥٧٨.\n(٥) في (أ): (تأخيرًا)، وهو خطأ.\n(٦) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٢٣. وانظر: \"تهذيب اللغة\" للأزهري ٥/ ٧٣.\n(٧) في (أ): (الإنسان).\n(٨) في (أ)، (ع): (وكلمه). وفي (ظ): (إذا كلمه). والتصويب من \"تهذيب اللغة\" للأزهري ٤/ ١٠٢.\n(٩) \"تهذيب اللغة\" للأزهري ٤/ ١٠٢ (كلح) منسوبًا إلى الليث.\n(١٠) في (ظ)، (ع): (شديد)، وهو خطأ.\n(١١) هذا قول الأزهري في \"تهذيب اللغة\" ٤/ ١٠٢ (كلح) دون قول: وبرد كالح.\nوانظر: \"الصحاح\" للجوهري ١/ ٣٩٩ (كلح)، \"المحكم\" لابن سيده ٣/ ٣١ (كلح)، \"لسان العرب\" ٢/ ٥٧٤ (كلح).","vol":"16","page":70},{"text":"وقال الزَّجَّاج: الكالح: الذي قد شمرت شفتاه عن أسنانه، نحو ما ترى [من] (١) رؤوس الغنم إذا برزت الأسنان وتشمرت الشفاه (٢).\nقال ابن مسعود -في هذه الآية-: ألم تر إلى الرأس المشيَّط (٣) بالنار، وقد (٤) بدت أسنانه وقلصت (٥) شفتاه (٦).\n_________\n(١) زيادة من \"معاني الزجاج\" ٤/ ٢٣، و\"تهذيب الأزهري\" ٤/ ١٠٢.\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٢٣.\n(٣) المشيط: يقال: شيطت رأس الغنم ... إذا أحرقت صوفه. \"الصحاح\" للجوهري ٣/ ١١٣٩ (شيط).\n(٤) في (ظ): (قد).\n(٥) قلصت: أي انزوت. \"لسان العرب\" ٧/ ٧٩ (قلص).\n(٦) رواه سفيان في \"تفسيره\" ص ٢١٨، وابن المبارك في \"الزهد\" (زوائد الزهد لأبي نعيم ص ٨٤)، وعبد الرزاق في \"تفسيره\" ٢/ ٤٨ - ٤٩، وهناد في \"الزهد\" ١/ ١٩٠، والطبري ١٨/ ٥٩ من طريق أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله بمثله.\nورواه من هذا الوجه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" ١٣/ ١٧٤ - ١٧٥، والحاكم في \"مستدركه\" ٢/ ٣٩٥، والبيهقي في \"البعث والنشور\" ص ٢٧٦ بنحوه مختصرًا.\nوفي إسناده عند هؤلاء أبو إسحاق السبيعي قال ابن حجر في \"التقريب\" ٢/ ٧٣ ثقة عابد، من الثالثة، اختلط بآخرة.\nلكن الرواي عنه هو سفيان الثوري وهو من قدماء أصحابه الذين سمعوا منه قبل الاختلاط انظر: \"هدى الساري\" لابن حجر ص ٤٣٠. قال ابن الكيال في كتابه \"الكواكب النيرات في معرفة ص اختلط من الروا\"الثقات\" ص ٣٥١: (وقد أخرج الشيخان في الصحيحين لجماعة من روايهم عن أبي إسحاق، وهم ... وسفيان الثوري. اهـ.\nولهذا قال الحاكم ٢/ ٣٩٥: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه. =","vol":"16","page":71},{"text":"وروى الخدري، عن رسول الله -ﷺ- في هذه الآية قال: \"تشويه النار فتقلص (١) شفته العليا حتى تبلغ وسط رأسه، وتشترخي شفته السفلى حتى تضرب سرته\" (٢).\n_________\n= ووافقه على ذلك الذهبي. فإسناد هذا الأثر صحيح.\nوقد رواه الطبراني في \"المعجم\" ٩/ ٢٦١ من طريق شعبة، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة، عن عبد الله بنحوه.\nقال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" ٧/ ٧٣: ورجاله ثقات إلا أن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه. اهـ. لكن يعضده ما تقدم. والله أعلم.\n(١) في (أ): (فتلصق).\n(٢) رواه ابن المبارك في \"مسنده\" ص ٧٦، و\"زوائد الزهد\" لأبي نعيم ص ٨٤، والإمام أحمد في \"مسنده\" ٣/ ٨٨، والترمذي في \"جامعه\" (كتاب التفسير- ومن سورة المؤمنين ٩/ ٢٠)، وأبو يعلى في \"مسنده\" ٢/ ٥١٦، والحاكم في \"مستدركه\" ٢/ ٢٤٦، ٣٩٥، والبيهقي في \"البعث والنشور\" ص ٢٧٥، والثعلبي في \"الكشف والبيان\" ٣/ ٦٥ أ، والواحدي في \"الوسيط\" ٣/ ٢٩٨، وأبو نعيم في \"الحلية\" ٨/ ١٨٢ كلهم من طريق أبي السمح -درَّاج بن سمعان- عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري، به.\nوقد اختلف العلماء في هذا الطريق:\nفقال الإمام أحمد: أحاديث درَّاج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد فيها ضعف.\nوقال أبو داود عن درَّاج: أحاديثه مستقيمة إلا ما كان عن أبي الهيثم عن أبي سعيد.\nوقال أبو حاتم: في حديثه ضعف. وضعفه النسائي والدارقطني وغيرهما.\nووثقه ابن معين، وقال -لما سئل عن أحاديث دراج، عن أبي الهيثم عن أبي سعيد-: هذا إسناد صحيح. ووثقه ابن حبان وابن شاهين.\nواختار ابن حجر قول أبي داود فقال في \"التقريب\" ١/ ٢٣٥: صدوق، في حديثه عن أبي الهيثم ضعف.\nانظر: \"الكامل في ضعفاء الرجال\" لابن عدي ٣/ ٩٧٩، \"تهذيب التهذيب\" لابن حجر ٣/ ٢٠٨ - ٢٠٩، \"مستدرك الحاكم\" ٢/ ٢٤٦.\nوعلى هذا فإسناد هذا الحديث ضعيف، وقد ضعَّف إسناده الألباني في تخريج أحاديث المشكاة ٣/ ١٥٨٢.","vol":"16","page":72},{"text":"ويقال له: ﴿أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي﴾ قال مقاتل والكلبي: يعني القرآن (١).\n﴿تُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ قال ابن عباس: يريد: ألم تخوفوا بها (٢).\n﴿فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ فكنتم في الدنيا تكذبون القرآن ومحمدًا -﵇- بالنار وعذابها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2835>١٠٦ </span>- ﴿قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا﴾ وتقرأ \"شقاوتنا\" (٣) ومعناها واحد، وهما مصدران. فالشقاوة (٤) كالسعادة، والشقوة كالردة والفطنة (٥).\nقال الكلبي: غلبت علينا شقاوتنا في الدنيا فلم نهتد (٦).\nوقال القرظي (٧)، ومجاهد (٨)، ومقاتل (٩): غلبت علينا شقاوتنا التي كتبت علينا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2836>١٠٧ </span>- ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا﴾ قال الكلبي: من النار (١٠).\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٣٣ ب. وقد ذكره البغوي ٥/ ٤٣٠، وابن الجوزي ٥/ ٤٩٢ ولم ينسباه لأحد.\n(٢) ذكر البغوي ٥/ ٤٣٠ هذا المعنى لوم ينسبه لأحد.\n(٣) قرأ حمزة، والكسائي: \"شقاوتنا\" بالألف مع فتح الشين والقاف. وقرأ الباقون: \"شقوتنا\" بكسر الشين مع إسكان القاف. \"السبعة\" ص ٤٤٨، \"التبصرة\" ص ٢٧١، \"التيسير\" ص ١٦٠.\n(٤) في (ظ). (والشقاوة).\n(٥) من قوله: فالشقاوة إلى هنا. هذا كلام أبي علي في الحجة ٥/ ٣٠٢. وانظر: \"حجة القراءات\" لابن زنجلة ص ٤٩١، \"الكشف\" لمكي ٢/ ١٣١.\n(٦) ذكر البغوي ٥/ ٤٣٠ هذا المعنى ولم ينسبه لأحد.\n(٧) رواه الطبري ١٨/ ٥٧ - ٥٨.\n(٨) رواه الطبري ١٨/ ٥٧، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٧/ ١ أ. وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ١١٨ وعزاه أيضًا لعبد بن حميد.\n(٩) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٣٣ ب.\n(١٠) ذكره البغوي ٥/ ٤٣٠، وابن الجوزي ٥/ ٤٩٢ ولم ينسباه لأحد.","vol":"16","page":73},{"text":"قال ابن عباس: سألوا الرجعة إلى الدنيا (١).\n﴿فَإِنْ عُدْنَا﴾ إلى الكفر والتكذيب والمعاصي ﴿فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2837>١٠٨ </span>- قوله تعالى: ﴿قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾.\nقال عبد الله بن عمرو (٢): إنهم لا يجابون إلا بعد مُضي مثل عُمر الدنيا ثم يجابون بقوله: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا﴾ (٣).\nوقال مقاتل: يرد عليهم بعد مقدار الدنيا منذ يوم (٤) خلقت إلى أن تفنى سبع مرات (٥).\n﴿اخْسَئُوا فِيهَا﴾ قال الكلبي ومقاتل: اصغوا في النار (٦) (٧).\nقال المبرد: الخسأ: إبعاد بمكروه (٨).\nوقال الزجاج: تباعدوا تباعد سخط. وقال: ابعدوا بعد الكلب (٩).\n_________\n(١) ذكره عنه ابن الجوزي ٥/ ٤٩٢.\n(٢) في (ع): (عمر)، وهو خطأ.\n(٣) رواه ابن أبي شيبة في \"مصنّفه\" ١٣/ ١٥٢ - ١٥٣، وهنّاد في \"الزهد\" ١/ ١٥٨، والطبري في \"تفسيره\" ٢٥/ ٩٩ عند قوله تعالى: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ﴾ [الزخرف: ٧٧]، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٧/ ١ أ - ب، والبيهقي في \"البعث والنشور\" ص ٣١٢، والبغوي في \"شرح السنَّة\" ١٥/ ١٥٤ كلهم من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أبي أيوب، عن عبد الله بن عمرو.\nوفي سنده قتادة وهو ثقة لكنه مدلس، وقد عنعنه.\n(٤) (يوم): ساقطة من (ع).\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٣٣ ب. وقوله يحتاج إلى دليل. فالله أعلم.\n(٦) في (ع): (الدنيا)، وهو خطأ.\n(٧) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٣٣ ب.\n(٨) في (أ): (الخساو).\n(٩) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٢٤ وليس في المطبوع قوله: أبعدوا بعد الكلب. =","vol":"16","page":74},{"text":"وذكرنا الكلام في الخسأ عند قوله: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [البقرة: ٦٥].\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ قال الكلبي: لا تسألون (١) الخروج منها.\nوقيل: لا تكلمون في رفع العذاب عنكم (٢).\nوالمفسرون على أن هذا نهيٌ لهم عن جميع أجناس الكلام (٣).\nقال عبد الله بن عمرو: فلم ينبس (٤) القوم بعد ذلك بكلمة، إنْ كان إلا الزَّفير والشهيق (٥).\nوقال مقاتل: فلا يتكلم أهل النار بعد هذا غير أن لهم فيها زفيرًا وشهيقا (٦).\nوقال قتادة: صوت الكافر في النار مثل صوت الحمار، أوله زفير وآخره شهيق (٧) (٨).\n_________\n= وقوله: أبعدوا ... ذكره الماوردي في \"النكت والعيون\" ٤/ ٦٨ بنصِّه، ونسبه لابن عيسى. فلعله سقط من النسخ بعد قوله وقال: بعض أهل المعاني أو نحوها.\n(١) في (ظ): (تسألوني).\n(٢) ذكره الثعلبي ٣/ ٦٥ أولم ينسبه لأحد.\n(٣) انظر: \"الطبري\" ١٨/ ٥٩، الثعلبي ٣/ ٦٥ أ، \"الدر المنثور\" ٦/ ١٢٠.\n(٤) في (أ): (ييس)، وفي (ظ)، (ع): (ييس) مهملة. والتصويب من سائر الروايات ومعنى ينبس: ينطق. انظر: \"الفائق في غريب الحديث\" للزمخشري ٣/ ٤٠٣.\n(٥) هذا بقية الأثر السابق، فانظر تخريجه فيما تقدم.\n(٦) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٣٣ ب.\n(٧) في (أ): (نهيق)، والمثبت من باقي النسخ وتفسير عبد الرزاق والطبري.\n(٨) رواه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ٢/ ٤٩، والطبري ١٨/ ٦٠.","vol":"16","page":75},{"text":"وقال ابن عباس -في رواية عطاء-: يصير لهم همهمة كنباح الكلاب (١).\nوقال القرظي: إذا (٢) قيل لهم: ﴿قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ انقطع عند ذلك رجاؤهم ودعاؤهم، وأقبل بعضهم ينبح في وجه بعض، وأطبقت عليهم (٣).\nقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي﴾ الآية. يعني المؤمنين.\nوقال ابن عباس: يريد المهاجرين (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2838>١١٠ </span>- ﴿فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا﴾ وقرئ بكسر السين هاهنا وفي سورة \"ص\". وأجمعوا على الضم في سورة الزخرف (٥).\nقال الليث: السُّخْرِيّ والسُّخْرِيَّة مصدران. يقال: سخر منه وبه سُخْرِيَّة وسُخْرِيّا (٦). وزاد أبو زيد: سَخرَا (٧). ومنه قوله:\n_________\n(١) ذكره عنه القرطبي ١٢/ ١٥٤.\n(٢» إذا): ساقطة من (أ).\n(٣) رواه الطبري ١٨/ ٥٧ - ٥٨.\n(٤) ذكره عنه ابن الجوزي ٥/ ٤٩٢.\n(٥) قرأ نافع، وحمزة، والكسائي: \"سُخريا\" بضمّ السين هنا، وفي قوله: ﴿أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ﴾ [ص: ٦٣].\nوقرأ الباقون: \"سخريا\" بكسر السين في السورتين.\nوأجمعوا على الضم في قوله: ﴿وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾ [الزخرف: ٣٢].\n\"السبعة\" ص ٤٤٨، \"التبصرة\" ص ٢٧١، \"التيسير\" ص ١٦٠.\n(٦) \"تهذيب اللغة\" للأزهري ٧/ ١٦٧ \"سخر\". وهو في \"العين\" ٤/ ١٩٦ \"سخر\" بنحوه.\n(٧) انظر: \"الحجة\" ٥/ ٣٠٣، و\"النوادر\" ص ٢٨٨.","vol":"16","page":76},{"text":"لا عجيب منها ولا سَخَر (١)\nقال: ويكون نعتًا كقولك: هم لك سخري وسخرية (٢).\nقال القراءة الضم أجود (٣).\nوقال الزجاج: كلاهما جيد (٤).\nوحكى الكسائي اللغتين جميعًا، قال: وسمعت العرب تقول: بَحْرٌ لُجّي ولجي، ودري ودري، وكرسي وكرسي (٥).\nوذهب قوم إلى الفرق (٦) بينهما. قال يونس (٧): سُخريا من السُّخْرة مضموم، ومن الهُزء سُخري (٨).\n_________\n(١) هذا جزء من شطر بيت لأعشى باهلة عامر بن الحارث بن رباح الباهلي، ذكره أبو زيد في \"النوادر\" (ص ٢٨٨) فقال: وقال أعشى باهلة:\nإني أتاني شيء لا أسربه ... من علُ لا عجيب فيه ولا سخرُ\nوهو من قصدة رائية هي أشهر شعره، يرثي بها أخاه لأمه المنتثمر بن وهب بن سلمة لما بلغه مقتله.\nقال البغدادي في \"الخزانة\" ١/ ١٩١ - ١٩٢: وقوله \"لا عجب\" أي لا أعجب منها وإن كانت مصيبة عظيمة، لأن مصائب الدنيا كثيرة، \"ولا سخر\" بالموت، وقيل لا أقول ذلك سخرية، وهو بفتخين وضمتين.\n(٢) انظر: \"الحجة\" ٥/ ٣٠٣، و\"النوادر\" ص ٢٨٨.\n(٣) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٤٣.\n(٤) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٢٤.\n(٥) ذكره عن الكسائي: الفراء في \"معاني القرآن\" ٢/ ٢٤٣، والنحاس في \"إعراب القرآن\" ٣/ ١٢٤، وذكره عنه أيضًا الأزهري في \"علل القراءات\" ٢/ ٤٤٢.\n(٦) في (أ): (إلى أن الفرق).\n(٧) هو يونس بن حبيب.\n(٨) قول يونس في \"الحجة\" للفارسي ٥/ ٣٠٣، وهو أيضًا في \"تهذيب اللغة\" للأزهري ٧/ ١٦٨.","vol":"16","page":77},{"text":"وقال أبو عبيدة: سِخريًّا يسخرون منهم، وسُخريًّا يسخرونهم (١).\nوهذا قول الحسن وقتادة، قالا: ما كان من العُبُودة (٢) فهو بالضم، وما كان من الهزء فهو بالكسر (٣).\nوذكر الزجاج أن الضم والكسر واحد في معنى الهزء (٤). وقال -من عند نفسه-: الكسر أحسن لاتباع الكسر (٥).\nقال أبو علي: القراءة بكسر السين أرجح من قراءة من ضَمّ؛ لأنه من الهزء، والأكثر في الهُزء كسر السين فيما حكوه. ونرى (٦) أنَّه إنّما كان أكثر لأنَّ السَّخّر مصدر سَخِرْتُ. حكاه أبو زيد (٧).\nوفَعَلٌ وفعلٌ يكونان بمعنى، نحو: المثل والمثل والشَّبَه والشَّبْه، فكذلك السَّخَر والسّخْر إلا أنَّ المكسورة أُلزمت ياء النسب دون المفتوحة كما اتفقوا في القسم على الفتح في: لعمر (٨) الله، ولم يخرج مع إلحاق ياء\n_________\n(١) قول أبي عبيدة في \"الحجة\" ٥/ ٣٠٣. وهو في \"مجاز القرآن\" ٢/ ٦٢ مع اختلاف في العبارة.\n(٢) في (أ): (المعبودة)، وهو خطأ. وفي الحجة: العبودية. قال ابن منظور في \"لسان العرب\" ٣/ ٢٧٠ (عبد): يقال: فلان بين العُبودة والعبودية.\n(٣) قولهما في الحجة للفارسي ٥/ ٣٠٣. وذكره عنهما النحاس في \"معاني القرآن\" ٤/ ٤٨٨ - ٤٨٩، وابن الجوزي ٥/ ٤٩٣.\n(٤) قال الزجاج في \"معانيه\" ٤/ ٢٤ بعد حكايته قول بعض أهل اللغة أن ما كان من الاستهزاء فهو بالكسر وما كان من جهة التسخير فهو بالضم: وكلاهما عند سيبويه والخليل واحد.\n(٥) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٢٤.\n(٦) في (أ): (وقرئ): وفي الحجة: وترى.\n(٧) لم أجده في \"النوادر\" لأبي زيد، فعل أبا علي نقله من كتاب آخر لأبي زيد.\n(٨) في (أ): (لعمرو).","vol":"16","page":78},{"text":"النسب عن حكم المصدر، يدلك على ذلك قوله: ﴿فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا﴾ (١) فأفرد (٢)، وقد جرى على الجمع كما تفرد المصادر، فكأنَّ ياء النسب لم يقع بها (٣) اعتداد في المعنى، كما لم يُعتدّ بها (٤) ولم يكن حكم للنسب في نحو: أحمر وأحْمري ودؤاري (٥)، فكانت ياء النسب في حكم الزيادة كـ (لا) في قوله: ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ﴾ [الحديد: ٢٩].\nوقال الأخفش: سخري إذا أردت من سخرتُ به ففيه لغتان: الضم والكسر (٦). والتي يراد بها السُّخْرة فالضم لا غير، ومن ثمَّ اتفقوا على الضم في التي في الزخرف. وقولهم (٧): اتخذت فلانا سُخريّا وسُخْرة السُّخري مصدر وسُخْرة (٨) ليست بمصدر في الهزء ولكنه كقولهم: ضُحْكَةٌ وهُزْأةٌ إذا كان يُضْحك منه. وأما وجه الضم إذا كان من الهزء فإن سَخَرًا فَعَل، وفَعَل وفُعْل (٩) يتعاقبان علي الكلمة كالحزن والحزن والبخل والبخل (١٠)، كما كان فَعَلٌ وفِعْلٌ كذلك، إلا أنَ المضموم خُصَّ (١١) بالنسب كما خُصَّ\n_________\n(١) في جميع النسخ: (اتخذتموهم).\n(٢) في (ع): (فرد).\n(٣) في (ع): (بعدها). وفي الحجة: به.\n(٤) في الحجة: به.\n(٥) في (ع): (ودرار ودراري).\n(٦) كلام الأخفش ليس في معاني القرآن، وإنَّما هو في \"الحجة\" لأبي علي ٥/ ٣٠٥.\n(٧) في الحجة: فأما ما حكاه أبو زيد من قوله ...\n(٨) في (أ): (سخر).\n(٩) (وفعل) الثانية: ساقطة من (ظ)، (ع).\n(١٠) في (أ)، (ظ): (الحِل والحل). مهملة.\n(١١) في (أ): (حض).","vol":"16","page":79},{"text":"المكسور به وبقي على حكم المصدر كما بقي عليه المكسور. وإذا ثبت هذا فقوله (سخريا) في القراءتين جميعًا مصدر وصف به ولذلك أفْرد (١).\nقال ابن عباس -في هذه الآية-: يريد يستهزئون بهم.\nوقال مقاتل: إنّ رؤوس كفار قريش كانوا يستهزئون من بلال وعمار وخَبَّاب وصهيب وسالم وفقراء العرب، ازْدَرَوْهُم (٢).\nقوله: ﴿حَتَّى أَنْسَوْكُمْ﴾ يريد تركتم موعظتي.\nوقال مقاتل: ترككم الاستهزاء لا تؤمنون بالقرآن (٣).\nقال أبو علي: ﴿أَنْسَوْكُمْ﴾ يجوز (٤) أن يكون منقولًا من الذي بمعنى الترك، ويمكن أن يكون (من) (٥) الذي هو خلاف الذكر، واللفظ على أنهم فعلوا بكم النسيان، والمعنى: أنكم أنها المتخذون عبادي سُخْريا نسيتم ذكري باشتغالكم باتخاذكم إيّاهم سخريا وبالضحك منهم. أي: تركتموه من أجل ذلك، فنسب الإنساء إلى عبادِه المخلصين وإن لم يفعلوه لما كانوا كالسبب لإنسائهم، وهذا كقوله: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾ [إبراهيم: ٣٦] فنسب الإضلال إلى الأصنام لما كانت سببًا في الإضلال (٦).\n_________\n(١) \"الحجة\" لأبي علي الفارسي ٥/ ٣٠٣ - ٣٠٥ مع تقديم وتأخير وتصرّف. وانظر: \"علل القراءات\" للأزهري ٢/ ٤٤١ - ٤٤٢، \"إعراب القراءات السبع وعللها\" لابن خالويه ٢/ ٩٥، \"حجة القراءات\" ص ٤٩٢، \"الكشف\" لمكي ٢/ ١٣١.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٣٣ ب.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٣٣ ب.\n(٤) في (أ): (ويجوز).\n(٥) زيادة من الحجة.\n(٦) \"الحجة\" لأبي علي الفارسي ٢/ ١٩١ - ١٩٢ عند كلامه على قوله \"أو ننسها\" [البقر ة: ١٠٦].","vol":"16","page":80},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2839>١١١ </span>- قوله تعالى: ﴿إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا﴾ قال ابن عباس والمفسرون: بما صبروا على أذاكم واستهزائكم (١).\n﴿أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ وقرئ (٢) \"إنَّهم\" بالكسر (٣).\nفمن فتح كان على معنى: جزيتهم لأنَّهم هم الفائزون. ويجوز أن يكون \"أنَّهم\" (٤) في موضع المفعول الثاني لجزيت؛ لأنَّ جزيت يتعدّى إلى مفعولين، قال الله تعالى ﴿وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا﴾ [الإنسان: ١٢]. والتقدير: جزيتهم اليوم بصبرهم الفوز. ومن كسر استأنف وقطعه (٥) مما قبله، والمعنى: إنِّي جزيتهم اليوم بما صبروا، ثم أخبر فقال: ﴿أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾. ومثل هذا في الكسر والاستئناف والاتباع لما قبله: لبيك إن الحمد والنعمة لك وإن الحمد (٦).\nوهذا الذي ذكرنا معنى قول الفراء والزجاج (٧).\n_________\n(١) ذكره البغوي ٥/ ٤٣١، وابن الجوزي ٥/ ٤٩٤ ولم ينسباه لأحد. وانظر: \"الطبري\" ١٨/ ٦١، والثعلبي ٣/ ٦٥ ب.\n(٢) في (ظ): (قرئ).\n(٣) قرأ حمزة، والكسائي: \"إنَّهم\" بكسر الألف. وقرأ الباقون بفتحها. \"السبعة\" ص ٤٤٨ - ٤٤٩، \"التَّبْصرة\" ص ٢٧١، \"التيسير\" ص ١٦٠.\n(٤) في (ظ): (أنَّهم هم).\n(٥) في (ظ): (فقطعه).\n(٦) من قوله: (فمن فتح إلى هنا) هذا كلام أبي علي في الحجة ٥/ ٣٠٦ عدا قوله: \"والمعنى: إني جزيتهم ... الفائزون\". فإنه كلام أبي إسحاق الزجاج في \"معاني القرآن\" ٤/ ٢٤.\nوانظر: \"علل القراءات\" للأزهري ٢/ ٤٤٢ - ٤٤٣، \"حجة القراءات\" لابن زنجلة ص ٤٩٢ - ٤٩٣، و\"الكشف\" لمكي ٢/ ١٣١ - ١٣٢.\n(٧) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٤٣، و\"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٢٤.","vol":"16","page":81},{"text":"ومعنى ﴿الْفَائِزُونَ﴾ الذين نالوا ما أرادوا. والمفسرون يقولون: الناجون (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2840>١١٢ </span>- وقوله: ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ﴾ قال الله تعالى للكفار يوم البعث توبيخًا لهم على إنكار (٢) البعث: ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ يعني في القبور ﴿عَدَدَ سِنِينَ﴾.\nقال الزجاج: (كم) في موضع نصب بقوله: (لبثتم) و(عَدَدَ سِنِينَ) منصوب بـ (كم) (٣).\nوقرئ: (قل كم لبثتم) (٤)، وهذا له معنيان:\nأحدهما: قل أيها الكافر المسؤول عن قدر لبثه ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ (٥).\n_________\n(١) انظر: الطبري ١٨/ ٦٢، الثعلبي ٣/ ٦٥ ب.\n(٢) في (ظ): (انكارهم)، وفي (أ): (الإنكار).\n(٣) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٢٥.\nوعلى هذا فـ\"كم\" ظرف زمان في محل نصب بـ\"لبثتم\"، و\"عدد سنين\" بدل من \"كم\". وذهب أبو حيان ٦/ ٤٢٤ إلى أن \"عدد\" تمييز لـ\"كم\". وصحح هذا الوجه السمين الحلبي ٨/ ٣٧٣.\nوانظر: \"إعراب القرآن\" للنحاس ٣/ ١٢٥، \"الإملاء\" للعكبري ٢/ ١٥٢.\n(٤) قرأ ابن كثير، وحمزة، والكسائي: \"قل كم لبثتم\" بغير ألف على الأمر. وقرأ الباقون: \"قال\" بألف على الخبر.\n\"السبعة\" ص ٤٤٩، \"التَّبصرة\" ص ٢٧١، التيسير ص ١٦٠.\n(٥) قال أبو زرعة بن زنجلة في حجة القراءات ص ٤٩٣ تتميمًا لهذا الوجه: فإخراج الكلام على وجه الأمر به للواحد والمراد الجماعة، إذْ كان المعى مفهوما، والعرب تخاطب الواحد ومرادهم خطاب جماعة إذا عرف المعنى.","vol":"16","page":82},{"text":"والآخر: أن هذا أمرٌ (١) لمن يسألهم يوم البعث (٢) عن قدر مكثهم.\nوالمعنى: قل أيها السائل عن لبثهم (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2841>١١٣ </span>- قوله تعالى: ﴿قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ﴾ قال ابن عباس: وذلك أن الله أنساهم ما كانوا فيه من العذاب (٤).\nوقال مقاتل: استقلوا ذلك، يرون أنهم لم يلبثوا في قبورهم إلا يومًا أو بعض يوم (٥).\nقال المفسرون: نسوا لعظم ما هم فيه من العذاب مدة مكثهم في الدنيا (٦).\nوقوله: ﴿فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ﴾ قال ابن عباس: يريد العارفين بالحساب (٧).\nوقال قتادة ومقاتل: سل الحُسّاب (٨).\nقال مجاهد: هم الملائكة (٩).\n_________\n(١) في (ظ): (الأمر).\n(٢) في (ظ): (يوم القيامة البعث).\n(٣) قوله: (والمعنى: قل أيها السائل عن لبثهم). هذا كلام أبي علي في \"الحجة\" ٥/ ٣٠٧.\n(٤) ذكره عنه الزمخشري ٣/ ٤٥، والرازي ٢٣/ ١٢٦، والقرطبي ١٢/ ١٥٥، وأبو حيان ٦/ ٤٢٤.\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٣٣ ب.\n(٦) ذكره البغوي ٥/ ٤٣٢، والقرطبي ١٢/ ١٥٥ ولم ينسباه لأحد.\n(٧) لم أجده.\n(٨) رواه عن قتادة عبد الرزاق ٢/ ٤٩، والطبري ١٨/ ٦٣، وابن أبي حاتم ٧/ ٢ ب، وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ١٢١ ونسبه أيضًا لعبد بن حميد وابن المنذر. وهو في \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٣٣ ب.\n(٩) رواه الطبري ١٨/ ٦٣، وابن أبي حاتم ٧/ ٣ أ، وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ١٢٢ ونسبه أيضًا لابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"16","page":83},{"text":"قال مقاتل: يعني ملك الموت وأعوانه (١).\nوقال الكلبي: فأسأل الملائكة الذين كانوا معنا في الدنيا (٢).\nقوله: (قَالَ) أي قال الله تعالى، أو قال الذي سألهم عن قدر لبثهم.\nوقرئ (قل) (٣) وهو أمرٌ للذي سألهم عن قدر لبثهم، ولا يجوز (٤) أمرًا للكافر كما قلنا في قوله: ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ﴾، ولهذا فصل ابن كثير بينهما، فقرأ الأولى (قل) على الأمر وهاهنا (قال) (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2842>١١٤ </span>- قوله: ﴿قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي: ما لبثتم في الأرض إلا قليلًا.\nقال الكلبي: لأنَّ كل ما هو آت قريب.\nيعني أن مكثهم في القبور وإن طال فإنه قليل لأنه متناه، ويجوز أن يكون قليلًا عند طول مكثهم في عذاب جهنم لأنّه خلود لا يتناهى.\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٣٣ ب.\n(٢) لم أجده. قال الطبري ١٨/ ٦٣ - بعد ذكره للأقوال-: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال كما قال الله -جل ثناؤه-: \"اسأل العادين\". وهم الذين يعدّون عدد الشهور والسنين وغير ذلك، وجائز أن يكونوا الملائكة، وجائز أن يكونوا بني آدم وغيرهم، ولا حجَّة بأي ذلك من أيّ ثبتت صحتها، فغير جائز توجيه معنى ذلك إلى بعض العادين دون بعض.\nوقال ابن عطية ١٠/ ٤١٠: وظاهر اللفظة أنَّهم أرادوا من يتصف بهذه الصّفه ولم يعينوا ملائكة ولا غيرها.\n(٣) قرأ حمزة والكسائي: \"قل إن لبثتم ... \" الآية، على الأمر.\nوقرأ الباقون: \"قال\" على الخبر.\n\"السبعة\" ص ٤٤٩، \"التبصرة\" ص ٢٧١، \"التيسير\" ص ١٦٠.\n(٤) في (أ): (يجوز).\n(٥) انظر: \"السبعة\" ص ٤٤٩، \"التَّبْصرة\" ص ٢٧١، \"التيسير\" ١٦٠.","vol":"16","page":84},{"text":"قوله -﷿- ﴿لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي قدر لبثكم.\nوقال مقاتل: لو أنكم كنتم تعلمون إذن لعلمتم أنكم لم تلبثوا إلا قليلًا (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2843>١١٥ </span>- قوله تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا﴾ العبث في اللغة: اللعب. يقال: عبث يعبث عبثا فهو عابث لاعبٌ بما لا يعنيه وليس من باله (٢).\nواختلفوا في انتصابه: فمذهب سيبويه وقطرب أنه في موضع الحال (٣).\nأي: عابثين. والمعنى أفحسبتم أنّما خلقناكم باطلًا لغير شيء، وهذا استفهام يتضمن الإنكار، أي ما خلقناكم عابثين بل خلقناكم لنثيب المحسن ونعاقب المسيء.\nوقال أبو عبيدة: هو نصبٌ على المصدر (٤).\nويكون التقدير: عبثنا (٥) بخلقكم عبثًا. ويكون المعنى كما ذكرنا في الحال.\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٣٣ ب.\n(٢) \"تهذيب اللغة\" للأزهري ٢/ ٣٣٢ بنصِّه. وهو في \"العين\" ٢/ ١١١ مع اختلاف يسير جدًّا. وانظر: \"الصحاح\" للجوهري ١/ ٢٨٦ (عبث).\n(٣) ذكره عنهما الثعلبي ٣/ ٦٥ ب، والحاكم الجشمي في \"التهذيب\" ٦/ ٢١٠ أ، والقرطبي ١٢/ ١٥٦، ولم أقف عليه في الكتاب.\n(٤) ذكره عنه الثعلبي ٦٥٣ ب، والفرطبي ١٢/ ١٥٦، والحاكم الجشمي في \"التهذيب\" ٦/ ٢١٠ أ، وليس في مجاز القرآن.\n(٥) في (أ): (عبثًا).","vol":"16","page":85},{"text":"وعلى هذا المعنى بل كلام مقاتل (١).\nوقال آخرون: هو مفعولٌ له. أي للعبث (٢).\nوهو اختيار الأزهري (٣). وعليه دلّ كلام ابن عباس لأنه قال: يريد كما خلقت البهائم لا ثواب لها ولا عذاب عليها، مثل قوله: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ [القيامة: ٣٦] أي يهمل كما تهمل البهائم (٤).\nوالمعنى على هذا القول: أفحسبتم أنكم خلقتم للعبث فتعبثوا ولا تعملوا بطاعة الله (٥). وهذا المعنى أراد علي -﵁- في قوله: يا أيها الناس اتقوا الله (٦)، فما خلق امرؤ عبثًا فيلهو، ولا أهمل سدى فيلغو (٧).\nوهذا الوجه هو الاختيار لقوله: ﴿وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ (٨) أي: وحسبتم أنكم إلينا لا ترجعون في الآخرة للجزاء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2844>١١٦ </span>- قوله تعالى: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ﴾ قال مقاتل: ارتفع أن يكون خلق (٩) شيئًا عبثا، ماخلق شيئًا إلا لشيء (١٠).\n_________\n(١) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٣٣ ب وفيه: لعبًا وباطلًا لغير شيء.\n(٢) ذكره الثعلبي ٣/ ٦٥ ب ونسبه لبعض نحاة البصرة.\nوانظر: \"الكشاف\" ٣/ ٤٥، \"الإملاء\" للعكبري ٢/ ١٥٢، \"البحر المحيط\" ٦/ ٤٢٤، \"الدر المصون\" ٨/ ٣٧٤.\n(٣) \"تهذيب اللغة\" للأزهري ٢/ ٣٣٢ (عبث).\n(٤) ذكر هذا القول البغوي ٥/ ٤٣٢، والقرطبي ١٢/ ١٥٦ ولم ينسباه لأحد.\n(٥) لفظ الجلالة ليس في (أ).\n(٦) في (ظ): (ربَّكم).\n(٧) ذكره عنه الثعلبي ٣/ ٦٥ ب.\n(٨) في (أ): (أنَّكم).\n(٩) (خلق) ساقط من (أ).\n(١٠) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٣٣ ب - ٣٤ أ.","vol":"16","page":86},{"text":"وقال غيره: تعالي عمّا يصفه به الجهال من الشركاء واتخاذ الأولاد (١).\nقال أهل المعاني: تعالى الله بأن كل شيء سواه يصغر مقداره عن معنى صفته، ﴿الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾ أي الذي يحق له الملك بأنّه ملك غير مُمَلَّك، وكل مُلْك غيره فملكه مستعار لأنه يملّك (٢) ما ملَّكه الله (٣).\nثم وحّد نفسه فقال: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ قال الكلبي: هو السرير الحسن (٤).\nوذكرنا أن الكريم في صفة الجماد بمعنى الحسن (٥).\nوارتفع (٦) قوله: ﴿رَبُّ الْعَرْشِ﴾ لأنه صفة قوله: ﴿الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2845>١١٧ </span>- ثم أوعد من أشرك به فقال: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ﴾ لا بيّنة ولا حجة ولا شهادة له. قاله ابن عباس، ومجاهد، ومقاتل (٧).\nوقوله: ﴿لَا بُرْهَانَ﴾ من صفة النكرة -أي إلهًا لم ينزل بعبادته كتاب،\n_________\n(١) هذا قول الطبري ١٨/ ٦٤ والثعلبي ٣/ ٦٥ ب.\n(٢) في (أ): (بملك).\n(٣) ذكر الطوسي في \"التبيان\" ٧/ ٣٥٥ هذا القول ولم ينسبه لأحد.\n(٤) ذكر البغوي ٥/ ٤٣٣، ولم ينسبه لأحد.\nقال ابن كثير ٣/ ٢٥٩: ووصفه بأنه كريم أي: حسن المنظر بهيّ الشكل، كما قال تعالى ﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ [لقمان: ١٠].\n(٥) انظر: \"البسيط\" عند قوله تعالى: ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [الأنفال: ٤].\n(٦) في (أ): (فارتفع).\n(٧) رواه عن مجاهد الطبري ١٨/ ٦٤، وابن أبي حاتم ٧/ ٥ أ. وقول مقاتل في \"تفسيره\" ٢/ ٣٤ أ.","vol":"16","page":87},{"text":"ولا بعث بها رسول- وليس من جواب الشرط، وجواب الشرط قوله: ﴿فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ (١). وهذا وعيد، أي أنّ حساب عمله عند ربه فهو- يجازيه بما يستحقّهُ كما قال ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ [الغاشية: ٢٥، ٢٦].\n﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ قال ابن عباس: لا يسعد من كذب وجحد ما جئت به وكفر نعمتي (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2846>١١٨ </span>- ثم أمر رسوله (٣) أن يستغفر للمؤمنين ويسأل لهم الرحمة فقال: ﴿وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ﴾ قال ابن عباس: يريد لمن صدقني.\n﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ﴾ يريد أفضل من رحم.\nقال مقاتل: أي هو أفضل رحمة من الذين يرحمون (٤).\n_________\n(١) قال الزمخشري ٣/ ٤٥: ﴿لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ﴾ كقوله: ﴿مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾ [آل عمران: ١٥١] وهي صفة لازمة نحو قوله: ﴿يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ [الأنعام: ٣٨] جيء بها للتوكد، لا أن يكون في الآلهة ما يجوز أنه يقوم عليه برهان، ويجوز أن يكون اعتراضًا بين الشرط والجزاء كقولك: من أحسن إلى زيد -لا أحق بالإحسان منه- فالله مثيبه. اهـ، وخرَّجه أبو حيان ٦/ ٤٢٥ على الصفة اللازمة أو على الإعتراض، وقال: وكلاهما تخريج صحيح. وانظر: \"الدر المصون\" ٨/ ٣٧٥ - ٣٧٦، \"روح المعاني\" ١٨/ ٧١ - ٧٢.\n(٢) ذكره البغوي ٥/ ٤٣٣ إلى قوله: وجحد. ولم ينسبه لأحد. وذكره القرطبي ١٢/ ١٥٧ ولم ينسبه لأحد.\n(٣) في (أ): (رسول الله).\n(٤) في تفسير مقاتل ٢/ ٣٤ أ: يعني أفضل رحمة من أولئك الذين لا يرحمون.","vol":"16","page":88},{"text":"سورة النور","vol":"16","page":89},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2847>سورة النور</span>\nبسم الله الرحمن الرحيم\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2848>١ </span>- ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا﴾ قال أبو عبيدة والأخفش: ﴿سُورَةٌ﴾ رفع بالابتداء، وخبرها في ﴿أَنْزَلْنَاهَا﴾ (١). وهذا القول اختيار صاحب النظم.\nوأنكر الفراء والمبرد والزجاج هذا القول.\nفقال الفراء: ترفع السورة بإضمار هذه سورة أنزلناها. ولا ترفعها (٢) براجع ذكرها (٣)؛ لأن النكرات لا يبتدأ بها قبل أخبارها، إلا أن يكون ذلك جوابًا، ألا ترى أنك لا تقول: رجل قام، إنما الكلام أن تقول: قام رجلٌ.\n_________\n(١) قول أبي عبيدة في \"مجاز القرآن\" ٢/ ٦٣. وقول الأخفش ذكره الثعلبي ٣/ ٦٦ ب. ولم أجد قوله هذا في كتاب \"معاني القرآن\".\nوجوز ابن عطيَّة في \"المحرر\" ١٠/ ٤١٤، وتبعه أبو حيَّان في \"البحر\" ٦/ ٤٢٧، والسمين الحلبي في \"الدر المصون\" ٨/ ٣٧٧ أن تكون \"سورة\" رفعًا بالابتداء وقوله \"أنزلناها\" صفة لها، قال السمين: وذلك هو المسوِّغ للابتداء بالنكرة.\nوفي الخبر عند هؤلاء وجهان:\nأحدهما -وهو قول ابن عطية-: أن الخبر هو الجملة من قوله \"الزانية والزاني\" وما بعدها، والمعنى: السورة المنزلة المفروضة كذا وكذا.\nالثاني: الخبر محذوف مقدم، أي: فيما يتلى عليكم سورة، أو فيما يوحى إليك سورة، أو فيما أنزلنا سورة. قاله أبو حيان والسمين.\n(٢) في (ظ)، (ع): (ولا ترفع)، والمثبت منه (أ)، \"معاني القرآن\" للفراء.\n(٣) في (أ): (وذكرها).","vol":"16","page":91},{"text":"والنكرة (١) إنما توصل ثم يخبر عنها بخبر سوى الصلة. قال: رجل (٢) أعجب إليّ رجل لا يقوم. ويقبح أن تقتصر على صلتها وتجعلها الخبر كقولك: رجل ضربته؛ إذ (٣) كنت كالمنتظر بعد الصلة ويحسن في الجواب؛ لأنَّ القائل يقول لك: من في الدار؟ فتقول: رجل (٤).\nوقال المبرّد: ﴿سُوَرُةُ﴾ رفع على خبر الابتداء، لا على الابتداء لأنَّها نكرة، وتأويله: هذه سورة أنزلناها، ونظير ذلك قولك: رجلٌ والله، أي هذا رجلٌ، وذلك إذا قلت: خير، عند قول القائل: ما أمرك؟ فإنما التقدير: هو خير، أو: أمري خير. وذلك قول القائل عند شدة البرد والحر: برد شديد وحر شديد (٥).\nوقال الزَّجاج: وجه الرفع: هذه سورة أنزلناها. ورفعها بالابتداء قبيح، لأنها نكرة و﴿أَنْزَلْنَاهَا﴾ صفة لها (٦).\nقوله ﴿وَفَرَضْنَاهَا﴾ قرئ بالتخفيف والتشديد (٧).\nقال أبو إسحاق: من خفف فمعناها: ألزمناكم العمل بما فرض فيها.\n_________\n(١) عند الفراء: وقبح تقديم النكرة قبل خبرها أنها توصل ثم يخبر عنها.\n(٢) (رجل) ساقطة من (ع).\n(٣) في (ظ)، (ع): (إذا).\n(٤) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٤٤ مع اختلاف وتصرّف.\n(٥) ذكره القرطبي في \"تفسيره\" ١٢/ ١٥٨ عن المبرد باختصار.\n(٦) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٢٧. وفيه: فأما ارفع فعلى إضمار هذه سورة. وقد تقدّم ذكر قول السمين في بيان المسوّغ للابتداء بالنكرة.\n(٧) قرأ ابن كثير وأبو عمرو (وفرَّضْناها) بالتشديد، وقرأ الباقون بالتخفيف (وفَرَضْناها). انظر: \"السبعة\" لابن مجاهد ص ٤٥٢، و\"التيسير\" للداني ص ١٦١ و\"الغاية\" للنيسابوري ص ٢١٧، و\"النشر\" لابن الجزري ٢/ ٣٣٠.","vol":"16","page":92},{"text":"ومن قرأ بالتشديد فهو على التكثير على معنى: إنما فرضنا فيها فروضًا. ويجوز أن يكون على معنى: بينَّا وفصلنا ما فيها من الحلال والحرام (١).\nوذكرنا معنى الفرض في اللغة عند قوله ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾ [البقرة: ١٩٧].\nوقال أبو علي: معنى ﴿وَفَرَضْنَاهَا﴾ فرضنا فرائضها أي الفرائض المذكورة فيها (٢) فحذف المضاف. والتخفيف يصلح للقليل والكثير، ومن حجة التخفيف قوله ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ﴾ [القصص: ٨٥]، والمعنى: أحكام القرآن وفرائض القرآن، كما أن التي في هذه السورة كذلك. والتثقيل في ﴿وَفَرَضْنَاهَا﴾ لكثرة ما فيها من الفرائض (٣).\nقال ابن عباس في رواية مجاهد في قوله ﴿وَفَرَضْنَاهَا﴾: بيناها (٤) (٥).\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٢٧ والعبارة فيه: ومن قرأ بالتشديد فعلى وجهين، أحدهما على معنى أنا فرضنا ..، وعلى معنى بينا وفضَّلنا.\n(٢) هذا الكلام المعترض من كلام الواحدي. وقد تقدم ذكر قول السمين في بيان المسوّغ للابتداء بالنكرة.\n(٣) \"الحجة\" لأبي علي الفارسي ٥/ ٣٠٩ مع تقديم وتأخير. وقيل التشديد للمبالغة في الإيجاب وتوكيدًا.\nوانظر في توجيه القرائتين أيضًا: \"علل القراءات\" للأزهري ٢/ ٤٤٥، \"إعراب القراءات السبع وعللها\" لابن خالويه ٢/ ٩٨، \"حجة القراءات\" لابن زنجلة ص ٤٩٤، \"البحر المحيط\" ٦/ ٤٢٧، و\"الدر المصون\" ٨/ ٣٧٩.\n(٤) بيناها: ساقطة من (ع). وبدلًا منها: يعني الأمر. وهو انتقال نظر من الناسخ.\n(٥) رواه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٧/ ٥ ب من طريق مجاهد عن ابن عباس به. وانظر: \"تغليق التعليق\" ٤/ ٢٦٣ - ٢٦٤\nورواه الطبري في \"تفسيره\" ١٨/ ٦٦ من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، به.","vol":"16","page":93},{"text":"وهو قول مقاتل (١). وقال في رواية عطاء: يريد: وحددناها.\n\nوقال مجاهد: ﴿وَفَرَضْنَاهَا﴾ يعني الأمر بالحلال والنهي عن الحرام <span data-type=\"title\" id=toc-2849>(٢)</span>.\nوهذا يعود إلى معنى: أوجبناها. ويجوز أن تكون بمعنى التبيين.\nوالنكتة في التفسير ما ذكره أبو علي من أن هذا من باب حذف المضاف (٣).\n\n٢ - قوله ﷿: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ ذكرنا الكلام في وجه ارتفاع الزانية عند قوله ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ الآية [المائدة: ٣٨] (٤).\n﴿فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ معنى الجلد في اللغة: ضرب الجلد.\nيقال: جلده؛ إذا ضرب جلده. كما تقول: رأسه وبطنه، إذا ضرب رأسه وبطنه (٥). وليس حكم (٦) الآية على ظاهرها (٧)؛ لأن جلد المائة ليس\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٣٤ أ.\n(٢) رواه الطبري ١٨/ ٦٥، وابن أبي حاتم ٧/ ٦ أ، وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ١٢٤ وزاد نسبته لابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(٣) انظر: \"الحجة\" لأبي علي الفارسي ٥/ ٣٠٩.\n(٤) \"الزانية\" رفع بالابتداء، وفي خبرها وجهان:\nأحدهما: أنه محذوف. قال سيبويه ١/ ١٤٣: كأنَّه لما قال -جل ثناؤه-: ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا﴾ قال: في الفرائض الزانية والزاني، أو: الزانية والزاني في الفرائض. اهـ. وقدَّره بعضهم: فيما يتلى عليكم الزانية.\nالثاني: أن خبره جملة الأمر ﴿فَاجْلِدُوا﴾، ودخلت الفاء لشبه المبتدأ بالشرط. وهو\nقول الفراء والزجاج والمبرد والزمخشري وغيرهم. انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٤٤، \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٢٨، \"مشكل إعراب القرآن\" لمكي بن أبي طالب ٢/ ٥٠٨، \"الكشاف\" ٣/ ٤٧، \"البيان\" للأنباري ٢/ ١٩١، \"البحر المحيط\" ٦/ ٤٢٧، \"الدر المصون\" ٨/ ٣٧٩.\n(٥) انظر: \"تهذيب اللغة\" للأزهري ١٠/ ٦٥٦ (جلد).\n(٦) (حكم) ساقطة من (أ).\n(٧) لو قيل: وليس حكم، والآية على عمومها لكان أولى.","vol":"16","page":94},{"text":"حدَّ كل زان على الإطلاق، إنّما هو حدّ الزاني إذا كان حرًا (١) بالغًا بكرًا غير محصن، وكذلك الزانية تجلد مائة إذا كانت بهذه الصفة.\nفالمراد بالزانية والزاني المذكورين في هذه الآية. هما اللذان جمعا هذه الأوصاف، وجلدهما يجب بنص الكتاب، وتغريب عام يجب بالسنة (٢).\nقوله ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ﴾ يقال: رؤف (٣) يرؤف رأفة ورآفةً، مثل النشأة والنشاءة (٤). قال أبو زيد: رأف يرأف، وكل من كلام العرب (٥).\nوقرأ ابن كثير ﴿رَأْفَةٌ﴾ هاهنا بفتح الهمزة (٦).\n_________\n(١) موضع الحاء من قوله: \"حرا\" بياض في (ع).\n(٢) روى البخاري في \"صحيحه\" (كتاب الحدود- باب: البكران يجلدان وينفيان، ١٢/ ١٥٦) عن زيد بن خالد الجهني قال: سمعت النبي -ﷺ- يأمر فيمن زنى ولم يحصن جلد مائة وتغريب عام.\n(٣) في (ظ)، (ع): (رأف).\n(٤) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٤٥، و\"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٢٨، و\"تهذيب اللغة\" للأزهري ١٥/ ٢٣٨ (روى)، و\"الكشف والبيان\" للثعلبي ٣/ ٦٧ أ.\n(٥) قول أبي زيد في \"تهذيب اللغة\" للأزهري ١٥/ ٢٣٨ (روى)، و\"الحجة\" لأبي علي الفارسي ٥/ ٣١٠ وقد نقله الواحدي عن أحدهما.\nفظهر بذلك أن في \"رأف\" ثلاث لغات: رؤف، رأف، رئف. ولذا قال الفيروزآبادي ٣/ ١٤٢: رأف الله تعالى بك مثلثة وانظر أيضًا \"الصحاح\" للجوهري ٤/ ١٣٦٢، \"لسان العرب\" لابن منظور ٩/ ١١٢ (رأف).\n(٦) أي \"رأفة\". وقرأ الباقون بإسكان الهمزة. انظر: \"السبعة\" لابن مجاهد ص ٤٥٢، و\"التيسير للداني\" ص ١٦١، و\"الغاية\" للنيسابوري ص ٢١٧، و\"النشر\" لابن الجزري ٢/ ٣٣٠.","vol":"16","page":95},{"text":"قال أبو علي: ولعل التي قرأها ابن كثير لغة (١).\nولم يقرأ التي في سورة الحديد وهي قوله ﴿وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً﴾ [الحديد: ٢٧] مفتوحة الهمز (٢)؛ لأن العرب لا تجمع بين أكثر من ثلاث فتحات (٣)، ولو فتح الهمز في الحديد لاجتمع أربع فتحات.\nوذكر قولان في معنى هذه الآية:\nأحدهما: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ﴾ فتعطلوا الحد ولا تقيموه رحمة عليهما وشفقة. وهو قول مجاهد في رواية ابن أبي نجيح (٤)، والكلبي (٥)، وعطاء (٦)،\n_________\n(١) \"الحجة\" للفارسي ٥/ ٣١٠.\nقال مكي في \"الكشف\" ٢/ ١٣٣: وهما لغتان في \"فعل وفَعْله\" إذا كان حرف الحلق عينه أو لامه. والفتح الأصل، وهو مصدر، والإسكان فيه أكثر وأهر.\nوانظر: \"علل القراءات\" للأزهري ٢/ ٤٤٦، و\"إعراب القراءات السبع وعللها\" لابن خالويه ٢/ ٩٩، \"حجة القراءات\" لابن زنجلة ص ٤٩٥.\n(٢) قرأ ابن كثير آية الحديد بإسكان الهمزة كالباقين.\nانظر: \"السبعة\" لابن مجاهد ص ٤٥٢ و\"التيسير\" للداني ص ١٦١، و\"النشر\" لابن الجزري (٢/ ٣٣٠).\n(٣) من قوله: لأن العرب .. إلى هنا هذا كلام الثعلبي في \"الكشف والبيان\" ٣/ ٦٧ أ.\n(٤) رواه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ٢/ ٥٠، وفي \"مصنفه\" ٧/ ٣٦٧، وابن أبي شيبة في \"مصنفه\" ١٠/ ٦٣، ٦٤، والطبري ١٨/ ٦٧، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٧/ ٧ أعن طريق ابن أبي نجيح، عن مجاهد. وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ١٢٥ عن مجاهد، ونسبه أيضًا لعبد بن حميد وابن المنذر.\n(٥) رواه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ٢/ ٥٠، وفي \"مصنفه\" ٧/ ٣٦٧.\n(٦) رواه عبد الرزاق في \"مصنفه\" ٧/ ٣٦٧، وسعيد بن منصور في \"تفسيره\" (ل ١٥٧ ب)، وابن أبي شيبة في \"مصنفه\" ١٠/ ٦٤، والطبري ١٨/ ٦٧، وابن أبي حاتم ٧/ ٧ أ. وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ١٢٥٨ ونسبه أيضًا لعبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"16","page":96},{"text":"ومقاتل (١)، وسعيد بن جبير (٢)، والشعبي (٣)، وابن زيد، وسليمان بن يسار، وأبي مجلز، قالوا (٤) في هذه الآية: ليس للسلطان إذا رفعوا إليه أن يدعهم رحمة لهم حتى يقيم عليهم الحد (٥).\nوهو اختيار الفراء وأبي علي.\nقال الفراء: يقول: لا ترأفوا بالزاني والزانية فتعطلوا حدود الله (٦).\nوقال أبو علي: كأنه نهى عن رحمتهما؛ لأن رحمتهما قد تؤدي إلى تضييع لحد وترك إقامته عليهما (٧).\nالقول الثاني: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ﴾ فتخففوا الضرب ولا توجعوهما.\nوهو قول الحسن، وسعيد بن المسيب، والزهري، وإبراهيم، وقتادة، كل هؤلاء قالوا (٨): يوجع الزاني ضربًا ولا يخفف رأفة.\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٣٤ أ.\n(٢) ذكره عنه الثعلبي ٣/ ٦٧ أ.\nوروى الطبري ١٨/ ٦٧، وابن أبي حاتم ٧/ ٧ أعنه في قوله \"ولا تأخذكم بهما رأفة\" قال: الجلد.\n(٣) ذكره عنه الثعلبي ٣/ ٦٧ أ.\nوروى ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" ١٠/ ٦٣، والطبري ١٨/ ٦٨ عنه قال: الضَّرْب.\nزاد الطبري: الشديد.\nوروى عبد بن حميد كما في \"الدر المنثور\" ٦/ ١٢٥ عنه وعن إبراهيم النخعي قالا: شدة الجلد في الزنا، ويعطى كل عضو من حقه، وهذه الرواية ورواية الطبري مشعرة بأن الشعبي يقول بالقول الثاني. والله أعلم.\n(٤) في (ع): (قال وفي).\n(٥) هذا كلام أبي مجلز.\n(٦) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٤٥.\n(٧) \"الحجة\" لأبي علي الفارسي ٥/ ٣١٠.\n(٨) ذكره الثعلبي ٣/ ٦٧ أعن الحسن وسعيد.","vol":"16","page":97},{"text":"قال الزهري وقتادة: يجتهد في حد الزانين ولا يخفف كما يخفف في الشرب.\nوجلد ابن عمر جارية له (١) قد أحدثت (٢).\nقال نافع (٣): فقلت له: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾! قال: أو أخذني بها رأفة؟ إنَّ الله لم يأمرني أن أقتلها ولا أن أجعل جلدها في رأسها، وقد أوجعت حين ضربت (٤).\n_________\n= وروى الطبري ١٨/ ٦٨ عنهما قالا: الجلد الشديد.\nورواه ابن أبي حاتم ٧/ ٧ أبهذا اللفظ عن الحسن وحده.\nوذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ١٢٥ عن الحسن، وعزاه لعبد بن حميد والطبري.\nورواه عن الزهري وقتادة: عبد الرزاق في \"تفسيره\" ٢/ ٥٠، والطبري ١٨/ ٦٨.\nوروى عبد بن حميد كما في \"الدر المنثور\" ٦/ ١٢٥ عن إبراهيم -يعني النخعي- وعامر -يعني الشعبي- في قوله: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ﴾ قالا: شدة الجلد في الزنا، ويعطى كل عضو منه حقه. لكن روى ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" ١٠/ ٦٣، والطبري ١٨/ ٦٣ عنه قال: الضرَّب.\nولذا ذكره الثعلبي ٣/ ٦٧ أمع القائلين بالقول الأول، وقبله الطبري، فإنَّه لما ذكر الروايات عن قائلي القول الأول ذكر الرواية عن إبراهيم بأنَّه الضرب.\n(١) له: ساقطة من (ع).\n(٢) أحدثت: أي: زنت. انظر: \"لسان العرب\" ٢/ ١٣٤ (حدث).\n(٣) ظاهر سياق الواحدي لهذا الأثر عن ابن عمر أن نافعًا هو مولى ابن عمر، أبو عبد الله المدني، وهو الذي قال لابن عمر: فقلت له ..\nوالصحيح أن نافعًا هذا هو أحد رواة هذا الأثر -كما سنبين ذلك عند سوقنا للروايات- وقد وهم الواحدي في سياقه لهذا الأثر.\nونافع هنا: هو نافع بن عمر بن عبد الله، الجمحي، الإمام الحافظ، المكي.\n(٤) رواه الطبري ١٨/ ٦٦ - ٦٧ قال: حدثنا أبو هشام، قال: حدثنا يحيى بن أبي =","vol":"16","page":98},{"text":"وذكر الزجاج القولين جميعًا (١).\nقوله ﴿فِي دِينِ اللَّهِ﴾ قال ابن عباس: في حكم الله، كقوله ﴿مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾ [يوسف: ٧٦] أي في: حكمه (٢).\nوقال مقاتل: في أمر الله (٣).\n_________\n= زائدة، عن نافع بن عمر -تصحف في المطبوع إلى: نافع عن ابن عمر-، عن ابن أبي مليكة، عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر قال: جلد ابن عمر جارية له أحدثت، فجلد رجليها. قال نافع: وحسبت أنَّه قال: وظهرها فقلت: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾! فقال: وأخذتني بها رأفة، إن الله لم يأمرني أن أقتلها.\nورواه ابن أبي حاتم ٧/ ٦ ب قال: حدثنا عمرو بن عبد الله الأودي، حدثنا وكيع، عن نافع عن ابن أبي مليكة، عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر: أن جارلة لابن عمر زنت، فضرب رجليها. قال نافع: أراه قال وظهرها. قال: قلت: لا تأخذكم بهما رأفة في دين الله! قال: يا بُنيّ ورأيتني أخذتني بها رأفة! إن الله لم .. ضربت.\nيتبين بذلك أن قول نافع معرض في الرواية لبيان أنَّه يظن أن عبيد الله قال في حديثه: \"وظهرها\"، ثم عاد إلى سوق الرواية فقوله: \"فقلت\": القائل هو عبيد الله بن عبد الله بن عمر، يقول لأبيه عبد الله وقد جاء هذا الأثر من غير رواية نافع، فرواه عبد الرزاق في \"مصنفه\" ٧/ ٣٧٦، والطبري ١٨/ ٦٧، والبيهقي في \"السنن\" ٨/ ٢٤٥ من طريق ابن جريج قال: سمعت ابن أبي مليكة يقول: حدثني عبيد الله بن عبد الله بن عمر: أن عبد الله بن عمر حد جارلة له، .. فذكره بنحوه.\nوإسناد الطريق الأول والثاني صحيح.\n(١) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٢٨.\nقال ابن العربي في \"أحكام القرآن\" ٣/ ١٣٢٦: وهو عندي محمول عليهما جميعًا، فلا يجوز أن تحمل أحدًا رأفةٌ على زان بأن يسقط الحد أو يخففه عنه.\n(٢) ذكره عنه ابن الجوزي ٨/ ٦ مختصرًا. وذكره بمثل ما هنا الثعلبي في \"الكشف والبيان\" ٣/ ٦٧ أ، والقرطبي ١٢/ ١٦٦ من غير نسبة لأحد.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٣٤ أ.","vol":"16","page":99},{"text":"﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ قال مقاتل: يعني إن كنتم تصدقون بتوحيد الله وبالبعث الذي فيه جزاء الأعمال فلا تعطلوا الحد (١).\nوهذا يقوّي القول الأول؛ لأن قوله ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ﴾ كالوعيد في ترك الحد، ومثل هذا الوعيد لا يلحق في التخفيف.\nقوله: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا﴾ أي: وليحضر ضرب الزانيين.\n﴿طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢) رجل فما فوقه إلى ألف (٣).\nوهو قول ابن عباس في رواية الكلبي عن أبي صالح (٤)، وإبراهيم (٥).\nوقال عطاء: رجلان فصاعدًا (٦).\nوهو قول عكرمة (٧)، ومقاتل بن سليمان قال: يعني رجلين فصاعدًا، يكون ذلك نكالًا لهما (٨).\nوقال الزهري: ثلاثة فصاعدًا (٩).\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٣٤ أ.\n(٢) في (أ): زيادة (قال) بعد قوله: (المؤمنين).\n(٣) هذا قول مجاهد. رواه عنه الطبري ١٨/ ٦٩ وابن أبي حاتم ٧/ ٧ ب.\n(٤) روى الفراء في \"معاني القرآن\" ٢/ ٢٤٥ قال: حدثني حبان، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس أنه واحد فما فوقه.\nورواه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٧/ ٧ ب من طريق علي بن أبي طلحة عنه، من غير قوله إلى ألف.\n(٥) ذكره الثعلبي ٣/ ٦٧ ب. ورواه الطبري ١٨/ ٦٩.\n(٦) ذكره الثعلبي ٣/ ٦٧ ب. ورواه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ٢/ ٥٠، وابن أبي شيبة في \"مصنفه\" ١٠/ ٦٠، والطبري ١٨/ ٦٩.\n(٧) ذكره الثعلبي ٣/ ٦٧ ب، ورواه الطبري ١٨/ ٦٩، وابن أبي حاتم ٧/ ٧ ب.\n(٨) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٣٤ أ.\n(٩) ذكره عنه الثعلبي ٣/ ٦٧ ب. ورواه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" ١٠/ ٦١، و\"الطبري\" ١٨/ ٧٠، وابن أبي حاتم ٨/ ٧ أ.","vol":"16","page":100},{"text":"وقال ابن زيد: أربعة بعدد من تقبل شهادته على الزنا (١).\nوقال الحسن: ﴿طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي عشرة (٢).\n\nوقال قضادة: نفرٌ من المسلمين <span data-type=\"title\" id=toc-2850>(٣)</span>.\nوروي عن ابن عباس: أربعة إلى أربعين (٤).\nقال أبو إسحاق: أمّا من قال: واحد. فهو على غير ما عند أهل اللغة؛ لأنّ الطائفة في معنى جماعة، وأقل الجماعة اثنان. فأقل ما يجب في الطائفة عندي اثنان. والذي ينبغي أن يتحزى في شهادة عذاب الزنا (٥) أن يكونوا جماعة؛ لأن الأغلب على الطائفة الجماعة (٦).\n\n٣ - قوله تعالى: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾.\nكثر الاختلاف من المفسرين والعلماء وأهل المعاني في معنى الآية\n_________\n(١) ذكره عنه الثعلبي ٣/ ٦٧ ب. ورواه الطبري ١٨/ ٧٠.\n(٢) رواه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" ١٠/ ٦١. وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ١٢٦ وعزاه لعبد بن حميد.\n(٣) ذكره عنه الثعلبي ٣/ ٦٧ ب. ورواه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ٢/ ٥٠، والطبري ١٨/ ٧٠، وابن أبي حاتم ٨/ ٧ أ.\n(٤) ذكره عنه النيسابوري في \"غرائب القرآن\" ١٨/ ٥٧ دون قوله أربعة، وزاد من المصدقين بالله.\n(٥) في \"معاني القرآن\" ٤/ ٢٩: عذاب الزاني.\n(٦) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٢٨، ٢٩.\nقال أبو بكر بن العربي في \"أحكام القرآن\" ٣/ ١٣٢٨: سياق الآية هاهنا يقتضي أن يكونوا جماعة لحصول المقصود من التشديد والعظة والاعتبار.\nثم قال: والصحيح سقوط العدد واعتبار الجماعة الذين يقع بهم التشديد من غير حدّ.","vol":"16","page":101},{"text":"وسبب نزولها وتأويلها، وسأذكر فيها بعون الله تعالى ما يفتح الغَلَق ويُسيغ الشرق (١).\nروى القاسم بن محمد، عن عبد الله بن عمرو في هذه الآية قال: كانت نساء بالمدينة بغايا، فكان الرجل المسلم يتزوج المرأة منهن لتنفق عليه، فنهوا عن ذلك (٢).\nوقال الزهري: كان في الجاهلية بغايا معلوم ذلك منهن، فأراد ناسٌ من المسلمين نكاحهن، فأنزل الله هذه الآية (٣).\nوقال القاسم بن أبي بزَّة: كان الرجل ينكح الزانية في الجاهلية التي قد علم ذلك منها يتخذها مأكلة، فأراد ناس من المسلمين نكاحهن على تلك الجهة فنهوا عن ذلك (٤).\n_________\n(١) الشَّرَق: الشَّجا والغصة. \"الصحاح\" للجوهري ٤/ ١٥٠١ (شرق).\n(٢) رواه الطبري في \"تفسيره\" ١٨/ ٧١، والحاكم في \"مستدركه\" ٢/ ٣٩٦ من طريق القاسم بن محمد، عن عبد الله بن عمر وبنحوه.\nوقد رواه الإمام أحمد في \"مسنده\" ٩/ ١٩٤ - ١٩٥، والنسائي في \"تفسيره\" ٢/ ١١٠، والحاكم في \"مستدركه\" ٢/ ١٩٣ - ١٩٤، والطبري ١٨/ ٧١، وابن أبي حاتم ٧/ ١١ أمن طريق آخر عن القاسم بن محمد، عن عبد الله بن عمر: \"أن رجلًا من المسلمين استأذن رسول الله -ﷺ- في امرأة يقال لها أم مهزول، وكانت تسافح، وتشترط له أن تنفق عليه. قال فاسأذن رسول الله -ﷺ-، أو ذكر له أمرها. قال: فقرأ عليه رسول الله -ﷺ- ﴿الزَّانِيَةُ﴾ الآية.\nوقد ضعَّف العلامة أحمد شاكر في تعليقه على \"المسند\" ٩/ ١٩٤ - ١٩٥ إسناد الطريقين.\nوقال النحاس في \"معاني القرآن\" ٤/ ٤٩٩: حديث القاسم عن عبد الله مضطرب الإسناد.\n(٣) رواه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ٢/ ٥٠، ٥١، والطبري في \"تفسيره\" ١٨/ ٧٣.\n(٤) رواه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ٢/ ٥١، والطبري في \"تفسيره\" ١٨/ ٧٣.","vol":"16","page":102},{"text":"وروى الكلبي بإسناد عن ابن عباس في نزول هذه الآية: أن المهاجرين لما قدموا المدينة لم يكن لهم مساكن ينزلونها ولا عشائر يؤوونهم وكان في المدينة بغايا متعالمات بالفجور، ولهن علامات كعلامات البياطرة (١)، وكنَّ مخاصيب (٢) الرِّحال، فقال أولئك الذين ليس لهم مساكن ولا عشائر: لو أنا تزوجنا من هؤلاء فسكنا معهن في منازلهن، ونصيب من طعامهن وكسوتهن، فأتوا رسول الله -ﷺ- فذكروا ذلك له من شأنهم. فنزلت هذه الآية (٣).\nونحو هذا روى العوفي (٤) وشعبة (٥) مولى ابن عباس، عنه.\n_________\n(١) البياطرة: جمع بيطار، وهو معالج الدواب. \"لسان العرب\" ٤/ ٦٩ (بطر).\n(٢) في (أ): (مخاطيب الرحال)، وفي (ظ): (مخاصيب الرجال)، وفي (ع): (مخاضيب الرجال)، ولعلها: مخاصيب الرِّحال. ففي \"تفسير ابن أبي حاتم\" ٧/ ٨ ب، و\"الدر المنثور\" ٦/ ١٢٩ عن مقاتل بن حيّان: وكنَّ من أخصب أهل المدينة.\nقال ابن منظور في \"لسان العرب\" ١/ ٣٥٦ \"خصب\" والرجل إذا كان كثير خير المنزل يقال: إنه خصيب الرَّحل.\n(٣) لم أجده من هذه الرواية، وقد تقدم أنَّ رواية الكلبي عن ابن عباس باطل.\n(٤) رواية العوفي عن ابن عباس رواها الطبري ١٨/ ٧٢، وابن أبي حاتم ٧/ ٩ أوهي ضعيفة.\n(٥) هو: شعبة بن دينار -وقيل: اسم أبيه يحيى- الهاشمي مولاهم، أبو عبد الله ويقال: أبو يحيى، مولى عبد الله بن عباس.\nروى عن مولاه. وروى عن ابن أبي ذئب وعدد من أهل المدينة توفي في خلافة هشام بن عبد الملك.\nقال أحمد: ما أرى به بأسًا. وقال ابن معين -في رواية-: ليس به بأس.\nوقال ابن عدي: أرجو أنَّه لا بأس به. وقال العجلي: جائز الحديث.\nوضعَّفه آخرون: فقد سئل عنه مالك فقال: ليس بثقة.\nوقال ابن معين -في رواية-: لا يكتب حديثه. وقال أبو حاتم والنسائي والجوزجاني: =","vol":"16","page":103},{"text":"وهو قول عكرمة، ومجاهد، وعطاء بن أي رباح (١)، ومقاتل بن حيان (٢)، ومقاتل بن سليمان (٣)، والشعبي (٤)، وأكثر أهل\n_________\n= ليس بالقوي.\nوقال أبو زرعة والساجي: ضعيف. وقال البخاري: يتكلم فيه مالك، ويحتمل منه.\nوقال ابن سعد: ولا يحتج به.\nوقال ابن حيان: روى عن ابن عباس ما لا أصل له حتى كأنه ابن عباس آخر.\nوقال ابن حجر: صدوق سيء الحفظ.\nانظر: \"العلل ومعرفة الرجال\" لأحمد بن حنبل ٢/ ٣٥، و\"الجرح والتعديل\" ٤/ ٣٦٧، \"طبقات ابن سعد\" ٥/ ٢٩٤، \"أحوال الرجال\" للجوزجاني ص ١٣٣، \"الضعفاء والمتروكين\" للنسائي ص (٢٥٦)، \"المجروحين\" لابن حبان ٢/ ٣٦١، \"الكامل\" و\"الضعفاء\" لابن عدي ٤/ ١٣٣٩، \"ميزان الاعتدال\" للذهبي ٢/ ٢٧٤، \"تهذيب التهذيب\" ٤/ ٣٤٦، \"تقريب التهذيب\" ١/ ٣٥١.\nورواية شعبة عن ابن عباس رواها ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" ٤/ ٢٧٢، والطبري ١٨/ ٧٢، وذكر السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ١٢٩ هذه الرواية من طريق شعبة وتصحفت في المطبوع إلى سعيد عن ابن عباس، ونسبها أيضًا لعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردوية، وليس عند ابن أبي حاتم ٧/ ٩ أذكر سبب النزول.\nوهذه الرواية عن ابن عباس ضعيفة، لسوء حفظ شعبة.\n(١) ذكره الثعلبي ٣/ ٦٨ أعن عكرمة ومجاهد وعطاء.\nوعن عكرمة رواه الطبري ١٨/ ٧٣.\nوعن مجاهد رواه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ٢/ ٥٠ - ٥١، وابن أبي شيبة في \"مصنفه\" ٤/ ٢٧٢ - ٢٧٣، والطبري ١٨/ ٧٢، وابن أبي حاتم ٧/ ٨ ب.\nوعن عطاء رواه الطبري ١٨/ ٧٢، وابن أبي حاتم ٧/ ١١ أ.\n(٢) رواه ابن أبي حاتم ٧/ ٩ أ. وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ١٢٧ وعزاه لابن أبي حاتم.\n(٣) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٣٤ أ - ب.\n(٤) ذكره عنه الثعلبي ٣/ ٦٨ أ، ورواه الطبري ١٨/ ٧٣.","vol":"16","page":104},{"text":"التفسير (١)، واختيار الفراء والزَّجاج (٢).\nوعلى هذا القول حرم على المؤمنين أن يتزوجوا تلك البغايا المعلنات بزناهن وذكر أن من فعل ذلك وتزوج واحدة منهن فهو زان. والآية خاصة في تحريم نكاح المعلنة بزناها. وهذا قول ابن عباس في رواية عطاء (٣).\nوروى عطاء عن ابن عباس -في هذه الآية- قال: يريد لا يحل لمؤمن أن يتزوج زانية مشهورة بالزنّا ولا عابد صنم، ولا يحل لمؤمنة أن تتزوج مشركًا من عبدة الأصنام ولا مشهورًا بالزنا.\nومذهب مجاهد -في هذه الآية- أنَّ التحريم لم يكن إلا على أولئك خاصة دون الناس (٤).\nومذهب سعيد بن المسيب: أن هذه الآية منسوخة، نسختها التي بعدها وهي قوله: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور: ٣٢] قال: فيقال إن الزواني من أيامى المسلمين (٥).\n_________\n(١) انظر: \"الطبري\" ٧١/ ١٨ - ٧٣، والثعلبي ٣/ ٦٨ أ، و\"الدر المنثور\" للسيوطي ٦/ ١٢٧ - ١٣٠.\n(٢) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٤٥، و\"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٢٩.\n(٣) روى الطبري ١٨/ ٧٢ معنى هذا عن عطاء وفي آخره: قيل له -يعني لعطاء- أبلغك عن ابن عباس؟ قال: نعم.\n(٤) ذكر هذا القول عن مجاهد: أبو عبيد في \"الناسخ والمنسوخ\" ص ١٠١ بعد أن روى عنه أنَّه قال -في قوله ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ﴾ الآية-: كان رجالٌ يريدون الزنا بنساء زوان بغايا معلنات، كنَّ كذلك في الجاهلية، فقيل لهم: هذا حرام، فأرادوا نكاحهن فحرم عليهم نكاحهن.\n(٥) رواه أبو عبيد في \"الناسخ والمنسوخ\" ص ١٠٠، وسعيد بن منصور في \"تفسيره\" (ل ١٥٧ ب)، وابن أبي شيبة في \"مصنفه\" ٤/ ٢٧١، والطبري ١٨/ ٧٤ - ٧٥، =","vol":"16","page":105},{"text":"قال أبو عبيد: فمذهب (١) سعيد ومجاهد في تأويلها هو الرخصة في تزويج البغي، إلا أن سعيدًا أراد أن التحريم كان عامًا ثم نسخته الرخصة، وأراد مجاهد أن التحريم لم يكن إلا على أولئك خاصة دون الناس (٢).\nوقد جاءت أخبار فيها دلائل على جواز تزوج الزانية:\nوهي ما رُوي أن رجلًا ضاف رجلًا، فافتض أخته، فرفع إلى أبي بكر -﵁- فسألهما، فاعترفا، فجلدهما مائة مائة، ثم زوّج أحدهما من الآخر مكانه، ونفاهما سنة (٣).\nوروي أنّ غلامًا فجر بجارية، فسئلا، فاعترفا، فجلدهما عمر بن الخطاب، ثم حرص على أن يجمع بينهما فأبى الغلام (٤).\nوروي عن ابن مسعود: أنه سئل عن الرجل يفجر بالمرأة ثم يريد أن يتزوجها؟ قال: لا بأس بذلك (٥).\n_________\n= والبيهقي في \"سننه\" ٧/ ١٥٤، وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ١٣٠ ونسبه أيضًا لعبد بن حميد وابن المنذر وغيرهما.\n(١) في (أ): (ذهب).\n(٢) \"الناسخ والمنسوخ\" لأبي عبيد ص ١٠١.\n(٣) رواه أبو عبيد في \"الناسخ والمنسوخ\" ص ١٠١. ١٠٢، والبيهقي في \"السنن \"الكبرى\" ٨/ ٢٢٣ عن ابن عمر أو صفية وهي بنت أبي عبيد.\nورواه بنحوه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" ٤/ ٢٤٩ عن الزهري.\n(٤) رواه أبو عبيد في \"الناسخ والمنسوخ\" ص ١٠٢، وسعيد بن منصور في \"سننه\" ١/ ٢١٦، وابن أبي شيبة في \"مصنفه\" ٤/ ٢٤٨، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" ٧/ ١٥٥.\n(٥) رواه أبو عبيد في \"الناسخ والمنسوخ\" ص ١٠٣، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" ٧/ ١٥٦. وقد جاء خلاف هذا القول عن ابن مسعود، فقد روى سعيد بن منصور في \"سننه\" ١/ ٢١٨، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" ٧/ ١٥٦ عنه في الرجل يفجر =","vol":"16","page":106},{"text":"وقال جابر بن عبد الله في مثل هذا: أوله حرام وآخره حلال (١).\nوبين ابن عباس فيما روى عنه عكرمة لهذا تمثيلًا حسنًا فقال: إنَّما مثل ذلك مثل رجل أتى حائطًا فسرق منه، ثم أتى صاحبه فالشترى منه (٢)، فما سرق حرام وما اشترى حلال (٣)\nوالإجماع اليوم على هذا، وهو أن تزوج الزانية يصح (٤)، وإن زنت لم يفسد النكاح (٥).\nقال الضحاك: إذا فجرت لم يفرق بينهما، كما أنه لو فجر لم يفرق بينهما (٦).\nقال أبو عبيد: فهذا مذهب من رأى أن الآية منسوخة غير معمول بها، ولهذا ترخصوا في تزويج البغايا وإمساكهن. وهي عند آخرين من العلماء\n_________\n= بالمرأة ثم يتزوجها؟ قال: لا يزالان زانيين ما اجتمعا.\nقال البيهقي: ومع من رخص فيه دلائل الكتاب والسنة.\n(١) رواه أبو عبيد في \"الناسخ والمنسوخ\" ص ١٠٣.\nوقد روى ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" ٤/ ٢٤٩، ٢٥٠ عن جابر -﵁- قال: إذا تابا وأصلحا فلا بأس.\n(٢) في (ع) زيادة: ما سرق. بعد قوله: (فاشترى منه).\n(٣) رواه أبو عبيد في \"الناسخ والمنسوخ\" ص ١٠٤ عن ابن عباس.\nورواه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" ٤/ ٢٤٩ عن عكرمة قال: لا بأس هو بمنزلة رجل سرق نخلة ثم أشتراها.\n(٤) في (ظ)، (ع): (فيصح) مهملف\n(٥) انظر: \"الحاوي\" ٩/ ١٨٨ - ١٩٠، \"المغني\" ٩/ ٥٦١ - ٥٦٥، \"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي ١٢/ ١٧٠.\n(٦) رواه أبو عبيد في \"الناسخ والمنسوخ\" ص ١٠٥.","vol":"16","page":107},{"text":"على غير ذلك يرونها محكمة قائمة، ويفسدون النكاحَ فجورُها (١).\nروي أن عليًّا -﵁- فرّق بين زوجين بزنا أحدهما (٢).\nوروي مثل هذا عن الحسن (٣) وإبراهيم (٤).\nقال أبو عبيد: إذا عاين منها الفجور لم يكن ذلك تحريمًا بينهما ولا طلاقًا، غير أنَّه يؤمر بطلاقها أمرًا ويخاف عليه الإثم في إمساكها (٥)؛ لأنَّ الله تعالى إنما اشترط على المؤمنين نكاح المحصنات فقال: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٢٤]. ومع هذا لا يأمنها أن توطئ فراشه غيره، فتلحق به نسبًا ليس منه فيرث ماله، ويطلع على حرمته، فأي ذنب أعظم من هذا؟ بأن (٦) يكون لها (٧) معينًا بإمساكها. ولا أحسب الذين ترخصوا في ذلك بعد الفجور إلا بالتوبة (٨) تظهر منها، كالذي يحدث به عن ابن عباس: أنه سئل عن رجل أراد أن ينكح امرأة قد زنا بها؟ فقال: ليردها على الزنا فإن فعلت\n_________\n(١) \"الناسخ والمنسوخ\" لأبي عبيد ص ١٠٥.\n(٢) رواه أبو عبيد في \"الناسخ والمنسوخ\" ص ١٠٥ وابن أبي شيبة في \"مصنفه\" ٤/ ٢٦٣ - ٢٦٤ من طريق سماك عن حنش -وتصحف في المطبوع من ابن أبي شيبة إلى حسن- بن المعتمر.\nوذكره البيهقي في \"السنن الكبرى\" ٧/ ١٥٦ بغير إسناد. ثم قال: وحنش غير قوي.\n(٣) رواه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" ٤/ ٢٦٤.\n(٤) رواه أبو عبيد في \"الناسخ والمنسوخ\" ص ١٠٦، وابن أبي شيبة في \"مصنفه\" ٤/ ٢٦٤.\n(٥) في (أ): (إمساكه)، والمثبت من (ظ)، (ع) والناسخ والمنسوخ.\n(٦) في \"الناسخ والمنسوخ\": (أنْ).\n(٧) في (ع): (له).\n(٨) في \"الناسخ والمنسوخ\": (إلا بتوبة).","vol":"16","page":108},{"text":"فلا ينكحها، وإن أبت فلينكحها (١)\nقال (٢): وقد تسهَّل قوم في نكاحها، وإن لم تظهر منها توبة، واحتجوا بحديث الذي قال للنبي -ﷺ-: إنَّ امرأته لا ترد يد لامس. فأمره النبي -ﷺ- بالاستمتاع منها (٣) وإمساكها (٤) (٥).\n_________\n(١) رواه أبو عبيد في \"الناسخ والمنسوخ\" ص ١٠٧ من طريق أبي صالح، عن الليث، عن يزيد بن أبي حبيب: أنَّه بلغه عن ابن عباس، فذكره. وهو مقطع.\n(٢) يعني أبا عبيد.\n(٣) في (١): (معها)، والمثبت من (ظ)، (ع) والناسخ والمنسوخ.\n(٤) وإمساكها: ليست في الناسخ والمنسوخ.\n(٥) رواه النسائي في \"سننه\" (كتاب: النكاح- باب: تزويج الزانية ٦/ ٦٧) من طريق حمّاد بن سلمة وغيره، عن هارون بن رئاب وعبد الكريم، عن عبد الله بن عبيد الليثي، عن ابن عباس عبد الكريم يرفعه إلى ابن عباس، وهارون لم يرفعه.\nقال: جاء رجلٌ إلى رسول الله -ﷺ- فقال: إنَّ عندي امرأة هي من أحب الناس إليَّ، وهي لا تمنع يد لامس قال: \"طلقها\" قال: لا أصبر عنها. قال: \"استمتع بها\". قال النسائي بعد روايته: هذا الحديث ليس بثابت، وعبد الكريم ليس بالقوي، وهارون بن رئاب أثبت منه وقد أرسل الحديث، وهارون ثقة وحديثه أولى بالصواب من حديث عبد الكريم.\nقال الحافظ ابن كثير في \"تفسيره\" ٣/ ٢٦٤ بعد ذكره لكلام النسائي المتقدم-: عبد الكريم ابن أبي المخارق البصري المؤدب تابعي ضعيف الحديث، وقد خالفه هارون بن رئاب وهو تابعي ثقة من رجال مسلم فحديثه المرسل أولى كما قال النسائي. اهـ.\nلكن قد جاءت الرواية عن ابن عباس مسندة من وجه آخر غير طريق عبد الكريم. فقد رواه أبو داود في \"سننه\" (كتاب: النكاح- باب: النهي عن تزويج من لم يلد من النساء ٦/ ٤٥)، والنسائي في \"سننه\" (كتاب: الطلاق- باب: ما جاء في الخلع ٦/ ١٦٩ - ١٧٠)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" ٧/ ١٥٤ - ١٥٥ من طريق عمارة بن أبي حفصة، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: جاء رجل إلى رسول الله -ﷺ-، فذكره بنحوه. =","vol":"16","page":109},{"text":"وتأولوا قوله: \"لا تمنع يد لامس\" على البغاء. وهذا عندنا بخلاف الكتاب والسنة؛ لأن الله تعالى إنَّما أذن في نكاح المحصنات خاصة، ثم\n_________\n= قال الحافظ المنذري في \"مختصر أبي داود\" ٣/ ٦: ورجال إسناده محتج بهم في \"الصحيحين\" على الاتفاق والانفراد.\nوقال ابن كثير في \"تفسيره\" ٣/ ٢٦٤: وهذا الإسناد جيِّد.\nوقال ابن حجر في \"بلوغ المرام\" ص ٢٠٣: ورجاله ثقات.\nوصحَّح إسناده الألباني كما في تعليقه على \"سنن النسائي\" ٢/ ٧٣١.\nوخالف في ذلك ابن الجوزي فحكم عليه بالوضع، وأوردوه في \"الموضوعات\" ٢/ ٢٧٢.\nوقال ابن حجر في \"تلخيص الحبير\" ٣/ ٢٥٣ بعد نقله عن النووي تصحيح هذا الحديث-: نقل ابن الجوزي عن الإمام أحمد بن حنبل أنَّه قال: لا يثبت عن النبي -ﷺ- في هذا الباب شيء، وليس له أجل. وتمسَّك بهذا ابن الجوزي فأورده في \"الموضوعات\" مع أنه أورده بإسناد صحيح. اهـ.\nونقل الشوكاني في كتابه \"الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة\" ص ١٢٩ كلام ابن الجوزي في وضع الحديث، ثم ذكر من صحَّحه، ثم قال: وبالجملة فإدخال هذا الحديث في الموضوعات مجازفة ظاهرة.\nوقال السندي في حاشيته على \"سنن النسائي\" ٦/ ٦٨: وقيل هذا الحديث موضوع، وردَّ بأنه حسن صحيح ورجال سنده رجال الصحيحين، فلا يلتفت إلى قول من حكم عليه الوضع. اهـ.\nوقد ورد هذا الحديث عن جابر -﵁-، رواه الطبري في \"الأوسط\" كما في \"مجمع البحرين في زوائد المعجمين\" للهيثمي ٤/ ٢٠١ - ٢٠٢، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" ٧/ ١٥٥، والبغوي في \"شرح السنَّة\" ٩/ ٢٨٨.\nوفي \"تفسيره\" أيضًا ٦/ ١٠، والخلاَّل كما في \"تلخيص الحبير\" لابن حجر ٣/ ٢٥٣ من طريق عبد الكريم الجزري، عن أبي الزبير، عن جابر، بنحو حديث ابن عباس. قال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" ٤/ ٣٣٥: رواه الطبراني في \"الأوسط\" ورجاله رجال الصحيح.","vol":"16","page":110},{"text":"أنزل في القاذف لامرأته آية اللعان، وسن رسول الله -ﷺ- التفريق بينهما فلا يجتمعان أبدًا. فكيف يأمره (١) بالإقامة على عاهرة لا تمتنع ممن أرادها؟ وفي حكمة أن يلاعن بينهما ولا يقره قاذفًا على حاله.\nهذا (٢) لا وجه له عندنا، والذي يُحمل (٣) عليه وجه الحديث أنَّه ليس يثبت عن النبي -ﷺ-، إنما يحدثه هارون بن رئاب (٤) عن عبد الله بن عبيد، ويحدثه عبد الكريم الجزري، عن أبي الزبير (٥). وكلاهما يرسله (٦). فإن كان له أصل، فإن معناه: أن الرجل وصف امرأته بالخُرق (٧) وضعف الرأي وتضييع ماله، فهي لا تمنعه [من طالب] (٨)، ولا تحفظه من سارق (٩).\n_________\n(١) (يأمره) ساقطة من (أ).\n(٢) في (ظ)، (ع): (هذه إلا وجه).\n(٣) في (أ): (يحصل).\n(٤) هو: هارون بن رئاب التميمي، الأسدي، البصري، أبو بكر أو أبو الحسن، أحد العلماء الربانيين العبّاد.\nروى عن أنس وابن المسيب، وعنه الأوزاعي وشعبه. قال الذهبي وابن حجر: ثقة. \"الكاشف\" للذهبي ٣/ ٢١٣، \"تقريب التهذيب\" ٢/ ٣١١.\n(٥) هو: محمد بن مسلم بن تدرس، أبو الزبير المكي، تقدم.\n(٦) تقدّم أثناء تخريج الحديث روايات موصولة صحَّحها العلماء.\n(٧) الخُرق: عدم إحسان العمل والتصرف في الأمور، والحُمْق. انظر: \"القاموس المحيط\" ٣/ ٢٢٦.\n(٨) ما بين المعقوفين ساقط من (ظ)، (ع).\n(٩) ما اختاره أبو عبيد هنا منقول أيضًا عن الإمام أحمد والأصمعي وغيرهما.\nوضعَّف أبو العباس بن تيمية في \"الفتاوى\" ٣٢/ ١١ هذا القول.\nوقال ابن كثير في \"تفسيره\" ٣/ ٢٦٤ وردَّ هذا بأنَّه لو كان المراد لقال: لا تردّ يد ملتمس.\nونقل ابن حجر في \"تلخيص الحبير\" ٣/ ٥٤ عن بعض أهل العلم أنه قال: السخاء =","vol":"16","page":111},{"text":"هذا عندنا مذهب الحديث. وإن كان الآخر مقولًا (١).\n_________\n= مندوب إليه؛ فلا يكون موجبًا لقوله طلّقها، ولأن التبذير إن كان من مالها فلها التصرف فيه وإن كان من ماله فعليه حفظه، ولا يوجب شيء من ذلك الأمر بطلاقها.\nوذكر الصنعاني في \"سبل السلام\" ٣/ ٣٦٠ هذا القول واستبده، وذكر نحو ما تقدم ثم قال: على أنَّه لم يتعارف في اللغة أن يقال: فلان لا يرد يد لامس، كناية عن الجود.\n(١) يعني القول بان المراد بقول الرجل: لا ترد يد لامس هو الفجور.\nوبهذا القول قال جماعة من العلماء، منهم: الخلال والنسائي وابن الأعرابي والخطابي والغزالي والنووي وغيرهم.\nوقد ردّ الإمام أحمد وغيره هذا القول، فقال الإمام أحمد -كما نقل عنه- لم يكن النبي -ﷺ- ليأمره بإمساكها وهي تفجر.\nوتقدّم ردّ أبي عبيد لهذا القول.\nواستبعده ابن كثير في \"تفسيره\" ٣/ ٢٦٤ وبيِّن أن رسول الله -ﷺ- لا يأذن في مصاحبة من هذا صفتها؛ لأنَّ زوجها -والحالة هذه- يكون ديوثًا.\nوقال عنه الصنعاني في \"سبل السلام\" ٣/ ٣٦٠: إنَّه في غاية البعد، وذلك للآية (الزاني .. وحرم ذلك على المؤمنين)؛ ولأنَّه -ﷺ- لا يأمر الرجل أن يكون ديوثًا. اهـ وأقرب الأقوال في توجيه \"لا ترد يد لامس\": أنَّ الرجل أراد أن سجيّتها لا ترد يد لامس، فهي سهلة الأخلاق ليس فيها نفور وحشمة عن الأجانب، لا أن هذا الأمر واقع منها وأنها تفعل الفاحشة.\nقال أبو العباس ابن تيمية في \"الفتاوى\" ٣٢/ ١١٦: لفظ اللامس قد يراد به من مسَّها بيده وإن لم يطأها فإن من النساء من يكون فيها تبرّج، وإذا نظر إليها رجلٌ أو وضع عليها يده لم تنفر عنه، ولا تمكنه من وطئها، ومثل هذه نكاحها مكروه، ولهذا أمره النبي -ﷺ- بفراقها ولم يوجب ذلك عليه لما ذكر أنَّه يحبّها؛ فإن هذه لم تزن ولكنها مذنبة ببعض المقدمات؛ ولهذا قال: لا ترد يد لامس فجعل اللمس باليد فقط، ولفظ اللمس والملامسة إذا عني الجماع لا يخص باليد، بل إذا قرن باليد فهو كقوله ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ﴾ [الأنعام: ٧] اهـ.=","vol":"16","page":112},{"text":"وهو (١) أشبه بالنبي -ﷺ-، وأحرى أن يظن بحديثه. ولو كان في الحديث أنها لا تمنع لامسًا أو فرج لامس؛ كان اللمس محمولًا على الجماع، ولكنه قال: يد لامس. ويحمل على ما تأوّلنا، وقد وجدنا له شاهدًا في أشعار العرب، قال جرير بن الخطفى:\nألستم لئامًا إذ ترومون جاركم (٢) ... ولولاهم لم يدفعوا كفَّ لامس (٣)\n_________\n= وبنحو ذلك مختصرًا قال الذهبي كما في \"بذل المجهود\" في حل أبي داود ١٠/ ١٣ للسَّهانفوري.\nوقال ابن كثير ٣/ ٢٦٥: المراد إن سجيتها لا ترد يد لامس، لا أن المراد أن هذا واقع منها وأنها تفعل الفاحشة، ولما كان سجيتها هكذا ليس فيها ممانعة ولا مخالفة لمن أرادها لو خلا بها أحد أمره رسول الله -ﷺ- بفراقها احتياطًا، فلما ذكر له أنَّه يحبّها ولا يقدر على فراقها، وأنَّه لا يصبر على ذلك ويخشى أن تتبعها نفسه رخَّص به في البقاء معها؛ لأنَّ محبَّته لها متحققة ووقوع الفاحشة منها متوهَّم، فلا يصار إلى الضرر العاجل لتوهّم الآجل. اهـ.\nوبمثله قال السندي في \"حاشيته على النسائي\" ٦/ ٦٧.\nوقال الصنعاني في \"سبل السلام\" ٣/ ٣٦٠: المراد أنها سهلة الأخلاق ليس فيها نفور وحشمة من الأجانب لا أنها تأتي الفاحشة، وكثير من النساء والرجال بهذه المثابة مع البعد عن الفاحشة.\n(١) سياق الكلام: هذا عندنا مذهب الحديث، وهو أشبه بالنبي -ﷺ-. وجملة: وإن كان الآخر مقولًا. معترضة.\n(٢) في جميع النسخ: (جارهم)، والتصويب من \"الديوان\" و\"الناسخ والمنسوخ\" ص ١١١.\n(٣) البيت في \"ديوانه\" ٢/ ٩٠١ من قصيدة يجيب بها عن جنباء أحمد بن عليم وقد حدثت بينه وبين غسان بن ذهيل السليطي ملاحاة، فهجاه غسَّان فأجاب عنه جرير، وروايته في الديوان:\nألستم لئامًا إذ ترومون جاركم. ولولاهم لم تدفعوا كفَّ لامس.\nوانظر: \"النقائص\" ص ٢٦.","vol":"16","page":113},{"text":"أراد أنكم لا تمنعون ظالمًا ولا أحدًا يريد أموالكم. انتهى كلامه (١).\nوعلى ما ذكرنا المراد بالنكاح في الآية: التزويج.\n[وروي عن] (٢) ابن عباس -في هذه الآية- طريق آخر، وهو ما روى سعيد (٣) بن جبير -في هذه الآية- قال: ليس هذا في التزويج، إنما هو في الجماع، لا يجامعها إلا زان أو مشرك، قال: الزاني لا يزني إلا بزانية (٤).\nونحو هذا روى سلمة (٥) عن الضحاك -في تفسير هذه الآية- قال: لا يزني حين يزني إلا بزانية مثله، ولا تزني حين تزني إلا بزان مثلها (٦).\n_________\n(١) \"الناسخ والمنسوخ\" لأبي عبيد ص (١٠٨ - ١١١) مع اختلاف يسير، وتصرف.\n(٢) ما بين المعقوفين ساقط من (ع).\n(٣) (سعيد) ساقط من (ع).\n(٤) رواه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ٢/ ٥١، وابن أبي حاتم ٧/ ٨ أ - ب، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" ٧/ ١٥٤، والثعلبي في \"تفسيره\" ٣/ ٦٨ أ - ب من طريق سعيد بن جبير، عن ابن عباس بنحوه.\nورواه سفيان الثوري في \"تفسيره\" ص ٢٢١، وسعيد بن منصور في \"تفسيره\" (ل ١٥٧ ب)، من طريق سعيد، عن ابن عباس بنحوه مختصرًا.\nوذكره ابن كثير ٣/ ٢٦٢ من حديث الثوري، عن حبيب بن أبي عمرة، عن سعيد، عن ابن عباس بلفظ ابن أبي حاتم وقال: وهذا إسناد صحيح عنه، وقد روي من غير وجه أيضًا.\n(٥) هو: سلمة بن نبيط بن شريط الأشجعي، أبو فراس الكوفي. روى عن الضحاك بن مزاحم وغيره.\nوعنه الثوري وابن المبارك وغيرهما. ثقة، يقال اختلط بآخرة \"الكاشف\" للذهبي ١/ ٣٨٧، \"تهذيب التهذيب\" ٤/ ١٥٨، \"تقريب التهذيب\" ١/ ٣١٩.\n(٦) رواه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" ٤/ ٢٧٢، والطبري ١٨/ ٧٤ من طريق سلمة، عن الضحاك به.\nوذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ١/ ١٢٨ وعزاه لابن أبي شيبة وعبد بن حميد.","vol":"16","page":114},{"text":"وروي عن يزيد بن هارون أنه قال: هذا عندي إن جامعها وهو (١) مستحل فهو مشرك، وإن (٢) جامعها وهو محرِّم فهو زان (٣).\nوهذا التأويل لا يعترض النسخ على الآية.\nقال أبو عبيد: يذهب (٤) ابن عباس في رواية سعيد بن جبير (٥) إلى أن قوله ﴿لَا يَنْكِحُ﴾ إنما هو الجماع، ولا يذهب به إلي التزويج، والكلمة محتملة للمعنيين جميعًا في كلام العرب، والله أعلم (٦).\nوقال أبو إسحاق: قول من قال: إنَّ معنى النكاح هاهنا: الوطء يبعد؛ لأنه لا يعرف شيء من ذكر النكاح في كتاب الله إلا على معنى التزويج كقوله ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى﴾ [النور: ٣٢] ﴿إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [الأحزاب: ٤٩]، ولو كان المعنى على الوطء لما كان في الكلام فائدة؛ لأن القائل إذا قال: \"الزانية لا تزني إلا بزان، والزاني لا يزني إلا بزانية\" فليست فيه فائدة إلا على وجهة التغليظ للأمر، كما تقول للرجل الذي قد عرف بالكذب: هذا كذاب، تريد به تغليظ (٧) أمره، والذي فيه الفائدة وتوجيه اللغة أنَّ المعنى معنى التزويج (٨).\nوروي عن الحسن أنه قال -في تفسيره هذه الآية- الزاني إذا أقيم عليه\n_________\n(١) في (أ): (فهو).\n(٢) في (أ): (فإن).\n(٣) رواه الثعلبي ٣/ ٦٨ ب بإسناده عن يزيد، به.\n(٤) في جميع النسخ: (فذهب)، والمثبت من \"الناسخ والمنسوخ\" لأبي عبيد.\n(٥) قوله \"في رواية سعيد بن جبير\": من كلام الواحدي.\n(٦) \"الناسخ والمنسوخ\" لأبي عبيد ص ١١٢.\n(٧) في (أ): (تغليظًا).\n(٨) \"معاني القرآن\" للزجَّاج ٤/ ٢٩ - ٣٠ مع تقديم وتأخير وحذف.","vol":"16","page":115},{"text":"الحدّ لا يزوج إلا بامرأة قد أقيم عليها الحد، وذلك المرأة إذا أقيم عليها الحد لا تزوج إلا برجل مثلها (١). هذا معنى قول الحسن في تفسير الآية، وقد حملها على المحدود والمجلود.\nوهذا الذي ذكرنا هو ما روي عن الأئمة والمتقدمين في هذه الآية.\nوالاختيار هو القول الأول الذي منع المسلمون من مناكحة أولئك الزواني والمشركات المعلنات بالزنا.\nومعنى قوله ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً﴾ [النور: ٣] أن من تزوج زانية أو مشركة من أولئك فهو زان؛ لأن ذلك النكاح فاسد وحكمه حكم السفاح، وذكر بلفظ التأكيد وليس المعنى على ظاهر اللفظ؛ لأن الزاني يجوز أن يتزوج غير زانية ولا مشركة، ولكن المعنى أنّ من تزوج واحدة منهن فهو زان، كأنه قيل: لا ينكح الزانية والمشركة إلا زان. فقلت الكلام، ثم ذكر غير مقلوب إعادة للبيان والتأكيد وهو قوله ﴿وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾ [النور: ٣].\nقوله ﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٣] أي (٢) ذلك النكاح. وقيل: حرم الزنا على المؤمنين. وهذا معنى (٣) قول مجاهد (٤) وابن عباس (٥) -في\n_________\n(١) ذكر هذه الرواية بهذا اللفظ عن الحسن: الزَّجَّاج في \"معاني القرآن\" ٤/ ٣٠.\nوقد أخرج ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" ٤/ ٢٧٣ عن الحسن قال: المحدود لا يتزوج إلا محدودة. وذكرها السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ١٣٠ ونسبها أيضًا لعبد بن حميد.\n(٢) في (أ): (إذه).\n(٣) (معنى) ليست في (ظ)، (ع).\n(٤) انظر: \"تفسير ابن أبي حاتم\" ٧/ ١٢ أ.\n(٥) انظر: \"معانى القرآن\" للنحاس ٤/ ٥٠١، \"تفسير ابن كثير\" ٣/ ٢٦٢.","vol":"16","page":116},{"text":"رواية عطاء-: أن الآية خاصة في تحريم أولئك الزواني المعروفة.\n\nوتخبط صاحب النظم في هذه الآية، وأتى بكلام مستكره (١) لم يفد في شيء منه إلا في وجه بعيد ذكره من القلب على غير ما ذكرنا، وهو أنه قال: يعرض في هذه الآية بعض القلب كما عرض في قوله ﴿مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ﴾ [مريم: ٣٥] [على تأويل: ما كان الله ليتخذ من ولد] (٢) فيكون التأويل في قوله ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً﴾ [النور: ٣] أي الناكح (٣) زانية أو مشركة لا يكون إلا زانيًا؛ بمعنى: من نكح زانية أو مشركة فهو زان؛ لأنَّه لا ينكح زاينة إلا وهو راض بزناها، ولا يكون راضيًا بزناها إلا وهو أيضًا يزني، وذلك لا ينكح مشركة إلا وهو راض بالزنا، لأن المشركة محرمة عليه. وذلك المرأة إذا نكحت زانيًا أو مشركًا فقد رضيت بذلك، ولا تكاد ترضى به إلا وهي تفعله. هذا [كلامه] <span data-type=\"title\" id=toc-2851>(٤)</span>.\n٤ - ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ القول في محل (الذين) من الإعراب كالقول في محل (الزانية والزاني) في قوله ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ الآية (٥).\nقال الكلبي: ﴿يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ يقذفون بالفرية الحراير المسلمات العفايف عن الفواحش (٦). وهذا قول المفسرين (٧).\n_________\n(١) في (أ): (مستكو).\n(٢) ساقط من (ع).\n(٣) في (ع): (التناكح).\n(٤) ساقط من (ع).\n(٥) فصل \"الذين\" رفع بالابتداء، وخبره إما محذوف، أو جملة ﴿فَاجْلِدُوهُمْ﴾\nانظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٣٠، \"الإملاء\" للعكبري ٢/ ١٥٣، \"الدر المصون\" ٨/ ٣٨١.\n(٦) ذكر البغوي ٩/ ١٠ هذا المعنى، ولم ينسبه لأحد.\n(٧) انظر: \"الطبري\" ١٨/ ٧٥ - ٧٦، والثعلبي ٣/ ٦٨ ب.","vol":"16","page":117},{"text":"قال أبو إسحاق: ومعنى ﴿يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ أي: بالزنا، ولكنه لم يقل: بالزنا؛ لأن فيما تقدم من (١) ذكر الزانية والزاني دليلًا على أن المعنى ذلك (٢).\nقال ابن الأعرابي: يقال: رمى فلان فلانًا بأمر قبيح، أي: قذفه، ومنه قوله تعالى ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [النور: ٦]، معناه القذف (٣).\nواعلم أن الإحصان المشروط في المقذوف (٤) أو المقذوفة حتى يجب الحد على القاذف خمسة أوصاف: البلوغ، والعقل، والإسلام، والحرية، والعفة عن الزنا (٥).\nفإن فقد وصف من هذه الأوصاف لم يجب حد القذف على (٦) القاذف، وعليه التعزيز، وما كان تعزيرًا فلا يكون فرضًا.\nويشترط في القاذف لوجوب حد القذف شرطين: البلوغ والعقل. فإذا انضم إليهما الحرية كمل الحد ثمانين جلدة، وإذا كان مملوكًا فعليه أربعون جلدة (٧).\n_________\n(١) (من) ساقطة من (أ).\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٣٠.\n(٣) قول ابن الأعرابي في \"تهذيب اللغة\" للأزهري ٥/ ٢٧٧ (رمى) دون ذكر الآية الثانية ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾.\n(٤) في (أ): (والمقذوفة).\n(٥) انظر: \"أحكام القرآن\" للجصَّاص ٣/ ٢٦٧، \"أحكام القرآن\" للكيا الهراسي ٣/ ٢٩٨، \"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي ١٢/ ١٧٣.\n(٦) في (أ): (وعلى).\n(٧) انظر: \"أحكام القرآن\" للجصَّاص ٣/ ٢٦٨، \"أحكام القرآن\" للكيا الهراسي ٣/ ٢٩٨، \"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي ١٢/ ١٧٣، ١٧٤.","vol":"16","page":118},{"text":"قال مقاتل: يجلد بين الضربين على ثيابه (١).\nوقال قتادة: يخفف في حد الشراب والفرية (٢).\nوقال حمّاد: يحد القاذف والشارب وعليهما ثيابهما (٣).\nقوله تعالى ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا﴾ على ما رموهن به ﴿بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾.\n\nقال المفسرون: عدول يشهدون عليهن أنهن رأوهن يفعلن (٤) ذلك <span data-type=\"title\" id=toc-2852>(٥)</span>.\n﴿فَاجْلِدُوهُمْ﴾ يعني الذين يرمون بالزنا ﴿ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾.\n﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ المحدود في القذف لا تقبل شهادته.\n﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ قال ابن عباس: الكاذبون (٦).\nوقال مقاتل: العاصون في مقالتهم (٧).\n\n٥ - ثم استثنى فقال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ الآية.\nاختلف العلماء والمفسرون في حكم هذا الاستثناء:\nفذهب كثير (٨) منهم إلى أنَّ هذا الاستثناء راجع إلى رد الشهادة والفسق، وقالوا: إذا تاب قبلت شهادته وزال فسقه.\nوذهب كثير منهم إلى أن الفسق يزول بالتوبة، وأما الشهادة فلا تقبل أبدًا.\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٣٤ ب.\n(٢) رواه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ٢/ ٥٠.\n(٣) رواه الطبري ١٨/ ٦٨. ورواه أبو بكر بن أبي شيبة ٩/ ٥٢٥ دون قوله والشارب.\n(٤) في (ع): (يفعلون)، وهو خطأ.\n(٥) هذا كلام الطبري ١٨/ ٧٥ والثعلبي ٣/ ٦٨ ب بنصِّه.\n(٦) روى الطبري ١٨/ ٧٦ هذا التفسير عن عبد الرحمن بن زيد. ولم أجد من ذكره عن ابن عباس.\n(٧) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٣٤ ب.\n(٨) سيذكر الواحدي من قال بذلك.","vol":"16","page":119},{"text":"روى عطاء الخراساني عن ابن عباس في هذه الآية قال: فتاب عليهم من الفسق، فأما الشهادة فلا تجوز (١).\nوهذا قول شريح، وإبراهيم، والحسن، وقتادة، وسعيد بن المسيب (٢).\n_________\n(١) رواه أبو عبيد في \"الناسخ والمنسوخ\" ص ١٤٧ من رواية عطاء الخراساني، عن ابن عباس.\nوذكره ابن حزم في \" المحلى\" ٩/ ٤٣١ من رواية عطاء الخراساني، عنه، به، وقال ٩/ ٤٣٣: وأما الرواية عن ابن عباس فضعيفة، والأظهر عنه خلاف ذلك.\nوذكره ابن حجر في \"فتح الباري\" ٥/ ٢٥٧ من رواية عطاء الخراساني عن ابن عباس، وعزاه لعبد الرزاق، وقال: وهو منقطع، ولم يصب من قال إنّه سند قويّ. وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ١٣١ عن ابن عباس، وعزاه لأبي داود في ناسخه وابن المنذر.\n(٢) رواه أبو عبيد في \"الناسخ والمنسوخ\" ١٤٧ - ١٤٨ عنهم جميعًا، إلا أنَّ قول قتادة من روايته عن الحسن وابن المسيب، وذكره ابن حزم في \"المحلى\" ٩/ ٤٣١ عن إبراهيم النخعي، والحسن، وسعيد بن المسيب في أحد قوليه.\nوقال ٩/ ٤٣٣: كل من رُوي عنه أنَّه لا تقبل شهادته وإن تاب فقد رُوي عنه قبولها إلا الحسن والنخعي فقط. اهـ.\nوقول شريح رواه أيضًا عبد الرزاق في \"تفسيره\" ٢/ ٥٢، وفي \"مصنفه\" ٧/ ٣٨٨، وابن أبي شيبة في \"مصنفه\" ٦/ ١٧١، وسعيد بن منصور في \"تفسيره\" (ل ١٥٨ أ)، والطبري ١٨/ ٧٨، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٧/ ١٣ ب - ١٤ أ، والبيهقي في \"السنن\" ١٠/ ١٥٦.\nولشريح قول آخر في قبول شهادته رواه البخاري في \"صحيحه\" (كتاب: الشهادتين - باب: شهادة القاذف، ٥/ ٢٥٥) معلقًا، ورواه موصولًا ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" ٦/ ١٦٩، والطبري ١٨/ ٧٨، وقال ابن حجر في \"فتح البارى\" ٥/ ٢٥٧: بإسناد صحيح.\nوقول إبراهيم رواه عبد الرزاق في \"مصنفه\" ٧/ ٣٨٧، وابن أبي شيبة ٦/ ١٧١، =","vol":"16","page":120},{"text":"وهذا قول من رأى أن التوبة إنما نسخت الفسق وحده (١)، وقالوا: إنه قضاء من الله أن (٢) لا تقبل شهادته أبدًا، وإنما توبته فيما بينه وبين الله.\nوقد رأى آخرون أنها نسخت الفسق وإسقاط الشهادة معًا (٣).\nروى علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ قال: فمن تاب وأصلح فشهادته في كتاب الله تقبل (٤).\nوروى محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب: أن\n_________\n= وسعيد بن منصور في \"تفسيره\" (ل ١٥٨ أ)، وابن الجعد في \"مسنده\" ٢/ ٣٢٣، والطبري ١٨/ ٧٩، وابن أبي حاتم ٧/ ١٤ ب، والبيهقي في \"السنن\" ١٠/ ١٥٦.\nوقول الحسن رواه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ٢/ ٥٢، وابن أبي شيبة في \"مصنفه\" ٦/ ١٧١ وسعيد بن منصور في \"تفسيره\" (ل ١٥٨ أ)، والطبري ١٨/ ٧٩، وابن أبي حاتم ٧/ ١٣ ب - ١٤ أ، والبيهقي في \"السنن\" ١٠/ ١٥٦.\nوعن قتادة رواه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ٢/ ٥٢ وفي \"مصنفه\" ٨/ ٣٦٣ والطبري ١٨/ ٧٩ من رواية عن الحسن، والطبري ١٨/ ٧٩ من رواية عن سعيد بن المسيب. ولقتادة قول آخر في قبول شهادته رواه عنه البخاري في \"صحيحه\" (كتاب: الشهادات باب: شهادة القاذف .. ٥/ ٢٥٥) معلقًا، ورواه موصولًا عبد الرزاق في \"مصنفه\" ٨/ ٣٦٢، والطبري في \"تفسيره\" ١٨/ ٧٨ من رواية عن ابن المسيب.\nوقول سعيد بن المسيب رواه عنه الطبري ١٨/ ٧٩. ولسعيد قول آخر في قبول شهادته رواه عنه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ٢/ ٥٣، وفي \"مصنفه\" ٧/ ٣٨٤، ٨/ ٣٦٢، والطبري ١٨/ ٧٨، وابن أبي حاتم ٧/ ١٤ ب، والبيهقي ١٠/ ١٥٣.\n(١) من قوله، وهذا قول .. إلى هنا. هذا كلام أبي عبيد في \"الناسخ\" ص ١٤٩ بنصَّه.\n(٢) في (ظ)، (ع) أي.\n(٣) من قوله: (وقد رأى .. إلى هنا). هذا كلام أبي عبيد في \"الناسخ\" ص ١٤٩ بنصَّه.\n(٤) رواه أبو عبيد في \"الناسخ والمنسوخ\" ص ١٤٩، والطبري ١٨/ ٨٠، والبيهقي في \"السنن\" ١٠/ ١٥٣ من رواية علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس به.","vol":"16","page":121},{"text":"عمر بن الخطاب ضرب الذين شهدوا على المغيرة بن شعبة، وهم: أبو بكرة (١)، وشبل بن معبد (٢)، ونافع بن الحارث بن كلدة (٣).\nثم قال لهم: من أكذب نفسه أجزت شهادته فيما استقبل ومن لم يفعل لم أجز شهادته. فأكذب شبل نفسه ونافع وتابا، وأبى أبو بكرة أن يفعل فكان لا تقبل شهادته (٤). وهذا قول الزهري (٥)، والقاسم بن\n_________\n(١) في (أ): (أبو بكر بن)، وهو خطأ. وهو: أبو بكرة، نفيع بن الحارث بن كلدة.\n(٢) هو: شبل بن معبد بن عبيد البجلي، الأحمسي. تابعي مخضرم، لم يصح له سماع من رسول الله -ﷺ-. وأمُّه سمية مولاة الحارث بن كلدة والدة أبي بكرة ونافع. \"الإصابة\" لابن حجر ٥/ ١٥٩.\n(٣) هو: نافع بن الحارث بن كلدة الثقفي، أبو عبد الله، أخو أبي بكرة لأمه. كان ممن نزل إلى رسول الله -ﷺ- من الطائف، وأمه سميَّة مولاة الحارث بن كلدة أم أبي بكرة وشبل وزياد. سكن البصرة. وهو أول من أفتلى -هكذا عند ابن سعد، وفي \"الإصابة\": اقتنى- الخيل بالبصرة؛ سأل عمر أرضًا ليست من أرض الخراج ولا تضر أحدًا يتخذها فضاءً لخيله، فأقطعه إياها.\n\"طبقات ابن سعد\" ٥/ ٥٠٧، ٧/ ٧٠، \"الإصابة\" لابن حجر ٣/ ٥١٤.\n(٤) ذكره الثعلبي ٣/ ٦٨ ب من رواية ابن إسحاق، به بهذا اللفظ.\nورواه الطبري ١٨/ ٧٦ من طريق ابن إسحاق، به، بنحوه.\nورواه البيهقي في \"السنن الكبرى\" ١/ ١٥٢ من طريق سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب بنحوه.\nقال ابن كثير في \"مسند عمر بن الخطاب\" ٢/ ٥٥٨ - بعد ذكره لهذه الطرق-: وهذه طرق صحيحة عن عمر -﵁-.\nورواه أبو عبيد في \"الناسخ والمنسوخ\" ص ١٤٩، وعبد الرزاق في \"تفسيره\" ٢/ ٥٢ - ٥٣، وفي \"مصنفه\" ٨/ ٣٦٢ من طريق محمد بن مسلم الطائفي، عن إبراهيم بن ميسرة، عن ابن المسيب بمعناه.\n(٥) رواه عنه أبو عبيد في \"الناسخ والمنسوخ\" ص ١٥٠، وعبد الرزاق في \"تفسيره\". ٢/ ٥٢، وابن أبي شيبة في \"مصنفه\" ٦/ ٩١٧٠. =","vol":"16","page":122},{"text":"محمد (١)، وسالم بن عبد الله (٢)، ومحارب بن دثار (٣)، وحبيب بن أبي ثابت (٤)، وابن أبي نجيح (٥)، وعطاء (٦)، وطاووس (٧)،\n_________\n= ورواه البخاري في \"صحيحه\" (كتاب: الشهادات - باب: شهادة القاذف ٥/ ٢٥٥) عنه معلقًا.\n(١) رواه عنه أبو عبيد في \"الناسخ والمنسوخ\" ١٥٠، وذكره عنه ابن حزم في \"المحلى\" ٩/ ٤٣٢.\n(٢) رواه عنه أبو عبيد في \"الناسخ والمنسوخ\" ١٥٠، وذكره عنه ابن حزم في \"المحلى\" ٩/ ٤٣٢.\n(٣) رواه عنه أبو عبيد في \"الناسخ والمنسوخ\" ص ١٥١.\nورواه البخاري في \"صحيحه\" (كتاب: الشهادات - باب: شهادة القاذف ٥/ ٢٥٥) معلقًا، ووصله ابن حجر في \"تغليق التعليق\" ٣/ ٣٨٠، عن محارب، عن رواية الكرابيسي في كتاب: القضاء.\nوذكره عنه ابن حزم في \"المحلى\" ٩/ ٤٣٢.\n(٤) رواه عنه أبو عبيد في \"الناسخ والمنسوخ\" ص ١٥٢ من روايته عن عبد الله بن عتبة. وذكره ابن حزم في \"المحلى\" ٩/ ٤٣٢ عن حبيب.\n(٥) رواه أبو عبيد في \"الناسخ والمنسوخ\" ص ١٥٢، والشافعي في \"الأم\" ٧/ ٨٢، والطبري ١٨/ ٧٧، والبيهقي في \"السنن\" ١٠/ ١٥٣.\n(٦) رواه أبو عبيد في \"الناسخ والمنسوخ\" (١٥٢٣)، وعبد الرزاق في \"مصنفه\" ٧/ ٣٨٣، وسعيد بن منصور في \"تفسيره\" (ل ١٥٧ ب) وابن أبي شيبة ٦/ ١٦٨، والطبري ١٨/ ٧٧، وابن أبي حاتم ٧/ ١٤ ب، والبيهقي في \"السنن\" ١٠/ ١٥٣.\n(٧) رواه عنه أبو عبيد في \"الناسخ والمنسوخ\" ص ١٥٢، وعبد الرزاق في \"مصنفه\" ٧/ ٣٨٣، وابن أبي شيبة في \"مصنفه\" ٦/ ١٦٨، والطبري ١٨/ ٧٧، والبيهقي في \"السنن\" ١٠/ ١٥٣ من طريق ابن نجيح عنه.\nورواه البخاري في \"صحيحه\" في الشهادات - باب: شهادة القاذف ٥/ ٢٥٥ عنه معلقًا، ووصله ابن حجر في \"تغليق التعليق\" ٣/ ٣٧٩ من رواية سعيد بن منصور وغيره.","vol":"16","page":123},{"text":"والشعبي (١)، وعكرمة (٢)، ومجاهد (٣)، وعبد الله (٤) بن عتبة (٥)،\n_________\n(١) رواه عنه أبو عبيد في \"الناسخ والمنسوخ\" ص ١٥١، وعبد الرزاق في \"مصنفه\" ٧/ ٣٨٨، ٣٦٩٣، والشافعي في \"الأم\" ٧/ ٨٩، وسعيد بن منصور في \"تفسيره\" (ل ٥٨ أ)، وابن أبي شيبة في \"مصنفه\" ٦/ ١٧٠، والطبري ١٨/ ٧٦، وابن أبي حاتم ٧/ ١٤ ب، والبيهقي في \"السنن\" ١٠/ ١٥٣.\nورواه عنه البخاري في \"صحيحه\" كتاب: الشهادات - باب: شهادة القاذف ٥/ ٢٥٥) معلقًا.\nووصله ابن حجر في \"تغليق التعليق\" ٣/ ٣٨٠ من رواية الطبري وغيره.\n(٢) رواه البخاري في الشهادات (باب: شهادة القاذف ٥/ ٢٥٥) عنه معلقًا.\nووصله ابن حجر في \"الفتح\" ٥/ ٢٥٧ وفي \"تغليق التعليق\" ٣/ ٣٨٠ من رواية علي بن الجعد، عن شعبة عن يونس بن عبيد، عن عكرمة.\nوهو في \"مسند علي بن الجعد\" ١/ ٦٠٠ من الرواية المذكورة.\nوذكره عنه ابن حزم في \"المحلى\" ٩/ ٤٣٢. وحكى عنه ٩/ ٤٣١ قولًا آخر أنه لا تقبل شهادته أبدًا وإن تاب.\n(٣) رواه عنه أبو عبيد في \"الناسخ والمنسوخ\" ص ١٥٢، وسعيد بن منصور في \"تفسيره\" (ل ١٥٧ ب)، وابن أبي شيبة في \"مصنفه\" ٦/ ١٦٨، والطبري ١٨/ ٧٧، والبيهقي في \"السنن\" ١٠/ ١٥٣ من رواية ابن أبي نجيح عنه.\nورواه البخاري في الشهادات (باب شهادة القاذف ٥/ ٢٥٥) عنه معلقًا.\nووصله ابن حجر في \"الفتح\" ٥/ ٢٥٧ وفي \"تغليق التعليق\" ٣/ ٣٧٩ من رواية سعيد بن منصور - وغيره.\n(٤) في (أ): (عبيد الله)، وهو خطأ.\n(٥) هو: عبد الله بن عتبة بن مسعود الهذلي، من أبناء المهاجرين. وابن أخي عبد الله بن مسعود. ولد في عهد النبي -ﷺ-، واختلف في رؤيته للنبي -ﷺ-. فقيل له رؤيه، وقيل: لم يره فهو تابعي.\nروى عن النبي -ﷺ-، وعن عمّه عبد الله، وعن أبي هريرة وغيرهم.\nقال ابن سعد: وكان ثقة، رفيعًا، كثير الحديث والفتيا، فقيهًا. توفي سنة ٧٤ هـ. \"طبقات ابن سعد\" ٥/ ٥٨، \"الكاشف\" للذهبي ٢/ ١٠٧، \"تهذيب التهذيب\" =","vol":"16","page":124},{"text":"والضحاك (١): وقول أهل الحجاز جميعًا (٢)، واختيار الشافعي -﵁- (٣).\nوالأول قول أهل العراق (٤)، واختيار أبي حنيفة -﵁- (٥).\nقال أبو عبيد: وكلا الفريقين إنما تأوّل الآية (٦)، فالذي لا يقبلها يذهب إلى أن الكلام انقطع من عند قوله ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ ثم استأنف فقال: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ فأوقع التوبة على الفسق خاصة دون الشهادة، وأما الآخرون فذهبوا إلى أن الكلام معطوف بعضه على بعض فقال ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾، ثم أوقعوا الاستثناء في التوبة على كل الكلام ورأوا (٧) أنَّه منتظم له.\n_________\n= ٥/ ٣١١، \"الإصابة\" ٢/ ٣٣٢.\nوقوله رواه عنه أبو عبيد في \"الناسخ والمنسوخ\" ص ١٥٣، وسعيد بن منصور في \"تفسيره\" (ل ١٥٨ أ)، وابن أبي شيبة في \"مصنفه\" ٦/ ١٧٠، والطبري ١٨/ ٧٨، والبيهقي في \"السنن\" ١٠/ ١٥٣.\nورواه عنه البخاري في الشهادات - باب: شهادة القاذف ٥/ ٢٥٥) معلقًا.\nووصله ابن حجر في \"فتح الباري\" ٥/ ٢٥٦، وفي \"تغليق التعليق\" ٣/ ٣٧٨ من رواية الطبري.\n(١) رواه عنه سعيد بن منصور في \"تفسيره\" (ل ١٥٨ أ)، والطبري ١٨/ ٧٨، والبيهقي في \"السنن\" ١٠/ ١٥٣.\n(٢) قوله: وهذا قول أهل الحجاز جميعًا. هذا كلام أبي عبيد في \"الناسخ والمنسوخ\" ص ١٥٣ بنصِّه.\n(٣) ذكره عنه الثعلبي ٣/ ٦٨ ب. وهو في \"الأم\" ٧/ ٨١.\n(٤) هذا كلام أبي عبيد في \"الناسخ والمنسوخ\" (١٥٣).\n(٥) انظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص ٣/ ٢٧٣، \"بدائع الصنائع\" ٦/ ٢٧١، \"تبيين الحقائق\" ٤/ ٢١٨ - ٢١٩.\n(٦) في \"الناسخ والمنسوخ\" لأبي عبيد ص ١٥٣: إنما تأول فيما نرى الآية.\n(٧) في (أ): (وراء).","vol":"16","page":125},{"text":"قال أبو عبيد: والذي يُختار هذا القول؛ لأن من قال به أكثر وأعلى، منهم عمر بن الخطاب فمن وراءه، مع أنه في النظر على هذا (١)، ولا يكون المتكلم بالفاحشة أعظم جرمًا من راكبها، ألا ترى أنهم لا يختلفون في العاهر أنه مقبول الشهادة إذا تاب، فراميه بها أيسر جرمًا إذا نزع عما قال وأكذب نفسه؛ لأن التائب من الذنب كمن لا ذنب له، وإذا قبل الله التوبة من عبده كان العباد بالقبول أولى.\nمع أن مثل هذا الاستثناء موجود في مواضع من القرآن؛ من ذلك: قوله ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ إلى قوله ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ [المائدة: ٣٣ - ٣٤] فليس يختلف المسلمون أن هذا الاستثناء ناسخ للآية من أولها، وأن التوبة لهؤلاء جميعًا بمنزلة واحدة.\nوكذلك قوله في الطهور حين قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ﴾ إلى قوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء: ٤٣] فصار التيمم لاحقًا بمن وجب عليه الاغتسال كما (٢) لحق من وجب عليه الوضوء، كذلك قوله: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ﴾ إلى آخر الآية كلام واحد بعضه معطوف على بعض وبعضه تابع بعضًا، ثم انتظمه الاستثناء وأحاط به. انتهى كلامه (٣).\nواختار أبو إسحاق هذا القول أيضًا، فقال: إذا استثنوا من الفاسقين خاصة (٤) فقد وجب قبول شهادتهم أيضًا؛ لأنهم قد زال عنهم اسم\n_________\n(١) في \"الناسخ والمنسوخ\": على هذا أصح.\n(٢) في جميع النسخ: (كمن)، والتصويب من \"الناسخ والمنسوخ\".\n(٣) \"الناسخ والمنسوخ\" لأبي عبيد ص ١٥٣ - ١٥٤ مع اختلاف في آخره.\n(٤) في المعاني: أيضًا.","vol":"16","page":126},{"text":"الفسق (١). قال: والقياس أيضًا هذا؛ لأن الله -﷿- يقول في الشهادات ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] فليس القاذف بأشد جرمًا من الكافر، فحقّه إذا تاب وأصلح أن تقبل شهادته، كما أن الكافر إذا أسلم وأصلح قبلت شهادته.\nفإن قال قائل: فما الفائدة في قوله ﴿أَبَدًا﴾؟ قيل: الفائدة أن الأبد لكل إنسان مقدار مدته في حياتهن ومقدار مدته فيما يتصل بقصته، فتقول: الكافر لا تقبل منه (٢) شيئًا أبدًا، معناه: ما دام كافرًا فلا تقبل منه شيئًا (٣)، وكذلك إذا قلت: القاذف لا تقبل منه شهادة أبدًا، فمعناه: ما دام قاذفًا، فإذا زال عنه الكفر فقد زال عنه أبده، وإذا زال عنه الفسق (٤) فقد زال أبده، لا فرق بينهم في ذلك (٥).\nوهذا الذي ذكره معنى قول الشافعي -﵁-: وإذا قبلتم توبة الكافر والقاتل عمدًا فكيف لا تقبلون شهادة القاذف وهو أحسن دينا! وقد قال الشعبي: يقبل الله توبته ولا تقبلون شهادته (٦).\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٣٢.\n(٢) (منه) ساقطة من (أ).\n(٣) عند الزجاج: لا يقبل منه شيء أبدًا، فمعناه: ما دام كافرًا فلا يُقبل منه شيء.\n(٤) في المطبوع من المعاني: القذف.\n(٥) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٣١ مع اختلاف يسير.\n(٦) \"الأم\" ٧/ ٤١ - ٤٢ مع اختلاف يسير.\nوقول الشعبي رواه عبد الرزاق في \"مصنفه\" ٧/ ٣٨٨، ٨/ ٣٦٣ وأبو عبيد في \"الناسخ والمنسوخ\" ص ١٥١، وسعيد بن منصور في \"تفسيره\" (ل ١٥٨ أ)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" ١٠/ ١٥٣.\nورواه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" ٦/ ١٧٠، والطبري ١٨/ ٧٧ بنحوه.","vol":"16","page":127},{"text":"واختلفوا في كيفية توبته: فقال طاووس: توبته أن يكذب نفسه (١).\nوقال عامر: توبته أن يقوم مثل مقامه يكذب (٢) نفسه (٣).\nوقال آخرون: التوبة منه كالتوبة من سائر الذنوب يندم على ما قال، ويستغفر منه، ويترك العود فيما بقي من العمر (٤).\nهذا كله إذا حدَّ بقذفه. فأما إذا لم يحد بعفو المقذوف عنه أو بموته قبل أن يطالب القاذف بحدٍّ أو لم يرفع إلى السلطان فإن شهادته تقبل. بهذا احتج الشافعي -رحمة الله عليه (٥) - فقال: هو قبل أن يحد شر منه [حين يحد] (٦) لأن الحدود كفارات فكيف تردونها في أحسن حاليه (٧). يعني بعد الحد والتوبة.\nقوله ﴿وَأَصْلَحُوا﴾ قال ابن عباس: يريد إظهار التوبة (٨).\n_________\n(١) رواه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" ٦/ ١٧٢، والطبري ١٨/ ٨٠، وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ١٣١ عن طاووس وغيره وعزاه لعبد بن حميد.\n(٢) في (ع): (مكذب)، وعند ابن أبي شيبة: فيكذب.\n(٣) رواه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" ٦/ ١٧٢ - ١٧٣ عنه بهذا الفظ، ورواه بنحو الطبري ١٨/ ٧٦، ٧٧، وابن أبي حاتم ٧/ ١٤ ب، والبيهقي في \"السنن\" ١٠/ ١٥٣.\n(٤) ذكر هذا الطبري ١٨/ ٨١، والثعلبي ٣/ ٦٨ب.\nوحكاه الطبري عن جماعة من التابعين وغيرهم ١٨/ ٧٧ - ٧٨، ٨١ وعن الإمام مالك بن أنس.\nقال الطبري ١٨/ ٨١: وهذا القول أولى القولين في ذلك بالصواب؛ لأن الله جعل توبة كل ذي ذنب من أهل الإيمان تركه العود فيه، والندم على ما سلف منه، واستغفار ربَّه منه فيما كان.\n(٥) في (ع): (﵁).\n(٦) ما بين المعقوفين ساقط من (أ).\n(٧) \"الأم\" ٧/ ٤١ - ٤٢.\n(٨) ذكر القرطبي ١٢/ ١٨٢ هذا القول ولم ينسبه لأحد.","vol":"16","page":128},{"text":"وقال مقاتل: وأصلحوا العمل فليسوا بفساق (١).\n﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ قال ابن عباس: ﴿غَفُورٌ﴾ لذنبهم، يعني لقذفهم ﴿رَحِيمٌ﴾ بهم حيث تابوا (٢).\n\"فلما نزلت هذه الآية قرأها النبي -ﷺ- على الناس في خطبة (٣) يوم الجمعة، فقال عاصم بن عدي الأنصاري (٤) - للنبي -ﷺ-: جعلني الله فداك، لو أن رجلًا منا وجد على بطن امرأته رجلًا (٥)، فتكلم وأخبر بما رأى جلد (٦) ثمانين جلدة، وسماه المسلمون فاسقًا، ولا تقبل له شهادة أبدًا، فكيف لأحدنا عند ذلك بأربعة شهداء؟ إلى أن يلتمس أربعة شهداء فقد فرغ الرجل من حاجته! فقال النبي -ﷺ-: \"كذلك أنزلت يا عاصم بن عدي\". فخرج عاصم سامعًا مطيعًا، فلم يصل إلى منزله حتى استقبله هلال بن أمية يسترجع، فقال: ما وراءك؟ فقال: شر! وجدت شريك بن السحماء (٧) على\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٣٤ ب.\n(٢) ذكر القرطبي ١٢/ ١٨٢ الشطر الأخير منه، ولم ينسبه لأحد.\n(٣) في (أ)، (ظ): (خطبته)، والمثبت من (ع)، وتفسير مقاتل.\n(٤) هو: عاصم بن عدي بن الجدِّ بن العجلان البلوي، حليف الأنصار. كان سيد بني عجلان. شهد أحدًا والخندق والمشاهد كلها مع رسول الله -ﷺ-، ولم يشهد بدرًا؛ لأن النبي -ﷺ- استخلفه على العالية من المدينة وضرب له رسول الله -ﷺ- بسهمه فيها. توفي في خلافة معاوية سنة ٤٥ هـ وقد جاوز المائة.\n\"طبقات ابن سعد\" ٣/ ٤٦٦، \"الاستيعاب\" ٢/ ٧٨١، \"أسد الغابة\" ٣/ ٧٥، \"الكاشف\" للذهبي ٢/ ٥١، \"الإصابة\" ٢/ ٢٣٧.\n(٥) (رجلًا) ساقط من (ط)، (ع).\n(٦) في (أ): (فجلد)، وفي (ظ): (يجلد)، والمثبت من (ع) وتفسير مقاتل.\n(٧) في (ظ)، (ع): (السمحاء)، وهو خطأ.\nوهو: شريك بن عبدة بن مغيث بن الجد بن العجلان البلوي، حليف الأنصار. =","vol":"16","page":129},{"text":"بطن امرأتي خولة (١) يزني بها!. وهي (٢) خولة بنت (٣) عاصم (٤). قال: هذا - والله (٥) سؤالي النبي -ﷺ- أنفًا. فرجع إلى النبي -ﷺ- وأخبره (٦) هلال بن أمية بالذي كان، فبعث إليها، فقال: \"ما يقول زوجك\"؟ فقالت: يا رسول الله إنّه رآني وشريكًا نطيل السهر ونتحدث، فلا أدري أدركته المغيرة أو بخل علي بالطعام؟ فأنزل الله آية اللعان ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾.\nوهذا قول ابن عباس في رواية جويبر، عن الضحاك، عنه (٧).\n_________\n= وسحماء -بفتح السين وسكون الحاء- أمه. يقال إنه سعد مع أبيه أحدًا. \"الاستيعاب\" ٢/ ٧٠٥، \"أسد الغابة\" ٥/ ٦٦، \"الإصابة\" ٢/ ١٤٧.\n(١) (خولة) ساقطة من (ع).\n(٢) (وهي) ساقطة من (أ)، وفي (ظ): (وخولة)، فسقط منها: هي.\n(٣) في (ع): (ابن)، وهو خطأ.\n(٤) ذكرها بهذا الاسم ابن حجر في \"الإصابة\" ٤/ ٢٨٥ وأشار إلى قصة اللعان وقال: لها ذكر ولا يعرف لها رواية. قاله ابن منده.\n(٥) (والله) ليس في (ظ)، (ع).\n(٦) في (ع): (فأخبره).\n(٧) ما ذكره الواحدي جاء من عدة روايات مختلفة فأدخل المصنف بعضها على بعض وساقها مساقًا واحدًا، فأول الرواية إلى قوله \"فرغ الرجل من حاجته\" نصُّ رواية مقاتل في \"تفسيره\" ٢/ ٣٤ ب، وذكرها الثعلبي في \"تفسيره الكشف والبيان\" ٣/ ٧٠ أ، وصدّرها بقوله: قال ابن عباس في سائر الروايات ومقاتل.\nوأما بقية الرواية من قوله: هكذا أنزلت إلى آخر الرواية، فهذا نصّ رواية جويبر، عن الضحاك، عن ابن عباس والتي أخرجها الواحدي في \"تفسيره الوسيط\" ٢/ ٣٠٥ - ٣٠٦ بسنده إلى جويبر، عن الضحاك عن ابن عباس.\nلكن وقع في الرواية التي ساقها الواحدي في \"الوسيط\" أن المرأة قالت: يا رسول الله، إن ابن السحماء كان يأتينا في منزلنا فيتعلم الشيء من القرآن، فربما تركه عندي وخرج زوجي ولم ينكر علي ساعة من ليل ولا نهار، فلا أدري أدركته الغيرة، .. والرواية المذكورة هنا فيها: إنه رآني وشريكًا نطيل السهر ونتحدث. =","vol":"16","page":130},{"text":"وقال مقاتل (١)، وآخرون (٢): الذي وجد امرأته مع شريك بن\n_________\n= وهذه اللفظة في تفسير الثعلبي \"الكشف والبيان\" ٣/ ٧٠ أ. وأخذها المصنف من تفسير الثعلبي وأدخلها على رواية جويبر.\nورواية جويبر، عن الضحاك، عن ابن عباس رواية شديدة الضعف سندًا غريبة متنًا، فأما ضعفها سندًا فلأنها من رواية جويبر عن الضحاك عن ابن عباس، وجويبر هذا قال عنه الذهبي في \"المغني\" في \"الضعفاء\" ١/ ١٣٨: قال الدارقطني وغيره: متروك. وقال ابن حجر في \"تقريب التهذيب\" ١/ ٣٦: ضعيف جدًا.\nكما أن في سندها انقطاعًا فإن الضحاك لم يلق ابن عباس كما قال ذلك الأئمة. انظر: \"تهذيب التهذيب\" لابن حجر ٤/ ٤٥٣ - ٤٥٤.\nأما غرابة المتن فلأن فيه: \"فخرج عاصم سامعًا مطيعًا فاستقبله هلال\" والمعروف في الروايات الصحيحة كما سيأتي أن الذي لقي عاصمًا هو عويمر ابن عمه.\nولذلك قال الزيلعي في تخريجه لأحاديث \"الكشاف\" ٢/ ٤٢١ بعد ذكره الرواية التي ساقها الزمخشري في \"الكشاف\" وهي نحو الرواية المذكورة هنا-: غريب بهذا السياق، وفيه تخليط، فإن حديث عاصم بن عدي رواه البخاري ومسلم عن ابن عباس من غير هذا الوجه، وروى مسلم أوله عن ابن مسعود وليس فيه ذكر الأسامي.\nوقصة شريك وهلال رواها مسلم، وليس فيها ذكر عاصم وغيره.\nثم قال الزيلعي: ونقله الثعلبي يعني الرواية التي ساقها صاحب \"الكشاف\" هكذا بتمامه عن ابن عباس.\nقال ابن حجر في كتابه تخريج أحاديث \"الكشاف\" معلقًا على قول الزيلعي الأخير وكأنه من رواية الكلبي عن أبي صالح عنه، والمحفوظ عن ابن عباس بغير هذا السياق وهو متفق عليه وليس فيه تسميتهم.\nوكلام ابن حجر يدل على أنه لم يطلع على رواية جويبر هذه. والله أعلم.\nولما ذكر القرطبي رواية الواحدي هنا قال: والصحيح خلافه. يعني أن عاصمًا استقبله هلال بن أمية ١٢/ ١٨٤.\n(١) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٣٤ أ.\n(٢) هذا قول مقاتل بن حيان: انظر: \"تفسير ابن أبي حاتم\" ٧/ ١٦ ب.","vol":"16","page":131},{"text":"السحماء (١): عويمر (٢) ابن عم لعاصم بن عدي، وامرأته خولة بنت قيس بن محصن (٣). وكان عويمر وخولة وشريك كلهم بني عم عاصم.\nوأما قصة هلال بن أمية: فروى عكرمة، عن ابن عباس قال: لمَّا نزلت ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ قال سعد بن عبادة: أهكذا نزلت يا رسول الله؟ فقال رسول الله -ﷺ-: \"يا معشر الأنصار ألا تسمعون إلى ما يقول سيدكم\"؟ فقال سعد: والله -يا رسول الله- إني لأعلم (٤) أنها حق وإنّها من الله.\nثم ذكر نحو حديث عاصم لرسول الله -ﷺ-، فما لبثوا إلا (٥) يسيرًا حتى جاء هلال بن أمية -وهو أحد الثلاثة الذين تيب عليهم- فقذف امرأته بشريك بن عبدة، وأمه السحماء، فقال رسول الله -ﷺ-: \"البينة وإلا حد في ظهرك\". فقال هلال: والذي بعثك بالحق إني لصادق، ولينزلن في أمري ما يبرئ ظهري من الحد. فنزلت آية اللعان (٦).\n_________\n(١) في (ظ)، (ع): (السمحاء). وهو خطأ.\n(٢) هو: عويمر بن أبي أبيض العجلاني، ويقال: هو عويمر بن الحارث بن زيد بن جابر بن الجدَّ بن العجلان، وأبيض لقب لأحد آبائه. \"الإصابة\" ٣/ ٤٥.\n(٣) نقل هذا ابن حجر في \"الفتح\" ٩/ ٤٤٨ عن القرطبي عن مقاتل بن سليمان. ولم أجد من ترجم لخولة هذه.\n(٤) في (أ): (لا أعلم)، وهو خطأ.\n(٥) (إلا) ساقط من (ع).\n(٦) قصة هلال بن أمية التي ساقها هنا الواحدي من رواية عكرمة عن ابن عباس قد جاءت من طرق عن عكرمة عن ابن عباس، لكن الواحدي أدخل بعض الروايات على بعض وساقها مساقًا واحدًا، فمن قوله \"لما نزلت\" .. إلى قوله: \"وكان أحد الثلاثة\" رواه االإمام أحمد في \"مسنده\" ٤/ ٦ - ٩ طبعة شاكر وأبو داود في \"سننه\" =","vol":"16","page":132},{"text":"وقال الكلبي: الذي وجد امرأته مع شريك هو عاصم بن عدي، رجع يومًا إلى أهله فوجده على بطن امرأته، فأتى النبي -ﷺ- وأخبره بما رأى فنزل آية اللعان (١).\nوهذه ثلاثة أقوال في الواجد امرأته مع رجل:\nأحدها (٢): أنه هلال بن أمية.\nوالثاني: أنه عويمر العجلاني.\nوالثالث: أنه عاصم (٣).\n_________\n= كتاب: الطلاق- باب: في اللعان ٦/ ٣٤٤ - ٣٤٧، وأبو يعلى في \"مسنده\" ٥/ ١٢٤ - ١٢٧، والطبري في \"تفسيره\" ١٨/ ٨٢ - ٨٣، وابن أبي حاتم (ج ٣ ل ١٥ أ)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" ٧/ ٣٩٤، والمصنف الواحدي في \"أسباب النزول\" ص ٢٦٢ كلهم من طريق عباد بن منصور، عن عكرمة، عن ابن عباس به. قال الحافظ المنذري في كتابه \"مختصر سنن أبي داود\" ٣/ ١٦٩: في إسناده عبّاد بن منصور، وقد تكلَّم فيه غير واحد، وكان قدريًا داعية.\nوقال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" ٥/ ١٢ - بعد ذكره لرواية أبي يعلى-: ومداره على عبّاد بن منصور وهو ضعيف.\nوقال في \"مجمع الزوائد\" ٧/ ٧٤: رواه أحمد وفيه عباد بن منصور وهو ضعيف، وقد وثق.\n(١) ذكره الرازي في \"تفسيره\" ٢٣/ ١٦٥: من رواية الكلبي عن ابن عباس. وروايات الكلبي لا يعتمد عليها.\n(٢) في (أ): (أحدهما).\n(٣) حكى ابن حجر في \"الفتح\" ٨/ ٤٥١ هذا القول ثم قال: فيه نظر لأنَّه ليس لعاصم فيه قصة، وإنما الذي وقع من عاصم نظير الذي وقع من سعد بن عبادة. اهـ.\nومما يدل على ما قاله ابن حجر ما أخرجه الطبراني في \"الأوسط\" كما في \"مجمع البحرين في زوائد المعجمين\" للهيثمي ٤/ ٢٤٠ عن عاصم بن عدي أنه كان عند رسول الله -ﷺ- فلما نزلت هذه الآية ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ فقلت. يا رسول الله: =","vol":"16","page":133},{"text":"واتفقوا على أن الموجود زانيًا هو شريك. والأظهر أن الواجد كان عويمر لكثرة ما روي أن النبي -ﷺ- لاعن بين العجلاني وامرأته (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2853>٦ </span>- فأما قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ أي بالزنا ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ﴾ يشهدون على صحة ما قالوا ﴿إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾ وتقرأ (أربع شهادات) بالنصب (٢).\nقال أبو إسحاق: من قرأ بالرفع فعلى خبر الابتداء، المعنى: فشهادة أحدهم التي تدرأ حدّ القاذف أربع، والدليل على هذا قوله ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا\n_________\n= حتى يأتوا بأربعة شهداء قد قضى الخبيث حاجته، قال: فما قام حتى جاء ابن عمه أخي أبيه، وامرأته تحمل صبيًا وهي تقول: هو منك، وهو يقول: ليس منه، فأنزلت آية اللعان. قال: فأنا أول من تكلم به وأول من ابتلي به.\nقال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" ٥/ ١٢ - ١٣: ورجاله رجال الصحيح.\n(١) ذكر ابن حجر في \"الفتح\" ٨/ ٤٠٥ اختلاف العلماء فيمن نزلت فيه آية اللعان، فقال: وقد اختلف الأئمة في هذا الموضع: فمنهم من رجَّح أنَّها نزلت في شأن عويمر، ومنهم من رجَّح أنها نزلت في شأن هلال، ومنهم من جمع بينهما بأن أول من وقع له ذلك هلال وصادف مجيء عويمر أيضًا فنزلت في شأنهما معًا في وقت واحد. وقد جنح النووي إلى هذا، وسبقه الخطيب .. ويؤيد التعدد أن القائل في قصة هلال سعد بن عبادة. والقائل في قصة عويمر عاصم بن عدي .. ولا مانع أن تتعدد القصص ويتحد النزول. اهـ.\nوذكر ابن حجر أنَّ النووي نقل عن الواحدي أن أظهر هذه الأقوال أنه عويمر، ثم تعقبه بقوله ٨/ ٤٥١: وأما قول النووي تبعًا للواحدي وجنوحه إلى الترجيح فمرجوح، لأن الجمع مع إمكانه أولى من الترجيح.\n(٢) قرأ حمزة والكسائي وحفص \"أربع\" رفعًا، وقرأ الباقون بالنصب.\nانظر: \"السبعة\" لابن مجاهد ص ٤٥٢ - ٤٥٣، \"التسيير\" للداني ص ١٦٢ و\"الغاية\" لابن مهران النيسابوري ص ٢١٨، و\"النشر\" لابن الجزري ٢/ ٣٣٠.","vol":"16","page":134},{"text":"الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ﴾. ومن نصب أربعًا فالمعنى: فعليهم أن يشهد أحدهم أربع شهادات، [وعلى معنى: فالذي يدرأ عنهم (١) العذاب أن يشهد أحدهم أربع شهادات] (٢). بالله. هذا كلامه (٣).\nوشرحه أبو علي -وزاد فيه- فقال: من نصب قوله (أربع شهادات) نصبه بالشهادة، وينبغي أن يكون قوله ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ﴾ مبنيًّا على ما يكون مبتدأ (٤) تقديره: فالحكم أو فالفرض (٥) أن يشهد أحدهم أربع شهادات، أو فعليهم أن يشهدوا. وإن شئت حملته على المعنى؛ لأن المعنى: يشهد أحدهم، فقوله (باللهِ) يجوز أن يكون من صلة الشهادة ومن صلة الشهادات إذا نصبت الأربع، وقياس من أعمل الثاني. يعني حيث يجتمع فعلان لا في هذه الآية (٦). أن يكون قوله (باللهِ) من صلة شهادات وحذف من الأول لدلالة الثاني عليه، كما تقول: ضربت وضربني زيد.\nومن رفع فإن الجار والمجرور من صلة شهادات، ولا يجوز أن يكون من صلة شهادة لأنك إن وصلتها بالشهادة فقد فصلت بين الصلة والموصول ألا ترى أنَّ الخبر الذي هو أربع شهادات يفصل (٧).\nوقوله: ﴿إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ في قول من نصب (أربع شهادات) يجوز\n_________\n(١) في \"معاني القرآن\": عنها، وهو خطأ.\n(٢) ما بين المعقوفين ساقط من (أ).\n(٣) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٣٢ - ٣٣.\n(٤) (مبتدأ) ساقط من (ع).\n(٥) في (ع): (الفرض).\n(٦) قوله: (يعني .. الآية) هذا من كلام الواحدي.\n(٧) في (أ): (تفضيل).","vol":"16","page":135},{"text":"أن يكون من صلة (شهادة أحدهم)، فتكون الجملة التي هي من ﴿إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ في موضع نصب؛ لأن الشهادة كالعلم فتتعلق بها (إنَّ) كما تتعلق بالعلم، والجملة في موضع نصب بأنه مفعول به، و(أربع شهادات) تنتصب انتصاب المصدر. ومن رفع (أربع شهادات) لم يكن قوله (١) ﴿إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ في موضع نصب إلَّا من صلة شهادات دون صلة شهادة؛ لأنك إن جعلته من صلة شهادة) فصلت بين الصلة والموصول (٢).\nوأما تفسير قوله: ﴿أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [النور: ٨]:\nفروى عكرمة، عن ابن عباس: أن هلال بن أمية لما قذف زوجته بشريك بن السحماء أراد رسول الله -ﷺ- أن يأمر بضربه إذ نزل عليه الوحي، فقال: \"أبشر يا هلال قد جعل الله لك فرجًا ومخرجًا\". فقال هلال: قد كنت أرجو ذاك من ربي. فقال رسول الله -ﷺ-: \"أرسلوا إليها\" فأرسلوا إليها فجاءت، فتلاها رسول الله -ﷺ- عليهما، وأخبرهما أن عذاب الآخرة أشد من عذاب الدنيا. فقال هلال (٣): والله يا رسول الله لقد صدقت عليها: فقالت: كذب. فقال رسول الله -ﷺ-: \"إنّ الله يعلم أن أحدكما كاذب فهل منكما تائب؟ \" فقال هلال: صدقت (٤)، وما قلت إلَّا حقًّا.\nفقال رسول الله -ﷺ-: \"لاعنوا بينهما\"، فقيل لهلال: اشهد. فشهد أربع\n_________\n(١) في جميع النسخ: (كقوله)، والتصويب من الحجة.\n(٢) \"الحجة\" لأبي علي الفارسي ٥/ ٣١٠ - ٣١١. مع اختلاف يسير.\nوانظر: \"الكشف\" ٢/ ١٣٤، و\"مشكل إعراب القرآن\" ٢/ ٥٠٩ كلاهما لمكي بن أبي طالب، \"البيان\" للأنباري ٢/ ١٩٢، \"الدر المصون\" للسمين ٨/ ٣٨٥ - ٣٨٦.\n(٣) (هلال) ساقطة من (أ).\n(٤) (صدقت) ساقط من (أ).","vol":"16","page":136},{"text":"شهادات بالله إنه لمن الصادقين فلما كان في الخامسة قيل لهلال (١): يا هلال، اتق الله فإن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، وإنّ هذه الموجبة التي توجب عليك العذاب. فقال: والله لا يعذبني (٢) عليها كما لم يجلدني عليها رسول الله -ﷺ- فشهد الخامسة أنّ لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين. ثم قيل لها: اشهدي فشهدت أربع شهادات إنه لمن الكاذبين. فلما كانت الخامسة قيل لها: اتقي الله. كما قيل لهلال، فتلكأت ساعة، ثم قالت: لا أفضح قومي سائر (٣) اليوم، فشهدت الخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين، ففرّق رسول الله -ﷺ- بينهما، وقضى أن لا يدعى ولدها لأب، ولا ترمى هي ولا يرمى ولدها، ومن رماها أو رمى ولدها فعليه الحد.\n[قال عكرمة] (٤): فكان بعد ذلك أميرًا على مصر ولا يدعى لأب (٥).\n_________\n(١) (لهلال) ساقطة من (أ)، وفي (ع) له.\n(٢) في (ع): (عذبني).\n(٣) (سائر) ساقطة من (ع).\n(٤) ما بين المعقوفين ساقط من (ظ)، (ع).\n(٥) رواه الإمام أحمد في \"مسنده\" ٤/ ٦ - ٩ طبعة شاكر، وأبو داود في \"سننه\" (كتاب: الطلاق - باب: في اللعان ٦/ ٣٤٤ - ٣٤٧)، وأبو يعلى في \"مسنده\" ٥/ ١٢٤ - ١٢٧، والطبري في \"تفسيره\" ١٨/ ٨٢ - ٨٣، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ١٥ أ - ب، ١٦ أ، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" ٧/ ٣٩٤ كلهم من طريق عبّاد بن منصور، عن عكرمة، عن ابن عباس به.\nوقال الحافظ المنذري في كتابه \"مختصر سنن أبي داود\" ٣/ ١٦٩: في إسناده عبَّاد ابن منصور، وقد تكلم فيه غير واحد، وكان قدريًا داعية.\nوقال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" ٥/ ١٢ بعد ذكره الرواية أبي يعلى: ومداره على عبّاد بن منصور وهو ضعيف. =","vol":"16","page":137},{"text":"وأما من قال إن القاذف زوجته بالزنا هو عويمر بن أمية، قال: لما نزلت (١) آيات (٢) اللعان قال رسول الله -ﷺ- للزوج والمرأة: \"قوما فاحلفا بالله\"، فقام الزوج عند المنبر في صلاة العصر يوم الجمعة قال: أشهد بالله إن خولة لزانية، وإني لمن الصادقين، وقال في الثانية: أشهد بالله إني رأيت شريكًا على بطنها وإني لمن الصادقين، ثم قال في الثالثة: أشهد بالله إنها حبلى من غيري وإني لمن الصادقين، ثم قال في الرابعة: أشهد بالله أني ما قربتها منذ أربعة أشهر وإنّي (٣) لمن الصادقين، ثم قال في الخامسة: لعنة الله على عويمر إن كان من الكاذبين عليها في قوله.\nثم قامت خولة مقام زوجها فقالت: أشهد بالله ما أنا بزانية وإن زوجي لمن الكاذبين، أشهد بالله أنه (٤) ما رأى شريكًا على بطني وإنه لمن الكاذبين، أشهد الله إنّي حبلى منه وإنّه لمن الكاذبين، أشهد بالله أنه ما رآني على فاحشة قط وإنه لمن الكاذبين، ثم قالت في الخامسة: غضب الله على خولة إن كان من الصادقين. ففرّق رسول الله -ﷺ- بينهما (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2854>٧ </span>- قوله تعالى ﴿وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ قال ابن عباس: وذلك أن الرجل يذكر أنه رأى مع امرأته رجلًا أربع مرات، ثم\n_________\n= وذكره في موطن آخر من \"الزوائد\" مختصرًا ٧/ ٧٤ ثم قال: رواه أحمد وفيه عبّاد بن منصور وهو ضعيف، وقد وثق.\n(١) في (ظ)، (ع): (لما نزل).\n(٢) في (ع): (آية).\n(٣) في (أ): (إنّي).\n(٤) في (ع): (أن).\n(٥) هذا نصُّ ما ذكره مقاتل في \"تفسيره\" ٢/ ٣٤ ب.","vol":"16","page":138},{"text":"يقول في الخامسة: اللهم ألعنه إن كان كذب عليها. وقرأ نافع (أن) مخففة (لعنة الله) بالرفع (١).\nقال أبو الحسن: لا أعم الثقيلة إلا أجود في العربية؛ لأنك إذا خففت فالأصل عندك التثقيل فتخفف وتضمر، فأن تجيء بما عليه في المعنى ولا تكون أضمرت ولا حذفت شيئًا أجود، وكذلك ﴿أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [يونس: ١٠] وجميع ما في القرآن مما يشبه هذا (٢).\nقال أبو علي: فأمّا قراءة نافع فقال سيبويه (٣): لا تخفف (أن) في الكلام أبدًا وبعدها الأسماء إلا وأنت تريد الثقيلة على إضمار القصة فيها كقوله: ﴿أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.\nوعلى هذا قول الأعشى (٤):\n_________\n(١) وقرأ الباقون بتشديد النون ونصب \"لعنة\". \"السبعة\" لابن مجاهد ص ٤٥٣، و\"التيسير\" للداني ص ١٦١ و\"الغاية\" لابن مهران ٢١٨، و\"النشر\" ٢/ ٣٣٠.\n(٢) نقل الواحدي هذا الكلام عن أبي الحسن الأخفش من كتاب \"الحجة\" لأبي علي الفارسي ٥/ ٣١٤، وقد ورد نحو هذا الكلام في \"معاني القرآن\" للأخفش ١/ ٢٩٣.\n(٣) انظر: \"الكتاب\" ٣/ ١٦٣ - ١٦٤.\n(٤) هذا عجر بيت للأعشى من معلّقته، وصدره:\nفي فتية كسيوف الهند قد علموا\nوقبله:\nوقد غدوت إلى الحانوت يتبعن ... شاو مشل شلول شلشل شول\nيقول: إنّه غدًا إلى بيت الخمَّار معه غلام يشوي اللحم، خفيف في عمله، في فتية كريمة يهينون مالهم من اللذات إذ هم على ثقة أنَّهم ميتون، فهم يبادرون اللذات قبل أن يخترمهم الأجل.\nوشطر البيت مع صدره في \"الكتاب\" ٣/ ١٦٤ منسوبًا للأعشى، و\"معاني القرآن\" =","vol":"16","page":139},{"text":"أن هالك كل من يحفى وينتعل\nوإنما خففت الثقيلة المفتوحة على إضمار القصة والحديث (١). وقد ذكرنا هذا في مواضع.\nقال ابن عباس: فإذا قال الرجل ذلك وقع العذاب عليها [إلا أن تحلف أربع مرات كما حلف إنه لمن (٢) الكاذبين عليّ، فذلك قوله] (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2855>٨ </span>- ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ﴾ [أي ويدفع عنها الحد] (٤) ﴿أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ تقول المرأة أربع مرات (٥): أشهد بالله إنه لمن الكاذبين فيما قذفني به (٦)؛ وتقول في الخامسة: علي غضب الله إن كان من الصادقين، فذلك قوله:\n<span data-type=\"title\" id=toc-2856>٩ </span>- ﴿وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾.\n_________\n= للأخفش ٢/ ٥١٨ مع صدره من غير نسبة، و\"الخصائص\" لابن جني ٢/ ٤٤١ من غير نسبة، و\"الخزانة\" للبغدادي ٣/ ٥٤٧، ٤/ ٣٥٦، و\"المقاصد النحوية\" ٢/ ٢٨٧.\n(١) \"الحجة\" لأبي علي الفارسي ٥/ ٣١٤ - ٣١٥.\nقال السمين الحلبي: ٨/ ٣٨٧: فعلى قراءته -يعني نافعًا- يكون اسم \" أن\" ضمير الشأن ..، و\"لعنة الله\" مبتدأ، و\"عليه\" خبرها. والجملة في محل خبر \"أنّ\" أيضًا. وانظر: \"معاني القرآن\" للأخفش ٢/ ٥١٨، \"حجة القراءات\" لابن زنجلة ص ٤٩٦، \"الكشف\" لمكي ٢/ ١٣٤.\n(٢) في (ع): (من).\n(٣) ما بين المعقوفين ساقط من (ط).\n(٤) ما بين المعقوفين ساقط من (ع).\n(٥) في (ع): (شهادات).\n(٦) (به) ساقطة من (أ).","vol":"16","page":140},{"text":"وقرأ حفص عن عاصم (وَالْخَامِسَةَ) نصبًا (١) بالحمل على ما في الكلام من معنى الفعل كأنه: ويشهد الخامسة، يضمر هذا الفعل لأن في الكلام دلالة عليها. ولم يختلفوا في (وَالْخَامِسَةَ) الأولى أنها مرفوعة، وذلك أنه لا يخلو من أن يكون ما قبله من قوله ﴿أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ﴾ مرفوعًا أو منصوبًا. فإن كان مرفوعًا أتبع الرَّفع ويكون محمولًا على ما قبلها من الرفع. وإن كان منصوبًا قطع عنه ولم يحمل على النصب، وحمل الكلام على المعنى، لأن معنى (٢) قوله: ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ﴾: عليهم أربع شهادات وحكمهم أربع شهادات والخامسة فتحمله على هذا، كما أنَّ قوله:\nإلاَّ رواكد جمرهن هباء (٣).\n_________\n(١) وقرأ الباقون \"والخامسة\" رفعًا. \"السبعة\" لابن مجاهد ص ٤٥٣، و\"التيسير\" للداني (١٦١)، و\"الغاية\" لابن مهران النيسابوري ص ٢١٨، و\"النشر\" لابن الجزري ١/ ٣٣٠.\n(٢) في (ع): (المعنى).\n(٣) ورد هذان الشطران في \"الكتاب\" لسيبويه ١/ ١٧٣ - ١٧٤ مع شطريهما، من غير نسبة لأحد. والبيتان هما:\nبادت وغير أيهن مع البلى ... إلا رواكد جمرهن هباء\nومشجج أما سواء قذاه ... فبدا وغير ساره المعزاء\nوالبيتان أيضًا غير منسوبين في \"معاني القرآن\" للزجاج، و\"إعراب القرآن\" للنحاس ١/ ٢٨٨ - ٢٨٩، وهما في \"الخزانة\" ٢/ ٣٤٨.\nوالبيت الثاني في \"اللسان\" ٢/ ٣٠٤ \"شجج\" من غير نسبة.\nوقد نسب البيتان للشمَّاخ كما في ملحق \"ديوان الشمَّاخ\" ص ٤٢٧ - ٤٢٨.\nونُسب البيت الثاني لذي الرمة كما في ملحق \"ديوانه\" ٣/ ١٨٤٠.\nومعنى: بادت هلكت، وغيَّر أيهن: أي علامتهن، والمراد بالرواكد أحجار =","vol":"16","page":141},{"text":"معناه: ثم رواكد. فحمل قوله:\nومشجج أما سواء قذاله (١).\nعليه ويجوز في القياس نصب (الخامسة) الأولى رفع (أربع شهادات) أو نُصب. فإن نصب فبالعطف على المنصوب، وإن رفع فعلى المعنى، لأن معنى ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ﴾ يشهد أحدهما أربع شهادات ويشهد الخامسة.\nفتنصبه (٢) بما في الكلام من الدلالة على هذا الفعل (٣).\nوقرأ نافع (أن) مخففة (غضب الله) على الفعل (٤). و(أن) هاهنا هي المخففة من الثقيلة، وأهل العربية يستقبحون أن تلي الفعل حتى يفصل\n_________\n= الأثفية، وهبا الرماد يهبو إذا اختلط بالتراب. وقوله: ومشجح، المراد به وتد الخباء الذي شج رأسه من الدَّق، وقذاله: أعلاه، وغير ساره: أي بقيته، والمعزاء: البقعة من الأرض التي يخالط ترابها حصى وحجارة.\nيقول: لم يبق من آثار الأحباب سوى أحجار الأثافي ورمادها المختلط بالتراب ووتد الخباء المكسور الرأس المتغير بطول بقائه في الأرض.\nانظر: \"اللسان\" ٢/ ٣٠٤ (شجج) ١١/ ٥٥٣ (قذل)، ٤/ ٣٣٩ (شار). \"تاج العروس\" للزبيدي ١٥/ ٣٣٧ (معز)، \"شرح شواهد الكشاف\" ص ٣٢٢.\n(١) المرجع السابق نفسه.\n(٢) في (أ): (فنصبه).\n(٣) \"الحجة\" لأبي علي الفارسي ٥/ ٣١١ - ٣١٤ مع تصرَّف يسير. وانظر في توجيه القراءتين أيضًا: \"حجة القراءات\" لابن زنجلة ص ٤٩٥، \"الكشف\" لمكي ٢/ ١٣٥.\n(٤) قرأ نافع \"أن\" مخففة وكسر الضاد في \"غضب\" ورفع الهاء من اسم الله. وقرأ الباقون بتشديد النون وفتح الضاد وجر الهاء.\n\"السبعة\" لابن مجاهد ص ٤٥٣، و\"اليسير\" للداني ص ١٦١، و\"الغاية\" لابن مهران ص ٢١٨، و\"النشر\" لابن الجزري ٢/ ٣٣٠.","vol":"16","page":142},{"text":"بينها (١) وبين الفعل شيء. ويقولون: يستقبح أن تخفف ويحذف ما تعمل فيه وأن تلي ما لم تكن تليه من الفعل بلا حاجز بينهما، فتجتمع هذه الاتساعات فيها. فإن فصل بينها وبين الفعل بشيء لم يستقبحوا ذلك، كقوله ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ﴾ [المزمل: ٢٠]، ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ﴾ [طه: ٨٩]، وعلمت أن قد قام. فإذا فصل بشيء من هذا النحو بينه وبين الفعل زال بذلك أن تلى ما لم يكن حكمها أن تليه.\nفإن قلت: فقد جاءت ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩] وجاء ﴿فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [النمل: ٨]؟ فإن \"ليس\" تجري مجرى \"ما\" ونحوا مما ليس بفعل. وأما ﴿نُودِيَ أَنْ بُورِكَ﴾ فإن قوله (بُورِكَ) على معنى الدعاء فلم يجز دخول \"لا\" ولا \"قد\" ولا \"السين\" ولا شيء مما يصح دخوله في (٢) الكلام فيصح به الفصل.\nوهذا مثل (٣) ما (٤) حكى سيبويه (٥) من قولهم: أما أن جزاك الله خيرًا. فلم يدخل شيء من هذه الفواصل من حيث لم يكن موضعًا لها، وغير الدعاء في هذا ليس كالدعاء. ووجه قراءة نافع أنَّ ذلك قد جاء في الدعاء ولفظه الخبر، وقد يجيء في الشعر من غير الفصل (٦).\n_________\n(١) في (ع): (بينهما).\n(٢) (في) ساقطة من (أ)، (ط).\n(٣) (مثل) ساقطة من (أ).\n(٤) في (أ): (ممّا).\n(٥) انظر: \"الكتاب\" ٣/ ١٦٧.\n(٦) \"الحجة\" لأبي علي الفارسي ٥/ ٣١٥ - ٣١٦ مع اختلاف يسير. =","vol":"16","page":143},{"text":"وأما أحكام اللعان:\nفاعلم أن اللعان يعتمد القذف، فلا يتصور لعان ما لم يتقدم قذف، ولا فرق بين أن يكون ذلك القذف بصريح الزنا على جهة المطاوعة، وبين (١) أن يكون بوطء شبهة أو بوطء كانت مستكرهة فيه لأن ذلك كله وطء حرام؛ فإذا قذف زوجته لزمه الحد وله التخلص منها بإقامة البينة أو باللعان. فإن (٢) أقام البيّنة على زناها لزمها الحد، وإن التعيين لزمها الحد أيضًا، ولها التخلص منه باللعان (٣).\nولا يكون اللعان إلا مغلّظا بالزمان والمكان، فإن كان بمكة فعند (٤) المقام، وإن كان بالمدينة فعلى المنبر، وكذلك في كل بلدة، وينبغي أن يكون بعد العصر يوم الجمعة أو [في أي] (٥) وقت من الأوقات الشريفة (٦).\n_________\n= وانظر: \"المحرر الوجيز\" لابن عطية ١٠/ ٤٤٤، و\"إبراز المعاني\" لأبي شامة (٦١٢)، \"البحر المحيط\" ٦/ ٤٣٤.\n(١) في (ع): (أو بين).\n(٢) في (أ): (وإن).\n(٣) انظر: \"أحكام القرآن\" للكيا الهراسي ٣/ ٣٠٥، \"المغني\" ١١/ ١٣٦ - ١٦٠.\n(٤) في (ع): (عند).\n(٥) ما بين المعقوفين ساقط من (ع).\n(٦) هذا أحد قولي الشافعية، والقول الآخر أنه مستحب ولا يجب.\nوذهب آخرون وهو قول أبي حنيفة إلى أنَّه لا يستحب التغليظ في اللعان بمكان ولا زمان، لأن الله تعالى أطلق الأمر بذلك، ولم يقيده بزمان ولا مكان، فلا يجوز تقييده إلا بدليل.\nانظر: \"الحاوي الكبير\" للماوردي ١١/ ٤٤ - ٤٥، \"المغني\" لابن قدامة ١١/ ١٧٥، \"روضة الطالبين\" للنووي ٨/ ٣٥٤.","vol":"16","page":144},{"text":"ولا يجزئ اللعان إلا بين يدي سلطان أو نائب عن السلطان (١). وتكون البداية بالزوج كما ذكر الله في كتابه (٢). وكل زوج كان من أهل الطلاق كان من أهل اللعان، عبدًا كان أو حرًا، ذميًّا كان (٣) أو مسلمًا، محدودًا في القذف أو غير محدود؛ لأن اللعان عند الشافعي أيمان وإن كان فيها شوب (٤) شهادة (٥).\nويؤمر الزوج فيصعد المنبر والمرأة جالسة، فيقول: أشهد بالله إني لمن الصادقين فيما رميت به فلانة بنت فلان هذه (٦) -ويشير إليها- من الزنا بفلان بن فلان. فيسقط عنه حد قذف فلان إذا ذكره في اللعان، ثم يعيد الشهادة أربع مرات (٧).\nوإن كان بها حمل فالصحيح من مذهب الشافعي أن يذكر الحمل في اللعان فينتفي (٨). وكانت امرأة العجلاني حاملًا فلاعنها [على الحمل] (٩)\n_________\n(١) انظر: \"الحاوي\" ١١/ ٤٤، ١٣٣، \"المغنى\" ١١/ ١٧٤، \"روضة الطالبين\" ٨/ ٣٥٥.\n(٢) في (أ): (شأنه).\n(٣) (كان) ساقطة من (ع).\n(٤) في (ع): (ثبوت).\n(٥) وهذا قول جمهور العلماء. وعند أبي حنيفة اللعان شهادة فلا تصح إلا من مسلمين حرين عفيفين، فإن كان كافرين أو أحدهما أو مملوكين أو أحدهما لم يصح لعانها. وهو قول الأوزاعي والزهري وغيرهما. انظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص ٣/ ٢٨٦ - ٢٨٧، \"الحاوي\" ١١/ ١٢، \"أحكام القرآن\" للكيا الهراسي ٣/ ٣٠٣، \"المغني\" لابن قدامة ١١/ ١٢٢ - ١٢٣، \"الجامع\" للقرطبي ١٢/ ١٨٦ - ١٨٧.\n(٦) (هذه) ساقطة من (ع).\n(٧) انظر: \"المغني\" ١١/ ١٧٦ - ١٧٧.\n(٨) انظر: \"الحاوي\" ١١/ ٦٣، \"المغني\" ١١/ ١٦١، \"القرطبي\" ١٢/ ١٨٨.\n(٩) ساقط من (ع).","vol":"16","page":145},{"text":"وانتفى النسب.\nفإذا انتهى إلى ذكر اللعنة في الخامسة خوفه القاضي وعرَّفه أنها موجبة، وأمر بعض من يحضر بوضع اليد على فمه إذا أراد أن يمضي على اللعنة (١).\nوالسنة أن يكون بمحضر خلق؛ فإن الصبيان حضروا على عهد رسول الله -ﷺ- (٢). وإن نكل عن اللعان ولم يتمم وجب عليه حد القذف إن (٣) كانت محصنة.\nولا تقوم أكثر كلمات اللعان مقام الجميع (٤). وإن أكمل توجَّه (٥) عليها حدّ الزنا كما يتوجه بالبينة إلا أن يعارض اللعان باللعان فتدفع بذلك حدّ (٦) الزنا عن نفسها. هذا معنى قوله ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ﴾، ثم يذكر الغضب في الخامسة. وإن نكلت عن كلمة من كلمات اللعان فكأنها نكلت عن جميع اللعان.\nوأيهما نكل فاشتغلنا بإقامة الحد وأقمنا فقال: دعوني ألتعن، كان ممكنًا من اللعان بخلاف النكول عن الأيمان لا يعود حق اليمين بعد ما تحقق من النكول. وهذا من شوب (٧) الشهادات في اللعان، والشهادة\n_________\n(١) انظر: \"المغني\" ١١/ ١٧٧، \"روضة الطالبين\" ٨/ ٣٥٥، \"القرطبي\" ١٢/ ١٩٢.\n(٢) انظر: \"المغني\" ١١/ ١٧٤.\n(٣) في (ع): (وإن).\n(٤) انظر: \"المغني\" ١١/ ١٥٢، ١٧٧، \"روضة الطالبين\" ٨/ ٣٥١.\n(٥) في (ع): (وجب).\n(٦) (حدّ) ساقطة من (أ).\n(٧) في (ع): (ثبوت).","vol":"16","page":146},{"text":"مسموعة مقبولة (١) متى ما أقيمت (٢).\nولا يحبس واحد منهما إذا نكل ليلتعن، ولكن يعاقب هذا بحد القذف وهذه بحد الزنا (٣).\nوإذا تكامل لعان الزوج اندفع عنه حد القذف، وانتفى نسب الولد المذكور في اللعان مولودًا كان أو حملًا، وارتفع الفراش، ولا حاجة إلى تطليق القاضي وتفريقه (٤). ثم لا يجتمعان بعد ذلك أبدًا. قال رسول الله: \"المتلاعنان لا يجتمعان أبدًا\" (٥).\n_________\n(١) (مقبولة) ساقطة من (أ).\n(٢) انظر: \"روضة الطالبين\" ٨/ ٣٤٩.\n(٣) انظر: \" الحاوي\" ١١/ ٨٠.\n(٤) هذا مذهب الشافعي وهو أن الفرقة تحصل بلعان الزوج وحده، ولا يحتاج إلى تفريق الحاكم بينهما.\nوذهب آخرون: إلى أنَّ الفرقة لا تحصل إلا بتلاعن الزوج وامرأته جميعًا، ولا يحتاج إلى تفريق الحاكم.\nوهو قول مالك وأبي عبيد وبعض الحنابلة، وهو مروي عن ابن عباس.\nوذهب آخرون إلى أن الفرقة لا تقع إلا بتفريق الحاكم بعد فراغهما جميعًا من التلاعن. وهو قول الثوري وأبي حنيفة وصاحبيه وبعض الحنابلة.\nانظر: \"أحكام القرآن\" للجصَّاص ٣/ ٢٩٨، \"الحاوي\" ١١/ ٧٤، \"المغني\" ١١/ ١٤٤ - ١٤٦، \"روضة الطالبين\" ٨/ ٣٥٦، \"الجامع\" للقرطبي ١٢/ ١٩٣ - ١٩٤.\n(٥) رواه الدارقطني في \"سننه\" ٣/ ٢٧٦، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" ٧/ ٤٠٩ من حديث ابن عمر ﵄. ونقل العلامة المحدث أبو الطيب محمد شمس الدين العظيم آبادي في كتابه \"التعليق المغني على الدارقطني\" عن \"صاحب التنقيح\" أنَّه قال: إسناده جيد.\nوروى الدارقطني في \"سننه\" ٣/ ٢٧٥، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" ٧/ ٤١٠ من حديث سهل بن سعد الساعدي -﵁- في قصة المتلاعنين قال: فتلاعنا، ففرق =","vol":"16","page":147},{"text":"وإن أكذب الزوج نفسه فإنما يؤثر تكذيبه فيما عليه، وهو عود النسب ووجوب الحد، ولا يؤثر فيما له وهو ارتفاع التحريم وعود الفراش (١). ولا يتعلق بلعان المرأة إلا سقوط الحد عنها (٢).\nوإن أغفل ذكر الولد في اللعان استأنف (٣) اللعان (٤). وإن قذفها بزنا قبل النكاح فعليه الحد ولا لعان (٥).\nوإن ارتفع النكاح بطلاق رجعي فالقذف واللعان في عدة الرجعية حكمها حكم ما يكون في صلب النكاح، وأما القذف بعد البينونة فإنه موجب للحد ولا لعان، إلا أن يكون ولد فله اللعان عند الشافعي لنفي النسب (٦). وكذلك اللعان في النكاح الفاسد يجري لنفي الولد (٧).\nوإذا قذف أربع زوجات فجمعهن في اللعان ورضين بذلك كان\n_________\n= الرسول -ﷺ- بينهما وقال \"لا يجتمعان أبدًا\".\nقال محقق \"زاد المعاد\" لابن القيم ٥/ ٣٩١: رجاله ثقات.\nوانظر: \"تلخيص الحبير\" لابن حجر ٣/ ٢٥٣، \"نيل الأوطار\" ٨/ ٧٧.\n(١) وهذا قول جمهور العلماء.\nوذهب أبو حنيفة إلى إنَّه إذا أكذب نفسه جُلد الحدّ ولحق به الولد، وكان خاطبًا من الخطاب إذا شاء. وهو قول سعيد بن المسيب والحسن وسعيد بن جبير وغيرهم. انظر: \"أحكام القرآن\" للجصَّاص ٣/ ٣٠٢ - ٣٠٣، \"الحاوي\" ١١/ ٧٥، \"المغني\" ١١/ ١٤٩، \"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي ١٢/ ١٩٤.\n(٢) تقدم أن هذا مذهب الشافعي وحده. والجمهور على خلافه.\n(٣) في (أ): (استأنف في). بزيادة (في).\n(٤) انظر: \"المغني\" ١١/ ١٥٣.\n(٥) انظر: \"المغني\" ١١/ ١٣٥، \"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي ١٢/ ١٨٧.\n(٦) انظر: \"الأم\" ٥/ ١١٧، \"المغني\" ١١/ ١٣٣، \"روضة الطالبين\" ٨/ ٣٣٦ - ٣٣٧.\n(٧) انظر: \"المغني\" ١١/ ١٣٢، \"روضة الطالبين\" ٨/ ٣٣٥ - ٣٣٦.","vol":"16","page":148},{"text":"جائزًا (١)\nوفرقة اللعان فسخ (٢)؛ لأنه جاء بفعل من قبل المرأة.\nوقال أبو حنيفة: اللعان (٣) تطليقة بائنة لأنه من قبل الرجل بدأ (٤). والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2857>١٠ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ﴾ قال الفراء: (لولا) هاهنا متروك الجواب؛ لأنه معلوم المعنى. وكذلك كل ما كان معلوم الجواب فإن العرب تكتفي بترك جوابه، ألا ترى أن الرجل ليشتم صاحبه فيقول المشتوم: أما والله لولا أبوك، فيعلم أنه يريد لشتمتك، فمثل هذا يترك جواب، وقد قال بعد ذلك فبيّن جواب وهو قوله ﴿لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ﴾ [النور: ١٤] ﴿مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ﴾ [النور: ٢١] فذلك يبين لك المتروك (٥).\nوقال المبرد: تأويله -والله أعلم- لهلكتم، أو لم يبق لكم باقية، أو لم يصلح لكم أمر، أو ما أشبه ذلك من الوعيد المرجع، فحذف لأنه (٦) لا يشكل (٧). وأنشد لجرير فقال:\n_________\n(١) انظر: \"المغني\" ١١/ ١٨٣، \"روضة الطالبين\" ٨/ ٣٤٧.\n(٢) وهو قول الشافعي وأحمد وغيرهما. انظر: \"المغني\" ١١/ ١٤٧، \"روضة الطالبين\" ٨/ ٣٥٦.\n(٣) (اللعان) ساقط من (ع).\n(٤) انظر: \"بدائع الصنائع\" للكاساني ٣/ ٢٤٤ - ٢٤٥، \"تبيين الحقائق\" للزيلعي ٣/ ١٧ - ١٨.\n(٥) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٤٧.\n(٦) في (ع): (أنَّه).\n(٧) ذكر الزركشي في \"البرهان\" ٣/ ١٨٧ هذا القول عن المبرد.","vol":"16","page":149},{"text":"كذب العواذل لو رأين مناخنا ... بحزيز رامة والمطيُّ سوامي (١)\nوقد ذكرنا هذا مستقصى فيما تقدم.\nوقال أبو إسحاق: المعنى والله أعلم: لولا فضل الله عليكم لنال الكاذب منكم عذاب عظيم (٢).\nوهذا مما ذكره المبرّد لأن هذه الآية (٣) من تمام قصة اللعان فتقدير الجواب بما قدره أبو إسحاق أليق (٤) بما تقدم مما قدره المبرّد، وإن كان ذلك جائزًا (٥).\nقال ابن عباس: ولولا ستر الله عليكم ورحمته.\nقال مقاتل: (ونعمته) لأطلع على الكاذب منهما (٦).\n_________\n(١) البيت في \"ديوانه\" ٢/ ٩٦١، \"النقائض\" لأبي عبيدة ١/ ٢٥٨، \"سر صناعة الإعراب\" ٢/ ٦٤٨.\nوالعَواذل: جمع عاذلة وهي اللائمة. والمُناخ -بالضم-: مبرك الإبل.\nوالحزيز -كأمير-: الموضع من الأرض كثرت حجارته وغلظت كأنَّها السكاكين، وقيل الأرض فيها غلظ واستواء.\nوحزيز رامه: اسم لعدة مواضع في بلاد العرب، منها موضع في طريق البصرة إلى مكة. انظر: \"معجم البلدان\" لياقوت ٤/ ٢١٢، \"لسان العرب\" ١١/ ٤٣٧ (عذل) ٥/ ٣٣٥ (حزز) ١٤/ ٤٠٠ (سما)، \"القاموس المحيط\" ٢/ ٢٧٢.\nقال أبو عبيدة في \"النقائض\" ١/ ٢٥٨ - ٢٥٩: و\"المطي\": ما امتطى ظهره، والطا: الظهر. و\"المطي سوامي\" يقول: هي في بلد لا رعي فيها فهي تسمو بأبصارها إلى موضع الرعي. يقول: لو رأين مناخنا وما نلقى ما عذلننا في الطلب. اهـ مع تصرف.\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٣٣.\n(٣) في (ع): (اللام).\n(٤) (أليق) ساقطة من (ع).\n(٥) في (ع): (جائز).\n(٦) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٣٥ ب: وفيه لأظهر علي الذنب يعني الكاذب منهما.","vol":"16","page":150},{"text":"يعني: لولا أنّه ستر بفضله ورحمته لبيَّن الكاذب من الزوجين فيقام عليه الحد.\n﴿وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ﴾ يعود على من رجع عن معاصي الله إلى ما يجب بالرحمة.\n﴿حَكِيمٌ﴾ في خلقه فيما فرض من الحدود. قاله ابن عباس.\nوقال مقاتل: ﴿حَكِيمٌ﴾ حكم بالملاعنة (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2858>١١ </span>- ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ﴾ قال ابن عباس (٢) والمفسرون (٣): يعني بالكذب على عائشة أم المؤمنين -﵂-.\nقال المبرد: الإفك أسوأ الكذب وأقبحه. وهو مأخوذ من أفك الشيء إذا قلبه عن وجهه (٤).\nومعنى القلب في هذا الحديث أن عائشة كانت تستحق الثناء بما كانت عليه من الحصانة وشرف السبب والنسب لا الرمي والقذف، فالذين رموها\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٣٥ ب.\n(٢) رواه الطبراني في \"الكبير\" ٢٣/ ١٣٠ من طريق عبد الغني بن سعيد الثقفي، عن موسى بن عبد الرحمن الصنعاني، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس. وقد تقدم في المقدمة بيان بطلان هذا الطريق وذكرنا هناك كلام ابن حبان وابن حجر.\n(٣) انظر: \"الطبري\" ١٨/ ٨٦ - ٨٧، الثعلبي ٣/ ٧٣ ب.\n(٤) ذكر هذا المعني الزمخشري ٣/ ٥٢، والبغوي ٦/ ٢٢ من غير نسبة لأحد.\nقال ابن فارس في \"مقاييس اللغة\" ١/ ١١٨ (أفك): الهمزة والفاء والكاف أصل واحد يدل على قلب الشيء وصرفه عن جهته، وأفك الرجل إذا كذب، والإفك: الكذب، وأفكت الرجل عن الشيء، إذا صرفته عنه. اهـ.\nوانظر: \"تهذيب اللغة\" للأزهري ١٠/ ٣٩٦ - ٣٩٧ (أفك)، و\"الصحاح\" للجوهري ٤/ ١٥٧٢ - ١٥٧٣ (أفك).","vol":"16","page":151},{"text":"بالسوء قد (١) قلبوا الأمر عن وجهه (٢)، فهو (٣) إفك قبيح وكذب ظاهر. ومثله الأفيكة، والعرب تقول عند العجب من كذب إنسان: يا للأفيكة بكسر اللام وفتحها (٤). وقوله: ﴿عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ أي: جماعة منكم أيها المؤمنون.\nوالذين ذكروا منهم مسمَّى في الآثار (٥): حسَّان بن ثابت، ومسطح بن أثاثة (٦)، وحمنة بنت جحش (٧) أخت عبد الله بن جحش الأسدي، والمنافق عبد الله بن أبي.\n_________\n(١) في جميع النسخ: (فقد).\n(٢) ذكر البغوي ٦/ ٢٢ هذا المعنى ولم ينسبه لأحد.\n(٣) في جميع النسخ: (هو)، والتصويب من \"الوسيط\" للواحدي.\n(٤) من قوله: (والعرب إلى هنا)، ذكره الأزهري في \"تهذيب اللغة\" ١٠/ ٣٩٦ \"أفك\" من رواية أبي عبيد عن الكسائي مع تقدم وتأخير.\n(٥) انظر في ذلك: الطبري ١٨/ ٨٦ - ٨٧، ابن أبي حاتم ٧/ ٢٢ أ - ب \"الدر المنثور\" للسيوطي ٦/ ١٥٦ - ١٥٧.\n(٦) هو: مسطح بن أثاثة بن عبَّاد بن المطلب بن عبد مناف بن قصي، المطلبي، المهاجري، البدري. كان اسمه عوفًا وأما مسطح فهو لقبه. شهد بدرًا وأحدًا والمشاهد كلها مع رسول الله -ﷺ-. توفي سنة ٣٤ هـ وهو ابن ست وخمسين سنة.\n\"طبقات ابن سعد\" ٣/ ٥٣، \"الاستيعاب\" ٤/ ١٤٧٢، \"أسد الغابة\" ٤/ ٣٥٤، \"سير أعلام النبلاء\" ١/ ١٨٧، \"الإصابة\" ٣/ ٣٨٨.\n(٧) هي: حمنة بنت جحش بن رياب الأسدية، أخت أم المؤمنين زينب، أمها أميمة بنت عبد المطلب عمة رسول الله -ﷺ-. كانت من المبايعات وشهدت أحدًا فكانت تسقي العطشى وتحمل الجرحى وتداويهم. وقتل عنها يوم أحد زوجها مصعب بن عمير، فتزوجها طلحة بن عبيد الله، فولدت له أولادًا منهم محمد بن طلحة المعروف بالسَّجَّاد.\n\"طبقات ابن سعد\" ٨/ ٢٤١، \"الاستيعاب\" ٤/ ١٨١٣، \"أسد الغابة\" ٥/ ٤٢٨، \"الإصابة\" ٤/ ٢٦٦.","vol":"16","page":152},{"text":"ذكرت عائشة ﵂ هؤلاء (١)، وذكرهم المفسرون:\nفقال ابن عباس: أربعة منكم (٢). وسمّاهم مقاتل بأسمائهم (٣).\nوقوله: ﴿لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ﴾ لا تحسبوا الإفك شرًا لكم.\nقال مقاتل: لأنكم تؤجرون على ما قيل لكم من الأذى (٤).\n﴿بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ لأن الله يأجركم ويُظهر (٥) براءتكم.\nوالمخاطب بقوله (٦) (لَّكُمْ) عائشة وصفوان (٧) فيما ذكر أهل التفسير (٨). وعلى هذا خوطبا مخاطبة الجمع.\n_________\n(١) ذكرتهم عائشة في الحديث الذي رواه عنها البخاري في \"صحيحه\" كتاب: التفسير - باب: ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ﴾ الآية، ٨/ ٤٥٢ - ٤٥٣، ومسلم في \"صحيحه\" كتاب: التوبة - باب: في حديث الإفك ٤/ ٢١٢٩ - ٢١٣٨ وغيرهما.\n(٢) رواه الطبراني في \"الكبير\" ٢٣/ ١٣٠ من رواية عطاء. وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ١٥٠ وعزاه للطبراني.\nوروى الطبري ١٨/ ٨٦ من طريق ابن جريج عن ابن عباس ذكر هؤلاء الأربعة بأسمائهم وفيه انقطاع. وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ١٥٧ ونسبه أيضًا لابن المنذر.\n(٣) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٣٥ ب ووقع فيه: وجميلة بنت جحش. وهو تصحيف.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٣٥ ب.\n(٥) في (أ): (وتظهر).\n(٦) في (أ): (لقول له).\n(٧) هو: صفوان بن المعطل السلمي، الذكواني، أبو عمرو. أول مشاهده المريسيع، وكان في الساقة يومئذ، وكان من سادات المسلمين، قتل -﵁- شهيدًا في غزو الروم سنة ٦٠ هـ. انظر: \"الاستيعاب\" ٢/ ٧٢٥،\"أسد الغابة\" ٣/ ٢٦، \"سير أعلام النبلاء\" ١/ ٥٤٥، \"البداية والنهاية\" ٨/ ١٤٦، \"الإصابة\" ٢/ ١٨٤.\n(٨) ذكره الثعلبي ٣/ ٧٣ ب. ورواه ابن أبي حاتم ٧/ ٢٢ أعن سعيد بن جبير. وذكره الماوردي ٤/ ٧٩ وعزاه ليحيى بن سلام، وذكره ابن الجوزي ٦/ ١٨ وعزاه للمفسرين.","vol":"16","page":153},{"text":"وقال أبو إسحاق: قوله (لَّكُمْ) يعني هي وصفوان ومن بسببها (١) من النبي -ﷺ- وأبي بكر (٢).\nويكون الخطاب لكل من رُمي بسبب، وذلك أن من سبّ عائشة فقد سبَّ النبي -ﷺ- وسب أبا بكر.\nوهذا هو قول ابن عباس في رواية عطاء فقال: يريد خيرٌ لرسول الله، وبراءة لسيدة النساء أم المؤمنين، وخير لأبي بكر الصديق -﵁- وأم عائشة (٣)، ولصفوان بن المعطل (٤).\nوقوله ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ﴾ يعني من العصبة الكاذبة ﴿مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ﴾ جزاء ما اجترح من الذنب (٥).\nقال مقاتل: على قدر ما خاض فيه من أمر عائشة وصفوان (٦).\nوقوله ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ﴾ قال الفراء (٧): اجتمع القراء على كسر\n_________\n(١) في (أ): (إلى)، والمثبت من باقي النسخ والزَّجاج.\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٣٤. وليس فيه ذكر صفوان.\n(٣) هي: أم رُومان بنت عامر بن عويمر الكنانية. واختلف في اسمها، فقيل: زينب، وقيل: دَعْد. أسلمت أم رومان قديمًا وبايعت وهاجرت إلى المدينة. وهي أم عبد الرحمن وعائشة. وكانت امرأة صالحة. توفيت في عهد النبي -ﷺ- سنة ست من الهجرة، وقيل بعد ذلك.\n\"طبقات ابن سعد\" ٨/ ٢٧٦، \"الاستيعاب\" ٤/ ١٩٣٥، \"أسد الغابة\" ٥/ ٤٨٣، \"الإصابة\" ٤/ ٤٣٢.\n(٤) رواه الطبراني في \"المعجم الكبير\" ٢٣/ ١٣٠ من رواية عطاء.\n(٥) الثعلبي ٣/ ٧٣ ب، والطبري ١٨/ ٨٧.\n(٦) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٣٦ أ.\n(٧) (الفراء) ساقط من (ظ)، (ع).","vol":"16","page":154},{"text":"الكاف، وقرأ حميد الأعرج بضم الكاف (١)، وهو وجه جيِّد؛ لأن العرب تقول: تولى فلان عظم كذا، يريدون أكبره (٢) (٣).\nقال الأزهري: قاس (٤) الفراء الكبر على العظم، وكلام العرب على غيره، أخبرني المنذري، عن الحرَّاني، عن ابن السكيت قال: كبر الشيء معظمه بالكسر، وأنشد (٥) لقيس بن الخطيم:\nتنام عن كبر شأنها فإذا ... قامت رويدًا تكادُ تنغرف (٦)\n_________\n(١) ذكر هذه القراءة عن حميد: ابن خالويه في \"الشواذ\" ص ١٠١، وابن جني في \"المحتسب\" ٢/ ١٠٣ - ١٠٤، والثعلبي في \"الكشف والبيان\" ٣/ ٧٣ ب - ٧٤ أ، وابن عطية في \"المحرر\" ١٠/ ٤٥٧، والقرطبي ١٢/ ٢٠٠، وأبو حيان ٦/ ٤٣٧.\nوبها قرأ يعقوب الحضرمي.\nانظر: \"إرشاد المبتدئ وتذكرة المنتهي في القراءات العشر\" للقلانسي ص ١٤٦٠، \"المبسوط في القراءات العشر\" لابن مهران ص ٢٦٦، \"النشر\" لابن الجزري ٢/ ٣٣١.\n(٢) في (ع): (لكبره).\n(٣) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٤٧.\n(٤) في (ع): (قال).\n(٥) المنشد هو ابن السكيت كما في \"تهذيب اللغة\" للأزهري.\n(٦) البيت في \"ديوانه\" ص ٥٧، و\"المفضَّليات\" ص ٧٨٨، و\"تهذيب اللغة\" للأزهري ١٠/ ٢٠٩، و\"جمهرة اللغة\" لابن دريد ٢/ ٣٩٤، و\"لسان العرب\" ٥/ ١٢٩ (كبر). قال البطليوسي في \"الاقتضاب\" ٣/ ١٩٩: وصف امرأة نشأت بين رفاهية ونعمة، فهي تنام لجلالة شأنها وأن لها من يكفيها المؤنة، فإذا قامت قامت في سكون وضعف، وكادت تنغرف؛ لرقة خصرها وثقل ردفها. اهـ.\nومعنى تنغرف: قيل تَتَثَنَّى، وقيل: تنقصف من ذفّة خصرها. وانغرف العظم: انكسر.\n\"لسان العرب\" لابن منظور ٩/ ٢٦٤ (غرف).","vol":"16","page":155},{"text":"ومن أمثالهم: \"كبر سياسة الناس في المال\". قال (١): وأما الكبر بالضمَّ فهو أكبر (٢) ولد (٣) الرجل. يقال: الولاء للكبر (٤).\nونحو هذا قال أبو عمرو بن العلاء، وخطَّأ من (ضمَّ) الكاف (٥).\nوقال الكسائي: الذي سمعناه بكسر الكاف، وأظن الضَّم لغة (٦).\nوقال أبو عبيدة: الكِبْر -بالكسر-: مصدر الكبير، وكبره معظمه. وبالضم مصدر الكبير في السن، فرقوا بينهما فقالوا: كبر قومه بالضم. وجعلها قوم بالضَّم (٧).\nوقال الليث: الكِبْر: الإثم الكبير، وكبر كل شيء عظمه (٨).\nفمن قرأ (كبره) قال: إثمه وخطاه، ومن قرأ بالضم قال: عظم هذا\n_________\n(١) القائل هو ابن السكيت.\n(٢) في (أ)، (ع): (أكثر)، والمثبت من (ظ)، \"تهذيب اللغة\".\n(٣) في (أ): (وكذا).\n(٤) \"تهذيب اللغة\" للأزهري ١٠/ ٢١٤ (كبر) مع تصرف وزيادة.\n(٥) ذكر الثعلبي ٣/ ٧٤ أقول أبي عمرو وتخطئته.\nوقال النحاس في \"معاني القرآن\" ٤/ ٥٠٩: قيل لأبي عمرو بن العلاء: أنقرأ \"والذي تولى كبْره\"؟ فقال: لا. إنَّما الكبر في النسب.\n(٦) روى الأزهري هذا القول في \"تهذيب اللغة\" ١٠/ ٢١٠ (كبر) عن المنذري، عن ابن اليزيدي، عن أبي زيد في قوله \"والذي تولى كبره\"، فذكره بنحوه.\nوقبل هذه الرواية ذكر الأزهري نصًا عن الكسائي، وبعد الرواية ذكر نصًا آخر عن الكسائي من رواية أبي عبيد. فاحتمال خطأ الواحدي في نسبة هذا القول وارد. والله أعلم.\nوقد ذكر الثعلبي ٣/ ٧٤ أعن الكسائي أنه قال: هما لغتان. يعني الضم والكسر.\n(٧) \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ٢/ ٦٤ مع اختلاف يسير وتصرّف.\n(٨) قول الليث فى \"تهذيب اللغة\" للأزهري ١٠/ ٢١٤ كبر.\nوهو في \"العين\" ٥/ ٣٦١ (كبر) بنصّه.","vol":"16","page":156},{"text":"القذف (١).\nواختار الزَّجَّاج هذا القول وحكاه (٢). ومعنى ﴿تَوَلَّى كِبْرَهُ﴾ استبد بمعظمه وانفرد به.\nقال الضحاك: قام بإشاعة الحديث وإذاعته (٣). وهو معنى (٤) قول ابن عباس في رواية عطاء (٥).\nوالذي تولى كبره مختلف فيه:\nفقال عطاء، عن ابن عباس: هو عبد الله بن أبي (٦).\nوهو قول مجاهد (٧)، ومقاتل (٨)، والسدي (٩). ورواية عروة عن\n_________\n(١) انظر: \"المحتسب\" لابن جني ٢/ ١٠٥، \"البحر المحيط\" ٦/ ٤٣٧، \"الدر المصون\" ٨/ ٣٨٩.\n(٢) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٣٤ - ٣٥.\n(٣) ذكره عنه البغوي ٦/ ٢٢. وروى الطبري ١٨/ ٨٧، وابن أبي حاتم ٧/ ٢٢ أ، عنه قال: الذي بدأ بذلك. وانظر: \"الدر المنثور\" ٦/ ١٥٨.\n(٤) (معني) ساقطة من (أ).\n(٥) روى الطبري في \"الكبير\" ٢٣/ ١٣٠ من طريق عطاء، عن ابن عباس، قال في قوله \"والذي تولى كبره\" قال: إشاعته.\nوذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ١٥٠ وعزاه للطبراني.\n(٦) رواه الطبراني في \"الكبير\" ٢٣/ ١٣٠ من رواية عطاء عن ابن عباس وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ١٥٠ للطبراني.\n(٧) رواه الطبري في \"تفسيره\" ١٨/ ٨٩، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٧/ ٢٢ أ، و\"الطبراني الكبير\" ٢٣/ ١٣٨.\nوذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ١٥٨ ونسبه أيضًا للفريابي وعبد بن حميد.\n(٨) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٣٦ أ.\n(٩) ذكره عنه ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٦/ ١٩.","vol":"16","page":157},{"text":"عائشة، روى عنها في حديث الإفك أنَّها قالت: ثم ركبتُ، وأخذ صفوان بالزمام، فمررنا بملأ من المنافقين -وكانت عادتهم أن ينزلوا مُنْتَبِذين (١) من الناس- فقال عبد الله بن أبي رئيسهم: من هذه؟ قالوا: عائشة. قال: والله ما نجت منه ولا نجا منها، وقال: امرأة نبيكم باتت مع رجل حتى أصبحت ثم جاء يقود بها. قالت: وهو الذي تولى كبره (٢).\nوقوله: ﴿مِنْهُمْ﴾ يعني من العصبة الكاذبة.\n﴿لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ قال ابن عباس: يريد في الدنيا الجلد. جلده رسول الله -ﷺ- ثمانين جلدة وفي الآخرة يُصيره الله إلى النار (٣).\n_________\n(١) منتبذين: يعني متُنَحِّين. \"لسان العرب\" لابن منظور ٣/ ٥١٢ (نبذ).\n(٢) ذكر الثعلبي ٣/ ٧٤ أهذه الرواية -بهذا اللفظ- من رواية ابن أبي مليكة، عن عروة، عن عائشة ﵂.\n(٣) رواه الطبراني في \"الكبير\" ٢٣/ ١٣٧ من رواية عبد الغني بن سعيد الثقفي، عن موسى بن عبد الرحمن الصنعاني، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس. وهذه الرواية باطلة كما تقدم.\nوروى الطبراني في \"الكبير\" ٢٣/ ١٢٤ - ١٢٩ من حديث ابن عمر وأبي اليسر الأنصاري أن رسول الله -ﷺ- ضرب عبد الله بن أبي حدّين.\nلكن قال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" ٩/ ٢٤٠ عن حديث ابن عمر: وفيه إسماعيل بن يحيى التيمي، وهو كذّاب. وقال أيضًا عن حديث أبي اليسر ٦/ ٢٨٠: وفيه إسماعيل بن يحيى التيمي، وهو كذَّاب.\nوذكر ابن حجر في \"الفتح\" ٨/ ٤٧٩ أثرين آخرين في حدّ عبد الله بن أبي، لكنَّهما مرسلان.\nوذهب آخرون إلى أنَّه لم يحدّ، قال القرطبي في \"تفسيره\" ١٢/ ٢٠١: المشهور من الأخبار والمعروف عند العلماء أنَّ الذي حدَّ حسان ومسطح وحمنة، ولم يُسمع بحدِّ لعبد الله بن أبيّ. اهـ. وبهذا القول قال القاضي عياض وابن القيم وجماعة. قال ابن القيم في \"زاد المعاد\" ٣/ ٢٦٣: ولم يحدّ الخبيث عبد الله بن أبي مع أنَّه =","vol":"16","page":158},{"text":"وقال قوم الذي تولى كبره هو (١) حسان بن ثابت (٢).\nروي عن مسروق قال: كنت عند عائشة فدخل حسان بن ثابت فألقي له وسادة فلما خرج قلت لعائشة: تدعين هذا الرجل يدخل عليكم وقد قال\n_________\n= رأس أهل الإفك، فقيل: لأنَّ الحدود تخفيف عن أهلها وكفارة، والخبيث ليس أهلًا لذلك، وقد وعده الله العذاب العظيم، فيكفيه ذلك عن الحدّ. وقيل: بل كان يستوشي الحديث ويجمعه ويحكيه، ويخرجه في قوالب من لا ينسب إليه. وقيل: الحد لا يثبت إلا بالإقرار أو ببينة وهو لم يقر بالقذف، ولا شهد به عليه أحد، فإنه إنّما كان يذكره بين أصحابه، ولم يشهدوا عليه، ولم يكن يذكره بين المؤمنين.\nوقيل: بل ترك حدّه لمصلحة هي أعظم من إقامته، كما ترك قتله مع ظهور نفاقه، وتكلّمه بما يوجب قلته مرارًا، وهي تأليف قومه وعدم تنفيرهم عن الإسلام، فإنَّه كان مطاعًا فيهم، رئيسًا عليهم، فلم تؤمن الفتنة في حدِّه. ولعله ترك لهذه الوجوه كلها. اهـ.\nولعل أقرب الوجوه هو الأخير، يدل عليه ما في \"صحيح البخاري\" كتاب \"التفسير\" ٨/ ٤٥٣ - ٤٥٤ من حديث عائشة في قصة الإفك وفيه أن النبي -ﷺ- قام على المنبر فاستعذر من عبد الله بن أبي بن سلول، فقال: يا معشر المسلمين من يعذرني من رجل قد بلغني أذاه في أهل بيتي؟ .. الحديث. فقام سعد بن معاذ فقال: يا رسول الله أنا أعذرك منه إن كان من الأوس ضربت عنقه، وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك. فقام سعد بن عبادة فقال: كذبت لعمر الله، لا تقتله ولا تقدر على قتله. فقام رجل فقال لسعد: كذبت لعمر الله لنقتلنّه .. فتساور الحيّان الأوس والخزرج حتى همُّوا أن يقتتلوا، ورسول الله -ﷺ- قائم على المنبر، فلم يزل رسول الله -ﷺ- يخفضّهم حتى سكتوا وسكت.\n(١) في (أ): (فهو)، وهي ساقطة من (ع).\n(٢) قال ابن كثير في \"تفسيره\" ٣/ ٢٧٢: وهو قول غريب، ولولا أنّه وقع في \"صحيح البخاري\" يعنى الرواية التي سيسوقها الواحدي بعد ذكره لهذا القول. ما قد يدل على إيراد ذلك لما كان لإيراده كبير فائدة. فإنه من الصحابة الذين لهم فضائل ومناقب ومآثر، وأحسن مآثره أنَّه كان يذب عن رسول الله -ﷺ-.","vol":"16","page":159},{"text":"ما قال وأنزل الله -﷿- فيه ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾! فقالت: وأي عذاب أشد من العمى؟ ولعل الله يجعل ذلك العذاب العظيم ذهاب بصره. وقالت: إنّه كان يدفع عن رسول الله -ﷺ- (١).\nوالقول هو الأول؛ لما روي عن الشَّعبي: أنه قيل لعائشة: إن حسان بن ثابت هو الذي تولى كبره؟. فقالت (٢): [معاذ الله] (٣)! سمعت رسول الله -ﷺ- يقول (٤): \"إن الله ليؤيد حسان بروح القدس في شعره\" (٥).\n_________\n(١) ذكره الثعلبي في \"الكشف والبيان\" ٣/ ٧٤ أبهذا اللفظ من رواية أبي الضحى، عن مسروق.\nورواه بنحوه سعيد بن منصور في \"تفسيره\" (ل ١٥٨ أ)، وابن أبي شيبة في \"مصنفه\" ٨/ ٥١٥، والبخاري في التفسير سورة النور ٨/ ٨٥ ومسلم في الفضائل باب: فضائل حسان بن ثابت -﵁- ج ٤/ ١٩٣٢، والطبري في \"تفسيره\" ١٨/ ٨٨، وابن أبي حاتم ٧/ ٢٢ ب، والطبراني في \"المعجم الكبير\" ٢٣/ ١٣٥، ١٣٦ وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ١٥٧ - ١٥٨ ونسبه أيضًا لابن المنذر وابن مردويه.\n(٢) في (أ)، (ع): (قالت).\n(٣) ساقط من (ع).\n(٤) (يقول) ساقط من (أ).\n(٥) لم أجده بهذا اللفظ.\nلكن أخرج الطبري في \"تفسيره\" ١٨/ ٨٨ من طريق الشعبي عن عائشة أنها قالت: ما سمعت بشيء أحسن من شعر حسان، وما تمثلت به إلا رجوت له الجنة .. وفيه. قيل: أليس الله يقول: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١١]؟ قالت: أليس قد أصابه عذاب عظيم؟ قالت: \"أليس قد ذهب بصره، وكنّع بالسيف\".\nوقد أخرج أبو داود في \"سننه\" كتاب: الأدب- باب: ما جاء في الشعر ١٣/ ٣٥٧، والترمذي في \"جامعه\" كتاب: الأدب - باب: ما جاء في إنشاد الشعر ٨/ ١٣٧ واللفظ له، والحاكم في \"مستدركه\" ٣/ ٤٨٧ من حديث عروة، عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله -ﷺ-: \"إن الله يؤيد حسَّان بروح القدس ما يفاخر -أو ينافح- عن رسول الله -ﷺ- \".","vol":"16","page":160},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2859>١٢ </span>- ثم أنكر على الذين خاضوا في الإفك فقال: ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ﴾ هلّا إذ سمعتم أيها العصبة الكاذبة قذف عائشة بصفوان ﴿ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ﴾ من العصبة الكاذبة يعني حمنة وحسان ومسطحا.\n﴿بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا﴾ قال الحسن (١): بأهل دينهم، لأنَّ المؤمنين كنفس واحدة، ألا ترى إلى قوله ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]، وقوله ﴿فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [النور: ٦١].\nقال الزجاج: وكذلك يقال للقوم الذين يقتل بعضهم بعضًا: إنَّهم يقتلون أنفسهم (٢).\nوهذا معنى قول مقاتل: ألا (٣) ظن بعضهم ببعض خيرًا بأنهم لا يزنون؟ (٤).\nعلى هذا المعنى (٥): ظن المؤمنون والمؤمنات بالمؤمنين الذين هم كأنفسهم (٦) خيرًا (٧). وهذا معنى قول ابن قتيبة: بأمثالهم من المسلمين (٨).\nوقال المبرد: ومثله قوله ﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤]، [وقوله:\n_________\n(١) ذكره عنه الثعلبي ٣/ ٧٤ أ، إلى تمام الآية الأولى، وذكره عنه البغوي ٦/ ٢٣ إلى تمام الآية الثانية. وقد روى الطبري ١٨/ ٩٦ عن الحسن قال: يعني بذلك المؤمنين والمؤمنات.\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٣٦.\n(٣) (ألا) ساقطة من (أ).\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٣٦ أ.\n(٥) (المعنى) ساقطة من (أ).\n(٦) في (أ): (كما بعضهم).\n(٧) (خيرًا) ساقطة من (ظ).\n(٨) \"غريب القرآن\" لابن قتيبة ص ٣٠١.","vol":"16","page":161},{"text":"﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨] (١).\nوروي عن بعض الأنصار: أن امرأة أبي أيوب قالت له: ألا تسمع ما يقول الناس في عائشة؟ قال: بلى، وذلك الكذب. أكنت يا أم أيوب فاعلة أنت (٢) ذلك؟ قالت: لا والله. قال: فعائشة -والله- خير منك. فلما نزل قوله ﴿ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ١٢] عرف أنه يعني أبا أيوب حين قال لأم أيوب ما قال (٣).\nوعلى (٤) هذا المعنى: ظنوا بأنفسهم خيرًا فيقولون (٥): نحن ما نأتي ما ترمى به عائشة وصفوان فهما أولى أن لا يأتيانه كما ظن أبو أيوب وامرأته وقالوا: هذا إفك مبين، كما قال أبو أيوب.\nوهذا معنى قول الكلبي: لولا إذ سمعتموه ظننتم بعائشة ظنكم بأنفسكم وعلمتم أنَّ أمكم لا تفعل ذلك، وقلتم: ﴿هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ﴾ أي: هذا القذف كذب بيّن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2860>١٣ </span>- وقوله تعالى: ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ هلّا جاء العصبة الكاذبة على قذفهم عائشة بأربعة شهداء يشهدون بأنهم عاينوا منها ما رموها\n_________\n(١) ساقط من (ع).\n(٢) (أنت) ساقطة من (ع).\n(٣) رواه ابن إسحاق كما في \"سيرة ابن هشام\" ٣/ ٣٤٧، قال: حدثني أبي -إسحاق بن يسار- عن بعض رجال بني النجار، فذكره.\nورواه الطبري ١٨/ ٩٦، وابن أبي حاتم ٧/ ٢٢ ب من طريق ابن إسحاق. وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ١٥٩ وزاد نسبته لابن المنذر وابن مردويه وابن عساكر. وفي إسناده جهالة.\n(٤) (على) ساقطة من (أ).\n(٥) في (ظ)، (ع): (فيقولوا).","vol":"16","page":162},{"text":"به. وهذا يدل على أنَّ الزنا لا يثبت بأقل من أربعة شهود (١).\n﴿فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ أي في حكم الله هم كاذبون. فدلّ هذا على أن القاذف إذا عجز عن إقامة البينة حكم بكذبه (٢).\nوسئل أحمد بن يحيى (٣) عن هذه الآية، وقيل: إذا رأى الرجل مع امرأته رجلًا وتيقّن الفاحشة ثم أخبر الإمام بذلك وعجز عن إقامة البينة فحدَّ أيكون عند الله كاذبًا؟ فقال: تأويل ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ في حكم الله، وقد فرض علينا أن نجريه مجرى الكاذبين وإن كان في معلوم الله أنه صادق، فإن صدقه مغيب عنّا، والغيب لا يعلمه إلا الله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2861>١٤ </span>- ثم ذكر الذين قذفوا عائشة فقال: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ قال ابن عباس: يريد لولا ما منّ الله به عليكم وستركم (٤).\n﴿لَمَسَّكُمْ﴾ لأصابكم ([فِي مَا أَفَضْتُمْ] (٥) فِيهِ) فيما أخذتم فيه وخضتم فيه من الكذب والقذف.\nويقال: أفاض القوم في الحديث إذا أخذوا فيه وأكثروا (٦).\n_________\n(١) انظر: \"أحكام القرآن\" للجصَّاص ٣/ ٣٠٧، \"أحكام القرآن\" للكيا الهراسي ٣/ ٣٠٨.\n(٢) انظر: \"أحكام القرآن\" للجصَّاص ٣/ ٣٠٧، \"أحكام القرآن\" للكيا الهراسي ٣/ ٣٠٨.\n(٣) هو ثعلب، ولم أجد من ذكر عنه هذا.\n(٤) رواه الطبراني في \"الكبير\" ٢٣/ ١٤١. وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ١٥٠ ونسبه للطبراني.\n(٥) ساقط من (ع).\n(٦) \"تهذيب اللغة\" للأزهري ١٢/ ٧٨ (فاض) وفيه: \"إذا اندفعوا فيه ... \".","vol":"16","page":163},{"text":"وذكرنا معاني الإفاضة عند قوله ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ﴾ [البقرة: ١٩٨] وقوله ﴿إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ [يونس: ٦١].\nوقوله: ﴿عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ في الدنيا والآخرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2862>١٥ </span>- قوله تعالى: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾.\nقوله (إِذْ تَلَقَّوْنَهُ) \"إذ\" من صلة قوله (لَمَسَّكُمْ) (١)، وتقدير الكلام: لمسّكَم ذلك الوقت حين تلقَّونه بألسنتكم.\nقال مجاهد (٢)، ومقاتل (٣): إذ يرويه (٤) بعضكم عن بعض.\nوهو قول الكلبي، قال (٥): وذلك أنَّ الرجل منهم يلقى الرجل فيقول: بلغني كذا وكذا، يتلقَّونه تلقيا (٦).\nوقال الزَّجَّاج: معناه إذ يلقيه بعضكم إلى بعض (٧).\nوقال الفراء: كان الرجل يلقى الرجل فيقول: أما بلغك كذا وكذا، فيذكر قصة عائشة ﵂ لتشيع الفاحشة (٨).\n_________\n(١) الطبري ١٨/ ٩٧. وانظر: \"البحر المحيط\" ٦/ ٤٣٨، \"الدر المصون\" ٨/ ٣٩٠.\n(٢) رواه الطبري ١٨/ ٩٨، وابن أبي حاتم ٧/ ٢٣ أ، الطبراني في \"الكبير\" ٢٣/ ١٤٢.\nوذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ١٦٠ ونسبه أيضًا للفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٣٦ أ.\n(٤) في (أ): يرونه.\n(٥) قال: ساقطة من (ع).\n(٦) ذكره عنه البغوي ٦/ ٢٥.\n(٧) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٣٨.\n(٨) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٤٨.","vol":"16","page":164},{"text":"وقال ابن قتيبة: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ﴾ أي تقبلونه (١).\nوذكرنا معنى التلقي عند قوله ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ﴾ [البقرة: ٣٧].\nقوله تعالى: ﴿وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾ قال ابن عباس: أي ما يعلم الله خلافه (٢).\nوقال مقاتل: يقول (٣): من غير أن تعلموا أن الذي قلتم من القذف حق (٤).\n﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا﴾ وتظنون أنَّ القذف سهل لا إثم عليكم فيه (٥).\n﴿وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ في الوزر (٦).\nقال ابن عباس: رموا سيدة النساء وأم (٧) المؤمنين وزوج رسول الله -ﷺ- فبهتوها بما لم يكن فيها، ولم يقع في قلبها قط، والله خلقها طيّبة، وعصمها من كل قبيح (٨).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2863>١٦ </span>- ثم زاد في الإنكار عليهم وقال: ﴿وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ﴾ وهلّا إذ سمعتم (٩) القذف لعائشة ﵂ ﴿قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا﴾ ما يحل وما\n_________\n(١) \"غريب القرآن\" لابن قتيبة ص ٣٠١.\n(٢) رواه الطبراني (٢٣/ ١٤١/ ١٤٢). ذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ١٥٠ ونسبه للطبرانى.\n(٣) في (أ): (تقولون)، وهي ساقطة من (ع). والمثبت من (ظ)، و\"تفسير مقاتل\".\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٣٦ أ.\n(٥) \"الطبرى\" ١٨/ ٩٩.\n(٦) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٣٦ أ.\n(٧) في (ع): أم.\n(٨) رواه الطبراني في \"الكبير\" ٢٣/ ١٤٢ من رواية عطاء. وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ١٥٠ ونسبه للطبراني.\n(٩) في (ع): (سمعتموه).","vol":"16","page":165},{"text":"ينبغي لنا ﴿أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا﴾.\n﴿سُبْحَانَكَ﴾ قال مقاتل: ألا نزّهتم الربّ عن أن يُعصَى (١).\nوقال غيره (٢): ﴿سُبْحَانَكَ﴾ (٣) -هاهنا (٤) - معناه: التَّعجب، كقول الأعشى:\nسبحان من علقمة الفاخر (٥) (٦)\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٣٦ أ. قال الطبري ١٨/ ٩٩: (سبحانك) تنزيهًا لك يا رب، وبراءة إليك مما جاء به هؤلاء.\n(٢) ذكر الثعلبي ٣/ ٧٤ ب هذا القول مختصرًا. ولم ينسبه لأحد. وذكره البغوي ٦/ ٢٥ مقتصرًا عليه.\n(٣) في (أ): سبحانه.\n(٤) (هاهنا) ساقطة من (ظ).\n(٥) في (ع): (الفاجر)، وهو خطأ.\n(٦) هذا عجز بيت للأعشى، وصدره:\nأقولُ لما جاءني فخره\nوهو في \"ديوانه\" ص ١٤٣، \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ١/ ٣٦، \"الكتاب\" لسيبويه ١/ ١٣٥، \"معاني القرآن\" للأخفش ١/ ٢٢٠، \"معاني القرآن\" للزَّجَّاج ٣/ ١٩٠، \"غريب القرآن\" لابن قتيبة ص ٨.\nوهو من قصيدة قالها الأعشى يفضل فيها عامر بن الطُّفيل على علقمة بن علاثة في المفاخرة التي جرت بينهما في الجاهلية.\nوعلقمة المذكور في البيت هو علقمة بن علاثة صحابي، قدم على رسول الله -ﷺ- وهو شيخ فأسلم، وقد استعمله عمر بن الخطاب على حوران ومات بها.\nوكان حصل بين علقمة وعامر بن الطفيل في الجاهلية مفاخرة، فخرج مع عامر لبيدُ والأعشى، ومع علقمة الحطيئةُ، واحتكما إلى غير واحد، فلم يحكم بينهما، حتى احتكما إلى هرم بن قطبة الفزاري، فقضى بينهما بعد سنة، وقال: أنتما كركبتي البعير يقعان معًا، ولم يفضّل، فانصرفا على ذلك، لكن الأعشى مدح عامرًا =","vol":"16","page":166},{"text":"﴿هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ قال ابن عباس: افتراء عظيم (١). وذكرنا معنى البهتان فيما تقدم (٢).\nثم وعظ الذين خاضوا في الإفك:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2864>١٧ </span>- ﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا﴾ قال ابن عباس -في رواية مِقْسَم (٣) -: يحرم الله عليكم أن تعودوا لمثله (٤). [ونحو هذا قال الكلبي. وقال مجاهد: ينهاهم الله أن يعودوا لمثله (٥)] (٦).\nوقال غيره: يحذركم الله (٧).\nوكل هذا معاني الوعظ، فإنَّ فيه التحذير والنهي والمنع.\nقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ يعني أن من شرط الإيمان ترك قذف المحصنة، فإن آمنتم فلا تعودوا لمثل ما قلتم (٨).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2865>١٨ </span>- ﴿وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ﴾ قال ابن عباس: يعني التي أنزلها في\n_________\n= وفضله على علقمة بأبيات منها هذا البيت.\nانظر: \"شرح ديوان الأعشى\" لثعلب ص ١٦٥، \"بلوغ الأرب\" للنويري ١/ ٢٨٧، \"الإصابة\" لابن حجر ٢/ ٤٩٦.\n(١) رواه الطبراني في \"الكبير\" ٢٣/ ١٤٤ من رواية عطاء.\n(٢) انظر: \"البسيط\" عند قوله تعالى ﴿أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [النساء: ٢٠].\n(٣) هو: مِقْسَم بن بجرة تقدمت ترجمته.\n(٤) رواه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" ١٣/ ٣٧١، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٧/ ٢٤ ب من رواية ليث، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس بلفظ: يحرّج ..\n(٥) رواه سفيان في \"تفسيره\" ص ٢٢٢، والطبراني في \"الكبير\" ٢٣/ ١٤٥، وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ١٦١ وعزاه للفريابي والطبراني.\n(٦) ساقط من (أ)، (ع).\n(٧) لفظ الجلالة ليس في (أ).\n(٨) في (ع): (لمثله ما قمتم).","vol":"16","page":167},{"text":"عائشة وبراءتها (١).\nوقال الكلبي: ويبين الله لكم الآيات بالأمر والنهي (٢).\n﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾ بما في قلوبكم من الندامة فيما خضتم فيه ﴿حَكِيمٌ﴾ حكم في القذف ثمانين جلدة. قاله ابن عباس (٣).\nوقال غيره: ﴿عَلِيمٌ﴾ بأمر عائشة وصفوان ﴿حَكِيمٌ﴾ حكم ببراءتهما (٤) (٥).\nثم هدَّد القاذفين فقال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2866>١٩ </span>- ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ﴾ أي: تفشو (٦).\nيقال: شاع الشيء شيُوعًا وشيعًا وشيعانًا وشيعوعة، إذا ظهر وتفرّق. والدم يقطر في الماء فيشيع فيه، أي: يتفرّق (٧).\nقال مقاتل: يعني أن يظهر الزنا، أحبّوا ما شاع لعائشة من الثناء\n_________\n(١) رواه الطبراني في \"الكبير\" ٢٣/ ١٤٥. وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ١٥١ وعزاه للطبراني.\n(٢) ذكره البغوي ٦/ ٢٥ ولم ينسبه لأحد.\n(٣) رواه الطبراني في \"الكبير\" ٢٣/ ١٤٥. وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ١٥١ وعزاه للطبراني.\n(٤) في (أ): (ببراءتها).\n(٥) هذا قول الثعلبي في \"تفسيره\" ٣/ ٧٤ ب.\n(٦) الثعلبي ٣ ل/ ٧٤ ب.\n(٧) \"تهذيب اللغة\" للأزهري ٣/ ٦٠ - ٦١ (شاع) عن الليث وغيره.\nقال الزبيدي في \"تاج العروس\" ٢١/ ٣٠١ \"شيع\": شيعا بالفتح وشيوعًا بالضم. وقال الفيروزآبادي في \"القاموس المحيط\" ٣/ ٤٧ \"شاع\": وشيعوعة كديمومة، وشيعانًا محرّكة وانظر: \"الصحاح\" للجوهري ٣/ ١٢٤٠ (شيع)، \"لسان العرب\" ٨/ ١٩١ (شيع).","vol":"16","page":168},{"text":"السيىءّ (١).\nقوله ﴿فِي الَّذِينَ آمَنُوا﴾ قال ابن عباس: يريد المحصنين والمحصنات (٢).\nوالمعنى: يحبون أن تشيع الفاحشة فيهم بأن ينسبوها إليهم ويقذفوهم بها، ويشيعوا فيما بين الناس أنهم أتوها.\nوقال مقاتل: ﴿فِي الَّذِينَ آمَنُوا﴾ في صفوان وعائشة (٣).\nويحتمل أن يكون ﴿فِي الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي فيما بين المؤمنين بأن يذكروها في مجالسهم حتى تفشو فيما بينهم. وعلى هذا لا يكون المراد بالذين آمنوا المقذوفين والمقذوفات كما كان في القول الأول.\n﴿لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا﴾ يعني الجلد ﴿وَالْآخِرَةِ﴾ عذاب النار.\n﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ﴾ قال ابن عباس: يعلم شر ما دخلتم فيه وما فيه من شدة سخط الله -﷿- ﴿وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (٤). ثم ذكر فضله ومنّته عليهم بتأخير العقوبة فقال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2867>٢٠ </span>- ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ لولا ما تفضل الله به عليكم ورحمكم لعاقبكم (٥) فيما قلتم لعائشة. قاله مقاتل (٦).\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٣٦ أ.\n(٢) رواه الطبراني في \"الكبير\" ٢٣/ ١٤٦ وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ١٥١ ونسبه للطبراني.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٣٦ أ.\n(٤) رواه الطبراني في \"الكبير\" ٢٣/ ١٤٦ وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ١٥١ ونسبه للطبراني.\n(٥) في (أ): (لعاقبتم)، وفي (ع): (لعافيتم).\n(٦) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٣٦ ب.","vol":"16","page":169},{"text":"﴿وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ يعني رؤوف بكم رحمكم فلم يعاقبكم في أمر عائشة.\nقال ابن عباس: يريد مسطحًا وحمنة وحسان (١) (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2868>٢١ </span>- ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ قال مقاتل: يعني تزيين الشيطان في قذف عائشة (٣).\n﴿وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ قال ابن عباس: بعصيان الله وكل ما يكره الله (٤).\nوقال مقاتل (٥)، والكلبي: بالمعاصي وما لا يعرف (٦) في شريعة ولا في سنَّة.\n﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ﴾ ما صلح. قاله مقاتل، وأبو زيد (٧). والزكاة تكون (٨) بمعنى الصلاح، ومنه رجل زكي تقي. يقال: زَكَا يَزْكُو زكاءً (٩).\n_________\n(١) في (ع): (وابن حسان). وهو خطأ.\n(٢) رواه الطبراني في \"الكبير\" ٢٣/ ١٤٧. وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ١٥١ ونسبة للطبراني.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٣٦ ب.\n(٤) رواه الطبراني في \"الكبير\" ٢٣/ ١٤٨ وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ١٥١ ونسبه للطبراني.\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٣٦ ب.\n(٦) في (ع): وقالا ما لا يعرف.\n(٧) قول مقاتل في \"تفسيره\" ٢/ ٣٦ ب، وقول أبي زيد في \"تهذيب اللغة\" للأزهري ١٠/ ٣٢٠ (زكا).\n(٨) (تكون) ساقطة من (أ).\n(٩) \"تهذيب اللغة\" للأزهري ١٠/ ٣١٩ (زكا) عن الليث وغيره. =","vol":"16","page":170},{"text":"وقال ابن قتيبة: ما طهر (١).\nوأجرى بعضهم هذه الآية على العموم وقال: معناها أن الله تعالى يخبر أنَّه لولا فضله ورحمته (٢) ما اهتدى أحد ولا صلح (٣).\nوالآخرون يقولون: المراد بهذا الخطاب الذين خاضوا في حديث الإفك.\nوهو معنى قول ابن عباس في رواية عطاء، قال- في قوله: ﴿مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا﴾ -: ما قبل توبة أحد منكم أبدًا (٤) (٥).\nوالمعنى: ما طهر (٦) من هذا الذنب وما صلح أمره بعد الذي فعل.\n﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ﴾ قال ابن عباس: يريد: فقد شئت أن أتوب عليكم (٧).\nوقال الكلبي: يصلح من يشاء (٨). وقال غيره (٩): يطهر من يشاء من\n_________\n= وانظر: \"لسان العرب\" ١٤/ ٣٥٨ (زكا)، \"القاموس المحيط\" ٤/ ٣٩٩.\n(١) \"غريب القرآن\" لابن قتيبة ص ٣٠٢.\n(٢) في (ظ)، (ع): (لولا فضل الله عليكم ورحمته).\n(٣) ذكر البغوي ٦/ ٢٦ هذا القول وعزاه لبعض المفسرين. وذكره ابن الجوزي ٦/ ٢٣ بمعناه ولم ينسبه لأحد. وانظر هذا القول بمعناه عند الطبري ١٨/ ١٠١.\n(٤) في (ع) زيادة: (من أحد) قبل قوله (أبدا).\n(٥) رواه الطبراني ٢٣/ ١٤٨ من رواية عطاء عن ابن عباس، وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ١٥١ ونسبه للطبراني.\n(٦) في (أ): (ما ظهر).\n(٧) روى ابن أبي حاتم ٧/ ٢٦ ب، والطبراني في \"الكبير\" ٢٣/ ١٤٨ هذا القول عن سعيد بن جبير. وانظر: \"الدر المنثور\" ٦/ ١٥٤.\n(٨) ذكر ابن الجوزي ٦/ ٢٤ هذا القول، ولم ينسبه لأحد.\n(٩) انظر: \"الطبري\" ١٨/ ١٠١.","vol":"16","page":171},{"text":"الإثم والذنب بالرحمة والمغفرة فيوفقه للتوبة.\n﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ قال ابن عباس: ﴿سَمِيعٌ﴾ لقولكم ﴿عَلِيمٌ﴾ بما في نفوسكم من الندامة والتوبة (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2869>٢٢ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتَلِ﴾ قال ابن عباس (٢)، وجماعة المفسرين (٣): ولا يحلف. ويقال للحلف: الأليَّة، والألوة، والألوة والإلوة، بسكون اللام في اللغات الثلاث (٤). قال الشاعر (٥):\nقليل الألايا حافظ ليمينه ... فإن سبقت منه الألية برَّت\nوالفعل: آلى يؤلي (٦) إيلاءً، وتألَّى يتألَّى (٧) تأليَّا، وائتلى يأتلي ائتلاء (٨).\n_________\n(١) رواه الطبراني ١٣/ ١٢٣ من رواية عطاء، عن ابن عباس. وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ١٥١ وعزاه الطبراني\n(٢) رواه الطبراني ١٣/ ١٢٣ من رواية عطاء، عن ابن عباس. وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ١٥١ وعزاه الطبراني\nوقد روى الطبري ١٨/ ١٠٢، وابن أبي حاتم ٧/ ٢٦ ب من طريق علي بن أبي طلحة الوالبي، عن ابن عباس قال: لا تقسموا.\n(٣) رواه الطبراني ١٨/ ١٠٢ - ١٠٣ وابن أبي حاتم ٧/ ٢٦ ب، \"الدر المنثور\" للسيوطي ٦/ ١٦٢ - ١٦٣.\n(٤) انظر: \"تهذيب اللغة\" للأزهرى ٥/ ٤٣٠ (ألى)، \"الصحاح\" للجوهري ٦/ ٢٢٧١ (ألا)، \"لسان العرب\" لابن منظور ١٤/ ٤٠ (ألا).\n(٥) هو: كثير، والبيت من قصيدة يرثي بها عبد العزيز بن مروان. وهو في \"ديوانه\" ص ٣٢٥، و\"الحماسة\" لابن الشجري ص ٩٧.\nومن غير نسبة في \"الصحاح\" ٦/ ٢٢٧١ (ألا)، و\"لسان العرب\" ١٤/ ٤٠ (ألا).\n(٦) في (أ): (أولى).\n(٧) (يتألى) ساقط من (ع).\n(٨) من قوله: (والفعل .. إلى هنا) نقلًا عن \"تهذيب اللغة\" للأزهري ١٥/ ٤٣٠ (ألى).","vol":"16","page":172},{"text":"وقد مرَّ عند قوله: ﴿يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٢٦] وهذا قول العامة (١). وقال أبو عبيدة: لا يأتل: هو لا يفتعل من ألوت أن أفعل كذا (٢).\nوما (٣) آلو جهدًا، أي: ما أقصرَّ (٤). يقال: ائتلى، أي: قصرَّ. وهو مؤتل (٥). قال امرؤ القيس:\nنصيح على تعذاله غير مؤتل (٦)\n﴿أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ﴾ يعني: أولو الغنى والسعة في المال وهو أبو بكر الصدّيق -﵁- في قول جميع المفسرين (٧).\n_________\n(١) انظر: \"الطبري\" ١٨/ ١٠١ - ١٠٢، الثعلبي ٣/ ٧٥ أ.\n(٢) في \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ٢/ ٦٥: (ولا يأتل أولوا الفضل منكم) مجازه: ولا يفتعل من آليت: أقسمت، وله موضع آخر من ألوت بالواو.\nوفي \"تهذيب اللغة\" للأزهري ١٥/ ٤٣١ (ألى): وقال أبو عبيدة: (ولا يأتل أولوا الفضل) من ألوت، أي: قصرت.\n(٣) في (أ): (وأمّا).\n(٤) في (أ): (ما أقصروا).\n(٥) انظر: \"تهذيب اللغة\" ١٥/ ٤٣١ (ألى)، \"الصحاح\" ٢/ ٢٢٧٠ (ألا).\n(٦) هذا عجز بيت لامرئ القيس وهو من معلقته وصدره:\nألا ربَّ خصم فيك ألوى رددته\nوهو في \"ديوانه\" ص ١٨.\nقال ابن الأنباري في \"شرح المعلقات السبع\" ص ٧٣ - ٧٤: الألوى: الشديد الخصومة .. والتعذال: العذل. وقوله: \"غير مؤتل\" معناه: غير تارك نصحي بجهده. يقال: من ألوت وما أليت أي: ما قصرت. اهـ.\n(٧) انظر: \"الطبري\" ١٨/ ١٠٢ - ١٠٣، ابن أبي حاتم ٧/ ٢٦ ب، الثعلبي ٣/ ٧٥ أ، \"الدر المنثور\" ٦/ ١٦٢ - ١٦٣.\nقال القرطبي ١٢/ ٢٠٧ بعد أن ذكر هذا القول وصحَّحه-: غير أن الآية تتناول الأمّة إلى يوم القيامة بألَّا يغتاظ ذو فضل وسعة فيحلت ألَّا ينفع من هذه صفته غابر الدهر.","vol":"16","page":173},{"text":"قال مجاهد: حلف أبو بكر أن لا ينفع يتيمًا كان في حجره أشاع ذلك الحديث (١)، فلما نزلت هذه الآية قال: بلى أنا أحب أن يغفر الله لي، ولأكونن ليتيمي خير ما كنت قطّ (٢).\nوقال مقاتل بن سليمان: كان مسطح بن أثاثة -وأمه أسماء بنت جندل بن نهشل (٣) - ابن خالة أبي بكر، وكان يتيمًا في حجره، فلما بيّن عذر عائشة وكان مسطح فيمن خاض في أمرها، حلف أبو بكر أن (٤) لا يصله بشيء أبدًا؛ لأنه أذاع على عائشة أمر القذف، وكان مسطح من المهاجرين الأولين، فأنزل الله في أبي بكر ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ﴾ [النور: ٢٢] (٥).\n_________\n(١) في (أ): في الحديث.\n(٢) رواه الطبري ١٨/ ١٠٣، والطبرياني في \"الكبير\" ٢٣/ ١٤٩.\n(٣) هكذا ذكرها بهذا الاسم مقاتل بن سليمان في \"تفسيره\" (ج ٢ ل ٣٦ ب).\nوقال آخرون: أم مسطح بنت أبي رُهم بن المطلب بن عبد مناف بن قصي، وأمَّها ريطة بنت صخر بن عامر بن كعب بن سعد بن تيم بن مرّة، تزوّجها أثاثة بن عبّاد بن المطلب بن عبد مناف، فولدت له مسطحًا وهندًا، وأسلمت أم مِسْطح فحسن إسلامها.\nقال ابن حجر: يقال: اسمها سلمى، ويقال: ريطة. وهي مشهورة بكنيتها.\nانظر: \"طبقات ابن سعد\" ٨/ ٢٢٨، \"صحيح البخاري\" كتاب: المغازي- باب: حديث الإفك ٧/ ٤٣٢، \"أسد الغابة\" لابن الأثير ٥/ ٦١٨، \"الإصابة\" لابن حجر ٤/ ٤٧٢.\n(٤) في (ع): أنَّه.\n(٥) \"تفسير مقاتل\" (ج٢ ل ٣٦ ب). ومقاتل بن سليمان لا يعتمد عليه في رواية.\nوقد روى البخاري في \"صحيحه\" كتاب: التفسير- تفسير سورة النور ٨/ ٤٥٥، ومسلم في \"صحيحه\" كتاب: التوبة- باب: في حديث الإفك ٤/ ٢١٣٦ وغيرهما =","vol":"16","page":174},{"text":"﴿أَنْ يُؤْتُوا﴾ قال الزَّجَّاج (١)، وابن قتيبة (٢): أن لا يؤتوا فحذف (لا).\nوعلى قول أبي عبيدة (٣) لا يحتاج إلى إضمار لا.\n﴿أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ يعني مسطحًا ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا﴾ يعني وليتركوا وليتجاوزوا عن مسطح (٤).\nقال ابن عباس: يريد فقد جعلت فيك يا أبا بكر الفضل، وجعلت عندك السعة والمعرفة بالله وصلة الرحم، فتعطف على مسطح، فله قرابة، وله هجرة، وله مسكنة، ومشاهد رضيتها منه يوم بدر (٥).\n﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ قال مقاتل بن سليمان: فقال النبي -ﷺ- لأبي بكر: \"أما تحب أن يغفر الله لك\"؟ قال: بلى. قال: \"فاعف واصفح\". فقال أبو بكر: قد عفوت وصفحت لا أمنعه معروفًا بعد\n_________\n= من حديث عائشة ﵂ خبر الإفك، وفيه: \"فلمّا أنزل الله براءتي قال أبو بكر الصديق -﵁- وكان ينفق على مسطح بن أثاثة لقرابته منه وفقره: والله لا أنفق على مسطح شيئًا أبدًا بعد الذي قال لعائشة ما قال. فأنزل الله ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فقال أبو بكر: بلى والله إني أحب أن يغفر الله لي، فرجع إلى النفقة التي كان ينفق عليه، وقال: والله لا أنزعها منه أبدًا\".\n(١) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٣٦.\n(٢) انظر: \"غريب القرآن\" لابن قتيبة ص ٣٠٢.\n(٣) أن معنى (يأتل): يقصر.\n(٤) انظر: \"الطبري\" ١٨/ ١٠٢، وابن أبي حاتم ٧/ ٢٧ ب، و\"تفسير مقاتل\" ٢/ ٣٦ ب.\n(٥) رواه الطبراني في \"الكبير\" ٢٣/ ١٤٩ من طريق عطاء، عن ابن عباس.\nوذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ١٥١ وعزاه للطبراني، وتصحفت فتعطف في \"الدر\" إلى: فتسخط.","vol":"16","page":175},{"text":"اليوم، قد جعلت له مثلي ما كان قبل اليوم (١).\nوقال مقاتل بن حيان: حلف أبو بكر وأناس معه من أصحاب النبي -ﷺ- بالله الذي لا إله إلا هو لا ينفع رجلًا من الذين قالوا لعائشة ما قالوا، ولا نصلهم ولا نبرهم، وكان مسطح بينه وبين أبي بكر قرابة من قبل النساء، فأقبل مسطح إلى أبي بكر ليعتذر فقال: جعلني الله فداك، والله الذي أنزل الكتاب على محمد ما قذفتها ولا تكلمت بشيء مما قيل لها أي خال -وكان أبو بكر خاله- فقال أبو بكر: قد أعجبك الذي قيل لها! قال: قد كان (٢) بعض ذلك، فأنزل الله في شأنه هذه الآية، وأمر أبا بكر والذين معه أن ينفقوا على مسطح، فقال أبو بكر وأصحابه: والله يا مسطح ما (٣) نمنعك\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٣٦ ب. ورواه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٧/ ٢٧ ب، والطبراني في \"الكبير\" ٢٣/ ١٥٠ - ١٥١ من طريق ابن لهيعة، عن عطاء بن دينار، عن سعيد بن جبير، بمثله إلى قوله: بعد اليوم.\nقال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" ٧/ ٧٩: وفيه ابن لهيعة وفيه ضعف.\nوقوله: \"قد جعلت له مثلي ما كان قبل اليوم\" روى الطبراني ٢٣/ ١٢٥ - ١٢٩ نحوه من حديث ابن عمر في خبر الإفك وفيه: \"فلما قال: (ألا تحبّون أن يغفر الله لكم) بكى أبو بكر فقال: أما إذ نزل القرآن بأمري فيك لأضاعفن لك النفقة\".\nقال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" ٩/ ٢٤٠: وفيه إسماعيل بن يحيى التيمي، وهو كذّاب.\nوروى ابن المنذر كما في \"الدر المنثور\" ٦/ ١٦٣ عن الحسن: أن أبا بكر صار يضعف له بعد ذلك، بعد ما نزلت هذه الآية ضعفي ما كان يعطيه.\nوالذي في \"صحيح البخاري\" وغيره من حديث عائشة: \"فرجع إلى النفقة التي كان ينفق عليه\". والله أعلم.\n(٢) عند ابن أبي حاتم: لعله يكون قد كان بعض ذلك.\n(٣) في (ظ)، (ع): (لا).","vol":"16","page":176},{"text":"سؤالًا أبدًا، ولا نلومك في الذي قلت أبدًا بعد ما أنزل الله فيك ما أنزل (١).\nوقال الكلبي: كان مسطح وأصحابه من ذوي قرابة أبي بكر، فأقبلوا إليه ليصيبوا من طعامه، ويأووا إليه كما كانوا يفعلون فيما مضى، فقال لهم أبو بكر: قوموا عني (٢) فلست منكم ولستم مني في شيء (٣)، ولا يدخلن علي منكم رجل أبدًا. فقال مسطح: أنشدك الله والإسلام، وأنشدك بالقرابة والرحم، وأنشدك فقرنا وجهدنا أن تحوجنا إلى أحد، فإنا -والله- من خوض القوم براء، ولقد ساءنا ما كان وما سمعنا مما قال حسّان، وما كان لأحد منا فيه ذنب، فنزلت هذه الآية (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2870>٢٣ </span>- ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ العفايف (٥) ﴿الْغَافِلَاتِ﴾ عن الفواحش كغفلة عائشة عما قيل فيها (٦) ﴿الْمُؤْمِنَاتِ﴾ المصدقات بتوحيد الله وبرسوله (٧) (٨).\n﴿لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا﴾ عذبوا (٩) بالجلد ثمانين ﴿وَالْآخِرَةِ﴾ يعذبون\n_________\n(١) رواه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٧/ ٢٦ ب إلى قوله: أن ينفقوا على مسطح. ولم أجد من ذكر باقيه عن مقاتل بن حيّان.\n(٢) (عنّي) ساقطة من (ظ)، (ع).\n(٣) في (ظ): (فلستم منّي ولست منكم في شيء).\n(٤) لم أجد من ذكر هذه الرواية عن الكلبي.\n(٥) روى الطبراني ٢٣/ ١٥٣ هذا القول عن ابن عباس، وهو قول الثعلبي ٣/ ٧٥ أ.\n(٦) هذا قول الثعلبي ٣/ ٧٥ أ. وروى ابن أبي حاتم ٧/ ٢٨ أ. والطبراني ٢٣/ ١٥٢ أوله عن سعيد بن جبير.\n(٧) في (أ): (ورسوله).\n(٨) روى الطبراني ٢٣/ ١٥٣ هذا القول عن ابن عباس.\n(٩) في (أ): (وعذبوا).","vol":"16","page":177},{"text":"بالنار (١).\n﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ قال ابن عباس: يريد إخراجهم من الإيمان (٢)\nواختلف المفسرون في حكم هذه الآية:\nفقال مقاتل بن سليمان: هذه الآية خاصَّة في عبد الله بن أُبي المنافق ورميه عائشة (٣) (٤).\nوقال سعيد بن جبير: هذه الآية (٥) خاصّة فيمن [يقذف عائشة، فمن] (٦) قذفها كان من هذه الآية (٧).\nوقال الضحاك (٨)، والكلبي (٩): هذه الآية في عائشة وأزواج\n_________\n(١) من قوله: (عذبوا .. إلى هنا). هذا قول مقاتل في \"تفسيره\" ٢/ ٣٦ ب. ورواه ابن أبي حاتم ٧/ ٢٨ ب والطبراني ٢٣/ ١٥٢ عن سعيد بن جبير.\n(٢) رواه الطبراني ٢٣/ ١٥٣ من رواية عطاء، عن ابن عباس. وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ١٥١ وعزاه للطبراني.\n(٣) في (أ): (وعائشة).\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٣٦ ب.\n(٥) في (أ)، (ظ): (هذا الحكم).\n(٦) ساقط من (أ).\n(٧) رواه الطبري ٨/ ١٠٥، والطبراني في \"الكبير\" ٢٣/ ١٥١ - ١٥٢. وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ٦٤ ونسبه أيضًا لعبد بن حميد وابن المنذر.\n(٨) روى الطبري في \"تفسيره\" ١٨/ ١٠٤، والطبراني في \"المعجم الكبير\" ٢٣/ ١٥٢ عن الضحاك قال: نزلت هذه الآية في نساء النبي -ﷺ- خاصة.\nوذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ١٦٤ ونسبه أيضًا لعبد بن حميد.\nوذكر السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ١٦٤ عن الضحاك قال: \"نزلت هذه الآية في عائشة خاصة\". وعزاه للطبراني. ولم أره فيه.\n(٩) روى عبد الرزاق في \"تفسيره\" ٢/ ٥٥، والطبراني في \"الكبير\" ٢٣/ ١٥٣ عن الكلبي. إنَّما عني بهذه الآية أزواج النبي -ﷺ-.","vol":"16","page":178},{"text":"رسول الله -ﷺ- خاصة دون سائر المؤمنات.\nوروى العوَّام بن حوشب (١)، عن شيخ من بني كاهل، عن ابن عباس قال: هذه في شأن عائشة وأزواج رسول الله -ﷺ- خاصة (٢)، وهي مبهمة ليس فيها توبة، ومن قذف امرأة مؤمنة فقد جعل الله -﷿- له توبة، ثم قرأ ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ إلى قوله ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ قال: فجعل لهؤلاء توبة ولم يجعل لأولئك توبة. قال رجلٌ في المجلس: فهممت [أن أقوم فـ] (٣) أقبّل رأسه من حسن ما فسّر (٤).\nوروي عن أبي حمزة الثمالي (٥): أنها نزلت في مشركي مكّة، كانت\n_________\n(١) هو: العوَّام بن حوشب بن يزيد بن الحارث الشيباني، الرَّبعي، أبو عيسى الواسطي. كان إمامًا، محدثًا، ثقة ثبتا، صاحب سنَّة وصلاح وأمر بمعروف ونهي عن منكر. توفي سنة ١٤٨ هـ. \"طبقات ابن سعد\" ٧/ ٣١١، \"السير\" للذهبي ٦/ ٣٥٤، \"تهذيب التهذيب\" ٨/ ١٦٣.\n(٢) (خاصة) ساقطة من (أ).\n(٣) بياض في (ظ).\n(٤) رواه سعيد بن منصور في \"تفسيره\" (ل ١٥٨ أ) بنحوه، والطبري في \"تفسيره\" ١٨/ ١٠٤، والطبراني في \"المعجم الكبير\" ٢٣/ ١٥٣ - ١٥٤، والثعلبي في \"تفسيره\" ٣/ ٧٥ أ، ب كلهم من طريق العوام بن حوشب عن شيخ من بني كاهل. وعند الطبري: شيخ من بني أسد، ولا منافاة فإن كاهلًا هو ابن أسد بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر كما في \"اللباب في تهذيب الأنساب\" لابن الأثير ٣/ ٧٩ عن ابن عباس.\nوذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ١٦٥ وزاد نسبته لابن مردويه في \"تفسيره\". قال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" ٧/ ٨٠: فيه راو لم يسمّ، وبقية رجاله ثقات.\n(٥) هو: ثابت بن أبي صفيّة، أبو حمزة الثُّمالي الأزدي الكوفي، مولى المهلب. من صغار التابعين. توفي في خلافة أبي جعفر المنصور.\nقال الذهبي: واهٍ جدًّا. وقال ابن حجر: ضعيف رافضي. =","vol":"16","page":179},{"text":"المرأة إذا خرجت مهاجرة قالوا: خرجت لتفجر، فنزلت الآية فيهم (١).\nوقال الزجاج: قيل إن الأصل فيه أمر عائشة -رحمها الله- ثم صار لكل من رمى المؤمنات. قال: ولم يقل -هاهنا- والمؤمنين استغناء بأنه إذا رمى المؤمنة فلابد أن يرمي معها مؤمنًا، فدل ذكر المؤمنات على المؤمنين كما قيل: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: ٨١] (٢).\nوعلى هذا حكم الآية فيمن قذف مؤمنة ولم (٣) يتب فإنه يعذب في الدنيا بالجلد وفي الآخرة بالنار، فإن تاب كان ممن ذكر حكمه في قوله ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وهذه الآية ذكرت بعد رمي [المحصنةِ وقد مرت] (٤) في هذه السورة.\nوالصحيح أن الآية خاصة في قذف عائشة وأزواج النبي -ﷺ- (٥) لقوله:\n_________\n= \"تهذيب الكمال\" للمزي ٤/ ٣٥٧ - ٣٥٩، \"المغني في الضعفاء\" للذهبي ١/ ١٢٠، \"تقريب التهذيب\" لابن حجر ١/ ١١٦.\n(١) رواه الثعلبي في \"الكشف والبيان\" ٣/ ٧٥ ب عن أبي حمزة الثمالي قال: بلغنا، فذكره، وهذا الخبر لا يصح؛ لأن أبا حمزة واهٍ كما تقدم، ولإرساله.\n(٢) \"معاني القرآن للزجاج ٤/ ٣٧.\n(٣) في (ظ): (فلم).\n(٤) بياض في (ظ).\n(٥) اختار الطبري ١٨/ ١٠٥ العموم وقال: لأنَّ الله عمَّ بقوله ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ كل محصنة غافلة مؤمنة رماها رام بالفاحشة، من غير أن يخص بذلك بعضًا دون بعض. أهـ وصحح هذا القول ابن كثير في \"تفسيره\" ٣/ ٢٧٧ وعضده بما في \"الصحيحين\" من حديث أبي هريرة -﵁- أنَّ رسول الله -ﷺ- قال: \"اجتنبوا السبع الموبقات \" .. الحديث. وفيه: \"وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات\". اهـ.\nوالحديث رواه البخاري كتاب: الحدود- باب: رمي المحصنات ١٢/ ١٨١ ومسلم كتاب: الإيمان- باب: بيان الكبائر ١/ ٩١.","vol":"16","page":180},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2871>٢٤ </span>- ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ﴾ يوم القيامة وهو ظرف لقوله ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾.\nقوله ﴿أَلْسِنَتُهُمْ﴾ قال الكلبي: تشهد عليهم يوم القيامة ألسنتهم بما تكلّموا به من الفرية في قذف عائشة (١). وقيل: تشهد ألسنة بعضهم على بعض من المنافقين الذين رموا عائشة بالبهتان (٢).\nوقوله ﴿وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ﴾ قال ابن عباس: إن الله تعالى ختم على الألسنة، فتكلمت الجوارح، ونطقت بما عملوا في الدنيا (٣).\nوهذه الآية دليل على أن الأولى واردة في قذف أزواج رسول الله -ﷺ-، لأن شهادة الجوارح غير مذكورة في جميع القرآن إلا في صفات المشركين، فمن قذفهن من المنافقين فهو من أهل هذه الآية، وإن قذفهن غير منافق عوقب بسلب الإيمان فيصير من أهلها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2872>٢٥ </span>- قوله: ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ﴾ قال ابن عباس (٤)، وغيره (٥): يريد يوم القيامة يجازيهم الله جزاءهم الحق. أي (٦): جزاءهم الواجب.\nوقال مقاتل: يعني حسابهم العدل (٧).\n_________\n(١) روى ابن أبي حاتم ٧/ ٢٨ ب عن سعيد بن جبير، نحوه.\n(٢) قال الطبري ١٨/ ١٠٥: عني بذلك أنَّ ألسنة بعضهم تشهد على بعض.\n(٣) رواه الطبراني ٢٣/ ١٣٣ من رواية عطاء، عن ابن عباس إلى قوله الجوارح. وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ١٥٢ وعزاه للطبراني.\n(٤) رواه الطبراني ٢٣/ ١٥٥ من طريق عطاء، عن ابن عباس بنحوه.\n(٥) الطبري ١٨/ ١٠٦.\n(٦) في (ظ): (أو).\n(٧) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٣٧ أ.","vol":"16","page":181},{"text":"﴿وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ﴾ [قال ابن عباس: وذلك أن عبد الله بن أبيّ يشك في الدين، وكان رئيس المنافقين، فيعلم يوم القيامة أن الله هو الحق المبين] (١)، فينقطع (٢) الشك عنه، ويستيقن حيث لا ينفعه (٣).\nقال مقاتل: ﴿الْحَقُّ الْمُبِينُ﴾ العدل البيّن (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2873>٢٦ </span>- قوله -﷿-: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ﴾ قال مجاهد (٥)، وأكثر المفسرين (٦): ﴿الْخَبِيثَاتُ﴾ من الكلام والقول ﴿لِلْخَبِيثِينَ﴾ من الناس، ﴿وَالْخَبِيثُونَ﴾ من الناس ﴿لِلْخَبِيثَاتِ﴾ من الكلام، ﴿وَالطَّيِّبَاتُ﴾ من الكلام ﴿لِلطَّيِّبِينَ﴾ من الناس، ﴿وَالطَّيِّبُونَ﴾ من الناس ﴿لِلطَّيِّبَاتِ﴾ من الكلام.\nوهذا يحتمل معنيين:\n_________\n(١) ساقط من (أ).\n(٢) في (أ)، (ع): (فيقطع).\n(٣) رواه الطبراني في \"الكبير\" ٢٣/ ١٥٤ - ١٥٥ من طريق عطاء، عن ابن عباس. وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ١٥٢ وعزاه للطبراني.\nقال الطبري ١٨/ ١٠٦: يقول: ويعلمون يومئذ أن الله هو الحق الذي يبين لهم حقائق ما كان يعدهم في الدنيا من العذاب، ويزول حينئذ الشك عن أهل النفاق الذين كانوا فيما يعدهم في الدنيا يمترون.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٣٧ أ.\n(٥) رواه عنه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ٢/ ٥٥، والطبري ١٨/ ١٠٧، وابن أبي حاتم ٧/ ٣٠ أ، والطبراني في \"الكبير\" ٢٣/ ١٥٧ - ١٥٨.\nوذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ١٦٧، وزاد نسبته لعبد بن حميد والفريابي، وابن المنذر.\n(٦) انظر: \"الطبري\" ١٨/ ١٠٦ - ١٠٨، وابن أبي حاتم ٧/ ٢٩ ب، ٣٠ أب، والثعلبي ٣/ ٧٥ ب، وابن كثير ٣/ ٢٧٦، و\"الدر المنثور\" ٦/ ١٦٧ - ١٦٨.","vol":"16","page":182},{"text":"أحدهما: أن معنى الآية: الخبيثات من القول إنما يليق بالخبيثين من الناس، والخبيثون من الناس يليق بهم الخبيثات من القول (١).\nيعني أنّ كلّ (٢) كلام إنما يحسن في أهله فيضاف سيء (٣) القول إلى من يليق به ذلك، وكذلك الطيب من القول، وعائشة ﵂ لا يليق بها الخبيثات من الكلام، فلا يصدق فيها؛ لأنها طيبة فيضاف إليها طيبات الكلام من الثناء الحسن وما يليق بها.\nقال مقاتل بن سليمان: ﴿الْخَبِيثَاتُ﴾ يعني قذف عائشة ﴿لِلْخَبِيثِينَ﴾ من الرجال (٤) الذين قذفوها ﴿وَالْخَبِيثُونَ﴾ من الرجال والنساء [﴿لِلْخَبِيثَاتِ﴾ يعني السيئ (٥) من الكلام، لأنه يليق بهم الكلام السيئ و﴿الطَّيِّبَاتُ﴾ يعني الحسن من الكلام ﴿لِلطَّيِّبِينَ﴾ من الرجال والنساء،] (٦) يعني: الذين ظنّوا بالمؤمنين والمؤمنات خيرا ﴿وَالطَّيِّبُونَ﴾ من الرجال والنساء ﴿لِلطَّيِّبَاتِ﴾ يعني: الحسن (٧) من الكلام، لأنَّه يليق بهم الكلام الحسن (٨).\nوعلى هذا المعنى (٩): ذمُّ القذفة بالخبث، ومدحُ الذين برَّؤا عائشة بالطهارة.\n_________\n(١) في (ع): (الكلام).\n(٢) (كل) ساقطة من (ظ).\n(٣) في (ظ): (من).\n(٤) في \"تفسير مقاتل\" زيادة: والنساء.\n(٥) في (ع): (للشيء)، والمثبت من (أ)، و\"تفسير مقاتل\".\n(٦) ساقطة من (ظ).\n(٧) في (أ)، (ع): (للحسن)، والمثبت من (ظ)، و\"تفسير مقاتل\".\n(٨) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٣٧ أ.\n(٩) (المعنى) ساقطة من (ظ)، (ع).","vol":"16","page":183},{"text":"والكاشف لهذا ما ذكره الزجاج فقال: أي لا يتكلم بالخبيثات إلا الخبيث من الرجال والنساء، ولا يتكلم بالطيبات إلا الطيب من الرجال والنساء، قال: ويجوز أن يكون معنى هذا (١): الكلمات الخبيثات إنّما تلصق بالخبيثات من النساء، والرجال، فأما الطاهرات الطيبات فلا يلصق بهن السب (٢) (٣). وهذا هو (٤) بيان المعنى الأول الذي ذكرنا قبل حكاية قول (٥) مقاتل.\nوهذا (٦) الذي ذكرنا قول أكثر أهل التفسير والمعاني (٧).\nوقال الحكم (٨)، وابن زيد (٩): ﴿الْخَبِيثَاتُ﴾ من النساء ﴿لِلْخَبِيثِينَ﴾ من الرجال ﴿وَالْخَبِيثُونَ﴾ من الرجال ﴿لِلْخَبِيثَاتِ﴾ من النساء ﴿وَالطَّيِّبَاتُ﴾ من النساء ﴿لِلطَّيِّبِينَ﴾ من الرجال ﴿وَالطَّيِّبُونَ﴾ من الرجال ﴿لِلطَّيِّبَاتِ﴾ من النساء.\nوهذا معنى قول ابن عباس -في رواية عطاء- قال: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ﴾ يعني يريد أمثال عبد الله بن أبيّ ومن يشك في الله تعالى،\n_________\n(١) في (ظ)، و\"معاني الزجاج\": (هذه)، فتكون العبارة هذه الكلمات.\n(٢) عند الزجاج: شيء.\n(٣) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٣٧.\n(٤) (هو) ساقطة من (ط).\n(٥) (قول) ساقطة من (أ).\n(٦) في (أ)، (ع): (هذا).\n(٧) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٤٨، و\"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ٥١٥.\n(٨) هو: الحكم بن عتيبة، ولم أجد من ذكره عنه.\n(٩) ذكره عند الثعلبي ٧/ ٧٥ ب بهذا اللفظ.\nورواه عنه الطبري ١٨/ ١٠٨، وابن أبي حاتم ٧/ ٣٠ أ، ٣١ أ، والطبراني في \"الكبير\" ٢٣/ ١٥٦ بمعناه.","vol":"16","page":184},{"text":"﴿وَالطَّيِّبَاتُ﴾ يريد عائشة طيبها الله -﷿- لرسول الله (١) -ﷺ- أتاه بها جبريل في سرَقَة (٢) من حرير، فقال هذه عائشة بنت أبي بكر زوجتك في الدنيا وزوجتك في الآخرة (٣) عوضًا من (٤) خديجة، فسر بها رسول الله -ﷺ- وقرّ بها عينًا ﴿لِلطَّيِّبِينَ﴾ يريد رسول الله -ﷺ- طيّبه الله لنفسه، وجعله سيد ولد آدم ﴿وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ﴾ يريد لعائشة. انتهى كلامه (٥).\nوفي هذا ذمّ للمنافقين وأزواجهم بالخبث ومدح لرسول الله -ﷺ- وعائشة بالطهارة، وكأنه قيل: المنافقون والمنافقات هم الذين بالصفّة التي رَمَوا (٦) بها عائشة وصفوان، لا عائشة والنبي -ﷺ-.\nقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ﴾ قال مقاتل: يعني الطيبات\n_________\n(١) في (أ)، (ع): (لرسوله).\n(٢) سَرَقَة: قطعة من جيِّد الحرير، وجمعها سَرَق. وقيل هي البيضاء خاصة من الحرير. \"لسان العرب\" ١٠/ ١٥٦ - ١٥٧ (سرق).\n(٣) هكذا في (أ)، والطبراني. وفي (ظ)، (ع)، \"الدر المنثور\": (الجنَّة).\n(٤) في (أ): (عن)، والمثبت من باقي النسخ والطبراني و\"الدر المنثور\".\n(٥) رواه الطبراني في \"الكبير\" ٢٣/ ١٥٥ - ١٥٦ من رواية عطاء، عن ابن عباس. وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ١٥٢ وعزاه للطبراني.\nومجيء جبريل بعائشة في سرقة من حرير رواه البخاري في \"صحيحه\" كتاب: النكاح- باب: النظر إلى المرأة قبل التزويج ٩/ ١٨٠، ومسلم في \"صحيحه\" كتاب: فضائل الصحابة- باب: في فضل عائشة ٤/ ١٨٨٩ - ١٨٩٠ من حديث عائشة -﵂- قال: قال لي رسول الله -ﷺ-: \"أريتك في المنام يجيء بك الملك في سرقة من حرير\".\nورواه ابن حبان \"الإحسان\" ٩/ ١١١ من وجه آخر عن عائشة بلفظ: جاء بي جبريل - ﵇ - إلى رسول الله -ﷺ- في خرقة حرير فقال: \"هذه زوجتك في الدنيا والآخرة\"\n(٦) في (أ): (رضوا).","vol":"16","page":185},{"text":"والطيبون مبرؤون مما يقول (١) القاذفون (٢).\nقال الفراء: يعني عائشة وصفوان فذكر الاثنين بلفظ الجمع كقوله ﴿فَإِن (٣) كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾ [النساء: ١١] يريد (٤): أخوين، وقوله ﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٨] يريد داود وسليمان (٥).\nوقال الزَّجَّاج: كل من قُذف من المؤمنين والمؤمنات مبرؤن مما يقول أهل الخبث القاذفون (٦).\nوهذا معنى ما ذكرنا من قول مقاتل. و﴿أُولَئِكَ﴾ إشارة إلى الطيبين والطيبات. وعلى قول الفراء إشارة إلى عائشة وصفوان.\nوهذان هما الوجهان الصحيحان في معنى الآية. وذُكر قولان (٧) آخران:\nأحدهما: رواه ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله ﴿أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ﴾ قال: فمن كان طيبًا فهو مبرأ من كل قول (٨) [خبيث يقوله يغفره (٩) الله له. ومن كان خبيثًا فهو مبرأ من كل] (١٠) قول صالح يقوله، يردّه\n_________\n(١) في (أ): (يقولون).\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٣٧ أ.\n(٣) في جميع النسخ: (وإن).\n(٤) في (أ): (يريدون).\n(٥) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٤٩\n(٦) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٣٨.\n(٧) في (ظ)، (ع): (قولًا).\n(٨) قول: ساقط من (أ)، (ظ).\n(٩) في (أ): (يغفر).\n(١٠) ساقط من (ظ).","vol":"16","page":186},{"text":"الله عليه ولا يقبله (١) منه كلٌّ برئ مما ليس له بحقّ من الكلام (٢).\nوعلى هذا الإشارة بقوله ﴿أُولَئِكَ﴾ تعود إلى (٣) الخبيث والطّيب من الفريقين و﴿يَقُولُونَ﴾ خبرٌ عنهم لا عن غيرهم.\nالقول الثاني: رواه طلحة بن عمرو، عن عطاء موقوفًا عليه (٤)، وروي مرفوعًا عنه إلى ابن عباس (٥): ﴿أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ﴾: ألا ترى أنّك تسمع الكلمة الخبيثة من الرجل الصالح فتقول: غفر الله لفلان ما (٦) هذا من شيمته ولا من خلقه ولا مما يقول! ﴿أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ﴾ أن يكون ذلك من أخلاقهم ومن شيمتهم (٧)، ولكن الرجل قد يكون منه الزلل.\nوعلى هذا الإشارة بقوله ﴿أُولَئِكَ﴾ تعود إلى الطيب من الفريقين،\n_________\n(١) في (ظ)، (ع): (لا يقبله).\n(٢) رواه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ٢/ ٥٥، والطبري ١٨/ ١٠٩، وابن أبي حاتم ٧/ ٣١ ب، والطبراني في \"الكبير\" ٢٣/ ١٦١ من طريق ابن أبي نجيح.\nوذكره السيوطي في \"الدر\" ٦/ ١٦٧، ونسبه أيضًا لعبد بن حميد والفريابي وابن المنذر.\n(٣) (إلى): ساقطة من (ظ).\n(٤) رواه أبو الشيخ بن حيّان في كتاب \"التوبيخ والتنبيه\" باب: ما روي في قول الله -﷿- \"الخبيثات للخبيثين\" الآية ص ١٩٧ من طريق طلحة بن عمرو، عن عطاء موقوفًا عليه.\nوذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ١٦٨ عن عطاء موقوفًا عليه وعزاه لعبد بن حميد.\n(٥) رواه الطبراني في \"الكبير\" ٢٣/ ١٥٩ من طريق طلحة بن عمرو، عن عطاء مرفوعًا إلى ابن عباس. وسنده ضعيف جدًا؛ لأن فيه طلحة وقد تقدم بيان حاله.\n(٦) في (أ): (فما).\n(٧) في \"التوبيخ\": شيمهم.","vol":"16","page":187},{"text":"والمعنى: نفي الكلمة الخبيثة عنهم، وإنْ بدرت منهم بادرة (١) فهم مبرؤن منها؛ لأن الله يغفرها لهم بأنها ليست من شيمتهم ولا من أخلاقهم.\nقوله تعالى: ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ قال ابن عباس (٢)، ومقاتل (٣): رزق حسن في الجنّة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2874>٢٧ </span>- ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآية. روى عدي بن ثابت (٤) أن امرأة [من الأنصار] (٥) جاءت إلى رسول الله (٦) -ﷺ- فقالت: يا رسول الله! إني أكون في بيتي على حال لا أحب أن يراني عليها أحدٌ (٧) لا والد ولا ولد، فيأت الأب فيدخل علي، ولا يزال يدخل عليّ رجل من أهل بيتي وأنا على تلك الحال، فكيف أصنع؟ فنزلت هذه الآية (٨).\n_________\n(١) في (أ): (وإن ندرت منهم نادرة).\n(٢) رواه الطبراني في \"الكبير\" ٢٣/ ١٦١ من طريق عطاء عن ابن عباس، وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ١٥٢ ونسبه للطبراني.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٣٧ أ.\n(٤) هو: عَدي بن ثابت الأنصاري، الكوفي. تابعي ثقة رمي بالتشيع، توفي سنة ١١٦ هـ. \"الكاشف\" للذهبي ٢/ ٢٥٩، \"تقريب التهذيب\" ٢/ ١٦.\n(٥) ساقط من (ظ).\n(٦) في (ظ): (النبي).\n(٧) (لا): ساقطة من (ظ)، (ع).\n(٨) رواه الطبري في \"تفسيره\" ١٨/ ١١٠ - ١١١، والثعلبي في \"الكشف والبيان\" ٣/ ٧٦ أ، والواحدي في \"أسباب النزول\" ص ٢٦٩ من طريق أشعث بن سوّار، عن عدي بن ثابت.\nوذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ١٧١ ونسبه للفريابي والطبري.\nوهذه الرواية فيها علتان:\nالأولى: في سندها أشعث بن سوّار وهو ضعيف.\nالثانية: الإرسال، فإن عديّ بن ثابت تابعيّ.","vol":"16","page":188},{"text":"وقوله: ﴿بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ﴾ قال ابن عباس: يعني بُيوتًا ليست لكم (١) ﴿حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ قال: يريد: حتى تستأذنوا (٢). وهو قول عكرمة (٣)، ومقاتل (٤)، وقتادة (٥)، والسدي (٦).\nقال أبو إسحاق: معنى ﴿تَسْتَأْنِسُوا﴾ في اللغة: تستأذنوا. وكذلك هو في التفسير. والاستئذان: الاستعلام. يقول: آذنته بكذا: أعلمته، وكذلك آنست منه كذا، أي: علمت منه. ومنه قوله ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾ [النساء:\n_________\n(١) رواه ابن أبي حاتم ٧/ ٣٢ أعن سعيد بن جبير.\n(٢) رواه الطبري ١٨/ ١١٠، وابن أبي حاتم ٧/ ٣٢ أمن طرق عن ابن عباس.\n(٣) ذكر السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ١٧١ عن عكرمة قال: هي في قراءة أبيّ (حتى تسلموا وتستأذنوا). وعزاه لابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٣٧ أ.\n(٥) رواه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ٢/ ٥٥، والطبري ١٨/ ١١٠، وابن أبي حاتم ٧/ ٣٢ أ.\n(٦) لم أجد من ذكره عنه.\nقال العز بن عبد السلام في كتابه \"الإشارة إلى الإيجاز\" ص ٧٨: ﴿تَسْتَأْنِسُوا﴾ تطلبوا الأنس بكم، أي: تطلبوا أن يأنس بكم صاحب البيت، وأنسه به بانتفاء الوحشة والكراهية، وهذا كناية لطيفة عن الاستئذان، أي: أن يستأذن الداخل، أي يطلب إذنًا من شأنه أن لا يكون معه استيحاش ربّ المنزل بالداخل .. فإنَّه إذا أذن له دلّ على أنَّه لا يكره دخوله، وإذا كره دخوله لا يأذن له، والله متولي علم ما في قلبه: فلذلك عبَّر عن الاستئذان بالاستئناس مع ما في ذلك من الإيماء إلى علة مشروعية الاستئذان.\nوفي ذلك من الآداب أن المرء ينبغي أن لا يكون كلًا على غيره، ولا ينبغي أن يعرّض نفسه إلى الكراهية والاستثقال، وأنه ينبعي أن يكون الزائر والمزور متوافقين متآنسين، وذلك عون على توفر الأخوّة الإسلامية. اهـ.","vol":"16","page":189},{"text":"٦] أي: إن علمتم، فمعنى (حَتَّى (١) تَسْتَأْنِسُوا): حتى تستعلموا، أيريد أهلها أن تدخلوا أم لا؟ (٢).\nوقال ابن قتيبة: الاستئناس: أن يُعلم من في الدار يقال: استأنست فما رأيت أحدًا، أي: استعلمت (٣) وتعرّفت (٤) (٥).\nوقال الفراء: الاستئناس في كلام العرب: النظر. يقال: اذهب فاستأنس هل ترى أحدًا؟ فيكون معناه: انظر من في الدار (٦).\nوقول النابغة:\nبذي الجليل (٧) على مستأنس وحد (٨) (٩).\n_________\n(١) (حتى): ليست في (ظ)، (ع).\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٣٩.\n(٣) في (ظ): (استعملت).\n(٤) في (أ): (تعرفت) سقطت الواو.\n(٥) \"غريب القرآن\" لابن قتيبة ص ٣٠٣.\n(٦) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٤٩.\n(٧) في (ع): (الخليل)، وفي (ظ): (الخيل).\n(٨) في (ع): (وحدي).\n(٩) هذا عجز بيت للنابغة الذبياني، وهو من معلقته، وصدره:\nكأنَّ رحلي، وقد زال النهار بنا\nوهو في \"ديوانه\" ص ١٧، \"غريب القرآن\" (١) لابن قتيبة ص ٣٠٣، \"تهذيب اللغة\" للأزهري ١٣/ ٨٧ (أنِسَ)، \"لسان العرب\" ٦/ ١٥ (أنس).\nقال الخطيب التبريزي في \"شرح المعلقات العشر\" ص ٥١٧: \"زال النهار بنا\" معناه: انتصف، و\"بنا\" بمعنى علينا، والجليل: الثُّمام، أي بموضع فيه ثمام، والمستأنس: الناظر بعينه، ومنه \"إني آنست نارًا\" أي أبصرت. اهـ.\nو(وَحَد): بفتح الواو والحاء: الرجل المنفرد. \"القاموس المحيط\" ١/ ٣٤٣.","vol":"16","page":190},{"text":"أراد على ثرر وحشي أحسّ بما (١) رابه فهو يستأنس، أي: يتبصرَّ ويتلفَّت هل يرى أحدًا (٢). وعلى هذا معنى ﴿حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ حتى تنظروا وتتعرفوا هل في البيت أحد.\nوروى سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله: ﴿حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ قال: إنّما هو (حتى تستأذنوا) ولكنّه وَهَم من الكاتب (٣).\n_________\n(١) في (ع): (أحسن ما).\n(٢) من قوله: (وقول النابغة إلى هنا) نقلًا عن \"تهذيب اللغة\" للأزهري ١٣/ ٨٧ (أنس).\n(٣) رواه سعيد بن منصور ١٥٨ ب، والطبري ١٨/ ١٠٩ - ١١٠، وابن أبي حاتم ٧/ ٣٢ أمن طريق سعيد بن جبير، عن ابن عباس.\nوذكره ابن حجر في \"الفتح\" ١١/ ٨ وعزاه لسعيد والطبري والبيهقي، وقال: بسند صحيح عن ابن عباس. اهـ.\nورواه سفيان الثوري في \"تفسيره\" ص ٢٢٤، والحاكم في \"مستدركه\" ٢/ ٣٩٦ من طريق مجاهد، عن ابن عباس. وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.\nوهذا الأثر استشكله طائفة من العلماء منهم إسماعيل بن إسحاق القاضي في كتابه \"أحكام القرآن\"، ذكر ذلك عنه ابن حجر في \"الفتح\" ٨/ ٩.\nوقال ابن كثير في \"تفسيره\" ٣/ ٢٨٠ بعد إيراده له: وهذا غريب جدًّا عن ابن عباس. وطعن في صحة هذا الأثر جماعة من العلماء منهم ابن العربي في \"أحكام القرآن\" ٣/ ١٣٥٩، وابن عطية في \"المحرر الوجيز\" ١٠/ ٤٧٩، والقرطبي في \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٢/ ٢١٤، وغيرهم، وبالغ أبو حيان فقال في \"البحر\" ٦/ ٤٤٥ - ٤٤٦: ومن روى عن ابن عباس أن قوله \"تستأنسوا\" خطأ أو وهم من الكاتب وأنه قرأ \"حتى تستأذنوا\" فهو طاعن في الإسلام ملحد في الدين، وابن عباس بريء من هذا القول. اهـ.\nوقد بيَّن ابن حجر ﵀ وجه هذا الأثر الذي صحّحه فقال في \"الفتح\" ١١/ ٩: وأجيب بأن ابن عباس بناها على قراءته التي تلقَّاها عن أبيّ بن كعب، وأما اتفاق الناس على قراءتها بالسين فلموافقة خط المصحف الذي وقع الاتفاق على عدم =","vol":"16","page":191},{"text":"وفسر مجاهد (١) والكلبي الاستئناس هنا بالتنحنح والتنخّم وهو نوع من الاستعلام.\nوقوله ﴿وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾ [قال ابن عباس وجميع المفسرين. هذا على التقديم والتأخير، حتى تسلّموا على أهلها] (٢) وتستأذنوا (٣). وكذا هو في مصحف عبد الله مستقيم كقوله ﴿وَاسْجُدِي وَارْكَعِي﴾ [آل عمران: ٤٣] وقد مرّ، وقوله ﴿فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ [التغابن: ٢]. والاستئذان شرع (٤) مشروع، فلا يجوز لأحد الدُّمور (٥) في بيت غيره (٦) لأمر الله تعالى\n_________\n= الخروج عما يوافقه، وكانت قراءة أبيّ من الأحرف التي تركت القراءة بها .. وقال البيهقي: يحتمل أن يكون ذلك في القراءة الأولى ثم نسخت تلاوته، يعني: ولم يطلع ابن عباس على ذلك.\n(١) رواه عن مجاهد: الطبري في \"تفسيره\" ١٨/ ١١١، وابن أبي حاتم ٧/ ٣٢ أ، وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ١٧٢ وزاد نسبته لعبد بن حميد وابن المنذر والبيهقي في \"شعب الإيمان\".\n(٢) ساقط من (ظ)، (ع).\n(٣) قال الفراء في \"معاني القرآن\" ٢/ ٢٤٩: حدثني حبّان، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس (حتى تستأنسوا) تستأذنوا، قال: هذا مقدّم ومؤخر، إنّما هو حتى تسلموا وتستأذنوا.\nوروى سعيد بن منصور في \"تفسيره\" ١٥٨ ب، والطبري في \"تفسيره\" ١٨/ ١٧١ عن إبراهيم قال: في مصحف عبد الله (حتى تسلموا على أهلها وتستأذنوا).\nوذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ١٧١ وزاد نسبته لعبد بن حميد والبيهقي في \"شعب الإيمان\".\n(٤) في (ع): (نوع).\n(٥) في (ظ)، (ع): (الدخول).\nوالدُّمور: الدخول بغير إذن. \"لسان العرب\" ٤/ ٢٩١ (دمر).\n(٦) في (ظ): (بيت أحد غيره).","vol":"16","page":192},{"text":"بالاستئذان في هذه الآية.\nوالسنة فيه أن يقول: السلام عليكم أأدخل (١) (٢).\nقال قتادة -في هذه الآية- كان يقال: الاستئذان ثلاث مرات، من لم يؤذن له فيهن فليرجع. أما الأولى فيسمع الحي، وأما الثانية فيأخذوا حذرهم، وأما الثالثة فإن شاءوا أذنوا وإن شاءوا ردّوا، ولا تقعدن (٣) على باب قوم ردّوك عن بابهم؛ فإن للناس حاجات، والله أعلم (٤) بالعذر (٥).\nوقد روى أبو موسى، عن النبي -ﷺ- قال: \"الاستئذان ثلاثة، فإن أذنوا وإلَّا فارجع\" (٦).\nقوله: ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ قال ابن عباس: أزكى لكم وأعظم لأجوركم.\n_________\n(١) في (أ): (أدخل).\n(٢) روى أبو داود في \"سننه\" كتاب: الأدب- باب: كيف الاستئذان ١٤/ ٨١، والترمذي في \"جامعه\" باب: التسليم قبل الاستئذان ٧/ ٤٩٠١ - ٤٩١ من حديث كَلَدة بن حنبل -﵁- أن صفوان بن أميه بعثه بلبن ولبأ وضغابيس إلى النبي -ﷺ-، والنبي -ﷺ- بأعلى الوادي، قال: فدخلت عليه ولم استأذن ولم أسلم، فقال النبي -ﷺ-: \"ارجع فقل: السلام عليكم أأدخل\".\nقال الألباني في \"سلسلة الأحاديث الصحيحة\" ٢/ ٤٨١: وإسناده صحيح.\n(٣) في (أ): (ولا يفعلن)، وفي (ع): (ولا تقعد)، والمثبت من (ظ)، وابن أبي حاتم.\n(٤) عند ابن أبي حاتم: أولى.\n(٥) رواه ابن أبي حاتم ٧/ ٣٢ أ، ب، وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ١٧٤ وزاد نسبته لعبد بن حميد والبيهقي في \"شعب الإيمان\".\n(٦) ذكره بهذا اللفظ الثعلبي في \"تفسيره\" ٣/ ٧٦ ب.\nوقد رواه البخاري في \"صحيحه\" كتاب: الاستئذان- باب: التسليم والاستئذان ثلاثًا ١١/ ٢٧ ومسلم في \"صحيح\" كتاب: الآداب- باب: الاستئذان ٣/ ١٦٩٤ بلفظ \"إذا استأذن أحدكم ثلاثًا فلم يؤذن له فليرجع\".","vol":"16","page":193},{"text":"وقال مقاتل: أفضل لكم من أن تدخلوا بغير إذن (١).\n﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ أن السلام والاستئذان خيرٌ فتأخذون به.\nوقال ابن عباس: يريد كي تتعظوا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2875>٢٨ </span>- قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا﴾ ظاهر التفسير إلى قوله: ﴿هُوَ أَزْكَى لَكُمْ﴾.\nقال مقاتل: يقول (٢): الرجوع خيرٌ لكم من القيام والقعود على أبوابهم ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ إن دخلتم بإذن أو بغير إذن، فمن دخل بيتًا بغير إذن أهله قال له ملكاه (٣) اللذان يكتبان عليه: أفّ لك عَصَيت (٤) وآذيت. يعني: عصيت الله وآذيت أهل البيت. فلما نزلت آية الاستئذان قال أبو بكر الصديق -﵁- للنبي -ﷺ-: فكيف بالبيوت التي بين مكة والمدينة والشام على ظهر الطريق ليس فيها ساكن؟ فأنزل الله:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2876>٢٩ </span>- ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ﴾ (٥).\nقال ابن عباس (٦)، ومقاتل (٧): ليس فيها ساكن بغير إذن ولا تسليم،\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٣٧ أ.\n(٢) يقول: ساقطة من (ظ).\n(٣) في (ظ): الملكان.\n(٤) في (أ): (عصوت).\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٣٧ أ، ب.\nوقد ذكره الثعلبي ٣/ ٧٦ ب من قوله: فلما نزلت .. ولم ينسبه لأحد. وكذلك الواحدي في \"أسباب النزول\" ص ٢٦٩ وصدّره بقوله: قال المفسرون.\nوهذا القول غير معتمد في سبب نزول هذه الآية: لأنّه من رواية مقاتل.\nوروى ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٧/ ٣٣ ب، ٣٤ أعن مقاتل بن حيان نحو هذا السبب.\n(٦) روى ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٧/ ٣٣ ب عن سعيد بن جبير، مثله.\n(٧) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٣٧ ب.","vol":"16","page":194},{"text":"يعني الخَانَات والفنادق (١).\nوقال مجاهد: هي البيوت التي ينزلها السَّفر (٢) لا يسكنها أحد (٣).\nقوله ﴿فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ﴾ منافع (٤) لعلكم تتقون بها البرد والحر. قاله ابن عباس (٥)، ومقاتل (٦). وقال السدي: بلاغٌ لكم إلى حاجتكم (٧).\nوقال أبو بكر الهذلي (٨): يستمتع بالمنزل ثم يرتحل منه (٩).\nقال أبو إسحاق: وقيل إنّه يعني الخرابات التي يدخلها الرجل لبول أو غائط، ويكون (١٠) ﴿فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ﴾ بمعنى (١١): إمتاع، أي: تتفرّجون بها\n_________\n(١) الخانات: جمع خان، وهو الحانوت وهو فارسي معرب، وقيل: الخان الذي للتجار. \"لسان العرب\" ١٣/ ١٤٦.\nوالفنادق: جمع فُندق، وهو المكان الذي ينزله الناس مما يكون في الطرق والمدائن. انظر: \"لسان العرب\" ١٠/ ٣١٣ \"فندق\"، \"القاموس المحيط\" ٣/ ٢٧٧.\n(٢) السَّفر كالصَّحب: هم المسافرون. \"لسان العرب\" لابن منظور ٤/ ٣٦٨ (سفر).\n(٣) رواه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ٢/ ٥٥، والطبري في \"تفسيره\" ١٨/ ١١٤. وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ١٧٥ وزاد نسبته لعبد بن حميد وابن المنذر.\n(٤) منافع: ساقطة من (ظ).\n(٥) روى ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٧/ ٣٤ أعن سعيد بن جبير مثله.\n(٦) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٣٧ ب.\n(٧) رواه عنه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٧/ ٣٤ أمن طريق أسباط.\n(٨) هو: سُلمى -وقيل: رَوْح- بن عبد الله بن سلمى. أبو بكر الهذلي. بصري، روى عن الحسن البصري وابن سيرين وغيرهما. كان من علماء الناس بأيامهم، وهو متروك الحديث توفي سنة ١٦٧ هـ.\n\"الاستغناء\" لابن عبد البر ١/ ٤٤٢، \"الكاشف\" ٣/ ٣١٨، \"تهذيب التهذيب\" ١٢/ ٤٥.\n(٩) لم أجد من ذكره عنه.\n(١٠) في (أ): زيادة معنى بعد قوله (ويكون).\n(١١) في (ظ): (معنى).","vol":"16","page":195},{"text":"ممّا بكم (١).\nوهذا الذي ذكره هو قول عطاء، قال: هي البيوت الخربة، والمتاع: قضاء الحاجة فيها من الخلال والبول (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2877>٣٠ </span>- ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ يقال: غضّ بصره يغضُّه غضّا، ومثله أغضى (٣). قال جرير:\nفغضّ الطَّرف إنك من نمير ... فلا كعبًا بلغت ولا كلابا (٤)\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٣٩. وفيه: متفرّجون فيها.\n(٢) ذكره عنه الثعلبي ٣/ ٧٧ أبهذا اللفظ.\nورواه الطبري ١٨/ ١١٤، وابن أبي حاتم ٧/ ٣٤ أعنه مختصرًا.\nوذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ١٧٥ مختصرًا، ونسبه أيضًا لعبد بن حميد وابن المنذر.\nقال الطبري ١٨/ ١١٥ - بعد ذكره للخلاف في معنى البيوت غير المسكونة-: وأولى الأقوال في ذلك بالصّواب أن يقال: إن الله عمَّ بقوله: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ﴾ كلَّ بيت لا ساكن به لنا فيه متاع ندخله بغير إذن؛ لأن الإذن إنّما يكون ليؤنس المأذون عليه قبل الدخول، أو ليأذن للداخل إن كان مالكًا، أو كان فيه ساكنًا.\nفأما إن كان لا مالك له. فيحتاج إلى إذنه لدخوله. ولا ساكن فيه. فيحتاج الداخل إلى إيناسه والتسليم عليه؛ لئلا يهجم على ما لا يحب رؤيته منه. فلا معنى للاستئذان فيه. فإذا كان كذلك فلا وجه لتخصيص بعض ذلك دون بعض. فكل بيت لا مالك له ولا ساكن من بيت مبني ببعض الطرق للمارّة والسابلة ليأووا إليه، أو بيت خراب قد باد أهله ولا ساكن فيه، حيث كان ذلك فإن لمن أراد دخوله أن يدخل بغير استئذان لمتاع له يؤوبه إليه، أو للاستمتاع به لقضاء حقه من بول أو غائط أو غير ذلك.\nوانظر أيضًا \"أحكام القرآن\" لابن العربي ٣/ ١٣٦٤.\n(٣) انظر: \"تهذيب اللغة\" \"المستدرك\" ص ٣٦، \"لسان العرب\" ٧/ ١٩٧ (غضض).\n(٤) البيت في \"ديوانه\" ٣/ ٨٢١ و\"تهذيب اللغة\" للأزهري \"المستدرك\" ص ٣٦ =","vol":"16","page":196},{"text":"قال ابن عباس: يريد: لا ينظروا إلى ما لا يحل لهم (١). وهذا قول المفسرين (٢).\nوقالوا: إنّ (من) هاهنا صلة. وهو قول مقاتل، وسفيان (٣).\nوقيل (٤): إنّ (من) هاهنا لتبعيض (٥) الغض، وهو الغض عمّ لا يحل\n_________\n= (غض)، \"لسان العرب\" ٧/ ١٩٧ \"غضض\"، \"خزانة الأدب\" ١/ ٧٢. وهو من قصيدة يهجو بها الراعي النُّميري.\n(١) روى الطبري ١٨/ ١١٧ وابن أبي حاتم ٧/ ٣٤ أعن ابن عباس قال: يغضوا أبصارهم عما يكره الله. وقد أخرج ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٧/ ٣٤ ب عن قتادة نحو هذا القول الذي ذكره الواحدي عن ابن عباس.\n(٢) انظر: \"الطبري\" ١٨/ ١١٦ - ١١٧، \"تفسير ابن أبي حاتم\" ٧/ ٣٤ أ، ب، الثعلبي ٣/ ٧٧ ب، \"الدر المنثور\" للسيوطي ٦/ ١٧٦ - ١٧٧.\n(٣) قول مقاتل في \"تفسيره\" ٢/ ٣٧ ب، وتتمّة كلامه: يعني: يحفظوا أبصارهم كلها عمّا لا يحل لهم النظر إليه. اهـ وقد حكى الماوردي في \"النكت والعيون\" ٤/ ٨٩ هذا القول عن قتادة. وأما قول سفيان فلم أجده. وقد روى ابن أبي حاتم ٧/ ٣٤ أمثل هذا القول عن سعيد بن جبير. وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٨/ ١٧٧ عن سعيد، وعزاه لابن أبي حاتم.\n(٤) حكى الرازي ٢٣/ ٢٠٢ هذا القول عن أكثر المفسرين. قال الثعلبي ٣/ ٧٧ أ: لأن المؤمنين غير مأمورين بغض البصر أصلًا، وإنما أمروا بالغض عمّا لا يجوز. واستظهر ابن عطية ١٠/ ٤٨٥ هذا القول.\nوقوَّى القرطبي ١٢/ ٢٢٣ هذا القول بما في \"صحيح مسلم\" كتاب: الآداب- باب: نظر الفجأة ٣/ ٩٩ عن جرير بن عبد الله قال: سألت رسول الله -ﷺ- عن نظرة الفُجاءة، فأمرني أن أصرف بصري.\nوانظر: \"المحرر\" لابن عطية ١٠/ ٤٨٦، القرطبي ١٢/ ٢٢٢، \"الدر المصون\" للسمين الحلبي ٨/ ٣٩٧.\n(٥) (لتبعيض): موضعها بياض في (ظ).","vol":"16","page":197},{"text":"النظر إليه، فأمّا (١) ما يحل فلا يجب الغض عنه.\nوقوله ﴿وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ أي عن الفواحش وعمَّن لا يحل. وهذا قول عامة (٢) المفسرين (٣).\nوروى الربيع (٤)، عن أبي العالية قال: كل آية في القرآن يذكر فيها حفظ الفرج فهو من الزنا إلاَّ هذه الآية. قال: يحفظوا فروجهم ألاّ يراها أحد (٥). ونحو هذا قال ابن زيد (٦).\nويدل على صحّة هذا التأويل إسقاط (من) هاهنا على قول من يجعله للتبعيض (٧).\n_________\n(١) في (أ): (وأما).\n(٢) عامة: ساقطة من (ظ).\n(٣) حكاه الثعلبي ٣/ ٧٧ أ، عن أكثر المفسرين. وانظر: \"الطبري\" ١٨/ ١١٦، وابن أبي حاتم ٧/ ٣٤ ب، \"الدر المنثور\" ٦/ ١٧٦ - ١٧٧.\n(٤) هو: الربيع بن أنس.\n(٥) رواه الطبري ١٨/ ١١٦، وابن أبي حاتم ٧/ ٣٤ ب عن الربيع، عن أبي العالية. وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ١٧٧ ونسبه أيضًا لعبد بن حميد وابن المنذر. قال الجصَّاص في \"أحكام القرآن\" ٣/ ٣١٥ - بعد ذكره لهذا القول عن أبي العالية: هذا تخصيص بلا دلالة، والذي يقتضيه الظاهر أن يكون المعنى حفظها عن سائر ما حرم عليه من الزنا واللمس والنظر، وكذلك سائر الآي المذكورة في غير هذا الموضع في حفظ الفروج، هي على جميع ذلك ما لم يقم الدلالة على أنَّ المراد بعض ذلك دون بعض.\n(٦) ذكره عنه الثعلبي ٣/ ٧٧ أ، والزمخشري ٣/ ٦٠.\n(٧) قال الزمخشري ٣/ ٦٠: فإن قلت كيف دخلت -يعني \"من\"- في غض البصر دون حفظ الفروج؟ قلت: دلالة على أن أمر النظر أوسع؛ ألا ترى أن المحارم لا بأس بالنظر إلى شعورهن .. وأما الفرج فمضيّق، وكفاك فرقًا أن أبيح النظر إلا ما استثنى منه وحظر الجماع إلا ما استثنى منه.","vol":"16","page":198},{"text":"وقوله (ذَلِكَ) قال مقاتل: ذلك الغض من البصر والحفظ للفرج (١).\n﴿أَزْكَى لَهُمْ﴾ خيرٌ لهم عند الله وأعظم لأجورهم.\n﴿إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ في الفروج والأبصار (٢). وقال ابن عباس: خبير بأعمالهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2878>٣١ </span>- قوله: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ﴾ مفسّر في الآية التي قبلها إلى قوله: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾، قال المقاتلان (٣): حدّث جابر بن عبد الله: أن أسماء بنت مرشدة (٤) كانت في نخل (٥) لها في بني حارثة، فجعلت النساء يدخلن عليها غير متأزِّرات (٦)، فيبدو ما في أرجلهن من الخلاخل (٧)، وتبدو صدورهن وذَوَائِبهُن (٨) فقالت أسماء: ما أقبح هذا. فأنزل الله تعالى هذه الآية (٩).\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٣٧ ب.\n(٢) هذا قول مقاتل في \"تفسيره\" ٢/ ٣٧ ب.\n(٣) يعني مقاتل بن حيان ومقاتل بن سليمان.\n(٤) في (ظ): (مرشد)، وهي: أسماء بنت مرشدة بن جبر بن مالك بن حويرثه بن حارثة. أسلمت أسماء وبايعت رسول الله -ﷺ-. \"طبقات ابن سعد\" ٨/ ٣٣٥.\n(٥) في (أ): (شغل).\n(٦) غير متأزِّرات: أي غير سابغات الأزُر، والإزار كل ما واراك وسترك، وقيل هو ما يستر أسفل البدن. انظر: \"لسان العرب\" ٤/ ١٦ (أزر)، \"تاج العروس\" للزبيدي ١٠/ ٤٣ - ٤٤ (أزر).\n(٧) في (ع): (الخلاخيل)، والخلاخل: جمع خَلْخَال، وهو الحلي الذي تلبسه المرأة في ساقها. \"لسان العرب\" ١١/ ٢٢١ (خلل).\n(٨) ذوائبهن: جمع ذُؤَابة، وهي الشعر المضفور من شعر الرأس، أو الناصية أو منبتها من الرأس. \"لسان العرب\" ١/ ٣٧٩ (ذأب)، \"القاموس المحيط\" ١/ ٦٧.\n(٩) قول مقاتل بن حيان رواه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٧/ ٣٥ أ، وذكره عنه السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ١٧٩ وعزاه لابن أبي حاتم. وأَمَّا قول مقاتل بن سليمان =","vol":"16","page":199},{"text":"واختلفوا في الزينة الظاهرة التي استثنى الله بقوله ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾: فروي عن ابن مسعود بطرق مختلفة أنَّه قال: هو الثياب: الجلباب والرداء لا يبدين قُرطًا ولا سوارًا ولا خلخالًا ولا قلادة (١).\n_________\n= فهو في \"تفسيره\" ٢/ ٣٧ ب.\nوهذه الرواية غير معتمدة في سبب نزول هذه الآية، لأن مقاتل بن حيَّان لم يلق جابر بن عبد الله، فروايته منقطعة، ومقاتل بن سليمان متهم بالكذب.\n(١) من هذه الطرق: أولًا: طريق أبي الأحوص -عوف بن مالك بن نضلة الجشمي- عن ابن مسعود -﵁-. وقد رواه عن أبي الأحوص أبو إسحاق السبيعي، وله عن أبي إسحاق طرق:\n١ - طريق معمر بن راشد. رواه من هذا الطريق عبد الرزاق في \"تفسيره\" ٢/ ٥٦، والطبري ١٨/ ١١٧ عن أبي إسحاق، به، بلفظ: \"إلا ما ظهر منها\": الثياب.\n٢ - طريق سفيان الثوري. وقد رواه عن سفيان جماعة منهم:\n- وكيع بن الجراح، رواه عند ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" ٤/ ٢٨٣، عن سفيان، عن أبي إسحاق، بمثل لفظ معمر.\n- عبد الرحمن بن مهدي، رواه الطبري ١٨/ ١١٧ قال: حدثنا ابن بشَّار، قال: حدثنا عبد الرحمن، قال: حدثنا سفيان، عن أبي إسحاق. به بمثل لفظ وكيع وإسناده صحيح.\n- عبد الله بن وهب. رواه الطبري ١٨/ ١١٧ قال: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني الثَّوري، عن أبي إسحاق، فذكره بمثل رواية ابن مهدي.\n- أبو نعيم: رواه من طريقه ابن أبي حاتم ٧/ ٣٦ أ، والطبراني ٩/ ٢٦٠ عن سفيان، عن أبي إسحاق به، بمثل اللفظ المتقدّم.\n٣ - طريق شعبة بن الحجاج. وقد رواه من طريقه الطبري ١٨/ ١١٧ بمثل اللفظ المتقدم.\n٤ - طريق إسرائيل: وقد رواه من طريقه ابن أبي حاتم ٧/ ٣٥ ب، والطبراني في \"الكبير\" ٩/ ٢٦٠ عن أبي إسحاق، به، بلفظ: (ولا يبدين زينتهن) قال: الزينة: القرط، والدملج -وعند الطبراني: الدملوج-، والخلخال والقلادة.\n٥ - طريق شريك: رواه من طريقه الحاكم في \"مستدركه\" ٢/ ٣٩٧ عن أبي إسحاق، به، بلفظ: \"ولا يبدين زينتهن\" قال: لا خلخال ولا شنف،- ولا قرط =","vol":"16","page":200},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ولا قلادة، \"إلا ما ظهر منها\" الثياب.\n٦ - طريق خدُيج بن معاوية: رواه من طريقه سعيد بن منصور في \"تفسيره\" ١٥٩ أ، والطبراني في \"الكبير\" ٩/ ٢٦٠ عن أبي إسحاق، به بلفظ: \"ولا يبدين زينتهن\" قال: الزينة: السوار والدملج والخلخال ولا أدب والقرط والقلادة، وما ظهر منها: الثياب والجلباب.\n٧ - طريق حجاج: رواه من طريقه ابن أبي شيبة في \"مصنّفه\" ٤/ ٢٨٤، والطبري ١٨/ ١١٧، وابن أبي حاتم ٧/ ٣٥ ب عن أبي إسحاق، به، بلفظ: الزينة زينتان، زينة ظاهرة وزينة باطنة لا يراها إلا الزوج -وقوله: لا يراها إلى الزوج ليست عند الطبري- فأما الزينة الظاهرة فالثياب\" وأما الزينة الباطنة - وعند الطبري: وما خفي- فالكحل والسَّوار والخاتم، وعند الطبري: الخلخالان والقرطان والسواران، وعند ابن أبي حاتم: الخاتم والسوار. وهذه الطرق المروية عن أبي إسحاق.\nثانيًا: طريق عبد الرحمن بن يزيد -وتصحَّف في المطبوع من الطبري إلى زيد- بن قيس النَّخعي -تابعي ثقة سمع ابن مسعود- عن ابن مسعود -﵁-.\nرواه عن عبد الرحمن بن يزيد مالكُ بن الحارث، ورواه عن مالك بن الحارث الأعمش، وله عن الأعمش طريقان:\n١ - طريق سفيان الثوري. رواه الطبري ١٨/ ١١٧ من طريقه، عن الأعمش، به بلفظ: الثياب.\n٢ - طريق محمد بن فضيل -وتصحَّف في المطبوع من الطبري إلى الفضل. رواه من طريقه الطبري ١٨/ ١١٨، وابن أبي حاتم ٧/ ٣٦ أ، عن الأعمش، به بلفظ: الرّداء. والقُرْط -بضم القاف-: نوع من الحلي يعلق في شحمة الأذن. انظر: \"لسان العرب\" ٧/ ٣٧٤ \"قرط\".\nوهذا القول هو الحق الذي يعضده الكتاب والسنة الصحيحة، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾. روى البخاري في \"صحيحه\" كتاب: التفسير، سورة النور باب: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ ٨/ ٤٨٩ عن عائشة ﵂ قالت: \"يرحم الله نساء المهاجرات الأول، لما أنزل الله ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ شققن مروطهن فاختمرن بها\". قال ابن حجر في \"الفتح\" ٨/ ٤٩٠ في شرح هذا الحديث: قوله: \"فاختمرن، أي: غطين وجوههن، وصفة ذلك أن تضع الخمار على رأسها وترميه من الجانب الأيمن على العاتق الأيسر، وهو التقّنع.","vol":"16","page":201},{"text":"وهو قول الحسن (١)، وماهان الحنفي (٢)، ورواية الحكم (٣) عن أبي\n_________\nوقال الشنقيطي في \"أضواء البيان\" ٦/ ٥٩٤ في حديث عائشة هذا: وهذا الحديث الصحيح صريح في أنَّ النساء الصحابيات المذكورات فيه فَهمن أن معنى قوله ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ يقتضي ستر وجوههن، وأنَّهن شققن أزرهن فاختمرن، أي سترن وجوههن بها امتثالًا لأمر الله في قوله تعالى ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ المقتضي ستر وجوههن، وبهذا يتحقق المنصف: أنَّ احتجاب المرأة عن الرجال وستر وجهها عنهم ثابت في السنة الصحيحة المفسِّرة لكتاب الله تعالى، وقد أثنت عائشة ﵂ على تلك النساء بمسارعتهن لامتثال أوامر الله في كتابه، ومعلوم أنهن ما فهمن ستر الوجوه من قوله ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ إلا من النبي -ﷺ-، لأنه موجود وهن يسألنه عن كل ما أشكل عليهن في دينهن، والله جل وعلا يقول: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤] فلا يمكن أن يفسرنها من تلقاء أنفسهن. اهـ.\nوكذلك آية الحجاب وهي قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الأحزاب: ٥٣]، وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٩].\nوانظر تفصيل ذلك في: \"أضواء البيان\" للشنقيطي ٦/ ١٩٩ - ٢٠٠، ٥٨٤ - ٦٠٢، \"رسالة الحجاب في الكتاب والسنة\" للشيخ عبد القادر بن حبيب الله السندي، \"عودة الحجاب\" لمحمد بن أحمد المقدم ق ٣/ ١٨١ - ٣٢٩.\n(١) رواه الطبري ١٨/ ١١٨ عن الحسن. وقال ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٧/ ٣٦ أبعد ذكره للأثر المتقدم عن ابن مسعود-: وروي عن الحسن، ..، وأبي صالح ماهان في إحدى الروايات .. نحو ذلك.\nوروى سعيد بن منصور في \"تفسيره\" (ل ١٥٩ أ)، وابن أبي شيبة في \"مصنّفه\" ٤/ ٢٨٤ عنه قال: الوجه والثياب.\n(٢) هو: ماهان الحنفي، أبو صالح -ويقال: أبو سالم- الكوفي. روى عن ابن عباس وأم سلمة وعدة. وكان ثقة، عابدًا. قتله الحجَّاج سنة ٨٣ هـ \"الكاشف\" للذهبي ٣/ ١١٧، \"تهذيب التهذيب\" ١٠/ ٢٥، \"تقريب التهذيب\" ٢/ ٢٢٧. وقوله رواه عنه ابن أبي شيبة ٤/ ٢٨٤. وتقدَّم في الهامش السابق أن ابن أبي حاتم ذكره عنه.\n(٣) الحكم هو: ابن عتيبة. تقدمت ترجمته.","vol":"16","page":202},{"text":"وائل عن ابن عباس (١).\nوقال (٢) في رواية سعيد بن جبير: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ كفّها ووجهها (٣). وهو قول ابن مسعود في رواية سعيد بن جبير.\n_________\n(١) لم أجد هذه الرواية عن ابن عباس.\n(٢) يعني: ابن عباس.\n(٣) رواه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" ٤/ ٢٨٤، وابن المنذر في \"الأوسط\" ٥/ ٧٠، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" ٢/ ٢٢٥ من طريق حفص بن غياث، عن عبد الله بن مسلم بن هرمز، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، به.\nقال الذهبي في \"المهذب في اختصار السنن الكبير\" للبيهقي ٢/ ١٨٠، قلت: عبد الله ضعيف. أهـ يعني ابن مسلم بن هرمز.\nلكن الطبري رواه ١٨/ ١١٨ من طريق علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ قال: والزينة الظاهرة: الوجه، وكحل العين، وخضاب الكفّ، والخاتم. فهذه تظهر في بيتها لمن دخل من الناس عليها.\nوقد ذكر العلماء أجوبة عن قول ابن عباس ﵄ في تفسير هذه الآية، نقتصر منها على أجودها:\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: والسلف تنازعوا في الزينة الظاهرة على قولين: فقال ابن مسعود: هي الثياب، وقال ابن عباس ومن وافقه: هي ما في الوجه واليدين مثل الكحل والخاتم. وحقيقة الأمر أن الله جعل الزينة زينتين: زينة ظاهرة، وزينة غير ظاهرة، وجوَّز لها إبداء زينتها الظاهرة لغير الزوج وذوي المحارم، وأما الباطنة فلا تبديها إلا للزوج وذوي المحارم\". ثم ذكر أنه قبل أن تنزل آية الحجاب كان النساء يخرجن يرى الرجالُ وجوههن وأيديهن، وكان إذْ ذاك يجوز لهن أن يظهرن الوجه والكفين، ثم لما أنزل الله -﷿- آية الحجاب حجب النساء عن الرجال، كان حينئذ الوجه واليدان من الزينة التي أمرت النساء ألا يظهرنها للأجانب. قال ﵀: \"فما بقي يحل للأجانب النَّظر إلا إلى الثياب =","vol":"16","page":203},{"text":"وقول الضحاك في رواية جويبر (١).\nوبه قال مقاتل بن سليمان (٢)، وإبراهيم (٣)، ومكحول، والأوزاعي.\n_________\n= الظاهرة. فابن مسعود ذكر آخر الأمرين، وابن عباس ذكر أول الأمرين\"، \"مجموع الفتاوى\" ٢٢/ ١١٠.\nوقال العلامة الشيخ عبد العزيز بن باز حفظه الله تعالى: وأما ما يروى عن ابن عباس ﵄ أنَّه فسَّر ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ بالوجه والكفين، فهو محمول على حالة النساء قبل نزول آية الحجاب، وأما بعد ذلك فقد أوجب الله عليهن ستر الجميع، كما سبق في الآيات الكريمات من سورة الأحزاب وغيرها، ويدل على أن ابن عباس أراد ذلك ما رواه علي بن أبي طلحة عنه أنه قال: \"أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطين وجوههن من فوق رؤوسهن بالجلابيب ويبدين عينًا واحدة\".\nوقد نبَّه على ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره من أهل العلم والتحقيق، وهو الحق الذي لا ريب فيه، ومعلوم ما يترتب على ظهور الوجه والكفين من الفساد والفتنة، وقد تقدم قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ ولم يستثن شيئًا وهي آية محكمة، فوجب الأخذ بها والتعويل عليها وحمل ما سواها عليها، والحكم ما سواها عليها، والحكم فيها عام في نساء النبي -ﷺ- وغيرهن من نساء المؤمنين، وقد تقدم من سورة النساء ما يرشد إلى ذلك. اهـ من كتابه \"رسالة في الحجاب والسفور\" ص ١٩.\nوانظر للتوسع والزيادة: \"أَضواء البيان\" للشنقيطي ٦/ ١٩٢ - ٢٠٠، \"رسالة الحجاب\" للشيخ محمد بن صالح العثيمين ص ٦ - ٩، \"الحجاب في الكتاب والسنة\" للسندي ص ٢١ - ٢٦، \"عودة الحجاب\" لمحمد بن إسماعيل المقدم ٣/ ٢٦٢ - ٢٨٤.\n(١) في جميع النسخ: (جبير)، وهو خطأ. والمثبت هو الصواب.\n(٢) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٣٧ ب.\n(٣) روى ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" ٤/ ٢٨٣ عن إبراهيم خلاف هذا القول، وهو قوله في تفسير الزينة الظاهرة بأنَّها الثياب.","vol":"16","page":204},{"text":"ونحو هذا روى جابر [بن زيد] (١) عن ابن عباس قال: هو رقعة الوجه وباطن الكفّ (٢).\nوقال في رواية عطاء: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ يريد الكحل لأنه لا تقدر أن تغطي عينها.\nوزاد سعيد بن جبير عنه في رواية مسلم الملائي (٣) عن سعيد: الخاتم (٤). ونحو هذا روى مجاهد عن ابن عباس: أنه الكحل والخاتم (٥).\nوهو قول أنس بن مالك (٦)، وأبي صالح، وعكرمة (٧)؛ وزاد مجاهد:\n_________\n(١) ساقط من (ظ).\n(٢) رواه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" ٤/ ٢٨٣، وابن أبي حاتم ٧/ ٣٥ ب من رواية جابر بن زيد، عن ابن عباس.\n(٣) هو: مسلم بن كيسان الضبي، الملائي البرَّاد الأعور، أبو عبد الله الكوفي. روى عن أنس ومجاهد وسعيد بن جبير وغيرهما.\nقال الذهبي: واهٍ. وقال ابن حجر: ضعيف.\n\"الكاشف\" ٣/ ١٤٢، \"تهذيب التهذيب\" ١٠/ ١٣٥، \"تقريب التهذيب\" ٢/ ٢٤٦.\n(٤) روى سعيد بن منصور في \"تفسيره\" ١٥٨ ب، والطبري ١٨/ ١١٨، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" ٧/ ٨٥ من طريق مسلم الملائي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: الكحل والخاتم.\n(٥) روى عبد الرزاق في \"تفسيره\" ٢/ ٥٦ من طريق مجاهد، عن ابن عباس في قوله ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ قال: هو الكف والخضاب والخاتم.\n(٦) روى ابن المنذر في \"تفسيره\" كما في \"الدر المنثور\" للسيوطي ٦/ ١٧٩. وقال البيهقي في \"السنن الكبرى\" ٧/ ٨٦ بعد ذكره لقول ابن عباس أنه الكحل والخاتم: وروى ذلك أيضًا عن أنس ابن مالك.\n(٧) روى ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" ٤/ ٨٣ عن عكرمة وأبي صالح ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ قالا: ما فوق الدرع إلا ما ظهر منها.\nوأخرج ٤/ ٢٨٥ عن عكرمة قال: (ما ظهر منها): الوجه وثغرة النحر.","vol":"16","page":205},{"text":"الخضاب (١).\nوروي عن عائشة أنها قالت وسئلت عن الزينة الظاهرة؟: هي القُلب والفتخة (٢) ووضعت كفها على كوعها (٣).\nوهو قول السدي: الخاتم والقُلب (٤).\nوقول قتادة: المسكتَان (٥) والخاتم والكحل (٦).\nوقوله ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ الخُمُر: جمع الخِمَار، وهو ما تغطي به المرأة رأسها، وقد تخمَّرت المرأة واختمرت، وهي حسنةُ الخِمْرَة والخُمْرة (٧).\nوالجيوب: جمع الجَيْب، وهو موضع القطع من الدرع والقميص (٨)،\n_________\n(١) روى ابن أبي شيبة في \"المصنف\" ٤/ ٢٨٤ عن مجاهد، قال: الخضاب والكحل.\n(٢) القُلْب: -بالضم-: سوار المرأة. \"القاموس المحيط\" ١/ ١١٩.\nوالفَتْخة: بفتح وسكون ويحرّك:- خاتم كبير يكون في اليد والرجل، وقيل: حلقة من فضة تلبس في الإصبع كالخاتم. \"تاج العروس\" للزبيدي ٧/ ٣٠٧ (فتخ).\n(٣) رواه البيهقي في \"الكبرى\" ٧/ ٨٩ بلفظ \"القُلْب والفتخة، وضَمّت طرف كُمّها\". وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ١٨٠ وزاد نسبته لعبد بن حميد وابن المنذر. ورواه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" ٤/ ٢٨٣ مختصرًا.\n(٤) لم أجده.\n(٥) في (أ): (المسكفان)، والمسكتان: واحدهما مسكة، وهي سوار من عاج أو نحوه. انظر: \"لسان العرب\" ١٠/ ٤٨٦ - ٤٨٧ (مسك).\n(٦) رواه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ٢/ ٥٦، والطبري في \"تفسيره\" ١٨/ ١١٨.\n(٧) من قوله: (وهي ما تغطي .. إلى هنا) في \"تهذيب اللغة\" للأزهري ٧/ ٣٧٩ (خمر) منسوبًا إلى الليث، دون قوله: واختمرت، والخمرة. وهو بأخصر منه في \"العين\" ٤/ ٢٦٣ خمر).\nوانظر: \"الصحاح\" للجوهري ٢/ ٤٦٩ \"خمر\"، \"لسان العرب\" ٤/ ٢٢٧ (خمر).\n(٨) انظر: \"لسان العرب\" ١/ ٢٨٨ (جيب)، \"تاج العروس\" للزبيدي ٢/ ٢٠١ (جيب).","vol":"16","page":206},{"text":"والجَوْب: القطع كما يجاب الجيب (١)، ومنه قول طَرَفَة:\nرَحِيب (٢) قِطَابُ (٣) الجيب (٤) منها رفيقة (٥) ... بجس (٦) النَّدامى بضَّة (٧) المتجرَّد (٨) (٩)\nوقال: أجببت القميص إذا أخرجت رأسك من جيبه هذا هو الأصل، ثم صار الاجتباب اسمًا للبس، يقال: اجتاب الشيء، إذا لبسه وإن اشتمل به (١٠).\nقال المقاتلان في تفسير (جُيُوبِهِنَّ): صدورهن (١١).\n_________\n(١) من قوله: (والجو .. إلى هنا)، هذا كلام الليث كما في \"تهذيب اللغة\" للأزهري ١١/ ٢١٨ \"جاب\". وهو في \"العين\" ٦/ ١٩٢ (جوب).\n(٢) في (أ): (رحيب)، ومثلها في (ع) مهملة. وفي (ظ): (وحبت).\n(٣) في (ع): (فطاب).\n(٤) في (أ): الجيب، وفي (ع) مهملة. وفي (ظ): (الحب).\n(٥) في (أ)، (ع): (رقيقة)، وفي (ظ): (رميقه).\n(٦) في (أ): (بحسن)، وفي (ع): (بحسن)، ومثلها في (ظ) مهملة.\n(٧) في (ع): (بضة)، وفي (ظ) مهملة.\n(٨) في (أ): (المنجرد).\n(٩) البيت من معلقته، وهو في \"ديوانه\" ص ٣٠، و\"المعاني الكبير\" لابن قتيبة ٤٧٠، \"المحتسب\" لابن جني ١/ ١٨٣، \"أساس البلاغة\" للزمخشري ٢/ ٢٦١، \"خزانة الأدب\" ٢/ ٢٠٣.\nقال الشنتمري \"شرح ديوان طرفة\" ص ٣٠: قطَابُ الجيب: مجتمعه حيث قُطب، أي: جمع. الرحيب: الواسع.\n(١٠) انظر: \"تهذيب اللغة\" للأزهري ١١/ ٢١٨، ٢٠ (جاب)، \"الصحاح\" للجوهري ١/ ١٠٤ (جوب)، \"لسان العرب\" ١/ ٢٨٦ (جوب)، \"تاج العروس\" للزبيدي ٢/ ٢٠٨ (جوب).\n(١١) قول مقاتل بن حيّان ذكره عنه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٧/ ٣٦ ب.\nوقول مقاتل بن سليمان في \"تفسيره\" ٢/ ٣٧ ب.","vol":"16","page":207},{"text":"وعلى هذا المعنى: على مواضع جيوبهن؛ لأنَّ مواضع الجيوب الصدور.\nوالمعنى: وليُلقين (١) مقانعهن (٢) على جيوبهن؛ ليسترن بذلك شعورهن وقرطهن (٣) وأعناقهن، كما قال ابن عباس: تُغطي شعرها وصدرها وترائبها (٤) وسوالفها (٥) وكل ما زيّن وجهها مما لا يصلح أن يراه إلا زوجها وكل ذي محرم منها (٦).\nوقال الكلبي: يقول: ليُرخين خمرهن (٧) على الصدر (٨) والنحر، وكنّ النساء قبل هذه الآية إنَّما يسدلن (٩) خمرهن (١٠) سدلا من ورائهن كما يصنع (١١) القبط (١٢) فلما نزلت هذه الآية شددن الخمر على النَّحر\n_________\n(١) في (أ): (وليعلبن)، وفي (ع): (وليقلبن)، والمثبت من (ظ) و\"الوسيط\" للواحدي.\n(٢) مقانعهن: جمع مقْنع ومقنعة -بكسر الميم-: وهو ما تتقنع به المرأة من ثوب تغطي رأسها ومحاسنها. \"الصحاح\" للجوهري ٣/ ١٢٧٣ (قنع)، \"لسان العرب\" ٨/ ٣٠٠ (قنع).\n(٣) كقردة. انظر: \"القاموس المحيط\" ٢/ ٣٧٨.\n(٤) في (أ): (وترابيها). والترائب: موضع القلادة من الصدر. \"لسان العرب\" ١/ ٢٣٠ (ترب).\n(٥) سَوالفها: جمع سالفة، وهي أعلى العنق، أو ناحية مقدّم العنق من لدن مُعلَّق القُرط إلى نقرة الترقوة. \"لسان العرب\" ٩/ ١٥٩ \"سلف\".\n(٦) لم أجده.\n(٧) في (ظ)، (ع): (خمورهن، الصدور).\n(٨) في (ظ)، (ع): (خمورهن، الصدور).\n(٩) يسدلن: يعني يرخين وُيرسلن. انظر: \"لسان العرب\" ١١/ ٣٣٣ (سدل).\n(١٠) في (أ): (خمرها).\n(١١) في (ظ): (تصنع).\n(١٢) هكذا في جميع النسخ، وعند القرطبي ١٢/ ٢٣٠ نقلًا عن النقّاش: النَّبط. والقِبط -بالكسر-: قوم من النصارد بمصر. وأمَّا النَّبط فهم الذين يسكنون =","vol":"16","page":208},{"text":"والصدر (١).\nوقوله ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ يعني الزينة الباطنة وهي التي سوى ما ظهر منها.\nقال ابن عباس (٢)، ومقاتل (٣): يعني ولا يضعن الجلباب وهو القناع فوق الخمار إلا لأزواجهن أو من ذكر بعدهم.\nقال عكرمة: في هذه الآية (٤) لم يذكر العم والخال لأنهما ينعتان لأبنائهما، قال: ولا تضع خمارها عند العم والخال (٥).\nقال المفسرون (٦) في الزينة الثانية: إنَّها الخفيَّة (٧) التي لا يجوز لهن كشفها في الصلاة.\nوجملة القول في هذه الآية: أن الرجل يحرم عليه النظر إلى الحرّة\n_________\n= -السَّواد، ومنه سواد العراق، والسواد قرى المدينة وأريافها.\nانظر: \"اللسان\" ٧/ ٣٧٣ (قبط)، ٧/ ٤١١ (نبط)،\"تاج العروس\" ٨/ ٢٢٨ (سود).\n(١) ذكر نحو هذا الرازي ٢٣/ ٢٠٦ وعزاه للمفسرين. وذكر نحوه القرطبي ١٢/ ٢٣٠ وذكره النيسابوري في \"غرائب القرآن\" ٩٣١٨ وعزاه للمفسرين.\n(٢) ذكره عنه البغوي ٦/ ٣٤، وابن الجوزي ٦/ ٣٢. وروى ابن أبي حاتم ٧/ ٣٦ ب عن سعيد بن جبير، مثله.\n(٣) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٣٧ ب.\n(٤) الآية: ساقطة من (أ).\n(٥) رواه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" ٤/ ٣٣٨. وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ١٨٢ وزاد نسبته لابن المنذر.\nوجمهور العلماء على أنَّ العم والخال كسائر المحارم في جواز النظر لهما إلى ما يجوز لهم. انظر القرطبي ١٢/ ٢٣٣.\n(٦) الطبرى ١٨/ ١٢٠، الثعلبي ٣/ ٧٧ ب.\n(٧) (الخفيّة): ساقطة من (أ).","vol":"16","page":209},{"text":"الأجنبية، ويحرم عليها أن تنظر إليه، وأن تبدي له شيئًا من زينتها سوى الزينة الظاهرة على (١) الاختلاف المذكور، وإن أراد أن يتزوجها وأمن (٢) على نفسه الفتنة فله أن ينظر إليها غير متأمل على الاستقصاء، وينبغي أن ينظر إليها وهي لا تعلم لما روى أبو حميد الساعدي، عن رسول الله -ﷺ- أنه قال: \"إذا خطب أحدكم المرأة فلا بأس أن ينظر إليها وهي لا تعلم\" (٣).\nوكذلك (٤) الشاهد العفيف ينظر لتحمّل الشهادة، والطبيب العفيف ينظر للمعالجة عند الضرورة (٥).\nوقد جمع الله في هذه الآية بين البعولة والمحارم وبينهما (٦) في هذا الحكم فرق (٧)، وهو أنَّ البعل له أن ينظر إلى جميع بدن امرأته غير الفرج لنهي رسول الله -ﷺ- عن ذلك ولقوله: \"إنَّ ذلك يورث العمى\" (٨).\n_________\n(١) في (أ): (لا على)، بزيادة (لا): وهو خطأ.\n(٢) في (ظ): (أو أمِن).\n(٣) رواه الإمام أحمد في \"مسنده\" ٥/ ٤٢٤، والبزار في \"مسنده\" كما في \"كشف الأستار\" للهيثمي ٢/ ١٥٩. والطبراني في \"الأوسط\" ١/ ٤٩٨.\nقال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" ٤/ ٢٧٦: ورجال أحمد رجال الصحيح.\n(٤) في (أ): (كذلك).\n(٥) انظر: \"الحاوي\" ٩/ ٣٥ - ٣٦، \"المغني\" ٩/ ٤٩٨، \"روضة الطالبين\" ٧/ ٢٩.\n(٦) وبينهما: ساقطة من (ع).\n(٧) في (أ): (وفرق).\n(٨) رواه وابن عدي في \"الكامل\" ٢/ ٥٠٧، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" ٧/ ٩٤ - ٩٥ من حديث ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله -ﷺ-: \"إذا جامع أحدكم زوجته أو جاريته فلا ينظر إلى فرجها؛ فإنَّ ذلك يورث العمى\".\nوقد حكم جماعة من الحفاظ علي هذا الحديث بأنه موضوع. منهم أبو حاتم الرازي وابن حبان وابن الجوزي. ذكر ذلك الثموكاني في \"الفوائد المجموعة للأحاديث الموضوعة\" ص ١٢٧.\nوذكر الألباني في \"الضعيفة\" ١/ ٢٢٩ هذا الحديث وحكم عليه بالوضع ونقل أقوال أهل العلم في ذلك.\nقال ابن حجر في \"الفتح\" ١/ ٣٦٤: وهو نصُّ في المسألة. اهـ.","vol":"16","page":210},{"text":"وأمَّا المحارم المذكورون (١) في الآية فليس لهم أن ينظروا إلى ما بين سرتها وركبتها ولهم أن ينظروا إلى ما سوى ذلك (٢).\nوأمَّا الأمة فما بين سرتها وركبتها من عورتها وليس شعرها ولا رقبتها من عورتها (٣).\n_________\n(١) في (ظ): (المذكورة)، وفي (ع): (المذكور).\n(٢) هذا قول بعض أهل العلم.\nوقال آخرون: يجوز للرجل أن ينظر من ذوات محارمه إلى ما يظهر غالبًا، كالرقبة والرأس والكفين والقدمين ونحو ذلك، وليس له النظر إلى ما يُستر غالبًا كالصَّدر والظهر ونحو ذلك. ومنع الحسن والشعبي والضحَّاك النظر إلى شعر ذوات المحارم. وكرهه آخرون.\nقال ابن قدامة: والصحيح أنه يباح النظر إلى ما يظهر غالبًا، لقول الله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] الآية، وقالت سهلة بنت سهيل: يا رسول الله، إنَّا كنا نرى سَالِمَا ولدًا، وكان يأوي معي ومع أبي حذيفة في بيت واحد، ويراني فضلًا، وقد أنزل الله فيهم ما علمت، فكيف ترى فيه؟ فقال لها النبي -ﷺ-: \"أرْضِعيه\". فأرضعته خمس رضعات فكان بمنزلة ولدها. رواه أبو داود وغيره. وهذا دليل على أنه كان ينظر منها إلى ما يظهر غالبًا، فإنها قالت: يراني فُضلًا، ومعناه: في ثياب البِذْلة التي لا تستر أطرافها .. وما لا يظهر غالبًا لا يباح، لأنَّ الحاجة لا تدعو إلى نظره، ولا تؤمن معه الشهوة ومواقعة المحظور، فحرّم النظر إليه كما تحت السَّرة. انتهى كلامه.\nانظر: \"أحكام القرآن\" للجصَّاص ٣/ ٣١٧، \"الحاوي\" ٢/ ١٧١ - ١٧٢، \"المغني\" ٩/ ٤٩١ - ٤٩٣، \"روضة الطالبين\" ١/ ٢٨٣.\n(٣) هذا قول أصحاب الشافعي وغيرهم.\nوقال آخرون: الأمة يباح النظر منها للأجانب إلى ما يظهر غالبًا كالوجه والرأس واليدين والساقين، لأن عمر رأى أمة متقعنة، فضربها بالدِّرّة، وقال يا لكاع تتشبهين بالحرائر.\nوروى أنس أن النبي -ﷺ- لما أخذ صفية قال المسلمون: إحدى أمهات المؤمنين، أو مما ملكت يمينه؟ فقالوا: إن حجبها فهي من أمهات المؤمنين، وإن لم يحجبها فهي مما ملكت يمينه. فلما ارتحل وطَّأ لها خلفه ومدَّ الحجاب بينهما وبين الناس. رواه البخاري في \"صحيحه\" كتاب: النكاح- باب: اتخاذ السراري، ومن أعتق جارية ثم تزوجها ٩/ ١٢٦.\nقال ابن قدامة: وهذا دليل على أن عدم حجب الإماء كان مستفيضًا بينهم مشهورًا، وأنَّ الحجب لغيرهن كان معلومًا.\nوسوَّى بعض الحنابلة بين الحرَّة والأمة لقوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ ولأن العلّة في تحريم النظر الخوف من الفتنة، والفتنة المخوفة تستوي فيها الحرة والأمة. انظر: \"أحكام القرآن\" للجصَّاص ٣/ ٣١٧، \"الحاوي\" ٢/ ١٧٢، \"المغني\" ٩/ ٥٠١، \"روضة الطالبين\" ١/ ٢٨٣.","vol":"16","page":211},{"text":"وقوله ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾ قال المفسرون (١): يعني النساء المؤمنات كلهن، فلا يحل لامرأة مؤمنة أن تتجرّد بين يدي امرأة مشركة إلا أن تكون أمة لها.\nقال ابن عباس: لا يحل لهن أن يراهن يهوديات ولا نصرانيات لئلا يصفنهن لأزواجهن (٢).\n_________\n(١) الثعلبي ٣/ ٧٧ بنصِّه.\n(٢) ذكره عنه الزمخشري ٣/ ٦٢، والرازي ٢٣/ ٢٠٧، والقرطبي ١٢/ ٢٣٣، وأبو حيان ٦/ ٤٤٨. وفي \"الدر المنثور\" ٦/ ١٨٣: وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر من طريق الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس (أو نسائهن) قال: لا تبديه ليهودية ولا لنصرانية. وقد حكى الرازي ٢٣/ ٢٠٧ هذا القول عن أكثر السَّلف.؟ ثم حكى قولًا ثانيًا أن المراد بـ (نسائهن) جميع النساء ثم قال: وهذا هو المذهب، وقول السلف محمول","vol":"16","page":212},{"text":"وقوله ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ يعني المماليك والعبيد، للمرأة أن ظهر لمملوكها إذا كان عفيفًا ما تظهر لمحارمها، وكذلك مكاتبها ما لم يعتق بالأداء أو بالإبراء.\nقال رسول الله -ﷺ-: \"إذا وجد مكاتب إحداكن وفاء فلتحتجب عنه\" (١).\nوقوله ﴿أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ﴾ أكثر القراء على خفض (غَيْرِ) (٢) بالصفة للتابعين، وجاز وصف التابعين بـ (غير)؛ لأنَّهم غير مقصودين بأعيانهم فأجري ذلك مجرى النكرة.\nوقد قيل: إنّما جاز أن يوصفوا بـ (غير) في هذا النحو لقصر الوصف على شيء بعينه، فإذا قصر على شيء بعينه زال الشياع عنه فاختص. والتابعون ضربان: ذو إربة، وغير (٣) ذي إربة، وليس ثالث. فإذا كان كذلك جاز لاختصاصه أن يجرى وصفًا على المعرفة (٤).\n_________\n= على الاستحباب والأولى.\n(١) رواه الإمام أحمد ٦/ ٢٨٩، وأبو داود في العتق- باب: في المكاتب ١٠/ ٤٣٥ - ٤٣٦، والترمذي في البيوع- باب: ما جاء في المكاتب إذا كان عنده ما يؤدي ٤/ ٤٧٤. عن أم سلمة مرفوعًا بلفظ \"إذا كان لإحداكن مكاتب وكان له ما يؤدي فلتحتجب منه\". وقد نقل البيهقي في \"السنن الكبرى\" ١٠/ ٣٢٧ - بعد روايته لهذا الحديث- عن الشافعي قوله: ولم أر من رضيت من أهل العلم يثبت هذا الحديث. وقال عنه الألباني في \"إرواء الغليل\" ٦/ ١٨٢: ضعيف.\n(٢) قرأ عاصم في رواية أبي بكر، وابن عامر: (غيرَ أولي الإربة) نصبًا. وقرأ الباقون، وحفص عن عاصم: (غير أولي الإربة) خفضًا.\n\"السبعة\" لابن مجاهد ص ٤٥٥، و\"التيسير\" للداني ص ٦١٤، و\"الغاية\" لابن مهران النيسابوري ص ٢١٩، و\"النشر\" لابن الجزري ٢/ ٣٣٢.\n(٣) في (ظ): (أو غير).\n(٤) من قوله: بالصفة للتابعين ... إلى هنا. نقلًا عن \"الحجة\" لأبي علي الفارسي =","vol":"16","page":213},{"text":"وقد أحكمنا هذه المسألة عند قوله ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٧].\nومن نصب (غير) احتمل أمرين:\nأحدهما: أن يكون استثناء التقدير: يبدين (١) زينتهن للتابعين إلاَّ ذا الإربة منهم، فإنَّهن لا يبدين زينتهن لمن كان منهم ذا إربة.\nوالآخر: أن يكون حالًا. المعنى: والذين يتبعوهن عاجزين عنهن، وذو الحال ما في التابعين من الذكر (٢).\nوالإربة معناها في اللغة: الحاجة (٣).\nقال أبو عبيد: الإربة والإرب: الحاجة (٤). ومنه قول عائشة ﵂: كان النبي -ﷺ- أملككم لإربه (٥).\nوقد أرِبَ الرّجل إذا احتاج إلى الشيء وطلبه، يأربُ أربًا (٦).\n_________\n= ٥/ ٣١٨ - ٣١٩ مع تصرف يسير.\nوانظر أيضًا: \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٥٠، \"معاني القرآن\" للزجَّاج ٤/ ٤٢، \"علل القراءات\" للأزهري ٢/ ٤٥٠، \"إعراب القراءات السبع وعللها\" لابن خالويه ٢/ ١٠٦ \"الكشف\" لمكي ٢/ ١٣٦.\n(١) من \"الحجّة\": لا يبدين زينتهن للتابعين إلا ذا الإربة منهم. وهو خطأ، والصواب ما هنا.\n(٢) من قوله: (ومن نصب (غير) .. إلى هنا)، نقلًا عن \"الحجة\" للفارسي ٥/ ٣١٩.\n(٣) انظر: (أرب) في \"تهذيب اللغة\" للأزهري ١٥/ ٥٢٧، \"الصحاح\" للجوهري ١/ ٨٧، \"لسان العرب\" ١/ ٢٠٨.\n(٤) قول أبي عبيد في \"تهذيب اللغة\" للأزهري ١٥/ ٢٥٧ (أرب) بنصِّه. وهو بنحوه في \"غريب الحديث\" لأبي عبيد ٤/ ٣٣٦.\n(٥) رواه البخاري في \"صحيحه\" كتاب: الصيام- باب: المباشرة للصائم ٤/ ١٤٩، ومسلم في \"صحيحه\" كتاب: الصيام ٢/ ٧٧٧ عن عائشة ﵂.\n(٦) من قوله: (وقد أرب .. إلى هنا) في \"تهذيب اللغة\" للأزهري ١٥/ ٢٥٧ من رواية شمر عن ابن الأعرابي.","vol":"16","page":214},{"text":"وقال الفراء (١): الإربة مثل الجلسة والمشية، وهو من الحاجة. يقال: أربت (٢) لكذا فأنا آربٌ له أربا بفتح الهمزة والراء.\nوالمآرب: الحوائج. ومنه قوله -﷿-: ﴿وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى﴾ [طه: ١٨] (٣). وقد مرَّ.\nوأما التفسير: فقال مجاهد: هو الأحمق الذي لا حاجة له في النساء (٤).\n[وهو قول عكرمة وعلقمة والشعبي (٥)، قالوا: هو الذي لا حاجة له\n_________\nوانظر: \"لسان العرب\" ١/ ٢٠٨ (أرب)، \"تحفة العروس\" للزبيدي ٢/ ١٧ (أرب).\n(١) قول الفراء ليس موجودًا في كتابه \"معاني القرآن\" ولا في \"تهذيب اللغة\". والذي في المطبوع من \"معاني القرآن\" ٢/ ٢٥٠: يقال: إرب وأرَب.\nوالنصُّ الذي ذكره الواحدي هنا عن الفراء موجود في تفسير الطبري ١٨/ ١٢٣ من غير نسبة لأحد. ومعلوم أن الطبري ينقل عن الفراء من غير نسبة في كثير من الأحيان. فيحتمل أنَّ النَّص سقط من المطبوع. والله أعلم.\n(٢) في (ع): (أرب).\n(٣) انظر: \"تهذيب اللغة\" للأزهري ١٥/ ٢٥٧ (أرب).\n(٤) رواه عنه الطبري ١٨/ ١٢٢، وابن أبي حاتم ٧/ ٣٧ ب بلفظ: الذي لا أرب له بالنّساء. دون قوله: الأحمق.\nوقد روى الطبري ١٨/ ١٢٣ عن الزهري وطاووس هذا القول.\nوقال ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٧/ ٣٨ أ: وروي عن طاووس وعكرمة والحسن والزهري وقتادة أنَّهم قالوا: هو الأحمق الذي لا حاجة له في النساء.\n(٥) قال ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٧/ ٣٨ أ: وروي عن علقمة والشعبي وعكرمة -في إحدى الروايات- ومقاتل بن حيان قالوا: الذي لا أرب له في النساء.\nوعن الشعبي رواه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" ٤/ ٣١٩، والطبري ١٨/ ١٢٣٦ والبيهقي في \"السنن الكبرى\" ٧/ ٩٦. وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ١٨٥ =","vol":"16","page":215},{"text":"في النساء] (١) ولا يحمله أربه على أن يراود النساء.\nوقال ابن عباس: هو الذي لا يستحي منه النساء (٢).\nوقال في رواية عطاء: هو الرجل المسن الصالح الذي إذا قعدت وعنده امرأة غض بصره عنها (٣).\nوقال عطاء: الذي لا يهمّه إلا بطنه (٤).\nوهو قول مجاهد في رواية ابن أبي نجيح (٥).\nوقال بُسر بن سعيد (٦): هو الكبير الذي لا يطيق النساء (٧).\n_________\n= وعزاه لابن أبي شيبة والطبري.\n(١) ما بين المعقوفين ساقط من (ظ)، (ع).\n(٢) رواه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" ٤/ ٣١٩، والطبري في \"تفسيره\" ١٨/ ١٢٢ من طريق أبي إسحاق السبيعي، عن رجل -وعند الطبري: عمن حدثه- عن ابن عباس، به. وفي سنده جهالة.\nوذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ١٨٤ وزاد نسبته للفريابي وعبد بن حميد.\n(٣) ذكره الزمخشري ٣/ ٦٢، والرازي ٢٣/ ٢٠٨، ولم ينسباه لأحد.\n(٤) ذكره عنه النحاس في \"معاني القرآن\" ٤/ ٥٢٥.\nوذكره الجصاص في \"أحكام القرآن\" ٣/ ٣١٨، وابن العربي في \"أحكام القرآن\" ٣/ ١٣٧٤ عنه أنه قال: هو الأبله.\n(٥) رواه الطبري في \"تفسيره\" ١٨/ ١٢٢، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٧/ ٣٧ ب، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" ٧/ ٩٦ من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، به.\n(٦) في (أ): (بشر)، وهو خطأ. وفي (ظ): (بن أبي سعيد)، وهو خطأ.\nوهو بُسر بن سعيد المدني، مولى بني الحضرمي. كان من العبّاد والزهّاد، ثقة، جليلا، كثير الحديث. توفي سنة ١٠٠ هـ.\n\"طبقات ابن سعد\" ٥/ ٢٨١، \"السير\" للذهبي ٤/ ٥٩٤، \"تهذيب التهذيب\" ١/ ٤٣٧.\n(٧) روه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٧/ ٣٧ ب من طريق سالم أبي النَّضر، عن بسر بن =","vol":"16","page":216},{"text":"وقال قتادة: هو الذي يتبعك يصيب من طعامك، ولا همَّ له في النساء (١).\nوقال مقاتل (٢): يعني الشيخ الهرم، والعِنِّين (٣)، والخصي، والمجنون، ونحوه (٤).\nوقال الحسن: هم قوم طُبِعُوا على التخنيث، فكان (٥) الرجل منهم يتبع الرجل يخدمه بطعامه وينفق عليه، ولا (٦) يستطيعون غشيان النساء، ولا يشتهونه (٧).\nوهذا قول الحكم (٨)، قال: هو المخنَّث الذي لا يقوم زُبُّه.\n_________\n= سعيد، فذكره.\n(١) رواه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ٢/ ٥٧، والطبري ١٨/ ١٢٢، وابن أبي حاتم ٧/ ٣٧ ب.\n(٢) في (ظ): قول مقاتل متقدّم على قول قتادة.\n(٣) العنِّين: هو الذي لا يأتي النساء عجزًا، أو لا يريدهن.\"القاموس المحيط\" ٤/ ٢٤٩.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٣٧ ب.\n(٥) في (ع): (وكان).\n(٦) في (ظ)، (ع): (لا).\n(٧) ذكره عنه ابن الجوزي ٦/ ٣٣. وذكره عنه الماوردي ٤/ ٩٥ باختصار.\nوذكر البيهقي في \"السنن الكبرى\" ٧/ ٩٦ عنه قال: هو الذي لا عقل له، ولا يشتهي النساء، ولا تشتهيه النساء.\nوذكر الثعلبي ٣/ ٧٨ أعنه قال: هو الذي لا ينتشر. وبمثله ذكره البغوي ٦/ ٣٥ وزاد: ولا يستطيع غثيان النساء ولا يشتهيهن.\n(٨) قد يكون الحكم هنا هو الحكم بن عتيبة، وقد تقدم، ولم أجد من نسب إليه هذا\nالقول. وقد يكونه الحكم بن أبان، فقد روى الطبري ١٨/ ١٢٣، وابن أبي حاتم\n٧/ ٣٨ أمن طريق الحكم بن أبان، عن عكرمة في قوله ﴿أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي =","vol":"16","page":217},{"text":"وقال ابن زيد: هو الذي يتبع القوم حتى كأنّه منهم، ونشأ فيهم، وليس له في نسائهم (١) إربة، وإنما يتبعهم لإرفاقهم (٢) إيّاه (٣).\nوروى ليث، عن مجاهد: أنه الأبله الذي لا يعرف أمر النساء (٤) وقال سعيد بن جبير: هو المعتُوه (٥) (٦).\nوقوله ﴿أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾ قال المبرد: الطفل في هذا الموضع يعني به الجماعة من الأطفال، ومجازه مجاز المصدر، وكذلك ﴿نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾ [الحج: ٥]. والمصدر يقع على الفعل (٧) نحو العلم والحلم (٨).\n_________\n= الْإِرْبَةِ﴾ قال: هو المخنَّث الذي لا يقوم زبُّه.\nوهو: الحكم بن أبان العدني، أبو عيسى، صدوق عابد، صاحب سنة، له أوهام. توفي سنة ١٥٤ هـ. \"تهذيب التهذيب\" ٢/ ٤٢٣ - ٤٢٤، \"تقريب التهذيب\" ١/ ١٩٠.\n(١) في (ع): (نسائه)، وهو خطأ.\n(٢) الإرفاق: إيصال الرِّفق وهو اللطف ولين الجانب. انظر: \"لسان العرب\" ١٠/ ١١٨ (رفق).\n(٣) رواه الطبري ١٨/ ١٢٣.\n(٤) رواه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" ٤/ ٣١٨، والطبري ١٨/ ١٢٢ من طريق ليث، عن مجاهد، به.\n(٥) في (أ): (المعتق).\n(٦) رواه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" ٤/ ٣١٨، والطبري ١٨/ ١٢٣.\nوذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ١٨٥ وعزاه لهما.\nقال النحاس في \"معاني القرآن\" ٤/ ٥٢٦ بعد حكايته للأقوال في معنى التابعين: وهذه الأقوال متقاربة.\nوقال القرطبي ١٢/ ٢٣٤: وهذا الاختلاف كله متقارب المعنى، ويجتمع فيمن لا فهم له ولا همّة ينتبه بها إلى أمر النِّساء.\n(٧) في (ظ)، (ع): (مغل).\n(٨) انظر: \"الدر المصون\" ٨/ ٢٣٣.","vol":"16","page":218},{"text":"وقوله ﴿لَمْ يَظْهَرُوا﴾ قال الفراء: يقول: لم يبلغوا أن يطيقوا النساء، وهو كما تقول: صارع فلان فلانًا فظهر عليه، أي: أطاقه (١) وغلبه (٢).\nوقال أبو علي الفارسي: ﴿لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾ أي: لم يقووا عليها ومنه قوله ﴿فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾ [الصف: ١٤] (٣).\nوالعورة: سوءة الإنسان. وكل أمر يستحى منه فهو عورة (٤).\nقال مجاهد: لم يدروا ما هن من الصغر قبل الحلم (٥).\nقال ابن عباس: لم يبلغ الحنث (٦) ولم يشتق إلى النساء.\nوقال بُسر (٧) بن سعيد (٨): هو الغلام الذي لم يبلغ الحلم (٩).\nوهذا قول جماعة المفسرين (١٠).\n_________\n(١) في (أ): (طاقة).\n(٢) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٥٠.\n(٣) \"الحجة\" لأبي علي الفارسي ٥/ ٣١٨.\n(٤) \"تهذيب اللغة\" للأزهري ٣/ ١٧٣ \"عار\" نقلًا عن الليث. وانظر: \"الصحاح\" للجوهري ٢/ ٧٥٩ \"عور\"، \"لسان العرب\" ٤/ ٦١٧ (عور).\n(٥) رواه الطبري ١٨/ ١٢٤، وابن أبي حاتم ٧/ ٣٨ أوالبيهقي في \"السنن الكبرى\" ٧/ ٩٦ وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ١٨٥ وزاد نسبته لعبد بن حميد وابن أبي شيبة وابن المنذر.\n(٦) في (ظ): (الحلم). والحنث: البلوغ والإدراك والحُلُم. \"لسان العرب\" ٢/ ١٣٨.\n(٧) في (أ)، (ع): (بشر)، وهو خطأ.\n(٨) في (أ): (مسعود)، وهو خطأ.\n(٩) رواه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٧/ ٣٨ أمن طريق أبي النّضر، عن بُسر بن سعيد، به.\n(١٠) انظر: \"الطبري\" ١٨/ ١٢٤، ابن أبي حاتم ٧/ ٣٨ أ، ب، الثعلبي ٣/ ٧٨ أ، \"النكت\" للماوردي ٤/ ٩٦، \"الدر المنثور\" للسيوطي ٦/ ١٨٥.","vol":"16","page":219},{"text":"قالوا: ولا يجوز (١) للمرأة أن تضع الجلباب إلا عند هؤلاء الذين سماهم الله تعالى.\nوقوله ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ قال ثابت (٢) البناني (٣): كانت المرأة تتخذ الودع (٤) في رجليها فإذا مرّت بالقوم ضربت إحدى رجليها بالأخرى، فأنزل الله تعالى في كتابه: ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ (٥).\nوروى السدي، عن أبي مالك قال: كان في أرجلهن خرَزَ (٦) فكنّ إذا مررن بالمجلس حرّكن أرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن (٧).\n_________\n(١) في (ظ): (لا يجوز).\n(٢) (ثابت): ساقط من (أ).\n(٣) هو: ثابت بن أسلم البناني مولاهم، البصري، أبو محمد. تابعي جليل، كان رأسًا في العلم والعمل. وكان أعبد أهل زمان. وكان ثقة مأمونًا. قال أنس بن مالك -﵁-: إن لكل شيء مفتاحًا، وإن ثابتًا من مفاتيح الخير. توفي سنة ١٢٧ هـ، وعاش ست وثمانين سنة.\n\"طبقات ابن سعد\" ٧/ ٢٣٢، \"سير أعلام النبلاء\" ٥/ ٢٢٠، \"تهذيب التهذيب\" ٢/ ٢، \"تقريب التهذيب\" ١/ ١١٥.\n(٤) الودَع -بإسكان الدال وفتحها-: خرز بيض تُخرجُ من البحر بيضاء شقُّها كشق النواة. \"القاموس المحيط\" ٣/ ٩٢.\n(٥) لم أجد من ذكره عنه.\n(٦) الخَرَزُ: فصوص من جيّد الجوهر ورديئه من الحجارة ونحوه، تنظم في سلك. انظر: \"لسان العرب\" ٥/ ٣٤٤ (خرز)، \"القاموس المحيط\" ٢/ ١٧٥.\n(٧) رواه سفيان الثوري في \"تفسيره\" ص ٢٢٥، والطبري ١٨/ ١٢٤، وابن أبي حاتم ٧/ ٣٨ ب كلهم من طريق السدي، عن أبي مالك.","vol":"16","page":220},{"text":"وقال ابن عباس: يريد: ولا تضرب المرأة برجليها (١) إذا مشت ليسمع صوت خلخالها أو يتبيّن لها خلخال (٢).\nوهذا قول عامة المفسرين (٣).\nوقال أبو إسحاق: كانت المرأة ربّما اجتازت وفي رجلها الخلخال، وربما كان فيها الخلاخل، فإذا ضربت برجلها عُلم (٤) أنها ذات خلخال وزينة، وهذا يحرّك من الشهوة فنهي عنه، كما أُمرن (٥) أن لا يبدين زينتهن؛ لأن إسماع (٦) صوته بمنزلة إبدائه (٧).\nوقوله ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا﴾ قال ابن عباس: عما كنتم تعلمون في الجاهلية (٨).\nوقال مقاتل: من الذنوب التي أصابوها مما نهي عنه من أول هذه السورة إلى هذه الآية (٩).\n_________\n= وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ١٨٦ ونسبه أيضًا لعبد بن حميد وابن المنذر.\n(١) في (ع): (برجلها).\n(٢) بيَّن الواحدي في \"الوسيط\" ٣/ ٣١٧ أن هذه الرواية عن ابن عباس من طريق عطاء. وقد روى الطبري ١٨/ ١٢٤، وابن أبي حاتم ٧/ ٣٨ ب من طريق علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، نحو هذا.\n(٣) انظر: \"الطبري\" ١٨/ ١٢٤، ابن أبي حاتم ٧/ ٣٨ ب، \"الدر المنثور\" ٦/ ١٨٦.\n(٤) في (أ): (أعلم).\n(٥) في (أ): (أُمرِت).\n(٦) في (ظ): (استماع).\n(٧) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٤٠.\n(٨) ذكره عنه الرازي ٢٣/ ٢١٠، والنيسابوري في \"غرائب القرآن\" ١٨/ ٩٦، وأبو حيان ٦/ ٤٥٠.\n(٩) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٣٨ أ.","vol":"16","page":221},{"text":"والمعنى: راجعوا طاعته فيما أمركم به ونهاكم عنه (١).\nقوله تعالى ﴿أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ قرأ ابن عامر (أيّه) بضم الهاء (٢)، ومثله ﴿وَقَالُوا يَا أَيُّهَ السَّاحِرُ﴾ [الزخرف: ٤٩] ﴿أَيُّهَ الثَّقَلَانِ﴾ [الرحمن: ٣٧].\nقال أبو علي: وهذا لا يتجه لأن آخر الاسم هو الياء الثانية من (أيّ)، فينبغي وأن يكون المضموم آخر الاسم، ولو جاز أن يضم هذا من حيث كان مقترنًا بالكلمة لجاز أن يضم الميم في (٣) (اللهم)؛ لأنَّه آخر الكلمة. ووجه الإشكال في ذلك والشبهة (٤) أنَّ وجد هذا الحرف قد صار في بعض المواضع التي يدخل فيها بمنزلة ما هو من نفس الكلمة، نحو: مررت بهذا الرجل. وليست (يا) وغيرها من الحروف التي يُنبهُ بها كذلك، فلما وجدها في أوائل المبهمة كذلك وفي الفعل في قول أهل الحجاز: هَلم، جعله في الآخر أيضًا بمنزلة شيء من نفس الكلمة، كما كان في الأول كذلك، واستجاز حذف الألف اللاحق للحرف لما رآه قد حذف في قولهم: هلم، فأجرى عليه الإعراب لما كان كالشيء الذي من نفس الكلمة. فإن قلت: فإنّه قد حرك الياء التي قبلها بالضمّ في (يا أيه)، فإنّه يجوز أن يقول (٥): إنَّ ذلك في هذا الوضع كحركات الأتباع نحو: امرؤ وامرئ ونحو ذلك. فهذا لعلَّه (٦) وجه شبهته (٧)،\n_________\n(١) هذا \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٧٨ أ.\n(٢) انظر: \"السبعة\" لابن مجاهد ص ٤٥٥، و\"التيسير\" للداني ص ١٦١ - ١٦٢ و\"الغاية\" لابن مهران النيسابوري ص ٢١٩، و\"النشر\" لابن الجزري ٢/ ٣٣٢.\n(٣) في \"الحجة\": من.\n(٤) في (أ): (والشبه).\n(٥) في (ع): (تقول).\n(٦) في (أ)، (ع): العلة. والمثبت من (ظ)، والحجة.\n(٧) في (أ): (شبهه).","vol":"16","page":222},{"text":"وينبغى أن لا يقرأ بذلك (١)، ولا يؤخذ به. هذا كلامه (٢).\n_________\n(١) (بذلك): ساقطة من (ع).\n(٢) \"الحجة\" لأبي علي الفارسي ٥/ ٣٢٠ - ٣٢١ مع تصرّف.\nوقول أبي علي: وينبغي أن لا يقرأ بذلك ولا يؤخذ به. قول مردود.\nقال القرطبي ١٢/ ٢٣٨ بعد ذكره لتضعيف أبي علي لقراءة ابن عامر-: والصحيح أنَّه إذا ثبت عن النبي -ﷺ- قراءة فليس إلا اعتقاد الصحة في اللغة؛ فإن القرآن هو الحجَّة. اهـ.\nوقد بيَّن العلماء ﵏ وجه هذه القراءة. فقال أبو زرعة عبد الرحمن بن زنجلة في كتابه \"حجة القراءات\" ص ٤٩٨: وهذه لغة، وحجته أنَّا المصاحف جاءت في هذه الثلاثة بغير ألف. قال ثعلب: كأنَّ من يرفع الهاء يجعل الهاء مع \"أيّ\"، اسمًا واحدًا على أنه اسم مفرد. اهـ.\nونقل الأزهري في \"علل القراءات\" ٢/ ٤٥٢ عن أبي بكر بن الأنباري قوله: إنَّا لغة، قال الأزهري: وأجاز قراءة ابن عامر على تلك اللغة.\nوقال ابن هشام في \"مغني اللبيب\" ٢/ ٤٠٣: يجوز في \"أيّها\" في لغة بني أسد أن تحذف ألفها وأن تضم هاؤها إتباعًا، وعليه قراءة ابن عامر.\nوقال أبو حيّان في \"البحر المحيط\" ٦/ ٤٥٠: ووجهه أنَّها كانت مفتوحة لوقوعها قبل الألف، فلما سقطت الألف بالتقاء الساكنين اتبعت حركتها حركة ما قبلها، وضم \"ها\" التي للتنبيه بعد \"أيّ\" لغة لبني مالك رهط شقيق بن سلمة.\nوقال الشنقيطي في \"تفسيره سورة النور\" ص ١٠٨ عن قراءة ابن عامر-: والأظهر أن الهاء للتنبيه مثل الأولى -يعني القراءة الأولى قراءة الجمهور- ضمَّت إتباعًا لما قبلها، كما قالت العرب: هو منتن بضم تاء منتن، وفي قراءة سبعية ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ [النحل: ٣٦] بضم نُون \"أن\" إتباعًا لما بعدها، ومن أنكر ذلك فسبب إنكاره جهله بلغة العرب، فإنَّه قد ثبت في القرآن الكريم، وفي الشعر العربي الفصيح، كما قال الشاعر:\nيا أيها القلب اللّجوج النفس\nوروي \"أيّهُ\" بضم الهاء. انتهى كلامه ﵀.","vol":"16","page":223},{"text":"وقال (١) ابن مجاهد: كلهم يقف بالهاء على قوله ﴿أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ و﴿وَقَالُوا يَا أَيُّهَ السَّاحِرُ﴾ و﴿أَيُّهَ الثَّقَلَانِ﴾ إلا أبا عمرو والكسائي فإنَّهما يقفان بالألف. قال: ولا ينبغي أن يتعمد الوقف على الهاء؛ لأن الألف سقطت في الوصل لسكونها وسكون اللام (٢).\nقال أبو علي: الوقف على (أيها) بالألف لأنَّها إنما كانت سقطت لسكونها وسكون لام المعرفة كما قال أحمد (٣)، فإذا وقف عليها زال التقاء الساكنين؛ فظهرت الألف كما أنك لو وقفت على (مُحلّي) من قوله: ﴿غَيْرَ (٤) مُحِلِّي الصَّيْدِ﴾ [المائدة: ١] لرجعت الياء المحذوفة لسكونها وسكون اللام.\nوإذا (٥) كان حذف الألف من (ها) التي للتنبيه حذف (٦) لهذا، فلا وجه لحذفها للوقف (٧)، ومما يضعف الحذف أنَّ الألف في الحرف (٨)، والحروف لا يحذف منها إلا أن تكون مضاعفة (٩).\n_________\n= وانظر أيضًا: \"الدر المصون\" ٨/ ٣٩٩، \"روح المعاني\" للألوسي ١٨/ ١٤٧.\n(١) في (أ): (قال).\n(٢) قول ابن مجاهد -بهذا النصَّ في \"الحجة\" للفارسي ٥/ ٣١٩.\nوهو في كتاب \"السبعة\" لابن مجاهد ص ٤٥٥ مع اختلاف يسير.\nوانظر: \"التبصرة\" لمكي ص ٢٧٣، \"التيسير\" للداني ص ١٦٢.\n(٣) يعني: أبا بكر بن مجاهد.\n(٤) غير: ليست في (ع).\n(٥) في (ع): (فإذا).\n(٦) في \"الحجة\": التي للتنبيه من (يا أيها) تُحذف لهذا.\n(٧) في (ع): (في الوقف).\n(٨) في \"الحجة\":حرف.\n(٩) \"الحجة\" للفارسي ٥/ ٣٢٠ مع تصرف يسير.","vol":"16","page":224},{"text":"قوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ قال ابن عباس: يريد: لكي تسعدوا في الدنيا وتبقوا في الجنة (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2879>٣٢ </span>- ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ قال ابن السكيت: فلانة أيّم، إذا لم يكن لها زوج بكرًا كانت أو ثيبًا. والجميع: أيامى، والأصل أيايم، فقلبت (٢). ورجل أيّم: لا امرأة له. وقد آمت المرأةُ تئيم أيمةً وأيمًا. وقد تأيّمت المرأة زمانًا، وتأيَّم الرجل زمانًا، إذا مكث أيامًا لا يتزوج (٣). والحرب مأيمةٌ، أي: تقتل الرّجال فتبقى النساء بلا أزواج (٤).\nوقال ابن الأعرابي: يقال للرجل الذي (٥) لم يتزوج: أيّم، وللمرأة أيّمة، قال: والأيّم: البكر والثيب، وآم الرجل يئيم أيمةٌ، إذا لم تكن له زوجة وكذلك المرأة إذا لم يكن لها زوج (٦).\n_________\n= ولا وجه لتضعيف حذف الألف عند الوقف فعليه جمهور القراء، والقراءة سنة متبعة، وقد رُسمت في المصحف بغير ألف.\nقال السمين الحلبي ٨/ ٣٩٩: فوقف أبو عمرو والكسائي بألف، والباقون بدونها، إتباعًا للرسم، ولموافقة الخط للفظ، .. وبالجملة فالرسم سنّة متبعة.\nوانظر: \"الكشف\" لمكي ٢/ ١٣٧، \"البحر المحيط\" ٦/ ٤٥٠.\n(١) ذكره عنه الرازي ٢٣/ ١٠، والنيسابوري في \"غرائب القرآن\" ١٨/ ٩٦، وأبو حيان ٦/ ٤٥٠ وعندهم: وتبقوا في الآخرة.\n(٢) في \"تهذيب اللغة\": فقلبت الياء وجعلت بعد الميم.\n(٣) في \"تهذيب اللغة\": إذا مكثا أيامًا وزمانًا لا يتزوجان.\n(٤) قول ابن السكيت في \"تهذيب اللغة\" للأزهري ١٥/ ٦٢١ - ٦٢٢ (ام).\nوهو في \"تهذيب الألفاظ\" ص ٣٧٦، و\"المشوف المعلم في ترتيب الإصلاح على حروف المعجم\" للعكبري ١/ ٨٩ - ٩٠.\n(٥) في (ع): (إذا).\n(٦) قول ابن الأعرابي في \"تهذيب اللغة\" للأزهري ١٥/ ٦٢١ (آم).","vol":"16","page":225},{"text":"ومنه الحديث: أن النبي -ﷺ- كان يتعوذ من الأيمة. وهو طول العُزبة (١) (٢).\nوقال صاحب النظم: (الْأَيَامَى) هاهنا من الرجال والنساء الذين لا أزواج لهم كان قد تزوج قبل ذلك أو (٣) لم يتزوج. والأيّم في كلام العرب: كل ذكر لا أنثى معه، وكل أنثى لا ذكر معها. ولذلك سميت الحيّة أيِّمًا بالتشديد والتخفيف لأنَّها لا تكاد تكون في جحرها إلا وحدها، وأنشد الهذلي (٤):\nإلَّا عواسر كالمراط معيدة (٥) ... بالليل مورد أيِّم متغضِّف (٦)\n_________\nوانظر: \"الصحاح\" للجوهري ٥/ ١٨٦٨ (أيم)، \"لسان العرب\" ١٢/ ٣٩ (أيم).\n(١) في (أ): (العزوبة)، والمثبت من باقي النسخ و\"تهذيب اللغة\".\n(٢) الحديث ذكره الأزهري في \"تهذيب اللغة\" ١٥/ ٦٢١، والجوهري في \"الصحاح\" ٥/ ١٨٦٨، وذكره الزمخشري في \"الكشاف\" ٣/ ٦٣ بلفظ: \"اللهم إنا نعوذ بك من العيمة والغيمة والأيمة والكزم والقرم\". وذكره الزيلعي في تخريجه لأحاديث الكشاف ٢/ ٤٣٥ وسكت عنه ولم يخرجه.\nقال المعلق على تخريج الزيلعي: ذكره ابن قتيبة في كتابه \"غريب الحديث\" ١/ ٣٣٨ وقال: يرويه سليمان بن الربيع الكوفي، عن همام، عن أبي العوام عمران بن داود القطان، عن قتادة، عن الحسن عن عمران بن حصين، عن النبي -ﷺ- فذكره.\n(٣) في (أ): (أم).\n(٤) هو أبو كبير الهذلي كما في \"ديوان الهذليين\" وغيره.\n(٥) في (أ): (معتده).\n(٦) البيت في \"ديوان الهذليين\" ٢/ ١٠٥ منسوبًا لأبي كبير وروايته فيه:\nإلَّا عواسل كالمراط ..\nوهو في \"المعاني الكبير\" ١٨٥ - ١٨٦، و\"الأمالي\" ٢/ ٢٩، \"الصحاح\" للجوهري ٥/ ١٨٦٨ - ١٨٦٩ (أيم).\nومن غير نسبة في \"تهذيب اللغة\" ٢/ ٨٢ \"عسر\"، و\"اللسان\" ٤/ ٥٦٦ (عسر) وفيهما: =","vol":"16","page":226},{"text":"والتشديد والتخفيف اللذان ذكرهما صاحب النَّظم في الأيّم الذي هو الحيّة صحيح؛ فقد ذكرهما النَّضر بن شميل (١).\nوقوله: (مِنكُمْ) ليس من صلة الإنكاح، وإنّما هو من صلة (الْأَيَامَى) كأنه قيل (٢): وانكحوا أيامكم يعني: أيامى المسلمين؛ لذلك قال: ﴿الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾.\nقال السدِّي: من لم يكن له زوج من امرأة أو رجل فهو أيّم.\nوقال ابن عباس: كل من ليس لها زوج وإن كانت بكرًا فهي أيِّم (٣).\nقال مقاتل بن سليمان: يعني من لا زوج له (٤) [من رجل (٥)] (٦) أو امرأة وهما حرّان، أمر الله تعالى أن يزوجا (٧).\n_________\n= إلا عواسرُ كالقداح معيدة\nوقبل هذا البيت:\nولقد وردت الماء، ولم يشرب به ... بين الربيع إلى شهور الصيِّفِ\nإلا عواسر ..\nقال السكري في \"شرح ديوان الهذليين\" ٣/ ١٠٨٥: عواسل: يعني تعسل في مشيها، تمرُّ مرَّا سريعًا، وإنما يعني ذئابًا .. ويروى: إلا عواسر، يقول: هذه الذئاب تَعسر بأذنابها، والمراط: النَّبل المتمرِّطة الريش، وقوله: معيدة، أي معيدة الشرب، والأيّم: الحيّة .. وقوله: متغضِّف أي منطو متثنٍّ، وقوله: معيدة: أي معاودة لذلك مرَّة بعد مرة. اهـ.\n(١) قول ابن شميل في \"تهذيب اللغة\" للأزهري ١٥/ ٦٢١ (آم).\n(٢) في (ع): (قال).\n(٣) ذكره الرازي ٢٣/ ٢١٠، والنيسابوري في \"غرائب القرآن\" ١٨/ ٩٦ من رواية الضحاك، عنه، بمعناه. وذكر الماوردي ٤/ ٩٧ هذا القول. وعزاه للجمهور.\n(٤) في (ظ): (لها).\n(٥) في (أ): (زوج).\n(٦) ساقط من (ع).\n(٧) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٣٨ أ.","vol":"16","page":227},{"text":"وقال مقاتل بن حيان: يعني الأيامى من الرجال والنساء من الأحرار (١).\nوالمعنى: زوّجوا أيها المؤمنون من لا زوج له من أحرار رجالكم ونسائكم (٢)، وهذا أمر ندب واستحباب (٣)، وفيه دليل على أنّ النكاح لا يصح إلا بولي؛ لأن الله تعالى قال (وَأَنكِحُوا) فما (٤) لم تُنكح المرأة ولم تُزوَّج لم يكن لها أن تنكح وتتزوَّج (٥).\nقوله ﴿وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ قال مقاتل: يقول: وزوّجوا المؤمنين من عبيدكم وولائكم فإنّه أغض للبصر وأحفظ للفرج (٦).\nفمعنى الصلاح هاهنا: الإيمان، وفي هذا دليل على أن العبد لا يتزوج إلا بإذن سيده، وكذلك الأمة (٧).\nثم رجع إلى الأحرار فقال: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ﴾ لا سعة لهم في التزويج ﴿يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ فوعدهم أن يوسّع عليهم عند التزويج ﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ﴾ لخلقه ﴿عَلِيمٌ﴾ بهم. قاله مقاتل بن سليمان (٨).\nقال أبو إسحاق: حثّ الله -﷿- على النكاح وأعلم أنّه سبب لنفي\n_________\n(١) رواه ابن أبي حاتم ٧/ ٣٩ أ.\n(٢) الطبري ١٨/ ١٢٥، والثعلبي ٣/ ٧٨ أ.\n(٣) انظر: \"أحكام القرآن\" للجصَّاص ٣/ ٣١٩.\n(٤) في (ظ): (وما).\n(٥) انظر: \"الحاوي\" ٩/ ٣٨ - ٤٥، \"المغني\" ٩/ ٣٤٥ - ٣٤٦، \"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي ١٢/ ٢٣٩.\n(٦) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٣٨ أ.\n(٧) انظر: \"الحاوي\" ٩/ ٧٣، \"المغني\" ٩/ ٤٣٦، \"روضة الطالبين\" ٧/ ١٠١.\n(٨) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٣٨ أ.","vol":"16","page":228},{"text":"الفقر، ويروى عن عمر -﵁- أنه قال: عجبت لامرئ لم يلتمس الغنى في الباءة بعد قول الله تعالى ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (١).\nوقد قال رسول الله -ﷺ-: \"التمسوا الرزق بالكاح\" (٢).\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٤٠ مع اختلاف يسير.\nولفظ رواية الزجاج لأثر عمر: \"عجب لامرئ كيف لا يرغب في الباءة والله يقول ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور: ٣٢].\nوهذا الأثر عن عمر -﵁- رواه عبد الرزاق في \"مصنفه\" ٦/ ١٧٣ عن قتادة أن عمر بن الخطاب قال: ما رأيت مثل رجل لم يلتمس الفضل في الباءة، والله يقول: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور: ٣٢].\nوهو منقطع لإرساله.\nوذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ١٨٨ عن قتادة، وزاد نسبته لعبد بن حميد. وروى عبد الرزاق في \"مصنفه\" ٦/ ١٧٠ - ١٧١ من وجه آخر عن الحسن البصري قال: قال عمر بن الخطاب: اطلبوا الفضل في النكاح. قال: وتلا عمر: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور: ٣٢].\nوهو منقطع أيضًا؛ فإن الحسن لم يسمع من عمر -﵁- انظر: \"تهذيب التهذيب\" لابن حجر ٢/ ٢٦٥ - ٢٦٦.\n(٢) رواه بهذا اللفظ الثعلبي في \"الكشف والبيان\" ٣/ ٨٠ ب من حديث ابن عباس. وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ١٨٨ وعزاه للديلمي.\nوقال السخاوي في \"المقاصد الحسنة\" ص ٨٢: رواه الثعلبي في \"تفسيره\" والديلمي، من حديث مسلم بن خالد، عن سعيد ابن أبي صالح، عن ابن عباس رفعه بهذا. ومسلم فيه لين وشيخه.\nوقال الألباني في \"ضعيف الجامع\" ١/ ٣٤٩: ضعيف.\nوللحديث شاهد بمعناه روي موصولًا ومرسلًا.\nفقد رواه موصولًا البزار في \"مسنده\" كما في \"كشف الأستار\" للهيثمي ٢/ ١٤٩، والحاكم في \"مستدركه\" ٢/ ١٦١ كلاهما من حديث أبي السائب سلم بن جنادة، عن أبي أسامة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: قال رسول الله =","vol":"16","page":229},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2880>٣٣ </span>- ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا﴾ أي: وليطلب العفّة عن الزنا والحرام من لا يجد ما (١) ينكح به من صداق ونفقة.\nوالمعنى: الذين لا يجدون طول (٢) نكاح وقدرة نكاح فحذف المضاف.\nوقال صاحب النظم: النكاح هاهنا: الشيء الذي ينكح به من مهر ونفقة وما لا بد للرجل والمرأة منه إذا تناكحا، وهو مثل قولهم لما يلتحف به: لحاف، ولما يرتدي به: رداء، ولما يلبس: لباس، فكذلك (٣) النكاح:\n_________\n= -ﷺ-: \"تزوّجوا النساء، فإنّهن يأتينكم بالمال\".\nقال البزار بعد روايته: رواه غير واحد مرسلًا، ولا نعلم أحدًا قال فيه: عن عائشة إلا أبا أسامة.\nوقال الدارقطني في \"العلل\": وغير سلم يرويه مرسلًا ..\nوقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرّجاه لتفرد سلم -وقد تصحف في المطبوع إلى سالم- بن جنادة بسنده وسلم ثقة مأمون. اهـ.\nوقد رواه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" ٤/ ١٢٧، وأبو داود في \"المراسيل\" ص ٩٣ عن أبي توبة الربيع بن نافع، كلاهما -يعني أبا بكر بن أبي شيبة، وأبا توبة- عن أبي أسامة، عن هشام، عن أبيه، مرسلًا لم يذكر عائشة.\nوذكر الزيلعي في \"تخريج أحاديث الكشاف\" ٢/ ٤٤٣ متابعًا لأبي أسامة من رواية السهمي في \"تاريخ جرجان\" ص ٢٤٢ من طريق حسين بن علوان عن هشام موصولًا.\nقال ابن حجر في \"الكاف الشاف\" ص ١١٩: الحسين متهم بالكذب.\nولذا فإن المرسل أصح كما ذكر الدارقطني وغيره.\nوممن ضعف هذا الحديث الألباني كما في \"ضعيف الجامع\" ١/ ٣٤٩.\n(١) في (ظ): (مالًا).\n(٢) في (ع): (طولًا).\n(٣) في (ظ): (وكذلك).","vol":"16","page":230},{"text":"هو ما ينكح به مما لا بدّ للمنكوحة به مما لا بدّ للمنكوحة منه (١).\nوعلى هذا إن صحّ فلا حذف في الآية.\nوقوله ﴿حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ أي يوسّع عليهم من رزقه.\nوقال ابن عباس: يريد بالحلال عن الحرام.\nوجملة القول في هذا أنّ من استغنى عن النكاح بعزوف نفسه عن التوقان إليه فالأولى به التفرد والتخلي لعبادة (٢) الله (٣) ليكون ممن يغبط بخفّة الحاذ (٤) (٥)؛ فإن النبي -ﷺ- فسر خفيف الحاذّ بالذي لا أهل له ولا ولد (٦).\n_________\n(١) ذكر القرطبي ١٢/ ٢٤٣ هذا القول ونسبه لجماعة من المفسرين ولم يذكرهم، ثم قال: وحملهم على هذا قوله تعالى: ﴿حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ فظنّوا أنَّ المأمور بالاستعفاف إنَّما هو من عدم المال الذي يتزوج به. وفي هذا القول تخصيص المأمورين بالاستعفاف، وذلك ضعيف، بل الأمر بالاستعفاف متوجه لكل من تعذر عليه النكاح بأي وجه تعذّر.\n(٢) في (أ)، (ع): (بعبادة).\n(٣) في (ظ): (ربّه).\n(٤) في (أ)، (ظ): (الحاء) مهملة. والحاذ: الحال. \"لسان العرب\" ٣/ ٤٨٧ (حوذ).\n(٥) يشير بذلك إلى الحديث الذي رواه الترمذي في \"جامعه\" كتاب: الزهد- باب: ما جاء في الكفاف والصبر عليه ٧/ ١٢، وابن ماجه في \"سننه\" (أبواب: الزهد- باب: من لا يؤبه له ٢/ ٤١٠، من حديث أبي أمامة -﵁-، عن النبي -ﷺ- قال: \"إنَّ أغبط أوليائي عندي لمؤمن خفيف الحاذّ .. \" الحديث.\nوليس فيه تفسير خفيف الحاذّ.\nوهذا الحديث قال عنه الحاكم بعد إخراجه: هذا إسناد للشاميين صحيح عندهم ولم يخرجاه، فتعقَّب الذهبيُّ الحاكم بقوله: قلت: لا، بل إلى الضعف هو.\n(٦) روى ابن عدي في \"الكامل في الضعفاء\" ٣/ ١٠٣٧، والخطيب البغدادي في =","vol":"16","page":231},{"text":"ومن تاقت نفسه إلى النكاح ووجد الطول فالمستحب له والمندوب إليه أن يتزوّج لقوله تعالى ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ الآية.\nوإن لم يجد الطول فعليه بالصيام والاستعفاف ما أمكن.\nوقوله ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ﴾ أي يطلبون المكاتبة (١) ﴿مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ أي من عبيدكم ومماليككم.\nو(ما) هاهنا بمعنى: من، والكتاب مصدر كالمكاتبة يقال: كاتب الرجل عبده أو أمته مكاتبةً وكتابًا فهو مكاتب. والعبد مكاتب، وهو أن يقول الرجل: كاتبتك على أن تعطيني كذا وكذا في نجوم (٢) معلومة، فإذا أدّى ذلك فالعبد حرّ (٣).\n_________\n= \"تاريخ بغداد\" ٦/ ١٩٨، ١١/ ٢٢٥ كلهم من طريق رواد بن الجراح، عن سفيان، عن منصور، عن ربعي بن حراش، عن حذيفة قال: قال رسول الله -ﷺ-: \"خيركم في المائتين كل خفيف الحاذ\".\nقالوا: يا رسول الله وما الخفيف الحاذ؟ قال: \"الذي لا أهل له ولا ولد\".\nقال الحافظ العراقي في كتابه \"المغني عن حمل الأسفار\" ٢/ ٢٤: حديث: خيركم في المائتين .. أخرجه أبو يعلى من حديث حذيفة، ورواه الخطابي في العزلة من حديثه وحديث أبي أمامة، وكلاهما ضعيف.\n(١) ابن أبي حاتم ٧/ ٤٠ أعن سعيد بن جبير.\n(٢) نجوم: جمع نجم: وهو الوقت المضروب. ونجوم الكتابة: هو أن يُقدر العطاء في أوقات معلومة. وأصله أن العرب كانت تجعل مطالع منازل القمر ومساقطها مواقيت حلول دينها وغيرها، فتقول إذا طلع النجم: حلّ عليك مالي أي الثريا وكذلك باقي المنازل.\nانظر: \"لسان العرب\" ١/ ٧٠٠ (نجم)، \"القاموس المحيط\" ٤/ ١٧٩.\n(٣) انظر: (كتب) في \"تهذيب اللغة\" للأزهري ١٠/ ١٥٠، \"الصحاح\" للجوهري ١/ ٢٠٩، \"لسان العرب\" ١/ ٧٠٠.","vol":"16","page":232},{"text":"قال الأزهري: وسُمّي مكاتبة لما يكتب للعبد (١) على السيد من العتق إذا أدّى ما تراضيا عليه من المال، وما يكتب (٢) للسيد (٣) على العبد من النجوم التي (٤) يؤديها.\nوقال صاحب النظم: قد (٥) وضع الناس موضع الكتاب من المكاتبة: الكتابة. والكتابة إنّما هي مصدر من كتبت (٦) الكتاب، ولا يقال من المكاتبة إلَّا الكتاب كما في الآية، والمكاتبة مأخوذة من كتبت (٧) الشيء إلي الشيء إذا ضممته إليه ليجتمع، وإنَّما قيل كاتب الرجل عبده، لأنَّ معناه فعل منهما جميعًا، فالعبد يجمع نجومه إلى مولاه يضم بعضها إلى بعض إلى أن يجتمع ما هو شرط (٨) عتقه، والمولى يضم ما يؤديه إليه عبده ليجتمع كمال الشرط لعتق العبد (٩).\nوهذه الآية دليل على أصل عقد الكتابة وهو عقد من عقود الإسلام، وشرطه أن يقول السيد كاتبتك على كذا وكذا على أنك إذا أدّيت هذا المال فأنت حر، أو ينوي الحرية بقلبه إن لم يذكرها بلسانه (١٠). ولا بدّ من\n_________\n(١) في (ظ): (العبد).\n(٢) في \"تهذيب اللغة\": ولما يكتب.\n(٣) في (ظ): (السيّد).\n(٤) في (أ)، (ع): (الذي)، والمثبت من (ظ) و\"تهذيب اللغة\".\n(٥) \"تهذيب اللغة\" للأزهري ١٠/ ١٥٠ (كتب).\n(٦) في (ع): (من).\n(٧) في (أ) (كتب) في الموضعين.\n(٨) (شرط): ساقطة من (ظ).\n(٩) انظر: \"جمهرة اللغة\" لابن دريد ١/ ١٩٦ - ١٩٧، \"لسان العرب\" ١/ ٧٠٠ (كتب).\n(١٠) هذا قول الشافعي. =","vol":"16","page":233},{"text":"التنجيم، وأقلّه نجمان فصاعدًا، ولا تصح حالّه لأنها حينئذ تخلوا من التنجيم (١).\nوقال أبو حنيفة: تصح حالّه، ولم يشترط التنجيم (٢). والآية دليل\nقال صاحب النظم: ذكرنا أن أصل الكتاب من الكتب بمعنى الجمع والضم، وأقلّ ما يقع عليه الضمّ والجمع نجمان فصاعدًا، ولا يقع على نجم واحد لأنه لا يقال فيه جمعته، ويقال في النجمين جمعت نجمًا إلى نجم، فإذا لم يكن في شرط المكاتبة ما أقله نجماه لم يقع عليه معنى الكتابة، إذ ليس فيه معنى جمع ولا ضم. وإلى هذا ذهب الشافعي ﵀ عليه فلم يجز الكتاب على أقل من نجمين. انتهى كلامه.\nودلت الآية أيضًا على أنَّه إنما يصح كتابة العبد البالغ العاقل، ولا تصح كتابة المجنون والصبي (٣).\n_________\n= وقال أبو حنيفة -وهو أحد الوجهين عند الحنابلة-: إذا كاتب عبده على أنجم معلومة، صحَّت الكتابة وعتق بأدائها، سواء نوى بالكتابة الحرّية أو لم ينو، وسواء قال: فإذا أدَّيت إلىّ فأنت حر، أو لم يقل، لأن الكتابة عقد وضع للعتق فلم يحتج إلى لفظ العتق ولا نيته كالتدبير.\nانظر: \"أحكام القرآن\" للجصَّاص ٣/ ٣٢٥، \"المغني\" ١٤/ ٤٥١ - ٤٥٢، \"روضة الطالبين\" ١٢/ ٢٩، \"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي ١٢/ ٢٥٣.\n(١) انظر: \"الحاوي\" ١٨/ ١٤٦ - ١٤٩، \"المغني\" ١٤/ ٤٤٩ - ٤٥٠، \"روضة الطالبين\" ٢/ ٢١٢.\n(٢) انظر: \"أحكام القرآن\" للجصَّاص ٣/ ٣٢٤ - ٣٢٥، \"بدائع الصنائع\" ٤/ ١٤٠، \"تبيين الحقائق\" ٥/ ١٥٠، \"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي ١٢/ ٢٤٧.\n(٣) انظر: \"الحاوي\" ١٨/ ١٤٣، \"المغني\" ١٤/ ٤٤٤، \"روضة الطالبين\" ١٢/ ٢٢٦.","vol":"16","page":234},{"text":"وعند أبي حنيفة تصح كتابة العبد إذا كان مراهقًا مميزًا (١).\nقال الشافعي: والابتغاء لا يكون من الأطفال والمجانين (٢).\nيعني أن الله تعالى قال في ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ﴾ وهذان ليسا من أهل الابتغاء.\nوقوله: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ﴾ أمر ندب واستحباب في قول الجمهور (٣).\nوقال قوم: إنّه أمر إيجاب فإذا سأل العبد الذي علم منه خيرًا أن يكاتبه على ما هو قيمته أو أكثر لزمه ذلك. وهو قول عمرو (٤) بن دينار وعطاء، ورواية العوفي عن ابن عباس، وإليه (٥) ذهب أهل الظاهر (٦).\nوقوله: ﴿إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء: يريد قوة على الكسب وأداء للمال (٧) (٨).\n_________\n(١) انظر: \"بدائع الصنائع\" ٤/ ١٣٧، \"تبيين الحقائق\" ٥/ ١٥٠.\n(٢) انظر: \"الأم\" ٧/ ٣٦٣، ٣٦٧، \"الحاوي\" ١٨/ ١٤٣.\n(٣) انظر: الثعلبي ٣/ ٨١ أ، الطبري ١٨/ ١٢٧، الرازي ٢٣/ ٢١٧.\n(٤) في (أ): (عمر)، وهو خطأ.\n(٥) في (أ): (وأهل)، وهو خطأ.\n(٦) ذكره عن هؤلاء جميعا: الثعلبي ٣/ ٨١ أإلا أنه قال: وإليه ذهب داود بن علي. وهو داود الظاهري.\nوقد رواه عن عمرو بن دينار وعطاء: عبد الرزاق في \"مصنفه\" ٨/ ٣٧٠، والطبري ١٤/ ١٢٦، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" ١٠/ ٣١٩.\nورواية العوفي عن ابن عباس عند الطبري ١٨/ ١٢٨.\nوانظر: \"المغني\" ١٤/ ٤٤٢، \"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي ١٢/ ٢٤٥.\n(٧) في (أ): (المال).\n(٨) روى البيهقي في \"سننه\" ١٠/ ٣١٧ عن يزيد بن أبي حبيب أن عبد الله بن عباس كان يقول \"فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرًا\" إن علمت أن مكاتبك يقضيك. وروى أيضًا =","vol":"16","page":235},{"text":"وهذا اختيار الشافعي -﵁- فإنه قال: أظهر معاني الخير هذه الآية الاكتساب مع الأمانة (١).\nوكثير من المفسرين ذهب إلى أن المراد بالخير هاهنا المال.\nوهو قول مجاهد (٢)، وعطاء (٣)، والضحاك (٤)، وطاووس (٥)، والمُقاتلين (٦).\n_________\n= ١٠/ ٣١٧ من طريق الضحاك عن ابن عباس في قوله \"فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرًا\" قال: أمانة ووفاء.\nوروى الطبري ١٨/ ١٢٧، وابن أبي حاتم ٧/ ٤٠ أ، والبيهقي ١٠/ ٣١٧ من طريق علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قال: إن علمتم لهم حيلة ولا تلقون مؤونتهم على المسلمين.\nوذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ١٩١ وزاد نسبته لابن المنذر.\n(١) قوله في \"الأم\" ٧/ ٣٦٣، و\"السنن الكبرى\" للبيهقي ١٠/ ٣١٨، و\"الحاوي الكبير\" للماوردي ١٨/ ١٤٤.\n(٢) رواه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" ٧/ ٢٠١ - ٢٠٢، وعبد الرزاق في \"مصنفه\" ٨/ ٣٧٠، والطبري ١٨/ ١٢٨. وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ١٩٠ ونسبه أيضًا لعبد بن حميد.\n(٣) رواه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" ٧/ ٢٠٢، وعبد الرزاق في \"مصنفه\" ٨/ ٣٧٠، والطبري ١٨/ ١٢٩، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" ١٠/ ٣١٨.\nوذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ١٩٠ ونسبه أيضًا لعبد بن حميد وابن المنذر.\n(٤) رواه سعيد بن منصور ١٥٩ ب عنه من رواية جويبر.\n(٥) في (أ): (الطاووس).\nوقول طاووس رواه عنه سعيد بن منصور (ل ١٥٩ ب)، وابن أبي شيبة في \"مصنفه\" ٧/ ٢٠١، والطبري ١٨/ ١٢٨، وابن أبي حاتم ٧/ ٤٠ ب، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" ١٠/ ٣١٨.\n(٦) قول مقاتل بن حيان ذكره عنه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٧/ ٤٠ ب. وقول مقاتل بن سليمان في \"تفسيره\" ٢/ ٣٨ أ.","vol":"16","page":236},{"text":"وهو رواية العوفي عن ابن عباس (١).\nوروى ابن جريج (٢)، عن عطاء، عن ابن عباس في هذه الآية قال الخير: المال (٣).\nروى (٤) هشيم، عن يونس قال: كنّا عند الحسن، وأخوه سعيد (٥) عنده فتذاكرنا هذه الآية، فقال سعيد: إن كان عنده مال فكاتبه، وإن لم يكن عنده مال فلا تعلقه صحيفة يغدو بها على الناس ويروح، فيسألهم فيحرجهم ويؤثمهم (٦).\nوروي أن عبدًا لسلمان قال له: كاتبني. قال له (٧): لك مال؟ قال: لا قال: تطعمني أوساخ الناس. فأبى عليه (٨).\n_________\n(١) ذكره الثعلبي ٣/ ٨١ أعنه من رواية العوفي. وقد رواها من هذا الوجه الطبري ١٨/ ١٢٨.\n(٢) في (ع): (ابن أبي نجيح)، وهو خطأ.\n(٣) رواه ابن أبي حاتم ٧/ ٤٠ ب، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" ١٠/ ٣١٨ كلاهما من رواية ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس، به.\n(٤) في (ظ)، (ع): (لما روى).\n(٥) هو: سعيد بن أبي الحسن يسار، البصري، أخو الحسن البصري. تابعي ثقة.\nروى عن أمه، وأبي هريرة، وعنه أخوه وسليمان التيمي. وكان يسمى راهبًا لدينه. وهو أصغر من الحسن وتوفي قبله سنة ١٠٠ هـ؛ ولما توفي حزن عليه الحسن حزنًا شديدًا وبكى.\n\"طبقات ابن سعد\" ٧/ ١٧٨، \"سير أعلام النبلاء\" ٤/ ٥٨٨، \"تهذيب التهذيب\" ٤/ ١٦، \"تقريب التهذيب\" ١/ ٢٩٣.\n(٦) رواه سعيد بن منصور في \"تفسيره\" (ل ١٥٩ ب) عن هشيم، عن يونس، به.\n(٧) (له): ساقطة من (ظ)، (ع).\n(٨) رواه عبد الرزاق في \"مصنفه\" ٨/ ٣٧٤، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" ١٠/ ٣١٩، =","vol":"16","page":237},{"text":"والأظهر هو القول الأول؛ لأنَّه لو كان المراد بالخير المال لقيل: إن علمتم لهم (١) خيرًا وهذا الاعتراض يحكى عن الخليل (٢) فلما قيل ﴿فِيهِمْ خَيْرًا﴾ كان الأظهر الاكتساب والوفاء والأداء والأمانة.\nوهذا أيضًا قول ابن عمر وابن زيد ومالك بن أنس (٣)، واختيار الفراء وأبي إسحاق.\nقال الفراء: يقول وإن رجوتم (٤) عندهم وفاء وتأدية للكتابة (٥).\nوقال أبو إسحاق: إن علمتم أنّهم يكسبون (٦) ما يؤدونه (٧).\nوقول من فسر الخير بالمال الوجه أن يحمل ذلك على الكسب والمكتسب كذي المال من حيث أنه يقدر على المال [إذا شاء] (٨).\nوقال الحسن وأبو صالح في قوله (خَيْرًا) (٩): أداء وأمانة (١٠).\n_________\n= والثعلبي في \"الكشف والبيان\" ٣/ ٨١ أكلهم من طريق أبي ليلى الكندي قال: أتى سلمان غلام له .. فذكره. وسند عبد الرزاق صحيح.\n(١) (لهم): ساقطة من (ظ).\n(٢) حكاه عنه الثعلبي ٣/ ٨١ أ.\n(٣) ذكره عنهم جميعًا الثعلبي ٣/ ٨١ أ.\nورواه عن ابن عمر بمعناه الطبري ١٨/ ١٢٧، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" ١٠/ ٣١٨ وقول ابن زيد ومالك رواه عنهما الطبري ١٨/ ١٢٧.\n(٤) في (ظ): (دعوتم)، وهو خطأ.\n(٥) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢١٥.\n(٦) في المطبوع من المعاني: (يكتبون)، وهو خطأ.\n(٧) \"معاني القرآن\" للزَّجاج ٤/ ٤٠.\n(٨) ساقط من (أ).\n(٩) في (ظ)، (ع): زيادة \"قال\" بعد قوله (خيرا).\n(١٠) رواه عن الحسن: عبد الرزاق في \"مصنفه\" ٨/ ٣٧١، وسعيد بن منصور في =","vol":"16","page":238},{"text":"وقال عبيدة: وفاء وصدقا (١). وروى ابن سيرين، عنه قال: إذا أقاموا الصلاة (٢). وروى يونس، عن الحسن قال: الخير: الإسلام والقرآن (٣).\nوقال إبراهيم: صدقًا ووفاء (٤).\nوقال سعيد بن جبير: إن علمتم أنهم يريدون (٥) بذاك (٦) الخير (٧).\nوقال معمر (٨): وكان قتادة يكره إذا كاتب العبد ليست له حرفة ولا وجه في شيء [أن يكاتبه الرجل] (٩) لا يكاتبه إلا ليسأل الناس (١٠).\n_________\n= \"تفسيره\" ل ١٥٩ ب، والطبري ١٨/ ٢٠٨، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" ١٠/ ٣١٨. وعن أبي صالح: رواه الطبري ١٨/ ١٢٨، وابن أبي حاتم ٧/ ٤٠ ب، والبيهقي ١٠/ ٣١٨.\n(١) ذكره عنه الثعلبي ٣/ ٨١ ب.\nوروى عبد الرزاق في \"مصنفه\" ٨/ ٣٧٠، وابن أبي حاتم ٧/ ٤٠ أعنه قال: إن علمتم عندهم أمانة.\n(٢) رواه عبد الرزاق في \"مصنفه\" ٨/ ٣٧١، وسعيد بن منصور في \"سننه\" ل ١٥٩ ب، وابن أبي حاتم ٧/ ٤٠ أ، والثعلبي ٣/ ٨١ ب كلهم من طريق ابن سيرين، عن عبيدة.\n(٣) رواه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" ٧/ ٢٠٢ - ٢٠٣ من رواية يونس، عن الحسن.\n(٤) إبراهيم هو: النخعي.\nورواه عنه عبد الرزاق في \"مصنفه\" ٨/ ٣٧١، وسعيد بن منصور في \"سننه\" ل ١٥٩ ب، وابن أبي شيبة في \"مصنفه\" ٧/ ٢٠٢، والطبري ١٨/ ١٢٨، والبيهقي في \" السنن الكبرى\" ١٠/ ٣١٨.\n(٥) في (أ): (يريد من).\n(٦) في (ظ): (بذلك).\n(٧) ذكره عنه النحَّاس في \"معاني القرآن\" ٤/ ٥٢٩، وابن الجوزي ٦/ ٣٧.\n(٨) هو: معمر بن راشد.\n(٩) زيادة من تفسير عبد الرزاق بها يستقيم المعنى.\n(١٠) رواه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ٢/ ٥٨ عن معمر، به.","vol":"16","page":239},{"text":"وهذا يقوي أنّ المراد بالخير الاكتساب.\nقوله تعالى: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ فيه ثلاثة أقوال:\nأحدها: أنَّ هذا خطاب للموالي، أُمروا أن يحطوا عنهم من نجوم الكتابة شيئًا، وهو قول علي (١) -﵁- ومجاهد (٢)، والثوري (٣)، وكثير من الصحابة (٤).\nثم اختلفوا في ذلك القدر:\nفقال علي -﵁-: هو ربع المال (٥). وهو قول مجاهد (٦).\nوقال الآخرون: لا يتقدر بشيء يحط عنه ما أحبّ.\nوكان عمر -﵁- يحط من أول النجوم.\nوروى عكرمة، عن ابن عباس: أن عمر -﵁- كاتب عبدًا له يُكنى أبا أميّة (٧)\n_________\n(١) سيأتي ذكر ذلك عنه -﵁-.\n(٢) رواه عن مجاهد عبد الرزاق في \"تفسيره\" ٢/ ٥٩، وابن أبي شيبة في \"مصنفه\" ٦/ ٣٧٢، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" ١٠/ ٣٣٠.\n(٣) ذكره عنه الثعلبي ٣/ ٨١ أورواه الطبري ١٨/ ١٣١ عنه قال: أحب أن يعطيه الربع، أو أقل منه شيئًا، وليس بواجب، وأن يفعل ذلك حسن.\n(٤) انظر: \"مصنف ابن أبي شيبة\" ٦/ ٣٧٠ - ٣٧١، الطبري ١٨/ ١٢٩ - ١٣٠، \"السنن الكبرى\" للبيهقي ١٠/ ٣٢٩ - ٣٣٠، والثعلبي ٣/ ٨١ ب - ٨٢ أ.\n(٥) رواه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ٢/ ٥٨، وسعيد بن منصور ل ١٥٩ ب، وابن أبي شيبة في \"مصنفه\" ٦/ ٣٦٩، والطبري ١٨/ ١٢٩، وابن أبي حاتم ٧/ ٤١ ب والبيهقي في \"السنن الكبرى\" ١٠/ ٣٢٩، والضياء في \"المختارة\" ٢/ ١٩٤.\n(٦) رواه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" ٦/ ٣٧٠.\n(٧) هو: أبو أميّة بن كنانة، القرشي، العدوي مولى عمر بن الخطاب ومكاتبه. اسمه عبد الرحمن، وهو جد المبارك بن فضالة المحدِّث. روى عنه ابنه فضالة.\n\"طبقات ابن سعد\" ٧/ ١١٧، \"الكنى\" للإمام مسلم ص ٩٥، \"الثقات\" لابن حبّان ٥/ ٥٦٦، \"الاستغناء في معرفة المشهورين من حملة العلم بالكنى\" ٢/ ١٠٣١.","vol":"16","page":240},{"text":"فجاءه بنجمه حين حلّ (١)، فقال: يا أبا أمية استعن به في مكاتبتك. فقال: يا أمير المؤمنين لو تركته حتى يكون في آخر نجم. قال: إنِّي أخاف أن لا أدرك ذاك (٢) ثم قرأ: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ (٣).\nوروى عبد الملك بن أبي بشير (٤) قال: حدثني فَضالة بن أبي أميّة (٥)، عن أبيه وكان غلامًا لعمر قال: كاتبني عمر على أواق (٦) قد سمّاها، ونجمها عليّ نجومًا، فلما فرغ من الكتاب أرسل إلى حفصة (٧) فاستقرض منها مائتي درهم، فأعطانيها وقالك استعن بها في نجومك؛ فقلت: ألا تجعلها في آخر مكاتبتي! قال: إنّي لا أدرى أدرك أم لا. قال سفيان: بلغني أنَّه كاتبه على مائة أوقية (٨).\n_________\n(١) في (ظ): (هلّ).\n(٢) في (ظ): (ذلك).\n(٣) رواه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" ٦/ ٣٧١، وابن أبي حاتم ٧/ ٤١ ب، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" ١٠/ ٣٢٩ - ٣٣٠ من طريق عكرمة، عن ابن عباس.\nوروى ابن سعد في \"طبقاته\" ٧/ ١١٨ عن عكرمة نحوه.\n(٤) هو: عبد الملك بن أبي بشير، البصري، نزيل المدائن. روى عن عكرمة وحفصة بنت سيرين وآخرين. وعنه سفيان الثوري وغيره. وهو ثقة.\n\"الكاشف\" ٢/ ٢٠٧، \"تهذيب التهذيب\" ٦/ ٣٨٦، \"تقريب التهذيب\" ١/ ٥١٧.\n(٥) هو: فضالة بن أبي أميّة، البصري. أبوه أبو أمية مولى عمر بن الخطاب المتقدم ذكره. وهو والد المبارك بن فضالة المحدّث. روى عنه عبد الملك بن أبي بشير. ذكره البخاري في \"تاريخه الكبير\" ٧/ ١٢٥، وابن أبي حاتم في \"الجرح والتعديل\" ٧/ ٧٧، ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا. وذكره ابن حبان في \"الثقات\" ٥/ ٢٩٧.\n(٦) أواق: جمع أوقية -بضم الهمزة وتشديد الباء-: وهي زنة سبعة مثاقيل، أو أربعين درهمًا. \"لسان العرب\" ١٠/ ١٢ (أوق).\n(٧) هي: أم المؤمنين، وبنت أمير المؤمنين أبي حفص عمر بن الخطاب -﵁-.\n(٨) رواه عبد الرزاق في \"مصنفه\" ٨/ ٣٧٦، وابن سعد في \"طبقاته\" ٧/ ١١٨، =","vol":"16","page":241},{"text":"وعلى هذا قوله: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ هو أن يؤتيه مما في يده شيئًا يستعين به على الكتابة لا أن يحطَّ عنه شيئًا.\nوهو رواية ليث، عن مجاهد قال: مما في يديك، ليس مما على رقبته (١).\nوروى جوبير، عن الضحاك في هذه الآية قال (٢): أن تعطيه [مما في يديك] (٣) من مالك أو تضع (٤) له بعض الذي كاتبه عليه (٥) (٦).\nوروى عبد الملك (٧) وحجاج عن عطاء في قوله ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ هو ما أخرج الله [لك] (٨) من مكاتبته تعطيه، ما طابت به\n_________\n= والطبري ١٨/ ١٣٠، والبيهقي في \"الكبرى\" ١٠/ ٣٣٠ من رواية عبد الملك، عن فضالة، عن أبيه، بنحوه. وليس في رواية عبد الرزاق وابن سعد والبيهقي قول سفيان.\n(١) رواه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" ٦/ ٣٧٢، والطبري ١٨/ ١٣٠ من رواية ليث، عن مجاهد، دون قوله: ليس مما على رقبته.\n(٢) (قال): ساقطة من (أ).\n(٣) ساقط من (ظ)، (ع).\n(٤) في (ظ)، (ع): (تدع).\n(٥) عليه: ساقطة من (أ).\n(٦) لم أجد من ذكره عنه.\n(٧) هو: عبد الملك بن أبي سليمان، كما في رواية الطبري وابن أبي حاتم. وهو: عبد الملك بن أبي سليمان ميسرة، العرزمي، الكوفي كان من أحفظ أهل الكوفة، روى عن سعيد بن جبير وعطاء. قال الذهبي: قال أحمد: ثقة يخطئ.\nوقال ابن حجر: صدوق له أوهام. توفي سنة ١٤٥ هـ.\n\"الكاشف\" ٢/ ٢٠٩، \"تقريب التهذيب\" ١/ ٥١٩.\n(٨) (لك): ساقطة من (أ).","vol":"16","page":242},{"text":"نفسك وليس فيه شيء مؤقت (١).\nوقال سعيد بن جبير: كان ابن عمر إذا كاتب مكاتبه لم يضع عنه شيئًا من أول نجومه مخافة أن يعجز فترجع (٢) إليه صدقته، ولكنّه (٣) إذا كان في آخر مكاتبته وضع عنه ما أحبّ (٤).\nوعلي ما ذكرنا معنى الإيتاء: أن يحطّ من مكاتبته (٥) شيئًا أو يردّ عليه شيئًا، أو يعطيه مما في يده شيئًا. وهو واجب عند الشافعي -﵁- (٦).\nالقول الثاني: أنَّ (٧) المعنى: وآتوهم سهمهم الذي جعله الله لهم من الصدقات المفروضات.\nوهو قول ابن عباس في رواية عطاء قال: يريد سهم الرقاب يعطى منه المكاتبون (٨). ونحوه قال زيد (٩) وابنه (١٠).\n_________\n(١) رواه ابن أبي شيبة ٦/ ٣٧١ - ٣٧٢ من رواية عبد الملك وحجاج، عن عطاء.\nورواه الطبري ١٨/ ١٣٠، وابن أبي حاتم ٧ - ٤٢ أمن طريق عبد الملك، عن عطاء إلى قوله: مكاتبته.\n(٢) في (أ): (وترجع).\n(٣) في (أ): (ولكن).\n(٤) رواه الطبري ١٨/ ١٣٠ عن سعيد، به.\nورواه عبد الرزاق في \"مصنفه\" ٨/ ٣٧٧، وابن أبي شيبة ٦/ ٣٧٠ عن سعيد بنحوه مختصرًا.\n(٥) في (ظ)، (ع): (كتابته).\n(٦) انظر: \"الأم\" ٧/ ٣٦٤، \"الحاوي الكبير\" ١٨/ ١٨٦، \"روضة الطالبين\" ١٢/ ٢٤٨.\n(٧) أنَّ: ساقطة من (أ).\n(٨) ذكره عنه من رواية عطاء ابن الجوزي ٦/ ٣٧، والرازي ٢٣/ ٢١٨، والنيسابوري في \"غرائب القرآن\" ١٨/ ١٠٠.\n(٩) هو: زيد بن أسلم.\n(١٠) ذكره عنهما الثعلبي ٣/ ٨٢ أ. =","vol":"16","page":243},{"text":"القول الثالث: أنَّ هذا حث للناس على إعطاء المكاتب وإعانته بما يمكنهم في (١) ثمن رقبته.\nوهو قول عكرمة (٢)، وإبراهيم (٣)، والكلبي (٤)، والمقاتلين (٥). قالوا: حضّ الناس (٦) جميعًا الموالي وغيرهم على أن يعطوا المكاتب، وأمر المؤمنين أن يعينوا في الرقاب.\nوقال الحسن: حث عليه المسلمين مولاه وغيره (٧).\nوعلى هذا القول هو أمر نَدْب.\nواختار (٨) صاحب النظم القول الثاني، وقال: قوله ﴿فَكَاتِبُوهُمْ﴾ خطاب للموالي، وقوله ﴿وَآتُوهُمْ﴾ خطاب لغيرهم من أصحاب الزكوات؛ لأنه لا يجوز للمكاتب أن يدفع فرض صدقته إلى مكاتب نفسه، فجاء الخطاب بنظم واحد وهما مختلفان كقوله ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا\n_________\n= وعن زيد رواه الطبري ١٨/ ١٣١، وابن أبي حاتم ٧/ ٤٢ أ.\nوعن ابنه -عبد الرحمن- رواه ابن أبي حاتم ٧/ ٤٢ أ.\n(١) في (أ): (من).\n(٢) ذكره عنه الرازي ٢٣/ ٢١٨، وأبو حيان ٦/ ٤٥٢.\n(٣) ذكره عنه الثعلبي ٣/ ٨٢ أ، ورواه عنه عبد الرزاق في \"مصنفه\" ٨/ ٣٧٦ - ٣٧٧ وسعيد بن منصور في \"سننه\" ل ١٥٩ ب، والطبري ١٨/ ١٣١.\n(٤) رواه عنه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ٢/ ٥٩.\n(٥) قول مقاتل بن حيان رواه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٧/ ٤٢ أ. وقول مقاتل بن سليمان في \"تفسيره\" ٢/ ٣٧ أ.\n(٦) في (أ): (للناس).\n(٧) رواه سعيد بن منصور في \"سننه\" ل ١٥٩ ب، والطبري ١٨/ ١٣١.\nوذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ١٩١ عنه، وعزاه لعبد بن حميد.\n(٨) في (أ): (واختيار).","vol":"16","page":244},{"text":"تَعْضُلُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٢] الآية، فقد جاء الخطاب في التطليق والعضل بنظم واحد وهما مختلفان؛ لأن العضل من الأولياء، والتطليق من الأزواج، وكذلك قوله ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ﴾ أومئ به إلى غير المكاتبين الذين هم الموالي (١).\nوقال غيره (٢): يجوز أن يكون الموالي داخلين في هذا الخطاب على معنى: أن يؤتي بعضهم لمكاتب بعض لا لمكاتب نفسه.\nقال صاحب النظم: ولو كان المراد بالإيتاء الحطّ عنه لوجب أن يكون في عادة العربية: ضَعُوا عنهم أو قاصّوهم منه (٣)، فلما قال ﴿وَآتُوهُمْ﴾ دلّ على أنَّه أراد من الزكاة إذ هو مناولة وإعطاء (٤).\nوهذا الاعتراض لا يصح على قول من يجعل إيتاء المكاتب من مال نفسه، كما روينا عن عمر -﵁-.\nفأما سبب نزول هذه (٥) الآية:\nفقال ابن عباس في رواية عطاء: نزلت في صُبيح (٦) القبطي، كان\n_________\n(١) ذكر الرازي ٢٣/ ٢١٩ بعضه من غير نسبة.\n(٢) انظر: \"الطبري\" ١٨/ ١٣٢.\n(٣) يقال: تقاصّ القوم، إذا قاصّ كل منهم صاحبه في حساب أو غيره، وأصل التَّقاص: التناصف في القصاص. انظر: \"لسان العرب\" ٧/ ٧٦ (قصص)، \"تاج العروس\" للزبيدي ١٨/ ١٠٧ (قصص).\n(٤) ذكر أبو حيان ٦/ ٤٥٢ هذا القول عن صاحب النَّظم.\n(٥) هذه: زيادة من (ظ).\n(٦) في (أ)، (ع): (الصبيح).\nوقد ذكر صبيحًا هذا البخاري في \"تاريخه الكبير\" ٤/ ٣١٨ دون نسبة إلى القبط، وساق رواية -سيأتى ذكرها- فيها أنه كان مملوكًا لحويطب بن عبد العزّى، وأن =","vol":"16","page":245},{"text":"مملوكًا لحاطب بن أبي بَلْتَعة (١).\nوقال مقاتل بن سليمان وغيره: نزلت في حويطب (٢) بن عبد العزى وفي غلامه صبيح (٣) القبطي وقيل: صُبْح (٤) طلب إليه أن يكاتبه فأبي، فأنزل الله هذه الآية، فكاتبه على مائة دينار، ثم وضع عنه عشرين دينارًا، فأداها وعتق (٥).\n_________\n= صبحيًّا هو جد محمد بن إسحاق صاحب السير والمغازي.\nوذكره ابن حبان في \"الثقات\" ٣/ ١٩٦ دون نسبة وقال: أبو عبد الله، جد محمد بن إسحاق بن يسار. يقال: إنَّ له صحبة.\nوذكره ابن حجر في \"الإصابة\" ٢/ ١٦٩ دون نسبة وقال: مولى حويطب بن عبد العزّى. قال ابن السكن وابن حبان: يقال له صحبه. ثم نقل ابن حجر رواية البخاري في \"تاريخه\" ثم قال: قال ابن السكن: لم أر له ذكرًا إلا في هذا الحديث. اهـ.\n(١) لم أجد من ذكره عن ابن عباس. وقد نقل القرطبي ١٢/ ٢٤٤ عن مكي بن أبي طالب قوله: هو صبيح القبطي غلام حاطب بن أبي بلتعة.\n(٢) هو: حُويطب بن عبد العزّى بن أبي قيس، القرشي، العامري، أبو محمد. أسلم عام الفتح، وشهد حنينا وكان من المؤلفة، وكان حميد الإسلام. وسار إلى الشام مجاهدًا. وهو أحد الذين أمرهم عمر بتجديد أنصاب الحرم.\nتوفي سنة ٥٤ هـ، وقيل: ٥٢ هـ وعاش مائة وعشرين سنة.\n\"طبقات ابن سعد\" ٥/ ٤٥٤، \"الاستيعاب\" ١/ ٣٩٩، \"أسد الغابة\" ٢/ ٦٧، \"سير أعلام النبلاء\" ٢/ ٥٤٠، \"الإصابة\" ٢/ ٣٦٣.\n(٣) في (ظ): (صبح)، والمثبت من باقي النسخ و\"تفسير مقاتل\".\n(٤) في (ظ)، (ع): (صبيح).\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٣٨ أ، والثعلبي ٣/ ٨١ أ.\nوقد روى البخاري في \"التاريخ الكبير\" ٤/ ٣١٨ - ٣١٩، وابن السكن والبارودي كما في \"الإصابة\" لابن حجر ٢/ ١٧٠ من طريق محمد بن إسحاق، عن خاله عبد الله بن صبح وفي المطبوع من \"الإصابة\": عن خالد عن عبد الله. وهو خطأ -عن أبيه- وكان جدّ ابن إسحاق أبا أمِّه -قال. كنت مملوكًا لحويطب بن عبد العزى، =","vol":"16","page":246},{"text":"قوله تعالى: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ﴾ يعني إماءكم وولائدكم على الزنا.\nقال جماعة من المفسرين (١): نزلت في عبد الله بن أبيّ كان يكره جواري له على الكسب بالزنا، فشكون ذلك إلى رسول الله -ﷺ- فنزلت هذه الآية.\nقال ابن عباس في رواية عطاء: وذلك أن عبد الله بن أبيّ! كانت له جاريتان يقال لإحداهما: مُعاذة، والأخرى: زينب، كانتا مؤمنتين فأكرههما على الزنا وهما لا يريدان (٢).\n_________\n= فسألته الكتابة، ففي نزلت ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ﴾ الآية.\nوذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ١٨٩ من رواية عبد الله بن صبيح، به. وعزاه لابن السكن في \"معرفة الصحابة\".\n(١) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٣٨ أ، ب، والطبري ١٨/ ١٣٢ - ١٣٣، ابن أبي حاتم ٧/ ٤٢ ب، ٤٣ أ، الثعلبي ٣/ ٨٢ أ، ب، \"تفسير ابن كثير\" ٣/ ٢٨٨ - ٢٨٩، \"الدر المنثور\" للسيوطي ٦/ ١٩٢ - ١٩٤.\nوقد روى مسلم في \"صحيحه\" كتاب: التفسير- باب: في قوله تعالى: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ﴾ ٤/ ٢٣٢٠ عن جابر -﵁-: أن جارية لعبد الله بن أبيّ بن سلول يقال لها: مُسيكة، وأخرى يقال لها: أميمة، فكان يكرههما على الزنى، فشكتا ذلك إلى النبي -ﷺ- فأنزل الله: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ﴾ إلى قوله ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.\n(٢) لم أجد من ذكره من رواية عطاء.\nوقد روى وابن أبي حاتم ٣/ ٤٢ ب، والطبراني في \"الكبير\" ١١/ ٢٨٤ من طريق عكرمة، عن ابن عباس: أنَّ جارية لعبد الله بن أبي كانت تزني في الجاهلية فولدت أولادًا من الزّنا، فقال لها: مالك لا تزنين. قالت: والله لا أزني. فضربها، فأنزل الله -﷿- ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ﴾.\nقال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" ٧/ ٨٣: ورجال الطبراني رجال الصحيح.\nوذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ١٩٣ ونسبه أيضًا للبزار وابن مردويه، وقال: بسند صحيح.","vol":"16","page":247},{"text":"وروى الزهري، عن عمر (١) بن ثابت الخزرجي قال: كانت معاذة جارية لعبد الله بن أبيّ وكانت مسلمة وكان يستكرهها على البغاء، فأنزل الله هذه الآية (٢).\nوقال مجاهد: كانوا يأمرون ولائدهم أن يُباغين، فكن يفعلن ذلك، فيُصبن، فيأتينهم بكسبهن، وكانت لعبد الله بن أُبي جارية فكانت تُباغي، وكرهت ذلك وحلفت لا تفعله، فأكرهها أهلها، فانطلقت فباغت ببرد (٣) أخضر فأتتهم به، فأنزل الله هذه الآية (٤).\nقوله تعالى: ﴿إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ قال ابن عباس: تعفّفا وتزويجًا (٥).\n_________\n(١) في (ظ)، (ع): (عمرو)، وهو خطأ.\nوهو عمر بن ثابت بن الحارث -ويقال: ابن الحجاج- الأنصاري الخزرجي المدني. تابعي ثقة، روى عن بعض الصحابة، وعنه الزهري وغيره.\n\"الكاشف\" ٢/ ٣٠٦، \"تهذيب التهذيب\" ٧/ ٤٣٠، \"تقريب التهذيب\" ٢/ ٥٢.\n(٢) رواه \"المصنف\" في كتابه \"أسباب النزول\" ص ٢٧٠ من طريق ابن إسحاق: حدثني الزهري، عن عمر بن ثابت، فذكره.\nورواه أيضًا من طريق مالك، عن ابن شهاب، عن عمر بن ثابت، بنحوه. وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ١٩٣ من طريق مالك، عن ابن شهاب، عن عمر، بنحوه مطولًا، وعزاه للخطيب في رواة مالك.\nورواه أبو موسى المديني في كتابه الصحابة كما في \"الإصابة\" لابن حجر ٤/ ٣٩٥ من طريق الليث بن سعد، عن عقيل بن خالد، عن ابن شهاب الزهري، به، بنحوه. وهو مرسل؛ لأن عمر بن ثابت تابعي.\n(٣) البُرْد -بالضم-: ثوب مخطط. \"القاموس المحيط\" ١/ ٢٧٦.\n(٤) رواه الطبري ١٨/ ١٣٤، ورواه ابن أبي حاتم ٧/ ٤٢ ب بنحوه، مختصرًا. وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ١٩٤، ونسبه أيضًا لابن أبي شيبة وابن المنذر.\n(٥) لم أجده عن ابن عباس. وقد روى ابن أبي حاتم ٧/ ٤٣ أ، ب عن قتادة ومقاتل. مثل شطره الأول. =","vol":"16","page":248},{"text":"وليس هذا بشرط في النهي عن الإكراه، وإنّما هو على موافقة حال النزول، وذلك أن تلك (١) الجواري التي كان ابن أُبيّ يكرههن على الزنا كن مسلمات يردن التحصّن، وهو كقوله ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾ [النساء: ١١] وليس من شرط استحقاق الثلثين أن يكن فوق اثنتين ولكن نزلت الآية (٢) في ثلاث بنات (٣)\nوقال أبو إسحاق: لا تكرهوهن على البغاء البتَّه، وليس المعنى: لا\n_________\n= وذكر الطبري ١٨/ ١٣٢، والثعلبي ٣/ ٨٢ ب، والماوردي ٤/ ١٠١ من غير نسبة لأحد. ولم أجد من ذكر: تزويجًا.\n(١) (تلك): ساقطة من (أ).\n(٢) الآية: ساقطة من (ظ).\n(٣) القول بأن الآية المستشهد بها نزلت في ثلاث بنات ذكره الواحدي في \"أسباب النزول\" ص ١٢٠ من غير سند وعزاه للمفسرين، وذكره البغوي ٢/ ١٦٩ من غير سند.\nوفي \"الإصابة\" لابن حجر ٤/ ٤٦٤ في ترجمة أمِّ كجَّة الأنصارية: ذكر الواقدي عن الكلبي في \"تفسيره\" عن أبي صالح، عن ابن عباس: أن أوس بن ثابت الأنصاري توفي وترك ثلاث بنات وامرأة يقال له أم كجّة، .. فنزلت آية المواريث.\nوهذا القول لا يصح في نزول هذه الآية. والصحيح في هذا ما رواه الإمام أحمد في \"مسنده\"، وأبو داود في \"سننه\" كتاب: الفرائض- باب: ما جاء في ميراث الصلب ٨/ ٩٩ - ١٠٠، والترمذي في \"جامعه\" كتاب: الفرائض - باب: ما جاء في ميراث البنات من حديث جابر -﵁- قال: جاءت امرأة سعد بن الربيع بابنتيها من سعد إلى رسول الله -ﷺ- فقالت: يا رسول الله هاتان ابنتا سعد بن الربيع قُتل أبوهما معك يوم أحد شهيدًا، وإنَّ عمَّهما أخذ مالهما فلم يدع لهما مالًا، ولا تنكحان إلا ولهما مال. قال: \"يقضي الله في ذلك\". فنزلت آية الميراث، فبعث رسول الله -ﷺ- إلى عمَّهما فقال: \"أعط ابنتي سعد الثلثين وأعط أمّهما الثمن وما بقي فهو لك\". وحسَّن هذا الحديث الألباني كما في \"صحيح الترمذي\" ٢/ ٢١١.","vol":"16","page":249},{"text":"تكرهوهن إن أردن تحصنًا؛ لأنَّهن إن لم يردن فليس لنا أن نكرهن (١).\nوقوله ﴿إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ هذا الشرط متعلق بقوله ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ [النور: ٣٢] إن أردن تحصنا. فهذا على التقديم والتأخير، وهذا القول اختيار الحسين (٢) بن الفضل (٣).\nويجوز أن يقال: إنما شرط (٤) إرادة التحصّن؛ لأنَّ الإكراه لا يتصور إلا عند إرادة المكره التحصّن (٥)، فإن (٦) لم يرد التحصّن لا يتصور الإكراه؛ لأنَّه يأتي ذلك بالطبع، فلما ذكر النهي عن الإكراه شرط إرادة التحصّن؛ ليتبين (٧) معنى الإكراه؛ لأنَّه شرطٌ صحيح في المعنى (٨).\nوقوله تعالى ﴿لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ يعني الغلَّة (٩) والضرائب التي كانت عليهن.\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٤٠.\n(٢) في (ع): (الحسن)، وهو خطأ.\n(٣) ذكره عنه الثعلبي ٣/ ٨٢ ب، والبغوي ٦/ ٤٤ وتصحف الاسم في المطبوع إلى: الحسن. والقرطبي ١٢/ ٢٥٥.\nوهذا الوجه ضعَّفه القرطبي. وقال أبو حيان ٦/ ٤٥٢: وهذا فيه بعدٌ وفصل كثير.\n(٤) في (أ): (شرطه).\n(٥) في (ظ): (للتحصّن).\n(٦) في (أ): (وان).\n(٧) في (أ): (لتبين).\n(٨) ذكر البغوي ٦/ ٤٤ هذا القول وصدّره بقوله: قيل. وذكره ابن الجوزي ٦/ ٣٩ ولم ينسبه لأحد. وأشار إليه ابن العربي في أحكام القرآن. ٣/ ١٣٨٦ ولم ينسبه لأحد. وذكره الماوردي ٤/ ١٠١ ولم ينسبه لأحد.\n(٩) الغلَّة: هي الدَّخل الذي يحصل من الإجارة والنتاج ونحو ذلك. \"لسان العرب\" ١١/ ٥٠٤ (غل).","vol":"16","page":250},{"text":"وقال ابن عباس: يريد أن يولد له منهن ولد ليسترقَّ (١) الولدَ ويتبعه.\nوقال الكلبي: ﴿عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ من كسبهن وأولادهن (٢).\nوروى معمرٌ، عن الزُّهري: أنَّ رجلًا من قريش أُسر يوم بدر، فكان عند عبد الله بن أبي أسيرًا، وكان لعبد الله جارية يقال لها معاذة، وكان القرشي الأسير يريدها على نفسه، وكانت مسلمة فكانت تمتنع منه لإسلامها، وكان عبد الله يكرهها على ذلك ويضربها رجاء أن تحمل للقرشي فيطلب فداء ولده، فأنزل الله هذه الآية (٣).\nوقوله تعالى ﴿فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ قال ابن عباس (٤)، والمفسرون (٥): أي لهن غفور رحيم يعني للمكروهات (٦).\nوكان جابر يقرأ: ﴿فإن الله من بعد إكراههن لهن غفور رحيم﴾ (٧).\n_________\n(١) في (ظ): (يسترق).\n(٢) روى ابن أبي حاتم ٧/ ٤٣ ب عن سعيد بن جبير مثله. وهو قول مقاتل في \"تفسيره\" ٢/ ٣٨ ب.\n(٣) رواه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ٢/ ٥٩، والطبري ١٨/ ١٣٣، وابن أبي حاتم ٧/ ٤٢ ب، ٤٣ أ، كلهم من طريق، معمر عن الزهري، به وهو مرسل.\nوذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ١٩٣ وزاد نسبته لابن المنذر.\n(٤) رواه الطبري ١٨/ ١٣٣، وابن أبي حاتم ٧/ ٤٣ ب) عنه بنحوه.\n(٥) انظر: \"الطبري\" ١٨/ ١٣٣ - ١٣٤، ابن أبي حاتم ٧/ ٤٣ ب، ٤٤ أ.\n(٦) في (أ): (للمكروهات).\n(٧) روى مسلم في \"صحيحه\" كتاب: التفسير- باب: في قوله تعالى: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ﴾ ٤/ ٢٣٢٠ عن جابر قال: كان عبد الله بن أبي بن سلول يقول لجارية له: اذهبي فأبغينا شيئًا، فأنزل الله -﷿-: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ (لهنّ) غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾","vol":"16","page":251},{"text":"وقال الحسن في هذه الآية: لهن والله، لهن والله (١).\nوقال مجاهد: ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ للمكروهات على الزنا (٢).\nوفي حرف عبد الله (٣) وقرأه جماعة من القراء (٤) ﴿فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2881>٣٤ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ﴾ قال ابن عباس، ومقاتل (٥): يريد ما ذكر في هذه السورة من الحلال والحرام، وأمره ونهيه إلى هذه الآية، فهي تبين للناس ما أمروا به وما نهوا عنه.\nقوله: ﴿وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ قال مقاتل: يعني سنن العذاب في الأمم الخالية حين كذبوا رسلهم (٦).\nوالمعنى: وأنزلنا مثلًا أي: شبهًا من حالهم بحالكم في تكذيب\n_________\n= ورواه ابن أبي حاتم ٧/ ٤٣ ب عن جابر بنحوه، وفيه زيادة: هكذا كان يقرؤها يعني (لهن). قال النووي في \"شرح صحيح مسلم\" ١٨/ ١٦٤: هذا تفسير، ولم يرد أنَّ \"لهن\" منزَّلة.\n(١) ذكره عنه الثعلبي ٣/ ٨٢ ب، والبغوي ٦/ ٤٤\n(٢) رواه الطبري ١٤/ ١٣٣، وابن أبي حاتم ٧/ ٤٣ ب، ٤٤ أ. وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ١٩٥ ونسبه أيضًا لابن أبي شيبة وابن المنذر.\n(٣) روى ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٧/ ٤٣ ب عن سعيد بن جبير قال: في قراءة ابن مسعود \"لهن غفور رحيم\".\nوذكرها السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ١٩٤ ونسبها أيضًا لعبد بن حميد.\n(٤) رويت هذه القراءة عن ابن مسعود وابن عباس وسعيد بن جبير. انظر: \"المحتسب\" لابن جني ٢/ ١٠٨، القرطبي ١٢/ ٢٥٥.\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٣٨ ب.\n(٦) (رسلهم): زيادة من (ظ).","vol":"16","page":252},{"text":"الرسل، وفي هذا تخويف للمكذبين بمحمد -ﷺ- أن يلحقهم ما لحق من قبلهم من الأمم حين كذبوا رسلهم.\nوقوله: ﴿وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ قال الكلبي: يعني نهيًا للمتقين عن (١) الشرك والكبائر (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2882>٣٥ </span>- وقوله تعالى ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ معنى النور في اللغة: الضياء (٣). وهو ضد الظلمة (٤).\nقال ابن عباس في رواية عطاء: الله هادي أهل السموات وأهل الأرض (٥).\n_________\n(١) (عن): زيادة من (ع).\n(٢) ذكر البغوي ٦/ ٤٥ هذا القول، ولم ينسبه لأحد.\n(٣) \"تهذيب اللغة\" للأزهري ١٥/ ٢٣٠ (نار) نقلًا عن ابن المظفر.\n(٤) \"تهذيب اللغة\" للأزهري ١٥/ ٢٣٤ (نار) نقلًا عن ابن السكيت.\nوانظر: \"الصحاح\" للجوهري ٢/ ٨٣٨ (نور)، \"لسان العرب\" ٥/ ٢٤٠ (نور).\n(٥) لم أجده من رواية عطاء. لكن أخرج الطبري ١٨/ ١٣٥، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٧/ ٤٤ ب من طريق علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قال: هادي أهل السموات والأرض. وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ١٩٧ وزاد نسبته لابن المنذر والبيهقي في \"الأسماء والصفات\".\nقال الإمام ابن القيم في كتابه \"اجتماع الجيوش الإسلامية\" ص ٨ - ٩: (وقد فُسِّر قوله تعالى ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ بكونه منوّر السموات والأرض، وهادي أهل السموات والأرض، فبنوره اهتدى أهل السموات والأرض. وهذا إنما هو فعله، وإلَّا فالنور الذي هو من أوصافه قائم منه، ومنه اشتق له اسم النور، الذي هو أحد أسمائه الحسنى. والنور يضاف إليه سبحانه على أحد وجهين: إضافة صفة إلى موصوفها، وإضافة مفعول إلى فاعله.\nفالأول كقوله: ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا﴾ [الزمر: ٦٩].\nفهذا إشراقها يوم القيامة بنوره تعالى إذا جاء لفصل القضاء، ومنه قول النبي -ﷺ- =","vol":"16","page":253},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= في الدعاء المشهور: \"أعوذ بنور وجهك الكريم أن تضلّني، لا إله إلا أنت\"، وفي الأثر الآخر: \"أعوذ بوجهك، أو بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات\".\nفأخبر -ﷺ- أن الظلمات أشرقت لنور وجه الله، كما أخبر تعالى أن الأرض تشرق يوم القيامة بنوره.\nوفي معجم الطبراني والسنَّة له، وكتاب عثمان بن سعيد الدارمي وغيرهما، عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: ليس عند ربكم ليل ولا نهار، نور السموات والأرض من نور وجهه.\nوهذا الذي قاله ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أقرب إلى تفسير الآية من قول من فسرها بأنه هادي أهل السموات والأرض.\nوأما من فسَّرها بأنه منور السموات والأرض فلا تنافي بينه وبين قول ابن مسعود. والحق أنُّه نور السموات والأرض بهذه الاعتبارات كلها.\nوفي \"صحيح مسلم\" وغيره من حديث أبي موسى الأشعري -﵁- قال: قام فينا رسول الله -ﷺ- بخمس كلمات، فقال: \"إنَّ الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النَّهار وعمل النَّهار قبل عمل الليل، حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه\".\nوفي \"صحيح مسلم\" عن أبي ذر -﵁- قال: سألت رسول الله -ﷺ-: هل رأيت ربك؟ قال: \"نور، أنَّى أراه\".\nسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- يقول: معناه: كان ثمَّ نور، أو حال دون رؤيته نور، فأنَّى أراه؟. قال: ويدل عليه: أنَّ في بعض الألفاظ الصحيحة: هل رأيت ربك؟ قال: \"رأيت نورًا\" ..\nويدل على صحة ما قال شيخنا في معنى حديث أبي ذر -﵁-: قوله -ﷺ- في الحديث الآخر: \"حجابه النور\" فهذا النور -والله أعلم- النور المذكور في حديث أبى ذر -﵁-: \"رأيت نورًا\"). انتهى كلام ابن القيم ﵀.\nويبيَّن ما قاله ابن القيم من أنَّه نور السموات والأرض بهذه الاعتبارات كلها ما قاله العلامة الشيخ عبد الرحمن السعدي في \"تفسيره\" ٣/ ٤٠١: \"الله نور السموات والأرض\" الحسي والمعنوي، وذلك أنه تعالى بذاته نور، وحجابه نور الذي لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه، وبه استنار العرش =","vol":"16","page":254},{"text":"وهذا قول مقاتل (١)، والكلبي، وروي ذلك عن أنس (٢) -﵁-.\nوالنور من صفات الله جل ثناؤه ورد ذلك في الأسماء التسعة والتسعين (٣)، ونطق به القرآن في هذه الآية نصًا.\nوفسّره هؤلاء الذين ذكرناهم بالهادي، وحقيقته أن النَّور هو الذي يبيِّن الأشياء وُيري الأبصار حقيقتها (٤)، وعلى هذا المعنى ورد النّور في\n_________\n= والكرسي والشمس والقمر والنور، وبه استنارت الجنَّة. وكذلك المعنوي يرجع إلى الله، فكتابه نور، وشرعه نور، والإيمان والمعرفة في قلوب رسله وعباده المؤمن نور. فلولا نوره تعالى لتراكمت الظلمات، ولهذا كل محل يفقد نوره فثمَّ الظلمة.\n(١) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٣٨ ب.\n(٢) رواه الطبري ١٨/ ١٣٥ من طريق فرقد السجني، عنه قال: إن إلهي يقول: نوري هداي. وإسناد ضعيف لضعف فرقد. انظر: \"المغني في الضعفاء\" للذهبي ٢/ ٥٠٩ - ٥١٠، و\"تهذيب التهذيب\" لابن حجر ٨/ ٢٦٢ - ٢٦٣.\n(٣) روى الترمذي في \"جامعه\" كتاب: الدعوات ٩/ ٤٨٢ عن أبي هريرة -﵁-: قال: قال رسول الله -ﷺ-: \"إن لله تسعة وتسعين اسما، من أحصاها دخل الجنة، وهو الله الذي لا إله إلا هو، الرحمن .. النّور\". الحديث.\nوحديث أبي هريرة رواه البخاري في \"صحيحه\" كتاب: الدعوات- باب: لله مائة اسم غير واحدة ١١/ ٢١٤ وغيره دون سرد الأسماء.\nوقد اختلف العلماء في سرد الأسماء هل هو مرفوع إلى النبي -ﷺ-، أو مدرج في الخبر من بعض الرواة.\nقال الحافظ ابن كثير في \"تفسيره\" ٢/ ٢٦٩: والذي عوَّل عليه جماعة من الحفاظ أنَّ سرد الأسماء في هذا الحديث مدرج فيه. كما رواه الوليد بن مسلم وعبد الملك بن محمد الصنعاني، عن زهير بن محمد أنَّه بلغه عن غير واحد من أهل العلم أنَّهم قالوا ذلك، أي أنَّهم جمعوها من القرآن كما روي عن جعفر بن محمد وسفيان بن عيينة وأبي زيد اللغوي، والله أعلم.\n(٤) في \"تهذيب اللغة\" للأزهري ١٥/ ٢٣٥ (نار): والنور هو الذي .. حقيقتها.","vol":"16","page":255},{"text":"صفة الله تعالى (١)؛ لأنَّه هو الذي يهدي المؤمنين ويبيّن لهم ما يهتدون بها من الضَّلالة.\nوهذا معنى قول ابن قتيبة: أي: بنوره يهتدي من في السموات والأرض (٢).\n[وذكر السموات والأرض] (٣) والمراد أهلها كما ذُكرت القُرى والقرية في مواضع من القرآن والمراد أهلها وسكانها. ويحمل هذا على حذف المضاف.\nوقال مجاهد في هذه الآية: مدبّر الأمور في السموات والأرض (٤).\nواختار أبو إسحاق هذا القول فقال: أي مدبر أمرهما (٥) بحكمة بالغة وحجّة نيّرة (٦). وهذا كما يقال: فلان نور هذا الأمر ونور البلد، أي هو الذي يجريه (٧) ويجري أمره على سنن السَّداد (٨).\nوقال الضحاك والقرظي (٩): منوّر السموات والأرض.\n_________\n(١) تقدَّم أن النور صفة ذاتية له سبحانه كما دل على ذلك الكتاب والسنة.\n(٢) \"مشكل القرآن\" لابن قتيبة ص ٣٢٨.\n(٣) ساقط من (أ).\n(٤) رواه الطبري ١٨/ ١٣٥، وذكره الثعلبي ٣/ ٨٢ ب، والبغوي ٦/ ٤٥ وابن الجوزي ٦/ ٤٠، وابن كثير ٣/ ٢٨٩.\n(٥) في (ع): (أمرها).\n(٦) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٤٣.\n(٧) في (ع): (أمرها).\n(٨) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٤٣.\n(٩) ذكره عنهما الثعلبي ٣/ ٨٢ ب، والقرطبي ١٢/ ٢٥٧. وذكره البغوي ٦/ ٤٥ عن الضحَّاك.","vol":"16","page":256},{"text":"ففسر النور بالمنوّر وهذا (١) على المبالغة؛ لأنَّه لما كان خالق الأنوار والشمس والقمر والنجوم التي بها نور السموات والأرض وصف بأنَّه النور كما يقال: فلان جُود وفلان كرم، ويقال في ضده: فلان لُوم وبُخل. إذا بالغوا (٢) في وصفه بهذه الأشياء، ويقال: فلان رحمة وسخطة، وهو لا يكون في نفسه رحمة ولا سخطة وإنَّما يكونان منه (٣).\nوعلى هذا الوجه يتوجّه أيضًا قول من قال: مُزيِّن السموات بالشمس والقمر والنجوم، ومزين الأرض بالأنبياء والعلماء؛ لأنَّ معنى المزيّن هنا: المنوِّر.\nوهذا القول يروى عن أبي بن كعب وأبي العالية (٤) والحسن (٥).\n﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾ قال ابن عباس في رواية سعيد بن جبير: مثل نوره الذي أعطاه المؤمن (٦). ونحو هذا قال الكلبي: مثل نور الله في قلب المؤمن.\nوعلى هذا القول الكناية عائدة إلى الله تعالى. والمراد: مثل نوره الذي يقذفه في قلب المؤمن ويهديه به.\n_________\n(١) في (ع): (هذا).\n(٢) في (أ) زيادة: (كان) بعد قوله: (إذا).\n(٣) منه: ساقطة من (ع).\n(٤) في (أ): (وأبو العالية).\n(٥) ذكره عنهم الثعلبي ٣/ ٨٢ ب، والبغوي ٦/ ٤٥، والرازي ٢٣/ ٢٢٤، والقرطبي ١٢/ ٢٥٧.\n(٦) ذكره عنه البغوي ٦/ ٤٥ من رواية سعيد بن جبير.\nوذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ١٩٦ وعزاه للفريابي.\nوروى الطبري ١٨/ ١٣٧، وابن أبي حاتم ٧/ ٤٥ أمن رواية علي بن أبي طلحة، عنه، نحو هذا.","vol":"16","page":257},{"text":"وروي عن أبي بن كعب أنه قال في هذه الآية: ثم ذكر نور المؤمن فقال ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾ يقول مثل نور المؤمن وكان أُبيّ يقرؤها (مثل نور المؤمن) قال: وهو عبد قد جعل القرآن والإيمان في صدره (١).\nوهذا القول كما روى عطاء عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: مثل نور من آمن بالله (٢).\nوهذا قول عامر الشعبي (٣) (٤). وقال السدي: مثل نوره في قلب المؤمن [قال (٥): وهو قراءة ابن مسعود: (مثل نوره في قلب المؤمن)] (٦).\nوهذا كقول الكلبي في عود الكناية إلى اسم الله تعالى.\nوعلى القول الثاني عادت الكناية إلى غير مذكور وهو المؤمن (٧).\n_________\n(١) رواه الطبري ١٨/ ١٣٦، وابن أبي حاتم ٧/ ٤٤ ب، وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ١٩٧، ونسبه أيضًا لعبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه.\n(٢) رواه ابن أبي حاتم ٧/ ٤٥ أ، والحاكم في \"مستدركه\" ٢/ ٣٩٧ من رواية عطاء، عن سعيد، عن ابن عباس، به.\nوذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ١٩٦ عن ابن عباس، وعزاه لمن تقدمت ترجمته.\n(٣) في (ظ)، (ع): (والشعبي)، وهو خطأ.\n(٤) روى عبد بن حميد وابن الأنباري كما في \"الدر المنثور\" للسيوطي ٦/ ١٩٦ عن الشعبي قال: في قراءة أبي بن كعب: \"مثل نور المؤمن كمشكاة\".\n(٥) ذكر البغوي ٦/ ٤٥ قراءة ابن مسعود دون قول السدي.\n(٦) ساقط من (ظ)، (ع).\n(٧) ذكر ابن القيم في \"اجتماع الجيوش الإسلامية\" ص ٩ التقديرين في عود الكناية، وزاد ثالثًا -وهو ما سيذكره الواحدي فيما بعد- وهو أنَّ الضَّمير يعود لرسول الله -ﷺ-. ثم قال: والصحيح أنَّه يعود على الله -﷾-، والمعنى: مثل نور الله -﷾- في قلب عبده، وأعظم عباده نصيبًا من هذا النور رسوله -ﷺ-. فهذا مع ما تضمنَّه عود الضمير المذكور -وهو وجه الكلام- يتضمَّن التقادير الثلاثة وهو أتم لفظًا ومعنى. =","vol":"16","page":258},{"text":"قال الأخفش: مثل ما أنار من الحق في بيانه (١).\nقوله ﴿كَمِشْكَاةٍ﴾ قال أبو عبيدة (٢) والفراء (٣) والكسائي (٤): المشكاة: الكُوَّة ليست بنافذة.\nوأنشد أبو عبيدة (٥) لأبي زُبيد (٦):\nكأنَّ عينيه مشكاتان في حجر قيضا ... اقتياضًا (٧) بأطراف المناقير (٨)\n_________\n= وهذا النُّور يضاف إلى الله تعالى إذ هو معطيه لعبده وواهبه إيّاه، ويضاف إلى العبد إذ هو محلّه وقابله. فيضاف إلى الفاعل والقابل. اهـ.\n(١) \"معاني القرآن\" للأخفش ٢/ ٦٤١.\n(٢) \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ٢/ ٦٦.\n(٣) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٥٢.\n(٤) لم أجد قول الكسائي، فلعله في الكتاب الذي ذكره الأزهري في مقدمة كتابه \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٦، حيث قال: وللكسائي كتاب في \"معاني القرآن\" حسن وهو دون كتاب الفراء، وكان أبو الفضل المنذري ناولني هذا الكتاب.\n(٥) ليس إنشاد أبي عبيدة في كتابه \"المجاز\" عند هذه الآية ولا في موضع آخر من كتابه.\n(٦) هو: حرملة بن المنذر، وقيل: المنذر بن حرملة، بن معد يكرب، أبو زبيد. تقدم.\n(٧) في (ع): اقتضاضًا.\n(٨) البيت بهذه الرواية عند الثعلبي في \"الكشف والبيان\" ٣/ ٨٣ ب، والقرطبي ١٢/ ٢٥٧ - ٢٥٨، ولم ينسباه لأحد.\nوورد هذا البيت برواية أخرى لصدره منسوبًا لأبي زبيد في كتابي: \"الشعر والشعراء\" لابن قتيبة ص ٥٤٢، \"الصناعتين\" لأبي هلال العسكري ص ١١٨.\nورواية ابن قتيبة:\nكأنَّما عينه وقبان من حجر ... قيضا ...\nورواية العسكري:\nكأن عينيه في وقَبَين من حجرٍ ... قيضا ...\nوهو من قصيدة له يصف فيها الأسد.\nوالوَقْب: نُقرة يجتمع فيها الماء، وقيضا: حفرا. والمناقير: جمع \"منقار\" وهو =","vol":"16","page":259},{"text":"وروى أبو عمر (١) عن الكسائي الإمالة في (مشكاة) وهي غير ممتنعة (٢)؛ لأنَّ مشكاة إذا ثنّي انقلب ألفها ياء (٣) سواء كان الألف فيها منقلبة عن ياء أو واو، وإذا كان كذلك لم تمتنع الإمالة (٤).\nقال ابن عباس في رواية عطاء وسليمان [بن قتَّة (٥)] (٦): ﴿كَمِشْكَاةٍ﴾ يعني كُوَّة غير نافذة بلسان الحبش (٧).\n_________\n= حديدة كالفأس مشككة مستديرة لها خلف ويُقطع بها الحجار والأرض الصلبة.\nانظر: \"اللسان\" ١/ ٨٠١ (وقب)، ٧/ ٢٢٥ (قيض)، و\"تاج العروس\" للزبيدي ١٤/ ٢٧٤ (نقر).\n(١) في (ظ)، (ع): (أبو عمرو)، وهو خطأ.\nوهو: أبو عمر الدُّوري -كما في \"السَّبعة\" لابن مجاهد، و\"الحجة\" للفارسي- واسمه حفص بن عمر بن عبد العزيز، الدُّوري، الأزدي، البغدادي، النحوي، صاحب الكسائي. كان شيخ المقرئين في عصره. وقد طال عمره وقصد من الآفاق؛ لعلو سنده وسعة علمه. وكان عالمًا بالقرآن وتفسيره، ذا دين وخير. ويقال إنه أول من جمع القراءات. توفي سنة ٢٤٦ هـ.\n\"تاريخ بغداد\" ٨/ ٢٠٣، \"معرفة القراء الكبار\" ١/ ١٩١، \"غاية النهاية\" ١/ ٢٥٥، \"تهذيب التهذيب\" ٢/ ٤٠٨، \"شذرات الذهب\" ٢/ ١١١.\n(٢) انظر: \"السبعة\" ص ٤٥٥، \"المبسوط\" لابن مهران ص ١٠٨، \"إرشاد المبتدي وتذكرة المنتهي\" للقلانسي ص ٤١٦.\n(٣) في \"الحجة\": إذا ثَّنيت انقلبت ألفها ياءً.\n(٤) من قوله: (وروى أبو عمر .. إلى هنا) هذا كلام أبي علي الفارسي و\"الحجة\" ٥/ ٣٢٢ مع اختلاف يسير.\n(٥) (قتة) مهملة في (أ)، (ظ).\n(٦) ساقط من (ع).\n(٧) روى عبد بن حميد كما في \"الدر المنثور\" للسيوطي ٦/ ١٩٩ عن ابن عباس قال: المشكاة بلسان الحبشة. الكُوَّة.","vol":"16","page":260},{"text":"وهذا قول السدي، والكلبي، وقتادة (١)، وجميع المفسرين (٢).\nقالوا: هي الكُوَّة غير النافذة كما قال أهل اللغة، غير أنَّ بعضهم ذكر أنها بلغة الحبشة. وهو السُّدي، وعكرمة، والكلبي (٣)، وسعد (٤) بن\n_________\n(١) لم أجد من ذكره عن السدي والكلبي، وعن قتادة رواه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ٢/ ٦٠.\n(٢) نسبة المؤلف هذا القول إلى جميع المفسرين فيه تجوز. إلَّا أن يريد أن جميع المفسرين قد حكي عنهم هذا القول، أو أنَّ قولهم يرجع إلى هذا القول، فمجاهد مثلًا -الذي سيحكي الواحدي عنه قولًا آخر- روى عنه ابن أبي حاتم ٧/ ٤٥ ب أنَّه قال: المشكاة الكوة بلغة الحبشة. ومحمد بن كعب الذي سيذكره الواحدي بعد ذلك يرجع قوله إلى أنَّها كوة غير نافذة توضع فيها الفتيلة. وهكذا. فقد ذكر الطبري ١٨/ ١٣٧ - ١٣٨ فيها أقوالًا بعد قوله: اختلف أهل التأويل في معنى المشكاة. وذكر ابن أبي حاتم ٧/ ٤٥ ب فيها وجوها. وذكر فيها ابن الجوزي ٦/ ٤٠ ثلاثة أقوال، وحكى الماوردي في \"النكت والعيون\" ٤/ ١٠٢ فيها خمسة أقوال:\nأحدها: ما ذكر المؤلف أن المشكاة كوَّة لا منفذ لها.\nالثاني: المشكاة: القنديل.\nالثالث: المشكاة: موضع الفتيلة من القنديل.\nالرابع: المشكاة: الحديد الذي يعلّق به القنديل، وهي التي تُسمَّى السلسلة.\nالخامس: المشكاة: صدر المؤمن.\nوحكاية الماوردي للأخير محل نظر؛ لأن مراد قائل هذا القول بيان المثل وما يقابله لا بيان لفظة المشكاة.\nوقد رجَّح ابن كثير ٣/ ٢٩٠ القول الثالث بعد أن حكاه عن ابن عباس ومجاهد ومحمد بن كعب وغير واحد. وقال: هذا هو المشهور.\n(٣) ذكر عنه الماوردي ٤/ ١٠٣ أنها لفظ حبشي معرب، ولم يذكر عنه معناها.\n(٤) في (أ)، (ظ): (سعيد)، والمثبت من (ع)، و\"صحيح البخاري\"، وجميع كتب التراجم. ووقع في المطبوع من الطبري و\"الدر المنثور\" و\"المهذّب فيما وقع في =","vol":"16","page":261},{"text":"عياض- وعطاء عن ابن عباس.\nوذكر محمد بن كعب القرظي المراد بالمشكاة فقال: هي موضع الفتيلة من القنديل (١).\nوذكره ابن أبي نجيح- عن مجاهد أيضًا فقال: هي القصبة التي في جوف القنديل (٢).\n_________\n= القرآن من المعرب: سعيد. وهكذا وقع أيضًا في \"مصنف ابن أبي شيبة\" المطبوع وقد ذكر محققه أنه في الأصل وباقي النسخ: سعد. فغيَّرها إلى سعيد تبعًا للطبرق و\"الدر المنثور\".\nوهو: سعد بن عياض الثمالي - الأزدق - الكوفي - تابعي قليل الحديث. قال البخاري: خرج فمات بأرض الروم.\nانظر: \"التاريخ الكبير\" للبخاري\" / ٦٢ - \"الجرح والتعديل\" لابن أبي حاتم / ٨٨ - ٨٩ \"الطبقات\" لابن سعد ٦/ ١٧٦ - \" تهذيب التهذيب\" لابن حجر ٣/ ٧٩\".\nوقوله رواه وكيع في \"تفسيره\" - كما في \"المهذب فيما وقع في القرآن من المعرب\" ص\"١\" وقد وقع فيه: سعيد عن عياض. فتصحَّفت بن إلى: (عن -عن إسرائيل- عن أبي إسحاق- عن سعد بن عياض - به.\nورواه ابن أبي شيبة في \"مصنَّفه\" ١٠/ ٧٠، عن وكيع - به.\nورواه البخاري في \"صحيحه\" كتاب: التفسير - سورة النور ٦/ ٨، معلقًا.\nووصله ابن حجر في \"تغليق التعليق\" ٤/ ٢٦٤ - و\"الفتح\" ٧/ ٨، من رواية ابن شاهين وأبي جعفر السراج في فوائده.\nورواه عن ابن عياض الطبري ١٨/ ١٣٩ دون قوله: بلسان الحبشة.\nوذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ٢٠٠ وعزاه لابن أبي شيبة.\n(١) رواه ابن أبي حاتم في \" تفسيره\" ٧/ ب.\nوذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ١٩٩ وزاد نسبته لعبد بن حميد وابن المنذر.\n(٢) رواه الطبري ١٨/ ١٠ - وابن أبي حاتم ٧/ ب من رواية ابن أبي نجيح- عنه. وعندهما: الصُّفر الذي في جوف القنديل. وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ٢٠٠ بمثل رواية الطبري ونسبه أيضًا لعبد بن حميد.","vol":"16","page":262},{"text":"قال الأزهري: شبّه الله سبحانه قصبة الزجاجة التي توضع فيها الفتيلة التي يستصبح (١) بها بكوّة غير نافذة ولذلك سمَّاه مشكاة (٢).\nقوله ﴿فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ المصباح (٣): السّراج، في قول أهل اللغة (٤) والتفسير (٥).\nقال الليث: وهو قُرطه (٦) الذي تراه في القنديل وغيره يضيء (٧).\nقال مقاتل: هو السراج التام الضوء (٨).\nقال أبو علي: قوله ﴿فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ صفة للمشكاة لأنها جملة فيها ذكر يعود إلى الموصوف (٩).\nوقوله ﴿الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ﴾ قال الفراء: اجتمع القراء على ضمّ\n_________\n(١) يستصبح بها: أي يشعل بها السرّج. \"لسان العرب\" ٢/ ٥٠٦ (صبح).\n(٢) \"تهذيب اللغة\" للأزهري ١٠/ ٣٠١ (شكا) مع تقديم وتأخير.\n(٣) في (أ): (الزجاجة)، وهو خطأ.\n(٤) انظر: \"صبح\" في \"تهذيب اللغة\" للأزهري ٤/ ٢٦٦، \"الصحاح\" للجوهري ١/ ٣٨٠، \"لسان العرب\" ٢/ ٥٠٦.\n(٥) لأهل التفسير أقوالٌ في المصباح:\nأحدها: ما ذكره المؤلف. الثاني: أنَّ المصباح: الفتيلة. الثالث: أنَّ المصباح: الضَّوء.\nانظر: \"النكت والعيون\" للماوردي ٤/ ١٠٢، \"زاد المسير\" لابن الجوزي ٦/ ٤٠.\n(٦) قُرطه: أي شُعلة النار. \"القاموس المحيط\" ٢/ ٣٧٨ (القرط).\n(٧) قول الليث في \"تهذيب اللغة\" للأزهري ٤/ ٢٦٦ (صبح) دون قوله: يضيء. وهو في \"العين\" ٣/ ١٢٦ (صبح) بمثل ما في \"تهذيب اللغة\".\n(٨) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٣٨ ب.\n(٩) \"الحجَّة\" لأبي علي الفارسي ٥/ ٣٢٢. وانظر: \"الإملاء\" للعكبري ٢/ ١٥٦، \"الدر المصون\" ٨/ ٤٠٥.","vol":"16","page":263},{"text":"الزاي (١) وقد يقال: زجاجة وزجاجة (٢).\nوروى أبو عبيد، عن الأموي (٣) قال: هو الزُّجاج والزَّجاج والزِّجاج للقوارير (٤). قال وأقلها الكسر (٥).\nوالمراد بالزجاجة هاهنا القنديل (٦).\nقال أبو إسحاق: النور في الزّجاج. وضوء النار أبين منه في كل شيء، وضوؤه يزيد (٧) في الزجاج (٨).\nثم وصف الزجاجة فقال: ﴿الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾ ودُريّ (٩) منسوب إلى أنَّه كالدُّر في صفائه وحسنه (١٠).\n_________\n(١) عند الفراء: الزجاجة.\n(٢) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٥٢.\n(٣) هو: عبد الله بن سعيد بن أبان بن سعيد بن العاص، أبو محمد الأموي. أحد اللغويين الكوفيين. روى عنه أبو عبيد وغيره. لقي العلماء، ودخل البادية، وأخذ عن فصحاء الأعراب. وأخذ عنه العلماء. وكان ثقة في نقله، حافظًا للأخبار والشعر وأيام العرب.\n\"تهذيب اللغة\" ١/ ١١ - ١٢، \"إنباه الرواة\" للقفطي ٢/ ١٢٠، \"بغية الوعاة\" ٢/ ٤٣.\n(٤) في (أ): (القوارير).\n(٥) رواية أبي عبيد عن الأموي في \"تهذيب اللغة\" للأزهري ١٠/ ٤٥٤ (زجّ).\n(٦) هذا قول الليث كما في \"تهذيب اللغة\" ١٠/ ٤٥٤ فقد ذكره بعد رواية أبي عبيد.\n(٧) في (أ): (يضيء).\n(٨) \"معاني القرآن\" للزَّجَّاج ٤/ ٤٣ - ٤٤.\n(٩) ودري: ساقطة من (أ).\nو\"درِّي\" بضم الدال وتشديد الراء المكسورة وتشديد الياء من غير همز، وهي قراءة ابن كثير ونافع وابن عامر وحفص عن عاصم.\n\"السبعة\" ص ٤٥٥ - ٤٥٦، \"التبصرة\" ص ٢٧٣، \"التيسير\" ص ١٦٢.\n(١٠) من قوله: ثم وصف .. إلى هنا. هذا كلام الزَّجَّاج في \"معانيه\" ٤/ ٤٤.","vol":"16","page":264},{"text":"قال أبو علي: ويجوز أن يكون فعيِّلًا من الدَّرء مخففة الهمزة انقلبت ياءً (١)، كما تنقلب في النسيء والنِّبي ونحوه إذا خفِّفت (٢) ياؤه (٣).\nقال أبو إسحاق: يقال للكوكب: درأ يدرأ إذا تدافع منقضًا، فتضاعف ضوؤه، وهي النجوم الدَّراري التي تدرأ. أي: ينحطُّ ويسير متدافعًا (٤).\nوقال الفراء: درأ الكوكب إذ انحطّ كأنه رُجم به الشيطان فيدفعه (٥)، والعرب تُسمّي الكواكب العظام التي لا تعرف أسماءها: الدَّراري بغير همز (٦).\nوهذا أيضًا على تخفيف الهمز؛ لأن الأصل الهمز من الدَّرء وهو الدفع. وذكرنا للدَّفع وجهين، أحدهما ذكره أبو إسحاق، والثاني ذكره الفراء.\nوذكر أبو علي وجهًا ثالثًا فقال: المعنى أنَّ (٧) الخفاء اندفع عنه لتلألئه في ظهوره فلم يخف كما خفي نحو السُّها (٨) وما لا يُحصى (٩) من الكواكب (١٠).\n_________\n(١) العبارة في \"الحجة\": مخفَّف الهمزة فانقلبت ياءً.\n(٢) في (ع): (خفف).\n(٣) \"الحجَّة\" لأبي علي الفارسي ٥/ ٣٢٣.\n(٤) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٤٤ مع تقديم وتأخير.\n(٥) عند الفراء: فيدمغه.\n(٦) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٥٢.\n(٧) في (أ): (أنّ أنّ). مكررة.\n(٨) السُّها: كوكب خفىّ في بنات نعش الكبرى، والناس يمتحنون به أبصارهم. \"الصحاح\" للجوهري ٦/ ٢٣٨٦.\n(٩) هكذا في جميع النسخ. وفي \"الحجة\": وما لم يُضىء.\n(١٠) \"الحجة\" لأبي علي الفارسي ٥/ ٣٢٣. =","vol":"16","page":265},{"text":"[وقرأ أبو عمرو والكسائي: (درّيء) مكسورة الدال مهموزة (١)، وهو فعيِّل من الدَّرء الذي هو الدفع كما ذكرنا، ومثله السِّكِّير والفسيق. قال أبو عثمان (٢)، عن الأصمعي، عن أبي عمرو (٣) قال: مُذْ خرجت من الخندق لم أسمع أعرابيًا يقول إلا كأنّه كوكب درِّي بكسر الدال، من درأت النجوم تدرأ، إذا اندفعت، وهذا فعيِّل منه (٤).\nقال سيبويه: (درّي) بكسر الدال إذا كان مضيئًا فهو مشتق من درأ يدرأ إذا (٥) كان ضوؤه يدفع بعضه بعضًا من لمعانه (٦).\nوقال ابن الأعرابي: درأ علينا فلان، أي: هجم. قال: والدِّرِّئ: الكوكب المنقض يدرأ على الشيطان (٧).\nوقال خالد بن يزيد: درأ علينا فلان وطرأ إذا طلع فجأةً، ودرأ الكوكب دروءًا من ذلك (٨).\n_________\n= وانظر في توجيه القراءة أيضًا: \"علل القراءات\" للأزهري ٢/ ٥٤٥، \"حجة القراءات\" لابن زنجلة ص ٤٩٩، \"الكشف\" لمكي ٢/ ١٣٨، \"إبراز المعاني\" لأبي شامة ص ٦١٤.\n(١) انظر: \"السبعة\" ص ٤٥٦، \"التَّبصرة\" ص ٢٧٣، \"التيسير\" ص ١٦٢.\n(٢) هو: أبو عثمان المازني.\n(٣) هو: أبو عمرو بن العلاء. وفي (أ): (أبي عمر)، وهو خطأ.\n(٤) من قوله: (وقرأ أبو عمرو .. إلى هنا). هذا كلام أبي علي في \"الحجة\" ٥/ ٣٢٣ مع اختلاف يسير.\n(٥) (إذا): ساقطة من (أ).\n(٦) لم أقف عليه.\n(٧) قول ابن الأعرابي في \"تهذيب اللغة\" للأزهري ١٤/ ١٥٨ (دري).\n(٨) قول ابن يزيد في \"تهذيب اللغة\" للأزهري ١٤/ ١٥٨ - ١٥٩ (دري).","vol":"16","page":266},{"text":"وقال نُصير الرازي: دُرُوء الكوكب طلوعه، يقال: درأ علينا (١).\nوهذا القول في الكوكب الدّرّي غير الأوّل.\nوقال شمر: يقال: درأت النار إذا أضاءت (٢). وهذا قول ثالث.\nوقرأ حمزة (دُرِّيء) بضم الدال مهموزًا (٣).\nقال الفراء: ولا تُعرف [جهة] (٤) ضمّ أوله وهمزه؛ لأنَّه لا يكون في الكلام فعيل إلا عجميًا (٥).\nوقال أبو إسحاق: لا يجوز أن يُضم الدال وُيهمز؛ لأنَّه ليس في الكلام فعيِّل، [والنحويون أجمعون لا يعرفون الوجه في هذا؛ لأنَّه ليس في كلام العرب شيء على فعيِّل] (٦) (٧).\nوحكى أبو بكر، عن أبي العباس (٨) أنَّه قال: غلط من قرأ (دُرِّيء)؛ لأنَّه بناه على فعيِّل، وليس في كلام العرب فعيِّل، غير أن سيبويه (٩) قال عن أبي الخطاب: وكوب دُريء، وهذه أضعف اللغات، قال: وهو في معنى (دُرّي) مأخوذ من الضوء والتلألؤ وليس بمنسوب إلى الدر.\nقال أبو علي: وجه هذه القراءة معروف، وهو أنَّه (فُعيِّل) من الدرء\n_________\n(١) قول نُصير في \"تهذيب اللغة\" للأزهري ١٤/ ١٥٩ (دري).\n(٢) قول شمر في \"تهذيب اللغة\" للأزهري ١٤/ ١٥٨ (دري).\n(٣) وهي أيضًا قراءة عاصم في رواية أبي بكر. \"السبعة\" ص ٤٥٦، \"التَّبصرة\" ص ٢٧٣، \"التيسير\" ص ١٦٢.\n(٤) زيادة من \"معاني الفراء\" يستقيم بها المعنى.\n(٥) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٥٢.\n(٦) ساقط من (ظ).\n(٧) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٤٤ مع تقديم وتأخير.\n(٨) هو: المبرّد.\n(٩) انظر: \"الكتاب\" ٤/ ٢٦٨.","vol":"16","page":267},{"text":"الذي هو الدفع، وهو صفة، ونظيره من الأسماء غير الصفة قولهم: المرِّيق (١)، وقد حكاه سيبويه ..\n[قال سيبويه] (٢): ويكون الكلام على (فُعيِّل) وهو قليل في الكلام [قالوا] (٣): المريِّق، حدثنا أبو الخطاب عن العرب قالوا: كوكب دري وهو صفة (٤). هكذا قرأته (٥) على أبي بكر (٦) بالهمز. وقد صرَّح سيبويه بأنه فعيِّل، وأنه في الصفة مثل المرِّيق في الاسم. ويدلك أيضًا على أن (دُرّي) عنده (فعِّيل) ما قبله وما بعده في الكتاب من الفصول، فالذي قبله (فعَّيل) وهو (٧) [في] (٨) الاسم: السكين والبطِّيخ، والصفة: الفسِّيق (٩)، وبعده (فُعَّيْل) في الاسم: العليق والقبيط (١٠)، والصفة: الزُّميل والسكيَّت (١١) (١٢).\n_________\n(١) المُرِّيق: حبُّ العصفر. \"لسان العرب\" ١٠/ ٣٤٢ (مرق).\n(٢) ما بين المعقوفين ساقط من (أ).\n(٣) زيادة من الإغفال والكتاب يستقيم المعنى بها.\n(٤) \"الكتاب\" ٤/ ٢٦٨.\n(٥) القارئ هو: أبو علي الفارسي.\n(٦) هو: أبو بكر السراج.\n(٧) في (أ): (فهو).\n(٨) زيادة يستقيم بها المعنى.\n(٩) انظر: الكتاب ٤/ ٢٦٨.\n(١٠) العليق: نبات يتعلق بالشجر، ويلتوي عليه. \"لسان العرب\" ١٠/ ٢٦٥ (علق).\nوالقبيط: النَّاطف، وهو نوع من الحلوى يصنع من اللوز والجوز والفُستق.\nانظر: \"لسان العرب\" ٧/ ٣٧٣ \"قبط\"، \"المعجم الوسيط\" ٢/ ٩٣٠ - ٩٣١.\n(١١) في (ظ)، (ع): (السكيت) بدون واو.\nوالسكيت: هو الذي يجيء في آخر الحلبة آخر الخيل. \"لسان العرب\" ٢/ ٤٤ (سكت).\nوالزُّميل: الضعيف الجبان. \"القاموس المحيط\" ٣/ ٣٩٠.\n(١٢) انظر: \"الكتاب\" ٤/ ٢٦٨.","vol":"16","page":268},{"text":"فكما (١) أن ما (٢) بعد (٣) الياء في هذه الفصول لا مات، كذلك ما بعد الياء في (دري) لام، وقد ثبت الضم مع الهمز بحكاية سيبويه وإثبات أبي الحسن (٤) وغيره، وقول من زعم أن ذلك ليس في كلامهم مع ما حكيناه غلط، ومما يثبت ما حكيناه ويقويه قولهم: العُلِّيَّة (٥)، وهو فعيلة من [العلو إلَّا أن اللام انقلبت للياء الساكنة قبلها (٦)، ولا يجوز أن يكون فعيلة من] (٧) مضاعف (٨) العين واللام، لأن معنى العلو قائم فيه، فلا يحمل اللفظ إلى (٩) غير العلو مع وجود هذا المعنى فيه، وهذا قول الأخفش، ومثله: السرية (١٠) وهي فعيِّلة من السَّرو (١١)، ولأن صاحبها إذا أراد استيلادها لم يمتهنها ولم يبتذلها [كما يتبذل] (١٢) من لا يراد للاستيلاد ولا يكون فعيلة من السرِّ لأنَّ السرَّ لا يتجه فيها إلا أن يريد: [أنَّ] (١٣) المولى قد يسر بها\n_________\n(١) في (أ): (وكما).\n(٢) ما: ساقطة من (أ).\n(٣) في (ع): (بعده).\n(٤) هو الأخفش. انظر: \"الإغفال\" ل ١١٧ ب.\n(٥) العُلية: الغرفة. \"لسان العرب\" ١٥/ ٨٦ (علا).\n(٦) قال الجوهري في \"الصحاح\" ٦/ ٢٤٣٧: وأصله علِّيوة، فأبدلت الواو ياءً وأدغمت، لأن هذه الواو إذا سكِّن ما قبلها صحَّت، ...، وهو من علوت.\n(٧) ساقط من (ظ).\n(٨) في (ظ)، (ع): (تضاعف)، والمثبت من (أ) هو الموافق لما في \"الإغفال\".\n(٩) في (ع): (على).\n(١٠) السرِّية: هي الجارية المتَّخذة للملك والجماع. \"لسان العرب\" ٤/ ٣٥٨ (سرر).\n(١١) السَّرو: الشرف والمروءة. \"لسان العرب\" ٤/ ٣٧٧ (سرا).\n(١٢) ساقط من (ظ)، (ع).\n(١٣) زيادة من الحجة يستقيم بها المعنى.","vol":"16","page":269},{"text":"عن حرِّية (١). ويجوز إن أخذتها من السرور لأن صاحبها يُسر بها (٢) أمران:\nأحدهما: أن يكون فعلية (٣) من السرور. والآخر: أن تكون فعيلة (٤) فأبدل من لام فعيلة للتضعيف حرف الليل وأدغم (٥) ياء فعيلة فيها فصارت سرِّية (٦).\nقال: ولا يكون فعيِّلة (٧) من السراة لأن السراة: الظهر، وهي لا تؤتى من ذلك المأتى، ومن رأى ذلك جاز عنده أن يكون فعيِّلة من السراة.\nهذا الذي حكينا كلامه ذكر بعضه في كتاب \"إصلاح الإغفال\" (٨) وبعضه في \"الحجة\" (٩) في وجه تصحيح قراءة حمزة. والقدماء من النحويين\n_________\n(١) في (أ)، (ع): (حرية)، وهي مهملة في (ظ).\nقال ابن منظور في \"لسان العرب\" ٤/ ١٨٢ (حرر): وحرية العرب: أشرافهم ..\nويقال: هو من حرية قومه، أي: من خالصهم. اهـ.\nووقع من المطبوع من \"الحجة\": عمَّن حدَّثه. وهو تصحيف.\nوقد تكون الكلمة: حرته. فتصحفت في النسختين، ففي \"لسان العرب\" ٤/ ٣٥٨ (سرر)، و\"تاج العروس\" للزبيدي ١٢/ ١٣ (سرر): والسرِّية: الأمة التي بوأتها بيتًا، وهي فعلية منسوبة إلى السِّر، وهو الجماع والإخفاء، لأن الإنسان كثيرًا ما يسرها ويسترها عن حرّته.\n(٢) في \"الحجة\": لأنَّ صاحبها يسر بها من حيث كانت نفسًا عن الحرة.\n(٣) في (ظ): (فعيلة)، وهو خطأ.\n(٤) في (أ): (فعلية)، وهو خطأ. وهكذا وقع أيضًا في المطبوع من الحجة.\n(٥) في (أ): (وأدغمها).\n(٦) يعني أنَّها فعيلة -أي: سريرة- من السرور، فأبدل لام فعيلة -وهو الراء- للتضعيف حرف الياء فأبحت: سربية. وأدغم هذه الياء في ياء فعيلة، فأبحت: سرِّية.\n(٧) في (أ): (فعيلة).\n(٨) \"الإغفال\" ٢/ ١١٤٢ - ١١٤٩.\n(٩) انظر: \"الحجة\" ٥/ ٣٢٣ - ٣٢٤.","vol":"16","page":270},{"text":"على إنكارها، ويقولون في المريق: إنَّه أعجمي ذكر ذلك أبو العباس المبرد وغيره. والله أعلم.\nوذكر أبو عبيد لهذه القراءة وجهًا آخر فقال: كان في الأصل دروء على فعول ثم استثقلت الضمات المجتمعة فرد بعضها إلى الكسر فقيل: درِّئ، وقد وجدنا العرب تفعل هذا في فعول وهو أخف من الأول، كقراءة من قرأ: (عِتيا) [مريم: ٨] بالكسر، فإذا كان التحريك ممكنًا في المثال الأخف فهو في الثقيل أحرى وأمكن (١).\nوحكى أبو إسحاق في هذا الحرف قراءة شاذة وهي (درّي) بالفتح من غير همز (٢).\nقال أبو علي: ولا يكون ذلك إلا على تغيير النسب، ألا ترى أنه ليس في الكلام شيء على فعيل إلا ما حكاه أبو زيد أن بعضهم قال: عليكم بالسَّكِّينة في السَّكِينة، وذلك نادر فإذا كان كذلك علمت أنه مثل قولهم في الإضافة إلى أمية: أموي (٣).\nقوله (يُوقَدُ) قرأ ابن كثير وأبو عمرو (٤) بالتاء مفتوحة ونصب\n_________\n(١) ذكر الثعلبي في \"الكشف والبيان\" ٣/ ٨٣ ب كلام أبي عبيد مع اختلاف يسير.\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٤٤.\nوقد نسبت هذه القراءة إلى: سعيد بن المسيب، ونصر بن عاصم، وأبي رجاء العطاردي، وقتادة، وزيد بن علي، والضحاك.\nانظر: \"إعراب القرآن\" للنحاس ٣/ ٣٦، \"المحتسب\" لابن جني ٢/ ١١٠، \"البحر المحيط\" ٦/ ٤٥٦.\n(٣) \"الإغفال\" ٢/ ١١٤٧.\n(٤) في (أ): (وابن عمرو)، وهو خطأ.","vol":"16","page":271},{"text":"الدال (١)، على أن فاعل (تَوقَّد) المصباحُ، وهذه القراءة هي البيّنة لأنَّ المصباح هو الذي يتوقد. قال امرؤ القيس:\nسَمَوت إليها والنُّجوم كأنَّها ... مصابيح رهبان تُشبُّ لقفَّال (٢)\n_________\n(١) (توقَّد). انظر: \"السبعة\" ص ٤٥٥ - ٤٥٦، \"التيسير\" ص ١٦٢.\n(٢) البيت في \"ديوانه\" ص ٣١ وروايته فيه:\nنظرت إليها والنجوم كأنها.\nوفي \"الحجة\" ٥/ ٣٢٤ بمثل رواية الواحدي.\nوفي \"العمدة\" لابن رشيق ٢/ ٤٥، و\"خزانة الأدب\" ١/ ٦٨ بمثل رواية الديوان. وقبل هذا البيت:\nتنوَّرتُها من أذرعات وأهلها ... بيثرب أدنى دارها نظرٌ عالِ\nقال ابن رشيق في \"العمدة\" ٢/ ٤٥: ومن بيان المبالغة قول امرئ القيس يصف نارًا -وإن كان فيه إغراق:- نظرت إليها والنجوم .. والبيت. يقول: نظرت إلى نار هذه المرأة تُشب لقفال، والنجوم كأنها مصابيح رُهبان وقد قال: تنورتها من أذرعات .. البيت، وبين المكانين بعد -لأن أذرعات بالشام ويثرب هذه المدينة- وإنما يرجع القُفال من الغزو والغارات وجه الصباح فإذا رآها من مسيرة أيام وجه الصباح، وقد خمد سناها وكلِّ موقدها، فكيف كانت أول الليل؟! وشبَّه النجوم بمصابيح الرهبان أنَّها في السحر يضعف نورها كما يضعف نور المصابيح الموقدة ليلها أجمع، لا سيما مصابيح الرهبان لأنَّهم يكلون من سهر الليل، فربما نعسوا في ذلك الوقت.\nونقل البغدادي في \"خزانة الأدب\" ١/ ٦٩ عن بعضهم قوله: ومن التشبيه الصادق هذا البيت، فإنَّه شبَّه النجوم بمصابيح رهبان لفرط ضيائها، وتعهد الرهبان لمصابيحهم وقيامهم عليها لتزهر إلى الصبح، فكذلك النجوم زاهرة طول الليل وتتضاءل إلى الصبح كتضاؤل المصابيح له.\nوقال: \"تشب لقفال\" لأن أحياء العرب بالبادية إذا قفلت إلى مواضعها التي تأوي إليه من مصيف إلى مشتى إلى مربع، أوقدت لها نيران على قدر كثرة منازلها وقلتها؛ ليهتدوا بها، فشبَّه النجوم ومواقعها في السماء بتفرق تلك النيران واجتماعها من مكان بعد مكان، على حسب منازل القفال بالنيران الموقدة لهم. اهـ.","vol":"16","page":272},{"text":"وقرئ (يُوقد) بضم الياء وبالدال (١)، أي: المصباح. وهذه القراءة كالأولى في المعنى.\nوقرئ (تُوقدُ) (٢) أي الزجاجة. والمعنى على مصباح الزجاجة، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه (٣).\nوقرئ (توقَّدُ) بفتح التاء (٤) وتشديد القاف وضم الدال (٥).\nوهذا أيضًا على حمل الكلام على الزجاجة والمعنى (تتوقَّد) فحذف التَّاء الثانية (٦).\nوقوله تعالى ﴿مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ قال أبو علي: أي من زيت شجرة، فحذف المضاف، يدلّك (٧) على ذلك قوله ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ﴾ (٨).\nروى أبو أسيد (٩)، عن النبي -ﷺ- أنه قال: \"كلوا الزَّيت (١٠)\n_________\n(١) وهي قراءة نافع وابن عامر وحفص عن عاصم.\n\"السبعة\" ص ٤٥٦، \"التبصرة\" ص ٢٧٣، \"التيسير\" ص ١٦٢.\n(٢) بضم التاء والدال والتخفيف. وهي قراءة حمزة والكسائي وأبي بكر عن عاصم. \"السبعة\" ص ٤٥٦، \"التبصرة\" ص ٢٧٣، \"التيسير\" ص ١٦٢.\n(٣) \"الحجة\" لأبي علي الفارسي ٥/ ٣٢٥.\n(٤) في (أ): (الياء)، وهو خطأ. ومهملة في (ظ).\n(٥) وهي قراءة مجاهد، والحسن، والسُّلمي، وابن محيصن، وجماعة، ورواية المفضل عن عاصم. \"الشواذ\" لابن خالويه ص ١٠٢، \"البحر المحيط\" ٦/ ٤٥٦، \"الدر المصون\" ٨/ ٤٠٧، \"إتحاف فضلاء البشر\" ٢/ ٢٩٨.\n(٦) \"الحجة\" الفارسي ٥/ ٣٢٥.\n(٧) في (ظ): (ويدلك).\n(٨) \"الحجة\" للفارسي ٥/ ٣٢٤.\n(٩) هو: أبو أسيد -بفتح الهمزة- بن ثابت، الأنصاري، الزُّرقي، المدني. قيل: اسمه عبد الله، وكان يخدم النبي -ﷺ-.\n\"الكنى\" لدولابي ١/ ١٥، \"الاستغناء\" لابن عبد البر ١/ ٩٢، \"الاستيعاب\" ٣/ ٨٧٥، \"أسد الغابة\" ٣/ ١٨٩، \"الإصابة\" ٤/ ٨.\n(١٠) في (ظ)، (ع): (بالزيت).","vol":"16","page":273},{"text":"وادَّهنُوا (١) به؛ فإنَّه من شجرة مباركة\" (٢).\nوروى عبد الله بن جراد (٣) أنَّ النبي -ﷺ- قال: \"اللهم بارك في الزيت والزيتون، اللهم بارك في الزيت والزيتون\" (٤).\n_________\n(١) في (أ): (واندهنوا).\n(٢) رواه الإمام أحمد ٣/ ٤٩٧، والدارمي ٢/ ١٠٢، والترمذي في الأطعمة- باب: ما جاء في أكل الزيت ٥/ ٥٨٥ والحاكم في \"مستدركه\" ٢/ ٣٩٧ - ٣٩٨ والبغوي في \"شرح السنة\" ١١/ ٣١١ - ٣١٢ وفي \"تفسيره\" ٦/ ٤٧.\nوتصحَّف في المطبوع من \"التفسير\" إلى: أسد بن ثابت وأبي أسلم الأنصاري. وصوابه: أسيد بن ثابت أو أبي أسيد الأنصاري كلهم من طريق سفيان، عن عبد الله بن عيسى، عن عطاء رجل كان بالشام وليس بابن أبي رباح، عن أبي أسيد، به.\nوعطاء هذا قال عنه الذهبي في \"الميزان\" ٣/ ٧٧: ليَّن البخاري حديثه، لا يدري من هو.\nلكن ذكر الألباني في \"الصحيحة\" (١/ ح ٣٧٩) لهذا الحديث شواهد من حديث عمر وأبي هريرة وابن عباس -﵁-، ثم قال (١/ ق ٤ ص ١١٢): وجملة القول أنَّ الحديث بمجموع طريقي عمر وطريق أبي أسيد -وتصحف في المطبوع إلى:- سعيد- يرتقي إلى درجة الحسن لغيره على أقل الأحوال. والله أعلم.\n(٣) في (أ): (جواد)، وهو خطأ.\nوهو: عبد الله بن جراد بن المنتفق بن عامر بن عقل العامري، العقيلي. له صحبة، من أهل الطائف. روى عنه يعلى الأشدق وغيره.\n\"التاريخ الكبير\" للبخاري ٥/ ٣٥، \"الاستيعاب\" ٣/ ٨٨٠، \"أسد الغابة\" ٣/ ١٣٢، \"الإصابة\" ٢/ ٢٧٩.\n(٤) رواه الثعلبي في \"الكشف والبيان\" ٣/ ٨٤ أمن طريق يعلى الأشدق، عن عمه عبد الله بن جراد به.\nوفي سنده يعلى الأشدق قال عنه البخاري: لا يكتب حديثه. وقال أبو حاتم. =","vol":"16","page":274},{"text":"ومن البركة في الزيت والزيتون (١) ما ذكره عطاء، عن ابن عباس قال: فيها أنواع من المنافع، فالزيت يُسرج به، وهو إدام، وهو دهان، وهو دباغ، وهو وقيد (٢) يوقد بحطبه وثفله (٣)، وليس منه شيء إلا وفيه (٤) منافع حتى الرَّماد يُغسل به الإبريسم (٥).\nومن بركتها أنها أول شجرة نبتت بعد الطوفان، وهي تنبت في منازل الأنبياء والمرسلين والأرض المقدسة، ودعا لها سبعون نبيًا بالبركة منهم إبراهيم الخليل (٦) - ﵇ - (٧) ونبينا محمد -ﷺ- كما ذكرنا.\nوذكر الزجاج من بركتها أنَّ أغصانها تكون مورقة من أسفلها إلى أعلاها، وليس في الشجر شيء يورق غصنه من أوله إلى آخره مثل الزيتون والرمّان (٨).\n_________\n= ليس بشيء، ضعيف في الحديث. وقال أبو زرعة: هو عندي لا يُصدّق، ليس بشيء. انظر: \"التاريخ الصغير\" للبخاري ٢/ ١٦٥، \"الجرح والتعديل\" لابن أبي حاتم ٩/ ٣٠٣، \"المغني في الضعفاء\" للذهبي ٢/ ٧٦٠، \"لسان الميزان\" لابن حجر ٦/ ٣١٢.\n(١) في (ع): (الزيتونة).\n(٢) في (ع): (وقود)، وهما لغتان. انظر: \"القاموس المحيط\" ١/ ٣٤٦ (الوّقد).\n(٣) في (أ): وتفله. ومهملة في (ظ).\nوالثُّفل: ما سفل من كل شيء. \"لسان العرب\" ١١/ ٨٤ (ثفل).\n(٤) في (ظ)، (ع): (وفيها).\n(٥) ذكره عن ابن عباس: القُرطبيُّ ١٢/ ٢٥٨، وذكره ابن الجوزي ٦/ ٤٣ من غير نسبة.\n(٦) (الخليل): زيادة من (ع).\n(٧) من قوله: ومن بركتها. إلى هنا، ذكره الثعلبي ٣/ ٨٤ أوصدَّره بقوله: قيل. وما ذُكر يحتاج إلى دليل. والله أعلم.\n(٨) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٤٥.","vol":"16","page":275},{"text":"وكذلك قال أبو طالب في بعض القرشيين (١) وقد مات بغزَّة (٢) يرثيه:\nبُورك الميت الغريب كما بورك ... نضر (٣) الرمان والزيتون (٤)\n_________\n(١) هو: مسافر بن أبي عمرو بن أمية، ولذا يقول أبو طالب في مطلع قصيدته:\nليت شعري مسافر بن أبي ... عمرو وليت يقولها المحزون\nوانظر خبر موت مسافر في \"الأغاني\" للأصفهاني ٩/ ٥١، و\"الخزانة\" للبغدادي ١٠/ ٤٦٨.\n(٢) في (أ)، (ظ): (لعده) مهملة.\nوغزَّة: موضع معروف من مشارف الشام، انظر: \"معجم البلدان\" لياقوت ٦/ ٢٨٩ - ٢٩٠ و\"معجم ما استعجم\" للبكري ٢/ ٩٩٧.\nومسافر بن عمرو لم يمت بغزَّة، وإنَّما مات بهبالة أو تباله، قال أبو طاب في تلك القصيدة:\nميت صدق على هبالة أمسيت ... ومن دون ملتقاك الحجون\nوفي \"ديوان أبي طالب\" ص ٥١:\nميت صدق على تبالة\nوهبالة: ماء لبني عقيل- وقيل لبني نمير .. وقد ذكره ياقوت في \"معجم البلدان\" ٨/ ٤٤٢ وذكر فيه شعر أبي طالب. وانظر: \"معجم ما استعجم\" ٢/ ١٣٤٤.\nوتبالة: موضع بقرب الطائف. \"معجم ما استعجم\" للبكري ١/ ٣٠١.\nأما الذي مات بغزَّة من القرشيين فهو هاشم بن عبد مناف كما ذكر ذلك ياقوت ٦/ ٢٩٠، والبكري في \"معجم ما استعجم\" ٢/ ٩٩٧.\n(٣) في (أ): (نضر)، أهمل أوله وفي (ع): (نضو)، وفي (ظ): (نصو) مهملة.\n(٤) البيت لأبي طالب وهو منسوب له في: كتاب \"النَّبات\" للأصمعي ص ٢٦ حيث قال: ويقال: نَضَح الشَّجر ينضح نضحًا، إذا تفطَّر للتوريق، قال أبو طالب بن عبد المطلب:\nبورك الميت الغريب كما بورك ... نضحُ الرمان والزيتون.\nو\"نسب قريش\" لأبي عبد الله المصعب الزبيري ص ١٣٧ بمثل رواية: الأصمعي. وفي \"ديوان شيخ الأباطح أبي طالب جمع أبي هفَّان المهزمي وشرح أبي الفتح =","vol":"16","page":276},{"text":"ولا يحتاج دهنه إلى عصّار يستخرجه (١) (٢). وهذه كلها من بركات هذه الشجرة.\nوقوله ﴿زَيْتُونَةٍ﴾ بدل من قوله ﴿شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ (٣).\nوخص الزيتونة من بين سائر الأشجار؛ لأن دهنها أضوى وأصفي (٤).\n_________\n= ابن جني\" ص ٢١ بمثل رواية الأصمعي.\nو\"الأغاني\" للأصفهاني ٦/ ٥١ وعنده:\nبورك .. .. نضر الريحان والزيتون\nو\"المحرر الوجيز\" لابن عطية ١٠/ ٥١١، والقرطبي ١٢/ ٢٥٨ وعندهما (نبع) في موضع (نضح).\nو\"البحر المحيط\" لأبي حيان ٦/ ٤٥٧ وعنده: \"نَضْر\" بمثل رواية الواحدي.\nو\"خزانة الأدب\" للبغدادي ١٠/ ٤٦٣، ٤٦٧ وذكر رواية الديوان ورواية صاحب الأغاني، لكن رواية صاحب الأغاني عنده: .. كما بورك غُصنُ الريحان والزيتون. والبيت غير منسوب في \"معاني القرآن\" للزَّجَّاج ٤/ ٤٥ وفي المطبوع: .. كما بورك نظم ..، و\"أحكام القرآن\" لابن العربي ٣/ ١٣٨٨ وعنده: (نضر).\nأما معنى البيت فقد قال البغدادي في \"الخزانة\" ١٠/ ٤٧٠: \"بورك الميت\" إلخ جملة دعائية، والبركة: الزيادة، والنضح -بفتح النون وسكون الضّاد المعجمة بعدها حاء مهملة-: القليل .. نضح الشجر إذا تفطَّر، وأراد به اسم المفعول أي الفروع المنشقة عند ما يخرج. والزيتون معطوف على نضح.\n(١) في (ع): (يخرجه أو يستخرجه).\n(٢) هذا قول الثعلبي في \"تفسيره\" ٣/ ٨٤ أ.\n(٣) ذكرأبو حيّان ٦/ ٤٥٨ هذا القول، ثم قال. وجوَّز بعضهم أن يكون عطف بيان، ولا يجوز على مذهب البصريين، لأن عطف البيان عندهم لا يكون إلا في المعارف، وأجاز الكوفيون وتبعهم الفارسي أنه يكون في النكرات.\nوذكر السمين الحلبي في \"الدر المصون\" ٨/ ٤٠٨ القولين، وذكر أن القول بالبدلية هو أشهرهما.\n(٤) هذا قول الثعلبي في \"تفسيره\" ٣/ ٨٤ أ.","vol":"16","page":277},{"text":"قوله ﴿لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾ قال ابن عباس في رواية عكرمة: هي شجرة بالصحراء (١)، لا يظلها شجر ولا جبل ولا كهف، ولا يواريها شيء، وهو أجود لزيتها (٢).\nوقال السدي: يقول: ليست بشرقيّة يحوزها المشرق دون المغرب، وليست (٣) بغربيّة يحوزها المغرب دون المشرق، ولكنّها على رأس جبل في صحراء تصيبها الشمس النهار كله (٤).\nوقال الكلبي: هي بفلاة (٥) على تلعة (٦) من الأرض لا يصيبها ظل غرب ولا شرق، ولا يسترها من المشرق ولا من المغرب شيء، وهو أصفى الزيت (٧).\nوقال قتادة: هي شجرة لا يفي عليها ظل شرق ولا غرب (٨)، ضاحية\n_________\n(١) في (أ): (الصحراء).\n(٢) رواه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٣/ ٧٤٧ ب، ٤٨ أمن رواية عكرمة عن ابن عباس وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ٢٠١ وزاد نسبته للفريابي وذكره البغوي ٦/ ٤٧، وابن الجوزي ٦/ ٤٣ من رواية عكرمة، عنه.\n(٣) في (ع): (ولا).\n(٤) رواه عنه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٧/ ٤٨ أ. وذكره عنه ابن كثير في \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ٢٩١.\n(٥) فلاة: الصحراء الواسعة أو المستوية التي ليس فيها شيء. \"لسان العرب\" ١٥/ ١٦٤ (فلا).\n(٦) التَّلعة: ما ارتفع من الأرض. \"القاموس المحيط\" ٣/ ١٠.\n(٧) رواه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ٢/ ٦٠ عن الكلبي من قوله: ولا يسترها.\n(٨) في (أ) زيادة: (ويسترها من المشارق) بعد قوله: (ولا غرب)، وهو انتقال نظر من الناسخ إلى السطر الذي قبله.","vol":"16","page":278},{"text":"للشمس (١). وزيتها أصفى الزيت (٢).\nونحو هذا قال عكرمة (٣)، ومجاهد (٤)، وجويبر عن الضحاك (٥)، وأكثر المفسرين (٦). واختاره الفراء، والزجاج (٧).\nقال الفراء: الشَّرقية التي تأخذها الشمس إذا شرقت ولا تصبها [إذا غربت؛ لأن لها سترًا (٨). والغربية التي تصيبها الشمس بالعشي (٩) ولا تصيبها] (١٠) بالغداة، فلذلك قال ﴿لَا شَرْقِيَّةٍ﴾ وحدها ﴿وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾ وحدها ولكنها شرقية غربية، وهو (١١) كما تقول في الكلام: فلان لا مُسافر ولا مُقيم، إذا كان يسافر ويقيم، والمعنى أنه ليس بمنفرد بإقامة ولا سفر (١٢).\n_________\n(١) في (ع): (للنّهار).\n(٢) رواه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ٢/ ٦٠. وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ٢٠٠ وعزاه أيضًا لعبد بن حميد والطبري. ولم أره في الطبري.\n(٣) ذكره عنه الثعلبي ٣/ ٨٤ أ، ورواه عنه سعيد بن منصور في \"سننه\" ١٦٠ أ، والطبري ١٨/ ١٤٢، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٧/ ٤٨ أ.\nوذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ٢٠١ من رواية عبد بن حميد عنه.\n(٤) رواه الطبري ١٨/ ١٤٢، وابن أبي حاتم ٧/ ٤٨.\n(٥) قال السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ٢٠١ - بعد أن ذكر هذا القول عن ابن عباس-: (وروى عبد بن حميد عن عكرمة، والضحَّاك مثله).\n(٦) انظر: \"الطبري\" ١٨/ ١٤٢، ابن أبي حاتم ٧/ ٤٧ ب، ٤٨ أ، ب، ابن كثير ٣/ ٢٩٠ - ٢٩١، \"الدر المنثور\" للسيوطي ٦/ ٢٠٠ - ٢٠١.\n(٧) انظر: \"معاني القرآن\" للزَّجَّاج ٤/ ٤٥.\n(٨) في (أ): (يسترا).\n(٩) (بالعشي): ساقطة من (ع).\n(١٠) ساقط من (ظ).\n(١١) في (أ): (وهذا).\n(١٢) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٥٣.","vol":"16","page":279},{"text":"ونحو هذا قال أحمد بن يحيى (١)، فقال: يقول: هي شرقية غربية، كما تقول: ليس هذا بأبيض ولا أسود، إذا كان له من كلا الأمرين قسط ونصيب.\nقال الفرزدق:\nبأيدي رجال لم يشيموا سيوفهم ... ولم يكثر (٢) القتلى (٣) بها حين سلَّت (٤)\nيعني: شاموا سيوفهم وأكثروا بها من القتلى.\nوقال الزجاج: أي تصيبها الشمس بالغداة والعشي فهو أنضر لها وأجود لزيتها وزيتونها (٥).\nوفسر قوله ﴿لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾ بضد التفسير الذي ذكرنا:\n_________\n(١) هو ثعلب. وقد ذكر عنه هذا القول الثعلبي ٣/ ٨٤ أ.\n(٢) في (ظ)، (ع): (يكثروا).\n(٣) في (ظ)، (ع). (القتل).\n(٤) البيت في \"المعاني الكبير\" لابن قتيبة ٢/ ٨٩٩ - ٩٠٠، ١٠٨١، و\"الكامل\" للمبرد ١/ ٣٠٨، و\"الأضداد\" لابن الأنباري ص ٢٥٩ و\"لسان العرب\" ١٢/ ٣٣٠ (شيم).\nقال ابن قتيبة ٢/ ٩٠٠: أراد لا يشيمون سيوفهم ولم يكثر القتلى بها، ولكنهم يشيمونها إذا أكثروا بها القتلى.\nوقال ٢/ ١٠٨١: يقول: لم يغمدوا سيوفهم والقتلى لم تكثر حين سلت، ولكن أغمدوها حين كثرت القتلى.\nوقال المبرّد في \"الكامل\" ١/ ٣٠٨: وهذا البيت طريف عند أصحاب المعاني، وتأويله: (لم يشيموا): لم يغمدوا، (ولم تكثر القتلى) أي لم يغمدوا سيوفهم إلاَّ وقد كثرت القتلى بها حين سلت.\nوقال ابن الأنباري ص ٢٩٥: أراد: لم يغمدوا سيوفهم حتى كثرت القتلى.\n(٥) \"معاني القرآن\" للزجاح ٤/ ٤٥.","vol":"16","page":280},{"text":"قال أبو مالك في قوله ﴿لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾: هي شجرة بين (١) الأشجار، لا تصيبها الشمس في شرق ولا غرب (٢).\nوهذا قول أبي روق، والضحاك (٣)، وسعيد بن جبير (٤)، قالوا: لا تصيبها الشمس لا شرقًا ولا غربًا.\nقال سعيد: وذاك أجود ما يكون من الزيت (٥).\nوهذا القول يروى عن أبيّ بن كعب ﵀ قال: هي شجرة التفَّ بها الشجر (٦) فهي خضراء ناعمة، لا تصيبها الشمس على أي حال كانت لا إذا طلعت ولا إذا غربت (٧).\nوروى الربيع بن أنس (٨)، عن أبي العالية قال: ليس هذا في الدنيا\n_________\n(١) في (أ): (من).\n(٢) قال السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ٢٠١ - بعد أن ذكر عن ابن جبير نحو هذا القول: وأخرج عبد بن حميد عن أبي مالك وكعب نحوه.\n(٣) جاء عن الضحاك خلاف هذا القول، فقد ذكر السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ٢٠١. بعد ذكره لقول ابن عباس: شجرة لا يظلها كهفٌ ولا جبل ولا يواريها شيء، وهو أجود لزيتها، قال: وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة والضحاك .. مثله.\n(٤) رواه سعيد بن منصور في \"سننه\" (ل ١٦٠ أ)، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٧/ ٤٧ ب. وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ٢٠١ ونسبه أيضًا لعبد بن حميد وابن المنذر.\n(٥) رواه ابن أبي حاتم ٧/ ٤٨ بمثله. ورواه سعيد بن منصور في \"سننه\" (ل ١٦٠ أ) بلفظ: وهي من أجود الشَّجر.\n(٦) في (ظ)، (ع): (الشجرة).\n(٧) رواه الطبري ١٨/ ١٣٨، وابن أبي حاتم ٧/ ٤٧ ب، وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ١٩٧ ونسبه أيضًا لعبد بن حميد وابن المنذر.\n(٨) في (ظ): (عن أنس)، وهو خطأ.","vol":"16","page":281},{"text":"إنما هو مثل ضرب (١).\nونحو هذا قال الحسن: ليست هذه الشجرة من شجر الدنيا، ولو كانت في الأرض لكانت شرقية أو غربية، وإنَّما هو مثل ضربه الله -﷿- (٢).\nوقال ابن زيد: يعني أنها شامية؛ لأنَّ الشَّام لا شرقي ولا غربي (٣).\nوالقول هو الأول.\nقوله: ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا﴾ زيت الزيتونة يعني: الدهن ﴿يُضِيءُ﴾ المكان من ضيائه وصفائه (٤).\n﴿وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾ ولو لم تصبه النار.\nواختلفوا في المراد بهذا المثل.\nفروي عن أبي بن كعب أنه قال: هذا مثل لعبد قد جُعل الإيمان والقرآن في صدره، فالمشكاة: قلبه، والمصباح: هو الإيمان والقرآن، والزجاجة: صدره (٥).\n_________\n(١) لم أجد من ذكره عنه.\n(٢) ذكره عنه الثعلبي ٣/ ٨٤ أبهذا اللفظ. ورواه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ٢/ ٦٠، والطبري ١٨/ ١٤٢، وابن أبي حاتم ٧/ ٤٨ ب بنحوه. وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ٢٠١ ونسبه أيضًا لابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.\nقال الثعلبي ٣/ ٤٨ أ: وقد أفصح القرآن بأنَّها من شجر الدنيا، لأنَّه أبدل من الشجرة فقال: \"زيتونة\".\nوضعَّف هذا القول الرازي في \"تفسيره\" ٢٣/ ٢٣٦، وردَّه الشنقيطي كما في \"تفسير سورة النور\" ص ١٣٨.\n(٣) رواه الطبري ١٨/ ١٤٢، وابن أبي حاتم ٧/ ٤٨ ب بنحوه مختصرًا.\n(٤) الثعلبي ٣/ ٨٤ ب.\n(٥) ذكره عنه الثعلبي ٣/ ٨٥ أوعنده: المشكاة: نفسه. =","vol":"16","page":282},{"text":"وهذا قول الكلبي، والسدي، وقتادة (١) والحسن، وابن زيد (٢)، وقول ابن عباس في رواية سعيد بن جبير (٣).\nقال ابن عباس في قوله ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾: يكاد قلب المؤمن يعمل بالهدى قبل أن يأتيه العلم، فإذا جاءه العلم ازداد هدى على هدى ونورًا على نور، كقول إبراهيم -﵇- قبل أن تجيئه المعرفة ﴿هَذَا رَبِّي﴾ [الأنعام: ٧٦] من غير أن أخبره (٤) أحدٌ أن له ربًّا (٥)، فلما أخبره الله أنَّه ربه ازداد هدى على هدى (٦).\n_________\n= ورواه الطبري ١٨/ ١٣٨، وابن أبي حاتم مفرقًا ٧/ ٤٥ أ - ب، ٤٦ أ - ب عنه -﵁- لكن في روايتهما أن المشكاة: صدره، والزجاجة: قلبه.\nوذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ١٩٧ بمثل رواية الطبري وابن أبي حاتم، وعزاه لهما وزاد نسبته لعبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه وغيرهم.\n(١) رواه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٧/ ٤٩ ب عن السدي وقتادة بمعناه مختصرًا.\n(٢) ذكره الثعلبي ٣/ ٨٥ أعن الحسن وابن زيد: بنحوه.\nورواه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٧/ ٤٥ أعن الحسن بنحوه.\nورواه الطبري في \"تفسيره\" ١٨/ ١٣٩، عن ابن زيد، بنحوه.\n(٣) روى ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٧/ ٤٥ أمن طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: (مثل نوره): مثل نور من آمن بالله.\n(٤) عند الطبري: يخبره.\n(٥) ذكر ابن كثير ٢/ ١٥١ اختلاف المفسرين في قوله إبراهيم ﴿هَذَا رَبِّي﴾ هل هو مقام نظر أو مناظرة، ثم قال: والحق أنَّ إبراهيم -﵊- كان في المقام مناظرًا لقومه، مبينًا لهم بطلان ما كانوا عليه من عبادة الهياكل والأصنام.\nثم بيَّن ذلك وساق الأدلة على هذا الأمر.\n(٦) رواه الطبري ١٨/ ١٣٨.\nوذكره مختصرًا السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ١٩٧، ونسبه للطبري وابن أبي حاتم وابن المنذر والبيهقي في \"الأسماء والصفات\".","vol":"16","page":283},{"text":"قوله تعالى: ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾ قال مجاهد: النار على الزيت (١).\nوقال الكلبي: المصباح نور، والقنديل نور (٢).\nقال ابن عباس: وهو مثل لإيمان المؤمن وعمله (٣).\nوقال الحسن: يعني أن القرآن نور من الله لخلقه مع ما قد (٤) قام لهم الدلائل والأعلام قبل نزول القرآن (٥).\nوقال أُبي بن كعب: ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾ يعني أن المؤمن يتقلَّب في خمسة من النور: فكلامه نور، وعمله نور، ومدخله نور، ومخرجه نور، ومصيره إلى النور يوم القيامة (٦).\nوقال السدي: نور الإيمان ونور القرآن (٧).\nوقال ابن عباس في رواية عطاء: ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾ يعني محمدًا -ﷺ- (٨).\nقال أبو إسحاق: وذلك جائز أن يراد بالنور في قوله ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾ محمد\n_________\n(١) رواه الطبري ١٨/ ١٤٣، وابن أبي حاتم ٧/ ٤٩ ب، وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ٢٠٠ ونسبه أيضًا لعبد بن حميد.\n(٢) ذكره عن ابن الجوزي ٦/ ٤٣ لكن فيه الزجاجة بدلًا من القنديل.\n(٣) رواه الطبري ١٨/ ١٣٩، وابن أبي حاتم ٧/ ٤٩ أ، وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ١٩٨ ونسبه أيضًا لابن مردويه.\n(٤) (قد): ساقطة من (أ).\n(٥) ذكره عنه البغوي ٦/ ٤٩، وذكر الثعلبي ٣/ ٨٥ أهذا القول بنصِّه ولم ينسبه لأحد.\n(٦) رواه الطبري ١٨/ ١٣٨، وابن أبي حاتم ٧/ ٤٩، وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ١٩٧ وزاد نسبته لعبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه وغيرهم.\n(٧) رواه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٧/ ٤٩ ب، وذكره عنه البغوي ٦/ ٤٩، وابن كثير ٣/ ٢٩١.\n(٨) هذا مروي عن سعيد بن جبير والضحاك وكعب. انظر: \"تفسير ابن أبي حاتم\" ٧/ ٤٥ أ، البغوي ٦/ ٤٥.","vol":"16","page":284},{"text":"-ﷺ- لأنَّه هو المرشد والمبيّن والناقل عن الله -﷿- على ما هو نيّر بيّن (١).\nوالمشكاة: قلبه، والمصباح: مثل لما في قلبه من الإيمان والنّور (٢) والنبوة والحكمة، والزجاج: مثل لصدره في الصفاء والحسن والنقاء، ثم قال: ﴿يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ يقول: استنار نور محمد -ﷺ- من نور إبراهيم - ﵇ -؛ لأنَّه من ولده وعلى دينه ومنهاجه وسنّته، ويعني بالزيتونة حسن طاعة إبراهيم لله تعالى في دار الدنيا، ثم قال في صفة الزيتونة ﴿لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾ يقول: إن إبراهيم -﵇- لم يكن يصلي (٣) قبل المشرق ولا قبل المغرب أي: لم يكن يصلي قبلة اليهود ولا قبلة النصارى (٤) وقوله ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ﴾ يقول: لو أنَّ إبراهيم لم يكن نبيًا لأعطاه الله بحسن (٥) طاعته لله في الدنيا الثواب مع الأنبياء، ثم قال: ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾ يقول: استنار نور محمد -ﷺ- من نور إبراهيم. وهذا كلام ابن عباس في رواية عطاء (٦).\nونحو هذا روي عن ابن عمر (٧) وكعب الأحبار (٨) في هذه الآية.\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٤٣.\n(٢) (والنّور): ساقطة من (ع).\n(٣) في (أ): (يصل).\n(٤) في (ظ): (لليهود، للنّصارى).\n(٥) في (ظ): (لحسن).\n(٦) لم أجده.\n(٧) رواه الطبراني في \"الكبير\" ١٢/ ٣١٧، وفي، \"الأوسط\" ٢/ ٥٠١ - ٥٠٢، وابن عدي في \"الكامل في ضعفاء الرجال\" ٧/ ٢٥٥٦، والثعلبي في \"تفسيره\" ٣/ ٨٤ ب كلهم من طريق الوازع بن نافع، عن سالم بن عبد الله، عن ابن عمر، فذكر نحوه.\nقال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" ٧/ ٨٣: رواه الطبراني في \"الكبير\" و\"الأوسط\" وفيه الوازع بن نافع وهو متروك.\n(٨) رواه الطبري في \"تفسيره\" ١٨/ ١٣٧، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" مفرقًا ٧/ ٤٦ أ =","vol":"16","page":285},{"text":"قال القرظي: المشكاة: إبراهيم، والزجاجة: إسماعيل، والمصباح: محمد -ﷺ-، والشجرة المباركة: إبراهيم؛ لأن أكثر الأنبياء كانوا من صلبه، ﴿لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾ لم يكن يهوديًّا ولا نصرانيًّا. وقوله ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ﴾ يقول: تكاد محاسن محمد -ﷺ- تظهر للناس قبل أن يوحى (١) إليه ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾ نبي مرسل من نسل نبي مرسل (٢).\nوقال مقاتل: شبه عبد المطلب بالمشكاة، وعبد الله بالزجاجة، والنبي محمد -ﷺ- بالمصباح، فورث النبوة من أبيه إبراهيم -﵇-، وهو قوله ﴿يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ (٣).\n_________\n= عن شمر بن عطية قال: جاء ابن عباس ﵄ إلى كعب الأحبار فقال: حدثني عن قول الله \"الله نور السموات والأرض\"، فذكر نحوه.\nوذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ١٩٨ وزاد نسبته لعبد بن حميد وابن المنذر وابن مردوية.\nوهذا الأثر منقطع؛ فإنَّ شمَّر بن عطية. لم يلق ابن عباس.\nقال أبو بكر بن العربي في \"أحكام القرآن\" ٣/ ١٣٨٩ - بعد ذكره هذا القول-: وهذا كلّه عدول عن الظاهر، وليس يمتنع في التمثيل أن يتوسع المرء فيه، ولكن على الطريقة التي شرعناها في قانون التأويل لا على الاسترسال المطلق الذي يخرج الأمر عن بابه، ويُحمِّل على اللفظ ما لا يطيقه.\n(١) في (ظ)، (ع): (أوحى).\n(٢) ذكره عنه الثعلبي ٣/ ٨٤ ب، ٨٥ أ، والبغوي ٦/ ٤٨، والقرطبي ١٢/ ٢٦٣.\n(٣) عند الثعلبي ٣/ ٨٥ أ: روى مقاتل، عن الضحاك: شبَّه عبد المطلب بالمشكاة .. بمثل ما ذكره الواحدي هنا. فالذي يظهر أن الواحدي نقله عن الثعلبي وأسقط الضحاك؛ لأن قول مقاتل في \"تفسيره\" والذي ينقل منه الواحدي عادة - يختلف عما هنا، فإن فيه ٢/ ٣٨ ب: يعني بالمشكاة صُلب عبد الله أبي محمد -ﷺ-، ويعني بالزجاجة جسد محمد -ﷺ-، ويعنى بالسِّراج الإيمان في جسد محمد -ﷺ-، فلما =","vol":"16","page":286},{"text":"قوله تعالى: ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ قال ابن عباس: لدينه الإسلام (١).\nوإن شئت قلت للقرآن، وإن شئت لمحمد -ﷺ- على اختلاف التفسير في قوله: ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾.\n﴿وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ﴾ ويبيّن الله الأشباه للناس تقريبًا إلى الأفهام وتسهيلًا لسبل الإدراك (٢) ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2883>٣٦ </span>- ﴿فِي بُيُوتٍ﴾ اختلفوا في المتصل به من قوله ﴿فِي بُيُوتٍ﴾ فذكر الزجاج (٣) والفراء (٤) قولين:\nأحدهما: أنَّه من صلة المشكاة على تقدير: كمشكاة فيها مصباح في بيوت [فيكون قوله ﴿فِي بُيُوتٍ﴾] (٥) وصفًا للنكرة كما كان قوله ﴿فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ وصفًا لها.\nوهذا القول اختيار أبي علي، قال: وفي قوله ﴿فِي بُيُوتٍ﴾ ضمير مرفوع يعود إلى الموصوف، لأن الظرف في الصفة مثله في الصلة (٦).\n_________\n= خرجت الزجاجة فيها المصباح من الكُوَّة صارت الكوَّة مظلمة فذهب نورها، والكوة مثل عبد الله ثم شبَّه الزجاجة بمحمد -ﷺ- .. ويعني بالشجرة إبراهيم. اهـ. وقد تقدَّم كلام ابن العربي في هذه الأقوال البعيدة.\n(١) ذكره عنه البغوي ٦/ ٤٩. وذكره ابن الجوزي ٦/ ٤٤ من غير نسبة.\n(٢) الثعلبي ٣/ ٨٥ ب.\n(٣) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٤٥.\n(٤) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٥٣ - ٢٥٤.\n(٥) ساقط من (ع).\n(٦) \"الحجة\" لأبي علي ٥/ ٣٢٢.","vol":"16","page":287},{"text":"القول الثاني: أنَّ (فِي) متصلة بقوله (يُسَبِّحُ لَهُ) ويكون (١) (فِيهَا) تكرارًا على التوكيد كقولك: في الدار قام زيد فيها.\nوهذا القول إنّما هو على قراءة العامة (٢). [وعلى قراءة] (٣) من قرأ (يسبَّح) بفتح الباء لا تكون (في) من صلة التسبيح. وذكر غيرهما (٤) أن (٥) (في) من صلة (توقد). هذا الذي ذكرنا معنى قول أهل المعاني.\nوالاختيار أن لا تجعل هذه الآية متصلة بما قبلها؛ لأنَّ الآية الأولى في (٦) ضرب المثل لنور المؤمن بالمشكاة التي فيها مصباح يُزهر بزيت (٧) مضيء. ولا فائدة في وصف المصباح بكونه في بيوت أو في غيرها، ولا تأكيد لضوئها بأن تُوصف (٨) أنَّها في بيوت يذكر فيها اسم الله، وأيضًا فإنَّه وحدّ المشكاة وجمع البيوت، ولا تكون مشكاة في بيوت (٩)، فإذن الأولى أن يقال: قوله: ﴿فِي بُيُوتٍ﴾ ابتداء كلام في وصف مساجد المؤمنين (١٠)\n_________\n(١) (ويكون): ساقطة من (أ).\n(٢) قرأ جمهور القراء: \"يسبّح\" بكسر الباء. وقرأ ابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر: \"يُسبَّح\" بفتح الباء.\n\"السبعة\" ص ٤٥٦،\" التبصرة\" ص ٢٧٣، \"التيسير\" ص ١٦٢.\n(٣) ساقط من (ع).\n(٤) ذكر ذلك الطبري ١٤/ ١٤٤، والثعلبي ٣/ ٨٥ ب. وحكاه ابن عطية ١٠/ ٥١٣، وأبو حيان ٦/ ٤٥٧ عن الرُّماني.\n(٥) (أنَّ): ساقطة من (ع).\n(٦) في (ع): (من).\n(٧) في (ع): (بنور زيت).\n(٨) في (ع): (تذكر).\n(٩) حكى الرازي ٢٤/ ٢ هذا الاعتراض عن أبي مسلم بن بحر الأصفهاني.\n(١٠) في (أ)، (ع): (والمؤمنين).","vol":"16","page":288},{"text":"الذين يذكرون الله فيها ويعبدونه وُيصلّون له.\nوأما معنى البيوت: فقال ابن عباس في رواية عطاء: يريد المساجد (١). وهو قول أبي صالح (٢)، ومجاهد في رواية ابن أبي نجيح (٣)، ومقاتل (٤)، وعكرمة (٥)، والحسن (٦) وأكثر المفسرين (٧).\nوعلى هذا الآية عامة في جميع المساجد.\nقال ابن عباس فيما روى عنه سعيد بن جبير: المساجد بيوت الله في الأرض، وهي تُضيء لأهل السَّماء (٨) كما (٩) تضيء النُّجوم لأهل الأرض (١٠).\n_________\n(١) لم أجد من ذكره عنه من رواية عطاء. وقد روى الطبري ١٨/ ١٤٤، وابن أبي حاتم ٧/ ٤٩ ب هذا القول عنه من رواية علي بن أبي طلحة.\nورواه الطبري ١٨/ ١٤٤ أيضًا من رواية العوفي.\n(٢) ذكره عنه ابن أبي حاتم ٧/ ٤٩ ب، وابن كثير ٣/ ٢٩٢.\n(٣) رواه عنه الطبري ١٨/ ١٤٤ من رواية ابن أبي نجيح. وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ٢٠٢ ونسبه أيضًا لعبد بن حميد.\n(٤) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٣٩ أ.\n(٥) ذكره عنه ابن أبي حاتم ٧/ ٤٩ ب، وابن كثير ٣/ ٢٩٢. وله قول آخر: أنَّها البيوت كلها. رواه عنه الطبري ١٨/ ١٤٤، وابن أبي حاتم ٧/ ٥٠ أ.\n(٦) رواه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ٢/ ٦٠، والطبري ١٨/ ١٤٤.\n(٧) انظر: \"الطبري\" ١٨/ ١٤٤، ابن الجوزي ٦/ ٤٦، ابن كثير ٣/ ٢٩٢.\n(٨) في (أ): (الشهادة).\n(٩) (كما): ساقطة من (أ).\n(١٠) رواه الثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ٨٥ ب من طريق بُكير بن شهاب عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، به.\nوبكير بن شهاب قال فيه ابن حجر في \"التقريب\" ١/ ١٠٧: مقبول.\nومعنى مقبول عن ابن حجر: حيث يتايع، وإلا فليَّن الحديث. انظر: \"مقدمة =","vol":"16","page":289},{"text":"ومنهم من خصَّص البيوت هاهنا، فقال: هي أربعة مساجد لم يبنهنَّ إلا نبي:\nالكعبة بناها إبراهيم وإسماعيل، وبيت (١) أريحا بناه داود وسليمان، ومسجد المدينة ومسجد قُباء بناهما النبي -ﷺ-. وهذا قول ابن بريدة.\nوقال السدي: هي بيوت المدينة (٢).\nوإنَّما خصَّ بيوت المدينة لأنها كانت يُصلّى فيها، ويذكر الله فيها حين نزلت هذه الآية.\nوروى ليث عن مجاهد قال: هي بيوت النبي -ﷺ- (٣).\nوقد روي مرفوعًا أنَّ النبي -ﷺ- قرأ هذه الآية، فسئل أي بيوت هذه؟ فقال: \"بيوت الأنبياء\" (٤).\n_________\n= التقريب\" ص ٥، ولم يتابع بكيرًا أحدٌ، فإسناده ضعيف.\nوذكره البغوي ٦/ ٤٩ من رواية سعيد بن جبير، عن ابن عباس.\n(١) (بيت): ساقط من (ع). وفيها: وأريحا.\nوالمراد بأريحا -وهي بالفتح ثم كسر الراء-: بلدة في الأردن بالشام، بينها وبين بيت المقدس مسافة يوم للفارس. \"معجم البلدان\" ١/ ٢١٠.\n(٢) ذكره عنه الثعلبي ٣/ ٨٥ ب.\n(٣) رواه ابن أبي حاتم ٧/ ٥٠ وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ٢٠٣ وعزاه لابن أبي حاتم.\nوسنده ضعيف، لأن فيه ليث بن أبي سليم وهو مجمع على ضعفه. وما تقدم عن مجاهد هو الصحيح.\nوذكر هذا القول عن مجاهد أيضًا ابن الجوزي ٦/ ٦، والقرطبي ١٢/ ٢٦٥.\n(٤) رواه ابن مردويه كما في \"الدر المنثور\" ٦/ ٢٠٣، والثعلبي في \"تفسيره الكشف والبيان\" ٣/ ٨٥ ب عن أنس بن مالك، وعن بريدة.\nوهذا الحديث لا يصح؛ لأنه من رواية نفيع بن الحارث عن أنس وبريدة. ونفيع =","vol":"16","page":290},{"text":"والقول هو الأول.\nوقوله ﴿أَذِنَ اللَّهُ﴾ قال مقاتل: أمر الله (١).\n﴿أَنْ تُرْفَعَ﴾ قال ابن عباس (٢)، ومجاهد (٣)، ومقاتل (٤)، وغيرهم (٥): أن تبنى، كقوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ﴾ [البقرة: ١٢٧].\nوقال الحسن: (ترْفَعَ) أي: تُعظَّم (٦).\n_________\n= هذا قال عنه الحاكم: روى عن بريدة وأنس أحاديث موضوعة.\nوقال ابن عبد البر: اتفق أهل العلم على نكارة حديثه وضعفه، وكذّبه بعضهم، وأجمعوا على ترك الرواية عنه، وليس عندهم شيء.\nوقال الذهبي: هالك، تركوه. وقال ابن حجر: متروك، وقد كذّبه ابن معين.\nانظر: \"الاستغناء\" لابن عبد البر ١/ ٦٠٤، \" المغني في الضعفاء\" للذهبي ٢/ ٧٠١، \"تهذيب التهذيب\" لابن حجر ١٠/ ٤٧٠ - ٤٧٢، \"تقريب التهذيب\" لابن حجر ٢/ ٣٠٦.\n(١) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٣٩ أ.\n(٢) ذكره عنه الرازي ٢٤/ ٣، وأبو حيان ٦/ ٤٥٨.\nوروى الطبري ١٨/ ١٤٤، وابن أبي حاتم ٧/ ٤٩ ب عنه قال: تكرَّم، ونهى عن اللغو فيها.\n(٣) رواه الطبري ١٨/ ١٤٥، وابن أبي حاتم ٧/ ٥٠ أ، وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ٢٠٢ وعزاه لعبد بن حميد أيضًا.\n(٤) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٣٩ أ.\n(٥) هو الطبري: قال في \"تفسيره\" ١٨/ ١٤٤: معناه: أذن الله أن ترفع بناءً، كما قال جل ثناؤه-: (وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت) وذلك أنَّ ذلك هو الأغلب من معنى الرفع في البيوت والأبنية.\n(٦) رواه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ٢/ ٦٠ - ٦١، والطبري ١٨/ ١٤٥، وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ٢٠٢ - ٢٠٣ وعزاه لمن تقدم.\nوحكى الرَّازي في \"تفسيره\" ٢٤/ ٣ في قوله \"ترفع\" قولًا ثالثُا هو مجموع الأمرين: أي تبنى وتعظم. ولعل هذا الأقرب؛ لأنَّه يعم القولين. =","vol":"16","page":291},{"text":"والمعنى: لا يتكلم فيها بالخنا (١).\nقال أبو علي: قوله ([أذن الله] (٢) أن ﴿تُرْفَعَ﴾) صفة للبيوت، والعائد منها إلى البيوت الذكر الذي في قوله ﴿تُرْفَعَ﴾ (٣).\nقوله ﴿وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ قال مقاتل: يوحّد الله فيها (٤).\n_________\n= قال العلامة الشنقيطي في \"تفسير سورة النور\" ص ١٤١: والرفع قسمان: الأول: الرفع الحسي، وهو رفع القواعد والبناء، ومنه قوله تعالى: (وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل).\nالثاني: الرفع المعنوي، وذلك يكون بأداء عبادة الله فيهان وصونها عما ينجسها حسيًّا كان أو معنويًا كارتكاب المنكرات.\nوعمارة المسجد الحقيقية هي العمارة المعنوية، فلو زخرف المسجد وارتكبت فيه المنكرات، أو لم تقم فيه عبادة الله، فليس بمعمور حقيقة. ولو بني بالنَّخل والجريد والطين وأقيمت فيه العبادة، وطهِّر من الأقذار الحسيِّة والمعنوية فهو معمور حقيقة. ولهذا كان مسجد رسول الله -ﷺ- مبنيًّا بالجريد والنخل ومع ذلك كانت عمارته أعظم من اليوم، وإن كانت عمارته الحسيّة اليوم أعظم من ذلك اليوم.\n(١) الخنا من الكلام: أفحشه. \"لسان العرب\" ١٤/ ٢٤٤ (خنا).\n(٢) ساقط من (أ).\n(٣) \"الحجة\" لأبي علي الفارسي ٥/ ٣٢٢.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٣٩ أ.\nوفي الآية قولان آخران حكاهما الماوردي ٤/ ١٠٧.\nأحدهما: يتلى فيها كتابه. قاله ابن عباس.\nالثاني: تُذكر فيها أسماؤه الحسنى. قاله ابن جرير.\nوما حكاه الماوردي عن ابن عباس رواه الطبري ١٨/ ١٤٥، وابن أبي حاتم ٧/ ٥٠ ب، عنه من رواية علي بن أبي طلحة.\nوقول الطبري في \"تفسيره\" ١٨/ ١٤٥.\nقال أبو حيان ٦/ ٤٥٨: (ويذكر في اسمه) ظاهره مطلق الذكر فيعم كل ذكر.","vol":"16","page":292},{"text":"﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا﴾ يُصلى لله في تلك البيوت. ﴿بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ يعني الصَّلوات المفروضة في قول المفسرين (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2884>٣٧ </span>- ﴿رِجَالٌ﴾ وهي ترتفع بقوله ﴿يُسَبِّحُ﴾.\nوقرأ ابن عامر (يُسَبَّحُ) بفتح الباء (٢)، وهذا على أنَّه أقام الجار والمجرور مقام الفاعل، ثم فسر من يُسبّح؟ فقال: (رجال) أي: يسبّح له فيها رجال (٣)، فرفع رجالًا بهذا المضمر الذي دلّ عليه قوله: (يسبح)؛ لأنه إذا قال (يُسَبّح) دلّ على فاعل التسبيح، ومثل هذا قول الشاعر (٤):\n_________\n(١) حكى الثعلبي ٣/ ٨٦ أهذا القول عن المفسرين. وحكاه البغوي ٦/ ٤٧ عن أهل التفسير. ولم يذكرا غيره. وعليه اقتصر الطبري ١٨/ ١٤٦، وابن كثير ٣/ ٢٩٤. وحكى الماوردي ٤/ ١٠٧، وابن الجوزي ٦/ ٤٧، والرازي ٢٤/ ٤ قولين في التسبيح:\nأحدهما: ما ذكر هنا. وعزاه الرازي للأكثرين.\nالثاني: أنه التسبيح المعروف. وعزاه ابن الجوزي لبعض المفسرين.\nواستظهر الرازي هذا الوجه: لأن الصلاة والزكاة قد عطفهما على ذلك من حيث قال \"ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة\".\nوالأولى عموم ذلك للصلاة والتسبيح المعروف: ولأنَّ الصلاة مشتملة على التسبيح.\n(٢) وقرأ الباقون بكسرها. \"السبعة\" ص ٤٥٦، \"التَّبصرة\" ٢٧٣، \"التيسير\" ص ١٦٢.\n(٣) (رجال): ساقطة من (ظ).\n(٤) هذا صدر بيت، وعجزه:\nومختبط مما تُطيح الطوائح\nوهو في \"الكتاب\" لسيبويه ١/ ٢٨٨ منسوبًا للحارث بن نهيك، وكذلك في \"شرح شواهد الإيضاح\" ص ٩٤، و\"شرح المفصل\" لابن يعيش ١/ ٨٠.\nوهو في \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ١/ ٣٤٩، والطبري ١٤/ ٢١ منسوبًا لنهشل بن حرِّيّ، وروايته عندهما:\nليبك يزيدُ بائس لضراعة ... وأشعثُ ممن طوّحته الطوائح\nوصوَّب البغدادي في \"خزانة الأدب\" ١/ ٣١٣ هذه النسبة، وذكر أقوالًا أخر في =","vol":"16","page":293},{"text":"ليبك يزيد ضارع لخصومة\nلما قل: ليبك (١) يزيد دلّ على فاعل للبكاء كأنَّه قيل: من يبكه (٢)؟ فقيل: يبكه ضارع.\nوالوجه قراءة الجمهور، فيكون فاعل يُسبِّح (رجال) الموصوفون (٣) بقوله: ﴿لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ﴾ (٤) أي: لا تشغلهم تجارة (٥).\n_________\n= نسبة هذه الأبيات.\nوالبيت من غير نسبة في: \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٣٦، \"الإيضاح العضدي\"، للفارسي ص ١١٥، و\"الخصائص\" لابن جني ٢/ ٣٥٣.\nوهو من أبيات في رثاء يزيد بن نهشل ذكرها البغدادي في \"الخزانة\" ١/ ٣١٠، أولها:\nلعمري لئن أمسى يزيد بن نهشل ... حشا جدث تَسفي عليه الروائح.\nقال السيرافي في \"شرح أبيات سيبويه\" ١/ ١١٢: والضارع: الذي قد ذل وضعف، والمختبط: السائل، وتطيح: تهلك.، وقوله: مما تطيح (وما تطيح) مصدر بمنزلة الإطاحة، كما تقول: يعجبني ما صنعت، أي: يعجبنى صنيعك. وأراد: مختبط من أجل ما قد أصابه من إطاحة الأشياء المطيحة، أي: .. المهلكة. يريد أنه احتاج وسأل من أجل ما نزل به.\nوقال ١/ ١١١: الشاهد فيه أنه رفع \"ضارع\" فعلٌ، كأنه قال- بعد قوله: ليبك يزيد: ليبكه ضارعٌ.\n(١) في (أ): (ليبك).\n(٢) في (أ): (يبكيك).\n(٣) في (أ): (الموصوفين).\n(٤) من قوله: وقرأ ابن عامر، إلى هنا. نقلًا عن \"الحجة\" لأبي علي ٥/ ٣٢٥ - ٣٢٦ مع اختلاف يسير جدًا.\nوانظر: \"علل القراءات\" للأزهري ٢/ ٤٥٦، \"إعراب القراءات السبع وعللها\" لابن خالويه ٢/ ١٠٩ - ١١٠، \"حجة القراءات\" لابن زنجلة ٥٠١، \"الكشف\" لمكي ٢/ ١٣٩.\n(٥) الثعلبي ٣/ ٨٦ أ، والطبري ١٨/ ١٤٦.","vol":"16","page":294},{"text":"قال مقاتل: يعني الشراء (١). وبنحوه قال الواقدي.\nوعندهما أنَّ التجارة اسم للشراء هاهنا خاصة لقوله ﴿وَلَا بَيْعٌ﴾ فذكر البيع مفردًا.\nوقال الفراء: التجارة لأهل الجَلَب، والبيع ما باعه الرجل على يديه، كذا جاء في التفسير (٢).\nوهذا القول أولى؛ لأن التجارة اسم للبيع والشراء فيبعد أن يخصّ بأحدهما (٣).\nوخُصّت التجارة بالذكر من بين الشواغل عن الصلوات (٤)؛ لأنَّها أعظم ما يشغل بها الإنسان عن الصلاة وأعمها (٥).\nقوله ﴿عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ قال المقاتلان: يعني الصلوات المفروضة (٦).\nوقال عطاء: عن شهود الصلاة المكتوبة (٧).\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٣٩ أ.\n(٢) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٥٣.\n(٣) قد ذكر المؤلف هنا قولين، وفيه قول ثالث ذكره أبو حيان ٦/ ٤٥٩ قال: ويحتمل أن يكون (ولا بيع) من ذكر خاص بعد عام: لأنَّ التجارة هي البيع والشراء طلبًا للربح، ونبّه على هذا الخاص لأنَّه في الإلهاء أدخل، من قبل أنَّ التَّاجر إذا اتجهت له بيعة رابحة وهي طلبته الكليّة من صناعته ألهته ما لا يلهيه شيء يتوقع فيه الربح؛ لأنَّ هذا يقين وذاك مظنون.\n(٤) في (ظ): (الصلاة).\n(٥) ذكر الثعلبي ٣/ ٨٦ أهذا القول، وعزاه لأهل المعاني.\n(٦) ذكره ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (ج ٧ ل ٥٠ ب) عن مقاتل بن حيان: وذكره عنه ابن كثير ٣/ ٢٩٥.\nوقول مقاتل بن سليمان في \"تفسيره\" ٢/ ٣٩ أ.\n(٧) ذكره عنه النحاس في \"معاني القرآن\" ٤/ ٥٣٩.\nوذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ٢٠٧ وعزاه للفريابي.","vol":"16","page":295},{"text":"قال ابن عباس: يريد أنهم إذا حضر (١) وقت الصلاة لم يلههم حب الربح أن يأخروا الصلاة عن وقتها (٢).\nوقال الثوري: كانوا يشترون ولا يدعُون الصلاة في الجماعات في المساجد (٣).\nوقوله ﴿وَإِقَامِ الصَّلَاةِ﴾ قال الكلبي: يعني: وإتمام الصلاة (٤).\nوالمعنى: لا تشغلهم عن أدائها وإقامتها لوقتها (٥).\nوفائدة قوله ﴿وَإِقَامِ الصَّلَاةِ﴾ بعد قوله ﴿عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ والمراد به الصلاة المفروضة إقامتها لوقتها (٦).\nقال الزجاج: يقال: أقمت الصلاة إقامة. وكان أصلها: إقوامًا (٧)، ولكن قلبت الواو ألفًا؛ فاجتمعت ألفان، فحذفت إحداهما وهي المنقلبة لالتقاء الساكنين، وأدخلت الهاء عوضًا من المحذوف، وقامت الإضافة هاهنا مقام الهاء المحذوفة (٨).\nوزاد الفراء بيانًا فقال: ومثله مما سقط بعضه فجعلت فيه الهاء\n_________\n(١) في (ظ): (حضروا).\n(٢) ذكر السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ٢٠٧ عنه، نحوه، وعزاه لابن مردويه.\n(٣) لم أجده عن الثوري، وقد روى أن أبي حاتم ٧/ ٥١ أ، ب عن الضحاك وسعيد بن أبي الحسن وعطاء نحو هذا المعنى.\n(٤) ذكر ابن الجوزي ٦/ ٤٨ هذا القول مع زيادة: \"أداؤها لوقتها\". ولم ينسبه لأحد.\n(٥) الطبري ١٨/ ١٤٧ مع اختلاف يسير.\n(٦) ذكر البغوي ٦/ ٥١، وابن الجوزي ٦/ ٤٨ هذا المعنى، ولم ينسباه لأحد.\n(٧) في (أ): (قواما)، وفي (ظ): (أقاموا)، والمثبت من (ع)، والمعاني.\n(٨) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٤٦.","vol":"16","page":296},{"text":"قولهم: وعدته عدةً، ووزنته زنةً، ووجدت من المال جدةً. لمَّا أسقطت الواو من أوله كثِّر بالهاء في آخره، وإنّما أستجيز سقوط الهاء من قوله ﴿وَإِقَامِ الصَّلَاةِ﴾؛ لإضافتهم إياها. وقالوا (١): الخافض وما (٢) خفض بمنزلة الحرف الواحد، فلذلك أسقطوها (٣) في الإضافة، وأنشد:\nإن الخليط أجدُّوا (٤) البين فانجردوا (٥) ... وأخلفوك عد (٦) الأمر الذي وعدوا (٧)\nيريد: عدة الأمر فاستجاز إسقاط الهاء حين أضافها (٨).\nوقوله: ﴿وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ﴾ قال ابن عباس: إذا حضر وقت الزكاة (٩) لم يحبسوها.\nهذا قوله في رواية عطاء (١٠).\nوهو قول الحسن، قال: [يعني الزكاة الواجبة في المال (١١).\n_________\n(١) في (ظ)، (ع): زيادة: (في)، بعد قوله: (قالوا)، وليست عند الفراء في \"معانيه\".\n(٢) في (أ): (ما) سقطت الواو.\n(٣) في (ظ): (كذلك سقوطها).\n(٤) في جميع النسخ: (أجد)، والتصويب من معاني الفراء وغيره.\n(٥) في (ع): (وانحدروا).\n(٦) في (أ): (عدا).\n(٧) البيت أنشده الفراء في \"معانيه\" ٢/ ٢٥٤ من غير نسبة.\nوهو منسوب للفضل بن عباس اللهبي في \"شرح شواهد الشافية\" ص ٦٤، و\"لسان العرب\" ٧/ ٦٥١ (غلب)، و\"المقاصد النحوية\" للعيني ٤/ ٥٧٢.\nوالبيت بلا نسبة في: الطبري ١٨/ ١٤٧، و\"الخصائص\" ٣/ ١٧١، و\"لسان العرب\" ٧/ ٢٩٣ (خلط).\n(٨) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٥٤.\n(٩) في (ظ) زيادة: (الواجبة في المال) بعد قوله: (الزكاة) وهو انتقال نظر من الناسخ.\n(١٠) ذكره عنه البغوي ٦/ ٥١ من غير نصَّ على رواية عطاء.\n(١١) ذكره عنه الثعلبي ٣/ ٨٦ ب، والقرطبي ١٢/ ٢٨٠.","vol":"16","page":297},{"text":"وروي عن ابن عباس أنه قال:] (١) يعني بالزكاة (٢): طاعة الله والإخلاص (٣).\nوعلى هذا المعنى أنهم يبذلون من أنفسهم الطاعة الخالصة لله، ولعل الأقرب هذا؛ فإنه ليس كل المؤمنين من أهل الزكاة الواجبة في المال، بل عامتهم فقراء لا تجب عليهم الزكاة فلا يحسن إخراجهم عن هذه الجملة، كيف وقد قال مقاتل (٤) في هذه الآية: نزلت في أصحاب الصفُّة، وهم كانوا من أفقر الناس وأزهدهم في الدنيا.\nوقوله تعالى: ﴿يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ ذكروا فيه ثلاثة (٥) أقوال:\nأحدها: أن القلوب زالت عن أماكنها من الصدور، فنشبت (٦) في الحلوق عند الحناجر، والأبصار تزرق (٧) فتكون زرقًا. قاله مقاتل بن سليمان (٨).\n_________\n(١) ساقط من (ظ).\n(٢) في (أ): (الزكاة).\n(٣) رواه عنه الطبري ١٨/ ١٤٧ - ١٤٨، وابن أبي حاتم ٧/ ٥٢ أمن طريق علي بن أبي طلحة.\n(٤) مقاتل هنا هو ابن حيَّان. وقد ذكر عنه هذا القول الثعلبي ٣/ ٨٦ ب.\n(٥) في (أ) زيادة: (أوجه) بعد قوله: (ثلاثة)، ولا معنى لها.\n(٦) (فنشبت): أي علقت. الصحاح للجوهري ١/ ٢٢٤ (نشب).\n(٧) في \"تفسير مقاتل\": تتقلّب.\nومعنى تزرق: يغشى سوادها بياض، وقيل خضرة في سواد العين. \"لسان العرب\" ١٠/ ١٣٨ - ١٣٩ (زرق).\n(٨) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٣٩ أ.","vol":"16","page":298},{"text":"ونحوه قال الضحاك: يُحشر الكافر وبصره حديد، فترزق [عيناه] (١)، ثم يعمى، وينقلب فلبه في جوفه يريد أن يخرج فلا يجد مخلصًا، حتى يقع في الحنجرة، فذلك قوله ﴿إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ﴾ [غافر: ١٨] (٢).\nالقول الثاني: أن القلوب تتقلب من الطمع في النجاة والخوف من الهلاك، والأبصار تتقلب من أين يؤتون كتبهم؟ أمن قبل الأيمان أم من قبل الشمائل؟ (٣).\nالقول الثالث: ذكره الفراء، والزجاج، وابن قتيبة. وهو: أنَّ من كان قلبه مؤمنًا بالبعث والقيامة ازدافى بصيرة ورأى ما وعد به، ومن كان قلبه (٤) على غير ذلك رأى ما يوقن معه بأمر القيامة والبعث؛ فعلم بقلبه وشاهد ببصره، فذلك تقلب القلوب والأبصار.\nهذا كلام أبي إسحاق (٥)، وهو معنى قول الفراء (٦).\nوقال ابن قتيبة: يريد أنَّ القلوب يوم القيامة تعرف الأمر يقينًا فتنقلب عما كانت عليه من الشك والكفر، والأبصار ترى يومئذ ما كانت مغطاة عنها فتنقلب عما كانت عليه، ونحوه قوله ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا﴾ [ق: ٢٢] (٧).\n_________\n(١) (عيناه): ساقطة من (ظ)، (ع).\n(٢) رواه عنه ابن أبي حاتم ٧/ ٥٢ أمختصرًا. وذكره عنه الرازي ٢٤/ ٦.\n(٣) هذا قول الطبري ١٨/ ١٤٨. ونسبه إليه ابن الجوزي ٦/ ٤٨. وذكره الثعلبي ٣/ ٨٦ ب والبغوي ٦/ ٥١، والقرطبي ١٢/ ٢٨٠ - ٢٨١ ولم ينسبوه لأحد.\n(٤) في (أ): (في قلبه)، وهو خطأ.\n(٥) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٤٧.\n(٦) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٥٣.\n(٧) \"مشكل القرآن\" لابن قتيبة ص ٣٢٩.","vol":"16","page":299},{"text":"والوجه قول أبي إسحاق لدخول قلوب المؤمنين والكافرين فيما ذكر من التفسير (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2885>٣٨ </span>- قوله تعالى: ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ﴾ اللام تتعلق (٢) بقوله ﴿يُسَبِّحُ لَهُ﴾ أي: يسبحون له تعالى ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا﴾ (٣).\n_________\n(١) قال ابن عطية ١٠/ ٥١٧ - بعد ذكره لهذا القول الذي ذكره الواحدي عن الفراء والزجاج وابن قتيبة-: وليس يقتضي هولًا. قال: ومقصد الآية هو وصف هول يوم القيامة .. وإنما معنى الآية عندي أنَّ ذلك اليوم -لشدة هوله ومطلعه- القلوب والأبصار فيه مضطربة قلقة متقلّبة من طمع في النجاة إلى طمع، ومن حذر هلاك إلى حذر، ومن نظر من هول إلى النظر في الآخر. اهـ.\nواستبعد أبو حيان ٦/ ٤٥٩ القول الذي ذكره الواحدي، واستظهر ما قاله ابن عطية. واستظهر الشنقيطي -﵀- في \"أضواء البيان\" ٦/ ٢٤٠ أن تقلب القلوب هو حركتها من أماكنها من شدة الخوف كما قال تعالى: ﴿إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ﴾ [غافر: ١٨]، وأن تقلب الأبصار هو زيغوغتها ودورانها بالنظر في جميع الجهات من شدة الخوف، كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ [الأحزاب: ١٩]، وكقوله: ﴿وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾ [الأحزاب: ١٠]، فالدوران والزيغوغة المذكوران يُعلم بهما معنى تقلب الأبصار، وإن كانا مذكورين في الخوف من المكروه في الدنيا. اهـ.\n(٢) في (أ): (متعلق).\n(٣) قال السمين الحلبي في كتابه \"الدر المصون\" ٨/ ٤١١ - بعد حكايته لهذا القول-: ويجوز تعلّقه بمحذوف، أي: فعلوا ذلك ليجزيهم. اهـ.\nوجوَّز أبو البقاء العكبري في \"الإملاء\" ٢/ ١٥٦ أن تتعلق اللام بـ\"يسبح\"، وبـ\"لا تلهيهم\"، وبـ\"يخافون\".\nواستظهر أبو حيان ٦/ ٤٥٩ تعلّقها بيسبح.\nوجعل الزمخشري ٣/ ٦٩ اللام متعلقة بيسبح ويخافون، فقال: والمعنى: يسبحون ويخافون ليجزيهم.","vol":"16","page":300},{"text":"قال مقاتل: يعني الذي (١) عملوا من الخير ولهم مساوئ فلا يجزيهم بها (٢).\nوالمعنى: ليجزيهم بحسناتهم؛ والمراد بالأحسن: جميع الحسنات، وهي موصوفة في مقابلة الذنوب بأنَّها أحسن (٣).\nقوله تعالى ﴿وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ قال ابن عباس: تفضّلا منه عليهم.\nوقال مقاتل: فضلا على أعمالهم (٤).\nوالمعنى أنه يزيدهم ما لا يستحقوه بأعمالهم (٥).\n﴿وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ مفسر فيما مضى (٦).\nثم ذكر الكفّار وضرب المثل لأعمالهم\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2886>٣٩ </span>- فقال: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ﴾ قال الفراء: السَّراب ما لصق بالأرض، والآل الذي يكون ضحى كالماء بين السماء والأرض (٧).\nوقال ابن السكيت: السَّراب الذي يجري على وجه الأرض كأنَّه\n_________\n(١) في جميع النسخ: (الذين)، والتصويب من \"تفسير مقاتل\".\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٣٩ أ.\n(٣) ذكر الشنقيطي في \"تفسير سورة النور\" ص ١٤٦ وجهًا آخر فقال: أعمال الإنسان منها الحسن وهو المباح وهذا لا يجازى عليه، ومنها الأحسن وهو المندوب والواجب، وهو المراد بقوله: (أحسن ما عملوا).\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٣٩ أ.\n(٥) هذا قول الثعلبي ٣/ ٨٦ ب.\nقال الطبري ١٨/ ١٤٨: فيفضل عليهم من عنده بما أحبّ من كرامته لهم.\n(٦) انظر: \"البسيط\" عند قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [البقرة: ٢١٢].\n(٧) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٥٤.","vol":"16","page":301},{"text":"الماء، وهو يكون نصف النهار وهو (١) الذي يلصق بالأرض (٢).\nوقال أبو الهيثم: سمَّي السراب سرابًا؛ لأنه يسرب سربًا، أي: يجري جريًا. يقال: سرب الماء يسرب سروبًا (٣).\nوقال الفراء: القيعة (٤): جمع القاع، كما قالوا: جاز وجيزة. والقاع: ما انبسط من الأرض، وفيه (٥) يكون السراب نصف النهار (٦).\nوقال الليث: القاع، أرض واسعة قد انفرجت عنها (٧) الجبال والآكام. يقال: قاعٌ وأقوع وأقواع وقيعة وقيعان، وهو ما استوى من الأرض، لا حصى فيها ولا حجارة، ولا ينبت الشجر، وما حواليه أرفع منه، وهو مصبُّ المياه (٨).\nقوله تعالى: ﴿يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ﴾ وهو الشديد العطش. يقال ظمئ يظمأ ظمأً فهو ظمآن (٩).\nوقوله ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ قال أبو إسحاق (١٠): أي: حتى\n_________\n(١) في (أ): (وهي).\n(٢) قول ابن الكسيت في \"تهذيب اللغة\" للأزهري ١٢/ ٤١٦ (سرب).\n(٣) قول ابن التهذيب في \"تهذيب اللغة\" للأزهري ١٢/ ٤١٦ (سرب).\n(٤) في (أ)، (ظ): (البقيعة).\n(٥) في (ظ): (وفيه وفيه) تكرار.\n(٦) قول الفراء بنصه في \"تهذيب اللغة\" للأزهري ٣/ ٣٣ (قاع)، وهو في كتابه \"معاني القرآن\" ٢/ ٢٥٤ وليس فيه قوله: وفيه يكون ..\n(٧) في (أ): (عليها).\n(٨) قول الليث في \"تهذيب اللغة\" للأزهري ٣/ ٣٣ (قاع).\n(٩) \"تهذيب اللغة\" للأزهري ١٤/ ٤٠١ \"ظم\". مع تقديم وتأخير.\nوانظر: \"الصحاح\" للجوهري ١/ ٦١ \"ظمأ\"، \"لسان العرب\" ١/ ١١٦ \"ظمأ\".\n(١٠) من هنا يبدأ الخرم في نسخة (ظ).","vol":"16","page":302},{"text":"إذا جاء إلى السَّراب وإلى موضعه رأى أرضًا لا ماء فيها (١). وهو معنى (٢) ﴿لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾.\nقال المبرد: أي شيئًا مما حسب (٣). وقال غيره: أي شيئًا على ما قدَّر (٤).\nقال ابن عباس في رواية سعيد بن جبير: أعمال الكفّار إذا احتاجوا إليها مثل السراب إذا رآه الرجل وقد احتاج إلى الماء، فأتاه فلم يجده شيئًا، فذلك مثل عمل الكافر يرى أن له ثوابًا وليس له ثواب (٥).\nوقال قتادة: هذا مثل ضربه الله لعمل الكافر [يحسب أنّه في شيء كما يحسب السراب ماءً حتى إذا جاءه لم يجده شيئًا، وكذلك الكافر] (٦) إذا مات لم يجد عمله شيئًا (٧).\nوقال مجاهد: عمل الكافر [إذا جاءه لم يجده شيئًا، وإتيانه إياه (٨): موتُه وفراقه الدنيا (٩).\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٤٧.\n(٢) في (ع): (قوله).\n(٣) ذكر البغوي ٦/ ٥٢ هذا المعنى والذي بعده وساقهما مساقًا واحدًا من غير نسبة لأحد.\n(٤) هذا قول الثعلبي في \"تفسيره\" ٣/ ٨٦ ب.\n(٥) لم أجده من رواية سعيد بن جبير، وقد روى الطبري ١٨/ ١٤٩، وابن أبي حاتم ٧/ ٥٣ أمن طريق العوفي، عن ابن عباس، نحوه.\n(٦) ساقط من (ع).\n(٧) رواه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ٢/ ٦١، والطبري ١٨/ ١٤٩، وابن أبي حاتم ٧/ ٧٥٣.\n(٨) في (أ)، (ع): (إياها)، والتصويب من الطبري وابن أبي حاتم وغيرهما.\n(٩) رواه الطبري ١٨/ ١٤٩، وابن أبي حاتم ٧/ ٥٣ ب؛ وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ٢١٠ وزاد نسبته لابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"16","page":303},{"text":"وروى الربيع، عن أبي العالية، عن أبيّ بن كعب في هذه الآية قال: كذلك (١) الكافر] (٢) يجيء يوم القيامة وهو يحسب أنّ له عند الله خيرًا فلا يجده ويدخله الله النار (٣).\nمقاتل: يقول: هكذا الكفار حتى إذا انتهى الواحد منهم إلى عمله يوم القيامة وجده لم يغن (٤) عنه شيئًا، كما لم يجد العطشان السراب شيئًا، حتى انتهى إليه فمات من العطش وهلك (٥)، فكذا (٦) الكافر يهلك يوم القيامة (٧).\nوقال أبو إسحاق: أعلم الله -﷿- أن الكافر الذي يظن أن عمله قد نفعه عند الله ظنُّه كظن الذي يظن أن السَّراب ماء (٨).\nوقال ابن قتيبة: الكافر يحسب ما قدم من عمله نافعه كما يحسب العطشان السراب من البعد ماءً يرويه ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَهُ﴾ أي مات لم يجد عمله شيئًا لأنَّ الله -﷿- قد أبطله بالكفر ومحقه (٩).\nوقوله ﴿وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ﴾ قال مقاتل: وجد الله بالمرصاد عند عمله ﴿فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ﴾ يقول جازاه بعمله (١٠).\n_________\n(١) (كذلك): ساقطة من (ع).\n(٢) ما بين المعقوفين في حاشية (أ) وعليه علامة التصحيح.\n(٣) رواه الطبري ١٨/ ١٤٩، وابن أبي حاتم ٧/ ٥٣ ب؛ وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ١٩٧ - ١٩٨، وعزاه أيضًا لعبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه.\n(٤) في (أ): (يغن) مهملة الأول. وفي (ع): (تغن)، والمثبت من \"تفسير مقاتل\".\n(٥) في (أ): (أو هكذا).\n(٦) في (أ): (وهكذا).\n(٧) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٣٩ أ.\n(٨) \"معاني القرآن\" ٤/ ٤٧.\n(٩) \"مشكل القرآن\" لابن قتيبة ص ٣٢٩.\n(١٠) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٣٩ أ.","vol":"16","page":304},{"text":"وقال الفراء: ﴿وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ﴾ عند عمله يقول: قدم على الله فوفاه حسابه (١).\nوقال صاحب النظم في هذه الآية: هذا نظم غامض؛ لأنَّه -﷿- وصف أعمال الكفار التي يريدون بها البرَّ في الدنيا بأنَّها (٢) تبطل في الآخرة ولا تنفعهم شيئًا، فشبهها بالسراب الذي يحسب الظمآن أنه ماء فإذا جاءه لم يجده شيئًا، كذلك الكفار في أعمالهم لا تنفعهم ولا تُقبل منهم فهي كأنَّها لا شيء، وقوله ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ﴾ متصل بالظمآن دون الكفار، إلا أنَّه -﷿- لما جعل الظمآن والسَّراب مثلًا للكفار في بُطول أعمالهم، أقامه (٣) مقامهم فيما يصير إليه عاقبة أمورهم، فقال ﴿وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ﴾ فجاء بذكر الظمآن على التوحيد، والمعني (٤) به الكفّار؛ لأنَّ الظمآن هاهنا مثل لا عين يقصد بالخبر، والعين المقصود بالخبر هم الكفّار، وهم يُوفَّون الحساب، يدلك (٥) على ذلك قوله: ﴿فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [وهذا لا يحتمل اتصاله بالظمآن: لأنَّه لا يكون هنالك حساب، وإنّما الحساب في الآخرة. هذا كلامه.\nومعنى هذا أن قوله ﴿وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ﴾ في الظاهر خبر عن الظمآن، والمراد به الخبر عن الكفار، ولكن لما ضرب الظمآن مثلًا للكفار جعل الخبر عنه كالخبر عنهم.\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" ٢/ ٢٥٤.\n(٢) في (ع): (وأنَّها).\n(٣) في (ع): (قامه).\n(٤) في (ع): (المعني).\n(٥) في (ع): (يدل).","vol":"16","page":305},{"text":"قوله تعالى ﴿وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ (١) قال مقاتل: يخوفهم بالحساب كأنَّه قد جاء (٢). والمعنى على هذا أنَّه عن قريب يحاسب الكفَّار.\nوهذا الوجه سوى ما ذكرنا الوجوه في معنى ﴿سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ (٣) في سورة البقرة (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2887>٤٠ </span>- ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ﴾ قال أبو إسحاق: أعلم الله أن أعمال الكفار إن مثِّلت بما يوجد فمثلها مثل السراب، وإن مثِّلت بما يُرى فهي كهذه (٥) الظلمات التي وصف في قوله: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ﴾ الآية (٦).\nومعنى قوله (بما يوجد وبما يرى) يعني بالعين وبالأثر (٧). فالتشبيه بالسراب تشبيه بعين، والتشبيه بالظلمات تشبيه بأثر وحدث.\nوقال صاحب النظم: الآية الأولى في ذكر أعمال الكفار، ثم رجع إلى ذكر كفرهم فقال: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ﴾ يعني كفرهم، ولم يذكر الكفر هاهنا\n_________\n(١) ساقط من (ع).\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٣٩ ب وفيه كأنه قد كان.\n(٣) (الحساب): ساقطة من (أ).\n(٤) ذكر الواحدي في \"البسيط\" عند قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [البقرة: ٢٠٢] .. أقوالًا هي على سبيل الاختصار:\n١ - أنه سريع الحساب لأنَّه علم ما للمحاسب وما عليه قبل حسابه.\n٢ - أن المعني: والله سريع المجازاة للعباد على أعمالهم وإن كان قد أمهلهم مدة من الدهر.\n٣ - أنه سريع الحساب أي الإحاطه والعلم، لأنه لا يحتاج إلى عقد يد ولا وعي صدر ولا روية كالعاجزين.\n(٥) في (ع): (كذلك).\n(٦) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٤٨.\n(٧) في (ع): (والأثر).","vol":"16","page":306},{"text":"إنَّما نسقه على أعمالهم لأن الكفر أيضًا من أعمالهم فشبَّهه (١) بالظلمات كما قال -﷿-: ﴿يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة: ٢٥٧] أي من الكفر إلى الإيمان يدل على ذلك قوله ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ يعني به الإيمان (٢).\nوقال أبو علي الفارسي: قوله ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ﴾ معناه: أو كذي ظلمات، ويدلُّ على حذف المضاف قوله: ﴿إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ﴾ فالضمير الذي أضيفت إليه يده يعود إلى المضاف المحذوف. ومعنى ذي ظلمات: أنَّه في ظلمات] (٣)، ومثل (٤) حذف المضاف هنا حذفه في قوله: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ﴾ [البقرة: ١٩] تقديره: أو كذوي صيّب، أو أصحاب صيّب فحذف المضاف (٥).\nفعلى قول أبي إسحاق، التمثيل وقع لأعمال الكافر. وهو قول عامة المفسرين (٦)، وعلى قول صاحب النظم، التمثيل وقع لكفر الكافر، وعلى قول أبي علي، التمثيل وقع للكافر (٧). وهو قول ابن عباس في رواية عطاء قال: هذا مثل للمشرك.\n_________\n(١) في (أ): (فشبَّه).\n(٢) ذكره القرطبي ١٢/ ٢٨٤ - ٢٨٥ عن الجرجاني، وهو صاحب النَّظم. وذكره أيضًا عنه أبو حيان ٦/ ٤٦١.\n(٣) هنا ينتهي الخرم في نسخة (ظ). ويبتدئ الموجود من: (ومثل).\n(٤) في (ع): (فمثل).\n(٥) \"الحجة\" للفارسي ٥/ ٣٢٩ - ٣٣٠. وقد تعقَّب أبو حيان ٦/ ٤٦١ هذا القول بأنَّه خلاف الظاهر.\n(٦) انظر: \"الطبري\" ١٨/ ١٥٠ - ١٥١، الثعلبي ٣/ ٨٧ أ، ابن الجوزي ٦/ ٥١.\n(٧) ذكر القرطبى ١٢/ ٢٨٤ هذا الكلام ونسبه للقشيري.","vol":"16","page":307},{"text":"ونحو هذا قال قتادة: هو (١) مثل ضربه الله للكافر وأف يعمل في ظلمة وحيرة (٢). وهو قول أبي بن كعب (٣).\nوقال ابن عباس في رواية سعيد بن جبير: هذا مثل قلب الكافر (٤).\nوهو قول السُّدي (٥)، ومقاتل (٦)، والكلبي، والفراء (٧).\nقوله تعالى: ﴿فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ﴾ قال أبو عبيدة: (لُجيّ) مضاف إلى اللُّجَة، وهو معظم البحر (٨). وقال الليث: بحر لجيّ: واسع اللُّجة (٩).\nوقال الفراء: بحر لُجيّ ولجيّ، كما يُقال (١٠): سُخريّ وسخري (١١).\n_________\n(١) في (ظ): (وهو).\n(٢) رواه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ٢/ ٦١، والطبري ١٨/ ١٥٠، وابن أبي حاتم ٧/ ٥٤ أ.\nوذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ٢١٠ ونسبه أيضًا لعبد بن حميد.\n(٣) رواه الطبري ١٨/ ١٥١، وابن أبي حاتم ٧/ ٥٤ ب، والحاكم في \"مستدركه\" ٢/ ٣٩٩ - ٤٠٠.\n(٤) ذكره عنه القرطبي ١٢/ ٢٨٤.\n(٥) رواه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٧/ ٥٤ ب، وذكره عنه ابن كثير ٣/ ٢٩٦.\n(٦) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٣٩ ب.\n(٧) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٥٥\n(٨) \"مجاز القرآن\" ٢/ ٦٧.\n(٩) قول الليث في \"تهذيب اللغة\" ١٠/ ٤٩٣ \"لج\". وهو في \"العين\" ٦/ ١٩ (لجَّ).\n(١٠) في (أ): (تقول).\n(١١) قول الفراء بنصِّه في \"تهذيب اللغة\" ١٠/ ٤٩٣ (لج).\nولم أجده في المطبوع من \"معاني القرآن\" في هذا الموضع من سورة النور، لكن ذكر الفراء عند تفسير قوله تعالى: ﴿فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا﴾ [المؤمنون: ١١٠] بعد ذكره للقراءتين بالضم والكسر عن الكسائي أنه قال: سمعت العرب تقول بحر لجيُّ ولجيّ. انظر: \"معاني القرآن\" ٢/ ٢٤٣.","vol":"16","page":308},{"text":"وقال المبرد: اللُّجي: العظيم اللُّجة. ومعناه: كثرة الماء. ولجج فلانٌ إذا توسَّط، ولجَّة البحر: معظم مائه حيث لا يُرى أرض ولا جبل (١).\nوقال ابن عباس: ﴿فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ﴾ يريد: عميق.\nوهو قول قتادة (٢)، ومقاتل (٣).\nومعنى ﴿لُجِّيٍّ﴾ له لجَّة، ولجتُه حيث يبعد عمقه، فهو بمعنى العميق، كما ذكره أهل التفسير.\nقال مقاتل: والبحر إذا كان عميقًا كان أشد لظلمته (٤).\nوقوله ﴿يَغْشَاهُ مَوْجٌ﴾ أي يعلو ذلك البحر اللجّي موج.\n﴿مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ﴾ قال ابن عباس: يريد موجًا من فوق الموج (٥).\n﴿مِنْ فَوْقِهِ﴾ من فوق الموج] (٦) ﴿سَحَابٌ﴾.\n﴿ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ﴾ يعني ظُلمة البحر، وظلمة الموج، [وظلمة\n_________\n(١) لم أجده عن المبرد.\nوانظر: \"تهذيب اللغة\" للأزهري ١٠/ ٤٩٣ - ٤٩٤ \"لج\"، \"الصحاح\" للجوهري ١/ ٣٣٨ (لجج)، \"لسان العرب\" ٢/ ٣٥٤ (لجج).\n(٢) رواه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ٢/ ٦١، والطبري ١٨/ ١٥١، وابن أبي حاتم ٧/ ٥٤ أ. وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ٢١٠ وزاد نسبته لعبد بن حميد.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٣٩ ب.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٣٩ ب.\n(٥) ذكر الماوردي ٤/ ١١٠، وابن الجوزي ٦/ ٥٠، والقرطبي ١٢/ ٢٨٤ هذا القول من غير نسبة لأحد.\nوحكى الماوردي والقرطبي قولا آخر هو: أنَّ معناه يغشاه موج من بعده، فيكون المعنى: الموج يتبع بعضه بعضًا حتى كأنَّ بعضه فوق بعض، وهو أخوف ما يكون إذا توالى موجه وتقارب.\n(٦) ساقط من (ظ)، (ع).","vol":"16","page":309},{"text":"الموج] (١) فوق الموج، وظلمة السحاب.\nو﴿ظُلُمَاتٌ﴾ (٢) خبر لمبتدأ محذوف تقديره: هذه ظلمات بعضها فوق بعض (٣).\nومن قرأ (٤) (سحابٌ) بالتنوين (ظلمات) بالكسر والتنوين جعلها بدلًا من الظلمات الأولى. ومن قرأ (٥) (سحابُ ظلمات) فأضاف السحاب إلى الظلمات، فالظلمات هي الظلمات التي تقدّم ذكرها، وأضاف السحاب إليها لاستقلال السحاب وارتفاعه في ذلك الوقت وهو وقت كون هذه الظلمات كما تقول: سحاب رحمة، وسحاب مطر، إذا ارتفع في الوقت الذي يكون فيه المطر والرحمة (٦).\n_________\n(١) ساقط من (ظ).\n(٢) في (أ): (وظلمات الموج).\n(٣) هذا توجيه لقراءة الجمهور \"ظلماتٌ\" بالرفع والتنوين.\nوذكر مكي في \"الكشف\" ٢/ ١٤٠ وجهًا آخر لقراءة الجمهور فقال: وحجَّة من رفع \"ظلمات\" أنه رفع على الابتداء، و\"بعضها\" ابتداء ثان، و\"فوق\" خبر لـ\"بعض\"، وخبرها حبر عن \"ظلمات\".\nونقل أبو حيَّان ٦/ ٤٦٢ عن الحوفي تجويزه لهذا الوجه، ثم قال: والظاهر أنه لا يجوز لعدم المسوغ فيه للابتداء بالنكرة، إلَّا إن قدِّرت صفة محذوفة أي: ظلمات كثيرة كثيرة أو عظيمة بعضها فوق بعض. وانظر أيضًا \"الدر المصون\" ٨/ ٤١٥.\n(٤) هو: ابن كثير في رواية قنبل. \"السبعة\" ص ٤٥٧، \"التبصرة\" ص ٢٧٣، \"التيسير\" ص ١٦٢.\n(٥) هو: ابن كثير في رواية البزّي. انظر ما تقدم من مراجع.\n(٦) من قوله: (وظلمات) خبر .. إلى هنا. نقلًا عن \"الحجة\" للفارسي ٥/ ٣٣٠ مع اختلاف يسير.\nوانظر أيضًا: \"إعراب القراءات السبع وعللها\" لابن خالويه ٢/ ١١٣، \"حجة القراءات\" لابن زنجلة ٥٠٢، \"الكشف\" لمكي ٢/ ١٣٩ - ١٣٠.","vol":"16","page":310},{"text":"فمن قال: هذا مثل لأعمال الكافر، فالمعنى أنه يعمل في حيرة لا يهتدي لرشد، فهو في جهله وحيرته كمن في هذه الظلمات.\nقال أبي بن كعب: الكافر يتقلب في خمس من الظلمات: كلامه ظلمة، وعمله ظلمة، ومدخله ظلمة، ومخرجه ظلمة، ومصيره إلى الظلمات يوم القيامة إلى النار (١).\nومن قال: هذا مثل لكفر (٢) [الكافر فكفره عمله كما بيَّناه.\nومن قال: هذا مثل للكافر] (٣)، فالكافر من عمله وكلامه متقلّب في ظلمات وجهالة.\nومن قال هذا مثل لقلب الكافر، وهو قول عامة المفسرين (٤)، فقال الكلبي: شبّه قلب الكافر بالبحر، يغشى ذلك البحر موج من فوق ذلك الموج موج. يعني ما يغشى قلبه من الشك والجهل والحيرة والرين والختم والطبع (٥).\n_________\n(١) رواه الطبري ١٨/ ١٥١، وابن أبي حاتم ٧/ ٥٤ ب، والحاكم ٢/ ٣٩٩ - ٤٠٠، وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ١٩٨ وزاد نسبته لعبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه.\n(٢) في (ظ): (لكافر).\n(٣) ساقط من (ع).\n(٤) نسب الثعلبي ٣/ ٨٧ أالقول بأن البحر اللجي هو مثل لقلب الكافر إلى المفسرين. ونسب ابن الجوزي ٦/ ٥٠ هذا القول للفراء، ونسب للجمهور أنه مثل لعمل الكافر.\n(٥) ذكر القرطبي ١٢/ ٢٨٥ أن هذا المعنى روي عن ابن عباس وغيره.\nوذكر الثعلبي ٣/ ٨٧ أنحو هذا القول ولم ينسبه لأحد.\nوذكر الشوكاني ٤/ ٤٠ هذ! القول ولم ينسبه لأحد، وقال عنه إنه من غرائب التفاسير، وقال: وهذا تفسير هو عن لغة العرب بمكان بعيد. =","vol":"16","page":311},{"text":"وقال السدي: يعني ظلمة القلب (١)، وظلمة الصدر، وظلمة الجوف (٢).\nوهذا غير مرضي من القول، لأنَّ كل واحد بهذه الصفة لا ينفذ الضوء إلى جوفه وصدره وقلبه. إلاَّ أن يراد بظلمة قلبه أنَّه لا يُبصر نور الإيمان، ولا يعقل، ثم يبقى عليه ظلمة الصدر والجوف، فيحمل على ما قال مقاتل: قلب مظلم في صدر مظلم، وجسد مظلم لا يبصر نور الإيمان كما أن صاحب البحر إذا أخرج يده في الظلمة لم يكد يراها (٣). فبين أن هذه الظلمات مثل لظلمات الجهل والحيرة.\nوقوله ﴿إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ تأكيد لشدة هذه الظلمات. وهذا اللفظ يحتمل (٤) معنيين:\nأحدهما: رآها (٥) من بعد أن كان لا يراها من شدة الظلمة.\nوالثاني: لم يرها ولم يكد.\nقال الفراء: والأول (٦) وجه العربية (٧)؛ والثاني هو معنى الآية: لأنَّ\n_________\n= وذكر أبو حيَّان في \"البحر\" ٦/ ٤٦٣ نحو هذا المعنى وقال: والتفسير بمقابلة الأجزاء شبيه بتفسير الباطنية وعدول عن منهج كلام العرب.\n(١) في جميع النسخ: (القبر)، والتصويب من \"تفسير ابن أبي حاتم\".\n(٢) رواه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٧/ ٥٤٧ ب.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٣٩ ب مع اختلاف يسير.\n(٤) في (أ): (محتمل).\n(٥) في (ظ)، (ع): (يراها).\n(٦) في (ظ)، (ع): (فالأول).\n(٧) يعني أنَّه أظهر معاني الكلمة من جهة ما تستعمل العرب \"كاد\" في كلامها. قاله الطبري ١٨/ ١٥١.","vol":"16","page":312},{"text":"أقل من هذه الظلمات التي وصفها لا يرى فيها الناظر كفّه (١).\nونحو هذا قال الزجاج سواء (٢)، وهو قول مقاتل (٣) والمفسرين (٤)، قالوا: معناه: لم يرها ألبتَّه. قال الحسن: لم يرها ولم يقارب الرؤية (٥).\nقال المبرّد: لم يقارب أن يراها، ومعنى ﴿لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾: نفي المقاربة (٦) من الرؤية (٧).\nوقال الأخفش: إذا قلت: (لم يكد يفعل) كان المعنى: لم يقارب الفعل ولم يفعل، على صحّة الكلام، وهكذا معنى الآية. إلَّا أنَّ اللغة قد أجازت (لم يكد يفعل) وقد فعل بعد شدة (٨)، وليس هذا صحة الكلام؛\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٥٥ مع زيادة يسيرة وتقديم وتأخير.\n(٢) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٤٨.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٣٩ ب.\n(٤) انظر: \" الطبري\" ١٨/ ١٥١، الثعلبي ٣/ ٨٧ أ.\n(٥) رواه ابن أبي حاتم ٧/ ٥٥ أبمعناه. وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ٢١٠ بمثل رواية ابن أبي حاتم، وعزاه لعبد بن حميد.\nوقد ذكر هذا القول عنه أيضًا: الماوردي ٤/ ١١١، وابن الجوزي ٦/ ٥٠، والقرطبي ١٢/ ٢٨٥.\n(٦) في (أ): (والمقاربة).\n(٧) في \"الكامل\" للمبرد ١/ ٩٥: (إذا أخرج يده لم يكد يراها) أي: لم يقرب من رؤيتها. وإيضاحه: لم يرها ولم يكد. وقد ذكر الثعلبي ٣/ ٨٧ أ، والبغوي ٦/ ٥٣، وابن الجوزي ٦/ ٥٠، والقرطبي ١٢/ ٢٨٥ عن المبرد خلاف هذا القول، وهو أن معنى (لم يكد يراها): (لم يرها إلا بعد الجهد، كما يقول القائل: ما كدت أراك عن الظلمة، وقد رآه ولكن بعد يأس وشدة.\n(٨) هكذا في جميع النسخ و\"تهذيب اللغة\" للأزهري.\nوفي \"معاني القرآن\": \"لم يكد يفعل\" في معنى: فعل بعد شدة.","vol":"16","page":313},{"text":"لأنه إذا قال: (كاد يفعل) فإنما يعني قارب الفعل، وإذا قال: (لم يكد يفعل) يقول: لم يقارب الفعل. هذا كلامه (١).\nفعند الأخفش والمبرّد إذا قلت: لم يكد يفعل، نفي للفعل والمقاربة منه. وقال ابن الأنباري: قال اللغويون: (كدت أفعل) معناه [عند العرب: قاربتُ الفعل ولم أفعل، و(ما كدت أفعل) معناه] (٢): فعلت بعد إبطاء، وشاهده قوله: ﴿وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة: ٧١] معناه: فعلوا بعد إبطاء، لتعذَّر وجدان البقرة عليهم.\nقال: وقد يكون (ما كدت أفعل) بمعنى: ما فعلت ولا قاربت، إذ أُكِّد الكلام بأكاد وجعل صلة (٣). وعلى ما ذكره (يكد) صلة في الآية وتأكيد، والمعنى: لم يرها. وأنشد:\nسريعٌ إلى الهيجاء شاك سلاحه ... فما إن يكادُ قرنهُ يتنفس (٤)\n_________\n(١) كلام الأخفش في \"تهذيب اللغة\" للأزهري ١٠/ ٣٢٨ (كاد)، وهو في \"معاني القرآن\" للأخفش ٢١/ ٥٢٥ مع اختلاف يسير.\n(٢) ساقط من (ظ).\n(٣) كلام ابن الأنباري بنصه في \"تهذيب اللغة\" ١٠/ ٣٢٩ (كاد) دون قوله: وجعل صلة. وفي \"الأضداد\" لابن الأنباري ص ٩٨، و\"الزاهر في معرفة كلام الناس\" له أيضًا ٢/ ٩٠ - ٩١ نحو هذا الكلام.\n(٤) هذا البيت أنشده ابن الأنباري في \"الأضداد\" ص ٩٧ من غير نسبة، وروايته فيه: سريعًا إلى الهيجاء.\nوأنشده أيضًا في \"الزاهر\" ٢/ ٩٠ وفي \"إيضاح الوقف والابتداء\" ٢/ ٨٠٠ من غير نسبة. والبيت لزيد الخيل، وهو في \"ديوانه\" ص ٧٤، والطبري ١٦/ ١٥١، و\"بصائر ذوي التمييز\" للفيروزآبادي ٤/ ٤٠٠، و\"تاج العروس\" للزبيدي ٩/ ١١٩ (كود).\nوالهيجاء: الحرب، و\"شاك سلاحه\" أي: لبس سلاحه لبسًا تامًا فلم يدع منه شيئًا. وقرنه -بالكسر-: هو كفؤه ونظيره في الشجاعة والحرب. انظر: \"لسان العرب\" ٢/ ٣٩٥ (هيج) ٩/ ٤٥٢ (شكك)، ١٣/ ٣٣٧ (قرن).","vol":"16","page":314},{"text":"أراد: ما إن يتنفس. وأنشد لحسان (١):\nوتكاد تكسل (٢) أن تجيء فراشها\nقال: أراد: وتكسل أن تجيء\nقال: ويقال معنى قوله ﴿لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾: لم يُرد أن يراها؛ لأن تلك الظلمات آيسته من تأمل يده فيكد بمعنى: يُرد، وأراد: أن يراها، فحذف (أن) وارتفع الفعل كقوله ﴿تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ﴾ [الزمر: ٦٤]. وقيل في قوله ﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ﴾ [يوسف: ٧٦]: كذلك أردنا (٣).\nقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ قال ابن عباس: من لم يجعل الله له دينًا فما له من دين (٤).\nوقال السدي: ومن لم يجعل الله له إيمانًا فما له من إيمان (٥).\n_________\n(١) أنشده ابن الأنباري لحسان في \"الأضداد\" ص ٩٧، و\"الزاهر\" ٢/ ٩١٤، و\"إيضاح الوقف والابتداء\" ٢/ ٨٠٠، وتتمته:\nفي جسم خرعبة وحسن قوام\nوهو في \"ديوانه\" ١/ ٢٩، و\"السيرة النبوية\" لابن هشام ٢/ ٣٨٢.\nوهو من قصيدة قالها يوم بدر يذكر الحارث بن هشام بن المغيرة بن مخزوم وهزيمته، وافتتحها بقوله:\nتبلت فؤادك في المنام خريدةٌ ... تشفي الضَّجيع ببارد بسَّام\n(٢) في (أ): (ويكاد يكسل)، وهو خطأ.\n(٣) هذا القول حكاه ابن الأنباري في \"الأضداد\" ص ٩٧، ولم ينسبه لأحد.\nوذكره ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٤/ ٢٦١ وقال: ذكره ابن القاسم. يعني ابن الأنباري.\nوذكره البغوي ٤/ ٢٦٢ ولم ينسبه لأحد. وذكره القرطبي ٩/ ٢٣٦ ونسبه لابن الأنباري.\n(٤) ذكره عنه البغوي ٦/ ٥٣، وابن الجوزي ٦/ ٥١، والقرطبي ٦/ ٥١.\n(٥) رواه ابن أبي حاتم ٧/ ٥٥ أ. وذكره عنه ابن الجوزي ٦/ ٥١.","vol":"16","page":315},{"text":"وقال مقاتل: يعني هدى، وهو الإيمان (١).\nوقال الزجاج: من لم يهده الإسلام لم يهتد (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2888>٤١ </span>- ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ مضى تفسير هذا في سورة الحج (٣)، وعند قوله ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤].\nوقوله: ﴿وَالطَّيْرُ﴾ عطف على (من) (٤). وخص بالذكر؛ لأنَّها تكون في الجوّ بين السماء والأرض فهي خارجة عن جملة ﴿مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (٥).\nوقوله ﴿صَافَّاتٍ﴾ يعني باسطات أجنحتها في الهواء (٦).\nوقوله ﴿كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾ قال مجاهد: الصلاة للإنسان، والتسبيح لما سوى ذلك من خلقه (٧).\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٣٩ ب.\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٤٨، وفيه: من لم يهده الله إلى الإسلام لم يهتد.\n(٣) في (ظ): في سورة سبحان عند قوله: (وإن من شيء إلا يسبح بحمده).\n(٤) انظر: \"إعراب القرآن\" للنحاس ٣/ ١٤١، \"الإملاء\" للعكبري ٢/ ١٥٨، \"الدر المصون\" للسمين الحلبي ٨/ ٤١٨.\n(٥) ذكر البغوي ٦/ ٥٣ هذا القول صدَّره بقوله: قيل. وذكره ابن الجوزي ٦/ ٥١، وأبو حيان ٦/ ٤٦٣، ولم ينسباه لأحد.\n(٦) الثعلبي ٣/ ٨٧ ب، والطبري ١٨/ ١٥٢.\n(٧) رواه الطبري ١٨/ ١٥٢، وابن أبي حاتم ٧/ ٥٥ ب، وأبو الشيخ في \"العظمة\" ٥/ ٧٣٨، وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ٢١١، وزاد نسبته لابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.\nورواه أيضًا النحاس في \"معاني القرآن\" ٤/ ٥٤٣ من طريق ابن أبي شيبة.","vol":"16","page":316},{"text":"وذكر الفراء (١) والزجاج (٢) وصاحب النظم في هذا تقديرات ثلاثًا (٣):\nأحدها: أن يعود الضمير في الصلاة والتسبيح على لفظ (كلّ) أي أنَّهم يعلمون بما يجب عليهم من الصلاة والتسبيح.\nوالثاني: أن تكون الهاء راجعة على (٤) ذكر الله -﷿- بمعنى: كلُّ قد علم صلاة الله وتسبيحه الواجبين عليه.\nوالثالث: أن يكون الذي يعلم (٥) هو الله -﷿-، يعلم صلاة الكل منهم وتسبيحه.\nواختار (٦) الزَّجّاج هذا القول، فقال: والأجود أن يكون: كلَّ قد علم الله صلاته وتسبيحه، ودليل ذلك قوله ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ (٧).\nوعلى هذا قال النَّحاس: كان من حكم النظم أن يكون (وهو عليم بما يفعلون) ولكن إظهار المضمر أفخم، وأنشد سيبويه (٨):\n_________\n(١) انظر: \"معاني القرآن\" ٢/ ٢٥٥.\n(٢) انظر: \"معاني القرآن\" ٤/ ٤٨ - ٤٩.\n(٣) في (ظ)، (ع): (ثلاث).\n(٤) في (ظ): (إلي).\n(٥) في (ظ): (يعلمه).\n(٦) في (أ): (واختيار).\n(٧) \"معاني القرآن\" للزجَّاج ٤/ ٤٩. وعلى قول الزجاج هذا يكون قوله (والله عليم بما يفعلون) تأكيد لفظيًا. واستظهر أبو حيان ٦/ ٤٦٣ القول الأول الذي ذكره الواحدي. واستظهره أيضًا الشنقيطي ﵀، واستدل بقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ [النور: ٤١] فقد ذكر فيها علمه، وحمل الكلام على التأسيس أولى من حمله على التأكيد. انظر: \"أضواء البيان\" ٦/ ٢٤٤ - ٢٤٥.\n(٨) البيت أنشده سيبويه في الكتاب ١/ ٦٢ ونسبه لسوادة بن عدي، وكذلك نسبه له السيوطي في \"شرح شواهد المغني\" ٢/ ١٧٦. =","vol":"16","page":317},{"text":"لا أرى الموت يسبق الموت شيء ... نغَّص الموت ذا الغنى والفقيرا (١) (٢)\nوعلى التقديرين الأولين قوله ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ [بِمَا يَفْعَلُونَ]﴾ (٣) استئناف، والمعنى: لا يخفى عليه طاعتهم وصلاتهم وتسبيحهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2889>٤٢ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ قال ابن عباس: يريد لا يملكها أحدُ غيره.\nوقال الكلبي: يعني خزائن السموات والأرض: المطر والرزق والنَّبات (٤).\nقوله: ﴿وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ مرجع العباد بعد الموت [والله أعلم] (٥).\n_________\n= وهو في \"ديوان عدي بن زيد العبادي\" ص ٦٥، و\"معاني القرآن\" للأخفش ٢/ ٤١٧ منسوبًا لعدي.\nوقال الشنتمري في \"تحصيل عين الذهب\" ١/ ٣٠ وقيل لأمية بن أبي الصلت.\nوهو من غير نسبة في \"الخصائص\" ٣/ ٥٣.\nوصحح البغدادي في \"الخزانة\" ١/ ٣٨١ أن البيت لعدي بن زيد.\nقال البغدادي في \"الخزانة\" ١/ ٣٧٦ - ٣٨١: أي لا أرى الموت يسبقه شيء، أي لا يفوته، ... وقوله نغص الموت ... إلخ يريد: نغَّص عيش ذي الغنى والفقير. يعني أن خوف الغني من الموت ينغص عليه الالتذاذ بالغنى والسرور به، وخوف الفقير من الموت ينغص عليه السعي في التماس الغنى، لأنه لا يعلم أنه إذا وصل إليه الغنى هل يبقى حتى ينتفع به أو يقتطعه الموت عن الانتفاع؟.\n(١) في (أ): (والفقير).\n(٢) قول النحاس وما أنشده لسيبويه في كتابه \"القطع والائتناف\" ص ٥١٣.\n(٣) زيادة من (ع).\n(٤) في (أ): (والحساب)، وهو خطأ.\n(٥) زيادة من (ظ).","vol":"16","page":318},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2890>٤٣ </span>- ﴿يُزْجِي سَحَابًا﴾ قال المفسرون (١) وأهل اللغة (٢): يسوق سحابًا. قال الليث: هو السَّوق الرقيق (٣).\nوقال المبرد: يسوقه سوقًا عاجلًا؛ لأنَّ المزجى: الخفيف (٤).\nوذكرنا معنى الإزجاء عند قوله ﴿بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ﴾ [يوسف: ٨٨].\nقوله: ﴿ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ﴾ الأصل في التأليف: الهمز، فتقول (يؤلِّف) (٥) بالهمز، وإذا خففت أبدلت منها الواو، وهو قراءة ورش، كما تقول: التُّودة، في التؤدة (٦)، فالتَّحقيق (٧) والتخفيف حسنان ولا يختلف النحويون في قلب هذه الهمزة واوًا إذا خففت (٨).\nومعنى التأليف: ضمُّ بعض الشيءُ إلى بعض (٩).\n_________\n(١) انظر: الطبري ١٨/ ١٥٣، الثعلبي ٣/ ٨٧ ب، \"معاني القرآن\" للنحاس ٤/ ٥٤٣.\n(٢) انظر: (زجا) في \"الصحاح\" للجوهري ٦/ ٢٣٦٧، \"لسان العرب\" ١٤/ ٣٥٥.\n(٣) قول الليث في \"تهذيب اللغة\" للأزهري ١١/ ١٥٥ (زجى).\n(٤) قال المبرد في \"الكامل\" ٢/ ٢٧٩ عند شرحه لقول الشاعر:\nوراحت الريح تزجي بُلقه\nقال: قوله: \"تزجي\": يقول: تسوقه وتستحثه، ...\nوقال في موطن آخر ١/ ٢٨١: المزجاة: اليسيرة الحفيفة المحمل، قال الله -﷿-: ﴿وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ﴾ [يوسف: ٨٨].\nوقال في موطن آخر ١/ ٢٥٦: يقال زجَّى فلان حاجتي: أي خف عليه تعجيلها.\n(٥) في (أ): (تألف)، والمثبت من باقي النسخ والحجَّة.\n(٦) التُّؤدة -بفتح الهمزة وسكونها- التَّأني والتَّمهُّل. \"تهذيب اللغة\" للأزهري ١٤/ ٢٤٤ (وأد)، \"القاموس المحيط\" للفيروزابادي ١/ ٣٤٣ (وأد).\n(٧) في (أ): (والتحقيق).\n(٨) من قوله: (الأصل إلى هنا) نقلًا عن \"الحجة\" للفارسي ٥/ ٣٣١ مع اختلاف يسير.\n(٩) انظر: \"تهذيب اللغة\" ١٥/ ٣٧٨ \"ألف\"، \"لسان العرب\" ٩/ ١٠ - ١١ (ألف).","vol":"16","page":319},{"text":"قال أبو إسحاق: أي يجعل القطع المتفرقة من السحاب قطعة واحدة (١).\nقال الفراء: (بين) لا يصلح إلا [مضافًا إلى] (٢) اثنين (٣) فما زاد، وفي الآية ﴿يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ﴾ لأنَّ السحاب واحد في اللفظ ومعناه جمع، ألا ترى قوله ﴿وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ﴾ [الرعد: ١٢]، وواحدته: سَحَبة، وهو بمنزلة: (نخلة ونخل) و(شجرة وشجر)، وأنت قائل: فلان بين الشَّجر وبين النَّخل، والذي لا يصلح من ذلك قولك: (المال بين زيد)، فهذا خطأ حتى تقول: بين زيد وعمرو، وإن نويت يزيد أنَّه اسم لقبيلة جاز ذلك، كما تقول: (المال بين [تميم) (٤).\nوقال الزجاج: يجوز أن يكون السحاب جمع سحابه ويكون ﴿بَيْنَهُ﴾ أي: بين] (٥) جميعه. ويجوز أن يكون السحاب واحد إلا أنَّه قال ﴿بَيْنَهُ﴾ لكثرته (٦)، كما تقول: ما زلت أدور بين الكوفة؛ لأن الكوفة اسم ينتظم أمكنة كثيرة (٧).\nوقوله ﴿ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا﴾ قال اللَّيث: الرَّكم: جمعك شيئًا فوق شيء حتى تجعله مركومًا ركامًا (٨).\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٤٩.\n(٢) ساقط من (ظ).\n(٣) في (ظ)، (ع): (اسمين).\n(٤) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٥٦.\n(٥) ساقط من (ظ)، (ع).\n(٦) في (أ): (لره).\n(٧) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٤٩ مع اختلاف يسير.\n(٨) قول الليث في \"تهذيب اللغة\" للأزهري ١٠/ ٢٤٢ (ركم)، وهو في \"العين\" ٥/ ٣٦٩ (ركم).","vol":"16","page":320},{"text":"وذكرنا الكلام في هذا عند قوله ﴿فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا﴾ [الأنفال: ٣٧].\nوالمعنى: يجعل بعض السحاب يركب بعضًا (١).\nقوله ﴿فَتَرَى الْوَدْقَ﴾ يعني: القطر والمطر، في قول المفسرين (٢).\nقال الليث: الودقُ: المطر كلُّه شديده وهيّنه. يقال: سحابةٌ وادقة (٣)، وقيل ما يقولون: ودقت تدقُ (٤).\nوأنشد أبو عبيدة (٥):\n_________\n(١) في (ظ): (بعضه).\n(٢) انظر: \"الطبري\" ١٨/ ١٥٣ - ١٥٤، الثعلبي ٣/ ٨٧ ب.\nوقد ذكر ابن أبي حاتم ٧/ ٥٦ أ، والماوردي ٤/ ١١٣، والقرطبي ١٢/ ٢٨٨ - ٢٨٩ في (الودق) قولين: أحدهما: ما ذكره الواحدي هنا، وعزاه الماوردي والقرطبي للجمهور.\nوالثاني: أنَّ الودق: البرق.\nوانظر: \"الدر المنثور\" ٦/ ٢١١.\n(٣) في المطبوع من \"تهذيب اللغة\" للأزهري: وداقه.\n(٤) قول الليث في \"تهذيب اللغة\" للأزهري ٩/ ٢٥١ (ودق). وهو في \"العين\" ٥/ ١٩٨ (ودق).\n(٥) البيت أنشده أبو عبيدة في \"مجاز القرآن\" ٢/ ٦٧ ونسبه لعامر بن جوين الطائي. وهو في \"معاني القرآن\" للأخفش ١/ ٢١٧، ٢/ ٥٢٠، و\"الكامل\" للمبرد ٢/ ٢٧٩، و\"المقاصد النحوية\" للعيني ٢/ ٤٦٤، و\"شرح شواهد المغني\" ٢/ ٩٤٣، و\"خزانة الأدب\" ١/ ٥٠ منسوبًا في جميعها لعامر بن جوين.\nقال السيوطي في \"شرح شواهد المغني\" ٢/ ٩٤٣: \"مزنة\" واحدة المزن، وهو السحاب الأبيض، ويقال للمطر: حب المزن .. والودق بالدال المهملة: المطر، ودقت تدق: قطرت .. وأرض: اسم للبرية المزنة، وأبقل خبرها .. ويقال للمكان أول ما ينبت فيه البقل: أبقل.\nوقال البغدادي في \"الخزانة\" ١/ ٥٠: وصف به أرضًا مخصبة بكثرة ما نزل بها من الغيث.","vol":"16","page":321},{"text":"فلا مزنة ودقت ودقها ... ولا أرض أبقل إبقالها\nوقال المبرد: الودقُ: المطر. سمي ودقًا لخروجه من السحاب يقال: ودقت سرته إذا خرجت (١).\nوقوله: ﴿مِنْ خِلَالِهِ﴾ خَلَلُ (٢) السَّحاب: مخارج القطر، والجميع: الخلال (٣) (٤).\nقال أبو إسحاق: خلال: جمع خَلَل، مثل جَبَل وجبال (٥).\nوقوله: ﴿مِنْ خِلَالِهِ﴾ من أضعافه (٦).\nوذكرنا معنى الخلال عند قوله ﴿فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ﴾ [الإسراء: ٥].\nوقوله: ﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ﴾ ذكر الفراء والزَّجاج في هذا تقديرين:\nأحدهما: وهو قول الفراء: أن الجبال في السَّماء من برد خلقة مخلوقة، كما تقول في الكلام: الآدمي من لحم ودم، فـ (من) هاهنا تسقط فتقول: الآدمي لحم ودم، والجبال برد، وكذا سمعت تفسيره (٧).\nوقال أبو إسحاق: المعنى: من جبال برد فيها كما تقول: (هذا خاتم\n_________\n(١) في \"الكامل\" للمبرد ٢/ ٢٧٩: والودق: المطر، يقال: ودقت السَّماء يا فتى، تدق ودقا، قال الله -﷿- (فترى الودق يخرج من خلاله) ثم أنشد البيت المتقدّم.\n(٢) في (أ): (خل).\n(٣) في (أ): (الخلل).\n(٤) \"تهذيب اللغة\" للأزهري ٦/ ٥٧٢ (خل) منسوبًا إلى الليث. وانظر: \"لسان العرب\" ١١/ ٢١٣ (خلل).\n(٥) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٤٩.\n(٦) لم أجد من ذكره عنه.\n(٧) \"معاني القرآن\" ٢٥٦٢ - ٢٥٨٧.","vol":"16","page":322},{"text":"في يدي من حديد)، المعنى: هذا حاتم حديد في يدي (١).\nقال أبو علي: مفعول الإنزال على هذا التقدير محذوف، حذف للدلالة عليه والتقدير: وينزل من السماء من جبال برد فيها بردًا، فاستغنى عن ذكر المفعول للدلالة عليه كما قال تعالى ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾ [إبراهيم: ٤٨].\nقال: ويجوز أن يكون (٢) ﴿مِنْ بَرَدٍ﴾ في موضع نصب على قول أبي الحسن (٣) في زيادة (من) في الإيجاب كما تقول: أكلت من طعام. فيكون البرد منزلًا على هذا (٤).\nويكون ذكر الجنس الذي منه الجبال محذوفًا إذا جعلت ﴿مِنْ بَرَدٍ﴾ في موضع المفعول به. واختار المبرد هذا التقدير، وقال (٥): أي من جبال في السماء، وتلك الجبال من برد.\nوهذا (٦) قول ابن عباس قال: أخبر الله تعالى أن في السَّماء جبالًا من برد (٧).\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٤٩.\n(٢) (يكون): ساقطة من (ظ).\n(٣) قال أبو الحسن الأخفش في كتابه \"معاني القرآن\" ٢/ ٤٦٤ - ٤٦٥ عند كلامه عن قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٤]: أدخل \"من\" كما أدخله في قوله: \"كان من حديث\" .. و(ينزل من السماء من جبال فيها من برد) وهو فيما فسر: ينزل من السماء جبالًا فيها برد.\nقال ابن عطية ١٠/ ٥٣٠ - بعد حكايته هذا القول عن الأخفش-: وهو ضعيف.\n(٤) \"الإغفال\" لأبي علي الفارسي ٢/ ١١٥١.\n(٥) في (أ): (قال، هذا).\n(٦) في (أ): (قال، هذا).\n(٧) ذكره عنه البغوي ٦/ ٥٤.","vol":"16","page":323},{"text":"وهذا القول هو الذي عليه (١) التفسير (٢)، وأصل العربية (٣).\nوقالوا: (من) الأولى لابتداء الغاية؛ لأن ابتداء الإنزال من السماء.\nوالثانية: للتبعيض؛ لأن ما ينزله (٤) الله تعالى بعض تلك الجبال التي في السماء.\nوالثالثة لتبين الجنس؛ لأن الجنس تلك الجبال جنس البرد (٥).\n_________\n(١) (عليه): ساقطة من (ظ).\n(٢) ذكر الرازي ٢٤/ ١٤ وأبو حيان ٦/ ٤٦٤ هذا القول عن مجاهد والكلبي وأكثر المفسرين.\n(٣) يظهر أن الواحدي اعتمد في هذا على قول الفراء. فإن الفراء بعد ذكره للتقدير الأول قال -وهو ما سيذكره الواحدي عنه من التقدير الثاني-: وقد يكون في العربية.\n(٤) في (أ): (ينزل).\n(٥) ذكر الثعلبي ٣/ ٨٧ ب هذا القول ولم ينسبه لأحد، وذكره البغوي ٦/ ٥٤ ونسبه لأهل النحو، وذكره الرازي ٢٤/ ١٤ ونسبه لأبي علي الفارسي، وذكره الكرماني في \"غرائب التفسير\" ٢/ ٨٠٢ ونسبه لابن عيسى الرماني.\nوقد حكى أبو حيّان والسمين الحلبي الاتفاق على أن \"من\" الأولى لابتداء الغاية. وأما الثانية والثالثة ففيهما خلاف.\nفقيل -وهو ما ذكره الواحدي-: أن الثانية للتبعيض، والثالثة للبيان، ويكون التقدير: وينزل من السماء بعض جبال فيها التي هي البرد.\nوقيل: الثانية للابتداء، والثالثة للتبعيض، ويكون التقدير: وينزل بعض برد من السماء من جبال فيها.\nوقيل: الثانية للابتداء، والثالثة زائدة، ويكون التقدير: وينزل من السماء جبالًا بردًا. وهذا القول أضعف الوجوه.\nفظهر بذلك أن في \"من\" الثانية ثلاثة أوجه: ابتدائية، أو للتبعيض، أو زائدة.\nوفي \"من\" الثالثة ثلاثة أوجه أيضًا: بيانية، أو للتبعيض، أو زائدة.\nوذكر \"السمين\" الحلبي في \"من\" الثالثة وجهًا رابعًا: أنَّها ابتدائية. =","vol":"16","page":324},{"text":"وعلى هذا القول الذي يقول المفعول محذوف، لا على قول أبي الحسن.\nالتقدير (١) الثاني: قال الفراء: وينزل من السماء من أمثال جبال ومقاديرها من البرد (٢).\nوقال أبو إسحاق: ويكون معنى ﴿مِنْ جِبَالٍ﴾ من مقدار جبال من برد، كما نقول: عند فلان جبال مال (٣)، تريد: مقدار جبال من كثرته (٤).\nقال أبو علي: الجبال في هذا التقدير معناه: التكثير والتعظيم، لا التي هي خلاف السهل كما قال ابن مقبل:\nإذا متّ عن ذكر القوافي فلن ترى ... لها شاعرًا مني (٥) أطب وأشعرا\nوأكثر بيتا شاعرًا ضربت (٦) به ... بطون جبال الشعر حتى تيسرا (٧)\n_________\n= انظر: \"المحرر\" لابن عطية ١٠/ ٥٣٠، \"الكشاف\" للزمخشري ٣/ ٧١، \"البحر المحيط\" لأبي حيان ٦/ ٤٦٤، \"الدر المصون\" للسمين الحلبي ٨/ ٤٢٠ - ٤٢١.\n(١) في (ظ): (والتقدير).\n(٢) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٥٧.\n(٣) (مال): ساقطة من (ع).\n(٤) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٤٩.\n(٥) هكذا في جميع النسخ و\"الإغفال\".\n(٦) في (ظ)، (ع): (عرضت).\n(٧) \"الإغفال\" لأبي علي ٢/ ١١٥٢.\nوقد ذكر الواحدي تقديرين اثنين في معنى \"وينزل من السماء من جبال فيها من برد\"، وفي الآية تقدير ثالث حكاه الماوردي ٤/ ١١٣: وهو أن السماء: السحاب، سمَّاه لعلوه، والجبال صفة للسحاب أيضًا سمي جبالًا لعظمه لأنَّها إذا عظمت أشبهت الجبال، فينزل منه بردًا.\nوانظر الرازي ٢٤/ ١٤، \"البحر\" لأبي حيان ٦/ ٤٦٤. ابن كثير ٣/ ٢٩٧.","vol":"16","page":325},{"text":"وأما تقدير مفعول الإنزال فعلى ما ذكرنا في التقدير الأول.\nوأما البرد: فإن اللَّيث (١) زعم أنَّه مطرٌ جامد. قال: وسحاب بردٌ (٢): ذو برد؛ وقد برد القوم، إذا أصابهم البرد (٣).\nوقوله ﴿فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ﴾ قال مقاتل: يصيب بالبرد من يشاء فيضره في زرعه وثمرته، ويصرفه عمن يشاء فلا يضره في زرعه وثمرته (٤).\nونحو هذا قال ابن عباس والمفسرون (٥).\nوقوله: ﴿يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ﴾ السنَّا: الضوء. مثل سنا النار، وسنا البدر، وسنا البرق (٦).\n_________\n(١) (الليث): ساقط من (ظ).\n(٢) في (ظ): (سحاب بارد).\n(٣) قول الليث في \"تهذيب اللغة\" ١٤/ ١٠٤ (برد) مصدرًا بقول الأزهري: فإنَّ اللَّيث زَعَم .. وهو في \"العين\" ٨/ ٢٧ (برد) بلفظ: مطر كالجمد.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٣٩ ب.\n(٥) انظر: \"الطبري\" ١٨/ ١٥٤، الثعلبي ٣/ ٨٧ ب.\nوعلى هذا القول فالضمير في قوله: \"به\" وقوله: \"ويصرفه\" يعود إلى البرد؛ لأنَّه هو الأقرب إلى الضمير، فالإصابة به نقمة وصرفه نعمة.\nوقيل: الضمير يعود إلى (الودق)، فالإصابة به نعمة وصرفه نقمة.\nوقد أشار الله تعالى إلى طمع الناس في الماء بقوله: ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [الروم: ٤٨]. انتهى من \"تفسير سورة النور\" للشنقيطي ص ٦٤ مع اختصار وتصرّف.\nوانظر أيضًا \"البحر\" لأبي حيان ٦/ ٤٦٥، \"الدر المصون\" للسمين الحلبي ٨/ ٤٢٣ فقد جوّزا هذا الوجه. واستبعده الألوسي ١٨/ ١٩١.\n(٦) انظر: (سنا) في \"تهذيب اللغة\" للأزهري ١٣/ ٧٧، \"الصحاح\" للجوهري ٦/ ٢٣٨٣، \"لسان العرب\" ١٤/ ٤٠٣.","vol":"16","page":326},{"text":"قال الليث: وقد أسنى البرقُ: إذا دخل سناه عليك بيتك، أو وقع إلي الأرض، أو طار في السَّحاب (١).\nوقال ابن السكيت: السَّنا: سنا البرق، وهو ضوؤه، يكتب بالألف ويثنَّى سنوان، ولم يعرف الأصمعي له فعلًا (٢).\nوذكر الكسائي جمع السَّنا فقال: والجماع: سُنيّ وسني، بضم السين وكسرها، والنون مكسورة، والياء مشدَّدة (٣).\nوقال المبرّد (٤): السَّنى مقصور وهو اللَّمع، فإذا كان من الشرف والحسب فهو ممدود. والأصل واحد؛ لأن معناهما الإشراق، تقول: ما (٥) رأيت سنى ناره، أي: التماعها كما قال الشاعر:\nيكاد سناها في السماء يطير (٦)\nقال السدي: يكاد ضوء برقه يلتمع البصر فيذهب به (٧).\n_________\n(١) قول الليث في \"تهذيب اللغة\" للأزهري ١٣/ ٧٧ (سنا). وانظر: \"العين\" ٧/ ٣٠٣ \"سنو\".\n(٢) قول ابن السكيت في \"تهذيب اللغة\" ١٣/ ٧٧ (سنا) بنصِّه، وهو في كتاب \"حروف الممدود والمقصور\" لابن السكيت ص ٩٩ مع اختلاف يسير.\n(٣) لم أجده.\n(٤) في \"الكامل\" للمبرد ١/ ٢٢٠: السنا: ضوء النار، وهو مقصور، قال الله -﷿-: (يكاد سنا برقه ..) والسنا من الشرف.\nونحوه في \"الكامل\" ٣/ ١٣٧، ٤/ ٧٤.\nوانظر أيضًا \" التعازي والمراثي\" للمبرد ص ٧٥.\nوقد ذكر القرطبي ٢/ ٢٩٠ هذا القول عن المبرد مختصرًا.\n(٥) (ما): ليست في (ظ)، (ع).\n(٦) لم أقف عليه.\n(٧) رواه ابن أبي حاتم ٧/ ٥٦ ب عنه بنحوه.","vol":"16","page":327},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2891>٤٤ </span>- وقوله: ﴿يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ قال السدي (١)، والكلبي، ومقاتل (٢): يأتي بالليل ويذهب بالنهار، ويأتي بالنهار ويذهب بالليل (٣).\n﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ التقلب (٤) ﴿لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ لدلالة لأهل (٥) العقول والبصائر على قدرة الله -﷾- وتوحيده (٦).\n﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ﴾ يعني كل [حيوان من] (٧) مميز وغيره مما\n_________\n(١) رواه ابن أبي حاتم ٧/ ٥٦ ب - ٥٧ أعنه به. وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ٢١٢ وعزاه لابن أبي حاتم.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٣٩ ب، ٤٠ أ.\n(٣) هذا أحد الوجوه في معنى تقليب الليل والنهار، وفيه وجوه أخرى ذكرها الماوردي وغيره منها:\nأولًا: أن معنى ذلك ولوج أحدهما في الآخر، وأخذ أحدهما من الآخر.\nثانيًا: أنه يغيِّر النهار بظلمة السحاب تارة وبضوء الشمس أخرى، ويغيّر الليل بظلمة السحاب مرة وبضوء القمر مرة. وتغير أحوالهما في البرد والحر وغيرهما.\nثالثًا: أن تقلّبهما باختلاف ما يقدر فيهما من خير وشر ونفع وضر.\nقال الرازي: ولا يمتنع في مثل ذلك أن يريد تعالى معاني الكل، لأنَّه في الإنعام والاعتبار أولى وأقوى.\nانظر الماوردي ٤/ ١١٤، الرازي ٢٤/ ١٥، القرطبي ١٢/ ٢٩٠ \"البحر\" لأبي حيان ٦/ ٤٦٥، ابن كثير ٣/ ٢٩٧.\n(٤) هذا قول مقاتل في \"تفسيره\" ٢/ ٤٠ أ.\nوقيل: إن في ذلك المذكور من تسبيح من في السموات والأرض والطير له سبحانه، وإنشاء السحاب، وإنزال الودق منه، والبرد من السماء، وتقليبه الليل والنهار ..\nانظر: \"الطبري\" ١٨٧/ ١٥٥، الثعلبي ٣/ ٨٧ ب، \"تفسير سورة النور\" للشنقيطي ص ١٦٦.\n(٥) في (أ): (أهل).\n(٦) (توحيده): ساقطة من (ظ)، (ع).\n(٧) ساقط من (أ).","vol":"16","page":328},{"text":"يشاهد في الدنيا (١). ولا يدخل الجن والملائكة في هذا؛ لأنَّا لا نشاهدهم ولم يثبت أنهم خلقوا من ماء (٢)، يدل على صحة هذا أن المفسرين قالوا في هذه الآية: من نطفة (٣).\nوقوله: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ﴾ قال ابن عباس: يريد الحيّات (٤).\nوقال مقاتل: يعني الهوام (٥).\nويدخل في هذا الجنس الحيتان والديدان.\n﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ﴾ كالإنسان والطير (٦) ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ﴾ كالبهائم والأنعام (٧).\nقال أبو إسحاق: لما كان قوله: ﴿كُلَّ دَابَّةٍ﴾ لما يعقل ولما لا يعقل قيل: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي﴾. ولما خلط الجماعة وقيل (٨): (منهم)؛ جعلت\n_________\n(١) هذا قول الزجاج في \"معانيه\" ٤/ ٥٠ مع اختلاف يسير.\n(٢) ذكر البغوي ٦/ ٥٥، والقرطبي ١٢/ ٢٩١ هذا القول من غير نسبة لأحد.\nوقد روى مسلم في \"صحيحه\" كتاب: الزهد ٤/ ٢٢٩٤ عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله -ﷺ-: \"خُلقت الملائكة من نور، وخلق الجانُّ من مَّارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم\".\n(٣) روى ابن أبي حاتم ٧/ ٥٧ أهذا القول عن ابن زيد، وحكاه الماوردي ٤/ ١١٤ عن السدي. وعلى هذا القول اقتصر الطبري ١٨/ ١٥٥.\nوحكى الماوردي ٤/ ١١٤، وابن الجوزي ٦/ ٥٣ في قوله: \"من ماء\" قولًا آخر: وهو أنه الماء المعروف، وهو أصل كل دابة.\n(٤) ذكر الطبري ١٨/ ١٥٥ هذا القول ولم ينسبه لأحد.\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٤٠ أ.\n(٦) الطبري ١٨/ ١٥٥، الثعلبي ٣/ ٨٨ أ.\n(٧) الطبري ١٨/ ١٥٥، الثعلبي ٣/ ٨٨ أ.\n(٨) في (ع): (قبل).","vol":"16","page":329},{"text":"العبارة بـ (من) (١) فقيل: ﴿مَنْ يَمْشِي﴾ (٢).\nوهذا معنى ما ذكره الفراء (٣).\nوقال المبرّد: قوله: ﴿كُلَّ دَابَّةٍ﴾ للناس وغيرهم، وإذا اختلط النوعان حُمل الكلام على الأغلب كما تقول: جاءني أخواك، وأنت تريد: أخاه وأخته وهذا الوجه المستقيم، وقد يخلط بينهما وهما في الحكم (٤) سواء ليس أحدهما أغلب من الآخر كما قال:\nيا ليت زوجك قد غدا ... متقلدًا سيفًا ورمحًا (٥)\nوالرمح لا يتقلد، ولكنه لما كان محمولًا كالسيف سوى (٦) بينهما. ومنه قول الآخر:\nشرَّاب ألبان وتمر (٧) وأقط (٨)\n_________\n(١) الباء زيادة من المعاني يستقيم بها المعنى.\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجَّاج ٤/ ٥٠ مع تقديم وتأخير واختلاف يسير.\n(٣) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٥٧.\n(٤) في (أ): (الحلم)، وهو خطأ.\n(٥) البيت في \"الكامل\" ١/ ١٩٦ منسوبًا لعبد الله بن الزِّبعرى. وهو من غير نسبة في: \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ٢/ ٦٨، \"معاني القرآن\" للأخفش ٢/ ٤٦٦، \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٨٤ وفيه: \"بعلك\"، \"أمالي المرتضى\" ١/ ٥٤، \"أمالي ابن الشجري\" ٣/ ٧٢١، \"الخصائص\" لابن جني ٢/ ٤٣١، \"اللسان\" ٣/ ٣٦٧ (لد).\n(٦) في (ع): (وسمَّى)، وهو خطأ.\n(٧) في (أ): (وثمر)، وهو خطأ.\n(٨) أنشد المبرّد هذا البيت من الرَّجز في \"الكامل\" ١/ ٣٣٤، ٣٧١، ٢/ ٢٧٥، و\"المقتضب\" ٢/ ٥٠ من غير نسبة لأحد.\nوهو في \"الإنصاف في مسائل الخلاف\" لأبي البركات ابن الأنباري ٢/ ٦١٣، و\"لسان العرب\" ٢/ ٢٨٧ (زجج).","vol":"16","page":330},{"text":"لأن الكل في باب الدخول في الحلق واحد (١).\nوقال أبو عبيدة في قوله ﴿يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ﴾: لا يكون المشي إلاَّ لما له قوائم، فإذا خُلط ما لا قوائم له مع ماله قوائم جاز أن تقول: يمشي، كما تقول: أكلت خبزًا ولبنًا (٢).\nوهذا ضد ما قال الزجاج في هذه الآية: كل سائر كان (٣) له رجلان أو أربع أو لم يكن له قوائم يقال له (٤): ماشٍ وقد مشى. ويقال لكل مستمر (٥): ماشٍ، وإن لم يكن من الحيوان، حتى يقال: قد مشى هذا الأمر (٦).\nوالصحيح هذا لا ما قاله أبو عبيدة.\nوباقي الآية والذي بعدها ظاهر.\nقال ابن عباس (٧): ثم ذكر أهل النفاق وشكّهم في الله تعالى فقال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2892>٤٧ </span>- ﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ قال مقاتل: صدقنا بتوحيد الله وبالرسول محمد أنَّه من الله ﴿وَأَطَعْنَا﴾ قولهما، يعني المنافقين يقولون هذا بألسنتهم ﴿ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾ ثم يعرض عن طاعتهما طائفة منهم ﴿مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ من بعد قولهم أمنا (٨).\n_________\n(١) انظر نحو هذا الكلام للمبرد في \"المقتضب\" ٢/ ٤٩ - ٥٠، \"الكامل\" ١/ ٣٣٤، ٣٧١، ٢/ ٢٧٥.\n(٢) \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ٢/ ٦٨ مع اختلاف يسير.\n(٣) (كان): ساقطة من (ع).\n(٤) (له): ساقطة من (ظ)، (ع).\n(٥) في (ظ): (مشمر) ومهملة في (ع).\n(٦) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٥٠.\n(٧) لم أجد من ذكره عن ابن عباس. وقد روى ابن أبي حاتم ٧/ ٥٧ ب، ٥٨ أعنه أبي العالية وقتادة أنها في المنافقين.\n(٨) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٤٠ أ.","vol":"16","page":331},{"text":"قال مقاتل وغيره (١): نزلت في بشر المنافق كان يخاصم يهوديًّا في أرض، فجعل اليهودي يجره إلى رسول الله -ﷺ-، وجعل المنافق يجره إلى كعب بن الأشرف، ويقول: إن محمدًا يحيف علينا. فقال الله ﴿وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ يعني الذي يعرضون عن حكم الله ورسوله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2893>٤٨ </span>- ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ﴾ إلى كتاب الله ﴿وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾ الرسول فيما اختصموا فيه ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ (٢) عما يُدعون إليه من حكم الله ورسوله.\nوقال الفراء: إنَّما قال: ﴿لِيَحْكُمَ﴾، ولم يقل: ليحكما؛ لأن المعنى: للرَّسول، وإنَّما بُدئ (٣) بذكر الله إعظامًا لله (٤).\nوذكرنا مثل هذا فيما تقدم (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2894>٤٩ </span>- ﴿وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾ قال ابن عباس (٦)،\n_________\n(١) قول مقاتل في \"تفسيره\" ٢/ ٤٠ أ.\nوذكره الثعلبي ٣/ ٨٨ أمن غير سند.\nوذكر الواحدي في \"أسباب النزول\" ص ١٣٣ من رواية الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس نحو هذا في سبب نزول قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ﴾ [النساء: ٦٠]. ومقاتل والكلبي وأمثالهما لا يعتمد عليهم في الرواية.\n(٢) في (أ)، (ظ): (فإذا)، وهو خطأ.\n(٣) في (أ): (بدأ).\n(٤) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٥٨ مع تقديم وتأخير.\n(٥) انظر: \"البسيط\" عند قوله تعالى ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ٦٢].\n(٦) روى الطبري ١٨/ ١٥٦ مثل هذا القول عن مجاهد، ورواه ابن أبي حاتم ٧/ ٥٨ أ، ب عن ابن زيد، وذكره النحاس في \"معاني القرآن\" ٤/ ٥٤٧ عن عطاء. وحكاه الماوردي ٤/ ١١٥ والقرطبي ١٢/ ٢٩٣ عن مجاهد.","vol":"16","page":332},{"text":"ومقاتل (١): مسرعين.\nوقال الكلبي: طائعين (٢).\nوقال الزَّجَّاج: الإذعان في اللغة: الإسراع مع الطَّاعة. تقول: قد أذعن لي بحقي، أي: طاوعني لما كنت التمسه منه، وصار يسرع إليه (٣).\nوقال ابن الأعرابي: مذعنين: مقِّرين خاضعين (٤).\nوقال المبرد: طائعين غير ممتنعين كما تقول: أذعن فلان بحقي، إذا أقرَّ به ولم يمتنع (٥).\nأخبر الله تعالى أنَّ المنافقين يعرضون عن حكم الرسول لعلمهم بأنه (٦) يحكم بالحق ولا يداهن، فإذا كان الحق لهم على غيرهم أسرعوا إلى حكمه لثقتهم بأنَّه كما يحكم عليهم بالحق يحكم لهم أيضًا بالحق وينتصف لهم ممَّن لهم الحق عليه.\nقال ابن عباس: ثم أخبر بما في قلوبهم من المرض والشك فقال: ﴿أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾.\nقال مقاتل: يعني الكفر (٧).\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٤٠ أ.\n(٢) روى ابن أبي حاتم ٧/ ٥٨ ب مثل هذا القول عن الحسن، وذكره الماوردي ٤/ ١١٥ وقال: حكاه ابن عيسى.\n(٣) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٥٠.\n(٤) قول ابن الأعرابي في \"تهذيب اللغة\" للأزهري ٢/ ٣٢٠ (ذعن).\n(٥) انظر نحو هذا عند الطبري ١٨/ ١٥٦، وانظر: \"لسان العرب\" ١٣/ ١٧٢ (ذعن).\n(٦) في (ظ)، (ع): (أنَّه).\n(٧) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٤٠ أ.","vol":"16","page":333},{"text":"﴿أَمِ ارْتَابُوا﴾ أم شكوا في القرآن.\nوإنَّما جاء بلفظ الاستفهام؛ لأنَّه أشد في الذم والتوبيخ، أي أنَّ هذا أمرٌ قد ظهر حتى لا يحتاج فيه إلى البيّنة (١)، كما جاء في نقيضه على طريق الاستفهام لأنَّه أشد مبالغة وهو قول جرير:\nألستم خير من ركب المطايا (٢)\nأي أنتم كذلك (٣).\nوبنحو (٤) هذا فسر ابن عباس فقال: أخبر الله تعالى بما في قلوبهم من المرض والشك.\nفجعل معنى هذا الاستفهام: الإخبار.\nقوله تعالى: ﴿أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ﴾ قال ابن عباس والمفسرون (٥): أن يجور الله عليهم.\n_________\n(١) في (ع): حتى لا يحتاج فيه إلَّا إلى التنبيه.\n(٢) هذا صدر بيت من قصيدة يمدح بها عبد الملك بن مروان، وعجزه:\nوأندى العالمين بطون راح\nوهو في \"ديوانه\" ١/ ٨٩، و\"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ١/ ٣٦، ١٨٤، و\"أمالي ابن الشَّجري\" ١/ ٢٦٥، و\"لسان العرب\" ٧/ ١٠ (نقص)، \"مغني اللبيب\" لابن هشام ١/ ٢٤.\nقال السيوطي في \"شرح شواهد المغني\" ١/ ٤٤: المطايا: جمع مطية، وهي الدابة تمطو في مشيها أي: تسرع، وأندى: أسخى، والراح: جمع راحة وهو الكف. اهـ.\n(٣) من قوله: وإنما جاء بلفظ الاستفهام .. إلى هنا. هذا قول الثعلبي في \"تفسيره\" ٣/ ٨٨ أمع اختلاف يسير في العبارة. وقد ذكره ابن الجوزي ٦/ ٥٥، والقرطبي ١٢/ ٢٩٤، وأبو حيان ٦/ ٤٦٧ من غير نسبة.\n(٤) في (أ): (ونحو).\n(٥) انظر: \"الطبري\" ١٨/ ١٥٦.","vol":"16","page":334},{"text":"والحيف: الميلُ في الحكم. وحيفُ النَّاحل أن يعطي بعض أولاده دون بعض (١).\nوقال المبرد: يقال: حاف علي فلانٌ في القضية، أي جار علي وألزمني ما لا يلزم (٢).\n﴿بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ أي: لا يظلم الله ورسوله في الحكم، بل هم الذين يظلمون أنفسهم بالكفر والإعراض عن حكم رسول الله -ﷺ- (٣).\nقال مقاتل: ثم نعت الصادقين في إيمانهم فقال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2895>٥١ </span>- ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ الآية (٤).\nقال الفراء: ليس هذا بخبر (٥) ماض يخبر (٦) عنه (٧)، كما تقول: إنما كنت صبيًّا، ولكن معناه: إنما كان ينبغي أن يكون قول المؤمنين إذا دعوا أن يقولوا سمعنا وأطعنا، وهو أدب من الله تعالى. قال: وكذا جاء في التفسير (٨).\nوقال مقاتل: يقولوا سمعنا قول النبي وأطعنا أمره (٩).\n_________\n(١) \"تهذيب اللغة\" للأزهري ٥/ ٢٦٤ (حاف)، وانظر: \"لسان العرب\" ٩/ ٦٠ (حيف).\n(٢) لم أجد من ذكره عنه، وانظر: \"لسان العرب\" ٩/ ٦٠ (حيف).\n(٣) انظر: \"الطبري\" ١٨/ ١٥٧.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٤٠ أ.\n(٥) في (أ): (الحبر) في الموضعين.\n(٦) في (أ): (الحبر) في الموضعين.\n(٧) (عنه): ساقطة من (ع).\n(٨) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٥٨.\n(٩) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٤٠ أ.","vol":"16","page":335},{"text":"وقال ابن عباس: وإن كان ذلك فيما يكرهون (١) ويضرّ بهم (٢).\nقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ قال ابن عباس: فيما ساءه وسرّه (٣).\nوقال مقاتل: في أمر الحكم ﴿وَيَخْشَ اللَّهَ﴾ في ذنوبه التي عملها ﴿وَيَتَّقْهِ﴾ فيما تعبد (٤) فلم يعص الله (٥).\nوالمعنى: يتقي عذاب الله بطاعته (٦).\nوفي (يتقه) وجوه من القراءات:\nأحدها: (يتَّقهي) موصولة بياء (٧)، وهو الوجه؛ لأن ما قبل الهاء متحرك، وحكمها إذا تحرك ما قبلها أن تتبعها الياء في الوصل.\nوروى قالون (٨)، عن نافع: بكسر الهاء ولا يبلغ بها الياء (٩). ووجهه\n_________\n(١) في (ظ)، (ع): (يكرهونه).\n(٢) ذكره عنه القرطبي ١٢/ ٢٩٤.\n(٣) ذكره عنه البغوي ٦/ ٥٦. وذكره الرازي ٢٤/ ٢٢ من غير نسبة.\n(٤) في (أ): (يعبد)، والمثبت من باقي النسخ و\"تفسير مقاتل\".\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٤٠ أ.\n(٦) هذا قول الطبري ١٤/ ١٥٧ بنصِّه.\n(٧) وهذه قراءة جمهور القراء.\n\"السبعة\" ص ٤٥٧، \"التَّبصرة\" ص ٢٧٤، \"التيسير\" ص ١٦٣.\n(٨) هو: عيسى بن مينا بن وردان بن عيسى، الزرقي مولى بني زهرة، أبو موسى، الملقب بقالون. قارئ المدينة في زمانه ونحويّهم. يقال إنَّه ربيب نافع، وقد اختص به كثيرًا، وهو الذي سمَّاه قالون لجودة قراءته، وهي لفظة رومية معناه: جيّد. وانقطع لإقراء القرآن والعربية، وطال عمره وبعد صيته. توفي سنة ١٢٠ هـ.\n\"معرفة القراء الكبار\" للذهبي ١/ ١٥٥، \"غاية النهاية\" ١/ ٦١٥، \"شذرات الذهب\" ٢/ ٤٨.\n(٩) انظر: \"السبعة\" ص ٤٥٧، \"التبصرة\" ص ٢٧٤، \"التيسير\" ص ١٦٣.","vol":"16","page":336},{"text":"أن الحركة قبل الهاء ليست تلزم، ألا ترى أنَّ الفعل إذا رفع دخلته الياء، وإذا دخل (١) الياء اختير حذف الياء بعد الهاء في الوصل مثل: (عليه) فلما كان الحرف المحذوف لا يلزم حذفه صار كأنَّه في اللفظ.\nوقرأ أبو عمرو: (ويتَّقه) جزمًا (٢). ووجهه أن ما يتبع هذه الهاء من الواو والياء زائد (٣) فردَّ إلى الأصل، وحذف ما يلحقه من الزيادة.\nوقد حكى سيبويه (٤) أنه سمع: (هذه أمة (٥) الله)، في الوصل والوقف، وهذه الهاء التي في هذه قد أجروها مجرى هاء الضمير، فلما (٦) استجازوا الحذف في هذه فكذلك يجوز في الهاء التي للضمير.\nوروى حفص عن عاصم (ويتقه) ساكنة القاف مكسورة الهاء مختلسه (٧).\nووجهه أن (تقه) من (يتقه) بمنزلة: كتف، فكما (٨) يسكن (٩) كتف، كذلك سكَّن القاف من (تقه) (١٠) (١١). وقد تقدَّم لهذا نظائر واستشهادات.\n_________\n(١) هكذا في جميع النسخ، وفي \"الحجّة\": دخلت.\n(٢) انظر: \"السبعة\" ص ٤٥٧، \"التبصرة\" ص ٢٧٤، \"التيسير\" ص ١٦٢.\n(٣) في \"الحجة\": زائدة.\n(٤) \"الكتاب\": ٤/ ١٩٨.\n(٥) في (ظ)، (ع): (آية).\n(٦) في \"الحجة\": فكما.\n(٧) انظر: \"السبعة\" ص ٤٥٨، \"التبصرة\" ص ٢٧٤، \"التيسير\" ص ١٦٣.\n(٨) في (ظ)، (ع): (فلما)، والمثبت من (أ) والحجة.\n(٩) في (ع): (سكن).\n(١٠) في (أ): (يقه).\n(١١) من قوله: (يتقهي) موصولة .. إلى هنا. نقلًا عن \"الحجة\" لأبي علي الفارسي ٥/ ٣٢٧ - ٣٢٩ مع تقديم وتأخير واختلاف يسير. =","vol":"16","page":337},{"text":"وقال ابن الأنباري (١): هذا على لغة من يسقط الياء ويسكن الحرف الذي قبلها في باب الجزم فيقول: لم أر زيدًا، ولم أشتر طعامًا، ولم يتَّق زيد. وهو من التوهم (٢)، والتقدير لما ذهبت الياء (٣) استوثقوا من الجزم بتسكين ما قبل الياء. أنشد الفراء (٤):\nومن يتَّق فإنَّ الله معه ... ورزق الله منتاب (٥) وغاد\nوقال مقاتل بن سليمان وغيره (٦): لما بيَّن الله تعالى كراهية المنافقين لحكم النبي -ﷺ- أتوه فقالوا: والله لو أمرتنا أن نخرج من ديارنا وأموالنا ونسائنا لخرجنا، وإن أمرتنا بالجهاد جاهدنا، فأنزل الله فيما حلفوا قوله\n_________\n= وانظر أيضًا في \"توجيه القراءات\": \"علل القراءات السبع\" لابن خالويه ٢/ ١١١ - ١١٣، \"حجة القراءات\" لابن زنجلة ص ٥٠٣ - ٥٠٤، \"الكشف\" لمكي ٢/ ١٤٠ - ١٤٢.\n(١) ذكر ابن خالويه في \"علل القراءات\" ٢/ ١١٣ هذا القول باختصار مع البيت، ولم ينسبه لأحد. وابن خالويه يروي عن ابن الأنباري.\n(٢) أي توهّم أنَّها لام الفعل فتُسكن للجزم.\n(٣) (الياء): ساقطة من (ع).\n(٤) لم أجده في كتابه \"معاني القرآن\". ويظهر أنه من تمام كلام ابن الأنباري.\nوالبيت بلا نسبة في \"الخصائص\" لابن جني ١/ ٣٠٦، والصاحبي في \"فقه اللغة\" لابن فارس ص ٤٨، و\"شرح شواهد الشافية\" ص ٢٢٨، و\"لسان العرب\" ١/ ٢١٨ (أوب) ١٥/ ٤٠٢ (وقي) والرواية عندهم: (مؤتاب) في موضع (منتاب).\nوصدر البيت في \"همع الهوامع\" ١/ ٧٩ بلا نسبة.\n(٥) هكذا في جميع النسخ، وفي بقية المصادر التي ذكرت البيت: مؤتاب.\n(٦) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٤٠ ب.\nوذكر الثعلبي ٣/ ٨٨ أنحوه بغير سند.\nوروى ابن مردويه كما في \"الدر المنثور\" ٦/ ٢١٤ عن ابن عباس نحو هذا.","vol":"16","page":338},{"text":"تعالى:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2896>٥٣ </span>- ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ قال مقاتل: من حلف بالله فقد اجتهد في اليمين (١). وقد مرّ (٢).\n﴿لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ﴾ يا محمد ﴿لَيَخْرُجُنَّ﴾ إلى الجهاد ومن أموالهم وديارهم (٣).\n﴿قُلْ لَا تُقْسِمُوا﴾ قال ابن عباس: قل: لا تحلفوا فإنَّ الله لو بلغ منكم (٤) الجهد. لم تبلغوه. يعني: لو كلَّفكم (٥) ما تُقسمون عليه ما وفَّيتم بيمينكم (٦) (٧).\nوتمّ الكلام. ثم قال:\n﴿طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ﴾ قال مقاتل بن حيان: أمرهم أن لا يحلفوا على شيء، ولكن أمرهم أن تكون منهم طاعة معروفة للنبي -﵇- من غير أن يقسموا (٨).\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٤٠ ب.\n(٢) انظر: \"البسيط\" عند قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ [المائدة: ٥٣]، و\"البسيط\" عند قوله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ [الأنعام: ١٠٩].\n(٣) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٤٠ ب.\n(٤) (منكم): ساقطة من (ع).\n(٥) في (أ): (لم تبلغوا نعمتي لو كفلكم)، وهي عبارة لا معنى لها.\n(٦) في (ع): (بتمنيكم)، وهو خطأ.\n(٧) لم أجده.\n(٨) رواه ابن أبي حاتم ٧/ ٥٩ أ، ب وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ٢١٤ ونسبه لابن أبي حاتم.","vol":"16","page":339},{"text":"وقال مقاتل بن سليمان: ﴿قُلْ﴾ لهم ﴿لَا تُقْسِمُوا﴾ ولكن لتكن (١) منكم ﴿طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ﴾ يعني حسنة [النبي -ﷺ- (٢).\nوهذا معنى قول الكلبي، يقول: أطيعوه وقوله المعروف من الكلام.\nوفسَّر ابن عباس الطاعة المعروفة] (٣) -هاهنا- بأن يُضمروا في القلب طاعته بنيَّة خالصة (٤).\nوقال أبو إسحاق: تأويله: طاعة معروفة أمثل من قسمكم بما لا تصدقون فيه. فالخبر مُضمر وهو: \"أمثل\"، وحذف لأن في الكلام دليلًا (٥) عليه (٦).\nوقال مجاهد: أي هذه طاعة معروفة منكم بالقول دون الاعتقاد. أي أنَّكم تكذبون فيما تقولون: لو أمرتنا أن نخرج من ديارنا وأموالنا خرجنا (٧).\nوذكر أبو عبيدة هذا الوجه فقال: أي هذه طاعة معروفة (٨).\nوعلى هذا معنى المعروفة أنها عرفت منهم، فهم يقولون ولا يفون بما يقولون.\n_________\n(١) في \"تفسير مقاتل\": ولكن هذه منكم.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٤٠ ب.\n(٣) ساقط من (أ).\n(٤) ذكر البغوي ٦/ ٥٧، والقرطبي ١٢/ ٢٩٦ نحو هذا المعنى ولم ينسباه لأحد.\n(٥) في (أ): (دلالة).\n(٦) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٥١.\n(٧) ذكر الثعلبي ٣/ ٨٨ أهذا القول وقال: وهذا معنى قول مجاهد. اهـ.\nوقد رواه بنحوه مختصر الطبري ١٨/ ١٥٧. وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ٢١٤ بمثل رواية الطبري ونسبه لابن المنذر.\n(٨) هذا معنى ما قاله أبو عبيدة في \"مجاز القرآن\" ٢/ ٦٩، ونصُّه: (طاعة معروفة) مرفوعتان ..، فرفعتا على ضمير يُرفع به، أو ابتداءً.","vol":"16","page":340},{"text":"وقيل: طاعة معروفة منكم بالكذب (١) (٢).\nوقد حصل في ارتفاع الطاعة ثلاثة أقوال (٣).\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ أي من طاعتكم بالقول ومخالفتكم بالفعل (٤).\nوقال عطاء، عن ابن عباس: يريد بأعمالكم وسرائركم.\nقال مقاتل: ثم أمرهم الله بطاعته وطاعة رسوله فقال: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ (٥).\n﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ قال الفراء: واجه القوم، ومعناه: فإن تتولَّوا، فهي في موضع جزم، ولو كانت لقوم غير مخاطبين كان فعلًا ماضيًا بمنزلة قولك: فإن قاموا، كما قال ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ﴾ [التوبة: ١٢٩] هؤلاء غير مخاطبين، والجزاء يصلح فيه فَعَل ويفعل كهذه (٦) الآية والتي في هذه السورة، وأنت تعرفهما بالقراءة بعدهما؛ ألا ترى قوله: ﴿عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ\n_________\n(١) (بالكذب): ساقطة من (ع).\n(٢) هذا قول الطبري ١٨/ ١٥٧، والثعلبي ٣/ ٨٨ ب.\n(٣) هذه الأقوال هي حسب ذكر الواحدي لها:\nالأول: أن تكون فاعلةً بفعل محذوف، أي: ولتكن طاعةٌ.\nالثاني: أنها مبتدأ والخبر محذوف، أي: أمثل أو أولى.\nالثالث: أنها خبر مبتدأ مضمر تقديره: هذه طاعة، أو المطلوب طاعة.\nوانظر: \"إعراب القرآن\" للنحاس ٣/ ١٤٤، \"مشكل إعراب القرآن\" لمكي ٢/ ٥١٤ - ٥١٥، \"البيان في غريب إعراب القرآن\" للأنباري ٢/ ١٩٨، \"الإملاء\" للعكبري ٢/ ١٥٨ - ١٥٩، \"الدر المصون\" للسمين الحلبي ٨/ ٤٣٢.\n(٤) انظر: \"الطبري\" ١٨/ ١٥٧، الثعلبي ٣/ ٨٨ أ.\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٤٠ ب.\n(٦) في (ظ): (هذه)، وفي (ع): (بهذه).","vol":"16","page":341},{"text":"وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ﴾ ولم يقل: عليهم، وقوله ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ﴾ [البقرة: ١٣٧] فهذا يدل على فعلوا. انتهى كلامه (١).\nوقد بان بما ذكر أن قوله ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ (٢) مخاطبة من الله تعالى لهم بعد أن أمر رسوله أن يخاطبهم بقوله: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾، ولو كان قوله: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ من خطاب الرسول معهم لقال: فإنما علي ما حمل.\nقال ابن عباس: الذي حمِّل النبي -ﷺ- أن يبلغهم، وحملوا أن يطيعوه (٣).\nوقال مقاتل (٤)، والسدي (٥): يقول فإنما على محمد ما أمر من تبلغ الرسالة، وعليكم ما أمرتم من طاعتهما.\n﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ تصيبوا الحق (٦).\n﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ ليس عليه إلاَّ أن يبلغ ويبين لكم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2897>٥٥ </span>- ﴿وَعَدَ اللَّهُ﴾ الآية، قال أبي بن كعب: لما قدم رسول الله -ﷺ- وأصحابه المدينة، وآوتهم الأنصار، رمتهم العرب عن قوس واحدة، وكانوا لا يبيتون إلا مع السلاح ولا يصبحون إلاَّ فيه، فقالوا: ترون أنَّا نعيش حتى نبيت آمنين مطمئنين لا نخاف إلا الله، فنزلت هذه الآية (٧).\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٥٨ مع تقديم وتأخير وتصرف في بعض العبارات.\n(٢) (تولوا) ساقط من (ظ).\n(٣) ذكره القرطبي ١٢/ ٢٩٦ عن ابن عباس وغيره.\n(٤) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٤٠ ب.\n(٥) رواه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٧/ ٥٩ ب عن السدي. وذكره السيوطيِ في \"الدر المنثور\" ٦/ ٢١٤ ونسبه لابن أبي حاتم.\n(٦) \"الطبرى\" ١٨/ ١٥٨.\n(٧) رواه الطبراني في \"الأوسط\" كما في \"مجمع البحرين في زوائد المعجمين\" =","vol":"16","page":342},{"text":"وقوله ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ﴾ قال الفراء، والزَّجَّاج (١): إنما جاءت اللام؛ لأنَّ العدة قولٌ يصلح فيها أن، ويصلح فيها جواب اليمين، تقول: وعدتك أن آتيك، ووعدتك لآتينك، ومثله: ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ﴾ [يوسف: ٣٥] وتقول: وعدته لأكرمنه، بمنزلة قلت؛ لأن الوعد لا ينعقد إلا بقول (٢). وقد فسرنا هذا في غير هذا الموضع.\nومعنى ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ﴾ ليجعلنهم يخلفون من قبلهم.\nقال المفسرون: أي لنورثنهم أرض الكفّار من العرب والعجم فنجعلهم ملوكها وساستها وسكانها (٣).\nوعلى هذا الآية عامة في المؤمنين.\nوخصص بعضهم الآية بالخلفاء والولاة من أصحاب النبي -ﷺ-.\nوهو قول ابن عباس في رواية عطاء، ومعنى قول مقاتل بن حيان.\nقال ابن عباس -في هذه الآية-: يريد أبا بكر وعمر وعثمان -﵃- ومن\n_________\n= للهيثمي ٦/ ٥٨، والحاكم في \"مستدركه\" ٢/ ٤٠١، والبيهقي في \"دلائل النبوة\" ٣/ ٦ - ٧، والحافظ الضياء المقدسي في \"المختارة\" ٣/ ٣٥٢ - ٣٥٣، والواحدي في \"أسباب النزول\" ص ٢٧٢ - ٢٧٣.\nوذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ٢١٦ وعزاه أيضًا لابن المنذر وابن مردويه. قال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" ٧/ ٨٣: ورجاله ثقات.\n(١) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٥٨، \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٥١.\n(٢) وفي مجيء اللام في (ليستخلفنهم) وجه آخر، وهو أن اللَّام جواب قسم مضمر أي: أقسم ليستخلفنهم، ويكون مفعول الوعد محذوفًا تقديره: وعدهم الاستخلاف لدلالة (ليستخلفنهم) عليه. أو التمكين لدينكم. انظر: \"البحر المحيط\" لأبي حيان ٦/ ٤٦٩، \"الدر المصون\" للسمين الحلبي ٨/ ٤٣٤.\n(٣) الثعلبي ٣/ ٨٨ ب، والطبري ١٨/ ١٥٨.","vol":"16","page":343},{"text":"ولي من أصحاب النبي -ﷺ- (١).\nوقال مقاتل: ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ يعني أرض المدينة (٢).\nوهذا يدل على أنه أراد استخلاف الخلفاء الثلاثة الذين ذكرهم ابن عباس؛ لأنَّهم كانوا في المدينة، ولم يرد تخصيص الأرض بالمدينة؛ لأن الله تعالى فتح عليهم الكثير من أرض الدنيا، وليس في أن يعدهم فتح أرض المدينة كبير (٣) نصرة ولا تمكين في الدين. كيف والآية نازلة بعد أن كانوا في المدينة، ولكن أراد: ليجعلهم خلفاء في المدينة يسكنونها.\nوالآية على هذا التفسير دلالة على خلافة هؤلاء، وأنَّ الوعد من الله قد سبق (٤) باستخلافهم. [خلفاء في المدينة] (٥). والظاهر القول الأول (٦).\n_________\n(١) ذكر عنه القرطبي ١٢/ ٢٩٨ نحو هذا القول.\n(٢) رواه عنه ابن أبي حاتم ٧/ ٦١ أ.\nوروى عنه ابن أبي حاتم ٧/ ٦٠ ب أيضًا أنه قال في قوله ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ قال: يعني أصحاب النبي -ﷺ-.\n(٣) في (أ): (كثير).\n(٤) في (ع): (قد سبق من الله).\n(٥) ساقط من (ظ)، (ع).\n(٦) ويدخل في ذلك أصحاب النبي -ﷺ- دخولًا أوَّليًّا \"لأنَّه لم يتقدمهم أحدٌ في الفضيلة إلى يومنا هذا؛ فأولئك مقطوع بإمامتهم، متفق عليهم- وصدق وعد الله فيهم، وكانوا على الدين الذي ارتضى لهم، واستقر الأمر لهم، وقاموا بسياسة المسلمين، وذبُّوا عن حوزة؛ فنفذ الوعد فيهم، وصدق الكلام فيهم. وإذا لم يكن هذا الوعد بهم يُنجز، وفيهم نَفَذ، وعليهم ورد، ففيمن يكون إذن؟ وليس بعدهم مثلهم إلى يومنا هذا، ولا يكون فيما بعده\" انتهى من كلام ابن العربي في \"أحكام القرآن\" ٣/ ١٣٩٢.\nوانظر ما قاله أبو حيان ٦/ ٤٦٩، وابن كثير ٣/ ٣٠٠ - ٣٠٢ في إنجازه وعده للصحابة ومن بعدهم حين قاموا بالشروط في الآية.","vol":"16","page":344},{"text":"قوله تعالي ﴿كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ قال مقاتل: يعني بني إسرائيل (١). إذ أهلك (٢) الجبابرة بمصر وأورثهم أرضهم وديارهم.\nروى أبو بكر، عن عاصم: (استُخلف) بضم التاء وكسر اللام (٣).\nوالوجه (استخلف) ألا ترى أنَّ (٤) اسم الله قد تقدم ذكره، والضمير في ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ﴾ يعود إلى اسم الله؛ فكذلك في قوله ﴿كَمَا اسْتَخْلَفَ﴾ والمعنى: يستخلفنهم استخلافًا كاستخلافه (٥) الذين من قبلهم. ووجه (استخلف) أنه مراد به ما أريد باستخلف (٦).\nقوله تعالى: ﴿وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى﴾ قال ابن عباس: يريد يوسع لهم في البلاد حتى يملكوها، ويظهر دينهم على جميع الأديان، ويملِّكهم على جميع الملوك (٧).\nقوله تعالى: ﴿وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾ قرئ بالتخفيف والتشديد\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٤٠ ب. وقوله: إذ أهلك. وديارهم. ليس من كلام مقاتل، وإنما هذا كلام الثعلبي في \"تفسيره\" ٣/ ٨٨ ب بنصِّه، ساقه الواحدي مبينًا به كلام مقاتل.\n(٢) في (أ): (هلك).\n(٣) وقرأ الباقون بفتح التاء واللام. \"السبعة\" ص ٤٥٨، \"التبصرة\" ص ٢٧٤، \"التيسير\" ص ١٦٣.\n(٤) في (أ): (أنَّه).\n(٥) في (أ): (كاستخلاف)، والمثبت من باقي النسخ و\"الحجة\".\n(٦) من قوله: (وروى أبو بكر، عن عاصم) .. إلى هنا، نقلًا عن \"الحجة\" لأبي علي الفارسي ٥/ ٣٣١ - ٣٣٢ مع اختلاف يسير.\nوانظر: \"علل القراءات\" للأزهري ٢/ ٤٥٨، \"حجة القراءات\" لابن زنجلة ص ٥٠٤.\n(٧) ذكره عنه البغوي ٦/ ٥٨ إلى قوله: الأديان.","vol":"16","page":345},{"text":"في ﴿وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ﴾ (١).\nقال الفراء: وهما متقاربان. فإذا قلت للرجل: قد بُدَّلت. فمعناه. غيِّرت وغيرت حالك ولم يأت مكانك آخر، وكلُّ ما غيِّر عن حاله فهو مبدَّل بالتشديد.\nوقد يجوز مبدل -بالتخفيف- وليس بالوجه. وإذا جعلت الشيء مكان الشيء قلت: قد أبدلته (٢)، كقولك: أبدل هذا الدرهم، أي: أعطني مكانه (٣). وبدَّل جائز. فمن شدد فكأنه جعل سبيل الخوف أمنا، ومن خفف قال: الأمنُ خلاف الخوف، فكأنَّه قال: جعل مكان الخوف أمنا، أي: ذهب بالخوف وجاء بالأمن.\nوهذا من سعة العربية. وقال أبو النَّجم (٤):\n_________\n(١) قرأ ابن كثير، وأبو بكر عن عاصم بتخفيف الدال، وقرأ الباقون بالتشديد.\n\"التبصرة\" ص ٤٥٨، \"الإقناع\" لابن الباذش ٢/ ٧١٣، \"التيسير\" للداني ص ١٦٣.\n(٢) في (أ): (بدلته)، وهو خطأ.\n(٣) في \"تهذيب اللغة\" للأزهري ١٤/ ١٣٢ (بدل) نقل عن الفراء يزيد كلامه الذي نقله عنه الواحدي من كتابه \"معاني القرآن\" وضوحًا قال الأزهري: وقال أبو العباس -أحمد بن يحيى-: وقال الفراء: يقال: أبدلتُ الخاتم بالحلقة، إذا نحَّيت هذا وجعلت هذا مكانه.\nوبدَّلت الخاتم بالحلقة، إذا أذبته وسوّيته حلقة ..\nقال أبو العباس: وحقيقته أن التَّبديل: تغيير الصورة إلى صورة أخرى والجوهرة بعينها، والإبدال: تنحية الجوهرة واستئناف جوهرة أخرى. اهـ.\nقال النحاس في \"إعراب القرآن\" ٣/ ١٤٥ - ١٤٦ بعد ذكر قول ثعلب في التفريق بين التبديل والإبدال-: وهذا القول صحيح .. غير أنَّه قد يستعمل أحدهما في موضع الآخر. اهـ.\n(٤) هو الفضل بن قُدامة العجلي، تقدت ترجمته في سورة النساء. =","vol":"16","page":346},{"text":"عَزْلُ الأمير للأمير المُبْدَل\nفهذا يوضح الوجهين جميعًا (١).\nوقال مقاتل بن سليمان: من بعد خوفهم من كفار مكة (٢).\nوقال عطاء، عن ابن عباس: يريد من بعد خوف أبي بكر في الغار.\nوالوجه: أنَّه على العموم في كل خوف كان لأصحاب رسول الله -ﷺ-.\nقال مقاتل بن حيان: فقد فعل الله بهم ذلك (٣)، وبمن كان بعدهم من هذه الأمة فمكَّن لهم (٤) في الأرض، وأبدلهم أمنا من بعد خوف، وبسط لهم في الأرض (٥)، ونصرهم على الأعداء، فقد أنجز الله موعده لهم (٦).\nقوله ﴿يَعْبُدُونَنِي﴾ قال أبو إسحاق: يجوز أن يكون في موضع الحال على معنى: وعد الله المؤمنين في حال عبادتهم بإخلاصهم لله ليفعلن بهم (٧).\n_________\n= وله أرجوزة في هشام بن عبد الملك تعد أجود أرجوزة للعرب، وأولها:\nالحمد لله الوهوب المجزل ... أعطى فلم يبخل ولم يبخَّلِ\n\"طبقات فحول الشعراء\" ٢/ ٧٣٧، ٧٤٥، \"خزانة الأدب\" للبغدادي ١/ ١٠٣. وهذا الشطر من الرَّجز أنشده الفراء ٢/ ٢٥٩ بلا نسبة. وهو من لاميّة أبي النجم المشهورة، وهو في \"ديوانه\" ص (٢٠٤)، \"وتهذيب اللغة\" للأزهري ١٤/ ١٣٢ \"بدل\"، \"لسان العرب\" ١١/ ٤٨ (بدل).\n(١) \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ٢٥٩ مع تصرف.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٤٠ ب.\n(٣) في (ظ)، (ع): (ذلك بهم).\n(٤) في (أ): (فمكَّنهم).\n(٥) في رواية ابن أبي حاتم: الرزق.\n(٦) رواه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٧/ ٦١ ب، ٦٢ أ.\n(٧) \"معاني القرآن\" للزَّجَّاج ٤/ ٥١.","vol":"16","page":347},{"text":"وهذا الوجه هو اختيار المبرد لأنَّه قال: أي عابدين لي غير مشركين.\nقال أبو إسحاق: ويجوز أن يكون استئنافًا على طريق الثناء عليهم وتثبيتًا كأنه قال: يعبدونني (١) المؤمنون لا يشركون بي شيئًا (٢).\nوهذا معنى قول ابن عباس: يريد عصمة مني لهم. يعني أعصمهم عن عبادة غيري والإشراك بي.\nقال مقاتل: لا يشركون بي شيئًا من الآلهة (٣).\nوهو قول العامة (٤).\nوروى [ليث، عن] (٥) مجاهد، عن ابن عباس: لا يخافون أحدًا غيري (٦).\n_________\n= وانظر: \"إعراب القرآن\" للنحاس ٣/ ١٤٦، \"الكشاف\" للزمخشري ٣/ ٧٤، \"البحر المحيط\" ٦/ ٤٦٩، \"الدر المصون\" ٨/ ٤٣٤ - ٤٣٥.\n(١) في \"معاني الزجاج\": يعبدني.\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٥١.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٤٠ ب.\n(٤) انظر: \" الطبري\" ١٨/ ١٥٩، ابن أبي حاتم ٧/ ٦٢ أ، الثعلبي ٣/ ٨٨ ب.\n(٥) ساقط من (أ)، (ظ)، وفي (ع): (وروى مجاهد، عن ليث، عن ابن عباس)، وهو خطأ، والصواب ما أثبتنا.\n(٦) روى ابن أبي حاتم و\"تفسيره\" ٧/ ٦٢ أمن طريق ليث، عن مجاهد، عن ابن عباس في قوله: (يعبدونني لا يشركون بي شيئًا) قال: يعبدونني. هكذا في المخطوط، ويظهر أن فيه نقصًا.\nوروى الطبري ١٨/ ١٦٠ من طريق ليث، عن مجاهد (يعبدونني لا يشركون بي شيئًا) قال: لا يخافون غيره. هكذا لم يذكر ابن عباس.\nوذكر السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ٢١٦ هذا القول عن ابن عباس، وعزاه لعبد ابن حميد.\nوذكره عن مجاهد وعزاه للفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر. =","vol":"16","page":348},{"text":"فجعل الإشراك في هذه الآية أن يخافوا أحدًا (١) غير الله.\nقوله: ﴿وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ﴾ يعني بهذه النعم (٢)، وليس يعني (٣) الكفر بالله؛ لأن الكافر بالله فاسق بعد هذا الإنعام وقبله، والله [تعالى يقول: ﴿وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ﴾ أي جحد حق هذه النعم بعد إنْعام الله] (٤) بها.\nوهذا معنى قول الربيع، وأبي العالية (٥)، وأبيّ بن كعب (٦)، ومقاتل ابن حيان (٧).\n_________\n= وذكره الماوردي ٤/ ١١٩، والقرطبي ١٢/ ٣٠٠ عن ابن عباس.\nوهذه الرواية سواء عن ابن عباس أو مجاهد ضعيفة؛ لأن في سندها ليثًا، وهو ابن أبي سليم متفق على ضعفه.\n(١) (أحدًا): زيادة من (ع).\n(٢) في (ع): (النعمة).\n(٣) في (أ): (بمعنى)، وفي (ع): (معنى).\n(٤) ساقط من (ع).\n(٥) رواه الطبري ١٨/ ١٥٩ - ١٦٠، وابن أبي حاتم ٧/ ٦٢ أعن الربيع، عن أبي العالية.\n(٦) لم أجد من ذكره عنه. لكن أبا العالية يروي كثيرًا عن أبيّ -﵁-.\n(٧) رواه عنه ابن أبي حاتم ٧/ ٦٢ أ، ب.\nواختار الطبري ١٨/ ١٦٠ هذا القول. فهو على هذا كفر وفسق غير مخرج من الملّة. وفي الآية قول آخر: أنَّه الكفر والفسق الناقل عن الملة. ذكره ابن عطية ١٠/ ٥٤، وأبو حيان ٦/ ٤٧٠ وقالا: وهو ظاهر قول حذيفة -﵁-.\nوقال الشنقيطي \"تفسير سورة النور\" ص ١٨٥: والأظهر أنَّ المراد الكافر الأكبر والفسق الأكبر، فهم خارجون عن طاعة الله خروجًا كليًّا، والفسق يطلق على الكفر الأكبر في قوله: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [السجدة: ٢٠].","vol":"16","page":349},{"text":"وقوله ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ قال ابن عباس: يريد العاصون لله (١).\nوهذا يدل على أن الكفر هاهنا كفر بالنعمة لا كفر بالله [-﷿-] (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2898>٥٧ </span>- قوله تعالى: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ﴾ لا تحسبن يا محمد الكافرين.\nقال مقاتل: يعني أهل مكة يعجزوننا ويفوتوننا (٣).\nقال الزجاج: أي قدرة الله محيطة بهم. وقرئت (لا يحسبن) بالياء (٤) على حذف المفعول الأول من يحسبن [على معنى: لا يحسبن الذين كفروا إياهم معجزين، كما تقول: زيد حسبه (٥) قائمًا، تريد: حسب نفسه قائمًا (٦). وكأنَّه قيل: لا يحسبن] (٧) الذي كفروا أنفسهم معجزين، وهذا في باب ظننت، تطرح فيه النفس يقال: ظننتني أفعل، ولا يقال: ظننت نفسي. ولا يجوز ضربتني، استغني عنها بضربت نفسي.\n_________\n(١) روى ابن أبي حاتم ٧/ ٦٢ ب هذا القول عن مجاهد.\nوذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ٢١٦ عن مجاهد وعزاه للفريابي وغيره. وذكره البغوي ٦/ ٥٩ ولم ينسبه لأحد.\n(٢) زيادة من (ظ).\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٤١ أ.\n(٤) قرأ ابن عامر وحمزة \"لا يحسبن\" بالياء، وقرأ الباقون بالتاء.\nانظر: \"السبعة\" ص ٣٠٧، \"المبسوط\" لابن مهران ص ٢٦٩، \"إرشاد المبتدي\" للفلانسي ص ٤٦٤.\n(٥) في (ظ)، (ع): (زيدًا حسبته)، والمثبت من (أ)، و\"معاني القرآن\" للزجَّاج.\n(٦) (قائمًا): ساقطة من (ظ)، (ع).\n(٧) في هامش (أ) وعليه علامة: التصحيح.","vol":"16","page":350},{"text":"هذا كلامه (١).\nوقال أبو علي: من قرأ بالياء جاز أن يكون فاعل الحسبان أحد شيئين: إنما أن يكون قد أضمر (٢) ضمير النبي -ﷺ- كأنه قال: لا يحسبن النبي الذين كفروا معجزين (٣)، ويجوز أن يكون فاعل الحسبان: الذين كفروا، ويكون المفعول الأول محذوفًا تقديره: لا يحسبن الذين كفروا أنفسهم (٤).\nوهذا هو الوجه الذي ذكره أبو إسحاق. والوجه قراءة العامة بالتاء لظهور مفعولي الحسبان.\nقال مقاتل (٥)، والكلبي في هذه الآية: لا يحسبن الذين كفروا فايتين في الأرض هربًا حتى يخزيهم بكفرهم.\nوقوله: ﴿وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ﴾ [قال صاحب النظم: لا يحتمل أن يكون هذا متصلًا بقوله ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ﴾، [لأن ذلك نفيٌ، وقوله ﴿وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ﴾] (٦) إيجاب لا نفي. فهو معطوف بالواو على مضمر قبله تقديره: لا يحسبن الذين كفروا معجزين في الأرض]] (٧) بل مقدور عليهم ومحاسبون ومأواهم النار (٨).\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٥٢.\n(٢) في (أ)، (ع): (يضمر)، والمثبت من (ظ)، وفي \"الحجة\": قد تضمَّن ضميرًا للنبي -ﷺ-.\n(٣) في (ع) زيادة: (في الأرض)، وهو انتقال نظر من الناسخ إلى ما بعده.\n(٤) \"الحجة\" للفارسي ٥/ ٣٣٢.\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٤١ أ.\n(٦) ساقط من (ظ).\n(٧) ساقط من (ع).\n(٨) ذكره أبو حيان ٦/ ٤٧٠ عن صاحب النظم بأخصر مما هنا. ثم قال: واستبعد العطف من حيث إن (لا تحسبن) نهي (ومأواهم النار) جملة خبرية فلم يناسب =","vol":"16","page":351},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2899>٥٨ </span>- ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ﴾ الآية. قال الكلبي: بعث رسول الله -ﷺ- غلامًا من الأنصار يقال له: مُدلج (١) إلى عمر بن الخطاب -﵁- ظهيرة ليدعوه، فوجده نائمًا قد أغلق عليه الباب، فدفع الغلام الباب، وناداه ودخل، فاستيقظ عمر وجلس؛ فانكشف منه شيء، فرآه الغلام، وعرف عمر أنَّ الغلام رأى ذلك منه، فقال عمر: وَدِدْتُ -والله- أنَّ الله نهى أبناءنا ونساءنا وخدمنا أن يدخلوا علينا هذه الساعات (٢) إلاَّ بإذن، ثم انطلق معه إلى رسول الله -ﷺ- فوجده وقد نزل عليه الوحي بهذه الآية (٣) (٤).\n_________\n= عنده أن يعطف الجملة الخبرية على جملة النهي لتباينهما، وهذا مذهب قوم ..، والصحيح أن ذلك لا يشترط، بل يجوز عطف الجمل على اختلافها بعضًا على بعض، وإن لم تتحد النوعية، وهو مذهب سيبويه. انتهى.\nوذكره أيضًا السمين الحلبي في \"الدر المصون\" ٨/ ٤٣٨ وصرَّح باسمه فقال: قال الجرجاني.\nووهم المحقق فظَّنه عبد القاهر الجرجاني وأحال على البحر لأبي حيان.\nوحكى السمين في الآية قولين آخرين غير قول الجرجاني: أحدهما: أن هذه الجملة عطف على جملة النهي قبلها من غير تأويل ولا إضمار. قال: وهو مذهب سيبويه. والثاني: أنها معطوفة عليها ولكن بتأويل جملة النهي بجملة خبرية، والتقدير: الذين كفروا لا يفوتون الله ومأواهم النار. وعزاه للزمخشري، وهو في \"تفسيره\" ٣/ ٧٤.\n(١) انظر: \"الإصابة\" ٣/ ٣٧٤ فقد اقتصر على تسميته بمدلج الأنصاري ثم ذكر خبره مع عمر -﵁-.\nووقع عند الثعلبي في \"تفسيره\" ٣/ ٨٩ أ، والبغوي في \"تفسيره\" ٦/ ٦٠ مدلج بن عمرو.\n(٢) في (ظ)، (ع): (الساعة).\n(٣) في (أ)، (ع): (قد نزل عليه هذه الآية).\n(٤) رواه ابن منده في \"معرفة الصحابة\" كما في \"الإصابة في تمييز الصحابة\" لابن =","vol":"16","page":352},{"text":"وقال المقاتلان: نزلت في أسماء بنت مرشدة (١) قالت للنبي -ﷺ-: إنه ليدخل على المرأة وزوجها وهما في ثوب واحد غُلامُهما بغير إذن؛ فأنزل الله: ﴿لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ يعني العبيد والإماء والولائد والخدم (٢).\nقال ابن عباس: يريد من النساء والرجال (٣).\nوقال عطاء: ذلك على كل صغير وكبير أن يستأذن (٤).\n[وقال أبو عبد الرحمن السُّلمي -في (٥) هذه الآية-: هي (٦) خاصة للنساء. الرجال يستأذنون على كل حال بالليل والنهار (٧).\n_________\n= حجر ٣/ ٣٧٥ من طريق السدي الصغير، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس. وإسناده باطل.\nوقد ذكره الثعلبي ٣/ ٨٩، والواحدي في \"أسباب النزول\" ص ٢٧٣، والبغوي ٦/ ٦٠ كلهم عن ابن عباس من غير سند.\n(١) في (أ): (مرشد).\n(٢) رواه ابن أبي حاتم ٧/ ٦٣ ب عن مقاتل بن حيان. وذكره عنه ابن كثير ٣/ ٣٠٣. والسيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ٢١٧ وعزاه لابن أبي حاتم.\nوقول مقاتل بن سليمان في \"تفسيره\" ٢/ ٤١ أ.\nوذكره الثعلبي ٣/ ٨٩ أعن مقاتل بن سليمان.\n(٣) ذكره عنه الرازي ٢٤/ ٢٩.\n(٤) رواه الطبري ١٨/ ١٦٢.\n(٥) (في): ساقطة من (أ).\n(٦) (هي): ساقطة من (ع).\n(٧) رواه أبو عبيد في \"الناسخ والمنسوخ\" ص ٢١٩، والطبري ١٨/ ١٦١، وابن أبي حاتم ٧/ ٦٣ ب.\nورواه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" ٤/ ٤٠٠ مختصرًا.\nوذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ٢١٩ ونسبه للفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"16","page":353},{"text":"قال أبو عبيد: يعني أنَّ الإماء ينبغي لهن أن يستأذنَّ] (١) على مواليهن في هذه الحالات الثلاث المسمَّات (٢) هاهنا، فأما ذكور المماليك فإن عليهم الاستئذان في الأحوال كلها (٣).\nوروى ليث، عن نافع، عن ابن عمر: ﴿لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ قال: هي للرجال دون النساء (٤).\nقوله: ﴿وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ﴾ قال مقاتل بن حيّان: من أحراركم من الرجال والنساء (٥).\nوقوله ﴿ثَلَاثَ مَرَّاتٍ﴾ يعني ثلاثة أوقات، لأنَّه فسرهن بالأوقات وهو قوله ﴿مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ﴾.\nقال ابن عباس: ثلاث مرات.\nثم أخبر بأوقاتها فقال: ﴿مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ﴾ يريد المقيل ﴿وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ﴾ يريد العتمة (٦) حين يأوي\n_________\n(١) ساقط من (ظ).\n(٢) في (أ)، (ع): (المسميات)، والمثبت من (ظ) و\"الناسخ والمنسوخ\" لأبي عبيد.\n(٣) \"الناسخ والمنسوخ\" لأبي عبيد ص ٢١٩.\n(٤) رواه البخاري في (الأدب المفرد) ص ٣١٠، والطبري ١٨/ ١٦١ من طريق ليث، عن نافع، عن ابن عمر، به.\nوليث هو ابن أبي سليم مجمع على ضعفه.\nوذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ٢١٩، وزاد نسبته لابن أبي شيبة وابن المنذر. واختار الطبري ١٨/ ١٦١ العموم للرجال والنساء، لأن الله عمَّم ولم يخصص منهم ذكرًا ولا أنثى، فذلك على جميع من عمَّه ظاهر التنزيل.\n(٥) رواه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٧/ ٦٤ أ. وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ٢١٧ ونسبه لابن أبي حاتم.\n(٦) في (أ)، (ع): (بالعتمة).\nوالعتمة: ثلث الليل الأول بعد غيبوبة الشفق. \"لسان العرب\" ١٢/ ٣٨١ (عتم).","vol":"16","page":354},{"text":"الرجل مع امرأته (١).\nوقال صاحب النظم: قوله: ﴿ثَلَاثَ مَرَّاتٍ﴾ هاهنا بمعنى: ثلاثة (٢) أوقات؛ لأنها لو كانت على ظاهرها لوجب أن يكون الأمر واقعًا على ثلاث دفعات، فإذا جاوزها ارتفع الأمر، وأن يكون الاستئذان ثلاث دفعات (٣) [فلا يكون دخول إلا بعد (٤) استئذان ثلاث دفعات] (٥)، ويدل علي أنَّ المراد به الأوقات قوله في أثره واصفًا للأوقات-: ﴿مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ﴾ ثم سمّى هذه الأوقات عورات؛ لأن الإنسان يضع فيها (٦) ثيابه فتبدو عورته. انتهى كلامه.\nوإنَّما قيل ثلاث مرات للأوقات؛ لأنَّه أراد مرة في كل وقت من الأوقات التي ذكرها.\nقال مجاهد: يجزيهم أن يستأذنوا مرّة في هذه الأوقات (٧) (٨).\nوقال أبو إسحاق وأبو علي: أمر الله بالاستئذان في الأوقات التي يتخلَّى (٩) الناس فيها ويتكشَّفُون (١٠)، وبيّنها فقال: ﴿مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ\n_________\n(١) ذكره ابن الجوزي ٦/ ٦١ ولم ينسبه لأحد.\n(٢) في (أ): (ثلاث).\n(٣) في (أ): (وأن يكون الاستئذان ثلاث دفعات، فإذا جاوزها ارتفع الأمر، وأن يكون الاستئذان ثلاث دفعات\"، وهو تكرار.\n(٤) (بعد): ساقطة من (ظ).\n(٥) ساقط من (ع).\n(٦) (فيها): ساقطة من (ع).\n(٧) في (ع): (الساعات).\n(٨) رواه ابن أبي حاتم ٧/ ٦٤ ب.\n(٩) في (أ): (ينحلل).\n(١٠) في (أ): (ويكشفون)، وفي (ظ)، (ع): (وينكشفون)، والمثبت من \"معاني القرآن\" للزجاج، و\"الوسيط\" للواحدي.","vol":"16","page":355},{"text":"تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ﴾ ففصَّل الثلاث بهذه الأوقات، ثم أجمل بعد التفصيل فقال: ﴿ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ﴾، فأعلم أنها عورات، والمعنى: هي ثلاث عورات [أو هذه ثلاث عورات] (١) فهي خبر ابتداء محذوف. ومن قرأ (ثلاث عورات) بالنصب (٢) جعله بدلًا من قوله (ثلاث مرات).\nفإن قيل: قوله: (ثلاث مرات) زمان، بدلالة أنَّه فسر بزمان -على ما بيَّنا- وليس العورات بزمان، فكيف يصح البدل منه؟ وليس هي هي.\nقيل: يكون ذلك على أن يُضمر (٣) الأوقات كأنه: أوقات ثلاث عورات، فلما حذف المضاف أعرب ما كان يقع الإضافة إليه بإعراب المضاف، فعلى هذا يوجَّه (٤) (٥).\nوالاختيار في العورات إسكان الواو، وحكم ما كان على فَعْلَه: من الأسماء أن تُحرك العين منه في فعلات نحو: صحفة (٦) وصحفات، وجفنة (٧) وجفنات. إلَّا أن التَّحريك فيما كان العين منه ياءً أو واوًا كرهه\n_________\n(١) ساقط من (أ).\n(٢) قرأ حمزة، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم: \"ثلاث عورات\" بنصب (ثلاث)، وقرأ الباقون بالرفع. \"السبعة\" ص ٤٥٨، \"التبصرة\" ص ٢٧٤، \"التيسير\" ص ١٦٣.\n(٣) في (ظ): (ضمير).\n(٤) في (أ): (الوجه).\n(٥) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٥٢، و\"الحجة\" لأبي علي الفارسي ٥/ ٣٣٣.\n(٦) وقع في المطبوع من \"الحجة\": صحيفة. وهو خطأ.\nوالصَّحفة: شبه قصعة مُسْلَنطحة عريضة، وهي تشبع الخمسة ونحوهم. \"لسان العرب\" ٩/ ١٨٧ (صحف).\n(٧) الجَفْنة: هي أعظم ما يكون من القصاع. \"لسان العرب\" ١٣/ ٨٩ (جفن).","vol":"16","page":356},{"text":"عامة العرب؛ لأنَّ العين بالتحريك تصير على صورة ما يلزمه الانقلاب من كونه متحركًا بين متحركين، فكرهوا ذلك، وعدلوا عنه إلى الإسكان، فقالوا: عوراتٌ وجوزات وبيضات، ومثل هذا في اطّراد التحريك في الصَّحيح وكراهية ذلك في المعتل قولهم في حنيفة: حنفي، وفي جديلة وربيعة: جدلي وربعيّ، فإذا أضافوا إلى مثل طويلة وجويزة قالوا: طُويلي وجويزي، كراهة: طُوليّ وجُوزيّ، لأنه يصير على ما يجب فيه القلب، وكذلك قالوا في شديد: شَديديّ، ورفضوا شدديّ الذي أثروا نحوه في ربعي كراهية التقاء التضعيف. هذا كلام أبي علي (١).\nوقال السدي -في هذه الآية-: كان أناس من أصحاب النبي -ﷺ- يعجبهم أن يواقعوا نساءهم في هذه الساعات ليغتسلوا ثم يخرجوا (٢) إلى الصلاة، فأمرهم الله أن يأمروا الغلمان والمملوكين أن يستأذنوا في هذه الثلاث ساعات (٣).\nوقال مقاتل بن حيان: هذا من المفروض يحق على الرجل أن يأمر بذلك من كان عنده من حر أو عبد أن لا يدخلوا تلك الساعات الثلاث إلا بإذن (٤).\n_________\n(١) \"الحجة\" لأبي علي ٥/ ٣٣٣ - ٣٣٤.\n(٢) في (ظ)، (ع): (يخرجون).\n(٣) رواه ابن أبي حاتم ٧/ ٦٣ ب، ٦٤ أ. وذكره ابن كثير ٣/ ٣٠٣. والسيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ٢١٧ ونسبه لابن أبي حاتم.\nورواية السدي هذه مع الروايتين المتقدمتين اللتين ساقهما الواحدي في سبب نزول قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ﴾ -وهما رواية الكلبي والمقاتلين- غير معتمدة في نزول هذه الآية لعدم ثبوتها من طريق صحيح، والله أعلم.\n(٤) رواه ابن أبي حاتم ٧/ ٦٤ ب، ٦٥ أ.","vol":"16","page":357},{"text":"قال أبو عبيدة (١): ولا نعلم أحدًا من العلماء أخبر عن هذه الآية بنسخ بل غلَّظُوا شأنها (٢).\nقال عطاء: سمعت ابن عباس يقول: ثلاث آيات من كتاب الله تركهن الناس لا أرى أحدًا يعمل بهن. قال عطاء: حفظت آيتين ونسيت واحدة، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ الآية، وقال الله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى﴾ إلى قوله ﴿أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣] ثم (٣) يقول الرجل بعد هذا للرجل-: أنا أكرم منك، وليس أحدٌ أكرم من أحد إلا بتقوى (٤).\nوقال موسى بن أبي عائشة (٥): قلت للشعبي -في هذه الآية-: أمنسوخة هي؟ قال: لا. فقلت: قد تركها (٦) الناس؟ فقال: الله المستعان (٧).\n_________\n(١) في (ظ): (أبو عبيدة)، وهو خطأ.\n(٢) \"الناسخ والمنسوخ\" لأبي عبيد ص ٢١٩.\n(٣) (ثم): ساقطة من (أ).\n(٤) هذا لفظ رواية أبي عبيد في \"الناسخ والمنسوخ\" ص ٢٢٠.\nورواه بنحوه عبد الرزاق في \"مصنفه\" ١٠/ ١٧٩، و\"الطبري\" ١٨/ ١٦٢، وابن أبي حاتم ٧/ ٦٣ أ.\n(٥) هو: موسى بن أبي عائشة، الهمداني مولاهم، الكوفي. أحد العلماء العابدين الثقات. روى عن سعيد بن جبير والشعبي وغيرهما، وعنه شعبة والسفيانان، وغيرهم.\n\"سير أعلام النبلاء\" ٦/ ١٥٠، \"تهذيب التهذيب\" ١٠/ ٣٥٢، \"تقريب التهذيب\" ٢/ ٢٨٥.\n(٦) في (أ): (تركوها).\n(٧) رواه أبو عبيد في \"الناسخ والمنسوخ\" ص ٢٢٠، وابن أبي شيبة في \"مصنفه\" =","vol":"16","page":358},{"text":"وادعى قوم النسخ في هذه الآية، واحتجوا بما روي عن عكرمة عن ابن عباس: أن ناسًا من أهل العراق سألوه عن هذه الآية، فقال: إن الله رفيق رحيم بالمؤمنين يحب الستر عليهم، وكان الناس ليست لهم ستور ولا حجاب (١) فربما دخلت الخادم أو الولد (٢) -والرجل على أهله- فأمروا بالاستئذان في تلك العورات، فجاءهم الله بالستور والخير، فلم (٣) أر أحدًا يعمل بذلك (٤) (٥).\n_________\n= ٤/ ٤٠٠، والطبري ١٨/ ١٦٢ - ١٦٣ وابن أبيِ حاتم ٧/ ٦٣ أ، ب عن موسى بن أبي عائشة، به.\n(١) عند أبي عبيد: حجال.\n(٢) في (ع): (الوالد).\n(٣) في (ظ): (ولم).\n(٤) في (ظ): (ذلك).\n(٥) رواه أبو عبيد في \"الناسخ والمنسوخ\" ص ٢٢١، وأبو داود في \"سننه\" كتاب: الأدب، باب: في الاستئذان في العورات الثلاث ١٤/ ٩٦ - ٩٧ وعندهما زيادة ذكر السؤال.\nورواه أيضًا ابن أبي حاتم ٧/ ٦٣ أ، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" ٧/ ٩٧ وأوله: أن رجلين سألاه -يعني ابن عباس- عن الاستئذان، فذكره بنحوه.\nوقال ابن كثير في \"تفسيره\" ٣/ ٣٠٣: وهذا إسناد صحيح إلى ابن عباس.\nوذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ٢١٩ بمثل لفظ ابن أبي حاتم والبيهقي وعزاه أيضًا لابن المنذر وابن مردويه.\nوقال أبو داود -بعد روايته عن ابن عباس-: وحديث عبد الله وعطاء يُفسد -وفي بعض النسخ: يُفسر- هذا الحديث.\nوقال البيهقي: وحديث عبد الله بن أبي يزيد وعطاء يضعف هذه الرواية.\nوحديث عبد الله المشار إليه رواه أبو داود في \"سننه\" كتاب: الأدب -باب: الاستئذان في العورات الثلاث ١٤/ ٩٥، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" ٧/ ٩٧ =","vol":"16","page":359},{"text":"قال أبو عبيد: وليس وجه هذا أن يكون على الرخصة من أجل أن ابن عباس لم يخبر أنَّه نسخها قرآن، ولا أن السنّة جاءت برخصة فيها. إنما قال: لم أر أحدًا يعمل ذلك، وقد حكى عنه عطاء هذا اللفظ (١) على وجه الإنكار والاستبطاء للناس ألا تسمع قوله: ثلاث آيات من كتاب الله تركهن الناس لا أرى أحدًا يعمل بهن. فرواية عطاء عندنا مفسرة للذي روى عكرمة. وليس المذهب في الآية إلا أنها محكمة قائمة لم ينسخها كتاب ولا خبر عن رسول الله -ﷺ-، ولا عن أحد من أصحابه ولا التابعين بعدهم بالتَّسهل في ذلك، إلا شيئًا يروى عن الحسن أنه كان يقول: والخادمة التي تبيت مع أهل الرجل لا بأس أن تدخل بغير إذن (٢).\nوقوله ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ﴾ أي ليس عليكم جناح ولا عليهم في أن لا يستأذنوا بعد أن يمضي كل وقت من هذه الأوقات (٣).\nقال مقاتل: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ﴾ معشر المؤمنين ﴿وَلَا عَلَيْهِمْ﴾ يعني\n_________\n= عن عبيد الله بن أبي يزيد سمع ابن عباس يقول: لم يؤمن -وفي بعض نسخ أبي داود: \"لم يؤمر- بها أكثر الناس آية الإذن، وإنّي لآمر جاريتي هذه تستأذن علي\". وحديث عطاء ذكره الواحدي قبل ذلك.\n(١) في (ع): (القول).\n(٢) \"الناسخ والمنسوخ\" لأبي عبيد ص ٢٢٢. مع اختلاف يسير واختصار.\nوأثر الحسن رواه أبو عبيد في \"الناسخ والمنسوخ\" ص ٢٢٢ من طريق هشيم، عن يونس، عن الحسن.\nورواه من وجه آخر عن يونس، عن الحسن مفصلا: الطبري ١٨/ ١٦٢، وابن أبي حاتم ٧/ ٦٣ ب ولفظه: إذا أبات الرجل خادمه معه فهو إذنه، وإن لم يبته معه استأذن في تلك الساعات.\n(٣) هذا كلام الزجاج في \"معاني القرآن\" ٤/ ٥٢.","vol":"16","page":360},{"text":"الخدم والغلمان ﴿جُنَاحٌ﴾ حرج ﴿بَعْدَهُنَّ﴾ يعني بعد العورات (١).\nوقال صاحب النظم: دلّ بقوله ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ﴾ على أن ما عزمه على المماليك من الاستئذان في هذه الأوقات معزوم أيضًا على الموالي؛ لأنه لا يذكر رفع الجناح في شيء إلا عمَّن يلزمه جناحه، ثم أوضح ذلك بقوله: ﴿طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ أي: أنكم كما يطوفون (٢) عليكم تطوفون عليهم في هذه الأوقات. هذا كلامه.\nويجوز أن يعود رفع الجناح في قوله ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ﴾ إلى أنه لا جناح على الموالي إذا لم يأمروا المماليك (٣) بالاستئذان في غير هذه الأوقات الثلاثة.\nوقوله ﴿طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ﴾ يريد أنهم خدمكم، ولا بأس أن يدخلوا في غير هذه الأوقات الثلاثة بغير إذن. قال مقاتل: يتقلبون فيكم ليلًا ونهارًا (٤).\nوقال الفراء والزجاج: ﴿طَوَّافُونَ﴾ استئناف، كقولك في الكلام: إنَّما هم خدمكم (٥) [وطوافون عليكم (٦).\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٤١ أ.\n(٢) في (أ): (تطوفون).\n(٣) في (ظ): (لم يأمروا الموالي المماليك).\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٤١ أ.\n(٥) في (ع): (خدمكم ولا بأس أن يدخلوا في غير هذه الأوقات الثلاثة)، وهو انتقال نظر من الناسخ إلى ما قبله.\n(٦) هذا قول الفراء في \"معانيه\" ٢/ ٢٦٠، وأما الزجاج فذكر هذا في \"معانيه\" ٤/ ٥٣ بمعناه فقال: على معنى: هم طوافون عليكم.\nوانظر: \"إعراب القرآن\" للنحاس ٣/ ١٤٧، \"البيان\" للأنبارى ٢/ ١٩٩، \"الدر المصون\" ٨/ ١٤١.","vol":"16","page":361},{"text":"قال ابن قتيبة: يريد أنهم خدمكم] (١)، قال الله تعالى ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ [الواقعة: ١٧] أي: يطوف عليهم ولدان (٢) في الخدمة، وقال النبي -ﷺ- في الهرة: \"إنَّما هي من الطوافين عليكم والطوافات\" (٣) جعلها بمنزلة العبيد والإماء (٤).\nوقال صاحب النظم: يقال إن معنى الطواف هاهنا الخدمة ومنه قوله -﷿- ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ [الواقعة: ١٧] (٥) أي يخدمهم، وفي الخبر \"إنَّها من الطوافين عليكم والطوافات\" فشبّه السنانير (٦) بخدم البيت.\nوقوله: ﴿بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ قال الزجاج: على معنى: يطوف بعضكم على بعض (٧).\nوقال أبو الهيثم: الطائف: هو الخادم الذي يخدمك برفق وعناية وجمعه الطوَّافون (٨).\n_________\n(١) في \"حاشية\" (ع).\n(٢) (ولدان): ساقطة من (أ).\n(٣) رواه أبو داود في \"سننه\" كتاب: الطهارة- باب: سؤر الهرة ١/ ٣٠٧ - ٣٠٨، والنسائي في \"سننه\" كتاب: الطهارة- سؤر الهرة ١/ ٥٥، وابن ماجه في \"سننه\" أبواب: الطهارة- باب: الوضوء بسؤر الهرة ١/ ٧٢ كلهم من حديث أبي قتادة -﵁- مرفوعًا.\nقال ابن حجر في \"التلخيص الحبير\" ١/ ٥٤: وصححه البخاري والترمذي والعقيلي والدارقطني.\nوقال في \"بلوغ المرام\" ص ١٢: أخرجه الأربعة، وصححه الترمذي وابن خزيمة.\n(٤) \"غريب القرآن\" لابن قتيبة ص ٣٠٧.\n(٥) (مخلدون): ليست في (ظ)، (ع).\n(٦) السنانير: جمع سنَّور، وهو: الهرّ. \"لسان العرب\" ٤/ ٣٨١ (سنر).\n(٧) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٥٣.\n(٨) قول أبي الهيثم في \"تهذيب اللغة\" للأزهري ١٤/ ٣٤ (طوف).","vol":"16","page":362},{"text":"﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ﴾ قال المفسرون: يعني من الأحرار (١).\n﴿الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾ أي في جميع الأوقات في الدخول عليكم، فالبالغ يستأذن في كل الأوقات، والطفل والمملوك يستأذنان في الثلاث عورات.\nقال سعيد بن المسيب: ليستأذن الرجل على أمه فإنما نزلت ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ﴾ في ذلك (٢).\nوقال مقاتل بن حيان: الأحرار إذا بلغوا الحلم فليستأذنوا على كل حال وفي كل حين، كما استأذن الذين بلغوا الحلم من قبلهم الذين أمروا بالاستئذان على كل حال (٣).\nفالمراد بقوله ﴿الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ الأحرار الكبار من الرجال في قول جميع المفسرين (٤)، إلا فيما روى عطاء، عن ابن عباس فإنه قال: يريد الذين كانوا مع إبراهيم وإسماعيل (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2900>٦٠ </span>- قوله تعالى: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ قال ابن السكيت: امرأة قاعد، إذا قعدت عن المحيض، فإذا أردت القعود قلت: قاعدة (٦).\nوقال أبو الهيثم: القواعد من صفات الإناث، لا يقال: رجال\n_________\n(١) الطبري ١٨/ ١٦٤، الثعلبي ٣/ ٨٩ ب.\n(٢) رواه الطبري ١٨/ ١٦٥، وابن أبي حاتم ٧/ ٦٦ أ. وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ٢٢٠ ونسبه لابن أبي حاتم.\n(٣) رواه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٧/ ٦٦ أ.\n(٤) انظر: \"الطبري\" ١٨/ ١٦٤، الثعلبي ٣/ ٨٩ ب، ابن كثير ٣/ ٣٠٣.\n(٥) ذكره البغوي ٦/ ٦٢، وصدّره بقوله: وقيل. وهو قول ضعيف بعيد.\n(٦) قول ابن السكيت في \"تهذيب اللغة\" للأزهري ١/ ٢٠٠ (قعد). وهو بنحوه في \"المشوف المعلم\" ٢/ ٦٥٢.","vol":"16","page":363},{"text":"قواعد، يقال: رجل قاعد عن الغزو، وقوم قعَّاد وقاعدون [عن الغزو] (١) (٢).\nوالمفسرون كلهم قالوا في القواعد: هنّ اللاتي قعدن عن الحيض والولد من الكبر (٣).\nقال اللَّيث: امرأة قاعد (٤) وهي التي قعدت عن الولد وانقطع عنها الحبل من كبر (٥)، وهن القواعد (٦).\nوقال الزجاج: هي التي قعدت عن الزوج. وهذا معنى قوله ﴿اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا﴾ (٧).\nقال ابن عباس: يعني تزويجها (٨).\nوقال السدي: هن اللاتي قد (٩) تركن الأزواج وكبرن (١٠) (١١).\nوقال الفراء: لا يطمعن أن يتزوجن من الكبر (١٢).\n_________\n(١) ساقط من (أ).\n(٢) قول أبي الهيثم في \"تهذيب اللغة\" للأزهري ١/ ٢٠٠ (قعد).\n(٣) انظر: \"الطبري\" ١٨/ ١٦٥، الثعلبي ٣/ ٨٩ ب.\n(٤) في (أ): (قاعدة).\n(٥) في (ع): (كبرهن).\n(٦) قول الليث لم أجده في \"تهذيب اللغة\"، ولعله سقط من المطبوع. وهو بنحوه في \"العين\" ١/ ١٤٣ \"قعد\" دون قوله: وانقطع عنها الحبل.\n(٧) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٥٣.\n(٨) روى ابن أبي حاتم ٧/ ٦٦ ب هذا القول عن سعيد بن جبير.\n(٩) (قد): ساقطة من (ظ).\n(١٠) في (ظ): (تركن الأزواج من كبر وقد كبرن عنهن).\n(١١) روى ابن أبي حاتم ٧/ ٦٦ ب معنى هذا القول عن مجاهد وزيد بن أسلم.\n(١٢) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٦١.","vol":"16","page":364},{"text":"ويرجون في فعل جميع (١) النساء كقوله ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ [البقرة: ٢٣٧]. وقد مرّ.\nوقوله ﴿فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ﴾ قال عامّة المفسرين (٢): يعني الجلباب والرداء والقناع الذي (٣) فوق الخمار.\nفالمراد (٤) بالثياب هاهنا: بعضها لا كلها. وهو ما ذكره المفسرون.\nيدل عليه ما روي أنَّ في حرف ابن مسعود (من ثيابهن) (٥)، وفسر فقال: أن يضعن الملحفة والرداء ويقمن في الدروع وفي خمرهن (٦).\n_________\n(١) في (ع): (جمع).\n(٢) انظر: \"الطبري\" ١٨/ ١٦٥ - ١٦٦، ابن أبي حاتم ٧/ ٦٧ أ، الثعلبي ٣/ ٨٩ ب ابن كثير ٣/ ٣٠٤، \"الدر المنثور\" ٦/ ٢٢٢.\n(٣) في (ع): (التي).\n(٤) في (ظ): (والمراد).\n(٥) روى ابن أبي حاتم ٧/ ٦٧ ب عن سعيد بن جبير قال: في قراءة ابن مسعود (أن يضعن من ثيابهن).\nوروى عبد الرزاق في \"تفسيره\" ٢/ ٦٣، وابن أبي حاتم ٧/ ٦٧ ب عن معمر قال: في حرف ابن مسعود (أن يضعن من ثيابهن).\nوعلى فرض صحة هذه القراءة عن ابن مسعود فهي قراءة تفسيرية.\n(٦) لم أجده بهذا اللفظ عن ابن مسعود.\nوروى عبد الرزاق في \"تفسيره\" ٢/ ٦٣، والطبري ١٨/ ١٦٦، وابن أبي حاتم ٧/ ٦٧ أعن ابن مسعود في قوله: (أن يضعن ثيابهن) قال: الرداء.\nوروى عنه الطبري ١٨/ ١٦٦، وابن أبي حاتم ٧/ ٦٧ أ، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" ٣/ ٩٣ قال: الجلباب.\nوروى عنه الطبري ١٨/ ١٦٦ قال: هي الملحفة.\nوقد روى الطبري ١٨/ ١٦٥، وابن أبي حاتم ٧/ ٦٧ ب، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" ٧/ ٩٣ عن ابن عباس نحو هذا المعنى.\nوروى ابن أبي حاتم ٧/ ٦٧ أنحوه عن أبي صالح.","vol":"16","page":365},{"text":"وقال الحسن: رخص لها أن تمشي في درع (١) وخمار وتصلي فيهما (٢).\nوكان ابن عباس يقرأ: [أن يضعن] (٣) جلابيبهن (٤).\nوروى السدي عن أصحابه: فليس عليهن جناح أن يضعن خمرهن عن رؤوسهن (٥).\nوروى خالد الحذاء، عن أبي قلابة قال: يرخصون للمرأة الكبيرة (٦) التي قد آيست من النكاح أن يرى الشيء من شعرها (٧).\nفعلى هذا القول يجوز لها أن تضع الخمار. والصحيح ما عليه المفسرون.\n_________\n(١) في (أ): (دروع).\n(٢) روى عبد الرزاق في \"تفسيره\" ٢/ ٦٣، وابن أبي حاتم ٧/ ٦٧ ب عن الحسن قال: لا جناح على المرأة إذا قعدت عن النكاح أن تضع الجلباب والمنطق.\n(٣) ساقط من (ع).\n(٤) في \"الدر المنثور\" للسيوطي ٦/ ٢٢٢: أخرج ابن أبي حاتم عن ابن مسعود وابن عباس أنهما كانا يقرآن: فليس عليهن جناح أن يضعن جلابيبهن.\nوالذي في \"تفسير ابن أبي حاتم\" ٧/ ٦٧ ب عن عمرو بن دينار قال: كان ابن عباس يقول: فليس عليهن جناح أن يضعن جلابيبهن.\nوهذه قراءة تفسير يدل عليه ما رواه البيهقي في \"السنن الكبرى\" ٧/ ٩٣ عن ابن عباس أنه كان يقرأ: (أن يضعن ثيابهن) ويقول: هو الجلباب.\nوذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ٢٢١ ونسبه أيضًا لأبي عبيد في \"فضائله\"، وابن المنذر، وابن الأنباري في المصاحف.\n(٥) ذكره الرازي ٢٤/ ٣٥، والنيسابوري في \"غرائب القرآن\" ١٨/ ١٢٨ من رواية السدي عن شيوخه.\n(٦) في (ع): (والكبيرة).\n(٧) لم أجده.","vol":"16","page":366},{"text":"قوله تعالى ﴿غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾ التَّبرج: التكشف وهو أن تظهر المرأة محاسنها من وجهها وجسدها (١).\nقال أبو إسحاق: التبرج إظهار الزينة وما يستدعى (٢) به شهوة الرجل (٣) (٤).\nوقال المبرد: ﴿مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾ أي مبديات من زينة يستدعين بها.\nوقال المفسرون: يعني من غير أن يردن بوضع (٥) الجلباب أن ترى زينتهن (٦).\nقال مقاتل: لا تريد (٧) بوضع الجلباب أن تُرى زينتها، يعني الحلي (٨).\nوقال مقاتل بن حيان: يقول: ليس لها أن تضع [الجلباب] (٩) يريد\n_________\n(١) انظر: (برج) في \"تهذيب اللغة\" للأزهري ١١/ ٥٥ - ٥٦، \"الصحاح\" للجوهري ١/ ٢٩٩، \"لسان العرب\" ٢/ ٢١٢.\n(٢) في (ع): (تستدعى، الرجال).\n(٣) في (ع): (تستدعى، الرجال).\n(٤) قول أبي إسحاق في \"تهذيب اللغة\" للأزهري ١١/ ٥٦ (برج) بنصِّه.\nوليس قوله في هذا الموضع من سورة النور في كتابه \"معاني القرآن\"، بل ذكر هذا القول عند قوله تعالى: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ [الأحزاب: ٣٣]. والأظهر أن الواحدي نقل قول الزجاج عن \"تهذيب اللغة\" للأزهري.\n(٥) في (ظ): (موضع).\n(٦) الثعلبي ٣/ ٨٩ ب، الطبري ١٤/ ١٦٧.\n(٧) في (ع): (لا يريد).\n(٨) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٤١ أ.\n(٩) ليست في جميع النسخ، وهي زيادة زدناها من \"تفسير ابن أبي حاتم\".","vol":"16","page":367},{"text":"بذلك أن تظهر قلائدها وقرطها وما عليها من الزينة (١).\nوقال قتادة: إن المرأة تكون (٢) قد حلت فيكون العضو من أعضائها حسنا فلا ينبغي لها أن تبدي ذلك لتلتمس به الزينة (٣).\nوقال عطاء: تضع الجلباب في بيتها فأما إذا خرجت فلا يصلح (٤).\nفعلى هذا معنى ﴿غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾ غير خارجات من (٥) بيوتهن (٦).\nثم قال ﴿وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ﴾ قال ابن عباس: يستعففن فلا يضعن الجلباب (٧).\nوقال مجاهد: يلبسن جلابيبهن خيرٌ لهنّ من وضع (٨) الجلباب (٩).\nقوله ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ﴾ لقولكم ﴿عَلِيمٌ﴾ بما في قلوبكم (١٠).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2901>٦١ </span>- ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى﴾ روى الزهري، عن سعيد بن المسيب وعبيد الله بن عبد الله في هذه الآية أن المسلمين كانوا إذا غزوا خلّفوا\n_________\n(١) رواه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٧/ ٦٨ أ.\n(٢) (تكون): ساقطة من (ظ)، (ع).\n(٣) لم أجده.\n(٤) ذكره عنه القرطبي ١٢/ ٣١٠.\n(٥) في (ظ): (عن).\n(٦) قال القرطبي ١٢/ ٣١٠ بعد حكايته هذا القول عن عطاء، وذكره كلام الواحدي من غير نسبة: وعلى هذا يلزم أن يقال: إذا كانت في بيتها فلابد لها من جلباب فوق الدِّرع، وهذا بعيد إلا إذا دخل عليها أجنبي.\n(٧) روى ابن أبي حاتم ٧/ ٦٨ أعن سعيد بن جبير مثله.\n(٨) في (ظ): (موضع).\n(٩) رواه الطبري ١٨/ ١٦٧، وابن أبي حاتم ٧/ ٦٨ أعنه مختصرًا وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ٢٢٢ ونسبه أيضًا لعبد بن حميد وابن المنذر.\n(١٠) في (ظ)، (ع): (والله سميع عليم) لقولكم بما في قلوبكم.","vol":"16","page":368},{"text":"زَمْناهم، وكانوا يدفعون إليهم مفاتيح أبوابهم ويقولون: قد أحللناكم أن تأكلوا مما في بيوتنا. فكانوا يتحرجون من ذلك وقالوا (١): لا ندخلها وهم غُيَّب. فنزلت هذه الآية رخصة لهم (٢).\nوهذا قول عائشة ﵂ روي أنها قالت في هذه الآية: كان المسلمون يرغبون مع رسول الله -ﷺ- في المغازي، ويدفعون مفاتيحهم إلى الضمناء (٣) ويقولون: قد أحللناكم أن تأكلوا مما في منازلنا. فكانوا يتوقَّون\n_________\n(١) في (أ): (قالوا).\n(٢) رواه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ٢/ ٦٤، وأبو عيد في \"الناسخ والمنسوخ\" ص ٢٤٤، وأبو داود في \"المراسيل\" ص (١٨٤)، والطبري في \"تفسيره\" ١٨/ ١٦٩ من طريق الزهري، عن عبيد الله عبد الله، به.\nورواه بنحوه أبو داود في \"المراسيل\" ص ١٨٥، وعبد بن حميد كما في \"الدر المنثور\" للسيوطي ٦/ ٢٢٤، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" ٧/ ٢٧٥ من طريق الزهري عن عبيد الله بن عبد الله وابن المسيب.\nورواه بنحوه أبو جعفر النَّحَّاس في \"الناسخ والمنسوخ\" ص ٦٠٠ - ٦٠١ من طريق الزهري عن سعيد بن المسيب.\nورواه بنحوه الواحدي في \"أسباب النزول\" ص ٢٧٤ من طريق مالك، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب.\nوهذه الرواية مرسلة، لكن يشهد لها رواية عائشة الصحيحة الآتية، -وقد اعتمد هذا القول الإمام الطبري في \"تفسيره\" ١٨/ ١٧٠ فقال- بعد ذكره لروايات في نزول هذه الآية-: وأشبه الأقوال التي ذكرنا في تأويل قوله: \"ليس على الأعمى حرج\" إلى قوله: \"أو صديقكم\" القول الذي ذكرنا عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله، .. وقال أبو جعفر النَّحاس في \"الناسخ والمنسوخ \" ص ٦٠٢ - بعد روايته لأثر ابن المسيب وعائشة الآتي-: وهذا القول من أجلّ ما روي في الآية، لما فيه عن الصحابة والتابعين من التوقيف أن الآية نزلت في شيء بعينه ..\n(٣) في (ع): (الضَّمنى)، وفي (ظ): (الزَّمنى)، وعند ابن أبي حاتم: ضمناهم.","vol":"16","page":369},{"text":"أن يأكلوا من منازلهم حتى نزلت هذه الآية (١).\nفعلى هذا معنى الآية: نفي الحرج عن الزَّمنى في أكلهم من بيوت (٢) أقاربهم، أو بيت من يدفع إليهم المفتاح إذا خرج للغزو.\nوروى الكلبي، عن أبي صالح، [عن ابن عباس] (٣) - في هذه الآية: أن الأنصار كانوا قومًا يتنزَّهون في أشياء؛ كانوا لا يأكلون مع الأعمى يقولون: الأعمى لا يبصر طيَّب الطعام ونحن نُبصره (٤) فنسبقه إليه (٥)؛ فيعزلونه على حده. وكانوا لا يأكلون مع المريض يقولون: لا يقدر أن يأكل مثل ما أكلنا (٦) يمنعه من ذلك المرض، وكانوا يعزلونه على حدة؛ وكانوا لا يأكلون مع الأعرج يقولون: لا يستمكن من المجلس فإلى أن يأكل هو لقمة قد أكلنا لقمتين، فيعزلونه على حدة. فنزل في ذلك ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ﴾ يقولون: ليس على من أكل (٧) مع الأعمى حرج (٨).\n_________\n(١) رواه البزار في \"مسنده\" كما في \"كشف الأستار عن زوائد البزار\" للهيثمي ٣/ ٦١ - ٦٢، وابن أبي حاتم ٧/ ٧٠ أ، وأبو جعفر النحاس في \"الناسخ والمنسوخ\" ص ٦٠١.\nوذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ٢٢٤ ونسبه أيضًا لابن النجار وابن مردويه.\nوقال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" ٧/ ٨٤: رواه البزار ورجاله رجال الصحيح.\nوهذه الرواية هي أصح ما ورد في سبب نزول الآية، والله أعلم.\n(٢) في (ظ)، (ع): (بيت).\n(٣) ساقط من (ظ)، (ع).\n(٤) في (ظ)، (ع): (نُبصر).\n(٥) إليه): ساقطة من (ظ)، (ع).\n(٦) في (ظ): (مثل أكلنا).\n(٧) في (ظ): (ليس على كل من أكل).\n(٨) لم أجد هذه الرواية. وهي رواية باطلة سندًا. =","vol":"16","page":370},{"text":"وهذا معنى قول مقسم -في هذه الآية-: كانوا لا يأكلون مع الأعمى والأعرج والمريض؛ لأنهم كانوا لا ينالون من الطعام كما ينالون. فنزلت هذه الآية (١).\nونحو هذا ذكر مقاتل بن سليمان في سبب النزول (٢).\nواختار الفراء هذا القول وقال: معنى الآية: ليس عليكم في مؤاكلتهم (٣) حرج (٤) و(في) تصلح مكان (على) هاهنا (٥).\nوعلى هذا قوله ﴿عَلَى الْأَعْمَى﴾ (٦) معناه: في الأعمى. أي في مؤاكلة الأعمى فـ (على) بمعنى: في، والمضاف محذوف.\nوقال آخرون: كان (٧) هؤلاء يتنزَّهون عن مؤاكلة الأصحاء؛ لأن\n_________\n= ووقع في \"تنوير المقباس\" الذي هو من رواية الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس: لما أنزل قوله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [النساء: ٢٩] بالظلم وخافوا من ذلك، فرخص لهم المؤاكلة من بعضهم بعض. وروى الطبري ١٨/ ١٦٨، وابن أبي حاتم ٧/ ٦٨ ب نحو هذه الرواية عن الضحَّاك.\nوروى ابن أبي حاتم ٧/ ٦٨ أ، ب، ٦٩ أعن سعيد بن جبير وسليمان بن موسى نحو هذه الرواية.\n(١) رواه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" ٨/ ١٣٠، والطبري ١٨/ ١٣٠، وابن أبي حاتم ٧/ ٦٨ ب عن مقسم.\nوذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ٢٢٣ ونسبه أيضًا لعبد بن حميد وابن المنذر.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٤١ أ، ب.\n(٣) في (ع): (مؤاكلتكم).\n(٤) في (ظ): (تحرّج).\n(٥) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٦١.\n(٦) (على): ساقطة من (أ).\n(٧) المثبت من (ع)، وفي باقي النسخ: (كانوا).","vol":"16","page":371},{"text":"الناس يتقذَّرون منهم، فكان الأعمى لا يؤاكل الناس؛ لأنَّه لا يُبصر الطعام فيخاف أن يستأثر، وكان الأعرج يتوقَّى ذلك لأنَّه يحتاج لزمانته أن ينفسخ في مجلسه ويأخذ أكثر من موضعه، وكان المريض يخاف أن يفسد على الناس طعامهم بأمور قد تعتري مع المريض من رائحة بتغير أو جرح يبض (١) أو أنف يذن (٢) أو بول يسلس (٣) وأشباه ذلك فأنزل الله [﷿] (٤) هذه الآية.\nيقول: ليس على هؤلاء حرج في مؤاكلة الناس.\nوهذا معنى قول (٥) سعيد بن جبير، والضحاك (٦)، والسدي، قالوا: كان ناس من الأنصار لا يأكلون مع هؤلاء يتقذَّرون منهم.\nوقال ابن عباس -في رواية عطاء-: يريد ليس على هؤلاء حرج في التخلف عن الغزو مع رسول الله -ﷺ-.\nوهذا قول الحسن وابن زيد (٧).\nوعلى هذا تم الكلام عند قوله ﴿وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ﴾، وقوله ﴿وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ كلام منقطع عما قبله (٨).\n_________\n(١) يَبِضّ: يقطر منه الدم. انظر: \"لسان العرب\" ٧/ ١١٧ (بضض).\n(٢) يَذَنّ: يسيل منه المخاط أو الماء. انظر: \"لسان العرب\" ١٣/ ١٧٣ (ذنن).\n(٣) يسلس: أي لا يستمسك. \"القاموس المحيط\" ٢/ ٢٢٢.\n(٤) زيادة من (ظ)، (ع).\n(٥) (قول): ساقط من (ظ).\n(٦) ذكر هذا المعنى الثعلبي ٣/ ٩٠ أعن سعيد بن جبير والضحاك. وعن الضحاك رواه الطبري ١٨/ ١٦٨، وابن أبي حاتم ٧/ ٦٨ ب.\n(٧) ذكره الثعلبي ٣/ ٩٠ أعن الحسن وابن زيد. ورواه الطبري ١٨/ ١٦٩ عن ابن زيد.\n(٨) من قوله: تم الكلام .. إلى هنا. هذا كلام الثعلبي ٣/ ٩٠ أ.","vol":"16","page":372},{"text":"قال ابن عباس: لما نزل قوله تعالى ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [النساء: ٢٩] ترك الناس مؤاكلة الصغير والكبير وقالوا: لا يحل لأحد منا أن يأكل عند أحد فأنزل الله تعالى ﴿وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ﴾ (١).\nأي: ليس عليكم حرج في أنفسكم أن تأكلوا من أموال عيالكم وأزواجكم.\nفمعنى ﴿مِنْ بُيُوتِكُمْ﴾ من بيوت أزواجكم وعيالكم، أضاف إليه؛ لأن بيت (٢) المرأة كبيت (٣) الزوج.\nذكر هذا المعنى الفرَّاء (٤) وابن قتيبة.\nقال [ابن قتيبة: وقال] (٥) بعضهم: أراد أن تأكلوا من بيوت [أولادكم فنسب بيوت] (٦) الأولاد إلى بيوت الآباء؛ لأن الأولاد كسبهم وأموالهم كأموالهم، يدلك على أن المراد بالآية (٧) ما ذكرنا: أنَّ الناس لا يتوقون أن يأكلوا من بيوتهم حتى ينفى الحرج عنهم، وأيضًا فإنه عدَّد القرابات وهم أبعد نسبًا من الولد ولم يذكر الولد، وقد قال المفسرون في قوله: ﴿مَا أَغْنَى\n_________\n(١) ذكره بهذا اللفظ عن ابن عباس: الثعلبي ٣/ ٩٠ أ.\nورواه بنحوه أبو عبيد في \"الناسخ والمنسوخ\" ص ٢٤٣، والطبري ١٨/ ١٦٨، وابن أبي حاتم ٧/ ٧١ أمن طريق علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس.\nورواه بمعناه من وجه آخر البيهقي في \"السنن الكبرى\" ٧/ ٢٧٥.\n(٢) في (ع): (بنت، كبنت).\n(٣) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٦١.\n(٤) ساقط من (ظ)، (ع).\n(٥) في (أ): (يأكلوا).\n(٦) ساقط من (أ).\n(٧) في (ظ)، (ع): (كما).","vol":"16","page":373},{"text":"عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾ [المسد: ٢] أراد ما أغنى عنه ماله وولده، فجعل ولده كسبا (١).\nوذكر مجاهد في سبب نزول الآية غير ما ذكر هؤلاء وقال: كانت رجال زمنى: عميًا عرجًا أولي (٢) حاجة يستتبعهم (٣) رجال إلى بيوتهم، فإن لم يجدوا طعامًا ذهبوا إلى بيوت آبائهم ومن عدَّدهم معهم، فكره ذلك (٤) المستتبعون، فأنزل الله في ذلك ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ﴾ (٥) وأحل لهم الطعام حيث وجدوه (٦).\nوعلى هذا معنى الآية: لا جناح على هؤلاء الزمنى ولا على من استتبعهم أن يأكلوا من بيوت أزواجهم وعيالهم أو بيوت آبائهم وأقاربهم الذين ذكروا.\nوقال السدي: كان الرجل يدخل بيت أبيه أو بيت أخيه [أو بيت\n_________\n(١) \"مشكل القرآن\" لابن قتيبة ص ٣٣٣ - ٣٣٤.\nوقد ذكر هذا القول عن المفسرين في معنى \"وما كسب\" ابن الجوزي ٦/ ٢٦٠.\n(٢) في (أ): (وإلى).\n(٣) في (ظ): (ويستتبعهم).\n(٤) ذلك: ساقطة من (أ).\n(٥) في جميع النسخ: (لا جناح عليهم)، وهو خطأ. ووقع عند أبي عبيد في \"الناسخ والمنسوخ\" وابن أبي حاتم والبيهقي: لا جناح عليكم. وهو خطأ. والتصويب من رواية الطبري.\n(٦) رواه أبو عبيد في \"الناسخ والمنسوخ\" ص ٢٤٣ - ٢٤٤، والطبري ١٨/ ١٦٩، وابن أبي حاتم ٧/ ٦٩ ب، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" ٧/ ٢٧٥. وهو مرسل.\nورواه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ٢/ ٦٤ بنحوه.\nوذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ٢٢٤ مثل رواية عبد الرزاق، ونسبه أيضًا لابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"16","page":374},{"text":"أخته] (١)، فتتحفه المرأة بشيء من الطعام، فلا (٢) يأكل لأنه ليس ثمَّ رب البيت، فأنزل الله الرخصة (٣).\nقال ابن قتيبة: وهذا من رخصته للقرابات (٤) وذوي الأواصر (٥)، كرخصته في الغرباء والأباعد لمن دخل حائطًا وهو جائع أن يصيب من ثمره، أو مرَّ في سفر بغنم وهو عطشان أن يشرب من رِسْلها (٦)، وكما أوجب للمسافر على من مرَّ به الضيافة، توسعة منه ولطفًا بعباده، ورغبة بهم عن دناءة الأخلاق وضيق النَّظر (٧).\nوقوله: ﴿أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ﴾ قال عطاء، عن ابن عباس: يريد مماليككم (٨)، وذلك أن السيد يملك منزل عبده.\nوقال الفراء: يعني: أو بيوت ﴿مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ﴾ (٩) يعني: بيوت عبيدكم وأموالهم.\nقال: ويجوز أن تكون المفاتح (١٠) -هاهنا -: الخزائن، ويجوز أن\n_________\n(١) ساقط من (ظ)، (ع).\n(٢) في (ع): (ولا).\n(٣) رواه ابن أبي حاتم ٧/ ٦٩ ب. وذكره عنه ابن كثير ٣/ ٣٠٥.\n(٤) في (أ): (رخصة القرابات).\n(٥) في (ظ): (لأواخر).\nوالأواصر: جمع آصرة، وهي الرحم. \"لسان العرب\" ٤/ ٢٢ (أصر).\n(٦) رِسْلها: لبنها. \"القاموس المحيط\" ٣/ ٣٨٤.\n(٧) \"مشكل القرآن\" لابن قتيبة ص ٣٣٤.\n(٨) ذكر الثعلبي ٣/ ٩ أ، والبغوي ٦/ ٦٤ هذا القول عن الضحَّاك.\n(٩) في (ظ): (يعني: أو بيوت مماليككم التي ملتم مفاتحهم، يعني: بيوت عبدكم وأموالكم).\n(١٠) في (أ): (أن يكون معنى المفاتح).","vol":"16","page":375},{"text":"تكون التي يفتح بها (١).\nوذكرنا المفاتح بمعنى الخزائن في (٢) قوله ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ﴾ [الأنعام: ٥٩].\nوهذا معنى قول مقاتل بن سليمان (٣)، والضحاك (٤).\nوقال آخرون: معنى قوله ﴿أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ﴾ أي ما خزنتموه لغيركم. يريد الزَّمنى الذين كانوا يخزنون للغزاة (٥).\nوقال ابن عباس: عني بذلك وكيل الرجل وقيِّمه (٦) في ضيعته (٧) وماشيته، لا بأس عليه أن يأكل من ثمر ضيعته ويشرب من لبن ماشيته (٨).\nقال عكرمة: إذا ملك الرجل المفتاح فهو خازن فلا بأس أن يطعم الشيء اليسير (٩).\n_________\n(١) هذا معنى ما قاله الفراء في \"معاني القرآن\" ٢/ ٢٦١ لا نصّه.\n(٢) في (ع): (عند).\n(٣) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٤١ ب.\n(٤) رواه عنه الطبري ١٨/ ١٧٠، وابن أبي حاتم ٧/ ٧٠ أ، ب.\n(٥) ذكر الرازي ٢٤/ ٣٧ هذا القول ونسبه للضحَّاك.\n(٦) في (ع): (وخليفته).\n(٧) الضَّيعة: هو مال الرجل من النَّخل والكرم والأرض.\nوقيّمه في ضيعته: هو الذي يقوم بأمرها وما تحتاج إليه.\nانظر: \"لسان العرب\" ٨/ ٢٣٠ (ضيع)، ١٢/ ٥٠٣ (قوم).\n(٨) ذكره بهذا اللفظ الثعلبي ٣/ ٩٠ أ.\nورواه بنحوه الطبري ١٨/ ١٧٠، وابن أبي حاتم ٧/ ٧١ أ.\nوذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ٢٢٤ ونسبه أيضًا لابن المنذر والبيهقي.\n(٩) رواه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ٢/ ٦٥.\nوذكره عنه الجصَّاص في \"أحكام القرآن\" ٣/ ٣٣٥، والبغوي ٦/ ٦٤ - ٦٥.","vol":"16","page":376},{"text":"وقال السدي: الرجل يوليه الرجل طعامه يقوم عليه فلا بأس أن يأكل منه (١).\nوقال مقاتل بن حيان: ﴿أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ﴾ [يعني: ما ملكتم (٢) خزائنه (٣).\nوقال قتادة: ﴿أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ﴾] (٤) مما تحتبس يا ابن آدم (٥).\nونحو هذا يروى عن مجاهد (٦).\nوالمعنى: أو بيوت أنفسكم مما اختزنتم وملكتم.\nوهذا أبعد الوجوه؛ لأن الناس لا يتوقّون أن يأكلوا من بيوتهم.\nوقوله: ﴿أَوْ صَدِيقِكُمْ﴾ قال المقاتلان: انطلق رجل غازيًا يدعى الحارث بن عمرو (٧) واستخلف مالك بن زيد (٨) في أهله وخزائنه (٩)، فلما رجع (١٠) الحارث من غزاته (١١) رأى مالكًا مجهودًا قد أصابه الضرّ، فقال:\n_________\n(١) رواه ابن أبي حاتم ٧/ ٧٠ ب. وذكره عنه ابن كثير ٣/ ٣٠٥.\n(٢) (ما ملكتم): ساقطة من (ع).\n(٣) لم أجده عن مقاتل بن حيان. وقد رواه ابن أبي حاتم ٧/ ٧٠ أعن سعيد بن جبير.\n(٤) ساقط من (أ).\n(٥) رواه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ٢/ ٦٤، والطبري ١٨/ ١٧٠، وابن أبي حاتم ٧/ ٧٠ ب.\n(٦) ذكر هذه الرواية عن مجاهد: الثعلبي ٣/ ٩٠ ب. ورواها الطبري ١٨/ ١٧٠.\n(٧) في (أ): (عمر).\n(٨) في (أ): (يزيد).\n(٩) في (ظ)، (ع): (وخزانته).\n(١٠) في (أ): (خرج).\n(١١) في (أ): (غرايه).","vol":"16","page":377},{"text":"ما أصابك؟ قال مالك (١): لم يكن عندي سعة. فقال الحارث: أما تركتك في أهلي ومالي؟ قال: بلى، ولكن لم يكن يحلّ (٢) لي مالك، ولم أكن لآكل ما لا يحلّ لي. فأنزل الله ﴿أَوْ صَدِيقِكُمْ﴾ يعني الحارث بن عمرو حين خلَّف مالكًا في أهله (٣).\nوالمعنى: ليس عليكم جناح أن تأكلوا من منازل هؤلاء إذا دخلتموها وإن لم يحضروا ولم يعلموا (٤) من غير أن تتزودوا أو تحملوا (٥).\nوكان الحسن وقتادة (٦) يريان دخول (٧) الرجل بيت صديقه والتحرم من طعامه (٨) من غير استئذان بهذه الآية.\nقال معمر: ودخلت على قتادة فقلت له (٩): أشرب من هذا الحُبّ (١٠)؟ -حب فيه ماء- فقال: أنت لنا صديق، ثم قرأ ﴿أَوْ صَدِيقِكُمْ﴾ (١١).\n_________\n(١) (مالك): ساقطة من (ع).\n(٢) (يحل): ساقطة من (أ).\n(٣) رواه ابن أبي حاتم ٧/ ٧٠ ب، ٧١ أعن مقاتل بن حيَّان. وهو في \"تفسير مقاتل بن سليمان\" ٢/ ٤١ ب.\n(٤) في (أ): (وإن لم تحضروا ولم تعلموا).\n(٥) في (ع): (من غير أن يتزودوا أو يحملوا).\n(٦) ذكرها عنها بهذا اللفظ الثعلبي ٣/ ٩٠ ب.\nوعن قتادة بمعناه رواه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ٢/ ٦٤، والطبري ١٨/ ١٧١، وابن أبي حاتم ٧/ ٧٠ ب.\n(٧) في (ظ)، (ع): (دخل).\n(٨) في (ظ)، (ع): (بطعامه).\n(٩) (له): ساقطة من (أ).\n(١٠) الحُب: الجرَّة: الضخمة، أو الذي يوضع فيه الماء. \"لسان العرب\" ١/ ٢٩٥ (حبب).\n(١١) رواه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ٢/ ٦٥، والطبري ١٨/ ١٧١، وابن حبان في \"روضة العقلاء\" ص ٨٧ عن معمر، به.","vol":"16","page":378},{"text":"وقال ابن عباس- في رواية عطاء: أو صديقكم إذا دعاكم (١).\nوقوله تعالى ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا﴾ قال أكثر المفسرين: نزلت في بني ليث بن بكر (٢) -وهم حيّ من كنانة- كان الرجل لا يأكل وحده، يمكث يومه فإن لم يجد من يؤاكله لم يأكل شيئًا، وربما كانت معه الإبل الحُفَّل (٣) فلا يشرب من ألبانها حتى يجد من يشاربه، فأعلم الله أن الرجل منهم إن أكل وحده فلا إثم عليه (٤).\nونصب ﴿جَمِيعًا﴾ على الحال. ومعنى ﴿أَشْتَاتًا﴾: متفرقين، جمع شت، والشت المصدر بمعنى: التفرق، يقال: شت القوم، إذا تفرقوا. ثم يوصف به ويجمع (٥).\nوهذا معنى قول قتادة، ومقاتل، والضحاك، وابن جريج، ورواية الوالبي عن ابن عباس (٦).\n_________\n(١) ذكر الماوردي ٤/ ١٢٤ هذا القول بمعناه، ولم ينسبه لأحد.\n(٢) بطن من كنانة بن خزيمة، من العدنانية، وهو بنو ليث بن بكر بن عبد مناة من كنانة بن خزيمة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان. كانوا يقيمون حول مكة. \"جمهرة أنساب العرب\" لابن حزم ص ١٨٠، \"معجم قبائل العرب\" لكحالة ٣/ ١٠١٩ - ١٠٢٠.\n(٣) الحُفَّل: كرُكَّع-: جمع حافلة، وهي التي امتلأ ضرعها لبنًا. انظر: \"لسان العرب\" ١١/ ١٥٧ (حف)، \"القاموس المحيط\" ٣/ ٣٥٨.\n(٤) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٥٤.\nوانظر: \"إعراب القرآن\" للنحاس ٣/ ١٤٩، \"البيان في غريب القرآن\" للأنباري ٢/ ٢٠٠، \"الدر المصون\" ٨/ ٤٤٤.\n(٥) انظر: \"تهذيب اللغة\" للأزهري ١١/ ٢٦٩ (شت)، \"الصحاح\" للجوهري ١/ ٢٥٤ (شتت)، \"لسان العرب\" ٢/ ٤٨ - ٤٩ (شتت).\n(٦) ذكره الثعلبي ٣/ ٩٠ عن هؤلاء عدا مقاتل. =","vol":"16","page":379},{"text":"وقال الكلبي: كانوا إذا اجتمعوا ليأكلوا طعامًا عزلوا للأعمى (١) على حدى، وللأعرج على حدة. فنزلت هذه الآية [رخصة لهم (٢)] (٣) (٤).\nوذهب قوم إلى (٥) أنَّ هذا عام أباح الله تعالى للناس الأكل إن شاءوا مجتمعين وإن شاءوا متفرقين.\nوهذا قول مقاتل بن حيان (٦)، ومعنى قول ابن عباس في رواية عطاء (٧).\nوقال عكرمة وأبو صالح: نزلت في قوم من الأنصار كانوا لا يأكلون إذا نزل بهم ضيف إلا مع ضيفهم، فرخص لهم أن يأكلوا كيف شاءوا مجتمعين أو متفرقين (٨).\n_________\n= وقول مقاتل في \"تفسيره\" ٢/ ٤١ ب.\nوعن قتادة: رواه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ٢/ ٦٥، والطبري ١٨/ ١٧٢، وابن أبي حاتم ٧/ ٧٤ ب. وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ٢٢٥ ونسبه أيضًا لعبد ابن حميد.\nوقول الضحَّاك وابن جريج رواه عنهما الطبري ١٨/ ١٧٢.\nورواية الوالبي عن ابن عباس رواها الطبري ١٨/ ١٧٢، وابن أبي حاتم ٧/ ٧١ أ.\n(١) في (أ): (الأعمى).\n(٢) (لهم): ساقطة من (ع).\n(٣) ساقط من (ظ).\n(٤) رواه عنه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ٢/ ٦٥.\n(٥) (إلى): ساقطة من (ظ)، (ع).\n(٦) روى ابن أبي حاتم ٧/ ٧١ ب هذا المعنى عن سعيد بن جبير، ثم قال: وروى عنه مقاتل بن حيان نحو ذلك.\n(٧) انظر: \"الثعلبي\" ٣/ ٩٠ ب، والبغوي ٦/ ٦٥.\n(٨) ذكره الثعلبي ٣/ ٩٠ ب عنهما. =","vol":"16","page":380},{"text":"وقوله: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ ثلاثة أقوال:\nأحدها: أن هذا في دخول الرجل بيت نفسه والسلام على أهله ومن في بيته.\nوهذا قول جابر بن عبد الله، والزهري، وقتادة، وعطاء، والأعمش، ومعنى قول ابن عباس في رواية عطاء (١).\nوروى أبو الزبير، عن جابر قال: إذا دخلت على أهلك فسلّم عليهم ﴿تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾ (٢).\nوروى عنه مرفوعًا أن رسول الله -ﷺ- قال: \"إذا دخلتم بيوتكم فسلموا على أهلها\" (٣).\n_________\n= ورواه عنهما الطبري ١٨/ ١٧٤. وذكره عنهما السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ٢٢٥ ونسبه أيضًا لابن المنذر.\nقال الطبري ١٨/ ١٧٢ - بعد ذكره للروايات في سبب نزول الآية-: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله وضع الحرج عن المسلمين أن يأكلوا جميعًا معًا إذا شاءوا أو أشتاتًا متفرقين إذا أرادوا وجائز أن يكون نزل بسبب من كان يتخوف من الأغنياء الأكل مع الفقير، وجائز أن يكون بسبب القوم الذين ذكر أنَّهم كانوا لا يطعمون وحدانا، وبسبب غير ذلك، ولا خبر بشيء من ذلك يقطع العذر، ولا دلالة في ظاهر التنزيل على حقيقة شيء منه، والصواب التسليم لما دل عليه ظاهر التنزيل، والتوقف فيما لم يكن على صحته دليل.\n(١) قال الثعلبي في \"الكشف والبيان\" ٧/ ٩١ أ: (وهو قول جابر بن عبد الله، وطاووس والزهري، وقتادة، والضحاك، وعمرو بن دينار، ورواية عطاء الخراساني عن ابن عباس.\n(٢) رواه البخاري في \"الأدب المفرد\" ص ٣١٩، والطبري ١٨/ ١٧٣، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٧/ ٧٢ أ.\nوذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ٢٢٦ وزاد نسبته لابن مردويه.\n(٣) رواه الحاكم في \"مستدركه\" ٢/ ٤٠٢ من حديث جابر مرفوعًا، وقال: غريب الإسناد والمتن.","vol":"16","page":381},{"text":"وقال الزهري وقتادة -في قوله ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ - قالا: بيتك إذا دخلت فقل: السلام عليكم (١).\nوقال عطاء: إذا دخلت على أهلك فسلّم (٢).\nوقال الأعمش: يقول: فسلموا على أهليكم إذا دخلتم بيوتكم (٣).\nوقال ابن عباس -في رواية عطاء-: هذا (٤) أدب من الله -﷿- أمر أولياءه بالسلام على أهلهم.\nوعلى هذا قال: ﴿عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ وهو يريد أهليكم، لأن أهل الرجل في نفسه.\nالقول الثاني: أن معنى الآية: ليسلم بعضكم على بعض إذا دخلتم بيوتًا. وهو قول الحسن، وزيد بن أسلم وابنه، والسدي، والكلبي، والمقاتلين (٥)، كل هؤلاء قالوا: معنى الآية إذا دخلتم بيوتًا فسلموا على\n_________\n(١) رواه عنهما عبد الرزاق في \"تفسيره\" ٢/ ٦٥، والطبري ١٨/ ١٧٣، وابن أبي حاتم ٧/ ٧١ ب.\n(٢) رواه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" ٨/ ٤٥٥، والطبري ١٨/ ١٧٣.\n(٣) لم أجده. وقد روى الطبري ١٨/ ١٧٤ من طريق الأعمش، عن إبراهيم قال: إذا دخلت المسجد .. وإذا دخلت بيتًا ليس فيه أحد .. وإذا دخلت بيتك فقل: السلام عليكم.\n(٤) (هذا): ساقطة من (أ).\n(٥) قول ابن زيد ذكره عنه الثعلبي ٣/ ٩٠ ب. ورواه عنه الطبري ١٨/ ١٧٤، وابن أبي حاتم ٧/ ٧٢ ب.\nوقول الكلبي رواه عنه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ٢/ ٦٦.\nوقول مقاتل بن حيان رواه عنه ابن أبي حاتم ٧/ ٧٢ أ، ب.\nوسيأتي تخريج أقوال الباقين.","vol":"16","page":382},{"text":"أهلها وعلى من فيها من المسلمين، وليسلم بعضكم على بعض عند دخول البيت والمنازل.\nوعلى هذا معنى قوله ﴿عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ أي على أهل ملتكم. قاله السدي (١).\nوقال مقاتل: على أهل دينكم (٢).\nوقال زيد بن أسلم: يقول (٣) على المسلمين (٤).\nوقال الحسن: هذا كقوله ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] (٥).\nالقول الثالث: أنَّ هذا في دخول البيوت الخالية.\nروى منصور (٦) عن إبراهيم (٧) -في هذه الآية- قال: إذا دخلت بيتًا ليس فيه أحد فقل: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين (٨).\nوقال مجاهد -في هذه الآية-: إذا دخلت بيتًا ليس فيه أحد فقل: السلام علينا من ربنا، السلام علينا (٩) وعلى عباد الله الصالحين (١٠).\n_________\n(١) ذكره عنه الماوردي ٤/ ١٢٦.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٤١ ب.\n(٣) يقول: ساقطة من (ع).\n(٤) رواه ابن أبي حاتم ٧/ ٧٢ أ.\n(٥) ذكره عنه الثعلبي ٣/ ٩٠ ب.\nورواه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ٢/ ٦٦، والطبري ١٨/ ١٧٤، وابن أبي حاتم ٧/ ٧٢ ب، وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ٢٢٨ وزاد نسبته لابن المنذر.\n(٦) هو منصور بن المعتمر.\n(٧) هو إبراهيم النَّخعي.\n(٨) رواه الطبري ٢٨/ ١٧٤ - ١٧٥ من رواية منصور عن إبراهيم.\n(٩) في (ع): (عليكم).\n(١٠) رواه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ٢/ ٦٦، وسعيد بن منصور في \"تفسيره\" ل ٥٨ أ =","vol":"16","page":383},{"text":"وهذا قول ابن عمر (١)، والحكم (٢)، وماهان (٣).\nوروى عمرو بن دينار، عن ابن عباس في هذه الآية قولًا رابعًا في قوله ﴿فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ قال: هو المسجد إذا دخلتم فسلموا على من فيه، وقيل: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين (٤).\nفالبيوت في هذا القول المساجد.\nقوله ﴿تَحِيَّةً﴾ ذكرنا معناها عند قوله ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ﴾ [النساء: ٨٦].\nقال أبو إسحاق: هو نصبٌ على المصدر لأن قوله (فسلموا) بمعنى (٥)\n_________\n=، ب، وابن أبي شيبة في \"مصنفه\" ٨/ ٤٦١، وابن أبي حاتم ٧/ ٧٢ أوذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ٢٢٨ ونسبه أيضًا لعبد بن حميد وابن المنذر.\n(١) رواه عنه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" ٨/ ٤٦٠، والبخاري في \"الأدب المفرد\" ص ٣١٠، والطبري في \"تفسيره\" ١٨/ ١٧٥.\n(٢) (والحكم): في حاشية (ع)، وهو: الحكم بن عتيبة، وقوله لم أجده.\n(٣) هو: ماهان الحنفي.\nوروى عنه هذا القول عبد الرزاق في \"تفسيره\" ٢/ ٦٥، وابن أبي شيبة في \"مصنفه\" ٨/ ٤٦١، والطبري ١٨/ ١٧٤.\n(٤) رواه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ٢/ ٦٦، والطبري ٨/ ١٧٤، وابن أبي حاتم ٧/ ٧٢ أ، والحاكم في \"مستدركه\" ٢/ ٤٠١، والثعلبي في \"الكشف والبيان\" ٣/ ٩١ أكلهم من طريق عمرو بن دينار، عن ابن عباس، به.\nوذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ٢٢٧ ونسبه أيضًا لابن المنذر والبيهقي. وصحح ابن العربي ٣/ ١٤٠٨ أن المراد البيوت كلها، لعموم القول، ولا دليل على التخصيص.\n(٥) في (ظ): (يعني).","vol":"16","page":384},{"text":"فتحيَّوا (١) ويحيي بعضكم تحية (٢).\nوقوله ﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ قال ابن عباس: أي هذه تحية حياكم الله بها (٣).\nوقال الفراء (٤): أي من أمر الله أمركم بها تفعلونه (٥) طاعة له (٦).\nوقوله ﴿مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾ قال ابن عباس: يريد حسنة جميلة (٧).\nوقال الزجاج: أعلم الله أن السلام مبارك طيب لما فيه من الأجر والثواب (٨).\nقوله ﴿كَذَلِكَ﴾ أي كبيانه في هذه الآية.\n﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ﴾ يفصل الله لكم معالم دينكم كما بيّن في أمر الطعام والتسليم (٩) (١٠).\n_________\n(١) في (أ): (فحيوا).\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٥٥.\nوانظر: \"إعراب القرآن\" للنحاس ٣/ ١٤٩، \"مشكل إعراب القرآن\" لمكي ٢/ ٥١٧، \"الإملاء\" للعكبري ٢/ ١٦٠.\n(٣) لم أجده بهذا اللفظ، وقد روى ابن أبي حاتم ٧/ ٧٢ ب من طريق الوالبي، عن ابن عباس في قوله (تحيّة من عند الله): قال وهو السلام: لأنَّه اسم الله، وهو تحية أهل الجنَّة.\n(٤) (الفراء): ساقط من (ع).\n(٥) في (أ): (تفعلوه).\n(٦) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٦٢.\n(٧) ذكره عنه البغوي ٦/ ٦٦.\n(٨) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٥٥ إلى قوله: طيب. أما قوله: لما فيه من الأجر والثواب. فهذا كلام الطبري في \"تفسيره\" ١٨/ ١٧٢.\n(٩) في (ظ): (والسلام).\n(١٠) الطبري ١٨/ ١٧٥ مع اختلاف يسير.","vol":"16","page":385},{"text":"﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ لكي تفقهوا (١) عن الله أمره ونهيه وأدبه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2902>٦٢ </span>- قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ﴾ قال مجاهد (٢)، وسعيد بن جبير (٣)، والمفسرون (٤): يعني الجمعة والغزو.\nوقال مقاتل بن حيان: يقول على أمر طاعة يجتمعون عليها نحو الجمعة والنحر والفطر والجهاد وأشباه ذلك (٥).\nوقوله: ﴿لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾ قال مقاتل: نزلت في عمر بن الخطاب استأذن النبي -ﷺ- في غزوة تبوك في الرجعة إلى أهله، فأذن له وقال: \"انطلق فوالله ما أنت بمنافق\". يريد بذلك أن يسمع المنافقين (٦).\nوقال ابن عباس: الذي استأذنه عمر بن الخطاب، وذلك (٧) أنه استأذن رسول الله -ﷺ- في العمرة فأذِن له، ثم قال: \"يا أبا حفص لا تنسنا في صالح (٨) دعائك\" (٩).\n_________\n(١) في (أ): (تفقهون).\n(٢) رواه عنه عبد الرزاق في \"مصنفه\" ٣/ ٢٤٢ - ٢٤٣، وابن أبي حاتم ٧/ ٧٣ أ، ب.\nوذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ٢٢٩ - ٢٣٠ ونسبه أيضًا للفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(٣) رواه عنه ابن أبي حاتم ٧/ ٧٣ أ. وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ٢٣٠ ونسبه أيضًا لعبد بن حميد.\n(٤) انظر: \"الطبري\" ١٨/ ١٧٥ - ١٧٦، والثعلبى ٣/ ٩١ أ.\n(٥) روى عنه ابن أبي حاتم ٧/ ٧٣ ب.\n(٦) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٤٢ أ. وهذه الرواية لا تصح في سبب نزول هذه الآية.\n(٧) في (ع): (في ذلك).\n(٨) (صالح): ساقطة من (ع).\n(٩) لم أجده عن ابن عباس. وقد روى أبو داود في \"سننه\" الصلاة - باب: الدعاء =","vol":"16","page":386},{"text":"وقال الثُّمالي (١) -في هذه الآية-: إن رسول الله -ﷺ- إذا صعد المنبر يوم الجمعة وأراد الرجل أن يخرج من المسجد لحاجة أو عذر لم يخرج حتى يقوم بحيال (٢) رسول الله -ﷺ- حيث يراه، فيعرف أنَّه (٣) إنّما قام ليستأذن، فيأذن لمن شاء (٤) منهم (٥).\nقال مجاهد: وإذن الإمام يوم الجمعة أن يشير بيده (٦).\nقال الكلبي: كان ذلك مع رسول الله -ﷺ- فأما اليوم فإذنه أن يأخذ بأنفه وينصرف (٧).\n_________\n= ٤/ ٣٦٥، والترمذي كتاب: الدعوات ١٠/ ٧، وابن ماجه المناسك- باب: فضل دعاء الحاج ٢/ ١٥٥ عن ابن عمر أنه استأذن النبي -ﷺ- في العمرة فأذن له، وقال: \"يا أخي أشركنا في دعائك ولا تنسنا\".\nقال المنذري في \"مختصر أبي داود\" ٢/ ١٤٦: وفي إسناده عاصم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب وقد تكلم فيه غير واحد من الأئمة.\nوذكره الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" ٣/ ٢١١ عن عمر وفيه: \"في صالح دعائك\" وقال: رواه أحمد وأبو يعلى وفيه عاصم بن عبد الله وفيه كلام كثير وقد وثق.\n(١) هو: أبو حمزة الثمالي.\n(٢) بحيال: أي بجانب.\n(٣) (أنه): ساقطة من (أ).\n(٤) في (ع): (يشاء).\n(٥) رواه الثعلبي في \"الكشف والبيان\" ٣/ ٢٩١ ب بسنده عن أبي حمزة الثمالي به. وهو ضعيف؛ لضعف الثُمالي، ولإرساله.\nوقد ذكر البغوي ٦/ ٦٧، وابن الجوزي ٦/ ٦٨ - ٦٩ هذا الخبر ونسباه للمفسرين.\n(٦) رواه عبد الرزاق في \"مصنفه\" ٣/ ٢٤٢ - ٢٤٣، وابن أبي حاتم ٧/ ٧٣ أ، ب. وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ٢٢٩ ونسبه أيضًا للفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(٧) رواه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ٢/ ٦٦، وفي \"مصنفه\" ٣/ ٢٤٤.","vol":"16","page":387},{"text":"وذكر في سبب نزول هذه الآية: أن رسول الله -ﷺ- كان إذا خطب يوم الجمعة عرّض بالمنافقين في خطبته وعابهم، فربما كانوا يخرجون من المسجد ولا (١) يصلّون معه الجمعة فأنزل الله هذه الآية (٢).\nوقال أبو إسحاق في هذه الآية: أعلم الله -﷿- أن المؤمنين إذا كانوا مع نبيّه فيما يحتاج فيه إلى الجماعة لم يذهبوا حتى يستأذنوه، وكذلك ينبغي أن يكونوا مع أئمتهم لا يخالفونهم، ولا يرجعون عنهم في جمع من جموعهم إلا بإذنهم، وللإمام أن يأذن وله أن لا يأذن على قدر ما يرى من الحظ لقوله -﷿- ﴿فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ﴾ فجعل المشيئة إليه في الإذن (٣).\n﴿وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ﴾ أي استغفر لهم لخروجهم عن الجماعة إن رأيت لهم عذرًا.\nقوله تعالى: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ قال ابن عباس -في رواية عطاء-: يريد من بعيد: يا أبا القاسم. ولكن افعلوا كما قال -في الحجرات-: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ﴾ [الحجرات: ٣] (٤).\n_________\n(١) في (ع): (لا).\n(٢) روى أبو داود في \"المراسيل\" ص ٤٧ عن مقاتل بن حيان نحوه. وذكره نحو هذه الرواية الفراء في \"معاني القرآن\" ٢/ ٢٦٢. وانظر ابن كثير ٣/ ٣٠٧، \"الدر المنثور\" ٦/ ٢٣١.\n(٣) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٥٥.\n(٤) رواه أبو نعيم في \"دلائل النبوة\" ١/ ٤٦.\nوذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ٢٣٠ ونسبه أيضًا لعبد الغني بن سعيد في تفسيره. وقد تقدم الكلام على هذه الرواية عن ابن عباس.\nوروى ابن أبي حاتم ٧/ ٧٤ أ، وأبو نعيم في \"دلائل النبوة\" ١/ ٤٥ - ٤٦ من =","vol":"16","page":388},{"text":"وعلى هذا معنى الآية: أنهم أمروا بخفض الصوت إذا دعوا رسول الله -ﷺ- ونُهوا أن يصيحوا به من بعيد.\nوقال مجاهد: أمرهم أن يدعوا (١) رسول الله -ﷺ- في لين وتواضع، ولا يقولوا: يا محمد في تجّهم (٢) (٣).\nوقال سعيد بن جبير: لا تقولوا يا محمد. قولوا: يا رسول الله (٤).\nوقال قتادة: أمرهم أن يُفخِّموه ويشرِّفوه (٥).\nوقال المقاتلان: يقول لا تدعوا النبي باسمه: يا محمد، يا بن عبد الله (٦). إذا دعوتموه كما يدعو بعضكم بعضًا باسمه: يا فلان ويا ابن فلان، ولكن عظّموه وفخّموه وشرّفوه، وقولوا: يا رسول الله ويا نبي الله (٧).\n_________\n= طريق بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحَّاك، عن ابن عباس، نحو هذا القول. وهذه الرواية فيها ضعف وانقطاع. فبشر بن عمارة ضعيف، والضحاك لم يلق ابن عباس. انظر: \"تهذيب التهذيب\" لابن حجر ١/ ٤٥٥، ٤/ ٤٥٣.\n(١) في (أ): (يدعونا).\n(٢) في (أ): (تهجم). والتَّجهم: الاستقبال بوجه كريه. انظر: \"لسان العرب\" ١٢/ ١١١ (جهم).\n(٣) رواه الطبري ١٨/ ١٧٧، وابن أبي حاتم ٧/ ٧٤ ب. وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ٢٣١ وزاد نسبته لابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(٤) رواه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (ج٧ ل ٧٤ ب). وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ٢٣١ ونسبه لعبد بن حميد.\n(٥) رواه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ٢/ ٦٦، والطبري ١٤/ ١٧٧ ورواه ابن أبي حاتم ٧/ ٧٤ ب بنحوه.\nوذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ٢٣١ ونسبه أيضًا لعبد بن حميد وابن المنذر.\n(٦) في (ع): (ولا يابن عبد الله).\n(٧) قول مقاتل بن حيان رواه عنه ابن أبي حاتم ٧/ ٧٤ ب. وقول مقاتل بن سليمان في \"تفسيره\" ٢/ ٤٢ أ.","vol":"16","page":389},{"text":"وهذا قول أكثر المفسرين (١)، واختيار الفراء (٢) والزَّجَّاج، قال: أعلمهم الله فضل النبي -ﷺ- على سائر البرية (٣) في المخاطبة (٤).\nوروي عن ابن عباس قول آخر قال (٥): نهى الله المؤمنين (٦) أن يتعرضوا لدعاء الرسول عليهم يقول: دعوة الرسول عليكم موجبة فاحذروها (٧).\nوهذا قول الحسن، قال -في هذه الآية-: لا تجعلوا دعاء الرسول عليكم كدعاء بعضهم على بعض (٨) (٩).\nوذكر المبرد وجهًا آخر فقال: يجوز أن يكون المعنى: لا تجعلوا أمره\n_________\n(١) انظر ابن أبي حاتم ٧/ ٧٤ ب، \" الدر المنثور\" للسيوطي ٦/ ٢٣١.\nقال ابن كثير ٣/ ٣٠٧ - عن هذا القول-: وهو الظاهر من السياق كقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا﴾ إلى آخر الآية [البقرة: ١٠٤]، وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿خَيْرًا لَهُمْ﴾ [الحجرات: ٢ - ٥] فهذا كله من باب الأدب في مخاطبة النبي -ﷺ- والكلام معه وعنده كما أمروا بتقديم الصدقة قبل مناجاته. اهـ.\n(٢) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٦٢.\n(٣) في (أ): (النبوية).\n(٤) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٥٥.\n(٥) في (ع): (قالت).\n(٦) (المؤمنين): ساقطة من (ع).\n(٧) رواه الطبري ١٨/ ١٧٧، وابن أبي حاتم ٧/ ٧٤ ب من قوله: دعوة .. من رواية العوفي، عنه.\nوذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ٢٣١ ونسبه أيضًا لابن مردويه.\nقال ابن عطية ١٠/ ٥٥٦ ولفظ الآية يدفع هذا المعنى.\n(٨) في (ع): (كدعاء بعضكم بعضًا) أي على بعض.\n(٩) رواه عنه ابن أبي حاتم ٧/ ٧٤ ب. وذكره عنه ابن كثير ٣/ ٣٠٧.","vol":"16","page":390},{"text":"إياكم ودعاءه لكم كما يكون من بعضكم لبعض، إذ (١) كان أمره فرضًا لازمًا (٢).\nقال: ومثله قوله ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤].\nوعلى هذا المصدر يكون مضافًا إلى الفاعل والدعاء يكون من الرسول، وهو أليق بما بعده من التهديد لمن تأخر عن الرسول وخالف أمره، وهو قوله ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا﴾ (٣).\nقال الليث: التَّسلل: إنسلال (٤) جماعة، إذا ذهبوا (٥).\nوالسَّل: الإخراج، والتَّسلل والانسلال: الخروج. يقال: تسلل فلان من بين أصحابه، إذا خرج من جملتهم (٦).\nوذكرنا هذا عند تفسير (٧) السلالة (٨).\nوقوله ﴿لِوَاذًا﴾ هو من الملاوذة، وهو (٩) أن يستتر بشيء مخافة من\n_________\n(١) في (ع): (إذا).\n(٢) ذكره عنه الرازي ٢٤/ ٣٩ - ٤٠ وذكره عنه بمعناه أبو حيان ٦/ ٤٧٦، والسمين الحلبي ٨/ ٤٤٦. وذكر الماوردي ٤/ ١٢٨ هذا المعنى وقال: حكاه ابن عيسى.\n(٣) اختار الرازي ٢٤/ ٤٠، وأبو حيان ٦/ ٤٦ هذا القول، وذكرا مثل هذا التعليل.\n(٤) في (أ): (استلال).\n(٥) قول الليث في \"العين\" ٧/ ١٩٣ (سلّ).\n(٦) انظر: \"تهذيب اللغة\" للأزهري ١٢/ ٢٩٢ - ٢٩٤ (سل)، \"الصحاح\" للجوهري ٥/ ١٧٣١ \"سلل\"، \"لسان العرب\" ١١/ ٣٣٨ - ٣٣٩ (سلل).\n(٧) في (ع): (عند قوله تفسير).\n(٨) انظر: \"البسيط\" عند قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٢].\n(٩) في (أ): (هو).","vol":"16","page":391},{"text":"يراه (١). قال الطِّرمَّاح:\nتلاوذ (٢) من حرِّ كأن أواره (٣) ... يُذيب دماغ الضَّب فهو خدوع (٤)\nأي: تستتر (٥) بكنسها (٦) يعني بقر الوحش.\nقال الفراء: إنَّما قيل لواذًا لواذًا؛ لأنها مصدر \"لاوذت\"، ولو كانت مصدرًا لـ\"لذتُ\" لكان لياذًا، كما تقول: قمت إليك قيامًا، وقاومتك قواما (٧).\nونحو هذا قال الزجاج (٨).\nوذكر المبرد العلّة فقال: صحت الواو في لواذا؛ لأن فعلها صحيح، لاوذته لواذًا وعاودته عوادا، ولو اعتل الفعل لاعتل مصدره في \"فعَال\" نحو: قمت قيامًا، ونمت نيامًا، ولو قلت: قاومته، لقلتا قواما (٩).\n_________\n(١) انظر: \"لوذ\" في: \"الصحاح\" ٢/ ٥٧٠، \"لسان العرب\" ٣/ ٥٠٨\n(٢) في (أ): (تلاود).\n(٣) في (ظ): (أواره).\n(٤) في (أ): (جدوع)، والمثبت من باقي النسخ والديوان.\n(٥) في (ظ): (يستر).\n(٦) الكُنُس: جمع مكنس، وهو مولج الوحش من الظباء والبقر تستكن فيه من الحر. \"لسان العرب\" ٦/ ١٩٨ (كنس).\n(٧) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٦٢.\n(٨) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٥٦.\n(٩) في \"الكامل\" للمبرد ٢/ ٢٧٨: .. وكذلك \"فعال\" إذا كان مصدرًا صحيحًا صحَّ إذا صحَّ فعله، واعتل إذا اعتل فعله، فما كان مصدرًا لـ\"فاعلت\" فهو \"فعال\" صحيح، تقول: قاولته قوالا، ولاوذته لواذا كقوله تعالى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا﴾ أي ملاوذة، وإذا كان مصدر \"فعلتُ\" اعتل لاعتلال الفعل، فقلت: قمت قيامًا، ونمت نيامًا، ولذت لياذًا، وعذت عياذًا. اهـ.","vol":"16","page":392},{"text":"قال ابن عباس -في هذه الآية-: يلوذ بغيره ويهرب.\nوقال المقاتلان: إنَّ المنافقين كان يثقل عليهم يوم الجمعة قولُ النبي -ﷺ- وخطبته، فيلوذون ببعض أصحاب محمد -ﷺ- حتى يخرجوا من المسجد، [فيقوم المنافق فينسل] (١) مستخفيًا مستترًا (٢) بغيره من غير استئذان (٣).\nوعلى هذا التهديد في الخروج عن المسجد يوم الجمعة.\nوقال ابن قتيبة: ويقال: بل نزلت هذه في حفر الخندق، فكان (٤) قوم يتسللون بلا إذن (٥). ومعنى ﴿قَدْ يَعْلَمُ﴾ التهديد بالمجازاة.\nوهو اختيار الفراء، قال: إن المنافقين كانوا يشهدون الجمعة فيعيبهم النبي -ﷺ- بالآيات التي تنزل فيهم، فيضجرون، فإن خفي لأحدهم القيام قام (٦).\nثم حذَّرهم الفتنة والعذاب فقال: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ أي يعرضون عن أمره، ودخلت (عن) لتضمن (٧) المخالفة معنى الإعراض (٨). ﴿أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾ قال ابن عباس: ضلالة (٩).\n_________\n(١) زيادة من \"تفسير مقاتل\" يستقيم بها المعنى.\n(٢) في (ظ): (متسترًا).\n(٣) قول مقاتل بن حيان رواه عنه ابن أبي حاتم ٧/ ٧٥ أ. وقول مقاتل بن سليمان في \"تفسيره\" ٢/ ٤٢ أ.\n(٤) في (ظ): (وكان).\n(٥) \"غريب القرآن\" لابن قتيبة ص ٣٠٩.\n(٦) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٦٢.\n(٧) في (أ): (وليحذر)، وهو خطأ في الآية.\n(٨) في (ظ): (التضمن).\n(٩) هذا معنى ما قاله الطبرى ١٨/ ١٧٨. =","vol":"16","page":393},{"text":"يعني الكفر. قاله المقاتلان (١).\nوقال الحسن، والكلبي: بليَّة تُظهر ما في قلوبهم من النفاق (٢).\n﴿أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ يعني القتل في الدنيا (٣).\nوهذا دليل على أنَّ من خالف الرسول فهو معرض (٤) الفتنة والقتل.\nثم عظم نفسه فقال: ﴿أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ يعني عبيدًا (٥) وملكًا وخلقًا (٦). وفيه بيان أنه لا يجوز للعبد أن يخالف أمر مالكه الذي له ما في السموات والأرض (٧).\n_________\n= وذكر الماوردي ٤/ ١٢٩، وابن الجوزي ٦/ ٦٩ قولًا ثانيًا، ونسباه للأخفش، وهو أن \"عن\" زائدة، والتقدير: فليحذر الذين يخالفون أمره.\nوهذا قول أبي عبيدة في \"المجاز\" ٢/ ٦٩. والصحيح الأول.\n(١) ذكره عنه ابن الجوزي ٦/ ٦٩. وذكر عنه الثعلبي ٣/ ٩١ ب، والزمخشري ٣/ ٧٩ أنه قال: قتل.\n(٢) قول مقاتل بن حيان رواه ابن أبي حاتم ٧/ ٧٥ ب. وقول مقاتل بن سليمان في \"تفسيره\" ٢/ ٤٢ أ.\nوذكره الثعلبي ٣/ ٩١ ب عن الحسن، وذكره الماوردي ٤/ ١٢٩، وقال: حكاه ابن عيسى. وذكره ابن العربي في \"أحكام القرآن\" ٣/ ١٤١٢ من غير نسبة، ثم قال -بعد ذكره لهذا القول وغيره-: وهذه الأقوال صحيحة كلها؛ ولكن متعلقاتها مختلفة؛ فهنالك مخالفة توجب الكفر ..، وهنالك مخالفة هي معصية.\n(٣) روى ابن أبي حاتم ٧/ ٧٥ ب هذا القول عن مقاتل بن حيَّان.\nوذكر الماوردي ٤/ ١٢٩ هذا القول ونسبه ليحيى بن سلام.\nثم حكى قولًا ثانيًا وهو أنَّ العذاب هنا عذاب جهنم في الآخرة.\n(٤) في (ظ): (تعرض)، وفي (أ)، (ع): (يعرض بإهمال أوله). ولعل الصواب: فهو متعرض للفتنة.\n(٥) في (ظ): (عبدا).\n(٦) الثعلبي ٣/ ٩١ ب.\n(٧) الطبري ١٨/ ١٧٩ مع اختلاف يسير.","vol":"16","page":394},{"text":"وقوله ﴿قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ قال مقاتل: من الإيمان والنفاق (١).\nوقال الكلبي: من الاستقامة وغير ذلك (٢).\nقوله: ﴿وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ﴾ وهي النفخة الأخيرة يخرجون من قبورهم (٣).\n﴿فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا﴾ من الخير والشر ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ﴾ من أعمالهم ﴿عَلِيمٌ﴾ (٤).\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٤٢ أ.\n(٢) \"تنوير المقياس\" ص ٢٢٤.\n(٣) روى ابن أبي حاتم ٧/ ٧٥ ب عن أبي العالية نحو ذلك.\n(٤) من قوله \"من الخير .. \" إلى هنا. هذا قول مقاتل في \"تفسيره\" ٢/ ٤٢ أ.","vol":"16","page":395},{"text":"التَّفْسِيرُ البَسِيْط\nلأبي الحسن على بن أحمد بن محمد الواحدي\n(ت ٤٦٨ هـ)\nسورة الفرقان\nتحقيق\nد. سليمان بن إبراهيم الحصين","vol":"16","page":397},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2903>تفسير سورة الفرقان </span>(١)\n_________\n(١) سورة الفرقان مكية، حكى الإجماع على ذلك البقاعي. \"مصاعد النظر للإشراف على مقاصد السور\" ٢/ ٣١٦. قال ابن الجوزي: وحكي عن ابن عباس، وقتادة، أنهما قالا: إلا ثلاث آيات منها نزلت بالمدينة؛ وهي قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ إلى قوله ﴿غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان: ٦٨. ٧٠]. \"زاد المسير\" ٦/ ٧١. قال الهيثمي: رواه الطبراني من رواية علي بن زيد عن يوسف ابن مهران، وقد وثقا وفيهما ضعف، وبقية رجاله ثقات. \"مجمع الزوائد\" ٧/ ٨٤.\nإلا أن الثابت عن ابن عباس -﵄- يخالف هذا: فقد أخرج البخاري في صحيحه، كتاب التفسير، باب: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ رقم [٤٧٦٢] عن القاسم بن أبي بَزّة أنه سأل سعيد بن جبير: هل لمن قتل عمدًا من توبة؟ فقرأت عليه: ﴿وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ فقال سعيد: قرأتُها على ابن عباس كما قرأتَها عليّ، فقال: هذه مكية نسختها آية مدنية التي في سورة: النساء. \"فتح الباري\" ٨/ ٤٩٣. وأخرجه أيضًا مسلم ٤/ ٢٣١٨، كتاب التفسير، رقم: [٣٠٢٣]. والمشهور عن ابن عباس -﵄- أن السورة كلها مكية؛ قال ابن الجوزي: قال ابن عباس، والحسن، ومجاهد، وعكرمة، وقتادة في آخرين: هي مكية. \"زاد المسير\" ٦/ ٧١. وقال السيوطي: وأخرج ابن الضريس، والنحاس، وابن مردويه، والبيهقي في \"الدلائل\"، من طرق عن ابن عباس، قال: نزلت سورة الفرقان بمكة \"الدر المنثور\" ٦/ ٢٣٤.\nوقال البيهقي بعد ذكر أثر ابن عباس: ولهذا الحديث شاهد في \"تفسير مقاتل\"، وغيره من أهل التفسير. \"دلائل النبوة\" ٧/ ١٤٤، وعدد آياتها: سبعٌ وسبعون آية؛ من غير اختلاف. \"مصاعد النظر\" ٢/ ٣١٩. أورد الواحدي في تفسيره: \"الوسيط\" ٣/ ٣٣٣، حديثًا في فضل هذه السورة لم يذكره هنا في تفسيره: \"البسيط\"، =","vol":"16","page":399},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2904>١ </span>- ﴿تَبَارَكَ﴾ قال ابن عباس: تعالى عما قال القائلون. وروي عنه: جاء بكل بركة (١).\nوقال الفراء: البركة والتقدس: العظمة، وهما سواء، وهو كقولك: تقدس ربنا (٢). وذكرنا الكلام في ﴿تَبَارَكَ﴾ في سورة: الأعراف (٣).\n_________\n= والحديث هو: عن أبي بن كعب -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ- من قرأ سورة: الفرقان؛ يبعث يوم القيامة وهو مؤمن أن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، ودخل الجنة بغير حساب. وهو حديث موضوع، قال ابن الجوزي: وقد فرق هذا الحديث أبو إسحاق الثعلبي في تفسيره فذكر عند كل سورة منه ما يخصها، وتبعه أبو الحسن الواحدي في ذلك، ولا أعجب منهما؛ لأنهما ليسا من أهل الحديث. \"الموضوعات\" ١/ ١٧٤. والحديث في \"تفسير الثعلبي\" ٨/ ٩١ ب. وحكم عليه بالوضع الزيلعي، في تخريجه لأحاديث الكشاف ٢/ ٤٦٩، والمناوي في: \"الفتح السماوي في تخريج أحاديث البيضاوي\" ٢/ ٨٨٥.\n(١) لم أجد هذا القول فيما تيسر لي من المراجع، والذي ذكره ابن جرير في تفسيره ١٨/ ١٧٩، عن ابن عباس -﵄-: تفاعل من البركة، وهو كقول القائل: تقدس ربنا. وإسناده فيه ضعف وانقطاع؛ لأن فيه بشر بن عمارة وهو ضعيف، وفيه الضحاك وهو لم يلق ابن عباس. \"تفسير ابن كثير\" ١/ ١١٣. وضعفه ابن حجر في كتابه \"العجاب في بيان الأسباب\" ١/ ٢٢٣، وأخرجه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٥٩، بإسناد ابن جرير، بلفظ: تفاعل من البركة. وهو كذلك عند الثعلبي في تفسيره ٨/ ٩٢ أ، ثم قال: كأن معناه: جاء بكل بركة. ﴿تَبَارَكَ﴾ اسم مختص بالله تعالى، لم يستعمل في غيره، ولذلك لم يصرف منه مستقبل، ولا اسم فاعل. \"تفسير ابن عطية\" ١١/ ٢، و\"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٤٥٢.\n(٢) \"معاني القرآن\" ٢/ ٢٦٢، وفيه تقديم وتأخير.\n(٣) عند قوله تعالى: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤] قال =","vol":"16","page":400},{"text":"﴿الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ﴾ قال المفسرون: يعني القرآن (١). قال ابن عباس: قرآنا فرقت فيه بين الحق والباطل، وجعلت فيه المخرج من جميع الشبهات (٢). والكلام في ﴿تَبَارَكَ﴾ ماض (٣).\nوذكر أبو علي، في \"المسائل الحلبية\"، الفرق بين: ﴿الْفُرْقَانَ﴾ و﴿الْقُرْآنَ﴾ فقال: الفرقان: صفة لأنه بمعنى الفارق (٤). ويقوي كونه صفة\n_________\n= الواحدي: قال الليث: تفسير ﴿تَبَارَكَ اللَّهُ﴾ تمجيد وتعظيم. وقال أبو العباس: ﴿تَبَارَكَ اللَّهُ﴾: ارتفع، والمتبارك: المرتفع. وقال ابن الأنباري: ﴿تَبَارَكَ اللَّهُ﴾ باسمه يتبرك في كل شيء. وقال الزجاج: ﴿تَبَارَكَ﴾ تفاعل من البركة، كذلك يقول أهل اللغة.\n(١) قال قتادة: هو القرآن، فيه حلال الله، وحرامه، وشرائعه، ودينه، فرق الله به بين الحق والباطل، أخرجه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٦٠، وزاد السيوطي ٦/ ٢٣٥ نسبته إلى عبد بن حميد، وابن المنذر. وهو قول مقاتل ٤٢ ب. والثعلبي ٨/ ٩٢ أ.\n(٢) لم أعثر على من نسبه لابن عباس، فيما لديّ من المراجع. وفي \"تفسير مقاتل\"، ٤٢ ب: يعني القرآن، وهو المخرج من الشبهات. وأخرجه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٥٩، بسنده عن مجاهد وفي إسناده رجل لم يسمَّ. وقال الزجاج: والفرقان: القرآن، يُسمى فرقانًا؛ لأنه فُرِّق به بين الحق والباطل. ولم ينسبه. وذكر نحوه القرطبي ١٣/ ٢، ولم ينسبه.\n(٣) عند قوله تعالى: ﴿وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ٥٣] قال الواحدي: الفرقان مصدر فرقت بين الشيئين أفرق فرْقًا وفرقانًا، كالرجحان والنقصان، هذا هو الأصل، ثم يسمى كل فارق: فرقانًا، كتسميتهم الفاعل بالمصدر، كما سمي كتاب الله: الفرقان؛ لفصله بحججه وأدلته بين المحق والمبطل، وسمى الله تعالى يوم بدر: يوم الفرقان، في قوله: لأنه فرق في ذلك اليوم بين الحق والباطل فكان ذلك اليوم يوم الفرقان.\n(٤) أي: أن الفرقان صفة لكلام الله تعالى، سواء كان هذا الكلام في القرآن، أو الإنجيل، أو التوراة. قال الماوردي ٤/ ١٣١، في تفسيره للفرقان: وقيل: إنه اسم لكل كتاب منزل كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ﴾.","vol":"16","page":401},{"text":"مجيئه على وزن يجيء عليه الصفات، نحو: عُرْيَان، وخُمْصَان (١)، وهو صفة لا تجري على موصوف بل استعمل (٢) استعمال الأسماء، كالعبد، والصاحب، فإنهما صفتان في الأصل، وقد استعملا استعمال الأسماء، ومن ثمّ لم يعمل: صاحبٌ، أعمال أسماء الفاعلين، نحو: ضارب، وقاتل، وكذلك الأَجرَعُ (٣)، والأَبْطَح (٤)، والأُدْم (٥)، حيث كُسِّرت (٦) على الأفاعل فتَعَدَّوا فيها: فُعْلا وفُعْلان، والحمر (٧) والحمران، والسود والسودان، وإذا كثر في كلامهم هذا النحو من الصفات التي تجري مجرى الأسماء، وأن لا تجري على موصوف، كذلك: الفرقان والقرآن في الأصل مصدر وليس بصفة، إلا أن القرآن أضيف إلى ضمير التنزيل في\n_________\n(١) الخَمْصان، والخُمْصان: الجائع الضامر البطن. \"مقاييس اللغة\" ٢/ ٢١٩، و\"اللسان\" ٧/ ٢٩.\n(٢) في (أ): (استعمال).\n(٣) مصدر جَرع الماء يجرعه، لا غير، والجَرَع: جمع جَرَعة، وهي: دِعص بكسر الدال من الرمل لا ينبت شيئًا. واجَرَع: التواء في قوّة من قوى الحبل تكون ظاهرة على سائر القوى. المشوف المعلم ١/ ١٤٩، و\"مجمل اللغة\" ١/ ١٨٤، و\"القاموس المحيط\" ٩١٥، وقيل: هي الرملة السهلة المستوية. \"اللسان\" ٨/ ٤٦.\n(٤) الأبطح: البطيحة والأبطح والبطحاء: كل مكان متسع. \"مجمل اللغة\" ١/ ١٢٨، أو: مسيل واسع فيه دُقاقُ الحصى. \"القاموس المحيط\" ٢٧٣.\n(٥) الآدَم، هكذا من اللون: الأسمر، والأنثى: أدماء. المشوف المعلم ١/ ٥٨، والأَدَمَة: باطن الجلد، والبشرة ظاهرها، والأَدَم: جمع الأَديم. والإدام: ما يطيب به الطعام. \"مجمل اللغة\" ١/ ٩٠، والأُدمَة بالضم: القرابة، والوسيلة. \"القاموس المحيط\" ١٣٨٨. وفي \"المسائل الحلبية\" ص ٣٠٠: الأدهم، بدل الأدم.\n(٦) أي: جمعت جمع تكسير.\n(٧) في \"المسائل الحلبية\" ص ٣٠٠ كأحمر وحمر وحمران، وأسود وسود وسودان.","vol":"16","page":402},{"text":"قوله: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٧] ولو كانت صفة لم تجز إضافته إلى نفسه (١). وسنذكر هذا الفصل مشروحًا إذا انتهينا إلى هذه الآية (٢) ﴿عَلَى عَبْدِهِ﴾ محمد -﵇- (٣). ليكون محمد بالقرآن ﴿لِلْعَالَمِينَ﴾ يعني الجن، والإنس (٤) ﴿نَذِيرًا﴾ مخوفًا من عذاب الله، هذا قول المفسرين في النذير أنه: محمد -﵇-، وأجاز آخرون أن يكون النذير هو: القرآن، وقالوا: إنه نذير للعالمين إلى يوم القيامة (٥).\n_________\n(١) \"المسائل الحلبية\" ٢٩٩. وفيه: إن الدلالة قد قامت على أن القرآن لا يكون صفة كما جاز أن يكون الفرقان صفة، ألا ترى أن القرآن قد أضيف إلى ضمير التنزيل في قوله: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٧] ولو كان صفة لم تجز هذه الإضافة فيها؛ لأن من أضاف المصدر إلى الفاعل نحو قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾ [البقرة: ٢٥١] لم يضف إليه اسم الفاعل فيقول: هذا ضاربُ زيد، فيضيف الصفة إلى الفاعل؛ من حيث كان اسم الفاعل هو الفاعل في المعنى، والشيء لا يضاف إلى نفسه ... وقد نقله الواحدي بالمعنى.\n(٢) لم أجد في تفسير الواحدي لهذه الآية ما يتعلق بهذه المسألة، حيث ذكر فيها معنى جمع القرآن في الآية، المراد به، ونقل أقوال المفسرين وأهل اللغة في ذلك. والله أعلم.\n(٣) أخرجه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٦٠، عن ابن إسحاق.\n(٤) أخرجه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٦٠، عن ابن عباس. قال السمرقندي ٢/ ٤٥٣: وأراد هاهنا جميع الخلق. وقد يذكر العام ويراد به الخاص من الناس كقوله -﷿-: ﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: ٤٧، ١٢٢] أي: على عالمي زمانهم. ويذكر ويراد به جميع الخلائق كقوله تعالى: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. قال ابن زيد: لم يرسل الله رسولًا إلى الناس عامة إلا نوحًا -ﷺ- بدأ به الخلق، فكان رسولَ أهل الأرض كلهم، ومحمدًا -ﷺ- ختم به. أخرجه ابن جرير ١٨/ ١٨٠. قال البرسوي ٦/ ١٨٨: وأما نوح -﵇- فإنه وإن كان له عموم بعثة لكن رسالته ليست بعامّة لمن بعده.\n(٥) ويشهد له قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩] حيث =","vol":"16","page":403},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2905>٢ </span>- قال ابن عباس ومقاتل: ثم عظم نفسه فقال: ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾ عزيرًا، ولا عيسى، ولا الملائكة، كما قالت اليهود، والنصارى، والمشركون (١).\n﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾ كما قال عبدة الأوثان. وقال الكلبي ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾ فيعازه في عظمته (٢). ﴿وَخَلَقَ كُلَّ﴾ أي مما يطلق له صفة المخلوق ﴿فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ قال ابن عباس: فجرت المقادير على ما خلق الله تعالى إلى يوم القيامة، وبعد القيامة (٣).\n_________\n= أضاف الهداية إليه. \"تفسير الرازي\" ٢٤/ ٤٥. قال السمين الحلبي: وفي اسم يكون ثلاثة أوجه؛ أحدها: أنه ضمير يعود على الذي نزل؛ أي: ليكون الذي نزل الفرقان نذيرًا. الثاني: أنه يعود على الفرقان، وهو القرآن؛ أي: ليكون الفرقان نذيرًا. الثالث: أنه يعود على عبده؛ أي: ليكون عبده محمد -ﷺ-، نذيرًا. وهذا أحسن الوجوه معنىً وصناعة لقربه مما يعود عليه، والضمير يعود على أقرب مذكور. الدر المصون ٨/ ٤٥٣. وذكر هذا الترجيح الشوكاني ٤/ ٥٨، ولم ينسبه. قال ابن زيد: النبي النذير، وقرأ: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [فاطر ٢٤] وقرأ: ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٨]. أخرجه ابن جرير ١٨/ ١٨٠، وابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٦٠، قال ابن عطية ١١/ ٣: وقد يكون النذير ليس برسول، كما روي في ذي القرنين، وكما ورد في رسل رسول الله -ﷺ- إلى الجن؛ فإنهم نذر وليسوا برسل.\n(١) \"تفسير مقاتل\" ٤٢ ب بتصرف. ولم ينسب الواحدي هذا القول لأحد في تفسيره \"الوسيط\" ٣/ ٣٣٣، وذكره ابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٦١، عن عكرمة. وذكره القرطبي ١٣/ ٢ ولم ينسبه. ولم أجده منسوبًا لابن عباس ﵄ فيما تيسر لي.\n(٢) في \"تنوير المقباس\" ص ٣٠٠: قال تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾ كما قال مشركو العرب فيماريه.\n(٣) \"تفسير القرطبي\" ١٣/ ٢، ولم ينسبه.","vol":"16","page":404},{"text":"وقال الكلبي: جعل لكل شيء خلقًا، ومنتهى، وأجلًا ينتهي إليه (١).\nوقال أبو إسحاق: خلق الله الحيوان وقدر له ما يصلحه ويقيمه، وقدر جميع ذلك لخلقه بحكمته وتقديره (٢). وعلى هذا المعنى يكون: وقدر له تقديرًا من الأجل والمعيشة.\n\nوقال الآخرون: سوَّى كل ما خلق وهيأه لما يصلح له <span data-type=\"title\" id=toc-2906>(٣)</span>.\n٣ - قال ابن عباس: ثم ذكر ما صنع المشركون فقال: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً﴾ يعني: الأصنام اتخذها أهل مكة (٤).\n﴿لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ أي: وهي مخلوقة ﴿وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا﴾ قال مقاتل: لا تقدر الآلهة أن تمتنع ممن أراد بها سوءًا (٥). والمعنى: لا يملكون دفع ضر ولا جلب نفع فحذف المضاف. وهذا معنى قول المفسرين: ﴿وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا﴾ فيدفعونه عن أنفسهم ﴿وَلَا نَفْعًا﴾ فيجرونه إلى أنفسهم. ويجوز أن يكون المعنى: ولا يقدرون أن يضروا أنفسهم أو ينفعونها بشيء ولا لمن يعبدها؛ لأنها جماد لا قدرة لها. وهذا معنى قول الكلبي (٦). ولا يحتاج في هذا إلى تقدير المضاف.\n﴿وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا﴾ قال مقاتل: أن تميت أحدًا (٧) ﴿وَلَا حَيَاةً﴾ ولا\n_________\n(١) \"تنوير المقباس\" ص ٣٠٠، بمعناه.\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٥٧.\n(٣) ممن قال بهذا القول ابن جرير، ١٨/ ١٨٠.\n(٤) \"تفسير ابن جرير\" ١٨/ ١٨١، ولم ينسبه.\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ص ٤٢ ب. وذكره السمرقندي ٢/ ٤٥٣ بنصه، ولم ينسبه.\n(٦) \"تنوير المقباس\" ص ٣٠٠.\n(٧) \"تفسير مقاتل\" ص ٤٢ ب.","vol":"16","page":405},{"text":"يحيون أحدًا ﴿وَلَا نُشُورًا﴾ ولا تقدر الآلهة أن تبعث الأموات (١). أي: فكيف تعبدون من لا يقدر على أن يفعل شيئًا من هذا وتتركون عبادة ربكم الذي يملك ذلك كله (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2907>٤ </span>- قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾ ما هذا القرآن إلا إفك: كذب افتراه محمد واختلقه من تلقاء نفسه (٣).\n﴿وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾ قال مجاهد: يعني اليهود (٤). وقال مقاتل: قالوا: أعان محمدًا على هذا القرآن عدَّاس، مولى حويطب بن عبد العزى، ويسار غلام عامر بن الحضرمي (٥)، وجبر مولى عامر. وكان هؤلاء الثلاثة من أهل الكتاب (٦).\n_________\n(١) \"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٤٥٣، ثم قال: \"وإنما ذكر الأصنام بلفظ العقلاء؛ لأن الكفار يجعلونهم بمنزلة العقلاء فخاطبهم بلغتهم\".\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ص ٤٢ ب، بتصرف يسير.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ص ٤٢ ب. ونسبه الماوردي ٤/ ١٣١، والقرطبي ١٣/ ٣، إلى ابن عباس. وأخرج ابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٦٣، عن سعيد بن جبير: كل شيء في القرآن إفك فهو كذب. والفرق بين الافتراء والكذب، أن الافتراء: افتعال الكذب من قول نفسه. والكذب: قد يكون على وجه التقليد للغير فيه. \"تفسير روح البيان\" ٦/ ١٨٩. وفي \"لسان العرب\" ١٥/ ١٥٤: \"يقال: فرى فلان الكذب يفتريه: اختلقه\".\n(٤) أخرجه ابن جرير ١٨/ ١٨١، وابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٦٣. وذكره عنه الثعلبي ٨/ ٩٢ أ.\n(٥) عامر بن عبد قيس الحضرمي، له وفادة، وهو أخو عمرو. \"الإصابة\" ٤/ ١٣. ولم يذكر شيئًا عن غلامه.\n(٦) \"تفسير مقاتل\" ٤٢ ب، ونسبه للنضر بن الحارث. وفيه: جبر مولى عامر بن الحضرمي، كان يهوديا فأسلم. وذكره الثعلبي ٨/ ٩٢ أ، ولم ينسبه. وفي \"تنوير المقباس\" ص ٣٠٠: جبر ويسار وأبو فكيهة الرومي. قال الماوردي ٤/ ١٣٢: =","vol":"16","page":406},{"text":"قال الله تعالى: ﴿فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا﴾ قال مقاتل: يقول: فقد قالوا شركًا، وكذبًا، حين زعموا أن القرآن ليس من الله (١)! قال الكلبي ومقاتل: نزلت في النضر بن الحارث، كان يقول للمشركين: ما يقول محمد لأصحابه إلا كما كنت أحدثكم عن رستم وأسفنديار (٢).\nوقال أبو إسحاق: نصب ﴿ظُلْمًا وَزُورًا﴾ على: فجاءوا بظلم وزور، فلما سقطت الباء أفضى الفِعلُ فَنَصبَ (٣).\nوقال الكسائي ﴿جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا﴾ كما تقول: أتيت أمرًا عظيمًا، وجئت أمرًا عظيمًا، وجئت شيئًا إدًّا، وشئت شيئًا نكرًا (٤). يعني أن القول واقع عليه، وليس بمعنى حذف الخافض. وهذا أحسن وأليق مما ذكره\n_________\n= وفيمن زعموا أنه أعانه عليه أربعة أقاويل:\n١ - قوم من اليهود، قاله مجاهد.\n٢ - عبد الله ابن الحضرمي، قاله الحسن.\n٣ - عدّاس، غلام عتبة، قاله الكلبي.\n٤ - أبو فكيهة الرومي، قاله الضحاك. ونسبه القرطبي ١٣/ ٣، لابن عباس. قال ابن الأثير: أبو فكيهة، اسمه أفلح، وقيل: يسار، كان عبدًا لصفوان بن أمية، أسلم مع بلال، أخذه أمية بن خلف وقام بتعذيبه، ثم اشتراه أبو بكر -﵁- فأعتقه. \"الكامل\" ٢/ ٤٦. وهذا يدل على اختلافهم في التعيين فتبقى الآية على عمومها. والله أعلم.\n(١) \"تفسير مقاتل\" ص ٤٣ أ، بتصرف.\n(٢) \"تنوير المقباس\" ص ٣٠٠، و\"تفسير مقاتل\" ص ٤٣ أ، بتصرف، وفيه: عن رستم وأسفنديار. وليس فيه أنها نزلت في النضر. بل فيه: وقال النضر. وهو مذكور عند الآية: ٦، الفرقان، وليس عند هذه الآية. قال الهواري، ٣/ ٢٠١، في تفسير قول الله تعالى: ﴿وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾ وقال الكلبي: عبد ابن الحضرمي، وعداس، مولى عتبة. ولم أجده في أسباب النزول للواحدي. ونسبه القرطبي ١٣/ ٣، لابن عباس ﵄.\n(٣) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٥٨.\n(٤) نسبه للكسائي أبو حيان ٦/ ٤٤١.","vol":"16","page":407},{"text":"المفسرون (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2908>٥ </span>- قوله: ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ قال أبو إسحاق: ﴿أَسَاطِيرُ﴾ خبر ابتداء محذوف. المعنى: وقالوا: الذي جاء به أساطير الأولين، معناه: ما سطَّره الأولون (٢). قال المفسرون: يعني قول النضر: هذا القرآن أحاديث الأولين حديث رستم واسفنديار (٣).\n﴿اكْتَتَبَهَا﴾ انتسخها محمد من: عداس، وجبر، ويسار. ومعنى ﴿اكْتَتَبَهَا﴾ هنا: أمر أن تكتب له، كما يقال: احتجم، وابتنى، إذا أمر بذلك. وقد يكون اكتتب بمعنى: كتب، وليس هاهنا بمعنى: كتب بنفسه؛ لأن النبي -ﷺ- لم يكن كاتبًا، ولكنهم نسبوه إلى أنه أمر هؤلاء بأن ينسخوا له ويكتبوه له.\nقوله تعالى: ﴿فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ فأبدلت اللام الأخيرة ياءً هربًا من التضعيف (٤).\n_________\n(١) قال الزمخشري ٣/ ٢٥٧: \"وظلمهم أن جعلوا العربي يتلقن من العجمي الرومي كلامًا عربيًا أعجز بفصاحته جميع فصحاء العرب. والزور أن بهتوه بنسبة ما هو بريء منه إليه\".\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٥٨، بتصرف.\n(٣) \"تفسير ابن جرير\" ١٨/ ١٨٢، وقد ذكر خبر النضر مطولًا من طريق محمد بن إسحاق، وفيه مجهول. وانظر \"تفسير الطوسي\" ٧/ ٤٧٢، حيث ورد ذكر: اسفنديار، في خبر ذكره. و\"تفسير الثعلبي\" ٨/ ٩٦ ب، عن علي -﵁- في شأن أهل الرس، وفيه: وكانت أعظم مداينهم اسفنديار، وهي التي ينزلها ملكهم، وكان يسمى: فركور بن عامور.\n(٤) \"سر صناعة الإعراب\" ٢/ ٧٥٨، بنصه. وفيه: وقد جاء القرآن باللغتين جميعًا، قال تعالى: ﴿فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الفرقان:٥] وقال عز اسمه: قال =","vol":"16","page":408},{"text":"كقولهم: تَظَنَّيْتُ (١)، و:\nتَقَضِّيَ البازي ....... (٢)\nقال المفسرون، وأهل المعاني: فهي تقرأ عليه؛ ابن عباس، ومقاتل، وأبو عبيدة، وغيرهم (٣). والإملاء المعروف يستعمل مع الكتابة، يُملِي الرجلُ على من يكتب، وهاهنا استعمل لا مع الكتابة؛ لأن النبي لم يكن يكتب، والمعنى: يُملَى عليه ليحفظ كما يُملَى على الكاتب ليكتب، فلما كان الإملاء هاهنا مع الحفظ فُسر بالقراءة.\n_________\n= تعالى: ﴿وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. وذكره بنصه القرطبي ١٣/ ٤، ولم ينسبه.\n(١) التظنِّي: إعمال الظن، وأصله: التظنُّن، أُبدل من إحدى النونات ياء. \"اللسان\" ١٣/ ٢٥٧. و\"القاموس\" ١٥٦٦.\n(٢) جزء شطر وتمامه: تَقَضِّيَ البازي إذا البازي كسر. وصدره: دانَى جناحيه من الطور فمرْ \"ديوان العجاج\" ٥٢، قال محققه: دانى جناحيه من الطور، وهو الجبل، ولكنه عني هاهنا: الشام، إنما هذا مثل، يقول: انقض ابن معمر انقضاضةً من الشام، والطور بالشام، يقول: انقض انقضاض البازي ضم جناحيه، فكأن مجيئه من سرعته انقضاضُ بازٍ إذا البازي كسر، وإذا كسر ضم جناحيه. وفي \"سر صناعة الإعراب\" ٢/ ٧٥٩: تقضي: تفعُّل من الانقضاض، وأصله: تقضُّض، فأبدلت الضاد الآخرة ياءً.\nوالبازي: واحد البُزاة التي تصيد؛ ضرب من الصقور. \"لسان العرب\" ١٤/ ٧٢ (بزا)، و\"القاموس\" ١٦٣٠.\n(٣) أخرجه البخاري، كتاب التفسير معلقًا بصيغة الجزم. \"فتح الباري\" ٨/ ٤٩٠. ولم أجده بهذا اللفظ عند مقاتل، في تفسيره، والذي فيه ٤٣ أ: هؤلاء النفر الثلاثة يعلمون محمدًا -ﷺ- طرفي النهار بالغداة والعشي. و\"مجاز القرآن\"، لأبي عبيدة ٢/ ٧١، وفيه: \"وهي من أمليته عليه، وهي في موضع آخر أمللت عليه\". وذكره ابن جرير ١٨/ ١٨٣، ولم ينسبه لأحد.","vol":"16","page":409},{"text":"قوله تعالى: ﴿بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ قال ابن عباس: غدوةً وعشيًا (١). وقال مقاتل: يقولون: هؤلاء النفر الثلاثة يعلمون محمدًا طرفي النهار بالغدوة والعشي (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2909>٦ </span>- قال الله تعالى: ﴿قُلْ﴾ لهم يا محمد (٣) ﴿أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أنزل القرآن الذي لا يخفى عليه شيء. قال مقاتل: وذلك (٤) أنهم قالوا بمكة سرًّا هل هذا إلا بشر مثلكم ﴿أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ [الأنبياء ٣] (٥)، كما أخبر الله عنهم في سورة: الأنبياء ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ الآية، فأنزل الله في هذه السورة: ﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ قال ابن عباس: لأوليائه رحيمًا بهم (٦). وقال مقاتل: ﴿غَفُورًا﴾ في تأخير العذاب عنهم ﴿رَحِيمًا﴾ لا يعجل عليهم بالعقوبة <span data-type=\"title\" id=toc-2910>(٧)</span>.\nقال أهل المعاني في قوله: ﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ﴾ أنزله على ما يقتضيه العلم بباطن الأمور لا على ما تقتضيه أهواء النفوس (٨).\n\n٧ - قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا﴾ يعني: المشركين (٩) ﴿مَالِ هَذَا الرَّسُولِ\n_________\n(١) لم أجده إلا في \"تنوير المقباس\" ص٣٠٠.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ص ٤٣ أ. وهو قول ابن جرير ١٨/ ١٨٣.\n(٣) \"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٤٥٣.\n(٤) وذلك. من \"تفسير مقاتل\" ص ٤٣ أ.\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ص ٤٣ أ.\n(٦) ذكره القرطبي ١٣/ ٤، ولم ينسبه.\n(٧) \"تفسير مقاتل\" ص ٤٣ أ.\n(٨) \"تفسير الطوسي\" ٧/ ٤٧٣، بنصه، ولم ينسبه.\n(٩) \"تفسير الطبري \" ١٨/ ١٨٤.","vol":"16","page":410},{"text":"يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ﴾ قال أبو إسحاق: أي شيء لهذا الرسول في حال أكله الطعام ومشيه في الأسواق، التمَسوا أن يكون الرسول على غير بِنْية الآدميين، والواجب أن يكون الرسول إلى الآدميين آدميًا ليكون أقرب إلى الفهم عنه (١).\nوالمعنى: أنهم أنكروا أن يكون الرسول بشرًا يأكل الطعام، ويمشي في الأسواق لطلب المعيشة، وهذا هو الصحيح؛ ألا ترى أنهم قالوا ﴿أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ﴾ أي: ليستغني عن طلب المعاش. وعبر بعض البلغاء عن معنى هذه الآية فقال: يعنون أنه ليس بملَك ولا ملِك؛ وذلك أن الملائكة لا يشربون ولا يأكلون، والملوك لا يتسوقون ولا يتبذَّلون (٢) فعجبوا أن يكون مثلَهم في الحال يمتاز من بينهم بعلو المحل والجلال، و﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤].\nقوله تعالى: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾ قال محمد بن إسحاق: إنهم قالوا للنبي -ﷺ-: سل ربك أن يبعث معك ملَكًا يصدقك بما تقول ويجعل لك جنانًا وقصورًا وكنوزًا من ذهب وفضة يغنيك بها عمّا نراك تبتغي، فإنك تقوم في الأسواق، وتبتغي المعاش كما نلتمسه، حتى نعرف فضلك ومنزلتك من ربك إن كنت رسولًا كما تزعم (٣).\nوقال أبو إسحاق: طلبوا أن يكون في النبوة شركة وأن يكون الشريك ملَكًا، والله -﷿- يقول: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا﴾ [الأنعام: ٩] أي:\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٥٨، بنصه.\n(٢) رجل متبَذِّل: إذا كان يلي العمل بنفسه. \"تهذيب اللغة\" ١٤/ ٤٣٤ (بذل).\n(٣) أخرجه ابن جرير ١٨/ ١٨٣، بسنده إلى ابن عباس من طريق محمد بن إسحاق مطوّلًا.","vol":"16","page":411},{"text":"لم يكن ليُفهمهم حتى يكون رجلًا (١). وقال الفراء: ﴿لَوْلَا﴾ بمنزلة هلَّا (٢). ونصب ﴿فيكونَ﴾ على الجواب بالفاء للاستفهام (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2911>٨ </span>- قوله تعالى: ﴿أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا﴾ قال الفراء: هو مرفوع بالرد على ﴿لَوْلَا﴾ كقولك في الكلام: أو هلا يلقى إليه كنز (٤)، ونحو هذا قال الزجاج: هو عطف على الاستفهام (٥).\nقال ابن عباس، ومقاتل: أو ينزل إليه مال من السماء ﴿أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ﴾ بستان (٦) ﴿يَأْكُلُ مِنْهَا﴾ قال ابن عباس: يأكل من ثمارها.\nقال أبو علي الفارسي: قال الكفار: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾ ليَبِين منا باقتران الملَك به وكونه معه نذيرًا، ويفترق من جملتنا. وكذلك اقترحوا عليه إلقاء كنز عليه، أو كون جنة تختص بما يأكل منها، حتى يتبين في (٧) مأكله منهم، كما تبين باقتران الملَك به عليهم من الكفار، فقالوا فيما أخبر الله عنهم: ﴿أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا﴾ [التغابن: ٦] وأنكروا أن يكون لمن ساواهم في البشرية حال ليست لهم! وقد احتج الله سبحانه عليهم في ذلك بقوله: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا﴾ الآية [الأنعام: ٩] وبقوله ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾ الآية [يوسف: ١٠٩، النحل: ٤٣]. ومن قرأ:\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٥٨، بنصه.\n(٢) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٦٢.\n(٣) \"معاني القرآن \" للزجاج ٤/ ٥٨، بنصه.\n(٤) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٦٣، بتصرف، ويعني به: ﴿تكونُ﴾.\n(٥) \"معاني القرآن \" للزجاج ٤/ ٥٩.\n(٦) \"تنوير المقباس\" ص ٣٠١، و\"تفسير مقاتل\" ص ٤٣ أ. وذكره ابن جرير ١٨/ ١٨٤، والثعلبي ٨/ ٩٢ ب.\n(٧) (في) من نسخة (ج). وهو موافق لما في كتاب أبي علي؛ \"الحجة\" ٥/ ٣٣٥.","vol":"16","page":412},{"text":"﴿نَأْكُلَ مِنْهَا﴾ (١) فكأنه أراد أنه يكون له بذلك مزية علينا في الفعل بأكلنا من جنته (٢).\nوقوله: ﴿وَقَالَ الظَّالِمُونَ﴾ قال ابن عباس: وقال المشركون للمؤمنين (٣): ﴿إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ أي: ما تتبعون إلا مخدوعًا مغلوبًا على عقله (٤). وذكرنا تفسير المسحور عند قوله: ﴿إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُورًا﴾ [الإسراء ١٠١] (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2912>٩ </span>- قوله تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ قال مقاتل: وصفوا لك الأشياء حين زعموا أنك مسحور (٦). وذلك أنهم كانوا يقولون له مرة: ساحر، ومرة: هو شاعر، ومرة: هو مجنون ومسحور، كما أخبر الله تعالى عنهم في آي كثيرة (٧)، فذلك ضربهم له\n_________\n(١) قراءة حمزة، والكسائي. \"السبعة في القراءات\" ص ٤٦٢، و\"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٣٣٥، و\"النشر في القراءات العشر\" ٢/ ٣٣٣.\n(٢) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٣٣٥، باختصار.\n(٣) ذكره ابن جرير ١٨/ ١٨٤، ولم ينسبه.\n(٤) \"تنوير المقباس\" ص ٣٠١، و\"تفسير مقاتل\" ص ٤٣ أ، و\"تفسير هود الهوّاري\" ٣/ ٢٠١، ولم ينسبه.\n(٥) قال الواحدي في تفسير هذه الآية: قيل في المسحور هاهنا أنه بمعنى الساحر؛ كالمشؤوم والميمون، وذكرنا هذا في قوله: ﴿حِجَابًا مَسْتُورًا﴾ [الإسراء: ٤٥] وهذا قول الفراء وأبي عبيدة، وقيل إنه مفعول من السحر؛ أي أنك قد سُحِرت فأنت تحمل نفسك على هذا الذي تقوله للسحر الذي بك، وقال محمد بن جرير: أي مُعطى علم السحر، فهذه العجائب التي تأتي بها من سحرك.\n(٦) \"تفسير مقاتل\" ص ٤٣ أ. وفيه: ساحر، بدل مسحور.\n(٧) كقوله تعالى: ﴿إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ [الإسراء: ٤٧]. والآية: ٢٧، من سورة: الشعراء، والآية: ٣٦، من سورة: الصافات. والآية: ١٤، من سورة: الدخان، والآيات ٤٠ - ٤٢ من سورة: الحاقة. وغيرها.","vol":"16","page":413},{"text":"الأمثال، وتشبيههم حاله بحال الساحر، والشاعر، والمجنون، والمسحور.\nوقال أهل المعاني: مثلوه بالمسحور، وبالمحتاج المتروك، والناقص عن القيام بالأمور (١).\nقال الله تعالى: ﴿فَضَلُّوا﴾ قال مقاتل: عن الهدى (٢) ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ قال ابن عباس: يريد سبيل الهدى (٣). وهذا قول أعظم المفسرين (٤).\nوالمعنى: أنهم ضلوا عن قصد الطريق بتكذيبك ولا يجدون إلى الحق طريقًا (٥). وهذه الآية بهذا التفسير تدل على أن الكافر غير مستطيع\n_________\n(١) لم أجد هذا القول فيما تيسر لي من كتب المعاني.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ص ٤٣ أ.\n(٣) أخرجه ابن جرير ١٨/ ١٨٥ بإسناده، من طريق ابن إسحاق، بلفظ: أي: التمسوا الهدى في غير ما بعثتك به إليهم فضلوا، فلن يستطيعوا أن يصيبوا الهدى في غيره. ولم ينسبه لغيره. وأخرجه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٦٥، من قول ابن إسحاق، ولم ينسبه لغيره. ولم يذكره في \"تنوير المقباس\" ص ٣٠١، بل ذكر قولًا قريبًا من كلام مجاهد.\n(٤) هكذا في نسخة: (أ)، (ب): (أعظم)، وفي نسخة: (ج): (عُظم)؛ عُظْم الناس، وعظمهم، أي: معظمهم. \"لسان العرب\" ١٢/ ٤١٠ (عظم). وابن جرير يذكر ذلك في تفسيره؛ قال ٤/ ٥٥٠: وذلك قراءة عُظْم أهل الحجاز ...\nولم أجد هذا القول إلا لابن عباس من طريق ابن إسحاق، كما سبق. فنسبة هذا القول لأكثر المفسرين، فيه نظر. وخاصة أنه ذكر بعد ذلك ما يخالف هذا من قول مجاهد، ومقاتل. ولما ذكر الثعلبي ٨/ ٩٢ هذا القول اقتصر عليه، ولم ينسبه لأحد. والله أعلم.\n(٥) قريب من هذا قول الطوسي ٧/ ٤٧٤: معناه: لا يستطيعون طريقًا إلى الحق، مع تمسكهم بطريق الجهل، وعدولهم عن الداعي إلى الرشد. أما قول ابن عباس: يريد: سبيل الهدى؛ فلا يفيد هذا المعنى. قال ابن جرير ١٨/ ١٨٤: فلا يجدون سبيلًا إلى الحق إلا فيما بعثتك به، ثم ساق قول ابن عباس مؤيدًا له. والله أعلم.","vol":"16","page":414},{"text":"للإيمان باستطاعته الكفر (١)\nوقال مجاهد: ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ مخرجًا يخرجهم من الأمثال التي ضربوها لك (٢). وهو قول مقاتل؛ يقول: لا يجدون مخرجًا مما وقالوا: إنك ساحر (٣). يعني: أنهم كذبوا فيما زعموا فلزمهم هذا الكذب حتى لا يجدون منه مخرجًا بحجة أو برهان على ما قالوا.\n_________\n(١) هذا الفهم لا يدل عليه ما نسبه لابن عباس؛ والذي يظهر أنه تبع فيه الثعلبي، حيث قال ٨/ ٩٢ ب: فثبت أن الاستطاعة التي يحصل بها الضلال غير الاستطاعة التي يحصل بها الهدى والإيمان. والآية ظاهرة في أن المراد بها: نفي أن يكون للمشركين حجة، يطعنون فيها على النبي -ﷺ-. وعلى تقدير أن المراد بها ما ذُكر فإن\nالاستطاعة تنقسم إلى قسمين:\n١ - استطاعة قبل الفعل، وهي الاستطاعة المشروطة في التكاليف، كقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧]، قال عمران بن حصين -﵁-: كَانَتْ بِي بَوَاسِيرُ فَسَأَلْتُ النَّبِيَّ، عَنِ الصَّلاةِ فَقَالَ: \"صَلِّ قَائِمًا فَإنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ\". أخرجه البخاري كتاب الصلاة، رقم: ١١١٧، فتح الباري ٢/ ٥٨٧. والترمذي ٢/ ٢٠٧، كتاب: أبواب الصلاة، رقم: ٣٧١.\n٢ - استطاعة مقارنة للفعل، وهي الموجبة له، وهذه هي المنفية عمن لم يفعل في مثل قوله تعالى: ﴿مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ﴾ [هود: ٢٠]. فتاوى ابن تيمية ١٨/ ١٧٢، ٨/ ١٢٩. فيقال في الأولى: القدرة، وفي الثانية: الإرادة. قال ابن أبي العز الحنفي: وتقسيم الاستطاعة إلى قسمين، هو قول عامة أهل السنة، وهو الوسط، وقالت القدرية والمعتزلة: لا تكون القدرة إلا قبل الفعل. شرح العقيدة الطحاوية ٢/ ٦٣٣.\n(٢) أخرجه ابن جرير ١٨/ ١٨٥، وابن أبي هاشم ٨/ ٢٦٦٥، و\"تفسير مجاهد\" ٤٤٧. ونقله عنه هود الهوّاري، في تفسيره ٣/ ٢٠٢. واقتصر عليه السيوطي، في \"الدر المنثور\" ٦/ ٢٣٧. واختاره السمرقندي ٢/ ٤٥٤ ولم ينسبه، ولم يذكر غيره.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ص ٤٣ أ.","vol":"16","page":415},{"text":"وقال الفراء: يقول: لا يستطيعون في أمرك حيلة (١). وهذا قول ثالث في الآية (٢). والمعنى: لا سبيل لهم في دفع ما أتيتهم به من الحق ولا حيلة لهم في إبطاله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2913>١٠ </span>- ثم أعلم الله تعالى أنه لو شاء لأعطى نبيه -ﷺ- من الدنيا خيرًا مما اقترحوا أن يكون له فقال: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ﴾ أي: خيرا مما قالوا (٣) من إلقاء كنز، وأن تكون لك جنة تأكل منها. وقال مقاتل: يعني أفضل من الكنز والجنة (٤). ثم بَيَّن ذلك الذي هو خير مما قالوا بقوله: ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾.\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٦٣، بنصه.\n(٢) هذه الأقوال الثلاثة، في المراد بالسبيل؛ القول الأول: سبيل الهدى. الثاني: مخرجًا يخرجهم من الأمثال التي ضربوها لك. الثالث: لا يستطيعون في أمرك حيلة. وكان الأولى بالواحدي. ﵀. أن يبين ضعف القول الأول، كما سبق، وخاصة أنه مخالف لظاهر الآية، إذ إن ظاهرها يدل على عجزهم عن مقاومة الرسول -ﷺ- والله أعلم. وذكر الماوردي ٤/ ١٣٤ في الآية ثلاثة أقوال؛ الأول: قول مجاهد، والثاني: سبيلًا إلى الطاعة لله، ونسبه للسدي، ولم أجد من نسبه له غيره. والثالث: سبيلًا إلى الخير، ونسبه ليحيى بن سلام.\n(٣) هذا قول مجاهد. وما بعده من كلام الواحدي. \"تفسير مجاهد\" ٤٤٧. وأخرجه عن مجاهد ابن جرير ١٨/ ١٨٥. وابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٦٦. وذكره عنه الثعلبي ٨/ ٩٢ ب، وذكر ابن جرير ١٨/ ١٨٥، قولًا آخر: خيرًا من أن تمشي في الأسواق، وتلتمس المعاش كما يلتمسه الناس. ونسبه لابن عباس، لكنه من طريق محمد بن إسحاق. وأخرجه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٦٦، من قول محمد بن إسحاق. وذكره الثعلبي ٨/ ٩٢ ب، منسوبًا لابن عباس. وهذا القول فيه تخصيص بدون مخصص، وظاهر الآية رجوع اسم الإشارة إلى كل ما سبق ذكره من اقتراحات المشركين. والله أعلم.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ص ٤٣ ب.","vol":"16","page":416},{"text":"وقال الكلبي: ﴿مِنْ تَحْتِهَا﴾ تحت غرفها وشجرها ومساكنها (١). يعني في الدنيا؛ لأنه قد شاء أن يعطيه إياها في الآخرة.\nقال خيثمة (٢): قيل للنبي -ﷺ-: إن شئت أعطيناك مفاتيح الأرض وخزائنها لا ينقصك ذلك عندنا شيئًا في الآخرة، ونزلت هذه الآية (٣)، فزهد فيها رسول الله -ﷺ- وآثر أمر الآخرة (٤)؛ وذلك أنه شاور جبريل في ذلك؛ فقال جبريل: تواضع لله، فقال النبي -ﷺ-: \"الفقر أحب إليّ وأن أكون عبدًا صابرًا شكورًا\". وهذا معنى قول ابن عباس في رواية جويبر عن الضحاك عنه (٥).\n_________\n(١) \"تنوير المقباس\" ص ٣٠١.\n(٢) خيثمة بن عبد الرحمن بن أبي سبرة، لأبيه وجده صحبة، حدّث عن أبيه، وعائشة وغيرهم -﵃- أدرك ثلاثة عشر صحابيًا. ت: ٨٠ هـ \"تاريخ الثقات\" للعجلي ص ١٤٥. \"تهذيب التهذيب\" ٣/ ١٥٤. \"سير أعلام النبلاء\" ٤/ ٣٢٠. وذكره العلائي في \"جامع التحصيل\" ص ٢٠٩. فالحديث مرسل.\n(٣) أخرجه ابن جرير في تفسيره ١٨/ ١٨٦، بسنده عن حبيب قال: قيل للنبي -ﷺ- إن شئت أن نعطيك من خزائن الأرض ومفاتيحها ما لم يعط نبي قبلك، ولا يعطى مَنْ بعدك، ولا ينقص ذلك مما عند الله تعالى، فقال: اجمعوها لي في الآخرة، فأنزل الله -﷿- في ذلك: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ﴾ وأخرج ابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٦٦، بسنده عن حبيب بن أبي ثابت عن خيثمة مختصرًا قريبًا من سياق ابن جرير. وذكره السمرقندي ٢/ ٤٥٤. وابن كثير ٦/ ٩٥، كلاهما بدون إسناد، عن سفيان الثوري عن حبيب، به. وحبيب بن أبي ثابت، ثقة فقيه جليل، ولكنه كان كثير الإرسال والتدليس. \"جامع التحصيل\" للعلائي ص١٩٠، و\"التقريب\" ص ٢١٨. وهنا لم يصرح بالتحديث. إضافة إلى علة الإرسال من خيثمة كما سبق في ترجمته قريبًا.\n(٤) هذا من كلام الواحدي -﵀- وليس من الرواية. وهو بنصه في \"معاني القرآن\" للز جاج ٤/ ٥٩.\n(٥) أخرج هذه الرواية الثعلبي ٨٩٢ ب، مطوّلة جدًا. وفيها (الفقر أحب إليّ ...). =","vol":"16","page":417},{"text":"قوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا﴾. قرئ بجزم اللام ورفعه (١)؛ فمن جزم فلأن المعنى: إن يشأ يجعلْ لك جنات ويجعلْ لك قصورًا. هذا قول أبي إسحاق (٢). وشرحه أبو علي؛ فقال: من جزم ﴿وَيَجْعَلْ لَكَ﴾ عطفه على موضع: جعل؛ لأن موضع جعل جزم بأنه جزاء الشرط فإذا جزم ﴿يَجْعَلْ﴾ حمله على ذلك، وإذ كانوا قد جزموا ما لم يلِه فعل لأنه في موضع جزم كقراءة من قرأ: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ﴾ [الأعراف: ١٨٦] (٣) فالفعل أولى أن يحمل عليه من حيث كان الفعل بالفعل أشبه منه بغير الفعل، وحكم المعطوف أن يكون مناسبًا للمعطوف عليه ومشابهًا له. ومن رفع قطعه مما قبله واستأنف، والجزاء في هذا النحو موضع استئناف ألا ترى أن الجمل من الابتداء والخبر تقع فيه كقوله: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ﴾ [الأعراف: ١٨٦] وقوله: ﴿وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ (٤) [البقرة: ٢٧١] هذا\n_________\n= وأخرجها الواحدي في \"أسباب النزول\" ص ٣٣٢، من طريق الثعلبي. وهي رواية منقطعة، وضعيفة؛ فالضحاك لم يسمع من ابن عباس -﵄-. وجويبر ضعيف جدًا.\n(١) قرأ ابن كثير وابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر: ﴿ويجعلُ﴾ بالرفع، والباقون بالجزم. \"السبعة في القراءات\" ص ٤٦٢. و\"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٣٣٦. و\"النشر في القراءات العشر\" ٢/ ٣٣٣.\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٥٩، بنصه.\n(٣) ﴿وَيَذَرُهُمْ﴾ فيها ثلاث قراءات: بالياء والرفع، والنون والرفع، وبالياء مع الجزم، والثالثة هي الشاهد من ذكر القراءة، وقرأ بها حمزة والكسائي وخلف. \"السبعة في القراءات\" ص ٢٩٩، و\"النشر\" ٢/ ٢٧٣.\n(٤) سبق ذكر الشاهد في الآية الأولى، وأما الآية الثانية فلم يذكر الشاهد فيها، وهو قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ﴾ بالرفع. قرأ =","vol":"16","page":418},{"text":"كلامه (١).\nوبين القراءتين فرق في المعنى؛ وهو: أن يقف على ﴿الْأَنْهَارُ﴾ واستأنف ﴿ويجعلُ﴾ فيكون المعنى: ويجعلُ لك قصورًا في الآخرة (٢). قال أبو إسحاق: أي سيعطيك الله قصورًا في الآخرة أكثر مما قالوا (٣).\nقال مجاهد في قوله تعالى: ﴿قُصُورًا﴾ بيوتًا مبنية مشيدة كانت قريش ترى البيت من حجارة قصرا كائنًا ما كان (٤). وقال مقاتل: إن قريشًا يسمُّون كلَّ شيء من الصوف والشعر: البيوت، ويسمون بيوت الطين: القصور (٥). ومعنى القصر في اللغة: الحبس (٦). وسمّي هذا المبني: قصرًا؛ لأن مَنْ فيه مقصور عن أن يوصل إليه (٧). وكل محوط على شيء فهو قصر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2914>١١ </span>- ثم أخبر عن تكذيبهم بالبعث فقال: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ﴾ (٨)\n_________\n= نافع وحمزة والكسائي وخلف وابن عامر، بجزم الراء، وقرأ الباقون برفعها. \"السبعة في القراءات\" ص ١٩١، و\"النشر في القراءات العشر\" ٢/ ٢٣٦.\n(١) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٣٣٦.\n(٢) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٣٣٧، بمعناه. والوقف على هذه القراءة على ﴿الْأَنْهَارُ﴾ وقف كاف. \"القطع والائتناف\" ٢/ ٤٧٩، و\"المكتفى\" ٤١٤.\n(٣) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٥٩، بنصه.\n(٤) \"تفسير مجاهد\" ٤٤٨. وأخرج ابن جرير ١٨/ ١٨٦. وابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٦٦. كلهم من طريق ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد.\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ص ٤٣ ب، وفيه: وذلك أن قريشًا يسمّون بيوت الطين: القصور. أما ما قبله فغير موجود عند تفسير هذه الآية.\n(٦) \"تهذيب اللغة\" ٨/ ٣٥٩ (قصر). ومنه قوله تعالى: ﴿حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ﴾ [الرحمن: ٧٢]. وذكر هذا الثعلبي ٨/ ٩٢ ب.\n(٧) \"تفسير الطوسي\" ٧/ ٤٧٥.\n(٨) الساعة: جزء من أجزاء الزمان، ويعبر به عن القيامة؛ تشبيهًا بذلك لسرعة حسابه، =","vol":"16","page":419},{"text":"ومعنى ﴿بَلْ﴾ هاهنا: تحقيق لتكذيبهم، وإيذان أن القصة الأولى قد تمت. وذكرنا هذا عند قوله: ﴿بَلْ زَعَمْتُمْ﴾ في سورة: الكهف [٤٨] (١) ﴿وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ﴾ بيوم القيامة (٢) ﴿سَعِيرًا﴾ نارًا تتلظى عليهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2915>١٢ </span>- ثم وصف ذلك السعير فقال: ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ﴾ أنث فعل السعير وهو مذكر؛ لأنه أراد النار (٣). قال أبو عبيدة: ووصفها بالرؤية (٤)، وقد قال النبي -ﷺ-: \"من يقل عليّ ما لم أقل فليتبوّأ بين عيني جهنم مقعدًا\"، قيل يا رسول الله: وهل لها عينان، قال: \"نعم، ألم تسمعوا إلى قول الله تعالى: ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ \" (٥). قال الكلبي والسدي ومقاتل: من مسيرة مائة\n_________\n= كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾ [الأنعام: ٦٢]. \"المفردات\" للراغب الأصفهاني ٢٤٨.\n(١) قال الواحدي في تفسير هذه الآية: بل هاهنا إيذان بأن القصة الأولى قد تمت وبدأ في كلام آخر؛ وذلك أن الآية عامة في المؤمن والكافر إلى قوله: ﴿بَلْ زَعَمْتُمْ﴾ فلما أخذ في كلام خاص لأحد الفريقين أدخل: بل، ليؤذن بتحقيق ما سبق، وتوكيد ما يأتي بعده كقوله تعالى: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾ [النمل: ٦٦].\n(٢) \"تفسير هود الهوّاري\" ٣/ ٢٠٣. و\"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٤٥٥. و\"تفسير الطوسي\" ٧/ ٤٧٥.\n(٣) \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ٢/ ٧٠، بتصرف. وهناك قول آخر؛ ذكره البغوي ٦/ ٧٥، والزمخشري ٣/ ٣٦٠، فيه إضافة الرؤية إلى الزبانيَّة. وهو مخالف لظاهر الآية. وقد أحسن الواحدي. ﵀. في اقتصاره على القول الأول.\n(٤) لم أجد قول أبي عبيدة في كتابه المجاز.\n(٥) أخرجه ابن جرير ١٨/ ١٨٧، بسنده عن فُدَيك عن رجل من أصحاب النبي -ﷺ- وهو مرسل؛ لأن فديك وهو ابن سيمان، ويقال: ابن أبي سليمان، من أتباع التابعين يروي عن التابعين كالأوزاعي، وعباد بن عباد، وغيرهم. ولم أجد لفديك سنة وفاة. \"التاريخ الكبير\" ٧/ رقم الترجمة: ٦١٣. و\"تهذيب التهذيب\" ٨/ ٢٣١. وقال =","vol":"16","page":420},{"text":"عام (١).\n﴿سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا﴾ التغيظ: الاغتياظ، يقال اغتاظ عليه، وتَغيَّظ عليه، بمعنى: أنكر عليه أمرًا، وغضب عليه، وغظته أغيظه غيظًا إذا حملته علي الغضب. ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ﴾ [الشعراء: ٥٥] ويقال أيضًا: تغيظت الهاجرة إذا اشتد حَمْيُها (٢). قال الأخطل:\nلدُنْ غُدْوَةً حتى إذا ما تغَيَّظَتْ ... هواجِرُ من شعبانَ حامٍ أصيلُها (٣)\n_________\n= عنه ابن حجر: مقبول. \"التقريب\" ص ٧٧٩. والحديث أخرجه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٦٧، بسنده عن خالد بن دُريك، عن رجل من أصحاب النبي -ﷺ- مع اختلاف في المتن بين الطريقين. وخالد بن دريك، ثقة لكنه يرسل. \"جامع التحصيل في أحكام المراسيل\" ص ٢٠٥. و\"التقريب\" ص ٢٨٥. وأخرجه الثعلبي في تفسيره ٨/ ٩٣ ب، من طريق خالد بن دريك. وذكر البغوي في تفسيره ٦/ ٧٤، هذا الأثر، وحكم عليه بالثبوت، ولم يذكر إسناده، ولا من خرجه. ونسبه السيوطي، في \"الدر المنثور\" ٦/ ٢٣٨ لعبد بن حميد، وابن المنذر. وذِكر الواحدي -﵀- لهذا الحديث للدلالة على إثبات ظاهر الآية، وهذا مسلك حسن. قال ابن عطية ١١/ ١١، بعد أن ذكر أن الآية محتملة للحقيقة والمجاز: إلا أنه ورد حديث يقتضي الحقيقة في هذا .. ثم ذكر هذا الحديث.\n(١) في \"تنوير المقباس\" ص ٣٠١: خمسمائة عام. وكذا في \"تفسير الهوّاري\" ٣/ ٢٠٣. وذكره السمرقندي ٢/ ٤٥٥، ولم ينسبه. وقول مقاتل في \"تفسيره\" ص ٤٣. وقول السدي أخرجه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٦٧. وذكره ابن كثير ٦/ ٩٦، وابن الجوزي ٦/ ٧٥. وذكر هذا القول عن الكلبي، والسدي: البغوي ٦/ ٧٤.\n(٢) \"تهذيب اللغة\" ٨/ ١٧٣ (غاظ)، ولم ينسبه.\n(٣) \"ديوان الأخطل\" ص ٥٦٩، ورواية الديوان: تقيضت. ورواية الواحدي مطابقة لرواية الأزهري: تغيظت، \"تهذيب اللغة\" ٨/ ١٧٣، (غاظ). يصف المطايا التي حملت معشوقته، والمشاق التي تلقتها المطايا بسبب الحر. \"شرح ديوان الأخطل\" ٥٦٧.","vol":"16","page":421},{"text":"قال مقاتل في هذه الآية: ﴿سَمِعُوا لَهَا﴾ من شدة غيظها عليهم (١) (تغيظا) وفي سماع الغيظ قولان؛ أحدهما: أن هذا من باب حذف المضاف، أي: صوت تغيظ، وغليان تغيظ، كالغضبان إذا غلا صدره من الغضب، وهذا قول أبي إسحاق (٢). ويجوز أن يكون التغيظ بمعنى: الغضب، كقوله تعالى: ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ﴾ [الملك: ٨] ويجوز أن يكون بمعنى: الحمي والحرارة، كما ذكرنا في قول الأخطل.\nالقول الثاني: أن المعنى: رأوا لها تغيظا وسمعوا لها زفيرًا، كما قال:\nمتقلدًا سيفًا ورمحًا (٣)\nوقد تقدم لهذا نظائر (٤)، وهذا قول قطرب. والزفير: آخر نهيق\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ص ٤٣.\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٥٩. ونقله الثعلبي ٨/ ٩٣ أ. واقتصر عليه الواحدي في تفسيريه، \"الوسيط\" ٣/ ٣٣٥، و\"الوجيز\" ٢/ ٧٧٥. قال ابن عطية ١١/ ١١: وذلك أن التغيظ لا يُسمع، وإنما المسموع أصوات دالة على التغيظ، وهي ولا شك احتدامات في النار كالذي يُسمع في نار الدنيا. قال الراغب ٣٦٨: الغيظ: أشد الغضب ..، والتغيظ: إظهار الغيظ، وقد يكون ذلك مع صوت مسموع، كما قال تعالى: ﴿سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾.\n(٣) شطر بيت لعبد الله بن الزبعرى، ديوانه ٣٢، وصدره كما في الديوان:\nيا ليت زوجك قد غدا\nوأنشده المبرد ١/ ٤٣٢، والثعلبي في تفسيره ٢/ ٩٣ أ، ثم قال: أي: وحاملًا رمحًا. والفراء ١/ ١٢١، والبغوي ٦/ ٧٥، والقرطبي ١٣/ ٨. والبيت في \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٥٢ (مسح)، و\"اللسان\" ٢/ ٥٩٣، وهو في \"الخصائص\" ٢/ ٤٣١. و\"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ٢/ ٦٨. و\"البحر المحيط\" ٦/ ٤٤٥. كلها غير منسوب.\n(٤) ذكر الواحدي هذه المسألة في تفسير قول الله تعالى: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ =","vol":"16","page":422},{"text":"الحمار (١). وقد مر الكلام في تفسيره (٢).\nوقال المبرد: الزفير: الصوت يسمع من جوف المتغيظ، يقال: ست لفلان زفيرًا عليك (٣). وهذا شائع في الكلام. قال عبيد بن عمير في هذه الآية: إن جهنم لتزفر زفرة لا يبقى نبي ولا ملَك إلا خر ترعد فرائصه (٤).\n_________\n= [المائدة: ٦]؛ حيث قال: وقال جماعة من أهل المعاني: إن الأرجل معطوفة علي الرؤوس في الظاهر، والمراد فيها الغسل، وقد ينسق بالشيء على غيره والحكم فيهما مختلف كما قال الشاعر:\nياليت بعلك قد غدا ... متقلدًا سيفًا ورمحًا\nالمعنى: وحاملًا رمحًا.\n(١) \"تفسير مقاتل\" ص ٤٣. وعكسه الفراء؛ فقال: الزفير: أول نهيق الحمار، وشبهه، والشهيق من آخره. \"معاني القرآن\" ٢/ ٢٨. وذكره الأزهري، ولم يتعقبه، \"تهذيب اللغة\" ١٣/ ١٩٣ (زفر)، وصححه في ٥/ ٣٩٠ (شهق) وجمع بينهما ابن عطية ١١/ ١١، فقال الزفير: صوت ممدود كصوت الحمار المرجِّع في نهيقه.\n(٢) قال الواحدي في تفسير قول الله تعالى: ﴿لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ﴾ [هود: ١٠٦]: قال الليث: الزفر والزفير: أن يملأ الإنسان صدره غمًا ثم يزفر به، فالزفير: إخراج النفس، والشهيق: رد النفس .. وهو قول جميع أهل اللغة. قال أبو إسحاق: هما من أصوات المكروبين المحزونين، وحكى عن أهل اللغة جميعًا أن الزفير بمنزلة ابتداء صوت الحمار بالنهيق والشهيق بمنزلة آخر صوته، ونحو هذا قال المفسرون.\n(٣) الزفر، والزفير: أن يملأ الرجل صدره غمًا ثم يزفر به. والشهيق: مد النفس، ثم يزفر، أي: يرمي به ويخرجه من صدره. كتاب \"العين\" ٧/ ٣٦٠ (زفر) ونقله عنه الأزهري، \"تهذيب اللغة\" ١٣/ ١٩٣ (زفر) وبحثت عن قول المبرد في: \"المقتضب\"، و\"الكامل\"، فلم أجده.\n(٤) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٥٦. وابن جرير ١٨/ ١٨٧، وابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٦٧، وابن كثير ٦/ ٩٧، قولهم من طريق عبد الرزاق، وفيها زيادة: حتى إن إبراهم ليجثو على ركبتيه، فيقول: يا رب لا أسألك اليوم إلا نفسي. وهذا الأثر =","vol":"16","page":423},{"text":"وقال الكلبي: سمعوا تغيظًا كتغيظ بني آدم، وصوتًا كصوت الحمار (١). [وقال ابن قتيبة: قال قوم: بل يسمعون فيها تغيظ المعذبين، وزفيرهم واعتبروا ذلك بقوله تعالى: ﴿لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ﴾ [هود ١٠٦]] (٢) قال: والتفسير الأول أشبه بما أريد إن شاء الله؛ لأنه قال: ﴿سَمِعُوا لَهَا﴾ ولم يقل: سمعوا فيها، ولا منها (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2916>١٣ </span>- قوله: ﴿وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا﴾ من جهنم (٤) ﴿مَكَانًا ضَيِّقًا﴾ قال ابن عباس، والمفسرون: يضيق عليهم كما يضيق الزُّجُّ في الرمح (٥). وسئل\n_________\n= من المغيبات مما لا مجال للعقل فيه، ولم يصرح فيه عبيد بن عمير بالرفع فيُتوقف فيه؛ لاحتمال أخذه عن بني إسرائيل. والله أعلم. وذكره السمرقندي في تفسيره ٢/ ٤٥٥، وصدَّره بقوله: وروي في الخبر أن جهنّم ..\n(١) في نسخة: (أ)، (ب): (ونهيق)، بدل: (كصوت الحمار)، وقول الكلبي في \"تنوير المقباس\" ص ٣٠١. و\"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٤٥٥، ولم ينسبه. ونسبه له: القرطبي ١٣/ ٨.\n(٢) ما بين المعقوفين ساقط من (أ)، (ب).\n(٣) \"غريب القرآن\" لابن قتيبة ص ٢١٠.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ص ٤٣. و\"تفسير هود الهواري\" ٣/ ٢٠٣.\n(٥) في \"تفسير مقاتل\" ص ٤٣: كضيق الرمح في الزج. وذكره هود الهوّاري في تفسيره ٣/ ٢٠٣، عن ابن عمر -﵄-. وأخرجه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٦٨، بإسناده عن عبد الله بن عمرو -﵄-، من طريقين. وأخرجه ابن كثير ٦/ ٩٧، عنه أيضًا. وذكره السيوطي ٦/ ٢٤٠ عن عبد الله بن عُمَر، ونسبه لابن أبي حاتم، وهو خلاف ما في تفسير ابن أبي حاتم، كما سبق. ولعل ما في \"تفسير الهوّاري\" تصحيف؛ من: عمرو، إلى عمر، حيث إنه لم يذكر له إسنادًا. والله أعلم.\nولفظ ابن أبي حاتم موافق للفظ الواحدي. وذكر أن مجاهدًا روي عنه نحو ذلك. ونسبه الثعلبي في تفسيره ٨/ ٩٣ أ، إلى ابن عباس -﵄- بدون إسناد. وكذا البغوي ٦/ ٧٥. وابن عطية ١١/ ١٢. ونسبه الماوردي ٤/ ١٣٤، لعبد الله بن عمرو -﵄-. =","vol":"16","page":424},{"text":"رسول الله عن هذه الآية، فقال: \"والذي نفسي بيده إنهم يستكرهون في النار كما يستكره الوتد في الحائط\" (١).\nوقال الكلبي: إذا التقوا في أبواب جهنم تضيق عليهم كتضايق الزُّجِّ في الرمح، فالأسفلون يرفعهم اللَّهب، والأعلون يخفضهم اللَّهب، فيزدحمون في تلك الأبواب الضيقة (٢). فعند ذلك يدعون بالثبور.\nوقوله: ﴿وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ﴾ قال ابن عباس: يريد في الأصفاد، والأغلال. يعني: أن أيديهم قرنت إلى أعناقهم (٣). وقيل: مقرنين مع الشياطين في السلاسل (٤). وذكر مقاتل القولين؛ فقال: موثقين في الحديد\n_________\n= والزُّجُّ: الحديدة التي تُركَّب في أسفل الرمح، وتركز به الرمح في الأرض. \"لسان العرب\" ٢/ ٢٨٥ (زجج). و\"القاموس\" ص ٢٤٤.\nقال الزمخشري ٣/ ٢٦٠: ولقد جمع الله على أهل النار أنواع التضييق، والإرهاق، حيث ألقاهم في مكان ضيق يتراصون فيه تراصًا.\n(١) أخرجه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٦٨، من طريق نافع بن يزيد، عن يحي بن أبي أَسِيد، يرفع الحديث إلى رسول الله -ﷺ-، ونقله عنه الثعلبي ٨/ ٩٣ أ، وابن كثير ٦/ ٩٧، وهو فيها بلفظ: ليستكرهون. خلافًا لما في النسخ الثلاث فهي بدون اللام. ونافع بن يزيد الكَلاعي، أبو يزيد المصري، ثقة عابد، ت: ١٦٨. \"التاريخ الكبير\" ٨/ ٨٦، رقم الترجمة ٢٢٨٠. و\"تهذيب الكمال\" ٢٩/ ٢٩٦. و\"التقريب\" ص ٩٩٦. ويحي بن أبي أسيد ذكره المِزي، في شيوخ نافع بن يزيد، ونسبه إلى مصر. لكنّي لم أعثر على ترجمة له، ولم يذكر ابن أبي حاتم مَنْ حدثه بذلك حيث قال: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا﴾ قرئ على يونس بن عبد الأعلى ..\n(٢) ذكره عن الكلبي، الرازي ٢٤/ ٥٦. وهو في \"تنوير المقباس\" ص ٣٠١، بنحوه.\n(٣) أخرجه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٦٩، عن أبي صالح، بلفظ: ﴿مُقَرَّنِينَ﴾ قال: مكتفين. وذكر نحوه الثعلبي ٨/ ٩٣ أ، ولم ينسبه.\n(٤) \"تنوير المقباس\" ص ٣٠١. وذكره الثعلبي ٨/ ٩٣ أ. ونسبه الماوردي ٤/ ١٣٤، ليحيى بن سلام. وهذا القول لا يسعفه ظاهر الآية.","vol":"16","page":425},{"text":"وقرنوا مع الشياطين (١). ومضى الكلام في هذا عند قوله: ﴿مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ﴾ [إبراهيم: ٤٩]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2917>١٤ </span>- ﴿لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾ دعوا بالويل على أنفسهم والهلاك. قاله ابن عباس (٢) والمفسرون (٣). وقال ابن قتيبة: هذا كما يقول القائل: واهلاكاه (٤). وفي الحديث: \"إن إبليس يكسى حُلة من النار فيسحبها وذريته مِنْ خَلْفِهِ، وهو يقول: يا ثبوراه وينادون: يا ثبورهم، حتى يَرِدوا النَّارَ فيُقالُ لهم: ﴿لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾ \" (٥).\n_________\n(١) في (أ)، (ب): (في قوامع الشياطين)، وفي \"تفسير مقاتل\" ص ٤٣ ب قرنًا مع الشياطين.\n(٢) أخرجه البخاري، كتاب التفسير، معلقًا بصيغة الجزم. ونصه: ﴿ثُبُورًا﴾ ويلًا. الفتح ٨/ ٤٩٠. ووصله ابن جرير ١٨/ ١٨٧، وابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٦٩، من طريق علي بن أبي طلحة. وذكره الثعلبي ٨/ ٩٣ ب.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ص ٤٣. و\"تفسير هود الهوّاري\" ٣/ ٢٠٣. و\"تفسير الثعلبي\" ٨/ ٩٣ ب. و\"تفسير الماوردي\" ٤/ ١٣٤. و\"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٥٩. وأخرج ابن جرير ١٨/ ١٨٨، عن الضحاك: (الثبور) الهلاك.\n(٤) \"غريب القرآن\"، لابن قتيبة ص ٣١٠. أخرج ابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٦٩، عن الضحاك: دعوا بالهلاك؛ فقالوا: واهلاكاه، واهلاكاه.\n(٥) الحديث أخرجه مطوّلًا ابن جرير ١٨/ ١٨٨، من حديث أنس بن مالك -﵁-، وفي إسناده: علي بن زيد بن جُدْعان، وهو ضعيف.\nوأخرجه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٦٩، من الطريق نفسه. وكذا الثعلبي في تفسيره ٨/ ٩٣ ب. وأخرجه الإمام أحمد في مسنده ٤/ ٣٠٤، رقم ت ١٢٥٣٨، من طريق علي بن زيد أيضًا، عن أنس -﵁-.\nوقال الهيثمي ١٠/ ٢٩٢: رواه أحمد والبزار، ورجالهما رجال الصحيح، غير علي ابن زيد، وقد وُثق. لكن أكثر أهل العلم على تضعيفه، من جهة حفظه، واختلاطه =","vol":"16","page":426},{"text":"قال المفسرون: ادعوا ويلًا كثيرًا لأنها دائمة لهم أبدًا (١).\nوقال أبو إسحاق: أي: هلاككم أكثر من أن تدعوا مرة واحدة (٢).\nوقال المبرد: الثبور هلاك على هلاك، ولا يكون لمرة واحدة، ومنه قولهم: ثابَر فلان على كذا، أي: دام عليه. وذكرنا الكلام في هذا عند قوله: ﴿مَثْبُورًا﴾ [الإسراء: ١٠٢] (٣).\n_________\n= في كبره، وقلبه للأحاديث. \"ميزان الاعتدال\" ٣/ ١٢٧. وأخرج الواحدي في \"الوسيط\" ٤/ ٣٣٦، من الطريق السابق. وصححه السيوطي ٦/ ٢٤٠. وقال الشوكاني ٣/ ٦٤، بعد ذكر إسناد الإمام أحمد لهذا الحديث: وفي علي بن زيد مقال معروف.\nوهذا الحديث يقابل ما أخرجه البخاري، كتاب التفسير، رقم: ٤٦٢٥، \"الفتح\" ٨/ ٢٨٦. ومسلم ٤/ ٢١٩٤، كتاب الجنة، وصفة نعيمها وأهلها، رقم: ٢٨٦٠، مِنْ أن أول من يكسى من أهل الجنة نبي الله إبراهيم -ﷺ-. ولفظه عندهما: من حديث ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: خَطَبَ رَسُولُ الله -ﷺ- فَقَالَ: \"يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّكُمْ مَحْشُورُونَ إِلَى الله حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا ثُمَّ قَالَ: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ إِلَى آخِرِ الآيَةِ ثُمَّ قَالَ: أَلَا وَإِنَّ أَوَّلَ الْخَلَائِقِ يُكْسَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِبْرَاهِيمُ .. \".\n(١) \"تفسير مقاتل\" ص ٤٣. و\"تفسير هود الهوّاري\" ٣/ ٢٠٣. وأخرج ابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٦٩، بسنده عن ابن عباس -﵄-: لا تدعوا اليوم ويلًا واحدًا. ونحوه عن الضحاك، وقتادة.\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٥٩.\n(٣) قال الواحدي في تفسير هذه الآية: وقوله تعالى: ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ قال الكلبي: وإني لأعلمك يا فرعون، ﴿مَثْبُورًا﴾ قال ابن عباس: ملعونًا، وقال قتادة: مهلكًا، وقال مجاهد: هالكًا، قال الفراء: المثبور الملعون المحبوس عن الخير، والعرب تقول ما ثَبَرك عن هذا؟ أي ما منعك منه وما صرفك، وروى أبو عبيد عن أبي زيد: ثَبَرْت فلانًا عن الشيء: رَدَدْتُه عنه، وروى ثعلب عن ابن الأعرابي: المثْبُور: الملْعُون المطْرود المُعَذَّب، هذا وجه قول ابن عباس، وأما وجه قول =","vol":"16","page":427},{"text":"قال الفراء: الثبور مصدر، فلذلك (١) قال: ﴿ثُبُورًا كَثِيرًا﴾ لأن المصادر لا تجمع، ألا ترى أنك تقول: قعدت قعودًا طويلًا، وضربته ضربًا كثيرًا فلا تجمع (٢). وقال الكلبي: هذا كله نزل في أبي جهل وأصحابه (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2918>١٥ </span>- ثم ذكر ما وعده لمحمد -ﷺ- وأصحابه فقال: ﴿قُلْ أَذَلِكَ﴾ يعني: السعير (٤) المذكور في قوله: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا﴾ [الفرقان: ١١] وما بعده إلى قوله: ﴿أَذَلِكَ﴾ مَنْ (٥) صفته وصفة أهله ﴿خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ﴾ قال أبو إسحاق: إنْ قال قائل: كيف يقال: الجنة خير من النار؛ وليس في النار خير البتَّة؟ ثم أجاب، فقال: إنما يقع التفضيل فيما دخل في صنف واحد، والجنة والنار قد دخلا في باب المنازل في صنف واحد؛ فلذلك قال: ﴿أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ﴾ كما قال: ﴿خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٤] (٦).\n_________\n= مجاهد وقتادة فقال الزجاج: ثُبِرَ الرجل فهو مثبور إذا أهلك، والثبور الهلاك، قال شمر: ومَثَلٌ للعرب: إلى أُمّه يأوى من ثَبِر؛ أي مَن أُهلِك، قال أبو عبيد: والمعروف في الثبور الهلاك، والملعون هالك. \"البسيط\" ٣/ ١٦٦ أ، النسخة الأزهرية.\n(١) (فلذلك)، من كتاب الفراء، وهي غير موجودة في النسخ الثلاث.\n(٢) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٦٣. و\"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٥٩.\n(٣) \"تنوير المقباس\" ص ٣٠١. أبو جهل، هو عمرو بن هشام بن المغيرة المخزومي القرشى.\n(٤) \"تنوير المقباس\" ص ٣٠١.\n(٥) من، ساقطة من نسخة: (ج).\n(٦) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٦٠. وهذه الآية تدل على أن أهم شيء الفوز بالجنة، والنجاة من النار. ويشهد لهذا حديث أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله -ﷺ- لِرَجُلِ: \"مَا تَقُولُ فِي الصَّلاةِ قَالَ أَتَشَهَّدُ ثُمَّ أَسْأَلُ الله الْجَنَّةَ وَأَعُوذُ بِهِ مِنَ النَّارِ أَمَا والله =","vol":"16","page":428},{"text":"وقال غيره من أهل المعاني: هذا على التذكير والتنبيه على تفاوت ما بين المنزلين والحالين (١).\nقوله: ﴿الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾ أي: وعد المتقون دخولها، أو نزولها، أو الخلود فيها، وما أشبه هذا مما يؤدي هذا المعنى، وبهذا التقدير تتم صلة الموصول وتمام المعنى، ولهذا ذكر قوله: ﴿وُعِدَ﴾ ولم يكن: وعدت؛ لأن الموعود دخولها.\nقوله تعالى: ﴿كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءً وَمَصِيرًا﴾ قال ابن عباس: ثوابًا ومرجعًا (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2919>١٦ </span>- قوله: ﴿كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولًا﴾ أي: كان دخولها ونزولها وعدًا. والدخول قد ذكرنا تقديره في قوله: ﴿وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾ [الفرقان: ١٥]. ويجوز أن يعود ﴿كَانَ﴾ إلى الخلود، ودل عليه قوله: ﴿خَالِدِينَ﴾ قال\n_________\n= مَا أُحْسِنُ دَنْدَنَتَكَ وَلا دَنْدَنَةَ مُعَاذٍ فَقَالَ: حَوْلَهَا نُدَنْدِنُ\" أخرجه أبو داود ١/ ٥٠١، كتاب الصلاة، رقم: ٧٩٢. وابن ماجه ١/ ٢٩٥، كتاب الصلاة، رقم: ٩١. وهو في صحيح أبي داود ١/ ١٥٠، رقم: ٧١٠.\nالدندنة: أن يتكلم الرجل بالكلام تُسمع نغمته، ولا يُفهم. \"النهاية في غريب الحديث\" ٢/ ١٣٧.\n(١) قال في \"الوسيط\" ٣/ ٣٣٦: وهذا على التنبيه على تفاوت ما بين المنزلتين، لا على أن السعير خير. ولم ينسبه. وذكر قريبًا منه القرطبي ١٣/ ٩. ونقل البرسوي ٦/ ١٩٥، قول الواحدي في الوسيط، ونسبه له. قال أبو حيان ٦/ ٤٤٥: خير، هنا ليس تدل على الأفضلية بل هي على ما جرت عادة العرب في بيان فضل الشيء وخصوصيته بالفضل دون مقابلة .. كقول العرب: الشقاء أحب إليك أم السعادة. وكقوله تعالى: ﴿السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ [يوسف: ٣٣].\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ص ٣٤. و\"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٤٥٥، ولم ينسبه. وذكره البغوي ٦/ ٧٥. ولم ينسبه.","vol":"16","page":429},{"text":"الكلبي: وعد الله المؤمنين الجنة فجعلها لهم فسألوه ذلك الوعد في الدنيا فقالوا: ﴿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ﴾ [آل عمران: ١٩٤] (١). أي: على لسان رسلك؛ يعنون الجنة، فلم يلجئهم يوم القيامة إلى أن يسألوه، فأدخلهم الجنة بوعده إياهم ذلك (٢). وهذا القول هو اختيار الفراء (٣).\nوقال القرظي: إن الملائكة تسأل لهم ذلك؛ وهو قوله: ﴿رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ﴾ (٤) [غافر: ٨]. واختار الزجاج هذا القول (٥).\nوقال مقاتل: يسأله المتقون في الآخرة ما وعدهم في الدنيا وهي الجنة (٦).\nوذكر الفراء وجهًا آخر فقال: هذا كما تقول في الكلام (٧): لأعطينك ألفًا وعدًا مسؤولًا، أي: هو واجب لك فتسأله لأن المسؤول (٨) واجب\n_________\n(١) ذكر هذا القول ابن جرير في \"تفسيره\" ١٨/ ١٨٩، والسمرقندي ٢/ ٤٥٥. والثعلبي ٩٣ ب، والبغوي ٦/ ٧٦. ولم ينسبوه لأحد. وبنحوه عند الماوردي ٤/ ١٣٥، ونسبه لابن عباس -﵄-. وهو في \"الوسيط\" ٣/ ٣٣٦، غير منسوب. ونسبه القرطبي ١٣/ ٨، للكلبي، ثم قال: وهو معنى قول ابن عباس.\n(٢) \"تنوير المقباس\" ص ٣٠١، بلفظ: سألوه فأعطاهم. وذكره هود الهوّاري ٣/ ٢٠٣.\n(٣) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٦٣، ولم ينسبه.\n(٤) ذكر هذا القول الهواري ٣/ ٢٠٣، ولم ينسبه. وأخرجه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٧١، عن القرظي. وكذا الثعلبي ٩٣ ب. والماوردي ٤/ ١٣٥، وهو كذلك في \"الوسيط\" ٣/ ٣٣٦. والبغوي ٦/ ٧٦. وابن كثير ٦/ ٩٨.\n(٥) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٦٠. و\"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٤٥٥، ولم ينسبه.\n(٦) \"تفسير مقاتل\" ص ٤٣. وأخرج نحوه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٧١، عن أبي حازم. ونسبه الماوردي ٤/ ١٣٥، لزيد ابن أسلم.\n(٧) (في الكلام) من نسخة: (أ)، (ب).\n(٨) في نسخة: (أ)، (ب): (السؤال).","vol":"16","page":430},{"text":"وإن لم يُسأل كالدَّين (١). وعلى هذا المعنى: وعدًا واجبًا هو مما يُسأل وإن لم يُسأل. وهذا معنى قول ابن عباس في تفسير قوله: ﴿وَعْدًا مَسْئُولًا﴾ يريد: لا خلاف فيه (٢). وهذا الوجوب من قِبَل الله تعالى هو أوجبه على نفسه أنه لا يخلف الميعاد؛ ولا يجب لأحد عليه شيء دون إيجابه (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2920>١٧ </span>- ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ﴾ قال مقاتل: يجمعهم يعني: كفار مكة (٤). وقال غيره: يعني المشركين كلهم ومن (٥) كان يعبد غير الله (٦)؛ لقوله: ﴿وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ قال ابن عباس: ونحشر ما يعبدون من دون الله (٧). قال\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٦٣.\n(٢) أخرج نحوه ابن جرير ١٨/ ١٨٩، من طريق ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس -﵄-. وكذا ابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٧١. وذكره العز في \"تفسيره\" ٢/ ٤١٩. وابن كثير ٦/ ٩٨، من الطريق السابق.\n(٣) حاصل ما ذكر أن ﴿مَسْئُولًا﴾ فيها قولان:\n١ - مطلوبًا. والطالب له: إما المؤمنون، أو الملائكة.\n٢ - أن معنى: المسؤول: الواجب. \"تفسير ابن الجوزي\" ٦/ ٧٧. وعلى المعنى الثاني، يكون واجبًا بحكم الاستحقاق، على قول المعتزلة، أو بحكم الوعد على قول أهل السنة. تفسير الزمخشري ٣/ ٢٦١، والرازي ٢٤/ ٦٠. وتفسير أبي حيان ٦/ ٤٤٦. قال ابن كثير ٦/ ٩٨: هذا من وعد الله الذي تفضل به عليهم، وأحسن به إليهم. قال البقاعي ١٣/ ٣٥٧: وهو من وادي ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦].\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ص ٤٣ ب.\n(٥) في (ج): (من) بدون واو.\n(٦) ذكر هذا كله الواحدي. ﵀. في \"الوسيط\" ٣/ ٣٣٦، غير منسوب.\n(٧) \"تفسير مقاتل\" ص ٤٣ ب. و\"تفسير الطوسي\" ٧/ ٤٧٨، ولم ينسبه. وذِكرُ المعبودات هنا بلفظ ﴿مَا﴾ إشارة إلى أن ناطقها وصامتها جمادٌ بل عدمٌ بالنسبة إليه سبحانه. مع أن ﴿مَا﴾ موضوع على العموم للعقلاء وغيرهم، من كان أكثر استعماله في غير العقلاء. \"نظم الدرر\" ١٣/ ٣٦٠. و\"تفسير أبي السعود\" ٦/ ٢٠٨.","vol":"16","page":431},{"text":"مجاهد: عيسى، وعزيرًا، والملائكة (١).\nوقال عكرمة، والضحاك: يعني الأصنام (٢).\nوقال الكلبي في هذه الآية: يعني عبدة الأوثان، والأصنام (٣).\nثم يأذن لها في الكلام ويخاطبها ﴿فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ﴾ (٤) قال مقاتل: يقول: ءأنتم أمرتموهم بعبادتكم ﴿أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ﴾ يقول: أم هم أخطأوا الطريق (٥).\nوقرئ: ﴿نَحْشُرُهُمْ﴾ بالياء، والنون. وكذلك ﴿فَيَقُولُ﴾ بالياء، والنون (٦).\n_________\n(١) أخرجه ابن جرير ١٨/ ١٨٩. وابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٧٢. و\"تفسير مجاهد\" ٢/ ٤٤٨. وذكره عنه الثعلبي ٩٣ ب. والماوردي ٤/ ١٣٦. وابن كثير ٦/ ٩٩.\n(٢) \"تفسير الثعلبي\" ٩٣ ب، منسوبًا لهما. وهو كذلك في \"الوسيط\" ٣/ ٣٣٦. والبغوي ٦/ ٧٦. وابن عطية ١١/ ١٧. والقول الأول أرجح: لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ﴾ [سبأ: ٤٠] وقوله: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [المائدة: ١١٦]. \"تفسير ابن جزي\" ٤٨٢، و\"تفسير أبي حيان\" ٦/ ٤٤٧.\n(٣) \"تنوير المقباس\" ص ٣٠١. وفي \"تفسير البحر\" ٦/ ٤٤٧، عن الكلبي: يحي الله الأصنام يومئذٍ لتكذيب عابديها.\n(٤) الاستفهام هنا على سبيل التقريع للمشركين، كما قال لعيسى -ﷺ- ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [المائدة: ١١٦]. ولأن تبرؤ المعبودين منهم أشد في حسرتهم وحيرتهم. \"تفسير الرازي\" ٢٤/ ٦٢.\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ص ٤٣ ب. وأخرجه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٧٢، عن مقاتل بن حيان بلفظ: قد أخطأوا قصد السبيل. وهو عند البغوي ٦/ ٧٦، غير منسوب.\n(٦) ﴿يَحْشُرُهُمْ﴾ قرأ بالياء: ابن كثير، وحفص عن عاصم، وبالنون: نافع، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي، وعاصم في رواية أبي بكر. \"السبعة\" ص ٤٦٢. و\"الحجة\" ٥/ ٣٣٧، و\"إعراب القراءات\" لابن خالويه ٢/ ١١٧، و\"المبسوط في القراءات العشر\" ص ٢٧٠، و\"التبصرة\" ص ٦٣١، و\"النشر\" ٢/ ٣٣٣. و﴿فنقول﴾ بالنون، قراءة ابن عامر، والباقون بالياء. المصادر السابقة.","vol":"16","page":432},{"text":"وذلك على تلوين الخطاب من الإفراد والجمع (١). ثم ذكر جواب المعبودين بقوله:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2921>١٨ </span>- ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ﴾ قال ابن عباس، ومقاتل: نزهوا الله، وعظموه من أن يكون معه إله (٢).\n﴿مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾ إن قيل: كيف يجوز للمعبودين أن يقولوا هذا؛ وإنما اتخذهم غيرهم أولياء من دون الله، وليس هذا الجواب يليق للسؤال المتقدم. والجواب عنه من وجوه؛ أحدها: أن المعنى: ما كان ينبغي لنا أن نعبد غيرك [ونتخذ غيرك وليًا ومعبودًا فكيف ندعوا إلى عبادتنا، أي: إذا كنا نحن لا نعبد غيرك] (٣) فكيف ندعوا أحدًا إلى أن يعبدنا؟. فذكر من جوابهم على أنهم لم يضلوهم، ولم يأمروهم بعبادتهم، وهو أنهم إذا كانوا لا يرون لأنفسهم عبادة غير الله؛ فكيف يدعون غيرَهم إلى عبادتهم. وهذا معنى قول الفراء (٤).\nوقال صاحب النظم: هذا بالتدريج يصير جوابًا للسؤال الظاهر؛ وهو أن من عبد شيئًا فقد تولاه، وإذا تولاه العابد صار المعبود وليًا\n_________\n(١) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٣٣٨.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ص ٤٣ ب. و\"تنوير المقباس\" ص ٣٠١. وذكره الهوّاري ٣/ ٢٠٤. والسمرقندي ٢/ ٤٥٥. والواحدي في \"الوسيط\" ٣/ ٣٣٦، والبغوي ٦/ ٧٦. ولم ينسبوه لأحد. قال القرطبي ١٣/ ١٠: فإن قيل: فإن كانت الأصنام التي تعبد تحشر فكيف تنطق وهي جماد؟ قيل: ينطقها الله تعالى يوم القيامة؛ كما ينطق الأيدي والأرجل.\n(٣) ما بين المعقوفين ساقط من نسخة (ج).\n(٤) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٦٣. وقريب من هذا في \"تنوير المقباس\" ص ٣٠١. و\"تفسير مقاتل\" ص ٤٣ ب.","vol":"16","page":433},{"text":"للعابدين (١)، ويدل على هذا قوله: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (٤٠) قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ﴾ [سبأ ٤٠، ٤١] أي: لم نتخذهم أولياء وإن عبدونا في الظاهر. فدل هذا على أن العابد يُسمَّى وليًا للمعبود. ويصير المعنى: كأنهم قالوا: ما كان ينبغي لنا أن نأمر غيرنا باتخاذنا وليًا، ولن نتخذ من دونك وليًا يعبدنا. فحذف من الكلام اتخاذ العابدين إياهم أولياء بدلالة ما ذكر عليه، وهذا معنى قول ابن عباس في هذه الآية: يقولون ما توليناهم ولا أحببنا عبادتهم. قال: ويحتمل أن يكون قولهم: ﴿مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾ أرادوا معشر العبيد لا أنفسهم، أي: إنا وهم عبيدك فكان لا ينبغي لعبيدك أن يتخذوا من دونك أولياء، ولكنهم تواضعًا منهم أضافوا ذلك إلى أنفسهم وعنوهم به، كما يقول الرجل إذا أتى أخوه كبيرةً: ما كان ينبغي لي أن أفعل مثل هذا، وهو يعني به غيره، ولهذا الإشكال قرأ من قرأ ﴿أَنْ نَتَّخِذَ﴾ بضم النون. وهذه القراءة أقرب في التأويل لو صحت (٢)؛ قال أبو إسحاق: هذه القراءة خطأ؛ لأنك تقول: ما اتخذتُ من أحد وليًا، ولا يجوز: ما اتخذتُ أحدًا\n_________\n(١) في (ج): (للعابد).\n(٢) هذه قراءة أبي جعفر المدني. \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٦٤، و\"إرشاد المبتدي\" ص ٤٦٦. ونسبها ابن جرير ١٨/ ١٩١، للحسن، ويزيد بن القعقاع، وهو: أبو جعفر المدني. قال ابن الجزري ٢/ ٣٣٣، بعد أن نسبها لأبي جعفر: وهي قراءة زيد بن ثابت، وأبي الدرداء، وأبي رجاء، وزيد بن علي .... وذكرها ابن جني في المحتسب ٢/ ١١٩. وقول الزجاج ٤/ ٦٠: وقرأ أبو جعفر المدني وحده، يعني من العشرة. وجزْمُ الواحدي -﵀- بضعف هذه القراءة تبع فيه الزجاج، حيث نقل كلامه في تضعيفها، ولم يعترض عليه. وضعف ابن جرير ١٨/ ١٩١، هذه القراءة لعلل ثلاث؛ لإجماع الحجة على القراءة بفتح النون، ولقوله تعالى في سورة سبأ: ٤٠، =","vol":"16","page":434},{"text":"من ولي؛ لأن ﴿مِنْ﴾ إنما دخلت لأنها تنفى واحدًا في معنى جمع، تقول: ما من أحد قائمًا، وما من رجل محبًا لما يضره، ولا يجوز: ما رجل من محب ما يضره، ولا وجه لهذا عندنا البتة. ولو جاز هذا لجاز في ﴿فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ [الحاقة: ٤٧] ما أحد عنه من حاجزين. ولو لم يكن ﴿مِنْ﴾ لصحت هذه القراءة (١).\n_________\n= ٤١ ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (٤٠) قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ﴾ والعلة الثالثة ما ذكره الواحدي عن الزجاج.\nوقد وجه هذه القراءة ابن جني، فقال: ﴿مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾ في موضع الحال، أي: ما كان ينبغي لنا أن نُتخذ من دونك أولياء، ودخلت ﴿مِنْ﴾ زائدة لمكان النفي، كقولك: أتخذتَ زيدًا وكيلًا، فإن نفيت قلت: ما اتخذت زيدًا من وكيل، وكذلك: أعطيته درهمًا، وما أعطيته من درهم. \"المحتسب\" ٢/ ١٢٠، وقد حسن هذا التوجيه وارتضاه ابن الجزري، في \"النشر\" ٢/ ٣٣٣. وتبعه على ذلك البناء، في: \"إتحاف فضلاء البشر\" ص ٣٢٨. ووجه هذه القراءة أيضًا الزمخشري ٣/ ٢٦٣. وصححها ابن القيم، في \"إغاثة اللَّهفان\" ٢/ ٢٣٧. قال ابن كثير ٦/ ٩٩، بعد ذكر هذه القراءة: وهي قريبة المعنى من الأُولى. قال البقاعي: وقراءة أبي جعفر بالبناء للمفعول، بضم النون وفتح الخاء، واضحة المعنى، أي: يتخذنا أحد آلهة نتولى أموره. \"نظم الدرر\" ١٣/ ٣٦١. فالحاصل أن هذه القراءة ثابتة، مقروء بها عن أبي جعفر المدني. والله أعلم.\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٦٠. وتخطئة الزجاج لهذه القراءة لتخطئة أكثر النحويين لها! حيث قال: وهذه القراءة عند أكثر النحويين خطأٌ. ومثل هذا لا يكفي لتخطئة القراءة، إذ الاعتبار بصحة الرواية، قال ابن جني في الرد على من رد الرواية لمجرد مخالفتها للمشهور من القراءة: وكيف يكون هذا والرواية تنميه إلى رسول الله -ﷺ- والله تعالى يقول ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] وهذا حكم عام في المعاني والألفاظ. \"المحتسب\" ١/ ٣٣، وقال أيضًا: والقرآن يُتخير له، ولا يتخير عليه. \"المحتسب\" ١/ ٥٣. وقال ابن الجزري: كل =","vol":"16","page":435},{"text":"وقال صاحب النظم: العلة في سقوط هذه القراءة: أن ﴿مِّن﴾ لا تحدث إلا على مفعول، لا مفعول دونه، فإذا كان قبل المفعول [مفعول سواه لم يحسن دخول: من، مثل قوله -﷿-: ﴿مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ﴾ [مريم: ٣٥] فقوله: ﴿مِنْ وَلَدٍ﴾ لا مفعول دونه سواه] (١) ولو قال: ما كان لله أن يتخذ أحدًا من ولد، لم يحسن فيه دخول: (مِن)؛ لأن (٢) الاتخاذ مشغول بـ: أحد (٣). كذلك قوله: ﴿مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ﴾ قد قامت النون المضمومة مقام مفعول، وشغل الاتخاذ به فلم تعمل: (مِن) في المفعول الذي بعده؛ لأن تأويله يكون مثل قولك: ما كان لزيد أن يتخذ من ولي. هذا كلامه. ومن أجاز هذه القراءة يجعل (مِن) صلة (٤).\nقال الفراء: العرب تدخل (مِنْ) في الأسماء لا في الأخبار. ألا ترى أنهم يقولون: ما أخذت من شيء، وما عندي من شيء، ولا يقولون: ما\n_________\n= قراءة وافقت العربية مطلقًا، ووافقت أحد المصاحف العثمانية ولو تقديرًا، وتواتر نقلها: هذه القراءة المتواترة المقطوع بها. ومعنى العربية مطلقًا: ولو بوجه من الإعراب .. ثم قال: والذي جمع في زماننا هذه الأركان الثلاثة، هو قراءة الأئمة العشرة التي أجمع الناس على تلقيها بالقبول، وهم: أبو جعفر، ونافع، وابن كثير، وأبو عمرو، ويعقوب، وابن عامر، وعاصم، وحمزة، والكسائي، وخلف. \"منجد المقرئين\" ص ١٥.\n(١) ما بين المعقوفين، ساقط من (ج).\n(٢) لأن فعل الاتخاذ مشغول. بزيادة: فعل. هكذا عند ابن القيم في \"إغاثة اللَّهفان\" ٢/ ٢٣٧.\n(٣) انظر قول صاحب النظم في \"إغاثة اللَّهفان\" ٢/ ٢٣٧، وقد صرح ابن القيم بالنقل عنه، وهو مطابق لما نقله الواحدي.\n(٤) \"تفسير البغوي\" ٦/ ٧٦.","vol":"16","page":436},{"text":"رأيت عبد الله من رجل. فلو لم يكن في الأولياء: ﴿مِنْ﴾ لكان وجهًا جيدًا، وهو على قلة من قرأ به، قد يجوز أن يجعل الاسم في ﴿مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾ ويجعل الخبر ما في ﴿نَتَّخِذَ﴾ على القلب (١).\nثم ذكر المعبودون سبب ترك العابدين للإيمان بالله بقوله: ﴿وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ﴾ قال ابن عباس: أطلت لهم العمر فأفضلت عليهم ووسعت لهم في الرزق (٢). وقال الفراء: ولكنك يا رب متعتهم بالأموال والأولاد (٣).\n﴿حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ﴾ قال ابن عباس: يريد تركوا الموعظة. وقال مقاتل: تركوا إيمانًا بالقرآن (٤).\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٦٤.\n(٢) أخرج ابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٧٢، عن ابن عباس في تفسير هذه الآية: ذهبت أعمالهم في الدنيا ولم يكن لهم أعمال صالحة. ولم يذكر القول الذي أورده الواحدي. وقريب من هذا القول في \"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٤٥٦، ولم ينسبه. وهو بنصه في \"الوسيط\" ٣/ ٣٣٧، منسوبًا لابن عباس -﵄-.\n(٣) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٦٤. قال الزمخشري ٣/ ٨٦، ط: دار الفكر حيث لم أجده في ط: دار الكتب العلمية: فجعلوا النعمة التي حقها أن تكون سبب الشكر سببَ الكفر، ونسيان الذكر. والمترفون عادة هم أعداء الرسل وأتباعهم، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (٣٤) وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [سبأ ٣٤، ٣٥] وقال تعالى: قال تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ [يونس: ٨٨].\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ص ٤٣ ب. قال ابن قتيبة: يعني القرآن غريب القرآن ٣١١. وممن قال: إنه القرآن، زيد بن أسلم. أخرجه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٧٢. وفي \"تفسير =","vol":"16","page":437},{"text":"﴿وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا﴾ قال مجاهد، والكلبي ومقاتل (١)، والمفسرون (٢): فاسدين هالكين قد غلب عليهم الشقاء والخذلان (٣). وقال الزجاج: البائر في اللغة: الفاسد الذي لا خير فيه (٤). وقال الفراء: البور مصدر يكون واحدًا وجمعًا (٥). وقال أبو عبيدة: رجل بور، ورجلان بور، وقوم بور، وكذلك الأنثى، ومعناه: هالك، وقد يقال: رجل بائر، وقوم بور. وأنشد:\nيا رسول المليك إن لساني ... راتِقٌ ما فَتَقْتُ إذ أنا بور (٦)\n_________\n= السمرقندي\" ٢/ ٤٥٦ تركوا التوحيد، والإيمان بالقرآن. ولم ينسبه. وذكر الثعلبي ٩٣، في الذكر خمسة أقوال: القرآن، الرسول، التوحيد، الإسلام، ذكر الله. وكلها متلازمة. والقولان في \"الوسيط\" ٣/ ٣٣٧، بدون نسبة.\n(١) \"تفسير مجاهد\" ٢/ ٤٤٨. وأخرجه عنه ابن جرير ١٨/ ١٩٠. وقول الكلبي في \"تنوير المقباس\" ص ٣٠١. و\"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٤٥٦. و\"تفسير مقاتل\" ص ٤٣ ب.\n(٢) (المفسرون) في (ج).\n(٣) أخرج ابن جرير ١٨/ ١٩٠، وابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٧٣، عن ابن عباس ﵄، من طريق علي ابن أبي طلحة: ﴿بُورًا﴾ هلكى. ونسبه الماوردي ٤/ ١٣٧، لابن عباس. وذكر هذا القول هود الهوّاري ٣/ ٢٠٤. وابن الأنباري، \"الزاهر في معاني كلمات الناس\" ١/ ٣١٤، والثعلبي ٩٤ أ. وهو بنصه في \"الوسيط\" ٣/ ٣٣٧، غير منسوب.\n(٤) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٦٠. وأخرج ابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٧٣، عن شهر بن حوشب، ﴿بُورًا﴾ قال: معناه: فسدتم. ومثله عن قتادة، قال: والبور الفاسد، وإنه والله ما نسي قوم ذكر الله إلا باروا، وفسدوا.\n(٥) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٦٤.\n(٦) \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ٢/ ٧٣. ونسبه لعبد الله بن الزبعرى. وكذا ابن جرير ١٨/ ١٩١. وابن الأنباري، في \"الزاهر\" ١/ ٣١٥. والثعلبي ٩٤ أ. وابن عطية ١١/ ١٩. وهو في ديوان ابن الزبعرى ٣٦، من قصيدة يمدح فيها النبي -ﷺ-، ويعتذر إليه مما فعل؛ يعني أنه مصلح لما أفسد. الرتق: ضد الفتق. \"اللسان\" ١٠/ ١١٤. و\"القاموس\" ١١٤٣. والفتق: الشق. \"اللسان\" ١٠/ ٢٩٦. و\"القاموس\" ١١٨٢.","vol":"16","page":438},{"text":"أبو الهيثم: البائر: الهالك. والبوار: الهلاك. وقال الحسن، وابن زيد: البور الذي ليس فيه من الخير شيء (١). ومعنى هذه الآية أن المعبودين قالوا: ما أضللناهم ولكنهم ضلوا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2922>١٩ </span>- قال الله -﷿-: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ﴾ أي: فيقال للكفار حينئذ (٢) ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ﴾ أي: كذبكم المعبودون بقولكم: إنهم آلهة، وإنهم شركاء (٣).\nومن قرأ ﴿بِمَا تَقُولُونَ﴾ بالياء (٤)، فالمعنى ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ﴾ بقولهم: ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾ الآية (٥).\nوقوله: ﴿فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلَا نَصْرًا﴾ أي: ما يستطيع الشركاء والمعبودون صرف العذاب عنكم (٦). هذه قراءة العامَّة بالياء (٧). ولا يحسن\n_________\n(١) أخرجه عبد الرزاق ٢/ ٦٧، عن الحسن، ومن طريقه أخرجه ابن جرير ١٨/ ١٩٠، وابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٧٣. وأخرجه عن ابن زيد: ابن جرير ١٨/ ١٩١. وذكره عنهما الثعلبي ٩٤ أ.\n(٢) \"تفسير مجاهد\" ٢/ ٤٤٨. و\"تفسير مقاتل\" ص ٤٣ و\"تفسير الطبري\" ١٨/ ١٩٢.\n(٣) تفسير هود الهوّاري ٣/ ٢٠٤. و\"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٦٠. و\"تفسير الماوردي\" ٤/ ١٣٧، ونسبه لمجاهد.\n(٤) قال أبو بكر بن مجاهد: قال لي قنبل عن أبي بزة عن ابن كثير ﴿يَقُولُونَ﴾ ﴿يَسْتَطِيعُونَ﴾ بالياء جميعًا. السبعة في القراءات ٤٦٣، و\"النشر في القراءات العشر\" ٢/ ٣٣٤.\n(٥) قال مقاتل ٤٣ ب: بقولهم إنهم لم يأمروكم أن تعبدوها.\n(٦) \"تنوير المقباس\" ص ٣٠٢. و\"تفسير مقاتل\" ص ٤٣ ب. و\"معاني القرآن\" للأخفش ٢/ ٦٤٢. و\"تفسير هود الهوّاري\" ٣/ ٢٠٤. وذكر الماوردي ٤/ ١٣٧، أربعة أوجه، هذا أحدها.\n(٧) قرأ عاصم في رواية حفص: ﴿بِمَا تَقُولُونَ فَمَا تَسْتَطِيعُونَ﴾ بالتاء جميعًا. وقرأ الباقون وأبو بكر عن عاصم: ﴿بِمَا تَقُولُونَ﴾ بالتاء ﴿فما يستطيعون﴾ بالياء، =","vol":"16","page":439},{"text":"أن يجعل ﴿يَسْتَطِيعُونَ﴾ بالياء للمتخذين الشركاء على الانصراف من الخطاب إلى الغيبة؛ لأن قبله خطابًا، وبعده خطابًا، وهو قوله: ﴿وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ﴾ (١) وهذا مذهب مجاهد؛ لأنه قال: المشركون لا يستطيعونه (٢). ونحو ذلك روى عطاء عن ابن عباس قال: لا يصرفون عن أنفسهم سوء العذاب. يعني المشركين. ولكن ﴿يَسْتَطِيعُونَ﴾ خبر عن الشركاء على ما ذكرنا، وهو مذهب مقاتل (٣). ومن قرأ بالتاء فالمعنى: ﴿يَسْتَطِيعُونَ﴾ أيها المتخذون الشركاء صرفًا ولا نصرًا (٤).\nقال أبو عبيد: والاختيار الياء، وتصديقها حرف ابن مسعود: ﴿فَمَا يسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلاَ نَصْرًا﴾ (٥) فلما جاءت المخاطبة بقوله: ﴿لَكُمُ﴾ تبين أنه أخبر بالاستطاعة عن قوم.\nوتفسير الصرف هاهنا: صرف العذاب، في قول ابن عباس ومقاتل، وأكثر المفسرين، وأهل المعاني (٦). وروي عن يونس أنه قال: الصرف:\n_________\n= وعن ابن كثير أنه قرأ بالياء في الموضعين. \"السبعة\" ص ٤٦٣، و\"المبسوط في القراءات العشر\" ص ٢٧١، و\"التبصرة\" ص ٦١٣، و\"النشر\" ٢/ ٣٣٤.\n(١) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٣٤٠، بنصه.\n(٢) أخرجه ابن جرير ١٨/ ١٩٢، وابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٧٤. وتفسير مجاهد ٢/ ٤٤٩.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ص ٤٣ ب.\n(٤) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٣٤٠.\n(٥) أخرج هذه القراءة بإسناده ابن جرير ١٨/ ٣١٩، نصها: (مَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا) ولعل هذا تصحيف من: لكم، إلى: لك. ثُمَّ قال: فإن تكن هذه الرواية عنه صحيحة، صح التأويل .... وذكره ابن عطية ١١/ ٢٠، نقلًا عن ابن أبي حاتم، لكنِّي لم أجده عنده.\n(٦) \"تفسير مقاتل\" ص ٤٤ أ. وذكره السمرقندي ٢/ ٤٥٦. والثعلبي ٩٤ أ. ونسبه الماوردي ٤/ ١٣٧، لزيد بن أسلم. و\"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٦١.","vol":"16","page":440},{"text":"الحيلة. ومنه قيل: فلان يتصرف أي: يحتال (١). ويقال للمحتال: صيرف، وصيرفي (٢).\nوقوله: ﴿وَلَا نَصْرًا﴾ معناه على قراءة العامَّة: ولا أن ينصروكم من عذاب الله بدفعه عنكم. وعلى قراءة من قرأ: ﴿تَسْتَطِيعُونَ﴾ بالتاء معناه: ولا نصرًا من العذاب لأنفسكم. يعني: ولا أن تنصروا أنفسكم بمنعها من العذاب (٣). وقال المبرد: ولا أن ينصر بعضكم بعضًا كقوله: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ﴾ [الصافات: ٢٥] أي: لا ينصر المشركون بعضهم بعضًا. وهذا على تفسير مجاهد وعطاء لقوله: ﴿فما يَسْتَطِيعونَ صرْفًا﴾ بالياء (٤).\nقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا﴾ قال ابن عباس، والحسن ومقاتل: ومن يشرك منكم (٥). قال مقاتل: ومن يشرك بالله\n_________\n(١) \"غريب القرآن\" لابن قتيبة ص ٣١١. حيث نسبه ليونس. وكذا الثعلبي ٩٤ أ. وعن ابن قتيبة، ذكره الماوردي ٤/ ١٣٧. وابن الجوزي ٦/ ٧٩.\n(٢) في (ج): (صرف، وصرفي).\n(٣) \"تنوير المقباس\" ص ٣٠٢.\n(٤) قول مجاهد، وعطاء، في الصفحة السابقة.\n(٥) أخرج ابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٧٤، عن ابن عباس من طريق بشر بن عمارة عن أبي روق عن الضحاك، كل شيء نسبه إلى غير الإسلام، من اسم مثل: مسرف، وظالم، ومجرم، وفاسق، وخاسر، فإنما يعني به: الكفر. وما نسبه إلى أهل الإسلام فإنما يعني به: الذنب، قال: ﴿وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا﴾ يقول: من يكفر منكم. وذكر القرطبي ١٣/ ١٢، عن ابن عباس -﵄-، أنه الشرك. وأخرجه عن الحسن عبد الرزاق ٢/ ٦٧. وعنه ابن جرير ١٨/ ١٩٣. و\"تفسير مقاتل\" ص٤٤ أ. قال ابن عطية ١١/ ٢٠، بعد ذكره هذا لقول: وقد يحتمل أن يعم غيره من المعاصي. إلا أن سياق الآية لا يشهد له. والله أعلم.","vol":"16","page":441},{"text":"منكم في الدنيا فيموت عليها (١) نذقه في الآخرة ﴿عَذَابًا كَبِيرًا﴾ يعني: شديدًا، [فلا عذاب أشد وأعظم من النار كقوله: ﴿طُغْيَانًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: ٦٠] يعني: شديدًا.]، (٢) وكقوله: ﴿وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: ٤] يعني: شديدًا (٣).\nقال ابن عباس: ثم رجع -﷿- إلى ذكر النبي -ﷺ- يعزيه، فقال (٤):\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2923>٢٠ </span>- ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ﴾ قال: يريد كما تأكل أنت (٥) ﴿وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ﴾ يقول: فكيف يكون محمدٌ بدعًا من الرسل (٦). ووجه النظم على هذا التأويل مختلف فيه؛ قال\n_________\n(١) عليها. هكذا عند الواحدي، ومقاتل. أي: على هذه المعصية، وإن كان الأظهر: عليه، والله أعلم.\n(٢) ما بين المعقوفين، في (أ)، (ب).\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ص ٤٤ أ. سوى ما بين المعقوفين فهو غير موجود.\n(٤) هكذا في \"الوسيط\" ٣/ ٣٣٧، غير منسوب لأحد. لكن ذكر الواحدي -﵀-. في \"أسباب النزول\" ٣٣٢، عن ابن عباس -﵄-، أن المشركين لما عيّروا رسول الله -ﷺ- بالفاقة، وقالوا: ﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ﴾ حزن رسول الله -ﷺ- فنزل جبريل، - ﵇ -، من عند ربه معزِّيًا له، فقال: السلام عليك يا رسول الله، رب العزة يقرئك السلام، ويقول لك: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ﴾. وهذا غير ثابت عن ابن عباس -﵄-؛ لأنه من طريق: جويبر عن الضحاك. وجويبر ضعيف جدًا، والضحاك لم يلق ابن عباس. وقد سبق ذلك عند تفسير الآية العاشرة، من هذه السورة. وذكره القرطبي ١٣/ ١٢، بدون إسناد.\n(٥) نظير هذه الآية قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ وقوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ﴾.\n(٦) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٦٢. قال ابن الحربي ٣/ ٤٣٣: وإنما كان يدخلها لحاجته، أو لتذكرة الخلق بأمر الله ودعوته: ويعرض نفسه على القبائل في =","vol":"16","page":442},{"text":"الفراء: ﴿إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ﴾ صلة لاسم متروك اكتفى بـ ﴿مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ منه؛ كقولك في الكلام: ما بعثت إليك من الناس إلا مَنْ إنَّه ليعطيك. ألا ترى أن قولك: ليعطيك (١) صلة لـ: مِن، وجاز ضميرها (٢) كما قال: ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصافات: ١٦٤] وكذلك قوله: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١] أي: ما منكم إلا من يردها. قال: ولو لم تكن اللام جوابًا لـ ﴿إِنَّ﴾ كانت إنَّ، مكسورةً أيضًا لأنها مبتدأة، إذ كانت صلةً. انتهى كلامه (٣).\nوقال أبو إسحاق: هذا احتجاج عليهم في قوله: ﴿مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ﴾ فقيل لهم: كذلك كان من خلا من الرسل يأكل الطعام ويمشي في الأسواق. قال: وأما دخول ﴿إِنَّهُمْ﴾ فعلى تأويل: ما أرسلنا [قبلك من المرسلين] (٤) إلا هم يأكلون الطعام، وإلا إنهم\n_________\n= مجتمعهم، لعل الله أن يرجع إلى الحق بهم. وهذا يدل على أنه ينبغي لأهل العلم والفضل دخول الأسواق للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتعليم الناس ما يتعلق بأحكام البيع والشراء، ونحو ذلك. وفي كتاب: \"ظلال القرآن\" ٥/ ٢٥٥٣، كلام جيِّد في حكمة مشي الأنبياء في السوق. فليراجع. وهذه الآية أصل في تناول الأسباب، وطلب المعاش بالتجارة والصناعة، وغير ذلك، وفي هذا رد على من لا يأخذ بالأسباب يزعم أنه متوكل. وقد قرر هذه المسألة القرطبي، في تفسيره ١٣/ ١٤، تقريرًا حسنًا.\n(١) هكذا: ليعطيك، في الموضعين، في النسخ الثلاث. وفي \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٦٤: ليطيعك، من الطاعة. ولعله أقرب. والله أعلم.\n(٢) أي: حذفها. حاشية \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٣٦٤.\n(٣) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٦٤. وذكر ابن جرير ١٨/ ١٩٤، قريبًا منه. ولم ينسبه.\n(٤) ما بين المعقوفين في (ج). وهذه الزيادة غير موجودة في \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٦٠.","vol":"16","page":443},{"text":"ليأكلون الطعام. وحذفت رسلًا لأن (إلا)، دليل على ما حذف، فأما مثل اللام بعد إلا فقول الشاعر:\nما انطياني ولا سألتهما ... إلا وإني لحاجزي نسبي (١)\nوقال في قول الفراء: وهو خطأ بيِّن؛ لأنه لا يجوز حذف الموصول وتبقية الصلة (٢). وهذه مسألة خلاف بين الكوفيين والبصريين. ذكرنا هذا قديمًا. وعلى ما قال الزجاج، الموصوف محذوف. وعلى قول الفراء، الموصول هو المحذوف.\nوذكر ابن الأنباري، قول الفراء واحتج عليه بأبيات ذكرناها قديمًا، فيما مضى من الكتاب؛ منها قول ذي الرُّمة:\nفَظَلُّوا ومنهم دمْعُه سابقٌ له .. البيت (٣)\n_________\n(١) البيت لكُثَيِّر بن عبد الرحمن، وتارة ينسب لصاحبته: عزة، \"ديوانه\" ٢١٩، وهو من قصيدة يمدح فيها عبد الملك، وعبد العزيز ابني مروان بن الحكم ... إنما يريد أنه إذا سألهما وأعطياه حجزه كرمه عن الإلحاف في السؤال. وانطياني: أعطياني. \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٦٢. وعند سيبويه، والمبرد، وفي الديوان: أعطياني. وقبل هذا البيت:\nدع عنك سلمى إذ فات مطلبها ... واذكر خليليك من بني الحكم\nوقد أورده منسوبًا سيبويه ٣/ ١٤٥، والمبرد في \"المقتضب\" ٢/ ٣٤٦، ولم ينسبه، قال عبد السلام هارون، في تحقيقه للكتاب: الشاهد فيه كسر: إنَّ، لدخول اللام في خبرها، والجملة واقعة موقع الحال، ولو حذف اللام لم تكن إلاَّ مكسورة أيضًا لوقوع الجملة موقع الحال. ونص البيت عند الزجاج، وفي \"الكتاب\"، كرمي، بدل: نسبي، كما هو في النسخ كلها.\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٦٠.\n(٣) \"ديوان ذي الرمة\" ص ٥٦، وعجزه:\nوآخرُ يَثني دمعة العين بالمَهْلِ","vol":"16","page":444},{"text":"وقول آخر:\nلو قلتَ ما في قومِها لم تيثمِ ... يفضُلها في حَسَبٍ ومِيسَمِ (١)\nوذكر قولًا آخر فقال: كسرت إنَّ، بعد: إلاَّ، للاستئناف بإضمار واو بتقدير إلا وإنهم، فأضمرت الواو كما أضمرت في قوله: ﴿أَوْ هُمْ قَائِلُونَ﴾ [الأعراف: ٤] والتأويل: أو وهم قائلون.\nقوله تعالى: ذكروا فيه ثلاثة أقوال (٢)؛ أحدها: أن هذا في رؤساء المشركين؛ فقراءُ الصحابة جعلوا فتنة لهم (٣). وهو قول: الكلبي، واختيار الفراء (٤). قال الكلبي: ﴿فِتْنَةٌ﴾ بلية، ابتلي الشريف بالوضيع، والعربي بالمولى (٥)، فإذا رأى الشريفُ الوضيعَ قد أسلم قبله حمي أنفًا أن يسلم فيكون مثله، وقال: أُسلم فأكون مثل هذا الوضيع شرعًا سواء (٦). وذكر أبو\n_________\n= ورواية الديوان:\nفظلوا ومنهم دمعه غالب له\nوأنشده الفراء كاملًا، ونسبه لذي الرمة، وقال: يريد: منهم من دمعه سابق. \"معاني القرآن\" للفراء ١/ ٢٧١، في تفسير سورة النساء.\n(١) أنشده سيبويه ٢/ ٣٤٥، والفراء \"معاني القرآن\" ١/ ٢٧١، وابن جني، \"الخصائص\" ٢/ ٣٧٠، والبغدادي \"الخزانة\" ٥/ ٦٢، ولم ينسبوه. وفي حاشية الكتاب: البيت لحكيم بن معية. وأصل: تيثم: تأثم، والميسم: الجمال من الوسامة. والشاهد فيه: حذف الموصوف؛ التقدير: لو قلت ما في قومها أحد يفضلها لم تكذب فتأثم.\n(٢) ذكر الماوردي ٤/ ١٣٨، أربعة أقوال. وهي قريبة مما ذكر الواحدي.\n(٣) \"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٤٥٦، ولم ينسبه.\n(٤) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٦٥.\n(٥) \"تنوير المقباس\" ص ٣٠٢.\n(٦) \"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٤٥٦، ولم ينسبه. ونسبه في \"الوسيط\" ٣/ ٣٣٧، للكلبي. وكذا في البحر ٦/ ٤٥٠. ويشهد له قوله تعالى: قال تعالى: ﴿لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ﴾. \"تفسير الرازي\" ٢٤/ ٦٥.","vol":"16","page":445},{"text":"إسحاق هذا القول فقال: كان الرجل الشريف ربما أراد الإسلام فعلم أن مَنْ دونه في الشرف قد أسلم قَبْله فيمتنع من الإسلام لئلا يقال: أسلم مِن قَبْلِه مَنْ هو دونه (١). ويقيم على كفره لئلا يكون له السابقة والفضل عليه. وذلك افتتان بعضهم ببعض.\nالقول الثاني: أن هذا عام في جميع الخلق. رُوي ذلك عن أبي الدرداء، عن النبي -ﷺ- قال: \"ويل للعالم من الجاهل، وويل للجاهل من العالم (٢)، وويل للسلطان من الرعية، وويل للرعية من السلطان (٣)، وويل للمالك من المملوك، وويل للمملوك من المالك، وويل للشديد من الضعيف، وويل للضعيف من الشديد. بعضهم لبعض فتنة\" (٤). فهو قول الله -﷿-: ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً﴾.\nالقول الثالث: أن هذا في أصحاب البلاء والمعافين. يقول الفقير: لِمَ لَمْ أجعل بمنزلة الغني. ويقول ذو البلاء؛ كالأعمى، والزَّمِن: لِمَ لَمْ أجعل بمنزلة المعافى (٥) وذكر مقاتل: أن هذا قول في ابتلاء فقراء المؤمنين،\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٢٦. و\"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٦٥.\n(٢) ما بين المعقوفين، في (أ)، (ب).\n(٣) ما بين المعقوفين، في (ج).\n(٤) ذكره هود الهوّاري في تفسيره ٣/ ٢٠٥، فقال: ذكروا عن الحسن قال: قال رسول الله -ﷺ- .. وذكره الثعلبي ٩٤ أ، بإسناده عن الحسن عن أبي الدرداء -﵁-. وعنه القرطبي ١٣/ ١٨. وذكره السيوطي ٦/ ٢٤٤، عن الحسن، يرفعه للنبي -ﷺ-، مع اختلاف في اللفظ. ونسبه لابن أبي شيبة. ولكني لم أجده عنده. والحسن، هو البصري، ثقة فقيه فاضل مشهور، لكنه كان يرسل كثيرًا، ويدلس. \"السير\" ٤/ ٥٦٣، و\"جامع التحصيل\" ١٩٤، و\"التقريب\" ٢٣٦. وقد عنعن الحسن في هذا الحديث فهو بهذا الإسناد لا يصح رفعه، فلعله من كلام الحسن. والله أعلم.\n(٥) ذكر هذا القول ابن جرير ١٨/ ١٩٤، عن الحسن. ونحوه عن ابن جريج. ويشهد =","vol":"16","page":446},{"text":"نحو: بلال، وخباب، وأبي ذر، وابن مسعود، وصهيب، وعمار، بالمستهزئين من قريش كانوا يقولون: انظروا إلى هؤلاء الذين تبعوا محمدًا من موالينا، [وأعواننا رذلة] (١) كل قوم، فقال الله لهؤلاء الفقراء: ﴿أَتَصْبِرُونَ﴾ على الأذى والإستهزاء (٢) ﴿وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾ إن صبرتم. فصبروا، ولم يجزعوا. فأنزل الله فيهم: ﴿إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا﴾ [المؤمنون: ١١١] أي: في الدنيا على الأذى والإستهزاء من كفار قريش (٣).\nوقال الفراء، على قول الكلبي ﴿أَتَصْبِرُونَ﴾ (٤) يقول: هو هذا الذي\n_________\n= لهذا حديث أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- عَنْ رَسُولِ الله -ﷺ- قَالَ: \"إِذَا نَظَرَ أَحَدُكُمْ إِلَى مَنْ فُضِّلَ عَلَيْهِ فِي الْمَالِ وَالْخَلْقِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى مَنْ هُوَ أَسْفَلَ منه\" البخاري، كتاب الرقاق، رقم: ٦٤٩٠، الفتح ١١/ ٣٢٢. ومسلم ٤/ ٢٢٧٥، كتاب الزهد، رقم: ٢٩٦٣.\n(١) ما بين المعقوفين، من \"تفسير مقاتل\" ص ٤٤ أ. لأن ما في النسخ الثلاث لا يستقيم به المعنى.\n(٢) فليس لمن قد فتن فتنة دواء مثل الصبر. \"إغاثة اللَّهفان\" ٢/ ١٥٧.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ص ٤٤ أ. وذكره عن مقاتل الثعلبي ٩٤ ب. ذكر الهواري ٣/ ٢٠٦، عن بعض المفسرين أن هذه الآية في الأنبياء وأقوامهم. ونسبه الماوردي ٤/ ١٣٨، ليحيى بن سلام، ويشهد لهذا قوله تعالى: قال تعالى: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ ومن السنة قوله -ﷺ-: \"ألا إن ربي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم ... وقال: إنما بعثتك لأبتليك، وأبتلي بك\". صحيح مسلم ٤/ ٢١٩٧، كتاب الجنة، رقم: ٢٨٦٥. ولا مانع من حمل الآية على الكل لأن بين الجميع قدرًا مشتركًا. تفسير الرازي ٢٤/ ٦٦. فالخطاب لجميع الناس، لاختلاف أحوالهم. \"تفسير ابن جزي\" ٤٨٣. وانظر: \"إغاثة اللَّهفان\" ٢/ ١٥٥. فهذه الأقوال التي ذكرها الواحدي لا تعارص بينها فهي تفسير للآية بالمثال. والله أعلم.\n(٤) يعني بقول الكلبي ما سبق ذكره من فتنة الشريف من قريش بمن هو دونه. وذكر =","vol":"16","page":447},{"text":"ترون. فمعناه: هو هذا السبق على قدر الدرجات. وقال أبو إسحاق: أي: أتصبرون على البلاء فقد عرفتم ما وُعِد الصابرون (١).\nوقال صاحب النظم: ليس لقوله: ﴿أَتَصْبِرُونَ﴾ في الظاهر انتظام ما اتصل به من اللفظ؛ لأن فيه إضمارًا كأنه يقول: لنعلم أتصبرون أم لا. فأومأ بقوله: ﴿أَتَصْبِرُونَ﴾ إلى هذا الإضمار لأنه يقتضيه.\nوذكر عطاء عن ابن عباس قولًا آخر في هذه الآية؛ وهو: أن الله تعالى لما ذكر أن من أرسل قبله كانوا يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق، ذكر أنه جعل محمدًا -ﷺ- سبب ضلالة من أنكروا نبوته بقولهم: ﴿مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ﴾ الآية، فقال: ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ﴾ يعني: محمدًا -ﷺ- ﴿لِبَعْضٍ﴾ يعني: المشركين ﴿فِتْنَةً﴾ ضلالة، ثم قال لنبيه: ﴿أَتَصْبِرُونَ﴾ يريد: اصبر. هذا الذي ذكرنا معنى قوله (٢).\nويجوز أن يكون الاستفهام يراد به الأمر كقوله: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١] أي: انتهوا. كذلك هاهنا أُمر النبي -ﷺ- وأصحابه بالصبر على ما يسمعون من المشركين (٣) ﴿وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾ (٤) أي: بمن يصبر\n_________\n= الفراء هذا القول ٢/ ٢٦٥، ولم ينسبه. وعلى هذا يكون الخطاب هنا لكفار قريش. أي: أتصبرون مع النبي -ﷺ- وسلمان وأصحابه حتى تكونوا معهم في الدين والأمر سواء. \"تنوير المقباس\" ص ٣٠٢.\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٢٦.\n(٢) أي: معنى قول ابن عباس -﵄-. قال الضحاك، في معنى: قوله تعالى. ﴿أَتَصْبِرُونَ﴾ أي: على الحق. القرطبي ١٣/ ١٨.\n(٣) \"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٤٥٦. و\"تفسير أبي حيان\" ٦/ ٤٥٠.\n(٤) في هذه الآية تكريم للنبي -ﷺ- بإضافته لربوبية الله.","vol":"16","page":448},{"text":"وبمن يجزع (١). وقال ابن عباس: يريد بما تعملون (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2924>٢١ </span>- قوله تعالى ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ﴾ قال المفسرون، وأهل المعاني: لا يخشون ولا يخافون البعث (٣).\nكقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا﴾ [يونس: ٧] ﴿لَوْلَا﴾ هلا (٤) ﴿أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ﴾ وكانوا رسلًا إلينا (٥) ﴿أَوْ نَرَى رَبَّنَا﴾ فيخبرنا أنك\n_________\n(١) أخرج هذا ابن جرير ١٨/ ١٩٥، عن ابن جريج. وذكره الثعلبي ٩٤ ب، ولم ينسبه. ونسبه له الماوردي ٤/ ١٣٨.\n(٢) أخرج ابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٧٦، عن عبيد بن عمير: قال تعالى: ﴿وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾ قال: يعني: الناس عامَّة. ولم ينسبه لابن عباس. وقال السمرقندي ٢/ ٤٥٧: عالمًا بمن يصلح له الغنى، والفقر. وقال الماوردي ٤/ ١٣٩: بصيرًا بالحكمة فيما جعل بعضكم لبعض فتنة. ولا تعارض بينها. ولم يذكره الواحدي -﵀- في \"الوسيط\" ٣/ ٣٣٧.\n(٣) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٦٥. و\"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ٢/ ٧٣. و\"غريب القرآن\" لابن قتيبة ص ٣١٢. و\"الطبري\" ١٩/ ١. وحكى الماوردي ٤/ ١٣٩، فيها ثلاثة أقوال، هذا أحدها ونسبه للسدي، والثاني: لا يبالون، قاله ابن عمير، والثالث: لا يأملون. وهي متقاربة. وفي \"تفسير الطوسي\" ٧/ ٤٨٢ وإذا استعملوا الرجاء مع النفي أرادوا به الخوف، كقوله تعالى: ﴿لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾. وأما ابن عطية ١١/ ٢٣، فقد ذهب إلى أن الرجاء هنا على بابه؛ لأن خوف لقاء الله تعالى مقترن أبدًا برجائه، وفي ذكر الكفار بنفي الرجاء تنبيه على غبطة ما فاتهم من رجاء الله تعالى. وهذا توجيه حسن. واختاره ابن جزي ٤٨٣. وأبو حيان ٦/ ٤٥٠. والشوكاني ٤/ ٦٧.\n(٤) \"تنوير المقباس\" ص ٢، ٣ أ. و\"تفسير مقاتل\" ص ٤٤ أ. و\"تفسير هود الهواري\" ٣/ ٢٠٦. و\"تفسير الطبري\" ١٩/ ١ و\"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٦٣.\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ص ٤٤ أ. وطلبهم إنزال الملائكة إما ليكونوا رسلًا إليهم كما ذكر الواحدي هنا، واقتصر عليه، وكذا في \"الوسيط\" ٣/ ٣٣٨. وإما لكي يصدقوا الرسول. كما قال تعالى ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾. وذكره في \"الوجيز\" ٢/ ٧٧٧، واقتصر عليه. وذكر الوجه الثاني الهوَّاري ٣/ ٢٠٦، واقتصر =","vol":"16","page":449},{"text":"رسوله (١). قال الكلبي ومقاتل: نزلت في مشركي مكة؛ أبي جهل، وأصحابه (٢). طلبوا من الآيات ما لم يأت أمةً من الأمم (٣).\nقال الله -﷿-: ﴿لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ قال ابن عباس ومقاتل: يعني: تكبروا (٤) حيث سألوا الله -﷿- الشَّطَط (٥)؛ لأن الملائكة لا تُرى إلا عند الموت، أو عند نزول العذاب (٦).\n_________\n= عليه. وكذا ابن جرير ١٩/ ١. وأخرج ابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٧٦، بسنده عن قتادة: أي: فنراهم عيانًا. ولم يذكر غيره. وذكر الثعلبي ٨/ ٩٤ ب، القول الثاني. وذكر الماوردي ٤/ ١٤٠، القولين. وذكر ابن كثير ٦/ ١٠١، قولًا ثالثًا، وهو عنادهم في قولهم ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ﴾ أي: بالرسالة، كما تنزل على الأنبياء، كما أخبر الله عنهم في الآية الأخرى ﴿قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ﴾.\n(١) \"تنوير المقباس\" ص ٣٠٢. بمعناه. و\"تفسير مقاتل\" ص ٤٤ أ. و\"تفسير هود\" ٣/ ٢٠٦. وهذا كقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ * أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا﴾ [الإسراء٩٠، ٩٢] \"تفسير الطبري\" ١٩/ ١، وأخرج بسنده عن ابن جريج، أنه قال قال كفار قريش ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ﴾ فيخبرونا أن محمدًا رسول الله -ﷺ-. وهذا منهم مشابهة لليهود في قولهم: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [البقرة: ٥٥]. وهذا كله على سبيل التعنت، وإلا ففيما جاءهم به من المعجزات كفاية. \"تفسير أبي حيان\" ٦/ ٤٥٠. وحتى لو أجيبوا فيما طلبوا لم يحصل منهم الإيمان ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ﴾ [الأنعام: ١١١].\n(٢) \"تنوير المقباس\" ص ٣٠٢. و\"تفسير مقاتل\" ص ٤٤ أ، وفيه تسمية من نزلت فيهم.\n(٣) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٦٣. بنصه. وهو في \"الوسيط\" ٣/ ٣٣٨، غير منسوب أيضًا.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ص ٤٤ أ. وما بعده غير موجود فيه. فلعله من كلام الواحدي. ﵀.\n(٥) الشَطَط: مجاوزة القدر، قال تعالى: ﴿وَلَا تُشْطِطْ﴾ [ص: ٢٢] \"مجمل اللغة\" لابن فارس ٢/ ٤٩٦. و\"القاموس المحيط\" ٨٧٠.\n(٦) الذي في \"تفسير مقاتل\" ص ٤٤ أ، هو ما ذكره الواحدي بعد ذلك. وأما ما ذكره. =","vol":"16","page":450},{"text":"﴿وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا﴾ قال مقاتل: علوا في القول علوًا شديدًا حين قالوا: ﴿أَوْ نَرَى رَبَّنَا﴾ (١). وقال ابن عباس: والله لا تدركه الأبصار فلا عين تراه. هذا كلامه (٢). وإنما وصفوا بالعتو عند طلب الرؤية؛ لأنهم طلبوها في الدنيا عنادًا للحق، وإباءً على الله ورسوله في طاعتهما (٣).\n_________\n= هنا فلم أجده، وقد نقله القرطبي ١٣/ ٢٠، بنصه. وليس فيه نسبته لابن عباس، ولا مقاتل، ولعل هذا هو الصواب. على أنه لا يتوجه لومهم على مجرد طلبهم نزول الملائكة، وإنما لومهم على أنهم ما طلبوا ذلك للإيمان وإنما طلبوه استكبارًا وعتوًا. والله أعلم. قال ابن جزي ٤٨٣: وقوله: ﴿فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ كما يقول: فلان عظيم في نفسه. أي: عند نفسه، أو بمعنى: أنهم أضمروا الكفر في أنفسهم.\n(١) \"تفسير مقاتل\" ص ٤٤ أ.\n(٢) قول ابن عباس -﵄-، إذا ثبتت نسبته له؛ محمول على رؤية الله تعالى في الدنيا، أما الرؤية في الآخرة فهي ثابتة؛ قال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢، ٢٣] وقال جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ الله -﵁- قَالَ: كُنَّا عِنْدَ النَّبِىِّ -ﷺ- فَنَظَرَ إِلَى الْقَمَرِ لَيْلَةً يَعْنِي الْبَدْرَ فَقَالَ: \"إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا الْقَمَرَ لا تُضَامُّونَ فِي رُؤْيَتِهِ فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لا تُغْلَبُوا عَلَى صَلاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا فَافْعَلُوا ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ \". أخرجه البخاري، كتاب مواقيت الصلاة، رقم: ٥٥٤، \"الفتح\" ٢/ ٣٣. ومسلم ١/ ٤٣٩، كتاب المساجد، رقم: ٦٣٣.\nوقد ألفت في ذلك كتب خاصة، مثل: \"كتاب الرؤية\" للدارقطني، ت: ٣٨٥ هـ. ولم أجد هذا القول ولا نسبته لابن عباس.\nولم يتعرض الواحدي هنا للرد على المعتزلة، القائلين بنفي رؤية الله -﷿-، حيث جعل القاضي عبد الجبار، هذه الآية دليلًا على مذهبه، فقال: يدل على نفي الرؤية، لأنه تعالى عَظَّم هذا القول من قائله، ولو كانت الرؤية جائزة، لم يجب ذلك فيه. \"متشابه القرآن\" ص ٥٢٩.\n(٣) قال الهوَّاري في تفسيره ٣/ ٢٠٦: وعصوا عصيانًا كبيرًا. قال الزمخشري ٣/ ٢٦٥: وأن الله لا يصح أن يُري .. وقد وصف العتوَّ بالكبير فبالغ في إفراطه، يعني أنهم =","vol":"16","page":451},{"text":"قال أبو إسحاق: والعتو في اللغة: المجاوزة في القدر في الظلم (١). وقد مَرَّ (٢).\nثم أعلم الله تعالى أن الوقت الذي يرون فيه الملائكة هو يوم القيامة وأن الله قد حرمهم البشرى في ذلك اليوم فقال (٣):\n_________\n= لم يجسروا على هذا القول العظيم إلا لأنهم بلغوا غاية الاستكبار، وأقصى العتو. وهو مبني على مذهبه الاعتزالي في إنكار رؤية الله -﷿- مطلقًا، في الدنيا والآخرة. والصواب أن وصفهم بالعتو الكبير ليس لأجل طلبهم رؤية الله -﷿-، وإنما لأنهم لم يطلبوا الرؤية للإيمان، وإنما طلبوها عنادًا واستكبارًا. ويدل لذلك أن نبي الله موسى -ﷺ- قد طلب رؤية الله -﷿-: ﴿قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾ الآية [الأعراف: ١٤٣] فلم يُلَم على طلبه الرؤية، ولم تتحقق له لعجزه في الدنيا، كما هو ظاهر من سياق الآية. وعلى هذا فإن ما ذكره الطوسي ٧/ ٤٨٢، وكذا الطبرسي ٧/ ٢٦٠، عن الجبائي أنه قال: وذلك يدل على أنهم كانوا مجسمة، فلذلك جوَّزوا الرؤية على الله التي تقتضي التشبيه. يلزم منه أن يكون نبي الله موسى -ﷺ- كذلك! والرد هو ما سبق. ثمَّ وجدت قريبًا من هذا الرد للرازي ٢٤/ ٧٠. قال البرسوي ٦/ ٢٠٠: ومن لطائف الشيخ نجم الدين في تأويلاته، أنه قال: يشير إلى أن الذين لا يؤمنون بالآخرة والحشر من الكفار يتمنون رؤية ربهم بقولهم: ﴿أَوْ نَرَى﴾ فالمؤمنون الذين يدَّعون أنهم يؤمنون بالآخرة والحشر كيف ينكرون رؤية ربهم! وقد ورد بها النصوص فلمنكري الحشر عليهم فضيلة بأنهم طلبوا رؤية ربهم وجوزوها كما جوزوا إنزال الملائكة. وهذا كلام حسن يقابل ما ذكره الجبائي.\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٦٣. وأخرج ابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٧٦، بسنده عن عكرمة أنه قال: العتو في كتاب الله: التجبر.\n(٢) قال الواحدي عند تفسير قول الله تعالى: ﴿فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ﴾ [الأعراف: ٧٧]: يقال: عتا يعتو عُتُوًا؛ إذا استكبر، ومنه يقال: جبار عات. قال مجاهد: العتو: الغلو في الباطل.\n(٣) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٦٣، بنصه.","vol":"16","page":452},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2925>٢٢ </span>- ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ﴾ وهذا جواب لقولهم: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ﴾ أُخبروا أنهم إذا رأوا الملائكة فلا بشرى لهم يومئذ. قال أبو إسحاق: ﴿يَوْمَ﴾ منصوب على وجهين: أحدهما: على معنى: لا بشَّرَى تكون للمجرمين يوم يرون الملائكة، ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ هو مؤكدِّ لـ ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ﴾ ولا يجوز أن يكون منصوبًا بـ ﴿لَا بُشْرَى﴾ لأن ما اتصل بـ: ﴿لَا﴾ لا يعمل فيما قبلها. ألا ترى أنك لا تقول: زيد إلا ضارب كما تقول: لا ضارب زيدًا (١). ولكن لما قيل:] (٢) لا بشرى للمجرمين، صار كأنه قيل: يمنعون البشرى يوم يرون الملائكة (٣). والوجه الآخر: أن يكون منصوبًا على معنى: اذكر يوم يرون الملائكة (٤).\nثم أخبر فقال: ﴿لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ﴾ قال مجاهد: يعني: يوم القيامة (٥). وهو قول مقاتل، وعطية، والأكثرين (٦). وقال عطاء عن ابن عباس: يعني: عند الموت (٧).\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٦٦. من قوله: ألا ترى، إلى الحاشية، رقم: ٢. وما بعده فمن الزجاج.\n(٢) ما بين المعقوفين، في (أ)، (ب).\n(٣) قال السمين الحلبي: ولا يجوز أن يعمل فيه نفس البشرى لوجهين: أحدهما: أنها مصدر، والمصدر لا يعمل فيما قبله. والثاني: أنها منفية بـ: لا، وما بعدها لا يعمل فيما قبلها الدر المصون ٨/ ٤٧٠.\n(٤) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٦٤. وفيه: يجمعون البشرى يوم القيامة. وعند الواحدي: يمنعون. وهو الصواب. وذكر هذا الزمخشري ٣/ ٢٦٦.\n(٥) أخرجه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٧٧. وتفسير مجاهد ٢/ ٤٤٩.\n(٦) \"تفسير مقاتل\" ص ٤٤ أ. وأخرجه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٧٧، عن أبي سعيد الخدريّ -﵁-، وعطية العوفي، والضحاك.\n(٧) \"تنوير المقباس\" ص٣٠٢. وبه قال الهوري ٣/ ٢٠٦ وقد استدل الحافظ ابن=","vol":"16","page":453},{"text":"وقوله: ﴿لِلْمُجْرِمِينَ﴾ قال أبو إسحاق: المجرمون: الذين اجترموا الذنوب. وهو في هذا الموضح الذين اجترموا الكفر بالله ﷿ (١).\nقوله: ﴿حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ أي: حرامًا محرمًا. قاله ابن عباس، وجميع المفسرين (٢). وأصل الحَجْر في اللغة: المنع. وحَجْرُ القضاةِ على الأيتام إنما هو منعهم. والحُجْرَة: ما حُوِّط عليه. وما مُنِعت من الوصول إليه فهو: حِجر. بكسر الحاء (٣).\nقال ابن قتيبة: وإنما قيل للحرام حِجر؛ لأنه حُجر عليه بالتحريم.\n_________\n= كثير ٦/ ١٠١، على رؤية المشركين للملائكة وقت الإحتضار بقوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾: [الأنفال:٥٠] وبقوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ﴾ [الأنعام: ٩٣]، ثمَّ قال: وهذا بخلاف حال المؤمنين حال احتضارهم فإنهم يبشرون بالخيرات، وحصول المسرات، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت: ٣٠]، وجمع بين القولين؛ فقال: ولا منافاة بين هذا وما تقدم فإن الملائكة في هذين اليومين يوم الممات ويوم المعاد تتجلى للمؤمنين وللكافرين، فتبشر المؤمنين بالرحمة والرضوان، وتخبر الكافرين بالخيبة والخسران.\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٦٤. وهو قول الهوَّاري ٣/ ٢٠٦.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ص ٤٤ أ. و\"تنوير المقباس\" ص ٣٠٢. وأخرج عبد الرزاق ٢/ ٧٦، عن الحسن، وقتادة وبه قال الهوَّاري ٣/ ٢٥٦. وابن جرير ١٩/ ٢، وأخرج عن: الضحاك، وقتادة وزاد ابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٧٧: عطاء الخراساني. وبه قال السمرقندي ٢/ ٤٥٧. وهو قول سيبويه، \"الكتاب\" ١/ ٣٢٦. والمبرد، المقتضب ٣/ ٢١٨.\n(٣) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٦٣. ونقله عنه إلازهري، \"تهذيب اللغة\" ٤/ ١٣٢ (حجر).","vol":"16","page":454},{"text":"يقال: حَجرت حِجرًا، واسم ما حجرت حِجْرٌ (١). ومنه: حِجْر البيت (٢).\nوالحِجْر: العقل؛ لأنه يمنع صاحبه من التخطي إلى القبيح (٣). والأنثى من الأفراس: حِجْرٌ؛ لأنها تحجر ماء الفحل في بطنها. هذا كلام أبي عبيدة والمبرد والزجاج (٤).\nوذكرنا تفسير الحِجْر عند قوله: ﴿وَحَرْثٌ حِجْرٌ﴾ [الأنعام: ١٣٨] (٥).\nواختلفوا في أنَّ هذا مِن قول مَنْ؟ فالأكثرون على أنه من قول الملائكة (٦).\nقال عطاء عن ابن عباس: تقول الملائكة: محرمًا أن (٧) يدخل الجنة إلا من قال: لا إله إلا الله، وقام بشرائعها. ونحوه قال الكلبي (٨).\nوقال مقاتل: إن الكفار إذا خرجوا من قبورهم قال لهم الحفظة من الملائكة: حرامًا محرمًا عليكم أيها المجرمون أن يكون لكم البشرى كما بُشر المؤمنون (٩).\n_________\n(١) \"غريب القرآن\" لابن قتية ص ٣١٢.\n(٢) قال ابن جرير ١٩/ ٢؛ لأنه لا يدخل إليه في الطواف، وإنما يطاف من ورائه.\n(٣) قال تعالى: ﴿هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ﴾ [الفجر:٥].\n(٤) \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ٢/ ٧٣. و\"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٦٣.\n(٥) ما ذكره الواحدي هنا أكثر وأوسع مما أحال عليه، حيث اقتصر في تفسير الحجر في آية الأنعام على قوله: معنى الحجر في اللغة: الحرام، وأصله من المنع، ومنه سمي العقل حجرًا لمنعه عن القبائح، وفلان في حجر القاضي، أي: منعه.\n(٦) ذكر ذلك ابن جرير ١٩/ ٢، عن الضحاك، وقتادة، ومجاهد. وبه قال الزجاج٤/ ٦٤.\n(٧) في (ج): (حرامًا في أن يدخل).\n(٨) \"تنوير المقباس\" ص ٣٠٢. وفيه نسبة القول للملائكة، دون ما بعده.\n(٩) \"تفسير مقاتل\" ص ٤٤ب.","vol":"16","page":455},{"text":"وقال عطية: إذا كان يوم القيامة تلقى الملائكة المؤمنين بالبشرى، فإذا رأى ذلك الكفار قالوا للملائكة: بشرونا، فيقولون: ﴿حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ أي: حرامًا محرمًا أن نلقاكم بالبشرى (١). وهذا القول هو اختيار الفراء والزجاج وابن قتيبة والأزهري؛ قال الفراء وابن قتيبة: حرامًا محرمًا أن يكون لهم البشرى (٢).\nوقال الزجاج: حرامًا محرمًا عليهم البشرى (٣).\nوقال الأزهري: حُجِرَتْ عليكم البشرى فلا تبشرون بخير (٤).\nوقال آخرون: هذا من قول المجرمين للملائكة (٥)، وهذا قول مجاهد وابن جريج، واختيار أبي عبيدة والليث؛ قال مجاهد: عوذًا معاذًا\n_________\n(١) (بالبشرى) في (ج). وأخرجه ابن أبي حاتم ٩/ ٢٦٧٧، عن عطية العوفي، بمعناه.\n(٢) \"معاني القرآن\" للفراء٢/ ٢٦٦. و\"غريب القرآن\" لابن قتيبة ص ٣١٢.\n(٣) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٦٣.\n(٤) \"تهذيب اللغة\"٤/ ١٣٢ (حجر). وبه قال الهوَّاري ٣/ ٢٠٦.\n(٥) \"تنوير المقباس\" ص ٣٠٢، حيث جعل هذا القول مشتركًا بين الملائكة، والمجرمين. وذكر الزمخشري ٣/ ٢٦٦، أن هذا من قول المجرمين، ثم قال: وقيل: هو من قول الملائكة. وقد ردَّ ابن جرير ١٩/ ٣، هذا القول؟ فقال: معلوم أن الملائكة هي التي تخبر أهل الكفر أن البشرى عليهم حرام. وأما الاستعاذة فإنها الاستجارة، وليست بتحريم، ومعلوم أن الكفار لا يقولون للملائكة: حرام عليكم، فيوجه الكلام إلى أن ذلك خبر عن قيل المجرمين للملائكة. وذكر الماوردي ٤/ ١٤١، أن هذا من قول الكفار لأنفسهم. ونسبه لقتادة. وبيَّن ذلك ابن عطية ١١/ ٢٦، بقوله: ويحتمل أن يكون المعنى: ويقولون: حرام محرم علينا العفو. قال ابن كثير ٦/ ١٠٣: وهذا القول وإن كان له مأخذ ووجه، ولكنه بالنسبة إلى السياق بعيد، لا سيما وقد نص الجمهور على خلاف.","vol":"16","page":456},{"text":"يستعيذون من الملائكة (١)، ويقولون مقالة الجاهلية عند الاستعاذة.\nوقال ابن جريج: كانت العرب إذا نزلت بهم شدة (٢) شديدة، أو رأوا ما يكرهون قالوا: حجرًا محجورًا، فقالوا حين عاينوا الملائكة هذا (٣).\nوقال أبو عبيدة: كان الرجل من العرب إذا لقي رجلًا في الشهر الحرام وبينهما تِرَة (٤) يقول: حجرًا محجورًا. أي؟ دمي عليك حرام. فالمشركون يوم القيامة يقولون للملائكة مثل ذلك (٥).\nوقال الليث: كان الرجل في الجاهلية يلقى رجلًا يخافه في الشهر الحرام فيقول: حجرًا محجورًا. أي: حرام محرم عليكم (٦) في هذا الشهر فلا يَنْدَاه بشر. فإذا كان يوم القيامة رأى المشركون الملائكة فقالوا: ﴿حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ وظنَّوا أن ذلك ينفعهم عندهم كفعلهم (٧) في الدنيا (٨).\n_________\n(١) أخرجه ابن جرير ١٩/ ٣، وابن أبي حاتم ٩/ ٢٦٧٨، بلفظ: عوذًا معاذًا. الملائكة تقوله. وكذا في \"تفسير مجاهد\" ٢/ ٤٤٩، و\"تفسير الهواري\" ٣/ ٢٠٧. فهو خلاف ما حكاه عنه الواحدي. ﵀. من أن هذا من قول المجرمين. لكن أخرج ابن جرير ١٩/ ٣، عن ابن جريج عن مجاهد أنه قال: عوذًا، يستعيذون من الملائكة. وسبق ذكر نقد ابن جرير لهذا القول.\n(٢) (شدة) في (ج).\n(٣) أخرجه ابن جرير ١٩/ ٣. وأخرج عبد الرزاق ٢/ ٦٧، نحوه عن الحسن، وقتادة وأخرجه عنهما ابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٧٨، من طريق عبد الرزاق.\n(٤) قال الترمذي ٥/ ٤٣٠، كتاب: الدعوات، حديث رقم: ٣٣٨٠: قال بعض أهل العربية: التِّرَةُ، هو: الثأر. ولم أجده عند غيره\n(٥) لم أجد قول أبي عبيدة، في كتابه: \"المجاز\". وقريب منه في \"تفسير أبي حيان\" ٦/ ٤٥١، منسوبًا لأبي عبيدة وكذا في \"نظم الدرر\" ١٣/ ٣٧٥.\n(٦) هكذا في النسخ الثلاث: عليكم. وأما في \"تهذيب اللغة\" ١٣١/ ٤ (حجر)، و\"لسان العرب\" ٤/ ١٦٧: عليك.\n(٧) في (ج): (كقولهم).\n(٨) \"العين\" ٣/ ٧٤ (حجر)، وفيه: فلا يبدؤه بشر. وذكره الأزهري، \"تهذيب اللغة\" =","vol":"16","page":457},{"text":"وذكر صاحب النظم القولين جميعًا، فقال: هذا نظم كان في أول الدهر ثم درج، كان الرجل منهم إذا أراد حرمان الرجل شيئًا يسأله، أو يطمع فيه، قال: حجرًا محجورًا، فيعلم السائل بذلك أنه لا يريد أن يفعل، ومنه قول الشاعر:\nحَنَّتْ إلى النَّخْلَةَ القُصوَى فقلتُ لها ... حِجْرٌ حَرَامٌ ألا تِلكَ الدَّهاريس (١)\nويقال فيه: إن معناه أن الرجل من العرب كان إذا سافر فخاف على نفسه قومًا لَقَوه، قال: حجرًا محجورًا، أي: حرامًا محرمًا عليِكم (٢) التعرض لي. وعلى هذا يجب أن يكون هذا القول من الكفار، وذلك أنهم إذا رأوا الملائكة يوقعون (٣) بهم ضربًا وتعذيبًا قالوه؛ لأنهم كانوا لا\n_________\n= ٤/ ١٣١ (حجر)، وفيه: فلا ينداه منه بشر. وفي \"لسان العرب\" ٤/ ١٦٧: فلا يبدؤه منه بشر. وفي النسخ الثلاث قبل: فلا ينداه ..: إلا يدًا. ومعناها في سياق الكلام غير واضح. ولم أجدها في المراجع السابقة. ولذا رأيت حذفها والإشارة إلى ذلك. ومعنى ينداه: يصله. \"تهذيب اللغة\" ١٤/ ١٩٢ (ندأ).\nوقد رد الأزهري قول الليث بقوله: فإن أهل التفسير الذين يُعتمدون مثل ابن عباس، وأصحابه فسروه على غير ما فسَّره الليث. وهذا منهج حسن؛ لأن الصحابة -﵃- هم أئمة التفسير.\n(١) أنشده أبو عبيدة ٢/ ٧٣، ونسبه للمُتَلَمَّس، وفيه: النخلة، بالتعريف كما في النسخ الثلاث، خلافًا لما في \"ديوان المتلبس\" ٩٦، وكذا ابن جرير ١٩/ ٢، والماوردي ٤/ ١٤١. وفي \"معجم البلدان\" ٥/ ٣٢٠: نخلةَ القصوى: واحدة النخل، والقصوى تأنيث الأقصى، ثم ذكر بيت المتلبس. وفي \"حاشية الديوان\": نصب: نخلة القصوى؛ لأنه واد. والدهاريس: الدواهي، الواحدة: دَهْرَس. \"تهذيب اللغة\" ٦/ ٥٢١ (دهرس).\n(٢) في نسخة: (أ)، (ب): (عليك).\n(٣) هكذا في النسخ الثلاث: (يوقعون).","vol":"16","page":458},{"text":"يقولون ذلك في الدنيا إلا استعاذة ممن يريدهم بسوء. وإذا حمل على المعنى الذي قبله، وجب أن يكون من قول الملائكة؛ لأنه إئياس منهم لهم من الخير. انتهى كلامه.\nوفي الآية قول ثالث؛ وهو: أنَّ قوله: (حِجْرًا) من قول الكفار، و: ﴿مَحْجُورًا﴾ من قول الملائكة. وهو قول الحسن؛ قال: كانو إذا خافوا شيئًا قالوا: حجرًا. يتعوذون منه. فإذا كان يوم القيامة قالوا: (حِجْرًا) قالت الملائكة: ﴿مَحْجُورًا﴾ أن تُعَاذوا من شر هذا اليوم. فحجر الله ذلك عليهم يوم القيامة (١). قال الأزهري: والقول الأول أشبه بكلام العرب، والآية أحرى أن تكون كلامًا واحدًا لا كلامين (٢). والله أعلم (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2926>٢٣ </span>- قوله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ قال الأزهري: يقال قدم فلان إلى أمر كذا، أي: قصده. وذكر هذه\n_________\n(١) \"تهذيب اللغة\" ٤/ ١٣٢ (حجر) بمعناه. وعلى هذا الوقف على (حِجْرًا) وقف تام، القطع والائتناف ٢/ ٤٨١، حيث نسب هذا الوقف للحسن، دون شرح القول. ولم أجد أحدًا نسب هذا القول للحسن باللفظ الذي ذكره الواحدي، غير الأزهري. وذكره الرازي ٢٤/ ٧١، ونسبه للقفال، والواحدي، وفي كلامه ما يُشعر باختيار الواحدي لهذا القول؛ وهذا ليس بصواب فإن الواحدي في كتابيه: \"الوسيط\"، و\"الوجيز\"، لم يذكر هذا القول مطلقًا، وإنما ذكره هنا، وذكر بعده ردَّ الأزهري. فعبارة الرازي تحتاج إلى تحرير. وذكره القرطبي ١٣/ ٢١، وذكر عن الحسن أيضًا أيضًا قال: ﴿وَيَقُولُونَ حِجْرًا﴾ وقف من قول المجرمين، فقال الله ﷿: ﴿مَحْجُورًا﴾ عليهم أن يعاذوا أو يجابوا.\n(٢) \"تهذيب اللغة\" ٤/ ١٣٢ (حجر)، ويعني بالقول الأول، أن ﴿حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ من قول الملائكة.\n(٣) (والله أعلم) فى (ج).","vol":"16","page":459},{"text":"الآية (١). قال ابن عباس: لم يكن الله تعالى غائبًا عن أعمالهم؛ ولكن يريد: وعمدنا (٢). وهذا قول مجاهد والكلبي والفراء والزجاج، كلهم قالوا: عمدنا (٣).\nوقال مقاتل: وجئنا (٤). وأراد بلفظ المجيء: القصد أيضًا.\nقال أبو إسحاق: معنى قدمنا: عمدنا، وقصدنا. كما تقول: قام فلان يشتم فلانًا، يريد: قصد إلى شتم فلان. ولا يريد: قام من القيام على الرجلين (٥).\nقوله: ﴿فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ قال النضر بن شميل: الهباء: التراب الذي تُطيرِّه الريح (٦).\nوقال الليث: الهبوة: غبار ساطع في الهواء كأنه دخان، يقال هَبَاءً يَهبوُ هَبوًا إذا سطع. وأهبا الفرسُ الترابَ إهباءً، إذا أثاره. والهَباء: دقاقُ التُّراب ساطعُه ومنثورُه على وجه الأرض (٧).\n_________\n(١) \"تهذيب اللغة\" ٩/ ٤٨ (عمد)، ومن قبله ابن قتيبة في \"تأويل مشكل القرآن\" ص ١٣٨.\n(٢) \"تنوير المقباس\" ص ٣٥٢. وفيه: عمدنا. دون ما قبله. وهو بنصه في \"الوسيط\" ٣/ ٣٣٨.\n(٣) \"تفسير مجاهد\" ٢/ ٤٤٩. و\"معاني القرآن\" للفراء٢/ ٢٦٦. وقاله ابن قتيبة، غريب القرآن ٣١٢. والهوَّاري ٣/ ٢٥٧. وابن جرير ١٩/ ٣. وأخرجه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٧٨، عن مجاهد، والسدي، وسفيان الثوري. ونسبه السمرقندي ٢/ ٤٥٧، للكلبي. وهو في \"تنوير المقباس\" ص ٣٠٢.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ص ٤٤ ب، بلفظ: يعني: وجئنا، ويقال: وعمدنا.\n(٥) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٦٤.\n(٦) \"تهذيب اللغة\" ٦/ ٤٥٤ (هبا)، بنصه، وتتمته: فتراه على وجوه الناس وجلودهم وثيابهم يَلْزَق لُزوقًا.\n(٧) \"كتاب العين\" ٤/ ٩٦ (هبو)، ونقله عنه إلازهري، \"تهذيب اللغة\" ٦/ ٤٥٤ (هبا).=","vol":"16","page":460},{"text":"وقال أبو عبيدة: الهباء مثل الغبار يدخل البيت من الكُوة إذا طلعت الشمس ليس له منثر (١).\nوقال أبو إسحاق: الهباء: ما يدخل من الكوة مع ضوء الشمس شبيهٌ بالغبار (٢). وهذا قول عكرمة (٣) ومجاهد (٤) والحسن (٥) والسدي والضحاك (٦) والكلبي (٧)، وأكثر المفسرين قالوا: هو الغبار الذي يكون في الشمس يدخل من الكوة كأنه الدقيق (٨).\nوقال قتادة: هو: ما تذرو الرياح من حطام الشجر (٩). وهو قول ابن\n_________\n=قال الفراء ٢/ ٢٦٦: والهباء: ممدود غير مهموز في الأصل، يصغر هُبَيٌ كما يصغر الكساء كُسَىٌ.\n(١) هكذا في النسخ الثلاث: (منثر)؛ وهي غير واضحة. وفي \"مجاز القرآن\" ٢/ ٧٤: مثل الغبار إذا طلعت فيه الشمس وليس له مسٌ ولا يُرى في الظل.\nوفي \"تنوير المقباس\" ص ٣٠٢: ويقال: كشيء يحول في ضوء الثمس إذا دخلت في كوة يُرى، ولا يُستطاع أن يمس.\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٦٤. وفيه: شبيهٌ بالضم، ولكن أبدله المحقق إلى: شبيهًا، وأشار إلى ذلك في الحاشية، ولم يبين سبب التغيير، ولا حاجة لذلك؛ فهو بالرفع ليس بخطأ حتى يصحح.\n(٣) أخرجه ابن جرير ٤/ ١٩. وابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٧٨.\n(٤) أخرجه ابن جرير ١٩/ ٤. وابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٧٨. وتفسير مجاهد ٢/ ٤٤٩.\n(٥) أخرجه عبد الرزاق ٢/ ٦٧. وابن جرير ١٩/ ٤. وابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٧٩.\n(٦) أخرجه عنهما ابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٧٩.\n(٧) \"تنوير المقباس\" ص ٣٠٢. و\"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٤٥٧.\n(٨) ذكر نحوه ابن جرير ٤/ ١٩، عن ابن زيد. وأخرج ابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٧٩، نحوه عن علي بن أبي طالب -﵁-.\n(٩) أخرجه عبد الرزاق ٢/ ٦٧. وعنه ابن جرير ١٩/ ٤.","vol":"16","page":461},{"text":"عباس في رواية عطاء الخراساني (١)، وقول سعيد بن جير. وقال مقاتل: يعني: كالغبار الذي يسطع من حوافر الدواب (٢). وهو قول ابن عباس في رواية عطاء بن أبي رباح، قال: هو ما يخرج من سنابك الخيل إذا ركضت (٣). والمنثور: المفرق (٤).\nقال الزجاج: وتأويله: أن الله -﷿- أحبط أعمالهم حتى صارت بمنزلة الهباء المنثور (٥). والمعنى: فجعلناه باطلًا (٦).\n_________\n(١) أخرج البخاري عن ابن عباس ﵄، معلقًا بصيغة الجزم، (هَبَاءً مّنْثُورًا) ما تسفي به الريح. الفتح ٨/ ٤٩٠. ووصله ابن جرير ١٩/ ٤، من طريق ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس مثله، وزاد: ويبثه. وأخرج أيضًا ١٩/ ٥، من طريق علي بن أبي طلحة: (هَبَاءً مّنثُورًا) الماء المهراق.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ص ٤٤ ب. و\"تفسير هود الهوّاري\" ٣/ ٢٠٧. ولم ينسبه. وأخرج ابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٧٩، نحوه عن: علي -﵁-.\n(٣) \"تنوير المقباس\" ص ٣٠٢، بمعناه. قال ابن قتيبة: والهباء المنبث: ما سطع من سنابك الخيل. \"تأويل مشكل القرآن\" ص ١٣٩، و\"غريب القرآن\" ص ٣١٢. وقال ابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٧٩: وروي عن ابن عباس، في بعض الروايات، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، والضحاك، نحو ذلك. والسنابك، جمع: سُنْبُك، وهو: طَرَف الحافر. \"القاموس المحيط\" ١٢١٨.\n(٤) وصف الهباء بالمنثور؛ لأنك تراه منتظمًا مع الضوء، فإذا حركته الريح رأيته قد تناثر وذهب كل مذهب. تفسير الزمخشري ٣/ ٢٦٧.\n(٥) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٦٤.\n(٦) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٦٦، بلفظ: ﴿هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ أي: باطلًا. وقد أوصل ابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٧٩، اختلاف المفسرين في الهباء المنبث، إلى خمسة أقوال. وكذا الماوردي ٤/ ١٤١. وابن الجوزي ٦/ ٨٣. وليس بينها تعارض بل يمكن أن تحمل الآية عليها، إذ المعنى كما قال الواحدي: فجعلناه باطلًا. وكل ما ذكر من الأقوال السابقة يصلح مثالًا على ذلك. والله أعلم. قال ابن كثير٦/ ١٠٣: وحاصل هذه =","vol":"16","page":462},{"text":"ثم أعلم فضل أهل الجنة على أهل النار فقال (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2927>٢٤ </span>- ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ﴾ قال ابن عباس: يعني يوم القيامة (٢) ﴿خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا﴾ موضع قرار من المشركين.\nقال ابن عباس: يريد في ظل عرش الرحمن.\nوقال مقاتل: أفضل منزلًا في الجنة (٣). والكلام في نظير هذا وهو قوله: ﴿قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ﴾ [الفرقان: ١٥] قد تقدم.\nوقال الفراء في هذه الآية: أهل الكلام إذا اجتمع لهم أحمق وعاقل لم يستجيزوا أن يقولوا لأحدهما: هذا أعقل الرجلين. ويقولون: لا نقول ذلك إلا لعاقلين يفضل أحدهما صاحبه. وقد قال الله تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا﴾ فجعل أهل الجنة خيرًا مستقرًا من أهل النار، وليس في مستقر أهل النار شيء من الخير فاعرفْ ذلك من خَطَائهم (٤).\n_________\n= الأقوال التنبيه على مضمون الآية، وذلك أنهم عملوا أعمالًا اعتقدوا أنها شيء، فلما عرضت على الملك الحكيم العدل الذي لا يجور ولا يظلم أحدًا، إذا إنها لا شيء بالكلية. وسبب بطلانها لفقدها شرط القبول. قال الثعلبي ٩٤ أ، أي: باطلًا لا ثواب لهم؛ لأنهم لم يعملوه لله -﷾-، وإنما عملوه للشيطان.\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٦٤، بنصه.\n(٢) \"تنوير المقباس\" ص ٣٠٢. وأخرجه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٨٠، بسنده عن سعيد بن جبير -﵁-.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ص ٤٤ ب. وأخرج نحوه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٨١، عن قتادة. وذكره السمرقندي ٢/ ٤٥٧، ولم ينسبه.\n(٤) \"معاني القرآن\" للفراء٢/ ٢٦٧. و: خطائهم: جمع خطأ. \"تهذيب اللغة\" ٧/ ٤٩٩، و\"لسان العرب\" ١/ ٦٧ (خطأ). قال ابن عطية ١١/ ٢٨: ويظهر لي أن الألفاظ التي فها عموم مَّا ويتوجه حكمها من جهات شتى، نحو قولك: أحب، وأحسن، وخير، وشر، يسوغ أن يجاء بها بين شيئين لا شركة بينهما. واستثهد ابن كثير=","vol":"16","page":463},{"text":"يعني: أنه يجوز أن يقال: هو أعقل الرجلين وإنْ كان الثاني أحمقًا. قياسًا على هذه الآية. وقال أبو طالب: إنما جاز ذلك؛ لأنه موضع، فيقال: هذا الموضع خير من ذلك الموضع. وإذا كان نعتًا لم يستقم أن يكون نعتٌ واحدٌ لاثنين مختلفين (١).\nقوله تعالى: ﴿وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ يعني: موضع القائلة (٢). يقال: قال يقيل مقيلًا. والمقيل: الموضع، أيضًا (٣).\nقال الأزهري: والقيلولة عند العرب: الاستراحة نصف النهار إذا\n_________\n= ٦/ ١٠٤، على هذا التفضيل بقوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [الحشر:٢٠]. واستظهر ابن جرير أن التفضيل هنا عام في جميع أحوال أهل النار في الدنيا والآخرة. قال ١٩/ ٦: فالواجب أن يعمَّ كما عمَّ ربنا جلَّ ثناؤه، فيقال: أصحاب الجنة يوم القيامة خير مستقرًا في الجنة من أهل النار في الدنيا والآخرة، وأحسن منهم مقيلًا. وذهب إلى هذا الاختيار، الطوسي ٧/ ٤٨٤، ولم يذكر غيره، ولم ينسبه\n(١) \"تهذيب اللغة\" ٩/ ٣٠٦ (القي)، بنصه.\n(٢) في \"تنوير المقباس\" ص ﴿وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ مبيتًا من منزل أبي جهل وأصحابه، ومبيتهم. قال ابن جرير ١٩/ ٥: فإن قال قائل: وهل في الجنة قائلة؟ فيقال: ﴿وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ فيها؟ قيل: معنى ذلك: وأحسن فيها قرارًا في أوقات قائلتهم في الدنيا، وذلك أنه ذكر أن أهل الجنة لا يمر فيهم في الآخرة إلا قدر ميقات النهار من أوله إلى القائلة، حتى يسكنوا في مساكنهم في الجنة، فذلك معنى قوله: ﴿وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ ثم ذكر نحوه بإسناده عن المفسرين من الصحابة والتابعين. وقال الطوسي ٧/ ٤٨٤: معناه: أحسن موضع قائلة، وإن لم يكن في الجنة نوم، إلا أنه من تمهيده يصلح للنوم؛ لأنهم خوطبوا بما يعرفون، كما قال: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم: ٦٢]، على ما اعتادوه. وهذا توجيه حسن. والله أعلم.\n(٣) \"تهذيب اللغة\" ٩/ ٣٠٥ (لقي).","vol":"16","page":464},{"text":"اشتدَّ الحرُّ، وإن لم يكن مع ذلك نوم.\nوالدليل على ذلك: أن الجنة لا نوم فيها (١).\nقال ابن مسعود وابن عباس: لا ينتصف النهار من يوم القيامة حتى يقيل أهل النار في النار، وأهل الجنة في الجنة (٢).\nوقال مقاتل: يخفف الحساب على أهل الجنة حتى يكون مقدار نصف النهار من أيام الدنيا، ثمَّ يقيلون من يومهم ذلك في الجنة فيما يشتهون من التحف والكرامة (٣). وهذا هو معنى ما روي عن أهل التفسير: أنَّ أهل الجنة يصيرون إلى أهليهم في الجنة وقت نصف النهار (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2928>٢٥ </span>- قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ﴾ (٥) عطف على قوله: ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ﴾ و﴿تَشَقَّقُ﴾ يجوز فيه أمران؛ أحدهما: أنه يراد به الآتي.\n_________\n(١) \"تهذيب اللغة\" ٩/ ٣٠٦ (لقي) س.\n(٢) ذكر نحوه ابن جرير ١٩/ ٥، عن ابن جريج، وفيه أنه قال: وفي قراءة ابن مسعود: ثم إن مقيلهم لإلى الجحيم. ولم ينسبه لابن عباس. وذكر رواية أخرى عن ابن عباس قريبة من السياق، وليست مطابقة وأخرجه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٨٠، بسنده عن ابن مسعود، مع القراءة التي ذكرها ابن جرير. وهو بنصه في \"الوسيط\" ٣/ ٣٣٨. ونسب هذا القول الثعلبي ٩٤ ب، لابن مسعود، وذكر نحوه عن ابن عباس. وهو عند ابن كثير ٦/ ١٠٤، عن ابن مسعود. وأخرجه الحاكم ٢/ ٤٣٦، وقال: حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ص ٤٤ ب، مختصرًا.\n(٤) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٦٤. بنصه. قال الهوَّاري ٣/ ٢٠٧: قال بعضهم: وبلغنا عن ابن عباس ﵄ أنه قال: إنَّي لأعلم أي ساعة يدخل أهل الجنة الجنة، قبل نصف النهار حين يشتهون الغداء. وأخرجه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٨٠، عن سعيد بن جبير، والضحاك، وعكرمة.\n(٥) أخرج ابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٨٢، عن مجاهد أنه يوم القيامة.","vol":"16","page":465},{"text":"والآخر: أن يكون حكايته حالٍ تكون، كما أنَّ قوله: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الحجر: ٢]، كذلك. وكما أنَّ قوله: ﴿وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ﴾ [الكهف: ١٨] في أنه حكاية حالٍ قد مضت (١). وفيه قراءتان: تشديد الشين وتخفيفها (٢). والتقدير: تتشقق (٣)؛ فمن شدد أدغم التاء في الشين؛ لأن الصوت بالشين يلحق بمخارج هذه الحروف التي هي من طرف اللسان وأصول الثنايا فأدغم (٤) فيها ما أدغم في الضاد كما كانت كذلك، ومَنْ خفف حذف التاء التي أدغمها من شدد. قال أبو الحسن: الخفيفة أكثر في الكلام؛ لأنهم أرادوا الخفة فكان الحذف أخف عليهم من الإدغام (٥).\nقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ﴾ قال أبو علي: المعنى: تشقق السماء وعليها غمام. وهذا كقوله: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ [الانشقاق:١] وقوله: ﴿فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ﴾ [الرحمن: ٣٧] (٦).\nوقال الفراء: معناه فيما ذكروا: تشقق السماء عن الغمام. وعلى، وعن، والباء، في هذا الموضع كالواحد؛ لأن العرب تقول: رميت عن\n_________\n(١) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٣٤١، بنصه.\n(٢) قرأ ابن كثير ونافع وابن عامر، بتشديد الشين. وقرأ أبو عمرو وعاصم وحمزة والكسائي بالتخفيف. \"السبعة\" ٤٦٤. و\"معاني القرآن\" للفراء٢/ ٢٦٧. ومعاني القراءات للأزهري ٢/ ٢١٥. و\"المبسوط في القراءات العشر\" ص ٢٧١. و\"التبصرة\" ص ٦١٣. و\"النشر\" ٢/ ٣٣٤. قال ابن جرير ١٩/ ٦: هما قراءتان مستفيضتان في قراءة الأمصار، بمعنى واحد، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب.\n(٣) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٦٤.\n(٤) في \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٣٤١: فأدغمن فيها كما أدغمن في الضاد لما كانت كذلك.\n(٥) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٣٤١، بنصه.\n(٦) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٣٤١.","vol":"16","page":466},{"text":"القوس، وبالقوس، وعلى القوس. يراد به معنى واحد (١).\nوهذا هو معنى ما ذكره المفسرون؛ قالوا: هو: غمام أبيض رقيق مثل الضبابة، ولم يكن إلا لبني إسرائيل في تيههم فتنشق السماء عنه لنزول الرب وملائكته (٢). وهو الذي قال الله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ﴾ [البقرة: ٢١٠] وهذا قول مجاهد ومقاتل والكلب؛ قالوا: ومعنى بالغمام: عن الغمام (٣). وذكرنا معنى إتيان الله في سورة البقرة (٤).\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٦٧.\n(٢) في \"تنوير المقباس\" ص ٣٠٢: عن الغمام لنزول الرب بلا كيف. و\"تفسير مقاتل\" ص ٤٤ ب. وليس فيه: ولم يكن إلا لبني إسرائيل في تيههم. لكنه عند ابن جرير ١٩/ ٦، وابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٨٢، عن مجاهد. والظاهر من الآية أن الغمام، هو: السحاب المعهود. \"تفسير أبي حيان\" ٦/ ٤٥٣. والله أعلم.\n(٣) أخرجه ابن جرير ٦/ ١٩، عن مجاهد، و\"تفسير مقاتل\" ص ٤٤ ب. و\"تنوير المقباس\" ص ٣٠٢. وبه قال ابن قتيبة، \"غريب القرآن\" ٣١٢. وبه قال الهوَّاري ٣/ ٢٠٧، ثم قال: هذا بعد البعث، تشقَّق فتراها واهية متشققة، كقوله تعالى: ﴿وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا﴾ [النبأ: ١٩].\n(٤) قال الواحدي في تفسير هذه الآية: في قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ وجهان؛ أحدهما: أن هذا من باب حذف المضاف: أن يأتيهم عذاب الله، أو أمر الله أو آيات الله .. والثاني: المعنى: هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله بما وعدهم من العذاب والحساب فحذف ما يأتي به تهديدًا، إذ لو ذكرما يأتي به كان أسهل عليهم في باب الوعيد ..\nوما ذكره الواحدي عفى الله عنه صرف للفظ عن ظاهره، فالآية فيها إثبات إتيان الله تعالى لفصل الحساب والجزاء، وهو إتيان يليق بجلاله وعظمته، ومثل هذه الآية كما قال ابن كثير ١/ ٥٦٦، وقوله تعالى: ﴿كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (٢١) وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢١، ٢٢]","vol":"16","page":467},{"text":"والمراد بالسماء هاهنا: السموات السبع. كذا قال مقاتل وابن عباس (١). وذكره الزجاج؛ فقال: المعنى: تتشقق سماءً سماءً (٢).\nقال ابن عباس: تتشقق سماء الدنيا فينزل أهلها وهم أكثر ممن في الأرض من الجن والإنس، ثم تشقق السماء الثانية فينزل أهلها وهم أكثر ممن في السماء الدنيا، ومن الجن والإنس، ثم كذلك حتى تشقق السماء السابعة، وأهل كل سماء يزيدون على أهل السماء التي قبلها، ثم ينزل الكَرُوبِيُّون (٣)، وحملة العرش (٤). فذلك قوله:\n﴿وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾ قال مقاتل: من السماء إلى الأرض عند تشققها لحساب الثقلين (٥).\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ص ٤٤ ب.\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٦٤.\n(٣) الكَرُوبِيُّون: سادة الملائكة، المقربون. \"النهاية في غريب الحديث\" ٤/ ١٦١، و\"لسان العرب\" ١/ ٧١٤ (كرب)، و\"القاموس المحيط\" ص ١٦٧.\n(٤) \"تفسير مجاهد\" ٢/ ٤٥٠، عن ابن عباس ﵄ من طريق حماد بن سلمة، عن علي بن زيد بن جدعان، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس ﵄، بسياق أطول مما هو هنا. ومن الطريق نفسه أخرجه ابن جرير ١٩/ ٦. وابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٨٢، أيضًا. ويوسف بن مِهران لم يرو عنه إلا ابن جُدعان، وهو ليِّن الحديث.\"التقريب\" ١٠٩٦،\"ميزان الاعتدال\" ٤/ ٤٧٤.\nقال ابن كثير ٦/ ١٠٧، بعد ذكر هذه الرواية عن ابن أبي حاتم: مداره على علي ابن زيد بن جدعان، وفيه ضعف، وفي سياقاته غالبًا نكارة شديدة.\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ص ٤٤ ب. قال الماوردي ٤/ ١٤٢: وفي نزولهم قولان؛ أحدهما: ليبشروا المؤمن بالجنة، والكافرَ بالنار. والثاني: ليكون مع كل نفس سائق وشهيد. واقتصر الواحدي في \"الوجيز\" ٢/ ٧٧٧، على أن ذلك لإكرام المؤمنين. وليس هناك ما يمنع من حصول الأمرين معًا. والله أعلم.","vol":"16","page":468},{"text":"وقرأ ابن كثير ﴿ننزل﴾ مخففة من الإنزال (١) ﴿الْمَلَائِكَةَ﴾ نصبًا (٢)، فجعل الفعل من الإنزال، والمصدر على فَعَّل؛ لأن أنزل مثل نزَّل، كقوله تعالى: ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ [المزمل: ٨] (٣) وقال (٤):\nوقد تَطَوَّيْتُ انْطِوَاء الحِضْبِ (٥)\nلما كان تطويت، وانطويت متقاربان حمل مصدر ذا علي مصدر ذا (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2929>٢٦ </span>- قوله تعالى: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾ قال أبو إسحاق: الحق صفة للملك، ومعناه: أن الملك الذي هو الملك حقًا ملك الرحمن جلَّ وعزَّ يوم القيامة، كما قال ﷿: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ [غافر: ١٦] لأن الملك الزائل كأنه ليس بملك (٧). وقال ابن عباس:\n_________\n(١) \"السبعة\" ٤٦٤. و\"معاني القراءات\" للأزهري ٢/ ٢١٦. و\"المبسوط في القراءات العشر\" ص ٢٧١. و\"التبصرة\" ص ٦١٣. و\"النشر\" ٢/ ٣٣٤.\n(٢) في (أ)، (ب): (قال مقاتل: نصبًا)، ولعله خطأ من الناسخ لأن السطر الذي قبله فيه: وقال مقاتل. وهو غير موجود في \"تفسير مقاتل\"، ولا في (ج)، ويدل لهذا أنه عند الأزهري، في معاني القراءات ٢/ ٢١٦: نصبًا. لأنه مفعول به.\n(٣) قال السمين الحلبي: ومثله: ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ أي: تبتلًا. الدر المصون ٨/ ٤٧٧.\n(٤) وقال في (أ)، (ب). ويعني به أبا علي الفارسي، في \"الحجة\" ٥/ ٣٤٢، حيث ذكر البيت، ولم ينسبه.\n(٥) صدر بيت لرؤبة. \"ديوانه\" ١٦، أنشده سيبويه، \"الكتاب\" ٤/ ٨٢، ونسبه لرؤبة، وقال بعده: لأن تطويت وانطويت واحد. وأنشد البيت كاملًا ونسبه الأزهري. والحضب: بالكسر: ضرب من الحيات، وقيل: هو الذكر الضخم منها، واستشهد الأزهري بهذا البيت على ذلك، والشاهد فيه: أن يكون الانطواء مصدرًا لتطوى. \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٢٢٥ (حضب). وذكره أبو علي، \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٣٤٢، ولم ينسبه.\n(٦) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٣٤٢.\n(٧) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٦٥. ووصف الملك بأنه حق؛ لأنه لا يزول ولا يتغير. تفسير الرازى ٢٤/ ٧٥.","vol":"16","page":469},{"text":"يريد أنَّ يوم القيامة لا مَلِك يقضي غيره (١). وقال مقاتل: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ﴾ [الفرقان: ٢٦] وحده، واليوم الكفار ينازعونه في أمره (٢).\nقوله تعالى: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾ قال ابن عباس: هو على الكافرين عسير] (٣) وهو على المؤمنين غير عسير عليهم. قال مقاتل: عسير عليهم يومئذ لشدته، ومشقته، ويهون على المؤمنين كأدنى صلاة (٤) صلاها في دار الدنيا (٥). وفي هذه الآية تبشير عظيم للمؤمنين حيث خص\n_________\n(١) في \"تنوير المقباس\" ص ٣٥٢: ﴿الْمُلْكُ﴾ القضاء، ﴿يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ﴾ العدل. وذكره في: \"الوسيط\" ٣/ ٣٣٩. ونسبه البغوي ٦/ ٨٠، لابن عباس.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ص ٤٤ ب. وفي إضافة الملك في يوم القيامة لاسمه تعالى: الرحمن، معانٍ عظيمة. ذكر بعضها السعدي في تفسيره ٥/ ٤٧٤.\n(٣) ما بين المعقوفين، في نسخة: (أ)، (ب). وهو في \"تنوير المقباس\" ص ٣٠٢، بمعناه وأخرج نحوه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٨٣، عن قتادة\n(٤) صلاة. في نسخة: (أ)، (ب).\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ص ٤٤ ب. بمعناه، وذكره الثعلبي ٨/ ٩٥ ب، ولم ينسبه. وقد ورد هذا في حديث مرفوع: قال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا حَسَنٌ حَدَثنَا ابْنُ لَهِيعَةَ حَدَّثَنَا دَرَّاجٌ عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ عَنْ أَبِي سعيد الْخُدْرِيِّ قَالَ قِيلَ لِرَسُولِ الله -ﷺ-: يَوْمًا كَانَ مِقدَارُهُ خمسِينَ أَلْفَ سَنةٍ مَا أَطْوَلَ هَذَا الْيَوْمَ؟ فَقَالَ رَسُولُ الله -ﷺ-:\"وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِه إِنَّهُ لَيُخَفَّفُ عَلَى الْمُؤْمِنِ حَتى يَكُونَ أَخَفَ عَلَيْهِ مِنْ صَلاةٍ مَكْتُوبَةٍ يُصَلَيهَا في الدُّنْيَا\". \"المسند\" ٤/ ١٥١، رقم: ١١٧١٧، وأخرجه أبو يعلى الموصلي ٢/ ٥٢٧، من طريق الإمام أحمد، وقال الهيثمي ١٠/ ٣٣٧: إسناده حسن، على ضعف في راويه. وذكره ابن كثير ٦/ ١٠٧، ونسبه للإمام أحمد، وسكت عنه. وهذا الحديث مرسل. وابن لَهيعة، صدوق، اختلط بعد احتراق كتبه، ورواية ابن وهب، وابن المبارك عنه أعدل من غيرهما. المغني في الضعفاء ١/ ٥٠٢. و\"التقريب\" ص ٥٣٨ وهذا الحديث ليس من طريقهما. ودراج، هو: ابن سمعان، أبو السمح، صدوق، في حديثه عن أبي الهيثم ضعف. \"التقريب\" ص ٣١٠، وذكر ابن عدي هذا الحديث، في: الكامل في ضعفاء الرجال ٣/ ٩٨١، وقال: لا يتابع في دراج عليه.","vol":"16","page":470},{"text":"الكافرين بشدة ذلك اليوم وعسرته (١).\nوذكر المفسرون: أن ذلك اليوم يهون على المؤمنين [بدلالة الخطاب؛ وذلك أنه لما ذكر شدته على الكفار كان مفهومه أنه يهون على المؤمنين] (٢) فدل تفسير المفسرين لهذه الآية على مسألة المفهوم (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2930>٢٧ </span>- قوله: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ﴾ اختلف المفسرون في سبب نزوله. فقال مجاهد: إن عقبةَ (٤) دعا مجلسًا فيهم النبي في -ﷺ- لطعام، فأبى النبي -ﷺ- أن يأكل، وقال: \"لا آكل حتى تشهد أنه لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله\" فشهد بذلك عقبة، وطعم النبي -ﷺ- من طعامه. فبلغ ذلك أمية بن خلف (٥) فقال: صبوتَ يا عقبة، وكان خليله، فقال: لا والله ما صبوت فإن أخاك على ما تعلم، ولكنْ صنعتُ طعامًا فأبى أن يأكل حتى قلت ذلك،\n_________\n(١) تقديم ﴿عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ للحصر، وهو قصر إضافي، أي: دون المؤمنين. تفسير ابن عاشور ١٩/ ١١.\n(٢) ما بين المعقوفين، في (أ)، (ب).\n(٣) وأشار إلى هذا الاستدلال القرطبي ١٣/ ٢٤. والمفهوم مقابل للمنطوق، والمنطوق أصل للمفهوم. ودلالة المفهوم، المقصودة هنا هي مفهوم المخالفة. ومعناه: الاستدلال بتخصيص الشيء بالذكر على نفي الحكم عمَّا عداه ويُسمَّى أيضًا دليل الخطاب. \"الإحكام\" للآمدي ٣/ ٦٣، و\"روضة الناظر\"، ٢/ ٧٧٥.\n(٤) هو: عقبة بن أبي معيط، واسم أبيه: أبان بن ذكوان بن أمية، من مقدمي قريش في الجاهلية، كان شديد الأذى للمسلمين عند ظهور الدعوة، قتله يوم بدر عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح، أخو بني عمرو بن عوف. \"السيرة النبوية\" لابن هشام ٢/ ٣٦٦، و\"الأعلام\" ٤/ ٢٤٠.\n(٥) أمية بن خلف بن وهب الجمحي، من بني لؤي. أحد جبابرة قريش في الجاهلية، أدرك الإسلام ولم يسلم، وهو الذي عذب بلالًا الحبشي -﵁- في أولى ظهور الإسلام، قتل يوم بدر. \"السيرة النبوية\" لابن هشام ٢/ ٢٨٣، و\"الأعلام\" ٢/ ٢٢","vol":"16","page":471},{"text":"واستحييت أن يخرج من بيتي قبل أن يطعم، فشهدت له وليس من (١) نفسي. هذا قول مجاهد، والكلبي (٢).\nوقال ابن سابط: دعا أُمية مجلسًا فيه النبي -ﷺ- فقاموا غير النبي -ﷺ- فقال: لا أقوم حتى تسلمَ وتشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فشهد، فقام النبي -ﷺ- فلقيه عقبةُ فأنكر عليه، فقال: أنا قلته لطعامنا (٣). وهذا قول ابن عباس في رواية عطاء الخراساني (٤).\nوقال السدي: كان عقبة يغشى رسول الله -ﷺ- وهمَّ أن يسلم، فلقيه\n_________\n(١) من (أ)، (ب).\n(٢) \"تفسير مجاهد\" ٢/ ٤٥١. وأخرجه عنه ابن جرير ١٩/ ٨ وابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٨٣. و\"تنوير المقباس\" ص ٣٠٢. وذكره ابن قتيبة، في تأويل مشكل القرآن ٢٦٢، عن ابن عباس ﵄. ثم بين أن الآية عامة؛ فقال: فأراد سبحانه بـ ﴿الظَّالِمُ﴾ كل ظالم في العالم، وأراد بـ: فلان، كل من أطيع بمعصية الله، وأرضي بإسخاط الله، واستشهد على أن الظالم يراد به جماعة الظالمين، بقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا﴾ [النبأ:٤٠]. وقد ردُّ -﵀- في ص: ٢٦٠، على من ذهب إلى أنها نازلة في أبي بكر، وعمر ﵄، ونعتهم: بالمتسمين بالمسلمين. وصرح الرازي ٢٤/ ٧٥، بانهم الرافضة، حيث قالوا: هذا الظالم رجل بعينه، وإن المسلمين غيروا اسمه، وكتموه، وجعلوه: فلانًا! قال الرازي في الرد عليهم: المقصود من الآية زجر الكل عن الظلم، وذلك لا يحصل إلا بالعموم، وأما قول الرافضة فذلك لا يتم إلا بالطعن في القرآن، وإثبات أنه غير وبدل، ولا نزاع في أنه كفر.\n(٣) نسبها السيوطي ٦/ ٢٥٢، لابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم. ولم أجد هذه الرواية في تفسير ابن أبي حاتم المطبوع.\n(٤) أخرج عبد الرزاق في \"تفسيره\" ٢/ ٦٨، روايتين، عن ابن عباس ﵄ من طريق: مِقْسَم، نحوًا من هذا. وأخرجه ابن جرير ١٩/ ٨، من طريق عطاء الخراساني. وذكره الثعبي ٨/ ٩٥ ب، وعنه الوا حدي، في \"أسباب النزول\" ٣٣٣.","vol":"16","page":472},{"text":"أمية بن خلف فقال: يا عقبة، بلغني أنك صبوت. قال: ما فعلت، قال: فوجهى من وجهك حرام حتى تأتيه فتتفل في وجهه! وتتبرأ منه، فيعلم قومك أنك عدو من عاداهم وفرق جماعتهم. فأطاعه، وفعل ذلك واشتد علي النبي -ﷺ- فأنزل الله فيه يخبره بما هو صائر إليه (١).\nوهذا قول الشعبي (٢)، ونحو هذا قال مقاتل، سواء، إلا أنه ذكر أبيًّا بدل أمية (٣).\nوقال الكلبي: قال أُبي لعقبة: ما أنا بالذي أرضى عنك أبدًا حتى تأتي محمدًا -ﷺ- وتبزق في وجهه! وتطأ عنقه! ففعل ذلك عقبة، فأنزل الله: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ﴾ يعني: عقبة، في قول الأكثرين (٤).\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٨٥.\n(٢) \"تفسير الثعلبي\" ٨/ ٩٥ ب، وفي خبر الشعبي، أن عقبة أسلم، فعاتبه أمية، وقال له ... إلخ. وعنه الواحدي، في \"أسباب النزول\" ص ٣٣٣.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ص ٤٤ ب. وأخرجه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٨٤، عن قتادة. قال ابن عطية ١١/ ٣٣: ومن أدخل في هذه الآية أمية بن خلف، فقد وهم، إلا على قول من يرى ﴿الظَّالِمُ﴾ اسم جنس.\n(٤) وممن قال بذلك عمرو بن ميمون، أخرجه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٨٥. وأكثر الروايات عن ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، ورواية أخرى عن السدي، ليس فيها ذكر أنه فعل ما همَّ به من التفل، ووطْء العنق، بل في رواية مِقْسَم التصريح بأن الله تعالى لم يسلطه على ذلك، فيتعين الأخذ بها لما فيها من حفظ النبي -ﷺ- عن الإهانة، إضافة إلى أنها أخبار تحتاج إلى تأكيد؛ لأن من رواها لم يعاصر هذه الحادثة، والله أعلم. أخرج هذه الروايات ابن جرير ١٩/ ٨، وابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٨٤. وذكر الثعلبي ٩٥ ب، عن الضحاك، أن عقبة لَمَّا فعل ذلك رجع بزاقه في وجهه، وانشعب شعبتين، فأحرق خديه، فكان أثر ذلك فيه حتى الموت. وكان يحسن من الواحدي -﵀- إيراد هذه الرواية وقد أعرض ابن كثير -﵀- عن إيراد هذه الروايات كلها.","vol":"16","page":473},{"text":"وفي قول ابن سابط، ورواية عطاء الخرساني، الظالم هنا: أُبي بن خلف (١).\nقال ابن عباس، في رواية عطاء بن أبي رباح، يريد: عقبة بن أبي معيط (٢)، يقول: يأكل يديه حتى يذهب إلى المرفق، ثم تنبت، لا تزال هكذا كلما أكلها نبتت بندامة على ما فرط (٣).\n_________\n(١) لم أجد قول ابن سابط هذا، إلا أن ابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٨٦، قد ذكر عنه أنه قال في قوله تعالى: ﴿لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا﴾ يعني: أبي بن خلف. فعلى هذا يكون الظالم: عقبة بن أبي معيط. والله أعلم.\n(٢) في \"تنوير المقباس\" ص ٣٠٢، الظالم: عقبة بن أبي معيط. وليس فيه ذكر شيء من هذه القصة. وفيه أيضًا تفسير اليد بالأنامل. قال النحاس: ولم يُسميا في الآية؛ لأنه أبلغ في الفائدة، ليُعلم أن هذه سبيل كل ظالم قَبِل من غيره في معصية الله -﷿-. \"إعراب القرآن\" ٣/ ١٥٨. وعليه فإن الألف واللام يجوز أن تكون للعهد، فيراد به عقبة خاصة، ويجوز أن تكون للجنس، فيتناول عقبة، وغيره. \"تفسير الزمخشري\" ٣/ ٢٦٩.\n(٣) أخرج ابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٨٤، نحوه عن سفيان. ونسبه في: \"الوسيط\" ٣/ ٣٣٩، لعطاء. وهو عض حقيقي لليدين، كما ذكر الواحدي -﵀- من شدة ما يجد من الحسرة، والندامة، كما هو ظاهر الآية، وليس هناك ما يدفعه، وعليه فإن ما ذكره الزمخشري ٣/ ٢٦٨، وكذا ابن جزي ص ٤٨٣، وغيرهما، من أن هذا كناية عن الغيظ والحسرة، فغير مسلم؛ لأنه صرفٌ للفظ عن ظاهره بدون دليل. قال ابن كثير ٦/ ١٠٨: فكل ظالم يندم يوم القيامة غاية الندم، ويعض على يديه قائلًا: ﴿يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾ قال البقاعي: فيكاد يقطعهما لشدة حسرته، وهو لا يشعر. \"نظم الدرر\" ١٣/ ٣٧٤. لكنه بعد هذا التقرير الجيد لظاهر الآية، رجع فنقل كلام الزمخشري بنصه، في أن هذا كناية، ولم يتعقبه. قال الشوكاني ٤/ ٦٩: الظاهر أن العض هنا حقيقة، ولا مانع من ذلك، ولا موجب لتأويله. ويشهد لهذا تعدية العض بـ (على) لإفادة التمكن من المعضوض، إذا فصدوا عضًا شديدًا كما في هذه الآية. \"تفسير ابن عاشور\" ١٩/ ١٢.","vol":"16","page":474},{"text":"وقال أبو إسحاق: إذا كان يوم القيامة أكل يده ندمًا، وتمنى أنه آمن (١).\nوقال أبو القاسم الزجاجي: هكذا يعض على يديه يوم القيامة ندمًا وحسرة على كفره بالله. والعض على اليد يجري عندهم مجرى معاقبة اليد بما صنعت، وإن لم تكن لليد في (٢) الكفر صنيع؛ فإن الله تعالى قد أسند الفعل إليها، فقال: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الأنفال: ٥١] وذلك: أن مباشرة الذنوب بها، فاللائمة ترجع عليها (٣)؛ لأنها هي الجارحة العظمى فيسند إليها ما لم تباشره. ونظير ذلك قوله تعالى: ﴿فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ﴾ [الكهف: ٤٢] وقد مَرَّ (٤).\nقوله تعالى: ﴿يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾ قُرأ: (يَلَيْتَنِي) بسكون الياء، وفتحها (٥). والأصل التحريك؛ لأنها بإزاء الكاف التي\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٦٥. وذكره الثعلبي ٨/ ٩٥ ب، بمعناه\n(٢) في (أ)، (ب): (على) بدل: (في).\n(٣) في (ج): (إليها).\n(٤) قال الواحدي في تفسير قول الله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الأنفال: ٥١]: قال ابن عباس: جرحت قلوبكم. قال أهل المعاني: إنما قال: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ مع أن اليد لا تعقل شيئًا للبيان عن أن اعتقاد الكفر بالقلب بمنزلة ما يعمل باليد في الجناية، ولذلك لم يذكر القلوب وإن كان بها معتمد العصيان؛ لأن القصد إظهار ما تقع به الجنايات في غالب الأمر وتعارف الناس.\nوقال الواحدي في تفسير آية الكهف: قال أبو عبيدة والزجاج والمفضل وابن قتيبة: فلان يقلب كفيه على ما فاته، وتقليب الكفين يفعله النادم كثيرًا، والعرب تقول للرجل إذا ندم على الشيء وجعل يفكر فيه: يقلب يديه وكفيه لأن ذلك يكثر من فعله فصار تقليل الكف عبارة عن الندم كعض اليد.\n(٥) قرأ بفتح الياء، أبو عمرو. وأسكنها الباقون. \"السبعة\" ص ٤٦٤. و\"النشر في القراءات العشر\" ٢/ ٣٣٥.","vol":"16","page":475},{"text":"للمخاطب إلا أن حرف اللين تكره فيه الحركة، فلذلك أسكن مَنْ أسكن (١) قال ابن عباس: يقول: ليتني اتبعت محمدًا على دينه (٢). وقال مقاتل: ليتنيْ اتخذت مع محمد سبيلًا إلى الهدى (٣).\nوقال السدي: يقول: ليتني أطعت محمدًا (٤). وقال أبو إسحاق: تمنى أن اتخذ مع النبي -ﷺ- طريقًا إلى الجنة (٥).\nقوله تعالى: ﴿يَا وَيْلَتَى﴾ قرأ حمزة والكسائي بالإمالة (٦). والإماله هاهنا وتركها حسنان، ولو قيل: إنَّ ترك الإمالة أحسن لكان قولًا. وذلك أنَّ أصل هذه الألف الياء، وكان حكمها: يا ويلتي، ويا حسرتي، فأبدل من الكسرة فتحة، ومن الياء الألف، كراهة للياء وفرارًا منها، فإذا أمال (٧) كان عائدًا إلى ما كان تركه، وآخذًا بما رفضه، ألا ترى أن الإمالة إنما هي: تقريب الألف من الياء وانتحاء بها نحوها، والإمالة إنما تكون في الألف بأن تنحو بالفتحة التي قبل الألف نحو الكسر، فتميل الألف لذلك نحو الياء (٨).\n_________\n(١) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٣٤٢، بنصه.\n(٢) في \"تنوير المقباس\" ص ٣٠٢: استقمت على دين الرسول.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ص٤٥أ.\n(٤) أخرج ابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٨٥، نحوه عن السدي.\n(٥) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٦٥. ومعنى ﴿سَبِيلًا﴾ على هذا: سببًا ووصلة. \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ٢/ ٧٤. قال ابن عاشور ١٩/ ١٣: وأصل الأخذ التناول باليد، فأطلق هنا على قصد السير فيه، قال تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ﴾ [الكهف: ٦٣].\n(٦) السبعة في القراءات ٤٦٤، و\"إعراب القرإءات السبع وعللَّها\" ٢/ ١٢١، و\"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٣٤٣.\n(٧) في (أ)، (ب): (مال) بدون ألف.\n(٨) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٣٤٢.قال السمين الحلبي معلقًا على قول أبي علي: =","vol":"16","page":476},{"text":"قوله تعالى: ﴿لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا﴾ يعني: أُبيًّا في قول الأكثرين (١). وفي قول الشعبي، والسدي، يعني: أمية (٢). وفي قول ابن سابط يقول: أي ليتي لم أتخذ فلانًا، يعني: عقبة (٣). وكانا متخالين في الدنيا (٤).\nوقال مقاتل: يقول: ليتني لم أطع فلانًا (٥). فعلى قول هؤلاء: فلان عبارة عن: الآدمي. وقال مجاهد: يعني الشيطان (٦). وهو قول أبي رجاء (٧). وعلى هذا القول: فلان كناية عن الشيطان. قال الزجاج: وتصديق هذا القول قوله في الآية الثانية: ﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا﴾ (٨).\nومَنْ قال بالقول الأول قال: إنَّ قبوله من أبي بن خلف، وطاعتَه له من عمل الشيطان وإغوائه (٩). وفلانٌ في العربية: كناية عن واحد بعينه من\n_________\n= وهذا منقوض بنحو: باع، فإن أصله: الياء، ومع ذلك أمالوا، وقد أمالوا، ﴿يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ﴾ [الزمر: ٥٦] و(يَأَسَفَا) [يوسف: ٨٤] وهمام كـ (يَا ويّلَتَا) في كون ألفهما عن ياء المتكلم. \"الدر المصون\" ٨/ ٤٨٠.\n(١) \"تنوير المقباس\" ص ٣٠٢. واقتصر عليه البغوي ٦/ ٨١.\n(٢) وهو قول مقاتل ٤٥أ.\n(٣) سبق قريبًا التعليق على هذا.\n(٤) أخرجه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٨٦، عن سعيد بن المسيب.\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ص ٤٥ أ.\n(٦) \"تفسير مجاهد\" ٢/ ٤٥٢. وأخرجه ابن جرير ٨/ ١٩، وابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٨٦.\n(٧) أخرجه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٨٦. وأبو رجاء، هو: عمران بن مِلحان، التميمي البصري، أسلم بعد فتح مكة، ولم ير النبي -ﷺ- مشهور بكنيته، ثقة، معمَّر. ت: ١٠٥، عن: ١٢٠. \"السير\" ٤/ ٢٥٣، و\"التقريب\" ٧٥٢.\n(٨) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٦٥.\n(٩) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٦٥. حاصل الأقوال في: (فلاَنًا) أربعة؛\n١ - أبي بن خلف.\n٢ - أمية بن خلف.\n٣ - عقبة بن أبي معيط.\n٤ - الشيطان. وقد اقتصر في: \"الوسيط\" ٣/ ٣٣٩ و\"الوجيز\". ٢/ ٧٧٨، على أنه أبى. وذكر ابن عطية ١١/ ٣٣،=","vol":"16","page":477},{"text":"الناس، قال الخليل: وتقديره: فُعَال، وتصغيره: فُعَيل (١)، فُلَين. قال: ولا يحسن فيه الألف واللام، يقال: فلان، وفلان آخر؛ لأنه لا نكرة له، ولكن العرب سَمَّوا به الإبل؛ فقالوا: الفلان، وهذه الفلانة، فإذا نسبت قلت: فلان الفلاني؛ لأن كل اسم ينسب إليه فإنَّ الياء التي تلحقه تُصَيَّره نكرة (٢).\nوقال ابن السكيت: تقول لقيت فلانًا، إذا كنيت عن الآدميين قلته بغير الألف واللام، فإذا كنيت عن البهائم قلته بالألف واللام. تقول: حلبت الفلانة، وركبت الفلانة (٣). وأنشد في ترخيم فلان، فقال:\nوهو إذا قيل له وَيْهَا فُلُ ... فإنه أحجَّ به أن يَنْكلُ (٤)\nقال المبرد: قولهم: يا فل أقبل، ليس بترخيم فلان؛ ولو كان كذلك قيل: يا فلا أقبل. ومما يزيده وضوحًا قولهم للأنثى: يا فلة أقبلي. قال: ولكنها كلمة على حدة (٥). قال: وقد تستعمل في غير النداء، كقوله:\n_________\n= كلامًا حسنًا في عموم الآية، وشمولها لكل ظالم، وأنه ليس من ظالم إلا وله في دنياه خليل يعينه ويحرضه، هذا في الأغلب.\n(١) كلمة: (فعيل) في (أ)، (ب).\n(٢) \"الكتاب\" ٢/ ٢٤٨، بمعناه. وما ذكره الواحدي بنصه في كتاب \"العين\" ٨/ ٣٢٦ (فلن)، ونقله عنه الأزهري، \"تهذيب اللغة\" ١٥/ ٣٥٤. وذكر ابن خالويه، نحوًا من هذا، عن ابن دريد عن أبي حاتم. \"إعراب القراءات السبع وعللَّها\" ٢/ ١٢١.\n(٣) بنصه في \"إصلاح المنطق\" ص ٢٩٦، دون إنشاد البيت.\n(٤) \"تهذيب اللغة\" ١٥/ ٣٥٤ (فلن)، وفيه إنشاد البيت مع آخر بعده، ولم ينسبه. وهو كذلك في \"لسان العرب\" ١٣/ ٣٢٤. ولم أجد من نسبه.\n(٥) في \"تهذيب اللغة\" ١٥/ ٣٥٥ (فلن): وقال المبرد: قولهم: يا فل ليس بترخيم، ولكنها على حدة. قال أبو حيان ٦/ ٤٥٤: وهم ابن عصفور، وابن مالك، وصاحب البسيط، في قولهم: فل، كناية عن العَلَم، كفلان. ويعني بصاحب \"البسيط\": ضياء الدين أبو عبد الله محمد بن علي الإشبيلي. \"حاشية الدر =","vol":"16","page":478},{"text":"في لَجَّةٍ أمْسكْ فلانًا عن فُلِ (١)\nوروى أبو تراب عن الأصمعي: يا فلا، في النداء. (٢) وهذا يقوي قول المبرد. وذكرنا معنى الخليل، في سورة: النساء (٣).\n_________\n= المصون\" ٨/ ٤٨٠. قال السمين الحلبي: فلان كناية عن علم من يعقل وهو منصرف، وفُلُ كناية عن نكرة من يعقل من المذكور، وفُلَة عمن يعقل من الإناث، والفلان والفلانة بالألف واللام عن غير العاقل، ويختص فُلُ، وفُلَة؛ بالنداء إلا في ضرورة. \"الدر المصون\" ٨/ ٤٧٩.\n(١) \"المقتضب\" ٤/ ٢٣٧، ولم ينسب البيت. ونسبه سيبويه لأبي النجم، \"الكتاب\" ٢/ ٢٤٨، واستشهد به على استعمال: فل، موضع فلان، في الشعر للضرورة. وأنشده الأزهري، ولم ينسبه، واستشهد به على أن اللجة: الصوت. \"تهذيب اللغة\" ١٠/ ٤٩٤ (لج). وذهب ابن قتيبة، في \"تأويل مشكل القرآن\" ص ٢٦٣، إلى أن قول القائل: ما جاءك إلا فلان بن فلان، يريد أشراف الناس المعروفين، كقول الشاعر: في لَجَّةِ أمْسكْ فلانًا عن فُلِ. يريد: أمسك فلانًا عن فلان، ولم يرد رجلين بأعيانهما، وإنما أراد: أنهم في غمرة الشر، وضجته، فالحَجَزة، يقولون لهذا: أمسك، ولهذا: كُفَّ. واللجة: كثرة الأصوات، \"اللسان\" ١٣/ ٣٢٥.\n(٢) \"تهذيب اللغة\" ١٥/ ٣٥٥ (فلن)، ولفظه: أبو تراب عن الأصمعي يقال: قم يا فل، ويا فلاة.\nأبو تراب، خراساني لغوي، استدرك على الخليل بن أحمد في كتاب العين، ورد عليه العلماء في ذلك كما قال القفطي، وصنف كتاب: الاستدراك على الخليل، ومن هذا الكتاب أخذ الأزهري ما نقله عن أبي تراب في كتابه: \"تهذيب اللغة\". \"إنباه الرواة على أنباه النحاة\" ٤/ ١٠٢. و\"الفهرست\" ص ٩٢.\n(٣) قال الواحدي في تفسير قول الله تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: ١٢٥]: قال أبو بكر بن الأنباري: الخليك معناه في اللغة: المُحب الكامل المحبة، والمحبوب الموفي حقيقة المحبة .. وقال بعض أهل العلم: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ أي: فقيرًا إليه لا يجعل فقره وفاقته إلى غيره، ولا ينزل حاجته بسواه .. فهذان القولان ذكرهما جميع أهل المعاني؛ والاختيار هو الأول؛ لأن الله -﷿- =","vol":"16","page":479},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2931>٢٩ </span>- قوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي﴾ قال الكلبي: صرفني. وقال مقاتل: ردني (١). وكل ما أضلك عن شيء حتى لا تجده فقد صرفك وردك عنه.\n﴿عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي﴾ قال ابن عباس: يريد القرآن، وما فيه من المواعظ. وقال الكلبي: يعني القرآن، والإيمان ﴿بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي﴾ مع الرسول (٢).\nوقال مقاتل: عن الإيمان بالقرآن (٣). وقيل: عن الرسول؛ حكاه الفراء (٤). وتمَّ الكلام هاهنا ثم قال: ﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا﴾ وهذا من قول الله تعالى لا من الإخبار عن قول الظالم (٥). يقول: وكان\n_________\n= خليل إبراهيم، وإبراهيم خليل الله، ولا يجوز أن يقال: الله خليل إبراهيم من الخلة التي هي الحاجة.\n(١) \"تفسير مقاتل\" ص ٤٥ أ.\n(٢) \"تنوير المقباس\" ص ٣٠٢. وأخرج ابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٨٧، عن عمرو بن ميمون، يعني: الإسلام.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ص ٤٥ أ.\n(٤) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٦٧. واقتصر في: \"الوسيط\" ٣/ ٣٣٩، على: القرآن والإيمان به. وفي:\"الوجيز\" ٢/ ٧٧٨، على: القرآن. وليس بين هذه الأقوال تعارض، فهي من باب اختلاف التنوع، لا اختلاف التضاد. قال ابن عطية: الذكر ما ذَكر به الإنسان أمر آخرته من قرآن أو موعظة، ونحوه.\n(٥) اقتصر الواحدي -﵀- على هذا القول، مع أنه يحتمل أن يكون من كلام الظالم، وذلك من شدة ما يجد من الحسرة، ولوضوح الحقيقة عنده في ذلك الموقف. انظر: \"تفسير الزمخشمري\" ٣/ ٢٦٩، حيث ذكر هذا الاحتمال. وكذا ابن عطية ١١/ ٣٥. والأطهر عند الشنقيطي ٦/ ٣٠٥، أنه من كلام الله، وليس من كلام الكافر النادم يوم القيامة.","vol":"16","page":480},{"text":"الشيطان في الآخرة خذولًا للإنسان، يعني: الكافر، يتبرأ منه (١). هذا قول مقاتل (٢). وأما قول ابن عباس، وهو (٣): أن هذا الخذلان من الشيطان للكافرين في الآخرة (٤).\nوقال الكلبي: يعني خذلان إبليس للمشركين ببدر، وكان معهم في صورة سراقة بن مالك، فلما عاين الملائكة تبرأ منهم. وهو قوله تعالى: ﴿نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٨] (٥).وقُتل عقبة بن أبي معيط، يوم بدر صبرًا (٦) ولم يقتل من الأسارى غيره، وغير النضر بن الحارث (٧).\n_________\n(١) أخرج نحوه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٨٧، عن قتادة. قال الثعلبي ٨/ ٩٥ ب: وحكم هذه الآيات عام في كل متحابين اجتمعا على معصية الله -﷿- وذكر البغوي ٦/ ٨٢، بعد تفسيره لهذه الآيات جملة من الأحاديث النبوية في الجليس الصالح، والجليس السوء.\n(٢) يوهم صنيع الواحدي -﵀- هنا أن مقاتل يقول بالعموم، وليس الأمر كذلك، بل قيد الإنسان كما في تفسيره ٤٥ أ، بعقبة. ثم قال: ونزل فيهما: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [الزخرف: ٦٧]. ونحوه في \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٦٨، عن ابن عباس ﵄، من طريق: مِقْسَم.\n(٣) في جميع النسخ: (وهو)، والمناسب للسياق: فهو.\n(٤) في \"تنوير المقباس\" ص ٣٠٢، جعله عامًا في خذلانه عندما يحتاج إليه.\n(٥) ليس هناك تعارض فيما ذكره الواحدي -﵀- وليس في هذه الأمثلة ما يدل على أن هذا من كلام الكافر. وقد اقتصر في: \"الوسيط\" ٣/ ٣٣٩، و\"الوجيز\" ٢/ ٧٧٨، على أن الإنسان في الآية: الكافر.\n(٦) يقال: قُتل فلانٌ صبرًا، معناه: حبسًا، ومن ذلك الصوم، سمي صبرًا، لانه حبس للنفس عن المطاعم، والنكاح، والملتذ من الشهوات. \"الزاهر في معاني كلمات الناس\" ٢/ ٢٠١.\n(٧) \"تفسير مقاتل\" ص ٤٥ أ. وأخرج ابن إبي حاتم ٨/ ٢٦٨٧، عن السدي أنهما قتلا =","vol":"16","page":481},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2932>٣٠ </span>- قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ قال ابن عباس: يريِد محمدًا -ﷺ- يشكوهم إلى الله -﷿- (١) ﴿يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ ذكروا في المهجور قولين، قال ابن عباس: يريد: هجروا القرآن، وهجروني وكذبوني.\nوقال الكلبي: مهجورًا: متروكًا (٢).\nوقال مقاتل: تركوا الإيمان بهذا القرآن فهم مجانبون له (٣).\nهذا قول من جعله من الهجران والهجر (٤).\n_________\n= جميعًا يوم بدر. يعني: أمية، وعقبة. وذكر السمرقندي ٢/ ٤٥٩، أن أبي بن خلف قُتل يوم أحد. وكذا الثعلبي ٨/ ٩٥ ب.\n(١) أخرج نحوه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٨٧، عن قتادة ونسبه ابن الجوزي ٦/ ٨٧، لمقاتل. لكنَّي لم أجده في تفسيره ولم يبين الواحدي -﵀- زمن هذا القول؛ لكن البغوي ٦/ ٨٢، قال: ويقول الرسول في ذلك اليوم. يعني اليوم الذي يعض فيه الظالم على يديه، فيكون في هذا زيادة تعذيب لهم. ويحتمل أن تكون هذه الشكاية في الدنيا، وفي ذلك تعظيم لأمرها، من جهة أن الأنبياء كانوا إذا التجؤا إلى الله وشكوا إليه قومهم حل بهم العذاب، ولم يُنظروا. \"تفسير الزمخشري\" ٣/ ٢٦٩. وجعله ابن عطية ١١/ ٣٥، قول الجمهور. ثم قال: وقالت فرقة: هو حكايته عن قوله ذلك في الآخرة. وتبعه ابن الجوزي ٦/ ٧٨ ورجح الرازي ٢٤/ ٧٧، أن يكون ذلك في الدنيا؛ لأنه موافق للفظ، ولأن ما ذكره الله تعالى من قوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ تسلية للرسول -ﷺ- ولا يليق إلا إذا كان وقع ذلك القول منه. والله أعلم.\n(٢) \"تنوير المقباس\" ص ٣٠٢. وذكره الفراء ٢/ ٢٦٧، ولم ينسبه.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ص ٤٥ أ.\n(٤) ونسب هذا القول ابن جرير ١٩/ ٩، إلى عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، ثم قال: وهذا القول أولى بتأويل ذلك، وذلك أن الله أخبر عنهم أنهم قالوا: ﴿لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ﴾ [فصلت: ٢٦] وذلك هجرهم إياه.","vol":"16","page":482},{"text":"وقال مجاهد: يهجرون فيه بالقول، يقولون: هو سحر (١).\nوقال إبراهيم: قالوا فيه غير الحق (٢).\nوقال مِسْعَر: قالوا فيه هُجْرًا (٣). وعلى هذا القول: المهجور، من الهجرة. وذكرنا الكلام في الهجر عند قوله: ﴿سَامِرًا تَهْجُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٧] (٤).\nوذكر الفراء والزجاج القولين؛ فقالا: يجوز أن يكون مهجورًا: متروكًا، أي: جعلوه متروكًا (٥) مهجورًا، لا يسمعونه (٦) ولا يتفهمونه. ويقال: إنَّهم جعلوه كالهُجر بمنزلة الهذيان. والهُجْر: ما لا ينتفع به من القول. وكانوا يقولون: إنَّ النبي -ﷺ- يَهجُر (٧). وعلى هذا يقال: هَجَر، يَهجُر، هَجْرًا، وهُجْرًا، والكلام مهجور. فجعلوا القرآن كلامًا لغوًا. وهو قولهم: إنَّه شعر، وسحر، وسمر، وأساطير الأولين.\nويدل على صحة القول الأول ما روي عن أنس، أن النبي -ﷺ- قال:\n_________\n(١) \"تفسير مجاهد\" ٢/ ٤٥٢. وأخرجه ابن جرير ١٩/ ٩. وابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٨٧. وذكره السيوطي ٦/ ٢٥٣، وزاد نسبته للفريابي، وعبد بن حميد، وابن المنذر.\n(٢) أخرجه ابن جرير ١٩/ ٩. وأخرجه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٨٨، من طريقين؛ الأولى كرواية الطبري، والثانية، بنحوه وذكره السيوطي ٦/ ٢٥٣، وزاد نسبته إلى الفريابي، وسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن المنذر.\n(٣) لم أجد قول مِسْعَر بن كِدَام، فيما تيسر لي من المراجع.\n(٤) ذكر الواحدي في تفسير هذه الآية أقوال المفسرين وأهل اللغة في معنى الهجر والمراد به في الآية، وهو قريب مما ذكره هنا.\n(٥) (متروكًا) في (أ)، (ب).\n(٦) في (ج): (يستمعونه).\n(٧) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٦٧. و\"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٦٦، بمعناه.","vol":"16","page":483},{"text":"\"من تعلم القرآن وعلق مصحفًا لم يتعاهده، ولم ينظر فيه، جاء يوم القيامة معلقًا به، يقول: يا رب العالمين، عبدك هذا اتخذني مهجورًا، اقضِ بينيى وبينه\" (١).\nوذكر صاحب النظم وجهًا آخر من الهجر، فقال: يجوز أن يكون المهجور مصدرًا، كالهجر، والهجير، ويكون المعنى: اتخذوا هذا القرآن هُجرًا، أي: إذا سمعوه قالوا فيه الهجير، وقالوا: إنه هجر، كما يقال: اتخذْنَا فلانًا ضحكَة أو سُخرة، أي: إذا رأيناه ضحكنا منه وسخرنا منه. وهذا النظم أبلغ، من أن لو قيل: هجروا القرآن، أو هجروا فيه؛ لأنه يدل على أنهم جعلوا عادتهم هجر القرآن (٢). وذكرنا تحقيق هذا الفصل عند قوله: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ﴾ [الإسراء: ٢٩] وعند قوله: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ﴾ [إبراهيم: ٤٠] (٣).\n_________\n(١) قال الزيلعي في \"تخريج أحاديث الكشاف\" ٢/ ٤٥٩: رواه الثعلبي، ثم ساق إسناده، وفيه: ثنا أبو هدبة إبراهيم بن هدبة، ثنا أنس بن مالك. ويوجد في النسخة التي عندي من \"تفسير الثعلبي\" سقط في سورة الفرقان من الآية: ٢٠، إلى: ٣٧. قال ابن حجر: أخرجه الثعلبي من طريق أبي هدبة عن أنس؛ وأبو هدبة كذاب. \"الكشاف الشاف بحاشية الكشاف\" ٣/ ٢٧٠. قال الإمام أحمد: إبراهيم بن هدبة لاشيء، روى أحاديث مناكير. وقال يحيى بن معين: كذاب خبيث. \"الضعفاء والمتروكون\" لابن الجوزي ١/ ٥٨.\n(٢) حاصل الأقو الذي قوله تعالى: ﴿مَهْجُورًا﴾ ثلاثة؛\n١ - أنهم هجروه بإعراضهم.\n٢ - أنهم قالوا فيه هُجرًا، أي: قبيحًا.\n٣ - أنهم جعلوه هُجرًا من الكلام، وهو ما لانفع فيه من العبث، والهذيان. \"تفسير الماوردي\" ٤/ ١٤٣. واقتصر الواحدي في: \"الوسيط\" ٣/ ٣٣٩، و\"الوجيز\" ٢/ ٧٧٨، على القول الأول. وذكر ابن القيم أن هجر القرآن أنواع خمسة. \"الفوائد\" ص ٨١. ونحوه في \"تفسير ابن كثير\" ٦/ ١٠٨.\n(٣) قال الواحدى: قوله تعالى: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ﴾ ذكره على النعت ولم =","vol":"16","page":484},{"text":"قال ابن عباس: فعزَّاه الله -﷿- (١)، فقال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2933>٣١ </span>- ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ (٢) أي: وكما جعلنا لك يا\n_________\n= يذكره على الفعل لأن النعت ألزم وأكثر من الفعل، كأنه قال: رب اجعلني من عادتي إقامة الصلاة، ولو قال: اجعلني أقيم الصلاة لم يكن فيه من المبالغة ما في المقيم، وذكرنا استقصاء هذا الفصل في قوله: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ﴾ الآية [الإسراء: ٢٩].\nوقال في تفسير آية الإسراء: قال صاحب النظم: لا تكاد العرب تقول جعلت يدي مغلولة، ولا جعلت رجلي مقيدة، ولا جعلت رأسي معممًا، إنما يقولون: غَلَلتُ يدي، وقَيَّدتُ رجلي، وعَمَمتُ رأسي، والعلة في هذا النظم؟ أن الفعل أقل من النعت، والنعت ألزم وأكثر من الفعل؛ كما قلنا في قوله: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ الآية [طه: ١٢١] لأنه قد كان منه، ولا يجوز أن يقال: آدم عاصٍ غاوٍ؛ لأن هذا نعت لازم، وكانوا يقولون: يد فلان مغلولة، أي أن المنع عادةٌ له، ولا يكادون يقولون غُلَّت يده؛ لأن هذا فعل غير لازم، والأول لازم، وقد يمنع الإنسان في مواضع المنع ولا يُرْجَع عليه بلوم، فلذلك قال -﷿-: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ﴾ أي لا تكن ممسكًا عن البذل عادة، ولم يُرِدْ أن لا يمسك عند وقت الإمساك، يدل على ذلك قوله: ﴿وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ ومما يشبه هذا النظم، قوله تعالى: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ﴾ [إبراهيم: ٤٥] وقد مر.\n(١) \"تفسير مقاتل\" ص ٤٥أ. و\"تفسير هود\" ٣/ ٢٠٩، والبغوي ٦/ ٨٣، والطبرسي ٧/ ٢٦٥، والقرطبي ١٣/ ٢٧. ولم ينسبوه وذكره في \"الوسيط\" ٣/ ٣٣٩، ولم ينسبه. وذكره ابن الجوزي ٦/ ٨٨، وصدَّرَه بقوله: قال المفسرون. وأخرجه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٨٨، عن قتادة. وأَخرج ابن جرير ١٩/ ١٠، بسنده عن ابن عباس، أنه قال: يوطن محمدًا -ﷺ- أنه جاعل له عدوًا من المجرمين كما جعل لمن قبله.\n(٢) من فوائد هذه الآية: علو الحق على الباطل، وتبين الحق، واتضاحه اتضاحًا عظيمًا؛ لأن معارضة الباطل للحق، تزيده وضوحًا وبيانًا، وكمال استدلال. تفسير السعدي ٥/ ٤٧٧. وإذا كان هذا في حق الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فغيرهم من السائرين على طريقهم لا بد أن ينالهم شيء من ذلك، فلا بد من الصبر على =","vol":"16","page":485},{"text":"محمد أعداء من مشركي قومك، كذلك جعلنا لكل نبي عدوًا من كفار قومه (١).\nوالعدوُّ هاهنا يجوز أن يكون في معنى الجماعة، كما قال: ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي﴾ (٢) [الشعراء: ٧٧] قال مقاتل: يقول لا يكبرن عليك فإن إلاَّنبياء قبلك قد لقيت هذا التكذيب من قومهم (٣).\nوقال السدي: لم يبعث نبي قط إلا والمجرمون له أعداء، وبعضوهم أشد عليه من بعض. وكان عدو النبي -ﷺ- من قريش بنو أمية وبنو المغيرة (٤). ولهذا دخل حرف التخصيص في قوله: ﴿مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ (٥) قال الكلبي: إن كل نبي أتى قومه كان بعضهم أغلظ من بعض وأسوأ قولًا، وصنيعًا، وبعضهم يستحي من ذلك وهو ألين قولًا، وأكف شرًا. ويجوز أن يكون المراد بقوله: ﴿عَدُوًّا﴾ واحدًا من المجرمين، ممن كان أشد المشركين\n_________\n= الأذى، وتحمل العناد والاستكبار، حتى يأتي الله بأمره ذكر البرسوي ٦/ ٢٠٨، عن أبي بكر بن طاهر، أنه قال: رُفعت درجات الأنبياء والأولياء بامتحانهم بالمخالفين، والأعداء. ونظير هذه الآية، قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام ١١٢].\n(١) \"تفسير الطبري\" ١٩/ ١٠، بنحوه. وأخرج ابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٨٨، عن ابن عباس، في قوله تعالى: ﴿مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ قال: الكفار. وهو في \"الوسيط\" ٣/ ٣٣٩، بنصه، ولم ينسبه.\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٦٦. وجزم بهذا ابن جزي ص ٤٨٤، حيث قال: العدو هنا جمع. ورجحه ابن عاشور ١٩/ ١٨.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ص ٤٥ أ.\n(٤) أخرجه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٨٨.\n(٥) وصف أعداء الأنبياء بأنهم من المجرمين، أي: من جملة المجرمين، فإن الإجرام أعم من عداوة الأنبياء، وهو أعظمها. \"التحرير والتنوير\" ١٩/ ١٨.","vol":"16","page":486},{"text":"على نبيهم. وهذا مذهب الكلبي، ومقاتل؛ قالا: نزلت في أبي جهل (١). وكان لعنه الله أشدهم عداوة لرسول الله -ﷺ- (٢).\nقوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾ قال ابن عباس: هاديًا لك وناصرًا على أعدائك (٣).\nوقال مقاتل: هاديًا إلى دينه ومانعًا منهم (٤).\nوقال أبو إسحاق: [الباء زائدة، المعنى: كفى ربك] (٥).\nو﴿هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾ منصوبان على الحال. المعنى: وكفى ربُّك في حال الهداية والنَصْر. ويجوز أن يكون منصوبًا على التمييز على معنى: كفى\n_________\n(١) \"تنوير المقباس\" ص ٣٠٢. و\"تفسير مقاتل\" ص ٤٥ أ. و\"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٦٦. ولم ينسبه. ونسبه القرطبي ١٣/ ٢٧ لابن عباس ﵄. وكذا السيوطي ٦/ ٢٥٤، ونسبه لابن مردويه.\n(٢) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٦٧. وفي هذه الآية تنبيه للمشركين ليعرضوا أحوالهم على هذا الحُكم التاريخى فيعلموا أن حالهم كحال من كذبوا من قوم نوح، وعاد، وثمود. تفسير ابن عاشور ١٩/ ١٨.\n(٣) \"تنوير المقباس\" ص ٣٠٢: ﴿هَادِيًا﴾ حافظًا. ﴿وَنَصِيرًا﴾ مانعًا مما يراد بك.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ص ٤٥ أ. ونحوه قال الهوَّاري ٣/ ٢٠٩. وأخرج ابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٨٨، عن محمد بن إسحاق: إن ينصرك الله فلا يضرك خذلان من خذلك. وفي هذا تسلية للنبي -ﷺ- بوعده بهداية كثير ممن هم معرضون عنه. \"تفسير ابن عاشور\" ١٩/ ١٨.\nقال تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا﴾ [النصر: ٢،١].\n(٥) ما بين المعقوفين لم أجده عند الزجاج. قال ابن عاشور ١٩/ ١٨: والباء، في قوله: ﴿بِرَبِّكَ﴾ تأكيد لاتصال الفاعل بالفعل. وأصله: كفى ربُّك في هذه الحالة. وقع الخلاف بين أهل العلم في وقوع الزائد في القرآن الكريم، فمنهم من أنكره كالمبرد وثعلب، وأكثر العلماء على إثبات ذلك؛ لكنهم اختلفوا في تسميته فمنهم من يسميه: صلة، ومنهم من يسميه: المقحم.","vol":"16","page":487},{"text":"ربُّك من الهُدَاة والنُّصَّار (١). وهذا مما قد تقدم فيه الكلام (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2934>٣٢ </span>- وقوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾ (٣) قال الكلبي: كانت كفار قريش يأتون رسول الله -ﷺ- فيتعنتونه، ويسألونه، ويقولون: تزعم أنك رسول من عند الله أفلا أتيتنا بالقرآن جملة واحدة كما أنزلت التوراة، والإنجيل، والزبور (٤) فأنزل الله هذه\n_________\n= قال الزركشي: واعلم أن الزيادة واللغو من عبارة البصريين، والصلة والحشو من عبارة الكوفيين، قال سيبويه عقب قوله تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ﴾ [النساء: ١٥٥]: إن (ما) لغو؛ لأنها لم تُحدث شيئًا. والأولى اجتناب مثل هذه العبارة في كتاب الله تعالى؛ فإن مراد النحويين بالزائد من جهة الإعراب لا من جهة المعنى. \"البرهان في علوم القرآن\" ٣/ ٨٠ وقال أيضًا: ومعنى كونه زائدًا أن أصل المعنى حاصل بدونه دون التأكيد؛ فبوجوده حصل فائدة التأكيد، والواضع الحكيم لا يضع الشيء إلا لفائدة. وسئل بعض العلماء عن التأكيد بالحرف وما معناه، إذ إسقاط الحرف لا يخل بالمعنى؟ فقال: هذا يعرفه أهل الطباع إذ يجدون أنفسهم بوجود الحرف على معنى زائد لا يجدونه بإسقاط الحرف. \"البرهان\" ٣/ ٨٢ وهذا كلام حسن. وتكلم عن هذه المسألة د. عبد الفتاح الحموز في رسالته: \"التأويل النحوي في القرآن الكريم\"، حيث عقد فصلًا عنوانه: الزيادة في التنزيل.\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٦٦.\n(٢) قال الواحدي في تفسير الآية ٦، من سورة النساء ﴿وَكَفَى بِاللهِ حَسِيبًا﴾ والباء في قوله: ﴿وَكَفَى بِاللهِ﴾ ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ﴾ في جميع القرآن زائدة. قال الزجاج: المعنى: كفى الله، كفى ربك. واستقصاء هذا مذكور في هذه السورة عند قوله: ﴿وَكَفَى بِاللهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللهِ نَصِيرًا﴾ [النساء: ٤٥]. وتفسير هذه الآية من القسم المفقود من البسيط.\n(٣) لم يسندوا فعل التنزيل لله -﷿-، لكونهم ينكرون ذلك، فلإنكارهم إنزال القرآن من عند الله تعالى بني الفعل للمفعول ﴿نُزِّلَ﴾. والله أعلم. \"نظم الدرر\" ١٣/ ٣٧٨.\n(٤) \"تنوير المقباس\" ص ٣٠٢. وهذا يدل على اعتراضهم على كيفية نزول القرآن، أخرج ابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٨٩، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس -﵄- قال: قال المشركون: إن كان محمد كما يزعم نبيًا فلم يعذبه ربه، ألا ينزل عليه القرآن","vol":"16","page":488},{"text":"الآية (١). والمعنى: هلا نزل عليه القرآن في وقت واحد (٢).\n_________\n= جملة واحدة. وهذا يدل على أنهم قالوه شفقة، ورحمة!؟ وذكر القرطبي ١٣/ ٢٨، أنها نزلت في كفار قريش. وأخرج ابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٨٩، عن ابن عباس: أن اليهود قالوا: يا أبا القاسم، لولا أنزل هذا القرآن جملة واحدة كما أنزلت التوراة على موسى فأنزل الله بل نثبت به فؤادك. ولم يذكر ابن أبي حاتم من حدثه به، بل قال: ذُكر عن عبد الرحمن بن عمر بن رُسته الأصبهاني، بسنده إلى ابن عباس، وعبد الرحمن هذا ثقة، لكن له غرائب. \"ميزان الاعتدال\" ٢/ ٥٧٩، و\"التقريب\" ص ٥٩٢. وفيه أيضًا: حكيم بن جبير، ضعيف رمي بالتشيع. ميزان الاعتدال ١/ ٥٨٣، و\"التقريب\" ٢٦٥. ولا يلزم من هذا القول أن تكون الآية مدنية، بل هو يدل على اعتراض المشركين من قريش ومن اليهود، على طريقة إنزال القرآن. والله أعلم. واعتراض المشركين على إنزال القرآن جملة اعتراض لا طائل تحته؛ لأن الإعجاز لا يختلف بنزوله جملة، أو مفرقًا. تفسير البيضاوي ٢/ ١٤٠.\n(١) قال الزمخشري ٣/ ٢٧٠: نُزَّل هاهنا بمعنى: أنزل، لا غير، كخبَّر بمعنى: أخبر، وإلا كان متدافعًا. قال أبو حيان ٦/ ٤٥٥: وإنما قال: إنَّ نُزَّل بمعنى: أنزل؛ لأن: نزَّل عنده أصلها أن تكون للتفريق، فلو أقره على أصله عنده من الدلالة على التفريق تدافع هو .. وقد قررنا أن: نزل لا تقتضي التفريق؛ لأن التضعيف فيه عندنا مرادف للهمزة وذكر نحوه ابن عاشور ١٩/ ١٩. وقد ورد القرآن باللفظين، في موضع واحد، قال تعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ﴾ [محمد:٢٠].\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٦٦. وأنزل الله -﷿- القرآن جملة واحدة من السماء السابعة إلى السماء الدنيا، في ليلة القدر، قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر: ١] وقال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة: ١٨٥] وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ [الدخان: ٣]، ثم نزل بعدُ مفرقًا على النبي -ﷺ- وقد بين هذا وفصله ابن عباس -﵄- أخرج عنه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٨٩؛ لكن إسناده ضعيف، لضعف حكيم بن جبير، انظر: ميزان الاعتدال ١/ ٥٨٣، و\"التقريب\" ٢٦٥. وأخرج ابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٩٠، نحوه، مختصرًا عن ابن عباس -﵄- أيضًا، وفي إسناده: أبو يحيى =","vol":"16","page":489},{"text":"قال الله تعالى: ﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ قال الزجاج: أنزلناه كذلك متفرقًا؛ لأن معنى قولهم: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾ يدل على معنى: لِمَ نزل عليه القرآن متفرقًا فأعلموا لِمَ ذلك (١)؛ وهو قول: ﴿لِنُثَبِّتَ﴾ وذهب قوم إلى أن قوله: ﴿كَذَلِكَ﴾ من كلام المشركين؛ فقالوا: إنهم قالوا: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ﴾ أي: كالتوراة، والإنجيل، والكتب المتقدمة (٢). وعلى هذا نحتاج إلى إضمار في الآية\n_________\n= الحِمّاني، واسمه: عبد الحميد بن عبد الرحمن، أبو يحي الكوفي، صدوق يخطئ، ورمي بالإرجاء. ميزان الاعتدال ٢/ ٥٤٢، و\"التقريب\" ص ٥٦٦. وفيه: حبيب بن أبي الأشرس، ضعيف جدًا بل متروك. \"ميزان الاعتدال\" ١/ ٤٥٠. و\"تاريخ ابن معين\" ٣/ ٣٥٦، رقم: [١٧٢٥]. وأخرجه عنه النسائي في \"السنن الكبرى\" ٥/ ٦، من طريق داود بن أبي هند عن عكرمة. وقد أورد ابن كثير ٦/ ١١٠، حديث النسائي، ولم يعلق عليه.\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٦٦. وقد اقتصر الواحدي -﵀- على هذا القول في: \"الوسيط\" ٣/ ٣٤٠، و\"الوجيز\" ص ٧٧٨، مما يدل على اختياره له، وإن لم يصرح بهذا هنا. والله أعلم.\n(٢) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٦٧، ولم ينسبه. ونقله عنه النحاس، القطع والائتناف ٢/ ٤٨٣. وقال النحاس في \"إعراب القرآن\" ٣/ ١٦٠: والأولى أن يكون التمام ﴿جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾؛ لأنه إذا وقف على ﴿كَذَلِكَ﴾ صار المعنى: كالتوراة والإنجيل والزبور، ولم يتقدم لها ذكر. وهذا قول حسن، ولأن مشركي قريش لم يكونوا أهل كتاب حتى يطالبوا بالمثلية؛ وعليه فإن هذه الآية لا تصلح دليلًا للقول بأن الكتب السماوية السابقة كانت تنزل جملة واحدة، وما ذُكر من حكمة الإنزال المفرق تشهد للقول بأنها كانت تنزل مفرقة. وقد ورد هذا المعنى صريحًا في قولٍ لابن عباس -﵄- أخرجه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٩٠، بلفظ: لنشدد به فؤادك، ونربط على قلبك، يعني. بوحيه الذي نزل به جبريل عليك من عند الله، وكذلك يفعل بالمرسلين من قبلك. لكن في إسناده بشر بن عمارة، وهو ضعيف، =","vol":"16","page":490},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= والضحاك، وهو لم يلق ابن عباس، كما تقدم في صدر السورة. وعليه فإن ما ذكره الواحدي -﵀- في آخر تفسيره لهذه الآية من أن التوراة أنزلت جملة؛ لأنها أنزلت على نبي يقرأ ويكتب، يحتاج إلى دليل يثبته، والله أعلم. وقد حَسَّن القول بأن قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ﴾ من قول المشركين، ابنُ الأنباري. نقله عنه القرطبي ١٣/ ٢٩. واقتصر عليه الآلوسي ١٩/ ١٥، مع أنه صدره بـ (قيل). ولعل اقتصاره عليه لترجيحه أن نزول الكتب السابقة كان جملة. وسيأتي ذكر قوله. وردَّ هذا القول البقاعي، في \"نظم الدرر\" ١٣/ ٣٨٠، وعلل ذلك بأن نزول الكتب السابقة إنما كان منجمًا، ولم يكن جملة. وقد بَيَّن رأيه هذا ووضحه واستدل عليه عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤] \"نظم الدرر\" ٥/ ٥٠٧. وذهب إلى هذا أيضًا الشوكاني، حيث قال ٤/ ٧٠: وهذا زعم باطل، ودعوى داحضة، فإن هذه الكتب نزلت مفرقة كما نزل القرآن، ولكنهم معاندون، أو جاهلون لا يدرون بكيفية نزول كتب الله سبحانه على أنبيائه. ومثله المراغي ١٩/ ١٢. وكذا ابن عاشور ١٩/ ١٨، وبعد أن قرر هذا قال: فخوض المفسرين في بيان الفرق بين حالة رسولنا من الأمية، وحالة الرسل الذين أنزلت عليهم الكتب اشتغال بما لا طائل تحته، فإن تلك الكتب لم تنزل أسفارًا تامة قط. وقد نبه على هذا القاسمي أيضًا، ومما قاله في \"محاسن التأويل\" ١٢/ ٢٦١: والحال أن القول بنزولها دفعة واحدة، لا أصل له، وليس عليه أثارة من علم، ولا يصححه عقل. وأما البرسوي ٦/ ٢٠٩، فقد جزم بأن إنزال القرآن منجمًا فضيلة خص بها نبينا محمد -ﷺ- من بين سائر الأنبياء. لكنه لم يذكر ما يدل على هذا التخصيص. وكذلك الآلوسي ١٩/ ١٥، حيث قال: أي: هلا أنزل القرآن عليه ﵊، دفعة غير مفرق، كما أنزلت التوراة والإنجيل والزبور، على ما تدل عليه الأحاديث والآثار، حتى كاد يكون إجماعًا، كما قال السيوطي. ثم رد قول من قال بخلاف ذلك، ولكنه لم يذكر شيئًا من هذه الأحاديث، والآثار. ولم يذكر السيوطي هذا في \"الدر المنثور\"، عند تفسير هذه الآية، وكذا لم أجده في \"الإتقان\". والله أعلم.\nوأما قول الله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف. ١٤٥] فقد وقع الخلاف بين المفسرين هل هذه الألواح هي التوراة أم لا؟. قال ابن كثير بعد أن ذكر الخلاف: وعلى كل تقدير كانت كالتعويض له عما سأل من الرؤية ومنع منه. \"تفسير ابن كثير\" ٣/ ٤٧٤.","vol":"16","page":491},{"text":"ليصح النظم، وهو أن نقول: تقديره: أنزلناه متفرقًا لنثبت به فؤادك (١). أى: ليقوى به قلبك، فتزداد بصيرة. وذلك أنه إذا كان الوحي يأتيه متجددًا في كل أمر وحادثة كان ذلك أزيد في بصيرته، وأقوى لقلبه (٢). وذكرنا معنى تثبيت الفؤاد عند قوله: ﴿مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ [هود: ١٢٠] (٣). وقال أبو عبيدة: ﴿لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ أي: لنطيب به نفسك، ونشجعك (٤). وهذا معنى ما ذكرناه.\nقوله تعالى: ﴿وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾ قال ابن عباس: بيَّناه بيانًا (٥). وقال إبراهيم: فرَّقناه في التنزيل (٦). وهو معنى قول الحسن (٧). وقال السدي:\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٦٧.\n(٢) \"الوسيط\" ٣/ ٣٤٠. وذكر مقاتل ٤٥ أ، أن التثبيت هنا للقرآن في قلب النبي -ﷺ- فقال: يعني: ليثبت القرآن في قلبك. وفي \"تأويل مشكل القرآن\" ص ٢٣٢ الخطاب هنا للنبي -ﷺ- والمراد بالتثبيت هو والمؤمنون\n(٣) قال الواحدي في تفسير هذه الآية: قال ابن عباس: يريد: لنزيدك يقينًا، وفسر التثبيت هاهنا بالتشديد عن ابن عباس، وبالتقوية عن الضحاك، والتصبير عن ابن جريج؛ وهو الأقرب؛ لأن ما يُقص عليه من إنباء الرسل إنما هو للإعتبار بها لما فيها من حسن صبرهم على أممهم.\n(٤) \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ٢/ ٧٤. وفي \"تنوير المقباس\" ص ٣٠٣: لنطيب به فؤادك، ونحفظ به قلبك.\n(٥) في \"الوسيط\" ٣/ ٣٤٠، منسوبًا لابن عباس -﵄-: بيناه تبيينًا. وهو كذلك في \"الوجيز\" ص ٧٧٨، لكنه غير منسوب. وفي \"تنوير المقباس\" ص ٣٠٣: تبيانًا، بدل: بيانًا. ونسبه الهواري ٣/ ٢٠٩، لقتادة، وأخرجه عن قتادة ابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٩١. وأخرج أيضًا عن ابن عباس: ﴿وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾، يقول: شيء بعد شيء.\n(٦) أخرجه ابن جرير ١٩/ ١١، وابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٩١.\n(٧) أخرجه عبد الرزاق ٢/ ٦٩. وابن جرير ١٩/ ١١، وابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٩٠.","vol":"16","page":492},{"text":"فصَّلناه تفصيلًا (١). وقال الزجاج: أنزلناه على الترتيل؛ وهو: ضد العجلة (٢).\nوقال ابن الأعرابي: ما أعلم الترتيل إلا التحقيق والتبيين (٣).\nقال الليث: الرَّتَل، بفتح التاء: تنسيق الشيء. وثغر رَتِل، حسن المُتَنَضَّد. ورتلت الكلام ترتيلًا، إذا تمهلت فيه وأحسنت تأليفه. وهو يترتل في كلامه، ويترسل (٤). فمعنى الترتيل في الكلام: أن يأتي به بعضُه في أثر بعض، على تؤدة، وتمهل؛ كما لثغر الرتَل، وهو: ضد المتراص. وهذا معنى قول مجاهد، في تفسير الترتيل: بعضه على أثر بعض (٥).\nقال المفسرون: وكان بين أول نزول القرآن، وآخره، نحو من: ثلاث وعشرين سنة (٦). وإنما أنزلت التوراة جملة؛ لأنها نزلت مكتوبة، على نبي\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٩١.\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٦٦.\n(٣) ذكره الأزهري، \"تهذيب اللغة\"١٤/ ٢٦٨ (رتل)، عن أبي العباس، بلفظ: ما أعلم الترتيل إلا التحقيق والتمكين، أراد: في قراءة القرآن.\n(٤) كتاب \"العين\" ٨/ ١١٣ (رتل)، ونقله الأزهري، \"تهذيب اللغة\" ١٤/ ٢٦٨ (رتل). قال ابن عاشور ١٩/ ٢٠: اتفقت أقوال أئمة اللغة على أن هذا الترتيل مأخوذ من قولهم: ثغر مرتَّل، ورتِل ... ولم يوردوا شاهدًا عليه من كلام العرب.\n(٥) \"تهذيب اللغة\" ١٤/ ٢٦٨ (رتل). ويجوز أن يراد بـ ﴿وَرَتَّلْنَاهُ﴾ أمرنا بترتيله، أي بقراءته مرتلًا، أي: بتمهل بأن لا يعجَل في قراءته، كقوله تعالى: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل: ٤]. \"تفسير ابن عاشور\" ١٩/ ٢٠. وأثر وإثر معناهما واحد؛ قال ابن السكيت: يقال خرجت في أثره وإثره. \"تهذيب اللغة\" ١٥/ ١٢١ (أثر).\n(٦) أكثر أهل العلم على ذلك، وما ورد من تحديد المدة بعشرين سنة، أو: اثنتين وعشرين، فمحمول على التقريب لا التحديد. والله أعلم. وممن ورد عنه القول بعشرين سنة؟ ابن عباس، أخرجه عنه النسائي. في \"السنن الكبرى\" ٥/ ٦، =","vol":"16","page":493},{"text":"يكتب، ويقرأ، وأُنزل القرآن متفرقًا؛ لأنه أنزل على نبي أمي لا يكتب، ولا يقرأ، ولأن منه: الناسخ والمنسوخ، ومنه: ما هو جواب عن أمور سألوه عنها؛ فلذلك أُنزل متفرقًا (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2935>٣٣ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ﴾ يعني: المشركين (٢) ﴿بِمَثَلٍ﴾ (٣) يضربونه لك في إبطال أمرك، ومخاصمتك، كما قالوا: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾ ﴿إِلَّا جِئْنَاكَ﴾ بالذي هو الحق لترد به خصومتهم، وتبطل به كيدهم، وما جاؤا به من المثل (٤).\n_________\n= وذكره عنه ابن كثير ٦/ ١١٠. وأخرج عبد الرزاق ٢/ ٦٩، وابن جرير ١٩/ ١١، وابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٩٠، عن الحسن، أن بين أوله وآخره نحو من عشرين سنة. وبه قال الفراء، ٢/ ٢٦٧، والزجاج ٤/ ٦٦. واقتصر عليه ابن جزي ٤٨٤. وقال ابن جريج: اثنتين وعشرين، أو ثلاث وعشرين. أخرجه عنه ابن جرير ١٩/ ١١. وممن قال بثلاث وعشرين سنة، ابن قتيبة في \"تأويل مشكل القرآن\" ٢٣٢. والهواري ٣/ ٢٠٩. وابن كثير ٦/ ١٠٩. والشنقيطي ٣/ ٥٧٦.\n(١) ذكر هذا التعليل الطوسي ٧/ ٤٨٨، ولم ينسبه، وكذا البغوي ٦/ ٨٣. وفي هذه الآية بيان لحكمة إنزال القرآن مفرقًا، إذ لو نزل جملة لسبق الحوادث التي كانت ينزل فيها القرآن، ولو نزل جملة بما فيه من الفرائض لثقل ذلك عليهم.\nوقد ذكر ابن قتيبة هذه الحكم في كتابه: \"تأويل مشكل القرآن\" ص ٢٣٢. والنحاس، \"إعراب القرآن\" للنحاس ٣/ ١٥٩. والرازي ٢٤/ ٧٩، حيث ذكر ثمانية أوجه. لكن يبقى القول بأن حكمة التفريق حتى يعيه النبي -ﷺ- ويحفظه بعيد؛ لأنه لا يدل عليه لفظ الآية، ولأن الله تعالى قد تكفل له بحفظه ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (٦) إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ [الأعلى ٦ - ٧]. والله أعلم. والقول بالتفريق بين الكتب السابقة في كيفية نزولها لأجل اختلاف أحوال الأنبياء في القراءة والكتابة سبقت الإجابة عنه.\n(٢) \"تفسير الهوَّاري\" ٣/ ٢٠٩. وابن برير ١٩/ ١١\n(٣) تنكير مثل، في سياق النفي، يدل على التعميم. \"تفسير ابن عاشور\" ١٩/ ٢١.\n(٤) قال البغوي ٦/ ٨٣: فسمى ما يوردون من الشبه مثلًا، وسمى ما يدفع به الشبه =","vol":"16","page":494},{"text":"﴿وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ أي: من مَثَلهم (١). قال الزجاج: وحذفت من؛ لأن في الكلام دليلًا عليه، لو قلت: رأيتُ زيدًا وعمْرًا، فكان عمْرٌو (٢) أحسن وجهًا. كان في الكلام دليل على أنك تريد: مِنْ زيد (٣). وهذا الذي ذكرنا معني قول مقاتل، في هذه الآية (٤)\nوذكر عطاء والكلبي، بيان ما يأتون به، وما يجيء الله به مما هو الحق؛ فقالا: ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ﴾ كما أتوا به في صفة عيسى فقالوا: إنه خُلِق من غير أب (٥) ﴿إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾ هو أي: بما فيه نقض لحجتهم؛ وهو: آدم، خُلِق من غير أب، ولا أم. وهذا معنى قوله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ﴾ الآية (٦) [آل عمران: ٥٩].\nوأما معنى التفسير، فهو: تفعيل، من: الفسر. قال ابن الأعرابي: الفَسْرُ: كشفُ ما غطي (٧). وقال الليث: الفسر: التفسير، وهو البيان،\n_________\n= حقًا. قال السعدي ٥/ ٤٧٨: وفي هذه الآية دليل على أنه ينبغي للمتكلم في العلم، من محدث، ومعلم، وواعظ، أن يقتدي بربه، في تدبيره حال رسوله، كذلك العالم يدبر أمر الخلق، وكلما حدث موجب، أو حصل موسم، أتى بما يناسب ذلك من الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية، والمواعظ الموافقة لذلك.\n(١) قال الهواري ٣/ ٢٠٩: وقال بعضهم: أحسن تفضيلًا.\n(٢) (فكان عمرو) ساقطة من (ج).\n(٣) \"معاني القرآن\" للزجاج٤/ ٦٧.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ص ٤٥ أ.\n(٥) ذكر هذا القول القرطبي ١٣/ ٣٠ ولم ينسبه. وذكر عن الكلبي أنه قال ﴿وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ أي: تفصيلًا، ومثل ذلك ذى ابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٩١، عن عطاء ولم يذكر هذا المثل.\n(٦) الشاهد من الآية، لم يذكر، وهو قوله: ﴿كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ولم أجد هذا القول في \"الوسيط\"، و\"الوجيز\".\n(٧) \"تهذيب اللغة\" ١٢/ ٤٠٦ (فسر).","vol":"16","page":495},{"text":"والتفصيل، والتَفْسِرَة: كل شيء يعرف به تفسير الشيء ومعناه. ولهذا قيل للبول الذي ينظر فيه الأطباء، فيستدلون به على علة العليل: تَفْسِرة (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2936>٣٤ </span>- قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ﴾ قال الكلبي: هم أهل الكتاب. وقال مقاتل: هم كفار مكة (٢)؛ وذلك أنهم قالوا لمحمد، وأصحابه: هم شر خلق الله. فأنزل الله هذه الآية. قال أنس: سُئل رسول الله -ﷺ-: كيف يحشر أهل النار على وجوههم؟ فقال:\"إن الذي أمشاهم على أرجلهم قادر على أن يمشيهم على وجوههم\" (٣).\n_________\n(١) \"العين\" ٧/ ٢٤٧ (فسر)، ونقله عنه الأزهري، \"تهذيب اللغة\" ١٢/ ٤٠٦.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ص ٤٥ ب. وفي \"تنوير المقباس\" ص ٣٠٣: أبو جهل وأصحابه.\n(٣) أخرجه الواحدي بسنده، في \"الوسيط\" ٣/ ٣٤٠، وقال في آخره: رواه البخاري، عن عبد الله بن محمد عن يونس بن محمد. نعم، هو كذلك عند البخاري من حديث أنس -﵁- في التفسير، باب ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ﴾ رقم ٤٧٦٠، \"الفتح\" ٨/ ٤٩٢، ولفظه: (أن رجلًا قال: يا نبي الله يحشر الكافر على وجهه يوم القيامة؟ قال: أليس الذي أمشاه على الرجلين في الدنيا قادرًا على أن يمشيه على وجهه يوم القيامة). وأخرجه مسلم ٤/ ٢١٦١، كتاب صفات المنافقين وأحكامهم، رقم ٢٨٠٦، وفيه: قال قتادة: بلى، وعزة ربنا. وأخرجه الطبري ١٩/ ١٢، عن أنس -﵁- من ثلاثة طرق. ونظير هذه الآية قوله تعالى: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا﴾ [الإسراء: ٩٧]، وبهذا يبطل القول بأن هذا تمثيل، كما يقال: جاءني على وجهه، أي: كارهًا. وقد ذكر هذا القول النحاس ٣/ ١٦٠، وصدره بقوله: قيل، ولم يدفعه، مع أنه قد ذكر الحديث المرفوع السابق. وكذلك لك فعل ابن عطية ١١/ ٣٨. أما القرطبي ١٠/ ٣٣٣، فقد قال بعد ذكر حديث أنس -﵁-. فرحمه الله. وجزم ابن جزي بأن هذا حقيقة لحديث أنس -﵁- يذكر غيره. وكذا فعل ابن كثير ٦/ ١١٠، حيث اقتصر على ذكر هذا الحديث، ثم قال: وهكذا قال مجاهد، والحسن، وقتادة، وغير واحد من المفسرين. قال =","vol":"16","page":496},{"text":"قوله: ﴿أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا﴾ قال ابن عباس: يريد مصِيرًا ﴿وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ أي: دينًا وطريقًا (١). وهذه الآية من قِبَلِ قوله: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا﴾ [الفرقان: ٢٤]. وقوله: ﴿أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ﴾ [الفرقان: ١٥]، وقد مَرَّ (٢). قال مقاتل، في هذه الآية، يقول: هو شر منزلًا وأخطأُ طريقًا من المؤمنين (٣).\nوقال أبو إسحاق: ﴿الَّذِينَ﴾ ابتداء، ﴿أُولَئِكَ﴾ ابتداءٌ ثان، وشرٌ: خبره، وهما: خبرا ﴿الَّذِينَ﴾ (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2937>٣٥ </span>- وقوله ﴿وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا﴾ (٥) قال مقاتل\n_________\n= البرسوي ٦/ ٢١٠: ولما استكبر الكفار واستعلوا حتى لم يخروا لسجدة الله تعالى حشرهم الله تعالى على وجوههم.\n(١) أخرج نحوه ابن جرير ١٩/ ١٢، عن مجاهد. وأخرج ابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٩٢، عن ابن عباس: ﴿وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ يقول: وأبعد حجة.\n(٢) ومثلها أيضًا قوله تعالى: ﴿أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾ [مريم: ٧٣] وقوله تعالى: ﴿فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضْعَفُ جُنْدًا﴾ [مريم: ٧٥].\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ص ٤٥ ب. بمعناه قال البيضاوي ٢/ ١٤١: والمفضل عليه هو الرسول -ﷺ- على طريقة قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ﴾ [المائدة: ٦٠].\n(٤) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٦٧.\n(٥) قال الرازي ٢٤/ ٨٠: اعلم أنه تعالى لما قال: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا﴾ أتبعه بذكر جملة من الأنبياء، وعرفه بما نزل بمن كذب من أممهم. وذكر أبو حيان ٦/ ٤٥٧، أن تقديم ذكر نبي الله موسى -ﷺ- لأنه نزل عليه الكتاب جملة واحدة، ومع ذلك كفروا به. وخالفه البقاعي في \"نظم الدرر\" ١٣/ ٣٨٥ فقال: وقدم قصة موسى -﵇-، لمناسبة الكتاب في نفسه أولًا، وفي تنجيمه ثانيًا. وقال في ص ٣٨٤: وفيه إشارة إلى أنه لا ينفع في إيمانهم إرسال ملَك -كما اقترحوا- ليكون معه نذيرًا. أما ابن عاشور فقد ذكر (١٩/ ٢٥) أن الابتداء بذكر نبي الله موسى -ﷺ- لأنه أقرب =","vol":"16","page":497},{"text":"والكلبي، يعني: معينًا على الرسالة (١).\nوقال الزجاج: الوزير في اللغة: الذي يُرجع إليه ويُتحصن برأيه والوَزَرَ: ما يُلتجأ إليه ويُعتصم به (٢). وذكرنا تفسير الوزير، عند قوله: ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي﴾ [طه: ٢٩] (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2938>٣٦ </span>- ﴿فَقُلْنَا اذْهَبَا﴾ قال الكلبي (٤): هذا لموسى خاصة. ونحو هذا ذكر الفراء؛ فقال: إنما أمر موسى وحده بالذهاب (٥)، وعلى هذا خوطب\n_________\n=زمنًا من الذين ذكروا بعده. ثم قال: فإن صح ما روي أن الذين قالوا: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾ اليهود، فوجه الابتداء بذكر ما أوتي موسى أظهر.\n(١) \"تفسير مقاتل\" ص ٤٥ ب. و\"تنوير المقباس\" ص ٣٠٣. وذكره ابن جرير ١٩/ ١٢، ولم ينسبه. وأخرج ابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٩٣، نحوه عن قتادة. وذكر الهواري ٣/ ٢٠٩، ثلاثة أقوال: عوينًا، عضدًا، شريكًا في الرسالة، ثمَّ قال: وهو واحد، وذلك قبل أن تنزل عليهما التوراة، ثم نزلت فقال: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ﴾ [الأنبياء: ٤٨].\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٦٧. واستشهد على ذلك بقوله تعالى: ﴿كَلَّا لَا وَزَرَ﴾ [القيامة:١١]. وكذا النحاس، \"إعراب القرآن\" ٣/ ١٦٠.\n(٣) قال الواحدي في تفسير هذه الآية: قال المفسرون: عونًا وظهيرًا. وقال أبو إسحاق: الوزير في اللغة اشتقاقه من الوَزَر، وهو الجبل الذي يعتصم به لينجي من الهلكة، وكذلك وزير الخليفة معناه: الذي يعتمد على رأيه في أموره ويلتحئ إليه.\n(٤) (الكلب) ساقطة من (ج).\n(٥) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٦٨، وقال أيضًا: وهذا بمنزلة قوله: ﴿نَسِيَا حُوتَهُمَا﴾ [الكهف: ٦١] وقوله: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ [الرحمن: ٢٢]. وقال السمرقندي: يعني به موسى، كقوله -﷿- في سورة طه [٤٢]،: ﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ﴾ خاطب موسى خاصة إلى القوم. وقد نقد الفراءَ أبو جعفر النحاس، في إعراب القرآن ٣/ ١٦١، فقال: وهذا مما لا ينبغي أن يجترأ به على كتَاب الله -﷿-، وقد قال جل ثناؤه: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (٤٤) قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى﴾ [طه ٤٤، ٤٥] هذا هو الصواب، الموافق لظاهر =","vol":"16","page":498},{"text":"الواحد بخطاب الاثنين، وهو من عادة العرب، كما أنشد النحويون:\nفقلت لصاحِبي لا تحبسانا ... بِنَزْعِ أُصولِه واجتزَّ شِيْحَا (١)\nوإن كان الخطاب لهما فهو ظاهر (٢).\nقوله: ﴿إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا﴾ يعني: فرعون وقومه (٣). قال أهل المعاني: ذكرهم الله هاهنا بالصفة القائمة مقام الاسم؛ لأنهم كانوا عند نزول القرآن قد كذبوا بآيات موسى وإن لم يكونوا موصوفين بالتكذيب عند إرسال موسى إليهم (٤).\n_________\n= الآية، ويؤيده قوله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا﴾ [مريم: ٥٣].قال المراغي ١٩/ ١٦: فإنه وإن كان نبيًا فالشريعة لموسى -﵇-، وهو تابع له فيها، كما أن الوزير متبع لسلطانه. وقد رد الرازي ٢٤/ ٨١، على من استدل بكون هارون وزيرًا على أنه ليس بنبي بكلام جيد. فيراجع. وأما قوله تعالى: ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾ [النازعات: ١٧] فلا ينافي هذا؛ لأنهما إذا كانا مأمورين فكل واحد مأمور. \"تفسير القرطبي\" ١٣/ ٣١.\n(١) أنشده الفراء، \"معاني القرآن\" ٣/ ٧٨، وعنه ابن قتيبة، \"تأويل مشكل القرآن\" ص ٢٩١، وابن جني في \"سر صناعة الإعراب\" ١/ ١٨٧، ولم ينسبوه. وفي \"حاشية تأويل مشكل القرآن\": المعنى لا تحبسنا عن شي اللحم بأن تقطع أصول الشجر، بل خذ ما تيسر من الشيح؛ والشيح: نبت طيب الرائحة، واجتز: اقطع، والشاهد: قوله: تحبسانا: خاطب الواحد بلفظ الاثنين. وأنشده في \"لسان العرب\" ٥/ ٣١٩ (جزز) نقلًا عن ثعلب والكسائي، ونسباه ليزيد بن الطَّثَرِية، وُيروى: واجْدَزَّ، ثم قال: قال ابن بري: ليس هو ليزيد بن الطثرية؛ وإنما هو لمضرس بن ربعي الأسدي.\n(٢) وقد جزم بهذا القرطبي ١٣/ ٣٠، -وهو الصحيح- وضعف القول الآخر بتصديره بقيل. ولم يتعرض الواحدي لنقد هذا القول مع أنه حري بذلك. والله أعلم.\n(٣) \"تنوير المقباس\" ص ٣٠٣، والهواري ٣/ ٢٠٩، والزجاج ٤/ ٦٧، وزاد: والذين مسخوا قردة وخنارير.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ص ٤٥ ب، حيث جعل الآيات هنا آيات نبي الله موسى -ﷺ- التسع. =","vol":"16","page":499},{"text":"ويحتمل أن يكون المعنى: اذهبا بآياتنا إلى القوم الذين كذبوا، فتكون الآيات من صلة الذهاب، لا من صلة التكذيب، وتكذيبهم في ذلك الوقتِ لم يكن بآيات موسى، وإنما كان بآيات مَنْ تقدمه من الأنبياء؛ كإبراهيم وإسحاق ويعقوب. وفرعونُ حين ادعى الربوبية، وقومُه لمَّا أطاعوه، كانوا مكذبين أنبياء الله وكتبه (١).\nقوله: ﴿فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا﴾ أي: أهلكناهم بالعذاب (٢) إهلاكًا. يعني:\nالغرق (٣)، وما دمر عليه (٤) من صنايعهم كقوله: ﴿وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ﴾ [الأعراف: ١٣٧]، وقال صاحب النظم: معنى الآية: فذهبا، وكُذِّبَا ﴿فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا﴾ ودخول الفاء دلالة على هذا الإضمار. والتدمير لم يكن بعد الأمر لهما بالذهاب، إنما كان بعد الذهاب والتكذيب (٥).\n_________\n= ونسبه السمرقندي ٢/ ٤٦٠، للكلبي، ثم قال: وقال بعضهم: هذا التفسير خطأٌ. لأن الآيات التسع أعطاها الله تعالى موسى بعد ذهابه إليه.\n(١) اختار هذا القول الواحدي في \"الوسيط\" ٣/ ٣٤٠، واقتصر عليه، ولم يتعرض لذلك في \"الوجيز\". واختاره ابن الجوزي ٦/ ٨٩. وشهد لهذا العموم \"تفسير مجاهد\" للآيات في هذه الآية بالبينات، دون تحديد لها. أخرجه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٩٣. قال السمرقندي ٢/ ٤٦٥: ﴿بِآيَاتِنَا﴾ أي: بتوحيدنا، وديننا.\n(٢) أخرجه ابن أبي حاتم ١٧٩ ب، عن ابن عباس -﵄- وعن السدي. وذِكرُ لفظ التدمير للمبالغة في وصف ما أصابهم؛ لأنه كسر الشيء على ووجهٍ لا يمكن معه إصلاحه. \"تفسير المراغي\" ١٩/ ١٥ و\"روح المعاني\" ١٩/ ١٨.\n(٣) \"تنوير المقباس\" ص ٣٠٣. بمعناه، و\"تفسير مقاتل\" ٤٥ ب. بنصه، و\"تفسير هود الهواري\" ٣/ ٢٠٩.\n(٤) كذا في النسخ الثلاث: عليه، ولعل الصواب: عليهم.\n(٥) قال الرازي ٢٤/ ٨١: التعقيب هاهنا محمول على الحكم لا على الوقوع، وقيل: إنه تعالى أراد اختصار القصة فذكر حاشيتيها أولها وآخرها لأنهما ألمقصود من القصة بطولها، أعني إلزام الحجة ببعثة الرسل، واستحقاق التدمير بتكذيبهم.","vol":"16","page":500},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2939>٣٧ </span>- قوله تعالى: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ﴾ قال الفراء: نصبت قوم نوح بـ ﴿لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ﴾ وإن شئت بالتدمير المذكور قبلهم (١).\nقوله: ﴿لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ﴾ وقال الزجاج: من كذب نبيًا فقد كذب جميع الأنبياء (٢)، وقوم نوح إذ كذبوه، فقد كذبوا أيضًا من قبله من الرسل (٣)، فلذلك قال: ﴿لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ﴾ وهذا قول الكلبي، قال:\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٦٨. واعترض النحاس على الفراء في أنه منصوب بـ ﴿أَغْرَقْنَاهُمْ﴾ فقال: وهذا لا يحصل؛ لأن أغرقنا ليس مما يتعدى إلى مفعولين فيعمل في المضمر، وفي قوم نوح. إعراب القرآن ٣/ ١٦١.\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٦٧. بمعناه. واقتصر على هذا الواحدي في \"الوجيز\" ٢/ ٧٧٩، حيث قال: من كذَّب نبيًا فقد كذب الرسل كلهم؛ لأنهم لا يفرقون بينهم في الإيمان. وكذا البغوي ٦/ ٨٤ وابن عطية ١١/ ٤٠. واختاره ابن كثير ٦/ ١١٠.\n(٣) ما ذكره الواحدي من تكذيبهم للأنبياء الذين كانوا قبل نبي الله نوح -ﷺ- غير مسلَّم؛ لأن نوحًا -ﷺ- أول الرسل، ليس قبله أحد كما دل على ذلك قول الله -﷿-: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [النساء: ١٦٣]، \"الأصول الثلاثة وحاشيته\" ص ٤٩. ومن السنة حديث الشفاعة الطويل، وفيه: فَيَاتُونَ نُوحًا يقُولُونَ يَا نُوحُ أَنْتَ أوَلُ الرُسُلِ إِلَى أَهْل الأرْضِ وَسَمَّاكَ الله عَبْدا شَكُورًا أَمَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ أَلا تَرَى إِلَى مَا بَلَغَنَا أَلا تَشْفَعُ لَنَا إِلَى رَبكَ. أخرجه البخاري، كتاب: أحاديث الأنبياء، رقم: ٣٣٤٠، \"الفتح\" ٦/ ٣٧١، ومسلم ١/ ١٨٠، كتاب الإيمان، رقم: ١٩٣. ومثل ما قال الواحدي قال البقاعي ١٣/ ٣٨٧: ولأنهم كذبوا من مضى من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فيما سمعوه من أخبارهم. وكذا أبو السعود ٦/ ٢١٨، والقاسمي ١٢/ ٢٦٣. وسمَّى بعضَهم البرسوي ٦/ ٢١١: كشيث، وإدريس. ويحتمل جمع الرسل في الآية ما قاله ابن عاشور ١٩/ ٢٧: لأنهم أول من كذب رسولهم، فكانوا قدوة للمكذبين مِن بعدهم. وقد أجاب ابن حجر ٦/ ٣٧٢، على من استشكل كون نبي الله نوح -ﷺ- أول الرسل، بنبوة آدم، وإدريس، عليهما الصلاة والسلام بأجوبة منها: أن نوحًا -﵇- أول الرسل إلى أهل الأرض؛ لأن في زمن آدم -﵇-. لم يكن للأرض أهل، وأما إدريس -﵇- فلم يثبت أنه كان قبل نوح -﵇-. والله أعلم.","vol":"16","page":501},{"text":"يعني نوحًا وما جاءهم من خبر الرسل (١)، قال: وجوز أن يكون يعني به الواحد، ويذكر لفظ الجنس، كما تقول للرجل الذي ينفق الدرهم الواحد: أنت ممن ينفق الدراهم؛ أي: ممن نفقته من هذا الجنس. وفلان يركب الدوابَّ وإن لم يكن يركب إلا دابَّة واحدة (٢). وهذا قول ابن عباس، ومقاتل؛ لأنهما قالا في قوله: ﴿كَذَّبُوا الرُّسُلَ﴾ يعني: نوحًا وحده (٣).\nقوله: ﴿أَغرَقنَاهُمْ﴾ أي: بالطوفان (٤). قال الكلبي: أمطر الله عليهم من السماء أربعين يومًا، وخرج ماء الأرض أربعين يومًا، فصارت الأرض بحرًا واحدًا (٥).\n﴿وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ﴾ أي: لِمن بعدهم ﴿آيَةً﴾ عبرة (٦)، ودلالة على\n_________\n(١) \"تنوير المقباس\" ص ٣٠٣، بمعناه.\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٦٨، بنصه قال السمرقندي ٢/ ٤٦١: يعني نوحًا وحده، كما قال: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ﴾ [المؤمنون: ٥١] ولم يكن إلا واحد وقت هذا الخطاب فيجوز أن يذكر الجماعة ويراد به الواحد، كما يذكر الواحد ويراد به الجماعة.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ص ٤٥ ب. وأيد هذا القرطبي ١٣/ ٣١، فقال: لأنه لم يكن في ذلك الوقت رسول إليهم إلا نوح وحده. وذكر الطوسي ٧/ ٤٩٠، وجهًا غريبًا في الآية، فقال: وقيل: المعني نوحًا، والرسل من الملائكة.\n(٤) \"تنوير المقباس\" ص ٣٠٣. و\"تفسير الطبري\" ١٩/ ١٣. وهذا إغراق عام، لم ينج منه سوى أصحاب السفينة فقط. \"تفسير ابن كثير\" ٦/ ١١١.\n(٥) هذا التحديد لم أجد له دليلًا، فالماء قد فجره الله من تحتهم، وأنزله من فوقهم ﴿فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ (١١) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ [القمر ١١ - ١٢].\n(٦) \"تنوير المقباس\" ص ٣٠٣. و\"تفسير مقاتل\" ص ٤٥ ب. وأخرجه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٩٤، عن الربيع بن أنس. وفيه: عبرة ومتفكر.","vol":"16","page":502},{"text":"قدرتنا (١). قال ابن عباس: وهذا كله تعزيه للنبى -ﷺ- وتخويف للمشركين (٢).\nقوله تعالى: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ يعني: سوى ما حل بهم في الدنيا (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2940>٣٨ </span>- وقوله: ﴿وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ﴾ قال الفراء: نصبت عادًا بالتدمير (٤). وقال الزجاج: ﴿وَعَادًا﴾ عطفًا (٥) على الهاء والميم، التي في قوله: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً﴾ قال: ويجوز أن يكون معطوفًا على معنى: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ ويكون التأويل: وَعَدْنا الظالمين بالعذاب،\n_________\n(١) قال تعالى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ (١١) لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١١ - ١٢].\n(٢) \"الوسيط\" ٣/ ٣٤٠، بنصه.\n(٣) \"تفسير الطبري\" ١٩/ ١٣. بمعناه. قال القرطبي ١٣/ ٣١: أي: للمشركين من قوم نوح ... وقيل: أي: هذه سبيلي في كل ظالم. وعلى هذا يكون المراد بالظالمين قوم نوح -ﷺ- وهذا محتمل، كما قال الرازي ٢٤/ ٨١، واقتصر عليه البرسوي ٦/ ٢١١. إلا أن ظاهر الآية أعم من ذلك، فأعتدنا لكل من سلك سبيلهم في تكذيب الرسل عذابًا أليمًا. ولم يذكر البقاعي ١٣/ ٣٨٦، غير هذا، وكذا المراغي ١٩/ ١٧، ويشهد له قول الله -﷿- في قصة قوم لوط -ﷺ-: ﴿مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ [هود: ٨٣] وهذا أقرب لتحذير المشركين وتخويفهم. والله أعلم. وذكر ابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٩٤، من طريق الضحاك عن ابن عباس -﵄- أن: الظالمين، الكافرين. وذكر ابن جزي ٤٨٤ القولين دون ترجيح، وكذا البيضاوي ٢/ ١٤١. والشوكاني ٤/ ٧٣. والعذاب في الآية الأخروي؛ إن كان المراد بالظالمين قوم نوح؛ لأنه سبق الإخبار عن عذابهم في الدنيا. ويحتمل العذاب الدنيوي والأخروي؛ إن كان المراد بهم عموم الظالمين. \"تفسير أبي السعود\" ٦/ ٢١٨.\n(٤) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٦٨.\n(٥) هكذا في (أ)، (ب)، وفي (ج): (عطف).","vol":"16","page":503},{"text":"ووعدنا عادًا وثمودَ (١).\nقوله ﴿وَأَصْحَابُ الرَّسِّ﴾ الرس في اللغة: كل محفور مثل البئر، والمعدن، والقبر، ونحوها. وجمعه: رِساس، ومنه قول الجعدي:\nتَنابلةً يَحفِرون الرِّساسا (٢)\nوقال أبو عبيدة: الرس: كل رَكيَّة لم تُطوَ (٣)، بالحجارة والآجر والخشب (٤). واختلفوا في أصحاب الرس؛ [فروى عكرمة عن ابن عباس،\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج٤/ ٦٨.\n(٢) عجز بيت للنابغة، ديوانه ٨٢، وصدره:\nسَبَقْتُ إلى فَرَطٍ ناهل\nوأثده ونسبه أبو عبيدة ٢/ ٧٥، وقال: الرساس: المعادن. وأنشده ابن جرير ١٩/ ١٤، ولم ينبه، وفيه: بأهل، بالباء الموحدة تحت. وأنشده ابن قتيبة، في: غريب القرآن ٣١٣، منسوبًا للنابغة وأنشده، وذكر قول أبي عبيدة الثعلبي ٨/ ٩٩ أ. وفي \"تهذيب اللغة\" ١٢/ ٢٩٠ (رسس): وكل بئر عند العرب: رَسٌّ، وأنشد البيت للدلالة على ذلك.\nضبط: تنابلة، في التهذيب ١٢/ ٢٩٠: بالرفع، وفي \"الديوان\" و\"المجاز\" لأبي عبيدة: بالنصب. وفي \"تهذيب اللغة\" ١٣/ ٣٣١ (فرط): الفرَط: المتقدم في طلب الماء. والناهل في كلام العرب: العطشان. \"تهذيب اللغة\" ٦/ ٣٠٥ (نهل). والتنبال: الرجل القصير. \"تهذيب اللغة\" ١٤/ ٣٥٤ (تنبل).\n- النابغة الجعدي، الشاعر المشهور المعمَّر -﵁-، اختلف في اسمه فقيل: عبد الله ابن قيس، وقيل: قيس ابن عبد الله، من جَعدة بن كعب بن ربيعة، أقام مدة لا يقول الشعر ثم قاله فقيل: نبغ.\n(٣) \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ٢/ ٢٢٣، في سورة: ق. وفي \"غريب القرآن\"، لابن قتيبة ص ٣١٣، بالإثبات حيث قال: كل ركية تطوى فهي رس. وفي \"اللسان\" ٦/ ٩٩: والرس: البئر المطوية بالحجارة فكلمة: رَسَسْتُ، من الأضداد، تستعمل في الإصلاح، وتستعمل في الإفساد. \"الأضداد\" للأنباري ص ٣٨٣.\n(٤) \"تفسير الثعلبي\" ٨/ ٩٩ أ، بنصه.","vol":"16","page":504},{"text":"قال: سألت كعبًا عن أصحاب الرس؟] (١) فقال: صاحب ياسين الذي قال: ﴿يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ﴾ [يس: ٢٠] قتلوه (٢)، قتله قومه ورسَّوه في بئر لهم يقال له: الرس، أي: دسوه فيها (٣). وهذا قول مقاتل والسدي؛ قالا: الرس: بئر بأنطاكية (٤) قتلوا فيها حبيبًا النجار فنسبوا إليها (٥).\nوروى عطاء عن ابن عباس في أصحاب الرس قال: بئر كانوا عليها نزولًا (٦). وهذا قول مجاهد؛ قال: بئر كان عليها قوم يقال لهم: أصحاب الرس (٧). ونحو هذا قال وهب، قال: وبعث الله إليهم شعيبًا، وكانوا أهل\n_________\n(١) ما بين المعقوفين، ساقط من (ج). وقول كعب ذكره الثعلبي ٨/ ٩٦ أ، دون ذكر السؤال.\n(٢) كلمة: (قتلوه) في (أ)، (ب). ويوجد بعد هذه الكلمة تكرار في (ب)، قدر سطرين.\n(٣) أخرج ابن جرير ١٩/ ١٤، عن عكرمة أنه قال: أصحاب الرس بفلج هم أصحاب يس. ولم ينسبه لابن عباس. وذكره القرطبي ١٣/ ٣٢ منسوبًا لابن عباس.\n(٤) أنطاكية: قصبة العواصم من الثغور الشامية، وهي من أعيان البلاد، وأمهاتها، موصوفة بطيب الهواء وعذوبة الماء، وكثرة الفواكه وسعة الخير، حاصرها أبو عبيدة بن الجراح، وصالح أهلها، ثم نقض أهلها العهد فأرسل إليهم أبو عبيدة: عياض بن غنم، وحبيب بن مسلمة ففتحاها. \"معجم البلدان\" ١/ ٣١٦. و\"مراصد الإطلاع\" ١/ ١٢٤. وموقعها الآن: جنوب تركيا تبعد عن الساحل الشرقي للبحر المتوسط حوالي ٥٠ كم.\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ص ٤٥ ب، لكنه لم يسمه. وذكره الثعلبي ٨/ ٩٦ أ، ونسبه لكعب ومقاتل. ونسبه ابن الجوزي ٦/ ٩٠، للسدي.\n(٦) أخرج ابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٩٥، بسنده عن عكرمة عن ابن عباس: أنها بئر بأذربيجان.\n(٧) أخرجه عن مجاهد، ابن جرير ١٩/ ١٤، وابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٩٥. وأخرج نحوه ابن جرير عن ابن عباس.","vol":"16","page":505},{"text":"بئر نزولًا عليها، وأصحاب مواش، وكذبوا شعيبًا، وآذوه فانهارت البئر بهم، وبديارهم ومنازلهم، فهلكوا جميعًا (١).\nوقال قتادة: الرس: قرية بفَلَج اليمامة (٢) قتل أهلها نبيهم فأهلكهم الله (٣).\n_________\n(١) \"الوسيط\" ٣/ ٣٤٠ بنصه، منسوبًا لوهب. وهو كذلك عند البغوي ٦/ ٨٤ والطبرسي ٧/ ٢٦٦. وابن الجوزي ٦/ ٩٠. والقرطبي ١٣/ ٣٢. وكون أصحاب الرس قوم شعيب، -﵇- مذكور في \"تنوير المقباس\" ص ٣٠٣. وأخرج ابن جرير ١٩/ ١٣، بإسناده عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس: ﴿وَأَصْحَابَ الرَّسِّ﴾ قال: قرية من ثمود. وذكره ابن كثير ٦/ ١١١، واستبعد هذا أبو حيان ٦/ ٤٥٧، وقال: ويبعده عطفه على ثمود؛ لأن العطف يقضي التغاير. وتبعه الألوسي ١٩/ ١٩.\n(٢) فلج اليمامة: بفتح أوله وثانيه، مدينة بأرض اليمامة، لبني جعدة، وقُشير، وكعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة. \"معجم البلدان\" ٤/ ٣٠٧. وتسمى الآن: الخرج، المدينة المعروفة جنوب الرياض بحوالي ١٠٠كم.\n(٣) أخرج هذا القول بإسناده عن قتادة، ابن جرير ١٩/ ١٤، وابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٩٥. وذكره القرطبي ١٣/ ٣٢. وزاد البغوي ٦/ ٨٤، نسبته للكلب في. ولم يرجح الواحدي -﵀- شيئًا من هذه الأقوال، ولعل أقربها أنهم قوم كانوا على بئر؛ لأن هذا هو الموافق للمعنى اللغوي. وقد اقتصر عليه في \"الوجيز\" ٢/ ٧٧٩. وهو اختيار ابن جرير ١٩/ ١٤. وجزم به السمرقندي ٢/ ٤٦١. وذكر ابن جرير ١٩/ ١٤، والثعلبي ٨/ ٩٦ أ، قولًا في أصحاب الرس أنهم أصحاب الأخدود، والرس، هو: الأخدود الذي بنوه. قال ابن جرير ١٩/ ١٤: ولا أعلم قومًا كانت لهم قصة بسبب حفرة ذكرهم الله في كتابه إلا أصحاب الأخدود. وذكرا أيضًا خبرًا طويلًا مرفوعًا في شأن أهل الرس، وهو لا يصح؛ لأنه من طريق محمد بن إسحاق، عن محمد بن كعب القرظي، يرفعه للنبي -ﷺ-. وذكره ابن كثير ٦/ ١١١، من طريق ابن جرير، ثم قال: عن محمد بن كعب مرسلًا، وفيه غرابة، ونكارة، ولعل فيه إدراجًا. وقد أعرض عنه الواحدي -﵀- فلم يذكره في تفاسيره الثلاثة، ولا في \"أسباب النزول\" وذكر الثعلبي ٨/ ٩٦ ب، خبرًا طويلًا عن علي -﵁- موقوفًا عليه في شأن أصحاب =","vol":"16","page":506},{"text":"وقوله: ﴿وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا﴾ أي: وأهلكنا قرونًا ما بين عاد إلى أصحاب الرس (١). قاله مقاتل (٢).\n_________\n= الرس. وهو من الإسرائيليات. وذكر أيضًا أخبارًا أخر في شأنهم، وقد أحسن الواحدي -﵀- صنعًا في ترك ذكرها؛ إذ العبرة حاصلة في إهلاكهم.\nقال الرازي ٢٤/ ٨٢: وأي شيء كان فقد أخبر الله تعالى عن أهل الرس بالهلاك. وقال في ص: ٨٣، بعد ذكره للأقوال الواردة في أصحاب الرس: واعلم أن القول ما قاله أبو مسلم وهو أن شيئًا من هذه الروايات غير معلوم بالقرآن، ولا بخبر قوي الإسناد، ولكنهم كيف كانوا فقد أخبر تعالى أنهم أهلكوا بسبب كفرهم. ما تحته خط هكذا وجدته في \"تفسير الرازي\". وقال القاسمي ١٢/ ٢٦٢: وَيروي هنا بعضهم آثارًا لا تصح. كما نبه عليه الحافظ ابن كثير ﵀ فلا تحل الجراءة على روايتها، ولا تنزيل الآية عليها؛ لأنه من قفو ما ليس للمرء به علم، ومثله يحظر الخوض فيه.\n(١) هكذا في (ج)، وفي (أ)، (ب): (قرونًا بين عاد وأصحاب الرس).\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ص ٤٥ ب. واقتصر عليه ابن الجوزي ٦/ ٩١. وظاهر الآية أعم من ذلك. قال ابن جرير ١٩/ ١٥: ودمرنا بين أضعاف هذه الأمم التي سميناها لكم أممًا كثيرة ويؤيده قوله تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ﴾ [الإسراء: ١٧]. ونحوه قال السمرقندي ٢/ ٤٦١. أخرج الحاكم في \"المستدرك\" ٢/ ٤٣٧، بسنده عن أم سلمة ﵂ قالت: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: معد بنس عدنان، بن أدد، بن زند، بن البراء، بن أعراق الثرى، قالت: ثم قرأ رسول الله ﴿وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا﴾ لا يعلمهم إلا الله، قالت أم سلمة: وأعراق الثرى: إسماعيل بن إبراهيم، وزند: هميسع، وبراء نبت. قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وقال الذهبي: صحيح. وأخرجه البيهقي، في \"الدلائل\" ١/ ١٧٨، قريبًا من رواية الحاكم، وهذا الحديث يدل على بطلان الحديث الذى أورده بعض المفسرين، كابن عطية ١١/ ٤١، عن ابن عباس موقوفًا، ومرفوعًا: (كذب النسابون من فوق عدنان)، وهو حديث لا يصح؛ لأنه من طريق: محمد بن السائب الكلبي عن أبي صالح. \"سلسلة الأحاديث الضعيفة\" ١/ ١٤٤، رقم: ١١١.","vol":"16","page":507},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2941>٣٩ </span>- وقوله تعالى: ﴿وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ﴾ قال الزجاج: ﴿وَكُلًّا﴾ منصوب بفعل مضمر الذي ظهر تفسيره؛ المعنى: وأنذرنا كلًا ضربنا له الأمثال (١). قال قتادة: وكلًّا قد أعذر الله إليه ثم انتقم منه (٢). وقال مقاتل: وكلًا بيِّنا لهم أن العذاب نازل بهم إن لم يؤمنوا (٣).\n﴿وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا﴾ أهلكنا بالعذاب إهلاكًا (٤). قال الزجاج: وكل شيء كسَّرتَه وفتَّتَّه فقد تبَّرْته، ومنه تبر الذهب (٥). وذكرنا معنى: التتبير، في سورة: سبحان (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2942>٤٠ </span>- وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَتَوْا﴾ يعني: كفار مكة (٧) ﴿عَلَى الْقَرْيَةِ﴾ يعني: قرية قوم لوط (٨) ﴿الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ﴾ قال مقاتل، وغيره:\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٦٨. بنصه.\n(٢) أخرجه بسنده عبد الرزاق ٢/ ٧٠. وعنه ابن جرير ١٩/ ١٥. وابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٩٧. قال ابن كثير ٦/ ١١٢: أي بينا لهم الحجج، ووضحنا لهم الأدلة.\n(٣) لم أجده في \"تفسير مقاتل\". وفي \"تنوير المقباس\" ص ٣٠٣: بينا لكل قرن عذاب القرون الذين قبلهم فلم يؤمنوا. وذكر أبو حيان ٦/ ٤٥٨، وجهًا غريبا في ذلك، واستبعده، وهو حري بذلك، وهو أن الضمير في ﴿لَهُ﴾ لرسول الله -ﷺ-.\n(٤) \"تفسير الثعلبي\" ٨/ ٩٩أ.\n(٥) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٦٩.\n(٦) قال الواحدي في تفسير قول الله تعالى: ﴿وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾ [الإسراء: ٧]: يقال تَبِرَ الشيءُ يَتْبَرُ تَبارًا إذا هلك، وتَبَّرَه أهلكه، قال أبو إسحاق: وكل شيء كَسَرْتَه وفَتَّتَّهُ فقد تَبَّرْتَهُ، ومن هذا تِبْرُ الزجاج وتِبْرُ الذهب لِمُكَسَّره.\n(٧) \"تنوير المقباس\" ص ٣٠٣. و\"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٦٩. و\"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٤٦١. وتصدير قصة قوم لوط -ﷺ- باللام، وقد، دليل على عظم إعراضهم عن الانتفاع بالمواعظ والزواجر. والله أعلم.\n(٨) \"تنوير المقباس\" ص ٣٠٣. والزجاج ٤/ ٦٩. والسمرقندي ٢/ ٤٦١. وذكر الثعلبي ٨/ ٩٩ أ، والزمخشري ٣/ ٢٧٣، والرازي ٢٤/ ٨٤، وأبو حيان ٦/ ٤٥٨ ونسبه =","vol":"16","page":508},{"text":"يعنى: الحجارة، كل حجر في العِظَم على قدر إنسان (١) ﴿أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا﴾ في أسفارهم إذا مروا بها فيخافوا ويعتبروا (٢).\nقال ابن عباس: كانت قريش في تجارتها إلى الشام تمر بمدائن قوم لوط (٣). وذلك قوله: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ﴾ [الصافات: ١٣٧].\nثم أعلم الله -﷿- أن الذي جرأهم على التكذيب، وترك المبالاة بما شاهدوا من التعذيب في الدنيا أنهم كانوا لا يصدقون بالبعث، فقال: ﴿بَلْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ نُشُورًا﴾ [الفرقان: ٤٠] قال ابن عباس ومقاتل: لا يخافون بعثًا، ولا\n_________\n= لابن عباس، وأبو السعود ٦/ ٢١٩، والألوسي ١٩/ ٢١، أنها خمس قرى، فأهلك الله أربعًا، وبقيت الخامسة، وكان أهلها لا يعملون ذلك العمل الخبيث. وهذا مخالف لظاهر القرآن؛ لأن الله تعالى لم يستثن منهم قرية، بل استُثني من العذاب أهلُ لوط -ﷺ- فقط. قال الله تعالى: ﴿فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (١٧٠) إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ (١٧١) ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ﴾ [الشعراء: ١٧٠، ١٧٣]، قال ابن كثير ٤/ ١٧٤: والغرض أن الله تعالى أهلكهم عن آخرهم بتكذيبهم نبي الله لوطًا -﵇-. وذكر ابن عطية ١١/ ٤٢، وابن كثير ٦/ ١١٢، والبيضاوي ٢/ ١٤٢، أن اسم القرية: سدوم، بالشام. قال أبو حاتم في كتاب: المُزال والمُفسَد: إنما هو سذوم، بالذال المعجمة، والدال خطأ. نقله الأزهري، في \"تهذيب اللغة\" ١٢/ ٣٧٤، وصححه. وعنه ياقوت في معجم البلدان ٣/ ٢٢٦ - واقتصر المراغي ١٩/ ١٨، والألوسي ١٩/ ٢١، على ذكرها بالذال.\n(١) \"تفسير مقاتل\" ص ٤٥ ب. وذكره البرسوي ٦/ ٢١٤، ولم ينسبه. وهي حجارة السجيل، المذكورة في قوله تعالى: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ﴾ [هود: ٨٢]. ووصف مقاتل لها بأنها في العظم على قدر الإنسان يحتاج إلى إثبات؛ ووصفها بالإمطار يدل على أنها شبيهة بالمطر في الكثرة، والتتابع، ولا يلزم من ذلك كبرها وعظمها، والله أعلم.\n(٢) \"تفسير الثعلبي\" ٨/ ٩٩ أ. و\"تفسير الماوردي\" ٤/ ١٤٦.\n(٣) ذكره البغوي ٦/ ٨٥، ولم يخسجه. ونسبه القرطبي ١٣/ ٣٤، لابن عباس ﵄.","vol":"16","page":509},{"text":"يصدقون به (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2943>٤١ </span>- قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ أي: ما يتخذونك إلا مهزوؤًا به (٢). ثم ذكر أي شيء يقولون من الاستهزاء فقال: ﴿أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ أي: قالوا مستهزئيِن: أهذا الذي بعثه الله رسولًَّا إلينا (٣)؟. وجواب ﴿إذا﴾ هو ما أضمر من القول على تقدير: وإذا رأوك قالوا: أهذا الذي بعث الله (٤)؟. وقوله: ﴿إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا﴾ جملة اعترضت بين: إذا، وجوابها، والمعنى: إذا رأوك مستهزئين قالوا هذا القول؛ وهو قولهم:\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ص ٤٥ ب. أخرج ابن أبي حاتم ١٨٢ أ، عن قتادة، في قوله تعالى: ﴿لَا يَرْجُونَ﴾ أي: لا يخافون. وأخرج ابن جرير ١٩/ ١٧، عن ابن جريج: ﴿وَلاَ نُشُورًا﴾ بعثًا. قال ابن الجوزي: أي: لا يخافون بعثًا، هذا قول المفسرين. \"زاد المسير\" ٦/ ٩١. وقال الزجاج: الذي عليه أهل اللغة أن الرجاء ليس بمعنى الخوف، وإنما المعنى: بل كانوا لا يرجون ثواب عمل الخير، فركبوا المعاصي. \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٦٩. وارتضى هذا القول الرازي ٢٤/ ٨٤. وجوَّز القرطبي ١٣/ ٣٤، القولين.\n(٢) \"تفسير الطبري\" ١٩/ ١٧. بنحوه قال أبو حيان ٦/ ٤٥٨ لم يقتصر المشركون على إنكار نبوة الرسول -ﷺ- وترك الإيمان به، بل زادوا على ذلك بالاستهزاء، والاحتقار، حتى يقول بعضهم لبعض ﴿أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾.\n(٣) ذكر مقاتل في تفسيره ٤٥ ب، أنها نزلت في أبي جهل. وكذا السمرقندي ٢/ ٤٦١. والثعلبي ٨/ ٩٩ أ. والبغوي ٦/ ٨٥. والقرطبي ١٣/ ٣٤. وأخبر بلفظ الجمع تعظيمًا لقبح صنعه، أو لكون جماعة معه قالوا ذلك. تفسير أبي حيان ٦/ ٤٥٨.\n(٤) ذكر النحاس ٣/ ١٦٢، أن جواب (إِذَا) هو قوله تعالى: ﴿إِنْ يَتَّخِذُونَكَ﴾ لأن معناه: يتخذونك. وأشار إلى القول الذي ذكره الواحدفي بقوله: وقيل: الجواب محذوف؛ لأن المعنى: قالوا: أهذا الذي بُعث هو ﴿الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾.","vol":"16","page":510},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2944>٤٢ </span>- ﴿إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا﴾ قال ابن عباس: لقد كاد أن يصرفنا عن عبادة آلهتنا (١). وقال مقاتل: استزلنا عن ديننا (٢) قال الله سبحانه: ﴿وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ﴾ أي: بما يعاينوه في الآخرة ﴿مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ من أخطأ طريقا عن الهدى أهم أم المؤمنون! قاله مقاتل (٣). وقال غيره: المعنى: يعلمون أنه لا أحد أضل منهم (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-2945>٤٣ </span>- ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ (٥) قال عطاء عن ابن عباس: أرأيت يا محمد من عرف أني إلهه، وخالقه، ثم هوى حجرًا يعبده فما حاله عندي (٦).\n_________\n(١) \"تنوير المقباس\" ص ٣٠٣. و\"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٤٦٢، ولم ينسبه. وهذا يدل على عظم حرص النبي -ﷺ- على هداية قومه، ومجاهدتهم بكل ما يستطيع. تفسير الزمخشري ٣/ ٢٧٤. قال المراغي: وهذا منهم مغالاة، حيث سمَّوا دعوته إضلالًا. \"تفسير المراغي\" ١٩/ ١٩ ويشبه هذا ما حكاه الله تعالى عن فرعون: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ﴾ [غافر: ٢٦].\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ص ٤٥ ب. وجمعهم بين الاستهزاء بالنبي -ﷺ- ووصفه بأنه كاد أن يضلهم عن دينهم، دليل على حيرتهم في أمره، تارة يستهزئون به، وتارة يصفونه بما لا يليق إلا بالعالم الكامل. تفسير أبي حيان ٦/ ٤٥٩.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ص ٤٥ ب.\n(٤) قال الثعلبي ٨/ ٩٩ أ: هذا وعيد لهم.\n(٥) في تقديم: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا﴾ [الفرقان: ٤٣] إفادة الحصر فإن الكلام قبل دخول: أرأيت، مبتدأ وخبر، المبتدأ: هواه، والخبر: إلهه، وتقديم الخبر يفيد الحصر، فكأنه قال: أرأيت من لم يتخذ معبوده إلا هواه، فهو أبلغ في ذمه وتوبيخه. \"الانتصاف بحاشية الكشاف\" ٣/ ٢٧٤.\n(٦) \"تفسير الماوردي\" ٤/ ١٤٦. والبغوي ٦/ ٨٥، بنحوه منسوبًا لابن عباس.","vol":"16","page":511},{"text":"وقال الكلبي: كانت العرب إذا هوى الرجل منهم شيئًا عبده من دون الله، فإذا رأى أحسن منه عبده حجرًا أو شجرًا أو أشباههما (١).\nوقال سعيد بن جبير: كان أهل الجاهلية يعبد أحدهم الحجر فإذا رأى أحسن منه أخذه وترك الأول (٢).\nوقال مقاتل: وذلك أن الحارث بن قيس السهمي (٣) هوى حجرًا فعبده (٤). وعلى هذا القول، تقدير الآية: أرأيت من اتخذ إلهه بهواه، فحذف الجار (٥). أو: إلهه ما يهواه، فسمي المفعول باسم المصدر، قال: فلان هوًى لفلان، إذا كان يهواه ويميل إليه، ومنه قول الشاعر:\nهوًى بتهامة وهوًى بنجد ... فما أدري أُنِجِّدُ أم أغور (٦)\nومعنى الآية: تعجيب النبي -ﷺ- من نهاية جهلهم حين عبدوا ما دعاهم إليه الهوى، وما يدعو إليه الهوى باطل (٧). وهذا القول اختيار الفراء (٨).\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٦٨، بمعناه. ولم ينسبه، ونسبه القرطبي ١٣/ ٣٥، للكلبي.\n(٢) \"تفسير الثعلبي\" ٨/ ٩٩ أ، ولم ينسبه. وأخرج ابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٩٩، نحوه منسوبًا لابن عباس. ومثل رواية ابن أبي حاتم، ذكر الماوردي ٤/ ١٤٦، وابن كثير ٦/ ١١٣.\n(٣) الحارث بن قيس بن عدي بن سعد القرشي السهمي، ذكره ابن جرير ١٤/ ٧٠ في المستهزئين عند قوله تعالى: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ [الحجر: ٩٥].\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ص ٤٥ ب. ونسبه العز ٢/ ٤٢٦، للحسن.\n(٥) \"تفسير القرطبي\" ١٣/ ٣٥.\n(٦) لم أقف على من أنشد البيت، ولا على قائله. وفي \"لسان العرب\" ٥/ ٣٤ (غور): غور تهامة: ما بين ذات عرق والبحر وهو الغور، وقيل: الغور تهامة وما يلي اليمن.\n(٧) فالاستفهام في قوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ للتقرير، والتعجب. البيضاوي ٢/ ١٤٢.\n(٨) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٦٨.","vol":"16","page":512},{"text":"وفي الآية قول آخر؛ وهو قول الحسن وابن عباس؛ قال ابن عباس: الهوى: إله يعبد من دون الله (١).\nوقال الحسن: لا يهوى شيئًا إلا اتبعه (٢). وذكر الزجاج القولين؛ فقال في القول الثاني: أي: أطاع هواه، وركبه فلم يبال عاقبة ذلك (٣). وهو اختيار ابن قتيبة؛ قال: يقول: يتَّبع هواه ويدع الحق فهو كالإله (٤).\nقوله تعالى: ﴿أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا﴾ قال ابن عباس: يريد لست عليه بمسيطر (٥).\nوقال مقاتل: يريد أن تكون بيدك المشيئة في الهوى والضلالة (٦). والمعنى: أفأنت عليه حافظ، تحفظه من اتباع هواه، وعبادته ما يهوى من\n_________\n(١) \"تفسير الثعلبي\" ٨/ ٩٩ أ. منسوبًا لابن عباس فقط. وعنه نقل ابن عطية ١١/ ٤٣. وذكره القرطبي ١٣/ ٣٥.\n(٢) أخرجه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٠٠. وأخرج بسنده عن قتادة: والله لكلما هوى شيئًا ركبه، وكلما اشتهى شيئًا أتاه، لا يحجزه عن ذلك ورع ولا تقوى. وزاد السيوطي ٦/ ٢٦٠، نسبته لعبد بن حميد. وأخرج عبد بن حميد، عن الحسن، أنه قيل له: في أهل القبلة شرك؟ فقال: نعم؛ المنافق مشرك، إن المشرك يسجد للشمس والقمر من دون الله، وإن المنافق يعبد هواه، ثم تلا هذه الآية: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾. \"الدر المنثور\" ٦/ ٢٦١. قال الألوسي ١٩/ ٢٤، بعد أن ساق هذا القول: والمنافق عند الحسن مرتكب المعاصي كما ذكره غير واحد من الأجلة.\n(٣) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٦٩.\n(٤) \"غريب القرآن\" لابن قتيبة ص ٣١٣. قال القرطبي ١٣/ ٣٥، بعد أن ذكر القولين: والمعنى واحد.\n(٥) تفسير الماوردي ٤/ ١٤٦، منسوبًا للسدي. ونحو هذا المعنى قوله تعالى: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية: ٢٢] ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ﴾ [ق: ٤٥].\n(٦) \"تفسير مقاتل\" ص ٤٥ ب.","vol":"16","page":513},{"text":"دون الله (١). أي: لست كذلك. قال الكلبي: نسختها آية القتال (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2946>٤٤ </span>- ﴿أَمْ تَحْسَبُ﴾ بل أتحسب يا محمد (٣) ﴿أَنَّ أَكْثَرَهُمْ﴾ (٤)\n_________\n(١) في غريب القرآن لابن قتية ص ٣١٣، ﴿وَكِيلًا﴾ أي: كفيلًا، وقيل: حافظًا.\nونسب الماوردي ٤/ ١٤٣، الأول للكلبي، والثاني ليحيى بن سلام. قال الثعلبي ٨/ ٩٩ أ: أي: حفيظًا من الخروج إلى هذا الفساد.\n(٢) \"تنوير المقباس\" ص ٣٥٣ و\"الوسيط\" ٣/ ٣٤١. ولم ينسب هذا القول في \"الوجيز\" ٢/ ٧٨٠، وصدَّرَه بقوله: وقيل: إن هذا مما نسخته آية السيف. وجزم بالنسخ الثعلبي ٨/ ٩٩ أ، ولم ينسبه. وصدره ابن الجوزي ٦/ ٩٣، بقوله: وزعم الكلبي ... وصدَّره القرطبي ١٣/ ٣٦، بـ: قيل. ثم قال: وقيل: لم تنسخ؛ لأن الآية تسلية للنبي -ﷺ-. وصدر الشوكاني ٤/ ٧٥، أقول بالنسخ بـ: قيل، ولم ينسبه، ولم يذكر غيره. والصحيح أن الآية لا نسخ فيها؛ إذ لا دليل عليه، وآيات العفو والصفح والإعراض يعمل بها في أوقاتها المناسبة. والله أعلم.\nقال الزركشي: وبهذا التحقيق تبين أن ما لهج به كثير من المفسرين في الآيات الآمرة بالتخفيف أنها منسوخة بآية السيف، وليست كذلك بل هي من المُنسأ، بمعنى أن كل أمر ورد يجب امتثاله في وقت ما لعلة توجب ذلك الحكم، ثم ينتقل بانتقال تلك العلة إلى حكم آخر، وليس بنسخ، إنما النسخ الإزالة حتى لا يجوز امتثاله أبدًا. \"البرهان في علوم القرآن\" ٣/ ٤٩. وإذا عرفنا أن اصطلاح النسخ في عرف المتقدمين أوسع من اصطلاح المتأخرين زال الإشكال. قال شيخ الإسلام: والمنسوخ يدخل فيه في اصطلاح السلف -العام-: كل ظاهر ترك ظاهره لمعارض راجح كتخصيص العام، وتقييد المطلق. \"الفتاوى\" ١٣/ ٢٧٢.\n(٣) \"تنوير المقباس\" ص ٣٠٣. فـ ﴿أَمْ﴾ هنا للإضرابد والأقرب أنهاهنا عديلة لألف الاستفهام. انظر: \"معاني الحروف\" للرماني ص ٧٠. وجعل البيضاوي ٢/ ١٤٢، الاستفهام للإنكار. والله أعلم. قال أبو السعود ٦/ ٢٢١: إضراب وانتقال عن الإنكار المذكور إلى إنكار حسبانه -ﷺ- لهم ممن يسمع أو يعقل؟. واقتصر على القول بالإنكار الشوكاني ٤/ ٧٥. وذكر ابن عاشور ١٩/ ٣٧، قولًا قريبًا من كلام أبي السعود. قال الشنقيطي ٦/ ٣٣١: ﴿أَمْ﴾ هو في هذه الآية هي المنقطعة، وأشهر معانيها أنها جامعة بين معنى: بل، الإضرابية، واستفهام الإنكار معًا.\n(٤) قال النحاس: ولم يقل: أنهم؛ لأن منهم من قد عَلِمَ أنه يؤمن. \"إعراب القرآن\" =","vol":"16","page":514},{"text":"قال ابن عباس: يريد أهل مكة في ﴿يَسْمَعُونَ﴾ ما يذكَرهم به سماع طالب للفهم (١) ﴿أَوْ يَعْقِلُونَ﴾ أي: يميزون الهدى من الضلالة ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ﴾ قال مقاتل: في الأكل والشرب، لا يلتفتون إلى الآخرة (٢). وقال الكلبي: شبههم بالأنعام في المأكل والمشرب لا تعقل غيره (٣). وقال الزجاج: في قلة التمييز فيما جعل دليلًا لهم من الآيات، والبرهان (٤) ﴿بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ قال ابن عباس: يريد أن البهائم ليس عليها عقاب ولا لها ثواب (٥). وهذا معنى قول الكلبي؛ لأنها لا حجة عليها (٦).\nقال مقاتل: يقول الله: بل هم أخطأ طريقًا من البهائم؛ لأنها تعرف ربَّها وتذكره، وأهل مكة لا يعرفون ربهم فيوحدونه (٧). وهذا المعنى أراد الزجاج؛ فقال: لأن الأنعام تسبح بحمد الله، وتسجد له، وهم كما قال الله\n_________\n= ٣/ ١٦٢. وقال الرازي ٢٤/ ٨٦: لأنه كان فيهم من يعرف الله تعالى، ويعقل الحق، إلا أنه ترك الإسلام لمجرد حب الرياسة لا للجهل. ويُحمل أيضًا على أن منهم من رضي باتباع الرؤساء والزعماء، ولم يكلف نفسه السماع. قال تعالى: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا﴾ [الأحزاب: ٦٧].\n(١) \"تفسير الثعلبي\" ٨/ ٩٩ ب.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ص ٤٥ ب. وأخرج ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٠٠، بسنده عن ابن عباس قال: مثل الذين كفروا كمثل البعير والحمار والشاة، إن قلت لبعضهم: كل، لم يعلم ما تقول غير أنه يسمع صوتك، كذاك الكافر إن أمرته بخير أو نهيته عن شر أو وعظته لم يعقل ما تقول غير أنه يسمع صوتك.\n(٣) \"تنوير المقباس\" ص ٣٥٣.\n(٤) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٦٩. بنصه.\n(٥) \"تنوير المقباس\" ص ٣٠٣. بنصه.\n(٦) \"تنوير المقباس\" ص ٣٠٣، بمعناه.\n(٧) \"تفسير مقاتل\"ص ٤٦ أ.","vol":"16","page":515},{"text":"تعالى: ﴿فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ (١) [البقرة: ٧٤] وقيل: لأن الأنعام تنقاد لأربابها الذين يُعلفونها ويتعهدونها، وهؤلاء الكفار لا يعرفون طريق الحق، ولا يطيعون ربهم الذي خلقهم ورزقهم (٢). ونظير هذه الآية في سورة الأعراف (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2947>٤٥ </span>- قوله تعالى ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ (٤) ذُكِر فيه أوجه؛ قال مقاتل: ألم تر إلى فعل ربك (٥).\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٧٥.\n(٢) \"تفسير الثعلبي\" ٨/ ٩٩ ب. ذكر الرازي ٢٤/ ٨٦ وجوهًا ستة، في كونهم أضل من الأنعام.\n(٣) في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٩]\n(٤) قال الرازي ٢٤/ ٨٨: اعلم أنه تعالى لما بين جهل المعرضين عن دلائل الله تعالى وفساد طريقتهم في ذلك ذكر بعده أنواعًا من الدلائل الدالة على وجود الصانع. ثم جعل هذه الآية النوع الأول. وذكر نحوه أبو حيان ٦/ ٤٦٠. وهذا غير مسلم؛ لأن القوم لم يكونوا منكرين لوجود الله حتى تساق لهم الآيات والبراهين الدالة عليه، فالأولى أن تكون هذه الآيات سيقت لإلزامهم بإفراد الله بالعبادة، من خلال مشاهدتهم لهذه الآيات المختلفة والمتضادة، التي لا ينكرونها، والتي لا تقدر الآلهة على شيء منها، فإقرارهم بوحدانية الله في خلقه لها وتصريفها مع عجز جميع المخلوقات عن التصرف فيها مستلزم الإقرار بتوحيد الألوهية، ويدل لهذا توجيه الخطاب للنبي -ﷺ- ليعلمهم بذلك. وجعل ابن عاشور ١٩/ ٣٩، هذه الآية مفيدة تمثيل هيئة تنزيل القرآن منجمًا، بهيئة مد الظل مدرَّجًا، ولو شاء لجعله ساكنًا. وفيه بعد. والله أعلم.\n(٥) لم أجده في \"تفسير مقاتل\". وفي \"تنوير المقباس\" ص ٣٠٣: ألم تنظر إلى صنع ربك. وكذا عند الزمخشري ٣/ ٢٧٥، غير منسوب، ويشهد له قوله تعالى: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٨٨].","vol":"16","page":516},{"text":"وعلى هذا الآيهَ من باب حذف المضاف (١). وقال أبو إسحاق: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ ألم تعلم. وهذا من رؤية القلب. قال: ويجوز أن يكون من رؤية العين، ويكون المعنى: ألم تر كيف مد الظل ربك (٢). وهذا قريب مما ذُكر في هذه الآية أنه مقلوب؛ على تقدير: ألم تر إلى الظل كيف مده ربك (٣). قال: والأجود أن يكون بمعنى العلم (٤).\n﴿كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ قال أبو عبيدة: الظل ما تنسخه الشمس، وهو بالغداة (٥). والكلام في معنى الظل قد تقدم (٦).\nوالمفسرون جميعًا قالوا في معنى الظل هاهنا: إنه الظل من وقت طلوع الفجر، إلى وقت طلوع الشمس (٧).\n_________\n(١) \"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٤٦٢، وفيه: ألم تر إلى صنع ربك.\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٧٠. واقتصر ابن عطية ١١/ ٤٤، على أن المراد به: رؤية القلب.\n(٣) \"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٤٦٢، ولم ينسبه.\n(٤) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٧٠.\n(٥) \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ٢/ ٧٥، بمعناه. وقال في ص ٧٦: والفيء: ما نسخ الشمسَ من الظل، وهو بالعشي، إذا استدارت الشمس. والغدوة: من أول النهار. \"المفردات\" للراغب ص ٣٥٨. وقال الراغب في ص ٣١٤: الظل أعم من الفيء، فإنه يقال: ظل الليل، وظل الجنة، ويقال لكل موضع لم تصل إليه الشمس ظل، ولا يقال الفيء إلا لما زال عنه الشمس.\n(٦) قال الواحدي في تفسير قوله الله تعالى: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ﴾ [البقرة: ٥٧]: الظل في اللغة، معناه: الستر، يقال: لا أزال الله عنا ظل فلان، أي: ستره، وظل الشجرة سترها، ويقال لظلمة الليل: ظل؛ لأنها تستر الأشياء، ومنه قوله تعالى. ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ [الفرقان: ٤٥].\n(٧) أخرجه عبد الرزاق ٢/ ٧٠، عن الحسن، وقتادة. وذكره البخاري، تعليقًا عن ابن =","vol":"16","page":517},{"text":"فالظل الذي يكون بعد طلوع الفجر، وانبساطه قبل طلوع الشمس، وظورها على الأرض هو الذي أراد الله بقوله: ﴿مَدَّ الظِّلَّ﴾ واستدلوا بقوله في صفة ظل الجنة: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ [الواقعة: ٣٠] أي: لاشمس فيه (١). كذلك الظل فيما بين هذين الوقتين لا شمس معه، فهو ظل\n_________\n= عباس. \"فتح الباري\" ٨/ ٤٩٠. ووصله من طريق علي بن أبي طلحة، ابن جرير ١٩/ ١٨. وابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٠١. وأخرجه ابن جرير ١٩/ ١٨، بإسناده عن سعيد ابن جبير، ومجاهد، وعكرمة، والضحاك. وكذا ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٠١، وزاد نسبته لأبي العالية، والنخعي، ومسروق، والحسن. وهو قول مقاتل ٤٦ أ، والفراء، \"معاني القرآن\" ٢/ ٢٨٦. وابن قتيبة، \"تأويل مشكل القرآن\" ص ٣١٤. والزجاج، \"معاني القرآن\" ٤/ ٧٠.\nويرى ابن عطية ١١/ ٤٥، أن المراد بالظل في الآية: هو ما بين أول الإسفار، إلى بزوغ الشمس، ومن بعد مغيبها مدة يسيرة. ورد ما خالفه بقوله: وتظاهرت أقوال المفسرين على أن هذا الظل هو من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، وذلك معتَرض بأن ذلك في غير نهار، بل في بقايا الليل، فلا يقال له: ظل. ونقل قوله ابن جزي ص ٤٨٥، وأبو حيان ٦/ ٤٦٠ ولم يتعقباه. ورده ابن حجر بقوله: لأن الذي نقل أنه يُطلَق على ذلك ظلٌ ثقة مُثبِت، فهو مقدم على النافي، حتى ولو كان قول النافي محققًا لما امتنع إطلاق ذلك عليه مجازًا. \"فتح الباري\" ٨/ ٤٩١. والأولى أن يقال: إن اعتراض ابن عطية لا وجه له؛ لأن النهار في لسان الشرع يبدأ من دخول وقت الفجر، فلا يقال للوقت بعد طلوع الفجر إلى الإسفار ليل، قال تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧] قوله: -ﷺ- \"إِنَّ بلالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُنَادِيَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ\" ثُمَّ قَالَ وَكَانَ رَجُلًا أَعْمَى لا يُنَادِي حَتَّى يُقَالَ لَهُ أَصْبَحْتَ أَصْبَحْتَ\" أخرجه البخاري في الأذان. رقم ٦١٧ \"الفتح\" ٢/ ٩٩. ومسلم ٢/ ٧٦٨ الصيام، رقم ١٠٩٢. والله أعلم.\n(١) \"تأويل مشكل القرآن\" ٣١٤، حيث استدل بهذه الآية. وقريب منه في \"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٤٦٢. و\"تفسير الثعلبي\" ٨/ ٩٩ ب. قال الرازي ٢٤/ ٨٨: وهذه الحالة أطيب الأحوال؛ لأن الظلمة الخالصة يكرهها الطبع، وينفر عليها الحس، =","vol":"16","page":518},{"text":"ممدود (١).\nوقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا﴾ قال ابن عباس، ومقاتل: يقول لو شئت لجعلت الظل دائمًا لا يزول إلى يوم القيامة (٢).\nوقال مجاهد: لا تصيبه الشمس ولا يزول (٣).\nوقال الحسن: ساكنًا كما هو (٤).\nقال الكلبي: دائمًا لا شمس معه (٥).\nوقال الفراء، والزجاج: أي ثابتًا دائمًا لا يزول (٦).\nوقال ابن قتيبة: أي مستقرًا دائمًا حتى يكون كظل الجنة الذي لا تنسخه الشمس (٧).\n_________\n= وأما الضوء الخالص .. فهي لقوتها تبهر الحس البصري، وتفيد السخونة القوية، وهي مؤذية، فإذًا أطيب الأحوال هو الظل، ولذلك وصف الجنة به.\nوقال أبو العالية: نهار الجنة هكذا، وأشار إلى ساعة المصلين صلاة الفجر. \"تفسير القرطبي\" ١٣/ ٣٧.\n(١) قال القرطبي ١٣/ ٣٧: ليس من ساعة أطيب من تلك الساعة؛ فإن فيها يجد المريض راحة، والمسافر وكل ذي علة.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ص ٤٦ أ. وذكر البخاري، كتاب التفسير، باب: سورة الفرقان، عن ابن عباس: ﴿سَاكِنًا﴾ دائمًا. الفتح ٨/ ٤٩٠. ووصله ابن جرير ١٩/ ١٩، وابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٠٢، من طريق علي بن أبي طلحة.\n(٣) أخرج ابن جرير ١٩/ ١٩، وابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٠٢. وتفسير مجاهد ٢/ ٤٥٣.\n(٤) أخرجه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٠٢.\n(٥) \"تنوير المقباس\" ص ٣٠٤.\n(٦) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٦٨. و\"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٧٠.\n(٧) \"تأويل مشكل القرآن\" ص ٣١٤، بنصه، ونحوه في \"تفسير غريب القرآن\" ص ٣١٣.","vol":"16","page":519},{"text":"وقال صاحب النظم: ليس هذا من السكون الذي هو ضد الحركة؛ لأن الظل ساكن أبدًا، ولكنه من السكون الذي هو بمعنى الإقامة، يقال: سكن فلان بلد كذا، أي: أقام فيه.\nقوله: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا﴾ ذُكِر فيه قولان، قال مقاتل: يعني على الظل دليلًا تعلوه الشمس فتدفعه حتى تأتي على الظل كله (١). وهذا معنى قول مجاهد: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا﴾ قال: تحويه (٢)؛ أي: تأخذه.\nوقال الكلبي: حيثما يكون الظل تكون الشمس (٣).\nوقال أبو إسحاق: الشمس دليل على الظل وهي تنسخ الظل (٤). وهذه الأقوال معناها واحد. وبيانها ما ذكره صاحب النظم؛ فقال: دليل، هاهنا فعيل بمعنى: مفعول، نحو: العتيل، والدَّهين، والخصيب (٥). والمعنى: دللنا الشمس على الظل حتى ذهبت به. أي: اتبعناها إياه. يدل على ذلك:\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ص ٤٦ أ. وفيه: يتلو، بدل: تعلوه وأخرجه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٠٢، عن قتادة، والسدي. قال الهواري ٣/ ٢١٢: تتبعه، وتقبضه.\n(٢) أخرج ابن برير ١٩/ ١٩. وابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٠٢. وتفسير مجاهد ٢/ ٤٥٣.\n(٣) \"تنوير المقباس\" ص ٣٠٤.\n(٤) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٧٠.\n(٥) هكذا في (أ)، (ب): (العتيل)، وأهمل وضع النقط في (ج). العتيل: الأجير. \"تهذيب اللغة\" ٢/ ٢٧١، و\"اللسان\" ١١/ ٤٢٤ (عتل). الدَّهين: الناقة القليلة اللبن. ورجل دهين: ضعيف. \"تهذيب اللغة\" ٦/ ٢٠٦، \"اللسان\" ١٣/ ١٦١ (دهن). الخصيب: الرجل إذا كان كثير خير المنزل، يقال: إنه خصيب الرحل. ويقال: مكان مخصب، وخصيب. \"تهذيب اللغة\" ٧/ ١٥٠، و\"اللسان\" ١/ ٣٥٦ (خصب).","vol":"16","page":520},{"text":"قوله تعالى: ﴿ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا﴾ أي: شيئًا بعد شيء (١).\nالقول الثاني: قال ابن عباس: يدل الشمس على الظل (٢). واختار ابن قتيبة هذا القول، وشرحه؛ فقال: تقول لِمَا طلعت الشمس: دلت عليه، وعلى معناه، وكل الأشياء تعرف بأضدادها، ولولا الشمس ما عرف الظل، ولولا النور ما عرفت الظلمة، ولولا الحق ما عرف الباطل، وهكذا سائر ألألوان والطعوم، قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ﴾ [الذاريات: ٤٩] يريد: ضدين ذكرًا وأنثى، وأسودَ وأبيض، وحلوًا وحامضًا، وأشباه ذلك (٣). وعلى هذا القول: دليل، فعيل بمعنى فاعل (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2948>٤٦ </span>- وقوله: ﴿ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا﴾ فيه قولان؛ قال مجاهد: يعني حوى الشمسُ إياه (٥).\n_________\n(١) قال ابن جرير ١٩/ ١٩: ثم دللناكم أيها الناس بنسخ الشمس إياه عند طلوعها عليه أنه خلق من خلق ربكم، يوجده إذا شاء، ويفنيه إذا أراد.\n(٢) ذكر البخاري، عن ابن عباس ﴿دَلِيلًا﴾ طلوع الشمس. كتاب التفسير، باب: سورة الفرقان، \"فتح الباري\" ٨/ ٤٩٠. ووصله ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٠٢، من طريق علي ابن أبي طلحة.\n(٣) \"تأويل مشكل القرآن\" ص ٣١٤.\n(٤) الظاهر أن لا فرق بين القولين، وقد ساق ابن جرير الآثار السابقة مجتمعة بعد تقريره أن الشمس دليل على الظل. والله أعلم. وفي جعل الشمس دليلًا على الظل، مصلحة ظاهرة للعباد فيبنون حاجتهم إلى الظل، واستغاءهم عنه على حسب ذلك. تفسير الزمخشري ٣/ ٢٧٥. وزاد عليه ابن عاشور ١٩/ ٤٣، فوائد أخرى.\nومعنى الآية واضح ظاهر، ومع ذلك قال ابن عاشور ١٩/ ٤١: ولم يفصح المفسرون عن معنى هذه الجملة إفصاحًا شافيًا. ثم قال ص ٤٢: وتعدية ﴿دَلِيلًا﴾ بحرف على، يفيد أن دلالة الشمس على الظل هنا دلالة تنبيه على شيء قد يخفى. والله أعلم.\n(٥) يعني: الظل. أخرجه ابن جرير ١٩/ ٢٠. وابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٠٣.","vol":"16","page":521},{"text":"وقال الكلبي: إذا طلعت الشمس قبض الله الظل قبضًا يسيرًا (١).\nوقال ابن عباس ومجاهد ومقاتل: خفيًا (٢). وقال عطاء: سهلًا (٣).\nوقال الفراء: الظل إذا لحقته الشمس قبض قبضًا يسيرًا (٤). ومعنى الآية على هذا القول: ثم جمعنا أجزاء الظل المنبسطة بتسليط الشمس عليه حتى تنسخها شيئًا فشيئًا (٥) فذلك قوله: ﴿قَبْضًا يَسِيرًا﴾ وذلك أن الظل بعد طلوع الشمس لا يذهب كله دفعة، وإنما يقبض الله جلَّ وعزَّ ذلك الظل قبضًا خفيًا، شيئًا بعد شيء، ويُعقِبُ كلَّ جزء منه يقبضه بجزء من ضياء الشمس حتى يذهب كله (٦).\nالقول الثاني: ذكره ابن قتيبة، واختاره؛ فقال: المراد بقبض الظل هاهنا: الظل الذي يعود بعد غروب الشمس إلى ظلمة الليل وسواده؛ وذلك\n_________\n(١) في \"تنوير المقباس\" ص ٣٠٤ ﴿ثُمَّ قَبَضْنَاهُ﴾ عني: الظل. واستشهد عليه الهواري ٣/ ٢١٢، بقوله تعالى: ﴿إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ قال النحاس، \"إعراب القرآن\" ٢/ ٤٦٢: ويقال يسيرًا، يعني: خفيًا فلا يدري أحد أين يصير، وكيف يصير. ونسبه الواحدي في \"الوسيط\" ٣/ ٣٤٢، للكلبي.\n(٢) أخرج ابن جرير ١٩/ ٢٠، وابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٠٣، عن ابن عباس. ﵄. من طريق علي ابن أبي طلحة: في ﴿يَسِيرًا﴾ سريعًا. وأخرجا عن مجاهد: خفيًا. وهو قول مقاتل ٤٦ أ. وجمع بين القولين ابن جرير ١٩/ ٢٠ فقال: فمعنى الكلام إذا كان ذلك كذلك، يتوجه لما روي عن ابن عباس، ومجاهد؛ لأن سهولة قبض ذلك قد تكون بسرعة وخفاء.\n(٣) ذكره ابن قتيبة، في \"تأويل مشكل القرآن\" ص ٣١٥، ولم ينسبه. وكذا الزجاج، \"معاني القرآن\" ٤/ ٧٠.\n(٤) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٦٨.\n(٥) ذكر نحوه الثعلبي ٨/ ٩٩ ب.\n(٦) \"تأويل مشكل القرآن\" ٣١٥، بنصه.","vol":"16","page":522},{"text":"أن الشمس إذا غربت عاد الظل الممدود، ثم يقبض الله ذلك الظل بانتشار الظلمة وتزايدها، ولا يُقبِل الظلام كله جملة، وإنما يقبض الله ذلك الظل شيئًا بعد شيء بجزء من سواد الليل (١).\nوعلى هذا القول المراد: قبض الظل بسواد الليل. وعلى القول الأول: قبضه بضياء الشمس. وهذا القول أعم؛ لأن الظل إنما يقبض بضياء الشمس، حيث يكون شخص يقع له ظل، فأما البراري والصحاري فإن ظلها يقبض عند طلوع الشمس دفعة واحدة، فيخرج عن قوله: ﴿قَبْضًا يَسِيرًا﴾ ويقوي القول الأول قوله: ﴿ثُمَّ قَبَضْنَاهُ﴾ والكناية تعود إلى الظل الذي سبق ذكره؛ وهو: ظل الغداة (٢) بإجماع المفسرين (٣). وفي القول الثاني: الكناية تعود إلى ظل من جنس الظل المذكور.\nوقال ابن قتيبة: دل الله -﷿- بهذا الوصف على قدرته، ولطفه، في معاقبته بين الظل، والشمس، والليل، لمصالح عباده وبلاده. قال: وهذا القول الثاني أجمع للمعاني وأشبه بما أراد الله (٤). يعني: أنه يشتمل على ذكر الليل، وإدخاله بعد غروب الشمس.\nوأجاز أبو علي الفارسي، في قوله: ﴿ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا﴾ قولًا ثالثًا؛ فقال: يجوز أن تعود الكناية من قوله: ﴿قَبَضْنَاهُ﴾ إلى ضياء\n_________\n(١) \"تأويل مشكل القرآن\" ص ٣١٥، بمعناه. وذكر هذا القول ابن جرير الطبري ٢٠/ ١٩، ولم ينسبه.\n(٢) أي: ظل أول النهار. قال تعالى: قال تعالى: ﴿بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الأنعام ٥٢. الكهف ٢٨] \"المفردات\"، للراغب ص ٣٥٨.\n(٣) سبق أن أشار الواحدي إلى هذا، بقوله: والمفسرون جميعًا قالوا في معنى الظل هاهنا: إنه الظل من وقت طلوع الفجر، إلى وقت طلوع الشمس.\n(٤) \"تأويل مشكل القرآن\" ص ٣١٥.","vol":"16","page":523},{"text":"الشمس؛ لأنه يقبض أيضًا قبضًا يسيرًا على التدرج.\nوعلى هذا معنى الآية: ثم قبضنا ضياء الشمس بالفيء قبضًا يسيرًا (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2949>٤٧ </span>- قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا﴾ قال ابن عباس: يريد ألبسته الظلمة ليسكن فيه. وعلى هذا المعنى: ذا لباس من الظلمة؛ أي: أُلبس الظلمة ليُتركَ فيه العملُ والتصرف. قال مقاتل: يعني سكنًا (٢). وهو معنى وليس بتفسير، واعتباره بقوله: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ [يونس: ٦٧] (٣). وقال أهل العربية، والمعاني: جعل الليل لباسًا؛ لأن ظلمته تلبس كل شخص وتغشاه حتى يمنع من إدراكه، وهو مشتمل عليكم وعلى كل شيء كاللباس الذي يشتمل على لابسه (٤). ومن هذا قول ذي الرمة:\n_________\n(١) واختار هذا القول ابن جرير ١٩/ ٢٠، حيث قال: ثم قبضنا ذلك الدليل من الشمس على الظل إلينا قبضًا خفيًا سريعًا بالفيء الذي نأتي به بالعشي. وفي الآية وجه آخر؛ وهو: أن يكون المراد قبضه عند قيام الساعة بقبض أسبابه، وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا﴾ [سورة: الفرقان: -الآية: ٤٦] كأنه يشعر بذلك. مدارج السالكين ٣/ ٢٩٣. و\"تفسير البيضاوي\" ٢/ ١٤٣. و\"تفسير أبي السعود\" ٦/ ٢٢٣. وهذا القول فيه بعد؛ إذ المراد جعل ذلك آية ظاهرة مشاهدة للناس يدركونها ويشاهدونها في حياتهم؛ والقول بأن المراد به عند قيام الساعة لا يؤدي هذا المعنى. والله أعلم.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ص ٦٤ أ. وهو قول الهوَّاري ٣/ ٢١٢.\n(٣) \"تأويل مشكل القرآن\" ص ١٤٤، وذكر فيه أيضًا قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ [الأعراف: ١٨٩].\n(٤) \"تهذيب اللغة\" ١٢/ ٤٤٤ (لبس)، بمعناه. وفي \"تنوير المقابس\" ص ٣٠٤؛ ملبسا يلبس كل شيء فيه.","vol":"16","page":524},{"text":"فلما لبسن الليل (١) .. البيت\nوالله تعالى ألبسنا الليل وغشاناه لنسكن فيه (٢).\nوقوله: ﴿وَالنَّوْمَ سُبَاتًا﴾ قال الليث: السبات: السبات: النوم شِبه غشية. يقال: سبت المريض، فهو مسبوت (٣) وقال الزجاج: السبات أن يقطع عن الحركة والروح في بدنه: أي: جعلنا نومكم راحة لكم (٤). وقد أجاد وأحسن في تفسير السبات (٥). وقال ابن الأنباري: ﴿وَالنَّوْمَ سُبَاتًا﴾\n_________\n(١) \"ديوان ذي الرمة\" ص ٣١٣، والبيت بتمامه:\nفلمَّا لَبِسنَ الليلَ أوحين نَصَّبتْ ... له مِنْ خَذا آذانها وهُوَ جانحُ\nلبسن الليل: دخلن فيه، يريد نصبت آذانها لبرد الليل، كانت قد خفضتها ثم رفعت رءوسها ونصبت آذانها في ذا الوقت حين جنح الليل، والخذا: الاسترخاء. \"ديوان ذي الرمة\" بشرح الخطيب التبريزي ص ٣١٣.\n(٢) بنصه، في \"تفسير الطوسي\" ٧/ ٢٧٠. وذكر ابن قتيبة في \"تأويل مشكل القرآن\" ص ١٤٤، قولين في معنى: ﴿لِبَاسًا﴾ سترًا وحجابًا لأبصاركم. القول الثاني: سكنًا. واقتصر في كتابه \"الغريب\" ص ٣١٣، على القول الأول.\n(٣) كتاب \"العين\" ٧/ ٢٣٩ (سبت) ونقله عنه الأزهري، \"تهذيب اللغة\" ١٢/ ٣٨٧.\n(٤) في \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ٢٧٢، في تفسير سورة النبأ. قال مقاتل ٤٦ أ: يعني الإنسان مسبوتًا لا يعقل كأنه ميت. وذكر نحوه الهواري ٣/ ٢١٢.\n(٥) \"تهذيب اللغة\" ١٢/ ٣٨٦ (سبت)، قاله الأزهري بعد نقل قول الزجاج. واقتصر ابن قتيبة، في الغريب ص ٣١٣. على تفسير السبات بالراحة ثم قال: وأصل السبات: التمدد. وذكر الأزهري ١٢/ ٣٨٦، عن ابن الأنباري، أنه قال؛ لا يعلم في كلام العرب سبت بمعنى: استراح، وإنما معنى سبت: قطع. وجعل الزمخشري ٣/ ٢٧٦، مقابلة السبات بالنشور يمنع من \"تفسيره\" بالراحة، فقال: والمسبوت: الميت؛ لأنه مقطوع الحياة، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ﴾ [الأنعام: ٦٠] ورد هذا أبو حيان ٦/ ٤٦٢، قال: ولا يأباه إلا لو تعين تفسير النشور بالحياة. وهو كلام جيد.","vol":"16","page":525},{"text":"أي: قطعًا لأعمالكم (١).\nقال ابن عباس ومقاتل: ينتشرون فيه لابتغاء الرزق (٢) والنشور معناه: التفرق: الانبساط في التصرف، ومنه: نشور الميت، وهو: حياته، وحركته، وتصرفه، بعد هموده. وحَسُن ذكر النشور هاهنا؛ لأن النائم بالليل يكون بانقطاعه عن العمل كالميت، فإذا استيقظ بالنهار وأخذ في أعماله كان النهار نشورًا له من وفاة النوم (٣). وفي هذه الآية تذكير بالنعم من الله تعالى؛ وهي النوم، الذي فيه راحة الأبدان، والنهار، الذي يصلح للتصرف فيه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2950>٤٨ </span>- قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ سبق الكلام في تفسيره، ووجوه القراءات في سورة الأعراف (٤).\nقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ المفسرون يقولون: من السحاب (٥). وقال الحسن: المطرُ من السماء، والسحابُ عَلَم ينزل عليه\n_________\n(١) \"تهذيب اللغة\" ١٢/ ٣٨٦ (سبت)، ينصه. منسوبًا لابن الأنباري. وفي \"تفسير الثعلبي\" ٨/ ٩٩ ب: راحة لأبدانكم وقطعًا لعملكم.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ص ٦٤ أ، و\"تفسير مجاهد\" ٢/ ٤٥٤، وأخرج ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٠٤، عن قتادة لمعايشهم ولحوايجهم ولتصرفهم.\n(٣) \"تفسير ابن جرير\" ١٩/ ٢١، بمعناه. واستشهد على ذلك بقول النبي -ﷺ- إذا أصبح وقام من نومه: ﴿الْحَمْدُ لله الّذِي أَحْيَانَا بَعْدَ مَا أَمَاتَنَا وإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾. أخرجه البخاري، كتاب الدعوات، رقم: ٦٣١٢ الفتح ١١/ ١١٣، والترمذي ٥/ ٤٤٩، كتاب الدعوات، رقم: ٣٤١٧.\n(٤) عند قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ [الأعراف: ٥٧] حيث ذكر معنى بشرًا، وأصل اشتقاقها، ووجوه القراءات فيها، وباقية ألفاظ الآية تكلم عن ذلك في ست صفحات.\n(٥) \"تفسير ابن جرير\" ١٩/ ٢١.","vol":"16","page":526},{"text":"الماء من السماء (١).\nوأما الطهور، فقال أبو إسحاق: كل ما نزل من السماء، أو خرج من بحر، أو أذيب من ثلج، أو بَرَدٍ، فهو طهورة قال النبي -ﷺ- في البحر: \"هو الطهور ماؤه\" (٢) وقال الليث: الطَّهُور: اسم الماء كالوضوء، وكل ما لطف اسمه: طَهور. والتوبة التي تكون بإقامة الحدود نحو الرجم وغيره، طَهور للمذنب تطهره تطهيرًا (٣).\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٠٤، عن السدي، وفيه قوله: ثم يفتح أبواب السماء ليسيل الماء على السحاب ثم تمطر السحاب بعد ذلك. ولم يذكر نسبته للحسن.\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٧١. بنصه. والحديث أخرجه مالك ١/ ٢٢، الطهارة، رقم: ١٢. وأحمد ٣/ ٢٣، رقم: ٧٢٣٧. وأبو داود ١/ ٦٤، الطهارة، رقم: ٨٣. والترمذي ١/ ١٠٠، الطهارة، رقم: ٦٩. والنسائي ١/ ٥٣، الطهارة، رقم: ٥٩. وابن ماجه ١/ ١٣٦، الطهارة، رقم: ٣٨٦. من حديث أبي هريرة -﵁- قال: سَأَلَ رَجُلٌ رَسُولَ الله -ﷺ- فَقَالَ يَا رَسُولَ الله إِنَّا نَرْكَبُ الْبَحْرَ وَنَحْمِلُ مَعَنَا الْقَلِيلَ مِنَ الْمَاءِ فَإِنْ تَوَضَأْنَا بِهِ عَطِشْنَا أَفَنَتَوَضَّأُ مِنْ مَاءِ الْبَحْرِ فَقَالَ رَسُولُ الله -ﷺ-: \"هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ\". قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وهو في سلسلة الأحاديث الصحيحة، رقم: ٤٨٠. أخرج ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٠٥، عن عكرمة قال: قال ابن عباس: إن الماء لا ينجسه شيء يُطهر، ولا يطهره شيء، فإن الله -﷿- قال: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان:٤٨]. قال ابن عاشور ١٩/ ٤٧: وماء المطر بالغ منتهى الطهارة إذ لم يختلط به شيء يكدره أو يقذره، وهو في علم الكيمياء أنقى المياه لخلوه عن جميع الجراثيم، فهو الصافي حقًا.\n(٣) \"العين\" ٤/ ١٩ (طهر)، بنصه. وقد أضاف المحقق زيادات من التهذيب ٦/ ١٧١، وجعلها في الأصل، وعلق على ذلك في الحاشية بأنها نص ما نقله صاحب التهذيب، والذي يظهر خلاف ذلك، فالأزهري نقل جزءًا من الكلام، وزاد عليه فجعْلُ المحقق هذه الزيادة من \"العين\" غير مستقيم. ويؤكد هذا توافق ما نقل الواحدي مع ما في العين، إذا حذفت الزيادة التي أدخلها المحقق.","vol":"16","page":527},{"text":"وقال الأزهري: الطَّهور في اللغة هو: الطاهر المطهر (١). والطَّهور: ما يتطهر به، كالوَضوء: ما يتوضأ به، والنَّشُوق: ما (٢) يتنشق به، والفَطور: ما (٣) يفطر عليه. ومنه قوله - ﷺ -: \"هو الطَّهور ماؤه\" (٤).\nوقال غيره (٥): صيغة الفعول تأتي في الكلام على أنواع؛ تكون بمعنى (٦) المفعول كالرَّكوب، والحَلوب، وبمعنى المتفعل به كالسَّحور، فإفه: متسحر به، والطَّهور، فإنه: متطهر به، وتكون بمعنى: الفاعل [وفيه معنى المبالغة كالأكول والشروب، وتكون بمعنى الفاعل والمفعول به] (٧) من أفعل وذلك كقولهم: الإبل رَقُوء الدم، أي: مُرْقِية (٨). والفَطور بمعنى المفطر به. والطَّهور، إذا جُعل بمعنى المطِّهر فهو فعول متعد من مصدر لازم كالمَشُوِ، وهو: الدواء الذي يمشي البطن (٩). ومما ورد الطهور فيه بمعنى المطهر، قول جرير:\n_________\n(١) واقتصر على هذا التعريف في \"الوجيز\" ٢/ ٧٨٠.\n(٢) (ما) في (ج). فقط.\n(٣) (ما) في (ج). فقط.\n(٤) \"تهذيب اللغة\" ٦/ ١٧٢ (طهر).\n(٥) ذكر نحوه الزمخشري ٣/ ٢٧٦، ونسبه لسيبويه.\n(٦) هنا تكرار في (أ)، قدر ثلاثة أسطر.\n(٧) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).\n(٨) قال ابن السكيت: الرَّقُوء: الدواء الذي يُرقأ به. والعرب تقول: لا تسبوا الإبل فإن فيها رَقُوء الدماء؛ أي: تعطى في الديات فتحقن الدماء. \"تهذيب اللغة\" ٩/ ٢٩٢ (رقا). والشاهد فيه أن رقوء على وزن فعول، من أرقى. ومُرقية بالضم على اعتبار اسم الفاعل، وبالفتح باعتبار اسم المفعول.\n(٩) \"تهذيب اللغة\" ١١/ ٤٣٨ (مشى). عن ابن السكيت، وفيه: يقال: شربت مَشُوا ومَشاء.","vol":"16","page":528},{"text":"لقد كان إخراج الفرزدق عنكمُ ... طَهورًا لما بين المُصَلَّى وَوَاقِمِ (١)\nأي: كان إخراجه مطهرًا لهذا المكان. وقال أبو علي الفارسي: الطَّهور، على ضربين؛ اسم، وصفة، فإذا كان اسمًا كان على ضربين؛ أحدهما: أن يكون مصدرًا كما حكاه سيبويه (٢)، تطهرت طهورًا حسنًا، وتوضأت وضوءًا حسنًا، فهذا مصدر على فعول، بفتح الفاء. ومثله: وقدت النار وقودًا في أحرف أخر. وأما الاسم الذي ليس بمصدر فكقوله -﵇-: \"طهور إناء أحدكم\" الحديث (٣). فالطَّهور اسم لما يطهر. وكذلك الفَطور، والوَجور، والسَّعوط، واللَّدود، والبَرود (٤)، كلها أسماء وليست بمصادر. وأما كونه صفة فنحو قوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ وقوله: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ [الإنسان: ٢١] وقوله -﵇-: \"هو الطهور ماؤه\" فالطهور\n_________\n(١) \"ديوان جرير\" ص ٤٦٠، من قصيدة طويلة يجيب فيها الفرزدق. المصلى: موضع الصلاة؛ وهو موضع بعينه في المدينة. واقم: أُطُم من آطام المدينة كأنه سمي بذلك لحصانته، ومعناه أنه يرد عن أهله. \"معجم البلدان\" ٥/ ٤٠٨، والأطم: الحصين. \"تهذيب اللغة\" ١٤/ ٤٤ (أطم).\n(٢) أشار إلى ذلك الزمخشري ٣/ ٢٧٦.\n(٣) أخرجه مسلم ١/ ٢٣٤ الطهارة، رقم: ٢٣٤. وأبو داود ١/ ٥٧ الطهارة، رقم: ٧١. ولفظه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله -ﷺ-:\"طهُورُ إِنَاءِ أَحَدِكُمْ إِذَا وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ أَنْ يَغْسِلَهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ أُولاهُنَّ بِالتُّرَابِ\". ضبط حرف الطاء في كلمة: طهور، في صحيح مسلم: بالفتح والضم.\n(٤) الوَجور: صب الماء أو الدواء في فم الصبي. \"تهذيب اللغة\" ١١/ ١٨٥ (وجر). وفي \"المعجم الوسيط\" ٢/ ١٠١٤: الوجور: الدواء يصب في الحلق. السَّعوط: الدواء يصب من الأنف. \"تهذيب اللغة\" ٢/ ٦٧ (سطع)، \"المعجم الوسيط\" ١/ ٤٣١. اللَّدود: ما يصب من الأدوية ونحوها في أحد شِقي الفم. \"تهذيب اللغة\" ١٤/ ٦٧ (لدد)، \"المعجم الوسيط\" ٢/ ٨٢١. البَرود: كل ما برد به من شيء، كالشَّراب، والكُحل تبرد به الحين. \"تهذيب اللغة\" ١٤/ ١٠٦ (برد)، \"المعجم الوسيط\" ١/ ٤٨.","vol":"16","page":529},{"text":"هاهنا صفة؛ ألا ترىَ أنه قد ارتفع به الماء كما يرتفع الاسم بالصفات المتقدمة.\nوأجاد أبو القاسم الزجاجي -﵀- في تفسير الطهور، وكشف عن حقيقة المعنى؛ فقال: الطهور: اسم للماء الذي يتطهر به، ولا يجوز إلا أن يكون طاهرًا في نفسه، مطهرًا لغيره؛ لأن العرب إذا عدلت عن بناء: فاعل، إلى بناء: فعيل، أو فعول، لم تعدل إلا لزيادة معنى؛ لأن اختلاف الأبنية لاختلاف المعاني، فكما أنه لا يجوز التسوية بين صابر وصَبور، وشاكر وشَكور، كذلك في طاهر وطَهور، فإذا سويت بينهما فقد خالفت ما عليه موضوع الكلام. والشيء إذا كان طاهرًا في نفسه لا يجوز أن يكون من جنسه ما هو أطهر منه، حتى تصفه بقول: كل طهور لزيادة طهارته، وليس كذلك قادر وقدير، وعالم وعليم، وغافر وغفور؛ لأن هذه نعوت تحتمل (١) الزيادة، والطهارة ليست كذلك؛ لأنا إذا وصفنا الشيء بأنه طاهر فقد أدينا حقه، في (٢) وصفه بالطهارة، فإذا نقلنا هذا اللفظ إلى بناء من أبنية المبالغة لم (٣) يكن إلا لزيادة معنى فيه، وذلك المعنى ليس إلا التطهير، إذ لم يكن يحتمل زيادة الطهارة، كما يحتمل الغفور زيادة الغفران.\nفإن قيل: هذه اللفظة من: طَهُر، وهو لازم، فكيف يجوز أن يُعدَّى ما تبنيه من فعل لازم؟ قلنا: الاعتبار والنظر في هذه اللفظة أدانا إلى معنى التطهير؛ وذلك أنه لا سبيل إلى إطلاق هذا الوصف على الماء الذي ليس\n_________\n(١) في (أ)، (ب)، زيادة (العفو وزيادة الغفران)، والظاهر أنها تكرار لما سيأتي بعدها، فالكلام لا يستقيم بها.\n(٢) في (أ)، (ب): واو، بدل: في.\n(٣) في (أ)، (ب): (لم يكن)، وفي (ج): (لا يكون).","vol":"16","page":530},{"text":"بمطهر؛ لأن العرب لا تُسمِّي الشيء الذي لا يقع به التطهر طَهورًا، فَمِن هذا الوجه يجب أن يُعلم، لا من جهة التعدي واللزوم. الدليل على ذلك قوله -ﷺ-: \"وترابها لي طهورًا\" (١) فجعل التراب طَهورًا؛ لأنه يقع به التطهير والتطهر، فهو اسم لما يتطهر به، ونظيره: الفَطور لما يفطر عليه، والسَّحور لما يتسحر به، والوَقود الذي توقد به النار، والوَضوء الذي يتوضأ به، ومثله كثير. وقد علمنا من مذهب العرب أنهم يقولون للشيء إذا وصفوه بالطهارة: طاهر، [ولا يقولون لما لا يقع به التطيهر: طَهور، كالمائعات الطاهرة] (٢)،\n_________\n(١) الحديث أخرجه مسلم ١/ ٣٧١، كتاب المساجد، رقم: ٥٢٢، من حديث حُذَيْفَةَ، ولفظه: \"وَجُعِلَتْ لَنَا الأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدًا وَجُعِلَتْ تُرْبَتُهَا لَنَا طَهُورًا إِذَا لَمْ نَجِدِ الْمَاءَ\". وأما حديث \"وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا\" فهو متفق عليه من حديث جابر -﵁-. البخاري، كتاب التيمم، رقم: ٣٣٥. الفتح ١/ ٤٣٥. ومسلم ١/ ٣٧١، كتاب المساجد، رقم: ٥٢٣.\n(٢) ما بين المعقوفين في (أ)، (ب)، وفي (ج): ولا يقولون لما تقع به الطهارة طهورًا كالمائعات الطاهرة، والنباتات الطاهرة).\nوقوله: كالمائعات الطاهرة، إن كان المراد بالتطهير بها رفع الحدث فهذا صحيح فلا يرفع الحدث إلا الماء، دون غيره من المائعات الطاهرة؛ للنص على استعماله، وللأمر باستعمال التراب عند فقده. وأما إزالة النجاسة بالمائعات الطاهرة فهو محل خلاف بين أهل العلم، فمن فسر ﴿طَهُورًا﴾ بطاهرًا، جوَّز إزالة النجاسات بالمائعات الطاهرة. ومن فسره بأنه: مطهر، لم يجوز إزالة النجاسة بمائع سوى الماء. \"تفسير الماوردي\" ٤/ ١٤٨، و\"تفسير البغوي\" ٦/ ٨٧. و\"المبسوط\" ١/ ٩٦. و\"أحكام القرآن\"، للجصاص ٥/ ٢٠١، وابن العربي ٣/ ٤٣٥. والاستدلال بالآية على أنه لا يطهر النجاسة إلا الماء استدلال بعيد؛ لأن الآية فيها إخبار عن وصف الماء بهذا الوصف، الذي يبين أصله، ويى فيها منعٌ من تطهير النجاسات بغيره. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: فالراجح في هذه المسألة: أن النجاسة متى زالت بأي وجه كان زال حكمها، فإن الحكم إذا ثبت =","vol":"16","page":531},{"text":"وإنما يقولونه للشيء الذي تقع به الطهارة (١). ولهذا قالوا للحد الذي يقام على مستحقيه: طَهور. فأما قول جرير:\nعِذَاب الثنايا رِيقهن طَهور (٢)\nفإنه لما عُلم أن غاية وصف الماء أن يقال: طَهور، شَبَّه الريق بالماء، وأحبَّ أن يُزيلَ عن الريق سِمة النجاسة، فلم يمكنه أن يصفه إلا بما يوسف به الماء. ألا ترى أنه قال: عِذاب الثنايا، فوصفها بالعُذوبة، وهي من صفة الماء، فكما أن العذب حقيقة في الماء، مجازٌ في غيره، كذلك: الطَّهور، حقيقةٌ في الماء، مستعارٌ في الريق.\nوأما قوله تعالى: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ [الإنسان: ٢١] فإن الله تعالى لما وصف الماء في الدنيا بالطهارة فجعله طَهورًا، وهذا غاية ما يوصف به الماء، وصَفَ ذلك الشراب أيضًا هذا الوصف لنعتقد فيه من الطهارة، ما اعتقدناه فيما وصفه من الماء. فإن قيل: لو كان المراد بالطَّهور ما ذكرتَه لَمَا سُمِّي طَهورًا إلا بعد أن يُطَّهِر فهذا ساقط، ومذهب العرب بخلاف هذا؛ ألا ترى أنهم يسمُّون الطعام الذي يُفطَر عليه: فَطورًا، وكذلك: السَّحور، ويُسمون الشعير: قَضيمًا قبل أن يُقضم، ويقولون: ما\n_________\n= بعلة زال بزوالها، لكن لا يجوز استعمال الأطعمة، والأشربة في إرالة النجاسة لغير حاجة؛ لما في ذلك من فساد الأموال، كما لا يجوز الاستنجاء بها. \"الفتاوى\" ٢١/ ٤٧٥. قال الزمخشري ٣/ ٢٧٧: لما كان سقي الأناسي من جملة ما أُنزل له الماء وصفه بالطهور إكرامًا لهم، وتتميمًا للمنة عليهم.\n(١) في نسخة (ج)، كلمتان غير واضحتين، والأقرب أنهما: والنباتات الطاهرة.\n(٢) لم أجده في ديوان جرير. وأنشده ابن العربي في أحكامه ٣/ ٤٣٥، غير منسوب. وكذا القرطبي ١٣/ ٣٨. وأبو حيان ٦/ ٤٦٣، وفي الحاشية: البيت لجميل، ديوانه ٩٣؛ ولم أجده فيه. وفي حاشية \"الدر المصون\" ٨/ ٤٨٨: لم أهتد إلى قائله.","vol":"16","page":532},{"text":"في دار فلان مأكولٌ، ولا مشروبٌ، أي: ما أعد له. وكل وصف يجري على الموصوف للمبالغة فإنه يكون لما مضى، والحال، والاستقبال، كما تقول: فلان شَكور للنعم، لا يُراد: إنه شكر فيما مضى، بل يراد به: شاكرٌ في الحال والاستقبال. وهذا واضح بيِّن -إن شاء الله- انتهى كلامه (١).\nفأما التفسير؛ فقال ابن عباس، في قوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ يريد: المطر (٢). وقال مقاتل: بل طهورًا للمؤمنين (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2951>٤٩ </span>- قوله تعالى: ﴿لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾ قال ابن عباس: لنخرج فيها الثمار والنبات (٤). وقال مقاتل: لنحيي بالمطر بلدة ليس فيها نبت (٥). قال\n_________\n(١) لم أجد قول الزجاجي. قال ابن كثير ٦/ ١١٤، في تفسير هذه الآية: أي: آلة يتطهر بها كالسحور، والوقود، وما جرى مجراهما، فهذا أصح ما يقال في ذلك، وأما من قال: إنه مبني للمبالغة والتعدي فعلى كل منهما إشكالات من حيث اللغة، والحكم، ليس هذا موضع بسطها. والله أعلم. وقال أبو السعود ٦/ ٢٢٤: وما قيل إنه ما يكون طاهرًا في نفسه، ومطهرًا لغيره، فهو شرح لبلاغته في الطهارة، كما ينبئ عنه قوله تعالى: قال تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ [الأنفال: ١١].\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ص ٦٤ أ.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ص ٦٤ أ، بدون: بل.\n(٤) أخرج ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٠٦، بسنده عن عكرمة، قال: ما أنزل الله -﷿- من السماء قطرة إلا نبت بها في الأرض عشبة، أو في البحر لؤلؤة.\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ص ٦٤ أ. وتنكير قال تعالى: ﴿بَلْدَةً﴾ يدل على أن لماء المطر خاصية الإحياء لكل أرض؛ لأنه لخلوه من الجراثيم، ومن بعض الأجزاء المعدنية، والترابية، التي تشتمل عليها مياه العيون، ومياه الأنهار، والأودية، كان صالحًا بكل أرض، وبكل نبات، على اختلاف طباع الأرضين، والمنابت. تفسير ابن عاشور ١٩/ ٤٨.","vol":"16","page":533},{"text":"أبو إسحاق: قيل: ميتًا، ولفظ البلدة مؤنث؛ لأن معنى البلدة، والبلد، واحد (١).\nوقال غيره: أراد بالبلدة المكان (٢)، كقول الشاعر:\nولا أرضَ أبقلَ إبْقَالَها (٣)\nذهب بلفظ الأرض إلى المكان.\nقوله تعالى: ﴿وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا﴾ (٤) تقدم الكلام في السقي، والإسقاء، عند قوله: ﴿فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ﴾ [الحجر: ٢٢] (٥)، قال ابن\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٧١. واستدل عليه الزمخشري ٣/ ٢٧٧، بقوله تعالى: ﴿فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ﴾ [فاطر: ٩].\n(٢) \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ٢/ ٧٦. و\"تفسير ابن جرير\" ١٩/ ٢١. ولم يذكرا البيت المشار إليه. والثعلبي ٨/ ٩٩ ب، كذلك. واقتصر عليه في \"الوسيط\" ٣/ ٣٤٢.\n(٣) أنشده سيبويه، \"الكتاب\" ٢/ ٤٦، ونسبه لعامر بن جُوين الطائي، وأنشده كذلك أبو عبيدة، \"مجاز القرآن\" ٢/ ٦٧، وصدره عندهما:\nفلا مُزْنة ودَقتْ ودْقَها\nوفي حاشية الكتاب: يصف أرضًا مخصبة لكثرة الغيث. والمزنة: واحدة المزن؛ وهو السحاب يحمل الماء، والودق: المطر، وأبقلت: أخرجت البقل؛ وهو من النبات ما ليس بشجر.\n(٤) قال الزمخشري ٣/ ٢٧٧، في بيان وجه تخصيص الأنعام بالذكر دون غيرها من المخلوقات: لأن الطير، والوحش تبعد في طلب الماء فلا يعوزها الشرب بخلاف الأنعام، ولأنها قنية الأناسي وعامة منافعهم متعلقة بها، فكان الإنعام عليهم بسقي أنعامهم كالإنعام بسقيهم.\n(٥) قال الواحدي في تفسير هذه الآية: ﴿فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ﴾ [الحجر: ٢٢]، قال الأزهري: العرب تقول لكل ما كان من بطون الأنعام ومن السماء أو نهر يجري أسْقيْتُ، أي جعلته شُرْبًا له وجعلت له منها مسقى، فإذا كانت السقيا لشفته قالوا: سقاه، ولم يقولوا: أسقاه .. وقال أبو علي: تقول سقيته حتى روى، وأسقيته نهرًا جعلته شَىرْبًا له، وقوله: ﴿فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ﴾ [الحجر: ٢٢] جعلناه سُقيا لكم، وربما قالوا في أسقى سقى.","vol":"16","page":534},{"text":"عباس: ونسقي من ذلك الماء أنعامًا، ونسقي من ذلك الماء أيضًا بشرًا كثيرًا، وهو قوله: ﴿وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا﴾\nقال الفراء، والزجاج: واحد الأناسي إنسي، مثل: كرسي، وكراسي. ويجوز أن يكون الأناسي جمع إنسان، وتكون الياء الأخيرة بدلًا من النون؛ الأصل: أناسِين بالنون، مثل: سراحين (١).\nقال الفراء: وإذا قالوا: أناسين، فهو بَيِّن مثل: بستان وبساتين. قال: ويجوز: أناسيَ، مخففة الياء، أسقطوا الياء التي تكون فيما بين لام الفعل، وعينه، مثل: قراقير وقراقر (٢). قال: وتقول العرب: أناسيةٌ كثيرة (٣). وإنما قال: كثير، ولم يقل: كثيرون كما قال: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ [الشعراء: ٥٤] لأنه قد جاء فعيل مفردًا يراد به الكثرة، نحو قوله: ﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٦٩، بمعناه. و\"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٧١، بنصه. ونسبه في \"الدر المصون\" ٨/ ٤٨٨، لسيبويه. وفي حاشية الدر: ليس في الكتاب إشارة إلى ذلك. قوله: سراحين، جمع سِرْحان. إعراب القرآن للنحاس ٣/ ١٦٣. وهو: الذئب، ويجمع على سَرَاحين، وسَرَاحِيّ. \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٠١ (سرح). وفي الحديث: \"فأما الفجر الذي يكون كذنب السِّرحان فلا تحل الصلاة فيه، ولا يحرم الطعام\". أخرجه الحاكم ١/ ٣٠٤ وقال: إسناده صحيح، ووافقه الذهبي. وقد أنكر ابن جني أن يكون: أناسي، جمع إنسان أو جمع تكسير، ونقد في ذلك الفراء. وتعقب أيضًا أبو البركات ابن الأنباري، قول الفراء؛ فقال: وهو ضعيف في القياس؛ لأنه لو كان ذلك قياسًا لكان يقال في جمع سرحان: سراحيّ، وذلك لا يجوز. \"البيان في إعراب القرآن\" ٢/ ٢٠٦. ولم يذكر وجه المنع، وقد سبق قول الأزهري في جواز جمعه على هذا. والله أعلم.\n(٢) جمع: قرقور، وهي: السفينة، أو العظيمة من السفن. \"تهذيب اللغة\" ٨/ ٢٨٢ (قر).\n(٣) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٦٩.","vol":"16","page":535},{"text":"رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩] وقد مرَّ (١). وقوله: ﴿وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا (١٠) يُبَصَّرُونَهُمْ﴾ [المعارج ١١،١٠] فدل عود الذكر مجموعًا إلى القبيلين على أنه أريد بهما الكثرة. وذكرنا هذا عند قوله: ﴿فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء ٤٦، ١٥٥] (٢). ومثل هذا في هذه السورة قوله: ﴿وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا﴾ [الفرقان: ٣٨].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2952>٥٠ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا﴾ أكثر هذه الآية قد ذُكرت في سورة: سبحان، وفسرناها هناك (٣). وفسرت هذه الآية هنا تفسيرًا آخر؛ أي: صرفنا الماء المنزل من السماء سقيًا لهم، وغيثًا، وهو: المطر، مرة لهذه البلدة، ومرة لبلدة أخرى (٤).\nروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: ما عام بأكثر مطرًا من عام،\n_________\n(١) قال الواحدي في تفسير هذه الآية: قال الفراء: وإنما وحد الرفيق وهو حقه الجمع؛ لأن الرفيق والبريد والرسول تذهب به العرب إلى الواحد وإلى الجمع، ولا يجوز أن تقول: حسن أولئك رجلًا ... البسيط ١/ ٢٩٩ (تحقيق المحيميد).\n(٢) تفسير الآية ٤٦، من سورة النساء مفقود.\nوفي تفسير الآية ١٥٥، من سورة النساء أحال الواحدي على الآية ٨٨، من سورة البقرة. قال الواحدي في تفسير آية سورة البقرة: ﴿فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٨٨] يريد: فما يؤمنون قليلًا ولا كثيرًا، والعرب قد تستعمل لفظ القلة في موضع النفي، فتقول: قل ما رأيت من الرجال مثله، وقلَّ ما تزورنا، يريدون النفي لا إثبات القليل. وحكى الكسائي عن العرب: مررت بأرض قل ما تنبت إلا الكُرَّاث والبصل؛ أي: ما تنبت إلا هذين.\n(٣) عند قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا﴾ [الفرقان: ٥٠].\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ص ٦٤ أ. و\"غريب القرآن\" لابن قتيبة ص ٣١٤. و\"تفسير الهوّاري\" ٣/ ٢١٣. واستبعد هذا القول ابن جزي ص ٤٨٦.","vol":"16","page":536},{"text":"ولكن الله يصرفه في الأرض، ثم قرأ: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ﴾ (١). وهذا كما روى ابن مسعود أن النبي -ﷺ- قال: \"ما من سنة بأمطر من أخرى، ولكن إذا عمل قوم بالمعاصي حوَّل الله ذلك إلى غيرهم فإذا عصوا جميعًا صرف الله ذلك إلى الفيافي والبحار\" (٢).\n_________\n(١) أخرجه ابن جرير ١٩/ ٢٢. من طريقين، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس. وأخرجه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٠٦، من طريق واحد عنه. وأخرجه الحاكم ٢/ ٤٣٨، وقال: على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي. قال ابن عاشور ١٩/ ٥١: فحصل من هذا أن المقدار الذي تفضل الله به من المطر على هذه الأرض لا تختلف كميته، وإنما يختلف توزيعه. وهذه حقيقة قررها علماء حوادث الجو في القرن الحاضر، فهو من معجزات القرآن العلمية.\n(٢) أخرجه ابن جرير ١٩/ ٢٢، مختصرًا، موقوفًا على ابن مسعود -﵁- وليس مرفوعًا، وقد ذكره السمرقندي ٢/ ٤٦٣، مرفوعًا، بنصه، دون إسناد. وأخرجه الثعلبي ١٠٠ أ، بإسناده من طريق إسحاق بن بشر، نا ابن إسحاق، وابن جريج، ومقاتل، كلهم قالوا وبلغوا به ابن مسعود. وهذا إسناد منقطع؛ لأن هؤلاء الثلاثة لم يلقوا ابن مسعود -﵁- فابن إسحاق، من الطبقة الخامسة: صغار التابعين، الذين رأوا الواحد والاثنين من الصحابة، لكن لم يثبت لهم لقاء أحد منهم. وابن جريج، من الطبقة السادسة: عاصروا الخامسة، لكن لم يثبت لهم لقاء أحد من الصحابة. ومقاتل بن سليمان، من الطبقة السابعة: طبقة كبار أتباع التابعين كمالك والثوري. مقدمة \"تقريب التهذيب\" ٨٢. والحديث المنقطع: هو ما لم يتصل إسناده على أي وجه كان انقطاعه. \"تدريب الراوي\" ١/ ٢٠٨. فالأقرب أن يكون موقوفًا على ابن مسعود -﵁- كما هو عند ابن جرير. والله أعلم. قال ابن حجر، في \"الكاف الشاف\" ٣/ ٢٧٨: وفي الباب عن ابن مسعود، أخرجه العقيلي، من رواية علي بن حميد، عن شعبة، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص عنه. وقال: لا يتابع على رفعه. ثم أخرجه موقوفًا من رواية عمرو بن مرزوق عن شعبة، وقال: هذا أولى. وهو بنصه، في \"الفتح السماوي\" ٢/ ٨٨٥. وأصله عند الزيلعي، في تخريجه لأحاديث \"الكشاف\" ٢/ ٤٦٤.","vol":"16","page":537},{"text":"وقوله: ﴿لِيَذَّكَّرُوا﴾ قال مقاتل: ليعتبروا، ويتفكروا في ذلك، فيستدلوا به على التوحيد (١). وقال أبو إسحاق: ليتفكروا في نعم الله علهم فيه، ويحمدونه على ذلك (٢).\nوقال أبو علي: ليتفكروا في قدرة الله، وموضع نعمته عليهم بما أحيا بلادهم به من الغيث (٣). ومن قرأ ﴿لِيَذَّكَّرُوا﴾ هو بالتخفيف (٤) من الذكر، فمعناه: ليذكروا موضع النعمة به فيشكروه.\nقوله تعالى: ﴿فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾ قال مقاتل والكلبي: إلا كفرًا بالله وبنعمته (٥).\nقال أبو إسحاق: وهم الذين يقولون: مطرنا بنوء كذا (٦).\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ص ٤٦ أ، بمعناه. وفي \"تنوير المقباس\" ص ٣٠٤: لكي يتعظوا بذلك. ونحوه ذكر الهواري ٣/ ٢١٣، عن الحسن.\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٧١.\n(٣) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٣٤٥.\n(٤) بالتخفيف قراءة حمزة، والكسائي، والباقون بالتشديد. \"السبعة في القراءات\" ص٤٦٥، و\"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٣٤٥، و\"النشر في القراءات العشر\" ٢/ ٣٣٤.\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ص ٦٤ أ. و\"تنوير المقباس\" ص ٣٠٤.\n(٦) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٧١. و\"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٠٠ أ. و\"تفسير الهواري\" ٣/ ٢١٣. ولم ينسبوه. وأخرجه ابن جرير ١٩/ ٢٢، وابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٠٦، عن عكرمة. ويشهد لهذا حديث زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ أَنَّهُ قَالَ صَلَّى لَنَا رَسُولُ الله -ﷺ- صَلاةَ الصُّبْحِ بِالْحُدَيْبِيَةِ عَلَى إِثْرِ سَمَاءٍ كَانَتْ مِنَ اللَّيْلَةِ فَلَمَّا انْصَرَفَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ \"هلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكمْ\" قَالُوا الله وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ \"أَصْبَحَ من عِبَادي مُؤمِنٌ بِي وَكَافِرٌ فَأَمَّا مَنْ قَالَ مُطِرْنَا بِفَضْلِ الله وَرَحْمَتِهِ فَذَلِكَ مُؤمِنٌ بِي وَكَافرٌ بِالْكَوْكَبِ وَأما مَن قَالَ بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي وَمُؤْمِن بِالْكَؤكَبِ\". أخرجه البخاري، في الأذان، رقم ٨٤٦، \"فتح الباري\" ٢/ ٣٣٣. ومسلم ١/ ٨٣، كتاب =","vol":"16","page":538},{"text":"هذا الذي ذكرنا هو قول أكثر المفسرين (١). وروى عطاء عن ابن عباس: ولقد صرفنا القرآن، يعني: أمثاله، ومواعظه بينهم ليتعظوا فأبى أكثر الناس إلا جحودًا بالقرآن (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2953>٥١ </span>- وقوله: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا﴾ قال مقاتل: لو شئنا لبعثنا في زمانك في كل قرية رسولًا ينذرهم، ولكن بعثتك إلى القرى\n_________\n= الإيمان رقم ٧١. وادعى النحاس في \"إعراب القرآن\" ٣/ ١٦٣، أن لا خلاف بين أهل التفسير أن الكفر هاهنا قولهم: مطرنا بنوء كذا وكذا. وهو محمول على أن المراد بالتصريف تصريف المطر، أو لعله لم يطلع على غير هذا القول. ويدخل في هذا المعنى كل من ينسب هذه الظاهرة أو غيرها من الزلازل والبراكين ونحو ذلك للطبيعة، منكرًا تقدير الله تعالى وتدبيره لها، وحدوثها بدون فعل فاعل.\n(١) أي أن الضمير في قوله تعالى: ﴿صَرَّفْنَاهُ﴾. يرجع للمطر. وهذا وجه ظاهر؛ لأنه أقرب مذكور، وسياق الآية يدل عليه. والله أعلم. وقد اقتصر عليه في \"الوجيز\" ٢/ ٧٨١. ولم يذكر غيره ابن كثير ٦/ ١١٥. واختاره الشنقيطي ٦/ ٣٣٥.\n(٢) تفسير ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٠٧، من قول عطاء الخراساني، واستدل على صحته بقوله تعالى فيه: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا (٥١) فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾. وجعله الماوردي ٤/ ١٤٩، راجعًا إلى الفرقان المذكور في أول السورة. واختاره ابن جزي ٤٨٦. ولا يمنع أن يكون راجعًا إلى جميع ما سبق. تفسير أبي حيان ٦/ ٤٦٣. وذكر الزمخشري ٣/ ٢٧٧، وجهًا ثالثًا، واستظهره، ولم ينسبه؛ وهو أن المراد تصريف الحديث عن المطر والسحاب في القرآن وفي الكتب السماوية السابقة لما في هذه الآية من العبرة والعظة، فقال: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ﴾ يريد: ولقد صرفنا هذا القول بين الناس في القرآن وفي سائر الكتب والصحف التي أنزلت على الرسل ﵈وهو ذكر إنشاء السحاب وإنزال القطر- ليتفكروا ويعتبروا، ويعرفوا حق النعمة فيه ويشكروا. وذكره أبو السعود ٦/ ٢٢٤، واستظهره، ولم ينسبه. وكذا البرسوي ٦/ ٢٢٥. واقتصر عليه القاسمي ١٢/ ٢٦٦. والله أعلم.","vol":"16","page":539},{"text":"كلها رسولًا، اختصصتك بها (١)، وحَمَّلتك أعباء النبوة، لتستوجب ما أعددنا لك من الكرامة (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2954>٥٢ </span>- وقوله: ﴿فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ﴾ يعني: كفار مكة وذلك حين دُعِي إلى دين آبائه (٣).\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ص ٦٤ أ، وفيه: ولكن بعثناك ... اختصصناك. وقد دلت نصوص كثيرة على عموم بعثته -ﷺ- كقوله تعالى: ﴿لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ [الشورى: ٧] ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ﴾ [الأعراف: ١٥٨] وفي الصحيحين من حديث جَابِر بْن عَبْدِ الله أَنَ النَبِيَّ -ﷺ- قالَ: \"أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ وَجُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجدًا وَطَهُورًا فَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أُمَّتي أَدْرَكَتْهُ الصَلاةُ فَلْيُصَلِّ وَأُحِلَّتْ لِيَ الْمَغَانِمُ وَلَمْ تَحِلَّ لأَحَدٍ قَبْلِي وَأُعطِيتُ الشَّفَاعَةَ وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةَ\". أخرجه البخاري، كتاب التيمم، رقم: ٣٣٥ \"الفتح\" ١/ ٤٣٥. ومسلم ١/ ٣٧٠، كتاب المساجد، رقم: ٥٢١.\n(٢) \"تفسير ابن جرير\" ١٩/ ٢٣. و\"تفسير الثعلبي\" ١٠٠ أ، وفيه قوله: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا﴾ رسولًا، ولقسمنا النذر بينهم كما قسمنا المطر. وفي \"الوجيز\" ٢/ ٧٨١: لنخفف عنك أعباء النبوة، ولكن لم نفعل ذلك ليعظم أجرك.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ص ٦٤ أ. وفي \"تنوير المقباس\" ص ٣٠٤: أبا جهل وأصحابه. وظاهر الآية أعم من أن يكون المراد النهي عن طاعتهم في اتباع دينهم، فيدخل فيه موادعتهم، ومداهنتهم، وترك دعوتهم. ويشهد لهذا قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (١) وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [الأحزاب: ١ - ٢]. فنهاه الله عن طاعتهم، وأمره باتباع الوحي. ومثل ما ذكر هنا الواحدي ذكر في \"الوسيط\" ٣/ ٣٤٣، أما في \"الوجيز\" فقد أوجز وأبلغ، فقال: ﴿فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ﴾ في هواهم، ولا تداهنهم قال الرازي ٢٤/ ١٠٠: ودلت هذه الآية على أن النهي عن الشيء لا يقتضي كون المنهي عنه مشتغلًا به.","vol":"16","page":540},{"text":"﴿وَجَاهِدْهُمْ بِهِ﴾ قال ابن عباس: بالقرآن (١) ﴿جِهَادًا كَبِيرًا﴾ يعني: شديدًا (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2955>٥٣ </span>- قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ﴾ قال أبو زيد: مرج البحرين خلاهما، ثم جعلهما لا يلتبس ذا بذا؛ قال: وهو كلام لا يقولهه إلا أهل تِهامة (٣)، وأما النحويون، فيقولون: أَمْرَجْتَه وأمرجَ دابته (٤). إذا خلاها وأرسلها ترعى (٥). ونحو هذا قال الكسائي سواء.\n_________\n(١) أخرجه ابن جرير ١٩/ ٢٣، وهو قول مقاتل ٦٤ أ. وذكره ابن قتيبة، \"غريب القرآن\" ٣١٤. وأخرج ابن جرير ١٩/ ٢٣، وابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٠٧، عن ابن زيد أنه قال: الإسلام، وقرأ قوله تعالى: ﴿وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ٧٣]. ﴿وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً﴾ [التوبة: ١٢٣] وجعله أبو حيان ٦/ ٤٦٤، راجعًا إلى: القرآن، والإسلام، والسيف، وترك طاعتهم. ولعل اقتصار من سبق على ذكر المجاهدة بالقرآن، دون السيف؛ لأن هذه السورة مكية أمر فيها النبي -ﷺ- بجهاد الكفار، بالحجة، والبيان، وتبليغ القرآن، ولم يؤمر بقتالهم. \"تفسير الهواري\" ٣/ ٢١٤. وزاد المعاد ٣/ ٥. وتفسير الشوكاني ٤/ ٧٨.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ص ٦٤ أ. وفي \"تنوير المقباس\" ص ٣٠٤: بالسيف. والجهاد الكبير المذكور في الآية هو المصحوب بالغلظة عليهم، كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً﴾ [التوبة: ١٢٣] وقوله: (قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ٧٣، التحريم: ٩]. \"تفسير الشنقيطي\" ٦/ ٣٣٧. والآية دالة على عظم جهاد العلماء لأعداء الدين بما يوردون عليهم من الأدلة، وأوفرهم حظًا المجاهدون بالقرآن منهم. \"تفسير البغوي\" ٦/ ٣٣.\n(٣) سميت تهامة بذلك: لشدة حرها وركود ريحها. وهو من التَّهم. وهو: شدة الحر وركود الريح، يقال: تهم الحر: إذا اشتد. \"معجم البلدان\" ٢/ ٧٤. وتهامة. سهول تقع بين جبال الحجاز وساحل البحر الأحمر، في المملكة العربية السعودية.\n(٤) \"تهذيب اللغة\" ١١/ ٧٢ (مرج)، و\"اللسان\" ٢/ ٣٦٥.\n(٥) واقتصر على أن معناه. خلاهما، ابن قتيبة، \"غريب القرآن\" ٣١٤.","vol":"16","page":541},{"text":"وقال أبو عبيدة: إذا خليت الشيء فقد مَرجتَه، وإذا ألقى الدابة في المرعى فقد مَرجَها، وأَمْرَجها (١)، وأنشد العجاج:\nرعى بها مَرْج ربيع مُمْرَجًا (٢)\nوقال الفراء: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ﴾ أرسلهما (٣).\nوقال الزجاج: خلا بينهما، تقول: مَرَجَت الدابة، وأمْرَجتُها إذا خليتها ترعى، والمَرْجُ من هذا سُمِّي، ومَرِجَت عهودُهم (٤) إذا اختلطت (٥). قال ابن عباس، والضحاك، ومقاتل: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ﴾ خلع أحدهما على\n_________\n(١) \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ٢/ ٧٧. بمعناه. قال ابن الأنباري: مرجت الدابة: إذا خليتها. وأمرجتها: إذا رعيتها. \"الزاهر\" ١/ ٤٢٥.\n(٢) أنشده أبو عبيدة، في \"المجاز\" ٢/ ٧٧، منسوبًا للعجاج. وأنشده الأزهري، \"تهذيب اللغة\" ١١/ ٧١ (مرج)، ولم ينسبه. وكذا ابن جرير ١٩/ ٢٣. وهو في \"ديوان العجاج\" ٢٩٠، وفيه: يقول: رعى هاهنا في الربيع، والمرج: القطعة من الأرض الكثيرة الكلأ، والمُمْرَج: المخلَّى.\n(٣) \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ١١٥، في سورة الرحمن.\n(٤) هذا جزء من حديث عَبْدِ الله بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَ رَسُولَ الله -ﷺ-، قَالَ: \"كَيْفَ بِكُمْ وَبِزَمَانٍ أَوْ يُوشِكُ أَنْ يَأْتيَ زَمَانٌ يُغَرْبَلُ النَّاسُ فِيهِ غَرْبَلَةً تَبْقَى حُثَالَةٌ مِنَ النَّاسِ قَدْ مَرِجَتْ عُهُودُهُمْ وَأَمَانَاتُهُمْ وَاخْتَلَفُوا فَكانُوا هَكَذَا\" وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ فَقَالُوا: وَكَيْفَ بِنَا يَا رَسُولَ الله! قَالَ: \"تَأْخُذُونَ مَا تَعْرِفُونَ وَتَذَرُونَ مَا تُنْكِرُونَ وَتُقْبِلُونَ عَلَى أَمْرِ خَاصَّتِكُمْ وَتَذَرُونَ أَمْرَ عَامَّتِكُمْ\" قَالَ أَبُو دَاوُد: هَكَذَا رُوِيَ عَن عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو عَنِ النَبِيِّ -ﷺ-، مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ. سنن أبي داود ٤/ ٥١٣ كتاب الملاحم، رقم: ٤٣٤٢. وابن ماجه ٢/ ١٣٠٧ كتاب الفتن، رقم: ٣٩٥٧. وذكره الألباني، \"سلسلة الأحاديث الصحيحة\" ١/ ٣٦٧ رقم: ٢٠٥.\n(٥) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٧٢. وفسر المرج بالاختلاط، ابن جرير ١٩/ ٢٣، واستدل بقوله تعالى: ﴿فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾ [ق: ٥] أي: مختلط.","vol":"16","page":542},{"text":"الآخر (١). وقال مجاهد: أفاض أحدهما في الآخر (٢).\nوقال أهل المعاني: أرسلهما في مجاريهما كما ترسل الخيل في المَرْج.\nوهما يلتقيان (٣) فلا يبغي الملح على العذب، ولا العذب على الملح بقدرة الله -﷿- (٤). وذلك قوله: ﴿وَهَذَا﴾ يعني: أحد البحرين (٥).\n﴿عَذْبٌ﴾ طيب، عَذُبَ الماء يَعْذُبُ عُذوبَة فهو عَذْبٌ طيب بارد، وأَعْذَب القوم إذا عَذُبَ ماؤهم، واستعذَبوا إذا استقوا ماءً عَذْبًا، وأصله من: المنع، والماء العَذْبُ هو الذي يمنع العطش، يقال: عَذَبه عَذْبًا إذا\n_________\n(١) أخرجه بسنده، عن ابن عباس والضحاك، ابن جرير ١٩/ ٢٤. وأخرجه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٠٧، عن الضحاك، فقط. وفي \"تنوير المقباس\" ص ٣٠٤: أرسل البحرين. ولم أجد قول مقاتل في تفسيره. ونسبه للثلاثة جميعًا، الثعلبي ١٠٠ أ.\n(٢) \"تفسير مجاهد\" ٢/ ٤٥٤. و\"تفسير الهواري\" ٣/ ٢١٤. وأخرجه ابن جرير ١٩/ ٢٤. وابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٠٧. وقد وردت أقوال أخرى في معنى الآية فيها صرف للفظ المرج عن ظاهره، والحق ما اقتصر عليه الواحدي هنا. ومثل له ابن الجوزي بقوله: يُرى ماء البحر إلى الخضرة الشديدة، وماء دجلة إلى العمرة الخفيفة، فيأتي المستقي فيغرف من ماء دجلة عذبًا، لا يخالطه شيء، وإلى جانبه ماء البحر في مكان واحد. وهذا أبلغ في إثبات قدرة الله -﷿-، وعطف خلق الإنسان عليه يشهد له. والله أعلم.\n(٣) نسب هذا القول الرازي ٢٤/ ١٠٠، لابن عباس ﵄.\n(٤) معنى هذا أن: مرج، تطلق في اللغة بمعنى: أرسل وخلى. وتطلق بمعنى: خلط. تفسير الشنقيطي ٦/ ٣٣٨. ثم شرح معنى الآية على كلا الإطلاقين. وبين ٦/ ٣٣٩، أن معنى البرزخ، على القول الأول: هو اليبس من الأرض. وعلى القول الثاني: حاجز من قدرة الله غير مرئي للبشر.\n(٥) \"تفسير الطوسي\" ٧/ ٢٧٣، ولم ينسبه. وكذا ابن الجوزي ٦/ ٩٦. وصدره بقوله: قال المفسرون.","vol":"16","page":543},{"text":"منعه، وعَذَب عُذُوبًا إذا امتنع، والعاذب: الفرس الذي يمتنع من العلف، وسمي العذاب عذابًا؛ لأنه يعذب (١) المعاقب عن معاودة الفعل الذي عوقب عليه (٢).\nقوله ﴿فُرَاتٌ﴾ الفرات: أعذَبُ المِياه (٣)، وقد فَرُتَ الماءُ، يَفْرُتُ فُرُوتَة إذا عَذبَ، فهو: فُرَاتٌ (٤).\nوقوله: ﴿مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾ قال الليث: المِلْح خلاف: العَذْب من الماء، يقال: ماءٌ مِلْح، ولا يقال: مالح (٥). ونحو هذا قال ابن السكيت (٦).\nوقال يونس: لم أسمع أحدًا من العرب يقول: ماء مالح. قال: وقال أبو الدُّقيش (٧): ماء مالح، وماء ملح. قال الأزهري: هذا وإن وجد في\n_________\n(١) هكذا في النسخ الثلاث: (يعذب)؛ ولعل الصواب: (يمنع).\n(٢) \"تهذيب اللغة\" ٢/ ٣٢١ (عذب).\n(٣) في \"المجاز\" لأبي عبيدة ٢/ ٧٧: شديد العذوبة. و\"غريب القرآن\" لابن قتيبة ص ٣١٤. وهو كذلك في \"تفسير ابن جرير\" ١٩/ ٢٤؛ وقال: يعني بالعذب الفرات: مياه الأنهار، والأمطار، وبالملح الأجاج: مياه البحار. و\"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٧٢. و\"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٠٠ أ.\n(٤) \"تهذيب اللغة\" ١٤/ ٢٧٢ (فرت)، بنصه.\n(٥) \"العين\" ٣/ ٢٤٣ (ملح). ونقله عنه الأزهري، \"تهذيب اللغة\" ٥/ ٩٨.\n(٦) \"إصلاح المنطق\" ص ٢٨٨. ونقله عنه الأزهري، \"تهذيب اللغة\" ٥/ ٩٨ (ملح) وقال به ابن قتيبة، غريب القرآن ٣١٤. وقال ابن جني في \"المحتسب\" ٢/ ١٢٤: مالحًا، ليست فصيحة، صريحة؛ لأن الأقوى في ذلك: ماء ملح.\n(٧) أبو الدقيش، هو القناني الغنوِيّ. هكذا ذكره القفطي، ولم يزد عليه. \"إنباه الرواة\" ٤/ ١٢١، ذكر الأزهري بإسناده إلى أبي زيد أنه قال: دخلت على أي الدقيش الأعرابي، وهو مريض، فقلت: كيف تجدك يا أبا الدقيش؟ فقال: أجد ما لا أشتهي، وأشتهي ما لا أجد، وأنا في زمان سوء؛ من وجَد لم يجُد، ومن جاد لم يجَد. مقدمة \"تهذيب اللغة\" ١/ ١٣.","vol":"16","page":544},{"text":"كلام العرب قليلًا فهي لغة لا تنكر (١).\nقوله تعالى: ﴿أُجَاجٌ﴾ الأجاج أشد الماء ملوحة (٢). قال الزجاج: وهو الشديد الملوحة المحرق ملحوته (٣)، من: أجَّتِ النارُ أجًّا (٤).\nقال مقاتل: ﴿هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ﴾ يعني: طيبًا حلوًا (٥) ﴿وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾ يعني: مرًا من شدة الملوحة (٦).\nوالمعنى: أن الله تعالى خلط البحرين العذب، والملح، وحجز أحدهما عن الآخر فليس يفسد الملحُ العَذْبَ، ولا العَذْبُ الملحَ؛ وهو قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا﴾ حاجزًا من قدرة الله (٧).\n_________\n(١) \"تهذيب اللغة\" ٥/ ٩٩،٩٨ (ملح)، قال الأزهري ذلك بعد سياقه لأقوال من سبق.\nوأما أبو السعود ٦/ ٢٢٥، فلم يذكر شيئًا من ذلك، بل جعل: ملح، تخفيف مالح، كبرد، تخفيف بارد.\n(٢) في المجاز لأبي عبيدة ٢/ ٧٧: أملح الملوحة. و\"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٠٠ أ.\n(٣) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٧٢.\n(٤) \"تهذيب اللغة\" ١١/ ٢٣٤ (أجج).\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ص ٤٦ أ. وهو بنصه، في \"تنوير المقباس\" ص ٣٠٤. و\"غريب القرآن\" لابن قتيبة ص ٣١٤.\n(٦) \"تفسير مقاتل\" ص ٤٦ أ. وفي \"تنوير المقباس\" ص ٣٠٤: مر مالح زعاق. وأخرج عبد الرزاق ٢/ ٧٠، بإسناده عن قتادة: الأجاج: المر. قال ابن قتيبة في \"الغريب\" ص ٣١٤: وقيل: هو الذي يخالطه مرارف واقتصر الهوَّاري ٣/ ٢١٤ على تفسيره بالمر.\n(٧) في \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٧٠: البرزخ: الحاجز. قال أبو عبيدة في \"المجاز\" ٢/ ٧٧: كل ما بين شيئين: برزخ، وما بين الدنيا والآخرة: برزخ. قال ابن جريج: فلم أجد بحرًا عذبًا إلا الأنهار العذاب، فأخبرني الخبير بها أنها تقع في البحر، فلا تمور فيه بينهما مثل الخيط الأبيض، فإذا رجعت لم ترجع في طريقها من البحر، والنيل يصب في البحر. \"تفسير ابن جرير\" ١٩/ ٢٥. وذكر أبو حيان ٦/ ٤٦٤، مشاهدته ذلك وأن الناس في البحر يستقون الماء العذب منه. وذكرِ الحسن، أن =","vol":"16","page":545},{"text":"قال ابن عباس: قضاء من قضائه لا يعذب هذا الملح، ولا يملح هذا العذب. وقال الزجاج: هما في مرآة العين مختلطان، وفي قدرة الله منفصلان، لا يختلط أحدهما بالآخر (١).\nوقوله: ﴿وَحِجْرًا مَحْجُورًا﴾ قال ابن عباس: حرامًا محرمًا [أن يُعذَبَ هذا الملحُ بالعَذْب، أو يُملحَ هذا العذبُ بالملح (٢). وقال الفراء: حرامًا\n_________\n= المراد بالحاجز: اليبس. \"تفسير ابن جرير\" ١٩/ ٢٥، أي: حائلًا من الأرض. ونصر هذا القول الرازي ٢٤/ ١٠١. وقد رد هذا القول ابن جرير. والعجب من الحافظ ابن كثير ٦/ ١١٧، فقد ذكر قول ابن جريج المتقدم، واختيار ابن جرير له، ومع ذلك فقد رجح أن المراد بالحاجز: اليبس من الأرض. ولم يتعقب ابن جرير في اختياره. قال الشنقيطي ٦/ ٣٣٩: وهذا محقق الوجود في بعض البلاد، ومن المواضع التي هو واقع فيها المحل الذي يختلط فيه نهر السنغال بالمحيط الأطلسي، بجنب مدينة \"سانلويس\"، وقد زرت مدينة \"سانلويس\" عام ست وستين وثلاثمائة وألف هجرية، واغتسلت مرة في نهر السنغال، ومرة في المحيط، ولم آت محل اختلاطهما، ولكن أخبرني بعض المرافقين الثقات أنه جاء إلى محل اختلاطهما، وأنه جالس يغرف بإحدى يديه عذبًا فراتًا، وبالأخرى ملحًا أجاجًا، لا يختلط أحدهما بالآخر. فسبحانه جل وعلا ما أعظمه، وما أكمل قدرته. فالأولى أن تجعل الآية شاملة لكلا المعنين، حيث لا تعارض بينهما. والله أعلم.\nوفي مجلة الإعجاز العدد الثالث بحث حول الإعجاز العلمي في هذه الآية.\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٧٢. وقد ورد في تفسير الحاجز أقوال أخرى، ذكرها ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٠٨، وغيره، وفي بعضها صرف للفظ عن ظاهره، واقتصار الواحدي -﵀- على هذا القول يدل على اختياره له. ونظير هذه الآية قوله تعالى: قال تعالى: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (١٩) بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ﴾ [الرحمن: ١٩، ٢٠] وقوله ﴿أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا﴾ [النمل: ٦١].\n(٢) في \"تنوير المقباس\" ص ٣٠٤: حرامًا محرمًا من أن يغير أحدهما طعم صاحبه.","vol":"16","page":546},{"text":"محرمًا] (١) أن يغلب أحدهما صاحبه (٢). وفي الآية محذوف؛ وهو الذي حرم قوله: ﴿وَحِجْرًا مَحْجُورًا﴾ على تقدير: وحرامًا محرمًا أن يفسد أحدهما الآخر، فحذف لدلالة قوله: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا﴾ عليه. وذكرنا الكلام في: ﴿وَحِجْرًا مَحْجُورًا﴾ في هذه السورة (٣). وتفسير البرزخ، تقدم في سورة: المؤمنين (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2956>٥٤ </span>- وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا﴾ قال مقاتل: خلق من النطفة إنسانًا (٥) ﴿فَجَعَلَهُ﴾ يعني: الإنسان (٦) ﴿نَسَبًا﴾ (٧) النسب: نسب القرابات. والصهر: حرمة الختونة (٨).\n_________\n(١) ما بين المعقوفين، ساقط من (ج).\n(٢) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٧٠. وفي \"تفسير مقاتل\" ص ٤٦ أ: يعني: حجابًا محجوبًا فلا يختلطان، ولا يفسد طعم الملح العذب.\n(٣) عند قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ [الفرقان: ٢٢]\n(٤) عند قوله تعالى: ﴿وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٠] قال الواحدي في تفسيرها: معنى البرزخ في اللغة: الحاجز بين الشيئين كيفما كان من عين أو معنى نحو المسافة والجدار والأيام والعداوة وغير ذلك.\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ص ٤٦ أ. و\"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ٢/ ٧٧. و\"غريب القرآن\" لابن قتيبة ص ٣١٤. و\"تفسير ابن جرير\" ١٩/ ٢٦.\n(٦) \"تفسير مقاتل\" ص ٤٦ أ.\n(٧) قال ابن كثير ٦/ ١١٧: فهو في ابتداء أمره ولد نسيب، ثم يتزوج فيصير صهرًا، ثم يصير له أصهار، وأختان، وقرابات، وكل ذلك من ماء مهين.\n(٨) قال ابن قتيبة ص ٣١٤: ﴿فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا﴾ عني: قرابة النسب. ﴿وَصِهْرًا﴾ يعني: قرابة النكاح. قال الماوردي ٤/ ١٥١: النسب: من تناسب كل والد وولد، وكل شيء أضفته إلى شيء عرَّفته به فهو مناسبه. ثم قال: وأصل الصهر الاختلاط، فسميت المناكح صهرًا لاختلاط الناس بها، ومنه قوله تعالى: ﴿يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ﴾ [الحج: ٢٠] وقيل: إن أصل الصهر: الملاصقة. وأما الختونة فهي المصاهرة. \"تهذيب اللغة\" ٧/ ٣٠١ (ختن).","vol":"16","page":547},{"text":"قال الأصمعي، وابن الأعرابي: الأسماء من قبل الزوج، والأختان من قبل المرأة، والصهر يجمعهما (١).\nقال أبو عبيد: يقال: فلان مصهر بنا، وهو من القرابة، وأنشد لزهير:\nقَوْدُ الجيادِ وإصهارُ الملوكِ وصبـ ... رٌ في مواطنَ لو كانوا بها سَئِمُوا (٢)\nواختلفوا في المراد بالنسب، والصهرة فقال علي -﵁-: النسب: ما لا يحل نكاحه، والصهر: ما يحل نكاحه (٣). والآية من باب حذف المضاف، على تقدير: فجعله ذا نسب، وصهر، أي ذا قرابات لا يحل له التزوج بهن، وفيهن. كالأم، والأخت، والبنت، وبنات الأخ، وبنات الأخت. وذا نسب لا يحرم عليه ذلك النسب التزوج؛ كالأخوين يتزوجان بأختين، فصهر أحد الأخوين لم يحرِّم مصاهرة الأخ الثاني. وكذلك الرجل يتزوج بالمرأة، وابنه بابنتها، وما شاكل هذا من باب المصاهرة. هذا على قول علي -﵁-.\nقال الكلبي، والضحاك، وقتادة، ومقاتل: النسب: سبعة أصناف من القرابة؛ وهو قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ (٤) [النساء: ٢٣] والصهر: مَنْ لا قرابة له، ويحرم بالنسب، وهي\n_________\n(١) \"تهذيب اللغة\" ٧/ ٣٠٠ (ختن).\n(٢) \"تهذيب اللغة\" ٦/ ١٠٨ (صهر)، ونسب البيت إلى زهير من إنشاد أبي عبيد. والبيت في \"ديوان زهير\" ص ٩٤، من قصيدة يمدح فيها: هرم بن سنان، فيصفه بقيادة الخيل، ومصاهرة الملوك، والصبر في مواطن الحرب، وغيرها مما يسأم فيه غيره. حاشية الديوان.\n(٣) ذكره الثعلبي ٨/ ١٠٠ ب، منسوبًا لعلي -﵁- بدون إسناد.\n(٤) أمهات النساء، غير داخلة في المحرمات من القرابة، فقوله: إلى، لا يدخل فيه ما بعدها. وظاهر صنيع الواحدي -﵀- أنه يدخل المحرمات من الرضاعة في =","vol":"16","page":548},{"text":"خمسة: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ إلى قوله ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ (١) وهذا القول اختيار الفراء، والزجاج (٢).\nوعلى هذا: الصهر محرم، كالنسب. ونحو هذا روى سعيد بن جبير، عن ابن عباس، وجعل من جهة الصهر سبعًا أيضًا؛ فقال: حرم الله من النسب سبعًا: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ﴾ وبنات الأخت، من النسب، ومن الصهر: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ إلى آخر الآية. والسابعة: ﴿مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ (٣).\n_________\n= المحرمات من القرابة؛ لأن المحرمات من الرضاعة في الآية المشار إليها ذكر قبل ذكر المحرمات من الصهر. وهذا مخالف لكون المحرمات بالنسب خمسة، إذ لا يكمل العدد إلا بإدخال المحرمات من الرضاعة فيه. وهذا موافق لما في \"تفسير مقاتل\" ص ٤٦ أ؛ قال: والصهر من القرابة خمس نسوة: أمهاتكم اللاتي أرضعنكم، وأخواتكم من الرضاعة ... وما ذكره الواحدي، عن الضحاك، مخالف لما أخرجه عنه ابن جرير ١٩/ ٢٦، ومخالف أيضًا لما سينقله عن ابن عباس -﵄ - حيث جعل الرضاعة من الصهر. ومخالف لما ذكر الثعلبي ١٠٠ ب، منسوبًا للضحاك، وقتادة، ومقاتل. فالظاهر أن الآية كتبت خطأ. ويشهد لهذا ما ذكره في \"الوسيط\" ٣/ ٣٤٣، حيث جعل المحرمات من الصهر سبعًا، ستة مذكورة في الآية، والسابعة في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٢٢].\n(١) أخرجه ابن جرير ١٩/ ٢٦، عن الضحاك. ونسبه السمرقندي ٢/ ٤٦٣، للكلبي. وهو في \"تفسير الثعلبي\" ١٠٠ ب، منسوبًا لمن ذكر الواحدي؛ عدا الكلبي.\n(٢) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٧٠. و\"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٧٢. وليس فيهما التفصيل الذي ذكره الواحدي.\n(٣) أخرج هذا القول ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧١٠، عن قتادة. وليس في رواية قتادة تفصيل المحرمات، بل قال: سبع من النسب، وسبع من الصهر. وذكر قول قتادة، =","vol":"16","page":549},{"text":"وهؤلاء جعلوا الصهر السبب المحرم، وهو الخلطة التي تشبه القرابة (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2957>٥٥ </span>- قوله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُهُمْ وَلَا يَضُرُّهُمْ﴾ قال ابن عباس: يريد الأصنام، والحجارة التي كانوا يعبدونها (٢).\nوقال مقاتل: ﴿مَا لَا يَنْفَعُهُمْ﴾ في الآخرة، إن عبدوهم في الدنيا ﴿وَلَا يَضُرُّهُمْ﴾ في الدنيا، إن لم يعبدوهم (٣).\n_________\n= الشنقيطي ٦/ ٣٤٢، ثم قال: لم يظهر لي وجهه، ومما يزيده عدمَ ظهورٍ ضعف دلالة الاقتران عند أهل الأصول. وجعل الزمخشري ٣/ ٢٧٩، هذه الآية كقوله تعالى: ﴿فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾ [القيامة: ٣٩] فقال: أي: قسمه قسمين، ذوي نسب، أي: ذكورًا ينتسب إليهم، وذوات صهر، أي: إناثًا يصاهر بهن. وتبعه أبو السعود ٦/ ٢٢٦، والبرسوي ٦/ ١٣٠، والبغوي ١٩/ ٢٦. وأيده الشنقيطي ٦/ ٣٤٠. وكذا الألوسي ١٩/ ٣٦.\n(١) وصحح هذا القول البغوي ٦/ ٩٠؛ فقال: وقيل: -وهو الصحيح- النسب من القرابة، والصهر: الخلطة التي تشبه القرابة.\n(٢) أخرج ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧١١، بسنده عن قتادة: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ هذا الوثن، وهذا الحجر.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ص ٤٦ب. وفي هذه الآية قُدم النفع على التفسير، وفي صدر هذه السورة عكس ذلك، ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا﴾.\nوهكذا في مواضع أخر من كتاب الله، ونجد بعض أهل العلم يذكر حكمًا لتقديم النفع على التفسير في آيات، وعكسها في آيات أخرى، ومن ذلك الخطيب الإسكافي، في \"درة التنزيل\" ٣٢٨. وكذا غيره. قال ابن عاشور ١٨/ ٣٢٠: واعلم أن ضرًا ونفعًا، هنا جرى مجرى المثل لقصد الإحاطة بالأحوال، فكأنه قيل: لا يملكون التصرف بحال من الأحوال، وهذا نظير أن يقال: شرقًا وغربًا، وليلًا ونهارًا .. وبذلك أيضًا لا يتطلب وجه لتقديم الضر على النفع؛ لأن المقام يقتضي التسوية في تقديم أحد الأمرين، فالمتكلم مخير في ذلك. وهذا كلام جيد. والله أعلم.","vol":"16","page":550},{"text":"وقوله: ﴿وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا﴾ الظهير: المعين، فعيل بمعنى مفاعل، كوزير وشريب، وأكيل. ونحو هذا قال ابن عباس، ومجاهد، والمفسرون، في تفسير الظهير، أنه: العون والمعين (١). قال مقاتل: يعني: معينًا للمشركين على أن لا يوحدوا الله (٢).\nوقال الحسن: عونًا للشيطان على ربه بالمعاصي (٣). واختاره أبو إسحاق؛ فقال: لأنه يتابع الشيطان، ويعلو به على معصية الله؛ لأن عبادتهم الأصنام معاونة للشيطان (٤).\nقال ابن عباس، وعطية، ومقاتل، والكلبي: يعني أبا جهل (٥).\n_________\n(١) \"تنوير المقباس\" ص ٣٠٤. و\"تفسير مجاهد\" ٢/ ٤٥٥. وابن قتيبة في \"الغريب\" ص ٣١٤. و\"تفسير الهواري\" ٣/ ٢١٥. وأخرجه بسنده عن مجاهد، والحسن، وابن زيد، ابن جرير ١٩/ ٢٦، واستدل عليه ابن زيد، بقوله تعالى: ﴿فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ﴾ [القصص: ٨٦] أي: لا تكونن لهم عوينًا. وقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ﴾ [الأحزاب: ٢٦] ظاهروهم: أعانوهم. واستظهر هذا القول الشنقيطي ٦/ ٣٤٣.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ص ٤٦ ب. قال ابن القيم عن هذه الآية: هذا من ألطف خطاب القرآن، وأشرف معانيه، وأن المؤمن دائمًا مع الله على نفسه وهواه وشيطانه وعدو ربه، ثم ذكر عبارات السلف في تفسير الآية، ثم قال: وهذه العبادة هي الموالاة والمحبة والرضا بمعبوديتهم المتضمنة لمعيتهم الخاصة فظاهروا أعداء الله على معاداته ومخالفته، ومساخطه، بخلاف وليه -﷾- فإنه معه على نفسه وشيطانه وهواه. \"الفوائد\" ص ٧٩ - ٨٥.\n(٣) أخرجه بسنده، عبد الرزاق، في تفسيره ٢/ ٧٠. وأخرج نحوه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧١١، عن سعيد بن جبير. وذكر السيوطي تخريج عبد بن حميد وابن المنذر نحوه عن قتادة. \"الدر المنثور\" ٦/ ٢٦٧.\n(٤) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٧٣.\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ص ٤٦ ب. و\"تنوير المقباس\" ص ٣٠٤. و\"تفسير الهواري\" =","vol":"16","page":551},{"text":"وقال قوم: معنى: ﴿عَلَى رَبِّهِ﴾ على أولياء ربه، ورسل ربه، وحُذف المضاف للعلم به، وذلك أن من عادى أولياءك فقد عاداك. ومن ظاهر على صاحبك فقد ظاهر عليك. وذكر أبو علي الفارسي هذا الوجه، فقال: أولًا: الكافر في هذه الآية، اسم الجنس، كقولهم: كثر الشاة، والبعير، في أنه يراد به الكثرة، وقد جاء ذلك في اسم الفاعل كما جاء في سائر الأجناس، أنشد أبو زيد:\nإنْ تبْخَلِي يا جُمْلُ أوْ تَعْتَلِىّ ... أو تُصبِحي في الظَّاعن المُولِّى (١)\nوالآية تحتمل تأولين؛ أحدهما: على أولياء ربه معينًا، أو يعادونهم ولا يوالونهم، كما قال تعالى: ﴿تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ﴾ الآية [الحج: ٧٢] والآخر: أن يكون المعنى: كان هينًا عليه لا وزن له، ولا منزلة (٢). وكأنه من قولهم:\n_________\n= ٣/ ٢١٥، ولم ينسبه، وأخرجه بسنده، ابن جربر ١٩/ ٢٧ عن ابن عباس. وذكره ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧١١، عن مجاهد، وسعيد بن جبير، وعطية. وذكر السيوطي تخريج ابن المنذر، له عن عطية، \"الدر المنثور\" ٦/ ٢٦٧. وصدَّر الماوردي ٤/ ١٥٢، هذا القول بـ: قيل. والآية أعم من ذلك، قال الزمخشري ٣/ ٢٨٠: ويجوز أن يريد بالظهير الجماعة؛ كقوله تعالى: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ [التحريم: ٤] .. ولريد بالكافر الجنس، وأن بعضهم مظاهر لبعض على إطفاء دين الله. قال ابن عطية ١١/ ٥٦: ويشبه أن أبا جهل سبب الآية، ولكن اللفظ عام للجنس كله. قال الرازي ٢٤/ ١٠٢: والأولى حمله على العموم؛ لأن خصوص السبب لا يقدح في عموم اللفظ، ولأنه أوفق بظاهر قوله: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾.\n(١) أنشده أبو زيد في \"النوادر\" ص ٥٣، ونسبه لمنظور بن مرثد الأسدي، وأنشده أبو علي، \"المسائل العسكرية\" ص ٢٢٢، وفي الحاشية: جمل: اسم امرأة، تعتلي: تتمارضين، الظا عن: المرتحل، المولي: الذاهب.\n(٢) واقتصر على هذا القول أبو عبيدة ٢/ ٧٧. واقتصر الواحدي في \"الوسيط\" ٣/ ٣٤٤. و\"الوجيز\" ٢/ ٧٨٢، على القول الأول مما يدل على ترجيحه له. والله أعلم.","vol":"16","page":552},{"text":"ظهرتَ بحاجتي، إذا لم تُعْنَ بها (١)\nقال الفرزدق:\nتمَيمَ بنَ زيد لا تكونن حاجتي ... بظهر فلا يَعْيَا عليَّ جوابها (٢)\nقال (٣): ويمكن أن يكون قوله:\nوتلك شَكاةٌ ظاهرٌ عنك عارُها (٤)\nمن هذا، أي: تلك شكاة هي عنك تظهر، فلا تعتن بها (٥).\n_________\n(١) ذكره الثعلبي ٨/ ١٠٠ ب؛ وفيه: من قول العرب: ظهرت به، إذا جعلته خلف ظهرك، فلم تلتفت إليه. وفي \"تهذيب اللغة\" ٦/ ٢٤٩: قال الأصمعي: ظهر فلان بحاجة فلان: إذا جعلها بظهر، ولم يخفَّ لها. قال الماوردي ٤/ ١٥٢: مأخوذ من قولهم: ظهر فلان بحاجتي إذا تركها واستهان بها، قال تعالى: ﴿وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا﴾ [هود: ٩٢] أي: هينًا.\n(٢) ديوان الفرزدق ١/ ٨٦، في سياق قصة، وقد ورد البيت في الديوان بلفظ:\nتميم بن زيد لا تهونن حاجتي ... لديك ولا يعيا علي جوابها\nوذكر البيت ابن الأنباري، في كتابه \"الأضداد\" ٢٥٦، في سياق قصة، منسوبًا للفرزدق، وفيه:\n.. فلا يخفى علي جوابها\nثم قال ابن الأنباري: وأراد الفرزدق بقوله: لا تكونن حاجتي بظهر، لا تطَّرحها. وذكره الأزهري ٦/ ٢٥٦، غير منسوب. ونسبه القرطبي ١٣/ ٦٣، للفرزدق، وفيه: تميم بن قيس.\n(٣) قال في (أ)، (ب)، ويعني به أبا علي الفارسي.\n(٤) أنشده الأزهري ٦/ ٢٥٤، ونسبه لأبي ذؤيب الهذلي، وهو في \"ديوانه\" ١١٥، وصدره:\nوعيرها الواشون أني أحبها\nوهو كذلك في \"خزانة الأدب\" ٩/ ٥٠٥.\n(٥) رد ابن جرير ١٩/ ٢٧ هذا القول، واعترض عليه، وصحح القول الأول. فقال لأن الله تعالى ذكره أخبر عن عبادة هؤلاء الكفار من دونه، فأولى الكلام أن يتبع ذلك =","vol":"16","page":553},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2958>٥٦ </span>- وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا﴾ أي: بالجنة ﴿وَنَذِيرًا﴾ من النار (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-2959>٥٧ </span>- ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ على القرآن وتبليغ الوحي (٢) ﴿مِنْ أَجْر﴾ وفي هذا تأكيد لصدقه؛ لأنه لو طلب على دعائهم إلى الله شيئًا من أموالهم لقالوا: إنما يطلب أموالنا، فإذا لم يطلب شيئًا كان أقرب إلى الصدق (٣).\nوقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ شَاءَ﴾ معناه: لكن من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلًا بإنفاق ماله فعل ذلك (٤). فهو من الاستثناء المنقطع يعني: لا أسألكم لنفسي أجرًا، ولكن لا أمنع (٥) من إنفاق المال في طلب مرضاة الله، واتخاذ السبيل إلى ثوابه وجنته (٦). وهذا الذي ذكرنا معنى قول المفسرين في هذه\n_________\n= ذمه إياهم، وذم فعلهم دون الخبر عن هوانهم على ربهم، ولما يجر لاستكبارهم عليه ذكر، فيتبع بالخبر عن هوانهم عليه. وذكر الشوكاني ٤/ ٨١، قولًا آخر، فقال وقيل إن المعنى: وكان الكافر على ربه الذي يعبده وهو الصنم قويًا غالبًا، يعمل به ما يشاء؛ لأن الجماد لا قدرة له على دفع ونفع. وعلى هذا فتكون الآية فيمن يعبد جمادًا دون غيره، ولا يخفى أن هذا تخصيص لعموم الآية. والله أعلم.\n(١) \"تفسير مقاتل\" ص ٤٦ ب. و\"تنوير المقباس\" ص ٣٠٤. و\"تفسير الهواري\" ٣/ ٢١٥.\n(٢) عند مقاتل ٤٦ ب: ﴿عَلَيْهِ﴾ الإيمان. وفي \"تنوير المقباس\" ص ٣٠٤: على التوحيد والقرآن. وفي \"تفسير الهواري\" ٣/ ٢١٥: القرآن. وهو قول ابن زيد، أخرجه عنه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧١٢. وعند الثعلبي ٨/ ١٠٠ ب: على تبليغ الرسالة.\n(٣) \"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٠٠ ب، بنحوه. أخرج ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧١٢، عن ابن عباس: ﴿مِنْ أَجْرٍ﴾ عرضًا من عرض الدنيا.\n(٤) \"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٠٠ب، بنحوه. و\"إعراب القرآن\"، للنحاس ٣/ ١٦٤. و\"الوسيط\" ٣/ ٣٤٤، و\"الوجيز\" ٢/ ٧٨٢.\n(٥) كلمة: لا أمنع. في (ج) فقط.\n(٦) قال أبو عبيدة ٢/ ٧٨: العرب قد تستثني الشيء من الشيء وليس منه على الاختصار، وفيه ضمير تقديره: قل ما أسألكم عليه من أجر إلا أنه من شاء أن =","vol":"16","page":554},{"text":"الآية (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2960>٥٨ </span>- قوله تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾ ظاهر التفسير إلى آخر الآية.\n<span data-type=\"title\" id=toc-2961>٥٩ </span>- وقوله: ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ مفسر في سورة الأعراف (٢). إلى قوله ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ قال الكلبي: يقول: فأسأل الخبير بذلك (٣). وعلى هذا الكناية في: ﴿بِهِ﴾ تعود إلى ما ذُكر من خلق السماوات، والأرض، والاستواء على العرش، والباء: من صلة الخبير قدم عليه، وذلك الخبير هو: الله -﷿-، وقيل: جبريل -﵇- (٤). وقيل: هذا الخطاب ظاهره للنبي -ﷺ- والمراد به غيره (٥).\n_________\n= يتخذ إلى ربه سبيلًا فليتخذه. ويحتمل أن يكون المعنى: أن تتخذوا إلى ربكم سبيلًا بالتقرب إليه، وعبادته، فالاستثناء على هذا متصل. تفسير ابن جزي ٤٨٦. وذكر القولين أبو حيان ٦/ ٤٦٥، واستظهر القول بأن الاستثناء منقطع.\n(١) في \"تفسير مقاتل\" ص ٤٦ ب: ﴿سَبِيلًا﴾ طاعته. وهو قول قتادة؛ أخرجه عنه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧١٢. ولم يجعله في \"تنوير المقباس\" ص ٣٠٤، متعلقًا بالأجر، وإنما جعله راجعًا إلى الإيمان، والتوحيد. قال الهواري ٣/ ٢١٥: أي: إنما جئتكم بالقرآن ليتخذ به من آمن إلى ربه سبيلًا بطاعته. أي: تقرب به إلى الله. وقريب من كلام الواحدي، في \"تفسير ابن جرير\" ١٩/ ٢٧.\n(٢) عند قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ [الأعراف: ٥٤]، حيث تكلم عن كلمة: ستة، وبين أصل اشتقاقها، والمراد بها في الآية، والحكمة من ذلك، ثم تكلم عن بقية معاني الآية في خمس صفحات.\n(٣) \"الوسيط\" ٣/ ٣٤٤، ونسبه البغوي ٦/ ٩١، للكلبي. وهذا القول اختيار الهوارى ٣/ ٢١٥: أي: خبيرًا بالعباد.\n(٤) \"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٠١ أ، بنحوه.\n(٥) وجزم به في \"الوسيط\" ٣/ ٣٤٤. وكذا البغوي، في \"تفسيره\" ٦/ ٩١.","vol":"16","page":555},{"text":"وقال مجاهد: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ أي: فأسأل الله تسل عالمًا بكل شيء لا يخفى عليه خافية (١). وعلى هذا القول، معنى الآية: فاسأله تسل بسؤالك إياه خبيرًا. كما تقول: سل؟ تريد عالمًا. والمسؤول هو زيد، أي: سل زيدًا تسأل بسؤالك إياه عالمًا. وكان علي بن سليمان، يذهب إلى أن الكناية في ﴿بِهِ﴾ تعود إلى السؤال. وقوله: ﴿فَاسْأَلْ﴾ يدل على السؤال. والمعنى: فأسأل عالمًا بسؤالك (٢).\nوقال أبو إسحاق: المعنى: فاسأل عنه خبيرًا (٣). وهو مذهب الأخفش، وجماعة، جعلوا الباء، بمعنى عن، كقوله: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ﴾ [المعارج: ١]. وأنشدوا:\nوإن تسألوني بالنساء فإنني ... بصير بأدواء النساء طبيب (٤)\nأي: عن النساء (٥)، والمعنى: سل عن الله أهل العلم يخبروك، كما\n_________\n(١) أخرج ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧١٥، بسنده عن مجاهد: قال: ما أخبرتك من شيء فهو كما أخبرتك. وأخرج أيضًا بسنده ٨/ ٢٧١٥، عن شمر بن عطية: ﴿الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ قال: هذا القرآن خبيرًا.\n(٢) \"القطع والائتناف\" ٢/ ٤٨٦، ونسبه لعلي بن سليمان. وهو: علي بن سليمان بن الفضل النحوي، أبو الحسن الأخفش الأصغر، قرأ على ثعلب والمبرد، وغيرهما، من مصنفاته: \"شرح سيبويه\"، و\"التثنية والجمع\". ت ٣١٥ هـ.\nانظر: \"سير أعلام النبلاء\" ١٤/ ٤٨٠، و\"بغية الوعاة\" ٢/ ١٦٧.\n(٣) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٧٣.\n(٤) ذكره ابن قتيبة، في \"تأويل مشكل القرآن\" ص ٥٦٨، ونسبه لعلقمة. وهو في \"ديوانه\" ص ٢٣. وذكره الثعلبي ٨/ ١٠١أ، ولم ينسبه. وذكره الطبرسي ٧/ ٢٧٤، ونسبه لعلقمة بن عبدة، وفيه: بأغواء النساء. وذكره أبو البركات ابن الأنباري، في \"البيان\" ٣/ ٥٩، ولم ينسبه، ونسبه الشوكاني ٤/ ٨١، لامرئ القيس.\n(٥) \"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٠١ أ. وممن ذهب إلى هذا القول ابن قتيبة، \"تأويل مشكل =","vol":"16","page":556},{"text":"قال الشاعر:\nهلا سالت القوم يا ابنة مالك ... إن كنت جاهلة بما لم تعلمي (١)\nفإن قيل: هل كان يحتاج النبي -ﷺ- إلى أن يسأل عن الله أحدًا؟\nقيل: يحتمل أن يكون الخطاب له، والمراد به غيره. ويحتمل أن يكون كقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ﴾ [يونس: ٩٤] وقد ذكرنا ما قيل فيها مستقصى (٢).\nوكان ابن جرير، يذهب إلى أن الباء صلة؛ ويقول: المعنى: فاسأله خبيرًا، ويذهب إلى: أن ﴿خَبِيرًا﴾ منصوب على الحال (٣).\nقال أبو علي الفارسي: قوله ﴿فَاسْأَلْ بِهِ﴾ مثل سل عنه، فأما ﴿خَبِيرًا﴾ فلا يخلو انتصابه من أن يكون على أنه حال، أو مفعول به، فإن\n_________\n= القرآن\" ص ٥٦٨. وأنكر علي ابن سليمان هذا القول: لو لقيت فلانًا لقيك به الأسد؛ أي: للقيك بلقائك إياه الأسد. \"تفسير القرطبي\" ١٣/ ٦٣. ورد ذلك أيضًا الألوسي ٧/ ٣٨؛ فقال: والسؤال كما يعدي بعن، لتضمنه معنى التفتيش يعدى بالباء لتضمنه معنى الاعتناء .. فلا حاجة إلى جعلها بمعنى عن، كما فعل الأخفش، والزجاج.\n(١) البيت لعنترة، من معلقته، \"ديوانه\" ص ٢٥. وقد نسب البيت في \"تفسير الشوكاني\" ٤/ ٨١، لامرئ القيس، ولعل ذلك خطأ؛ لأنه ذكر بعده مباشرة البيت السابق منسوبًا لامرئ القيس أيضًا. والله أعلم.\n(٢) قال الواحدي: اختلفوا في هذا الخطاب لمن هو؛ فقال أكثر أهل العلم: هذا الخطاب للرسول -ﷺ-، والمراد غيره من الشكاك .. ثم نقل عن أبي إسحاق الزجاج قوله: هذا أحسن الأقوال .. ثم قال: وذكروا في هذه الآية أقوالًا متكلفة بعيدة فلم أحكها. سورة يونس: ٩٤.\n(٣) حكاه عن ابن جرير النحاس، \"القطع والائتناف\" ٢/ ٤٨٦، وهو في \"تفسير ابن جرير\" ٢٨/ ١٩، وساقه بسنده عن ابن جريج.","vol":"16","page":557},{"text":"كان حالًا لم يخل من أن يكون حالًا من الفاعل، أو المفعول، فإن جعلته حالًا من الفاعل السائل لم يسهل؛ لأن الخبير لا يكاد يَسأل إنما يُسأل. ولا يسهل الحال من المفعول أيضًا؛ لأن المسؤول عنه خبير أبدًا، وليس للحال كثير فائدة. فإن قلت: يكون حالًا مؤكدة، فغير هذا الوجه إذا احتمل أولى، فيكون ﴿خَبِيرًا﴾ إذًا: مفعولًا به؛ كأنه قال: فأسأل عنه خبيرًا. أي. مسؤولًا خبيرًا. وكان المعنى: سل يتبين بسؤالك، وبحثك من تستخير ليتقرر عندك ما اقتص عليك من خلقه ما خلق، وقدرته على ذلك وتعلمه بالفحص عنه والتبين له، قال: ومما يقوي: أن السؤال إنما أريد به ما وصفنا، قول أمية:\nوسلْ ولا بأسَ إنْ كُنتَ امرءًا عَمِهَا ... إنَّ السؤالَ شِفا منْ كانَ حيرانَا (١)\nأراد: سل حتى تتبين بسؤالك؛ ألا ترى أنه قال: إن السؤال شفاء من كان حيرانًا. والسؤال إذا خلا من العلم لم يكن شفاء، إنما يكون شفاءً إذا اقترن به العلم والتبين. وكذلك المراد في قوله: ﴿الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ اسأل سؤالًا تبحث به لتتبين.\nوأجاز أبو إسحاق، وغيره، في هذه الآية، أن يكون الوقف والتمام عند قوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ ثم يبتدئ ﴿الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ فيكون ابتداء، و﴿فَاسْأَلْ بِهِ﴾ الخبر (٢). ومن لم يقف على العرش، فارتفاع\n_________\n(١) العمه: الذي يتردد متحيرًا، لا يهتدي لطريقه ومذهبه، والعَمَه في الرأي، والعمى في البصر. \"تهذيب اللغة\" ١/ ١٤٩ (عمه). ولم أجد من ذكر هذا البيت.\n(٢) الوقف التام هو الوقف على كلام تم معناه، ولم يتعلق بما بعده لفظًا، ولا معنى، وهو الذي يحسن الوقف عليه، والابتداء بما بعده. والوقف الكافي: هو الوقف =","vol":"16","page":558},{"text":"الرحمن يكون من وجهين؛ أحدهما: على خبر ﴿الَّذِي﴾ على (١) تقدير: الذي خلق السماوات والأرض الرحمن، أي: (٢) هو الذي فعل ذلك. وإن جعلت ﴿الَّذِي﴾ متصلًا بالآية المتقدمة ارتفع الرحمن على البدل مما في قوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى﴾ فبُيِّن بقوله: ﴿الرَّحْمَنُ﴾ (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2962>٦٠ </span>- قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ﴾ قال عطاء، والكلبي، والمفسرون: قالوا: ما نعرف الرحمن إلا رحمن اليمامة، يعني: مسيلمة (٤).\n_________\n= على كلام يؤدي معنى صحيحًا مع تعلقه بما بعده من جهة المعنى. والوقف الحسن: هو الوقف على كلام يؤدي معنى صحيحًا، مع تعلقه بما بعده لفظًا ومعنى. والوقف القبيح: هو الوقف على ما لا يؤدي معنى صحيحًا، وذلك لشدة تعلقه بما بعده لفظًا ومعنى. وبعضه أقبح من بعض. ولا يجوز تعمد الوقف عليه إلا لضرورة من انقطاع نفس ونحوه. \"النشر في القراءات العشر\" ١/ ٢٢٤، و\"حق التلاوة\" لحسيني شيخ عثمان ص ٥١ـ.\n(١) (على) في (أ)، (ب).\n(٢) (أي) في (ج). فقط.\n(٣) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٧٣. وذكره النحاس، \"القطع والائتناف\" ٢/ ٤٨٥، ولم ينسبه.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ص ٤٦ ب، في قصة طويلة ليس لها إسناد. و\"تنوير المقباس\" ص ٣٠٥، دون ذكر القصة. وذكره ابن جرير ١٩/ ٢٩ فقال: وذكر بعضهم أن مسيلمة كان يُدعى: رحمن اليمامة. والثعلبي ٨/ ١٠١ أ، ولم ينسبه. وأخرجه بسنده، ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧١٥، عن عطاء. وذكره ابن عطية ١١/ ٦٠، واقتصر عليه.\nمسيلمة بن ثمامة بن كبير بن حبيب الحنفي الوائلي، المتنبئ المشهور بالكذاب، وفي المثل: أكذب من مسيلمة. لدعواه النبوة، وقتل مسيلمة سنة: ١٢، في خلافة أبي بكر -﵁-، في حروب الردة التي قادها خالد بن الوليد -﵁-. \"سيرة ابن هشام\" ٤/ ٢٤٧، و\"الكامل\" لابن الأثير ٢/ ٢٤٦.","vol":"16","page":559},{"text":"قال أبو إسحاق: الرحمن: اسم من أسماء الله -﷿-، مذكور في الكتب الأُوَل، ولم يكونوا يعرفونه من أسماء الله (١). فلما سمعوه أنكروا، فقالوا ﴿وَمَا الرَّحْمَنُ﴾ (٢). وقد ذكرنا هذا عند قوله: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ [الإسراء: ١١٠] (٣).\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٧٣. وجزم الواحدي -﵀- في \"الوسيط\" ٣/ ٣٤٤، و\"الوجيز\" ٢/ ٧٨٢، بأن المشركين ما كانوا يعرفون الرحمن في أهاء الله تعالى. وكذا البغوي، في تفسيره ٦/ ٩٢. وابن كثير ٦/ ١٢٠. قال ابن عاشور ١/ ١٧٢: وقد ذكر جمهور الأئمة: أن وصف الرحمن لم يطلق في كلام العرب قبل الإسلام، وأن القرآن هو الذي جاء به صفة لله تعالى، فلذلك اختص به تعالى، حتى قيل: إنه اسم له وليس بصفة.\n(٢) قولهم: ﴿وَمَا الرَّحْمَنُ﴾ يجوز أن يكون سؤالًا عن المسمى به؛ لأنهم ما كانوا يعرفونه بهذا الاسم، والسؤال عن المجهول بما، ويجوز أن يكون سؤالًا عن معناه؛ لأنه لم يكن مستعملًا في كلامهم، كما استعمل: الرحيم، والرحوم، والراحم، أو لأنهم أنكروا إطلاقه على الله تعالى. \"الكشاف\" ٣/ ٢٨٢. والألوسي ٧/ ٣٩.\n(٣) قال الواحدي في تفسير هذه الآية: قال ابن عباس: إن رسول الله -ﷺ- قال وهو ساجد ذات ليلة: (يا رحمن) فسمعه أبو جهل وهم لا يعرفون الرحمن، فقال: إن محمدًا ينهانا أن نعبد إلهين وهو يدعوا إلهًا آخر مع الله يقال له: الرحمن، فأنزل الله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ﴾ أي: قل يا محمد ادعوا الله يا معشر المؤمنين ﴿أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ أي إن شئتم قولوا: يا الله لان شئتم قولوا: يا رحمن ﴿أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ قال أبو إسحاق: أعلمهم الله أن دعاءهم الله أو دعاءهم الرحمن يرجعان إلى واحدٍ، فقال: ﴿أَيًّا مَا تَدْعُوا﴾ المعنى أي أسماء الله تدعوا ﴿فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾.\nوالظاهر أن قولهم ﴿وَمَا الرَّحْمَنُ﴾ قول قوم كانوا يجحدون التوحيد، ويدل عليه ازديادهم نفورًا لما أمروا أن يسجدوا للرحمن؛ لأن العرب كانوا يعرفون الرحمن في أسماء الله تعالى، وأنه اسم مسمى من الرحمة. \"تفسير الماوردي\" ٤/ ١٥٣. وفي \"تفسير الرازي\" ٢٤/ ١٠٥ والأقرب أن المراد إنكارهم لله لا للاسم؛ لأن =","vol":"16","page":560},{"text":"قوله تعالى: ﴿لِمَا تَأْمُرُنَا﴾ خطاب للنبي -ﷺ- وكأنهم تلقوا أمره بالرد والإنكار عليه (١). ومن قرأ: بالياء (٢)؛ فقال أبو عبيد: تراه أراد لما يأمرنا الرحمن. وليس بالوجه؛ لأنهم لو أقروا أن الرحمن ﵎ هو الآمر، ما كانوا كفارًا، إنما كانت مقالتهم تلك للنبي -ﷺ- فيما يقول أهل التفسير؛ وذلك أنهم قالوا: يعنون أنسجد لما يأمرنا رحمن اليمامة (٣). تكبرًا منهم واستهزاء. ونحو هذا ذكر الفراء، في قراءة من قرأ: بالياء (٤).\nوقال أبو علي: من قرأ بالياء فالمعنى: أنسجد لما يأمرنا محمد -ﷺ- بالسجود له، على وجه الإنكار منهم لذلك. ولا يكون على: أنسجد لما يأمرنا الرحمن بالسجود له؛ لأنهم أنكروا الرحمن بقولهم: ﴿وَمَا الرَّحْمَنُ﴾ (٥).\n_________\n= هذه اللفظة عربية، وهم كانوا يعلمون أنها تفيد المبالغة في الإنعام. واستظهر هذا المعنى، ونصره أبو حيان ٦/ ٤٦٦.\n(١) \"تفسير الهواري\" ٣/ ٢١٦. و\"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٣٤٦.\n(٢) قرأ بالياء: حمزة، والكسائي. \"السبعة في القراءات\" ص ٤٦٦، و\"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٣٤٦، و\"النشر في القراءات العشر\" ٢/ ٣٣٤.\n(٣) ذكر قول أبي عبيد، النحاس، في \"إعراب القرآن\" ٣/ ١٦٥، و\"القطع والائتناف\" ٢/ ٤٨٧، مع شيء من الاختلاف. وما ذَكر عن أهل التفسير؛ في \"تفسير مقاتل\" ص ٤٦ ب. و\"تفسير ابن جرير\" ١٩/ ٢٩.\n(٤) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٧٠. ويمكن توجيه قراءة الياء على معنى: أنسجد لما يأمرنا الله تعالى حسب زعمك وقولك.\n(٥) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٣٤٦. ذكره الهواري ٣/ ٢١٥؛ فقال: ومن قرأها بالياء، فيقول: يقوله بعضهم لبعض: أنسجد لما يأمرنا محمد.\nقال ابن جرير ١٩/ ٢٨: إنهما قراءتان مستفيضتان مشهورتان، قد قرأ بكل واحد منهما علماء من القراء، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب.","vol":"16","page":561},{"text":"وقوله: ﴿وَزَادَهُمْ نُفُورًا﴾ قال مقاتل: يقول (١): زادهم ذكر الرحمن تباعدًا من الإيمان (٢).\nوقال غيره: زادهم أمر النبي -ﷺ- إياهم بالسجود نفورًا عما أمروا به من ذلك (٣).\nروى مِسْعَر، عن عبد الأعلى (٤)، أنه كان يقول في سجوده: زادنا لك خشوعًا ما زاد أعداءك عنك نفورًا (٥)، فلا تُكبَّ وجوهنا في النار بعد سجودها لك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2963>٦١ </span>- قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا﴾ قال ابن عباس، في رواية عطاء: يريد بروج النجوم (٦). يعني: منازلها الاثني عشر، كل برج منها: منزلان، ونصف منزل للقمر، وهو: ثلاثون درجة للشمس، ولكل برج اسم على حده، وأساميها معروفة (٧).\n_________\n(١) (يقول) في (ج)، وهي غير موجودة في \"تفسير مقاتل\".\n(٢) \"تفسير مقاتل\"ص ٤٦ ب. و\"تنوير المقباس\" ص ٣٠٥. وذكر قولًا آخر: القرآن.\n(٣) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٣٤٦، بنصه. وذكر نحوه الهوَّاري ٣/ ٢١٦. وابن جرير ١٩/ ٢٩.\n(٤) عبد الأعلي بن مسهر بن عبد الأعلي بن مسهر، الغساني الدمشقي، الفقيه، شيخ الشام، ت: ٢١٨ هـ. من العاشرة. ثقة فاضل. \"سير أعلام النبلاء\" ١٠/ ٢٨٨، و\"تقريب التهذيب\" ص ٥٦٢.\n(٥) ذكره الثعلبي ٨/ ١٠١ أ، عن سفيان الثوري، دون آخره، وكذلك القرطبي ١٣/ ٦٤. والبرسوي ٦/ ٢٣٥.\n(٦) \"تنوير المقباس\" ص ٣٠٥. وذكره الهوَّاري ٣/ ٢١٦، واقتصر عليه، ولم ينسبه.\n(٧) وقد ذكرها مفصلة الثعلبي ٨/ ١٠١ أ، ولم ينسبه لأحد. والبغوي، في تفسيره ٦/ ٩٢، وهي: الحمل، والثور، والجوزاء، والسرطان، والأسد، والسنبلة، والميزان، والعقرب، والقوس، والجدي، والدلو، والحوت.","vol":"16","page":562},{"text":"وقال أبو صالح: هي النجوم الكبار العظام. وهو قول مقاتل، ومجاهد، والحسن؛ قالوا في تفسير البروج: هي النجوم والكواكب (١).\nقال أبو إسحاق: وإنما قيل للكواكب بروج، لظهورها، وبيانها، وارتفاعها، والبَرَجُ: تباعد ما بين الحاجبين. وكل ظاهر مرتفع فقد بَرُج (٢).\nوقال عطية العوفي: هي قصور فيها الحرس. وهو قول الأعمش، وأصحاب عبد الله (٣). وذكر الكلبي القولين؛ النجوم، والقصور (٤).\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ص ٤٦ ب. وأخرجه بسنده عن قتادة، عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٧٠. وأخرجه بسنده ابن جرير ١٩/ ٢٩، عن أبي صالح، ومجاهد، وقتادة. وأخرجه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧١٦، عن أبي صالح، وسعيد بن جبير، وذكره عن مجاهد، والحسن، وقتادة وأخرجه بسنده الثعلبي ٨/ ١٠١ أ، عن أبي صالح. وذكره عن مجاهد، وقتادة.\n(٢) \"معاني القرآن \" للزجاج ٤/ ٧٣. وفيه: تباينها، بدل: بيانها. واقتصر على هذا القول.\n(٣) ذكره بسنده ابن جرير ١٩/ ٢٩، عن عطية، ويحيى بن رافع، وإبراهيم، وأبي صالح. وذكره بإسناده عن عطية، ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧١٦، والثعلبي ٨/ ١٠١ أ. قال ابن أبي حاتم: وروي عن ابن عباس، ومحمد بن كعب القرظي، وأبي صالح في إحدى الروايات، وإبراهيم النخعي، والأعمش أنها: القصور. ويشهد للحرس فيها قول الله تعالى: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا﴾ [الجن: ٨] \"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٤٦٤.\n(٤) \"تنوير المقباس\" ص ٣٠٥. وقال في \"الوجيز\" ٢/ ٧٨٣: ﴿بُرُوجًا﴾ أي: منازل الكواكب السبعة. ورجح ابن جرير ١٩/ ٣٠، أن المراد بها القصور، وجعل هذه الآية دليلًا عليه. والذي يظهر أنهم لا يعنون قصورًا في الجنة، بل: قصورًا في السماء فيها الحرس، كما صرح به ابن كثير ٦/ ١٢٠. وعلى هذا لا يرد الإشكال الذي اعترض به ابن عطية ١١/ ٦٢؛ فقال: والقول بأنها قصور في الجنة يحط من غرض الآية في التنبيه على أشياء مدركات تقوم بها الحجة على كل منكر لله أو جاهل به. وأما ابن كثير ٦/ ١٢٠، فقد استظهر أن المراد بها الكواكب العظام، ثم قال: اللَّهم إلا أن تكون الواكب العظام هي قصور للحرس فيجتمع القولان.","vol":"16","page":563},{"text":"والبروج، بمعنى: القصور؛ ذكرنا تفسيرها عند قوله: ﴿وَلَوْ كُنْتُمْ في بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء: ٧٨] (١).\nقوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا﴾ قالوا: هو الشمس، نظيره قوله: ﴿وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا﴾ (٢) [نوح: ١٦]. وقرأ حمزة والكسائي: (سُرُجًا) (٣) قال الزجاج: أراد الشمس، والكواكب معها (٤). ومن حجة هذه القراءة قوله: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾ [الملك:٥] فشبهت الكواكب بالمصابيح في قوله: (سُرُجًا) كما شبهت المصابيح بالكواكب؛ في قوله: ﴿الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ﴾ [النور: ٣٥] والمعنى: مصباح الزجاجة، ويدلك قول امرئ القيس:\nسموت إليها والنجوم كأنها ... مصابيح رهبان تشب لقُفَّال (٥)\n_________\n(١) قال الواحدي في تفسير هذه الآية: والبروج في كلام العرب: القصور والحصون، وقال ابن المظفر: البروج بيوت تبنى على سور المدينة، وبروج الفلَك اثنا عشر، كل برج فيها ثلاثون درجة، وأصلها في اللغة: من الظهور، ومنه يقال: تبرجت المرأة، إذا أظهرت محاسنها.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ص ٤٦ ب. و\"تنوير المقباس\" ص ٣٠٥. و\"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٧١، واستشهد عليه بالآية. و\"مجاز القرآن\" ٢/ ٧٨. وأخرجه عن قتادة، عبد الرزاق ٢/ ٧٠، وابن جرير ١٩/ ٣٠، وابن أبي حاتم ٨/ ٢٧١٧. وهو قول الهوَّاري ٣/ ٢١٦. والزجاج ٤/ ٧٤. والثعلبي ٨/ ١٠١ ب.\n(٣) \"السبعة في القراءات\" ص ٤٦٦، و\"الحجة\" ٥/ ٣٤٧. و\"النشر\" ٢/ ٣٣٤.\n(٤) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٧٤.\n(٥) هذا بنصه، في \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٣٤٧، من قوله: ومن حجة هذه القراءة. وعنه أنشد بيت امرئ القيس، ورواية الديوان هي:\nنظرت إليها والنجوم كأنها ... مصابيح رهبان تشب لقفال\nسموت إليها بعدم نام أهلها ... سمو حَبَابِ الماء حالًا على حال\n\"ديوان امرئ القيس\" ص ١٨٢. وفي \"حاشية الديوان: تشب لقفال: توقد =","vol":"16","page":564},{"text":"واختار أبو عبيد (سُرُجًا) وقال: من قرأ (سُرُجًا) أراد النجوم، وهي قد ذكرت قبل هذا، في قوله: ﴿جَعَلَ في السَّمَاءِ بُرُوجًا﴾ وهذا الذي ذكره لا يقدح في قراءة حمزة؛ لأنه يحمل البروج على غير الكواكب (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2964>٦٢ </span>- قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً﴾ ذكر أهل اللغة، والمفسرون، في الخلفة، قولين (٢)؛ قال أبو عبيدة: الخلفة كل شيء بعد شيء (٣).\nوقال الأصمعي: خلفة الثمر: الشيء يجيء بعد الشيء. والخلفة من نبات الصيف بعد ما يبس العشب، ومن الزروع، ما زرع بعد إدراك الذي زرع أولًا؛ لأنها تُستَخلف (٤)، وأنشد:\nولها بالماطرون إذا ... أكل النمل الذي جمعا\n_________\n= لعائدين من الغزو أو غيره. الحباب: الفقاقيع التي تظهر على سطح الماء.\n(١) ذكر قول أبي عبيد النحاس، في \"إعراب القرآن\" ٣/ ١٦٦، وذكر الإجابة عنه فقال: أبان بن تغلب قال: السرج: النجوم الدراري، فعلى هذا تصح القراءة، ويكون مثل قوله جل وعز: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ [البقرة: ٩٨] فأعيد ذكر النجوم النيرة. وذكر قول أبي عبيد، السمرقندي ٢/ ٤٦٥. وهو اختيار الثعلبي ٨/ ١٠١ ب.\n(٢) أما ابن جرير ١٩/ ٣٠، فقد ذكر فيها ثلاثة أقوال:\n١ - يخلف أحدهما صاحبه.\n٢ - ما فات في أحدهما عمل في الآخر. وقد جعلهما الواحدي، قولًا واحدًا.\n٣ - كل واحد منهما مخالف لصاحبه.\n(٣) \"مجاز القرآن\" ٢/ ٧٨، بمعناه. وهو قول الأزهري، قال ٧/ ٣٩٨: كل شيء يجيء بعد شيء فهو خلفة.\n(٤) \"تهذيب اللغة\" ٧/ ٣٩٩، ٤٠٠ (خلف)، بنصه. وفيه: والخلفة ما أثبت الصيف من العشب، بعد ما يبس العشب. ولم ينشد البيت المذكور.","vol":"16","page":565},{"text":"خِلْفة حتى إذا ارتبعت ... سكنت من جِلَّق بِيَعَا (١)\nقال المبرد: يقول: يخلف هذا المكان في هذا الوقت المكان الآخر. قال: ومن هذا يقال للمبطون: أصابته خلفة لتردده بين أن يخلف المشي القعود، والقعود المشي. فعلى هذا القول: الليل خلفة للنهار، والنهار خلفة لليل؛ لأن أحدهما يخلف الآخر ويأتي بعده.\nقال الفراء: يقول يذهب هذا ويجيء هذا (٢). وهذا قول ابن عباس، في رواية عطاء، ومقاتل، وابن زيد، والضحاك، والحسن؛ قال ابن عباس: يريد من فاته شيء من الخير بالليل عمله بالنهار (٣).\n_________\n(١) ذكره أبو عبيدة، \"مجاز القرآن\" ٢/ ٧٩ ولم ينسبه. قال المبرد: قال أبو عبيدة: هذا الشعر يُختلف فيه؛ فبعضهم ينسبه إلى الأحوص، وبعضهم ينسبه إلى يزيد بن معاوية. \"الكامل\" ١/ ٤٩٨. وذكره ابن جرير ١٩/ ٣١، ولم ينسبه. وذكره ابن عطية ١١/ ٦٣، وزاد عليه بيتًا، وقال فيه: ومنه قول الآخر يصف امرأة تنتقل من منزل في الشتاء لمنزل في الصيف دأْبًا. وأنشده أبو علي، \"كتاب الشعر\" ١/ ١٦٠، ولم ينسبه. وكذا ابن جني، \"سر صناعة الإعراب\" ٢/ ٦٢٦. والماطرون: بستان بظاهر دمشق يسمى اليوم: الميطور، وخلفة: خلفة الشجر: وهو ما يخرج من الثمر بعد الثمر الطيب، أو من الاختلاف؛ وهو: التردد، وهو الشاهد من إيراد البيت، والنمل فاعل أكل، والذي مفعوله، والعائد محذوف؛ أي: جمعه، وارتبعت: دخلت في الربيع، وجِلِّق: مدينة بالشام، وبيعا: مفعول سكنت، وهو جمع بِيعة بالكسر؛ كنيسة النصارى، ومعنى البيتين: أن لهذه المرأة ترددًا إلى الماطرون في الشتاء، فإن النمل يخزن الحب في الصيف ليأكله في الشتاء، ولا يخرج إلى وجه الأرض من قريته، وإذا دخلت في أيام الربيع ارتحلت إلى البيَع التي في جلق. \"خزانة الأدب\" ٧/ ٣١٢.\n(٢) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٧١. واختار هذا المعنى ابن كثير ٦/ ١١٤.\n(٣) أخرجه بسنده ابن جرير ١٩/ ٣٠، عن ابن عباس -﵄- من طريق علي ابن أبي طلحة، وكذا ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧١٨. وذكره البخاري تعليقًا، \"الفتح\" =","vol":"16","page":566},{"text":"وقال مقاتل: جعل النهار (١) خلفًا من الليل، لمن نام بالليل، وجعل الليل خلفًا من النهار، لمن كانت له حاجة، وكان مشغولًا (٢).\nوقال ابن زيد: يخلف أحدهما صاحبه؛ إذا ذهب أحدهما جاء الآخر، فهما يتعاقبان في الضياء والظلام، والزيادة والنقصان (٣).\nوقال الضحاك: من عجز عن عمل الليل فعمل بالنهار كان له خلفًا، ومن عجز عن عمل بالنهار فعمل بالليل كان له خلفًا. وقال الحسن: جعل أحدهما خلفًا للآخر فإن فات رجلًا من النهار شيء أدركه بالليل، وإن فاته شيء بالليل أدركه بالنهار (٤). وهذا القول اختيار الليث؛ قال: أي: إذا فاته أمر بالنهار تداركه بالليل، وإذا فاته بالليل تداركه بالنهار (٥) من العبادة،\n_________\n= ٨/ ٤٩٠. وذكره الثعلبي عن ابن عباس، والحسن، وقتادة. وأخرج ابن أبي حاتم، بسنده عن شقيق قال: جاء رجل إلى عمر بن الخطاب ﵁ فقال: فاتتني الصلاة الليلة، فقال: أدرك ما فاتك من ليلتك في نهارك، فإن الله جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورًا. ويشهد لهذا حديث عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله -ﷺ-: \"مَنْ نَامَ عَنْ حِزْبِهِ أَوْ عَن شَئْ مِنْهُ فَقَرَأَهُ فِيمَا بَيْنَ صَلاةِ الْفَجْرِ وَصَلاةِ الظُّهْرِ كُتِبَ لَهُ كأَنَّمَا قَرَأَهُ مِنَ اللَّيْلِ\". أخرجه مسلم ١/ ٥١٥، في صلاة المسافرين وقصرها، رقم ٧٤٧. والنسائي ٣/ ٢٨٨، في قيام الليل، رقم ١٧٩٠.\n(١) في (ج)، الليل، وهو خطأ.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ص ٤٧ أ.\n(٣) أخرجه بسنده ابن جرير ١٩/ ٣٢ مطولًا. وذكره الثعلبي ٨/ ١٠١ ب.\n(٤) أخرجه عبد الرزاق ٢/ ٧١. وابن جرير ١٩/ ٣١، وابن أبي حاتم ٨/ ٢٧١٨. وساق بعده عبد الرزاق بسنده قول النبي -ﷺ-: \"لا حسد إلا على اثنتين: رجل آتاه الله مالًا فهو ينفق منه آناء الليل وآناء النهار، ورجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار\". والحديث أخرجه البخاري، كتاب العلم، رقم: ٧٣، \"الفتح\" ١/ ١٦٥. ومسلم ١/ ٥٥٨، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، رقم: ٨١٥.\n(٥) \"العين\" ٤/ ٢٦٨ (خلف). ولم أجده في \"التهذيب\". أخرج ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧١٨، =","vol":"16","page":567},{"text":"والذكر، وغير ذلك (١).\nالقول الثاني، قال الكسائي: يقال لكل شيئين اختلفا: هما خِلْفَان، وخِلْفَتَان، يقال: له ابنان خِلْفان، وله عبدان خِلْفان، وله أَمَتَان خلفان، إذا كان أحدُهما طويلًا، والآخر قصيرًا، أو كان أحدُهما أبيضَ، والآخرُ أسودَ (٢)، قال الراجز:\nدَلْوَاي خِلْفان وساقياهما (٣)\nيقول: إحداهما مُصْعِدَةٌ، والأخرى مُنْحَدِرة (٤)، واحد الساقين طويل، والآخر قصير (٥)، أو أحدهما أسود، والآخر أحمر. وقال غيره: يقال: ولد فلان خلفة، أي: نصف صغار، ونصف كبار، ونصف ذكور، ونصف إناث (٦). وعلى هذا (٧) الخلفة من الاختلاف الذي هو ضد الاتفاق. وهذا قول مجاهد، قال: جعل كل واحد منهما مخالفًا لصاحبه، فجعل هذا أسود، وهذا أبيض (٨).\n_________\n= عن الحسن أن عمر -﵁-، أطال صلاة الضحى، فقيل له: صنعت اليوم شيئًا لم تكن تصنعه؛ فقال: إنه بقي علي من وردي شئٌ: فأحببت أن أتمه أو أقضيه، وتلا هذه الآية ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾.\n(١) اقتصر الواحدي على هذا القول في \"الوسيط\" ٣/ ٣٤٥، و\"الوجيز\" ٢/ ٧٨٣.\n(٢) \"تهذيب اللغة\" ٧/ ٣٩٨ (خلف)، بنصه. وهو قول أبي زيد، \"النوادر في اللغة\" ص ١٥.\n(٣) هكذا ورد في \"تهذيب اللغة\" ٧/ ٣٩٨، غير منسوب، و\"اللسان\" ٩/ ٩١ (خلف) كذلك، و\"مقاييس اللغة\" ٢/ ٢١٣، و\"نوادر أبي زيد\" ص ١٥.\n(٤) \"تهذيب اللغة\" ٧/ ٣٩٨ (خلف).\n(٥) في نسخة: (أ)، (ب)، بالتنوين في: طويلًا، وقصيرًا.\n(٦) \"تهذيب اللغة\" ٧/ ٣٩٨ (خلف)، بنصه. ولم يسم القائل.\n(٧) في (أ)، (ب): (وهذا على).\n(٨) أخرجه بسنده، عنه ابن جرير ١٩/ ٣١، وابن أبي حاتم ٨/ ٢٧١٨. وتفسير مجاهد =","vol":"16","page":568},{"text":"وذكر الفراء، والزجاج، القولين جميعًا (١)، وأنشدا قول زهير:\nبها العِينُ والآرام يَمشِين خِلْفةً (٢)\nأي: مختلفات، في أنهما ضربان في ألوانها، وهيئتها، وتكون خلفة في مِشْيَتها، تذهب كذا، وتجيء كذا (٣). وحكى الكلبي، القولين أيضًا؛ فقال: ﴿خِلْفَةً﴾ يخلف كل واحد منهما صاحبه. قال: ويقال الخلفة: اختلاف ألوانها (٤). والخلفة: اسم من الاختلاف، أقيم مقام المصدر. والاختلاف يحتمل المعنيين جميعًا. وذكرنا ذلك عند قوله: ﴿إِنَّ في خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ في سورة البقرة [آية: ١٦٤] (٥)\n_________\n= ٢/ ٤٥٥. وذكره عنه الهوَّاري ٣/ ٢١٦. وأخرجه بسنده ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧١٨، عن ابن عباس ﵄.\n(١) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٧١. و\"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٧٤.\n(٢) صدر بيتٍ وعجزه:\nوأطلاؤها ينهض من كل مجثم\n\"ديوان زهير\" ٧٥، وذكره مقتصرًا على صدره: الفراء ٢/ ٢٧١، وأبو عبيدة ٢/ ٨٠، وابن قتيبة في \"الغريب\" ص ٣١٤، وابن جرير ١٩/ ٣٢، والأزهري ٧/ ٣٩٩. وذكره بتمامه: الثعلبي ٨/ ١٠١ ب، وابن عطية ١١/ ٦١، قال ابن قتيبة: الآرام: الظباء البيض، والآرام: الأعلام، واحده: أرم، أي: إذا ذهب فوج الوحش، جاء فوج.\n(٣) \"تهذيب اللغة\" ٧/ ٣٩٩ (خلف)، بنصه وذكر نحوه الفراء ٢/ ٢٧١، وابن جرير ١٩/ ٣٢.\n(٤) في \"تنوير المقباس\" ص ٣٠٥: مختلفة بعضها لبعض.\n(٥) قال الواحدي في تفسير هذه الآية: فسر الاختلاف هاهنا تفسيرين؛ أحدهما: أنه افتعال من قولهم: خلفه يخلفه إذا ذهب الأول وجاء الثاني خلافه؛ أي: بعده .. وبهذا فسر قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً﴾ .. الثاني: قال ابن كيسان وعطاء في هذه الآية: أراد اختلافهما في الطول والقصر والنور والظلمة =","vol":"16","page":569},{"text":"ولهذا لم يثنَّ، كما يقال: رجلان عدل. ويحتمل أن يكون الأمر من باب حذف المضاف، على تقدير: ذوي خلفة (١).\nقوله: ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ﴾ أي: يتذكر، فيتبين شكر الله، وموضع النعمة، وإتقان الصنعة، فيستدل به على التوحيد. والتشديد، على أنه: يتذكر، ويتفكر ليدرك العلم بقدرته، ويستدل على توحيده. وقرأ حمزة، مخففًا (٢)، على معنى (٣) أنه: يذكر ما نسيه في أحد هذين الوقتين، في الوقت الآخر. ويجوز أن يكون: على تذكر تنزيه الله تعالى، وتسبيحه فيهما؛ كما قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤١] هذا كلام أبي علي (٤).\nوقال الفراء: (ويذكر، ويتذكر) يأتيان بمعنى واحد؛ قال الله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ﴾ [البقرة: ٦٣] في حرف عبد الله: (وتذكَّروا) ما فيه انتهى كلامه (٥). وفي جعل الله تعالى الليل والنهار متعاقبين، يخلف أحدهما\n_________\n= والزيادة والنقصان .. وهذا القول يرجع إلى المعنى الأول؛ لأن معنى الاختلاف في اللغة: التفرق في الجهات جهة اليمين والشمال والخلف والقدام، ثم شُبه الاختلاف في المذاهب وفي كل شيء بالاختلاف في الطريق مواجهة أن كل واحد من المختلفين على نقيض ما ذهب إليه الآخر كالمختلفين في الطريق.\n(١) ذكره القرطبي ١٣/ ٦٦، ولم ينسبه.\n(٢) كتاب \"السبعة في القراءات\" ص ٤٦٦، و\"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٣٤٨، وقرأ بها من القراء العشرة خلف، \"النشر في القراءات العشر\" ٢/ ٣٣٤.\n(٣) (معنى) (خ).\n(٤) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٣٨٤، قال: المعنى في قراءة حمزة: ﴿أن يذَّكَّرَ﴾ يتذكر.\n(٥) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٧١، بلفظ: وفي قراءتنا ﴿وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ﴾ [البقرة: ٦٣] وفي حرف عبد الله (وتذكروا ما فيه) وذهب إلى أنهما بمعخى واحد: ابن جرير ١٩/ ٣٢. لم أجده عند ابن خالويه، ولا ابن جني.","vol":"16","page":570},{"text":"صاحبه اعتبارٌ واستدلال على قدرته، ومتسع لذكره، وطاعته أيضًا (١). وهذا قول المفسرين كما حكينا عنهم في القول الأول في الخلفة. وعلى قول جاهد، الظاهر أنه أراد بالتذكير: الاعتبار، والاستدلال على قدرته، لا الذكر الذي هو التسبيح، والتنزيه (٢).\nوقوله تعالى: ﴿أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾ الشُكُور: مصدر شَكَر يَشْكُر، شُكْرًا وشُكُورًا، كما يقال: كَفَر يَكْفُر، كُفْرًا وكُفُورًا، قال الله تعالى: ﴿لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾ [الإنسان: ٩] قال ابن عباس في هذه الآية: يريد لمن أراد أن يتعظ، ويطيعني (٣). وقال مجاهد: يشكر نعمة ربه عليه فيهما (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2965>٦٣ </span>- قوله: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ قال الليث (٥): الهون: مصدر الهَيِّن في معنى (٦) السكينة والوقار. تقول: هو يمشي هَوْنًا، وجاء عن علي ﵁: (أحبب حبيبك هونًا ما) (٧).\n_________\n(١) ذكره في \"الوسيط\" ٣/ ٣٤٥، بنصه، ولم ينسبه.\n(٢) أخرج بسنده ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧١٩، عن مجاهد: ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ﴾ يتعظ.\n(٣) \"تنوير المقباس\" ص ٣٠٥.\n(٤) \"تفسير مجاهد\" ٢/ ٤٥٥. وأخرجه عنه ابن جرير ١٩/ ٣٢، وابن أبي حاتم ٨/ ٢٧١٩.\n(٥) (الليث) في (ج).\n(٦) (معنى) ساقطة من النسخ الثلاث، وهي في \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٩٢ (هون).\n(٧) كتاب \"العين\" ٤/ ٩٢ (هون)، بنصه. و\"تهذيب اللغة\" ٦/ ٤٤٠ (هان)، وفيهما: مصدر الهين، في معنى السكينة والوقار. والأثر ذكره الثعلبي ٨/ ١٠١ ب، مرفوعًا للنبي -ﷺ- بدون إسناد، ولفظه: \"أحبب حبيبك هونًا ما عسى أن يكون بغيظك يومًا ما، وأبغض بغيظك هونًا ما عسى أن يكون حبيبك يومًا ما\". وأخرجه الترمذي ٦/ ٣١٤، مرفوعًا، كتاب البر والصلة رقم: ١٩٩٧. وقال: حديث غريب. وصححه الألباني مرفوعًا، في \"غاية المرام\" ٢٧٣، وذكر له طرقًا. وأما الموقوف =","vol":"16","page":571},{"text":"قال شمِر في تفسيره: الهَوْنُ: الرِّفق، والدَّعَة، والهِينَة، يقول: لا تُفرط في حُبه ولا بغضه (١)، وأنشد:\nتَهادَى في رِداءِ المِرْط هَونًا (٢)\nقال ابن عباس: يريد بالسكينة والوقار (٣). وهو لفظ مجاهد (٤).\n_________\n= فقد قال الترمذي: والصحيح عن علي موقوف. والموقوف أخرجه البخاري في \"الأدب المفرد\" عن علي -﵁-، \"صحيح الأدب المفرد\" ص ٥٠١. وقد جمع طرقه الزيلعي، في تخريجه لأحاديث الكشاف ٢/ ٤٦٤.\n(١) \"تهذيب اللغة\" ٦/ ٤٤١ (هان)، وفيه: قاله في تفسير حديث علي. قال ابن القيم: الهَون، بالفتح في اللغة: الرفق واللين. والهُون، بالضم: الهوان. فالمفتوح منه: صفة أهل الإيمان. والمضموم: صفة أهل الكفران، وجزاؤهم من الله النيران. مدارج السالكين ٢/ ٣٢٧. قال ابن كثير ٦/ ١٢٢: وليس المراد أنهم يمشون كالمرضى تصنعًا ورياءً، فقد كان سيد ولد آدم -ﷺ- إذا مشى كأنما ينحط من صبب، وكأنما الأرض تطوى له، وقد كره بعض السلف المشي بتضعف وتصنع ... وإنما المراد بالهَون هنا السكينة والوقار.\n(٢) \"تهذيب اللغة \" ٦/ ٤٤١ (هان)، ولم ينسبه، وصدره:\nمررت على الوَرِيقَةِ ذات يوم\nولم يسم الأزهري من أنشد هذا البيت. وأورده في \"لسان العرب\" ١٣/ ٤٣٩، وصدره:\nمررت على الوديعة ذات يوم\nفلعل: الوريقة تصحيف: الوديعة. والله أعلم. تهادى مأخوذ من التهويد، وهو: المشي الرُّوَيد، مثل الدبيب ونحوه. \"تهذيب اللغة\" ٦/ ٣٨٨ (هاد). المرط: جمعه: مروط، وهي أكسية من صوف أو خز، كان يؤتزر بها. \"تهذيب اللغة\" ١٣/ ٣٤٥ (مرط).\n(٣) أخرج بسنده ابن جرير ١٩/ ٣٣، عن ابن عباس ﵁ من طريق علي بن أبي طلحة: بالطاعة والعفاف والتواضع، وكذا ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧١٩. واختاره الزجاج ٤/ ٧٤، واقتصر عليه، ولم ينسبه. واقتصر عليه في \"الوجيز\" ٢/ ٧٨٣.\n(٤) \"تفسير مجاهد\" ٢/ ٤٥٥. وبسنده ذكره الفراء ٢/ ٢٧٢، ونسبه لعكرمة أيضًا. =","vol":"16","page":572},{"text":"وقال الحسن، وعطاء، والضحاك، ومقاتل: حلماء متواضعين، يمشون في اقتصاد (١)\nوقال قتادة: ﴿يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ تواضعًا لله لعظمته (٢).\nوروى أسامة بن زيد، عن أبيه، قال: لا يشتدون (٣).\nوقال ابن وهب: لا يتكبرون على الناس، ولا يتجبرون (٤).\nوانتصب ﴿هَوْنًا﴾؛ لأنه صفة مصدر محذوف، أي: يمشون مشيًا\n_________\n= وأخرجه بسنده، عبد الرزاق، في تفسيره ٢/ ٧١. وكذا ابن جرير ١٩/ ٣٢، وابن أبي حاتم ٨/ ٢٧١٩، وأخرجه عن الحسن أيضًا. وذكره الهوَّاري ٣/ ٢١٦.\n(١) \"تفسير مقاتل\" ص ٤٧ أ. وأخرجه بسنده عن الحسن، عبد الرزاق، في تفسيره ٢/ ٧١، وعنه ابن جرير ١٩/ ٣٤، ولفظه عندهما: حلماء علماء لا يجهلون. وأخرجه أيضًا الثعلبي ٨/ ١٠١ ب. وأخرج ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧١٩، عن ابن عباس ﵄: علماء حلماء.\n(٢) أخرجه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٢١.\n(٣) أخرجه ابن جرير ١٩/ ٣٤.\nأسامة بن زيد بن أسلم العمري المدني، ضعيف، ليس له في الكتب الستة سوى حديث واحد عند ابن ماجه. \"سير أعلام النبلاء\" ٦/ ٣٤٣، و\"تقريب التهذيب\" ص ١٢٣، وأما أبوه زيد بن أسلم فهو مولى عمر ﵁، ثقة عالم، وكان يرسل. ت: ١٣٦. \"سير أعلام النبلاء\" ٥/ ٣١٦، و\"تقريب التهذيب\" ص ٣٥٠.\n(٤) أخرجه ابن جرير ١٩/ ٣٤، فقال: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ قال: لا يتكبرون على الناس، ولا يتجبرون، ولا يفسدون. وقرأ: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا في الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص: ٨٣]. وأخرجه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٢١، دون ذكر الآية. قال الزمخشري ٣/ ٢٨٣: ولذلك كره بعض العلماء الركوب في الأسواق، ولقوله: ﴿وَيَمْشِي في الْأَسْوَاقِ﴾.","vol":"16","page":573},{"text":"هونًا (١). قال المفسرون: هذا من صفة خواص عباد الله، أضافهم إليه لاصطفائه إياهم، كما يقال: بيت الله، وناقة الله (٢).\nقوله تعالى: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ﴾ قال مقاتل: يعني السفهاء (٣) ﴿قَالُوا سَلَامًا﴾ يقول: إذا سمعوا الأذى من كفار مكة، ردوا معروفًا (٤). قال الكلبي: نسختها آية القتال (٥).\nوقال ابن عباس: ردوا سدادًا من القول (٦)، لا يجهلون مع من يجهل. وهذا قول مجاهد؛ قال: قالوا سدادًا (٧).\nوقال الحسن: إن جهل عليهم جاهل حلموا ولم يجهلوا (٨).\n_________\n(١) قال ابن قتيبة: أي: مشيًا رويدًا. \"غريب القرآن\" ص ٣١٥.\n(٢) \"غريب القرآن\" لابن قتيبة ص ٣١٥. من قوله: أضافهم إليه .. قال البغوي ٦/ ٩٣: الإضافة هنا للتخصيص، والتفضيل، وإلا فالخلق كلهم عباد الله.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ص ٤٧ أ. وأخرج ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٢٢، عن سعيد بن جبير: يعني: السفهاء من الكبار.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ص ٤٧ أ. و\"تنوير المقباس\" ص ٣٠٥.\n(٥) ذكره الثعلبي ٨/ ١٠٢ أعن أبي العالية، والكلبي، ولفظه: هذا قبل أن يؤمروا بالقتال ثم نسختها آية القتال. ولفظ الفراء يشعر بميله لهذا القول؛ قال ٢/ ٢٧٢: كان أهل مكة إذا سبوا المسلمين ردوا عليهم ردًا جميلًا قبل أن يؤمروا بقتالهم. ونسبه للكلبي، السمرقندي ٢/ ٤٦٥. وذكره عنهما البغوي ٦/ ٩٣.\n(٦) \"تنوير المقباس\" ص ٣٠٥.\n(٧) أخرجه عبد الرزاق ٢/ ٧١، وعنه ابن جرير ١٩/ ٣٥. وأخرجه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٢٢. وذكره عنه الثعلبي ٨/ ١٠٢ أ.\n(٨) أخرجه ابن جرير ١٩/ ٣٥. وذكر الثعلبي عن الحسن ٨/ ١٠٢ أ، قولا آخر؛ ولفظه: سلموا عليهم، دليله قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [القصص: ٥٥]. وأخرج عنه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٢٢، دون ذكر الآية. وذكر الماوردي ٤/ ١٥٥، عن الضحاك، قالوا: وعليك السلام. ولم =","vol":"16","page":574},{"text":"وقال قتادة. كانوا لا يجاهلون أهل الجاهلية (١) والجهل (٢).\n_________\n= يعترض عليه، وكذلك العز، في تفسيره ٢/ ٤٣١. وذكر البغوي ٦/ ٩٣، قول الحسن، بعد أن قال: وليس المراد منه السلام المعروف!. والذي يظهر أنه لا يمنع من إرادة السلام المعروف مانع، كما في الآية التي استدل بها الحسن، ويكون التسليم قطعًا للكلام وفراقًا بينهم. والله أعلم. وعلى هذا يفرق بين المشركين، وغيرهم من الجاهلين، وذلك للنهي عن ابتداء المشركين بالسلام، فعن أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ الله -ﷺ-، قَال: \"لَا تَبْدَءُوا الْيَهُودَ وَلا النَّصَارَى بِالسَّلامِ فَإِذَا لَقِيتُمْ أَحَدَهُمْ في طَرِيقٍ فَاضْطَرُّوهُ إِلَى أَضْيَقِهِ\" وفي إحدى روايات مسلم: \"إِذَاَ لَقِيتُمُوهُمْ\" وَلَمْ يُسَمِّ أَحَدًا مِنَ الْمُشْرِكِينَ. أخرجهما مسلم ٤/ ١٧٠٧، كتاب السلام، رقم: ٢١٦٧. والترمذي ٥/ ٥٧، كتاب الاستئذان، رقم: ٢٧٠٠. قال ابن العربي ٣/ ٤٥٢: وقد اتفق الناس على أن السفيه من المؤمنين إذا جفاك يجوز أن تقول له: سلام عليك. وحمل الأصم السلام في الآية على أن المراد به سلام توديع لا تحية، كقول إبراهيم -ﷺ- لأبيه: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكَ﴾ [مريم: ٤٧]. \"تفسير الرازي\" ٢٤/ ١٠٨. وأما ابن القيم، فإنه لم يرتض تفسير الآية بـ: سلام عليكم؛ فقال: ووَصَف نطقهم بأنه سلام فهو نطق حلم وسكينة ووقار لا نطق جهل، وفحش وخناء وغلظة، فلهذا جمع بين المشي والنطق في الآية، فلا يليق بهذا المعنى الشريف العظيم الخطير أن يكون المراد منه: سلام عليكم، فتأمله. بدائع الفوائد ٢/ ١٥٨. والتسليم لا ينافي ما ذكر ابن القيم؛ لأن التسليم فيه حلم وسكينة ووقار، ويشهد له حديث النُّعْمَانِ بْنِ مُقَرِّنٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله -ﷺ-، وَسَبَّ رَجُلٌ رَجُلًا عِنْدَهُ قَالَ فَجَعَلَ الرَّجُلُ الْمَسْبُوبُ يَقُولُ عَلَيْكَ السَّلامُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله -ﷺ-: \"أَمَا إِنَّ مَلَكًا بَيْنكُمَا يَذُبُّ عَنْكَ كُلَّمَا يَشْتُمُكَ هَذَا قَالَ لَهُ بَلْ أَنْتَ وَأَنْتَ أَحَقُّ بِهِ وَإِذَا قَالَ لَهُ عَلَيْكَ السَّلامُ قَالَ لا بَلْ لَكَ أَنْتَ أَحَقُّ بِهِ\". أخرجه الإمام أحمد ٩/ ١٩١، رقم: ٢٣٨٠٦، قال ابن كثير ٦/ ١٢٢: إسناده حسن ولم يخرجوه. وقال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح، غير أبي خالد الوالبي، وهو ثقة. وجمع بين القولين ابن عاشور ١٩/ ٦٩.\n(١) (الجاهلية) في (ج).\n(٢) ذكره السيوطي، \"الدر المنثور\" ٦/ ٢٧٢، ونسبه لابن أبي حاتم، ولكني لم أجده عنده.","vol":"16","page":575},{"text":"وقال مقاتل بن حيان: ﴿قَالُواْ سَلَمًا﴾ أي: قولًا يسلمون فيه من الإثم (١).\nقال أبو إسحاق، وأبو علي: نتسلم منكم سلامًا لا نجاهلكم كأنهم قالوا: تسلمًا منكم لا نتلبس بشيء من أمركم (٢).\nوقال أبو الهيثم: معناه: سدادًا من القول، وقصدًا لا لغو فيه (٣). وهو معنى قول ابن حيان. وذكرنا معنى: السلام فيما تقدم (٤). والأولى أن لا تكون هذه الآية منسوخة؛ لأنها صفة لخواص من عباد الله، لا يجهلون، ولا يرفثون، بل يحلمون (٥).\n_________\n(١) ذكره عنه الثعلبي ٨/ ١٠٢ أ، وابن الجوزي ٦/ ١٠١، وجمع في \"الوجيز\" بين قولي مجاهد، وابن حيان، فقال: سدادًا من القول يسلمون فيه من الإثم. قال الثعالبي: إذا نازعك إنسان فلا تجبه؛ فإن الكلمة الأولى أنثى وإجابتها فحلها فإن أمسكت عنها بترتها، وقطعت نسلها، وإن أجبتها ألقحتها فكم من نسل مذموم يتولد بينهما في ساعة واحدة. الجواهر الحسان ٢/ ٤٧٢.\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٧٤. وذهب إلى هذا المبرد؛ فقال: تأويله المتاركة، أي: لا خير بيننا وبينكم ولا شر. المقتضب ٣/ ٢١٩، وسبقه إلى هذا سيبويه، \"الكتاب\" ١/ ٣٢٤.\n(٣) \"تهذيب اللغة\" ١٢/ ٤٤٨ (سلم).\n(٤) قال الواحدي: قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ﴾ [النساء: ٩٤] وقرئ: ﴿السَّلَمَ﴾ فمن قرأ بالألف واللام فله معنيان؛ أحدهما: أن يكون السلام الذي هو تحية المسلمين؛ أي: لا تقولوا لمن حياكم بهذه التحية: إنما قالها متعوذًا، فتقدموا عليه بالسيف لتأخذوا بماله، ولكن كفوا عنه، واقبلوا منه ما أظهره. والثاني: أن يكون المعنى: لا تقولوا لمن اعتزلكم، وكف يده عنكم فلم يقاتلكم: لست مؤمنًا .. وأصل هذا من السلامة؛ لأن المعتزل طالب للسلامة.\n(٥) قال السمرقندىِ ٢/ ٤٦٥، بعد أن ذكر قول الكلبي، في أن الآية منسوخة: وقال بعضهم: هذا خطأ؛ لأن هذا ليس بأمر، ولكنه خبر من حالهم، والنسخ يجرى =","vol":"16","page":576},{"text":"قال أبو إسحاق: ﴿وَعِبَادُ﴾ مرفوع بالابتداء، والأحسن أن يكون الخبر: ما جاء في آخر السورة؛ من قوله: ﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ﴾ ويجوز أن يكون خبره: ﴿الَّذِينَ يَمْشُونَ﴾ (١) ويكون قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ﴾ صفة للذين يمشون (٢).\nقال الحسن: هذا صفة نهارهم إذا انتشروا في الناس، وليلُهم (٣) خير ليل إذا خلو فيما بينهم وبين ربهم يراوحون بين أطرافهم (٤)؛ وهو:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2966>٦٤ </span>- قوله تعالى: ميووَ ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾ قال الليث: البَيْتُوتَة: دخولُك في الليل، تقول: بِتُّ أصنع كذا. ومن قال: بات فلان إذا نام؛ فقد أخطأ (٥).\n_________\n= في الأمر والنهي. ورد مكي بن أبي طالب القول بأن هذه الآية خبر لا يجوز نسخه؛ فقال: هذا ليس من الخبر الذي لا يجوز نسخه؛ لأنه ليس فيه خبر من الله لنا عن شيء يكون أو شيء كان فنسخ بأنه لا يكون، أو بأنه لم يكن -هذا الذي لا يجوز فيه النسخ- وإنما هذا خبر من الله لنا أن هذا الأمر كان من فعل هؤلاء الذين هم عباد الرحمن قبل أن يؤمروا بالقتال. \"الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه\" ص ٣٧١، وهذا كلام جيد؛ لكن القول بأن الآية منسوخة ليس بصواب، فلا تعارض بين هذه الآية، وبين الأمر بالقتال، فلكل واحد منهما ما يناسبه من الزمان والمكان، قال الطوسي ٧/ ٥٠٥: الأمر بالقتال لا ينافي حسن المحاورة في الخطاب، وحسن العشرة. ونقض القول بالنسخ أيضًا الزمخشري ٣/ ٢٨٤. قال ابن عطية ١١/ ٦٧: وهذه الآية كانت قبل آية السيف، فنسخ منها ما يخص الكفرة، وبقي أدبها في المسلمين إلى يوم القيامة. وذكر نحوه ابن جزي ٤٨٧. وأحسن الحديث عن النسخ في هذه الآية النحاس، في كتابه \"الناسخ والمنسوخ\" ٢/ ٥٦٨.\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٧٤.\n(٢) ذكر هذا الزمخشري ٣/ ٢٨٤.\n(٣) في (أ)، (ب): (وأجلهم).\n(٤) أخرجه بنحوه ابن جرير ١٩/ ٣٥، وابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٢٣.\n(٥) \"العين\" ٨/ ١٣٨ (بيت)، ونقله عنه الأزهري، \"تهذيب اللغة\" ١٤/ ٣٣٣ (بات).","vol":"16","page":577},{"text":"وقال الزجاج: كل من أدركه الليل فقد بات يَبِيت، نام أو لم ينم. يقال: بات فلان قلقًا (١). قال الكلبي ومقاتل: يبيتون لربهم بالليل في الصلاة سجدًا وقيامًا (٢). وذكر الكلبي، عن ابن عباس، قال: من صلي ركعتين، أو أكثر بعد العشاء، فقد بات لله ساجدًا وقائمًا (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2967>٦٥ </span>- قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ﴾ قال ابن عباس: إنهم يقولون ذلك في سجودهم وقيامهم (٤).\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٧٥. ومما يشهد على أن المراد بالبيات الليل قوله تعالى: ﴿فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ﴾ [الأعراف: ٤].\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ص ٤٧ أ. و\"تنوير المقباس\" ص ٣٠٥.\n(٣) \"الوسيط\" ٣/ ٣٤٥، وذكر نحوه الفراء ٢/ ٢٧٢، ولم ينسبه. وكذا الهواري ٣/ ٢١٧. وذكر الثعلبي ٨/ ١٠٢ أ، عن ابن عباس -﵄-: من صلى بالليل ركعتين أو أكثر من ذلك فقد بات لله ساجدًا وقائمًا. ثم قال: قال الكلبي: ويقال الركعتان بعد المغرب، وأربع بعد العشاء الآخرة. وذكر ذلك السمرقندي ٢/ ٤٦٥، وصدره بقوله: رُوي. وأخرج ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٢٣، عن قتادة، قال: ذكر لنا أن نبي الله -ﷺ- كان يقول: أصيبوا من هذا الليل ولو ركعتين، أو أربعًا. وقد ذكر الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" ٢/ ٢٣٠، أثر ابن عباس مرفوعًا، ونحوه عن ابن عمر مرفوعًا، وضعفهما. لكن ثبت في الصحيح أن عَبْدَ الرحْمَنِ بْنُ أَبِي عَمْرَةَ قَالَ: دَخَلَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ الْمَسْجِدَ بَعْدَ صَلاةِ الْمَغْرِب فَقَعَدَ وَحْدَهُ فَقَعَدْتُ إِلَيْهِ فَقَالَ: يَا ابْنَ أَخِي سَمِعْتُ رَسُولَ الله -ﷺ- يَقُولُ: \"مَنْ صَلَّى الْعِشَاءَ في جَمَاعَةٍ فَكَأنَّمَا قَامَ نِصْفَ اللَّيْلِ وَمَنْ صَلَّى الصُّبْحَ في جَمَاعَةٍ فَكَأنَّمَا صَلَّى اللَّيْلَ كُلَّهُ\". أخرجه مسلم ١/ ٤٥٤، كتاب المساجد، رقم: ٦٥٦. والترمذي ١/ ٤٣٣، أبواب الصلاة، رقم: ٢٢١.\n(٤) ذكره عنه القرطبي ١٣/ ٧٢. قال الزمخشري ٣/ ٢٨٤: وصفهم بإحياء الليل ساجدين وقائمين، ثم عقبه بذكر دعوتهم هذه إيذانًا بأنهم مع اجتهادهم خائفون مبتهلون إلى الله في صرف العذاب عنهم، كقولى تعالى. ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ [المؤمنون: ٦٠].","vol":"16","page":578},{"text":"وقوله تعالى: ﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾ قال الليث: الغرام: العذاب اللازم، أو الشر اللازم، والغُرْمُ: أداءُ شيء يَلزم (١).\nوقال الفراء: العرب تقول: إن فلانًا لَمُغرَمٌ بالنساء، إذا كان مُولَعًا بهن. وإني بك لَمُغرم إذا لم يَصبِر عنه. ونرى أن الغريم إنما سمي غريمًا؛ لأنه يطلب حقه، وُيلح حتى يقبضه، فمعنى: ﴿غَرَامًا﴾ مُلِحًا دائمًا (٢).\nقال مقاتل: ﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾ يعني: لازمًا له لا يفارقه (٣) كلزوم الغريم للغريم. وقال الحسن: الغرام: اللازم الذي لا يفارق صاحبه أبدًا، وكل عذاب يفارق صاحبه فليس بغرام، وكل غريم مفارق غريمه إلا غريم جهنم (٤). وقال سليمان التيمي: كل أسير لابد أن يفك أُساره يومًا، أو يموت، إلا أَسير جهنم، فهو الغرام لا يُفك أبدًا (٥). وقال الكلبي: ﴿كَانَ غَرَامًا﴾ مُولَعًا، ويقال مُلِحًا (٦).\nوقال القرظي: إن الله ﷿ سأل الكفار ثمن نعمه فلم يؤدوها إليه،\n_________\n(١) كتاب \"العين\" ٤/ ٤١٨ (غرم)، ونقله عنه الأزهري، \"تهذيب اللغة\" ٨/ ١٣١. واقتصر عليه في \"الوجيز\" ٢/ ٧٨٢.\n(٢) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٧٢. وذكره في \"تهذيب اللغة\" ٨/ ١٣١ (غرم). و\"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٠٢ أ.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ص ٤٧ أ.\n(٤) أخرجه ابن جرير ١٩/ ٣٦، وابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٢٣. وذكره بنحوه الهواري ٣/ ٢١٧. والثعلبي ٨/ ١٠٢ ب.\n(٥) أخرج ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٢٤. سليمان بن طَرخان التيمي، أبو المعتمر البصري، نزل في التَّيم فنسب إليهم، ثقة عابد، ت: ١٤٣هـ. \"سير أعلام النبلاء\" ٦/ ١٩٥. و\"تقريب التهذيب\" ص ٤٠٩.\n(٦) \"تنوير المقباس\" ص ٣٠٥.","vol":"16","page":579},{"text":"فأغرمهم، فأدخلهم النار (١). هذا الذي ذكرنا في تفسير الغرام هو الموافق لما قيل في أصل اللغة. وقريب من هذا ذكره الزجاج، في تفسير الغرام؛ فقال: هو أشد العذاب، وأنشد قول بشر بن أبي خازم:\nويومُ النِّسَارِ ويومُ الجِفَا ... رِ كانا عذابًا وكانا غرامًا (٢)\nوقد ذُكر في تفسير الغرام أقوال، هي من معنى الغرام، وليس بتفسير له؛ قال ابن عباس، في رواية عطاء: إن عذابها كان قطعيًّا. وسأله نافع بن الأزرق، عن معنى الغرام؛ فقال: هو الموضع، وأنشد لعبد الله بن عجلان (٣):\nما أكلةٌ إن نلتها بغنيمةٍ ... ولا جوعةٌ إن جعتها بغرامٍ (٤)\n_________\n(١) أخرجه ابن جرير ٦/ ١٩، وابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٢٤. وذكره الثعلبي ٨/ ١٠٢ ب. والسمرقندي ٢/ ٤٦٥.\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٧٥، ولم ينسب البيت. وأنشده أبو عبيدة، في \"المجاز\" ٢/ ٨٠، ونسبه لبشر. وكذا ابن الأنباري، \"الزاهر\" ١/ ٢٣٩. وابن جرير ١٩/ ٣٦. وأورده السيوطي، في \"الإتقان\" ١/ ١٧١ في سؤالات نافع بن الأزرق لابن عباس. و\"غريب القرآن في شعر العرب\" ص ١٩٦. وذكره الثعلبي ٨/ ١٠٢ ب، منسوبًا لبشر. النسار: بكسر النون، موضع، قيل: هو ماء لبني عامر. ومنه يوم النسار. \"لسان العرب\" ٥/ ٢٠٥ (نسر). والجفار: موضع، قيل: هو ماء لبني تميم، ومنه يوم الجفار. \"لسان العرب\" ٤/ ١٤٤ (جفر).\n(٣) عبد الله بن عجلان، بن عامر النهدي، من قضاعة، شاعر جاهلي، من عشاق العرب المشهورين. \"الشعر والشعراء\" ٤٨٢، \"الأعلام\" ٤/ ١٠٣.\n(٤) لم أجده في \"الإتقان\"، ولا في \"غريب القرآن في شعر العرب\"، الذي جمع سؤالات نافع بن الأزرت، من \"الإتقان\" وغيره. وإنما وجدت البيت الذي قبله. وذكر السيوطي، \"الدر المنثور\" ٦/ ٢٧٤، روايتين؛ الأولى: أخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق سأله عن الآية، فقال: ملازمًا شديدًا، كلزوم =","vol":"16","page":580},{"text":"وقال أبو عبيدة: ﴿كَانَ غَرَامًا﴾ أي: هلاكًا. وهو اختيار المبرد وابن قتيبة (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2968>٦٧ </span>- قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾ فيه ثلاثهَ أوجه من القراءة؛ ضم الياء، من ﴿يَقْتُرُوا﴾ وضم التاء، وكسر التاء مع فتح الياء (٢)، يقال: قَتَر الرجل على عياله، يَقْتِرُ ويَقْتُرُ قَتْرًا، مثل: يَعْكُف\n_________\n= الغريم الغريم، وأنشد قول بشر بن أبي حازم. والرواية الثانية، قال: أخرج ابن الأنباري، عن ابن عباس -﵄- أن نافع ابن الأزرق، قال له: أخبرني عن قوله: ﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾ ما الغرام، قال: المولع، وأنشد بيت ابن عجلان. وأنشد ابن الأنباري البيت، ونسبه لحاتم بن عبد الله الطائي، وليس فيه ذكر السؤال، أو أنه من إنشاد ابن عباس. كتابه \"الزاهر في معاني كلمات الناس\" ١/ ٢٤٠. والبيت في \"ديوان حاتم الطائي\" ص ١٢٧، بيتًا مفردًا.\n(١) \"مجاز القرآن\" ٢/ ٨٠. و\"غريب القرآن\" ص ٣١٥. وذكره البخاري، ولم ينسبه، \"الفتح\" ٨/ ٤٩٥. واقتصر عليه الغزنوي، في وضح البرهان ٢/ ١٢٦، واستدل ببيت بشر عليه. ومن الأقوال الواردة في الغرام، ما ذكره الهواري ٣/ ٢١٧ ﴿غَرَامًا﴾ أي: انتقامًا. وما ذكره الماوردي ٤/ ١٥٥، عن قطرب: ثقيلًا، ومنه قوله ﴿فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ﴾ [القلم: ٤٦].\n(٢) قرأ ابن كثير، وأبو عمرو: بفتح الياء، وكسر التاء. وقرأ عاصم، وحمزة، والكسائي: ﴿يَقتُرُواْ﴾ بفتح الياء، وضم التاء. وقرأ نافع، وابن عامر: ﴿يُقتروا﴾ بضم الياء، وكسر التاء. \"كتاب السبعة في القراءات\" ٤٦٦، و\"إعراب القراءات السبع وعللَّها\" ٢/ ١٢٤، و\"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٣٤٨، و\"النشر\" ٢/ ٣٣٤. قال النحاس، معلقًا على قراءة ضم الياء: وتعجب أبو حاتم من قراءة أهل المدينة هذه؛ لأن أهل المدينة عنده لا يقع في قراءتهم الشاذ، فإنما يقال: أقتر يُقتر، إذا افتقر، كما قال جل وعز: ﴿وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ [البقرة: ٢٣٦] وتأول أبو حاتم لهم أن المسرف يفتقر سريعًا، وهذا تأويل بعيد، ولكن التأويل أن أبا عمرو الجرمي، حكى عن الأصمعي، أنه يقال للإنسان إذا ضَيَّق: قتر يقتُر ويقتِر، وقتَّر يُقتِّر، وأقتر يُقتر، فعلى هذا تصح القراءة، وإن كان فتح الياء أصح، وأقرب متناولًا، وأشهر وأعرف. \"إعراب القرآن\" ٣/ ١٦٧.","vol":"16","page":581},{"text":"ويعكِف، ويفسُق ويفسِق، ويحشُر ويحشِر، إذا ضَيَّق ولم يُنفق إلا قدر ما يُمسك الرَّمَق (١). ومثله: أقتر.\nقال أبو عبيد: وهي ثلاث لغات، معناها: لم يضيقوا في الإنفاق (٢). وقال غيره: قَتَر إذا ضَتَّق، وأقتر إذا أَقلَّ وافتقر، والمقتر، ضدُ الموسر، قال الله تعالى: ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ [البقرة: ٢٣٦] وقال الشاعر:\nلكم مسجد الله المزوران والحصا ... لكم قِبصُهُ من بين أثْرى وأقترا (٣)\nتقديره من بين رجل أثرى، ورجل أقتر، فأقام الصفة مقام الموصوف، وعلى هذا معنى: ﴿وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾ لم يفتقروا في إنفاقهم؛ لأن المسرف مُشرف على الافتقار لسرفه في إنفاقه (٤).\nواختلفوا في معنى هذا الإسراف والإقتار؛ فقال الكلبي، والنخعي: هذا في الإنفاق على العيال، إذا أنفقوا على أهلهم وعيالهم وعلى أنفسهم\n_________\n(١) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٣٤٩. والرَّمَق: بقية الحياة. \"تهذيب اللغة\" ٩/ ١٤٥.\n(٢) قال ابن جرير ١٩/ ٤٠: كل هذه القراءات ... بمعنى واحد، فبأيتها قرأ القارئ فمصيب. وكذا الأزهري في \"معاني القراءات\" ٢/ ٢١٨.\n(٣) البيت للكميت بن زيد يمدح بني أمية، المسجدان: مسجد مكة والمدينة، أي: لكم العدد الكثير من جميع الناس، المثري منهم والمقتر. \"لسان العرب\" ٣/ ٢٠٥ (سجد). وأنشده الأزهري، \"تهذيب اللغة\" ٨/ ٣٨٥ (قبص)، ولم ينسبه، ثم قال: أي من بين مُثرٍ ومُقلٍ، واستشهد به على أن القبص: العدد الكثير. وذكره أبو علي، \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٣٤٨، ولم ينسبه. وكذا الأنباري في \"الإنصاف\" ٢/ ٧٢١، والطبرسي ٧/ ٢٧٧.\n(٤) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٣٤٨، من قولى: قتر إذا ضيق.","vol":"16","page":582},{"text":"لم يسرفوا في النفقة (١).\nوقال إبراهيم: لا يجيعهم ولا يعريهم، ولا ينفق نفقة يقول الناس: إنك قد أسرفت فيها (٢).\nوقال أبو علي الفارسي: معنى ﴿لَمْ يُسْرِفُوا﴾ لم يخرجوا في إنفاقهم من السِّطَةِ (٣) والاقتصاد ﴿وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾ لم يمسكوا ولم ينقصوا عن الاقتصاد فيقصروا عن التوسط فمن كان في هذا الطرَف فهو مذموم، كما أن من جاوز الاقتصاد كان كذلك، كما قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ﴾ الآية [الإسراء: ٢٩] ويبين هذا قوله: ﴿وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ أي: كان إنفاقهم بين ذلك لا إسرافًا، يدخل به في حد التبذير، ولا تضييقًا\n_________\n(١) اختار هذا القول الهواري ٣/ ٢١٧، ولم ينسبه.\n(٢) إبراهيم هو النخعي، أخرج قوله ابن جرير ١/ ٣٨٩. وابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٢٥، ٢٧٢٦. وهذا القول يدل على أن الإسراف: تجاوز الحد في الإنفاق، والإقتار: التقصير عما لا بد منه. \"تفسير البغوي\" ٦/ ٩٤.\n(٣) هكذا في النسخ الثلاث، وأيضًا عند أبي علي في \"الحجة\" ٥/ ٣٤٩، ومعناه: التوسط. يقال: وسطت القوم أسطهم وسطًا وسِطة، أي: توسطتهم. كتاب \"العين\" ٧/ ٢٧٩ (وسط)، و\"تهذيب اللغة\" ١٣/ ٢٨، و\"اللسان\" ٧/ ٤٢٩. ومن ذلك حديث جابر بن عبد الله قال: شهدت مع رسول الله -ﷺ- الصلاة يوم العيد فبدأ بالصلاة قبل الخطبة بغير أذان ولا إقامة ثم قام متوكئا على بلال فأمر بتقوى الله وحث على طاعته ووعظ الناس وذكرهم ثم مضى حتى أتى النساء فوعظهن وذكرهن فقال: \"تصدقن فإن أكثركن حطب جهنم\" فقامت امرأة من سطة النساء سفعاء الخدين فقالت: لم يا رسول الله؟ قال: \"لأنكن تكثرن الشكاة وتكفرن العشير\". قال: فجعلن يتصدقن من حليهن يلاقين في ثوب بلال من أقرطتهن وخواتمهن. أخرجه مسلم ٢/ ٦٠٣، كتاب صلاة العيدين، رقم ٨٨٥، وابن خزيمة ٢/ ٣٥٧، رقم ١٤٦٠.","vol":"16","page":583},{"text":"يصير في حد المنع (١) لما يجب (٢). وهذا هو المحمود من النفقة: أن تكون في غير إسراف ولا تقتير (٣).\nوذُكر أن عبد الملك بن مروان، دخل على عمر بن عبد العزيز، بعد ما زوجه ابنته، فقال له: كيف نفقتك على عيالك؟ قال: الحسنة بين السيئتين، قال: كيف ذاك؟ قال: كما قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ\n_________\n(١) في (ج): (المانع).\n(٢) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٣٤٩. وظاهر هذا أن الإنفاق أريد به الإنفاق الواجب، ولم يرتض ابن عاشور ١٩/ ٧١، هذا فقال: أريد بالإنفاق هنا الإنفاق غير الواجب، وذلك إنفاق المرء على أهله، وأصحابه؛ لأن الإنفاق الواجب لا يذم الإسراف فيه، والإنفاق الحرام لا يُحمد مطلقًا بَلْه أن يذم الإقتار فيه، على أن في قوله: ﴿إِذَا أَنْفَقُوا﴾ إشعارًا بأنهم اختاروا أن ينفقدا ولم يكن واجبًا عليهم.\n(٣) قال الهواري ٣/ ٢١٨: ذكروا أن هذه أنزلت في أصحاب النبي -ﷺ-، وصفهم الله بهذه الصفة، كانوا لا يأكلون طعامًا يريدون به نعيمًا، ولا يلبسون ثوبًا يريدون به جمالًا، وكانت قلوبهم على قلب واحد. وأخرج نحوه ابن جرير ١٩/ ٣٨، وابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٢٥، عن يزيد بن أبي حبيب. وليس معنى هذا أنه لا يجوز التوسع في الملبس، والمأكل، والمسكن، بل الضابط في ذلك: التوسط، فاتخاذ الرجل الثوب للجمال، يلبسه عند اجتماعه مع الناس، وحضوره المحافل والجمع والأعياد، دون ثوب مهنته، أو أكله من الطعام ما قواه على عبادة ربه، مما ارتفع عما قد يسد الجوع فذلك خارج عن معنى الإسراف، بل ذلك من القوام؛ لأن النبي -ﷺ- قد أمر ببعض ذلك، وحض على بعضه، كقوله -ﷺ-: \"مَا عَلَى أَحَدِكُمْ إِن وَجَدَ أَوْ مَا عَلَى أَحَدِكُمْ إِنْ وَجَدْتُمْ أَنْ يَتَّخِذَ ثَوْبَيْنِ لِيَوْمِ الْجُمُعَةِ سِوَى ثَوْبَيْ مِهْنَتِهِ\" أخرجه أبو داود ١/ ٦٥٠، كتاب الصلاة، رقم ١٠٧٨. وابن ماجه ١/ ٣٤٩، كتاب الصلاة، رقم: ١٠٩٦. وصححه الألباني، \"صحيح سنن أبي داود\" ١/ ٢٠١. وعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله -ﷺ-: \"إِنَّ الله يُحِبَّ أَنْ يَرَى أثَرَ نِغَمَتِهِ عَلَى عَبْدِهِ\". قَالَ الترمذي: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ. \"سنن الترمذي\" ٥/ ١١٤، كتاب الأدب، رقم: ٢٨١٩. وقد بين ذلك ابن جرير ١٩/ ٣٩.","vol":"16","page":584},{"text":"﴿يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ (١). وعد عمر -﵁- من السرف: أن لا يشتهي الرجل شيئًا إلا أكله، وقال: كفى بالمرء سرفًا أن يأكل كل ما يشتهي (٢). وهذا القول هو الاختيار في تفسير هذه الآية (٣).\n_________\n(١) ذكر هذه القصة الزمخشري ٣/ ٢٨٥، وابن عطية ١١/ ٧١، والقرطبي ١٣/ ٧٣. وأخرج نحو قول عمر ابن عبد العزيز، ابن جرير ١٩/ ٣٨، عن قتادة، ويزيد بن مرة الجعفي. وأخرج ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٢٧، عن مطرف بن عبد الله بن الشخير: العلم خير من العمل، وخير الأمور أوساطها، والحسنة بين السيئتين، ذلك بأن الله ﷿ يقول: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا﴾ يقول: سيئة ﴿وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾ يقول: سيئة ﴿وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ يقول: حسنة.\n(٢) أخرجه ابن ماجه ٢/ ١١١٢، كتاب الأطعمة، رقم: ٣٣٥٢. وأورده ابن الجوزي في \"الموضوعات\" ٢/ ٢٢٩، والسيوطي في \"اللآلئ\" ٢/ ٢٤٦، والألباني، في \"سلسلة الأحاديث الضعيفة\" ١/ ٢٧٢. وقد ذكروه جميعًا من طريق الحسن، عن أنس مرفوعًا، وليس بموقوف. وأخرجه عبد الرزاق، في التفسير ٢/ ٧١، عن عمر، وفي إسناده رجل لم يسم، ومن طريقه أخرجه الثعلبي ٨/ ١٠٣ أ. وأخرجه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٢٦، من طريق آخر، من كلام الحسن، وليس بموقوف على عمر، وفي إسناده رجل لم يسم. وذكره الزمخشري ٣/ ٢٨٥، عن عمر. وحكم عليه بالانقطاع ابنُ حجر، \"الكاف الشاف\"، بحاشية الكشاف ٣/ ٢٨٥. فتبين بهذا أنه لم يثبت هذا القول؛ وعليه فلا يدخل في السرف أكل الإنسان من الشيء يشتهيه إذا لم يترتب على ذلك ارتكاب مخالفة شرعية، أو التقصير في واجب. والله أعلم.\n(٣) يعني الواحدي بالقول الذي اختاره: النفقة المتوسط فيها بين الإسراف والتقتير. واختار هذا القول قبله الثعلبي ٨/ ١٠٢ ب، فقال: وقال قوم: السرف مجاوزة الحد في النفقة، والإقتار: التقصير عما ينبغي مما لابد منه. وهذا الاختيار. وقال ابن عطية ١١/ ٧١: وإنما التأديب في هذه الآية هو في نفقة الطاعات في المباحات، فأدب الشارع فيها ألاَّ يفرط الإنسان حتى يضيع حقًا آخر أو عيالًا ونحو هذا، وألاَّ يضيق أيضًا ويقتر حتى يجيع العيال ويفرط في الشح ... ولهذا ترك رسول الله -ﷺ- أبا بكر الصديق ﵁ يتصدق بجميع ماله؛ لأن ذلك وسط بنسبة =","vol":"16","page":585},{"text":"وروى الضحاك عن ابن عباس، في هذه الآية، قال: من أنفق مائة ألف في حق فليس بسرف، ومن أنفق درهمًا في غير حق فهو سرف، ومن منع من حق فقد قتر (١).\nوقال سفيان في هذه الآية: لم يضعوا في غير حقه، ولم يقصروا عن حقه. وقال الحسن: لم ينفقوا في معاصي الله، ولم يمسكوا عن فرائض\n_________\n= جَلَدِه وصبره، في الدين، ومنع غيره من ذلك. ونقله القرطبي ١٣/ ٧٣، ولم يعترض عليه. واستظهر هذا القول الشنقيطي ٦/ ٣٥١.\n(١) قال مجاهد: لو أنفقت مثل أبي قبيس ذهبًا في طاعة الله ما كان سرفًا، ولو أنفقت في معصة الله كان سرفًا. \"تفسير ابن جرير\" ١٩/ ٣٧. وأخرج ابن جرير ١٩/ ٣٧، وابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٢٥، ٢٧٢٦، عن ابن عباس من طريق علي بن أبي طلحة: هم المؤمنون لا يسرفون فينفقدن في معصية الله، ولا يُقترون فيمنعون حقوق الله تعالى. وأخرج نحوه ابن جرير ١٩/ ٣٧، عن ابن جريج، وابن زيد. وعلى هذا الإسراف: النفقة في معصية الله؛ ولكن يشكل على هذا تجاوز الحد في المباح، أو الطاعة، كإكرام الضيف، ونحوه، فهل يسمى هذا سرفًا أم لا؟ ولعل الصواب في ذلك أن يقال: التبذير: الإنفاق في معصية الله، قليلًا كان أو كثيرًا، والإسراف: تجاوز الحد في المباح، والتقتير: المنع من الواجب. ويدل لهذا التفصيل قوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾ [الأعراف: ٣١] وقَول النَّبِيُّ -ﷺ- \"كُلُوا وَاشْرَبُوا وَالْبَسُوا وَتَصَدَّقُوا في غَيْرِ إِسْرَافٍ وَلا مَخِيلَةٍ\". وَقَالَ ابْنُ عَبَّاس: كُلْ مَا شِئْتَ وَالْبَسْ مَا شِئْتَ مَا أَخْطَأَتْكَ اثْنَتَانِ سَرَفٌ أَوْ مَخِيلَةٌ. أخرج البخاري الحديث المرفوع والموقوف معلقًا بصيغة الجزم، في كتاب اللباس، \"فتح الباري\" ١٠/ ٢٥٢. وأخرج المرفوع ابن ماجه ٢/ ١١٩٢، كتاب اللباس، رقم ٣٦٠٥، والنسائي، \"السنن الكبرى\" ٢/ ٤١، كتاب الزكاة، رقم ٢٣٤٠، وحسنه الألباني، \"صحيح سنن ابن ماجه\" ٢/ ٢٨٤، رقم ١٩٠٤. وبهذا تجتمع أقوال السلف، وعباراتهم في التفريق بين ذلك. والله أعلم. وذكر أقوالهم: ابن جرير ١٥/ ٧٢، وذكرها الواحدي في \"الوسيط\" ١٩/ ٣٨، وابن كثير ٦/ ١٢٤. وهو اختيار ابن جرير ٣٨/ ١٩.","vol":"16","page":586},{"text":"الله (١). وهذا أيضًا قول جيِّد. وما سوى هذين القولين مما ذكر في تفسير هذه الآية لا وجه له.\nقوله: ﴿وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ أي: بين الإسراف والإقتار (٢) ﴿قَوَامًا﴾ القِوام من العيش: ما أقامك وأغناك. وقِوام الجسم: تمامه، وقِوام كلِّ شيء ما استقام به (٣). قال سفيان: عدلًا (٤). وقال مقاتل: مقتصدًا (٥). وقال الفراء: القَوام قَوام الشيء بين الشيئين. قال: وفي نصب: القَوام وجهان؛ أحدهما: أن يضم الاسم، من الإنفاق، على تقدير: وكان إنفاقهم قوامًا بين ذلك، وإن شئت جعلت ﴿بَيْنَ﴾ في معنى رفع كما تقول: كان دون هذا كافيًا. تريد: أقلّ من هذا فيكون معنى قوله: ﴿وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ وكان الوسط قوامًا (٦).\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ص ٤٧، بنحوه. وفي \"تنوير المقباس\" ص ٣٠٥: لم ينفقوا في المعصية، ولم يمنعوا من الحق. وذكر نحوه، الهواري ٣/ ٢١٧، ولم ينسبه. وأخرج نحوه ابن جرير ١٩/ ٣٩، عن ابن زيد.\n(٢) \"تنوير المقباس\" ص ٣٠٥.\n(٣) \"تهذيب اللغة\" ٩/ ٣٦٠ (قام). قال ابن جرير ١٩/ ٣٩: القَوام، في كلام العرب، بفتح القاف، هو: الشيء بين الشيئين ... فأما إذا كسرت القاف، فقلت: إنه قوام أهله، فإنه يعني به: أنه به يقوم أمرهم وشأنهم. وقال ابن جني: القَوام، بفتح القاف: الاعتد الذي الأمر .. وأما القِوام، بكسر القاف، فإنه مِلاك الأمر، وعِصامه. \"المحتسب\" ٢/ ١٢٥.\n(٤) أخرجه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٢٧، عن سفيان، عن الأعمش. ونسبه الماوردي ٤/ ١٥٦، للأعمش. قال ابن العربي، في تفسير العدل: وهو أن ينفق الواجب، ويتسع في الحل الذي غير دوام على استيفاء اللذات في كل وقت من كل طريق. \"أحكام القرآن\" ٣/ ٤٥٣.\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ص ٤٧.\n(٦) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٧٣. وذكره بنصه، ابن جرير ١٩/ ٤٠، ولم ينسبه. =","vol":"16","page":587},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2969>٦٨ </span>- وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ (١) روى سعيد بن جبير عن ابن عباس: أن ناسًا من أهل الشرك قتلوا فأكثروا، وزنوا فأكثروا، ثم أتوا محمدًا -ﷺ- فقالوا: إن الذي تدعو إليه لحسن، لو تخبرنا أن لما عملنا كفارة؟ فنزلت هذه الآيات (٢).\n_________\n= واعترض على هذا النحاس، فقال: ما أدري ما وجه هذا؛ لأن بين إذا كانت في موضع رفع رفعت، كما يقال: بين عينيه أحمرُ، فترفع بين. إعراب القرآن ٣/ ١٦٨. وقال الرازي ٢٤/ ١١٠: وهذا التأويل ضعيف؛ لأن القوام هو الوسط، فيصير التأويل: وكان الوسط وسطًا، وهذا لغو. وذكر نحوه البيضاوي ٢/ ١٤٧. وفي \"المحتسب\" ٢/ ١٢٥: فقوام إذًا: تأكيد وجارٍ مجرى الصفة.\n(١) أخرج البخاري، كتاب التفسير، رقم ٤٧٦١، عن عبد الله بن مسعود -﵁- قال: سالت رسول الله -ﷺ- أي الذنب عند الله أكبر؟ قال: \"أن تجعل لله ندًا وهو خلقك\". قلت: ثم أي؟ قال: \"أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك\". قلت: ثم أي؟ قال: \"أن تزاني بحليلة جارك\". قال: ونزلت هذه الآية تصديقًا لقول رسول الله ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ الله إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ﴾ \"فتح الباري\" ٨/ ٤٩٢.\n(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير، رقم: ٤٨١٠، فتح الباري ٨/ ٥٤٩. ومسلم ١/ ١١٣، كتاب الإيمان، رقم ١٢٢. وابن جرير ١٩/ ٤١، وابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٢٨. وأخرجه الثعلبي ٨/ ١٠٣ أ. وأخرجه الواحدي، بسنده في \"أسباب النزول\" ٣٣٥، وذكر تخريج مسلم له فقط. وأخرج البخاري، كتاب التفسير، رقم ٤٧٦٤، عن سعيد بن جبير، قال: قال ابن أبزى: سئل ابن عباس عن قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ وقوله: ﴿وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ الله إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ فسألته فقال: لما نزلت قال أهل مكة: فقد عدلنا بالله، وقتلنا النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأتينا الفواحش. فأنزل الله: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا﴾ إلى قوله: ﴿غَفُورًا رَحِيمًا﴾ فتح الباري ٨/ ٤٩٤. قال ابن حجر: ابن أبزى. بموحدة وزاي مقصورة، واسمه: عبد الرحمن، وهو صحابي صغير. وذكر هذا الخبر الواحدى في \"الوسيط\" ٣/ ٣٤٦. ذكر الواحدي في \"أسباب =","vol":"16","page":588},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= النزول\" ٣٣٤، ثلاثة أسباب لنزول هذه الآية؛ منها هذا، والثاني: حديث ابن مسعود، أي الذنب أعظم .. الخ. والثالث: أنها نزلت في وحشي، قاتل حمزة ﵄، وذكر هذه الأقوال الثلاثة: ابن الجوزي ٦/ ١٠٣، ثم قال: وهذا وحشي قاتل حمزة، وفي هذا الحديث المذكور عنه نظر، وهو بعيد الصحة، والمحفوظ في إسلامه غير هذا، وأنه قدم مع رسل الطائف فأسلم من غير اشتراط. فائدة في بيان ما ورد عن ابن عباس -﵄- حول توبة القاتل المتعمد. قال ابن حجر: وحاصل ما في هذه الروايات، أن ابن عباس -﵄- كان تارة يجعل الآيتين في محل واحد، فلذلك يجزم بنسخ إحداهما، وتارة يجعل محلهما مختلفًا، ويمكن الجمع بين كلاميه بأن عموم التي في الفرقان خص منها مباشرةُ المؤمن القتل متعمدًا، وكثير من السلف يطلقون النسخ على التخصيص، وهذا أولى من حمل كلامه على التناقض، وأولى من القول: إنه قال بالنسخ ثم رجع عنه، وقول ابن عباس -﵄- بأن المؤمن إذا قتل مؤمنًا متعمدًا لا توبة له مشهور عنه. ومثل هذا أخرج ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٣١، عن عمر بن عبد العزيز: كل شيء في القرآن خلود، فإنه لا توبة له. ثم ذكر ابن حجر قول جمهور السلف، وأهل السنة، في تصحيح توبة القاتل كغيره، وقالوا: معنى قوله تعالى: ﴿فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ أي: إن شاء الله أن يجازيه، تمسكًا بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء ٤٨، ١١٦] ومن أدلتهم حديث الإسرائيلي الذي قتل مائة نفس، فقال له العالِم: ومن يحول بينك وبين التوبة؟ وإذا ثبت ذلك لمن قبلُ من غير هذه الأمة فمثله لهم أولى؛ لما خفف الله عنهم من الأثقال التي كانت على من قبلهم. \"فتح الباري\" ٨/ ٤٩٦. وجعل ابن كثير ٦/ ١٢٧، آية النساء مطلقة، محمولة على من لم يتب، وآية الفرقان مقيدة بالتوبة.\nوالذي يظهر -والله تعالى أعلم- أن تمسك ابن عباس ﵄ بظاهر الآية لما اشتهر في زمنه من الفتن، وما يحدث فيها من سفك الدماء، ويشهد لهذا قول سعيد بن جبير: اختلف أهل الكوفة في قتل المؤمن، فدخلت فيه على ابن عباس -﵄- فقال: نزلت في آخر ما نزل ولم ينسخها شيء. أخرجه البخاري، كتاب التفسير، رقم: ٤٧٦٣، الفتح ٨/ ٤٩٣.\nقال ابن جرير ٩/ ٦٩، (تح: محمود شاكر): وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، =","vol":"16","page":589},{"text":"وقوله: ﴿وَمَن يَقعَل ذَلِكَ﴾ قال مقاتل: هذه الخصال جميعًا (١).\n_________\n= قول من قال: معناه: ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا، فجزاؤه إن جازاه جهنم خالدًا فيها، ولكنه يعفو ويتفضل على أهل الإيمان به وبرسله، فلا يجازيهم بالخلود فيها، ولكنه عز ذكره إما أن يعفو بفضله فلا يدخله النار، وإما أن يدخله إياها ثم يحرجه منها بفضل رحمته، لما سلف من وعده عباده المؤمنين، بقوله: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٥٣] قال النووي، في \"شرح صحح مسلم\" ١٧/ ٨٢: هذا مذهب أهل العلم، وإجماعهم على صحة توبة القاتل عمدًا، ولم يخالف أحد منهم إلا ابن عباس -﵄- وأما ما نقل عن بعض السلف من خلاف هذا فمراد قائله الزجر عن سبب التوبة، لا أنه يعتقد بطلان توبته. قال ابن عطية ١١/ ٧٣: وبالقتل والزنى يدخل في هذه الآية العصاة من المؤمنين، ولهم من الوعيد بقدر ذلك.\n(١) \"تفسير مقاتل\" ص ٤٧ أ. وبه قال ابن جزي ٤٨٨، وأبو حيان ٦/ ٤٧٢، ثم قال: فيكون التضعيف مرتبًا على مجموع هذه المعاصي، ولا يلزم ذلك التضعيف على كل واحد منها؛ ولا شك أن عذاب الكفار يتفاوت بحسب جرائمهم. وجعل ابن عاشور ١٩/ ٧٤، ذلك هو المتبادر من الآية، واستدل على صحته بتضعيف العذاب الذي لا يكون إلا على مجموع هذه الأفعال. وفي \"تنوير المقباس\" ص ٣٠٥: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ استحلالًا. وأخرج ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٣٠، عن سعيد بن جبير، في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ من هذه الآيات الثلاث. فظاهر من كلام سعيد بن جبير تعليق الأثام على من فعل هذه المنكرات، أو بعضها، خلافًا لما ذكره الواحدي عن مقاتل، وذهب إلى قول ابن جبير الماوردي ٤/ ١٥٧، والبغوي ٦/ ٩٦، ولم ينسباه، ويدل عليه ما ورد من الوعيد على من فعل بعض هذه المعاصي استقلالًا، قال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ الله عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ [المائدة: ٧٢] وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا﴾ [النساء ٩٣]. وقال تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٣٢]. فالجمع بين هذه المعاصي الثلاث في الآية، وفي حديث ابن مسعود -﵁- المتقدم يدل على عظم هذه المعاصي الثلاث وشناعتها، فتحريم القتل فيه حفظ للنفس، وتحريم الزنا فيه حفقاللآعراض والأنساب، وينشأ عن تساهل الناس في =","vol":"16","page":590},{"text":"﴿يَلْقَ أَثَامًا﴾ قال يونس وأبو عبيدة: يلق عقوبة (١). وأنشد أبو عبيدة؛ فقال:\nجزى الله ابنَ عروةَ حيثُ أمسى ... عَقُوقًا والعُقوق له أثام (٢)\nأي: عقوبة مجازاة العقوق (٣).\nوقال أبو عمرو الشيباني: يقال: لقي فلان آثام ذلك، أي: جزاء ذلك (٤). ونحو هذا قال الفراء: أَثَمَه الله يأثِمُه إثمًا وأثامًا، أي: جازاه جزاء الإثم، والعبد مأثوم أي: مجزي جزاء إثمه، وأنشد:\n_________\n= القتل والزنا فساد كبير ظاهر. والله أعلم. وقد جعل الطوسي ٧/ ٥٠٨، عودَ الضمير إلى كل واحد من المعاصي المذكورة قولَ أهل الوعيد، وأما أهل الإرجاء فيجعلونه راجعًا إلى الجميع، ويجوز أن يكون راجعًا إلى الكفر وحده. ا. هـ ولا ينافي رجوع الضمير لكل واحدة من هذه المعاصي قبول التوبة. والله أعلم.\n(١) \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ٢/ ٨١، وذكر قول يونس، الأزهري \"تهذيب اللغة\" ١٥/ ١٦٠. وقال به ابن قتيبة \"غريب القرآن\" ٣١٥. والغزنوي \"وضح البرهان\" ٢/ ١٦٢.\n(٢) \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ٢/ ٨١ ونسب البيت لبلعاء بن قيس الكناني. وأنشده ابن قتيبة، في الغريب ٣١٥، ولم ينسبه. وذكره ابن جرير ١٩/ ٤٠، منسوبًا لبلعاء. وذكره الأزهري، في \"تهذيب اللغة\" ١٥/ ١٦٠ (أثم)، ولم ينسبه، ولم يذكر أبا عبيدة، ولا إنشاده البيت. وذكره أبو علي، في \"الحجة\" ٥/ ٣٥١، من إنشاد أبي عبيدة، لكنه نسبه لمسافع العبسي، وفي نسخة أخرى: مسافع الليثي، وهي موافقة لما عند الثعلبي ٨/ ١٠٣ ب. قال أبو علي: وابن عروة: رجل من بني ليث كان دل عليهم ملكًا من غسان فأغار عليهم.\n(٣) \"تهذيب اللغة\" ١٥/ ١٦١ (أثم)، بنصه.\n(٤) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٧٦. وفيه: إثام، بكسر الهمزة. وذكره الأزهري، في \"تهذيب اللغة\" ١٥/ ١٦٠ (أثم)، وأبو على، في \"الحجة\" ٥/ ٣٥٢، منسوبًا عندهم لأبي عمرو الشيباني.","vol":"16","page":591},{"text":"وهل يَأثَمنِّي الله في أن ذكرتُها ... وعَلَّلْتُ أصحابي بها ليلةَ النَّفر (١)\nمعناه: هل يجزيني الله جزاء إثمي بأن ذكرت هذه المرأة في غنائي (٢).\nوقال أبو إسحاق: تأويل الأثام: المجازاة، قال: وسيبويه، والخليل، يذهبان إلى أن معناه: يلق جزاء الأثام (٣). واختار أبو علي، هذا القول، وجعله من باب حذف المضاف؛ قال: ومثله مِن حذف الجزاء الذي هو مضاف، قوله تعالى: ﴿تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا﴾ [الشورى: ٢٢] أي: من جزاء ما كسبوا (٤) لقوله: ﴿وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ﴾ هذا قول أهل اللغة، في معنى الأثام؛ وهو قول ابن عباس، لما سأله نافع بن الأزرق، عن الأثام، قال: الجزاء، وأنشد لعامر بن الطفيل:\nوروَّينَا الأسنَّة من صُداءٍ ... ولاقتْ حمير منا أثاما (٥)\n_________\n(١) لم أجده في \"معاني القرآن\" للفراء، عند هذه الآية، وإنما ذكره الأزهري، في \"تهذيب اللغة\" ١٥/ ١٦١ (أثم)، من إنشاد الفراء، ولم ينسبه. وقال المحقق: في نسبة البيت خلاف، والمرجح أنه لنصيب بن رياح الأسود الحكمي. يقال: يوم النفر وليلة النفر لليوم الذي ينفر الناس فيه من مني، وأنشد البيت للدلالة على ذلك ابن منظور، \"لسان العرب\" ٥/ ٢٢٥ (نفر)، ونسبه لنُصَيب بن الأسود.\n(٢) لم أجده في معاني القرآن، عند كلامه عن هذه الآية. وقد ذكره بنصه، الأزهري، في \"تهذيب اللغة\" ١٥/ ١٦٠.\n(٣) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٧٦. وذكره في \"تهذيب اللغة\" ١٥/ ١٦٠ (أثم). قال سيبويه \"الكتاب\" ٣/ ٨٧: وسألته [يعني الخليل] عن قوله ﷿: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ فقال: هذا كالأول؛ لأن مضاعفة العذاب هو لُقيُّ الأثام.\n(٤) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٣٥١، بمعناه.\n(٥) لم أجده في \"غريب القرآن في شعر العرب\"، الذي جمع سؤالات نافع بن الأزرق. وقد أنشده ابن الأنباري، \"الدر المنثور\" ٦/ ٢٧٨. الأسنة: جمع سنان، وهو: =","vol":"16","page":592},{"text":"وقال السدي: يلق أثامًا: جزاء (١).\nوأما المفسرون، فإنهم يقولون: أثام: واد في جهنم من دم وقيح. وهو قول مجاهد، ومقاتل (٢).\nوقال شفي بن ماتع (٣)، في هذه الآية: إن في جهنم واديًا يُدعى: أثامًا، فيه حيات وعقارب، في فقار (٤) أحدهن، سبعون قلة سم، والعقرب فيها (٥) مثل البغلة الموكفة (٦).\n_________\n= الرمح. \"تهذيب اللغة\" ١٢/ ٣٠٢ (سنن). وصداء: حي من اليمن. \"تهذيب اللغة\" ١٢/ ٢١٩ (صدي). وحمير: اسم، وقيل هو أبو ملوك اليمن، وإليه تنتهي القبيلة، ومدينة ظفار كانت لحمير. \"تهذيب اللغة\" ١٢/ ٦٠ (حمر).\n(١) أخرجه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٣٠. وذكر ابن كثير ٦/ ١٢٦، عنه بدون إسناد. ثم قال ابن كثير: وهذا أشبه بظاهر الآية، وبهذا فسره بما بعده مبدلًا منه، وهو قوله: ﴿يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾.\n(٢) \"تفسير مجاهد\" ٢/ ٤٥٦. وأخرجه عنه ابن جرير ١٩/ ٤٤. وتفسير مقاتل ٤٧ أ. وأخرجه ابن جرير ١٩/ ٤٤ عن عبد الله بن عمرو، وعكرمة، وقتادة. وأخرجه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٣٠، عن عبد الله بن عن مجاهد، وسعيد بن جبير، فبي إحدى الروايات، وعكرمة مثل ذلك. ثم أخرجه بسنده عن قتادة. وأما الهواري ٣/ ٢١٨، فقال: كنا نحدث أنه راد في جهنم. وذكر فيه قولًا آخر، وهو: نكالًا.\n(٣) شفي، بالتصغير، ابن ماتع الأصبحي، من التابعين، ثقة، أرسل حديثًا كثيرًا، مات في خلافة هشام بن عبد الملك، سنة ١٠٥ هـ.\"جامع التحصيل في أحكام المراسيل\" ص ٢٣٨، \"تقريب التهذيب\" ص ٤٣٩.\n(٤) الفقار: خرز الظهر. تهذيب اللغة ٩/ ١١٤ (فقر).\n(٥) في (ج): (منه)، وفي \"الدر المنثور\" ٦/ ٢٧٦: منهن.\n(٦) أخرجه ابن المبارك في \"الزهد\"، كما في \"الدر المنثور\" ٦/ ٢٧٦. وقد بحثت عنه في كتاب الزهد، لابن المبارك، فلم أجده. وقوله: الموكفة الوكف: الثقل والشدة. يقال: شاه وكوف، أي: غزيرة اللبن، وكذلك: متحة وكوف ونافة وكوف، أي: غزيرة. \"تهذيب اللغة\" ١/ ٣٩٣، و\"اللسان\" ٩/ ٣٦٣ (وكف).","vol":"16","page":593},{"text":"وهذا قول عبد الله بن عمرو بن العاص (١) وروي أبو أمامة الباهلي حديثًا طويلًا فيه أن الغي والأثام بئران يسيل فيهما صديد أهل النار (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2970>٦٩ </span>- وقوله: ﴿يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ أكثر القراء الجزم في ﴿يُضَاعَفْ﴾ ﴿وَيَخْلُدْ﴾ (٣) على البدل، من الفعل الذي هو جزاء الشرط، وهو قوله: ﴿يَلْقَ أَثَامًا﴾ وذلك أن تضعيف العذاب لُقِيُّ جزاء الأثام في المعنى (٤)، فلما كان إيَّاه أُبدل منه، كما قال:\nإن يَجْبُنُوا أو يَغدِروا ... أو يبخلوا لا يحفلوا\nيغدوا عليك مُرَجَّليـ ... ـن كأنهم لم يفعلوا (٥)\n_________\n(١) أخرجه ابن جرير ١٩/ ٤٤، بلفظ: الأثام: واد في جهنم.\n(٢) أخرجه ابن جرير ١٩/ ٤٤. مرفوعًا للنبي -ﷺ-. وأخرجه ١٩/ ٤٥، موقوفًا على أبي أمامة، بنحو سياقه. وأخرجه مرفوعًا الطبراني، \"المعجم الكبير\" ٨/ ١٧٥، رقم: ٧٧٣١، وكذا الثعلبي ٨/ ١٠٣ ب، كلهم من طريق محمد بن زياد الكلبي، عن شرقي بن القطامي، عن لقمان بن عامر. قال الهيثمي: رواه الطبراني وفيه ضعفا، قد وثقهم ابن حبان، وقال: يخطئون. \"مجمع الزوائد\" ١٠/ ٣٨٩.\n(٣) قرأ ابن كثير: ﴿يُضعَّف﴾ بتشديد العين، بغير ألف، مع الجزم في الكلمتين. والجزم مع الألف قراءة حفص عن عاصم، ونافع، وأبي عمرو، وحمزة والكسائي. وقرأ ابن عامر، وعاصم في رواية أبي بكر بالرفع في الموضعين. \"كتاب السبعة في القراءات\" ص ٤٦٧، و\"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٣٥٠، و\"النشر\" ٢/ ٣٣٤.\n(٤) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٣٥٠. و\"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٧٦. بمعناه. و\"إعراب القراءات السبع وعللها\" ٢/ ١٢٦. ونسبه النحاس \"إعراب القرآن\" ٣/ ١٦٨، والأزهري، \"معاني القراءات\" ٢/ ٢١٩، لسيبويه، وهو بنصه في \"الكتاب\" ٣/ ٨٧.\n(٥) أنشدهما سيبويه، \"الكتاب\" ٣/ ٨٧، ونسبهما لبعض بني أسد، ولم يسمه. وذكر البيتين، أبو علي في \"الحجة\" ٥/ ٣٥١، ولم ينسبهما. وذكرهما ابن جني، \"المحتسب\" ٢/ ٧٥، وعزاهما لشاعر جاهلي قديم. وابن الأنباري، في \"البيان =","vol":"16","page":594},{"text":"فغدوهم مُرَجَّلين في المعنى، تركٌ للاحتفال. وهذا مثل إبدال ﴿يُضَعِفُ﴾ وقد أبدل من الشرط كما أبدل من جزائه، وذلك في قوله:\nمتى تأتنا تُلْممْ بِنا في ديارنا ... تَجدْ حَطبًا جَزْلًا ونارًا تأجَّجَا (١)\nفأبدل: تُلمم، من: تأتنا؛ لأن الإلمام إتيان في المعنى (٢).\nوأما من رفع فإنه لم يُبدل ولكنه قطعه مما قبله واستأنف (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2971>٧٠ </span>- وقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا﴾ قال ابن عباس: نزلت هذه الآية بمكة؛ وكان المشركون قالوا: [ما يغني عنا اتباعك، وقد عدلنا بالله، وقتلنا النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأتينا الفواحش، فنزلت: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ﴾ الآية (٤).\nوقال السدي: قال المشركون]: (٥) كيف نتبعك يا محمد وأنت تقول:\n_________\n= في إعراب القرآن\" ٢/ ٢٥٨، و\"الإنصاف\" ٢/ ٥٨٤، ولم ينسبهما. وفي حاشية الإنصاف: الشاهد قوله: لا يحفلوا يغدوا عليك، فإن الفعل الثاني: يغدوا مجزوم؛ لأنه بدل من الفعل الأول، وهو: لا يحفلوا، وتفسير له. ويحفلوا مأخوذ من قول العرب: ما أحفل بفلان، أي: ما أبالي به. \"تهذيب اللغة\" ٥/ ٧٦ (حفل). والمرجَّل: الشَعْر المسَرَّح. \"تهذيب اللغة\" ١١/ ٣٤ (رجل).\n(١) أنشده سيبويه، \"الكتاب\" ٣/ ٨٦، ولم ينسبه. وكذا الزجاج ٤/ ٧٦، وفيه: ونارًا توقدا. وفي الحاشية: لم أقف على قائل البيت. وقال: الشاهد فيه: وقوع تلمم بدلًا من تأتنا. وأنشده كذلك أبو علي، في \"الحجة\" ٥/ ٣٥١. وابن الأنباري، \"الإنصاف\" ٢/ ٥٨٣. والبغدادي، \"الخزانة\" ٣/ ٦٦٠، وعزاه لعبد الله بن الحر.\n(٢) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٣٥٠. وهو في \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٧٦، بمعناه.\n(٣) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٣٥٢. و\"معاني القراءات\" للأزهري ٢/ ٢١٩. قرأ بالرفع في الموضعين: عاصم في رواية أبي بكر، وابن عامر. \"كتاب السبعة في القراءات\" ص ٤٦٧. و\"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٣٥٠.\n(٤) أخرجه ابن جرير ١٩/ ٤٢.\n(٥) ما بين المعقوفين، في (ج).","vol":"16","page":595},{"text":"من أشرك أو زنا أو قتل فهو في النار؟ فأنزل الله: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ﴾. وذكر ابن عباس: أن هذه الآية منسوخة بقوله: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ [النساء: ٩٣] وقال: التي في هذه السورة لمن كان مشركًا ثم تاب وآمن، فأما من دخل في الإسلام، وعقل ثم قتل فلا توبة له (١). وقال: هذه مكية، نسختها آية مدنية وهي التي في سورة النساء (٢). ونحو هذا قال زيد بن ثابت: نزلت الغليظة، بعد اللينة بستة أشهر، فنسخت الغليظة اللينة (٣).\nوقوله: ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ الله سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ يبدلهم الله بقبائح أعمالهم في الشرك محاسن الأعم الذي الإسلام؛ بالشرك إيمانًا، وبقتل المؤمنين قتل المشركين، وبالزنا عفة وإحصانًا. قاله ابن عباس، ومجاهد، والسدي، والضحاك، وابن زيد، وسعيد بن جبير (٤).\n_________\n(١) أخرجه ابن جرير ٩/ ٦٥، تح: محمود شاكر. وأخرجه أيضًا في ١٩/ ٤٢، وفيه: قال سعيد بن جبير: فذكرته لمجاهد، فقال: إلا من ندم.\n(٢) أخرجه البخاري، كتاب التفسير، رقم: ٤٧٦٢، \"الفتح\" ٨/ ٤٩٢، ومسلم ٤/ ٢٣١٨، كتاب التفسير، رقم: ٢٠٢٣. وابن جرير ١٩/ ٤٤.\n(٣) أخرج ابن جرير ٩/ ٦٨، تح: محمود شاكر. قال ابن عطية ١١/ ٧٥: ولا خلاف بين العلماء أن الاستثناء عامل في الكافر والزاني، واختلفوا في القاتل من المسلمين.\n(٤) أخرج ابن جرير ١٩/ ٤٦، عن ابن عباس، من ثلاثة طرق، وأخرجه كذلك عن الضحاك، وسعيد بن جبير، وابن زيد، ومجاهد. وأخرجه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٣٣، عن ابن عباس -﵄- من طريقين، وعن سعيد، من طريقين، والحسن، وعطاء، وقتادة وذكره الثعلبي عن جميع من ذكر الواحدي. قال مقاتل ٤٧ أ: والتبديل من العمل السيئ إلى العمل الصالح. واختار هذا القول ورجحه ابن جرير ١٩/ ٤٦. قال الزجاج ٤/ ٧٦: ليس أن السيئة بعينها تصير حسنة، ولكن التأويل أن السيئة تمحى بالتوبة، وتكتب الحسنة مع التربة. فيكون التبديل على هذا القول في الدنيا. \"تفسير البغوي\" ٦/ ٩٧.","vol":"16","page":596},{"text":"وذهب قوم إلى أن الله تعالى يمحو السئية عن العبد، ويثبت له بدلها الحسنة بحكم هذه الآية. ويحتجون بما روى أبو هريرة أن النبي -ﷺ- قال: \"ليتمنين أقوام أنهم أكثروا من السيئات! قيل: من هم؟ قال: الذين بدل الله سيئاتهم حسنات\" (١). وهذا مذهب سعيد بن المسيب، ومكحول، وعمرو بن ميمون، قال سعيد: صيَّر سيئاتهم حسنات لهم يوم القيامة (٢).\n_________\n(١) أخرجه الحاكم ٤/ ٢٨١، كتاب التوبة والإنابة، رقم: ٧٦٤٣. وقال: إسناده صحيح ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. وأخرجه الثعلبي ٨/ ١٠٤ أ، مرفوعًا للنبي -ﷺ-. وأخرجه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٣٣، موقوفًا على أبي هريرة، كلهم من طريق أبي العنبس عن أبيه عن أبي هريرة -﵁- لكن متن ابن أبي حاتم مختلف، ولفظه: \"ليأتين الله بأناس يوم القيامة رأوا أنهم قد استكثروا من السيئات، قيل: من هم يا أبا هريرة؟ قال: الذين يبدل الله بسيئاتهم حسنات\". وأبو العنبس، هو: سعيد بن كثير. الحاكم ٤/ ٢٨١. وحسن إسناده الألباني، في \"السلسة الصحيحة\" ٥/ ٢٠٩، رقم: ٢١٧٧.\n(٢) أخرجه ابن جرير ١٩/ ٤٧، وابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٣٣، بنحوه. وساقا بإسنادهما حديثًا مرفوعًا، من رواية أبي ذر -﵁- وفيه \"فيقول: يا رب لقد عملت أشياء ما أراها هاهنا، قال: فضحك رسول الله -ﷺ- حتى بدت نواجذه، قال: فيقال له: لك مكان كل سيئة حسنة\". وأخرجه مسلم ١/ ١٧٧، كتاب الإيمان، رقم: ١٩٠، من الطريق نفسه، وأخرجه الثعلبي ٨/ ١٠٤ أ، والواحدي في \"الوسيط\" ٣/ ٣٤٧، وصححه. وذكر خبرًا ثالثًا يدل على ذلك.\nولم يرجح الواحدي -﵀- أحد هذين القولين، وكذا السمرقندي، في تفسيره ٢/ ٤٦٧، مع ذكرهم لهذا الحديث، وهو ظاهر مع الذي قبله في أن التبديل حقيقي، ولا عبرة بقول من أنكره، وأما القول بأن المراد تغير أعمالهم في الدنيا من الفساد إلى الصلاح فلا ينافي هذا القول فإن هذا في الدنيا، والتبديل في الآخرة، كما هو ظاهر من سياق الحديث. والله أعلم. والعجب من الواحدي الذي أورد هذا الحديث، هنا، وفي \"الوسيط\" مع غيره مما يؤيد معناه، ومع ذلك فقد اقتصر في \"الوجيز\" ص ٧٨٤، على القول الأول، ولم يذكر القول الثاني. ومثله =","vol":"16","page":597},{"text":"وقال مكحول: يغفرها الله لهم فيجعلها حسنات (١). وقال عمرو بن ميمون: يتمنى العبد أن سيئاته أكثر مما هي (٢).\nوقوله: ﴿وَكَانَ الله غَفُورًا رَحِيمًا﴾ قال ابن عباس ومقاتل: ﴿غَفُورًا﴾ لما صنعوا في الشرك ﴿رَحِيمًا﴾ بهم في الإسلام (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2972>٧١ </span>- [قوله تعالى: ﴿وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللهِ مَتَابًا﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء: ومن آمن: يريد رجلًا قبل هؤلاء ممن كان\n_________\n= أبو السعود ٦/ ٢٣٠. وذكر القولين العز، في تفسيره ٢/ ٤٣٢. ومال القرطبي ١٣/ ٧٨، إلى القول بان التبديل حقيقي. واقتصر عليه البرسوي ٦/ ٢٤٧. واختاره ابن عاشور ١٩/ ٧٦. وقد تكلم ابن القيم، على هذه المسألة بتوسع، وذكر حجج الفريقين، ثم خلص إلى الجمع بينهما؛ فقال: وعلى هذا فقد زال بحمد الله الإشكال، واتضح الصواب، وظهر أن كل واحدة من الطائفتين ما خرجت عن موجب العلم والحجة. \"طريق الهجرتين\" ص ٤٥٠.\n(١) أخرجه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٣٥.\n(٢) والقول بأن التبديل حقيقي، ذكره ابن أبي حاتم، عن سلمان -﵁- وعلي بن الحسين. وأما ما أخرجه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٣٣، عن أبي العالية، أنه قيل له: إن ناسًا يقولون: ودوا أنهم استكثروا من الذنوب؟ فقال أبو العالية: ولمَ يقولون ذلك؟ قيل: يتأولون هذه الآية: ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ الله سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ فاستعاذ بالله من الشيطان الرجيم، ثم تلا هذه الآية: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا﴾ [آل عمران:٣٠]. فهذا القول منه استنكار لقولهم هذا في الدنيا، فإنه لا يجوز للمسلم أن يتمنى أن يكون قد أكثر من المعصية بهذه الحجة، بل الواجب أن يكون حاله الشفقة، والخوف، فأنكر عليهم أبو العالية ذلك، والآية التي ذكرها في من مات ولم يتب من سيئاته. والله أعلم. وذكر النحاس قولًا آخر في التبديل، وحسنه؛ فقال: ومن حسن ما قيل فيه: أنه يكتب موضح كافر: مؤمن، وموضع عاصٍ: مطيع. إعراب القرآن ٣/ ١٦٩. وهو مخالف لظاهر الآية. والله أعلم.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ص ٤٧ أ.","vol":"16","page":598},{"text":"آمن من أهل مكة، وهاجر ولم يكن قتل، ولا زنا ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ يريد الفرائض] (١) ﴿فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللهِ مَتَابًا﴾ يريد: أي فضلتهم وقدمتهم على من قاتل نبيي ﵇، واستحل محارمي (٢).\nوعلى هذا معنى الآية: من آمن وأدى ما افتُرض عليه، ولم يكن ممن قتل وزنا، فإنه يصير إلى ما آتاه الله من التفضيل والتقديم على من قتل وزنا ثم تاب. وقال الكلبي: ومن تاب من الشرك وعمل صالحًا بعد التوحيد فإنه يتوب إلى الله متابًا، يقول: يجد عند الله متابًا (٣).\nوقال مقاتل: ﴿وَمَنْ تَابَ﴾ من الشرك ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللهِ مَتَابًا﴾ يعني: مناصحًا (٤) لا يعود في شركه، ولا إلى ذلك الذنب (٥).\nهذا ما ذكره أهل التفسير في هذه الآية؛ وهو غير مقنع، ولا شاف. وكشف أرباب المعاني عن معنى الآية؛ قال صاحب النظم: ليس في نظم العرب، أن يقولوا: من قام وصلى فإنه يصلي صلاة؛ لأنه ليس في ظاهره فائدة إلا بأن يكونا مختلفين في المعنى، فالتأويل -إن شاء الله-: ﴿وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ فإنه يرجع يوم القيامة إلى الله ﷿ فيكافئه ويثيبه بعمله. وعلى هذا التوبة الأولى: رجوع عن الشرك والمعصية، والثانية: رجوع إلى الله للجزاء والمكافأة، كقوله: ﴿قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ\n_________\n(١) ما بين المعقوفين، ساقط من: (ج).\n(٢) ذكره الواحدي، في \"الوسيط\" ٣/ ٣٤٧، بسياق قريب من هذا.\n(٣) \"تنوير المقباس\" ص ٣٠٥، بلفظ: يجد ثوابها عند الله.\n(٤) الناصح: الخالص. \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٢٥٠ (نصح)، و\"لسان العرب\" ٢/ ٦١٥.\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ص ٤٧ ب، وعلى هذا فالتوبة في الآية عن جميع السيئات. ومعناه: ومن أراد التوبة، وعزم عليها فليتب لوجه الله. \"تفسير البغوي\" ٦/ ٩٨.","vol":"16","page":599},{"text":"مَتَابِ﴾ [الرعد: ٣٠] أي: مرجعي في المعاد (١).\nوقال ابن الأنباري: يُسأل عن هذه الآية فيقال: ما الفائدة في قوله: ﴿فَإِنَّهُ يَتُوبُ﴾ بعد قوله: ﴿وَمَنْ تَابَ﴾ وهل يجوز لقائل أن يقول: من قام فإنه يقوم، ومن ركب فإنه يركب؟ والجواب: أن التكرير وجب لزيادةٍ في المعنى؛ ومعنى الآية: من أراد التوبة وقصد حقيقتها ينبغي أن يريد الله بها، ولا يخلط بها أمرًا من أمور الدنيا. كما يقول الرجل: من تجر فإنه يتجر في البَزِّ (٢)، ومن ناظر فإنه يناظر في النحو. أي: من أراد التجارة فينبغي له أن يتجر في البَزِّ، ومن أراد حسن المناظرة ودقة الاستخراج فينبغي له أن يناظر في النحو (٣).\nوقال أبو علي الفارسي: وجه دخول الفاء في قوله: ﴿فَإِنَّهُ يَتُوبُ﴾ كما ذكرنا في قوله: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللهَ﴾ [البقرة: ١٥٨] ومعنى قوله: ﴿وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ﴾ فالقول في هذا: أن اللفظ على شيء، والمعنى على غيره، وذلك غير ضيق في كلامهم، ألا ترى أنهم قد قالوا: ما أنت وزيد، والمعنى لم تؤذيه، واللفظ إنما هو على المسألة من المخاطب، وزيد معطوف عليه، وكذلك قولهم: أمكنك الصيد، والمعنى: ارمه، وكذلك: هذا الهلال أي: انظر إليه، فكذلك قوله: ﴿وَمَن تَابَ﴾ كأنه: ومن عزم على التوبة فينبغي أن يبادر إليها ويتوجه بها إلى الله سبحانه، وهذا كما قال: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ﴾ [النحل: ٩٨] أي: إذا عزمت على ذلك، وعلى هذا المعنى قوله: ﴿فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللهِ مَتَابًا﴾ أي: ينبغي أن يتوب، كقوله: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ\n_________\n(١) ذكر هذا القول البغوي ٦/ ٩٧، ولم ينسبه.\n(٢) البَزُّ: ضرب من الثياب. \"تهذيب اللغة\" ١٣/ ١٧٣ (بز).\n(٣) ذكره ابن الجوزي ٦/ ١٠٨، عن ابن الأنباري.","vol":"16","page":600},{"text":"يَتَرَبَّصْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٨] أي: ينبغي أن يتربصن. هذا كلامه (١).\nوأمثل هذه الأقوال ما ذكره صاحب النظم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2973>٧٢ </span>- قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ (٢) معنى ﴿الزُّورَ﴾ هاهنا: الشرك بالله في قول أكثر المفسرين؛ وهو قول ابن عباس في رواية عطاء، ومقاتل، والضحاك (٣). ونحو هذا قول من فسر: ﴿الزُّورَ﴾ بأعياد المشركين (٤). وهو قول الضحاك، فيما روى عنه حسين بن عقيل (٥)، وقول مجاهد، فيما روى عنه يحيى بن اليمان (٦). ونحو هذا قال ابن سيرين؛ هو:\n_________\n(١) لم أجده.\n(٢) عقب الله تعالى تركهم الزنا بالإعراض أصلًا عن اللغو الذي هو أعظم مقدمات الزنا. \"تفسير ابن عاشور\" ١٣/ ٤٣٢.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ص ٤٧ ب. وأخرجه ابن جرير ١٩/ ٤٨، عن الضحاك، وابن زيد. وأخرجه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٣٧، عن الضحاك، من طريقين. قال الزجاج ٤/ ٧٧: والذي جاء في الزور أنه الشرك بالله.\n(٤) ذكره السيوطي عن ابن عباس، ونسبه للخطيب، \"الدر المنثور\" ٦/ ٢٨٢. قال الفراء: لأنها زور وكذب؛ إذ كانت لغير الله. \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٧٤. و\"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٧٧، ولم ينسباه.\n(٥) أخرجه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٣٧، من طريق الحسين بن عقيل. ثم قال ابن أبي حاتم: وروي أبي العالية، وطاوس، والربيع بن أنس، والمثنى بن الصباح نحو ذلك.\nالحسين بن عقيل، لم أجد ترجمته إلا عند ابن أبي حاتم الرازي في الجرح والتعديل ٣/ ٦١، حيث قال: الحسين بن عقيل العقيلي، روى عن الضحاك، وعائشة بنت بجدان، روى عنه ابن عيينة، وأبو نعيم، قال يحيى بن معين: ثقة.\n(٦) ذكره عنه الثعلبي ٨/ ١٠٤ ب، والبغوي ٦/ ٩٨.\nيحيى بن اليمان العجلي الكوفي، صدوق عابد يخطئ كثيرًا، وقد تغير، من أتباع التابعين. ت: ١٨٩هـ. \"سير أعلام النبلاء\" ٨/ ٣٥٦، و\"تقريب التهذيب\" ص ١٠٧٠.","vol":"16","page":601},{"text":"الشعانين (١).\nقال أبو إسحاق: الذي جاء في الزور أنه الشرك جامع لأعياد النصارى، وغيرها (٢).\nو﴿اَلزُّورَ﴾ في اللغة: الكذب (٣). ولا كذب فوق الشرك بالله ﷿.\nوقال ابن الحنفية: معنى الزور هاهنا: الغناء (٤).\nوهو رواية ليث عن مجاهد (٥).\nوقال الكلبي: لا يحضرون مجالس الباطل والكذب (٦). وهو قول قتادة (٧). وقال عمرو بن قيس: مجالس الخنا (٨).\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٣٧. وهو عيد من أعياد المشركين. وفي حاشية الطبرسي ٧/ ٢٨٣: عيد معروف للنصارى قبل عيدهم الكبير بأسبوع، كما قاله ابن الأثير. ولم أجده في كتابه النهاية؛ حرف الشين مع العين. قال الطوسي ٧/ ٥١١: قال ابن سيرين: هو أعياد أهل الذمة كالشعانين وغيرها.\n(٢) هذا كلام جيد؛ لكن لم أجده في كتاب المعاني، المطبوع، وإنما فيه (٤/ ٧٧) بلفظ: والذي جاء في الزور أنه الشرك بالله، فأما النهي عن شهادة الزور ..\n(٣) \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٤٢٥.\n(٤) أخرجه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٣٧. وذكره السيوطي ٦/ ٢٨٣، واقتصر على تخريج عبد بن حميد، والفريابي له، ولم يذكر ابن أبي حاتم.\n(٥) أخرجه عن مجاهد، ابن جرير ١٩/ ٤٨، من طريق الليث. وذكره الثعلبي ٨/ ١٠٤ ب. وليث هو ابن أبي سليم، قال فيه ابن حجر: صدوق اختلط جدًا، ولم في يتميز حديثه فترك. \"تقريب التهذيب\" ص ٨١٧.\n(٦) \"تنوير المقباس\" ص ٣٠٥. وذكر نحوه الفراء ٢/ ٢٧٣، ولم ينسبه. وأخرج ابن جرير ١٩/ ٤٨، عن ابن جريج.\n(٧) ذكره عنه الثعلبي ٨/ ١٠٥ أ، والسيوطي، في \"الدر\" ٦/ ٢٨٣.\n(٨) أخرجه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٣٧، والثعلبي ٨/ ١٠٤ ب.\n- عمرو بن قيس المُلائي، أبو عبد الله الكوفي، ثقة عابد متقن، حدث عن =","vol":"16","page":602},{"text":"وقال علي بن أبي طلبة: يعني شهادة الزور (١).\nوهو قول وائل بن ربيعة (٢).\nقوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ معنى اللغو، في اللغة: كل ما يُلغى وُيطرح (٣). والمعنى: إذا مروا بجميع ما ينبغي أن يُلغى؛ وهو: المعاصي كلها؛ قاله الحسن، والكلبي (٤).\n_________\n= عكرمة، وعطاء، ومصعب بن سعد، وغيرهم، وحدث عنه سفيان الثوري، وصحبه زمانًا. مات سنة بضع وأربعين ومائة. \"سير أعلام النبلاء\" ٦/ ٢٥٠، و\"تقريب التهذيب\" ص ٧٤٣.\n(١) ذكره عنه الثعلبي ٨/ ١٠٤ ب. وعلى هذا فهو من الشهادة لا من المشاهدة. \"تفسير ابن عطية\" ١١/ ٧٨.\n(٢) وائل بن ربيعة، لم أقف على نسبه؛ لكن ذكر ابن سعد في \"الطبقات\" ٦/ ٢٠٤، أن وائل بن ربيعة روى عن عبد الله بن مسعود، وروى عن وائل: المسيب بن رافع. وعده البخاري في الكوفيين. \"التاريخ الكبير\" ٨/ ١٧٦.\nلم يرجح الواحدي -﵀- شيئًا من هذه الأقوال، وقد أوصلها ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٨/ ٢٧٣٦، إلى تسعة أوجه، والذي يظهر أنها كلها مرادة؛ إذ لا تعارض بينها، فتأويل الآية كما قال ابن جرير ١٩/ ٤٩: والذين لا يشهدون شيئًا من الباطل. قال الرازي ٢٤/ ١١٣: واعلم أن كل هذه الوجوه محتملة، ولكن استعماله في الكذب أكثر. قال ابن القيم: وتأمل كيف قال سبحانه: ﴿لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ ولم يقل: بالزور؛ لأن يشهدون، بمعنى يحضرون، فمدحهم على ترك حضور مجالس الزور، فكيف بالتكلم به، وفعله. \"إغاثة اللَّهفان\" ١/ ٢٦٠.\n(٣) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٧٧. وقال أبو عبيدة: اللغو: كل كلام ليس بحسن، وهو في اليمين: لا والله، وبلى والله. \"مجاز القرآن\" ٢/ ٨٢.\n(٤) أخرج قول الحسن، عبد الرزاق ٢/ ٧٢. وعنه ابن جرير ١٩/ ٥٠. وذكره الثعلبي ٨/ ١٠٥ أ، عنهما. ونسبه في \"الوسيط\" ٣/ ٣٤٨، للحسن، والكلبي. وفي \"تنوير المقباس\" ص ٣٠٥: بمجالس الباطل.","vol":"16","page":603},{"text":"وقال ابن زيد: يعني ما يشتغل به المشركون من الباطل (١).\nوروى جويبر عن الضحاك: مروا بالشرك (٢).\n﴿مَرُّوا كِرَامًا﴾ قال الكلبي: يعني حلماء لا يشهدونه، ولا يحضرونه (٣).\nوقال أبو إسحاق: لا يجالسون أهل المعاصي، ولا يمالئونهم عليها (٤). والمعنى: مروا مر الكرماء، الذين لا يرضون باللغو؛ لأنهم يجلون عن الدخول فيه، والاختلاط بأهله. وقيل: أصل هذا من قولهم: ناقة كريمة، وبقرة كريمة، إذا كانت تعرض عند الحلب تكرمًا؛ كأنها لا تبالي بما يحلب منها (٥).\nوقال الليث: يقال: تكرم فلان عما يَشِينُه، إذا تنزه وأكرم نفسه عنها (٦). ومعنى الآية: مروا منزهين أنفسهم، معرضين عنه (٧). يدل على\n_________\n(١) في نسخة: (أ)، كتب قول ابن زيد هكذا: ما يشتغل به الإنسان المشركون من الباطل. فكلمة الإنسان زائدة. أخرج ابن جرير ١٩/ ٥٠، عن ابن زيد: اللغو: ما كانوا فيه من الباطل، يعني المشركين، وقرأ: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ [الحج: ٣٠].\n(٢) أخرج ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٣٩، من طريق جويبر. قال الرازي ٢٤/ ١١٣: ومنهم من فسر اللغو بكل ما ليس بطاعة، وهو ضعيف؛ لأن المباحات لا تعد لغوًا.\n(٣) \"تنوير المقباس\" ص ٣٠٥، بلفظ: أعرضوا حلماء.\n(٤) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٧٧.\n(٥) \"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٠٥أ.\n(٦) كتاب \"العين\" ٥/ ٣٦٨ (كرم)، و\"تهذيب اللغة\" ١٠/ ٢٣٦.\n(٧) وهذا اختيار ابن جرير ١٩/ ٥٠، حيث جعل الآية عامة، في كل باطل، وأنه لا وجه لتخصيص بعض دون بعض بدون دلالة من حبر أو عقل. وجعل من خبر ابن ميسرة، الذي ساقه الواحدي، دليلًا على ذلك.","vol":"16","page":604},{"text":"صحة هذا المعنى ما روى ابن ميسرة (١): أن ابن مسعود مر بلهو معرضًا فقال رسول الله -ﷺ-: \"إن أصبح ابن مسعود لكريمًا\" (٢).\nوقال مقاتل في هذه الآية: إذا سمعوا من كفار مكة الشتم والأذى مروا معرضين، كقوله: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ﴾ [القصص: ٥٥] (٣).\nوهذا رواية ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: إذا أُوذوا صَفحوا (٤). ولهذا قال السدي: هي منسوخة بآية القتال (٥) وقال في قوله: ﴿كِرَامًا﴾ لا\n_________\n(١) ابن ميسرة، إبراهيم بن ميسرة الطائفي، نزيل مكة، ثبت حافظ، من صغار التابعين، حدث عن أنس بن مالك ﵁، وطاوس وعمرو بن الشريد، وغيرهم، وحدث عنه شعبة وابن جريج، وسفيان الثوري، وسفيان ابن عيينة. ت: ٢٢٠ هـ. \"سير أعلام النبلاء\" ٦/ ١٢٣، و\"تقريب التهذيب\" ص ١١٧.\n(٢) أخرجه ابن جرير ١٩/ ٥٠، بلفظ: مر بلهو مسرعًا. وابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٣٨، كلهم من طريق: محمد بن مسلم، عن إبراهيم بن ميسرة وذكره الثعلبي ١٠٥ أ، وابن عطية ١١/ ٧٩، وضعفه الألباني؛ لأن إبراهيم بن ميسرة تابعي ثقة، إلا أنه أرسل الحديث، ومحمد بن مسلم، وهو: الطائفي، صدوق يخطئ. \"سلسلة الأحاديث الضعيفة\" ٣/ ٣١٠، رقم: ١١٦٧.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ص ٤٧ ب.\n(٤) \"تفسير مجاهد\" ٢/ ٤٥٦، وأخرجه ابن جرير ١٩/ ٤٩، وابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٣٩.\n(٥) لعل هذا مأخوذ من قوله عن هذه الآية: هي مكية. \"تفسير ابن جرير\" ١٩/ ٥٠. وقد ذكره عنه صريحًا الثعلبي ٨/ ١٠٥ أ. قال ابن جرير: وإنما عني السدي بقوله هذا -إن شاء الله- أن الله نسخ ذلك بأمره المؤمنين بقتال المشركين بقوله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ وأمرهم إذا مروا باللغو الذي هو شرك، أن يقاتلوا أمراءه، إذا مروا باللغو الذي هو معصية لله أن يغيروه، ولم يكونوا أمروا بذلك في مكة. والصحيح أن الآية لا نسخ فيها بل هي من الآيات التي يعمل بها في مواضعها المناسبة كما سبق ذكر ذلك عند قوله تعالى: ﴿أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا﴾ [الفرقان: ٤٣].","vol":"16","page":605},{"text":"يكلمونهم ويعرضون عنهم، واللغو: الوقيعة من المشركين في المسلمين (١).\nوروى العوام بن حوشب، عن مجاهد قال: كانوا إذا أتوا على ذكر النكاح كَنَوا عنه (٢). وهو اختيار الفراء؛ قال: ذُكِر أنهم كانوا إذا أَجروا ذكر النساء كَنَوا عن قبيح الكلام فيهن وذلك مرورهم به (٣).\nوقال أبو علي الفارسي في هذه الآية: يجوز أن يكون المعنى: إذا مروا بأهل اللغو، [وذوي اللغو] (٤) مروا كرامًا فلم يجاروهم فيه ولم يخوضوا معهم فيه (٥)، قال: ويجوز أن يكون مِثل: فمرت بي آية كذا، ومرت بي سورة كذا؛ أي: تلوتها، وقرأتها، إذا أتوا على ذكر ما يُستفحَش ذكره كَنَوا عنه ولم يصرحوا.\nوليس هذا في كل حال ولكن في بعض دون بعض؛ فإذا كانت الحال تقتضي التبيين فالتصريح أولى، كما روي في الحديث: \"فأعِضُّوه بِهِنِ أبيه،\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٤٠.\n(٢) أخرج ابن جرير ١٩/ ٤٩، وابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٣٩، من طريق العوام بن حوشب. وذكره الثعلبي ٨/ ١٠٥ (أ). كَنَى فلان عن الكلمة المستفَحشة يَكْنِي: إذا تكلم بغيرها. \"تهذيب اللغة\" ١٠/ ٣٧٣ (كنى).\n(٣) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٧٤. وذكره الزجاج ٤/ ٧٧.\n(٤) ما بين المعقوفين، في (ج).\n(٥) قال ابن قتيبة: لم يخوضوا فيه، وأكرموا أنفسهم عنه. \"غريب القرآن\" ٣١٥. وليس معنى ذلك أهم يتركون الإنكار، قال ابن عطية ١١/ ٧٩: وأما إذا مر المسلم بمنكر فكرمه أن يغيره. إما باليد أو باللسان أو ينكره بالقلب كما دل على ذلك حديث أبي سعيد الخدري، قال: سمعت رسول الله -ﷺ-، يقول: \"من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان\". أخرجه مسلم ١/ ٦٩، كتاب الإيمان، حديث رقم: ٤٩، والبيهقي في \"الكبرى\" ١٠/ ٩٠.","vol":"16","page":606},{"text":"ولا تَكْنُوا\" (١) وكما رُوي عن بعض الصحابة، أنه قال لبعض المشركين: اعضض (٢) بظر اللات (٣).\n﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ﴾ قال مقاتل: إذا وعظوا بالقرآن ﴿لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا﴾ يقول لم يقعوا عليها و﴿وصُمَّا﴾ لم يسمعوه ﴿وَعُمْيَانًا﴾ لم يبصروه، ولكنهم سمعوا وأبصروا وانتفعوا به (٤). ونحو هذا\n_________\n(١) هذا جزء من حديث أخرجه الإمام أحمد ٨/ ٤٨، رقم: ٢١٢٩٢. عَنْ عُتَيِّ عَنْ أُبَيِّ ابْنِ كَعْبٍ قَالَ رَأَيْتُ رَجُلًا تَعَزَّى عِنْدَ أُبَيٍّ بِعَزَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ افْتَخَرَ بأَبِيهِ فَأَعَضَّهُ بِأَبِيهِ وَلَمْ يُكَنِّهِ ثُمَّ قَالَ لَهُمْ: أَمَا إِنِّي قَدْ أَرَى الَّذِي في أَنْفُسِكُمْ إِنِّي لَا أَسْتَطِيعُ إِلا ذَلِكَ سَمِعْتُ رَسُولَ الله -ﷺ- يَقُولُ: \"مَنْ تَعَزَّى بِعَزَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَعِضُّوهُ وَلا تَكْنُوا\". وفي رواية: \"قَالَ أُبَيِّ كُنَّا نُؤْمَرُ إِذَا الرَّجُلُ تَعَزَّى بِعَزَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَعِضُّوهُ بِهَنِ أَبِيهِ وَلا تَكْنُوا\". وأخرجه البخاري، في \"الأدب المفرد\" ص ١٩٣. وذكره الألباني في \"سلسلة الأحاديث الصحيحة\" ١/ ٤٧٧، رقم: ٢٦٩. قال ابن الأثير: أي: قولوا له: عُضَّ أيْرَ أبيك. \"النهاية في غريب الحديث\" ٥/ ٢٧٨.\n(٢) (اعضض) في (ج).\n(٣) هذا جزء من حديث طويل في قصة الحديبية، وقد وجه هذا الكلام أبو بكر الصديق -﵁- لعروة بن مسعود، عندما قال: أَيْ مُحَمَّدُ أَرَأَيْتَ إِنِ اسْتَاصَلْتَ أَمْرَ قَوْمِكَ هَلْ سَمِعْتَ بِأَحَدٍ مِنَ الْعَرَبِ اجْتَاحَ أَهْلَهُ قَبْلَكَ وَإِنْ يكُنِ الأخْرَى فَإِنِّي والله لأَرَى وُجُوهًا وَإِنِّي لأَرَى أَوْشَابًا مِنَ النَّاسِ خَلِيقًا أَنْ يَفِرُّوا وَيَدَعُوكَ فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ: امْصُصْ بِبَظْرِ اللاتِ أَنَحْنُ نَفِرُّ عَنْهُ وَنَدَعُهُ فَقَالَ: مَنْ ذَا قَالُوا أَبُو بَكْرٍ قَالَ: أَمَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْلا يَدٌ كَانَتْ لَكَ عِنْدِي لَمْ أَجْزِكَ بِهَا لأَجَبْتُكَ. أخرجه البخاري، كتاب الشروط، رقم: ٢٧٣٤، \"الفتح\" ٥/ ٣٢٩. والأشواب: الأخلاط من أنواع شتى، والأوباش: الأخلاط من السفلة. والبظر: قطعة تبقى بعد الختان في فرج المرأة. قال ابن المنير: في قول أبي بكر تخسيس للعدو وتكذيبهم، وتعريض بإلزامهم من قولهم: إن اللات بنت الله، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا، بأنها لو كانت بنتًا لكان لها ما يكون للإناث. \"فتح الباري\" ٥/ ٣٤٠.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ص ٤٧ ب. ولفظ الآيات هنا عام فيدخل تحته الآيات الشرعية، =","vol":"16","page":607},{"text":"قال المفسرون كلهم (١)؛ قال ابن عباس: لم يكونوا عنها صمًا ولا عميًا بل كانوا خائفين، خاشعين.\nوقال الكلبي: يخرون عليها سمعاء، وبصراء (٢).\nقال الفراء: يقول: إذا تلي عليهم القرآن لم يقعدوا على حالهم الأولى كأنهم لم يسمعوه فذلك الخرور، وسمعت العرب تقول: قعد يشتمني كقولك: قام يشتمني وأقبل يشتمني (٣).\nومعنى ﴿لَمْ يَخِرُّوا﴾ على ما ذكر: لم يقعدوا، ولم يصيروا عندها صمًا وعميًا.\nوقال الزجاج: تأويله: إذا تليت عليهم خروا سجدًا [وبكيًا، سامعين مبصرين، لما أمروا به ونهوا عنه، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ [مريم: ٥٨]] (٤) قال: ومثل هذا من الشعر\n_________\n= والآيات الكونية، من الشمس والقمر، ونحوها. وقد اقتصر على الآيات الكونية الطوسي ٧/ ٥١١. والآية كما سبق أعم، وإن كانت الآيات الشرعية أقرب. والله أعلم. وجمع بين القولين الطبرسي ٧/ ٢٨٤. وابن عاشور ١٣/ ٤٣٣.\n(١) أخرجه ابن جرير ١٩/ ٥١، عن مجاهد. وأخرج نحوه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٤٠، عن قتادة، ومجاهد، وأسباط، والحسن، وابن زيد. وأخرج ابن جرير ١٩/ ٥١، وابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٤٠، عن ابن عون، قال: قلت للشعبي: رأيت قومًا قد سجدوا، ولم أعلم ما سجدوا منه، أسجد؟ قال: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا﴾ قال ابن كثير ٦/ ١٣٢: يعني أنه لا يسجد معهم؛ لأنه لم يتدبر آية السجدة، ولا ينبغي للمؤمن أن يكون إمعة، بل يكون على بصيرة في أمره ويقين واضح بين.\n(٢) \"تنوير المقباس\" ص ٣٠٦.\n(٣) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٧٤. ونحوه عند ابن جرير ١٩/ ٥١، ولم ينسبه.\n(٤) ما بين المعقوفين ساقط من (أ)، (ب).","vol":"16","page":608},{"text":"قول الشاعر:\nبأيدي رجالٍ لَمْ يَشيمُوا سيوفَهم ... ولَمْ تَكثر القتلى بها حين سُلَّتِ (١)\nتأويله: بأيدي رجال شاموا سيوفهم، أي: أغمدوها وقد كثرت القتلى، فتأويل الآية: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ﴾ خروا ساجدين سامعين مبصرين (٢). وقال ابن قتيبة: أي: لم يتغافلوا عنها كأنهم صم لم يسمعوها، وعمي لم يروها (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2974>٧٤ </span>- قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا﴾ (٤) وتقرأ و﴿وذريتنا﴾ (٥) والذرية، تكون واحدًا وجمعًا. فكونها\n_________\n(١) أنشده المبرد، ونسبه للفرزدق، وقال عنه المبرد: هذا البيت طريف عند أصحاب المعاني، وتأويله: لم يشيموا: أي: لم يُغمدوا، ولم تكثر القتلى، أي: لم يغمدوا سيوفهم إلا وقد كثرت القتلى حين سلت. الكامل ١/ ٤٠١، وقال المحقق: لم أجده في ديوان الفرزدق، ط: دار صادر. وبحثت عنه في ط: دار بيروت، فلم أجده أيضًا. وأنشده الزجاج، \"معاني القرآن\" ٤/ ٧٧، ولم ينسبه. وفيه: ولم يكثروا. وأنشده ابن الأنباري، الإنصاف ٢/ ٦٦٧، ولم ينسبه، وفي الحاشية: وقد وجدته في ديوان الفرزدق بيتًا مفردًا.\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٧٨. قال الزمخشري ٣/ ٢٨٧: ﴿لَمْ يَخِرُّوا﴾ ليس بنفي للخرور، وإنما هو إثبات له، ونفي للصمم والعمى، كما تقول: لا يلقاني زيد مسلِّمًا، هو نفي للسلام لا للقاء.\n(٣) \"غريب القرآن\" ص ٣١٥، و\"تأويل مشكل القرآن\" ٢٢. وفي (ج): (لم يبصروها).\n(٤) من، في قوله تعالى: ﴿مِنْ أَزْوَاجِنَا﴾ ابتدائية، على معنى: هب لنا من جهتهم ما تقر به عيوننا. \"تفسير الرازي\" ٢٤/ ١١٥.\n(٥) قرأ ابن كثير، ونافع، وابن عامر، وعاصم في رواية حفص: ﴿وَذُرِّيَّاتِنَا﴾ بالجمع. وقرأ أبو عمرو، وعاصم في رواية أبي بكر، وحمزة، والكسائي: ﴿وَذُرِّيَّتِنَا﴾ واحدة. كتاب السبعة في القراءات ٤٦٧، و\"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٣٥٢، و\"النشر في =","vol":"16","page":609},{"text":"للواحد، قوله: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾ [آل عمران: ٣٨] فهذا كقوله: ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (٥) يَرِثُنِي﴾ [مريم ٥، ٦] وكونها للجمع قوله: ﴿ذُرِّيَّةً ضِعَافًا﴾ [النساء: ٩] فمن أفرد في هذه الآية، فإنه أراد به الجمع، فاشغنى عن جمعه لما كان جمعًا، ومن جمع (١) فكما تجمع هذه الأسماء التي تدل على الجمع، نحو: قوم وأقوام، ورهط وأرهاط. وقد جمعوا بالألف والتاء، والواو والنون، الجموع المكسرة، كقولهم: الجُزُرات (٢)، والطُّرقات.\nوجاء في الحديث: \"صواحبات يوسف\" (٣). وقال العجاج:\nجَذْبُ الصَّرارِيِّين بالكُرُور (٤)\n_________\n= القراءات العشر\" ٢/ ٣٣٥، قال الأزهري: المعنى واحد في القراءتين؛ لأن الذرية تنوب عن الذريات، فاقرأ كيف شئت.\n(١) (ومن جمع) في (أ)، (ج).\n(٢) جَزَر الناقة يجزَرُها جَزْرًَا: نحرها وقطعها، والجَزور: الناقة المجزورة، والجمع: جزائر وجُزُز وجُزُرَات جمع الجمع، كطرق وطرقات. \"لسان العرب\" ٤/ ١٣٤ (جزر)، و\"القاموس المحيط\" ص ٤٦٥.\n(٣) جزء من حديث طويل في أمر النبي -ﷺ- أبا بكر -﵁-، أن يصلي بالناس، ومراجعة عائشة، وحفصة -﵄- رسول الله -ﷺ- في ذلك، فقال لهن رَسُولُ الله -ﷺ-: \"إِنَّكُنَّ لأَنْتُنَّ صَوَاحِبَاتُ يُوسُفَ مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ\". أخرجه الترمذي ٥/ ٥٧٣، كتاب المناقب، رقم: ٣٦٧٢. والنسائي ٢/ ٤٣٤، كتاب الإمامة، رقم: ٨٣٣، وأخرجه البخاري، في مواضع من صحيحه، بلفظ: صواحب يوسف. \"الفتح\" ٢/ ١٦٤، ٢٠٦، و٦/ ٤١٧، و١٣/ ٢٧٦. وقد وهم محقق كتاب \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٣٥٣، بعزو لفظ: صواحبات، للبخاري.\n(٤) \"ديوان العجاج\" ص ١٩١، وأنشده الأزهري ٩/ ٤٤٢، وقال: جعل العجاج الكَرَّ حبلًا تقاد به السفن على الماء، والصراري: الملاّح. وأنشده أبو علي في \"الححة\" =","vol":"16","page":610},{"text":"وإنما الصراري جمع صُرَّاءٍ، وهو مفردٌ نحو: حُسَّانٍ (١)، فَكَسَّرَه ككُلَّابٍ، وكَلاَليب؛ لأن الصفة تُشَبَّه في التكسير بالأسماء. ويدل على أن الصُرَّاء واحدٌ قول الفرزدق:\nأَشاربُ قهوةٍ وخدينُ زِيرٍ ... وصُرَّاءٍ لفسوته بُخارُ (٢)\nقوله: ﴿قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ (٣) قال الفراء: ولو قرئت: قُرَّاتِ أعين؛ لأنهم كثير، كان صوابًا. والوجه التقليل: ﴿وقُرَّةَ﴾؛ لأنه فعل، والفعل لا يكادون يجمعونه، ألا ترى أنه قال: ﴿وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾ [الفرقان: ١٤] فلم يجمعه، وهو كثير. والقُرَّة: مصدر، تقول: قَرَّت عينُك قُرَّةً (٤).\n_________\n= / ٣٥٣، ونسبه للعجاج. وكذا في \"لسان العرب\" ٤/ ٤٥٤ (صرر)، وفيه: وصواب إنشاد بيت العجاج: جذبُ برفع الباء؛ لأنه فاعل لفعل في بيت قبله.\n(١) في \"لسان العرب\" ٤/ ٤٥٤ (صرر): وكان أبو علي يقول: صراءٌ واحد، مثل: حُسَّانٍ للحَسَن.\n(٢) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٣٥٣، بنصه، ونسب البيت للفرزدق، وعزاه المحقق لديوانه ١/ ٣٨٨، وأنشده في \"لسان العرب\" ٤/ ٤٥٤ (صرر)، منسوبًا للفرزدق؛ وفيه: أشاربُ خمرة. وفيه: ولا حجة لأبي علي في هذا البيت؛ لأن الصراري الذي هو عنده جمع، بدليل قول المسيب بن عَلَس، يصف غائصًا أصاب درة:\nوترى الصراري يسجدون لها ... ويضمهما بيديه للنحر\n(٣) ﴿قُرَّة أَعْيُنٍ﴾ كل ما تقر به عين الإنسان، ومعنى ذلك: أن الرجل إذا فرح بالشيء خرج من عينه ماء بارد، وهو القَرُّ، وإذا اغتم وبكى خرج من عينه ماء ساخن، فيقال: سخن الله عينه، إذا دعوا عليه، وإذا دعوا له: أقر الله عينه، ويقال: معنى أقر الله عينه، أي: غنم، وقيل: أقر الله عينه، أي: بلغه الله مراده حتى تقر عينه فلا تطمح إلى شيء وتستقر. \"إعراب القراءات السبع وعللَّها\" ٢/ ١٢٨.\n(٤) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٧٤. بنصه. قال الألوسي ١٩/ ٥٢: اختير الأعين جمعًا للعين الباصرة، والعيون جمعًا للعين الجارية، في جميع القرآن الكريم.","vol":"16","page":611},{"text":"قال ابن عباس، في هذه الآية: يريد أبرارًا أتقياء (١).\nوقال مقاتل: يقولون: اجعلهم صالحين، فتقر أعيننا بذلك (٢).\nوقال الكلبي: ﴿قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ في الدنيا، صالحين مطيعين لك (٣).\nوقال الضحاك: اجعلهم أبرارًا صالحين.\nوقال القرظي: ليس شيء أقرَّ لعين المؤمن من أن يرى زوجته وأولاده مطيعين لله (٤).\nقوله ﷿: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ قال ابن عباس، ومقاتل: يُقتدى بنا في الخير (٥).\n_________\n(١) أخرج ابن جرير ١٩/ ٥٢، وابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٤٢، عن ابن عباس -﵄- من طريق علي ابن أبي طلحة: من يعمل لك بالطاعة فتقر بهم أعيننا في الدنيا والآخرة. وذكر الهواري ٣/ ٢١٩، عن ابن عباس -﵄-: أعوانًا على طاعة الله.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ص ٤٧ ب. ونحوه في \"تنوير المقباس\" ص ٣٠٥.\n(٣) نحوه في \"تفسير الماوردي\" ٤/ ١٦٠، منسوبًا للكلبي.\n(٤) ذكره البخاري، تعليقًا عن الحسن، ولفظه: وما شيء أقر لعين المؤمن من أن يرى حبيبه في طاعة الله. \"الفتح\" ٨/ ٤٩٠. وكذا ابن جرير ١٩/ ٥٢. وذكره البغوي ٦/ ٩٩، عن القرظي، والحسن. وأخرج نحو هذه الأقوال، ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٤٢، عن عكرمة، والحسن، قال المقداد بن الأسود -﵁-: حتى إن الرجل ليرى والده أو ولده أو أخاه كافرًا وقد فتح الله قفل قلبه للإيمان، يعلم أنه إن هلك دخل النار فلا تقر عينه وهو يعلم أن حبيبه في النار، وإنها للتي قال الله: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾\n(٥) أخرج ابن جرير ١٩/ ٥٣، وابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٤٢، عن ابن عباس -﵄-. و\"تفسير مقاتل\" ص ٤٧ ب. وفيه: قال أبو محمد: سألت أبا صالح عنها، فقال: قال مقاتل. اجعلنا نقتدي بصالح أسلافنا، حتى يُقتدى بنا بعدنا. وهذا القول اختيار الفراء في \"المعاني\" ٢/ ٢٧٤. والهواري ٣/ ٢١٩.","vol":"16","page":612},{"text":"وقال أبو صالح: يُقتدى بهدانا (١). وقال عكرمة: إمامًا مثالًا (٢).\nوقال مكحول: أئمة في التقوى، يَقتدي بنا المتقون (٣).\nقال الفراء: إنما قال: ﴿إِمَامًا﴾ ولم يقل: أئمة، كما قال: ﴿إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٦]، للاثنين، وعلى هذا هو من الواحد الذي أُريد به الجمع (٤)، كقول الشاعر:\nيا عاذلاتي لا تُردْن ملامتي ... إن العواذل لسن لي بأمير (٥)\nوحكى أبو علي الفارسي، عن الأخفش قال: الإمام هاهنا جمع: آمّ فاعل من: أمَّ، يُجمع على: فِعَال، نحو: صَاحب، وصِحَاب (٦).\nونحوه قول الحطيئة:\n_________\n(١) قال ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٤٢، بعد ذكر قول ابن عباس -﵄- السابق: وروي عن أبي صالح، وعبد الله بن شوذب نحو ذلك.\n(٢) أخرجه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٤٣.\n(٣) أخرجه الثعلبي ٨/ ١٠٥ ب، وأخرجه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٤٣، بسياق أطول من هذا. وأخرج نحوه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٤٣، عن سعيد بن جبير، والسدي.\n(٤) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٧٤، بمعناه\n(٥) أنشد البيت الأخفش ٢/ ٦٤٣، ولم ينسبه. وأنشد عجزه أبو عبيدة ٢/ ٤٥، ولم ينسبه، وقال: أراد: أمراء. وذكره ابن جرير ١٩/ ٥٤، من إنشاد بعض نحوي البصرة. وأنشده ولم ينسبه: الثعلبي ٨/ ١٠٥ ب، وابن قتيبة، \"تأويل مشكل القرآن\" ص ٢٨٥، وابن جني، \"الخصائص\" ٣/ ١٧٤، وابن هشام، \"مغني اللبيب\" ١/ ٢١١.\n(٦) \"معاني القرآن\" للأخفش ٢/ ٦٤٣. ولفظه: فالإمام هاهنا جماعة، كما قال: ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي﴾ [الشعراء: ٧٧]، ويكون على الحكاية كما يقول الرجل إذا قيل له: من أميركم؟ قال: هؤلاء أميرنا وذكره أبو علي في كتابه: \"التكملة\" ٤٦٤، ولم ينسبه. قال ابن جزي ص ٤٨٨: هو جمع آمّ، أي: متبع. وكذا الأنباري، \"البيان في غريب إعراب القرآن\" ٢/ ٢١٠.","vol":"16","page":613},{"text":".... الأَطِبَّةُ والإسَاءُ (١)\nجمع آسٍ.\nوقال غيره: الإمام، هاهنا: مصدر سمي به؛ يقال: أمَّ فلان فلانًا إمامًا، كقولك: قام قيامًا، وصام صيامًا (٢).\nوروي عن مجاهد، في هذه الآية روايتان؛ إحداهما: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ قال: مؤتمين بهم مقتدين بهم (٣). وعلى هذا يجب أن تكون الآية من باب القلب؛ على تقدير: واجعل المتقين لنا إمامًا (٤).\n_________\n(١) أنشده كاملًا، ونسبه للحطيئة، المبرد، \"الكامل\" ٢/ ٧٢٢، وأنشده مع أبيات أخر ص: ٧٢٤، وأنشده كذلك الأزهري، \"تهذيب اللغة\" ١٣/ ١٤٠ (أسى)، والبيت بتمامه:\nهمُ الآسُونَ أُمَّ الرأسِ لمَّا ... تواكلها الأطبة والإساء\nوالبيت من قصيدة طويلة يمدح فيها الحطيئة بني أنف الناقة، وهم من بني عوف بن كعب. \"ديوان الحطيئة\" ٨٢. الآسي: الطبيب. \"الكامل\" ٢/ ٧٢٢، والإساء: الدواء \"تهذيب اللغة\" ١٣/ ١٤٠ (أسى)، وأم الرأس: الجلدة الرقيقة التي أُلبست الدماغ، والمعنى: أنهم يصلحون الفاسد. \"ديوان الحطيئة بشرح ابن السكيت\" ص ٨٢.\n(٢) \"تفسير ابن جرير\" ١٩/ ٥٤، بنصه، والثعلبي ٨/ ١٠٥ ب، ولم ينسباه.\n(٣) أخرجه عبد الرزاق، في تفسيره ٢/ ٧٢. وعنه ابن جرير ١٩/ ٥٣.\n(٤) \"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٠٥ ب. وذكره ابن قتيبة، في \"تأويل مشكل القرآن\" ٢٠٠ ورده، فقال: وهذا ما لا يجوز لأحد أن يحكم به على كتاب الله ﷿، لو لم يجد له مذهبًا؛ لأن الشعراء تقلب اللفظ، وتزيل الكلام على الغلط، أو على طريق الضرورة للقافية، أو لاستقامة وزن البيت. ثم ذكر شواهد كثيرة لفعل الشعراء. ثم قال: والله تعالى لا يغلط، ولا يضطر. وهذا قول حسن، وحمل ابن قتيبة، الآية على ظاهرها، فقال ص ٢٠٥: يريد: اجعلنا أئمة في الخير يقتدي بنا المؤمنون، كما قال في موضع آخر: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا﴾ [السجدة: ٢٤]، أي: قادة، كذلك قال المفسرون. وروي عن بعض خيار السلف، أنه كان =","vol":"16","page":614},{"text":"والثانية قال: اجعلنا نقتدي بمن قبلنا حتى يَقتدي بنا مَنْ بعدنا (١). وعلى هذا في الكلام محذوف يدل عليه الباقي؛ حُذف سؤالهم الاقتداء بمن قبلهم من المتقين، وذُكر سؤالهم أن يقتدي بهم المتقون؛ لأنهم لا يصيرون قادة متبعين حتى يقتدوا أولًا ويتبعوا.\nوحكى الفراء، والزجاج، هذا القول الأخير (٢). قال مقاتل: أخبر الله\n_________\n= يدعو الله أن يُحمل عنه الحديث، فحُمل عنه. وقال بعض المفسرين، في قوله: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ أي: اجعلنا نقتدي من قبلنا، حتى يقتديَ بنا مَنْ بعدنا. فهم على هذا التأويل متَّبِعون، ومتَّبَعون. وجعل الماوردي ٤/ ١٦١، هذه الآية دليلًا على أن طلب الرياسة في الدين ندب. وذكر نحوه ابن عطية ١١/ ٨١، عن إبراهيم النخعي. واستدل عليه الرازي ٢٤/ ١١٥، بقوله تعالى عن الخليل ﵇: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾ [الشعراء: ٨٤]. وذكر الطوسي ٧/ ٥١٢، أن قراءة أهل البيت: واجعل لنا من المتقين إمامًا. وتبعه الطبرسي ٧/ ٢٨٢. ولم أجد من ذكر هذه القراءة غيرهما، فلا يبعد أن تكون من تأويلات الشيعة لإثبات عقيدة الإمامة. والله أعلم.\n(١) أخرجه عنه، ابن جرير ١٩/ ٥٣، وأخرج نحوه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٤٢، ثم قال: وروي عن الحسن، وقتادة، والربيع بن أنس، والسدي نحو ذلك.\n(٢) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٧٤. وذكر قبل قول مجاهد، أن المراد: اجعلنا أئمة يُقتدى بنا. وأما الزجاج ٤/ ٧٨، فذكر قولًا واحدًا واقتصر عليه، ولم ينسبه، وهو: واجعلنا ممن يهتدي بنا المتقون، ونهتدي بالمتقين. ولم يرجح الواحدي -﵀- أحد القولين، مع أنه اقتصر في \"الوسيط\" ٣/ ٣٤٩، على القول الأول. ومال في \"الوجيز\" إلى الجمع بينهما فقال: اجعلنا ممن يهتدي به المتقون، ويهتدي بالمتقين. \"الوجيز\" ٢/ ٧٨٤. وأما ابن جرير، فقد رجح القول الأول: اجعلنا للمتقين إمامًا يأتمون بنا في الخيرات. لموافقته لظاهر الآية. وقال ابن عاشور ١٣/ ٤٣٥: ولما كان المطلوب من المسلمين الاجتماع في الطاعة حتى تكون الكلمة في المتابعة واحدة، أشاروا إلى ذلك بتوحيد الإمام وإن كان المراد الجنس فقالوا: ﴿إِمَامًا﴾.","vol":"16","page":615},{"text":"تعالى عن أعمالهم ثم أخبر عن ثوابهم (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2975>٧٥ </span>- فقال: ﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ﴾ (٢) الغُرْفَة معناها في اللغة: العلِّيَّة، وكلُ بناء عالٍ مرتفع فهو: غُرْفة. ويقال للسماء السابعة غرفة، وهو في شعر لبيد (٣). ويحتمل أن يكون أصلها من الغَرْف، بمعنى: القطع والفصل، يقال غَرَفْتُ ناصيتَه، أي: قطعتها.\nقال الأصمعي: ومنه قول قيس بن الخطيم:\n.......... تكاد تنغرف (٤)\nأي: تنقطع (٥). فُسمي البيت العالي: غُرْفة، بمعنى: المغروف، أي: المقطوع من غيره بعلوه وارتفاعه. قال مقاتل: يعني: غرف الجنة، نظيرها\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ص ٤٧ ب، بمعناه.\n(٢) ذكر أبو حيان ٦/ ٤٧٤، أن هذه الآية نزلت في العشرة المبشرين بالجنة. ولم يذكر دليلًا عليه.\n(٣) يعني به قول لبيد:\nسوَّى فأغلق دون غُرفة عرشهُ ... سبعًا شدادًا فوق فرع المَنقلِ\nوهو في \"ديوانه\" ص ١٢٦، بلفظ: دون غرة عرشه، وفي الحاشية: ويروى: دون غرفة عرشه. والمنقل: ظهر الجبل. وأنشده الأزهري، \"تهذيب اللغة\" ٨/ ١٠٤ (غرف)، بلفظ: دون غرفة عرشه.\n(٤) \"ديوان قيس بن الخطيم\" ص ١٠٦، والبيت بتمامه:\nتنام عن كبر شأنها فإذا قا ... مت رويدا تكاد تنغرف\nيصف امرأة نشأت في رفاهية ونعمة، فهي تنام عن أكثر شأنها لكونها مخدومة، فإذا قامت من نومها قامت في سكون وضعف تكاد تنقصف أو تسقط. \"حاشية الديوان\" ص ١٠٧. وأنشد الأزهري البيت عن الأصمعي ٨/ ١٠٤ (غرف)، وأنشده قبل ذلك ٨/ ١٠٣، كاملًا عن ابن الأعرابي.\n(٥) \"تهذيب اللغة\" ٨/ ١٠٤ (غرف).","vol":"16","page":616},{"text":"في: الزمر (١). وقال ابن عباس: يريد غرف الزبرجد، والدر، والياقوت (٢). وقال السدي والضحاك: ﴿الْغُرْفَةَ﴾ الجنة (٣).\nقوله: ﴿بِمَا صَبَرُوا﴾ قال ابن عباس: على دينهم، وعلى أذى المشركين (٤). وقال مقاتل: على أمر الله (٥).\nوقوله: ﴿وَيُلَقَّوْنَ﴾ قرئ بالتشديد، والتخفيف (٦). فمن شدد فحجته\n_________\n(١) يعني قوله تعالى: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ﴾ [٢٠]، \"تفسير مقاتل\" ص ٤٧ ب. وكذا قوله تعالى: ﴿وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ﴾ [سبأ: ٣٧]. \"تفسير الهواري\" ٣/ ٢١٩. وحكى الماوردي ٤/ ١٦١، عن ابن شجرة، أن الغرفة أعلى منازل الجنة، وأفضلها. والله أعلم. وقد اقتصر على هذا القول الطوسي ٧/ ٥١٢، ولم ينسبه.\n(٢) ذكره البغوي ٦/ ١٠٠، عن عطاء.\n(٣) أخرجه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٤٣، عن الضحاك، وسعيد بن جبير، وأبي جعفر محمد بن علي، والسدي. وذكره ابن الجوزي ٦/ ١١٢، عن ابن عباس.\n(٤) \"الوسيط\" ٣/ ٣٤٩، غير منسوب.\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ص ٤٧ ب. وأخرجه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٤٤، عن سعيد بن جبير، وأخرج عن أبي جعفر: ﴿بِمَا صَبَرُوا﴾ على الفقر في الدنيا. قال الهواري ٣/ ٢٢٠: على طاعة الله، وعن معصية الله. والآية ظاهرة في إرادة العموم فيدخل فيها ما ذكر، وغيره أيضًا. والله أعلم. وقد نص على هذا الزمخشري ٣/ ٢٨٨، والرازي ٢٤/ ١١٦.\n(٦) قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وعاصم في رواية حفص، بالتشديد. وقرأ ابن عامر، وحمزة، والكسائي، وعاصم في رواية أبي بكر، بالتخفيف. \"السبعة في القراءات\" ٤٦٨، و\"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٣٥٤، و\"النشر في القراءات العشر\" ٢/ ٣٣٥. قال الأزهري: المعنى في ﴿يُلَقَّوْنَ﴾ أن الله يلقي أهل الجنة إذا دخلوها ملائكته بالتحية والسلام، ومن قرأ: (يلقَون) فالفعل لأهل الجنة، إنهم يلقون فيها التحية والسلام من الله ﷿ \"معاني القراءات\" ٢/ ٢٢١.","vol":"16","page":617},{"text":"قوله: ﴿وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا﴾ [الإنسان: ١١]، ومن خفف فحجته قوله: ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ (١) [مريم: ٥٩].\nوقال الفراء: التخفيف أعجب إلي؛ لأن القراءة لو كانت على التشديد، كانت بالباء؛ لأنك تقول: فلان يُتَلقَّى بالسلام والخير (٢). وهذا الذي قاله ينتقض بقوله: ﴿وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا﴾؛ لأنه بغير الباء على أن قال: وكل صواب: يُلَقَّونه، ويُلَقَّون به (٣).\nوقوله: ﴿فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا﴾ قال ابن عباس: التحية والسلام، من عند الرحمن (٤). وقال الكلبي: يحيي بعضهم بعضًا بالسلام، ويرسل إليهم الرب بالسلام (٥).\nوقال مقاتل: ﴿تَحِيَّةً﴾ يعني: السلام ﴿وَسَلَامًا﴾ يقول: سلم الله لهم أمرهم وتجاوز عنهم (٦).\n_________\n(١) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٣٥٤.\n(٢) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٧٥. وهو اختار ابن جرير ١٩/ ٥٤، وأورد كلام الفراء، ولم ينسبه. قال أبو علي: لقي: فعل متعد إلى مفعول واحد، فإذا نقل بتضعيف \"العين\" تعدى إلى مفعولين، فقوله: ﴿تَحِيَّةً﴾ المفعول الثاني، من قولك: لقَّيت زيدًا تحية، فلما بنيت الفعل للمفعول قام أحد المفعولين مقام الفاعل، فبقي الفعل متعديًا إلى مفعول واحد. \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٣٥٤. واختار ابن خالويه، قراءة التشديد؛ لما فيها من التكثير، \"إعراب القراءات السبع وعللَّها\" ٢/ ١٢٨.\n(٣) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٧٥. وقد ذكر رأيه ورد عليه بأوسع مما ذكر الواحدي، النحاس، في \"إعراب القرآن\" ٣/ ١٦٩.\n(٤) أخرج ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٤٤، عن سعيد بن جبير: تتلقاهم الملائكة بالتحية، والسلام. وقال به أيضًا مجاهد، أخرجه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٤٤.\n(٥) \"تنوير المقباس\" ص ٣٠٦، بمعناه. وهو في \"الوسيط\" ٣/ ٣٤٩، غير منسوب.\n(٦) \"تفسير مقاتل\" ص ٤٧ ب. وحكى الماوردي ٤/ ١٦٢، عن الكلبي: يحيي بعضهم بعضًا بالسلام.","vol":"16","page":618},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2976>٧٦ </span>- وقوله: ﴿خَالِدِينَ﴾ حال من قوله: ﴿يُلَقَّوْنَ﴾ قال ابن عباس: لا يموتون، ولا يهرمون، ولا يسقمون ﴿فِيهَا﴾ في: الغرفة ﴿حَسُنَتْ﴾ أي الغرفة ﴿مُسْتَقَرًّا﴾ موضع قرارٍ ﴿وَمُقَامًا﴾ موضع إقامة. قال ابن عباس: طاب لهم المستقر والمقام مع الحور العين، والولدان المخلدين (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-2977>٧٧ </span>- قوله تعالى: ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ﴾، قال الليث: تقول: ما أعبأ بهذا الأمر، أي: ما أصنع به، كأنك تستقلُّه وتستحقرُه. تقول: عَبَأَ يَعْبَأُ عَبْأً وعِبَاءً ممدود (٢). وقال الكسائي: عبى مقصور.\nوقال أبو عبيدة: يقال ما عَبأتُ به شيئًا، أي: لم أعده شيئًا (٣).\n[وقال شَمِر: قال أبو عبد الرحمن: ما عَبَأت به شيئًا، أي: لم أعده شيئًا] (٤)\nوقال أبو عدنان، عن بعض أهله، يقال: ما يعبأ الله بفلان، إذا كان فاجرًا، أو مائقًا (٥) وإذا قيل: قد عبأ الله به فهو رجل صدق. قال: وأقول: ما عبأت بفلان، أي: لم أقبل منه شيئًا؛ ولا من حديثه (٦). وقال أبو إسحاق: تأويله: ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ﴾ أيُّ وزنٍ يكون لكم عنده، كما يقول:\n_________\n(١) أخرج نحو ما سبق ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٤٤، عن سعيد بن جبير. وهذه الآية في مقابل قوله تعالى قبل ذلك عن النار: ﴿إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾ تفسير الرازي ٢٤/ ١١٦.\n(٢) كتاب \"العين\" ٢/ ٢٦٣ (عبء)، وذكره ابن جرير ١٩/ ٥٥، ولم ينسبه.\n(٣) \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ٢/ ٨٢. وذكره البخاري، ولم ينسبه، \"الفتح\" ٨/ ٤٩٠.\n(٤) ما بين المعقوفين، في (ج)، وهو في \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٣٥ (عبا).\n(٥) المائق: الهالك حمقًا وغباوة. \"تهذيب اللغة\" ٩/ ٣٦٣ (موق)، و\"لسان العرب\" ١٠/ ٣٥٠.\n(٦) \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٣٤ (عبا)، وفيه: قال أبو عدنان عن رجل من باهلة.","vol":"16","page":619},{"text":"ما عبأت بفلان، أي: ما كان له عندي وزن، ولا قدر. وأصل العِبْء في اللغة: الثِقل، ومن ذلك: عبأت المتاع، جعلت بعضه على بعض (١).\nوقال بعض أهل اللغة: أصل هذا الحرف، من: تهيئة الشيء، قال: عَبَأت الطيب، أَعْبَؤُه عَبْأ إذا هيأته، قال:\nكأنَّ بِنَحرِه وبِمنْكبيه ... عَبيرًا باتَ يعبؤه عَروس (٢)\nقال أبو زيد: يقال: عَبَأت الأمر والطيب عَبْأ إذا ما صنعته وخلطته، وعَبَأت المتاع عَبْأ إذا هيأته. ويقال: عَبَّأته تعبئة، وكل من كلام العرب، وعبأت الخيل تعبئة وتعبيئًا. انتهى كلامه (٣). والعِبء: الثقل؛ لأنه يُهيأ له ما يُحمل به، وما أَعْبَأ به: أي لا أهبأ به أمرًا (٤). هذا كلام أهل اللغة في هذا الحرف.\nقال مجاهد، ومقاتل: يقول: ما يفعل بكم ربي (٥). وهو اختيار الزجاج (٦).\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٧٨. ونقله عنه الأزهري ٣/ ٢٣٤ (عبا). وفي (ج): (النقل) بدل: (الثقل).\n(٢) بنصه في \"إصلاح المنطق\" ١٤٩، دون إنشاد البيت. وذكره الثعلبي ٨/ ١٠٥ ب، ولم ينسب القول ولا البيت. وأنشد البيت الطبرسي ٧/ ٢٨٣، ولم ينسبه، وإنما قال: قال الشاعر يصف أسدًا. وأنشده القرطبي ١٣/ ٨٤، بلفظ: كان بصدره وبجانبيه. وأنشده في \"لسان العرب\" ١/ ١١٨ (عبأ)، ونسبه لأبي زبيد. قال الشنقيطي ٦/ ٣٥٩: قوله: يعبؤه، أي: يجعل بعضه فوق بعض لمبالاته به، واكتراثه به.\n(٣) \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٣٥ (عبا).\n(٤) \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٣٥ (عبا)، بلفظ: ما عبأت به شيئًا: لم أباله.\n(٥) \"تفسير مجاهد\" ٢/ ٤٥٧، وأخرجه ابن جرير ١٩/ ٥٥، وابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٤٥. و\"تفسير مقاتل\" ص ٤٧ ب. واقتصر عليه الهواري ٣/ ٢٢٠.\n(٦) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٧٨.","vol":"16","page":620},{"text":"وقال ابن عباس، والكلبي، وابن زيد: ما يصنع بكم ربي (١). وهذا اللفظ اختيار الفراء (٢).\nوقوله: ﴿لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ﴾ قال مجاهد، والكلبي: لولا دعاؤه إياكم لتعبدوه وتطيعوه (٣). واختاره القراء؛ فقال: لولا دعاؤه إياكم إلى الإسلام (٤). ومعنى الآية على هذا: أي مقدار ووزن لكم عند الله لولا أنه خلقكم لتعبدوه، وتطيعوه. وهذا معنى قول ابن عباس، أي: إنما أريد منكم أن توحدني. والدعاء على هذا مصدر مضاف إلى المفعول. قال: لولا عبادتكم (٥). وهو قول الكلبي (٦).\nوقال أبو إسحاق: أي: لولا توحيدكم إياه (٧). وعلى هذا: المصدر مضاف إلى الفاعل، وفيه تنبيه على أن من لا يعبد الله، ولا يوحده ولا يطيعه لا وزن له عند الله (٨). وهذه الآية عند ابن عباس، خطاب لجميع\n_________\n(١) أخرجه ابن جرير ١٩/ ٥٥، عن ابن زيد. وأخرجه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٤٥، عن عمرو بن شعيب. وذكره الأزهري ٣/ ٢٣٤، عن الكلبي.\n(٢) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٧٥.\n(٣) أخرجه عن مجاهد ابن جرير ١٩/ ٥٥، وابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٤٥، و\"تفسير مجاهد\" ٢/ ٤٥٧. وفي \"تنوير المقباس\" ص ٣٠٦: ﴿لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ﴾ أن الله أمركم بالتوحيد.\n(٤) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٧٥. قال الهواري ٣/ ٢٢٠: لولا عبادتكم وتوحيدكم وإخلاصكم، كقوله: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [غافر: ١٤].\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ص ٤٧ ب.\n(٦) \"تنوير المقباس\" ص ٣٠٦.\n(٧) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٧٨. وأخرج نحوه ابن أبي حاتم عن ابن عباس: لولا إيمانكم ولعل المراد بهذا الإيمان والتوحيد، ما ذكره الماوردي ٤/ ١٦٢، ولم ينسبه: لولا دعاؤكم له إذا مسكم الضر وأصابكم السوء، رغبة إليه وخضوعًا إليه.\n(٨) رجح ابن القيم هذا القول؛ فقال: والصحيح من القولين: لولا أنكم تدعونه =","vol":"16","page":621},{"text":"الخلق؛ لأنه قال: ثم رجع إلى جميع الخلق (١). وعند الكلبي: أنه من خطاب أهل مكة (٢).\nوقال ابن قتيبة، في هذه الآية: أي ما يعبأ بعذابكم ربي، لولا ما تدعونه من دونه من الشريك والولد (٣).\n_________\n= وتعبدونه، أي: أي شيء يعبأه بكم لولا عبادتكم إياه فيكون المصدر مضافًا إلى الفاعل. \"جلاء الأفهام\" ص ٢٥٤. وذكر هذا ابن العربي المالكي، في \"أحكام القرآن\" ٣/ ٤٣٠، عن بعض الأدباء، ولم يسمه، ثم قال: وليس هو كما زعم، وإنما هو مصدر أضيف إلى المفعول، والمعنى: قل يا محمد للكفار: ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم ببعثة الرسل إليكم، وتبيين الأدلة لكم، فقد كذبتم فسوف يكون عذابكم لزامًا. قال الثعالبي: والحق أن الآية محتملة لجميع ما تقدم، ومن ادعى التخصيص فعليه بالدليل، والله أعلم. \"الجواهر الحسان\" ٢/ ٤٧٦.\nقال ابن عاشور ١٣/ ٤٣٨: والحاصل أنه ليس فيكم الآن ما يصلح أن يعتد بكم لأجله إلا الدعاء؛ لأنكم مكذبون، وإنما قلت: الآن؛ لأن: ما، لا تدخل إلا على مضارع بمعنى الحال، عكس: لا.\n(١) أخرج ابن جرير ١٩/ ٥٥، وابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٤٥، عن ابن عباس -﵄- من طريق علي بن أبي طلحة وأخبر الله تعالى الكفار أنه لا حاجة له بهم ...\n(٢) \"تنوير المقباس\" ص ٣٠٦. وعند مقاتل خلاف ذلك؛ قال في قوله تعالى: ﴿فَقَدْ كَذَّبْتُمْ﴾ النبي -ﷺ- بعد كفار مكة.\n(٣) \"تأويل مشكل القرآن\" ٤٣٨. والسبب في كون هذه الآية مشكلة؛ لأن فيها مضمر، فاختلف في تعيينه. أفاده ابن قتيبة، ولذا ذهب إلى ما ذهب إليه أخذًا بظاهر الآية، ثم قال: ويوضح ذلك قوله: ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا﴾ أي: يكون العذاب لمن كذب ودعا من دونه إلهًا لازمًا. وذكر الطوسي ٧/ ٥١٣، هذا القول عن البلخي؛ قال: معناه: لولا كفركم وشرككم ما يعبأ بعذابكم، وحذف العذاب وأقام المضاف إليه مقامه. وذكر ابن جرير الطبري ١٩/ ٥٧، قول ابن قتيبة، ورد عليه فقال: وقد كان بعض من لا علم له بأقوال أهل العلم، يقول في تأويل ذلك: قل ما يعبؤ بكم ربي لولا دعاؤكم ما تدعون من دونه من الآلهة والأنداد. وهذا قول لا معنى للتشاغل =","vol":"16","page":622},{"text":"قال ابن الأنباري: وهذا لم يقل به أحد من السلف، وهو عندي غير صحيح؛ لأن الدعاء يجوز أن يقع على شيئين متضادين، فيقال: لولا دعاؤكم الأصنام، ولولا دعاؤكم الله، وإذا احتمل الحرف الوقوع على معنيين متضادين، لم يجز حذف المنوي؛ لأنه يلتبس؛ ألا ترى أن من قال: أنا أكره كلامك، لم يحسن له أن يقول: أنا أكره. ويسكت؛ لأن المخاطب لا يدري أكراهته تقع على الكلام، أم على السكوت، فإضمار ابن قتيبة الشركاء، والآلهة، في الآية غير صحيح (١). وأيضًا فإنه لا خلاف بين النحوين أنهم إذا قالوا: ما عبأت بفلان، معناه: ما عددته شيئًا؛ ولم يقل منهم أحد: إن معناه: ما عبأت بكلامه، أو بغضه، أو رضاه؛ لأن المضمر مجهول المعنى، وما جهل معناه لم يخذف؛ ثم قال: وتأويل الآية: ما يعبأ بكم ربي، لولا دعاؤه إياكم لتعبدوه وتطيعوه، أي: لولا هذا ما عدكم الله شيئًا، ولا كانت له فيكم حاجة.\nقوله: ﴿فَقَدْ كَذَّبْتُمْ﴾ الخطاب لأهل مكة، أي: كذبتم محمدًا -ﷺ- (٢). واتصال هذا الكلام بما قبله على معنى: أنه دعاكم إلى توحيده وعبادته فقد كذبتم الرسول ولم تجيبوا دعوته (٣).\n_________\n= به لخروجه عن أقوال أهل العلم من أهل التأويل. وقد ذكر الشنقيطي ٦/ ٣٥٩، هذه المسألة بالتفصيل واستدل على صحة الأقوال الواردة في الآية، واستبعد القول الذي ذكره ابن قتيبة؛ لأن فيه تقدير مالا دليل عليه، ولا حاجة إليه.\n(١) سبق ذكر رد ابن جرير عليه.\n(٢) أخرج ذلك ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٤٥، عن السدي.\n(٣) أخرج ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٤٥، عن الوليد بن أبي الوليد، قال: بلغني أن تفسير هذه الآية: ما خلقتكم لي بكم حاجة، إلا أن تسألوني فأغفر، وتسألوني فأعطكم.","vol":"16","page":623},{"text":"قوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا﴾ قال الليث: اللزام الذي يلزمك ولا يفارقك (١). وأنشد أبو عبيدة، لصخر الغي (٢):\nفإما ينجوَا من حَتفِ أرضٍ ... فقد لَقيا حُتوفهما لزامًا (٣)\nأي: أنه واقع لا محالة. قال الزجاج: وتأويل هذا: أن الحتف إذا كان مقدرًا فهو لازم، إن نجا من حتف مكان لقيه الحتف في مكان آخر لازمًا له لزامًا (٤). والمفسرون ذكروا في تفسير اللزام: أنه يوم بدر، وهو قول ابن مسعود، وأبي بن كعب، ومجاهد، ومقاتل، والسدي، ورواية عطاء عن ابن عباس؛ قال: يريد القتل يوم بدر، وعذاب الدنيا متصل بعذاب الآخرة (٥).\n_________\n(١) \"العين\" ٧/ ٣٧٢ (لزم)، بمعناه، وكذا في \"تهذيب اللغة\" ١٣/ ٢٢٠.\n(٢) صخر الغَي، صخر بن عبد الله الخيثمي، من بني هذيل، شاعر جاهلي، لقب بصخر الغي، لخلاعته، وشدة بأسه، وكثرة شره \"الشعر والشعراء\" ص ٤٤٨، و\"الأعلام\" ٣/ ٢٠١.\n(٣) ذكره أبو عبيدة، في \"المجاز\" ٢/ ٨٢، ونسبه للهذلي، ولفظه:\nفإما ينجوا من حتف يوم ... فقد لقيا حتوفهما لزامًا\nوأنشده أبو عبيدة استدلالًا على أن المراد باللزام: الفيصل. وذكره الزجاج ٤/ ٧٨، عن أبي عبيدة استدلالًا على ما ذكره، وكذا الأزهري ٣١/ ٣٢٠ (لزم)، ورواية البيت موافقة لما في المعاني، والتهذيب، مما يدل على نقل الواحدي عنهما. والله أعلم. وذكره ابن عطية ١١/ ٨٤، من إنشاد أبي عبيدة. وذكره القرطبي ١٣/ ٨٦، بلفظ:\nفإما ينجوا من خسف أرض\n(٤) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٧٩. واختار هذا الماوردي ٤/ ١٦٢؛ فقال: وأظهر الأوجه أن يكون اللزام الجزاء للزومه. وتبعه العز، في تفسيره ٢/ ٤٣٥.\n(٥) \"تفسير مجاهد\" ٢/ ٤٥٧. و\"تفسير مقاتل\" ص ٤٧ ب. وأخرج عبد الرزاق ٢/ ٧٢، عن قتادة، قال: قال أبي: هو القتل يوم بدر. وأخرجه ابن جرير ١٩/ ٥٦، عن ابن =","vol":"16","page":624},{"text":"قال أبو إسحاق: وتأويله: فسوف تلزمكم العقوبة بتكذيبكم، [فيدخل في هذا يوم بدر، وغيره مما يلزمهم من العذاب. وذكر وجهًا آخر، فقال: تأويله -والله أعلم-: فسوف يكون تكذيبكم] (١) لزامًا يلزمكم، فلا تعطون التوبة (٢).\nوقال الكلبي: ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا﴾ أخذًا باليد، والقتل يوم بدر؛ وهو من عذاب الدنيا فأسروا يوم بدر وقتلوا (٣).\nوقال الفراء: فسوف يكون تكذيبكم يوم بدر لزامًا، عذابًا لازمًا لكم (٤). وحكى أبو إسحاق، عن أبي عبيدة: ﴿لِزَامًا﴾ فيصلًا (٥). ونحو هذا روى ثعلب، عن ابن الأعرابي، وقال: اللَّزْمُ: فَصْل الشيء، من قوله تعالى: ﴿يَكُونُ لِزَامًا﴾ أي: فيصلًا (٦). والمعنى على هذا: فسوف يكون\n_________\n= مسعود، وأبي بن كعب، وإبراهيم، ومجاهد، والضحاك. وأخرجه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٤٦، عن أبي مالك، وأبي بن كعب، وابن مسعود، والقرظي، ومجاهد، وقتادة، والضحاك. وبه قال الهوَّاري ٣/ ٢٢٠. وأخرج ابن جرير ١٩/ ٥٧، عن ابن عباس -﵄- من طريق علي بن أبي طلحة: اللزام: الموت. وأخرج عن ابن زيد: اللزام: القتال. قال في \"الوسيط\" ٣/ ٣٤٩: والمعنى أنهم قتلوا يوم بدر، واتصل به عذاب الآخرة، لازمًا لهم فلحقهم الوعيد الذي ذكر الله ببدر. وأما في \"الوجيز\" ٧٨٥، فلم يحدد بل جعل الآية مطلقة؛ فقال: ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ﴾ العذاب لازمًا لكم.\n(١) ما بين المعقوفين، ساقط من (ج).\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٧٨.\n(٣) \"تنوير المقباس\" ص ٣٠٦، بمعناه.\n(٤) \"معانى القرآن\" للفراء ٢/ ٢٧٥، بمعناه.\n(٥) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٧٨، ثم قال: وهو في قريب مما قلنا، ألا أن القول أشرح. و\"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ٢/ ٨٢.\n(٦) \"تهذيب اللغة\" ١٣/ ٢٢١ (لزم).","vol":"16","page":625},{"text":"القتل والهلاك، أو العذاب أو تكذيبكم، على معنى: جزاء تكذيبكم فيصلًا بينكم وبين المؤمنين، ثم كان ذلك يوم بدر، والقول الأول، من: اللَّزام، وهذا من: اللِّزام، وهما ضدان (١).\nوالله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\n_________\n(١) قال الزجاج ٤/ ٧٩ ومن قرأ: لَزامًا، بفتح اللام، فهو على مصدر لزم لزامًا. ونحوه في \"إعراب القرآن\"، للنحاس ٣/ ١٧٠. قال القرطبي ١٣/ ٨٦: اللِّزام، بالكسر: مصدر لازم، لزامًا، مثل: خاصم خصامًا، واللَّزام، بالفتح، مصدر: لزِم، مثل: سلِم سلامًا، أي: سلامة، فالَلزام بالفتح: الُلزوم، والِلزام: الملازمة. وفي \"لسان العرب\" ١٢/ ٥٤٢ (لزم): وهو في اللغة. الملازمة للشيء والدوام عليه، وهو أيضًا الفصل في القضية، فكأنه من الأضداد.","vol":"16","page":626},{"text":"المملكة العربية السعودية\nوزارة التعليم العالي\nجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية\nعمادة البحث العلمي\nالتَّفْسِيرُ البَسِيْط\nلأبي الحسن على بن أحمد بن محمد الواحدي\n(ت ٤٦٨ هـ)\nمن أول سورة الشعراء إلى سورة العنكبوت\nتحقيق\nد. سليمان بن إبراهيم بن محمد الحصين\nأشرف على طباعته وإخراجه\nد. عبد العزيز بن بسطام آل سعود ... أ. د. تركي بن سهو العتيبي\nالجزء السابع عشر","vol":"17","page":1},{"text":"المملكة العربية السعودية\nوزارة التعليم العالي\nجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية\nعمادة البحث العلمي\nالتَّفْسِيرُ البَسِيْط\nلأبي الحسن على بن أحمد بن محمد الواحدي\n(ت ٤٦٨ هـ)\nمن أول سورة الشعراء إلى سورة العنكبوت\nتحقيق\nد. سليمان بن إبراهيم بن محمد الحصين\nأشرف على طباعته وإخراجه\nد. عبد العزيز بن بسطام آل سعود ... أ. د. تركي بن سهو العتيبي\nالجزء السابع عشر","vol":"17","page":2},{"text":"جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ١٤٣٠ هـ\nفهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية أثناء النشر\nالواحدي، علي بن أحمد\nالتفسير البسيط لأبي الحسن علي بن أحمد بن محمد\nالواحدي (ت ٤٦٨ هـ)./ سليمان بن إبراهيم بن محمد الحصين،\nالرياض ١٤٣٠ هـ.\n٢٥ مج. (سلسلة الرسائل الجامعية)\nردمك: ٤ - ٨٥٧ - ٠٤ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (مجموعة)\n١ - ٨٧٤ - ٠٤ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (ج ١٧)\n١ - القرآن تفسير ... ٢ - الواحدي، علي بن أحمد\nأ- العنوان ... ب- السلسلة\nديوي ٢٢٧.٣ ... ٨٦٨/ ١٤٣٠\nرقم الإيداع: ٨٦٨/ ١٤٣٠ هـ\nردمك: ٤ - ٨٥٧ - ٠٤ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (مجموعة)\n١ - ٨٧٤ - ٠٤ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (ج ١٧)","vol":"17","page":3},{"text":"التَّفْسِيرُ البَسِيْط\nلأبي الحسن على بن أحمد بن محمد الواحدي\n(ت ٤٦٨ هـ)\n[١٧]","vol":"17","page":4},{"text":"بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ","vol":"17","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2978>سورة الشعراء</span>","vol":"17","page":6},{"text":"تفسير سورة الشعراء (١)\n_________\n(١) قال مقاتل ٤٨ أ: \"سورة الشعراء مكية، غير آيتين فإنهما مدنيتان؛ أحدهما: قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً﴾ الآية [١٩٧]، والأخرى قوله تعالى: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ [٢٢٤]. وبعض أهل التفسير يقول: إن من قوله تعالى: ﴿وَالشُّعَرَاءُ﴾ إلى آخرها، وهن أربع آيات، مدنيات. والله أعلم بما أنزل\". قال ابن قتيبة: \"سورة الشعراء مكية كلها إلا خمس آيات من آخرها\". \"غريب القرآن\" ٣١٦. فإن كان المراد بالخمس من: ﴿وَالشُّعَرَاءُ﴾ فإن هذا لا يستقيم؛ لأنهن أربع آيات، من [٢٢٤ - ٢٢٧].\nقال الثعلبي ٨/ ١٠٦ ب: \"سورة الشعراء مكية إلا قوله: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ إلى آخر السورة فإنها مدنية. وتبعه الماوردي ٤/ ١٦٣. ولم يذكر الواحدي في \"الوسيط\" ٣/ ٣٥٠، ولا الوجيز ٢/ ٧٨٦، خلافًا في مكية السورة كلها، دون استثناء. وحكاه ابن عطية ١١/ ٨٥، قول جمهور الناس. وأخرج ابن الضريس، وابن مردويه، عن ابن عباس، قال. أنزلت سورة الشعراء بمكة. وأخرج ابن مردويه، مثله عن عبد الله بن الزبير. \"الدر المنثور\" ٦/ ٢٨٨.\nقال القاسمي ١٣/ ٤: \"قال الداني: رُوي بسند صحيح أنها نزلت في شاعرين تهاجيا في الجاهلية، مع كل واحد منهما جماعة. فالسورة على هذا كلها مكية\". وقد ذكر الواحدي في \"الوسيط\" ٣/ ٣٥٠، حديث أبي بن كعب في فضل هذه السورة وكذا الطبرسي ٧/ ٣٨٦؛ وهو حديث موضوع، تخريج الزيلعي لـ\"الكشاف\" ٢/ ٤٨٣. و\"الفتح السماوي\" ٢/ ٨٩٠. وقد سبق الحديث عنه في أول سورة الفرقان.\nوعدد آياتها: مائتان وسبع وعشرون آية. \"تفسير الطوسي\" ٨/ ٣. و\"مصاعد النظر\" ٢/ ٣٢٥. و\"تفسير الوسيط\" ٣/ ٣٥٠. قال ابن كثير ٦/ ١٣٥: \"ووقع في تفسير مالك المروي عنه، تسميتها: سورة الجامعة\". قال ابن عاشور ١٩/ ٩٨: \"اشتهرت عند السلف بسورة: الشعراء؛ لأنها تفردت من بين سور القرآن بذكر =","vol":"17","page":7},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2979>١ </span>- ﴿طسم﴾ قال الوالبي عن ابن عباس: ﴿طسم﴾ قسم، وهو من أسماء الله ﷿ (١)\nوقال عكرمة عنه: عجزت العلماء عن علم تفسيرها (٢).\nوقال مجاهد: ﴿طسم﴾ اسم السورة (٣).\nوقال قتادة: هو اسم من أسماء القرآن (٤).\nوقال محمد بن كعب: أقسم الله سبحانه بطوله وسنائه وملكه (٥)\n_________\n= كلمة الشعراء. ثم قال في تسميتها بالجامعة: ولم يظهر وصفها بهذا الوصف، ولعلها أول سورة جمعت ذكر أصحاب الشرائع المعلومة إلى الرسالة المحمدية\".\n(١) أخرجه ابن جرير ١٩/ ٥٨، وابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٤٧، كلاهما من طريق علي بن أبي طلحة. وذكره عنه الثعلبي ٨/ ١٠٧ أ. قال البغوي ٦/ ١٠٥: روى علي بن أبي طلحة الوالبي عن ابن عباس.\n(٢) \"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٠٧ أ. و\"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٤٦٩، ولم ينسبه.\n(٣) \"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٠٧ أ. ولم أجده في \"تفسير مجاهد\".\n(٤) أخرجه عبد الرزاق ٢/ ٧٣. وعنه ابن جرير ١٩/ ٥٨. وأخرج ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٤٧، من طريق آخر عنه وفيه زيادة: \"اسم من أسماء القرآن، أقسم به ربك\". وبهذه الزيادة ذكره الثعلبي ٨/ ١٠٧ أ، عن قتادة وأبي روق.\n(٥) \"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٠٧ أ. و\"تفسير البغوي\" ٦/ ١٠٥. وأخرج ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٤٧، عن محمد بن كعب: \"الطاء من الطول، والسين من القدوس، والميم من الرحمن\". وفي \"تنوير المقباس\" ص ٣٠٦: في قول: الطاء طوله وقدرته، والسين سناؤه، والميم ملكه. ويقال: قسم أقسم به .. وأخرج ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٤٧، عن الحسن البصري، قال: \"فواتح افتتح الله بها كتابه أو القرآن\". =","vol":"17","page":8},{"text":"واختلف القراء في إخفاء النون وتبيينه من: سم (١). والوجه التبيين؛ لأن حروف الهجاء في تقدير الانفصال والانقطاع مما بعدها، وإذا كان كذلك وجب التبيين؛ لأنها إنما تخفى إذا اتصلت بحرف من حروف الفم، فإذا لم تتصل بها لم يكن شيء يوجب إخفاءها <span data-type=\"title\" id=toc-2980>(٢)</span>.\nووجه إخفائها: أن همزة الوصل قد وصلت، ولم تقطع مع هذه الحروف، وهمزة الوصل إنما تذهب في الدَّرْج، فكما سقطت همزة الوصل في ﴿الم﴾ وهي لا تسقط إلا مع الدَّرْج، كذلك لا تُبين النون ويقدر فيها الاتصال بما قبلها ولا يقدر فيها الانفصال (٣).\n\n٢ - وقوله: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ تفسيره قد تقدم في قوله:\n_________\n= وقد ذكر الماوردي ٤/ ١٦٤، عن من لم يسمه من أهل الخواطر آراءً غريبة في بيان معاني هذه الأحرف. ونحو ذلك ذكر الرازي ٢٤/ ١١٨. وقد أطال في ذكرها البرسوي، في تفسيره ٦/ ٢٥٨. قال أبو حيان ٧/ ٥: \"وتكلموا على هذه الحروف بما يشبه اللغز، والأحاجي فتركت نقله إذ لا دليل على شيء مما قالوه\". وهذا موقف حسن؛ والأقرب أن هذه الحروف ابتدأ بها للدلالة على الإعجاز والتحدي، وأن هذا القرآن مكون من هذه الحروف التي تنطقونها وتتكلمون بها، فهي لا تدل على معنى في أصل وضعها. راجع \"تفسير ابن كثير\" ١/ ١٥٦ - ١٦٢.\n(١) قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر: (طَسم) بفتح الطاء، وإدغام النون، ولم يظهر النون في (طسم) غير حمزة، من السبعة، وشاركه في ذلك أبو جعفر. \"السبعة في القراءات\" ٤٧٠، و\"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٣٥٥، وابن خالويه، في \"إعراب القراءات السبع وعللها\" ٢/ ١٣٠. والأزهري، في معاني القراءات ٢/ ٢٢٣، ثم قال: \"وإدغام النون في الميم حسن، لقرب مخرجيهما، ومن اختار التبيين حسن\". و\"النشر في القراءات العشر\" ٢/ ١٩.\n(٢) في (أ)، (ب): إخفاء هذا.\n(٣) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٣٥٦، بنصه.","vol":"17","page":9},{"text":"﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ [البقرة:١، ٢] (١)، وقوله: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ في ابتداء سورة يوسف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2981>٣ </span>- قوله: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ﴾ قال أبو عبيدة: مهلك نفسك (٢). وقال المبرد: الباخع: المهلك، يقال: بخع زيد نفسه إذا أهلكها، وبخعه الحب إذا أهلكه وأذابه (٣).\nوأنشد أبو عبيدة:\nألا أيُّهذا الباخعُ الوجْدُ نفسَه ... لشيءٍ نَحتْه عن يديه المقادرُ (٤)\nومضى الكلام في تفسير الباخع في نظير هذه الآية: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ﴾ الآية، [الكهف: ٦].\nقال المفسرون: لما كذبت قريش رسول الله -ﷺ- شق ذلك عليه، واشتد حتى أثر فيه، وكان يشتد حرصه على إيمانهم فأنزل الله ﷿ هذه\n_________\n(١) قال الواحدي في تفسير هذه الآية من سورة البقرة: \"قال أبو الهيثم: ذا، اسم كل مشار إليه يراه المتكلم والمخاطب كقولك: ذا الرجل، وذا الفرس، فإذا بعد المشار إليه زادوا كافًا فقالوا: ذاك الرجل، وهذه الكاف ليست في موضع نصب ولا خفض ولا رفع، وإنما أشبهت كاف أخاك وعصاك فتوهم السامع أنها في موضع خفض، فلما دخل فيها هذا اللبس زادوا: لامًا، فقالوا: ذلك أخوك\".\n(٢) \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ٢/ ٨٣. و\"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٧٥.\n(٣) قال الزمخشري ٣/ ٢٩٠: \"البخع: أن يبلغ بالذبح البخاع، وهو: عِرق مستبطن الفقار، وذلك أقصى حد الذابح\". وذكره الرازي ٢٤/ ١١٨، ولم ينسبه.\n(٤) \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ٢/ ٨٣، ونسبه لذي الرمة، وهو في ديوانه ٣٦١، وفيه: عن يديك، وفيه: الباخع: القاتل، ونحته: عدلته، وصرفته. والوجد: الحزن. وأنشده المبرد، في \"المقتضب\" ٤/ ٢٥٩، وابن جرير ١٩/ ٥٨، والأزهري، \"تهذيب اللغة\" ١/ ١٦٨، ولم ينسبوه. وذكره الماوردي ٤/ ١٦٤، منسوبًا لذي الرمة، بلفظ: بشيء نحته.","vol":"17","page":10},{"text":"الآية (١)، وهي كالإنكار عليه شدة حرصه؛ وذلك أنه كان يعلم أن الله ﷿ إن لم يهدهم لم يهتدوا فما يغني عنه (٢) حرصه على إيمانهم، واشتداد تكذيبهم عليه (٣).\n\nقال ابن عباس في قوله: ﴿بَاخِعٌ نَفْسَكَ﴾: قاتل نفسك <span data-type=\"title\" id=toc-2982>(٤)</span>.\nقوله تعالى: ﴿أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ قال أبو إسحاق: موضع (أن) نصب مفعول له، المعنى: لعلك (٥) قاتل نفسك لتركهم الإيمان (٦).\nثم أعلم ﷿ أنه لو أراد أن ينزل ما يضطرهم إلى الطاعة لقدر على ذلك إلا أنه ﷿ تعبدهم بما يستوجبون به الثواب مع الإيمان، ولو نزل على كل من عَنَدَ عن الحق عذابٌ لخضع مضطرًّا، وآمن إيمان من لا يجد مذهبًا عن الإيمان (٧)، وهو قوله:\n\n٤ - ﴿إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾ قال ابن\n_________\n(١) \"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٠٧ أ.\n(٢) هكذا في جميع النسخ: عنه. وفي \"الوسيط\" ٣/ ٣٥٠، عنهم، وهي أولى.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ٤٨ أ. بمعناه. و\"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٤٧٠.\n(٤) أخرجه ابن جرير ١٩/ ٥٨. وأخرجه عبد الرزاق، في تفسيره ٢/ ٧٣، عن قتادة، وعنه ابن جرير ١٩/ ٥٨. وهو في \"تفسير مقاتل\" ٤٨ أ. وأخرجه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٤٨، عن مجاهد. ثم قال: \"وروي عن الحسن، وعكرمة، وقتادة، وعطية، والضحاك مثل ذلك\". وذكره الثعلبي ٨/ ١٠٧ أ، ولم ينسبه. وذكر الماوردي ٤/ ١٦٤، عن عطاء وابن زيد: مخرج نفسك. وذكره الطوسي ٨/ ٤، عن ابن زيد، بلفظ: مخرج نفسك من جسدك.\n(٥) في نسخة (أ)، (ب): أهلك.\n(٦) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٨٢. ونحوه في \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٧٥، وعنه ابن جرير ١٩/ ٥٩. واختار النحاس قول أبي إسحاق، في \"إعراب القرآن\" ٣/ ١٧٤.\n(٧) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٨٢، باختصار.","vol":"17","page":11},{"text":"جريج: ولو شاء لأراهم أمرا من أمره لا يعمل أحد منهم بعده معصية (١). وقال قتادة: لو شاء الله لأنزل عليهم آية يذلون بها فلا يلوي أحد منهم عنقه إلى معصية الله (٢).\nقال أبو إسحاق: قوله ﴿فَظَلَّتْ﴾ معناه: فتظل، والجزاء يقع فيه لفظ الماضي بمعنى المستقبل، تقول: إن أتيتني أكرمتك، معناه: أكرمك (٣).\n_________\n(١) أخرجه ابن جرير ١٩/ ٥٩. وذكره الثعلبي ٨/ ١٠٧ أ.\n(٢) أخرجه عبد الرزاق ٢/ ٧٣. وعنه ابن جرير ١٩/ ٥٩. وابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٥٠. وأخرج ابن جرير ١٩/ ٥٩ عن ابن عباس: (ملقين أعناقهم). ونظير هذه الآية قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٩٩]. وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [هود: ١١٨]. قال ابن كثير ٦/ ١٣٥: \"فنفذ قدره، ومضت حكمته، وقامت حجته البالغة على خلقه بإرسال الرسل إليهم وإنزال الكتب عليهم\".\nوذكر الثعلبي ٨/ ١٠٧ أ، بإسناده من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس، قولًا غريبًا في المراد بهذه الآية، قال: نزلت هذه الآية فينا، وفي بني أمية، قال: سيكون لنا عليهم الدولة فتذل لنا أعناقهم بعد صعوبة، وهوان بعد عزة. وقد تبع الثعلبي في سياق هذه الرواية دون تعليق عليها عدد من المفسرين، كالزمخشري ٣/ ٢٩١، والطبرسي ٧/ ٢٨٩، والقرطبي ١٣/ ٩٠، وقال بعد سياقها: فالله أعلم. وأبو حيان ٧/ ٧، ولم يتعقبها. وقد أحسن الواحدي في إعراضه عن ذكر هذه الرواية في تفاسيره الثلاثة، وإن كان الأولى أن يرد هذه الرواية، وينقضها، وممن أعرض عن ذكرها ابن كثير، والسيوطي، والشوكاني، وغيرهم، ولم أر من تعقب هذه الرواية غير ابن عاشور ١٩/ ٩٧، حيث قال: (ومن بدع التفاسير وركيكها ما نسبه الثعلبي إلى ابن عباس، أنه قال: نزلت هذه الآية فينا وفي بني أمية فتذل لنا أعناقهم بعد صعوبة، ويلحقهم هوان بعد عزة. وهذا من تحريف كلم القرآن عن مواضعه، ونحاشي ابن عباس -﵁- أن يقوله، وهو الذي دعا له رسول الله -ﷺ- بأن يعلمه التأويل والقرآن أجل من أن يتعرض لهذه السفاسف).\n(٣) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٨٢.","vol":"17","page":12},{"text":"وهذا الذي ذكره (١) مختصر مما بسطه الفراء؛ وهو أنه قال: لك ﴿إن﴾ تعطف على مجزوم الجزاء بفَعَل؛ لأن الجزاء يصلح في موضع يفعَل فعل (٢)، ألا ترى أنك تقول: إن زرتني زُرتك، وإن تزرني أزرك، والمعنى واحد، ولذلك صلح ﴿فَظَلَّتْ﴾ مردودة على يفعل، وأنشد:\nإن يسمعوا ريبةً طاروا بها فرَحًا (٣)\nبمعنى: يطيروا.\nقال أبو علي فيما أصلح على أبي إسحاق: اعلم أن الجزاء يكون على ثلاثة أضرب: يكون بالفعل وبالفاء وبإذا، فإذا كان بالفعل جاز أن يقع الماضي موضع المستقبل في الجزاء كما جاز أن يقع موقعه في الشرط؛ لأن الحرف يقلب المعنى إلى الاستقبال كما تفعل ذلك لم، في النفي، ولا، في قولك: واللهِ لا فعلت، فتقول على هذا: إن أتيتني أتيتك، تريد إن تأتني آتك، فتوقع الماضي موقع المستقبل في الجزاء، كما أوقعته في الشرط، وإن كان ذلك في الشرط أبين؛ لأن الحرف يخلص عمله في الفعل [الذي يلحق بشرط (٤)، ولا يخلص عمله في الجزاء، ألا ترى أن الجزاء لا يخلو\n_________\n(١) في نسخة (أ)، (ب)، هنا تكرارة وهو: في معنى المستقبل، تقول: إن أتيتني أكرمتك، معناه: أكرمك.\n(٢) في \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٧٦، فعل يفعل.\n(٣) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٧٦، ولفظ البيت عنده:\nإن يسمعوا سُبَّة طاروا بها فرحًا ... مني وما يسمعوا من صالح دفنوا\nوأنشده أبو عبيدة، \"مجاز القرآن\" ٢/ ٧، وابن جني، \"المحتسب\" ١/ ٢٠٦، ولم ينسباه، ونسبه في \"حاشية المحتسب\" لقعنب بن أم صاحب، واسمه: ضمرة، أحد بني عبد الله بن غطفان.\n(٤) في كتاب أبي علي: الذي هو الشرط. بدل: الذي يلحق بشرط.","vol":"17","page":13},{"text":"من أن يكون معمولًا للحرف، والفعل أو] (١) للفعل (٢) دون الحرف وليس في القسمة أن يكون معمولًا لأن، فينجزم كما انجزم به الشرط (٣)، ولم نعلم أحدًا ذهب إلى ذلك إلا أن الجزاء قد جاز فيه من هذا ما جاز في الشرط من حيث صار كالجملة الواحدة، فأما ما بعد الفاء فمنقطع عن: إن، وعن أن يكون لها عمل (٤)، ألا ترى أن الفاء إنما تجتلب في جواب الشرط إذا كانت الجملة الموقعة في موضع الجزاء من مبتدأ وخبر، والمبتدأ أو الخبر لا يتعلق بأن لأنها من عوامل الأفعال، وما أخلص لها من دون الأسماء، فإذا كان كذلك لم تدخل عليها ولم تتعلق بها فاجتلبت الفاء وإذا ليُتوصل بها إلى كون الجملة التي من المبتدأ والخبر في موضع الجزاء كما يتوصل بالذي إلى وصف المعارف بالجمل وبذو، التي بمعنى: صاحب إلى (٥) [الوصف بالأجناس] (٦) ومن ثم كانت هذه الآي (٧) محمولة عند سيبويه على إرادة المبتدأ، وهو قوله: ﴿فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ بَخْسًا﴾ [الجن: ١٣] وقوله: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا﴾ [البقرة: ١٢٦] ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٩٥] وكان موضع الفاء مع ما بعدها من الجملة جزمًا بدلالة قوله: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ﴾ [الأعراف: ١٨٦]\n_________\n(١) ما بين المعقوفين، في نسخة (ج).\n(٢) في نسخة (ب): (والفعل).\n(٣) في كتاب أبي علي: فينجزم بها كما انجزم بها الشرط.\n(٤) في كتاب أبي علي، زيادة: فيه.\n(٥) في كتاب أبي علي زيادة وهي (وصف الجوهر، وبأن الموصولة بالفعل إلى مختص بالمصدر الآتي أو بالماضي).\n(٦) ما بين المعقوفين، غير موجود في كتاب أبي علي.\n(٧) في كتاب أبي علي: الجملة. بدل: الآي.","vol":"17","page":14},{"text":"بالجزم (١)، ولهذا أيضًا حُمل:\nإنك إن يُصرعْ أخوك تصرعُ (٢)\nونحوه على التقديم (٣)، فإذا كان حكم الفاء في الجزاء ما ذكرنا وكانت إذا بمنزلتها في قوله: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ [الروم: ٣٦] وقوله: ﴿وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ﴾ [التوبة: ٥٨] بان أن عمل إن منقطع عما بعد الفاء من هذه الأفعال لخروج الفعل الذي بعدها [أن يكون جزاء] (٤) ووقوعه في موضع خبر المبتدأ يوضح ما ذكرنا أنك لو جئت بمثال المستقبل بعد الفاء لم يجزمه، لا تقول: إن تأتني فأكرمك كما تقول: إن تأتني أكرمك، وفي امتناع هذا دلالة على أن الفعل بعد الفاء منقطع عن عامل الجزم، فإذا انقطع عنه لم يجز أن يقع الماضي موقع المستقبل على حد ما كان يقع قبل أن تقطع الفاء وتحجز عمل الجازم، وإذا كان كذلك ثبت أنه على خلاف ما ذهب إليه أبو إسحاق،\n_________\n(١) بالجزم قراءة حمزة والكسائي. \"السبعة في القراءات\" ٢٩٩، و\"إعراب القراءات السبع وعللها\" ١/ ٢١٦، و\"النشر في القراءات العشر\" ٢/ ٢٧٣.\n(٢) أنشده كاملًا سيبويه، \"الكتاب\" ٣/ ٦٧، ونسبه لجرير بن عبد الله البجلي، وصدره:\nيا أقرع بن حابس يا أقرع\nثم قال سيبويه: أي: إنك تُصْرَعُ إن يُصْرَعْ أخوك. وفي الحاشية: كان جرير البجلي تنافر هو وخالد بن أرطأة الكلبي إلى الأقرع بن حابس التميمي المجاشعي، وكان عالم العرب في زمانه فقال جرير هذا عند المنافرة. وأنشده المبرد، \"المقتضب\" ٢/ ٧٢، ولم ينسبه، وفي الحاشية: استشهد به سيبويه على التقديم والتأخير، والتقدير عنده: إنك تُصرع إن يصرع أخوك.\n(٣) وقد استشهد به المبرد على ذلك، وذكر غيره \"المقتضب\" ٢/ ٧٢.\n(٤) ما بين المعقوفين، غير موجود في كتاب أبي علي.","vol":"17","page":15},{"text":"وتبينت الخلل في قول أبي إسحاق: معنى ﴿فَظَلَّتْ﴾ فتظل؛ لأن الجزاء يقع فيه لفظ الماضي موقع المستقبل (١)، وأن الماضي لم يقع موقع المستقبل هنا من حيث ذكره، ولكن كما يقع في غير هذا الماضي بمعنى الاستقبال (٢).\nوقال أبو علي (٣) في هذا الإصلاح: حيث جعل الفاء من ﴿فَظَلَّتْ﴾ جوابًا للشرط. والفاء في ﴿فَظَلَّتْ﴾ ليس جوابًا للشرط؛ بل هي للعطف على جواب الشرط؛ لأن جواب الشرط قد تقدم في قوله: ﴿نُنَزِّلْ﴾ ثم عطف عليه بالماضي، وعاد الكلام إلى ما قاله الزجاج والفراء.\nوقوله: ﴿أَعْنَاقُهُمْ﴾ كثير من المفسرين يجعلون الأعناق هاهنا جمع العنق التي هي العضو (٤). وعلى هذا قال: ﴿خَاضِعِينَ﴾ ولم يقل: خاضعة، كما قال: ﴿فَظَلَّتْ﴾ لأجل رؤوس الآي، وجاز ذلك؛ لأن المؤنث إذا أضيف إلى المذكر وكان بعضًا منه جاز تذكيره، وذلك أن الأعناق إذا خضعت فأربابها خاضعون، فتُرك الخبر عن الأعناق وأُخبر عن أربابها. وهذا قول الأخفش، والفراء، والزجاج، والمبرد، وجميع النحويين؛ قالوا: يجوز أن يُترك المضاف وُيخبر عن المضاف إليه، فيكون كالخبر عن المضاف (٥)، وأنشدوا:\n_________\n(١) يوجد هنا تكرار في نسخة (أ)، قدره: سطر ونصف.\n(٢) الجزء الثاني من كتاب \"الإغفال\" ٢١٨ ب، ٢١٩ أ، ب. مع شيء يسير من الاختلاف.\n(٣) لعل الصواب: وقول أبي علي؛ لأن هذا نقد لكلام أبي علي.\n(٤) \"تفسير ابن جرير\" ١٩/ ٥٩، وقد أخرجه عن مجاهد، وقتادة.\n(٥) \"المقتضب\" ٤/ ١٩٩، وفيه: وأما ما عليه جماعة أهل النحو، وأكثر أهل التفسير، =","vol":"17","page":16},{"text":"مشين كما اهتزت رماحٌ تسفهتْ ... أعاليها مرُّ الرياحِ النواسمِ (١)\nكأنه قال: تسفيها الرياح (٢)، وترك من الرياح النواسم.\nوقول آخر:\nلَمَا رأى مَتْنَ السماء انْقَدَّتِ (٣)\n_________\n= فيما أعلم، فإنه أضاف الأعناق إليهم، يريد: الرقاب، ثم جعل الخبر عنهم؛ لأن خضوعهم بخضوع الأعناق. و\"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٧٧، و\"معاني القرآن\" للأخفش ٢/ ٦٤٤. و\"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ٢/ ٨٣. و\"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٨٢. قال السمرقندي ٢/ ٤٧٠: \"لأن الكلام انصرف إلى المعنى فكأنه قال: هم لها خاضعون. وليس فيها: لأجل رؤوس الآي\"، وقد ذكره الثعلبي ٨/ ١٠٧ ب. قال البغوي ٦/ ١٠٦: وقيل: إنما قال: ﴿خَاضِعِينَ﴾ على وفاق رؤوس الآي، ليكون على نسق واحد. ولم ينسبه.\nوذكر هذا القول ابن عطية ١١/ ٩٠، فقال: الإضافة إلى من يعقل أفادت حكمه لمن لا يعقل، كما تفيد الإضافة إلى المؤنث تأنيث علامة المذكر.\n(١) البيت لذي الرمة، ديوانه ٢٦٦، بلفظ: رويدًا، بدل: مشين. وأنشده سيبويه، \"الكتاب\" ١/ ٥٢، ونسبه لذي الرمة، وفي الحاشية: جعل النساء في اهتزازهن حين يمشين بمنزلة الرماح تستخفها الريح فتزعزعها. وأنشده المبرد، \"المقتضب\" ٤/ ١٩٧، والزجاج، \"معاني القرآن\" ٤/ ٨٣، ولم ينسباه. ولم أجد هذا البيت عند الفراء، ولا الأخفش، ولم أجده عند ابن جرير، ولا الثعلبي.\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٨٣، وفيه: تسفهتها الرياح.\n(٣) أنشده الأخفش في \"معاني القرآن\" ٢/ ٦٤٤، ولم ينسبه. وفي الحاشية: لم تفد المراجع شيئًا في القول والقائل؟. ولم أجده عند الفراء. ونسبه ابن جرير ١٩/ ٦٠، للعجاج، وفيه: أبعدت، بدل: انقدت. وفي الحاشية: لم أجد البيت في \"ديوان العجاج\"؟ والمتن الظهر، والشاهد في هذا الرجز أنه أنث الفعل: أبعدت، بالتاء، مع أن الضمير فيه راجع إلى المتن، وهو مذكر، لكن لما أضيف المتن إلى السماء وهي مؤنثة فكأن الشاعر أعاد الضمير على السماء وتناسى المتن، فأنث لذلك. وأنشده الثعلبي ٨/ ١٠٧ ب، منسوبًا للعجاج. والبيت في ديوان العجاج ص ٢١٩، =","vol":"17","page":17},{"text":"وقول الأعشى:\nكما شَرِقَتْ صدْرُ القَنَاةِ من الدَّم (١)\nوقال جرير:\nرأت مَرَّ السنينَ أخذْنَ مِنِّي (٢)\nوأنشد أبو عبيدة:\nإذا بعضُ السنينَ تعرَّقتْنَا ... كفى الأيتامَ فقدَ أبي اليتيمِ (٣)\n_________\n= بلفظ:\nإذا رأى متن السماء انقدت ... وحيَ الإله والبلادَ رُجَّتِ\n(١) أنشده كاملًا ونسبه للأعشى: سيبويه \"الكتاب\" ١/ ٥٢، وأنشده المبرد، \"المقتضب\" ٤/ ١٩٧، ولم ينسبه، وكذا الأخفش في \"معاني القرآن\" ٢/ ٦٤٤، وصدره:\nوتشرق بالقول الذي قد أذعتَه\nولم أجده عند الفراء. وأنشده ابن جرير ١٩/ ٦٠، والثعلبي ٨/ ١٠٧ ب. ونسباه للأعشى. وهو في ديوانه ١٨٣، من قصيدة له في هجاء عمير بن عبد الله بن المنذر. وفي \"حاشية ابن جرير\": صدر القناة: أعلاها، والشاهد من البيت أنه أنث الفعل: شرق، بالتاء، مع أن فاعله وهو: صدر، مذكر ولكنه لما أضيف إلى القناة وهي مؤنثة فكأنه جعل الفعل للقناة لا لصدرها.\n(٢) ديوان جرير ٣٤١، من قصيدة يهجو فيها الفرزدق، والبيت بتمامه:\nرأت مر السنين أخذن مني ... كما أخذ السرار من الهلال\nوالسرار: آخر الشهر.\nوذكر صدره المبرد في \"المقتضب\" ٤/ ٢٠٠، ولم ينسبه. وذكره كاملًا أبو عبيدة، في \"مجاز القرآن\" ٢/ ٨٣، وابن جرير ١٩/ ٦٢، والثعلبي ٨/ ١٠٧ ب، والطوسي ٨/ ٦، ونسبوه لجرير، وأنشده الزجاج، \"معاني القرآن\" ٤/ ٨٢، ولم ينسبه قال أبو عبيدة: (رجع إلى السنين، وترك: مرَّ).\n(٣) أنشده سيبويه، \"الكتاب\" ١/ ٥٢، ونسبه لجرير، وهو في ديوانه ٤١٢، من قصيدة له في مدح هشام بن عبد الملك، وفي حاشية \"الكتاب\": السنة: الجدب، =","vol":"17","page":18},{"text":"تركوا المضاف وأخبروا عن المضاف إليه.\nقال الفراء: جعل الفعل أولًا للأعناق، ثم جعل خاضعين للرجال (١).\nوقال الأخفش: تجعل الخضوع مردودًا على المضمرة التي أضاف الأعناق إليها (٢).\nوقال الزجاج: لما لم يكن الخضوع إلا بخضوع الأعناق جاز أن يخبر عن المضاف إليه (٣).\nوذهب مجاهد في تفسير الأعناق إلى أنها الرؤساء والكبراء (٤). فصار معنى الآية: فظلت رؤساء القوم لها خاضعين (٥).\n_________\n= وتعرقتنا: ذهبت بأموالنا كما يتعرق الآكل العظم فيذهب ما عليه من اللحم. وأنشده المبرد في \"المقتضب\" ٤/ ١٩٨، ولم ينسبه، وفي حاشيته: استشهد به سيبويه على اكتساب المضاف التأنيث من المضاف إليه. ولم أجده في \"مجاز القرآن\". ولا في \"تفسير الثعلبي\".\n(١) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٧٧.\n(٢) \"معاني القرآن\" للأخفش ٢/ ٦٤٤، بمعناه.\n(٣) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٨٢. قال ابن جرير ١٩/ ٦٢: (وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، وأشبهها بما قال أهل التأويل في ذلك: أن تكون الأعناق هي أعناق الرجال، وأن يكون معنى الكلام: فظلت أعناقهم ذليلة، للآية التي ينزلها الله عليهم من السماء، وأن يكون قوله: ﴿خَاضِعِينَ﴾ مذكرًا؛ لأنه خبر عن الهاء والميم في الأعناق).\n(٤) ذكره عنه الفراء، في \"معاني القرآن\" ٢/ ٢٧٧، والثعلبي، في \"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٠٨ أ. ولم أجده في \"تفسير مجاهد\". وذكره ابن جرير ١٩/ ٥٩، ولم ينسبه، وأخرج بسنده عن مجاهد: (فظلوا خاضعة أعناقهم لها من الذلة).\n(٥) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٧٧. واختار هذا القول، هود الهواري، في \"تفسيره\" ٣/ ٢٢١.","vol":"17","page":19},{"text":"ومن الناس من يفسر الأعناق بالجماعات وهو قول (١) كثير من المفسرين، يقال: جاء القوم عُنُقُا عُنُقُا إذا جاءوا فِرَقًا، كل جماعة منهم عنق (٢)، ومنه قول الشاعر:\nأنَّ العراق وأهله عنق ... إليك فهيت هيتا (٣)\nأراد أنهم مالوا إليك جميعًا.\nويقال: هم عُنق واحد عليه، أي: جماعة (٤).\nوروى أبو العباس عن ابن الأعرابي: العُنق: الجمع الكثير من الناس (٥).\nقال المبرد: وهذا قول أبي زيد في هذه الآية قال: أعناقهم: جماعاتهم (٦).\n_________\n(١) قول. في نسخة (ج).\n(٢) \"تهذيب اللغة\" ١/ ٢٥٢ (عنق). وذكره الفراء، في \"معاني القرآن\" ٢/ ٢٧٧، والأخفش ٢/ ٦٤٥. والثعلبي ٨/ ١٠٨ أ، وصدره بقوله: (وقيل: أراد بالأعناق الجماعات والطوائف من الناس). أخرج الطستي عن ابن عباس، أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله تعالى: ﴿فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾ قال: العنق الجماعة من الناس \"الدر المنثور\" ٦/ ٢٨٩، و\"غريب القرآن\" في شعر العرب ٢١١.\n(٣) قال أبو عبيدة: أنشدني أبو عمرو بن العلاء:\nأبلغ أمير المؤمنين أخا العراق إذا أتيتا ... أن العراق وأهله عنق إليك فهيت هيتا\nيريد: علي بن أبي طالب -﵁- \"مجاز القرآن\" ١/ ٣٠٥. وأنشده الأزهري في \"تهذيب اللغة\" ١/ ٢٥٢ (عنق)، ولم ينسبه، وكذا في \"اللسان\" ١٠/ ٢٧٣. وذكره الثعلبي ٨/ ١٠٨ أ، وابن عطية ١١/ ٨٩، وأبو حيان ٧/ ٦، ولم ينسبوه.\n(٤) \"تهذيب اللغة\" ١/ ٢٥٢ (عنق).\n(٥) \"تهذيب اللغة\" ١/ ٢٥٣ (عنق)، بنصه.\n(٦) \"المقتضب\" ٤/ ١٩٩، ونسبه لأبي زيد الأنصاري.","vol":"17","page":20},{"text":"وقال النضر: العنق: جماعة من الناس (١).\nوقال الأخطل:\nوإذا المئون تُؤوكِلتْ أعناقُها ... فاحملْ هُناك على فتًى حمَّالِ (٢)\nقال ابن الأعرابي: أعناقها: جماعتها (٣).\n\nوقال غيره: ساداتها (٤). والقولان في تفسير الأعناق: أنها الجماعات، والرؤساء؛ حكاهما الفراء والزجاج وذكراهما <span data-type=\"title\" id=toc-2983>(٥)</span>.\n٥ - قوله تعالى: ﴿وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ﴾ أي: وعظ وتذكير من الله، يعني: القرآن (٦) ﴿مُحْدَثٍ﴾ في الوحي والتنزيل (٧).\nقال الكلبي: كلما نزل شيء من القرآن بعد شيء فهو أحدث من الأول (٨).\n_________\n(١) \"تهذيب اللغة\" ١/ ٢٥٤ (عنق).\n(٢) يمدح الأخطل في هذا البيت عكرمة الفياض، كاتب بشر بن مروان الذي كان قد أدى عنه حمالة حملها ليحقن دماء بني قومه، يقول: إذا ما قتل مئات القتلى، ولم تؤد دياتهم فعليك بعكرمة انقل إليه حاجتك يتكفل بها. \"شرح ديوان الأخطل\" ٢٥٠. وأنشده الأزهري ١/ ٢٥٤ (عنق)، منسوبًا للأخطل، وكذا في \"اللسان\" ١٠/ ٢٧٣.\n(٣) \"تهذيب اللغة\" ١/ ٢٥٤ (عنق).\n(٤) \"تهذيب اللغة\" ١/ ٢٥٤ (عنق)، ولم يسمه.\n(٥) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٧٧. و\"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٨٣.\n(٦) \"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٠٨ أ، بنصه. أخرج ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٥٠، عن قتادة: ما يأتيهم من شيء من كتاب الله.\n(٧) \"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٠٨ أ.\n(٨) \"الوسيط\" ٣/ ٣٥١، منسوبًا للكلبي. وكذلك البغوي ٦/ ١٠٦. وهو في \"تنوير المقباس\" ٣٠٦، بمعناه.","vol":"17","page":21},{"text":"وذكرنا هذا في أوائل سورة الأنبياء (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2984>٦ </span>- وقوله: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا﴾ قال صاحب النظم: قوله: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا﴾ بعد قوله: ﴿إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ﴾ جعل إعراضهم تكذيبًا؛ لأن من أعرض عن شيء ترك قبوله، [وإذا ترك قبوله] (٢) فقد دل على تكذيبه به. وهذا من باب الإيماء.\nوقوله: ﴿فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ وعيد لهم (٣). قال ابن عباس: سوف يأتيهم عاقبة ما كذبوا واستهزؤا به (٤).\nقال الكلبي: فوقع بهم العذاب يوم بدر (٥). يعني: أن هذا الوعيد الذي أوعدوا به في هذه الآية لحقهم يوم بدر.\nقال أبو إسحاق: المعنى: فسيعلمون نبأ ذلك في القيامة، قال: وجائز أن يعجل لهم بعض ذلك في الدنيا نحو ما نالهم يوم بدر (٦). وقال صاحب النظم: جعل تكذيبهم استهزاء فدل ذلك على أن كل من كذب بحق فكأنه (٧) قد استهزأ به، ومن أعرض عنه ولم يقبله فقد كذبه. قال: وأنباؤه ظهوره على الأديان كلها، وإيمان الناس به كافة، قال: ويقال أمر له نبأ، أي: عاقبته محمودة. هذا كلامه.\n_________\n(١) عند قوله تعالى ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾.\n(٢) ما بين المعقوفين، في نسخة (ج).\n(٣) \"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٠٨ أ.\n(٤) ذكره القرطبي ١٣/ ٩٠، ولم ينسبه.\n(٥) \"تنوير المقباس\" ٣٠٦، بلفظ: من العذاب. دون تحديد.\n(٦) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٨٣.\n(٧) في نسخة (ب): (فقد استهزأ به).","vol":"17","page":22},{"text":"وتحقيق المعنى: فسيأتيهم أخبار ما كذبوا واستهزؤا به من اجتماع الناس عليه بالإيمان؛ على ما ذكره صاحب النظم. وعلى ما ذَكر المفسرون: أخبار عاقبة تكذيبهم بما كذبوا به واستهزائهم؛ وهي: العذاب والنِّقمة (١).\nثم ذكر ما يدلهم على قدرته فقال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2985>٧ </span>- ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ﴾ يعني هؤلاء المكذبين (٢) ﴿كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا﴾ بعد أن كانت ميتة لا نبات فيها.\n﴿مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ قال ابن عباس: من كل صنف من أصناف الفواكه وغير ذلك حسن طيب (٣).\nوقال الكلبي: من كل ضرب حسن في المنظر (٤).\nوقال مجاهد: من نبات الأرض مما يأكل الناس والأنعام (٥). وهذا كقوله: ﴿مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ [الحج: ٥، ق: ٧]، قال الفراء: هو كما يقال للنخلة: كريمة إذا طاب حملها، أو كثر، وكما يقال للشاة والناقة: كريمة إذا غَزُرَتا (٦).\n_________\n(١) \"تفسير ابن جرير\" ١٩/ ٦٢، بمعناه.\n(٢) في \"تنوير المقباس\" ٣٠٦: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ كفار مكة.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ٤٨ أ، بمعناه. وأخرج عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٧٣، عن قتادة: ﴿مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ قال: حسن. وقال به ابن قتيبة، في \"تأويل مشكل القرآن\" ٤٩٥، و\"غريب القرآن\" ٣١٦.\n(٤) في \"تنوير المقباس\" ٣٠٦: ﴿مِنْ كُلِّ زَوْجٍ﴾ من كل لون ﴿كَرِيمٍ﴾ حسن في المنظر.\n(٥) أخرجه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٥٠. و\"تفسير مجاهد\" ٢/ ٤٥٩.\n(٦) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٧٨، وفيه: إذا طاب حملها أو أكثر.","vol":"17","page":23},{"text":"وقال الزجاج: معنى ﴿زَوْجٍ﴾ نوع. ومعنى (١) ﴿كَرِيمٍ﴾ محمود فيما يحتاج إليه، والمعنى: من كل زوج نافع لا يقدر على إنباته وإنشائه إلا رب العالمين (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2986>٨ </span>- وقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً﴾ يعني: ما ذُكر من الإنبات في الأرض ﴿لَآيَةً﴾ لدلالة تدل على أن الله تعالى قادر لا يعجزه شيء. روى سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله: ﴿لَآيَةً﴾ قال: علامة، كالعلامة تكون بين الرجل وأهله، يقول: هذا خاتمي (٣). يعني: كما يُستدل بالخاتم على ما أُعلم به عليه؛ كذلك بالإنبات من الأرض يُستدل على النشر والإحياء.\nوقوله: ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [قال الفراء ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾] (٤) في علم الله. يقول: قد سبق في علمي أن أكثرهم لا يؤمنون (٥). وقال أبو إسحاق: أي: قد علم الله ﷿ أن أكثرهم لا يؤمن أبدًا، وهذا إعلام من الله تعالى أن أكثرهم لا يؤمن (٦).\n_________\n(١) ومعنى. في نسخة (أ)، (ب).\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٨٣. قال الماوردي ٤/ ١٦٥: ﴿مِنْ كُلِّ زَوْجٍ﴾ أي: نوع معه قرينه من أبيض وأحمر، وحلو وحامض.\n(٣) أخرجه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٥١.\n(٤) ما بين المعقوفين، في نسخة (ج).\n(٥) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٧٨، وفيه: يقول: لهم في القرآن وتنزيله آية، ولكن أكثرهم في علم الله لن يؤمنوا.\n(٦) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٨٤. وذهب مقاتل إلى أن الضمير يرجع إلى كفار مكة، فقال ٤٨ أ: يعني أكثر أهل مكة. وذهب الهواري، في \"تفسيره\" ٣/ ٢٢٢، إلى العموم، فقال: يعني من مضى من الأمم.","vol":"17","page":24},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2987>٩ </span>- ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ قال ابن عباس: المنتقم (١) من أعدائه ﴿الرَّحِيمُ﴾ بأوليائه (٢).\nوقال ابن جريج: عزيز بالانتقام من أعدائه، رحيم بإنجاء المؤمنين بما يُهلك به أعداءه (٣).\nوفي هذا إشارة إلى أن الله تعالى ينتقم من أعداء النبي -ﷺ- بإهلاكهم وتعذيبهم وينجي المؤمنين (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2988>١٠ </span>- قوله: ﴿وَإِذْ نَادَى﴾ قال الزجاج: موضع ﴿إِذْ﴾ نصب؛ على معنى: واتل هذه القصة فيما تتلو؛ ودليل ذلك قوله عطفا على هذه القصة: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الشعراء: ٦٩] (٥).\nومعنى النداء: الدعاء بـ: يا فلان، فنادى الله موسى حين رأى الشجرة والنار (٦)، بأن قال له: يا ﴿مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (٧) قال ابن\n_________\n(١) في نسخة (أ)، (ب): (المسمى).\n(٢) \"الوسيط\" ٣/ ٣٥١، غير منسوب. وفي \"تنوير المقباس\" ٣٠٦: ﴿لَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ بالنقمة منهم ﴿الرَّحِيمُ﴾ بالمؤمنين.\n(٣) أخرجه ابن جرير ١٩/ ٦٣. وأوله: كل شيء في الشعراء، من قوله: \"عزيز رحيم\"، فهو ما أهلك ممن مضى من الأمم.\n(٤) جعل مقاتل الرحمة راجعة إلى الكفار، فقال ٤٨ أ: ﴿الرَّحِيمُ﴾ حين لا يعجل عليهم بالعقوبة.\n(٥) \"معاني القرآن\" ٤/ ٨٤. قال مقاتل ٤٨ أ: يقول: وإذ أمر ربك يا محمد موسى.\n(٦) ذكره البغوي ٦/ ١٠٧، ولم ينسبه. أخرج ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٥١، عن السدي: ﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى﴾ قال: حين نودي من جانب الطور الأيمن.\n(٧) الذي طهر من صنيع الواحدي أنه يثبت النداء في الآية على ظاهره، وهذا يدل على إثبات صفة الكلام لله ﷿.","vol":"17","page":25},{"text":"عباس: يريد: المشركين (١).\nقال أهل المعاني: يعني الذين ظلموا أنفسهم بالكفر والمعصية، وظلموا بني إسرائيل بسومهم سوء العذاب (٢).\nقال ابن عباس: ثم أخبر عنهم فقال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2989>١١ </span>- ﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا يَتَّقُونَ﴾ (٣) قال الفراء: لو قرئ: ﴿أَلَا تتقون﴾ بالتاء (٤) كان صوابًا؛ لأن موسى أُمر بأن يقول لهم: ﴿أَلَا تَتَّقُونَ﴾ فكانت التاء تجوز لخطاب موسى إياهم، وجازت الياء؛ لأن التنزيل قبل الخطاب، وهو بمنزلة قول الله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ﴾ [آل عمران: ١٢] بالتاء والياء (٥).\nوقال أبو حاتم: قوله ﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾ وقف (٦)؛ لأن المعنى تام، وما بعده استئناف (٧).\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ٤٨ أ. وأخرجه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٥١، بلفظ: الكافرين.\n(٢) \"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٠٨ أ. وذكره في \"الوسيط\" ٣/ ٣٥١، ولم ينسبه لأحد. وذكره البغوي ٦/ ١٠٧، غير منسوب.\n(٣) ذكره بنصه، في \"الوسيط\" ٣/ ٣٥١، ولم ينسبه. وفي \"تنوير المقباس\" ٣٠٦: ﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾ بدل من القوم.\n(٤) نسب هذه القراءة ابن جني، لعبد الله بن مسلم بن يسار، وحماد بن سلمة. المحتسب في شواذ القراءات ٢/ ١٢٧. ونسبها الثعلبي لعبيد بن عمير. \"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٠٨ أ.\n(٥) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٧٨. بنصه. قرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم وابن عامر (ستُغلبون) بالتاء، وقرأ حمزة والكسائي: (سيُغلبون). \"السبعة في القراءات\" ٢٠٢. و\"المبسوط في القراءات العشر\" ١٤٠. و\"النشر في القراءات العشر\" ٢/ ٢٣٨.\n(٦) وقف. في نسخة (ج).\n(٧) وقف تام عند أبي حاتم، \"القطع والائتناف\" للنحاس ٢/ ٤٩٠. وعده الداني من =","vol":"17","page":26},{"text":"ومعنى: ﴿أَلَا يَتَّقُونَ﴾ ألا يَصرفون عن أنفسهم عقوبة الله بطاعته (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2990>١٢ </span>- قوله: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾ قال الكلبي: ﴿إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾ بالرسالة (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-2991>١٣ </span>- قوله: ﴿وَيَضِيقُ صَدْرِي﴾ أي بتكذيبهم إياي (٣) ﴿وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي﴾ أي: لا ينبعث بالكلام. يعني: للعلة التي كانت بلسانه (٤).\n[قال الفراء: ﴿وَيَضِيقُ﴾ مرفوعة؛ لأنها مردودة على ﴿أَخَافُ﴾ ولو نصبت بالرد على ﴿يُكَذِّبُونِ﴾ كانت صوابًا، والوجه الرفع؛ لأنه أخبر أن صدره يضيق، وذَكر العلة التي كانت بلسانه] (٥) فتلك مما لا تَخاف؛ لأنها\n_________\n= الوقف الكافي، المكتفى ٤٢١. يعرف بالوقف التام والكافي عند أول موضع ذكر فيه الوقف.\n(١) قال مقاتل ٤٨ أ: ألا يعبدون الله ﷿.\n(٢) ذكره في \"الوسيط\" ٣/ ٣٥١، ولم ينسبه. وهو في \"تنوير المقباس\" ٣٠٧.\n(٣) \"تنوير المقباس\" ٣٠٧، ونسبه الماوردي ٤/ ١٦٦، للكلبي، وذكر قولًا آخر، وهو: ﴿وَيَضِيقُ صَدْرِي﴾ بالضعف عن إبلاغ الرسالة.\n(٤) \"تفسير ابن جرير\" ١٩/ ٦٤، و\"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٠٨ أ. وهذه العلة مذكورة في قوله تعالى: ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (٢٧) يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ [طه:٢٧، ٢٨]. وأما ما ورد من أن السبب في ذلك هو وضع نبي الله موسى ﵇ الجمرة في فمه بدلًا من التمرة، فإن هذا الخبر لا يعتد به؛ لأنه من الأخبار الإسرائيلية، وقد ذكره ابن جرير في \"تاريخه\" ١/ ٣٩٠، وجزم به ابن عطية ١١/ ٩٤. وهو مخالف للواقع؛ إذ كيف يقدر على حمل الجمرة بيده ويرفعها إلى فيه، ومع ذلك لا تحرق يده ولا توْذه، ويكفي لإثبات أن نبي الله موسى ﵇، لا يعقل أخذه للجمرة دون الحاجة إلى رفعها إلى فيه. والله أعلم. وذكر السمرقندي ٢/ ٤٧٠، أن العلة في قوله تعالى: ﴿وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي﴾ لمهابته. وهو قول غريب، ونسبه الماوردي ٤/ ١٦٦، للكلبي.\n(٥) ما بين المعقوفين، في نسخة (ج).","vol":"17","page":27},{"text":"قد كانت (١).\nقوله: ﴿فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ﴾ اجعله رسولًا لكَ معي بأن يُرسِل إليه جبريلَ بالوحي (٢).\nقال الكلبي: لكي يكون معي معينًا لي (٣).\nقال الفراء: ولم يذكر معونة ولا مؤازرة؛ لأن المعنى معلوم؛ كما تقول: لو أتاني مكروه لأرسلت إليك. ومعناه: لتعينني وتغيثني، وإذا كان المعنى (٤) معلومًا طرح للإيجاز (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2992>١٤ </span>- قوله: ﴿وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ﴾ قال مجاهد وقتادة والمفسرون وابن عباس: يريد قتلت منهم قتيلًا (٦). يعني الرجل الذي وكزه فقضى عليه (٧)، والتقدير: ولهم علي دعوى ذنب فأخاف أن يقتلوني به، أي: بقتلي إياه (٨).\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٧٨، بنصه. ونحوه في \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٨٤. وذكره نحوه النحاس، عن الكسائي، \"إعراب القرآن\" ٣/ ١٧٥.\n(٢) قال مقاتل ٤٨ أ: يقول: فأرسل معي هارون، كقوله في النساء: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ [٢].\n(٣) \"تنوير المقباس\" ٣٠٧.\n(٤) (المعنى) في نسخة (أ)، (ب).\n(٥) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٧٨. ونحوه في \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٨٤.\n(٦) \"تنوير المقباس\" ٣٠٧. و\"تفسير مجاهد\" ٢/ ٤٥٩. وأخرجه عن قتادة، عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٧٣. وأخرجه ابن جرير ١٩/ ٦٤، وابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٥٢، عن مجاهد، وقتادة. و\"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٤٧١. و\"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٠٨ب.\n(٧) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٨٥.\n(٨) \"تفسير ابن جرير\" ١٩/ ٦٤. وجعل مقاتل ٨٤ أ، (عَلَيَّ) بمعنى عندي؛ فقال: ﴿وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ﴾ أي: عندي ذنب. وذهب إليه ابن قتيبة، في \"تأويل مشكل القرآن\" ٥٧٨، و\"غريب القرآن\" ٣١٦. وظاهر الآية أن الذنب قد صدر من نبي الله موسى عليه =","vol":"17","page":28},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2993>١٥ </span>- قال الله سبحانه: ﴿كَلَّا﴾ أي: لن يقتلوك، وهو ردع وزجر عن الإقامة علي هذا الظن (١)، كأنه قال: ارتدع عن هذا الظن وثق بالله (٢).\nقال ابن عباس: [يريد لا يقدرون على قتلك. وقال الكلبي: يعني لا أسلطهم على ذلك (٣).\nقوله ﴿إِنَّا مَعَكُمْ﴾ قال ابن عباس:] (٤) يريد نفسه (٥) ﴿مُسْتَمِعُونَ﴾ قال: يريد أسمع (٦) وأرى، كما قال في: طه [٤٦] ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾.\nوقال أهل المعاني: قوله ﴿مُسْتَمِعُونَ﴾ مجاز من وجهين؛ أحدهما: الجمع، والآخر: مستمع؛ موضع: سامع؛ لأن الاستماع طلب السمع بالإصغاء، والله ﷿ سامع مما يغني عن الاستماع، والمعنى يسمع ما يقولانه وما يجيبونكما به (٧)، وأراد بهذا تقوية قلبهما (٨).\n_________\n= السلام، ويدل عليه قوله تعالى في سورة القصص [١٥، ١٦] في سياق قصة قتل القبطي: ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ (١٥) قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾، وعليه فقول الرازي ٢٤/ ١٢٣: \"لقائل أن يقول: قول موسى ﵇: ﴿وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ﴾ هل يدل على صدور الذنب منه؟ جوابه: لا، والمراد: لهم علي دعوى ذنب في زعمهم\" هذا القول مخالفة لظاهر الآية، ولا دليل عليه.\n(١) ذكره ابن الجوزي ٦/ ١١٨، بنصه، ولم ينسبه. ونحوه القرطبي ١٣/ ٩٢، ولم ينسبه.\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٨٥.\n(٣) \"تنوير المقباس\" ٣٠٧. وذكره ابن الجوزي ٦/ ١١٨، ولم ينسبه.\n(٤) ما بين المعقوفين، ساقط من نسخة (ج).\n(٥) بنصه، في \"الوسيط\" ٣/ ٣٥١، منسوبًا لابن عباس ﵄.\n(٦) \"تنوير المقباس\" ٣٠٧.\n(٧) به. في نسخة (أ)، (ب).\n(٨) \"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٠٨ ب. بمعناه. وذكر هذا الرازي ٢٤/ ١٢٤.","vol":"17","page":29},{"text":"وقوله: ﴿مَعَكُمْ﴾ وفي سورة طه ﴿مَعَكُمَا﴾ لأنه أجراهما في هذه السورة مجرى الجماعة (١). ومضت لهذا نظائر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2994>١٦ </span>- قوله: ﴿فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ مذهب أبي عبيدة، والأخفش، والمبرد، وجميع النحويين: أن الرسول هاهنا بمعنى الرسالة (٢)، وأنشدوا قول كُثَيِّر:\nلقد كَذَبَ الواشون ما بُحت عندهم ... بسرٍ ولا أرسلتهم برسول (٣)\nقالوا: يعني برسالة (٤).\nوقول عباس بن مرداس:\nألا مَنْ مُبلغٌ عني خُفافًا ... رَسولًا بيتُ أهلِك منتهاها (٥)\n_________\n(١) ذكره البغوي ٦/ ١٠٨، ولم ينسبه. وقد تكلم عن مخاطبة المثنى بلفظ الجمع، سيبويه، في \"الكتاب\" ٣/ ٦٢١. واستدل بهذه الآية.\n(٢) \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ٢/ ٨٤؛ قال مجازه: إنا رسالة رب العالمين. و\"تفسير ابن جرير\" ١٩/ ٦٤. و\"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٨٥. و\"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٠٨ ب.\n(٣) \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ٢/ ٨٤، منسوبًا لكثيِّر عزَّة وعنه ذكره ابن قتيبة، في \"غريب القرآن\" ٣١٦. وذكره ابن جرير ١٩/ ٦٥، والزجاج ٤/ ٨٥، والطوسي ٨/ ١١، ولم ينسبوه وذكره الثعلبي ٨/ ١٠٨ ب، منسوبًا لكثير.\nولفظه عند الزجاج: ما فهت عندهم بسوء.\nوعنه ذكره الأزهري ١٢/ ٣٩١ (رسل)، وهو في \"اللسان\" ١١/ ٢٨٣. والبيت في ديوان كثير ١٧٨، بلفظ:\nلقد كذب الواشون ما بحت عندهم ... بليلى ولا أرسلتهم ...\n(٤) \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ٢/ ٨٤. و\"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٠٨ ب.\n(٥) أنشده أبو عبيدة، \"مجاز القرآن\" ٢/ ٨٤، والثعلبي ٨/ ١٠٨ ب، ونسباه لعباس بن مرداس. وهو كذلك في \"لسان العرب\" ١١/ ٢٨٣ (رسل). قال أبو عبيدة: ألا ترى أنه أنثها. وأنشده ابن جرير ١٩/ ٦٥، والطوسي ٨/ ١١، ولم ينسباه. مع اختلاف =","vol":"17","page":30},{"text":"أراد رسالة، ولذلك أنث (١).\nوعلى هذا تقدير الآية: إنا ذو رسالة رب العالمين فحذف المضاف.\nوفيه قول آخر؛ وهو: أن الرسول هاهنا في معنى جمع (٢)؛ كقول الهذلي (٣):\nألكني إليهما وخير الرسول ... أعلمهم بنواحي الخبر (٤)\nومثلها العدو والصديق (٥)، قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي﴾ [الشعراء:\n_________\n= بينهم في صدر البيت. والخُفوف: سرعة السير من المنزل. \"تهذيب اللغة\" ٧/ ٩ (خفف).\n(١) \"تفسير ابن جرير\" ١٩/ ٦٥. و\"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٠٨ ب.\n(٢) \"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٠٨ ب. وذهب إلى هذا ابن قتيبة، في \"تأويل مشكل القرآن\" ٢٨٤، وقال: العرب تقول: فلان كثير الدرهم والدينار، يريدون: الدراهم والدنانير، وفي \"غريب القرآن\" ٣١٦، قال: الرسول بمعنى الجميع كما يكون الضيف، قال: ﴿هَؤُلَاءِ ضَيْفِي﴾ [الحجر: ٦٨]، وكذلك الطفل، قال: ﴿ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾ [الحج: ٥].\n(٣) راجع ترجمته في \"الشعر والشعراء\" ٢/ ٦٥٣، و\"الأغاني\" ٦/ ٥٦، و\"الخزانة\" ١/ ٢٧٤.\n(٤) أنشده الفراء ٢/ ١٨٠، ولم ينسبه. وعنه الأنباري، الزاهر في معاني كلمات الناس ١/ ٣٥، ولم ينسبه، وأنشده كذلك ابن جني، الخصائص ٣/ ٢٧٤. وذكره الطوسي ٨/ ١١، ونسبه للهذلي. وهو في \"اللسان\" ١١/ ٢٨٣ (رسل)، منسوبًا لأبي ذؤيب. وذكره الزمخشري ٣/ ٢٩٥، ولم ينسبه. ونسبه ابن عطية ١١/ ٩٦، للهذلي. راجع \"ديوان الهذليين\" ١/ ١٤٦، وقال شارح \"أشعار الهذليين\" ١/ ١١٣: ألكني: أبلغ عني ألوكي، والألوك: الرسالة وذكره القرطبي ١٣/ ٩٣، منسوبًا للهذلي. قال ابن عاشور ١٩/ ١٠٩، بعد ذكره البيت: فهل من ريبة في أن ضمير الرسول في البيت مراد به المرسلون.\n(٥) \"معاني القرآن\" للأخفش ٢/ ٦٤٥.","vol":"17","page":31},{"text":"٧٧] وقال: ﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩] وقد مَرَّ (١).\nوذكر أبو علي القولين جميعًا بعبارة وجيزة، فقال: الرسول يستعمل على ضربين؛ أحدهما: [بمعنى المرسل، والآخر بمعنى: الرسالة، فقوله: ﴿إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ بمعنى: الرسالة،] (٢) وهو من باب حذف المضاف؛ لأن المعنى: إنا ذو رسالة رب العالمين. قال: ويجوز أن يكون الواحد وضع موضع التثنية، كما وضع موضع الجمع في قوله: ﴿وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ﴾ [الكهف: ٥٠]، ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ﴾ [النساء: ٩٢]، ونحو ذلك (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2995>١٧ </span>- قوله تعالى: ﴿أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ معناه: بأن، فحذف الجار، ومعنى الإرسال هاهنا: الإطلاق والتخلية؛ كما تقول: أرسلت الصيد من يدي، أي: أطلقته بعد التخلية. وإنما أمر بأن يُخلي عنهم برفع منعه لهم. قال مقاتل: أرسلهم معنا إلى أرض فلسطين، ولا تستعبدهم (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-2996>١٨ </span>- قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا﴾ في الكلام محذوف تقديره: فأتياه وأبلغا الرسالة، فقال: ﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا﴾ (٥) [قال مقاتل: عرف فرعون موسى؛ لأنه رباه في بيته فلما أتاه قال له: ﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا﴾] (٦)\n_________\n(١) قال الواحدي في تفسير هذه الآية: قال الفراء: وإنما وحد الرفيق وهو حقه الجمع؛ لأن الرفيق والبريد والرسول تذهب به العرب إلى الواحد وإلى الجمع، ولا يجوز أن تقول: حسن أولئك رجلًا.\n(٢) ما بين المعقوفين، ساقط من نسخة (ج).\n(٣) واقتصر على هذا القول في \"الوسيط\" ٣/ ٣٥١. قال الهواري ٣/ ٢٢٣: وهي كلمة من كلام العرب؛ يقول الرجل للرجل: من كان رسولك إلى فلان؟ فيقول: فلان، وفلان، وفلان.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ٤٨ ب.\n(٥) \"تفسير ابن جرير\" ١٩/ ٦٦.\n(٦) ما بين المعقوفين، ساقط من نسخة (ج).","vol":"17","page":32},{"text":"يعني: صبيًّا (١). وقال ابن عباس: صغيرًا (٢).\nوالوليد: هو المولود، وموسى وُلِد فيهم ثم كان فيما بينهم حتى صار رجلًا، وهو قوله تعالى: ﴿وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ﴾ قال ابن عباس: يريد ثمان عشرة سنة (٣). وقال مقاتل: ثلاثين سنة (٤). وقال الكلبي: أربعين سنة (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2997>١٩ </span>- وقوله: ﴿وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ قال ابن عباس والمفسرون: يعني قتل القبطي الذي قتله موسى (٦).\n﴿وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ فيه قولان؛ أحدهما: وأنت من الكافرين بإلهك، وكنت معنا على ديننا هذا الذي تعيب. وهذا قول الحسن والسدي (٧).\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ٤٨ ب، بنصه. قال الزمخشري ٣/ ٢٩٦: الوليد: الصبي لقرب عهده من الولادة.\n(٢) \"تنوير المقباس\" ٣٠٧. و\"تفسير الماوردي\" ٤/ ١٦٦، ولم ينسبه.\n(٣) \"الوسيط\" ٣/ ٣٥١، منسوبًا له.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ٤٨ ب، ٥١ أ. واقتصر عليه السمرقندي ٢/ ٤٧١، والثعلبي ٨/ ١٠٨ ب، ولم ينسباه. واقتصر عليه في \"الوجيز\" ٢/ ٧٨٨، ولم ينسبه، وكذلك البغوي، في \"تفسيره\" ٦/ ١٠٩.\n(٥) في \"تنوير المقباس\" ٣٠٧: ثلاثين سنة. قال الهواري ٣/ ٢٢٣: \" ﴿وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ﴾ أي: لم تدع هذه النبوة التي تدعيها اليوم.\n(٦) \"تنوير المقباس\" ٣٠٧. و\"تفسير مقاتل\" ٤٨ ب. وأخرج ابن جرير ١٩/ ٦٦، عن مجاهد. وأخرجه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٥٤، عن مجاهد وقتادة. و\"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٠٨ب. وذكره في \"الوسيط\" ٣/ ٣٥٢، غير منسوب.\n(٧) أخرجه ابن جرير ١٩/ ٦٦، وابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٥٤، عن السدي. وذكره عنه الثعلبي ٨/ ١٠٨ ب، والماوردي ٤/ ١٦٧. وهو في \"الوسيط\" ٣/ ٣٥٢، منسوبًا للحسن، والسدي، وذكره البغوي ٦/ ١٠٩، وابن الجوزي ٦/ ١١٩.","vol":"17","page":33},{"text":"والثاني: وأنت من الكافرين للنعم التي ذكرها؛ يعني: من التربية والإحسان إليه، يقول: ربيناك وأحسنا إليك وأقمت فينا سنين ثم كافأتنا بأن قتلت منا نفسًا، وكفرت بنعمتنا.\nوهذا قول ابن زيد ومقاتل وعطاء (١)، والعوفي، عن ابن عباس قال: إن فرعون لم يكن يعلم ما الكفر بالربوبية (٢). واختاره الفراء فقال (٣): وأنت الآن من الكافرين لنعمتي، أي: لتربيتي إياك (٤).\nقال أهل المعاني: هذا الجواب من فرعون لموسى استصغار لحال الداعي إلى الله بطرًا وتكبرًا، وتوجيه أمره إلى غير جهته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2998>٢٠ </span>- ﴿قَالَ﴾ موسى: ﴿قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ﴾ أي: فعلت تلك الفعلة وأنا إذ ذاك من الضالين. أي: من الجاهلين. قاله مجاهد ومقاتل وقتادة، والسدي (٥).\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ٤٨ ب. و\"تنوير المقباس\" ٣٠٧. وأخرجه ابن جرير ١٩/ ٦٦، عن ابن زيد. وأخرجه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٥٤، عن سعيد بن جبير، ومحمد بن إسحاق، وزيد بن أسلم. واقتصر على هذا القول ابن كثير ٦/ ١٣٧.\n(٢) \"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٠٩ أ، عن العوفي عن ابن عباس. وأخرجه ابن جرير ١٩/ ٦٦، بلفظ: يقول: كافرًا للنعمة، إن فرعون لم يكن يعلم ما الكفر.\n(٣) فقال. في نسخة (أ)، (ب).\n(٤) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٧٨. وذكره الهواري ٣/ ٢٢٤. واقتصر عليه ابن قتيبة، في \"غريب القرآن\" ٣١٦. وهو اختيار ابن جرير ١٩/ ٦٦. واستظهره الشنقيطي ٦/ ٣٧٠. وذكر السمرقندي ٢/ ٤٧٢، وجهًا آخر، فقال ويقال: وأنت من الجاحدين للقتل، يعني: لم تقر بالقتل.\n(٥) \"تنوير المقباس\" ٣٠٧. و\"تفسير مجاهد\" ٢/ ٤٥٩. و\"تفسير مقاتل\" ٤٨ ب. وأخرج عبد الرزاق، في تفسيره ٢/ ٧٣، عن قتادة. وأخرجه ابن جرير ١٩/ ٦٧، عن مجاهد، وقتادة، والضحاك. وأخرجه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٥٥، عن مجاهد، =","vol":"17","page":34},{"text":"قال الفراء: وكذا هو في حرف ابن مسعود: وأنا من الجاهلين (١). قال: والضالين والجاهلين يكونان بمعنى واحد؛ لأنك تقول: جهلت الطريق وضللته (٢). وهذا يحتمل تأولين، أحدهما: كنت جاهلًا لم يأتني عن الله شيء، وهذا قول أكثر المفسرين (٣).\nوالثاني: كنت من الجاهلين أنها تبلغ القتل؛ وهذا قول قتادة قال: جهل نبي الله ولم يتعمد (٤). والأول معنى قول ابن عباس في رواية عطاء: ﴿وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ﴾ عن نبوة ربي (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2999>٢١ </span>- قوله: ﴿فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ﴾ أي ذهبت (٦) من بينكم حذرًا\n_________\n= وقتادة، ثم قال: وروي عن ابن عباس، وسعيد بن جبير، والثوري مثل ذلك.\n(١) أخرجه ابن جرير ١٩/ ٦٧. وأخرج ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٥٥، عن قتادة قال: \"وفي بعض القراءات: (فعلتها إذًا وأنا من الجاهلين).\n(٢) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٧٩، بنصه.\n(٣) \"تفسير ابن جرير\" ١٩/ ٦٧. وهو في \"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٠٩ أ، بنصه. واقتصر عليه في \"الوسيط\" ٣/ ٣٥٢، و\"الوجيز\" ٢/ ٧٨٨. وصدره ابن الجوزي ٦/ ١١٩، بقوله: وقال بعض المفسرين .. قال الشنقيطي ٦/ ٣٧١: ﴿مِنَ الضَّالِّينَ﴾ أي: قبل أن يوحي الله إليّ، ويبعثني رسولًا، وهذا هو التحقيق -إن شاء الله- في معنى الآية.\n(٤) أخرجه عبد الرزاق ٢/ ٧٣، وابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٥٥. قال الهواري ٣/ ٢٢٤: من الجاهلين، أي: لم أتعمد قتله. ونحوه عند النحاس، في \"إعراب القرآن\" ٣/ ١٧٦. قال الثعلبي ٨/ ١٠٩ أ: ونظيره قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ﴾ [يوسف: ٩٥] وقوله: ﴿إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [يوسف: ٨]. واختار ابن قتيبة، أن يكون المعنى: من الناسين. \"تأويل مشكل القرآن\" ٤٥٧، ونسب هذا القول في \"غريب القرآن\" ٣١٦، لأبي عبيدة، ولم أجده في كتابه: \"مجاز القرآن\".\n(٥) \"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٤٧٢، ولم ينسبه، واستدل عليه بقوله تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾.\n(٦) في \"تنوير المقباس\" ٣٠٧: (فهربت).","vol":"17","page":35},{"text":"على نفسىِ.\nقال مقاتل: ﴿فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ﴾ إلى مدين (١) لما خفتكم أن تقتلوني بمن قتلته (٢). ﴿فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا﴾ يعني: نبوة. قاله ابن عباس، والسدي (٣). وقال مقاتل: يعني العلم والفهم (٤). وقال ابن زيد: عقلًا. وقال الفراء: التوراة (٥). وهو بعيد؛ لأن التوراة أوتي (٦) بعد غرق فرعون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3000>٢٢ </span>- قوله: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ قال ابن السكيت: استعبده وعبَّده أي: أخذه عبدًا، وأنشد قول رؤبة:\nيَرضونَ بالتعبيدِ والتأمِّي (٧)\nقال: ويقال: تَعَبَّدت فلانًا، أي: اتخذته عبدًا، مثل: عَبَّدته سواء. وتأمَّيت فلانة: اتخذتها أمة (٨). وينشد على هذا (٩) التعبد، بمعنى: التعبيد،\n_________\n(١) مدين. غير واضحة في نسخة (ج).\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ٤٨ ب.\n(٣) أخرجه ابن جرير ١٩/ ٦٧، وابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٥٥، عن السدي. واقتصر عليه الهواري ٣/ ٢٢٤. وفي \"تنوير المقباس\" ٣٠٧: (فهمًا وعلمًا ونبوة). ونسبه السمرقندي ٢/ ٤٧٢، للكلبي. وذكره في \"الوسيط\" ٣/ ٣٥٢، ولم ينسبه. وكذا البغوي ٦/ ١١٥، وابن عطية ١١/ ٩٨. ونسبه ابن الجوزي ٦/ ١٢٠، لابن السائب.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ٤٨ ب. واستظهره الشنقيطي ٦/ ٣٧٤.\n(٥) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٧٩. وبه قال الزجاج، في \"معاني القرآن\" ٤/ ٨٦.\n(٦) هكذا في النسخ الثلاث؛ والأصوب: أوتيها.\n(٧) ذكره الأزهري ٢/ ٢٣٣ (عبد)، من إنشاد ابن السكيت، منسوبًا لرؤبة. وفي الحاشية: قبله: مالناس إلا كاثمام الثم. انظر مجموع أشعار العرب ٣/ ١٤٣ وهو في \"اللسان\" ٣/ ٢٧١ (عبد) منسوبًا لرؤبة.\n(٨) \"تهذيب اللغة\" ٢/ ٢٣٣ (عبد).\n(٩) هذا في نسخة (أ)، (ب).","vol":"17","page":36},{"text":"قول الشاعر:\nتعبدني نِمْر بن سعد .. البيت (١)\nوورمال أيضًا: أَعْبَدت الرجل بمعنى: عَبَّدته (٢)، قال الشاعر:\nعلام يُعبِدني قومي وقد كثرت ... فيهم أباعِرُ مَا شاءوا وعُبْدانُ (٣)\nقال مجاهد، في قوله: ﴿عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ قهرتهم واستعملتهم (٤).\nوقال قتادة في هذه الآية: يقول موسى لفرعون: أتمن علي أن اتخذت بني إسرائيل عبيدًا (٥).\nوقال السدي: تَمُن علي أن ربيتني فيك وليدًا (٦)، وأنت قد استعبدت بني إسرائيل فأرسلهم معي ولا تعذبهم.\n_________\n(١) لم أجده في \"تهذيب اللغة\"، وقد أنشده كاملًا في \"اللسان\" ٣/ ٢٧٤ (عبد):\nتعبدني نمر بن سعد وقد أُرى ... ونمر بن سعد لي مطيع ومهطِع\n(٢) ذكره الأزهري ٢/ ٢٣٣، ولم ينسبه.\n(٣) أنشده الفراء، في \"معاني القرآن\" ٢/ ٢٧٩، وعنه الثعلبي ٨/ ١٠٩ ب. وأنشده ابن جرير ١٩/ ٦٨، والزجاج ٤/ ٨٧، والأزهري ٢/ ٢٣٣، والطوسي ٨/ ١٢، والزمخشري ٣/ ٢٩٧، ولم ينسبوه. وأنشده في \"اللسان\" ٣/ ٢٧٥، ونسبه للفرزدق. وأنشده أبو القاسم عبد الرحمن الزجاجي، ولم ينسبه، واستشهد به على أنه يقال: عبدت الرجل، وأعبدته، إذا استعبدته، وأنزلته منزلة العبيد. \"اشتقاق أسماء الله\" ٣٩.\n(٤) أخرجه ابن جرير ١٩/ ٦٨، وابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٥٦. وهو في \"تفسير مجاهد\" ٢/ ٤٦٠.\n(٥) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٧٤. وعنه ابن جرير ١٩/ ٦٩. وأخرجه عنه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٥٥، من طريق آخر. واقتصر عليه ابن قتيبة، في \"غريب القرآن\" ٣١٦، ولى ينسبه. وصحح هذا القول ابن عطية ١١/ ١٠١؛ فقال: قول موسى ﵇ تقرير بغير ألف، وهو صحيح، كما قال قتادة.\n(٦) أخرجه ابن جرير ١٩/ ٦٨.","vol":"17","page":37},{"text":"وقال الكلبي: يقول: تمن بها علي وتستعبد بني إسرائيل (١).\nوقال مقاتل: قال موسى: تمن علي إحسانك إلى خاصة فيما (٢) زعمت، وتركت (٣) إساءتك أن عبدت يعني: استعبدت بني إسرائيل (٤). هذا ما ذكره المفسرون في هذه الآية. وهو لا يفتح غُلقًا ولا يَحل مُشكلًا.\nوجملة القول في هذه الآية: أن أهل التأويل مختلفون فيها على قولين؛ أحدهما: أن موسى أنكر أن يكون ثَمَّ (٥) لفرعون عليه نعمة (٦).\nقال صاحب النظم: لا يحتمل قوله: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ﴾ إلا أن يكون مستفهمًا به؛ بمعنى: أوَ تلك، على الإنكار بلفظ الاستفهام (٧)، ولا يحتمل أن يكون خبرًا؛ لأن تعبيد فرعون بني إسرائيل كيف يجعله موسى مِنَّة منه على نفسه؟ فالمعنى: ما ذهبنا إليه، وقد تستفهم العرب بلا ألف، ثم ذكر (٨) أبياتًا فيها (٩):\nأفرحُ أن أُرْزَأ الكِرامَ (١٠)\n_________\n(١) \"تنوير المقباس\" ٣٠٧، بمعناهـ و\"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٤٧٢، منسوبًا للكلبي.\n(٢) فيما، من \"تفسير مقاتل\" ٤٨ ب.\n(٣) في \"تفسير مقاتل\" ٤٨ ب: وتنسى.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ٤٨ ب.\n(٥) ثم. في نسخة (أ)، (ب).\n(٦) قال الثعلبي ٨/ ١٠٩ أ: \"اختلف العلماء في تأويلها، ففسره بعضهم على الإقرار، وبعضهم على الإنكار\".\n(٧) ذكر هذا القول: أبو علي، كتاب الشعر ١/ ٥٦، ولم ينسبه.\n(٨) في نسخة (ب): وقد ذكرنا أبياتًا.\n(٩) في نسخة (ج): منها.\n(١٠) أنشده الأزهري ١٥/ ٣٥٩ (نبل) عن أبي عبيد أنه قال: وحدثني محمد بن إسحاق =","vol":"17","page":38},{"text":"قال: أراد: أأفرح؛ لأنه ينكر ذلك ولا يقبله. ومنها:\nبسبعٍ رمين الجمر .. (١)\nوهذا الذي ذكره هو قول الأخفش؛ قال: هذا استفهام كأنه قال: أوَ تلك نعمة تمنها؛ ثم فسر فقال: ﴿أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ فجعله بدلًا من النعمة (٢). قال أبو العباس: وهذا غلط لا يجوز أن يُلْقَى الاستفهام، وهو يُطلَب فيكون الاستفهام كالخبر، وقد استقبح ومعه (أمْ)، وهي دليل على الاستفهام، واستقبحوا قول امرئ القيس:\nتروحُ من الحيِّ أم تَبْتَكِرْ (٣)\n_________\n= ابن عيسى، عن القاسم بن معن: أن رجلًا من العرب توفي فورثه أخوه، فعيَّره رجل بأنه فرح بموت أخيه لَمَّا ورثه؛ فقال:\nأفرح أن أرزأ الكرام وأن ... أُورثَ ذَودًا شصائصًا نَبَلًا\nقال: والنبل في هذا الموضع: الصغار الأجسام. وفي \"اللسان\" ١١/ ٦٤١ (نبل): \"يقول: أأفرح بصغار الإبل، وقد رزئت بكبار الكرام قال ابن بري: الشعر لحضرمي بني عامر\".\n(١) أنشده منسوبًا لابن أبي ربيعة، سيبويه ٣/ ١٧٥، وفي الحاشية: الشاهد فيه: حذف ألف الاستفهام ضرورة لدلالة أم عليها، وأنشده كذلك المبرد، في \"المقتضب\" ٣/ ٢٩٤، والبيت بتمامه عندهما:\nلعمرك ما أدري وإن كنت داريًا ... بسبع رمين الجمر أم بثمان\nعند سيبويه والمبرد بالنون: رمين. ورواية اليت في الديوان ٣٩٩: فوالله ما أدري وإني لحاسب بسبع رميتُ الجمر أم بثمان\nورميت أولى؛ لأن يصور ذهوله عند رؤية عائشة بنت طلحة، وقد رآها في الحج.\n(٢) \"معاني القرآن\" للأخفش ٢/ ٦٤٦.\n(٣) ديوان امرئ القيس ٢٢، وعجزه:\nوماذا عليك بأن تنتظر","vol":"17","page":39},{"text":"بمعنى: أتروح، فحذف الاستفهام واكتفى (١) بـ (أم)، فذهب الأكثرون إلى أن الأول خبر، والثاني استفهام، فأما وليس معه (أم) فلم يقله إنسان. انتهى كلامه (٢).\nولتحقيق الإنكار وجه غير تقدير الاستفهام؛ قال محمد بن إسحاق بن يسار في هذه الآية: أقبل موسى على فرعون ينكر عليه ما ذكر من يده عنده فقال: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ أي: اتخذتهم عبيدًا تنزع أبناءهم من أيديهم فتسترق من شئت، وتقتل من شئت، أي: إنما صيرني إليك (٣) وإلى بيتك ذلك (٤).\nواختار الزجاج والأزهري هذا القول وشرحاه؛ قال الزجاج: المفسرون أخرجوا هذا على جهة الإنكار أن تكون تلك نعمة، كأنه قال:\n_________\n= وذكره ابن جرير ١٩/ ٦٩، كاملًا، ولم ينسبه، وذكره صدره فقط الأزهري ٢/ ٢٣٢، منسوبًا لامرئ القيس. وفي حاشية ابن جرير: تروح: أتروح، وتبتكر: تخرج مبكرًا، يقول: أتروح إلى أهلك آخر النهار أم تخرج إليهم بكرة، وما الذي يعجلك عن الانتظار وهو خير لك. والبيت شاهد على أنه حذف همزة الاستفهام، اكتفاء بدلالة أم، عليه، وبعضهم يستقبح الحذف في هذا الموضع.\n(١) ساقطة من: (ب).\n(٢) ذكره ابن جرير ١٩/ ٦٩، بنصه، وصدره بقوله: وكان بعض أهل العربية ينكر هذا ولم يسمه. وذكر نحوه النحاس، في \"إعراب القرآن\" ٣/ ١٧٦، ولم ينسبه، وقد صرح فيه بالرد على الأخفش. وذكره بنصه الأزهري ٢/ ٢٣٢، منسوبًا لأبي العباس.\n(٣) إليك. في نسخة (أ)، (ب).\n(٤) \"تاريخ ابن جرير\" ١/ ٤٠٦، بسنده عن محمد بن إسحاق. وأخرجه عنه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٥٦، وقد وقع في المطبوع: \"وإني إنما صيرني إليك لأبين لك ذلك\". وهو مخالف للمخطوط ٢٠٩ ب، ولما في \"تاريخ ابن جرير\".","vol":"17","page":40},{"text":"وأيُّ نعمة لك عليٍّ في أن عبدت بني إسرائيل، واللفظ لفظ خبر، قال: ويخرج المعش على ما قالوا أن لفظه لفظ الخبر، وفيه تبكيت للمخاطب، على معنى أنك لو كنت لا تقتل (١) أبناء بني إسرائيل، لكانت أمي مستغنية عن قذفي في اليم فكأنك تمنن علي بما كان بلاؤك سببًا له. انتهى كلامه (٢).\nوزاد الأزهري بيانًا لهذا القول؛ فقال: إن فرعون لما قال لموسى: ﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا﴾ فاعتد عليه بأن رباه وليدًا منذ ولد إلى أن كبر، وكان من جواب موسى له: تلك نعمة تعتد بها عليَّ لأنك عبدت بني إسرائيل، ولو لم تعبدهم لكفلني أهلي، ولم يلقوني في اليم، فإنما صارت نعمة لِما أقدمت عليه مما حظره الله عليك. انتهى كلامه (٣).\nونظير هذا من الكلام أن يَمنُن إنسانٌ على غيره تربيتَه فيقول له المخاطب: هذه النعمة حصلتْ لك علي بأن قتلت أبوي؛ ولو لم تقتلهما لربياني، فيكون في ذكر سبب تربيته إياه دفعًا لما ذَكر من النعمة عليه (٤)، كذلك لَمَّا ذَكر موسى تعبيده بني إسرائيل كان في ذلك إبانةً لسبب حاجة موسى إلى تربية فرعون، ودفعًا لِما ذَكر من النعمة عليه. وإلى هذا القول أشار (٥) المبرد؛ فقال: التربية كانت بالسبب الذي ذكره الله من التعبيد،\n_________\n(١) (لاتقتل) من (ج).\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٨٦.\n(٣) \"تهذيب اللغة\" ٢/ ٢٣٢ (عبد).\n(٤) عليه. في نسخة (أ)، (ب). وفي نسخة أ، زيادة: وإلى هذا القول. والكلام مستقيم بدونها.\n(٥) في نسخة (ب): ذهب أشار.","vol":"17","page":41},{"text":"فقال موسى: تربيتك إياي كانت لأجل التملك والقهر لقومي، فقوله: ﴿تِلْكَ﴾ ابتداء، و: ﴿نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ﴾ خبره، و: ﴿أَنْ عَبَّدْتَ﴾ بدل من النعمة، مبين لها، وتقديره: تعبيدك بني إسرائيل.\nهذا الذي ذكرنا وجه قول من قال بالإنكار.\nالقول الثاني: أن موسى أقر بنعمة التربية. وهو قول الفراء (١)، ومذهب أبي العباس (٢)، ووجهه: أن فرعون لما قال لموسى: ﴿وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ أي: لنعمة تربيتي لك، أجاب موسى فقال: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ﴾ الآية؛ يقول: هي لعمري نعمة إذ ربيتني ولم تستعبدني كاستعبادك بني إسرائيل، فـ ﴿أَن﴾ تدل على ذلك. ومثله في الكلام: أن تضرب أحد عبيدك وتترك الآخر، فيقول المتروك: هذه نعمة عليٍّ أنْ ضربت فلانًا وتركتني، ثم تحذف: وتركتني. والمعنى قائم معروف. هذا كله كلام الفراء؛ قال: وقد تكون ﴿أَن﴾ رفعًا ونصبًا، أما الرفع فعلى قولك: وتلك نعمة تمنها علي تعبيدك بني إسرائيل. والنصب: تَمَنَّها عليَّ لتعبيدك بني إسرائيل. انتهى كلامه (٣).\nووجه هذا القول يصح في النظم بتقدير محذوف؛ كأنه قال: وتلك التي (٤) تذكر نعمة لك تمنها علي لأن عبدت بني إسرائيل. هذا وجه الإقرار بنعمة التربية. ومذهب المفسرين: الإنكار. وما حكينا من أقوالهم يدل على الإنكار.\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٧٩.\n(٢) \"تهذيت اللغة\" ٢/ ٢٣٢ (عبد).\n(٣) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٧٩.\n(٤) التي. في نسخة (أ)، (ب).","vol":"17","page":42},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3001>٢٣ </span>- قوله تعالى: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ قال محمد بن إسحاق: يستوصفه إلهه الذي أرسله إليه. أي: ما إلهك هذا؟ (١) فأجابه موسى بما هو دليل على الله -﷿- مما خلق مما يُعجز المخلوقين عن أن يأتوا بمثله (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-3002>٢٤ </span>- فـ ﴿قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ قال ابن (٣) الأنباري: يقال: كيف استجاز موسى حين سأله فرعون أن يجيبه بأن يقول: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ وهذا ليس بجواب لسؤاله؛ لأن من قيل له: ما زيد؟ لم يكن جوابه: زيد يملك خمسين دينارًا؛ لأن (ما) سبيلها أن تستفهم بها عن الأسماء من الأجناس، والأنساب، فإذا قال القائل: ما هذا؟ أُجيب بأحد جوابين؛ إما أن يُقال له: هاشمي، قرشي، إذا عَلم المخاطب أنه يعرف جنس الذي يستفهم عنه. وإما أن يُجاب بالجنس، فيقال: إنسان، بهيمة، حائط، فجواب موسى لم يقع على حسب سؤال فرعون؟.\nوالجواب أن فرعون أحال في سؤاله، فسأل عن جنس من لا جنس له فاستجهله موسى، فأضرب عن سؤاله فلم يجبه عنه؛ بل أخبره من قدرة الله وعظيم ملكه وسلطانه بما يردعه عن جهله فيما كان سأل عنه. والدليل على أن موسى لم يجب عن سؤاله: أنه لما سمعه منه أقبل على جلسائه فقال: ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾ إذ لم يجبني عن سؤالي! فلم يلتفت\n_________\n(١) \"تاريخ ابن جرير\" ١/ ٤٠٦، بسنده عن محمد بن إسحاق. وأخرجه عنه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٥٦.\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٨٧، بنصه.\n(٣) ابن في نسخة (ب).","vol":"17","page":43},{"text":"موسى إلى ذلك من قوله، وأشاعَ تعظيم مُلْكَ ربه فقال: ﴿قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ الآية.\nوالجواب الثاني: أن موسى علم أن قصده في السؤال معرفةُ من سأل عنه فأجاب بما يعلم من صفاته؛ لأن الذي يجب على المسؤول أن يُخبر بما يعلم، فكأن موسى أجاب عن معنى السؤال بما يَعرف، ولم يلتفتْ إلى ظاهره.\nوقيل: إن موسى عَلِم أن فرعون يعلم أن اللهَ ربُّه؛ وإن أظهر غير ما يعلم، فلما قال له: ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ لم يقع في نفسه أنه يَسأل عن ربه ليُحدده، بل قَدَّر أنه يسأله عن مُلك ربه؛ فكأن التقدير: وما مُلك رب العالمين؟ فقال: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ﴾ الآية. وغير ممتنع في اللغة أن يُجاب السائل في قوله (١) ما ملك ربك؟ بأن يقال: ربُّك مَلِك العراق وخراسان، ومالك أكثر الأرض. انتهى كلامه (٢).\nقال الكلبي: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ أنه خلق ذلك (٣).\nوقال أهل المعاني: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ أن ما تعاينونه كما تعاينونه (٤). يعني: إن كنتم تثبتون المشاهدات والمعقولات؛ لأن من أثبت المعقول لا يكاد يخفى عليه الخالق إذا شاهد المخلوق.\n_________\n(١) (في قوله) من نسخة (أ).\n(٢) قال ابن كثير ٦/ ١٣٨: \"ومن زعم من أهل المنطق وغيرهم أن هذا سؤال عن الماهية فقد غلط، فإنه لم يكن مقرًا بالصانع حتى يسأل عن الماهية بل كان جاحدًا له بالكلية فيما يظهر\".\n(٣) \"تنوير المقباس\" ٣٠٧. و\"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٠٩ ب، منسوبًا للكلبي. وذكره في \"الوسيط\" ٣/ ٣٥٢، ولم ينسبه.\n(٤) \"تفسير ابن جرير\" ١٩/ ٦٩. وهو بنصه، في \"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٠٩ ب.","vol":"17","page":44},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3003>٢٥ </span>- قوله: ﴿قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ﴾ قال أبو إسحاق: لما قال موسى: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ تحير فرعون ولم يَرُدَّ جوابًا ينقض به هذا القول، فـ ﴿قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ﴾ (١) قال ابن عباس: يريد ألا تستمعون مقالة موسى (٢). فزاد موسى في البيان فقال (٣):\n<span data-type=\"title\" id=toc-3004>٢٦ </span>- ﴿قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ قال الفراء: إنما لم يجبه الملأ، لأن موسى كان المراد بالجواب، فقال: الذي أدعوكم إلى عبادته ﴿رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ (٤). قال محمد بن إسحاق: الذي خلق آباءكم الأولين، وخلقكم من آبائكم (٥). فلم يجبه فرعون أيضًا بما ينقض قوله، وقال:\n<span data-type=\"title\" id=toc-3005>٢٧ </span>- ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾ (٦). قال محمد بن إسحاق أي: ما هذا بكلام صحيح إذ يزعم أن له إلهًا غيري (٧).\nوقال أهل المعاني: كِلَا المقالتين من فرعون مقالة العاجز عن الاعتراض على الحجة (٨)؛ قوله: ﴿أَلَا تَسْتَمِعُونَ﴾ وقوله: ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ﴾ الآية، فلم يشتغل موسى بالجواب عما نسبه إليه من الجنون، ولكن اشتغل\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٨٧. وذكره في \"الوسيط\" ٣/ ٣٥٢، ولم ينسبه.\n(٢) \"الوسيط\" ٣/ ٣٥٢، منسوبًا لابن عباس. وذكره ابن جرير ١٩/ ٦٩، ولم ينسبه.\n(٣) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٨٧.\n(٤) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٧٩.\n(٥) \"تاريخ ابن جرير\" ١/ ٤٠٦، بسنده عن محمد بن إسحاق. وأخرجه عنه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٥٦.\n(٦) \"الوسيط\" ٣/ ٣٥٢.\n(٧) \"تاريخ ابن جرير\" ١/ ٤٠٦، بسنده عن محمد بن إسحاق. وأخرجه عنه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٥٦.\n(٨) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٨٨، بمعناه.","vol":"17","page":45},{"text":"بتأكيد الحجة فأتبع ما سبق من الدليل دليلًا آخر زيادة في الإبانة فقال (١):\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3006>٢٨ </span>- ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ قال مقاتل: إن كنتم تعقلون توحيد الله (٢).\nوقال أهل المعاني: إن كنتم ذوي عقول لم يَخف عليكم ما أقول (٣)؛ كقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ [الشعراء٢٤].\nقال أبو إسحاق: فلم يجبه في هذه الأشياء بنقيضٍ لحجته (٤)، وإنما قال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3007>٢٩ </span>- ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ أي: [لأسجننك، و] (٥) لأحبسنك مع من حبسته في السجن (٦).\nقال الكلبي (٧): وكان سجنه أشد من القتل (٨).\n_________\n(١) \"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٠٩ ب، بمعناه.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ٤٩ أ.\n(٣) \"الوسيط\" ٣/ ٣٥٢.\n(٤) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٨٨. وهو في \"الوسيط\" ٣/ ٣٥٢، غير منسوب.\n(٥) ما بين المعقوفين، في نسخة (ج).\n(٦) \"تفسير ابن جرير\" ١٩/ ٧٠. قال الزمخشري ٣/ ٣٠٠: \"فإن قلت: ألم يكن لأسجننك أخصر من: ﴿لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ ومؤديًا مؤداه؟ قلت: أما أخصر فنعم، وأما مؤد مؤداه فلا؛ لأن معناه: لأجعلنك واحدًا مما عرفت حالهم في سجوني. هكذا في الكشاف: مما عرفت. فاللام، في (المسجونين) للعهد. \"تفسير أبي السعود\" ٦/ ٢٤٠. ومع تجبر فرعون وطغيانه فإنه ذُهل عن تهديد نبي الله موسى ﵇ بالقتل؛ وذلك تحقيقًا لوعد الله له بأن لا يقدروا على ذلك، فمنعوا حتى من تخويفه به، ﴿وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (١٤) قَالَ كَلَّا﴾.\n(٧) الكلبي. في نسخة (أ)، (ب).\n(٨) \"تنوير المقباس\" ٣٠٧، و\"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٠٩ ب، وفيهما زيادة: وكان إذا =","vol":"17","page":46},{"text":"فقال موسى حسن توعده بالسجن:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3008>٣٠ </span>- ﴿قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ﴾ يعني: أتسجنني ولو جئتك بشيء مبين (١).\nقال محمد بن إسحاق: أي بأمر تعرف فيه صدقي وكذبك، وحقي وباطلك (٢).\nوهذه الآيات من هنا [٣١ - ٣٢] مفسرة في سورة الأعراف، إلى قوله:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3009>٣٨ </span>- ﴿فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ قال مقاتل: يعني\n_________\n= سجن أحدًا طرحه في مكان وحده فردًا، لا يسمع فيه شيئًا، ولا ينظر فيه شيئًا، يهوله به. وهو كذلك عند البغوي ٦/ ١١١، منسوبًا للكلبي. ونسبه السمرقندي ٢/ ٤٧٢، لابن عباس.\n(١) \"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٠٩ ب، بمعناه.\n(٢) \"تاريخ ابن جرير\" ١/ ٤٠٦، بسنده عن محمد بن إسحاق. وأخرجه عنه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٥٧. والآية دليل ظاهر على اعتبار المعجزات من أدلة النبوة، لكن ليست هي الدليل الوحيد، بدليع قوله تعالى: ﴿قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [هود: ٥٣] فلم يذكر لهم نبي الله هود ﵇ معجزة وإنما تحداهم بقوله: ﴿إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٥٤) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ﴾ [هود: ٥٤، ٥٥].\nوانظر: \"شرح العقيدة الواسطية\" ١٥٠. تخريج: الألباني.\nوقد أساء الزمخشري ٣/ ٣٠٠، في تعليقه على قوله تعالى: ﴿فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ بتعريضه تفضيل فرعون على أهل السنة بسبب قولهم: إن المجزات دليل صحيح على النبوة، لكن الدليل غير محصور في المعجزات، وقد أجاد ابن المنير رحمه الله تعالى في الرد عليه، \"الانتصاف بحاشية الكشاف\" ٣/ ٣٠٠.","vol":"17","page":47},{"text":"لميعاد (١) يوم معلوم، وهو يوم عيدهم، وهو يوم الزينة (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3010>٣٩ </span>- ﴿وَقِيلَ لِلنَّاسِ﴾ يعني: لأهل مصر (٣) ﴿هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ﴾ إلى السحرة. وقيل: لتنظروا ما يفعل الفريقان، ولمن تكون الغلبة (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-3011>٤٠ </span>- ﴿لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ﴾ على أمرهم ﴿إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ﴾ لموسى ولأخيه. قاله مقاتل (٥). وإنما قالوا: ﴿لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ﴾؛ لأن السحرة لم يكونوا متبوعين، وإنما كانوا سحرة حشروا إليهم من مدائن صعيد مصر، فقالوا: إن غَلبوا موسى اتبعناهم (٦).\nوما بعد هذا [٤١ - ٤٣] مفسر إلى قوله:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3012>٤٤ </span>- ﴿وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ﴾ أي: بقوته التي يمتنع بها من لَحاق الضيم (٧).\n_________\n(١) في نسخة (ج): لميقات.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ٤٩ أ. و\"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٠٩ ب. قال تعالى: ﴿قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى﴾ [طه: ٥٩].\n(٣) \"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٤٧٣.\n(٤) \"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١١٠ أ، بنصه. أخرج ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٦٢، عن السدي: حشر الناس ينظرون.\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ٤٩ ب.\n(٦) أخرج ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٦٢، عن ابن عباس -﵄- فلما اجتمعوا في صعيد قال الناس بعضهم لبعض: انطلقوا فلنحضر هذا الأمر، ونتبع السحرة إن كانوا هم الغالبين، يعني بذلك موسى وهارون ﵉ استهزاءً بهما. قال ابن كثير ٦/ ١٤٠: ولم يقولوا نتبع الحق سواء كان من السحرة، أو من موسى، بل الرعية على دين ملكهم.\n(٧) ذكره الطبرسي ٧/ ٣٩٦، بنصه، ولم ينسبه. قال البيضاوي ٢/ ١٥٥: أقسموا بعزته على أن الغلبة لهم لفرط اعتقادهم في أنفسهم، أو لإتيانهم بأقصى ما يمكن أن =","vol":"17","page":48},{"text":"قال مقاتل: يعني: بعظمة فرعون، كقوله لشعيب: ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ﴾ [هود ٩١] يعني: بعظيم (١). وهذا قَسَم غير مبرور (٢).\nوالباقي [٤٥ - ٤٩] مفسر إلى قوله:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3013>٥٠ </span>- ﴿لَا ضَيْرَ﴾ أي: لا ضرر علينا فيما ينالنا في الدنيا مع أملنا للمغفرة. قاله الزجاج (٣).\nوقال مقاتل: ﴿لَا ضَيْرَ﴾ هل هو إلا أن يقتلنا (٤) ﴿إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ﴾ راجعون في الآخرة (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3014>٥١ </span>- قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا﴾ مفسر في سورة طه (٦).\n﴿أَنْ كُنَّا﴾ أي: لأن كنا (٧) ﴿أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قال الفراء: أول مؤمني\n_________\n= يؤتى به من السحر. يقال: ما ضمت أحدًا، ولا ضُمت: أي ما نقصت، والمَضيم: المظلوم. \"تهذيب اللغة\" ١٢/ ٩٢ (ضام).\n(١) \"تفسير مقاتل\" ٤٩، بنصه.\n(٢) ذكره الطبرسي ٧/ ٢٩٦، بنصه، ولم ينسبه. وفي الباء قول آخر، وهو: أنهم قالوا ذلك على جهة التعظيم لفرعون، والتبرك باسمه، فالباء في ﴿بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ﴾ كالباء في ﴿بِسمِ اللهِ﴾. ذكر هذا القول ابن عطية ١١/ ١٠٧، واستحسنه ابن عاشور ١٩/ ١٢٧.\n(٣) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٩٠. قال ابن قتيبة: هي من: ضاره يضوره، ويضيره، بمعنى: ضرَّه. \"غريب القرآن\" ٣١٧.\n(٤) في \"تفسير مقاتل\" ٤٩ أ: ما عشت أن تصنع، هل هو إلا بقتلنا.\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ٤٩ أ. وأخرجه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٦٧، عن سعيد بن جبير.\n(٦) عند قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٥١].\n(٧) \"تفسير ابن جرير\" ١٩/ ٧٤. قال الزجاج ٤/ ٩٠: بفتح (أَن)، أي: لأن كنا أول المؤمنين.","vol":"17","page":49},{"text":"أهل (١) زماننا (٢).\nوقال مقاتل: أول المصدقين بتوحيد الله من أهل مصر (٣).\nوقال الزجاج: زعم الفراء أنهم كانوا أول مؤمني أهل دهرهم (٤)! ولا أحسبه عرف الرواية في التفسير؛ لأنه جاء في التفسير: أن الذين كانوا مع موسى ستمائة ألف؛ وإنما المعنى: أن كنا أولَ من آمن في هذه الحال عند ظهور آية موسى (٥).\nوقال غيره: ﴿كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ بآيات موسى ممن كان يعمل بالسحر (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3015>٥٢ </span>- قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي﴾ مفسر في سورة طه (٧).\n﴿إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ﴾ يتبعكم فرعون وقومه ليحولوا بينكم وبين الخروج من أرض مصر (٨).\n_________\n(١) في نسخة (ب): دهرهم، ولا أحسبه عرف الرواية. وهذا مكرر مما بعده.\n(٢) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٨٠. واقتصر عليه الثعلبي ٨/ ١١٠ أ، ولم ينسبه. وكذا البغوي ٦/ ١١٣.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ٤٩ أ.\n(٤) قال الفراء ٢/ ٢٨٠: أول مؤمني أهل زماننا.\n(٥) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٩٠. وقول الفراء أولى، موافق لظاهر الآية، واعتراض الزجاج ليس بقوي؛ لأنها روايات موقوفة ليست مرفوعة، فالأقرب أنها من أخبار بني إسرائيل. والله أعلم.\n(٦) أخرج ابن جرير ١٩/ ٧٤، وابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٦، عن ابن زيد، في قوله: ﴿أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قال: كانوا كذلك يومئذ أول من آمن بآياته حين رأوها.\n(٧) عند قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي﴾ الآية [٧٧].\n(٨) \"تفسير ابن جرير\" ١٩/ ٧٤. و\"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١١٠ أ.","vol":"17","page":50},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3016>٥٣ </span>- ﴿فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ﴾ يحشرون الناس لطلب موسى وهارون (١). أي: أرسَل من جَمع له الجيش (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-3017>٥٤ </span>- [قوله: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ﴾ قال مقاتل: ثم قال فرعون: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ﴾ يعنى: بني إسرائيل.\nوقال أبو إسحاق:] (٣) معناه: فجمع جمعه فقال: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ والشرذمة في كلام العرب: القليل (٤).\nوقال المبرد: الشرذمة: القطعة من الناس غير الكثير، وجمعها: الشراذم (٥). ويقال للحلفاء إذا قلوا (٦): بنوا فلان شرذمة بني فلان. قال مقاتل في قوله: (شرذمة) عصابة (٧).\nوقوله: ﴿قَلِيلُونَ﴾ قال الفراء: يقال: عصبة قليلة، وقليلون، وكثيرون، جائز عربي؛ وإنما جاز لأن القلة تلزم جميعهم في المعنى فظهرت أسماؤهم، ومثله: أنتم حي واحد، وحي واحدون؛ قال الكُمَيْت:\nفَرَدَّ قواصي الأحياء منهم ... فقد رجعوا كحيٍّ واحِدينا (٨)\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ٤٩ أ.\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٩٠، بنصه.\n(٣) ما بين المعقوفين، في نسخة (ج).\n(٤) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٩٠. و\"تفسير ابن جرير\" ١٩/ ٧٤.\n(٥) \"تهذيب اللغة\" ١١/ ٤٥٠ (شرذم) بلفظ: الجماعة القليل، واستدل بالآية، ولم يخسبه. وذكر قول المبرد ونسبه: الشوكاني ٤/ ٩٨.\n(٦) في نسخة (ج): قاموا.\n(٧) \"تفسير مقاتل\" ٤٩ أ. وقال ابن قتيبة: طائفة. \"غريب القرآن\" ٣١٧.\n(٨) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٨٠، وأنشده ابن جرير ١٩/ ٧٥، وفيه: صاروا، بدل: رجعوا. وذكره الزجاج ٤/ ٩١، مقتصرًا على عجزه، وقد نسبوه جميعًا للكميت. =","vol":"17","page":51},{"text":"ومعنى واحدون: واحد. ونحو هذا قال الزجاج (١). وكان الشرذمة الذين قللهم فرعون ستمائة ألف، في قول مجاهد، ومقاتل، وابن الهاد، وابن مسعود (٢).\nقال مجاهد: ولا يُحصى عدد أصحاب فرعون (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3018>٥٥ </span>- وقوله: ﴿وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ﴾ قال أبو إسحاق: يقال: غاظني فلان، وأغاظني، [والأول أفصح (٤).\nوروى ثعلب عن ابن الأعرابي: غاظني فلان وأغاظني] (٥) وغيظني بمعنى واحد (٦). والغيظ: الغضب، ومنه قوله: ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ﴾ [الملك ٨] والتغيظ والاغتياظ واقعان منه؛ قال الله تعالى: ﴿سَمِعُوا لَهَا\n_________\n= والبيت من نونية الكميت، شرح: أبي رياش اليمامي، تحقيق الأستاذ الشيخ/ حمد الجاسر، وقد طبعت القصيدة مع شرحها بالتحقيق المذكور مع كتاب \"شرح هاشميات الكميت\" ٢٥٥، قال اليمامي: يعني بذلك ائتلاف ربيعة ومضر، واجتماعهم. قال الجاسر ٢٤١: لعل المقصود به: قصي بن كلاب.\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٩١.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ٤٩ أ. وأخرجه ابن جرير ١٩/ ٧٥، ٧٦، عن أبي عبيدة، وابن مسعود، وعبد الله بن شداد بن الهاد، وقيس بن عباد، وابن جريج. قال الشوكاني ٤/ ١٠٠، بعد سياقه الخلاف في عددهم: وأقول: هذه الروايات المضطربة قد روي عن كثير من السلف ما يماثلها في الاضطراب، والاختلاف، ولا يصح منها شيء عن النبي -ﷺ-.\n(٣) \"تفسير مجاهد\" ٢/ ٤٦١. وابن جرير ١٩/ ٧٦.\n(٤) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٩٢؛ بلفظ: يقال: قد غاظني فلان، ومن قال: أغاظني فقد لحن.\n(٥) ما بين المعقوفين، ساقط من نسخة (ج).\n(٦) \"تهذيب اللغة\" ٨/ ١٧٤ (غاظ).","vol":"17","page":52},{"text":"تَغَيُّظًا﴾ [الفرقان ١٢] وقد مر. والمغايظة بين اثنين.\nقال مقاتل: ﴿وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ﴾ بقتلهم أبكارنا ثم هربهم منا (١).\nوقال آخرون: أي مما أخذوه من العواري التي استعاروها من أوللي، وخروجهم من أرضنا على مخالفة لنا (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3019>٥٦ </span>- وقوله: ﴿وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ﴾ وقرئ: (حذرون) (٣) قال الفراء: وكأن: الحاذر الذي يحذرك الآن. وكأن: الحَذِر المخلوق حَذِرًا لا تلقاه إلا حذرًا (٤).\nوقال الزجاج: الحاذر: المستعد. والحذر: المتيقظ (٥).\nوقال أبو عبيدة: رجل حَذِر وحَذُر (٦) وحاذر.\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ٤٩ أ. وقد ذكر قبل ذلك أن جبريل -﵇- أمر أن يجمع كل أهل أربعة أبيات من بني إسرائيل في بيت، ويعلم على تلك الأبواب بدم، فإن الله -﷿- يبعث الملائكة إلى أهل مصر؛ من لم يروا على بابه دمًا دخلوا بيته فقتلوا أبكارهم، من أنفسهم وأنعامهم، فيشغلهم دفنهم إذا أصبحوا عن طلب موسى فذلك اتهامهم لهم بقتل أبكارهم. وأخرجه ابن جرير ١٩/ ٧٦، عن ابن جريج. وكل هذا من أخبار بني إسرائيل مما لا دليل عليه؛ ومعنى الآية ظاهر فإن سبب الإغاظة الحقيقي مفارقتهم لدينهم، وإيمانهم بنبي الله موسى ﵇. والله أعلم.\n(٢) \"تفسير ابن جرير\" ١٩/ ٧٦. وذكره في \"الوسيط\" ٣/ ٣٥٤، ولم ينسبه. وهو كالقول السابق.\n(٣) قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو: (حذرون) بغير ألف. وقرأ الباقون بالألف. \"السبعة في القراءات\" ٤٧١، و\"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٣٥٨، و\"النشر في القراءات العشر\" ٢/ ٣٣٥.\n(٤) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٨٠.\n(٥) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٩٢.\n(٦) في نسخة (ب)، حذر مرة واحدة.","vol":"17","page":53},{"text":"قال ابن أحمر:\nهل أُنسأَنْ يومًا إلى غيره ... إنِّي حواليٌ وإنِّى حَذِر (١)\nقال: حوالي: ذو حيلة (٢).\nوأنشد أيضًا للعباس بن مرداس:\nوإني حاذرٌ أنْمِى سلاحي ... إلى أوصال ذَيَّال منيع (٣)\nقال أبو علي: يقال: حَذِر يَحذَر حَذَرًا، واسم الفاعل: حَذِر. فأما حاذر فإنه يراد به أنه يفعل الحذر فيما يَستقبل. وكذلك قوله: وإني حاذر، كأنه يريد: متحذر عند اللقاء (٤).\nوقال شمر: الحاذر: المُؤدِي الشاكُّ في السلاح (٥). وكذا جاء في\n_________\n(١) \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ٢/ ٨٦، ونسب البيت لابن أحمر. وضبطت: إني، في الموضعين بالفتح. وذكره ابن جرير ١٩/ ٧٧، من قول ابن أحمر. وذكره أبو علي، نقلًا عن أبي عبيدة، مقدمًا العجز على الصدر ولفظه:\nإني حوالي وإني حذر ... هل ينسأن يومي إلى غيره.\nونسبه لابن أحمر. \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٣٥٨. وفي \"الحاشية\": ليس في شعر ابن أحمر المطبوع. وفي \"اللسان\" ١١/ ١٨٦ (حول): ويقال: رجل حوالي للجيد الرأي ذي الحيلة، قال ابن أحمر، ويقال: للمرار بن منقذ العدوي:\nأو تنسأن يومي إلى غيره إني حوالي وإني حذر.\n(٢) \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ٢/ ٨٦.\n(٣) أنشده أبو عبيدة، \"مجاز القرآن\" ٢/ ٨٦، منسوبًا لعباس بن مرداس. وفيه: الذيال: الفرس الطويل الذنب. وذكره أبو علي نقلًا عن أبي عبيدة، \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٣٥٩. وأنشده في \"اللسان\" ١١/ ٢٦٠ (ذيل) عن ابن بري.\n(٤) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٣٥٩.\n(٥) \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٤٦٢ (حذر). الشِّكة: ما يلبسه الرجل من السلاح، وقد خفف فقيل: شاكي السلاح، وشاكٌّ السلاح. \"تهذيب اللغة\" ٩/ ٤٢٥ (شك).","vol":"17","page":54},{"text":"التفسير؛ روى أبو إسحاق عن الأسود في قوله: ﴿حَاذِرُونَ﴾ قال: مُؤدُون مقوون (١). أي: ذووا أداة وقوة. ويروى عنه: مؤدون مستعدون. وقال الضحاك: شاكُّون في السلاح (٢).\nوقال مقاتل: مُؤدُون علينا السلاح (٣).\nوسأل شافع بن الأزرق، ابنَ عباس (٤)، عن قوله: ﴿حَاذِرُونَ﴾ ما هو؟ فقال: التامون (٥) السلاح.\nوأنشد قول النجاشي (٦):\n_________\n(١) أخرجه عنه، عبد الرزاق ٢/ ٧٦. وأخرجه ابن جرير ١٩/ ٧٧، بسنده عن أبي إسحاق قال: سمعت الأسود بن يزيد يقرأ: ﴿وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ﴾ قال: مقوون مؤدون. وأخرجه أيضًا ابن جرير ١٩/ ٧٨، عن ابن عباس.\n(٢) أخرج ابن جرير ١٩/ ٧٧، عن الضحاك، أنه كان يقرأ: ﴿وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ﴾ يقول: مؤدون. وفي \"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٤٧٤: (مؤدون شاكون في السلاح) ولم ينسبه.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ٤٩ أ، بلفظ (علينا بالسلاح). وفي \"تفسير مجاهد\" ٢/ ٤٦١: (وادون مستعدون). وفي الحاشية: كذا في المخطوطة واضحًا، غير أنا لم نتمكن من معرفة معنى هذه الكلمة الملائم هاهنا، ولعله: مادون في السلاح، كما في \"الدر المنثور\"، أو مؤدون أي: كاملو أداة الحرب، شاكوا السلاح، مشعدون للحرب، ويمكن أن يكون: آدون من أدا السبع للغزال، إذا ختله وخدعه واختفى له ليصيده فيأكله. والله أعلم. ذكر الفراء ٢/ ٢٨٠، أن ابن مسعود قرأ: (وإنا لجميع حاذرون) يقولون: مؤدون في السلاح. يقول: ذوو أداة من السلاح. قال الزجاج: مؤدون أي ذوو أداة، أي: ذوو سلاح، والسلاح أداة الحرب. \"معاني القرآن\" ٤/ ٩٢.\n(٤) ابن عباس. في نسخة (أ)، (ب).\n(٥) في نسخة (أ)، (ب): بحذف نون الإضافة. وفي \"الدر المنثور\" ٦/ ٢٩٧، بالنون.\n(٦) راجع ترجمته في \"الشعر والشعراء\" ١/ ٣٢٩، و\"الخزانة\" ١/ ٢٣١، والأعلام ٥/ ٢٠٧.","vol":"17","page":55},{"text":"حنيفةُ في كتائبَ حاذراتٍ ... يقودهم أبو الشِّبل الهِزبرُ (١)\nوهذا الذي ذكره أهل التفسير معنى وليس بتفسير؛ وذلك أن من شأن من يحذر الشيء أن يستعد له، ويأخذ له الحذر، وإلا فكم من حذر لا سلاح معه. ومعنى الحَذَر في اللغة: اجتناب الشيء خوفًا منه؟ قال اليث في قوله: ﴿حَاذِرُون﴾ نَخاف شَرَّهم (٢). وذكرنا مثل هذا في قوله: ﴿خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ [النساء٧١] (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3020>٥٧ </span>- قوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَاهُمْ﴾ يعني: فرعون وقومه (٤). ﴿مِنْ جَنَّاتٍ﴾ قال مقاتل: يعني البساتين ﴿وَعُيُونٍ﴾ يعني: أنهارًا جارية (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-3021>٥٨ </span>- ﴿وَكُنُوزٍ﴾ يعني: الأموال الظاهرة من الذهب والفضة (٦). وإنما سمي: كنزًا؛ لأنه لم يعط حق الله منها. وكل ما لا يعطى حقُّ الله منه فهو كنز وإن كان ظاهرًا (٧).\n_________\n(١) ذكره عن ابن عباس، الأنباري، في \"الزاهر\" ١/ ٣٠٣، وفيه: الحاذرون: الممتلئون من السلاح، وأنشد البيت، ولم ينسبه، وفي الحاشية: لم أقف عليه. وحنيفة: أبو حي من العرب، وهو: حنيفة بن لجيم بن صعب بن علي ابن بكر بن وائل. \"لسان العرب\" ٩/ ٥٨ (حنف).\n(٢) \"كتاب العين\" ٣/ ١٩٩ (حذر)، بلفظ: وتقرأ الآية بلفظ: (وإنا لجميع حاذرون) أي: مستعدون، ومن قرأ: (حذرون) فمعناه: إنا نخاف شرهم. ونقله الأزهري، \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٤٦٢ (حذر).\n(٣) قال الماوردي ٤/ ١٧٢: السلاح يسمى: حذرًا، قال الله تعالى: ﴿خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ أي: سلاحكم.\n(٤) تفسير الطوسي ٨/ ٢٥، بنصه.\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ٤٩ أ. و\"تنوير المقباس\" ٣٠٧.\n(٦) \"تفسير ابن جرير\" ١٩/ ٧٨.\n(٧) \"تفسير مقاتل\" ٤٩ أ. وذكره الثعلبي ٨/ ١١٠ ب، والبغوي ٦/ ١١٤، عن مجاهد. =","vol":"17","page":56},{"text":"ثم قال: ﴿وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾ [يعني: المساكن الحسان (١). قال المفسرون في قوله: ﴿وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾] (٢): هو المجلس الحسن (٣) من مجالس الأمراء والرؤساء التي كانت تَحفُّ بها الأتباع (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3022>٥٩ </span>- وقوله: ﴿كَذَلِكَ﴾ أي: كما وصفنا (٥). وقال مقاتل: هكذا فعلنا بهم في الخروج من مصر، ومما كانوا منه من الخير (٦).\nوقوله: ﴿وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ قال الحسن: رجع بنوا إسرائيل إلى مصر بعد إهلاك فرعون (٧). وقال مقاتل: إن الله تعالى ردَّ بني إسرائيل بعد ما أغرق فرعون وقومه إلى مصر (٨).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3023>٦٠ </span>- ﴿فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ (٦٠)﴾ قال عبد الله بن مسلم (٩): لحِقوهم مصبحين حين شرقت الشمس، أي: طلعت، يقال: أشرقنا، أي: دخلنا\n_________\n= وهو في \"الوسيط\" ٣/ ٣٥٤، غير منسوب. قال عبد الله بن عمر في قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ [التوبة ٣٤] مَنْ كنزها فلم يؤد زكاتها فويل له. أخرجه البخاري، كتاب الزكاة، رقم: ١٤٠٤، فتح الباري ٣/ ٢٧١.\n(١) \"تفسير مقاتل\" ٤٩ أ. و\"تنوير المقباس\" ٣٠٧.\n(٢) ما بين المعقوفين، في نسخة (أ)، (ب).\n(٣) \"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١١٠ ب. واقتصر عليه في الوجيز ٢/ ٧٩٠.\n(٤) بنصه، في \"تفسير الطوسي\" ٨/ ٢٥، و\"البغوي\" ٦/ ١١٤، ولم ينسباه. وهو في \"الوسيط\" ٣/ ٣٥٤، غير منسوب. وحكى \"الماوردي\" ٤/ ١٧٢، عن ابن عيسى أنها: مجالس الأمراء.\n(٥) \"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١١٠ ب. و\"البغوي\" ٦/ ١١٤.\n(٦) \"تفسير مقاتل\" ٥٠ ب.\n(٧) تفسير الطوسي ٨/ ٢٦، بنصه، منسوبًا للحسن.\n(٨) \"تفسير مقاتل\" ٥٠ ب.\n(٩) عبد الله بن مسلم، هو ابن قتيبة.","vol":"17","page":57},{"text":"في الشروق (١). وقد مر (٢). والكلام في معنى: أتبع ذكرناه في قوله: ﴿فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ﴾ [الأعراف: ١٧٥] (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3024>٦١ </span>- وقوله: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ﴾ أي: تقابلا بحيث يرى كل فريق صاحبه (٤)، وهو مفاعل من: الرؤية، كما يقال: ترآءَا الحزبان.\nقال مقاتل: عاين بعضهم بعضًا. والجمعان: جمع موسى، وجمع فرعون (٥). وجازت التثنية؛ لأنه يقع على صفة التوحيد فيقال: هذا جمع واحد، كقولك: جملة واحدة.\n﴿قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ قال الزجاج: أي: سيدركنا جمع فرعون هذا الكثير، ولا طاقة لنا بهم (٦).\nقال مقاتل: قالوا: هذا فرعون وجنوده قد لحقونا من ورائنا، وهذا البحر أمامنا قد غشيناه، ولا منقذٍ لنا منه (٧)؟ فقال موسى ثقة بنصر الله (٨):\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3025>٦٢ </span>- ﴿كَلَّا﴾ أي: ارتدعوا وازدجروا فليسوا يدركوننا (٩) ﴿إِنَّ مَعِيَ\n_________\n(١) \"غريب القرآن\" لابن قتيبة ٣١٧. و\"معاني القرآن\" للزجاح ٤/ ٩٢.\n(٢) في سورة: الحجر عند قوله تعالى: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ﴾ [٧٣].\n(٣) قال الواحدي: وقوله تعالى: ﴿فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ﴾ قال عبد الله بن مسلم: أي: أدركه، يقال: اتبعت القوم إذا لحقتهم. قال أبو عبيد: يقال: اتبعَتُ القوم، مثال: أفعَلت، إذا كانوا قد سبقوك فلحقتهم فعلى هذا معنى: اتبعه الشيطان: أي: أسرع خلفه.\n(٤) \"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١١٠ ب.\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ٥٠ ب.\n(٦) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٩٢.\n(٧) \"تفسير مقاتل\" ٥٠ ب.\n(٨) \"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١١٠ ب. و\"تفسير الطوسي\" ٨/ ٢٦.\n(٩) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٩٢، بنصه.","vol":"17","page":58},{"text":"رَبِى﴾ بنصره إباي (١) ﴿سَيَهْدِينِ﴾ سيدلني على طريق النجاة (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3026>٦٣ </span>- قوله: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ﴾ أي: فضرب فانفلق (٣). قال مقاتل: فانشق الماء اثني عشر طريقًا يابسًا، كل طريق طوله: فرسخان (٤)، وقام الماء على يمين الطريق، وعن يساره كالجبل العظيم، فذلك قوله: ﴿فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾ (٥) قال الزجاج: أي: كل جزء تفرق منه (٦).\nوقال المفسرون: كل قطعة من الماء (٧)، وكل طائفة من البحر ﴿كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾ كالجبل العظيم (٨). وجمعه: أطواد، ومنه قول الأسود:\nماءُ الفُراتِ يجيءُ من أطوادِ (٩)\n_________\n(١) \"تفسير الطوسي\" ٨/ ٢٨.\n(٢) \"تنوير المقباس\" ٣٠٧. بمعناه. و\"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١١٠ب. و\"الطوسي\" ٨/ ٢٨.\n(٣) تفسير الطوسي ٨/ ٢٨.\n(٤) الفرسخ: يطلق على معانٍ متعددة؛ منها: الوقت الطويل، كقول: انتظرتك فرسخًا من النهارة يعني: طويلًا. ويقاس بالفرسخ الطول؛ وهو يقدر بثلائة أميال. \"تهذيب اللغة\" ٧/ ٦٦٥ (فرسخ)، المعجم \"الوسيط\" ٢/ ٦٨١.\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ٥٠ ب. وفيه: طوله فرسخان، وعرضه فرسخان.\n(٦) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٩٢.\n(٧) \"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١١٠ ب.\n(٨) ذكره البخاري، عن ابن عباس -﵄-. الفتح ٨/ ٤٩٦. ووصله ابن جرير ١٩/ ٨٠، وابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٣٧. من طريق علي بن أبي طلحة. وذكره ابن قتيبة، \"غريب القرآن\" ٣١٧.\n(٩) أنشده أبو عيدة، \"مجاز القرآن\" ٢/ ٨٦، ولم ينسبه، ونسبه الطوسي ٨/ ٢٨، للأسود بن يعفر النهثلي، وقد ذكراه كاملًا، وصدره:\nحَلُّوا بأنقرة بجيش عليهم\nوفي حاشية أبي عبيدة: للأسود بن يعفر، ديوانه في ملحق ديوان الأعشى ٢٩٦، =","vol":"17","page":59},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3027>٦٤ </span>- قوله تعالى: ﴿وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ﴾ قال ابن عباس وقتادة: قربنا إلى البحر فرعون وقومه حتى أغرقناهم (١). وقال مقاتل: قربنا فرعون وجنوده (٢) في مسلك بني إسرائيل (٣).\nوقال أبو إسحاق: أي قربنا الآخرين من الغرق وهم أصحاب فرعون (٤).\nوقال أبو عبيدة: ﴿وَأَزْلَفْنَا﴾ جمعنا، قال: ومن ذلك سميت مزدلفة جمعًا (٥). وكلا القولين حسن؛ لأن جمعهم تقريب بعضهم من بعض، وأصل الزلفى في كلام العرب: القربى (٦). وقيل قربناهم إلى المنية يخطيء وقت هلاكهم (٧).\n_________\n= ومعجم البلدان ١/ ٣٩١. وذكره ابن جرير ١٩/ ٨١، من قول الأسود بن يعفر، وصدره مخالف لما عند أبي عبيدة:\nحلوا بأنقرة يسيل عليهم\nوفي الحاشية: أنقرة، موضع بظهر الكوفة، وقيل: موضع بالحيرة، وأنقرة هذه غير أنقرة التي في بلاد الروم (الأناضول) وهي الآن قاعدة دولة الترك.\n(١) أخرجه عبد الرزاق ٢/ ٧٤، عن قتادة. وأخرجه ابن جرير ١٩/ ٨١، عن ابن عباس، وقتادة. وأخرجه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٧٤، عن السدي، وقتادة.\n(٢) في نسخة (ب): وقومه.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ٥١ أ، بمعناه.\n(٤) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٩٣.\n(٥) \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ٢/ ٨٧. ثم قال: وقال بعضهم: وأهلكنا. وصدر ابن جرير ١٩/ ٨٢، قول أبي عبيدة بقوله: (وزعم بعضهم) ولم يسمه.\n(٦) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٩٣، من قوله: وكلا القولين. وكلمة: أزلفنا، مأخوذة من التقريب إما إلى نجاء، وإما إلى بلاء. الزاهر في معاني كلمات الناس ٢/ ٢٦٤.\n(٧) \"تفسير الطوسي\" ٨/ ٢٩، بنصه.","vol":"17","page":60},{"text":"قال الشراعر:\nوكل يوم مضى أو ليلة سلفت ... فيها النفوس إلى الآجال تزدلف (١)\nوقال ابن مسلم: يقال: أزلفك الله أي: قربك، وأزلفني كذا عند فلان، أي: قربني منه. والزُلَف: المنازل والمَراقي؛ لأنها تُدْني المسافر، والراقي إلى حيث يقصده، ومنه قوله: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الشعراء: ٩٠] أي: أدنيت (٢).\nوقال الحسن في قوله: ﴿وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ﴾ اهلكنا (٣).\nوهو معنى وليس بتفسير؛ وذلك أنه أدنى من الهلاك فهو إهلاك في المعنى (وثّمَّ) إشارة إلى المكان. وذكرنا معناه عند قوله: ﴿فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3028>٦٧ </span>- قوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً﴾ قال مقاتل: إن في هلاك فرعون وقومه عبرة لمن بعدهم (٤) ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ يقول: لم يكن أكثر أهل مصر مصدقين بتوحيد الله، ولم يكن آمن من أهل مصر غير آسية امرأة فرعون، وحزقيل المؤمن، ومريم بنت ناموسا، التي دلت على عظام\n_________\n(١) أنشده الماوردي ٤/ ١٧٥، والطوسي ٨/ ٢٩، ولم ينسباه.\n(٢) \"غريب القرآن\" لابن قتيبة ٣١٧.\n(٣) ذكره عنه ابن قتيبة، في \"غريب القرآن\" ٣١٧.\nفحاصل الأقوال في معنى: ﴿وَأَزْلَفْنَا﴾ ثلاثة؛\n١ - أهلكنا.\n٢ - جمعنا.\n٣ - قدمنا وقربنا.\nقال ابن قتيبة: وكل هذه التأوللات متقاربة، يرجع بعضها إلى بعض. \"غريب القرآن\" ٣١٨.\n(٤) أخرج ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٧٦، عن محمد بن. إسحاق: وكان يقال: لو لم يخرجه الله تعالى ببدنه حين أغرقه لشك فيه بعض الناس.","vol":"17","page":61},{"text":"يوسف (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3029>٦٨ </span>- ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ في انتقامه من أعدائه حين انتقم منهم ﴿الرَّحِيمُ﴾ بالمؤمنين حين أنجاهم من العذاب (٢).\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ٥١ أ. وفيه (وحزقيل المؤمن، ومنه الماشطة).\nوفي \"الوسيط\" ٣/ ٣٥٥: (خربيل المؤمن، ومريم بنت موشا). وعند البغوي ٦/ ١١٦ (حزبيل المؤمن، ومريم بنت ناقوسا). وزاد ابن الجوزي ٦/ ١٢٧، وفنَّة الماشطة ونسبه لقتادة، ولم أرَ من ذكره غيره.\nوفي \"تفسير مجاهد\" ٢/ ٤٦١، وابن جرير ١٩/ ٧٨، عنه رواية مطولة عن أخذ نبي الله موسى، لعظام يوسف، وليس فيها تسمية المرأة، بل فيها وصفها بأنها: امرأة عجوز بيتها على قبر يوسف، وأن موسى جعل عظام يوسف في كسائه، ثم حمل العجوز على كسائه؛ لأن بني إسرائيل قالوا لموسى: إن يوسف أخبرنا أنا سنُنجى من فرعون، وأخذ عليا العهد لنخرجن بعظامه معنا.\nوقصة أخذ نبي الله موسى ﵇ لعظام يوسف أخرجها الحاكم ٢/ ٤٠٤، وأبو يعلي الموصلي، في مسنده ١٣/ ٢٣٦، رقم: ٧٢٥٤، عن أبي موسى -﵁- مرفوعًا. قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي. وذكره الألباني في \"سلسلة الأحاديث الصحيحة\" ١/ ٥٥٩، رقم: ٣١٣.\nوقد ذكر هذا الحديث ابن كثير ٦/ ١٤٢، من طريق ابن أبي حاتم، فقط، ثم قال: وهذا حديث غريب جدًّا، والأقرب أنه موقوف، والله أعلم.\nوكون امرأة فرعون اسمها آسية ثابت من حديث ابن عباس قال: خط رسول الله -ﷺ-، في الأرض أربة خطوط، قال: تدرون ما هذا؟ فقالوا: الله ورسوله أعلم. فقال رسول الله -ﷺ-: (أفضل نساء أهل الجنة: خديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد، وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون، ومريم ابنة عمران). أخرجه الإمام أحمد ٤/ ٤٠٩، رقم ٢٦٦٨، م/ الرسالة، وحكم عليه محققو المسند بالصحة، وأخرج الحاكم ٣/ ١٧٤، كتاب معرفة الصحابة، رقم: ٤٧٥٤، وقال: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، والحديث في \"سلسلة الأحاديث الصحيحة\" ٤/ ١٣، رقم: ١٥٠٨.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ٥١ أ، بنصه. و\"تنوير المقباس\" ٣٠٧، بمعناه.","vol":"17","page":62},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3030>٦٩ </span>- قوله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ (٦٩)﴾ قال ابن عباس: حدث قومك نجبر إبراهيم (١).\nوقال مقاتل: واتل على أهل مكة حديث إبراهيم (٢).\nوقال الكلبي: يقول أخبرهم بخبر إبراهيم كيف قال لقومه (٣)؛ يعني قوله:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3031>٧٠، ٧١ </span>- ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ (٧٠) قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا﴾ قال مقاتل: وكانت أصنامًا من ذهب وفضة وحديد ونحاس وخشب (٤) ﴿فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ﴾ فنقيم عليها عابدين مقيمين على عبادتها لا نعدل بها شيئًا. قاله ابن عباس ومقاتل (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-3032>٧٢ </span>- ﴿قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ﴾ قال أبو علي وغيره من النحويين:\n_________\n(١) \"الوسيط\" ٣/ ٣٥٥، غير منسوب.\nقال الرازي ٢٤/ ١٤١: (اعلم أنه تعالى ذكر في أول السورة شدة حزن النبي -ﷺ- بسبب كفر قومه، ثم إنه ذكر قصة موسى -﵇- ليعرف محمد أن مثل تلك المحنة كانت حاصلة لموسى، ثم ذكر عقبها قصة إبراهيم -﵇- ليعرف محمد أيضًا أن حزن إبراهيم -﵇- بهذا السبب كان أشد من حزنه؛ لأن من عظيم المحنة على إبراهيم -﵇- أن يرى أباه وقومه في النار، وهو لا يتمكن من إنقاذهم.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ٥١ أ.\n(٣) \"تنوير المقاس\" ٣٥٧، بمعناه.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ٥١ أ.\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ٥١ أ. و\"تنوير المقباس\" ٣٠٧. وهو في \"الوسيط\" ٣/ ٣٥٥، غير منسوب. ونحوه في \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٩٣. أخرج ابن جرير ١٩/ ٨٣، عن ابن عباس، في قوله تعالى: ﴿فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ﴾ قال: الصلاة لأصنامهم. وذكر الثعلبي ٨/ ١١١ أ، عن من لم يسمه من أهل العلم: إنما قالوا: ﴿فَنَظَلُّ﴾؛ لأنهم كانوا يعبدونها بالنهار دون الليل.","vol":"17","page":63},{"text":"هل يسمعون دعاءكم، فحذف المضاف (١)؛ لأن سمعت إذا عُدِّي إلى زيد لم يكن له من مفعول مما سمع زيد، كقولك: سمعت زيدًا يقول ذلك، أو يشتم عمرًا. ونحو ذلك من المفعولات التي تُسمع، وهذا كقوله: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ﴾ [فاطر: ١٤] (٢).\nقال ابن عباس: هل يجيبونكم أو يسمعون دعاءكم (٣).\nوقال مقاتل: هل يجيبونكم إذ تدعوهم (٤). وتفسير السمع بالإجابة معنى؛ لأن من سمع أجاب. ومن هذا قيل: سمع الله لمن حمده. أي: أجاب (٥). وإذا فسرنا السمع بالإجابة لم يحتج إلى تقدير المضاف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3033>٧٣ </span>- قوله تعالى: ﴿أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ﴾ قال ابن عباس: يريد هل يرزقونكم، أو يكشفون عنكم التفسير، أو يملكون لكم ضرَّا (٦).\nوقال الكلبي: هل ينفعونكم إن أطعتموهم، أو يضرونكم إن\n_________\n(١) \"المسائل الحلبيات\" ٨٣، و\"الإيضاح العضدي\"، كلاهما لأبي علي الفارسي ١/ ١٩٧. و\"معاني القرآن\" للأخفش ٢/ ٦٤٦، و\"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ٢/ ٨٧. و\"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١١١ أ.\n(٢) قال ابن جرير ١٩/ ٨٤: قال بعض من أنكر ذلك من قوله من أهل العربية: الفصيح من الكلام في ذلك هو ما جاء في القرآن؛ لأن العرب تقول: سمعت زيدًا متكلمًا، يريدون: سمعت كلام زيد، ثم تعلم أن السمع لا يقع على الأناسي، إنما يقع على كلامهم، ثم يقولون: سمعت زيدًا، أي: سمعت كلامه.\n(٣) \"تنوير المقباس\" ٣٠٧.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ٥١ أ.\n(٥) قال ابن الأنباري: وقولهم: سمع الله لمن حمده، معناه: أجاب الله من حمده، والله سامع على كل حال، وكذلك: سمع الله دعاءك، معناه: أجاب الله دعاءك. \"الزاهر في معاني كلمات الناس\" ١/ ٥٩.\n(٦) \"الوسيط\" ٣/ ٣٥٥، منسوبًا لابن عباس -﵄-.","vol":"17","page":64},{"text":"عصيتموهم (١). ونحو هذا قال مقاتل: هل ينفعونكم في شيء إذا عبدتموهم، أو يضرونكم بشيء إن لم تعبدوهم (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3034>٧٤ </span>- ﴿قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ أي: كما نفعل يفعلون. وهذا إخبار أنهم قلدوا آباءهم في عبادة الأصنام، وتركوا الحجة والاستدلال فلما أقروا على أنفسهم وآبائهم بعبادة الأصنام التي لا تسمع ولا تضر (٣) ولا تنفع (٤).\nقال لهم إبراهيم متبرئًا منهم:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3035>٧٥، ٧٦ </span>- ﴿قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٧٥) أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ﴾ يعني الماضين الأولين.\n<span data-type=\"title\" id=toc-3036>٧٧ </span>- ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي﴾ قال الكلبي: يقول أبرأ منهم (٥). وقال مقاتل: أنا بريء منهم (٦). ومعنى عداوة الأصنام له هو ما ذكره الفراء، أي: لو عبدتهم كانوا إلى يوم القيامة ضدًا وعدوًا (٧). وكأنه ذهب إلى معنى قوله: ﴿كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ﴾ الآية (٨)، [مريم: ٨٢] وذكر ابن قتيبة هذه الآية في باب المقلوب؛ وقال: المعنى: فإني عدو لهم، فقلب؛ لأن كل من عاديته\n_________\n(١) \"تنوير المقباس\" ٣٠٧.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ٥١ أ.\n(٣) ولا تضر. مكررة في نسخة (ج).\n(٤) لا تنفع، ولا تضر ولا تسمع. في نسخة (ب).\n(٥) \"تنوير المقباس\" ٣٠٧، وفيه: تبرأ منهم.\n(٦) \"تفسير مقاتل\" ٥١ ب.\n(٧) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٨١.\n(٨) \"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١١١ ب. والشاهد من الآية في آخرها، وهو قوله تعالى: ﴿كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾.","vol":"17","page":65},{"text":"عاداك (١). ونحو هذا حكى بعض المتأخرين عن الفراء، ولم أر له ذلك (٢).\nوالعدو: اسم يجوز إطلاقه على الجماعة، كما قال: ﴿وَهُمْ لَكُمْ عَدُوّ﴾ [الكهف ٥٠] (٣) وقوله: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ﴾ [النساء ٩٢] وقد مرَّ (٤). وذلك أنه وضع موضع المصدر فلا يُثنى، ولا يُجمع، كما يوضع المصدر موضع الصفة؛ في نحو: رجل عدل، وتجوز تثنيته وجمعه؛ لأنه اسم (٥).\nوقوله: ﴿إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ قال أبو إسحاق: قال النحويون: إنه استثناء ليس من الأول. أي: لكن رب العالمين أعبده، ولا أتبرؤ منه. قال: ويجوز أن يكونوا عبدوا مع الله الأصنام، فقال: إن جميع من عبدتم عدو لي إلا رب العالمين؛ لأنهم سَووَّا آلهتهم بالله -﷿- فأعلمهم أنه قد تبرأ مما يعبدون إلا الله (٦). وهذا الذي ذكره هو مذهب مقاتل في هذه الآية؛ قال: إنهم كانوا يعلمون أن الله ربهم، وهو الذي خلقهم فإقرارهم بالله أنه خلقهم وهو ربهم عبادة منهم له (٧).\nوقال الكلبي: ﴿إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ يقول: إلا أن يكون فيكم أحدٌ يعبد\n_________\n(١) \"تأويل مشكل القرآن\" ١٩٣.\n(٢) ذكره عن الفراء الثعلبي ١١١ ب، وتبعه البغوي ٦/ ١١٧، وأحال محقق \"تفسير البغوي\" في الحاشية إلى \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٨١، وليس فيه هذا القول، كما قال الواحدي.\n(٣) ذكر هذا القول الأخفش، في \"معاني القرآن\" ٢/ ٦٤٣.\n(٤) تفسير هذه الآية من سورة النساء من القسم المفقود من كتاب البسيط.\n(٥) \"تفسير ابن جرير\" ١٩/ ٨٤، بمعناه.\n(٦) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٩٣.\n(٧) \"تفسير مقاتل\" ٥١ ب.","vol":"17","page":66},{"text":"الله (١). واختار الحسين بن الفضل هذا القول، وقال: يعني إلا من عبد رب العالمين (٢). وهذا يتوجه على حذف المضاف، كأنه قال: إلا عابد رب العالمين، ويكون الاستثناء أيضًا لا من الأول.\nواختار صاحب النظم في قوله: ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي﴾ القلب؛ وقال: لأن الأصنام لا تعادي أحدًا، والمعنى: فإني عدو لهم. ومعنى العداوة: البغض والبراءة، وترك الموافقة. وأصله: من عَدَوْتُ الشيء: إذا جاوزتُه وخلَّفته. وقال في قوله: ﴿إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ إنه على التقديم والتأخي؛ على تقدير: أفرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم وءابآؤكم الأقدمون إلا رب العالمين فإنهم عدو لي وتكون (إلا) بمعنى: (دون) و(سوى). أي: ما كنتم تعبدون من دون الله، وسوى الله، فيكون: (دون) و(سوى)، نعتًا للاسم الأول (٣).\nوهذا الذي ذكره فيه تعدٍّ واستكراه، ثم استبعد قول الذين قالوا: إنه استثناء ليس من الأول؛ بأن قال: يحتمل ذلك على بعدٍ فيه؛ لأنه يكون ادعى خبرًا على الله من غير علم، وهو تمدح وتفريط للنفس، وهما مكروهان، يعني: أن إبراهيم إذا قال: الأصنام أعدائي، لكن الله وليي يكون قد أخبر عن الله بأنه وليه، ومدح نفسه بولاية الله؛ لأنه إذا كان الله [هو أيضًا] (٤) وليه، كان هو أيضًا ولي الله. وهذا لا يقدح في قول النحويين؛ لأنه لم يُخبر بذلك عن غير علم؛ فإن النبي يعلم منزلته من الله. والنبوة فوق الولاية، فإذا عَلِم أنه نبي، عَلِم أنه ولي، وأن الله وليه.\n_________\n(١) \"تنوير المقباس\" ٣٠٧.\n(٢) \"تفسير الثعبي\" ٨/ ١١١ب.\n(٣) ذكره عنه السمين الحلبي، \"الدر المصون\" ٨/ ٥٣٠.\n(٤) ما بين المعقوفين، ساقط من نسخة (ج).","vol":"17","page":67},{"text":"وقوله: إنه تمدح، هذا إنما لا يحسن بعد الأنبياء، أما الأنبياء فلهم أن يتمدحوا بمنزلتهم، ومكانهم من الله تعالى، كما أن لهم التحدي بالمعجزة، وقد قال نبينا -ﷺ-: \"أنا سيد ولد آدم\" (١).\nوقال: \"آدم فمن دونه تحت لوائي يوم القيامة\" (٢).\nوقال: \"لو كان موسى حيًا لما وسعه إلا اتباعي\" (٣)، في أشباهٍ لهذا كثيرة لا تُحمل على مذهب التمدح المكروه.\nقال مقاتل: ثم ذكر إبراهيم نعم رب العالمين؛ فقال (٤):\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3037>٧٨ </span>- ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ﴾ قال ابن عباس: يرشدني. وقال\n_________\n(١) جزء من حديث أخرجه مسلم ٤/ ١٧٨٢، كتاب الفضائل، رقم: ٢٢٧٨، من حديث أبي هريرة -﵁-، بلفظ: \"أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، وأول من ينشق عنه القبر، وأول شافع وأول مُشَّفع\". وأخرجه باللفظ نفسه أبو داود ٥/ ٥٤، كتاب السنة، رقم: ٤٦٧٣.\n(٢) أخرجه أبو داود الطيالسي ٣٥٣، من حديث ابن عباس، بلفظ: \"وبيدي لواء الحمد تحته آدم ومن دونه ولا فخر\". وأخرجه من الطريق نفسه أبو يعلى الموصلي ٤/ ٢١٤، وضعفه محقق مسند أبي يعلى؛ لضعف علي بن زيد بن جُدعان، وأخرجه ابن حبان، من طريق آخر عن عبد الله بن سلام -﵁-، \"الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان\" ١٤/ ٣٨٩، وقال محققه: حديث صحيح لغيره. وأخرجه الترمذي ٥/ ٥٤٨، كتاب المناقب، رقم: ٣٦١٥، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. وهو في \"صحيح سنن الترمذي\" ٣/ ١٩٥، رقم: ٢٨٥٩.\n(٣) خرجه الإمام أحمد ٢٣/ ٣٤٩، رقم: ١٥١٥٦، وأخرجه أبو يعلى الموصلي ٤/ ١٠٢، وأخرج ابن أبي عاصم، كتاب السنة ٢٧، رقم: ٥٠. وضعف الحديث محققو المسند، وكذا محقق \"مسند أبي يعلى\"؛ لضعف مُجالد بن سعيد، وحسن إسناده الألباني، \"إراوء الغليل\" ٦/ ٣٤، رقم: ١٥٨٩؛ لورود الحديث من طرق أخرى ساقها هناك\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ٥١ ب.","vol":"17","page":68},{"text":"الكلبي: فهو يهدين إلى الدين (١). والمعنى: فهو الذي يهدين إلى الدين، والرشد، لا ما تعبدون من الأصنام. أخبر أن الذي يهدي هو الله الذي خلق (٢) لا غيره، وجاء هذا لأنهم كانوا يزعمون أن آلهتهم هي التي تهديهم. قال صاحب النظم: وجاءت الفاء دون الواو في (فهو) لأن الفاء تجعل ما بعدها متصلًا بما قبلها على الجواب له.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3038>٧٩ </span>- قوله تعالى: ﴿وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ﴾ قال صاحب النظم: صحول ﴿هُوَ﴾ دليل على أنه أعلم أنه لا يُطعم ولا يَسقي غيرُه، كما تقول في الكلام: زيد هو الذي فعل، أي: لم يفعله غيره (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-3039>٨٠ </span>- ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ قال: دخلت الفاء هاهنا كما دخلت في الخلق والهداية، وذلك أنهم كانوا يقولون: المرض منا، ومن الزمان، ومن الأغذية، والشفاء من الأطباء، ومن الأدوية. فأعلم إبراهيم أن الذي أمرض هو الذي يَشفي؛ وهو الله -﷿-. هذا كلامه (٤). وكان يجب على ما قال أن يكون: وإذا أمرضني، وقد قال: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ﴾ فلم يُخبر عن الله -﷿- بإمراض، إلا أن يقال: أراد: وإذا أمرضني، ولكن أخبر عن نفسه على العادة فإنه يقال: مرضت ولا يقال: أمرضني الله وإن كان المرض مخلوقًا لله بقضائه وقدره (٥).\n_________\n(١) \"تنوير المقباس\" ٣٠٩.\n(٢) في نسخة (أ)، (ب): زيادة: هذا، بعد: خلق. والكلام مستقيم بدونها.\n(٣) ذكره القرطبي ١٣/ ١١٠، ولم ينسبه.\n(٤) وقد ذكره في \"الوسيط\" ٣/ ٣٥٥، ولم ينسبه.\n(٥) قال السمرقندي، في تفسيره ٢/ ٤٧٥: أضاف المرض إلى نفسه؛ لأن المرض كسب يده، كقوله -﷿-: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ =","vol":"17","page":69},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3040>٨١ </span>- وقوله: ﴿وَالَّذِي يُمِيتُنِي﴾ أي: في الدنيا ﴿ثُمَّ يُحْيِينِ﴾ للبعث. قاله ابن عباس، والمفسرون (١).\nقال صاحب النظم: كانوا لا يدفعون الموت، إلا أنهم يجعلون له سببًا سوى الله، ويكفرون بالبعث، فأعلم إبراهيم أنه هو الذي يميت، ثم يحي (٢). ودخلت (ثم) للتراخي الذي بين الموت والحياة (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3041>٨٢ </span>- وقوله: ﴿وَالَّذِي يُمِيتُنِي﴾ قال مقاتل: أرجو (٤) ﴿أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي﴾ قال مجاهد، ومقاتل، والكلبي، والحسن (٥)، هي قوله لسارة: أختي، وقوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ وقوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ وهي الكذبات الثلاث (٦).\n_________\n= [الشورى: ٣٠] وفيه كفارة. وجعل البغوي ٦/ ١١٨، إضافة المرض إلى نفسه استعمالًا لحسن الأدب. وهذا أولى، والله أعلم.\n(١) \"تفسير ابن جرير\" ١٩/ ٨٥.\n(٢) \"تفسير الوسيط\" ٣/ ٣٥٥، منسوبًا لصاحب النظم.\n(٣) وقد أحسن الواحدي صنعًا في إعراضه عن ذكر الأقوال الغريبة، والشاذة التي ذكرها الثعلبي ٨/ ١١١ ب، عن بعض أهل المعرفة، وإن كان الأحسن أن يشير إلى نقده لتلك الأقوال كما فعل القرطبي ١٣/ ١١١، وغيره من أهل العلم.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ٥١ ب. و\"تنوير المقباس\" ٣٠٩.\n(٥) الحسن غير موجودة في نسخة (ب).\n(٦) \"تنوير المقباس\" ٣٠٩. و\"تفسير مجاهد\" ٢/ ٤٦٢. و\"تفسير مقاتل\" ٥١ ب. وأخرجه بسنده ابن جرير ١٩/ ٨٥، عن مجاهد. وأخرجه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٨٠، عن أبي هريرة -﵁- مرفوعًا. ولفظه عند البخاري، من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁-، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله -ﷺ-: (لَمْ يَكْذِبْ إِبْرَاهِيمُ -﵇- إِلا ثَلَاثَ كَذَبَات ثِنْتَيْنِ مِنْهُن فِي ذَاتَ الله -﷿-؛ قَوْلُهُ: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ وَقَوْلُهُ: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ وَقَالَ: بَيْنَا هُوَ ذَاتَ يَوْمِ وَسارَةُ إِذْ أَتَى عَلَى جَبَّارٍ مِنَ الْجَبَابِرَةِ فَقِيلَ لَه إِنَّ هَاهُنَا رجُلا مَعَهْ امْرَأَةٌ مِرْ أَحْسَنِ =","vol":"17","page":70},{"text":"وزاد الكلبي والحسن قوله للكواكب: ﴿هَذَا رَبِّي﴾ (١).\nوقال أبو إسحاق: معنى ﴿خَطِيئَتِي﴾ أن الأنبياء بشر، وقد يجوز أن تقع عليهم الخطيئة إلا أنهم لا تكون منهم الكبيرة؛ لأنهم معصومون (٢).\nوقال أهل المعاني في قوله: (أطمع) هذا تلطف من إبراهيم في حسن الاستدعاء، وخضوع لله -﷿- (٣).\nقوله: ﴿يَوْمَ الدِّينِ﴾ يريد يوم الجزاء. قاله ابن عباس (٤).\n_________\n= النَّاسِ فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ فَسَأَلَهُ عَنْهَا فَقَالَ مَنْ هَذِهِ قَالَ أُخْتِي فَأَتَى سَارَةَ قَالَ يَا سَارَةُ لَيْسَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ مُؤْمِنٌ غَيْرِي وَغَيْرَكِ وَإِن هَذَا سَألَني فَأَخْبَرْتُهُ أَنَّكِ اخْتِي فَلَا تُكَذِّبِينِي فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا فَلَمَّا دَخَلَتْ عَلَيْهِ ذَهَبَ يَتَنَاوَلُهَا بِيَدِهِ فَأُخِذَ فَقَالَ ادْعِي الله لِي وَلَا أَضُرُّكِ فَدَعَتِ الله فَأُطْلِقَ ثُمّ تَنَاوَلَهَا الثانِيَةَ فَأُخِذَ مِثْلَهَا أَوْ أَشَدَّ فَقَالَ ادْعِي الله لِي وَلَا أَضُركِ فَدَعَتْ فَأُطْلِقَ فَدَعَا بَعْضَ حَجَبَتِهِ فَقَالَ إِنَّكُمْ لَمْ تَأْتُونِي بِإِنْسَانٍ إِنَّمَا أَتَيْتُمُونِي بِشَيْطَانٍ فَأَخْدَمَهَا هَاجَرَ فَأَتَتْهُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فَأَوْمَأَ بِيَدِهِ مَهْيَا قَالَتْ رَدَّ الله كَيْدَ الْكَافِرِ أَوِ الْفَاجِرِ في نَحْرِهِ وَأَخْدَمَ هَاجَرَ). البخاري، كتاب الأنبياء، رقم: ٣٣٥٨، الفتح ٦/ ٣٨٨. ومسلم، ٤/ ١٨٤٠، كتاب الفضائل، رقم: ٢٣٧١.\n(١) \"تفسير الوسيط\" ٣/ ٣٥٥. وذكره السمرقندي، في \"تفسيره\" ٢/ ٤٧٥، ولم ينسبه. ونسبه الثعلبي ٨/ ١١٢ ب، والبغوي ٦/ ١١٨، للحسن. قال ابن عطية ١١/ ١٢٣: وقالت فرقة: أراد بالخطيئة اسم الجنس، قدرها في كل أمره من غير تعيين. واستظهر ابن عطية هذا القول. وهذا مخالف لظاهر الآية حيث نسبة الخطأ إلى نفسه، ومخالف للحديث السابق، والأنبياء عليهم الصلاة والسلام معصومون فيما يتعلق بالوحي وتبليغ الرسالة، ولا ينافي إثبات ذلك عصمةَ الرسل؛ فالعصمة ثابتة لهم في تبليغ الوحي، وأما ما يفعلونه باجتهادهم فهم كغيرهم من البشر يصيبون، وقد يخطئون فيصحح خطؤهم. والله أعلم.\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٩٤.\n(٣) \"تفسير الوسيط\" ٣/ ٣٥٥، ولم ينسبه.\n(٤) أخرجه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٨٠، عن الأعرج. قال ابن جرير ١٩/ ٨٥: (يوم الحساب، يوم المجازاة).","vol":"17","page":71},{"text":"وقال مقاتل: يعني يوم الحساب (١). ثم دعا إبراهيم ربه فقال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3042>٨٣ </span>- ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا﴾ قال ابن عباس: معرفة بالله وبحدوده وأحكامه (٢).\nوقال مقاتل: يعني اللهم والعلم (٣).\n﴿وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ قال ابن عباس: بأهل الجنة.\nوقال عطاء عنه: يريد النبيين قبله (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3043>٨٤ </span>- ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾ قال ابن عباس، ومجاهد، وسفيان، والسدي، ومقاتل، والكلبي، والمفسرون يعني: ثناءً حسنًا (٥). ﴿فِي الْآخِرِينَ﴾ يعني: في الذين يأتون بعدي (٦).\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ٥١ ب. ذكر الواحدي، في \"الوسيط\" ٣/ ٣٥٦، هاهنا حديث عَائِشَةَ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله ابْنُ جُدْعَانَ كَانَ في الْجَاهِلِيَّةِ يَصِلُ الرَّحِمَ وُيطْعِمُ الْمِسْكِينَ فَهَلْ ذَاكَ نَافِعُهُ قَالَ لَا يَنْفَعُهُ إِنَّهُ لَمْ يَقُلْ يَوْمًا رَبِّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ) أخرجه مسلم ١/ ١٩٦، كتاب الإيمان، رقم ٢١٤. والحاكم ٢/ ٤٣٩، كتاب التفسير، رقم: ٣٥٢٤، وقال صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. والحديث أخرجه مسلم كما سبق.\n(٢) \"تفسير الوسيط\" ٣/ ٣٥٦. و\"تفسير البغوي\" ٦/ ١١٨. و\"تفسير القرطبي\" ١٣/ ١١٢. وأخرج ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٨١، عن ابن عباس: الحكم: العلم.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ٥١ ب. و\"تنوير المقباس\" ٣٠٩. وجعل ابن جرير ١٩/ ٨٦، الحكم هنا: النبوة. وهو قول السدي، أخرجه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٨١.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ٥١ ب. وفي \"تنوير المقباس\" ٣٠٩: بآبائي المرسلين في الجنة.\n(٥) خرجه بسنده عن مجاهد، الفراء، \"معاني القرآن\" ٢/ ٢٨١. وذكره أبو عبيدة ٢/ ٨٧، ولم ينسبه. وذكره ابن جرير ١٩/ ٨٦. وأخرجه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٨١، عن مجاهد، وقتادة، وعبد الرحمن بن زيد.\n(٦) \"تفسير مقاتل\" ٥١ ب. و\"تنوير المقباس\" ٣١٠.","vol":"17","page":72},{"text":"قال أبو إسحاق: معناه اجعل لي ثناء حسنًا باقيًا إلى آخر الدهر (١).\nقال المفسرون: وأعطاه الله ذلك، وكل أهل دين يتولونه ويثنون عليه (٢). وذكرنا أن اللسان قد يُذكر والمراد به القول (٣)، ومنه:\nإني أتتني لسانٌ ...... البيت (٤)\nوالعرب إذا مدحت شيئًا أضافته إلى الصدق (٥)؛ كقوله تعالى: ﴿قَدَمَ صِدْقٍ﴾ [يونس: ٢] وقد مر (٦).\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٩٤. قال السمرقندي، في؛ \"تفسيره\" ٢/ ٤٧٦: وإنما أراد بالثناء الحسن ليقتدوا به فيكون له مئل أجر من اقتدى به.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ٥١ ب، بلفظ: \"فكل أهل دين يتولون إبراهيم -﵇-، ويثنون عليه\". وذكر هذا هود الهواري ٣/ ٢٣٠. وأخرجه بسنده مطولًا ابن جرير ١٩/ ٨٦، عن عكرمة. وأخرجه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٨١، عن ابن عباس. قال الجصاص ٥/ ٢١٤: فاليهود تقر بنبوته، وكذلك النصارى، وأكثر الأمم. وذكره الثعلبي ٨/ ١١٣ أ.\n(٣) ذكر ذلك ابن قتيبة، في \"تأويل مشكل القرآن\" ١٤٦. ونقله عنه الثعلبي ٨/ ١١٣ أ.\n(٤) أنشده كاملًا ابن قتيبة، في \"تأويل مشكل القرآن\" ١٤٦، ولم ينسبه، وتمامه:\nإني أتتني لسانٌ لا أُسرُّ بها ... من عَلوَ لا عجبٌ منها ولا سَخَرُ\nقال ابن قتيبة: أي: أتاني خبرٌ لا أسر به. والبيت مطلع قصيدة لأعشى باهلة، يرثي بها المنتشر بن وهب الباهلي، وقد ذكرها المبرد، الكامل ٣/ ١٤٣١. وأنشده ونسبه الثعلبي ٨/ ١١٧ أ.\n(٥) في \"تهذيب اللغة\" ٨/ ٣٥٥: يقال: هذا رجل صِدْق، معناه: نعم الرجل هو.\n(٦) ذكر الواحدي في تفسير هذه الآية ما يتعلق بالقدم، ومعناه، والمراد به، ثم قال: هذا الذي ذكرنا معنى القدم في اللغة، فأما التفسير فقال ابن عباس: أجرًا حسنًا بما قدموا من أعمالهم. وعلى هذا المعنى: أن لهم أجر صدق أو ثوابه، على تقدير حذف المضاف، وقال مجاهد والحسن: يعني الأعمال الصالحة. وعلى هذا لا حذف. =","vol":"17","page":73},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3044>٨٥ </span>- ﴿وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ﴾ قال ابن عباس: اجعل مصيرِي إلى جنة النعيم (١). وقال الكلبي: من الذين ذكروا في قوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ﴾ [المؤمنون: ١٠، ١١] والنعيم: نقيض البؤس (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-3045>٨٦ </span>- ﴿وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ﴾ قال مقاتل: من المشركين (٣). وهذا الاستغفار منه لأبيه إنما كان قبل أن يتبرأ منه (٤). وقد ذكرنا ذلك عند ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ﴾ الآية، [التوبة: ١١٤] (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-3046>٨٧ </span>- ﴿وَلَا تُخْزِنِي﴾ قال مقاتل والكلبي: لا تعذبني (٦) ﴿يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ يوم يبعث الخلق بعد الموت (٧). ثم فسر ذلك اليوم وأبدل منه؛ فقال:\n_________\n= قال الإمام مالك: لا بأس أن يُحب أن يُثنى عليه صالحًا، وُيرى في عمل الصالحين، إذا قصد به وجه الله وهو الثناء الصالح. \"أحكام القرآن\" لابن العربي ٣/ ٤٥٨.\n(١) \"تنوير المقباس\" ٣١٠، بمعناه.\n(٢) وفي هذه الآية رد على من قال: لا أسأل جنة ولا نارًا. \"تفسير القرطبي\" ١٣/ ١١٤.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ٥١ ب.\n(٤) \"تفسير البغوي\" ٦/ ١١٩.\n(٥) قال الواحدي: (.. وذلك أنه وعد أباه أن يستغفر له رجاء إسلامه، وأن ينقل الله أباه باستغفاره له من الكفر إلى الإسلام، فلما مات مشركًا ويئس من مراجعته الحق تبرأ منه، وقطع الاستغفار له ..).\n(٦) \"تفسير مقاتل\" ٥١. و\"تنوير المقباس\" ٣١٠.\n(٧) \"تفسير مقاتل\" ٥١ ب. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁-، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ-، قَالَ: (يَلْقَى إِبْرَاهِيمُ أَبَاهُ آزَرَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَعَلَى وَجْهِ آزَرَ قَتَرَةٌ وَغَبَرَةٌ فَيَقُولُ لَهُ إِبْرَاهِيم: أَلَمْ أَقُلْ لَكَ لَا تَعْصِنِي فَيقُولُ أَبُوهُ: فَالْيَوْمَ لَا أَعْصِيكَ فَيَقُولُ إِبْرَاهِيمُ: يَا رَبِّ إنكَ وَعَدْتَنِي أَنْ لَا تُخْزِيَنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ فَأَيُّ خِزيٍ أَخْزَلى مِنْ أَبِي الأَبْعَدِ فَيَقُولُ الله تَعَالَى: إِنِّي حَرَّمْتُ الْجَنَّةَ =","vol":"17","page":74},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3047>٨٨ </span>- ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ﴾ [ومفعول النفع محذوف للعلم به كأنه قيل: لا ينفع مال ولا بنون أحدًا] (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-3048>٨٩ </span>- ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ وفي هذا الاستثناء قولان؛ أحدهما: إنه استثناء من الأول على معنى: أن الكافر لا ينفعه ماله وإن تصدق به، ولا ابنوه يغيثونه، [فيكون قوله ﴿إِلَّا مَنْ﴾ استثناء ممن لا ينفعه بماله، وبنوه؛ وهو الكافر.\nالقول الثاني: إن قوله: ﴿إِلَّا مَنْ﴾ استثناء ليس من الأول على معنى:] (٢) لكن من أتى الله بقلب سليم ينفعه ذلك، وهو سلامة قلبه (٣).\nواختلفوا في معنى القلب السليم؛ فقال ابن عباس: سليم من الشرك والنفاق. وهو قول مجاهد، والكلبي، ومقاتل، وقتادة، والحسن، وأكثر المفسرين؛ قالوا: القلب السليم، الذي سلم من الشرك، والشك، والنفاق (٤). وإذا كان سليمًا من هذه الأشياء كان موقنًا مخلصًا. وقال سعيد\n_________\n= عَلَى الْكَافِرِينَ ثُمَّ يُقَالُ: يَا إِبْرَاهِيمُ مَا تَحْتَ رِجْلَيْكَ فَيَنْظُرُ فَإِذَا هُوَ بِذِيخٍ مُلْتَطِخٍ فَيُؤْخَذُ بِقَوَائِمِهِ فَيُلْقَى في النَّارِ) أخرجه البخاري، كتاب الأنبياء، رقم: ٣٣٥٠، الفتح ٦/ ٣٨٧. والنسائي، في السنن الكبرى ٦/ ٤٢٢، كتاب التفسير، رقم: ١١٣٧٥. قال ابن حجر، في الفتح ٨/ ٤٩٩: الذيخ: ذكر الضباع. يعني أن الله تعالى قد مسخ آزر ضبعًا، فلما رآه إبراهيم كذلك تبرأ منه.\n(١) ما بين المعقوفين، ساقط من نسخة (ج).\n(٢) ما بين المعقوفين، ساقط من نسخة (أ)، (ب).\n(٣) لم أجده عند من تقدم الواحدي، وذكره من المتأخرين: الزمخشري ٣/ ٣١١. والقرطبي ١٣/ ١١٤. وأبو حيان ٧/ ٢٤.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ٥١ ب. وأخرجه بسنده عبد الرزاق ٢/ ٧٤، عن قتادة. و\"تفسير هود الهواري\" ٣/ ٢٣١. و\"غريب القرآن\" لابن قتيبة ٣١٨. و\"تفسير ابن جرير\" =","vol":"17","page":75},{"text":"ابن المسيب: القلب السليم هو الصحيح وهو قلب المؤمن، وقلب الكافر والمنافق مريض، كما قال الله تعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ [البقرة: ١٠] (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3049>٩٠ </span>- قوله تعالى: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ قال ابن عباس: قربت الجنة لأوليائي (٢).\nقال أبو إسحاق: تأويله أنه قرب دخولهم إياها ونظرهم إليها (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3050>٩١ </span>- ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ﴾ أي: أظهرت (٤). قال مقاتل: كشف الغطاء عيت الجحيم (٥) (للغاوين) للكافرين (٦)، وهم الضالون عن الهدى (٧).\n_________\n= ١٩/ ٨٧، وأخرجه عن قتادة، وابن زيد، والضحاك. وأخرجه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٨٣، عن مجاهد، والحسن، وعبد الرحمن بن زيد. قال الثعلبي ٨/ ١١٣ أ، بعد ذكر هذا القول: (فأما الذنوب فليس يسلم منها أحد). ومراده ما دون الشرك. قال ابن القيم: (وقد اختلفت عبارات الناس في معنى السليم، والأمر الجامع لذلك: أنه الذي قد سلم من كل شهوة تخالف أمر الله ونهيه، ومن كل شبهة تعارض خبره ..) \"إغاثة اللهفان\" ١/ ١٣.\n(١) \"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١١٧ أ. و\"تفسير الوسيط\" ٣/ ٣٥٦. و\"تفسير البغوي\" ٦/ ١١٩. وفي \"تنوير المقباس\" ٣١٠: (سليم من بغض أصحاب النبي -ﷺ-).\n(٢) \"تنوير المقباس\" ٣١٠. و\"تفسير الوسيط\" ٣/ ٣٥٦. أخرج ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٨٤، عن الضحاك: قُربت من أهلها. ثم قال: وروي عن السدي، وقتادة، والربيع بن خيثم نحو ذلك.\n(٣) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٩٤.\n(٤) \"تنوير المقباس\" ٣١٠. و\"تفسير هود الهواري\" ٣/ ٢٣١. و\"تفسير ابن جرير\" ١٩/ ٨٧. و\"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٩٤. و\"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١١٣ أ.\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ٥١ ب.\n(٦) \"تنوير المقباس\" ٣١٠. قال ابن عطية ١١/ ١٢٧: هم المشركون بدلالة أنهم خوطبوا في أمر الأصنام، والقول لهم: ﴿أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٩٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾.\n(٧) عن الهدى، في نسخة (ج).","vol":"17","page":76},{"text":"والغاوي: الضال (١). ﴿وَقِيلَ لَهُمْ﴾ في ذلك اليوم على وجه التوبيخ واللوم (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3051>٩٢، ٩٣ </span>- ﴿أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٩٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ﴾ هل يمنعوفكم من العذاب ﴿أَوْ يَنْتَصِرُونَ﴾ يمتنعون منه (٣).\nثم يؤمر بهم فيُلقون في النار، فذلك قوله:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3052>٩٤ </span>- ﴿فَكُبْكِبُوا فِيهَا﴾ قال ابن عباس، والسدي، والكلبي: جمعوا (٤).\nوقال مجاهد: دهوروا (٥). وقال مقاتل: قذفوا (٦).\nقال أبو إسحاق: معنى: (كبكبوا) طُرح بعضهم على بعض (٧).\nوحقيقة ذلك في اللغة: تكرير الانكباب كأنه إذا أُلقي يَنْكَبُّ مرة بعد مرة حتى يستقرَّ فيها (٨).\nوقال أبو عبيدة: نكسوا فيها، وهو من قولهم: كبَّه الله لوجهه (٩).\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٩٤.\n(٢) \"تفسير الوسيط\" ٣/ ٣٥٦، ولم ينسبه.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ٥١. و\"تنوير المقباس\" ٣١٠. و\"تفسير هود الهواري\" ٣/ ٢٣١.\n(٤) أخرجه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٨٥، عن ابن عباس، والسدي.\n(٥) أخرجه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٨٥، عن مجاهد، بلفظ: قد هووا فيها، وما في المطبوع مخالف لما في المخطوط ٢٢٧ أ، ولفظه: فدمروا فدهوروا. وبلفظ: دهوروا، ذكره \"الثعلبي\" ٨/ ١١٣ أ، و\"البغوي\" ٦/ ١١٩.\n(٦) \"تفسير مقاتل\" ٥٢ أ. و\"تفسير هود الهواري\" ٣/ ٢٣١. و\"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١١٣ ب.\n(٧) وقد اقتصر في الوجيز ٢/ ٧٩٢، على قول أبي إسحاق، ولم يشبه. وذكر هذه الأقوال بهذا الترتيب البغوي ٦/ ١١٩.\n(٨) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٩٤. وذكره الأزهري ٩/ ٤٦١ (كبب) ولم ينسبه.\n(٩) \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ٢/ ٨٧، بلفظ: أي: طرح بعضهم على بعض جماعة جماعة.","vol":"17","page":77},{"text":"قال ابن قتيبة: (كبكبوا) أُلقوا على رؤوسهم، وأصل الحرف: كُبِّبُوا، فأبدل من الباء الوسطى كافًا استثقالًا لاجتماع ثلاث باءات، [كما قالوا: كمكموا، من الكُمَّة، وهي: القَلَنْسوة، والأصل: كُمِّموا] (١). كما قالوا: ريح صرصر (٢)، ورقرقت العين بمعنى: دمعت، وله نظائر (٣).\nومن قال في تفسير: (كبكبوا) جمعوا (٤)، أراد: جمعوا بطرح بعضهم على بعض في النار. وهذا الفعل للمعبودين من دون الله، أخبر الله تعالى أنهم يُطرحون في النار مع عابديهم، فقال: ﴿فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ﴾ قال ابن عباس: يريد: هم وما يعبدون من دون الله (٥).\nوقال الكلبي: العابد والمعبود (٦).\nوقال السدي: جمعوا فيها الآلهة والمشركون (٧). وعلى هذا: ﴿الْغَاوُونَ﴾ هم عبدة الأصنام.\nوقال قوم: ﴿فَكُبْكِبُوا فِيهَا﴾ يعني الكفار ﴿وَالْغَاوُونَ﴾ كفرة الجن. وهو قول الكلبي (٨).\n_________\n(١) \"تفسير غريب القرآن\" لابن قتيبة ٣١٨، وما بين المعقوفين، زيادة نقلتها من الغريب ليستقيم بها الكلام، وهي غير موجودة في النسخ الثلاث.\n(٢) قال تعالى ﴿فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٦].\n(٣) لم يظهر لي الارتباط بين هذا ومعنى: كبكبوا، فلعلها زيادة تتابع عليها النساخ؛ إذ لم أجدها في غريب ابن قتيبة، ولا غيره، والله أعلم.\n(٤) \"تنوير المقباس\" ٣١٠.\n(٥) أخرج ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٨٥، بلفظ: ﴿الْغَاوُونَ﴾ المشركون.\n(٦) في \"تنوير المقباس\" ٣١٠: كفار الجن وآلهتهم.\n(٧) أخرجه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٨٥.\n(٨) \"تنوير المقباس\" ٣١٠. و\"تفسير الثعلبى\" ٨/ ١١٣ ب.","vol":"17","page":78},{"text":"وقال قتادة، ومقاتل: يعني الشياطين (١). والقول هو الأول؛ لأن الشياطين ذكروا فيما بعد؛ وهو قوله:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3053>٩٥ </span>- ﴿وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ﴾ يعني: ذرية إبليس كلهم (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-3054>٩٦ </span>- ﴿قَالُوا﴾ يعني: الكفرة والغاوون ﴿وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ﴾ مع الشياطين والمعبودين (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-3055>٩٧، ٩٨ </span>- ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ والله ما كنا إلا في ضلال] (٤) حيث سويناكم بالله فأعظمناكم، وعبدناكم، وعدلناكم به (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-3056>٩٩ </span>- ﴿وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ﴾ قال مقاتل: وما أضلنا عن الهدى إلا الشياطين (٦). وهو قول ابن عباس.\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ٥٢ أ. وأخرجه بسنده عبد الرزاق ٢/ ٧٤، وابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٨٦، عن قتادة. وذكره عنهما الثعلبي ٨/ ١١٣ ب.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ٥٢ أ. و\"تنوير المقباس\" ٣١٠. وأخرجه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٨٦ عن السدي. وفي رواية أخرى عنه، قال: هم الشياطين. قال النحاس: \"الذين دعوهم إلى عبادة الأصنام، وساعدوا إبليس على ما يريد فهم جنوده\". \"إعراب القرآن\" ٣/ ١٨٤. وهذا قول حسن. والله أعلم.\n(٣) قال الهواري ٣/ ٢٣١: \"وخصومتهم تبرؤ بعضهم من بعض، ولعن بعضهم بعضًا\".\n(٤) ما بين المعقوفين، ساقط من نسخة (ج). واستدل ابن قتيبة بهذه الآية على أن: إن، الخفيفة تكون بمعنى: لقد. \"تأويل مشكل القرآن\" ٥٥٢.\n(٥) به، في نسخة (أ)، (ب). \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٩٤، وفيه: كما يعبد الله، بدل: وعدلناكم به. قال ابن القيم: ومعلوم أنهم ما سووهم به -سبحانه- في الخلق والرزق، والإماتة والإحياء، والملك والقدرة، وإنما سووهم به في الحب، والتأله والخضوع لهم والتذلل، وهذا غاية الجهل والظلم، فكيف يسوى التراب برب الأرباب؟ وكيف يسوى العبيد بمالك الرقاب \"الجواب الكافي\" ١٩٧.\n(٦) \"تفسير مقاتل\" ٥٢ أ.","vol":"17","page":79},{"text":"وقال الكلبي: إلا أوَّلونا الذين اقتدينا بهم (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3057>١٠٠ </span>- ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ﴾ من يشفع لنا من الملائكة والنبيين (٢). قال ابن عباس: يريد النبي -ﷺ- (٣) والمؤمنين، حين يشفعون للموحدين.\n<span data-type=\"title\" id=toc-3058>١٠١ </span>- ﴿وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ قال ابن عباس: ولا قريب من المؤمنين. وقال مقاتل: يعني: القريب الشفيق (٤). وقال الكلبي ﴿وَلَا صَدِيقٍ﴾ ذي قرابة يهمه أمرنا (٥). والحميم: القريب الذي توده ويودك (٦).\nقال ابن عباس: إن المؤمن يشفع يوم القيامة للمؤمنين المذنبين (٧). وروى جابر بن عبد الله -﵄- أن رسول الله -ﷺ- قال: \"إن الرجل ليقول في الجنة: رب (٨) ما فعل صديقي فلان، وصديقه في الجحيم، فيقول الله تعالى: أخرجوا له صديقه إلى الجنة، فيقول من بقي: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (١٠٠) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ \" (٩).\n_________\n(١) \"تفسير الوسيط\" ٣/ ٣٥٧، و\"تنوير المقباس\" ٣١٠. و\"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١١٣ ب. قال ابن جرير ١٩/ ٨٩: \"يعني بالمجرمين: إبليس، وابن آدم الذي سن القتل\". وأخرجه بسنده عن عكرمة.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ٥٢ أ. وجعل ابن جريج الشافعين من الملائكة فقط. أخرجه عنه ابن جرير ١٩/ ٨٩.\n(٣) في نسخة (أ)، (ب): قال الكلبي. والظاهر أنها زائدة.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ٥٢ أ.\n(٥) \"تنوير المقباس\" ٣١٠.\n(٦) \"تهذيب اللغة\" ٤/ ١٤ (حم)، بنصه.\n(٧) \"تفسير الوسيط\" ٣/ ٣٥٧.\n(٨) رب، في نسخة (أ)، (ج).\n(٩) أخرجه بسنده الثعلبي ٨/ ١١٣ ب، من طريق الوليد بن مسلم قال: حدثنا من سمع أبا الزبير يقول: أشهد لسمعت جابر بن عبد الله. وعن الثعلبي أخرج الواحدي، =","vol":"17","page":80},{"text":"ومعنى (١) الحميم في اللغة: القريب، من قولهم: أَحَمَّ الأمر، وأَحَمَّ إذا قَرُب، ودنا (٢).\nوقال المبرد: حَميم الرجل من يخصه، وهو مأخوذ من: الحَامَّة، يقال: دُعِي فلانٌ في الحامَّة، لا في العامَّة (٣). ثم قالوا:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3059>١٠٢ </span>- ﴿فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً﴾ أي: رجعة إلى الدنيا (٤) ﴿فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ اصدقين بالتوحيد (٥). أي: حتى تحل لنا الشفاعة كما حلت للمؤمنين (٦).\n<span data-type=\"title\" id=toc-3060>١٠٣ </span>- ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ يعني فيما أخبر من قصة إبراهيم ﴿لَآيَةً﴾ لعبرة لمن بعدهم.\nوالباقي [١٠٣ - ١٠٤] مفسر فيما مضى من السورة إلى قوله:\n_________\n= في تفسيره \"الوسيط\" ٣/ ٣٥٧، وكذا البغوي ٦/ ١٢٠، وفي حاشية \"الوسيط\": في سنده انقطاع بين الوليد بن مسلم وأبي الزبير. وفي حاشية البغوي: لم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة، وغيرها، وساقه المصنف بإسناده من طريق الثعلبي، وفيه جهالة من سمع أبا الزبير.\nفي \"تفسير مقاتل\": استكثروا من صداقة المؤمنين، فإن المؤمنين يشفعون يوم القيامة.\n(١) ومعنى. في نسخة (أ)، (ج).\n(٢) \"تهذيب اللغة\" ٤/ ١٤ (حمم)، من قول الكسائي. وكذا في \"لسان العرب\" ١٢/ ١٥٢، وفيه: ويروى بالجيم.\n(٣) في \"تهذيب اللغة\" ٤/ ١٤ (حمم): الحامَّة: خاصة الرجل من أهله وولده وذي قرابته. ولم ينسبه للمبرد. ولم أجده في فهارس \"المقتضب\"، ولا فهارس الكامل. قال في الكشاف ٣/ ١١٩: \"والحميم من الاحتمام، وهو الاهتمام، وهو الذي يهمه ما يهمك، أو من الحامة، بمعنى الخاصة، وهو: الصديق الخاص\".\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ٥٢ أ. و\"تنوير المقباس\" ٣١٠. وأخرج ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٨٧، عن ابن عباس.\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ٥٢ أ.\n(٦) أخرج نحوه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٨٧، عن ابن عباس.","vol":"17","page":81},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3061>١٠٥ </span>- ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ قال أبو إسحاق: دخلت التاء و: ﴿قوم﴾ مذكرون؛ لأن المعنى: كذبت جماعة قوم نوح (١).\nوقوله: ﴿الْمُرْسَلِينَ﴾ قال ابن عباس، ومقاتل، والمفسرون: يعني نوحًا وحده (٢). وعلى هذا إنما جاز الجمع؛ لأن من كذب رسولًا واحدًا من رسل الله فقد كذب الجماعة، وخالفها؛ لأن كل رسول يأمر بتصديق جميع الرسل (٣). وهذا معنى قول الحسن؛ لما سئل عن هذا وأمثاله فقال: إن الآخِر جاء بما جاء به الأول، فإذا كَذبوا واحدًا فقد كذبوهم أجمعين (٤). وقال الكلبي ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ﴾ نوحًا، وما أخبرهم من مجيء المرسلين بعده (٥). قال الزجاج: وجائز أن يكونوا كذبوا جميع الرسل (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3062>١٠٦ </span>- ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ﴾ قال ابن عباس: ابن أبيهم، يعني: أن الأخوة كانت من جهة النسب، لا من جهة الدين. وهو قول جميع المفسرين: أخوهم في النسب. يعني: أنه منهم، وليس بأخيهم في الدين (٧).\nقال الزجاج: كل رسول يأتي بلسان قومه، ليوضح لهم الحجة،\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٩٥. وقال النحاس: \"على تأنيث الجماعة\". \"إعراب القرآن\" ٣/ ١٨٥. وهذا الوجه أحسن مما قاله البقاعي: \"إثبات التاء، اختيارًا للتأنيث، وإن كان تذكير القوم أشهر، للتنبيه على أن فعلهم أخس الأفعال\". \"نظم الدرر\" ١٤/ ٦١.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ٥٢ أ.\n(٣) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٩٥، بنصه.\n(٤) ذكره عنه الثعلبي ٨/ ١١٣ أ، والبغوي ٦/ ١٢٠.\n(٥) \"تنوير المقباس\" ٣١٠.\n(٦) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٩٥.\n(٧) \"تفسير مقاتل\" ٥٢ أ. و\"تنوير المقباس\" ٣١٠. وتفسير هود الهواري ٣/ ٢٣٢.","vol":"17","page":82},{"text":"ويكون أبين لهم (١)، كقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ الآية، [إبراهيم: ٤] وقوله: ﴿أَلَا تَتَّقُونَ﴾ مفسر (٢) في هذه السورة.\n\n١٠٧ - ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ [قال ابن عباس: ائتمني الله على رسالته، وبعثني إليكم (٣). وهو قول مقاتل:] (٤) أمين على الرسالة فيما ينكم وبين ربكم (٥).\nوقال الكلبي: كان فيهم أمينًا قبل ذلك (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3064>١٠٨ </span>- ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ بطاعته وعبادته ﴿وَأَطِيعُونِ﴾ فيما آمركم به من الإيمان والتوحيد.\n<span data-type=\"title\" id=toc-3065>١٠٩ </span>- ﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾ قال مقاتل: وذلك أنهم قالوا للأنبياء: إنكم تريدون أن تتملكوا علينا في أموالنا! فردت عليهم الأنبياء فقالوا: وما نسألكم عليه من أجرة يعني: على الإيمان جُعلا.\n﴿إِنْ أَجْرِيَ﴾ ما جزائي وثوابي ﴿إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3066>١١١ </span>- وقوله: ﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ﴾ قال مقاتل: أنصدق بقولك (٨) ﴿وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ﴾ الواو هاهنا للحال، ومعها: قد، مضمرة؛ لأن واو الحال قَلَّ ما تصحب الأفعال، ولهذا قرأ من قرأ: (وأتْباعُك) قال الفراء:\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٩٥.\n(٢) في نسخة (أ): تفسر. وفي نسخة (ب): تفسر في هذه الآية السورة.\n(٣) \"تنوير المقباس\" ٣١٠، بمعناه.\n(٤) ما بين المعقوفين، ساقط من نسخة (ج).\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ٥٢ أ.\n(٦) \"تنوير المقباس\" ٣١٠.\n(٧) \"تفسير مقاتل\" ٥٢ أ.\n(٨) \"تفسير مقاتل\" ٥٢ أ.","vol":"17","page":83},{"text":"وهو وجه حسن (١).\nوقال الزجاج: هي في العربية جيدة؛ لأن واو الحال تصحب الأسماء أكثر في العربية؛ لأنك تقول: جئتك وأصحابك الزيدون، ويجوز: وصحبك، والأكثر: جئتك وقد صحبك الزيدون (٢). ومعنى ﴿الْأَرْذَلُونَ﴾ هو كمعنى الأراذل وقد مر (٣).\nقال ابن عباس في رواية عطاء: يريد المساكين بأنهم شرار الناس ليس لهم مال ولا عز (٤).\nوقال مقاتل، والكلبي: يعنون السفلة (٥). وكان آمن شرح بنوه، ونساؤه، وأُناس من ضعفاء قومه (٦).\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٨١، ولفظه: \"وذكر أن بعض القراء قرأ: وأتباعك الأرذلون. ولكني لم أجده عن القراء المعروفين، وهو وجه حسن\". وهي قراءة يعقوب الحضرمي (وأتْباعُك) بقطع الهمزة، وإسكان التاء مخففة، وضم العين وألف قبلها على الجمع. المبسوط في القراءات العشر ٢٧٥، و\"الشر في القراءات العشر\" ٢/ ٣٣٥. ونسب ابن جني هذه القراءة لابن مسعود والضحاك وطلحة وابن السميفع ويعقوب وسعيد بن أبي سعيد الأنصاري. المحتسب ٢/ ١٣١. قال الأزهري: \" (وأتباعك) جمع تابع، كما يقال: صاحب، وأصحاب، وشاهد وأشهاد، ومعناه: وأشياعك الأرذلون\". معاني القراءات ٢٢٧.\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٩٥.\n(٣) في قوله تعالى: ﴿وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ﴾ [هود ٢٧].\n(٤) \"تفسير الوسيط\" ٣٥٧/ ٣، من قول عطاء. و\"زاد المسير\" ٦/ ١٣٤.\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ٥٢ أ. و\"تنوير المقباس\" ٣١٠. وأخرج ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٨٨، عن قتادة.\n(٦) ومراده ببنيه: الأكثر؛ لقوله تعالى: ﴿وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ﴾ [هود: ٤٢].","vol":"17","page":84},{"text":"وروى الضحاك عن ابن عباس قال: الحاكة (١). وهو قول عكرمة، وزاد: الأساكفة (٢).\nقال أبو إسحاق: والصناعات لا تضر في باب الديانات (٣).\nوروي عن ابن عباس، في تفسير الأرذلين: الغلفة (٤). والصحيح: أنهم أرادوا بالأرذلين الذين مكاسبهم دنية؛ لقوله: ﴿قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.\nلما نسبوا أتباع نوح إلى دناءة المكاسب، أجابهم نوح بأن قال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3067>١١٢ </span>- ﴿وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ يعني: ما كنت أعلم أعمالهم، وصنائعهم، ولم (٥) أُكلف ذلك إنما كلفت أن أدعوهم (٦).\nوقال مقاتل: يقول: لم أكن أعلم أن الله يهديهم للإيمان من بينكم ويدعكم (٧). وهذا القول غير الأول، ومعناه: أن نوحًا قال لهم: لا أدري\n_________\n(١) \"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١١٤ أ. و\"زاد المسير\" ٦/ ١٣٤. وأخرجه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٨٨، عن مجاهد. والمراد بهم: ناسجو الثياب؛ مأخوذ من الحَوك، وهو: النسج. \"تهذيب اللغة\" ٥/ ١٢٨ (حاك).\n(٢) \"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١١٤ أ. وذكر الواحدي في \"الوسيط\" ٣/ ٣٥٧، أن الضحاك، وعكرمة، قالا: يعنون الحاكة، والأساكفة. الإسكافي: الصانع، وقيل: كل صانع غيرِ من يعمل الخفاف. \"تهذيب اللغة\" ١٠/ ٧٧ (سكف).\n(٣) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٩٥. وذكره في \"الوسيط\" ٣/ ٣٥٧. ونفله عن الزجاج الأزهري ١٤/ ٤١٩.\n(٤) هكذا كتبت في النسخ الثلاث: الغلفة، ومعناهاهنا غير مناسب؛ ولعل الصواب: الغفلة: جمع غافل وهو من لا فطنة له. \"تهذيب اللغة\" ٨/ ١٣٦ (غفل).\n(٥) في نسخة (ب): ولا.\n(٦) \"تفسير الوسيط\" ٣/ ٣٥٧، ولم ينسبه.\n(٧) \"تفسير مقاتل\" ٥٢ أ.","vol":"17","page":85},{"text":"إيش عملوا حتى استحقوا الهداية من بينكم دونكم، كأنه يقول: لا يضرهم دناءة مكاسبهم إذ هداهم الله. والقول هو الأول؛ لقوله:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3068>١١٣ </span>- ﴿إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي﴾ أي: ما حسابهم فيما يعملون من صنائعهم ﴿إِلَّا عَلَى رَبِّي﴾ وليس عليَّ من حسابهم شيء ﴿لَوْ تَشْعُرُونَ﴾ لو تعلمون ذلك (١).\nوجواب ﴿لَوْ﴾ محذوف على معنى: ﴿لَوْ تَشْعُرُونَ﴾ أن حسابهم على ربهم لما عبتموهم بصنائعهم. ونظير قوله: إن حسابهم إلا على ربهم، قوله في سورة: هود في قصة نوح: ﴿أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾ [هود: ٢٩].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3069>١١٤ </span>- وقوله: ﴿وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ (١١٤) إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ قال مقاتل: يعني وما أنا بالذي لا أقبل الإيمان من الذين تزعمون أنهم الأرذلون عندكم (٢).\nقال الكلبي (٣) قال الأشراف لنوح: اطردهم يا نوح ونؤمن لك! فقال: ﴿وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3070>١١٥ </span>- ﴿إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِين﴾ قال ابن عباس: أنذركم النار، وأبين لكم ما يقربكم من الله. قال مقاتل: ما أنا إلا رسول بين (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-3071>١١٦ </span>- ﴿قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ﴾ [عما تقول وتسكت] (٥) ﴿لَتَكُونَنَّ مِنَ\n_________\n(١) \"تنوير المقباس\" ٣١١. واستدل ابن قتيبة بهذه الآية على أن الحساب يكون بمعنى: الجزاء. \"تأويل مشكل القرآن\" ٥١٣.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ٥٢ ب.\n(٣) قال الكلبي، في نسخة (ج).\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ٥٢ ب.\n(٥) ما بين المعقوفين، ساقط من نسخة (ج).","vol":"17","page":86},{"text":"الْمَرْجُومِينَ﴾ قال ابن عباس، ومقاتل، والكلبي: من المقتولين (١).\nوقال الضحاك: من المشتومين (٢). وقال قتادة: المضروبين بالحجارة (٣). وذكرنا معاني الرجم فيما تقدم (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3072>١١٧، ١١٨ </span>- ﴿قَالَ﴾ نوح ﴿رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ (١١٧) فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا﴾ قال ابن عباس، والمفسرون: فاقض بيني وبينهم قضاء (٥).\nقال مقاتل: يعني بالعذاب (٦). ﴿وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ من ذلك العذاب (٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3073>١١٩ </span>- ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ مضى الكلام في تفسير الفلك، عند قوله: ﴿وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ﴾ [البقرة: ١٦٤].\nقال أبو إسحاق في هذه السورة: ﴿الْفُلْك﴾ السفن، واحدها: فَلَك،\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ٥٢ ب. و\"تنوير المقباس\" ٣١١. و\"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١١٤ أ. ونسبه الماوردي ٤/ ١٧٩، لمحمد بن الحسن.\n(٢) \"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١١٤ أ، و\"تفسير الوسيط\" ٣/ ٣٥٨. و\"تفسير البغوي\" ٦/ ١٢١. ونسبه الماوردي ٤/ ١٧٩، للسدي.\n(٣) \"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١١٤ أ. و\"تفسير الماوردي\" ٤/ ١٧٩.\n(٤) في سورة هود ٩١.\n(٥) \"تنوير المقباس\" ٣١١. وأخرجه بسنده عبد الرزاق ٢/ ٧٤، عن قتادة. وأخرجه عنه كذلك ابن جرير ١٩/ ٩٠، وأخرجه أيضًا عن ابن زيد. وأخرجه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٩٠، عن قتادة، والسدي، وعبد الرحمن بن زيد. وفي \"مجاز القرآن\" ٢/ ٨٧: \"أي: احكم بيني وبينهم حُكمًا\". و\"تفسير هود الهواري\" ٣/ ٢٣٣، وفيه: وإذا قضى الله بين النبي وقومه هلكوا. قال ابن قتيبة: \"ومنه قيل للقاضي: الفتاح\". \"غريب القرآن\" ٣١٨.\n(٦) \"تفسير مقاتل\" ٥٢ ب.\n(٧) \"تنوير المقباس\" ٣١١.","vol":"17","page":87},{"text":"وجمعها: فُلْك، وزعم سيبويه أنها بمنزلة أَسَد، وأُسْد، قياس فَعْل، ألا ترى أنك تقول: قُفْل وأقفال، وجَمَل وأجمال، وكذلك: أَسَد وأُسْد وآسَاد، وفَلَك، وأفلاك وفُلْك في الجمع (١).\nقال أبو علي الفارسي، فيما أصلح عليه: لم نعلم أحدًا قال في واحد الفُلْك: فَلَك، ولكن الواحد: فُلْك، وكُسِّر على فُلْك (٢)، وقول سيبويه: إنه بمنزلة أَسَد وأُسْد، يريد: فُعَلا كسر على فُعْل، كما كسر فَعْل عليها (٣)، واجتمعا في التكسير على فعل كما اجتمعا في التكسير على أفعال؛ لأنهما يتعاقبان كثيرًا على الشيء الواحد، نحو: البُخل والبخال (٤)، والبَخل، والسُقم والسَقم، والعُجم والعَجم، والعُرب والعَرب، فلما كانا على هذا جاز اجتماعهما على هذا التكسير.\nونظير هذا في أن لفظ التكسير جاء على لفظ الواحد قبل أن يُكَسَّر، قولهم: ناقة هَجَّانٌّ، وإبل هَجَّانٌ (٥)، ودِرعٌ دِلاص، وأدرعٌ دِلاص، وهجان في الجمع (٦)، على حد ظِرافٍ، وشِرَاقٍ، وليس على حد سنان\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٩٥. وتبعه النحاس، في \"إعراب القرآن\" ٣/ ١٨٦، فقال: \"زعم سيبويه\".\n(٢) قال أبو عبيدة ٢/ ٨٨: \"والفلك يقع لفظه على الواحد، والجميع من السفن سواء\".\n(٣) في كتاب أبي علي: عليه، بدل: عليها.\n(٤) البخال، غير موجودة في كتاب أبي علي.\n(٥) في نسخة (أ)، الأولى هيجان، بالياء، والباقي بدونها كما في نسخة: ب، في المواضع الثلاثة. وفي نسخة (ج): بالياء، في الموضع الأول والثاني .. وفي كتاب أبي علي، بدون الياء في المواضع كلها.\n(٦) هكذا في نسخة (ب)، وفي نسخة (أ)، (ج): الجميع. وفي كتاب أبي علي: \"وإنما دلاص، وهجان، في الجمع\".","vol":"17","page":88},{"text":"وضناك (١).\nوأما ﴿الْمَشْحُون﴾ فقال الليث: الشحن مَلوُك السفينةَ وإتمامُك جَهازَها كلَّه (٢). قال ابن عباس: يريد بالمشحون الذي قد شحن وملئ (٣). وقال مجاهد: المشحون: المملوء (٤).\nوقال قتادة: المُحَمَّل (٥). وقال مقاتل: المُوقِر من الناس، والطير، والحيوان، كلها من كل صنف ذكر وأنثى (٦). والفلك هاهنا واحد لا جمع،\n_________\n(١) هاتان الكلمتان غير واضحتين في كتاب أبي علي. الإغفال فيما أغفله الزجاج ٢/ ٢٢٠ أ. وقد ذكر هذه المسألة المبرد، في \"المقتضب\" ٢/ ٢٠٥. وفي الحاشية: درع دلاص: لينة براقة، والهجان: الإبل البيضاء. قال أبو حيان ٧/ ٣١:\"الفلك، واحد وجمع، غالب استعماله جمعًا\". ويبين معنى: ظراف وشراق، وسنان وضناك.\n(٢) \"تهذيب اللغة\" ٤/ ١٨٤ (شحن)، بنصه، وفي كتاب \"العين\" ٣/ ٩٥: شحنت السفينة: ملأتها فهي مشحونة.\nوجَهازها بالفتح، وجِهاز بالكسر لغة ليست جيدة. \"تهذيب اللغة\" ٦/ ٣٦ (جهز).\n(٣) أخرج ابن جرير ١٩/ ٩٢، بسنده، من طريقين عن ابن عباس \" ﴿الْمَشْحُونِ﴾ قال: يعني: المُوقَر\". وأخرجه كذلك ابن أبي حاتم ٨/ ٢٨٩١. ولفظه عند الثعلبي ٨/ ١١٤ أ \"الموقر، والمجهز\". وفي سؤالات نافع بن الأزرق لابن عباس \"السفينة الموقرة الممتلئة\". \"غريب القرآن في شعر العرب\" ٩٥، والإتقان ١٢٥. يراجع الإتقان. وأخرجه الطستي عن ابن عباس، \"الدر المنثور\" ٦/ ٣١١.\n(٤) \"تفسير مجاهد\" ٢/ ٤٦٣. ولفظه عند ابن جرير ١٩/ ٩٢: \"المفروغ منه المملوء\". وهو كذلك عند ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٩٢. وذكره أبو عبيدة ٢/ ٨٨، ولم ينسبه. واقتصر عليه ابن قتيبة، في \"غريب القرآن\" ٣١٨.\n(٥) أخرجه عبد الرزاق ٢/ ٧٤. وعنه ابن جرير ١٩/ ٩٢.\n(٦) \"تفسير مقاتل\" ٥٢ ب. الوقِر: الثِقل يُحمل على ظهرٍ أو رأس. يقال: جاء يحمل وِقْره. ويقال: هذه نخلة موقِرة وموقَرة وموقر. \"تهذيب اللغة\" ٩/ ٢٨٠ (وقر).","vol":"17","page":89},{"text":"لذلك قال: ﴿الْمَشْحُونِ﴾ وعلى ما قال الزجاج: الفُلْك جمع؛ وهو خطأ له هاهنا (١)؛ لأن سفينة نوح كانت واحدة (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3074>١٢٠ </span>- وقوله: ﴿ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ﴾ قال مقاتل: بعد أهل السفينة (٣). وقال غيره: بعد نجاة نوح ومن معه ﴿الْبَاقِينَ﴾ من بقي منهم ولم يركب السفينة (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-3075>١٢١ </span>- ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ في هلاك قوم نوح بالغرق (٥) ﴿لَآيَةً﴾ لعبرة لمن بعدهم (٦) ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ﴾ أكثر قوم نوح ﴿مُؤْمِنِينَ﴾ مصدقين بتوحيد الله، ولو كان أكثرهم مؤمنين لم يعذبوا في الدنيا (٧).\n<span data-type=\"title\" id=toc-3076>١٢٢ </span>- ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ في انتقامه منهم بالغرق (٨) ﴿الرَّحِيمُ﴾ بالمؤمنين إذ أنجاهم من الغرق (٩).\nوفي ذكر (١٠) تكذيب الأمم الخالية وتعذيب الله إياهم تخويف لكفار مكة (١١).\n_________\n(١) في نسخة (ج): وهو خطأ لا وجه له.\n(٢) وفي وصف الفلك بأنه مشحون إظهار لعظيم النعمة؛ لأن سلامة المملوء جدًا أغرب. \"نظم الدرر\" ١٤/ ٦٧.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ٥٢ ب.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ٥٢ ب.\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ٥٢ ب.\n(٦) \"تفسير مقاتل\" ٥٢ ب، وفيه زيادة:\"من هذه الأمة ليحذروا مثل عقوبتهم\".\n(٧) \"تفسير مقاتل\" ٥٢ ب.\n(٨) \"تفسير مقاتل\" ٥٢ ب.\n(٩) \"تفسير مقاتل\" ٥٢ ب. و\"تنوير المقباس\" ٣١١.\n(١٠) ذكر، في نسخة (ج).\n(١١) مختصر مما ذكره مقاتل ٥٢ ب.","vol":"17","page":90},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3077>١٢٣ </span>- وقوله: ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ﴾ التأنيث بمعنى القبيلة والجماعة. ومضى الكلام في معنى جمع المرسلين في قصة نوح.\nوالباقي [١٢٤ - ١٢٧] مفسر فيما سبق إلى قوله:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3078>١٢٨ </span>- ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ﴾ قال ابن السكيت: الرِّيع: المكان المرتفع، وذَكَرَ الآية. قال: وقال عُمارة: الرِّيع: الجبل (١).\nوقال أبو عبيدة: الريع: الارتفاع، جمع: رِيعة (٢). ونحو هذا قال المبرد، وابن قتيبة، وأنشدوا (٣) لذي الرمة فقال:\nطِرَاقُ الخوافي واقعٌ فوقَ رِيعةٍ ... ندى لَيله في ريشه يترقرقُ (٤)\nوقال الكسائي، والفراء: رِيع ورَيع بالكسر والفتح، لغتان؛ الواحدة: رِيعة ورَيعة، مثل: الرِّير والرَّيْر، وهو المكان المرتفع (٥).\n_________\n(١) \"تهذيب اللغة\" ٣/ ١٧٩ (راع).\n(٢) \"مجاز القرآن\" ٢/ ٨٨، وفيه: والجميع أرياع، وريعة.\n(٣) في نسخة (ب): وأنشدوا قول ذي الرمة فقال.\n(٤) أنشده أبو عبيدة، \"مجاز القرآن\" ٢/ ٨٨، وفيه: مشرف، بدل: واقع. وهو كذلك عند ابن جرير ١٩/ ٩٢، ونسباه لذي الرمة. وأنشده ابن قتيبة، \"غريب القرآن\" ٣١٨، ونسبه لذي الرمة، وفيه: مشرفًا، بدل: واقع. يصف ذي الرمة نظره كنظر البازي -نوع من الطيور- ومعنى: طراق: بعضه على بعض، والخوافي: ما دون القوادم من جناح الطائر، والرَّيعة: المكان المرتفع، ويترقق: يجيء ويذهب. \"ديوان ذي الرمة\" ١٧٥.\n(٥) \"معاني القرآن\" للفراء٢/ ٢٨١، ولفظه: \"رِيع ورَيع، لغتان مثل: الريرِ، والرار، وهو: المخ الرديء\". الرار، هكذا وردت. وما نقله عنه الأزهري، في \"التهذيب\" ٣/ ١٨٠، موافق لما عند الواحدي. ولم ينسب الأزهري هذا القول للكسائي.","vol":"17","page":91},{"text":"وقال الزجاج: هي في اللغة: الموضع من الأرض المرتفع. ومن ذلك: كم رَيْعُ أرضك؟ أي: كم ارتفاع أرضك (١).\nوقال ابن الأعرابي: الريع: مسيل الوادي من كل مكان مشرف، وجمعه: أرياع وريوع (٢).\nقال ابن قتيبة: والريع، أيضًا: الطريق (٣)، وأنشد للمسَيَّب بن عَلَس (٤)، وذكر ظُعُنًا، فقال:\nفي الآلِ يخفضها ويرفعها ... رِيعٌ يلوحُ كأنه سَحْل (٥)\nشبه الطريق بالثوب الأبيض (٦).\nهذا كلام أهل اللغة في تفسير الرِّيع. وأما أهل التفسير فقال الوالبي عن ابن عباس: يعني: بكل شرف (٧).\nوقال قتادة: بكل طريق (٨). وهو لفظ مقاتل، والكلبي، والضحاك،\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٩٦.\n(٢) \"تهذيب اللغة\" ٣/ ١٨٠ (راع).\n(٣) نسبه الماوردي ٤/ ١٨٠، للسدي.\n(٤) راجع ترجمته في \"جمهرة أشعار العرب\" ١١١، و\"الخزانة\" ٣/ ٢٤٠، والأعلام ٧/ ٢٢٥.\n(٥) أنشده ابن قتيبة، \"غريب القرآن\" ٣١٨، وأنشده الماوردي ٤/ ١٨٠، ثم قال: \"السحل: الثوب الأبيض، شبه الطريق به\". وأنشده الزمخشري ٣/ ٣١٦، منسوبًا للمسيب. وهو كذلك في \"لسان العرب\" ١١/ ٣٢٨ (سحل). والألَلةُ: الهودج الصغير. \"لسان العرب\" ١١/ ٢٧ (ألل).\n(٦) \"غريب القرآن\" لابن قتيبة ٣١٨.\n(٧) أخرجه ابن جرير ١٩/ ٩٤، وابن أبي حاتم ٩/ ٢٧٩٣. من طريق علي بن أبي طلحة. وأخرجه ابن جرير أيضًا عن مجاهد. واقتصر عليه في الوجيز ٢/ ٧٩٣، ولم ينسبه.\n(٨) أخرجه بسنده، عبد الرزاق ٢/ ٧٤، وابن جرير ١٩/ ٩٤. وابن أبي حاتم ٩/ ٢٧٩٣.","vol":"17","page":92},{"text":"وابن عباس، في رواية عطية (١)، وقال في رواية عطاء: بكل موضع. وهؤلاء الذين فسروا الريع بالطريق، والموضع، أرادوا الطريق والموضع المرتفع. وروى ابن أبي نجيح، وابن جريج، عن مجاهد: ﴿بِكُلِّ رِيعٍ﴾ قال: بكل فَجٍّ (٢).\nقال الزجاج: والفج: الطريق المنفرج في الجبل (٣).\nوقال عكرمة: بكل واد (٤). وهذا موافق لقول ابن الأعرابي (٥).\nقوله: ﴿آيَةً﴾ قال مقاتل، والكلبي: عَلمًا (٦).\nوعن ابن عباس: بنيانًا علمًا (٧).\n﴿تَعْبَثُونَ﴾ قال عطاء، عن ابن عباس: يريد: تبنون ما لا تسكنون (٨). فعلى هذا أنكر هودٌ عليهم بناءهم ما يستغنون عنه، ولا يسكنونه، وجعل\n_________\n(١) نسبه لهؤلاء الثعلبي ٨/ ١١٤ ب. وأخرجه ابن جرير ١٩/ ٩٤، عن ابن عباس، والضحاك. وهو في \"تفسير مقاتل\" ٥٢ ب. و\"تنوير المقباس\" ٣١١. وذكر الماوردي ٤/ ١٨٠، عن الكلبي، أنه فسر الريع بالسوق.\n(٢) \"تفسير مجاهد\" ٢/ ٤٦٣، من طريق ابن أبي نجيح. وهو كذلك عند ابن أبي حاتم ٩/ ٢٧٩٣. وأخرجه ابن جرير ١٩/ ٩٤، عنه من طريق ابن جريج، وابن أبي نجيح.\n(٣) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٩٦.\n(٤) \"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١١٤ ب.\n(٥) الذي سبق ذكره، ولفطه: مسيل الوادي ..\n(٦) \"تفسير مقاتل\" ٥٢ ب. و\"تنوير المقباس\" ٣١١، ولفظه: بكل طريق علامة. و\"تفسير هود الهواري\" ٣/ ٢٣٤، ولم ينسبه. وأخرجه ابن جرير ١٩/ ٩٤، عن ابن عباس.\n(٧) اقتصر عليه في \"تفسير الوسيط\" ٣/ ٣٥٨، ولم ينسبه. أخرج ابن جرير ١٩/ ٩٥، وابن أبي حاتم ٩/ ٢٧٩٤، عن مجاهد: ﴿ءَايَةٍ﴾ بنيان.\n(٨) \"تفسير الوسيط\" ٣/ ٣٥٨. وزاد المسير ٦/ ١٣٤. وذكره السمرقندي، في \"تفسيره\" ٢/ ٤٧٩، وصدَّره بقوله: وروي عن ابن عباس.","vol":"17","page":93},{"text":"ذلك منهم عبثًا.\nوقال الكلبي: ﴿تَعْبَثُونَ﴾ بمن يمر بالطريق (١). وعلى هذا معنى الآية: تبنون بالمواضع المرتفعة كي تشرفوا على المارة والسائلة، فتسخروا منهم وتعبثوا بهم.\nوقال مقاتل: بل (٢) كانوا إذا سافروا لا يهتدون إلا بالنجوم، فبنوا القصور الطوال على الطرق عبثًا (٣).\nوروي عن سعيد بن جبير، ومجاهد أنهما قالا: هذا (٤) في بنيان الحَمَام (٥). وعلى هذا أنكر عليهم اتخاذهم بروجًا للحَمَام عبثًا. وهذه أوجه أربعة في معنى العبث المذكور هاهنا. وذكر بعض أهل المعاني وجهًا له؛ فقال: كانوا يبنون بالمكان المرتفع البناء العالي ليدلوا بذلك على زيادة قوتهم، وذلك عبث.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3079>١٢٩ </span>- قوله تعالى: ﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾ قال الليث: المصنعة شبه صهريج عميق يُتخذ للماء، والجمع (٦) المصانع، والمصانع التي يتخذها الناس من الأبنية والآبار.\n_________\n(١) \"تنوير المقباس\" ٣١١، مختصرًا.\n(٢) بل، في نسخة (أ)، (ب).\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ٥٢ ب.\n(٤) هذا، في نسخة (ج).\n(٥) واقتصر على هذا القول في \"الوجيز\" ٢/ ٧٩٣. وأخرج هذا القول عن مجاهد، ابن جرير ١٩/ ٩٥، وابن أبي حاتم ٩/ ٢٧٩٤. وذكره الماوردي ٤/ ١٨١، عن السدي. وذكره عنهما البغوي ٦/ ١٢٢. وابن الجوزي، في زاد المسير ٦/ ١٣.\n(٦) في نسخة (أ)، الجميع. وفي كتاب \"العين\" ١/ ٣٠٥ (صنع): وتجمع المصانع.","vol":"17","page":94},{"text":"قال لبيد:\nوما تَبْلى النجومُ الطوالعُ ... وتبلى الديارُ بعدنا والمصانعُ (١)\nوقال أبو عبيدة: كل بناء مَصْنَعة (٢).\nقال الأزهري: وقال بعضهم: هي أحباس تُتَّخذ للماء، كالزلَف، واحدها: مَصْنَعة، ومَصْنَع يحتفرها الناس فيملؤها ماءُ السماء فيشربونها. ويقال للقصور أيضًا: مصانع (٣).\nقال ابن عباس: هي الأبنية (٤).\nوقال مجاهد: قصورًا مشيدة، وبنيانًا مخلدًا (٥).\nوقال الكلبي: مصانع: منازل (٦).\nوقال مقاتل: يعني القصور (٧).\nوذكر قتادة القولين؛ أحدهما: القصور، والحصون. والثاني: مآخذ\n_________\n(١) كتاب \"العين\" ١/ ٣٠٥ (صنع)، ولم أجد قول الليث في \"تهذيب اللغة\" ٢/ ٣٧ (صنع)، وأما البيت فقد ذكره الأزهري منسوبًا للبيد. وهو مطلع قصيدة يرثي بها أخاه: أربد، وهي في الديوان ٨٨، بلفظ:\nبلينا وما تبلى النجوم الطوالع ... وتبقى الجبال بعدنا والمصانع\n(٢) \"مجاز القرآن\" ٢/ ٨٨.\n(٣) \"تهذيب اللغة\" ٢/ ٣٧ (صنع).\n(٤) قال ابن قتيبة: \"المصانع: الباء، واحدها مصنعة\". \"غريب القرآن\" ٣١٩.\n(٥) \"تفسير مجاهد\" ٢/ ٤٦٣. وأخرجه ابن جرير ١٩/ ٩٥، وابن أبي حاتم ٩/ ٢٧٩٤. وأخرجه عبد الرزاق ٢/ ٧٥، بلفظ: قصور، وحصون.\n(٦) \"تنوير المقباس\" ٣١١. وذكر الهواري ٣/ ٢٣٤، عن الكلبي، أن المراد: القصور. وذكر البغوي ٦/ ١٢٣، عنه: الحصون.\n(٧) \"تفسير مقاتل\" ٥٣ أ، وفيه: \"يعني: القصور ليُذكروا بها، هذا منزل بني فلان، وبني فلان\". واقتصر في الوجيز ٢/ ٧٩٣، على أن المراد بالمصانع: المباني والقصور.","vol":"17","page":95},{"text":"للماء (١).\nوقال سفيان: المصانع التي يكون فيها الماء (٢).\nوقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾ قال ابن عباس: يريد كي تخلدوا (٣). وهي اختيار الفراء والزجاج، وابن قتيبة؛ [قال الفراء: كيما يخلدوا (٤).\nوقال الزجاج: ومعنى ﴿لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾ أي: كي تخلدون، أي: وتتخذون مباني للخلود (٥).\nوقال ابن قتيبة] (٦): وكأنهم كانوا يستوثقون من البناء، والحصون، ويذهبون إلى أنها تحصنهم من قدر الله (٧).\nوقال ابن عباس وقتادة ومقاتل: ﴿لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾ كأنكم تخلدون (٨)\n_________\n(١) أخرج القول الثاني، عبد الرزاق ٢/ ٧٤. وابن جرير ١٩/ ٩٥، وابن أبي حاتم ٩/ ٢٧٩٤.\n(٢) قال ابن جرير ١٩/ ٩٥: \"والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن المصانع جمع مصنعَةٍ، والعرب تسمي كل بناءٍ مصنعةً، وجائز أن يكون ذلك البناء كان قصورًا، وحصونًا مشيدة، وجائز أن يكون كان مآخذ للماء، ولا خبر يقطع العذر بأي ذلك كان، ولا هو مما يدرك من جهة العقل، فالصواب أن يقال فيه ما قال الله: إنهم كانوا يتخذون مصانع\".\n(٣) ذكره عنه الثعلبي ٨/ ١١٤ ب. وابن الجوزي، \"زاد المسير\" ٦/ ١٣٦.\n(٤) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٨١. وذكره ابن جرير ١٩/ ٩٦، بقوله: \"وكان بعض أهل العربية يزعم أن لعلكم في هذا الموضع بمعنى: كيما\". ولم يسمه، ولم يعلق عليه.\n(٥) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٩٦، وفيه: ومعنى ﴿لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾ أي: لأن تخلدوا.\n(٦) ما بين المعقوفين، ساقط من نسخة (أ)، (ب).\n(٧) \"غريب القرآن\" لابن قتيبة ٣١٩.\n(٨) كأنكم تخلدون، في نسخة (ج). ذكر البخاري، عن ابن عباس: ﴿لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾ كأنكم. الفتح ٨/ ٤٩٦. وهو كذلك في \"تنوير المقباس\" ٣١١. ووصله ابن جرير=","vol":"17","page":96},{"text":"في الدنيا لا تموتون (١). وهو قول الكلبي، وأكثر المفسرين؛ قالوا: يقول: كأنهم يخلدون (٢). و(لعل)، تأتي في الكلام بمعنى كأن؛ قال يونس في قوله: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ﴾ [الكهف: ٦] معناه: كأنك فاعلٌ ذلك إن لم يؤمنوا (٣). والمعنى على هذا: أنهم كانوا قد جاوزوا في اتخاذ المصانع إلى الإسراف كأنهم يخلدون فيها فلا يموتون.\nقال ابن الأنباري: وتكون: (لعل) بمعنى الاستفهام؛ كقولك: لعلك تشتمني، معناه: هل تشتمني (٤). وهذا مذهب ابن زيد في هذه الآية؛ قال: (لعل) (٥) استفهام يعني: فهل تخلدون حين تبنون هذه الأبنية (٦). ويجوز أن يكون معنى (لعل) هاهنا: الترجي للخلود، وكأنهم كانوا يرجون خلودهم في الدنيا لطول أعمارهم فاتخذوا الأبنية الشديدة (٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3080>١٣٠ </span>- قوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾ قال المفسرون: بطشتم بالسيف، والسوط (٨).\n_________\n= ١٩/ ٩٦، وابن أبي حاتم ٩/ ٢٧٩٥، من طريق علي بن أبي طلبة. وأخرجه ابن جرير، عن قتادة أيضًا.\n(١) \"تفسير مقاتل\" ٥٣ أ.\n(٢) \"تنوير المقباس\" ٣١١.\n(٣) ذكره عن يونس، الأزهري، \"تهذيب اللغة\" ١/ ١٠٦ (لعل).\n(٤) ذكره عن ابن الأنباري، الأزهري، \"تهذيب اللغة\" ١/ ١٠٦ (لعل).\n(٥) في نسخة (أ): لعلك.\n(٦) أخرجه ابن جرير ١٩/ ٩٦، وابن أبي حاتم ٩/ ٢٧٩٥. وذكره الثعلبي ٨/ ١١٤ ب.\n(٧) كون لعل للترجي ذكره الأزهري عن ابن الأنباري؛ بلفظ: \"لعل يكون ترجيًا، ويكون بمعنى: كي\". \"تهذيب اللغة\" ١/ ١٠٦ (لعل).\n(٨) \"تفسير ابن جرير\" ١٩/ ٩٦. قال الكلبي: تقتلون على الغضب، وقال غيره: =","vol":"17","page":97},{"text":"قال ابن عباس: يريد الضرب بالسياط، والقتل بالسيف بغير حق (١).\nوقال مقاتل: يقولون: إذا أخذتم قتلتم بغير حق (٢).\nوقال ابن مسلم، يقول: إذا ضربتم ضربتم بالسياط، ضرب الجبارين، وإذا عاقبتم قتلتم (٣). قال أبو إسحاق: وإنما أنكر ذلك عليهم لأنه ظلم فأما في الحق فالبطش بالسوط (٤) والسيف جائز (٥).\nومعنى الجبار هاهنا: القَتَّال بغير حق. وهو قول المفسرين (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3081>١٣٢ </span>- قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ﴾ أي: أعطاكم ما تعلمون من الخير (٧).\nقال مقاتل: ثم أخبر بالذي أعطاهم فقال (٨):\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3082>١٣٣ - ١٣٥ </span>- ﴿أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ﴾ إلي قوله: ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُم﴾ قال ابن\n_________\n= ﴿بَطَشْتُمْ جَبَّارِين﴾ بالسوط. \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٨١، ولم يسم أحدًا. وأخرج ابن أبي حاتم ٩/ ٢٧٩٥، عن مجاهد، قال: ضرب السياط. ونحوه عند السمرقندي ٢/ ٤٧٩، ولم ينسبه. قال الزجاج ٤/ ٩٦: \"جاء في التفسير أن بطشهم كان بالسوط، والسيف\".\n(١) أخرج ابن جرير ١٩/ ٩٦، عن ابن جريج: \"قال: القتل بالسيف والسياط\".\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ٥٣ أ.\n(٣) \"غريب القرآن\" لابن قتيبة ٣١٩.\n(٤) في نسخة (ج): بالموت.\n(٥) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٩٦. و\"زاد المسير\" ٦/ ١٣٦.\n(٦) \"تنوير المقباس\" ٣١١. وفي \"تفسير مقاتل\" ٥٣ أ: \"الجبار من يقتل بغير حق\". وذكره السمرقندي ٢/ ٤٧٩، ولم ينسبه. وقسم ابن الأنباري الجبار إلى ستة أقسام، هذا أحدها. الزاهر في معاني كلمات الناس ١/ ٨١.\n(٧) \"تفسير مقاتل\" ٥٣ أ.\n(٨) \"تفسير مقاتل\" ٥٣ أ.","vol":"17","page":98},{"text":"عباس: يريد إن عصيتموني ﴿عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيم﴾ يريد الذي أهلكوا به (١). ونحو هذا قال مقاتل: يعني في الدنيا (٢). وقال الكلبي: يعني عذاب النار (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3083>١٣٦ </span>- ﴿قَالُوا سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ﴾ قال مقاتل: وعظت بالعذاب أم تركت (٤). وقال الكلبي: نهيتنا أم لم تكن من الناهين لنا (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-3084>١٣٧، ١٣٨ </span>- وقوله تعالى: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ (١٣٧) وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ قال ابن عباس، في رواية عطاء: ما هذا الذي نحن عليه إلا دين الأولين (٦). وهذا قول السدي: قال دين الأولين.\nوذكرنا الخَلْق بمعنى الدين عند قوله: ﴿فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّه﴾ [النساء: ١١٩] (٧). وفيه قول آخر؛ قال مقاتل: ما هذا العذاب الذي تقول يا هود إلا كذب الأولين (٨).\n_________\n(١) \"تفسير الوسيط\" ٣/ ٣٥٩.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ٥٣ أ. وتعظيم اليوم أبلغ من تعظيم العذاب. نظم الدرر ١٤/ ٧١.\n(٣) \"تنوير المقباس\" ٣١١. وفي نسخة (ب): قال مقاتل الكلبي، وهو خطأ.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ٥٣ أ.\n(٥) \"تفسير الوسيط\" ٣/ ٣٥٩. و\"تنوير المقباس\" ٣١١. و\"تفسير البغوي\" ٦/ ١٢٣.\n(٦) أخرجه ابن جرير ١٩/ ٩٧، وابن أبي حاتم ٩/ ٢٧٩٧، من طريق علي بن أبي طلحة.\n(٧) قال الواحدي في تفسير هذه الآية: \"قال ابن عباس: يريد دين الله. وهو قول إبراهيم ومجاهد والحسن والضحاك وقتادة والسدي وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير، ومعنى تغيير دين الله على ما ذكره أهل العلم هو أن الله تعالى فطر الخلق على الإسلام يوم أخرجهم من ظهر آدم كالذر، وأشهدهم على أنفسهم أنه ربهم، وآمنوا، فمن كفر فقد غير فطرة الله التي فطر الناس عليها .. \".\n(٨) \"تفسير مقاتل\" ٥٣ أ، وفيه: أحاديث بدل: كذب.","vol":"17","page":99},{"text":"وهو قول ابن مسعود: قال: شيء اختلقوه (١).\nوقال مجاهد: كذبهم (٢). فالخَلْق على هذا معناه: الاختلاق والكذب (٣)، كقوله: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ﴾ [ص: ٧]، وقوله: ﴿وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا﴾ [العنكبوت: ١٧] أي: تختلقونه (٤). وفيه قول آخر وهو قول قتادة؛ قال: يقولون هكذا خِلْقَةُ الأولين، وهكذا يحيون، ويموتون (٥).\nقال الزجاج على هذا القول أي: خُلِقنا كما خُلِق مَنْ قبلنا نحيا كما حيوا، ونموت كما ماتوا، ولا نبعث (٦).\nوقال أبو علي: فخَلْق على هذا مصدر، إن شئت قدرته تقدير الفعل المبني للمفعول، أي: خُلِقنا كما خلقوا. قال: ويجوز أن يكون المصدر مضافًا إلى المفعول به، ولا يقدَّر تقدير (٧) الفعل المبني للمفعول (٨).\n_________\n(١) في نسخة (ب): زيادة: فيه، بعد: اختلقوه. وأخرجه ابن جرير ١٩/ ٩٨ إلى نهاية الآية: بلفظ: شيء اختلقوه وأخرج ابن جرير، أيضًا ١٩/ ٩٧، عن ابن عباس: \"أساطير الأولين\". وفي \"تنوير المقباس\" ٣١١: \"اختلاق الأولين\".\n(٢) \"تفسير مجاهد\" ٢/ ٤٦٤. وأخرجه ابن جرير ١٩/ ٩٧، وابن أبي حاتم ٩/ ٢٧٩٧.\n(٣) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٨١، و\"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٩٧. واستدل ابن قتيبة بهذه الآية على أن الخلق يراد به: التخرص. \"تأويل مشكل القرآن\" ٥٠٦. وقال في: \"غريب القرآن\" ٣١٩: \"أراد: اختلاقهم وكذبهم\". وكذا أبو القاسم الزجاجي، \"اشتقاق أسماء الله\" ٢٨٦.\n(٤) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٣٦٥، بنصه.\n(٥) أخرجه عبد الرزاق ٢/ ٧٥. وعنه ابن جرير ١٩/ ٩٧، وابن أبي حاتم ٩/ ٢٧٩٧.\n(٦) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٩٧.\n(٧) تقدير هكذا مكررة، في النسخ الثلاث.\n(٨) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٣٦٥.","vol":"17","page":100},{"text":"وقرئ ﴿خُلُقُ الْأَوَّلِين﴾ بضم الخاء واللام (١). قال الفراء، والزجاج، وابن قتيبة، وأبو علي: عادة الأولين (٢).\nوله تأويلان؛ أحدهما: أنهم قالوا: ما هذا الذي نحن فيه إلا عادة الأولين مِنْ قبلنا يعيشون ما عاشوا ثم (٣) يموتون ولا بعث ولا حساب (٤). والثاني: ما هذا الذي أنكرتَ علينا من الشأن والبطش إلا عادة مَنْ قبلنا فنحن على ما كانوا عليه نقتدي بهم.\n﴿وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ على ما نفعل. قال ابن عباس: يريدون أنهم أمنوا مكر الله، فكذبوه بالعذاب في الدنيا (٥). ﴿فَأَهْلَكْنَاهُمْ﴾ بالريح (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3085>١٤٦ </span>- قوله: ﴿أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ﴾ قال مقاتل: يعني فيما أعطاهم الله من الخير ﴿آمِنِين﴾ من الموت (٧).\n_________\n(١) قرأ بضم الخاء واللام: نافع، وابن عامر، وعاصم، وحمزة، وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، والكسائي: (خَلْق) بفتح الخاء، وتسكين اللام. \"السبعة في القراءات\" ٤٧٢، و\"إعراب القراءات السبع وعللها\" ٢/ ١٣٦، والمبسوط في القراءات العشر ٢٧٥، و\"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٣٦٥، و\"النشر في القراءات العشر\" ٢/ ٣٣٥.\n(٢) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٨١. و\"غريب القرآن\" لابن قتيبه ٣١٩. و\"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٩٧. و\"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٣٦٥.\n(٣) في نسخة (ب): ويموتون.\n(٤) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٣٦٥، بمعناه.\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ٥٣ أبلفظ: \"فكذبوه بالعذاب في الدنيا\". وهو كذلك في جميع النسخ.\n(٦) \"تفسير مقاتل\" ٥٣ أ. و\"تنوير المقباس\" ٣١١.\n(٧) \"تفسير مقاتل\" ٥٣ أ. قال ابن جرير ١٩/ ٩٩: \"آمنين لا تخافون شيئًا\". وفي \"تفسير الوسيط\" ٣/ ٣٦٠، والوجيز ٢/ ٧٩٤: \"آمنين من الموت والعذاب\".","vol":"17","page":101},{"text":"وقال الكلبي: آمنين من أن يعذبوا (١).\nقال مقاتل: ثم أخبر عن الخير فقال (٢):\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3086>١٤٧، ١٤٨ </span>- ﴿فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٤٧) وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾ طلعها: ما يطلع منها يعني: ثمرها (٣).\nوأما الهضيم فروى سلمة عن الفراء قال: هضيم ما دام في كوافيره (٤). قال: والهضيم: اللين (٥)، والهضيم: اللطيف (٦)، والهضيم: النضيج (٧).\nوقال أبو العباس في قوله: ﴿طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾ قال: منهضم مدرِك. قال: وقال ابن الأعرابي: هضيم مريء، وهضيم ناعم (٨).\nوقال الزجاج: الهضيم الداخل بعضه في بعض، وهو فيما قيل إن رُطَبَه بغير نوى، وقيل: هو الذي يتهشم تهشمًا (٩).\nوقال الليث: هضيم مهضوم في جَوْف الجُفِّ، مُنهضمٌ فيه (١٠).\n_________\n(١) \"تنوير المقباس\" ٣١٢، بمعناه.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ٥٣ أ.\n(٣) \"تنوير المقباس\" ٣١٢.\n(٤) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٨٢ الكافور: وعاء الطلع. \"تهذيب اللغة\" ١٠/ ٢٠٢ (كفر).\n(٥) نسبه الماوردي ٤/ ١٨٢، لعكرمة.\n(٦) نسبه الماوردي ٤/ ١٨٣، للكلبي.\n(٧) نسبه الماوردي ٤/ ١٨٣، لابن عباس.\n(٨) \"تهذيب اللغة\" ٦/ ١٠٥ (هضم).\n(٩) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٩٦. قال أبو عبيدة: \" ﴿هَضِيمٌ﴾ أي: قد ضم بعضه بعضًا\". \"مجاز القرآن\" ٢/ ٨٨.\n(١٠) كتاب \"العين\" ٣/ ٤١٠ (هضم) ونقله الأزهري، \"تهذيب اللغة\" ٦/ ١٠٥. والجف: الوعاء الذي تكون فيه ثمرة النخل. \"تهذيب اللغة\" ١٠/ ٥٠٦ (جف). =","vol":"17","page":102},{"text":"وقال المبرد: الهضيم: اللاصق بعضه ببعض، وهو من قولك: هضمني حقي أي: نقصنى (١).\nوقال ابن قتيبة: الهضيم: الطلع قبل أن تنشق عنه القشرة وتنفتح، يريد أنه منضم مُكتَنِزٌ، ومنه قيل: رجل أهضم الكَشْحَين إذا كان مُنْضَمَهما (٢).\nقال ابن عباس: هضيم: لطيف مادام في كفراه (٣). [وقال عطاء، عنه: رُخْص (٤). وقال عطية عنه: يانع نضيج (٥).\nوقال الكلبي: لين لطيف (٦) ما دام في كفراه] (٧) فإذا خرج فليس\n_________\n= وفي المعجم \"الوسيط\" ١/ ١٢٧: الجف: كل ما خلا جوفه، وهو أيضًا: غشاء الطلع.\n(١) في \"غريب القرآن في شعر العرب\" ١٠٣، عن ابن عباس: \"متصل بعضه إلى بعض\". قال السيوطي: \"أخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس، أن نافع بن الأزرق، قال له: أخبرني عن قوله ﷿: ﴿طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾ قال: منضم بعضه إلى بعض\". \"الدر المنثور\" ٦/ ٣١٤، ولم أجده عندهما.\n(٢) \"غريب القرآن\" لابن قتيبة ٣١٩. الكَشْح: ما بين الخاصرة والضلوع. \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٨٧ (كشح). والخاصرة من الإنسان: ما بين رأس الورك وأسفل الأضلاع، وهما خاصرتان. المعجم \"الوسيط\" ١/ ٢٣٧ (خصر).\n(٣) ذكره عنه الثعلبي ٨/ ١١٥ أ. والبغوي ٦/ ١٢٤.\n(٤) الرَّخْصُ: الناعم من كل شيء، والثوب الرخيص: الناعم. كتاب العين ٤/ ١٨٤ (رخص)، و\"تهذيب اللغة\" ٧/ ١٣٤.\n(٥) ذكره عنه الثعلبي ٨/ ١١٥ أ. والماوردي ٤/ ١٨٣. والبغوي ٦/ ١٢٤. وأخرجه عنه ابن جرير ١٩/ ٩٩، بلفظ: \"أينع وبلغ فهو هضيم\".\n(٦) \"تنوير المقباس\" ٣١٢. وأخرجه عنه، عبد الرزاق ٢/ ٧٥، بلفظ: الهضيم: اللطيف.\n(٧) ما بين المعقوفين، ساقط من نسخة (ج).","vol":"17","page":103},{"text":"بهضيم (١). وقال مقاتل: متراكب بعضه على بعض في الكثرة (٢).\nقال مجاهد: يتهشم تهشمًا (٣).\nوقال عكرمة: الهضيم الرَّخْص، الذي إذا مسسته تهشم (٤).\nوقال الحسن: هضيم ليس فيه نوى (٥).\nوقال: يزيد بن زيد: هو المُذَنِّب (٦). وهو قول زيد بن أرقم روي أن أكل رُطَبُا (٧) مُذنبًا وقال: هذا الهضيم (٨).\n_________\n(١) ذكر الهواري ٣/ ٢٣٥، عن الكلبي: \"لطيف، وهو الطلع ما لم ينشق\".\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ٥٣ أ. أخرجه ابن جرير ١٩/ ١٠٠، عن الضحاك.\n(٣) \"تفسير مجاهد\" ٢/ ٤٦٤. وأخرجه ابن أبي حاتم ٩/ ٢٨٠٢.\n(٤) أخرجه ابن أبي حاتم ٩/ ٢٨٠٢، عن مجاهد. وأخرج ابن جرير ١٩/ ١٠٠، عن عكرمة: \"الهضيم: الرطب اللين\". ذكر النحاس عن الزهري: \"الرخص اللطيف، أول ما يطلع، وهو الطلع النضيد؛ لأن بعضه فوق بعض\". \"إعراب القرآن\" ٣/ ١٨٧. وذكره ابن عطية ١١/ ١٣٩.\n(٥) أخرجه ابن أبي حاتم ٩/ ٢٨٠١. وزاد السيوطي نسبته لابن المنذر. \"الدر المنثور\" ٦/ ٣١٥.\n(٦) هكذا في جميع النسخ: يزيد بن زيد. أخرجه ابن أبي حاتم ٩/ ٢٨٠١، عن أبي العلاء، وأبي ميسرة، ويزيد ابن راشد، وسعيد بن جبير. وأخرجه بسنده الثعلبي ٨/ ١١٥ أ، عن أبي العلاء. وذكره الماوردي ٤/ ١٨٢، وابن الجوزي ٦/ ١٣٨، عن سعيد بن جبير. قال القرطبي ١٣/ ١٢٨: وروى أبو إسحاق عن يزيد -هو ابن أبي زياد كوفي ويزيد بن أبي مريم شامي-. وترجمته في \"تهذيب التهذيب\" ١١/ ٢٨٧، رقم: ٥٣١. فتراجع.\nيقال للبسرة إذا بدأت تُرَطب من قِبَل ذنبها: قد تذنبت، فهي مُذَنِّبَةٌ. \"تهذيب اللغة\" ١٤/ ٤٤٠ (ذنب).\n(٧) رطبًا ساقطة من نسخة (ج).\n(٨) في نسخة: ج، زيادة: وقال. والصواب حذفها.","vol":"17","page":104},{"text":"هذا الذي ذكرنا هو قول أهل اللغة، والتفسير، في معنى الهضيم؛ وكله متقارب يرجع إلى معنى واحد؛ لأن الهضيم معناه في اللغة (١): كَسْرُ ما فيه رخاوة ولين. تقول: هضمته فانهضم كالقَصَبة المَهضُومة التي يُزْمَر بها (٢)، والهضيم بمعنى المهضوم فيدخل في هذا اللين، واللطيف، والرَّخْص، واليانع، والنضيج، والمنضم، والمتراكب؛ لأنه إذا تراكب صار كأن كلَّ واحدٍ قد نقصَ منه شيء، وكذلك: المنهشم. ويكون الهضيم بمعنى النقصان وهو نوع من الكسر، يقال: هَضَم له من حقه إذا كَسَر له منه. واللطيف في وصف الثمر هو: الرقيق الجسم؛ سمي هضيمًا لنقصانه (٣)، كما يقال: هضيم الحَشَا (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3087>١٤٩ </span>- وقوله تعالى: ﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ﴾ قال عطاء، عن ابن عباس: حاذقين بنحتها (٥). وكذلك قال الكلبي، ومقاتل، وأبو\n_________\n(١) في اللغة، في نسخة (ج).\n(٢) كتاب \"العين\" ٣/ ٤٠٩ (هضم) بنصه، ونقله عنه الأزهري ٦/ ١٠٤، وتصحفت فيه إلى: يُرمى بها. وهي كذلك في النسخ الثلاث. والقصب: كل نبت ساقه أنابيب. \"تهذيب اللغة\" ٨/ ٣٨١ (قصب).\n(٣) في \"تهذيب اللغة\" ١٣/ ٣٤٧ (لطف): لَطُف الشيء يَلْطف: إذا صَغُر.\n(٤) وذهب إلى هذا الجمع ابن جرير ١٩/ ١٠٠؛ قال: \"وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: الهضيم هو المنكسر من لينه ورطوبته، وذلك من قولهم: هضم فلان فلانًا حقه: إذا انتقصه وتحيفه، فكذلك الهضم في الطلع إنما هو التنقص منه من رطوبته ولينه، إما بمس الأيدي، وإما بركوب بعضه بعضًا، وأصله (مفعول) صرف إلى: (فعيل)، والحشا: ما في البطن من الكبد والطِّحال والكرش وما يتبع ذلك، كله حشاء، وقيل غير هذا. \"تهذيب اللغة\" ٥/ ١٣٨ (حشا).\n(٥) أخرجه ابن جرير ١٩/ ١٠٠، وابن أبي حاتم ٩/ ٢٨٠٢ من طريق علي بن أبي طلحة.","vol":"17","page":105},{"text":"صالح، والفراء: فارهين حاذقين (١). وهو من قولهم. فَرُه الرجلُ فَرَاهة فهو فارِهٌ بَيَّنُ الفرَاهة والفراهية.\nوقرئ: (فرهين) (٢) قال ابن عباس: أشرين بطرين (٣). ونحو هذا قال أهل اللغة في تفسير الفَرَه؛ قال أبو عبيدة: فرهين: فرحين (٤).\nوقال الفراء: أشرين (٥).\nقال أبو الهيثم: من قرأ: (فرهين) فسروها: أشرين بطرين، والفَرِح في كلام العرب بالحاء: الأَشِر البَطِر، يقال: لا تفرح، أي: لا تأشَر، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ [القصص: ٧٦] فالهاء هاهنا قامت مقام الحاء (٦). وقال ابن قتيبة: يقال الهاء مبدلة من حاء، فذكر نحو قول أبي الهيثم، واحتج بالآية.\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ٥٣ أ، و\"تنوير المقباس\" ٣١٢. و\"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٨٢. و\"مجاز القرآن\" ٢/ ٨٨. وأخرجه بسنده عبد الرزاق ٢/ ٧٥، عن قتادة، والكلبي، بلفظ: معجبين بصنعكم. وذكره ابن قتيبة، ولم ينسبه. \"غريب القرآن\" ٣٢٠. وأخرجه ابن جرير ١٩/ ١٠٠، وابن أبي حاتم ٩/ ٢٨٠٢، عن أبي صالح.\n(٢) قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، ونافع: (فرهين) بغير ألف، وقرأ عاصم، وابن عامر، وحمزة، والكسائي: ﴿فَرِهِينَ﴾ بألف. \"السبعة في القراءات\" ٤٧٢، و\"إعراب القراءات السبع وعللها\" ٢/ ١٣٧، والمبسوط في القراءات العشر ٢٧٥، و\"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٣٦٦، و\"النشر في القراءات العشر\" ٢/ ٣٣٦.\n(٣) أخرجه ابن جرير ١٩/ ١٠١، بلفظ: أشرين، وذكره عنه البغوي ٦/ ١٢٤، بلفظ: أشرين بطرين.\n(٤) \"مجاز القرآن\" ٢/ ٨٨، ولم ينسبه بل قال: وقال آخرون. ونسبه الماوردي ٤/ ١٨٣، لابن شجرة.\n(٥) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٨٢.\n(٦) \"تهذيب اللغة\" ٦/ ٢٧٩ (فره).","vol":"17","page":106},{"text":"وقد يقال في الفَرِه بمعنى الفَرِح: الفاره. كما يقال: الفارح (١).\nقال أبو عبيدة: يقال فرهين وفارهين، بمعنى مرحين، وأنشد فقال:\nلا أستكينُ إذا ما أزمةٌ أزَمتْ ... ولن تراني بخيرٍ فارِهَ اللَّبَبِ (٢)\nقال: أي لا تراني مرحًا. ونحو هذا ذكر المفسرون في تفسير الفرهين؛ فقال مجاهد: شرهين (٣).\nوقال قتادة: معجبين (٤).\nوقال السدي: متجبرين (٥). والشره، والإعجاب، والمرح، والتجبر كله نتائج الفرح والأشر.\nوروي عن عكرمة: ناعمين (٦). وهو وهم؛ لأن (٧) الذي هو بمعنى النعيم الراء فيه مقدم على الفاء من الرفاهية، وروي في فارهين، عن عطية، وعبد الله بن شداد، أنهما قالا: يتخيرون مواضع نحتها (٨). وهذا أيضًا يعود\n_________\n(١) \"تأويل مشكل القرآن\" ٤٩١. و\"غريب القرآن\" ٣١٩، ويعني بقوله: واحتج بالآية: آية القصص: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ حيث ذكرها في \"الكتابين\".\n(٢) أنشده أبو عبيدة ٢/ ٨٩، ونسبه لعدي بن وداع العُقوي. وعنه الأنباري، الزاهر ٢/ ٣٣٠، ولم ينسبه. وأبو علي، في كتابه الحجة ٥/ ٣٦٦، ولم ينسبه أيضًا. وأنشده ابن جرير ١٩/ ١٠١، ونسبه لعدي بن وداع، وفيه: الطلب، بدل: اللبب. واللبب: البالُ. \"لسان العرب\" ١/ ٧٣٣ (لبب).\n(٣) أخرجه ابن جرير ١٩/ ١٠١، وابن أبي حاتم ٩/ ٢٨٠٢.\n(٤) أخرجه عبد الرزاق ٢/ ٧٥، وعنه ابن جرير ١٩/ ١٠١.\n(٥) أخرجه ابن جرير ١٩/ ١٠٠، عن السدي، عن عبد الله بن شداد.\n(٦) نسبه القرطبي ١٩/ ١٢٩، للكلبي.\n(٧) في نسخة (ب): لأنه، وهو خطأ.\n(٨) أخرجه ابن جرير ١٩/ ١٠٠، عن عبد الله بن شداد، من طريقين: يتجبرون. ولم أجد فيه نسبته لعطية.","vol":"17","page":107},{"text":"إلى الحذق، والعلم بالبحث.\nوقال ابن زيد: (فارهين) أقوياء (١). وشرط الحِذْق القوةُ على العمل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3088>١٥١ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ﴾ قال ابن عباس: المشركين (٢).\nوقال الكلبي: المسرفين في الشرك (٣).\nوقال مقاتل: ولا تتبعوا قول المشركين. يعني: التسعة الذين عقروا الناقة، ثم نعتهم (٤) فقال (٥):\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3089>١٥٢ </span>- ﴿الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ يعصون الله ﴿وَلَا يُصْلِحُونَ﴾ ولا يطيعون الله (٦) فيما أمرهم (٧).\n<span data-type=\"title\" id=toc-3090>١٥٣ </span>- ﴿قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾ قال مجاهد: من المسحورين (٨). وهو قول قتادة (٩). قال الزجاج: مُسحَّرين: مفعلين من السَّحْر، أي: ممن سُحر مرة بعد مرة (١٠).\n_________\n(١) أخرجه ابن جرير ١٩/ ١٠١.\n(٢) ذكره عنه البغوي ٦/ ١٢٤. وأخرج ابن أبي حاتم ٩/ ٢٠٨٣، عن قتادة\n(٣) \"تنوير المقباس\" ٣١٢.\n(٤) في نسخة (ب): ثم نعت التسعة. وما في \"تفسير مقاتل\" موافق لنسخة (أ)، (ج).\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ٥٣ أ.\n(٦) في نسخة (أ)، (ج): يطيعونه.\n(٧) \"تفسير مقاتل\" ٥٣ ب.\n(٨) \"تفسير مجاهد\" ٢/ ٤٦٤. وأخرج ابن جرير ١٩/ ١٠٢، وابن أبي حاتم ٩/ ٢٠٨٤.\n(٩) أخرجه بسنده، عبد الرزاق ٢/ ٧٥، بلفظ: الساحرين. وعنه ابن جرير ١٩/ ١٠٢، بلفظ: المسحورين.\n(١٠) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٩٧. في نسخة (أ)، (ب): إنك تأكل الطعام والشراب. وليس فيه ممن سحر مرة بعد مرة، ولعل ذلك تكرار لما بعده.","vol":"17","page":108},{"text":"وقال ابن عباس في رواية عطاء، والكلبي: من المخلوقين (١)، المعللين بالطعام والشراب (٢)\nقال الفراء: أي إنك تأكل الطعام والشراب، وتسحر به وتعلَّل، وأنشد للبيد:\nفإن تسألينا فيمَ نحنُ فإننا ... عصافيرُ من هذا الأنامِ المُسَحَّرِ (٣)\nوالمُسَحَّر: المُعَلل بالطعام والشراب مرة مرة، يقال: سَحَره أي: عَلله. والمعنى: إنما أنت بشر. وذكر الفراء قولًا آخر؛ فقال: المُسَحَّر: المجوف، كأنه والله أعلم من قولك: انتفخ سَحْرُه (٤). قالوا له: لست بمَلَك إنما أنت بشر مثلنا (٥). وعلى هذا سُمِّى المجوف مسحرًا تشبيهًا بالسحرة إذا انتفخ فصار مجوفًا على ما زعم الفراء. وذكر أبو عبيدة، والزجاج قولًا آخر في ﴿الْمُسَحَّرِينَ﴾ قال أبو عبيدة: أي ممن له سَحَر،\n_________\n(١) أخرجه ابن جرير ١٩/ ١٠٢.\n(٢) \"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١١٥ ب. و\"تفسير البغوي\" ٦/ ١٢٤. واختار هذا القول ابن جرير ١٩/ ١٠٣، فقال: \"والصواب من القول في ذلك عندي: القول الذي ذكرته عن ابنِ عباس، أن معناه: إنما أنت من المخلوقين الذين يُعلَّلون بالطعام والشراب مثلنا، ولستَ ربًّا، ولا ملَكًا فنطيعك، ونعلم أنك صادق فيما تقول\".\n(٣) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٨٢، ولم ينسب البيت. وأنشده أبو عبيدة ٢/ ٨٩، ونسبه للبيد بن ربيعة. وذكره السمرقندي، في تفسيره ٢/ ٤٨١، من إنشاد ابن عباس. وذكره الثعلبي ٨/ ١١٥، من إنشاد الكلبي. وأنشده الأنباري، ونسبه للبيد، الزاهر في معاني كلمات الناس ١/ ٢٠٦، والبيت من قصيدة للبيد يذكر فيها مَنْ فقد من قومه، ومن سادات العرب، ولتأمل في سطوة الموت، وضعف الإنسان إزاءه. \"ديوان لبيد\": ٧١.\n(٤) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٨٢.\n(٥) هذا القول في \"تنوير المقباس\" ٣١٢.","vol":"17","page":109},{"text":"وكل دابة مُسحَّرَة (١).\nوقال الزجاج: أي ممن له سَحْر، والسَّحْرُ: الرئة، أي: أنت بشر مثلنا (٢). وعلى هذا: المُسَحَّر ذو السَّحْر، وهو الذي خُلِق له سَحْر.\nقال مقاتل: قالوا: أنت بشر مثلنا لا تفضلنا في شيء لست بملَك ولا رسول (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3091>١٥٤ </span>- ﴿فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ أنك رسول الله إلينا (٤). وقال ابن عباس: إنهم سألوه فقالوا: إن كنت صادقًا فادع الله يخرجْ لنا من هذا الجبل ناقة حمراء عُشَراء فتضع ونحن ننظر، وتَرِد هذا الماء فتشرب، وتغدو علينا بمثله لبنًا! قال أبو الطفيل: لما قيل له ذلك خرج بهم إلى هَضبة من الأرض فإذا هي تَمْخَضُ كما تَمْخَضُ الحامل فانشقت عن الناقة (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-3092>١٥٥ </span>- فـ ﴿قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ﴾ الشِّرِب: الحظ والنصيب من الماء (٦). والمعنى: لها شِرب يوم ولكم شِرب يوم معلوم.\n_________\n(١) \"مجاز القرآن\" ٢/ ٨٩.\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٩٧.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ٥٣ ب.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ٥٣ ب.\n(٥) ذكره في تفسيره \"الوسيط\" ٣/ ٣٦٠، من قول ابن عباس، فقط. وهذا القول في \"تفسير مجاهد\" ٢/ ٤٦٥. وأخرجه ابن أبي حاتم ٩/ ٢٨٠٤، عن أبي الطفيل. المَخاض: وَجَعُ الولادة، وهو الطَّلْق أيضًا. \"تهذيب اللغة\" ٧/ ١٢١ (مخض).\n(٦) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٨٢ ولفظه: \"لها حظ من الماء\". و\"غريب القرآن\" لابن قتيبة ٣٢٠. و\"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١١٥ ب.","vol":"17","page":110},{"text":"قال قتادة: إذا كان يومُ شربها شربت ماءهم كله أول النهار، وتسقيهم اللبن آخر النهار، وإذا كان يوم شربهم كان لأنفسهم ومواشيهم وأراضيهم، ليس لهم في يوم وِرْدِها أن يشربوا من شربها شيئًا، ولا لها أن تشرب في يومهم من مائهم شيئًا (١).\nوقال مقاتل: كان للناقة يوم ولهم يوم، فإذا كان يوم الشرب للناقة (٢) كانوا (٣) في لبن ما شاءوا، وليس لهم ماء، وإذا كان يومهم لم يكن للناقة ماء (٤).\nوالباقي [١٥٦ - ١٦٤] بعضه مفسر فيما مضى، وبعضه ظاهر، إلى قوله:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3093>١٦٥ </span>- ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ﴾ (٥) وهو جمع الذَّكَر، ضد الأنثى ويجمع على الذِّكارة والذُّكور والذُّكران والذُّكورة (٦).\nقال مقاتل: يعني نكاح الرجال (٧).\nوقوله: (من العالمين) يعني من بني آدم خاصة (٨).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3094>١٦٦ </span>- ﴿وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾ يعني: فروج نسائهم (٩).\n_________\n(١) \"تفسير الوسيط\" ٣/ ٣٦٠. وذكر نحوه عن قتادة ابن الجوزي ٦/ ١٣٩.\n(٢) في نسخة (ج): يوم شرب الناقة.\n(٣) في نسخة (أ)، (ب): كان.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ٥٣ ب.\n(٥) الاستفهام هنا يراد به التوبيخ. \"تأويل مشكل القرآن\" ٢٧٩.\n(٦) \"تهذيب اللغة\" ١٠/ ١٦٤ (ذكر).\n(٧) \"تفسير مقاتل\" ٥٣ ب.\n(٨) \"تفسير ابن جرير\" ١٩/ ١٠٥. و\"تفسير البغوي\" ٦/ ١٢٦.\n(٩) \"تفسير مقاتل\" ٥٣ ب.","vol":"17","page":111},{"text":"وقال مجاهد: تركتم أقبال النساء إلى أدبار الرجال (١). ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ﴾ ظالمون معتدون الحلال إلى الحرام، والطاعة إلى المعصية (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3095>١٦٧ </span>- ﴿قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ﴾ لئن لم تسكت (٣) يا لوط ﴿لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ﴾ من بلدتنا وقريتنا كقولهم لشعيب: ﴿لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا﴾ [الأعراف: ٨٨].\n<span data-type=\"title\" id=toc-3096>١٦٨ </span>- ﴿قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ﴾ قال مقاتل: يعني إتيان الرجال ﴿مِنَ الْقَالِينَ﴾ من الماقتين (٤). وقال ابن عباس: من المبغضين (٥). والقِلَى: البُغْض، قَلَيْته، أَقلِيه، قِلَى (٦). ثم دعا فقال:\n<span data-type=\"title\" id=toc-3097>١٦٩ </span>- ﴿رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ﴾ أي: من عذاب ما يعملون، يدل عليه أن الاستجابة من الله كانت في نجاته من عذاب ذنوبهم. قال المفسرون: أي من عقوبة صنيعهم (٧).\n<span data-type=\"title\" id=toc-3098>١٧٠ </span>- ﴿فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ﴾ قال مقاتل: من العذاب (٨).\n_________\n(١) \"تفسير مجاهد\" ٢/ ٤٦٥. وأخرجه ابن جرير ١٩/ ١٠٥، بزيادة: وأدبار النساء. وهو كذلك عند ابن أبي حاتم ٩/ ٢٨٠٨.\n(٢) \"تفسير الوسيط\" ٣/ ٣٦١، ولم ينسبه. و\"تنوير المقباس\" ٣١٣. وأخرج ابن جرير ١٩/ ١٠٥، عن ابن جريج: \" (عادون) معتدون\". و\"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٤٨١.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ٥٤ أ.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ٥٤ أ.\n(٥) \"تنوير المقباس\" ٣١٣. واقتصر عليه ابن قتيبة، في: \"غريب القرآن\" ٣٢٠.\n(٦) \"تهذيب اللغة\" ٩/ ٢٩٥ (قلا). قال الزجاج ٤/ ٩٩: \"والقالي: التارك للشيء الكاره له غاية الكراهية\".\n(٧) \"تفسير ابن جرير\" ١٩/ ١٠٦، بمعناه.\n(٨) لم أجده في \"تفسير مقاتل\".","vol":"17","page":112},{"text":"وقال ابن عباس: إن الله نجى لوطًا وبناته (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3099>١٧١ </span>- ﴿إِلَّا عَجُوزًا﴾ يعني: امرأته (٢) ﴿فِي الْغَابِرِين﴾ يعني: في الباقين في العذاب (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-3100>١٧٢ </span>- ﴿ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ﴾ أهلكناهم بالخسف والحَصْب (٤). قال ابن عباس: [إن الله دمر] (٥) على جميع قومه؛ لأنه لم يصدقه أحد منهم ولم يؤمن بما جاء به.\n<span data-type=\"title\" id=toc-3101>١٧٣ </span>- ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا﴾ قال ابن عباس: أمطر الله عليهم حجارة من سماء الدنيا وأسماها: ﴿سِجِّيلٍ﴾ (٦) وقال مقاتل: خسف الله بقرى لوط، وأرسل الحجارة على من كان خارجًا من القرية (٧).\nوقوله: ﴿فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ﴾ فبئس مطر الذين أنذروا بالعذاب (٨).\nقال صاحب النظم: (ساء)، مثل بئس في المعنى وهو يقتضي اسمين؛ معرفة ونكرة، ويجوز إفراده بأحد الاسمين كقوله: [﴿فَسَاءَ مَطَر\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي حاتم ٩/ ٢٨٠٩، في سياق طويل.\n(٢) \"تفسير مقاتل\"٥٤ أ. و\"تنوير المقباس\" ٣١٣. وأخرجه ابن أبي حاتم ٩/ ٢٨٠٩، عن قتادة.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ٥٤ أ. وأخرجه ابن أبي حاتم ٩/ ٢٨٠٩، عن قتادة. قال ابن الأنباري: \"الغابر حرف من الأضداد. يقال: غابر للماضي، وغابر للباقي\". الأضداد ١٢٩، والزاهر ٢/ ٣٢٤.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ٥٤ أ.\n(٥) ما بين المعقوفين ساقط من (ج).\n(٦) وردت هذه الكلمة في ثلاث آيات. هود ٨٢، الحجر ٧٤، الفيل ٤. راجع ما ذكره الواحدي عن سجيل في سورة هود.\n(٧) \"تفسير مقاتل\" ٥٤ أ. وأخرج ابن أبي حاتم ٩/ ٢٨١٠، نحوه عن ابن عباس. و\"تفسير هود الهواري\" ٣/ ٢٣٨.\n(٨) \"تفسر مقاتل\" ٥٤ أ.","vol":"17","page":113},{"text":"الْمُنْذَرِينَ﴾ لو ذُكرِ الاسمان لكان نظمه] (١) ﴿فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ﴾ مطرًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3102>١٧٦ </span>- قوله: ﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ﴾ قال ابن عباس: يريد شعيبًا وحده. والأيك: شجر الدَّوْمُ التي بمدين (٢).\nوقال مقاتل: كان أكثر شجرهم الدَّوْمُ، وهو: المُقْل (٣). وقال أبو إسحاق: هؤلاء كانوا أصحاب شجر مُلْتَّف (٤). وذكرنا تفسير ﴿الْأَيْكَةِ﴾ عند قوله: ﴿وَإِنْ كَانَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ لَظَالِمِينَ﴾ [الحجر: ٧٨].\nقال (٥) قرأ الحجازيون (أصحاب ليكة) هاهنا وفي: ص (٦)، بغير همزة، والهاء مفتوحة (٧).\n_________\n(١) ما بين المعقوفين، ساقط من نسخة (ج).\n(٢) أخرجه ابن جرير ١٩/ ١٠٧، من طريق علي بن أبي طلحة بلفظ: الأيكة: مجمع الشجر. ومن طريق ابن جريج بلفظ: أهل مدين، والأيكة: الشجر الملتف.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ٥٤ أ. في \"تهذيب اللغة\" ١٤/ ٢١٢ (دام): الدَّوْمُ: شَجَر المُقْل، الواحدة: دَوْمَة وفي \"تهذيب اللغة\" ٩/ ١٨٥ (مقل): المُقْل: حَملُ الدَّوْمُ، والدَّوْمُ شجرة تشبه النخلة.\n(٤) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٩٧، وصدره بقوله: \"ويقال في التفسير\" قال أبو عبيدة ٢/ ٩٠: \"وجمعها: أيك، وهي جماع من الشجر\".\n(٥) قال، في نسخة (ب). ولعلها زائدة.\n(٦) في قوله تعالى: ﴿وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ أُولَئِكَ الْأَحْزَابُ﴾ [ص: ١٣].\n(٧) قال ابن الجزري: \"قرأ ابن كثير، ونافع، وابن عامر، وأبو جعفر: (أصحاب ليكة) هاهنا، وفي: ص، بلام مفتوحة، من غير ألف وصل قبلها، ولا همزة بعدها، وبفتح تاء التأنيث في الوصل، مثل: حيوة، وطلحة، وكذلك رسمًا في جميع المصاحف، وقرأ الباقون بألف الوصل مع إسكان اللام، وهمزة مفتوحة بعدها، وخفض تاء التأنيث في الموضعين. \"النشر في القراءات العشر\" ٢/ ٣٣٦، و\"السبعة في القراءات\" ٤٧٣، و\"إعراب القراءات السبع وعللها\" ٢/ ١٣٧، و\"المبسوط في القراءات العشر\" ٢٧٥، و\"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٣٦٧.","vol":"17","page":114},{"text":"قال أبو علي الفارسي: ﴿الْأَيْكَةِ﴾ تعريف أيكة، فإذا خففت الهمزة حذفتها، وألقيت حركتها على اللام فقلت: ليكة، كما قالوا لَحْمَر. وقول من قال: أصحاب ليكةَ، بفتح التاء مشكل (١)؛ لأنه فتح التاء مع إلحاق الألف واللام الكلمة، وهذا في الامتناع كقول من قال: مررت بِلَحْمَرَ فَفَتَح الآخِر مع لحاق لام المعرفة (٢). وإنما يُخرَّج قول من قال: أصحاب ليكةَ الموضع أن تكون هذه اللام فاءً، ولا تكون لام التعريف، ويكون (٣) ذلك الموضع يعرف لهذا الاسم، فإن لم يثبت هذا كان مشكلًا ولم أسمع بها.\nقال أبو إسحاق: وكان أبو عبيد (٤) يختار هذه القراءة لموافقتها الكتاب، وذلك أن في هذه السورة وفي: (ص)، كتبت في المصحف (ليكة) بغير همز ولا ألف وصل (٥) مع ما جاء في التفسير أن اسم المدينة كان: ليكة (٦).\nقال أبو علي: إن ما في المصحف من إسقاط [ألف الوصل التي مع اللام وإسقاط] (٧) صورة همزة ليكة لا يدل على صحة ما اختاره؛ وذلك أنه\n_________\n(١) مشكل، في نسخة (أ)، (ب).\n(٢) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٣٦٧، بمعناه.\n(٣) في نسخة (ج): فيكون.\n(٤) في جميع النسخ: أبو عبيدة. قال الزجاج في هذا الموضع ٤/ ٩٨: \"وكان أبو عبيد القاسم بن سلام يختار قراءة أهل المدينة\".\n(٥) في نسخة (ب): بغير همز وصل.\n(٦) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٩٨. وذكر قول أبي عبيد النحاس، \"إعراب القرآن\" ٣/ ١٩٠، وكذا السمين الحلبي، الدر المصون ٨/ ٥٤٤.\n(٧) ما بين المعقوفين، ساقط من نسخة (ج).","vol":"17","page":115},{"text":"يجوز أن يكون كُتب في المصحف على تخفيف الهمزة (١)، ونقل الحركة (٢)، وقول من قال: لحمرَ كما كتبوا ﴿الْخَبْء﴾ [النمل: ٢٥] على ذلك، فإذا جاز إسقاط ألف الوصل على هذه (٣) اللغة مع تخفيف الهمزة ونقل الحركة (٤) ثبت أن ما اختاره لا يدل عليه (٥) خط المصحف، ويجوز أيضًا أن تكون الكتابة في هذين الموضعين وقعت على اللفظ (٦) فكما أنه لا ألف ثانية في اللفظ مع تخفيف الهمزة في الأيكة كذلك [لم تكتب في الخط] (٧) وهذان وجهان في حذف ألف الوصل من الخط؛ ومثله في أنه كُتب مرة على اللفظ، وأخرى على غيره، كتابتهم: ﴿سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾ [العلق: ١٨] بغير واو، لَمَّا لم تثبت في اللفظ، وكتبت (٨) في: ﴿وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ\n_________\n(١) في نسخة (أ)، (ب). زيادة: [ونقل الحركة، ثبت أن] وليست في كتاب أبي علي.\n(٢) ونقل الحركة. في نسخة (ب). وفي \"إعراب القرآن\" للنحاس ٣/ ١٩٠: \"والقول فيه أن أصله: الأيكة ثم خففت الهمزة فألقيت حركتها على اللام وسقطت واستَغنيت عن ألف الوصل؛ لأن اللام قد تحركت فلا يجوز على هذا إلا الخفض، كما تقول: مررت بالأحمر، على تحقيق الهمزة ثم تخففها فتقول: مررت بلَحْمر، فإن شئت كتبته في الخط كما كتبته أولًا، وإن شئت كتبته بالحذف، ولم يجز إلا بالخفض فكذا لا يجوز في الأيكة إلا الخفض، قال سيبويه: واعلم أن كل ما لا ينصرف إذا دخلته الألف واللام أو أضيف انصرف إذا دخلته، ولا نعلم أحدًا خالف سيبويه في هذا\".\n(٣) في كتاب \"الحجة\": لهذا، بدل: على هذه.\n(٤) قوله: (ونقل الحركة) غير موجود في كتاب الحجة.\n(٥) يوجد هنا تكرار في نسخة (أ). وحذفته ليستقيم المعنى.\n(٦) في كتاب أبي علي: الوصل، بدل: اللفظ.\n(٧) ما بين المعقوفين، في نسخة (ج).\n(٨) وكتبت، في نسخة (ج).","vol":"17","page":116},{"text":"بِالشَّر﴾ [الإسراء: ١١] بالواو، فإذا جاز هذا فيه، علمت أن الاختيار مدخول؛ ويدل على ضعف الاختيار أن سائر القرآن غير هذين الموضعين عليه. ويدل على فساد ذلك أيضًا همز من همز فقال: (الأيكة) فإذا ثبت هذا علمت أن (ليكة) على تخفيف الهمز، وأن فتح (ليكَةَ) لا يصح في العربية، لأنه فتح حرف الإعراب في موضع الجر مع لام المعرفة. انتهى كلامه (١).\nوقوله: جاء في التفسير أن اسم المدينة: ليكة؛ لم أرَ هذا في تفسير، وكيف يجوز ذلك مع إجماع القراء على الهمز في قوله: ﴿وَإِنْ كَانَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ﴾ في سورة الحجر [٧٨]. والأيكة التي ذكرت هناك هي التي ذكرت هاهنا، وقد روى ورقاء عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: (ليكة) قال: الأيكة. فدل هذا أن ليكة على التخفيف ونقل الحركة؛ لا على أن اسم المدينة: ليكة، مع ما حكينا عن ابن عباس ومقاتل في هذه الآية؛ أنهما فسرا الأيكة بالشجرة الغَيْضَة (٢) لا بالمدينة والبلد (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3103>١٧٧ </span>- قوله: ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ﴾ وقال في موضع آخر: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ﴾ [الأعراف: ٨٥، وهود: ٨٤] ولم يقل في هذه السورة: إذ قال لهم أخوهم شعيب كما قال في سائر الأنبياء؟\nقال المفسرون: شعيب كان من مدين؛ لأنه شعيب بن بويب بن مدين ابن إبراهيم خليل الرحمن، ولم يكن من أصحاب الأيكة، وكان مبعوثًا\n_________\n(١) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٣٦٧. ونحوه في \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٩٨.\n(٢) الغيضة. في نسخة (أ). وفي ج: والغيضة. أخرجه ابن جرير ١٩/ ١٠٧، وابن أبي حاتم ٩/ ٢٨١٠ عن ابن عباس من طريق علي بن أبي طلحة. و\"تفسير مقاتل\" ٥٤ أ.\n(٣) في نسخة (ب): البلدة. وقد أنكر هذا قبل الواحدي، النحاس، في \"إعراب القرآن\" ٣/ ١٨٩.","vol":"17","page":117},{"text":"إليهما فإذا ذكر مدين قيل: أخوهم، وإذا ذكر أصحاب الأيكة لا يقال أخوهم (١). وهذا معنى قول ابن عباس في هذه الآية: إن شعيبًا بعث إلى قومه، وإلى غير قومه، وهو من ولد مدين بن إبراهيم، وأصحاب الأيكة من جُذَام (٢).\nقال المفسرون: الفائدة في أن الله تعالى ذكره أخبر عن كل شيء ذَكر في هذه السورة أنه قال لقومه: ﴿أَلَا تَتَّقُونَ (١٠٦) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٠٧) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٠٨) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ وأعاد هذا بلفظ واحد [هي: أنه أخبر أن هؤلاء الأنبياء دعوتهم كانت (٣) على وجه\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ٥٤ أ. و\"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١١٥ ب. و\"تفسير الطوسي\" ٨/ ٥٧. و\"تفسير البغوي\" ٦/ ١٢٦. وذكر السمرقندي، في تفسيره ٢/ ٤٨٢، هذا القول، ثم قال: \"وقال بعضهم: كان مدين والأيكة واحدًا، وهو الغيضة بقرب مدين، فذكره في موضع أخوهم، ولم يذكره في الآخر\". وقيل: أصحاب الأيكة مدين، ولكنه قال أخوهم حين ذكرهم باسم قبيلتهم، ولم يقل أخوهم حين نسبهم إلى الأيكة التي هلكوا فيها تنزيهًا لشعيب عن النسبة إليها. تفسير ابن جزي ٤٩٦. قال ابن كثير ٦/ ١٥٨: \"أصحاب الأيكة هم أهل مدين على الصحيح، وكان نبي الله شعيب من أنفسهم، وإنما لم يقل هاهنا: أخوهم شعيب؛ لأنهم نسبوا إلى عبادة الأيكة، وهي شجرة فقطع نسب الأخوة بينهم للمعنى الذي نسبوا إليه، وإن كان أخاهم نسبًا. ومن الناس من لم يتفطن لهذه النكتة فظن أن أصحاب الأيكة غير أهل مدين، فزعم أن شعيبًا -﵇-، بعثه الله إلى أمتين، ومنهم من قال: ثلاث أمم\". ثم قال بعد أن سياق روايات ضعيفة في بعث نبي الله شعيب -﵇- إلى أمتين: \"والصحيح أنهم أمة واحدة، وصِفوا في كل مقام بشيء، ولهذا وعَظ هؤلاء وأمرهم بوفاء المكيال والميزان، كما في قصة مدين سواء بسواء، فدل ذلك على أنهم أمة واحدة\".\n(٢) جُذَام بن عدي: قبيلة من كهلان من القحطانية ومساكنها بين مدين وتبوك. \"معجم قبائل العرب\" ١/ ١٧٤، عمر رضا كحالة.\n(٣) في نسخة (ب): كانت دعوتهم. بتقديم: كانت.","vol":"17","page":118},{"text":"واحد] (١) وأنهم كانوا متفقين على الأمر بالتقوى والطاعة والإخلاص في العبادة، والامتناع من أخذ الأجر على الدعوى وتبليغ الرسالة (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3104>١٨١ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ﴾ قال المفسرون: من الناقصين للكيل والوزن (٣). قال أبو عبيد: يقال: خَسَرْتُ المِيزان، وأَخسرْتُه، نَقَصْتُه (٤). وتقول: كِلْتُه وَوَزَنْتُه فأَخْسَرْتُه، أي: نَقَصْتُه، ومنه: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ [المطففين: ٣] (٥) أي: يَنْقُصُون في الكيل والوزن، ويجوز يَخْسِّرون في اللغة (٦).\n<span data-type=\"title\" id=toc-3105>١٨٢ </span>- قوله: ﴿وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ﴾ إلى قوله:\n<span data-type=\"title\" id=toc-3106>١٨٤ </span>- ﴿وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ﴾ مفسر فيما مضى. والجبلة: الخليقة (٧). يقال: جُبل فلان على كذا وكذا، أي: خُلق (٨)،\n_________\n(١) ما بين المعقوفين، في نسخة (أ)، (ب).\n(٢) \"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١١٦ أ. و\"تفسير البغوي\" ٦/ ١٢٦. بنصه، ولم ينسبه.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ٥٤ أ. و\"تنوير المقباس\" ٣١٣. و\"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١١٦ أ.\n(٤) \"تهذيب اللغة\" ٧/ ١٦٣ (خسر)، من قول أبي عبيد.\n(٥) \"تهذيب اللغة\" ٧/ ١٦٢ (خسر).\n(٦) \"تهذيب اللغة\" ٧/ ١٦٣ (خسر)، من قول الزجاج. وهو في \"معاني القرآن\" ٥/ ٢٩٧ (سورة المطففين) وقد ضُبطت هذه الكلمة في كتاب الزجاج: يَخسِرون، وضبطت في \"تهذيب اللغة\": يَخْسَرون، وفي الحاشية: في: ج: بتشديد السين، ثم قال بعد ذلك الزجاج: ولا أعلم أحدًا قرأ في هذا الموضع: يَخسرون، ولم تضبط. وفي \"تهذيب اللغة\" ٧/ ١٦٣، في الحاشية: في: ج: بكسر الخاء والسين المشددة. فلعل هذا أقرب ما يكون في ضبط هذه الكلمة والله أعلم.\n(٧) \"تفسير مجاهد\" ٢/ ٤٦٥. و\"تفسير مقاتل\" ٥٤ أ. وأخرجه ابن جرير ١٩/ ١٠٩، وابن أبي حاتم ٩/ ٢٨١٢، عن مجاهد. و\"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١١٦ أ.\n(٨) \"غريب القرآن\" لابن قتيبة ٣٢٠. و\"الزاهر في معاني كلمات الناس\" ١/ ٢١٩.","vol":"17","page":119},{"text":"قال الشاعر:\nوالموت أعظم حادث ... مما يمر على الجبلة (١)\nونذكر اللغات فيها عند قوله: ﴿وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا﴾ [يس: ٦٢] ٦٢]-إن شاء الله تعالى-. قال المفسرون: يعني: الأمم الخالية (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3107>١٨٥ </span>- قوله: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِين﴾ فسرناه في هذه السورة (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-3108>١٨٦ </span>- قوله: ﴿وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ أي في أنك رسول الله (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-3109>١٨٧ </span>- قوله: ﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ مفسر في قوله: ﴿أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا﴾ [الإسراء: ٩٢].\nقوله: ﴿إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ أي: بأن العذاب نازل بنا. قاله مقاتل (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3110>١٨٨ </span>- ﴿قَالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ)﴾ يعني: من نقصان الكيل والوزن (٦).\nوالمعنى: أنه أعلم به؛ فهو مجازيكم ومعذبكم إن شاء، وليس عندي\n_________\n(١) أنشده ابن قتيبة، في: \"غريب القرآن\" ٣٢٠، ولم ينسبه. وهو كذلك عند الثعلبي ٨/ ١١٦ أ. ونسبه الماوردي ٤/ ١٨٦، لامرئ القيس، وفيه: فيما يمر، بدل: مما يمر. ولم أجده في ديوان امرئ القيس. وذكره الطبرسي ٧/ ٣١٦، ولم ينسبه. وفي حاشية البحر ٧/ ٢٩: لم أهتد لقائله.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ٥٤ أ.\n(٣) عند قوله تعالى: ﴿قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾ آية ١٥٣ في قصة نبي الله صالح -﵇ -.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ٥٤ ب.\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ٥٤ ب.\n(٦) \"تفسير مقاتل\" ٥٤ ب.","vol":"17","page":120},{"text":"من العذاب، وما عليَّ إلا الدعوة (١)؛ وذلك أن هذا جواب لقولهم: \" ﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3111>١٨٩ </span>- قوله: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّة﴾ مضى تفسير الظلة في سورة البقرة (٢). وهاهنا سحاب (٣) أظلتهم فاجتمعوا تحتها مستجيرين (٤) بها مما نالهم من حر ذلك اليوم، ثم أطبقت عليهم، وكان من أعظم يوم في الدنيا عذابًا (٥).\nقال ابن عباس: بعث الله عليهم وَقَدَة وحرًا شديدًا فأخذ بأنفاسهم؛ فدخلوا أجواف البيوت فأخذ بأنفاسهم، فخرجوا من البيوت هربًا إلى البرية فبعث الله سحابة فأظلتهم من الشمس فوجدوا لها بَرْدًا، فنادى بعضهم بعضًا حتى إذا اجتمعوا تحتها أسقطها الله عليهم نارًا (٦). وهذا قول\n_________\n(١) \"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١١٦ أ.\n(٢) قال الواحدي في تفسير قوله الله تعالى: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ﴾ [البقرة: ٥٧] الظل في اللغة، معناه: الستر، يقال: لا أزال الله عنا ظل فلان؛ أي: ستره، وظل الشجرة سترها، ويقال لظلمة الليل: ظل؛ لأنها تستر الأشياء، ومنه قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ [الفرقان: ٤٥].\n(٣) هكذا في جميع النسخ: سحاب، وأيضًا عند الزجاج في المعاني ٤/ ٩٨،ولعل الصواب: سحابة. والله أعلم. راجع النسخ للتأكد.\n(٤) في (أ) غير واضحة وفي \"تفسير مجاهد\" ٢/ ٤٦٦: يعني: ظل العذاب الذي أتاهم.\n(٥) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٩٨، بنصه. ثم قال في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ولو كان في غير القرآن لجاز عظيمًا، والجر أجود كما جاء به القرآن\".\n(٦) أخرجه ابن جرير ١٩/ ١١٠، وفيه: بعث الله عليهم ومدة وحرًا شديدًا. بدل: وقدة.\nأخرجه ابن أبي حاتم ٩/ ٢٨١٤، بلفظ: وهدة. في \"تهذيب اللغة\" ٩/ ٢٤٩ (وقد):\nيقال: وقدت النار تَقِد وُقُودًا وَوَقَدانًا ووَقْدًا وقِدَةً. وفي \"لسان العرب\" ٣/ ٤٦٥: الوَقَدُ: نفس النار.","vol":"17","page":121},{"text":"أكثر المفسرين (١).\nوروي عن ابن عباس: أنهم لما صاروا تحت السحابة أسقطها الله عليهم. وقال زيد بن معاوية: لما اجتمعوا تحتها صيح بهم منها فهلكوا (٢).\nوقال عطاء عن ابن عباس: بعث الله عليهم سَمُومًا (٣) فخرجوا إلى الأيكة يستظلون بها، فأضرمها الله عليهم نارًا فاحترقوا (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3112>١٩٢ </span>- قوله: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ يعني: القرآن (٥). قال ابن عباس: نَزَّل القرآنَ ربُ العالمين.\n<span data-type=\"title\" id=toc-3113>١٩٣ </span>- ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ﴾ أي: نَزَّل الله بالقرآن جبريل (٦).\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ٥٤ ب. وأخرجه بسنده عبد الرزاق ٢/ ٧٥، عن مجاهد. وأخرجه ابن جرير ١٩/ ١١٠، عن قتادة، ومجاهد، وابن جريج، والضحاك، وابن زيد. وذكره الثعلبي ٨/ ١١٦ أ.\n(٢) أخرجه ابن جرير ١٩/ ١٠٩، بلفظ قريب منه.\n(٣) السَّمُوم: الريح الحارة. \"لسان العرب\" ١٢/ ٣٠٤ (سمم). قال تعالى: ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ (٤١) في سَمُومٍ وَحَمِيمٍ﴾ [الواقعة ٤١، ٤٢]\n(٤) قال أبو السعود ٦/ ٢٦٣: \"هذا آخر القصص السبع التي أوحيت إلى رسول الله -ﷺ- لصرفه عن الحرص على إسلام قومه، وقطع رجائه عنه، ودفع تحسره على فواته تحقيقًا لمضمون ما مر في مطلع السورة الكريمة من قوله تعالى: ﴿وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ﴾ \".\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ٥٤ ب. و\"تنوير المقباس\" ٣١٤. وتفسير هود الهواري ٣/ ٢٤٠. وأخرجه ابن جرير ١٩/ ١١١؛ وابن أبي حاتم ٩/ ٢٨١٧، عن قتادة. و\"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١١٦ ب.\n(٦) \"تنوير المقباس\" ٣١٤. و\"تأويل مشكل القرآن\" ٤٨٦. قال ابن كثير ٦/ ١٦٢: \"وهذا مما لا نزاع فيه\".","vol":"17","page":122},{"text":"وتقرأ ﴿نَزَلَ﴾ مخففة، و(الروحُ الأمين) رفعًا (١). فمن شدد فحجته قوله: ﴿لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ وقوله: ﴿نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ﴾ [البقرة: ٩٧] وقوله: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ﴾ [النحل: ٢] وينزل مطاوع نَزَّل، ومن أسند الفعل إلى الروح وخفف؛ فلأنه ينزل بأمر الله -﷾-، ومعناه معنى المثقلة (٢).\nو(الروح الأمين) هو جبريل (٣)؛ قال ابن عباس: أمين فيما بين الله وبين أنبيائه.\nوقال مقاتل: أمين فيما استودعه من الرسالة إلى أنبيائه (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3114>١٩٤ </span>- وقوله: ﴿عَلَى قَلْبِكَ﴾ قال مقاتل: يقول: لنثبت قلبك (٥). والمعنى: نَزَل به الروحُ الأمين فتلاه عليك حتى وعيته بقلبك (٦).\nوقال أبو إسحاق: نزل فوعاه قلبك وثبت فيه فلا تنساه أبدًا (٧). ﴿لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ [ممن أنذر المكذبين بآيات الله] (٨).\n_________\n(١) قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وعاصم في رواية حفص: (نَزَل) خفيفة (الروحُ الأمين) رفعًا. وقرأ ابن عامر، وحمزة، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم: (نَزَّل) مشددة (الروحَ الأمين) نصبًا. \"السبعة في القراءات\" ٤٧٣، و\"إعراب القراءات السبع وعللها\" ٢/ ١٣٨، والمبسوط في القراءات العشر ٢٧٦، و\"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٣٦٨، و\"النشر في القراءات العشر\" ٢/ ٣٣٦.\n(٢) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٣٦٩.\n(٣) \"تفسير ابن جرير\" ١٩/ ١١٢. وأخرجه أيضًا عن قتادة والضحاك.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ٥٤ ب.\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ٥٤ ب.\n(٦) \"تفسير ابن جرير\" ١٩/ ١١٢، بنصه.\n(٧) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٠٠.\n(٨) ما بين المعقوفين، ساقط من نسخة (ج).","vol":"17","page":123},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3115>١٥٩ </span>- ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِين﴾ قال ابن عباس ومقاتل: يريد لسان قريش ليفقهوا ما فيه فلا يقولوا: لا نفهم ما يقول محمد (١). وقال ابن بريدة: بلسان جُرْهُم (٢).\nقال [ابن عباس:] (٣) كان في سفينة نوح ثمانون؛ وفيهم: جُرْهم، ولسان جرهم هو لسان العرب (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3116>١٩٦ </span>- قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ﴾ وإنَّ ذكرَ القرآن وخبرَه لفي كتب الأولين (٥). يعني: أن الله تعالى أخبر في كتبهم عن القرآن وإنزاله على النبي -ﷺ- المبعوث في آخر الزمان (٦). وقال مقاتل: وإنَّ أمرَ محمد، وذكرَه، ونعتَه (٧) لفي كتب الأولين (٨). وهذا كقوله: ﴿الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ في التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ [الأعراف: ١٥٧] (٩). والزُّبُر: الكتب، زَبُور وزُبُر، مثل: رَسُولٌ ورُسُل (١٠).\n<span data-type=\"title\" id=toc-3117>١٩٧ </span>- قوله: ﴿أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ قرأه العامة:\n_________\n(١) \"تفسير الوسيط\" ٣/ ٣٦٢. و\"تفسير البغوي\" ٦/ ١٢٧. و\"تفسير مقاتل\" ٥٤ ب، وليس فيه: بلسان قريش.\n(٢) أخرجه ابن أبي حاتم ٩/ ٢٨١٨. ويعرف بجرهم\n(٣) ما بين المعقوفين، في نسخة (أ)، (ب).\n(٤) أخرجه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٩٠.\n(٥) \"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١١٦ ب.\n(٦) \"تفسير ابن جرير\" ١٩/ ١١٢، بمعناه.\n(٧) ونعته، في نسخة (ج).\n(٨) \"تفسير مقاتل\" ٥٤ ب.\n(٩) وقد استدل بالآية على ذلك الزجاج ٤/ ١٠٠.\n(١٠) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٠٠. قال أبو عبيدة ٢/ ٩٠: \"أي: كتب الأولين؛ واحدها: زبور\".","vol":"17","page":124},{"text":"﴿يَكُن﴾ بالياء ﴿آّيّةً﴾ نصبًا (١).\nقال إسحاق: (أنْ) اسم كان، و(آيةً) خبره؛ والمعنى. أو لم يكن لهم (٢) عِلْم علماء بني إسرائيل أن النبي -ﷺ- حق وأن نبوته حق، (آية) أي: علامة (٣)، موضحة؛ لأن العلماء الذين آمنوا من بني إسرائيل وجدوا ذكر النبي -ﷺ- مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل (٤).\nقال ابن عباس، في رواية الكلبي: بعث أهلُ مكة إلى اليهود وهم بالمدينة فسألوهم عن محمد -ﷺ-؛ فقالوا: إنَّ هذا لزمانُه، وإنَّا نجد في التوراة نعتَه وصفتَه. فكان ذلك آية لهم على صدقه (٥). فعلى هذا: أراد بعلماء بني إسرائيل: يهود المدينة ومن كان منهم عالمًا بالكتاب.\nوقال مقاتل: يعني: ابن سلام وأصحابه (٦).\nوقال مجاهد: علماء بني إسرائيل؛ عبد الله بن سلام، وغيره من علمائهم (٧).\n_________\n(١) كلهم قرأ: ﴿أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ﴾ بالياء ﴿آيَة﴾ نصبًا، غير ابن عامر فإنه قرأ: (أو لم تكن لهم) بالتاء (آيةٌ) رفعًا. \"السبعة في القراءات\" ٤٧٣، و\"إعراب القراءات السبع وعللها\" ٢/ ١٣٨، و\"المبسوط في القراءات العشر\" ٢٧٦، و\"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٣٦٩، و\"النشر في القراءات العشر\" ٢/ ٣٣٦.\n(٢) لهم، في نسخة (ج).\n(٣) \"غريب القرآن\" لابن قتيبة ٣٢٠.\n(٤) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٠١. وأخرج نحوه عبد الرزاق ٢/ ٧٦، عن قتادة.\n(٥) \"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١١٦ ب، وعنه ابن عطية ١١/ ١٤٩. و\"تفسير البغوي\" ٦/ ١٢٩. و\"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٤٨٤، ولم ينسبه. وهو في \"تنوير المقباس\" ٣١٤، بمعناه.\n(٦) \"تفسير مقاتل\" ٥٤ ب.\n(٧) \"تفسير مجاهد\" ٢/ ٤٦٦، وفيه زيادة: من أسلم منهم. و\"تفسير ابن جرير\" ١٩/ ١١٢، وأخرجه أيضًا عن ابن عباس.","vol":"17","page":125},{"text":"وقال عطية في هذه الآية: كانوا خمسة: عبد الله بن سلام، وابن يامينَ، وثعلبةُ، وأسد، وأَسِيد (١).\nقرأ ابن عامر: (تكن) بالتاء (آيةٌ) رفعًا، قال أبو إسحاق: جعل (آيةٌ) هي الاسم، و(أن يعلمه) خبر تكن (٢). ونحو هذا قال الفراء (٣). قال أبو علي: إذا اجتمع في باب: كان، معرفة ونكرة فالذي يُجعل اسم كان منهما: المعرفة، كما كان المبتدأ: المعرفة، والنكرة: الخبر، وهو يجيء في الشعر للاضطرار؛ الاسم: نكرة والخبر: معرفة، ولا يجوز هذا حيث لا يُضْطُّر إليه تصحيحُ وزنٍ، ولا إقامةُ قافيةٍ، فقوله: (أولم تكن لهم آية) لا يجوز أن يكون التأنيث في (تكن) لأنه حينئذ يصير اسمًا لكان، ولكن في (تكن) ضمير القصة، و(آيةٌ) خبر مبتدأ مقدم، والجملة في موضع نصب كما تقول: كان زيدٌ منطلقٌ، على معنى: كان الأمر هذا وكان الشأن هذا، قاسم كان ضمير مستتر، وارتفع زيد بالابتداء، ومنطلق: خبره، والجملة في موضع نصب بكونها خبرًا.\nقال: ومن ذلك قول الشاعر:\nولا أُنْبَأَنَّ أن وجهكِ شأنَه ... خُمُوش وإنْ كان الحميمُ حميمُ (٤)\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي حاتم ٩/ ٢٨٢٠. و\"تفسير البغوي\" ٦/ ١٢٩. وزاد السيوطي نسبته لابن سعد، وابن المنذر. \"الدر المنثور\" ٦/ ٣٢٣.\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٠١.\n(٣) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٨٣.\n(٤) أنشده أبو علي، \"الإيضاح العضدي\" ١/ ١٤٣، ولم ينسبه. وأنشده أبو زيد، النوادر ١٢٦، ونسبه لعبد قيس بن خُفَاف البُرْجَمِي، وفي حاشية الإيضاح: الشاهد فيه: أنه جل اسم كان ضمير الشأن، والحميم مبتدأ، وحميم خبره، والجملة في موضع نصب خبر كان\".","vol":"17","page":126},{"text":"ذكر هذا في كتاب \"الإيضاح\"؛ ونحو هذا ذَكر في كتاب \"الحجة\" (١)؛ وزاد في هذا الفصل بأن قال: (ءايةٌ) مرتفعة بأنها خبر الابتداء الذي هو: ﴿أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ وقال: ولا يمتنع أن لا تضمر (٢) القصة ولكن ترفع: ﴿أَنْ يَعْلَمَه﴾ بقوله: (تكن) وإن كان في تكن علامة تأنيث؛ لأن ﴿أَنْ يَعْلَمَه﴾ في المعنى هو الآية، فيحمل الكلام على المعنى؛ كما حُمل على المعنى في قوله: ﴿فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠] فأنث لما كان المراد بالأمثال: الحسنات. وكذلك قرأ من قرأ: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا﴾ [الأنعام: ٢٣] (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3118>١٩٨، ١٩٩ </span>- قوله: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ (١٩٨) فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ﴾ قال الكلبي: على رجل عجمي (٤). والمعنى: ولو نزلنا القرآن على رجل ليس بعربي اللسان ﴿فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ﴾ بغير لغة العرب ما آمنوا به، وقالوا: ما نفقه قولك؛ نظيره قوله: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُه﴾ [فصلت: ٤٤] قال مقاتل: يقول: لو نزلنا هذا القرآن على رجل ليس بعربي اللسان فقرأه على كفار مكة لقالوا: ما نفقه قولك (٥).\nقوله: ﴿فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ يعني: بالقرآن مصدقين بأنه من الله (٦).\n_________\n(١) ملخص من كتاب \"الإيضاح العضدي\" ١/ ١٣٦ - ١٤٣، و\"الحجة\" ٥/ ٣٦٩.\n(٢) هكذا في كتاب الحجة: أن لا يضمر، فتراجع\n(٣) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٣٧٠؛ قرأ حمزة والكسائي: (يكن) بالياء، وقرأ الباقون: (تكن) بالتاء، وقرأ ابن كثير وابن عامر وحفص: (فتنتُهم) برفع التاء، وقرأ الباقون بالنصب. \"السبعة في القراءات\" ٢٥٤، و\"النشر\" ٢/ ٢٥٧.\n(٤) في \"تنوير المقباس\" ٣١٤: \"على رجل لا يتكلم بالعربية\".\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ٥٥ أ. واقتصر على هذا القول في \"الوسيط\" ٣/ ٣٦٣.\n(٦) \"تفسير مقاتل\" ٥٥ أ.","vol":"17","page":127},{"text":"وفيه قول آخر؛ روى داوود بن أبي هند، عن محمد بن أبي موسى، قال: كنت واقفًا مع عبد الله بن مطيع بن الأسود بعرفات؛ فقرأ هذه الآية: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ﴾ قال: لو نزل على جملي هذا فقرأ عليهم ﴿مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ (١). وهذا القول أليق بما بعده.\nقال أبو إسحاق: (الأعجمين) جمع أعجم، والأنثى عجماء، والأعجم الذي لا يفصح، وكذلك الأعجمي، فأما العَجَمِي فالذي من جنس العجم أفصح أو لم يفصح (٢).\nقال أبو علي الفارسي: أعجم صفة (٣)، كأحمر؛ لأنه قد وُصف به في النكرة، وهو قوله:\n.. .. .. .. .. كما أَوتْ ... حِزقٌ يمانيةٌ لأعجمَ طِمْطِم (٤)\nوقد دخلته الألف واللام على حد دخولها على أحمر، للتعريف في قولهم: زياد الأعجم، فقد علمت لجريه على النكرة، ودخول لام التعريف\n_________\n(١) أخرجه ابن جرير ١٩/ ١١٤، من طريقين. وكذا ابن أبي حاتم ٩/ ٢٨٢٠.\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٠٢. و\"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٨٣، بمعناه. والزاهر في معاني كلمات الناس ٢/ ٥٦.\n(٣) كلمة: صفة، مكررة في نسخة (أ)، (ب).\n(٤) هكذا أنشده أبو علي، \"الإغفال لما أغفله الزجاج\" ٢/ ٢١٣ ب. والبيت لعنترة، من معلقته، وصدره كما في الديوان ٢٠:\nتأوي له قُلُص النعام كما أوت\nورواية البيت في \"شرح التبريزي\" ص ١٦٢:\nيأوي إلى حِزق النعام كما أوت\nوقال في شرحه: يأوي هذا الظليم إلى حزق النعام، وهي: جماعاتها، واحدتها: حزقة، وحزيقة، والطمطم: الذي لا يفصح شيئًا، شبه النعام حول هذا الظليم بقوم من اليمن حول رجل من العجم يسمعون كلامه، ولا يفهمونه، وخص أهل اليمن لقربهم من العجم، يعني: الحبش، وملابستهم لهم.","vol":"17","page":128},{"text":"عليه أنه صفة في النكرة، مثل أحمر، وفي التعريف بمنزلة: الأحمر، وإذا كان كذلك ثبت أنه صفة، وإذا علمت أنه صفة علمت أن جمعه بالواو والنون، والياء والنون (١) خطأ، وإذا كان هذا القبيل من الصفة لا يُجمع بالواو والنون في قول النحويين أجمعين، علمتَ أن قول أبي إسحاق: الأعجمين جمع أعجم، [والأنثى] (٢) عجماء، خطأ بيَّن؛ والقول فيه: أنه جمع أعجمي ليس جمع أعجم، وأعجم وأعجمي معناهما واحد، وكلاهما وَصْف الذي لا يُفصح من العجم كان أو من العرب، إلا أنَّ الذي تدخله ياء التشديد ينصرف، وإنْ كان المعني فيه الصفة (٣)، [كما أن صياقلة (٤) ونحوه لما دخله تاء التأنيث انصرف للتاء، والمعنى: معنى الجمع] (٥) فأعجمي كقولهم: أحمري، وأنت تريد الأحمر، كما لا تريد بكرسي إضافتَه إلى شيء، وهذا مروي مأخوذ من رواة اللغة؛ يدلك على ذلك قول العجاج:\nوالدهرُ بالإنسان دَوَّارِيُ (٦)\n_________\n(١) غير واضحة بالنسخ ولعل الصواب ما ذكره أبو علي في كتاب \"الشعر\" ١/ ١٥٦: كما أن عجماء لا تجمع بالألف والتاء.\n(٢) ما بين المعقوفين، من كتاب أبي علي.\n(٣) الصفة، في نسخة (أ)، (ب).\n(٤) الصَّقْل: الجِلاء، والمِصقلة التي يصقل الصَيْقَل بها سيفًا ونحوه، وجمع الصيقل: صياقل وصياقلة. \"تهذيب اللغة\" ٨/ ٣٧٢ (صقل).\n(٥) ما بين المعقوفين، غير موجود في كتاب أبي علي.\n(٦) أنشده ابن جرير ١٩/ ١١٤، منسوبًا للعجاج، وقال بعده: \"ومعناه: دوار، فنسبه إلى فعل نفسه\". وأنشده أبو علي، في كتابه: \"الأغفال\" ١١٤ ب، منسوبًا للعجاج. وصدر البيت كما في الديوان ٢٤٧:\nأَطَرَبًَا وأنت قِنَّسْرِيُّ .. .. ..\nقال محقق الديوان: القنسري: المسن الكبير، ودواري: دائر؛ يقول: إن الدهر =","vol":"17","page":129},{"text":"ألا ترى أن المراد بدَوَّارِي: دوارٌ واحد، كذلك أعجم وأعجمي (١). والذي قلنا من أن الأعجمين جمع أعجمي هو قول سيبويه؛ وقد نص عليه (٢)؛ وذهب أبو إسحاق عنه (٣)، قال سيبويه في الباب المترجم: هذا بابٌ من الجمع بالواو والنون، [وتكسير الاسم. سألت الخليل عن قولهم: الأَشْعَرُون؛ فقال: إنما أَلحقوا الواو والنون] (٤) وحذفوا ياء الإضافة كما كَسَّروا فقالوا: الأشاعرُ، والأشاعث، والمَسَامِعة، فلما كَسَّروا مِسْمَعًا والأشعث حين أرادوا معنى بني مِسْمَع وبني الأشعث، أَلحقوا الواو والنون، فكذلك الأعجمون (٥).\nفقد تبينت من نص سيبويه أن الأعجمين جمع أعجمي، وأن ياءي النسب والإضافة (٦) محذوفان حُذفا في الجمع، وأنه جُمع على هذا\n_________\n= يتصرف بالإنسان ويدور به، يقول: كيف تطرب وأنت كبير يوبخه بذلك، وإنما يصبو فيعذر الصبي ومن لا سن له ولا تجربة عنده.\n(١) قال ابن جرير ١٩/ ١١٤: \"إذا أريد به نسبة الرجل إلى أصله من العجم، لا وصفه بأنه غير فصيح \"اللسان\"، فإنه يقال: هذا رجل عجمي، وهذان رجلان عجميان، وهؤلاء قوم عَجَم، كما يقال: عربي، وعربيان، وقوم عَرَب، وإذا قيل هذا: هذا رجل أعجمي، فإنما نسب إلى نفسه، كما يقال: للأحمر: هذا أحمريٌّ ضخم\".\n(٢) وذهب إلى ذلك الأخفش، في \"معاني القرآن\" ٢/ ٦٤٧. حيث قال: \"واحدهم: الأعجم، وهو إضافة كالأشعرين\". وذكر السمين الحلبي الأقوال المؤيدة لذلك. \"الدر المصون\" ٨/ ٥٥٤.\n(٣) يعني غفل عنه أبو إسحاق فلم يذكره. والله أعلم.\n(٤) ما بين المعقوفين، غير موجود في كتاب أبي علي.\n(٥) \"الكتاب\" ٣/ ٤١٠.\n(٦) الإضافة. ساقطة من النسخ الثلاث، وهي في كتاب أبي علي.","vol":"17","page":130},{"text":"[الحد] (١) كما كُسِّر على الأشاعث. ومثل قولهم: الأعجمون، قولهم: النُّمَيْرُون. ومما يدلك على صحة هذا: أن ما كان صفة من هذا القبيل لا يجمع بالواو والنون، ألا ترى أنه لا يقال في جمع أسود: أسودون، وإذا كان ذلك مرفوضًا علمت أنه جَمْع الاسم إذا أُلحق ياء النسب؛ لأنه بدخول ياء النسب يخرج من ذلك الحد في اللفظ، وإن كان موافقًا له في المعنى، كما خرج بذلك من الامتناع من الانصراف، وكما لم يُجمع مذكر هذا القبيل بالواو والنون، كذلك لم يُجمع مؤنثه، نحو: حمراء، وسوداء، بالألف والتاء. انتهت الحكاية عن أبي علي (٢).\nوذكرنا تفسير الأعجمي في سورة النحل (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3119>٢٠٠ </span>- قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ في قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ﴾ تفسيره كتفسير قوله: ﴿كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ في قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ﴾ [في سورة: الحجر (٤).\nقال ابن عباس: ﴿كَذَلِكَ سَلَكْنَاه﴾ يريد الشرك سلكه في قلوب المجرمين (٥). و] (٦) قال الحسن: ﴿سَلَكْنَاهُ في قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ﴾ الشرك\n_________\n(١) في كتاب أبي علي. \"وأنه جمع على هذا كما جمع وكسر على الأشاعث\".\n(٢) \"الإغفال فيما أغفله الزجاج\" ٢/ ٢١٣، بشيء من التصرف، والاختصار، حيث أطال أبو علي، الحديث عن هذه المسألة.\n(٣) عند قوله تعالى: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِي﴾ [١٠٣].\n(٤) عند قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ في قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ﴾ [١٢].\n(٥) \"تفسير مجاهد\" ٢/ ٤٦٦. وذكره عن ابن عباس ابن الجوزي ٤/ ٣٨٥، في تفسير سورة الحجر.\n(٦) ما بين المعقوفين، في نسخة (أ)، (ب).","vol":"17","page":131},{"text":"جعلناه في قلوب المجرمين (١). وهو قول ابن جريج وابن زيد (٢). وقال مقاتل: يقول: هكذا جعلنا الكفر بالقرآن في قلوب المجرمين (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3120>٢٠١ </span>- ﴿لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ بالقرآن (٤) ﴿حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ فعلى هذا: أراد بالمجرمين: مشركي مكة. وعلى قول الحسن وابن عباس؛ أراد: المجرمين من الأمم الخالية؛ أخبر الله أنه أدخل الشرك، وجعله في قلوبهم فلم يؤمنوا إلا عند نزول العذاب حين لم ينفعهم. قال ابن عباس في قوله: ﴿لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ الآية، قال: لا يصدقون بتوحيد الله ﴿حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ﴾ الذي أهلكهم الله به مما قص من لدن: نوح، إلى: شعيب. وعلى التأويلين جميعًا في الآية دلالة على أن الله تعالى خالق الشرك، سالكه في قلوب المجرمين.\nقال الفراء: يقول سلكنا التكذيب في قلوب المجرمين كيلا يؤمنوا به (٥).\nوقال أبو إسحاق: أي: سلكنا تكذيبهم في قلوبٍ جعل الله مجازاتِهم أن طبع على قلوبهم وسلك فيها الشرك (٦).\n_________\n(١) أخرجه ابن جرير ١٩/ ١١٥، ولفظه: \"الشرك سلكه في قلوبهم\".\n(٢) أخرجه ابن جرير ١٩/ ١١٥، عن ابن جريج، وابن زيد.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ٥٥ أ. قال ابن قتيبة: \" ﴿سَلَكْنَاهُ﴾ يعني: التكذيب، أدخلناه\". \"غريب القرآن\" ٣٢١. راجع للحديث عن هذه الآية تفسير سورة الحجر ١٢ ﴿كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ﴾ راجع متشابه القرآن للقاضي عبد الجبار ٤٢٥، وكذا تفسير هذه السورة عند الهوساوي.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ٥٥ أ.\n(٥) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٨٣.\n(٦) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٠٢.","vol":"17","page":132},{"text":"وقوله تعالى: ﴿لَا يُؤمِنُونَ بِه﴾ قال: أخبر أنه لما سلك في قلوبهم الشرك منعهم من الإيمان به (١). وتفسير القدرية لقوله: ﴿كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ في قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ﴾ أمررنا القرآن في قلوبهم بإخطاره ببالهم لتقوم الحجة عليهم (٢). وهذا التفسير خَلْفٌ (٣) فاسد؛ لم يقله أحد من المفسرين، ولا أصحاب المعاني إلا القدرية؛ وكيف يصح هذا والله تعالى يقول: ﴿لَا يُؤمِنُونَ بِه﴾ أفتراه سلك القرآن في قلوبهم حتى لا يؤمنوا؟ وكان من الواجب أن يؤمنوا إذا أدخل الله القرآن في قلوبهم، ثم السلك ليس بمعنى: الإمرار والإخطار؛ إنما هو بمعنى: الإدخال والإثبات، كسلك الخيط في الحريرة، يدل على هذا قوله تعالى: ﴿مَا سَلَكَكُمْ في سَقَرَ﴾ [المدثر ٤٢] لا يجوز أن يقال في معناه: ما أخطركم بها. والهاء في قوله: ﴿سَلَكْنَاهُ﴾ تعود إلى معنى قوله: ﴿مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِين﴾ ومعناه: كذبوا، وكذبوا يدل على التكذيب فكنى عنه، وهو قول المفسرين وأهل المعاني: سلكنا الشرك وسلكنا التكذيب، فظاهر الآية يدل على صحة قول مقاتل، وأن هذا إخبار عن مشركي مكة ولو كان خبرًا عن مشركي الأمم المتقدمة لقيل: لم يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم فأتاهم بغتة، وقد قال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3121>٢٠٢ </span>- ﴿فَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً﴾ يعني العذاب (٤) ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ به فيتمنوا الرجعة والنَّظِرَهَ (٥)، وهو قوله:\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٠٢.\n(٢) بنصه، قول الطوسي، في تفسيره ٨/ ٦٣. بلفظ: \"أقررناه في قلوبهم بإخطاره\" وهذا تصحيف، والصواب: أمررناه.\n(٣) يقال: هذا خَلْفٌ من القول؛ أي. رديء. \"تهذيب اللغة\" ٧/ ٣٩٤ (خلف).\n(٤) \"تنوير المقباس\" ٣١٤. و\"تفسير مقاتل\" ٥٥ أ.\n(٥) \"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٤٨٤، والماوردي ٦/ ١٣٠، ولم ينسباه.","vol":"17","page":133},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3122>٢٠٣ </span>- ﴿فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ﴾ أي: لِنعتِب (١) ونراجع، قاله مقاتل (٢).\nوقال ابن عباس: إنهم يسألون تأخير العذاب فلا يجابون ولا يصرف عنهم (٣).\nقال مقاتل: فلما أوعدهم النبي -ﷺ- بالعذاب قالوا: فمتى العذاب تكذيبًا به (٤)، فقال الله تعالى:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3123>٢٠٤، ٢٠٥ </span>- ﴿أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ (٢٠٤) أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ﴾ [قال ابن عباس:] (٥) ﴿أَفَرَءَيْتَ﴾ يا محمد إن متعنا كفار مكة ﴿سِنِينَ﴾ قال: يريد منذ خلق الله الدنيا إلى أن تنقضي في النعيم والسرور والنَّضارة (٦).\nوقال الكلبي: يعني عَمَّرهم؛ وهو معنى قول مقاتل: ﴿سِنِينَ﴾ في الدنيا (٧).\nقال صاحب النظم: قوله: ﴿أَفَرَءَيْتَ﴾ غير متعد إلى شيء؛ إنما هو سؤال واستخبار عن معنى بلفظ الاستفهام، كقوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا\n_________\n(١) الإعتاب والعتبى: رجوع المعتوب عليه إلى ما يُرضي العاتب. \"تهذيب اللغة\" ٢/ ٢٧٨ (عتب).\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ٥٥ أ. بلفظ: \"فنعتب، ونراجع\". وفي \"تفسير ابن جرير\" ١٩/ ١١٦: \"لنثوب، وننيب\".\n(٣) \"تنوير المقباس\" ٣١٤، بلفظ: مؤجلون من العذاب.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ٥٥ أ.\n(٥) ما بين المعقوفين، ساقط من نسخة (ج).\n(٦) النضارة: نعيم الوجه، ومنه قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢]. \"تهذيب اللغة\" ٩/ ١٢ (نضر).\n(٧) \"تفسير مقاتل\" ٥٥ أ.","vol":"17","page":134},{"text":"إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوت﴾ [الكهف: ٦٣] دخول الفاء في قوله: ﴿فَإِنِّي﴾ يدل على أنه مستأنف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3124>٢٠٦ </span>- قوله: ﴿ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ﴾ أي: من العذاب (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-3125>٢٠٧ </span>- ﴿مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ به في تلك السنين. والمعنى: إنهم وإن طال تمتعهم بنعيم الدنيا (٢) فإذا أتاهم العذاب لم يُغنِ طول التمتع عنهم (٣) شيئًا ويكون كأنهم لم يكونوا في نعيم قط (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-3126>٢٠٨ </span>- قوله: ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ﴾ قال مقاتل: (٥) أي: فيما خلا بالعذاب في الدنيا ﴿إِلَّا لَهَا مُنْذِرُون﴾ يعني: رسلًا ينذرونهم بالعذاب أنه نازل بهم (٦).\n<span data-type=\"title\" id=toc-3127>٢٠٩ </span>- ﴿ذِكْرَى﴾ قال ابن عباس: موعظة مني.\nوقال مقاتل: تذكرة (٧).\n_________\n(١) \"تنوير المقباس\" ٣١٤. و\"تفسير مقاتل\" ٥٥ أ.\n(٢) في نسخة (أ)، (ب): النساء.\n(٣) عنهم. في نسخة (ج).\n(٤) ويشهد لهذا المعنى حديث أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله -ﷺ-: \"يؤْتَى بِأَنْعَمِ أَهْلِ الدُّنْيَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ يَومَ الْقِيَامَةِ فَيُصْبَغُ في النَّارِ صَبْغَة ثُمَّ يُقَالُ يَا ابْنَ آدَمَ هَلْ رَأَيْتَ خَيْرًا قَط هَلْ مَرَّ بِكَ نَعِيمٌ قَط فَيَقُولُ لاَ والله يَا رَب وَيُؤْتَى بِأَشَدِّ النَّاس بُؤْسًا في الدُّنْيَا مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيُصْبَغُ صَبْغَةً في الْجَنَّةِ فَيُقَال لَهُ يَا ابْنَ آدَمَ هَلْ رَأَيْتَ بُؤْسًا قَطُّ هَلْ مَرَّ بِكَ شِدَّة قطُّ فَيَقُولُ لاَ والله يَا رَبِّ مَا مَرَّ بِي بُؤْسٌ قَطُّ وَلاَ رَأَيْتُ شِدَّة قَطُّ\"، أخرجه مسلم ٤/ ٢١٦٢، كتاب صفة القيامة، رقم: ٢٨٠٧. وابن ماجه ٢/ ١٤٤٥، كتاب الزهد، رقم: ٤٣٢١.\n(٥) قال مقاتل. في نسخة (أ)، (ب).\n(٦) \"تفسير مقاتل\" ٥٥ أ.\n(٧) \"تفسير مقاتل\" ٥٥ أ، ولفظه: \"العذاب يذكر، ويفكر\".","vol":"17","page":135},{"text":"قال أبو إسحاق: ﴿ذِكْرَى﴾ تكون (١) نصبًا ورفعًا، فمن نصب فعلى المصدر، ودل عليه الإنذار؛ لأن قوله: ﴿إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ﴾ معناه: إلا لها مذكرون ذكرى. قال: ويجوز أن تكون في موضع رفع على معنى: إنذارنا ذكرى على خبر الابتداء (٢). وهذا معنى قول الفراء: فقد ذكر (٣) القولين مجملًا (٤).\nقوله: ﴿ومَا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ قال مقاتل: وما كنا ظالمين فنعذب على غير ذنب (٥).\nوقال غيره: ﴿ومَا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ إذ أُهلكوا؛ لأنا قدمنا الإنذار والتذكير (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3128>٢١٠ </span>- قوله تعالى: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ﴾ قال مقاتل: قالت قريش: إنما يجيء بالقرآن الشيطان فيلقيه على لسان محمد فأنزل الله: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ﴾ [يعني: القرآن (٧).\nوهذه الآية منتظمة بقوله: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾ أي: نزل بالقرآن جبريل ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ﴾] (٨) كما يزعم المشركون.\n_________\n(١) تكون. في نسخة (ج).\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٠٢.\n(٣) في نسخة (أ)، (ب)، زيادة: إلا لها مذكرون ذكرى، قال: ويجوز أن تكون في موضع رفع. وهي تكرار لما سبق من قول أبي إسحاق.\n(٤) \"معاني القرآن\" للفراء٢/ ٢٨٤. وذكرهما أيضًا ابن جرير ١٩/ ١١٧.\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ٥٥ أ.\n(٦) \"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١١٧ أ، ولم ينسبه.\n(٧) \"تفسير مقاتل\" ٥٥ أ. وأخرجه عبد الرزاق ٢/ ٧٧، عن قتادة.\n(٨) ما بين المعقوفين، ساقط من نسخة (ج).","vol":"17","page":136},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3129>٢١١ </span>- ﴿وَمَا يَنبَغِى﴾ أن ينزلوا بالقرآن (١). قال ابن عباس: لأن الشياطين لا يقوون (٢) على قراءة القرآن، ولا يحتملونه إلا احترقوا ﴿وَمَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ أي: لا يقوون على حمل القرآن. وقال الكلبي: يقول: وما هم أهلٌ للقرآن، وما يقدرون أن يأتوا بالقرآن من السماء فقد حيل بينهم وبين السمع بالملائكة والشهب (٣). وهو قوله:\n<span data-type=\"title\" id=toc-3130>٢١٢ </span>- ﴿إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ قال ابن عباس: يريد عن استماع القرآن لمحجوبون. قال الكلبي: لأنهم يرجمون بالنجوم (٤). وقال الزجاج: لما رموا بالنجم منعوا من السمع (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-3131>٢١٣ </span>- قوله: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [قال ابن عباس: يُحَذِّر به غيره] (٦) قال مقاتل: وذلك حين دُعِي إلى دين آبائه فأنزل الله: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ أي: لا تعبد معه إلهًا آخر (٧) ﴿فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ﴾ [قال ابن عباس: يحذر به غيره] (٨) يقول: أنت أكرم الخلق علىَّ ولو اتخذت من دوني إلهًا لعذبتك (٩).\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ٥٥ أ، بنصه.\n(٢) في نسخة (أ)، (ب): يقولون.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ٥٥ أ، بمعناه. قال ابن جرير ١٩/ ١١٧: \"لأنهم لا يصلون إلى استماعه في المكان الذي هو به من السماء\".\n(٤) ذكره الهواري ٣/ ٢٤٢، ولم ينسبه.\n(٥) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٠٣. ونحوه في \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٨٥.\n(٦) ما بين المعقوفين، في نسخة (أ)، (ب). وهو في \"تفسير الوسيط\" ٣/ ٣٦٤.\n(٧) \"تفسير مقاتل\" ٥٥ أ. و\"تنوير المقباس\" ٣١٤. \"تفسير ابن جرير\" ١٩/ ١١٨.\n(٨) ما بين المعقوفين، في نسخة (أ)، (ج).\n(٩) ذكره عن ابن عباس ابن الجوزي ٦/ ١٤٧.","vol":"17","page":137},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3132>٢١٤ </span>- قوله: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ أي: رهطك الأدنين وهم بنوا هاشم وبنوا المطلب خاصة (١)، وهم الأقربون، وهاشم والمطلب أخوان ابنا عبد مناف، قاله مقاتل (٢).\nوقال ابن عباس: أنذِرهم أن لا يتخذوا من دوني ربًّا.\nوقال الكلبي: لما نزلت هذه الآية، صعد رسول الله -ﷺ- الصفا ونادى الأقرب فالأقرب، فخذًا (٣) \"يا آل غالب، يا آل لؤي، يا آل كعب، يا آل مُرَّة، يا آل كلاب، يا آل قصي: لا أملك لكم من الله شيئًا إلا أن تقولوا: لا إله إلا الله، فأنذرهم\" (٤).\nوقال قتادة: قال لبني هاشم لما نزلت هذه الآية: \"ألا إن أوليائي منكم المتقون، ألا فاتقوا النار ولو بشق تمرة\" (٥).\nقال مقاتل: لما نزلت هذه الآية قال النبي -ﷺ-: \"إني أرسلت إلى الناس كافة وأرسلت إليكم يا بني هاشم والمطلب خاصة\" (٦). وقالت عائشة ﵂: لما نزلت: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ قام رسول الله -ﷺ- فقال: \"يا فاطمة بنت محمد، يا صفية بنت عبد المطلب، يا بني عبد المطلب لا أملك لكم من الله شيئًا سلوني من مالي ما شئتم\" (٧).\n_________\n(١) \"الوسيط\" ٣/ ٣٦٤.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ٥٥ أ.\n(٣) في النسخ الثلاث: فخذًا. مرة واحدة. وقد أخرجه مكررًا عبد بن حميد، عن قتادة. \"الدر المنثور\" ٦/ ٣٢٦.\n(٤) \"تفسير الهواري\" ٣/ ٢٤٢، عن الكلبي.\n(٥) أخرجه عبد الرزاق ٢/ ٧٧. وعنه ابن جرير ١٩/ ١٢٢.\n(٦) \"تفسير مقاتل\" ٥٥ أ.\n(٧) أخرجه ابن جرير ١٩/ ١١٨، والترمذي ٥/ ٣١٦، كتاب تفسير القرآن، رقم: ٣١٨٤، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.","vol":"17","page":138},{"text":"وقال أبو هريرة: لما نزلت: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ جعل يدعو بطون قريش بطنًا بطنًا؛ يا بني فلان:\"أنقذوا أنفسكم من النار\" حتى انتهى إلى فاطمة؛ فقال: \"يا فاطمة بنت محمد أنقذي نفسك من النار لا أملك لكم من الله شيئًا غير أن لكم رحمًا سأبلها ببللاها\" (١).\nوروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: صعد رسول الله -ﷺ- على الصفا فقال: \"يا صباحاه (٢) فاجتمعت إليه قريش فقال: أرأيتم لو أخبرتكم أن العدو مصبحكم أو ممسكم أكنتم مصدقي؟ قالوا بلى، قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد\" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3133>٢١٥ </span>- قوله: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قال المفسرون وأهل المعاني: جانِبَك لمن اتبعك من المؤمنين (٤). وذكرنا تفسير خفض\n_________\n(١) عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ لَمَا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ) دَعَا رَسُولُ الله -ﷺ- قُرَيْشًا فَاجْتَمَعُوا فَعَمَّ وَخَصَّ فَقَالَ يَا بَنِي كَعْبِ بْنِ لُؤَيِّ أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ يَا بَنِي مُرَّةَ بنِ كَعْب أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ يَا بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ يَا بَنِي عَبْدِ مَنَاَفٍ أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ يَا بَنِي هَاشِيم أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ يَا فَاطِمَةُ أَنْقِذِي نَفْسَكِ مِنَ النَّارِ فَإِنَي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ الله شَيْئًا غَيْرَ أَنَّ لَكُمْ رَحِمًا سَأَبُلُّهَا بِبَلَالِهَا). أخرجه مسلم ١/ ١٩٢، كتاب الإيمان، رقم: ٢٠٤. وأخرج نحوه البخاري، كتاب التفسير، رقم: ٤٧٧١، الفتح ٨/ ٥٠١. البِلال: الماء، ومعنى الحديث: سأصلها؛ شُبهت قطيعة الرحم بالحرارة، ووصلها بإطفاء الحرارة ببرودة. \"شرح النووي على صحيح مسلم\" ٣/ ٨٠.\n(٢) تقول العرب إذا نَذِرَت بغارة من الخيل تفجؤهم صباحًا: يا صباحاه، يُنذرون الحيَّ أجمع بالنداء العالي. \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٢٦٦ (صبح).\n(٣) أخرجه ابن جرير ١٩/ ١٢٠. وابن أبي حاتم ٩/ ٢٨٢٥.\n(٤) \"تنوير المقباس\" ٣١٤. و\"مجاز القرآن\" ٢/ ٩١. و\"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٤٨٦.","vol":"17","page":139},{"text":"الجناح في سورة بني إسرائيل (١). قال ابن عباس: يريد أكرم من اتبعك من المصدقين بتوحيد الله وألِنْ لهم القول وأظهر لهم المحبة والكرامة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3134>٢١٦ </span>- ﴿فَإِنْ عَصَوْكَ﴾ قال ابن عباس: يريد عشيرتك. وقال مقاتل: يعني بني هاشم وبني المطلب ﴿فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ أي: من الكفر وعبادة غير الله (٢).\nوالآية دليل على أن موالاة المشرك حرام بكل حال؛ ألا ترَى كيف أمر الله رسوله في عشيرته الأقربين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3135>٢١٧ </span>- ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ قال الكلبي: فوض إليه جميع أمرك. وقال مقاتل: ثق باللهِ ﴿الْعَزِيزِ﴾ في نقمته (٣) ﴿الرَّحِيمِ﴾ بهم حين لم يعجل عليهم بالعقوبة (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-3136>٢١٨، ٢١٩ </span>- قوله تعالى: ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (٢١٨) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ أي: للصلاة وإلى الصلاة. قاله ابن عباس والكلبي (٥). وقال مقاتل: حين تقوم وحدك إلى الصلاة (٦). وقال مجاهد: الذي يراك أينما كنت، يعني: يراك حين تقوم أينما كنت (٧).\n_________\n(١) عند قوله تعالى: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ [٢٤].\n(٢) \"تفسيير مقاتل\" ٥٥ أ.\n(٣) \"تنوير المقباس\" ٣١٤.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ٥٥ ب.\n(٥) أخرجه ابن أبي حاتم ٩/ ٢٨٢٧، عن ابن عباس. و\"تنوير المقباس\" ٣١٥. واقتصر في الوجيز ٢/ ٧٩٨، على قول: \"إلى صلاتك\".\n(٦) \"تفسير مقاتل\" ٥٥ ب. وأخرجه ابن أبي حاتم ٩/ ٢٨٢٨، عن الحسن.\n(٧) أخرجه ابن أبي حاتم ٩/ ٢٨٢٨، وأخرج نحوه عن: الضحاك، وعكرمة، وقتادة.","vol":"17","page":140},{"text":"فعلى قول مجاهد: ﴿تَقُومُ﴾ عام في كل شيء قام إليه، وهو الظاهر؛ لأنه بمرأى من الله إلى أي شيء قام (١). وعلى قول الآخرين: هذا القيام يختص بالقيام إلى الصلاة، وفائدته: التنبيه على تعظيم الصلاة، كما يقول القائل لغيره: راقب مَنْ يراك إذا صليت، والله تعالى يراه إذا لم يكن مصليًا.\nقوله: ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ قال مقاتل: يعني: ويرى ركوعك وسجودك وقيامك. وهو التقلب في الساجدين يعني: مع المصلين في الجماعة (٢). والمعنى: يراك إذا صليت وحدك ويراك إذا صليت في الجماعة راكعًا وساجدًا وقائمًا. وهو قول عكرمة، والكلبي، وقتادة، وابن زيد، ورواية عن عطية وعطاء الخراساني، عن ابن عباس (٣)؛كل هؤلاء فسروا التقلب في الساجدين بالتصرف مع المصلين قائمًا وراكعًا وساجدًا، وهو اختيار الفراء؛ قال: تقلبه: قيامه وركوعه وسجوده وقعوده (٤).\nوقال ابن عباس في رواية جويبر، عن الضحاك عنه: ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ في أصلاب الآباء؛ آدم ونوح وإبراهيم. ونحو هذا روى عطاء وعكرمة عنه: ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ يريد: في أصلاب الموحدين من نبي إلى نبي حتى أخرجك. في هذه الآية قال عطاء عنه: ما زال رسول الله -ﷺ-\n_________\n(١) وهذا المعنى أخرجه ابن جرير ١٩/ ١٢٤، عن ابن عباس، من طريق عطاء الخراساني: \"يراك وأنت مع الساجدين تقلب وتقوم وتقعد معهم\".\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ٥٥ ب و\"تنوير المقباس\" ٣١٤. قال مجاهد: \"في المصلين\". \"تفسير مجاهد\" ٢/ ٤٦٦.\n(٣) أخرجه عبد الرزاق ٢/ ٧٧، عن قتادة، وعكرمة وأخرجه ابن حرير ١٩/ ١٢٣، عن ابن عباس، وعكرمة. وذكره الثعلبي ٨/ ١١٨ أ، عن عكرمة، وعطية، وعطاء عن ابن عباس، وقتادة، وابن زيد، ومقاتل والكلبي.\n(٤) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٨٥. واقتصر عليه في الوجيز ٢/ ٧٩٨.","vol":"17","page":141},{"text":"يتقلب في أصلاب الأنبياء حتى ولدته أمه (١).\nوقال الحسن: ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ يعني: ذهابك ومجيئك في أصحابك المؤمنين (٢). وقال مجاهد في هذه الآية: كان النبيﷺ- إذا قام في الصلاة أبصر مَنْ خلفه من الصفوف كما يرى مَنْ بين يديه (٣). وعلى هذا معنى: ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ إبصارك منهم (٤) مَنْ هو خلفك كما تبصر مَن هو أمامك. يدل على هذا ما روى قتادة عن أنس أن رسول الله -ﷺ- قال:\n_________\n(١) \"تنوير المقباس\" ٣١٤. وأخرجه ابن أبي حاتم ٩/ ٢٨٢٨، من طريق عكرمة، وعطاء. وذكره كذلك الثعلبي ٨/ ١١٩ب. قال الطوسي: \"وقال قوم من أصحابنا: إنه أراد تقلبه من آدم إلى أبيه عبد الله في ظهور الموحدين، لم يكن فيهم من يسجد لغير الله\". التبيان للطوسي ٨/ ٦٨. ولم يعترض ابن كثير على ذلك. وهذا يعارضه كون أبوي النبي -ﷺ- كافرين، بدليل: حديث أَنَسٍ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ الله أَيْنَ أَبِي؟ قَالَ: (في النَّارِ فَلَمَّا قَفَّى دَعَاهُ فَقَالَ: إِنَّ أبِي وَأَبَاكَ في النَّارِ) أخرجه مسلم ١/ ١٩١، كتاب الإيمان، رقم: ٢٠٣. وأبو داود ٥/ ٩٠، كتاب السنة، رقم: ٤٧١٨. وحديث أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله -ﷺ-: (اسْتَاذَنْتُ رَبِّي أَنْ أَسْتَغْفِرَ لِأُمِّي فَلَمْ يَأْذَنْ لِي وَاسْتَأْذَنْتُهُ أَنْ أَزُورَ قَبْرَهَا فَأَذِنَ لِي) أخرجه مسلم ٢/ ٦٧١، كتاب الجنائز، رقم: ٩٧٦. وأبو داود ٣/ ٥٥٧، كتاب الجنائز، رقم: ٣٢٣٤.\nوقد رد هذا القول الشنقيطي من وجه آخر فقال: \"في الآية قرينة تدل على عدم صحة هذا القول، وهي قوله تعالى قبله مقترنًا به: ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ﴾ فإنه لم يقصد به أنه يقوم في أصلاب الآباء إجماعًا، وأول الآية مرتبط بآخرها، أي: الذي يراك حين تقوم إلى صلاتك، وحين تقوم من فراشك ومجلسك، ويرى تقلبك في الساجدين، أي: المصلين، على أظهر الأقوال. أضواء البيان ٦/ ٣٨٨.\n(٢) أخرجه ابن جرير ١٩/ ١٢٤، بلفظ: \" ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ قال: في الناس\".\n(٣) \"تفسير مجاهد\" ٢/ ٤٦٦. وأخرجه ابن جرير ١٩/ ١٢٤. وابن أبي حاتم ٩/ ٢٨٢٩. وذكره الهواري ٣/ ٢٤٣، ولم ينسبه.\n(٤) منهم. في نسخة (ج).","vol":"17","page":142},{"text":"\"أتموا الركوع والسجود، فوالله إني لأراكم من بعد ظهري إذا ركعتم وسجدتم\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3137>٢٢٠ </span>- قوله تعالى ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ قال ابن عباس: ﴿السَّمِيعُ﴾ لقولك ﴿الْعَلِيمُ﴾ بما في قلبك من الإيمان واليقين (٢). وقال مقاتل: ﴿السَّمِيعُ﴾ لما قالوا حين دعوه إلى دين آبائه ﴿الْعَلِيمُ﴾ بذلك.\nثم قال لكفار مكة (٣):\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3138>٢٢١ </span>- ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ﴾ ثم أنبأ فقال (٤):\n<span data-type=\"title\" id=toc-3139>٢٢٢ </span>- ﴿تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾ قال ابن عباس: كل كذاب فاجر (٥). قال الكلبي: مثل مسيلمة وطليحة (٦). وكان لكل كاهن منهم تابع من الجن يأتيه بما يستمع من السماء.\n_________\n(١) أخرجه البخاري، كتاب الصلاة، رقم: ٤١٩، \"الفتح\" ١/ ٥١٤. ومسلم ١/ ٣١٩، كتاب الصلاة، رقم: ٤٢٥. وهذا الحديث يدل على صحة المعنى الذي ذكره مجاهد، لكنه لا يدل على أن المراد من الآية هو هذا التفسير، والنَه أعلم. قال ابن عطية ١١/ ١٥٩، عن هذا القول:\"وهذا معنى أجنبي هنا\". ولم يرجح الواحدي شيئًا من هذه الأقوال، ولعل الأقرب ما رجحه ابن جرير ١٩/ ١٢٥، من أن المراد: يرى تقلبك مع الساجدين في صلاتك معهم. والله أعلم.\n(٢) قال الثعلبي ٨/ ١١٨ ب: \" ﴿السَمِيعُ﴾ لقراءتك ﴿الْعَلِيمُ﴾ بعملك\".\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ٥٥ ب.\n(٤) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٠٤.\n(٥) \"تفسير مجاهد\" ٢/ ٤٦٧، ولفظه:\"كذابًا من الناس\". وقال مقاتل ٥٥ ب: \"يعني: كذاب\".\n(٦) \"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١١٨ب، بنصه، منسوبًا لمقاتل. وفي \"تفسير مقاتل\" ٥٥ ب: \"منهم مسيلمة الكذاب، وكعب ابن الأشرف\". وهو في \"تنوير المقباس\" ٣١٥، بلفظ: فاجر كاهن وهو مسيلمة الكذاب وطلحة. فلعل: طلحة تصحيف: طليحة. يراجع للتعريف بهما.","vol":"17","page":143},{"text":"وقال قتادة: هم الكهنة تسترق الجن السمع ثم يأتون (١) إلى أوليائهم من الإنس (٢). وقال أبو إسحاق: قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ثم قال: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾ ثم قال: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ﴾ كالمتصل بهذا. ثم أعلم أن الشياطين على من تنزل فقال: ﴿تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾ (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3140>٢٢٣ </span>- قوله: ﴿يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ﴾ أي: يلقون ما سمعوه إلى الكهنة (٤).\nوقال الفراء: يلقون إلى كهنتهم السمع الذي سمعوا ﴿وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ﴾ (٥)؛ لأنهم يخلطون به كذبًا كثيرًا. وهذا كان قبل أن أوحي (٦) إلى النبي -ﷺ- وبعد ذلك: ﴿فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا﴾ [الجن: ٩].\nقال الكلبي: يستمعون إلى السماء فيأتون بما استمعوا إلى كهنتهم (٧).\n_________\n(١) في نسخة (ج): يلقون.\n(٢) أخرجه عبد الرزاق ٢/ ٧٨. وعنه ابن جرير ١٩/ ١٢٥. ويشهد له حديث عَائِشَةَ ﵂: سَأَلَ أُنَاسٌ النَّبِىَّ -ﷺ- عَنِ الْكُهَّانِ فَقَالَ: (إنَّهُمْ لَيْسُوا بِشَىْءٍ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ الله فَإِنَهُمْ يُحَدِّثُونَ بِالشَّىْءِ يَكُونُ حَقَّا قَالَ: فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: تِلْكَ الْكَلِمَةُ مِنَ الْحَقِّ يَخْطَفُهَا الْجِنِّيُّ فَيُقَرْقِرُهَا في أُذُنِ وَليِّهِ كَقَرْقَرَةِ الدَّجَاجَةِ فَيَخْلِطُونَ فِيهِ أَكْثَرَ مِنْ مِائَةِ كذْبَةٍ) أخرجه البخاري، كتاب التوحيد، رقم: ٧٥٦١، الفتح ١٣/ ٥٣٥. ومسلم ٤/ ١٧٥٠، كتاب السلام، رقم: ٢٢٢٨.\n(٣) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٠٤.\n(٤) قال مجاهد: \"الشيطان ما سمعه ألقاه ﴿عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾ \". \"تفسير مجاهد\" ٢/ ٤٦٧. وأخرج نحوه ابن جرير ١٩/ ١٢٦.\n(٥) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٨٥.\n(٦) هكذا في جميع النسخ.\n(٧) \"تنوير المقباس\" ٣١٥.","vol":"17","page":144},{"text":"وقال مقاتل: إن الله تعالى إذا أراد أمرًا في الأرض عَلِم به أهل السموات من الملائكة، فتكلموا به، فتسمع الشياطين، وترميهم الملائكة بالشهب، فيخطفون الخطْفة، فذلك قوله: ﴿يُلْقُونَ السَّمْعَ﴾ قال: معناه: يلقون بآذانهم إلى كلام الملائكة (١).\nوهذا التفسير غير الأول في: ﴿يُلْقُونَ السَّمْعَ﴾ (٢) ويشهد لهذا قوله: ﴿أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق: ٣٧] ومعناه: استمع. وقال في قوله: ﴿وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ﴾ يعني: الشياطين حين يخبرون الكهنة أنه يكون في الأرض كذا وكذا (٣).\nوذكر صاحب النظم قولًا آخر في: ﴿يُلْقُونَ السَّمْعَ﴾؛ وهو أنه قال: يعني (كل أفاك أثيم) وأخرج فعلهم مخرج الجماعة؛ لأن قوله: (كل أفاك) يتضمن الجمع، أي: يستمعون إلى الشياطين. وعلى هذا قوله: ﴿يُلْقُونَ السَّمْعَ﴾ من صفة: (كل أفاك أثيم).\nقال: وقوله: ﴿وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ﴾ أي: الشياطين يخبرونهم بالكذب وهم يسمعون منهم فيقصون به، فجاء قوله: ﴿يُلْقُونَ السَّمْعَ﴾ وقوله: (كاذبون) كالمتصل بعضها ببعض وهما مختلفان لاختلاف الأسماء فيهما؛ يعني: أن قوله: ﴿يُلْقُونَ السَّمْعَ﴾ من صفة الكهنة، وقوله: ﴿وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ﴾ من صفة الشياطين (٤).\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ٥٥ ب.\n(٢) هكذا في نسخة (ج): في: يلقون السمع. وفي: (أ)، (ب): ويلقون السمع.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ٥٥ ب.\n(٤) وذهب إلى هذا ابن قتيبة، فقال في \"غريب القرآن\" ٣٢١: \" ﴿يُلْقُونَ السَّمْعَ﴾ يسترقونه\".","vol":"17","page":145},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3141>٢٢٤ </span>- قوله تعالى: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ (١) الشعراء جمع الشاعر، يقال: شَعَر يشعُر شِعرًا، وشِعرة إذا علم (٢)، والشعر: القَريض المحدود بعلامات لا يُجاوزها، وقائله شاعر؛ لأنه يَشعُر [ما لا يَشعُر] (٣) غيره (٤). وجمعه شعراء مثل: جاهل وجهلاء، وعالم وعلماء (٥).\n_________\n(١) عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ قَالَ: (وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبعُهُمُ الْغَاوُونَ) فَنَسَخَ مِنْ ذَلِكَ وَاسْتَثْنَى فَقَالَ: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾. أخرجه أبو داود ٥/ ٢٨٠، كتاب الأدب، رقم: ٥٠١٦. وذكر ابن تيمية -﵀- حكمة جيدة لذكر الحديث عن الشعراء في هذه السورة، بعد ذكر قصص من سبق من الأنبياء، فقال: \"فذكر الفرق بينه وبين من قال: تنزل عليه الشياطين، من الكهان، والمتنبئين ونحوهم، وبين الشعراء؛ لأن الكاهن قد يخبر بغيب بكلام مسجوع، والشاعر أيضًا يأتي بكلام منظوم يحرك به النفوس، فإن قرين الشيطان مادته من الشيطان، ويعين الشيطان بكذبه وفجوره، والشاعر مادته من نفسه، وربما أعانه الشيطان، فأخبر أن الشياطين إنما تنزل على من يناسبها، وهو الكاذب في قوله، الفاجر في عمله، بخلاف الصادق البر، وأن الشعراء إنما يحركون النفوس إلى أهوائها فيتبعهم الغاوون، وهو الذين يتبعون الأهواء وشهوات الغي، فنفى كلًا منهما بانتفاء لازمه، وبين ما تجتمع فيه من شياطين الإنس والجن\". تفسير آيات أشكلت ٢/ ٧٢٧.\n(٢) هكذا في جميع النسخ: شعرًا وشعرة. وفي \"تهذيب اللغة\" ١/ ٤٢٠: شَعرًا، وشِعرًا.\n(٣) ما بين المعقوفين، في نسخة (أ)، (ب).\n(٤) \"تهذيب اللغة\" ١/ ٤٢٠ (شعر).\n(٥) قال الشافعي: \"الشعر: كلام منظوم بمنزلة المنثور من الكلام، فحسنه حسن، وقبيحه قبيح، فإذا قال الرجل شعرًا وفيه رفث، وفحش سقطت عدالته، وإذا قال شعرًا فيه الغزل الذي ليس بمكروه، أو مَدَح رجلًا قُبلت عدالته\". \"إعراب القراءات السبع وعللها\" ٢/ ١٤٢.","vol":"17","page":146},{"text":"قال ابن عباس: يريد: المشركين ﴿يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ من الشياطين (١). قولى: يريد المشركين، يعني: الشعراء المشركين.\nوقد ذكر مقاتل أسماءهم؛ فقال: منهم: عبد الله بن الزَّبَعرى السهمي، وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، وهبيرة بن أبي وهب المخزومي، ومُسافع بن عبد مناف الجُمحي، وأبو عزة عمرو بن عبد الله، كلهم من قريش، وأمية بن أبي الصلت الثقفي، تكلموا بالكذب والباطل وقالوا: نحن نقول مثل قول محمد، وقالوا: الشعر، واجتمع إليهم غواة من قومهم (٢) يسمعون أشعارهم، ويروون عنهم حين يهجون النبي -ﷺ- وأصحابه (٣).\nوقال عكرمة: تهاجا شاعران في الجاهلية مع كل واحد فئام (٤) من الناس فقال الله ﷿: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ وهما ذانك الشاعران (٥). وهذا قول الضحاك في سبب النزول، وقال: الغواة: السفهاء (٦).\n_________\n(١) أخرجه ابن جرير ١٩/ ١٢٧.\n(٢) في نسخة (أ)، (ب): قولهم.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ٥٥ ب.\n(٤) الفئام من الناس: الجماعة. \"تهذيب اللغة\" ١٥/ ٥٧٢ (فأم).\n(٥) أخرجه ابن أبي حاتم ٩/ ٢٨٣٢.\n(٦) أخرج ابن جرير ١٩/ ١٢٧، بلفظ: \"كان رجلان على عهد رسول الله -ﷺ- أحدهما من الأنصار، والآخر من قوم آخرين\". وذكره كذلك الثعلبي ٨/ ١١٨ ب. وفي كون ذلك حدث بعد الهجرة إشكال من ناحية كون هذه السورة مكية. قال ابن كثير ٦/ ١٧٥: \"ولكن هذه السورة مكية، فكيف يكون سبب نزول هذه الآية في شعراء الأنصار؟ في ذلك نظر، ولم يتقدم إلا مُرسلاتٌ لا يعتمد عليها، والله أعلم، ولكن هذا الاستثناء يدخل فيه شعراء الأنصار وغيرهم\".","vol":"17","page":147},{"text":"وهي رواية العوفي عن ابن عباس (١).\nوقال عكرمة، والشعبي: ﴿الْغَاوُونَ﴾ عصاة الجن (٢). وهو معنى قول ابن عباس في رواية ابن بريدة؛ قال: هم الشياطين (٣). وهو قول قتادة، ومجاهد: ﴿الْغَاوُونَ﴾ الشياطين (٤).\nوروى عكرمة عنه: ﴿الْغَاوُونَ﴾ الرواة (٥). وهو قول الكلبي، قال: الرواة الذين يروون هِجاء النبي -ﷺ-، وكانو ينحرون لهم الجُزُر (٦).\nوقال الفراء: نزلت في ابن الزبعرى وأشباهه؛ لأنهم كانوا يهجون النبي -ﷺ- والمسلمين (٧) يتبعهم غواتهم الذين كانوا يرون سب النبي -ﷺ- (٨).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3142>٢٢٥ </span>- قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ﴾ قال أبو عبيد: رجل هائم وهيوم وهو الذاهب على وجهه (٩). وأنشد:\n_________\n(١) أخرجه ابن جرير ١٩/ ١٢٧، عن ابن عباس، وعكرمة. وابن أبي حاتم ٩/ ٢٨٣٣. وذكره الثعلبي ٨/ ١١٨ ب.\n(٢) أخرجه ابن جرير ١٩/ ١٢٧، وابن أبي حاتم ٩/ ٢٨٣١، عن عكرمة.\n(٣) أخرجه الثعلبي ٨/ ١١٨ ب، بسنده عن ابن بريدة عن ابن عباس.\n(٤) \"تفسير مجاهد\" ٢/ ٤٦٧. وأخرجه ابن جرير ١٩/ ١٢٧. وأخرجه عبد الرزاق ٢/ ٧٨، عن قتادة، وعنه ابن جرير ١٩/ ١٢٧.\n(٥) أخرجه ابن جرير ١٩/ ١٢٦، وابن أبي حاتم ٩/ ٢٨٣١. وذكره الثعلبي ٨/ ١١٨ب.\n(٦) \"تنوير المقباس\" ٣١٥، بلفظ: الراوون يروون عنهم.\n(٧) والمسلمين، في نسخة (أ)، (ب). وهو موافق لما عند الفراء.\n(٨) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٨٥. قال ابن جرير ١٩/ ١٢٧: \"وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، أن يقال: إن شعراء المشركين يتبعهم غواة الناس، ومردة الشياطين، وعصاة الجن، وذلك أن الله عَمَّ بقوله: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ فلم يخصص بذلك بعض الغواة دون بعض\".\n(٩) \"تهذيب اللغة\" ٦/ ٤٦٧ (هام)، من كلام أبي عبيد، دون ذكر البيت. وفي \"مجاز=","vol":"17","page":148},{"text":"إلا طرقت مي هُيومًا بذكرها (١)\nيقال: هام يهيم هُيومًا وهَيَمامًا وهَيْمًا (٢).\nقال ابن عباس: في كل فنٍّ من الكذب يتكلمون (٣).\nوقال مجاهد: في كل فنٍّ يفتنون (٤).\nوقال مقاتل: في كل فنٍّ يأخذون (٥). وعن ابن عباس أيضًا في كل لغوٍ يخوضون (٦).\nوقال قتادة: يمدحون بباطل ويشتمون بباطل (٧). فالوادي مثلٌ لفنون الكلام وأساليبه، وهيمانهم فيه: خوضهم، وقولهم على الحيرة والجهل بما يقولون من لغو وباطل وغلو في مدح أو ذم (٨).\n_________\n= القرآن\" ٢/ ٩١: \"الهائم: هو المخالف للقصد الجائر عن كل حق، وخير\". \"لأن من أتبع الحق، وعلم أنه يكتب عليه قوله تثبت، ولم يكن هائمًا يذهب على وجه لا يبالي ما قال\". \"إعراب القرآن\" للنحاس ٣/ ١٩٦. وكتبت خطأ في النسخ الثلاث: أبو عبيدة.\n(١) شطر بيت نسب لذي الرمة، وعجزه:\nوأيدي الثريا جنح في المغارب\n(٢) قال أبو عبيد: وقد هام يهيم هُيامًا. \"تهذيب اللغة\" ٦/ ٤٦٧ (هاما).\n(٣) أخرجه ابن أبي حاتم ٩/ ٢٨٣٣، بلفظ: \"في كل فن من الكلام يأخذون\".\n(٤) \"تفسير مجاهد\" ٢/ ٤٦٧. وأخرج ابن جرير ١٩/ ١٢٨\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ٥٥ ب.\n(٦) ذكره البخاري تعليقًا، كتاب الأدب. الفتح ١٠/ ٥٣٧. ووصله ابن جرير ١٩/ ١٢٨، وابن أبي حاتم ٩/ ٢٨٣٣، من طريق علي بن أبي طلحة.\n(٧) أخرجه عبد الرزاق ٢/ ٧٨. وعنه ابن جرير ١٩/ ١٢٨. وأخرجه ابن أبي حاتم ٩/ ٢٨٣٣.\n(٨) \"تفسير هود الهواري\" ٣/ ٢٤٤، بمعناه.\nوقد ورد في السنة ذم الشعر، والتحذير من الإلتهاء به، في حديث ابْنِ عُمَرَ رضي =","vol":"17","page":149},{"text":"وقال ابن الأعرابي: قال بعضهم: هو وادي الصحراء يخلو فيه العاشق والشاعر [يتفرجان فيه]. قال: ويقال هو وادي الكلام (١). والله أعلم. وقال الزجاج: ليس يعني أودية الأرض إنما هو مثل لقولهم وشعرهم (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3143>٢٢٦ </span>- قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ﴾ قال مقاتل: يقولون: فعلنا وفعلنا وهم كذبة (٣).\n_________\n= الله عنهمَا عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"لَأنْ يَمْتَلِئَ جَوْفُ أَحَدِكُمْ قَيْحًا خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمْتَلِئَ شِعْرًا\". أخرجه البخاري، كتاب الأدب، رقم: ٦١٥٤، الفتح ١٠/ ٥٤٨. ومسلم ٤/ ١٧٦٩، كتاب الشعر، رقم: ٢٢٥٨.\nوهذا محمول على الشعر الباطل، ويدل لذلك حديث عَائِشَةَ أَن رَسُولَ الله -ﷺ- قَالَ: \"اهْجُوا قُرَيْشًا فَإِنَّهُ أَشَدُّ عَلَيْهَا مِنْ رَشْقٍ بِالنَّبْلِ\" فَأَرْسَلَ إِلَى ابْنِ رَوَاحَةَ فَقَالَ اهْجُهُمْ فَهَجَاهُمْ فَلَمْ يُرْضِ فَأَرْسَلَ إِلَى كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ثُمِّ أَرْسَلَ إِلَى حَسَّانَ بْنٍ ثَابِتٍ فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ قَالَ حَسَّانُ قَدْ آنَ لَكُمْ أَنْ تُرْسِلوا إِلَى هَذَا الْأَسَدِ الضَّارِب بِذنَبِهِ ثُمَّ أَدْلَعَ لِسَانَهُ فَجَعَلَ يُحَرِّكُهُ فَقَالَ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَق لَأَفْرِيَنَّهُمْ بِلِسَانِي فَرْيَ الْأَدِيمِ فَقَالَ رَسُولُ الله -ﷺ-:\"لاَ تَعْجَلْ فَإِنَ أَبَا بَكْرٍ أَعْلَمُ قُرَيْشٍ بِأَنَسَابِهَا وإِن لِي فِيهِمْ نَسَبًا حَتَّى يلَخِّصَ لَكَ نَسَبِي\"\nفَأَتَاهُ حَسِّانُ ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله قَدْ لَخَّصَ لِي نَسَبَكَ وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَأَسُلِّنَّكَ مِنْهُمْ كَمَا تُسَلُّ الشَّعْرَةُ مِنَ الْعَجِينِ قَالَتْ عَائِشَةُ فَسَمِعْتُ رَسُولَ الله -ﷺ- يَقُولُ لِحَسَّانَ: \"إِنَ رُوحَ الْقُدُسِ لاَ يَزَالُ يُؤَيِّدُكَ مَا نَافَحْتَ عَنِ الله وَرَسُولِهِ\" وَقَالَتْ سَمِعْتُ رَسُولَ الله -ﷺ- يَقُولُ \"هَجَاهُمْ حَسَّانُ فَشَفَى وَاشْتَفَى\".\nأخرجه مسلم ٤/ ١٩٣٥، كتاب: \"فضائل الصحابة، رقم: ٢٤٩٠. وأصله في البخاري، كتاب الأدب، رقم: ٦١٥٣، \"الفتح\" ١٠/ ٥٦٤.\n(١) \"تهذيب اللغة\" ٦/ ٤٧٧ (هام)، دون قوله: يتفرجان فيه. واقتصر على هذا القول ابن قتيبة، \"غريب القرآن\" ٣٢١، ولم ينسبه.\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٠٤.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ٥٥ ب. ١٠٤.","vol":"17","page":150},{"text":"وقال أبو إسحاق: هذا دليل على تكذيبهم في قولهم. يعني: أن الله كذبهم فيما يقولون ثم استثنى شعراء المسلمين فقال (١):\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3144>٢٢٧ </span>- ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ قال مقاتل والكلبي: هم عبد الله بن رواحة، وكعب بن مالك، وحسان بن ثابت، وسائر شعراء المسلمين (٢).\nوقال ابن عباس: استثنى شعراء المهاجرين والأنصار (٣).\nوقال أبو إسحاق: هم الشعراء الذين مدحوا رسول الله -ﷺ- وردوا هجاءه، وهجاء المسلمين (٤).\nقوله: ﴿وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ أي: لم يشغلهم الشعر عن ذكر الله ﷿، ولم يجعلوا الشعر همهم (٥).\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٠٥. و\"تفسير مقاتل\" ٥٥ ب. و\"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٨٥، كلاهما من قوله: \"ثم استثنى\". وأخرجه بإسناده النحاس عن ابن عباس، الناسخ والمنسوخ ٢/ ٥٧٢.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ٥٥ ب. وقال مجاهد: \"ابن رواحة، وأصحابه\". \"تفسير مجاهد\" ٢/ ٤٦٧ وأخرجه ابن أبي حاتم ٩/ ٢٨٣٤، عن ابن عباس، من طريق الضحاك. وأخرجه عنه أيضًا النحاس، الناسخ والمنسوخ ٢/ ٥٧١.\n(٣) أخرجه ابن جرير ١٩/ ١٢٩، ولفظه: \"ثم استثنى المؤمنين منهم، يعني: الشعراء\".\n(٤) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٠٥.\n(٥) في نسخة (ج): همتهم. \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٠٥. بنصه. فعلى هذا إما أن يراد: ذكروا الله كثيرًا، في كلامهم، على وجه العموم، أو: ذكروا الله كثيرًا في شعرهم، وقد أخرج ابن جرير القول الأخير عن ابن زيد. وهذا القول يدل على ضرورة أن يتميز الشاعر المؤمن بكثرة ما يورد في شعره من ذكر الله تعالى، والدعوة إليه. والله أعلم.","vol":"17","page":151},{"text":"﴿وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا﴾ قال مقاتل: وانتصروا من المشركين (١)؛ لأن المشركين بدؤوا بالهجاء (٢).\nوقال عطاء عن ابن عباس: يريد إخراج المشركين إياهم من مكة وبيعهم دورهم. وعلى هذا الظلم الذي نالهم ليس الهجاء، إنما هو: ما ذكره من الإخراج عن المنزل وبيع المساكن، وانتصارهم منهم: هجاؤهم إياهم (٣). ومَنْ أحق بأن يُهجَى (٤) ممن كذب الرسول -ﷺ- وهجاه (٥).\nقال مقاتل: ثم أوعد شعراء المشركين فقال: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ يعني: أشركوا (٦).\nوقال الكلبي: هجوا النبي -ﷺ- (٧).\nوقال ابن عباس: ﴿ظُلِمُوا﴾ المهاجرين وأخرجوهم من ديارهم. وعلى هذا هو عام في مشركي مكة؛ وهو الأولى.\n﴿أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ قال ابن عباس: يريد إلى جهنم والسعير.\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ٥٦ أ.\n(٢) \"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٤٨٧.\n(٣) \"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٤٨٧، بمعناه، ولم ينسبه. أخرج ابن جرير ١٩/ ١٣٠، عن ابن عباس، من طريق علي بن أبي طلحة قال: (يردون على الكفار الذين كانوا يهجون المؤمنين).\n(٤) في نسخة (أ)، زيادة: نالهم ليس الهجاء إنما هو ما ذكره من إلا. والكلام مستقيم بدونها.\n(٥) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٠٥، بنصه.\n(٦) \"تفسير مقاتل\" ٥٦ أ.\n(٧) \"تنوير المقباس\" ص ٣١٥، وذكره عنه السمرقندي ٢/ ٤٨٧، بلفظ: (هجوا المشركين).","vol":"17","page":152},{"text":"وقال أبو إسحاق: عني أنهم ينقلبون إلى نار جهنم مخلدون فيها، وأيَّ: منصوبة بقوله: ﴿يَنْقَلِبُونَ﴾ لا بقوله: ﴿وَسَيَعْلَمُ﴾ لأن أيًا، وسائر أسماء الاستفهام لا يعمل فيها ما قبلها (١).\nوهذا مما تقدم الكلام فيه في مواضع من هذا الكتاب (٢).\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٠٥.\n(٢) راجع الإسراء: ١١٠ ﴿أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ والكهف: ١٢ ﴿أَيُّ الْحِزْبَيْنِ﴾.","vol":"17","page":153},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3145>سورة النمل</span>","vol":"17","page":155},{"text":"تفسير سورة النمل <span data-type=\"title\" id=toc-3146>(١)</span>\n١ - (طس) قال ابن عباس: هو اسم من أسماء الله ﷿، أقسم الله به (٢).\n_________\n(١) سورة النمل مكية، وهي ثلاث وتسعون آية. \"تفسير مقاتل\" ٥٦ ب. و\"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١١٩ ب. و\"تفسير هود الهواري\" ٣/ ٢٤٦، دون ذكر العدد. والوسيط ٣/ ٣٦٨. ولم يقع خلاف في مكيتها. \"تفسير القرطبي\" ١٣/ ١٥٤، وأبي حيان ٧/ ٥١. وحكى ابن الجوزي ٦/ ١٥٣، الإجماع على ذلك. وسماها أبو بكر بن مجاهد: سورة سليمان. \"السبعة في القراءات\" ٤٧٨. وذكر ابن عاشور ١٩/ ٢١٥، عن ابن العربي، في أحكام القرآن، أنها تسمى سورة: الهدهد، ولكني لم أجده عنده. ثم قال: ووجه الأسماء الثلاثة أن لفظ: النمل، ولفظ: الهدهد، لم يذكرا في سورة من القرآن غيرها، وأما تسميتها: سليمان؛ فلأن ما ذكر فيها من ملك سليمان مفصلًا لم يذكر مثله في غيرها. وذكر الألوسي ١٩/ ١٥٤، الخلاف في مدنية بعض آياتها. قال المهايمي: سميت سورة النمل لاشتمالها على مقالتها، الدالة على علم الحيوان بنزاهة الأنبياء وأتباعهم، عن ارتكاب المكاره عمدًا. وهو مما يوجب الثقة بهم، وهو من أعظم مقاصد القرآن. \"تفسير المهايمي\" ٢/ ٩٩.\nوذكر الواحدي، في \"الوسيط\" ٣/ ٣٦٨، حديث أبي بن كعب في فضل هذه السورة، وهو حديث موضوع. تخريج الزيلعي للكشاف ٣/ ٢٣. و\"الفتح السماوي\" ٢/ ٨٩٢. وقد سبق الحديث عنه في أول سورة الفرقان.\n(٢) أخرجه ابن جرير ١٩/ ١٣١، وابن أبي حاتم ٩/ ٢٨٣٨، من طريق علي بن أبي طلحة. وذكره الثعلبي ٨/ ١٢٠. وفي \"تنوير المقباس\" ٣١٥: ط، طوله، وسين، سناؤه، ويقال: قسم أقسم به.","vol":"17","page":157},{"text":"وقال قتادة: إنه اسم من أسماء القرآن (١).\n\nقوله تعالى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ﴾ تفسيره قد تقدم في أوائل سور <span data-type=\"title\" id=toc-3147>(٢)</span>.\n٢ - وقوله: ﴿هُدًى﴾ قال أبو إسحاق: يجوز أن يكون ﴿هُدًى﴾ في موضع نصب على الحال، المعنى: تلك آيات الكتاب هاديةً ومبشرةً، ويجوز أن يكون في موضع رفع من جهتين؛ أحدهما: على إضمار: هو هدى، وإن شئت على البدل من آيات؛ على معنى: تلك هدى وبشرى. قال: وفي الرفع وجه ثالث، وهو حسن؛ على أن يكون خبرًا بعد خبر، وهما جميعًا خبرٌ لتلك، كقولهم: هو حلو حامض، أي: قد جمع الطعمين، فيكون خبر (تِلْكَ): (آيَتُ) (٣) و: (هُدًى) أيضًا فتجمع أنها آيات، وأنها هادية ومبشرة (٤).\nقال ابن عباس ومقاتل والكلبي: بيان من الضلالة لأولياء الله، ولمن عمل به، وبشرى (٥) بما فيه من الثواب للمصدقين بالقرآن أنه من عند الله، وبالجنة لمن آمن بمحمد ﵇. ثم نعتهم فقال (٦): ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾.\n_________\n(١) أخرجه عبد الرزاق ٢/ ٧٩. وذكر الواحدي، في \"الوسيط\" ٣/ ٣٦٨، عن مجاهد: هو من الحروف المقطعة، التي هي فواتح يفتح الله بها القرآن، وليست من أسماوئه. وذكر البرسوي ٦/ ٣١٨، تأويلات باطلة لهذه الحروف.\n(٢) سبق ذكر ما أحال عليه الواحدي في أول سورة الشعراء.\n(٣) آيات. سقط من نسخة: (أ)، (ب).\n(٤) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٠٧.\n(٥) (وبشرى) ساقطة من نسخة (أ)، (ب).\n(٦) \"تفسير مقاتل\" ٥٦ ب.","vol":"17","page":158},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3148>٤ </span>- قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ لا يصدقون بالبعث (١) ﴿زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ﴾ قال ابن عباس ومقاتل: يعني: ضلالتهم حتى رأوها حسنة (٢). وفي هذا تكذيب للقدرية حيث أضاف الله تزيين القبيح لهم إلى نفسه (٣).\nوقال أبو إسحاق: أي: جعلنا جزاءهم على كفرهم أن زينا لهم ما هم فيه (٤) ﴿فَهُمْ يَعْمَهُونَ﴾ يترددون فيها متحيرين <span data-type=\"title\" id=toc-3149>(٥)</span>.\n٥ - ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذَابِ﴾ شدة العذاب (٦). وقال ابن عباس:\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ٥٦ ب. و\"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٤٨٩.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ٥٦ ب.\n(٣) قال ابن كثير ٦/ ١٧٨: أي: حسنا لهم ما هم فيه، ومددنا لهم في غيهم فهم يتيهون في ضلالهم. وذكر الزمخشري ٣/ ٣٣٧، أن إسناد التزيين إلى الله تعالى هنا مجاز، وإسناده إلى الشيطان في قوله تعالى: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾ حقيقة. قال أبو حيان ٧/ ٥٢: وهذا تأويل على طريق المجاز. قال البقاعي ١٤/ ١٢٧: والإسناد إليه سبحانه حقيقي، عند أهل السنة؛ لأنه الموجد الحقيقي، وإلى الشيطان مجاز سببي.\n(٤) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٠٨. قال البرسوي ٦/ ٣١٩: حيث جعلناها مشهاة للطبع محبوبة للنفس، كما ينبئ عنه قوله ﵊:\"حفت النار بالشهوات\" أي: جعلت محفوفة ومحاطة بالأمور المحبوبة المشتهاة. واعلم أن كل مشيئة وتزيين وإضلال ونحو ذلك منسوبة إلى الله تعالى بالأصالة، وإلى غيره بالتبعية. والحديث، أخرجه مسلم ٤/ ٢١٧٤، كتاب الجنة وصفة نعيمها، رقم: ٢٨٢٣، والترمذي ٤/ ٥٩٨، كتاب صفة الجنة، رقم: ٢٥٥٩.\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ٥٦ ب. قال مجاهد: فهم في ضلالهم يترددون، \"تفسير مجاهد\" ٢/ ٤٦٩. وأخرج ابن أبي حاتم ٩/ ٢٨٤١، عن ابن عباس: في كفرهم يترددون.\n(٦) \"تنوير المقباس\" ٣١٥. و\"تفسير مقاتل\" ٥٦ ب. و\"تفسير هود الهواري\" ٣/ ٢٤٦. و\"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٤٨٩.","vol":"17","page":159},{"text":"أشد العذاب (١).\nقال مقاتل والكلبي: يعني في الآخرة (٢).\nوقال غيرهما: يعني في الدنيا؛ وهو القتل والأسر ببدر (٣).\n﴿وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ﴾ قال ابن عباس: خسروا أنفسهم وأهليهم، وقرنوا بالشياطين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3150>٦ </span>- ﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ﴾ قال مجاهد ومقاتل: لتؤتى بالقرآن (٤).\nوقال السدي: يلقى عليك الوحي (٥).\nوقال الكلبي: لتعطى القرآن (٦). ومضى تفسير التلقية والتلقي عند قوله: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ﴾ [البقرة: ٣٧] (٧).\nقال أبو إسحاق: أي يُلقى إليك القرآن وحيًا من عند الله ﷿ أنزله بعلمه وحكمته (٨).\n_________\n(١) \"تفسير الوسيط\" ٣/ ٣٦٨، ولم ينسبه.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ٥٦ ب. و\"تنوير المقباس\" ٣١٥.\n(٣) ذكره ابن جرير ١٩/ ١٣٢،ولم ينسبه.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ٥٦ ب.\n(٥) أخرجه ابن أبي حاتم ٩/ ٢٨٤٢. واقتصر على هذا القول في تفسيره الوسيط ٣/ ٣٦٨، و\"الوجيز\" ٢/ ٧٩٩.\n(٦) \"تنوير المقباس\" ٣١٥، بلفظ: ينزل عليك جبريل بالقرآن. أخرج ابن أبي حاتم ٩/ ٢٨٤١، عن قتادة: لتأخذ القرآن.\n(٧) قال الواحدي في تفسير هذه الآية: التلقي في اللغة معناه: الاستقبال، ومنه الحديث: (أنه نهى عن تلقي الركبان) قالوا معناه. الاستقبال، الليث يقول: خرجنا نتلقى الحاج؛ أي: نستقبلهم، وفي حديث آخر: (لا تتلقوا الركبان والأجلاب) هذا معنى التلقي في اللغة.\n(٨) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٠٨.","vol":"17","page":160},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3151>٧ </span>- قوله: ﴿إِذْ قَالَ مُوسَى﴾ قال الزجاج: موضع (إِذْ) نصب، المعنى: اذكر ﴿إِذْ قَالَ مُوسَى﴾ أي: اذكر قصته (١).\nوقوله: (لأَهْلِهِ) قال مقاتل: لامرأته (٢) ﴿إِنِّي آنَسْتُ نَارًا﴾ مفسر في سورة: طه (٣).\n﴿سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ﴾ أين الطريق، أي: بخبر عن الطريق؛ وقد كان تَحيَّر، وترك الطريق. قاله ابن عباس ومقاتل (٤) (أَوْءَاتِيكُم) أي: فإن لم أجد أحدًا يخبرني عن الطريق ﴿آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ﴾ (٥).\nقال ابن السكيت: الشهاب: العود الذي فيه نار (٦).\nوقال أبو الهيثم: الشهاب: أصل خشبة فيها نار ساطعة (٧).\nوقال الليث: الشهاب شُعلةٌ نارٍ ساطعة، والجمعُ: الشُّهب والشُّهبان (٨).\nوقال الزجاج: كل أبيض ذي نور فهو شهاب (٩).\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٠٨.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ٥٦ ب.\n(٣) عند قوله تعالى: ﴿إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا﴾ رقم: ١٠.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ٥٦ ب. وأخرجه ابن أبي حاتم ٩/ ٢٨٤٢، عن ابن عباس. وذكره عنه الماوردي ٤/ ١٩٤.\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ٥٦ ب.\n(٦) \"تهذيب اللغة\" ٦/ ٨٨ (شهب).\n(٧) \"تهذيب اللغة\" ٦/ ٨٨ (شهب). و\"تفسير الوسيط\" ٣/ ٣٦٩، ولم ينسبه.\n(٨) \"العين\" ٣/ ٤٠٣ (شهب)، ونقله الأزهري، \"تهذيب اللغة\" ٦/ ٨٧ (شهب).\n(٩) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٠٨. و\"إعراب القراءات السبع وعللها\" ٢/ ١٤٣.","vol":"17","page":161},{"text":"ويدخل في هذا النجم والنار والسنان (١)، وقد استعمل الشهاب في هذا كله.\nوقال أبو علي: الذي قاله أبو إسحاق لا أدري أقاله رواية أم استدلالًا (٢). وتفسير القبس قد سبق في سورة طه (٣).\nوقرئ قوله: ﴿بِشِهَابٍ قَبَسٍ﴾ بالتنوين، وبالإضافة (٤)، قال أبو إسحاق: فَمَنْ نَوَّن جعل قبس من صفة الشهاب (٥). ومن أضاف؛ فقال الفراء: هو مما يضاف إلى نفسه إذا اختلف الاسمان؛ كقوله: ﴿وَلَدَارُ الْآخِرَةِ﴾ [يوسف: ١٠٩] (٦).\n_________\n(١) السنان: سنان الرمح، وجمعه: أسنة؛ وسنان الرمح: حديدته لصقالتها ومَلاستها. \"تهذيب اللغة\" ١٢/ ٢٩٨ (سنن) و\"لسان العرب\" ١٣/ ٢٢٣.\n(٢) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٣٧٣.\n(٣) قال الواحدي في تفسير قول الله تعالى: ﴿لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ﴾ [طه: ١٠]: القبس شعلة من نار يقتبسها من معظم النار. قال أبو زيد: أقبست الرجل عِلمًا، بالألف واللام، وقبسته نارًا؛ إذا جئته بها، فإن كان طلبها قال: أقبسته بالألف. وقال الكسائي: أقبسته نارًا وعِلمًا سواء، وقد يجوز طرح الألف منهما. قال المبرد: والأصل واحد؛ لأن كلاهما مستضاء به.\n(٤) قرأ عاصم وحمزة والكسائي بالتنوين، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر بالإضافة.\"السبعة في القراءات\" ٤٧٨. و\"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٣٧٢، و\"النشر في القراءات العشري\" ٢/ ٣٣٧.\n(٥) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٠٨. ويجوز أن يكون بدلًا منه.\"معاني القراءات\"، للأزهري ٢/ ٢٣٣.\n(٦) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٨٦.\nوقد رد قول الفراء، النحاس، فقال: إضافة الشيء إلى نفسه محال عند البصريين؛ لأن معنى الإضافة في اللغة ضم شيء إلى شيء فمحال أن يضم اليء إلى نفسه، وإنما يضاف الشيء إلى الشيء ليبين به معنى الملك والنوع فمحال أن يبين أنه =","vol":"17","page":162},{"text":"قال أبو علي: القبس يجوز أن يكون صفة، ويجوز أن يكون اسمًا غير صفة، فأما جواز كونه وصفًا فلأنهم يقولون: قَبَسْتُه أَقْبِسُه قَبْسًا، والقَبْسُ: اسم للشيء المقبوس، وكذلك الحَلْب قد يكون بمعنى: المحلوب، والقَبَس ما اقتبست، من قولهم: قَبَسْتُه نارًا إذا جئته بها. وإذا كان قوله: (قَبَسٍ) صفة فالأحسن التنوين؛ لأن الموصوف لا يضاف إلى صفة (١).\nوقال أبو الحسن: الإضافة أكثر وأجود في القراءة كما تقول: دار آجُرٍّ، وسوارُ ذهب، قال: ولو قلت: سوار ذهبٌ، ودارٌ آجرٌ كان عربيًا، والأكثر في كلام العرب الإضافة (٢).\nقال أبو علي: فأبو الحسن: جعل القبس غير صفة، ألا ترى أنه جعله بمنزلة الآجرِّ والذهب، وليس واحد منهما صفة (٣).\nوقال المفسرون: شعلة نار (٤)، ﴿لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ لكي تصطلوا، من البرد (٥). قال الكلبي: وكان ذلك في شدة الشتاء (٦).\n_________\n= مالك نفسه أو من نوعها، و﴿بِشِهَابٍ قَبَسٍ﴾ إضافة النوع إلى الجسم، كما تقول: هذا ثوب خز ... \"إعراب القرآن\" ٣/ ١٩٨.\n(١) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٣٧٣، مختصرًا.\n(٢) ذكر قول أبي الحسن، أبو علي، \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٣٧٧.\n(٣) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٣٧٧.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ٥٧ أ. و\"مجاز القرآن\" ٢/ ٩٢. و\"غريب القرآن\" لابن قتيبة ٣٢٢. و\"تفسير ابن جرير\" ١٩/ ١٣٣.\n(٥) \"تفسير هود الهواري\" ٣/ ٢٤٧. و\"تفسير ابن جرير\" ١٩/ ١٣٣. و\"تفسير الماوردي\" ٤/ ١٩٤.\n(٦) \"تنوير المقباس\" ٣١٦. و\"تفسير هود الهواري\" ٣/ ٢٤٧، ولم ينسبه. وأخرجه ابن أبي حاتم ٩/ ٢٨٤٢، عن ابن عباس. وذكره الماوردي ٤/ ١٩٤، عن قتادة.","vol":"17","page":163},{"text":"ويقال: صَلى بالنار واصطلى بها إذا استدفأ. واستقصاء تفسير هذه الآية قد تقدم في سورة طه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3152>٨ </span>- وقوله: ﴿فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ﴾ قال الفراء (أَن) في موضع نصب إذا أضمرت اسم موسى في (نُودِيَ) وإن لم تضمر اسم موسى كانت (أَن) في موضع رفع. ونحو هذا قال الزجاج (١).\nوقوله: ﴿بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ﴾ قال الفراء: العرب تقول: باركه الله، وبارك عليه، وبارك فيه (٢)، قال الشاعر:\nفبوركت مولودًا وبوركت ناشئًا ... وبوركت عند الشيب إذ أنت أَشْيَبُ (٣)\nوالمعنى: بورك فيمن في النار، أو على من في النار. وقال آخر:\nبورك الميتُ الغريبُ كما بورِكَ ... نَظْمُ الرُّمان والزيتون (٤)\nواختلفوا فيمن في النار؟ فالأحسن: أن الآية من باب حذف المضاف على تقدير: بورك من في طلب النار، وهو موسى ﵇، وكأنه تحية من الله ﷿ لموسى بالبركة، كما حيا إبراهيمَ بالبركة على ألسنة\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٨٦. و\"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٠٩.\n(٢) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٨٦. وذكره النحاس، عن الكسائي. \"إعراب القرآن\" ٣/ ١٩٩.\n(٣) \"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٢١ أ، ولم ينسبه. وعنه القرطبي ١٣/ ١٥٨. وذكره أبو حيان ٧/ ٥٤، ولم ينسبه. والبيت للكميت، يمدح فيه النبي -ﷺ- \"شرح هاشميات الكميت\" ٦١.\n(٤) أنشده الزجاج ٤/ ٤٥، ولم ينسبه. بلفظ: نظم، واستشهد به على أنه ليس شيء يورق غصنه من أوله إلى آخره مثل الزيتون والرمان. وذكره البغدادي، \"خزانة الأدب\" ١٠/ ٤٦٧، بلفظ: نضح، وبلفظ: غصن الريحان، ونسبه لأبي طالب؛ عم النبي -ﷺ- من قصيدة له يرثي بها مسافر بن أبي عمرو. ديوان أبي طالب ٩٣.","vol":"17","page":164},{"text":"الملائكة حين دخلوا عليه فقالوا: ﴿رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ [هود: ٧٣] (١).\nوقال أبو علي: ﴿بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ﴾ مَنْ في قرب النار ليس يراد به: متوغلها.\nوقال ابن عباس والحسن وسعيد بن جبير وقتادة في قوله: ﴿بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ﴾: قُدِّس من في النار، وهو الله سبحانه؛ عني به نفسه (٢). وعلى هذا إسناد البركة إلى الله كقوله: تبارك الله، وقد ذكرناه.\n_________\n(١) \"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٢٠ ب. ولم ينسبه. واقتصر على هذا القول في \"الوسيط\" ٣/ ٣٦٩، و\"الوجيز\" ٢/ ٨٠٠. وجعله الرازي ٢٤/ ١٨٢، أقرب الأقوال. واقتصر عليه ابن عاشور ١٩/ ٢٢٦.\n(٢) أخرجه ابن جرير ١٩/ ١٣٣، عن ابن عباس، وسعيد بن جبير، والحسن، وقتادة. وأخرجه ابن أبي حاتم ٩/ ٢٨٤٥، عن ابن عباس، وسعيد بن جبير، وعكرمة. وأخرجه عن ابن عباس، عبد الله ابن الإمام أحمد، كتاب السنة ١/ ٣٠٠، رقم: ٥٨٢. وأخرجه عبد الرزاق ٢/ ٧٩، عن قتادة بلفظ: نور الله بورك. وعن الحسن بلفظ: هو النور. وهو موافق لما عند ابن جرير. وذكره شيخ الإسلام ابن تيمية مقررًا له. مجموع الفتاوى ٥/ ٤٦١. ومن الروايات التي ذكرها شيخ الإسلام عن ابن أبي حاتم رواية سعيد بن أبي مريم ثنا مفضل ابن أبي فضالة حدثني ابن ضمرة: ﴿فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ قال: إن موسى كان على شاطئ الوادى -إلى أن قال- فلما قام أبصر النار فسار إليها، فلما أتاها ﴿نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ قال: إنها لم تكن نارًا ولكن كان نور الله، وهو الذي كان في ذلك النور، وإنما كان ذلك النور منه، وموسى حوله. وعلى هذا فلا وجه لرد هذه الأخبار أو تأويلها كما فعل بعض المفسرين؛ كالرازي ٢٤/ ١٨٢، وابن جزي ٥٠٢، وأبي حيان ٧/ ٥٤. وتوجيه الواحدي لهذا القول توجيه حسن. وذكر الألوسي عن الشيخ: إبراهيم الكوراني، تصحيحه لخبر ابن عباس، وأنه لا يحتاج إلى تأويل، وأن معناه ظاهر.","vol":"17","page":165},{"text":"والمراد بالنار هاهنا: النور، وذلك أن موسى رأى نورًا عظيمًا فظنه نارًا لذلك ذكرها هنا بلفظ النار (١)، والمعنى: بورك الله الذي في النار، وحسن هذا؛ لأنه ظهر لموسى بآياته وكلامه من النار (٢).\nوهذا كما روي أنه مكتوب في التوراة: جاء الله من سيناء يعني: بعث الله موسى من سيناء حتى يدعو الخلق إليه، ويعرفهم توحيده ودينه\n_________\n(١) \"الوسيط\" ٣/ ٣٦٩، وصدره بقوله: ومذهب المفسرين. ونقله عنه الشوكاني ٤/ ١٢٢، ولم يعترض عليه. وذكره الماوردي ٤/ ١٩٥، ولم ينسبه. واقتصر عليه ابن كثير ٦/ ١٧٩، وذكر عن ابن عباس، أنه قال: نور رب العالمين. وأخرجه ابن جرير ١٩/ ١٣٤، بلفظ: يعني نفسه، قال: كان نور رب العالمين في الشجرة. ثم ذكر ابن كثير بعد ذلك حديثَ أَبِي مُوسَى؟ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله -ﷺ- (إِنَّ الله لا يَنَامُ وَلا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنَامَ يَخْفِضُ الْقِسْطَ وَيرْفَعُهُ حِجَابُهُ النُّورُ لَوْ كَشَفَهَا لأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ كُلَّ شَيْءٍ أَدْرَكَهُ بَصَرُهُ ثُمَّ قَرَأَ أَبُو عُبَيْدَةَ: ﴿أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. أخرجه ابن ماجه ١/ ٧١، المقدمة، رقم: ١٩٦. ومسلم ١/ ١٦٢، كتاب الإيمان، رقم: ١٧٩. دون ذكر الآية. وصححه الألباني، \"صحيح سنن ابن ماجه\" ١/ ٣٩، رقم: ١٦٢. وجوَّد إسناده محقق مسند أبي يعلي الموصلي ١٣/ ٢٤٥. قال السيوطي: أخرج ابن المنذر عن محمد بن كعب، قال: النار: نور الرحمن. \"الدر المنثور\" ٦/ ٣٤١.\nقال سعيد بن جبير: كانت النار بعينها. \"تفسير البغوي\" ٦/ ١٤٥، ثم قال البغوي والنار إحدى حجب الله تعالى، كما جاء في الحديث (حجابه النار). وهي رواية للحديث السابق أخرجها الإمام أحمد، مسند الكوفيين، رقم: ١٩٠٩٠. والذي يظهر -والله تعالى أعلم- صحة هذا التأويل، ولا يلزم من القول به لوازم باطلة فإن الله تعالى قد أخبر بنفسه عن نفسه بذلك كما أخبرنا عن تجليه ﷾ للجبل فقال: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ [الأعراف: ١٤٣] والله أعلم.\n(٢) \"التبيان في تفسير القرآن\" ٨/ ٧٧.","vol":"17","page":166},{"text":"وشرائعه، فلما عرفوا بعثة موسى من سيناء قيل: جاء الله من سيناء، كذلك لما ظهر لموسى بآياته وكلامه من النار، وصف بأنه في النار؛ على معنى: أنه عُرف منها (١).\nوقال بعضهم: على هذا القول تقدير الآية: ﴿مَنْ فِي النَّارِ﴾ سلطانه وقدرته، فحذف للإحاطة (٢).\nوروي عن مجاهد في هذه الآية أنه قال: معناه: وبوركت النار (٣). والتبرك عائد إلى النار. وهذا يكون على قراءة [أبيِّ، فإنه كان يقرأ: أن بوركت النار ومن حولها (٤).\n_________\n(١) \"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٢٠ أ. قال النيسابوري في وضح البرهان ٢/ ١٣٨: وفي التوراة: جاء الله من سيناء، وأشرق من ساعير، واستعلن من جبال فاران. أي: من هذه المواضع جاءت آياته، وظهرت رحمته حيث كلم موسى بسيناء، وبعث عيسى من ساعير، ومحمدًا من فاران جبال مكة. \"وضح البرهان\" ٢/ ١٣٨.\n(٢) \"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٢٠ب.\n(٣) \"تفسير مجاهد\" ٢/ ٤٦٩. وفيه: قال مجاهد: وكذلك قال ابن عباس. وهو كذلك عند ابن جرير ١٩/ ١٣٤، وابن أبي حاتم ٩/ ٢٨٤٥.\n(٤) أخرجها ابن أبي حاتم ٩/ ٢٨٤٦. وذكرها الثعلبي ٨/ ١٢٠ ب. قال النحاس: ومثل هذا لا يوجد بإسناد صحيح، ولو صح لكان على التفسير. \"إعراب القرآن\" ٣/ ١٩٩. وذكر هذه القراءة ابن جني، بلفظ: تباركت الأرض. \"المحتسب\" ٢/ ١٣٤. واختار هذا القول لهذه القراءة الزمخشري ٣/ ٣٣٨. وذكره أبو السعود ٦/ ٢٧٣، وصدر غيره بـ: قيل. واختاره البيضاوي ٢/ ١٧١. والبرسوي ٦/ ٣٢١، قال: أي: من في مكان النار، وهو البقعة المباركة. ورجح هذا القول شيخنا: عبد الله الوهيبي، في تحقيقه لتفسير العز بن عبد السلام ٢/ ٤٥٧، مع أن العز لم يذكر هذا القول. وأما قول السعدي ٥/ ٥٦٢: أي: ناداه الله تعالى وأخبره أن هذا محل مقدس مبارك، ومن بركته أن جعله موضعًا لتكليم الله لموسى وإرساله. فإنه لا يلزم منه نفي ما عداه من الأقوال إذ لم يصرح بذلك. والله أعلم. وقد ذكر القاسمي =","vol":"17","page":167},{"text":"ولا يتوجه قول مجاهد على قراءة] (١) العامة.\nوقال السدي: كان في النار ملائكة (٢). فعلى هذا ﴿مَنْ فِي النَّارِ﴾ الملائكة (٣).\nوروي أيضًا عن جماعة من أهل التفسير أنهم قالوا: ﴿مَنْ فِي النَّارِ﴾ نور الله (٤). وعلى هذا تكون: (مَن) بمعنى: ما، والله تعالى خلق نورًا في النار التي رآها موسى فكانت نارًا ونورًا (٥).\nقوله تعالى: ﴿وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ هم الملائكة وموسى، في قول الجميع (٦).\n_________\n= ١٣/ ٥٨، هذه الأقوال كلها ولم يرجح. لكنه قدم القول الذي اختاره الزمخشري، وقدمه أيضًا المراغي ١٩/ ١٢٣.\n(١) ما بين المعقوفين غير موجود في نسخة (ج).\n(٢) أخرجه ابن أبي حاتم ٩/ ٢٨٤٦، عن السدي. وذكره عنه الماوردي ٤/ ١٩٥.\n(٣) وذكر هذا القول النيسابوري، في \"وضح البرهان\" ٢/ ١٣٨، ولم ينسبه.\n(٤) أخرجه عبد الرزاق ٢/ ٧٩. وابن جرير ١٩/ ١٣٤، عن قتادة بلفظ: نور الله بورك. وعن الحسن بلفظ: هو النور. وذكره الزجاج ٤/ ١٠٩، ولم ينسبه.\n(٥) حكى هذا القول الماوردي ٤/ ١٩٥، والنيسابوري ٢/ ١٣٨، ولم ينسباه.\n(٦) هما قولان، الأول: الملائكة، \"تفسير مقاتل\" ٥٧ أ، و\"تفسير هود الهواري\" ٣/ ٢٤٧، وأخرجه عبد الرزاق ٢/ ٧٩، عن الحسن، وأخرجه ابن جرير ١٩/ ١٣٥، عن ابن عباس، والحسن، وأخرجه ابن أبي حاتم ٩/ ٢٨٤٧، عن ابن عباس، وعكرمة، والحسن، وسعيد بن جبير، وقتادة. وأخرجه عن ابن عباس، عبد الله بن الإمام أحمد، كتاب السنة ١/ ٣٠٠، رقم: ٥٨٢. وذكره الفراء ٢/ ٢٨٦، ولم ينسبه. والثاني: موسى والملائكة، أخرجه ابن جرير ١٩/ ١٣٥، وابن أبي حاتم ٩/ ٢٨٤٦، عن محمد بن كعب. وذكره الثعلبي، ٨/ ١٢١ أ، ولم ينسبه. والقولان في \"تنوير المقباس\" ٣١٦، و\"تفسير الماوردي\" ٤/ ١٩٥. ونسبه ابن عطية ١١/ ١٧٢، للحسن، وابن عباس. وذكر ابن الجوزي ٦/ ١٥٥، قولًا ثالثًا، وهو: موسى فقط. والمعنى: بورك فيمن يطلبها وهو قريب منها. وذكر هذا القول العز في \"تفسيره\" ٢/ ٤٥٧.","vol":"17","page":168},{"text":"وذلك أنه كان حول ذلك النور الذي رأى موسى ملائكةٌ، لهم زَجَل بالتسبيح والتقديس (١).\nوقال أبو علي: ﴿وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ ومن لم يقرب منها قرب الآخذ فيها وهو موسى. يعني: أن موسى هو الآخذ منها، ألا ترى إلى قوله: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ﴾ [التوبة: ١٠١] لم يَقرب المنافقدن الذين حولهم قرب المخالِطين لهم؛ حيث يحضرونهم ويشهدونهم في مشاهدهم (٢).\n﴿وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ قال ابن عباس: نزه نفسه (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3153>٩ </span>- قوله تعالى: ﴿يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ قال مقاتل: إنَّ النور الذي رأيت ﴿أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (٤).\n[وقال الكلبي: ﴿يَا مُوسَى إِنَّهُ﴾ إنَّ ذلك النور ﴿أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾] (٥) فجعلا الكناية في (إِنَّهُ) عن النور. وهو فاسد من وجهين؛ أحدهما: أن النور لا يجوز أن يكون الله تعالى. والثاني: أن المذكور في القرآن النار، وكني عنها بالتأنيث كقوله: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا﴾ [لقصص: ٣٠] وقوله: ﴿وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ فلو كان الأمر على ما ذُكر لقيل: إنها؛ والصحيح: أن الكناية في قوله:\n_________\n(١) \"تفسير الوسيط\" ٣/ ٣٦٩. و\"تفسير البغوي\" ٦/ ١٤٥، ولم ينسبه. والزَجَل: رفع الصوت الطَرِب. \"تهذيب اللغة\" ١٠/ ٦١٦ (زجل).\n(٢) هكذا في نسخة (ج). وفي نسخة أ: لم يقرب المنافق الذي حولهم قرب بالمخاطبين لهم. وفي نسخة ب: لم يقرب المنافقون الذي حولهم قرب بالمخاطبين لهم.\n(٣) \"تنوير المقباس\" ٣١٦، وذكره الواحدي في \"الوسيط\" ٣/ ٣٦٩، ولم ينسبه. وذكره الماوردي ٤/ ١٩٥، عن السدي، من كلام موسى ﵊.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ٥٧ أ.\n(٥) ما بين المعقوفين غير موجود في نسخة (ج).","vol":"17","page":169},{"text":"(إِنَّهُ) كناية عن الشأن والأمر، أراد: الشأن والأمر (أَنَا الله) وقد ذكرنا نظائر هذا عند قوله: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ﴾ [الحج: ٤٦] وفي مواضع (١).\nوقال الفراء: هذه الهاء عماد، وهو اسم لا يظهر (٢). وعلى هذا الهاء ليست بكناية (٣)، ولكنها عماد تذكر تأكيدًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3154>١٠ </span>- قوله: ﴿وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ﴾ في الآية محذوف؛ تقديره: فألقاها فصارت حية تهتز ﴿فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ﴾ وحذف فألقاها؛ لأنه ذُكِر في سورتين؛ الأعراف، والشعراء (٤).\n﴿كَأَنَّهَا جَانٌّ﴾ قال الليث: الجانّ: حية بيضاء (٥). وقال ابن شميل: الجانّ حية أبيض دقيق أملس لا يضر أحدًا، وجمع الجانّ: جنان (٦).\nوفي الحديث: نهى عن قتل جنان البيوت؛ وهي حيات بيض تكون\n_________\n(١) قال الواحدي في تفسير هذه الآية: قال الفراء: الهاء هاء عماد يوفى بها: إن، ويجوز مكانها: إنه، وكذلك هي في قراءة عبد الله.\n(٢) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٨٧، وفي الحاشية: هو المعروف عند البصريين بضمير الشأن. وذكر ذلك الطوسي، فقال: يسميها البصريون: إضمار الشأن والقصة. \"التبيان في تفسير القرآن\" ٨/ ٧٧. واستظهر هذا القول أبو حيان ٧/ ٥٥. وهو قول البيضاوي ٢/ ١٧١.\n(٣) \"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٢١ ب. قال ابن الجوزي ٦/ ١٥٦: وعلى قول السدي: هى كناية عن المنادي؛ لأن موسى قال: من هذا الذي يناديني؟ فقيل: ﴿إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ﴾. وصحح كونها كناية القرطبي ١٣/ ١٦٠.\n(٤) في سورة الأعراف [١٠٧] والشعراء [٣٢] ﴿فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ﴾ وفي سورة: طه [١٩، ٢٠] ﴿قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى (١٩) فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى﴾.\n(٥) \"العين\" ٦/ ٢١ (جن)، ونقله الأزهري، \"تهذيب اللغة\" ١٠/ ٤٩٦.\n(٦) في \"تنوير المقباس\" ٣١٦: حية لا صغيرة، ولا كبيرة. وكذا في \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٨٧. و\"غريب القرآن\" لابن قتيبة ٣٢٢. ولم أجده في \"تهذيب اللغة\".","vol":"17","page":170},{"text":"في البيوت، لا تضر ولا تؤذي (١).\nقال أبو إسحاق: المعنى: أن العصا صارت تتحرك كما يتحرك الجانّ حركة خفيفة وكانت في صورة ثعبان (٢).\nونحو هذا قال ثعلب: شبهها في عظمها بالثعبان، وفي خفتها بالجانّ، فلذلك قال الله تعالى مرة: ﴿كَأَنَّهَا جَانٌّ﴾ ومرة: ﴿فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ﴾ [الأعراف: ١٠٧، والشعراء: ٣٢] (٣)\nوقيل: الاختلاف في التشبيه لاختلاف الحالين؛ فالجانّ عبارة عن أول حالها ثم لا تزال تزيد وتربو حتى تصير ثعبانًا عظيمًا (٤).\nقوله تعالى: ﴿وَلَّى مُدْبِرًا﴾ قال مقاتل: من الخوف من الحية ﴿وَلَمْ\n_________\n(١) عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّه سَمِعَ النَّبِيَّ -ﷺ-، يَخْطُبُ عَلَى الْمِنْبَرِ يَقُولُ: \"اقْتُلُوا الْحَيَّاتِ وَاقْتُلُوا ذَا الطُّفْيَتَيْنِ وَالأَبْتَرَ فَإِنَّهُمَا يَطْمِسَانِ الْبَصَرَ وَيَسْتَسْقِطَانِ الْحَبَلَ\". قَالَ عَبْدُ الله: فَبَيْنَا أَنَا أُطَارِدُ حَيَّةً لأَقْتُلَهَا فَنَادَانِي أَبُو لُبَابَةَ: لا تَقْتُلْهَ فَقُلْتُ: إِنَّ رَسُولَ الله -ﷺ-، قَدْ أَمَرَ بِقَتْلِ الْحَيَّاتِ قَالَ: إِنَهُ نَهَى بَعْدَ ذَلِكَ عَنْ ذَوَاتِ الْبُيُوتِ وَهِيَ الْعَوَامِرُ. أخرجه البخاري، كتاب بدء الخلق، رقم: ٣٢٩٧، ٣٢٩٨، فتح الباري ٦/ ٣٤٧، وفيه: وذا الطفيتين جنس من الحيات يكون على ظهره خطان أبيضان، والأبتر: مقطوع الذنب. والعوامر: عمار البيوت؛ أي: سكانها من الجن. وأخرج مسلم ٤/ ١٧٥٦، عن أبي سعيد مرفوعًا: \"إن لهذه البيوت عوامر، فإذا رأيتم منها شيئًا فحرجوا عليه ثلًاثا؛ فإن ذهب وإلا فاقتلوه\". \"صحيح مسلم\" كتاب: السلام (٢٢٣٦).\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٠٩.\n(٣) \"تهذيب اللغة\" ١٠/ ٤٩٦ (جن). و\"تفسير الوسيط\" ٣/ ٣٦٩، ولم ينسبه.\n(٤) \"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٢١ أ. ولم ينسبه. قال أبو الليث: الثعبان كان عند فرعون، والجان عند الطور. \"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٤٩٠. وذكره الطوسي، ولم ينسبه، \"التبيان في تفسير القرآن\" ٨/ ٧٨. وهذا التفريق له وجه؛ لكنه يحتاج إلى دليل يشهد له. والله أعلم.","vol":"17","page":171},{"text":"يُعَقِّبْ﴾ يعني: ولم يرجع (١).\nيقال: عَقَّبَ فلان إذا رجع يقاتل بعد أن ولَّى (٢).\nوهذا قول مجاهد (٣)، وأهل اللغة (٤).\nقال شمر: وكل راجع مُعَقِّب (٥).\nوقال ابن عباس: ﴿وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾ لم يقف (٦).\nوقال قتادة: لم يلتفت (٧). وهذان معنى، وليس بتفسير.\nوروى شمر عن عبد الصمد عن سفيان: لم يمكث، قال: وهو من كلام العرب (٨).\nقوله تعالى: ﴿لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ﴾ قال ابن عباس: لا\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ٥٧ أ. و\"مجاز القرآن\" ٢/ ٩٢. و\"غريب القرآن\" لابن قتيبة ٣٢٢. وأخرجه ابن جرير ١٩/ ١٣٦، عن ابن زيد. وأخرجه ابن أبي حاتم ٩/ ٢٨٤٨، عن مجاهد. وهو قول السمرقندي ٢/ ٤٩٠. والثعلبي ٨/ ١٢١ أ.\n(٢) ذكر نحوه الأزهري، عن أبي الهيثم. \"تهذيب اللغة\" ١/ ٢٧٢ (عقب).\n(٣) \"تفسير مجاهد\" ٢/ ٤٦٩. وأخرجه ابن جرير ١٩/ ١٣٦.\n(٤) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٠٩، بلفظ: وأهل اللغة يقولون: لم يرجع، يقال: قد عقب فلان إذا رجع يقاتل بعد أن ولى.\n(٥) \"تهذيب اللغة\"١/ ٢٧٣ (عقب).\n(٦) أخرج ابن أبي حاتم ٩/ ٢٨٤٨، عن السدي: لم ينتظر.\n(٧) أخرجه عبد الرزاق ٢/ ٧٩. وابن جرير ١٩/ ١٣٦. وابن أبي حاتم ٩/ ٢٨٤٨. و\"تنوير المقباس\" ٣١٦. واقتصر عليه الفراء ٢/ ٢٨٧. وذكره الهواري ٣/ ٢٤٧، ولم ينسبه.\n(٨) \"تهذيب اللغة\" ١/ ٢٧٣ (عقب)، دون قوله: وهو من كلام العرب، وإنما ذكر أبياتًا بعد ذلك تدل عليه. وعبد الصمد هو ابن حسان، أبو يحيى المروزي، قاضي هراة، حدث عن: زائدة، والثوري، وإسرائيل، والكوفيين، وحدث عنه: الذهلي، ومحمد بن عبد الوهاب الفراء، وأحمد بن يوسف السلمي. ت: ٢١٠ هـ. \"سير أعلام النبلاء\" ٩/ ٥١٧.","vol":"17","page":172},{"text":"يخاف عندي من أرسلته برسالتي (١). والمعنى: لا يُخيف الله الأنبياء، أي: إذا أمنهم فلا يخافونه، فيكف يخاف الحية، فنهى عن الخوف من الحية، ونبه على أمن المرسلين عند الله ليعلم أن من أمنه الله من عذابه بالنبوة ودرجة الرسالة لا يستحق أن يخاف الحية (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3155>١١ </span>- ثم قال: ﴿إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.\n﴿إِلَّا مَنْ ظَلَمَ﴾ يعني: أذنب (٣) ﴿ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا﴾ أي: توبة وندمًا ﴿بَعْدَ سُوءٍ﴾ عمله فإنه يخاف ويرجو ﴿فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وعلى هذا الاستثناء صحيح من المرسلين؛ ويكون المعنى: إلا من ظلم نفسه [فيما فعل من صغيرة، فالاستثناء متصل. وفيه إشارة إلى أن موسى وإن ظلم نفسه] (٤) بقتل القبطي، وخاف من ذلك فإن الله يغفر له؛ لأنه ندم على ذلك وتاب منه (٥)؛ وهذا أحد قولي الفراء، واختيار ابن قتيبة (٦).\n_________\n(١) \"تفسير الوسيط\" ٣/ ٣٦٩، عن ابن عباس. وأخرجه ابن أبي حاتم ٩/ ٢٨٤٩، عن قتادة، بلفظ: أي: عندي المرسلون. وهو قول ابن جرير ١٩/ ١٣٦، والزجاج ٤/ ١١٠.\n(٢) \"تفسير الوسيط\" ٣/ ٣٦٩، ولم ينسبه.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ٥٧ أ، وذكر لذلك أمثلة فقال: فكان منهم آدم، ويونس، وسليمان، وإخوة يوسف، وموسى بقتله النفس، ﵈. قال ابن عطية ١١/ ١٧٦: أجمع العلماء أن الأنبياء ﵈ معصومون من الكبائر، ومن الصغائر التي هي رذائل، واختلف فيما عدا هذا.\n(٤) ما بين المعقوفين غير موجود في نسخة (ج).\n(٥) \"الوسيط\" ٣/ ٣٧٠. ويشهد له قوله تعالى: ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ (١٦) قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [القصص:١٦ - ١٧].\n(٦) \"تأويل مشكل القرآن\" ٢١٩. واختاره ورجحه ابن جرير ١٩/ ١٣٧.","vol":"17","page":173},{"text":"القول الثاني: قال: هذا الاستثناء ليس من المرسلين، ولكنه من متروكٍ في الكلام على تقدير: ﴿إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ﴾ إنما الخوف على غيرهم، ثم استثنى فقال: ﴿إِلَّا مَنْ ظَلَمَ﴾ أي: أشرك، فهو يخاف عذابي (١) ﴿ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ﴾ يعني توحيدًا بعد شرك. أي: فتاب وعمل حسنًا فذلك مغفور له ليس بخائف (٢).\nقال ابن قتيبة: وهذا يبعد؛ لأن العرب إنما تحذف من الكلام ما يدل عليه ما يظهر، وليس في ظاهر الكلام دليل على هذا التأويل (٣). والقول الأول قول مقاتل (٤)، والثاني قول الكلبي (٥).\nقال ابن الأنباري: الذي استقبحه ابن قتيبة من قول الفراء عندي جيد غير قبيح؛ لأنه لما قال: ﴿لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ﴾ كان معناه: يأمن المرسلون عندي ويخاف غيرهم، فاكتفى بالشيء من ضده، كما قال: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرّ﴾ [النحل: ٨١] (٦). وذهب قوم إلى أن هذا من الاستثاء المنقطع؛ المعنى: لكن من ظلم من العباد ثم تاب ﴿فَإِنِّي غَفُور\n_________\n(١) اختار هذا القول ابن جزي ٥٠٣. ورد هذا القول النحاس، فقال: استثاء من محذوف محال؛ لأنه استثناء من شيء لم يذكر، ولو جاز هذا لجاز: إني أضرب القوم إلا زيدًا، بمعنى: لا أضرب القوم إنما أضرب غيرهم إلا زيدًا، وهذا ضد البيان، والمجيء بما لا يعرف معناه. \"إعراب القرآن\" ٣/ ٢٠٠.\n(٢) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٨٧. وذكره السمرقندي ٢/ ٤٩٠، عن الكلبي.\n(٣) \"تأويل مشكل القرآن\" ٢١٩.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ٥٧ أ.\n(٥) \"تنوير المقباس\" ٣١٦.\n(٦) ذكر هذا الخطيب الإسكافي، درة التنزيل ٣٣٦، ولم ينسبه، وفيه: فحذف البرد لعلم المخاطبين به.","vol":"17","page":174},{"text":"رَحِيمٌ﴾ أي: فإني أغفر له، والمعنى: لا يخاف الأنبياء والتائبون. وهذا اختيار أبي إسحاق (١).\nوذهب آخرون إلى أن معنى (إِلا) هاهنا: ولا؛ كأنه قال: لا يخاف لدي المرسلون، ولا من ظلم ثم بدل حسنًا بعد سوء، فيكون المعنى في هذا الوجه كالمعنى في الاستثناء المنقطع، ولم يُجز الفراء هذا الوجه (٢). وذكرنا جواز كون (إِلا) بمعنى: ولا، عند قوله: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [البقرة: ١٥٠] (٣).\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١١٠. وبه قال أبو حيان ٧/ ٥٥. والبيضاوي ٢/ ١٧٢. وابن الأنباري، في البيان ٢/ ٢١٨. والمراغي ١٩/ ١٢٤. والبرسوي ٦/ ٣٢٣، لكنه جعل المعنى راجعًا إلى الأنبياء، فقال: استثناء منقطع، أي: لكن من ظلم نفسه من المرسلين بذنب صدر منه كآدم ويونس وداود وموسى، وتعبير الظلم لقول آدم: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا﴾ [الأعراف ٢٣] وموسى: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾ [القصص: ١٦].\n(٢) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٨٧، قال الفراء: لم أجد العربية تحتمل ما قالوا، لأني لا أجيز: قام الناس إلا عبد الله، وهو قائم، إنما الاستثناء أن يخرج الاسم الذي بعد إلا من معنى الأسماء قبل إلا. واعترض على هذا القول أيضًا النحاس، فقال: معنى: إلا، خلاف معنى: الواو، لأنك إذا قلت: جاءني إخوتك إلا زيدًا، أخرجت زيدًا مما دخل في الأخوة، وإذا قلت: جاءني إخوتك وزيدٌ، أدخلت زيدًا فيما دخل فيه الأخوة، فلا شبه بينهما ولا تقارب. \"إعراب القرآن\" ٣/ ٢٠٠. واعترض عليه أيضًا ابن الأنباري، في \"البيان\" ٢/ ٢١٩. وذكر هذا القول ابن قتيبة، ولم يعترض عليه. \"تأويل مشكل القرآن\" ٢٢٠.\n(٣) ذكر الواحدي في تفسيره لهذه الآية الخلاف في الاستثناء، واستطرد بذكر أقوال أهل اللغة، ثم قال: وقال معمر بن المثنى: إلا هاهنا معناها: الواو فهو عطف عُطف به: الذين، على: الناس، والمعنى: لئلا يكون للناس والذين ظلموا عليكم حجة، واحتج على هذا المذهب بأبيات منها: =","vol":"17","page":175},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3156>١٢ </span>- قوله تعالى: ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ﴾ قال مجاهد: كفك في جيبك (١).\nقال المفسرون: كانت عليه مِدْرَعةٌ إلى بعض يده (٢)، ولو كان لها كُمٌّ أمره أن يُدخل يده في كُمِّه (٣). والجَيْب: حيث جِيبَ من القميص: أي قُطع (٤).\nقوله تعالى: ﴿تَخْرُجْ بَيْضَاءَ﴾ قال أبو إسحاق: المعنى وأخرجها تخرج بيضاء.\nقال مقاتل: لها شعاع مثل شعاع الشمس ﴿مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ من غير برص (٥).\n_________\n= وكل أخ مفارقه أخوه ... لعمر أبيك إلا الفرقدان\nقال: أراد: والفرقدان أيضًا يفترقان .. ثم ذكر تخطئة الفراء لهذا الوجه، ثم قال: ومن الناس من صوب أبا عبيدة في مذهبه، وصحح قوله بما احتج من الشعر.\n(١) أخرجه ابن جرير ١٣٨/ ١٩.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ٥٧ أ.\n(٣) أخرجه ابن جرير ١٩/ ١٣٨، عن مجاهد. وكذا ابن أبي حاتم ٩/ ٢٨٥٠، وأخرج نحوه عن ابن عباس. قال الزجاج ٤/ ١١٠: وجاء أيضًا أنه كانت عليه مدرعة صوف بغير كُمين. وذكره الثعلبي ٨/ ١٢١ ب.\n(٤) \"تهذيب اللغة\" ١١/ ٢١٨ (جاب)، وفيه: يقال: جِبتُ القميص وجُبته. وذكره الواحدي في: الوسيط ٣/ ٣٧٠. وكذا ابن الجوزي ٦/ ١٥٨. أخرج ابن أبي حاتم ٩/ ٢٨٥٠، عن السدي: الجيب جيب القميص. قال ابن عطية ١١/ ١٧٨: الجيب: الفتح في الثوب لرأس الإنسان.\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ٥٧ أ. وذكره الهواري ٣/ ٢٤٨. وابن جرير ١٩/ ١٣٩، والثعلبي ٨/ ١٢١ ب. وأخرجه ابن أبي حاتم ٩/ ٢٨٥١، عن ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، وقتادة، والضحاك، والسدي، وعطاء الخراساني، والربيع بن أنس. وذكر ابن الأنباري أن السوء يطلق ويراد به: الآفة والعلة، قال تعالى: ﴿فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ﴾ [الأعراف ٧٣] أي: بآفة وعقر، \"الزاهر في معاني كلمات الناس\" ١/ ٣٦٥، وأما أبو عبيدة ٢/ ١٨، فقد قيد السوء بالمرض والبرص، فقال: السوء: كل داء معضل من جذام أو برص، أو غير ذلك.","vol":"17","page":176},{"text":"وهذا مما فسرناه في سورة طه [٢٢] (١).\nقوله: ﴿فِي تِسْعِ آيَاتٍ﴾ قال أبو إسحاق: (في) من صلة قوله: ﴿وَأَلْقِ عَصَاكَ﴾ ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ﴾ والتأويل: وأظهر هاتين الآيتين ﴿فِي تِسْعِ آيَاتٍ﴾ والمعنى من تسع آيات. كما تقول: خذ لي عشرة من الإبل فيها فحلان؛ والمعنى: منها فحلان (٢).\nوفسر الآيات التسع في سورة بني إسرائيل (٣).\n_________\n(١) قال الواحدي في تفسير هذه الآية: ﴿مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ من غير برص في قول جميع المفسرين. قال الليث: ويكنى بالسوء عن اسم البرص. وقال أبو عمرو: ﴿سُوءٍ﴾ أي: برص. وقال المبرد: السوء إذا أطلق فهو البرص، وإذا وصلوه بشيء فهو كل ما يسوء، والأغلب عند العرب من الأدواء: البرص.\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١١٠. وذكره السمرقندي ٢/ ٤٩٠، ولم ينسبه. و\"تفسير الوجيز\" ٢/ ٨٠٠. وهو قول ابن كثير ٦/ ١٨٠.\nقال الهواري ٣/ ٢٤٨: ﴿فِي تِسْعِ آيَاتٍ﴾ أي: مع تسع آيات. وذكر ذلك ابن قتيبة، في \"تأويل مشكل القرآن\" ٢١٧، و\"غريب القرآن\" ٣٢٣، ولم ينسبه. وهو قول الثعلبي ٨/ ١٢٢ أ. وأما ابن جرير، فقد جعل: في، على ظاهرها فقال ١٩/ ١٣٩: فهي آية في تسع آيات مرسل أنت بهن إلى فرعون. ولم يذكر غير هذا القول. واستحسنه النحاس، \"إعراب القرآن\" ٣/ ٢٠١.\n(٣) ليس في سورة بني إسرائيل تفصيل الآيات التسع، وإنما فيها ذكر العدد جملة، في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ [١٠١] قال الواحدي في تفسير هذه الآية: اختلفوا في الآيات التسع مع اتفاقهم أن منها: الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم، فهذه خمس، وأما الأربعة الباقية، فروى قتادة عن ابن عباس قال: هي يده البيضاء عن غير سوء، وعصاه إذا ألقاها، وما ذكر في قوله: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ [الاعراف ١٣٠] قال: ﴿السِّنِينَ﴾ لأهل البوادي حتى هلكت مواشيهم ﴿وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ لأهل القرى، وهاتان آيتان، ونحو هذا روى أبو صالح وعكرمة، وهذا قول مجاهد، وقال محمد بن كعب القرظي بدل السنين ونقص من الثمرات فلق البحر والطمس =","vol":"17","page":177},{"text":"وقوله: ﴿إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ﴾ قال الفراء: (إِلَى) من صلة الإرسال والبعث، المعنى: مرسلًا إلى فرعون أو مبعوثًا، فترك ذكر الإرسال والبعث؛ لأن شأن موسى في أنه كان مبعوثًا إلى فرعون معروف (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3157>١٣ </span>- قوله: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ أي. بينة (٢) واضحة، كقوله: ﴿وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً﴾ [الإسراء: ٥٩] وقد مَرَّ (٣). قالوا هذا الذي تراه عيانًا ﴿لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾ كقوله: ﴿فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي﴾ [الأنعام: ٧٨] وقد مر (٤).\n_________\n=وهي أن الله تعالى مسخ أموالهم حجارة من النخل والدقيق والأطعمة والدراهم والدنانير، وهذا الذي ذكرنا أجود ما قيل في تفسير الآيات. \"البسيط\" ٣/ ١٦٥ ب، النسخة الأزهرية. ويعني بالطمس قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ [يونس: ٨٨]. ومن جعل الآية التاسعة: الطمس، أو: نقص الثمرات، فلا تعارض بينهما، لما في ذلك من التلازم، والله أعلم.\n(١) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٨٨، بمعناه. وكذا ابن قتيبة، في \"تأويل مشكل القرآن\" ٢١٧. وذكره أبو علي، \"الإيضاح العضدي\" ١/ ٢٦٥. وكذا الثعلبي ٨/ ١٢٢ أ.\n(٢) أخرجه ابن جرير ١٩/ ١٤٠، عن ابن جريج.\n(٣) قال الواحدي في تفسير هذه الآية:\nقوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً﴾ قال ابن عباس: يريد كانت لهم عيانًا، وقال قتادة: بينة، وقال مجاهد: آية مبصرة، قال الأخفش: المُبْصِرةُ: البَيِّنَة؛ كما تقول المُوضِحَة والمُبَيِّنَة، فعلى هذا أبصر واقع بمعنى بصر، وقال الفراء: جعل الفعل لها، ومعنى ﴿مُبْصِرَةً﴾: مضيئة، كما قال تعالى: ﴿وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾ [يونس ٦٧] أي مضيئًا، قال الأزهري: والقول ما قال الفراء، أراد آتينا ثمود الناقة آية مبصرة، أي مضيئة، وقد ذكرنا هذا في سورة يونس، وفي هذه السورة عند قوله: ﴿وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾ [الإسراء: ١٢].\n(٤) قال الواحدي في تفسير هذه الآية: قال أبو بكر بن الأنباري: إنما قال: هذا، =","vol":"17","page":178},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3158>١٤ </span>- قوله: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا﴾ أي: أنكروها، ولم يقروا بأنها من عند الله قال قتادة: الجحود لا يكون إلا من بعد المعرفة (١). وقال المبرد: لا يكون الجحود إلا لما قد علمه الجاحد، كما قال ﷿: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام: ٣٣] (٢).\nقال أبو عبيدة: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا﴾ جحدوها، والباء: زائدة، وأنشد:\nنضرب بالسيف ونرجو بالفرَج (٣)\n﴿وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ أنها من الله (٤)، وأنها ليست بسحر (٥) ﴿ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ قال السدي: هذا من التقديم والتأخير. ونحو هذا قال مقاتل (٦).\nقال الزجاج: المعنى: وجحدوا بها ظلمًا، وعلوًا، ترفعًا عن أن يؤمنوا بما جاء به موسى، فجحدوا بها وهم يعلمون أنها من الله (٧).\n_________\n= والشمس مؤنثة؛ لأن الشمس بمعنى: الضياء والنور، فحمل الكلام على تأويلها فذُكِّر، وأعان على التذكير أيضًا أن الشمس ليست فيها علامة التأنيث فلما أشبه لفظها المذكر وكان تأويلها تأويل النور صلح التذكير من هاتين الجهتين.\n(١) أخرجه ابن أبي حاتم ٩/ ٢٨٥٢.\n(٢) \"تأويل مشكل القرآن\" ٣٢٢، ولم ينسبه.\n(٣) أنشده كاملًا أبو عبيدة، \"مجاز القرآن\" ٢/ ٥٦، ولم ينسبه، وقبله:\nنحن بنو جعدة أصحاب الفَلَجْ\nوأنشده ابن قتيبة، \"تأويل مشكل القرآن\" ٢٤٩، ولم ينسبه، وكذا البغدادي، \"الخزانة\" ٩/ ٥٢١، ثم نقل عن أبي عبيدة: الفلج: بفتح الفاء واللام، موضع لبني قيس. وهو في \"ديوان النابغة الجعدي\" ٢١٦. والشاهد الباء الثانية، أما الأولى فللاستعانة. \"مغني اللبيب\" ١/ ١٠٨.\n(٤) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٨٨.\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ٥٧ أ.\n(٦) \"تفسير مقاتل\" ٥٧ أ.\n(٧) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١١١.","vol":"17","page":179},{"text":"وقال مقاتل: ﴿ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ شركًا وتكبرًا (١). وهذا يدل على أن اليقين بالقلب مع الجحود والإنكار باللسان لا ينفع ولا يكون إيمانًا.\n﴿فَانْظُرْ﴾ يا محمد ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ في الأرض بالمعاصي (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3159>١٥ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا﴾ قال ابن ىاس ومقاتل: علمًا بالقضاء، وبكلام الطير والدواب (٣) وتسبيح الجبال (٤).\n﴿وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا﴾ أي: بالنبوة والكتاب، وإلانة الحديد، وتسخير الشياطين والجن، والإنس (٥)، والمُلْك الذي أعطاهما الله وفضلهما به (٦) ﴿عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3160>١٦ </span>- وقوله: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ﴾ قال ابن عباس: ورث منه النبوة.\nوقال السدي: ورث نبوته.\nوقال مقاتل: ورث سليمان علم داود وملكه (٨).\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ٥٧ أ.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ٧٥ أ.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ٥٧ ب. وذكره السمرقندي ٢/ ٤٩١، ولم ينسبه. وفي \"تنوير المقباس\" ٣١٦: فهمًا بالنبوة والقضاء.\n(٤) \"تفسير الوسيط\" ٣/ ٣٧٠، عن ابن عباس.\n(٥) \"تفسير الوسيط\" ٣/ ٣٧٠، ولم ينسبه. وتفسير الطبرسى ٧/ ٣٣٤. وتفسير ابن الجوزي ٦/ ١٥٩.\n(٦) \"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٤٩١.\n(٧) قال الشوكاني ٤/ ١٢٥: وفي الآية دليل على شرف العلم، وارتفاع محله، وأن نعمة العلم من أجل النعم التي ينعم الله بها على عباده، وأن من أوتيه فقد أوتي فضلًا، على كثير من العباد، ومنح شرفًا جليلًا.\n(٨) \"تفسير مقاتل\" ٥٧ ب. وهو قول ابن جرير ١٩/ ١٤١.","vol":"17","page":180},{"text":"وقال قتادة: كان لداود تسعة عشر ذكرًا فورث سليمان مُلْكه من بينهم ونبوته (١). فمعنى تخصيص سليمان بالوراثة هو هذا (٢).\nوذكر الفراء والزجاج معنى قول قتادة (٣).\n_________\n(١) \"تنوير المقباس\" ٣١٦. وأخرجه ابن أبي حاتم ٩/ ٢٨٥٤، عن قتادة، دون ذكر العدد. وذكره الزجاج ٤/ ١١١، ولم ينسبه. وكذا الثعلبي، ٨/ ١٢٢ أ. وذكره الماوردي ٤/ ١٩٨، والقرطبي ١٣/ ١٦٤، عن الكلبي.\n(٢) قال الماوردي ٤/ ١٩٨: وإنما خص سليمان بوراثته؛ لأنها وراثة نبوة وملك، ولو كانت وراثة مال لكان جميع أولاده فيه سواء. والرافضة يخالفون هذا فيجعلون الوراثة هنا وراثة مال أيضًا، قال الطوسي: قال أصحابنا: إنه ورث المال، والعلم، وقال مخالفونا: إنه ورث العلم، لقوله -ﷺ -: (نحن معاشر الأنبياء لا نورث). ثم أجاب عن الحديث بقوله: والخبر المروي عن النبي -ﷺ - خبر واحد لا يجوز أن يخص به عموم القرآن، ولا نسخه به.\"التبيان في تفسير القرآن\" ٨/ ٨٢. قال ابن القيم: فلو كان الموروث هو المال لم يكن سليمان مختصًا به، وأيضًا فإن كلام الله يصان عن الإخبار بمثل هذا، فإنه بمنزلة أن يقال: مات فلان وورثه ابنه. ومن المعلوم أن كل أحد يرثه ابنه، وليس في الإخبار بمثل هذا فائدة، وأيضًا فإن ما قبل الآية وما بعدها يبين أن المراد بهذه الوراثة ورائة العلم والنبوة، لا وراثة المال، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وإنما سيق هذا لبيان فضل سليمان، وما خصه الله به من كرامته، وميراثه، وما كان لأبيه من أعلى المواهب، وهو العلم والنبوة ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ﴾ وكذلك قول زكريا ﵊: ﴿وإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (٥) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾ [مريم: ٥، ٦] فهذا ميراث العلم والنبوة والدعوة إلى الله، وإلا فلا يظن بنبي كريم أنه يخاف عصبته أن يرثوه ماله، فيسأل الله العظيم ولدًا يمنعهم ميراثه، ويكون أحق به منهم، وقد نزه الله أنبياءه ورسله عن هذا وأمثاله، فبعدًا لمن حرف كلامه، ونسب الأنبياء إلى ما هم برآء منزهون عنه. \"مفتاح دار السعادة\" ٦٧.\n(٣) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٨٨. و\"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١١١.","vol":"17","page":181},{"text":"قوله: (وَقَال) أي: قال سليمان لبني إسرائيل (١) ﴿عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ﴾ (٢) وهذا كالتحدث من سليمان بما أنعم الله به عليه.\nقال الليث: كلام كل شيء منطقه، وتلا الآية (٣).\nوقال الأصمعي: صوت كل شيء منطقه، ونُطقُه، ومنه قولهم: مالَه صامت ولا ناطق؛ الناطق: الحيوان من الرقيق وغيره سمي ناطقًا لصوته (٤).\nقال الفراء: منطق الطير، يعني: كلام الطير، فجعله كمنطق الرجل إذ فُهِم، وأنشد لحميد بن ثور:\nعجبتُ لها أنى يكون غِناؤها ... فصيحًا ولم تفغرْ بمنطقها فما\nفجعله كالكلام لَمَّا ذهب به إلى أنها تغني (٥).\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ٥٧ ب. أخرج ابن أبي حاتم ٩/ ٢٨٥٥، عن الأوزاعي: الناس عندنا: أهل العلم.\n(٢) وقد استدل قتادة بهذه الآية على أن النملة من الطير. أخرجه عبد الرزاق ٢/ ٧٩، وعنه ابن أبي حاتم ٩/ ٢٨٥٥. وهذا ليس بلازم، قال ابن العربي فجعل الله لسليمان معجزة فهم كلام الطير، والبهائم، والحشرات، وإنما خص الطير لأجل سوق قصة الهدهد بعدها، ألا تراه كيف ذكر قصة النمل معها، وليست من الطير. أحكام القرآن ٣/ ٤٧٢. وزاده بيانًا في ٤٧٥. قال الشوكاني ٤/ ١٢٥ إنه عُلم منطق جميع الحيوانات، وإنما ذكر الطير لأنه كان جندًا من جنده يسير معه لتظليله من الشمس.\n(٣) \"العين\" ٥/ ١٠٤ (نطق)، وليس فيه ذكر الآية، وإنما ذكرها الأزهري، \"تهذيب اللغة\" ١٦/ ٢٧٥.\n(٤) \"تهذيب اللغة\" ١٦/ ٢٧٩ (نطق). وفيه الصامت: الذهب والفضة والجوهر.\n(٥) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٨٨، وفيه: تبكي، بدل: تغني. ولم ينسب البيت. وفيه: بليغًا، بدل: رفيعا. وتفتح، بدل تفغر. وأنشده الطوسي، \"التبيان في تفسير القرآن\" ٨/ ٨٥. وأنشده في \"الوسيط\" ٣/ ٣٧٢، وكذا في \"وضح البرهان\" ٢/ ١٣٩، منسوبًا، وذكره ابن الجوزي ٦/ ١٦٠، ولم ينسبه. وهو في \"ديوان حميد بن ثور\" ٤٢.","vol":"17","page":182},{"text":"وقال أبو علي الفارسي: القول والكلام والمنطق يستعمل كل واحد من ذلك في موضع الآخر، ويعبر بكل واحد منها عما عبر بالآخر، قال رؤبة:\nلو أنني أعطيت علم الحُكْل ... علمَ سليمانَ كلامَ النملِ (١)\nوقال الله تعالى: ﴿قَالَتْ نَمْلَةٌ﴾ [النمل: ١٨] وقال إخبارًا عن الهدهد: ﴿فَقَالَ أَحَطْتُ﴾ [النمل: ٢٢] فذَكَر له القول. وأنشد الأخفش:\nصدَّها منطقُ الدجاجِ عن القصدِ ... وصوت الناقوس بالأسحار (٢)\nوأنشد أيضًا:\nفَصبَّحتْ والطيرُ لم تكلَّم\nفوضع كل واحد من الكلام والنطق موضع الصوت.\nوقال الراعي يصف ثورًا يحفر كِناسًا (٣) إلى الصباح:\n_________\n(١) \"تهذيب اللغة\" ٤/ ١٠٠ (حكل)، ونسبه لرؤبة، وهو في ديوانه ١٣٣، وأنشده ابن فارس، ولم ينسبه، وفيه: أوتيت. وقال: الحاء والكاف واللام أصل صحيح منقاس، وهو الشيء الذي لا يبين، يقال: إن الحُكل الشيء الذي لا نطق له من الحيوان، كالنمل وغيره. \"معجم مقاييس اللغة\" ٢/ ٩١. وأنشده ابن جني، ولم ينسبه، \"الخصائص\" ١/ ٢٢. وذكر الواحدي كلمة الحكل في مقدمة تفسيره فقال: ويعلم قول الحُكل. تفسير الواحدي ١/ ٢٠١، تحقيق الفوزان.\n(٢) أنشده الأخفش ٢/ ٥٨٨، كاملًا في سورة: يوسف، وعجزه:\nوضرب الناقوس فاجتُنبا\nوأنشده ٢/ ٦٤٨، في سورة النمل مقتصرًا على صدره، ولم ينسبه في الموضعين، وفي الحاشية: لم تفد المراجع شيئًا في القائل والقول.\n(٣) المَكْنِس: مَوْلِجُ الوحش من البقر تسكن فيه من الحر، وهو الكِناس، والجمع: أكنسة، وكُنُس، واشتقاقه من الكَنْس، وهو: كَسْحُ القُمَام عن وجه الأرض، فهي تكْنِس الرمل حتى تصل إلى الثرى. \"تهذيب اللغة\" ١٠/ ٦٣ (كنس)، و\"لسان العرب\" ٦/ ١٩٧.","vol":"17","page":183},{"text":"حتى إذا نطق العصفور وانكشفتْ ... عَمَايَة الليلِ عنه وهو مُعتمِدْ (١)\nومعنى الآية: فهمنا ما يقول الطير.\nقوله تعالى: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ قال ابن عباس: يريد من أمر الدنيا والآخرة (٢).\nوقال مقاتل: يعني أُعطينا المُلك والنبوة والكتاب، في تسخير الرياح، وسُخِرت الجن والشياطين، ومنطق الطير (٣).\nوقال الزجاج: المعنى ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ يجوز أن يؤتاه الأنبياء والناس. وكذلك قوله: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٢٣] يؤتى مثلها. وعلى هذا جرى كلام الناس؛ يقول القائل: قد قصد فلانًا كلُّ أحد، أي: قَصَدَه كثير من الناس (٤).\nقوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا﴾ قال مقاتل: إن هذا الذي أعطينا (٥) ﴿لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ﴾ قال ابن عباس: مِن الله علينا (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3161>١٧ </span>- قوله تعالى: ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ﴾ وجُمع له ﴿جُنُودُهُ﴾ (٧)\n_________\n(١) \"ديوان الراعي\" ٩٢، نطق العصفور: كناية عن انبلاج الصبح، وعماية الليل: ظلمته، والمعتمِد: الذي يمشي طوال الليل. حاشية الديوان. وفي \"لسان العرب\" ٣/ ٣٠٥ (عمد): اعتمد فلان ليلته إذا ركبها يسير فيها.\n(٢) \"تفسير الوسيط\" ٣/ ٣٧٢.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ٥٧ ب.\n(٤) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١١١.\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ٥٧ ب.\n(٦) \"تنوير المقاس\" ٣١٦، بلفظ: المن العظيم من الله علىَّ.\n(٧) \"تفسير مقاتل\" ٥٧ ب. قال الراغب: الحشر: إخراج الجماعة عن مقرهم وإزعاجهم عنه إلى الحرب، ونحوها. المفردات ١١٩. وقد أحسن الواحدي صنعًا في تركه =","vol":"17","page":184},{"text":"جموعه، وكل صنف من الخلق جند على حدة، يدل عليه قوله: ﴿مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ﴾ (١) قال المفسرون والكلبي: كان سليمان إذا أراد سفرًا أمر فجمع له طوائف من هؤلاء الجنود على بساط له عظيم ثم يأمر الريح فتحملهم، فتجعلهم بين السماء والأرض (٢). وكان سليمان يعرف ألسنتهم ويقضي بينهم، فمعنى قوله: ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ﴾ أي في مسير له.\nوقوله: ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ معنى الوزع في اللغة: الكف (٣). وزَعْتُه، أَزَعُه، وَزْعًا، أي: كففته (٤). والشيب وازع؛ أي: مانع (٥).\nوتقول العرب: لأزعنكم عن الظلم (٦).\n_________\n= الحديث عن عدد جند نبي الله سليمان ﵇، قال ابن عطية ١١/ ١٨٣: واختلف الناس في مقدار جند سليمان ﵇ اختلافًا شديدًا لم أُرد ذكره لعدم صحته.\nوقال الشوكاني ٤/ ١٢٥: وقد أطال المفسرون في ذكر مقدار جنده، وبالغ كثير منهم مبالغة تستبعدها العقول، ولا تصح من جهة القتل، ولو صحت لكان في القدرة الربانية ما هو أعظم من ذلك.\n(١) \"تفسير الوسيط\" ٣/ ٣٧٢، ولم ينسبه.\n(٢) \"تفسير مجاهد\" ٢/ ٤٧٠، عن عبد الله بن شداد. و\"تفسير هود الهواري\" ٣/ ٢٥٠، عن الحسن. و\"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٢٣ ب. وذكره في \"الوسيط\" ٣/ ٣٧٢، وصدره بقوله: قال المفسرون.\n(٣) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١١٢. و\"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٢٣ أ. و\"تفسير البغوي\" ٦/ ١٥٠. والزاهر في معاني كلمات الناس ٢/ ٣٩٨.\n(٤) \"غريب القرآن\" لابن قتيبة ٣٢٣. و\"تهذيب اللغة\" ٣/ ٩٩ (وزع).\n(٥) قال النابغة الذبياني:\nعلى حين عاتبت المشيب على الصبا ... وقلت ألما تصحُ والشيب وازع\n\"الكتاب\" ٢/ ٣٣٠، و\"الأضداد\" لابن الأنباري ١٤٠.\n(٦) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٨٨.","vol":"17","page":185},{"text":"قال الليث: والوازع في الحرب: الموكل بالصفوف يَزَع مَن تقدم بغير أمره، وقال الله -﷿-: ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ أي: يُكفون (١).\nقال الكلبي وأكثر أهل التفسير: يُحبس أولهم على آخرهم (٢).\nوقال قتادة: يُرَدُّ أولُهم على آخرهم (٣): يعني ليجتمعوا ويتلاحقوا (٤).\nوقال السدي: يُوقفون (٥).\nوقال الوالبي عن ابن عباس: ﴿يُوزَعُونَ﴾ يدفعون (٦).\nوقال ابن زيد ومقاتل: يساقون (٧).\nوالدفع والسوق ضد: الوقف والكف. وقد ذكر المبرد وجه هذا؛ فقال: تأويل ذلك أنه يُدفع آخرهم على أولهم، وقولهم: وزعته بمعنى:\n_________\n(١) \"العين\" ٢/ ٢٠٧، بلفظ: الوازع: الحابس للعسكر، قال الله -﷿-: ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ أي: يكف أولهم على آخرهم. وما ذكره الواحدي عن الليث بنصه عند الأزهري، \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٩٩ (وزع).\n(٢) \"تنوير المقباس\" ٣١٦. وأخرجه ابن جرير ١٩/ ١٤١، عن ابن عباس. وأخرجه ابن أبي حاتم ٩/ ٢٨٥٦، عن مجاهد. و\"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٢٣ أ. و\"تفسير الماوردي\" ٤/ ١٩٩. واقتصر عليه في \"الوجيز\" ٢/ ٨٠١. وذكره ابن الأنباري، في \"الأضداد\" ١٣٩. و\"الزاهر في معاني كلمات الناس\" ٢/ ٣٩٨. واقتصر عليه ابن كثير ٦/ ١٨٣. و\"البيضاوي\" ٢/ ١٧٣.\n(٣) أخرجه عبد الرزاق ٢/ ٧٩. وعنه ابن أبي حاتم ٩/ ٢٨٥٧، وأخرجه ابن جرير ١٩/ ١٤٢، ورجح هذا القول على غيره.\n(٤) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٨٩.\n(٥) \"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٢٣ أ. و\"تفسير البغوي\" ٦/ ١٥٠.\n(٦) \"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٢٣ أ. وأخرج ابن جرير ١٩/ ١٤٢، عن الحسن: يتقدمون.\n(٧) \"تفسير مقاتل\" ٥٧ ب. وأخرجه ابن جرير ١٩/ ١٤٢، عن ابن زيد. و\"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٢٣ (أ).","vol":"17","page":186},{"text":"كففته، كلمة عامة؛ تقول: وزعته أي: كففته عن الإبطاء، بمعنى: دفعته وسقته، وتكون بمعنى كففته عن الإسراع، أي: حبسته، ووقفته (١). فمن قال في تفسير: ﴿يُوزَعُونَ﴾ يدفعون ويساقون، أراد: أن الآخِرين يُمنعون عن الإبطاء والتوقف.\nوذكر أبو عبيدة الوجهين؛ فقال: يُدفع أخراهم، وُيحبس أولاهم (٢). يعني: إذا تقدم الأولون وسرعانهم وزعوا، وإذا توقف المتأخرون دفعوا ووزعوا عن الإبطاء. وهكذا يفعل الشُّرَط والوزعة للعساكر (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3162>١٨ </span>- قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ﴾ أي: أشرفوا عليه (٤). ولهذا المعنى أُدخل (عَلَى) ولم يكن: أتوا وادي النمل. قال كعب: هو بالطائف (٥). وقال قتادة ومقاتل: هو بالشام (٦).\n_________\n(١) قال ابن الأنباري: الصحيح عندنا أن يكون: أوزعت، بمعنى: أمرت وأغريت، ووزعت، بمعنى: حبست. \"الأضداد\" ١٣٩. قال ابن العربي: وقد يكون بمعنى: يلهمون. \"أحكام القرآن\" ٣/ ٤٧٤.\n(٢) \"مجاز القرآن\" ٢/ ٩٢.\n(٣) أخرج نحوه ابن جرير ١٩/ ١٤١، عن ابن عباس. وأخرج نحوه أيضًا ابن أبي حاتم ٩/ ٢٨٥٧، عن مجاهد. قال الحسن لما ولي القضاء: لابد للناس من وزعة أي شرط يكفونهم عن القاضي. \"الأضداد\" ١٤٠.\n(٤) \"تفسير الوسيط\" ٣/ ٣٧٣، ولم ينسبه.\n(٥) \"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٢٤ أ. و\"تفسير الماوردي\" ٤/ ١٩٩. و\"تفسير البغوي\" ٦/ ١٥٠. قال البقاعي ١٤/ ١٤٢: وهو الذي تميل إليه النفس، فإنه معروف عندهم بهذا الاسم، ويسمى أيضًا: نخب، وزن كتف، وقد رأيته لما قصدت تلك الديار. والطائف مدينة معروفة في غريب المملكة العربية السعودية، على بعد ١٠٠كم من مكة المكرمة.\n(٦) \"تفسير مقاتل\" ٥٧ ب. وأخرج ابن أبي حاتم ٩/ ٢٨٥٧، عن قتادة. و\"تفسير =","vol":"17","page":187},{"text":"﴿قَالَتْ نَمْلَةٌ﴾ ذكرنا أن القول والكلام والمنطق يستعمل كل واحد منهما مكان الآخر، ويعبر به عن الصوت، كقوله: حتى إذا نطق العصفور. أي: صاح (١). كذلك قوله: ﴿قَالَتْ نَمْلَةٌ﴾ أي: صاحت بصوت خلق الله لها. ولما كان ذلك الصوت مفهومًا لسليمان -﵇-، عبَّر عنه بالقول علي ما ذكر الفراء، في منطق الطير (٢). وهذان وجهان في قول النملة.\nقال الكلبي: وكانت نملة صغيرة مثل النمل (٣). وقال نوف الشامي وشقيق بن سلمة: كانت نمل ذلك الوادي كهيئة الذئاب في العظم (٤).\nوعن بريدة الأسلمي: أنها كانت كهيئة النعاج (٥). ولعل الأقرب قول\n_________\n= الثعلبي\" ٨/ ١٢٤ أ. و\"تنوير المقباس\" ٣١٦. واقتصر عليه الهواري ٣/ ٢٤٩، ولم ينسبه. وذكره الزجاج ٤/ ١١٢، ولم ينسبه. واقتصر عليه في \"الوجيز\" ٢/ ٨٠١، وذكر القولين في تفسيره الوسيط ٣/ ٣٧٣. وكذا البغوي ٦/ ١٥٠.\n(١) تقدم ذكر البيت عند قول الله تعالى: ﴿عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ﴾ [النمل: ١٦].\n(٢) وذهب إلى هذا سيبويه، الكتاب ٢/ ٤٦، وكذا المبرد، \"المقتضب\" ٢/ ٢٢٦.\n(٣) نسبه للكلبي القرطبي ١٣/ ١٧١، وفي \"تنوير المقباس\" ٣١٦: نملة عرجاء يقال لها: منذرة!. وما دليل ذلك؟.\n(٤) \"تفسير القرطبي\" ١٣/ ١٧١. وأخرجه ابن جرير ١٩/ ١٤٢، عن عوف، بلفظ: الذباب. واقتصر عليه في \"الوجيز\" ٢/ ٨٠١. وأخرج ابن أبي حاتم ٩/ ٢٨٥٨، عن نوف الحميري: كان نمل سليمان مثل أمثال الذئاب. وذكره كذلك الثعلبي ٨/ ١٢٤ أ. وذكر السيوطي، \"الدر المنثور\" ٦/ ٣٤٧، عن كعب: وكانت مثل الذئب في العظم. وذكره الزجاج ٤/ ١١٢، ولم ينسبه. وذكره ابن كثير ٦/ ١٨٣، عن الحسن، ثم نقد ابن كثير هذه الأقوال بقوله: ومن قال من المفسرين: إن هذا الوادي كان بأرض الشام أو بغيره، وإن هذه التكملة كانت ذات جناحين كالذباب، أو غير ذلك من الأقاويل، فلا حاصل لها. وأخرج ابن أبي حاتم ٩/ ٢٨٥٧ عن الشعبي: النملة التي فقه سليمان كلامها كانت ذات في حين.\n(٥) ذكره عنه القرطبي ١٣/ ١٧١.","vol":"17","page":188},{"text":"الكلبي؛ لقوله: ﴿لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ﴾ ولو كانت كالذئاب والنعاج، ما حطمت بالوطء ولا خافت ذلك (١).\nوالنملة، جمعها: نَمْل، ونِمَال (٢)، ومنه قول الأخطل:\nدبيبُ نِمَالٍ في نَقًا يتهيّلُ (٣)\nويقال: رجل نَمِل الأصابع، إذا كان خفيف الأصابع في العمل. وفرسٌ نَمِل القوائم؛ لا يكاد يستقر (٤). والنمل إذا خرجت من قريتها لا تُرى مُستقرة ثابتة، بل تتحرك وتعدُو يمنة ويسرة، وهي كثيرة الحركة.\nقال أهل المعاني: ومعرفة النملة سليمان معجزة له ألهمها الله تعالى معرفته حتى عرفت وحَذَّرت النملَ حَطْمَه، والنمل تعرف كثيرًا مما فيه نفعها وضرها؛ فمن ذلك: أنها تكسر الحبة بقطعتين لئلا تنبت، إلا الكُزْبَرَة (٥) فإنها تكسرها بأربع قطع؛ لأنها تنبت إذا كُسرت بقطعتين. فمَنْ هداها إلى هذا هو الذي ألهمها معرفة سليمان (٦).\n_________\n(١) ورجح ذلك القرطبي ١٣/ ١٧١، ولم يذكر من سبقه له. قال البغوي ٦/ ١٥١، والبرسوي ٦/ ٣٣٣: والمشهور أنه النمل الصغير.\n(٢) \"تهذيب اللغة\" ١٥/ ٣٦٦ (نمل).\n(٣) \"تهذيب اللغة\" ١٥/ ٣٦٦ (نمل)، عن الليث، ونسبه للأخطل، وصدره:\nتدِب دبيبًا في العظام كأنه\nالنقا: ما ارتفع من الرمل، يتهل: ينحدر. \"شرح ديوان الأخطل\" ٢٦٢.\n(٤) \"تهذيب اللغة \" ١٥/ ٣٦٦ (نمل).\n(٥) نوع من أنواع البقول. \"لسان العرب\" ٥/ ١٣٨ (كزبر)، و\"المعجم الوسيط\" ٢/ ٧٨٦.\n(٦) \"تفسير الوسيط\" ٣/ ٣٧٣، ولم ينسبه. و\"تفسير الماوردي\" ٤/ ٢٠٠، ولم يشبه. وذكره الطوسي للدلالة على أن معرفة النمل لسليمان، ليس على سبيل المعجزة الخارقة للعادة؛ لأنه لا يمتنع أن تعرف البهيمة كثيرًا مما فيه نفعها وضرها. =","vol":"17","page":189},{"text":"قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ﴾ قال أبو إسحاق: جاء لفظ: (ادْخُلُوا) كلفظ ما يعقل؛ لأن النمل هاهنا أجري مجرى الآدميين حين نطق كما نطق الآدميون (١).\nوذكرنا استقصاء هذا عند قوله: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ﴾ الآية [يوسف: ٤] (٢).\nقوله تعالى: ﴿لَا يَحْطِمَنَّكُمْ﴾ الحَطم: كسر الشيء، والحُطَام: ما يُحطم من ذلك (٣).\nومعنى: ﴿لَا يَحْطِمَنَّكُمْ﴾ لا يكسرنكم (٤). قال مقاتل: لا يهلكنكم سليمان وجنوده (٥). وذكرنا وجه جواب الأمر بنون التأكيد عند قوله: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ الآية، [الأنفال: ٢٥] وهذه الآية وتلك سواء (٦).\n_________\n= \"التبيان في تفسير القرآن\" ٨/ ٨٤. وذكر ابن القيم عجائب صنع الله تعالى في المل، في كتابه \"شفاء العليل\" ٦٩، ٧٠.\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١١٢.\n(٢) قال الواحدي في تفسير هذه الآية: وقوله: ﴿رَأَيْتَهُمْ﴾ وهي مما لا يَفهم، ولا يُفهم وحسن ذلك؛ لأنه لما وصفها بالسجود صارت كأنها تعقل فأخبر عنها كما يخبر عمن يعقل كما قال في صفة الأصنام: ﴿وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ١٩٨].\n(٣) \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٩٩ (حطم).\n(٤) \"تنوير المقباس\" ٣١٧. و\"تفسير ابن جرير\" ١٩/ ١٤١.\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ٧٥ ب.\n(٦) قال الواحدي في تفسير هذه الآية من سورة الأنفال: ووجه إعراب الآية على هذا القول ما ذكره أبو إسحاق، وهو أن قوله: ﴿لَا تُصِيبَنَّ﴾ نهي بعد أمر، والمعنى: اتقوا فتنة، ثم نهى بعدُ، ثم قال: ﴿لَا تُصِيبَنَّ﴾ الفتنة الذين ظلموا، أي: لا =","vol":"17","page":190},{"text":"وقوله: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ أي: بحطمكم ووطئكم. قال مقاتل: لقد علمت النملة أنه مَلِك لا بغي فيه، ولا فخر، وأنه إن علم بها قبل أن يغشاها لم يتوطاها (١)، لذلك قالت: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ (٢).\nثم وقف سليمان بمَنْ معه ليدخل النمل مساكنها (٣). وهذا يدل على\n_________\n= يتعرضن الذين ظلموا لما ينزل بهم من العذاب. ثم ذكر شرح ابن الأنباري لهذا القول، ثم ذكر قول أبي علي الفارسي: إنه نهي بعد أمر، واستغني عن استعمال حرف العطف معه لاتصال الجملة الثانية بالأولى كما استغني عن ذلك في قوله: ﴿ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ [الكهف: ٢٢] و﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٣٩، وغيرها] ومحال أن يكون جواب الأمر بلفظ النهي، ودخول النون هاهنا يمنع أن تكون: ﴿لَا تُصِيبَنَّ﴾ جوابًا للأمر.\nقال أبو حيان: دخول نون التوكيد على المنفي بـ: لا، مختلف فيه؛ فالجمهور لا يجيزونه ويحملون ما جاء منه على الضرورة، أو الندور، والذي نختاره الجواز، وإليه ذهب بعض النحويين. \"البحر المحيط\" ٤/ ٤٧٧، وأطال الحديث عن هذه المسألة في سورة الأنفال، وفي سورة النمل، وتبعه السمين الحلبي، \"الدر المصون\" ٥/ ٥٨٩. قال ابن الأنباري: (لا) ناهية، ولهذا دخلت النون الشديدة في ﴿يَحْطِمَنَّكُمْ﴾ ولا يجوز أن يكون تقديره: إن دخلتم مساكنكم لم يحطمنكم، على ما ذهب إليه بعض الكوفيين؛ لأن نون التوكيد لا تدخل في الجزاء إلا في ضرورة الشعر. \"البيان\" ٢/ ٢٢٠.\n(١) \"تفسير مقاتل\" ٧٥ ب.\n(٢) أي: لا يعلمون أنهم يحطمونكم. \"تفسير ابن جرير\" ١٩/ ١٤١. وذكر الهواري ٣/ ٢٤٩، قولًا آخر اقتصر عليه ولم ينسبه، فقال أي: والنمل لا يشعرون أن سليمان يفهم كلامهم. وفي ذلك بعد، وقد نقد هذا القول محقق الكتاب. واستبعده الشوكاني ٤/ ١٢٧. وذكر القولين السمرقندي ٢/ ٤٩٢. والماوردي ٤/ ٢٠٠. ورد هذا القول ابن العربي، في أحكام القرآن ٣/ ٤٧٥. وذكر ابن الجوزي ٦/ ١٦٢، عن ابن عباس: وأصحاب سليمان لم يشعروا بكلام النملة.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ٧٥ ب. ونسبه \"الماوردي\" ٤/ ٢٠٠، لابن عباس.","vol":"17","page":191},{"text":"أن سليمان وجنوده كانوا ركبانًا ومشاة على الأرض، ولم تحملهم الريح؛ لأن الريح لو حملتهم بين السماء والأرض ما خافت النمل أن تتوطَّأهم بأرجلهم (١). ولعل هذه القصة كانت قبل تسخير الله تعالى الريح لسليمان.\nقال المفسرون: طارت الريح بكلام النملة فأدخلته أذن سليمان (٢). قال ابن عباس: وذلك أن الله تعالى أعطى سليمان زيادة في ملكه، لا يذكره أحد من الخلق إلا حملت الريح ذلك الكلام إليه حتى يسمعه، فلما سمع كلام النملة تبسم (٣).\nوفي هذه الآية ذكر أنواعٍ من المعجزة لسليمان؛ وهي: معرفة النمل لسليمان وجنوده، وكلامُ النملة للنمل، وفَهْمُ النمل عنها ما حذرتهم من الحطم؛ لأنها لما سمعت كلام النملة دخلت المساكن، وسماعُ سليمان كلام النملة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3163>١٩ </span>- قوله تعالى: ﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا﴾ يقال: بَسَم يَبْسِم وابتَسَم وتبَسَّم يتَبَسَّم، إذا أبدى عن أسنانه، وكَشَّر للضحك (٤).\nقال أبو إسحاق: أكثر ضحك الأنبياء التبسم، و﴿ضَاحِكًا﴾ حال مؤكدة؛ لأن تبسم بمعنى: ضحك، هذا كلامه (٥). ومعناه: أن التبسم عبارة\n_________\n(١) أي: تتوطأهم الجنود. ونحو هذا ذكر الحافظ ابن كثير، في \"البداية والنهاية\" ٢/ ١٩. وفي هذا رد على ما سبق من حمل الريح لجنود نبي الله سليمان -﵇-.\n(٢) \"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٢٤ أ. و\"الماوردي\" ٤/ ٢٠٠. و\"تفسير الوسيط\" ٣/ ٣٧٣.\n(٣) \"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٢٣ أ. وظاهر الآية أنه سمع كلام النملة لقربه منها. والله أعلم.\n(٤) \"تهذيب اللغة\" ١٣/ ٢٣ (بسم).\n(٥) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١١٢. قال ابن الأنباري: منصوب على الحال المقدرة، وتقديره: فتبسم مقدرًا الضحك. ولا يجوز أن يحمل على الحال المطلقة؛ لأن =","vol":"17","page":192},{"text":"عن ابتداء الضحك، والضحك عبارة جامعة للابتداء والانتهاء، فمعنى تبسم ضاحكًا: تبسم مبتسمًا، أو ضحك ضاحكًا، فَذِكرُ لفظ التبسم دلالة علي أن ضحكه كان تبسمًا. وذِكرُ الحال بلفظ الضحك؛ ليكون الكلام اْحسن، وليس المراد بلفظ الضحك هاهنا أكثر من التبسم (١)، ونحوهذا قيل في قول كُثَيِّر:\nغَمرُ الرِّداءِ إذا تبسَّمَ ضاحكًا (٢)\nوقالوا: إن أكثر ضحك الملوك تبسم. وسبب ضحك سليمان من قول النملة: التعجب؛ وذلك أن الإنسان إذا رأى ما لا عهد له به تعجب وضحك (٣).\nقال مقاتل: ثم حمد ربه حين علمه منطق كل شيء، فسمع كلام النملة (٤) ﴿وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي﴾ أي: ألهمني. ونحو هذا قال ابن عباس، والمفسرون، وأهل المعاني، في تفسير ﴿أَوْزِعْنِي﴾ (٥).\n_________\n= التبسم غير الضحك. البيان ٢/ ٢٢٠. وقد ذكر ابن العربي، في \"أحكام القرآن\" ٣/ ٤٧٦، عددًا من الأحاديث في ضحك النبي -ﷺ-.\n(١) قال القرطبي ١٣/ ١٧٠: أكد التبسم بقوله: ﴿ضَاحِكًا﴾ إذ قد يكون التبسم من غير ضحك ولا رضا، ألا تراهم يقولون: تبسم تبسم الغفسبان، وتبسم تبسم المستهزئين.\n(٢) \"ديوان كثير\" ١٨٧، من قصيدة له في مدح عبد العزيز بن مروان، وعجزه:\nعلقت لضحتكه رقاب المال.\nوفي الحاشية: غمر الرداء: كناية سعة المعروف والكرم. وأنشده ابن جني، \"الخصائص\" ٢/ ٤٤٥، ولم ينسبه.\n(٣) نسبه بنصه، \"البغوي\" ٦/ ١٥٢، لمقاتل، وهو عند مقاتل ٥٧ ب، بمعناه.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ٧٥ ب.\n(٥) \"تنوير المقباس\" ٣١٧، و\"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٨٩، و\"تفسير مقاتل\" ٧٥ ب =","vol":"17","page":193},{"text":"قال الزجاج: وتأويله في اللغة: كفني عن الأشياء، إلا عن شكر نعمتك (١). ولهذا يقال في تفسير المُوزَع: إنه المُولَع، ومنه الحديث: \"كان رسول الله -ﷺ- موزعًا بالسواك\" (٢) أي: مولعًا به، كأنه كُفَّ ومُنِع إلا منه.\nقوله: ﴿فِي عِبَادِكَ﴾ قال ابن عباس ومقاتل: يريد مع عبادك (٣).\nوعلى هذا في الكلام محذوف تقديره: مع عبادك الصالحين الجنة، فحُذِف للعلم به.\nوقال آخرون: معناه: وأدخلني في جملتهم. يعني: أثبت اسمي مع أسمائهم واحشرني في زمرتهم (٤).\nقال ابن عباس: يريد مع إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب، ومَنْ بعدهم من النبيين (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3164>٢٠ </span>- قوله: ﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ﴾ التفقد: تَطَلُّبُ ما غاب عنك من شيء (٦). وأصله: تَتَبُّع الشيء المفقود وتَطَلُّبه هل هو\n_________\n= و\"غريب القرآن\" لابن قتيبة ٣٢٣. و\"تفسير ابن جرير\" ١٩/ ١٤٣، وأخرجه ابن أبي حاتم ٩/ ٢٨٥٨، عن قتادة، والسدي، وابن زيد. وذكره الأنباري في \"الزاهر\" ٢/ ٣٩٨، و\"الأضداد\" ١٤٥. وهو في \"تهذيب اللغة\" ٣/ ١٠٠ (وزع). وأخرجه ابن جرير عن ابن عباس، بلفظ: اجعلني. وكذا عند ابن أبي حاتم ٩/ ٢٨٥٨.\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١١٢.\n(٢) ذكره ابن الأثير، \"النهاية في غريب الحديث\" ٥/ ١٨١، ولم يعزه لأحد، وقد بحثت عن الحديث فلم أجده.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ٧٥. و\"تنوير المقباس\" ٣١٧. وأخرجه ابن جرير ١٩/ ١٤٣، وابن أبي حاتم ٩/ ٢٨٥٩، عن ابن زيد.\n(٤) \"تفسير البغوي\" ٦/ ١٥٢، ولم ينسبه.\n(٥) ذكره عنه البغوي ٦/ ١٥٢. وفي \"تنوير المقباس\" ٣١٧: مع عبادك المرسلين الجنة.\n(٦) \"تهذيب اللغة\" ٩/ ٤٢ (فقد).","vol":"17","page":194},{"text":"مظفور به. وكل شيء غاب عنك ثم تَتَبَّعْته طالبًا له قلت: تَفَقَّدته، بُنِي على: تفعل؛ لأنه تكلف الطلب، كما تقول: تعرفتُ الشيء إذا تتبعتَه تطلب معرفته.\nوالطير: اسم جامع، والواحد طائر (١). والمراد بالطير هاهنا: جنس الطير وجماعتها، وكانت تصحبه في سفره تظله بأجنحتها (٢). فقال: ﴿مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُد﴾ هذا استفهام عن حال نفسه. والمراد به الاستفهام عن حمال الهدهد. على تقدير: ما للَّهدهد لا أراه، ولكنه من القلب الذي يوضحه المعنى. تقول العرب: ما لي أراك كئيبًا؟ معناه: مالَك (٣)؟ والهُدهُد: طير معروف، وهَدْهَدتُه صوتُه (٤).\nقال مجاهد: سُئل ابن عباس كيف تفقد سليمان الهدهد من بين الطير؟ قال: إن سليمان نزل منزلًا ولم يَدرِ ما بُعد الماء، وكان الهدهد مهتديًا، فأراد أن يسأله عنه. قال: قلت كيف يكون مهتديًا والصبي يضع له الحِبَالَة (٥) فيصيده؟! قال: إذا جاء القدر حال دون البصر (٦).\n_________\n(١) \"تهذيب اللغة\" ١٤/ ١١ (طار).\n(٢) أخرجه ابن أبي حاتم ٩/ ٢٨٦٠، عن سعيد بن جبير، وعبد الله بن شداد، والسدي. وأخرجه ابن جرير ١٩/ ١٤٤، عن ابن عباس. وأخرجه الحاكم ٢/ ٤٤٠، عن ابن عباس، كتاب التفسير، وقال: على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي.\n(٣) \"تفسير الوسيط\" ٣/ ٣٧٣، ولم ينسبه. وذكر نحوه أبو علي، \"المسائل الحلبيات\" ١٥٢.\n(٤) \"تهذيب اللغة\" ٥/ ٣٥٣ (هد). وذكره القرطبي ١٣/ ١٧٨، ولم ينسبه.\n(٥) الحِبَالَة: جمع الحَبْل، يقال: حَبَل وحِبال، وحِبالة، والحَبْل: مصدر حَبَلت الصسِد واحتبلته: إذا نَصبت له حِبالَة فنَشِب فيها وأخذته. انظر: \"تهذيب اللغة\" ٥/ ٧٩.\n(٦) ذكر نحوه الهواري ٣/ ٢٥٠، ولم ينسبه، وفيه تعيين السائل، وهو: نافع الأزرق. =","vol":"17","page":195},{"text":"وروى مجالد عنه قال: بينما سليمان ذات يوم في مسيره إذ تفقد الطير، ففقد الهدهد فقال: ﴿مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُد﴾ قال عطاء عنه: وكان الهدهد يدله على الماء إذا أراد أن ينزل، فلما فقده سأل عنه (١).\nقال الكلبي: ولم يكن معه في سيره ذلك إلا هدهد واحد. هذا قول أكثر المفسرين: إن السبب في تفقد الطير كان طلب الماء (٢)، وكان الهدهد مهندسَ الماء، وإنما كان يعرف سليمان قُرب الماء وبُعده من جهته؛ وذلك أنه كان يرى الماء في الأرض كما يُرى الماءُ في الزجاجة (٣).\nقال عبد الله بن شداد: الهدهد ينظر إلى الماء كما ينظر بعضنا إلى بعض (٤).\n_________\n= وأخرجه ابن جرير ١٤٣/ ١٩، ١٤٤، وابن أبي حاتم ٩/ ٢٨٥٩، عن ابن عباس، وفيه ذكر نافع الأزرق. وذكره الثعلبي ٨/ ١٢٥ أ. وأخرجه الحاكم ٢/ ٤٤٠، كتاب التفسير، رقم: ٣٥٢٥، ٣٥٢٦، من طريق عكرمة، وسعيد بن جبير، عن ابن عباس، وقال: على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. وأخرجه عبد الله بن الإمام أحمد، \"كتاب السنة\" ٢/ ٤١٢، رقم: ٩٠٠.\n(١) أخرج ابن أبي حاتم ٩/ ٢٨٦٠، هذا المعنى عن عدد من المفسرين.\n(٢) \"تفسير مجاهد\" ٢/ ٤٧٠. و\"تفسير هود الهواري\" ٣/ ٢٥٠. و\"ابن جرير\" ١٩/ ١٤٣.\n(٣) أخرج نحوه ابن أبي حاتم ٢٨٥٩/ ٩، عن ابن عباس. وذكره بنصه، الزجاج ٤/ ١١٣، ولم ينسبه. وذكره السمرقندي ٢/ ٤٩٢، ولم ينسبه.\n(٤) أخرجه ابن أبي حاتم ٩/ ٢٨٦٠. والذي يظهر -والله تعالى أعلم- أن تفقد نبي الله سليمان ﵇ للَّهدهد من شمام متابعته لجنده وتفقده لهم، واستظهر هذا المعنى أبو حيان ٧/ ٦١. ورد ابن سعدي ٥/ ٥٧٠، القول بأن سبب تفقد الهدهد، طلب الماء، بأنه لا يدل عليه دليل، بل الدليك العقلي، واللفظي دال على بطلانه، ثم شرع في بيان ذلك، ثم قال: فإن عنده من الشياطين، والعفاريت، ما يحفرون له الماء، ولو بلغ في العمق ما بلغ، وسخر له الريح غدوها شهر، ورواحها =","vol":"17","page":196},{"text":"وروي عن ابن عباس، في سبب تفقد الطير: أنها كانت تظله، فوقعت نفحة من الشمس على رأسه، فنظر وتفقد الطير، فإذا موضح الهدهد خالٍ، فذلك قوله: ﴿مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ﴾ (١) قال أبو إسحاق: معناه: بل كان من الغائبين (٢).\nقال مقاتل: والميم هاهنا صلة (٣) كقوله: ﴿أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ﴾ [الطور: ٤١، القلم: ٤٧] (٤). ونحو هذا قال الكسائي.\nوقال المبرد: لما تفقد سليمان الطير ولم ير الهدهد قال: ﴿مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ﴾ على تقدير أنه مع جنوده وهو لا يراه، ثم أدركه الشك، فشك (٥) في غيبته عن ذلك الجمع حيث لم يره، فقال (٦): ﴿أَمْ كَانَ مِنَ\n_________\n= شهر، فكيف مع ذلك يحتاج إلى الهدهد .. والشاهد: أن تفقد سليمان -﵇- للطير، وفقده الهدهد يدل على كمال حزمه، وتدبيره للملك بنفسه، وكمال فطنته، حتى تفقد هذا الطائر الصغير.\n(١) أخرجه ابن جرير ١٩/ ١٤٤، بنحوه. وأخرجه ابن أبي حاتم ٩/ ٢٨٦١، عن سفيان. قال ابن جرير: والله أعلم بأي ذلك كان إذ لم يأتنا بأي ذلك كان تنزيل، ولا خبر عن رسول الله -ﷺ- صحيح.\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١١٣. فأم، منقطعة بمعنى: بل.\n(٣) أي: حرف زائد، فيكون المعنى على الاستفهام: أكان من الغانيين والظاهر في الآية أنها أم المنقطعة. وجزم بذلك الزمخشري ٣/ ٣٤٦. قال أبو حيان: والصحيح أن أم في هذا هي المنقطعة؛ لأن شرط المتصلة تقدم همزة الاستفهام، فلو تقدمها أداة الاستفهام غير الهمزة كانت أم منقطعة، وهنا تقدم ما ففات شرط المتصلة، وقيل: يحتمل أن تكون من المقلوب، وتقديره: ما للهدهد لا أراه، ولا ضرورة إلى ادعاء القلب. \"البحر المحيط\" ٧/ ٦٢، وتبعه في ذلك السمين الحلبي، \"الدر المصون\" ٨/ ٥٩٢.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ٥٨ أ. وذكره البغوي ٦/ ١٥٣، ولم ينسبه.\n(٥) في نسخة: (ج): فقال.\n(٦) فقال، غير موجودة في (ج).","vol":"17","page":197},{"text":"الْغَائِبِينَ﴾ أي: بل أكان من الغائبين، كأنه ترك الكلام الأول، واستفهم عن حاله وغيبته.\nوقال صاحب النظم: (كَانَ) هاهنا بمنزلة: صار، كقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى﴾ [الأنفال: ٦٧] أي: أن يصير له أسرى، والتأويل: صار من الغائبين. أي: صار ممن يغيب عن مركزه. انتهى كلامه.\nوقال أبو علي: معنى: ﴿مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ﴾ أخبروني عن الهدهد، أحاضرٌ هو ﴿أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ﴾ [فعرنت الجملة لقوله (أَمْ كَانَ)] (١) ومثله قوله: ﴿أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ﴾ [ص: ٦٣] وسنذكره في موضعه (٢). وقوله: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ﴾ [الزمر: ٩] (٣) قال: وهذا قول أبي\n_________\n(١) ما بين المعقوفين، في نسخة (ج).\n(٢) قال الواحدي في تفسير قول الله تعالى: ﴿أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ﴾: قال أبو علي: في إلحاق همزة الاستفهام بعض البعد؛ لأنهم قد علموا أنهم اتخذوهم سخريًا، فكيف يستقيم أن يستفهموا عن اتخاذهم سخرِيًا، وقد علموا ذلك، يدل على علمهم به أنه قد أخبر عنهم بذلك في قوله: ﴿فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي﴾ [المؤمنون: ١١٠] فالجملة التي هي: ﴿أَتَّخَذْنَاهُمْ﴾ صفة للنكرة وهي قوله: ﴿رِجَالًا﴾ ووجه قول من ألحق الهمزة الاستفهام أنه على التقرير لا على المعنى، وذلك ليعادل قوله: ﴿أَتَّخَذْنَاهُمْ﴾ بـ (أم) في قوله: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [المنافقدن: ٢] وإن لم يكن استفهامًا في المعنى وكذلك قولهم: ما أبالي أزيد قائم أم عمرو، فإن قلت: ما الجملة المعادلة بقوله: ﴿أَمْ زَاغَتْ﴾ فالقول فيه: أنها محذوفة المعنى: أمفقودون أم زاغت عنهم الأبصار، وهذا كما ذكرنا في قوله تعالى: ﴿أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ﴾ [النمل: ٢].\n(٣) قال الواحدي في تفسير هذه الآية: قرئ بالتخفيف والتشديد، واختلف أهل المعاني في توجيه القراءتين، واختار أبو عبيد التشديد، قال: ومعناها عند أهل العلم: هذا أفضل أمن هو فانت على تأويل: أم الذي هو قانت .. وهذا قول أبي علي في وجه هذه القراءة وشرحه فقال: الجملة التي قد عادلت أم قد حذفت، =","vol":"17","page":198},{"text":"الحسن (١). وإنما قال: ﴿مِنَ الْغَائِبِينَ﴾ ولم يقل: من الغائبة؛ لوفاق رؤوس الآي (٢). ووجه جوازه: أن الطير من سليمان بمنزلة من يعقل، حيث فهم عنها وفهمت عنه، فهي عنده كبني آدم وغيرهم ممن يعقل، فلما كان عنده سواء قال: ﴿مِنَ الْغَائِبِينَ﴾. ثم أوعده على غيبته فقال: ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3165>٢١ </span>- ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ﴾ قال ابن عباس: فتألى ليعذبنه؛ قال: والله لأعذبنه عذابًا شديدًا، قال: يريد النتف، نتف ريشه، وهو أن ينتفه ثم يلقيه بالأرض، فلا يمتنع من نملة، ولا من شيء من هوام الأرض (٣). هذا قول ابن عباس في رواية عطاء، ومجاهد وسعيد بن جبير، وهو قول جماعة المفسرين؛ قالوا: تعذيبه إياه: نتفه وتشميسه (٤).\nوقال مقاتل: يعني: لأنتفن ريشه فلا يطير مع الطير حولًا (٥).\n_________\n= والمعنى: الجاحد الكافر خير أم الذي هو قانت، ودل على الجملة المحذوفة المعادلة لـ (أم) ما جاء بعدُ من قوله سبحانه: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾.\n(١) لم أجده في \"معاني القرآن\" للأخفش.\n(٢) سبق الحديث عن هذه المسألة في تفسير الآية الرابعة من سورة: (الشعراء).\n(٣) \"تفسير هود الهواري\" ٣/ ٢٥٠، ولم ينسبه. وأخرجه ابن أبي حاتم ٩/ ٢٨٦٢، عن قتادة. وذكره الثعلبي ٨/ ١٢٤ ب. واستظهر هذا القول البغوي ٦/ ١٥٣.\n(٤) \"تفسير مجاهد\" ٢/ ٤٧٠، عن مجاهد، وعبد الله بن شداد. وأخرجه عبد الرزاق ٢/ ٧٩، عن ابن عباس، وقتادة، وعبد الله بن شداد وأخرجه ابن أبي شيبة عن عبد الله بن شداد. وأخرجه ابن جرير ١٩/ ١٤٥، عن ابن عباس، من طرق، ومجاهد، وقتادة، والضحاك، وابن زيد. وأخرجه ابن أبي حاتم ٩/ ٢٨٦٢، عن ابن عباس، وعبد الله بن شداد وقال به ابن قتيبة في \"غريب القرآن\" ٣٢٣.\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ٥٨ أ. قال ابن كثير: اختلف المفسرون فيه، والمقصود حاصل على كل تقدير. \"البداية والنهاية\" ٢/ ٢١.","vol":"17","page":199},{"text":"قوله: ﴿أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ أي: بحجة بينة في غيبته (١). وقرأ ابن كثير: (ليأتينني) بنونين. وكذلك في مصاحفهم. وقرأ الباقون بنون واحدة مشددة، وحذفوا النون الثانية التي قبل ياء المتكلم؛ لاجتماع النونات، وكذلك في مصاحفهم (٢).\nقال صاحب النظم: قوله: ﴿لَيَأْتِيَنِّي﴾ ليست بموضع قسم؛ لأنه عذر للهدهد في دفع الذبح والعذاب عنه، فلم يكن ليقسم على أن يأتي بعذر، ولكنه لما جاء بها في إثْر (٣) ما يجوز فيه القَسَم أجراه مجراه، كما تقول في باب المحاذاة والمعارضة (٤)، ولو لم يجيء باللام لم يجز فيه النون، فكان يكون: أو يأتيني، على أن يكون (أَوْ) بمنزلة حتى أو على نظم (٥): أو أن يأتيني، وهذا شبيه بقوله -﷿-: ﴿قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ﴾ [النساء: ٩٠] فاللام الأولى دخلت لـ: لو، والثانية على المحاذاة والمعارضة.\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ٥٨ أ. و\"هود الهواري\" ٣/ ٢٥٠، منسوبًا لابن عباس. و\"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١١٣، ولم ينسبه. أخرج ابن جرير ١٩/ ١٤٦، وابن أبي حاتم ٩/ ٢٨٦٣، عن ابن عباس: كل سلطان في القرآن فهو حجة.\n(٢) \"السبعة في القراءات\" ٤٧٩، و\"إعراب القراءات السبع وعللها\" ٢/ ١٤٥. و\"المبسوط في القراءات العشر\". و\"الحجة\" ٥/ ٣٨٠، و\"النشر\" ٢/ ٣٣٧٠ قال الأزهري: من قرأ: بنونين، ثقل النون للتأكيد، وجاء بنون أخرى للإضافة. \"معاني القراءات\" ٢/ ٢٣٥. قال الداني: في مصاحف أهل مكة ﴿أَوْ لَيَأْتِيَنني﴾ بنونين، وفي سائر المصاحف بنون واحدة. \"المقنع\" ١٠٦.\n(٣) قال ابن السكيت: خرجت في أَثَره، وإثْره. وقال ابن الأعرابي: جاء في أَثَره، وإِثْره. \"تهذيب اللغة\" ١٥/ ١٢١ (أثر).\n(٤) يعني: أن اللام لما دخلت على: ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ﴾ و﴿لَأَذْبَحَنَّهُ﴾، لكونها في موضع قسم دخلت على: ﴿لَيَأْتِيَنِّي﴾ من باب: المحاذاة والمعارضة. والله تعالى أعلم.\n(٥) في نسخة، (ج): (وزن).","vol":"17","page":200},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3166>٢٢ </span>- وقوله: ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ قرئ بفتح الكاف (١). قال المبرد: يقال: مكَث ومكِث ومكُث فمن قال: مكَث أو مكِث فالمضارع منه: يمكث، ومن قال: مكُث فالمضارع منه: يمكُث، واسم الفاعل من المفتوحة والمكسورة: ماكث، ومن المضمومة: مكيث، نحو: شَرُف فهو شريف، وظَرُف فهو ظريف.\nقال أبو علي: ومما يقوي الفتح قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف: ٧٧] وقوله: ﴿مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا﴾ [الكهف: ٣] فماكثون تدلك على: مَكَث. ألا ترى أنك لا تكاد تجد فاعلًا من فعُل (٢).\nقال ابن عباس: يريد: لم يلبث إلا يسيرًا (٣).\nقال الفراء: ومعنى ﴿غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ غير طويل من الإقامة، والبعيد والطويل متقاربان (٤). وقال الزجاج: أي غير وقت بعيد (٥).\n_________\n(١) قرأ عاصم وحده، بفتح الكاف، والباقون بضم الكاف. \"السبعة في القراءات\" ٤٨٠، و\"إعراب القراءات السبع وعللها\" ٢/ ١٤٦، وفيه اختار ابن خالويه: الفتح. و\"المبسوط في القراءات العشر\" ٢٧٨. و\"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٣٨١، و\"النشر في القراءات العشر\" ٢/ ٣٣٧، قال ابن جرير ١٩/ ١٤٧: هما لغتان مشهورتان، وإن كان الضم فيها أعجب إلي؛ لأنها أشهر اللغتين وأفصحهما. وقال الأزهري: ضم الكاف أكثر في كلام العرب.\n(٢) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٣٨١. قال النحاس: سمعت علي بن سليمان، يقول: الدليل على أن: مكَث أفصح قولهم ماكث، ولا يقولون: مَكِثٌ. \"إعراب القرآن\" ٣/ ٢٠٣. قال الأزهري: وكان أبو حاتم يختار النصب؛ لأنه قياس العربية، ألا ترى أنه يقال: فهو ماكث، ولا يقال: مكيث. \"معاني القراءات\" ٢/ ٢٣٥.\n(٣) \"تنوير المقباس\" ٣١٧، بمعناه.\n(٤) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٨٩.\n(٥) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١١٣.","vol":"17","page":201},{"text":"وقوله: ﴿فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾ (١) قال صاحب النظم: فيه محذوف على تقدير: ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ حتى جاء (فَقَالَ) (٢).\nوقال الزجاج: المعنى: ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ فجاء الهدهد فسأله سليمان عن غيبته، فقال: ﴿أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾ وحذف هذا؛ لأن في الكلام دليلًا عليه. ومعنى: (أَحَطتُ) علمتُ شيئًا من جميع جهاته (٣).\nقال ابن عباس: فأتاه الهدهد بحجة، فقال: اطلعتُ على ما لم تَطَّلِع عليه (٤).\nوقال مقاتل: علمتُ ما لم تعلم؛ يقول: جئتك بأمر لم تخبرك به الجنُ، ولم تعلم به الإنس، وبلغتُ ما لم تبلغه أنت ولا جنودك (٥).\nقوله تعالى: ﴿وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾ (٦) قرئ ﴿مِنْ سَبَإٍ﴾ بالإجراء، والتنوين. وقرأه ابن كثير وأبو عمرو غير مجري (٧).\n_________\n(١) في هذه الآية رد على من قال: إن الأنبياء تعلم الغيب. \"إعراب القرآن\" للنحاس ٣/ ٢٠٣.\n(٢) \"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٤٩٣، ولم ينسبه.\n(٣) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١١٤. و\"تفسير الماوردي\" ٤/ ٢٠١، ولم ينسبه.\n(٤) \"تفسير الماوردي\" ٤/ ٢٠١.\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ٥٨ أ. وأخرج نحوه ابن أبي حاتم ٩/ ٢٨٦٤، عن قتادة.\n(٦) سبأ: بفتح أوله وثانيه: أرض باليمن مدينتها مأرب، بينها وبين صنعاء مسيرة ثلاثة أيام، وسميت بهذا لأنها كانت منزل ولد سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان. \"معجم البلدان\" ٣/ ٢٠٣. وهي تقع شمال شرق صنعاء.\n(٧) \"السبعة في القراءات\" ٤٨٠. و\"إعراب القراءات السبع وعللها\" ٢/ ١٤٧. و\"المبسوط في القراءات العشر\" ٢٧٨. و\"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٣٨٢، و\"النشر في القراءات العشر\" ٢/ ٣٣٧. وقد صوب القراءتين ابن جرير ١٩/ ١٤٧. ومعنى: غير مجري؛ أي: غير مجرور، فهو ممنوع من الصرف.","vol":"17","page":202},{"text":"قال الفراء: من أجرى فلأنه فيما ذكروا: رجل. قال: وسُئل أبو عمرو عن قراءته بغير إجراء، فقال: لست أدري ما هو، قال: وقد ذهب مذهبًا إذ لم يدر ما هو فلمَ يُجره (١)؛ لأن العرب إذا سمت بالاسم المجهول تركوا إجراءه كما قال الأعشى:\nوتُدفنَ منه الصالحاتُ وإن يُسئ ... يكن ما أساءَ النارَ في رأس كَبْكَبَا\nفكأنه جهل كبكب (٢).\nوقال الكسائي: من جعله اسم ذكرٍ، رجلٍ أو غيره، أجراه، ومن جعله اسمًا مؤنثًا قبيلة أو مدينة، أو مكان لم يجره (٣).\nوأنكر أبو إسحاق على الفراء قولَه: الاسم إذا لم يُدرَ ما هو لم يُصرف؛ فقال: الأسماء حقها الصرف فإذا لم يعلم الاسم لمذكرٍ هو أم\n_________\n(١) اعترض النحاس على كلام الفراء عن قول أبي عمرو؛ فقال: أبو عمرو أجل من أن يقول مثل هذا، وليس في حكايته الرُّؤاسي عنه دليل أنه إنما منعه من الصرف لأنه لم يعرفه، وإنما قال: لا أعرفه، ولو سئل نحوي عن اسم فقال: لا أعرفه، لم يكن في هذا دليل على أنه يمنعه من الصرف، بل الحق على غير هذا، والواجب إذا لم تعرفه أن تصرفه؛ لأن أصل الأسماء الصرف. \"إعراب القرآن\" ٣/ ٢٠٤.\n(٢) أنشده مع بيت قبله ونسبه سيبويه، الكتاب ٣/ ٩٣، وأنشده كذلك الفراء، \"معاني القرآن\" ٢/ ٢٩٥. وعن الفراء ذكره النحاس، \"إعراب القرآن\" ٣/ ٢٠٤. والبيت في \"شرح ديواد الأعشى\" ٤٠، من قصيدة يهجو فيها عمرو بن المنذر بن عبدان. وفي حاشية الكتاب: كبكب: اسم جبل بمكة، والنار في رأس الجبل أظهر وأشهر؛ أي: من اغترب عن قومه جرى عليه الظلم فاحتمله لعدم ناصره، وأخفى الناس حسناته وأظهروا سيئاته.\n(٣) ذكر هذا سيبويه، \"الكتاب\" ٣/ ٢٥٢، فقال: فأما ثمود وسبأ، فهما مرة للقبيتين، ومرة للحيين. قال ابن الأنباري: من قرأ بالصرف جعله اسمًا للحي، أو للأب، ومن قرأ بترك الصرف جعله اسمًا لقبيلة أو بلدة، فلم يصرف للتعريف والتأنيث. \"البيان\" ٢/ ٢٢١.","vol":"17","page":203},{"text":"لمؤنثٍ فحقه الصرف حتى يُعلم أنه لا ينصرف؛ لأن أصل الأسماء الصرف، فكل ما لا ينصرف فهو يُصرف في الشعر.\nقال: ومن قال: إن سبأ اسم رجل فغلط؛ لأن سبأ هي: مدينة تعرف بمأرب من اليمن، وبينها وبين صنعاء مسيرة ثلاثة أيام. فمَن لم يصرف فلأنه اسم مدينة، ومن صرف والصرف أكثرة فلأنه اسمٌ للبلد فيكون مُذَكّرًا سُمِّيَ به مُذكَّر (١).\nوالذي قاله أبو إسحاق: من أنه اسم مدينة، قول بعض المفسرين (٢)، وبه قال مقاتل؛ لأنه قال: يعني من أرض سبأ باليمن (٣).\nوظاهر هذا القول: أنه أراد مدينة، مع احتمال أن سبأ اسم القبيلة أضاف الأرض إليهم. وكثير من الناس ذهبوا إلى أن سبأ اسم رجل.\nرُوي في الخبر أن النبي -ﷺ- سُئل عن سبأ فقال: \"كان رجلًا له عشرة من البنين\" الحديث (٤).\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١١٤.\n(٢) \"تفسير هود الهواري\" ٣/ ٢٥٠، ولم ينسبه.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ٥٨ أ. واقتصر عليه في \"الوجيز\" ٢/ ٨٥٢.\n(٤) ذكره الهواري ٣/ ٢٥٥، ولفظه: سئل رسول الله -ﷺ- عن سبأ، أرجل هو أم امرأة، أم أرض. فقال: بل هو رجل، ولَدَ عشرة، فباليمن منهم ستة، وبالشام أربعة، ثم ذكر أسماءهم. وأخرجه بسنده ابن جرير، في تفسير سورة سبأ ٢٢/ ٧٦. وأخرج بسنده الأزهري في \"معاني القراءات\" ٢/ ٢٣٧، وقال: إسناد الحديث حسن، وهو يدل على أن إجراء سبأ أصوب القراءتين. والحديث أخرجه الترمدي ٥/ ٣٣٦، كتاب تفسير القرآن، رقم: ٣٢٢٢، وقال الترمذي: حسن غريب. وأخرجه الحاكم ٢/ ٤٦٠، كتاب التفسير، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. وهو في \"صحيح سنن الترمذي\" ٣/ ٩٦، رقم: ٢٥٧٤.","vol":"17","page":204},{"text":"وقال أبو الحسن (١) في سبأ: إن شئت صرفت فجعلته اسم أبيهم، أو اسم الحي، وإن شئت لم تصرف فجعلته اسم القبيلة. قال: والصرف أعجب إليَّ؛ لأني قد عرفت أنه اسم أبيهم، وإن كان اسم الأب يصير كالقبيلة، إلا أني أحمله على الأصل (٢).\nوقال غيره: هو اسم رجل، واليمانية كلها تنسب إليه، يقولون: سبأ ابن يَشْجُب بن يَعْرُب بن قحطان (٣). فبان بما ذكرنا أن إنكار أبي إسحاق على من قال: سبأ: اسم رجل، لا يتوجه.\nقال الأزهري: سبأ: اسم رجل ولَدَ عشرة بنين، فسميت القرية باسم أبيهم (٤). وفي هذا بيان أن القرية إن سميت سبأ فهي مسماة باسم رجل، نحو: مدين سميت باسم مدين بن إبراهيم، والعرب قد تكلمت بالإجراء وغير الإجراء في: (سبأ)؛ قال جرير:\nالواردون وتيمٌ في ذُرَى سبإٍ (٥)\n_________\n(١) نص ابن الجوزي ٦/ ١٦٥، على أنه الأخفش. لكني لم أجد هذا القول في كتابه المعاني في هذه السورة، ولا في سورة سبأ.\n(٢) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٣٨٢، منسوبًا لأبي الحسن. قال الشوكاني ٤/ ١٢٨: أقول: لا شك أن سبأ اسم مدينة باليمن كانت فيها بلقيس، وهو أيضًا اسم رجل من قحطان، وهو: سبأ بن يشجب، بن يعرب، بن قحطان بن هود، ولكن المراد هنا: أن الهدهد جاء إلى سليمان بخبر ما عاينه في مدينة سبأ.\n(٣) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٣٨٢. ولم يسم القائل. وهذا النسب ذكره النحاس في \"إعراب القرآن\" ٣/ ٢٠٥.\n(٤) \"تهذيب اللغة\" ١٣/ ١٠٦ (سبأ)، وصدَّره بـ: قيل، ولم ينسبه.\n(٥) أنشده كاملًا الفراء ٢/ ٢٩٠، ولم ينسبه، وعجزه:\nقد عض أعناقهم جِلد الجواميس","vol":"17","page":205},{"text":"فأجرى، وقال آخر:\nمن سبأَ الحاضرين مَأربَ إذ ... يَبْنون من دون سيله العَرِما (١)\nوقوله: ﴿بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾ قال ابن عباس: بخبر صادق (٢).\nوقال مقاتل: بحديث حق لا شك فيه. فقال سليمان: وما ذاك؟ فقال الهدهد (٣):\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3167>٢٣ </span>- ﴿إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ﴾ قال مقاتل: يعني تملك أهل سبأ (٤) ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ قال ابن عباس ومقاتل: يريد من زينة الدنيا من\n_________\n= وهو في \"ديوان جرير\" ٢٥٢، من قصيدة طويلة يهجو فيها التيم، ورواية البيت في الديوان:\nتدعوك تيم وتيم في ذرى سبإ ... قد عض أعناقَهم جِلدُ الجواميس\nوفي حاشية الديوان: أراد أنهم أسرى، وفي أعناقهم أطواق من جلد الجواميس.\n(١) أنشده ولم ينسبه: سيبويه ٣/ ٢٥٣، والزجاج ٤/ ١١٤، والأنباري في \"الإنصاف\" ٢/ ٥٠٢. والشاهد فيه: ترك صرف سبأ، على معنى القبيلة. حاشية الكتاب ٣/ ٢٥٣. وأنشده النحاس، \"إعراب القرآن\" ٣/ ٢٠٤، ونسبه للنابغة الجعدي، وهو في ديوانه ١٣٤، من قصيدة طويلة مطلعها:\nالحمدُ لله لا شريك لهُ ... من لم يقُلها فنفسَه ظَلَمَا\nيذكر في هذه القصيدة ضروبًا من دلائل التوحيد، والإقرار بالبعث والجزاء، والجة والنار، وصفةِ بعض ذلك: على نحو شعر أمية بن أبي الصَّلت، وقد قيل: إن هذه القصيدة لأمية بن أبي الصلت، ولكنه قد صححه يونس بن حبيب، وحمادٌ الراوية، ومحمد بن سلام، وعلي بن سليمان الأخفش، للنابغة الجعدي. \"خزانة الأدب\" ٣/ ١٧٢. والبيت في \"ديوان أمية بن أبي الصلت\" ١٩٠.\n(٢) \"تفسير هود الهواري\" ٣/ ٢٥٠، بلفظ: بخبر يقين. وأخرجه ابن أي حاتم ٩/ ٢٨٦٥، بلفظ: خبر حق.\n(٣) و(٤) \"تفسير مقاتل\" ٥٨ أ.","vol":"17","page":206},{"text":"المال والجنود والعلم (١).\nوالمعنى: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ يؤتاه مثلها (٢). قال أبو علي: أي: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ في زمانها فحذف المفعول لدلالة الإيتاء عليه (٣). ويجوز في قياس أبي الحسن أن يكون المعنى: وأوتيت كلَّ شيء، ولا يجوز في قياس قول سيبويه (٤).\n﴿وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ قال ابن عباس: يريد: سريرًا من ذهب تجلس عليه، طوله ثمانون ذراعًا، وعرضه أربعون ذراعًا، وارتفاعه في السماء\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ٥٨ أ.\nوأخرج ابن جرير ١٩/ ١٤٨، عن الحسن: من كل أمر الدنيا، ونسبه في \"الوسيط\" ٣/ ٣٧٥، لعطاء.\nوذكر البغوي ٦/ ١٤٩، عن ابن عباس: من أمر الدنيا والآخرة. وفي \"تنوير المقباس\" ٣١٧: أعطيت علم كل شيء في بلدها.\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١١١.\n(٣) المفعول المحذوف تقديره: وأوتيت من كل شيء شيئًا يؤتاه مثلها.\n(٤) يعني بذلك الواحدي الخلاف في: ﴿مِّن﴾ هل هي زائدة للتوكيد كما هو رأي أبي الحسن الأخفش؛ حيث يرى أن: (مِن)، تزاد في الإيجاب مطلقًا، كقوله تعالى: ﴿لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ﴾ [آل عمران: ٨١] قال: ﴿مِنْ كِتَابٍ﴾ تريد: لما آتيتكم كتابٌ وحكمةٌ، وتكون: (من)، زائدة. \"معاني القرآن\" ١/ ٤١٣.\nكتبن بالرفع: كتاب وحكمة. وذكر رأي أبي الحسن الأخفش، أبو البركات الأنباري، \"البيان في غريب إعراب القرآن\" ١/ ٣٢٠. وأما سيبويه فهو يرى أن: مِن، لا تزاد إلا إذا كان مجرورها نكرة في سياق نفي، أو نهي، أو استفهام. \"الكتاب\" ١/ ٣٨.\nوذكر هذه المسألة بالتفصيل د. عبد الفتاح الحموز في رسالته للدكتوراه: \"التأويل\" النحوي في القرآن الكريم\" ٢/ ١٢٩٢. كما ذكرها د. صالح بن إبراهيم الفراج، في رسالته للدكتوراه: \"الواحدي النحوي من خلاق كتابه البسيط\" ٢/ ٤٢٥.","vol":"17","page":207},{"text":"ثلاثون ذراعًا، مضروب بالذهب، مكلل بالدر والياقوت الأحمر، والزبرجد الأخضر، قوائمه من زبرجد أخضر (١).\nوقال مقاتل: كان عرشها ثمانون ذراعًا، في ثمانين ذراعًا، وارتفاع السرير من الأرض ثمانون ذراعًا مكلل بالجوهر (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3168>٢٤ </span>- وقوله تعالى: ﴿وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ الآية، وتفسيرها ظاهر.\n<span data-type=\"title\" id=toc-3169>٢٥ </span>- وقوله: ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ﴾ قرئ بالتشديد والتخفيف (٣)؛ فمَنْ شدد فتقديرها: فصدهم عن السبيل لئلا يسجدوا. وهذا قول الزجاج (٤).\nويجوز أن يُعلق: أنْ، بزين؛ كأنه زين لهم الشيطان لئلا يسجدوا.\n_________\n(١) \"تفسير الوسيط\" ٣/ ٣٧٥، عن عطاء. وذكر هذا التفصيل وزاد عليه الثعلبي ٨/ ١٢٧ أ. والبغوي ٦/ ١٥٦.\nوتفسير العرش بأنه: السرير ذكره البخاري، عن ابن عباس، ولفظه: ﴿وَلَهَا عَرْشٌ﴾ سرير ﴿كَرِيم﴾ حُسنُ الصنعة، وغلاء الثمن. \"فتح الباري\" ٨/ ٥٠٤. وأخرجه ابن جرير ١٩/ ١٤٨، بلفظ: عرشها: سرير من ذهب قوائمه من جوهر ولؤلؤ. وكذا عند ابن أبي حاتم ٩/ ٢٨٦٦.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ٥٨ أ. وأخرجه ابن أبي حاتم ٩/ ٢٨٦٧، عن زهير بن محمد: سرير من ذهب، وصفحتاه مرمول بالياقوت، والزبرجد، طوله ثمانون ذراعًا، في أربعين عرضًا. وهذا التفصيل مما لم يثبت، ولا فائدة في معرفته، فالأولى تركه. والله أعلم. قال ابن عطية ١١/ ١٩٣، عن ملكة سبأ: وأكثر بعض الناس في قصصها بما رأيت اختصاره لعدم صحته، وإنما اللازم من الآية أنها مختصة بامرأة مُلكت على مدائن اليمن، وكانت ذات ملك عظيم، وكانت كافرة من قوم كفار.\n(٣) كلهم شدد اللام، غير الكسائي. \"السبعة في القراءات\" ٤٨٠، و\"إعراب القراءات السبع وعللها\" ٢/ ١٤٨، و\"المبسوط في القراءات العشر\" ٢٧٩، و\"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٣٨٣، و\"النشر في القراءات العشر\" ٢/ ٣٣٧.\n(٤) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١١٥. وذكره أبو علي، ولم ينسبه، \"الحجة\" ٥/ ٣٨٣.","vol":"17","page":208},{"text":"وهذا قول الفراء (١).\nواللام في الوجهين داخلة على مفعول له ثم حذفت، وموضع أن نصب بقوله: ﴿فَصَدَّهُمْ﴾، ويجوز أن يكون موضعها خفضًا ولو حذفت اللام. والوجه: قراءة من قرأ بالتشديد لتجري القصة على سَنَنِها، ولا يفصل بين بعضها وبعضٍ بما ليس منها، وإن كان الفصل بهذا النحو غير ممتنع؛ لأنه يجري مجرى الاعتراض، وما يسدد القصة، وكأنه لما قيل: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ﴾ فدل هذا الكلام علي أنهم لا يسجدون لله، ولا يتدينون بدين. قال الهدهد: ألا يا قوم، أو يا مسلمون اسجدوا لله الذي خلق السموات والأرض، خلافًا عليهم (٢)، وحمدًا لله لمكان ما هداكم لتوحيده، فلم تكونوا مثلهم في الطغيان والكفر.\nووجه دخول حرف التنبيه على الأمر، أنه: موضع يُحتاج فيه إلى استعطاف المأمور، لتأكيد ما يؤمر به عليه، كما أن النداء موضع يُحتاج فيه إلى استعطاف المنادى، لما ينادى له من إخبار أو أمر أو نهي، ونحو ذلك مما يخاطب به، وإذا كان كذلك فقد يجوز أن لا يريد منادى في نحو قوله: ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا﴾ ويجوز أن يراد بعد يا: مأمورون، فحذفوا كما حذف من\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٩٠، ولفظه: زين لهم الشيطان ألا يسجدوا. وهو قول الأخفش ٢/ ٦٤٩. وذكره أبو علي، ولم ينسبه، \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٣٨٣. قال ابن كثير ٦/ ١٨٨: ولما كان الهدهد داعيًا إلى الخير، وعبادة الله وحده والسجود له نُهي عن قتله. ثم ساق حديث ابْنِ عَبَّاس قَالَ إِنَّ النَّبِيَّ -ﷺ-: (نَهَى عَنْ قَتْلِ أَرْبَعٍ مِنَ الدَّوابِّ النَّمْلَةُ وَالنَّحْلَةُ وَالْهُدْهُدُ وَالصُّرَدُ). أخرجه أبو داود ٥/ ٤١٨، كتاب الأدب، رقم: ٥٢٦٧، وابن ماجه ٢/ ١٠٧٤، كتاب الصيد، رقم: ٣٢٢٣، وصححه الألباني، \"صحيح أبي داود\" ٣/ ٩٨٨، رقم (٤٣٨٧).\n(٢) المعنى -والله أعلم-: لمخالفتكم لهم في عبادتهم، فاحمدوا الله.","vol":"17","page":209},{"text":"قوله:\nيا لعنةُ الله والأقوامِ كلِّهم ... والصالحينَ على سمعانَ مِنْ جَارِ (١)\nوكما أن (يا)، هنا لا تكون إلا لغير اللعنة، كأنه قال: يا قوم أو يا هؤلاء، كذلك في الآية يجوز أن يكون المأمورون مرادِين، وحُذفوا من اللفظ، وقد جاء هذا في غير موضع من الشعر، فمِن ذلك ما أنشده أبو زيد:\nوقالت ألا يا اسمع نَعِظْكَ بِخُطَّةٍ ... فقلتُ سمعنا فانطقي وأصيبي (٢)\nقال الفراء: من قرأ بالتخفيف فهو على معنى: ألا يا هؤلاء اسجدوا، فيُضمر: هؤلاء، ويُكتفى منها بقوله: يا، وأنشد للأخطل:\nألا يا اسلمي يا هندُ هندَ بني بدرِ ... وإن كان حيَّانا عِدًى آخرَ الدهرِ (٣)\n_________\n(١) أنشده سيبويه ٢/ ٢١٩، ولم ينسبه، وفي الحاشية: البيت من شواهد سيبويه التي لم يعرف قائلها. والشاهد فيه: حذف المدعو لدلالة حرف النداء عليه، والمعنى: يا قوم، أو يا هؤلاء، لعنة الله على سمعان، ولذا رفع: لعنة، بالابتداء، ولو أوقع النداء عليها لنصبها. وأنشده المبرد، \"الكامل\" ٣/ ١١٩٩، وأبو علي، \"الحجة\" ٥/ ٣٨٤، وأبو القاسم الزجاجي، في كتابه: \"اشتقاق أسماء الله\" ١٦٦، والنحاس، \"إعراب القرآن\" ٣/ ٢٠٧، والأنباري، \"الإنصاف\" ١/ ١١٨، ولم ينسبوه. وكذا البغدادي، \"الخزانة\" ١١/ ١٩٧، وفي الحاشية: البيت مجهول القائل.\n(٢) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٣٨٣ - ٣٨٥. من قوله: واللام في الوجهين. بتصرف يسير. وذكر البيت من إنشاد أبي زيد، وهو في كتاب النوادر في اللغة ٢٢، منسوبًا للنمر بن تَوْلَب. وأنشده الأنباري، \"الإنصاف\" ١/ ١٠٢، وفي الحاشية: الخطة: شبه القصة. وأنشده أبو حيان ٧/ ٦٦، بلفظ: بخطبة. وكذا في \"الدر المصون\" ٨/ ٦٠١.\n(٣) أنشده الفراء، \"معاني القرآن\" ٢/ ٢٩٠، وأبو عبيدة، \"مجاز القرآن\" ٢/ ٩٤، والزجاج، \"معاني القرآن\" ٤/ ١١٥، ونسبوه للأخطل. العدى: التباعد، يخاطب صاحبته هندًا ويرجو لها السلامة، وينسبها إلى بني قومها، ويقول: إنه يأمل أن =","vol":"17","page":210},{"text":"وقال أبو إسحاق: من قرأ بالتخفيف، فـ (أَلا) لابتداء الكلام والتنبيه، والوقف عليه: ألا يا، ثم يستأنف فيقول: ﴿وَاسْجُدُوا لِلَّهِ﴾ (١)، ومثله: قول ذي الرمَّة:\nألا يا اسلمي يا دارَ ميَّ على البِلى ... ولا زال مُنْهلًّا بجَرعائكِ القطرُ (٢)\nوقال العجاج:\nيا دارَ سلمى يا اسلمي ثُمَّ اسلَمي ... عن سَمْسَمٍ وعن يمين سَمْسَم (٣)\nقال: وإنما أكثرنا الشاهد في هذا الحرف كما فعل مَنْ قبلنا، وإنما فعلوا ذلك لقلة اعتياد العامَّة لدخول: ياء، إلا في النداء، لا تكاد تقول\n_________\n= يقيما على المودة بالرغم من الجفاء بين قوميهما. \"شرح ديوان الأخطل\" ١٥٠. وذكر ابن قتيبة هذا القول في \"تأويل مشكل القرآن\" ٢٢٣، ٣٠٦، دون ذكر البيت.\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١١٥، وذكره أبو عبيدة، \"مجاز القرآن\" ٢/ ٩٣. وهود الهواري ٣/ ٢٥١. وأشار إلى هذا القول سيبويه، \"الكتاب\" ٣/ ٥٤٥؛ قال: وإنما حذفت الهمزة هاهنا؛ لأنك لم ترد أن تتم وأردت إخفاء الصوت، فلم يكن ليلتقي ساكن وحرفٌ هذه قصته كما لم يكن ليلتقي ساكنان.\n(٢) أنشده أبو عبيدة، \"المجاز\" ٢/ ٩٤، والزجاج ٤/ ١١٥، ونسباه لذي الرمة. وهو في \"ديوانه\" ص ٢٠٢، وفي شرحه: الانهلال: شدة الصب، والجرعاء من الرمل: رابية سهلة لينة.\n(٣) أنشد أبو عبيدة، الشطر الأول منه، ونسبه للعجاج. \"مجاز القرآن\" ٢/ ٩٤. وكذا ابن قتيبة، في \"تأويل مشكل القرآن\" ٢٢٣، ولم ينسبه. وأنشده الزجاج ٤/ ١١٥، ونسبه للعجاج. وأنشده ابن خالويه، \"إعراب القراءات السبع وعللها\" ٢/ ١٤٨ ولم ينسبه. وهو في \"ديوان العجاج\" ٢٣٤، بلفظ:\nبسمسم أو عن يمين سمسم.\nوفي النسخ الثلاث: عن سمسم أو عن يمين سسم.\nوقال محقق الديوان: سمسم: بلد من شق بلاد تميم، أو كثبان رمل.","vol":"17","page":211},{"text":"العامَّة: يا اذهب بسلام (١).\nوقال أبو علي: ومما يؤكد قول من قال: (أَلَّا) مثقلة أنها لو كانت مخففة ما كتبت في (يسجدوا)؛ لأنها: اسجدوا، ففي ثبات الياء في: يسجدوا في المصحف دلالة على التشديد، وأن المعنى: أن لا يسجدوا؛ فانتصب الفعل بأن وثبتت ياء المضارعة في أول الفعل (٢).\nوذكر صاحب النظم وجهين آخرين للقراءتين؛ فقال في قراءة العامَّة بالتشديد: إنه متصل بما قبله؛ لأن قوله: ﴿لَا يَهْتَدُونَ﴾ واقع على قوله: ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا﴾ على تأويل: فهم لا يهتدون أن يسجدوا لله. أي: لا يعلمون أن ذلك واجب عليهم، و(لا): زيادة، كما قال: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ﴾ [الأعراف: ١٢] أي: ما منعك أن تسجد.\nقال: ومن قرأ بالتخفيف فما قبله تمام، وقوله: ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا﴾ كلام معترض من غير القصة الماضية؛ إما من سليمان وإما من الهدهد (٣)، وهو أمر على غير المواجهة كما تقول: لِيُضرب فلان، قال الله تعالى: ﴿فبَذَلِكَ فَليَفرَحُواْ﴾ [يونس: ٥٨] ومنه قوله -﷿-: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ﴾ [الجاثية: ١٤] وقد قيل فيه: إنه أمر على تأويل: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ اغفروا أو ليغفروا. وعلى هذا التوجيه لا يتأتى الترجيح الذي ذكره أبو علي: القراءة التشديد، غير أن الظاهر ما قال هو.\nوقال الفراء والزجاج: من قرأ بالتخفيف فهو في موضع سجدة من\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١١٥.\n(٢) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٣٨٥.\n(٣) ذكر هذا القول القرطبي ١٣/ ١٨٧، ونسبه للجرجاني. ورجح ابن عطية أن يكون الكلام المعترض من قول الله تعالى؛ لأنه اعتراض بين كلامين، قال: وهو الثابت مع التأمل.","vol":"17","page":212},{"text":"القرآن. ومن قرأ بالتشديد فليس بموضمع سجدة. هذا قولهما (١)! وأهل العلم على أن هاهنا سجدة على القراءتين بلا خلاف بينهم في ذلك؛ لأن التشديد يتضمن مذمتهم على ترك السجود لله (٢).\nويحسن السجود في مثل هذا الموضع، كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ﴾ [الانشقاق: ٢١].\nوقال أبو عبيد: من قرأ بالتخفيف، جعله أمرًا من الله مستأنفًا بمعنى: ألا يا أيها الناس اسجدوا؛ وهذا وجه حسن إلا أن فيه انقطاعُ الخبر الذي كان من أمر سبأ وقومها، ثم رجع بَعدُ إلى ذكرهم، والقراءة الأولى خبرٌ\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٩٠. و\"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١١٥. ونقد هذا القول الزمخشري ٣/ ٣٥١، حيث قال: لأن موضع السجدة إما أمر بها، أو مدح لمن أتى بها، أو ذم لمن تركها، وإحدى القراءتين أمر بالسجود، والأخرى ذم لتارك .. وما ذكره الزجاج من وجوب السجدة مع التخفيف دون التشديد، فغير مرجوع إليه.\n(٢) سجدة سورة النمل ثابتة لا خلاف فيها كما ذكر الواحدي، وحكى ابن حزم اتفاق أهل العلم على ذلك. مراتب الإجماع لابن حزم ٣١. وأخرج السجدة فيها بسنده عبد الرزاق عن ابن عباس، وابن عمر. \"المصنف\" لعبد الرزاق الصنعاني ٣/ ٣٣٥، وقال الشيخ عبد العزيز بن باز: إسناد عبد الرزاق جيد. \"التبيان في سجدات القرآن\" ٦٩.\nوموضع السجدة بعد قوله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ عند الحنفية، والمالكية، والشافعية والحنابلة؛ \"بدائع الصنائع\" ١/ ١٩٣، و\"حاشية الدسوقي\" ١/ ٣٠٧، و\"الحاوي الكبير\" للماوردي ٢/ ٢٠٢، و\"المغني\" لابن قدامة ٢/ ٣٥٧، لكن أشار في \"المجموع\" ٣/ ٥١٠، إلى الخلاف في موضع السجدة فقال: وشذَّ العبدري من أصحابنا فقال في كتابه: الكفاية: هي عند قوله: ﴿وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾ قال: هذا مذهبنا، ومذهب أكثر الفقهاء .. وهذا الذي أدعاه العبدري ونقله عن مذهبنا باطل مردود. والله أعلم. وبحثت عن هذه المسألة في كتاب \"الأم\" للشافعي فلم أجدها. والله أعلم.","vol":"17","page":213},{"text":"يتبع بعضه بعضا، لا انقطاع في وسطه (١).\nويدل على ما قال أبو عبيد، ما روى عطاء عن ابن عباس، في قوله: ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا﴾: قال الله تعالى: ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا﴾. فجعل هذا إخبارًا عن الله ومن قوله.\nوقوله: ﴿يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ يقال: خبأت الشيء أخبؤه، خبأً. والخبء: ما خبأتَ من ذخيرة ليوم مَّا، وكل ما خبأته فهو: خبء (٢).\nقال مجاهد ومقاتل: يعني: الغيث في السماوات والأرض (٣).\nوقال الزجاج: وجاء في التفسير أن الخبء هاهنا: القطر من السماء، والنبات من الأرض (٤)، قال: ويجوز وهو الوجه أن الخبء: كل ما غاب، فيكون المعنى: يعلم الغيب في السماوات والأرض (٥).\nوذكر الفراء القولين أيضًا، وقال: وهي في قراءة عبد الله: ﴿يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ قال: وصلحت: (في) مكان: (من)؛ لأنك تقول:\n_________\n(١) ذكره عن أبي عبيد، القرطبي ١٣/ ١٨٦.\n(٢) \"العين\" ٤/ ٣١٥ (خبأ)، ونقله عنه الأزهري، \"تهذيب اللغة\" ٧/ ٦٠٣.\n(٣) \"تفسير مجاهد\" ٢/ ٤٧١. و\"تفسير مقاتل\" ١٥٨. وأخرجه ابن جرير ١٩/ ١٥٠، عن مجاهد. وأخرج ابن أبي حاتم ٩/ ٢٨٦٨، عن مجاهد، وسعيد بن المسيب.\n(٤) وهو قول ابن زيد، أخرجه ابن جرير ١٩/ ١٥٠، وابن أبي حاتم ٩/ ٢٨٦٨. وقال به ابن قتيبة، في غريب القرآن ٣٢٣.\n(٥) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١١٦. أخرج ابن أبي حاتم ٩/ ٢٨٦٨، عن ابن عباس: يعلم كل خفية في السموات والأرض. وأخرج عبد الرزاق ٢/ ٨١، عن قتادة: ﴿الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ﴾ قال: هو السر. وأخرجه ابن أبي حاتم ٩/ ٢٨٦٨، عن عكرمة. وذكره الهواري ٣/ ٢٥١، ولم ينسبه.","vol":"17","page":214},{"text":"لأستخرجن العلم فيكم. تريد: لأستخرجن العلم الذي فيكم منكم، ثم تحذف أيهما شئت، أعني. (مِنْ)، و(في)، فيكون المعنى قائمًا على حاله (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾ قراءة الناس بالياء؛ لأن الكلام على الغيبة، وهو قوله: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾ ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ﴾ وهو يعلم الغيب، وما يخفون وما يعلنون. وقرأ الكسائي وحفص: بالتاء (٢)؛ أما الكسائي فإن الكلام دخله خطاب على قراءته: ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا﴾ بالتخفيف (٣).\nوالمعنى: اسجدوا لله الذي يعلم ما تخفون. ورواية أبي بكر عن عاصم بالياء أشبه بقراءته من رواية حفص؛ لأنه غيبةٌ مع غيبةٍ (٤).\nقال مقاتل: ﴿مَا تُخْفُونَ﴾ في قلوبهم ﴿وَمَا تُعْلِنُونَ﴾ بألسنتهم (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3170>٢٦ </span>- وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ أي:\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٩١.\n(٢) قرأ الكسائي، وحفص عن عاصم: بالتاء فيهما. وقرأ الباقون، وأبو بكر عن عاصم: بالياء فيهما. \"السبعة في القراءات\" ٤٨١، و\"إعراب القراءات السبع وعللها\" ٢/ ١٤٩. و\"المبسوط في القراءات العشر\" ٢٧٩، و\"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٣٨٥، و\"النشر في القراءات العشر\" ٢/ ٣٣٧.\n(٣) قال الكسائي: ما كنت أسمع المشيخة يقرؤونها إلا بالتخفيف على نية الأمر. \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٩٠.\n(٤) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٣٨٥، باختصار.\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ٥٨ أ. وأخرج ابن أبي حاتم ٩/ ٢٨٦٩، عن ابن عباس: يعلم ما عملوا بالليل والنهار. وعن الحسن: في ظلمة الليل، وفي أجواف بيوتهم.","vol":"17","page":215},{"text":"هو الذي يستحق العبادة لا غيره، و﴿هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ لا ملكة سبأ؛ لأن عرشها وإن كان عظيمًا لا يبلغ عرش الله في العِظَم (١).\nقال ابن إسحاق وابن زيد: من قوله: ﴿أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾ إلى منتهى هذه الآية، من كلام الهدهد (٢). والسجود على مذهب الشافعي ﵁ يكون عقيب هذه الآية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3171>٢٧ </span>- قوله: ﴿قَالَ سَنَنْظُر﴾ قال سليمان للهدهد: سننظر فيما أخبرتنا من هذه القصة ﴿أَصَدَقْتَ﴾ فيم قلت ﴿أَمْ كُنْتَ﴾ قال ابن عباس ومقاتل وصاحب النظم: يعني: أم أنت من الكاذبين (٣). والكلام في الكاذبين في مخاطبة الطير كالكلام في قوله: ﴿مِنَ الْغَائِبِينَ﴾ وقد مر (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-3172>٢٨ </span>- قوله: ﴿اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ﴾ قال مقاتل: كتب سليمان كتابًا وختمه بخاتمه، ودفعه إلى الهدهد، وقال له: ﴿اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ﴾ يعني: أهل سبأ (٥).\nوفي قوله: (أَلْقِهِ) أوجه من القراءة؛ أجودها: وصل الهاء بالياء: (فَأَلْقِهِي) (٦)، وترك وصله بالياء إنما يكون في الشعر؛ كقوله:\n_________\n(١) بنصه في \"تفسير الوسيط\" للواحدي ٣/ ٣٧٦، ولم ينسبه. والأولى جعل الآية عامة، قال ابن كثير: أي: له العرش العظيم الذي لا أعظم منه في المخلوقات. \"البداية والنهاية\" ٢/ ٢٢.\n(٢) أخرجه عنهما ابن جرير ١٩/ ١٥١. وذكره الثعلبي ٨/ ١٢٧ ب.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ٥٨ ب.\n(٤) عند قوله تعالى: ﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ﴾ [النمل: ٢٠]\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ٥٨ ب.\n(٦) في قوله تعالى ﴿فَأَلْقِهْ﴾ ثلاث قراءات: =","vol":"17","page":216},{"text":"ما حجَّ ربُّهُ في الدنيا ولا اعتمرا (١)\nوأنشد الزجاج:\nسأجعلُ عينيه لنفْسِه مَقْنَعًا (٢)\n_________\n=\n١ - إسكان الهاء، قرأ بها حمزة، وعاصم وأبو عمرو.\n٢ - كسر الهاء من غير ياء، قرأ بها نافع في رواية قالون.\n٣ - كسر الهاء ووصلها بالياء، قرأ بها ابن كثير والكسائي وابن عامر، وورش عن نافع.\n\"السبعة في القراءات\" ٤٨١. و\"إعراب القراءات السبع وعللها\" ٢/ ١٥٠. وجود كسر الهاء مع الياء الزجاج، \"معاني القرآن\" ٤/ ١١٦. واختارها الأزهري، \"معاني القراءات\" ٢/ ٢٤١. وقال السمرقندي، في تفسيره ٢/ ٤٩٤: والقراءة بالياء أوسع اللغتين، وأكثر استعمالًا.\n(١) عجز بيت ذكره أبو علي، \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٣٨٧، ولم ينسبه، وصدره:\nأو مُعْبَرُ الظهر يُنبي عن وَليَّته\nوهو من شواهد سيبويه، ونسبه لرجل من باهلة. وذكره المبرد، والأنباري، ولم ينسباه. والشاعر يصف لصًا يتمنى سرقة بعير لم يستعمله صاحبه في سفر لحج أو عمرة. ومعبر الظهر: كثير الشعر في امتلاء، والولية: البرذعة، ومعنى: ينبي عن وليته: يجعلها تنبو عنه لسمنه. \"الكتاب\" ١/ ٣٠، و\"الإنصاف\" ٢/ ٥١٦، و\"المقتضب\" ١/ ٣٨، وحاشيته. والبرذعة والبردعة، بالذال والدال: الحِلس الذي يُلقى تحت الرحل. \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٣٥٧ (برخ)، و\"لسان العرب\" ٨/ ٨ وفي \"المعجم الوسيط\" ١/ ٤٨: ما يوضع على الحمار أو البغل ليركب عليه كالسرج للفرس.\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١١٧، ولم ينسبه، وصدره:\nفإن يك غثًّا أو سمينًا فإنني\nونسبه سيبويه ١/ ٢٨، لمالك بن خريم الهمداني، واستشهد به سيبويه على حذف الياء في الوصل من قوله: لنفسه، للضرورة. وذكره المبرد، في \"المقتضب\" ١/ ٣٨، ولم ينسبه. وفي حاشيته: يقول الشاعر: إنه يقدم لضيفه ما عنده من القِرى، ويحكّمه فيه ليختار منه أفضل ما تقع عليه عيناه، فيقتنع بذلك.","vol":"17","page":217},{"text":"قال: ولو قال: لنفسهي، لكسر الشعر ولكنه ترك الياء وأبقى الكسرة لإقامة الوزن، وأكثر ما يقع هذا في الشعر.\nومن أسكن الهاء فغالط؛ لأن الهاء ليست مجزومة، وليس له وجه من القياس؛ لأنه يُجري الهاء في الوصل على حالها في الوقف (١)، وزعم الأخفش أن هذا لغة كقوله:\n.. مشتاقانِ لَهْ أَرِقان (٢)\nولم يحك ذلك سيبويه، وحمله على الضرورة (٣).\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١١٧. وسياق الكلام فيه يدل على الإثبات، قال: لأن الهاء ليست بمجزومة، ولها وجه من القياس، وهو أنه يجري الهاء في الوصل على حالها في الوقف، وأكثر ما يقع هذا في الشعر أن تحذف هذه الهاء وتُبقي كسرة. وتسكين الهاء قراءة أبي عمرو، وعاصم، وحمزة، في رواية عنهم. \"السبعة في القراءات\" ٤٨١. و\"إعراب القراءات السبع وعللها\" ٢/ ١٥٠.\n(٢) أنشده كاملًا، الأخفش ١/ ١٧٩، في تفسير سورة البقرة، وعنه ابن جني، \"الخصائص\" ١/ ١٢٨، ولم ينسباه. وكذا أبو علي في \"الحجة\" ٥/ ٣٨٧، وحمله المبرد على الضرورة، \"المقتضب\" ١/ ٣٩.\nوالبيت بتمامه:\nفَظِلتُ لدى البيت العتيق أُريغهُ ... ومِطواي مشتاقان لَهْ أرقان\nوفي الحاشية: الأصل: فظللت فحذفت العين، ويجوز فتح الظاء وكسرها، وأريغه: بمعنى: أطلبه، ومطواي: بمعنى صاحباى، مثنى: مطوى، وضمير الغائب للبرق. \"المقتضب\" ١/ ٣٩. وعند الأخفش: أُخيله بدل: أريغه. والشاهد فيه تسكين الهاء من: له، وحذف حركتها.\n(٣) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٣٨٧. قال علي بن سليمان: لا تلتفت إلى هذه اللغة، ولو جاز أن يصل وهو ينوي الوقف لجاز أن تحذف الإعراب من الأسماء. \"إعراب القرآن\" للنحاس ٣/ ٢٠٩. وتكلم عن هذا سيبويه ١/ ٢٦.","vol":"17","page":218},{"text":"قوله: ﴿ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ قال مقاتل: انصرف عنهم (١).\nوقيل: أعرض عنهم. [قال ابن زيد: هذا على التأخير والتقديم، المعنى: اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم، فانظر ماذا يرجعون، ثم قول عنهم (٢). قال: لأن رجوعه من عندهم] (٣) والتولي عنهم بعد أن ينظر ما الجواب.\nقال الزجاج: وهذا حسن، والتقديم والتأخير كثير في الكلام (٤). ومن لم يحمل الآية على التقديم والتأخير قال: معناه: ﴿ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ مستترًا من حيث لا يرونك فانظر ما يردون من الجواب (٥). فيقال: إن الهدهد فعل ذلك: ألقى الكتاب وطار إلى كَوَّة (٦) في مجلسها متواريًا\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ٥٨ ب. و\"تفسير هود الهواري\" ٣/ ٢٥٢.\n(٢) أخرجه ابن جرير ١٩/ ١٥١، وذكره الثعلبي ٨/ ١٢٧ ب. وأبو علي، كتاب \"الشعر\" ١/ ١٠٢، ولم ينسبه.\n(٣) ما بين المعقوفين غير موجود في نسخة (ج).\n(٤) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١١٧. واختار هذا الوجه الأخفش، \"معاني القرآن\" ٢/ ٦٥١، وذكره الفراء، \"معاني القرآن\" ٢/ ٢٩١.\nوذهب إلى القول بالتقديم والتأخير الأنباري، \"الأضداد\" ١١١. وهذا التقديم والتأخير لا يحتاج إليه؛ لأن الكلام صحيح على ما هو عليه من الترتيب، والمعنى: فألقه إليهم ثم قول عنهم قريبًا منهم فانظر ماذا يرجعون. \"تفسير الطوسي\" ٨/ ٩١.\n(٥) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١١٧. أخرج ابن أبي حاتم ٩/ ٢٨٧١، عن ابن عباس: ﴿ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ أي: كن قريبًا منهم.\nوأخرجه ابن جرير ١٩/ ١٥١، عن وهب بن منبه. واختاره الثعلبي ٨/ ١٢٧ ب.\n(٦) الكوة: الخرق في الجدار يدخل منه الهواء والضوء. \"اللسان\" ١٥/ ٢٣٦ (كوي).","vol":"17","page":219},{"text":"عنها (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3173>٢٩ </span>- قوله: ﴿قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ (٢٩)﴾ قال أبو إسحاق: تقدير الكلام: فمضى الهدهد فألقى الكتاب إليهم (٢) فقالت: ﴿يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ﴾ قال قتادة: أتاها الهدهد وهي نائمة مستلقية على قفاها فألقى الكتاب على نحرها (٣).\nوقال مقاتل: أتاها الهدهد حتى وقف على رأسها فرفرف ساعة، والناس ينظرون، فرفعت المرأة رأسها فألقى الكتاب في حجرها، فقرأت الكتاب. وكانت عربية من قوم: تبع الحميري، فأخبرت قومها وقالت: ﴿إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ﴾ (٤). قال عطاء عن ابن عباس: مطبوع (٥). وهو: قول الضحاك قال: سمته كريمًا؛ لأنه كان مختومًا (٦).\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٩١. فالفرق بين القولين هو في الاستتار عنهم، فالقول الأول يدل على أن الهدهد لم يتوارَ عنهم، والقول الثاني يدل على أنه فعل ذلك. والذي يظهر أن القول الثاني أقرب، ولا حاجة للتقديم والتأخير، فالمعنى بين. والله أعلم.\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١١٧.\n(٣) أخرجه ابن أبي حاتم ٩/ ٢٨٧٠. وذكره الثعلبي ٨/ ١٢٧ ب.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ٥٨ ب. وكل هذا التفصيل مما لا دليل عليه؛ والأولى الوقوف عند ظاهر الآية.\n(٥) \"تنوير المقباس\" ٣١٧، بلفظ: مختوم. وذكره عنه بهذا اللفظ السيوطي، \"الدر المنثور\" ٦/ ٣٥٣، من رواية ابن مردويه.\n(٦) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٩١، ولم ينسبه. ونسبه مقاتل ٥٨ ب، لأبي صالح. وذكره ابن قتيبة، \"تأويل مشكل القرآن\" ٤٩٤، ولم ينسبه. وذكره ابن جرير ١٩/ ١٥٣، ولم ينسبه. وأخرجه ابن أبي حاتم ٩/ ٢٨٧٢، عن السدي.","vol":"17","page":220},{"text":"ويدل عليه ما روى ابن عباس: أن النبي -ﷺ- قال: \"كرامة الكتاب ختمه\" (١).\nوقال قتادة ومقاتل: ﴿كِتَابٌ كَرِيمٌ﴾ حسن (٢). وهو اختيار الزجاج، قال: حسن ما فيه (٣).\nويدل على هذا قوله: ﴿وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾ [الشعراء: ٥٨، والدخان: ٢٦] أي: مجلس حسن، ويقال: سمته كريمًا لكرم صاحبه؛ وذلك أنها رأت\n_________\n= ذكره في \"الوسيط\" ٣/ ٣٧٦، عن عطاء والضحاك، وقال: وهو قول ابن عباس في رواية سعيد بن جبير.\n(١) ذكره العجلوني في \"كشف الخفاء\" ٢/ ١٤٢، وعزاه للقضاعي، وقال: أخرجه الطبراني في الأوسط عن ابن عباس؛ بسند فيه متروك. وذكره الهيثمي عن الطبراني في الأوسط، وقال: فيه محمد بن مروان السدي الصغير، وهو متروك. \"مجمع الزوائد\" ٨/ ٩٨، كتاب الأدب، باب: في كتابة الكتب وختمها. وأخرجه الواحدي في \"الوسيط\" ٣/ ٣٧٦، من الطريق نفسه، ولم ينبه على ضعفه، بل جعل الحديث شاهدًا على صحة تفسير عطاء والضحاك. وتكلم عنه الزيلعي في \"تخريج أحاديث الكشاف\" ٣/ ١٦، وذكر رواية الواحدي له في \"الوسيط\". وحكم عليه الألباني بالوضع، وعلته: محمد بن مروان السدي. \"سلسلة الأحاديث الضعيفة\" ٤/ ٦٩، رقم: ١٥٦٧. وذكره من المفسرين السمرقندي ٢/ ٤٩٤.\nوقد اتخذ النبي -ﷺ-، خاتمًا، لمكاتباته ومراسلاته يقول أنس: لما أراد النبي -ﷺ-، أن يكتب إلى الروم قيل له: إنهم لا يقرؤون كتابا إلا أن يكون مختومًا، فاتخَذ خاتمًا من فضة. فكأني انظر إلى بياضه في يده ونقش فيه محمد رسول الله. أخرجه البخاري، كتاب العلم، رقم: ٦٥، \"فتح الباري\" ١/ ١٥٥. ومسلم ٣/ ١٦٥٧، كتاب اللباس والزينة، رقم: ٢٠٩٢.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ٥٨ ب. وأخرج ابن أبي حاتم ٩/ ٢٨٧٢، عن قتادة.\n(٣) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١١٧. واقتصر عليه الهواري ٣/ ٢٥٢.","vol":"17","page":221},{"text":"كتاب مَلِك (١)، رسوله الطير! فوصفت كتابه بالكرم، لكرم صاحبه (٢).\nوهذا معنى ما روي عن ابن عباس: شريف، بشرف صاحبه (٣).\nثم بينت ما في الكتاب فقالت:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3174>٣٠ </span>- ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ﴾ قال الكلبي: لما أتاها الهدهد كانت في قصرها فدار حول القصر وطلب السبيل إليها حتى وصل من كوة كانت في القصر ثم قطع سبعة أبيات، حتى انتهى إليها نائمة مستلقية، فوضع الكتاب إلى جنبها، ونقرها نقرة، ثم رجع إلى مكانه من الكوة، فاستيقظت فزعة، فنظرت فإذا كتاب إلى جنبها مختوم؛ فأخذته ونظرت فإذا الأبواب مغلقة، والحرس قد أحاطوا بقصرها، فقالت: هل رأيتم أحدًا دخل إليَّ؟ قالوا: ما رأينا أحدًا دخل، ولا فتح بابًا، فوقع في قلبها أنه ألقي عليها من السماء، فعند ذلك قالت: ﴿إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ (٢٩) إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ﴾ السماء، ثم فتحت الكتاب، وكانت كاتبة قارئة، فإذا فيه: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ من سليمان بن داود، إلى بلقيس بنت ذي الشرح، فقالت عند ذلك لمن حولها وكرهت الكذب: إنه من سليمان؛ أي: أن الكتاب من سليمان (وَإِنَّهُ) وإن المكتوب فيه: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ (٤).\nونحو هذا قال السدي؛ قال: لما ألقاه الهدهد في حِجرها ظنت أنه من عند الله فقالت: ﴿أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ﴾ وذلك قبل أن تقرأه فلما قرأته\n_________\n(١) كلمة: كتاب، سقطت من نسخة (ج).\n(٢) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٩١، ولم ينسبه. وأخرجه ابن جرير ١٩/ ١٥٣، عن ابن زيد. ونسبه الماوردي ٤/ ٢٠٦، لابن بحر.\n(٣) \"تأويل مشكل القرآن\" ٤٩٤، و\"غريب القرآن\" لابن قتيبة ٣٢٥، ولم ينسبه.\n(٤) \"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٤٩٤، ولم ينسبه.","vol":"17","page":222},{"text":"قالت: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ﴾ وفيه: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3175>٣١ </span>- ﴿أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ﴾ قال أبو إسحاق: (أَن) يجوز أن تكون في موضع نصب على معنى: كتاب بأن لا تعلوا. أي: كتاب بترك العلو، ويجوز أن يكون في موضع رفع على معنى: ﴿أُلْقِيَ إِلَيَّ﴾ أن لا تعلوا.\nوفيها وجه آخر حسن على معنى: قال: لا تعلوا عليَّ، وهو تأويل ما ذكره سيبويه، والخليل؛ قالا: (أَنْ) في هذا الموضع في تأويل: أي، على معنى: أي لا تعلوا علي، كقوله -﷿-: ﴿وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا﴾ [سورة ص: ٦].\nقال أبو إسحاق: وتأويل أي هاهنا تأويل القول والتفسير، كأنها قالت: قال: ﴿أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ﴾ كما تقول: فعل فلان كذا وكذا، أي: إني جواد، كأنك قلت: يقول: إنى جواد (٢).\nوقد بان بهذا أنَّ (أَنْ) لم تكن في كلام سليمان المكتوب في الكتاب؛ وفيه: بسم الله الرحمن الرحيم، لا تعلو عليَّ (٣).\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي حاتم ٩/ ٢٨٧٢.\nوأخرج عبد الرزاق ٢/ ٨١، بسنده عن قتادة: لم يكن الناس يكتبون إلا: باسمك اللهم، حتى نزلت: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. وأخرج نحوه ابن أبي حاتم ٩/ ٢٨٧٣، عن ميمون بن مهران، والشعبي.\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١١٩. وذكر الوجهين الفراء ٢/ ٢٩١، وابن جرير ١٩/ ١٥٣. والله أعلم.\nولم أجد قول سيبويه في \"الكتاب\".\n(٣) هكذا في (ج)، وفي نسخة: (أ)، (ب): وقد بان بهذا أن لم يكن يكن من كلام سليمان. بتكرار: يكن، وإسقاط: أن، ومن بدل: في.","vol":"17","page":223},{"text":"قال ابن عباس: يريد لا تتكبروا عليَّ (١). أي: لا تترفعوا عليَّ وإن كنتم ملوكًا ﴿وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ منقادين طائعين (٢).\nقال قتادة: وكذلك كانت الأنبياء تكتب جَمْلًا لا تطيل (٣). يعني: أن هذا القدر الذي ذكره الله كان كتاب سليمان (٤).\nقال الكلبي: كان في الكتاب: فإن كنتم من الجن فقد عُبدتم لي، وإن تكونوا من الإنس فعليكم السمع والطاعة والإجابة، مع أشياء كتب بها إليها (٥). فعلى هذا كان الكتاب طويلًا، وذكر الله تعالى منه ما هو القصد وهو أنه دعاها إلى الطاعة.\nقال الكلبي ومقاتل: أرسلت إلى قومها فاجتمعوا إليها فاستشارتهم فيما أتاها من سليمان فقالت:\n_________\n(١) \"غريب القرآن\" لابن قتيبة ٣٢٤، ولم ينسبه. وأخرجه ابن جرير ١٩/ ١٥٣، وابن أبي حاتم ٩/ ٢٨٧٤، عن ابن زيد.\n(٢) أخرجه ابن أبي حاتم ٩/ ٢٨٧٤، بلفظ: موحدين. وذكره هود الهواري ٣/ ٢٥٢، ونسبه للكلبي. وأخرجه ابن جرير ١٩/ ١٥٣، عن ابن زيد. وأخرجه ابن أبي حاتم ٩/ ٢٨٧٤، عن سفيان.\n(٣) أخرجه ابن جرير ١٩/ ١٥٢. وابن أبي حاتم ٩/ ٢٨٧٤. وذكره هود الهواري ٣/ ٢٥٢، ولم ينسبه. وذكره الثعلبي ٨/ ١٢٧ ب، عن قتادة.\n(٤) أخرج ابن جرير ١٩/ ١٥٢، عن ابن جريج: لم يزد سليمان على ما قص الله في كتابه: (إنه)، و(إنه). ونحوه عند ابن أبي حاتم ٩/ ٢٨٧٣، عن مجاهد. و\"تفسير مقاتل\" ٥٨ ب. وذكره الثعلبي ٨/ ١٢٧ ب، عن ابن جريج.\n(٥) \"تفسير السمرقندي\" ٢/ ٤٩٤، منسوبًا للكلبي. وفي \"تنوير المقباس\" ٣١٧: وأشياء كانت فيه مكتوبة. ولم يذكر شيئًا منها. وهذا لا دليل عليه، ولا سبيل للجزم به إلا من طريق معصوم.","vol":"17","page":224},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3176>٣٢ </span>- ﴿يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ﴾ يعني: الأشراف وهم ثلاثمائة وثلاثة عشر قائدًا، وهم أهل مشورتها (١). وهذا قول قتادة والثُّمالي والكلبي ومقاتل قالوا: وكان كل رجل منهم على عشرة آلاف (٢). وقال مقاتل: كان مع كل قائد: مائة ألف (٣).\nوقوله: ﴿أَفْتُونِي فِي أَمْرِي﴾ قال ابن عباس: أشيروا عليَّ: أي: بينوا لي مما أعمل (٤) ﴿مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا﴾ فاعلة أمرًا وقاضيته (٥) ﴿حَتَّى تَشْهَدُونِ﴾ حتى تحضرون، أي: إلا بحضوركم ومشورتكم؛ قاله ابن عباس ومقاتل (٦). قالوا مجيبين لها:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3177>٣٣ </span>- ﴿نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ﴾ (٧) قال عطاء عن ابن عباس: كانت من قوة أحدهم أنه يُرَكِّض الفرس حتى إذا امتلأ فُرُوجُه ضم فخذيه فحبسه بقوته (٨).\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ٥٨ ب. و\"الوسيط\" ٣/ ٣٧٧، ولم ينسبه.\n(٢) ذكره الهواري ٣/ ٢٥٣، وصدَّره بقوله: قال بعضهم. والثمالي: هو ثابت بن أبي صفية الثُّمالي.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ٥٨ ب. و\"تنوير المقباس\" ص ٣١٨، دون ذكر العدد. وفي نسخة: أ، ب: كررت مائة ألف، مرتين.\n(٤) أخرج ابن أبي حاتم ٩/ ٢٨٧٥، عن زهير بن محمد: أشيروا برأيكم. قال الفراء: جعلت المشورة فتيا؛ وذلك جائز لسعة العربية. \"معاني القرآن\" ٢/ ٢٩٢.\n(٥) فالمعنى واحد، فاعلة وقاضية. \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٩٢.\n(٦) \"تفسير مقاتل\" ٥٨ ب. و\"تنوير المقباس\" ٣١٨، بمعناه. وأخرجه ابن جرير ١٩/ ١٥٣، عن ابن زيد. وهو في \"الوسيط\" ٣/ ٣٧٧، غير منسوب.\n(٧) تكلم أبو علي الفارسي عن كلمة: ﴿أُولُوا﴾ وأنها جمع: ذو، من غير لفظه. \"كتاب الشعر\" ٢/ ٤٢٢، و\"المسائل الحلبيات\" ١٥٤.\n(٨) ذكره عن ابن عباس: القرطبي ١٣/ ١٩٥. وفي \"الوسيط\" ٣/ ٣٧٧: أي: في =","vol":"17","page":225},{"text":"وقال مقاتل: يعني عدة كثيرة من الرجال، كقوله: ﴿فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ﴾ [الكهف: ٩٥] يعني: بالرجال (١).\nفتحمل القوة هاهنا على العدة والكثرة (٢).\nقوله تعالى: ﴿وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ﴾ يعني الشجاعة والقوة في الحرب (٣).\nقال ابن زيد: عرَّضوا لها بالقتال؛ بأن ذكروا لها قوتهم وشجاعتهم، ثم قالوا: ﴿وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ﴾ (٤) أي: في القتال وفي تركه ﴿فَانْظُرِي﴾ من الرأي ﴿مَاذَا تَأْمُرِينَ﴾ ماذا تشيرين علينا (٥).\nقالت مجيبة لهم عن التعريض بالقتال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3178>٣٤ </span>- ﴿قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا﴾ قال مقاتل: أهلكوها، كقوله -﷿-: ﴿لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ [المؤمنون: ٧١] يعني: لهلكت (٦). وقال غيره: خربوها (٧).\n_________\n= الأبدان في معنى قول ابن عباس. في \"تهذيب اللغة\" ١٠/ ٤١٦ (وكى): وإنما قيل للذي يشتد عدوه: مُوكٍ؛ لأنه كأنه ملأ هواء ما بين رِجليه عدوًا وأوكى عليه، والعرب تقول: ملأ الفرسُ فرُوج دَوَارِجه عَدْوُا: إذا اشتد حُضْرُه.\n(١) \"تفسير مقاتل\" ٥٨ ب.\n(٢) وهذا جمع حسن بين القولين.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ٥٨ ب. وكلمة: القوة، في نسخة (ج).\n(٤) أخرجه ابن جرير ١٩/ ١٥٤. وابن أبي حاتم ٩/ ٢٨٧٥. وذكره في \"الوسيط\" ٣/ ٣٧٧، ولم ينسبه.\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ٥٨ ب، بنصه.\n(٦) \"تفسير مقاتل\" ٥٨ ب.\n(٧) أخرجه ابن أبي حاتم ٩/ ٢٨٧٦، عن ابن عباس. وذكره هود الهواري ٣/ ٢٥٣، ولم ينسبه.","vol":"17","page":226},{"text":"وقال الزجاج: معناه: إذا دخلوها عَنْوة أي: جهارًا عن قتال وغلبة (١).\n﴿وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً﴾ قال مقاتل: أهانوا أشرافها وكبراءها لكي يستقيم لهم الأمر (٢).\nقال الفراء: قالت لهم: إنهم إن دخلوا بلادكم أذلوكم وأنتم ملوك (٣).\nومعنى الآية: أنها حذرتهم مسير سليمان إليهم، ودخوله بلادهم، وتناهى الخبر عنها، وصدَّقها الله تعالى فقال: ﴿وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ يعني: كما قالت هي. وهذا معنى قول ابن عباس والكلبي ومقاتل (٤).\nقال الزجاج: هو من قول الله -﷿-؛ لأنها قد ذكرت أنهم يفسدون فليس لتكرير هذا منها فائدة (٥).\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١١٩. أخرج ابن جرير ١٩/ ١٥٤، عن ابن عباس: إذا دخلوها عنوة خربوها.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ٥٨ ب. وهو في \"الوسيط\" ٣/ ٣٧٧، غير منسوب.\n(٣) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٩٢.\n(٤) أخرج ابن جرير ١٩/ ١٥٤، وابن أبي حاتم ٩/ ٢٨٧٧، عن ابن عباس. و\"تفسير مقاتل\" ١٥٩. و\"تنوير المقباس\" ٣١٨. وذكره ابن قتيبة، ولم ينسبه. \"تأويل مشكل القرآن\" ٢٩٤. ونسبه النحاس لسعيد بن جبير، \"إعراب القرآن\" ٣/ ٢١٠. وعلى هذا فالوقف على: ﴿وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً﴾ وقف تام. \"النشر\" ١/ ٢٢٧.\n(٥) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١١٩. و\"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٩٢. وحكى الماوردي ٤/ ٢٠٩، عن ابن شجرة: أن هذا حكايته عن قول بلقيس: كذلك يفعل سليمان إذا دخل بلادنا. واستظهره أبو حيان ٧/ ٧٠، وكذا السمين الحلبي ٨/ ٦١١. والأقرب ما اقتصر عليه الواحدي. والله أعلم.","vol":"17","page":227},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3179>٣٥ </span>- قوله تعالى: ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ قال مقاتل: أصانعهم على ملكي إن كانوا أهل دنيا (١).\nوقال السدي: تختبر بذلك سليمان وتعرفه أملِك هو أم نبي (٢).\nقال ابن عباس: أرسلت إليهم بمائة وصيف ومائة وصيفة. وهو قول مقاتل (٣).\nوقال مجاهد: مائتي غلام، ومائتي جارية (٤). وهذا قول أكثر المفسرين؛ قالوا: الهدية كانت غلمانًا وجواري. وان اختلفوا في مبلغ عدد الفريقين (٥).\nوقال ثابت البناني: أهدت له صفائح الذهب في أوعية الديباج (٦).\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ٥٩ أ. وأخرجه ابن أبي حاتم ٩/ ٢٨٧٧، عن قتادة. وأخرج عنه في ٢٨٧٩: رحمها الله إن كانت لعاقلة في إسلامها، وشركها، قد علمت أن الهدية تقع موقعًا من الناس.\n(٢) \"تفسير هود الهواري\" ٣/ ٢٥٣، بمعناه، ولم ينسبه. وأخرجه ابن جرير ١٩/ ١٥٦، عن ابن زيد. وأخرجه ابن أبي حاتم ٩/ ٢٨٧٩، عن ابن عباس.\n(٣) أخرجه ابن جرير ١٩/ ١٥٥. و\"تفسير مقاتل\" ٥٩ أ.\n(٤) ذكره في \"الوسيط\" ٣/ ٣٧٧، بنصه. وأخرجه ابن جرير ١٩/ ١٥٥، وليس فيه ذكر العدد، وكذا في \"تفسير مجاهد\" ٢/ ٤٧١.\n(٥) أخرج ابن أبي حاتم ٩/ ٢٨٧٧، عن سعيد بن جبير: أرسلت إليهم ثمانين من وصيف ووصيفة.\n(٦) أخرجه عبد الرزاق ٢/ ٨١. وابن جرير ١٩/ ١٥٥. ورواه ابن أبي حاتم ٩/ ٢٨٧٧، ٢٨٧٩، عنه، وعن قتادة. وهناك زيادات على ما ذكر الواحدي في ماهية هذه الهدية، وقد ذكر ذلك بطوله الثعلبي ٨/ ١٢٨، وكله مما لا دليل عليه، وقد أحسن الواحدي ﵀ في ترك ذكرها، والأولى الوقوف عند ظاهر الآية، فهي هدية مالية كبيرة، لقوله تعالى: ﴿أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ﴾ وأما تعيينها فلا دليل عليه. والله أعلم.","vol":"17","page":228},{"text":"﴿فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ من عنده بقبولٍ أم بِرَدٍ (١). قال الفراء: انقصت الألف من (بِمَ)؛ لأنها في معنى: بأي شيء، وإذا كانت (مَا) في موضع: أي، ثم وصلت بحرفٍ خافضٍ نُقصت الألف من (مَا) ليعرف الاستفهام من الخبر، ومن ذلك قوله: ﴿فِيمَ كُنْتُمْ﴾ [النساء٩٧] و﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾ [النبأ: ١] وإن أتممتها فصواب (٢)، وأنشدني المفضل (٣):\nإنا قتلنا بقتلانا سَراتَكم ... أهلَ اللواء ففيما يكثرُ القِيلُ (٤)\nقال: وأنشدنىِ أيضًا:\nعلى ما قام يشتمني لئيمٌ ... كخنزيرٍ تمرَّغَ في رمادِ (٥)\nوقال الزجاج: حروف الجر مع (ما) في الاستفهام تحذف معها الألف من (ما)؛ لأنهما كالشيء الواحد، وليُفصل بين الخبر والاستفهام، تقول: قد رغبت فيما عندك، فتثبت الألف، وتقول: فيم نظرت يا هذا؟\n_________\n(١) \"تفسير ابن جرير\" ١٩/ ١٥٦.\n(٢) قال النحاس: وأجاز الفراء إثباتها في الاستفهام، وهذا من الشذوذ التي جاء القرآن بخلافها. \"إعراب القرآن\" ٣/ ٢١١.\n(٣) هو أبو طالب المفضل بن سلمة.\n(٤) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٩٢، ولم ينسبه. بلفظ: القيل، وفي نسخة (أ)، (ب): الفتك، وأورده البغدادي في \"الخزانة\" ٦/ ١٠٦، وقال: البيت من قصيدة لكعب ابن مالك، شاعر رسول الله -ﷺ-، أجاب بها ابن الزبعرى، وعمرو بن العاص، عن كلمتين افتخرا بها يوم أحد. وسراة القوم: خيارهم. وهو في \"ديوان كعب\" ص ٨٣.\n(٥) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٩٢. ولم ينسب البيت، وكذا ابن جرير ١٩/ ١٥٦، والشاهد فيه: دخول الألف على: ما. والبيت في \"ديوان حسان\" ٧٩، من قصيدة يهجو فيه بني عابد بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم.","vol":"17","page":229},{"text":"فتحذف الألف (١).\nقال المفسرون: دعت بلقيس رجلًا من أشراف قومها يقال له: المنذر بن عمرو، وضمت إليه رجالًا أصحاب رأي وعقل، وبعثتهم وفدًا إلى سليمان مع الهدية، وهم المرسلون في قوله: ﴿بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3180>٣٦ </span>- قوله -﷿-: ﴿فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ﴾ أي: جاء الرسول سليمان؛ قاله الفراء والزجاج؛ زاد أي: الزجاج: ويجوز أن يكون فلما جاء بِرُّها سليمان إلا أن قوله: ﴿ارْجِعْ إِلَيْهِمْ﴾ مخاطبة للرسول (٣).\n﴿قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ﴾ روى المسيبي (٤) عن نافع: ﴿أَتُمِدُّونَ﴾ خفيفة النون بنون واحدة، وياء على حذف النون الثانية التي تصحب ضمير\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٢٠.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ٥٩ أ. و\"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٢٩ أ. واختار ابن قتببة أن يكون المراد به واحدًا، واستدل على ذلك بقوله تعالى: ﴿ارْجِعْ إِلَيْهِمْ﴾. \"تأويل مشكل القرآن\" ٢٨٤. ولا تعارض بين اللفظين؛ فيحمل الجمع على مخاطبة رئيس الوفد، ومن معه، ويحمل الإفراد على مخاطبة رئيس الوفد وحده. والله أعلم.\n(٣) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٩٣، و\"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٢٠، و\"البداية والنهاية\" ٢/ ٢٣. وبرها: هديتها، والمال الذي بعثت به. في \"تهذيب اللغة\" ١٥/ ١٨٨ (بر): البر فعل كل خير من أي ضرب كان .. والبر: الإكرام.\n(٤) محمد بن إسحاق بن محمد بن عبد الرحمن، أبو عبد الله المسيبي، المدني، مقرئ عالم مشهور، ضابط ثقة، أخذ القراءة عن أبيه عن نافع، وحدث عن سفيان بن عيينة، ومحمد بن فليح، وغيرهم، روى عنه مسلم وأبو داود في كتابيهما، وأبو زرعة، وغيرهم. ت ٢٣٦ هـ \"معرفة القراء الكبار\" ١/ ١٧٧، \"غاية النهاية\" ٢/ ٩٨.","vol":"17","page":230},{"text":"المتكلم (١)، ولا يجوز حدف الأولى لأنه لحن (٢)، والثانية قد حذفت في مواضع من الكلام نحو: قَدِي (٣).\nوقرأ حمزة: ﴿أَتُمِدُّونَي﴾ بنون واحدة مشددة أدغم الأولى في الثانية، ومن قرأ بنونين وجمع بين المثلين ولم يدغم؛ فلأن الثانية ليست بلازمة؛، ألا ترى أنه يجزئ في الكلام من غير الثانية نحو: أتمدون زيدًا (٤).\n_________\n(١) قرأ ابن كثير: ﴿أَتُمِدُّونَنِ﴾ بنونين، وإثبات الياء في الوصل. وقرأ نافع في رواية المسيبي بنون واحدة خفيفة، وبحذف الياء في الوقف، وقرأ عاصم، وابن عامر، والكسائي: بنونين بغير ياء في الوصل والوقف، وقرأ حمزة بنون واحدة مشددة، وياء في الوصل والوقف. \"السبعة في القراءات\" ٤٨٢. و\"إعراب القراءات السبع وعللها\" ٢/ ١٥٠، وذكر الفراء هذه الأوجه، وصوبها كلها، \"معاني القرآن\" ٢/ ٢٩٣. وكذا ابن جرير ١٩/ ١٥٧. والأزهري، \"معاني القراءات\" ٢/ ٢٤١.\n(٢) في نسخة: (ج): لأن حذف الأولى لحن.\n(٣) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٣٨٩. قال سيبويه ٢/ ٣٧١: وقد جاء في الشعر: قدي، فأما الكلام فلا بد فيه من النون، وقد اضطر الشاعر فقال: قدي، شبهه بحسبي؛ لأن المعنى واحد، قال الشاعر:\nقَدْني من نصر الخُبَيبيْن قَدِي.\nوالشاعر قيل هو: أبو نخيلة، وقيل: حميد الأرقط، وقيل غير ذلك. والخُبيبان، بالتصغير هما: عبد الله بن الزبير، وكنيته: أبو خبيب، ومصعب أخوه، غلبه عليه لشهرته، وقدني: أي: حسبي وكفاني، وهو مبتدأ خبره الجار والمجرور، والمعنى: حسبي من نصرة هذين الرجلين، أي: لا أنصرهما بعد. وقدي الثانية توكيد. والشاهد فيه: حذف النون من قدي تشبيهًا بحسبي. \"حاشية الكتاب\" ٢/ ٣٧١. وأنشده ولم ينسبه أبو زيد في \"النوادر\" ٢٠٥، وأبو علي في \"الحجة\" ٣/ ٣٣٤.\n(٤) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٣٨٩. وفيه: ألا ترى أنها تجري في الكلام، ولا تلزق بها الثانية.","vol":"17","page":231},{"text":"ومعنى قوله: ﴿أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ﴾ إنكار عليهم إهداءهم إليه، وما أتوه به من المال. قوله: ﴿فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ﴾ أي: ما أعطانىِ من الإسلام والنبوة والملك خير مما أعطاكم ﴿بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ﴾ يعني: إذا أهدى بعضكم إلى بعض، وأما أنا فلا أفرح بها إنما أريد منكم الإسلام. قاله مقاتل (١).\nثم قال سليمان لأمير الوفد:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3181>٣٧ </span>- ﴿ارْجِعْ إِلَيْهِمْ﴾ أي: بالهدية. هذا قول أكثر المفسرين (٢). وقال الكلبي: ﴿ارْجِعْ إِلَيْهِمْ﴾ خطاب للَّهدهد كتب إليها كتابًا آخر (٣).\nقوله تعالى: ﴿فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا﴾ قال ابن عباس والمفسرون وأهل اللغة: لا طاقة لهم بها (٤).\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ١٥٩. وفيه: إذا أهدى بعضكم إليِّ، فأما أنا فلا أفرح ... وفي \"تنوير المقباس\" ٣١٨: ﴿بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ﴾ إن ردت إليكم. وما اقنصر عليه الواحدي أقرب. والله أعلم.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ١٥٩، و\"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٢٩ أ. وأخرجه ابن جرير ١٩/ ١٥٧، عن وهب بن منبه. وأخرج ابن أبي حاتم ٩/ ٢٨٨١، عن قتادة: ما نراه يعني إلا الرسل. وفي \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٩٤، و\"تفسير هود الهواري\" ٣/ ٢٥٤، توجيه الخطاب للرسول، وليس فيه ذكر الهدية.\n(٣) أخرجه ابن أبي حاتم ٩/ ٢٨٨١، عن زهير بن محمد. وفي \"تنوير المقباس\" ٣١٨: ﴿ارْجِعْ إِلَيْهِمْ﴾ بهديتهم. وليس فيه تعيين المخاطب. حيث يحتمل أن يكون الخطاب لرسول ملكة سبأ. \"تفسير الماوردي\" ٤/ ٢١١.\n(٤) ذكره البخاري، عن ابن عباس، معلقًا بصيغة الجزم، كتاب التفسير، الفتح ٨/ ٥٠٤. ووصله ابن جرير ١٩/ ١٥٨. وأخرجه ابن أبي حاتم ٩/ ٢٨٨٢، عن أبي صالح، وقتادة. و\"تفسير مقاتل\" ١٥٩. و\"مجاز القرآن\" ٢/ ٩٤. و\"تفسير هود الهواري\" ٣/ ٢٥٣. و\"غريب القرآن\" لابن قتيبة ٣٢٤.","vol":"17","page":232},{"text":"﴿وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا﴾ قال الكلبي: من قرية سبأ (١) ﴿أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ أذلاء.\nقال المفسرون: فلما رجعت إليها الرسل قالت: قد عرفنا ما هذا بملِك وما لنا به من طاقة. ثم تجهزت للمسير إليه (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3182>٣٨ </span>- قال ابن عباس: وأخبره جبريل أنها خرجت من اليمن مقبلة إليه (٣). فقال سليمان: ﴿قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا﴾ قال عبد الله بن شداد: كانت بلقيس على رأس فرسخ (٤) من سليمان لما قال سليمان: ﴿أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا﴾ وكان ما بينه وبينها كما بين الكوفة والحيرة (٥) وذلك أنه لم يُخبر بمسيرها إليه حتى رأى يومًا رهجًا (٦) قريبًا منه فسأل عنه فقيل: بلقيس يا رسول الله فحينئذ قال: ﴿أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا﴾ هذا قول وهب بن\n_________\n(١) \"تنوير المقباس\" ٣١٨. وهو في \"الوسيط\" ٣/ ٣٧٧، غير منسوب.\n(٢) \"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٢٩ أ. وأخرجه ابن أبي حاتم ٩/ ٢٨٨٢، عن يزيد بن رومان.\n(٣) ذكره في \"الوسيط\" ٣/ ٣٧٧، ولم ينسبه.\n(٤) الفرسخ: ثلاثة أميال أو ستة؛ سمي بذلك لأن صاحبه إذا مشى قعد واستراح من ذلك كأنه سكن، والفرسخ: السكون. \"لسان العرب\" ٣/ ٤٤ (فرسخ)، والميل مقياس للطول قُدِّر قديمًا بأربعة آلاف ذراع، وهو الميل الهاشمي، وهو بري وبحري؛ فالبري يقدر الآن بما يساوي: ١٦٠٩ من الأمتار، والبحري بما يساوي: ١٨٥٢ من الأمتار. \"المعجم الوسيط\" ٢/ ٨٩٤.\n(٥) الكُوفة بالضم: العصر المشهور بأرض بابل من سواد العراق، وسميت بذلك: لاستدارتها، وقيل: لاجتماع الناس بها. \"معجم البلدان\" ٤/ ٥٥٧. وهي جنوب بغداد بحوالي ١٥٠ كم. والحيرة: مدينة على ثلاثة أميال من الكوفة على موضع يقال له: النجف. \"معجم البلدان\" ٢/ ٣٧٦. وهي جنوب الكوفة بحوالي ٧٥ كم.\n(٦) الرَّهَج: الغبار. \"تهذيب اللغة\" ٦/ ٥٢ (رهج).","vol":"17","page":233},{"text":"منبه، وجميع المفسرين (١).\nواختلفوا في السبب الذي خص سليمان -﵇- العرش بالطلب؛ وقال قتادة: لأنه قد وُصِف له عرشها بالعِظَم فأعجبه ذلك وأحب أن يراه (٢).\nوقال مقاتل وأكثر المفسرين: أحب سليمان أن يأخذ عرشها قبل أن تُسلِم فلا يحل أخذ مالها (٣). فذلك قوله: ﴿قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ أي: مخلصين بالتوحيد. قاله مقاتل (٤).\nوقال ابن جريج: ﴿مُسْلِمِينَ﴾ بحرمة الإسلام فيمنعنا الإسلام أموالهم (٥).\n_________\n(١) أخرج ابن أبي حاتم ٩/ ٢٨٨٢، ٢٨٩٧، عن ابن عباس. وذكره عنه الثعلبي ٨/ ١٢٩ أ. وأخرجه ابن أبي شيبة عن عبد الله بن شداد، المصنف ٦/ ٣٣٦. وهذا يخالف ما ذكره الواحدي قبل ذلك، واقتصر عليه في تفسيره الوسيط ٣/ ٣٧٧، من أن نبي الله سليمان -﵇- قد أعلمه جبريل بذلك. والله أعلم.\n(٢) ذكره الثعلبي ٨/ ١٢٩ ب، عن قتادة، وأخرجه ابن أبي حاتم ٩/ ٢٨٨٣، عنه، وليس فيه دلالة على ما ذُكر، بل هو موافق للقول الذي ذكره الواحدي عن مقاتل، وأكثر المفسرين.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ٥٩ ب. و\"تفسير هود الهواري\" ٣/ ٢٥٤، ولم ينسبه. وأخرجه ابن أبي حاتم ٩/ ٢٨٨٤، عن زهير بن محمد، وعطاء والسدي. وذكره الثعلبي ٨/ ١٢٩ ب، عن أكثر المفسرين، ولم يسمهم. واقتصر عليه الواحدي، في \"الوسيط\" ٣/ ٣٧٨، و\"الوجيز\" ٢/ ٨٠٤. ولا يخفى ما في هذا القول من البعد؛ لأن نبي الله سليمان ﵇ لم يكن بحاجة لذلك، وكيف يظن به وهو نبي، وقد أعطاه الله ملكًا لا ينبغي لأحد من بعده، وأقرب ما يكون أن نبي الله سليمان ﵇ أراد أن يُظهر لها عظم ملكه، وأنه من الله. والله أعلم. وقد ذكر هذا الوجه الثعلبي ٨/ ١٢٩ ب، فقال: وقيل: ليريها قدرة الله تعالى وعظيم سلطانه. وذكره الواحدى بعد ذلك بمعناه، لكنه لم ينتقد القول السابق.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ١٥٩.\n(٥) أخرجه ابن جرير ١٩/ ١٦١.","vol":"17","page":234},{"text":"وقال ابن عباس: ﴿مُسْلِمِينَ﴾: طائعين منقادين (١).\nوعلى هذا يحل له أخذ مالها بعد إتيانها. قال مقاتل: وكان قد أوحي إلى سليمان أنها تأتي مسلمة، فلذلك قال: ﴿قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ (٢). فهذان قولان في سبب طلب العرش.\nوقال ابن زيد: أراد سليمان أن يعاتبها بالعرش ويختبر عقلها (٣). ويدل على هذا قوله: ﴿قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا﴾ ألَّا يتبين.\nوقال آخرون: أراد سليمان أن يريها آية معجزة في عرشها ليجعل ذلك حجة عليها، فقال: ﴿أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ أي: طائعين منقادين (٤). كما قال ابن عباس.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3183>٣٩ </span>- قوله تعالى: ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ﴾ العفريت: النافذ في الأمر المبالغ فيه مع خبث ودهاء. يقال: رجل عِفْرٌ وعِفْريتٌ، وعِفْرية وعُفارية، بمعنى واحد (٥).\n_________\n(١) ذكره البخاري عن ابن عباس، معلقًا بصيغة الجزم، بلفظ: طائعين. كتاب التفسير، \"الفتح\" ٨/ ٥٠٤. وذكره الثعلبي ٨/ ١٢٩ ب، كذلك. ونسبه الهواري ٣/ ٢٥٤، للكلبي.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ٥٩ ب.\n(٣) أخرجه ابن جرير ١٩/ ١٦٠، وفيه: وكانت الملوك يتعاتبون بالعلم. وذكره الثعلبي ٨/ ١٢٩ب، عنه بلفظ: أراد أن يختبر عقلها.\n(٤) ذكره الثعلبي ٨/ ١٢٩ ب، ولم ينسبه.\n(٥) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٢٠، بنصه. و\"مجاز القرآن\" ٢/ ٩٤، بمعناه. وقد قرأ أبو رجاء وعيسى الثقفي [عِفرية]. قال ابن جني: هو العفريت. \"المحتسب\" ٢/ ١٤١. قال أبو عبيد: رجك عِفرٌ نِفرٌ، وعِفْرِيةٌ نِفْرِية، وعِفْرِيت نِفْرِيت، وعُفَارية نُفَارية: إذا كات خبثًا ماردا. \"تهذيب اللغة\" ١٥/ ٢١١ (نفر).","vol":"17","page":235},{"text":"وقال الفراء: من قال عفرية، فجمعه: عَفَارٍ. ومن قال: عفريت، جمعه: عفاريت، وجائز أن يقول: عفارٍ، كقولهم في جمع الطاغوت: طواغيت وطواغ (١).\nقال المفسرون في تفسير العفريت: إنه المارد الداهية القوي الخبيث الغليظ القوي الشديد. كل هذا من ألفاظهم (٢).\nوقال ابن قتيبة: أصله: عِفْر، زيدت التاء فيه، يقال: عِفْريت ونِفْرِيت وعُفَارِية، ولم يسمع بنُفَارِية (٣).\nوقوله: ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ﴾ يعني: من مجلسك الذي تقضي فيه؛ وكان سليمان يجلس في مجلسه للقضاء غُدْوة إلى نصف النهار. قاله ابن عباس والمفسرون (٤).\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٩٤. وذكر الأزهري كلام الزجاج والفراء، ونسب الثاني دون الأول. \"تهذيب اللغة\" ٢/ ٣٥٢ (عفر).\n(٢) قال الكلبي: داهية من الجن. تفسير عبد الرزاق ٢/ ٨١. وقال مقاتل ٥٩ ب: مارد. وقيده الهواري ٣/ ٢٥٤، بالكافر، فقال: العفريت لا يكون إلا الكافر. ويبعد أن يكون عند نبي الله سليمان ﵇ وهو على الكفر. والله أعلم. وأخرج ابن جرير ١٩/ ١٦١، عن مجاهد، وقتادة: مارد من الجن. وأخرجه ابن أبي حاتم ٩/ ٢٨٨٤، عن مجاهد. وفي \"تنوير المقباس\" ٣١٨: شديد. وذكر الأنباري في كتابه: \"الزاهر\" ١/ ٢٠٩، و\"الأضداد\" ٣٨٣، معان أخرى لكلمة: عفريت.\n(٣) \"غريب القرآن\" لابن قتيبة ٣٢٤.\n(٤) أخرجه ابن أبي حاتم ٩/ ٢٨٨٤، عن ابن عباس، ومجاهد. وأخرجه عبد الرزاق ٢/ ٨٢ عن قتادة. وأخرجه ابن جرير ١٩/ ١٦٢، عن مجاهد، وقتادة، ووهب بن منبه. وهو في \"تفسير مجاهد\" ٢/ ٤٧٢. و\"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٩٤. و\"تفسير هود الهواري\" ٣/ ٢٥٤. و\"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٢٩ ب.","vol":"17","page":236},{"text":"فمعنى المقام هاهنا: المقعد والمشهد، لا موضع القيام. وقال أبو الحسن: إنهم يقولون للمقعد والمشهد: مقام، كالذي في هذه الآية، وكقوله: ﴿وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾ [الشعراء: ٥٨، الدخان: ٢٦] يعني ومجلس حسن. قال الكلبي: كانت قوة العفريت أنه يضع قدمه حيث ينال بصره.\nوقال مقاتل: قال العفريت: أنا أضع قدمي عند منتهى بصري فليس شيء أسرع مني (١).\n﴿وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ﴾ أي: على حمله (أَمِينٌ) على ما فيه من الذهب والفضة والجواهر. قاله ابن عباس (٢). فقال سليمان: أريد أسرع من ذلك (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3184>٤٠ </span>- ﴿قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ﴾ قال محمد بن إسحاق: هو آصف بن بَرْخيا، وكان صدِّيقًا، يعلم الاسم الأعظم الذي إذا دعي به الله أجاب (٤). وهو قول مقاتل والكلبي والأكثرين، ورواية الضحاك عن ابن عباس (٥).\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ٥٩ ب. وذكره في \"الوسيط\" ٣/ ٣٧٨، ولم ينسبه.\n(٢) أخرجه ابن جرير ١٩/ ١٦٢، وابن أبي حاتم ٩/ ٢٨٨٥. وذكره الثعلبي ٨/ ١٢٩ ب. وهو قول مقاتل ٥٩ ب.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ٥٩ ب. وأخرجه ابن جرير ١٩/ ١٦٣، عن الضحاك. وهو في \"تنوير المقباس\" ٣١٨. و\"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٢٩ب.\n(٤) أخرجه ابن أبي حاتم ٩/ ٢٨٨٦، عنه، وعن يزيد بن رومان. وهو في \"البداية والنهاية\" ٢/ ٢٣.\n(٥) أخرجه ابن أبي حاتم ٩/ ٢٨٨٥، عن ابن عباس، من طريق سعيد بن جبير. و\"تفسير مقاتل\" ٥٩ ب. و\"تفسير هود الهواري\" ٣/ ٢٥٤، ولم ينسبه. وأخرجه ابن جرير ١٩/ ١٦٣، عن محمد بن إسحاق. وأخرجه من طريق الضحاك الثعلبي ٨/ ١٢٩ب. واقتصر عليه الواحدي، في \"الوسيط\" ٣/ ٣٧٨، و\"الوجيز\" ٢/ ٨٠٤.","vol":"17","page":237},{"text":"وقال قتادة: هو رجل من بني إسرائيل كان يعلم الاسم الذي إذا دعىِ به أجاب، اسمه كليخا (١).\nوقال أبو صالح وشعيب بن حرب (٢): هو رجل من بني آدم (٣).\nوقال عطاء عن ابن عباس: هو جبريل (٤).\nوقال ابن زيد: هو رجل صالح كان في جزيرة من جزائر البحر، فخرج ذلك اليوم ينظر مَنْ ساكن الأرض، فوجد سليمان، فدعا باسم من أسماء الله فجيء بالعرش (٥).\nومعنى: ﴿عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ﴾ علم اسم الله الأعظم، على ما ذكره\n_________\n(١) أخرجه بسنده عبد الرزاق ٢/ ٨٢، دون ذكر الاسم. وأخرجه ابن جرير ١٩/ ١٦٢، من طريقين؛ إحداهما: مثل رواية عبد الرزاق، والثانية: فيها ذكر الاسم فقط، ولفظه: بليخا. وأخرجه ابن أبي حاتم ٩/ ٢٨٨٦، واسمه: آصف. وفي \"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٣٠ أ، اسمه: مليخا. وهذا الاختلاف في تعيين اسمه مما لا طائل تحته، ولا يفيد التعيين في معنى الآية شيئًا؛ فالأولى تركه.\n(٢) شعيب بن حرب المدائني، أبو صالح، نزيل مكة، ثقة عابد، روى عن إسماعيل بن مسلم العبدي، وشعبة، وسفيان، وغيرهم، وروى عنه أحمد بن حنبل، وعلي بن بحر، وغيرهم. مات سنة ١٩٧. \"السير\" ٩/ ١٨٨، و\"تقريب التهذيب\" ٤٣٧.\n(٣) أخرجه بسنده عبد الرزاق ٢/ ٨٢، عن الكلبي. وأخرجه ابن جرير ١٩/ ١٦٢، ١٦٣، عن أبي صالح، وابن جريج. وأخرجه ابن أبي حاتم ٩/ ٢٨٨٥، عن أبي صالح، وزهير بن محمد. وأخرج أيضًا عن أبي صالح أنه قال: هو الخضر. وكل هذه الأقوال لا دليل عليها، والأولى الوقوف عند ظاهر الآية، والله أعلم.\n(٤) \"تفسير هود الهواري\" ٣/ ٢٥٥، و\"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٢٩ ب، ولم ينسباه.\n(٥) أخرجه ابن جرير ١٩/ ١٦٣. والثعلبي ٨/ ١١٣٠. وذكر ابن كثير قولًا غريبًا، وهو. أنه كان من الجن. \"البداية والنهاية\" ٢/ ٢٣. وكل هذه الأقوال مما لا فائدة من البحث فيها، والأولى الوقوف عند ظاهر الآية. والله أعلم.","vol":"17","page":238},{"text":"المفسرون (١). وقال محمد بن المنكدر: ﴿الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ﴾ هو سليمان ﵇ (٢). وإلى هذا القول ذهب المعتزلة (٣)، إنكارًا لكرامة الولي (٤). وهذا القول لا يصح؛ لأنه خلاف ما عليه المفسرون، ولأن\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ٥٩ ب. وسيذكر أقوالهم الواحدي بعد ذلك.\n(٢) ذكره الثعلبي ٨/ ١٣٠ أ.\n(٣) المعتزلة من الفرق الكلامية التي نشأت في أواخر العصر الأموي، على يد واصل بن عطاء الذي اعتزل الجماعة بعد خلافه مع الحسن البصري، في القدر، في أوائل المائة الثانية، فكان مع أصحابه يجلسون معتزلين فيقول قتادة وغيره: أولئك المعتزلة، عظم شأنهم في العصر العباسي، والمعتزلة يعتمدون على العقل المجرد في فهم العقيدة الإِسلامية لتأثرهم بالفلسفة اليونانية، ولا يقيمون للنصوص الشرعية إذا خالفت عقولهم وزنًا ولا قدرًا، ولهم أصول خمسة هدموا بها كثيرًا من الدين؛ وهي:\n١ - التوحيد، وهو عندهم توحيد الجهمية الذي مضمونه نفي الصفات؛ فقالوا: إن الله لا يرى، وأن القرآن مخلوق، وأنه ليس فوق العالم، وأنه لا يقوم به علم ولا قدرة، ولا حياة ولا سمع، ولا بصر ولا مشيئة، ولا صفة من الصفات.\n٢ - العدل، ومضمونه عندهم أن الله لم يشأ جميع الكائنات، ولا خلقها كلها، ولا هو قادر عليها كلها، بل عندهم أن أفعال العباد لم يخلقها الله لا خيرها ولا شره.\n٣ - المنزلة بين المنزلتين، في مرتكب الكبيرة فإنه عندهم يخرج من الإيمان ولا يدخل في الكفر.\n٤ - الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومضمونه جواز الخروج على أئمة المسلمين بالقتال إذا جاروا؛ دون تقييد ذلك بالكفر البواح الصريح.\n٥ - إنفاذ الوعيد في الآخرة، وأن الله لا يقبل في أهل الكبائر شفاعة، ولا يُخرج أحدًا منهم من النار. \"مجموع الفتاوى\" ١٣/ ٣٥٧، و\"شرح العقيدة الطحاوية\" ٢٩٨، ٥٢٠، و\"الفرق بين الفرق\" ٢١.\n(٤) ذكره الطوسي، عن الجبائي. \"التبيان في تفسير القرآن\" ٨/ ٩٦. وذكره الزمخشري ٣/ ٣٥٥، مع غيره من الأقوال، ولم يرجح بينها. قال ابن أبي العز: والطريقة المشهورة عند أهل الكلام والنظر تقرير نبوة الأنباء بالمعجزات، لكن كثير منهم =","vol":"17","page":239},{"text":"الخطاب في قوله: ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ لسليمان. وكيف يصح أن يقال: ﴿الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ﴾ هو سليمان؟.\nوقوله: ﴿أَنَا آتِيكَ﴾ أمال حمزة (ءَاتِيكَ) أشم الهمزة شيئًا من الكسر (١) من أجل لزوم الكسرة في آتي، وإذا لزمت الكسرة جازت الإمالة فأمال الفتحة التي على همزة المضارعة ليميل الألف في آتي نحو الياء، وإمالة الكسائي فتحة الياء في (ءَاتَانِ الله) أحسن من إمالة حمزة؛ لأن (ءَاتَى) مثال الماضي، والهمزة في (ءَاتِيكَ) همزة المضارعة، فإمالتها لا تحسن، ألا ترى أنه لو كانت الياء التي للمضارعة في الفعل، لم تجز الإمالة، وإذا لم تجز الإمالة في حرف من حروف المضارعة، كان ما بقىِ من الحروف في حكمه، ألا ترى أنهم قالوا: يَعِدُ، فأتبعوا سائر الحروف الياء، وكذلك أُكرِمُ (٢).\nوقوله: ﴿قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ قال محمد بن إسحاق: قال له آصف: تمد عينيك، فلا ينتهي إليك طرفك إلى مداه حتى أُمثِّلَه بين يديك (٣). ثم قال: امدد عينيك حتى ينتهي طرفك، فمد سليمان عينيه ينظر نحو اليمن، ودعا آصف فانخرق العرش مكانه الذي هو فيه، ثم نبع بين يدي سليمان (٤).\n_________\n= لا يعرف نبوة الأنبياء إلا بالمعجزات، وقرروا ذلك بطرق مضطربة، والتزم في منهم إنكار خوارق العادات لغير الأنبياء، حتى أنكروا كرامات الأولياء والسحر، ونحو ذلك. \"شرح العقيدة الطحاوية\" ١٥٠.\n(١) \"السبعة في القراءات\" ٤٨٢، و\"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٣٩٠.\n(٢) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٣٩١، بشيء من التصرف.\n(٣) أخرجه ابن جرير ١٩/ ١٦٤.\n(٤) أخرجه ابن جرير ١٩/ ١٦٤. وابن أبي حاتم ٩/ ٢٨٨٧.","vol":"17","page":240},{"text":"ونحو هذا روى عكرمة عن ابن عباس، في كيفية حصول العرش عند سليمان؛ قال: لم يخر عرش صاحبة سبأ بين السماء والأرض، ولكنه انشقت به الأرض، فجرى تحت الأرض حتى ظهر بين يدي سليمان (١).\nوقال ابن سابط: دخل السرير فصار له نفق في الأرض حتى نبع بين يدي سليمان (٢).\nوقال مجاهد: خرج العرش من نفق في الأرض (٣).\nوقال الكلبي: خر آصف ساجدًا ودعا باسمه الأعظم، فعاد عرشها تحت الأرض حتى نبع عند كرسي سليمان (٤).\nوقال مقاتل: احتمل السرير احتمالًا فوضع بين يدي سليمان (٥). هذا قول المفسرين.\nوقال أهل المعاني: الله ﷿ قادر على ذلك بأن يُعدمه من حيث كان، ثم يوجده، حيث كان سليمان بلا فصلٍ، بدعاء ﴿الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ﴾ (٦). وتفسير ذلك العلم: هو اسم الله الأعظم على ما ذكرنا عن\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٩٤، ونسبه لابن عباس. وأخرج نحوه ابن جرير ١٩/ ١٦٥، وابن أبي حاتم ٩/ ٢٨٨٧، عن ابن عباس، من طريق سعيد بن جبير.\n(٢) أخرجه ابن أبي شيبة عن مجاهد، المصنف ٦/ ٣٣٦. وأورده السيوطي في \"الدر\" ٦/ ٣٦١، عن ابن سابط، وعزاه لابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(٣) أخرجه ابن أبي حاتم ٩/ ٢٨٨٧، عنه، وعن عبد الله بن شداد. و\"تفسير مجاهد\" ٢/ ٤٧٢.\n(٤) \"تفسير الوسيط\" ٣/ ٣٧٨، ونسبه للكلبي.\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ٥٩ ب.\n(٦) ذكره الطوسي، ولم ينسبه. \"التبيان في تفسير القرآن\" ٨/ ٩٧. وذكره في \"الوسيط\" ٣/ ٣٧٨، ولم ينسبه. وهذا أحسن مما سبق مما لا دليل عليه.","vol":"17","page":241},{"text":"المفسرين. واختلفوا في ذلك الاسم، فقال مجاهد ومقاتل: يا ذا الجلال والإكرام (١).\nوقال شعيب بن حرب: قال الذي جاء بعرشها: إلهنا وإله كل شيء إلهًا واحدًا لا إله إلا أنت أئت به؛ فإذا هو مستقر عنده (٢). ونحو هذا قال الزهري (٣).\nوروت عائشة عن النبي -ﷺ- أن الاسم الذي دعا به آصف: يا حي يا قيوم. وهو قول الكلبي (٤).\nوأما تفسير قوله: ﴿قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ فقد ذكرنا فيه قول محمد ابن إسحاق؛ وهو انتهاء طرفه إلى مداه، وهذا ضد الارتداد وإنما يصح تفسيره بتقدير محذوف في الآية؛ كأنه: قبل أن يرتد إليك طرفك بعد\n_________\n(١) أخرجه ابن جرير ١٩/ ١٦٣، وابن أبي حاتم ٩/ ٢٨٨٦، عن مجاهد. و\"تفسير مجاهد\" ٢/ ٤٧٢. و\"تفسير مقاتل\" ٥٩ ب. و\"تفسير هود الهواري\" ٣/ ٢٥٤، ولم ينسبه، وزاد: والمنن العظام، والعز الذي لا يرام.\n(٢) ذكره الزجاج، \"معاني القرآن\" ٤/ ١٢١، ولم ينسبه. ونسبه في \"الوسيط\" ٣/ ٣٧٨، لبكر بن عبد الله.\n(٣) أخرجه ابن جرير ١٩/ ١٦٣، وابن أبي حاتم ٩/ ٢٨٨٦. وذكره الثعلبي ٨/ ١٣٠ أ.\n(٤) ذكره الثعلبي ٨/ ١٣٠ أ. وهو في \"تنوير المقباس\" ٣١٨، غير مرفوع. وذكره مرفوعًا القرطبي ١٣/ ٢٠٤. وذكره البغوي منسوبًا لعائشة، ولعله أقرب. والله أعلم. وكون يا حي يا قيوم هو الاسم الذي إذا دعي الله به أجاب ثابت؛ فعن أنس؟، قال: كنت مع النبي -ﷺ-، فدعا رجل فقال: يا بديع السماوات يا حي يا قيوم إني أسألك، فقال: (أتدرون بما دعا؟ والذي نفسي بيده دعا الله باسمه الذي إذا دعي به أجاب). أخرجه البخاري، الأدب المفرد ١٤١، باب: الدعاء عند الاستخارة. وأخرج أبو داود ٢/ ١٦٧، كتاب الصلاة، رقم: ١٤٩٥. وأخرجه النسائي في السنن الكبرى ١/ ٣٨٦، رقم: ١٢٢٣. وهو في صحيح الأدب المفرد ٢٦٢، رقم: ٥٤٣.","vol":"17","page":242},{"text":"الانتهاء، فحذف ذكر الانتهاء؛ لأن الارتداد يدل عليه، وذلك أنه لا يرتد إليه طرفه إلا بعد مده إياه، حتى ينتهي طرفه ثم يعود إليه (١).\nوقال سعيد بن جبير: قال لسليمان: انظر إلى السماء فما طَرُف (٢) حتى جاء به فوضعه بين يديه (٣). وعلى هذا حتى يرتد إليك طرفك من السماء.\nومعنى: ﴿يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ يعود إليك بصرك بعد مده إلى منتهاه.\nوفسر مجاهد ارتداد الطرف تفسيرًا صالحًا؛ فقال: هو إدامة النظر حتى يرتد طرفه خاسئًا (٤). وعلى هذا معنى الآية: أن سليمان يمد بصره إلى أقصاه وهو يديم النظر، فقبل أن ينقلب إليه بصره حسيرًا، يكون قد أتى بالعرش.\nوقال مقاتل: يقول قبل أن ينتهي إليك الذي هو على منتهى بصرك وهو جاءٍ إليك (٥).\nوقال الكلبي: يقول قبل أن يأتيك الشخص من مد النظر (٦). وهذا معنى قول ابن عباس في رواية عطاء. وكذلك قال أبو صالح: قبل أن يأتيك\n_________\n(١) وجعله ابن كثير أقرب الأقوال. \"البداية والنهاية\" ٢/ ٢٤.\n(٢) الطَّرْف: إطباق الجفن على الجفن. \"تهذيب اللغة\" ١٣/ ٣١٩ (طرف).\n(٣) أخرجه ابن جرير ١٩/ ١٦٤. وأخرجه ابن أبي حاتم ٩/ ٢٨٨٧، عنه، وعن سعيد بن جبير، عن ابن عباس. وذكره الثعلبي ٨/ ١١٣٠.\n(٤) أخرجه ابن جرير ١٩/ ١٦٤، وابن أبي حاتم ٩/ ٢٨٨٩. وذكره الثعلبي ٨/ ١٣٠ أ.\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ٥٩ ب.\n(٦) أخرجه عبد الرزاق ٢/ ٨٢. وهو في \"تنوير المقباس\" ٣١٨. بمعناه. وذكره الثعلبي ٨/ ١٣٠ أ، عن قتادة.","vol":"17","page":243},{"text":"الشيء من مد البصر (١). واختاره الفراء (٢). وعلى هذا التفسير يجب أن يكون التقدير: قبل أن يرتد إليك مَنْ على منتهى طرفك؛ وهذا التقدير بعيد، ثم إتيان الشخص إليه من مد البصر لا يسمى ارتدادًا إلا أن يكون قد خرج من عنده، فالقول هو الأول؛ ولهذا قال قتادة: هو أن يبعث رسولًا إلى منتهى طرفه، فلا يرجع حتى يؤتى به (٣). فعلى هذا يصح أن يقال للرسول إذا رجع إليه: ارتد إليه، ولو صح أن يحمل الطرف على من ينظر إليه ويبصره من بعيد، يصح هذا التفسير الثاني؛ ولكنه بعيد.\nوفي ارتداد الطرف قول ثالث؛ قال أبو إسحاق: قيل هو مقدار ما يفتح عينه ثم يَطْرُف؛ قال: وهذا أشبه بارتداد الطرف، ومثله من الكلام: فَعَل ذلك في لحظة عين؛ أي: في مقدار ما نظر نظرة واحدة (٤). وعلى هذا معنى الآية: إذا نظرت إلى شيء فقبل أن تَطْرُف يكون العرش عندك.\nوالإتيان بالعرش كان كرامة للولي، ومعجزة للنبي، فلا ينكر سرعة حصول ذلك، إذ كان الله تعالى قادرًا على تحصيله عنده في أسرع من لمحة ولحظة. فهذه ثلاثة أقوال في تفسير قوله: ﴿قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾.\nقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَآهُ﴾ في الآية محذوف تقديره: فدعا الله فأتى به ﴿فَلَمَّا رَآهُ﴾ أي: رأى العرش مستقرًا عنده ثابتًا بين يديه ﴿قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ\n_________\n(١) ذكره ابن قتيبة، غريب القرآن ٣٢٤، ونسبه لأبي صالح. واقتصر عليه الهواري ٣/ ٢٥٤. وأخرج ابن جرير ١٩/ ١٦٤، عن سعيد بن جبير.\n(٢) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٩٤.\n(٣) ذكره الثعلبي ٨/ ١٣٠ أ، بمعناه.\n(٤) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٢١، وذكر هذا القول ابن قتيبة، في غريب القرآن ٣٢٤، ولم ينسبه.","vol":"17","page":244},{"text":"رَبِّى﴾ هذا النصر والتمكين في المُلك من فضل ربي وعطائه (١).\nقال قتادة: والله ما جعله فخرًا ولا بطرًا، ولكن جعله منة لله وفضلًا منه ونعمة (٢) ﴿لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ﴾ على ما أعطاني ﴿أَمْ أَكْفُرُ﴾.\nوقال مقاتل: ﴿هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي﴾ هذا السرير ﴿مِنْ فَضْلِ رَبِّي﴾ أعطانيه (٣). يعني: جيء به في حال شركها قبل أن تسلم ﴿لِيَبْلُوَنِي﴾ قال: يقول: ليختبرني ﴿أَأَشْكُرُ﴾ الله في نعمه إذ أُتيت بالعرش ﴿أَمْ أَكْفُرُ﴾ إذ رأيت مَنْ هو دوني أعلم مني.\nثم عزم الله له على الشكر فقال: ﴿وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾ أي: لأجل نفسه يفعل ذلك (٤)؛ لأن ثواب شكره يعود إليه ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ﴾ عن شكره ﴿كَرِيمٌ﴾ بالإفضال على من كفر نعمه (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3185>٤١ </span>- وقوله: ﴿قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي﴾ قال وهب، ومحمد ابن كعب، والمفسرون: خافت الشياطين أن يتزوج سليمانُ بلقيسَ فتفشي عليه أسرار الجن، ولا ينفكون من تسخير سليمان وذريته بعده، فأساءوا\n_________\n(١) \"تفسير ابن جرير\" ١٩/ ١٦٥.\n(٢) أخرجه ابن أبي حاتم ٩/ ٢٨٨٩.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ٥٩ ب.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ٥٩ ب وتبعه على ذلك الهواري ٣/ ٢٥٥، فقال .. كأنه وقع في نفسه مثل الحسد له، ثم فكر، فقال: أليس هذا الذي قدر على ما لم أقدر عليه مسخرًا لي. ونسبه لابن عباس، بدون إسناد، وأخرجه ابن جرير ١٩/ ١٦٥، عنه من طريق عطاء الخرساني. وأخرجه ابن أبي حاتم ٩/ ٢٨٨٩، عن السدي. وكيف يظن بنبي الله سليمان ﵇ مثل ذلك. والله أعلم.\n(٥) \"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٣٠ ب. وهو بنصه، في \"تفسير الوسيط\" ٣/ ٣٧٨. ولم ينسبه. ويمكن أن يحمل: الكريم، هنا على الصفوح. \"تأويل مشكل القرآن\" ٤٩٤.","vol":"17","page":245},{"text":"الثناء على بلقيس ليزهدوه فيها؛ وقالوا: إن في عقلها شيئًا، وإن رجلها كحافر الحمار، فأراد سليمان أن يختجر عقلها بتنكير عرشها، فذلك قوله. ﴿قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا﴾ (١).\nقال المفسرون: يقول: غيروا لها سريرها (٢). يقال: نكرته فتنكر أي: غيرته فتغير (٣).\nومعنى التنكير في اللغة: التغيير إلى حال ينكرها صاحبها إذا رآها (٤).\nقال قتادة ومقاتل: نكرته: أن يزاد فيه وينقص (٥)، يقول: زيدوا في\n_________\n(١) بنصه، في \"تفسير الوسيط\" ٣/ ٣٧٨، ولم ينسبه. وذكره مطولًا الهواري ٣/ ٢٥٦، ونسب بعضه للكلبي. وأورده مطولًا ابن جرير، في التاريخ ١/ ٤٩٣، والتفسير ١٩/ ١٦٩. وأخرجه ابن أبي حاتم ٩/ ٢٨٩٧، عن ابن عباس. وذكره الثعلبي ٨/ ١٣٠ ب، عن وهب، ومحمد بن كعب. وذكره الفراء في المعاني ٢/ ٢٩٤، بمعناه. قال ابن كثير: وهذا ضعيف. \"البداية والنهاية\" ٢/ ٢٤. ولم يبين سبب ضعفه، والظاهر أنه يعني متنه؛ لأنه لم يذكر إسناده. والله أعلم. وأخرجه ابن أبي حاتم ٩/ ٢٨٩٣، عن مجاهد، وقتادة.\n(٢) ذكره البخاري، عن مجاهد، بلفظ: غيروا. كتاب التفسير، \"الفتح\" ٨/ ٥٠٤. وكذا عند الهواري ٣/ ٢٥٥. وأخرجه ابن جرير ١٩/ ١٦٥، ١٦٦، عن قتادة، ومجاهد. وأخرجه ابن أبي حاتم ٩/ ٢٨٩٠، عن مجاهد. وهو في \"تفسير مجاهد\" ٢/ ٤٧٢.\n(٣) غريب القرآن لابن قتيبة ٣٢٥، بنصه.\n(٤) \"تهذيب اللغة\" ١٠/ ١٩١ (نكر)، بمعناه.\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ٥٩ ب. وأخرجه عبد الرزاق ٢/ ٨٢، عن قتادة. وأخرج ابن جرير ١٩/ ١٦٦، ١٦٦، عن ابن عباس، والضحاك. وأخرجه ابن أبي حاتم ٩/ ٢٨٩٠، عن قتادة، وعكرمة.","vol":"17","page":246},{"text":"السرير وانقصوا منه، فننظر إذا جاءت ﴿أَتَهْتَدِي﴾ أتعرف السرير، أي: أتهتدي لمعرفته ﴿أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ﴾ لا يعرفون (١). والقوم تقع على الرجال والنساء، فلما جاءت المرأة قيل لها:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3186>٤٢ </span>- ﴿أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ﴾ قال قتادة: شِبْهُه، وكانت تركته خلفها (٢).\nوقال مجاهد: جعلت تعرف وتنكر، وعجبت من سرعته؛ فقالت: ﴿كَأَنَّهُ هُوَ﴾ (٣).\nوقال مقاتل: عرفته، ولكنها شبهت عليهم كما شبهوا عليها؛ ولو قيل لها: أهذا عرشك؟ لقالت نعم (٤).\nوقال عكرمة: كانت حكيمة؛ قالت: إن قلت: هو هو، خشيت أن أكذب، وإن قلت: لا، خشيت أن أكذب، فقالت: ﴿كَأَنَّهُ هُوَ﴾ شبهه (٥).\nوقال الفراء: كانت تعرف وتنكر فلم تقل: هو هو، ولا: ليس هو، فقالت: ﴿كَأَنَّهُ هُوَ﴾ (٦).\nقوله تعالى: ﴿وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ﴾ مذهب مجاهد ومقاتل: أن هذا من قول سليمان (٧).\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ٥٩ ب، بنصه.\n(٢) أخرجه عبد الرزاق ٢/ ٨٢. وابن جرير ١٩/ ١٦٧، وابن أبي حاتم ٩/ ٢٨٩٢.\n(٣) أخرجه ابن أبي حاتم ٩/ ٢٨٩١.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ٥٩ ب، بنصه. وذكره الثعلبي ٨/ ١٣٠ ب، عن الحسين بن الفضل.\n(٥) بنصه، في \"تفسير الوسيط\" ٣/ ٣٧٩. وأخرج نحوه ابن أبي حاتم ٩/ ٢٨٩٢، عن السدي.\n(٦) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٩٥.\n(٧) \"تفسير مقاتل\" ١٦٠. وأخرجه ابن جرير ١٩/ ١٦٧، عن مجاهد. وأخرجه ابن أبي =","vol":"17","page":247},{"text":"وعلى هذا للآية تأويلان:\nأحدهما: وأوتينا العلم بقدرة الله على ما يشاء من قبل هذه المرأة؛ أي: من قبل مجيئها ﴿وَكُنَّا مُسْلِمِينَ﴾: مخلصين لله بالتوحيد ﴿مِنْ قَبْلِهَا﴾ (١).\nوالثاني: وأوتينا العلم بإسلامها ومجيئها طائعة من قبل مجيئها ﴿وَكُنَّا مُسْلِمِينَ﴾ خاضعين لله.\nوقال آخرون: هذا من كلام المرأة وذلك أنها لما قالت: ﴿كَأَنَّهُ هُوَ﴾ قيل لها: فإنه عرشك، فما أغنى عنك إغلاق الأبواب (٢). قالت: ﴿وَأُوتِينَا الْعِلْمَ﴾ بصحة نبوة سليمان ﴿مِنْ قَبْلِهَا﴾ أي: من قبل الآية في العرش ﴿وَكُنَّا مُسْلِمِينَ﴾ أي: طائعين منقادين لأمر سليمان من قبل أن جئنا. وهذا القول أليق بالمعنى، وأشبه بظاهر التنزيل (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3187>٤٣ </span>- قوله تعالى: ﴿وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي: منعها من الإيمان بالله والتوحيد ﴿مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ وهو الشمس (٤).\n_________\n= حاتم ٩/ ٢٨٩٢، عن مجاهد، وسعيد بن جبير. و\"تفسير مجاهد\" ٢/ ٤٧٣. واقتصر على هذا القول ابن جرير، وابن أبي حاتم، والسمرقندي ٢/ ٤٩٧، والماوردي ٤/ ٢١٥. وغيرهم.\n(١) \"تفسير مقاتل\" ١٦٠. وأخرجه ابن أبي حاتم ٩/ ٢٨٩٢، عن زهير بن محمد. واقتصر عليه الثعلبي ٨/ ١٣٠ ب.\n(٢) وكانت قد خلفته وراء سبعة أبواب لما خرجت. \"تفسير الوسيط\" ٣/ ٣٧٩. وقد أخرج ابن جرير ١٩/ ١٥٩، عن وهب بن منبه. وأخرجه ابن أبي حاتم ٩/ ٢٨٨٣، عن يزيد بن رومان. وهو من الأخبار الإسرائيلية.\n(٣) واقتصر الواحدي على هذا القول في تفسيريه الوسيط ٣/ ٣٧٩، و\"الوجيز\" ٢/ ٨٠٤، ولم ينسبه.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ١٦٠. و\"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٣٠ ب، ولم ينسبه.","vol":"17","page":248},{"text":"قال الفراء: معنى الكلام: صدها من أن تعبد الله ما كانت تعبد، أي: عبادتها الشمس والقمر. وقد قيل: ﴿وَصَدَّهَا﴾ منعها سليمان ما كانت تعب، و(مَا)] نصب، والفعل لسليمان. ويجوز أن يكون الفعل لله على معش: وصدها الله ما كانت تعبد (١).\nقوله تعالى: ﴿إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾ كسرت الألف من (إِنَّ) على الاستئناف (٢). أخبر الله تعالى أنها كانت من قوم يعبدون الشمس فنشأت فيما بينهم، ولم تعرف إلا عبادة الشمس. وذُكر في التفسير أنها كانت عاقلة، ولم يصدها عن عبادة الله نقص العقل؛ إنما صدها: عبادة الشمس (٣).\nوذكر الكسائي وجهًا آخر؛ فقال: هذه الآية متصلة بالتي قبلها؛ والمعنى: قال سليمان: ﴿وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ (٤٢) وَصَدَّهَا﴾ أن تؤتى العلم وأن تسلم عبادةُ غير الله وكفرها السابق (٤). وإذا جعلنا (مَا) في محل النصب جعلنا الصد متعديًا إلى مفعولين، وليس يتعدى الصد إلى مفعولين إلا بواسطة حرف الجر، كما تقول: صددت زيدًا عن كذا (٥)، قال الله تعالى: ﴿وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ﴾ [الرعد: ٣٣] ولكن يجوز أن تجعل الصد بمعنى: النفع، فيتعدى إلى مفعولين. أو يقال: التقدير: صدها عما كانت تعبد، فحذف الجار، كقوله: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَه﴾ [الأعراف: ١٥٥].\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٩٥. ولم ينسب شيئًا من هذه الأقوال.\n(٢) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٩٥، بنصه.\n(٣) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٩٥، بمعناه.\n(٤) أخرج ابن أبي حاتم ٩/ ٢٨٩٢، عن سعيد بن جبير: أي: بصدودها كانت من قوم كافرين، وإنما وصفها، وليس بمستأنف.\n(٥) ذكر نحوه النحاس، \"إعراب القرآن\" ٣/ ٢١٣.","vol":"17","page":249},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3188>٤٤ </span>- وقوله: ﴿قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ﴾ الآية، قد ذكرنا أن الشياطين قالت لسليمان: إن رجلها كحافر الحمار.\nقال ابن عباس: وكان لسليمان ناصح من الشياطين، فقال له: كيف لي أن أرى قدمها من غير أن أسألها كشفه؟ فقال: أنا أهريق لك في هذا الصرح، يعني: القصر ماء، وأبلط فوق الماء بالزجاج، حتى تظن أنه ماء فترفع ثوبها فترى قدمها.\nوقال المفسرون: أراد سليمان أن يعلم حقيقة ما قالت الجن، وينظر إلى قدمها وساقها، فهيئ له بيتٌ من قوارير فوق الماء، وأُرسل فيه السمك لتحسب أنه الماء، ووُضع سرير سليمان في صدر البيت، و﴿قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ﴾ (١).\nوالصرح في اللغة معناه: القصر. قال ذلك أهل اللغة، والتفسير (٢)، وهو قول ابن عباس ومقاتل (٣).\nوقال أبو عبيد: كل بناء موثق من صخر أو غير ذلك فهو صرح (٤)،\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ٦٠ أ، و\"تفسير هود الهواري\" ٣/ ٢٥٦. وأخرجه ابن جرير ١٩/ ١٦٨، عن وهب بن منبه. وأخرج نحوه ابن أبي حاتم ٩/ ٢٨٩٣، عن ابن عباس، ومحمد ابن إسحاق. وذكره الثعلبي ٨/ ١٣٠ ب، عن وهب بن منبه. وذكره في \"الوسيط\" ٣/ ٣٧٩، و\"الوجيز\" ٢/ ٨٠٥، بمعناه، ولم ينسبه. وأما القول الذي ذكره عن ابن عباس، فلم أجده. ومثل هذا التفصيل مما لم يثبت في الكتاب والسنة؛ يتعين تركه خاصة ما يتعلق منه برغبة نبي الله سليمان ﵇ رؤية قدمها وساقها.\n(٢) \"مجاز القرآن\" ٢/ ٩٤. و\"غريب القرآن\" لابن قتيبة ٣٢٥.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ١٦٠. و\"تنوير المقباس\" ٣١٩.\n(٤) \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٢٣٧ (صرح)، بلفظ: الصرح: كل بناء عال مرتفع، وجمعه: صروح.","vol":"17","page":250},{"text":"وأنشد هو وغيره بيت أبي ذؤيب:\nبهن نَعَام بناها الرجال ... تشبه أعلامهن الصروحا (١)\nقال أبو عبيدة: كل بناء بنيته من حجارة فهو: نَعَامة، والجماع: نَعَام (٢).\nوقال أبو إسحاق: الصرح في اللغة: القصر والصحن، يقال هذه ساحة الدار، وصحنة الدار، وباحة الدار، وقاعة الدار، كله في معنى الصحن (٣). ونحو هذا ذكر ابن قتيبة؛ فقال: الصرح: بلاط اتُّخِذ لها من قوارير، وجعل تحته ماء وسمك (٤).\nوقال مجاهد: الصرح: بركة ماء، ضرب عليها سليمان قوارير؛ ألبسها (٥).\n_________\n(١) \"مجاز القرآن\" ٢/ ٩٥، ونسبه لأبي ذؤيب، وعنه الأنباري، \"الزاهر في معاني كلمات الناس\" ١/ ١٥٥، وأنشده ابن قتيبة، غريب القرآن ٣٢٥، واقتصر على الشطر الثاني منه، ولفظه: تحسب أعلامهن الصروحا.\nوأنشده الأزهري ٤/ ٢٣٧، عن أبي عبيد، بلفظ: تحسب آرامهن الصروحا.\nوأنشده ابن جرير ٢٠/ ٧٧، كإنشاد أبي عبيدة، ولم ينسبه. وأنشده الغزنوي، \"وضح البرهان\" ٢/ ١٤١، مع بيت آخر بتقديم وتأخير، ولفظه:\nعلى طرق كنحور الركا ... ب تحسب أعلامهن الصروحا\nوهو كذلك في ديوان أبي ذؤيب الهذلي ٦٣.\n(٢) \"مجاز القرآن\" ٢/ ٩٥.\n(٣) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٢٢.\n(٤) \"غريب القرآن\" لابن قتيبة ٣٢٥، ولم ينسبه، وصدره بقول: ويقال. و\"تفسير مقاتل\" ٦٠ أ، بمعناه.\n(٥) ذكره البخاري عنه. كتاب التفسير، الفتح ٨/ ٥٠٤. ووصله ابن أبي حاتم ٩/ ٢٨٩٣. و\"تفسير مجاهد\" ٢/ ٤٧٣.","vol":"17","page":251},{"text":"﴿فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً﴾ وهي معظم الماء (١). ولُجَّة البحر حيث لا ترى أرضًا ولا جبلًا (٢). ومر الكلام في اللجة عند قوله: ﴿فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ﴾ [النور: ٤٠] (٣)، قال المفسرون: حسبته ماءً (٤).\n﴿وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا﴾ والساق: لكل دابة وشجرة وطائر وإنسان، والأَسْوَق: الطويل عَظْم الساق، والمصدر السَّوَق (٥)، قال رؤبة:\nقُبُّ من التَّعداءِ حُقْبٌ في سَوَق (٦)\nونذكر باقي الكلام في هذا الحرف عند قوله: ﴿بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ﴾ [ص: ٣٣] (٧)، وقوله: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم: ٤٢] إن شاء الله (٨).\n_________\n(١) \"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٣١ أ، والطوسي ٨/ ٩٩، ولم ينسباه. وهو كذلك في \"الوسيط\" ٣/ ٣٧٩، و\"الوجيز\" ٢/ ٨٠٥. وفي \"تفسير مقاتل\" ٦٠ أ: يعني: غدير الماء. وفي \"تنوير المقباس\" ٣١٩: ماءً غمرًا، يعني: كثيرًا.\n(٢) ومنه قول شمر: لُجُّ البحر: الماء الكثير الذي لا يُرى طرفاه. \"تهذيب اللغة\" ١٠/ ٤٩٤ (لج).\n(٣) قال الواحدي في تفسير هذه الآية: قال أبو عبيدة: لجي مضاف إلى اللجة، وهو معظم البحر، وقال الليث: بحر لجي واسع اللجة. وقال الفراء: بحر لُجي ولِجي، كما يقال: سُخري وسِخري. وقال المبرد: اللجي العظيم اللجة. ومعناه: كثرة الماء.\n(٤) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٢٢. وأخرجه ابن أبي حاتم ٩/ ٢٨٩٣، عن عبد الله بن شداد.\n(٥) \"العين\" ٥/ ١٩٠ (سوق)، ونقله عنه الأزهري، \"تهذيب اللغة\" ٩/ ٢٣٢ (ساق).\n(٦) \"العين\" ٥/ ١٩٠ (سوق)، ولم ينسبه، وذكره الأزهري ٩/ ٢٣٢ (ساق)، من إنشاد الليث،. وكذا في اللسان ١٠/ ١٦٨. وهو في ديوانه: ١٠٦. والأقب: الضامر، وجمعه: قُب. \"اللسان\" ١/ ٦٥٨، مادة: قبب.\n(٧) ذكر الواحدي في تفسير هذه الآية القراءات في قوله تعالى: ﴿بِالسُّوقِ﴾ ولم أجد فيه ما يتعلق بالساق ومعناها في اللغة. والله أعلم.\n(٨) تكلم الواحدي في تفسير هذه الآية من سورة القلم عن المراد بالساق في الآية، وذكر أقوال المفسرين وأهل اللغة في ذلك. ولم أجد فيه الحديث عن معاني الساق.","vol":"17","page":252},{"text":"قال ابن عباس: لما كشفت عن ساقها رأى سليمان قدمًا لطيفًا، وساقًا حسنًا خَدَلَّجًا، أَزَّبَّ (١)، فقال لناصحه من الشياطين. كيف لي أن أقلع هذا الشعر من غير مضرة للجسد؟ فدله على عمل النُّورَة (٢)، والحمامات من يومئذ (٣).\nوقال مقاتل: نظر إليها سليمان فإذا هي أحسن الناس ساقين وقدمين، ورأى على ساقها شعرًا كثيرًا، فكره سليمان من ذلك، فقالت: إن الرمانة لا تدري ما هي حتى تذوقها، فقال سليمان: ما لا يحلو في العين لا يحلو في الفم (٤).\n_________\n(١) الخَدَلَّجَة، بتشديد اللام: الممتلئ الذراعين، والساقين. \"تهذب اللغة\" ٧/ ٦٣٦ (خدج)، واللسان ٢/ ٢٤٨، والأزب: كثير الشعر. اللسان ١/ ٢١٣، مادة: أزب.\n(٢) النُّورَة من الحجر: الذي يُحرق ويسوى منه الكِلْس، ويحلق به شعر العانة. \"تهذيب اللغة\" ١٥/ ٢٣٤ (نور)، واللسان ٥/ ٢٤٤.\n(٣) بنصه، في \"تفسير الوسيط\" ٣/ ٣٧٩. وذكر نحوه الثعلبي ٨/ ١٣١ ب، عن ابن عباس. وذكره هود الهواري ٣/ ٢٥٧، ولم ينسبه. وأخرج ابن جرير ١٩/ ١٦٩، اتخاذ النورة عن مجاهد، وعكرمة، وأبي صالح. وأخرجه ابن أبي حاتم ٩/ ٢٨٩٤، عن ابن عباس، ومجاهد، والسدي. ومثل هذا القول لا تحتمله الآية، ولا تدل عليه، وهل يليق بنبي أن يتحايل على امرأة لينظر إلى ساقيها، ولذ قال ابن كثير، بعد إيراده هذا القول: في هذا نظر. \"البداية والنهاية\" ٢/ ٢٤. وأولى ما تفسر به الآية: أن سليمان ﵇ أراد إثبات عظمة ما أعطاه الله من الملك بذلك، ويؤيد هذا أن ما أراده نبي الله سليمان قد وقع وحصل، فعلمت ملكة سبأ أن ملكه أعظم من ملكها، وأنه من الله تعالى، ولذا قالت: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. والله أعلم.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ٦٠ أ. وهذا كلام لا يليق إيراده صبي حق الأنبياء، وكان الأولى بالواحدي أن ينبه على ذلك. والله أعلم.","vol":"17","page":253},{"text":"قوله: ﴿قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ﴾ أي: قال سليمان لما رأى ساقها وقدمها، ناداها: ﴿إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ﴾ أي: مملس بالزجاج، وليس ببحر (١). وذكرنا الكلام في الممرد عند قوله: ﴿كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ﴾ [الحج: ٣] (٢).\nقال مقاتل: لما رأت السرير والصرح، علمت أن ملكها ليس بشيء عند ملك سليمان، وأن ملكه من الله، فقالت حين دخلت الصرح: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾ يعنيِ: بعبادة الشمس ﴿وَأَسْلَمْتُ﴾ وأخلصت ﴿مَعَ سُلَيْمَانَ﴾ بالتوحيد ﴿لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ خرت لله ساجدة، وتابت إلى الله من شركها، فاتخذها سليمان لنفسه، وولدت له داود بن سليمان بن داود، وأمر لها بقرية من الشام لها خراجها، وكانت عذراء فاتخذت الجن الحمامات من أجلها (٣).\nوقال النبي -ﷺ-: \"كانت من أحسن نساء العالمين ساقين، وهي من أزواج سليمان في الجنة\" فقالت عائشة -أم المؤمنين- للنبي -ﷺ-: هي أحسن ساقًا مني؟ فقال النبي -ﷺ-: \"أنت أحسن ساقين منها في الجنة\" (٤).\n_________\n(١) \"غريب القرآن\" لابن قتيبة ٣٢٥. وذكره في \"تفسير الوسيط\" ٣/ ٣٧٩، ولم ينسبه.\n(٢) قال الواحدي في تفسير هذه الآية: قال ابن عباس: المريد الذي يتمرد على الله ﷿. وقال أهل اللغة في المريد قولين؛ أحدهما: أنه المتجرد للفساد، والثاني: أنه العاري من الخير، ومنه قوله تعالى: ﴿صَرْحٌ مُمَرَّدٌ﴾ [النمل ٤٤] وذكرنا الكلام في هذا عند قوله: ﴿مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ﴾ [التوبة: ١٠١].\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ١٦٠. وذكره بنحوه الثعلبي ٨/ ١٣١ ب، ولم ينسبه. وذكر زواجها من نبي الله سليمان، وابنُ كثير في \"البداية والنهاية\" ٢/ ٢٤، ووصف هذا القول بأنه، أشهر وأوضح. والله أعلم.\n(٤) ذكره بنصه، مقاتل ٦٠ أ؛ هكذا بدون إسناد. وذكره القرطبي ١٣/ ٢١٠، وصدره بقوله: وفي بعض الأخبار، وعزاه للقشيري.","vol":"17","page":254},{"text":"فكان سليمان يسير بها معه إذا سار، هذا قول مقاتل (١).\nوقال محمد بن إسحاق: أدخلها سليمان الصرح ليريها ملكًا وسلطانًا هو أعظم من سلطانها، فلما وقفت على سليمان دعاها إلى عبادة الله تعالى فأسلمت، وحسن إسلامها، فقال لها سليمان حين أسلمت وفرغ من أمرها: اختاري رجلًا أزوجكه، فقالت: ومثلي يا نبي الله ينكِح الرجال؟ وقد كان لي من الملك والسلطان ما كان! قال: نعم؛ إنه لا يكون في الإسلام إلا ذلك، فقالت: زوجني إذا كان ذلك: ذا تُبَّع، ملك همدان، فزوجه إياها ثم ردها إلى اليمن (٢).\nوقال عون بن عبد الله: جاء رجل إلى عبد الله بن عتبة فسأله: هل كان سليمان تزوجها؟ قال: عهدي بها أن قالت: ﴿وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٣). يعني: أنه لا يعلم ذلك، وآخر ما سمع من حديثها أن قالت: ﴿وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3189>٤٥ </span>- وقوله: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا﴾ إلى قوله: ﴿هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ﴾ قال مجاهد ومقاتل: مؤمنون وكافرون (٤).\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ٦٠ ب.\n(٢) أخرجه ابن جرير، في التاريخ ١/ ٤٩٤، من طريق ابن إسحاق، عن بعض أهل العلم، عن وهب بن منبه. وذكره الثعلبي ٨/ ١٣١ ب، بطوله. وكل ما ذكر في هذا مما لا دليل عليه، والأحسن أن يقال ما ذكره الواحدي بعد ذلك عن عبد الله بن عتبة.\n(٣) أخرجه ابن أبي حاتم ٩/ ٢٨٩٨. واقتصر على هذا القول في \"الوسيط\" ٣/ ٣٧٩. وهذه إجابة حسنة توقف ما في النفوس من التطلع عما سكت عنه القرآن، مما لا فائدة من العلم به.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ٦٠ ب. وأخرج ابن جرير ١٩/ ١٧٠، وابن أبي حاتم ٩/ ٢٨٩٨، عن مجاهد. وهو في \"تفسير مجاهد\" ٢/ ٤٧٤.","vol":"17","page":255},{"text":"وقال الكلبي: مصدق ومكذب. وهو قول قتادة (١).\n﴿يَخْتَصِمُونَ﴾ يقول كل فريق منهم: الحق معي (٢). قال ابن عباس ومقاتل: وخصومتهم الآية التي في الأعراف: ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾ [الأعراف: ٧٥، ٧٦] (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3190>٤٦ </span>- وقوله: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ﴾ الآية، كان هذا القول من صالح -ﷺ-، للفريق المكذب.\nقال أبو إسحاق: وطلبَ الفرقة الكاذبة على تصديق صالحٍ العذاب؛ فقال: ﴿لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ (٤).\nوقال مقاتل: قالوا يا صالح ﴿ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ فرد عليهم صالح: ﴿يَا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ (٥) وحذف هاهنا ذكر طلبهم العذاب؛ لذكره في سورة الأعراف، وغيرها (٦).\nوقوله: ﴿بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ﴾ قال ابن عباس ومجاهد: بالعذاب\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي حاتم ٩/ ٢٨٩٨. وذكره الهواري ٣/ ٢٥٧، والثعلبي ٨/ ١٣٢ أ، ولم ينسباه. قال الفراء: مختلفون؛ مؤمن ومكذب. \"معاني القرآن\" ٢/ ٢٩٥. وليس بين القولين تعارض، ولذا قال ابن جرير ١٩/ ١٧٠: فريق مصدق صالحًا مؤمن به، وفريق مكذب به، كافر بما جاء به.\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٢٣، بنصه. وذكره في تفسيريه \"الوسيط\" ٣/ ٣٨٠، و\"الوجيز\" ٢/ ٨٠٥، ولم ينسبه.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ٦٠ ب.\n(٤) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٢٣.\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ٦٠ ب.\n(٦) قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف ٧٧].","vol":"17","page":256},{"text":"قبل الرحمة (١). أي: لِمَ قلتم: إن كان ما أتيت به حقًا فأتنا بالعذاب (٢). والحسنة والسيئة جاءتا في التنزيل لا بمعنى الطاعة والمعصية، كقوله: ﴿بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ﴾ [الأعراف: ٩٥] (٣)، وقوله: ﴿فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾ الآية [الأعراف: ١٣١] وقيل مر (٤).\nقوله تعالى: ﴿لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ﴾ قال مقاتل: هلا تستغفرون الله من الشرك، لكي ﴿تُرْحَمُونَ﴾ فلا تعذبوا في الدنيا (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3191>٤٧ </span>- قوله ﷿: ﴿قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾ (٦) قال ابن عباس والمفسرون: تشاءمنا بك وبمن معك على دينك (٧).\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ٦٠ ب. و\"تفسير الهواري\" ٣/ ٢٥٧، ولم ينسبه. وأخرج ابن جرير ١٩/ ١٧١، وابن أبي حاتم ٩/ ٢٨٩٨، عن مجاهد: السيئة: العذاب، والحسنة: الرحمة، وفي رواية: العافية. وهو في \"تفسير مجاهد\" ٢/ ٤٧٤، دون ذكر العافية.\n(٢) ذكره في \"الوسيط\" ٣/ ٣٨٠، ولم ينسبه.\n(٣) قال الواحدي في تفسير هذه الآية: معنى السيئة والحسنة هاهنا: الشدة والرخاء؛ عن ابن عباس والحسن وقتادة ومجاهد، قال عطاء عن ابن عباس: يريد: بدل البؤس والمرض الغنى والصحة.\n(٤) قال الواحدي في تفسير هذه الآية: قال ابن عباس والمفسرون: معنى الحسنة: يريد بها: الغيث، والخصب، والثمار، والمواشي، والألبان، والسعة في الرزق، والعافية والسلامة.\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ٦٠ ب. وأخرج أوله ابن أبي حاتم ٩/ ٢٨٩٩، عن السدي.\n(٦) أصل: ﴿اطَّيَّرْنَا﴾ تطيرنا، فأدغمت التاء في الطاء؛ لأنها من مخرجها. \"معاني القرآن\" للأخفش ٢/ ٦٥٠. و\"تأويل مشكل القرآن\" ٣٥٤، و\"غريب القرآن\" لابن قتيبة ٣٢٥.\n(٧) \"تفسير مقاتل\" ٦٠ ب، بنصه. و\"تفسير ابن جرير\" ١٩/ ١٧١. و\"تنوير المقباس\" ٣١٩. و\"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٣٢ أ.","vol":"17","page":257},{"text":"قال مقاتل: وذلك أنه قحط المطر عنهم وجاعوا فقالوا: أصابنا هذا الشر من شؤمك وشؤم أصحابك، فقال لهم صالح: ﴿طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾ (١) قال ابن عباس: الشؤم أتاكم من عند الله بكفركم (٢).\nوقال أبو إسحاق: أي ما أصابكم من خير أو شر فمن الله (٣).\nوقال الفراء: يقول هو في اللوح المحفوظ عند الله، قال: وهو بمنزلة قوله: ﴿طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ﴾] يس: ١٩] أي: لازم لكم ما كان من خير أو شر، فهو في رقابكم لازم، وقد بينه الله في قوله: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ [الإسراء: ١٣] (٤). وذكرنا الكلام في هذا عند قوله: ﴿يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ﴾ الآية، [الأعراف: ١٣١] (٥).\nوقوله: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾ قال ابن عباس: تختبرون بالخير والشر (٦). وقال عطاء عنه والقرظي: تعذبون بذنوبكم (٧).\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ٦٠ ب. وذكره الثعلبي ٨/ ١٣٢ أ، ولم ينسبه.\n(٢) ذكره بنصه في \"الوسيط\" ٣/ ٣٨٠، ونسبه لابن عباس. وفي \"تنوير المقباس\" ٣١٩ شدتكم ورخاؤكم من عند الله.\n(٣) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٢٣.\n(٤) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٩٥.\n(٥) قال الواحدي في تفسير هذه الآية: التطير: التشاؤم في قول جميع المفسرين. وقوله تعالى: ﴿يَطَّيَّرُوا﴾ هو في الأصل: يتطيروا، فأدغمت التاء في الطاء لأنهما من مكان واحد، من طرف اللسان وأصول الثنايا.\n(٦) ذكره عنه الثعلبي ٨/ ١١٣٢. وهو في \"الوسيط\" ٣/ ٣٨٠، و\"الوجيز\" ٢/ ٨٠٦، غير منسوب. وفي \"تنوير المقباس\" ٣١٩: تختبرون بالشدة والرخاء. وأخرج ابن أبي حاتم ٩/ ٢٨٩٩، عن قتادة: تبتلون بطاعة الله ومعصيته.\n(٧) \"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١١٣٢.","vol":"17","page":258},{"text":"وقال الكلبي: تفتنون حتى تجهلون أنه من عند الله (١). يعني: أن تطيركم بي فتنة. وقيل: تختبرون بإرسالي إليكم (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3192>٤٨ </span>- وقوله: ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ﴾ قال ابن عباس والمفسرون: يريد المدينة التي كان فيها صالح وهي: الحِجْر (٣) ﴿تِسْعَةُ رَهْطٍ﴾ ذكرنا الكلام في تفسير الرهط عند قوله: ﴿أَرَهْطِي﴾ [هود: ٩٢] ﴿وَلَوْلَا رَهْطُكَ﴾ [هود: ٩١] (٤). ويُجمع الرهط: أَرْهُطًا، وأراهط، ومنه:\nيا بؤسَ للحرب التي ... وضعتْ أراهطَ فاستراحوا (٥)\n_________\n(١) \"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١١٣٢. و\"تفسير هود الهواري\" ٣/ ٢٥٨، بمعناه، ولم ينسبه.\n(٢) ذكره الثعلبي ٨/ ١٣٢ أ، ولم ينسبه. وكذا الزجاج ٤/ ١٢٣.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ٦٠ ب. وأخرجه ابن جرير ١٩/ ١٧٢، عن ابن عباس، ومجاهد. و\"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١١٣٢. الحجر: اسم ديار ثمود بوادي القرى، بين المدينة والشام، وهي بيوت منحوتة في الجبال، وفيها البئر التي كانت تردها الناقة. \"معجم البلدان\" ٢/ ٢٥٥، و\"مراصد الإطلاع\" ١/ ٣٨١. وفي \"معجم المعالم الجغرافية\" ٩٣: الحجر: رأس وادي القرى، وأهاه اليوم: قبيلة عنزة، وبه زراعة حسنة، وأهم ما هنالك عجائب آثار ثمود، وتبعد عن مدينة العلا ٢٢ كم، شمالًا، والعُلا على ٣٢٢ كم، على سكة الحديد، شمال المدينة النبوية، وأصبح وادي القرى يسمى: وادي العلا.\n(٤) قال الواحدي في تفسير هذه الآية: قال أبو عبيد عن أبي زيد: النفر والرهط: ما دون العشرة من الرجال. وقال أبو العباس: المعشر والنفر والقوم والرهط معناهم الجمع لا واحد لهم من لفظهم، وهذا للرجال دون النساء. وقال الليث: الرهط عدد يجمع من ثلاثة إلى عشرة.\n(٥) أنشده الأزهري، ٦/ ١٧٦، ولم ينسبه. وأنشده سيبويه مستدلًا به على إقحام اللام بين المضاف والمضاف إليه، الكتاب ٢/ ٢٠٧، ولم ينسبه. وكذا ابن جني، \"الخصائص\" ٣/ ١٠٦، وفي الحاشية: هو سعد بن مالك البكري، والبيت من قصيدة له فى الحرب التي نشبت بين بكر وتغلب لمقتل كليب بن تغلب، وهو فيها =","vol":"17","page":259},{"text":"ولا واحد للرهط من لفظه (١). فلذلك قيل: ﴿تِسْعَةُ رَهْطٍ﴾ والمراد به تسعة رجل، وليس المراد به: رهط تسعة، على أن يجمع الرهط فيبلغوا خمسين أو قدره.\nقال ابن عباس: كانوا تسعة من أشرافهم، وهم غواة قوم صالح (٢) ﴿يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ يعملون فيها بالمعاصي ﴿وَلَا يُصْلِحُونَ﴾ لا يطيعون الله. قاله مقاتل (٣). وقال الكلبي: لا يدعون إلى توحيد الله (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3193>٤٩ </span>- قوله تعالى: ﴿قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ﴾ ﴿تَقَاسَمُوا﴾ لفظٌ يصلح أن يراد به مثال الماضي، ويصلح أن يراد به مثال الأمر (٥).\n_________\n= يحضّض على الحرب، ويعرّض بالحارث بن عباد البكري الذي كان اعتزل الحرب، وقوله: وضعت، أي: حطت قومًا بالقعود عنها، وأسقطتهم عن مرتبة الشرف فاستراحوا وآثروا السلامة كالنساء، ولم يعانوا أخطار المجد والسيادة. وعن ابن جني، ذكره البغدادي، \"الخزانة\" ١١/ ١٤١، ولم ينسبه.\n(١) \"معاني القرآن\" للأخفش ٢/ ٦٥٠. و\"تهذيب اللغة\" ٦/ ١٧٤ (رهط)، و\"إعراب القرآن\" للنحاس ٣/ ٢١٤.\n(٢) أخرجه ابن أبي حاتم ٩/ ٢٩٠٠، وفيه ذكر أسمائهم، وذكر أسماءهم مقاتل ٦٠ ب، والثعلبي ٨/ ١٣٢ أ، وهو مما لا دليل عليه. وقال الزجاج ٤/ ١٢٣: هؤلاء عتاة قوم صالح.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ٦٠ ب.\n(٤) في \"تنوير المقباس\" ٣١٩: لا يأمرون بالصلاح ولا يعملون به. قال مالك بن دينار: فكم اليوم في كل قبيلة من الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون. تفسير ابن أبي حاتم ٩/ ٢٩٠٠.\n(٥) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٣٩٤، وفيه: ألا ترى أنك تقول: تقاسموا أمسِ، إذا أردت الماضي، وتقاسموا غدًا، إذا أردت به الأمر. وذكر هذا القول الثعلبي ٨/ ١٣٢ أ.","vol":"17","page":260},{"text":"وفي قوله: ﴿لَنُبَيِّتَنَّهُ﴾ و: ﴿لَنَقُولَنَّ﴾ وجهان من القراءة؛ أحدهما: التاء وضم اللام من الفعلين على مخاطبة الجماعة (١). والثاني: النون وفتح اللام على إخبار الجماعة عن أنفسهم (٢)، فمن قرأ بالتاء كان قوله: ﴿تَقَاسَمُوا﴾ أمرًا؛ والمعنى: قال بعضهم لبعض: احلفوا لتهلكن صالحًا، وجعل: ﴿لَنُبَيِّتَنَّهُ﴾ جوابًا لتقاسموا؛ لأن هذه الألفاظ التي تكون من ألفاظ القسم تُتَلقى بما تُتَلقى به الأيمان، كقوله: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا﴾ [الأنعام: ١٠٩] و: ﴿لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى﴾ [فاطر ٤٢] ومن قرأ: ﴿لَنُبَيِّتَنَّهُ﴾ بالنون جاز أن يكون: ﴿تَقَاسَمُوا﴾ أمرًا؛ كأنهم قالوا: أَقْسِموا لنفعلن كذا وكذا (٣)، والذين أمروهم بالقسم داخلون معهم في الفعل، ألا ترى أنك تقول: قوموا نذهبْ إلى فلان، ويجوز على هذا الوجه من القراءة أن يكون قوله: ﴿تَقَاسَمُوا﴾ خبرًا، والمعنى: قالوا متقاسمين لنفعلن كذا. وهذا قول الفراء، والزجاج، وأبي علي (٤).\nومعنى: ﴿لَنُبَيِّتَنَّهُ﴾ لنقتلنه ﴿وَأَهْلَهُ﴾ بياتًا. قاله ابن عباس (٥). ومضى تفسير\n_________\n(١) أي: ضم التاء من: (لنبيتُنه) وضم اللام من: (لنقولُن).\n(٢) قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وعاصم، بالنون في الموضعين، وقرأ حمزة والكسائي، بالتاء في الموضعين. \"السبعة في القراءات\" ٤٨٣، و\"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٣٩٤، و\"النشر في القراءات العشر\" ٢/ ٣٣٨، قال النحاس: وهذا أحسن ما قرئ به هذا الحرف؛ لأنه يدخل فيه المخاطبون في اللفظ والمعنى. \"إعراب القرآن\" ٣/ ٢١٥.\n(٣) وكذا. في نسخة: (ب).\n(٤) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٩٦. و\"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٢٣. و\"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٣٩٤.\n(٥) أخرج ابن أبي حاتم ٩/ ٢٩٠٢. و\"تفسير مقاتل\" ٦٠ ب.","vol":"17","page":261},{"text":"البيات عند قوله: ﴿إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾ [النساء: ١٠٨] (١).\nقوله: (وَأَهْلَهُ) قال ابن عباس: يريدون بني عبيد، وكانوا آمنوا معه (٢).\n﴿ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ﴾ قال مقاتل: يعني: ذا رحم صالح، إن سألونا عنه (٣).\nوقال ابن عباس: يريدون قومه ولد عبيد، وهم: نفر من ثمود ﴿مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ﴾ ما قتلناه وما ندري من قتل صالحًا وأهله (٤). والمهلك يحتمل أمرين: يجوز أن يكون إهلاك أهله، ويجوز أن يكون الموضع (٥).\nوروى أبو بكر عن عاصم: (مَهلَك) بفتح الميم واللام يريد: الهلاك، يقال: هلك يهلك مَهلَكًا، كما أن المصدر في: ضرب، يضرب مَضرَبًا بفتح الراء، ولكون المصدر مضافًا إلى الفاعل؛ كما تقول: هلاك أهله. وحكي أنه يقال: هلك بمعنى: أهلك، في لغة تميم، فيكون المهلَك على هذا مصدرًا مضافًا إلى المفعول به، وروى حفص بفتح الميم وكسر اللام ﴿مَهْلِكَ﴾ فيجوز أن يكون اسم المكان على: ما شهدنا موضع هلاكهم ومكانه فيكون المهلِك: كالمجلس في أنه يراد به موضع الجلوس، ويجوز\n_________\n(١) أحال الواحدي في تفسير البيات عند هذه الآية على الآية ٨١، من سورة النساء، وهي قوله تعالى: ﴿بَيَّتَ طَائِفَةٌ﴾ وفيها قال الوا حدي في تفسير البيات: قال الزجاج: كل أمر فكر فيه، وخيض فيه بليل، فقد بيت، يقال: هذا أمر قد بيت بليل، ودبر بليل، بمعنى واحد .. وهو قول أبي عبيدة وأبي العباس، وجميع أهل اللغة.\n(٢) قال الحسن: أهله: أمته الذين على دينه. تفسير الهواري ٣/ ٢٥٨.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ٦٠ ب.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ٦٠ ب.\n(٥) \"إعراب القرآن\" للنحاس ٣/ ٢١٥.","vol":"17","page":262},{"text":"أن يريد به المصدر؛ لأنه قد جاء المصدر من فَعَل يفعِل على مَفْعِل؛ كقوله: ﴿إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ﴾ [آل عمران: ٥٥] و﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، والأول أكثر (١).\nقال أبو إسحاق: وكان هؤلاء النفر تحالفوا أن يبيتوا صالحًا ويقتلوه وأهله في بياتهم، ثم ينكرون عند أولياء صالح أنهم شهدوا مهلكه، ومهلك أهله، ويحلفون إنهم لصادقون، وكان هذا مكرًا عزموا عليه (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3194>٥٠ </span>- قال الله ﷿: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا﴾ أي: حين أرادوا قتل صالح (٣) ﴿وَمَكَرْنَا مَكْرًا﴾ جازيناهم جزاءَ مكرهم بتعجيل عقوبتهم ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ بمكر الله بهم.\n٥١ - قوله تعالى ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ﴾ وقرئ: ﴿أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ﴾ بالفتح (٤). قال الفراء: مَنْ كَسَرَ استأنف، وهو\n_________\n(١) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٣٩٥.\nفي قوله تعالى ﴿مَهْلِكَ﴾ ثلاث قراءات:\n١ - قرأ عاصم في رواية أبي بكر: (مَهلَك) بفتح الميم واللام.\n٢ - وقرأ عاصم في رواية حفص: ﴿مَهْلِكَ﴾ بفتح الميم وكسر اللام.\n٣ - قرأ الباقون (مُهلَك) بضم الميم، وفتح اللام.\n\"السبعة في القراءات\" ٤٣٨. قال ابن خالويه: فمن ضم جعله مصدرًا من أهلك مُهلَكًا، مثل: ﴿أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾ [الإسراء٨٠] ومن كسر اللام أو فتحها جعله مصدر: هلك ثلاثيًا لا رباعيا. \"إعراب القراءات السبع وعللها\" ٢/ ١٥٤.\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٢٤.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ٦٠ ب. وأخرجه ابن أبي حاتم ٩/ ٢٩٠٢، عن قتادة.\n(٤) قرأ عاصم وحمزة والكسائي بفتح الهمرة، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر، بكسر الهمزة. \"السبعة في القراءات\" ٤٨٤، و\"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٣٩٦. و\"النشر فى القراءات العشر\" ٢/ ٣٣٨.","vol":"17","page":263},{"text":"يُفَسَّرُ به ما كان قبله؛ مثل قوله: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (٢٤) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا﴾ [عبس: ٢٤، ٢٥] (١). ومن فتح رده على إعراب ما قبله، فتكون (أَنَّا) في موضع رفع بجعلها متابعة للعاقبة (٢)، وإن شئت جعلتها نصبًا من جهتين؛ إحداهما: أن تردها على موضع (كَيْفَ) (٣)، والأخرى: أن تكون خبر (كَانَ) على معنى: كان عاقبة مكرهم تدميرَنا إياهم (٤).\nقال أبو علي: من كسر (إِنَّا) فهو استئناف وتفسير للعاقبة، كما أن قوله: ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: ٩] تفسير للوعد (٥)، وتكون: كان، التي بمعنى: وقع (٦)، والمعنى: فانظر على أي حال وقع عاقبة مكرهم؛ أي: أحسنًا وقع عاقبة مكرهم (٧) أم سيئًا، ومن فتح جاز أن يكون: (كَانَ) على ضربيها فإن حملته على: وقع، جاز في (أَنَّا) أمران؛\n_________\n(١) الشاهد من الآية قراءة الكسر في: ﴿أَنَّا صَبَبْنَا﴾ قرأ بها ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر. \"السبعة في القراءات\" ٦٧٢، و\"النشر في القراءات العشر\" ٢/ ٣٩٨.\n(٢) أي: بدل كل، كما سيأتي ذكره عن أبي علي.\n(٣) على أن ﴿كَيْفَ﴾ مفعول به.\n(٤) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٣٩٦، وفيه: والأخرى أن تكُرَّ ﴿كاَنَ﴾ .. وفي الحاشية: أي تنوي تكرارها. قال النحاس عن هذا الوجه: وهذا متعسف. ثم ذكر خمسة أوجه في فتح الهمزة. وقال عن الوجه الأول: وهذا لا يحصَّل؛ لأن كيف للاستفهام، و﴿أَنَاْ﴾ غير داخل في الاستفهام. \"إعراب القرآن\" للنحاس ٣/ ٢١٥.\n(٥) يعني به المذكور في صدر الآية؛ وهو قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ فجملة ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ جملة تفسيرية للوعد.\n(٦) أي: كان التامة، التي لا اسم لها ولا خبر.\n(٧) في نسخة: ب: أمرهم.","vol":"17","page":264},{"text":"أحدهما: أن يكون بدلًا من قوله: ﴿عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ﴾ والثاني: أن يكون محمولًا على مبتدأ مضمر؛ كأنه: هو أنا دمرناهم، أو ذاك أنا دمرناهم. وإن حصلت (كَانَ) على المقتضية الخبر جاز في: (أَنَّا) أمران؛ أحدهما: أن يكون بدلًا من اسم كان الذي هو العاقبة، وإذا حملته على ذلك كان (كَيْفَ) في موضع خبر كان، [والآخر: أن يكون خبرَ كان (١)، ويكون موضعه نصبًا بأنه خبر كان] (٢) كأنه كان عاقبة مكرهم تدميرَهم، ويكون: (كَيْفَ) في موضع حال (٣).\nقال أبو إسحاق: من قرأها بالكسر كان المعنى: (فَانْظُرْ) أي شيء ﴿عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ﴾ ثم فسر فقال: ﴿أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ﴾ فدل على أن العاقبة: الدمار، ومن قرأ: ﴿أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ﴾ أضمر في الكلام شيئًا، على تقدير: ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ﴾ العاقبة: أنا دمرناهم، فتكون (أَنَّا) في موضع رفع على هذا التفسير (٤).\nواختلف قول المفسرين في كيفية هلاك هؤلاء النفر؛ فقال ابن عباس: أرسل الله الملائكة تلك الليلة إلى دار صالح يحرسونه فأتى التسعة دار صالح شاهرين (٥) سيوفهم، فرمتهم الملائكة بالحجارة من حيث يرون الحجارة، ولا يرون الملائكة فقتلتهم (٦). وهذا قول الكلبي.\n_________\n(١) أي: جملة ﴿أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ﴾ التي كانت في الوجه الأول بدلًا من العاقبة.\n(٢) ما بين المعقوفين ساقط من نسخة (ج).\n(٣) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٣٩٦، بتصرف.\n(٤) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٢٤.\n(٥) شاهرين. في نسخة (ج).\n(٦) \"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٣٢ ب، ونسبه لابن عباس، وفيه: أرسل الله ﷿ الملائكة ليلًا فامتلأت بهم دار صالح. وذكره الهواري ٣/ ٢٥٨، ولم ينسبه. ونحوه عند ابن جرير ١٩/ ١٧٣، من كلام ابن إسحاق.","vol":"17","page":265},{"text":"وقال قتادة: سلط الله عليهم صخرة فدمغتهم (١).\nوقال مقاتل: نزلوا في سفح جبل ينتظر بعضهم بعضًا؛ ليأتوا دار صالح فجثم عليهم الجبل، فأهلكهم (٢).\nوقال السدي: خرجوا ليأتوا صالحًا، فنزلوا جُرُفًا (٣) من الأرض يكمنون فيه فانهار عليهم (٤).\nوقوله: ﴿وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ يعني: بصيحة جبريل (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3196>٥٢ </span>- قوله تعالى: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا﴾ قال الزجاج: نصب (خاويةً) على الحال، المعنى: فانظر إلى بيوتهم خاويةً (٦)، وهذا كقوله: ﴿وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا﴾ [النحل: ٥٢] (٧) ﴿وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا﴾ [هود\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي حاتم ٩/ ٢٩٠٢. واقتصر عليه الزجاج ٤/ ١٢٤، ولم ينسبه. وذكره عنه الثعلبي ٨/ ١٣٢ ب.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ٦٠ ب. وليس فيه ذكر سفح الجبل. وقد ذكره عنه بهذا اللفظ الثعلبي ٨/ ١٣٢ ب.\n(٣) الجُرُف: ما ينجرف بالسيول من الأودية غريب القرآن لابن قتيبة ١٩٢. وضم الراء وكسرها وجهان؛ وقد قرئ بهما في قوله تعالى: ﴿عَلَى شَفَا جُرُفٍ﴾ \"السبعة في القراءات\" ٣١٨. وكَمِن له، كنَصَر وسمِع، كُمونًا: استخفى. القاموس المحيط ١٥٨٤ (كمن).\n(٤) \"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٣٢ ب، وفيه: فنزلوا خرقا. أخرج نحوه ابن أبي حاتم ٩/ ٢٩٠٣، عن عبد الرحمن بن زيد.\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ٦٠ ب.\n(٦) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٢٥. و\"إعراب القرآن\" للنحاس ٣/ ٢١٦.\n(٧) قال الواحدي في تفسير هذه الآية: قوله تعالى: ﴿وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا﴾ الدين: الطاعة هاهنا، والواصب: الدائم، وهو قول ابن عباس وجميع المفسرين؛ يقال وصب الشيء يصب وصوبًا إذا دام، قال الله تعالى: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ﴾ [الصافات: ٩]. =","vol":"17","page":266},{"text":"٧٢] وقد مر (١).\nقال ابن عباس: يريد ليس فيها داع ولا مجيب. وقال مقاتل: يعني خرابًا ليس لها ساكن (٢).\nومضى تفسير الخاوية في سورة: البقرة (٣).\nقوله: ﴿بِمَا ظَلَمُوا﴾ قال ابن عباس ومقاتل: بما أشركوا (٤). أي: بشركهم بالله أهلكناهم، حتى صارت منازلهم خاوية.\n﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ يعني: في هلاكهم ﴿لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ لعبرة لمن علم توحيد الله (٥)، وقدرته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3197>٥٣ </span>- ﴿وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ صدقوا صالحًا من العذاب ﴿وَكَانُوا\n_________\n= البسيط ٣/ ١٢٧أ، النسخة الأزهرية. ولم أجد فيه إعراب ﴿وَاصِبًا﴾.\n(١) قال الواحدي في تفسير هذه الآية: قال أبو إسحاق: ﴿شَيْخًا﴾ منصوب على الحال، والحال هاهنا نصْبُه من لطيف النحو وغامضه؛ وذلك أنك إذا قلت: هذا زيد قائمًا، فإذا كنت تقصد أن تخبر من لم يعرف زيدًا أنه زيد لم يجز هذا؛ لأنه لا يكون زيدًا إلا ما دام قائمًا فإذا زال عن القيام فليس يزيد، وإنما تقول للذي يعرف زيدًا: هذا زيد قائمًا فيعمل في الحال التنبيه، المعنى: انتبه لِزيد في حال قيامه، أو: أشير لك إلى زيد في حال قيامه.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ٦٠ ب. بلفظ: خاوية ليس بها سكان.\n(٣) عند قوله تعالى: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ [٢٥٩١] قال الواحدي في تفسير الخاوية: قال أبو عبيد عن أبي زيد والكسائي: خوى الدار تخوي خُوِيًّا إذا خلت. قال الكسائي: ويجوز خَوِيت الدار. الأصمعي: خوى البيت فهو ينوي خَواءً ممدود إذا ما خلا من أهله. والخَوَى: خلو البطن من الطعام، وأصل معنى هذا الحرف الخلو ..\n(٤) أخرجه ابن أبي حاتم ٩/ ٢٩٠٣، عن ابن عباس. و\"تفسير مقاتل\" ٦١ أ.\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ٦١ أ.","vol":"17","page":267},{"text":"يَتَّقُونَ﴾ الشرك. قاله مقاتل (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3198>٥٤ </span>- قوله: ﴿وَلُوطًا﴾ قال الزجاج: نصب لوط من جهتين؛ علي معنى: وأرسلنا لوطًا. وعلى معنى: واذكر لوطًا؛ لأنه قد جرت أقاصيص رسل فدخل معنى إضمار: اذكر هاهنا (٢).\nقوله: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ﴾ يعني: اللواط، في قول ابن عباس والكلبي ومقاتل والجميع (٣) ﴿وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ قال عطاء عن ابن عباس: يريد أنهم كانوا يدَّعون البصر بالدين. والمعنى: وأنتم تدَّعون البصر بالدين فلمَ تأتون الفاحشة.\nوقال الكلبي: وأنتم تعلمون أنها فاحشة (٤). وهو قول الفراء والزجاج (٥).\nوإذا كانوا يعلمون أنها فاحشة فهو أعظم لذنوبهم، فهذا من البصر الذي هو بمعنى العلم. وقيل: يرى بعضكم بعضًا، وكانوا لا يستترون عتوًا وتمردًا (٦).\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ٦١ أ.\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٢٥. و\"إعراب القرآن\" للنحاس ٣/ ٢١٦.\n(٣) أخرج ابن أبي حاتم ٩/ ٢٩٠٤، عن ابن عباس، وعلي بن أبي طالب -﵃-، ومجاهد. و\"تفسير مقاتل\" ٦١ أ، و\"تنوير المقباس\" ص ٣١٩.\n(٤) \"تنوير المقباس\" ٣١٩، وهو قول مقاتل ٦١ أوذكره الهواري ٣/ ٢٥٩، ولم ينسبه.\n(٥) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٩٦. و\"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٢٥.\n(٦) \"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٣٣ أ، ولم ينسبه. قال مجاهد: كان يجامع بعضهم بعضًا في المجالس. \"إعراب القرآن\" للنحاس ٣/ ٢١٦. ولم يرجح الواحدي شيئًا من هذه الأقوال؛ ولعل الأقرب -والله أعلم- أن المراد: وأنتم تعلمون أنها فاحشة، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف =","vol":"17","page":268},{"text":"وهذه الآيات التي في هذه القصة مفسرة في سورة الأعراف (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3199>٥٥ </span>- قوله ﷿: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ قال ابن عباس: تجهلون بالقيامة، وعاقبة العصيان (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-3200>٥٧ </span>- قوله: ﴿قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ [قال مقاتل: تركناها (٣). والمعنى: جعلناها بتقديرنا من الغابرين (٤)] (٥) أي: قدرناها بما كتبنا عليها، وقضينا أنها ﴿مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ أي: الباقين في العذاب (٦).\n<span data-type=\"title\" id=toc-3201>٥٨ </span>- وقوله: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ﴾ أي: على شذاذها مطرًا وهو الحجارة (٧) ﴿فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ﴾ مر تفسيره في سورة الشعراء\n_________\n= ٨٠] ففعلهم لهذه الفاحشة كان عن إصرار ومكابرة، ولم يكن لهم فيها شبهة، ولما قال لهم نبي الله لوط ﵇: ﴿هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾ كان جوابهم: ﴿قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ﴾ [هود: ٧٩] فما ذكره الواحدي عن ابن عباس من طريق عطاء لا يعول عليه إسنادًا ولا متنًا، وأما القول الثالث فهو زيادة إيضاح للقول الأول، فهم لا يرون في هذه الفاحشة بأسًا فقد استباحوها وجاهروا بها، وعاين بعضهم بعضًا، ولم ينكر أحدهم على أحد. والله أعلم.\n(١) الآيات [٨٠ - ٨٤].\n(٢) ذكره عنه ابن الجوزي ٦/ ١٨٣.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ١٦١.\n(٤) \"مجاز القرآن\" ٢/ ٩٥.\n(٥) ما بين المعقوفين ساقط من نسخة (ج).\n(٦) \"تفسير ابن جرير\" ٢٠/ ٢. وأخرجه ابن أبي حاتم ٩/ ٢٩٠٥، عن ابن عباس. وذكره الثعلبي ٨/ ١٣٣ أ، ولم ينسبه.\n(٧) هكذا في جميع النسخ: شذاذها، وكذا عند الثعلبي ٨/ ١٣٣ أ. وهذا مبين في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ (٨٢) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ [هود: ٨٢، ٨٣]. وقال تعالى: =","vol":"17","page":269},{"text":"[الآية ١٧٣].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3202>٥٩ </span>- قوله: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ المفسرون على أن هذا خطاب لرسول الله -ﷺ-، أُمِر أن يقول: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ (١). قال مقاتل: على هلاك كفار الأمم الخالية (٢).\nوقال الفراء: قيل للوط: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ على هلاك من هلك (٣). والتقدير على هذا: وقلنا للوط: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ والمفسرون على ما ذكرنا.\nقوله تعالى: ﴿وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ قال مقاتل: هم الأنبياء الذين اختارهم الله لرسالته (٤).\nوقال ابن عباس في رواية أبي مالك: هم أصحاب محمد -ﷺ- (٥). وهو قول السدي، وسفيان بن سعيد (٦).\n_________\n= ﴿فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ﴾ [الحجر ٧٤].\n(١) \"تفسير ابن جرير\" ٢٠/ ٢. والثعلبي ٨/ ١١٣٣. قال النحاس: وهذا أولى؛ لأن القرآن منزل على النبي -ﷺ-.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ٦١ أ. وفي نسخة: ب: الماضية.\n(٣) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٩٧.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ٦١ أ.\n(٥) أخرجه ابن جرير ٢٠/ ٢، وابن أبي حاتم ٩/ ٢٩٠٦، والثعلبي ٨/ ١٣٣ أ، كلهم من طريق السدي عن أبي مالك؛ وهو: عبيد الله بن الأخنس النخعي، أبو مالك الخزاز، صدوق يخطئ كثيرًا، روى عن نافع وابن أبي مليكة وغيرهم، وروى عنه: يحيى بن القطان، وغيره. الجرح والتعديل ٥/ ٣٠٧، و\"تقريب التهذيب\" ٦٣٥.\n(٦) أخرجه عنهما ابن جرير ٢٠/ ٢. وسفيان بن سعيد، هو: الثوري. وقال ابن أبي حاتم ٩/ ٢٩٠٦: وروي عن السدي، وسفيان الثوري نحو ذلك. وأخرجه الثعلبي ٨/ ١٣٣ أ، عن سفيان.","vol":"17","page":270},{"text":"وقال عطاء عنه: يريد الذين وحدوني وآمنوا بي (١). وعلى هذا هم جميع المؤمنين (٢).\nوقال الكلبي: هم أمة محمد -ﷺ-، اصطفاهم الله لمعرفته وطاعته (٣). ومعني السلام عليهم: أنهم سَلِموا مما عاب به الكفار.\nثم قال: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (٤) قال ابن عباس: ثم رجع إلى المشركين فقال: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ يا أهل مكة، يريد: الذين جعلتموهم لي أندادًا.\nوقال مقاتل: أراد يشركون به. يقول: الله أفضل أم الآلهة التي يعبدونها، يعني: كفار مكة، قال: وكان النبي إذا قرأ هذه الآية قال: \"بل الله خير وأبقى وأجل وأكرم\" (٥).\n_________\n(١) ذكره عنه من طريق عطاء ابن الجوزي ٦/ ١٨٥.\n(٢) أخرجه ابن أبي حاتم ٩/ ٢٩٠٦، عن عبد الرحمن بن زيد. وهذا القول أحسن لعمومه، فيدخل فيه الأنبياء والرسل وأتباعهم. وذكر هذا القول الهواري ٣/ ٢٦٠.\n(٣) ذكره عنه الثعلبي ٨/ ١١٣٣. وهو في \"تنوير المقباس\" ٣٢٠.\n(٤) قال الثعلبي ٨/ ١٣٣ ب: بهمزة ممدودة، وكذا كل استفهام لقيته ألف وصل، مثل: ﴿آلذَّكَرَيْنِ﴾ [الأنعام ١٤٣، ١٤٤] و﴿آلْآنَ﴾ [يونس ٥١، ٩١] جعلت المدة علمًا بين الاستفهام والخبر.\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ١٦١. وذكره الثعلبي ٨/ ١٣٣ب، من غير سند ولا راو، كما قال الزيلعىِ في تخريج أحاديث الكشاف ٣/ ١٨، وقال فيه: قال البيهقي في \"شعب الإيمان\" في الباب التاسع: وقد روي في ختم القرآن حديث منقطع بسند ضعيف، ثم ساقه بتمامه، وفيه هذا اللفظ. وقد أعرض عن ذكره الواحدي في كتابيه: الوسيط، والوجيز. والحديث ذكره البيهقي في شعب الإيمان في حديث طويل، في الباب التاسع عشر، ولم أجده في الباب التاسع. شعب الإيمان ٢/ ٣٧٢، رقم الحديث: ٢٠٨٢.","vol":"17","page":271},{"text":"وهذا مذهب أهل التفسير (١).\nوجعل الفراء هذه الآية من باب حذف المضاف؛ فقال: يقول: أعبادة الله خير أم عبادة الأصنام (٢). وأحسن من هذا أن يقال: الله خير لمن عبده أم الأصنام؛ يدل على صحة هذا أن هذا ذُكر بعد ذكر هلاك الكفار وسلامة المؤمنين، إلزامًا للحجة على المشركين، فقيل لهم بعد ما ذُكر هلاك الكفار: الله خير أم الأصنام. والمعنى: أن الله نجَّى مَنْ عبده من الهلاك، والأصنامُ لم تغن شيئًا عن عابديها عند نزول العذاب. وهذا معنى ما ذهب إليه المفسرون؛ وإن لم يبينوا هذا البيان.\nوقال أهل المعاني: يجوز في الخير الذي لا شر فيه، والشر الذي لا خير فيه إذا كان يتوهم بعض الجهال الأمر على خلاف ما هو به أن يقال: هذا الخير خير من الشر، فلما كان المشركون يتوهمون في الأصنام وفي عبادتها خيرًا، قيل لهم احتجاجًا عليهم: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3203>٦٠ </span>- قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ (٤) تقدير الكلام: أما تشركون خير أم من خلق السموات والأرض، فحذف ذكر الأول لقرب\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي حاتم ٩/ ٢٩٠٦، عن السدي. وهو قول الهواري ٣/ ٢٦٠. وابن جرير ٢٠/ ٢. والثعلبي ٨/ ١٣٣ ب.\n(٢) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٩٧.\n(٣) ذكر معناه النحاس، \"إعراب القرآن\" ٣/ ٢١٧. وسبق الحديث عن هذه المسألة في سورة الفرقان عند قوله تعالى: ﴿قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾ [١٥].\n(٤) قال الأخفش: مَنْ، هاهنا ليست باستفهام على قوله: ﴿خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ إنما هي بمنزلة: الذي. \"معاني القرآن\" ٢/ ٦٥٠.","vol":"17","page":272},{"text":"ذكره في قوله: ﴿أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ وهذا معنى قول أبي حاتم (١).\nوقوله: (حَدَائِقَ) قال الليث: الحديقة: أرض ذات شجر مثمر، والحديقة من الرياض: كل روضة قد أحدق بها حاجزٌ، أو أرضٌ مرتفعة، وأنشد لطرفة:\nتَرَبعت القُفَّين في الشَّول ترتعي ... حدائق مَولِيِّ الأسرةِ أَغْيدِ (٢)\nوكل شيء استدار بشيء فقد أحدق به (٣).\nوقال أبو عبيدة: الحديقة والجنة في الدنيا مثل الحائط (٤).\nقال الفراء: إنما يقال حديقة لكل بستان عليه حائط، وما لم يكن عليه حائط لا يقال له: حديقة (٥).\n_________\n(١) \"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٣٣ ب. ونحوه في \"القطع والائتناف\" ٢/ ٥٠٣.\n(٢) البيت من معلقة طرفة، ومعنى: تربعت: أقامت زمن الربيع، القُفَّين: مثنى القف؛ وهو حجارة مترادف بعضها إلى بعض، لا يخالطها من اللين والسهولة شيء. والمراد هنا: موضع في نجد إذا أخصب ربعت العرب فيه لسعته واتساعه. والشول عند الناقة: فترة تمتد من انتهاء إرضاعها إلى حملها التالي، وهو فترة تنشط فيها الناقة، المولي: المكان الذي يصيبه الولي؛ وهو المطر الثاني، الأسرة: جمع السر؛ وهو من الوادي أفضل مكان فيه. أغيد: النبات الأغيد؛ هو الناعم المتثني، ويكون كذلك لنضرته ووفرة الماء في منبته. أراد طرفة بهذا البيت أن يعلل قوة هذه الناقة بحسن تغذيتها. شرح ديوان طرفة ٩٣.\n(٣) \"العين\" ٣/ ٤١ (حدق)، ونقله عنه الأزهري، \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٤. وليس فيهما إنشاد هذا البيت.\n(٤) لم أجده في كتاب المجاز، وإنما فيه: أي: جنانًا من جنان الدنيا، واحدتها: حديقة. \"مجار القرآن\" ٢/ ٩٥.\n(٥) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٩٧. وذكره ابن جرير ٢٠/ ٣، ولم ينسبه. وقال الزجاج ٤/ ١٢٨: الحديقة: البستان، وكذلك الحائط، وقيل: القطعة من النخل.","vol":"17","page":273},{"text":"وقال ابن قتيبة: إنما يقال حديقة؛ لأنها يُحدَق عليها، أي: يُحْظَر (١).\nقال ابن عباس: يريد الأجنة والشجر (٢).\nوقال مقاتل: يعني حيطان النخل والشجر (٣).\nوقال الكلبي: الحدائق من البساتين: ما أحيط عليه حائط (٤).\nقوله: ﴿ذَاتَ بَهْجَةٍ﴾ قال الكلبي: ذات منظر حسن (٥).\nوقال ابن عباس ومقاتل: ذات حُسن (٦).\nوقال قتادة: النخل الحسان (٧).\nوالبهجة: الحُسْن يبتهج به مَنْ رآه، أي: يُسر.\nقوله: ﴿مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا﴾ أي: ما ينبغي لكم ذلك؛ لأنكم لا تقدرون عليها (٨).\n_________\n(١) \"غريب القرآن\" ٣٢٦، بلفظ: يحظر عليها حائط. وفي الحاشية: أي: يقام عليها حظيرة من قصب وخشب.\n(٢) ذكره الزجاج ٤/ ١٢٨، ولم ينسبه.\n(٣) هكذا في نسخة (ج): حيطان، وكذا عند مقاتل ٦١ أ، وفي نسخة (أ)، (ب): حظار النخل والشجر. وقال عكرمة: الحدائق: النخل. \"إعراب القرآن\" للنحاس ٣/ ٢١٧.\n(٤) ذكره الهواري ٣/ ٢٦٠، عنه بلفظ قريب من قول مقاتل، حيث قال: الحديقة: الحائط من الشجر والنخل. وفي \"تنوير المقباس\" ٣٢٠: بساتين؛ ما أحيط عليها من النخل والشجر.\n(٥) \"تنوير المقباس\" ٣٢٠. وذكره ابن جرير ٢٠/ ٣، ولم ينسبه.\n(٦) \"تفسير مقاتل\" ١٦١. وأخرجه ابن أبي حاتم ٩/ ٢٩٠٧، عن الضحاك. وهو قول ابن قتيبة، \"غريب القرآن\" ٣٢٦. والزجاج ٤/ ١٢٨.\n(٧) أخرجه عبد الرزاق ٢/ ٨٥. وعه ابن أبي حاتم ٩/ ٢٩٠٧.\n(٨) قال الثعلبي٨/ ١٣٣ ب: (ما): هي ما النفي، بمعنى: ما قدر عليه.","vol":"17","page":274},{"text":"ثم قال مستفهمًا منكرًا عليهم: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ أي: هل معه معبود سواه أعانه على صنعه (١) ﴿بَلْ﴾ أي: ليس معه إله ﴿هُمْ قَوْمٌ﴾ يعني: كفار مكة ﴿يَعْدِلُونَ﴾ يشركون به غيره. هذا معنى قول المفسرين (٢). وقال أبو إسحاق: يعدلون عن القصد والحق، أي: يكفرون (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3204>٦١ </span>- وقوله: ﴿أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا﴾ قال مقاتل: مستقرًا لا تميد بأهلها (٤) ﴿وَجَعَلَ خِلَالَهَا﴾ فيما بينها (٥) ﴿أَنْهَارًا﴾ كقوله: ﴿وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا﴾ [الكهف ٣٣].\n﴿وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ﴾ قال ابن عباس: يريد الجبال الثوابت أَثْبَتَ بها الأرض (٦).\n﴿وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا﴾ قال: يريد قضاء من قضائه، وسلطانًا من قدرته، حجز بين العذب والمالح، فلا المالح يغير العذب، ولا العذب يغير المالح. وهذا قول أكثر المفسرين (٧). ومعنى الحجز في اللغة: المنع.\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ٦١ أ، و\"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٣٣ ب، ولم ينسبه.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ٦١ أ، و\"تفسير الهواري\" ٣/ ٢٦٠. و\"تفسير ابن جرير\" ٢٠/ ٣. و\"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٣٣ ب. وأخرجه ابن أبي حاتم ٩/ ٢٩٠٨، عن مجاهد.\n(٣) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٢٨.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ١٦١. و\"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٣٣ ب، ولم ينسبه.\n(٥) \"تفسير ابن جرير\" ٢٠/ ٣. وقال الثعلبي ٨/ ١٣٣ ب: وسطها.\n(٦) أخرجه ابن أبي حاتم ٩/ ٢٨٠٩، عن قتادة وذكره الثعلبي ٨/ ١٣٣ ب، ولم ينسبه.\n(٧) \"تفسير مقاتل\" ٦١ ب. وتفسير الهواري ٣/ ٢٦٠. و\"تفسير ابن جرير\" ٢٠/ ٣. و\"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٣٣ ب. وظاهر الآية أنه حاجز بين البحرين؛ ولم يقيد أحدهما بالعذب فيبقى على أصله، ومثله في سورة الرحمن: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (١٩) بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ﴾. وهو يختلف عز الحاجز المذكور في سورة الفرقان في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا =","vol":"17","page":275},{"text":"قال أبو إسحاق: حجز بينهما بقدرته فلا يختلط العذب بالملح (١).\nوقال أهل المعاني: ويكون ذلك بكف كل واحد منهما عن صاحبه، وفيه دليل على أن الله تعالى قادر على كف النار عن الحطب حتى لا تحرقه، ولا تسحقه، كما كف الماء الملح عن العذب المجاور له أن يختلط به.\nوقال السدي: قول الله تعالى: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا﴾ هي البرزخ، وهو الحجر المحجور، وهو بحر الشام وبحر العراق والناس فيما بينهما؛ وعلى هذا معنى الحاجز بين البحرين: الجزائر والأرض والبلاد كما بين بحر فارس وبحر الروم (٢). والناس على القول الأول.\nقوله تعالى: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ توحيدَ ربهم، وسلطانَه وقدرته. قاله ابن عباس ومقاتل (٣).\n_________\n= وَحِجْرًا مَحْجُورًا﴾. انظر: \"مجلة الإعجاز\" ٤٤، العدد الثالث، ربيع الثاني ١٤١٨هـ.\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٢٧، بلفظ: العذب بالملح. وهو موافق لنسخة: (ب)، (ج) وفي نسخة (أ): (بالمالح).\n(٢) أخرجه ابن أبي حاتم ٩/ ٢٨٠٩، عن الحسن. وذكره الثعلبي ٨/ ١٣٣ ب، ولم ينسبه، وصدره بـ: قيل. وهذا مخالف لظاهر الآية، فسياقها في بيان القدرة؛ وهي في الاختلاط وعدم التمازج أظهر. والله أعلم. وقد أثبتت الدراسات البحرية انتشار هذه الحواجز بين ملتقى الأبحر. انظر: \"مجلة الإعجاز\" ٤٤، العدد الثالث، ربيع الثاني ١٤١٨ هـ. وبحر فارس هو الخليج العربي، وسمي بذلك لسيطرة الإمبراطورية الفارسية عليه. ويسمى بحر العراق. \"أطلس تاريخ الإسلام\" ٤٤، ٤٦. وبحر الروم هو البحر المتوسط، سمي بذلك لسيطرة الإمبراطورية الرومانية عليه قبل ظهور الإسلام. ويسمى بحر الشام. \"أطلس تاريخ الإسلام\" ٤٤، ٤٥.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ٦١ ب.","vol":"17","page":276},{"text":"وقال أهل المعاني: لا يعلمون ما لهم وما (١) عليهم في العبادة إن أخلصوها أو أشركوا فيها (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3205>٦٢ </span>- قوله ﷿: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ (٣) قال عطاء عن ابن عباس: المضطر: المكروب. وعنه أيضًا: هو المجهود (٤). ومعنى المضطر في اللغة: المحوج الملجأ إلى الشيء. وقد مر (٥).\nقال أهل المعاني: ومعنى إجابة المضطر هو فِعل ما دَعا إليه؛ وهذا لا يكون إلا من قادر على الإجابة مختار لها؛ لأنها وقعت على حسب ما دعا به الداعي (٦).\n_________\n(١) (ما) ليست موجودة في النسخ الثلاث، وزدتها لتمام المعنى.\n(٢) لم أجده في كتب المعاني الموجودة لدي.\n(٣) عن أبي تميمة الهجيمي عن رجل من بلهجيم قال قلت: يا رسول الله إلام تدعو؟ قال: \"أدعو إلى الله وحده الذي إن مسك ضر فدعوته كشف عنك، والذي إن ضللت بأرض قفر دعوته رد عليك، والذي إن أصابتك سَنَة فدعوته أثبت عليك\". قال قلت فأوصني. قال: \"لا تسبن أحدًا، ولا تزهدن في المعروف، ولو أن تلقى أخاك وأنت منبسط إليه وجهك، ولو أن تفرغ من دلوك في إناء المستسقي، وائتزر إلى نصف الساق، فإن أبيت فإلى الكعبين، وإياك وإسبال الإزار، فإن إسبال الإزار من المخيلة، وإن الله ﵎ لا يحب المخيلة\". أخرجه الإمام أحمد ٧/ ٣٥٩، رقم:٢٠٦٦١. وإسناده صحيح. مرويات الإمام أحمد في التفسير ٣/ ٣٢٥. وقد سقت الحديث بطوله لمناسبته لهذه الآية.\n(٤) \"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٣٣ ب، باللفظ الثاني فقط. وعن السدي بلفظ: المضطر.\n(٥) قال الواحدي في تفسير قول الله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾ [البقرة ١٧٣]: قوله: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾ أي: فمن أحوج وألجئ، وهو افتُعل من الضرورة. قال الأزهري: معناه: ضيق عليه الأمر بالجوع، وأصله من الضرر وهو: الضيق.\n(٦) لم أجده في كتب المعاني الموجودة لدي.","vol":"17","page":277},{"text":"﴿وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ الضر (١) ﴿وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ﴾ قال السدي: خلفاء مَنْ قبلكم من الأمم (٢).\nوقال غيره: معناه: جعلكم خلفاء (٣) يخلف كل قرن منكم القرن الذي قبله، وأهلُ كل عصر أهل العصر الأول (٤). والمعنى: يهلك قرنًا وينشئ آخرين (٥). وهذا معنى (٦) قول ابن عباس: يريد: أولادُكم خلفاءُ منكم.\nقوله ﷿: ﴿قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ قال ابن عباس: قليلًا ما تتعظون.\nومن قرأ بالياء فالمعنى: قليلًا يذَّكر هؤلاء المشركون الذين يجعلون مع الله آلهة أخرى (٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3206>٦٣ </span>- وقوله: ﴿أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ﴾ أي: يرشدكم (٨) ﴿فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [قال ابن عباس: يريد إلى البلاد التي يتوجهون إليها في البر والبحر. وهذا كقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾] (٩) [الأنعام: ٩٧].\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ٦١ ب. و\"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٣٣ ب. وأخرجه ابن جرير ٢٠/ ٤، عن ابن جريج.\n(٢) أخرجه ابن أبي حاتم ٩/ ٢٨١٠.\n(٣) خلفاء. في نسخة (ج).\n(٤) أخرج نحوه ابن أبي حاتم ٩/ ٢٨١٠، عن قتادة.\n(٥) \"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٣٣ ب. ولم ينسبه.\n(٦) معنى. في نسخة (ج).\n(٧) قرأ أبو عمرو، وهشام، وروح بالياء، وقرأ الباقون بالتاء. \"السبعة في القراءات\" ٤٨٤. و\"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٣٩٩. و\"النشر في القراءات العشر\" ٢/ ٣٣٨. قال الأزهري: من قرأ بالياء فللغيبة، ومن قرأ بالتاء فللمخاطبة، وكل جائز. \"معاني القراءات\" ٢/ ٢٤٣.\n(٨) \"تفسير مقاتل\" ٦١ ب.\n(٩) ما بين المعقوفين ساقط من نسخة (ج).","vol":"17","page":278},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3207>٦٤ </span>- قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ قال ابن عباس: يبدأُ الخلق في الأرحام من نطفة ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ بعد الموت (١).\nوقال مقاتل: بدأ الخلق فخلقهم ولم يكونوا شيئًا، ثم يعيدهم في الآخرة (٢).\n﴿وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ﴾ المطر. ومن ﴿وَالْأَرْضِ﴾ النبات (٣).\n﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾ حجتكم (٤) أن لي شريكًا، قاله ابن عباس (٥).\nوقال مقاتل: هاتوا حجتكم بأنه صنع شيئًا من هذه الأشياء غيرُ الله ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ بأن مع الله آلهة كما زعمتم (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3208>٦٥ </span>- وقوله: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ يعني: الملائكة ﴿وَالْأَرْضِ﴾ يعني: الناس (٧) ﴿الْغَيْبَ﴾ قال مقاتل: يعني الساعة ﴿إِلَّا اللَّهُ﴾ وحده ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ يعني كفار مكة (٨).\n_________\n(١) \"تنوير المقباس\" ٣٢٠.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ٦١ ب.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ٦١ ب. و\"تفسير ابن جرير\" ٢٠/ ٥. و\"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٣٣ ب.\n(٤) حجتكم. في نسخة (ج).\n(٥) \"تنوير المقباس\" ٣٢٠.\n(٦) \"تفسير مقاتل\" ٦١ ب. وأخرجه ابن أبي حاتم ٩/ ٢٨١٢، عن أبي العالية، وقتادة، وقال: روي عن مجاهد والسدي نحو ذلك.\n(٧) \"تفسير مقاتل\" ٦١ ب. قالت عائشة ﵂: ومن زعم أن رسول الله -ﷺ- يخبر بما يكون في غد فقد أعظم على الله الفرية، والله يقول: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾. أخرجه مسلم ١/ ١٥٩، رقم: ١٧٧. وأخرجه ابن أبي حاتم ٩/ ٢٩١٣.\n(٨) \"تفسير مقاتل\" ٦١ ب. والساعة من الغيب. قال ابن جرير ٢٠/ ٥: ﴿الْغَيْبَ﴾ الذي =","vol":"17","page":279},{"text":"قال ابن عباس: يريد: هم ولا من اتخذوه عن دوني أولياء ﴿أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ متى يكون البعث (١). وهذا احتجاج عليهم بأن الله هو الذي يعلم ما غاب عن العباد، وأنه هو الذي يعلم متى البعث، لا غيره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3209>٦٦ </span>- قوله تعالى: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾ ﴿ادَّارَكَ﴾ معناه: تدارك، فأدغم التاء في الدال لمقاربتها لها، وكونها من حيزها، فلما سكنت للإدغام اجتلبت لها همزة الوصل، كما اجتلبت في قوله: ﴿فَادَّارَأْتُمْ﴾ [البقرة: ٧٢]، و﴿اطَّيَّرْنَا﴾ [النمل: ٤٧]، ونحوه. ومنه قوله: ﴿حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ٣٨]، أي: تلاحقوا (٢).\nوقرأ ابن كثير وأبو عمرو: ﴿بَلْ أَدْرَكَ﴾ (٣).\n_________\n= استأثر الله بعلمه، وحجب عنه خلقه .. والساعة من ذلك. وجعل ابن جرير قوله تعالى: ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ عامًا فقال: وما يدري من في السموات والأرض مِن خلقه، متى هم مبعوثون من قبورهم لقيام الساعة؟\n(١) \"تنوير المقباس\" ٣٢٠. وهو في \"مجاز القرآن\" ٢/ ٩٥. و\"غريب القرآن\" لابن قتيبة ٣٢٦. و\"تفسير الهواري\" ٣/ ٢٦٢. و\"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٢٧، ولم ينسبوه.\n(٢) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٤٠١. و\"تأويل مشكل القرآن\" ٣٥٤. وذكر نحوه النحاس، \"إعراب القرآن\" ٣/ ٢١٨. وابن جني في \"المحتسب\" ٢/ ١٤٣. قال ابن الجزري:\nوالطاءُ والدالُ وتا منه ومِن ... عُليا الثنايا والصفيرُ مستكنْ\n\"متن الجزرية في معرفة تجويد الآيات القرآنية\" ١٠.\nقوله: منه، أي: من طرف اللسان، ومن أصول عليا الثنايا، وهي الأسنان المتقدمة، اثنتان فوق، واثنتان تحت. وأما قوله: (والصفير مستكن) فهو وصف لما ذكره بعد ذلك من الحروف. \"الدقائق المحكمة في شرح المقدمة\"، لأبي زكريا الأنصاري ١٠. ويسمى إدغام متقاربين. \"منحة ذي الجلال في شرح تحفة الأطفال\" ٨٣.\n(٣) قرأ ابن كثير وأبو عمرو: ﴿بَلْ أَدْرَكَ﴾ خفيفة لغير ألف، وقرأ نافع وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائي: ﴿بَلِ ادَّارَكَ﴾ بالألف ممدودة. وروى المفضل عن =","vol":"17","page":280},{"text":"[ومعنى أدرك:] (١) بلغ ولحق، يقال: فلان أدرك الحسن، إذا لحق أيامه. وتقول على هذا: أدركه علمي، أي: بلغه ولحقه (٢).\nوقال شمر: أدرك، وتدارك، وادَّارك، وادَّرَك، واحد؛ يقال: أَدْرَكته، وتدارَكته، وادَّارَكته، وادَّرَكته (٣)، وأنشد لزهير:\nتداركتما عَبْسًا وذُبيانَ بعدما (٤)\nوأنشد للطِرمَّاح:\nفلما أدركناهن أبدينَ للَّهوى (٥)\nقال ابن عباس: يريد ما جهلوا في الدنيا، وسقط علمه عنهم علموه في الآخرة (٦).\n_________\n= عاصم. (بَلْ أَدرَكَ) مثل أبي عمرو، وروى الأعشى عن أبي بكر عن عاصم ﴿بَلِ ادَّارَكَ﴾ على وزن: افتعل. \"السبعة في القراءات\" ٤٨٥، و\"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٤٠٠. و\"النشر في القراءات العشر\" ٢/ ٣٣٩.\n(١) ما بين المعقوفين ساقط من نسخة: (ب).\n(٢) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٤٠٠.\n(٣) في \"تهذب اللغة\" ١٠/ ١١٣ (درك) عن شمر: أدرك الشيء وأدركته وتدارك القوم، واداركوا، وأدركوا، إذا أدرك بعضهم بعضًا. ويقال: تداركته، وادّاركته، وادّركته.\n(٤) شطر بيت من معلقة زهير، يقول: تلافيتما أمر هاتين القبيلتين بعدما أفنى القتال رجالهما، ويعني بهما: هرم ابن سنان، والحارث بن عوف. \"ديوان زهير\" ٧٩. وأنشد البيت الأزهري، \"تهذيب اللغة\" ١٠/ ١١٣ (درك).\n(٥) \"تهذيب اللغة\" ١٠/ ١١٣ (درك). وعجز البيت:\nمحاسن واستولين دون محاسن\nوهو في \"ديوان الطرماح\" ٢٦٧.\n(٦) أخرج ابن جرير ٢٠/ ٧، عن ابن عباس، من طريق عطاء الخراساني: بصرهم في الآخرة حين لم ينفعهم العلم والبصر. ومن طريق علي بن أبي طلحة، بلفظ: غاب =","vol":"17","page":281},{"text":"وقال مقاتل: يقول: بل علموا في الآخرة حين عاينوها ما شَكُّوا وعموا عنه في الدنيا (١).\nوقال السدي: اجتمع عليهم يوم القيامة فلم يَشُكُّوا ولم يختلفوا (٢).\nقال أبو معاذ النحوي: من قرأ: ﴿بَلْ أدْرَكَ﴾ أو قرأ: في ﴿بَلِ ادَّارَكَ﴾ فمعناهما واحد؛ يقول: هم علماءُ في الآخرة، [ومعناها عنده: علموا في الآخرة أن الذي] (٣)، كقوله تعالى: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا﴾ [مريم: ٣٨] (٤).\nوروى (٥) أبو تراب عن أبي سعيد الضرير (٦) أنه قال: أما أنا فأقرأ: (بَلْ أدرَكَ عِلْمُهُمْ فِي الأَخِرَةِ) ومعناها عنده: علموا في الآخرة أن الذي\n_________\n= علمهم. وأخرج عن ابن زيد: ضل علمهم في الآخرة فليس لهم فيها علم. واختار ابن جرير رواية عطاء. وذكر الثعلبي ٨/ ١٣٤ أ، عن ابن عباس، أنه قال: أي: لم يدركه.\n(١) تفسير مقاتل\" ٦١ ب.\n(٢) أخرجه ابن أبي حاتم ٩/ ٢٩١٥.\n(٣) هكذا في نسخة: (أ)، (ب)، وهو ساقط من نسخة (ج). ولعل ما بعده هو: أن الذي كانوا يوعدون حق.\n(٤) \"تهذيب اللغة\" ١٠/ ١١٢ (درك)، و\"معاني القراءات\" للأزهري ٢/ ٢٤٤. قال الواحدي في تفسير هذه الآية: قال قتادة: ذلك والله يوم القيامة، سمعوا حين لم ينفعهم السمع، وأبصروا حين لم ينفعهم البصر. وقال الحسن: لئن كانوا في الدنيا صُمًا عُميًا عن الحق، فما أبصرهم وأسمعهم يوم القيامة. \"الوسيط\" ٣/ ١٨٤.\n(٥) في نسخة: (ب): قال أبو تراب.\n(٦) أحمد بن خالد، أبو سعيد البغدادي، الضرير، اللغوي، لقي ابن الأعرابي، وأبا عمرو الشيباني، قدم نيسابور، وأقام بها، وأملى بها كتبًا في معاني الشعر والنوادر، وأخذ عن ابن قتيبة. \"إنباه الرواة على أنباه النحاة\" ١/ ٧٦، و\"بغية الوعاة\" ١/ ٣٠٥.","vol":"17","page":282},{"text":"كانوا يوعدون حق (١).\nوأنشد للأخطل:\nوأدْركَ علمي في سواءةَ أنها ... تُقيم على الأوتار والمشربِ الكَدْر (٢)\nأي: أحاط علمي بها أنها كذلك (٣).\nوأما الفراء وكثير من المفسرين وأهل المعاني فقد تخبطوا في هذه الآية [وذهبوا إلى ما لا وجه له (٤)؛ قال الأزهري: والقول في أدرك، وادارك، في هذه الآية] (٥) ما قال السدي وأبو معاذ (٦). ولا معنى لما قال الفراء، ولم أحك قوله، ولا قول من حذا حذوه، لتشوشه واضطرابه. وروي عن مجاهد أنه قال: بل تواطأ علمهم في الآخرة (٧).\n_________\n(١) \"تهذيب اللغة\" ١٠/ ١١٢ (درك)، وفيه: روى ابن الفرج. و\"معاني القراءات\" للأزهري ٢/ ٢٤٤، وليس فيه: وروى أبو تراب. وهو قول الهواري ٣/ ٢٦٢، قال: أي: علموا في الآخرة أن الأمر كما قال الله، فآمنوا حين لم ينفعهم علمهم، ولا إيمانهم.\n(٢) بيت من قصيدة له في هجاء قبائل قيس، وسواءة: من قيس عيلان، مراده أن بني سواءة يرضون بما قد يصيبهم من الذل، والهوان. \"شرح ديوان الأخطل\" ١٥٦. وذكر البيت الأزهري، \"تهذيب اللغة\" ١٠/ ١١٢ (درك)، من إنشاد أبي سعيد الضرير.\n(٣) \"تهذيب اللغة\" ١٠/ ١١٢ (درك)، و\"معاني القراءات\" للأزهري ٢/ ٢٤٤، من إنشاد أبي سعيد الضرير.\n(٤) قال الفراء ٢/ ٢٩٩: معناه: لعلهم تدارك علمهم. يقول: تتابع علمهم في الآخرة. يريد: بعلم الآخرة أنها تكون أو لا تكون. وذكر نحوه ابن قتيبة غريب القرآن ٣٢٦، وابن جرير ٢٠/ ٦. وذكر الهواري ٣/ ٢٦٢، عن الحسن: أي: لم يبلغ علمهم في الآخرة، أي: لو بلغ عحهم أن الآخرة كائنة لآمنوا بها في الدنيا كما آمن المؤمنون.\n(٥) ما بين المعقوفين ساقط من نسخة (ج).\n(٦) \"تهذيب اللغة\" ١٠/ ١١٢ (درك). و\"معاني القراءات\" للأزهري ٢/ ٢٤٤.\n(٧) أخرج ابن جرير ٢٠/ ٧: بلفظ: أم أدرك علمهم من أين يدرك علمهم. وأخرجه =","vol":"17","page":283},{"text":"قال الأزهري: وهذا يوافق قول السدي؛ لأن معنى: تواطأ تحقق واتفق حين لا ينفعهم (١).\nوقال أبو إسحاق: من قرأ: (بَلِ ادَّارَكَ) وهو الجيد؛ فعلى معنى: بل تدارك، أي: بل تكامل علمهم يوم القيامة بالبعث، وبأن كلَّ ما وعدوا حق. قال: ومن قرأ: (بَلْ أدْرَكَ) فهو على معنى: التقرير والاستخبار؛ كأنه قيل: لم يُدرك علمهم بالآخرة، أي: ليس يقفون في الدنيا على حقيقتها، ثم بيَّن ذلك في قوله: ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا﴾ وقالوا في تفسير: (بَلْ أدرَكَ) أم أدرك. هذا كلامه (٢).\nوقد فَصَل الزجاج بين القراءتين، فجعل القراءة الثانية استفهامًا بمعنى الإنكار، وحرف الاستفهام: (بل)، الذي هو بمعنى: (أم)، وبهذا قال جماعة، وأنشدوا أبياتًا؛ منها قوله:\nأمِ النومُ أمْ كلٌّ إليَّ حبيبُ (٣)\n_________\n= ابن أبي حاتم ٩/ ٢٩١٤، بلفظ: لم يدرك علمهم في الآخرة. وفي \"تفسير مجاهد\" ٢/ ٤٧٥ في قول الله تعالى: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ﴾ يقول الله: ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا﴾.\n(١) \"تهذيب اللغة\" ١٠/ ١١٣ (درك).\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٢٧. وذكر نحوه النحاس، \"إعراب القرآن\" ٣/ ٢١٨.\n(٣) أنشده الفراء، \"معاني القرآن\" ٢/ ٢٩٩، كاملًا، ولم ينسبه، وصدره:\nفواللَّه ما أدري أسلمى تغولت\nيقال: تغولت المرأة: إذا تلونت. \"تهذيب اللغة\" ٨/ ١٩٣ (غال). وأنشده كذلك ابن جرير ٢٠/ ٨. وذكره الأزهري من إنشاد الفراء، \"تهذيب اللغة\" ١٠/ ١١٢ (درك). ولم ينشده الزجاج عند هذه الآية. وأنشده الثعلبي ٨/ ١٣٤ أ، ولم ينسبه. ونسب لعقبة المضرب برواية:\nفوالله ما أدري أسلمى تفولت ... أم الحلم أم كل إلى حبيب","vol":"17","page":284},{"text":"بمعنى: بل، وقالوا: إن أحدهما يقوم مقام الآخر (١).\nوإلى هذا ذهب أبو علي؛ فقال: المعنى: إنهم لم يدركوا علم الآخرة، أي: لم يعلموا حدوثها وكونها، ومعنى قوله: ﴿فِي الْآخِرَةِ﴾ معنى الباء، أي: علمهم بالآخرة، قال: وهذا كما تقول: أجئتني بالأمس أي: لم تجئ، والمعنى: لم يدرك علمهم بحدوث الآخرة (٢).\nوهذا الوجه غير ما حكينا عن مقاتل وابن عباس والسدي، ولم يَفصل أبو علي بين القراءتين -كما فصل أبو إسحاق- وأجراهما على الاستفهام الذي معناه الإنكارة ويؤكد هذا الوجه قراءة ابن عباس: ﴿بَلى أدَّارَكَ﴾ بالاستفهام (٣).\nقال الأزهري: هو استفهام فيه رد وتهكم، ومعناه: لم يدرك علمهم في الآخرة (٤).\n_________\n(١) وهذا قول الفراء. \"معاني القرآن\" ٢/ ٢٩٩. ورجحه ابن جرير ٢٠/ ٨، على قراءة: ﴿بَلِ ادَّارَكَ﴾.\n(٢) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٤٠٠.\n(٣) أخرج هذه القراءة ابن جرير ٢٠/ ٦، من طريق أبي حمزة، وقال ابن جرير في ضبطها: وكان ابن عباس فيما ذكر عنه يقرأ بإثبات ياء في: بل، ثم يبتدئ: أدَّارك، بفتح ألفها على وجه الاستفهام، وتشديد الدال. ثم قال بعد ذلك: فأما القراءة التي ذكرت عن ابن عباس، فإنها وإن كانت صحيحة المعنى والإعراب فخلاف ما عليه مصاحف المسلمين، وذلك أن في: بلى، زيادة ياء في قراءته ليست في المصاحف، وهي مع ذلك قراءة لا نعلمها قرأ بها أحد من قراء الأمصار. وقال عنها النحاس: إسناده صحيح. \"إعراب القرآن\" ٣/ ٢١٨. وذكر هذه القراءة ابن خالويه، ونسبها لابن عباس، وأبي حيوة، وكتبت هكذا: [بَلْ أدْرَكَ] \"شواذ القراءات\" ١١١، كما ذكرها ابن جني، \"المحتسب\" ٢/ ١٤٢، وكتبت هكذا: [بَلى ادْرَكَ] ممدودًا.\n(٤) \"تهذيب اللغة\" ١٠/ ١١٤ (درك). وقد كتبت القراءة عنده هكذا: بلى أأدرك. وأما =","vol":"17","page":285},{"text":"وروى شعبة عن أبي حمزة (١) عن ابن عباس: ﴿بَلى أدَّارَكَ﴾ بقطع الألف؛ لأنه استفهام، فحذف ألف الوصل (٢).\nقال الفراء: وهو وجه جيد؛ لأنه أشبه بالاستهزاء بأهل الجحد، كقولك للرجل تكذبه: بلى لعمري لقد أدركتَ السلف، فأنت تروي ما لا نروي، وأنت تُكذِّبُه (٣). فهذا وجهٌ عليه أهل المعاني. والأول عليه أهل التفسير.\nقال شمر: ورُوي لنا حرفٌ عن الليث، ولم أسمعه لغيره، ذَكر أشبه يقال: أدركَ الشيءُ إذا فَنِيَ (٤)، فإن صح فهو في التأويل: فني علمهم عن معرفة الآخرة. هذا كلامه (٥). و﴿فِي الْآخِرَةِ﴾ على هذا القول يكون أيضًا بمعنى: بالآخرة، كما ذكره أبو علي. وقرأ عاصم في بعض الروايات\n_________\n= عند الفراء ٢/ ٢٩٩، وابن قتيبة، في \"تأويل مشكل القرآن\" ٣٤٥، فقد كتبت كما عند ابن جرير.\n(١) أبو حمزة، عمران بن أبي عطاء الواسطي، سمع ابن عباس، ومحمد بن الحنفية، وهو قليل الحديث، صدوق له أوهام، وحدث عنه سفيان، وشعبة وأبو عوانة، وغيرهم. \"سير أعلام النبلاء\" ٥/ ٣٨٧، وتقريب التهذيب ٧٥١.\n(٢) يعني أن أصل الفعل: ادارك، خماسي أوله همزة وصل، ثم دخلت همزة الاستفهام فسقطت همزة الوصل لفظًا ورسما.\n(٣) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٩٩، قال ابن قتيبة عن هذه القراءة: وهذه القراءة أشد إيضاحًا للمعنى؛ لأنه قال: وما يشعرون متى يبعثون، ثم قال: بل تداركت ظنونهم في علم الآخرة؛ فهم يحدسون ولا يدرون. \"تأويل مشكل القرآن\" ٣٥٤.\n(٤) \"العين\" ٥/ ٣٢٨ (درك).\n(٥) \"تهذيب اللغة\" ١٠/ ١١٤ (درك). وقال بعده الأزهري: وهذا غير صحيح، ولا محفوظ عن العرب، وما علمت أحدًا قال: أدرك الشيء إذا فني، ولا يعرج على هذا القول، ولكن يقال: أدركتِ الثمارُ، إذا انتهى نضجها.","vol":"17","page":286},{"text":"(أدرَكَ) على افتعل، وهو بمعنى: أدرك وتدارك، كما حكينا عن شمر.\nقوله تعالى: ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾ [قال مقاتل: بل هم اليوم في الدنيا في شك منها] (١) يعني: من الساعة (٢).\nوقال أبو علي: ﴿مِنْهَا﴾: من علمها وحدوثها. يعني: علم الآخرة (٣).\n﴿بَلْ هُمْ مِنْهَا﴾ من علمها (٤) ﴿عَمُونَ﴾ في الدنيا (٥). والعمي عن علم الشيء أبعد منه من الشاك فيه؛ لأن الشك قد يَعرض عن ضرب من النظر، والعمي عن الشيء: الذي لم يدرك منه شيئًا (٦).\nوقال الكلبي في قوله: ﴿بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾ يقول: هم جهلة بها (٧).\nوقال المبرد: ﴿عَمُونَ﴾ جمع عمٍ، وأكثر ما يستعمل في القلب، وأنشد:\nولكنني عن علم ما في غدٍ عَمِ (٨)\nقال ابن عباس في هذه الآية: أعمى قلوبهم عما أعد لأوليائه من النعيم، وعما أعد لأعدائه من العذاب. والكلام في العمي قد تقدم عند\n_________\n(١) ما بين المعقوفين ساقط من نسخة (ج).\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ٦١ ب.\n(٣) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٤٠١.\n(٤) \"تأويل مشكل القرآن\" ٣٥٤.\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ٦١ ب.\n(٦) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٤٠١.\n(٧) ذكر الهواري ٣/ ٢٦٢، عن الكلبي: أي: لا يدرون ما الحساب فيها وما العذاب.\n(٨) البيت لزهير من معلقته، وصدره:\nوأعلم ما في اليوم والأمس قبله\nديوان زهير ٨٦. وأنشد البيت الأزهري، ونسبه لزهير، وليس فيه النقل عن المبرد. \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٤٥ (عمى).","vol":"17","page":287},{"text":"قوله: ﴿عَمِينَ﴾ في سورة الأعراف (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3210>٦٧ </span>- وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ مفسر في سورة: المؤمنون (٢)، إلى قوله: ﴿قُلْ سِيرُوا﴾ [٦٩]، والآية ظاهرة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-3211>٧٠ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾ قال مقاتل: يعني على كفار مكة إن تولوا عنك ولم يجيبوك (٣) إلى الإيمان، والمعنى: على تكذيبهم إياك وإعراضهم عنك (٤).\n﴿وَلَا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ﴾ (ضِيْقٍ) (٥) وهما لغتان (٦)؛ قال ابن السكيت: يقال: في صدر فلان ضِيْق وضَيْق، ومكان ضَيِّق وضَيْق (٧)، وقد ضاق الشيء ضِيْقًا (٨)، والنعت ضَيِّق (٩) والاسم ضَيْق.\nوروى أبو عبيد عن أبي عمرو: الضِّيْق: الشيء الضَّيَق، والضَّيْق\n_________\n(١) عند قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ﴾ [٦٤] قال الواحدي: قال ابن عباس: عميت قلوبهم عن معرفة الله وقدرته، وشدة بطشه. وقال الزجاج: أي: قد عموا عن الحق والإيمان. قال الليث: يقال: رجل عمٍ إذا كان أعمى القلب. وقال أبو معاذ النحوي: رجل عم في أمره لا يبصره، ورجل أعمى في البصر.\n(٢) الآيات [٨١ - ٨٣].\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ٦٢أ.\n(٤) \"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٣٤ ب، بنصه.\n(٥) قرأ ابن كثير بكسر الضاد، وروى خلف عن المسيبي عن نافع مثله. وقرأ الباقون بالفتح. \"السبعة في القراءات\" ٤٨٥، و\"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٤٠٢، و\"النشر في القراءات العشر\" ٢/ ٣٣٩.\n(٦) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٤٠٣.\n(٧) \"تهذيب اللغة\" ٩/ ٢١٧ (ضاق).\n(٨) \"إصلاح المنطق\" ٣٢.\n(٩) في نسخة (ب): (الضيق).","vol":"17","page":288},{"text":"المصدر (١).\nوقال الفراء: الضَّيْق: ما ضاق عنه صدرك، والضَّيِّق: ما يكون في الذي يتسع ويضيق؛ مثل: الدار والثوب. قال: وإذا رأيت الضَّيْق قد وقع في موضع الضِّيْق، كان على أمرين؛ أحدهما: أن يكون جمعًا للضَيْقة، كما قال الأعشى:\nكشفَ الضَيْقةَ عنا وفَسحَ (٢)\nوالوجه الآخر: أن يكون مخففًا من ضَيْق، مثل: هَيْن ولَيْن (٣). وقد حصل من هذا: أن الضَّيِّق بالتشديد: نعت، ويجوز فيه التخفيف [فيما يتسع ويضيق، ويكون لغة في الضيق.\nقال أبو علي: والقراءة:] (٤) (الضَيق) بالفتح والتخفيف اسم، وليس بنعت، وهو ما يضيق عنه الصدر، ويقال فيه بالكسر. والضيق بالكسر المصدر، والاسم فيما يتسع ويضيق، ويكون لغة في الضيق.\nقال أبو علي: والقراءة بالوجهين يحمل على أنهما لغتان، ولا يحمل الضيق بالفتح على التخفيف من ضيق؛ لأنك إن حملته على ذلك أقمت\n_________\n(١) في \"تهذيب اللغة\" ٩/ ٢١٧ (ضاق)، عن أبي عمرو: الضَّيَق محركة الياء: الشك، والضَّيْق بهذا المعنى أكثر وأفشى.\n(٢) \"معاني القرآن\" الفراء ٢/ ١١٥، وأنشد البيت ولم ينسبه. ونقله عنه الأزهري ٩/ ٢١٨. وهو في ديوان الأعشى ٨٩، من قصيدة يمدح فيها إياس بن قبيصة الطائي، وصدره: فلئن ربك من رحمته\n(٣) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ١١٥، عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾ من سورة النحل، آية: ١٢٧. ونقله عنه الأزهري، \"تهذيب اللغة\" ٢١٧ (ضاق).\n(٤) ما بين المعقوفين ساقط من نسخة (ج).","vol":"17","page":289},{"text":"الصفة مقام الموصوف، ولا ينبغي أن يحمل على ذلك ما وجد مندوحة عنه (١).\nقوله تعالى: ﴿مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾ قال ابن عباس: يريد أن مكرهم يبور، ويرجع إلى الذل والقتل.\nوقال مقاتل: يقول: لا يضيق صدرك بما يقولون (٢).\nوهذه الآية مذكورة في آخر سورة النحل، وقد مر تفسيرها (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3212>٧١ </span>- ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ﴾ الذي تعدنا يا محمد به من العذاب (٤) ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ بأنه يكون، وأن العذاب نازل بنا. قاله مقاتل والكلبي (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-3213>٧٢ </span>- قال الله تعالى: ﴿قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ﴾ يقال: رَدِفَه يَرْدِفه (٦) رِدْفًا؛ إذا تبعه. قال أبو زيد: يقال: رَدِفْتُ الرجلَ وأردفَته؛ إذا ركبت خلفه، وأنشد:\nإذا الجوزاء أردفت الثريا (٧)\n_________\n(١) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٤٠٣.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ٦٢ أ.\n(٣) وهي قوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾ [١٢٧].\n(٤) \"تفسير الهواري\" ٣/ ٢٦٣، ولم ينسبه.\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ٦٢ أ، و\"تنوير المقباس\" ٣٢١.\n(٦) يردفه في نسخة (ج).\n(٧) \"تهذيب اللغة\"١٤/ ٩٦ (ردف)، من إنشاد أبي زيد، ونسب إلى خزيمة القضاعي، وعجزه:\nظننت بآل فاطمة الظنونا\nوأنشده في \"لسان العرب\" ٩/ ١١٥، ونسبه لخزيمة بن مالك بن نَهْد.","vol":"17","page":290},{"text":"وذكرنا الكلام في هذا عند قوله: ﴿بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ [الأنفال: ٩] (١).\nقال ابن عباس في معنى: ﴿رَدِفَ لَكُمْ﴾ قرب لكم (٢). وهو قول مقاتل (٣). وقال السدي: اقترب لكم (٤).\nوقال قتادة: أزف لكم (٥). وقال الكلبي: دنا لكم (٦). وهذه ألفاظ معناها واحد. قال الفراء: فكأن اللام دخلت إذ كان المعنى: دنا، كما قال الشاعر:\nفقلتُ لها الحاجاتُ يطرحنَ بالفتى ... وهمٌّ تعنَّاني مُعَنّى ركائبُهُ (٧)\nفأدخل الباء في الفتى؛ لأن معنى: يطرحن: يرمين، وأنت تقول: رميت بالشيء وطرحته. قال: وتكون اللام داخلة، والمعنى: ردفكم، كما\n_________\n(١) قال الواحدي في تفسير هذه الآية: اختلف أهل اللغة في: ردف وأردف؛ والأكثرون على أنهما بمعنى واحد .. وفصل آخرون بينهما؛ فقال الزجاج: ردفت الرجل إذا ركبت خلفه، وأردفته: أركبته خلفي، وأردفت الرجل إذا جئت بعده. وقال شمر: ردفت وأردفت إذا فعلت ذلك بنفسك، فإذا فعلت بغيرك: فأردفت لا غير.\n(٢) ذكره البخاري معلقًا بصيغة الجزم بلفظ: اقترب. \"فتح الباري\" ٨/ ٥٠٤. ووصله ابن جرير ٢٠/ ٩، من طريق علي بن أبي طلحة، بلفظ: اقترب لكم.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ٦٢ أ.\n(٤) أخرجه ابن جرير ٢٠/ ٩، عن الضحاك. وابن أبي حاتم ٩/ ٢٩١٧، عن مجاهد.\n(٥) أخرجه ابن أبي حاتم ٩/ ٢٩١٧، عن مجاهد.\n(٦) \"تنوير المقباس\" ٣٢١، وذكره الثعلبي ٨/ ١٣٤ ب، ولم ينسبه.\n(٧) أنشده الفراء، ولم ينسبه. \"معاني القرآن\" ٢/ ٢٩٩، وأنشده كذلك ابن جرير ٢٠/ ١٠، وهو في \"لسان العرب\" ١٥/ ١٠٦، غير منسوب، وفيه: عانى الشيء: قاساه، والمعاناة: المقاساة، يقال: عاناه، وتعناه، وتعنى.","vol":"17","page":291},{"text":"تقول العرب: نفذت له مائة، أي: نفذته (١). وهذا قول الأخفش والزجاج والمبرد؛ قالوا: المعنى: ردفكم، فزيدت اللام توكيدًا كما زادوها في: لا أبا لك، و: يا بؤس للحرب (٢)، ومثله في كتاب الله: ﴿وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ﴾ [الزمر: ١٢] أي: أمرت أن أكون، وبأن أكون (٣).\nوقال أبو الهيثم يقال: رَدِفْت فلانًا، ورَدِفتُ لفلانٍ، أي: صرت له رِدْفًا. قال: وتزيد العرب اللام مع الفعل الواقع في الاسم المنصوب فتقول: سمع له، وشكر له، ونصح له، أي: سمعه وشكره ونصحه (٤).\nوقد ذكرنا مثل هذا في قوله: ﴿لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٤] (٥).\n_________\n(١) في نسخة: (ب)، (ج): نقدت، في الموضعين. وفي: ب: نفذت. وهو موافق لما عند الفراء ٢/ ٣٠٠، بلفظ: نفذت له مائة، وهو يريد: نفذتها مائة. ولا ينبني على هذا الفرق اختلاف في المعنى المقصود. ونقل هذا القول عن الفراء، ولم يسمه، ابن جرير ٢٠/ ٩، واختاره.\n(٢) \"معاني القرآن\" للأخفش ٢/ ٦٥١. و\"المقتضب\" ٢/ ٣٧. و\"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٢٨. وليس فيها ذكر قول: لا أبا لك ويا بؤس للحرب.\n(٣) \"معاني القرآن\" للأخفش ٢/ ٦٥١.\n(٤) \"تهذيب اللغة\" ١٤/ ٩٦ (ردف).\n(٥) قال الواحدي في تفسير هذه الآية: واختلفوا في وجه دخول اللام في قوله: ﴿لِرَبِّهِمْ﴾ فقال الكسائي: لما تقدم المفعول على الفعل حسنت اللام، قال: وهذا مما مات من الغريب، وقد كان يقال: لك أكرمت، ولك حدثت، فمات، ولو قلت: أكرمت لك، تريد: أكرمتك كان قبيحًا، وهو جائز؛ كما تقول: هو مكرم لك، وهو ضارب لك، بمعنى: مكرمك، وضاربك، فحسن في موضع وقبح في آخر والأصل واحد. قال النحويين: لما تقدم المفعول ضعف عمل الفعل فيه، فصار بمنزلة ما لا يتعدى فأدخل اللام .. فعلى هذا اللام في قوله: ﴿لِرَبِّهِمْ﴾ صلة =","vol":"17","page":292},{"text":"وقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾ [يوسف: ٤٣] (١).\nوقال مجاهد في قوله: ﴿رَدِفَ لَكُمْ﴾ عجل لكم (٢).\nوعن ابن عباس: حضركم (٣). وقال ابن قتيبة: تبعكم (٤).\nوقال الزجاج: معناه في اللغة: ركبكم وجاء بعدكم (٥).\nومعنى الآية: أن الله تعالى أمر نبيه -﵇- أن يقول للذين يستعجلون العذاب: إن بعض ما تستعجلون من العذاب قد دنا لكم.\nقال المفسرون: فكان بعض الذي دنا لهم القتل ببدر، وسائر العذاب لهم فيما بعد الموت (٦). ثم ذكر فضله في تأخير العذاب؛ فقال:\n_________\n= وتأكيد، كقوله: ﴿رَدِفَ لَكُمْ﴾ [النمل: ٧٢] .. وقال بعضهم: إنها لام أجل؛ والمعنى: هم لأجل ربهم ﴿هُدًى﴾ لا رياء ولا سمعة.\n(١) قال الواحدي في تفسير هذه الآية: فأما اللام في قوله: [رُّؤْيَا] فقال أحمد بن يحيى: أراد: إن كنتم للرؤيا عابرين، وإن كنتم عابرين للرؤيا، تسمى هذه اللام لام التعقيب؛ لأنها عقبت الإضافة المعنى: إن كنتم عابري الرؤيا. وقال ابن الأنباري: دخلت اللام مؤكدة مفيدة معنى التأكيد. وقيل: إنها أفادت معنى: إلى، وكأن ملخصها: إن كنتم توجهون العبارة إلى الرؤيا. ثم أحال على سورة الأعراف [١٥٤] في قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾.\n(٢) \"تفسير مجاهد\" ٢/ ٤٧٥، وأخرجه ابن جرير ٢٠/ ١٠، بلفظ: أعجل لكم، وبلفظ: أزف. وذكر الهواري ٣/ ٢٦٣، عن مجاهد: اقترب لكم. وأخرجه كذلك ابن أبي حاتم ٩/ ٢٩١٧.\n(٣) \"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٣٤ ب.\n(٤) \"غريب القرآن\" لابن قتيبة ٣٢٦.\n(٥) في \"مجاز القرآن\" ٢/ ٩٦: جاء بعدكم.\n(٦) \"تفسير مقاتل\" ٦٢ أ، بنصه. و\"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٣٤ ب، ولم ينسبه. وذكر الهواري ٣/ ٢٦٣، عن الحسن: بعض الذي تستعجلون من عذاب الله، يعني: قيام الساعة التي يهلك الله بها آخر كفار هذه الأمة.","vol":"17","page":293},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3214>٧٣ </span>- ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ﴾ قال مقاتل: يعني على أهل مكة حين لا يعجل عليهم بالعذاب ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ﴾ يعني: أكثر أهل مكة ﴿لَا يَشْكُرُونَ﴾ الرب في تأخير العذاب عنهم (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-3215>٧٤ </span>- وقوله: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ﴾ تسر وتخفي صدورهم ﴿وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ بألسنتهم (٢). قال ابن عباس: يعني: من عداوتك والخلاف عليك فيما جئت به (٣). والمعنى: إنه يعلم كل ذلك فيجازيهم به (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-3216>٧٥ </span>- قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ قال المفسرون: ما من شيء غائب وأمر يغيب عن الخلق في السماء والأرض ﴿إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ إلا هو بين في اللوح المحفوظ (٥).\nقال مقاتل في هذه الآية: يريد علم ما تستعجلون من العذاب؛ متى يكون؟ هو مبين في اللوح المحفوظ عند الله (٦)، وإن غاب عن الخلق فلم يعلموه.\nوقيل في دخول الهاء في الغائبة: إنها إشارة إلى الجماعة الغائبة، فهى تتضمن الإحاطة بجميع الغائبات، لا ببعضها دون بعض، ولا يبعد أن\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ٦٢ أ. وظاهر الآية أعم، وإن كان أهل مكة يدخلون فيه دخولًا أوليا. والله أعلم.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ٦٢ أ. و\"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٣٤ ب.\n(٣) تفسير الهواري ٣/ ٢٦٤، ولم ينسبه. وأخرجه ابن أبي حاتم ٩/ ٢٩١٨، عنه بلفظ: يعلم ما عملوا بالليل والنهار.\n(٤) \"تفسير ابن جرير\" ٢٠/ ١١.\n(٥) \"تفسير ابن جرير\" ٢٠/ ١١. وأخرج نحوه ابن أبي حاتم ٩/ ٢٩١٩، عن ابن عباس، ومجاهد. و\"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٣٤ ب.\n(٦) \"تفسير مقاتل\" ٦٢ أ.","vol":"17","page":294},{"text":"يقال: الغائبة هاهنا مصدر، كالخائنة والعاقبة، فتكون الغائبة بمنزلة: الغيب، كأنه قيل: وما من غيب في السماء والأرض؛ أي: غائب (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3217>٧٦ </span>- قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [قال ابن عباس: يريد: ما سقط عنهم من علم التوراة، وما حرفوا. وعلى هذا المعنى: يبين لهم القرآن ما سقط من الأحكام من كتابهم واختلفوا فيه، وما حرفوه مما هم فيه مختلفون، وهذا معنى قول مقاتل: هذا القرآن يبين لأهل الكتاب اختلافهم (٢).\nوقال آخرون: ﴿يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ أي: يبين لليهود والنصارى أكثر الذي هم فيه مختلفون؛] (٣) وذلك كالذي اختلفوا فيه من أمر عيسى -ﷺ-، وغير ذلك من الأمور التي هم فيها مختلفون (٤).\nوقال الكلبي عن ابن عباس: إن أهل الكتاب اختلفوا فيما بينهم فصاروا أحزابًا وشيعًا، يطعن بعضهم على بعض، ويتبرأ بعضهم من دين بعض، فنزل القرآن ببيان ما اختلفوا فيه لو أخذوا به لسلموا (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3218>٧٧ </span>- ﴿وَإِنَّهُ﴾ وإن القرآن ﴿لَهُدًى﴾ من الضلالة ﴿وَرَحْمَةٌ﴾ من العذاب لمن آمن به (٦).\n_________\n(١) لم أجده في \"تهذيب اللغة\"، في مادة: غاب.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ٦٢ أ.\n(٣) ما بين المعقوفين ساقط من (أ)، (ب).\n(٤) \"تفسير ابن جرير\" ٢٠/ ١١.\n(٥) بنصه في تفسير ابن الجوزي ٦/ ١٨٩، ولم ينسبه. وذكر نحوه الفراء ٢/ ٣٠٠، ولم ينسبه. وأخرج نحوه ابن أبي حاتم ٩/ ٢٩١٩، عن قتادة.\n(٦) \"تفسير مقاتل\" ٦٢ أ. و\"تفسير ابن جرير\" ٢٠/ ١٢","vol":"17","page":295},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3219>٧٨ </span>- ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ﴾ قال مقاتل: يعني بين بني إسرائيل (١).\nوقال الكلبي: بين أهل الكتاب.\nوقيل: بين المختلفين (٢)؛ وهذه أقوال متقاربة.\nقال ابن عباس: يريد يوم القيامة يقضي بينهم بحكمه ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ الغالب، فلا يمكن رد قضائه بما يحكم، فهو يقضي بين المختلفين، وبما لا يمكن أن يُرَد، ولا يلتبس بغير الحق.\nوقيل: ﴿الْعَزِيزُ﴾ في انتقامه من المبطلين ﴿الْعَلِيمُ﴾ بالمحق من المختلفين (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3220>٧٩ </span>- ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ قال مقاتل: يقول: فثق بالله، وذلك حين دُعي إلى دين آبائه (٤) ﴿إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾ على الدين البين، وهو: الإسلام.\nثم ضرب لكفار مكة مثلًا فقال (٥):\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3221>٨٠ </span>- ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ قال قتادة: أي كما لا تسمع الميت كذلك لا تسمع الكافر (٦).\n[وقال مقاتل: شبه كفار مكة بالأموات، يقول: كما لا يسمع الميت النداء كذلك لا يسمع الكافر] (٧) النداء (٨).\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ٦٢ أ. و\"تفسير ابن جرير\" ٢٠/ ١٢.\n(٢) \"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٣٤ ب، ولم ينسبه.\n(٣) \"تفسير ابن جرير\" ٢٠/ ١٢.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ٦٢ أ، ولفظه: وذلك حين دُعي إلى ملة آبائه، فأمره أن يثق بالله -﷿-.\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ٦٢ أ.\n(٦) أخرجه ابن أبي حاتم ٩/ ٢٨٢١. وذكره الثعلبي ٨/ ١٣٤ ب، ولم ينسبه.\n(٧) ما بين المعقوفين ساقط من نسخة: (ب).\n(٨) \"تفسير مقاتل\" ٦٢ أ.","vol":"17","page":296},{"text":"وقال عطاء عن ابن عباس: يريد بالموتى: الأحياء الذين طبع الله على قلوبهم.\nيعني: ضرب لهم المثل بالموتى وشبه حالهم في أنهم لا ينتفعون بما يسمعون بحال الموتى الذين لا يسمعون بتةً (١).\n_________\n(١) فهذا قولان في المراد بالموتى؛ الأول: الميت الذي فارقته الروح، والثاني: ميت القلب الذي لا ينتفع بما يسمع من الخير، أي: لا تُسمع الكفار الذين أمات الله قلوبهم. وظاهر كلام الواحدي ميله للقول بأن الميت في الآية: الذي فارقته الروح، واقتصر على هذا القول في تفسيره؛ \"الوسيط\" ٣/ ٣٨٤، وأما في \"الوجيز\" ٢/ ٨٠٩، فقال: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ الكفار. ولم يزد على ذلك. والذي يظهر -والله تعالى أعلم- أن القول الثاني أقرب للصواب؛ وذلك لثبوت سماع الميت في قبره؛ كما في قصة غزوة بدر، وسماع الميت قرع نعال أصحابه إذا تولوا عنه، وغير ذلك من الأحاديث. واقتصر ابن جرير ٢٠/ ١٢، على هذا القول؛ فقال: يقول: إنك يا محمد لا تقدر أن تُفهِم الحق من طبع الله على قلبه فأماته؛ لأن الله قد ختم عليه ألا يفهمه وأحسن الشنقيطي، تقرير هذا بأدلته وشواهده. أضواء البيان ٦/ ٤١٦ إلى ٤٣٩.\nوممن ذهب إلى أن النفي في الآية نفي سماع الميت جميع الكلام المعتاد: أم المؤمنين عائشة -﵂- وقد ردت فيه على من روى تكليم النبي -ﷺ-، لصناديد قريش بعد أن قذف بهم في القليب، وقد أخرج ذلك البخاري في صحيحه من طريق قتادة؛ قال: ذكر لنا أنس بن مالك عن أبي طلحة أن نبي الله -ﷺ-، أمر يوم بدر بأربعة وعشرين رجلًا من صناديد قريش فقذفوا في طوي من أطواء بدر خبيث مخبث وكان إذا ظهر على قوم أقام بالعَرْصة ثلاث ليال فلما كان ببدر اليوم الثالث أمر براحلته فشد عليه رحلها ثم مشى واتبعه أصحابه وقالوا: ما نرى ينطلق إلا لبعض حاجته حتى قام على شَفةِ الرَّكي فجعل يناديهم بأسمائهم وأسماء آبائهم؛ \"يا فلان بن فلان ويا فلان بن فلان: أيسركم أنكم أطعتم الله ورسوله فإنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا؟ \" قال: فقال عمر: يا رسول الله ما تكلم من أجساد لا أرواح لها، فقال رسول الله -ﷺ-: \"والذي نفس محمد بيده ما =","vol":"17","page":297},{"text":"﴿وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ قال قتادة: يقول: لو أن أصمَّ ولى مدبرًا ثم ناديته لم يسمع؛ كذلك الكافر لا يسمع ما يُدعى إليه من الإيمان ونحو هذا قال مقاتل (١).\nومعنى الآية: أنهم لفرط إعراضهم عما يُدعون إليه من التوحيد والدين، كالميت الذي لا سبيل إلى إسماعه وإعلامه شيئًا، وكالصم الذين لا يسمعون.\n_________\n= أنتم بأسمع لما أقول منهم\" قال قتادة: أحياهم الله حتى أسمعهم قوله توبيخًا وتصغيرًا ونقمة وحسرة وندما. أخرجه البخاري، كتاب المغازي، رقم: ٣٩٧٦، \"فتح الباري\" ٧/ ٣٠٠. ثم أخرج البخاري بعده إنكار عائشة -﵂- لهذا؛ حيث قالت: إنما قال النبي -ﷺ-: إنهم الآن ليعلمون أن الذي كنت أقول لهم هو الحق، ثم قرأتْ: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ الآية.\nقال الإسماعيلي: كان عند عائشة من الفهم والذكاء وكثرة الرواية والغوص على غوامض العلم ما لا مزيد عليه؛ لكن لا سبيل إلى رد رواية الثقة إلا بنص مثله، يدل على نسخه أو تخصيصه، أو استحالته، فكيف والجمع بين الذي أنكرته وأثبته غيرها ممكن؛ لأن قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ لا ينافي قوله -ﷺ-: (إنهم الآن يسمعون) لأن الإسماع هو إبلاغ الصوت من المُسمِع في أذن السامع، فالله تعالى هو الذي أسمعهم بأن أبلغهم صوت نبيه -ﷺ-، بذلك. \"فتح الباري\" ٧/ ٣٠٤. والصحيح أن الميت يسمع في قبره السماع المعتاد؛ والمنفي عنه السماع الذي ينفعه، وقد قرر هذا بشواهده وأدلته شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- حيث رد على من نفى سماع الميت في قبره؛ وحمل ابن تيمية النفي في الآية على السماع المعتاد الذي ينتفعون به، أما سماع آخر فلا ينفى عنهم. \"مجموع الفتاوى\" ٤/ ٢٩٨. وهذا اختيار ابن كثيرة حيث قال: أي: لا تسمعهم شيئًا ينفعهم، فكذلك هؤلاء على قلوبهم غشاوة، وفي آذانهم وقرة وهو الكفر. \"تفسير ابن كثير\" ٦/ ٢١٠. والقول بأن الموتى في الآية: الكفار، نفى الله عنهم سماع التدبر، تفسير ظاهر لا يرد عليه هذا الإشكال. والله تعالى أعلم.\n(١) أخرجه عن قتادة ابن أبي حاتم ٩/ ٢٩٢١. وهو في \"تفسير مقاتل\" ٦٢ أ.","vol":"17","page":298},{"text":"وقرأ ابن كثير: ﴿لَا يَسْمِعُ﴾ بالياء ﴿الصُّمَّ﴾ رفعًا (١)، وقراءة العامة أشبه بما قبله من قوله: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ﴾ ومعنى قراءة ابن كثير: إنهم لا ينقادون للحق لعنادهم، وفرط ذهابهم عنه، كما لا يسمع الأصم ما يُقال له (٢).\nثم ضَرب العُمي أيضًا مثلًا لهم فقال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3222>٨١ </span>- ﴿وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ﴾ فالعمي: هم، و﴿ضَلَالَتِهِمْ﴾ كفرهم وجهالتهم. فالمعنى: ما أنت بمرشد من أعماه الله عن الهدى، وأعمى قلبه عن الإيمان.\nوقراءة العامة ﴿بِهَادِي الْعُمْيِ﴾ على اسم الفاعل مضافًا، واسم الفاعل للحال، أو للآتي، وإذا كان كذلك كانت الإضافة في نية الانفصال (٣)، وقراءة حمزة: ﴿تَهْدِي الْعُمْيَ﴾ (٤) على الفعل، وحجته قوله: ﴿أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ﴾ ومعنى الآية: إنك لا تهديهم لشدة عنادهم، وفَرْط إعراضهم، فإذا كان كذلك كان وجه القراءة: وما أنت تهدي العمي (٥).\nقال أحمد بن موسى: وكتب ﴿بِهَادِي الْعُمْيِ﴾ في هذه السورة بياء، وكتب الذي في الروم بغير ياء (٦).\n_________\n(١) \"السبعة في القراءات\" ٤٨٦، و\"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٤٠٣، و\"النشر في القراءات العشر\" ٢/ ٣٣٩.\n(٢) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٤٠٣.\n(٣) هكذا: الانفصال. في نسخة: (أ)، (ب)، وهو موافق لما في \"الحجة\". وفي نسخة: (ج): الاتصال.\n(٤) \"السبعة في القراءات\" ٤٨٦، و\"الحجة\" ٥/ ٤٠٤، و\"النشر\" ٢/ ٣٣٩.\n(٥) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٤٠٤.\n(٦) في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِهَادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ﴾ [الروم: ٥٣]. أحمد بن موسى، =","vol":"17","page":299},{"text":"قال أبو علي: الوقف على: ﴿هَادِ﴾ و﴿وَالٍ﴾ و﴿وَاقٍ﴾ (١) ونحوه، فيه لغتان: الأكثر أن تقف بغير ياء، وذلك أنه كان في الوصل متحركًا بالكسر، فإذا وقفت حَذفت الحركة، كما تحذفها من سائر المتحركات، وقوم يقفون بالياء؛ لأن حذفها إنما كان لأجل التنوين؛ لأنهما ساكنان، فلما حذف التنوين في الوقف عادت الياء، وحكى سيبويه اللغتين جميعًا، فعلى هذا حَذْفُ الياء في موضع، وإثباتها في آخر، على أن تكون كتبت [على اللغتين جميعًا، أو يكون أريد] (٢) ﴿بِهَادِي﴾ الإضافة فلم ينون، فإذا لم ينون لم يلزم أن تحذف الياء. أو يكون أريد بـ: تهدي تفعل ولم يُرَد به اسم الفاعل، فإذا أريد: تَفعَلُ ثبتت الياء في الوصل والوقف، ولعل حمزة في قراءته ﴿تَهْدِي﴾ اعتبر ذلك إذ كان في الخط مكتوبًا بغير ألف (٣).\nوقوله تعالى: ﴿إِنْ تُسْمِعُ﴾ أي: ما تسمع (٤)، [وتأويل ما تُسْمِع: ما\n_________\n= هو أبو بكر بن مجاهد. \"السبعة في القراءات\" ٤٨٦. وذكره عنه أبو علي، \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٤٠٤. وذكر ذلك الداني، \"المقنع\" ٩٦.\n(١) كلمة هاد، بالكسر وردت في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ سورة الحج: ٥٤، ﴿وَمَا أَنْتَ بِهَادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ﴾ سورة الروم: ٥٣.\nوكلمة وال، وردت في قوله تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ﴾ [الرعد: ١١] وكلمة: واق، وردت في قوله تعالى: ﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ﴾ [الرعد: ٣٤] ﴿مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا وَاقٍ﴾ [الرعد: ٣٧] ﴿فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ﴾ [غافر: ٢١].\n(٢) ما بين المعقوفين ساقط من نسخة: (أ)، (ب).\n(٣) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٤٠٥.\nقال الداني: في بعض المصاحف: ﴿تَهْدِي الْعُمْيَ﴾ بالتاء بغير ألف، وفي بعضها (بهادي) بألف وياء بعد الدال. \"المقنع\" ٩٦.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ٦٢ أ.","vol":"17","page":300},{"text":"يَسمَع منك] (١) فيَعِي ويعمل ﴿إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا﴾ (٢) قال ابن عباس: إلا من خلقته للسعادة، وكان في سابق علمي من المهتدين (٣).\nوقال مقاتل: إلا من صدق بالقرآن أنه من الله ﴿فَهُمْ مُسْلِمُونَ﴾: أي مخلصون بتوحيد الله (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3223>٨٢ </span>- قوله تعالى: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ﴾ (٥).\nقال ابن عباس: حق العذاب عليهم (٦). وقال مقاتل: وإذا نزل العذاب بهم (٧). ونحو هذا قال جماعة المفسرين (٨).\nقال الفراء معناه: وجب السَّخَط عليهم. وذكرنا وقع بمعنى:\n_________\n(١) ما بين المعقوفين ساقط من (ج).\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٢٩.\n(٣) ذكره عنه القرطبي ١٣/ ٢٣٣.\n(٤) أخرجه ابن أبي حاتم ٩/ ٢٩٢١، عن زهير بن محمد، وعن ابن عباس بلفظ: موحدون. وهو قول مقاتل ٦٢ أ.\n(٥) خروج الدابة علامة من علامات الساعة الكبرى التي ذكرها النبي -ﷺ-، عندما اطلع على أصحابه وهم يتذاكرون، فقال: \"ما تذاكرون؟ \" قالوا: نذكر الساعة. قال: \"إنها لن تقوم حتى ترون قبلها عشر آيات فذكر الدخان والدجال والدابة وطلوع الشمس من مغربها ونزول عيسى بن مريم ﵉، ويأجوج ومأجوج وثلاثة خسوف خسف بالمشرق وخسف بالمغرب وخسف بجزيرة العرب وآخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم\". أخرجه مسلم ٤/ ٢٢٢٥، كتاب الفتن، رقم ٢٩٠١، والترمذي ٤/ ٤١٤، كتاب الفتن، رقم ٢١٨٣.\n(٦) أخرجه ابن جرير ٢٠/ ١٣، وابن أبي حاتم ٩/ ٢٩٢٢، كلاهما عن مجاهد.\n(٧) \"تفسير مقاتل\" ٦٢ أ.\n(٨) \"تفسير مجاهد\" ٢/ ٤٧٥، و\"تفسير الهواري\" ٣/ ٢٦٥. وأخرج ابن جرير ٢٠/ ١٣، عن قتادة: وجب القول عليهم.","vol":"17","page":301},{"text":"وجب (١)، وهذا كقوله: ﴿حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ﴾ (٢) [القصص ٦٣، الأحقاف ١٨].\nوالمعنى: حق ووجب أن ينزل بهم ما قال الله، وحكم به من عذابه وسخطه عليهم. والكناية في: ﴿عَلَيْهِمُ﴾ للكفار الذين تخرج عليهم الدابة، وجازت الكناية عنهم؛ لأن ذكر الكفار قد سبق، وهؤلاء من جنس أولئك.\nوقوله: ﴿أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ﴾ قال ابن عمر وعطية: وذلك حين لا يأمرون بمعروف، ولا ينهون عن منكر (٣).\nوروي عن حفصة بنت سيرين (٤) أنها سألت أبا العالية عن هذه الآية، فقال لها مجيبًا: ﴿وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾\n_________\n(١) قال الواحدي في تفسير قول الله تعالى: ﴿قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ﴾ [الأعراف: ٧١]: يقال: وقع القول والحكم إذا وجب، ومنه قوله: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ [النمل: ٨٢] معناه: إذا وجب، ومثله: ﴿وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ﴾ [الأعراف: ١٣٤] أي: أصابهم ونزل بهم، وأصله من الوقوع بالأرض؛ يقال: وقع بالأرض مطر، ووقعت الإبل إذا بركت.\n(٢) \"معاني القرآن\" ٢/ ٣٠٠، دون قوله: وذكرنا وقع بمعنى. وذكره الثعلبي ٨/ ١٣٥ أ، ولم ينسبه وأخرج ابن أبي حاتم ٩/ ٢٩٢٢، عن مقاتل بن حيان في قوله تعالى: ﴿وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ قال: السخط. وقال ابن قتيبة: وجبت الحجة. \"غريب القرآن\" ٣٢٧.\n(٣) أخرجه عبد الرزاق ٢/ ٨٥، وابن أبي حاتم ٩/ ٢٩٢١، كلاهما عن عطية بن سعد عن ابن عمر. وأخرجه ابن جرير ٢٠/ ١٤، عن ابن عمر، وعطية. وكذا الثعلبي ٨/ ١٣٥ أ.\n(٤) حفصة بنت سيرين، أم الهذيل الفقهية، الأنصارية، البصرية، ثقة، روت عن أم عطية، وأم الرائح، وعن مولاها أنس بن مالك، وعن أبي العالية، وروى عنها أخوها محمد، وقتادة، وأيوب، وابن عون، وغيرهم. ماتت بعد المائة. \"سير أعلام النبلاء\" ٤/ ٥٠٧، و\"تقريب التهذيب\" ١٣٤٩.","vol":"17","page":302},{"text":"[هود: ٣٦] (١).\nقال مخلد بن الحسين (٢) -راوي (٣) هذا الحديث- يعني: أنه لا تخرج الدابة حتى لا يبقى أحد يريد أن يؤمن (٤).\nقال ابن عمر: وتخرج الدابة من صَدْع في الصفا (٥). وهو قول أكثر المفسرين؛ قالوا: تخرج الدابة من أرض مكة (٦).\nقوله تعالى: ﴿تُكَلِّمُهُمْ﴾ [قال مقاتل: تكلمهم] (٧) بالعربية (٨).\n_________\n(١) أخرجه عبد الرزاق ٢/ ٨٣ وابن جرير ٢٠/ ١٣. وابن أبي حاتم ٩/ ٢٩٢٢. وليس في أسانيد الثلاثة مخلد بن الحسين.\n(٢) مَخْلَد بن الحُسين، الأزدي، أبو محمد البصري، ثقة فاضل، حدث عن موسى بن عقبة، وهشام بن حسان، ويونس بن زيد، والأوزاعي، وغيرهم، وحدث عنه: الحسن بن الربيع، وموسى بن أيوب، وغيرهم. ت: ١٩١هـ \"سير أعلام النبلاء\" ٩/ ٢٣٦، وتقريب التهذيب ٩٢٧.\n(٣) هكذا في نسخة: ج، وفي: أ، ب: رأي.\n(٤) ذكر نحو هذا النحاس، \"إعراب القرآن\" ٣/ ٢٢١. ولم يذكر قول مخلد بن الحسين. وهذا مثال على نقل الواحدي عن النحاس.\n(٥) أخرجه ابن جرير ٢٠/ ١٤. وابن أبي حاتم ٩/ ٢٩٢٥. والثعلبي ٨/ ١٣٦ أ. قال مقاتل ٦٢ أ: تخرج من الصفا الذي بمكة.\n(٦) أخرج ذلك عبد الرزاق ٢/ ٨٤، عن حذيفة بن اليمان، وإبراهيم النخعي. وابن جرير ٢٠/ ١٤، عن حذيفة، وعبد الله بن عمرو. وأخرجه ابن أبي حاتم ٩/ ٢٩٢٥، عن عبد الله بن عمرو، ولا تعارض بين القولين، فإن الصفا من أرض مكة، والله أعلم.\n(٧) ما بين المعقوفين ساقط من نسخة (ج).\n(٨) \"تفسير مقاتل\" ٦٢ أ. واقتصر عليه الواحدي في \"الوسيط\" ٣/ ٣٨٥، و\"الوجيز\" ٨٠٩. وتخصيص مقاتل كلامها باللغة العربية؛ لأنه قيد الناس بأهل مكة. وظاهر الآية أعم من ذلك.\nوممن ذهب إلى أن المراد في الآية تحدثهم، ولم يقيده بلغة: السمرقندي ٢/ ٥٠٥. أخرج ابن جرير. ٢٠/ ١٦ وابن أبي حاتم ٩٣/ ٢٩٢٦، عن ابن عباس، من طريق =","vol":"17","page":303},{"text":"فتقول: ﴿أَنَّ النَّاسَ﴾ يعني: أهل مكة (١) ﴿كَانُوا بِآيَاتِنَا﴾ قال ابن عباس: بالبعث (٢) والثواب والعقاب ﴿لَا يُوقِنُونَ﴾ وقيل: تُخبر الناس أن أهل مكة لم يؤمنوا بالقرآن.\nواختلف في قوله: ﴿أَنَّ النَّاسَ﴾ فقرئ بالفتح والكسر (٣)؛ فمن فتح\n_________\n= علي بن أبي طلحة: تحدثهم. وكذا عن قتادة.\nوذكر ابن جرير قراءة: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ﴾ ونسبها لأبي زرعة بن عمرو، ثم قال: والقراءة التي لا أستجيز غيرها في ذلك ما عليه عامة قراء الأمصار. ولعل من هذا جَزَمَ ابن كثير ٦/ ٢١٠، أن القول بأن الدابة تكلمهم فتقول لهم: ﴿أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ﴾؛ اختيار ابن جرير، ثم قال ابن كثير بعد ذلك: وفي هذا القول نظر لا يخفى. والله أعلم.\nوقال ابن عباس في رواية: تجرحهم. وعنه رواية: قال: كلا؛ تفعل يعني: هذا وهذا، وهو قول حسن، ولا منافاة، والله أعلم.\nونسب قراءة: ﴿تُكَلِّمُهُمْ﴾ ابنُ خالويه وابنُ جني لابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد والجحدري وأبي زرعة. \"الشواذ\" لابن خالويه ١١٢، و\"المحتسب\" ٢/ ١٤٤.\nويشهد لهذا القراءة قول النبي -ﷺ-: \"تخرج الدابة فتسم الناس على خراطيمهم، ثم يعمرون فيكم حتى يشتري الرجل البعير، فيقال: ممن اشتريته، فيقول: من أحد المخرطمين\". أخرجه الإمام أحمد ٨/ ٣٠٧، رقم: ٢٢٣٧١. والبغوي في \"مسند ابن الجعد\" ٤٢٧، رقم: ٢٩١٩. وذكره الألباني في \"سلسلة الأحاديث الصحيحة\" ١/ ٥٧٦، رقم: ٣٢٢. فتلخص من هذا أن الدابة تفعل هذا وهذا، ولا معارضة. والله أعلم.\n(١) جعل الهواري ٣/ ٢٦٦، لفظ الناس عامًا في المشركين كلهم، وهو أولى.\n(٢) بالبعث. في نسخة (ج).\n(٣) قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر، بالكسر، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي بالفتح. \"السبعة في القراءات\" ٤٨٧، و\"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٤٠٦، و\"إعراب القراءات السبع وعللها\" ٢/ ١٦٤.","vol":"17","page":304},{"text":"أراد: تكلمهم الدابة بأن الناس (١). ومن كسر فلأن معنى: ﴿تُكَلِّمُهُمْ﴾ تقول لهم: ﴿إِنَّ النَّاسَ﴾ والكلام قول، فكأن القول قد ظهر (٢).\nوقال مقاتل والكلبي في قوله: ﴿بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ﴾ يعني: بخروج الدابة؛ لأن خروجها من آيات الله (٣).\nقال مقاتل: هذا قول الدابة ﴿أَنَّ النَّاسَ كَانُوا﴾ بخروجي لا يوقنون (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3224>٨٣ </span>- قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ قال أبو علي الفارسي: الظرف هاهنا بمنزلة: إذا، ومن ثم أجيب بالفاء في قوله: ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ كما يجاب إذا بها؛ لأنه ليس قبله عامل يعمل فيه، وليس العامل أيضًا ﴿نَحْشُرُ﴾ لأنه فعل مستقبل، فإذا لم يكن في هذا الكلام فعل ظاهر يتعلق به الظرف، تعلق بما دل عليه قوله: ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ كما أن قوله ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ [الصافات: ١٦و ٨٢، الواقعة: ٤٧]، الظرف فيه متعلق بما دل عليه ﴿أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ كأنه قيل: أنبعث إذا متنا، وذَكر مثل هذا في قوله: ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ﴾ [الإسراء\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٣٠٠، و\"معاني القرآن\" للأخفش ٢/ ٦٥١. و\"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٤٠٦. وفيه وجه آخر ذكره أبو عبيد: موضعها نصب بوقوع الفعل عليها، أي: تخبرهم أن الناس.\nانظر: \"إعراب القرآن\" للنحاس ٣/ ٢٢٢.\n(٢) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٣٠٠. و\"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٤٠٦. قال أبو حاتم: من قرأ بفتح ﴿أَن﴾ فالوقف على ﴿لَا يُوقِنُونَ﴾ ومن كسر ﴿إِنَّ﴾ فالوقف على ﴿تُكَلِّمُهُمْ﴾ وهو من الكلام. \"معاني القراءات\" للأزهري ٢/ ٢٤٧.\n(٣) \"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٣٥ أ، ولم ينسبه. و\"تنوير المقباس\" ٣٢٢.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ٦٢ ب. وقد أطال الثعلبي ٨/ ١٣٥ أ، في ذكر الأخبار الواردة في شأن الدابة مما لا دليل عليه، وقد أحسن الواحدي في إعراضه عنها.","vol":"17","page":305},{"text":"٧١] (١) فكأن التقدير في هذه الآية: إذا حشرناهم وزعوا.\nوالفوج: الجماعة من الناس كالزمرة (٢). وأما تخصيص الفوج من الأمة المكذبة، فيحتمل أنه أريد بهم الرؤساء حشروا وجمعوا لإقامة الحجة عليهم، وهي ما ذكر في الآية الثانية.\n﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ قال ابن عباس: يدفعون (٣). وقال مقاتل: يساقون (٤).\nوذكرنا الكلام مستقصى في هذا الحرف في هذه السورة (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3225>٨٤ </span>- قوله: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوا﴾ أي موقف الحساب وعَرْصة القيامة (٦)، قال الله لهم: ﴿أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي﴾ قال ابن عباس: كذبتم أنبيائي، وجحدتم فرائضي وحدودي (٧). وهذا استفهام يتضمن الإنكار عليهم، والتهكم بهم.\n_________\n(١) قال الواحدي في تفسير هذه الآية: قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾ قال أبو إسحاق: يعني به يوم القيامة، وهو منصوب على معنى: اذكر يوم ندعو، قال: ويجوز أن يكون منصوبًا بمعنى يعيدكم الذي فطركم يوم يدعو، قال أبو علي الفارسي: الظرف هاهنا بمنزلة إذا؛ لأنه لا يجوز أن يكون العامل فيه ما قبله من قوله: ﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ﴾ لأنه فعل ماض، وليس العامل أيضًا يدعو؛ لأنه فعل مستقبل، فإذا لم يكن في هذا الكلام فعل ظاهر يتعلق به الظرف تعلق بما دلّ عليه قوله: ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾؛ كما أن قوله: ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٢] على تقدير: أإذا متنا بعثنا، كذلك هاهنا يجعل الظرف بمنزلة إذا، فيصير التقدير: إذا دُعي كل أناس لم يُظْلموا.\n(٢) \"مجاز القرآن\" ٢/ ٩٦. وأخرجه ابن جرير ٢٠/ ١٧، عن مجاهد.\n(٣) \"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٣٦ ب.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ٦٢ ب.\n(٥) عند قوله تعالى: ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ ١٧.\n(٦) العَرْصة: الأرض الواسعة ليس فيها بناء. \"تهذيب اللغة\" ٢/ ٢٠ (عرص)، و\"اللسان\" ٧/ ٥٢.\n(٧) \"تنوير المقباس\" ٣٢٢، بلفظ: بكتابي ورسولي.","vol":"17","page":306},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا أَمَّاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [قال ابن عباس: ولم تختبروا حتى تفهموا وتسمعوا. وقال مقاتل: ﴿وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا﴾] (١) أنها باطل (٢). ومعنى هذا: كذبتم بآياتي غير عالمين بها. يعني: ولم تتفكروا في صحتها بل كذبتم بها جاهلين غير مستدلين لا عن خبرة ولا عن معرفة ببطلانها ﴿أَمَّاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ حين لم تبحثوا عنها ولم تتفكروا فيها. هذا مذهب أهل التفسير في هذه الآية (٣).\nوذكر صاحب النظم وجهًا آخر؛ فقال: قوله: ﴿وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا﴾ منسوق (٤) على قوله: ﴿أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي﴾ والاستفهام واقع عليه، إلا أن معنى الفصلين والاستفهامين مختلفان؛ لأن قوله: ﴿أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي﴾ تبكيت وإنكار؛ بمعنى: لمَ كذبتم بآياتي، وقوله: ﴿وَلَمْ تُحِيطُوا﴾ [بمنزلة: أوَ لَمْ تحيطوا بها علمًا] (٥)، أي: بالآيات، وتأويله: وقد أحطتم بها علمًا، كما قال -﷿-: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ أي: قد شرحنا، فيكون التأويل: لِمَ كذبتم بآياتي وقد أحطتم بها علمًا، فلما كان ﴿لَمْ﴾ استفهامًا احتمل أن يوضع موضعه ألف الاستفهام؛ ثم بين -﷿- كيف أحاطوا بالآيات علمًا فصار ذلك تأييدًا لمذهبنا هذا؛ وهو قوله من بعده: ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ﴾ الآية، وقد تضع العرب الاستفهام في غير موضعه إذا\n_________\n(١) ما بين المعقوفين ساقط من نسخة (ج).\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ٦٢ ب.\n(٣) \"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٣٦ ب.\n(٤) أي: معطوف.\n(٥) ما بين المعقوفين ساقط من نسخة (ج). وفي نسخة (ب): بمنزلة: أو لم تحيطوا، وفي نسخة (أ) بمنزلة: ثم تحيطوا. ويوجد طمس في الحرف الذي قبل: لم.","vol":"17","page":307},{"text":"كان متصلًا بلفظ يتصل به في المعنى، مثل قوله: ﴿أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٤] قد وقع الاستفهام هاهنا على قوله: إن من في الظاهر، وهو في الباطن واقع على قوله: ﴿فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾؛ لأن تأويله: ﴿فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ إن مت (١). ومثله قوله: ﴿أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٤٤] والاستفهام في الظاهر واقع على الموت والقتل (٢)، وهو في الحقيقة واقع على الانقلاب (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3226>٨٥ </span>- قوله تعالى: ﴿وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُوا﴾ ووجب العذاب عليهم. قاله ابن عباس والمفسرون (٤). قال الحكم (٥) عن السدي: كل شيء في القرآن: ﴿وَوَقَعَ الْقَوْلُ﴾ [معناه: العذاب (٦).\n_________\n(١) قال الواحدي في تفسير هذه الآية: ﴿أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٤] موضع الاستفهام قوله: ﴿فَهُمُ﴾ ولكنه قدم إلى أول الكلام.\n(٢) والقتل. في نسخة (ج).\n(٣) قال الواحدي في تفسير هذه الآية: ألف الاستفهام دخلت على حرف الشرط؛ ومعناه: الدخول على الجزاء، المعنى: أتنقلبون على أعقباكم إن مات محمد أو قتل، إلا أن شرط الجزاء معلق أحدهما بالآخر، فانعقدا جملة واحدة، وخبرًا واحدًا، فدخلت ألف الاستفهام على الشرط، وأَنبأت عن معنى الدخول على الجزاء.\n(٤) \"تفسير ابن جرير\" ٢٠/ ١٨. والثعلبي ٨/ ١٣٦ ب، و\"مجاز القرآن\" ٢/ ٩٦. وأخرج ابن أبي حاتم ٩/ ٢٩٢٧، عن قتادة.\n(٥) الحكم بن عُتَيْبَة، أبو محمد الكندي، مولاهم الكوفي، من كبار علماء الكوفة من أقران النخعي، ثقة ثبت، فقيه، وربما دلس، روى عن مجاهد وعكرمة، وسعيد بن جبير، وحدث عنه: الأعمش وشعبة، والأوزاعي، وغيرهم. ت: ١١٥ هـ، وقيل غير ذلك. \"سير أعلام النبلاء\" ٥/ ٢٠٨، و\"تقريب التهذيب\" ٢٦٢.\n(٦) وردت جملة: ﴿وَقَعَ الْقَوْلُ﴾ في موضعين في القرآن الكريم من سورة النمل، =","vol":"17","page":308},{"text":"وقال مقاتل: نزل العذاب (١). وقال الكلبي: ووقع القول] (٢) عليهم بالسَّخْطة (٣).\n﴿بِمَا ظَلَمُوا﴾ قال ابن عباس والمفسرون: بما أشركوا (٤) ﴿فَهُمْ لَا يَنْطِقُونَ﴾ قال ابن عباس: يريد أنه لم يكن عند القوم جواب. وقال الكلبي: ﴿فَهُمْ لَا يَنْطِقُونَ﴾ بحجة عن أنفسهم (٥). وهذا معنى قول ابن عباس. وقيل: ﴿فَهُمْ لَا يَنْطِقُونَ﴾، لأن أفواههم مختومة (٦).\nثم احتج عليهم بقوله:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3227>٨٦ </span>- ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾ أي: يبصر فيه، كما يقال: ليل فلان نائم إذا نام، ونهار فلان صائم إذا صام بالنهار (٧). وذلك أن الفعل لما كان يحصل في الظرف جاز أن يسند إليه، كما قال:\nفنامَ ليلي وتجلَّى همي\nومعنى ﴿وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾ ليبتغى فيه الرزق ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ أي: فيما جعلنا ﴿لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾.\n_________\n= ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ﴾ [٨٢]، و﴿وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لَا يَنْطِقُونَ﴾ \"المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم\" ٧٥٧. وذكر ابن جرير أن معنى ﴿وَقَعَ الْقَوْلُ﴾: حق العذاب، عن مجاهد، وقتادة، وابن جريج.\n(١) \"تفسير مقاتل\" ٦٢ ب.\n(٢) ما بين المعقوفين ساقط من نسخة (ج).\n(٣) \"تنوير المقباس\" ٣٢٢.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ٦٢ ب. و\"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٣٦ ب، ولم ينسبه.\n(٥) \"تفسير ابن جرير\" ٢٠/ ١٨، ولفظه: بحجة يدفعون بها عن أنفسهم. وذكره الثعلبي ٨/ ١٣٦ب، ولم ينسبه.\n(٦) \"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٣٦ ب، ولم ينسبه.\n(٧) \"مجاز القرآن\" ٢/ ٩٦.","vol":"17","page":309},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3228>٨٧ </span>- وقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ (١) قال بعض النحويين: تقديره: واذكر يوم ينفخ في الصور فيفزع (٢). والماضي هاهنا يراد به الاستقبال.\nوقال الفراء: جعل: فَعَل، مردودًا على: يَفْعَل؛ لأن المعنى: إذا نفخ في الصور ففزع، ألا ترى أن قولك: أقوم يوم تقوم، كقولك: أقوم إذا تقوم، فأجبْتَ بفَعَل؛ لأن فَعَل ويَفْعَل تصلحان مع: إذا، فإن قلت: إذا قدرت هذا التقدير، فأين جواب إذا؟ قلت: قد يكون في فَعَل مضمر مع الواو، كأنه قيل: وذلك يقع يوم ينفخ في الصور، وإذا نفخ في الصور يعني وقوع القول عليهم، وإن شئت قلت: جوابه متروك كقوله: ﴿وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [البقرة: ١٦٥]، وقوله: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ﴾ [سبأ: ٥١] (٣). وهذا كما ذكرنا في قوله: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا﴾ الآية [النمل: ٨٣]، قال ابن عباس: يريد النفخة الأولى (٤).\n_________\n(١) عن عبد الله بن عمرو ﵄، قال: قال أعرابي: يا رسول الله ما الصور؟ قال: \"قَرْن يُنفخ فيه\". أخرجه الترمذي ٤/ ٥٣٦، كتاب صفة القيامة، رقم: ٢٤٣٠، وقال: حديث حسن. وأبو داود ٥/ ١٠٧، كتاب السنة، رقم: ٤٧٤٢. وهو في \"صحيح سنن أبي داود\" ٣/ ٨٩٨.\n(٢) \"إعراب القرآن\" للنحاس ٣/ ٢٢٢.\n(٣) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٣٠١. وذكره ابن جرير ٢٠/ ٢٠، ولم ينسبه.\n(٤) \"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٣٦ ب، ولم ينسبه، ثم قال: وعلى هذا أكثر المفسرين. ونفخة الفزع هي النفخة الأولى، ثم بعد ذلك نفخة الصعق؛ وهو الموت، ثم بعد ذلك نفخة القيام لرب العالمين؛ فعل هذا هي ثلاث نفخات، ذهب إلى هذا البغوي ٦/ ١٨١، وتبعه على ذلك ابن كثير ٦/ ٢١٦، والصواب -والله تعالى أعلم-. أنهما نفختان؛ الأولى: نفخة الفزع والصعق، والثانية: نفخة القيام لله تعالى، ويشهد =","vol":"17","page":310},{"text":"قوله: ﴿فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ قال ابن عباس ومقاتل: فمات ﴿مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ من شدة الخوف والفزع (١). وفزع لا تكون في اللغة بمعنى مات، ولكن قد يبلغ الفزع من الإنسان غايته حتى يموت فزعًا، والدليل على أن المراد بالفزع هاهنا، الموت بالفزع، قوله -﷿-: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [الزمر: ٦٨] أي: مات.\nقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ قال ابن عباس: يريد: الشهداء لا يموتون فهم أحياء عند ربهم يرزقون؛ وروي ذلك عن النبي -ﷺ- مرفوعًا في حديث أبي هريرة (٢).\n_________\n= لذلك قوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر: ٦٨] ورجح هذا القول القرطبي ١٣/ ٢٤٠؛ قال: الصحيح في النفخ في الصور أنهما نفختان لا ثلاث، وأن نفخة الفزع إنما تكون راجعة إلى نفحة الصعق؛ لأن الأمرين لازمان لهما؛ أي: فزعوا فزعًا ماتوا منه .. والسنة الثابتة من حديث أبي هريرة وحديث عبد الله بن عمرو تدل على أنهما نفختان لا ثلاث.\nويعني به حديث أبي هريرة عن النبي -ﷺ-، قال: \"ما بين النفختين أربعون\". قالوا: يا رسول الله: أربعون يومًا؟ قال: \"أَبيتُ\". قال: أربعون سنة؟ قال: \"أَبيتُ\"، قال: أربعون شهرًا؟ قال: \"أَبيتُ، ويبلى كل شيء من الإنسان إلا عَجْب ذَنَبه\". أخرجه البخاري، كتاب التفسير، رقم: ٤٨١٤، \"فتح الباري\" ٨/ ٥٥١، وأخرجه مسلم ٤/ ٢٢٧٠، كتاب الفتن وأشراط الساعة، رقم: ٢٩٥٥.\n(١) \"تفسير مقاتل\" ٦٢ ب. و\"تنوير المقباس\" ٣٢٢.\n(٢) يعني به حديث أبي هريرة، أن رسول الله -ﷺ-، سأل جبريل -﵇- عن هذه الآية: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ من الذين لم يشأ الله أن يصعقهم؟ قال: \"هم الشهداء متقلدون سيوفهم حول العرش\" أخرجه =","vol":"17","page":311},{"text":"وقال الكلبي ومقاتل: يعني جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت (١).\n﴿وَكُلٌّ﴾ أي من الأحياء الذين ماتوا ثم أحيوا ﴿أَتَوْهُ﴾ يأتون الله يوم القيامة. وقرأ حمزة: ﴿أَتَوْهُ﴾ (٢) على الفعل وهم فعلوه من الإتيان، وحجته: قوله: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ﴾ [الزخرف: ٣٨] فذكر بلفظ الفعل. وحجة قراءة العامة قوله: ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم: ٩٥] فكما أن ﴿آتِيهِ﴾ فاعله حمل على لفظ: كل، كذلك: ﴿آتَوْهُ﴾ فاعلوه محمول على معنى كل (٣).\n_________\n= الواحدي في \"الوسيط\" ٣/ ٥٩٣، من طريق إسماعيل بن عياش، عن عمر بن محمد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن أبي هريرة يرفعه. وأخرجه ابن جرير ٢٠/ ١٨، بسياق آخر مطولًا من طريق إسماعيل بن رافع عن يزيد بن أبي زياد، عن محمد بن كعب القرظي، عن رجل من الأنصار، عن أبي هريرة يرفعه، ومن الطريق نفسه رواه الطبراني، \"الأحاديث الطوال\" ٢٦٦، رقم ٣٦، وأخرجه أيضًا ابن جرير ٢٠/ ١٩، من طريق إسماعيل بن رافع موقوفًا على أبي هريرة. وأخرجه مطولًا من الطريق نفسه الثعلبي ٨/ ١٣٧ أ، وصححه، وقال عنه: حديث صحيح جامع. فمدار الحديث على إسماعيل بن رافع بن عويمر الأنصاري، القاص، وهو ضعيف الحفظ. \"تقريب التهذيب\" ١٣٩، رقم: ٤٤٦. وقال الذهبي: ضعفوه جدًّا، وقال الدارقطني: متروك. المغني في \"الضعفاء\" للذهبي ١/ ١٣٢. فلعل الصواب وقف هذا الحديث على أبي هريرة كما أخرجه من طريق إسماعيل بن رافع موقوفًا على أبي هريرة، ابنُ جرير ٢٠/ ١٩، وابن أبي حاتم ٩/ ٢٩٣٠. والله أعلم.\n(١) \"تفسير مقاتل\" ٦٢ ب. و\"تنوير المقباس\" ٣٢٢.\n(٢) قرأ حمزة وحفص عن عاصم: [أَتَوْهُ]، مقصورة مفتوحة التاء، وقرأ الباقون: [آتوهُ] ممدودة مضمومة التاء على معنى: جاءوه، وفي رواية أبي بكر عن عاصم كذلك مثل الباقين. \"السبعة في القراءات\" ٤٨٧، و\"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٤٠٦، و\"النشر في القراءات العشر\" ٢/ ٣٣٩.\n(٣) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٤٠٧. و\"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٣٠.","vol":"17","page":312},{"text":"وقوله: ﴿دَاخِرِينَ﴾ قال ابن عباس والمفسرون: صاغرين (١). وذكرنا تفسيره عند قوله: ﴿سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ﴾ [النحل: ٤٨] (٢)، وقال مقاتل: يعني بكلٍ: البَرُّ، والفاجر ﴿أَتَوْهُ﴾ في الآخرة صاغرين (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3229>٨٨ </span>- وقوله: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً﴾ (٤) قال مقاتل: تحسبها مكانها (٥) ﴿وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ حتى تقع على الأرض فتستوي بها (٦). وقال ابن عباس: حتى تكون لا شيء، مِثلُ قوله: ﴿وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا﴾ [النبأ: ٢٠] (٧).\n_________\n(١) أخرجه عبد الرزاق ٢/ ٨٦، عن قتادة. وأخرجه ابن جرير ٢٠/ ٢٠، عن ابن عباس، وقتادة، وابن زيد. وأخرجه ابن أبي حاتم ٩/ ٢٩٣٢، عن ابن عباس، وابن زيد، وقال: روي عن الحسن، وقتادة والثوري مثل ذلك. و\"مجاز القرآن\" ٢/ ٩٦.\n(٢) قال الواحدي في تفسير هذه الآية: قوله تعالى: ﴿وَهُمْ دَاخِرُونَ﴾ أي: صاغرون؛ وهذا لفظ المفسرين. يقال: دَخَرَ يَدْخَر دُخُورًا، أي صَغِرَ يَصْغَرُ صَغَارَا، وهو الذي يَفعلُ ما تأمره شاء أو أبى، قال الزجاج: هذه الأشياء مجبولة على الطاعة.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ٦٢ ب.\n(٤) قال النحاس: من رؤية العين، ولو كانت من رؤية القلب لتعدت إلى مفعولين. \"إعراب القرآن\" ٣/ ٢٢٣.\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ٦٢ ب، وأخرج ابن أبي حاتم ٩/ ٢٩٣٣، عن ابن عباس: قائمة. وعن قتادة: تحسبها ثابتة في أصولها لا تحرك. وقال الهواري ٣/ ٢٦٨: ساكنة.\n(٦) \"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٣٨ أ.\n(٧) ذكر البخاري عن ابن عباس معلقًا بصيغة الجزم: ﴿جَامِدَةً﴾ قائمة. ووصله ابن جرير ٢٠/ ٢١، من طريق علي بن أبي طلحة. قال ابن كثير ٦/ ٢١٧: أىِ: تزول عن أماكنها، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا (٩) وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا﴾ [٩، ١٠] وقال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا (١٠٥) فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا (١٠٦) لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا﴾ [١٠٥ - ١٠٧]. وجمع القرطبي ١٣/ ٢٤٢، الآيات الواردة في شأن الجبال وزوالها؛ وجعلها تمر بستة أحوال، وصدر ذكرها بقوله: =","vol":"17","page":313},{"text":"قال عبد الله بن مسلم في هذه الآية: يريد: أنها تُجمع وتُسَيِّر، فهىِ لكثرتها كأنها ﴿جَامِدَةً﴾ واقفة في رأي العين، وهي تسير سير السحاب، وكذلك كل جمع كثير يقصر عنه البصر، كأنه في حسبان الناظر واقف، وهو يسير، وإلى هذا المعنى ذهب الجعدي في وصف جيش فقال:\n_________\n= ويقال: إن الله تعالى وصف الجبال بصفات مختلفة ترجع كلها إلى تفريغ الأرض منها، وإبراز ما كانت تواريه.\nقال الشنقيطي: بعض الناس زعم أن قوله تعالى: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ يدل على أن الجبال الآن في دار الدنيا يحسبها رائيها جامدة: أي: واقفة ساكنة غير متحركة، وهي تمر مر السحاب. ثم نقض هذا القول من وجهين؛ الأول: وجود القرينة الدالة على عدم صحته؛ وهو قوله تعالى: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ﴾ معطوف على قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ الآية، أي: ويوم ينفخ في الصور فيفزع من في السموات، وترى الجبال. فدلت هذه القرينة القرآنية الواضحة على أن مر الجبال مر السحاب كائن يوم ينفخ في الصور لا الآن. الثاني: .. أن جميع الآيات التي فيها حركة الجبال كلها في يوم القيامة \"أضواء البيان\" ٦/ ٤٤٢.\nوذكر الألوسي عن بعض علماء الفلك، ولم يسمه أن هذا صفة للجبال في الدنيا، وذكر عدة وجوه يمتنع بها حمل الآية على أن ذلك في يوم القيامة. ثم ذكر كلام المرجاني في مقدمه كتابه: (وفية الأسلاف، وتحية الأخلاف) ذكر أن هذه الآية صريحة في دلالتها على حركة الأرض ومرور الجبال معها، وأنه لا يمكن حمل الآية على أن ذلك يقع في النشأة الآخرة، وذكر أدلة لفظية وسياقية في الآية تدل على ذلك، ولم يعترض عليه الألوسي. روح المعاني ١٣/ ٨٩ - ٩٢. وممن ذهب إلى هذا القول واختاره ابن عاشور ٢٠/ ٤٨؛ حيث قال: وليس في كلام المفسرين شفاء لبيان اختصاص هذه الآية بأن الرائي يحسب الجبال جامدة، ولا بيان وجه تشبيه سيرها يسير السحاب، ولا توجيه التذييل بقوله تعالى: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ فلذلك كان لهذه الآية وضع دقيق، ومعنى بالتأمل خليق .. ثم ذكر معنى الآية على هذا القول وفصله تفصيلًا حسنًا. ولا مانع من حمل الآية على المعنيين، إذ لا تعارض بينهما. والله أعلم.","vol":"17","page":314},{"text":"بِأَرْعَنَ مثلِ الطَّود تحسِبُ أنهم ... وقوفٌ لِحاجٍ والرِّكابُ تُهَمْلجُ (١)\nوقوله: ﴿صُنْعَ اللَّهِ﴾ قال الزجاج: هو نصب على المصدر؛ لأن قوله: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ دليل على الصنعة؛ كأنه قيل: صنَع الله ذلك صُنْعًا (٢).\nوقال غيره: هو نصب على الإغراء، على معنى: وأبصروا وانظروا ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ (٣). قال ابن عباس: أتقن ما خلق (٤).\nوقال مجاهد: أترص (٥) وأبرم وأحكم وأحسن. كل هذه الألفاظ\n_________\n(١) \"تأويل مشكل القرآن\" ٦. وذكر قول ابن قتيبة الثعلبي ٨/ ١٣٨ ب، وصدره بقوله: قال القتبي، ويظهر أن الواحدي نقل قول ابن قتيبة من الثعلبي لتطابق الكلام، ومن مواضع الاختلاف بين ما في كتاب ابن قتيبة، وما نقله عنه الثعلبي، قوله: وكل جيش غص الفضاء به لكثرته، وبُعدِ ما بين أطرافه، فقصُر عنه البصر فكأنه في حُسبان الناظر واقف وهو يسير. وأنشد البيت ابن جرير ٢٠/ ٢١، وفي الحاشية: الأرعن يريد به الجيش العظيم، شبهه بالجبل الضخم ذي الرعان، والرعن: الأنف العظيم من الجبل تراه متقدمًا، وقيل: الأرعن: المضطرب لكثرته، والطود: الجبل العظيم، والحاج: جمع حاجة، وتهملج: تمشي الهملجة، والهملجة: سير حسن في سرعة، والبيت شاهد على أن الشيء الضخم تراه وهو يتحرك فتحسبه ساكنًا، مع أنه مسرع في سيره جدًا. والبيت في \"ديوان الجعدي\" ١٨٧.\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٣٠. وهو قول المبرد. \"المقتضب\" ٣/ ٢٠٣. وأبي علي، \"المسائل الحلبيات\" ٣٠٣. ونسبه النحاس للخليل وسيبويه. \"إعراب القرآن\" ٣/ ٢٢٤.\n(٣) \"إعراب القرآن\" للنحاس ٣/ ٢٢٤. و\"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٣٨ ب، ولم ينسباه.\n(٤) أخرجه ابن جرير ٢٠/ ٢١، من طريقين، بلفظ: أحكم كل شيء. و: أحسن كل شيء خلقه وأوثقه. وباللفظين رواه ابن أبي حاتم ٩/ ٢٩٣٣، ٢٩٣٤. وقال: روي عن الحسن وعطاء والثوري مثل ذلك. ورواه عن الحسن: عبد الرزاق ٢/ ٨٦.\n(٥) هكذا في نسخة: (أ)، (ب). وفي نسخة: (ج): فرض. ومعنى: أترص: أحكم وقوَّم. \"مجمل اللغة\" ١/ ١٤٦، و\"اللسان\" ٧/ ١٠، مادة: ترص.","vol":"17","page":315},{"text":"مروية عنه (١).\nوقال الكلبي والسدي ومقاتل: أحسن (٢).\nومعنى الإتقان في اللغة: الأحكام للأشياء؛ قال الفراء: يقال رجل تقن: حاذق بالأشياء. ويقال: الفصاحة من تِقْنه، أي من سُوسِه (٣).\nقال الأزهري: الأصل في هذا: ابن تِقْن؛ وهو رجل من عاد، لم يكن يسقط له سهم (٤)، وفيه قيل:\nلأكلةٌ من أَقِطٍ وسمنِ ... ألينُ مسًّا في حوايا البطن\nمن يثربيات قِذاذٍ خشن ... يرمي بها أرمى من ابن تِقن (٥)\n[ثم قيل لكل حاذق بالأشياء: تقن، ومنه يقال: أتقن فلان عمله، إذا أحكمه.] (٦)\nقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾ قال ابن عباس: يريد بما يفعل\n_________\n(١) أخرجه ابن جرير ٢٠/ ٢١، بلفظ: أوثق كل شيء وسوى. وأخرجه ابن أبي حاتم ٩/ ٢٩٣٤، بلفظ: أبرم كل شيء. وفي \"تفسير مجاهد\" ٢/ ٤٧٦: أترص كل شيء، أي: أحسن وأبرم.\n(٢) \"تفسير الهواري\" ٣/ ٢٦٩. ولم ينسبه. ولفظ مقاتل ٦٢ ب: أحكم. وكذا في \"تنوير المقباس\" ٣٢٢.\n(٣) ذكره عنه الأزهري، \"تهذيب اللغة\" ٩/ ٦٠ (تقن)، ولم أجده عند الفراء في تفسير هذه الآية.\n(٤) \"تهذيب اللغة\" ٩/ ٦٠ (تقن)، ونسبه لابن السكيت، ثم قال الأزهري بعد ذلك: الأصل في التِّقن: ابن تقن هذا، ثم قيل لكل حاذق في عمل يعمله عالم بأمره: تّقن، ومنه يقال: أتقن فلان أمره، إذا أحكمه.\n(٥) أنشده الأزهري عن ابن السكيت، ولم ينسبه. \"تهذيب اللغة\" ٩/ ٦٠ (تقن). وهو في \"اللسان\" ١٣/ ٧٣.\n(٦) ما بين المعقوفين ساقط من نسخة (أ)، (ب). وهو في \"تهذيب اللغة\" ٩/ ٦٠ (تقن).","vol":"17","page":316},{"text":"أولياؤه وبما يفعل أعداؤه. وقرئ: ﴿يَفْعَلُونَ﴾ بالياء والتاء (١)، [فمن قرأ بالتاء] (٢) فلأن ذكر الغيبة قد تقدم في قوله: ﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾ ومن قرأ بالتاء فهو خطاب للكافة، وقد يدخل الغيب في الخطاب، ولا يدخل الخطاب في الغيب (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3230>٨٩ </span>- قوله تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ﴾ قال ابن عباس: يريد: شهادة أن لا إله إلا الله. وهو قول ابن مسعود وسفيان ومجاهد وأبي مجلز وأبي صالح والحسن والسدي ومقاتل وإبراهيم وسعيد بن جبير والضحاك وعطاء؛ كلهم قالوا: الحسنة: كلمة الإخلاص؛ شهادة أن لا إله إلا الله (٤).\n_________\n(١) قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر بالياء، وقرأ نافع وعاصم وحمزة والكسائي، بالتاء. \"السبعة في القراءات\" ٤٨٧، و\"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٤٠٧.\n(٢) ما بين المعقوفين ساقط من نسخة: (أ)، (ب).\n(٣) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٤٠٨. و\"معاني القراءات\" للأزهري ٢/ ٢٤٨.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ٦٢ ب. وأخرجه عبد الرزاق ٢/ ٨٦، عن الحسن. وأخرجه ابن جرير ٢٠/ ٢٢، عن ابن عباس، ومجاهد، وعطاء، وإبراهيم النخعي، وعكرمة. وأخرجه عنهم كذلك ابن أبي حاتم ٩/ ٢٩٣٤. و\"تفسير مجاهد\" ٢/ ٤٧٦. و\"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٣٨ ب. وأخرجه الحاكم، عن عبد الله بن مسعود. المستدرك ٢/ ٤٤١، رقم: ٣٥٢٨. وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. وأما الهواري فقد زاد على ذلك: وعمل صالحًا وعمل جميع الفرائض. \"تفسير الهواري\" ٣/ ٢٦٩. وهذا بناءً على مذهبه الإباضي، ولذا لما ذكر حديث جابر بن عبد الله؟ في \"صحيح مسلم\" ١/ ٩٤، كتاب الإيمان، رقم: ٩٤، (من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة) ورد عنده بهذا اللفظ: \"من مات لا يشرك بالله شيئًا وعمل بفرائض الله دخل الجنة\". ويشهد لدخول الجنة لمن حقق التوحيد حتى لو كان متلبسًا ببعض المعاصي حديث أبي ذَرَّ؟ عَن النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"أَتَانِي جبْرِيلُ فَبَشَّرَنِي أَنَّهُ مَنْ مَاتَ لا يُشْرك باللهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ قُلْتُ وإنْ سَرَقَ وَإِنْ زَنَى قَالَ وَإِنْ سَرَقَ وإنْ زَنَى\". أخرجه البخاري، كتاب التوحيد، رقم: ٧٤٨٧، \"فتح الباري\" =","vol":"17","page":317},{"text":"والمعنى: من وافى يوم القيامة بالإيمان (١)، وكلمة الإخلاص ﴿فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾ والخير يحتمل الاسم من غير تفضيل، ويحتمل التفضيل إذا قلت: خير من كذا. والمذهبان في الآية رُويا عن المفسرين؛ والأكثرون على أنه اسم من غير تفضيل.\nقال ابن عباس: يريد: فله منها خير (٢)، وهو: الجنة (٣).\nوقال مقاتل: فيها تقديم؛ يقول: له منها خير (٤).\nقال ابن عباس: أي فمنها يصل إليه الخير (٥).\nوقال الحسن مثلَ قول مقاتل (٦).\nوقال عكرمة وابن جريج: ليس شيء خيرًا من: لا إله إلا الله، ولكن له منها خير (٧). والمعنى على هذا القول: له من تلك الحسنة خيرٌ يوم القيامة، وهو: الثواب والأمن من العذاب والجنة (٨). فهذا أحد المذهبين.\n_________\n= ١٣/ ٤٦١. ومسلم ١/ ٩٤، كتاب الإيمان، رقم: ٩٤. وانظر تعليق محقق \"تفسير الهواري\" ١/ ٣٨٨. فصاحب الكبيرة أمره إلى الله تعالى، إن شاء غفر له، وعفا عنه، وإن شاء عذبه على قدر ذنوبه، لكنه لا يخلد في النار. والله أعلم.\n(١) \"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٣٨ ب.\n(٢) أخرجه ابن أبي حاتم ٩/ ٢٩٣٥.\n(٣) ويشهد لهذا حديث جابر ﵁، قال: أتى النبي -ﷺ- رجل فقال: يا رسول الله ما الموجبتان؟ فقال: \"من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة، ومن مات يشرك بالله شيئًا دخل النار\". أخرجه مسلم ١/ ٩٤، كتاب الإيمان، رقم: ٩٣.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ٦٢ ب. وهو مذهب الهواري ٣/ ٢٦٩.\n(٥) أخرجه ابن جرير ٢٠/ ٢٣.\n(٦) أخرجه ابن جرير ٢٠/ ٢٣. وذكره الثعلبي ٨/ ١٣٩ أ.\n(٧) أخرجه عنهما ابن جرير ٢٠/ ٢٣.\n(٨) والجنة. في نسخة (ج).","vol":"17","page":318},{"text":"والمذهب الآخر: أن خيرًا يراد به التفضيل، روي عن ابن عباس: ﴿فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾ يعني: الثواب؛ لأن الطاعة: فعل العبد، والثواب: فعل الله ﷾. وقيل: ﴿فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾ يعني: رضوان الله، قال الله تعالى: ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [التوبة: ٧٢].\nوقال القرظي وابن زيد: ﴿فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾ يعني: الأضعاف يعطيه الله بالواحدة عشرًا فصاعدًا، وهذا خير منها. وعلى هذا الذي قالا، يجب أن يكون تفسير الحسنة: الفِعَلة الحسنة من صلاة وصدقة وتسبيحة، فيضعفها الله تعالى حتى تكتب أضعاف ما عمل، فيكون الإضعاف خيرًا مما عمل.\nقوله تعالى: ﴿وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾ قرئ بالإضافة، وبالتنوين في ﴿فَزَعٍ﴾ (١). واختار أبو عبيد: الإضافة؛ قال: لأنه أعم التأويلين؛ وهو أن يكون الأمن من جميع فزع ذلك اليوم. وإذا قال: ﴿مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ﴾ صار كأنه فزع دون فزع. واختار الفراء الإضافة أيضًا؛ قال: لأنه فزع معلوم، ألا ترى أنه قال: ﴿لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ﴾ [الأنبياء: ١٠٣] فصيَّره معرفة، وإذا أضفته كان معرفةً، فهو أعجب إلى (٢).\nقال أبو علي: إذا نون ﴿فَزَعٍ﴾ يجوز أن يُعنى به: فزعًا واحدًا، ويجوز أن يُعنى به كثرة؛ لأنه مصدر، والمصادر تدل على الكثرة، وإن كانت منفردة الألفاظ، كقوله: ﴿إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ [لقمان:\n_________\n(١) قرأ ابن كثير وأبو عمرو ونافع وابن عامر: ﴿مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ﴾ بالإضافة، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي: ﴿مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ﴾ بالتنوين. \"السبعة في القراءات\" ٤٨٧، و\"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٤٠٨، و\"النشر في القراءات العشر\" ٢/ ٣٤٠.\n(٢) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٣٠١. وهو اختيار ابن جرير ٢٠/ ٢٣","vol":"17","page":319},{"text":"١٩] وكذلك إذا أضاف يجوز أن يُعنى: به مفرد (١)، ويجوز أن يعني به: كثرة (٢)؛ وعلى هذا: القراءتان سواءٌ لا فضل بينهما. قال: ومن نَوَّن قوله: ﴿مِنْ فَزَعٍ﴾ كان في انتصاب: يوم، ثلاثة أوجه؛ أحدها: أن يكون منتصبًا بالمصدر، كأنه: وهم من أن يفزعوا يومئذ. والآخر: أن يكون صفة لفزع؛ لأن أسماء الأحداث توصف بأسماء الأزمان، كما يخبر عنها بها، وفيه ذكر للموصوف، وتقديره في هذا الوجه أن يتعلق بمحذوف؛ كأنه: من فزعٍ يحدث يومئذ. والثالث: أن يتعلق باسم الفاعل كأنه: آمنون يومئذٍ من فزعٍ. وأما القول في إعراب: يوم، وبنائه إذا أضيف إلى: إذ، فقد ذكرناه فيما تقدم (٣).\nفأما تفسير الفزع في هذه الآية؛ فإن أريد به: الكثرة فهو شامل لكل فزع؛ وهو الأولى، وإن أريد به واحد، فتفسيره ما ذكرنا في قوله: ﴿الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ﴾ [الأنبياء: ١٠٣].\nوقال الكلبي عن ابن عباس في هذه الآية: إذا أطبقت النار على أهلها فزع أهل النار فزعة لم يفزعوا مثلها، وأهل الجنة آمنون من فزعهم (٤).\n_________\n(١) في نسخة (أ)، (ب): منفرد.\n(٢) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٤٠٩.\n(٣) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٤٠٩. رجعت إلى كلام الواحدي في \"البسيط\"، في أكثر المواضع المتقدمة التي وردت فيها كلمة: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ فلم أجده فيحتمل أن يكون ذكر ذلك في سورة النساء الآية ٤٢ ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وهو من القسم المفقود كما أفاد محقق سورة النساء. د المحيميد. وأما إعرابها فيوم: ظرف زمان منصوب، وإذا اسم ظرفي في محل جر مضاف إليه، والتنوين تنوين العوض عن جملة محذوفة. \"الجدول في إعراب القرآن\" ٢/ ٣٦٦.\n(٤) \"تنوير المقباس\" ٣٢٢، بنحوه.","vol":"17","page":320},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3231>٩٠ </span>- وقوله: ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ كلهم قالوا: يعني الشرك (١) ﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ﴾ قال الكلبي: أُلقيت (٢). وقال الضحاك: طرحت.\nوقال أبو العالية: قلبت (٣). يقال: كَببَتُ الإناء إذا قلبته على وجهه، وكَبَبْتُ الرجل إذا ألقيته لوجهه فانكب، وأكبَّ إذا انتكس (٤).\n[قوله: ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ﴾ أي: وقيل لهم: هل تجزون. قال مقاتل: تقول لهم خزنة جهنم:] (٥) ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ﴾ أي: إلا جزاء ما كنتم ﴿تَعْمَلُونَ﴾ في الدنيا من الشرك. قاله ابن عباس والكلبي (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3232>٩١ </span>- وقوله: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا﴾ كأنه قيل للنبي -ﷺ-: قل للمشركين ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ﴾. قال ابن عباس والمفسرون: يريد مكة (٧) ﴿الَّذِي حَرَّمَهَا﴾ جعلها حرمًا آمنًا من القتل فيها والسبي والظلم، فلا يصاد صيدها، ولا يختلى خلاها (٨)، وحَدُّ\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ٦٢ ب. والثعلبي ٨/ ١٣٩ أ. وسبق ذكر من قال به عند تفسير الحسنة، بقول: لا إله إلا الله.\n(٢) ذكره الثعلبي ٨/ ١٣٩ أ، عن ابن عباس. وفي \"تنوير المقباس\" ٣٢٢، بلفظ: قلبت.\n(٣) ذكره عنه الثعلبي ٨/ ١٣٩ أ.\n(٤) قال الأصمعي: كبَّ الرجل إناءه يكبه كبًا، وأكب الرجل يُكبُّ إكبابًا، إذا ما نكس. \"تهذيب اللغة\" ٩/ ٤٦٢ (تقن).\n(٥) ما بين المعقوفين ساقط من نسخة (ج).\n(٦) \"تفسير مقاتل\" ٦٢ ب. وذكره ابن جرير ٢٠/ ٢٤، ولم ينسبه. وهو في \"تنوير المقباس\" ٣٢٢، بلفظ: تعملون في الدنيا يا محمد.\n(٧) أخرجه ابن أبي حاتم ٩/ ٢٩٣٦، عن ابن عباس. وأخرجه ابن جرير ٢٠/ ٢٤، عن قتادة. و\"تفسير مقاتل\" ٦٢ ب، وذكره الهواري ٣/ ٢٦٩، ولم ينسبه. و\"تفسير الثعبي\" ٨/ ١٣٩ أ.\n(٨) \"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٣٩ ب.","vol":"17","page":321},{"text":"ما حَرُم من أرض مكة معلوم بالأميال حوله والعلامات، وذلك القدر يحرم صيده وكسر أشجاره وقلعها وخبطها، ولكن تحش حشًا رقيقًا، وكذلك حرم المدينة كحرم مكة (١)،\nوكذلك وَجّ الطائف في تحريم الصيد، وتحريم كسر الأشجار (٢)؛ إلا\n_________\n(١) الدليل على هذا التحريم حديث عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما عن النبي -ﷺ- أنه قال يوم افتتح مكة: \"لا هجرة ولكن جهاد ونية وإذا استنفرتم فانفروا فإن هذا بلد حرمه الله يوم خلق السماوات والأرض وهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة وإنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي ولم يحل لي إلا ساعة من نهار فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة لا يعضد شوكه ولا ينظر صيده ولا يلتقط لقطته إلا من عرفها ولا يختلى خلاها\" قال العباس: يا رسول الله إلا الإذخر فإنه لقينهم ولبيوتهم. قال: قال: \"إلا الإذخر\" أخرجه البخاري، كتاب: جزاء الصيد، رقم: ١٨٣٤، فتح الباري ٤/ ٤٦. ومسلم ٢/ ٩٨٦، كتاب الحج، رقم: ١٣٥٣.\nوتحريم المدينة دليله حديث عبد الله بن زيد ﵁، عن النبي -ﷺ-: \"أن إبراهيم حرم مكة ودعا لها وحرمت المدينة كما حرم إبراهيم مكة ودعوت لها في مدها وصاعها مثل ما دعا إبراهيم لمكة\". أخرجه البخاري، كتاب البيوع، رقم: ٢١٢٩، فتح الباري ٤/ ٣٤٦، ومسلم ٢/ ٩٩١، كتاب الحج، رقم: ١٣٦١.\n(٢) وَجّ: قيل: هي بلد بالطائف، وقيل: هي الطائف. \"تهذيب اللغة\" ١١/ ٢٣٧ (وجج)، و\"لسان العرب\" ٢/ ٣٩٧. و\"معجم البلدان\" ٤/ ١٠. هكذا ضُبط بض الواو، وأما أهل الطائف فينطقونه بالكسر، وهو وادي الطائف الرئيس، وقد عُمر اليوم جانباه بأحياء من مدينة الطائف، فإذا تجاوز الطائف كانت عليه قرى ومزارع كثيرة، وأما سكانه ففي أعلاه هذيل، وعند الطائف الأشراف ذوو غالب. \"معجم المعالم الجغرافية في السيرة النبوية\" ٣٣١.\nما ذكره الواحدي واقتصر عليه من تحريم الصيد، وكسر الأشجار في وادي وج، هو مشهور مذهب الشافعية؛ قال الشيرازي: يحرم صيد وج؛ وهو واد بالطائف لما روي أن النبي -ﷺ- نهى عن قتل صيد وج، فإن قتل فيه صيدًا لم يضمنه بالجزاء؛ لأن الجزاء وجب بالشرع، والشرع لم يرد إلا في الإحرام والحرم. \"المهذب\" مع =","vol":"17","page":322},{"text":"أن الصيد في حرم مكة مضمون بالجزاء، وفي الحرمين الآخرين غير (١) مضمون بالجزاء (٢).\n_________\n= \"المجموع\" النووي ٧/ ٤٠٤. قال النووي: وقال الشافعي في الإملاء: أكره صيد وج، وللأصحاب فيه طريقان؛ أصحهما عندهم القطع بتحريمه .. والثاني: يكره. المجموع ٧/ ٤٠٨. قال شيخ الإسلام: وج: واد بالطائف؛ فإن هذا روي فيه حديث، رواه أحمد في المسند، وليس في الصحاح، وهذا حرم عند الشافعي؛ لاعتقاده صحة الحديث، وليس حرما عند أكثر العلماء، وأحمد ضعف الحديث المروي فيه فلم يأخذ به \"مجموع الفتاوى\" ٢٧/ ١٥.\nوالحديث الوارد فيه هو حديث الزبير بن العوام؟، قال: قال رسول الله -ﷺ-: \"إن صيد وَجٍّ، وعِضاهَه حَرَم مُحَرَّم لله، وذلك قبل نزوله وحصاره الطائف\". أخرجه الإمام أحمد ٣/ ١٠، رقم: ١٤١٦، تح/ أحمد شاكر. وأخرجه من الطريق نفسه أبو داود ٢/ ٥٢٨، كتاب المناسك، رقم: ٢٠٣٢، والبيهقي، \"السنن الكبرى\" ٥/ ٢٠٠. وضعف إسناده محققو المسند، ط/ الرسالة ٣/ ٣٢؛ لضعف محمد بن عبد الله بن إنسان. كما ضعفه الألباني، \"ضعيف سنن أبي داود\" ١٩٨، رقم: ٤٤١. قال ابن القطان عن هذا الحديث: هو حديث لا يصح؛ فإنه من رواية محمد بن عبد الله بن إنسان عن أبيه عن عروة، ومحمد بن عبد الله بن إنسان قال فيه أبو حاتم: ليس بالقوي، في حديثه نظر، وذكر له البخاري هذا الحديث وقال: لا يُتابع عليه. وذكر ابن أبي خيثمة عن ابن معين قال: ليس به بأس، فأما أبوه عبد الله ابن إنسان فلا يعرف روى عنه غير ابنه محمد، قال البخاري: لا يصح حديثه. وممن ضعف الحديث النووي، \"المجموع\" ٧/ ٤٠٥، وابن حجر، \"التلخيص الحبير\" ٢/ ٢٨٠.\nومع ذلك فقد صحح الحديث الشيخ أحمد شاكر في تحقيقه للمسند؛ لذكر ابن حبان لمحمد بن عبد الله بن إنسان الثقفي، في الثقات. وهذا لا يكفي فإن ابن حبان من المتساهلين في التوثيق، كما هو معروف عند أهل العلم، إضافة إلى أن محمد قد تكلم فيه الحفاظ، ولم يوجد للحديث متابعات تشهد له. والله أعلم.\n(١) غير. في نسخة (ج).\n(٢) بالجزاء. في نسخة. (أ)، (ب).","vol":"17","page":323},{"text":"وقوله: ﴿وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾ لأنه خالقه ومالكه ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ قال ابن عباس: من الموحدين (١).\nوقال مقاتل: ﴿مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ من المخلصين لله بالتوحيد (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3233>٩٢ </span>- وقوله: ﴿وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ﴾ يعني: تلاوة الدعوة إلى الإيمان قال ابن عباس: يريد قراءته عليهم (٣).\nوقال مقاتل: وأمرت ﴿وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ﴾ عليكم يا أهل مكة (٤).\n﴿فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾ له ثواب اهتدائه ﴿وَمَنْ ضَلَّ﴾ عن الإيمان بالقرآن (٥)، [وأخطأ طريق الهدى (٦) ﴿فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ أي: من المخوفين بالقرآن] (٧) فليس علي إلا البلاغ.\nقال المفسرون: كان هذا قبل أن أمر بالقتال (٨).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3234>٩٣ </span>- قوله تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ أي: احمده على نعمه.\n﴿سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ﴾ قال الكلبي: وقد أراهم إياها، وكان منها: الدخان وانشقاق القمر (٩).\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي حاتم ٩/ ٢٩٣٦.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ٦٢ ب.\n(٣) \"تنوير المقباس\" ٣٢٢.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ٦٢ ب.\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ٦٢ ب.\n(٦) أخرج ابن أبي حاتم ٩/ ٢٩٣٦، عن مقاتل بن حيان: ﴿وَمَنْ ضَلَّ﴾ يقول: أخطأ.\n(٧) ما بين المعقوفين ساقط من نسخة (ج).\n(٨) \"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٣٩ ب. وفيه: نسختها آية القتال. وهذا ليس بصواب؛ بل الآية محكمة يعمل بها في أوقاتها المناسبة، وقد سبق بيان نظير هذه الآية في سورة الفرقان: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ آية رقم: ٦٣.\n(٩) \"تنوير المقباس\" ٣٢٢، بلفظ: علامات وحدانيته وقدرته بالعذاب يوم بدر. ذهب عبد الله بن مسعود ﵁، إلى أن الدخان قد مضى ووقع لأهل مكة؛ عن مسروق قال: بينما رجل يحدث في كندة فقال يجيء دخان يوم القيامة فيأخذ بأسماع المنافقين وأبصارهم يأخذ المؤمن كهيئة الزكام ففزعنا فأتيت بن مسعود =","vol":"17","page":324},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وكان متكئا فغضب فجلس فقال: من علم فليقل ومن لم يعلم فليقل: الله أعلم فإن من العلم أن تقول لما لا تعلم لا أعلم، فإن الله قال لنبيه -ﷺ-: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص: ٨٦] وإن قريشا أبطؤوا عن الإسلام فدعا عليهم النبي -ﷺ-: فقال اللَّهم أعني عليهم بسبع كسبع يوسف فأخذتهم سنة حتى هلكوا فيها وأكلوا الميتة والعظام ويرى الرجل ما بين السماء والأرض كهيئة الدخان فجاءه أبو سفيان فقال: يا محمد جئت تأمرنا بصلة الرحم وإن قومك قد هلكوا فادع الله فقرأ: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ إلي قوله: ﴿عَائِدُونَ﴾ [الدخان: ١٠، ١٥] أفيكشف عنهم عذاب الآخرة إذا جاء ثم عادوا إلى كفرهم فذلك قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى﴾ [الدخان: ١٦]، يوم بدر، و: ﴿لِزَامًا﴾ [الفرقان: ٧٧] يوم بدر ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ إلى ﴿سَيَغْلِبُونَ﴾ والروم قد مضى. أخرجه البخاري، كتاب التفسير، رقم: ٤٧٧٤، فتح الباري ٨/ ٥١١، ومسلم ٤/ ٢١٥٥، كتاب: صفات المنافقين، رقم: ٢٧٩٨. قال ابن كثير ٦/ ٢٤٧: وقد وافق ابن مسعود على تفسير الآية بهذا، وأن الدخان مضى، جماعة من السلف؛ كمجاهد، وأبي العالية، وإبراهيم النخعي، والضحاك وعطية العوفي، وهو اختيار ابن جرير .. وقال آخرون: لم يمض الدخان بعد؛ بل هو من أمارات الساعة، ثم ساق الأحاديث الواردة في ذلك، ورجح ابن كثير هذا القول؛ وقال: وهذا إسناد صحيح إلى ابن عباس حبر الأمة وترجمان القرآن، وهكذا قول من وافقه من الصحابة والتابعين، مع الأحاديث المرفوعة من الصحاح والحسان وغيرهما، التي أوردناها مما فيه مقنع ودلالة ظاهرة على أن الدخان من الآيات المنتظرة، مع أنه ظاهر القرآن.\nوأما انشقاق القمر فإنه أمر قد وقع قال ابن كثير ٦/ ٤٧٢: قوله: ﴿وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر: ١]، قد كان هذا في زمان رسول الله -ﷺ- كما ثبت ذلك في الأحاديث المتواترة بالأسانيد الصحيحة .. وهو أمر متفق عليه بين العلماء أن انشقاق القمر قد وقع في زمن النبي -ﷺ-، وأنه كان إحدى المعجزات الباهرات. ثم ساق الأحاديث في ذلك ومنها حديث أنس بن مالك أن أهل مكة سألوا رسول الله -ﷺ- أن يريهم آية فأراهم القمر شقين، حتى رأوا حِراءَ بينهما. أخرجه البخاري، كتاب: مناقب الأنصار، رقم: ٣٨٦٨، فتح الباري ٧/ ١٨٢. وعن أنس أيضًا أن ذلك وقع مرتين. أخرجه مسلم ٤/ ٢١٥٩، كخاب صفات المنافقين، رقم: ٢٨٠٢.","vol":"17","page":325},{"text":"وقال مجاهد: ﴿سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ﴾ في أنفسكم وفي السماء والأرض والرزق (١).\nوقال مقاتل: يعني العذاب في الدنيا، والقتل ببدر (٢). كقوله في سورة الأنبياء [٣٧]: ﴿سَأُرِيكُمْ آيَاتِي﴾ (٣) وهذا القول يجب أن يكون الصحيح؛ لأنه قال: ﴿فَتَعْرِفُونَهَا﴾ [وقد أراهم تلك الآيات التي ذكرها الكلبي ومجاهد، فلم يعرفوها] (٤) ولم يقروا بها (٥).\nوقوله: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ وعيد لهم.\nقال مقاتل: فعذبهم الله بالقتل ببدر، وضربت الملائكة وجوههم وأدبارهم، وعجلهم الله إلى النار (٦). وقرئ: ﴿تَعْمَلُونَ﴾ بالتاء والياء (٧)؛ فالتاء للخطاب؛ لأن قبله ﴿سَيُرِيكُمْ﴾ والياء لأنه وعيد للمشركين (٨).\n_________\n(١) أخرجه ابن جرير ٢٠/ ٢٦. وابن أبي حاتم ٩/ ٢٩٣٧. و\"تفسير مجاهد\" ٢/ ٤٧٦. وذكره الثعلبي ٨/ ١٣٩ ب.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ٦٢ ب.\n(٣) \"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٣٩ ب.\n(٤) ما بين المعقوفين ساقط من نسخة (ج).\n(٥) جعل الهواري ٣/ ٢٦٠، ذلك في يوم القيامة؛ أي: الوعد والوعيد، ولا مانع من حمل الآية على العموم، والله أعلم.\n(٦) \"تفسير مقاتل\" ٦٣ أ.\n(٧) قرأ عاصم في رواية حفص، ونافع وابن عامر بالتاء، وقرأ الباقون بالياء. \"السبعة في القراءات\" ٤٨٨، و\"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٤١٠، و\"النشر في القراءات العشر\" ٢/ ٢٦٣.\n(٨) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٤١٠.","vol":"17","page":326},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3235>سورة القصص</span>","vol":"17","page":327},{"text":"تفسير سورة القصص (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3236>١، ٢ </span>- ﴿طسم (١) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ قد تقدم ما ذكر في هذا (٢)، و﴿الْمُبِينِ﴾ يجوز أن يكون من: أبان إذا أظهر، ومن بان: إذا ظهر.\nقال قتادة في هذه الآية: (مُبِينِ) والله بركته وهداه ورشده <span data-type=\"title\" id=toc-3237>(٣)</span>.\nوقال مقاتل: بين ما فيه (٤). وهذا من أبان المطاوع.\nوقال أبو إسحاق: (مُبِين) الحق من الباطل، والحلال من الحرام، ومبين قصص الأنبياء (٥). وهذا من أبان الواقع.\n\n٣ - ﴿نَتْلُو عَلَيْكَ﴾ قال ابن عباس: يريد: نوحي إليك ﴿مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ﴾ أي: من خبرهما وحديثهما ﴿بِالْحَقِّ﴾ الذي لا ريب فيه ﴿لِقَوْمٍ\n_________\n(١) سورة القصص مكية، وعدد آياتها: ثمان وثمانون آية \"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٣٩ ب. وقد أورد الواحدي في كتابه \"الوسيط\" ٣/ ٣٨٩، في صدر هذه السورة حديث أبي ابن كعب، في فضائل السور، وهو حديث موضوع، سبق الحديث عنه في أول سورة الفرقان. وقد تبع الواحديُّ في ذلك الثعلبي ٨/ ١٣٩ ب.\n(٢) في أول سورة الشعراء.\n(٣) أخرجه ابن جرير ٢٠/ ٢٦.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ٦٣ أ.\n(٥) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٣١.","vol":"17","page":329},{"text":"يُؤْمِنُونَ﴾ يصدقون بالقرآن (١). يعني: أن (٢) صدق هذا الكتاب لمن آمن به وصدقه، فأما من لم يؤمن به (٣) فليس عنده بحق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3238>٤ </span>- قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا﴾ قال الليث: العلو: العظمة والتجبر، يقال: علا الملك علوًا إذا تجبر (٤)، ومنه قوله تعالى: ﴿لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ﴾ (٥) [القصص: ٨٣] قال المفسرون: استكبر وتجبر وبغى وتعظم وطغى. كل هذا من ألفاظهم (٦).\nوقوله: ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ يعني: أرض مصر (٧) ﴿وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا﴾ يعني: أحزابًا وفرقًا (٨)، كقوله: ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا﴾ [الأنعام: ٦٥] وقد مر (٩).\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ٦٣ أ.\n(٢) \"حرف: أن، ساقط من نسخة (ج).\n(٣) به، في نسخة (ج).\n(٤) في نسخة (ب): إذا تكبر وتجبر.\n(٥) كتاب \"العين\" ٢/ ٢٤٥ (علو)، بنحوه.\n(٦) \"تفسير مقاتل\" ٦٣ أ، بلفظ: تعظم. وابن جرير بلفظ: تجبر. \"تاريخ الطبري\" ١/ ٣٨٨. وأخرجه في التفسير ٢٠/ ٢٧، عن السدي بلفظ: تجبر في الأرض. وعن قتادة بلفظ: بغى في الأرض. وذكره الثعلبي ٨/ ١٣٩ ب، عن ابن عباس، بلفظ: استكبر، وعن السدي، بلفظ: تجبر.\n(٧) \"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٣٩ ب، ولم ينسبه.\n(٨) \"تفسير مقاتل\" ٦٣ أ. و\"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ٢/ ٩٧. أي: فرق بني إسرائيل فجعلهم خَوَلًا للقبط. \"وضح البرهان\" ٢/ ١٤٥. وأخرج ابن جرير ٢٠/ ٢٧، نحوه عن قتادة خولًا: عبيدا. \"تهذيب اللغة\" ٧/ ٥٦٤ (خال).\n(٩) قال الواحدي في تفسير هذه الآية: الشيع جمع: شيعة، وكل قوم اجتمعوا على أمر فهم شيعة، والجمع شيع وأشياع، قال الله -﷿-: ﴿كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ﴾ [سبأ: ٥٤] وأصله من التشيع وهو التتبع، ومعنى الشيعة: الذين يتبع بعضهم بعضًا.","vol":"17","page":330},{"text":"والمعني: جعلهم فرقًا وأصنافًا في الخدمة (١)، والتسخير (٢) ﴿يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ﴾ قال ابن عباس: وهم أسباط النبوة، يعني: بني إسرائيل (٣).\nثم فسر ذلك الاستضعاف فقال: ﴿يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ﴾ قال المفسرون: يقتل أبناءهم، ويترك بناتهم فلا يقتلهن (٤)؛ وذلك لأن بعض الكهنة قال له: إن مولودًا يولد في بني إسرائيل يكون سبب ذهاب ملكك (٥).\nقال أبو إسحاق: والعجب من حمق فرعون؛ إن كان هذا الكاهن عنده صادقًا فلا ينفع القتل، وإن كان كاذبًا فما معنى القتل (٦).\nوقوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ أي بالعمل في الأرض بالمعاصي. قاله ابن عباس ومقاتل (٧). وقال الكلبي: من المفسدين بالقتل (٨).\n_________\n(١) \"غريب القرآن\" لابن قتيبة ٣٢٨.\n(٢) \"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٣٩ ب، ولم ينسبه. وأخرج ابن جرير ٢٠/ ٢٧، عن قتادة في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا﴾ أي: فرقًا، يذبح طائفة منهم، ويستحيي طائفة منهم، ويعذب طائفة، ويستعبد طائفة.\n(٣) \"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٣٩ ب، و\"غريب القرآن\" لابن قتيبة ٣٢٨، ولم ينسبه. وأخرجه ابن جرير ٢٠/ ٢٧، وابن أبي حاتم ٩/ ٢٩٣٩، عن السدي في خبر طويل.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ٦٣ أ. وأخرجه ابن جرير ٢٠/ ٢٧، وابن أبي حاتم ٩/ ٢٩٣٨، عن السدي.\n(٥) أخرجه عبد الرزاق ٢/ ٨٧ عن قتادة. و\"تفسير مقاتل\" ٦٣ أ. و\"تاريخ الطبري\" ١/ ٣٨٧، عن ابن إسحاق.\n(٦) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٣٢.\n(٧) \"تفسير مقاتل\" ٦٣ أ. و\"تفسير الطبري\" ٢٠/ ٢٨، ولم ينسبه.\n(٨) \"تنوير المقباس\" ٣٢٣. وما ذكره الواحدي هنا أمثلة لإفساد فرعون؛ قال ابن جرير ٢٠/ ٢٨: إنه كان ممن يفسد في الأرض بقتله من لا يستحق القتل، واستعباده من ليس له استعباده، وتجبره في الأرض على أهلها، وتكبره على عبادة ربه.","vol":"17","page":331},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3239>٥ </span>- قوله تعالى: ﴿وَنُرِيدُ﴾ لفظ استقبال أريد به حكاية حال قد مضت. وقد ذكرنا هذا عند قوله: ﴿فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ﴾ (١) [يوسف: ١١٠] وهو أيضًا حكاية حال.\nقوله: ﴿أَنْ نَمُنَّ﴾ قال مقاتل: نُنعم ﴿عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ مصر، وهم بنو إسرائيل (٢). ﴿وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً﴾ قال ابن عباس: يريد في الهدى، ونحوه (٣).\nقال مقاتل: يُقتدَى بِهم في الخير (٤).\nوقال قتادة: ولاة ملوكًا (٥). وهو اختيار أبي إسحاق؛ قال: نجعلهم ولاة يؤتم بِهم (٦).\nوقال مجاهد: دعاة إلى الخير (٧). ﴿وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ لملك فرعون، يرثون ملكه، ويسكنون مساكنهم، ويرثون ما يترك فرعون ويخلف بعده (٨).\n_________\n(١) قال الواحدي في تفسير هذه الآية: قال أبو علي: هو حكاية حال ألا ترى أن القصة فيما مضى، وإنما حكى فعل الحال على ما كانت كما أن قوله: ﴿هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ﴾ [القصص: ١٥] أشار إلى الحاضر والقصة ماضية لأنه حكى الحال.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ٦٣ أ. وأخرجه ابن جرير ٢٠/ ٢٨، عن قتادة. و\"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٣٩ ب.\n(٣) ذكره الثعلبي ٨/ ١٣٩ ب، عن ابن عباس، بلفظ: قادة في الخير يقتدى بهم.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ٦٣ أ.\n(٥) أخرجه ابن جرير ٢٠/ ٢٨، وابن أبي حاتم ٩/ ٢٩٤١. وذكره الثعلبي ٨/ ١٣٩ ب.\n(٦) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٣٢.\n(٧) ذكره الثعلبي ٨/ ١٣٩ ب، عن مجاهد.\n(٨) \"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٣٩ ب، بنحوه. وأخرج ابن جرير ٢٠/ ٢٨، عن قتادة: يرثون الأرض بعد فرعون وقومه.","vol":"17","page":332},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3240>٦ </span>- وقوله: ﴿وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ قال ابن عباس: نملكهم ما كان يملك فرعون. يقال: مكنته ومكنت له، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ١٠] (١)، وقال: ﴿مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ﴾ [الأنعام: ٦] وقد مر (٢).\n﴿وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ﴾ الآية، أي مولود بني إسرائيل الذي يذهب ملكهم على يده، ويهلك القبط بسببه. وقرأ حمزة والكسائي: ﴿وَيرَى﴾ بالياء ﴿فِرْعَوْنَ﴾ وما بعده رفعًا، على معنى: أنَّهم يرونه إذا أُروه؛ والاختيار قراءة العامة؛ ليكون الكلام من وجه واحد (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3241>٧ </span>- قوله: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ قال قتادة: أي قذفنا في قلبها، وليس بوحي إرسال (٤).\n_________\n(١) لم يتكلم الواحدي في تفسير هذه الآية عن دخول اللام في مكن، بل اقتصر على قوله: قال الزجاج: معنى التمكين في الأرض: التمليك والقدرة وهو قول ابن عباس قال: يريد: ملكناكم في الأرض؛ يريد: ما بين مكة إلى اليمن، وما بين مكة إلى الشام.\n(٢) قال الواحدي في تفسير هذه الآية: قوله تعالى ﴿مَكَّنَّاكُمْ﴾ ثم قال: ﴿مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ﴾ ولم يقل: نمكنكم، وهما لغتان؛ تقول العرب: مكنته، ومكنت له، كما تقول: نصحته، ونصحت له. قال صاحب النظم: العرب تتسع في الأفعال التي تتعدى بحروف الصفات، فربما عدوها بغيرها كقوله تعالى: ﴿فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ﴾ [التكوير: ٢٦] المعنى: فإلى أين تذهبون .. أ. هـ.\nحروف الصفات هي: حروف المعاني.\n(٣) \"السبعة في القراءات\" ٤٩٢. و\"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٤١١، ولم يذكر هذا الاختيار. وإعراب القراءات السبع ٢/ ١٦٨، و\"النشر\" ٢/ ٣٤١.\n(٤) أخرجه عبد الرزاق ٢/ ٨٧، وابن جرير ٢٠/ ٢٩، وابن أبي حاتم ٩/ ٢٩٤١، =","vol":"17","page":333},{"text":"وقال مقاتل: أتاها جبريل بذلك (١).\nقال أبو إسحاق: قيل: إن الوحي هاهنا إلهام؛ والآية تدل على أنه وحي إعلام؛ وهو قوله: ﴿إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ وجائز أو يُلقي الله في قلبها أنه مردود إليها، وأنه يكون مرسلًا، ولكن أن يكون الوحي هاهنا إعلامًا أبين (٢).\nقال الكلبي ومقاتل (٣): لما ولدته أرضعته ثلاثة أشهر، فلما خافت أن يسمع الجيران بكاء الصبي اتخذت لها تابوتًا من بَردي وقَيَّرته (٤)، ووضعت فيه موسى ثم ألقته في نيل مصر، وذلك قوله: ﴿أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ﴾ (٥) ونحو هذا قال ابن جريج؛ إنَّها ألقته في اليم بعد أن أرضعته أشهرًا (٦).\n_________\n= واقتصر عليه ابن قتيبة، في \"غريب القرآن\" ٣٢٨، وقال: ومثله ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ﴾ [المائدة: ١١١].\n(١) \"تفسير مقاتل\" ٦٣ ب.\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٣٢. وقيل: إنه كان رؤيا منام. \"وضح البرهان\" ٢/ ١٤٥.\n(٣) ومقاتل. في نسخة (ج).\n(٤) البردي، بفتح الباء: نبات معروف، واحدته: بردية، ترتفع ساقه إلى نحو متر، أو أكثر، ينمو بكثرة في منطقة المستنقعات بأعالى النيل. \"لسان العرب\" ٣/ ٨٧، و\"المعجم الوسيط\" ١/ ٤٨، مادة: برد. قيرته: مأخوذ من القار، أو القِير: كل شيء يطلى به، وهو مادة سوداء تطلى بها السفن لمنع الماء أن يدخل. \"تهذيب اللغة\" ٩/ ٢٧٧. مادة: قرى.\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ٦٣ ب. و\"تاريخ الطبري\" ١/ ٣٨٩. واليم: النيل، في قول السدي أيضًا؛ أخرجه ابن جرير ٢٠/ ٣٠.\n(٦) أخرجه ابن جرير ٢٠/ ٣٠. وفيه تحديد الأشهر بأربعة.","vol":"17","page":334},{"text":"وقال السدي: أُمرت أن ترضعه بعد ولادها، وتلقيه في اليم (١). والقول الأول أليق بمنظم الآية؛ للفصل بين الإلقاء والإرضاع بالخوف (٢)، وخوفها ما ذكروا أنها خافت أن يسمع الجيران بكاء الصبي (٣).\nقوله: ﴿وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي﴾ قال مقاتل: قالت المرأة: رب إني قد علمت أنك قادر على ما تشاء (٤)، ولكن كيف لي أن ينجو صبي صغير من عمق البحر، وبطون الحيتان؟ فأوحى الله إليها: ﴿وَلَا تَخَافِي﴾ عليه الضيعة فإني أوكل به ملكًا يحفظه في اليم (٥) ﴿وَلَا تَحْزَنِي﴾ لفراقه ﴿إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ﴾ لتمام رضاعه لتكوني أنت ترضعيه ﴿وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ إلى أهل مصر (٦).\n_________\n(١) أخرجه ابن جرير ٢٠/ ٣٠.\n(٢) قال ابن جرير ٢٠/ ٣٠: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله تعالى ذكره أمر أم موسى أن ترضعه فإذا خافت عليه من عدو الله فرعون وجنده أن تلقيه في اليم، وجائز أن تكون خافتهم عليه بعد أشهر من ولادها إياه، وأي ذلك كان فقد فعلت ما أوحى الله إليها فيه، ولا خبر قامت به حجة، ولا فطرة في العقل لبيان أي ذلك كان.\n(٣) أخرجه ابن أبي حاتم ٩/ ٢٩٤٢، عن ابن عباس.\n(٤) قدرة الله تعالى إذا ذكرت على أنها صفة فلا تقيد بالمشيئة حتى لا يوهم التقييد اختصاصها بما يشاؤه الله تعالى فقط، قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٠] وإذا ذكرت المشيئة لتقرير أمر واقع فلا مانع من تقييدها بالمشيئة؛ لأن الواقع لا يقع إلا بالمشيئة. المجموع الثمين من فتاوى ابن عثيمين ١/ ١١٨، باختصار.\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ٦٣ ب.\n(٦) \"تفسير مقاتل\" ٦٣ ب. في هذه الآية خبران، وأمران، ونهيان، وبشارتان. \"وضح البرهان\" ٢/ ١٤٦.","vol":"17","page":335},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3242>٨ </span>- قوله تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ﴾ أي: من البحر، والالتقاط إصابة الشيء من غير طلب (١). والمراد بآل فرعون هاهنا: جواري امرأته اللاتي أخذن تابوت موسى من البحر على ما ذكره المفسرون (٢).\n﴿لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ وقرئ: (وَحُزْنًا) (٣) وهما لغتان، [مثل السَقَم والسُقْم، والعَرَب والعُرْب، وبابه (٤).\nقال أبو إسحاق:] (٥) ﴿لِيَكُونَ لَهُمْ﴾ أي: ليصير الأمر إلى ذلك، لا أنهم طلبوه وأخذوه لهذا، كما تقول للذي كسب مالًا فأداه ذلك إلى الهلاك: إنما كسب فلان لحتفه، وهو لم يطلب المال طلبًا للحتف. ومثله:\nفللموت ما تلد الوالدة (٦)\n_________\n(١) \"تهذيب اللغة\" ١٦/ ٢٤٩، مادة: لقط. ويطلق الالتقاط على الأخذ فجأة. \"وضح البرهان\" ٢/ ١٤٦.\n(٢) أخرجه ابن جرير ٢٠/ ٣١، عن السدي. وذكر قولين آخرين: ابنة فرعون، أعوان فرعون. قال ابن جرير: ولا قول في ذلك عندنا أولى بالصواب مما قال الله -﷿- ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ﴾. وأخرجه ابن أبي حاتم ٩/ ٢٩٤٣، عن أبي عبد الرحمن الحبلي. وذكره في خبر مطول الثعلبي ٨/ ١٤٠ أ.\n(٣) قرأ حمزة والكسائي: (وَحُزْنًا) بضم الحاء، وتسكين الزاي، وقرأ الباقون بفتح الحاء، والزاي. \"السبعة في القراءات\" ٤٩٢، و\"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٤١٢، و\"النشر في القراءات العشر\" ٢/ ٣٤١.\n(٤) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٤١٢.\nقال الفراء: وكأن الحُزْن الاسم، وكأن الحزَن مصدر، وهما بمنزلة: العُدْم، والعَدَم. \"معاني القرآن\" ٢/ ٣٠٢.\n(٥) ما بين المعقوفين زيادة من نسخة (ج).\n(٦) عجز بيت لشتيم بن خويلد، يرثي أولاده الثلاثة، وصدره:\nفإن يكن الموت أمتاهم","vol":"17","page":336},{"text":"وهي لم تلد طلبًا أن يموت ولدها، ولكن المصير إلى ذلك (١). قال مقاتل: ليكون لهم عدوًا في الهلاك، وغيظًا في قلوبهم (٢). ثم أخبر عنهم فقال: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ﴾ إلى قوله: ﴿خَاطِئِينَ﴾ أي: عاصين آثمين (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3243>٩ </span>- وقوله: ﴿وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ﴾ قال ابن عباس: أتت جواري امرأة فرعون يستقين فوجدن التابوت، فذهبن بالتابوت إليها، فلما فتحت امرأة فرعون التابوت فإذا موسى فيه، فألقى الله له المحبة من جميعهم، فحملته حتى أدخلته على فرعون، فهو قوله: ﴿وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ﴾ (٤).\nقال الفراء والمبرد والزجاج: رفعت ﴿قُرَّتُ عَيْنٍ﴾ بإضمار: هو، أو:\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٣٣. و\"تفسير ابن جرير\" ٢٠/ ٣٢، وذكره الثعلبي ٨/ ١٤١ أ، بمعناه. وفي \"الدر المصون\" ٨/ ٦٥١: في اللام الوجهان المشهوران: العِلِّيَّة المجازية بمعنى: أن ذلك لما كان نتيجة فعلهم وثمرته شبه بالداعي الذي يفعل الفعل لأجله، أو الصيرورة.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ٦٣ ب. قال ابن جرير ٢٠/ ٣٣: عدوًا في دينهم، وحزنًا على ما ينالهم منه من المكروه.\n(٣) \"تفسير ابن جرير\" ٢٠/ ٣٣.\n(٤) أخرجه ابن جرير ٢٠/ ٣٥، وابن أبي حاتم ٩/ ٢٩٤٤. والثعلبي ٨/ ١٤٠ أ. وهو جزء من حديث الفتون؛ الذي أخرجه النسائي، في \"السنن الكبرى\" ٦/ ٣٩٦، رقم: ١١٣٢٦، وقال عنه ابن كثير بعد أن ساقه بطوله في تفسير سورة: طه: هكذا رواه النسائي في سننه الكبرى، وأخرجه أبو جعفر بن جرير، وابن أبي حاتم، في تفسيريهما، كلهم من حديث يزيد بن هارون به، وهو موقوف من كلام ابن عباس، وليس منه مرفوع إلا قليل منه، وكأنه تلقاه ابن عباس ﵄ مما أبيح نقله من الإسرائيليات عن كعب الأحبار، أو غيره. والله أعلم. وسمعت شيخنا الحافظ أبا الحجاج المزي، يقول ذلك أيضًا. \"تفسير ابن كثير\" ٥/ ٢٩٣","vol":"17","page":337},{"text":"هذا الصبي قرةُ عين لي ولك يا فرعون (١). قال أبو إسحاق: ويقبح رفعه على الابتداء، وأن يكون الخبر ﴿لَا تَقْتُلُوهُ﴾ فيكون كأنها عرفت أنه قرة عين لها. ويجوز ذلك على بُعدٍ على معنى: إذا كان قرة عين لي ولك فلا تقتله (٢).\nقال مقاتل: قالت لفرعون: لا تقتله فإن الله أتانا به من أرض أخرى، وليس من بني إسرائيل ﴿عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا﴾ فنصيب منه خيرًا (٣).\n﴿أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾ قال المفسرون: وكانت لا تلد، فاستوهبت موسى من فرعون فوهبه لها (٤).\nقوله: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ أكثر المفسرين على أن هذا ابتداء من كلام الله تعالى، أخبر أنهم لا يشعرون أن هلاكهم في سببه، وهذا قول قتادة ومجاهد ومقاتل (٥).\nوقال آخرون: هذا من تمام كلام المرأة، ومعنى: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ يعني: بني إسرائيل لا يدرون أنا التقطناه؛ هذا قول محمد بن قيس (٦).\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٣٠٢. و\"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٣٣.\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٣٣، وا لإشارة في قوله: ويجوز ذلك، أي: رفعه على الابتداء.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ٦٣ ب.\n(٤) أخرجه النسائي في \"السنن الكبرى\" ٦/ ٣٩٧. وهو جزء من حديث الفتون، الذي سبق الحديث عنه قريبا. وأخرجه ابن جرير ٢٠/ ٣١، عن السدي.\n(٥) أخرجه عبد الرزاق ٢/ ٨٧، عن قتادة وابن جرير ٢٠/ ٣٤، وابن أبي حاتم ٩/ ٢٩٤٥، عن قتادة، ومجاهد. و\"تفسير مقاتل\" ٦٣ ب ورجحه ابن جرير ٢٠/ ٣٥.\n(٦) أخرج ابن جرير ٢٠/ ٣٥. والثعلبي ٨/ ١٤١ ب، عن محمد بن قيس. وهو الأسدي، الوالبي، الكوفي، روى عن الشعبي، وأبي الضحى، وروى عنه: شعبة، وأبو نعيم، وثقه ابن حجر، وقال عنه الذهبي: صدوق. \"الكاشف\" ٣/ ٨١، و\"تقريب التهذيب\" ٨٩٠.","vol":"17","page":338},{"text":"وقال الكلبي: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ لا أنه ولدنا (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3244>١٠ </span>- وقوله: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا﴾ قال أكثر المفسرين: ﴿فَارِغًا﴾ من كل شيء من هم الدنيا والآخرة إلا هم موسى وذكره؛ وهذا قول ابن عباس في جميع الروايات، ومجاهد ومقاتل وعكرمة وقتادة والحسن وسعيد بن جبير والكلبي (٢)، واختيار الفراء وأبي إسحاق؛ قال الفراء: ﴿فَارِغًا﴾ لهمِّ موسى، فليس يخلط همّ موسى شيء (٣).\nوقال محمد بن إسحاق، وعبد الرحمن بن زيد: ﴿فَارِغًا﴾ من الوحي الذي أوحى الله إليها، والعهد الذي عهده إليها أن يرده عليها؛ وذلك أنها لما رأت موسى يرفعه موج، ويخفضه آخر جزعت، وأتاها الشيطان فوسوس لها، وقال: لو قتله فرعون كان للآخرة، وقد توليت قتله بالإلقاء في اليم. ثم لما أتاها الخبر بأن موسى وقع في يد آل فرعون (٤)، قالت: قد\n_________\n(١) ذكره عنه الثعلبي ٨/ ١٤١ ب. وذكر الوجهين الفراء. \"معاني القرآن\" ٢/ ٣٠٣. وفي \"تنوير المقباس\" ٣٢٤: بنو إسرائيل لا يعلمون أنه ليس منا، ويقال: وهم لا يشعرون أن هلاكهم على يديه. والقول الأول الذي عليه أكثر المفسرين هو الأقرب. والله أعلم.\n(٢) نسب الثعلبي ٨/ ١٤١ ب هذا القول لأكثر المفسرين. وذكره البخاري عن ابن عباس معلقًا بصيغة الجزم ٨/ ٥٠٦. وأخرجه عنه الحاكم ٢/ ٤٤١، رقم ٣٥٢٩. وأخرجه عبد الرزاق ٢/ ٨٨، عن قتادة، وأبي عمران الجوني. وهو في \"تفسير مقاتل\" ٦٣ ب. و\"تنوير المقباس\" ٣٢٣. وأخرجه أبو يعلى ٥/ ١٢، من طريق سعيد بن جبير. وهو جزء من الحديث الطويل حديث الفتون، الذي سبق الحديث عنه قريبا.\n(٣) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٣٠٣. و\"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٣٤. واختاره ابن الأنباري، في كتابه \"الأضداد\" ٢٩٩.\n(٤) أخرجه عنهما وعن الحسن ابن جرير ٢٠/ ٣٦، وأخرجه ابن أبيِ حاتم ٩/ ٢٩٤٦ عن ابن إسحاق فقط. وذكره عن الحسن وأبو إسحاق وابن زيد الثعلبي ٨/ ١٤١ ب.","vol":"17","page":339},{"text":"وقع في يد عدوه الذي فررت به منه، فأنساها عظيم البلاء ما كان من عهد الله إليها. وهذا أيضًا قول مرضيّ.\nوقال أبو عبيدة: ﴿فَارِغًا﴾ من الحزن، لعلمها أنه لم يقتل، ولم يغرق (١).\nقال ابن قتيبة: وهذا من أعجب التفسير، كيف يكون فؤادها فارغًا من الحزن في وقتها ذاك، والله تعالى يقول: ﴿لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا﴾ وهل يربط إلا على قلب الجازع المحزون؟ قال: والعرب تقول للجبان، والخائف: فؤاده هواء. لأنه لا يعي عزمًا، ولا صبرًا، وقد خالفه المفسرون إلى الصواب؛ فقالوا: ﴿فَارِغًا﴾ من كل شيء إلا من أمر موسى؛ كأنها لم تهتم بشيء مما يهتم به الحيُّ إلا أمرَ ولدها. انتهى كلامه (٢).\nووجه قول المفسرين ما ذكر؛ وهو: أن قلبها صار فارغًا من الصبر والعزم، وإنما قال المفسرون: إلا (٣) من ذكر موسى، لدلالة باقي الآية عليه؛ وهو قوله -﷿-: ﴿إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء: كادت تخبر أن هذا (٤) الذي وجدتموه في التابوت هو ابني.\n_________\n(١) \"مجاز القرآن\" ٢/ ٩٨. وذكر هذا القول ابن الأنباري، \"الأضداد\" ٢٩٨، عن بعض أهل اللغة، ولم يسمه، وجعل هذا الاختلاف مما يفسر من القرآن تفسيرين متضادين، وذكر القولين النيسابوري، \"وضح البرهان\" ٢/ ١٤٦، وصدر القول الثاني بـ: قيل.\n(٢) \"غريب القرآن\" ٣٢٨. ويشهد له ما ذكره الفراء بإسناده عن فضالة بن عبيد -﵁- أنه قرأ: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا﴾ من الفزع. \"معاني القرآن\" ٢/ ٣٠٣، وذكر هذه القراءة ابن جرير ٢٠/ ٣٧، ورد قول أبي عبيدة بقوله: وهذا لا معنى له؛ لخلافه قول جميع أهل التأويل.\n(٣) كلمة: إلا، ساقطة من نسخة: (ب).\n(٤) هذا، ساقطة من نسخة: (ب).","vol":"17","page":340},{"text":"وقال في رواية عكرمة، وسعيد بن جبير: كادت تقول (١): وابناه، من شدة وجْدِها به (٢).\nوقال مقاتل: خشيت عليه الغرق، وكادت تصيح شفقة عليه، فذلك قوله: ﴿إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ﴾ تقول: إن همت لتشعر أهل مصر بموسى أنه ولدها (٣).\nوعن مُغِيثِ بن سُمَيّ: كادت تقول: أنا أمه (٤).\nوقال أبو إسحاق: إن كادت لتظهر أنه ابنها (٥).\nوقال الفراء: ﴿إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ﴾ يعني: باسم موسى أنه ابنها؛ وذلك أن صدرها ضاق بقول آل فرعون: هو ابن فرعون، فكادت تبدي به؛ أي: تظهره (٦).\nوهذا معنى قول الكلبي (٧)؛ فالكناية من ﴿بِهِ﴾ تعود على اسم موسى على قول هؤلاء؛ وهو الصحيح. وسبب الإبداء مختلَف فيه، فعند بعضهم:\n_________\n(١) تقول، ساقطة من نسخة: (ب).\n(٢) رواية عكرمة أخرجها ابن أبي حاتم ٩/ ٢٩٤٧، والثعلبي ٨/ ١٤١ب ورواية سعيد ابن جبير أخرجها ابن جرير ٢٠/ ٣٧، وابن أبي حاتم ٩/ ٢٩٤٧، والحاكم ٢/ ٤٤١، رقم: ٣٥٢٩. ولم أجد رواية عطاء.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ٦٣ ب.\n(٤) أخرجه ابن أبي حاتم ٩/ ٢٩٤٧.\nمغيث بن سُمي، الأوزاعي، أبو أيوب الشامي، ثقة، روى عن عمر -﵁- مرسلًا، وروى عن ابن عمر وطائفة، وروى عنه: زيد بن واقد، وعبد الرحمن بن يزيد، وغيرهم. \"الكاشف\" ٣/ ١٤٧، و\"تقريب التهذيب\" ٩٦٤.\n(٥) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٣٤.\n(٦) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٣٠٣. و\"تفسير ابن جرير\" ٢٠/ ٣٨.\n(٧) ذكره عنه الثعلبي ٨/ ١٤١ ب. وهو في \"تنوير المقباس\" ٣٢٣.","vol":"17","page":341},{"text":"وَجْدًا به. وعند مقاتل: شفقةً عليه من الغرق. وعند الكلبي ضيق صدرها (١) بما تسمع من قولهم: موسى بن فرعون (٢).\nويقال أبدى الشيء، ودخلت الباء هاهنا؛ لأنه أريد بالإبداء: الإخبار والإشعار، يدل على هذا ما روي في حرف عبد الله: إن كادت لتشعر به (٣).\n﴿لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا﴾ بالصبر واليقين والإيمان؛ قاله ابن عباس ومقاتل وقتادة (٤).\nقال الزجاج: ومعنى الربط على القلب: إلهام الصبر وتشديده وتقويته (٥). وذكرنا هذا عند قوله: ﴿وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ﴾ [الأنفال: ١١] (٦).\nوقوله: ﴿لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: من المصدقين بوعد الله حين قال لها: ﴿إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ قاله مقاتل والمفسرون (٧).\n_________\n(١) في النسخ الثلاث: ضيق صدر.\n(٢) ذكره عنه الثعلبي ٨/ ١٤١ ب.\n(٣) ذكر هذه القراءة الفراء ٢/ ٣٠٣.\n(٤) أخرجه عبد الرزاق ٢/ ٨٨، عن قتادة. وكذا ابن جرير ٢٠/ ٣٨، وابن أبي حاتم ٩/ ٢٩٤٧. و\"تفسير مقاتل\" ٦٣ ب.\n(٥) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٣٤. وذكره القاضي عبد الجبار في \"متشابه القرآن\" ٥٤٣.\n(٦) قال الواحدي: معنى الربط في اللغة: الشد، ذكرنا ذلك في قوله: ﴿وَرَابِطُوا﴾ [آل عمران: ٢٠٠] ويقال لكل من صبر على أمر: ربط قلبه، كأنه حبس قلبه عن أن يضطرب، ويقال: رجل رابط الجأش؛ قال الأصمعي: هو الذي يربط نفسه يكفها بجرأته وشجاعته.\n(٧) \"تفسير مقاتل\" ٦٣ ب. وأخرجه ابن جرير ٢٠/ ٣٨، وابن أبي حاتم ٩/ ٢٩٤٧، عن سعيد بن جبير والسدي. و\"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٤٢ أ.","vol":"17","page":342},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3245>١١ </span>- قوله: ﴿وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ﴾ لأخت موسى ﴿قُصِّيهِ﴾: اتبعي أثره (١). يقال: قصصت الشيء إذا تتبعت أثره شيئًا بعد شيء قصًا وقصصًا.\nقال المبرد: فلان يقص أثر الجيش أي: يتبعه متعرفًا (٢).\nوقد ذكرنا هذا الحرف في القصاص والقصص (٣).\nقال ابن عباس: تريد: اطلبي أثره، وانظري أين وقع، وإلى من صار (٤). وقال مجاهد: اتبعي أثره كيف يصنع به (٥).\nوقال مقاتل: قصي أثره حتى تعلمي علمه من يأخذه (٦).\nوقال ابن إسحاق: انظري ماذا يفعلون به (٧). هذا قول المفسرين.\n_________\n(١) أخرجه الحاكم ٢/ ٤٤١، رقم: ٣٥٢٩، عن ابن عباس. و\"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ٢/ ٩٨. و\"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٤٢ أ. و\"وضح البرهان\" ٢/ ١٤٧.\n(٢) لم أجده في \"التهذيب\"، مادة: قص، وفي \"الكامل\" ٢/ ١٠١٨: تقصه: تتبعه، قال الله -﷿-: ﴿وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ﴾ أي: اتبعي أثره.\n(٣) قال الواحدي في تفسير قول الله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة: ١٧٩]: القصاص في اللغة: المماثلة، وأصله من قولهم: قصصت أثره إذا تتبعته، ومنه قوله تعالى: ﴿وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ﴾ [القصص: ١١].\n(٤) ذكره البخاري عن ابن عباس، معلقًا بصيغة الجزم ٨/ ٥٠٦، بلفظ: اتبعي أثره. وباللفظ الذي ذكره الواحدي هنا أخرجه ابن جرير ٢٠/ ٣٨، وابن أبي حاتم ٩/ ٢٩٤٨، وفي رواية عندهما عن ابن عباس: قصي أثره واطلبيه، هل تسمعين له ذكرًا؟ أحي ابني أم أكلته الدواب؟ ونسيت ما كان الله وعدها به.\n(٥) أخرجه ابن جرير ٢٠/ ٣٨.\n(٦) \"تفسير مقاتل\" ٦٣ ب. واقتصر الأخفش على قول: قُصي أثره. \"معاني القرآن\" ٢/ ٦٥٢. وكذا قتادة، تفسير عبد الرزاق ٢/ ٨٨. وهو كذلك في \"تاريخ الطبري\" ١/ ٣٨٩.\n(٧) في نسخة: (أ)، (ب): أبو إسحاق. وخبر ابن إسحاق أخرجه ابن أبي حاتم ٩/ ٢٩٤٨، وأخرجه ابن جرير ٢٠/ ٣٩، عن قتادة.","vol":"17","page":343},{"text":"ودل كلامهم على أن القص: تتبع الأثر مع التعرف؛ كما قال المبرد.\nقوله: ﴿فَبَصُرَتْ بِهِ﴾ قال ابن عباس: أبصرته (١).\nقال المبرد: بصرت بالشيء، وأبصرته واحد في المعنى (٢). والفصل بينهما مع اجتماعهما في المعنى أن: بصرت به، معناه: صرت بصيرًا بموضعه. وهكذا فعلت، معناه: انتقلت إلى تلك الحال. قوله تعالى: ﴿عَنْ جُنُبٍ﴾ أي: عن بعد (٣). وهو مصدر، ثم وصف به. وكذلك قالوا: رجل جنب، ورجال جنب، ومنه قوله تعالى: ﴿وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾ [النساء: ٣٦] وقد مر (٤).\nوقال المبرد: وقد يجمع أجنابًا، كما تقول (٥) في شُغل، وهو مصدر مثله: أشغال. قالت الخنساء ترثي (٦):\nفابْكي أخاكِ لأيتامٍ وأرملةٍ ... وابكي أخاكِ إذا جاورتِ أجنابا (٧)\n_________\n(١) أخرجه ابن جرير ٢٠/ ٣٩، وابن أبي حاتم ٩/ ٢٩٤٨، كلاهما بمعناه.\n(٢) في \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ٢/ ٩٨: هما لغتان. ولم أجد قول المبرد في \"التهذيب\". وذكر قول المبرد، الشوكاني \"فتح القدير\" ٤/ ١٥٦.\n(٣) ذكره البخاري عن ابن عباس، معلقًا بصيغة الجزم ٨/ ٥٠٦. و\"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ٢/ ٩٨. وحكاه عنه ابن الأنباري، في كتابه \"الزاهر\" ١/ ٤٣٠. و\"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٤٢ أ.\n(٤) قال الواحدي في تفسير الجنب في سورة النساء: الجُنُب نعت على: فُعُل، مثل: أُحُد .. وأصله من الجنابة ضد القرابة، وهو البعد .. ورجل جنب إذا كان غريبًا متباعدًا عن أهله.\n(٥) كما تقول: ساقط من نسخة (ج).\n(٦) ترثي، في نسخة (ج).\n(٧) \"ديوان الخنساء\" ٧. تخاطب في هذا البيت عينها. واستشهد به المبرد \"الكامل\" ٢/ ٩٠٤، على أنه يجمع: جُنُب: أجناب.","vol":"17","page":344},{"text":"قال ابن عباس في رواية سعيد بن جبير ﴿عَنْ جُنُبٍ﴾ قال: عن جانب (١). [وقال مجاهد: عن بُعد (٢). وقال عكرمة وقتادة: بصرت به وهي مجانبة لم تأته (٣)] (٤).\nوقال مقاتل: ﴿عَنْ جُنُبٍ﴾ كأنها مجانبة له ترقبه، وعينها إلى التابوت وهي معرضة عنه بوجهها (٥). وهذا معنى قول ابن عباس في رواية عطاء: أبصرته من شق عينها اليمنى.\nوقال أبو إسحاق: ﴿عَنْ جُنُبٍ﴾ أي: عن بُعد، تُبصره، ولا تُوهم أنها تراه (٦).\nوقال ابن قتيبة: ﴿فَبَصُرَتْ بِهِ﴾ من بُعد منها عنه، وإعراض لئلا يفطنوا (٧)، والمجانبة من هذا (٨). وقال الفراء: يقول: كانت على شاطئ البحر حين رأت آل فرعون قد التقطوه (٩). ولم يذكر الفراء ما ذكره غيره من أنها تجتنب أن يفطنوا بها؛ واقتصر من تفسير قوله: ﴿عَنْ جُنُبٍ﴾ على البعد فقط. وليس المعنى في قوله: ﴿عَنْ جُنُبٍ﴾ بُعد المسافة كما توهمه؛ وإنما\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي حاتم ٩/ ٢٩٤٨. وذكره الثعلبي ١٤٢ أ.\n(٢) أخرجه ابن جرير ٢٠/ ٣٩، وابن أبي حاتم ٩/ ٢٩٤٨.\n(٣) أخرجه عبد الرزاق ٢/ ٨٨، عن قتادة. وكذا ابن جرير ٢٠/ ٣٩، وابن أبي حاتم ٩/ ٢٩٤٨.\n(٤) ما بين المعقوفين ساقط من نسخة (ج).\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ٦٣ ب.\n(٦) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٣٤. ونحوه في \"وضح البرهان\" ٢/ ١٤٧.\n(٧) لها. غير موجودة في النسخ الثلاث.\n(٨) \"غريب القرآن\" ٣٢٩.\n(٩) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٣٠٣.","vol":"17","page":345},{"text":"هو: التباعد والمجانبة أن يعلموا بحالها، وأنها ترقبه، كما ذكره المفسرون، وأهل المعاني، ولا تستعمل الجنب والجنابة في بعد المسافة، ألا ترى إلى قول علقمة بن عبدة:\nفلا تَحْرِمَنّي نائلًا عن جَنَابةٍ ... فإني امرؤٌ وَسْطَ القِبابِ غريبُ (١)\nأراد بعد النسب لا بعد المسافة. فمعنى قوله: ﴿عَنْ جُنُبٍ﴾ أي: عن تجنب منها وتباعد أبصرته.\nقوله تعالى: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ قال ابن عباس: وهم لا يعلمون أنها أخته (٢).\nوقال مقاتل: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ أنها ترقبه (٣).\nوقال ابن إسحاق: لا يعرفون أنها منه بسبيل (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3246>١٢ </span>- قوله -﷿-: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ﴾ الآية، ﴿الْمَرَاضِعَ﴾ يجوز أن يكون جمع امرأة مُرْضِعة (٥)، أو مُرْضِع: ذات ولد رضيع. ويجوز أن يكون\n_________\n(١) \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ٢/ ٩٨، ونسبه لعلقمة بن عبدة وكذا المبرد، \"الكامل\" ٢/ ٩٠٣، وقال: جنابة: غربة وبعد. وأنشده الزجاج ٤/ ١٣٤، ولم ينسبه. ونسبه لعلقمة: الأزهري ١١/ ١٢٣، وهو في \"ديوان علقمة\" ٣٠، آخر بيت من قصيدة له يمدح فيها الحارث بن جبلة الغساني، وكان قد أسر أخاه فرحل إليه يطلبه فيه. يقول: لا تحرمني العطاء بعد غربة وبعد عن دياري، فإنني امرؤ غريب. \"حاشية الديوان\".\n(٢) أخرجه ابن جرير ٢٠/ ٤٠، وابن أبي حاتم ٩/ ٢٩٤٩، عن السدي. وأخرجه ابن جرير في التاريخ ١/ ٣٨٩، عن السدي، عن ابن عباس، وابن مسعود. وذكره الفراء ٢/ ٣٠٣، ولم ينسبه.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ٦٤ أ.\n(٤) أخرجه ابن جرير ٢٠/ ٤٠، وابن أبي حاتم ٩/ ٢٩٤٩.\n(٥) في نسخة (ج): راضعة.","vol":"17","page":346},{"text":"جمع مَرْضِع منى: الإرضاع، ويجوز أن يكون جمع: مَرْضَع من قولهم: رَضَع يَرْضَع بمعنى: المصدر. ذكر ذلك المفضل والمبرد (١). وكلام المفسرين أيضًا يدل على نحو ما ذكرنا؛ قال ابن عباس في رواية عطاء: إن امرأة فرعون كان همها من الدنيا أن تجد له مرضعة تأخذه منها ترضعه، فكلما أتوه بمرضعة لم يأخذ ثديها. وقال في رواية سعيد بن جبير: لا يؤتى بمرضع فيقبلها (٢).\nوقال محمد بن إسحاق: جمعوا له المراضع حين ألقى الله محبتهم عليه، فلا يؤتى بامرأة فيقبل ثديها (٣). فهذا يدل على أن المراضع ذوات الإرضاع.\nوقال مجاهد ومقاتل: لم يقبل موسى ثدي امرأة (٤).\nوقال قتادة: كان لا يقبل ثديًا (٥).\nوقال الفراء: يقول معناه: من قبول ثدي إلا ثدي أمه (٦). وهذا يدل على أن المراد بالمراضع [المرضعات، أو يراد: رضاعات.\nوأما ابن قتيبة فقال: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ﴾] (٧) معناه: أن يَرْضَع، والمراضع: جمع مُرْضِع (٨). يعني: الإرضاع. والمراد بالتحريم هاهنا\n_________\n(١) لم أجد قول المبرد والمفضل في \"التهذيب\" مادة: رضع. ولا في \"لسان العرب\".\n(٢) أخرجه ابن جرير ٢٠/ ٤٠، وابن أبي حاتم ٩/ ٢٩٤٩.\n(٣) أخرجه ابن جرير ٢٠/ ٤١. وأخرجه الحاكم ٢/ ٤٤١، رقم ٣٥٢٩، عن ابن عباس.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ٦٤ أ. وأخرجه ابن جرير ٢٠/ ٤٠، عن مجاهد.\n(٥) أخرجه عبد الرزاق ٢/ ٨٨. وأخرجه بمعناه ابن جرير ٢٠/ ٤١.\n(٦) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٣٠٣.\n(٧) ما بين المعقوفين زيادة من نسخة (ج).\n(٨) \"غريب القرآن\" ٣٢٩.","vol":"17","page":347},{"text":"تحريم المنع، وليس هناك نهي، ولكنه منع بالتبغيض، كالمنع بالنهي، وهذا كما يقال: حَرَّم فلانٌ على نفسه كذا بالامتناع بالأكل منه كالامتناع بالنهي (١).\nقوله: ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ قال المفسرون: من قبل أمه، ومن قبل أن تأته أمه، ومن قبل أن نرده على أمه (٢). وذلك أن الله تعالى أراد أن يرده إلى أمه فبغض المراضع إليه حتى يُؤتى بأمه.\nوقال صاحب النظم: قوله: ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ أي: من قبل أن يولد في القضاء والقدر السابق، حرمنا عليه المراضع، وكان تحريم إرضاعهن عليه أن لا يقبل ثدي امرأة. والقول ما قال المفسرون؛ لأن المراضع لو حرمت عليه في القضاء السابق لحرم عليه رضاع أمه أيضًا؛ لعموم اللفظ، ولكن المعنى: حرمنا عليه المراضع قبل إرضاع أمه؛ وذلك أنه إذا رُدَّ إلى أمه فأرضعته يجوز أن يقبل ثدي مرضعة غير الأم.\nوقوله: ﴿فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ﴾ قال المفسرون: لما تعذر عليهم رضاعه، ورأت حرصهم على ذلك، قالت: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ﴾ أي: يكفلون لكم رضاعه، ويضمنون لكم القيام به (٣).\nقال ابن عباس: قالوا لها: مَنْ؟ قالت: أمي، قالوا: ولأمك لبن؟\n_________\n(١) قال النيسابوري: تحريم منع لا شرع. \"وضح البرهان\" ٢/ ١٤٧.\n(٢) \"تفسير ابن جرير\" ٢٠/ ٤٠. و\"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٣٥، بمعناه.\n(٣) أخرجه ابن جرير ٢٠/ ٤١، وابن أبي حاتم ٩/ ٢٩٤٩، عن ابن إسحاق. و\"غريب القرآن\"، لابن قتيبة ٣٢٩، و\"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٣٥. و\"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ٢/ ٩٩. و\"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٤٢ أ.","vol":"17","page":348},{"text":"قالت: نعم، لبن هارون. وكان هارون ولد في سنةٍ لا يقتل فيها صبي، فقالوا لها (١): صدقتِ والله.\nوقوله: ﴿وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ﴾ قال مقاتل: هم أشفق عليه، وأنصح له من غيره (٢). وقال السدي وابن جريج: لما سمعوا قولها: ﴿وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ﴾ قالوا: قد عرفتِ أهلَ هذا الغلام فدلينا على أهله، فقالت: لا أعرف، ولكني عَنيتُ: وهم للملِك ناصحون (٣)، فدلتهم على أم موسى، فدُفع إليها تربيه لهم (٤)، فلما وجد الصبي ريح أمه قبل ثديها (٥)، وأتم الله لها ما وعدها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3247>١٣ </span>- قوله: ﴿فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ﴾ قال ابن إسحاق: بلغ لطف الله له ولها أن ردَّ عليها ابنها، وعَطَفَ عليه بقلب فرعون وأهل بيته، مع أمانها عليه (٦) من القتل الذي يُتخوَف على غيره، وكأنهم كانوا من بيت آل فرعون في الأمان والسعة (٧)؛ فذلك قوله: ﴿كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا﴾ أي: بولدها ﴿وَلَا تَحْزَنَ﴾ على فراقه (٨) ﴿وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ﴾ برد ولدها إليها ﴿حَقٌّ﴾.\nقال صاحب النظم: هي كانت عالمة بأن وعد الله حق قبل أن ردَّ إليها\n_________\n(١) لها. زيادة من نسخة: (ب).\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ٦٤ أ.\n(٣) رواه ابن جرير ٢٠/ ٤١، وابن أبي حاتم ٩/ ٢٩٤٩. وذكره عنهما الثعلبي ٨/ ١٤٢ أ.\n(٤) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٣٥.\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ٦٤ أ، من قوله: فلما وجد الصبي. و\"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٤٢ أ.\n(٦) عليه. ساقطة من نسخة (ج).\n(٧) أخرجه ابن أبي حاتم ٩/ ٢٩٥٠.\n(٨) في النسخ الثلاث: فراقها.","vol":"17","page":349},{"text":"ولدها، لقوله تعالى: ﴿لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أيَ: المصدقين بوعد الله، فهي مصدقة بوعد الله بربط الله على قلبها؛ ومعنى: ﴿وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ لتعلم كون ذلك ووقوعه مع علمها بأن الله منجزها ما وعدها. وهذا الفرق بين العيان والخبر، وهو مثل قوله: ﴿قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠] لأن للمعاينة من ثَلَج اليقين ما ليس لغير المعاينة، وإن كان يقينًا (١).\nقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ يعني: أهل مصر لا يعلمون أن الله وعدها رده إليها (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3248>١٤ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ قال مقاتل: يعني لثمان عشرة سنة إلى أربعين سنة (٣)، واستوى وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة. وهذا قول الكلبي (٤).\nوقال مجاهد: ولما بلغ أشده: ثلاثًا وثلاثين سنة، واستواؤه: أربعين سنة (٥).\n_________\n(١) ثَلَجَتْ نفسي بالأمر: إذا اطمأنت إليه وسكنت وثبت فيها ووثقت به. \"تهذيب اللغة\" ١١/ ٢١ (ثلج)، و\"لسان العرب\" ٢/ ٢٢٢.\n(٢) \"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٤٢ أ.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ٦٤ أ، بلفظ: ولما بلغ موسى أشده، يعني: لثمان عشرة سنة، واستوى يعني: أربعين سنة.\n(٤) \"تنوير المقباس\" ٣٢٤. وذكره عنه الثعلبي ٨/ ١٤٢ أ، بلفظ: الأشد: ما بين ثماني عشرة سنة إلى ثلاثين سنة.\n(٥) في نسخة: (ج): واستوى وهو ابن أربعين سنة. وخبر مجاهد أخرجه ابن جرير ٢٠/ ٤٢، وابن أبي حاتم ٩/ ٢٩٥١. ونسب الثعلبي ٨/ ١٤٢ أ، هذا القول لسائر المفسرين بعد أن ذكر قول الكلبي.","vol":"17","page":350},{"text":"وهو قول ابن عباس وقتادة (١).\nوقوله: ﴿آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ قال مجاهد: الفقه والعقل والعلم قبل النبوة (٢).\nقال محمد بن إسحاق: آتاه الله علما وفقهًا في دينه، ودين آبائه، وعلمًا بما في دينه من شرائعه، وحدوده (٣)، وكانت له من بني إسرائيل شيعة يسمعون منه، ويقتدون به، ويجتمعون إليه. وقال أبو إسحاق: فَعَلِم موسى -﵇- وحكم (٤) قبل أن يُبعث (٥). والعالم الحكيم من استعمل علمه، ومن لم يعمل بعلمه فهو جاهل.\nوقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ قال مقاتل: يقول: هكذا نجزي من أحسن، أي: من آمن بالله (٦).\n_________\n(١) أخرج عبد الرزاق ٢/ ٨٨، عن قتادة، روايتين؛ أربعون سنة، وأخرجها كذلك عن مجاهد، والثانية: ثلاث وثلاثون. وأخرج الرواية عن ابن عباس ابن أبي حاتم ٩/ ٢٩٥١، والثعلبي ٨/ ١٤٢ ب.\nقال أبو القاسم عبد الرحمن الزجاجي في هذه الآية: هو منتهى شبابه وكماله واستقراره، فلا يكون فيه زيادة قبل أن يأخذ في النقصان. \"اشتقاق أسماء الله الحسنى\" ٣٣٤. ويشهد لتمام الأشد أربعين سنة قول الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ [الأحقاف: ١٥].\n(٢) أخرجه ابن جرير ٢٠/ ٤٢، وابن أبي حاتم ٩/ ٢٩٥٢. وذكره الثعلبي ٨/ ١٤٢ ب.\n(٣) أخرجه ابن جرير ٢٠/ ٤٣، في موضعين، وابن أبي حاتم ٩/ ٢٩٥٢، وأصل الكلام في النسخ الثلاث: وعلمًا في دينه من شرائعه. وأثبت الزيادة من المصدرين السابقين.\n(٤) وحكم، في نسخة (ج).\n(٥) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٣٦.\n(٦) هكذا في \"تفسير مقاتل\" ٦٤ أ. وفي نسخة (ج): أي: آمن باللهِ.","vol":"17","page":351},{"text":"وقال الكلبي: ﴿نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ يقول: الموحدين (١).\nقال الزجاج: جعل الله إيتاء العلم والحكمة إياه مجازاة على الإحسان؛ لأنهما يؤديان إلى الجنة التي هي جزاء المحسنين (٢)، وهذه الآية مفسرة في سورة يوسف (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3249>١٥ </span>- قوله تعالى: ﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا﴾ اختلفوا في هذه المدينة، وفي سبب دخول موسى المدينة؛ فقال السدي: دخلها متبعًا أثر فرعون؛ لأن فرعون ركب وموسى غير شاهد، فلما جاء موسى قيل له: إن فرعون قد ركب، فركب في أثره، فأدركه المقيل بأرض يقال لها: مَنْف (٤)، فهو قوله: ﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ﴾ (٥).\nوقال ابن إسحاق: بل دخلها مستخفيًا من فرعون وقومه؛ وذلك أنه كان قد خالفهم في دينهم، وعاب عليهم ما كانوا عليه، وأنكر عليهم ذلك،\n_________\n(١) \"تنوير المقباس\" ٣٢٤، بلفظ: المحسنين: النبيين بالفهم والنبوة، ويقال: الصالحين بالعلم والحكمة.\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٣٦.\n(٣) عند قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [٢٢]، قال الواحدي في تفسيرها: ﴿وَكَذَلِكَ﴾ أي: مثل ما وصفنا من تعليم يوسف ﴿نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ قال ابن عباس: يريد: نفعل بالموحدين. وقال أبو روق عن الضحاك: يعني الصابرين على النوائب، كما صبر يوسف.\n(٤) أخرجه ابن جرير في \"التاريخ\" ١/ ٣٩٠، عن السدي.\nو(مَنْف)، بالفتح ثم سكون: اسم مدينة فرعون بمصر، قال القضاعي: أصلها بلغة القبط: مافه، فعربت، فقيل: منف. \"معجم البلدان\" ٥/ ٢٤٧. وهي الآن جنوب الجيزة، والجيزة تقابل القاهرة من جهة الغرب.\n(٥) أخرجه ابن جرير ٢٠/ ٤٣، وابن أبي حاتم ٩/ ٢٩٥٢. وذكره الثعلبي ٨/ ١٤٢ ب.","vol":"17","page":352},{"text":"حتى أخافوه وخافهم، حتى كان لا يدخل قرية فرعون إلا خائفًا مستخفيًا فدخلها يومًا على حين غفلة من أهلها (١). وعلى هذا القول المدينة: مدينة فرعون التي كان يسكنها.\nوقال مقاتل: هي قرية على رأس فرسخين من مصر تدعى: خانين (٢).\nوقوله: ﴿عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا﴾ قال ابن عباس. في الظهيرة، عند المقيل (٣). وهو قول سعيد بن جبير ومقاتل والسدي؛ قالوا: دخلها نصف النهار، وليس في طرقها أحد (٤). وروى عطاء عن ابن عباس: بين (٥) المغرب والعشاء (٦). وهو قول القرظي (٧).\nوعلى قول ابن إسحاق: تعمد موسى الدخول على غفلتهم عنه؛ لأنه كان خائفًا مستخفيًا. وقال ابن زيد: لما كبر موسى وأنكر على فرعون وقومه دينهم، أمرَ فرعونُ بإخراجه من مدينته، فخرج منها، ولم يدخل عليهم إلا بعد الكبر، فدخلها عليهم وقد نسوا خبره وأمره؛ لبعد عهدهم به (٨). وعلى\n_________\n(١) أخرجه ابن جرير ٢٠/ ٤٣. وذكره الثعلبي ٨/ ١٤٢ ب.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ٦٤ أ. لم أجد معلومات عن هذه المدينة.\n(٣) أخرجه ابن جرير ٢٠/ ٤٤.\n(٤) أخرجه ابن جرير ٢٠/ ٤٣، وابن أبي حاتم ٩/ ٢٩٥٢، عن السدي، وابن عباس، وقتادة. وأخرجه عبد الرزاق ٢/ ٨٩، عن قتادة. و\"تفسير مقاتل\" ٦٤ أ. و\"وضح البرهان\" ٢/ ١٤٨، ولم ينسبه.\n(٥) بين، ساقطة من نسخة (ج).\n(٦) أخرجه ابن جرير ٢٠/ ٤٤، وابن أبي حاتم ٩/ ٢٩٥٣. والمراد به عطاء الخراساني كما صرح به ابن جرير.\n(٧) ذكره عنه الثعلبي ٨/ ١٤٢ ب.\n(٨) أخرجه بنحوه ابن جرير ٢٠/ ٤٤، وابن أبي حاتم ٩/ ٢٩٥٣. وذكره الثعلبي ٨/ ١٤٢ ب.","vol":"17","page":353},{"text":"هذا المدينة: مصر (١)، وغفلتهم عنه: نسيانهم إياه لطول العهد؛ وهذا القول لا يليق بسياق القصة؛ لأن عَود موسى إليهم بعد طول العهد إنما كان بعد الوحي والنبوة، ونبوته كانت بعد ما ذكر الله تعالى من قصته مع شعيب في هذه السورة. قال الفراء: أراد على غفلة من أهلها، فأدخل: ﴿حِينِ﴾ فضلة في الكلام، ولو لم يكن ﴿حِينِ﴾ فضلة، لقيل: ودخل المدينة حين غفلة من أهلها (٢).\nقوله تعالى: ﴿فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ﴾ قال ابن عباس: يريد: بأن أحدهما من بني إسرائيل، والآخر قبطي. وهو قول الجماعة (٣).\n_________\n(١) مصر، ساقطة من نسخة: (أ)، (ب).\n(٢) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٣٠٣. لم أجد هذه المسألة عند الزمخشري، ولا ابن عطية، ولا أبي حيان، ولا أبي السعود. وأما النحاس فقال: يقال في الكلام: دخلتُ المدينة حين غَفل أهلها، ولا يقال: على حين غفل أهلها، ودخلتْ على في هذه الآية؛ لأن الغفلة هي المقصودة، فصار هذا كما تقول: جئتُ على غفلة، وإن شئت قلت: جئتُ على حين غفلة، فكذا الآية. \"إعراب القرآن\" للنحاس ٣/ ٢٣١. وكلامه تقرير لكلام الفراء؛ والأولى أن يقال: دخلت ﴿حِينِ﴾ لتأكيد معنى الدخول على غفلة؛ فإن وقت القائلة وما بين العشائين قد لا يُغفل فيه، و﴿مِنْ أَهْلِهَا﴾ في موضع الصفة لغفلة، وما في النظم الكريم أبلغ من غفلة أهلها، بالإضافة لما في التنوين من إفادة التفخيم. \"روح المعاني\" ٢٠/ ٥٣.\nقال ابن عاشور ٢٠/ ٨٨: ويتعلق ﴿عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ﴾ بـ ﴿دَخَلَ﴾ وعلى للاستعلاء المجازي كما في قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥]. فإعراب ﴿عَلَى حِينِ﴾ حال من المدينة، أو حال من الفاعل. \"إملاء ما من به الرحمن\" للعكبري ٢/ ١٧٧، و\"الدر المصون\" ٨/ ٦٥٦، و\"الجدول في إعراب القرآن الكريم\" ١٠/ ٢٣٣.\n(٣) أخرجه أبو يعلى ٥/ ١٦، عن ابن عباس. وأخرج ابن جرير ٢٠/ ٤٥، عن ابن =","vol":"17","page":354},{"text":"قال ابن إسحاق: ﴿هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ﴾ مسلم، وهذا من دين آل فرعون كافر (١).\nقال أبو إسحاق: المعنى فوجد فيها رجلين؛ أحدهما من شيعته، والآخر من عدوه، وقيل فيهما: (هَذَا) (وَهَذَا) وهما غائبان على جهة الحكاية للحضرة، أي: فوجد فيها رجلين إذا نظر إليهما الناظر قال: هذا من شيعته، وهذا من عدوه (٢).\nوقال أبو علي: (هَذَا) يشار به إلى الحاضر، والقصة ماضية ولكنها حكاية حال (٣). وقد ذكرنا مثلها في قوله: ﴿فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ﴾ [يوسف: ١١٠] (٤).\nوقوله: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾ أي: استنصر موسى الإسرائيلي على القبطي (٥) ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى﴾ الوكز: الضرب بجُمعِ الكف في الصدر (٦).\n_________\n= عباس، وسعيد بن جبير، وقتادة، والسدي، وابن أبي حاتم ٩/ ٢٩٥٤، عن ابن عباس، وقتادة، والسدي. و\"تفسير مقاتل\" ٦٤ أ. و\"غريب القرآن\" لابن قتيبة ٣٢٩.\n(١) أخرج ابن جرير ٢٠/ ٤٥، وابن أبي حاتم ٩/ ٢٩٥٤، وقد خالف في ذلك مقاتل؛ فقال: ﴿فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ﴾ كافرين. \"تفسير مقاتل\" ٦٤ أ، وهو أقرب؛ لأن نبي الله موسى -ﷺ-، لم يبعث بعد. وقد ذكر هذا القول الواحدي بعد ذلك، ورجح قول مقاتل. والله أعلم.\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٣٦.\n(٣) كتاب \"الشعر\" لأبي علي ١/ ٢٣٦.\n(٤) قال الواحدي في تفسير هذه الآية: قال أبو علي: هو حكاية حال ألا ترى أن القصة فيما مضى، وإنما حكى فعل الحال على ما كانت كما أن قوله ﴿هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ﴾ [القصص: ١٥] أشار إلى الحاضر والقصة ماضية لأنه حكى الحال.\n(٥) و(٦) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٣٦، ١٣٧. و\"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٤٣ أ.","vol":"17","page":355},{"text":"قال الفراء: يريد: فلكزه، وفي قراءة عبد الله: (فَنكَزهُ). وكلٌ سواء (١).\nقال المفسرون: وكزه موسى وكزة بجمع كله فقتله، وهو قوله: ﴿فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ أي: قتله. قاله ابن عباس والمفسرون (٢).\nقال أبو عبيدة: كل شيء فرغت منه، فقد قضيت عليه وقضيته (٣).\nقال المبرد: قضى عليه كقولك: أتى عليه، أي: صادف أجله، ومنه قول جرير:\nأيُفايشُون وقد رأوا حُفَّاثهم ... قد عَضَّه فَقَضَى عليه الأشجعُ (٤)\nأي: قتله. قال المفسرون: كان موسى شديد البطش، قد أوتي بسطة في الخَلْق، وشدة في البطش، ضَبَثَ (٥) بعدوه فوكزه وكزة قتله منها، وهو لا يريد قتله، فـ ﴿قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ (٦) أي: هذا القتل من تسبب\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" ٣/ ٣٠٢. و\"غريب القرآن\" لابن قتيبة ٣٣٠. وذكر قراءة عبد الله الثعلبي ٨/ ١٤٣ أ. وفي \"الدر المصون\" ٨/ ٦٥٧: والفرق بين الوكز واللكز: أن الأول بجميع الكف، والثاني بأطراف الأصابع، وقيل: بالعكس. والنكز كاللكز.\n(٢) أخرجه أبو يعلى ٥/ ١٦، عن ابن عباس. و\"تفسير مقاتل\" ٦٤ أ. و\"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ٣٠٢. و\"غريب القرآن\" لابن قتيبة ٣٣٠. و\"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٤٣ أ. و\"وضح البرهان\" ٢/ ١٤٨.\n(٣) \"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٤٣ أ. بنصه، ولم ينسبه. وكذا عند ابن قتيبة، \"غريب القرآن\". وفي \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ٢/ ٩٩، أي: فقتله وأتى على نفسه.\n(٤) \"ديوان جرير\" ٢٧٠، من قصيدة يهجو فيها الفرزدق، ومعنى الفياش: المفاخرة. \"لسان العرب\" ٦/ ٣٣٣، واستشهد ببيت جرير على ذلك. والحفاث: حية عظيمة. \"لسان العرب\" ٢/ ١٣٨ (حفث).\n(٥) الضَّبْث: قبضك بكفك على الشيء. \"تهذيب اللغة\" ١٢/ ٧ (ضبث).\n(٦) أخرجه ابن جرير ٢٠/ ٤٥، وابن أبي حاتم ٩/ ٢٩٥٥، عن ابن إسحاق. وأخرجا نحوه عن قتادة، وأخرج نحوه عن ابن عباس ابن أبي حاتم ٩/ ٢٩٥٤. و\"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٤٣ أ.","vol":"17","page":356},{"text":"الشيطان؛ هيج غضبي حتى ضربت هذا ﴿إِنَّهُ عَدُوٌّ﴾ لابن آدم ﴿مُضِلٌّ﴾ له ﴿مُبِينٌ﴾ عداوته. قال المفسرون: لما قتله موسى ندم على القتل، وقال: لم أومر بذلك، فـ: ﴿قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ (١).\nقال أبو إسحاق: هذا يدل على أن قتله كان خطأً، وأنه لم يكن أُمِر موسى بقتل ولا قتال (٢). ثم استغفر الله فقال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3250>١٦ </span>- ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾ بقتلي نفسًا لم أومر بقتلها ﴿فَاغْفِرْ لِي﴾ أي: استر علي هذا الذنب ﴿فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-3251>١٧ </span>- ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ﴾ أي: مننت عليّ إذ غفرت لي قتل هذه النفس (٤). قال مقاتل: أنعمت علي بالمغفرة (٥)؛ ولا أدري كيف علم موسى أن الله قد غفر له، وكان هذا قبل الوحي (٦)؟. وقوله: ﴿فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾ قال ابن عباس: عونًا للكافرين (٧).\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي حاتم ٩/ ٢٩٥٥، عن ابن عباس. و\"الثعلبي\" ٨/ ١٤٣ أ، ولم ينسبه.\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٣٧.\n(٣) \"تفسير ابن جرير\" ٢٠/ ٤٧، وأخرج عن قتادة قال: عرف المخرج فقال: ﴿ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي﴾.\n(٤) في \"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٤٣ أ: أنعمت علي بالمغفرة فلم تعاقبني.\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ٦٤ أ.\n(٦) قال ابن عطية ١١/ ٢٧٦: ثم قال -﵇- معاهدًا لربه -﷿-: رب بنعمتك علي وبسبب إحسانك فأنا ملتزم ألا أكون معينًا للمجرمين. هذا أحسن ما تُؤول. وقال ابن كثير ٦/ ٢٢٥: ﴿بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ﴾ أي: بما جعلت لي من الجاه والعزة والمنعة. وعلى هذا لا يرد الاعتراض الذي أورده الواحدي.\n(٧) ذكره عن ابن عباس ابن الجوزي، \"زاد المسير\" ٦/ ٢٠٩، ثم قال بعده: وهذا يدل على أن الإسرائيلي الذي أعانه موسى كان كافرًا. وذكره ابن الأنباري، الأضداد، ٢٢٥، ولم ينسبه.","vol":"17","page":357},{"text":"قال الأخفش: قوله: ﴿فَلَنْ أَكُونَ﴾ معناه: فلا أكونن (١). وهذا خبر في معنى الدعاء، كأنه قال: فلا تجعلني ظهيرًا. ونحو هذا ذكر الفراء؛ واحتج (٢) بأن في حرف عبد الله: (فلا تجعلني ظهيرًا)؛ على الدعاء (٣). ومذهب المفسرين أن هذا خبر وليس بدعاء؛ أخبر عن نفسه أنه لا يكون ظهيرًا للمجرمين بعد ذلك (٤).\nقال ابن عباس: لم يستثن فابتُلي (٥). يعني: ما وقع له من غدِ ذلك اليوم؛ وهو قوله: ﴿فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ﴾. وقال قتادة: لم يستثن -﵇- حين قال: ﴿فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾ فابتلي كما تسمعون (٦). قال مقاتل: إنما قال ذلك؛ لأن الذي نصره موسى كان كافرًا (٧). وقد حكينا عن ابن إسحاق: أنه كان مسلمًا (٨).\nوسياق اللفظ يدل على صحة قول مقاتل. ومعنى الظهير في اللغة: المعين (٩). وقد مر تفسيره (١٠).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3252>١٨ </span>- قوله تعالى: ﴿فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ قال مقاتل: أصبح\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للأخفش ٢/ ٦٥٢.\n(٢) واحتج، ساقطة من نسخة: (ب).\n(٣) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٣٠٤.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ٦٤ أ. وأخرجه عبد الرزاق ٢/ ٨٩، عن قتادة.\n(٥) ذكره عنه الفراء، \"معاني القرآن\" ٢/ ٣٠٤. والثعلبي ٨/ ١٤٣ أ.\n(٦) أخرجه ابن جرير ٢٠/ ٤٧.\n(٧) \"تفسير مقاتل\" ٦٤ أ.\n(٨) سبق ذكره في تفسير قول الله تعالى: ﴿هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ﴾ [١٥].\n(٩) \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ٢/ ٩٩.\n(١٠) عند قول الله تعالى: ﴿وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٥].","vol":"17","page":358},{"text":"موسى من الغد في المدينة خائفًا أن يُقتل ﴿يَتَرَقَّبُ﴾ ينتظر الطلب (١).\nوقال ابن عباس: يتوقع (٢). وقال قتادة: ينتظر ما الذي يحدث به (٣).\nوقال الكلبي: ينتظر متى يؤخذ به (٤). قال سعيد بن جبير: يتلفت (٥).\nوقال ابن قتيبة: ينتظر سوءًا يناله منهم (٦). والترقب: انتظار المكروه (٧).\n﴿فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ﴾ قال المفسرون: فإذا صاحبه الإسرائيلي الذي استنقذه بالأمس يقاتل فرعونيًا يريد أن يسخره، وهو يستغيث بموسى (٨).\nوالاستصراخ: الاستغاثة والاستنصار (٩). وأمسِ: اسم لليوم الماضي الذي هو قبل يومك، وهو مبني على الكسر لالتقاء الساكنين.\nوقال الكسائي: بُني على الكسر؛ لأنه فعل سمي به، وهو عنده مأخوذ من قولهم: أمسِ، فتركت السين على كسرتها، وهو اسم مبني\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ٦٤ أ. و\"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ٢/ ٩٩.\n(٢) أخرجه ابن جرير ٢٠/ ٤٧، بلفظ: يترقب أن يؤخذ.\n(٣) أخرجه عبد الرزاق ٢/ ٨٩.\n(٤) \"تنوير المقباس\" ٣٢٤.\n(٥) أخرجه ابن أبي حاتم ٩/ ٢٩٥٧.\n(٦) \"غريب القرآن\" لابن قتيبة ٣٣٠.\n(٧) الترقُب: تَنَظُّرُ الشيءِ وتَوَقُّعُه. كتاب \"العين\" ٥/ ١٥٤ (رقب)، و\"تهذيب اللغة\" ٩/ ١٢٨.\n(٨) \"تفسير مقاتل\" ٦٤ أ، بمعناه. و\"تفسير ابن جرير\" ٢٠/ ٤٨، و\"غريب القرآن\" لابن قتيبة ٣٣٠.\n(٩) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٣٧.","vol":"17","page":359},{"text":"ومعرفة بغير: (ألف)، ولا: (لام)، نحو هُنَيْدَة، وشَعُوب (١)، ونحو ذلك من المبنيات المعرَّفة بغير اللام. ومن العرب من يبنيه على الفتح، كقول الشاعر:\nلقدْ رأيتُ عَجَبًا مُذْ أمْسَا ... عجائزًا مثلَ الأفاعي خمسا (٢)\nفإذا أضفته أو نكرته أو أدخلت عليه الألف واللام أجريته بالإعراب، تقول: كان أمسُنا طيبًا، ورأيت أَمْسَنا المبارك، وسرت بأَمْسِنا، وتقول: مضى الأمسُ بما فيه (٣).\nقال الفراء: ومن العرب من يخفض الأمسِ وإن أدخل عليه الألف واللام، وأنشد:\nوإني قعدت اليومَ والأمسِ قبله ... وأقعد غدًا إن تأخروا في الأجل (٤)\n_________\n(١) قال الأصمعي: هُنَيْدَة: مائة من الإبل معرِفة لا تنصرف، ولا يدخلها الألف واللام، ولا تجمع، ولا واحد لها من جنسها. \"تهذيب اللغة\" ٦/ ٢٠٤ (هند). وشَعُوب: المنية؛ يقال: شَعبته شَعوبُ فأشعبَ؛ أي: مات. \"تهذيب اللغة\" ١/ ٤٤٣ (شعب). و\"القاموس المحيط\" ١٣٠.\n(٢) أنشده سيبويه، \"الكتاب\" ٣/ ٢٨٥، وأبو زيد، \"النوادر\" ٥٧، وفي حاشية الكتاب: هو للعجاج، والشاهد فيه: إعراب أمس مع منعها من الصرف للعلمية والعدل عن الأمس. ومذ يرفع ما بعدها ويخفض أيضًا كما هنا. وهو في \"ديوان العجاج\" ٤٠٠. وأنشده في \"اللسان\" ٦/ ١٠ (أمس) مقتصرًا على صدره، ولم ينسبه.\n(٣) \"تهذيب اللغة\" ١٣/ ١١٨ (أمس)، من قوله: فإذا أضفته .. ونسبه للكسائي، ولم أجد فيه ما قبله من الكلام، ولا بيت الشعر.\n(٤) لم أجده في \"معاني القرآن\" عند تفسير هذه الآية. وقد نقله الزهري في \"تهذيب اللغة\" ١٣/ ١١٨ (أمس)، ولم ينسبه. وأنشده في \"اللسان\"، في موضعين ٦/ ٨، ١٠ (أمس) ونسبه لنُصيب، والبيت بتمامه كما في \"اللسان\" في الموضع الثاني:\nوإني حُبست اليومَ والأمسِ قبلَه ... ببابِك حتى كادت الشمسُ تغرب","vol":"17","page":360},{"text":"قال موسى للذي نصره بالأمس: ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ (١) قال ابن عباس: يريد: لمضل بين الضلالة.\nقال مقاتل: يقول: إنك لمضل بين؛ قتلتُ أمس في سببك (٢) رجلًا، وتدعوني اليومَ إلى آخر (٣).\nوالغوي هاهنا: فَعيل، من: أغوى يغوي، بمعنى مغوي، كالوجيع والأليم، ويجوز أن يكون الغوي بمعنى: الغاوي فيكون المعنى: إنك لغوي في قتالك من لا يطيق دفع شرِّه عنك (٤).\nوقال الحسن: إنما قال للفرعوني: ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ يعني بالتسخير والظلم (٥).\nثم أقبل موسى إليهما وهمَّ أن يبطش الثانية بالقبطي، وهو قوله:\n_________\n= وفي الموضع الأول: وقفت، بدل: حبست. وفي \"الدر المصون\" ٨/ ٦٥٩: ﴿بِالْأَمْسِ﴾ معرب؛ لأنه متى دخلت عليه أل أو أضيف أُعرب، ومتى عري منهما فحاله معروف؛ الحجاز تبنيه، والتميميون يمنعونه الصرف كقوله: لقدْ رأيتُ عَجَبًا مُذْ أمْسَا.\nعلى أنه قد يبنى مع أن ندورًا، كقوله:\nوإني حُبست اليومَ والأمسِ قبلَه ... إلى الشمس حتى كادت الشمس تغرب\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٣٧.\n(٢) في نسخة: (ج): سبيلك\n(٣) ذكر نحوه الفراء، \"معاني القرآن\" ٢/ ٣٠٤. و\"غريب القرآن\" لابن قتيبة ٣٣٠. ولم أجده في \"تفسير مقاتل\".\n(٤) لم أجده في \"تهذيب اللغة\"، مادة: غوى. ونقله بنصه ابن الجوزي، \"زاد المسير\" ٦/ ٢٠٩، ولم ينسبه.\n(٥) ذكره الثعلبي ٨/ ١٤٣ ب، ولم ينسبه، وصوب القول الأول، وجعله أليق بنظم الآية، وهو أن هذا موجه للإسرائيلي، وليس للقبطي. وهو كذلك. والله أعلم.","vol":"17","page":361},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3253>١٩ </span>- ﴿فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا﴾ أي: بالقبطي، الذي هو عدو لموسى والإسرائيلي، [ظن الإسرائيلي] (١) أن موسى يريد أن يبطش به لقوله له (٢): ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ فقال: ﴿يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ﴾ وهذا قول جميع المفسرين (٣).\nقال ابن عباس والكلبي: ولم يكن أحد اطلع ولا علم أن موسى هو الذي قتل القبطي بالأمس، حتى أفشى عليه الإسرائيلي أنه هو القاتل بالأمس، وسمع القبطي ذلك فعَلِم به، وأتى فرعون فأخبره (٤).\nوالذي قاله المفسرون: إنه لم يستثن فابتلي، هو هذا، وهو أنه وقع من الغد في مثل ما وقع بالأمس، وهمَّ بالبطش حتى فشت عليه قصته الواقعة بالأمس، حتى احتاج إلى الهرب.\nقوله تعالى: ﴿إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ﴾ أي: ما تريد إلا أن تكون جبارًا. قال المفسرون: قتالًا بالظلم (٥).\nقال أبو إسحاق: الجبار في اللغة: المتعظم الذي لا يتواضع لأمر\n_________\n(١) ما بين المعقوفين ساقط من نسخة: (أ)، (ب).\n(٢) له، من نسخة: (أ)، (ب).\n(٣) أخرجه عبد الرزاق ٢/ ٨٩، عن قتادة. وأخرجه ابن جرير ٢٠/ ٤٨، عن ابن عباس. و\"تفسير مقاتل\" ٦٤ أ. و\"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٣٧. و\"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٤٣ ب. و\"وضح البرهان\" ٢/ ١٤٨.\n(٤) أخرجه أبو يعلى ٥/ ١٧، عن ابن عباس. وأخرجه ابن جرير ٢٠/ ٤٩، عن محمد بن إسحاق.\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ٦٤ أ. وأخرجه ابن جرير ٢٠/ ٤٩، عن قتادة، وابن جريج. وابن أبي حاتم ٩/ ٢٩٥٩، عن أبي عمران الجوني، وقتادة. وانظر: \"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٤٣ ب.","vol":"17","page":362},{"text":"الله، والقاتل بغير حق: جبار (١).\nوقوله: ﴿وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ﴾ قال أبو إسحاق: أي ما هكذا يكون الإصلاح (٢). قالوا: فلما سمع القبطي هذا من قول الإسرائيلي خلاه في يد موسى، وجاء القبطَ (٣) فأخبرهم بأن موسى هو (٤) القاتل، فأمر فرعون بقتله، وعلم بذلك رجل من شيعة موسى فأتاه، وأخبره بذلك (٥)، وهو قوله: ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ﴾ قال ابن عباس: اسمه حزقيل، وهو الرجل المؤمن من آل فرعون. هذا قول أكثر المفسرين (٦).\nوقال ابن إسحاق: يقال له: سَمْعان، ولم يذكر أنه المؤمن من آل فرعون (٧) ﴿مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ﴾ أي: من آخرها وأبعدها ﴿يَسْعَى﴾ قال مقاتل: على رجليه (٨). وقال ابن عباس: يشتد.\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٣٧. والجبار، له معانٍ متعددة، أوصلها ابن الأنباري إلى ستة، منها: القتَّال، واستدل عليه بهذه الآية \"الزاهر\" ١/ ٨٠\n(٢) أخرجه ابن جرير ٢٠/ ٥٠.\n(٣) في نسخة: (ج): القبطي.\n(٤) هو، ساقطة من: (أ)، (ج).\n(٥) أخرجه أبو يعلى ٥/ ١٨، عن ابن عباس. وأخرجه ابن جرير ٢٠/ ٥٠، عن ابن عباس، وقتادة، والسدي. وذكر نحوه مقاتل ٦٤ أ. و\"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٤٤ أ.\n(٦) \"تفسير مقاتل\" ٦٤ أ. وأخرجه عبد الرزاق ٢/ ٨٩، عن قتادة، دون ذكر الاسم. وأخرجه ابن أبي حاتم ٩/ ٢٩٥٩، عن ابن عباس، بلفظ: من شيعة موسى، ولم يذكر الاسم، ولا الصفة. قال الثعلبي ٨/ ١٤٤ أ: قال أكثر أهل التأويل: هو حزبيل بن صبورا.\n(٧) أخرجه ابن جرب ٢٠/ ٥١، وابن أبي حاتم ٩/ ٢٩٥٩. وذكره الثعلبي ٨/ ١٤٤ أ، ولم ينسبه. وهذا خلاف لا فائدة فيه، ولا ثمرة ترجى من ورائه، والإعراض عنه أولى.\n(٨) \"تفسير مقاتل\" ٦٤ أ.","vol":"17","page":363},{"text":"﴿قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ﴾ يريد: الأشراف، يعني: أشراف قوم فرعون (١) ﴿يَأْتَمِرُونَ بِكَ﴾ قال أبو عبيدة: يتشاورون فيك ليقتلوك. واحتج بقول ربيعة بن جُعشم النَّمْرِيُّ (٢):\nأَحارُ بنَ عمرٍو كأني خَمِر ... ويعدو على المرء ما يأتمر (٣)\nقال ابن قتيبة: وهذا غلط بَيَّنٌ لمن تدبر، ومضادَّةٌ للمعنى، كيف يعدو على المرء ما شاور فيه، والمشاورة بركة وخير؟ وإنما أراد: يعدو عليه بما يهم به من الشر. قال: وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾ أي: يَهِمُّون بك. يدلك على ذلك قول النَّمر بن تَوْلب (٤):\nاعْلَمن أن كل مُؤْتَمِر ... مُخطئٌ في الرأي أحيانًا (٥)\n_________\n(١) \"غريب القرآن\" لابن قتيبة ٣٣٠، و\"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٣٨.\n(٢) في النسخ الثلاث: النميري.\n(٣) \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ٢/ ١٠٠. ونسب البيت لربيعة بن جُعشَم النمري. وعنه ابن قتيبة، \"غريب القرآن\" ٣٣٠، والأزهري، \"تهذيب اللغة\" ١٥/ ٢٩٤ (أمر). وأنشده البغدادي ١/ ٣٧٤، ونسبه لامرئ القيس، وهو في ديوانه ١١١، قال البغدادي: وأثبت هذه القصيدة له أبو عمرو الشيباني، والمفضل وغيرهما، وزعم الأصمعي في روايته عن أبي عمرو بن العلاء أنها لرجل من أولاد النمر بن قاسط يقال له: ربيعة بن جُعشم. وفيه: أحارُ: مرخم: يا حارث، كأني خمر: الخمار بقية السكر. وهو قول ابن جرير ٢٠/ ٥٢، قال: يتآمرون بقتلك، ويتشاورون، ويرتئون فيك. وذكر هذا القول دون البيت النيسابوري، في \"وضح البرهان\" ٢/ ١٤٩.\n(٤) النمر بن تولب بن زهير، شاعر جواد، كان يسمى: الكيِّس لحُسن شعره، قدم على النبي -ﷺ-، وأسلم. \"الإصابة في معرفة الصحابة\" ٢٥٣، و\"الشعر والشعراء\" ١٩٥\n(٥) أنشده ونسبه ابن قتيبة، \"غريب القرآن\" ٣٣٠، وذكر بعده بيتًا آخر، هو:\nفإذا لم يصب رشدًا ... كان بعضُ اللوم ثُنيانًا\nوعن ابن قتيبة ذكره الأزهري، \"تهذيب اللغة\" ١٥/ ٢٩٤، ولم ينسبه.","vol":"17","page":364},{"text":"يقول: كلُّ من ركب هواه، وفعل ما يفعل بغير مشاورة أخطأ أحيانًا. وكذلك قوله تعالى: ﴿وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ٦] لم يُرِد: تَشاوروا، إنما أراد: هُمُّوا به، واعتزموا عليه. ولو كان كما قال أبو عبيدة لقال: يتآمرون فيك (١).\nوقال الزجاج في قوله: ﴿يَأْتَمِرُونَ بِكَ﴾ يأمر بعضهم بعضًا بقتلك (٢).\nقال الأزهري: يقال: ائتمر القوم، وتآمروا: إذا أمر بعضهم بعضًا (٣)، كما يقال: اقتتل القوم وتقاتلوا، واختصموا وتخاصموا. ومعنى: ﴿يَأْتَمِرُونَ بِكَ﴾ يؤامر بعضهم بعضًا بقتلك؛ وهذا أحسن من قول القتيبي: إنه بمعنى: يَهِمُّون بك، وقول الله تعالى: ﴿وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ﴾ ليأمر بعضكم بعضًا بمعروف. وجائز أن يقال: ائتمر فلان رأيه، إذا شاور عقله في الأمر الذي يأتيه. وقد يصيب الذي يأتمر رأيه مرة، ويخطئ أخرى، وهذا معنى قوله: اعلمن أن كل مؤتمر.\nأي: من ائتمر رأيه فيما ينوبه يخطئ أحيانًا. انتهى كلامه (٤). ومعنى الائتمار في كلام العرب: المشاورة، وهو يعود إلى أن يأمر بعضهم بعضًا (٥)، كما ذكره الزجاج.\nقال شمر: يقال: ائتمرت فلانًا في ذلك الأمر، إذا شاورته، وائتمر\n_________\n(١) \"غريب القرآن\" لابن قتيبة ٣٣٠، مختصرًا، ونقل قول ابن قتيبة: الأزهري، \"تهذيب اللغة\" ١٥/ ٢٩٤ (أمر).\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٣٨. و\"وضح البرهان\" ٢/ ١٤٩.\n(٣) في نسخة: (ب)، زيادة: بقتلك. وهي غير موجودة في \"التهذيب\".\n(٤) \"تهذيب اللغة\" ١٥/ ٢٩٥ (أمر).\n(٥) في نسخة: (أ)، (ب): بعضكم بعضًا.","vol":"17","page":365},{"text":"القوم، إذا تشاوروا. ثم الائتمار يكون مرة مع ذوي العقل والرأي من الناس، وهو المحمود المسنون، [ومرة يكون مع النفس والهوى، وهو المذموم، الذي ذم في قوله: ويعدو على المرء ما يأتمر] (١)، ومرة يكون مع العقل والرأي، وهو الذي يخطئ مرة ويصيب مرة. وقد ذكره النمر في قوله. ومنه المثل: (لا يدري المكذوب كيف يأتمر). أي: كيف يرى رأيًا ويشاور نفسه (٢).\nوقول أبي عبيدة والزجاج في تفسير: ﴿يَأْتَمِرُونَ﴾ هو الصحيح، وقولهما قريب من السواء، وقول ابن قتيبة لا أصل له في اللغة؛ ولا يقال: ائتمر بالشيء إذا هم به، ولم أر للمفسرين لفظًا في تفسير الائتمار.\nقوله: ﴿لِيَقْتُلُوكَ﴾ أي: بالقبطي الذي قتلته بالأمس. قاله ابن عباس ومقاتل (٣) ﴿فَاخْرُجْ﴾ من القرية ﴿إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ﴾ أي: في أمري إياك بالخروج (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3254>٢١ </span>- ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ قد مر تفسيره.\n﴿قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ قال ابن عباس ومقاتل: يعني المشركين، أهل مصر (٥).\n_________\n(١) ما بين المعقوفين ساقط من نسخة (ج).\n(٢) \"تهذيب اللغة\" ١٥/ ٢٩٥ (أمر)، بتصرف. وقد ذكر المثل ولم يتكلم عليه. وهو في مجمع الأمثال ٢/ ٢٧٧، بلفظ: إلا يدري الكذوب كيف يأتمر). أي: كيف يمتثل الأمر ويتْبعه.\n(٣) أخرج ابن جرير ٢٠/ ٥٠، عن ابن عباس. و\"تفسير مقاتل\" ٦٤ أ.\n(٤) \"تفسير ابن جرير\" ٢٠/ ٥٢.\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ٦٤ أ.","vol":"17","page":366},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3255>٢٢ </span>- قال ابن إسحاق: ذُكر أنه خرج على وجهه ﴿خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ ما يدري أي وجه يسلك، فهيأ الله له الطريق إلى مدين (١)، وهو قوله: ﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ﴾ أي: قصدَها (٢). ونحو هذا قال ابن قتيبة: أي تجاه مدين ونحوها، وأصله: اللِّقاء، زيدت فيه التاء، وأنشد:\nفاليوم قَصَّر عن تلقائكِ الأملُ\nأي: عن لقائك (٣).\nوقال أبو إسحاق: معنى: ﴿تِلْقَاءَ مَدْيَنَ﴾ أي: سلك في الطريق التي يلقى مدين فيها (٤).\nقال محمد بن إسحاق، وغيره: خرج موسى من مصر إلى مدين بغير زاد، ولا حذاء ولا ظَهر، وبينهما مسيرة ثمانية أيام (٥).\n[قال ابن عباس:] (٦) وليس له بالطريق عِلْمٌ إلا حسن ظنه بربه، فإنه ﴿قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ (٧).\n_________\n(١) أخرجه ابن جرير ٢٠/ ٥٣، وابن أبي حاتم ٩/ ٢٩٦٠.\n(٢) أخرجه عبد الرزاق ٢/ ٩٠، عن قتادة.\n(٣) \"غريب القرآن\" لابن قتيبة ٣٣٢، ولم ينسب البيت. وأنشده كاملًا سيبويه ٤/ ٨٤، ونسبه للراعي، وهو في \"ديوانه\" ١١٢، وصدره:\nأملت خيرك هل تأتي مواعده.\n(٤) أخرجه ابن جرير ٢٠/ ٥٣، وابن أبي حاتم ٩/ ٢٩٦٠، بنحوه.\n(٥) أخرجه ابن جرير، في التاريخ ١/ ٣٩٧، عن ابن عباس، وسعيد بن جبير. وأخرجه عن محمد بن إسحاق: ابن جرير ٢٠/ ٥٣، وذكر العدد في خبر سعيد بن جبير الذي أخرجه ابن جرير أيضًا. وقال مقاتل ٦٤ ب: عشرة أيام. وذكره الثعلبي ٨/ ١٤٤ أ، ونسبه للمفسرين.\n(٦) ما بين المعقوفين ساقط من نسخة (ج).\n(٧) أخرجه ابن جرير ٢٠/ ٥٣.","vol":"17","page":367},{"text":"قال مقاتل: توجه نحو مدين بغير دليل، وخشي أن يضل الطريق فقال: عسى ربي يرشدني قصد الطريق إلى مدين (١).\nومعنى ﴿سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾: قصد السبيل في الاستواء (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3256>٢٣ </span>- قوله: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ﴾ جماعة من الناس (٣)، وهم: الرعاة يسقون مواشيهم وأنعامهم (٤). ﴿وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ﴾ أي: من سوى الأمة ﴿امْرَأَتَيْنِ﴾ وهما: ابنتا شعيب، في قول أكثر المفسرين (٥).\n﴿تَذُودَانِ﴾ تحبسان غنمهما. هذا قول أكثر المفسرين؛ الكلبي ومقاتل وسعيد بن جبير والسدي، وغيرهم (٦).\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ٦٤ ب. و\"تأويل مشكل القرآن\" ٤٤٣. و\"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٤٤ أ.\n(٢) \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ٢/ ١٠١. و\"غريب القرآن\" لابن قتيبة ٣٣٢، و\"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٣٨، وأخرجه ابن جرير ٢٠/ ٥٤، عن قتادة، والحسن.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ٦٤ ب. و\"غريب القرآن\" لابن قتيبة ٣٣٢، و\"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٣٩. وابن الأنباري في \"الزاهر\" ١/ ١٤٩، وقد أوصل معاني الأمة إلى ثمانية.\n(٤) أخرجه ابن جرير ٢٠/ ٥٤، عن ابن إسحاق. وذكره الثعلبي ٨/ ١٤٤ أ، ولم ينسبه.\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ٦٤ ب. وجزم الواحدي هنا باسم أبيهما، تابع فيه ما اشتهر عند أكثر المفسرين، وقد وقع الخلاف في اسمه، وهل هو النبي شعيب -﵇- أم غيره؟ وحكى أنه شعيب: الثعلبي ٨/ ١٥٣ ب، عن: مجاهد والضحاك والسدي والحسن. قال ابن جرير: وهذا مما لا يُدرك علمه إلا بخبر، ولا خبر في ذلك تجب حجته، فلا قول في ذلك أولى بالصواب مما قاله الله جل ثناؤه. وساق ابن كثير ٦/ ٢٢٨، الخلاف في هذا الرجل؛ واستبعد كونه نبي الله شعيب ﵇، ثم قال: وما جاء في بعض الأحاديث من التصريح بذكره في قصة موسى لم يصح إسناده، كما سنذكره قريبًا إن شاء الله. ثم من الموجود في كتب بني إسرائيل أن هذا الرجل اسمه: ثبرون، والله أعلم.\n(٦) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٣٠٥. ولم ينسبه. وأخرج ابن جرير ٢٠/ ٥٥، وابن أبي=","vol":"17","page":368},{"text":"قال مقاتل: حابستين الغنم، لتسقيا الغنمَ فضلَ الرِّعاء (١).\nوقال السدي: تحبسان غنمهما عن الناس حتى يفرغوا، ويخلوا لهم البئر (٢).\nوقال عبد الله بن مسلم: أي تكفان غنمهما، وحذف الغنم اختصارًا (٣).\nومعنى الذود في اللغة: الكف والطرد (٤)، ومعنى: ﴿تَذُودَانِ﴾: تدفعان وتكفان. ولم يُذكر في الآية عن أي شيء تدفعان الغنم، فذهب أكثر أهل التفسير إلى أنهما كانتا تدفعانها عن الماء؛ وهو قول من قال: تحبسان؛ لأن دفعها عن الماء حبس لها عنه. واختاره أبو إسحاق؛ قال: ﴿تَذُودَانِ﴾ غنمهما عن أن تقرب موضع الماء؛ لأنها تطردها عن الماء مَنْ هو على السقي أقوى منهما (٥).\nوقال الحسن: تكفان الغنم عن أن تختلط بأغنام الناس (٦).\nوقال قتادة: ﴿تَذُودَانِ﴾ الناس عن شائهما (٧).\n_________\n= حاتم ٩/ ٢٩٦٢، عن ابن عباس، وسعيد بن جبير، والسدي، وأبي مالك. و\"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٤٤ أ، وذكره في ١٥٣ ب، عن قتادة، وابن إسحاق. ورجح هذا القول الثعلبي.\n(١) أخرجه أبو يعلى ٥/ ١٨، عن ابن عباس. و\"تفسير مقاتل\" ٦٤ ب.\n(٢) أخرجه ابن جرير ٢٠/ ٥٥، وابن أبيِ حاتم ٩/ ٢٩٦٢، عن أبي مالك، باللفظ نفسه، وأما لفظ السدي عندهما فهو: تحبسان غنمهما. وهذا بدل على أن قوله: قال السدي خطأ؛ لذكره قبل ذلك، فلعله يعني به أبا مالك. والله أعلم.\n(٣) \"غريب القرآن\" لابن قتيبة ٣٣٢.\n(٤) \"تهذيب اللغة\" ١٤/ ١٥٠ (ذاد)، و\"لسان العرب\" ٣/ ١٦٧.\n(٥) \"معاني القرآن\" للزجاج٤/ ١٣٩.\n(٦) ذكره عنه الثعلبي ٨/ ١٥٣ ب\n(٧) أخرجه عبد الرزاق ٢/ ٩٠. وابن جرير ٢٠/ ٥٦.","vol":"17","page":369},{"text":"وقال الفراء: تحبسانها عن أن تشذ وتذهب، قال: ولا يجوز أن يقال: ذدت الرجل، إذا حبسته، وإنما كان الذياد حبسًا للغنم؛ لأن الغنم إذا أراد شيء منها أن يشذ ويذهب فرددته فذلك: ذود، وهو: الحبس (١). والقول هو الأول؛ لقوله: ﴿قَالَ مَا خَطْبُكُمَا﴾ (٢) قال محمد بن إسحاق: ما شأنكما لا تسقيان (٣).\nوقال أبو إسحاق: أي ما أمركما (٤). ومعناه: ما تخطبان، أي: ما تريدان بذودكما غنمكما عن الماء (٥). فلولا أنهما كانتا تحبسان غنمهما عن الماء في وقت السقي ما سألهما موسى عن شأنهما، ألا ترى أن في جوابهما دليلًا على أنه سألهما عن السبب في ترك السقي مع الناس، وهو قوله: ﴿قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ﴾ وقرئ (يَصْدُرَ) (٦) من: صَدَر، وهو\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٣٠٥. وقد تعقبه ابن جرير ٢٠/ ٥٥، بأنه قد روي عن النبي -ﷺ- أنه قال: \"أنا عند عُقْر حوضي أذود عنه الناس لأضربهم بعصاي حتى يرفَضَّ\" فقد جعل النبي -ﷺ- الذود في الناس. والحديث أخرجه ابن حبان، كتاب التاريخ، رقم: ٦٤٥٥، الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان ١٤/ ٣٦٧، وقال المحقق: إسناده صحيح على شرط مسلم، ومعنى يرفض: يسيل. وعُقْر الحوض: موضع الشاربة منه \"النهاية في غريب الحديث\" لابن الأثير ٣/ ٢٧١.\n(٢) وقد سبقه إلى هذا الترجيح ابن جرير ٢٠/ ٥٦، قال: لدلالة قوله: ﴿قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ﴾.\n(٣) \"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٥٣ ب. ولم ينسبه.\n(٤) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٣٩، و\"غريب القرآن\" لابن قتيبة ٣٣٢.\n(٥) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٣٩.\n(٦) قرأ أبو عمرو وابن عامر (يَصْدُرَ) بفتح الياء، وضم الدال. وقرأ ابن كثير ونافع وعاصم وحمزة والكسائي (يَصْدُرَ) بضم الياء، وكسر الدال. \"السبعة في القراءات\" ٤٩٢، و\"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٤١٢، و\"النشر\" ٢/ ٣٤١.","vol":"17","page":370},{"text":"ضد: وَرَدَ. قال الله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا﴾ [الزلزلة: ٦] ومعنى ﴿يُصْدِرَ الرِّعَاءُ﴾ يرجعوا من سقيهم.\nومن قرأ: ﴿يُصْدِرَ﴾ أراد حين يصدروا مواشيهم من وردهم (١). قال ابن عباس: فيخلوا لنا الموضع (٢)، ولكنه حذف المفعول، ومثله كثير، و﴿الرِّعَاءُ﴾: جمع راع، كما يقال: تاجر وتجار، وصاحب وصحاب، ويجمع أيضًا على: الرعاة، كالبكاة، والغزاة، والدعاة (٣).\nقال مقاتل: ﴿قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ﴾ بالغنم راجعة من الماء إلى الرعي فنسقي فضلهم (٤).\nوقال ابن إسحاق: ﴿قَالَتَا﴾ نحن امرأتان لا نستطيع أن نزاحم الرجال ﴿وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ لا يقدر على أن يغني ذلك من نفسه، وأن يسقي ماشيته، فنحن ننتظر الناس حتى (٥) إذا فرغوا سقينا ثم انصرفنا (٦). وهذا معنى قوله: ﴿وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ [قال مقاتل: لا يستطيع أن يسقي الغنم من الكبر (٧).\nوقال أبو إسحاق: الفائدة في قولهما: ﴿وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾] (٨)\n_________\n(١) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٤١٢. و\"غريب القرآن\" لابن قتيبة ٣٣٢، و\"وضح البرهان\" ٢/ ١٤٩.\n(٢) أخرجه بنحوه ابن جرير ٢٠/ ٥٧، وابن أبي حاتم ٩/ ٢٩٦٤.\n(٣) كتاب \"العين\" ٢/ ٢٤٠ (رعو). وفي \"تهذيب اللغة\" ٣/ ١٦٢ (رعى): ويجع الرعي: رعاة ورعيانًا، وأكثر ما يقال: رعاة للولاة، والرعيان لجمع راعي الغنم.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ٦٤ ب. وأخرجه عبد الرزاق ٢/ ٩٠، عن قتادة.\n(٥) حتى، من نسخة (ج).\n(٦) أخرجه ابن جرير ٢٠/ ٥٧، وابن أبي حاتم ٩/ ٢٩٦٤.\n(٧) \"تفسير مقاتل\" ٦٤ ب.\n(٨) ما بين المعقوفين من (ج).","vol":"17","page":371},{"text":"أي: لا يمكنه أن يَرد ويسقي، فلذلك احتجنا ونحن نساء أن نستقي (١).\nوقال الكلبي: قالتا: ﴿وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ وليس له عون يعينه غيرنا (٢). فأتى موسى أهل الماء فسألهم دلوًا من ماء، فقالوا له: إن شئت ائت الدلو فاستق بها؛ قال: نعم، وكان يجتمع على الدلو أربعون رجلًا حتى يخرجوه من البئر، فأخذ موسى الدلو فاستقى به وحده، وصب في الحوض، ودعا بالبركة، ثم قرب غنمهما فشربت حتى رويت (٣).\nوقال ابن إسحاق (٤): أخذ موسى دلوهما ثم تقدم إلى السقاة بفضل قوته، فزاحم القوم عن الماء حتى أخرهم عنه، ثم سقى لهما (٥).\nوقال مقاتل: قال لهما موسى: أين الماء؟ فانطلقتا به إلى الماء، فإذا هو بحجر على رأس البئر لا يزيله إلا عصابة من الناس، فرفعه موسى بيده وحده، ثم أخذ الدلو فأدلى دلوًا واحدًا، فأفرغه في الحوض، ثم دعا بالبركة فسقى الغنم، فرويت (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3257>٢٤ </span>- فذلك قوله: ﴿فَسَقَى لَهُمَا﴾ أي: فسقى أغنامهما لهما، يعني: لأجلهما. فحذف مفعول السقي. قال أبو إسحاق: أي فسقى لهما من قَبل الوقت الذي كانتا تسقيان فيه (٧).\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٣٩.\n(٢) \"تنوير المقباس\" ٣٢٥.\n(٣) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٣٠٥، بمعناه. وأخرجه نحوه عبد الرزاق ٢/ ٩٠، عن قتادة. وكذا عند مقاتل ٦٤ ب. وأخرج نحوه ابن أبي حاتم ٩/ ٢٩٦٤، عن السدي.\n(٤) في نسخة: (أ)، (ب): أبو إسحاق. وهو خطأ.\n(٥) أخرجه ابن جرير ٢٠/ ٥٨، وابن أبي حاتم ٩/ ٢٩٦٤.\n(٦) \"تفسير مقاتل\" ٦٤ ب.\n(٧) أخرجه ابن جرير ٢٠/ ٦٠، وابن أبي حاتم ٩/ ٢٩٦٥.","vol":"17","page":372},{"text":"وقوله: ﴿ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ﴾ قال السدي: ظل شجرة (١). وقال مقاتل: ثم انصرف إلى ظل شجرة فجلس تحتها من شدة الحر وهو جائع (٢) ﴿فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ قال ابن عباس: يريد طعامًا يأكله، يقول: إني إليه لمحتاج (٣).\nوقال مجاهد: ما سأل إلا طعامًا يأكله (٤).\nوقال إبراهيم: ما كان مع موسى رغيف ولا درهم (٥).\nوروى سعيد بن جبير [عن ابن عباس] (٦) قال: لقد قال موسى هذا وهو أكرم خلقه عليه، ولقد افتقر إلى شق تمرة (٧).\nوعن سعيد بن جبير قال: ما سأل إلا شُبْعَه (٨). واللام في قوله: ﴿لِمَا أَنْزَلْتَ﴾ معناها: إلى ما أنزلت؛ قال الأخفش: يقال: هو فقير له وإليه، ومحتاج له وإليه، وأوحي إليه وأوحي له (٩)، كل يقال بما يقوم بعض مقام بعض. ونحو هذا قال قطرب (١٠).\n_________\n(١) أخرجه ابن جرير ٢٠/ ٥٨. وذكره الثعلبي ٨/ ١٥٣ ب.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ٦٤ ب.\n(٣) أخرجه ابن جرير ٢٠/ ٥٨.\n(٤) أخرجه ابن جرير ٢٠/ ٥٩. في نسخة: ج: سأل طعامًا يأكله.\n(٥) أخرجه ابن جرير ٢٠/ ٥٩.\n(٦) ما بين المعقوفين ساقط من نسخة (ج).\n(٧) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٤٠، ولم ينسبه. ولم أجده بهذا اللفظ عند ابن جرير ولا ابن أبي حاتم. والله أعلم.\n(٨) أخرجه ابن جرير ٢٠/ ٥٩، عن ابن عباس، من طريق سعيد بن جبير.\n(٩) لم أجده عند الأخفش في كتابه \"المعاني\". وذكر هذا القول ابن الجوزى، \"زاد المسير\" ٦/ ١٢٣، ولم ينسبه. ونسبه للزجاج الشوكاني ٤/ ١٦٠.\n(١٠) ذكره عنه الثعلبي ٨/ ١٥٤ أ.","vol":"17","page":373},{"text":"قال محمد بن إسحاق: فرجعتا إلى أبيهما في ساعة كانتا لا ترجعان فيها، فأنكر شأنهما وسألهما، فأخبرتاه الخبر (١)، فقال لإحديهما (٢). اعجلي عليَّ به، فأتته ﴿عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾ فقالت: ﴿إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ﴾ (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3258>٢٥ </span>- وقال مقاتل: فرجعت المرأتان إلى أبيهما؛ فقال: ما أعجلكما اليوم؟ فأخبرتاه، فقال: بئس ما صنعتما لجئتماني به، فرجعت الكبرى إلى موسى لتدعوه، فذلك قوله تعالى: ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا﴾ يعني: الكبرى ﴿تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾ (٤) قال عمر ﵁: مستترة بكم درعها، لم تكن بسَلْفَع من النساء، خَرَّاجةٍ ولَّاجةٍ، قائلة بيدها على وجهها، يعني: واضعة (٥).\nقال أبو إسحاق: أي: تمشي مشي من لم تعتد الدخول والخروج، متحفزة مستحيية (٦).\nقوله تعالى: ﴿قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾ أي:\n_________\n(١) الخبر، ساقطة من نسخة (ج).\n(٢) هكذا في نسخة: (أ)، (ب)، وعند الثعلبي ٨/ ١٥٤ أ. وفي نسخة: (ج): لإحداهما.\n(٣) أخرجه ابن جرير ٢٠/ ٦١. و\"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٥٤ أ.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ٦٤ ب.\n(٥) أخرجه الحاكم ٢/ ٤٤١، رقم: ٣٥٣٠، وقال: على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. وأخرجه ابن جرير ٢٠/ ٦٠، وابن أبي حاتم ٩/ ٢٩٦٥، وصحح إسناده ابن كثير ٦/ ٢٢٨. السَّلْفَع من النساء: البذيئة الفحَّاشة القليلة الحياء، ورجل سلفع: قليل الحياء. والذكر والأنثى فيه سواء؛ يقال: رجل سلفع، وامرأة سلفع. \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٩٩، ٣٣٩ (سلفع).\n(٦) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٤٠، ومتحفزة: مأخوذ من قول: إذا صلت المرأة فلتحتفز، أي: تتضام وتجتمع. \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٧٢ (حفز).","vol":"17","page":374},{"text":"ليقضيك؛ من: جزى يجزي، إذا قضى، قاله المبرد. قال مقاتل: فقام يمشي معها، ولولا الجوع الذي أصابه ما تبعها، وكان بين موسى وبين أبيها ثلاثة أميال، ثم أمرها أن تمشي خلفه وتدله بصوتها على الطريق كراهية أن ينظر إليها (١).\nوقال عمر: قال لها: امشي خلفي، وانعتي لي الطريق، فإنا (٢) لا ننظر إلى أدبار النساء (٣).\nقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُ﴾ قال مقاتل: فلما أتى موسى شعيبًا ﴿وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ﴾ يعني: أمرَه أجمع؛ مِنْ أمر القوابل اللاتي قتلن أولاد بني إسرائيل، وحين وُلد، وحين قُذف في التابوت، وفي اليم، وقتل الرجل القبطي، وأنهم يطلبونه ليقتلوه (٤)، قال له شعيب: ﴿لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ أي: لا سلطان له بأرضنا، ولسنا في مملكته (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3259>٢٦ </span>- ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا﴾ قال مقاتل: وهي الكبرى التي تزوجها موسى (٦) ﴿يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ﴾ أي اتخذه أجيرًا ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ٦٥ أ. وأخرج نحوه أبو يعلى ٥/ ١٩، عن ابن عباس.\n(٢) في نسخة: (ب): فإننا.\n(٣) أخرجه الحاكم ٢/ ٤٤١ (٣٥٣٠). وأخرجه ابن جرير ٢٠/ ٦١، عن ابن إسحاق.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ٦٥ أ.\n(٥) أخرجه ابن أبي حاتم ٩/ ٢٩٦٥، عن ابن عباس، و\"تفسير ابن جرير\" ٢٠/ ٦١، و\"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٤٠. و\"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٥٤ أ.\n(٦) \"تفسير مقاتل\" ٦٥ أ. أخرج ابن مردويه في تفسيره من طريق سليمان بن داود الشاذكوني، عن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: \"قال لي جبريل: يا محمد إن سألك اليهود أي الأجلين قضى موسى فقل: أوفاهما. وإن سألوك: أيهما تزوج فقل: الصغرى منهما\". \"تخريج أحاديث الكشاف\" للزيلعي ٣/ ٣٠، قال ابن =","vol":"17","page":375},{"text":"الْأَمِينُ﴾ أي: خير من استعملت مَنْ قوي على عملك، وأدى الأمانة فيه (١).\nقال عمر ﵁، وجميع المفسرين: قال شعيب: من أين علمتِ قوته؟ قالت: كان الحجر لا يطيقه إلا عشرة فرفعه، فقال: من أين عرفتِ أمانته؟ قالت: قال لي: لا تمشي أمامي فيصفك الريح لي، ولكن امشي خلفي فدليني (٢).\nقال مجاهد: رفع صخرة لا يرفعها إلا فئام من الناس، وغض طرفه عنهما حين سقى لهما (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3260>٢٧ </span>- فصدرتا وقد عرفتا قوته وأمانته، فلما ذكرت المرأة من حاله بما ذكرت زاده ذلك رغبة فيه فقال: ﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ﴾ أي: أزوجكها ﴿عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ أي: تكون أجيرًا لي ثماني سنين (٤).\nوقال الفراء: يقول أن تجعل ثوابي أن ترعى عليَّ غنمي ﴿ثَمَانِيَ\n_________\n= حجر: سليمان الشاذكوني: متروك، من التاسعة. \"تقريب التهذيب\" ١٣١٥، رقم: ٨٥٨٣ فهو لم يلق أبا هريرة فالطبقة التاسعة: الطبقة الصغرى من أتباع التابعين. \"تقريب التهذيب\" ٨٢ وقد ذكر ابن جرير ٢٠/ ٦٢، اختلاف الروايات في أسماء المرأتين، وهو مما لا دليل عليه، وقد أحسن الواحدي في إعراضه عنه.\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٤٠، بنصه.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ٦٥ أ. وأخرج نحوه عبد الرزاق ٢/ ٩٠، عن قتادة. وأخرج نحوه أبو يعلى ٥/ ١٩، عن ابن عباس. وأخرج هذا القول بألفاظ متقاربة ابن جرير ٢٠/ ٦٣، عن ابن عباس، ومجاهد، وعمرو بن ميمون، وقتادة، وغيرهم، وأخرج ابن أبي حاتم ٩/ ٢٩٦٧، عن هؤلاء، وعن عمر -﵁-، من طريق عمرو بن ميمون. \"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٥٤ أ.\n(٣) أخرجه ابن جرير ٢٠/ ٦٣، وابن أبي حاتم ٩/ ٢٩٧٦.\n(٤) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٤١.","vol":"17","page":376},{"text":"حِجَجٍ﴾ (١) وقال ابن قتيبة: أي تجازيني من التزويج، والأجر من الله: الجزاء على العمل (٢).\nوقال مقاتل: على أن تأجرني نفسك ﴿ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ (٣).\nقال الأخفش: وهي لغة للعرب؛ منهم من يقول: أجَّرت (٤) غلامي أجرًا فهو مأجور، وأَجَرْتُه إيجارًا فهو مُؤجَر، وآجرتُه، على: فاعلته، فهو: مُؤَاجَر (٥).\nوقال المبرد: ويقال: أجرت داري ومملوكي، غير ممدود، وآجرت ممدود (٦)، والأول أكثر: إيجارًا وإجارة. والإجارة: اسم لما فعلت، والمصدر: الإيجار (٧).\n﴿فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ﴾ أي ذلك تفضل منك ليس بواجب عليك (٨) ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ﴾ في العشر (٩) ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ قال مقاتل: من الرافقين بك (١٠). وعن عمر، أي: في حسن الصحبة، والوفاء بما قلت (١١).\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٣٠٥.\n(٢) \"غريب القرآن\" لابن قتيبة ٣٣٢.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ٦٥ أ.\n(٤) هكذا في النسخ الثلاث: أجرت. وعند الأخفش: أجر.\n(٥) \"معاني القرآن\" للأخفش ٢/ ٦٥٢.\n(٦) قوله: وآجرت ممدود. ساقط من نسخة (ج). وذكر قول المبردِ الشوكانيُّ ٤/ ١٦٣.\n(٧) ذكر نحوه الأزهري ١١/ ١٨٠، عن أبي زيد، ولم يذكر قود المبرد.\n(٨) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٤١.\n(٩) و(١٠) \"تفسير مقاتل\" ١٦٥أ.\n(١١) أخرجه الحاكم ٢/ ٤٤٢، رقم: ٣٥٣٠. وقال على شرط الشيخين ولم يخرجاه، =","vol":"17","page":377},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3261>٢٨ </span>- قال موسى: ﴿ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ﴾ قال أبو إسحاق: ﴿ذَلِكَ﴾ رفع بالابتداء وخبره: ﴿بَيْنِي وَبَيْنَكَ﴾ ومعناه: ذلك (١) الذي وصفت ﴿بَيْنِي وَبَيْنَكَ﴾ أي: ما شرطت عليَّ فلك، وما شرطت لي من تزويج إحداهما (٢) فلي، كذلك الأمر بيننا (٣). وتم الكلام هاهنا.\nثم قال: ﴿أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ﴾ أي من الثمان والعشر (٤) ﴿قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ﴾ أي: لا ظلم علي، أكون منصفًا في أيهما قضيت. وأيَّ، في معنى الجزاء، منصوبة بـ ﴿قَضَيْتُ﴾ وما زائدة مؤكدة، وجواب الجزاء: ﴿فَلَا عُدْوَانَ﴾ (٥).\nومعنى ﴿فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ﴾ على ما ذكر أبو إسحاق: لا أوصف بظلم في قضاء أيهما كان من الأجلين (٦).\nفإن قيل: العدوان غير موهوم في قضاء العشر، فما معنى قوله: ﴿أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ﴾ قال: المعنى راجع إلى أقصى الأجلين، وإن كان اللفظ شاملًا لهما جميعًا، على أن ابن عباس قال: ﴿فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ﴾ فيما بقي، أي: لا سبيل علي بأن تعتدي بإلزامي أكثر من الأجلين،\n_________\n= ووافقه الذهبي. وأخرجه ابن جرير ٢٠/ ٦٥، وابن أبي حاتم ٩/ ٢٩٦٩، عن ابن إسحاق.\n(١) ذلك. ساقط من نسخة (ج).\n(٢) في (أ): إحديهما.\n(٣) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٤١، وليس فيه ذكر الإعراب.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ٦٥ أ.\n(٥) قوله: زائدة، يراد به: من ناحية الإعراب فقط. قال الفراء: فجعل: ما، وهي صلة، من صلات الجزاء مع: أي. \"معاني القرآن\" ٢/ ٣٠٥.\n(٦) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٤٢، بمعناه.","vol":"17","page":378},{"text":"وتطالبني بالزيادة على الأجل الذي قضيت (١).\nوهذا القول أشبه باللفظ؛ لأن معنى: ﴿لَا عُدْوَانَ عَلَيَّ﴾ لا أُظلم ولا يُعتدى علي. ويبعد أن يقال: معناه: لا ظلم مني (٢).\nقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ قال ابن عباس ومقاتل: شهيد فيما بيني وبينك (٣).\nفإن قيل: المهر يكون للمرأة، فكيف جعل مهر هذه المرأة إجارة موسى نفسه من أبيها يعمل له؟\nقيل: يجوز أن تكون الغنم للمرأة، فيكون العمل لها، ولكن الأب عقد الإجارة عنها لها (٤)، ويجوز: أن يكون الأب يعطيها عوضًا من ذلك، على أن هذا إخبار عن شرع مَنْ قبلنا، فلا يلزمنا العمل به (٥).\n_________\n(١) \"غريب القرآن\" لابن قتيبة ٣٣٢، بمعناه، ولم ينسبه. ولم أجده عند ابن جرير، ولا ابن أبي حاتم.\n(٢) هذا القول اختيار مقاتل ٦٥ أ، قال: فلا سيل علي.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ٦٥ أ. وأخرجه ابن جرير ٢٠/ ٦٦، عن مجاهد. و\"تنوير المقباس\" ٣٢٥.\n(٤) وهو قول النيسابوري، \"وضح البرهان\" ٢/ ١٤٩.\n(٥) اختلف أهل العلم في شرع من قبلنا إذا لم يصرح شرعنا بنسخه على قولين؛ الأول: أنه شرع لنا، والثانية: ليس بشرع لنا. قال ابن قدامة بعد أن ذكر أدلة الفريقين: الواجب الرجوع إلى ما ثبت منها بشرعنا؛ كآية القصاص، والرجم، ونحوهما، وهو مما تضمنه الكتاب والسنة فيكون منهما؛ فلا يجوز العدول عنه. والله أعلم. \"روضة الناظر\" ٢/ ٥٢٤. و\"الإحكام\" للآمدي ٤/ ١٣٧.\nقال عبد القاهر البغدادي: في قصة شعيب وموسى عليهما الصلاة والسلام، دلالة لمن أجاز كون منافع الحر مهرًا، وبه قال الشافعي، ولذلك أجاز أن يكون تعليم القرآن مهرًا، وأجاز الإجارة على الأذان، وأبو حنيفة منع من ذلك. \"الناسخ والمنسوخ\" ٨٨.","vol":"17","page":379},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3262>٢٩ </span>- وقوله: ﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ﴾ قال أبو عمران الجَوْني: بلغني أن جبريل أتى النبي -ﷺ- فقال: إن سألوك أي الأجلين قضى موسى؟ فقل: \"أكثرهما وأفضلهما\". وأيَّ الجاريتين تزوج؟ فقال: \"الصغرى منهما\" (١).\nوقال القرظي: سُئل رسول الله -ﷺ-: أيّ الأجلين قضى موسى؟ قال: \"أوفاهما وأتمهما\" (٢).\nوقال سعيد بن جبير: قال لي يهودي وأنا أتجهز للحج: يا سعيد إني أراك رجلًا تَتَبَّعُ العلم (٣)، أخبرني: أيّ الأجلين قضى موسى؟ قال: قلت: لا علم لي، وأنا قادم على حبر العرب (٤)؛ يعني: ابن عباس، فسائله عن ذلك، فلمَّا قدمتُ مكةَ سألت ابن عباس عن ذلك، وأخبرته بقول اليهودي، فقال ابن عباس: قضى أكثرهما وأطيبهما: عشرًا؛ إن النبي إذا وعد لم يخلف، قال سعيد: فقدمتُ العراقَ فلقيت اليهودي، فأخبرته بقول ابن\n_________\n(١) هذا حديث مرسل، ولم ينبه الواحدي على ذلك، وذكره الثعلبي ٨/ ١٤٦ ب، وصدره بقوله: روي، ثم قال: فإن صح هذا الخبر فلا نعدل عنه. ذكر مقاتل في \"تفسيره\" ٦٥ أ، أن موسى -﵇-، قد تزوج الكبرى منهما، وهذا كله مما لا دليل عليه، ولا يترتب على العلم به فائدة.\n(٢) وهذا أيضًا حديث مرسل، انظر ترجمة القرظي في \"جامع التحصيل\" للعلائي ٣٢٩، رقم: ٧٠٧. قال الزيلعي عن هذا الحديث: هذا حديث لا يصح. \"تخريج أحاديث الكشاف\" ٣/ ٣٠.\n(٣) التَتَبُّع: أن يَتَتَبَّع في مهلة شيئًا بعد شيء، وفلان يَتَتَبَّعُ مَدَاقَّ الأمور. \"تهذيب اللغة\" ٢/ ٢٨٢ (تبع).\n(٤) حبر، بفتح الحاء، وكسرها، لغتان، أي: الرجل العالم. \"تهذيب اللغة\" ٥/ ٣٣ (حبر).","vol":"17","page":380},{"text":"عباس، فقال: صدق، وما أنزل على موسى، هذا والله العالم (١).\nوقال مجاهد ومقاتل: ﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ﴾ عشر سنين (٢) ﴿وَسَارَ بِأَهْلِهِ﴾ وذلك أنه استأذن صهره (٣) في العود إلى مصر، لزيارة والدته وأخيه، فأذن له، فسار بأهله. وهذه الآية مفسرة في سورتي: طه، والنمل (٤).\nقوله تعالى: ﴿أَوْ جَذْوَةٍ﴾ فيها ثلاث قراءات: فتح الجيم، وضمها، وكسرها. وهي كلها لغات (٥). قال أبو عبيدة: الجذوة، مثل: الجِذمة؛ وهي القطعة الغليظة من الخشب، ليس فيها لهب. وأنشد قول ابن مُقْبلٍ:\nباتت حواطبُ ليلى يلتمسن لها ... جَزْلَ الجذَا غيرَ خَوَّارٍ ولا دَعِرٍ (٦)\n_________\n(١) أخرجه البخاري، كتاب الشهادات، رقم: ٢٦٨٤، \"فتح الباري\" ٥/ ٢٩٠. وأخرجه ابن جرير ٢٠/ ٦٨، والثعلبي ٨/ ١٤٤ أ، وفيه: والله العالم.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ٦٥ أ. وأما خبر مجاهد فهو يدل على أنه مكث عشرًا أخرى زيادة، أخرج ذلك عنه ابن جرير ٢٠/ ٦٨، والثعلبي ٨/ ١٤٦ ب. ولفظه: مكث بعد ذلك عند صهره عشرًا أخرى، يعني: عشرين سنة. وظاهر الآية لا يؤيد هذا المعنى.\n(٣) يقال: ختن الرجل: صهره، والمتزوج فيهم: أصهار الختن، والصهر: زوج بنت الرجل، وزوج أخته، والختن: أبو امرأة الرجل، وأخو امرأته. ومن العرب من يجعلهم أصهارًا كلهم. \"تهذيب اللغة\" ٦/ ١٠٧، و\"اللسان\" ٤/ ٤٧١ (صهر).\n(٤) عند قوله تعالى: ﴿إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا﴾ طه، الآيات: ١٠ - ١٢. وسورة النمل، الآيات: ٧ - ١٠.\n(٥) قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو والكسائي: ﴿جَذْوَةٍ﴾ بكسر الجيم، وقرأ عاصم: ﴿جَذْوَةٍ﴾ بفتح الجيم، وقرأ حمزة: ﴿جُذْوَةٍ﴾ بالضم. \"السبعة في القراءات\" ٤٩٣، و\"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٤١٣، و\"النشر في القراءات العشر\" ٢/ ٣٤١.\n(٦) \"مجاز القرآن\" ٢/ ١٠٢، ونسب البيت لابن مقبل. وأنشده عن أبي عبيدة الأزهري ١١/ ١٦٧، ولم ينسبه. وأنشده ونسبه المبرد، \"الكامل\" ٢/ ٦٨٢، وعنه أبو علي =","vol":"17","page":381},{"text":"وقال المبرد والزجاج: الجذوة: القطعة الغليظة من الحطب (١). وقال ابن قتيبة: ﴿أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ﴾ أي: قطعة منها، قال: وفي التفسير: الجذوة: عود قد احترق (٢)؛ قاله مقاتل (٣).\nوقال ابن عباس: قطعة حطب فيها نار (٤).\nوقال مجاهد في قوله: ﴿جَذْوَةٍ﴾ قال: أصل (٥).\nوقال قتادة: أصل الشجرة في طرفها النار (٦).\nوقال الكلبي: شعلة من النار (٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3263>٣٠ </span>- قوله تعالى: ﴿مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ﴾ قال أبو عبيدة: شاطئ الوادي، وشطُّ الوادي: عِدْوتاه (٨).\nوقال الليث: شاطئ الوادي: جانبه، هكذا من غير فعل، وإن ثني\n_________\n= \"الحجة\" ٥/ ٥٤١٤، وأنشده ونسبه ابن جرير ٢٠/ ٦٩، والثعلبي ٨/ ١٤٦ ب. وهو في \"ديوان ابن مقبل\" ٨٠. وفي حاشية \"الدر المصون\" ٨/ ٦٦٨: الجزل: الحطب اليابس وما عظم منه، والخوار الضعيف، والدعر: الكثير الدخان.\n(١) \"الكامل\" للمبرد ٢/ ٦٨٢، و\"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٤٢.\n(٢) \"غريب القرآن\" لابن قتيبة ٣٣٢، ولم ينسبه.\n(٣) قال مقاتل ٦٥ أ: يعني: شعلة، وهو عود قد احترق بعضه.\n(٤) أخرجه ابن جرير ٢٠/ ٧٠، وابن أبي حاتم ٩/ ٢٩٧٢، عنه بلفظ: يقول: شهاب. وعن ابن زيد بلفظ: العود من الحطب الذي فيه النار.\n(٥) أخرجه ابن جرير ٢٠/ ٧٠، وابن أبي حاتم ٩/ ٢٩٧٢. بلفظ: أجل شجرة.\n(٦) أخرجه عبد الرزاق ٢/ ٩١، وابن جرير ٢٠/ ٧٠، عن قتادة. وفيه: الشجرة والنار، معرفتان بالألف واللام، واتفقت النسخ الثلاث على تعريف: الشجرة، وانفردت نسخة: (ج)، بتنكير النار.\n(٧) أخرجه عبد الرزاق ٢/ ٩٠، عن الكلبي.\n(٨) \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ٢/ ١٠٣. عِدوة الوادي وعُدوته: جانبه. \"تهذيب اللغة\" ٣/ ١١٠ (عدا).","vol":"17","page":382},{"text":"وجمع قيل: شاطئان وشواطئ (١).\nوقال أبو خيرة (٢): شاطئ الوادي: شَفَتُه، وجمعه: شُطآن وشواطئ (٣).\nوقال مجاهد: ﴿الْوَادِ الْأَيْمَنِ﴾ عن يمين موسى (٤).\nوقال مقاتل: عن يمين الجبل (٥).\nوقوله: ﴿الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ﴾: البُقعة: القطعة من الأرض (٦). ويقال أيضًا: بَقعة، بالفتح.\nقال أبو إسحاق: فمن قال بَقعة: فجمعها: بِقاع، مثل: (٧) قَصْعة وقِصَاع، ومن قال: بُقعة فأجود الجمع: بُقَع، مثل: غُرْفة وغُرَف، ويجوز في جمع بُقعة: بِقاع، مثل: حُفْرة وحِفَار (٨).\n﴿الْمُبَارَكَةِ﴾ سميت مباركة؛ لأن الله كلم موسى فيها، وبعثه نبيًّا. قاله\n_________\n(١) كتاب \"العين\" ٦/ ٢٧٦ (شطأ)، بلفظ: شاطئ الوادي: شَفَتُه، اسم من غير فعل. وليس فيه ذكر التثنية، ولا الجمع، ولم أجد قول الليث في \"التهذيب\".\n(٢) أبو خيرة، نهشل بن زيد، أعرابي بدوي من بني عدي، دخل الحاضرة، وأفاد وأخذ عنه الناس، وصنف في الغريب كتبا. \"إنباه الرواة على أنباه النحاة\" ٤/ ١١٧، و\"بغية الوعاة\" ٢/ ٣١٧.\n(٣) \"تهذيب اللغة\" ١١/ ٣٩٢ (شطأ). قال الأخفش: جماعة الشاطئ: الشواطئ، وقال بعضهم: شَطّ، والجماعة: شُطُوط \"معاني القرآن\" ٢/ ٦٥٣.\n(٤) أخرجه ابن جرير ٢٠/ ٧١، وابن أبي حاتم ٩/ ٢٩٣.\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ٦٥ ب.\n(٦) \"تهذيب اللغة\" ١/ ٢٨٥ (بقع).\n(٧) في نسخة: (أ): زيادة: حفرة، وحفار. وهي تكرار لما ذكره الزجاج في آخر كلامه، حيث لا يستقيم إيراد حُفرة، مثالًا على الفتح. والله أعلم.\n(٨) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٤٣.","vol":"17","page":383},{"text":"مقاتل والزجاج (١).\nوقال ابن عباس: يريد: المقدسة.\nوقوله: ﴿مِنَ الشَّجَرَةِ﴾ قال المفسرون: من ناحية الشجرة (٢).\nوقال قتادة: من عند الشجرة (٣).\nقال ابن عباس: وهىِ العُنَّاب (٤).\nوقال مقاتل: وهي: عَوْسَجَة، وهو قول قتادة (٥).\nوقال ابن مسعود: كانت سَمُرة (٦).\nوقال الكلبي: شجرة العوسج (٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3264>٣١ </span>- وقوله: ﴿إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ﴾ أي: من أن ينالك منها مكروه (٨).\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ٦٥ ب، و\"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٤٣.\n(٢) \"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٤٦ ب.\n(٣) أخرجه ابن جرير ٢٠/ ٧١.\n(٤) نسبه لابن عباس ابنُ الجوزي، \"زاد المسير\" ٦/ ٢١٨. والعُنَّاب: شجر شائك، يبلغ ارتفاعه ستة أمتار، ويطلق العناب على ثمره أيضًا، وهو: أحمر حلو لذيذ الطعم. \"المعجم الوسيط\" ٢/ ٦٣٠ (عنب). لم يذكر في \"التهذيب\" ٣/ ٦، و\"اللسان\" ١/ ٦٣٠: إلا أنه من الثمر، وأنه معروف. والعَّنَاب بالفتح: بائع العِنَب. \"اللسان\" ١/ ٦٣٠، و\"القاموس المحيط\" ١٥٢.\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ٦٥ ب، أخرجه ابن جرير ٢٠/ ٧١، عن قتادة، وذكره عنه الثعلبى ٨/ ١٤٧ أ. والعوسج: شجر كثير الشوك، وهو أنواع منها ما يثمر، ومنها ما لا يثمر. \"تهذيب اللغة\" ١/ ٣٣٨، و\"اللسان\" ٢/ ٣٢٤، و\"المعجم الوسيط\" ٢/ ٦٠٠ (عسج).\n(٦) أخرج ابن جرير ٢٠/ ٧١. وذكره عنه الثعلبي ٨/ ١٤٧ أ.\n(٧) أخرجه عبد الرزاق ٢/ ٩١، عن الكلبي.\n(٨) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٤٣.","vol":"17","page":384},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3265>٣٢ </span>- وقوله: ﴿وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ﴾ قال مجاهد: اضمم إليك يدك من الفَرَق (١). وهذا قول جميع المفسرين؛ قالوا: لما ألقى موسى عصاه فصارت جانًا رَهِبَ وفَزعَ، فأمره الله أن يضم إليه جناحه ليذهب عنه الفَزَع (٢).\nقال مجاهد: كل من فزع فضم جناحه إليه ذهب عنه الفزع؛ وقرأ هذه الآية (٣). قال الزجاج: والمعنى في جناحك هاهنا: العضد. ويقال: اليد كلها جَناح (٤).\nوقال الفراء: الجَناح ما بين أسفل العَضُد إلى الرُّفْغ، وهو: الإبْط (٥).\nوقرئ (الرُّهْبِ) و(الرَّهَبِ) (٦) ومعناهما جميعًا واحد، مثل: الرُّشْد والرَّشَد (٧).\nقال أبو علي: قال أبو عبيدة: جناحا الرجل: يداه (٨). وقال غيره في\n_________\n(١) أخرجه ابن جرير ٢٠/ ٧٣، وابن أبي حاتم ٩/ ٢٩٧٥، وأخرجاه أيضًا عن قتادة، وابن زيد.\n(٢) أخرجه عبد الرزاق ٢/ ٨٩، عن قتادة \"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٤٧ أ.\n(٣) \"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٤٧ أ. ولم ينسبه. ونسبه لمجاهد ابنُ الجوزي ٦/ ٢٢٠.\n(٤) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٤٣.\n(٥) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٣٠٦. و\"غريب القرآن\" لابن قتيبة ٣٣٣. الرَّفْغُ، والرُّفْغُ: لغتان، وهي: الآباط، والمغابن من الجسد. \"تهذيب اللغة\" ٨/ ١٠٨ (رفغ).\n(٦) قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو: ﴿مِنَ الرَّهْبِ﴾ بفتح الراء والهاء، وقرا عاصم في رواية أبي بكر وابن عامر وحمزة والكسائي: ﴿مِنَ الرَّهْبِ﴾ بضم الراء وسكون الهاء. \"السبعة في القراءات\" ٤٩٣، و\"الحجة\" ٥/ ٤١٤، و\"النشر\" ٢/ ٣٤١.\n(٧) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٤٣.\n(٨) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٤١٤. بنصه، وفي \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ٢/ ١٠٤: ﴿جَنَاحَكَ﴾ أي: يدك.","vol":"17","page":385},{"text":"الآية: إنه العضد (١). وقول أبي عبيدة أبين عندنا. قال: وقد جاء الاسم المفرد يراد به التثنية، وأنشد أبو الحسن:\nيداكَ يدٌ إحداهما الجودُ كُلُّه ... وراحتُك الأخرى طِعَانٌ تغامره (٢)\nالمعنى: يداك يدان؛ بدلالة قوله: إحداهما؛ ولأنك إن جعلت قوله: (يدٌ) مفردًا، بقي لا يتعلق به شيء، ويجوز أن يراد بالإفراد: التثنية، كقوله:\nوعَينٌ لها حَدْرَةٌ بَدْرَةٌ ... شُقَّتْ مَآقيهما من أُخُر (٣)\nفيجوز على هذا القياس في قوله: ﴿وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ﴾ أن يراد بالإفراد: التثنية، كما أريد بالتثنية: الإفراد، في قوله:\n_________\n(١) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٤١٨، ولم ينسبه. و\"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٤٣، ولم ينسبه، ثم قال: ويقال: اليد كلها جناح.\n(٢) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٤١٨، من إنشاد أبي الحسن، والبيت للفرزدق ١/ ٢٧٦، من قصيدة يمدح فيها أسد ابن عبد الله القسري، ورواية الديوان مختلفة:\nيداك يد إحداهما النبل والندى ... وراحتها الأخرى طعان تعاوره\nقوله: وراحتك الأخرى: جعل الراحة موضع اليد، والطعان مصدر: طاعن، وليس بجمع طعنة، وتغامره فاعله: الراحة، أي: تغامر الراحةُ الطعانَ، وتكون أنت أيها المخاطب تغامر الطعان. والشاهد فيه: يد، فإنه وإن أفردها لكن المراد بها: التثنية، كأنه قال: يداك يدان إحداهما. \"شرح الأبيات المشكلة\" لأبي علي ١/ ٢٠٩.\n(٣) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٤١٨، من إنشاد أبي الحسن، ونسبه أبو علي لامرئ القيس، \"شرح الأبيات المشكلة\" ١/ ٢١١، وحدرة بدرة، أي: مكتنزة صلبة ضخمة، بدرة: يبدو بالنظر، وشقت مآقيهما: تفتحت فكأنها انشقت، وقوله: من أخر، أي: من مآخير العين. \"شرح الأبيات المشكلة\"، وحاشيته. والبيت في \"ديوان امرئ القيس\" ١١٦، يصف فرسا. وأنشده البغدادي، \"الخزانة\" ٥/ ١٩٧، ولم ينسبه.","vol":"17","page":386},{"text":"فإن تزجراني يا ابن عَفَّانَ انزجرْ (١)\nومن الناس من يحمل قوله: ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ﴾ [ق: ٢٤] على ذلك. انتهى كلامه (٢). وقد جاء من هذا أن قوله: ﴿جَنَاحَكَ﴾ معناه: يداك، و﴿الرَّهْبِ﴾: الخوف (٣). والمعنى ما ذكره مجاهد. ونحو ذلك قال ابن عباس فيما روى عنه عطاء؛ قال: يريد: اضمم يدك إلى صدرك من الخوف، ولا خوف عليك. والمعنى على هذا: أن الله أمره أن يضم يده إلى صدره، فيذهب الله عنه ما ناله من الخوف عند معاينة الحية (٤). وتقدير الآية على هذا المعنى: ﴿وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ﴾ معالجًا من الرَّهْبِ، أو ما أشبه هذا من التقدير؛ لأنه أُمر بضم الجَناح إليه ليذهب عنه الفزع، ويعالج بذلك ما ناله من الفزع.\nوقال الفراء في تفسير الجناح في هذه الآية: إنه العصا (٥).\nوقال مقاتل: يعني عصاك مع يدك (٦).\n_________\n(١) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٤١٩. وفي الحاشية: صدر بيت لسويد بن كراع، وعجزه:\nوإن تدعاني أَحمِ عِرضًا ممنعًا\nوأنشده البغدادي \"الخزانة\" ١١/ ١٧، ولم ينسبه. وأنشده ابن قتيبة \"تأويل مشكل القرآن\" ٢٩١، ولم ينسبه. وفي حاشيته: كان سويد قد هجا بني عبد الله بن دارم فاستعدوا عليه سعيد بن عثمان بن عفان، فقال سويد قصيدته.\n(٢) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٤١٩، من قوله: وقول أبي عبيدة أبين عندنا.\n(٣) \"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٤٧ أ، ولم ينسبه.\n(٤) \"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٤٧ أ.\n(٥) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٣٠٦.\n(٦) \"تفسير مقاتل\" ٦٥ ب.","vol":"17","page":387},{"text":"هذا الذي ذكرنا قول المفسرين.\nوقال أبو علي الفارسي في هذه الآية: ذُكر لموسى الخوفُ في مواضع من التنزيل؛ كقوله: ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ [القصص: ٢١] و﴿لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص: ٢٥] وقال: ﴿إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾ [الشعراء: ١٢] وقال: ﴿لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا﴾ [طه: ٤٦] ﴿قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا﴾ [طه: ٤٥] ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى﴾ [طه: ٦٧] وقال ﴿لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى﴾ [طه: ٧٧]. فلما أضاف -﵇- الخوفَ في هذه المواضع إلى نفسه، أو نُزِّلَ منزلة من أضافه إلى نفسه، قيل له: ﴿وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ﴾ فأُمر بالعزم على ما أُريد له مما أُمر به، وحُضَّ على الجدِّ فيه؛ لئلا يمنعه من ذلك الخوفُ والرهبةُ التي قد تغشاه في بعض الأحوال (١)، وأن لا يستشعر ذلك فيكون مانعًا له مما أمر بالمضي فيه. وليس يراد بضم الجناح هاهنا: الضم المُزيل للفُرْجة والخصاصة (٢) بين الشيئين، كقول الشاعر:\nاُشْدُدْ حيازيمَكَ للموت ... فإن الموتَ لاقيكَ (٣)\n_________\n(١) في نسخة: (أ)، (ب): والرهب والذي قد يغشاه في بعض الأحوال.\n(٢) الخصاصة: الخَلَل، خصاص المنخل، والباب، والبرقع: خللَّه، واحدته: خصاصة. \"تهذيب اللغة\" ٦/ ٥٥١ (خص).\n(٣) \"الحجة\" ٥/ ٤١٦، ولم ينسب البيت. وأنشده المبرد مع بيت آخر، وهو:\nولا تجزع من الموت ... إذا حل بواديكا\nونسبهما لعلي -﵁-، قالهما بعد أن أُتي بابن ملجم وقيل له: إنا سمعنا من هذا كلامًا ولا نأمن قتله لك، فقال: ما أصنع به، ثم قال هذين البيتين. \"الكامل\" ٣/ ١١٢١. وأنشد البيت الأول في \"اللسان\" ١٢/ ١٣٢ (حزم)، وقال: حيازيمك: جمع: الحيزوم: وهو الصدر، وقيل: وسطه. وهو في ديوان علي بن أبي طالب -﵁-، ١٤٠، مع عدد من الأبيات.","vol":"17","page":388},{"text":"ليس يريد به الشد الذي هو الربط والضم، وإنما يريد: تأهب له واستعد للقائه حتى لا تهاب لقاءه، ولا تجزع من وقوعه. هذا كلامه (١). والمعنى على هذا: فشمر واستعد. والتقدير: ﴿وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ﴾ خارجًا من الرهب.\nوذكر الأزهري قال: قال (٢) مقاتل في قوله: ﴿مِنَ الرَّهْبِ﴾ أرادكُمَّ مِدْرَعَته (٣).\nوروى ثعلب عن عمرو (٤) عن أبيه قال: يقال لِكُمِّ القميص: القُنُّ والرُّدْن والخِلاف. وحكى عن ابن الأعرابي: أَرْهَبَ الرجلُ: إذا أطال رَهَبَه؛ وهو: كُمَّه.\nقال الأزهري: وأكثر المفسرين ذهبوا في قوله: ﴿وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ﴾ أنه بمعنى الرهبة (٥)، ولو وجدت إمامًا من أهل التفسير يجعل الرهب كُمًا لذهبت إليه؛ لأنه أشبه بالتفسير، وأليق بمعنى الكلام، والله أعلم بما أراد. هذا كلامه (٦). وهو متناقض؛ لأنه حكى عن\n_________\n(١) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٤١٥.\n(٢) هكذا في جميع النسخ: وذكر الأزهري قال: قال مقاتل. يعني: أن الأزهري قد ذكر قول مقاتل.\n(٣) \"تهذيب اللغة\" ٦/ ٢٩٢ (رهب)، ولم أجده في \"تفسير مقاتل\". ولم ترد كلمة: ﴿الرَّهْبِ﴾ في كتاب الله -﷿- إلا في هذا الموضع. \"المعجم المفهرس لألفاظ القرآن\" ٣٢٥. وذكره الثعلبي ٨/ ١٤٦ أ، ونسبه لأهل المعاني. والمدرعة: نوع من الثياب التي تلبس، ولا يكون إلا من صوف. \"تهذيب اللغة\" ٢/ ٢٠١ (درع).\n(٤) عمرو بن أبي عمرو الشيباني.\n(٥) ذكر ذلك أبو عبيدة \"مجاز القرآن\" ٢/ ١٠٤، ولم ينسبه.\n(٦) \"تهذيب اللغة\" ٦/ ٢٩٢ (رهب). وفيه قال الأزهري: ولو وجدت إمامًا من السلف ..","vol":"17","page":389},{"text":"مقاتل أنه قال في الرهب: إنه كُم مِدْرَعَتِه. ثم قال: لو وجدت إمامًا من أهل التفسير يجعل الرهب كُمًّا لذهبت إليه (١).\nثم قال: لأنه أشبه بالتفسير، وليس الأمر على ما ذكر؛ كيف يكون أشبه ولا معنى لقولك: واضمم إليك جناحك من الكم وكيف يكون ما ذكر أشبه بالتفسير؛ وقد قال مِقْسم في قوله: ﴿اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ﴾ إنما قيل: في جيبك؛ لأنه لم يكن له كم، كانت زُرْمَانقة (٢).\nوذكر المفسرون: أن موسى كانت عليه تلك الليلة مِدْرَعة من صوف مُضَرَّبة، لا كُمَّ لها (٣). وإذا صح هذا فكيف يجوز أن (٤) يحمل الرهب على الكم؟ مع أنا لو ارتكبنا هذا لم يخرج للكلام معنى صحيح. وروى حفص عن عاصم ﴿مِنَ الرَّهْبِ﴾ بفتح الراء وجزم الهاء (٥)، وهو لغة في: الرَّهَب الذي هو بمعنى: الكُم (٦).\n_________\n(١) وصف الواحدي للأزهري بالتناقض بإيراده قول مقاتل لعله غير وجيه؛ لأن الأزهري قال: إمامًا من السلف، ولم يقل: إمامًا في التفسير كما نقل الواحدي، فلعله يعني بذلك: إمامًا من الصحابة والتابعين؛ ومقاتل من أتباع التابعين، ت ١٥٠ هـ، ويبعد أن يكون الأزهري يجهل قول مقاتل؛ إذ إن ذكرَه لقوله قريبٌ جدا. والله أعلم.\n(٢) أخرجه ابن أبي حاتم ٩/ ٢٨٥٠، في تفسير سورة النمل، عن ابن عباس، من طريق مقسم، وليس فيها: زرمانقة، بل: جبة من صوف. والزرمانقة: جبة صوف. \"تهذيب اللغة\" ٩/ ٤٠٢ (زرمانق).\n(٣) أخرجه ابن جرير ٢٠/ ١٣٨، عن مجاهد وابن مسعود. والضريبة: الصوف يضرب بالمطرَق، ويطلق على: الصوف أو الشعر ينفش ثم يدرج ليغزل. \"تهذيب اللغة\" ١٢، ١٩/ ٢٠ (ضرب).\n(٤) يجوز أن. زيادة من نسخة (ج).\n(٥) \"السبعة في القراءات\" ٤٩٣، و\"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٤١٤.\n(٦) \"تهذيب اللغة\" ٦/ ٢٩٢ (رهب).","vol":"17","page":390},{"text":"وقوله: ﴿فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ﴾ يعني اليد والعصا، حجتان من الله تعالى لموسى على صدقه (١). وقُرئ ﴿فَذَانِكَ﴾ بتخفيف النون وتشديده (٢).\nقال أبو عبيد: كان أبو عمرو يخص هذا الحرف بالتشديد [من بين إخوانه. ويحكى أن التشديد لغة قريش (٣)، قال أبو إسحاق: التشديد] (٤) يشبه ذلك، والتخفيف يشبه ذاك، جعل بدل اللام في ذلك تشديد النون في: ﴿ذَانَّكَ﴾ (٥). وهذا قول الأخفش؛ قال: أدخلوا التثقيل للتأكيد، كما أدخلوا اللام في ذلك (٦). وهذا مما قد تقدم القول فيه في سورة النساء (٧).\nوروى شِبل عن ابن كثير: ﴿فَذَانِيكَ﴾ خفيفة النون بياء (٨)؛ كأنه أبدل من الثانية الياء كراهية التضعيف، كما أنشد أبو زيد:\nفآليت لا أَشْرِيه حتى يَمَلَّنِي ... بشيء ولا أمْلاهُ حتى يُفارقا (٩)\n_________\n(١) \"غريب القرآن\" لابن قتيبة ٣٣٣، و\"الطبري\" ٢٠/ ٧٣. و\"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٤٧ أ.\n(٢) قرأ ابن كثير وأبو عمرو: ﴿فَذَانِكَ﴾ مشددة النون، وقرأ الباقون: ﴿فَذَانِكَ﴾ بالتخفيف. \"السبعة\" ٤٩٣، و\"الحجة\" ٥/ ٤١٩، و\"النشر\" ٢/ ٣٤١.\n(٣) \"تفسير ابن جرير\" ٢٠/ ٧٤، ولم يذكر أبا عبيد.\n(٤) ما بين المعقوفين ساقط من نسخة: (أ)، (ب).\n(٥) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٤٣.\n(٦) \"معاني القرآن\" للأخفش ٢/ ٦٥٣. قال المبرد: تبدل من اللام نونًا، وتدغم إحدى النونين في الأخرى. \"المقتضب\" ٣/ ٢٧٥. وذكر ذلك أيضًا ابن جني، \"سر صناعة الإعراب\" ٢/ ٤٨٧.\n(٧) ذكره في تفسير الآية: ١٦ ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ﴾.\n(٨) \"السبعة\" ٤٩٣، و\"الحجة\" ٥/ ٤١٩، و\"إعراب القراءات السبع وعللَّها\" ٢/ ١٧٤.\n(٩) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٤٢٠، ونسبه لأبي زيد. وهو في \"النوادر\" ٤٤، مع بيتين قبله منسوبًا للأسود بن يعفر النهشلي، بلفظ: =","vol":"17","page":391},{"text":"يريد: لا أَمَلُّه حتى، فأبدل من التضعيف: الألف، كما أبدل من الأول: الياء (١). والإبدال من التضعيف كثير، ومنه قوله: ﴿يَتَمَطَّى﴾ [القيامة: ٣٣] إنما هو: يتمطط، ومثله: التقصي، والتظني (٢).\nوقوله: ﴿إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ﴾ قال أبو إسحاق: أي: أرسلناك إلى فرعون وملأه بهاتين الآيتين (٣). ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ عاصين. قاله ابن عباس ومقاتل (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3266>٣٤ </span>- قوله: ﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا﴾ قال المفسرون: أي: أحسن بيانًا (٥).\nقال ابن عباس: وكان في لسان موسى عُقدة، من قِبَل النار (٦)، فذلك قول فرعون: ﴿وَلَا يَكَادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف: ٥٢]، وذكرنا هذا عند قوله: ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي﴾ [طه: ٢٧] (٧).\n_________\n= فأقسمت لا أشريه حتى أمله ... بشيء ولا أملاه حتى يفارقا\nوفيه: أشريه: أبيعه، ولا أملاه: أي: لا أَمَلُّهُ.\n(١) يعني من قوله تعالى: ﴿فَذَانَّيكَ﴾ على قراءة الياء.\n(٢) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٤٢٠، باختصار. والتظنَّي: إعمال الظن، وأصله: التظنُّن، أُبدل من إحدى النونات ياء. \"اللسان\" ١٣/ ٢٥٧. و\"القاموس\" ١٥٦٦.\n(٣) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٤٤.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ٦٥ ب، وأخرجه ابن أبي حاتم ٩/ ٢٩٧٦، عن سعيد بن جبير.\n(٥) \"تفسير ابن جرير\" ٢٠/ ٧٤. و\"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٤٧ ب.\n(٦) \"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٤٧ ب.\n(٧) ذكر الواحدي في تفسير هذه الآية أن العقدة: الربطة في الحبل والخيط، وأراد بالعقدة هاهنا رثة كانت في لسانه تمنعه من الانطلاق في الكلام. قال سعيد بن جبير -وهو قول العامة-: عجمة من جمرة أدخلها في فيه. والقصة في ذلك معروفة. وفي الحاشية نقد لهذه القصة. وسبق بيان أن القول بأن العلة كانت بسبب الجمرة ليس بصحيح، في تفسير سورة الشعراء الآية ١٣.","vol":"17","page":392},{"text":"قال أهل اللغة: الفصيح من الكلام: ما لا لحن فيه ولا خطأ. وأصل الكلمة: ظهور الشيء وصفاؤه. يقال: أفصح الصبح إذا بدا وظهر، وأفصح اللبن إذا زالت الرُّغوة عنه، وبدا صريحه (١). وإذا كان الكلام صافيًا من اللحن، خالصًا عما يوجب اللبس من لَجْلَجة أو مَجْمَجة (٢) شُبَّه باللبن الخالص من الرُّغوة فسمي: فصيحًا (٣).\nوقوله: ﴿فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا﴾ قال المفسرون: عونًا ومعينًا (٤). قال النضر: يقال فلان رِدْءٌ لفلان أي: يَنْصُره ويَشُد ظهره، وأصله من قولهم: ردأت الحائط أردأه، إذا دعمته بخشب أو لَبِن يدفعه أن يسقط.\nوقال يونس: أردأت الحائط بهذا المعنى.\nوقال الليث: رَدَأْت فلانًا بكذا أي: جعلتُه قوةً له وعمادًا. وأردأتُ فلانًا أي: ردأته (٥).\n_________\n(١) الصريح: المحض الخالص من كل شيء، ويقال لِلَبَن: صريح، إذا لم تكن له رغوة. \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٢٣٧ (صرح).\n(٢) اللجلجة: أن يتكلم الرجل بلسانٍ غير بين. \"تهذيب اللغة\" ١٠/ ٤٩٥ (لج). والمجمجة، يقال: مجمج بي: إذا ذهب بك في الكلام مذهبًا على غير الاستقامة، وردك من حال إلى حال. \"تهذيب اللغة\" ١٠/ ٥٢٣ (مجمج)، وفي \"اللسان\" ٢/ ٣٦٣: مجمج الرجل في خبره: إذا لم يبينه.\n(٣) \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٢٥٣ (فصح)، بنحوه.\n(٤) أخرجه عبد الرزاق ٢/ ٩١، عن قتادة. وأخرجه ابن جرير ٢٠/ ٧٤، وابن أبي حاتم ٩/ ٢٩٧٧، عن مجاهد وقتادة و\"تفسير مقاتل\" ٦٥ ب و\"الأضداد\" لابن الأنباري ٢٠٨. و\"غريب القرآن\" لابن قتيبة ٣٣٣. و\"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٤٧ ب. وأخرج ابن أبي حاتم ٩/ ٢٩٧٧، عن مسلم بن جندب، أنه قال: ﴿رِدْءًا﴾ أي: زيادة.\n(٥) كتاب \"العين\" ٨/ ٦٧ (ردء).","vol":"17","page":393},{"text":"ابن السكيت: أردأتُ الرجلَ إذا أعنتُه (١).\nأبو عبيدة: أردأته على عدوه، وعلى ضيعته أي: أعنته (٢).\nوقرأ نافع: (ردًا) بغير همز (٣)، خفف الهمزة وألقى حركتها على الساكن الذي قبلها، نحو: ﴿الْخَبْءَ﴾ [النمل: ٢٥] فيمن خفف (٤). وقد جاء (٥) في بعض القوافي: في (٦) الردء الرد (٧)، وذلك على أنه وقف بعد التخفيف على الحرف فشدده، كما ثُقِّل: هذا فَرَجٌّ، وهذا خَالِدٌّ، فضُعَّف الحرف للوقف، ثم يُطلق كما أطلق نحو: سبسبَّا والقَصَبَّا (٨).\n_________\n(١) \"تهذيب اللغة\" ١٤/ ١٦٧ (ردأ)، من بداية قول النضر بن شميل.\n(٢) \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ٢/ ١٠٤. ونقله عنه أبو علي في الحجة ٥/ ٤٢٠.\n(٣) قرأ نافع وحده: (ردًا) مفتوحة الدال، منونة غير مهموزة. وقرأ الباقون: ﴿رِدْءًا﴾ ساكنة الدال مهموزة \"السبعة في القراءات\" ٤٩٤، و\"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٤٢٠، و\"إعراب القراءات السبع وعللها\" ٢/ ١٧٥، و\"النشر في القراءات العشر\" ٢/ ٣٤١. وقراءة نافع يعبر عنها بالنقل؛ قال السمين الحلبي: وقرأ نافع: (ردا) بالنقل، وأبو جعفر كذلك إلا أنه لم ينونه كأنه أجرى الوصل مجرى الوقف، ونافع ليس من قاعدته النقل في كلمة إلا هنا، وقيل: ليس فيه نقل وإنما هو من أردى على كذا. \"الدر المصون\" ٨/ ٦٧٧، وفي الحاشية: النقل: نقل حركة الهمزة إلى الدال ثم حذف الهمزة.\n(٤) سبق ذكر هذه القراءة في تفسير قوله تعالى ﴿الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ﴾ [النمل: ٢٥].\n(٥) وقد جاء. ساقطة من نسخة (ج).\n(٦) في. ساقطة من نسخة: (ب).\n(٧) لم يذكر الواحدي مثالًا على ما جاء في بعض القوافي، وبحثت عن ذلك فلم أجد.\n(٨) هاتان الكلمتان من قول رؤبة بن العجاج ١٦٩، من قصيدة له يصف فيها الجراد في انتشاره، وسرعة مره كالسيل إذا امتد، وكالحريق، أي: النار في القصب أو التبن، حاشية \"المسائل العسكرية\" ٢٢٤، وفيه ذكرِ أبيات رؤبة، وأما أبو علي في \"المسائل العسكرية\" فقد ذكر الشطر الآتي ولم ينسبه: مثلُ الحريق وافق القصبَّا. =","vol":"17","page":394},{"text":"وقال أبو الحسن: هو فعل من رَددتُ، أي: يَرُدَّ عني (١).\nقوله: ﴿يُصَدِّقُنِي﴾ قرئ بالرفع، والجزم (٢). فمن رفع فهو صفة للنكرة، وتقديره: ردءًا مصدقًا، وسأل ربه إرساله بهذا الوصف. ومن جزم كان على معنى الجزاء، أي: إن أرسلته صدقني، وهو جيد في المعنى؛ لأنه إذا أرسله معه صدقه (٣). والتصديق لهارون في قول الجميع، وقال مقاتل: لكي يصدقني فرعون (٤)؛ والقول هو الأول.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3267>٣٥ </span>- وقوله: ﴿قَالَ﴾ أي: قال الله لموسى ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ﴾ أي: سنعينك ونقويك به (٥).\n_________\n= وذكر الكلمة الأولى: سبسبَّا سيبويه، \"الكتاب\" ٤/ ١٦٩، وفي الحاشية: إشارة إلى قول العجاج:\nتترك ما أبقى الدُّبى سَبْسَبًّا\nوفي حاشية \"الحجة\" ١/ ٦٥: ذكر البيت كاملًا، وصدره:\nوهبت الريح بمور هبَّا\nثم قال: المور بضم الميم: الغبار، والسبسب: القفر، والدَّبا بتشديد الدال المفتوحة: الجراد.\nوالشاهد في هذا كله: تفعيف الباء للضرورة؛ قال أبو علي: ويضطر الشاعر فيجري الوصل بهذه الإطلاقات في القوافي مجرى الوقف، وقد جاء ذلك في النصب أيضًا، ثم ذكر بيت رؤبة، ثم قال: وهذا لا ينبغي أن يكون في السعة. \"المسائل العسكرية\" ٢٢٤.\n(١) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٤٢٠.\n(٢) قرأ عاصم وحمزة: ﴿يُصَدِّقُنِي﴾ بضم القاف، وقرأ الباقون: ﴿يصْدقني﴾ بجزم القاف. \"السبعة في القراءات\" ٤٩٤، و\"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٤٢١، وإعراب القراءات السبع وعللها ٢/ ١٧٥، و\"النشر في القراءات العشر\" ٢/ ٣٤١.\n(٣) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٤٢١، وهو قول الأخفش، \"معاني القرآن\" ٢/ ٦٥٣.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ٦٥ ب.\n(٥) \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ٢/ ١٠٤. و\"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٤٤. و\"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٤٧ ب.","vol":"17","page":395},{"text":"وشَدُّ العضد مَثَلٌ في التقوية والإعانة. وذلك أن من قَوّيت عضدَه فقد أعنته.\nقوله تعالى: ﴿وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا﴾ قال ابن عباس ومجاهد ومقاتل: أي: حجة تدل على النبوة (١).\nقال أبو إسحاق: أي حجة نَيَّرة، والسلطان أبين الحجج، ولذلك قيل للزيت: السَّليط؛ لأنه يستضاء به (٢).\nوقوله: ﴿فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا﴾ أي: بقتل ولا بسوء ولا أذى؛ وذلك أنهما خافا من فرعون أن يقتلهما، وهو قوله: ﴿إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى﴾ [طه: ٤٥] (٣).\nوقوله: ﴿بِآيَاتِنَا﴾ قال المبرد: فيه تقديم وتأخير، المعنى: سلطانًا بآياتنا ﴿فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا﴾ (٤).\nوذكر أبو إسحاق وجهين آخرين؛ أحدهما: أن يكون ﴿بِآيَاتِنَا﴾ من صلة: ﴿يَصِلُونَ﴾ كأنه قال: ﴿فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا﴾ تمتنعان منهم بآياتنا. والثاني: أن يكون ﴿بِآيَاتِنَا﴾ مُبِينًا عن قوله: ﴿أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ﴾ أي: تغلبون بآياتنا (٥). وهذا معنى قول ابن عباس؛ يريد: قد أعطيتك آياتٍ تقوى بها على جميع الخلق، فلا يَصِل إلى أذاك أحدٌ.\n_________\n(١) أخرجه ابن جرير ٢٠/ ٧٦، عن مجاهد، والسدي، و\"تفسير مقاتل\" ٦٥ ب، و\"غريب القرآن\" لابن قتيبة ٣٣٣، ولم ينسبه.\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٤٤.\n(٣) استدل بهذه الآية على هذا المعنى مقاتل ٦٥ ب.\n(٤) ذكره ابن الجوزي، \"زاد المسير\" ٦/ ٢٢، ولم ينسبه.\n(٥) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٤٤، ولم ينسبه.","vol":"17","page":396},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3268>٣٦ </span>- قوله تعالى: ﴿مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرًى﴾ أي: ما هذا الذي جئتنا به إلا سحر افتريته من قِبل نفسك. أي: لم يأتوا بحجة يدفعون بها ما أظهر من الآيات إلا أن قالوا: إنها سحر.\nوالإشارة في قوله: ﴿مَا هَذَا﴾ تعود إلى ما ذكرنا؛ كأنهم قالوا: ما هذا الذي جئتنا به إلا سحر (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3269>٣٧ </span>- ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ﴾ أي: هو أعلم بالمحق منا، ومن الذي جاء بالبيان من عنده (٢).\nقال مقاتل: أي فأنا الذي جئت بالهدى من عند الله (٣). وقوله: ﴿وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ﴾ أي: وهو أعلم بمن تكون له الجنة (٤) ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ لا يسعد من أشرك بالله. قاله ابن عباس (٥). وهذه القطعة مفسرة في سورة: الأنعام (٦).\n_________\n(١) \"تفسير ابن جرير\" ٢٠/ ٧٦، بمعناه.\n(٢) \"تفسير ابن جرير\" ٢٠/ ٧٦، بمعناه. و\"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٤٧ ب.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ٦٦ أ.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ٦٦ أ.\n(٥) أخرجه ابن أبي حاتم ٩/ ٢٩٧٨، من طريق الضحاك، ولفظه: ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ يقول: الكافرون.\n(٦) عند قوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ [١٣٥] قال الواحدي: موضع ﴿مِن﴾ نصب بوقوع العلم عليه، ويجوز أن يكون رفعًا على معنى: تعلمون أينا تكون له عاقبة الدار، كقوله: ﴿لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ﴾ [الكهف: ١٢] والوجهان ذكرهما الفراء، قال ابن عباس: ﴿مَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ﴾ يعنىِ: الجنة .. إلى آخر كلامه، فانظره هناك.","vol":"17","page":397},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3270>٣٨ </span>- وقوله: ﴿فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ﴾ قال مقاتل: يقول: أوقد النار على الطين، حتى يصير اللبِن آجرًا. وكان فرعون أول من طبخ الآجر (١). [ونحو هذا قال قتادة: إنه أول من طبخ الآجر (٢). وقال أبو إسحاق: أي اعمل لي الآجر] (٣) (٤).\n﴿فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا﴾ يعني: قصرًا طويلًا عاليًا مرتفعًا. قاله ابن عباس والمفسرون (٥).\nوتفسير الصرح مذكور في سورة: النمل (٦).\n﴿لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى﴾ قال ابن عباس: أصعد إليه (٧). وهذا إيهام من فرعون للناس أن الذي يدعوه إليه موسى يجري مجراه في الحاجة إلى المكان والجهة، (٨) حيث قال: ﴿لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ٦٦ أ. و\"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٤٧ ب، ولم ينسبه.\n(٢) أخرجه عبد الرزاق ٢/ ٩١، وابن جرير ٢٠/ ٧٧، وابن أبي حاتم ٩/ ٢٩٧٩.\n(٣) ما بين المعقوفين ساقط من نسخة (ج).\n(٤) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٤٥، و\"غريب القرآن\" لابن قتيبة ٣٣٣، والآجُرُّ، والأجُرُّ، والآجِرُ، والآجُرُ: طبيخ الطين، وهو الذي يبنى به. \"لسان العرب\" ٤/ ١١ (أجر).\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ٦٦ أ، و\"غريب القرآن\" لابن قتيبة ٣٣٣، و\"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٤٥. و\"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٤٧ ب.\n(٦) عند قوله تعالى: ﴿قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ﴾ [٤٤].\n(٧) أخرجه ابن جرير ٢٠/ ٧٨، وابن أبي حاتم ٩/ ٢٩٧٩، عن السدي. و\"تنوير المقباس\" ٣٢٧.\n(٨) لفظ الجهة والمكان لم يرد في الكتاب ولا في السنة، ولم يتكلم به سلف الأمة، وإنما الذي ورد وصف الله تعالى بالعلو على خلقه واستوائه على عرشه، وأنه تعرج إليه الملائكة والروح، ويصعد إليه الكلم الطيب، قال شيخ الإسلام:. فيقال لمن =","vol":"17","page":398},{"text":"مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ أي في ادعائه إلها غيري، وأنه رسوله (١).\nقال أبو إسحاق: قد اعترف بأنه شاكٌ لم يتيقن أن موسى كاذب. وفي هذا بيانُ أنه كَفَرَ بموسى على غير تيقن أنه ليس بنبي (٢).\nوقال مقاتل: يقول: إني لأحسب موسى من الكاذبين فيما يقول: إن في السماء إلهًا (٣).\nقال الكلبي: يقول: إني لأظن موسى كاذبًا، ما في السماء من شيء (٤). وهذان القولان يوهمان التشبيه والقولَ بالجهة (٥).\n_________\n= نفى: أتريد بالجهة أنها شيء موجود مخلوق فالله تعالى ليس داخلًا في المخلوقات، أم تريد بالجهة ما وراء العالَم فلا ريب أن الله فوق العالَم مباين للمخلوقات. وكذلك يقال لمن قال: الله في جهة؛ أتريد بذلك أن الله فوق العالَم، أو تريد: أن الله تعالى داخل في شيء من المخلوقات فإن أردت الأول فهو حق، وإن أردت الثاني فهو باطل. وكذلك يقال في المكان. \"التحفة المهدية شرح الرسالة التدمرية\" ١٦٨، و\"مختصر العلو للعلي الغفار\" للذهبي ٦٨.\n(١) \"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٤٨ أ.\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٤٥.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ٦٦ أ.\n(٤) \"تنوير المقباس\" ٣٢٧.\n(٥) هذا الكلام من الواحدي -عفا الله عنه- تلميح لنفي صفة العلو. قال شيخ الإسلام: والمقصود هنا أن أهل السنة متفقون على أن الله ليس كمثله شيء؛ لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله. لكن لفظ التشبيه في كلام الناس لفظ مجمل؛ فإن أراد بلفظ التشبيه ما نفاه القرآن ودل عليه العقل فهذا حق؛ فإن خصائص الرب تعالى لا يوصف بها شيء من المخلوقات، ولا يماثله شيء من المخلوقات في شيء من صفاته وإن أراد بالتشبيه أنه لا يُثبَت لله شيء من الصفات، فلا يقال: له علم ولا قدرة ولا حياة؛ لأن العبد موصوف بهذه الصفات، فلزمه أن لا يقال له: حي عليم قدير؛ لأن العبد يسمى بهذه الأسماء، وكذلك في كلامه وسمعه وبصره ورؤيته وغير ذلك. \"منهاج السنة\" ٢/ ١١٠.","vol":"17","page":399},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3271>٣٩ </span>- قوله تعالى: ﴿وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ﴾ أي: تعظموا عن الإيمان، ولم ينقادوا للحق، ولِمَا دعاهم إليه موسى ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ في أرض مصر ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ (١) قال ابن عباس: بالباطل والظلم والعدوان. وقال مقاتل: بالمعصية (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-3272>٤٠ </span>- قوله تعالى: ﴿فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ﴾ قال ابن عباس: يريد: في البحر المالح؛ بحر القُلْزُم (٣).\nوقال قتادة: هو بحر من وراء مصر غرقهم الله فيه (٤).\nوقال مقاتل: يعني: بحر النيل الذي بمصر (٥). والمعروف أنه غرق في بحرٍ غير النيل (٦).\n_________\n(١) ولا يفهم من هذا الآية أن الاستكبار قد يكون بحق، فإن هذا غير مراد، وهو كقوله تعالى: ﴿وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ وأفضل ما يحمل عليه المعنى: دفع أدنى شبهة لهم في الاستكبار فهم تكبروا بدون أدنى شبهة، أو اشتباه في الأمور، وكذا في قتل الأنبياء فإن أولئك قد قتلوا الأنبياء بدون أدنى شبهة يتعلقون بها. والله أعلم. \"القواعد الحسان لتفسير القرآن\" للسعدي، القاعدة ٢٥، ص: ٨٢.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ٦٦ أ.\n(٣) القُلْزُم: مأخوذ من القلزمة؛ وهي ابتلاع الشيء، وسمي بحر القلزم بهذا لالتهامه من ركبه. \"معجم البلدان\" ٤/ ٤٣٩، قال ياقوت: وهو البحر الذي غرق فيه فرعون. وفي \"المعجم الوسيط\" ٢/ ٧٥٤: القلزم: بلد قديم بني في موضعه: السويس، وبحر القلزم: البحر الأحمر.\n(٤) أخرجه ابن جرير ٢٠/ ٧٨، وابن أبي حاتم ٩/ ٢٩٨٠. وذكره عنه الثعلبي ٨/ ١٤٨ أ.\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ٦٦ أ.\n(٦) الذي يظهر أن لا دليل على شيء بما ذكر، ولا ينافي حصول هذه الآية الاختلاف في تحديد مكانه، وظاهر الآيات المصرحة بالبحر كقوله تعالى: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾ [الشعراء: ٦٣] تدل على أنه البحر المالح. والله أعلم.","vol":"17","page":400},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3273>٤١ </span>- قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً﴾ قال ابن عباس: يريد أئمة ضلالة (١).\nوقال الكلبي ومقاتل: قادة في الكفر والشرك (٢). جعل فرعون وملأه قادة في الشرك، فأتبعهم أهل مصر.\nومعنى الإمام في اللغة: المقدم للإتَّباع (٣). ورؤساءُ الضلالة قُدِّموا في المنزلة؛ لأنهم يُتبعون فيما يَدْعون إليه.\nوقوله: ﴿يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ قال ابن عباس ومقاتل: يدعون إلى الشرك بالله (٤)، فمن أطاعهم ضل ودخل النار ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ﴾ لا يمنعون من العذاب (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3274>٤٢ </span>- وقوله: ﴿وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً﴾ مفسر في موضعين من سورة: هود (٦). قال مقاتل في هذه الآية: يعني: الغرق (٧).\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي حاتم ٩/ ٢٩٨٠.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ٦٦ أ. و\"تنوير المقباس\" ٣٢٧.\n(٣) الإمام: كل من ائتم به قوم كانوا على الصراط المستقيم، أو كانوا ضالين. \"تهذيب اللغة\" ١٥/ ٦٣٨ (أم).\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ٦٦ أ. وأخرجه ابن أبي حاتم ٩/ ٢٩٨٠، عن مجاهد بلفظ: يدعون إلى المعاصي.\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ٦٦ أ.\n(٦) عند قوله تعالى: ﴿وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [٦٠] وقوله تعالى: ﴿وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ﴾ قال الواحدي في تفسير هذه الآية: أي: أردفوا لعنة تلحقهم وتنصرف معهم؛ هذا معنى الإتباع، وهو أن يتبع الثاني الأول ليتصرف معه بتصرف. ومعنى اللعنة: الإبعاد من رحمة الله ومن كل خير.\n(٧) \"تفسير مقاتل\" ٦٦ أ.","vol":"17","page":401},{"text":"﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾ أي: من المبعدين الملعونين (١)؛ من القُبْح، وهو: الإبعاد.\nقال الليث: يقال: قَبَحَه الله، أي: نحَّاه من كل خير (٢).\nوقال أبو زيد: قَبَحَ الله فلانًا قُبْحًا وقُبُوْحًا، أي: أقصاه وباعده من كل خير، كقبوح الكلب والخنزير، قال الجعدي:\nولَيْسَتْ بْشوهَاءَ مَقْبُوحَةٍ ... تُوافِي الديارَ بوجهٍ غَبِر\nقال أبو عبيدة: ﴿مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾ المهلكين (٣).\nوقال ابن عباس: يريد: تسود وجوههم، وتزرق أعينهم، ويشوه خلقهم (٤).\nوقال الكلبي: يعني: سَواد الوجه، وزرقة العين (٥). وهذا يوجب أن يكون ﴿مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾ بمعنى: المقبَّحين.\nوقد روى أبو عبيد عن أبي عمرو: قَبَحْتُ له وجهَه، مخففة؛ بمعنى: قَبَّحت (٦). وأهل اللغة في: ﴿الْمَقْبُوحِينَ﴾ على القول الأول (٧).\nقال أبو علي الفارسي في إعراب هذه الآية: يحتمل أن يكون: ﴿وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً﴾ ولعنةً يوم القيامة، فحذف المصدر،\n_________\n(١) أخرج ابن جرير ٢٠/ ٧٩، عن قتادة: لعنوا في الدنيا والآخرة.\n(٢) كتاب \"العين\" ٣/ ٥٣ (قبح). ونقله عنه الأزهري ٤/ ٧٥.\n(٣) \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ٢/ ١٠٦. وقال الثعلبي ٨/ ١٤٨ أ: الممقوتين. وكذا في \"وضح البرهان\" ٢/ ١٥٢.\n(٤) ذكره عنه الثعلبي ٨/ ١٤٨ أ.\n(٥) \"تنوير المقباس\" ٣٢٧.\n(٦) \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٧٥ (قبح).\n(٧) المراد به: ﴿الْمَقْبُوحِينَ﴾ المبعدين.","vol":"17","page":402},{"text":"وأقيم ﴿يَوْمَ﴾ مقامه، فانتصب انتصاب المفعول به، ويكون ﴿هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾ جملة استغني عن حرف العطف فيها بما تضمنت من ذكرهم، كما استغني عنه بذلك في قوله: ﴿ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ [الكهف: ٢٢] ولو كانت الواو لكان ذلك حسنًا كما قال: ﴿وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ﴾ [الكهف: ٢٢] قال: ويجوز أن يكون: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ محمولَّا عَلى موضع: في هذه الحياة الدنيا، كما قال الشاعر:\nإذا ما تلاقينا من اليوم أو غدا (١)\nويشهد لهذين الوجهين قوله: ﴿لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [النور: ٢٣] وقوله: ﴿وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [هود: ٦٠] ويكون قوله: ﴿هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾ على ما ذكرنا في الوجه الأول. قال: ويجوز أن يكون العامل فيه: ﴿مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾ لأن فيه معنى فعل، وإن كان الظرف متقدمًا، كأنه قيل: ويوم القيامة يقبحون. كما أجاز سيبويه: كل يوم لك ثوب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3275>٤٣ </span>- وقوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى﴾ قال مقاتل: يعني قوم نوح وعاد وثمود، وغيرهم، كانوا قبل موسى (٢).\n_________\n(١) أنشده كاملًا سيبويه ١/ ٦٨، ونسبه لكعب بن جعيل، وصدره:\nألا حيَّ ندماني عمير بن عامر\nالندمان، ومثله: النديم: الذي يجالسك ويشاربك، وفي الحاشية: شاهده عطف: غدًا، على محل: اليوم،؛ لأنه مسبوق بمن الزائدة. وأنشده المبرد \"المقتضب\" ٤/ ١١٢، وابن جني \"المحتسب\" ٢/ ٣٦٢، ولم ينسباه. وهو في \"الإنصاف\" ١/ ٣٣٥، غير منسوب، قال: فنصب: غدًا، حملًا على موضع: من اليوم، وموضعها نصب.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ٦٦ أ.","vol":"17","page":403},{"text":"وقال رسول الله -ﷺ-: \"ما أهلك الله -﷿- قومًا بعذاب من السماء منذ أنزل الله سبحانه التوراة؛ غير القرية التي مسخوا قردة، ألم تر أن الله -﷿- قال: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى﴾ \" (١).\nوقال عطاء عن ابن عباس: يريد من بعد ما غرق فرعون وقومه، وخسف بقارون (٢). والقول هو الأول.\nوقوله: ﴿بَصَائِرَ لِلنَّاسِ﴾ قال أبو إسحاق: المعنى: ولقد آتينا موسى الكتاب بصائر، أي: هذه حال ايتائنا إياه الكتاب مبينًا للناس (٣).\nوقال مقاتل: ﴿بَصَائِرَ لِلنَّاسِ﴾ في هلاك الأمم الخالية، بصيرة لبني إسرائيل، وغيرهم (٤). وعلى هذا التقديرُ: أهلكناهم بصائر للناس؛ ليتبصروا ويعتبروا بهلاكهم. والقول ما قاله أبو إسحاق؛ لأن المعنى: آتينا موسى الكتاب بصائر للناس؛ ليتبصروا به، فدل على صحة هذا قوله: ﴿وَهُدًى وَرَحْمَةً﴾ وهو من صفة الكتاب، يعني: التوراة هدى من الضلالة، لمن عمل به، ورحمة لمن آمن به من العذاب (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3276>٤٤ </span>- وقوله: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ﴾ قال قتادة والسدي ومقاتل:\n_________\n(١) أخرجه الحاكم ٢/ ٤٤٢، رقم: ٣٥٣٤، من حديث أبي سعيد الخدري -﵁-، وقال: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. وأخرجه من هذا الطريق الثعلبي ٨/ ١٤٨ أ، وأخرجه ابن جرير ٢٠/ ٨٠، وابن أبي حاتم ٩/ ٢٩٨١، موقوفًا على أبي سعيد الخدري -﵁-.\n(٢) ذكره القرطبي ١٣/ ٢٩٠، ولم ينسبه، وصدره بـ: قيل.\n(٣) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٤٦.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ٦٦ أ.\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ٦٦ أ، بنصه.","vol":"17","page":404},{"text":"يعني جبلًا غربيًّا (١). وهو اختيار أبي إسحاق (٢). أي: وما كنت بجانب الجبل الغربي.\nوقال أبو علي الفارسي: هذا على جانب المكان الغربي، لا يكون على غير ذلك، يعني: أنه لا يكون الجانب مضافًا إلى الغربي؛ لأنه هو الغربي (٣).\nوقال الكلبي: بجانب الوادي الغربي (٤).\nقال ابن عباس: يريد: حيث ناجى موسى ربَّه.\nوقوله: ﴿إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ﴾ قال مقاتل: إذ عهدنا إلى موسى الرسالة إلى فرعون وقومه. وهو قول المفسرين (٥). وقال عطاء عن ابن عباس: إذ أخبرناه أن أمة محمد -ﷺ- خير الأمم (٦).\nقوله: ﴿وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ لذلك الأمر (٧). وقال ابن عباس: لم\n_________\n(١) أخرجه عبد الرزاق ٢/ ٩١، وابن أبي حاتم ٩/ ٢٩٨٢، عن قتادة، وقد تصحفت فيه كلمة: غربيًّا، إلى: قريبًا، وهذه الطبعة للكتاب مليئة بأخطاء كثيرة جدًا، في الآيات، والأحاديث، والأقوال، فلم تحظ بأدنى قسط من التحقيق. وقول مقاتل في \"تفسيره\" ٦٦ أ.\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٤٦.\n(٣) قال السمين الحلبي: قوله: ﴿بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ﴾ يجوز أن يكون من حذف الموصوف وإقامة صفته مقامه؛ أي: بجانب المكان الغربي، وأن يكون من إضافة الموصوف لصفته، وهو مذهب الكوفيين. \"الدر المصون\" ٨/ ٦٨٠.\n(٤) ذكره عنه الشوكاني ٤/ ١٦٩، وفي \"تنوير المقباس\" ٣٢٧: الجبل.\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ٦٦ ب، و\"تفسير ابن جرير\" ٢٠/ ٨٠، بمعناه.\n(٦) نسبه لابن عباس، القرطبي ١٣/ ٢٩١\n(٧) \"تفسير مقاتل\" ٦٦ ب.","vol":"17","page":405},{"text":"تحضر ذلك (١). وقال الكلبي: لم تشاهد ما هنالك (٢).\nقال صاحب النظم: ليس للحضور هاهنا معنى؛ لأن قوله: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ﴾ قد أغنى عنه، وهو من الشهادة على الشيء، يعني: لم نُشهدك على ما جرى هنالك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3277>٤٥ </span>- قوله: ﴿وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُونًا﴾ أي: خلقنا أممًا من بعد موسى ﴿فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ﴾ أي: طالت عليهم المهلة، فنسوا عهد الله، وتركوا أمره (٣).\nقال ابن عباس: مِثْلُ قوله في الحديد: ﴿وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [١٦] (٤).\nقال صاحب النظم: قوله: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ﴾ لا يقال إلا لرجل قد كان جرى له ذكر في موضع بخير أو شر، فهو إعلام من الله تعالى لنبيه -ﷺ- أنه أجرى ذكرَه في هذا الموضع لمعنى؛ إلا أنه غير موقوف على حقيقته، فلما قال: ﴿وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ﴾ دل ذلك على أنه قد عهد إلى قوم موسى عهودًا، فلما طال عليهم العمر نسوها، وتركوا الوفاء بها، وطول العهد والعمر ينسي العهودَ والوفاءَ بها، ألا ترى أن موسى لما عاتب قومه في اتخاذ العجل قال لهم: ﴿أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ﴾ [طه: ٨٦]، وذكرَ الله -﷿- في مواضع ما عهدَه إلى قوم موسى في التوراة من الإيمان بمحمد -ﷺ-، فلم يحتمل أن يكون هذا الذي أُومِئَ إليه في هذا\n_________\n(١) قال الثعلبي ٨/ ١٤٨ أ: الحاضرين. ولم ينسبه.\n(٢) \"تنوير المقباس\" ٣٢٧، بلفظ: من الحاضرين هناك.\n(٣) \"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٤٨ أ.\n(٤) \"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٤٨ أ، ولم ينسبه لابن عباس.","vol":"17","page":406},{"text":"الموضع إلا العهد الذي ذكره في مواضع، فالذي خلص من تأويل هذا الفصل على ما درجنا: أنه -﷿- ذكر امتنانه على نبينا محمد -ﷺ- أنه لما بعث موسى نبيًا ورسولًا إلى فرعون، أعلمه في ذلك الوقت أنه يبعث من ولد إسماعيل نبيًا، وأنه أخذ بعد ذلك على أمته عهدًا أن يؤمنوا به، وأن العلة في كفرهم به بعد أخذ العهد إنشاؤه منهم قرنًا بعد قرن، فتطاول العمر عليهم حتى نسوا ذلك، وتهاونوا به فلم يؤمنوا.\nوقوله: ﴿وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا﴾ أي: مقيمًا في أهل مدين (١)، كمقام موسى وشعيب فيهم ﴿تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا﴾ تذكرهم بالوعد والوعيد.\nقال مقاتل: يقول لم تشهد أهلَ مدين فتقرأ على أهل مكة خبرَهم ﴿وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾ أرسلناك إلى أهل مكة (٢)، وأنزلنا عليك هذه الأخبار، ولولا ذلك لما علمتها.\nقال أبو إسحاق: المعنى أنك لم تشاهد قصص الأنبياء، ولا تُليت عليك، ولكنا أوحيناها إليك، وقصصناها عليك (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3278>٤٦ </span>- قوله: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ﴾ قال مقاتل: يعني: بناحية الجبل الذي كلم الله عليه موسى تكليمًا (٤) ﴿إِذْ نَادَيْنَا﴾ قال ابن عباس: إن الله تعالى وتبارك نادى: يا أمة محمد أجبتكم قبل أن تدعوني، وأعطيتكم\n_________\n(١) \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ٢/ ١٠٧. و\"غريب القرآن\" لابن قتيبة ٣٣٣، و\"تفسير ابن جرير\" ٢٠/ ٨١، و\"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٤٦. و\"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٤٨ أ. وقال مقاتل ٦٦ ب: شاهدا.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ٦٦ ب.\n(٣) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٤٧.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ٦٦ ب.","vol":"17","page":407},{"text":"قبل أن تسألوني، وغفرت لكم قبل أن تستغفروني، ورحمتكم قبل أن تسترحموني. ونحو هذا روي عن أبي زُرْعة بن عمرو بن جرير موقوفًا عليه (١). وروي عنه عن أبي هريرة مثل ما ذكرنا عن ابن عباس (٢).\nقال وهب: وذلك أن موسى لما ذكرَ الله له فضل محمد وأمته، قال: يا رب أرينيهم، قال الله: إنك لن تدركهم، وإن شئت ناديتُ أمته فأسمعتُك صوتَهم، قال: بلى يا رب، فقال الله تعالى: يا أمة محمد، فأجابوه من أصلاب آبائهم، ثم قال الله تعالى: قد أجبتكم قبل أن تدعوني (٣)، كما ذكر ابن عباس.\nوقال مقاتل بن حيان: ﴿إِذْ نَادَيْنَا﴾ أمتك وهم في أصلاب آبائهم أن يؤمنوا بك إذا بُعثتَ (٤).\n_________\n(١) أخرجه عبد الرزاق ٢/ ٩١، عن الثوري، عن الأعمش، عن أبي مدرك، عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير، رفع الحديث هكذا في تفسير عبد الرزاق. وأخرج ابن جرير ٢٠/ ٨١، والثعلبي ٨/ ١٤٨ ب، من كلام أبي زرعة. وأبو زُرعة، قيل اسمه: هرم، وقيل: عمرو، وقيل غير ذلك، ابن عمرو بن جرير بن عبد الله البَجلي، الكوفي، من الطبقة الوسطى من التابعين، كالحسن وابن سيرين، ثقة. \"سير أعلام النبلاء\" ٥/ ٨، و\"تقريب التهذيب\" ١١٤٨. ولا يصح رفع هذا الحديث كما هي رواية عبد الرزاق لأنه برفعه يكون الحديث مرسلًا. والصواب: وقفه، كما قال الواحدي. والله أعلم.\n(٢) أخرجه النسائي في \"تفسيره\" ٢/ ١٤٣، رقم: ٤٠١، موقوفًا على أبي هريرة من طريق أبي زرعة، وكذا الحاكم ٢/ ٤٤٣، رقم: ٣٥٣٥، وقال: حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه، وسكت عنه الذهبي. ومن طريق أبي زرعة أخرجه ابن جرير ٢٠/ ٨١، عن أبي هريرة -﵁-.\n(٣) \"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٤٨ ب، من كلام وهب بن منه.\n(٤) أخرجه ابن أبي حاتم ٩/ ٢٩٨٣.","vol":"17","page":408},{"text":"وقال السدي: ﴿إِذْ نَادَيْنَا﴾ موسى (١). ونحو هذا قال مقاتل بن سليمان (٢)، فعلى هذا المنادى: موسى.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ ولكن رحمناك رحمة بإرسالك، والوحي إليك (٣).\nقال الزجاج: المعنى: فعلنا ذلك للرحمة، كما تقول: فعلت ذلك ابتغاء الخير، فهو مفعول له (٤).\nوقال مقاتل: يقول: ولكن كان (٥) القرآن رحمة من ربك، يعني: نعمة، يعني: النبوة حين اختصصت بها، وأوحينا إليك أمرهم ليعرف كفار مكة نبوتك، فذلك قوله: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ (٦) يعني: أهل مكة (٧) ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ قال ابن عباس: يتعظون (٨).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3279>٤٧ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ﴾ قال مقاتل: يعني العذاب في الدنيا ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ من المعاصي، يعني: كفار مكة (٩) ﴿فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ﴾ هلا أرسلت إلينا رسولًا (١٠) ﴿فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ﴾\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي حاتم ٩/ ٢٩٨٤، عن قتادة.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ٦٦ ب.\n(٣) قال الأخفش: فنصب ﴿رَحْمَتَ﴾ على: ولكن رحمك ربك رحمة. \"معاني القرآن\" ٢/ ٦٥٣.\n(٤) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٤٧.\n(٥) كان. ساقطة من نسخة (ج).\n(٦) \"تفسير مقاتل\" ٦٦ ب.\n(٧) \"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٤٨ ب.\n(٨) \"تنوير المقباس\" ٣٢٧.\n(٩) \"تفسير مقاتل\" ٦٦ ب.\n(١٠) \"مجار القرآن\" لأبي عبيدة ٢/ ١٠٧.","vol":"17","page":409},{"text":"يعني القرآن ﴿وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ المصدقين بتوحيد الله (١). والمعنى: لولا أنهم يحتجون بترك الإرسال إليهم لعاجلناهم بالعقوبة لكفرهم. وجواب ﴿لَوْلَا﴾ محذوف؛ تقديره ما ذكرنا (٢).\nوقال مقاتل في تقدير الجواب: لأصابتهم مصيبة (٣).\nقال الزجاج: أي: لولا ذلك لم نحتج إلى إرسال الرسول، ومواترة الاحتجاج (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3280>٤٨ </span>- قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا﴾ قال ابن عباس: جاءهم محمد -ﷺ- (٥). قال مقاتل: يعني القرآن (٦).\nقال أبو إسحاق: أي: فلما جاءت الحجة القاطعة التي كان يجوز أن يعتلوا بتأخرها عنهم ﴿قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى﴾ أي: هلا أوتي محمد من الآيات مثلَ ما أوتي موسى من العصا واليد، وغير ذلك. قاله ابن عباس (٧).\nوقال مقاتل: هلا أعطي محمد القرآن جملة واحدة ﴿مِثْلَ مَا أُوتِيَ\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ٦٦ ب.\n(٢) قال الثعلبي ٨/ ١٤٨ ب: جواب ﴿لَوْلَا﴾ محذوف، أي: لعاجلناهم بالعقوبة.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ٦٦ ب.\n(٤) هكذا في النسخ الثلاث، وكذا في \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٤٧؛ أي: متابعة الاحتجاج. والله أعلم.\n(٥) \"تفسير ابن جرير\" ٢٠/ ٨٣، والثعلبي ٨/ ١٤٨ ب، ولم ينسباه.\n(٦) \"تفسير مقاتل\" ٦٦ ب.\n(٧) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٤٧، ولم ينسبه. أخرج ابن جرير ٢٠/ ٨٣، وابن أبي حاتم ٩/ ٢٩٨٤، عن مجاهد: يهود تأمر قريشًا أن تسأل محمدًا مثل ما أوتي موسى.","vol":"17","page":410},{"text":"مُوسَى﴾ التوراة جملة واحدة (١).\nقال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾ أي: أو لم يكفروا بما أوتي موسى من التوراة (٢) قبل القرآن. يعني: كفار مكة احتج الله عليهم لما قالوا: هلا أوتى محمد مثل ما أوتى موسى؟ بكفرهم بما أوتي موسى. أي: فقد كفروا بآيات موسى، كما كفروا بآيات محمد، و﴿قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا﴾ قال الكلبي: وذلك أنهم بعثوا رهطًا إلى يهود المدينة يسألونهم عن بعث محمد وشأنه! فقالوا: إنا نجده في التوراة بنعته وصفته، فرجع الرهط إليهم، وأخبروهم بقول اليهود، فقالوا عند ذلك: ﴿سِحْرَانِ تَظَاهَرَا﴾ (٣).\nوقرئ (سَاحِرَانِ) (٤) وهو اختيار أبي عبيدة؛ لقوله: ﴿تَظَاهَرَا﴾ أي: تعاونا، والمعاونة إنما تكون في الحقيقة للساحرين، لا للسحرين (٥)،\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ٦٦ ب. و\"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٤٨ ب، ولم ينسبه. والتأويل الأول أقرب؛ لأنهم سألوا معجزات مادية محسوسة كما ذكر الله عنهم في آخر سورة الإسراء: ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا﴾ الآيات [٩٠ - ٩٣].\n(٢) في نسخة: (أ)، (ب): أي: أولم يكفروا بتوراة موسى.\n(٣) ذكره الثعلبي ٨/ ١٤٩ أ، عن الكلبي. وظاهر هذا أن الآية خطاب لكفار قريش، وفيها التشنيع عليهم بكفرهم بموسى ﵊، وهذا بعيد، والأقرب ما أخرجه ابن جرير ٢٠/ ٨٣، عن مجاهد في تفسير هذه الآية: يقول الله لمحمد -ﷺ-: قل لقريش يقولوا لهم، أي: لليهود: أو لم يكفروا بما أوتي موسى من قبل.\n(٤) قرأ عاصم وحمزة والكسائي: ﴿سِحْرَانِ﴾ ليس قبل الحاء ألف، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر: (سَاحِرَانِ) بألف قبل الحاء. \"السبعة في القراءات\" ٤٩٥، و\"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٤٢٣، و\"النشر في القراءات العشر\" ٢/ ٣٤١.\n(٥) ذكر هذا التوجيه أبو علي في \"الحجة\" ٥/ ٤٢٣، ولم ينسبه لأبي عبيد؛ وإنما نسبه له الثعلبي ٨/ ١٤٩ أ.","vol":"17","page":411},{"text":"والتظاهر بالناس وأفعالهم أشبه. قال ابن عباس: يريدون: موسى وهارون. وهو قول سعيد بن جبير (١).\nوروى مسلم بن يسار عن ابن عباس قال: يعنون: موسى ومحمدًا صلى الله عليهما وسلم، وهو قول الحسن (٢). ومن قرأ: ﴿سِحْرَانِ﴾ أراد: الكتابين (٣).\nقال مقاتل: يعنون التوراة والقرآن (٤). وهو قول عكرمة والكلبي (٥). وعلى هذا معنى: ﴿تَظَاهَرَا﴾ تعاونا على الضلالة (٦)؛ كأن المعنى: كل سِحرٍ منهما يقوي الآخر، ويتفقان، فنسب التظاهر إلى السحرين على الاتساع (٧).\n_________\n(١) أخرجه ابن جرير ٢٠/ ٨٤، وابن أبي حاتم ٩/ ٢٩٨٥، عن مجاهد، وسعيد بن جبير.\n(٢) أخرجه ابن جرير ٢٠/ ٨٣، وابن أبي حاتم ٩/ ٢٩٨٥، عن ابن عباس، من طريق: مسلم بن يسار. وأخرجه عبد الرزاق ٢/ ٩٢، عن الكلبي. وذكره الفراء، ولم ينسبه، وصدره بـ: يقال. \"معاني القرآن\" ٢/ ٣٠٦. واقتصر عليه النيسابوري، في \"وضح البرهان\" ٢/ ١٥٣.\n(٣) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٤٢٣.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ٦٦ ب. وذكره الثعلبي ٨/ ١٤٩ أ، ولم ينسبه.\n(٥) أخرجه عبد الرزاق ٢/ ٩٢، عن الكلبي، وهو في \"تنوير المقباس\" ٣٢٨. وأخرج عبد الرزاق ٢/ ٩٢، رواية تخالف ما ذكر عن عكرمة؛ فعن مجاهد قال: سألت ابن عباس وهو بين الركن والباب، في الملتزم، وهو متكئ على يد عكرمة مولاه، فقلت: أسحران، أم ساحران قال: فقلت ذلك مرارًا، فقال عكرمة: ساحران، اذهب أيها الرجل، أكثرت عليه. وأخرج القول بأن المراد بهما: القرآن والتوراة، ابن جرير ٢٠/ ٨٤، عن ابن عباس، وابن زيد.\n(٦) \"تفسير مقاتل\" ٦٦ ب. و\"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ٢/ ١٠٧.\n(٧) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٤٢٣.","vol":"17","page":412},{"text":"وقوله تعالى. ﴿وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ﴾ قال ابن عباس: يريدون: الذي جئتَ به، والذي جاء به موسى (١).\nوقال مقاتل: بالتوراة والقرآن كافرون لا نؤمن بهما (٢).\nقال الله لنبيه -﵇-: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3281>٤٩ </span>- ﴿قُلْ﴾ لكفار مكة (٣): ﴿فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ﴾ قال ابن عباس: يريد: من القرآن والتوراة (٤). يقول: أنا أتبعه إن جئتم بأفضل مما جئتُ به إليكم، والذي جاء به موسى. وهذا دليل لقراءة من قرأ: ﴿سِحْرَانِ﴾ وذلك أنهم لَمَّا قالوا: القرآن والتوراة ﴿سِحْرَانِ﴾ قيل لهم: ﴿فَأْتُوا بِكِتَابٍ﴾ ﴿أَهْدَى مِنْهُمَا﴾ ومن قال: (سَاحِرَانِ) قال: المعنى: هو أهدى من كتابيهما، فحذف المضاف. ذكر ذلك أبو إسحاق، وأبو علي (٥).\nوقوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ قال مقاتل: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ بأنهما ﴿سِحْرَانِ تَظَاهَرَا﴾ (٦).\n\n٥٠ - ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ﴾ قال مقاتل: فإن لم يأتوا بمثل التوراة والقرآن (٧). وقال عطاء عن ابن عباس: فإن لم يؤمنوا بما جئت به. والأول\n_________\n(١) أخرج نحوه ابن جرير ٢٠/ ٨٥، وابن أبي حاتم ٩/ ٢٩٨٦، عن مجاهد، وابن زيد.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ٦٦ ب. وأخرجه ابن جرير ٢٠/ ٨٦، عن ابن عباس.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ٦٦ ب.\n(٤) أخرجه ابن جرير ٢٠/ ٨٦، وابن أبي حاتم ٩/ ٢٩٨٦، عن ابن زيد.\n(٥) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٤٨، و\"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٤٢٣.\n(٦) \"تفسير مقاتل\" ٦٦ ب.\n(٧) \"تفسير مقاتل\" ٦٦ ب.","vol":"17","page":413},{"text":"أظهر.\n﴿فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ﴾ قال أبو إسحاق: أي: فاعلم أن ما ركبوه من الكفر لا حجة لهم فيه، وإنما آثروا فيه الهوى، وقد علموا أن الذي أتيتَ به الحق (١).\nثم ذمهم فقال: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ أي: لا أحد أضل (٢) ممن يتبع هواه بغير رشاد، ولا بيان جاءه من الله. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ لا يجعل جزاء المشركين الجاحدين آياته أن يهديهم إلى دينه.\n\n٥١ - قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ﴾ قال الفراء: أنزلنا القرآن يتبع بعضه بعضًا (٣).\nوقال أبو عبيدة: أتممنا (٤)، كوصل الشيء بالشيء.\nوقال المبرد: تأويله: بَينَّا، وإنما هو من وصْلِ بعضه ببعض، والتثقيل يدل على المبالغة.\nوقال الزجاج: أي: فصلناه بأن وصلنا ذكر الأنبياء وأقاصيص مَنْ مضى بعضها ببعض (٥).\nوقال ابن قتيبة: أي أتبعنا بعضه بعضًا فاتصل عندهم؛ يعني: القرآن (٦). هذا قول أهل المعاني وألفاظهم؛ وهي مأخوذة من ألفاظ\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٤٨.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ٦٦ ب.\n(٣) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٣٠٧.\n(٤) \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ٢/ ١٠٨.\n(٥) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٤٨.\n(٦) \"غريب القرآن\" لابن قتيبة ٣٣٣.","vol":"17","page":414},{"text":"المفسرين؛ قال مجاهد: فصلنا القول لقريش (١).\nوقال الكلبي: بينا لهم القول في القرآن (٢). وهو قول السدي ومقاتل وسفيان بن عيينة (٣). ومن فسر التوصيل بالتفصيل؛ أراد به: البيان؛ فإن القول يفصَّل للبيان، وُيوصَل بعضه ببعض للبيان.\nقال قتادة: وصلَ لهم القول في هذا القرآن يُخبرهم كيف صَنع بمن مضى (٤).\nوقال الكلبي: فصل لهم القرآن بما يدعوهم إليه مرة بعد مرة. وقال ابن زيد: ﴿وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ﴾ في الخبر عن أمر الدنيا والآخرة حتى كأنهم عاينوا الآخرة في الدنيا (٥).\nوقال مقاتل: يقول لقد بينا لكفار مكة بما في القرآن من خبر الأمم الخالية (٦) كيف عذبوا بتكذيبهم (٧). ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ لكي يتعظوا ويخافوا فيؤمنوا (٨).\n_________\n(١) أخرجه ابن جرير ٢٠/ ٨٧، وابن أبي حاتم ٩/ ٢٩٨٧.\n(٢) \"تنوير المقباس\" ٣٢٨.\n(٣) أخرجه ابن أبي حاتم ٩/ ٢٩٧٨، عن السدي، و\"تفسير مقاتل\" ٦٦ ب.\n(٤) أخرجه ابن جرير ٢٠/ ٨٧، وابن أبي حاتم ٩/ ٢٩٨٨.\n(٥) أخرجه ابن جرير ٢٠/ ٨٨. وذكره الثعلبي ٨/ ١٤٩ أ.\n(٦) في نسخة: (ج): الماضية.\n(٧) \"تفسير مقاتل\" ٦٦ ب. وفي مرجع الضمير في قوله تعالى: ﴿وَصَّلْنَا لَهُمُ﴾ قولان ذكر الواحدي أحدهما، وهو: رجوعه لقريش، والثاني: يرجع لليهود، أخرجه ابن جرير ٢٠/ ٨٨، عن رفاعة القرظي -﵁-، قال: نزلت هذه الآية في عشرة، أنا أحدهم. ولا تعارض بين القولين. والله أعلم.\n(٨) \"تفسير مقاتل\" ٦٦ ب.","vol":"17","page":415},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3284>٥٢ </span>- قوله: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ﴾ من قبل القرآن (١). قال ابن عباس والسدي: نزلت في عبد الله بن سلام وابن يامين، ومن أسلم من اليهود (٢).\nوقال قتادة: كنا نُحَدَّث أنها نزلت في أناس من أهل الكتاب؛ كانوا على شريعة من الحق يأخذون بها وينتهون إليها، حتى بعث الله محمدًا -ﷺ- فآمنوا وصدقوا (٣).\nوقال ابن عباس: نزلت في أهل الإنجيل (٤). وهو قول مقاتل؛ قال: نزلت في مسلمي أهل الإنجيل، كانوا مسلمين قبل أن يبعث النبي -ﷺ- وكانوا أربعين رجلًا؛ اثنان وثلاثون من الحَبَش قدموا مع جعفر بن أبي طالب، المدينة، وثمانية نفر قدموا من الشام، فنعتهم الله في كتابه (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3285>٥٣ </span>- قوله تعالى: ﴿وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ يعني القرآن (٦) ﴿قَالُوا آمَنَّا بِهِ﴾ صدقنا بالقرآن ﴿إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا﴾ (٧) وذلك أن ذكرَ النبي -ﷺ- كان مكتوبًا\n_________\n(١) قال الثعلبي ٨/ ١٤٩ أ: ﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾ أي: من قبل محمد -ﷺ-. وبين القولين تلازم.\n(٢) أخرجه ابن جرير ٢٠/ ٨٩، عن ابن عباس، وابن أبي حاتم ٩/ ٢٩٨٨، عن ابن عباس، والسدي، وفي خبر السدي ذكر قصة عبد الله بن سلام لما أسلم، وأخرج ابن جرير ٢٠/ ٨٩، عن مجاهد: هم مسلمة أهل الكتاب.\n(٣) أخرجه ابن جرير ٢٠/ ٨٩، وابن أبي حاتم ٩/ ٢٩٩٠، عن قتادة، وفيه: منهم: سلمان، وعبد الله بن سلام.\n(٤) أخرجه ابن جرير ٢٠/ ٨٩، وابن أبي حاتم ٩/ ٢٩٨٨، عن ابن عباس، بلفظ: من آمن بمحمد -ﷺ- من أهل الكتاب.\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ٦٧ أ. أخرج ابن أبي حاتم ٩/ ٢٩٨٨، عن سعيد بن جبير، أن المراد بهذه الآية: النصارى الذين قدموا على النبي -ﷺ-، من الحبشة فآمنوا.\n(٦) \"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٤٩ أ.\n(٧) \"تفسير مقاتل\" ٦٧ أ. و\"تفسير ابن جرير\" ٢٠/ ٨٩","vol":"17","page":416},{"text":"عندهم في التوراة والإنجيل، فلم يعاند هؤلاء وآمنوا وصدقوا، وقالوا للقرآن: ﴿إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾ (١) قال مقاتل: إنا كنا من قبل هذا القرآن مخلصين لله بالتوحيد (٢).\nوقال الكلبي: يقولون: إنا كنا من قبل أن يأتينا محمد مؤمنين به أنه سيكون (٣).\nوقال السدي: يقولون: كنا من قبله على دين إبراهيم وإسماعيل، وتلك الأمم كانوا على دين محمد (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3286>٥٤ </span>- ثم أثنى الله عليهم خيرًا فقال: ﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا﴾ أجرًا بتمسكهم بدينهم حتى أدركوا محمدًا -ﷺ- فآمنوا به، وأجرًا بإيمانهم بالنبي -ﷺ-. قاله مقاتل (٥). وهو معنى قول ابن عباس: ﴿بِمَا صَبَرُوا﴾\n_________\n(١) \"تفسير ابن جرير\" ٢٠/ ٨٩.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ٦٧ أ.\n(٣) \"تنوير المقباس\" ٣٢٨. وهو قول الفراء، قال: وذلك أنهم يجدون صفة النبي -ﷺ- في كتابهم فصدقوا به، فذلك إسلامهم، وقال أيضًا: ﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾ هذه الهاء للنبي -ﷺ-، ولو كانت الهاء كناية عن القرآن كان صوابًا؛ لأنهم قد قالوا: ﴿إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا﴾ فالهاء هاهنا أيضًا تكون للقرآن، ولمحمد -ﷺ-. \"معاني القرآن\" ٢/ ٣٠٧.\n(٤) أخرجه ابن أبي حاتم ٩/ ٢٩٨٩.\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ٦٧ أ. أخرجه ابن جرير ٢٠/ ٩٠، عن مجاهد، وأخرجه ابن أبي حاتم ٩/ ٢٩٩١، عن الضحاك. وكان الأولى بالواحدي رحمه الله تعالى أن يورد هنا حديث أبي هريرة المتفق عليه؛ أن النبي -ﷺ- قال: \"ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين؛ الرجل تكون له الأمة فيعلمها فيحسن تعليمها ويؤدبها فيحسن أدبها ثم يعتقها فيتزوجها فله أجران، ومؤمن أهل الكتاب الذي كان مؤمنًا ثم آمن بالنبي -ﷺ- فله أجران، والعبد الذي يؤدي حق الله وينصح لسيده\". أخرجه البخاري، كتاب: الجهاد، رقم: ٣٠١١، \"فتح الباري\" ٦/ ١٤٥، ومسلم ١/ ١٣٤، كتاب الإيمان، رقم: ٢٤١. وقد أهمل الواحدي إيراده في كتابيه: \"الوسيط\" و\"الوجيز\".","vol":"17","page":417},{"text":"على دين عيسى، وآمنوا بمحمد -ﷺ- (١)\nوقال قتادة: ﴿بِمَا صَبَرُوا﴾ على الكتاب الأول، والكتاب الثاني (٢)\nقال مقاتل: فلما تبعوا النبي -ﷺ- شتمهم المشركون فصفحوا عنهم، وردوا معروفًا، فأنزل الله فيهم: ﴿وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾ (٣) أي: يدفعون ما يسمعون من الأذى بالصفح والعفو (٤).\nوقال ابن عباس: يدفعون بشهادة أن لا إله إلا الله الشرك (٥).\nقال أبو إسحاقِ: يدفعون بما يعملون من الحسنات ما تقدم لهم من السيئات (٦). ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾ من الأموال ﴿يُنْفِقُونَ﴾ في طاعة الله (٧).\nقال ابن عباس: يتصدقون على أهل دينهم (٨).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3287>٥٥ </span>- ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ﴾ قال الكلبي: يعني الباطل (٩). وهو ما قال لهم المشركون من الأذى والشتم. ونحو هذا قال مقاتل (١٠).\n_________\n(١) هذا على أن المراد بأهل الكتاب: النصارى، كما سبق أن سعيد بن جبير، جعل الآية في النصارى الذين قدموا من الحبشة فآمنوا. أخرجه ابن أبي حاتم ٩/ ٢٩٨٨.\n(٢) أخرجه ابن جرير ٢٠/ ٨٩، وابن أبي حاتم ٩/ ٢٩٩٠.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ٦٧ أ.\n(٤) \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ٢/ ١٠٨، بمعناه.\n(٥) \"تنوير المقباس\" ٣٢٨، بلفظ: يدفعون بالكلام الحسن؛ بلا إله إلا الله الكلامَ القبيح؛ الشرك من غيرهم.\n(٦) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٤٩.\n(٧) \"تفسير مقاتل\" ٦٧ أ.\n(٨) أخرج نحوه ابن جرير ٢٠/ ٩٠، عن قتادة، و\"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٤٩، بلفظ: يتصدقون، ولم ينسبه.\n(٩) \"تنوير المقباس\" ٣٢٨، وأخرجه ابن جرير ٢٠/ ٩٠، عن قتادة\n(١٠) \"تفسيره\" ٦٧ أ. وأخرجه الطبري ٢٠/ ٩١، وابن أبي حاتم ٩/ ٢٩٩٢، عن مجاهد.","vol":"17","page":418},{"text":"وقوله تعالى: ﴿أَعْرَضُوا عَنْهُ﴾ أي: عن اللغو، فلم يردوا عليهم مثل ما قيل لهم (١).\nوقال أبو إسحاق: إذا سمعوا ما لا يجوز، وينبغي أن يُلغى لم يلتفتوا إليه (٢).\n﴿وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾ قال مقاتل: لنا ديننا ولكم دينكم، وذلك حين عيروهم بترك دينهم (٣). وقال (٤) غيره: لنا ما رضينا به لأنفسنا، ولكم ما رضيتم به لأنفسكم (٥).\n﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ قال السدي: لما أسلم عبد الله بن سلام، جعل اليهود يشتمونه، وهو يقول: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ (٦) ومعناه: أمنة لكم من أن تسمعوا منا ما لا تحبون.\nقال أبو إسحاق: ولم يريدوا بقولهم: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ التحية؛ والمعنى: أنهم قالوا: بيننا وبينكم المتاركة والتسليم. وهذا قبل أن يؤمر المسلمون بالقتال (٧).\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ٦٧ أ.\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٤٩.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ٦٧ أ.\n(٤) في نسخة: (أ)، (ب): وقالوا.\n(٥) \"تفسير ابن جرير\" ٢٠/ ٩١، بنصه.\n(٦) أخرجه ابن أبي حاتم ٩/ ٢٩٩٣.\n(٧) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٤٩، يعني أن هذه الآية منسوخة بآية الجهاد والقتال، وقد سبق الحديث عن نسخ هذه الآية وما شابهها في سورة الفرقان، عند قوله تعالى ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ قال مكي بن أبي طالب: والذي عليه أهل النظر -وهو الصواب- أن الآية محكمة غير منسوخة، وأن معنى السلام فيها: =","vol":"17","page":419},{"text":"وقوله تعالى: ﴿لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ قال مقاتل: لا نريد أن نكون من أهل الجهل والسفه (١). وقال الكلبي: لا نحب دينكم الذي أنتم عليه (٢). وعلى هذا يكون التقدير: لا نبتغي دين الجاهلين (٣).\nوقيل: لا نبتغي محاورة الجاهلين (٤).\nوقال أبو علي: لا نبتغي مجاراتهم ولا الخوض معهم فيما يخوضون فيه؛ فالمضاف محذوف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3288>٥٦ </span>- قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ قال ابن عباس: يريد أبا طالب (٥). وقال الكلبي: كان رسول الله -ﷺ- حريصًا على أن يسلم عمه أبو طالب، فنزل: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ (٦).\nوقال مجاهد في هذه الآية: قال محمد -ﷺ- لأبي طالب: \"قل كلمة الإخلاص أجادلْ بها عنك يوم القيامة\"، قال: يا ابن أخي: ملة الأشياخ! (٧).\nوقال السدي: نزلت في أبي طالب حين قال له: \"قل: لا إله إلا الله،\n_________\n= المتاركة والمداراة من الكفار، وليس من السلام الذي هو التحية؛ لأن السلام عليهم محظور بقوله تعالى: ﴿وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى﴾ [طه: ٤٧]. \"الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه\" ٣٧٥.\n(١) \"تفسير مقاتل\" ٦٧ أ.\n(٢) \"تنوير المقباس\" ٣٢٨. بلفظ: لا نطلب دين المشركين بالله.\n(٣) هذا بنصه كلام الكلبي؛ لا نبتغي دين الجاهلين. \"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٤٩ أ.\n(٤) \"تفسير ابن جرير\" ٢٠/ ٩١. و\"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٤٩ أ. ولم ينسباه.\n(٥) \"تفسير ابن جرير\" ٢٠/ ٩١، و\"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٤٩ أ.\n(٦) \"تنوير المقباس\" ٣٢٨.\n(٧) أخرجه ابن جرير ٢٠/ ٩٢، وابن أبي حاتم ٩/ ٢٩٩٤.","vol":"17","page":420},{"text":"أشهدُ لك بها يوم القيامة\"، قال: لولا أن يقولوا: جَزع عمك عند الموت لقلتها! (١).\nوقال مقاتل: قال رسول الله -ﷺ- لعمه أبي طالب: أريد منك كلمة واحدة، فإنك في آخر يوم من أيام الدنيا؛ أن تقول: لا إله إلا الله، أشهد لك بها عند الله، قال: يا ابن أخي: قد علمتُ أنك صادق، ولكن أكره أن يقال: جزع عند الموت، ولولا أن يكون عليك وعلى بني أخيك غضاضة (٢) ومَسبَّة بعدي لقلتُها، ولأقررت بها عينك عند الفراق، لِمَا أرى من شدة حرصك ونصيحتك، ولكن سوف أموت على ملة الأشياخ: عبد المطلب، وهاشم، وعبد مناف!. فأنزل الله هذه الآية (٣). ونحو هذا قال قتادة والحسن والشعبي وابن عمر (٤).\nقال أبو إسحاق: أجمع المفسرون أنها نزلت في أبي طالب (٥).\nوقد حدثنا الأستاذ أبو إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم -﵀- قال: حدثنا الحسن بن أحمد الشيباني (٦)، أخبرنا أحمد بن محمد بن\n_________\n(١) أخرجه ابن جرير ٢٠/ ٩٢، عن أبي هريرة.\n(٢) يقال: ما أردت بذا غضيضة فلان، ولا مغضته، كقولك: ما أردت نقيصته، ومنقصته. \"تهذيب اللغة\" ١٦/ ٣٦ (غض).\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ٦٧ أ. وأخرجها النسائي في كتاب \"التفسير\" ٢/ ١٤٤، رقم: ٤٠٣، عن سعيد بن المسيب عن أبيه. وكذا الثعلبي ٨/ ١٤٩ ب.\n(٤) أخرجه ابن جرير ٢٠/ ٩٢، عن أبي هريرة، وسعيد بن المسيب عن أبيه، وابن عمر، ومجاهد وقتادة وأخرجه النسائي في التفسير ٢/ ١٤٥، عن ابن عمر.\n(٥) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٤٩.\n(٦) الحسن بن أحمد بن محمد بن الحسن بن علي بن مخلد بن شيبان المخلدي، النيسابوري، مع أبا العباس السراج، ومؤمل بن الحسن، وابن الشرقي، =","vol":"17","page":421},{"text":"الحسن الحافظ (١)، حدثنا عبد الرحمن بن بشر، حدثنا يحيى بن سعيد، عن يزيد بن كيسان، حدثني أبو حازم، عن أبي هريرة؟ قال: قال رسول الله -ﷺ- لعمه: \"قل: لا إله إلا الله، أشهد لك بها يوم القيامة\"، قال: لولا أن تعيرني نساء قريش؛ يقلن: إنه حمله على ذلك الجزع لأقررت بها عينك، فأنزل الله -﷿-: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ (٢).\n_________\n= وحدث عنه الحاكم، ويعقوب الصيرفي، وغيرهم. قال الحاكم: هو صحيح السماع والكتب، ومتقن في الرواية، محدث عصره، ت: ٣٨٩ هـ. \"سير أعلام النبلاء\" ١٦/ ٥٣٩، و\"شذرات الذهب\" ٤/ ٤٧٧.\n(١) أحمد بن محمد بن الحسن النيسابوري، أبو حامد، ابن الشرقي، حافظ خراسان، سمع محمد بن يحيى الذهلي، وعبد الرحمن بن بشر بن الحكم، وغيرهم، حدث عنه: أبو علي النيسابوري، وأبو عبد الله الهروي، وغيرهم. \"سير أعلام النبلاء\" ١٥/ ٣٧. و\"طبقات الشافعية\" للسبكي ٣/ ٤١.\n(٢) هذا الحديث ساقه الواحدي بسنده عن شيخه الثعلبي أحمد بن محمد بن إبراهيم. \"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٤٩ ب. وأخرجه بهذا اللفظ من طريق يحيى بن سعيد، عن يزيد ابن كيسان، مسلم في صحيحه ١/ ٥٥، كتاب الإيمان، رقم: ٢٥. وأصل الحديث في الصحيحين، من حديث سعيد بن المسيب عن أبيه أن أبا طالب لما حضرته الوفاة، دخل عيه النبي -ﷺ-، وعنده أبو جهل، فقال: \"أي عم، قل: لا إله إلا الله، كلمة أحاج لك بها عند الله\"، فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: يا أبا طالب: ترغب عن ملة عبد المطلب فلم يزالا يكلمانه حتى قال آخر شيء كلمهم به: على ملة عبد المطلب!، فقال النبي -ﷺ-: \"لأستغفرن لك ما لم أنه عنك\"، فنزلت: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [التوبة: ١١٣] ونزلت: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾. أخرجه البخاري في مناقب الأنصار، رقم ٣٨٨٤، \"فتح الباري\" ٧/ ١٩٣، ومسلم ١/ ٥٤ في الإيمان، رقم ٢٤. وأخرجه الواحدي في \"أسباب النزول\" ٣٣٨، وذكر تخريج مسلم له. وأخرجه ابن حرير ٢٠/ ٩٢، وابن أبي حاتم ٩/ ٢٩٩٤.","vol":"17","page":422},{"text":"قال الزجاج: ابتداء نزولها بسبب أبي طالب، وهي عامة؛ لأنه لا يهدي إلا الله -﷿-، ولا يرشد ولا يوفق إلا هو، وكذلك هو ﴿يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ﴾ (١).\nوقال الفراء: ﴿مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ يكون على جهتين؛ إحداهما: من أحببته للقرابة، والثانية: من أحببت أن يهتدي، كقولك: إنك لا تهدي من تريد (٢). قال مقاتل: إنك لا تهدي للإسلام ﴿مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ (٣) ولكن الله يهدي ويرشد (٤) من يشاء لدينه. قاله ابن عباس.\n﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ يقول: هو أعلم بمن قدر له الهدى. قاله مجاهد ومقاتل (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3289>٥٧ </span>- قوله: ﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا﴾ قال الكلبي ومقاتل والمفسرون: نزلت في الحارث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف (٦)، قال للنبي -ﷺ-: إنا لنعلم أن الذي تقول حق، ولكن يمنعنا من ذلك أن\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٤٩. وذكر الواحدي قول الزجاج في \"أسباب النزول\" ٣٣٨، بإسناده.\n(٢) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٣٠٧.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ٦٧ ب.\n(٤) ويرشد. ساقطة من نسخة (أ)، (ب).\n(٥) أخرج ابن جرير ٢٠/ ٩٣، وابن أبي حاتم ٩/ ٢٩٩٥، عن مجاهد. و\"تفسير مقاتل\" ٦٧ ب.\n(٦) الحارث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف بن قصي، من زعماء قريش في الجاهلية، أدرك الإسلام ولم يسلم، وقد قتل يوم بدر كافرًا، قتله خبيب بن عدي -﵁-، ثم أسر خبيب يوم الرجيع فابتاعه بنو الحارث بن عامر ليقتلوه بأبيهم، وقصته في ذلك مشهورة. \"السيرة النبوية\" لابن هشام ٣/ ١٨٠.","vol":"17","page":423},{"text":"العرب تخطفنا من أرضنا، يعني: من مكة، فإنما نحن أكلة رأس (١)، والعرب على ديننا، ولا طاقة لنا بهم، فأنزل الله هذه الآية (٢).\nوقوله: ﴿نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا﴾ قال المبرد: التخطف: الانتزاع بسرعة، كما يتخطف البازي، ولا يكون الخطف إلا بسرعة (٣). وقد مر في في له: ﴿يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾ [البقرة: ٢٠] (٤).\nقال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا﴾ يعني: ذا أمن يأمن فيه الناس. قال المفسرون: كانت العرب في الجاهلية يغير بعضهم على بعض، ويقتل بعضهم بعضًا، وأهل مكة آمنون بحرمة الحرم (٥).\nوقال قتادة: كان أهل الحرم آمنين، يذهبون حيث شاءوا، فإذا خرج أحدهم قال: أنا من أهل الحرم، لم يَعْرِض له أحد، وكان غيرهم يقتل ويسلب (٦)، كما قال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾. قال مقاتل: يقول: هم آمنون في الحرم من القتل والسبي،\n_________\n(١) أكلة رأس، مثل يضرب لقلة العدد، فكأنهم لو اجتمعوا على أكل رأس لكان كافيًا لهم. \"الزاهر في معاني كلمات الناس\" ٢/ ١٤، و\"مجمع الأمثال\" ١/ ٨٤.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ٦٧ ب، وفيه: الحارث بن نوفل بن عبد مناف، وذكر نحوه الزجاج ٤/ ١٥٠، ولم ينسبه. وأخرجه ابن جرير ٢٠/ ٩٤، وابن أبي حاتم ٩/ ٢٩٩٥، والنسائي، كتاب التفسير ٢/ ١٤٦ رقم ٤٠٥. وذكره الثعلبي ٨/ ١٤٩ ب. والواحدي \"أسباب النزول\" ٣٣٨، وفيه: الحارث بن عثمان بن نوفل بن عبد مناف.\n(٣) يقال: خَطِفت الشيء، واختطفته: إذا اجتذبته بسرعة. \"تهذيب اللغة\" ٧/ ٢٤١ (خطف)، ولم يذكر قول المبرد.\n(٤) لم أجد في هذا الموضع إلا قوله: ومعنى الآية: يكاد ما في القرآن من الحجج يخطف قلوبهم من شدة إزعاجها إلى النظر في أمر دينهم.\n(٥) \"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٤٩ ب.\n(٦) أخرجه عبد الرزاق ٢/ ٩٢، وابن جرير ٢٠/ ٩٤، وابن أبي حاتم ٩/ ٢٩٩٦.","vol":"17","page":424},{"text":"فكيف يخافون إذا أسلموا (١).\nوقال أبو إسحاق: أعلمهم الله بأنه قد تفضل عليهم بأن أمنهم بحرمة البيت، ومنع منهم العدو. أي: فلو آمنوا لكانوا أولى بالتمكين والسلامة (٢).\nوقال الفراء: أو لم نسكنهم حرمًا لا يخاف مَنْ دخله، فكيف يخافون أن تَستَحِل العرب قتالَهم فيه (٣). وقال ابن قتيبة: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ﴾ أي: أو لم نسكنهم، ونجعله مكانًا لهم (٤).\nقوله تعالى: ﴿يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ أي: يجمع إليه (٥)، وهو من قولك: جِبْتُ الماءَ في الحوض؛ إذا جمعته (٦).\nوقال الفراء في \"مصادر القرآن\": جببت المال والماء جباية، إذا جمعته وجبوته جباوة. والجباية: الحوض العظيم. والجبا مقصور: الماء المجموع (٧).\nوقرئ ﴿يُجْبَى﴾ بالياء والتاء (٨)، وذلك أن تأنيث الثمرات تأنيث\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ٦٧ ب.\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٥٠.\n(٣) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٣٠٨.\n(٤) \"غريب القرآن\" ٣٣٣، بلفظ: نسكنهم إياه.\n(٥) \"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٤٩ ب.\n(٦) \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ٢/ ١٠٨. و\"تفسير ابن جرير\" ٢٠/ ٩٤، ولم ينسبه.\n(٧) \"تهذيب اللغة\" ١١/ ٢١٤ (جبا)، من قول الكسائي: الجبا مقصور. ولم أجد فيه ما قبله.\n(٨) قرأ نافع وحده: ﴿تُجْبَى﴾ بالتاء، وقرأ الباقون: ﴿يُجْبَى﴾ بالياء. \"السبعة في القراءات\" ٤٩٥، و\"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٤٢٤، و\"إعراب القراءات السبع وعللَّها\" ٢/ ١٧٨.","vol":"17","page":425},{"text":"جمع، وليس بتأنيث حقيقي، وإذا كان كذلك كان بمنزلة الوعظ، والموعظة، والصوت، والصيحة، فإذا ذُكِّرَت كان حسنًا، وكذلك إذا أنثت. ذكر ذلك صاحب الحجة (١).\nوقال الفراء: ذُكَّرَت ﴿تُجْبَى﴾ وإن كانت الثمرات مؤنثة؛ لأنك فرقت بينهما بإليه، كما قال الشاعر:\nإنَّ امْرَأً غَرَّه منكن واحدةٌ ... بعدي وبعدكِ في الدنيا لمغرورُ (٢)\nوبهذه العلة اختار أبو عبيد التذكير؛ فقال: قد حال بين الاسم المؤنث والفعل حائل (٣).\nقال ابن عباس ومقاتل: يعني: يُحمل إلى الحرم ثمرات كل شيء (٤)؛ من مصرَ والشام واليمن والعراق. وقوله: ﴿رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا﴾ أي: رزقناهم رزقًا من عندنا ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ﴾ يعني: أهل مكة (٥) ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ أنا فعلنا ذلك.\nقال مقاتل: أي: إنهم يأكلون رزقي آمنون في حرمي، وهم يعبدون\n_________\n(١) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٤٢٤.\n(٢) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٣٠٨، ولم ينسب البيت. واستشهد به ابن جني \"الخصائص\" ٢/ ٤١٤، على تذكير المؤنث. واستشهد به كذلك الأنباري، \"الإنصاف\" ١/ ١٧٤، وفي حاشيته: الشاهد فيه: غره منكن واحدة، حيث أسند الفعل إلى اسم ظاهر حقيقي التأنيث، ولم يؤنث الفعل لوجود فاصل بين الفعل وفاعله وهو: منكن. ولم أقف على قائل البيت.\n(٣) \"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٥٠ أ.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ٦٧ ب. وأخرجه ابن أبي حاتم ٩/ ٢٩٩٦، عن ابن عباس بلفظ: ثمرات الأرض.\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ٦٧ ب. و\"تفسير ابن جرير\" ٢٠/ ٩٤.","vol":"17","page":426},{"text":"غيري (١). وقال ابن عباس. ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ قدر ربوبيتي وعظمتي (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3290>٥٨ </span>- ثم خوف كفار مكة بمثل عذاب الأمم الخالية فقال: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا﴾ معنى البَطَر في اللغة: الحيرة، والبطر في النعمة هو: أن تكثر عليه النعمة فيدْهشَ فيها، ولا يهتدي للشكر عليها (٣).\nقال الليث: البطر: الحَيرة، يقال: لا يُبْطِرن جَهلُ فلانٍ حِلمكَ. أي: لا يُدْهشكَ عنه (٤). ومنه قوله -ﷺ-: \"الكِبْر بطر الحق\" (٥)، وهو أن يتحير في الحق فلا يراه حقًا (٦). هذا هو أصل معنى البطر.\nوقال أبو إسحاق: البطر: الطغيان عند النعمة (٧). وبطر الحق على قوله: أن تطغى عند الحق؛ أي: تتكبر فلا تقبله.\nوقال أبو علي الفارسي: البطر فيما قال بعض الناس: كراهة الشيء من غير أن يستحق أن يكره. وانتصاب المعيشة عند الفراء بنقل الفعل\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ٦٧ ب.\n(٢) أخرج ابن أبي حاتم ٩/ ٢٩٩٦، عن ابن عباس، في هذه الآية: ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ لا يعقلون.\n(٣) \"تهذيب اللغة\" ١٣/ ٣٣٦ (بطر). والدَّهَش: ذهاب العقل من الذَّهْل والوَلَه. \"تهذيب اللغة\" ٦/ ٧٧ (دهش).\n(٤) كتاب \"العين\" ٧/ ٤٢٢ (بطر). ونقله عنه الأزهري، \"تهذيب اللغة\" ١٣/ ٣٣٦.\n(٥) جزء من حديث عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ -﵁- عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْر\" قَالَ رَجُلٌ: إِنَّ الرَّجلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا وَنَعْلُهُ حَسَنَة قَالَ: \"إِنَّ الله جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَق وَغَمْطُ النَّاسِ\". أخرجه مسلم ١/ ٩٣ في الإيمان\" رقم ٩١. والترمذي ٤/ ٣١٧، كتاب البر، رقم ١٩٩٨.\n(٦) \"تهذيب اللغة\" ١٣/ ٣٣٦ (بطر).\n(٧) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٥٠.","vol":"17","page":427},{"text":"وتحويله عنها، فإنه قال: نَصبُكَ المعيشةَ، كقوله: ﴿إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: ١٣٠] وكنَصْب قوله: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا﴾ [النساء: ٤] ﴿وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾ [هود: ٧٧] وقد مر (١).\nوقال الزجاج: نُصب ﴿مَعِيشَتَهَا﴾ بإسقاط في، وأُعملَ الفعلُ، وتأويله: بطرت في معيشتها (٢).\nوهذا هو الوجه؛ لأن المعيشة لا تبطر، حتى يقال: كان الفعل لها، فنقل عنها: إنما يُبطر فيها (٣).\nقال ابن عباس: حملهم البطر والأشر.\nوقال مقاتل: بطروا وأشروا، وتقلبوا في رزق الله، فلم يشكروا نعمه (٤).\nوقال عطاء: عاشوا في البطر، فأكلوا رزق الله، وعبدوا الأصنام (٥).\nقوله تعالى: ﴿فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا﴾ قال مقاتل: لم تسكن بعد هلاك أهلها إلا قليلًا من المساكن، فقد سكن في\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٣٠٨. قال الواحدي في تفسير الآية ٤، من سورة النساء: قال الفراء والزجاج: المعنى فإن طابت أنفسهن لكم عن شيء من الصداق فنقل الفعل من الأنفس إليهن، فخرجت النفس مفسرة كما قالوا: أنت حسن وجهًا، والفعل في الأصل للوجه، فلما حول إلى صاحب الوجه خرج الوجه مفسَّرًا لموقع الفعل، ومثله: قررت به عينًا، وضقت به ذرعًا.\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٥٠.\n(٣) وهذا قول الثعلبي ٨/ ١٥٠ أ: أي: أشرف وطغت وكفرت بربها، وجعل الفعل للقرية، وهو في الأصل للأهل.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ٦٧ ب.\n(٥) \"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٥٠ أ، عن عطاء بن أبي رباح.","vol":"17","page":428},{"text":"بعضها (١). وعلى هذا الاستثناء من المساكن، يعني: أن بعضها مسكون فيه. وهذا القول هو اختيار الفراء؛ قال: يقول: قليل منها سُكن، وأكثرها لم يسكن، وهي خَرِبَة (٢).\nورُدَّ عليه هذا بأن قيل: لو كان الاستثناء من المساكن، كان الوجه فيه الرفع، كقولك: القوم لم يُضرب إلا قليلٌ، ترفع إذا كان المضروب قليلًا، فإذا نصبت: كان القليل صفة للضرب أي: لم يُضرب إلا ضربًا قليلًا. وهذا معنى قول ابن عباس في هذه الآية؛ قال: لم يسكنها إلا المسافر، ومارُّ الطريق يومًا أو ساعة (٣). وعلى هذا التقدير: لم تسكن من بعدهم إلا سكونًا قليلًا. وهذا هو الصحيح معنًى ولفظًا؛ لأن منازل المهلَكين لم يعمر منها شيء، ولم تسكن بتة.\nوقوله: ﴿وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ﴾ أي: لِما خَلَّفوا بعد هلاكهم (٤)، كقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ﴾ (٥) [مريم: ٤٠] وقد مر (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3291>٥٩ </span>- قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى﴾ يعني القرى الكفرة أهلها ﴿حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا﴾ أكثر المفسرين على أن المراد بأمَّها:\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ٦٧ ب.\n(٢) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٣٠٩.\n(٣) \"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٥٠ أ. ونقل الرد على الفراء وقول ابن عباس: القرطبي ١٣/ ٣٠١.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ٦٧ ب.\n(٥) \"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٥٠ أ.\n(٦) قال الواحدي في تفسير هذه الآية من سورة مريم. أي: نميت سكانها فنرثها ومن عليها؛ لأني أميتهم، وهذا كقوله: ﴿وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ﴾ [الحجر: ٢٣] وذكرنا الكلام فيه.","vol":"17","page":429},{"text":"مكة (١). وهو اختيار الفراء والزجاج (٢).\nوعلى هذا القول المراد: القرى التي حول مكة، لا البعيدة عنها؛ لأن التي بعدت عنها لا تنتفع ببعث الرسول في مكة. ويكون المعنى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ﴾ يا محمد ﴿مُهْلِكَ الْقُرَى﴾ التي حول مكة بكفرها في زمانك ﴿حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا﴾ وهي مكة ﴿رَسُولًا﴾ أي: يبعثك رسولًا فتنذرهم، ثم بعثه الله إليهم رسولًا. وهذا قول قتادة في تخصيص القرى (٣).\nوأظهر من هذا القول وأصح: أن القرى على عمومها، والمراد بأمها: أعظمها (٤). يقول: ما كان الله ليهلك القرى الكافرة حتى يبعث في أعظمها رسولًا ينذرهم. وخص الأعظم ببعثة الرسول فيها؛ لأن الرسول إنما يبعث إلى الأشراف، وأشراف القوم وملوكهم يسكنون المدائن الكبيرة، والمواضع التي هي أمُّ ما حولها. وهذا معنى قول ابن عباس في رواية عطاء، وقول الكلبي (٥).\nقال (٦) ابن عباس: ﴿حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا﴾ [يريد: في أهلها،\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ٦٧ ب. و\"تفسير ابن جرير\" ٢٠/ ٩٥. و\"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٥٠ أ.\n(٢) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٣٠٩. قال: وإنما سميت أم القرى؛ لأن الأرض فيما ذكروا دحيت من تحتها. و\"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٥٠. و\"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ٢/ ١٠٨.\n(٣) أخرجه ابن جرير ٢٠/ ٩٥، وابن أبي حاتم ٩/ ٢٩٩٧.\n(٤) وهو قول ابن قتيبة \"غريب القرآن\" ٣٣٤. أخرج ابن أبي حاتم ٩/ ٢٩٩٧، عن الحسن: ﴿فِي أُمِّهَا﴾ قال: في أوائلها.\n(٥) \"تنوير المقباس\" ٣٢٩.\n(٦) في نسخة (ج)، جاءت الجملة هكذا: وهذا معنى قول ابن عباس في رواية عطاء، وقول الكلبي، وقال الكلبي قول ابن عباس. ففيها زيادة: الكلبي قول.","vol":"17","page":430},{"text":"يعني: يسكن معظم أهلها. وقال الكلبي: ﴿فِي أُمِّهَا﴾] (١) يقول: في عظيمها (٢). وهو ما ذكرنا.\nقوله تعالى: ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا﴾ قال مقاتل: يخبرهم الرسول أن العذاب نازل بهم إن لم يؤمنوا (٣).\nوقوله: ﴿وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾ قال ابن عباس: يريد بظلمهم أهلكتهم (٤). قال الكلبي: وظلمهم هاهنا: شركهم (٥).\nوقال مقاتل: يقول: إلا وهم مذنبون. أي: لم نعذب على غير ذنب (٦). ونظير هذه الآية قوله: ﴿ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٣١]. وقوله: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ [هود: ١١٧].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3292>٦٠ </span>- قوله تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ قال الكلبي ومقاتل: يعني كفار مكة، يقول: ما أُعطيتم من خير ومال ﴿فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا﴾ تتمتعون بها أيام حياتكم، ثم هي إلى فناء وانقضاء (٧).\n﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ من الثواب والنعيم للمؤمنين ﴿خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ أفضل وأدوم لأهله مما أعطيتم في الدنيا ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ أن الباقي أفضل من الفاني\n_________\n(١) ما بين المعقوفين ساقط من نسخة (ج).\n(٢) \"تنوير المقباس\" ٣٢٩.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ٦٧ ب.\n(٤) أخرجه ابن جرير ٢٠/ ٩٦، وابن أبي حاتم ٩/ ٢٩٩٨، مطولًا.\n(٥) \"تنوير المقباس\" ٣٢٩، وذكره الثعلبي ٨/ ١٥٠ أ، ولم ينسبه.\n(٦) \"تفسير مقاتل\" ٦٧ ب.\n(٧) \"تفسير مقاتل\" ٦٧ ب و\"تنوير المقباس\" ٣٢٩.","vol":"17","page":431},{"text":"الذاهب. قال ذلك ابن عباس ومقاتل (١).\nوروي عن أبي عمرو: ﴿أَفَلَا يَعْقِلُونَ﴾ بالياء (٢). والمعنى: ﴿أَفَلَا يَعْقِلُونَ﴾ يا محمد ذلك (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3293>٦١ </span>- وقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا﴾ قال مقاتل: يعني الجنة (٤). والمعنى: أفمن وعدناه على إيمانه وطاعته الجنة والثواب الجزيل ﴿فَهُوَ لَاقِيهِ﴾ أي: مصيبه ومدركه (٥). والمعنى: فهو لاقيه ما وعد، وصائر إليه. ﴿كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ كمن هو متمتع بشيء يفنى ويزول عن قريب (٦). ومتاع في موضع المصدر أي: متعناه تمتيع الحياة الدنيا، أي: تمتيعًا فيها بالمال والولد. والحياةُ الدنيا تنقطع عن قريب فينقطع تمتعه.\nوقوله: ﴿ثُمَّ هُوَ﴾ أي: هذا المتمتع ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ النار (٧)، كقوله: ﴿وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ (٨) [الصافات: ٥٧] وقوله: ﴿فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ﴾ [الروم: ١٦] يدل على هذا أن ابن عباس قال: يريد: من المعذبين. وقال: نزلت في حمزة، وأبي جهل.\n_________\n(١) أخرج نحوه ابن جرير ٢٠/ ٩٦، عن ابن عباس، و\"تفسير مقاتل\" ٦٧ ب.\n(٢) قرأ أبو عمرو وحده: ﴿أَفَلَا يَعْقِلُونَ﴾ بالياء والتاء، وقرأ الباقون بالتاء. \"السبعة في القراءات\" ٤٩٥، و\"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٤٢٤. قال ابن الجزري: والأشهر عن أبي عمرو بالغيب. \"النشر في القراءات العشر\" ٢/ ٣٤٢.\n(٣) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٤٢٤.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ٦٨ أ. و\"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٥٠ أ، ولم ينسبه.\n(٥) \"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٥٠ أ.\n(٦) \"تفسير ابن جرير\" ٢٠/ ٩٦، بمعناه.\n(٧) \"تفسير مقاتل\" ٦٨ أ. و\"غريب القرآن\" لابن قتيبة ٣٣٤.\n(٨) \"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٥٠ أ.","vol":"17","page":432},{"text":"وقال مقاتل: نزلت في محمد -ﷺ-، وأبي جهل (١).\nوقال مجاهد: نزلت في حمزة، وعلي، وأبي جهل (٢). وهو قول القرظي (٣).\nوقال الكلبي: نزلت في عمار بن ياسر، وأبي جهل (٤).\nوقال السدي: في عمار، والوليد بن المغيرة (٥).\nوقال قتادة: نزلت في المؤمن والكافر (٦). وهو اختيار أبي إسحاق؛ قال: فالمؤمن آمن بالله ورسوله، وأطاعه ووقف عند أمره، فلقي جزاء ذلك الجنة، والذي متع متاع الحياة الدنيا الكافر؛ لم يؤمن بالله، ثم أُحضر يوم القيامة العذاب (٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3294>٦٢ </span>- قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ﴾ الكلام فيما يتعلق الظرف به هاهنا ذكرناه عند قوله: ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾ [الإسراء: ٧١] (٨) وسنذكر\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ٦٨ أ. وذكره الزجاج ٤/ ١٥٠، ولم ينسبه، وكذا الثعلبي ٨/ ١٥٠ أ، وصدره الواحدي في \"أسباب النزول\" ٣٣٩، بـ: قيل.\n(٢) أخرجه عنه الواحدي \"أسباب النزول\" ٣٣٩.\n(٣) أخرجه ابن جرير ٢٠/ ٩٧، وذكره عنه الثعلبي ٨/ ١٥٠ أ.\n(٤) في \"تنوير المقباس\" ٣٢٩، هو محمد ﵊، وأصحابه، ويقال: هو عثمان بن عفان ﴿كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ يعني: أبا جهل بن هشام.\n(٥) أخرجه ابن أبي حاتم ٩/ ٢٩٩٨. وذكره عنه الثعلبي ٨/ ١٥٠ أ. وكذا الواحدي في \"أسباب النزول\" ٣٣٩.\n(٦) أخرجه ابن جرير ٢٠/ ٩٧، وابن أبي حاتم ٩/ ٢٩٩٨.\n(٧) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٥٠. وهذا الاختيار حسن، ويدخل تحته جميع ما ذكره فإنها أمثلة للمؤمن والكافر.\n(٨) قال الواحدي في تفسير هذه الآية: قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾ قال أبو إسحاق: يعني به يوم القيامة، وهو منصوب على معنى: اذكر يوم ندعو، =","vol":"17","page":433},{"text":"ذلك أيضًا عند قوله: ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ﴾ [فصلت: ١٩] إن شاء الله (١). والمعنى: ويوم ينادي الله المشركين.\nقال مقاتل: يعني كفار مكة ﴿أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ في الدنيا أنهم شركائي (٢).\nقال أبو إسحاق: هذا على حكاية قولهم، المعنى: ﴿أَيْنَ شُرَكَائِيَ﴾ في قولكم، والله -﷿- واحد لا شريك له (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3295>٦٣ </span>- وقوله: ﴿قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ﴾ أي: حقت عليهم كلمة العذاب، وهم: الشياطين. في قول مقاتل (٤).\n_________\n= قال: ويجوز أن يكون منصوبًا بمعنى يعيدكم الذي فطركم يوم يدعو، قال أبو علي الفارسي: الظرف هاهنا بمنزلة إذا؛ لأنه لا يجوز أن يكون العامل فيه ما قبله من قوله: ﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ﴾ لأنه فعل ماض، وليس العامل أيضًا يدعو؛ لأنه فعل مستقبل، فإذا لم يكن في هذا الكلام فعل ظاهر يتعلق به الظرف تعلق بما دلّ عليه قوله: ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾؛ كما أن قوله: ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٢] على تقدير: أإذا متنا بعثنا، كذلك هاهنا يجعل الظرف بمنزلة إذا، فيصير التقدير: إذا دُعي كل أناس لم يُظْلموا.\n(١) لم أجد في تفسير الواحدي لهذه الآية شيئًا عن هذه المسألة التي أحال عليها.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ٦٨ أ. و\"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٥٠ أ، ولم ينسبه. والآية عامة في جميع المشركين.\n(٣) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٥١، وتابعه على ذلك أبو قاسم الزجاجي، فقال. نسبهم إلى نفسه حكاية لقولهم، كأنه قال: أين شركائي الذين كنتم تزعمون أنهم شركائي. \"اشتقاق أسماء الله\" ٣٠٣.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ٦٨ أ. وأخرجه عبد الرزاق ٢/ ٩٢، وابن جرير ٢٠/ ٩٨، وابن أبي حاتم ٩/ ٣٠٠٠، عن قتادة، و\"قال الزجاج ٤/ ١٥١: الجن والشياطين.","vol":"17","page":434},{"text":"وقال ابن عباس في رواية الكلبي: هم رؤوس الضلالة (١).\n﴿رَبَّنَا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا﴾ يعنون: كفار بني آدم. في قول مقاتل (٢).\nوفي قول الكلبي: يعنون: الأتباع (٣). ومعنى ﴿أَغْوَيْنَا﴾: سوَّلنا لهم الغي والضلال (٤)؛ لأن التزيين إليهم، والله تعالى يهدي ويضل.\nقوله تعالى: ﴿أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا﴾ قال ابن عباس ومقاتل: أضللناهم كما ضللنا ﴿تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ﴾ منهم (٥). تتبرأ الشياطين ممن كان يطيعهم ويعبدهم، والرؤساء ممن كان يقبل منهم ويتبعهم في الدنيا. قال الزجاج: برئ بعضهم من بعض، وصاروا أعداءً كما قال الله -﷿-: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ الآية (٦) [الزخرف: ٦٧]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3296>٦٤ </span>- قوله تعالى: ﴿وَقِيلَ﴾ أي: لكفار بني آدم (٧) ﴿ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ﴾ أي: استعينوا بآلهتكم التي كنتم تعبدونها. أي: لينصروكم ويخلصوكم من العذاب.\n﴿فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ﴾ فلم يجيبوهم (٨). ونظير هذه الآية في: الكهف [٥٢]؛ قوله: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شُرَكَائِيَ﴾ الآية (٩). ﴿وَرَأَوُا الْعَذَابَ\n_________\n(١) \"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٥٠ أ، من قول الكلبي. و\"تنوير المقباس\" ٣٢٩.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ٦٨ أ.\n(٣) \"تنوير المقباس\" ٣٢٩.\n(٤) \"معانى القرآن\" للزجاج ٤/ ١٥١، بنصه.\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ٦٨ أ.\n(٦) \"معانى القرآن\" للزجاج ٤/ ١٥١.\n(٧) \"تفسير مقاتل\" ٦٨ أ. و\"تفسير ابن جرير\" ٢٠/ ٩٨.\n(٨) \"معانى القرآن\" للزجاج ٤/ ١٥١.\n(٩) \"تفسير مقاتل\" ٦٨ أ.","vol":"17","page":435},{"text":"لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ﴾. قال المفسرون وأهل المعاني: جواب ﴿لَوْ﴾ محذوف، على تقدير: لو أنهم كانوا يهتدون في الدنيا ما رأوا العذاب في الآخرة، ولما اتبعوهم (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3297>٦٥ </span>- قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ﴾ يعني: يسأل الله الكفار ﴿فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ ما كان جوابكم لمن أُرسل إليكم من النبيين؟.\n<span data-type=\"title\" id=toc-3298>٦٦ </span>- ﴿فَعَمِيَتْ﴾ أي: فخفيت واشتبهت (٢) ﴿عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ﴾ قال مجاهد ومقاتل: الحجج (٣). و﴿الْأَنْبَاءُ﴾ معناها: الأخبار (٤)، جمع نبأ. وسميت حججهم: أنباءً؛ لأنها أخبار (٥) يُخبر بها. قال ابن عباس: يريد: الأخبار والجواب، وجوابهم لو أجابوا كان خبرًا.\n﴿فَهُمْ لَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ لا يسأل بعضهم بعضًا عن الحجج؛ لأن الله أدحض حجتهم، وكلل ألسنتهم. قاله مقاتل (٦). وهو معنى قول قتادة: لا يحتجون (٧).\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٥١، بنصه. و\"تفسير مقاتل\" ٦٨ أ، بنحوه.\n(٢) \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ٢/ ١٠٩. و\"تفسير ابن جرير\" ٢٠/ ٩٨. و\"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٥٠ أ.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ٦٨ أ. وذكره البخاري عن مجاهد. \"فتح الباري\" ٨/ ٥٠٥. وأخرج عنه ابن جرير ٢٠/ ٩٩، وابن أبي حاتم ٩/ ٣٠٠٠. وهو قول ابن قتيبة، \"غريب القرآن\" ٣٣٤.\n(٤) \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ٢/ ١٠٩. و\"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٥٠ أ، بلفظ: الأخبار والأعذار والحجج.\n(٥) في نسخة: (ج). أنباء.\n(٦) \"تفسير مقاتل\" ٦٨ أ. وفيه وأكلَّ ألسنتهم.\n(٧) \"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٥٠ ب.","vol":"17","page":436},{"text":"وقال ابن عباس: لا ينطقون؛ يعني: بحجة (١). وذلك أن الله تعالى قد أعذر إليهم في الدنيا ببعث الرسول، ونصب الأدلة، فلا يكون لهم حجة، ولا عذر يوم القيامة (٢).\nقال الفراء: جاء في التفسير: عميت عليهم الحجج يومئذ فسكتوا، فذلك قوله: ﴿فَهُمْ لَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ أي: في تلك الساعة (٣). وهو معنى قول الكلبي: لم يدروا ما يجيبون به من ذلك الهول حين سئلوا (٤)، ثم أجابوه بعد ذلك، يعني: ما ذكر عنهم مما يجيبون به في القيامة، كقولهم: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] ونحو ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3299>٦٧ </span>- ﴿فَأَمَّا مَنْ تَابَ﴾ قال ابن عباس والمفسرون: من الشرك ﴿وَآمَنَ﴾ صدق بتوحيد الله (٥) ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ أدى الفرائض ﴿فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ﴾ من الناجين الفائزين الذين سعدوا. قالوا جميعًا: و: (عسى)، من الله واجب (٦).\n<span data-type=\"title\" id=toc-3300>٦٨ </span>- قوله: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ قال المفسرون:\n_________\n(١) نسبه لابن عباس القرطبي ١٣/ ٣٠٤.\n(٢) ذكر نحوه ابن جرير ٢٠/ ٩٩، ولم ينسبه. قال ابن جرير: وقيل: معنى ذلك: فعميت عليهم الحجج يومئذ فسكتوا فهم لا يتساءلون في حال سكوتهم.\n(٣) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٣٠٩.\n(٤) \"تنوير المقباس\" ٣٢٩، بلفظ: لا يجيبون.\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ٦٨ أ. و\"تفسير ابن جرير\" ٢٠/ ٩٩، ولم ينسبه. وأخرج ابن أبي حاتم ٩/ ٣٠٠١، نحوه عن ابن عباس.\n(٦) \"تفسير مقاتل\" ٦٨ أ. و\"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٣٠٩. ولم ينسبه. وأخرجه ابن أبي حاتم ٩/ ٣٠٠١، عن ابن عباس. و\"تفسير ابن جرير\" ٢٠/ ٩٩، ولم ينسبه.","vol":"17","page":437},{"text":"نزلت هذه الآية جوابًا للمشركين حين قالوا: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ﴾ الآية، [الزخرف: ٣١] ومعناه: ويختار ما يشاء لنبوته ورسالته (١). أي: فكما أن الخلق إليه، فهو يخلق ما يشاء، فكذلك الاختيار إليه في جميع الأشياء، فيختار مما خلق ما يشاء، ومن يشاء. ثم نفى الاختيار عن المشركين؛ وذلك أنهم اختاروا الوليد بن المغيرة من مكة، أو عروة بن مسعود من الطائف، اختاروا إما هذا أو ذاك للرسالة، فقال: ﴿مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ أي: الاختيار. أي: ليس لهم أن يختاروا على الله -﷿- (٢).\nقال ابني قتيبة: أي: لا يرسل الله الرسل على اختيارهم (٣).\nو﴿الْخِيَرَةُ﴾ اسم من [الاختيار، يقام مقام المصدر، والخيرة: اسم للمختار] (٤). يقال: محمد خيرة الله من خلقه. ويجوز التخفيف فيهما، ذكر ذلك الليث والفراء، وغيرهما (٥). وعلى هذا (مَا) تكون نفيًا، وهو الصحيح الذي عليه عامة المفسرين، وأصحاب القراءة؛ وذلك أن جميع أصحاب\n_________\n(١) \"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٥٠ ب، قال: هذا جواب لقول الوليد بن المغيرة: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾. و\"غريب القرآن\" لابن قتيبة ٣٣٤، وأخرج ابن جرير ٢٠/ ١٠٠ وابن أبي حاتم ٩/ ٣٠٠١، في هذه الآية عن ابن عباس: كانوا يجعلون خير أموالهم لآلهتهم في الجاهلية.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ٦٨ أ.\n(٣) \"غريب القرآن\" لابن قتيبة ٣٣٤.\n(٤) ما بين المعقوفين ساقط من نسخة (ج).\n(٥) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٣٠٩. ولم أجد قول الليث في كتاب \"العين\"، وإنما ذكره الأزهري، \"تهذيب اللغة\" ٧/ ٥٤٨ (خار)، وقول: يقال: محمد خيرة الله من خلقه. ذكره الأزهري عن ابن السكيت.","vol":"17","page":438},{"text":"الوقوف، ذكروا أن تمام الوقف على قوله: ﴿وَيَخْتَارُ﴾ ذكر ذلك نافع، ويعقوب، وأحمد بن موسى، وأبو حاتم، وعلي بن سليمان، ونصير، وغيرهم (١).\nوذكر أبو إسحاق وجهًا آخر؛ فقال: ويجوز أن تكون: (مَا) في معنى: [الذي، فيكون المعنى:] (٢) ويختار الذي لهم فيه الخيرة، ويكون معنى الاختيار هاهنا: ما يتعبدهم به. أي: ويختار فيما يدعوهم إليه من عبادته ما لهم فيه الخيرة، قال: والقول الأول وهو: أن تكون (مَا) نفيًا أجود. انتهى كلامه (٣).\nوالقدرية ربما تتعلق بالوجه الثاني الذي ذكره أبو إسحاق؛ فيقولون:\n_________\n(١) \"القطع والائتناف\" للنحاس ٢/ ٥١٤، بنصه. وذكره في \"إعراب القرآن\" ٣/ ٢٤١، عن علي بن سليمان. وذكر الداني أن كلا الوقفين تام، \"المكتفى في الوقف والابتداء\" ٤٣٩. واختار ذلك الثعلبي ٨/ ١٥٠ ب.\n(٢) ما بين المعقوفين ساقط من نسخة: أ، (ب).\n(٣) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٥١، نقل النحاس عن علي بن سليمان: ولا يجوز أن تكون ﴿مَا﴾ في موضع نصب بـ ﴿وَيَخْتَارُ﴾؛ لأنها لو كانت في موضع نصب لم يعد عليها شيء. \"إعراب القرآن\" للنحاس ٣/ ٢٤١، و\"القطع والائتناف\" ٢/ ٥١٥. وأما ابن جرير ٢٠/ ١٠٠، فقد جعل ﴿مَا﴾ في موضع نصب، بمعنى: الذي، وصحح هذا القول ونصره، ورد على من قال بالقول الأول؛ وهو أن ﴿مَا﴾ نافية. وخالفه في ذلك ابن كثير ٣/ ٣٩٧، وقال عن القول الذي اختاره ابن جرير: وقد احتج بهذا المسلك طائفة من المعتزلة على وجوب مراعاة الأصلح، ثم قال: والصحيح أنها نافية، كما نقله ابن أبي حاتم عن ابن عباس، وغيره أيضًا، فإن المقام في بيان انفراد الله تعالى بالخلق والتقدير، والاختيار، وأنه لا نظير له في ذلك، ولهذا قال: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ أي: من الأصنام والأنداد التي لا تخلق ولا تختار شيئًا.","vol":"17","page":439},{"text":"إن الله تعالى يريد بنا، ويختار لنا ما فيه الخيرة لنا، ويحتجون بالآية، ولا حجة لهم في ذلك؛ لأن حمل الآية على هذا الوجه إبطال لقول جميع المفسرين والقراء (١)؛ أما المفسرون فإنهم ذكروا سبب نزولها (٢)، وحَمْلُ الآية على الوجه الثاني يُبطل ما قالوا.\nوأما القراء فكلهم وقفوا على قوله: ﴿وَيَخْتَارُ﴾ ولو كان الأمر على ما يذهبون إليه لم يصح الوقف على: ﴿وَيَخْتَارُ﴾ وأيضًا فإن الكناية في قوله: ﴿لَهُمُ﴾ عن المشركين، يقول: ما كان للمشركين أن يختاروا على الله، فكيف يصح ما ذهبوا إليه.\nوقال أبو جعفر النحوي: لو صح ما قالوه لكان وجه الكلام نصب ﴿الْخِيَرَةُ﴾ على خبر كان (٣)، ثم وإن صح على البُعد فتأويله ما ذكره الزجاج؛ وهو: أن هذا الاختيار يعود إلى ما اختار الله لعباده مما أمرهم به.\nقال مقاتل: ثم نزه نفسه عن شركهم فقال: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (٤) وهذا يدل على أن الكناية في ﴿لَهُمُ﴾ عن المشركين خاصة.\n_________\n(١) وقد ذكر أن في هذا ردًا على القدرية، علي بن سليمان. \"إعراب القرآن\" للنحاس ٣/ ٢٤١. أخرج ابن أبي حاتم ٩/ ٣٠٠٢، عن أبي عون الحمصي، أنه إذا ذكر له شيء من قول أهل القدر، قال: أما يقرءون كتاب الله ﵎: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾.\n(٢) ذكره الواحدي في \"أسباب النزول\" ٣٣٩، بقوله: قال أهل التفسير: نزلت جوابًا للوليد بن المغيرة حين قال فيما أخبر الله تعالى عنه: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١] أخبر الله تعالى أنه لا يبعث الرسل باختيارهم.\n(٣) \"القطع والائتناف\" ٢/ ٥١٥.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ٦٨ أ.","vol":"17","page":440},{"text":"ثم أخبر -﷿- بنفوذ علمه فيما خفي وظهر، فقال: ﴿وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3301>٦٩ </span>- ﴿وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ﴾ ما تستر قلوبهم من الكفر، والعداوة لله ورسوله ﴿وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ من ذلك (١) بألسنتهم من الكفر والمعاصي. قال ذلك ابن عباس والكلبي ومقاتل (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-3302>٧٠ </span>- ثم وحد نفسه فقال: ﴿وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ﴾ قال مقاتل: يحمده أولياؤه في الدنيا، ويحمدونه في الآخرة يعني: أهل الجنة (٣) ﴿وَلَهُ الْحُكْمُ﴾ أي: الفصل بين الخلائق (٤).\nوقال ابن عباس: يريد ما حكم لأهل طاعته من المغفرة والرحمة، وما حكم لأهل معصيته من الشقاء والويل (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3303>٧١ </span>- قوله: ﴿قُلْ﴾ أي: لأهل مكة (٦) ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا﴾ السرمد: الدائم. في قول جميع أهل اللغة والمفسرين (٧).\n_________\n(١) من ذلك. ساقط من نسخة: (أ)، (ب).\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ٦٨ ب. و\"تنوير المقباس\" ٣٢٩. أخرج ابن أبي حاتم ٩/ ٣٠٠٢، عن ابن عباس، في قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ قال: يقول: ما عملوا بالليل والنهار.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ٦٨ ب. و\"تفسير ابن جرير\" ٢٠/ ١٠٣.\n(٤) \"تفسير ابن جرير\" ٢٠/ ١٠٢.\n(٥) أخرج نحوه مطولًا ابن أبي حاتم ٢٠/ ٣٠٠٣، عن وهب بن منبه.\n(٦) \"تفسير مقاتل\" ٦٨ ب.\n(٧) أخرجه ابن جرير ٢٠/ ١٠٣، عن ابن عباس، ومجاهد، وكذا ابن أبي حاتم ٩/ ٣٠٠٣، وعن قتادة أيضًا. و\"غريب القرآن\" لابن قتيبة ٣٣٤، و\"معانى القرآن\" للزجاج ٤/ ١٥٢، و\"تهذيب اللغة\" للأزهري ١٣/ ١٥٢ (سرمد). و\"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٥١ أ.","vol":"17","page":441},{"text":"قال أبو عبيدة. وكل شيء لا ينقطع من عيش، أو غمٍّ أو بلاء دائم، فهو سرمد (١).\nوقال المبرد: يقال: هو يسهر سهرًا (٢) سرمدًا، إذا لم يكتحل فيه بغمض، ولا يكون السرمد ما يقع فيه فصل. قال المفسرون: دائمًا، لا نهار معه (٣).\n﴿مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ﴾ قال ابن عباس: بنور تطلبون فيه المعيشة (٤).\nوقال أبو إسحاق: أي بنهار تبصرون فيه، وتتصرفون في معايشكم، وتصلح فيه ثماركم ومنابتكم؛ لأن الله -﷿- جعل الصلاح للخلق بالليل مع النهار، فلو كان واحد منهما دون الآخر هلك الخلق (٥).\nوقوله تعالى: ﴿أَفَلَا تَسْمَعُونَ﴾ أي: سماع فهم وقبول. يعني: ﴿أَفَلَا تَسْمَعُونَ﴾ هذه الحجة فتتدبرونها وتعملون بموجبها إذا كانت بمنطقة (٦) بأن ما أنتم عليه خطأ وضلال. وقال الكلبي: يقول: أفلا تطيعون من يفعل ذلك بكم (٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3304>٧٢ </span>- وقوله: ﴿تَسْكُنُونَ فِيهِ﴾ قال ابن عباس: يريد: تأوون فيه إلى\n_________\n(١) \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ٢/ ١٠٩.\n(٢) سهرا. ساقطة، نسخة (ج).\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ٦٨ ب. و\"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٣٠٩.\n(٤) ذكره القرطبي ١٣/ ٣٠٨، ولم ينسبه.\n(٥) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٥٢.\n(٦) هكذا في نسخة: (أ)، (ب)، وفي نسخة: (ج): بموجبها وكانت هذه الناطقة بأن ..\n(٧) \"تنوير المقباس\" ٣٣٠.","vol":"17","page":442},{"text":"مساكنكم، كما تأوي الطير إلى وكورها (١).\nوقال مقاتل: تستقرون فيه من النَّصَب (٢).\nوقال أهل المعاني: امتن الله على عباده بالليل للسكون والراحة، ولا ليل في الجنة؛ لأن دار التكليف لابد فيها من التعب الذي يحتاج معه إلى الراحة والحمَّام (٣)، وليس كذلك دار النعيم؛ لأنه إنما يتصرف فيها بالملاذ.\nقوله تعالى: ﴿أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ قال ابن عباس: يريد ما أنتم عليه من الخطأ والضلالة والظلم.\nوقال الكلبي: أفلا تعقلون أنه ليس معه إله غيره يفعل ذلك بكم.\nقال أصحابنا: الإتيان من دلائل إثبات صانع واحد، وذلك أنه كان يجوز في العقل دوام كون الظلمة، وكذلك الضياء، فلما تعاقبا دلا على صانع يكور أحدهما على الآخر، ولما كان تعاقبهما على حسابٍ معلوم في الزيادة والنقصان، لا يختلفان في عام منذ خلقا، دل ذلك على توحيد الصانع؛ إذ لو كان معه إله لأشبه أن يريدَ أحدُهما بقاءَ الليل حين يريد الآخر انقضاءه، وكذلك ضياء النهار، فيختلفان حينئذ في حسابهما.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3305>٧٣ </span>- ثم أخبر أن الليل والنهار رحمة فقال (٤): ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ قال الكلبي: ومن نعمته أن جعل لكم الليل والنهار (٥)\n_________\n(١) أخرج ابن أبي حاتم ٩/ ٣٠٠٣، عن السدي ﴿تَسْكُنُونَ﴾ تقرون فيه. وفي \"تنوير المقباس\" ٣٣٠: تستقرون فيه.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ٦٨ ب.\n(٣) الحميم: الماء الحار، والحمَّام: مشتق منه، تذكَّره العرب. \"تهذيب اللغة\" ٤/ ١٥ (حمم).\n(٤) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٥٢، بنصه.\n(٥) \"تنوير المقباس\" ٣٣٠","vol":"17","page":443},{"text":"﴿لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ قال ابن عباس: جعل لكم الليل لتأووا فيه مع أزواجكم، والنهار لتلتمسوا فيه من فضل الله.\nوقال الكلبي: السكون بالليل، والتماس المعيشة بالنهار (١). وعلي هذا قال الفراء: تجعل الهاء في قوله: ﴿لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ راجعة على الليل خاصة، وأَضمرتْ للابتغاء هاءً أخرى تكون للنهار، قال: وإن شئت جعلت الليل والنهار كالفعلين؛ لأنهما ظلمة وضوء، فرَجتْ الهاء في ﴿فِيهِ﴾ عليهما جميعًا، كما تقول: إقبالك وإدبارك يؤذيني؛ لأنهما فعل، والفعل يُرَدُّ كثيره وتثنيته إلى التوحيد، فيكون ذلك صوابًا (٢).\nوذكر أبو إسحاق الوجهين أيضًا؛ فقال في الوجه الأول: المعنى: ﴿لِتَسْكُنُوا﴾ بالليل، وتبتغوا من فضله بالنهار، قال: وجائز: أن تسكنوا فيهما، وأن تبتغوا من فضل الله فيهما، فيكون المعنى: جعل الله لكم الزمان ليلًا ونهارًا ﴿لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ (٣).\nوقال المبرد: السكون إنما هو في الليل، والابتغاء من فضله يكون بالنهار، ولكن لما عطف أحدهما على الآخر، أُخرجا مخرج الواحد الجامع للشيئين. ونظير هذا من الكلام: لئن لقيت زيدًا وعمرًا، لتلقين منهما شجاعة وفصاحة؛ على أن الفصاحة لأحدهما، والشجاعة لأحدهما.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ أي الذي أنعم عليكم بهما فتوحدونه. قاله مقاتل (٤).\n_________\n(١) \"تنوير المقباس\" ٣٣٠.\n(٢) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٣١٠.\n(٣) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٥٣.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ٦٨ ب.","vol":"17","page":444},{"text":"وقال ابن عباس. يريد: لكي تطيعوا (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3306>٧٤ </span>- وقوله: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ أي: تكذِبون في دار الدنيا بأنهم شركائي. قال ابن عباس: وكل: زَعَم، في كتاب الله فهو كَذَب. وتفسير هذه الآية قد مر آنفًا (٢).\nقال أهل المعاني: وإنما كرر النداء بـ ﴿أَيْنَ شُرَكَائِيَ﴾ تقريعًا بالإشراك بعد تقريع. وقيل: إن الأول تعزير بإقرارهم على أنفسهم بالغي الذي كانوا عليه، وهو قولهم: ﴿رَبَّنَا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا﴾ الآية، والثاني: تعجيز عن إقامة البرهان لَمَّا طولبوا به بحضرة الأشهاد، وهو:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3307>٧٥ </span>- قوله تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا﴾ قال مقاتل: يعني: وأخرجنا، وشهيدها: رسولها الذي يشهد عليها بالبلاغ (٣)، وبما كان منها؛ في قول ابن عباس والمفسرين (٤).\nقال ابن قتيبة: أي: أحضرنا رسولهم المبعوث إليهم (٥). والإحضار معنى، وليس بتفسير. وهو لفظ أبي عبيدة (٦). وهذا كقوله: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾ [النساء: ٤١] وقوله: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا﴾ [النحل: ٨٤] (٧).\n_________\n(١) في نسخة: (أ): تطيعوه.\n(٢) الآية: ٦٢، من السورة نفسها.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ٦٨ ب.\n(٤) أخرجه ابن جرير ٢٠/ ١٠٤، وابن أبي حاتم ٩/ ٣٠٠٤، عن مجاهد وقتادة. و\"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٥٣. و\"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٥١ أ.\n(٥) \"غريب القرآن\" لابن قتيبة ٣٣٤.\n(٦) \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ٢/ ١١٠.\n(٧) ذكر الآيتين، الثعلبي ٨/ ١٥١ أ.","vol":"17","page":445},{"text":"وقوله: ﴿فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾ قال مجاهد: حجتكم بما كنتم تعبدون وتقولون (١).\nوقال مقاتل: حجتكم بأن معي شريكًا (٢).\nوقال أبو إسحاق: أي هاتوا فيما اعتقدتم برهانًا، أي: بيانًا، إن كنتم على حق (٣).\nقوله: ﴿فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ﴾ قال ابن عباس: فلم يجيبوا، وعلموا أن الذي جاءهم به رسلهم هو الحق. وقال مقاتل: فعلموا أن التوحيد لله ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ﴾ في الآخرة ﴿مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ في الدنيا أن مع الله شريكًا (٤). وافتراؤهم: ادعاؤهم الآلهة مع الله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3308>٧٦ </span>- وقوله تعالى: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى﴾ قال ابن عباس: يريد: من بني إسرائيل، ثم في سبط (٥) موسى، وهو ابن خالته. وقال قتادة ومقاتل وإبراهيم: كان ابن عمه لخالته (٦)، كان قارون بن يصهر ابن قاهث، وموسى بن عمران بن قاهث (٧).\nوقال ابن إسحاق: كان موسى ابن أخي قارون، وقارون كان عم\n_________\n(١) أخرجه ابن جرير ٢٠/ ١٠٥، وابن أبي حاتم ٩/ ٣٠٠٥.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ٦٨ ب.\n(٣) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٥٣.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ٦٨ ب.\n(٥) السبط في اللغة: الجماعة الذين يرجعون إلى أب واحد، والسبط في الشجرة، فالسبط الذين هم من شجرة واحدة. \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٢١٧.\n(٦) في نسخة: (أ): لخالاته.\n(٧) \"تفسير مقاتل\" ٦٨ ب. وأخرجه ابن جرير ٢٠/ ١٠٦، عن النخعي، وقتادة. ونسبه الثعلبي ٨/ ١٥١ أ، لأكثر المفسرين.","vol":"17","page":446},{"text":"موسى لأبيه وأمه؛ لأن عمران وقارون كانا ابني: يصهر بن قاهث (١).\nوقوله: ﴿فَبَغَى عَلَيْهِمْ﴾ أي: بكثرة ماله، كأنه جاوز الحد بالتكبر والتجبر عليهم. وهذا قول قتادة؛ قال: بغى عليهم بكثرة ماله وولده بالكِبْر والبذخ (٢). ونحوه قال مقاتل (٣).\nوقال المسيب (٤): كان قارون عاملًا لفرعون على بني إسرائيل، فكان يبغي عليهم ويظلمهم (٥).\nوقال الفراء: بغيه عليهم: أنه قال: إذا كانت النبوة لموسى، وكان المَذبح والقربان في يد هارون، فمالي (٦)؟ وهذا قول الكلبي؛ قال: إن قارون قال لموسى: يا موسى ألك النبوة، ولهارون الحُبورَة (٧)؟ ولستُ في شيء من ذلك، لا أصبر على هذا أبدًا (٨). وعلى هذا بغيه: طلبه ما ليس له\n_________\n(١) أخرجه ابن جرير ٢٠/ ١٠٥، وذكره عنه الثعلبي ٨/ ١٥١ أ. وهذا الاختلاف مما لا طائل تحته، ولا ترجى من ورائه فائدة، فقارون من قوم موسى كما أخبر الله تعالى عنه، فكونه من قرابته أم لا، لا يغير في المسألة شيئًا. والله أعلم.\n(٢) أخرجه ابن جرير ٢٠/ ١٠٦، وابن أبي حاتم ٩/ ٣٠٠٦، عن قتادة. وذكره عنه الثعلبي ٨/ ١٥١ أ.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ٦٨ ب.\n(٤) المسيب هو: عيسى بن المسيَّب كما صرح به الثعلبي ٨/ ١٥١ أ، البجلي، قاضي الكوفة، روى عن قيس ابن أبي حازم، والشعبي والنخعي، ضعفه يحيى بن معين وغيره. \"الكامل في ضعفاء الرجال\" ٥/ ١٨٩٢، و\"الجرح والتعديل\" ٦/ ٢٨٨.\n(٥) ذكره عنه الثعلبي ٨/ ١٥١ أ.\n(٦) \"معاني القرآن\" للفراء٢/ ٣١٠.\n(٧) ذكر الواحدي معنى الحبرة في سورة الروم، آية: ١٥ ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾ وسيأتى -إن شاء الله تعالى-.\n(٨) \"تنوير المقباس\" ٣٣٠، وذكره الثعلبي ٨/ ١٥٣ أ. في خبر طويل نسبه للعلماء بأخبار القدماء، ولم يسمهم.","vol":"17","page":447},{"text":"أن يطلبه من مساواة الأنبياء في درجتهم.\nوقال شهر بن حوشب في تفسير قوله: ﴿فَبَغَى عَلَيْهِمْ﴾: زاد عليهم في الثياب شبرًا (١). وهذا معنى القول الأول، لأنه يريد: تكبر عليهم وتجبر، وطولُ الثوب من علامات الكبر، ولذلك نُهي عنه (٢).\nقوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ﴾ قال الأخفش: يريد: الذي إن مفاتحه، وهذا موضع لا يكاد يبتدأ فيه بـ: إن (٣). يعني: أنَّ (إِنَّ) هاهنا من صلة ما لا يبتدأ به هاهنا، فالوقف على (مَا) وإن كان (إِنَّ) من حروف الابتداء؛ لأن ما (٤) مع ما بعده من صلة الموصول (٥).\nوالمراد بالمفاتيح هاهنا: الخزائن في قول الأكثرين. وهو قول مقاتل\n_________\n(١) أخرجه: \"ابن جرير\" ٢٠/ ١٠٦، و\"ابن أبي حاتم\" ٩/ ٣٠٠٦. وذكره عنه \"الثعلبي\" ٨/ ١٥١ ب.\n(٢) في أحاديث كثيرة؛ منها حديث أبي ذر -﵁-، عن النبي -ﷺ- قال: \"ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم، قال: فقرأها رسول الله -ﷺ- ثلاث مرات قال أبو ذر: خابوا وخسروا من هم يا رسول الله قال: المسبل والمنان والمنفق سلعته بالحلف الكاذب\". أخرجه مسلم ١/ ١٠٢، كتاب الإيمان، رقم: ١٠٦.\n(٣) \"معاني القرآن\" للأخفش ٢/ ٦٥٤، بلفظ: إن الذي مفاتحه. وفي نسخة: (ب)، (ج): الذي إن مفاتحه، وفي نسخة: (أ): إن مفاتحه. بإسقاط: الذي. وذكر هذا المعنى ابن قتيبة، عن أبي صالح، \"غريب القرآن\" ٣٣٥.\n(٤) ما: ساقطة من نسخة (أ)، (ج).\n(٥) قال سيبويه: (إِنَّ) صلة لـ (مَا) كأنك قلت: ما والله. الكتاب ٣/ ١٤٦، وذكر أبو علي هذه الآية مثالًا لكسر: إن، إذا وقعت بعد الاسم الموصول. \"الإيضاح العضدي\" ١٦٣.","vol":"17","page":448},{"text":"والضحاك وأبي صالح وأبي رزين؛ قالوا: ﴿مَفَاتِحَهُ﴾ خزائنه (١). وهذا كقِوله: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ﴾ [الأنعام: ٥٩] يعني: خزائن الغيب (٢)، وقد مرَّ (٣).\nوقال آخرون: المفاتح هاهنا جمع: مفتاح، وهو ما يفتح به الباب. وهو قول قتادة ومجاهد وخيثمة؛ قالوا: كانت مفاتيحه من جلود الإبل (٤). والأول اختيار الفراء والزجاج؛ قال: الأشبه في التفسير: ﴿إِنَّ مَفَاتِحَهُ﴾: خزائن ماله (٥).\nوقال الفراء: ﴿مَفَاتِحَهُ﴾ خزائنه (٦). وأيضًا فإن المفاتح لو كان جمع مفتاح لكان وجه الكلام أن يقال: مفاتيح، وإن كان المفاتح جائزًا.\nقال الليث: وجمع المفتاح (٧) الذي يفتح به المِغلاقُ: مفاتيح، وجمع المَفْتَح الخزانة: مفاتح (٨).\n_________\n(١) أخرجه ابن جرير ٢٠/ ١٠٧، عن أبي صالح، والضحاك، وأخرجه عن أبي رزين ابن أبي حاتم ٩/ ٣٠٠٧. و\"تفسير مقاتل\" ٦٨ ب. والزاهر في معاني كلمات الناس ١/ ٤٦٤، ولم ينسبه. وذكره الثعلبي ٨/ ١٥١ ب، عن أبي صالح، وأبي رزين.\n(٢) \"غريب القرآن\" لابن قتيبة ٣٣٥.\n(٣) قال الواحدي في تفسير هذه الآية من سورة الأنعام: قال السدي والحسن: ﴿مَفَاتِحُ الْغَيْبِ﴾ خزائن الغيب. ونحو ذلك قال ابن عباس، والضحاك ومقاتل في المفاتح أنها: الخزائن.\n(٤) وهو قول أبي عبيدة \"مجاز القرآن\" ٢/ ١١٠. وذكره الزجاج ٤/ ١٥٤، ولم ينسبه. وذكره الثعلبي ٨/ ١٥١ أ، عن مجاهد.\n(٥) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٥٥.\n(٦) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٣١٠.\n(٧) من هنا بدأ السقط في نسخة: (ج)، إلى الآية: ٧٩.\n(٨) كتاب \"العين\" ٣/ ١٩٤ (فتح)، ونقله عنه الأزهري، \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٤٤٧.","vol":"17","page":449},{"text":"وقوله: ﴿لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ﴾ معنى النَّوء في اللغة: النهوض بجهد ومشقة (١).\nقال ذو الرُّمة يصف الفراخ:\nيَنُوءنَ ولم يُكْسَيْنَ إلا منازعًا ... من الريش تَنْواءَ الفِصالِ الهَزائلِ (٢)\nويقال: ناء بحمله، إذا نهض به مثقلًا.\nقال ذو الرمة:\nتَنوءُ بأُخراها فَلأيًا قيامُها ... وتمشي الهُوينى عن قريبٍ فَتُبْهرُ (٣)\nيريد: أنها تنهض بجهد لما في آخرها، وهي عجيزتها من اللحم. قال الأزهري: وأصل النَّوء: الميل في شِقٍ، أنشد الفراء:\nحتى إذا ما التأمَتْ مَوَاصِلُه ... وناء في شِقِّ الشمالِ كاهلُه\nيعني: الرامي لَمَّا نزع القوس مال في جانب الشمال (٤). وقيل لمن نهض بحمله: ناء به؛ لأنه إذا نهض به وهو ثقيل أناء الناهض، أي: أماله.\n_________\n(١) \"تهذيب اللغة\" ١٥/ ٥٣٦ (ناء).\n(٢) معنى: ينوءن: ينهضن، يعني: الفراخ، ولم يكسين إلا منازعًا، أي: بقايا ريش، والهزائل: جمع هزيل، أي: مهزول. \"ديوان ذي الرمة\" شرح الخطيب التبريزي ٤٦٤.\n(٣) \"تهذيب اللغة\" ١٥/ ٥٣٧ (ناء)، ونسبه لذي الرمة. وأنشده الثعلبي ٨/ ١٥١ ب، ولم ينسبه. ومعنى: تنوء: أي: تنهض بعجيزتها، وتنوء بها عجيزتها، فلأيا: أي: بعد بطء قيامها، وتبهر: تعيا، ومعناه: أن أخراها وهي عجيزتها تثنيها إلى الأرض لضخمها وكثرة لحمها. \"ديوان ذي الرمة\" شرح الخطيب التبريزي ٢٢١، ورواية الديوان: وتمشي الهوينى من قريب.\n(٤) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٣١٠، ولم ينسب البيت، وفيه: الثمال، بدل: الشمال وهو تصحيف. وعنه ذكره الأزهري، \"تهذيب اللغة\" ١٥/ ٥٤٠ (ناء). بلفظ: الشمال. ومعنى البيت: أن الرامي لما نزع القوس مال على شقه.","vol":"17","page":450},{"text":"وكذلك النجم إذا سقط مائلًا عن مغيبه الذي يغيب فيه (١). وذكرنا تفسير العصبة عند قوله: ﴿وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ [يوسف: ٨، ١٤] (٢).\nقال ابن عباس في رواية عطاء: كان يحمل مفاتيحه أربعون رجلًا، أقوى ما يكون من الرجال (٣).\nوقال مجاهد: العصبة ما بين العشرة إلى خمسة عشر (٤).\nوقال مقاتل: العصبة: عشرة نفر إلى أربعين (٥).\nوقال الكلبي: ما بين الخمسة عشر إلى الأربعين (٦).\nوقال أبو صالح: العصبة أربعون (٧).\n_________\n(١) \"تهذيب اللغة\" ١٥/ ٥٤٠ (ناء).\n(٢) قال الواحدي في تفسير هذه الآية: قال الفراء: العصبة من العشرة إلى الأربعين. وقال المبرد: العصبة الجماعة، وتعصب القوم إذا اجتمعوا على هيئة يشد بعضهم بعضًا، ومنه العصبة في النسب؛ وهم الذين يجمعهم التعصب، فمعنى: العصبة: جماعة متعاونة.\n(٣) أخرج ابن جرير ٢٠/ ١٠٧، عن الضحاك: يزعمون أن العصبة: أربعون رجلًا ينقلون مفاتحه من كثرة عددها. وهو قول أبي صالح، ذكره عنه الثعلبي ٨/ ١٥١ ب، وذكر عن الضحاك عن ابن عباس، أنه ما بين الثلاثة إلى العشرة.\n(٤) أخرجه ابن جرير ٢٠/ ١٠٨، وابن أبي حاتم ٩/ ٣٠٠٨. وذكره الثعلبي ٨/ ١٥١ ب.\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ٦٨ ب. وأخرجه ابن جرير ٢٠/ ١٠٦، وابن أبي حاتم ٩/ ٣٠٠٧، عن خيثمة، ومجاهد. واقتصر عليه ابن قتيبة، \"غريب القرآن\" ٣٣٥، ولم ينسبه. وهو قول أبي زيد، \"تهذيب اللغة\" ٢/ ٤٦ (عصب).\n(٦) \"تنوير المقباس\" ٣٣٠، بلفظ: ذوي القوة وهو أربعون رجلًا يحملون مفاتيح خزائنه.\n(٧) أخرجه ابن جرير ٢٠/ ١٠٧، وذكره عنه الثعلبي ٨/ ١٥١ ب. واختار هذا القول واقتصر عليه الأنباري \"الزاهر في معاني كلمات الناس\" ١/ ٤٦٤. ولم يذكر دليله على ذلك.","vol":"17","page":451},{"text":"قال أبو إسحاق: والعصبة في اللغة: الجماعة الذين أمرهم واحد، يتابع بعضهم بعضًا في الفعل، ويتعصب بعضهم لبعض (١).\nروى الأعمش عن خيثمة قال: كان إذا ركب قارون حملت المفاتيح على ستين بغلًا أغرَّ محجلًا (٢).\nوقال أبو صالح: كانت تُحمل على أربعين بغلًا، وقيل: سبعون بغلًا (٣). ولست أدري كيف فسروا العصبة بالبغال، وهي في الرجال (٤)!\nقال مقاتل في تفسير: ﴿لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ﴾ عن حمل خزائنه (٥).\nوقال ابن عباس: ليثقلهم حمل المفاتيح (٦).\nواختلفوا في وجه: ﴿لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ﴾؛ فقال أبو زيد: يقال نؤت بالحمل أنوء به، إذا نهضت به. وناءني الحمل إذا أثقلني (٧). وهذا معنى قول\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٥٥. وهذا أحسن ما يقال في تعريف العصبة.\n(٢) أخرجه ابن جرير ٢٠/ ١٠٦، عن خيثمة من طريق الأعمش. وذكره عنه الثعلبي ٨/ ١٥١ ب. الغرة: البياض في وجه الفرس. \"تهذيب اللغة\" ١٦/ ٧٠ (غرر). والتحجيل: بياض في قوائم الفرس، تقول العرب: فرس مُحجَّل. \"تهذيب اللغة\" ٤/ ١٤٥ (حجل).\n(٣) أخرج رواية الأربعين، ابن جرير ٢٠/ ١٠٧، وابن أبي حاتم ٩/ ٣٠٠٨، وأخرج رواية السبعين، ابن أبي حاتم ٩/ ٣٠٠٨، بلفظ: سبعون رجلًا. فلعل بغلًا حرفت إلى: رجلًا.\n(٤) وهذا نقد حسن، وكان الأولى الإعراض عن هذه الأقوال كلها. والله أعلم.\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ٦٨ ب.\n(٦) ذكر البخاري عن ابن عباس، في قوله تعالى ﴿أُولِي الْقُوَّةِ﴾ قال: لا يرفعها العصبة من الرجال. \"فتح الباري\" ٨/ ٥٠٦.\n(٧) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٥٥، و\"تهذيب اللغة\" ١٥/ ٥٣٦ (ناء).","vol":"17","page":452},{"text":"ابن عباس: ليثقلهم (١). وعلى هذا الباء في: ﴿بِالْعُصْبَةِ﴾ للتعدية. وشرح ذلك الفراء والمبرد؛ قال الفراء: نوؤها بالعصبة أن تثقلهم. والمعنى: ﴿إِنَّ مَفَاتِحَهُ﴾ تَنيءُ العصبةَ، أي: تميلهم من ثقلها، فإذا أدخلت الباء قلت: تنوء بهم، كما قال الله تعالى: ﴿آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾ [الكهف: ٩٦] والمعنى: ائتوني بقِطْر، فإذا حذفت الباء زدت على الفعل ألفا من أوله (٢).\nوقال المبرد: مجازه في الحقيقة: ﴿مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ﴾ أي: تجعل العصبة تنوء؛ وهذا كقولك: قم بنا، أي: اجعلنا نقوم، واعدل بنا إلى فلان، وهذا محض كلام العرب. وأنشد لقيس بن الخطيم:\nديارَ التي كادت ونحن على مِنًى ... تَحُلُّ بنا لولا نَجاءُ الرَّكائبِ (٣)\nأي: تجعلنا نحلها (٤). ونحو هذا قال أبو إسحاق: ﴿لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ﴾ لتثقل العصبة (٥).\nوقال أبو عبيدة ومن وافقه: هذا مقلوب، إنما العصبة تنوء بالمفاتيح (٦)، وهذا قول الأخفش، وأنشد:\n_________\n(١) ذكره البخاري عنه، معلقًا بصيغة الجزم ٨/ ٥٠٦.\n(٢) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٣١٠.\n(٣) أنشده ونسبه المبرد، \"الكامل\" ٢/ ٨١٣. وهو في ديوان قيس بن الخطيم ٧٧، وفي الحاشية: يقول: أنا نظرنا إليها ونحن سائرون، فلولا أن الإبل -لَمَّا شُغلنا بالنظر إليها- سارت ونحن لا نعلم لكنا قد نزلنا.\n(٤) \"الكامل\" للمبرد ١/ ٤٧٥، ولفظه: العصبة تنوء بالمفاتيح، أي: تستقل بها في ثقل. وليس فيه إنشاد البيت.\n(٥) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٥٥.\n(٦) \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ٢/ ١١٠. وذكره عنه الأنباري، في \"الزاهر في معاني كلمات الناس\" ١/ ٤٦٣، ولم يعلق عليه.","vol":"17","page":453},{"text":"ما كنتَ في الحربِ العَوانِ مُغَمَّرًا ... إذْ شَبَّ حَرُّ وَقودِها أجزَالها (١)\nوالأجزال: هي شَبَّت الحرَّ، فجعل هذا مثل قولهم:\nأوْ بلغتْ سؤاتُهم هَجَرُ (٢)\nيريد: بلغت سؤاتهم هجر. قال الفراء: فإن كان سمع بهذا أثرًا فهو وجه، وإلا فإن الرجل جهل المعنى (٣).\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للأخفش ٢/ ٦٥٤، ولم ينسب البيت. وأنشده ابن جرير ٢٠/ ١٠٩، ونسبه للأعشى. المغمر: الذي لم يجرب الأمور بعد، والأجزال، مفردها: جزل: الحطب اليابس، والبيت من قصيدة له يمدح فيها قيس ابن معد يكرب. \"شرح ديوان الأعشى\" ٢٥٩.\n(٢) أنشده كاملًا الأخفش، \"معاني القرآن\" ١/ ٣١٨، ولم ينسبه، والبيت بتمامه:\nمثل القنافذ هدَّاجون قد بلغت ... نجران أو بلغت سؤاتهم هجر\nقال الأخفش: هو يريد أن السؤات بلغت هجرًا، وهجرُ رفع لأن القصيدة مرفوعة. وأنشده كذلك أبو عبيدة \"مجاز القرآن\" ٢/ ٣٩، ونسبه للأخطل، وقال: إنما السوءة البالغة هجرَ، وهذا البيت مقلوب. وعنه أنشده المبرد \"الكامل\" ١/ ٤٧٥، وقال: فجعل الفعل للبلدتين على السعة. ورواية الديوان:\nعلى العِيارات هدَّاجون قد بلغت ... نجران أو حُدثت سواءتهم هجرُ\nالعيارات: جمع: عير، أي: الحمار، هدَّاجون: من هدج، أي: سار سيرًا ضعيفًا. والبيت في هجاء بني كُليب. \"شرح ديوان الأخطل\" ١٧٨.\n(٣) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٣١٠، وذكر هذا القول بعد أن قال: وقد قال رجل من أهل العربية: إن المعنى: ما إن العصبة لتنوء بمفاتحه فحول الفعل إلى المفاتح. وقد رد على أن الآية من باب المقلوب ابن قتيبة، ولم يرتض أن يستشهد على ذلك بما وقع لبعض الشعراء؛ فقال: وهذا ما لا يجوز لأحد أن يحكم به على كتاب الله -﷿-، لو لم يجد له مذهبًا؛ لأن الشعراء تقلب اللفظ، وتزيل الكلام على الغلط، أو على طريق الضرورة للقافية، أو لاستقامة وزن البيت، ثم ذكر شواهد من الشعر على وقوع القلب فيها، ثم قال بعد ذلك: وأراد بقوله تعالى: ﴿مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ﴾ أي: تُميلها من ثقلها. \"تأويل مشكل القرآن\" ٢٠٠.","vol":"17","page":454},{"text":"وقوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ﴾ قال مقاتل: بنو إسرائيل (١).\nوقال الفراء: يعني موسى، وهو من الجمع الذي أريد به الواحد، كقوله: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ﴾ [آل عمران: ١٧٣] وإنما كان رجلًا من أشجع؛ يقال له نعيم بن مسعود (٢).\nقوله تعالى: ﴿لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ قال المفسرون: لا تأشر ولا تمرح ولا تبطر ولا تفخر (٣). وأنشد أبو عبيدة في الفرح بمعنى البطر قول هُدبة (٤):\nولستُ بِمفْراحٍ إذا الدهرُ سَرَّني ... ولا جازعٍ من صَرْفِه المُتَقَلِب (٥)\nوأنشد لابن أحمر:\nولا يُنسِيني الحَدَثانُ عِرْضي ... ولا أُلقِي من الفرحِ إلإزارا (٦)\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ٦٨ ب.\n(٢) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٣١١، ولم يذكر الاسم. وقد ذكر الواحدي في تفسير الآية من سورة آل عمران ثلاثة أقوال؛ هذا أحدها، والثاني: ركب من عبد القيس، والثالث: المنافقون.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ٦٨ ب. و\"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ٢/ ١١١. و\"تأويل مشكل القرآن \" ٤٩١، و\"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٥٥. و\"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٥١ ب.\n(٤) هُدْبة بن خَشرم بن كُرز، من بني عامر بن ثعلبة، من قضاعة، شاعر فصيح، راوية من أهل بادية الحجاز، قتل في المدينة قصاصًا نحو سنة ٥٠ هـ \"الشعر والشعراء\" ٤٦٤، و\"الأعلام\" ٨/ ٧٨.\n(٥) \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ٢/ ١١١، ونسبه لهدبة. وأنشد البيت المبرد، في \"الكامل\" ٣/ ١٤٥٥، في قصة قتل هدبة قصاصًا، وبعد هذا البيت:\nولا أبتغىِ الشرَّ والشرُّ تاركي ... ولكنِّي متى أحملْ على الشرِّ أركبُ\nوأنشده ولم ينسبه ابن قتيبة، \"غريب القرآن\" ٣٣٥، وكذا الثعلبي ٨/ ١٥١ ب.\n(٦) \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ٢/ ١١١، ونسبه لابن أحمر، وأنشده المبرد في \"الكامل\" ١/ ٥٩، ولم ينسبه، وفيه: ولا أرخي من المرح.","vol":"17","page":455},{"text":"يعني من البطر والأشر. وقال ابن قتيبة وغيره: أراد: لا تأشر؛ لأن السرور غير مكروه (١).\nوهذا نحو قوله: ﴿إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾ (٢) [هود: ١٠] وقد مر (٣).\n﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ يعني: الأشرين البطرين، الذين لا يشكرون الله على ما أعطاهم. قاله مجاهد ومقاتل (٤).\nوقال عطاء عن ابن عباس: يريد: المستهزئين (٥). وهو معنى وليس بتفسيرة وذلك أن الاستهزاء من علامات البطر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3309>٧٧ </span>- وقال أبو إسحاق: أراد لا تفرح بكثرة المال في الدنيا، لأن الذي يفرح بالمال يصرفه في غير أمر الآخرة. والدليل على أنهم أرادوا لا تفرح بالمال في الدنيا، قوله تعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ﴾ (٦) واطلب فيما أعطاك الله من المال (٧) والخير والنعمة والسعة:\n_________\n(١) \"غريب القرآن\" لابن قتيبة ٣٣٥.\n(٢) \"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٥١ ب.\n(٣) قال الواحدي في تفسير هذه الآية: قال ابن عباس: يفاخر أوليائي بما وسعت عليه. وهذا بيان عما يوجبه بطر النعمة من تناسي حالة الشدة، وترك الاعتراف بنعمة الله وحمده على ما صرف عنه من الضر مع المرح والتكبر على عباد الله.\n(٤) أخرجه ابن جرير ٢٠/ ١١١، وابن أبي حاتم ٩/ ٣٠٠٩، عن مجاهد، و\"تفسير مقاتل\" ٦٨ ب. و\"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٥٢ أ، ولم ينسبه.\n(٥) ذكر البخاري عن ابن عباس، معلقًا بصغية الجزم: ﴿الْفَرِحِينَ﴾ المرحين. \"فتح الباري\" ٨/ ٥٠٦. وكذا أخرجه ابن جرير ٢٠/ ١١١، وابن أبي حاتم ٩/ ٣٠١٠، ولم أجد فيهما الرواية التي ذكرها الواحدي.\n(٦) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٥٥.\n(٧) في نسخة (أ): الأموال. والمناسب الإفراد؛ لإفراد ما بعده.","vol":"17","page":456},{"text":"الجنة. قاله ابن عباس ومقاتل (١).\nوالمعنى: اطلب فيما أنعم الله به عليك الجنة، وهو: أن يشكر الله، وينفق مما أوتي في رضا الله، يدل عليه قوله: ﴿وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء: يريد: العمل لله فيها بما يحب ويرضى.\nوقال في رواية الأعمش: أي: تعمل فيها لآخرتك (٢).\nوهو قول مقاتل ومجاهد وابن زيد؛ قالوا: لا تترك أن تعمل لآخرتك (٣)؛ لأن حقيقة نصيب الإنسان من الدنيا الذي يعمل به لآخرته (٤). ونحو هذا روى الوالبي عن ابن عباس (٥). وهو معنى ما روي عن علي: لا تنس صحتك وشبابك وغناك أن تطلب بها الآخرة (٦).\nوروى ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: العمل بطاعة الله نصيبه من الدنيا، الذي يثاب عليه في الآخرة (٧).\nوقال قتادة: لا تنس الحلال من الدنيا؛ ابتغ الحلال (٨). والمعنى على\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ٦٩ أ.\n(٢) أخرجه ابن جرير ٢٠/ ١١٢، وابن أبي حاتم ٩/ ٣٠١٠، من طريق الأعمش.\n(٣) أخرجه ابن جرير ٢٠/ ١١٢، وابن أبي حاتم ٩/ ٣٠١٠، عن مجاهد وابن زيد. وذكره عنهما الثعلبي ٨/ ١٥٢ أ. و\"تفسير مقاتل\" ٦٩ أ.\n(٤) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٥٥.\n(٥) ذكره الثعلبي ٨/ ١٥٢ أ، من طريق الوالبي، علي بن أبي طلحة.\n(٦) ذكره عنه الثعلبي ٨/ ١٥٢ أ.\n(٧) أخرجه ابن جرير ٢٠/ ١١٢، وابن أبي حاتم ٩/ ٣٠١٠، عن مجاهد من طريق ابن أبي نجيح.\n(٨) أخرجه ابن جرير ٢٠/ ١١٣، وابن أبي حاتم ٩/ ٣٠١١.","vol":"17","page":457},{"text":"هذا: لا تترك أن تطلب فيها حظك من الرزق الحلال (١).\nوقال الحسن: أُمر أن يأخذ من ماله قدر عيشه، وُيقدَّم ما سوى ذلك لآخرته (٢). وعنه أيضًا في هذا المعنى: قَدِّم الفضل، وأمسك ما يُبلغك (٣) وعلى هذا المراد بالنصيب: قدر ما يكفيه، يقول: اترك ذلك، وقدِّم ما سواه. ونحو هذا روي عن ابن زاذان (٤).\nقوله تعالى: ﴿وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ﴾ قال ابن عباس: يريد أطع الله واعبده كما أنعم عليك. وقال مقاتل: وأحسن العطية في الصدقة والخير ﴿كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ﴾ يقول: لا تبغ بإحسان الله إليك أن تعمل في الأرض بالمعاصي (٥).\nوقال الكلبي: ﴿وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ﴾ فتدعو إلى عبادة غير الله (٦). فلما أمروه أن يطيع الله في ماله، قال لهم (٧):\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3310>٧٨ </span>- ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ قال أبو إسحاق: ادعى أنه أعطي المال لعلمه بالتوراة (٨).\n_________\n(١) اقتصر عليه أبو عبيدة \"مجاز القرآن\" ٢/ ١١١. وابن قتيبة، \"غريب القرآن\" ٣٣٥.\n(٢) ذكره عنه الثعلبي ٨/ ١٥٢ أ.\n(٣) أخرجه ابن جرير ٢٠/ ١١٣، وابن أبي حاتم ٩/ ٣٠١١.\n(٤) أخرجه الثعلبي ٨/ ١٥٢ أ، بسنده عن منصور بن زاذان، قال: قوتك وقوت أهلكْ.\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ٦٩ أ.\n(٦) \"تنوير المقباس\" ٣٣٠.\n(٧) \"تفسير مقاتل\" ٦٩ أ.\n(٨) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٥٦.","vol":"17","page":458},{"text":"وقال الفراء: على فضلٍ عندي، أي: كنت أهله ومستحقًا له (١) إذ أعطيته لفضل علمي (٢). ويروى أنه كان أقرأَ رجلٍ في بني إسرائيل للتوراة؛ فقال: إنما فضلني الله بهذا المال عليكم كما فضلني عليكم بالعلم (٣). وهذا معنى قول مقاتل: على خيرٍ عَلِمه الله عندي (٤).\nوقال ابن عباس في رواية عطاء: ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ فكفر؛ يعني: كفر لَمَّا رأى أن المال حصل له بعلمه، ولم يَرَ ذلك من عطاء الله إياه، فكأنه أراد: بعلمه في التصرف، وأنواع المكاسب؛ ويدل على هذا المعنى ما روى علي بن زيد بن جُدعان، عن عبد الله بن الحارث بن نوفل (٥) أنه ذَكَر سليمان بن داود فيما أوتي من الملك، ثم قرأ قوله: ﴿قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي﴾ [النمل: ٤٠] ولم يقل: هذا من كرامتي، ثم ذكر قارون فقال: ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ يعني أن سليمان -﵇- رأى ما أُعطي فضلًا من الله عليه، وقارون رأى ذلك من نفسه (٦).\n_________\n(١) في نسخة: (ج): ومستحقه.\n(٢) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٣١١. و\"غريب القرآن\" لابن قتيبة ٣٣٥، ولم ينسبه. وأخرج نحوه ابن جرير ٢٠/ ١١٣، عن ابن زيد، وكذا ابن أبي حاتم ٩/ ٣٠١٢، وأخرج نحوه أيضًا عن السدي.\n(٣) ذكره نحوه الثعلبي ١٥٢ أ، ولم ينسبه.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ٦٩ أ.\n(٥) عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث الهاشمي، أبو محمد المدني، أمير البصرة، ولد في حياة النبي -ﷺ- لأبيه وجده صحبة، مجمع على ثقته، حدث عن عمر، وعثمان، وعلي، وأبي بن كعب، وغيرهم -﵃- حدث عنه ابنه إسحاق، وعبد الله، وابن شهاب، وعمر بن عبد العزيز، وآخرون. ت: ٧٩ هـ، وقيل غير ذلك. \"سير أعلام النبلاء\" ١/ ٢٠٠، و\"تقريب التهذيب\" ٤٩٨.\n(٦) أخرجه ابن جرير ٢٠/ ١١٨.","vol":"17","page":459},{"text":"وقال الكلبي: قال ابن عباس: ﴿عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ بصنعة الذهب (١).\nقال الزجاج: والذي روي أنه كان يعمل الكيمياء لا يصح؛ لأن الكيمياء باطل لاحقيقة له (٢).\n_________\n(١) \"تنوير المقباس\" ٣٣٠.\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٥٦. وذكر الثعلبي ٨/ ١٥٢ أ، عن سعيد بن المسيب، أن قارون كان يعلم الكيمياء. والكيمياء: الحيلة والحذق، ويراد بها عند القدماء: تحويل بعض المعادن إلى بعض؛ فهو علم يُعرف به طرق سلب الخواص من الجواهر المعدنية، وجلب خاصة جديدة إليها؛ ولا سيما تحويلها إلى ذهب. وأما عند المحدثين فهو علم يبحث فيه عن خواص العناصر المادية والقوانين التي تخضع لها الظروف المختلفة، وبخاصة عند اتحاد بعضها ببعض. \"المعجم الوسيط\" ٢/ ٨٠٨. ولذلك تكلم عنها أهل العلم وذموا متعاطيها لما فيها من الغش والتدليس والخداع؛ إذ فيها يُشبه المصنوع بالمخلوق، وقصد أهلها أن يُجعل هذا كهذا فينفِّقونه، ويعاملون به الناس، وهذا من أعظم الغش .. ولهذا لا يُظهرون للناس إذا عاملوهم أن هذا من الكيمياء، ولو أظهروا للناس ذلك لم يشتروه منهم فالمصنوع من الكيمياء يستحيل ويفسد ولو بعد حين، بخلاف الذهب المعدني. \"مجموع الفتاوى\" ٢٩/ ٣٧٠.\nوذكر شيخ الإسلام أنه ناظر أحد رؤوس هؤلاء المتعاملين بالكيمياء فكان بما اعترض به على شيخ الإسلام أن قال: إن قارون كان يعمل الكيمياء، فرد عليه الشيخ بقوله: وهذا أيضًا باطل؛ فإنه لم يقله عالم معروف، وإنما يذكره مثل الثعلبي في تفسيره عمن لا يُسمي، وفي \"تفسير الثعلبي\" الغث والسمين، فإنه حاطب ليل، ولو كان مال قارون من الكيمياء لم يكن له بذلك اختصاص؛ فإن الذين عملوا الكيمياء خلق كثير لا يحصون، والله سبحانه قال: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ﴾ فإخبر أنه آتاه من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة، والكنوز إما أن يكون هو كنزها، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ الآيه، وإما أن تكون اطلع على كنائز مدفونه، وهو الركاز، وهذا لا ريب أنه موجود. \"مجموع الفتاوى\" ٢٩/ ٣٧٧.\nذكر الداوودي في \"طبقات المفسرين\" ٢/ ٩٦، أن لابن القيم كتابًا في بطلان =","vol":"17","page":460},{"text":"قال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمْ﴾ قارون ﴿أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ﴾ بالعذاب ﴿مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ﴾ في الدنيا حين كذبوا رسلهم ﴿مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا﴾ للأموال (١).\nقال ابن عباس ومقاتل: يريد نمروذ بن كنعان، الجبار، وغيره (٢).\nقوله تعالى: ﴿وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ قال مجاهد: الملائكة لا تَسأل عنهم (٣) قد عرفتهم زرقًا، سود الوجوه (٤).\nوقال الكلبي: لا يُسأل الكافر عن ذنبه، كل معروف بسيماه (٥). واختار الفراء هذا القول (٦)؛ فقال: يقول: يعرفون بسيماهم، كما قال: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ﴾ الآية، [الرحمن: ٣٩] ثم قال: ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ﴾ [الرحمن: ٤١] (٧). وهذا القول لا يصح؛ لأن سؤالهم عن ذنوبهم ليس لمعرفتهم وليعرفوا، ولو قيل: ولا يَسأل عن المجرمين، لصح المعنى الذي ذهبوا إليه. والصحيح ما قال قتادة؛ قال: إنهم يدخلون النار بغير\n_________\n= الكيمياء من أربعين وجهًا. وذكر هذا الكتاب الشيخ بكر أبو زيد في كتابه: \"ابن قيم الجوزية حياته وآثاره\" ١٣٦، وأفاد أنه لم يقف على نسخة خطية لهذا الكتاب.\n(١) \"تفسير مقاتل\" ٦٩ أ.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ٦٩ أ.\n(٣) من هنا بدأت النسخة: (ج)، بعد السقط الذي كان فيها.\n(٤) أخرجه ابن جرير في \"تفسيره\" ٢٠/ ١١٤، وابن أبي حاتم ٩/ ٢٠١٣. وذكره عنه الثعلبي ٨/ ١٥٢ ب.\n(٥) \"تنوير المقباس\" ٣٣٠.\n(٦) القول، من نسخة (ج).\n(٧) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٣١١. وذكره ابن قتيبة، في \"معاني القرآن\" ٣٣٥، ولم ينتقده.","vol":"17","page":461},{"text":"حساب (١). فأما قوله: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢)﴾ [الحجر: ٩٢] فإنهم يُسألون سؤال تقريع وتوبيخ؛ كما قال الحسن في هذه الآية: لا يُسألون ليُعلم ذلك مِنْ قِبَلِهم، وإن سئلوا فسؤال تقريع وتوبيخ (٢).\nوقال أهل المعاني: ﴿يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ سؤال من لعل له عذرًا يسقط لائمته (٣).\nوقال مقاتل: يقول لا يُسأل مجرمو هذه الأمة عن ذنوب الأمم الخالية الذين عذبوا في الدنيا، فإن الله قد أحصى أعمالهم الخبيثة وعلمها (٤). وعلى هذا القول الكناية في: ﴿ذُنُوبِهِمُ﴾ لا تعود [إلى المجرمين] (٥)، إنما تعود إلى مَنْ أهلك الله من القرون؛ وهو أيضًا ليس بالقوي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3311>٧٩ </span>- قوله تعالى: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ﴾ يعني بني إسرائيل ﴿فِي زِينَتِهِ﴾ قال مقاتل: يعني بالزينة: الشارة (٦).\nقال عطاء عن ابن عباس: قالوا: البغال الشُّهْب (٧) حَمَل عليها\n_________\n(١) أخرجه عبد الرزاق ٢/ ٩٤، وابن جرير ٢٠/ ١١٤، وابن أبي حاتم ٩/ ٣٠١٣.\n(٢) ذكره عنه الثعلبي ٨/ ١٥٢ ب.\n(٣) في نسخة: (أ)، (ب): عذرًا سقط عنه.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ٦٩ أ.\n(٥) ما بين المعقوفين ساقط من نسخة (ج).\n(٦) \"تفسير مقاتل\" ٦٩ أ. وأخرجه ابن أبي حاتم ٩/ ٣٠١٤، عن الضحاك. يقال: ما أحسن شَوَار الرجل، وشارَته، يعني: لباسه وهيئته. \"تهذيب اللغة\" ١١/ ٤٠٤ (شار).\n(٧) الشهب في ألوان الخيل: أن تشق معظم لونه شعرة، أو شعرات بيض. \"تهذيب اللغة\" ٦/ ٨٨ (شهب).","vol":"17","page":462},{"text":"الكواعب من الجواري (١)، وألبسهن ثياب الحمرة (٢).\nوقال مجاهد: خرج بجوارٍ عليهن ثياب حمر، على بَراذينَ بيضٍ، عليها سرج حمر من أُرجوان (٣).\nوقال قتادة: خرج على أربعة آلاف دابة، عليهم ثياب حمر، منها ألف بغلة بيضاء عليها قطائف الأُرجوان (٤).\nوقال مقاتل: خرج على بغلة شهباء عليها سَرج من ذهب، عليه الأُرجوان، ومعه أربعة آلاف فارس على الخيل، عليهم وعلى دوابهم الأُرجوان، ومعهم ثلاثمائة جارية بيض، عليهن الحلي، والثياب الحمر، على البغال الشُّهب (٥).\nقال أبو إسحاق: والأرجوان في اللغة: صبغ أحمر، وهو: ما روي\n_________\n(١) الكواعب: هي التي نهد ثديها، إذا ارتفع عن الصدر، وصار له حجم. \"اللسان\" ١/ ٧١٩ (كعب) و(نهد) ٣/ ٤٢٩.\n(٢) أخرجه نحوه ابن جرير ٢٠/ ١١٧، عن ابن عباس، من طريق عبد الله بن الحارث.\n(٣) أخرجه نحوه ابن جرير ٢٠/ ١١٥، وابن أبي حاتم ٩/ ٣٠١٣، عن مجاهد. وذكره الثعلبي ٨/ ١٥٢ ب. والبراذين: جمع: بِرذُون، الدابة، والبراذين من الخيل: ما كان من غير نتاج العِراب. \"اللسان\" ١٣/ ٥١، وفي \"المعجم الوسيط\" ١/ ٤٨: البرذون يطلق على غير العربي من الخيل والبغال، من الفصيلة الخيلية، عظيم الخِلقة، غليظ الأعضاء، قوي الأرجل، عظيم الحوافر.\nوالسَّرج: رَحْل الدابة. \"تهذيب اللغة\" ١٠/ ٥٨٢ (سرج)، و\"اللسان\" ٢/ ٢٩٧. والأرجوان: شجر له زهر شديد العمرة، حسن المنظر، وليست له رائحة. \"المعجم الوسيط\" ١/ ٣١.\n(٤) أخرجه عبد الرزاق ٢/ ٩٤، وابن جرير ٢٠/ ١١٥، وابن أبي حاتم ٩/ ٣٠١٤.\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ٦٩ أ. وذكره عنه الثعلبي ٨/ ١٥٢ ب.","vol":"17","page":463},{"text":"أنه كان عليهم وعلى خيلهم الديباج الأحمر (١). ونحو هذا قال إبراهيم والكلبي (٢)؛ وزاد الكلبي: خرج بثوب أخضر، كان الله أنزله على موسى من الجنة، فسرقه منه قارون.\nوروى مبارك عن الحسن في قوله: ﴿فِي زِينَتِهِ﴾ قال ثياب صفر (٣). ونحو هذا روى عثمان بن الأسود عن مجاهد، قال: عليهم ثياب معصفرة (٤). وهو قول ابن زيد قال: خرج في سبعين ألفًا عليهم المعصفرات (٥).\nقال مقاتل: فلما نظر مؤمنو أهل (٦) ذلك الزمان في تلك الزينة والجمال، تمنوا مثل ذلك، وهو قوله: ﴿قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ لذو نصيب وافر من الدنيا (٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3312>٨٠ </span>- ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ قال ابن عباس: يريد الأحبار من بني إسرائيل (٨).\nوقال مقاتل: ﴿أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ بما وعد الله في الآخرة؛ قالوا للذين\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٥٦.\n(٢) أخرجه ابن جرير ٢٠/ ١١٥، عن إبراهيم النخعي. وذكره عنه الثعلبي ٨/ ١٥٢ ب.\n(٣) أخرجه ابن جرير ٢٠/ ١١٥، وابن أبي حاتم ٩/ ٣٠١٤.\n(٤) أخرجه ابن جرير ٢٠/ ١١٥، وابن أبي حاتم ٩/ ٣٠١٣.\n(٥) أخرجه ابن جرير ٢٠/ ١١٥، وابن أبي حاتم ٩/ ٣٠١٤. وهذا كله مما لا دليل عليه؛ والأولى الإعراض عنه؛ إذ المقصود في الآية: أنه خرج على قومه في زينة بهرتهم.\n(٦) أهل. ساقطة من نسخة: (ب).\n(٧) \"تفسير مقاتل\" ٦٩ أ.\n(٨) ذكره عنه ابن الجوزي، \"زاد المسير\" ٦/ ٢٤٣.","vol":"17","page":464},{"text":"تمنوا مثل ما أوتي قارون: ﴿وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ﴾ ما عند الله من الثواب والجزاء ﴿خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ﴾ صدَّق بتوحيد الله ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ وقام بالفرائض. أي: إن ذلك خير مما أعطي قارون في الدنيا (١).\n﴿وَلَا يُلَقَّاهَا﴾ [قال مقاتل: لا يؤتاها يعني: الأعمال الصالحة (٢). وعلى هذا الكناية تعود إلى ما دل عليه قوله: ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ وقال الكلبي:] (٣) ولا يعطاها في الآخرة ﴿إِلَّا الصَّابِرُونَ﴾ على أمر الله، يعني: الجنة (٤). ودل عليها قوله: ﴿ثَوَابُ اللَّهِ﴾ وقال الزجاج: ولا يُلقى هذه الكلمة، يعني قولهم: ﴿ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ﴾ (٥) ﴿إِلَّا الصَّابِرُونَ﴾ على طاعة الله، وعن زينة الدنيا (٦).\nوقال ابن قتيبة: ولا يوفق لها ولا يُرزقَها (٧). وهو قول الفراء؛ يقول: ولا يُلقَّى أن يقول: ﴿ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ﴾ ﴿إِلَّا الصَّابِرُونَ﴾ (٨).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3313>٨١ </span>- قوله تعالى: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ﴾ ذكرنا معنى الخسف في سورة: سبحان (٩).\nقال مقاتل وقتادة: فهو يتجلجل في الأرض كلَّ يوم قامةَ رجلٍ إلى يوم\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ٦٩ أ.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ٦٩ أ.\n(٣) ما بين المعقوفين ساقط من نسخة: (أ)، (ب).\n(٤) \"تنوير المقباس\" ٣٣١.\n(٥) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٥٦.\n(٦) ذكره بنصه الثعلبي ٨/ ١٥٣ أ.\n(٧) \"غريب القرآن\" لابن قتيبة ٣٣٦، وهو قول أبي عبيدة \"مجاز القرآن\" ٢/ ١١١.\n(٨) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٣١١.\n(٩) عند قوله تعالى: ﴿أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ﴾ [٦٨].","vol":"17","page":465},{"text":"القيامة (١).\nوقال ابن عباس: خُسف به إلى الأرض السفلى (٢).\nوقال مقاتل: لما خَسف الله بقارون، قالت بنو إسرائيل: إن موسى إنما أهلك قارون ليأخذ ماله وداره، فخسف الله بعد قارون بثلاثة أيام بدار قارون، وماله الصامت وانقطع الكلام (٣).\nقوله تعالى: ﴿فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ يقول: لم يكن له جند يمنعونه من الله ﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ﴾ من الممتنعين مما نزل به من الخسف (٤). والمنتصر: الذي قد بلغ حالة النُّصرَة (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3314>٨٢ </span>- وقوله: ﴿وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ﴾: صار أولئك الذين تمنوا ما رُزق من المال والزينة يتندمون على ذلك التمني؛ وهو قوله: ﴿يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ﴾ الآية (٦).\nقال سيبويه في هذه الكلمة: سألت عنها الخليل فزعم أنها: (وَيْ)، مفصولة من: (كأن)، وأن القوم تنبهوا، فقالوا: (وَيْ)، متندمين على ما\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ٦٩ ب. وأخرجه ابن جرير ٢٠/ ١١٩، وابن أبي حاتم ٩/ ٣٠٢٠ عن قتادة. ومعنى: يتجلجل في الأرض: أي: ساخ فيها ودخل. \"اللسان\" ١١/ ١٢١ (جلل).\n(٢) أخرجه ابن جرير ٢٠/ ١١٩، وابن أبي حاتم ٩/ ٣٠٢٠، بلفظ: الأرض السابعة.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ٦٩ ب. والصامت: الذهب والفضة. \"تهذيب اللغة\" ١٢/ ١٥٦، و\"اللسان\" ٢/ ٥٥ (صمت). وظاهر الآية أن الخسف به وبداره حصل في وقت واحد. والله أعلم.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ٦٩ ب. و\"تفسير ابن جرير\" ٢٠/ ١١٩. و\"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٤٥ أ\n(٥) النُّصرة: حسن المعونة. \"تهذيب اللغة\" ١٢/ ١٦٠ (نصر)، و\"اللسان\" ٥/ ٢١٠\n(٦) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٥٦، بنحوه.","vol":"17","page":466},{"text":"سلف منهم، وكل من يندم أو نُدِّم فإظهار ندامته أن يقول: (وَيْ) (١). وذكر الفراء في هذه الكلمة قولين؛ أحدهما قال: يذهب بعض النحويين إلى أنهما كلمتان؛ يريد: ويك أنه، أراد: ويلك، فحذف اللام وجعل أنَّ مفتوحة بفعل مضمر، كأنه قال: ويلك أعلم، فأضمر: أعلم.\nقال الفراء: ولم نجد العرب تُعمل الظن والعلم بالإضمار، ألا ترى أنه لا يجوز أن تقول: يا هذا أنك قائم، تريد: علمت أو أعلم (٢). وهو (٣) الذي ذكره قول قطرب (٤).\nقال الفراء: وأما حذف اللام من: ويلك، حتى تصير: ويك، فقد تقوله العرب لكثرتها في الكلام، قال عنترة:\nولقد شَفَى نفسي وأبرأَ سُقمها ... قولُ الفوارسِ وَيْكَ عنترَ أَقدِمِ (٥)\n_________\n(١) \"الكتاب\" ٢/ ١٥٤. بمعناه. وذكره بنصه الزجاج ٤/ ١٥٦، والأزهري، \"تهذيب اللغة\" ١٥/ ٦٥٣ (وي). والثعلبي ٨/ ١٥٤ ب. قال ابن قتيبة: وقال ابن عباس في رواية أبي صالح: هي كأن الله يبسط الرزق لمن يشاء، كأنه لا يفلح الكافرون، وقال: وي: صلة في الكلام. وهذا شاهد لقول الخليل. \"تأويل مشكل القرآن\" ص ٥٢٦.\n(٢) نقل كلام الفراء ابن جرير ٢٠/ ١٢١، بلفظ: ولم نجد العرب تُعمل الظن مضمرًا، ولا العلم وأشباهه في: أنَّ، وذلك أنه يبطل إذا كان بين الكلمتين، أو في آخر الكلمة، فلما أضمر جرى مجرى المتأخر؛ ألا ترى أنه لا يجوز في الابتداء أن تقول: يا هذا، أنك قائم، ويا هذا أن قمت، تريد: علمت، أو أعلم، أو ظننت، أو أظن.\n(٣) في النسخ كلها: وهو. ولعل المناسب: وهذا.\n(٤) ذكره عنه الثعلبي ٨/ ١٥٤ ب.\n(٥) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٣١٢، ونسبه لعنترة، وهو في \"ديوانه\" ٣٠. وأنشده أبو علي في المسائل الحلبيات ٤٤، ولم ينسبه. وأنشده ونسبه الثعلبي ٨/ ١٥٤ ب. =","vol":"17","page":467},{"text":"قال: وقد قال آخرون: إن معنى: ﴿وَيْكَأَنَّ﴾ وي، منفصلة من: (كأن)، تقول للرجل: (وي)، أما ترى ما بين يديك؟ فقال الله تعالى: وي، ثم استأنف: كأن الله يبسط الرزق، وهي تعجب، (وكأن)، في مذهب الظن والعلم؛ وهذا وجه مستقيم، غير أن العرب لم تكتبها منفصلة، ولو كان على هذا لكتبوها منفصلة، وقد يجوز أن يكون كَثُر بها الكلام فوُصِلت بما ليست منه؛ كما اجتمعت العرب على كتابة: ﴿يَبْنَؤُمَّ﴾ [طه: ٩٤] فوصلوها لكثرتها (١). فعلى هذا ﴿وَيْكَأَنَّ﴾: تقرير، كقول الرجل: أما ترى إلى صنع الله، وأنشد النحويون جميعًا:\nسَأَلَتاني الطلاقَ إذْ رَأتانِي ... قَلَّ مالي قد جِئتُماني بِنُكرِ\nويْكأنَّ مَنْ يكن له نَشَبٌ يُحـ ... ـبَبْ ومَنْ يفتقِرْ يعشْ عيشَ ضُرَّ (٢)\nقال الفراء: وأخبرني شيخ من أهل البصرة قال: سمعت أعرابية تقول\n_________\n= وأنشده ولم ينسبه، ابن جني، \"الخصائص\" ٣/ ٤٠. والشاهد فيه: حذف اللام من: ويلك، حتى تصير: ويك.\n(١) حكى الداني كتابة ﴿وَيْكَأَنَّ﴾ في الموضعين من سورة القصص، بوصل الياء بالكاف. \"المقنع\" ٧٦. وأما (ابنَ أم) فكتبت في كل المصاحف في الأعراف [١٥٠] ﴿قَالَ ابْنَ أُمَّ﴾ بالقطع، وفي طه [٩٤] كتبت متصلة ﴿يَبْنَؤُمَّ﴾. المقنع ٧٦.\n(٢) أنشده سيبويه، ونسبه لزيد بن عمرو بن نفيل. \"الكتاب\" ٢/ ١٥٥، وفي الحاشية: سألتاني، يعني: زوجتيه اللتين ذكرهما في بيت قبله. وأنشده الأخفش ٢/ ٦٥٥، ولم ينسبه. والنَّشَب: المال والعقار. وأنشد البيت الثاني: أبو عبيدة في \"مجاز القرآن\" ٢/ ١١٢، وابن قتيبة \"تأويل مشكل القرآن\" ٥٢٧، وابن جني، \"الخصائص\" ٣/ ٤١، ولم ينسبوه. وأنشد البيتين، ولم ينسبهما، الزجاج ٤/ ٥٧. والشاهد فيه: ويكأن، فهي عند سيبويه والخليل مركبة من: (وي): للتنبيه، و: كأن، للتشبيه، ومعناها: ألم تر.","vol":"17","page":468},{"text":"لزوجها: أين ابنكَ ويلكَ؟ فقال. ويكأنه وراء البيت، معناه: أما ترينه وراء البيت (١)، وقال الكسائي: ﴿وَيْكَأَنَّ﴾ في التأويل: ذلك أن الله (٢). وهو مأخوذ من قول ابن عباس؛ فإنه قال في هذه الآية: قالوا: ذلك أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر. وعلى هذا هي كلمة تحقيق وابتداء. وهو قول الحسن.\nوقال أبو عبيدة: سبيلها سبيل: ألم تر (٣).\nوقال مجاهد وقتادة: معناها: ألم تعلم (٤).\nوقوله تعالى: ﴿لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾ قال ابن عباس: بالعافية والرحمة (٥).\nوقال مقاتل: بالإيمان (٦) ﴿لَخَسَفَ بِنَا﴾ أي: الله تعالى (٧). ومن قرأ (لَخُسِفَ بِنَا) (٨) فإنه يؤول إلى الخسف في المعنى، غير أنه بني الفعل\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٣١٢. وهذا النقل الطويل من أول قوله: وذكر الفراء في هذه الكلمة قولين إلى هنا، كله عن الفراء.\n(٢) ذكر ابن قتيبة، أن الكسائي قال في معنى هذه الكلمة: ألم تر. \"تأويل مشكل القرآن\" ٥٢٦.\n(٣) \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ٢/ ١١٢. بلفظ: مجازه: ألم تر.\n(٤) أخرجه عبد الرزاق ٢/ ٩٤، وابن جرير ٢٠/ ١٢٠، وابن أبي حاتم ٩/ ٢٠٢١، عن قتادة. وذكره الثعلبي ٨/ ١٥٤ ب، عن مجاهد، بلفظ: ألم تعلم. واختاره ابن جرير. قال ابن قتيبة: وهذا شاهد لقول الكسائي، يعني به: ألم تر. تأويل مشكل القرآن ٥٢٧. وأما مقاتل فقال: يعني: لكن الله. \"تفسير مقاتل\" ٦٩ ب.\n(٥) ذكره ابن الجوزي، \"زاد المسير\" ٦/ ٢٤٧، ولم ينسبه.\n(٦) \"تفسير مقاتل\" ٦٩ ب.\n(٧) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٤٢٤.\n(٨) قرأ عاصم في رواية حفص: ﴿لَخَسَفَ﴾ بالفتح، وقرأ الباقون: ﴿لخُسِفَ﴾ بضم =","vol":"17","page":469},{"text":"للمفعول (١) ﴿وَيْكَأَنَّهُ﴾ أكثر المفسرين يقولون معناه: ألم تر أنه، و: أما ترى أنه (٢). قال الزجاج: وهذا مشاكل لتفسير الخليل؛ لأن قول المفسرين: أما ترى، تنبيه (٣).\n﴿لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ قال ابن عباس: لا يسعد من كفر بالله (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3315>٨٣ </span>- وقوله تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ﴾ قال ابن عباس ومقاتل: يريد الجنة (٥).\n﴿نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ﴾ قال مقاتل: تعظمًا في الأرض عن الإيمان (٦). ونحوه قال الكلبي: هو الاستكبار عن الإيمان بالله (٧). وقال ابن عباس: علوًا على خلقي في الأرض (٨). وهو: معنى قول سعيد ابن جبير: ﴿عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ﴾ بغيًا (٩).\n_________\n= الخاء. \"السبعة في القراءات\" ٤٩٥، و\"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٤٢٤، و\"إعراب القراءات السبع وعللها\" ٢/ ١٧٩، و\"النشر في القراءات العشر\" ٢/ ٣٤٢.\n(١) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٤٢٥.\n(٢) \"تفسير ابن جرير\" ٢٠/ ١٢٠.\n(٣) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٥٧، بلفظ: فهذا تفسير الخليل، وهو مشاكل لما جاء في التفسير، لأن قول المفسرين هو تنبيه.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ٦٩ ب.\n(٥) أخرج ابن أبي حاتم ٩/ ٣٠٢٢، عن عكرمة، و\"تفسير ابن جرير\" ٢٠/ ١٢٢، ولم ينسبه. و\"تفسير مقاتل\" ٦٩ ب.\n(٦) \"تفسير مقاتل\" ٦٩ ب.\n(٧) \"تنوير المقباس\" ٣٣١.\n(٨) أخرج ابن جرير ٢٠/ ١٢٢، عن عكرمة: العلو: التجبر.\n(٩) أخرجه ابن جرير ٢٠/ ١٢٢.","vol":"17","page":470},{"text":"قال علي ﵁: إن الرجل ليعجبه شرَاك نعله فيدخل في هذه الآية: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ﴾ (١). يعني أن من تكبر على غيره بلباس يعجبه، فهو ممن يريد علوًا في الأرض. وهو قول مسلم البَطِينِ: التكبر في الأرض بغير الحق (٢).\nوقال الحسن: لم يطلبوا الشرف والعز عند ذي سلطانهم (٣).\nقوله: ﴿وَلَا فَسَادًا﴾ قال الكلبي: هو الدعاء إلى عبادة غير الله (٤). وقال مقاتل: عملًا بالمعاصي (٥). وهو قول ابن جريح (٦).\nوقال عكرمة والبطين: هو أخذ المال بغير الحق (٧).\nقوله: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ قال ابن عباس: يريد عاقبة المتقين الجنة (٨). وقال الكلبي: وهم الذين اتقوا الكبائر والفواحش (٩).\n_________\n(١) أخرجه ابن جرير ٢٠/ ١٢٢، وابن أبي حاتم ٩/ ٣٠٢٣، قال ابن حجر: إسناده ضعيف. \"الكافي الشاف\" بحاشية الكشاف ٣/ ٤٢١. والشَّرَاك: سير النعل. \"تهذيب اللغة\" ١٠/ ١٧ (شرك).\n(٢) أخرجه ابن جرير ٢٠/ ١٢٢، وابن أبي حاتم ٩/ ٣٠٢٢. وذكره الثعلبي ٨/ ١٥٤ ب، عنه، وعن ابن جريج ومقاتل وعكرمة.\n(٣) هكذا في النسخ الثلاث: عند ذي سلطانهم. ورواية ابن أبي حاتم ٩/ ٣٠٢٣: عند ذوي سلطانهم.\n(٤) ذكره عنه الثعلبي ٨/ ١٥٤ ب، وفي \"تنوير المقباس\" ٣٣١: بالنقش والتصاوير والمعاصي.\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ٦٩ ب. و\"تأويل مشكل القرآن\" ٤٧٦.\n(٦) ذكره عنه الثعلبي ٨/ ١٥٤ ب.\n(٧) أخرجه ابن جرير ٢٠/ ١٢٢، عن ابن جريج، وعكرمة، ومسلم البطين.\n(٨) \"تنوير المقباس\" ٣٣١.\n(٩) \"تنوير المقباس\" ٣٣١.","vol":"17","page":471},{"text":"وقال قتادة: أي الجنة للمتقين (١). وهم الذين اتقوا عقاب الله بأداء فرائضه، واجتناب معاصيه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3316>٨٤ </span>- قوله: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ﴾ مفسر في سورة: النمل (٢)، إلى قوله: ﴿فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ﴾ والمفسرون كلهم على أن المراد بالحسنة: شهادة أن لا إله إلا الله. وأن السيئة: الشرك.\nوهو قول ابن عباس وعبد الله وسعيد بن جبير وإبراهيم وأبي صالح وعطاء ومقاتل والجميع (٣).\nقال أبو ذر: قلت يا رسول الله: لا إله إلا الله، من الحسنات؟ قال: \"هي أحسن الحسنات\" (٤).\nوقوله تعالى: ﴿فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ﴾ قال ابن عباس: يريد الذين أشركوا (٥).\nوقال مقاتل: يعني الذين عملوا الشرك ﴿إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ من\n_________\n(١) أخرجه ابن جرير ٢٠/ ١٢٣، وابن أبي حاتم ٩/ ٣٠٢٣. وذكره الثعلبي ٨/ ١٥٤ ب.\n(٢) سورة النمل [٨٩، ٩٠].\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ٦٩ ب. وانظر أقوالهم في تفسير ابن أبي حاتم ٩/ ٣٠٢٤.\n(٤) أخرجه ابن أبي حاتم ٩/ ٣٠٢٤، من طريق الأعمش، عن شِمْر بن عطية، عن رجل من التيم، عن أبي ذر. وأخرجه الإمام أحمد من طريق الأعمش عن شِمْر بن عطية عن أشياخه عن أبي ذر، قال قلت: يا رسول الله أوصني قال: \"إذا عملت سيئة فاتبعها حسنة تمسحها قال: قلت يا رسول الله: أمن الحسنات لا إله إلا الله قال: هي أفضل الحسنات\". \"المسند\" ٨/ ١١٣، رقم: ٢١٥٤٣. وهذا إسناد لا يصح؛ لأن الأعمش، وهو سليمان بن مهران، مع كونه ثقة فإنه يدلس، \"تقريب التهذيب\" ٤١٤، رقم: ٢٦٣٠، ولم يصرح هنا بالسماع، وأما شِمْر بن عطية فهو صدوق، والواسطة بينه وبين أبي ذر -﵁-، مجهول. والله أعلم.\n(٥) تفسير ابن الجوزي ٦/ ٢٤٩، ولم ينسبه.","vol":"17","page":472},{"text":"الشرك، فإن جزاء الشرك النار (١).\nوقال ابن عباس: يريد ليس لعقابهم صفة ينتهي إليها عذابهم أعظم مما يوصف. والتقدير: إلا جزاء ما كانوا يعملون، وجزاء ما عملوا النار، على ما ذكره المفسرون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3317>٨٥ </span>- قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ﴾ قال ابن عباس: أنزل عليك القرآن (٢). ونحو ذلك قال مقاتل والمفسرون (٣).\nقال أبو إسحاق: معنى ﴿فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ﴾: أنزله عليك، وألزمك، وفرض عليك العمل بما يوجبه القرآن (٤). وتقدير الآية ما ذكره أبو علي؛ فقال: المعنى: فرض عليك أحكام القرآن، وفرائض القرآن. وعلى هذا: الآية من باب حذف المضاف، وقول المفسرين معنى وليس بتفسير؛ وذلك أن الذي فَرض عليه فرائض القرآن هو الذي أنزله، وفرض فرائضه بإنزاله، فقيل فيه: أنزل القرآن.\n﴿لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء: مكة (٥). ونحو ذلك روى العوفي عنه (٦).\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ٦٩ ب.\n(٢) بنصه عند الفراء، وأبي عبيدة، ولم ينسباه. \"معاني القرآن\" ٢/ ٣١٣. و\"مجاز القرآن\" ٢/ ١١٢\n(٣) لم أجده عند مقاتل، وأخرجه ابن جرير ٢٠/ ١٣٢، وابن أبي حاتم ٩/ ٣٠٢٥، عن مجاهد. وذكره الثعلبي ٨/ ١٥٤ ب، عن أكثر المفسرين، ولم يسمهم.\n(٤) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٥٧، قال ابن قتيبة: أي: أوجب عليك العمل به. \"غريب القرآن\" ٣٣٦.\n(٥) \"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٥٤ ب، من قول عطاء بن أبي رباح.\n(٦) أخرجه البخاري، من طريق عكرمة، في التفسير، رقم ٤٧٧٣، \"فتح الباري\" =","vol":"17","page":473},{"text":"وهو قول الكلبىِ ومقاتل؛ قالا: لما نزل النبي -ﷺ- الجُحفة (١) في مسيره إلى المدينة من مكة لما هاجر اشتاق إليها، وذكر مولده ومولد آبائه، فأتاه جبريل فقال: أتشتاق إلى بلدك ومولدك، فقال النبي -ﷺ-: \"نعم\"، فقال جبريل: فإن الله يقول: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ يعني إلى مكة ظاهرًا عليهم، فنزلت هذه الآية بالجُحفة، وليست مكية ولا مدنية (٢).\nونحو هذا روى الضحاك عن (٣) ابن عباس في نزول الآية بالجحفة (٤).\nوروى عكرمة عن ابن عباس، ويونس عن مجاهد: ﴿لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾\n_________\n= ٨/ ٥٠٩، وأخرجه النسائي، في كتاب التفسير ٢/ ١٤٧، رقم: ٤٠٦، عن عكرمة عن ابن عباس، وابن جرير ٢٠/ ١٢٥، من طريق عكرمة، وسعيد بن جبير. وذكره الثعلبي ٨/ ١٥٤ ب، عن العوفي عن ابن عباس.\n(١) الجُحفة: قرية كبيرة على طريق المدينة من مكة على أربع مراحل، وهي ميقات أهل مصر والشام إن لم يمروا على المدينة، فإن مروا على المدينة فميقاتهم ذو الحليفة. \"معجم البلدان\" ٢/ ١٢٩. وتوجد اليوم آثارها شرق مدينة رابغ بحوالي ٢٢ كم. \"معجم المعالم الجغرافية\" ٨٠.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ٦٩ ب. و\"تأويل مشكل القرآن\" ٤٢٥، ونسبه لأبي صالح، و\"غريب القرآن\" لابن قتيبة ٣٣٦. وذكره الثعلبي ٨/ ١٥٤ ب، عن مقاتل. ويعني بقوله: ليست مكية ولا مدنية: المكان، أما من ناحية التعريف الاصطلاحي فالراجح أن ما كان قبل الهجرة فهو مكي، وإن نزل خارج مكة، وما كان بعد الهجرة فهو مدني، وإن نزل خارج المدينة، والله أعلم. \"البرهان في علوم القرآن\" ١/ ٢٣٩، و\"الإتقان في علوم القرآن\" ١/ ١١.\n(٣) في نسخة: (ب): عن مجاهد وابن عباس.\n(٤) أخرجه ابن أبي حاتم ٩/ ٣٠٢٦، من قول الضحاك. وذكره الثعلبي ٨/ ١٥٤ ب، عن الضحاك عن ابن عباس.","vol":"17","page":474},{"text":"إلى مولدك: مكة (١). وهو قول الضحاك، واختيار الفراء (٢). وعلى هذا قيل لمكة: معاد؛ لأن معاد الرجل: بلده، وذلك أنه يتصرف في أسفاره، ثم يعود إلى بلده (٣).\nوذكر الفراء وجهين آخرين؛ فقال: المعاد هاهنا، إنما أراد به حيثُ وُلدتَ، وليس من: العَود. قال: وقد يكون أن يجعل قوله ﴿لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ لَمصيرك إلى أن تعود إلى مكة مفتوحة لك (٤). فالوجه الأول: معنى المعاد: المولد. وهو قول أحمد بن يحيى. والوجه الثاني: المعاد: مصدر بمعنى: العود.\nالقول الثاني في المعاد، أنه: الجنة. وهو قول [أبي سعيد الخدري؛ قال: معاده: آخرته الجنة. ورواية السدي عن أبي صالح، و] (٥) سعيد بن جبير عن ابن عباس، ورواية ليث عن مجاهد (٦). وعلى هذا معنى المعاد: الموضع الذي يصير إليه. [فكل شيء إليه] (٧) المصير فهو: المعاد.\n_________\n(١) أخرجه ابن جرير ٢٠/ ١٢٥، عن ابن عباس من طريق عكرمة وسعيد بن جبير، ومجاهد من طريق يونس بن عمر، وهو ابن أبي إسحاق. و\"غريب القرآن\" لابن قتيبة ٣٣٦، ونسبه لمجاهد.\n(٢) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٣١٣. واقتصر عليه أبو القاسم الزجاجي، في كتابه: \"اشتقاف أسماء الله تعالى\" ٤٣٨.\n(٣) \"تأويل مشكل القرآن\" ٤٢٥.\n(٤) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٣١٣.\n(٥) ما بين المعقوفين ساقط من نسخة (ج).\n(٦) أخرجه ابن جرير ٢٠/ ١٢٤، وابن أبي حاتم ٩/ ٣٠٢٦، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، وأخرجه عن السدي من طريق أبي صالح، وأخرجه عن مجاهد أيضًا. وأخرجه عن ابن عباس، أبو يعلى الموصلي ٢/ ٣٧٠، وقال الهيثمي: رجاله ثقات. \"مجمع الزوائد\" ٧/ ٨٨\n(٧) ما بين المعقوفين ساقط من نسخة (ج).","vol":"17","page":475},{"text":"ومصيره -ﷺ- في الآخرة إلى الجنة، فهي معاده.\nالقول الثالث في المعاد: أنه القيامة. وهو رواية ابن أبي نجيح عن مجاهد، قال: يحييك يوم القيامة. وهو قول الحسن والزهري؛ قالا: معاده: الآخرة (١). واختاره الزجاج؛ فقال: أكثر التفسير: لباعثك، وعلى هذا كلام الناس: اذكر المَعَاد، أي: اذكر مبعثك في الآخرة (٢). وذُكر فيه قولٌ رابع: ﴿إِلَى مَعَادٍ﴾ إلى الموت؛ رواه الأعمش عن بعض أصحابه، عن سعيد بن جبير [عن ابن عباس، وروي ذلك أيضًا عن أبي سعيد الخدري] (٣).\nوأهل المعاني اختاروا القول الثاني؛ وقالوا: المعنى: إنه يعود في النشأة الثانية إلى الجنة.\nوتم الكلام عند قوله: ﴿إِلَى مَعَادٍ﴾ ثم ابتدأ كلامًا آخر فقال: ﴿قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى﴾ قال مقاتل: هذا جواب لكفار مكة لما كذبوا محمدًا، وقالوا له: إنك في ضلال، فأنزل الله: ﴿قُلْ﴾ لهم ﴿رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى﴾ [وأنا الذي جئت بالهدى، وهو أعلم بـ ﴿مَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ نحن\n_________\n(١) أخرجه عنهما عبد الرزاق ٢/ ٩٤، وأخرجه ابن جرير ٢٠/ ١٢٤، عن عكرمة وعطاء ومجاهد والحسن والزهري، وأخرجه ابن أبي حاتم ٩/ ٣٠٢٦، عن ابن عباس، من طريق عكرمة، وعن مجاهد، وقتادة.\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٥٨.\n(٣) ما ببن المعقوفين ساقط من نسخة: (أ)، (ب). وأخرج هذا القول ابن جرير ٢٠/ ١٢٥، عن ابن عباس، وسعيد ابن جبير، وأخرجه أيضًا عن ابن عباس، من طريق الأعمش عن سعيد بن جبير، وكذا ابن أبي حاتم ٩/ ٣٠٢٥، عن ابن عباس، من طريق الأعمش عن سعيد بن جبير، وعن عكرمة ومجاهد مثله. وذكره الثعلبي ٨/ ١٥٥ أ، عن سعيد بن جبير، وابن عباس.","vol":"17","page":476},{"text":"أم أنتم (١)، وهذا كقوله: ﴿رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى﴾] (٢) [﴿مِنْ عِندِهِ﴾] (٣) وقد تقدم في هذه السورة (٤). و(مَنْ) هاهنا في موضع نصب، بإسقاط الخافض منه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3318>٨٦ </span>- وقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ قال ابن عباس: أن يوحى إليك القرآن (٥).\nوقال الكلبي: ما كنت ترجو أن تكون نبيًا (٦).\nوقال مقاتل: أن ينزل عليك القرآن، يذكره النعم (٧).\nوقوله: ﴿إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ قال ابن عباس: يريد: رحمةً مني سبقت لك، وأنت في صلب آدم.\nوقال مقاتل: يقول: كان الكتاب رحمة، يعني: نعمة من ربك، حين اختُصِصت بها يا محمد (٨).\nقال الفراء: هذا من الاستثناء المنقطع؛ ومعناه: وما كنت ترجو أن تعلم كتب الأولين وقصصهم، تتلوها على أهل مكة، ولم تحضرها ولم تشهدها إلا أن ربك رحمك (٩).\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ٧٠ أ.\n(٢) ما بين المعقوفين ساقط من نسخة: (أ)، (ب).\n(٣) ما بين المعقوفين ساقط من نسخة: (ب).\n(٤) عند الآية: ﴿وَقَالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ﴾ [٣٧].\n(٥) أخرجه ابن أبي حاتم ٩/ ٣٠٢٧، عن ابن عباس، والحسن.\n(٦) \"تنوير المقباس\" ٣٣١.\n(٧) \"تفسير مقاتل\" ٧٠ أ.\n(٨) \"تفسير مقاتل\" ٧٠ أ.\n(٩) \"معانى القرآن\" للفراء ٢/ ٣١٣.","vol":"17","page":477},{"text":"﴿فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ﴾ معينًا للكافرين على دينهم (١). قال مقاتل: وذلك حين دُعي أن يرجع إلى دين آبائه، فذكَّره الله النعمة، ونهاه عن مظاهرتهم على ما كانوا عليه، وأمره بالتحذر منهم بقوله:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3319>٨٧ </span>- ﴿وَلَا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ﴾ يعني: القرآن ﴿بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ﴾ إلى معرفته وتوحيده (٢). ﴿وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ قال ابن عباس: هو مخاطبة لأهل دينه (٣). يعني أن هذا الخطاب وإن كان ظاهره له فالمراد به أهل دينه، أي: لا تظاهروا الكفار ولا توافقوهم (٤)، وكذلك قوله:\n<span data-type=\"title\" id=toc-3320>٨٨ </span>- ﴿وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ أي: لا تعبد معه غيره (٥). قال ابن عباس: هذا تخويف للمشركين، وأما النبي -ﷺ- فقد عصمه الله من أن يتخذ معه إلهًا [آخر. أي: لا تعبد معه غيره. قال ابن عباس:] (٦) يريد: أنه إذا نُهي عن عبادة غير الله، كان ذلك تخويفًا لمن عبد معه غيره. وهذا فائدة النهي عن عبادة غيره بعد أن عُصم عن ذاك، وحكم له بالنبوة في سابق الحكم.\nثم وحَّد نفسه فقال: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ (٧) قال\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٥٨.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ٧٠ أ.\n(٣) ذكره ابن الجوزي، \"زاد المسير\" ٦/ ٢٥١، ولم ينسبه.\n(٤) وليس في توجيه الخطاب للنبي -ﷺ- طعن فيه، بل في ذلك غاية التحذير من الوقوع فيما نُهي عنه، لأنه إذا وجه الخطاب للنبي -ﷺ- بالنهي عن الشرك، وعبادة غير الله تعالى، فغيره من باب أولى، وأنه لا عذر لأحد في ذلك. والله أعلم.\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ٧٠ أ.\n(٦) ما بين المعقوفين ساقط من نسخة (ج).\n(٧) \"تفسير مقاتل\" ٧٠ أ.","vol":"17","page":478},{"text":"ابن عباس: يريد: إلا ما أريد به وجهه (١). وهو قول الكلبي؛ قال: كل عمل لغيره فهو هالك، إلا ما كان له (٢).\nوقال سفيان: إلا ما أريد به وجه الله من الأعمال (٣). وهو اختيار الفراء، وأنشد قول الشاعر:\nاستغفر الله ذنبًا لستُ مُحصِيه ... ربَّ العباد إليه الوجهُ والعملُ\nأي: إليه أوجه العمل (٤).\nفعلى هذا وجهُ الله ما وُجِّه إليه من الأعمال. والمعنى ما ذكره الكلبي.\nوقال مقاتل: يقول كل شيء من الحيوان ميت، ثم استثنى نفسه بأنه حي لا يموت؛ فقال: ﴿إِلَّا وَجْهَهُ﴾ يعني: إلا هو (٥).\nونحو هذا روي عن مجاهد (٦)، واختاره الزجاج؛ فقال: ومعنى:\n_________\n(١) ذكره البخاري، ولم ينسبه، وصدره بقوله: ويقال. \"فتح الباري\" ٨/ ٥٠٥. وأخرجه ابن أبي حاتم ٩/ ٣٠٢٨، عن مجاهد. واقتصر على هذا القول النيسابوري، في \"وضح البرهان\" ٢/ ١٥٨، ولم ينسبه.\n(٢) \"تنوير المقباس\" ٣٣١.\n(٣) أخرجه ابن أبي حاتم ٩/ ٣٠٢٨.\n(٤) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٣١٤. ولم ينسب البيت. وأنشده سيبويه ١/ ٣٧، ولم ينسبه، وفي الحاشية: البيت من الأبيات الخمسين التي استشهد بها سيبويه، ولا يعرف قائلها. وذكره ابن جرير ٩/ ١٢٧، بعد أن قال: وقال آخرون: معنى ذلك: إلا ما أريد به وجهه، واستشهدوا لتأويلهم ذلك بقول الشاعر، فذكر البيت، ولم ينسبه. وفي الحاشية: وهو شاهد عند النحاة على أن أصله: أستغفر الله من ذنب، ثم أسقط الجار فاتصل المجرور بالفعل فنصب مفعولًا به. وأنشده ابن جني، \"الخصائص\" ٣/ ٢٤٧، ولم ينسبه.\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ٧٠ أ. وهو قول أبي عبيدة \"مجاز القرآن\" ٢/ ١١٢. وهذا أقرب إلى ظاهر الآية، والله أعلم.\n(٦) الذي روي عن مجاهد كما سبق: إلا ما أريد به وجهه.","vol":"17","page":479},{"text":"﴿إِلَّا وَجْهَهُ﴾ إلا إياه (١). وعلى هذا: الوجه، صلةٌ في الكلام. وقال ابن كيسان: إلا ملكه (٢).\nوالوجه يجوز أن يكون عبارة عن: المُلك؛ لأن الوجه من الوجاهة، والمَلِك مِنْ أوجه الناس، فسمي المَلِك وجهًا. وهذا معنى قول الضحاك في هذه الآية: كل شيء هالك إلا الله، والجنة، والنار، والعرش. والاختيار: القول الأول، وهو الذي يليق بمعنى الآية (٣).\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٥٨، واقتصر عليه ابن قتيبة، في \"تأويل مشكل القرآن\" ٢٥٤، ٤٨٠.\n(٢) ذكره البخاري، ولم ينسبه. \"الفتح\" ٨/ ٥٠٥.\n(٣) إن كان المقصود من هذا إنكار صفة الوجه لله -﷿- فهذا قول باطل؛ فالوجه من الصفات التي يجب الإيمان بها مع التنزيه التام عن مشابهة صفات الخلق. \"أضواء البيان\" للشنقيطي ٦/ ٤٥٧. والقول بأن المراد بالوجه في الآية ما أريد به وجه الله من الأعمال قول صحيح، لا ينافي القول الأول فإن هذا إخبار عن كل الأعمال بأنها باطلة إلا ما أريد بها وجه الله -﷿- من الأعمال الصالحة المطابقة للشريعة، والقول الأول مقتضاه أن كل الذوات فانية، وهالكة وزائلة إلا ذاته تعالى، فإنه الأول والآخر الذي هو قبل كل شيء وبعد كل شيء. \"تفسير ابن كثير\" ٦/ ٢٦٢. لكن لا يجوز أن يُفهم من القول الثاني إنكار صفة الوجه؛ وكلام الواحدي يُشعر بذلك، حيث قال الواحدي بعد ذكره مؤيدًا له: وهو الذي يليق بمعنى الآية. وصرح الواحدي بنفي صفة الوجه في تفسير: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٦، ٢٧] قال: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ أي: ربك الظاهر بأدلته ظهور الإنسان بوجهه. \"الوسيط\" ٤/ ٢٢١. وفي \"البسيط\" ذكر القول الذي اقتصر عليه في \"الوسيط\"، وزاد قولًا آخر؛ وهو: ويبقى ربك، وهو السيد المعظم، والوجه يذكر بمعنى الشيء المعظم، كقولهم: هذا وجه القوم، ووجه التدبير، أي: التدبير المعظم. ولا يجوز أن يكون الوجه هاهنا صلة لقوله: ﴿ذُو﴾ بالرفع وهو من صفة الوجه، ولو كان الوجه صلة لقيل: ذيَ، ليكون صفة لقوله ربك. أهـ\nوهذا التعليل الذي ذكره الواحدي وصرف به الآية عن ظاهرها ليس بوجيه فإن =","vol":"17","page":480},{"text":"وقوله: ﴿لَهُ الْحُكْمُ﴾ قال الكلبي: له الحكم في الآخرة (١)، يعني: له الفصل بين الخلائق دون غيره ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾: تردون في الآخرة فيجزيكم بأعمالكم (٢)، ويقضي بينكم (٣).\n_________\n= ﴿ذُو﴾ صفة للوجه الذي أضيف إلى الله -﷿-، فعبر بالوجه عن الذات. قال ابن كثير ٦/ ٢٦١، في تفسير آية القصص: إخبار بأنه الدائم الباقي الحي القيوم، الذي تموت الخلائق ولا يموت، قال تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ فعبر بالوجه عن الذات، وهكذا قوله هاهنا: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ أي: إلا إياه.\n(١) \"تنوير المقباس\" ٣٣١.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ٧٠ أ.\n(٣) في نهاية النسخة: (ج)، كتب: تم الجزء السابع من كتاب \"البسيط\" في التفسير، تصنيف: الإمام: الواحدي، ويتلوه الجزء الثامن، سورة العنكبوت، على يد الفقير إلى رحمة ربه: محمد علي محمد الأنصاري، في رابع ربيع الآخر، سنة سبع وستمائة. الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد رسوله وصحبه وسلم تسليما. ا. هـ.","vol":"17","page":481},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3321>سورة العنكبوت</span>","vol":"17","page":483},{"text":"تفسير سورة العنكبوت (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3322>١، ٢ </span>- ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا﴾ قال الشعبي: لما نزلت آية الهجرة كتب بها المسلمون إلى إخوانهم بمكة، فخرجوا حتى إذا كانوا ببعض الطريق أدركهم المشركون، فردوهم، فأنزل الله: ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ﴾ عشر آيات من أول السورة (٢). وهذا معنى قول ابن عباس في رواية عطاء؛ وقال: يريد بالناس الذين آمنوا بمكة: سلمة بن هشام، وعياش بن أبي ربيعة، والوليد ابن الوليد، وعمار بن ياسر، وياسر بن عامر، وسمية أم عمار (٣)،\n_________\n(١) سورة العنكبوت مكية، يقال: نزلت بين مكة والمدينة في طريق النبي -ﷺ-، حين هاجر إلى المدينة، وهي تسع وستون آية. \"تفسير مقاتل\" ٧٠ أ. و\"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٥٥ أ. وقد ذكر الثعلبي في أولها بإسناده حديث أبي ابن كعب -﵁-، في فضل هذه السورة، وكذا فعل الواحدي في \"الوسيط\" ٣/ ٤١٢، وهو حديث موضوع سبق الحديث عنه في أول سورة الفرقان.\n(٢) أخرجه عبد الرزاق ٢/ ٩٥. وابن جرير ٢٠/ ١٢٩، وابن أبي حاتم ٩/ ٣٠٣١. وذكره الثعلبي ٨/ ١٥٥ ب، والواحدي \"أسباب النزول\" ٣٤٠.\n(٣) سلمة بن هشام، هو أخو أبي جهل، من السابقين إلى الإسلام، هاجر إلى الحبشة، ثم رجع إلى مكة، فحبسه أخوه وكان النبي -ﷺ- يدعو له ولعياش بن أبي ربيعة في القنوت، ثم هرب مهاجرًا بعد الخندق، -﵁-. \"سير أعلام النبلاء\" ١/ ٣١٦، \"الإصابة في معرفة الصحابة\" ٣/ ١٢٠. =","vol":"17","page":485},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= - عياش بن أبي ربيعة، اسم أبيه: عمرو بن المغيرة، وكان عياش من السابقين إلى الإسلام، وهاجر الهجرتين، ثم خدعه أبو جهل فرجع إلى مكه، ثم فرَّ مع رفيقيه، الوليد بن الوليد، وسلمة بن هشام، وعاش إلى خلافة عمر -﵁-، فمات سنة: خمس عشرة، وقيل: قبل ذلك. وقيل: استشهد في اليمامة، وقيل: اليرموك. \"فتح الباري\" ٨/ ٢٢٧، و\"الإصابة\" ٥/ ٤٧. و\"سير أعلام النبلاء\" ١/ ٣١٦.\n- الوليد بن الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشي المخزومي، أخو خالد بن الوليد، أُسر مع من أسر من المشركين في بدر، ثم أسلم بعد ذلك، فلما أسلم حبسه أخواله فكان النبي -ﷺ- يدعو له في القنوت مع غيره من المستضعفين، ثم أفلت من أسرهم ولحق بالنبي -ﷺ- في عمرة القضية. \"الاستيعاب في معرفة الأصحاب\" ١١/ ٣٤، و\"الإصابة في معرفة الصحابة\" ٦/ ٣٢٣.\n- ياسر بن عامر بن مالك بن كنانة بن قيس بن الحصين، حليف لبني مخزوم، يكنى: أبا عمار بابنه عمار بن ياسر، كان قد قدم من اليمن، وحالف أبا حذيفة بن المغيرة المخزومي، وزوجه أبو حذيفة أمة له يقال لها: سمية فولدت له عمارًا، فأعتقه أبو حذيفة، وجاء الله بالإِسلام فأسلم ياسر وابنه عمار وسمية، وعبد الله أخو عمار بن ياسر، وكان إسلامهم قديمًا في أول الإسلام، وكانوا ممن يعذب في الله، وقتل ياسر وسمية وعبد الله وهم يعذبون -﵁-. \"الاستيعاب في معرفة الأصحاب\" ١١/ ٩٩، و\"الإصابة في معرفة الصحابة\" ٦/ ٣٣٢.\nوقد ثبت في الصحيح دعاء النبي -ﷺ- لعياش بن أبي ربيعة، ومن كان معه من المستضعفين في مكة، في حديث أبي هريرة أن النبي -ﷺ- كان إذا رفع رأسه من الركعة الآخرة يقول: \"اللَّهم أنج عياش بن أبي ربيعة، اللَّهم أنج سلمة بن هشام، اللَّهم أنج الوليد بن الوليد، اللهم أنج المستضعفين من المؤمنين، اللَّهم اشدد وطأتك على مُضر، اللَّهم اجعلها سنين كسني يوسف\". قال ابن أبي الزناد عن أبيه: هذا كله في الصبح. أخرجه البخاري، كتاب الاستسقاء، رقم الحديث (١٠٠٦)، \"فتح الباري\" ٢/ ٤٩٢. وأخرجه مسلم ١/ ٤٦٧، في المساجد، رقم (٦٧٥)، وفي آخره قال أبو هريرة: ثم رأيت رسول الله -ﷺ- ترك الدعاء بعدُ فقلت: أرى رسول الله -ﷺ- قد ترك الدعاء لهم قال: فقيل: وما تراهم قد قدموا. وفي حاشية صحيح مسلم: وما تراهم قد قدموا، معناه: ماتوا!. ولم أجد هذا المعنى في =","vol":"17","page":486},{"text":"وعدة من بني مخزوم، وغيرهم من قريش (١).\nروى سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله: ﴿الم﴾ قال: أنَّ الله أعلم (٢). وقال عكرمة: ﴿الم﴾ أَن قسم (٣).\nواختار الزجاج قول ابن عباس (٤).\n_________\n= \"شرح النووي على صحيح مسلم\"؛ وهو تعليق غريب، لا يتضح به المعنى المراد، والمعنى الصحيح ما ذكره أبو حاتم؛ محمد بن حبان البستي: الصواب أن اللعن علي الكفار والمنافقين في الصلاة غير منسوخ، ولا الدعاء للمسلمين، والدليل على صحة هذا قوله -ﷺ- في خبر أبي هريرة: \"أما تراهم وقد قدموا\" تُبين لك هذه اللفظة أنهم لولا أنهم قدموا ونجاهم الله من أيدي الكفار لأثبت القنوت -ﷺ-، وداوم عليه .. \"ابن حبان - إحسان\" ٥/ ٣٢٧. رواية ابن حبان: أما تراهم وقد قدموا. ورواية مسلم: وما تراهم قد قدموا. فكأن المعلق فهم من هذه الرواية النفي. والله أعلم.\n(١) لم أجد هذا القول، وهناك قول آخر في سبب النزول؛ ذكره مقاتل ٧٠ ب؛ قال: نزلت في مِهْجَع بن عبد الله مولى عمر بن الخطاب -﵁-، كان أول قتيل من المسلمين يوم بدر، وهو أول من يدعى إلى الجنة من شهداء أمة محمد -ﷺ-، فجزع عليه أبواه. وذكره عنه الثعلبي ٨/ ١٥٥ ب. والواحدي في \"أسباب النزول\" ٣٤٠. وقال عنه الزيلعي: غريب. \"تخريج أحاديث الكشاف\" ٣/ ٣٩، وساق ما روي في شأن مهجع -﵁-. ولا تعارض بين هذه الأسباب فكلها أمثلة لمن حصل لهم البلاء بسبب إيمانهم. وحكمها باقٍ؛ قال ابن عطية: وهذه الآية وإن كانت نازلة بهذا السبب، وفي هذه الجماعة، فهي بمعناها باقية في أمة محمد -ﷺ-، موجود حكمها بقية الدهر، وذلك أن الفتنة من الله تعالى باقية في ثغور المسلمين بالأسر ونِكاية العدو، وغير ذلك.\n(٢) أخرجه ابن أبي حاتم ٩/ ٣٠٢٩، عن ابن عباس، من طريق سعيد بن جبير، وأبي الضحى. وسبق ذكر رأي الواحدي في الحروف المقطعة والتعليق عليه في أول سورة الشعراء.\n(٣) أخرجه ابن أبي حاتم ٩/ ٣٠٣٠.\n(٤) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٥٩.","vol":"17","page":487},{"text":"وقال في قوله: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ﴾ اللفظ لفظ استخبار، والمعنى معني تقرير وتوبيخ، ومعناه: أحسبوا بمعنى الذين جزعوا من أذى المشركين أن نقنع منهم بأن يقولوا: إنا مؤمنون فقط، ولا يمتحنون بما يتبين به حقيقة إيمانهم (١).\nوقوله: ﴿أَنْ يُتْرَكُوا﴾ (أن) في موضع نصب بحَسِب.\nوقوله: ﴿أَنْ يَقُولُوا﴾ (أن) في موضع نصب من جهتين؛ ذكرهما الفراء والزجاج؛ إحداهما أن التقدير: ﴿أَنْ يُتْرَكُوا﴾ لأن يقولوا أو بأن يقولوا، فلما حذف حرف الخفض وصل ﴿يُتْرَكُوا﴾ إلى أن فنصب.\nوالثانية: أن تجعل ﴿أَحَسِبَ﴾ مكررة عليها، المعنى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا﴾ أحسبوا (٢) ﴿أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ (٣) قال أبو إسحاق: الأولى أجود (٤).\nقال أبو علي: إن تَرَك، يتعدَى إلى مفعول واحد، فإنْ بُنِيَ للمفعول لم يتعدَّ إلى آخَر، فـ ﴿أَنْ يَقُولُوا﴾ لا يتعلق به ولا يتعدى إليه، حتى يقدر محذوفٌ (٥) حرفٌ، ثم يُقدَّرُ الحرفُ فيصل الفعل (٦).\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٥٩.\n(٢) أحسبوا. زيادة من الفراء.\n(٣) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٣١٤. التقدير على هذا القول: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا﴾ أحسب الناس ﴿أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا﴾ وجملة ﴿وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ متعلقة بالحالين: الترك، والقول. والله أعلم.\n(٤) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٥٩.\n(٥) محذوف، من نسخة: (ب).\n(٦) \"الإغفال فيما أغفله الزجاج من المعاني\" ٢/ ٢٢١ أ. والحرف المقدر هو ما سبق ذكره في قول الفراء والزجاج: لأن يقولوا، أو: بأن يقولوا.","vol":"17","page":488},{"text":"قوله تعالى: ﴿وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ قال ابن عباس والسدي ومجاهد وقتادة: لا يفتنون في إيمانهم وأموالهم وأنفسهم (١).\n\nقال مقاتل وقتادة: يقول: أحسبوا أن يتركوا على التصديق بتوحيد الله وهم لا يبتلون بالقتل وبالتعذيب في الدنيا بقولهم: آمنا (٢)، وهم لا يعاملون معاملة المختَبَر لتظهر الأفعال التي يُستحق عليها الجزاء، ثم أخبر عن فتنة مَنْ قبل هذه الأمة من المؤمنين <span data-type=\"title\" id=toc-3323>(٣) </span>بقوله: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾.\n٣ - ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ قالوا جميعًا: ابتلينا (٤).\nقال ابن عباس: منهم إبراهيم خليل الرحمن -﵇-، وقوم كانوا معه ومِنْ بعده نشروا بالمناشير على دين الله فلم يرجعوا عنه (٥).\n_________\n(١) أخرجه ابن جرير ٢٠/ ١٢٨، عن مجاهد. وأخرجه عبد الرزاق ٢/ ٩٦، وابن جرير ٢٠/ ١٢٨، عن قتادة بلفظ: لا يبتلون. وأخرجه ابن أبي حاتم ٩/ ٣٠٣٢، عن مجاهد، وسعيد بن جبير، وقتادة، والربيع بن أنس.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ٧٠ ب، بمعناه. قال ابن قتيبة: ﴿وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ أي: لا يقتلون ولا يعذبون. \"غريب القرآن\" ٣٣٧.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ٧٠ ب.\n(٤) أخرجه ابن جرير ٢٠/ ١٢٩، عن مجاهد، وقتادة. وأخرجه ابن أبي حاتم ٩/ ٣٠٣٢، عن الضحاك، وسعيد ابن جبير، ومجاهد، وعطاء. و\"تفسير مقاتل\" ٧٠ ب. و\"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ٢/ ١١٣. و\"غريب القرآن\" لابن قتيبة ٣٣٧، وقال في \"تأويل مشكل القرآن\" ٤٧٢: اختبرنا.\n(٥) ورد هذا المعنى في حديث مرفوع أخرجه البخاري، كتاب مناقب الأنصار، رقم الحديث (٣٨٥٢)، \"فتح الباري\" ٧/ ١٦٥. من حديث خباب بن الأرت -﵁-، قال: أتيت النبي -ﷺ-، وهو متوسد بردة، وهو في ظل الكعبة، وقد لقينا من المشركين شدة، فقلت: يا رسول الله ألا تدعو الله لنا فقعد وهو محمرٌ وجهُه فقال: \"لقد =","vol":"17","page":489},{"text":"وقال غيره: يعني بني إسرائيل ابتلوا بفرعون فكان يسومهم سوء العذاب (١).\nقوله تعالى: ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ قال مقال: يقول: فليرين الله الذين صدقوا في إيمانهم من هذه الأمة عند البلاء، فيصبروا لقضاء الله ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ﴾ يقول: وليرين ﴿الْكَاذِبِينَ﴾ (٢)، فتنوا عند البلاء والتمحيص؛ يعني: المنافقين.\nقال أبو إسحاق: ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ﴾ صِدْق الصادق بوقوع صدقه منه، ووقوع كذب الكاذب منه، وهو الذي يجازَى عليه، والله -﷿- قد علم الصادق من الكاذب قبل أن يخلقهما؛ ولكن القصد قصد وقوع العلم بما يجازَى عليه (٣). يعني أن قوله: ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ﴾ جاء بلفظ الاستقبال لحدوث المعلوم وهو الصدق والكذب، وإنما يعلم صدق الصادق كائنًا عند حدوثه، وكذلك كذب الكاذب، وقد بينا هذا بيانًا شافيًا عند قوله: ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ﴾ في سورة البقرة [١٤٣] (٤).\n_________\n= كان مَن قبلكم ليُمشط بمشاط الحديد، ما دون عظامه من لحم أو عصب، ما يصرفه ذلك عن دينه، ويوضع المنشار على مفرِق رأسه فيُشق باثنين، ما يصرفه ذلك عن دينه. ولَيُتمن الله هذا الأمر حتى يسيرَ الراكب من صنعاء إلى حضرموت ما يخاف إلا الله\". زاد بيانٌ: \"والذئبَ على غنمه\". وقول ابن عباس ذكره الطبرسي \"مجمع البيان\" ٧/ ٤٢٨.\n(١) ذكره الطبرسي \"مجمع البيان\" ٧/ ٤٢٨، ولم ينسبه.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ٧٠ ب.\n(٣) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٦٠.\n(٤) قال الواحدي في تفسيرِ هذه الآية: قوله تعالى: ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ﴾ والله تعالى عالم لم يزل، ولا يجوز أن يَحدث له علم، واختلف أهل المعاني في وجه تأويله، فذهب =","vol":"17","page":490},{"text":"واختار صاحب النظم في قوله: ﴿الم﴾ أن يكون قسمًا، وجعله واقعًا على قوله: ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ﴾ وجعل قوله: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ﴾ كلامًا معترضًا بين القَسَم وبين ما هو واقع عليه؛ قال: ودل على هذا دخول النون الثقيلة في قوله: ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ﴾ كما تقول: والله لأضربنَّ عمرًا.\nفإن قيل: لِمَ دخلت الفاء في قوله: ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ﴾ قيل: إنه لما يجيء بالجواب لقوله: ﴿الم﴾ حتى قال: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ صار كأن قوله: ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ﴾ معطوفًا عليه وجوابًا له فقد اشترك قوله: ﴿الم﴾ وقوله: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ في قوله: ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ﴾ للعطف على معنى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا﴾ وذلك أن الله تعالى لما قال: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ﴾ الآية، كان إنكارًا لحسبانهم أنهم لا يفتنون، وإذا كان إنكارًا ففيه دليل على أنه -﷿- أوجب أن يفتنهم؛ لأنه لا ينكر شيئًا إلا ويوجب ضده، ثم لما قال: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ دل بهذا القول على هذا المعنى من إيجاب الفتنة، فيكون تأويله: لنفتنهم كما فتنا الذين من قبلهم، ثم صار قوله: ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ﴾ معطوفًا على هذا التأويل.\nوقال في قوله: ﴿الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ ليس هذا من الصدق اللازم الذي تأويله: صَدَق في قوله، وهو من الصدق المتعدي الذي يقال عنه: صَدَقَنِي فلانٌ، أي: قال لي الصدق، وكَذَبَنِي؛ أي: قال لي الكذب. والمعنى\n_________\n= جماعة إلى أن العلم له منزلتان: علم بالشيء قبل وجوده، وعلم به بعد وجوده، والحُكم للعلم بعد الوجود؛ لأنه يوجب الثواب والعقاب، والمتعبَّد بالشيء إذا لم يُطع وعصى علمه الله تعالى عاصيًا، وإذا أطاع علمه مطيعًا، وكان قبل أن أطاع لم يعلمه علمًا يستحق به الثواب؛ وإن كان في معلوم الباري أنه يطمِع فمعنى قوله: ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ﴾ أي: لنعلم العلم الذي يستحق به العامل الثواب والعقاب.","vol":"17","page":491},{"text":"﴿الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ الله ما وعدوه، أي: تَمّوا عليه ووفوا به ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ الذين كذبوا الله ما وعدوه. وقال في قوله: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾: لا يعني بذكر الفتنة إلا من أضمر الإيمان والإسلام دون الكافر؛ لأن الفتنة تجريب، كما يفتن الذهب والفضة بالنار إذا أحميا ليظهر صفاؤهما وخبثهما، والكافر ظاهر خبثه، فلا حاجة إلى تجريبه بالفتنة. انتهى كلامه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3324>٤ </span>- قال مقاتل: ثم أوعد كفار العرب فقال: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾ يعني الشرك (١).\nقال ابن عباس: يعني الوليد بن المغيرة، وأبا جهل، والأسود، والعاص بن هشام، وغيرهم من قبائل شتى (٢).\nوقال مقاتل: نزلت في بني عبد شمس؛ منهم شيبة وعتبة ابنا ربيعة، والوليد بن عتبة، وحنظلة بن أبي سفيان، وعقبة بن أبي معيط، والعاص بن وائل (٣).\nوقال الكلبي: نزلت في الذين بارزوا عليًّا وحمزة وعبيدة بن الحارث\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ٧٠ ب. وأخرجه ابن جرير ٢٠/ ١٣٠، وابن أبي حاتم ٩/ ٣٠٣٣، عن قتادة. وهو قول الثعلبي ٨/ ١٥٦ أ.\n(٢) \"تنوير المقباس\" ٣٣٢، بنحوه.\n- الأسود بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم قتله يوم بدر حمزة ابن عبد المطلب -﵁-. \"السيرة النبوية\" لابن هشام ٢/ ٣٧٠.\n- العاص بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم المخزومي، أخو أبي جهل، قتله يوم بدر عمر ابن الخطاب -﵁-. \"السيرة النبوية\" لابن هشام ٢/ ٣٦٨، و\"الأعلام\" ٣/ ٢٤٧.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ٧٠ ب.","vol":"17","page":492},{"text":"يوم بدر وهم. عتبة وشيبة والوليد بن عتبة (١).\nقوله تعالى: ﴿أَنْ يَسْبِقُونَا﴾ قال ابن عباس والمفسرون: [أن يفوتونا] (٢). وقال مجاهد: أن يعجزونا (٣). والمعنى: أن يفوتونا فوت السابق لغيره (٤).\n\nقال مقاتل: أن يفوتونا بأعمالهم السيئة، كلا بل نخزيهم بها في الدنيا؛ فقتلهم الله ببدر <span data-type=\"title\" id=toc-3325>(٥)</span>.\nقوله تعالى: ﴿سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ قال ابن عباس: بئس ما حكموا لأنفسهم (٦). وقال أبو إسحاق: موضع ﴿مَا﴾ نصب على: ساء حكمًا يحكمون، كما تقول: نعم رجلًا زيدٌ، ويجوز أن يكون رفعًا على معنى: ساء الحكم حكمهم (٧).\n\n٥ - قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ﴾ أي: يخاف البعث والحساب. قاله المفسرون (٨). قال مقاتل: يعني من كان يخشى البعث في\n_________\n(١) \"تنوير المقباس\" ٣٣٢.\n(٢) ما بين المعقوفين ساقط من النسختين، ولا يستقيم الكلام بدونه. وهو في \"تفسير مقاتل\" ٧٠ ب. و\"تنوير المقباس\" ٣٣٢، وتفسير ابن جرير ٢٠/ ١٣٠.\n(٣) أخرجه ابن جرير ٢٠/ ١٣٠، وابن أبي حاتم ٩/ ٣٠٣٣، عن مجاهد.\n(٤) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٦٠. و\"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٥٦ أ، بمعناه.\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ٧٠ ب.\n(٦) \"تنوير المقباس\" ٣٣٢.\n(٧) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٦٠.\n(٨) أخرجه ابن أبي حاتم ٩/ ٣٠٣٤، عن سعيد بن جبير، والسدي، بلفظ: يخشى. وهو قول أبي عبيدة، مجاز القرآن ٢/ ١١٣. وقال ابن قتيبة: يخافه، \"غريب القرآن\" ٣٣٧. وهو قول ابن جرير ٢٠/ ١٣٠. والثعلبي ٨/ ١٥٦ أ.","vol":"17","page":493},{"text":"الآخرة فليعمل لذلك اليوم (١)، كقوله: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا﴾ [الكهف: ١١٠].\nوقال سعيد بن جبير: من كان يطمع في ثواب الله (٢). واختار أبو إسحاق هذا القول؛ وقال: معناه: من كان يرجو ثواب لقاء الله (٣). أي: ثواب المصير إلى الله. والرجاء على هذا القول معناه: الأمل، وعلى القول الأول معناه: الخوف. ﴿فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ﴾ قال ابن عباس: يريد يوم القيامة (٤).\nوقال صاحب النظم: هذا مقتص من قوله: ﴿ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ﴾ [الأنعام: ٢] والأجل المسمى (٥) عنده: البعث والقيامة، ولذلك أضاف الأجل إلى نفسه -﷿-.\n﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ قال ابن عباس: لقولكم ﴿الْعَلِيمُ﴾ بما في الدنيا العلم به.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3326>٦ </span>- قوله: ﴿وَمَنْ جَاهَدَ﴾ قال ابن عباس: يريد لمرضاة الله ﴿فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ﴾ وقال مقاتل: يقول: من يعمل الخير فإنما يعمل لنفسه (٦).\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ٧٠ ب.\n(٢) \"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٥٦ أ، بنصه، وأخرجه ابن أبي حاتم ٩/ ٣٠٣٤، بلفظ: من كان يخشى، وبلفظ: البعث في الآخرة، وبلفظ: ثواب ربه.\n(٣) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٦٠، وقد رد على من قال بأن معنى الرجاء هنا الخوف فقال: فأما من قال: إن معناه الخوف، فالخوف ضد الرجاء، وليس في الكلام ضد.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ٧٠ ب.\n(٥) المسمى، من نسخة: (أ).\n(٦) \"تفسير مقاتل\" ٧٠ ب.","vol":"17","page":494},{"text":"﴿إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ عن أعمالهم وعبادتهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3327>٧ </span>- قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ قال ابن عباس: يريد ما عملوا في الشرك. يريد: لَيُبْطِلها حتى تصير بمنزلة من لم يعمل ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا﴾ قال مقاتل: نجزيهم بإحسانهم ولا نجزيهم بمساوئهم (١). والمعنى: لنجزيهم بأحسن أعمالهم؛ وهو ما أمرناهم به من الطاعة (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-3328>٨ </span>- وقوله: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ قال الأخفش: هو على: ووصيناه بحسن، وقد تقول العرب: وصيته خيرًا، أي: وصيته بخير (٣). وقال غيره: هو بمعنى: ألزمناه حسنًا، أو وصيناه أن يفعل حسنًا (٤). قال أبو إسحاق: معناه: ووصينا الإنسان أن يفعل بوالديه ما يحسن (٥).\nقال المفسرون: نزلت في سعد بن أبي وقاص، واسم أبي وقاص: مالك، لما هاجر قالت أمه: والله لا يظلني ظل بيت حمَى ترجع إلى ما كنت عليه، فحثَّ الله سعدًا على البر بأمه، ونهاه أن يطيعها في الشرك؛ وهو قوله: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ (٦) أي: لتشرك بي شريكًا\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ٧١ أ.\n(٢) \"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٥٦ أ.\n(٣) \"معاني القرآن\" للأخفش ٢/ ٦٥٥.\n(٤) قال ابن جرير ٢٠/ ١٣١: وقال بعض نحوي الكوفة: معنى ذلك: ووصينا الإنسان أن يفعل حسنًا، ولكن العرب تسقط من الكلام بعضه إذا كان فيما بقي دلالة على ما سقط. وذكر هذا القول الثعلبي ٨/ ١٥٦ أ، ونسبه لأهل الكوفة.\n(٥) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٦١.\n(٦) أخرج سبب نزول هذه الآية مسلم في \"صحيحه\" ٤/ ١٨٧٧، كتاب: فضائل الصحابة، رقم (١٧٤٨) بعد حديث رقم (٢٤١٢). وأخرجه كذلك أبو يعلى =","vol":"17","page":495},{"text":"لا تعلمه لي ﴿فَلَا تُطِعْهُمَا﴾ وقال عطاء عن ابن عباس: نزلت في عياش بن أبي ربيعة، أخي أبي جهل لأمه، والقصة في ذلك مشهورة (١).\n_________\n= الموصلي، في مسنده ٢/ ١١٦، رقم (٧٨٢). وروى بعضه البخاري، في \"الأدب المفرد\"، باب: بر الوالد المشرك، رقم (٢٤)، \"صحيح الأدب المفرد\" (٤٠). وأخرجه ابن جرير ٢٠/ ١٣١، عن قتادة. وابن أبي حاتم ٩/ ٣٠٣٦، عن قتادة، ومصعب بن سعيد. وذكره مقاتل ٧١ أ. والثعلبي ٨/ ١٥٦ أ. وأخرجه الواحدي بإسناده في \"الوسيط\" ٣/ ٤١٤، وكذا في أسباب النزول ٣٤٠، لكن صدَّره في \"أسباب النزول\" بقوله: قال المفسرون: نزلت في سعد بن أبي وقاص .. فلعله يريد بذلك: الاتفاق على نزولها في سعد -﵁-، والله أعلم.\n(١) ذكر الواحدي هذه القصة في كتابه \"أسباب النزول\" ١٦٩، عند قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾ [النساء: ٩٢] ولم أجدها في تفسيره البسيط؛ حيث أفاد محقق سورة النساء أن تفسير هذه الآية من القسم المفقود من الكتاب، \"البسيط\". وذكر هذه القصة الزيلعي في \"تخريج أحاديث الكشاف\"، في سورة النساء ١/ ٣٣٩، وفي سورة العنكبوت ٣/ ٤١، وملخص هذه القصة: أن عياش هاجر مع عمر بن الخطاب -﵁-، مترافقين، حتى نزلا المدينة، فخرج أبو جهل بن هشام والحارث بن هشام أخواه لأمه .. فنزلا بعياش فقالا له: إن من دين محمد صلة الأرحام، وبر الوالدين، وقد تركت أمك لا تطعم، ولا تأوي بيتًا حتى تراك وهي أشد حبًا لك منا، فاخرج معنا فاستشار عمر، فقال: هما يخدعانك ولك عليَّ أن أقسم مالي بيني وبينك، فما زالا به حتى أطاعهما وعصى عمر، فقال عمر: أما إذ عصيتني فخذ ناقتي فليس في الدنيا بعير يلحقها، فإن رابك منهما ريب فارجع، فلما انتهوا إلى البيداء قال أبو جهل: إن ناقتي قد خلأت فاحملني معك، قال: نعم، فنزل ليوطئ لنفسه وله فأخذاه وشدا وثاقه، ونزلا فجلداه كل واحد منهما مائة جلدة، وذهبا به إلى أمه، قالت له: لا تزال في عذاب حتى ترجع عن دين محمد ففتناه فافتتن. قال الزيلعي: رواه البزار في مسنده، ثم ساق سنده، ثم قال: وكذلك رواه ابن هشام في السيرة، عن ابن إسحاق بسنده المذكور ومتنه سواء، ونقله الثعلبي بلفظ المصنف عن مقاتل. وقد ألمح ابن حجر إلى نقد هذه =","vol":"17","page":496},{"text":"ثم أوعد بالمصير إليه فقال: ﴿إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي: أخبركم بصالح أعمالكم وسيئها لأجازيكم عليها؛ لأن فائدة الإخبار هنا: المجازاة عليها. والمعنى: أن طاعة الله في البر بالأم عمل صالح، [وطاعة الأم بالشرك بالله عن شيء يجازي الله عليها من عمل بأجرها] (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3329>٩ </span>- وقوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ﴾ قال مقاتل: لندخلنهم مع الصالحين الجنة (٢). وقال ابن جرير: أي في مُدخل الصالحين؛ وهو: الجنة (٣).\nوقال صاحب النظم: تأويله: لندخلنهم الجنة في زمرة الصالحين. وهو من باب الاختصار. والمراد بالصالحين: الأنبياء والأولياء (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3330>١٠ </span>- قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ﴾ قال ابن عباس ومقاتل: نزلت في قصة عياش بن أبي ربيعة أسلم وهاجر، فلما ضرب على الإسلام وعوقب ارتد ورجع إلى الكفر (٥).\n_________\n= الرواية فقال: أخرجه الثعلبي بغير سند، والواحدي عن ابن الكلبي، ورواه الطبري من طريق أسباط عن السدي بتغيير يسير. الكافي الشاف في تخريج أحاديث الكشاف ١/ ٥٣٨. ومعنى: خلأت: بركت فلم تقم. \"تهذيب اللغة\" ٧/ ٥٧٧ (خلأ).\n(١) ما بين المعقوفين هكذا كتب في النسختين؛ ولعل الصواب -والله أعلم-: وطاعة الأم بالشرك بالله عمل سيئ يجازي الله عليها من عمل بها.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ٧٠ ب.\n(٣) تفسير ابن جرير ٢٠/ ١٣٢. وقد ذكره عنه بنصه الثعلبي ٨/ ١٥٦ ب.\n(٤) أخرجه ابن أبي حاتم ٩/ ٣٠٣٧، عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم. وذكره بنصه الثعلبي ١٥٦ ب، ولم ينسبه.\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ٧١ أ، في خبر طويل. و\"تنوير المقباس\" ٣٣٢، مختصرًا. وذكره =","vol":"17","page":497},{"text":"وهو معنى قوله. ﴿فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ﴾ يعني: ضرب إخوته وأمه إياه ليفتنوه عن دينه، وهو قوله تعالى: ﴿جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾.\nوقال مقاتل: يقول: جعل عذاب الناس في الدنيا كعذاب الله في الآخرة (١).\nوقال أبو إسحاق: جزع من عذاب الناس، كما يجزع من عذاب الله (٢).\nوقال صاحب النظم: أي جزع من أذى الناس ولم يصبر عليه فأطاع الناس، كما يطيع الله من خاف عذابَه، وفي نزول هذه الآية قول آخر؛ قال مجاهد: نزلت في أناس يؤمنون بألسنتهم فإذا أصابهم بلاء من الناس أو مصيبة في أنفسهم أو أموالهم افتتنوا، فجعلوا ذلك في الدنيا كعذاب الله في الآخرة (٣). ونحو هذا قال السدي ومقاتل؛ قال: هو المنافق إذا أوذي في\n_________\n= الثعلبي ٨/ ١٥٦ ب، بطوله، ونسبه لمقاتل والكلبي. وأخرج ابن جرير ٢٠/ ١٣٣، وابن أبي حاتم ٩/ ٣٠٣٧، عن ابن عباس، أنها نزلت في قوم من أهل مكة أسلموا، وكانوا يستخفون بالإسلام، فأخرجهم المشركون يوم بدر معهم فاصيب بعضهم، وقتل بعض، قال المسلمون: كان أصحابنا هؤلاء مسلمون وأكرهوا فاستغفروا لهم، فنزلت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ الآية [النساء: ٩٧] قال: فكتب إلى من بقي من المسلمين بهذه الآية: لا عذر لهم، خرجوا فلحقهم المشركون فأعطوهم الفتنة، فنزلت فيهم هذه الآية. قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح، غير محمد بن شريك، وهو ثقة. \"مجمع الزوائد\" ٧/ ١٠. وهذا هو الصواب جعل الآية عامة، أما ما ذكره الواحدي عن ابن عباس ومقاتل من ارتداد عياش، وجعل نزول الآية فيه؛ فهذا ليس بصواب؛ لما سبق في ترجمة عياش من أنه لم يرتد، بل صبر على فتنة قومه.\n(١) \"تفسير مقاتل\" ٧١ أ.\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٦١.\n(٣) أخرجه ابن جرير ٢٠/ ١٣٢، وابن أبي حاتم ٩/ ٣٠٣٧، وذكره الثعلبي ١٥٦ ب.","vol":"17","page":498},{"text":"الله رجع عن الدين وكفر (١).\nقال أبو إسحاق: وينبغي للمؤمن أن يصبر على الأذية في الله -﷿- (٢).\nقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ﴾ ابتداء كلام آخر على القول الأول (٣)، وهو: إخبار عن المنافقين. قال مقاتل: ثم استأنف: ﴿وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ﴾ يعني: دولة للمؤمنين (٤).\nوقال ابن عباس: نصر لأولياء الله وأهل طاعته (٥).\n﴿لَيَقُولُنَّ﴾ يعني: المنافقين للمؤمنين ﴿إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ﴾ على عدوكم (٦). وعلى القول الثاني يتصل قوله: ﴿وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ﴾ بما سبقه. وهو اختيار صاحب النظم؛ أخرج ﴿مِنْ﴾ موحدًا في أول الآية، وأخرجه مخرج الجمع في قوله: ﴿لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ﴾ موحد مرةً على اللفظ، وجُمع مرةً على المعنى. وكذلك القراء يختلفون في الوقف عند قوله: ﴿كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ فهو عند نافع تمام، وعند غيره ليس بتمام؛ لاتصاله بما قبله (٧).\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي حاتم ٩/ ٣٠٣٧، عن السدي، بمعناه. و\"تفسير مقاتل\" ٧١ ب، بمعناه.\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٦١.\n(٣) أي: على القول بأنها نزلت في عياش بن أبي ربيعة.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ٧١ ب.\n(٥) في \"تنوير المقباس\" ٣٣٢: فتح مكة.\n(٦) \"تفسير مقاتل\" ٧١ ب.\n(٧) هكذا في النسختين: لاتصاله بما قبله؛ وهو خطأ؛ والصواب: لاتصاله بما بعده. قال النحاس: ﴿فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ عن نافع تم، قال غيره: والتمام ﴿أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ﴾. \"القطع والائتناف\" ٢/ ٥١٩","vol":"17","page":499},{"text":"قوله تعالى: ﴿أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ﴾ بضمائر العالمين وأسرارهم من الإيمان والنفاق، وغير ذلك، أي: لا يخفى عليه كذبهم فيما قالوا: ﴿إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ﴾ ننصركم على عدوكم.\nقال صاحب النظم: دَلَّ بقوله: ﴿أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ﴾ على أنهم كاذبون في قولهم: ﴿إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3331>١١ </span>- وقوله: ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ قال مقاتل: وليرين الله الذين صدقوا عند البلاء فثبتوا على الإسلام ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ﴾ بالشك عند البلاء (١) وترك الإيمان ورجوعهم إلى دينهم الأول. وذكرنا معنى: ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ﴾ آنفًا.\nوقال صاحب النظم: دل بهذه الآية أن انقيادهم لمن آذاهم، وميلهم إليهم، وترك الصبر على الأذى في الله خروج من الإيمان، ودخول في الشرك في جملة المنافقين الذين لا يصبرون عند البلاء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3332>١٢ </span>- وقوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا﴾ قال مجاهد: هذا من قول كفار مكة لمن آمن منهم؛ قالوا لهم: لا نُبعث نحن ولا أنتم فاتبعونا، فإن كان عليكم شيء فهو علينا (٢). ونحو هذا قال الكلبي (٣).\nوقال مقاتل: قال أبو سفيان بن حرب، لعمر بن الخطاب، وعمار،\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ٧١ ب.\n(٢) أخرجه ابن جرير ٢٠/ ١٣٤، وابن أبي حاتم ٩/ ٣٠٣٩، عن مجاهد، وأخرجا نحوه عن الضحاك.\n(٣) \"تنوير المقباس\" ٣٣٣.","vol":"17","page":500},{"text":"وخباب، ومن آمن من قريش: اتبعوا ديننا ملة آبائنا، ونحن الكفلاء (١) بكل تبعة من الله تصيبكما فذلك قوله: ﴿وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾ (٢).\nقال الأخفش: جزم على الأمر؛ كأنهم أمروا أنفسهم (٣).\nوقال الفراء: هو أمر فيه تأويل جزاء، كما أن قوله: ﴿لَا يَحْطِمَنَّكُمْ﴾ [النمل: ١٨] نهي فيه تأويل الجزاء، وهو كثير في كلام العرب؛ قال الشاعر:\nفقلتُ ادعِي وأَدْعُ فإنَّ أندى ... لِصَوتٍ أن يُناديَ داعيانِ\nأراد: ادعِي ولأَدْعُ، كأنه قال: إن دعوتِ دعوتُ (٤).\nوقال صاحب النظم: قال لهم ارجعوا إلى ديننا لنضمن عنكم كلَّ ما يجئكم من ذلك. وذكر أبو إسحاق نحو ما قال الفراء؛ فقال: هو أمرٌ في تأويل الشرط والجزاء؛ المعنى: إن تتبعوا طريقنا الذي نسلكه في ديننا حملنا خطاياكم، إن كان فيه إثم فنحن نحتمله (٥).\n_________\n(١) في نسخة: (ب): الكفلة.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ٧١ ب.\n(٣) \"معاني القرآن\" للأخفش ٢/ ٦٥٥.\n(٤) أنشده سيبويه ٣/ ٤٥، ونسبه للأعشى، وفي الحاشية: لم يرد في ديوانه، وروي أيضًا للحطيئة، أو ربيعة بن جشم، أو دثار بن شيبان النمري. وقبله:\nتقول خليلتي لما اشتكينا ... سيدركنا بنو القرم الهجان\nوأنشده الفراء، \"معاني القرآن\" ٢/ ٣١٤، ولم ينسبه. وأنشده الثعلبي ٨/ ١٥٧ أ، عن الفراء. واستشهد به في الإنصاف ٢/ ٥٣١، على إعمال حرف الجزم مع الحذف، ولم ينسبه. وفي الحاشية: محل الاستشهاد من البيت قوله: وأدع، فإن المؤلف أنشده على لسان الكوفيين على أن الشاعر أراد: ولأدع، بلام الأمر، وبجزم الفعل المضارع بحذف الواو، والضمة قبلها دليل عليها.\n(٥) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٦١.","vol":"17","page":501},{"text":"وقال المبرد: ﴿اتَّبِعُوا﴾ أمر ﴿وَلْنَحْمِلْ﴾ معطوف عليه، وإنما أمروهم ثم عادوا فأمروا أنفسهم، ولا تحذف اللام إلا من الأمر المواجهة وما سوى ذلك فلابد من اللام، تقول: قم وليقم زيد (١). وهذا وجه غير ما ذكره الفراء والزجاج؛ وهو أحسن.\nقال الله تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ معناه: من شيء يخفف عن المحمول عنه العذاب (٢) ﴿إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ قال ابن عباس: يريد: إنهم ليعدونهم الباطل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3333>١٣ </span>- ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ﴾ قال مقاتل: أوزارهم التي عملوها ﴿وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ وأوزارهم لقولهم للمؤمنين: ﴿اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا﴾ (٣)، وهذا كقوله: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [النحل: ٢٥] قاله مقاتل وابن عباس ومجاهد (٤).\nقال قتادة في هذه الآية: من دعا قومًا إلى ضلالة فعليه مثل أوزارهم من غير أن ينقص من أوزارهم شيئًا (٥)؛ وهو معنى قوله -ﷺ-: \"ومن سن سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من غير أن ينقص من أوزارهم\n_________\n(١) أراد المبرد بقوله: الأمر المواجهة: صيغة الأمر الصريحة الأصلية التي يلزم منها حضور المأمور الموجه إليه الخطاب، كقولك: قم يا زيد، فإن كان الأمر بغيرها كالأمر بالمضارع لزم دخول اللام الدالة على الأمر كقولك: ليقم زيد. والله أعلم.\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٦٢، بنصه.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ٧١ ب.\n(٤) أخرجه ابن جرير ٢٠/ ١٣٥، عن ابن زيد، وفيه ذكر آية النحل. وذكره مقاتل ٧١ ب، دون ذكر آية النحل.\n(٥) أخرجه عبد الرزاق ٢/ ٩٦، وابن أبي حاتم ٩/ ٣٠٤٠. وذكره ابن قتيبة، \"غريب القرآن\" (٣٣٧).","vol":"17","page":502},{"text":"شيء\" (١)\nوقوله: ﴿وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ قال أبو إسحاق: ذلك سؤال توبيخ لا سؤال إعلام (٢).\nوقوله: ﴿عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ قال ابن عباس: يقولون على الله الكذب (٣).\nوقال مقاتل: يعني قولهم: نحن الكفلاء بكل تبعة تصيبكم من الله (٤).\n_________\n(١) الحديث أخرجه مسلم ٢/ ٧٠٤، كتاب: الزكاة، رقم الحديث (١٠١٧)، وله قصة ذكرها جرير بن عبد الله -﵁- قال: كنا عند رسول الله -ﷺ- في صدر النهار قال فجاءه قوم حفاة عراة مجتابي النمار أو العباء، متقلدي السيوف، عامتهم من مضر، بل كلهم من مضر فتمعر وجه رسول الله -ﷺ- لما رأى بهم من الفاقة فدخل ثم خرج فأمر بلالًا فأذن وأقام فصلى ثم خطب فقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ إلي قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١] والآية التي في الحشر: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ [الحشر: ١٨] تصدق رجل من ديناره من درهمه من ثوبه من صاع بره من صاع تمره حتى قال: ولو بشق تمرة، قال: فجاء رجل من الأنصار بصرة كادت كله تعجز عنها، بل قد عجزت، قال: ثم تتابع الناس حتى رأيت كومين من طعام وثياب، حتى رأيت وجه رسول الله -ﷺ- يتهلل كأنه مُذهَبة، فقال رسول الله -ﷺ-: \"من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء\". وأخرجه مختصرًا الترمذي ٥/ ٤٢، كتاب: العلم، رقم (٢٦٧٥)، وقال: هذا حديث حسن صحيح. وأخرجه بسنده الثعلبي ٨/ ١٥٧ ب، من حديث جرير بن عبد الله -﵁-.\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٦٢.\n(٣) أخرجه ابن أبي حاتم ٩/ ٣٠٤٠.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ٧١ ب.","vol":"17","page":503},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3334>١٤ </span>- قال ابن عباس: ثم عزَّى نبيه فأخبره بما ابتلي به النبيون من قبله من قومهم؛ فقال: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ﴾ يريد: أقام فيهم يدعوهم إلى الله ﴿أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ روى يوسف بن مهران عن ابن عباس قال: بُعث نوح لأربعين سنة، فلبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عامًا، وعاش بعد الغرق ستين عامًا، حتى كثر الناس وفشوا (١).\n﴿فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ﴾ قال مقاتل: يعني الماء طغى فوق كل شيء فغرقوا (٢) ﴿وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾ قال ابن عباس: مشركون (٣). وذكرنا الطوفان فيما تقدم (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3335>١٥ </span>- ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ﴾ يعني نوحًا من الغرق (٥) ﴿وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ﴾ يعني الذين ركبوها معه ﴿وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ قال ابن عباس: يريد تركت السفينة آية لمن بعد نوح (٦).\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي حاتم ٩/ ٣٠٤١، من طريق يوسف بن مهران. وذكره الثعلبي ١٥٧ ب. وأخرجه من هذا الطريق الحاكم ٢/ ٥٩٥، كتاب تواريخ المتقدمين، رقم (٤٠٠٥)، ولم يتكلم عنه الحاكم، وسكت عنه الذهبي.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ٧١ ب. وأخرجه عبد الرزاق ٢/ ١٠٠، وابن جرير ٢٠/ ١٣٦، عن قتادة. وقال ابن قتيبة: المطر الشديد. \"غريب القرآن\" ٣٣٧.\n(٣) أخرجه ابن أبي حاتم ٩/ ٣٠٤٣.\n(٤) عند قوله تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ﴾ [الأعراف: ١٣٣]، حيث تكلم الواحدي عن معنى الطوفان والمراد به في الآية في أربع صفحات، ومما ذكره قول الزجاج: الطوفان من كل شيء ما كان كثيرًا محيطًا مطيفًا بالجماعة كلها كالغرق الذي يشمل المدن الكثيرة يقال له: طوفان.\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ٧١ ب.\n(٦) أخرجه ابن جرير ٢٠/ ١٣٦، وابن أبي حاتم ٩/ ٣٠٤٣، عن قتادة، بنحوه.","vol":"17","page":504},{"text":"وقال مقاتل والكلبي: يعني عبرة لمن بعدهم من الناس (١)، إن عصوا رسلهم فعلنا بهم مثل ذلك (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3336>١٦ </span>- ﴿وَإِبْرَاهِيمَ﴾ قال الزجاج: المعنى: وأرسلنا إبراهيم، عطفًا على نوح (٣).\n﴿إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ﴾ قال ابن عباس: أطيعوا الله وخافوه. وقال مقاتل: وحدوا الله واخشوه ﴿ذَلِكُمْ﴾ يعني: عبادة الله خير لكم من عبادة الأوثان ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ولكنكم لا تعلمون (٤). وقال الكلبي: إن كنتم تعلمون أن الله ربكم (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3337>١٧ </span>- وقوله: ﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا﴾ قال أبو عبيدة: الأوثان: كل ما كان منحوتًا من خشب أو حجر، والصنم: ما كان من ذهب أو فضة أو نحاس (٦).\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ٧١ ب. \"تنوير المقباس\" ٣٣٣.\n(٢) قال ابن جرير ٢٠/ ١٣٦: ولو قيل: معنى: ﴿وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ وجعلنا عقوبتنا إياهم آية للعالمين، وجعل الهاء والألف في قوله: ﴿وَجَعَلْنَاهَا﴾ كناية عن العقوبة أو السخط ونحو ذلك، إذ كان تقدم ذلك في قوله: ﴿فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾ كان وجهًا من التأويل.\n(٣) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٦٤.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ٧١ ب.\n(٥) \"تنوير المقباس\" ٣٣٣.\n(٦) \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ٢/ ١١٤، بلفظ: الوثن: ما كان من حجارة أو جص. وليس فيه ما يتعلق بالصنم، وما ذكره أبو عبيدة في المجاز ذكره ابن قتيبة بنصه في \"غريب القرآن\" ٣٣٧، ولم ينسبه. وقد تتبعت الآيات التي وردت فيها كلمة: أصنام، فلم أجد أبا عبيدة تكلم عن هذه المسألة في كتابه \"المجاز\". وقريب مما ذكر الواحدي عند الأزهري؛ قال: وقال شمر فيما قرأت بخطه: أصل الأمثال =","vol":"17","page":505},{"text":"وهذا كما قال ابن عباس: يريد الأصنام التىِ تتخذ من الحجارة (١). قوله: ﴿وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا﴾ قال أبو عبيدة: خلق واختلق، وخرق واخترق وافترى؛ واحد كله (٢). وفي هذا قولان للمفسرين؛ أحدهما: أن هذا محمول على الكذب في القول. وهو قول السدي؛ قال: تقولون إفكًا (٣). يعني: زعمهم أنها آلهة. وروي عن ابن عباس: تقولون كذبًا (٤).\nالقول الثاني: أن هذا محمول على الصنع باليد؛ قال مجاهد: وتصنعون أصنامًا بأيديكم فتسمونها آلهة (٥). ويكون التقدير على هذا: وتخلقون ما تأفكون عنه بزعمكم أنه إله، والخلق يكون بمعنى: التقدير (٦)، وقد ذكرناه (٧).\n_________\n= عند العرب: كل تمثال من خشب، أو حجارة، أو ذهب، أو فضة، أو نحاس، ونحوها. \"تهذيب اللغة\" ١٥/ ١٤٤ (وثن).\n(١) أخرجه ابن جرير ٢٠/ ١٣٧، وابن أبي حاتم ٩/ ٣٠٤٣، عن قتادة، بلفظ: أصناما.\n(٢) في مجاز القرآن لأبي عبيدة ٢/ ١١٤: مجازه: تختلقون وتفترون. ولم أجده عند الأزهري، مادة. خلق.\n(٣) أخرجه ابن أبي حاتم ٩/ ٣٠٤٤.\n(٤) أخرجه ابن جرير ٢٠/ ١٣٧. وهو قول ابن قتيبة، قال: تخرصون كذبا. \"تأويل مشكل القرآن\" ٥٠٦. وفي \"غريب القرآن\" ٣٣٧، قال: تختلقون كذبا.\n(٥) ذكره الثعلبي ٨/ ١٥٧ ب، بنصه عن مجاهد. وأخرج نحوه ابن جرير ٢٠/ ١٣٧، عن ابن عباس، من طريق عطاء. ولم أجد فيه القول الذي نسبه لمجاهد، لكن أخرج ابن جرير ٢٠/ ١٣٧، وابن أبي حاتم ٩/ ٣٠٤٤، عنه: تقولون كذبا.\n(٦) وبهذا المعنى فسر الآية ابن الأنباري، فقال: والخلق: التقدير، قال الله جل اسمه: ﴿وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا﴾ أي: تقدرون كذبا. \"الزاهر في معاني كلمات الناس\" ١/ ٨٨، و\"الأضداد\" (١٥٩).\n(٧) قال الواحدي في تفسير قول الله تعالى: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: =","vol":"17","page":506},{"text":"وقال الكلبي: جعلتم بأيديكم من العيدان والحجارة إفكًا (١).\nوقال قتادة: تصنعون أصنامًا وتنحتونها (٢).\nوقال الحسن: وتنحتون إفكًا (٣).\nوقال مقاتل: تعملونها بأيديكم، ثم تزعمون أنها آلهة كذبًا (٤).\nقال أبو إسحاق: ويكون التأويل على هذا القول: إنما تعبدون من دون الله أوثانًا وأنتم تصنعونها (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3338>١٩ </span>- وقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ يعني الكفار. قال مقاتل: ألم تعلم كفار مكة (٦).\nومن قرأ بالتاء فهو خطاب لهم، ويدل عليه ما تقدم من الخطاب (٧). وقوله: ﴿كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ﴾ قال ابن عباس: عند الميلاد. قال مقاتل: خلق الإنسان من نطفة، ثم من علقة، ثم من مضغة، فذكر اختلاف أحوال الخلق (٨).\n_________\n= ١٤]: أي: المصورين المقدرين، والخلق في اللغة: التقدير، والعرب تقول: قدرت الأديم وخلقته؛ إذا قِسته لتقطع منه مزادة أو قربة أو خفًا.\n(١) \"تنوير المقباس\" ٣٣٣، بمعناه.\n(٢) أخرجه ابن جرير ٢٠/ ١٣٧، وابن أبي حاتم ٩/ ٣٠٤٤، عن ابن عباس، وقتادة.\n(٣) أخرجه عبد الرزاق ٢/ ٩٦.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ٧١ ب.\n(٥) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٦٥.\n(٦) \"تفسير مقاتل\" ٧٢ أ.\n(٧) قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر بالياء، وقرأ حمزة والكسائي بالتاء. \"السبعة في القراءات\" ٤٩٨، و\"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٤٢٦، و\"إعراب القراءات السبع وعللها\" ٢/ ١٨٢، و\"النشر في القراءات العشر\" ٢/ ٣٤٣.\n(٨) \"تفسير مقاتل\" ٧٢ أ، ويعني بقوله: فذكر اختلاف الخلق، أن مقاتل ذكر بقية =","vol":"17","page":507},{"text":"وقوله: ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ قالا. يعني في الآخرة عند البعث (١).\n﴿إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ قال ابن عباس: يريد الخلق الأول، والخلق الآخر (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3339>٢٠ </span>- قوله: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ﴾ قال ابن عباس: يريد: هل تجدون فيما تبحثون من البلاد وتسيرون خالقًا غيري، والمعنى على هذا: سيروا لتعلموا أن الذي بدأ الخلق هو الله لا خالق غيره، فإذ أقروا بابتداء الخلق وعلموا أن ذلك من الله، لزمتهم الحجة في الإعادة.\nوقال مقاتل: ﴿فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ﴾ يعني خلق السموات والأرض وما فيهما من الخلق (٣). والمعنى على هذا: أنهم إذا ساروا رأوا من مخلوقات الله ومصنوعاته ما يدلهم على قدرته، فيستدلون بذلك على أن مَنْ بدأ خلقها قادر على الإعادة بعد الإهلاك.\nقال مقاتل: وذلك لأنهم يعلمون أن الله خلق الأشياء كلها (٤).\nقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ﴾ أي: ثم الله الذي خلقها\n_________\n= الأطوار التي يمر بها الإنسان في حياته؛ قال .. ثم من مضغة، ثم عظامًا، ثم لحمًا، ولم يكونوا شيئًا، ثم هلكوا، ثم يعيدهم الله في الآخرة.\n(١) يعني بـ: قالا: ابن عباس، ومقاتل، لتقدم ذكرهما. وقول مقاتل في \"تفسيره\" ٧٢ أ. وأخرجه ابن جرير ٢٠/ ١٣٩، وابن أبي حاتم ٩/ ٣٠٤٥، عن قتادة. ولم أجده لابن عباس إلا في \"تنوير المقباس\" ٣٣٣.\n(٢) أخرجه ابن أبي حاتم ٩/ ٣٠٤٥، بلفظ: يعني: هينا.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ٧٢ أ.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ٧٢ أ.","vol":"17","page":508},{"text":"وبدأ خلقها يُنشؤها نشأة ثانية (١). وأكثر القراء. ﴿النَّشْأَةَ﴾ بالقصر. وقرأ أبو عمرو بالمد (٢)، والأحسن القصر؛ يقال: نَشَأَ ينشأ نَشئًا ونشأة، ولم يذكر أبو زبد وأبو عبيدة المد (٣)، وذكره الفراء؛ فقال: هو كما تقول العرب: الرأفة والرآفة، والكأْبة والكآبة، كلٌ صواب (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3340>٢٢ </span>- وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ اختلفوا في تقدير الآية على وجهين، فقال الفراء: يقول القائل: كيف وَصَفهم بأنهم لا يُعجزون في الأرض ولا في السماء، وليسوا من أهل السماء فالمعنى والله أعلم: ما أنتم (٥) بمعجزين في الأرض، ولا مَنْ في السماء بمعجز، وهو من غامض العربية؛ للضمير الذي لم يظهر في الثاني، ومنه قول حسان:\nأمن يهجو رسول الله منكم ... ويمدحُهُ وينصرُه سواءُ (٦)\nأراد: ومن يمدحه ومن ينصرهُ فأضمر.\nومثله في الكلام: أكرم من أتاك، وأتى أباك؛ يعني: وأكرم مَنْ أتى\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ٧٢ أ، بمعناه.\n(٢) قرأ ابن كثير، وأبو عمرو: [النَّشَاءَةَ] ممدودة في كل القرآن، وقرأ الباقون بالقصر. \"السبعة في القراءات\" ٤٩٨، و\"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٤٢٧، و\"إعراب القراءات السبع وعللها\" ٢/ ١٨٣، و\"النشر في القراءات العشر\" ٢/ ٣٤٣.\n(٣) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٤٢٧، بتصرف.\n(٤) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٣١٥.\n(٥) أنتم، غير موجودة في نسخة: (أ)، (ب).\n(٦) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٣١٥. ونسب البيت لحسان، وعن الفراء أنشده ابن جرير ٢٠/ ١٤٠. وهو في \"ديوانه\" ٩، من قصيدة له في مدح النبي -ﷺ-، قبل فتح مكة. بلفظ: فمن يهجو.","vol":"17","page":509},{"text":"أباك (١). وهذا موافق لتفسير ابن عباس والكلبي، قال ابن عباس: يريد: لا يُعجزني أحدٌ من أهل الأرض، ولا من أهل السماء (٢). وقال الكلبي: يقول: وما أنتم بسابقي في الأرض هربًا، ولا أحدٌ من أهل السماء سابقي (٣). وهذا وجه.\nوالوجه الثاني: قال قطرب: معناه: ولا في السماء لو كنتم فيها، كقوله: ما يفوتني فلان بالبصرة، ولا هاهنا في بلدي. يعني: ولا بالبصرة لو صار إليها (٤). وهذا الوجه موافق لتفسير مقاتل؛ فإنه يقول في معنى الآية: وما أنتم يا كفارُ سابقي الله فتفوتونه؛ في الأرض كنتم، أو في السماء كنتم، أينما تكونوا حتى يجزيكم بأعمالكم السيئة (٥).\nوذكر أبو إسحاق القولين موجزًا؛ فقال: معناه: ما أنتم بمعجزين في الأرض، ولا أهل السماء بمعجزين. ويجوز: وما أنتم بمعجزين في الأرض، لا ولو كنتم في السماء. أي: لا ملجأ من الله إلا إليه (٦). ﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ﴾ يمنعكم منِّي ﴿وَلَا نَصِيرٍ﴾ ينصركم من عذابي. قاله ابن عباس (٧).\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٣١٥. ونحوه عند ابن قتيبة، في \"تأويل مشكل القرآن\" ٢١٧، و\"غريب القرآن\" ٣٣٨.\n(٢) أخرج نحوه ابن جرير ٢٠/ ١٣٩، وابن أبي حاتم ٩/ ٣٠٤٧، عن ابن زيد.\n(٣) \"تنوير المقباس\" ٣٣٣، مثل قول ابن عباس.\n(٤) ذكره عن قطرب ابن الجوزي، \"زاد المسير\" ٦/ ٢٦٦. وهو قول الأخفش؛ قال: أي: لا تعجزوننا هربًا في الأرض ولا في السماء. \"معاني القرآن\" ٢/ ٦٥٦.\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ٧٢ أ.\n(٦) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٦٥.\n(٧) \"تنوير المقباس\" ٣٣٤، بنحوه.","vol":"17","page":510},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3341>٢٣ </span>- ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَلِقَائِهِ﴾ بالقرآن والبعث بعد الموت ﴿أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي﴾ يعني من جنتي. قاله ابن عباس والكلبي ومقاتل (١). وهذه الآيات معترضة في قصة إبراهيم؛ تذكيرًا لأهل مكة وتحذيرًا، ثم عاد الكلام إلى قصة إبراهيم (٢)، وهو قوله:\n<span data-type=\"title\" id=toc-3342>٢٤ </span>- ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ﴾ يعني حين دعاهم إلى الله، ونهاهم عن عبادة الأصنام (٣) ﴿إِلَّا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ﴾ وهذا تسفيه لرأيهم، وتجهيل لأحلامهم حين أجابوا مَنْ احتج عليهم بأن يُقتل أو يُحرق (٤).\nقوله تعالى: ﴿فَأَنْجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ﴾ قال ابن عباس: يريد: ففعلوا فأنجاه الله (٥). ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ أي: في إنجاء الله إبراهيم من النار حتى لا تحرقه بعد ما ألقي فيها ﴿لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ بتوحيد الله وقدرته (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3343>٢٥ </span>- ﴿وَقَالَ﴾ إبراهيم لقومه: ﴿إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ﴾ اختلف القراء في هذه الآية؛ فقرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي: (مَّوَدَّةُ) بالرفع ﴿بَيْنِكُمْ﴾ (٧) ولهذه القراءة ثلاثة أوجه:\nأحدها: أن يجعل: ما اسم: إن، ويضمر ذكرٌ مَّا يعود إلى: ما، فيكون التقدير: إن الذين اتخذتموهم من دون الله ﴿أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ﴾\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ٧٢ أ. و\"تنوير المقباس\" ٣٣٤.\n(٢) تفسير ابن جرير ٢٠/ ١٤٠، بمعناه.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ٧٢ أ.\n(٤) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٦٦، بمعناه.\n(٥) أخرجه ابن أبي حاتم ٩/ ٣٠٤٨، بمعناه.\n(٦) \"تفسير مقاتل\" ٧٢ أ.\n(٧) \"السبعة في القراءات\" (٤٩٨)، و\"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٤٢٨، و\"النشر في القراءات العشر\" ٢/ ٣٤٣.","vol":"17","page":511},{"text":"فتصير (مَّوَدَّةُ): خبر إن، وتجعل المودة: ما اتخذوا على الاتساع؛ لأنها كانت سبب مودتهم، أو يقدر المضاف على تقدير: إن الذين اتخذتموهم أوثانًا ذوو مودةِ بينكم.\nالوجه الثاني: أن يضمر: هو، ويجعل: ﴿مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ﴾ خبرًا عنه، والجملة في خبر إن. هذا قول أبي علي (١)، وذكر الزجاج هذين الوجهين؛ فقال: من رفع (مَّوَدَّةُ) فمن وجهين؛ أحدهما: أن تكون: (مَا) في معنى: الذي، ويكون المعنى: إن ما اتخذتموه من دون الله أوثانًا مودةُ بينكم، فتكون (مَّوَدَّةُ): خبر إن، قال: ويجوز أن ترفع (مَّوَدَّةُ) على إضمار: هي، كأنه قال: تلك مودةُ بينكم في الحياة الدنيا، أي: أُلْفَتُكم واجتماعكم على الأصنام مودةُ بينكم في الحياة الدنيا (٢).\nالوجه الثالث: ذكره الفراء؛ فقال: من رفع فإنما يرفع بالصفة بقوله: ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ وينقطع الكلام عند قوله: (أَوْثَانًا) (٣). وعلى هذا: (مَّوَدَّةُ) رُفع بالابتداء، وخبره: (في) الظرف، والمعنى: إنما مودةُ ما بينكم في الحياة الدنيا ثم تنقطع (٤).\nقال أبو علي: وإضافة المودة إلى بينكم اتساع في الظرف؛ لأنه جعل اسمًا بالإضافة إليه، ومثل ذلك: قراءة من قرأ: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: ٩٤] (٥) قال الشاعر:\n_________\n(١) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٤٢٨.\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٦٧.\n(٣) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٣١٦.\n(٤) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٣١٦، من قوله: إنما مودة بينكم.\n(٥) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٤٢٩. قرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر =","vol":"17","page":512},{"text":"صلاءة وَرْسٍ وسطُها قد تفلَّقا (١)\nوقرأ عاصم في بعض الروايات: (مَّوَدَّةٌ) بالرفع والتنوين (بَيْنَكُمْ) نصبًا (٢). ووجه هذه القراءة: الوجهان (٣) ذكرهما الزجاج وأبو علي في القراءة الأولى، و(بَيْنَكُمْ) منصوب على الظرف، والعامل فيه المودة (٤).\nوقرأ حمزة (مَّوَدَّةَ) نصبًا من غير تنوين (بَيْنِكُمْ) خفضًا (٥)، جعل (مَا) مع (إِن) كافة، ولم يجعلها بمعنى: الذي، ونصب (مَّوَدَّةَ) على أنه مفعول له، أي: اتخذتم الأوثان للمودة، ثم أضافها إلى (بَيْنِكُمْ) كما أضاف مَنْ\n_________\n= وابن عامر وحمزة: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ رفعًا، وقرأ نافع والكسائي: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ نصبا. \"السبعة في القراءات\" ٢٦٣. و\"إعراب القراءات السبع وعللها\" ١/ ١٦٤، و\"النشر في القراءات العشر\" ٢/ ٢٦٠.\n(١) أنشده أبو علي، ولم ينسبه، \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٤٢٩. وأنشده كاملًا، ونسبه للفرزدق أبو زيد، في النوادر ١٦٣، وابن جني، \"الخصائص\" ٢/ ٣٦٩، وصدره:\nأتته بمجلوم كأن جبينه\nوفي حاشية \"الخصائص\": المجلوم: المحلوق، أراد به من المرأة، والصلاءة: مدق الطبيب، والورس: نبت أصفر. وعند أبي زيد: بمحلوم، وصلاية. والشاهد فيه: إخراج: وسط، عن الظرفية. قال البغدادي، الخزانة ٣/ ٩٢: فوسطها مرفوع على أنه مبتدأ، وجملة: قد تفلق خبره. لم أجده في ديوان الفرزدق.\n(٢) قرأ عاصم في رواية أبي بكر: ﴿مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ﴾، ورواية الأعشى عن أبي بكر: ﴿مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ﴾. \"السبعة في القراءات\" ٤٩٩، و\"الحجة للمَراء السبعة\" ٥/ ٤٢٨، و\"إعراب القراءات السبع وعللها\" ٢/ ١٨٤.\n(٣) لعل بعد هذه الكلمة سقطت كلمة: اللذان؛ ليستقيم الكلام بها.\n(٤) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٦٧، و\"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٤٢٨.\n(٥) قرأ بها حمزة وعاصم في رواية حفص. \"السبعة في القراءات\" ٤٩٩، و\"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٤٢٩، و\"إعراب القراءات السبع وعللها\" ٢/ ١٨٤.","vol":"17","page":513},{"text":"رفع (١).\nوقرأ نافع وابن عامر: (مَّوَدَّةً) بالنصب والتنوين (بَيْنَكُمْ) بالنصب (٢)، وهذه القراءة كقراءة حمزة في المعنى؛ إلا إنه لم يُضف المودة إلى (بَيْنَكُمْ) فلمَّا لم يضف نوَّن، وانتصب (بَيْنَكُمْ) على الظرف (٣).\nقال المفسرون: يقول إنكم جعلتم الأوثان تتحابون على عبادتها، وتتواصلون عليها في الحياة الدنيا ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ﴾ (٤). وقال مقاتل: بين الأتباع والقادة مودةٌ على عبادة الأصنام، ثم إذا كان ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ﴾ يتبرأ القادة من الأتباع ﴿وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ ويلعن الأتباع القادة؛ لأنهم زينوا لهم الكفر ﴿وَمَأْوَاكُمُ﴾ ومصيركم جميعًا ﴿النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ من مانعين من النار (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3344>٢٦ </span>- قوله: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ قال ابن عباس ومقاتل: فصدق بإبراهيم لوطٌ، وهو ابن أخيه، وهو أول من آمن به، رأى أن النار لم تضرّه (٦). ومعنى ﴿فَآمَنَ لَهُ﴾: أي: لأجله، ولأجل ما أتى به من البرهان والحجة.\n_________\n(١) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٤٢٩.\n(٢) \"السبعة في القراءات\" ٤٩٩، و\"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٤٢٨، و\"إعراب القراءات السبع وعللها\" ٢/ ١٨٤.\n(٣) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٤٢٩.\n(٤) \"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٥٨ ب.\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ٧٢ ب.\n(٦) \"تفسير مقاتل\" ٧٢ ب. و\"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٥٨ ب، ولم ينسبه. وأخرجه ابن جرير ٢٠/ ١٤٢، وابن أبي حاتم ٩/ ٣٠٥٠، عن ابن عباس، بلفظ: صدق لوطٌ.","vol":"17","page":514},{"text":"﴿وَقَالَ﴾ إبراهيم (١) ﴿إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي﴾ قال قتادة وابن عباس ومقاتل: هاجر من كُوْثَى إلى الشام (٢). وقال الكلبي: هاجر من أرض حرَّان إلى فلسطين، هجر قومه المشركين، وخرج من بينهم، وهو أول من هاجر الكفر وأهله وأرضه (٣).\nقال مقاتل: قوله: ﴿إِلَى رَبِّي﴾ يعني: إلى رضي ربي (٤)، والمعنى: إلى حيث أمرني ربي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3345>٢٧ </span>- ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ﴾ قال ابن عباس: من بعد إسماعيل ﴿وَيَعْقُوبَ﴾ من بعد إسحاق (٥) ﴿وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ وذلك أن الله -﷿- لم يبعث نبيًا من بعدِ إبراهيم إلا من صُلبه.\n﴿وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا﴾ قال: يريد أن أهل الأديان كلهم ينتحلون\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي حاتم ٩/ ٣٠٥٠، عن ابن عباس. وأخرجه ابن جرير ٢٠/ ١٤٣، عن الضحاك. و\"تفسير مقاتل\" ٧٢ ب. و\"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٣١٦. و\"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٥٨ ب.\n(٢) أخرجه ابن جرير ٢٠/ ١٤٢، وابن أبي حاتم ٩/ ٣٠٥٠، عن قتادة، زاد ابن أبي حاتم: من كوثى، وهي من سواء الكوفة. و\"تفسير مقاتل\" ٧٢ ب. وكوثى: قرية في العراق، في أرض بابل. وتطلق ويراد بها مكة، وذلك أن منزل بني عبد الدار يقال له: كوثى. \"تهذيب اللغة\" ١٠/ ٣٤٠ (كوث). و\"معجم البلدان\" ٤/ ٥٥٣. وهي معروفة الآن بالاسم نفسه شمال بغداد بحوالي ١٠٠ كم.\n(٣) \"تنوير المقباس\" ٣٣٤، وأخرجه ابن جرير ٢٠/ ١٤٣، عن ابن جريج. وذكره الثعلبي ٨/ ١٥٨ ب، ولم ينسبه. وهو قول الفراء، من حران إلى فلسطين. \"معاني القرآن\" ٢/ ٣١٦. وحرَّان: مدينة عظيمة مشهورة، وهي على طريق الموصل والشام. \"معجم البلدان\" ٢/ ٢٧١. وهي في أقصى شمال شرق سوريا حاليا.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ٧٢ ب.\n(٥) أخرجه ابن جرير ٢٠/ ١٤٣.","vol":"17","page":515},{"text":"حُبه (١)، ويتولونه. وهذا قول قتادة ومقاتل؛ قال قتادة: وليس من أهل دين إلا وهم يتولونه (٢).\nوقال مقاتل: يعني الثناء الحسن، والقالة الحسنة من أهل الأديان كلها (٣).\nوقال الكلبي: هو ما أُعطي من الولد الطيب، والثناء الحسن (٤).\nوقال السدي: أُري مكانَه في الجنة (٥).\nوقال الحسن: أجرُه في الدنيا: نيته الصالحة التي اكتسب بها الأجر في الآخرة (٦). وعلى هذا يكون التقدير: وآتيناه سبب أجره.\nقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ هذه الآية كالآية في آخر (سورة النحل)، في ذكر إبراهيم: ﴿وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٢٢)﴾ (٧). قال ابن عباس: يريد: مِثلَ: آدم ونوح (٨). يعني: أنه في درجتهما؛ لأن الله تعالى استخرج (٩) الذرية الطيبة كما استخرج منهما.\n_________\n(١) أي: يدعون حبه. \"تهذيب اللغة\" ٥/ ٦٥ (نحل).\n(٢) أخرجه عبد الرزاق ٢/ ٩٦، وابن جرير ٢٠/ ١٤٤، وابن أبي حاتم ٩/ ٣٠٥٢.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ٧٢ ب. وذكر نحوه الفراء، \"معاني القرآن\" ٢/ ٣١٦.\n(٤) \"تنوير المقباس\" ٣٣٤. وأخرجه ابن جرير ٢٠/ ١٤٤، عن ابن عباس. وذكره ابن قتيبة، \"غريب القرآن\" ٣٣٨، ولم ينسبه.\n(٥) ذكره عن السدي، ابن الجوزي \"زاد المسير\" ٦/ ٢٦٨.\n(٦) أخرجه ابن أبي حاتم ٩/ ٣٠٥٣.\n(٧) قال مقاتل عند هذه الآية: نظيرها في النحل. \"تفسير مقاتل\" ٧٢ ب.\n(٨) أخرجه ابن أبي حاتم ٩/ ٣٠٥٣، عنه بلفظ: الصالحين: الأنبياء والمؤمنين.\n(٩) هكذا في نسخة: (أ)، و: (ب). ولو زيدت: منه، لكان أوضح، فيكون الكلام لأن الله تعالى استخرج منه الذرية الطيبة.","vol":"17","page":516},{"text":"قال صاحب النظم: لما قال: ﴿وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا﴾ لم يُؤمَن أن يقال: إنه قد أخذ أجره في الدنيا، ولا خلاق له في الآخرة فأعلم -﷿- أن له مع ما أُعطي في الدنيا الدرجاتِ العلى بقوله: ﴿وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ اقتصاصًا من قوله: ﴿وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى (٧٥)﴾ [طه: ٧٥].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3346>٢٨ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلُوطًا﴾ قال مقاتل: وأرسلنا لوطًا (١). والآية مفسرة في سورة: الأعراف (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-3347>٢٩ </span>- وقوله: ﴿وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ﴾ قال ابن عباس: يريد: الطريق على المارَّ (٣).\nوقال مقاتل: وذلك أنهم يرمون ابن السبيل الحجارةَ بالخذف (٤)\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ٧٢ ب.\n(٢) الآية ٨٠ ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ (٨٠)﴾ قال الواحدي: قوله تعالى: ﴿وَلُوطًا﴾ ذكر الفراء في كتاب المصادر اشتقاق هذا الاسم، وأنكر عليه أبو إسحاق؛ وقال: الاسم الأعجمي لا يقال: إنه مشتق كإسحاق، لا يقال: إنه مشتق من السحق، وكتاب الله تعالى لا ينبغي أن يُقدَم على تأويله إلا برواية صحيحة، أو حجة واضحقى وقال النحويون: إنما صرف لوط فالحقيقة أنه على ثلاثة أحرف ساكن الأوسط. وقوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ﴾ يعني: إتيان الذكران في قول جميع المفسرين. ﴿مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ قالوا: ما نزل ذكر على ذكر حتى كان قوم لوط. قال الزجاج: وفي هذه الآية دليل على أن فاحشة اللواط لم يفعلها أحد قبل قوم لوط.\n(٣) ذكره عنه ابن الجوزي \"زاد المسير\" ٦/ ٢٦٨.\n(٤) الخذف، بالخاء المعجمة: الرمي بالحصى الصغار بأواف الأصابع، يقال. خذفه بالحصى خذفا. والحذف، بالحاء المهملة: الرمي عن جانب، تقول العرب: حذفه بالعصا، إذا رماه بها. \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٤٦٨ (حذف) بالحاء المهملة.","vol":"17","page":517},{"text":"فيقطعون سبيل المسافرين (١).\nقال ابن زيد في ذلك: إنهم كانوا يفعلون ذلك لمن مرَّ بهم من المسافرين، ومن ورد عليهم من الغرباء (٢).\nقال ابن عباس: فلما فعلوا المنكر ترك الناس المرَّ بهم، روي عن النبي -ﷺ- في تفسير هذه الآية: \"أن قوم لوط كانوا يجلسون في مجالسهم، وعند كل رجل منهم قصعة (٣) فيها حصى، فإذا مر بهم عابر سبيل خذفوه، فأيهم أصابه كان أولى به\" (٤).\nوقال الفراء في قوله: ﴿وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ﴾ قطعه أنهم كانوا يعترضون الناس من الطرق لعملهم الخبيث (٥). وحكى الزجاج قولًا آخر؛ فقال: جاء في التفسير: وتقطعون سبيل الولد (٦).\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ٧٢ ب. وأخرج أن المراد به الخذف، ابن جرير ٢٠/ ١٤٥، عن عكرمة، والسدي.\n(٢) أخرجه ابن جرير ٢٠/ ١٤٥، وابن أبي حاتم ٩/ ٣٠٥٤.\n(٣) القَصْعَة: وعاء يؤكل فيه ويثرد، وكان يتخذ من الخشب غالبًا، يشبع العشرة، والجمع: قِصاع، وقِصَعٌ. \"لسان العرب\" ٨/ ٢٧٤ (قصع)، و\"المعجم الوسيط\" ٢/ ٧٤٠.\n(٤) أخرجه الثعلبي ٨/ ١٥٨ ب، من طريق زياد بن أبي زياد يحدث عن معاوية يرفعه. وزياد بن أبي زياد الجصاص أبو محمد الواسطي، من الطبقة الصغرى من التابعين الذين رأوا الواحد والاثنين من الصحابة، ولم يثبت لبعضهم السماع من الصحابة، \"تقريب التهذيب\" المقدمة ٨٢، وترجمة زياد في ص ٣٤٥، ثم قال عنه ابن حجر: ضعيف، وترجم له ابن عدي في \"الكامل\" ٣/ ١٠٤٥، وصدر ترجمته بقوله: متروك الحديث. ولذا صدره البغوي في تفسيره ٦/ ٢٤٠، بـ: يُروى.\n(٥) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٣١٦.\n(٦) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٦٨، وذكره الفراء ٢/ ٣١٦. ولم ينسباه.","vol":"17","page":518},{"text":"قوله تعالى: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾ النادي: المجلس (١)؛ ذكرنا تفسيره عند قوله: ﴿وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾ [مريم: ٧٣] (٢) قال ابن عباس: استمكنت الفاحشة فيهم حتى فعل بعضهم ببعض في المجالس (٣).\nوقال مجاهد: المنكر: إتيانهم الرجال (٤).\nوقال القاسم بن محمد: هو الضراط؛ كانوا يتضارطون في مجالسهم (٥).\nوروي أن أم هانئ سألت رسول الله -ﷺ- عن المنكر الذي كانوا يأتونه في ناديهم، فقال: \"كانوا يخذفون أهل الطرق، ويسخرون بهم، فذلك المنكر\" (٦).\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٣١٦. و\"غريب القرآن\" لابن قتيبة ٣٣٨. ولم ينسباه.\n(٢) قال الواحدي في تفسير هذه الآية: الندي: فعيل بمعنى الفاعل، وهو المجلس، وكذلك النادي، يقال: ندوت القوم اندوهم نَدْوًا إذا جمعتهم، ويقال للموضع الذي يجتمعون فيه: النادي، والنادي لا يسمى ناديًا حتى يكون فيه أهله، وإذا تفرقوا لا يكون ناديًا، ومن هذا قوله: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾ [العنكبوت: ٢٩] ولذلك سميت دار الندوة بمكة؛ كانوا إذا حزبهم أمر نَدَوا إليها فاجتمعوا للتشاور.\n(٣) أخرجه ابن جرير ٢٠/ ١٤٦، وابن أبي حاتم ٩/ ٣٠٥٤، بلفظ: ﴿فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾ يقول: في مجالسكم.\n(٤) أخرجه ابن جرير ٢٠/ ١٤٦، وابن أبي حاتم ٩/ ٣٠٥٥. وذكره الثعلبي ٨/ ١٥٩ أ.\n(٥) أخرجه ابن أبي حاتم ٩/ ٣٠٥٥، والثعلبي ٨/ ١٥٩ أ، عن القاسم بن محمد. وأخرجه ابن جرير ٢٠/ ١٤٥، وابن أبي حاتم ٩/ ٣٠٥٤، عن عائشة -﵂- من طريق عروة بن الزبير.\n(٦) أخرجه ابن جرير٢٠/ ١٤٥، من ثلاثة طرق عن سماك بن حرب، عن أبي صالح، عن أم هانئ، أنها سألت رسول الله -ﷺ-، عن هذه الآية، فقال: \"كانوا يخذفون =","vol":"17","page":519},{"text":"وهو قول مقاتل في تفسير المنكر؛ يعني: الخذف بالحجارة (١).\nقال ابن قتيبة: المنكر: مَجَمعُ الفواحش من القول والفعل (٢).\nوقال أبو إسحاق: أعلم الله -﷿- أنه لا ينبغي أن يتعاشر الناس على المناكر، ولا يجتمعوا إلا فيما قرَّب إلى الله -﷿-، وباعد من سخطه، وأن لا يجتمعوا على الهزء والتلهي (٣). فلما أنكر لوط على قومه بما كانوا يأتونه من القبائح قالوا له استهزاء: ﴿ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ أن العذاب نازل بنا (٤)، وذلك أنه توعدهم بالعذاب إن لم يؤمنوا فعند ذلك:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3348>٣٠ </span>- ﴿قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي﴾ قال مقاتل: أي بتحقيق قولي في العذاب فعذبهم (٥).\n_________\n= أهل الطريق ويسخرون منهم\". وابن أبي حاتم ٩/ ٣٠٥٤، من الطريق نفسه، وأخرجه من الطريق نفسه الثعلبي ٨/ ١٥٨ ب. وأخرجه الحاكم ٢/ ٤٤٤، كتاب التفسير، رقم (٣٥٣٧)، من طريق سماك بن حرب، وقال: صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. وأخرجه من هذا الطريق الترمذي ٥/ ٣١٩، في التفسير رقم (٣١٩٠)، وقال: حديث حسن، إنما نعرفه من حديث حاتم بن أبي صغيرة عن سماك. وقال الألباني: ضعيف الإسناد جدًا. \"ضعيف سنن الترمذي\" ٤٠١، ولم يُحل على شيء من كتبه. ولعل علته سماك بن حرب، فقد قال عنه ابن حجر: صدوق وروايته عن عكرمة خاصة مضطربة، وقد تغير في آخر حياته، فكان ربما تلقن. \"تقريب التهذيب\" (٤١٥) رقم (٢٦٣٩). وأبو صالح الراوي عن أم هانئ، اسمه: باذام، ضعيف يرسل. \"تقريب التهذيب\" ١٦٣، رقم (٦٣٨).\n(١) \"تفسير مقاتل\" ٧٢ ب.\n(٢) \"غريب القرآن\" لابن قتيبة (٣٣٨).\n(٣) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٦٨.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ٧٢ ب. و\"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٥٩ أ.\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ٧٢ ب.","vol":"17","page":520},{"text":"قوله تعالى: ﴿عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ﴾ يعني: العاصين بإتيان الرجال في أدبارهم. قاله الكلبي ومقاتل (١). قال الكلبي: فاستجاب الله دعاءه فبعث جبريل في اثني عشر ملَكًا فذلك قوله:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3349>٣١ </span>- ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى﴾ قال ابن عباس: بإسحاق، ومن وراء إسحاق يعقوب (٢) ﴿قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ﴾ يعنون قرية لوط (٣) ﴿إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ﴾ يعني: مشركين. وما بعد هذه الآية مفسر في سورة: هود (٤)، إلى قوله: ﴿وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالُوا لَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾\n<span data-type=\"title\" id=toc-3350>٣٣ </span>- ﴿إِنَّا مُنَجُّوكَ﴾ يعني: بناتك. قال المبرد: الكاف في ﴿مُنَجُّوكَ﴾ مخفوضة، فلم يجز أن يعطف الظاهر على المضمر المخفوض لعلة ذكرناها في قوله: ﴿تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ [النساء: ١] (٥) فحمل الثاني على المعنى فصار في التقدير: وننجي أهلك ومنجون أهلك، وهذا جائز مستحسن (٦)\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ٧٢ ب. وفي \"تنوير المقباس\" ٣٣٤: المشركين.\n(٢) تفسير ابن جرير ٢٠/ ١٤٧، والثعلبي ٨/ ١٥٩ أ، ولم ينسباه.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ٧٣ أ. و\"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٥٩ أ.\n(٤) الآيات ٦٩ - ٨٠.\n(٥) قال الواحدي في تفسير هذه الآية: (قرأ حمزة: ﴿وَالْأَرْحَامَ﴾ بالعطف على المكنَّى في ﴿بِهِ﴾ كما يقال: سألتك بالله والرحمِ، ونشدتك بالله والرحمِ، وإنما حمله على هذه القراءة ما ورد في التفسير أن المشركين كانوا يقولون: نناشدك بالله والرحم .. ثم قال: وضعف النحويون كلهم هذه القراءة، واستقبحوها ..) وراجع باقي كلامه في الموضع المذكور.\n(٦) مستحسن، غير موجودة في نسخة: (ب).","vol":"17","page":521},{"text":"مستعمل كثيرًا في كلامهم (١)، وأنشد سيبويه أبياتًا كثيرة، منها قول لبيد:\nفإن لم تجدْ مِنْ دونِ عدنان والدًا ... ودونَ مَعدٍ فَلْتَزَعكَ العواذلُ (٢)\nوأنشد أيضًا لجرير:\nجئني بمثلِ بَني بدرٍ لقومهمِ ... أوْ مِثلَ أُسرةِ منْظورِ بنِ سيَّارِ (٣)\nولو خفض: مثلَ، لكان جيدًا بالغًا؛ وهو الباب. والنصب على الموضع فكأنه قال: أو هاتِ مثلَ: أُسرةِ منظور.\n_________\n(١) قال أبو حيان: والكاف في مذهب سيبويه في موضع جر ﴿وَأَهْلَكَ﴾ منصوب على إضمار فعل: أي: وننجي أهلك. البحر المحيط ٧/ ١٤٦. قال المبرد: لما لم يجز أن تعطف الظاهر على المضمر المجرور حملته على الفعل، كقوله تعالى: ﴿إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ﴾ كأنه قال: ومنجون أهلك، ولم تعطف على الكاف المجرورة. \"المقتضب\" ٤/ ١٥٢.\n(٢) أنشده سيبويه، \"الكتاب\" ١/ ٦٨، ونسبه للبيد، وقد استشهد به على العطف على الموضع، فعطف: دون، المنصوب، على محل: دون، المجرور بمن. \"حاشية المقتضب\" ٤/ ١٥٢. واستشهد به المبرد، وصدره بقوله: ومما تنشده العرب نصبًا، وجرًا، لاشتمال المعنى عليهما جميعًا قول لبيد. \"المقتضب\" ٤/ ١٥٢. والبيت من قصيدة للبيد بن ربيعة الصحابي -﵁-، يرثي بها النعمان بن المنذر، ملك الحِيرة. \"ديوانه\" (١٣١)، و\"الخزانة\" ٢/ ٢٥٢، و\"الشعر والشعراء\" ١٧٥.\n(٣) أنشده سيبويه ١/ ٩٤، و\"المبرد\"، في \"المقتضب\" ٤/ ١٥٣، ونسباه لجرير. ولفظه عند المبرد: جيئوا. وهو في ديوان جرير ٢٤٢. والشاهد فيه العطف على المحل، تقديره: أو هات مثل أسرة منظور.\nوالبيت لجرير يخاطب فيه الفرزدق، مفتخرًا عليه بسادات قيس؛ لأنهم أخواله، وبنو بدر من فزارة، ومنظور ابن سيار بن عمرو، من فزارة أيضًا. \"حاشية الكتاب\" ١/ ٩٤. وأورده ابن جني في \"المحتسب\" ٢/ ٧٨، ممثلًا به على ما نصب بإضمار فعل يدل عليه ما قبله.","vol":"17","page":522},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3351>٣٤ </span>- وقوله: ﴿رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ قال ابن عباس: عذابًا (١). قال مقاتل: يعني الخسف، والحَصْب (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-3352>٣٥ </span>- وقوله: ﴿وَلَقَدْ تَرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً﴾ يعني: آثار منازلهم الخَرِبة. وهو معنى قول ابن عباس (٣). يريد الأنهار التي كانت في قراهم، والنخيل التي قَلَت (٤) فهي إلى اليوم لا ينتفع بشيء منها. وقال قتادة: هي الأحجار التي أبقاها الله (٥)، فأدركها أوائل هذه الأمة. وقال مجاهد: هي الماء الأسود على وجه الأرض (٦).\n<span data-type=\"title\" id=toc-3353>٣٦ </span>- وقوله: ﴿وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ قال مقاتل: واخشوا البعث الذي فيه جزاء الأعمال (٧).\n<span data-type=\"title\" id=toc-3354>٣٨ </span>- وقوله: ﴿وَعَادًا وَثَمُودَ﴾ قيل: هو عطف على الكناية في ﴿فَأَخَذَتْهُمُ﴾ (٨). وقيل: هو عطف، معناه: وفتنا عادًا، رجوعًا إلى قوله:\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي حاتم ٩/ ٣٠٥٨، عن ابن عباس، وأخرجه ابن جرير ٢٠/ ١٤٨، وابن أبي حاتم ٩/ ٣٠٥٨، عن قتادة.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ٧٣ أ. الحَصْبُ: رميك بالحصباء، يقال: حَصَبْته أحْصِبُه حَصْبًا: إذا رميته بالحصباء، والحجر المرمي به: حَصَب. \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٢٦٠ (حصب).\n(٣) \"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٥٩ أ، منسوبًا لابن عباس.\n(٤) القَلَت: الهلاك. \"تهذيب اللغة\" ٩/ ٥٨ (قلت).\n(٥) أخرجه عبد الرزاق ٢/ ٩٨، وابن جرير ٢٠/ ١٤٩، وابن أبي حاتم ٩/ ٣٠٥٨. وذكره الثعلبي ٨/ ١٥٩ أ، عن قتادة، وأبي العالية.\n(٦) \"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٥٩ أ. ولعله يعني ما قيل من إن الأرض التي أهلكوا فيها، مكانها الآن البحر الميت، المسمى بأسماء متعددة، نظرًا لتميزه عن غيره من البحار بخواص لا توجد في غيره. انظر: مجلة القافلة رمضان ١٤١٩.\n(٧) \"تفسير مقاتل\" ٧٣ أ.\n(٨) وهو اختيار النحاس، \"إعراب القرآن\" ٣/ ٢٥٦.","vol":"17","page":523},{"text":"﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ (١) وقال الزجاج: وأهلكنا عادًا وثمودًا (٢). وهو قول مقاتل (٣). وذلك أن الذين ذُكروا قبل هذا ذُكر إهلاكهم.\nوقوله: ﴿وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ﴾ يقول: ظهرَ لكم يا أهلَ مكة مِنْ منازلهم بالحِجْر واليمن، آيةٌ في إهلاكهم. قاله ابن عباس ومقاتل (٤). والمعنى: وقد تبين لكم من مساكنهم ما يُخبركم به عن إهلاكهم، فحُذف فاعل التبيين استغناءً بظهوره في المعنى.\nقوله تعالى: ﴿وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾ قال ابن عباس: يريد أنهم كانوا ينتسبون إلى العقل والبصائر، فلم ينتفعوا بذلك (٥). واختاره الفراء؛ فقال: عقلاء ذوي بصائر (٦).\nوقال مقاتل: كانوا مستبصرين في دينهم يحسبون أنهم على هدى (٧). وهذا قول الكلبي؛ قال: كانوا يرون أن أمرهم حق (٨). ونحوه قال الضحاك (٩).\n_________\n(١) ذكره النحاس عن الكسائي قال: قال بعضهم، ولم يسمهم. \"إعراب القرآن\" ٣/ ٢٥٦.\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٨٦.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ٧٣ ب.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ٧٣ ب. و\"تنوير المقباس\" ٣٣٥.\n(٥) أخرجه ابن جرير ٢٠/ ١٥٠، وابن أبي حاتم ٩/ ٣٠٦٠، بلفظ: كانوا مستبصرين في دينهم.\n(٦) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٣١٧. دون قوله: عقلاء.\n(٧) \"تفسير مقاتل\" ٧٣ ب.\n(٨) \"تنوير المقباس\" ٣٣٥.\n(٩) \"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٥٩ أ. منسوبًا للكلبي، والضحاك. وأخرجه ابن جرير ٢٠/ ١٥٠، عن الضحاك.","vol":"17","page":524},{"text":"وقال قتادة. كانوا مستبصرين في ضلالتهم معجبين بها (١). وهو معنى قول مجاهد (٢).\nوقال أبو إسحاق: أَتوا ما أتوه وقد بين لهم أن عاقبته العذاب (٣). ومعنى المستبصر في اللغة: ذوي البصيرة، يقال: استبصر في أمره ودينه، إذا كان ذا بصيرة (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3355>٤٠ </span>- ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ﴾ أي: عاقبنا (٥) بتكذيبه الرسل، ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا﴾ قال ابن عباس: يريد قوم لوط (٦)، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ﴾، يريد: عادًا وثمود ومدين (٧)، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ﴾ يعني: قارون وأصحابه، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا﴾ يريد قوم نوح\n_________\n(١) أخرجه عبد الرزاق ٢/ ٩٧، وابن جرير ٢٠/ ١٥٠. و\"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٥٩ أ.\n(٢) أخرجه ابن جرير ٢٠/ ١٥٠.\n(٣) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٦٩.\n(٤) \"تهذيب اللغة\" ١٢/ ١٧٤ (بصر).\n(٥) \"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٥٩ ب.\n(٦) أخرجه ابن جرير ٢٠/ ١٥١. و\"تفسير مقاتل\" ٧٣ ب، و\"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٥٩ ب، ولم ينسبه. و\"غريب القرآن\" لابن قتيبة ٣٣٨، وفيه: يعني: الحجارة، وهي الحصباء أيضًا.\n(٧) \"تفسير مقاتل\" ٧٣ ب. وهذا من الواحدي جمع بين الأقوال الواردة في المراد بمن أخذته الصيحة؛ فقد أخرج ابن جرير ٢٠/ ١٥١، عن ابن عباس: ثمود، وأخرج عن قتادة: قوم شعيب. ثم جمع بين هذا بقوله: إن الله قد أخبر عن ثمود وقوم شعيب، من أهل مدين أنه أهلكهم بالصيحة في كتابه في غير هذا الموضع، ثم قال جل ثناؤه لنبيه -ﷺ-: فمن الأمم التي أهلكناهم من أرسلنا عليه حاصبًا، ومنهم من أخذته الصيحة، فلم يخصص الخبر بذلك عن بعض من أخذته الصيحة من الأمم دون بعض، وكلا الأمتين أعني ثمود ومدين قد أخذتهم الصيحة.","vol":"17","page":525},{"text":"وفرعون (١).\n﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾ قال: يريد: أمهلهم وأنذرهم فكذبوا النذر.\nوقال مقاتل: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾ فيعذبهم على غير ذنب (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3356>٤١ </span>- ثم ضرب لهم مثلًا فقال: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ﴾ يعني: الأصنام يتخذونها أولياء يرجون نصرها ونفعها (٣) ﴿كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ﴾ قال الليث: هي دويبة تنسج نسجًا رقيقًا مهلهلًا، بين الهواء، وعلى رأس البئر (٤). ويجمع: العناكب، قال ذو الرمة:\nهي اصطنعته وحدها أو تعاونت ... على نسجها بين الصفيح عناكبه (٥)\n_________\n(١) أخرجه ابن جرير ٢٠/ ١٥٢، عن ابن عباس. و\"تفسير مقاتل\" ٧٣ ب. و\"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٥٩ ب.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ٧٣ ب.\n(٣) \"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٥٩ ب.\n(٤) كتاب \"العين\" ٢/ ٣٠٩ (عنكب)، ونقله عنه الأزهري، \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٣٠٩. وتعيش العناكب في أي مكان يتوفر فيه أغذاؤاها، ويمكن مشاهدتها في الحقول، والغابات، والمستنقعات، والكهوف، والصحاري، وهناك نوع من العناكب يمضي معظم حياته تحت الماء، ويعيش نوع آخر بالقرب من قمة جبل: إيفرست، أعلى جبل على الكرة الأرضية، وتعيش بعض العناكب داخل المنازل، ومخازن الحبوب، والحظائر وغيرها، ويوجد ما يقرب من ثلاثين ألف نوع من العناكب، وقد تصل إلى مائة ألف نوع، وحجم بعض العناكب أصغر من رأس الدبوس، وبعضها كبير بحيث يصل إلى حجم كف يد الإنسان، أو أكبر قليلًا، فسبحان الله العظيم. انظر مجلة: \"القافلة\" صفر ١٤١٩ هـ بقلم د/ أحمد محمد الصغير.\n(٥) كتاب \"العين\" ٢/ ٣٠٩ (عنكب) ونسب البيت لذي الرمة، ولفظه:\nهي اصطنعته نحوها وتعاونت ... على نسجها بين المثاب عناكبه.","vol":"17","page":526},{"text":"وقال أيضًا يصف دلوًا عتيقة العهد بالاستقاء:\nفجاءتْ بنَسْج العنكبوت كأنه ... على عَصَوَيْها سَابريٌّ مُشَبْرَقُ (١)\nويجوز في جمع العنكبوت: عناكيب وعنكبوتات، ويصغر: عُنَيْكبا، وعُنَيْكيبا (٢)، وأهل اليمن يقولون: عَنْكبوه بالهاء (٣).\nقال اللحياني: ويقال للعنكبوت: عَكَنْبَاة، وأنشد:\nكأنما يسقطُ من لُغامها ... بيتُ عَكَنْبَاةٍ على زِمامِها (٤)\nقال الفراء: العنكبوت أنثى، وقد يذكرها بعض العرب، وأنشد:\nعلى هَطَّالهم منها بيوتٌ ... كأن العنكبوت هو ابتَنَاها (٥)\n_________\n= ورواية الديوان ٢٩٩:\nهي انتسجته وحدها أو تعاونت ... على نسجه بين المثاب عناكبه\nوفي شرح الديوان: المثاب: مقام الساقي حيث يضع رجليه. ولم أجد البيت في \"تهذيب اللغة\".\n(١) ديوان ذي الرمة ١٧٨، وقال الخطيب التبريزي في شرحه: فجاءت: يعني الدلو، كأنه: كأن النسيج، على عصويها: يعني: العَرَاقي، مشبرق: مقطع مشقق. أ. هـ. يقال للخشبتين اللتين تعرضان على الدلو كالصليب: العَرْقُوتان؛ وهي العَراقي. \"تهذيب اللغة\" ١/ ٢٢٧ (عرق). والسابري من الثياب: الرقاق، والبيت في \"لسان العرب\" ٤/ ٣٤١، للدلالة على ذلك، ونسبه لذي الرمة.\n(٢) \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٣٠٩ (عنكب).\n(٣) \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٣٠٩ (عنكب)، من كلام الليث. وفي كتاب \"العين\" ٢/ ٣٠٩: العنكبوت بلغة أهل اليمن: العنكبوه، والعنكباه، والجمع: العناكب.\n(٤) \"لسان العرب\" ١/ ٦٣٢ (عنكب)، عن اللحياني، وفيه إنشاد البيت، دون نسبة. لُغام البعير: زَبَده، واللُّغام: زَبَد أفواه الإبل. \"لسان العرب\" ١٢/ ٥٤٥ (لغم). والزِّمام: الحبل الذي تشد به الإبل؛ يقال: زممت البعير، أي: خطمته. \"لسان العرب\" ١٢/ ٢٧٢ (زمم).\n(٥) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٣١٧، ولم ينسب البيت، وفي الحاشية: هطال: جبل، =","vol":"17","page":527},{"text":"قال الكلبي: بيت العنكبوت لا يغني عنها في حر ولا قُرَّ (١) ولا مطر، كما أن آلهتهم لا ترزقهم شيئًا، ولا تملك لهم ضرًا ولا نفعًا (٢).\nوقال أبو إسحاق: إن بيت العنكبوت لا بيتَ أضعفُ منه فيما يتخذه الهوام، ولا أقل وقاية من حر أو برد؛ والمعنى: أن أولياءهم لا ينفعونهم، ولا يرزقونهم، ولا يدفعون عنهم ضررًا، كما أن بيت العنكبوت غير موقٍ لها (٣).\nقوله تعالى: ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ أي: لو كانوا يعلمون أن اتخاذهم الأولياء كاتخاذ العنكبوت بيتًا؛ ليس أنهم لا يعلمون أن بيت العنكبوت ضعيف (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3357>٤٢ </span>- وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ قرئ: (يَدْعُونَ) بالياء والتاء (٥)؛ فمن قرأ بالياء فلتقدم الغيبة في قوله: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا﴾ ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ والتاء على: قل لهم: إن الله يعلم ما تدعون، لا يكون إلا على هذا؛ لأن المسلمين لا يخاطبون بذلك (٦).\n_________\n= ورواية البيت عند الفراء، والأزهري ٣/ ٣٠٩، و\"لسان العرب\" ١/ ٦٣٢: منهم. وفي النسختين: منها. وعن الفراء ذكره الثعلبي ٨/ ١٥٩ ب. ولم ينسبوه.\n(١) القُرُّ: البرد. \"تهذيب اللغة\" ٨/ ٢٧٦ (قرر). وفي \"تنوير المقباس\" ٣٣٥: برد.\n(٢) \"تنوير المقباس\" ٣٣٥. وأخرج نحوه عبد الرزاق ٢/ ٩٧، عن قتادة.\n(٣) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٦٩.\n(٤) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٦٩، بمعناه.\n(٥) قرأ ابن كثير ونافع وابن عامر وحمزة والكسائي: ﴿تَدْعُونَ﴾ بالتاء، وقرأ أبو عمرو وحفص عن عاصم: ﴿يَدْعُونَ﴾ بالياء. \"السبعة\" ٥٠١، و\"الحجة\" ٥/ ٤٣٣، و\"النشر\" ٢/ ٣٤٣.\n(٦) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٤٣٤، بنصه.","vol":"17","page":528},{"text":"قال أبو علي: و(مَا) استفهام، وموضعها نصب بـ (تَدْعُونَ) ولا يجوز أن يكون نصبًا بـ (يَعْلَمُ) ولكن الجملة التي هي منها في موضع نصب بـ (يَعْلَمُ) والتقدير: إن الله يعلم أَوَثَنًا تدعون من دونه أو غيره، أي: لا يخفى ذلك عليه فيؤاخذكم بكفركم ويعاقبكم عليه، ولدل على أن (مَا) استفهام: دخول (مِنْ) في الكلام، وإنما هي تدخل في نحو قولك: هل من طعام؟ وهل من رجل؟ ولا تدخل في الإيجاب، وهذا قول الخليل (١)، وكذلك قوله: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ﴾ [الأنعام: ١٣٥] والمعنى: فستعلمون المسلم تكون له عاقبة الدار أم الكافر، وكل ما كان من هذا، فهكذا القول فيه، وهو (٢) قياس قول الخليل (٣).\nقوله: ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ قال مقاتل: يعني من الأصنام (٤) ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ المنيع القادر ﴿الْحَكِيمُ﴾ في خلقه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3358>٤٣ </span>- قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ﴾ يعني أمثال القرآن، وهي التي شبه بها أحوال كفار هذه الأمم المتقدمة يبينها للناس ﴿نَضْرِبُهَا﴾ لكفار مكة. قاله مقاتل (٥). وقال الكلبي: للناس عامة (٦).\n﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ قال مقاتل: يقول: وما يعقل الأمثال إلا العلماء الذين يعقلون عن الله الأمثال (٧).\n_________\n(١) \"الكتاب\" ٣/ ١٤٨، قال: فما هاهنا بمنزلة: أيهم.\n(٢) وهو غير موجودة في نسخة: (أ)، (ب).\n(٣) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٤٣٤.\n(٤) و(٥) \"تفسير مقاتل\" ٧٣ ب.\n(٦) هذا القول أعم ويدخل فيه أهل مكة دخولًا أوليا.\n(٧) \"تفسير مقاتل\" ٧٣ ب.","vol":"17","page":529},{"text":"وقال الكلبي: إلا عالم أراد الله له ذلك، فيعلم ما ضرب له المثل في القرآن. وروى أبو الزبير، عن جابر، أن النبي -ﷺ- تلا هذه الآية، فقال: \"العالم من عَقَل عن الله\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3359>٤٤ </span>- قوله تعالى: ﴿خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾ مضى تفسيره في سورة: الأنعام (٢)، وأوائل سورة: يونس (٣).\n_________\n(١) قال الزيلعي: رواه داود بن المحبر في كتاب العقل، حدثنا عباد بن كثير، عن ابن جريج، عن عطاء وأبي الزبير، عن جابر بن عبد الله، وعن داود بن المُحبَّر رواه الحارث بن أبي أسامة في مسنده، ومن طريق الحارث رواه الثعلبي، والواحدي في \"تفسيره\". تخريج الزيلعي للكشاف ٣/ ٤٣، وأخرجه الثعلبي ٨/ ١٥٩ ب، والواحدي في \"الوسيط\" ٣/ ٤٢٠. كلاهما من طريق الحارث، عن داود المحبر به، ولفظه: (العاقل من عقل عن الله فعمل بطاعته، واجتنب سخطه). قال ابن حجر: داود بن المُحَبَّر، أبو سليمان البصري، نزيل بغداد، متروك، وأكثر كتاب العقل الذي صنفه: موضوعات. \"تقريب التهذيب\" ٣٠٨، رقم (١٨٢٠). قال الدارقطني: كتاب العقل، وضعه أربعة: أولهم ميسرة بن عبد ربه، ثم سرقه داود ابن المحبر منه، فركبه بأسانيد غير أسانيد ميسرة، وسرقه عبد العزيز بن أبي رجاء، فركبه بأسانيد أخر، ثم سرقه سليمان بن عيسى السجزي فأتى بأسانيد أخر. \"الموضوعات\" لابن الجوزي ١/ ٢٧٧. قال المناوي: كتاب العقل لداود كله موضوع. \"الفتح السماوي\" ٢/ ٨٩٧.\n(٢) عند قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ ..﴾ [٧٣] قال الواحدي: أي: بكمال قدرته، وشمول علمه، وإتقان صنعه، وكل ذلك حق، ثم أحال على تفسير سورة يونس.\n(٣) في تفسير الآية ٣، من سورة يونس ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ أحال الواحدي في تفسيرها على سورة الأعراف. وفي تفسير قوله تعالى: ﴿مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [يونس: ٥]، قال: قوله تعالى: ﴿بِالْحَقِّ﴾ قال ابن عباس: يريد بالعدل لأنه هو الحق، وكل ما جاء من عنده هو الحق ..","vol":"17","page":530},{"text":"﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ أي: في خلقها ﴿لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ لدلالة على قدرة الله تعالى وتوحيده.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3360>٤٥ </span>- قوله تعالى: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ﴾ قال ابن عباس: يعني القرآن (١) ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ﴾ يريد: وأتم الصلاة (٢). ونحو ذلك قال مقاتل (٣).\n﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ كان ابن مسعود يقول: إن نبي الله -ﷺ- كان يقول: \"لا صلاة لمن لم يطع الصلاة، ومن انتهى عن الفحشاء والمنكر فقد أطاع الصلاة\" (٤). وقال -ﷺ-: \"من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد من الله إلا بعدًا، ولم يزدد من الله إلا مقتًا\" (٥).\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي حاتم ٩/ ٣٠٦٥، عن الحسن.\n(٢) في نسخة (أ)، (ب): الصوم. وهو خطأ. وقول ابن عباس في \"تنوير المقباس\" ٣٣٦.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ٧٣ ب.\n(٤) أخرجه الثعلبي ٨/ ١٦٠ ب، من طريق جويبر، عن الضحاك، عن عبد الله بن مسعود، يرفعه. وهذا إسناد ضعيف منقطع؛ فالضحاك لم يسمع من ابن مسعود، وجويبر ضعيف جدًا.\nوأخرجه ابن جرير ٢٠/ ١٥٥، من طريق جويبر عن الضحاك عن ابن مسعود يرفعه، بلفظ: \"لا صلاة لمن لم يطع الصلاة، وطاعة الصلاة أن تنهى عن الفحشاء والمنكر\".\n(٥) أخرجه عبد الرزاق ٢/ ٩٨، بإسناده عن معمر عمن سمع الحسن يحدث عن النبي -ﷺ-، وهو بهذا حديث مرسل، وفيه جهالة من روى عن الحسن. ولفظه: بعدا. وأخرجه أيضًا بإسناده عن الثوري عن إسماعيل عن الحسن يرفعه. باللفظين: بعدًا، ومقتا. وأخرجه ابن جرير ٢٠/ ١٥٥، موقوفًا على ابن مسعود -﵁-. وأخرجه ابن أبي حاتم ٩/ ٣٠٦٦، من طريق الحسن، عن عمران بن حصين يرفعه بلفظ: \"من لم تنه صلاته عن الفحشاء والمنكر فلا صلاة له\" وأخرج أيضًا من طريق أبي معاوية، عن ليث، عن طاوس، عن ابن عباس، يرفعه. =","vol":"17","page":531},{"text":"وقال ابن عباس: يقول في الصلاة منتهى ومزدجر عن معاصي الله فمن لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر، لم يزدد إلا بعدًا (١). وهذا قول الحسن وقتادة؛ قالا: من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر، فليست صلاته بصلاة، هي وبال عليه (٢).\nومعنى هذا التأويل: أن الله تعالى أخبر أن الصلاة ناهية عن الفحشاء والمنكر، فمن أقامها ثم لم ينته عن المعاصي لم تكن صلاته بالصفة التي وصفها الله تعالى، وإذا لم تكن بتلك الصفة لم تكن صلاة، فإن تاب هذا المقيمُ الصلاةَ يومًا وترك معاصيه، تبين أن ذلك من نهي الصلاة، وأن صلاته كانت نافعة له ناهية، وإن لم ينته إلا بعد زمان؛ كما روي أن رجلًا\n_________\n- قال ابن كثير ٣/ ٤١٥: والأصح في هذا كله الموقوفات عن ابن مسعود، وابن عباس والحسن، وقتادة، والأعمش، وغيرهم، والله أعلم. وذهب إلى هذا الألباني؛ فقد قال بعد أن ساق روايات الحديث وطرقه: وجملة القول أن الحديث لا يصح إسناده إلى النبي -ﷺ-، وإنما صح من قول ابن مسعود، والحسن البصري، وروي عن ابن عباس، ولهذا لم يذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه: الإيمان، إلا موقوفًا على ابن مسعود وابن عباس ﵄. وقد نقد متن الحديث شيخ الإسلام ﵀ لمخالفته لظاهر الآية؛ قال: هذا الحديث ليس بثابت عن النبي -ﷺ-، لكن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر كما ذكر الله في كتابه، وبكل حال فالصلاة لا تزيد صاحبها بعدًا، بل الذي يصلي خير من الذي لا يصلي وأقرب إلى الله منه وإن كان فاسقًا. ذكر هذا عن الشيخ الألباني، ونسبه لمخطوطة اطلع عليها في المكتبة الظاهرية، تحت عنوان: فقه حنبلي ٣/ ١٢/ ١ - ٣. وقد تكلم عن نقد متن هذا الحديث باستفاضة الألباني، \"سلسلة الأحاديث الضعيفة\" ١/ ١٥، رقم الحديث (٢).\n(١) أخرجه ابن جرير ٢٠/ ١٥٥، وابن أبي حاتم ٩/ ٣٠٦٦. وذكره الثعلبي ٨/ ١٦٠ أ، عن ابن عباس، وابن مسعود.\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٦٩. وأخرجه عنهما ابن جرير ٢٠/ ١٥٥، بنحوه.","vol":"17","page":532},{"text":"من الأنصار على عهد رسول الله -ﷺ- كان يصلي الخمس، ثم لا يدع شيئًا من الفواحش إلا رَكِبَه فوُصِف لرسول الله -ﷺ- حالُه؛ فقال: \"إن صلاته تنهاه يومًا ما\" فلم يلبث أن تاب وحسن حاله، فقال رسول الله -ﷺ-: \"ألم أقل لكم: إن صلاته تنهاه\" (١).\nوروى السدي عن أصحابه في قوله: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ قال: الرجل يصلي الصلاة فيحسنها ثم يهم أن يعمل الخطيئة فيذكر صلاته، فيقول: لا أفسد صلاتي.\nوفي الآية قول ثانٍ؛ قال مقاتل: إن الإنسان ما دام يصلي لله فقد انتهى عن الفحشاء والمنكر، لا يعمل بهما ما دام يصلي حتى ينصرف (٢). وهو قول الكلبي وابن عون (٣)؛ قالا: إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ما كان فيها (٤)؛ لأنه إن فعل شيئًا من هذين بطلت صلاته. واختار ابن قتيبة\n_________\n(١) ذكره الثعلبي ٨/ ١٦٠ أ، بنصه، عن أنس بن مالك، يرفعه. قال عنه الزيلعي في تخريج أحاديث الكشاف ٣/ ٤٦: غريب. وأما ابن حجر فقال: لم أجده. \"الكافي الشاف\" ٣/ ٤٤٣، بحاشية الكشاف. لكن يشهد لمعنى هذا الحديث حديث أبي هريرة -﵁-، أن النبي -ﷺ-، قيل له: إن فلانًا يصلي الليل كله فإذا أصبح سرق! قال: \"سينهاه ما تقول، أو قال: ستمنعه صلاته\". أخرجه الإمام أحمد ١٥/ ٤٨٣، رقم (٩٧٧٨)، ط: الرسالة، وقال محققو المسند: إسناده صحيح. وأخرجه أيضًا ابن الجعد في \"مسنده\" (٣٠٦)، رقم (٢٠٦٩)، بلفظ: ستنهاه قراءته. وأخرجه ابن حبان، \"الإحسان\" ٦/ ٣٠٠، رقم الحديث (٢٥٦٠). وصحح إسناده الألباني، \"سلسله الأحاديث الضعيفة\" ١/ ١٦، عند كلامه على الحديث رقم (٢).\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ٧٣ ب.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ٧٣ ب.\n(٤) أخرجه عبد الرزاق ٢/ ٩٧، عن الكلبي. و\"تنوير المقباس\" ٣٣٦. وأخرجه ابن =","vol":"17","page":533},{"text":"هذا القول؛ وقال: المصلي لا يكون في منكر ولا فاحشة ما دام فيها (١).\nقال الكلبي: ﴿الْفَحْشَاءِ﴾ المعصية (٢). وهو: ما قبح من العمل ﴿وَالْمُنْكَرِ﴾ ما لا يعرف في شريعة ولا سنة (٣). والقول هو الأول (٤).\nوقوله: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ اختلفوا فيه على وجهين؛ روى عبد الله ابن ربيعة عن ابن عباس قال: ذكر الله إياكم أكبر من ذكركم إياه (٥).\nوروى عطية عنه قال: هو قوله: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢] قال: فذكر الله إياكم أكبر من ذكركم إياه (٦). وهو: قول عبد الله، وسلمان، ومجاهد، ومقاتل؛ قال: يقول: إذا صليت لله فقد ذكرته، فيذكرك الله\n_________\n= جرير ٢٠/ ١٥٥، عن ابن عون، وكذا ابن أبي حاتم ٩/ ٣٠٦٦، وقد كتب اسمه تصحيفًا: أبو غوث!. وذكره الثعلبي ٨/ ١٦٠ أ، عن ابن عون.\n(١) \"غريب القرآن\" لابن قتيبة ٣٣٨.\n(٢) \"تنوير المقباس\" ٣٣٦. وأخرجه ابن أبي حاتم ٩/ ٣٠٦٧، عن ابن عباس، وعكرمة والحسن.\n(٣) \"تنوير المقباس\" ٣٣٦. الفحشاء من المنكر، فتكون الآية من باب عطف العام على الخاص، كقوله تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ١٣٦].\n(٤) أي: أن الصلاة تنهى صاحبها عن الفحشاء والمنكر ولو بعد حين.\n(٥) أخرجه عبد الرزاق ٢/ ٩٨، وابن جرير ٢٠/ ١٥٦، وابن أبي حاتم ٩/ ٣٠٦٧، كلهم من طريق عبد الله بن ربيعة. وأخرجه كذلك الحاكم ٢/ ٤٤٤، كتاب التفسير، رقم (٣٥٣٨)، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وقال الذهبي: صحيح.\n- عبد الله بن ربيعة بن يزيد الدمشقي، أخرج له الترمذي، ولم أجد له ترجمة قال عنه ابن حجر: مجهول. \"تهذيب الكمال\" ١٤/ ٤٨٩، و\"تقريب التهذيب\" ٥٠٥.\n(٦) أخرجه ابن جرير ٢٠/ ١٥٦. وأخرجه الثعلبي ٨/ ١٦٠ أ، مرفوعًا من طريق نافع، عن ابن عمر.","vol":"17","page":534},{"text":"بخير، وذكرُ الله إياك أفضل من ذكرك إياه في الصلاة (١).\nونحو هذا قال السدي وسعيد بن جبير (٢). وعلى هذا الوجه معنى قوله: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ بعد قوله: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ هو: أن الله لما أمر بإقام الصلاة، والصلاة لا تخلو من ذكر الله فكأنه أمر بذكره، فلما أمر بذكره أخبر أن ذكر الله العبد ما كان في صلاته أكبر من ذكر العبد؛ لأن العبد إذا ذكر الله، ذكره الله بالثواب؛ كقوله: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ وهذا معنى قول الفراء والزجاج وابن قتيبة، في هذا الوجه الأول (٣).\nالوجه الثاثي في تفسير الآية: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ مما سواه، وهو أفضل من كل شيء. وهذا قول أبي الدرداء وقتادة (٤).\nوروي معنى هذا الوجه عن النبي -ﷺ-، وهو ما روى ابن مسعود عن النبي -ﷺ- في قوله: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ قال: \"ذكر الله على كل حال أحسن وأفضل\" (٥).\n_________\n(١) أخرجه ابن جرير ٢٠/ ١٥٧، عن عبد الله بن مسعود، وسلمان، ومجاهد. \"تفسير مقاتل\" ٧٤ أ. وذكره الثعلبي ٨/ ١٦٠ أ، عن عبد الله وسلمان، ومجاهد، وعطية، وعكرمة، وسعيد بن جبير.\n(٢) أخرجه ابن جرير ٢٠/ ١٥٦، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، وأخرجه ٢٠/ ١٥٨، عن السدي. وأخرجه الثعلبي ٨/ ١٦١ ب، عن السدي.\n(٣) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٣١٧. و\"غريب القرآن\" لابن قتيبة ٣٣٨. و\"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٧٠.\n(٤) أخرجه عبد الرزاق ٢/ ٩٧، عن قتادة، وأخرجه عنهما ابن جرير ٢٠/ ١٥٧، وذكره عنهما الثعلبي ٨/ ١٦٠ أ.\n(٥) أخرجه الثعلبي ٨/ ١٦٠ ب، من طريق جويبر، عن الضحاك، عن ابن مسعود، =","vol":"17","page":535},{"text":"والذكر: أن يذكره عندما حَرَّم، ويذكره عندما أحلَّ، فيأخذ ما أحل (١). والمعنى على هذا الوجه أن الله تعالى أخبر أن ذكره على كل الأحوال أكبر وأفضل؛ وذلك أن العبد إذا كان ذاكرًا الله في كل حال، لم يجر عليه القلم بمعصية؛ لأنه إذا ذكر ارتدع عما يهم به من السوء. فأما من يذكره بلسانه وهو مع ذلك يرتكب محظورًا، وما لا يحل، فليس هو ذاكرًا الله على الحقيقة. وعلى هذا لا تعلق لقوله: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ﴾ بما قبله.\nوقال الفراء وابن قتيبة في هذا الوجه: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ﴾ هو: التسبيح والتهليل، يقول: هو أكبر وأحرى وأحق بأن ينهى عن الفحشاء والمنكر (٢). فعلى الوجه الأول: المصدر الذي هو الذكر مضاف إلى الفاعل، وفي الوجه الثاني: مضاف إلى المفعول، وإن قال قائل في معنى الآية على الوجه الثاني: إن الله تعالى أمر نبيه -﵇- بتلاوة القرآن وإقام الصلاة، ثم قال: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ يعني: تلاوة القرآن، أخبر أنه أكبر وأفضل من كل شيء، فالمراد بذكر الله في الآية: تلاوة القرآن (٣). ويجوز أن يكون المعنى: وذكر الله الذي هو تلاوة القرآن، أكبر من الصلاة، فهو أحرى أن\n_________\n= يرفعه. وهذا إسناد لا يصح؛ فيه ضعف وانقطاع، فجويبر ضعيف جدًا، \"تقريب التهذيب\" ٢٠٥، رقم (٩٩٤). والضحاك لم يلق ابن مسعود. \"تهذيب التهذيب\" ٤/ ٣٩٧.\n(١) \"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٦٠ ب.\n(٢) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٣١٧. و\"غريب القرآن\" لابن قتيبة ٣٣٨.\n(٣) ذكر هذا القول ابن جرير ٢٠/ ١٥٤، فقال: قال بعضهم: عني بها القرآن الذي يقرأ في موضع الصلاة، أو في الصلاة. ثم أخرج بسنده عن ابن عمر، قال: القرآن الذي يقرأ في المساجد. ولم يحكه عن غيره. وذكره عن ابن عمر، الثعلبي ٨/ ١٦٠ أ، ولفظه: القرآن ينهى عن الفحشاء والمنكر.","vol":"17","page":536},{"text":"ينهى عن الفحشاء والمنكر.\nقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ قال ابن عباس: يريد لا يخفى عليه شيء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3361>٤٦ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ أي: بالقرآن والدعاء إلى الله بآياته، والتنبيه على حُجَجه (١) ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ إلا من أبى أن يقرَّ بالجزية، ونَصَب العرب، فأولئك فجادلوهم حتى يسلموا، أو يعطوا الجزية ﴿وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ﴾ الآية، وهذا معنى قول (٢) وقتادة وسعيد بن جبير وابن زيد؛ قالوا في قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ أهل العرب، ومن لا عهد له فجادلوا هؤلاء بالسيف (٣).\nقال ابن زيد: ظلموا بالإقامة على كفرهم بعد قيام الحجة عليهم (٤).\nوقال آخرون: كان هذا قبل أن أُمر النبي -ﷺ- بالقتال، قيل له: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا﴾ من أتاكم من أهل الكتاب ﴿إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ يعني: تعظونهم بالقرآن، وتدعوهم إلى الإسلام ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ وهم الذين قالوا: مع الله إله، أو له ولد، أو شريك، أو يد الله مغلولة، وأن الله فقير، أو آذوا محمدًا فهؤلاء انتصروا منهم (٥).\n_________\n(١) تفسير ابن جرير ٢١/ ١، بنصه. و\"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٦١ أ.\n(٢) هنا بياض. ولعله: مجاهد؛ لإخراج ابن جرير ذلك عند والله أعلم.\n(٣) \"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٦١ أ.\n(٤) أخرجه ابن جرير ٢١/ ٢. عن ابن زيد، ومجاهد، وسعيد بن جبير. و\"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٦١ أ، عن ابن زيد.\n(٥) أخرج ابن جرير ٢١/ ٢، عن قتادة بنحوه، وآخره من قوله: قالوا: مع الله إله أخرجه ابن جرير ٢١/ ١، وابن أبي حاتم ٩/ ٣٠٧٠، عن مجاهد.","vol":"17","page":537},{"text":"قوله تعالى: ﴿وَقُولُوا آمَنَّا﴾ يعني: لأهل الكتاب سوى هؤلاء الظلمة. ثم نُسخ هذا بالقتال. وهذا معنى قول الكلبي وقتادة ومجاهد في رواية ابن أبي نجيح (١).\nوقال آخرون: المراد بأهل الكتاب هاهنا: عبد الله بن سلام، ومن آمن منهم يقول: لا تجادلوهم وأخبروهم عما في القرآن ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ يعني: مشركيهم يقول: جادلوا الذين كفروا حتى تردوهم عن كفرهم. وهذا معنى قول مقاتل وابن عباس في رواية عطاء (٢).\n_________\n(١) أخرجه عبد الرزاق ٢/ ٩٨، وابن أبي حاتم ٩/ ٣٠٦٨، والنحاس، في \"الناسخ والمنسوخ\" ٢/ ٥٧٧، عن قتادة. ورواية ابن أبي نجيح عن مجاهد أخرجها ابن جرير ٢١/ ١، وليس فيها ذكر النسخ، بل يدل كلامه على أنها محكمة يراد بها ذوو العهد لا يجادلوا، وإنما يجادل من لا عهد له ويقاتل حتى يعطي الجزية. \"الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه\"، لمكي بن أبي طالب (٣٨٧). لكن ذَكَر النسخ عن مجاهد الثعلبي ٨/ ١٦١ ب، وممن ذهب إلى أن الآية منسوخة بآية السيف مقاتل، \"تفسير مقاتل\" ٧٤ أ. وهذا يقال فيه مثل ما قيل فيما سبق عند قوله تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (٦٣)﴾ [الفرقان: ٦٣]. وقد رجح ابن جرير ٢١/ ٢، أن أولى الأقوال: إلا الذين امتنعوا من أداء الجزية، ونصبوا دونها الحرب. ورد ردًا حسنًا على من ذهب إلى أن الآية منسوخة.\nوحاصل الأقوال في هذه الآية ثلاثة:\n١ - الآية منسوخة.\n٢ - الآية محكمة يراد بها من آمن منهم.\n٣ - الآية محكمة يراد بها ذوو العهد منهم.\nقال النحاس بعد ذكره هذه الأقوال: وقول مجاهد حسن؛ لأن أحكام الله -﷿- لا ينغي أن يقال فيها: إنها منسوخة إلا بخبر يقطع العذر \"الناسخ والمنسوخ\" ٢/ ٥٧٧.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ٧٤ أ. وذكره النحاس عن ابن زيد، ولفظه: لا يجادل المؤمنون منهم إذا أسلموا، لعلهم يحدثون بالشيء، فيكون كما قالوا ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ من أقام على الكفر يجادل، ويقال له الشر. \"الناسخ والمنسوخ\" ٢/ ٥٧٧. وعلى هذا تكون الآية محكمة.","vol":"17","page":538},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3362>٤٧ </span>- وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ أي: وكما أنزلنا الكتاب عليهم أنزلنا عليك الكتاب ﴿فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ يعني مؤمني أهل الكتاب (١)\n﴿وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ﴾ يعني مسلمي أهل مكة (٢). وقال ابن جرير: ﴿فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ يعني: كانوا قبل عصر النبي -ﷺ- من اليهود والنصارى كانوا مؤمنين بمحمد -ﷺ- ﴿وَمِنْ هَؤُلَاءِ﴾ يعني: الذين محمد بين أظهرهم، من أهل الكتاب ﴿مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ﴾ وهم مؤمنو أهل الكتاب (٣). وهذا معنى قول ابن عباس في رواية عطاء (٤).\nثم قال: ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا﴾ أي: بعد المعرفة (٥) ﴿إِلَّا الْكَافِرُونَ﴾ من اليهود، وذلك أنهم عرفوا أن محمدًا نبي، والقرآنَ حق (٦)، فجحدوا وأنكروا ولم يقروا، وكفروا بذلك الجحود.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3363>٤٨ </span>- قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ﴾ أي: ما كنت تقرأ قبل القرآن كتابًا، أي: ما كنت قارئًا قبل الوحي ولا كاتبًا، وهو قوله: ﴿وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ أي: ولا تخط الآن بيمينك كتابًا. وكذلك صفة النبي -﵇- في التوراة والإنجيل: أنه أُمِّي لا يقرأ ولا يكتب (٧).\n_________\n(١) \"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٦١ ب، وزاد: عبد الله بن سلام، وأصحابه.\n(٢) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٣١٧. و\"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٦١ ب.\n(٣) تفسير ابن جرير ٢١/ ٤، بمعناه.\n(٤) وهو قول مقاتل، \"تفسير مقاتل\" ٧٤ أ.\n(٥) أخرج ابن جرير ٢١/ ٤، وابن أبي حاتم ٩/ ٣٠٧٠، عن قتادة. وذكره عنه الثعلبي ٨/ ١٦١ ب.\n(٦) \"تفسير مقاتل\" ٧٤ أ.\n(٧) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٧١، بمعناه.","vol":"17","page":539},{"text":"قال مجاهد: كان أهل الكتاب يجدون في كتبهم أن النبي -ﷺ- لا يخط بيمينه، ولا يقرأ كتابًا، فنزلت هذه الآية (١).\nوقوله: ﴿إِذًا﴾ قال الفراء: ولو كنت تتلو ﴿لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ (٢) قال ابن عباس: لشك الكافرون (٣). قال مجاهد يعني: قريشًا (٤). وهو قول قتادة (٥). ومعنى الآية: لو كنت تكتب وتقرأ الكتب قبل الوحي إذًا لشكوا؛ وقالوا هذا شيء تعلَّمه محمد وكتبه (٦).\nوقال مقاتل: يعني: كفار اليهود يقول: إذًا لشكوا فيكَ، وقالوا: إن الذي نجدُ في التوراة نعتَه هو: أمي لا يقرأ الكتاب، ولا يكتب، ولا يخطه بيمينه (٧).\nوهذا هو القول؛ لأن أهل الكتاب كانوا يعرفون النبي -ﷺ- بنعته وصفته حقًا يقينًا، وإنما يجحدون نبوتَه بعد اليقين، ويكفرون بالجحد، فلو كان النبي -ﷺ- كاتبًا قارئًا لكان بغير النعت الذي يعرفوه، وكانوا يشكون. وأما الكفار فإنهم ما عرفوه بالنبوة، وكانوا شاكين مع كونه أميًّا، وإذا كان كذلك\n_________\n(١) أخرج ابن جرير ٢١/ ٥، وابن أبي حاتم ٩/ ٣٠٧١. كلاهما بالإثبات: كان أهل الكتاب يجدون، وفي النسختين بالنفي: كان أهل الكتاب لا يجدون. والأقرب الإثبات؛ لما فيه من إقامة الحجة عليهم بما في كتبهم. والله أعلم.\n(٢) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٣١٧.\n(٣) \"تنوير المقباس\" ٣٣٦.\n(٤) أخرج ابن جرير ٢١/ ٥، وابن أبي حاتم ٩/ ٣٠٧١. واقتصر على هذا القول الزجاج ٤/ ١٧١، ولم ينسبه.\n(٥) ذكره عنه الماوردي، بلفظ: مشركو العرب. \"النكت والعيون\" ٤/ ٢٨٧.\n(٦) \"غريب القرآن\" لابن قتيبة ٣٣٨. و\"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٦١ ب.\n(٧) \"تفسير مقاتل\" ٧٤ أ.","vol":"17","page":540},{"text":"فلا معنى لقوله: ﴿إِذًا لَارْتَابَ﴾ مع كونهم مرتابين؛ ووجهه ما قال الفراء: أي: لَكان أشدَّ لِريبة من كذَّب مِن أهل الكتاب (١). فحُمل قوله: ﴿لَارْتَابَ﴾ على زيادة الريبة، على قول مجاهد. والمعنى: أن المشركين كانوا شاكين في نبوته، مع أنه يخبرهم بقصص الماضين، من غير أن يقدر على كتابة وقراءة، فلو كان قارئًا كاتبًا لاشتد ارتيابهم، وقالوا: إنما تعلمه وقرأه من كتاب.\nوتفسير الآية: أي: الذي يأتي بالباطل، يقال: أبطل فلان: إذا كذب وادعى غير الحق (٢). وكلُّ من ادعى دينًا غيرَ الإسلام فهو مبطل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3364>٤٩ </span>- قوله تعالى ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ﴾ قال الحسن: القرآن آيات بينات. ﴿فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ يعني: المؤمنين (٣).\nوهو قول عبد الله بن عباس في رواية عطاء؛ يريد: الذين حملوا القرآن على عهد رسول الله -ﷺ- من المهاجرين والأنصار، وحملوه من بعد النبي -﵇-. وعلى هذا الكناية عن القرآن والكتاب بقوله: ﴿هُوَ﴾.\nوقال قتادة ﴿بَلْ هُوَ﴾ يعني النبي -ﷺ- و﴿آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ﴾ أهل العلم من أهل الكتاب؛ لأنهم يجدون في كتابهم نعته وصفته (٤). وعلى هذا التقدير: بل هو ذو آيات بينات، فحذف المضاف، وذلك أن كونه بالنعت\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٣١٧.\n(٢) كتاب \"العين\" ٧/ ٤٣٠ (بطل)، ونقله الأزهري، \"تهذيب اللغة\" ١٣/ ٣٥٥.\n(٣) أخرجه عبد الرزاق ٢/ ٩٩، وابن جرير ٢١/ ٦. وهو قول الفراء، \"معاني القرآن\" ٢/ ٣١٧. وذكره الثعلبي ٨/ ١٦٢ أ، ولم ينسبه.\n(٤) أخرجه عبد الرزاق ٢/ ٩٩، وابن جرير ٢١/ ٥. وأخرجه ابن جرير ٢١/ ٥، عن ابن جريج. وذكره الثعلبي ٨/ ١٦٢ أ، عن ابن عباس.","vol":"17","page":541},{"text":"الذي ذُكر في كتابهم آيات واضحات له في صدور أهل الكتاب، والعلم به، وهم مؤمنو أهل الكتاب، بل هو وأموره آيات.\nوفي الآية قول ثالث، ذكره الزجاج؛ فقال: بل كونُه غيرَ قارئٍ ولا كاتب ﴿آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ﴾ لأنه إذا لم يقرأ ولم يكتب، وأخبر بأقاصيص الأولين والأنبياء فهو ﴿آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ (١). وهو معنى قول الكلبي (٢).\nوالظاهر من هذه الأقوال قول قتادة ومقاتل (٣) لقوله: ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ﴾ يعني: كفار اليهود (٤)، لأنهم جحدوا نبوته وكتموا أمره بعد المعرفة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3365>٥٠ </span>- قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ كما كانت الأنبياء تجيء بها إلى قومهم (٥). وقرئ: ﴿آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ على الجمع (٦). وحجة الإفراد قوله: ﴿فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ﴾ [الأنبياء: ٥] وقوله: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً﴾\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٧١، ولم ينسبه.\n(٢) \"تنوير المقباس\" ٣٣٦.\n(٣) لم يسبق ذكر قول مقاتل، وهو قريب من قول قتادة، \"تفسير مقاتل\" ٧٤ ب.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ٧٤ ب.\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ٧٤ ب. و\"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٦٢ أ.\n(٦) قرأ نافع وأبو عمرو وابن عامر وحفص عن عاصم: ﴿آيَاتٍ﴾ جمعًا، وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي وعاصم في رواية أبي بكر، وأبي عمرو في رواية علي بن نصر: ﴿آيَةٌ﴾ على الإفراد. \"السبعة في القراءات\" ٥٠١، و\"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٤٣٥، و\"إعراب القراءات السبع وعللها\" ٢/ ١٨٨، و\"النشر في القراءات العشر\" ٢/ ٣٤٣.","vol":"17","page":542},{"text":"[الأنعام: ٣٧] وقد تقع آية على لفظ الواحد ويراد به كثرة؛ كما جاء: ﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً﴾ [المؤمنون: ٥٠] واختار أبو عبيد الجمع؛ لقوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ (١) قال أبو علي: وهذا لا يكون دلالة على ترجيح القراءة بالجمع؛ لأنهم إنما اقترحوا آية فقيل: الآيات عند الله، أي: الآية التي اقترحتموها وآيات أُخر لم تقترحوها عند الله، وهو القادر على إرسالها، إذا شاء أرسلها، مع ما ذكرنا أن لفظ الواحد قد يراد به كثرة (٢).\n﴿وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ يريد: أُنذر أهلَ المعصية بالنار، وليست إنزال الآية بيدي. قال مقاتل: فلما سألوا الآية قال الله تعالى:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3366>٥١ </span>- ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ أي: أو لم يكفهم من الآيات القرآن ﴿يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ فيه خبر ما قبلهم وما بعدهم ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ أي: في إنزال الكتاب عليك ﴿لَرَحْمَةً﴾ لمن آمن به وعمل به (٣) ﴿وَذِكْرَى﴾ وتذكيرًا وموعظةً، ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ قال مقاتل: وكذبوا بالقرآن فنزل:\n<span data-type=\"title\" id=toc-3367>٥٢ </span>- ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا﴾ (٤) أي: الله شاهدًا بيننا أني رسوله (٥)، وكفى هو شاهدًا ﴿يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ وشهادة الله له إثباتُ المعجزة له بإنزال الكتاب عليه. ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ﴾ قال\n_________\n(١) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٤٣٥، ولم يصرح باسم أبي عبيد، بل قال: وحجة الإفراد أن في حرف أُبي زعموا، وصرح بذكر أبي عبيد الثعلبي ٨/ ١٦٢ أ.\n(٢) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٤٣٥.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ٧٤ ب.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ٧٤ ب.\n(٥) \"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٦٢ أ.","vol":"17","page":543},{"text":"ابن عباس: بغير الله. وقال مقاتل: بعبادة الشيطان (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3368>٥٣ </span>- قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ﴾ أي: استهزاءً وتكذيبًا (٢) منهم (٣) بذلك يستعجلونك به. نزلت في الذين قالوا: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ﴾ الآية [الأنفال: ٣٢] (٤). وقد مر (٥).\nقال الله تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَجَلٌ﴾ يعني: إن لعذابهم أجلًا، وهو يوم القيامة (٦). قال الله تعالى: ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ﴾ [القمر: ٤٦] هذا قول ابن عباس ومقاتل (٧). وقال الضحاك: الأجلُ المسمى لعذابهم: مدةُ أعمارهم، فإذا ماتوا صاروا في العذاب (٨).\nوقيل: الأجل المسمى: بدر (٩)؛ وهو قوله: ﴿وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً﴾ يعني:\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ٧٤ ب. وأخرجه ابن جرير ٢١/ ٧، وابن أبي حاتم ٩/ ٣٠٧٣، عن قتادة بلفظ: الشرك.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ٧٤ ب.\n(٣) منهم. في نسخة: (ب).\n(٤) أخرجه ابن جرير ٢١/ ٨، وابن أبي حاتم ٩/ ٣٠٧٤، عن قتادة و\"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٧١، ولم ينسبه. وقال الثعلبي ٨/ ١٦٢ أ: نزلت في النضر بن الحارث حين قال: ﴿فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾.\n(٥) قال الواحدي في تفسير هذه الآية: قال المفسرون: قال النضر بن الحارث: اللَّهم إن كان هذا الذي يقوله محمد حقًا من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء كما أمطرتها على قوم لوط ﴿أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ أي: ببعض ما عذبت به الأمم.\n(٦) أخرجه ابن أبي حاتم ٩/ ٣٠٧٤، عن سعيد بن جبير. و\"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٣١٨.\n(٧) \"تفسير مقاتل\" ٧٤ ب. وليس فيه ذكر الآية. وذكر الآية الزجاج ٤/ ١٧٢، ولم ينسب القول.\n(٨) ذكره الثعلبي ٨/ ١٦٢ أ.\n(٩) \"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٦٢ أ، ولم ينسبه.","vol":"17","page":544},{"text":"العذاب ببدر على هذا القول، وهو قول عطاء عن ابن عباس. ودليل القول الأول قوله:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3369>٥٤ </span>- ﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ أخبر أن ميعاد عذابهم جهنم، وأنها تحيط بجماعتهم، فلا تبقي منهم أحدًا إلا دخلها (١).\nثم أخبر أن تلك الإحاطة متى تكون، فقال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3370>٥٥ </span>- ﴿يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ قال ابن عباس: هذا مثل قوله: ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾ [الأعراف: ٤١] وقوله: ﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ﴾ الآية [الزمر: ١٦] (٢).\nوقوله: ﴿وَيَقُولُ﴾ الموكل بعذابهم، يقول لهم (٣): ﴿ذُوقُوا﴾ ومن قرأ بالنون (٤) فلأن ذلك لما كان بأمره سبحانه جاز أن يُنسب إليه. وجوازه على هذا المعنى؛ لأن القديم سبحانه لا يكلمهما (٥).\n_________\n(١) \"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٦٢ أ. وتفسير ابن جرير ٢١/ ٨، بمعناه.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ٧٤ ب، حيث ذكر الآية الثانية.\n(٣) يقول لهم مكررة في نسخة: (ب). وفي \"تفسير مقاتل\" ٧٤ ب: يقول الخزنة لهم.\n(٤) قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر: ﴿وَنَقُولُ﴾ بالنون، وقرأ نافع وعاصم وحمزة والكسائي: ﴿وَيَقُولُ﴾ بالياء. \"السبعة في القراءات\" ٥٠١، و\"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٤٣٦، و\"النشر في القراءات العشر\" ٢/ ٣٤٣.\n(٥) في إطلاق لفظ القديم على الله -﷿- خلاف؛ لكون لفظ القديم لم يرد في الكتاب ولا في السنة، ولم يتكلم به السلف من الصحابة والتابعين، وإنما سمى الله نفسه بالأول والآخر، وهو أبلغ لدلالته على القدم، وأنه لم يسبقه شيء، بل ولم يماثله شيء، وعلى ذلك فلا يصح إطلاق القديم على الله تعالى باعتبار أنه من أسمائه، وإن كان يصح الإخبار عنه بذلك؛ لأن باب الإخبار أوسع من باب الإنشاء. \"مجموع الفتاوى\" ١/ ٢٤٥، و\"حاشية لوامع الأنوار البهية\" ١/ ٣٨، من كلام =","vol":"17","page":545},{"text":"وقيل: ﴿ذُوقُوا﴾ لوصول الألم إلى المعذب، كوصول الذوق إلى الذائق. ومعنى: ﴿مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي: جزاء، كما قال:\nدونك ما جنيتَه فاحسُ وذُق (١)\n_________\n= الشيخ عبد الله بابطين.\nتنبيه: تكليم الله تعالى لعباده في الآخرة ثابت بنصوص كثيرة في الكتاب والسنة، يكلمهم الله تعالى للحساب والجزاء، ويستوي في هذا الخلق كلهم إلا أقوامًا شاء الله تعالى أن يحرمهم ذلك، تنكيلًا وزيادة في العذاب؛ فمن الأدلة على عموم التكليم وشموله قول الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٦٥] وقوله: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَائِي قَالُوا آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٧] ومن السنة، قول النبي -ﷺ-: \"ما منكم من أحد إلا سيكلمه الله، ليس بينه وبينه ترجمان\" الحديث أخرجه البخاري، كتاب التوحيد، رقم (٧٤٤٣)، \"فتح الباري\" ١٣/ ٤٢٣، ومسلم ٢/ ٧٠٣، رقم (١٠١٦).\nومن الأدلة على حرمان أقوام من تكليم الله لهم، قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٧٤] ومن السنة قول النبي -ﷺ-: \"ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم، ولا ينظر إليهم، ولهم عذاب اليم: شيخ زان، وملك كذاب، وعائل مستكبر\". أخرجه مسلم ١/ ١٠٢، كتاب: الإيمان، رقم (١٠٧)، والنسائي ٥/ ٨٦، كتاب الزكاة، رقم (٢٥٦٢). وتكليم الله تعالى لأهل النار في هذه الآية ﴿وَيَقُولُ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ توبيخ وتقريع لأهل النار؛ كقوله تعالى: ﴿قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ الآيات [المؤمنون: ١٠٨ - ١١١]. والله أعلم. ملخص من: \"مجموع الفتاوى\" لابن تيمية ١٣/ ١٣١، وما بعدها. \"ودرء تعارض العقل والنقل\" ٢/ ١٤١، وما بعدها. و\"العقيدة السلفية في كلام رب البرية\" تأليف: يوسف الجديع. ص: ٩٠، وما بعدها.\n(١) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٤٣٦، بنصه. ولم ينسب البيت، وفي الحاشية: لم نعثر عليه.","vol":"17","page":546},{"text":"قال ابن عباس ومقاتل: ﴿مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ من الكفر والتكذيب والافتراء على الله (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3371>٥٦ </span>- قوله تعالى: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾ وذلك أن الله تعالى أمر المؤمنين بالهجرة فاشتد ذلك عليهم، وقالوا: كيف نخرج من ديارنا وأموالنا، ونذهب إلى بلاد لا دار لنا فيها، ولا مال؟ فأنزل الله فيهم: ﴿إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ﴾ في معاشكم (٢).\nوقال الكلبي: نزلت في أهل مكة؛ أي: لا تجاوروا الظلمة في أرضهم (٣). وقال مقاتل: نزلت في ضعفاء مسلمي مكة؛ يقول: إن كنتم في ضيق بمكة من إظهار الإيمان بها، فإن أرض المدينة واسعة من الضيق ﴿فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾ يعني: توحدوني في المدينة علانية (٤).\nوقال أبو إسحاق: تفسيرها أنهم أمروا بالهجرة من الموضع الذي لا تمكنهم فيه عبادة الله وأداء فرائضه، وكذلك يجب على من كان في بلدٍ يُعمل فيها بالمعاصي، ولا يمكنه تغيير ذلك أن يهاجر وينتقل إلى حيث يتهيأ له أن يعبد الله حق عبادته (٥). وهذا معنى قول مجاهد: ﴿إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ﴾ فهاجروا وجاهدوا (٦).\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ٧٥ أ.\n(٢) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٣١٨، لكنه قال: فأنزل الله ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ﴾. وكذا عند الثعلبي ٨/ ١٦٢ ب.\n(٣) \"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٦٢ ب، بمعناه.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ٧٥ أ. وهو قول الفراء، \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٣١٨.\n(٥) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٧٢.\n(٦) أخرجه ابن جرير ٢١/ ٩.","vol":"17","page":547},{"text":"وقال سعيد بن جبير: من أُمر بمعصية فليهربْ، وتلا هذه الآية (١). وروى إسماعيل بن أبي خالد عنه في هذه الآية قال: إذا عُمل في أرضٍ بالمعاصي، فأخرجوا منها (٢).\nوقوله: ﴿فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾ قال الزجاج: (إياي) منصوب بفعل مضمر، الذي ظهر يُفسره؛ المعنى: فاعبدوا إياي فاعبدون، فاستغنى بأحد الفعلين عن الثاني، ولو قلت: إياي فاعبدوا، كان إياي منصوبًا بما بعد الفاء، ولا يحتاج إلى إضمار فعل، ودخول الفاء لمعنى الشرط، بتقدير: إن ضاق بكم موضع فإياي فاعبدوا، فإن أرضي واسعة (٣).\nقال مقاتل: ثم خوفهم بالموت ليهاجروا، فقال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3372>٥٧ </span>- ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ (٤) والمعنى لابد من الموت، وكل أحد ميت أينما كان، فلا تقيموا بدار الشرك خوفًا من الموت (٥).\n_________\n(١) أخرجه ابن جرير ٢١/ ٩، وابن أبي حاتم ٩/ ٣٠٧٥، وفيه: ثم قرأ: ﴿قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ [النساء: ٩٧]. وذكره الثعلبي ٨/ ١٦٢ ب.\n(٢) أخرجه ابن جرير ٢١/ ٩، من طريق إسماعيل بن أبي خالد. وأخرجه عبد الرزاق ٢/ ٩٩، عن مالك بن مغول، عن الربيع بن أبي راشد، عن سعيد بن جبير، بلفظ: هو الرجل يكون بين ظهراني قوم يعملون بالمعاصي.\n- إسماعيل بن أبي خالد، الأحمسي مولاهم، البَجَلي، اسم أبيه: هرمز، وقيل: سعد، وقيل: كثير. محدث الكوفة في زمانه مع الأعمش. روى عن عبد الله بن أوفى، وأبي جحيفة، وغيرهم، وروى عنه شعبة، وسفيان، وشريك، وغيرهم. ثقة ثبت، \"سير أعلام النبلاء\" ٦/ ١٧٦، و\"تقريب التهذيب\" ١٣٨.\n(٣) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٧٢، بتصرف.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ٧٥ أ.\n(٥) \"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٦٢ ب.","vol":"17","page":548},{"text":"﴿ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ بعد الموت فنجزيكم بأعمالكم (١). وهذا حث على الطاعة فيما أَمر به من الهجرة. ثم ذكر ثواب من هاجر فقال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3373>٥٨ </span>- ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا﴾ قال ابن عباس: لنسكننهم غرف الدر والياقوت والزبرجد (٢).\nقال مقاتل: يعني لننزلنهم (٣). وهذا يدل على صحة قراءة العامة: ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ﴾ يقال: بوأت فلانًا منزلًا تبويئًا وتبوئة (٤)، وذكرنا ذلك قديمًا (٥).\nوقرأ حمزة والكسائي: (لَنُثْوِيَنَّهُم) وهي قراءة عبد الله والأعمش (٦)، يقال: ثوى بالمكان إذا أقام به (٧)، ومنه قوله: ﴿وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ﴾ [القصص: ٤٥] أي: مقيمًا نازلًا فيهم، والثويَّ: الضيف لإقامته\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ٧٥ أ.\n(٢) ذكره عنه الطبرسي \"مجمع البيان\" ٧/ ٤٥٥.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ٧٥ أ. و\"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ٢/ ١١٧. و\"غريب القرآن\" لابن قتيبة ٣٣٨.\n(٤) \"تهذيب اللغة\" ١٥/ ٥٩٥ (باء).\n(٥) قال الواحدي في تفسير قول الله تعالى: ﴿أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا﴾ [يونس: ٨٧]: قال أبو علي: التبؤ: فعل يتعدى إلى مفعولين فعلى ما ذكر أبو علي يجوز أن تقول: تبوأت زيدًا مكانًا، أي: اتخذت له، ولم أو هذا لغيره؛ لأنه يقال: تبوأ المكان دارًا، فيعدونه إلى مفعولين كما ذكر، ويقال: تبوأ لزيد منزلًا، أي: اتخذه له، فلا يعدون لزيد إلا باللام.\n(٦) قرأ حمزة والكسائي: [لَنُثْوِيَنَّهُم] بالثاء، وقرأ الباقون: ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ﴾ بالباء. \"السبعة في القراءات\" ٥٠٢، و\"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٤٣٨، وفيه ذكر قراءة الأعمش نقلها عن أبي الحسن. و\"النشر في القراءات العشر\" ٢/ ٣٤٤. وأخرج قراءة ابن مسعود: الفراء، \"معاني القرآن\" ٢/ ٣١٨.\n(٧) قال ابن قتيبة: هو من: ثويت بالمكان، أي: أقمت به. \"غريب القرآن\" ٣٣٨.","vol":"17","page":549},{"text":"عند المضيف (١).\nقال الزجاج: يقال: ثوى الرجل إذا أقام، وأثويته إذا أنزلته منزلًا يقيم فيه (٢). وقال حسان:\nثوى في قريش بضع عشرة حِجةً (٣)\nأي: أقام ونزل فيهم. وإذا تعدى: ثوى، فزيدت عليه الهمزة، وجب أن يتعدى إلى المفعول الثاني (٤).\nقال الأخفش: قرأ الأعمش: ﴿لَنُثْوِيَنَّهُم مِنَ الجنَّةِ غُرَفًا﴾ قال: ولا يعجبني ذلك؛ لأنك لا تقول: أثويته الدار (٥).\nقال أبو علي: ووجه هذه القراءة كان في الأصل: لنثوينهم من الجنة في غرف، وحذف الجار، كما حذف من نحو قوله:\nأمرتك الخيرَ (٦) ....\n_________\n(١) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٤٣٨.\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٧٣.\n(٣) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٤٣٩، ونسبه لحسان. وهو في \"ديوانه\" ٢٦١، أخرج الحاكم عن يحيى بن سعيد قال: سمعت عجوزًا من الأنصار تقول: رأيت ابن عباس يختلف إلى صرمة بن قيس يتعلم منه هذه الأبيات:\nثوى في قريش بضع عشرة حجة ... يُذكِّر لو ألفي صديقًا مواتيًا\nوساق بعده ستة أبيات، ثم قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.\n(٤) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٤٣٩.\n(٥) لم أجده عند الأخفش في \"المعاني\"، لكن ذكر أبو علي أن أبا الحسن قال: قرأ الأعمش. \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٤٤٠.\n(٦) جزء من بيت لعمرو بن معد يكرب، والبيت بتمامه:\nأمرتك الخير فافعل ما أمرت به ... فقد تركتك ذا مال وذا نَشَب","vol":"17","page":550},{"text":"ويقوي ذلك أن الغرف وإن كانت مختصة، فقد أجريت المختصة من هذه الظروف مجرى غير المختص، نحو قوله:\nكما عسل الطريقَ الثعلبُ (١)\nونحو: ذهبتُ الشامَ، عند سيبويه. ويدل على صحة قول سيبويه ما روي في الحديث: \"إنما أنا لكم كالوالد، فإذا ذهب أحدكم الغائط\" من غير حرف جر، وروي: \"إلى الغائط\" (٢). ويدل على صحة القراءة الأولى،\n_________\n= وقد أورده أبو علي في \"الحجة\" ٥/ ٤٤٠، مقتصرًا على: أمرتك الخير، ولم ينسبه. وقد استشهد به سيبويه على حذف حرف الجر، ونصب الخير. \"الكتاب\" ١/ ٣٧، ونسبه لعمرو بن معد يكرِب الزُّبيديّ. واستشهد به كذلك المبرد، في \"المقتضب\" ٢/ ٣٦، والبغدادي، \"خزانة الأدب\" ١/ ٣٣٩، ولم ينسباه.\n(١) أنشده كاملًا سيبويه، \"الكتاب\" ١/ ٣٦، ونسبه لساعدة بن جُؤَيَّة، والبيت تمامه:\nلدنٌ بِهزِالكفِ يعسلُ متنُه ... فيه كما عسلَ الطريقَ الثعلبُ\nوأنشده كاملًا المبرد، \"الكامل\" ١/ ٤٧٤، ولم ينسبه. وأنشد عجزه أبو علي، في \"الحجة\" ٥/ ٤٤٠، ولم ينسبه، وعنه أخذ الواحدي، وأنشده ابن جني، \"الخصائص\" ٣/ ٣١٩، ولم ينسبه. وفي الحاشية: هذا البيت في وصف الرمح، واللدن: اللين الناعم، وقوله: يعسل متنه: يشتد اهتزازه، ويقال: عسل الثعلب والذئب في سيره: اشتد اضطرابه.\n(٢) أخرج هذا الحديث بحرف الجر: (إلى الغائط) الإمام أحمد ١٢/ ٣٧٢، ط/ الرسالة، وابن ماجه ١/ ١١٤، كتاب: الطهارة، رقم الحديث (٣١٣)، وابن حبان في \"صحيحه\"، كتاب: الطهارة، رقم (١٤٣١)، \"الإحسان\" ٤/ ٢٧٩، والبيهقي، \"السنن الكبرى\" ١/ ١٠٢، كتاب: الطهارة. كلهم من طريق: يحيى بن سعيد القطان، عن محمد بن عجلان، عن القعقاع بن حكيم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة. والحديث في \"صحيح سنن ابن ماجه\" ١/ ٥٧، رقم (٢٥٢). وقال محققو المسند: إسناده قوي. ولم أجده بهذا اللفظ بدون حرف الجر، إلا عند النسائي في \"السنن الكبرى\" من طريق عبد العزير بن أبي حازم عن أبيه عن مسلم بن قُرط عن =","vol":"17","page":551},{"text":"قوله: ﴿نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ﴾ [الزمر: ٧٤] (١).\nوقوله: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ قال ابن عباس: يريد تحت الغرف الأنهار، كما وصف ﵎: ﴿مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾ الآية [محمد: ١٥] (٢).\n﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ مقيمين فيها لا يموتون، ولا يهرمون، ولا يسقمون.\nوقوله: ﴿نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ قال: يريد المهاجرين والأنصار. قال\n_________\n= عروة عن عائشة أن رسول الله -ﷺ- قال: \"إذا ذهب أحدكم الغائطَ فليذهب معه بثلاثة أحجار\". \"السنن الكبرى\" ١/ ٧٢، كتاب: الطهارة، رقم الحديث (٤٢). والحديث في السنن الصغرى بهذا الإسناد بإثبات حرف الجر. \"سنن النسائي\" ١/ ٤٤، كتاب الطهارة، رقم الحديث (٤٤)، وهو في \"صحيح سنن النسائي\" ١/ ١١، رقم الحديث (٤٣). وأخرجه الطبراني من طريق سلامة بن روح، عن عُقَيل، عن ابن شهاب الزهري، عن عطاء بن يزيد الليثي، عن أبي أيوب، قال: قال رسول الله -ﷺ-: \"من ذهب منكم الغائطَ فلا يستقبل القبلة ولا يولها ظهره، شرقوا أو غربوا\". \"المعجم الكبير\" ٤/ ١٤٣، رقم الحديث: ٣٩٤٢.\nوسلامة بن روح مختلف فيه، \"الكامل في ضعفاء الرجال\" ٣/ ١١٦٢، \"تهذيب التهذيب\" ٤/ ٢٥٣، \"ميزان الاعتدال\" ٢/ ١٨٣، قال عنه ابن حجر: صدوق له أوهام. \"تقريب التهذيب\" ٤٢٦. وعُقيل هو ابن خالد بن عقيل، قال عنه الذهبي: الحافظ الإمام، حدث عن ابن شهاب فأكثر وجوَّد، وحدث عنه ابن أخيه: سلامة بن روح. \"سير أعلام النبلاء\" ٦/ ٣٠١. قال عنه ابن حجر: ثقة ثبت \"تقريب التهذيب\" ٦٨٧. وعطاء بن يزيد الليثي: ثقف \"تقريب التهذيب\" ٦٧٩.\n(١) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٤٤٠، وليس فيه ذكر الحديث. وقول سيبويه في \"الكتاب\" ١/ ٣٥.\n(٢) لعل الشاهد من إيراد هذه الآية: بيان أن الأنهار التي تجري من تحت الغرف أنهار متنوعة، كما ذكر في آية سورة: محمد ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى﴾. والله أعلم.","vol":"17","page":552},{"text":"مقاتل: ﴿نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ لله (١). وفي الآية حذف يتم به الكلام، كأنه قيل: نعم أجر العاملين الغرف أو الجنة (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3374>٥٩ </span>- ثم نعت هؤلاء فقال: ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ قال ابن عباس: على دينهم، وعلى المخمصة، وعلى الجزع، وترك الأموال والأولاد والدور (٣).\nقوله تعالى: ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ قال: وباللَّه يثقون في هجرتهم (٤). قال ابن عباس: ذلك أن المهاجرين توكلوا على الله وتركوا دورهم وأموالهم.\nقال مقاتل: إن أحدهم كان يقول بمكة: كيف أهاجر إلى المدينة وليس لي بها دار ولا معيشة؟ فوعظهم الله ليعتبروا، فقال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3375>٦٠ </span>- ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ﴾ وكم من دابة (٥) ﴿فيِ الْأَرْضَ﴾ قال أبو إسحاق: كل حيوان على وجه الأرض بما يعقل ولا يعقل فهو دابة، وإنما هو: مَنْ دبت على الأرض، والمعنى: من نفس دابة (٦).\nوقوله: ﴿لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا﴾ قال ابن عباس: لا تقدر على رزقها. قال مقاتل: لا ترفع رزقها معها (٧).\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ٧٥ أ.\n(٢) أخرجه ابن أبي حاتم ٩/ ٣٠٧٨، عن مقاتل.\n(٣) وقال مقاتل ٧٥ أ: على الهجرة. وكل ذلك داخل مراد.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ٧٥ أ.\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ٧٥ أ. و\"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ٢/ ١١٧. و\"غريب القرآن\" لابن قتيبة ٣٣٩. و\"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٧٣.\n(٦) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٧٣. قال أبو عبيدة: ومجاز الدابة: أن كل شيء يحتاج إلى الأكل والشرب فهو دابة من إنس أو غيرهم.\n(٧) \"تفسير مقاتل\" ٧٥ أ. وقال ابن قتيبة: لا ترفع شيئًا لغد. \"غريب القرآن\" ٣٣٩.","vol":"17","page":553},{"text":"وقال سفيان وعلي بن الأقمر: لا تدخر شيئًا لغد (١).\nوقال أبو إسحاق: أي لا تدخر رزقها، إنما تصبح فيرزقها الله، وعلى هذا أكثر الحيوان (٢). قال سفيان: وليس شىء مما خلق الله يَخْبَأُ إلا الإنسان والفأرة والنملة (٣).\nقوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ﴾ يرزقكم إن هاجرتم إلى المدينة ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ﴾ لقولكم: إنا لا نجد ما ننفق بالمدينة (٤) ﴿الْعَلِيمُ﴾ بما في قلوبكم (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3376>٦١ </span>- قال ابن عباس: ثم رجع إلى المشركين فقال: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ﴾ إلى قوله: ﴿لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ يقرون بأن الله خالق هذه الأشياء. قال الله تعالى: ﴿فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ قال ابن عباس ومقاتل: فكيف يكذبون بتوحيدي (٦). أي: إذا كان الله هو الخالق وحده، وجب أن يكون هو المعبود وحده من غير شريك. والمعنى: فكيف يُصرفون عن التوحيد بعد قيام الدليل.\n_________\n(١) أخرجه ابن جرير ٢١/ ١١، والثعلبي ٨/ ١٦٢ ب، كلاهما عن علي بن الأقمر، من طريق سفيان.\n- علي بن الأقمر بن عمرو الهمْداني، الوادعي، أبو الوازع، كوفي ثقة، حدث عن أسامة بن شريك، وأبي الأحوص، وغيرهم، روى عنه الأعمش، وشعبة، وسفيان الثوري، وغيرهم. \"سير أعلام النبلاء\" ٥/ ٣١٣. و\"تقريب التهذيب\" ٦٩٠.\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٧٣.\n(٣) \"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٦٢ ب. و\"غريب القرآن\" لابن قتيبة ٣٣٩، ونسبه لابن عيينة. وعند الفراء: إلا النملة فإنها تدخر رزقها لسنتها. \"معاني القرآن\" ٢/ ٣١٨، ولم ينسبه.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ٧٥ أ.\n(٥) \"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٦٢ ب.\n(٦) أخرجه ابن أبي حاتم ٩/ ٣٠٧٩، عن ابن عباس. و\"تفسير مقاتل\" ٧٥ أ.","vol":"17","page":554},{"text":"قال مقاتل: ثم رجع إلى الذين رغبهم في الهجرة؛ الذين قالوا: لا نجد ما ننفق فقال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3377>٦٢ </span>- ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ (١) قال ابن عباس: يريد البر والفاجر، فكيف لا أبسط عليكم.\nوقوله: ﴿وَيَقْدِرُ لَهُ﴾ قال مقاتل: ويقتر على من يشاء (٢) ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ﴾ مما أنتم فيه من الشدة، وما أريد من إدخال الرفق عليكم ﴿عَلِيمٌ﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3378>٦٣ </span>- وقوله: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ﴾ يعني: كفار مكة، إلى قوله: ﴿لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ أي: الله الذي فعل هذه الأشياء (٣).\n﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ بإقرارهم بذلك. قاله مقاتل وابن عباس (٤).\n﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ توحيد ربهم مع إقرارهم بأن الله خلق الأشياء كلها وحده (٥)، وأنزل المطر. والمراد بالأكثر: الجميع. وقد مر (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3379>٦٤ </span>- قوله تعالى: ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ يعني: الحياة في هذه الدار ﴿إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ﴾ قال ابن عباس ومقاتل: يريد باطل وغرور وعبث تنقضي عن قريب (٧).\n_________\n(١) و(٢) و(٣) و(٤) و(٥) \"تفسير مقاتل\" ٧٥ أ.\n(٦) قال الواحدي في تفسير قول الله تعالى: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ١٠٠]: إنما دخلت بل هاهنا؛ لأنه لما قال: ﴿نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾ دل على أنه كفر ذلك الفريق بالنقض فقال: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ﴾ كفار بالنقض، وحسن هذا التفصيل؛ لأن منهم من نقض عنادًا، ومنهم من نقض جهلًا. وقيل: معناه: كفر فريق بالنقض، وكفر أكثرهم بالجحد للحق؛ وهو أمر النبي -ﷺ-.\n(٧) \"تفسير مقاتل\" ٧٥ أ، بلفظ: باطلا. فقط.","vol":"17","page":555},{"text":"﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾ لهي دار الحياة لا موت فيها (١). وقال الكلبي: هي حياة لا يموت فيها أهلها (٢). وقال قتادة والسدي: لهىِ الحياة (٣).\nوقال الفراء: لهي الحياة حياة لا موت فيها (٤). وقال الزجاج: معناه: هي دار الحياة الدائمة (٥).\nوقال أبو عبيدة وابن قتيبة: ﴿الْحَيَوَانُ﴾ الحياة (٦). فالمفسرون وأصحاب المعاني على أن الحيوان هاهنا بمعنى: الحياة.\nقال أبو علي: قال أبو عبيدة: الحياة والحيوان والحي واحد، فهذه على ما حكاه أبو عبيدة مصادر (٧). والحياة كالحَلْية والحَدَمَة؛ وهي شدة التهاب النار (٨).\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ٧٥ ب. و\"تفسير ابن جرير\" ٢١/ ١٢، و\"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٦٣ أ. وأخرجه ابن جرير ٢١/ ١٢، عن مجاهد، وأخرجه عن ابن عباس، بلفظ: باقية. قال الأزهري: معناه: أن من صار إلى الآخرة لم يمت، ودام حيًا فيها لا يموت، فمن أدخل الجنة حيي فيها حياة طيبة، ومن دخل النار فإنه لا يموت فيها ولا يحيا. \"تهذيب اللغة\" ٥/ ٢٨٧ (حي).\n(٢) \"تنوير المقباس\" ٣٣٨.\n(٣) أخرجه عبد الرزاق ٢/ ٩٩، عن قتادة.\n(٤) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٣١٨.\n(٥) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٧٣.\n(٦) \"مجاز القرآن\" ٢/ ١١٧. و\"غريب القرآن\" ٣٣٩.\n(٧) \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ٢/ ١١٧. بمعناه. وهو في \"كتاب الشعر\" لأبي علي ١/ ٣٢١، غير منسوب.\n(٨) \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٤٣٣ (حدم). يعني أن أصلها: حَيْوَة على وزن: حَلْيَة، أو: حَيَوَة على وزن: حَدَمَة. والله أعلم.","vol":"17","page":556},{"text":"والحيوان: كالفوران (١) والغليان. والحِيّ كالعِيِّ (٢)؛ قالوا: حَيِي يحيى حياءً (٣)، كما قالوا: عَييِ يَعْيا عياء (٤)، ومن ذلك قول العجاج:\nكنا بها إذِ الحَياة حِيُّ (٥)\nفهذا (٦) إذا الحياةُ حياةٌ.\nوقال أبو زيد: الحيوان ما فيه روح (٧). والمَوَتَان: ما لا روح فيه (٨). والحيوان في روايتي أبي زيد وأبي عبيدة على ضربين؛ أحدهما: أن يكون مصدرًا كما حكاه أبو عبيدة. والآخر: أن يكون وصفًا كما حكاه أبو زيد. والحيوان على قول أبي زيد مثل الحَيّ الذي يراد به خلاف الميت، وقد\n_________\n(١) هكذا في النسختين؛ يقال: فارت القدر تفور فَوْرًا، وفَورانًا، إذا غَلت. \"تهذيب اللغة\" ١٥/ ٢٤٧ (فار).\n(٢) العِيَّ: مصدر العَي، يقال: عيى فلان بالأمر إذا عجز عند \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٥٨ (عيى).\n(٣) \"تهذيب اللغة\" ٥/ ٢٨٣ (حيى).\n(٤) \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٢٥٧ (عيى).\n(٥) هكذا أنشده أبو علي، \"كتاب الشعر\" ١/ ٣٢١، وصدره بقوله: قال رؤبة أو العجاج. وأنشده أبو عبيدة ٢/ ١١٧، بلفظ:\nوقد نَرَى إذ الحياةُ حِيٌ\nونسبه للعجاج. وهو كذلك في \"ديوانه\" ٢٤٩. وأنشده الأزهري، \"تهذيب اللغة\" ٥/ ٢٨٥ (حي) غير منسوب، واستشهد به على أن الحِي بكسر الحاء جمع الحياة.\n(٦) في كتاب أبي علي: كأنه قال: إذِ الحياة حياةٌ، أي: الحياة غيرُ متكدرة ولا منغَّصة. \"كتاب الشعر\" ١/ ٣٢١.\n(٧) ذكره الأزهري، \"تهذيب اللغة\" ٥/ ٢٨٧، ولم ينسبه.\n(٨) لم أجده في \"النوادر\"؛ وفي \"تهذيب اللغة\" ١٤/ ٣٤٣ (موت): الموتان: كل شيء غير ذي روح، وما كان ذا روح فهو الحيوان. ولم ينسبه لأبي زيد.","vol":"17","page":557},{"text":"جاء الصفة على هذا المثال نحو قولهم: رجلٌ صَمَيَانٌ للسريع الخفيف (١)، والزَّفَيَان (٢)، قال:\nوتحتَ رَحلي زَفَيَانٌ مَيْلَعُ (٣)\nفهذا أظهر من أن يقال له وصف بالمصدر، فأما قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾ فيحتمل أن يكون المعنى: وإن حياة الدار الآخرة هي الحياة؛ لأنه لا نقص فيها ولا نفاد لها، أي: فتلك الحياة هي الحياة لا التي يشوبها ما يشوب الحياة في هذه الدار، فيكون الحيوان مصدر على هذا. ويجوز أن يكون الحيوان الذي هو خلاف المَوَتان، وقيل للدار الآخرة: الحيوان؛ لأنها لا تزول ولا تبيد كما تبيد هذه الدار وتزول، فتكون الدار وصفت بالحياة لهذا المعنى، والمراد أهلها.\nويجوز أن يكون التقدير في قوله: ﴿لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾ هي ذات الحيوان، أي: دار الآخرة هي دار الحياة، كأنه لم يعتد بحياة هذه الدار حياة. فأما القول في حروف الحيوان: أن العين واللام مِثْلان في أصل الكلمة، وأبدلت من الثانية الواو لَمَّا لم يسع الإدغام في هذا المثال، ألا ترى أن مثل: شَلَل وطَلَل (٤) يصح ولا يدغم؛ فكذلك الحيوان لَمَّا لم يجز الإدغام\n_________\n(١) \"تهذيب اللغة\" ١٢/ ٢٦٠ (صمى).\n(٢) لزَّفَيَان: الخفة. \"لسان العرب\" ١٤/ ٣٥٧ (زفى).\n(٣) أنشده الأزهري، \"تهذيب اللغة\" ١٣/ ٢٦٥ (زفى) ولم ينسبه. والملْع: سرعة سير الناقة، وناقة مَيْلَع: سريعة. \"تهذيب اللغة\" ٢/ ٤٢٦ (ملع). وهو في \"لسان العرب\" ١٤/ ٣٥٧، مع بيتين قبله غير منسوب، وفيه: ناقة زَفيان: سريعة.\n(٤) الشلل: ذهاب اليد، يقال: شَلَّت يده تَشلَّ، فهو أشلُّ. \"تهذيب اللغة\" ١١/ ٢٧٦ (شلل). الطَلَل: ما شخص من الديار، يقال: حيَّا الله طَلَلك وأطلالك: أي: ما =","vol":"17","page":558},{"text":"تُوصل فيه إلى إزالة المثلين بالبدل، ووجب ذلك في الثاني منهما، وهو الكثير العام في كلامهم؛ لأن التكرير وقع بها، هذا مذهب الخليل وسيبويه وأصحابهما (١)؛ إلا أبا عثمان فإنه ذهب في أن الحيوان غير مُبْدَل الواو؛ وأن الواو فيه أصل وإن لم يكن منه فِعْل، وشَبَّه هذا بقولهم: فَاظَ الميتُ يَفِيظُ فَيْظًا وفَوْظًا (٢)، ولا يستعملون من فَوْظٍ فِعْلًا، فكذلك الحيوان عنده مصدر لم يُشتقَّ منه فِعل، بمنزلة فَوْظٍ؛ ألا ترى أنهم لا يقولون: فاظ يفوظ كما قالوا: فاظ يفيظ.\nقال أبو علي: الذي أجازه أبو عثمان فاسد من قِبَل أنه لا يمتنع أن يكون في الكلام مصدر عينه: واو، وفاؤه: لام صحيحان؛ مثل: فَوْظٍ، وصَوْغٍ (٣)، وقَوْلٍ، ومَوْتٍ، وأشباه ذلك، فأما أن يوجد في الكلام كلمة عينها: ياء، ولامها: واو فلا، فحمله الحيوان على فَوْظٍ خطأٌ؛ لأنه شَبَّه ما لا يوجدُ في الكلام بما هو موجود مطرد؛ وبهذا علمنا أن حَيْوةَ في مثل: رَجاء بن حَيْوة؛ أصله: حَيَّة وأن اللام إنما قلبت واوًا لضربٍ من التَوسُّع، وكراهةً لتضعيف الياء، ولأن الكلمة أيضًا عَلَم؛ والأعلام يَعْرِضُ فيها ما لا يعرض في غيرها؛ نحو: مَوْهَب ومَوْرَق، ومَوْظَب (٤).\n_________\n= شخص من جسدك. \"تهذيب اللغة\" ١٣/ ٢٩٥ (طلل).\n(١) أصل الحيوان: حَييَان، فقلبت الياء التي هي لام الفعل واوًا استكراهًا لتوالي الحركات؛ هذا مذهب الخليل وسيبويه. \"لسان العرب\" ١٤/ ٢١٤ (حيا). وقول سيبويه في \"الكتاب\" ٤/ ٣٩٩.\n(٢) فاظ الميت، وفاظت نفسه: إذا خرجت. \"تهذيب اللغة\" ١٤/ ٣٩٦ (فاظ).\n(٣) الصَّوغُ: مصدر صاغ يصوغ، والصَّياغة: الحرفة. \"تهذيب اللغة\" ٨/ ١٥٨ (صاغ).\n(٤) \"سر صناعة الإعراب\" ١/ ١٥٣، بتصرف، وهو في \"لسان العرب\" ١٤/ ٢١٤ (حيا). وضبطت كلمة: مَوْرَق، هكذا في سر صناعة الإعراب، وهو اسم علم؛ منه: =","vol":"17","page":559},{"text":"قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ يعني لو علموا لرغبوا في الباقي الدائم عن الفاني الزائل، ولكنهم لا يعلمون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3380>٦٥ </span>- قوله: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ قال ابن عباس: يريد المشركين كفار مكة. وذكرنا معنى ﴿فِي﴾ عند قوله: ﴿وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا﴾ [هود: ٤١] (١).\nو﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ أفردوا الله بالطاعة، وتركوا شركاءهم فلا يدعونهم لإنجائهم ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ﴾ الله من أهوال البحر، وأفضوا إلى البر ﴿إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ به في البر فلا يوحدونه كما وحدوه في البحر (٢). وهذا إخبار عن عنادهم، وأنهم عند الشدائد يعلمون أن القادر على كشفها الله وحده، فإذا زالت عادوا إلى كفرهم (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3381>٦٦ </span>- قوله تعالى: ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ﴾ في هذه اللام وجهان؛\n_________\n= مُورق بتشديد الراء، ابن مُشَمْرِج، بضم أوله، ابن عبد الله العجلي، ترجم له الحافظ ابن حجر. \"تقريب التهذيب\" ٩٧٧، رقم (٦٩٨٩).\nومَوْرَق بفتح الميم وضمها اسم موضع بفارس. \"معجم البلدان\" ٥/ ٢٥٦، ثم قال ياقوت الحموي: ومَوْهَب ومَوْظَب اسمان لرجلين.\n(١) قال الواحدي في تفسير هذه الآية: وقوله تعالى: ﴿فِيهَا﴾ لا يجوز أن تكون من صلة الركوب؛ لأنه يقال: ركبت السفينة، ولا يقال: ركبت في السفينة، والوجه هاهنا أن يقال: مفعول ﴿ارْكَبُوا﴾ محذوف على تقدير: اركبوا الماء في السفينة فيكون قوله: ﴿فِيهَا﴾ حالًا من الضمير في: ﴿ارْكَبُوا﴾ ويجوز أن يقال: المعنى: اركبوها؛ أي: الفلك، وزاد: في للتأكيد كقوله: ﴿لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾ [يوسف: ٤٣] وفائدة هذه الزيادة أنه أمرهم أن يكونوا في جوف الفلك لا على ظهرها، فلو قال: (اركبوها) لتوهموا أنه أمرهم أن يكونوا على ظهر السفينة.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ٧٥ ب.\n(٣) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٣١٨، بمعناه.","vol":"17","page":560},{"text":"أحدهما: أنها لام كي، وهي متعلقة بالإشراك، كأن المعنى: يشركون ليكفروا؛ أي: ليجحدوا نعمة الله في إنجائه إياهم، أي: لا فائدة لهم في الإشراك إلا الكفر، فليس يردُّ عليهم الشرك نفعًا إلا الكفر والتمتع بما يستمتعون به في العاجلة من غير نصيب في الآخرة. ومن جعل هذه لام كي كسر لام قوله: ﴿وَلِيَتَمَتَّعُوا﴾ ومن جزم اللام أراد الأمر (١)، وهو على معنى: التهديد والوعيد كقوله: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ﴾ [الإسراء: ٦٤] و﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠] ونحو ذلك من الأوامر التي معناها الوعيد (٢). ويدل على جواز الأمر هاهنا قوله في الأخرى: ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3382>٦٧ </span>- وقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا﴾ ذكرنا تفسيره ونزوله في سورة: القصص (٤). قال ابن عباس: يعني مكة يأمن أهلها، ومن يلجأُ إليهم (٥).\n﴿وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ يريد: العرب يسبي بعضهم بعضًا، وأهلُ مكة آمنون (٦). قال مقاتل: أدفع عنهم، وهم يأكلون رزقي، ويعبدون\n_________\n(١) قرأ ابن كثير وحمزة والكسائي: ﴿وَلِيَتَمَتَّعُوا﴾ بجزم اللام، وقرأ أبو عمرو وابن عامر وعاصم: ﴿وَلِيَتَمَتَّعُوا﴾ بكسر اللام. \"السبعة في القراءات\" ٥٠٢، و\"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٤٤٠.\n(٢) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٣١٩، وابن جرير ٢١/ ١٣، بمعناه. قال الزجاج ٤/ ١٧٤: قرئ بكسر اللام وتسكينها، والكسر أجود على معنى: لكي يكفروا وكي يتمتعوا.\n(٣) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٤٤١، من قوله: في هذه اللام وجهان\n(٤) أشار إلى هذه الإحالة: مقاتل ٧٥ ب. سورة القصص الآية ٥٧.\n(٥) أخرجه ابن أبي حاتم ٩/ ٣٠٨٢، عن الضحاك.\n(٦) أخرجه ابن جرير ٢١/ ١٤، عن قتادة، بنحوه.","vol":"17","page":561},{"text":"غيري (١).\n﴿أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ﴾ يعني: الشيطان (٢). وقال الكلبي: يعني الآلهة (٣) ﴿وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ﴾ قال مقاتل: ﴿وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ﴾ ﴿الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (٤)﴾ [قريش: ٤] ﴿يَكْفُرُونَ﴾ (٤) وقال الكلبي: بمحمد والإِسلام (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3383>٦٨ </span>- ثم ذكر أنهم أظلمُ الخلق فقال: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ أي: لا أحد أظلم ممن زعم أن لله شريكًا، وأنه أمر بالفواحش (٦).\n﴿أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ﴾ بمحمد والقرآن (٧) ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ﴾ أمَا لهذا المكذب مأوى في جهنم (٨) وهو استفهام معناه: التقرير (٩).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3384>٦٩ </span>- قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ قال ابن زيد: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا﴾ هؤلاء المشركين وقاتلوهم في نصرة ديننا، ﴿لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ لنعصمنهم ولنرشدنهم إلى ديننا (١٠). والأولى أن يكون معنى الهداية\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ٧٥ ب.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ٧٥ ب.\n(٣) \"تنوير المقباس\" ٣٣٨.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ٧٥ ب.\n(٥) \"تنوير المقباس\" ٣٣٨، بنحوه.\n(٦) \"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٦٣ أ.\n(٧) \"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٦٣ أ. و\"تنوير المقباس\" ٣٣٨.\n(٨) \"تفسير مقاتل\" ٧٥ ب.\n(٩) تفسير ابن جرير ٢١/ ١٤.\n(١٠) أخرجه ابن جرير ٢١/ ١٥، عن ابن وهب قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا﴾ فقلت له: قاتلوا فينا قال: نعم. وأخرجه كذلك ابن أبي حاتم ٩/ ٣٠٨٤.","vol":"17","page":562},{"text":"هاهنا: الزيادة منها والتثبيت عليها.\nقال أبو إسحاق: أعلم الله -﷿- أنه يزيد المجاهدين هداية، كما أنه يزيد الكافرين بكفرهم ضلالة، كذلك يزيد المجاهدين هداية كما قال: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى﴾ [محمد: ١٧] (١).\nوقال أبو سَوْرَة: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا﴾ في الغزو لنهدينهم سبل الشهادة والمغفرة (٢).\nقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ قال مقاتل: في العون لهم (٣).\nوقال الزجاج: تأويله: إن الله ناصرهم (٤).\nوقال ابن عباس: يريد بالمحسنين الموحدين.\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٧٤. ومن أدلة ذلك قول الله -﷿- ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٤، ١٢٥].\n(٢) \"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٦٣ ب.\n- أبو سَوْرَة الأنصاري، ابن أخي أبي أيوب. قال الذهبي: أبو سورة، عن ابن عمر، وعنه مطعم بن المقدام، مجهول. \"المغني في الضعفاء\" ٢/ ٤٧٣، وقال ابن حجر: ضعيف. \"تقريب التهذيب\" ١١٥٨.\n(٣) لم أجده عند مقاتل في تفسيره. وقال الثعلبي ٨/ ١٦٣ ب: بالنصر والمعونة في دنياهم، وبالثواب والمغفرة في عقباهم.\n(٤) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٧٤.","vol":"17","page":563},{"text":"المملكة العربية السعودية\nوزارة التعليم العالي\nجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية\nعمادة البحث العلمي\nسلسلة الرسائل الجامعية\nالتَّفْسِيرُ البَسِيْط\nلأبي الحسن علي بن أحمد بن محمد الواحدي\n(ت ٤٦٨ هـ)\nسورة الروم\nتحقيق\nد. سليمان بن إبراهيم بن محمد الحصين\nمن أول سورة لقمان إلى آخر سورة يس\nتحقيق\nد. محمد بن عبد الله بن سابح الطيار\nأشرف على طباعته وإخراجه\nد. عبد العزيز سطام آل سعود ... أ. د. تركي بن سهو العتيبي\nالجزء الثامن عشر","vol":"18","page":1},{"text":"المملكة العربية السعودية\nوزارة التعليم العالي\nجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية\nعمادة البحث العلمي\nسلسلة الرسائل الجامعية\nالتَّفْسِيرُ البَسِيْط\nلأبي الحسن علي بن أحمد بن محمد الواحدي\n(ت ٤٦٨ هـ)\nسورة الروم\nتحقيق\nد. سليمان بن إبراهيم بن محمد الحصين\nمن أول سورة لقمان إلى آخر سورة يس\nتحقيق\nد. محمد بن عبد الله بن سابح الطيار\nأشرف على طباعته وإخراجه\nد. عبد العزيز سطام آل سعود ... أ. د. تركي بن سهو العتيبي\nالجزء الثامن عشر","vol":"18","page":2},{"text":"جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ١٤٣٠ هـ\nفهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية أثناء النشر\nالواحدي، علي بن أحمد\nالتفسير البسيط لأبي الحسن علي بن أحمد بن محمد\nالواحدي (ت ٤٦٨ هـ)./ سليمان بن إبراهيم بن محمد الحصين،\nمحمد بن عبد الله بن سابح الطيار الرياض ١٤٣٠ هـ\n٢٥ مج. (سلسلة الرسائل الجامعية)\nردمكـ: ٤ - ٨٥٧ - ٠٤ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (مجموعة)\n٨ - ٨٧٥ - ٠٤ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (ج ١٨)\n١ - القرآن تفسير ... ٢ - الواحدي علي بن أحمد\nأ - العنوان ... ب - السلسلة\nديوي ٢٢٧.٣ ... ٨٦٨/ ١٤٣٠\nرقم الإيداع: ٨٦٨/ ١٤٣٠ هـ\nردمكـ: ٤ - ٨٥٧ - ٠٤ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (مجموعة)\n٨ - ٨٧٥ - ٠٤ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (ج ١٨)","vol":"18","page":3},{"text":"التَّفْسِيرُ البَسِيْط\nلأبي الحسن علي بن أحمد بن محمد الواحدي\n(ت ٤٦٨ هـ)\n[١٨]","vol":"18","page":4},{"text":"بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ","vol":"18","page":5},{"text":"التَّفْسِيرُ البَسِيْط\nلأبي الحسن علي بن أحمد بن محمد الواحدي\n(ت ٤٦٨ هـ)\nسورة الروم\nتحقيق\nد. سليمان بن إبراهيم بن محمد الحصين","vol":"18","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3385>تفسير سورة الروم </span><span data-type=\"title\" id=toc-3386>(١)</span>\n١ - ﴿الم﴾ ذكرنا تفسيره في سورة العنكبوت.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3387>٢، ٣ </span>- قوله تعالى: ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ﴾ قال المفسرون: إن أهل فارس غلبوا أهل الروم ﴿فِي أَدْنَى الْأَرْضِ﴾ ففرح بذلك كفار مكة، وقالوا: إن فارس ليست لهم كتب ونحن مثلهم، وقد غلبوا أهلَ الروم وهم أهل كتاب مثلكم، فنحن أيضًا نغلبكم كما غلبت فارس الروم (٢).\nوقال السدي: اقتتلت فارس والروم فغلبتهم فارس، ففخر أبو سفيان ابن حرب على المسلمين، وقال: الذين ليس لهم كتاب غلبوا الذين لهم الكتاب. فذلك قوله: ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ (٣) وهم جيل من ولد الروم بن عيص بن إسحاق (٤)، غلب اسم أبيهم عليهم، فصار كالاسم للقبيلة. وإن شئت قلت:\n_________\n(١) مكية كلها. \"غريب القرآن\" لابن قتيبة ص ٣٤٠. \"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٦٣ ب. وحكى الإجماع على ذلك ابن الجوزي، \"زاد المسير\" ٦/ ٢٨٦. وعدد آياتها: ستون آية. \"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٦٤ أ.\n(٢) أخرجه عبد الرزاق ٢/ ١٠١، عن مجاهد، وقتادة، والشعبي. وأخرجه ابن جرير ٢١/ ١٧، عن ابن عباس، وعكرمة، وعطاء، والشعبي. وأخرجه مقاتل عن عكرمة، \"تفسير مقاتل\" ٧٥ ب. وذكره الثعلبي ٨/ ١٦٤ أ، وصدره بقوله: قال المفسرون. ولم يسمهم.\n(٣) أخرجه ابن جرير ٢١/ ١٦، عن ابن عباس، من طرق، وعن عكرمة، وقتادة. ولم أجد فيه رواية السدي. ولم أجده في تفسير السدي، جمع محمد عطا يوسف.\n(٤) قال ابن دريد: الروم: جيل معروف. \"جمهرة اللغة\" ٢/ ٨٠٣. وفي \"اللسان\" ١٢/ ٢٥٨ (روم): جيل معروف، واحدهم: رُومي، ينتمون إلى: عِيصو بن إسحاق النبي -﵇-.","vol":"18","page":7},{"text":"جمع رومي منسوب إلى روم بن عيص، كما يقال: زِنجي وزنج، ونحو ذلك.\nقال صاحب النظم: لا يحتمل قوله: ﴿الم﴾ هاهنا إلا أن يكون في معنى القسم، ويكون خبره في قوله: ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ على معنى: لقد غلبت، فلما أضمرت: قد، أضمرت معها: اللام، وقد مما يضمر، كقوله: ﴿أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ [النساء: ٩٠] وقول النابغة:\nأَضْحَتْ خَلاءً وأضحى أهلُها احتمَلُوا (١)\nيعني: قد احتملوا.\nولما أضمر: قد، في الآية وهو موضع اللام أيضًا كقوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ﴾ [آل عمران: ١٠٦] فيقال لهم: ﴿أَكَفَرْتُمْ﴾ أضمر الفاء معه؛ لأنه موضعه، وذلك أن جواب (أما) لا يكون إلا بالفاء، كما قال -﷿-: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ﴾ [آل عمران: ١٠٧].\nوقوله: ﴿فِي أَدْنَى الْأَرْضِ﴾ قال ابن عباس: يريد الجزيرة (٢).\nقال ابن أبي نجيح: هي الجزيرة، وهي أقرب أرض الروم إلى\n_________\n(١) \"ديوان النابغة\" الذبياني ص ٣١، وعجزه:\nأخنى عليها الذي أخنى على لُبَدِ\nوفي الحاشية: أخنى عليها: غيرها وأفسدها، لبد: زعموا أنه نسر كان للقمان بن عاد عمر طويلًا.\nقال البغدادي: هذا البيت من قصيدة للنابغة الذبياني مدح بها النعمان بن المنذر، واعتذر إليه مما بلغه عنه. \"خزانة الأدب\" ٤/ ٥.\n(٢) لعل المراد بها: جزيرة أَقُور فإنها تسمى: الجزيرة؛ لأنها بين دجلة والفرات، مجاورة الشام. وقد أطال الحديث عنها ياقوت في \"معجمه\" ٢/ ١٥٦. شمال غرب العراق، في المنطقة الفاصلة بين العراق وسوريا.","vol":"18","page":8},{"text":"فارس (١). وعن ابن عباس أيضًا: طَرف الشام (٢).\nوقال مقاتل: هي الأردن وفلسطين. وعكرمة: أذرعات وكَسْكَر (٣).\nوقوله: ﴿وَهُمْ﴾ يعني: الروم ﴿مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ﴾ قال الفراء: كلام العرب: غَلَبتُه غَلَبَةً، فإذا أضافوا أسقطوا الهاء، كما أسقطوها من قوله: ﴿وَإِقَامَ الصَّلَاةِ﴾ [الأنبياء: ٧٣] والكلام: إقامة الصلاة (٤). وأنكر الزجاج ذلك؛ وقال: هذا خطأ، والغَلَب والغَلَبة مصدر: غَلَبْتُ، مثل: الجَلَبُ والجَلَبَة (٥).\nوقال المبرد: أضاف الغلبة إلى الروم وهم مفعولون؛ لأن الفعل يضاف إلى مفعوله كما يضاف إلى فاعله؛ لأنه صاحبه، تقول: أعجبني\n_________\n(١) ذكره عنه الثعلبي ٨/ ١٦٥ أ.\n(٢) أخرجه ابن جرير ٢١/ ٢١، عن ابن عباس، وأخرج نحوه ٢١/ ١٦، عن ابن عمر. وذكره عن ابن عمر الفراء، \"معاني القرآن\" ٢/ ٣١٩. قال الزجاج ٤/ ١٧٥: وتأويله: أدنى الأرض من أرض العرب.\n(٣) في \"تفسير مقاتل\" ٧٥ ب: أذرعات، عن عكرمة. وفي: ٧٧ أ: الأردن وفلسطين. وليس فيه ذكر: كسكر. لكن ذكره عن عكرمة الثعلبي ٨/ ١٦٥ أ. وأخرج ابن جرير ٢١/ ١٨، عن عطاء وعكرمة، أنها: أذرعات. وأَذْرعات: بلد في أطراف الشام، يجاور أرض البلقاء وعَمَّان. \"معجم البلدان\" ١/ ١٥٨. و: كَسْكَر: تعريف ياقوت لها يدل على أنها مدينة بين: البصرة والكوفة. \"معجم البلدان\" ٤/ ٥٢٣، وهي جنوب شرق بغداد على نهر دجلة بالقرب من الحدود الإيرانية وفي \"تهذيب اللغة\" ٢/ ٣١٥: أذرعات: بلد تنسب إليها الخمر. وفي \"اللسان\" ٨/ ٩٧: موضع بالشام تنسب إليه الخمر. (ذرع). وهي تبعد إلى الشرق من مدينة عكا بحوالي ١٢٠ كم.\n(٤) \"معاني القرآن\" ٢/ ٣١٩.\n(٥) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٧٧ الجَلَب: ما جلب القوم من غنم أو سبي، والجلب الجلبة في جماعة الناس، والفعل: أجلبوا وجَلَّبوا من الصياح. \"تهذيب اللغة\" ١١/ ٩٠ (جلب).","vol":"18","page":9},{"text":"خياطة الخياط، وبناء الباني، ونجر النجار، ويضاف إلى المفعول، لأنه فيه حَلَّ، يقولون: ما أحسن بناءَ هذه الدار، وخياطةَ هذا الثوب، ونجرَ هذا الباب، ومثل هذا في القرآن كثير؛ كقوله: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ [البقرة: ١٧٧] أي: حب المال ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ﴾ [الإنسان: ٨]: أي حب الطعام، ومثله: ﴿بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ﴾ [ص: ٢٤] وهذا مما ذكرنا قديمًا (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3388>٣، ٤ </span>- قوله تعالى: ﴿سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ ذكرنا تفسير البضع عند قوله: ﴿فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾ [يوسف: ٤٢] (٢). أخبر الله تعالى: أن الروم بعد ما غُلبوا سيغلبون، ويصيرون غالبين لفارس؛ روى عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس قال: لما نزلت: ﴿وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ ناحب أبو بكر قريشًا ثم أتى النبي -ﷺ- وقال: إني ناحبتهم، فقال له النبي -ﷺ-: \"فهلا احتطت فإن البضع ما بين الثلاث إلى التسع\" (٣).\n_________\n(١) قال الواحدي في تفسير هذه الآية: قال الفراء والزجاج: والمعنى: بسؤاله نعجتك فأضيف المصدر إلى المفعول لما ألقيت الهاء من السؤال، ومثله: ﴿لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ﴾ [فصلت: ٤٩] أي: من دعائه بالخير، فلما ألقى الهاء أضيف الفعل إلى الخبر وألقي من الخبر الباء، كقول الشاعر:\nولست مُسلِمًا ما دمت حيًا ... على زيد بتسليم الأمير\nأي: بتسليمي على الأمير.\n(٢) ذكر الواحدي في تفسير هذه الآية الخلاف في البضع، والأقوال التي ذكرها:\n١ - البضع ما لم يبلغ العقد ولا نصفه؛ أي: من واحد إلى أربعة. قاله أبو عبيدة.\n٢ - قال الأصمعي: ما بين الثلاث إلى التسع، وصححه الزجاج.\n٣ - البضع ما بين العقدين، وهو قول الأخفش. ثم قال الواحدي: وعامة المفسرين على أن المراد بالبضع هاهنا: سبع.\n(٣) أخرجه ابن جرير ٢١/ ١٧، من طريق ابن شهاب الزهري عن عبيد الله، عن عبد الله بن عباس. ومن الطريق نفسه أخرجه الترمذي ٥/ ٣٢٠، كتاب التفسير، =","vol":"18","page":10},{"text":"والمناحبة: المراهنة، وذلك قبل تحريمه (١).\nوقال في رواية عطاء: لما نزلت هذه الآية جرى بين أبي بكر ﵁ وبين أمية بن خلف في ذلك كلام حين وقع بينهما رهان على ثلاث قلائص (٢) إلى أجل ثلاث سنين، فأتى أبو بكر إلى رسول الله -ﷺ- فقال له رسول الله -ﷺ-: \"ارجع فاستزده في القلائص، وفي السنين\"؛ فصيروا الرهبان سبع قلائص إلى سبع سنين (٣).\nوقال الشعبي: بلغنا أن المسلمين والمشركين تخاطروا (٤) بينهم لما نزلت هذه، وذلك قبل تحريم القمار، وضربوا بينهم أجلًا، فقال النبي -ﷺ-: \"لو ضربتم أجلًا آخر فإن البضع يكون ما بين الثلاث إلى تسع\" فزايده إلى\n_________\n= رقم (٣١٩١). وقال الترمذي: \"هذا حديث غريب من حديث الزهري عن عبيد الله عن ابن عباس\". وهو حديث مرسل؛ فعبيد الله بن عبد الله قد أرسل عن جماعة من الصحابة منهم: ابن عباس. \"تهذيب التهذيب\" ٧/ ٢٢. والحديث في \"ضعيف سنن الترمذي\" ٤٠٢، رقم (٦٢٤).\nوقد ورد في النسختين هكذا: عبد الله بن عبد الله، والصواب: عبيد الله بن عبد الله، كما هي رواية الترمذي، وابن جرير.\n(١) \"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٦٤ ب والنَّحب، تطلق على معانٍ، منها: النذر، والقمار، وغيره. \"تهذيب اللغة\" ٥/ ١١٧ (نحب).\n(٢) القَلُوص: الفتية من النوق، بمنزلة الفتاة من النساء. وتطلق أيضًا على: كل أنثى من الإبل من حين تركب، وإن كانت بنت لبون أو حِقة. \"تهذيب اللغة\" ٨/ ٣٦٨ (قلص).\n(٣) أخرج نحوه ابن جرير ٢١/ ١٦، عن ابن عباس، من طريق سعيد بن جبير. وأخرجه أيضًا عن عكرمة، وقتادة، مع اختلاف في عدد السنين، وعدد القلائص، وكذا في \"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٦٤ ب، ولم ينسبه.\n(٤) الخَطَر، والسَّبَق، والنَّدَب، واحد، وهو كله: الذي يوضع في النَّضال، والبرهان، فمن سبق أخذه. \"تهذيب اللغة\" ٧/ ٢٢٤ (خطر).","vol":"18","page":11},{"text":"سبع سنين على سبعة أبكار، قال: فالتقى الروم وفارس، فغلبهم الروم، فجاء جبريل بهزيمة فارس وظهور الروم عليهم، ووافق ذلك يوم بدر (١).\nوقال: سعيد بن جبير عن ابن عباس: لما غلبت فارس الروم وفرح المشركون بذلك، ذكروا ذلك لأبي بكر؟ فذكره أبو بكر لرسول الله -ﷺ- فقال رسول الله -ﷺ-: \"أما إنهم سيغلبون فارس\" فذكر أبو بكر لهم: إن الروم سيغلبون ثم عقدوا عقد الرهان على ما ذكرنا (٢).\nقال أبو إسحاق: وهذه من الآيات التي تدل على أن القرآن من عند الله -﷿-؛ لأنه أنبأ بما سيكون وهذا لا يعلمه إلا الله (٣).\nوقال جماعة من المفسرين: صاحب القمار من جهة المشركين كان أبيِّ بن خلف، وكان الخَطَر بينهم: مائة من الإبل (٤).\nوقوله: ﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ أجمع المفسرون: أن الروم غلبت فارس بعد ما أخبر الله بهذه الآية أنهم سيغلبون في السنة السابعة (٥).\n_________\n(١) أخرجه عنه ابن جرير ٢١/ ١٩، مختصرًا.\n(٢) أخرجه ابن جرير ٢١/ ١٦، من طريق سعيد بن جبير. وأخرجه الحاكم ٢/ ٤٤٥، كتاب التفسير، رقم (٣٥٤٠)، من طريق سعيد أيضًا، وقال: على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. وأخرجه من طريق سعيد أيضًا الترمذي ٥/ ٣٢٠، كتاب: التفسير، رقم (٣١٩٣)، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح غريب. وهو في \"صحيح سنن الترمذي\" ٣/ ٨٧، رقم (٢٥٥١).\n(٣) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٧٥.\n(٤) أخرجه ابن جرير ٢١/ ١٩، عن عكرمة، وقتادة \"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٦٤ ب، ولم ينسبه.\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ٧٧ أ. وليس فيه ذكر السنة، بل ذكر فيه أن ذلك وقع في سنة الحديبية، وقد وقع صلح الحديبية في شهر ذي القعدة من السنة السادسة. \"السيرة النبوية\" لابن هشام ٣/ ٣٢١، والفصول في سيرة الرسول -ﷺ-، ١٨٤. وذكر سبع =","vol":"18","page":12},{"text":"قوله تعالى: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ حين غلبت الروم فارس. وهذا قول الجميع؛ قالوا: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ﴾ أن تغلب ﴿وَمِنْ بَعْدُ﴾ ما غلبت (١). والمعنى: أن غلبة أحدهما الآخر، أيهما كان الغالب والمغلوب فإن ذلك بأمر الله وإرادته وقضائه وقدره، فحين غلبت فارس الروم كان الأمر لله، وحين تغلب الروم فارس يكون الأمر لله.\nوذكرنا الكلام في وجه ارتفاع ﴿قَبْلُ﴾ و﴿بَعْدُ﴾ في أوائل سورة البقرة (٢). وذكر الفراء والزجاج هاهنا كلامًا طويلًا -ﷺ- في إعراب ﴿قَبْلُ﴾\n_________\n= سنين نيار بن مُكرَّم، أخرجه عنه الترمذي ٥/ ٣٢١، بسند حسن، قاله الألباني، صحيح سنن الترمذي ٣/ ٨٨. وذكره السيوطي عن ابن شهاب، وقتادة، \"الدر المنثور\" ٦/ ٤٨١، وأخرج ابن جرير ٢١/ ٢٠، عن ابن مسعود، أنها تسع. فحكاية الإجماع هنا غريبة؛ إذ قد اختلفت أقوال المفسرين في زمن وقوع ظهور الروم على فارس؛ فقيل: يوم بدر، وقيل في صلح الحديبية، وقيل بعد سبع سنين من الأجل، وقيل بعد تسع سنين، والثعلبي لما ذكر القول بأن المدة: سبع سنين، قال بعده: هكذا قول أكثر المفسرين. \"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٦٤ ب. فحكاية الإجماع هنا غير مستقيمة. والله أعلم.\n(١) أخرجه ابن جرير ٢١/ ٢١، بنحوه عن ابن جريج. و\"تفسير مقاتل\" ٧٧ أ. و\"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٧٦.\n(٢) قال الواحدي في تفسير قول الله تعالى: ﴿قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ﴾ [البقرة: ٢٥] ﴿قَبْلُ﴾ يبنى على الضم في هذا الموضع؛ لأنها تضمنت معنيين؛ أحدهما معناها في ذاتها وهو السبق، والآخر معنى ما بعدها؛ لأن التأويل: هذا الذي رزقنا من قبله، فهو وإن لم يضف ففيه معنى الإضافة، فلما أدت عن معنيين قويت فحملت أثقل الحركات وكذلك قوله: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ تأويله من قبل كل شيء وبعده، وهذا مذهب الفراء والمبرد، واختيار ابن الأنباري.\nوقد ذكر إعرابهما سيبويه، \"الكتاب\" ٣/ ٢٨٦، والمبرد، \"المقتضب\" ٣/ ١٧٤، ١٧٥، والأخفش، \"معاني القرآن\" ٢/ ٦٥٨.","vol":"18","page":13},{"text":"و﴿بَعْدُ﴾ ووجوه استعمالهما مركبة (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3389>٤، ٥ </span>- قوله: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ قال ابن عباس: يريد: حينئذ؛ حين تغلب الروم فارس ﴿يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ﴾: أبو بكر وأصحابه ﴿بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ الروم على فارس (٢). وقال مقاتل: لما كان يوم بدر غلب المسلمون كفار مكة، وأتى الخبرُ المسلمين أن الروم قد غلبوا أهل فارس ففرح المؤمنون بذلك.\nقوله: ﴿وَيَوْمَئِذٍ﴾ يعني: يوم بدر (٣) ﴿يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ ونحو هذا قال السدي: فرح النبي -ﷺ- والمؤمنون بظهورهم على المشركين يوم: بدر، وظهور أهل الكتاب على أهل الشرك. قال أبو سعيد الخدري: ظهر الروم على فارس يوم أحد (٤).\nوقال آخرون: ظهر الروم على فارس يوم الحديبية؛ وهو قول عبيد الله ابن عبد الله بن عتبة بن مسعود (٥).\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٣١٩ - ٣٢٢. و\"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٧٦، ١٧٧.\n(٢) أخرجه ابن جرير ٢١/ ١٧.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ٧٧ أ. ولا يفهم من نقل الواحدي عن مقاتل أن غلبة الروم على فارس كانت مقاربة لغزوة بدر، كلا، بل قال مقاتل: وأتى المسلمين الخبرُ بعد ذلك، والنبي -ﷺ-، والمؤمنون بالحديبية أن الروم قد غلبوا أهل فارس.\n(٤) أخرجه ابن جرير ٢١/ ٢١، وفيه يوم بدر؛ وهكذا ذكره السيوطي، \"الدر المنثور\" ٦/ ٤٨١، وعزاه لابن أبي حاتم، وأخرجه كذلك الترمذي ٥/ ٣٢٠، كتاب تفسير القرآن، رقم (٣١٩٢). فكتابة: أحد؛ بدل: بدر، في \"البسيط\" تحريف. والله أعلم.\n(٥) أخرجه ابن جرير ٢١/ ١٩، عن عطاء، وقتادة قال ابن كثير ٦/ ٣٠٣: وقد كانت نصرة الروم على فارس يوم وقعة بدر في قول طائفة كبيرة من العلماء؛ كابن عباس، والثوري، والسدي، وغيرهم .. وقال آخرون: بل كان نصرة الروم على فارس عام الحديبية؛ قاله عكرمة، والزهري، وقتادة وغيرهم .. ووجه بعضهم هذا =","vol":"18","page":14},{"text":"وقوله: ﴿بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ قال ابن عباس: يريد: الرومَ على فارس. وقال مجاهد: بإدالة الروم من أهل الكتاب على فارس أهل الأوثان (١).\nقوله: ﴿يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ﴾ أي: كما نصر الرومَ على فارس.\n﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾: المنيع في ملكه ﴿الرَّحِيمُ﴾ بالمؤمنين خاصة (٢).\n﴿وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3390>٦ </span>- قوله: ﴿وَعْدَ اللَّهِ﴾ قال أبو إسحاق: مصدر مؤكد؛ لأن قوله: ﴿وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ هو وعد من الله للمؤمنين، فقوله: ﴿وَعْدَ اللَّهِ﴾ بمنزلة: وعد الله وعدًا (٣).\nقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ قال مقاتل: يعني كفار مكة (٤) ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ أن الله لا يخلف وعده في إظهار الروم على فارس. ثم قال لكفار مكة:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3391>٧ </span>- ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ قال عكرمة وإبراهيم: معايشهم وما يصلحهم (٥).\n_________\n= القول بأن قيصر كان قد نذر لئن أظفره الله بكسرى ليمشين من حمص إلى إيلياء -وهو بيت المقدس- شكرًا لله -﷿- .. ولم يف بنذره إلا بعد الحديبية، ثم قال: والأمر في هذا سهل قريب.\n(١) أخرجه ابن جرير ٢١/ ١٧، عن مجاهد من طريق ابن أبي نجيح.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ٧٧ أ.\n(٣) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٧٧. وذكره سيبويه، \"الكتاب\" ١/ ٣٨١. وذكره أيضًا المبرد؛ فقال: ومثل ذلك: ﴿وَعْدَ اللَّهِ﴾ لأنه لما قال: ﴿يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ عُلم أن ذلك وعد منه، فصار بمنزلة: وعدهم وعدًا، ثم أضافه. \"المقتضب\" ٣/ ٢٣٢. ونحوه في \"المسائل الحلبيات\" ٣٠٣.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ٧٧ أ.\n(٥) أخرجه عنهما ابن جرير ٢١/ ٢٣.","vol":"18","page":15},{"text":"وقال الحسن: يعلمون متى زرعهم ومتى حصادهم (١). وروي عنه في هذه الآية قال: بلغ والله من علم أحدهم بالدنيا أنه ينقر الدرهم بيده فيخبرك بوزنه، ولا يحسن يصلي (٢).\nوقال قتادة: يعلمون تجارتها وحرفتها وبيعها (٣).\nقال ابن عباس: يعرفون عمران الدنيا، وهم في أمر الدين جهال (٤).\nوقال الضحاك: يعلمون بنيان قصورها، وتشقيق أنهارها، وغرس أشجارها (٥).\nوقال مقاتل: يعني حرفتهم، ومتى يُدرك زرعهم، وما يصلحهم في معايشهم (٦).\nوقال أبو إسحاق: المعنى: يعلمون من معايش الحياة؛ لأنهم كانوا يعالجون التجارات (٧)، فأعلم الله -﷿- مقدار ما يعلمون، وقوله (٨): ﴿وَهُمْ\n_________\n(١) أخرجه ابن جرير ٢١/ ٢٣.\n(٢) \"الدر المنثور\" ٦/ ٤٨٤، ونسبه لابن المنذر وابن أبي حاتم ٩/ ٣٠٨٨. ولفظه في الدر: يقلب الدرهم على ظفره. وذكره ابن الجوزي، \"زاد المسير\" ٦/ ٢٨٩، ولفظه: ينقر الدرهم بظفره. وفي النسختين: ينقر الدرهم بيده. ولعل الصواب -والله أعلم-: يقلب الدرهم بيده؛ لأن تقليب الدرهم باليد يستفيد منه الحاذق معرفة الوزن دون النقرة الذي يمكن أن يستفاد منه معرفة النوع الرديء من الجيد.\n(٣) أخرجه عبد الرزاق ٢/ ١٠٢، وابن جرير ٢١/ ٢٣، عن قتادة.\n(٤) أخرجه ابن جرير ٢١/ ٣٢، من طريق علي بن أبي طلحة.\n(٥) \"الدر المنثور\" ٦/ ٤٨٥، ونسبه لابن أبي حاتم ٩/ ٣٠٨٨.\n(٦) \"تفسير مقاتل\" ٧٧ أ.\n(٧) ذكر نحوه الفراء، \"معاني القرآن\" ٢/ ٣٢٢.\n(٨) هكذا: وقوله، في النسختين. ولعل الصواب: بقوله، كما يدل عليه السياق، والله أعلم. وأما عند الزجاج فقد جاءت بزيادة أوضحت المعنى؛ قال ... فأعلم الله -﷿- =","vol":"18","page":16},{"text":"عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ (١). قال مقاتل: ثم وعظهم ليعتبروا فقال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3392>٨ </span>- ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ (٢) أي: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا﴾ المكذبون بالبعث والقيامة في خلقي إياهم فيعلموا ﴿مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ﴾ الآية (٣). قال أبو إسحاق: وحذف فيعلموا؛ لأن في الكلام دليلًا عليه (٤).\nوقوله: ﴿إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ قال الفراء: ﴿إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ يعني: للثواب والعقاب (٥).\nوقال الزجاج: إلا للحق أي: لإقامة الحق (٦). وهو معنى قول مقاتل: لم يخلقهما عبثًا لغير شيء؛ خلقهما لأمر هو كائن (٧).\nقوله تعالى: ﴿وَأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ قال: للسموات والأرض أجل ينتهيان إليه؛ وهو يوم القيامة (٨). قال الزجاج: وهو الوقت الذي توفَّى فيه كل نفس ما كسبت (٩). والمعنى: أولم يتفكروا في خلق الله إياهم ولم يكونوا شيئًا فيعلموا أنَّ خلق السموات لأمرٍ، وأن لهما أجلًا، وهو: القيامة.\n_________\n= لما نفى أنهم لا يعلمون ما الذي يجهلون، ومقدار ما يعلمون فقال: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ \"معاني القرآن\" ٤/ ١٧٨.\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٧٨.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ٧٧ أ.\n(٣) تفسير ابن جرير ٢١/ ٢٤، باختصار.\n(٤) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٧٨.\n(٥) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٣٢٢.\n(٦) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٧٨.\n(٧) \"تفسير مقاتل\" ٧٧ أ.\n(٨) \"تفسير مقاتل\" ٧٧ أ، بنصه.\n(٩) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٧٨، وفيه. توفي فيه. وسقطت كلمة: فيه، من النسختين.","vol":"18","page":17},{"text":"ثم قال: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾ قال مقاتل والكلبي: يعني كفار مكة (١) ﴿بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ﴾ قال ابن عباس والمفسرون: بالبعث بعد الموت ﴿لَكَافِرُونَ﴾ لا يؤمنون أنه كائن (٢).\nقال أبو إسحاق: معناه: لكافرون بلقاء ربهم، تقدمت الباء؛ لأنها متصلة بكافرون، وما اتصل بخبر إنَّ جاز أن يُقدم قَبل اللام، ولا يجوز أن تدخل اللام بعد مضي الخبر، كقولك: زيد كافر لباللَّه؛ لأنها تدخل على الابتداء والخبر فتؤكد الجملة، ولا تأتي توكيدًا وقد مضت الجملة (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3393>٩ </span>- قال مقاتل: ثم خوفهم فقال: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ يعني: الأمم الخالية كان عاقبتهم العذاب في الدنيا (٤). والمعنى: أو لم يسافروا في الأرض فينظروا إلى مصارع الأمم قبلهم ويعلموا أنهم أهلكوا بتكذيبهم فيعتبروا. ثم وصفهم فقال:\n﴿كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ أي: أعطاهم من القوة ما لم يعطِ هؤلاء ﴿وَأَثَارُوا الْأَرْضَ﴾ ذكرنا تفسير: الآثار، عند قوله: ﴿تُثِيرُ الْأَرْضَ﴾ [البقرة: ٧١] (٥) قال الفراء: حرثوها (٦). وهو قول مجاهد (٧).\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ٧٧ أ، و\"تنوير المقباس\" ص ٣٣٩.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ٧٧ أ، بنصه.\n(٣) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٧٩.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ٧٧ أ.\n(٥) قال الواحدي في تفسير هذه الآية: ﴿تُثِيرُ الْأَرْضَ﴾ أي: تقلبها للزراعة. ومعنى الإثارة: تفريق الشيء في كل جهة، يقال: أثرت الشيء واستثرته إذا هيجته ...\n(٦) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٣٢٢. وقال أبو عبيدة: أي: استخرجوها، ومنه قولهم: أثار ما عندي: أي: استخرجه، وأثار القوم: أيَ: استخرجهم. \"مجاز القرآن\" ٢/ ١١٩.\n(٧) أخرجه ابن جرير ٢١/ ٢٥.","vol":"18","page":18},{"text":"وقال ابن قتيبة: قلبوها للزراعة (١).\nوقال ابن عباس: يريد الأجنة (٢) والأنهار وما غرسوا من الأشجار (٣). يريد أن أثارهم كان لأجل هذه الأشياء.\nوقال مقاتل: يعني: وملكوا الأرض (٤)؛ وهذا معنى وليس بتفسير؛ وذلك أنه يثير الأرض مالكها.\nوقوله: ﴿وَعَمَرُوهَا﴾ يعني: الأمم ﴿أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا﴾ يعني: كفار مكة (٥). واختلفوا لِمَ كانت الأمم أكثر عمارة من أهل مكة؟ فذهب قوم إلى أنهم كانوا أكثر عمارة لأنهم كانوا أطول عمرًا؛ وهذا معنى قول الكلبي ومقاتل؛ قال الكلبي: وبقوا فيها أكثر مما بقي فيها قومك (٦).\nوقال مقاتل: يقول: وعاشوا في الأرض أكثر مما عاش فيها كفار مكة (٧). وإذا كانوا أطولَ بقاءً، وأكثرَ عيشًا كانوا أكثر عمارة. وقال آخرون: لأنهم كانوا أكثر عددًا؛ فقد روي أنه لم يبق نَشَزٌ (٨) من الأرض يحتمل عمارة إلا كان لها عامر على عهد عاد، والأمم السالفة. وذكر أبو إسحاق معنًى آخر؛ فقال: يعني: أن الذين أهلكوا من الأمم كانوا أكثر حرثًا\n_________\n(١) \"غريب القرآن\" ص ٣٤٠.\n(٢) هكذا في (أ)، (ب): (الأجنة)، وهي جمع جنة. قال الأزهري: الجنة: الحديقة، جمع جنانه \"تهذيب اللغة\" ١٠/ ٥٠٣ (جنن).\n(٣) أخرجه ابن جرير ٢١/ ٢٤، بلفظ: ملكوا الأرض وعمروها.\n(٤) لم أجده في تفسير مقاتل، ولم أجده كذلك عند الثعلبي.\n(٥) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٣٢٢.\n(٦) \"تنوير المقباس\" ص ٣٣٩.\n(٧) \"تفسير مقاتل\" ٧٧ ب.\n(٨) النَّشَزُ، والنَّشْزُ، والوَشَز: ما ارتفع من الأرض. \"تهذيب اللغة\" ١١/ ٣٠٥ (نشز).","vol":"18","page":19},{"text":"وعمارة من أهل مكة؛ لأن أهلَ مكة لم يكونوا أصحاب حرث (١).\nقوله: ﴿وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ قال ابن عباس: يريد: الحلال والحرام، والأحكام والحدود. وقال مقاتل: فيعذبهم على غير ذنب (٢) ﴿وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ بالكفر والتكذيب. ودلَّ هذا الكلام على أنهم لم يؤمنوا فأهلكوا؛ لأن الله أعلم أنه عذبهم غيرَ ظالم لهم.\nقال صاحب النظم: يأتي [الظلم] (٣) في الكلام لثلاثة معانٍ؛ أحدها: وضع الشيء في غير موضعه، كقوله: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] وذلك أنه وضع الربوبية غير موضعها. والثاني: المنع والحبس، كقوله: ﴿وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [الكهف: ٣٣] والثالث: أخذ الشيء قبل وقت أخذه، كقول الشاعر:\nوقائلة ظلمتُ لكم سقائي ... وهل يخفى على العَكِد الظليم (٤)\nوالظليم هاهنا: اللبن يُشرب قبل أن يُدْرِك وَيروب؛ والمعاني الثلاثة\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٧٩.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ٧٧ ب، في تفسير قول الله تعالى: ﴿فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾ فلعل ذكر الآية سقط من النسختين. والله أعلم.\n(٣) كلمة (الظلم) غير موجودة في النسختين، وزدتها لاستقامة الكلام.\n(٤) \"تهذيب اللغة\" ١٤/ ٣٨٣ (ظلم)، ولم ينسبه. وكذا في \"مقاييس اللغة\" ٣/ ٤٦٩. وكذا في \"لسان العرب\" ١٢/ ٣٧٥. سبق أن استشهد الواحدي بهذا البيت في تفسير سورة البقرة. والبيت غير منسوب في \"جمهرة الأمثال\" ١/ ١٣١، واستشهد بهذا البيت في ذكر المثل: أهون مظلوم سِقاء مروَّب. وكذا في \"مجمع الأمثال\" ٢/ ٤٨٢، و\"المستقصى\" للزمخشري ١/ ٤٤٤. والعَكِد: أجل اللسان. \"تهذيب اللغة\" ١/ ٣٠٠ (عكد). معنى البيت: أن اللسان يدرك بالشرب أن اللبن قد ظُلِم بأخذه قبل وقته.","vol":"18","page":20},{"text":"محتملة في هذه الآية؛ فيكون معنى قوله: ﴿فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾ بوضع عذابهم في غير موضعه؛ بأخذهم قبل وقته، وبحبس شيء من أرزاقهم ﴿وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ بوضعها في غير موضعها من التغرير بها، وتعريضها للهلاك بالكفر، وترك النظر لها. ويظلمون أنفسهم أيضًا بمنعها الخير من الإيمان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3394>١٠ </span>- ثم أخبر عن عاقبتهم فقال: ﴿ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى﴾ قال ابن عباس ومقاتل: يعني أشركوا (١).\nوقوله: ﴿السُّوأَى﴾ أكثر التفسير في ﴿السُّوأَى﴾ أنها: النار، ضد الحُسنى؛ وهي: الجنة (٢). وهو قول الأخفش والفراء والزجاج وابن قتيبة (٣)، قال الزجاج وغيره: إساءتهم هاهنا: كفرهم، وجزاء الكفر: النار (٤). كما جُعل للعمل الحسنى؛ وهو: الإيمان: الثواب الحسن؛ وهو: الجنة، في قوله: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى﴾ [يونس: ٢٦].\nقال ابن قتيبة: ﴿السُّوأَى﴾ جهنم، والحسنى: الجنة (٥). وقال غيره: سميت جهنم ﴿السُّوأَى﴾ لأنها تسوء صاحبها، من قولهم: ساءه يسوؤه.\n_________\n(١) أخرجه ابن جرير ٢١/ ٢٥، من طريق علي بن أبي طلحة. و\"تفسير مقاتل\" ٧٧ ب.\n(٢) أخرجه ابن جرير ٢١/ ٢٥، عن ابن عباس، وقتادة. \"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٦٥ ب، ولم ينسبه. والحسنى وردت في قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] وقد ذكر الآية الواحدي بعد ذلك.\n(٣) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٣٢٢. و\"غريب القرآن\" لابن قتيبة ٣٤٠. و\"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٧٩. قال الأخفش: ﴿السُّوأَى﴾ مصدر هاهنا مثل: التقوى. \"معاني القرآن\" ٢/ ٦٥٦، ولم أجد فيه ما ذكر الواحدي.\n(٤) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٧٩.\n(٥) \"غريب القرآن\" ص ٣٤٠.","vol":"18","page":21},{"text":"وقيل: لأنها قبيحة المنظر، يقال ساء الشيء إذا قَبُح، يسوء، والسَّوء: المرأة القبيحة، ومنه: السيئ والسيئة، وقد ذُكرتا (١)، وقيل في تفسير ﴿السُّوأَى﴾ هاهنا أنها: العذاب في الدنيا. وهو قول مقاتل (٢).\nوفي قوله: ﴿عَاقِبَةَ الَّذِينَ﴾ قراءتان؛ الرفع والنصب (٣)، فمن نصب جعلها خبر كان، ونصبَها متقدمةً، كما قال: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: ٤٧] واسم كان على هذه القراءة يجوز أن يكون أحد شيئين؛ أحدهما: ﴿السُّوأَى﴾ على تقدير: ثم كان عاقبة الذين أساؤا (٤)، ويكون أن في قوله: ﴿أَنْ كَذَّبُوا﴾ مفعولًا له؛ أي: لأن كذبوا (٥).\nوهذا معنى قول الفراء والزجاج؛ قال الفراء: ﴿أَنْ كَذَّبُوا﴾ لتكذيبهم، ولِأن كذبوا، فإذا ألقيتَ اللام كان نصبًا (٦).\nوقال الزجاج: المعنى: ثم كان عاقبة الكافرين النارَ لتكذيبهم بآيات\n_________\n(١) قال الواحدي في تفسير قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا﴾ [آل عمران: ١٢٠]: يقال: ساء الشيء يسوء فهو سيء، والأنثى سيئة؛ أي: قبُح، ومنه قوله: ﴿سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: ٦٦] وسوَّأت على الرجل فعله؛ أي: قبحته عليه وعبته به، والسُّوأى ضد: الحسنى، والسَّوءاء: المرأة القبيحة.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ٧٧ ب.\n(٣) قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، ونافع: ﴿عَاقِبَةَ﴾ بالرفع، وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي: ﴿عَاقِبَةَ﴾ بالنصب. \"السبعة في القراءات\" ص ٥٠٦، و\"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٤٤٢، و\"إعراب القراءات السبع وعللَّها\" ٢/ ١٩٣، و\"النشر في القراءات العشر\" ٢/ ٣٤٤.\n(٤) اسم كان هنا غير واضح؛ لأن في العبارة نقصًا، وصوابها كما عند أبي علي في \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٤٤٢: التقدير: ثم كان السوأى عاقبةَ الذين أساؤوا.\n(٥) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٤٤٣.\n(٦) \"معاني القرآن\" للفر اء ٢/ ٣٢٢.","vol":"18","page":22},{"text":"الله واستهزائهم (١).\nالوجه الثاني في اسم كان على هذه القراءة هو: ﴿أَنْ كَذَّبُوا﴾ التقدير: ثم كان التكذيبُ ﴿ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا﴾ ويكون: ﴿السُّوأَى﴾ على هذا مصدرًا، وفُعْلَى من أبنية المصادر، كالرُّجعى، والشُّورى، والبُّشرى (٢)، ومعنى الآية: ثم كان التكذيب آخرَ أمرهم أي: ماتوا على ذلك، كأن الله تعالى جازاهم على إساءتهم أن طبع على قلوبهم حتى ماتوا على التكذيب والشرك عقابًا لهم بذنوبهم. وهذا الوجه ذكره أبو علي، وصاحب النظم.\nومن رفع العاقبة جاز أن يكون الخبر: ﴿السُّوأَى﴾ و﴿أَنْ كَذَّبُوا﴾ كما جاز فيمن نصب العاقبة أن يكون كلُّ واحد منهما: الاسم، والتقدير: ثم كان عاقبةُ المسيء التكذيبَ بآيات الله، يعني أنه مات على التكذيب كما ذكرنا، أو يكون المعنى: أنه لم يظفر في شركه وكفره بشيء إلا بالتكذيب بآيات الله، و﴿السُّوأَى﴾ على هذا في موضع نصب بأنه مصدر. وقد يجوز أن يكون: صفة لموصوف محذوف، كأنه الخَّلَة ﴿السُّوأَى﴾ أو الخِلال ﴿السُّوأَى﴾ (٣).\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٧٩.\n(٢) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٤٤٣. والرُّجعى وردت في قوله تعالى: ﴿إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى﴾ [العلق: ٨] والبشرى في قوله تعالى: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ..﴾ [يونس: ٦٤] و﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى ..﴾ [هود: ٧٤] و﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى﴾ [الزمر: ١٧]، وأما الشورى فلم ترد في القرآن معرفة بالألف واللام، وإنما جاءت منكرة، قال تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ ..﴾ [الشورى: ٣٨] والله أعلم.\n(٣) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٤٤٤، بنصه. وقد ضبطت: الخلة، بضم الخاء، والخلال بكسرها، ولم يبين في الحاشية المعنى، ولعل الصواب -والله أعلم- =","vol":"18","page":23},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3395>١١ </span>- قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ قال مقاتل: الله بدأ خلق الناس فخلقهم أولًا، ثم يعيدهم بعد الموت أحياءً كما كانوا ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ فيجزيهم بأعمالهم في الآخرة (١).\nوقرئ (تُرْجَعُونَ) بالياء والتاء (٢)؛ فمن قرأ بالياء فلأن المتقدم ذكرُه غيبة؛ وهو قوله: (يَبْدَؤُا الخَلْقَ) والخلق هم: المخلوقون في المعنى، وجاء قوله: (ثُمَّ يُعِيدُهُ) على لفظ الخلق، وقوله: (تُرْجَعُونَ) على المعنى، ولم يرجع على لفظ الواحد كما كان ﴿يُعِيدُهُ﴾ كذلك. ووجه التاء أنه صار من الغيبة إلى الخطاب، ونظيره: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥] (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3396>١٢ </span>- قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ﴾ قال مقاتل: ييأس. وهو قول الكلبي وقتادة (٤).\n_________\n= أن المراد: الخَلَّة، بفتح الخاء، جمع: خِلال، بكسرها، والمراد بها: الخَصلة. \"تهذيب اللغة\" ٦/ ٥٦٩ (خلّ)، فيكون المعنى: الخصلة السوأى، أو الخصال السوأى. والله أعلم.\n(١) \"تفسير مقاتل\" ٧٧ ب.\n(٢) قرأ أبو عمرو، وعاصم في رواية أبي بكر ﴿يُرْجَعُونَ﴾ بالياء، وقرأ أبو عمرو في رواية عنه: ﴿تُرْجَعُونَ﴾ بالتاء، وقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم: ﴿تُرْجَعُونَ﴾ بالتاء. \"السبعة في القراءات\" ص ٥٠٦، و\"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٤٤٤، و\"إعراب القراءات السبع وعللَّها\" ٢/ ١٩٤، و\"النشر في القراءات العشر\" ٢/ ٣٤٤.\n(٣) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٤٤٤، بنصه.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ٧٧ ب وذكره السيوطي عن ابن عباس، وعزاه لابن أبي حاتم. \"الدر المنثور\" ٦/ ٤٨٥. وهو قول الفراء، قال: ييأسون من كل خير. \"معاني القرآن\" ٢/ ٣٢٢. وكذا أبو عبيدة، في \"المجاز\" ٢/ ١٢٠. وابن جرير ٢١/ ٢٦.","vol":"18","page":24},{"text":"وقال مجاهد: يكتئب، وعنه أيضًا: يفتضح (١).\nوقال الفراء: ينقطع كلامهم وحجتهم (٢).\nوقال أبو إسحاق: المُبْلِس: الساكت المنقطع في حجته، اليائس من أن يهتدي إليها، تقول: ناظرت فلانًا فأبلسَ؛ أي: انقطع وأمسك، ويئس من أن يحتج (٣).\nوذُكر تفسير الإبلاس عند قوله: ﴿فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ [الأنعام: ٤٤] (٤).\nقال الكلبي: يأس المشركون من كل خير حين عاينوا العذاب (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3397>١٣ </span>- ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكَائِهِمْ﴾ أوثانهم التي عبدوها من دون الله ليشفعوا لهم (٦) ﴿شُفَعَاءُ وَكَانُوا بِشُرَكَائِهِمْ كَافِرِينَ﴾ قال الكلبي: تتبرأ منهم الآلهة، ويتبرءوا منها (٧).\n<span data-type=\"title\" id=toc-3398>١٤ </span>- ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ قال ابن عباس: يُفرق بين أولياء الله وبين\n_________\n(١) ذكرهما الثعلبي ٨/ ١٦٦ أ. والسيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ٤٨٥، وعزاهما لابن أبي حاتم ٩/ ٣٠٨٨.\n(٢) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٣٢٢.\n(٣) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٧٩.\n(٤) قال الواحدي في تفسير هذه الآية: قال ابن عباس: آيسون من كل خير، وهو قول مقاتل، وقال الفراء: المبلس: اليائس المنقطع رجاؤه، ولذلك قيل للذي يسكت عند انقطاع حجته أو لا يكون عنده جواب: قد أبلس .. وقال الزجاج: المبلس: الشديد الحسرة اليائس الحزين. فالإبلاس في اللغة يكون بمعنى: اليأس من النجاة عند ورود الهلكة، ويكون بمعنى: انقطاع الحجة، ويكون بمعنى: الحيرة بما يرد على النفس من البلية، وهذه المعاني متقاربة.\n(٥) \"تنوير المقباس\" ص ٣٣٩.\n(٦) \"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٦٦ أ، بنصه.\n(٧) \"تنوير المقباس\" ص ٣٣٩، بنحوه.","vol":"18","page":25},{"text":"أعدائه. وقال مقاتل: يتفرقون بعد الحساب إلى الجنة والنار، فلا يجتمعون أبدًا (١). وقال الحسن: لئن كانوا اجتمعوا في الدنيا ليتفرقُن يوم القيامة؛ هؤلاء في أعلى عليين، وهؤلاء في أسفل السافلين (٢). وكان قتادة يقول: فُرْقَةٌ والله لا اجتماع بعدها (٣).\nوقال أبو علي: يصيرون فرقة بعد فرقة من قوله: ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ [الشورى: ٧] وهذا إخبار عن الخلق المذكور في قوله: ﴿يَبْدَأُ الْخَلْقَ﴾ لأنه أراد المسلمين والكافرين جميعًا؛ يدل على ذلك أنه أخبر بمنزلة الفريقين فقال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3399>١٥ </span>- ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾ (٤) قال الأخفش: يقال حَبَّره الله يُحَبِّره حَبْرًا، وهو محبور: مُكَرَّمٌ مُنَعَّمٌ (٥).\nقال ابن السكيت: يُسَرُّون (٦). والحَبْرَة والحَبُور: السُّرور، وأنشد:\nالحمد لله الذي أعطى الحَبْرَ (٧)\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ٧٧ ب.\n(٢) \"الدر المنثور\" ٦/ ٤٨٦، ونسبه لابن أبي حاتم ٩/ ٣٠٨٩.\n(٣) أخرجه ابن جرير ٢١/ ٢٧.\n(٤) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٨٠، حيث قال: وفيما بعده دليل على أن التفرق للمسلمين والكافرين، فقال: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ ثم بين على أي حال يتفرقون فقال: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾.\n(٥) لم أجد قول الأخفش في كتابه المعاني عند هذه الآية، ولا عند قوله تعالى: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ﴾ [الزخرف: ٧٠]. ولم أجده في \"تهذيب اللغة\".\n(٦) ذكره عنه الأزهري، \"تهذيب اللغة\" ٥/ ٣٤ (حبر). وذكره ابن قتيبة، \"غريب القرآن\" ٣٤٠، ولم ينسبه.\n(٧) قول ابن السكيت مع إنشاد البيت ونسبته للعجاج في \"إصلاح المنطق\" ٢٥٢. =","vol":"18","page":26},{"text":"وقال الليث: يُنَعَّمُون، والحَبْرَة: النعمة، وقد حُبِرَ الرجلُ حَبْرَة فهو: مَحْبُور، وأنشد للمرار (١)، فقال:\nقَد لَبِسْتُ الدهر من أفنانه ... كلَّ فان ناعمٍ منه حَبِر (٢)\nوقال المبرد: الحبرة والحبور والحبر: التنعم والفرح، ومنه المثل السائر: ما دار ملئت حَبْرة إلا وستملأُ عَبْرة (٣).\nوقال أبو عبيدة: ﴿يُحْبَرُونَ﴾ يُسَرُّون ويُفرَحون (٤). قال ابن عباس: يريد في رياض الجنة ينعمون (٥). وهو قول مجاهد وقتادة (٦).\nوقال مقاتل: يُكرمون بالتحف ونحوه (٧).\n_________\n= ونقله عنه الأزهري، \"تهذيب اللغة\" ٥/ ٣٤ (حبر)، مقتصرًا على صدره، ولم ينسبه. وأنشده كاملًا أبو عبيدة، \"مجاز القرآن\" ٢/ ١٢٠، ونسبه للعجاج، وهو في ديوانه ٣٤، وعجزه:\nموالي الحق إنِ المولى شكر\n(١) المَرَّار العدوي، زياد بن منقذ بن عمرو، وسماه ابن قتيبة: المرَّار بن منقذ من صدي ابن مالك بن حنظلة، وأم صدي من جَلّ بن عدي فيقال له ولولده: بنو العدوية. والمرار من شعراء الدولة الأموية، كان معاصرًا للفرزدق وجرير. ت: ١٠٠ هـ. \"الشعر والشعراء\" ص ٤٦٩، و\"خزانة الأدب\" ٥/ ٢٥٣، و\"الأعلام\" ٣/ ٥٥.\n(٢) كتاب \"العين\" ٣/ ٢١٨ (حبر)، ونقله عنه الأزهري، \"تهذيب اللغة\" ٥/ ٣٤، وفيهما نسبة البيت للمرار العدوي.\n(٣) \"غريب القرآن\" لابن قتيبة ص ٣٤٠، بلفظ: كل حَبرة تتبعها عَبرة. لم أجده في كتب الأمثال التي اطلعت عليها.\n(٤) \"مجاز القرآن\" ٢/ ١٢٠.\n(٥) أخرجه ابن جرير ٢١/ ٢٧، بلفظ: يكرمون. وذكره عنه الثعلبي ٨/ ١٦٦ أ.\n(٦) أخرجه عنهما ابن جرير ٢١/ ٢٨، بلفظ: ينعمون. وذكره عنهما الثعلبي ٨/ ١٦٦ أ.\n(٧) \"تفسير مقاتل\" ٧٧ ب، ولفظه: في البساتين يكرمون وينعمون فيها وهي: الجنة.","vol":"18","page":27},{"text":"وقال السدي: يَفرحون ويُكرمون (١).\nوقال أبو إسحاق: الحَبْرة في اللغة: كلُّ نِعمَةٍ حَسَنةٍ، والتحبير: التحسين، والحَبْر العالم؛ لأنه متخلق بأحسن الأخلاق (٢)، وُيحبرون: يُكرمون إكرامًا يبالغ فيه. وعن الأوزاعي ويحيى بن أبي كثير أنهما قالا هو: السماع في الجنة (٣). وعلى هذا المعنى: يُنَعَّمون بالسماع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3400>١٦ </span>- ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآية، قال أبو إسحاق: أخبر أن حال المؤمنين: السماعُ في الجنة، والشغلُ بغاية النعمة. وأن حال الكافرين: العذاب الأليم، هم حاضروه أبدًا، غير مخفف عنهم.\n<span data-type=\"title\" id=toc-3401>١٧ </span>- ثم ذكر ما تُدرك به الجنة فقال: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ﴾ (٤) قال الكلبي ومقاتل والفراء: فصلوا لله (٥).\n_________\n(١) ذكره عنه الماوردي، \"النكت والعيون\" ٤/ ٣٠٢.\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٨٠، وفيه: والحِبر: المداد؛ إنما سمي لأنه يُحَسَّنُ به.\n(٣) أخرجه عنهما ابن جرير ٢١/ ٢٨. والثعلبي ٨/ ١٦٦ أ. واقتصر عليه الزجاج ٤/ ١٨٠، ولم ينسبه.\n- الأوزاعي، عبد الرحمن بن عمرو بن أبي عمرو الأوزاعي، أبو عمرو الفقيه، تقدم.\n- يحيى بن أبي كثير، الطائي مولاهم، أبو نصر اليماني، اسم أبيه: صالح، وقيل: غيره، أحد الأعلام الحفاظ، ثقة ثبت لكنه يدلس ويرسل، روى عن أبي أمامة الباهلي في \"صحيح مسلم\"، ولكنه مرسل، وروى عنه الأوزاعي، ومعمر، ومحمد بن جابر، وغيرهم. ت: ١٣٢ هـ \"سير أعلام النبلاء\" ٦/ ٢٧، و\"تقريب التهذيب\" ص ١٠٦٥.\n(٤) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٨٠.\n(٥) \"تنوير المقباس\" ص ٣٣٩. و\"تفسير مقاتل\" ٧٧ ب. و\"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٣٢٣.","vol":"18","page":28},{"text":"روى مِقْسَمُ وسعيد بن جبير عن ابن عباس قال: كلُّ تسبيح في القرآن فهو: صلاة. وقال مجاهد: كل سُبْحَةٍ في القرآن: صلاة (١).\nقال المبرد: والعرب تقول: حتى أفرغ من سُبحتي؛ أي: من صلاتي. والتسبيح: اسم الصلاة، قال الله تعالى: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ﴾ [الصافات: ١٤٣] أي: من المصلين.\nقال صاحب النظم: فتكون سبحان الله على تأويل: سبحوا لله، فلما صُرف قوله: سبحوا إلى مصدره، نُصبَ ليُعلم أن معناه: الإغراء والأمر، كما قال -﷿-: ﴿فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ [محمد: ٤] أي: فاضربوا الرقاب. هذا كلامه. وروي أن نافع بن الأزرق سأل ابن عباس؛ فقال: أرأيتَ الصلواتِ الخمس تجدها في القرآن؟ قال: نعم؛ ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ﴾ المغرب ﴿وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ الغداة ﴿وَعَشِيًّا﴾ العصر ﴿وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ الظهر ﴿وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ﴾ [النور: ٥٨] (٢).\nوروى أبو عياض عنه قال: جمعت هذه الآية مواقيت الصلاة؛ ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ﴾ المغرب والعشاء ﴿وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ الفجر ﴿وَعَشِيًّا﴾ العصر ﴿وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ الظهر (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3402>١٨ </span>- قوله: ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ وهو ابتداء الآية الثانية\n_________\n(١) أخرجه ابن جرير ٢١/ ٢٩، وفيه: سجدة، بدل تسبيحة، فلعل الصواب: تسبيحة للآية. وضبط السبحة من \"التهذيب\" ٤/ ٣٣٩ (سبح).\n(٢) أخرجه عبد الرزاق ٢/ ١٠٣، وابن جرير ٢١/ ٢٩، وفيه: ثم قرأ ﴿وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ﴾. وأخرجه الحاكم ٢/ ٤٤٥، كتاب التفسير، رقم (٣٥٤١)، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.\n(٣) أخرجه ابن جرير ٢١/ ٢٩، من طريق الحكم بن أبي عياض. وأخرجه من طريق آخر الثعلبي ٨/ ١٦٧ أ.","vol":"18","page":29},{"text":"في ذكر بيان المواقيت. قال ابن عباس: يريد: يحمده أهل السموات وأهل الأرض، ويصلون له ويسجدون.\nوقال مقاتل: يحمده أهل السموات: الملائكة، ويحمده المؤمنون في الأرض (١).\nقوله: ﴿تُظْهِرُونَ﴾ أي: تدخلون في وقت الظهيرة (٢)؛ وهو: نصف النهار، وقد مر (٣). يقال: أظهر مثل: أصبح وأضحى وأمسى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3403>١٩ </span>- قوله: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ قال عبد الله: هي النطفة تخرج من الرجل ميتة، وهو حي، ويخرج الرجل منها حيًا، وهي ميتة (٤).\nونحو هذا قال مقاتل (٥). وهذه الآية مما قد تقدم القول فيها (٦).\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ٧٧ ب.\n(٢) في (ب): (الظهر).\n(٣) عند قوله تعالى: ﴿وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ﴾ [النور: ٥٨]، ولم أجد في تفسير الواحدي لها إلا قوله: ﴿مِنَ الظَّهِيرَةِ﴾ يريد: المقيل.\n(٤) أخرجه ابن جرير ٢١/ ٣٠، وأخرج نحوه أيضًا عن ابن عباس. وأخرج عن الحسن قال: المؤمن من الكافر، والكافر من المؤمن. ومثل ذلك: الطير من البيضة، والنخل من النواة. والآية عامة تشمل جميع ما ذكر؛ وإن كان الأقرب لسياق الآية أن المراد بها ضرب الأمثلة الحسية من المخلوقات على وحدانية الله -﷿-، وعلى البعث بعد الموت، ويدل لذلك قول الله تعالى بعد ذلك: ﴿وَيُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾. والله أعلم.\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ٧٧ ب. واقتصر عليه الزجاج ٤/ ١٨١، ولم ينسبه.\n(٦) قال الواحدي في تفسير قول الله تعالى: ﴿وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ [آل عمران: ٢٧]: أكثر المفسرين على أن معناه: تخرج الحيوان من النطفة، وتخرج النطفة من الحيوان. وقال الكلبي: تخرج الفرخ من البيضة، =","vol":"18","page":30},{"text":"قوله تعالى: ﴿وَيُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ أي: يجعلها تنبت وذلك حياتها (١).\n﴿وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ قال مقاتل: وهكذا تخرجون يا بني آدم من الأرض يوم القيامة بالماء كما يخرج العُشب من الأرض بالماء؛ وذلك أن الله تعالى يرسل يوم القيامة ماء الحيوان من السماء السابعة على الأرض بين النفختين كمني الرجال فتنبت عظام الخلق ولحومهم وجلودهم في قبورهم نبات العُشب (٢)، كما ينبتون في بطون أمهاتهم (٣).\n_________\n= وتخرج البيضة من الطير؛ وهذا كالأول؛ لأن البيضة للطير بمنزلة النطفة لسائر الحيوانات. وقال ابن عباس في رواية عطاء والحسن: تخرج المؤمن من الكافر، والكافر من المؤمن، والمؤمن حي الفؤاد، والكافر ميت الفؤاد، دليله قوله: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ [الأنعام: ١٢٢]. \"البسيط\" ١/ ٣١٣، (تح/ الحمادي).\n(١) \"تفسير مقاتل\" ٧٧ ب. و\"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٨١.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ٧٧ ب.\n(٣) هذا جزء من حديث طويل موقوف على عبد الله بن مسعود -﵁-، أخرجه الحاكم من طريق سلمة بن كهيل عن أبي الزعراء قال: كنا عند عبد الله بن مسعود -﵁- فذُكر عنده الدجال، فقال عبد الله بن مسعود: تفترقون أيها الناس لخروجه على ثلاث فرق فرقة تتبعه وفرقة تلحق بأرض آبائها بمنابت الشيح وفرقة تأخذ شط الفرات يقاتلهم ويقاتلونه .. إلى أن قال: ثم يكون بين النفختين ما شاء الله أن يكون .. قال: فيرسل الله ماء من تحت العرش كمني الرجال فتنبت لحمانهم وجثمانهم من ذلك الماء كما ينبت الأرض من الثرى، ثم قرأ عبد الله: ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ﴾ [فاطر: ٩] قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. قال الذهبي: ما احتجا بأبي الزعراء. \"المستدرك على الصحيحين\" ٤/ ٦٤١، كتاب: الأهوال، رقم (٨٧٧٢). وهذا الحديث معروف عند أهل العلم بحديث الشفاعة الذي يرويه أبو الزعراء عن عبد الله بن مسعود -﵁-، وفيه أن النبي -ﷺ- رابع شفيع يقوم يوم القيامة، واسم أبي =","vol":"18","page":31},{"text":"وهذا قول الكلبي والسدي (١).\nوقال أبو إسحاق: كذلك يخرجون من قبورهم مبعوثين، ومعنى الكاف نصب لقوله: ﴿تَخْرُجُونَ﴾ والمعنى: أن بعثكم عليه -﷿- كخلقكم، أي: هما في قدرته متساويان (٢). يعني: أن ذكر ابتداء الخلق بقوله: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ يعني: الإنسان من النطفة، ثم قال: ﴿وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾.\n_________\n= الزعراء: عبد الله بن هانئ؛ قال عنه البخاري: عبد الله بن هانئ، أبو الزعراء الكوفي ..\nروى عن ابن مسعود -﵁-، في الشفاعة: ثم يقوم نبيكم رابعهم، والمعروف عن النبي -ﷺ-: أنا أول شافع، ولا يتابَع على حديثه. \"التاريخ الكبير\" ٥/ ٢٢١، رقم (٧٢٠). وقال ابن عدي: يروي سلمة بن كهيل عن أبي الزعراء، عن عبد الله بن مسعود إنْ كان قد سمع من عبد الله بن مسعود. \"الكامل في ضعفاء الرجال\" ٤/ ١٥٤٩. وقد وقعت تسمية أبي الزعراء في تحقيق الألباني لأحاديث \"شرح العقيدة الطحاوية\" ص ٤١٠، بـ: الوليد بن يحيى، ولا أدري كيف وقع ذلك، فلعله لم يقف على كلام البخاري، ولا ابن عدي، حيث أحال على الهيثمي وحده في \"مجمع الزوائد\" ١٠/ ٣٣٠، والهيثمي ذكره هناك بكنيته، ونقد الهيثمي هذه الرواية لمخالفتها للحديث الصحيح: أنا أول شافع، ونسب هذا النقد الألباني للَّهيثمي، مما يدل على أنه لم يطلع على كلام البخاري في هذا الموضع. والله تعالى أعلم. وكون السماء تمطر مطرًا ينبت منه أجساد العباد ثابت من حديث عبد الله بن عمرو -﵄- في حديثٍ مرفوع؛ أخرجه مسلم في \"صحيحه\" ٤/ ٢٢٥٩، كتاب. الفتن وأشراط الساعة، رقم (٢٩٤٠)، والشاهد فيه قول النبي -ﷺ-: \"ثم يرسل الله أو قال ينزل الله مطرا كأنه الطَّلُ أو الظَّلُ [نعمانُ الشاكُّ] فتنبت منه أجساد الناس ثم ينفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون\".\n(١) \"تنوير المقباس\" ص ٣٣٩.\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٨١.","vol":"18","page":32},{"text":"وقرأ حمزة والكسائي (تَخْرُجُونَ) بفتح التاء (١)؛ وحجة هذه القراءة قوله: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا﴾ [المعارج: ٤٣] (٢) أضاف الخروج إليهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3404>٢٠ </span>- قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ﴾ ومن دلالاته على توحيده وقدرته ﴿أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ قال ابن عباس والمفسرون: يعني: آدم أبا البشر (٣) ﴿ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾ قال ابن عباس: من لحم ودم. يعني: ذرية آدم ينتشرون: ينبسطون في الأرض. قاله مقاتل (٤). وقال ابن عباس: تذهبون وتجيئون. ومعنى الآية: تعجيبهم من خلقه إياهم من تراب، ثم صيرورتهم بشرًا ينتشرون في الأرض.\n<span data-type=\"title\" id=toc-3405>٢١ </span>- قوله تعالى: ﴿أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ قال الكلبي: يقول: جعل لكم مِنْ خلقكم آدميًا مثلكم، ولم يجعله من الجن ولا من غيره (٥). وقال غيره: يعني خَلْق حواء من ضِلَع من أضلاع آدم. حكاه الزجاج، وهو قول قتادة (٦). وذكر غيره أن معنى ﴿خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾: أنه خلق\n_________\n(١) قرأ حمزة والكسائي: ﴿تَخْرُجُونَ﴾ بفتح التاء. وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم وابن عامر: ﴿تُخْرَجُونَ﴾ بضم التاء. \"السبعة في القراءات\" ص ٥٠٦، و\"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٤٤٥، و\"إعراب القراءات السبع وعللَّها\" ٢/ ١٩٥.\n(٢) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٤٤٥.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ٧٨ أ. وتفسير ابن جرير ٢١/ ٣١، وأخرجه عن قتادة. \"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٦٧ ب.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ٧٨ أ.\n(٥) \"تنوير المقباس\" ص ٣٤٠، وذكره الثعلبي ٨/ ١٦٧ ب، ولم ينسبه.\n(٦) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٨٢، ولم ينسبه. وأخرجه ابن جرير ٢١/ ٣١، عن قتادة. وكون حواء ﵍ خلقت من ضلع من أضلاع آدم -﵇-، مروي عن جمع من المفسرين، تفسير ابن جرير ٧/ ٥١٥، تح: محمود شاكر، وابن أبي حاتم ٣/ ٨٥٢، وهي آثار موقوفة، ليس فيها شيء مرفوع للنبي -ﷺ-، وقد صرح ابن =","vol":"18","page":33},{"text":"النساء من نطف الرجال (١).\nقوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ جعل بين الزوج والمرأة المودة والرحمة، فهما يتوادان ويتراحمان، وما شيء أحبَّ إلى أحدهما من الآخر من غير رحم بينهما. وهذا معنى قول مقاتل والمفسرين (٢). وروى عطاء عن ابن عباس في قوله: ﴿مَوَدَّةً﴾ يعني: الجماع ﴿وَرَحْمَةً﴾ يعني: الولد. وهو قول الحسن (٣).\n_________\n= إسحاق بأخذ هذه الأخبار عن أهل الكتاب، فقال: \"أُلقي على آدم -﵇- السِنة، فيما بلغنا عن أهل الكتاب من أهل التوراة وغيرهم من أهل العلم .. \". أخرجه ابن جرير ٧/ ٥١٦.\nوأما كون المرأة خلقت من ضِلَع فهذا ثابت في الصحيحين، من حديث أبي هريرة؛ ولفظه: استوصوا بالنساء خيرًا فإنهن خلقن من ضلع، وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه كسرته، وإن تركته لم يزل أعوج، فاستوصوا بالنساء خيرًا. البخاري، كتاب: النكاح، رقم (٥١٨٥)، \"فتح الباري\" ٩/ ٢٥٢، ومسلم ٢/ ١٠٩٠، كتاب: الرضاع، رقم (١٤٦٨)، وزاد: (وكسرها طلاقها). قال ابن حجر في شرحه لهذا الحديث: قوله: (فإنهن خلقن من ضلع) كأن فيه إشارة إلى ما أخرجه ابن إسحاق في المبتدأ، عن ابن عباس، أن حواء خلقت من ضلع آدم الأقصر الأيسر وهو نائم. \"فتح الباري\" ٩/ ٢٥٣.\n(١) لعله يعني مقاتل؛ حيث قال: ﴿أَنْفُسِكُمْ﴾ يعني: بعضكم من بعض. \"تفسير مقاتل\" ٧٨ أ. وذكره الثعلبي ٨/ ١٦٧ ب، ولم ينسبه. وذكر نحوه الماوردي عن علي بن عيسى. \"النكت والعيون\" ٦/ ٣٠٥.\nوالذي يظهر -والله تعالى أعلم- أن لا تعارض بين هذه الأقوال، فالقول الأول يدل على أن الزوج من جنس الآدمي، وهو بهذا يتفق مع القولين بعده، وأفاد القول الثاني أن أجل خلق الأنثى زوج الذكر من ضلع -على ما سبق بيانه- وأفاد القول الثالث التكاثر والتناسل عن طريق النطف. والله تعالى أعلم.\n(٢) \"تفسِير مقاتل\" ٧٨ أ. وتفسير ابن جرير ٢١/ ٣١.\n(٣) ذكره السيوطي، عن الحسن، وعزاه لابن المنذر، وابن أبي حاتم. \"الدر\" ٦/ ٤٩٠.","vol":"18","page":34},{"text":"﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ الذي ذكر من صُنعه ﴿لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ في عظمة الله وقدرته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3406>٢٢ </span>- ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ﴾ الدالة على توحيده وقدرته: ﴿خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ قال مقاتل: بأن الله خالقهما، كقوله: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥، الزمر: ٣٨] (١).\nقوله تعالى: ﴿وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ﴾ يعني: اختلاف اللغات كالعربية والعجمية والتركية وغيرها. وقوله: ﴿وَأَلْوَانِكُمْ﴾ مختلفة؛ لأن الخلق من بين أبيض وأسود وأحمر (٢). قال الكلبي: وهم ولد رجل واحد وامرأة واحدة (٣)، وألسنتهم وألوانهم مختلفة.\n﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ﴾ قال ابن عباس: يريد البر والفاجر. وعنه أيضًا: الإنس والجن (٤). وقرأ حفص: بكسر اللام (٥)؛ قال الفراء: وهو وجه جيد؛ لأنه قد قال: ﴿لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الروم: ٢٤] ﴿لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ١٩٠] (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3407>٢٣ </span>- قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ٧٨ أ.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ٧٨ أ، بمعناه. من قوله: ﴿وَاخْتِلَفُ ...﴾.\n(٣) \"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٦٧ ب، ولم ينسبه.\n(٤) \"تنوير المقباس\" ص ٣٤٠.\n(٥) قرأ حفص عن عاصم: ﴿لِلْعَالِمِينَ﴾ بكسر اللام، جمع: عالِم، وقرأ الباقون: ﴿لِلْعَالِمِينَ﴾ بنصب اللام. \"السبعة في القراءات\" (٥٠٦)، و\"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٤٤٤، و\"النشر في القراءات العشر\" ٢/ ٣٤٤.\n(٦) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٣٢٣.","vol":"18","page":35},{"text":"فَضْلِهِ﴾ قال ابن عباس: يريد طلب المعيشة (١). قال صاحب النظم: تأويله: ومن آياته منامكم بالليل، وابتغاؤكم من فضله بالنهار، اعتبارًا بقوله: ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ [القصص: ٧٣].\nقوله تعالى: ﴿لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ يعني: سماع اعتبار وتدبر. قال ابن عباس: يريد: لقوم يجيبون داعي الله، وجعل السماع بمعنى: الإجابة. وقال الكلبي ومقاتل: ﴿لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ مواعظ الله فيوحدون ربهم (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3408>٢٤ </span>- قوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ﴾ قال الأخفش: أراد أن يريكم، فحذف أن؛ لأن المعنى يدل عليه، وفي حرف عبد الله: ﴿أَن يُرِيكُمُ﴾ (٣) وأنشد قول طرفة:\nألا أيُّهذا الزَّاجِري أَحضُرَ الوغى ... ............. البيت (٤)\n_________\n(١) \"تنوير المقباس\" ص ٣٤٠.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ٧٨ أ.\n(٣) لم أجد هذه القراءة عند ابن خالويه ولا ابن جني.\n(٤) البيت لطرفة من معلقته في \"الديوان\" ص ١٠٥، وفيه: اللائمي، بدل: الزاجري، وعجزه:\nوأن أشهدَ اللذاتِ هل أنت مُخلدي\nوأنشده كاملًا منسوبًا سيبويه ٣/ ٩٩، والثعلبي ٨/ ١٦٧ ب. وأنشده ولم ينسبه، الأخفش ٢/ ٦٥٧، وابن جرير ٢١/ ٣٢، وفي حاشية ابن جرير: رواية البيت عند البصريين: أحضرُ، بالرفع؛ لأنه لما أضمر \"أن\" قبله ذهب عملها، وعند الكوفيين: أحضرَ، بالنصب؛ لأنها وإن أضمرت فكأنها موجودة لقوة الدلالة عليها. والوغى: الحرب، أراد: أيها الإنسان الذي يلومني على شهودي الحرب، وتحصيل اللذات، هل تخلدني في الدنيا إذا كففتُ عن الحرب. وأنشد صدره ولم ينسبه أبو علي، \"المسائل العسكرية\" ص ٢٠٢، وأنشد صدره ونسبه: ابن جني \"سر صناعة الإعراب\" ١/ ٢٨٥","vol":"18","page":36},{"text":"أراد: أن احضُرَ (١).\nوقال أبو إسحاق: المعنى: ومن آياته آيةٌ يريكم بها البرق، هذا أجود في العطف؛ لأن قبله خلق السموات، ومنامكم، فيكون اسمًا منسوقًا (٢) علي اسم، ثم حُذف، ودلَّ عليه قوله: ﴿وَمِنَ﴾ كما قال الشاعر:\nوما الدهر إلا تارتان فمنهما ... أموت وأخرى أبتغي العيش أكدح (٣)\nوالمعنى: فمنهما تارة أموتها، أي: أموت فيها (٤). وقال الفراء: أراد: فمنهما ساعة أموتها، وساعة أعيشها (٥). قال أبو إسحاق: ويجوز أن يكون المعنى: ويريكم البرق خوفًا وطمعًا من آياته، فيكون عطفًا بجملة على جملة (٦). وهذان القولان ذكرهما الفراء (٧).\nقوله تعالى: ﴿خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ قال ابن عباس: خوفًا من الصواعق، وطمعًا [من آياته فيكون] (٨) بالرحمة.\nوقال مقاتل وقتادة: خوفًا من الصواعق للمسافر، ولمن كان بأرض،\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للأخفش ٢/ ٦٥٧. وليس فيه ذكر قراءة عبد الله. ولم أجدها عند ابن خالويه.\n(٢) أي: معطوفًا.\n(٣) البيت لتميم بن مقبل، \"ديوانه\" ص ٢٤، أنشده ونسبه سيبويه ٢/ ٣٤٦. وأنشده ولم ينسبه، الفراء ٢/ ٣٢٣، وابن جرير ٢١/ ٣٣، والزجاج ٤/ ١٨٢. وفي حاشية سيبويه: الشاهد فيه: حذف الاسم لدلالة الصفة عليه، والتقدير: فمنهما تارة أموت فيها.\n(٤) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٨٢.\n(٥) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٣٢٣.\n(٦) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٨٢.\n(٧) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٣٢٣.\n(٨) ما بين المعقوفين ساقط من: (أ).","vol":"18","page":37},{"text":"وطمعًا للمقيم (١)، وهذا مما تقدم تفسيره في سورة: الرعد (٢).\nقال أبو إسحاق: وهما منصوبان على المفعول له؛ المعنى: يريكم للخوف والطمع، وهو خوفٌ للمسافر، وطمعٌ للحاضر (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3409>٢٥ </span>- قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ﴾ قال ابن مسعود: قامتا على غير عمد بأمره (٤).\nوقال الفراء: يقول: تدوما قائمتين بأمره بغير عَمَدٍ (٥).\nقال ابن عباس: يريد: بقوته وقدرته.\nقوله: ﴿ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ﴾ قال الكلبي: يعني النفخة الأخيرة (٦). وقال مقاتل: يدعو إسرافيلَ من صخرة بيت المقدس حتى ينفخ في الصور عن أمر الله (٧).\n_________\n(١) أخرجه ابن جرير ٢١/ ٣٢، عن قتادة، بلفظ: خوفًا للمسافر، وطمعًا للمقيم. و\"تفسير مقاتل\" ٧٨ أ، وقد ورد فيه: وخوفًا من الصواعق لمن كان بأرض.\n(٢) قال الواحدي في تفسير قول الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ﴾ [الرعد: ١٢]: قال ابن عباس: يريد: خوفًا من الصواعق وطمعًا في المطر. وهو قول الحسن. وقال قتادة: خوفًا للمسافر، وطمعًا للمقيم. وهذا قول أكثر أهل التأويل. قال أبو إسحاق وأبو بكر: الخوف للمسافر لما تأذى به من المطر، كما قال الله تعالى: ﴿إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ﴾ [النساء: ١٠٢] والطمع للحاضر المقيم؛ لأنه إذا رأى البرق طمع في المطر الذي هو سبب الخصب.\n(٣) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٨٢.\n(٤) ذكره عن ابن مسعود: مقاتل ٧٨ أ. وأخرجه ابن جرير ٢١/ ٣٤، عن قتادة.\n(٥) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٣٢٣. وهو قول الزجاج ٤/ ١٨٢.\n(٦) \"تنوير المقباس\" ص ٣٤٠.\n(٧) \"تفسير مقاتل\" ٧٨ أ. =","vol":"18","page":38},{"text":"وقوله: ﴿مِنَ الْأَرْضِ﴾ معناه التأخير وإن قدم؛ لأن التقدير: إذا أنتم تخرجون من الأرض. كذا قال مقاتل وأكثر العلماء (١).\n_________\n= وقد ورد في الصور أحاديث كثيرة، بعضها في الصحيح، وبعضها في غيره، فمن ذلك حديث عبد الله بن عمرو بن العاص -﵄- قال: قال رسول الله -ﷺ-: \"يخرج الدجال في أمتي فيمكث أربعين لا أدري أربعين يوما أو أربعين شهرا أو أربعين عاما فيبعث الله عيسى بن مريم كأنه عروة بن مسعود فيطلبه فيهلكه ثم يمكث الناس سبع سنين ليس بين اثنين عداوة ثم يرسل الله ريحًا باردة من قِبل الشام فلا يبقى على وجه الأرض أحد في قلبه مثقال ذرة من خير أو إيمان إلا قبضته حتى لو أن أحدكم دخل في كبد جبل لدخلته عليه حتى تقبضه\" قال سمعتها من رسول الله -ﷺ-. قال: \"فيبقى شرار الناس في خفة الطير وأحلام السباع لا يعرفون معروفا ولا ينكرون منكرا فيتمثل لهم الشيطان فيقول: ألا تستجيبون فيقولون فما تأمرنا فيأمرهم بعبادة الأوثان وهم في ذلك دارٌّ رزقهم حسن عيشهم ثم ينفخ في الصور فلا يسمعه أحد إلا أصغى ليتا ورفع ليتا قال وأول من يسمعه رجل يلوط حوض إبله قال فيصعق ويصعق الناس\". أخرجه مسلم ٤/ ٢٢٥٨، كتاب: الفتن وأشراط الساعة، رقم (٢٩٤٠). اللَّيت: صفحة العنق، وهما ليتان، وأصغى: أمال. \"النهاية في غريب الحديث\" ٤/ ٢٨٤.\nوأما الأحاديث الضعيفة فكثيرة؛ منها حديث الصور الطويل الذي أخرجه الطبراني، في كتابه: \"الأحاديث الطوال\" ص: ٣٦، المطبوع مع \"المعجم الكبير\" للطبراني ٢٥/ ٢٦٦، وقد ساقه بطوله ابن كثير في \"تفسيره\" ٢/ ١٤٦، عند قوله تعالى: ﴿وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾ [الأنعام: ٧٣] ثم قال: \"هذا حديث مشهور، وهو غريب جدًّا، ولبعضه شواهد في الأحاديث المتفرقة، وفي بعض ألفاظه نكارة\".\nأما ما ذكره الواحدي عن مقاتل في تحديد المكان؛ من صخرة بيت المقدس، فلم أجده بهذا اللفظ في الأحاديث، وهذا التحديد يحتاج إلى دليل. والله أعلم.\n(١) \"تفسير مقاتل\" ٧٨ ب. وتفسير ابن جرير ٢١/ ٣٤، وأخرجه عن الضحاك. \"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٦٨ أ، ونسبه لأكثر العلماء، ولم يسمهم. وذكره النحاس عن أبي حاتم، \"القطع والائتناف\" ٢/ ٥٣٢.","vol":"18","page":39},{"text":"قال أبو إسحاق: أي إذا دعاكم للبعث حييتم بعد الموت (١). ولهذا جعل بعضهم تمام الوقف عند قوله: ﴿دَعْوَةً﴾؛ لأن قوله: ﴿مِنَ الْأَرْضِ﴾ ليس من صلة الدعوة، وهو من صلة ﴿تَخْرُجُونَ﴾ وهو مذهب نافع؛ قال يعقوب: هذا من الوقف الذي يحق على العالم علمه. وخالفه أبو حاتم؛ وقال: أظن الوقف: ﴿دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ﴾ أي: وأنتم في الأرض، كما تقول: دعاكم من القبور، ودعوت فلانًا من بيته، أي: هو في بيته (٢).\nوقال النحاس: ﴿إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً﴾ ليس بوقف؛ لأنه لم يأت بجواب ﴿إِذَا﴾ وجواب ﴿إِذَا﴾ على قول الخليل وسيبويه: ﴿أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ أي: خرجتم. وكذا قال سيبويه: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ [الروم: ٣٦] تقديره عنده: قنطوا (٣). والقول ما قال النحاس.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3410>٢٦ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ قال مقاتل: كلهم عبيده، وفي ملكه (٤) ﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ قال: يعني: مقرون له بالعبودية، يعلمون أن الله ربهم وهو خلقهم. وهذا قول قتادة واختيار ابن قتيبة (٥). والقنوت على هذا القول معناه: طاعة الإقرار (٦).\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٨٢، وليس فيه كلمة: حييتم.\n(٢) \"القطع والائتناف\" ٢/ ٥٣٢.\n(٣) \"القطع والائتناف\" ٢/ ٥٣٢. وقد سئل سيبويه الخليلَ عن هذه الآية، \"الكتاب\" ٣/ ٦٣، وذكره المبرد في \"المقتضب\" ٢/ ٥٨. وإنما قدمت كتاب النحاس لنقل الواحدي عنه مذهب الخليل وسيبويه.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ٧٨ ب.\n(٥) أخرجه ابن جرير ٢١/ ٣٥، عن قتادة. و\"تأويل مشكل القرآن\" ص ٤٥٢، و\"غريب القرآن\" ص ٣٤٠. وهو قول مقاتل ٧٨ ب.\n(٦) ذكر ابن الأنباري أن القنوت ينقسم في كلام العرب على أربعة أقسام: الطاعة، =","vol":"18","page":40},{"text":"وقال الكلبي: وهذا خاص لمن كان منهم مطيعًا (١). وعلى هذا لفظ الآية عام، ومعناها الخصوص (٢).\nوقال أبو إسحاق: معنى ﴿قَانِتُونَ﴾ مطيعون طاعة لا يجوز أن يقع معها معصية؛ لأن القنوت: القيام بالطاعة، ومعنى الطاعة هاهنا: أن من في السموات والأرض مخلوقون كما أراد الله -﷿-، لا يقدر أحد على تغيير الخِلقة، ولا مَلَك مقرب، فآثار الصَنعة والخِلقة تدل على الطاعة؛ ليس يعني بها طاعة العباد، إنما هو: طاعة الإرادة والمشيئة (٣). وهذا معنى قول ابن عباس: كل له مطيعون في الحياة والبقاء والموت والبعث، وإن عصوا في العبادة (٤). وهذا مفسر في سورة البقرة (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3411>٢٧ </span>- قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ قال مقاتل:\n_________\n= الصلاة، طول القيام، السكوت. الزاهر في \"معاني كلمات الناس\" ١/ ٦٨.\n(١) \"تنوير المقباس\" ص ٣٤٠.\n(٢) قال ابن جرير ٢١/ ٣٥: \"وقال آخرون: هو على الخصوص، والمعنى: وله من في السموات والأرض من ملك وعبد مؤمن لله مطيع دون غيرهم\". ثم ذكر معناه بإسناده عن ابن زيد.\n(٣) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٨٣.\n(٤) أخرجه ابن جرير ٢١/ ٣٥.\n(٥) قال الواحدي في تفسير قول الله تعالى: ﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ [البقرة: ١١٦]: قال مجاهد وعطاء والسدي: مطيعون. قال أبو عبيد: أجل القنوت في أشياء؛ منها: القيام، وبه جاءت الأحاديث في قنوت الصلاة؛ لأنه إنما يدعو قائمًا .. والقنوت أيضًا: الطاعة .. قال الزجاج: المشهور في اللغة أن القنوت الدعاء، وحقيقة القانت أنه القائم بأمر الله .. قال ابن عباس في هذه الآية: قوله: ﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ راجع إلى أهل طاعته، دون الناس أجمعين. وهو من العموم الذي أريد به الخصوص، وهو اختيار الفراء.","vol":"18","page":41},{"text":"يعني خلق بني آدم بدأ خلقهم ولم يكونوا شيئًا ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ يعني: يبعثهم في الآخرة أحياء بعد موتهم كما كانوا، قال: ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ (١). واختلفوا في هذا؛ فذهب كثير من أهل التفسير والمعاني أن ﴿أَهْوَنُ﴾ هاهنا بمعنى: هين، يقول: وهو هين عليه. وهذا قول الحسن، والربيع، وقتادة، والكلبي؛ قالوا: هو هين عليه، أول خلقه وآخره، وما شيء عليه بعزيز (٢).\nوهذا مذهب أبي عبيدة، وذكره المبرد والزجاج (٣)؛ وقالوا: يجيء أفعل بمعنى الفاعل، وأنشد (٤) لمعن بن أوس (٥):\nلعمرك ما أدري وإني لأَوجلُ\nيعني لوجل (٦).\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ٧٨ ب.\n(٢) أخرجه ابن جرير ٢١/ ٣٦، عن ابن عباس، وقتادة، والربيع بن خُثيم. وذكره الثعلبي ٨/ ١٦٨ أ، عن الربيع بن خثيم، والحسن، وقال: وهو رواية العوفي عن ابن عباس. وذكره السيوطي عن الحسن، وعزاه لابن المنذر، \"الدر المنثور\" ٦/ ٤٩١. و\"تنوير المقباس\" ص ٣٤٠.\n(٣) \"مجاز القرآن\" ٢/ ١٢١، و\"الكامل\" ٢/ ٨٧٦. و\"المقتضب\" ٣/ ٢٤٦، و\"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٨٣.\n(٤) هكذا في النسختين؛ ولعل الصواب: وأنشدوا.\n(٥) معن بن أوس بن نصر بن زياد المزنين شاعر فحل، من مخضرمي الجاهلية والإسلام، له مدائح في جماعة من الصحابة، رحل إلى الشام والبصرة، وكف بصره في أواخر أيامه. مات في المدينة. \"خزانة الأدب\" ٧/ ٢٦١، \"الأعلام\" ٧/ ٢٧٣. وذكره ابن حجر في القسم الثالث؛ المخضرمين الذين أدركوا الجاهلية والإسلام، ولم يرد في خبر قط أنهم اجتمعوا بالنبي -ﷺ-. \"الإصابة في معرفة الصحابة\" ٦/ ١٧٩.\n(٦) \"مجاز القرآن\" ٢/ ١٢١، وأنشد البيت كاملًا، ولم ينسبه، وعجزه: =","vol":"18","page":42},{"text":"وقال الفرزدق:\nبيتًا دعائمُه أعزُّ وأطولُ (١)\nوأنشد المبرد:\nقُبَّحتُم يا آل زيدٍ نفرًا ... إلام قومٍ أصغرَا وأكبرَا (٢)\nومثله قولهم: الله أكبر؛ أي: الكبير، ورجل أوحد الناس؛ أي: أحد الناس (٣).\nقال قتادة: وفي حرف ابن مسعود: ﴿وهو عليه هَيِّن﴾ (٤). وهذا معنى رواية عطاء عن ابن عباس؛ قال: يريد: هان الأول والآخر عليه (٥).\n_________\n= على أيِّنا تعدو المنية أول\nوهو في \"ديوان معن بن أوس\" ص ٣٦، وأنشده المبرد، \"الكامل\" ٢/ ٨٧٦، و\"المقتضب\" ٣/ ٢٤٦، وابن جرير ٢١/ ٣٧، ونسباه لمعن بن أوس. وأنشده ولم ينسبه الزجاج ٤/ ١٨٣.\n(١) \"ديوان الفرزدق\" ٢/ ١٥٥، وصدره:\nإن الذي سمك السماء بنى لنا\nوأنشده ونسبه أبو عبيدة ٢/ ١٢١، والمبرد، في \"الكامل\" ٢/ ٨٧٧، وابن جرير ٢١/ ٣٧.\n(٢) \"الكامل\" ٢/ ٨٧٧، و\"المقتضب\" ٣/ ٢٤٧، ولم ينسبه، وقال بعده: يريد: صغارًا وكبارًا. وفي \"حاشية المقتضب\": لم يعرف قائل البيت. وهو في \"خزانة الأدب\" ٨/ ٢٤٦، غير منسوب.\n(٣) \"مجاز القرآن\"، لأبي عبيدة ٢/ ١٢١. ولم ينشد البيت. والزاهر في \"معاني كلمات الناس\" ١/ ٢٩.\n(٤) أخرجه عبد الرزاق ٢/ ١٠٢. لم أجدها عند ابن خالويه.\n(٥) أخرجه ابن جرير ٢١/ ٣٦، من طريق محمد بن سعد بسنده عن ابن عباس، ولفظه: كل شيء عليه هين.","vol":"18","page":43},{"text":"القول الثاني في هذه الآية ما ذهب إليه عكرمة ومجاهد: الإنشاء أهون عليه من الابتداء، والإعادة أهون عليه من البدأ. وهو معنى رواية الوالبي عن ابن عباس (١). وهذا ليس على ظاهره؛ لأنه لا يجوز أن يكون شيء على الله أهون من شيء (٢)؟\nووجهه ما ذكره مقاتل، والمبرد، والفراء، والزجاج؛ قال مقاتل: يقول: البعث أيسر عليه عندكم يا معشر الكفار من الخلق الأول (٣).\nوقال المبرد: ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ عندكم؛ لأنكم قد أقررتم بأنه بدأ الخلق، وإعادة الشيء عند المخلوقين أهون من ابتدائه (٤). ونحو هذا قال الفراء (٥). واختار أبو إسحاق هذا الوجه؛ وقال: إن الله خاطب العباد بما يعقلون فأعلمهم أنه يجب عندهم أن يكون البعث أسهل من الابتداء والإنشاء (٦).\nوفي الآية قول ثالث؛ وهو: أن الكناية في ﴿عَلَيْهِ﴾ تعود إلى الخلق،\n_________\n(١) أخرجه ابن جرير ٢١/ ٣٦، عن ابن عباس، من طريق علي بن أبي طلحة، وأخرجه عن مجاهد، وعكرمة. وذكره الثعلبي ٨/ ١٦٨ أ، عن مجاهد وعكرمة، وقال: وهي رواية الوالبي عن ابن عباس.\n(٢) أخرجه بسنده الفراء، عن مجاهد، ثم قال: ولا أشتهي ذلك، والقول فيه: أنه مثل ضربه الله فقال: أتكفرون بالبعث، فابتداء خلقكم من لا شيء أشد. \"معاني القرآن\" ٢/ ٣٢٤.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ٧٨ ب.\n(٤) \"المقتضب\" ٣/ ٢٤٥، بلفظ: \"تأويله: وهو عليه هين؛ لأنه لا يقال: شيء أهون عليه من شيء\".\n(٥) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٣٢٤.\n(٦) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٨٣.","vol":"18","page":44},{"text":"والمعنى: أن الإعادة أهون على الخَلْقِ من الابتداء (١). وهذا قول ابن عباس في رواية أبي صالح والسدي؛ قال ابن عباس: وهو أهون على المخلوق؛ لأنه يقول له يوم القيامة: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ [الأنعام: ٧٣، النحل: ٤٠، مريم: ٣٥، يس: ٨٢، غافر: ٦٨]، وأول خلقه نطفة ثم علقة ثم مضغة (٢).\nوقال السدي: ليس يشتد على الله شيء، ولكن يعني به: المخلوق، يصاح به فيقوم سويًا؛ أهون عليه من أن يكون كما خلقه أولًا؛ نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم عظامًا ثم يعود رضيعًا ثم فطيمًا.\nوقال عطاء: هو أهون على المخلوق أن يُبعث سميعًا بصيرًا، يَفهم ويفقه ويعقل، ليس مثل المولود لا يعقل حتى يكبر. قال أبو إسحاق: ومعنى هذا القول أن البعث أهون على الإنسان من إنشائه؛ لأنه يقاسي في النشأة ما لا يقاسيه في الإعادة والبعث (٣).\n_________\n(١) ذكر هذا القول ابن جرير ٢١/ ٣٦، والزجاج ٤/ ١٨٣، ولم ينسباه.\n(٢) أخرجه بسنده الفراء من طريق الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس. \"معاني القرآن\" ٢/ ٣٢٤. وذكره ابن قتيبة في \"تأويل مشكل القرآن\" ص ٣٨٢، عن ابن عباس، من طريق أبي صالح. وذكره كذلك الثعلبي ٨/ ١٦٨ أ.\n(٣) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٨٣. وقد اعترض على هذا القول أبو عبيدة، فقال بعد أن ذكر أن المراد في الآية: وهو هين عليه، قال: فإن احتج محتج فقال: إن الله لا يوصف بهذا، وإنما يوصف به المخلوق، فالحجة عليه قول الله تعالى: ﴿وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [الأحزاب: ١٩] وقوله: ﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ [البقرة: ٢٥٥]. \"مجاز القرآن\" ٢/ ١٢١.\nولم يرجح الواحدي شيئًا من هذه الأقوال، والذي يظهر من سياق الآيات أن المراد إثبات البعث والرد على المنكرين له، المستبعدين وقوعه، بعد موتهم وفنائهم، فأعلمهم الله -﷿- أن إقرارهم بالخلق الأول يستلزم الإيمان بإعادتهم، إذ هي أهون وأيسر، ويدل على ذلك تقدم الآيات في إثبات الربوبية، والتي منها =","vol":"18","page":45},{"text":"قوله تعالى: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ قال ابن عباس: أي ليس كمثله شيء (١).\nوقال قتادة: مثله الأعلى أنه: لا إله إلا هو في السموات والأرض (٢). وعلى هذا يكون المثل بمعنى الصفة؛ يعني: وله الصفة العليا وهي أنه: لا إله غيره. وذكرنا قول من أجاز أن يكون المثَل بمعنى: الصفة، عند قوله: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾ في سورة الرعد [: ٣٥] (٣)\nوقال قوم: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ يعني: ما ضرب من المثل في الإعادة أهون على المخلوق من الابتداء؛ لأن من قدر على ابتداء شيء كان أحرى أن يقدر على إعادته. وهذا اختيار الفراء والزجاج؛ قال الزجاج: أعلمهم أن يجب عندهم أن يكون البعث أسهل من الابتداء، وجعله مثلًا لهم، ثم قال: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ أي قوله: ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ قد ضربه لكم مثلًا\n_________\n= قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾. والله أعلم.\n(١) أخرجه ابن جرير ٢١/ ٣٨، من طريق علي بن أبي طلحة. وذكره عنه الثعلبي ٨/ ١٦٨ أ.\n(٢) أخرجه ابن جرير ٢١/ ٣٨، عن قتادة. و\"تفسير مقاتل\" ٧٨ ب. بمعناه. واقتصر على هذا القول ابن قتيبة، \"تأويل مشكل القرآن\" ص ٣٨٢، ولم ينسبه.\n(٣) أطال الواحدي الكلام في تفسير هذه الآية عن وجه ارتفاع: ﴿مَثَلُ﴾ فذكر قول سيبويه والمبرد أنه مرفوع على الابتداء بتقدير: فيما نقص عليكم مثل الجنة، واختار هذا القول الأنباري وأبو علي، ثم قال: وقال قوم: المثل هاهنا: بمعنى الصفة؛ قالوا: ومعناها: صفة الجنة التي وعد المتقون، ونسبه لعمرو بن العلاء، ثم ذكر نقد المبرد وأبي علي لهذا القول، ولم يرجح الواحدي في هذه المسألة. وممن يمنع تفسيره بالصفة سيبويه، \"الكتاب\" ١/ ١٤٣.","vol":"18","page":46},{"text":"فيما يصعب ويسهل (١).\nوقال غيره من أهل المعاني مصححًا لهذه الطريقة: معنى قوله: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ أي: ما يمثل به في دليلًا صفته الذي هو طريق إلى معرفته من أن إنسانًا إذا نسخ كتابًا فإعادة نسخه عليه أهون، وكذلك إذا صاغ حُليًا، هذا في مقدور العباد مع نقصانهم، فمقدور من لا يلحقه النقص من وجهٍ أولى أن يسع الإعادة. وعلى هذا المثل الأعلى هو: المثل الذي ضربه الله لتحقيق بيان قدرته على الإعادة، ووصف هذا المثل بأنه: ﴿الْأَعْلَى﴾؛ لأنه مؤدٍّ إلى معرفةِ قدرة الله وصفتِه.\nقوله: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ قال ابن عباس: ﴿الْعَزِيزُ﴾ في ملكه ﴿الْحَكِيمُ﴾ في خلقه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3412>٢٨ </span>- قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا﴾ قال مقاتل: نزلت في كفار قريش؛ وذلك أنهم كانوا يقولون في إحرامهم: لبيك لا شريك لك إلا شريكًا هو لك، تملكه وما ملك، فقال الله: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ﴾ يقول: وَصَف لكم شَبهًا من أنفسكم (٢).\nقال الكلبي: مِنْ مِثل خلقكم ﴿هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ يعني: من عبيدكم ﴿مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ من أموالكم وعبيدكم وأهليكم ﴿فَأَنْتُمْ﴾ وشركاؤكم من مماليككم فيما رزقناكم شرع ﴿سَوَاءٌ﴾ (٣).\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٨٣. و\"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٣٢٤، بنحوه.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ٧٨ ب. ولم يذكره الواحدي في \"أسباب النزول\".\n(٣) \"تنوير المقباس\" ص ٣٤٠، وذكره عنه الثعلبي ٨/ ١٦٨ أ. هكذا وردت عنده: شرع سواء. وفي \"تنوير المقباس\": شرك. أي: من الشراكة؛ وهو أقرب. والله أعلم. قال ابن عباس: ﴿هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ في الآلهة، وفيه، تخافونهم أن =","vol":"18","page":47},{"text":"وقوله: ﴿تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ قال ابن عباس: تخافون أن يرثوكم كما يرث بعضكم بعضًا (١). وهو قول مقاتل، والسدي؛ قال: يقول: مِنْ مملوككم شركاؤكم في الميراث الذي ترثونه من آبائكم، فأنتم تخافون أن يدخل معكم مملوككم في ذلك الميراث، كما تدخلون أنتم فيه (٢).\nقال الكلبي: تخافون لائمتهم كما يخاف الرجل لائمة أخيه وأبيه وأقاربه (٣).\nوقال أبو مجلز: تخافون أن يقاسموكم أموالكم كما يقاسم بعضكم بعضًا (٤).\nفهذه ثلاثة أقوال في معنى قوله: ﴿تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ مرجعها إلى معنى واحد؛ وهو: أن عَبْدَ الرجل لا يكون مثله حتى يكون بينهما توارث، وخوف لائمةٍ ومقاسمةٍ. ومعنى الآية: أن الله تعالى يقول: كيف تعدلون بي عبيدي، وأنتم لا تعدلون عبيدكم بأنفسكم. قال قتادة: يقول: ليس مِن أحدٍ يرضى لنفسه أن يشاركه عبده في ماله وزوجه، حتى\n_________\n= يرثوكم كما يرث بعضكم بعضًا. ذكره البخاري تعليقًا بصيغة الجزم، في التفسير، سورة: الروم، قال ابن حجر: الضمير في قوله: فيه، لله تعالى، أي: أن المثل لله وللأصنام. \"فتح الباري\" ٨/ ٥١٠. وأخرجه ابن جرير ٢١/ ٣٩، من طريق ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس.\n(١) أخرجه ابن جرير ٢١/ ٣٩، من طريق عطاء الخرساني. وذكره عنه الثعلبي ٨/ ١٦٨ أ.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ٧٨ ب، بنحوه. وذكر نحوه الماوردي عن السدي. \"النكت والعيون\" ٤/ ٣١١.\n(٣) \"تنوير المقباس\" ص ٣٤٠.\n(٤) أخرجه ابن جرير ٢/ ٣٩١. وذكره عنه الثعلبي ٨/ ١٦٨أ.","vol":"18","page":48},{"text":"يكون مثله؛ يقول: قد رضي بذلك ناسٌ لله فجعلوا معه إلهًا شريكًا (١). هذا قول المفسرين في هذه الآية.\nوقد شرح أصحاب المعاني هذه الآية أبين شرح؛ قال صاحب النظم: هذا مثل ضربه الله -﷿- للذين جعلوا له شريكًا، فقال: هل يرضى أحد منكم أن يكون عبده شريكًا له في ماله وولده حتى يكون هو ومملوكه في سواء يخافه كما يخافه غيره من شريكٍ له لو كان معه، فإذا لم ترضوا بذلك لأنفسكم فِلمَ تجعلون لي عبيدي شركاء؟ والفاء في قوله: ﴿فَأَنْتُمْ﴾ بمنزلة حتى، تأويله: حتى أنتم وعبيدكم فيه سواء. انتهى كلامه.\nوقال ابن قتيبة: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ وذلك أقرب عليكم ﴿هَلْ لَكُمْ مِنْ﴾ شركاء من عبيدكم الذين تملكون ﴿فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ﴾ وعبيدكم ﴿سَوَاءٌ﴾ يأمرون فيه كأمركم، ويحكمون كحكمكم، وأنتم ﴿تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ أي: كما يخاف الرجلُ الحرُّ شريكه الحرَّ في المال يكون بينهما، فلا يأمر فيه بشيء دون أمره، ولا يُمضي فيه عطيةً بغير أمره، وهو مِثلُ قوله: ﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [الحجرات: ١١] أي: لا تغيبوا إخوانكم من المسلمين. وقوله ﴿ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ١٢] أي بأمثالهم من المؤمنين خيرًا، يقول: فإذا كنتم أنتم بهذه المنزلة فيما بينكم وبين أقاربكم وأرقائكم، فكيف تجعلون لله مِنْ عبيده شركاء في ملكه؟ ومثلُه قوله: ﴿وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ﴾ [النحل: ٧١] فجعل منكم المالك والمملوك ﴿فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا﴾ يعني السَّادة ﴿بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ مِنْ عبيدهم حتى يكونوا فيه شركاء. يريد:\n_________\n(١) أخرجه عبد الرزاق ٢/ ١٠٢، وفيه: ونفسه، بدل: وزوجه. وأخرجه بنحوه، ابن جرير ٢١/ ٣٨.","vol":"18","page":49},{"text":"فإذا كان هذا لا يجوز بينكم فكيف تجعلونه لله (١).\nوقال أبو إسحاق: أعلم الله -﷿- أن مملوك الإنسان ليس بشريكه في ماله وزوجته، وأنه لا يخاف أن يرثه مملوكه، يقول: فقد جعلتم ما هو مُلكٌ لله مِنْ خلقه مثلَ الله وأنتم كلكم بشر ليس مماليككم بمنزلتكم في أموالكم، فالله -﷿- أجدرُ أن لا يُعدل به خلقُه. انتهى كلامه (٢).\nانتصب قوله: ﴿أَنْفُسِكُمْ﴾ وهو مضاف إلى الفاعل، كما تقول: عجبت من اشترائك عبدًا لا تحتاج إليه، فإذا أضيف المصدر إلى المفعول ارتفع ما بعده، تقول: عجبت من موافقتك كثرة شربِ الماء؛ لأن المعنى: من أن وافقك، والعرب تقول: عجبت من قيامكم أجمعون وأجمعين، فمن خفض أتبعه اللفظ؛ لأنه في الظاهر خفض، ومن رفع ذهب إلى التأويل، وذلك أنه في تأويل رفع؛ لأنهم الفاعلون. هذا قول الفراء (٣).\nقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ﴾ أي: كما بينا في ضرب المثل من أنفسكم. قال مقاتل: هكذا نبين الآيات ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ عن الله الأمثال فيوحدونه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3413>٢٩ </span>- ثم ذكر الله الذين ضرب لهم المثل فقال: ﴿بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ (٤) يعني: الذين أشركوا ﴿أَهْوَاءَهُمْ﴾ في الشرك ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ يعلمونه بأن مع الله شريكًا. قاله مقاتل (٥). وقال ابن عباس: يريد: بغير علم جاءهم من الله.\n_________\n(١) \"تأويل مشكل القرآن\" ص ٣٨٢.\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٨٤.\n(٣) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٣٢٤.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ٧٨ ب.\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ٧٨ ب.","vol":"18","page":50},{"text":"قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ﴾ قال صاحب النظم: هذا استفهام، ومعناه: النفي والإنكار على معنى: فلا هادي لمن أضل الله، يدل على ذلك قوله في النَّسَق عليه: ﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3414>٣٠ </span>- قال مقاتل: ثم قال للنبي -ﷺ-: إن لم يوحدْ كفارُ مكة ربَّهم فوحدْ أنت ربَّك، وهو قوله: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ﴾ فالمعنى: فأخلص دينك (١). ونحوه قال سعيد بن جبير. وقال غيره: سدد عملك (٢).\nوالوجه في اللغة: ما يُتوجه إليه، وعملُ الإنسان ودينُه مما يَتوجه إليه الإنسانُ لتسديده وإقامته. وذكرنا ذلك عند قوله: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١١٢] (٣).\nقوله: ﴿لِلدِّينِ حَنِيفًا﴾ معناه على التقديم والتأخير، أي: حنيفًا للدين، أي: مائلًا إلى الطاعة، مستقيمًا عليها لا ترجع عنها.\nقال أبو إسحاق: والحنيف الذي يميل إلى الشيء فلا يرجع عنه (٤).\nقوله: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ قال عكرمة ومجاهد:\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ٧٩ أ.\n(٢) ذكره الماوردي عن الكلبي. \"النكت والعيون\" ٤/ ٣١١.\n(٣) قال الواحدي في تفسير هذه الآية: معنى قوله: ﴿أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾ أي: بذل وجهه له في السجود، وعلى هذا أسلم بمعنى: سلم .. قال ابن الأنباري: والمسلم على هذا هو المخلص لله العبادة .. وقال قوم من أهل المعاني: ﴿أَسْلَمَ وَجْهَهُ﴾ أي: أسلم نفسه وجميع بدنه لأمر الله، والعرب تستعمل الوجه وهم يريدون نفس الشيء إلا أنهم يذكرونه باللفظ الأشرف كما قال: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] وقال جماعة: الوجه قد يقع صلة في الكلام؛ فقوله: ﴿أَسْلَمَ وَجْهَهُ﴾ أي: انقاد هو لله. ومثله: ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ﴾ [آل عمران: ٢٠].\n(٤) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٨٤، وفيه: كالحَنَف في الرِجل، وهو ميلها إلى خارجها خِلقة، لا يملك الأحنف أن يَرد حَنفه.","vol":"18","page":51},{"text":"الإسلام. وهو قول الحسن (١).\nوقال مقاتل: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ﴾ الملة، وهي: الإسلام والتوحيد الذي خلقهم عليه يوم أخذ الميثاق حين قال: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢] فأقروا له بالربوبية والمعرفة (٢). ونحو هذا قال ابن زيد (٣). واختاره الزجاج.\nفذكره (٤). هذا قول المفسرين في هذه الآية، ويشكل هذا بأن يقال: الفطرة ابتداء الخلق، ولو كان الله تعالى خلق الخلق حين خلقهم على ملة الإسلام والتوحيد ما أشرك أحد ولا كفر أحد مع قيام الدليل بأن الله خلق أقوامًا للنار (٥)، وهم لم يخلقوا على الإسلام والتوحيد وهو قوله: ﴿وَلَقَدْ\n_________\n(١) أخرجه ابن جرير ٢١/ ٤٠، عن مجاهد من طريق الحسن، وأخرجه كذلك عن عكرمة ٢١/ ٤١.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ٧٩ أ. ونحوه قال ابن قتيبة، ولفظه: أي: خلقة الله التي خلق الناس عليها؛ وهي أن فطرهم جميعًا على أن يعلموا أن لهم خالقًا ومدبرًا. \"غريب القرآن\" ص ٣٤١.\n(٣) أخرجه ابن جرير ٢١/ ٤٠.\n(٤) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٨٤. قال ابن كثير ٦/ ٣١٤: \"فإن الله تعالى فطر خلقه على معرفته وتوحيده، وأنه لا إله غيره .. وسنذكر في الأحاديث أن الله تعالى فطر خلقه على الإسلام، ثم طرأ على بعضهم الأديان الفاسدة كاليهودية أو النصرانية أو المجوسية\".\n(٥) لعل الواحدي يشير بذلك إلى حديث أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت: دعي رسول الله -ﷺ- إلى جنازة صبي من الأنصار، فقلت: يا رسول الله طوبى لهذا عصفور من عصافير الجنة؛ لم يعمل السوء، ولم يدركه، قال: \"أو غير ذلك يا عائشة، إن الله خلق للجنة أهلا خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم، وخلق للنار أهلا خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم\". أخرجه مسلم ٤/ ٢٠٥٠ في القدر (٢٦٦٢).","vol":"18","page":52},{"text":"ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ﴾ الآية [الأعراف: ١٧٩] والخبر قد ورد بتفصيل الفريقين يوم أخذ الميثاق حين أخرج الله تعالى من صلب آدم ذريته، بعضها سودًا وبعضها بيضًا، فقال: هؤلاء في الجنة وهؤلاء في النار (١).\n_________\n(١) أخذ الميثاق على ذرية آدم -﵇-، ثابت في حديث أنس -﵁-، عن النبي -ﷺ-: (إن الله يقول لأِهون أهل النار عذابا: لو أن لك ما في الأرض من شيء كنت تفتدي به؟ قال: نعم، قال: فقد سألتك ما هو أهون من هذا وأنت في صلب آدم أن لا تشرك بي فأبيت إلا الشرك). متفق عليه، البخاري، كتاب الأنبياء، رقم (٣٣٣٤)، \"فتح الباري\" ٦/ ٣٦٣، ومسلم ٤/ ٢١٦٠، كتاب صفات المنافقين، رقم (٢٨٠٥).\nومن ذلك أيضًا حديث كلثوم بن جبر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن النبي -ﷺ-، قال: \"أخذ الله الميثاق من ظهر آدم فأخرج من صلبه ذرية ذراها فنثرهم نثرًا بين يديه كالذر، ثم كلمهم فقال: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (١٧٢) أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾. أخرجه الحاكم ١/ ٨٠، كتاب: الإيمان، رقم (٧٥)، وقال: حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه وقد احتج مسلم بكلثوم بن جبر، ووافقه الذهبي. وأخرجه من الطريق نفسه ابن أبي عاصم في كتاب السنة (٨٩). ورجح ابن كثير ٣/ ٥٠٢، وقف هذا الحديث على ابن عباس. وحسن رفعه الألباني، \"السلسلة الصحيحة\" ٤/ ١٥٨، رقم (١٦٢٣)، لكونه واردًا في تفسير القرآن فيأخذ حكم الرفع، ولوروده من طرق أخرى مرفوعًا، وإن كان فيها ضعفٌ.\nوالأول غير مسلم؛ إذ إن الروايات الإسرائيلية في التفسير قد تصح إسنادًا إلى بعض الصحابة، ومصدرها الأخذ عن بني إسرائيل؛ فهل يُجزم بأخذها حكم المرفوع. والله أعلم. هذا ما يتعلق بأصل أخذ الميثاق وثبوته، أما ما ذكره الواحدي من تفصيلهم إلى فريقين، سود وبيض، فقد ورد ذكر ذلك في حديث أبي الدرداء -﵁-، قال عبد الله بن الإمام أحمد: حدثني أبي ثنا هيثم وسمعته أنا منه قال ثنا أبو الربيع عن يونس عن أبي إدريس عن أبي الدرداء عن النبي -ﷺ-، قال: \"خلق الله آدم حين خلقه فضرب كتفه اليمنى فأخرج ذرية بيضاء كأنهم الذَّر وضرب كتفه اليسرى فأخرج ذرية سوداء كأنهم الحَمَم، فقال للذي في يمينه إلى الجنة ولا أبالي، وقال =","vol":"18","page":53},{"text":"وقال رسول الله -ﷺ- في الغلام الذي قتله الخضر: \"طبعه والله يوم طبعه كافرًا\" (١).\nوبيان هذا الإشكال أن يقال: المراد بالناس هاهنا: المؤمنون الذين فطرهم الله على الإسلام يوم أخذ الميثاق؛ لأن المشرك لم يفطر على الإسلام، فلفظ الناس عام والمراد منه الخصوص. هذا وجه قول المفسرين في هذه الآية، وهو اختيار أبي الهيثم؛ قال في هذه الآية: هذه فطرة فُطر عليها المؤمن (٢).\n_________\n= للذي في كفه اليسرى إلى النار ولا أبالي\". \"المسند\" ١٠/ ٤١٧، رقم (٢٧٥٥٨). وصححه الألباني؛ السلسلة الصحيحة رقم (٤٩).\n(١) أخرجه مسلم ٤/ ٢٠٥٠، كتاب: القدر، رقم (٢٦٦١)، ولفظه: \"إن الغلام الذي قتله الخضر طُبع كافرًا، ولو عاش لأرهق أبويه طغيانًا وكفرًا\". وأخرجه الترمذي ٥/ ٢٩٢، كتاب \"تفسير القرآن\"، رقم (٣١٥٠).\n(٢) ذكره عن أبي الهيثم الأزهري، \"تهذيب اللغة\" ١٣/ ٣٢٦. وما ذهب إليه الواحدي واختاره أبو الهيثم في دفع الإشكال في الجمع بين الآية والحديث غير وجيه؛ والصواب أن لفظ الناس في قوله تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ باقٍ على عمومه لم يدخله التخصيص، يشهد لذلك آية سورة الأعراف: ١٧٢ ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ ..﴾ فلم يُستثن من الذرية أحد، وعليه فحديث: كل مولود يولد على الفطرة، يدل على أن المولود ولد على الفطرة سليمًا، وولد على أن هذه الفطرة السليمة يغيرها الأبوان كما قدَّر الله تعالى ذلك وكتبه، كما مثل النبي -ﷺ- ذلك بقوله في آخر الحديث: (كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء) فبين أن البهيمة تولد سليمة ثم يُجدعها الناس؛ وذلك بقضاء الله وقدره فكذلك المولود يولد على الفطرة سليمًا ثم يفسده أبواه؛ وذلك أيضًا بقضاء الله وقدره \"درء تعارض العقل والنقل\" ٨/ ٣٦١.\nوأما حديث الغلام الذي قتله الخضر فقول النبي -ﷺ- فيه: \"طبع يوم طبع كافرًا\" معناه: طُبع في الكتاب أيَ قُدَّر وقُضي لا أنه كان كفره موجودًا قبل أن يولد فهو =","vol":"18","page":54},{"text":"وذهب إسحاق (١) في هذه الآية، وفي حديث أبي هريرة ﵁\n_________\n= مولود على الفطرة السليمة، وعلى أنه بعد ذلك يتغير فيكفر، كما طُبع كتابه يوم طُبع. ومن ظن أن المراد به الطبع على قلبه، وهو الطبع المذكور على قلوب الكفار، فهو غالط؛ فإن ذلك لا يُقال فحِه: طُبع يوم طُبع إذ كان الطبع على قلبه إنما يوجد بعد كفره. وقد ثبت في صحيح مسلم وغيره عن عياض بن حمار عن النبي -ﷺ- فيما يروي عن ربه تعالى أنه قال: \"خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا\". وهذا صريح في أنه خلقهم على الحنيفية وأن الشياطين اجتالتهم بعد ذلك. وكذلك في حديث الأسود بن سَرِيع الذي رواه أحمد وغيره قال بعث النبي -ﷺ- سرية، فأفضى بهم القتل إلى الذرية، فقال لهم النبي -ﷺ-: \"ما حملكم على قتل الذرية؟ \" قالوا: يا رسول الله أليسوا أولاد المشركين؟ قال: \"أو ليس خياركم أولاد المشركين\"، ثم قام النبي -ﷺ-، خطيبًا فقال: \"ألا إن كل مولود يولد على الفطرة حتى يُعرب عنه لسانه\". فخطبته لهم بهذا الحديث عقب نهيه لهم عن قتل أولاد المشركين، وقوله لهم: أو ليس خياركم أولاد المشركين، يبين أنه أراد أنهم ولدوا غير كفار ثم الكفر طرأ بعد ذلك، ولو كان أراد أن المولود حين يولد يكون إما كافرًا وإما مسلمًا على ما سبق له القدر لم يكن فيما ذكره حجة على ما قصده -ﷺ- من نهيه لهم عن قتل أولاد المشركين. \"درء تعارض العقل والنقل\" ٨/ ٣٦٢.\nوحديث الأسود بن سَرِيع أخرجه الإمام أحمد ٢٤/ ٣٥٤، رقم (١٥٥٨٨)، ط/ الرسالة، وقال محققو المسند: رجاله ثقات رجال الشيخين، إلا أن الحسن البصري لم يسمع من الأسود بن سَرِيع. وأخرج الحديث الحاكم ٢/ ١٣٣، رقم (٢٥٦٦)، وقال: حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، قال الذهبي: تابعه يونس عن الحسن حدثنا الأسود بن سريع بهذا على شرط البخاري ومسلم. وأخرجه البيهقي، السنن الكبرى ٩/ ١٣٠، قال البيهقي: قال الشافعي في رواية أبي عبد الرحمن عنه: \"هي الفطرة التي فطر الله عليها الخلق فجعلهم ما لم يفصحوا بالقول لا حكم لهم في أنفسهم إنما الحكم لهم بآبائهم\".\n(١) هو إسحاق بن إبراهيم الحنظلي؛ صرح بذلك الأزهري، \"تهذيب اللغة\" ١٣/ ٣٢٨ (فطر).","vol":"18","page":55},{"text":"أن النبي -ﷺ- قال: \"كل مولود يولد على الفطرة\" الحديث (١)، مذهبًا حسنًا؛ وهو أنه قال: الفطرة: الخلقة التي خلقهم عليها، إما الجنة أو النار، حين أخرج من صلب آدم كل ذرية هو خالقها إلى يوم القيامة، فقال: هؤلاء في الجنة وهؤلاء للنار، فيقول: كل مولود يولد على الفطرة، وأبواه يهودانه أو ينصرانه، يقول: بالأبوين يتبين لكم ما تحتاجون إليه في أحكامكم من المواريث وغيرها. يقول: إذا كان الأبوان مؤمنين فاحكموا لولدهما بحكم الإيمان، وإن كانا كافرين فاحكموا لولدهما بحكم الكفر، وأما خلقته التي خُلق عليها فلا علم لكم بذلك، وهو قوله تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ أي: من الشقاوة والسعادة. والدليل على هذا قوله: ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ أي: لا تبديل لما خلقهم له من جنة أو نار (٢).\nوقال الأزهري: والقول قول أبي إسحاق (٣) في تفسير الآية، ومعنى الحديث (٤). وعلى هذا القول انتصب: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ﴾ على المصدر. وهو\n_________\n(١) متفق عليه من حديث أبي هريرة، البخاري، كتاب: الجنائز، رقم (١٣٥٩)، \"فتح الباري\" ٣/ ٢١٩، ومسلم ٤/ ٢٠٤٧، كتاب: القدر، رقم (٢٦٥٨).\n(٢) ذكر قول إسحاق: الأزهري، \"تهذيب اللغة\" ١٣/ ٣٢٩ (فطر).\n(٣) هكذا في النسختين: أبي إسحاق؛ والصواب: إسحاق، كما في \"تهذيب اللغة\" ١٣/ ٣٢٩.\n(٤) الصواب القول الأول الذي عليه المفسرون من الصحابة والتابعين؛ وهو أن الفطرة المراد بها: الإسلام، وقوله: ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ أي: لدين الله؛ قال ابن عبد البر: \"وقال آخرون: الفطرة هاهنا: الإسلام؛ قالوا: وهو المعروف عند عامة السلف أهل التأويل، وقد أجمعوا في تأويل قوله -﷿-: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ على أن قالوا: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ﴾ دين الله الإسلام، واحتجوا بقول أبي هريرة في هذا الحديث: اقرأوا إن شئتم: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ وذكروا =","vol":"18","page":56},{"text":"قول الأخفش قال: كأنه قال: فَطَرَ الله تلك فِطرَةً (١). ونحو ذلك قال الفراء (٢).\nمعنى الآية: أن الكلام قد تم عند قوله: ﴿حَنِيفًا﴾ ثم أخبر -﷿- أنه خلق الخلق على ما أراد من شقاوة وسعادة، ولا تبديل لذلك. وفيه إشارة إلى أن الكفار الذين سبق ذكرهم خُلقوا للنار، وأن النبي -ﷺ- والمؤمنين خلقوا للجنة؛ لأن قوله: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ﴾ خطاب له وللمؤمنين، يدل عليه قوله بعد هذا: ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ﴾ بلفظ الجمع، وإن قلنا: إن ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ﴾ يعني: دين الله التوحيد، على ما ذكر المفسرون فانتصابها يكون بالإغراء، وهو قول الزجاج، وقال: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ﴾ منصوب، بمعنى: اتبع فطرة الله؛\n_________\n= عن عكرمة ومجاهد والحسن وإبراهيم والضحاك وقتادة في قول الله -﷿-: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ قالوا: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ﴾ دين الله الإسلام ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ قالوا لدين الله\". نقله عنه شيخ الإسلام، \"درء تعارض العقل والنقل\" ٨/ ٣٦٧.\nويدل لذلك ما أخرجه ابن جرير ٢١/ ٤١، عن ابن عباس أنه سئل عن إخصاء البهائم فكرهه؛ وقال: ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ وعن عكرمة ومجاهد كذلك. قال شيخ الإسلام: \"لا منافاة بينهما كما قال تعالى: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١١٩] فتغيير ما خلق الله عليه عباده من الدين تغيير لخلقه، والخِصاءُ وقطع الأُذن أيضًا تغيير لخلقه، ولهذا شبه النبي -ﷺ-، أحدهما بالآخر في قوله: \"كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه، كما تُنتج البهيمة بهيمةً جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء\" فأولئك يغيرون الدين، وهؤلاء يغيرون الصورة بالجَدْع والخِصاء، هذا تغيير لما خُلقت عليه نفسه، وهذا تغيير ما خُلق عليه بدنه\".\n(١) \"معاني القرآن\" ٢/ ٦٥٧.\n(٢) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٣٢٤، ولفظه: يريد: دينَ الله، منصوب على الفعل.","vol":"18","page":57},{"text":"لأن معنى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ﴾ اتبع الدين القيم، اتبع فطرة الله.\nقوله تعالى: ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ قد ذكرنا معناه: لا تبديل لما خلقهم له. وقال مجاهد وإبراهيم: الدين: الإسلام، و﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ لدين الله (١). وعلى هذا المراد بلفظ النفي: النهي، أي: لا تبدلوا دين الله الذي هو التوحيد بالشرك والكفر.\n﴿ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ قال مقاتل: يعني التوحيد هو الدين المستقيم ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ﴾ يعني: كفار مكة ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ بتوحيد الله (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3415>٣١ </span>- قوله تعالى: ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ﴾ قال الأخفش: نصبه على الحال؛ لأنه حين قال: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ﴾ قد أمرَه، وأمرَ قومه حتى كأنه قال: فأقيموا وجوهكم منيبين (٣). وقال المبرد: لما قال: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ﴾ كانت له ولأمته قاطبة؛ وهذا أجودُ كلامٍ إذا كان واحدًا حاضرًا أن تأمره بما يخصه، وتعم من وراءه من يأمره (٤) كقولهم: يا زيد اتق عمرًا، واحذروا أن تظلموه، إذا كان زيد رئيس القوم؛ هم مأمورون بما أُمر به زيدٌ. ونحو هذا قال الفراء،\n_________\n(١) أخرجه عبد الرزاق ٢/ ١٠٣، عن قتادة وقال عبد الرزاق: وقال معمر: كان الحسن يقول: فطرة الله الإسلام. وأخرجه ابن جرير ٢١/ ٤١، عن مجاهد، وعكرمة، وقتادة، وسعيد بن جبير، والضحاك، وابن زيد، وإبراهيم النخعي. وصحح إسناد ابن جرير إلى مجاهد شيخ الإسلام ابن تيمية. \"درء تعارض العقل والنقل\" ٨/ ٣٧٤. وبوَّب البخاري في \"صحيحه\" فقال: باب ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾: لدين الله. \"فتح الباري\" ٨/ ٥١٢.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ٧٩ أ.\n(٣) \"معاني القرآن\" للأخفش ٢/ ٦٥٧\n(٤) هكذا في النسختين؛ ولعل الصواب: وتعم من وراءه ممن يأتمر بأمره. ويوضح هذا المثال الذي ذكره بعد ذلك.","vol":"18","page":58},{"text":"وصاحب النظم (١).\nوقال الزجاج: زعم جميع النحويين أن معنى هذا: فأقيموا وجوهكم منيبين؛ لأن مخاطبة النبي ﵇ تدخل معه فيها: الأمة؛ والدليل على ذلك قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [الطلاق: ١] قال: ومعناه: راجعين إلى كل ما أمر الله به، مع التقوى وأداء الفرائض (٢)، وهو قوله: ﴿وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾.\nثم أخبر أنه لا ينفع ذلك إلا بالإخلاص في التوحيد؛ فقال: ﴿وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3416>٣٢ </span>- ﴿مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا﴾ (٣) ذكرنا تفسيره في آخر سورة: الأنعام (٤). وهذه الآية متصلة بالأُولى؛ لأنها من نعت المشركين. قال الفراء: وإن شئت استأنفت قولَه تعالى: ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ (٥).\n_________\n(١) قال الفراء في إعراب ﴿مُنِيبِينَ﴾: منصوبة على الفعل، وإن شئت على القطع، فأقم وجهك ومن معك منيبين مقبلين إليه. \"معاني القرآن\" ٢/ ٣٢٥.\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٨٥.\n(٣) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٨٥.\n(٤) قال الواحدي في تفسير قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ [١٥٩]: \"قال ابن عباس في رواية عطاء: يريد: المشركين بعضهم يعبدون الملائكة يزعمون أنهم بنات الله، وبعضهم يعبد الأصنام ﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨] فهذا معنى: ﴿فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا﴾ أي: فرقًا وأحزابًا في الضلالة؛ فتفريقهم دينهم أنهم لم يجتمعوا في دينهم الذي هو شرك على شيء واحد .. \".\n(٥) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٣٢٥، وتمامه: كأنك قلت: الذين تفرقوا وتشايعوا كل حزب بما في يده فرح.","vol":"18","page":59},{"text":"قال مقاتل: كل أهل ملة (١) بما عندهم من الدَّين راضون به (٢).\nوقال الزجاج: كل حزب من هذه الجماعة الذين فرقوا دينهم فرح؛ يظن أنه هو المهتدي (٣). وهذا مذكور في سورة: المؤمنين (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3417>٣٣ </span>- قوله: ﴿وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ﴾ قال مقاتل: يعني كفار مكة، الضر يعني: القحط والسَّنة ﴿دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ﴾ راجعين إليه (٥). قال أبو إسحاق: أي لا يلتجئون في شدائدهم إلى مَنْ عبدوه مع الله -﷿-، إنما يرجعون في دعائهم إليه وحده (٦).\nقوله: ﴿ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً﴾ قال مقاتل: إذا أعطاهم من عنده، يعني: المطر ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ يقول: تركوا توحيد ربهم في\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ٧٩ أ. وفي النسختين: (مكة). بدل: (ملة)؛ وهو تصحيف.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ٧٩ أ.\n(٣) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٨٦.\n(٤) عند قوله تعالى: ﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ وقد أحال الواحدي في تفسيرها على سورة الأنبياء؛ حيث قال: \"والكلام في هذا قد سبق في نظيرتها في سورة الأنبياء\". \"البسيط\" ٢/ ٦١٩. تح/ المديميغ. قال الواحدي في تفسير قول الله تعالى: ﴿وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٣]: \"قال ابن عباس: يريد المشركين اتخذوا من دونه آلهة. هذا كلامه في رواية عطاء. والصحيح أن هذا إخبار عن جميع مخالفي شريعة محمد -ﷺ- يقول: اختلفوا في الدين فصاروا فيه فرقا وأحزابًا. ويجوز أن يكون هذا الاختلاف راجعًا إلى اختلاف أهل كل ملة كاختلاف اليهود فيما بينهم، واختلاف النصارى؛ وهذا هو الظاهر. ويجوز أن يرجع إلى مخالفتهم دين الحق\". \"البسيط\" ١/ ١٨٧ (تح/ المديميغ).\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ٧٩ أ.\n(٦) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٨٦.","vol":"18","page":60},{"text":"الرخاء، وقد وحدوه في الضراء (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3418>٣٤ </span>- ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ﴾ هذه الآية مفسرة في آخر سورة: العنكبوت (٢).\nوقوله: ﴿فَتَمَتَّعُوا﴾ قال أبو إسحاق: هذا خطاب بعد الإخبار؛ لما قال: ﴿لِيَكْفُرُوا﴾ كان خبرًا عن غائب، وكأن المعنى: فتمتعوا أيها الفاعلون لهذا، وليس هذا بأمر لازم، بل هو أمر على جهة الوعيد، يدل عليه قوله: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ يعني حالكم في الآخرة (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3419>٣٥ </span>- وقوله: ﴿أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا﴾ قال ابن عباس: حجة (٤).\nقال قتادة ومقاتل: كتابًا من السماء ﴿فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا﴾ يقولون؛ يعني: من الشرك (٥)؛ يعني: يأمرهم به، ونعذرهم على ذلك (٦). وهذا استفهام معناه: الإنكار، أي: ليس الأمر على هذا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3420>٣٦ </span>- ثم ذكر بطرهم عند النعمة، وبأسهم عند (٧) الشدة بقوله: ﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً﴾ الآية، وهذا خلاف وصف المؤمن؛ فإنه يشكر عند\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ٧٩ أ.\n(٢) عند قوله تعالى: ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت].\n(٣) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٨٦. قال الأخفش: كأنه قال: فقد تمتعوا فسوف يعلمون.\n(٤) ذكره الثعلبي ٨/ ١٦٩ أ، عن ابن عباس، والضحاك.\n(٥) أخرج ابن جرير ٢١/ ٤٤، عن قتادة. و\"تفسير مقاتل\" ٧٩ أ. وذكره الثعلبي ٨/ ١٦٩ أ، عن قتادة والربيع.\n(٦) \"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٦٩ أ. واقتصر عليه الفراء، ولم ينسبه. \"معاني القرآن\" ٢/ ٣٢٥.\n(٧) (عند) ساقطة من النسختين؛ وزدتها لاستقامة الكلام.","vol":"18","page":61},{"text":"النعمة، ويرجو ربه عند الشدة، ويرغب إليه في كشفها.\nقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾ يعني: شدة وبلاء ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ أي: بما عملوا من السيئات ﴿إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ ﴿إِذَا﴾ جواب الشرط، وهو مما يجاب به الشرط، قوله: ﴿إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ في موضع: قنطوا (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3421>٣٧ </span>- قال مقاتل: ثم وعظهم فقال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ﴾ الآية (٢)\n<span data-type=\"title\" id=toc-3422>٣٨ </span>- وقوله: ﴿فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ أي: من الصلة والبر (٣). قال مقاتل: حقُّ القرابة: الصلة (٤).\nوقال قتادة: إذا كان لك ذو قرابة فلم تصله بمالك، ولم تمش إليه برجلك فهو قطيعة (٥).\nوقال أبو إسحاق: وفرائض المواريث كأنها قد نَسختْ هذا؛ أعني:\n_________\n(١) ذكر الإعراب، والمعنى: سيبويه، \"الكتاب\" ٣/ ٦٣، وذكره المبرد في \"المقتضب\" ٢/ ٥٨، وقال في ٣/ ١٧٨: فأما (إذا) التي تقع للمفاجأة فهي التي تسد مسد الخبر، والاسم بعدها مبتدأ، كقولك: جئتك فإذا زيد، وكلمتك فإذا أخوك، وتأويل هذا: جئت ففاجأني زيد، وكلمتك ففاجأني أخوك، وهذه تغني عن الفاء، وتكون جوابًا للجزاء؛ نحو: إن تأتني إذا أنا أفرح، على حد قولك: فأنا أفرح، قال الله -﷿-: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ فقوله: ﴿إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ في موضع: يقنطوا. وذكره أيضًا الأخفش، \"معاني القرآن\" ٢/ ٦٥٧. وأبو علي، \"الإيضاح العضدي\" ١/ ٣٣٠. وابن جني، \"سر صناعة الإعراب\" ١/ ٢٥٤، ٢٦١.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ٧٩ ب.\n(٣) تفسير ابن جرير ٢١/ ٤٥.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ٧٩ ب.\n(٥) أخرجه عبد الرزاق ٢/ ١٠٣.","vol":"18","page":62},{"text":"حق القرابة، وجائز أن تكون القرابة حق لازم في البر (١).\nوقوله: ﴿وَالْمِسْكِينَ﴾ قال ابن عباس: أطعم الطواف (٢)\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٨٧. والصحيح أن الآية لا نسخ فيها، فحق ذوي القربى ثابت بالإحسان إليهم بالكلام الحسن، والقول المعروف، ووصلهم بالنفقة إذا كانوا محتاجين، ووقع الخلاف بين أهل التفسير هل الأمر في الآية للوجوب أم للندب على قولين؛ قال القرطبي ١٤/ ٣٥: \"واختلف في هذه الآية؛ فقيل: إنها منسوخة بآية المواريث، وقيل: لا نسخ، بل للقريب حق لازم في البر على كل حال، وهو الصحيح، قال مجاهد وقتادة: صلة الرحم فرض من الله -﷿-، حتى قال مجاهد: لا تقبل صدقة من أحد ورحمه محتاجة. وقيل: المراد بالقربى أقرباء النبي -ﷺ-؛ والأول أصح؛ فإن حقهم مبين في كتاب الله -﷿- في قوله: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ [الأنفال: ٤١] وقيل: إن الأمر بإيتاء ذي القربى على جهة الندب. قال الحسن: ﴿حَقَّهُ﴾ المواساة في اليسر، وقول ميسور في العسر\". وحكى الشوكاني قول القرطبي مقررًا له. \"فتح القدير\" ٤/ ٢١٩.\nقال أبو المظفر السمعاني ٤/ ٢١٥: \"أكثر المفسرين على أن المراد من إيتاء ذي القربى هاهنا صلة الرحم بالعطية والهدية، ثم ذكر قول قتادة. وقال القاسمي: ﴿فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ﴾ أي: من البر والصلة. واستدل به أبو حنيفة على وجوب النفقة للمحارم إذا كانوا محتاجين عاجزين عن الكسب؛ لأن ﴿ءاتِ﴾ أمر للوجوب. والظاهر من الحق بقرينة ما قبله أنه: مالي، وهو استدلال متين. \"تفسير القاسمي\" ١٣/ ١٨١.\nقال ابن كثير: \"يقول تعالى آمرًا بإعطاء ذي القربى حقه أي: من البر والصلة\". \"تفسير ابن كثير\" ٦/ ٣١٨. وهو قول البغوي ٦/ ٢٧٢. قال أبو حيان ٧/ ١٦٩، بعد ذكر رأي الحنفية: \"الظاهر أن الحق ليس الزكاة وإنما يصير حقًا بجهة الإحسان والمساواة\". قال ابن عطية ١١/ ٤٥٩: \"هذا على جهة الندب\". وهذا محمول على إذا لم تكن قرابته محتاجة، إذا كانت قرابته محتاجة فقيرة وهو غني مقتدر فيجب عليه أن يصل قرابته بماله. والله أعلم.\n(٢) ذكره عنه القرطبي ١٤/ ٣٥، بلفظ: أطعم السائل الطواف.","vol":"18","page":63},{"text":"وقال مقاتل: حقه أن يُتصدق عليه (١).\nوقوله: ﴿وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ يعني: حق الضيف عليك أن تحسن إليه (٢).\n﴿ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ يقول: إعطاء الحق أفضل من الإمساك ﴿لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ﴾ (٣) يطيعون بما يعلمون ثوابه. ثم نعتهم فقال: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3423>٣٩ </span>- قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ﴾ الآية، روى قتادة عن ابن عباس في هذه الآية قال: هي هدية الرجل يهدي الشيء يريد أن يثاب أفضل منه، فذلك الذي لا يربو عند الله، لا يؤجر فيه صاحبه، ولا إثم عليه فيه (٥). وعن مجاهد قال: هي الهدايا (٦).\nوروى ابن أبي روَّاد عنه قال: هو الربا الحلال؛ يهدي الرجل الشيء ليُهدَى له أفضل منه، فهو حلال ليس فيه إثم ولا أجر (٧). وقوله: ﴿وَلَا تَمْنُنْ\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ٧٩ ب.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ٧٩ ب. و\"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٨٧.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ٧٩ ب.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ٧٩ ب، من قوله: ثم نعتهم.\n(٥) أخرجه عبد الرزاق ٢/ ١٠٣، وأخرجه ابن جرير ٢١/ ٨٤، عن ابن عباس من طريق قتادة. وأخرجه ابن جرير ٢١/ ٤٦، من طريق محمد بن سعد بإسناده عن ابن عباس. وهو قول مقاتل ٧٩ ب.\n(٦) أخرجه ابن جرير ٢١/ ٤٦.\n(٧) أخرجه عبد الرزاق ٢/ ١٠٤، عن الضحاك بن مزاحم، من طريق عبد العزيز بن أبي رواد.\n- عبد العزيز بن أبي رواد، شيخ الحرم، واسم أبيه: ميمون، حدث عن سالم بن عبد الله، والضحاك بن مزاحم، وعكرمة، ونافع، وغيرهم، وحدث عنه: يحيى القطان، وعبد الرزاق، وابن المبارك، وغيرهم، صدوق عابد، وربما وهم، ورمي بالإرجاء، ت: ١٥٩ هـ. \"سير أعلام النبلاء\" ٧/ ١٨٤، و\"تقريب التهذيب\" ص ٦١٢.","vol":"18","page":64},{"text":"تَسْتَكْثِرُ﴾ [المدثر: ٦] نزلت في النبي -ﷺ- خاصة، نُهي أن يُهدِي هدية فيُهدَى له أفضل منها، وحَرُم ذلك عليه خاصة (١).\nوقال السدي: الربا في هذا الموضع: الهدية يهديها الرجل لأخيه، طلبَ المكافأة، فإن ذلك لا يربو عند الله، ولا يؤجر عليه صاحبه. وقال سعيد بن جبير: هذا في الرجل يُعطِي ليثابَ عليه (٢). هذا قول المفسرين في هذه الآية.\nوشرحها أهل المعاني؛ فقال أبو إسحاق: يعني به: دفعُ الإنسان الشيء ليعوض ما هو أكثر منه، فذلك ليس بحرام، ولكنه لا ثواب فيه؛ لأن الذي يهبه يستدعي به ما هو أكثر منه (٣).\nوقال أبو علي الفارسي: ﴿مَا﴾ في قوله: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ﴾ يحتمل تقديرين؛ يجوز أن تكون للجزاء (٤)، ويجوز أن تكون موصولة؛ فإن قدرتها جزاء كانت في موضع نصب بـ: ﴿آتَيْتُمْ﴾ وقوله تعالى: ﴿فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ﴾ في موضع جزم بأنه جواب للجزاء، ويقوي هذا الوجه: قوله: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ﴾ ألا ترى أنه لو كان مبتدأً لعاد عليه ذكرٌ، وإن جعلتها موصولة كان موضع ﴿مَا﴾ رفعًا بالابتداء، و﴿آتَيْتُمْ﴾ صلة، والعائد\n_________\n(١) تفسير ابن جرير ٢١/ ٤٦، ولم ينسبه. وقد كُتب في \"تفسير ابن جرير\" بعد قول الضحاك مفصولًا عنه، فلعله من قول الضحاك، وفصْله عنه خطأٌ، وقد أورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ٤٩٥، من كلام الضحاك، وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم. وذكره عن الضحاك الثعلبي ٨/ ١٦٩ أ. ذكر ابن كثير ٨/ ٢٦٤، في آية المدثر أربعة أقوال، استظهر منها القول الذي اقتصر عليه الواحدي.\n(٢) أخرجه ابن جرير ٢١/ ٤٦.\n(٣) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٨٧، بمعناه.\n(٤) أي: اسم شرط جازم.","vol":"18","page":65},{"text":"إلى الموصول: الذكر المحذوف من ﴿آتَيْتُمْ﴾ (١) وقوله: ﴿فَلَا يَرْبُو﴾ في موضع رفع بأنه خبر الابتداء، والفاء دخلت في الخبر على حد بما دخلت في قوله: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٥٣].\nوقوله: ﴿آتَيْتُمْ﴾ أكثر القراء قرأ: ﴿آتَيْتُمْ﴾ بالمد (٢)، (٣) إلى قول: من مد كأنه قيل: ما جئتم من ربًا، ومجيئهم ذلك على وجه الإعطاء له كما قال (٤): أتيت الخطأَ، وأتيت الصوابَ، وأتيت قبيحًا، قال الشاعر:\nأتيتُ الذي يأتي السفيه لِغرتي ... إلى أن علا وَخْطٌ من الشيبِ مَفْرِقي\nفإتيانه الذي يأتي السفيه إنما هو فعل منه له (٥).\nوقوله: ﴿مِنْ رِبًا﴾ على ضربين؛ أحدهما: متوعد عليه محرم بقوله: ﴿وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٨] والآخرُ غير محرم: وهو أن يُهدِي\n_________\n(١) يعني بالذكر المحذوف هنا: الضمير الواقع مفعولًا في قوله تعالى: ﴿آتَيْتُمْ﴾ والتقدير: الذي آتيتموه، وسر تسميته بالذكر المحذوف -فيما يظهر- أن المقدر هنا كالمذكور سواء بسواء.\n(٢) قرأ ابن كثير: ﴿أَتَيْتُمْ﴾ مقصورة، والباقون: ﴿آتَيْتُمْ﴾ بالمد، في قوله تعالي: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا﴾ وأما قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ﴾ فلم يختلفوا في مدها. \"السبعة في القراءات\" ص ٥٠٧، \"والحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٤٤٦، و\"إعراب القراءات السبع وعللَّها\" ٢/ ١٩٦، و\"النشر في القراءات العشر\" ٢/ ٣٤٤.\n(٣) يوجد هنا سقط في النسختين؛ ولا يتم المعنى بدونه، وتمام الكلام كما هو عند أبي علي في \"الحجة\" ٥/ ٤٤٦: \"وأما قصر ابن كثير فإنه يؤول في المعنى إلى قول من مد .. \".\n(٤) في \"الحجة\" ٥/ ٤٤٦: كما تقول.\n(٥) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٤٤٦، وأنشد البيت كاملًا، ولم ينسبه. الغِزُّ: الصغير الذي لم يجرب الأمور، يقال: كان ذلك في غرارتي وحداثتي. \"تهذيب اللغة\" ١٦/ ٧١ (غرر). والمفرق: وسط الرأس. \"لسان العرب\" ١٠/ ٣٠١ (فرق).","vol":"18","page":66},{"text":"شيئًا، أو يهبه فيستثيب أكثر منه. وسمي بهذا المدفوع على وجه اجتلاب الزيادة: ربًا، لَمَّا كان الغرض فيه الاستزادة على ما أَعطى، فسمي باسم الزيادة، لمكان الزيادة المقصودة في المكافأة، والربا هو: الزيادة، فبذلك سُمِّي المحرم ربًا، لزيادة ما يأخذ على ما دَفع (١).\nوقوله: ﴿لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ﴾ فاعل (يَرْبُوَا) الربا المذكور في قوله: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا﴾ وقُدِّر المضاف فحذفه، كأنه: في اجتلاب أموال الناس، أو اجتذابه، ونحو ذلك (٢).\nوقرأ نافع: (لِتُربوا) بالتاء وضمها (٣)، أي: لتصيروا ذوي زيادة من\n_________\n(١) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٤٤٧، بتصرف. و\"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٨٧، بمعناه، وهذا من الاستطراد لبيان معنى الآية، لأن الربا المحرم لا يدخل في هذه الآية، وليس هو المراد منها، بدليل ما نقله الواحدي عن السلف في ذلك، فلم يُنقل عنهم -والله أعلم- أن الربا المحرم معني بهذه الآية، إذ لو أريد ذلك لكان في القطع بتحريمه من خلال هذه الآية نظرة فالآية ليس فيها تحريمٌ، بل فيها إخبار عن فقد الأجر والثواب لمن فعل هذا الفعل، وهذا كما سبق في قول ابن عباس: ليس فيه أجر ولا وزر. والله أعلم.\n(٢) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٤٤٧، ولفظه: \"وقدر المضاف وحذف كأنه: اجتلاب أموال الناس، واجتذابها، ونحو ذلك\".\n(٣) قرأ نافع: ﴿لِتُربوْا﴾ بضم التاء، ساكنة الواو، وقرأ الباقون: ﴿لِيَربوَا﴾ بالياء، مفتوحة الواو. \"السبعة في القراءات\" ص ٥٠٧، و\"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٤٤٧. و\"إعراب القراءات السبع وعللها\" ٢/ ١٩٦، و\"النشر في القراءات العشر\" ٢/ ٣٤٤. وقد ضبط محقق كتاب \"الحجة\" قراءة نافع هكذا. ﴿لِترْبُوَ﴾ وقال بعدها: بالتاء ساكنة الواو. وهذا خطأ من وجهين؛ الأول: قراءة نافع بالتاء مضمومة، وليست مفتوحة كما ضبطها المحقق في ص ٤٤٨، الثاني: الواو في قراءة نافع: ساكنة، وليست مفتوحة، مع أن المحقق قد أحال في الحاشية على كتاب \"السبعة\".","vol":"18","page":67},{"text":"أموال الناس بما آتيتم، أي: تستدعونها وتجلبونها، وكأنه من: أربى إذا صار ذا زيادة، مثل: أقطف وأجدب (١).\nوقوله: ﴿فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ﴾ أي: لأنكم إنما قصدتم إلى زيادة العِوض، ولم تقصدوا وجه البر والقربة، ولو قصدتم به وجه الله لكان كقوله: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ﴾ وفي (مَا) هذه الوجهان ذكرناهما في (مَا) في أول الآية؛ فإن جعلتها: الموصولة فهي في موضع رفع، و(ءَاتَيْتُم) صلة، والراجع إلى الموصول محذوف، على تقدير: آتيتموه.\nقال: (وَمَاءَاتَيْتُم) ثم قال: (فَأُولَئِكَ) فانتقل من الخطاب إلى الغيبة (٢)، كما جاء في ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ [يونس: ٢٢] (٣). والفاء دخلت على: (فَأُولَئِكَ) لذكر الفعل في الصلة، والجملة في موضع خبر المبتدأ الذي هو: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ﴾ ويقدر راجعًا محذوفًا، التقدير: فأنتم المضعفون به. أي: ذوو الضعف بما آتيتم من زكاة، فحذفت العائد على حد ما حذفته من قولك: السمن منوان بدرهم (٤).\n_________\n(١) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٤٤٨، وفيه: أقطف وأجرب، بدل: أجدب. وكلاهما صحيح؛ يعني: صار ذا جدب، أو صار ذا جرب. في \"تهذيب اللغة\" ١٦/ ٢٨٢ (قطف): أقطف الرجل؛ إذا كانت دابته قَطُوفًا، والقِطاف مصدر القَطوف من الدواب؛ وهو المقارب الخَطو، البطيء.\n(٢) \"المسائل الحلبيات\" ص ٨٥.\n(٣) ذكر هذا ابن قتيبة، \"تأويل مشكل القرآن\" ص ٢٨٩.\n(٤) ساق هذا المثال للتدليل على حذف العائد المجرور، وتقديره: السمن منوان منه بدرهم، فحذف منه لدلالة السياق عيه، كما قدر في الآية: فأنتم المضعفون به. والله أعلم. والمَنَّ: معيار قديم يكال به أو يوزن. \"لسان العرب\" ١٣/ ٤١٨ (منن)، و\"المعجم الوسيط\" ٢/ ٨٨٨.","vol":"18","page":68},{"text":"هذا كله كلام أبي علي ذكره في مواضع متفرقة، فرددت كلًا إلى موضعه.\nقال أبو إسحاق: وما أعطيتم من صدقة لا تطلبون بها المكافأة وإنما تقصدون بها ما عند الله ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ أي: فأهلها يضاعف لهم الثواب؛ يُعطون بالحسنة عشر أمثالها. وقيل ﴿الْمُضْعِفُونَ﴾ كما يقال رجل مقوٍ؛ أي: صاحب قوة، وموسر، أي: صاحب يسار، وكذلك: مُضعف، ذو أضعاف من الحسنات (١).\nقال مقاتل: ثم ذكر ما أصاب الناس من ترك التوحيد في قوله تعالى:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3424>٤١ </span>- ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ يعني: قحط المطر وقلة النبات (٢). قال أبو علي: الفساد جاء في القرآن على ضربين؛ فساد معاقب عليه، وهو كثير (٣). وفساد على غير ذلك؛ بمعنى: الجدْب (٤)، وهو المراد في هذه الآية، وهذا كما قلنا في: الحسنة والسيئة؛ وقد ذكرنا ذلك في قوله: ﴿ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ﴾ [الأعراف: ٩٥] (٥).\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٨٨.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ٧٩ ب.\n(٣) مثل قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (١١) أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [البقرة: ١١، ١٢]. وقد ورد الفساد بهذا المعنى في أكثر من خمسة وأربعين موضعًا في القرآن الكريم. انظر الآيات في المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم ٥١٨ (فسد).\n(٤) من أمثلته قول الله تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾ [البقرة: ٢٥١]، وهو بهذا المعنى قليل لم أجده إلا في أربعة مواضع؛ البقرة: ٢٥١، الأنبياء: ٢٢، المؤمنون: ٧١، وآية الروم هذه. والله أعلم.\n(٥) قال الواحدي في تفسير هذه الآية: \"قال أهل اللغة: السيئة كل ما يسوء صاحبه، والحسنة ما يحسن عليه أثره. ثم ذكر قول أبي علي الذي ذكره هنا، ثم قال: والمعنى: أنه تعالى أخبر أنه يأخذ أهل المعاصي بالشدة تارة، وبالرخاء تارة\".","vol":"18","page":69},{"text":"وقوله: ﴿الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ قال: يعني: حيث لا يجري نهر، وهو لأهل العمود والبحر، ونقصُ الثمار في الريف؛ يعني: القرى تجري (١) فيها الأنهار (٢).\nقال ابن عباس في رواية عكرمة: أما البحر فما كان من المدائن والقرى على شاطئ نهر، وأما البر: فالبرية التي ليس عندها نهر (٣).\nوقال السدي: الفساد: القحط. والبر: كلُّ قرية من قرى العرب نائيةٍ عن البحر، مثل: المدينة ومكة. [قال: والعرب تسمي الأمصار: بحرًا] (٤) وأما البحر: فكلُّ قريةٍ مثلُ: البصرة والكوفة والشام (٥).\nوقال عكرمة: أما إني لا أقول: بحركم هذا، ولكن كل قرية على ماء، قال: والعرب تسمي الأمصار: بحرًا (٦).\nوقال فضيل بن مرزوق: قلت لعطية في قوله: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ\n_________\n(١) (تجري): مكررة مرتين في (ب).\n(٢) كتاب \"الشعر\" لأبي علي ٢/ ٤٥٧، بتصرف. قال مقاتل ٧٩ ب: ثم أخبرهم أن قحط المطر في البر ونقص الثمار في الريف حيث تجري فيها الأنهار إنما أصابهم بترك التوحيد، فقال سبحانه: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ يعني: قحط المطر، وقلة النبات حيث لا تجري فيها الأنهار لأهل العمود، ثم ظهر الفساد يعني: قحط المطر، ونقص الثمار في البحر، يعني: الريف، يعني: القرى التي تجري فيها الأنهار.\nقال الليث: يقال لأهل الأخبية الذين لا ينزلون غيرها: هم أهل عَمُود، وأهل عماد. كتاب \"العين\" ٢/ ٥٧ (عمد) ونقله الأزهري، \"تهذيب اللغة\" ٢/ ٢٥١.\n(٣) ذكره السيوطي، \"الدر المنثور\" ٦/ ٤٩٦، وعزاه لابن أبي حاتم.\n(٤) ما بين المعقوفين ساقط من: (أ).\n(٥) ذكره السيوطي، \"الدر المنثور\" ٦/ ٤٩٧، وعزاه لابن أبي حاتم.\n(٦) أخرجه ابن جرير ٢١/ ٤٩.","vol":"18","page":70},{"text":"وَالْبَحْرِ﴾ هذا البر، فالبحر أي فساد فيه؟ قال: يقال إذا قلَّ المطر قلَّ الغوص (١). يعني: أن البحر إذا أمطر تفتح الأصداف أفواهها، فما وقع فيها من ماء السماء فهو لؤلؤ (٢). وعلى هذا المراد بالبحر: بحر الماء لا القرى. والقول هو الأول (٣).\nقوله تعالى: ﴿بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ أي: من المعاصي (٤). يعني: كفار مكة ﴿لِيُذِيقَهُمْ﴾ الله بالجوع في السنين السبع (٥) ﴿بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا﴾ أي: جزاء\n﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ لكي يرجعوا من الكفر إلى الإيمان (٦). هذا الذي ذكرنا هو الصحيح في تفسير هذه الآية. وذُكر في تفسيرها أقوالٌ لا تليق\n_________\n(١) أخرجه ابن جرير ٢١/ ٤٩. فضيل بن مرزوق الأغر، الرَّقاشي، الكوفي، أبو عبد الرحمن، صدوق يهم، ورمي بالتشيع، حدث عن عدي بن ثابت، وعطية العوفي، وشقيق بن عقبة، وغيرهم، وحدث عنه وكيع، وأبو نُعيم، وعلي بن الجعد، وغيرهم. روى له مسلم في المتابعات، ت: ١٦٠ هـ. \"سير أعلام النبلاء\" ٧/ ٣٤٢، و\"تقريب التهذيب\" ٧٨٦.\n(٢) ذكره الثعلبي ٨/ ١٦٩ ب، عن ابن عباس.\n(٣) يعني أن المراد بالبحر: القرى التي على شاطىء البحر، وهذا القول وإن كان له وجه، لكن إجراء الآية على ظاهرها حيث لا يمنع من ذلك شيء أولى. ولعل الذي حمل الواحدي على ترجيح هذا القول تفسيره الفساد في الآية بالجدب والقحط، وهو غير مُتصور في البحر. وسيأتي توضيح القول الصحيح إن شاء الله تعالى.\n(٤) ذكره السيوطي، \"الدر المنثور\" ٦/ ٤٩٧، وعزاه لابن أبي حاتم.\n(٥) المراد بذلك ما ورد في الحديث الصحيح في دعاء النبي -ﷺ- على أهل مكة بسنين كسني يوسف، -﵇-، وقد سبق ذكره وتخريجه في تفسير الآية: ٩٣، من سورة النمل.\n(٦) \"تفسير مقاتل\" ٧٩ ب، بنصه.","vol":"18","page":71},{"text":"بالآية؛ منها قول قتادة: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ﴾ فقال: هو الشرك امتلأت الأرض ظلمًا وضلالة، قبل أن يبعث الله نبيه (١).\nقال مجاهد: قَتْلُ ابنِ آدم أخاه في البر، وأخذُ الملِك السفنَ غصبًا في البحر (٢).\nقال الحسن: أفسدهما الله بذنوبهم في بر الأرض وبحرها ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ يرجع مَنْ بعدهم (٣). وهذه الأقوال مرذولة فاسدة ليست تحسن في تفسير هذه الآية (٤).\n_________\n(١) أخرجه عبد الرزاق ٢/ ١٠٤، وابن جرير ٢١/ ٤٩.\n(٢) أخرجه ابن جرير ٢١/ ٤٩.\n(٣) أخرجه ابن جرير ٢١/ ٤٩، ٥٠. وأخرج عن ابن زيد: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ قال: الذنوب.\n(٤) كان الأولى بالواحدي أن يبين ضعف هذه الأقوال دون الحاجة لوصفها بهذا الوصف.\nفعلى القول الذي صححه الواحدي يكون المراد بالفساد: ما أصاب الناس من القحط والجدب. وعلى القول الثاني الذي رده الواحدي، المراد بالفساد: ظهور الشرك والمعاصي في كل مكان، من البر والبحر، وانتشار الظلم، وحصول النقص في الخيرات، والحروب، والكوارث، ونحو ذلك كلُه ﴿بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ أي: بذنوب الناس انتشر الشر والظلم والفسق والفجور في البر والبحر. وقد اقتصر على هذا القول ابن جرير ٢١/ ٥٠، قال: \"فتأويل الكلام إذًا إذ كان الأمر كما وصفت: ظهرت معاصي الله في كل مكان، من بر وبحر ﴿بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ أي: بذنوب الناس، وانتشر الظلم فيهما\". وقد تأول ابن جرير هذا القول من أقوال قتادة، ومجاهد، والحسن، التي وصفها الواحدي بأنها: أقوال مرذولة!؛ والصواب أنها أقوال مناسبة لسياق الآية، ولظاهرها كما يدل عليه تمثيل مجاهد للفساد في البحر: بأخذ السفن غصبا، وهذا هو مقتضى الحكمة، والقول الذي =","vol":"18","page":72},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3425>٤٢ </span>- قال مقاتل: ثم خوفهم فقال: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ الآية (١)، وقوله: ﴿كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ﴾ فأهلكوا بكفرهم. وإخباره عنهم بالشرك إخبار عن إهلاكهم؛ ودل عليه قوله: ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ﴾ ومعلوم أن عاقبتهم كان إلى الهلاك.\n_________\n= اختاره الواحدي محمول على التمثيل للفساد بالجدب والقحط، لا على أنه هو المقصود وحده حتى يتأول البحر بالقرى المحيطة به، وينبني على القول الذي اختاره الواحدي أن الذنوب والمعاصي كلما زادت قل المطر وانتشر الجدب والقحط، وهذا غير مسلم؛ لأن الله تعالى أخبرنا في كتابه الكريم أنه لا يمنع الناسَ الرزقَ بسبب كفرهم، بل قد يمدهم بالرزق والنعم استدراجًا، قال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٥، ٥٦] وأخبر تعالى أنه لو يؤاخذ الناس بذنوبهم لهلكوا ولم يبق منهم أحد، قال تعالى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [فاطر: ٤٥] حتى الدواب تهلك تبعًا لهلاك بني آدم، بسبب\nذنوب بني آدم، ولا يُعترض على هذا بمثل قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ٩٦] فالآية في زيادة الخير والرزق لمن حقق الإيمان والتقوى، بل إن من حكمة الله تضييق الرزق على الأنبياء وأتباعهم، تعظيمًا لأجرهم في الآخرة كما لا يخفى، وخلاصة ذلك أن اعتراض الواحدي ورده لهذه الأقوال لم يبين دليله عليه، مع أن القول الذي رده ظاهر جدًا من سياق الآية، وعليه فيحمل الفساد على ما يظهر في البر والبحر من الكفر والظلم والطغيان، وما يلحق الناس بسبب ذلك من نقص المطر وحصول القحط والجدب، والعذاب بالزلازل والخسف والغرق، والحروب، والسلب والنهب، والخوف وغيره من أنواع الفساد الذي ينتشر بسبب ذنوب الناس؛ من الشرك وغيره، ومما يدل عليه قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ [هود: ١١٧]. والله تعالى أعلم.\n(١) \"تفسير مقاتل\" ٨٠ أ.","vol":"18","page":73},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3426>٤٣ </span>- قوله: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ﴾ قال أبو إسحاق: أقم قَصدك، واجعل جهتَك اتباع الدين القيم (١). قال مقاتل: وهو الإسلام المستقيم ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ يعني: يوم القيامة لا يقدر أحد على رد ذلك اليوم (٢)؛ لأن الله قد قضى بمجيئه، فإذا جاءكم لا مردَّ له.\n﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ أي: يتفرقون بعد الحساب، إلى الجنة والنار. قاله مقاتل (٣). وهذا كقوله: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ وقد مر (٤). قال الفراء: ﴿يَصَّدَّعُونَ﴾: يتصدعون، أي: يتفرقون، تقول العرب: صدَعتُ غنمي صِدْعَتين، أي: فَرَقْتُها فِرقتين (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3427>٤٤ </span>- قوله: ﴿مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾ قال ابن عباس: يجازى بكفره. قال مقاتل: عليه إثم كفره (٦) ﴿وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ أي: يوطئون لأنفسهم منازلهم (٧).\nوقال الكلبي: يفرشون (٨).\nوقال مجاهد: يسوون المضاجع في القبر (٩). يقال: مهدت لنفسي\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٨٨.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ٨٠ أ.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ٨٠ أ. والزجاج، \"معاني القرآن\" ٤/ ١٨٨.\n(٤) الآية ١٤، من هذه السورة.\n(٥) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٣٢٥، وليس فيه: يتصدعون.\n(٦) \"تفسير مقاتل\" ٨٠ أ.\n(٧) قال الزجاج ٤/ ١٨٨: أىِ: لأنفسهم يوطئون.\n(٨) \"تنوير المقباس\" ص ٣٤٢.\n(٩) أخرجه ابن جرير ٢١/ ٥٢.","vol":"18","page":74},{"text":"خيرًا؛ أي: هيأته ووطأته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3428>٤٥ </span>- قوله: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ اللام متعلقة بقوله: ﴿يَمْهَدُونَ﴾ أي: يمهدون لأنفسهم ليجزيهم الله ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾ قال ابن عباس: ليثيبهم الله أكثر من ثواب أعمالهم.\n<span data-type=\"title\" id=toc-3429>٤٦ </span>- قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ﴾ قال ابن عباس: بالمطر (١) ﴿وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ قال: يريد الغيث والخَصْب. قال صاحب النظم: هو معطوف على تأويل: ﴿مُبَشِّرَاتٍ﴾ على نظم: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ﴾ ليبشركم وليذيقكم من رحمته، ولتجري الفلك في البحر بتلك الرياح بأمره، ولتبتغوا في البحر من فضله، يعني: الرزق بالتجارة. قال مقاتل: كل هذا بالرياح ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ هذه النعمة فتوحدونه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-3430>٤٧ </span>- ثم خوف كفار مكة، وعزَّى نبيه -ﷺ- فقال: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ (٢) أي: بالدلالات الواضحات على صدقهم. وقال ابن عباس: بالفرائض والحلال والحرام.\nوقال مقاتل: أخبروهم بالعذاب أنه نازل بهم إن لم يؤمنوا (٣).\nقوله تعالى: ﴿فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا﴾ كفروا بآياتهم (٤).\nوقال الكلبي: جرمهم هاهنا: الكفر (٥).\n_________\n(١) \"تنوير المقباس\" ص ٣٤٢، وأخرجه ابن جرير ٢١/ ٥٣، عن مجاهد.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ٨٠ أ.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ٨٠ أ.\n(٤) الضمير يعود على البينات التي جاء بها الرسل، كما يدل عليه سياق الآية.\n(٥) \"تنوير المقباس\" (٣٤٢)، وهو قول مقاتل ٨٠ أ.","vol":"18","page":75},{"text":"﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قال الحسن: نصر المؤمنين: إنجاؤهم مع الرسل من عذاب الأمم. وهو قول الكلبي ومقاتل (١). ومعنى: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا﴾ واجبًا، يعني: وجوبًا هو أوجبه على نفسه من حيث أخبر به، وإذا أخبر بشيء حق ذلك الشيء ووُجِد على ما أخبر به. وقد أخبر أنه ينجي المؤمنين من عذاب المكذبين. ولا يجب على الله شيء ابتداءً بخلاف ما قالت القدرية. وفي هذا تبشير النبي -ﷺ- بالظَفَر في العاقبة، والنصر على مَنْ كذبه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3431>٤٨ </span>- قال مقاتل: ثم أخبر عن صُنعه ليعرفوا توحيده فقال: ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا﴾ (٢) يزعجه من حيث هو ﴿فَيَبْسُطُهُ﴾ الله ﴿فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ قال مقاتل: إن شاء بسطه مسيرة يوم، أو بعض يوم، أو مسيرة أيام (٣) ﴿وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا﴾ أي: قطعًا (٤)، بعد أن بسطه الله يجعله قطعًا متفرقًا يسير بها الريح. وتفسير الكِسْف، قد ذكرناه في أواخر سورة بني إسرائيل (٥).\n_________\n(١) \"تنوير المقباس\" ص ٣٤٢، و\"تفسير مقاتل\" ٨٠ أ.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ٨٠ أ.\n(٣) \"تفسير مقاتل\". ٨٠ أ، والمراد بذلك المطر النازل من السحاب تختلف كثرته وقلته، من مسيرة يوم، أو أيام، وهذا مقصود مقاتل، حيث قال: أو مسيرة أيام يمطرون. والظاهر من الآية بسطه في السماء قبل نزوله، بدليل ما ذكر في الآية بعد ذلك من تقطيع السحاب، ثم نزول المطر. والله أعلم.\n(٤) أخرج ابن جرير ٢١/ ٥٤، عن قتادة. و\"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٨٩، ولم ينسبه.\n(٥) عند قوله تعالى: ﴿أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا﴾ [٩٢] قال الواحدي: =","vol":"18","page":76},{"text":"وقوله: ﴿فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ﴾ مفسر في سورة: النور (١) ﴿فَإِذَا أَصَابَ بِهِ﴾ بالمطر ﴿مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ يفرحون بنزول المطر عليهم (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3432>٤٩ </span>- ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ﴾ اختلفوا في تفسير ﴿قَبْلِ﴾ فذكر أبو إسحاق وابن الأنباري فيه قولين؛ أحدهما: أن الأُولى: داخلة في الإنزال، والثانية: على المطر، والمعنى: ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ﴾ إنزال المطر، من قبل المطر، فلما دخلت الثانية على غير ما دخلت عليه الأولى صلح الجمع بينهما، كما تقول: أجيئك من قبل أن تجلس، مِنْ قبل أن تبلغ إلى المجلس، فلا تُنكر الإعادة إذا اختلف الشيئان. هذا كلام أبي بكر (٣)، وهو قول قطرب (٤).\nالقول الثاني: أن تكرير ﴿قَبْلِ﴾ إطناب بمعنى: التوكيد (٥). والمعنى: وإن كانوا من قبل إنزال المطر ﴿لَمُبْلِسِينَ﴾ قال أبو إسحاق: والقول ما\n_________\n= \"قوله تعالى: ﴿كِسَفًا﴾ فيه وجهان من القراءة؛ جزم السين وفتحها، قال أبو زيد: يقال كسفت الثوب أكْسِفُه كَسْفُا، إذا قطعته قِطَعًا .. قال الفراء: وسمعت أعرابيًا يقول لبزاز: أعطني كِسْفة، يريد: قطعة كقولك: خِرْقَه، روى عمرو عن أبيه: يقال لِخِرَق القميص قبل أن يُؤَلَّفَ: الكِسَف، واحدها كِسْفَة\".\n(١) عند قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ..﴾ [٤٣].\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ٨٠ ب.\n(٣) المراد به: ابن الأنباري؛ ولم أقف على قوله.\n(٤) نسبه لقطرب الزجاج ٤/ ١٨٩، والثعلبي ٨/ ١٧٠ أ. وحكاه ابن جرير ٢١/ ٥٤، ولم ينسبه. أي: لما اختلف المضاف إلى الضمير لفظًا صح تكراره، والمعنى واحد، فالأول من قبل إنزال المطر، والثاني من قبل المطر، والمطر لا يكون إلا تنزيلًا.\n(٥) هذا قول الأخفش. \"معاني القرآن\" ٢/ ٦٥٨، واختاره ابن جرير ٢١/ ٥٤.","vol":"18","page":77},{"text":"قال (١)؛ لأن تنزيل المطر بمعنى: المطر؛ لأن المطر لا يكون إلا تنزيلًا، كما أن الرياح لا تُعرف إلا بمرورها (٢)؛ يعني أن قوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ﴾ بمعنى: من قبل المطر عن الإنزال حتى يقال: إن قبل الأولى للإنزال، والثانية للمطر، كما قال قطرب (٣).\nوقوله: ﴿لَمُبْلِسِينَ﴾ أي: آيسين قانطين من المطر. قاله ابن عباس ومقاتل (٤). والتقدير: وما كانوا إلا مبلسين. وقد تقدم لهذا نظائر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3433>٥٠ </span>- قوله تعالى: ﴿فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ﴾ أي: بعد إنزال المطر، فانظر إلى حُسنِ تأثيره في الأرض. وتقرأ (آثَارِ) على الجمع (٥)؛ فمن أفرد فلأنه مضاف إلى مفرد. ومن جمع جاز؛ لأن رحمة الله يجوز أن يراد بها:\n_________\n(١) هكذا في النسختين: (قال). والصواب: ما قالوا، كما هو واضح من سياق الكلام عند الزجاج، حيث قال: \"وقال الأخفش وغيره من البصريين: تكرير قبل، على جهة التوكيد، والمعنى: وإن كانوا من قبل تنزيل المطر لمبلسين، والقول كما قالوا؛ لأن تنزيل المطر .. \".\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٨٩.\n(٣) ويمكن حمل الضمير في قوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾ على لفظ الاستبشار المفهوم من قوله: ﴿إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ أو على الحال الموصوف في الآية السابقة إجمالًا المتضمن وصف السحاب وكيفية تكونه وسوقه وبسطه في السماء قبل خروج الودق منه وأثنائه، وهذا -كما يظهر- أحسن وأولى بالسياق من القول بالإطناب. والله أعلم.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ٨٠ ب. وأخرجه ابن جرير ٢١/ ٥٤، عن قتادة. و\"غريب القرآن\" لابن قتيبة ص ٣٤٢، ولم ينسبه.\n(٥) قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر: ﴿إِلَى أَثَرِ﴾ واحدة بغير ألف، وقرأ الباقون وحفص عن عاصم: ﴿ءَاثَرِ﴾ جماعة. \"السبعة في القراءات\" ص ٥٠٨، و\"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٤٤٨، و\"النشر في القراءات العشر\" ٢/ ٣٤٥","vol":"18","page":78},{"text":"الكثرة، كما قال: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ﴾ [إبراهيم: ٣٤، النحل: ١٨] (١). قال مقاتل: ﴿آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ﴾ يعني: النبت، وهو أثر المطر (٢). والمطر: رحمة الله ونعمته على خلقه.\nوقوله: ﴿كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ أي: كيف يجعلها تنبت بعد أن لم يكن فيها نبت.\n(إِنَّ ذَلِكَ) الذي فعل ما ترون؛ وهو الله تعالى: ﴿لَمُحْيِ الْمَوْتَى﴾ في الآخرة، فلا تكذبوا بالبعث (٣) ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ من البعث والموت.\nثم عاب كافر النعمة، والجاهل بأن الله تعالى يفعل ما يشاء فقال:\n\n٥١ - ﴿وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا﴾ قال ابن عباس: يريد عذابًا، يعني: ريحًا هي العذاب كما قال مقاتل: ريحًا باردة مضرة (٤). والريح إذا أتت على لفظ الواحد أريد بها: العذاب، ولهذا كان رسول الله -ﷺ- يقول عند هبوب الرياح: \"اللَّهم اجعلها رياحًا ولا تجعلها ريحًا\" (٥).\n_________\n(١) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٤٤٨، بنصه.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ٨٠ ب.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ٨٠ ب.\n(٤) \"تفسير الثعلبي\" ٨/ ١٧٠ ب. ولم ينسبه. و\"تفسير مقاتل\" ٨٠ ب. بنحوه.\n(٥) أخرجه أبو يعلي، في \"مسنده\" ٤/ ٣٤١، رقم (٢٤٥٦)، من طريق حسين بن قيس عن عكرمة عن ابن عباس، يرفعه، ومن الطريق نفسه أخرجه الطبراني، في \"المعجم الكبير\" ١١/ ١٧٠، رقم (١١٥٣٣)، قال الهيثمي: فيه حسين بن قيس الملقب بحنش، وهو متروك، وقد وثقه حصين بن نمير. \"مجمع الزوائد\" ١٠/ ١٣٥. وهذا الحديث له طريق آخرة قال الشافعي: أخبرني من لا أتهم، أنبأنا العلاء بن راشد، عن عكرمة عن ابن عباس .. الحديث. قال الأصم: سمعت الربيع ابن سليمان يقول: كان الشافعي إذا قال: أخبرني من لا أتهم؛ يريد به: إبراهيم بن أبي يحيى السلمي. \"تخريج الزيلعي لأحاديث الكشاف\" ٣/ ٥٩، قال ابن حجر: =","vol":"18","page":79},{"text":"قوله تعالى: (فَرَأَوْهُ) يعني: النبت والزرع الذي كان من أثر الريح رحمةِ الله ﴿مُصْفَرًّا﴾ قال ابن عباس ومقاتل: متغيرًا من البرد بعد الخضرة (١).\nوقوله: ﴿لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ﴾ قال: معناه: لَيَظَلُنَّ، معنى الكلام: الشرط والجزاء (٢)، قال الخليل: معناه: لَيَظَلُنَّ، فأوقع الماضي موقع المستقبل (٣)، كقول الحطيئة:\nشَهِدَ الحطيئةُ حين يلقى ربَّه\nأي: يشهد (٤).\nوقوله: ﴿بَعْدِهِ﴾ أي: من بعد اصفرار النبت يجحدون ما سلف من النعمة. وهذا بيان عن حال الجاهل عند المحنة من كفره ما سلف من النعمة.\nقال أبو إسحاق: يعني فهم يستبشرون بالغيث، ويكفرون إذا انقطع\n_________\n= إبراهيم بن يحيى هذا ضعيف. \"الشافي الكاف بحاشية الكشاف\" ٣/ ٤٦٨. وقال الألباني عن إسناد الشافعي: فيه العلاء بن راشد مجهول، يروي عنه إبراهيم بن أبي يحيى، وهو الأسلمي: متهم. \"مشكاة المصابيح\" ١/ ٤٨٣، رقم (١<span data-type=\"title\" id=toc-3434>٥١</span>٩).\n(١) \"تفسير مقاتل\" ٨٠ ب.\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٨٩.\n(٣) \"الكتاب\" ٣/ ١٠٨؛ قال سيبويه: \"وسألته عن قوله -﷿-: ﴿وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ﴾ فقال: هي في معنى: ليفعلُنَّ، كأنه قال: ليظلُنَّ، كما تقول: والله لا فعلت ذلك أبدًا تريد معنى: لا أفعل\". وما ذكره الواحدي بنصه في \"سر صناعة الإعراب\" ١/ ٣٩٨.\n(٤) أنشده كاملًا ونسبه ابن جني، \"سر صناعة الإعراب\" ١/ ٣٩٨، وعجزه:\nأن الوليد أحقُّ بالعذر\nوالوليد، هو: الوليد بن عقبة بن أبي معيط. وهو في \"ديوان الحطيئة\" ١٩٩.","vol":"18","page":80},{"text":"عنهم الغيث، وجف النبت (١).\nقال الكلبي: يقول الله تعالى: لو فعلت ذلك بهم لفعلوا (٢)؛ يعني: أنهم يفرحون عند الخصب، فلو أرسلت عذابًا على زرعهم كفروا سالف نعمتي، وكفروا ما كانوا يستبشرون به، وليس كذا حال المؤمن؛ لأنه لا يستشعر الخيبة والكفران عند الشدة والمحنة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3435>٥٢، ٥٣ </span>- قوله تعالى: ﴿فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ هذه الآية، والآية التي بعدها مفسرتان في سورة: النمل (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-3436>٥٤ </span>- قال مقاتل: ثم أخبر عن خلق أنفسهم ليتفكر المكذب بالبعث في خلق نفسه فقال: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ﴾ (٤) قال قتادة والكلبي: يعني من نطفة (٥).\nقال الزجاج: تأويله أنه خلقكم من النُّطفِ في حال ضعف (٦).\nقال أبو علي: المعنى: خلقكم من ذي ضعف، أي: من ماء ذي ضعف، كما قال: ﴿أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ [المرسلات: ٢٠] (٧). ومعنى ضَعفِ ذلك الماء: أنه قليل.\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٨٩.\n(٢) \"تنوير المقباس\" ٣٤٣.\n(٣) عند قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ ..﴾ [٨٠، ٨١].\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ٨٠ ب.\n(٥) أخرجه ابن جرير ٢١/ ٥٦، عن قتادة. و\"تفسير مقاتل\" ٨٠ ب. و\"تنوير المقباس\" ص ٣٤٣، وذكره ابن قتيبة، \"غريب القرآن\" ص ٣٤٣، ولم ينسبه.\n(٦) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٩٠.\n(٧) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٤٥٠.","vol":"18","page":81},{"text":"وقرئ ﴿ضَعْفٍ﴾ بفتح الضاد (١)، وهما لغتان (٢)؛ قال الفراء: الضم لغة قريش، والفتح لغة تميم. والاختيار: الضم؛ لما روي أن ابن عمر قرأ على النبي -ﷺ- بالفتح، فردَّ عليه بالضم (٣).\n_________\n(١) قرأ عاصم وحمزة: ﴿مِنْ ضَعْفٍ﴾ و﴿مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ﴾ و﴿ضَعْفًا﴾ بفتح الضاد فيهن كلهن، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر والكسائي بضم الضاد فيهن كلهن، وقرأ حفص عن نفسه، لا عن عاصم: بضم الضاد. \"السبعة في القراءات\" ص ٥٠٨، و\"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٤٥٠. قال ابن الجزري: وقد صح عن حفص الفتح والضم جميعًا. \"النشر في القراءات العشر\" ٢/ ٣٤٥.\n(٢) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٤٥٠.\n(٣) لم أجده عند الفراء، لكن نسبه له الثعلبي ٨/ ١٧٠ ب. واختار هذه القراءة للرواية الزجاج ٤/ ١٩١. والحديث أخرجه الإمام أحمد ٧/ ١٥٣، تح: أحمد شاكر، والترمذي ٥/ ١٧٤، كتاب \"القراءات\" رقم (٢٩٣٦)، وأبو داود ٤/ ٢٨٣، كتاب \"الحروف والقراءات\"، رقم (٣٩٧٨)، والحاكم ٢/ ٢٧٠، كتاب التفسير، رقم (٢٩٧٤)، وأخرجه الثعلبي ٨/ ١٧٠ ب، كلهم من طريق فُضيل بن مرزوق عن عطية بن سعد العوفي، قال: قرأت على ابن عمر ﴿مِنْ ضَعْفٍ﴾ فقال ﴿مِنْ ضَعْفٍ﴾ قرأتهُا على رسول الله -ﷺ-، كما قرأتَها عليَّ، فأَخذ علي كما أخذت عليك. وضَعَّف وضعف الحديث الشيخ: أحمد شاكر، لضعف عطية العوفي، راويه عن ابن عمر، \"مسند الإمام أحمد\" ٧/ ١٥٣، (تح: أحمد شاكر)، والحديث لا يُعرف بهذا اللفظ إلا من طريقه كما قال الترمذي: لا نعرفه إلا من حديث فُضيل بن مرزوق عن عطية العوفي. وقال الحاكم: تفرد به عطية العوفي، ولم يحتجا به، وقد احتج مسلم بالفضيل بن مرزوق. وعطية هذا قال عنه ابن حجر: صدوق يخطئ كثيرًا، وكان شيعيًا مدلسًا. \"تقريب التهذيب\" ص ٦٨٠، رقم (٤٦٤٩). وحَسَّن الحديث الألباني، \"صحيح سنن الترمذي\" ٣/ ١٤، رقم (٢٣٣٩)، وأحال على كتابه: \"الروض النضير\". وكتاب \"الروض النضير\" غير مطبوع فلعل تحسين الألباني له لورود هذا الحديث من طريق آخر؛ قال الطبراني: حدثنا هارون بن موسى =","vol":"18","page":82},{"text":"وقوله: ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً﴾ يعني: قواكم في حال الشبيبة، وقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ﴾ يعني: ضعف الطفولة ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً﴾ قال ابن عباس: يريد: عند الكبر أدركه الضعف والهرم. والشيبة: مصدر كالشَّيب، قال المبرد: يعني: من حملة الشيب، فخرج من حملة الشيب مخرج الواحد، ويعني به: الجمع (١)، وكذلك القوة\n_________\n= الأخفش المقري الدمشقي، حدثنا سلام بن سليمان المدائني، حدثنا أبو عمرو بن العلاء، عن نافع عن ابن عمر، قال: قرأت على رسول الله -ﷺ- .. الحديث. \"المعجم الصغير\" للطبراني ٢/ ٣٩٧، رقم (١١٠٠). وسلام بن سليمان: ضعيف. \"تقريب التهذيب\" (٤٢٥)، رقم (٢٧١٩). ولذا قال ابن حجر بعد أن ساق هذا الطريق من رواية ابن مردويه، قال: في إسناده سلام بن سليمان. \"الكافي الشاف\" بحاشية الزمخشري ٣/ ٤٧٠. وقد ذكر محققو مسند الإمام أحمد رواية الطبراني؛ ولم يقووا بها هذا الحديث بل قالوا: قلنا: سلام متروك. \"مسند الإمام أحمد\" ٩/ ١٨٦، رقم (٥٢٢٧). ط/ مؤسسة الرسالة.\nوذكر ابن عدي سلام بن سليمان هذا؛ وقال: هو عندي منكر الحديث، ثم ساق له أحاديث استنكرها عليه منها هذا الحديث؛ ثم قال: وهذه الأحاديث عن أبي عمرو عن نافع عن ابن عمر لا يرويها عن أبي عمرو إلا سلام هذا. \"الكامل في ضعفاء الرجال\" ٣/ ١١٥٦.\nوالصواب -والله أعلم- ضعف هذا الحديث، وأنه لا يرتقي لدرجة الحسن. وأقصى ما يفيده الحديث على فرض صحته أن النبي -ﷺ-، أنكر على ابن عمر قراءته ﴿ضَعْفٍ﴾ بغير القراءة التي أقرأه إياها؛ كما ذكر الواحدي عن الفراء أن الضم لغة قريش، والفتح لغة تميم؛ وعلى ذلك لا يؤخذ من هذا الحديث تفضيل قراءة الضم على قراءة الفتح. والله تعالى أعلم.\n(١) قول المبرد: من حملة الشيب، الظاهر منه أنه جعل لفظ: الشيبة أحد أفراد الشيب على اعتبار أن لفظ الشيب مصدر فيه عموم وشمول وإحاطة على حد قوله: فهي تحيط بالشيء، وعليه فلفظ: شيبة مفرد كما هو ظاهر من لفظه أريد به الجمع. والله أعلم.","vol":"18","page":83},{"text":"والضعف، وجاز هذا؛ لأنها مصادر فهي تحيط بالشيء، تقول: قوي قوة، وشاب شيبة، وضعف ضعفًا؛ لأنها هيآت تقع على النوع.\n﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ أي: من ضعف وقوة وشيبة وشباب ﴿وَهُوَ الْعَلِيمُ﴾ بتدبير خلقه ﴿الْقَدِيرُ﴾ على ما يشاء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3437>٥٥ </span>- وقوله: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ﴾ قال ابن عباس والمفسرون: يريد يوم القيامة ﴿يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ يحلف المشركون ﴿مَا لَبِثُوا﴾ في القبور ﴿غَيْرَ سَاعَةٍ﴾ إلا ساعة واحدة (١)\nوقال قتادة: ما لبثوا في الدنيا غير ساعة (٢). والقول هو الأول؛ لأن الآية الثانية دلت عليه (٣). قال الله تعالى: ﴿كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ﴾ قال الزجاج: مثل هذا الكذب كذبهم؛ لأنهم أقسموا على غير تحقيق (٤).\nوقال الكلبي: كذبوا في قولهم: ﴿غَيْرَ سَاعَةٍ﴾ كما كذبوا في الدنيا (٥).\nوقال مقاتل: يقول: هكذا كانوا يكذبون بالبعث في الدنيا، كما كذبوا أنهم لم يلبثوا في قبورهم إلا ساعة (٦).\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ٨١ أ. وتفسير ابن جرير ٢١/ ٥٧. وهو قول الزجاج ٤/ ١٩١. والثعلبي ٨/ ١٧٠ ب.\n(٢) ذكره عنه السيوطي، وعزاه لابن أبي حاتم، وابن المنذر، وعبد بن حميد. \"الدر المنثور\" ٦/ ٥٠٢.\n(٣) وهي قوله تعالى بعد ذلك: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾.\n(٤) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٩٢.\n(٥) \"تنوير المقباس\" ص ٣٤٣.\n(٦) \"تفسير مقاتل\" ٨١ أ.","vol":"18","page":84},{"text":"وقال ابن قتيبة: أي: كَذبوا في هذا الوقت كما كانوا يكذبون من قبل، ويقال: أُفِك فلانٌ؛ إذا عُدِل به عن الصدق وعن الخير (١). وهذا إخبار عن حال المجرم من إقدامه على الإفك، عاقبة أمره كإقدامه في ابتدائه.\nوذكر مقاتل وغيره في سبب كذبهم: أنهم استقلوا قدر لبثهم في الدنيا في القبور لَمَّا عاينوا الآخرة (٢). والصحيح في معنى الآية: أنهم كذبوا من غير عذر، بل حلفوا كاذبين كذبًا صريحًا؛ لأنهم لو استقصروا مدة لبثهم وخُيل إليهم أنهم لم يلبثوا إلا ساعة كانوا معذورين في كذبهم، وليس الأمر على ذلك، ولكن الله تعالى أراد أن يفضحهم فحلفوا على شيء يتبين لأهل الجمع من المؤمنين أنهم كاذبون في ذلك، ويستدلون بكذبهم هناك على كذبهم في الدنيا بالشرك والكفر، وكان ذلك من قضاء الله وقدره بدليل قوله: ﴿يُؤْفَكُونَ﴾ أي: يُصرفون، يعني: كما صُرفوا عن الصدق في حلفهم حتى حلفوا كاذبين، صرفوا في الدنيا عن الإيمان، ولو أراد: كذلك كانوا يكذبون؛ لقال: يَأفكون، فلما قال: ﴿يُؤْفَكُونَ﴾ دلَّ على إثبات القَدَر. ثم ذكر إنكار المؤمنين عليهم كذبهم بقوله:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3438>٥٦ </span>- ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ﴾ أي: لبثتم في القبور في خبر الكتاب إلى يوم القيامة (٣)، وهو قوله: ﴿وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٠] وقيل: المعنى فيما كتب الله لكم من اللُبث.\n_________\n(١) \"غريب القرآن\" لابن قتيبة ص ٣٤٣.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ٨١ أ.\n(٣) \"غريب القرآن\" لابن قتيبة ص ٣٤٣، بنصه.","vol":"18","page":85},{"text":"وقال الزجاج: في علم الله المثبت في اللوح المحفوظ (١).\nوقال صاحب النظم: في حكم الله الذي حكم به في قوله: ﴿وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾. وأما المفسرون فإنهم يقولون: هذا على التقديم؛ على تقدير: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ ﴿فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ وهو قول الكلبي وقتادة (٢). وهذا يحتمل تأويلين؛ أحدهما: الذين يعلمون كتاب الله فلهم فيه علم. والثاني: الذين حكم لهم في كتاب الله بالعلم، وأخبر في الكتاب عن علمهم.\nقوله تعالى: ﴿فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ﴾ أي: اليوم الذي كنتم تنكرونه في الدنيا، وتكذبون به. ﴿وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ وقوعه في الدنيا فلا ينفعكم العلم به الآن؛ يدل على هذا المعنى قوله تعالى:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3439>٥٧ </span>- ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ قال ابن عباس: يريد: لا يُقبل من الذين أشركوا عذر، ولا عتاب، ولا توبة ذلك اليوم. وقرئ ﴿لَا يَنْفَعُ﴾ بالياء (٣)؛ لأن التأنيث ليس بحقيقي، وقد\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٩٢.\n(٢) ذكره السيوطي عن قتادة، وعزاه لابن أبي حاتم، وعبد بن حميد. \"الدر المنثور\" ٦/ ٥٠٢. وقد وقع خطأ في كتابة قول قتادة في تفسير ابن جرير ٢١/ ٥٧، حيث كتب: هذا من مقاديم الكلام، وتأويلها: وقال الذين أوتوا الإيمان والعلم: لقد لبثتم في كتاب الله. والصواب ما ذكره السيوطي في الدر، ونسبه أيضًا لابن جرير. وقال بقول قتادة: مقاتل ٨١ أ. ونسبه لقتادة ومقاتل الثعلبي ٨/ ١٧١ أ.\n(٣) قرأ ابن كثير وأبو عمرو ونافع وابن عامر: ﴿لَا تَنفَعُ﴾ بالتاء، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي: ﴿لَا يَنْفَعُ﴾ بالياء. \"السبعة في القراءات\" ص ٥٠٩، و\"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٤٥٠، و\"النشر في القراءات العشر\" ٢/ ٣٤٦.","vol":"18","page":86},{"text":"فصل القول بين الفاعل وفعله (١). وإذا انضم إلى أن التأنيث ليس بحقيقي، قوي التذكير (٢).\n﴿وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ أي: لا يطلب منهم العتبى والرجوع في الآخرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3440>٥٨ </span>- وقوله: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ﴾ بينا ووصفنا (٣) للمشركين ﴿فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ احتجاجًا عليهم، وتنبيهًا لهم ﴿وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ﴾ يا محمد ﴿تَنفَعُ﴾ قال ابن عباس: يريد كما أرسل الأولون قبلك، يعني بآية؛ كالعصا واليد، وغير ذلك من آيات الأنبياء ﴿لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ﴾ ما أنتم يا محمد وأصحابك ﴿إِلَّا مُبْطِلُونَ﴾ أصحاب أباطيل. وهذا إخبار عن عنادهم وتكذيبهم، وأنهم لا يعقلون عن شركهم وكفرهم بالآيات الواضحة إن أُتوا بها. ثم ذكر سبب ذلك فقال:\n<span data-type=\"title\" id=toc-3441>٥٩ </span>- ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ بتوحيد الله، وكل من لم يؤمن بالله ويعلم توحيده فذلك لأجل طبع الله على قلبه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-3442>٦٠ </span>- ولما أخبر عن الطبع على قلوبهم أمر نبيه -ﷺ- بالصبر إلى وقت النصر فقال: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾ بنصر دينك، وإظهارك على عدوك حقٌ (٤) ﴿وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ﴾ قال أبو إسحاق: أي: لا يستفزونك عن دينك ﴿الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾ أي: هم ضالون شاكون (٥).\n_________\n(١) هكذا في النسختين: وقد فصل الفعل بين الفاعل وفعله، وفي كتاب أبي علي، \"الحجة\" ٥/ ٤٥٠: وقد وقع الفصل بين الفاعل وفعله. وهذا هو الصواب فالمفعول ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ فصل بين الفاعل ﴿مَعْذِرَتُهُمْ﴾ والفعل ﴿يَنْفَعُ﴾.\n(٢) \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٤٥٠.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ٨١ أ.\n(٤) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٩٢.\n(٥) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ١٩٢، وفيه: يسَتفزَّنَّك.","vol":"18","page":87},{"text":"وقال الأزهري: استخف فلانٌ فلانًا إذا استجهله فحمله على اتباعه في غيه، ومنه قوله: ﴿وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾ (١) ولا يستخفن رأيك وحلمك. وهذا هو المعنى. وهو الذي يليق بالصبر؛ أمره الله تعالى بالصبر وأن يثبت إلى أن يأتي وقت نصره، وإهلاك من ناوأه. وقال ابن عباس: ﴿الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾ ما جئت به.\nوقال مقاتل: لا يوقنون بنزول العذاب عليهم في الدنيا؛ وهم الذين عذبهم الله ببدر (٢).\nوقيل: ﴿الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾ بالبعث والحساب.","vol":"18","page":88},{"text":"التَّفْسِيرُ البَسِيْط\nلأبي الحسن علي بن أحمد بن محمد الواحدي\n(ت ٤٦٨ هـ)\nمن أول سورة لقمان إلى آخر سورة يس\nتحقيق\nد. محمد بن عبد الله بن سابح الطيار","vol":"18","page":89},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3443>سورة لقمان</span>\nبسم الله الرحمن الرحيم\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3444>١، ٢ </span>- ﴿الم﴾ تقدم تفسيره في سورة البقرة (١) ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾ تقدم تفسيره هناك (٢)، وفي سورة يونس <span data-type=\"title\" id=toc-3445>(٣)</span>.\n٣ - [قوله] (٤): ﴿هُدًى وَرَحْمَةً﴾ القراءة بالنصب على الحال، المعنى: تلك آيات الكتاب في حال الهداية (٥) والرحمة قاله الزجاج (٦). وهو معنى قول الكسائي والفراء.\n_________\n(١) آية (١)، وما بعدها. وقد ذكر المؤلف ﵀ هناك أقوالًا كثيرة في تفسير الحروف المقطعة في أوائل السور، ولعل الراجح منها -والله أعلم- هو ما ذهب إليه المحققون من أن هذه الحروف إنما ذكرت بيانًا لإعجاز القرآن. قال الحافظ ابن كثير في \"تفسيره\" ١/ ٣٨: وقال آخرون: بل إنما ذكرت هذه الحروف في أوائل السور التي ذكر فيها بيانًا لإعجاز القرآن، وأن الخلق عاجزون عن معارضته بمثله، هذا مع أنه مركب من هذه الحروف المقطعة التي يتخاطبون بها. وقد حكى هذا المذهب الرازي في \"تفسيره\" عن المبرد وجمع من المحققين، وحكى القرطبي عن الفراء وقطرب نحو هذا، وقرره الزمخشري في \"كشافه\" ونصره أتم نصر، وإليه ذهب الشيخ الإمام العلامة أبو العباس ابن تيمية، وشيخنا الحافظ المجتهد أبو الحجاج المزي، وحكاه لي عن ابن تيمية.\n(٢) آية (٢) سورة البقرة.\n(٣) آية (١).\n(٤) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).\n(٥) في \"أ\": البداية وهو خطأ.\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ١٩٣.","vol":"18","page":91},{"text":"وقرأ حمزة: هدى ورحمةٌ، بالرفع على إضمار هو، وعلى معنى: تلك هدى ورحمة هذا قول أبي إسحاق، وهو معنى قول الفراء (١): رفعها حمزة على الاستئناف؛ لأنها مستأنفة في آية منفصلة من الآية التي قبلها (٢).\nوقال أبو علي: وجه النصب أنه انتصب على الاسم المبهم، وهو من كلام واحد، والرفع على إضمار المبتدأ، أي هو هدى ورحمة (٣).\n\nقال ابن عباس ومقاتل والكلبي: بيان من الضلالة والرحمة من العذاب <span data-type=\"title\" id=toc-3446>(٤)</span>. ﴿للمحسنين﴾ <span data-type=\"title\" id=toc-3447>(٥) </span>للموحدين من أمة محمد -ﷺ-.\n٤ - وقوله: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ قال صاحب النظم: يحتمل أن يكون هذا متصلًا بما قبله على أن يكون نعتًا للمحسنين، ويحتمل أن يكون منقطعًا مبتدئًا، ويكون:\n\n٥ - قوله: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى﴾ خبر له، وعلي القول الأول: ﴿أُولَئِكَ﴾ مبتدأ مما قبله وخبره في قوله: ﴿عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ﴾. ﴿وَأُولَئِكَ﴾ مبتدأ ثان معطوف على ما قبله وخبره في قوله: ﴿هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ وتفسير هذه الآيات [ماض] <span data-type=\"title\" id=toc-3448>(٦) </span>فيما تقدم (٧).\n٦ - وقوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ قال الكلبي ومقاتل: نزلت في النضر بن الحارث الداري وكان يشتري كتبًا فيها أخبار\n_________\n(١) و(٢) \"معاني القرآن\" ٢/ ٢٣٦.\n(٣) \"الحجة\" ٥/ ٤٥٢.\n(٤) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٨١/ أ، ولم أقف على من نسبه للكلبي.\n(٥) ساقط من (أ)، وفي (ب): (للمؤمنين)، وهو خطأ.\n(٦) ما بين المعقوفين مطموس في (ب).\n(٧) عند الآية رقم (٥) من سورة البقرة.","vol":"18","page":92},{"text":"الأعاجم ويحدث بها أهل مكة، ويقول: محمد يحدثكم أحاديث عاد وثمود، وأنا أحدثكم حديث (١) فارس والروم وملوك الحيرة (٢).\nقال مقاتل: لهو الحديث: باطل الحديث، يعني باع القرآن بالحديث الباطل حديث رستم وأسفنديار، فزعم أن القرآن مثل حديث الأولين (٣). وهذا القول هو [قول] (٤) الفراء وابن قتيبة (٥)، وهو قول ابن عباس في رواية عطاء قال: ومن يشتري (٦) هو النضر بن الحارث خرج إلى الحيرة فاشتري أحاديث الأولين، وجاء بها إلى مكة، واجتمع إليه المشركون يقرأها عليهم، ويقول: أنا اقرأ عليكم كما يقرأ عليكم محمد أساطير الأولين. هذا قول معمر (٧) (٨).\n_________\n(١) في (ب): (أحاديث).\n(٢) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٨١/ أ، \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٣٢٦، \"تفسير الماوردي\" ٤/ ٢٩، \"زاد المسير\" ٦/ ٣١٦. والحيرة: بالكسر ثم السكون مدينة كانت على ثلاثة أميال من الكوفة، على موضع يقال له: النجف، زعموا أن بحر فارس كان يتصل بها.\nانظر: \"معجم البلدان\" لياقوت ٢/ ٣٢٨.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٨١ أ.\n(٤) ما بين المعقوفين ساقط من (أ).\n(٥) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٣٢٦ ونسبه لابن عباس، \"غريب القرآن\" لابن قتيبة ص ٣٤٤.\n(٦) في (أ): زيادة (قال)، وهو خطأ.\n(٧) انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٤/ ٥٢، وذكره الفراء في \"معاني القرآن\" ٢/ ٣٢٦ غير منسوب لأحد.\n(٨) هو: الإمام الحافظ شيخ الإسلام أبو عروة بن أبي عمرو الأزدي مولاهم البصري نزيل اليمن، صاحب الزهري كهلًا، وأقدم شيوخه موتًا قتادة. ولد سنة خمس أو ست وتسعين، ارتحل في طلب الحديث إلى اليمن، فلقي بها همام بن منبه =","vol":"18","page":93},{"text":"وأكثر المفسرين على أن المراد بلهو الحديث: الغناء، وهو رواية سعيد بن جبير ومقسم عن ابن عباس (١)، وأبي الصهباء (٢) عن ابن مسعود (٣)، وهو قول مجاهد وعكرمة (٤).\nوروى ابن أبي [...] (٥) عن أبيه عن ابن عباس في قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ قال: اشتراء الجارية تغنيه ليلًا ونهارًا (٦).\n_________\n= صاحب أبي هريرة. حدث عن قتادة والزهري وعمرو بن دينار وهمام بن منبه وغيرهم كثير. وعنه أيوب وأبو إسحاق وعمرو بن دينار وغيرهم، مات سنة ١٥٣هـ. انظر: \"سير أعلام النبلاء\" ٧/ ٥، \"شذرات الذهب\" ١/ ٢٣٥، \"طبقات ابن سعد\" ٥/ ٥٤٦.\n(١) انظر: \"تفسير الطبري\" ٢١/ ٦١، \"تفسير الماوردي\" ٤/ ٣٢٨، \"مجمع البيان\" ٨/ ٤٩٠، \"زاد المسير\" ٦/ ٣١٦، البيهقي في \"السنن الكبرى\" ١٠/ ٢٢٣.\n(٢) هو: صهيب أبو الصهباء البكري البصري، ويقال: المدني، مولى ابن عباس، روى عن مولاه ابن عباس وعلي بن أبي طالب وعثمان بن عفان وابن مسعود. وعنه سعيد بن جبير وطاوس بن كيسان وجماعة. قال عنه أبو زرعة: مدني ثقة. وذكره ابن حبان في الثقات. روى له مسلم وأبو داود والنسائي، وقد ضعفه النسائي.\nانظر: \"تهذيب الكمال\" ١٣/ ٢٤١، \"الكاشف\" ١/ ٥٠٥، \"التاريخ الكبير\" ٤/ ٣١٦.\n(٣) انظر: \"تفسير الطبري\" ٢١/ ٦١، \"تفسير الماوردي\" ٤/ ٣٢٨، \"مجمع البيان\" ٨/ ٤٩٠، زاد المسير ٦/ ٣١٦. وأخرجه الحاكم في \"المستدرك\" كتاب التفسير: تفسير سورة لقمان ٢/ ٤١١، وقال عنه: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. والبيهقي في \"السنن الكبرى\" ١٠/ ٢٢٣.\n(٤) انظر: \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ١٠٥، \"تفسير الطبري\" ٢١/ ٦١ وما بعدها، \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١٨١ ب، \"تفسير الماوردي\" ٤/ ٣٢٨، \"زاد المسير\" ٦/ ٣١٦.\n(٥) ما بين المعقوفين بقدر كلمة غير واضحة.\n(٦) أخرجه البيهقي في \"السنن الكبرى\" ١٠/ ٢٢٣ عن ابن عباس قال: هو الغناء وأشباهه. وكذا في \"معرفة السنن والآثار\" ١٤/ ٣٢٧ رقم ٢٠١٥٧.","vol":"18","page":94},{"text":"وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد في هذه الآية، قال: اشترى المغني والمغنية بالمال الكثير والاستماع إليه وإلي مثله من الباطل (١). وهو قول مكحول (٢).\nوروي ذلك مرفوعًا، روى القاسم عن أبي أمامة قال: قال رسول الله -ﷺ-: \"لا يحل تعليم المغنيات ولا بيعهن، وأثمانهن حرام\"، وفي مثل هذا نزلت الآية: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ (٣) وهذا القول اختيار أبي إسحاق قال: أكثر ما جاء في التفسير أن لهو الحديث هاهنا الغناء؛ لأنه يلهي عن ذكر الله (٤).\nقال أهل المعاني: ويدخل في هذا كل من اختار اللهو والغناء والمزامير والمعازف على القرآن (٥). وإن كان اللفظ قد ورد بالشراء ولفظ\n_________\n(١) انظر: \"تفسير مجاهد\" ص ٥٠٣، \"تفسير الطبري\" ٢١/ ٦٢. وذكره السيوطي في \"الدر\" ٦/ ٥٧٠، وعزاه لآدم وابن جرير والبيهقي في \"سننه\".\n(٢) ذكر قول مكحول البغوي في \"تفسيره\" بهامش \"تفسير الخازن\" ٥/ ٢١٤، والخازن في \"تفسيره\" ٥/ ٢١٤، قال مكحول: من اشترى جارية ضرابة ليمسكها لغنائها وضربها مقيمُا عليه حتى يموت لم أصل عليه، وإن الله يقول: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ الآية.\n(٣) رواه أحمد ٥/ ٢٦٤، والترمذي ٥/ ٢٦ وقال: هذا حديث غريب، وابن ماجه في في التجارات، باب ما لا يحل بيعه، رقم (٢١٦٨)، والطبري في \"تفسيره\" ٢١/ ٦٠، والطبراني في \"المعجم الكبير\" ٨/ ٢١٢، ٢٥٣.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ١٩٤.\n(٥) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٣٢٧، \"معاني القرآن وإعرابه\" للزجاج ٤/ ١٩٤، \"معاني القرآن\" للنحاس ٥/ ٢٧٧ وما بعدها.\nويقصد بأهل المعاني: من كتبوا في معاني القرآن من جهة اللغة والنحو، كالفراء والزجاج وابن الأنباري والأخفش. قال في \"البرهان\" ١/ ١٩٢: قال ابن الصلاح: =","vol":"18","page":95},{"text":"الشراء يذكر في الاستبدال والاختيار، وهو كثير في القرآن، ويدل على هذا ما قال قتادة في هذه الآية: أما والله لعله ألا يكون (١) أنفق مالًا، وبحسب المرء من الضلالة أن يختار حديث الباطل على حديث الحق (٢). وهذه الآية -على هذا التفسير- تدل على تحريم الغناء، وفيه تفصيل يحتاج إلى ذكره هاهنا.\nقال الشافعي ﵀: وإن كان يديم الغناء، ويغشاه المغنون معلنًا فهذا سفه يرد به معنى الشهادة، وإن كان ذلك بقل لم يرد، فأما استماع الحداء ونشيد الأعراب والرجز فلا بأس به (٣)، هذا كلامه.\nقال أصحابنا: نشيد الأعراب يجوز استماعه، وإن أنشد في الألحان في الحداء وغيره، وأما الغناء المحض فالقليل منه لا يعد سفهًا، والمداومة عليه من جملة السفه لا سيما مع الإعلان، وأما الأوتار والمزامير والمعازف كلها حرام، وكذلك طبل اللهو، أما الراع فمكروه استماعه مع تخفيف فيه؛ لما روي عن نافع عن (٤) ابن عمر سمع صوت زمارة راع، فجعل أصبعيه في أذنيه، وعدا عن الطريق، وجعل يقول: يا نافع: أتسمع؟ فأقول: نعم، فلما قلت: لا، راجع الطريق، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله -ﷺ- يفعله (٥).\n_________\n= وحيث رأيت في كتب التفسير قال أهل المعاني، فالمراد به مصنفو الكتب في \"معاني القرآن\" كالزجاج ومن قبله.\n(١) في (ب): (إلا أن يكون).\n(٢) انظر: \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ١٠٥، \"تفسير الطبري\" ٢١/ ٦١، \"المحرر الوجيز\" ١١/ ٤٨٤.\n(٣) \"الأم\" ٦/ ٢١٤.\n(٤) هكذا في النسخ، ولعل الصواب: أن.\n(٥) ذكره صاحب \"كنز العمال\" ١٥/ ٢٢٧، رقم الحديث (٤٠٦٩٢) وقال: أخرجه ابن =","vol":"18","page":96},{"text":"فلما اقتصر رسول الله -ﷺ- على وضع الأصبع في الأذن ولم يصرح بالنهي عنه، دل على ما ذكرنا. وأما غناء الفساق فذلك أشد ما في الباب. وذلك لكثرة الوعيد الوارد فيه، وهو: ما روي أن النبي -ﷺ- قال: \"من استمع إلى قينة صب في أذنيه الآنك يوم القيامة\" (١).\nوأما الدف فمباح، ضرب بين يدي رسول الله -ﷺ- يوم دخل المدينة فهم أبو بكر بالزجر، فقال رسول الله -ﷺ-: \"دعهن يا أبا بكر حتى تعلم اليهود أن ديننا فسيح\" فكن يضربن ويقلن:\nنحن بنات النجار ... حبذا محمد من جار (٢)\nوأما الحركة التي تعتري الإنسان عند السماع، فما حصل منه والإنسان فيه كالمغلوب فذلك لا يعد سفهًا. فقد روي أن زيد بن حارثة لما نزل اسمه في القرآن حجل (٣) (٤). وأما حالة الاختيار فذلك غير حميد. فمعناه:\n_________\n= عساكر. وأورده السيوطي في \"الدر\" ٦/ ٥٠٧، وعزاه لابن أبي الدنيا، والبيهقي عن نافع.\n(١) ذكره صاحب \"كنز العمال\" ٣/ ٦٦٢، وقال: أخرجه ابن عساكر عن أنس.\n(٢) ذكر هذا الأثر الإمام ابن كثير في \"البداية والنهاية\" ٣/ ٢١٩، وفي \"السيرة النبوية\" ٢/ ٢٧٤، وقال عنه: هذا حديث غريب من هذا الوجه، لم يروه أحد من أصحاب السنن، وقد خرجه الحاكم في \"مستدركه\" كما يروى. وذكره الحلبي في \"السيرة الحلبية\" ٢/ ٢٤٦، وأورده كذلك الشامي في \"سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد\" ٣/ ٢٧٤.\n(٣) حجل، قال الأزهري: الإنسان إذا رفع رجلًا وتريث في مشيه على رجل فقد حجل. قلت: ومثل هذه الحالة تكون من الإنسان حينما يفرح. انظر: \"اللسان\" ١١/ ١٤٤.\n(٤) هذا الأثر ذكره ابن منظور في \"اللسان\" ١١/ ١٤٤.","vol":"18","page":97},{"text":"قوله تعالى: ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ فقال مقاتل: يعني لكي يشترك بحديث الباطل عن دين الله (١) ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ يعلمه. وقال أبو إسحاق: من قرأ: ﴿لِيُضِلَّ﴾، بضم الياء، ليضل غيره إذا أضل غيره فقد ضل هو أيضًا ومن قرأ ﴿لِيُضِلَّ﴾ فمعناه: ليصير أمره إلى الضلال، وهو إن لم يقدر أن يضل فإنه يصير أمره إلى أن يضل (٢).\nومعنى قوله: ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ أي جاهل فيما يفعله عن علم.\n\nوقوله: ﴿وَيَتَّخِذَهَا﴾ بالرفع عطف على يشتري، وبالنصب على ليضل (٣). واختلفوا في الكناية، فقال مجاهد: الكناية للسبيل (٤) [ويتخذ سبيل الله هزوًا. قال مقاتل: آيات القرآن هزوًا (٥). وذكر الفراء والزجاج وأبو علي القولين فقالوا: قد جرى ذكر الآيات في قوله: ﴿آيَاتُ الْكِتَابِ﴾ فيجوز الضمير للآيات، ويجوز أن يكون للسبيل] (٦)، والسبيل يؤنث قال الله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي﴾ [يوسف:<span data-type=\"title\" id=toc-3449> ١٠</span>٨] (٧) وما بعد هذا من الآيات مفسر في مواضع مما تقدم.\n١٠ - وقوله: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ مفسر في ابتداء سورة\n_________\n(١) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٨١ ب قال: يعني لكي يستزل بحديث الباطل عن سبيل الله الإسلام.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ١٩٤.\n(٣) انظر: \"القراءات وعلل النحويين فيها\" ٢/ ٥٢٣، \"الحجة\" ٥/ ٤٥٣.\n(٤) انظر: \"تفسير الطبري\" ٢١/ ٦٤.\n(٥) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٨١ ب، قال: ويتخذ آيات القرآن استهزاء به.\n(٦) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).\n(٧) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٣٢٧، \"معاني القرآن وإعرابه\" للزجاج ٤/ ١٩٤، \"الحجة\" لأبي علي ٥/ ٤٥٣.","vol":"18","page":98},{"text":"الرعد (١). وقوله: ﴿رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ مفسر في سورة النحل (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3450>١٢ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾ قال سعيد بن المسيب: كان لقمان أسود من أهل مصر، خياطًا (٣).\nوقال مجاهد: كان لقمان الحديث (٤) رجلًا أسود عظيم المشافر (٥) (٦). وأكثر العلماء على أنه لم يكن نبيًّا (٧).\nوروي ذلك عن النبي -ﷺ- أنه قال: \"لم يكن لقمان نبيًّا، ولكن كان عبدًا كثير التفكر، حسن اليقين، أحب الله فأحبه\" (٨).\nوقال عكرمة والسدى: كان نبيًّا (٩). وهو قول ابن عباس في رواية عطاء (١٠). وهؤلاء فسروا الحكمة في هذه الآية بالنبوة.\nوقال مجاهد في تفسير الحكمة هاهنا: الفقه والعقل وإصابة في القول\n_________\n(١) عند قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ [الآية: ٢].\n(٢) عند قوله تعالى: ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [الآية: ١٥].\n(٣) انظر: \"تفسير الماوردي\" ٤/ ٣٣١.\n(٤) هكذا في جميع النسخ، ولعل الصواب: (الحكيم).\n(٥) المشافر: جمع مشفر وهي الشفاه الغليظة.\n(٦) ذكر قول مجاهد: \"الثعلبي في تفسيره\" ٣/ ١٧٢ أ، قال: كان لقمان عبدًا أسود عظيم الشفتين متشقق القدمين. وذكره القرطبي في \"تفسيره\" ١٤/ ٥٩.\n(٧) حكى الثعلبي في \"تفسيره\" ٣/ ١٧٢ أالإجماع على أن لقمان كان حكيمًا ولم يكن نبيًّا. إلا عكرمة فإنه قال: كان نبيًا، تفرد بهذا القول.\n(٨) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ٢/ ١٧٢ ب، عن ابن عمر، وذكره القرطبي في \"تفسيره\" ١٤/ ٥٩، عن ابن عمر أيضًا.\n(٩) انظر: \"تفسير الطبري\" ٢١/ ٦٨، \"بحر العلوم\" ٣/ ٢٠.\n(١٠) لم أجد فيما عندي من مراجع من نسب القول بنبوة لقمان إلى ابن عباس ﵄.","vol":"18","page":99},{"text":"في غير نبوة (١).\nوقال قتادة: الفقه في الإسلام ولم يكن يوحى إليه (٢).\nوقال مقاتل: أعطيناه العلم في غير نبوة (٣).\nوقال الكلبي: العلم والفهم (٤).\nقوله تعالى: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ﴾ قال المبرد: أي اشكر لله، وكان هذا تأويل الحكمة، كقولك: قد تقدمت إلى أن رأيت عمرًا، أي أنت عمرًا (٥)، ومثله قوله: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ [المائدة: ١١٧]، وكذلك ما كان مثله.\nقال سيبويه: معناه أي: اعبد الله، وكذلك ما كان مثله، قال: ويجوز أن يكون أن التي هي والفعل مصدر، تقول: كتبت إليك أن قم، فتصل أن بلا كما تصل، بفعل وهذا جائز وليس بالوجه عند سيبويه (٦).\nوذكر أبو إسحاق القول الأول فقال: يجوز أن يكون أن مفسرة فيكون المعنى أي: اشكر لله (٧).\nوقال صاحب النظم: هذا على تأويل أن من أوتي الحكمة شكر لله، فكأنه لما قال: ﴿آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾، أعلم أنه قد أمره بالشكر له،\n_________\n(١) انظر: \"بحر العلوم\" ٣/ ٢١.\n(٢) انظر: \"تفسير الطبري\" ٢١/ ٦٧. وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ٥١١، وعزاه لابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة.\n(٣) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٨١ ب.\n(٤) لم أعثر عليه.\n(٥) لم أقف على قول المبرد.\n(٦) \"الكتاب\" ٣/ ١٥٣، وانظر: \"تفسير القرطبى\" ١٤/ ٦١.\n(٧) انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ١٩٥.","vol":"18","page":100},{"text":"بقوله (١): ﴿وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا﴾ [ص: ٦] قال ابن عباس: أن اشكر لله يريد على ما أعطاك الله من الحكمة (٢).\nوقال مقاتل: فقلنا له أن اشكر لله فيما أعطاك من الحكمة (٣).\nقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾ يريد من يطع الله، فإنما يعمل لنفسه. قاله ابن عباس (٤). وقال مقاتل: ومن يشكر لله في نعمه فيوحد الله، فإنما يعمل الخير لنفسه (٥). ومن كفر النعم، فلم يوحد ربه، فإن الله لغني (٦) عن عباده وخلقه. قال عطاء عن ابن عباس: حميد إلى خلقه (٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3451>١٣ </span>- قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ﴾ قال أبو إسحاق: موضع إذ نصب بقوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾ أي: ولقد آتيناه الحكمة إذ قال لابنه؛ لأن هذه الموعظة حكمة (٨). ﴿وَهُوَ يَعِظُهُ﴾ قال ابن عباس: في الله (٩). قال مقاتل: كان ابنه وامرأته كفارًا فما زال بهم حتى أسلموا (١٠).\nقوله: ﴿يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾ ذكرنا القراءات ووجوهها في ﴿يَا بُنَيَّ﴾ عند: ﴿يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا﴾ [هود: ٤٢]. وقرأ ابن كثير: يا بني، مخففة\n_________\n(١) هكذا في جميع النسخ، ولعل الصواب: كقوله.\n(٢) لم أقف عليه فيما بين يدي من مراجع.\n(٣) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٨١ ب.\n(٤) ذكره القرطبي في \"تفسيره\" ١٤/ ٦٢ ولم ينسبه لأحد.\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ٨٢ ب.\n(٦) في (ب): (لغنى).\n(٧) لم أقف عليه فيما بين يدي من مراجع.\n(٨) انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ١٩٦.\n(٩) لم أعثر عليه.\n(١٠) \"تفسير مقاتل\" ٨٢ ب.","vol":"18","page":101},{"text":"ساكنة الياء، وكذلك: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ﴾ في رواية الحواس. ووجه ذلك أن الأصل: يا بنيي بثلاث ياءات، ثم تحذف ياء الإضافة كما يقال: يا غلام أقبل، وذكرنا ذلك في سورة هود (١) فلما حذف ياء الإضافة بقيت ياء مشددة، فخففها في الوقف كما تخفف سر وضر، وكقولك عمران (٢):\nقد كنت جارك حولًا لا يروعني ... فيه روائع من إنس ولا جان (٣)\nفخفف النون للوقف وأطلقها [كما شددها للوقف وأطلقها في] (٤) نحو سببا ويمهل، فلما حذفت الياء المدغم فيها للوقف بقيت الياء الساكنة، وهي ياء التصغير [هذا إذ وقفها، وإن وصلها هذا] (٥) إذا وقف، فإن وصلها ساكنة فقد أجرى الوصل مجرى الوقف، وهو قياس \"من إنس ولا جان\" فإنه خفف وأدرجه بحرف الإطلاق وهذا يعلمه جاء في الكلام، وغير هذا الوجه في القراءة أولى، ولو كان هذا في فاصلة كان أحسن؛ لأن الفاصلة في حكم القافية. فإن قيل: ياء التصغير لا يوقف عليها ولا تلحق آخر الكلمة، قيل: إنها ليست في حكم الآخرة وإن كان اللفظ على ذلك من حيث كان الحرف المحذوف للتخفيف في الوقف في حكم المثبت؛ لأن\n_________\n(١) عند تفسير قوله تعالى: ﴿يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ﴾ [آية ٤٢].\n(٢) هكذا في النسخ، والصواب: كقول عمران.\n(٣) البيت من الكامل، وهو لعمران بن حطان الحروري يمدح به عبد الرحمن بن ملجم قاتل علي بن أبي طالب -﵁- كما قاله المبرد في \"الكامل\" ٣/ ٨٩٨، وهو في \"الحجة\" ٤/ ٣٣٦، ٥/ ٤٥٤، وفي \"اللسان\" ١٣/ ٩٦ (جنن)، \"المحتسب\" ٢/ ٧٦.\n(٤) ما بين المعقوفين ساقط في (ب).\n(٥) هكذا جاءت العبارة في جميع النسخ! والذي يظهر أن ما بين المعقوفين خطأ، إذ وجوده في النص يجعل الأسلوب ركيكًا ومضطربًا.","vol":"18","page":102},{"text":"الحذف ليس بلازم له ويدل على ذلك قول الشاعر:\nارهن بنيك عندهم أرهن بني (١)\nفالياء (٢) من بني مخففة للوقف، والتقدير بني يا هذا، فلما وقف عليه أسكن وخفف، والياء المحذوفة في نية (٣) الثبات، وحكمه يدلك على ذلك أنه كان على خلاف هذا الرد (٤) النون في بنين، فلما لم يرد النون في بنين علمت أنها في حكم الثبات (٥). وقد ذكرنا مثل هذا في أول الكتاب عند قوله في اسم الله.\nوقوله: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ قال ابن عباس: يريد ليس من الذنوب شيء أعظم من الشرك بالله (٦).\nقال أبو إسحاق: يعني أن الله هو المحي المميت الرازق المنعم وحده لا شريك له، فإذا أشرك به أحدًا غيره فذلك أعظم الظلم؛ لأنه جعل النعمة لغير ربها، وأصل الظلم في اللغة: وضع الشيء في غير موضعه (٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3452>١٤ </span>- قوله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ﴾ نزلت في سعد بن أبي\n_________\n(١) شطر بيت من الرجز، لم أقف على تمامه وقائله. وقد ذكر ابن جني في \"المحتسب\" ١/ ١٠٨ أنه جاهلي، \"الخصائص\" ٣/ ٣٢٧، \"اللسان\" ١٣/ ١٨٨ غير منسوب لأحد.\n(٢) في (أ): (فالهاء)، وهو خطأ.\n(٣) في (ب): (بنية)، وهو خطأ.\n(٤) هكذا في النسخ! ولعل الصواب: لرد، بدون ألف قبلها. انظر: \"الحجة\" ٤/ ٣٣٨.\n(٥) إلى هنا من قوله عمران قد كنت جارك .. منقول من \"الحجة\" ٤/ ٣٣٦ وما بعدها، بتصرف يسير جدًّا.\n(٦) لم أقف عليه.\n(٧) انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ١٩٦.","vol":"18","page":103},{"text":"وقاص لما أسلم، وذكرنا القصة في أول سورة العنكبوت.\nوقوله: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ﴾ ذكرنا تفسير الوهن عند قوله: ﴿فَمَا وَهَنُوا﴾ (١) قال ابن عباس والكلبي والسدي: ضعفا على ضعف (٢). قال أبو إسحاق: أي لزمها لحملها إياه أن (٣) تضعف مرة بعد مرة (٤) وانتصب هاهنا وهنا على المصدر، ودل قوله: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ﴾ على أن المعنى وهنت بحملها إياه وهنا على وهن. وهذا غير متصل بالكلام الأول في الآية. قال صاحب النظم: قوله: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ﴾ مبتدأ يقتضي جوابًا فلم [يأت به] (٥) وابتدأ في وصف الإنسان فقال: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ﴾ ونظم [به وصفًا] (٦) آخر فقال: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ فإنما عدد الله -﷿- ذلك ليبين وجوب حق الوالدة بما لزمها من التعب والنصب في الولادة، فلما فرغ من ذلك رجع إلى خبر الابتداء فقال: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ على تأويل ووصينا الإنسان بوالديه أن اشكر لي ولوالديك.\nقوله تعالى: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ الفصال: الفطام، وهو أن يفصل الولد عن الأم كي لا يرضع. والتقدير: وفصاله في انقضاء عامين. قاله\n_________\n(١) قوله: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٦].\n(٢) لم أقف على من نسبه إلى ابن عباس أو الكلبي أو السدي، وإن كان أكثر المفسرين ذكروا هذا القول إلا أن الطبري نسبه للضحاك ٢١/ ٦٧، ونسبه الماوردي للحسن وعطاء ٤/ ٣٣٤.\n(٣) (أن) ساقطة من (ب).\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ١٩٦.\n(٥) ما بين المعقوفين طمس في (ب).\n(٦) ما بين المعقوفين طمس في (ب).","vol":"18","page":104},{"text":"الأخفش (١).\nوجعله من باب حذف المضاف، والمعنى لانقضاء عامين. وهو أنه إذا تم للولد حولان فطم، وذكرنا ذلك عند قوله: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٣] الآية.\nفقوله: ﴿وَفِصَالُهُ﴾ مبتدأ، وخبره في الظرف على تقدير: وفصاله يقع في انقضاء عامين. والمعنى ذكر مشقة الوالدة بإرضاع الولد بعد الوضع عامين.\nقوله تعالى: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ قال ابن عباس: يريد أطعني وأطع والديك (٢).\nقال مقاتل: أن اشكر لي إذ (٣) هديتك للإسلام، ولوالديك بما أولياك من النعم (٤).\nوقوله: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي﴾ تفسير لمعنى الوصية، وجاز ذلك؛ لأن الوصية قوله، فكأنه قال: قلنا للإنسان أن اشكر لي ولوالديك. قال صاحب النظم [وقال صاحب] (٥) المعني: ووصينا الإنسان أن اشكر لي ولوالديك، أي: وصيناه شكرنا وشكر والديه. وقوله: ﴿وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ قال ابن عباس ومقاتل: إلى المرجع والمنقلب فأجزيك بعملك (٦).\n_________\n(١) انظر: \"معاني القرآن\" ٢/ ٤٧٨.\n(٢) لم أعثر عليه فيما لدي من مراجع.\n(٣) في (ب): (أن).\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ٨٢ أ.\n(٥) ما بين المعقوفين زيادة، ولعلها وهم من النساخ.\n(٦) لم أعثر فيما لدي من مراجع على من نسب هذا التفسير لابن عباس، وفي \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٢٦٦ قال: ﴿وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ فأجزيك بعملك.","vol":"18","page":105},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3453>١٥ </span>- ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ﴾ مفسر في سورة العنكبوت (١) إلى قوله: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ قال ابن عباس: يريد اصحبهما في الدنيا بالمعروف (٢). وقال مقاتل: يعني بإحسان (٣).\nوقال أبو إسحاق: أي مصاحبًا معروفًا، يقول: صاحبته مصاحبًا ومصاحبة، ومعنى المعروف: ما يستحسن من الأفعال (٤).\nقوله تعالى: ﴿وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾ قال السدي: يعني محمدًا -ﷺ- (٥). ونحوه قال مقاتل: يعني دين من أقبل إلى طاعتي، وهو النبي -ﷺ- (٦).\nقال عطاء عن ابن عباس: يريد أبا بكر -﵁-، وذلك أنه حين أسلم أتاه (٧) عبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد وعثمان، وطلحة بن [...] (٨) والزبير فقالوا لأبي بكر -﵁-: آمنت وصدقت محمدًا؟ فقال أبو بكر: نعم، فأتوا رسول الله -ﷺ- فآمنوا وصدقوا، فأنزل الله تعالى لسعد: ﴿وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾ يعني: أبا بكر -﵁- (٩).\n_________\n(١) عند قوله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [العنكبوت: ٨].\n(٢) لم أقف عليه فيما عندي من مراجع.\n(٣) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٨٢ أ.\n(٤) انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ١٩٧.\n(٥) لم أقف فيما بين يدي من مراجع على من نسبه للسدي، وذكر مقاتل ٨٢ أ.\n(٦) \"تفسير مقاتل\" ٨٢ أ.\n(٧) في (ب): \"أباه\"، وهو خطأ.\n(٨) في جميع النسخ ترك بياض بمقدار كلمة، وعند المفسرين: وطلحة، بدون ابن.\n(٩) انظر: \"أسباب النزول\" ص ٣٦٣، والقرطبي ١٤/ ٦٦، والبغوي ٣/ ٤٩٢.","vol":"18","page":106},{"text":"وهذه تدل على وجوب مصاحبة الوالدين بالمعروف وإن كانا كافرين مع ملازمة الإيمان، ومن مصاحبتهما بالمعروف نفقتهما عند فقرهما، وهي واجبة على الابن المسلم وإن (١) كانا كافرين كما تجب إذا كانا مسلمين.\nقال عطاء عن ابن عباس: نزلت الآيتان في سعد بن أبي وقاص، وذلك أنه أسلم في أول ما ظهر رسول الله -ﷺ- بمكة، وأسلم أخواه عامر وعويمر، فلم يبق منهم مشرك إلا عتبة، فمشت بنو زهرة إلى أم سعد، فقالوا لها: إن بنيك سفهوا ديننا وغمصوا على آبائنا -ولم يكن أحد بمكة [فذلك] (٢) أبر بأمه من سعد- فقالت لهم: إن سعدًا ما عصاني قط، فسأرده إلى ما تحبون، وأما عامر فلم يزل (٣) لي عاصيًا، وأما عويمر فهو صبي صغير السن، فلما أتاها سعد قالت له أمه: يا سعد، إن الأشراف من قومك مشوا إلى يذكرون أنك سفهت أخلاقهم وطغيت على آلهتهم، فوعدتهم أن أردك إلى ما يحبون. فقال لها سعد: قد علمت بري بك وأني لم أعصك، وأنا لا أعصيك إلا أن تأمريني بمعصية الله، فإن أمرتيني بمعصية الله فلم أطعك، فأنزل الله ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ﴾ الآيتين (٤).\n_________\n(١) في (ب): (ولو).\n(٢) هكذا في جميع النسخ، وهو خطأ.\n(٣) في (أ): (زال)، وهو خطأ.\n(٤) لم أقف على هذه القصة بطولها، وإن كان أكثر المفسرين ذكروا أنها نزلت في سعد ابن أبي وقاص وأمه. انظر: \"تفسير الطبري\" ٢١/ ٧٠، \"تفسير ابن كثير\" ٥/ ٣٠٩، \"زاد المسير\" ٦/ ٢٥٧. وأورده السيوطي في \"الدر\" ٦/ ٥٢١ وعزاه لأبي يعلى والطبراني وابن مردويه وابن عساكر.\nوالحديث أخرجه مسلم في \"صحيحه\" كتاب: فضائل الصحابة، باب: في فضل سعد بن أبي وقاص ٤/ ١٨٧٧، والترمذي في \"سننه\" كتاب التفسير: سورة العنكبوت ٥/ ٢٢، حديث رقم (٣٢٤٢) وقال: هذا حديث حسن صحيح.","vol":"18","page":107},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3454>١٦ </span>- قوله تعالى: ﴿يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ﴾ الآية. قال السدي: ابن (١) لقمان لأبيه: يا أبتاه، لو كانت حبة من خردل الآية في البحر أكان الله يعلمها؟ فقال له يا بني: إنها إن تك (٢).\nوقال مقاتل: قال ابن لقمان لأبيه: يا أبت، إن عملت (٣) بالخطيئة حيث لا يراني أحد، كيف يعلمه الله؟ فرد عليه لقمان: يا بني، إنها إن تك مثقال حبة من خردل (٤).\n[قال أبو إسحاق: المعنى إن التي سألتني عنها إن تك مثقال حبة من خردل] (٥). قال: ويجوز أن يكون المعنى إن فعلة الإنسان وإن صغرت يأت بها الله. قال: ويجوز أن يكون الكناية للقصة على أن القصة كذا كما تقول: إنها هند قائمة، وإنها زيد قائمة (٦). وهذا من الضمير على شريطة التفسير، وذكرنا ذلك عند قوله: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ﴾ [الحج: ٤٦] وفي مواضع.\n_________\n(١) هكذا في جميع النسخ! والذي يظهر أن هناك كلمة ساقطة وهي: قال.\n(٢) انظر: \"تفسير القرطبي\" ١٤/ ٦٦ ولم ينسبه لأحد، وذكر نحوه الزجاج في \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ١٩٧.\n(٣) في (ب): (علمت).\n(٤) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٨٢ أ.\n(٥) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ١٩٧ - ١٩٨، إلا أن نقل المؤلف ﵀ لم يكن دقيقًا، فأبو إسحاق يقول: فعلى معنى إن التي سألتني عنها إن تك مثقال حبة، وعلى معنى أن فعلة الإنسان وإن صغرت يأت الله بها، ويجوز إنها إن تك بالتاء مثقال حبة من خردل، على معنى أن القصة كما تقول: إنها هند قائمة، ولو قلت:\nإنها زائد قائم لجاز.\nقلت: أما قول المؤلف: إنها زيد قائمة فهذا وجه لا يجوز في اللغة العربِية بحال.","vol":"18","page":108},{"text":"وقوله: ﴿إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ﴾ (١) قرئ: مثقال بالرفع والنصب، فمن نصب باسم كان لينبغي أن يكون مضمرًا على تقدير: إن تكن الخطيئة أو المظلمة أو السيئة مثقال حبة من خردل راجع إلى معنى خردلة، فهو بمنزلة إن تك حبة من خردل، أو يقال: المراد بمثقال حبة من خردل هو السيئة والحسنة، [فأنث] (٢) تك على المعنى كما قال: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠] فأنث وإن كان المثل مذكرًا، فإنه يراد به الحسنات، فحمل (٣) على المعنى، وكذلك المثقال (٤) (٥). و﴿تَكُ﴾ هاهنا بمعنى تقع، ولا خبر له.\nقوله تعالى: ﴿فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ﴾ قال ابن عباس في رواية: يعني: الصخرة التي تحت الأرضين السبع، وهي التي يكتب فيها أعمال الفجار (٦).\nونحو هذا قال مقاتل، قال: وهي صخرة خضراء مجوفة (٧).\n_________\n(١) في (أ) زيادة واو (وإن تك)، وهو خطأ.\n(٢) ما بين المعقوفين طمس في (ب).\n(٣) في (ب): (تحمل).\n(٤) في (ب): (للثقال).\n(٥) انظر: \"الحجة\" ٥/ ٤٥٦.\n(٦) ذكره ابن كثير في \"تفسيره\" ٣/ ٤٤٦، وقال: ذكره السدي بإسناده ذلك المطروح عن ابن مسعود وابن عباس وجماعة من الصحابة. ذكر الماوردي في \"تفسيره\" ٤/ ٣٣٧ وعزاه للربيع بن أنس والسدي. وذكره القرطبي ١٦/ ٦٨ ولكنه والماوردي لم يذكرا آخر القول، وهو أنها التي يكتب فيها أعمال الفجار. وذكر القول بأكمله منسوبًا لابن عباس: الثعلبي في \"تفسيره\" ١٧٣/ ٣ أ.\n(٧) \"تفسير مقاتل\" ٣/ ٢٦٦.","vol":"18","page":109},{"text":"وقال عبد الله بن الحارث: هي صخرة خضراء على ظهر الحوت (١).\nقال الكلبي: هي الصخر التي الأرض عليها (٢). ونحو هذا قال السدي: هذه ليست في السموات ولا في الأرض، إنما هي تحت سبعة أرضين عليها ملك قائم (٣) (٤).\nوقال قتادة: فتكن في صخرة، أي: جبل (٥) ﴿أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ﴾ إن قيل: هذه الصخرة لا يخلو من أن تكون في الأرض، وإذا حصل بكونه في الأرض أغنى ﴿أَوْ فِي الْأَرْضِ﴾ عن قوله: ﴿فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ﴾. قيل: قد صرح السدي بأن هذه الصخرة ليست في الأرض، على أن هذا النحو من التأكيد والتكرير لا ينكر، وعلى هذا قوله: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: ١] ثم قال: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾ [العلق: ٢]\nقوله: ﴿يَأْتِ بِهَا اللَّهُ﴾ قال ابن عباس: يقول يعلمها الله (٦). وهذا قول السدي (٧). وهو معنى وليس بتفسير. قال أبو إسحاق: وهذا مثل لأعمال\n_________\n(١) ذكره \"تفسير القرطبي\" ١٤/ ٦٨ ولم ينسبه لأحد، وذكره الثعلبي منسوبًا للسدي ٥/ ١٧٣ أ، وذكره الماوردي ٦/ ٣٣٧ ونسبه لعبد الله بن الحارث.\n(٢) انظر: \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ١٠٥ - ١٠٦.\n(٣) ذكره القرطبي ١٤./ ٦٨، والثعلبي ٥/ ١٧٣ أ، ونسبه للسدي.\n(٤) كل هذه الأقوال التي ذكرها المؤلف -﵀- في معنى الصخرة -والله أعلم- من الإسرائيليات التي لا تصدق ولا تكذب. قال ابن عطية في \"تفسيره\" ٤/ ٣٥٠ بعد أن ذكر بعض تلك الأقوال: وهذا كله ضعيف لا يثبته سند، وإنما معنى الكلام المبالغة والانتهاء في التفهيم، أي أن قدرته تنال ما يكون في تضاعيف صخرة وما يكون في السماء وفي الأرض.\n(٥) انظر: \"تفسير الماوردي\" ٤/ ٣٣٨، \"مجمع البيان\" ٨/ ٤٩٩.\n(٦) لم أعثر عليه فيما لدي من مراجع.\n(٧) \"تفسير الطبري\" ٢١/ ٧٣.","vol":"18","page":110},{"text":"البلاد (١) إن الله -﷿- يأت بأعمالهم يوم القيامة، فمن يعمل مثقال ذرة خيرًا يره، ومن يعمل مثقال شرًّا يره (٢). قال أبو علي: هذا يثبت أن المظالم لا تخفى عليه، وأن الله تعالى يأت بها، ولن يدع أن يثيب أو يعاقب عليها إن لم تكن قد كفر عنها أو أحبط (٣).\nقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ قال ابن عباس ومقاتل والزجاج: لطيف باستخراجها، خبير بمكانها (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3455>١٧ </span>- قوله تعالى: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ قال ابن عباس ومقاتل: يريد الإيمان بالله والتوحيد (٥). وقال غيرهما: وأمر بطاعة الله واتباع أمره.\n﴿وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ قال ابن عباس: يريد عن الشرك لنفسه (٦).\nقال مقاتل: يعني الشرك الذي لا يعرف (٧).\n_________\n(١) هكذا في النسخ! والصحيح: العباد، انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ١٩٨.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه \" ٤/ ١٩٨.\n(٣) انظر: \"الحجة\" ٤/ ٤٥٦، وهذا من المواضع التي نقل فيها المؤلف -﵀- عن أبي علي ولكنه لم ينقل نقلًا صحيحًا، بل نقل واختصر وقدم وأخر، ولم يبين ذلك ﵀، فعبارة أبي علي بعيدة عن عبارة المؤلف، وعبارة أبي علي الأخيرة: إن لم يكن كفر أو أحبط.\n(٤) انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ١٩٧، \"تفسير مقاتل\" ٨٢ ب. ولم أقف على من نسبه لابن عباس.\n(٥) لم أقف على من نسب هذا القول لابن عباس. وفي \"تفسير مقاتل\" ٨٢ ب قال: التوحيد.\n(٦) لم أقف عليه.\n(٧) \"تفسير مقاتل\" ٨٢ ب.","vol":"18","page":111},{"text":"وقال الكلبي: يقول أنكر الظلم وأظهر العدل (١). وقال غيره: المنكر معاصي الله ومخالفة أمره (٢).\n﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ﴾ فيهما من الأذى، يريد واصبر على ما أصابك من الأذى في طاعة الله من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وهذا قول ابن عباس ومقاتل (٣).\n﴿إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ قال ابن عباس: يريد من حقيقة الإيمان (٤).\nوقال مقاتل: إن ذلك الصبر على الأذى فيهما من حق الأمور التي أمر الله بها (٥).\nوقال الكلبي: إن ذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من عزم الأمور (٦). فعلى قول ابن عباس ومقاتل: ذلك، إشارة إلى الصبر. وعلى القول [قول] (٧) الكلبي إشارة إلى الأمر والنهي. والصحيح أن ذلك إشارة إلى جميع ما ذكره قبله من الأمر والنهي والصبر. وذكرنا بيان هذه المسألة عند قوله ﴿عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٦٨]. وهذه الآية دليل على وجوب\n_________\n(١) لم أقف عليه.\n(٢) لم أقف عليه.\n(٣) لم أعثر على من نسبه لابن عباس. وانظر: \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٢٦٦، وذكره \"الماوردي\" ٤/ ٣٣٨ ولم ينسبه لأحد، وذكره السيوطي في \"الدر\" ٦/ ٥٢٣، وعزاه لابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير. والطبرسي في \"مجمع البيان\" ٨/ ٥٥٠ عن علي ابن أبي طالب -﵁-.\n(٤) انظر: \"تفسرِ القرطبي\" ١٤/ ٦٩.\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ٢٦٦/ ٢.\n(٦) لم أقف عليه.\n(٧) ما بين المعقوفين ساقط من (أ).","vol":"18","page":112},{"text":"الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والصبر على المكروه وإن أصابه فيهما وفي هذا دليل أن خوف المكروه لا ينبغي أن يمنع من الأمر بالمعروف، إلا أن يخاف مكروهًا لا يطيقه ولا يحتمله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3456>١٨ </span>- وقوله: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾ وقرئ: تصاعر (١). قال أبو الحسن: [لا تصاعر لغة أهل الحجاز، ولا تصعر لغة بني تميم، والمعنى فيه لا تتكبر على الناس، ولا تعرض عنهم تكبرًا عليهم.\nقال أبو عبيدة: (أجل هذا من الصعر الذي يأخذ الإبل في رءوسها وأعناقها). فكأنه يقول: لا تعرض عنهم ولا تزور كازورار الذي به هذا الداء، الذي يلوي منه عنقه ويعرض بوجهه، ومثل ذلك قوله:\nيهدي إلى حياة ثاني الجيد] (٢) (٣).\nوقال أبو علي: (يشبه أن يكون لا تصعر ولا تصاعر بمعنى، كما قال سيبويه في ضعف وضاعف) (٤).\nقال أبو إسحاق: أما تصعر فعلى وجه المبالغة، وتصاعر على تفاعل كأنك تعارضه بوجهك (٥).\n_________\n(١) انظر: \"النشر\" ٢/ ١٨٨.\n(٢) انظر الكلام بنصه في: \"الحجة\" لأبي علي الفارسي ٥/ ٤٥٥ من قوله: قال أبو الحسن. وانظر قول أبي عبيدة في: \"مجاز القرآن\" ٢/ ١٢٧. ولعل المؤلف -﵀- وهم عندما قال: قال أبو الحسن ..، فالقول لأبي علي بنصه.\n(٣) جزء من ليت لم أعثر له على تتمته ولا على قائله، وقد ذكره أبو علي في \"الحجة\" غير منسوب لأحد.\n(٤) انظر \"الحجة\": ٥/ ٤٥٥.\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ١٩٨، ونص كلام أبي إسحاق: فأما تصعر فعلى وجه المبالغة، ويصاعر جاء على معنى يفاعل، كأنك تعارضهم بوجهك.","vol":"18","page":113},{"text":"وقال المفضل (١): يقال للذي يفعل ذلك ومن صعر خده وصاعر (٢). وأنشد للمتلمس:\nوكنا إذا الجبار صاعر خده ... أقمنا له من درأه فيقوما\nقال ابن عباس: يريد ولا تتعظم على خلق الله (٣).\nوقال مقاتل: لا تعرض بوجهك تكبرًا عن فقراء المسلمين إذا كلموك (٤).\nوروى ابن أبي نجيح ومنصور عن مجاهد قال: هو الصدود والإعراض بالوجه عن الناس، كالرجل بينه وبين أخيه إحنة فيراه فيعرض عنه (٥).\nوقال أبو الجوزاء في هذه الآية: إذا ذكر الرجل عندك تلوي شدقك كأنك تحقره (٦). وهذا معنى ما روي عن إبراهيم أنه قال: هو التشديق (٧).\n_________\n(١) هو: أبو محمد المفضل بن محمد بن يعلي بن عامر الكوفي، إمام مقرئ نحوي، أخذ القراءة عرضًا عن عاصم والأعمش والعطاردي وسماك بن حرب، أخذها عنه الكسائي وجبلة بن مالك وأبو زيد الأنصاري، وغيرهم، توفي سنة ١٦٨ هـ.\nانظر: \"تاريخ بغداد\" ٣/ ١٢١، \"معرفة القراء الكبار\" ١/ ١٠٨، \"غاية النهاية\" ٢/ ٣٠٧.\n(٢) لم أقف على قول المفضل، إلا أن الماوردي في \"النكت\" ٤/ ٣٣٩، قال: الصعر هو الميل. عن المفضل.\n(٣) انظر: \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١٧٣ ب، \"تفسير الطبري\" ٢١/ ٧٤.\n(٤) انظر: \" تفسير مقاتل\" ٨٢ ب.\n(٥) انظر: \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١٧٣ / ب، \"تفسير الطبري\" ٢١/ ٧٥.\n(٦) انظر: \"تفسير الماوردي\" ٣/ ٣٣٩، \"تفسير ابن كثير\" ٥/ ٣٨٥.\n(٧) انظر: \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١٧٣ ب، الطبري ٢١/ ٧٥، ابن كثير ٥/ ٣٨٥.","vol":"18","page":114},{"text":"وقال يزيد [بن الأصم] (١): هو الرجل يكلم الرجل، فيلوي وجهه عنه محقرة له (٢).\nوقال قتادة: هو الإعراض عن الناس، يكلمك أخوك وأنت معرض عنه تتكبر (٣).\nوقوله: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا﴾ مفسر في سورة سبحان (٤).\nوقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ فسر في سورة النساء (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3457>١٩ </span>- قوله: ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ﴾ قال الليث: يقال قصد فلان في مشيه، إذا مشي مستويًا (٦).\nوقال المفضل: القصد: ما بين الإسراف والتقصير (٧).\nقال مقاتل: لا تختل في مشيك (٨).\n_________\n(١) ما بين المعقوفين طمس في (ب).\n(٢) انظر: \"تفسير الطبري\" ٢١/ ٧٥، \"تفسير ابن كثير\" ٥/ ٣٨٥.\n(٣) انظر: \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ١٠٥.\n(٤) عند قوله تعالى: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا﴾ [الإسراء: ٣٧]\n(٥) عند قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾ [النساء: ٣٦].\nقال المؤلف -﵀- هناك: المختال ذو الخيلاء والكبر، قال ابن عباس: يريد بالمختال العظيم في نفسه، الذي لا يقوم بحقوق الله ومعنى الفخر في اللغة: هو البذخ والتطاول، والفخور الذي يعدد مناقبه كبرًا وتطاولًا.\n(٦) لم أقف عليه. وانظر: \"تهذيب اللغة\" ٨/ ٣٥٥، \"اللسان\" ٣/ ٣٥٣.\n(٧) لم أقف عليه للمفضل. وذكره الأزهري في \"تهذيب اللغة\" ٨/ ٣٥٢ عن الليث، وانظر: \"اللسان\" ٣/ ٣٥٤ (قصد).\n(٨) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٨٢ ب. وذكره الماوردي ٤/ ٣٤٠، وعزاه لسعيد بن جبير.","vol":"18","page":115},{"text":"وقال الكلبي: تواضع لله فلا تختل (١). وعلى هذا أمر بالقصد في المشي، والمراد به النهي عن الخيلاء.\nوقال آخرون: المراد به النهي عن الإسراع في المشي (٢). فدل عليه بما روي أن النبي -ﷺ- قال: \"سرعة المشي تذهب بهاء المؤمن\" (٣).\nوقوله: ﴿وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ﴾ قال أبو إسحاق: معنى اغضض: انقص، ومن ذلك: غضضت، وفلان يغض من فلان، أي يقصر به (٤). وذكرنا تفسير الغض فيما تقدم (٥). والصوت: مصدر صات يصوت [صوتًا] (٦) فهو صائت، وصوت تصويتًا فهو مصوت، وهو عام غير مختص، يقال: سمعت صوت الرجل، وصوت الحمار، وصوت كل شيء (٧). قال ذو الرمة -وهو من أبيات الكتاب-:\n_________\n(١) لم أقف عليه منسوبًا للكلبي. وذكره الطبرسي في \"مجمع البيان\" ٨/ ٥٠٠، ونسبه لسعيد بن جبير.\n(٢) انظر: \"تفسير الطبري\" ٢١/ ٧٦ ونسبه لقتادة وابن زيد، و\"تفسير الماوردي\" ٤/ ٣٤٠ وقال: حكاه النقاش.\n(٣) الحديث منكر جدًّا قاله العلامة الألباني في \"سلسلة الأحاديث الضعيفة\" ١/ ٧٠ رقم (٥٥)، وقال الحافظ في \"تخريج أحاديث الكشاف\" ص ١٣٠ وإسناده ضعيف.\n(٤) هكذا في النسخ! وهو في \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ١٩٩: .. وفلان يغض بصره من فلان أي ينتقصه.\n(٥) عند قوله تعالى في سورة النور: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [النور: ٣٠] قال هناك: يقال غض بصره يغضه غضًا، ومثله أغضًا قال ابن عباس: أي لا ينظروا إلى ما لا يحل لهم.\n(٦) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).\n(٧) انظر: \"تهذيب اللغة\" ١٢/ ٢٢٣ (صوت)، \"اللسان\" ٢/ ٥٧ (صوت)، \"تاج العروس\" ٤/ ٥٩٧ (صوت).","vol":"18","page":116},{"text":"كان أصوات من إيغالهن (١) بنا أواخر الميس أصوات الفراريج (٢)\nويقال: رجل صات، أي (٣): شديد الصوت بمعنى صائت، كما يقال: رجل مال كثير المال، ونال كثير النوال (٤). قال الكلبي: يقول أكفف من صوتك لا تكن سليطًا على الناس (٥).\nوقال مقاتل: اخفض من صوتك، يعني: من كلامك، يأمر لقمان ابنه بالاقتصاد في المشي والمنطق (٦). وروى عطاء عن ابن عباس قال: يريد إذا ناجيت ربك فخفض [صوتك] (٧) (٨).\nوخفض الصوت المأمور به هاهنا بالدعاء، وذكر قوله (٩): ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا﴾ [مريم: ٣] والقول هو الأول العام. قال المبرد: (والمحمود\n_________\n(١) في (ب): (لمن)، وهو خطأ.\n(٢) البيت من البسيط، وهو لذي الرمة في \"ديوانه\" ص ٩٩٦، \"الإنصاف\" ص ٤٣٣، \"خزانة الأدب\" ٤/ ١٠٨، ٤١٣، ٤١٩، \"الخصائص\" ٢/ ٤٠٤، \"الكتاب\" ١/ ١٧٩، ٢/ ١٦٦، ٢٨٠.\nوإيغالهن: أي إبعادهن، يقال: أوغل في الأرض، إذا أبعد فيها. والأواخر: جمع آخرة الرحل، وهي العود في آخره يستيند إليه الراكب. والميس: شجر يتخذ منه الرحال والأقتاب. والفراريج: جمع فروج، وهي صغار الدجاج.\n(٣) (أي) ساقط من (أ).\n(٤) انظر: \"تاج العروس\" ٥٤/ ٥٩٧) (صوت).\n(٥) لم أقف عليه.\n(٦) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٨٢ ب.\n(٧) ما بين المعقوفين ساقط من (أ).\n(٨) ذكره المؤلف في \"الوسيط\" ٣/ ٤٤٤.\n(٩) هكذا هي في النسخ! ولعل الصواب: وذكرنا ذلك عند قوله: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا﴾، فهذا هو منهج المؤلف -﵀- في الإحالة.","vol":"18","page":117},{"text":"من المشي والصوت ومن جملة الأشياء ما كان قصدا) (١).\nقال مقاتل: ثم ضرب للصوت الرفيع مثلا، فقال: ﴿إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ (٢). قال: وأنت تقول: له وجه منكر، إذا كان قبيحًا.\nوقال ابن قتيبة: أنكر الأصوات أقبحها (٣).\nواختلفوا لم جعل أقبح الأصوات؟ صوت الحمير أوله زفير وآخره شهيق (٤). وقال قتادة: لشدة صوتها (٥). وهو المختار.\nقال المبرد: تأويله الجهر بالصوت ليس بمحمود، وأنه داخل في باب الصوت المنكر (٦).\nوقال ابن قتيبة: عرفه أن قبح رفع الصوت في المخاطب وفي الملاحاة كقبح أصوات الحمير؛ لأنها عالية (٧).\nووحد الصوت وهو مضاف إلى الجماعة؛ لأنه مصدر، والمصادر تدل على الكثرة، وإذا كانت منفردة الألفاظ. وذكرنا ذلك عند قوله: ﴿وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾ [النمل: ٨٩] وفي مواضع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3458>٢٠ </span>- قوله: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ قال ابن عباس:\n_________\n(١) لم أقف عليه.\n(٢) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٨٢ ب.\n(٣) انظر: \"تفسير غريب القرآن\" ص ٣٤٤.\n(٤) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ٣/ ١٨٤ ب ونسبه لمجاهد والضحاك، والطبرسي في \"مجمع البيان\" ٨/ ٥٠٥، والمؤلف في \"الوسيط\" (٣٤٤٤) ونسباه لقتادة.\n(٥) أخرجه ابن أبي حاتم عن قتادة ٩/ ٣١٠٠، قال: أوله زفير وآخره شهيق.\n(٦) انظر قول المبرد في: \"الوسيط\" ٣/ ٤٤٤، \"زاد المسير\" ٦/ ٣٢٣.\n(٧) انظر: \"تفسير غريب القرآن\" ص ٣٤٤.","vol":"18","page":118},{"text":"يريد المطر، ﴿وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ يريد: الأنعام لتركبوها (١).\nوقال مقاتل: (يعني: الشمس والقمر والنجوم والسحاب والرياح، وما في الأرض: يعني: الجبال والأنهار والبحار والأشجار والنبت عام) (٢) بعام. قال أبو إسحاق: ومعنى تسخيرها للآدميين: الانتفاع بها (٣).\nوقوله: ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ﴾ أي: أوسع وأكمل من قولهم: سبغت النعمة إذا تمت، ويقال: شعر سابغ، ودرع سابغة.\nوقوله: ﴿نِعَمَهُ﴾ وقرئ: نعمه جمعًا، ومعنى القراءتين واحد؛ لأن المفرد أيضًا يدل على الكثرة كقوله: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [النحل: ١٨] وهذا يدل على أنه يراد به الكثرة.\nوقوله: ﴿ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ لا يدل على ترجيح إحدى القراءتين، ألا ترى أن النعم توصف بالباطنة والظاهرة كما توصف النعمة بذلك (٤).\nقال ابن عباس في رواية عطاء: يريد شهادة ألا إله إلا الله ظاهرة باللسان باطنة في القلب (٥).\nوروى عكرمة عنه قال: الظاهرة: القرآن والإسلام، والباطنة: ما ستر عليكم من الذنوب ولم يعجل عليكم بالنقمة (٦).\n_________\n(١) لم أقف عليه.\n(٢) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٨٢ ب.\n(٣) انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ١٩٩.\n(٤) انظر: \"الحجة\" ص ٤٥٧.\n(٥) انظر: \"تفسير الطبري\" ٢١/ ٧٨. وأورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ٥٢٦ عن مجاهد، وعزاه لسعيد بن منصور وابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في \"شعب الإيمان\".\n(٦) انظر: \"مجمع البيان\" ٨/ ٥٠١، وذكره السيوطي في \"الدر\" ٦/ ٥٢٥ وعزاه للبيهقي في \"الشعب\"، وأورده الماوردي ٤/ ٣٤٢ ونسبه لمقاتل.","vol":"18","page":119},{"text":"وقال مقاتل: الظاهرة: تسوية الخلق والرزق والإسلام، والباطنة: ما ستر من الذنوب فلم يعلم بها أحد ولم يعاقب فيها (١). وهذا معنى ما روى الضحاك عن ابن عباس عن النبي -ﷺ- في هذه الآية (٢).\nقال الضحاك: الظاهرة: حسن الصورة وامتداد القامة وتسوية الأعضاء، والباطنة: المعرفة (٣).\nوقال محمد بن كعب: الظاهرة: محمد -ﷺ-، والباطنة: المعرفة (٤).\nوقال المحاسبي (٥): الظاهرة: نعيم الدنيا، والباطنة: نعيم العقبى.\nقوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ﴾ مفسر إلى آخر الآية في سورة الحج (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3459>٢١ </span>- قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا﴾ مفسرة في سورة البقرة (٧).\n_________\n(١) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٨٢ ب.\n(٢) أورده السيوطي في \"الدر\" ٦/ ٥٢٥، وقال: أخرجه ابن مردويه والبيهقي والديلمي وابن النجار عن ابن عباس.\n(٣) انظر: \"مجمع البيان\" للطبرسي ٨/ ٥٠١. \"زاد المسير\" ٦/ ٣٢٤.\n(٤) لم أقف عليه.\n(٥) هو: أبو عبد الله الحارث بن أسد البغدادي المحاسبي الزاهد. يروي عن يزيد بن هارون قليلًا وعن طبقته، روى عنه ابن مسروق الطوسي وإسماعيل بن إسحاق السراج وغيرهما، له كتب في الزهد وأصول الديانة، مات سنة ٢٤٣ هـ.\nانظر: \"تاريخ بغداد\" ٨/ ٢١١، \"سير أعلام النبلاء\" ١٢/ ١١٠، \"طبقات الشافعية\" لابن السبكي ٢/ ٢٧٨.\nوكلامه في \"تفسير القرطبي\" ١٤/ ٧٣. وذكره بدون عزو: \"الماوردي\" ٤/ ٣٤٢، \"الطبرسي\" ٨/ ٥٠١.\n(٦) عند قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ آية ٣.\n(٧) عند قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ [البقرة: ١٧٠]، وذكر هناك سبب نزولها، وأنها نزلت في اليهود.","vol":"18","page":120},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3460>٢٢ </span>- ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ مفسر في تلك السورة أيضًا (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-3461>٢٤ </span>- قوله: ﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا﴾ يعني أيام حياتهم إلى انقضاء آجالهم. قال ابن عباس ومقاتل (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-3462>٢٧ </span>- وقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ﴾ قرئ رفعًا ونصبًا، فمن نصبه عطفه على ما، ومن رفع استأنف كأنه قال: والبحر هذه حاله (٣).\n﴿يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ﴾ أي: ينصب فيه ويزيده سبعة أبحر. ﴿مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ ولا نفد علمه. قال السدي: لو كان ما في الأرض من شجر فبريت أقلامًا، وكان البحر مدادًّا ومعه سبعة أبحر مدادًا مثله، فكتب بتلك الأقلام، نفد ذلك المداد قبل أن ينفد علم الله (٤).\nوقال الحسن: لو أن ما في الأرض من شجرة أقلام، لأملى الله من\n_________\n(١) عند قوله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [البقرة: ٢٥٦]\nقال: استمسك بالشيء إذا تمسك به، والعروة: جمع عرى، وهي نحو عروة الدلو، وإنما سميت؛ لأنه يتعلق بها، والعروة: شجر يبقى على الجدب؛ لأن الإبل تتعلق به إلى وقت الخصب، والعروة الوثقى قال عطاء عن ابن عباس: شهادة ألا إله إلا الله، وأن ما جاء به محمد حق وصدق. وقال مجاهد: هي الإيمان.\n(٢) لم أقف عليه منسوبًا لابن عباس، وانظر: \"تفسير مقاتل\" ٨٢ ب.\n(٣) انظر: \"الحجة\" ٥/ ٤٥٧ - ٤٥٩، \"القراءات وعلل النحويين فيها\" ٢/ ٥٢٧.\n(٤) لم أقف عليه منسوبًا للسدي، وقد ذكره الطبرسي في \"مجمع البيان\" ٨/ ٥٠٤، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٦/ ٣٢٦، غير منسوب لأحد، وأورده السيوطي في \"الدر\" ٦/ ٥٢٨ وعزاه لعبد الرزاق وأبي نصر السجزي في \"الإبانة\" عن أبي الجوزاء.","vol":"18","page":121},{"text":"كلامه حتى ينفد المجر وتتكسر الأقلام (١). وقال مقاتل: يقول لو أن كل شجرة على وجه الأرض بريت أقلامًا، وكانت البحور مدادًا وكتبت تلك من البحور، لنفدت تلك الأقلام وتلك البحور ولم ينفد علم الله (٢).\nفالمفسرون قالوا في كلمات الله: إنها علم الله، والمعنى: الكلمات التي هي عبارات عن معلوم الله، ولما كان معلومه لا يتناهى له، فكذلك الكلمات التي تقع عبارة عن معلومه لا تتناهى (٣).\nقال أبو علي: والمراد بذلك -والله أعلم- ما في المقدور دون بما خرج منه إلى الوجود (٤).\nقال قتادة: إن المشركين قالوا في القرآن: يوشك أن ينفد، يوشك أن ينقطع، فنزلت هذه الآية. يقول: لو كان شجر الأرض أقلامًا، ومع البحر سبعة أبحر، إذا لانكسرت الأقلام ونفد ماء البحر قبل أن تنفد كلمات الله وحكمه وخلقه وعلمه (٥).\n_________\n(١) انظر: \"الحجة\" ٥/ ٤٥٨.\n(٢) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٨٣ أ.\n(٣) هذا تفسير الأشاعرة، وفيه خلط بين صفتي العلم والكلام، وأهل السنة والجماعة يقررون صفة العلم ويثبتونها، وكذلك صفة الكلام، حيث أن علم الله متعلق بالأشياء قبل كونها، وأنه غير متجدد. أما الكلام فصفة غير صفة العلم، فالله جل وعلا متكلم بمشيئته وقدرته كيف شاء متى شاء بما شاء، وهي صفة قديمة النوع حادثة الآحاد.\nانظر: \"رد الإمام الدارمي على بشر المريسي\" ص ١٠٦، ورده على الجهمية ص ٦٨، \"شرح العقيدة الطحاوية\" ١/ ١٧٥.\n(٤) انظر: \"الحجة\" ٥/ ٤٥٨.\n(٥) انظر: عبد الرزاق ٢/ ١٠٦، \"تفسير الطبري\" ٢١/ ٨١، \"تفسير الماوردي\" ٤/ ٣٤٤. وذكره السيوطي في \"الدر\" ٦/ ٥٢٨،. عزاه لعبد الرزاق وابن جرير =","vol":"18","page":122},{"text":"قال أبو عبيدة: هذا مختصر، تقديره: فكتب هذه الأقلام والبحور ما نفد كلام الله (١).\n\nوالمعنى (٢): فكتب ما في مقدور الله لمنفد ذلك قبل أن ينفد المقدور، ونحو هذا من الجمل قد تحذف لدلالة الكلام عليه كقوله: ﴿اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ﴾ [النمل:<span data-type=\"title\" id=toc-3463> ٢٨]</span>، ثم قالت: ﴿يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي﴾ [النمل: ٣٢]، والمعنى: فذهب، فألقى الكتاب، فقرأته، وقالت: ﴿يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ﴾. ونظير هذه الآية قوله: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي﴾ [الكهف ١٠٩] الآية.\n٢٨ - قوله تعالى: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ قال مقاتل: (نزلت في كفار قريش، قالوا للنبي -ﷺ-: إن الله خلقنا أطوارًا، نطفة علقة مضغة عظامًا لحمًا، ثم يزعم أنا نبعث خلقًا جديدًا جميعًا في ساعة واحدة، فقال الله: ﴿مَا خَلْقُكُمْ﴾ أيها الناس جميعًا في القدرة إلا كخلق نفس واحدة، ما بعثكم جميعًا إلا كبعث نفس واحدة) (٣).\nقال أبو إسحاق: أي قدرة الله على بعث الخلق أجمعين، وعلى خلق الخلق أجمعين، كقدرته على خلق نفس واحدة، وبعث نفس واحدة (٤).\n_________\n= وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبي الشيخ في \"العظمة\" وأبي نصر السجزي في \"الإنابة\" عن قتادة.\n(١) انظر: \"مجاز القرآن\" ٢/ ١٢٨، وعبارة أبي عبيدة جاءت هكذا: ومجازه مجاز المختصر الذي فيه ضمير، سبيله: فكتب كتاب الله بهذه الأقلام وبهذه البحور، ما نفد كتاب الله.\n(٢) في (ب): زيادة (ما نفد)، وهو خطأ.\n(٣) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٨٣ أ.\n(٤) انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٠٠.","vol":"18","page":123},{"text":"والآية من باب حذف المضاف في قول جميع المفسرين، وأهل المعاني كلهم ذكروا ذلك (١).\nقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ (٢). قال ابن عباس: سميع لقولكم، بصير بكم (٣).\nقال مقاتل: سميع لما قالوا من الخلق والبعث، بصير به (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3464>٣١ </span>- قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ﴾، قال ابن عباس: يريد أن ذلك من نعمة الله عليكم (٥). قال الكلبي: منة الله (٦). وقال مقاتل: برحمة الله (٧).\n﴿لِيُرِيَكُمْ مِنْ آيَاتِه﴾ من صنعه وعجائبه في البحر، وابتغاؤكم الرزق. وقال الكلبي: ليريكم من عجائبه بتيسيرها (٨).\n﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ قال مقاتل: يعني المؤمن، يقول: لكل صبار على أمر الله عند البلاء في البحر، شكور لله في نعمه حين أنجاه من أهوال البحر (٩).\n_________\n(١) انظر: \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١٧٦ ب، \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٣٢٩، \"معانى القرآن\" للنحاس ٥/ ٢٩١، \"معاني القرآن وإعرابه\" للزجاج ٤/ ٢٠٠.\n(٢) في (أ): (عليم)، وهو خطأ.\n(٣) ذكره الماوردي ٤/ ٣٤٥، ولم ينسبه.\n(٤) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٨٣ أ.\n(٥) انظر: \"زاد المسير\" ٦/ ٣٣٧. وذكره الماوردي ٤/ ٣٤٧، ولم ينسبه لأحد.\n(٦) ذكره \"الماوردي\" ٤/ ٣٤٧، غير منسوب لأحد.\n(٧) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٨٣ ب.\n(٨) ذكره الماوردي ٤/ ٣٤٧ ونسه ليحيى بن سلام، وكذا \"القرطبي\" ١٤/ ٧٩.\n(٩) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٨٣ ب.","vol":"18","page":124},{"text":"وقال عطاء عن ابن عباس: يريد صبر عن معاصي الله (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3465>٣٢ </span>- وقوله. ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ﴾ يعني الكفار، يقول: إذا علاهم ﴿مَوْجٌ﴾ وهو ما ارتفع من الأرض.\n﴿كَالظُّلَلِ﴾ قال مقاتل: كالجبال (٢). وقال الكلبي: كالسحاب، يزيد في عظمها وارتفاعها يكون كالجبال والسحاب التي تظل من تحتها (٣). وقال ابن عباس: يريد مثل السعائف (٤) (٥).\nقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ﴾ أي من هول ما هم فيه، نجاهم حين أفضوا وانتهوا إلى البر. قال صاحب النظم: المراد من قوله: فلما نجاهم: الاستقبال، وإن كان لفظه لفظ الماضي، بدليل قوله: ﴿فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾. ولما لا يقتضي جوابًا بالفاء، وأراد فمنهم مقتصد ومنهم جاثر، ودل على هذا المضمر قوله: ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ﴾ فأومأ بهذا إلى هذا، نقيض قوله: ﴿فَمِنْهُمْ مُقْتَصِد﴾. ونقيض الاقتصاد: الجور، والجور هاهنا: الجحد بآيات الله، وإذا كان معنى الجور هاهنا الجحد، وجب أن يكون الاقتصاد الذي هو عند الإقرار بآيات الله، وهذا كله معنى قول مقاتل، فإنه يقول في قوله: ﴿فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾ عدل في الوفاء\n_________\n(١) لم أقف عليه\n(٢) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٢٦٧، وبه قال يحيى بن سلام. انظر: \"تفسير الماوردي\" ٤/ ٣٤٧.\n(٣) ذكره \"الماوردي\" ٤/ ٣٤٧ ونسبه لقتادة، وكذا الطبرسي في \"مجمع البيان\" ٨/ ٥٠٦.\n(٤) في (ب): (السقايل)، وهو خطأ.\n(٥) لم أقف عليه عن ابن عباس، ولم أقف على معنى السعائف بهذه الصيغة، وقد ذكر الأزهري في \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١١٠ (سعف) قال: .. السعف: ورق جريد النخل الذي يسف منه الزبلان والجلاد والمراوح وما أشبهها، ويجوز السعف.","vol":"18","page":125},{"text":"في البر بما عاهد الله عليه في البحر من التوحيد له يعني المؤمن، ثم ذكر المشرك الذي ترك التوحيد في البر بعد أن دعاه مخلصًا في البحر (١)، بقوله: ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ﴾ غدار ﴿كَفُورٍ﴾ لله نعمه حين ترك التوحيد في البر.\nوقال الكلبي في قوله: ﴿فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾ هم المؤمنون (٢). وقال ابن عباس: مقتصد موف بما عاهد عليه الله في البحر (٣). وقال مجاهد: مقتصد في القول، وهو كافر مضمر للكفر (٤). والوجه هو الأول، وقوله: ﴿كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ﴾ قالوا: كلهم: كل غدار بعهد الله (٥). وقال أهل اللغة: الختر أسوأ الغدر وأقبحه (٦)، وأنشدوا (٧) للأعشي (٨):\nبالأبلق الفرد من تيماء منزله ... حصن حصين وجار غير ختار\nيقال: [ختر] (٩) ويختِر ويخترُ بالكسر والضم [لغتان] (١٠) خترًا وختورًا.\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ٨٣ ب.\n(٢) ذكره \"الماوردي\" ٤/ ٣٤٨، وأبو حيان في \"البحر\" ٨/ ٤٢٣، والطبرسي في \"مجمع البيان\" ٨/ ٥٠٦ عن الحسن.\n(٣) انظر: \"مجمع البيان\" ٨/ ٥٥٧. وذكره \"تفسير الماوردي\" ٤/ ٣٤٨، ونسبه للنقاش.\n(٤) انظر: \"تفسير الطبري\" ٢١/ ٨٥، \"الماوردي\" ٤/ ٣٤٨، \"مجمع البيان\" ٨/ ٥٠٧.\n(٥) انظر: \"تفسير الطبري\" ٢١/ ٨٥ \"تفسير الماوردي\" ٤/ ٣٤٨، ونسبه للجمهور.\n(٦) انظر: \"تهذيب اللغة\" ٧/ ٢٩٤ مادة (ختر)، \"الصحاح\" ٢/ ٦٤٢ (ختر)، \"مقايس اللغة\" ٢/ ٢٤٤، باب الخاء والتاء وما يثلثهما.\n(٧) في (ب): (وأنشد).\n(٨) البيت من البسيط، انظره في \"ديوانه\" ص ٢٢٩، \"لسان العرب\" ١٠/ ٢٦، \"جمهرة اللغة\" ص ٣٧١.\n(٩) ما بين المعقوفين طمس في (ب).\n(١٠) ما بين المعقوفين طمس في (ب).","vol":"18","page":126},{"text":"ثم خاطب كفار مكة فقال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3466>٣٣ </span>- قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا﴾ قال ابن عباس: كل امرئ تهمه نفسه (١).\nوقال مقاتل: يعني لا تغني والدة عن ولدها شيئًا من المنفعة يعني الكفار (٢). وهذه الآية كقوله: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٤٨] وقد مر تفسيره، والكلام في الراجع إلى اليوم في سورة البقرة.\nقوله تعالى: ﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ أي بالبعث.\n﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ هو عن الإسلام. ﴿وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ﴾ أي حلم (٣) الله وإمهاله. ﴿الْغَرُورُ﴾ يعني الشيطان. قاله ابن عباس ومجاهد وغيرهما (٤).\nقال مقاتل: هو إبليس (٥). والغرور: الذي من شأنه أن يغر ويخدع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3467>٣٤ </span>- وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ﴾. قال مجاهد ومقاتل: نزلت في رجل من أهل البادية اسمه: الوارث بن عمرو المجازي (٦) أتى النبي -ﷺ- فقال: إن أرضنا أجدبت فمتى\n_________\n(١) انظر: \"الوسيط\" ٣/ ٤٤٧.\n(٢) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٨٣ ب.\n(٣) في (ب): (يحلم).\n(٤) قال به غيرهما قتادة والضحاك. انظر: \"الطبري\" ٢١/ ٨٧، \"معاني القرآن\" للنحاس ٥/ ٢٩٣، \"تفسير الماوردي\" ٤/ ٣٤٩، \"مجمع البيان\" ٨/ ٥٠٧.\n(٥) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٨٣ ب.\n(٦) اختلتف في اسم السائل؛ ففي \"أسباب النزول\" ط ١. ص ١٩٩قال: نزلت في الحارث بن عمرو بن حارثة بن محارب بن حفص من أهل البادية وفي \"الدر =","vol":"18","page":127},{"text":"الغيث؟ وتركت امرأتي حبلى فماذا تلد؟ وقد علمت أين ولدت فبأي أرض أموت؟ وقد علمت ماذا عملت اليوم فما أعمل غدًا؟ ومتى الساعة؟ فأنزل الله في مسألة المجازي: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ (١).\nوروي عن أبي هريرة أن رجلًا قال: يا رسول الله، متى الساعة؟ قال: \"ما المسئول عنها بأعلم بها من السائل، ولكن خمس لا يعلمهن إلا الله\"، ثم قرأ ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ (٢).\nروى ابن عمر أن النبي -ﷺ- قال: \"مفاتيح الغيب خمس لا يعلمهن إلا الله، ثم ذكر ما في الآية\" (٣).\nوقال ابن عباس في هذه الآية: الخمس لا يعلمها ملك مقرب ولا\n_________\n= المنثور\" ٦/ ٥٣٠: الوارث، من بني مازن بن حفص بن قيس بن عيلان. وفي \"البحر المحيط\" ٧/ ١٩٤: الحارث بن عمارة المحاربي، وفي \"تفسير الطبري\" ٢١/ ٥٥ عن مجاهد: \"رجل\" غير مسمى.\n(١) انظر: \"تفسيرالطبري\" ٢١/ ٨٧، \"ابن كثير\" ٥/ ٤٠١، \"زاد المسير\" ٦/ ٣٣٠. وذكره السيوطي في \"الدر\" ٦/ ٥٣٠، وعزاه للفريابي وابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد، ولابن المنذر عن عكرمة. و\"تفسير مقاتل\" ٨٣ ب، وذكره المؤلف في \" أسباب النزول\" ص ٤٠٢، تحقيق السيد أحمد صقر.\n(٢) رواه البخاري في \"صحيحه\" كتاب التفسير، \"تفسير سورة لقمان\": باب ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ ٤/ ١٧٩٣، حديث رقم (٤٤٩٩).\nومسلم في \"صحيحه\" كتاب الإيمان: باب بيان الإيمان والإسلام والإحسان ووجوب الإيمان بإثبات قدر الله -﷾- ١/ ٣٧ حديث رقم (١).\nوهو جزء من حديث طويل مشهور، حيما جاء جبريل -﵇- بصورة رجل إلى الرسول -ﷺ- وسأله عن الإسلام والإيمان والإحسان إلى آخر الحديث.\n(٣) أخرجه البخاري في \"صحيحه\" وهو رواية أخرى للحديث السابق، وكذلك الإمام مسلم في \"صحيحه\"، وهو رواية أخرى حديث السابق.","vol":"18","page":128},{"text":"نبي مصطفى، فمن ادعى أنه يعلم شيئًا من هذه فقد كفر بالقرآن؛ لأنه خالفه (١). قال مقاتل: فلما نزلت هذه الآية قال النبي -ﷺ-: \"أين السائل عن الساعة؟ \" فقال المجازي ها أنا، فقرأ عليه النبي -ﷺ- هذه الآية (٢).\nقوله تعالى: ﴿بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾. قال الفراء: (اجتزأ بتأنيث أرض من أن يظهر في أي تأنيثا آخر) (٣).\nقال الأخفش: (وتقول: مررت بجارية أي جارية، وأية جارية) (٤) وجئتك بملاة أي ملاة وأية ملاة، كل جائز.\n_________\n(١) قول ابن عباس هذا، جزء من حديث طويل يرويه -﵁- عن النبي -ﷺ- أخرجه الإمام أحمد في \"مسنده\" ١/ ٣١٨ عن ابن عباس. وقال: جلس رسول الله -ﷺ- مجلسًا له، فأتاه جريل فجلس بين يدي رسول الله -ﷺ- واضعًا كفيه على ركبتي رسول الله -ﷺ- فقال: يا رسول الله، حدثني ما الإسلام .. إلى آخر الحديث.\n(٢) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٨٤ ب.\n(٣) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٣٣٠.\n(٤) انظر: \"القرطبي\" ١٤/ ٨٣، وذكر الأخفش في \"معاني القرآن\" ٤٧٨/ ٢، كلامًا نحوه. أما آخر كلام الأخفش فلم أقف عليه.","vol":"18","page":129},{"text":"(٣٢) سورة السجدة","vol":"18","page":131},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3468>سورة السجدة</span>\nبسم الله الرحمن الرحيم\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3469>١ - ٣ </span>- (الم) مضى تفسيره في مواضع. وقال ابن عباس: ألف الله، واللام [لام] (١) جبريل، والميم محمد -ﷺ- (٢).\nقوله: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ﴾ ذكر أبو إسحاق فيه ثلاثة أوجه أحدها: أنه خبر ابتداء، على إضمار الذي نتلوا (٣) تنزيل الكتاب. قال: ويجوز أن يكون خبر عن آلم أي آلم من تنزيل الكتاب قال: ويجوز أن يكون رفعه على الابتداء، ويكون خبره الابتداء. ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ (٤) قال مقاتل: يعني لا شك فيه أنه تنزيل (٥).\n﴿مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) أَمْ يَقُولُونَ﴾ قال الزجاج: معناه بل أيقولون (٦). وذكرنا تفسير (بل) إذا لم يتقدمه استفهام، عند قوله: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا﴾ [البقرة: ١٠٨] وفي مواضع.\n_________\n(١) ما بين المعقوفين ساقط من (أ).\n(٢) لم أقف على قوله، وقد سبق معنا في أول سورة لقمان ذكر القول الراجح في تفسير مثل هذه الحروف.\n(٣) في (ب): (نتلوه).\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٠٣.\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ٨٤ أ.\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٠٣.","vol":"18","page":133},{"text":"وقوله: ﴿افْتَرَاهُ﴾ قال ابن عباس: تقوله (١).\nوقال مقاتل: افتراه محمد من تلقاء نفسه فكذبهم الله (٢). فقال: ﴿بَلْ هُوَ﴾ أي القرآن.\n\n﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ قال الكلبي: يعني العرب (٣). قال قتادة: كانوا أمة أمية <span data-type=\"title\" id=toc-3470>(٤)</span>، لم يأتهم نذير قبل محمد -ﷺ- (٥).\nقال أبو إسحاق: (هذا كقوله: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ﴾ أي لم يشاهدوا هم ولا آباؤهم نبيا، قال: والحجة ثابتة عليهم بإنذار من تقدم من الرسل وإن لم يأتهم نذير (٦).\nوقوله تعالى: ﴿لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ قال مقاتل وابن عباس: لكي يرشدوا من الضلالة (٧).\n\n٤ - قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ (٨) مفسر في سورة الأعراف (٩) ويونس (١٠).\n_________\n(١) لم أقف عليه.\n(٢) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٨٤ أ.\n(٣) أورده المؤلف في \"الوسيط\" ٣/ ٤٤٩، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٦/ ٣٣٣، غير منسوب لأحد.\n(٤) في (أ): (آمنة)، وهو خطأ.\n(٥) انظر: \"تفسير الطبري\" ٢١/ ٩٠، \"تفسير الماوردي\" ٤/ ٣٥٣، \"مجمع البيان\" ٨/ ٥٠٩.\n(٦) انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٠٤.\n(٧) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٨٤ أ. وقد أورده المؤلف في \"الوسيط\" ٣/ ٤٤٩، غير منسوب لأحد.\n(٨) قوله: (وما بينهما) ساقط من (أ)، وهو خطأ.\n(٩) عند قوله تعالى ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ آية: ٥٤.\n(١٠) عند قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ آية: ٣.","vol":"18","page":134},{"text":"وقوله: ﴿مَا لَكُمْ﴾ يعني كفار مكة ﴿مِنْ دُونِهِ﴾ قال ابن عباس: يريد غيره (١). ﴿مِنْ وَلِيٍّ﴾ قريب ينفعكم في الآخرة، ويرد سخطه عنكم. قاله ابن عباس ومقاتل (٢). ﴿وَلَا شَفِيعٍ﴾ من الملائكة وغيرهم يشفع لكم. ﴿أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ﴾ أفلا تتعظون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3471>٥ </span>- قوله تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ﴾ فيه قولان للمفسرين وأصحاب المعاني: أحدهما: قول ابن عباس في رواية عطاء قال: ينزل القضاء والقدر من السماء إلى الأرض] (٣) ﴿ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ يريد يرجع إليه ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ من أيام الدنيا. وهذا القول اختيار صاحب النظم، وقد شرحه وبينه، فقال: قوله ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾ يعني به (٤) أمر الدنيا إلى آخره، يدبره الله -﷿- مدة أيام الدنيا، ثم يعرج إليه ذلك الأمر والتدبير بعد إنقضاء الدنيا وفنائها، ومعنى يعرج يرتفع، ومعنى يرتفع يصير، كقولك: ارتفع أمرنا إلى الأمير، أي صار إليه (٥).\nقوله تعالى: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ وهو يوم القيامة، مقداره ألف سنة، هذا كلامه. وأما قوله: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ فسنذكر الكلام فيه إذا انتهينا إليه إن شاء الله. القول الثاني: أن معنى\n_________\n(١) لم أقف عليه.\n(٢) \"تفسير ابن عباس\" ص ٣٤٧ بهامش المصحف، \"تفسير مقاتل\" ٨٤ أ.\n(٣) ما بين المعقوفين مكرر في (أ).\n(٤) في (ب): زيادة (إلا)، وهو خطأ.\n(٥) في كلام المؤلف -﵀- هنا نظر، فإنه يؤول صفة العلو والفوقية التي يؤولها الأشاعرة، وأهل السنة والجماعة يثبتون هذه الصفة ويقولون: إن الله سبحانه عال بذاته فوق خلوقاته بائن منهم، وهو معهم بعلمه. انظر: \"شرح العقيدة الطحاوية\" ٢/ ٣٨١، \"شرح حديث النزول\" ص ٣٨٨.","vol":"18","page":135},{"text":"الآية تنزل الوحي والقضاء مع جبريل من السماء إلى الأرض، ثم يصعد جبريل إلى السماء في يوم واحد من أيام الدنيا -وقدره مسيرة ألف سنة- خمسمائة نزول وخمسمائة صعودة لأنه ينزل مسيرة خمسمائة عام ويصعد مثله، فذلك ألف سنة، كل ذلك في يوم واحد من أيام الدنيا. وهذا قول مقاتل والسدى وقتادة (١).\nوذكره مقاتل فقال: يقضي الأمر في السماء وينزله مع الملائكة إلى الأرض، فيوقفه ثم يصعد إلى السماء، فيكون نزولها به ورجوعها في يوم واحد مقداره ألف سنة مما تعدون، يريد مقدار المسير فيه على قدر مسيرنا وعددنا ألف سنة؛ لأن بعد ما بين السماء إلى الأرض مسيرة خمسمائة عام لابن آدم، إذا (٢) قطعته الملائكة بادية وعائدة في يوم واحد فقد قطعت مسيرة ألف سنة في يوم.\nفعلى القول الأول (يعرج) خبر (الأمر)، والهاء في إليه كناية عن الله، والمراد باليوم يوم القيامة.\nوعلى القول الثاني (يعرج) خبر عن الملك ولم يجر له ذكر، والهاء في (إليه) كناية عن السماء على لغة من يذكِّرُه.\nوقوله: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ﴾ أي مقدار المسير فيه، يعني مسير الملك، والأول أليق بظاهر اللفظ، وهذه الآية مما ترك ابن عباس الكلام فيه، فقد روي أن عبد الله بن فيروز سأله عن هذه الآية وقوله: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ قال ابن عباس: أيامًا سماها الله، وما أدر ما هي،\n_________\n(١) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٨٤ ب، \"تفسير الطبري\" ٢١/ ٩١، \"تفسير الماوردي\" ٤/ ٣٥٣، \"مجمع البيان\" ٨/ ٥١٠.\n(٢) في (ب): (إذ)، وهو خطأ.","vol":"18","page":136},{"text":"وأكره أن أقول فيها ما لا أعلم، ثم سأل سعيد (١) بن المسيب عن هذه الآية فلم يدر ما يقول فيها حتى أخبر بما قال ابن عباس، فقال للسائل: هذا ابن عباس فقد اتقى أن يقول فيها، وهو أعلم مني (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3472>٦ </span>- وقوله: ﴿ذَلِكَ﴾ قال مقاتل: يعني الذي صنع ما ذكر من هذه إلاَّشياء (٣). ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ وقال ابن عباس: عالم ما غاب عن خلقي، وعالم ما حصره خلقي (٤). ﴿الْعَزِيزُ﴾: المنيع في ملكه ﴿الرَّحِيمُ﴾: باوليائه وأهل طاعته.\n<span data-type=\"title\" id=toc-3473>٧ </span>- قوله تعالى: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ وقرئ (خَلَقه) بفتح اللام على الفعل، فمن قرأ (خَلْقه) بسكون اللام، ففيه وجهان: أحدهما (٥): أن التقدير الذي أحسن خلق كل شيء. وهو قول قتادة (٦)،\n_________\n(١) في (أ): (ابن سعيد)، وهو خطأ.\n(٢) انظر: \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ١٠٨، \"المستدرك\" للحاكم ٤/ ٦١٠، وقال: حديث صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه، إلا أن الحاكم لم يذكر آخر الحديث وهو سؤال ابن المسيب. وأورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ٥٣٧، وعزاه لعبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري في \"المصاحف\" والحاكم وصححه عن عبد الله بن أبي مليكة.\n(٣) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٨٤ أ.\n(٤) ذكره المؤلف في \"الوسيط\" ٣/ ٤٥٠، والطبرسي في \"مجمع البيان\" ٨/ ٥١٢، وأبو حيان في \"البحر\" ٨/ ٤٣٢، غير منسوب لأحد، ولم أقف على من نسبه لابن عباس.\n(٥) في (أ): (أحدها).\n(٦) انظر: \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ١٠٩، \"زاد المسير\" ٦/ ٣٣٤. وذكره الماوردي ٤/ ٣٥٥، الطبرسى ٨/ ٥١٢ عن ابن عباس.","vol":"18","page":137},{"text":"واختيار الأخفش (١) وصاحب \"النظم\". وذكره أبو إسحاق وأبو علي (٢).\nقال الأخفش في قوله: (خَلْقَه) على البدل، يعني أنه أبدل خلقه من كل شيء (٣).\nوقال صاحب النظم: من سكن اللام فيه تقديم وتأخير على تأويل: أحسن خلق كل شيء، إلا أنه -﷿- لما قدم كل شيء، والمراد خلق كل شيء، أبدل منه دلالة عليه بالكناية عنه. وقال أبو علي: فجعل (خلقه) بدلًا من (كل)، فيصير التقدير الذي أحسن خلق كل شيء (٤).\nوأما معنى ﴿أَحْسَنَ﴾ فقال (٥) ابن عباس في رواية عطاء: أتقن ما خلق. وهو لفظ مجاهد (٦). ومعنى الإحسان هاهنا الإتقان والإحكام. وروي عكرمة عن ابن عباس أنه قال في هذه الآية: أما أن است القرد ليست بحسنة ولكن أحكم خلقه (٧).\nوقال مقاتل: علم كيف يخلق الأشياء من غير أن يعلمه أحد (٨). قال السدي: أحسنه لم يتعلمه من أحد (٩). ومعنى الإحسان على هذا القول\n_________\n(١) لم أقف على اختيار الأخفش له.\n(٢) انظر: \"معاني القرآن واعرابه\" ٤/ ٢٠٤، \"الحجة\" ٥/ ٤٦٠ - ٤٦١.\n(٣) لم أقف على قول الأخفش.\n(٤) انظر: \"الحجة\" ٥/ ٤٦١.\n(٥) في (ب): (وقال).\n(٦) انظر: \"تفسير مجاهد\" ص ٣٥، \"تفسير الطبري\" ٢١/ ٩٣، \"تفسير الماوردي\" ٤/ ٣٥٥، \"مجمع البيان\" ٨/ ٥١٢.\n(٧) انظر: \"تفسير الطبري\" ٢١/ ٩٣، \"القرطبي\" ١٤/ ٩٠، \"البحر المحيط\" ٨/ ٤٣٣.\n(٨) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٨٤ ب.\n(٩) انظر: \"تفسير الماوردي\" ٤/ ٣٥٥، \"مجمع البيان\" ٨/ ٥١٢، \"زاد المسير\" ٦/ ٣٣٤.","vol":"18","page":138},{"text":"العلم، قال: فلان يحسن كذا، إذا كان يعلمه.\nوقال صاحب \"النظم\": معنى الخلق التقدير، ومعنى ذلك أنه -﷿- لما طول رجل البهيمة، والطائر طول عنقه؛ لئلا يتعذر عليه ما لا بد به من قوته، [ولو] (١) تفاوت ذلك لم يكن له معاش، وكذلك كل شيء من أعضاء الحيوان مقدر لما يصلح له معاشه. وقال أبو إسحاق: تأويل الإحسان في هذا أنه خلقه على إرادته، فخلق الإنسان في أحسن تقويم، وخلق القرد على ما أحب، وخلقه إياه على ذلك من أبلغ الحكمة (٢).\nالوجه الثاني في هذه القراءة: أن قوله: ﴿خَلَقَهُ﴾ وإنتصب على المصدر الذي دل عليه أحسن، والمعنى الذي خلق كل خلقه. قاله الزجاج (٣).\nوشرحه أبو علي فقال: خلقه ينتصب على أنه مصدر دل عليه ما تقدم من قوله: ﴿أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾؛ لأن قوله أحسن كل شيء [يدل على خلقه كل شيء] (٤) (٥). والضمير في خلقه كناية عن اسم الله تعالى، والذي يدل على ذلك أنه مصدر لم يسند الفعل المنتصب عنه إلى فاعل ظاهر، وما كان من هذا النحو أضيف المصدر فيه إلى الفاعل نحو: صنع الله. ووعد الله، وكتاب الله، فكما أضيف هذه المصادر إلى الفاعل كذلك يكون خلقه\n_________\n(١) في جميع النسخ: (وهو)، وهذا خطأ. والتصويب من \"الوسيط\" للمؤلف ٣/ ٤٥٠.\n(٢) انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٠٤.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٠٤. قال الزجاج: (الذي خلق كل شيء خلقه)، فكلمة شيء ساقطة.\n(٤) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).\n(٥) \"الحجة\" ٥/ ٤٦١.","vol":"18","page":139},{"text":"مضافًا إلى ضمير الفاعل، وهذا الذي ذكرنا مذهب سيبويه (١). وعلى هذا التقدير معنى الآية الذي خلق كل شيء. ومن قرأ خلق بفتح اللام، كان صفة للنكرة المتقدمة، وموضع الجملة يحتمل وجهين:\nأحدهما: إن جعلتها صفة لكل كانت في موضع نصب، وإن جعلتهما وصفًا لشيء كانت في موضع جر، ومثل وصف النكرة بالجملة قوله: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾ [الأنعام: ٩٢]، فقوله: ﴿أَنْزَلْنَاهُ﴾ وصف لكتاب، وموضع الجمل رفع، والدليل على ذلك رفع مبارك بعده فتعلم بارتفاع المفرد أن الجملة قبله في موضع رفع (٢). ومعنى الإحسان على هذه القراءة يحتمل العلم ويحتمل الأحكام. قال الكلبي: أحكم كل شيء عمله، فلم يعنه عليه أحد (٣).\nقوله تعالى: ﴿وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ﴾ قال مقاتل: يعني آدم، كان أوله طينًا فلما نفخ فيه الروح صار لحمًا (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3474>٨ </span>- وقوله: ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ﴾ قال ابن عباس والمفسرون: ولده وذريته (٥). ﴿مِنْ سُلَالَةٍ﴾ تقدم تفسيرها (٦). ﴿مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ قال ابن عباس\n_________\n(١) \"الكتاب\" ١/ ٣٨٠ - ٣٨١، وانظر: \"مجمع البيان\" ٨/ ٥١١.\n(٢) انظر: الكلام بنصه في: \"الحجة\" ٥/ ٤٦٢.\n(٣) ذكر نحوه \"الماوردي\" ٤/ ٣٥٥، ولم ينسبه.\n(٤) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٨٤ ب.\n(٥) انظر: \"تفسير الطبري\" ٢١/ ٩٥، \"تفسير الماوردي\" ٤/ ٣٥٦، \"البحر المحيط\" ٨/ ٤٣٣، \"مجمع البيان\" ٨/ ٥١٢.\n(٦) عند قوله تعالى ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٢]، قال: السلالة: فعالة من السل، وهو استخراج الشيء من الشيء، يقال: سللت الشعر من العجين فانسل، وسللت السيف من غمده فانسل، ومن هذا يقال للنطفة: سلالة، وللولد: سليل وسلالة.","vol":"18","page":140},{"text":"والكلبي ومجاهد ومقاتل: من ماء ضعيف، وهو النطفة، كل هؤلاء قالوا: المهين: الضعيف (١).\nقال الزجاج: هو فعيل من المهانة، وهي القلة (٢). وذكر ذلك في قوله: ﴿كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ﴾ [القلم: ١٠].\nوقال الليث: رجل مهين حقير، وقد مهن مهانة (٣).\nقال أبو زيد: رجل مهين للضعيف من قوم مهناء (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3475>٩ </span>- قال مقاتل: ثم رجع إلى آدم فقال: ﴿ثُمَّ سَوَّاهُ﴾ يعني: سوى خلقه ﴿وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ﴾، ثم رجع إلى ذرية آدم فقال: ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ﴾ يعني بعد أن كنتم [نطفًا] (٥) السمع والأبصار والأفئدة (٦). وهذه نعم فلم يشكروا ربهم، فذلك قوله: ﴿قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ يعني بالقليل أنهم لا يشكرون رب هذه النعمة في حسن خلقه فتوحدونه (٧) هذا كلامه (٨). وبعض المفسرين يجعل (٩) قوله: ﴿ثُمَّ سَوَّاهُ﴾ من صفة قوله: ﴿جَعَلَ نَسْلَهُ﴾ (١٠).\n_________\n(١) انظر: \"تفسير الطبري\" ٢١/ ٩٥، \"تفسير الماوردي\" ٤/ ٣٥٦، \"مجمع البيان\" ٨/ ٥١٢، \"تفسير مجاهد\" ص ٥٠٩، \"تفسير مقاتل\" ٨٤ ب.\n(٢) انظر: قول الزجاج في: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٠٥.\n(٣) انظر: \"تهذيب اللغة\" ٦/ ٣٣٠ (مهن). وانظر: \"اللسان\" ٣/ ٣٢٤، \"الصحاح\" ٦/ ٢٢٠٩.\n(٤) \"تهذيب اللغة\" ٦/ ٣٣٥، (مهن). وانظر: \"اللسان\" ١٣/ ٣٢٤، \"الصحاح\" ٦/ ٢٢٠٩.\n(٥) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).\n(٦) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٨٤ ب.\n(٧) في (ب): (فيوحدونه).\n(٨) \"تفسير مقاتل\" ٨٤ ب.\n(٩) في (ب): (يجعل هذا)، وهو خطأ.\n(١٠) انظر:\"مشكل إعراب القرآن\" للقيسي ٢/ ١٨٦، \"البيان في غريب إعراب القرآن\" =","vol":"18","page":141},{"text":"ثم نزل في منكري البعث.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3476>١٠ </span>- قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ﴾ قال ابن عباس: يريد أئذا صرنا (١) ترابًا ورفاتًا (٢).\nوقال مجاهد ومقاتل: (هلكنا في الأرض وصرنا ترابًا) (٣).\nوقال السدي: بليت أجسادنا في التراب (٤). وقال أبو عبيدة: (همدنا) (٥) في الأرض (٦).\nوقال أبو إسحاق: صرنا ترابًا (٧) فلم يبين شيئًا من خلقنا (٨).\nوقال ابن قتيبة: (بطلنا) (٩) [الأرض] (١٠). وأصل هذا من الضلال بمعنى الغيبوبة، يقال: ضل اللبن في الماء إذا غاب، وأضل الميت في القبر إذا غيبته في التراب (١١).\n_________\n= ٢/ ٢٥٨ \"تفسير الفخر الرازي\" ٢٥/ ١٧٤.\n(١) في (أ): (وصرنا).\n(٢) لم أقف على من نسبه لابن عباس. وقد ذكره الطبري ٩٧/ ٢١، النحاس في \"معاني القرآن\" ٥/ ٣٠٢، \"الماوردي\" ٤/ ٣٥٦ عن مجاهد وقتادة.\n(٣) انظر: المصادر السابقة، \"تفسير مجاهد\" ٥١٠، \"تفسير مقاتل\" ٨٤ ب.\n(٤) لم أقف على من نسبه للسدي، وقد ذكره الفراء في \"معاني القرآن\" ٢/ ٣٣١.\n(٥) انظر: \"مجاز القرآن\" ٢/ ١٣١.\n(٦) في (ب): (همدنا في التراب الأرض)، وهو خطأ.\n(٧) في (ب): (التراب).\n(٨) انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٠٥.\n(٩) انظر: \" تفسير غريب القرآن\" ص ٣٤٦،\"تأويل مشكل القرآن\" ص ٤٥٧.\n(١٠) هذه الكلمة في جميع النسخ، والذي يظهر أنها خطأ، إذ لا معنى لها هنا حسب فهمي، والله أعلم.\n(١١) انظر: \"تهذيب اللغة\" ١١/ ٤٦٢ وما بعدها: (ضل)، \"اللسان\" ١١/ ٣٩٠ (ضلل)، \"الاعتماد في نظائر الظاء والضاد\" ص ٢٥.","vol":"18","page":142},{"text":"قال المخبِّل (١):\nأضلت بنو قيس (٢) بن سعد عميدها ... وفارسها في الدهر قيس بن عاصم (٣)\nيعني: دفنته.\nوقال النابغة:\nفتاه مضلوه بعين جليةٍ (٤)\nيريد مضليه: دافنيه.\nوقوله تعالى: ﴿أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ استفهام بمعنى الإنكار، أنكروا أن يعاد خلقهم جديدًا بعد الموت. قال ابن عباس: أنكروا قدرة سيدهم ﷻ (٥).\n_________\n(١) هو: أبو يزيد بن مالك بن ربيعة بن عوف السعدي، من بني أنف الناقة من تميم. ذكره ابن سلام في الطبقة الخامسة من فحول شعراء الجاهلية، وهو من مخضرمي الجاهلية والإسلام، مات في خلافة عمر أو عثمان ﵄.\nانظر: \"طبقات فحول الشعراء\" ١/ ١٤٣، \"شرح اختيار المفضل\" ١/ ٥٣٣، \"معجم الشعراء\" ص ١٧٧.\n(٢) في (ب): (بنو).\n(٣) البيت من الطويل للمخبل في \"ديوانه\" ص ٣١٨، \"تهذيب اللغة\" ١١/ ٤٦٥، \"اللسان\" ١١/ ٣٩٥.\n(٤) صدر بيت من الطويل، وعجزه:\nوغودر بالجولان حزم ونائل\nوهو في الديوان وفي المصادر التي ورد فيها: فآب، وفي نسخ المخطوط: فتاه. انظر: \"ديوانه\" ص ١٢١، \"تهذيب اللغة\" ١١/ ٤٦٥، \"اللسان\" ١١/ ٣٩٥، \"الدر المصون\" ٥/ ٣٩٦. يريد بقوله: بعين جلية، أي بخبر صادق أنه مات، انظر: \"اللسان\" ١١/ ٣٩٥.\n(٥) لم أقف عليه منسوبًا لابن عباس. وقد ذكر نحوه الطبري ٢١/ ٩٧ عن قتادة، =","vol":"18","page":143},{"text":"قال أبو علي: موضع إذا نصب بما دل عليه قوله: ﴿أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ وذلك أن هذا الكلام يدل على: تعاد، والتقدير: أتعاد [أئذا ضللنا] (١) في الأرض، وقد تقدم ذكر ذلك (٢).\nقال الله تعالى: ﴿بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ﴾ يعني بالبعث [كافرون] (٣) لا يؤمنون به. قاله ابن عباس ومقاتل (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3477>١١ </span>- وقوله: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ﴾ قال أبو إسحاق: تأويله أنه يقبض أرواحكم أجمعين، فلا ينقص واحد منكم، كما تقول: قد استوفى فلان، وتوفيت مالي عنده، تأويله أنه لم يبق لي عليه شيء (٥).\nقوله: ﴿الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ﴾ قال ابن عباس: يريد وكل بقبض أرواحكم (٦). ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾. قال مقاتل: يريد بعد الموت تصيرون إليه أحياء، فيجزيكم بأعمالكم (٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3478>١٢ </span>- قوله: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ﴾ إذ تكون للماضي، وهذا إخبار عما هو آت بعد، وذكرنا الكلام في هذا عند قوله: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى\n_________\n=والطبرسي في \"مجمع البيان\" ٨/ ٥١٣، والثعالبي في \"جواهر الحسان في تفسير القرآن\" ٣/ ٢١٣ غير منسوب لأحد.\n(١) ما بين المعقوفين طمس في (ب).\n(٢) انظر: \"الحجة\" ٥/ ٤٦٢، والكلام فيها: موضع إذا نصب بما دل عليه قوله:؟ أئنا لفي خلق جديد؟ وكأن هذا الكلام يدل على: تعاد، والتقدير: تعاد إذا ضللنا ..\n(٣) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).\n(٤) لم أقف عليه منسوبًا لابن عباس. وانظر: \"تفسير مقاتل\" ٨٤ ب.\n(٥) انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٠٥.\n(٦) انظر: \"الوسيط\" ٣/ ٤٥٠، \"مجمع البيان\" ٨/ ٥١٤.\n(٧) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٨٤ ب.","vol":"18","page":144},{"text":"النَّارِ﴾ [الأنعام: ٢٧]. قال مقاتل: يعني كفار مكة (١).\nقوله: ﴿نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ﴾ أي مطأطئوها. وقال [ابن عباس] (٢): من الندامة (٣). وذلك أن النادم من شأنه أن يطأطئ رأسه متفكرًا متحيرًا، فالإضافة في قوله: ﴿نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ﴾ في تقدير الانفصال؛ لأنه لم يأت بعد لا (٤) للماضي، وقد مضى مثل هذا كثير كقوله: ﴿ثَانِيَ عِطْفِهِ﴾ [الحج: ٩] ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥]. وذكرنا استقصاء هذه الآية عند قوله: ﴿ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ في سورة النساء [: ٩٧].\nوقوله: ﴿رَبَّنَا﴾ أي: يقولون ﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا﴾ ما كنا نجهل، وسمعنا ما كنا ننكر ﴿فَارْجِعْنَا﴾ إلى الدنيا ﴿نَعْمَلْ صَالِحًا﴾ نقول: لا إله إلا الله. ﴿إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ يريد: أيقنوا ذلك اليوم ما كانوا ينكروا (٥). قاله ابن عباس (٦).\nقال أبو إسحاق: وهذا متروك الجواب، والجواب: لرأيت ما يعتبر به غاية الاعتبار (٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3479>١٣ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ (٨) قال ابن\n_________\n(١) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٨٤ ب.\n(٢) مكرر في (أ).\n(٣) لم أقف عليه عن ابن عباس، وقد ذكره الطبري ٢١/ ٩٨ عن ابن زيد، والماوردي ٤/ ٣٥٩ عن يحيى بن سلام، والقرطبي ١٤/ ٩٥ بدون نسبة.\n(٤) الكلام هنا غير واضح، ويظهر -والله أعلم- أن قوله: (بعد لا) زيادة لا معنى لها.\n(٥) هكذا في النسخ! والصواب: ينكرون.\n(٦) انظر: \"الوسيط\" ٣/ ٤٥١. وذكره الماوردي ٤/ ٣٥٩ عن يحيى بن سلام، وأبو حيان في \"البحر\" ٨/ ٤٣٥ عن النقاش.\n(٧) انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٠٦.\n(٨) في النسخ: (ولقد آتينا)، وهو خطأ.","vol":"18","page":145},{"text":"عباس ومقاتل: رشدها وبيانها (١). وهذا كقوله ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾ [الأنعام: ٣٥]. ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ قال ابن عباس: يريد هذا قضائي وقدري في ملكي وربوبيتي (٢).\nوقال مقاتل: يعني من كفار الإنس والجن جميعًا (٣). والقول الذي وجب من الله، قوله لإبليس يوم عصاه: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٥] والآية صريح (٤) في تكذيب القدرية (٥)؛ لأن الله تعالى قد أخبر بهذه الآية أن من لم يؤمن فإنما ذلك لأنه لم يشأ أن يؤتيه هداه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3480>١٤ </span>- وقوله: ﴿فَذُوقُوا﴾ قال مقاتل: إذا دخلوا النار، قالت لهم الخزنة: فذوقوا العذاب (٦). ويجوز أن يكون المعنى: ويقال لهم: فذوقوا، فيكون القائل هو الله تعالى.\nقال أبو علي: المعنى فذوقوا العذاب بما نسيتم، فحذف واستغني\n_________\n(١) انظر: \"الوسيط\" ٣/ ٤٥١، \"تفسير مقاتل\" ٨٤ ب.\n(٢) \"الوسيط\" ٣/ ٤٥١.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ٨٤ ب.\n(٤) هكذا في النسخ، وهو خطأ. والصواب: صريحة.\n(٥) القدرية: فرقة سموا بذلك لقولهم في القدر، فهم يزعمون أن العبد يخلق أفعال نفسه استقلالًا، فأثبتوا -بسبب قولهم- خالقًا مع الله، ولذا فهم مجوس هذه الأمة كما سماهم بذلك الرسول -ﷺ-، لأن لمجوس يثبتون خالقين: خالقًا للنور وخالقًا للظلمة، وهم ينفون العلم السابق والمشيئة السابقة.\nانظر \"الملل والنحل\" للشهرستاني بهامش \"الفصل في الملل والأهواء والنحل\" ١/ ٦٥.\n(٦) \"تفسير مقاتل\" ٨٤ ب.","vol":"18","page":146},{"text":"عن ذكره للعلم به وكثرة تردده، في نحو: [ذوقوا العذاب] (١) و﴿وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ﴾ [السجدة: ١٤]، و﴿ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ﴾ [السجدة: ٢٠، سبأ: ٤٢]. ومثل ذلك في الشعر [قوله] (٢):\nكأنَّ لها في الأرض نسيًا تقصه ... على أمها وإن تحدثك تبلت (٣)\nأي: تقطع الحديث (٤).\nقوله تعالى: ﴿بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ﴾ قال ابن عباس: يريد تركتم لقاء يومكم، يريد حيث لم تعملوا لله بما يحب [ويرضى] (٥) (٦). وقال مقاتل: بما تركتم الإيمان بيومكم هذا (٧).\nوقال السدي: بما تركتم أن تعملوا للقاء يومكم هذا (٨).\n﴿إِنَّا نَسِينَاكُمْ﴾ تركناكم في العذاب ومن الرحمة. قاله مقاتل والسدي (٩). وتأويل النسيان هاهنا الترك في قول المفسرين وأهل\n_________\n(١) ما بين المعقوفين ليس من كلام أبي علي.\n(٢) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).\n(٣) البيت من الطويل، وهو للشنفرى في \"ديوانه\" ص ٣٣، \"تهذيب اللغة\" ١٣/ ٨١، ١٤/ ٢٩٣ - ٢٩٤، \"الخصائص\" ١/ ٢٨، \"اللسان\" ٢/ ١١، ١٥/ ٣٢٤، وفي \"شرح المفضليات\" ص٢٠١، يقول: كأنها من شدة حيائها إذا مشت تطلب شيئًا ضاع منها، فالنسي: هو الفقد، وأمها: قصدها، تبلت: تنقطع في كلامها لا تطيله.\n(٤) \"الحجة\" ١/ ٣٥ - ٣٦.\n(٥) ما بين المعقوفين طمس في (ب).\n(٦) لم أقف عليه.\n(٧) \"تفسير مقاتل\" ٨٥ أ.\n(٨) \"الوسيط\" ٣/ ٤٥٢، \"تفسير الماوردي\" ٤/ ٣٦٠.\n(٩) \"تفسير مقاتل\" ٨٥ أ. وذكره الماوردي ٤/ ٣٦٠، ونسبه لمجاهد، ولم أقف عليه عن السدي.","vol":"18","page":147},{"text":"المعاني (١).\n﴿وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ﴾ قال مقاتل: الذي لا ينقطع (٢).\n﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ من الكفر والتكذيب.\nثم ذكر المؤمنين فقال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3481>١٥ </span>- قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا﴾ قال ابن عباس ومقاتل: وعظوا بآيات القرآن (٣) ﴿خَرُّوا سُجَّدًا﴾ سقطوا على وجوههم ساجدين. ﴿وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ قالوا: سبحان الله وبحمده، وسبحان ربي الأعلى. وذكرنا هذا عند قوله: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾ [البقرة: ٣٠] ﴿وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ عن السجود كفعل كفار مكة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-3482>١٦ </span>- قوله تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ﴾ قال الليث: يقال: جفا الشيء يجفو جفاء ممدودًا، إذا سأل السرج (٤)، يجفو عن الظهر إذا لم يلزمه وكالجنب يجفوا عن الفراش وأنشد:\nإن جنبي عن الفراش لنائي (٥) ... كتجافي الأسر فوق الظراب (٦) (٧)\n_________\n(١) انظر: \"تفسير الطبري\" ٢١/ ٩٩، \"تفسير كتاب الله العزيز\" لهود بن محكم ٣/ ٣٤٦، \"تفسير الماوردي\" ٤/ ٣٦٠، \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٠٦.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ٨٥ أ.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ٨٥ أ، ولم أقف عليه عن ابن عباس.\n(٤) هكذا في النسخ! وهو خطأ والصواب كما في \"تهذيب اللغة\": كالسراج.\n(٥) هكذا في نسخة (أ)، وفي (ب): (نائي)، وهو في \"تهذيب اللغة\": لناب.\n(٦) انظر: \"تهذيب اللغة\" ١١/ ٢٠٦، (جفا).\n(٧) البيت من الخفيف، وهو لمعد يكرب في \"اللسان\" ١/ ٥٦٩، ٤/ ٣٦٠، \"التنبه والإيضاح\" ١/ ١١٢، ٢/ ١٣٢، \"كتاب العين\" ٦/ ١٩٠، ٧/ ١٨٨. ولعمرو بن الحارث أخي معد يكرب في: \"معجم الشعراء\" ص ٤٦٧. والسرر: داء يأخذ البعير =","vol":"18","page":148},{"text":"ومن هذا يقال: جفت عيني فلان عن الغمض، إذا نبت عنه لم ينم، ومنه قوله:\nجفت عيني عن التغميض حتى ... كأن جفونها عنها قصار (١)\nقال أبو عبيدة والزجاج وابن قتيبة: تتجافي ترتفع (٢).\nوقال الفراء: تقلق (٣).\nوقوله: ﴿عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ المضجع: الموضع الذي يضطجع عليه، وجمعه المضاجع، وقيل ما يستعمل ضجع يضجع من باب الثلاثي، إنما يشعمل مضجع واضطجع.\nقال ابن عباس في تفسير المضاجع: هي الأوطية (٤).\nواختلفوا في الذين تتجافى جنوبهم عن المضاجع من هم؟\nفقال الحسن ومجاهد وأبو العالية: هم المجتهدون بالليل (٥). وهو بمعنى قول ابن عباس في رواية عطاء.\n_________\n= في كركرته، والكركرة هي رحى زور البعير- فتسيل ماء، فإذا برك على موضع خشن تجافى عنه لشدة الوجع. والضارب: الجبال الصغار. انظر: \"معجم الشعراء\" ص ٤٦٧.\n(١) البيت من الوافر، وهو لبشار بن برد في \"ديوانه\" ٣/ ٢٤٩، \"الكامل للمبرد\" ٢/ ٧٦٠، \"لسان العرب\" ١٥/ ٣٢٠.\n(٢) \"مجاز القرآن\" ٢/ ١٣٢، \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٠٧، \"تفسير غريب القرآن\" ص ٣٤٦.\n(٣) \"معاني القرآن\" ٢/ ٣٣١.\n(٤) لم أقف عليه.\n(٥) انظر: \"الطبري\" ٢١/ ١٠١، \"معاني القرآن\" للنحاس ٥/ ٣٠٤، \"تفسير الماوردي\" ٤/ ٣٦٣.","vol":"18","page":149},{"text":"وروي ذلك مرفوعًا في حديث معاذ بن جبل أن النبي -ﷺ- قال في قوله: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ هو: \"هو قيام العبد بالليل\" (١).\nوقال آخرون: هم الذين كانوا لا ينامون حتى يصلون العشاء الآخرة، وهو قول أنس بن مالك ومجاهد وعطاء (٢).\nقال أنس: نزلت في انتظار الصلاة التي تدعى العتمة.\nوقال مجاهد: نزلت في ناس من الأنصار، كانوا لا ينامون حتى يصلون العشاء الآخرة.\nوقال عطاء: هي العتمة، يعني يصلونها ولا ينامون عنها (٣).\nوقال آخرون: هم الذين يصلون بين صلاة المغرب إلى صلاة العشاء (٤) الآخرة، فأنزل الله هذه الآية (٥). روى قتادة عنه قال: نزلت فينا معاشر الأنصار، كنا نصلي المغرب فلا نرجع إلى رحالنا حتى نصلي العشاء مع النبي -ﷺ- (٦).\nقوله تعالى: ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ قال ابن عباس: خوفًا من\n_________\n(١) الحديث أخرجه الإمام أحمد في \"مسنده\" ٥/ ٢٣٢. وذكره \"السيوطي في الدر\" ٦/ ٥٤٧، وعزاه لأحمد وابن جرير وابن مردويه وابن أبي حاتم.\n(٢) انظر: \"تفسير الطبري\" ٢١/ ١٠١، \"معاني القرآن\" للنحاس ٥/ ٣٠٤، \"تفسير الماوردي\" ٤/ ٣٦٣.\n(٣) انظر أقوال الثلاثة في: المصادر السابقة.\n(٤) في (أ): (عشاء).\n(٥) قال بهذا القول أنس وقتادة وعكرمة. انظر: \"تفسير الطبري\" ٢١/ ١٠١، \"تفسير الماوردي\" ٤/ ٣٦٣.\n(٦) أورده \"السيوطي في الدر\" ٦/ ٥٤٦ وعزاه لابن مردويه عن أنس، وأورده الطبرسي في \"مجمع البيان\" ٨/ ٥١٨.","vol":"18","page":150},{"text":"النار، وطمعًا في الجنة (١).\nوقال مقاتل: خوفًا من عذابه، ورجاء في جنته (٢).\nقال أبو إسحاق: (وانتصاب (٣) خوفًا وطمعًا؛ لأنه مفعول له، وحقيقته أنه في موضع مصدر؛ لأن ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ في هذا الموضع يدل على أنهم يخافون ويرجون، فهو في تأويل: يخافون خوفًا ويطمعون طمعًا (٤).\nقوله تعالى: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ قال الكلبي: في الواجب عليهم والتطوع (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3483>١٧ </span>- وقوله تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [أو] (٦) لا يعلم أحد ما خبئ لهؤلاء الذين ذكرهم مما تقر به أعينهم، وتفسير هذه الآية ما رواه الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة أن النبي -ﷺ- قال: \"يقول الله -﷿-: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، بله ما أطلعتكم عليه، اقرأوا إن شئتم: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ (٧) \".\n_________\n(١) أورده \"تفسير الطبري\" ٢١/ ١٠٣ ونسبه لقتادة، وذكره غير منسوب: \"الماوردي\" ٤/ ٣٦٣. \"تفسير الطبرسي\" ٨/ ٥١٨، ولم أقف عليه منسوبًا لابن عباس.\n(٢) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٨٥ أ.\n(٣) في (ب): (وانتصب).\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٠٧.\n(٥) انظر: \"الوسيط\" ٣/ ٤٥٣. وذكره ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٦/ ٣٣٩، ولم ينسبه لأحد.\n(٦) (أو) يظهر أنها زائدة، وقد تكون خطأ من النساخ؛ لأنها لا تفيد شيئًا.\n(٧) أخرجه البخاري في التفسير، باب قوله: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ =","vol":"18","page":151},{"text":"قال ابن عباس في هذه الآية: هذا مما لا تفسير له، الأمر أعظم وأجل مما يعرف تفسيره (١).\nوقال أبو إسحاق: هذه الآية دليل على أنه يجازي عليه أخفي لهم (٢). وهذا الذي ذكره أبو إسحاق جيد موافق لما ذكره القرطبي (٣) في هذه، قالوا: إنهم [أخفي] (٤) أخفوا لله عملًا فأخفى لهم ثوابًا، فقدموا على الله فقرت تلك الأعين.\nوقال الحسن: أخفوا أعمالًا في الدنيا فأثابهم الله بعملهم (٥).\nوروى ابن عباس في هذه الآية أنه دخل على بعضهم وذكر له هذه الآية فقال: العبد يعمل سرًا أسره إلى الله لم يعلم به الناس، فأسر الله له يوم القيامة قرة أعين (٦).\nوقرأ العامة: أخفى، على الفعل الماضي فعل ذلك، اختاره أبو عبيدة قال: لأن الله تعالى قد فرغ منه هو كائن. وقرأ حمزة: أخفى بإسكان الياء، أي ما أخفى لهم أنار حجته، قراءة عبد الله: نخفي بالنون (٧).\nقوله تعالى: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ قال أبو إسحاق: انتصب جزاء،\n_________\n= رقم (٤٥٠١)، ومسلم واللفظ له، كتاب الجنة وصفة نعيمها، رقم (٢٨٢٤).\n(١) انظر: \"الوسيط\" ٣/ ٤٥٣، \"مجمع البيان\" ٨/ ٥١٨، \"تفسير القرطبي\" ١٤/ ١٠٤.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٠٧، وكلام أبي إسحاق هكذا: نجعل لفظ ما يجازي به (أخفي).\n(٣) لم أقف على قول القرظي.\n(٤) ما بين المعقوفين زيادة من (ب)، ولا معنى لها.\n(٥) انظر: \"تفسير الماوردي\" ٤/ ٣٦٤، \"زاد المسير\" ٦/ ٣٣٩، \"القرطبي\" ١٤/ ١٠٤.\n(٦) لم أقف عليه.\n(٧) انظر: \"القراءات وعلل النحويين فيها\" ٢/ ٥٣٠، \"الحجة\" ٥/ ٤٦٣.","vol":"18","page":152},{"text":"لأنه مفعول له (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3484>١٨ </span>- قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا﴾ قال السدي: نزلت في علي بن أبي طالب والوليد بن عقبة (٢) بن أبي معيط، وذلك أنه جرى بينهما تنازع وسباب، فقال له الوليد: اسكت فإنك صبي، وأنا والله أبسط منك لسانًا (٣). فقال له علي: اسكت، فإنك فاسق تقول الكذب فأنزل الله هذه الآية تصديقًا لما قاله علي (٤). وقال ابن عباس في رواية عطاء: الفاسق عقبة بن أبي معيط.\nواختار الزجاج هذا (٥). والباقون قالوا: هو الوليد بن عقبة (٦).\nقوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوُونَ﴾ قال الفراء: (ولم يقل: يستويان؛ لأن\n_________\n(١) انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٥٨.\n(٢) هو: الوليد بن عقبة بن أبي معيط القرشي الأموي، أمه أروى بنت كريز أم عثمان ابن عفان -﵁-، فهو أخو عثمان لأمه كنيتة أبو وهب، أسلم يوم الفتح، ولاه عثمان الكوفة ثم عزله، وكان شاعرًا كريمًا -﵁-، توفي في خلافة معاوية.\nانظر: \"الإصابة\" ٦/ ٣٢١، أسد الغابة ٥/ ٩٠، \"سير أعلام النبلاء\" ٣/ ٤١٢.\n(٣) في (ب): (لسانك)، وهو خطأ.\n(٤) أورده المؤلف في \"أسباب النزول\" له ص ٢٠٠ عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، والسيوطي في \"لباب النقول في أسباب النزول\" ص ١٧٠، وعزاه للواحدي وابن عساكر من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس. وأخرجه \"الطبري \" ٢١/ ١٠٧ عن عطاء بن يسار. قال السيوطي في \"لباب النقول\": وأخرج ابن جرير عن عطاء بن يسار مثله، وأخرج بن عدي والخطيب في \"تاريخه\" من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس مثله.\n(٥) انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٠٨.\n(٦) وبه قال: عطاء أيضًا وعبد الرحمن بن أبي ليلى ومقاتل. انظر: \"تفسير الطبري\" ٢١/ ١٠٧، \"زاد المسير\" ٦/ ٣٤٠.","vol":"18","page":153},{"text":"الاثنين إذا كان (١) غير مصمود (٢) لهما، ذهبا مذهب الجمع. تقول في الكلام: ما جعل الله المسلم كالكافر، فلا تسوين بينهما وبينهم، وكل صواب) (٣). وقال أبو إسحاق: من لفظها لفظ الواحد، وهي تدل على الجماعة فجاء لا يستوون على معنى: لا يستوي المؤمنون والكافرون. قال: ويجوز أن يكون لا يستوون للاثنين؛ لأن معنى الاثنين جماعة (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3485>١٩ </span>- ثم أخبر عن منازل الفريقين فقال: ﴿أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلًا﴾ أي: الموضع الذي يأوي إليه المؤمنون، وأضاف الجنات إليه؛ لأن ذلك الموضع الذي يأوي إليه المؤمنون يتضمن جنات وبساتين.\nقال أبو إسحاق: فشهد الله -﷿- لعلي بالإيمان، وأنه في الجنة بهذه الآية (٥). وقوله: ﴿نُزُلًا﴾ النزاع: ما تهيأ ويقام للنازل والضيف (٦). وقد مر تفسيره (٧). وانتصب نزلًا على الحال من الجنات كأنه قيل: لهم الجنات معدة، ويجوز أن يكون مفعولًا له.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3486>٢٠ </span>- ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا﴾ الآية، مفسرة في سورة الحج.\n_________\n(١) في (أ): (كانا).\n(٢) أي: غير مقصودين، تقول: صمده وصمد إليه أي: قصده. انظر: \"اللسان\" ٣/ ٢٥٨.\n(٣) \"معاني القرآن\" ٢/ ٣٣٢.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٠٨.\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٠٨.\n(٦) انظر: \"تهذيب اللغة\" ١٣/ ٢١١، (نزل).\n(٧) عند قوله تعالى: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٩٨]","vol":"18","page":154},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3487>٢١ </span>- وقوله تعالى: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ﴾ الآية. العذاب الأكبر: هو عذاب يوم القيامة، والعذاب الأدنى هو ما يعذبون به قبل يوم القيامة. واختلفوا فيه:\nقال (١): هو الجوع الذي ابتلوا به بمكة سبع سنين حتى أكلوا الجيف. وهو قول ابن عباس في رواية عطاء، وابن مسعود في رواية أبي عبيد، ومجاهد في رواية ابن أبي نجيح (٢).\nوقال أبي بن كعب: هو مصائب الدنيا. وهو قول إبراهيم، قال: أشياء يصابون بها في الدنيا ويبتلون في أموالهم لعلهم يقبلون إلى الله. وهو قول الحسن، ورواية الأعمش عن مجاهد عن ابن عباس (٣).\nالقول [الثالث] (٤) في العذاب الأدنى: أن القتل يوم بدر. وهو قول عبد الله في رواية مسروق عنه، وقول قتادة والسدي، قال: العذاب الأدنى: يوم بدر [بالسيف] (٥)، لم يبق بيت من بيوت قريش إلا دخله غرم أو قتل (٦). وقال عبد الله بن الحارث بن نوفل: كل شيء وعد الله هذه الأمة من العذاب الأدنى إنما هو السيف (٧).\n_________\n(١) هكذا في النسخ لم يبين من القائل، وفي \"الوسيط\" قال: قال مقاتل.\n(٢) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٨٥/ ب، \"تفسير الطبري\" ٢١/ ١١٠، \"معاني القرآن\" للنحاس ٥/ ٣٠٩، \"تفسير مجاهد\" ص ٥١١، \"زاد المسير\" ٦/ ٣٤١.\n(٣) انظر: \"المصادر السابقة\" والماوردي ٤/ ٣٦٥.\n(٤) و(٥) ما بين المعقوفين طمس في (ب).\n(٦) انظر: \"تفسير الطبري\" ٢١/ ١٠٩، \"معاني القرآن\" للنحاس ٥/ ٣٠٨، \"مجمع البيان\" ٨/ ٥٢٠، \"زاد المسير\" ٦/ ٣٤١.\n(٧) لم أقف عليه منسوبًا لابن عباس، وقد ذكره الماوردي ٤/ ٣٦٥ عن ابن مسعود.","vol":"18","page":155},{"text":"القول الرابع: أن العذاب الأدنى عذاب القبر. وهو قول البراء، ومجاهد في رواية ابن أبي نجيح عنه (١). وأما العذاب الأكبر فلا خلاف أنه في الآخرة، إلا ما روى عطاء عن ابن عباس أنه قال: يريد القتل يوم بدر (٢).\nوقوله: ﴿لَ١ (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3488>٢٢ </span>- قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا﴾ [الكهف: ٥٧] مفسر في سورة الكهف.\nوقوله: ﴿إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ قال مقاتل: نزلت في المطعنين (٤) والمستهزئين من قريش، انتقم الله منهم بالقتل ببدر، وتعجيل أرواحهم إلى النار (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3489>٢٣ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ يعني: التوراة. ﴿فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ﴾ قال مجاهد: من أن تلقى موسى (٦). وقال الكلبي: من لقاء موسى، فلقيه حين أسري به من بيت المقدس. ونحو هذا قال\n_________\n(١) انظر: \"تفسير الطبري\" ٢١/ ١١٠، \"معاني القرآن\" للنحاس ٥/ ٣٠٩، \"تفسير الماوردي\" ٤/ ٣٦٥، \"زاد المسير\" ٦/ ٣٤١.\n(٢) لم أقف عليه.\n(٣) وبه قال أيضًا أبو العالية وقتادة وإبراهيم. انظر: \"تفسير الطبري\" ٢١/ ١١١، \"تفسير الماوردي\" ٤/ ٣٦٥.\n(٤) هكذا في النسخ! وفي \"تفسير مقاتل\" ٨٥ ب: المطعمين.\n(٥) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٨٥ ب.\n(٦) \"تفسير مجاهد\" ص ٥١١، \"زاد المسير\" ٦/ ٣٤٣.","vol":"18","page":156},{"text":"السدي، قال: من لقاء موسى ثم لقيه في السماء (١). وعلى هذا الكناية عن موسى، وقد أضيف المصدر إلى المفعول وكأنه -ﷺ- وعد أنه سيلقى موسى قبل أن يموت فلقيه وروى (٢) أسباط عن السدي (٣).\n﴿فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ﴾ (٤) من لقاء ربك. وعلى هذا القول قال صاحب النظم: هو كلام اعترض من بين قوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ (٥) وقوله: ﴿وَجَعَلْنَاهُ هُدًى﴾. والخطاب للنبي -ﷺ- والمراد به غيره ممن ينكر البعث، وهم الذين ذكروا في قوله: ﴿بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ﴾. والمعنى: فلا تكن في مرية من البعث.\nفي الآية قولان آخران أشبه بالنفس وأليق بظاهر الآية. قال ابن عباس في رواية عطاء: فلا تكن في مرية في شك من لقائه، يريد الكتاب، يريد تصديق التوراة (٦).\nوقال مقاتل: فلا تكن في شك من لقاء موسى الكتاب، فإن الله ألقى الكتاب إليه. وذكر أبو إسحاق أيضًا هذا القول (٧). وشرحه أبو علي فقال: هو على إضافة المصدر إلى المفعول، مثل: ﴿بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ﴾ [ص: ٢٤]،\n_________\n(١) انظر: \"تفسير الطبري\" ٢١/ ١١٢، \"معاني القرآن\" للنحاس ٥/ ١٥٨، \"زاد المسير\" ٦/ ٣٤٣.\n(٢) هكذا في النسخ! ولعل الصواب: ورواه.\n(٣) انظر: \"مجمع البيان\" ٨/ ٥٢٠، ونسبه للسدي مباشرة.\n(٤) قوله. (من لقائه) ساقط من (أ).\n(٥) قوله: (ولقد) ساقط من (أ).\n(٦) أورد الطبرسي في \"مجمع البيان\" ٨/ ٥٢٠ عن الزجاج، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٦/ ٣٤٣ عن السدي والزجاج. ولم أقف عليه منسوبًا لابن عباس.\n(٧) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٨٥ ب، \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٠٩.","vol":"18","page":157},{"text":"﴿وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ﴾ [الروم: ٣] كأنه لما قيل لموسى: ﴿فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ﴾ [الأعراف: ١٤٥] أعلمنا أنه أخذ ما أمر به وتلقاه بالقبول، فالمعنى من لقاء موسى الكتاب، فأضيف المصدر إلى ضمير الكتاب، وفي ذلك مدح لموسى على امتثال ما أمر به، وتنبيه على الأخذ بمثل هذا الفعل كقوله. ﴿اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [الأنعام: ١٠٦]، وقوله: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٨] (١).\nالقول الثاني: قال أبو إسحاق: ويجوز أن تكون الهاء لموسى والكاف محذوف؛ لأن ذكر الكتاب قد جرى (٢) كما جرى ذكر موسى (٣).\nقال أبو علي: يجوز أن يكون الضمير لموسى والمفعول به محذوف، كقوله: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ﴾ [فاطر: ١٤] فالدعاء مضاف إلى الفاعل والمفعولون محذوفون، ومثل ذلك في إضافة المصدر إلى الفاعل وحذف المفعول به، قوله: ﴿لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [غافر: ١٠] فلم يذكر مفعول مقت الله (٤).\nوقوله: ﴿وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ الضمير للكتاب في قول الجميع، قالوا: جعلنا التوراة هدى لبني إسرائيل من الضلالة. قال قتادة: وجعلنا موسى هدى لبني إسرائيل، أي هاديًا، وجعلنا من بني إسرائيل أئمة قادة في الخير (٥). ﴿يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾ يدعون الناس إلى طاعة الله بأمر الله،\n_________\n(١) انظر: \"الحجة\" ٢/ ٢٨.\n(٢) في (ب): (جر).\n(٣) انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٠٩.\n(٤) انظر: \"الحجة\" ٢/ ٢٩.\n(٥) انظر: \"تفسير الطبري\" ٢١/ ١١٢ - ١١٣، \"تفسير الماوردي\" ٤/ ٣٦٦، \"زاد المسير\" ٤/ ٣٤٤.","vol":"18","page":158},{"text":"وهؤلاء يجوز أن يكونوا أنبياء.\nوقال قتادة: هم سوى الأنبياء (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3490>٢٤ </span>- ﴿لَمَّا صَبَرُوا﴾، وتقرأ: (لِمَا صبروا) أي لصبرهم. ومن قرأ: لما صبروا، فالمعنى معنى حكايته المجازاة، أي لما صبروا جعلناهم أئمة. قال أبو علي: من قرأ لِما، جعله كالمجازاة، إلا أن الفعل المتقدم أغنى عن الجواب، كما أنك إذا قلت: أجيك إن جئت، تقديره: إن جئت أجئك، فاستغنيت عن الجواب بالفعل المتقدم. ومن قال: لِما، علق الجار جعلنا، التقدير: جعلنا منهم أئمة لصبرهم (٢).\nقال ابن عباس: لما صبروا على دينهم (٣).\nقال مقاتل: لما صبروا على البلاء حين كانوا بمصر ما لا يطيقون (٤).\nوقال ابن المبارك: لما صبروا على الدنيا (٥).\nقوله تعالى: ﴿وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ قال ابن عباس: يريد ماتوا على يقين من أمرنا (٦).\nوقال مقاتل: يعني الآيات التسع أنها من الله (٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3491>٢٥ </span>- قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ﴾ أي يقضي ويحكم. ﴿بَيْنَهُمْ﴾\n_________\n(١) انظر: \"تفسير الماوردي\" ٤/ ٣٦٦، \"الوسيط\" ٣/ ٤٥٥.\n(٢) في \"الحجة\" ٥/ ٤٦٤، وانظر: \"علل القراءات\" ٢/ ٥٣١.\n(٣) لم أقف عليه.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ٨٥ ب.\n(٥) أورده الطبري ٢١/ ١١٣ عن أبي، والماوردي ٤/ ٣٦٦ عن سفيان. ولم أقف عليه عن ابن المبارك.\n(٦) لم أقف عليه.\n(٧) \"تفسير مقاتل\" ٨٥ ب.","vol":"18","page":159},{"text":"قال ابن عباس: يريد الذين كذبوا النبي -ﷺ- من بني إسرائيل (١). ﴿فِيمَا كَانُوا فِيهِ﴾ من الدين. ﴿يَخْتَلِفُونَ﴾ وذلك أنهم اختلفوا، فآمن بعضهم وكفر بعضهم.\nثم خوف كفار مكة فقال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3492>٢٦ </span>- ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ﴾ قال ابن عباس والمفسرون: أو لم نبين لهم (٢).\n﴿كَمْ أَهْلَكْنَا﴾ وقال الفراء: (كم) في موضع رفع بـ ﴿يَهْدِ﴾، كأنك قلت: أو لم تهدهم القرون الهالكة (٣).\nقال أبو إسحاق: (وهذا لا يجوز عند البصريين (٤)؛ لأن لم لا تعمل ما قبل كم في كم لا يجزئ في قولك: كم رجل جاءني أن تقول: جائني كم رجل؛ لأن كم لا تزال عن الابتداء، وحقيقة هذا أن كم في موضع نصب بأهلكنا (٥). وفيه تأويل الرفع كما تقول: قد تبين لي أقام زيد أم عمرو فتكون (٦) الجملة مرفوعة في المعنى، كأنك قلت: تبين لي ذلك (٧). وهذا القول قال في مثل هذه الآية في آخر سورة طه [آية: ١٢٨]. وقد ذكرنا تفسير الآية هناك.\n_________\n(١) أورده المؤلف في \"الوسيط\" ٣/ ٤٥٥ غير منسوب، ولم أقف عليه عن ابن عباس.\n(٢) انظر: \"تفسير الطبري\" ٢١/ ١١٣، \"معاني القرآن\" للنحاس ٥/ ٣١٢، \"تفسير كتاب الله\" لهود بن محكم ٣/ ٣٤٩، \"مجمع البيان\" ٨/ ٥٢٢.\n(٣) \"معاني القرآن\" ٢/ ٣٣٣.\n(٤) في (أ): (المصريين)، وهو خطأ.\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢١٠.\n(٦) في (أ): (فيكون).\n(٧) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٣٣٣.","vol":"18","page":160},{"text":"قال أبوعلي: (قوله: ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا﴾ يجوز أن يكون الجملة في موضع نصب بما دل عليه قوله: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ﴾؛ لأنه بمنزلة أو لم يعلموا فحمله على ذلك (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3493>٢٧ </span>- قال مقاتل: ثم وعظهم ليحذروا (٢). فقال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ﴾ قال ابن عباس: يريد السيل (٣).\n﴿إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ﴾ قال الفراء والزجاج: هي التي لا تنبت، وفيه أربع لغات: جرز وجرز وجرز وجُرُز، ومثله الشغل والبخل، يأتي فيه اللغات الأربع (٤).\nوذكرنا تفسير الجرز واشتقاقه في سورة الكهف (٥). قال ابن عباس: يريد أرضًا باليمن ليس فيها بحار ولا أنهار، يأتيها السيل من حيث لا يعلمون، فيزرعون عليه كلما أحبوا من الحبوب (٦).\nوقال مجاهد: هي أرض (٧) التي لا تنبت بالمطر إلا بما يأتيها من السيل (٨).\n_________\n(١) \"المسائل الحلبيات\" ص ٢٣٩.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ٨٥ ب.\n(٣) لم أقف عليه.\n(٤) انظر: \"معاني القرآن\" ٢/ ٣٣٣، \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢١١.\n(٥) عند قوله تعالى: ﴿وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا﴾ آية: ٨ قال هناك: وأما المجرز فقال الفراء: الأرض لا نبات فيها، يقال: جرزت الأرض فهي مجروزة، وجرزها الجراد ما عليها.\n(٦) ذكره نحوه: الطبري ٢١/ ١١٥، الماوردي ٤/ ٣٦٧، \"مجمع البيان\" ٨/ ٥٢٣.\n(٧) هكذا في النسخ! والصواب: الأرض.\n(٨) \"تفسير مجاهد\" ص ٥١١.","vol":"18","page":161},{"text":"وهذا قول أبي عبيدة قال: إنها بناحية عدن (١). وعلى هذا القول هي أرض بعينها.\nقال المبرد (٢): على هذا القول إنها أرض بعينها، يساق إليها الماء من غير مطر يصيبها، فيأتيها السيل من نواحي فسمى جرزًا بأن المطر لا يقع فيها. قال: وهذا القول بعيد في العربية؛ لأن حق مثل هذا لا يدخل عليه الألف واللام؛ لأنه معرفة كمكة ودمشق، وجوازه إن سميت باسم مشترك كقولك: المدينة والبصرة والكوفة فمجازها مجاز نظيرها من الأسماء، كالفعل والعباس والحارث، وسبب دخول اللام على هذه الأسماء مع كونها معارف أنها أوصاف نقلت فصارت أعلامًا، وأضمرت فيها لام التعريف على ضرب من توهم روائح الصفة فيها.\nوقال السدي في هذه الآية: هي الأرض الميتة التي لا نبات لها، حتى إذا جاء الماء أنبتت ما يأكل الناس والدواب. ونحو هذا قال مقاتل (٣). وهذا القول كان أجود؛ لأنه أشبه بنظائر هذه الآية من الاحتجاج على منكري البعث بإحياء الأرض الميتة، ولم يأت شيء منها في أرض بعينها.\n_________\n(١) لم أقف عليه عن أبي عبيدة، وقد ذكره الطبري ٢١/ ١١٥ أنها أرض باليمن عن ابن عباس. وأخرج أيضًا عن مجاهد أنها أبين. وهي من بلاد اليمن. وذكر الألوسي في \"روح المعاني\" ٢١/ ١٤٠، قال: أخرج ابن أبي حاتم عن الحسن أنها قرى بين اليمن والشام، قال: وأخرج هو وابن جرير وابن المنذر وابن أبي شيبة عن ابن عباس أنها أرض باليمن.\n(٢) انظر: قول المبرد في: \"القرطبي\" ١٤/ ١١٠.\n(٣) أورده الطبري ٢١/ ١١٥ عن ابن زيد، ولم أقف عليه عن السدي، وانظر: \"تفسير مقاتل\" ٨٥ ب.","vol":"18","page":162},{"text":"وعلى هذا القول قوله: ﴿الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ﴾ يجوز أن يكون المطر ويجوز أن يكون يريد السيل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3494>٢٨ </span>- قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ يعني القضي، وهو يوم البعث، يقضي الله فيه بين المؤمنين والكافرين. وقول قول قتادة ومجاهد ومقاتل، قالوا: إن المؤمنين قالوا للكافرين: إن لنا يومًا ننعم فيه ونستريح، فقالوا: متي هذا (١)؟ وقال السدي: هو يوم بدر، وذلك أن المسلمين قالوا لهم: لنا يوم يفتح فيه بيننا وبينكم، ينصرنا الله ويظهرنا عليكم، فقالوا: متى هذا (٢)؟\nوقال الكلبي: يعني فتح مكة (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3495>٢٩ </span>- قال الله لنبيه -﵇-: ﴿قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ﴾ أي الإيمان لا ينفع يوم القضاء بين الخلق. ومن قال: إنه يوم بدر، أراد لا ينفعهم الإيمان إذا جاءهم العذاب وقتلوا. ومن قال: إنه فتح مكة، قال: هذا لمن قبله (٤) خالد بن الوليد من بني كنانة، وهو قول الكلبي. وأضعف الأقوال هذا القول. قوله: ﴿وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ أي لا يؤخر العذاب عنهم.\n_________\n(١) انظر: \"تفسير الطبري\" ٢١/ ١١٦، \"تفسير الماوردي\" ٤/ ٣٦٨، \"زاد المسير\" ٦/ ٣٤٤، \"معاني القرآن\" للنحاس ٥/ ٣١٣،، تفسير مقاتل\" ٨٥ ب.\n(٢) انظر: \"مجمع البيان\" ٨/ ٥٢٣. وذكره ابن الجوزي ٦/ ٣٤٥ عن السدي، قال: إنه اليوم الذي يأتيهم فيه العذاب في الدنيا.\n(٣) انظر: \"زاد المسير\" ٦/ ٣٤٥. وذكره الماوردي ٤/ ٣٦٨ عن الفراء.\n(٤) هكذا في النسخ! ولعل الصواب: من قابله.","vol":"18","page":163},{"text":"قوله: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ﴾، قال ابن عباس: نسخه السيف (١). ﴿وَانْتَظِرْ﴾ قال: يريوإنتظر موعدي لك. قال مقاتل: يعني القتل ببدر (٢). ﴿إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ﴾ قال ابن عباس: ينتظرون بك حوادث الأزمان (٣)، والله أعلم بالصواب.\nتم بحمد الله [وعونه] (٤).\n_________\n(١) انظر: \"مجمع البيان\" ٨/ ٥٢٣. \"تفسير القرطبي\" ١٤/ ١١٢، \"معاني القرآن\" للنحاس ٥/ ٣١٤، \"الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه\" ص٣٨١، \"الناسخ والمنسوخ من كتاب الله العزيز\" ص ١٤٣.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ٨٦ أ.\n(٣) لم أقف عليه.\n(٤) ما بين المعقوفين ساقط من (أ).","vol":"18","page":164},{"text":"(٣٣) سورة الأحزاب","vol":"18","page":165},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3496>سورة الأحزاب</span>\nبسم الله الرحمن الرحيم\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3497>١ </span>- ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾ الآية. قال مقاتل (١): إن أبا سفيان وعكرمة وأبا الأعوار الأسلمي (٢) قدموا (٣) على رسول الله -ﷺ- المدينة بعد قتال أحد، ونزلوا على عبد الله بن أبي وقد اعطاهم النبي -ﷺ- الأمان على أن يكلموه ومعهم عبد الله بن سعد بن أبي سرح وطعمة بن أبيرق فقالوا للنبي -﵇-: ارفض ذكر آلهتنا، وقيل: إن لها شفاعة لمن عبدها، فشق ذلك عليه وأمر عمر ﵀ بإخراجهم من المدينة، فأنزل الله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾. وهذا قول ابن عباس في رواية أبي صالح (٤).\nقال الفراء: اتق الله في نقض العهد؛ لأنه كانت بينهم موادعة فأمر بأن لا ينقض العهد، وذلك أنهم سألوا رسول الله -ﷺ- أشياء فكرهها، فهم بهم المسلمون (٥).\n_________\n(١) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٨٦ أ. وقد ذكر القصة بطولها.\n(٢) هو: عمرو بن سفيان بن عبد شمس، أبو الأعور الأسلمي مشهور بكنيته. قال مسلم وأبو أحمد والحاكم في \"الكنى\" له صحبه، وبه قال جماعة. وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: أدرك الجاهلية ولا صحبة له وحديثه مرسل. وذكره البخاري في من اسمه عمرو، ولم يذكر له صحبة، كان أميرًا لجيش الشام في عمورية سنة ٢٣، ولم يذكر العلماء تاريخ وفاته -﵁-.\nانظر: \"أسد الغابة\" ٤/ ١٠٩، \"الإصابة\" ٤/ ٣٠٢.\n(٣) في (ب): (مرا).\n(٤) \"تفسير ابن عباس\" ص ٣٥٠.\n(٥) \"معاني القرآن\" ٢/ ٣٣٤.","vol":"18","page":167},{"text":"وقال أبو إسحاق: معناه أثبت على تقوى الله ودم عليه (١). ﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ﴾ يعني: أبا سفيان وعكرمة وأبا الأعور والمنافقين عبد الله بن أبي وابن سعد وطعمة.\n﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ بما يكون قبل كونه. ﴿حَكِيمًا﴾ فيما يخلقه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3498>٢ </span>- قال الزجاج: قوله: ﴿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ يعني: القرآن (٢). ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ بالياء للكافرين والمنافقين، وبالتاء على المخاطبة ويدخل فيه الغيب.\n<span data-type=\"title\" id=toc-3499>٤ </span>- قوله: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ قال (٣) الأخفش: إنما هو ما جعل الله لرجل قلبين في جوفه، وجاءت (من) توكيدًا، [كما تقول: رأيت زيدًا نفسه فأدخل (من) توكيدًا] (٤) (٥). واختلفوا في سبب نزول هذا، فقال السدي وقتادة ومجاهد: نزلت في أبي معمر جميل بن معمر بن حبيب بن عبد الله الفهري (٦) وكان ظريفًا لبيبًا حافظًا لما يسمع، وكان يقول: إن في جوفي لقلبين أعقل بكل واحد منهما أفضل من عقل محمد، وكانت قريش تقول: إن لجميل قلبين في جوفه، وكان يسمى ذا القلبين.\n_________\n(١) و(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢١٣.\n(٣) في (أ): (قاله).\n(٤) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).\n(٥) \"معاني القرآن\" ٢/ ٤٧٨٠.\n(٦) هو: أبو معمر جميل بن معمر بن حبيب بن وهب بن حذافة بن جمح القرشي الجمحي، شهد حرب الفجار مع والده، أسلم عام الفتح مسنا وكان يلقب ذا القلبين؛ لأنهم كانوا يقولون: له قلبان في جوفه من شدة حفظه، وفيه نزل قوله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ وشهد مع الرسول -ﷺ- حنينًا. انظر: \"الاستيعاب\" ١/ ٢٣٧، \"الإصابة\" ١/ ٢٤٥، \"أسد الغابة\" ١/ ٢٩٥","vol":"18","page":168},{"text":"هذا قول ابن عباس في رواية عطاء (١).\nوقال في رواية أبي طيبان: إن المنافقين قالوا: [إن] (٢) لمحمد قلبين قلبًا معكم وقلبا مع أصحابه (٣).\nوقال الزهري: هذا مثل ضربه الله في شأن زيد بن حارثة تبناه النبي -ﷺ- يقول: فكما لا يكون لرجل قلبان، فكذلك لا يكون رجل واحد ابن رجلين (٤).\nوقال مقاتل بن حيان: هذا مثل ضربه الله للمظاهر أي: فكما لا يكون لواحد قلبان كذلك لا يكون المرأة المظاهرة أمه (٥) حتى يكون له أمان (٦).\nوالقول الأول عليه أهل التفسير (٧)، والآية تكذيب للمشركين الذين\n_________\n(١) انظر: \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١٨٢ ب، \"تفسير الطبري\"، وأورده السيوطي في، \"الدر\" وعزاه لابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير ومجاهد وعكرمة، ولابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس، ولابن أبي حاتم عن السدي. وانظر: \"تفسير ابن عباس\" ص ٣٥٠.\n(٢) زيادة لا يستقيم المعى بدونها وهي موافقة لما في \"سنن الترمذي\".\n(٣) رواه الترمذي في \"سننه\" كتاب: التفسير، سورة الأحزاب ٥/ ٢٧، وقال: هذا حديث حسن، ورواه الحاكم في \"المستدرك\" كتاب: التفسير، تفسير سورة الأحزاب ٢/ ٤١٥، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه.\n(٤) انظر: \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١٨٢ ب، \"تفسير السمرقندي\" ٣/ ٣٦.\n(٥) هكذا في النسخ! وهو خطأ، والصواب: لا تكون امرأة المظاهر أمه.\n(٦) ذكره البغوي في \"تفسيره\" ٣/ ٥٠٦، وعزاه للزهري ومقاتل. وذكره الماوردي في \"تفسيره\" ٤/ ٣٧٧. وعزاه لمقاتل بن حيان. وذكره \"الثعلبي\" ٣/ ١٨٢ ب، وعزاه للزهري ومقاتل.\n(٧) انظر: \"تفسير الطبري\" ١١/ ١١٩، \"معاني القرآن\" للنحاس ٥/ ٣١٨، \"تفسير الماوردي\" ٤/ ٣٧٠.","vol":"18","page":169},{"text":"قالوا: إن له قلبين، ثم قرن الله تعالى هذا الكلام بما يقوله المشركون وغيرهم مما لا حقيقة له، فقال: ﴿وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ﴾ قال أبو علي الفارسي: وزنه فاعل مثل شائي ونائي، والقياس إثبات الياء [فيه] (١) بعد الهمزة كما ثبتت في الشائي والنائي ونحوه، ويجوز حذف الياء منه، وحكى ذلك سيبويه فقال: من قال: اللاء بغير ياء، قال: إذا سمي به لاء؛ لأنه يصير بمنزلة باب، وصار حرف الإعراب غير الفعل التي هي الهمز (٢). ويجوز أيضًا تخفيف الهمزة عند حذف الياء فيجعلها بين بين، وعلى هذا أنشد (٣) (٤):\nمن اللائي لم يحججن يبغين حسنة ... ولكن ليقتلن البريء المغفلا\nوقد قرأ الفراء بالأوجه الثلاثة (٥).\nقوله تعالى: ﴿تُظَاهِرُونَ﴾ أي: تتظهرون على وزن تتفعلون فأدغم التاء في الظاء. وقرأ عاصم: تظاهرون من المظاهرة، وقرأ حمزة: تظاهرون أراد تتظاهرون فحذف تاء تتفاعلون، وأدغم ابن عامر هذه التاء التي حذفها حمزة، فقرأ بفتح التاء وتشديد الظاء كل هذا لغات (٦). يقال: ظاهر من\n_________\n(١) ما بين المعقوفين ساقط في (ب).\n(٢) \"الحجة\" ٥/ ٤٦٦.\n(٣) في (ب): (ينشد).\n(٤) البيت من الطويل، وهو لعائشة بنت طلحة في: \"العقد الفريد\" ٧/ ١٠٢، وبلا نسبة في: \"تهذيب اللغة\" ١٤/ ٣٤٦، ١٥/ ٣٨، \"الأغاني\" ١٧/ ١٢١، \"الأزهية\" ص ٣٠٦.\n(٥) \"معاني القرآن\" ٢/ ٣٣٤.\n(٦) انظر: \"القراءات وعلل النحويين فيها\" ٢/ ٥٣٤، \"الحجة\" ٥/ ٤٦٧، \"الحجة في القراءات السبع\" ص ٢٨٨.","vol":"18","page":170},{"text":"امرأته وتظاهر وتظهر، وهو أن يقول لها: أنت علي كظهر أمي، وكانت العرب تطلق نساءها في الجاهلية بهذه الكلمة، فلما جاء الإسلام نهوا عنها، أوجبت الكفارة على من ظاهر امرأته في سورة المجادلة. واشتقاق هذا اللفظ والقصة والحكم يذكر هناك. ومعنى الآية: ما جعل الله نساءكم التي تقولون هن علينا كظهور أمهاتنا في الحرام كما تقولون. وقال أبو إسحاق: أعلم الله أن الزوجة لا تكون أما (١).\nقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾ الأدعياء جمع الدعي، وهو الذي يدعي ابنا لغير أبيه، ويدعيه غير أبيه، ومصدره: الدعوة يقال: دعِيٌّ بيَّنُ الدعوة أي: ما جعل من تدعونه ابنا وليس بولد في الحقيقة ابنا (٢).\nقال المفسرون: نزلت في زيد بن حارثة تبناه رسول الله -ﷺ- كالعادة التي كانت في العرب في الجاهلية، فلما تزوج زينب بنت جحش -وكانت امرأة زيد- قالت اليهود والمنافقون: تزوج محمد امرأة ابنه، فأنزل الله هذه الآية إبطالًا لما قالوا وتكذيبًا لهم أنه ابنه. وهذا قول ابن عباس ومجاهد وغيرهم (٣). وقوله: ﴿ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ المفسرون على أن هذا خطاب للذين ينسبون الدعي إلى من تبناه كقولهم: زيد بن محمد، يقول الله: هذا قول تقولونه بألسنتكم ولا حقيقة وراءه، فهو قول بالفم من غير إسناد إلى أصل (٤) كما قال: ﴿ذَلِكُمْ قَوْلُهُمْ\n_________\n(١) انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢١٤.\n(٢) انظر: \"الصحاح\" ٦/ ٢٣٣٦، \"تهذيب اللغة\" ٣/ ١٩، \"اللسان\" ١٤/ ٢٥٧.\n(٣) انظر: \"الثعلبي\" ٣/ ١٨٣ ب، \"الطبري\" ٢١/ ١١٩، \"زاد المسير\" ٦/ ٣٥١، \"الدر المنثور\" ٦/ ٥٦٢ وعزاه لابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة.\n(٤) انظر: \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١٨٣ ب، \"بحر العلوم\" ٣/ ٣٧.","vol":"18","page":171},{"text":"بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ [التوبة: ٣٠]. وقال أبو إسحاق: ادعاؤكم نسب من لا حقيقة لنسبه، قول بالفم لا حقيقة له (١). وعلى هذا الخطاب للمتبنين. ﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ﴾ يعني: قوله: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾ أي: لا يجعل غير الابن ابنا. ﴿وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ قال ابن عباس: يرشده إلى سبيله (٢). وقال مقاتل: وهو يدل على طريق الحق (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3500>٥ </span>- قوله تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ قال ابن عباس: انسبوهم إلى آبائهم الذين ولدوهم (٤). ﴿هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾.\nقوله: ﴿فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ أي: فهم إخوانكم في الدين. قال ابن عباس: يريد من أسلم [منكم] (٥) (٦) ﴿وَمَوَالِيكُمْ﴾ أي: بنو عمكم. وهو قول ابن عباس (٧)، واختيار المبرد (٨) والزجاج (٩). وأنشد المبرد:\nمهلا بنو عمنا (١٠) مهلا موالينا (١١)\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢١٤.\n(٢) لم أقف عليه.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ٨٧ ب.\n(٤) \"تفسير ابن عباس\" ص ٣٥٠، \"الوسيط\" ٣/ ٤٥٨.\n(٥) ما بين المعقوفين طمس في (ب).\n(٦) لم أقف على من نسب هذا القول لابن عباس.\n(٧) لم أقف على هذا القول منسوبًا لابن عباس.\n(٨) \"الكامل\" ٣/ ١٢١٢.\n(٩) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢١٥.\n(١٠) في (أ): (عما).\n(١١) هكذا ورد في النسخ بنو! وهو خطأ، والصواب: بني؛ لأنه منادى مضاف. وهذا صدر بيت وعجزه: لا تنبشوا بيننا ما كان مدفونًا. =","vol":"18","page":172},{"text":"قال الزجاج: يجوز أن يكون ومواليكم أولياؤكم في الدين (١). وقال آخرون: يعني بالموالي المعتقين أي: إن كان عبدًا وأعتقه فهو مولاك، كما كان زيد بن حارثة مولى النبي -ﷺ-، وعلى هذا دل كلام مقاتل (٢). وقوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ قال مجاهد ومقاتل: يعني فيما قلتموه قبل النهي (٣).\nوقال قتادة: لو دعوت رجلًا لغير أبيه وأنت ترى أنه أبوه لم يكن عليك بأس (٤).\nفعلى هذا الخطاب أن يخطئ في نسبه من غير تعمد. وذكر أبو إسحاق قولًا ثالثًا فقال: ويجوز أن يكون: (ولا جناح عليكم في أن تقولوا بما هي (٥) على غير أن يتعمد أن يجريه مجرى الولد في الإرث) (٦).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ لما كان من قولكم (٧) قبل النهي رحيما بكم.\n_________\n= وهو من البسيط، للفضل بن العباس بن عتبة بن أبي لهب في: \"الكامل\" ٣/ ١٢١٢، \"الأضداد\" ص ٤٨، \"الحماسة\" ١/ ١٢٩، \"الزاهر في معاني كلمات الناس\" ١/ ١٢٥.\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢١٥.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ٨٧ ب، وذكره الطبرسي في \"مجمع البيان\" ٨/ ٥٢٨، ولم ينسبه لأحد.\n(٣) انظر: \"تفسير الطبري\" ٢١/ ١٢١، \"زاد المسير\" ٦/ ٧٠٦، \" تفسير مقاتل\" ٨٧ ب.\n(٤) المصدرين السابقين.\n(٥) هكذا في جميع النسخ! والظاهر أنه خطأ، وعبارة الزجاج: في أن تقولوا له: يا بني على غير أن تتعمد أنه تجريه مجرى الولد.\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢١٥.\n(٧) في (ب): (لما كان لقومن قولكم)، وهو خطأ.","vol":"18","page":173},{"text":"قوله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ قال المفسرون: أي إذا حكم بشيء نفذ (١) حكمه، ووجبت طاعته عليهم (٢). وهذا معنى قول ابن عباس وعطاء: إذا دعاهم النبي -﵇- إلى شيء ودعتهم أنفسهم إلى شيء كانت طاعة النبي أولى بهم من طاعة (٣) أنفسهم (٤). ونحو هذا قال ابن زيد: أي ما قضى فيهم من أمر جاز كما أن كل ما قضيت على عبدك جاز (٥). وعلى هذا النبي -ﷺ- أولى بكل مؤمن ومؤمنة من نفسهما، وله أن يتصرف في كل حق من حقوق المؤمنين وينفذ ذلك التصرف شاءوا أو أبوا، حتى لو زوج امرأة استغنى عن رضاها ورضا أوليائها؛ لأنه أحق بها منها بنفسها؛ لقوله: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾، وروى ابن جريج عن مجاهد في تفسير قوله: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ قال: هو أبو المؤمن (٦). وهذا راجع إلى ما ذكرنا، يعني أنه كالأب للمؤمنين في وجوب طاعته وترك المخالفة عليه. ويؤكد هذا التفسير أن في مصحف أبي: \"النبي ﵇ أولى بالمؤمنين من أنفسهم وهو أب لهم\" (٧).\n_________\n(١) في (ب): (فقد)\n(٢) انظر: \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١٨٣ ب، \"تفسير الطبري\" ٢١/ ١٢٢، \"معاني القرآن\" للنحاس ٥/ ٣٢٤.\n(٣) في (ب): (طاعتهم أنفسهم).\n(٤) المراجع السابقة.\n(٥) \"تفسير الطبري\" ٢١/ ١٢٢، \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١٨٣ ب.\n(٦) \"تفسير الطبري\" ٢١/ ١٢٢. وذكره الماوردي ٤/ ٣٧٣، وقال: حكاه النقاش، \"تفسير مجاهد\" ص ٤١٥.\n(٧) انظر: \"تفسير السمرقندي\" ٣/ ٣٨، \"تفسير البغوي\" ٧/ ٢٠٨.","vol":"18","page":174},{"text":"ونحو هذا روى عطاء عن ابن عباس أنه كان يقرؤه (١). وعلى هذا يجوز أن يكون يقال النبي -ﷺ- أب المؤمنين أي: في الحرمة ووجوب الطاعة كما أن أزواجه أمهات المؤمنين. ومن أصحابنا من قال: لا يجوز أن يقال: هو ابن (٢) المؤمنين؛ لقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٤٠] ولكن يقال: هو مثل الأب للمؤمنين؛ لقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ﴾ يقال: هو مثل الأب للمؤمنين كما قال -ﷺ-: \"إنما أنا لكم مثل الوالد\" (٣). ونص الشافعي ﵀ على أنه يجوز أن يقال: هو أب المؤمنين أي في الحرمة (٤). والذي في قوله: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ أي في النسب، يعني ليس أحد من رجالكم ولد صلبه.\nوقال السدي: النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم في دينهم (٥).\nوعلى هذا هو أولى بهم من أنفسهم فيما يأمرهم به من أمور\n_________\n(١) ذكره السيوطي في \"الدر\" ٦/ ٥٦٧، وعزاه للفريابي وابن مردويه والحاكم والبيهقي في \"سننه\".\n(٢) هكذا في جميع النسخ! وهو خطأ، والصواب: أبو.\n(٣) هذا جزء من حديث رواه أبو هريرة -﵁-، ونص الحديث: قال رسول الله -ﷺ-: \"إنما أنا لكم بمنزلة الوالد أعلمكم، فإذا أتى أحدكم الغائط فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها ولا يستطب بيمينه\" الحديث أخرجه أبو داود في \"سننه\" كتاب. الطهارة، باب: ما يقول الرجل إذا دخل الخلاء ١/ ٣ رقم الحديث (٨)، والنسائي في \"سننه\" كتاب الطهارة، باب النهى عن الاستطابة بالروث ١/ ٣٨، وابن ماجه في \"سننه\" كتاب: الطهارة، باب: الاستنجاء بالحجارة ١/ ١١٤ رقم الحديث (٣١٣)، والإمام أحمد في \"مسنده\" ٢/ ٢٤٧، ٢٥٠\n(٤) انظر: \"الأم\" ٥/ ١٢٦.\n(٥) لم أقف عليه.","vol":"18","page":175},{"text":"دينهم. وهذه الولاية تختص بأمر الدين كما روي عنه -ﷺ- قال: \"أنا أعلم بأمور آخرتكم، وأنتم أعلم بأمور دنياكم\" (١) على أن جميع ما يأمر به -ﷺ- في المصلحة وامتثاله من الدين، غير أن أكثر أوامره في أمور الدين. وقال المقاتل: إن طاعة النبي أولى من طاعة بعضكم لبعض (٢). وعلى هذا قوله: ﴿مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ (٣) يريد من غيرهم من المؤمنين كما قال تعالى: ﴿فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [النور:٦١] يعني: على إخوانكم من المؤمنين، وكقوله ﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤] وقد مر.\n﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ (٤) قال جميع المفسرين: أي في حرمة نكاحهن، فلا يحل لأحد التزوج (٥) بواحدة منهن كما لا يحل التزوج بالأم (٦). وهذه الأمومة تعود إلى حرمة نكاحهن لا غير؛ لأنه لم يثبت شيء من أحكام الأمومة بين المؤمنين وبينهن سوى هذه الواحدة، ألا ترى أنه لا يحل رؤيتهن ولا يرثن المؤمنين ولا يرثونهن، ولهذا قال الشافعي: وأزواجه أمهاتهم في معنى دون معنى، وهو أنهن محرمات على التأبيد، وما كن محرمات في الخلوة والمسافرة وغير ذلك (٧).\n_________\n(١) أخرجه الإمام مسلم في \"صحيحه\"، كتاب الفضائل، باب وجوب ما قاله شرعًا دون ما ذكره -ﷺ- من معايش الدنيا على سبيل الرأي ٤/ ١٨٣٦ رقم الحديث (٦٢٦٣) عن عائشة ﵂.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ٨٧ ب.\n(٣) في (أ): (أنفسكم)، وهو خطأ.\n(٤) في (أ): (أمهاته)، وهو خطأ.\n(٥) في (أ): (المزوج)، وهو خطأ.\n(٦) انظر: \"تفسير الطبري\" ٢١/ ١٢٢، \"السمرقندي\" ٣/ ٣٨، \"الثعلبي\" ٣/ ١٨٤ أ.\n(٧) انظر: \"الأم\" ٥/ ١٢٥.","vol":"18","page":176},{"text":"وهذا ما روى مسروق عن عائشة أن امرأة قالت لها: يا أمه. فقالت: لست لك بأم، وإنما أنا أم رجالكم (١). فبان بهذا أن معنى الأمومة تحريم نكاحهن فقط. وعلى هذا لا يجوز أن يقال لبناتهن أخوات المؤمنين، ولا لأخوانهن وأخواتهن أخوال المؤمنين. قال أصحابنا: أزواجه اللاتي توفي عنهن رسول الله في حياته، فمنهم من قال: كانت محرمة بهذه الآية (٢)، ومنهم من قال: لم تكن محرمة؛ لقوله تعالى في آية التخيير: ﴿إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾ [الأحزاب: ٢٨] الآية، فدلت هذه الآية على أنهن لو اخترن الطلاق وطلقهن حل؛ لأنهن إنما ينلن زينة الحياة الدنيا بأن يتزوجن الأغنياء بعد النبي -ﷺ-.\nومن أصحابنا من فضَّل وقال: كل مطلقة كانت ممسوسة لم يحل نكاحها، وإن كانت غير ممسوسة حل نكاحها، يدل عليه ما روي أن الأشعث بن قيس تزوج بعد رسول الله -ﷺ- المستعيذة (٣)، وهي التي قالت لرسول الله -ﷺ-: أعوذ بالله منك، لما دخل عليها، فقال: \"الحقي بأهلك\".\n_________\n(١) انظر: \"تفسير الماوردي\" ٤/ ٣٧٥، \"تفسير القرطبي\" ١٤/ ١٢٣. وذكره السيوطي في \"الدر\" ٦/ ٦٧٥ ونسبه لابن سعد وابن المنذر والبيهقي في \"سننه\".\n(٢) في (أ) زيادة: (على أنهم لو اخترن)، وهو خطأ.\n(٣) لم أستطع الوقوف على اسم المستعيذة بعد طول بحث، وذلك لكثرة ما ورد من روايات وأقوال، حصل في أكثر الروايات التي وردت فيها هذه القصة اضطراب، فقيل: هي الكلبية، وقيل: الجونية، ثم الاختلاف في اسمها واسم أبيها جاء على أكثر من سبعة أقوال. أيضًا قيل: إنها ماتت كمدًا بعد فراق الرسول -ﷺ- لها، وقيل: بل عاشت وتزوجت، ثم هناك خلاف في من تزوجها وهل تزوجها أو هم ثم لم يفعل، أقوال كثيرة ذكرها ابن حجر في \"فتح الباري\" ٩/ ٤٤٥ إلى ٤٥٢، وكذا ذكرها القسطلاني في \"إرشاد الساري شرح صحيح البخاري\" ١٢/ ١٠ - ١٤.","vol":"18","page":177},{"text":"ولما بلغ عمر -﵁- أن الأشعث نكحها همَّ برجمه، فأخبر أن رسول الله -ﷺ- لم يمسها فتركه.\nقوله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ قال قتادة: وكان المسلمون يتوارثون بالهجرة، وكان لا يرث الأعرابي المسلم من المهاجر شيئًا فأنزل الله هذه الآية فصارت المواريث بالملك والقرابات (١) وقال الكلبي: كان النبي -ﷺ- يؤاخي بين الرجلين، فإذا مات أحدهما ورثه الباقي منهما دون عصبته وأهله حتى نزلت هذه الآية، فصارت المواريث للأدني فالأدنى من القرابات (٢).\nوذكرنا الكلام في هذا في آخر سورة الأنفال ﴿فِي كِتَابِ اللَّه﴾ مذكور هناك (٣). قوله تعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ﴾. قال أبو إسحاق: أي ذو الرحم أولى بذي رحمه منه بالمؤمنين (٤) والمهاجرين إذا لم يكن من ذوي رحمه (٥). والمعنى أن ذوي القرابات بعضهم أولى بميراث بعض من أن يرثوا بالهجرة والإيمان دون رحم. و﴿مِنَ﴾ في قوله: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ صلة أولى كما تقول: أنا أولى منك بهذا الأمر، والمعنى: أولى الأرحام أولى بالميراث من المهاجرين. وقد ذكر الفراء وجهًا آخر، فقال: وإن شئت\n_________\n(١) \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١٨٤ ب، \"تفسير الطبري\" ٢١/ ١٢٣١.\n(٢) \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١٨٤ ب، \"السمرقندي\" ٣/ ٣٨.\n(٣) في آخر آية من سورة الأنفال، وهي قوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾.\n(٤) في (ب): (منه من المؤمنين).\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢١٦.","vol":"18","page":178},{"text":"جعلت من يراد بها أولوا الأرحام من المؤمنين والمهاجرين بعضهم أولى ببعض (١). قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا﴾ قال أبو إسحاق: (هذا استثناء ليس من الأول، المعنى: لكن فعلكم إلى أوليائكم معروفًا جائز (٢).\nواختلفوا في معنى الأولياء هاهنا، فقال ابن عباس في رواية علي بن أبي طلحة: إلا أن توصوا إلى أوليائكم الذين عاقدتموهم وصية (٣).\nوقال مجاهد: خلفاؤكم الذين والى بينهم النبي -ﷺ- من المهاجرين والأنصار (٤).\nقال الكلبي: إلا أن يوصي الرجل لأخيه الذي آخى بينهما رسول الله -ﷺ- بوصية فيجعل ذلك من ثلث الميت (٥).\nوعلى هذا معنى الآية: هو أن الله تعالى لما نسخ التوارث بالحلف والهجرة والمعاقدة أباح (٦) الوصية للحليف والمعاقد والولي والمهاجر. وهذا قول ابن زيد، وابن حيان (٧).\nقال أبو إسحاق: هو أن يوصي الرجل لمن يتولاه بما أحب من ثلثه\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" ٢/ ٣٣٦.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢١٦.\n(٣) ذكر هذا القول الطبري ٢١/ ١٢٤ ونسبه لابن زيد ثم رجحه. ولم أعثر على من نسبه لابن عباس.\n(٤) \"تفسير الطبري\" ٢١/ ١٢٤، \"الماوردي\" ٤/ ٣٧٦، وذكره السيوطي في \"الدر\" ٦/ ٥٦٧ عن مجاهد، وقال: أخرجه ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(٥) \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ١١٣.\n(٦) في (ب): (أبلغ)، وهو خطأ.\n(٧) \"تفسير الطبري\" ٢١/ ١٢٤، \"الثعلبي\" ٣/ ١٨٤ ب.","vol":"18","page":179},{"text":"إذا لم يكن وارثًا (١). وذهب قوم إلى أن المراد بالأولياء هاهنا القرابات من المشركين. قال الحسن: إلا أن يكون ذا قرابة ليس على دينك فتوصي له بالشيء، هو وليك في النسب وليس وليك في الدين (٢).\nقال عطاء: هو إعطاء المسلم الكافر بينهما قرابة وصية له (٣).\nوقال قتادة: أولياؤكم من أهل الشرك وصية ولا ميراث لهم (٤). وهذا قول ابن الحنفية: لذي الرحم الكافر (٥). وهذا معنى الآية: إن الله تعالى لما رد التوارث إلى الرحم والملك (٦) أباح الوصية لذي الرحم الكافر. واختار بعضهم القول الأول، وقال: لا يجوز أن يكون المراد بالأولياء القرابة من أهل الشرك؛ لأن الله تعالى نهى عن ذلك بقوله: ﴿لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [الممتحنة: ١]، وعدو الله والمؤمنين لا يكونون أولياء المؤمنين (٧). وعلى ما ذكره الحسن لا يبعد أن يكونوا أولياء في النسب.\nقوله تعالى: ﴿مَعْرُوفًا﴾ كلهم قالوا: وصية، وفيه دليل على أن الوصية من باب المعروف لا من باب الواجبات، ولو كان واجبًا لكان أولى\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢١٦.\n(٢) \"الدر المنثور\" ٦/ ٥٦٨، وقال: أخرجه عبد الرزاق عن قتادة والحسن، وانظر: \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ١١٢.\n(٣) \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ١١٣، \"معاني القرآن الكريم\" للنحاس ٥/ ٣٢٥.\n(٤) \"تفسير الطبري\" ٢١/ ١٢٤، \"تفسير الماوردي\" ٤/ ٣٧٦، وأورده السيوطي في \"الدر\" ٦/ ٥٦٧، وعزاه لابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(٥) انظر: \"تفسير الطبري\" ٢١/ ١٢٤، وذكره السيوطي في \"الدر\" ٦/ ٥٦٧، وعزاه لابن المنذر وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن الحنفية.\n(٦) في (أ): (الملة)، وهو خطأ.\n(٧) اختار هذا القول الطبري ٢١/ ١٢٤ ورجحه.","vol":"18","page":180},{"text":"[الناس] (١) بها من كان يرث ثم نزع عنه الميراث، فلما كان الوصية له في هذه الآية من المعروف دل أنه لا يجب لأحد.\nقوله: ﴿كَانَ ذَلِكَ﴾ يعني: التوارث بالهجرة والإيمان الذي كان في ابتداء الإسلام في قول مقاتل (٢). وقال ابن زيد: (كان ذلك) يعني الذي ذكر من أولى الأرحام بعضهم أولى ببعض (٣).\nوقال قتادة: (كان ذلك) يعني أن المشرك لا يرث المسلم (٤) (٥).\nوقال الكلبي: كان ذلك يعني الوصية، وأن يعود الفقير على الغني، وهو فعل معروف (٦).\nقوله: ﴿فِي الْكِتَابِ﴾ قال ابن عباس: يريد في اللوح المحفوظ (٧). قال القرظي: في التوراة، وهو قول الكلبي قال: كان في التوراة مكتوبًا: عليهم أن يصنع بنوا إسرائيل بعضهم على بعض معروفًا (٨). وذكرنا الكلام في هذا مستقصى في آخر سورة الأنفال.\nقوله: ﴿مَسْطُورًا﴾ قال ابن عباس: مكتوبًا (٩).\n_________\n(١) ما بين المعقوفين طمس في (ب).\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ٨٨ أ.\n(٣) \"تفسير الطبري\" ٢١/ ١٢٥.\n(٤) في (ب): (أن المسلم لا يرث المشرك).\n(٥) \"معاني القرآن الكريم\" للنحاس ٥/ ٣٢٦، \"تفسير القرطبي\" ١٤/ ١٢٦.\n(٦) لم أقف عليه.\n(٧) \"تفسير ابن عباس\" ص٣٥٠، ولم أجد من نسبه لابن عباس من المفسرين حسب علمي.\n(٨) ذكر هذا القول وعزاه للقرظي: الطبري ١٤/ ١٢٦، البغوي ٣/ ٥٠٨، ولم أجد من نسبه للكلبي.\n(٩) \"تفسير ابن عباس\" ص ٣٥٠.","vol":"18","page":181},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3501>٧ </span>- قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا﴾ قال أبو إسحاق: موضع إذ نصب، المعنى: واذكر إذ أخذنا (١). وهذا يجوز أن يكون تذكيرًا للنبي -ﷺ- ذلك الميثاق، ويجوز أن يكون المعنى: واذكر لقومك ذلك.\nقوله: ﴿مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ﴾ قال مجاهد: في ظهر آدم (٢).\nقال الزجاج: وأخذ الميثاق حيث أخرجوا من صلب آدم كالذر) (٣).\nقال ابن عباس: أخذ الميثاق على النبيين خصوصًا، يصدق بعضهم بعضًا ويتبع بعضهم بعضًا (٤). قال مقاتل: أخذ ميثاقهم على أن يعبدوا الله ويدعوا إلى عبادة الله أن يصدق بعضهم بعضًا وأن ينصحوا لقومهم (٥). وقال الكلبي: أن [....] (٦) بعضهم بعضًا.\nوقوله: ﴿وَمِنْكَ﴾ أخرجه والأربعة الذين ذكرهم من جملة النبيين؛ تخصيصًا بالذكر، وتفضيلًا على غيرهم؛ لأنهم أصحاب الكتب والشرائع، كقوله: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٩٨]، وقوله: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ [الرحمن: ٦٨]. وقدم النبي -ﷺ- في الذكر\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢١٦.\n(٢) \"تفسير الطبري\" ٢١/ ١٢٦، \"معاني القرآن\" للنحاس ٥/ ٣٢٧، \"تفسير مجاهد\" ص ٥١٤.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢١٦.\n(٤) \"تفسير ابن عباس\" ص ٣٥١، مع اختلاف في العبارة، وذكر هذا القول بعبارته الطبري ٢١/ ١٢٥، ونسبه لقتادة.\n(٥) \" تفسير مقاتل\" ٨٨ أ.\n(٦) مقدار كلمة مطموسة في جميع النسخ ولعلها [يصدق]. ولم أعثر على من نسب هذا القول للكلبي، وذكره الطبري منسوبًا لقتادة ٢١/ ١٢٥.","vol":"18","page":182},{"text":"لما روى قتادة عن الحسين (١) عن أنس أن النبي -ﷺ- قال في هذه الآية: \"كنت أول المؤمنين في الخلق وآخرهم في البعث\".\nقال أبو إسحاق: فعلى هذا لا تقديم في هذا الكلام ولا تأخير. هو على ما نسقه قال: ومذهب أهل اللغة أن الواو معناها الاجتماع، وليس فيها دليل أن المذكور أولًا لا يستقيم أن يكون معناه التأخير (٢).\nقوله تعالى: ﴿وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾. قال المفسرون: أي عهدًا شديدًا على الوفاء بما حملوا، وذلك العهد الشديد هو اليمين (٣) بالله -﷿- (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3502>٨ </span>- قوله تعالى: ﴿لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ﴾. قال مقاتل: (يقول أخذ ميثاقهم لكي يسأل الله الصادقين، يعني به: النبيين هل بلغوا الرسالة؟ (٥). وقال مجاهد: المبلغين [المؤدين] (٦) من الرسل (٧).\nوقال الكلبي: يعني النبيين عن صدقهم بالبلاغ (٨).\nوقال أبو إسحاق: معناه ليسأل المبلغين من الرسل عن صدقهم في\n_________\n(١) هكذا في جميع النسخ! والصحيح أنه الحسن كما جاء في كتب السنة، فقد ذكره السيوطي في \"الدر\" ٦/ ٥٧٠، وعزاه للحسن بن سفيان وابن أبي حاتم وابن مردويه وأبي نعيم في \"الدلائل\" والديلمي وابن عساكر من طريق قتادة عن الحسن عن أبي هريرة -﵁- وبهذا أورده المؤلف في \"الوسيط\" ٣/ ٤٦٠.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢١٦ مع اختلاف يسير في العبارة.\n(٣) في (ب): (الإيمان).\n(٤) انظر: \"الوسيط\" ٣/ ٤٦٠، \"زاد المسير\" ٦/ ٣٥٥.\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ٨٨ أ.\n(٦) ما بين المعقوفين طمس في (ب).\n(٧) \"تفسير الطبري\" ٢١/ ١٢٦، \"التبيان في تفسير القرآن\" ٨/ ٣١٩.\n(٨) ذكره الواحدي في \"الوسيط\" ٣/ ٤٦٠ غير منسوب لأحد، وذكره \"الماوردي\" ٤/ ٣٧٨، وقال: حكاه النقاش مع اختلاف في العبارة.","vol":"18","page":183},{"text":"تبليغهم، وتأويل مسألة الرسل -والله يعلم أنهم صادقين- التبكيت للذين كفروا بهم، كما قال -﷿-: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ﴾ [المائدة: ١١٦] الآية (١).\nواللام من قوله: ﴿لِيَسْأَلَ﴾ متعلقة بالأخذ المذكور قبلها، والتقدير: وأخذنا منهم ميثاقًا غليظًا لنسألهم عن تبليغ ما حملناهم من أداء الرسالة، وإنما قال: ليسأل بالياء؛ لكون الخطاب كما يرجع من المخاطبة إلى الكناية، وتم الكلام عند قوله: ﴿صِدْقِهِمْ﴾، ثم أخبر عما أعد للكفار فقال: ﴿وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ﴾. قال الزجاج: أي للكافرين بالرسل (٢). ﴿عَذَابًا أَلِيمًا﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3503>٩ </span>- قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾. قال مقاتل وغيره من المفسرين: إن أبا سفيان بن حرب ومن معه من المشركين واليهود من قريظة والنضير تحزبوا على رسول الله -ﷺ- أيام (٣) الخندق، فبعث الله عليهم بالليل ريحًا باردة وبعث الملائكة، فقلعت الريح الأوتاد وأطفأت النيران، وجالت الخيل بعضها في بعض، وكبرت الملائكة في جانب عسكرهم، فانهزم المشركون من غير قتال، فأنزل الله يذكرهم إنعامه عليهم في الرفع عنهم، وهو قوله: ﴿ذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ﴾ (٤). قال مجاهد والمفسرون: هم الأحزاب عيينة بن بدر وأبو سفيان وقريظة (٥).\nقوله تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا﴾. قال مجاهد: هي الصبا، أرسلت\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢١٧.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢١٧.\n(٣) في (ب): (يوم).\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ٨٨ أ، \"تفسير الطبري\" ٢١/ ١٢٧، \"الدر المنثور\" ٦/ ٥٧١.\n(٥) \"تفسير الطبري\" ٢١/ ١٢٨، \"تفسير الماوردي\" ٤/ ٣٧٨، \"الدر المنثور\" ٦/ ٥٧٣ كلهم عن مجاهد، وزاد السيوطي حيث عزاه للفريابي وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبي الشيخ في \"العظمة\" والبيهقي.","vol":"18","page":184},{"text":"علي الأحزاب يوم الخندق حتى أكفأت قدورهم ونزعت فساطيطهم حتى أظعنتهم (١).\nقوله تعالى: ﴿وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾. قال: الملائكة، ولم يقاتل يومئذ (٢). قال مقاتل: ألف ملك عليهم جبريل (٣).\nوقال ابن عباس: ﴿وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ يريد الملائكة تهلل وتكبر وتدعو للنبي -ﷺ- وللمؤمنين بالنصر (٤). ثم أخبر عن حالهم من أين جاءوا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3504>١٠ </span>- وقوله: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ﴾ إذ بدل من قوله: ﴿إِذ جَاَءَتكُمْ جُنُودُ﴾، وإذ ظرف لإنعام الله عليهم، كأنه قيل: اذكروا إنعام الله عليكم بالكفاية حين جاءتكم جنود، حين جاءوكم ﴿مِنْ فَوْقِكُمْ﴾. قال المفسرون: يعني من فوق الوادي من قبل المشرق، قريظة وعليهم حيي بن أخطب، والنضير وعليهم مالك بن عوف (٥)، وغطفان وعليهم عيينة بن حصن ومعهم طليحة بن خويلد (٦) في بني أسد. وقوله: ﴿وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾ يعني: من بطن الوادي\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" للنحاس ٥/ ٣٢٨، وذكره الطبري ٢١/ ١٢٩١ غير منسوب لأحد، وذكره السيوطي في \"الدر\" ٦/ ٥٧٣، وعزاه للفريابي وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبي الشيخ في \"العظمة\" والبيهقي عن مجاهد.\n(٢) \"تفسير مجاهد\" ص ٥١٥ هـ.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ٨٨ ب.\n(٤) لم أقف عليه.\n(٥) لم تذكر كتب المغازي والسير هذا الاسم ضمن قواد هذه الغزوة. لكن ذكر في غزوة حنين (مالك بن عوف النصْري) كان رئيس المشركين، ثم أسلم، وكان من المؤلفة قلوبهم، وحسن إسلامه، واستعمله النبي -ﷺ- على من أسلم من قومه.\n(٦) هو: طليحة بن خويلد الأسدي، يقال: طليحة الكذاب؛ لأنه ارتد بعد وفاة النبي -ﷺ- وادعى النبوة، كان من فصحاء العرب وشجعانهم، أسلم بعد ردته في زمن =","vol":"18","page":185},{"text":"من قبل المغرب من ناحية مكي، أبو سفيان في قريش ومن اتبعه (١).\nوقال الكلبي على الضد مما ذكرنا فقال: من فوقكم يريد من مكة، ومن أسفل منكم يريد أسد وغطفان (٢). ونحو ذلك قال الفراء: من فوقكم مما يلي مكة، ومن أسفل منكم مما يلي المدينة (٣).\nقوله: ﴿وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ﴾ ومعنى زاغت في اللغة: عدلت ومالت، يقال: زاغت الشمس تزيغ زيوغًا وزيغانًا (٤)، قال قتادة ومقاتل: شخصت فرقًا (٥)، والشخوص غير الزيغ؛ لأن الشخوص هو أن يفتح [عينه] (٦) ينظر إلى الشيء فلا يطرف؛ يقال: شخص بصر الميت (٧). وإنما فسروا الزيغ بالشخوص هاهنا. لأن المعنى أن الأبصار مالت عن كل شيء فلم تنظر إلا إلى هؤلاء الذين أقبلوا من كل جانب، كأنها اشتغلت عن النظر إلى شيء آخر فمالت عنه وشخصت بالنظر إلى الأحزاب.\n_________\nعمر -﵁-، وخرج إلى العراق فحسن بلاؤه في الفتوح، واستثهد بنهاوند. انظر: \"الاستيعاب بحاشية الإصابة\" ١/ ٢٢٩، \"الإصابة\" ١/ ٢٢٦، \"الأعلام\" ٣/ ٢٣٠.\n(١) \"الثعلبي\" ٣/ ١٨٦ وما بعدها، \"تفسير الطبري\" ٢١/ ١٢٩ وما بعدها، \"القرطبي\" ١٤/ ١٤٤.\n(٢) ذكره ابن كثير ٣/ ٤٧٤، ولم ينسبه للكلبي وإنما هو من رواية حذيفة بن اليمان -﵁- في حديثه الطويل المشهور بشأن تلك الغزوة.\n(٣) \"معاني القرآن\" ٢/ ٣٣٦\n(٤) انظر: \"اللسان\" ٨/ ٤٣٢ (زيغ)، \"الصحاح\" ٤/ ١٣٢٠ (زيغ).\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٢٣٢، وذكره الطبري ٢١/ ١٣١، وعبد الرزاق في \"تفسيره\" ٢/ ١١٣ منسوبًا لقتادة.\n(٦) ما بين المعقوفين طمس في (ب).\n(٧) انظر: \"تهذيب اللغة\" ٧/ ٧١ (شخص)، \"اللسان\" ٧/ ٤٥ (شخص).","vol":"18","page":186},{"text":"قال الكلبي: مالت أبصارهم إلا من النظر إليهم (١).\nوقال الفراء: زاغت عن كل شيء فلم تلتفت إلا إلى عدوها (٢). متحيرة تنظر إلى عدوها، وهذا الذي ذكره شرح شاف.\nقوله تعالى: ﴿وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾ االحنجرة: جوف الحلقوم، وكذلك الحنجور. قال قتادة: شخصت من مكأنها فلولا أنه ضاق الحلقوم عنها أن تخرج لخرجت (٣). قال عكرمة: لو أن القلوب تحركت أر زالت لخرجت نفسه، ولكن إنما هو الفزع (٤).\nقال ابن قتيبة: معناه وكادت القلوب تبلغ الحناجر (٥). و(كاد) مضمر في الآية.\nقال ابن الأنباري: وهو غلط؛ لأن كاد لا يضمر ولا يعرف معناه إذا لم يوجد مظهر (٦). فإنه ولو جاز هذا لجاز: قام عبد الله بمعنى كاد عبد الله يقوم، فيكون تأويل قام عبد الله لم يقم عبد الله، والمعنى ما ذهب إليه الفراء، وهو أنهم جبنوا وجزع أكثرهم. وسبيل الجبان إذا اشتد خوفه أن\n_________\n(١) لم أجد من نسب هذا القول للكلبي، وذكر نحوه الطرسي في \"مجمع البيان\" ٨/ ٥٣٢، ولم ينسبه لأحد، كما ذكره ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٦/ ٣٥٨، ولم ينسبه لأحد.\n(٢) \"معاني القرآن\" ٢/ ٣٣٦.\n(٣) \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ١١٣، وذكره السيوطي في \"الدر\" ٦/ ٥٧٦ عنه وقال: أخرجه عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(٤) \"تفسير الطبري\" ٢١/ ١٣١، وذكره السيوطي في \"الدر\" ٦/ ٥٧٦ عنه، وقال: أخرجه ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر.\n(٥) \"تفسير غريب القرآن\" ص ٣٤٨.\n(٦) ذكره ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٦/ ٣٥٨ عن ابن الأنباري.","vol":"18","page":187},{"text":"تنتفخ رئته، فإذا انتفخت دفعت القلب إلى الحنجرة، ولهذا يقال للجبان: انتفخ سحره (١)، وهذا الذي ذكره الفراء وهو قول الكلبي، قال: رفعت الرئة القلب وانتفخت حتى صارت عند الحنجرة فلم ترجع (٢) ولم تخرج.\nقال أبو سعيد: قلنا يوم الخندق: يا رسول الله، هل من شيء نقوله: فقد بلغت القلوب الحناجر. قال: فقولوا: \"اللهم استر عوراتنا وآمن روعاتنا\". قال: فقلناها فضرب وجوه أعداء الله بالريح فهزموا (٣).\nوقوله: ﴿وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾ قال ابن عباس: يريد خفتم كثرتهم حتى قنطتم، وكان الله لكم ناصرًا (٤).\nوقال مقاتل: يعني الإياس من النصر واختلاف الأمر والنهي (٥) أن ظنونكم اختلفت، فظن بعضكم بالله النصر ورجاء الظفر والكفاية، وبعض يئس وقنط. وقال الكلبي: ظن به يومئذ ناس من المنافقين ظنونًا مختلفة، يقولون: هلك محمد وأصحابه (٦). فعلى القول الأول (تظنون) خطاب للمؤمنين، وعلى قول الكلبي خطاب للمنافقين، والمؤمنون كانوا واثقين بنصر الله ووعده بالنصر لدينه ورسوله.\n_________\n(١) ذكره البغوي في \"تفسيره\" ٣/ ٥١٧. ونسبه للفراء، وذكره الواحدي في \"الوسيط\" ٣/ ٤٦١.\n(٢) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٣٣٦ مع اختلاف في العبارة.\n(٣) أخرجه الإمام أحمد في \"مسنده\" ٣/ ٣، وذكره السيوطي في \"الدر\" ٦/ ٥٧٣، وعزاه لأحمد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي سعيد الخدري.\n(٤) لم أقف عليه.\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ٨٨ ب.\n(٦) ذكر هذا القول البغوي في \"تفسيره\" ٣/ ٥١٦ غير منسوب لأحد، والطبرسي في \"مجمع البيان\" ٨/ ٥٣٢ غير منسوب لأحد.","vol":"18","page":188},{"text":"وقال الحسن: ظنونًا مختلفة، ظن المنافقون أنه يستأصل، وظن المؤمنون أنه ينصر (١).\nالظونا والرسولا والسبيلا: ثلاثة أوجه من القراءة؛ إثبات ألفاتها وقفا ووصلا، وحذفها في الحالين، وإثباتها في حال الوقف وحذفها في الوصل. قال أبو الحسن الأخفش: العرب تلحق الواو والياء والألف في أواخر القوافي، فشبهت أواخر الآي بالقوافي (٢).\nوقال أبو علي: أواخر الآي تشبه بالقوافي من حيث كانت مقاطع، كما كانت القوافي مقاطع فكما ثبتت قوله: ﴿رَبِّي أَكْرَمَنِ﴾ [الفجر: ١٥] ﴿رَبِّي أَهَانَنِ﴾ [الفجر: ١٦] في حذف الياء بنحو:\nمن حذف (٣) الموت أن يأتين\nو:\nإذا ما انتسبت له أنكرن (٤)\nكذلك تشبه في إثبات الألف بالقوافي) (٥). نحو قوله:\n_________\n(١) انظر: \"تفسير الطبري\" (٢١/ ١٣٢)، \"الماوردي\" ٤/ ٣٨٠، وذكره السيوطي في \"الدر\" ٦/ ٥٧٧، وعزاه لابن جرير وابن أبي حاتم عن الحسن.\n(٢) \"معاني القرآن\" للأخفش ٢/ ٤٨٠، وانظر: \"علل القراءات\" ٢/ ٥٣٥، \"الحجة في القراءات السبع\" ص ٢٨٩.\n(٣) هكذا في النسخ، وهو خطأ والصواب حذر.\n(٤) عجزا بيتين من المتقارب للأعشى، والبيتان هما:\nفهل يمنعني ارتيادي البلاد ... من حذر الموت أن ياتين\nومن شأني كاسفٍ وجهه ... إذا ما انتسبت له أنكرن\nوهما من قصيدة طويلة يمدح بها قيس بن معد يكرب الكندي في: \"ديوانه\" ص ١٥، \"الحجة\" لأبي علي ٣/ ٢١٩، \"الكتاب\" ٢/ ١٥١ - ٢٩٠.\n(٥) \"الحجة\" ٥/ ٤٦٩.","vol":"18","page":189},{"text":"أقلي اللوم عاذل والعتابا ... وقولي إن أصبت لقد أصابا (١)\nقال أبو الفتح الموصلي: هذه الألف لإشباع الفتحة للقافية، وكذلك الواو لإشباع الضمة في القافية، والياء لإشباع الكسرة (٢).\nفمن أثبت في الوقف دون الوصل، وهو اختيار أبي عبيد (٣) قال: العرب تثبت هذه الألفات في قوافي أشعارهم ومصاريفها؛ لأنها مواضع قطع وسكت، فتعمد الوقوف على هذه الألفات موافقة للخط، وإذا وصلت حذفت كما تحذف (٤) غيرها مما يثبت في الوقف، نحو التشديد الذي يلحق الحرف الموقوف عليه، قال أبو عبيد: وأكره أن يثبتها مع إدماج القراءة؛ لأنه خروج من العربية (٥) لما يعد هذا عندهم جائزًا في اضطرار ولا غيره، وأما من أثبت في الوصل فوجهه أنها في المصحف ثابتة، وإذا أثبتت (٦) في الخط فينبغي (٧) ألا تحذف كما لا تحذف هاء الوقف من (حسابيه) (وكتابيه)\n_________\n(١) البيت من الوافر، مطلع قصيدة لجرير في \"ديوانه\" ٢/ ٨١٣، \"خزانة الأدب\" ١/ ٦٩، \"الخصائص\" ٢/ ١٠٦، \"الكتاب\" ٤/ ٢٠٥.\nوالشاهد فيه: إجراء المنصوب المقرون بالألف واللام مجرى غير المقرون بها في ثبات الألف لوصل القافية؛ لأن المنون وغير المنون في القوافي سواء.\n(٢) انظر: \"سر صناعة الإعراب\" ٢/ ٤٧١، ٦٧٧، ٧٢٦.\n(٣) انظر: \"البحر المحيط\" ٨/ ٤٥٩، \"تفسير القرطبي\" ١٤/ ١٤٥. تقدم في سورة الأنفال.\n(٤) في (أ) جاء الكلام هكذا: كما تحذف [الكسر، فمن أثبت في الوقف دون الوصل دون الوصل] غيرها مما يثبت وهي زيادة خطأ.\n(٥) انظر: \"تفسير القرطبي\" ١٤/ ١٤٥.\n(٦) في (ب): (أثبت).\n(٧) في (ب): (ينبغي).","vol":"18","page":190},{"text":"وأن يجري مجرى الموقوف عليها كما يثبت ذلك في القوافي في الوصل، وهي لغة أهل الحجاز فيما حكاه أبو الحسن) (١). قال (٢): إنهم يثبتون الألف والواو والياء التي تلحق القوافي في الوصل، ولا ينونون كما ينونون من وصل: أقلي اللوم عاذلي والعتابن.\nوإذا كان كذلك فثباتها في الفواصل كما ثبتت في القوافي حسن، وأما من طرحها في الحالين فإنه لم يعتد بها ولم يشبه [المنثور بالمنظوم] (٣) وفيه مخالفة لخط المصحف (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3505>١١ </span>- قوله تعالى: ﴿هُنَالِكَ﴾ يقال: هنا للقريب من المكان، وهنالك للبعيد، وهناك للوسيط بين القريب والبعيد، وسبيله سبيل ذا وذلك وذاك، وذكرنا فيما تقدم (٥) أن هنالك يجوز أن يشار به إلى المكان وإلى الوقت، والمراد بقوله (هنالك) في هذا الموضع الإشارة إلى الوقت الذي تقدم ذكره، وهو قوله: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ﴾ ﴿وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ﴾. قال مقاتل: يعني عند ذلك (٦). وقال أبو إسحاق: أي في ذلك المكان (٧).\nوقوله: ﴿ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ قال الفراء والزجاج: اختبروا (٨). وقال\n_________\n(١) إلى هنا من \"الحجة\" ٥/ ٤٧٠.\n(٢) انظر قول الأخفش في: \"الخصائص\" ٢/ ٩٧، ولم أقف عليه في \"معانيه\".\n(٣) ما بين المعقوفين طمس في (ب).\n(٤) انظر: \"تفسير الطبري\" ٢١/ ١٣٢، \"الحجة\" ٥/ ٤٦٨، \"الحجة في القراءات السبع\" ص ٢٨٩، \"البحر المحيط\" ٨/ ٤٥٨، \"الدر المصون\" ٩/ ٩٨.\n(٥) عند قوله تعالى في سورة آل عمران: ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ (٣٨)﴾. آية ٣٨.\n(٦) \"تفسير مقاتل\" ٨٨ ب.\n(٧) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢١٩ مع اختلاف في العبارة.\n(٨) \"معاني القرآن\" ٢/ ٣٣٦، \"معاني القرآن وإعرابه للزجاج\" ٤/ ٢١٩.","vol":"18","page":191},{"text":"مجاهد: محصوا (١). أي: ليتبين المخلص من المنافق؛ لقوله تعالى: ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [آل عمران: ١٤١] وقد مر، قال مقاتل: ابتلي المؤمنون بالقتال والحصر (٢).\nوقال عطاء: بالجزع (٣).\nقوله تعالى: ﴿وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾ أي: أزعجوا وحركوا، يقال: زل فلان عن مكانه وزلزله غيره. ﴿زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾، قال أبو إسحاق: ويجوز فتح الزاي والمصدر من المضاعف يجيء على فعلال وفعلال نحو: قلقلته قلقالًا وقلقالًا والكسر أجود؛ لأن غير المضاعف من هذا البناء مكسور الأول نحو: دحرجته دحراجًا، لا يجوز فيه غير الكسر (٤).\nوقال الفراء: الزلزال بالكسر المصدر وبالفتح الاسم، وكذلك الوِسواس والوَسواس (٥). قال الكلبي ومقاتل: جهدوا جهدًا شديدًا (٦).\nوقال عبد الله بن مسلم: أي شدد عليهم وهول (٧). والزلزال: الشدة والزلزال: الشدائد، وأصلها من التحريك.\nوقال أبو إسحاق: (أزعجوا إزعاجًا شديدًا) (٨). والمعنى أن من كان\n_________\n(١) انظر: \"تفسير الطبري\" ٢١/ ١٣٢، \"معاني القرآن الكريم\" للنحاس ٥/ ٣٣٠.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ٨٨ ب.\n(٣) لم أعثر على من ذكر هذا القول من المفسرين.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢١٨ مع اختلاف في العبارة.\n(٥) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٨٣.\n(٦) \"تفسير مقاتل\" ٨٨ ب، ولم أجد من نسب القول للكلبي.\n(٧) \"تفسير غريب القرآن\" ص ٣٤٨.\n(٨) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢١٩.","vol":"18","page":192},{"text":"بصدد ما يخاف ويحذر لم يستقر على مكانة، بل يكون منزعجًا مضطربًا متحركًا، وهذه الآية إخبار عن ابتلائهم بالشدة والخوف ليظهر الصابر من الجازع والمؤمن من الشاك، ألا ترى كيف ظهر نفاق المنافقين، حيث أخبر عنهم بقوله:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3506>١٢ </span>- ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ﴾. قال الزجاج: موضع (إذ) نصب، المعنى: واذكر إذ يقول المنافقون (١).\nقال ابن عباس: يعني أوس بن قبطي (٢) ومعتب بن بشير (٣) وطعمه بن أبيرق وسهل بن الحارث (٤) ووداعة (٥) وعبد الله بن أبي، وعدة نحوًا من سبعين رجلًا، قالوا يوم الخندق: إن محمدًا يعدنا أن يفتح مدائن كسرى وقيصر واليمن، ونحن لا نأمن أن نذهب (٦) إلى الخلاء (٧).\nوقوله تعالى: ﴿مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾. قال قتادة: قال أناس\n_________\n(١) المرجع السابق.\n(٢) هو: أوس بن قبطي بن عمرو بن زيد بن جشم الأنصاري الأوسي، شهد أحدًا مع الرسول -ﷺ- يقال: إنه كان منافقًا، وفيه نزل قوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ﴾\nانظر: \"الاستيعاب بهامش الإصابة\" ١/ ٥٥، و\"الإصابة\" ١/ ٩٨، \"أسد الغابة\" ١/ ١٤٨.\n(٣) هو: معثب بن بشير، ويقال بن قشير الأوسي الأنصاري، شهد العقبة وبدرًا وأحدًا. وقال ابن هشام بأنه ليس من المنافقين. وقيل: إنه تاب مما قاله يوم أحد. انظر: \"الاستيعاب\" ٣/ ٤٤٢، \"الإصابة\" ٣/ ٤٢٢، \"أسد الغابة\" ٤/ ٣٩٤.\n(٤) لم أقف له على ترجمة\n(٥) لم أقف له على ترجمة.\n(٦) في (ب): (يذهب)، وهو خطأ.\n(٧) ذكره المؤلف في \"الوسيط\" ٣/ ٤٦٢ دون تسمية المنافقين.","vol":"18","page":193},{"text":"من المنافقين: يعدنا محمدًا (١) أن يفتح (٢) قصور الشام وفارس وأحدنا لا يستطيع أن يجاوز رحله (٣).\nوقال مقاتل: قال معتب: يعدنا محمد قصور اليمن وفارس والروم، ولا يستطيع أحدنا أن يبرز إلى الخلاء، هذا والله هو الغرور (٤).\nوقال محمد بن إسحاق عن أشياخه: قال معتب أخو بني عمرو بن عوف: كان محمد يعدنا أن يأكل كنوز كسرى وقيصر، وأحدنا اليوم لايقدر يذهب إلى الغائط (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3507>١٣ </span>- قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ﴾ يعني: من المنافقين، قال بعضهم لبعض: ﴿يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ﴾ في عسكر رسول الله -ﷺ- ليس لكم به موضع إقامة. قال مقاتل: هم بنو سالم من المنافقين (٦). وقال السدي: يعني عبد الله بن أبي وأصحابه (٧).\nوقال ابن عباس: قالت اليهود للمنافقين: ﴿يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا﴾ (٨). قال أبو عبيدة: يثرب اسم أرض المدينة، ومدينة الرسول -﵇-\n_________\n(١) هكذا في جميع النسخ! والصواب: محمدث لأنها فاعل.\n(٢) في (أ): زيادة: (يعدنا محمدًا قصور اليمن وفارس والروم ولا يستطيع أحدنا أن يبرز إلى [ثم وضع نقط هكذا] أن يفتح قصور الشام وفارس)، وهو خطأ.\n(٣) انظر: \"تفسير ابن جرير\" ٢١/ ١٣٣، وذكره السيوطي في \"الدر\" ٦/ ٥٧٧ وقال: أخرجه ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ٨٨ ب.\n(٥) انظر \"تفسير الطبري\" ٢١/ ١٣٣ ونسب القول لقتادة ولمجاهد، وذكر السيوطي في \"الدر\" ٦/ ٥٧٧، وعزاه لابن أبي حاتم عن قتادة والسدي.\n(٦) \"تفسير مقاتل\" ٨٩ أ.\n(٧) انظر: \"الكشاف\" ٣/ ٢٣٠، \"زاد المسير\" ٦/ ٣٥٩، \"تفسير الماوردي\" ٤/ ٣٨١.\n(٨) انظر: \"تفسير القرطبي\" ١٤/ ١٤٨.","vol":"18","page":194},{"text":"في ناصية منها، وأنشد لحسان مما قاله في الجاهلية (١):\nسأهدي لها في كل عام قصيدة ... وأقعد مكفيا بيثرب مكرما\nوروي أن النبي -ﷺ- نهى أن يقال للمدينة: يثرب، وسماها طيبة (٢) كأنه كره ذكر الثرب؛ لأنه فساد في كلام العرب، يقال: شرب وأثرب وثرب إذا وسخ وأفسد (٣). ذكرنا ذلك في قوله ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾ [يوسف: ٩٢].\nقوله: ﴿لَا مُقَامَ لَكُمْ﴾. قال أبو إسحاق: لا مكان لكم تقيمون فيه (٤). والمقام اسم الموضع، يقال: مقام إبراهيم، ومنه قيل للمجلس والمشهد: مقام ومقامة. قال الله تعالى: ﴿وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾ [الشعراء ٥٨، الدخان:٢٦]. قال الشاعر:\nفأيي ما وأيك (٥) كان شرًّا ... فقيد إلى المقامة لا يراها (٦)\nودخلت التاء كما دخلت على المنزلة والمقامة، والمقامة موضع ثواء ولبث.\n_________\n(١) البيت من الطويل، وهو لحسان في \"ديوانه\" ص ٣٦٩. \"مجاز القرآن\" ٢/ ١٣٤.\n(٢) أخرج الإمام أحمد في \"مسنده\" ٤/ ٢٨٥ عن البراء بن عازب -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: \"من سمى المدينة يثرب فليستغفر الله، هي طابة هي طابة هي طابة\" وذكره ابن كثير في \"التفسير\" ٥/ ٣٤٣، وقال: تفرد به الإمام أحمد، وهو ضعيف.\n(٣) نظر: \"اللسان\" ١/ ٢٣٤ (ثرب).\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢١٩.\n(٥) في (ب): (ما واك).\n(٦) البيت من الوافر، وهو للعباس بن مرداس في \"ديوانه\" ص ١٤٨، \"خزانة الأدب\" ٤/ ٣٦٧، \"الكتاب\" ٢/ ٤٠٢، \"لسان العرب\" ١٢/ ٥٠٦، \"الحجة\" ٥/ ٤٧١.\nالمقامة: بالضمة المجلس وجماعة الناس، والمراد: أعماه الله حتى صار يقاد إلى مجلسه.","vol":"18","page":195},{"text":"وقرأ عاصم: لا مقام لكم بضم الميم (١).\nقال الفراء (٢) والزجاج (٣): من ضم الميم كان المعنى: لا إقامة لكم، يقال: أقمت إقامة ومقامًا.\nوقال أبو علي: يجوز في قول من ضم الميم أن يكون المعنى: لا موضع إقامة لكم، وهذا أشبه؛ لأنه في معنى من فتح، يقال: لا مقام لكم (٤). والمقام بضم الميم يكون (٥) مصدرًا ويكون اسمًا لموضع الإقامة.\nوقوله: ﴿فَارْجِعُوا﴾ قال المفسرون: أي إلى المدينة، وذلك أن رسول الله -ﷺ- والمسلمون خرجوا عام الخندق حتى جعلوا ظهورهم إلى سلع والخندق بينه وبين القوم، فقال هؤلاء الذين يثبطون الناس عن رسول الله -ﷺ-: ليس لكم هاهنا موضع إقامة؛ لكثرة العدد وغلبة الأحزاب، فارجعوا إلى المدينة (٦).\nقوله -﷿-: ﴿وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ﴾ أي: في الرجوع إلى المدينة. قال مقاتل: وهم بنو حارثة وبنو سلمة قالوا للنبي -ﷺ- إن بيوتنا عورة (٧).\nقال الليث: العورة سوأة الإنسان وكل أمر يستحي (٨) منه فهو عورة،\n_________\n(١) \"الحجة\" ٥/ ٤٧١، \"الكشف عن وجوه السبع وعللها وحججها\" ٢/ ١٩٥.\n(٢) \"معاني القرآن\" ٢/ ٣٣٧.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢١٩.\n(٤) \"الحجة\" ٥/ ٤٧١.\n(٥) في (ب): زيادة: (يكون المعنى لا موضع)، وهو خطأ.\n(٦) انظر: \"تفسير الطبري\" ٢١/ ١٣٥، \"تفسير الماوردي\" ٤/ ٣٨٢، \"مجمع البيان\" ٨/ ٥٤٥، \"زاد المسير\" ٦/ ٣٦٠.\n(٧) \"تفسير مقاتل\" ٨٩ أ.\n(٨) في (أ): (يستحق)، وعلق في الهامش: يستحي.","vol":"18","page":196},{"text":"والنساء عورة، والعورة في التفود وفي الحروب: خلل تخوف منه القتل.\nقوله: ﴿إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ﴾: أي ليست بحريزة. ويقال في التذكير (١) والتأنيث والجمع عورة لمصدر (٢). قال الزجاج: يقال: عور المكان يور عورا وعورة فهو عور، وبيوت عورة، وعورة على ضربين فمن سكن كان المعنى: ذات عورة) (٣).\nقال الفراء: يقال: أعور منزلك إذا بدت منه عورة، وأعور الفارس اذا كان فيه موضع خلل للضرب، وأنشد:\nله الشدة الأولى إذا القرن (٤) أعورا (٥) ..\nوقال ابن قتيبة: أصل العورة ما ذهب عنه الستر والحفظ، وكأن الرجال ستر وحفظ للبيوت، فإذا ذهبوا عنها أعورت البيوت، تقول العرب: أعور منزلك إذا ذهب سترها وسقط جدارها، وأعور الفارس إذا بدا فيه موضع خلل للضرب والطعن (٦).\nقال مجاهد والحسن ومقاتل: قالوا: بيوتنا ضائعة (٧) نخشى عليها\n_________\n(١) في (ب): (بالتذكير).\n(٢) \"تهذيب اللغة\" ٣/ ١٧٣ (عار).\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٢٠ مع اختلاف يسير.\n(٤) في (ب): (القرآن)، وهو خطأ.\n(٥) \"معاني القرآن\" ٢/ ٣٣٧.\nوهذا شطر بيت لم أهتد إلى تمامه وقائله. قال الفراء: أنشدني أبو ثروان، وفي \"تهذيب اللغة\" ٣/ ١٧٢، و\"اللسان\" ٤/ ٦١٧ (عور) وقال: إنه في وصف أسد.\n(٦) \"تفسير غريب القرآن\" ص ٣٤٨.\n(٧) طمس في (ب).","vol":"18","page":197},{"text":"السرق (١).\nوقال قتادة: قالوا: بيوتنا مما يلي العدو، ولا نأمن على أهالينا (٢).\nوقال الكلبي: بيوتنا عورة أي خلاء (٣) يعني من الرجال (٤).\nوقال أبو إسحاق: فكذبهم الله وأعلم أن قصدهم الهرب والفرار (٥) فقال: ﴿وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا﴾ قال مقاتل: ما يريدون إلا فرارًا من القتال ونصرة النبي -ﷺ- (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3508>١٤ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا﴾. قال مقاتل والفراء: لو دخلت عليهم المدينة (٧).\nوقال الزجاج: لو دخلت البيوت (٨). يعني: لو دخلها عليهم هؤلاء الذين يريدون القتال وهم الأحزاب من أقطارها من نواحيها، واحدها قطر، والقطر والفتر الجانب الواحد والناحية.\nقوله: ﴿ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ﴾ يعني: الشرك في قول جميع المفسرين (٩).\n_________\n(١) انظر: \"تفسير الطبري\" ١١/ ١٣٦١، \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٢٧٢، \"مجمع البيان\" للطبرسي ٨/ ٥٤٥.\n(٢) انظر: \"تفسير الطبري\" ١١/ ١٣٦، \"مجمع البيان للطبرسي\" ٨/ ٥٤٥.\n(٣) في (أ): (خال)، وهو خطأ.\n(٤) \"تفسير الماوردي\" ٤/ ٣٨٣.\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢١٩.\n(٦) \"تفسير مقاتل\" ٨٩ أ.\n(٧) \"تفسير مقاتل\" ٨٩ أ، \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٣٣٧.\n(٨) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٢٠.\n(٩) انظر: \"تفسير الطبري\" ٢١/ ١٣٦، \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٣٣٧، \"معاني القرآن\" للنحاس ٥/ ٣٣٣، \"زاد المسير\" ٦/ ٣٦١.","vol":"18","page":198},{"text":"وقال الزجاج: أي قيل لهم: كونوا على المسلمين مظهرين الفتنة لفعلوا ذلك (١).\nقال ابن عباس ومقاتل: يقول الله لو أن الأحزاب دخلوا المدينة ثم أمروهم بالشرك لأشركوا (٢).\nوقال الكلبي (٣): يقول لو دخل عليهم من أطراف المدينة الخيل والرجال، ثم دعوهم إلى الشرك بالله لأعطوا ذلك وهو قوله: ﴿لَآتَوْهَا﴾ أي: لما امتنعوا منها. وقرأ الحجازيون: لأتوها قصرًا أي: لفعلوها (٤).\nقال الفراء: من قولك: أتيت الشيء إذا فعلته، تقول: أتيت الخير أي فعلت الخير، والمعنى: ثم سئلوا فعل الفتنة لفعلوها (٥).\nوقال الزجاج: من قرأ بالقصر كان المعنى لقصدوها (٦). والاختيار المد؛ لقوله: سئلوا، فالإعطاء مع السؤال حسن. قاله الفراء وأبو علي (٧).\nوقال أبو عبيد (٨) قد جاءت الآثار في الذين كانوا يفتنون بالتعذيب في الله أنهم أعطوا ما سألهم المشركون غير بلال، وليس في شيء من الحديث أنهم جاءوا ما سألوهم، ففي هذا اعتبار للمد.\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٢٠.\n(٢) انظر: \"مجمع البيان\" للطبرسي ٨/ ٥٤٥. \"تفسير ابن عباس\" ص ٣٥١، \"تفسير مقاتل\" ٨٩ أ.\n(٣) لم أقف على قول الكلبي.\n(٤) انظر: كتاب \"الكشف عن وجوه القراءات السبع وعللها وحججها\" ٢/ ١٩٦.\n(٥) لم أقف على قول الفراء في معاني القرآن له، ولا فيما لدي من مراجع.\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٢٠.\n(٧) \"معاني القرآن\" ٢/ ٣٣٧، \"الحجة للقراء السبعة\" ٥/ ٤٧٢.\n(٨) لم أقف على قول أبي عبيد.","vol":"18","page":199},{"text":"قال أهل المعاني: هذا إخبار عن ظهور فضيحتهم وعدم نصرتهم عند وقوع الشدة بإبداء المكتوم وإعطاء الفتنة وإظهار الردة (١).\nقوله: ﴿وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا﴾ قال ابن عباس: لم يلبثوا باعطاء الشرك إلا يسيرًا (٢).\nوقال مقاتل: وما أحسوا من الشرك إلا قليلًا حتى يعطوها طائعين (٣).\nوقال قتادة: وما أحبسوا من الإجابة إلى الكفر إلا قليلًا، وهذا قول أكثر المفسرين (٤).\nوقال السدي: وما تلبثوا بها أي: بالمدينة إلا يسيرًا بعد إعطاء الكفر حتى يهلكوا (٥).\nوقال الحسن: وما أقاموا بالمدينة بعد إعطاء الكفر إلا قليلًا حتى يعذبوا. وهذا القول اختيار الفراء (٦) وابن قتيبة (٧). والكناية في (بها) على القول الأول تعود إلى الفتنة، يقال: تلبث بالشيء تربص به إذا آخره ومنعه. وعلى القول الثاني يعود إلى المدينة، وهي مذكورة في قوله: ﴿يَا أَهْلَ يَثْرِبَ﴾. وروى عطاء عن ابن عباس قولًا ثالثًا فقال: يريد لم يقيموا مع النبي\n_________\n(١) انظر: \"معاني القرآن\" للنحاس ٥/ ٣٣٤، للفراء ٢/ ٣٣٧، للزجاج ٤/ ٢٢٠.\n(٢) انظر: \"مجمع البيان\" ٨/ ٥٤٥، \"تفسير ابن عباس\" ص ٣٥١.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ٨٩أ.\n(٤) انظر: \"تفسير الطبري\" ١١/ ١٣٦، \"مجمع البيان\" ٨/ ٥٤٥، \"زاد المسير\" ٦/ ٣٦١.\n(٥) انظر: \"زاد المسير\" ٦/ ٣٦٢، \"تفسير القرطبي\" ١٤/ ١٥٠.\n(٦) \"معاني القرآن\" ٢/ ٣٣٧.\n(٧) \"غريب القرآن\" ص ٣٤٩. وانظر: \"مجمع البيان\" ٨/ ٥٤٥، \"القرطبي\" ١٤/ ١٥٠.","vol":"18","page":200},{"text":"-ﷺ- في حرب ولا دين (١). وعلى هذا قوله: ﴿وَمَا تَلَبَّثُوا﴾ ابتداء إخبار عنهم أنهم لم يقيموا هناك، ورجعوا إلى بيوتهم وليس عطفًا على ما قبله، والكناية في (بها) تعود إلى غير مذكور على تقدير: وما تلبثوا بالمعركة، وبالمقامة (٢)، وهذا أضعف الأقوال.\nوذكر أبو علي هذه الآية في \"المسائل الحلبية\" فقال: (من قرأ: لآتوها بالمد فلمكان المسألة، كأنه لو سئلوا لأعطوها ولأتوها من الإتيان حسن؛ لأن قوله: ﴿وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ﴾ دليل على أنهم يسألون النبي -ﷺ- ترك الإتيان والوقوف معه، فكان المعنى: ويستأذن فريق منهم النبي في أن لا يأتوه لاشتغالهم بحفظ بيوتهم المعورة في زعمهم.\n﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا﴾ أي: لو بلغت البيوت في أعوارها أن دخل عليهم من جوانبها كلها لفرط عوارها، ثم سئلوا معونة العدو على المسلمين، لأتوها وأسرعوا إليها ولم يعتلوا عليهم بأن بيوتهم معورة كما اعتلوا به في تأخرهم عن النبي -ﷺ- والمسلمين ونصرهم، فالمعنى: يستأذنون النبي في أن يقعدوا عنه ولم يأتوه، وهم يأتون العدو لينصروهم ويعينوهم على المسلمين لو سألوهم، فالقراءة بالقصر أشكل بما قبله وما بعده (٣). ألا ترى أن بعدها: ﴿وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا﴾. ومن قرأ بالمد فهو راجع إلى هذا؛ لأن إعطاء الفتنة هو راجع إلى هذا؛ لأن إعطاءهم الفتنة\n_________\n(١) لم أقف عليه.\n(٢) في (ب): (ولا بالمقامة).\n(٣) (ما) ساقطة من (أ).","vol":"18","page":201},{"text":"معونتهم على المسلمين وإتيانهم العدو ناصرين (١). فأتوها بالقصر أشد إبانة للمعنى المراد بهذه الآية، فالمعنى قريب من قوله: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ﴾ أي: في نصرتهم وهذا مثل قوله: ﴿ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا﴾ لأن في الموضعين دلالة على المعونة على المسلمين وعلى أنهم غير مسافلين (٢).\nوقوله: ﴿نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ﴾ يقرب من قوله: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ لآية، إلا أنهم في هذه الآية كأنهم أشد يأسًا من (٣) النصرة لقطعهم على أن ما وعد الله والرسول به غرور، ويجتمعان في الإخبار عنهم بأن قلوبهم لم تثلج بالإيمان ولم تسكن إلى قول الرسول والإيمان والقرآن وما اجترءوا (٤) به من الظفر ووعدوا به من الفتح والنصر في قوله: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة: ٣٣، الفتح: ٢٨، الصف: ٩]) (٥)، وقوله: ﴿فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [المائدة: ٥٦]، وقوله: ﴿وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا﴾ أي: تلبثوا بدورهم إلا زمانًا قليلًا حتى يأتوا العدو ناصرين لهم عليكم، ويجوز أن يكون المعنى: لو أتوا العدو ناصرين لهم ومظهرين ما هم مبطنون لاستؤصلوا بالسيوف ويغلبوا كما غلب العدو، ونزل بهم من العذاب ما يهلكهم إذا باينوكم في الدار. ثم ذكرهم الله تعالى عهدهم مع النبي -ﷺ- بالثبات في المواطن فقال:\n_________\n(١) في (ب): (قاصدين).\n(٢) هكذا في النسخ! وهو خطأ، والصواب: متثاقلين.\n(٣) هكذا هي في جميع النسخ! وفي \"المسائل الحلبيات\" في.\n(٤) هكذا في جميع النسخ! وفي \"المسائل الحلبيات\": (ما أخبروا به)، وهو الصواب.\n(٥) \"المسائل الحلبيات\" ص ٣٦٠ - ٣٦٢ مع اختلاف يسير في العبارة.","vol":"18","page":202},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3509>١٥ </span>- ﴿وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ﴾ أي: من قبل الخندق أن لا ينهزموا ولا يولون العدو ظهورهم. وقوله: ﴿لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ﴾ أراد عاهدوا أن لا يولون فلما حذف (أن) عاد الفعل إلى الرفع كقول طرفة:\nألا أيُّهذا الزاجري أحضر الوغا (١)\nالبيت.\nوقوله تعالى: ﴿وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا﴾ أي عنه، فحذف للعلم به، كقوله في سورة بني إسرائيل: ﴿إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٤]، وقد مر.\nوقال صاحب \"النظم\": معنى مسئولًا هاهنا مطلوبًا بمعنى مطالبًا به ممن صنعه، كما تقول: أسألك حقي أي: أطالبك حقي، أخبر الله تعالى أنهم يسألون في الآخرة عن عهدهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3510>١٦ </span>- ثم أخبر أنهم إن جبنوا عن العرب وخذلوا النبي -ﷺ- وأصحابه حرصًا على الحياة، وخوفًا من الموت لم ينفعهم ذلك، فقال قوله: ﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ﴾ قال ابن عباس: لأن المراد إذا حضر أجله مات أو قتل (٢).\nقوله تعالى: ﴿وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ أي: لا يمتعون في الدنيا بعد\n_________\n(١) صدر بيت من الطويل، وعجزه:\nوأن أشهد اللذات هل أنت مخلدي.\nوهو لطرفة في \"ديوانه\" ص ٣٢، \"خزانة الأدب\" ١/ ١١٩، \"الإنصاف\" ٢/ ٥٦٠، \"سر صناعة الإعراب\" ١/ ٢٨٥.\nوالشاهد فيه: قوله: أحضر، حيث روي بالرفع على حذف أن الناصبة وارتفاع الفعل بعدها، وروي بالنصب بإضمار أن.\n(٢) انظر: \"الوسيط\" ٣/ ٤٦٣، ولم أجد من نسب هذا القول لابن عباس غير الواحدي.","vol":"18","page":203},{"text":"الفرار إن فررتم إلا مدة آجالكم. قال الربع بن خيثم (١): القليل ما بينهم وبين الأجل (٢).\nوقال الكلبي: تمتعون إلى آجالكم، وهو القليل؛ لأن كل ما هو آت قريب (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3511>١٧ </span>- ثم أخبر أن ما قدر عليهم وأراده بهم لم يدفع عنهم بقوله: ﴿قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ﴾ أي: يجيركم ويمنعكم منه. ﴿إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا﴾ قال الكلبي: هلاكًا (٤). وقال مقاتل: يعني الهزيمة (٥). ﴿أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً﴾ قال: يعني: خير، وهو النصر (٦). وقال الكلبي: هي العافية (٧). هذا كله أمر للنبي -ﷺ- أن يخاطبهم بهذه الأشياء، ثم يخبر عنهم مؤكدًا لما سبق بقوله: ﴿وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ قال ابن عباس ومقاتل: يعني قريبًا ينفعهم ولا ناصرًا ينصرهم (٨).\n_________\n(١) هو: الإمام العابد أبو يزيد الربيع بن خيثم الثوري الكوفي، أدرك زمان النبي -ﷺ- وأرسل عنه، وكان يعد من عقلاء الرجال، روى عن عبد الله بن مسعود، وأبي أيوب الأنصاري وغيرهما، وعنه روى الشعبي والنخعي ومنذر الثوري وغيرهم، توفي ﵀ قبل سنة ٦٥ هـ\nانظر: \"الطبقات الكبرى\" ٦/ ١٨٢، \"حلية الأولياء\" ٢/ ١٠٥، \"السير\" ٤/ ٢٥٨.\n(٢) انظر: \"تفسير الطبري\" ٢١/ ١٣٨، \"تفسير ابن أبي حاتم\" ٩/ ٣١٢١، وأورده السيوطي في \"الدر\" ٦/ ٥٦٠، وزاد نسبته لابن أبي شيبة وابن المنذر.\n(٣) لم أقف عليه عن الكلبي، وأورده القرطبي ١٤/ ١٥١، ولم ينسبه.\n(٤) لم أقف على هذا القول.\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ٨٩ ب.\n(٦) المرجع السابق.\n(٧) انظر: \"تنوير المقباس\" بهامش المصحف ص ٤٢٠.\n(٨) \"تفسير مقاتل\" ٨٩ ب، ولم أقف على من نسبه لابن عباس.","vol":"18","page":204},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3512>١٨ </span>- قوله ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ﴾ العوق والاعتياق والتعويق بمعنى، يقال: عاقه واعتاقه وعوقه إذا صرفه عن الوجه الذي يريده، والتعويق: ترغيب الناس عن الخير، ورجل عوقة: يعوق الناس عن الخير. قال المفسرون: هؤلاء قوم من المنافقين كانوا يثبطون أنصار النبي -ﷺ-، وذلك أنهم قالوا: ما محمد وأصحابه إلا أكلة رأس ولو كانوا لحمًا لألهتهم (١) أبو سفيان وحزبه، فخلوهم وتعالوا إلينا. وهذا قول ابن عباس وقتادة (٢). [والقائلين في هذا القول هم المعوقون.\nوقال مقاتل: (المعوقين) هم المنافقون، عبد الله بن أبي وأصحابه] (٣) و(القائلين) هم اليهود، وذلك أن اليهود أرسلوا إلى المنافقين أيام الخندق فقالوا: ما الذي يحملكم على قتل أنفسكم بأيدي أبي سفيان ومن معه، فإنهم إن قدروا عليكم هذه المرة ما استبقوا منكم أحدًا، وإنا نشفق عليكم؛ فإنكم إخواننا ونحن جيرانكم هلم إلينا، فأقبل المنافقون على المؤمنين يعوقونهم ويخوفونهم بأبي سفيان ومن معه، فذلك قوله: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ﴾ يعني: المنافقين، ويعلم (القائلين لإخوانهم) يعني اليهود حين دعوا إخوانهم المنافقين: (هلم إلينا) (٤). وذكرنا الكلام في (هلم) في سورة الأنعام (٥).\n_________\n(١) هكذا في النسخ! والصحيح: لالتقمهم.\n(٢) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٨٩ ب، \"تفسير البغوي\" ٣/ ٥١٧، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٤/ ١٥١، وقد نسبه لمقاتل وقتادة وغيرهما، ولم أجد من نسبه لابن عباس.\n(٣) ما بين المعقوفين ساقط من (أ)، وكتب بالهامش.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ٨٩ ب.\n(٥) عند قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا﴾ الآية: ١٥٠.","vol":"18","page":205},{"text":"قوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ أي: لا يحضرون القتال في سبيل الله، قاله ابن عباس وغيره (١). (إلا قليلًا). قال الكلبي ومقاتل: إلا رياء وسمعة من غير احتساب، ولو كان ذلك القليل لله لكان كثيرًا (٢)، وهذا كقوله في صفتهم أيضًا: ﴿وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ١٤٢].\nوقال أبو إسحاق: (لا يأتون العرب مع أصحاب النبي -ﷺ- إلا تعذيرًا يوهمونهم أنهم معهم).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3513>١٩ </span>- قوله: ﴿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ﴾ منصوب على الحال، المعنى: يأتون العرب بخلا عليكم، قاله الزجاج (٣). وأشحة: جمع شحيح، مثل دليل وأدلة، وعزيز وأعزة. قال الفراء: (ويجوز أن يكون حالًا من ﴿الْمُعَوِّقِينَ﴾ المعنى: يعوقون أشحة، وإن شئت من ﴿وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ﴾ أي: وهم هكذا. قال: ويجوز أن يكون نصبًا على الذم كما ينصب على المدح، مثل قوله: ﴿مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا﴾ [الأحزاب: ٦١]) (٤). قال مجاهد وقتادة والكلبي: ﴿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ﴾ بالغنيمة والخير والمنفعة في سبيل الله (٥).\n_________\n(١) انظر: \"تفسير ابن عباس\" ص ٣٥١، وبه قال قتادة. انظر: \"تفسير الطبري\" ٢١/ ١٣٩، \"تفسير الماوردي\" ٤/ ٣٨٥.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ٩٠ أ، ولم أجد من نسبه للكلبي، ونسبه الماوردي للسدي ٤/ ٣٨٥.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٢٠.\n(٤) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٣٣٨ مع اختلاف في العبارة.\n(٥) انظر: \"الدر المنثور\" ٦/ ٥٨١، وقال: أخرج الفريابي وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد، وابن أبي حاتم عن السدي، وابن أبي حاتم عن قتادة. وانظر: \"تفسير مقاتل\" ٩٠ أ، \"مجمع البيان\" ٨/ ٥٤٦، \"ابن أبي حاتم\" ٩/ ٣١٢١.","vol":"18","page":206},{"text":"قال ابن عباس: يريد بالنصر (١) والمعنى: لا ينصرونكم، ثم أخبر عن حالهم (٢) عند الخوف، فقال: ﴿فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ﴾ قال مقاتل: يعني القتال (٣). ﴿رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾. قال ابن عباس: يريد نظر المغشي عليه من الموت، يريد كما تدور عين الذي في السياق (٤) هذا كلامه.\nولقوله: ﴿يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ﴾ (٥) تأويلان: أحدهما: أنهم يلوذون بك من الخوف فلا يرفعون بصرهم عنك، والثاني: أن معناه: بيان حالتهم عد الخوف، يقال: ينظرون إليك بالصفة التي ذكر تدور أعينهم، ليس معنى الدوران هاهنا الاضطراب والحركة؛ لأن عين الخائف لا توصف بذلك، وإنما توصف بالشخوص والحيرة، يؤكد هذا أنه شبه أعينهم بعين الذي يغشى عليه من الموت، وعينه تشخص فلا تطرف، ويقال للميت: دارت عينه ودارت حماليق عينه إذا شخص بصره فلم يطرف، وكذلك فعل الفزع الواجد ينظر إلى الشيء شاخص البصر لذهوله بالخوف.\nقوله تعالى: ﴿كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ يعني: كعين الذي يغشى عليه من الموت، وهو الذي قرب من حالة الخوف وغشيته أسباب الموت، يقال: غشي عليه فهو مغشي عليه، وهو الغشية، وكذلك غشية الموت، والذي يغشي عليه من الموت هو الذي يذهل ويذهب عقله (٦).\n_________\n(١) لم أجد من نسبه لابن عباس فيما لدى من مراجع.\n(٢) في (أ): (حكيم)، وهو خطأ.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ٩٠ أ.\n(٤) \"تفسير ابن عباس\" ص ٣٥٢.\n(٥) في (أ) زيادة: (إليك بالصفة التي ذكر تدور أعينهم)، وهو خطأ.\n(٦) انظر: \"اللسان\" ٧/ ٤٥ (شخص)، \"الصحاح\" ٣/ ١٠٤٢ (شخص).","vol":"18","page":207},{"text":"وقوله: ﴿فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ﴾ أي: زال وجاء الأمن والغنيمة. ﴿سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ﴾ قال الليث: (يقال: سلقته باللسان، أي: أسمعته فأكثرت، ولسان مسلق: حديد ذلق) (١). قال أبو عبيدة: (ويقال: سلق، أي: رفع صوته، ومنه قوله -ﷺ-: \"ليس منَّا مَنْ حلق أو سلق\" (٢) أي: رفع صوته عند المصيبة، ومنه قيل: خطيب مسلق ومسلاق وسلاق.\nقال الأعشى:\nفيهم الحزم والسماحة والنجدة ... فيهم والخاطب السلاق (٣) (٤)\nويروى: المسلاق. وقال الفراء: معناه: عصوكم وآذوكم بالكلام في الأمن بألسنة سليطة ذرية (٥).\n_________\n(١) \"تهذيب اللغة\" ٨/ ٤٠٣، (سلق).\n(٢) الحديث أخرجه الإمام مسلم في \"صحيحه\" كتاب: الإيمان، باب: تحريم ضرب الخدود وشق الجيوب والدعاء بدعوى الجاهلية ١/ ١٠٠ عن أبي موسى الأشعري أن رسول الله -ﷺ- قال: \"أنا برئ ممن حلق وسلق وخرق\" والإمام أحمد في \"مسنده\" ٤/ ٣٩٦، وأبو داود في \"سننه\" كتاب: الجنائز، باب: في النوح ٣/ ١٩٤ كلهم عن أبي موسى.\nقال في \"المنهل العذب المورود شرح سنن أبي داود\" ٨/ ٢٨٥: ومعنى قوله: \"ليس منا\" أي: ليس من أهل سنتنا وطريقتا الكاملة، وقوله: \"من حلق\" أي حلق شعره عند المصيبة، \"وسلق\" بالسين المهملة، ويروى بالصاد المهملة، أي: رفع صوته بالبكاء، \"وخرق\" أي: شق ثوبه، وكان ذلك من صنيع أهل الجاهلية. أهـ.\n(٣) \"مجاز القرآن\" ٢/ ١٣٥ مع اختلاف في العبارة. وانظر: \"غريب الحديث\" لأبي عبيد ٩٧/ ١.\n(٤) البيت من الخفيف، وهو للأعشي في \"ديوانه\" ص ٢٦٥، \"تهذيب اللغة\" ٨/ ٤٠٢، \"اللسان\" ١٠/ ١٦٠ (سلق).\n(٥) \"معاني القرآن\" ٢/ ٣٣٩. وانظر: \"تهذيب اللغة\" ٨/ ٤٠٣.","vol":"18","page":208},{"text":"وقال المبرد (١): يقال: سلق فلان بلسانه، إذا غلظ في القول مجاهرًا، وخطيب سلاق إذا كان ماضيًا في خطبته معلنًا، ويقال للمرأة البدنة: قد سلقت، إذ رفعت صوتها، وأنشد قول الأعشى. قال أبو إسحاق: (معنى سلقوكم: خاطبوكم أشد مخاطبة وأبلغها) (٢).\nوقال ابن قتيبة مثل قول الفراء، ثم قال: وأصل السلق الضرب (٣).\nقال ابن عباس: أي: استقبلوكم بالأذى (٤).\nوقال ابن زيد: كلموكم بألسنة ذرية، أي: آذوكم بالكلام (٥).\nوقال قتادة: يعني بسطوا ألسنتهم فيكم وقت قسمة الغنيمة، يقولون: أعطونا أعطونا فلستم بأحق فيها منا، فأما عند الغنيمة فأشح قوم وأسوأ قوم، وأما عند البأس فأجبن قوم وأخذلهم للحق، وهذا قول المفسرين (٦).\nوروى عطاء عن ابن عباس قال: يريد يتناولونكم بألسنة حداد، يريد بنعون فيكم وينتقصونكم ويغتابونكم (٧). فعلى القول الأول سلقهم (٨)\n_________\n(١) لم أقف على قول المبرد. وانظر:\"تفسير القرطبي\" ١٤/ ١٥٣، \"زاد المسير\" ٦/ ٣٦٦.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٢١.\n(٣) \"تفسير غريب القرآن\" ص ٣٤٩.\n(٤) انظر: \"تفسير الطبري\" ٢١/ ١٤١، \"تفسير ابن أبي حاتم\" ٩/ ٣١٢٢، وأورده السيوطي في \"الدر\" ٦/ ٥٨١، وزاد نسبته لابن المنذر.\n(٥) انظر: \"تفسير الطبري\" ٢١/ ١٤١.\n(٦) انظر: \"تفسير الطبري\" ٢١/ ١٤١، \"تفسير ابن أبي حاتم\" ٩/ ٣١٢٢ عن قتادة، \"مجمع البيان\" ٨/ ٥٤٦.\n(٧) \"تفسير ابن عباس\" ٣٥٢، \"تفسير البغوي\" ٣/ ٥١٨.\n(٨) في (أ): (سلقتم)، وهو خطأ.","vol":"18","page":209},{"text":"خصومتهم ورفعهم الصوت في طلب الغنيمة. وعلى القول الثاني: سلقهم تنقصهم وبسطهم (١) اللسان بالغيبة.\nوقوله: ﴿أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْر﴾ أي: بخلاء بالغنيمة يشاحون المؤمنين عند القسمة، هذا قول المفسرين.\nوقال ابن عباس في رواية عطاء: ﴿عَلَى الْخَيْرِ﴾ يريد على المال، لا ينفقون في سبيل الله (٢). وانتصب (أشحة) على الحال من قوله: سلقوكم، أي: خاطبوكم، وهم أشحة على المال والغنيمة. ثم أخبر أنهم غير مؤمنين وإن أظهروا كلمة الإيمان.\nقوله: ﴿أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا﴾. قال أبو إسحاق: (أي: هم وإن أظهروا كلمة الإيمان ونافقدا فليسوا بمؤمنين) (٣). وقال مقاتل: ﴿أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا﴾ أي: لم يصدقوا بتوحيد الله (٤). ﴿فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ﴾. قال مقاتل: أبطل الله جهادهم؛ لأن أعمالهم الحسنة وجهادهم لم يكن في إيمان (٥).\n﴿وَكَانَ ذَلِكَ﴾ يعني: إحباط أعمالهم. ﴿عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ قال ابن عباس: يريد سهلًا أن يحبط أعمالهم ويعذبهم على النفاق (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3514>٢٠ </span>- ثم أخبر بما دل عليه جبنهم بقوله: ﴿يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا﴾\n_________\n(١) في (اْ): (بسطتهم).\n(٢) ذكر هذا القول الماوردي ٤/ ٣٨٦ ونسبه للسدي، والقرطبي ١٤/ ١٥٤ ونسبه للسدي كذلك، وانظر: \"تفسير ابن عباس\" ص ٣٥٢.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٢١.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ٩٠ أ.\n(٥) المرجع السابق.\n(٦) \"تفسير ابن عباس\" ص ٣٥٢.","vol":"18","page":210},{"text":"الأحزاب: الجماعات، واحدها حزب، وهم كل طائفة هواهم واحد، فالمؤمنون حزب الله، والكافرون حزب الشيطان، وكل قوم تشاكلت قلوبهم وأعمالهم فهم أحزاب، وإن لم يلق بعضهم بعضًا بمنزلة عاد وثمود وفرعون أولئك الأحزاب، وتحزب القوم: إذا تجمعوا فصاروا أحزابًا، وحزب فلان أحزابًا، أي: جمعهم.\nقال ابن عباس: يقول بحسب هؤلاء المنافقين أن الأحزاب (١) معسكرون مقيمون (٢).\nوقال مقاتل: من الخوف والرعب الذي نزل بهم يحسبون الأحزاب لم يذهبوا إلى مكة (٣). قال أبو إسحاق: (أي: يحسبون الأحزاب بعد انهزامهم وذهابهم لم يذهبوا، لجبنهم وخوفهم منهم) (٤).\nوقوله ﴿وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزَابُ﴾ يقول: وإن يرجع الأحزاب إليهم للقتال.\n﴿يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ﴾ قال ابن عباس: يريد: يتمنى المنافقون لو كانوا في البادية (٥).\nوقال الكلبي: يقول: خارجون في الأعراب من الرهبة (٦). والبادون خلاف الحاضرين، ويقال: بدا يبدو إذا خرج إلى البادية، وهي البَداوة\n_________\n(١) في (ب): (الآخرة)، وهو خطأ.\n(٢) لم أقف عليه عن ابن عباس، وقد أخرج ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ٩/ ٣١٢٢ نحوه عن مجاهد قال: يحسبونهم قريبًا لم يبعدوا.\n(٣) \" تفسير مقاتل\" ٢/ ٢٧٣.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٢١.\n(٥) لم أقف عليه عن ابن عباس. وانظر: \"تفسير هود بن محكم\" ٣/ ٣٦١، \"تفسير القرطبي\" ١٤/ ١٥٤.\n(٦) لم أقف عليه عن الكلبي. وانظر: المصدرين السابقين.","vol":"18","page":211},{"text":"والبداوة، ويقال للقوم البادين: بادية، وللموضع الذي بدوا إليه: بادية، وأصل هذا من البدو الذي هو الظهور والبروز، ومعنى الآية: ودوا أنهم خارجون إلى البدو في جملة الأعراب خوفًا من الأحزاب.\nقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ﴾. الأظهر أن قوله: (يسألون) صفة للنكرة التي هي بادون بتقدير: بادون سائلون عن أنبائكم أي: ودوا أنهم بالبعد منكم وهم يسألون عن أخباركم يقولون: ما فعل محمد وأصحابه فيعرفون حالهم (١) وما أنتم فيه بالاستخبار لا بالمشاهدة، وهذا معنى قول المفسرين (٢).\nوقال الكلبي: يسألون عن خبر المؤمنين ساعة بعد ساعة، فزعًا وفرقًا من القتال (٣). وعلى هذا القول (يسألون) ابتداء كلام وخبر عنهم، والمعنى: أنهم لجبنهم أبدًا يسألون عن أخبار المؤمنين هل قصدهم عدو وأضلتهم حرب، وذلك أنهم يحتاجون أن يشاهدوا معهم القتال، وإن كرهوا ذلك فلذلك يكثر سؤالهم عن حالهم حتى إن لم يقصدهم عدو ولم يعرض لهم حرب فرحوا، هذا معنى ما ذكره الكلبي. ويجوز أن يكون سؤالهم عن أنبائهم؛ لأنهم يتربصون بهم الدوائر فيهم (٤) أبدًا يفحصون عن حالهم شماتة بهم إذا أصابتهم نكاية أو عرض لهم عارض شر، والصحيح ما ذكرنا أولًا، وهو أن قوله: ﴿يَسْأَلُونَ﴾ متصل بما قبله؛ لقوله: ﴿وَلَوْ\n_________\n(١) هكذا في النسخ! ولعل الصواب: حالكم. حتى يستقيم السياق.\n(٢) انظر: \"تفسير الطبري\" ٢١/ ١٤٢، \"مجمع البيان\" ٨/ ٥٤٧، \"القرطبي\" ١٤/ ١٥٥\n(٣) لم أقف عليه عن الكلبي. وانظر: \"القرطبي\" ١٤/ ١٥٥.\n(٤) هكذا في النسخ! ولعل الصواب: فهم.","vol":"18","page":212},{"text":"كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا﴾، وهذا يدل على أن الكلام متصل.\nقال الكلبي: ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ رميًا بالحجارة (١). ولو كان ذلك القليل لله كان كثيرًا.\nوقال مقاتل: يعني ما قاتلوا إلا رياء وسمعة من غير خشية (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3515>٢١ </span>- ثم عاتب من تخلف بالمدينة عن رسول الله -ﷺ- بقوله: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ قال المفسرون (٣): قدوة صالحة. يقال: فلان أسوتك في هذا الأمر أي: مثلك (٤)، وفلان يأتسي فلان (٥) أي: يرضى لنفسه ما رضي، ويقتدي به وكان في مثل حاله، والقوم أسوة في هذا الأمر أي: حالتهم (٦) فيه واحدة.\nقال الليث: والتأسي في (٧) الأمور من الأسوة (٨). وفيها لغتان: أسوة وإسوة، ويقال: لي في فلان أسوة أي: لي به اقتداء، والأسوة من الاتساء كالقدوة من الاقتداء، اسم يوضع موضع المصدر.\nقال ابن عباس: يريد يقتدون به حيث خرج بنفسه (٩).\nومعنى الآية على ما ذكره أهل التفسير: أن الله يقول: كان لكم رسول\n_________\n(١) ذكر هذا القول ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٦/ ٣٦٧، ونسبه لابن السائب.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ٩٠ أ.\n(٣) انظر: \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١٩١ أ، \"تفسير الطبري\" ٢١/ ١٤٣.\n(٤) في (أ) زيادة: (أي [حللتم فيه] مثلك)، وهو خطأ.\n(٥) هكذا في النسخ! ولعل الصواب: يأتسي بفلان.\n(٦) في (ب): (حاللتم).\n(٧) في (ب): (من).\n(٨) \"تهذيب اللغة\" ١٣/ ١٤٠ (أسى).\n(٩) لم أجد من نسب هذا القول لابن عباس.","vol":"18","page":213},{"text":"الله اقتداء لو اقتديتم به في نصرته ومؤازرته، والشد على يده بالصبر معه في مواطن القتال، كما فعل هو بيوم أحد، إذ كسرت رباعيته وشج فوق حاجبه، وقتل عمه، وأوذي بضروب الأذى، فواساكم مع ذلك بنفسه، فهلا فعلتم مثل ما فعل واستنيتم بسنته (١).\nقوله: ﴿لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾. قال الفراء: خص الله بها المؤمنين (٢). يعني قوله بمن (٣) بدل من قوله لكم، وهو تخصيص بعد التعميم للمؤمنين بالأسوة.\nقال ابن عباس: يرجو ما عند الله من الثواب والنعيم (٤). ﴿وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ أي: ذكرًا كثيرًا باللسان (٥)، وذلك أن ذاكر الله هو الذي يأتمر لأوامره بخلاف الغافل عن ذكر الله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3516>٢٢ </span>- ثم ذكر المؤمنين ووصف حالهم بقوله: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ﴾ يعني: أبا سفيان وأصحابه. ﴿قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ قال قتادة ومقاتل: كان الله وعدهم في ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾ إلى قوله ﴿أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ٢١٤]. فأخبرهم بما سيكون من الشدة التي تلحقهم من عدوهم، فلما رأوا يوم الأحزاب ما\n_________\n(١) \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١٩١ أ، وذكر السمرقندي في \"بحر العلوم\" ٣/ ٤٤ قريبًا من هذا المعنى.\n(٢) \"معاني القرآن\" ٢/ ٣٣٩.\n(٣) في (ب): (ممن)، وكلاهما لا يتضح به الكلام، وإنما هي كما جاءت في القرآن: لمن.\n(٤) انظر: \"تفسير البغوي\" ٣/ ٥١٩، \"زاد المسير\" ٦/ ٣٦٨، \"مجمع البيان\" ٨/ ٥٤٨.\n(٥) في (أ): (ذكر)، أسقط الألف، وهو خطأ.","vol":"18","page":214},{"text":"أصابهم من الشدة والبلاء قالوا: ﴿هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ وتصديقًا بوعد الله وتسليمًا لأمره (١). ومعنى التسليم هاهنا أن يسلم الأمر لمالكه من غير إعراض فيه، وهو أن يدعه له سالمًا لا يدعي لنفسه فيه شيئًا، ولعل هذا فيما سبق البيان فيه.\nقال أبو إسحاق في هذه الآية: وصف الله تعالى حال المنافقين في حرب الكافرين وحال المؤمنين، وصف المنافقين بالفشل والجبن والروغان والمسارعة إلى الفتنة، ووصف المؤمنين بالثبوت عند الخوف (٢). والتصديق بما وعد الله ورسوله من النصر عند شدة الأمر، وذلك أنهم لما (٣) زلزلوا زلزالًا شديدًا أعلموا أن النصر وجب له (٤)؛ لأن الله كان قد أنزل عليهم في الآية التي وصف بها ما أصاب أصحاب الأنبياء قبلهم من الشدة قوله: ﴿أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ٢١٤]. هذا معنى ما ذكره وبعض لفظه.\nقال الفراء: كان النبي -ﷺ- أخبر أصحابه بمسير الأحزاب إليهم فذلك قوله: ﴿وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا﴾ أي ما زادهم النظر إلى الأحزاب إلا إيمانًا، قال: ولو كان ما زادوهم إلا إيمانًا يريد الأحزاب كان جائزًا كما قال في سورة أخرى: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا﴾ [التوبة: ٤٧] ولو كانت ما زادكم إلا خبالا كان (٥) صوابًا، يريد ما آذاكم خروجهم، وهذا من\n_________\n(١) في\" تفسير مقاتل\" ٩٠ ب، وذكره الماوردي ٤/ ٣٨٨، والطبري ٢١/ ١٤٤ عن قتادة، وزاد الطبري نسبة هذا القول لابن عباس.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٢٢.\n(٣) في (ب): (كما).\n(٤) هكذا في جميع النسخ! ولعل الصواب: لهم.\n(٥) في (ب): (لكان)، وهو خطأ.","vol":"18","page":215},{"text":"سعة العربية (١).\nوهذا الذي ذكره الفراء هو قول الكلبي، قال: إن النبي -ﷺ- قال لأصحابه: إن الأحزاب قد خرجوا إليكم وهم سائرون إليكم تسعًا تسعًا أو عشرًا، فلما رأوهم قد قدموا للميعاد قال المؤمنون: ﴿هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ للميعاد وذلك لعدة الأيام التي قال لهم (٢).\nوقال المبرد (٣): وفي قوله: ﴿وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا﴾ أي ما زادهم رؤيتهم إلا إيمانًا لدلالة الفعل عليه، وهو قول أي المؤمنين ومثله كثير: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ﴾ [آل عمران: ١٨٠] أي البخل، يكنى عن المصدر لدلالة الفعل عليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3517>٢٣ </span>- قوله تعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ قال مقاتل: المعنى ليلة العقبة (٤). قال أبو إسحاق: موضع (ما) نصب بصدقوا كما تقول صدقتك الحديث، والمعنى: عاهدوا على الإسلام فأقاموا على عهدهم (٥) بخلاف من كذب في عهده، وخان الرسول بقلبه وهم المنافقون. ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾ النَّحْب في اللغة هو: النذر (٦)، والنحب: الموت،\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" ٢/ ٣٤٠ مع اختلاف في العبارة.\n(٢) لم أجد من نسب هذا القول للكلبي، وقد ذكره أبو حيان في \"البحر المحيط\" ٧/ ٢١٦، ونسبه لابن عباس، وكذلك هو في \"تفسير ابن عباس\" ص ٣٥٢.\n(٣) لم أقف عليه.\n(٤) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٩٩٠ ب.\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٢٢.\n(٦) في النسخ: (البدر)، وهو خطأ، إذ الصحيح النذر، فليس من معاني نَحْب بدر كما ذكر أهل اللغة.","vol":"18","page":216},{"text":"والنخب: الخطر العظيم، قال جرير (١):\nبطفخة جالدنا الملوك وخيلنا ... عشية بسطام جرين على نحب\nأي: على خطر عظيم، ويقال: سافر فلان على نحب أي: سار واجتهد في السير، ومنه يقال (٢): نحب القوم إذا جدوا في عملهم، وسار سيرًا منحبًا قاصدًا لا يريد غيره، كأنه جعل ذلك نذرًا على نفسه لا يريد غيره، قال الكميت:\nيحدن لها عرض الفلاة وطولها ... كما سار عن يمنى يديه المنحب (٣)\nأي يقول: إن لم أبلغ مكان كذا ذلك يميني، وقال لبيد:\nألا تسألان المرء ماذا يحاول ... أنحب فيقضي أم ضلال وباطل (٤)\nيقول: عليه نذر في طول سيره، هذا كلام الأزهري في تفسير النحب (٥).\nوقال الفراء: قضى نحبه أي أجله (٦). ونحو ذلك قال الزجاج (٧).\n_________\n(١) في النسخ: (حرب) وهو خطأ، والصواب جرير، كما في \"ديوانه\" ص ٦٣٢، \"تهذيب اللغة\" ٥/ ١١٥، \"اللسان\" ١/ ٧٥٠ (نحب)، \"مجاز القرآن\" ٢/ ١٣٥.\n(٢) في (ب): (قول).\n(٣) البيت من الطويل، وهو للكميت بن زيد في \"ديوانه\" ١/ ٩٦، \"تهذيب اللغة\" ٥/ ١١٦، \"اللسان\" ١/ ٧٥١، \"تاج العروس\" ٤/ ٢٤٥. ومعنى البيت كما فسره ثعلب كما في \"تاج العروس\" ٤/ ٢٤٥: هذا الرجل حلف إن لم أغلب قطعت يدي، كأنه ذهب به إلى معنى النذر- يعني النحب.\n(٤) البيت من الطويل، وهو للبيد بن ربيعة في \"ديوانه\" ص ٢٥٤، \"خزانة الأدب\" ٢/ ٢٥٢ - ٢٥٣، ٦/ ١٤٥، \"الكتاب\" ٢/ ٤١٧، \"اللسان\" ١/ ٧٥١ (نحب).\n(٥) \"تهذيب اللغة\" ٥/ ١١٥ (نحب) مع اختلاف يسير في العبارة.\n(٦) \"معاني القرآن\" ٢/ ٢٤٠.\n(٧) \"معانىِ القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٢٢.","vol":"18","page":217},{"text":"وقال أبو عبيدة: قضى نحبه أي مات، والنحب النفس، وأنشد قول ذي الرمة:\nعشية فر الحارثيون بعد ما ... قضى نحبه في ملتقى الخيل هوبر (١) (٢)\nقال المفسرون: هذا في حمزة وأصحابه الذين قتلوا بأحد (٣). قال ابن عباس: ممن قضى نحبه حمزة بن عبد المطلب ومن قتل معه، وأنس بن النضر (٤) وأصحابه.\nروى حميد عن أنس قال: غاب عمي أنس بن النضر عن قتال بدر، وشق عليه لما قدم، وقال [غبت] (٥) عن أول مشهد شهده رسول الله -ﷺ-، والله لئن أشهدني قتالا ليرين ما أصنع، فلما كان يوم أحد انكشف المسلمون فقال: اللهم إني أبرأ إليك مما صنع هؤلاء ومشى بسيفه فقاتل حتى قتل.\nقال أنس: فوجدناه بين القتلى به بضع وثمانون جراحة، فما عرفناه\n_________\n(١) \"مجاز القرآن\" ٢/ ١٣٥.\n(٢) البيت من الطويل، وهو لذي الرمة في \"ديوانه\" ٢/ ٦٤٧، \"خزانة الأدب\" ٤/ ٣٧١، \"لسان العرب\" ٥/ ٢٤٨ (هبر)، وأراد بهوبر ابن هوبر، وهو رجل.\n(٣) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٩٠ ب، البغوي ٣/ ٥١٩، \"مجمع البيان\" ٨/ ٥٤٩.\n(٤) هو: أنس بن النضر بن ضمضم بن زيد بن حرام بن النجار الخزرجي الأنصاري، عم أنس بن مالك خادم رسول الله -ﷺ-، غاب عن قتال بدر فأقسم إن شهد قتالًا لا يفر منه فحضر أحدًا، فلما انهزم المسلمون قال: اللهم إني أبرأ إليك مما صنع هؤلاء، فقاتل حتى قتل شهيدًا -﵁-.\nانظر: \"الاستيعاب بهامش الإصابة\" ١/ ٤٣، \"الإصابة\" ١/ ٨٦، \"أسد الغابة\" ١/ ١٣١.\n(٥) طمس في كل النسخ، والتصحيح من \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١٩١ ب.","vol":"18","page":218},{"text":"حتى عرفته أخته بثناياه، ونزلت هذه الآية: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا﴾. قال: وكنا نقول: أنزلت هذه الآية فيه وفي أصحابه (١).\nوقال مقاتل: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾ يعني: أجله مات أو قتل على الوفاء، يعني حمزة وأصحابه (٢).\nوقال الليث: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾ قتلوا في سبيل الله فأدركوا ما تمنوا فذلك قضاء النحب (٣).\nوقال محمد بن إسحاق: فرغ من عمله ورجع إلى ربه يعني: من استشهد يوم أحد (٤).\nوقال الحسن: قضى أجله على الوفاء والصدق (٥).\nوقال مجاهد: قضى عهده بقتل أو بصدق في لقائه (٦).\nوروى عكرمة عن ابن عباس: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ﴾ قال: الموت (٧).\n_________\n(١) \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١٩١ ب، \"تفسير الطبري\" ٢١/ ١٤٧. وأخرجه البخاري في \"صحيحه\" كتاب التفسير، باب ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾ ٤/ ١٧٩٥ رقم ٤٥٠٥، والترمذي في التفسير، سورة الأحزاب ٥/ ٢٨، وقال: هذا حديث حسن صحيح.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ٩٠ ب.\n(٣) انظر: \"تهذيب اللغة\" ٥/ ١١٥ (نحب)، وذكره صاحب \"تاج العروس\" ٤/ ٢٤٣ غير منسوب لأحد.\n(٤) انظر: \"تفسير الطبري\" ٢١/ ١٤٥، \"تهذيب اللغة\" ٥/ ١١٦ (نحب)، و\"اللسان\" ١/ ٧٥٠ (نحب).\n(٥) انظر: \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ١١٤، \"مجمع البيان\" ٨/ ٥٤٩.\n(٦) انظر: \"الطبري\" ٢١/ ١٤٦، \"البحر المحيط\" ٧/ ٢١٧، \"تفسير مجاهد\" ص ٥١٧.\n(٧) انظر: \"تفسير الماوردي\" ٤/ ٣٨٩، \"معاني القرآن\" للنحاس ٥/ ٣٣٨.","vol":"18","page":219},{"text":"وقال المبرد: النحب في كلامهم الخطر الذي يخطر به، فيقال على ذلك للذي عزم عزمًا فمضى عليه حتى مات قضى نحبه أي: أخطر به (١).\nوقال ابن قتيبة: قضى نحبه أي قتل، وأصل النحب النذر، كان قومًا نذروا أن يلقوا (٢) العدو وأن يقاتلوا حتى يقتلوا أو يفتح الله، فقتلوا فقيل: فلان قضى نحبه إذا قتل (٣).\n﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ﴾ أجله على الوفاء. قال مجاهد: ينتظر يومًا في جهاد فيقضى عهده فيقتل (٤). وقال مقاتل: من المؤمنين من ينتظر أجله بالوفاء بالعهد (٥).\n﴿وَمَا بَدَّلُوا﴾ العهد ﴿تَبْدِيلًا﴾ كما بدل المنافقون، والمعنى: ما غيروا العهد الذي عاهدوا ربهم كما غير المنافقون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3518>٢٤ </span>- قوله: ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ﴾ فهذه اللام تتعلق بما فيها قبل من فعل المنافقين والمؤمنين عند رؤية الأحزاب، كأنه قيل: صدق المؤمنون في عهودهم ليجزيهم الله بصدقهم ويعذب المنافقين بنقض العهد إن شاء.\nقال السدي: يمتهم على نفاقهم إن شاء فيوجب لهم العذاب أو يتوب عليهم، أي: وأن ينقلهم من النفاق إلى الإيمان (٦).\n_________\n(١) لم أفف عليه. وانظر: \"الدر المصون\" ٥/ ٤١١.\n(٢) هكذا في النسخ، وفي \"تفسير غريب القرآن\": إن لقوا، وهو المناسب للسياق.\n(٣) \"تفسير غريب للقرآن\" ص ٣٤٩.\n(٤) انظر: \"تفسير الماوردي\" ٤/ ٣٩٠، \"تفسير الطبري\" ٢١/ ١٤٥.\n(٥) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٩٠ ب.\n(٦) انظر: \"تفسير الماوردي\" ٤/ ٣٩٠، \"الوسيط\" ٣/ ٤٦٦.","vol":"18","page":220},{"text":"وقال قتادة: يعذبهم إن شاء لا يخرجهم من النفاق إلى الإيمان (١).\nفمعني شرط المشيئة في عذاب المنافقين إماتتهم على النفاق إن شاء ثم يعذبهم أو يتوب عليهم [ليس أنه] (٢) فيغفر لهم، ليس أنه يجوز أن لا شاء تعذيبهم إذا ماتوا على النفاق.\nوقال بعضهم: الله تعالى إذا عذب عذب بمشيثته (٣)، وإذا عما عفا بمشيئته، ليس لأحد عليه حكم ولا يجب عليه أن يعاقب الكفار ولا أن يرحم المؤمنين بخلاف ما زعمت القدرية، لكنه إذا وعد لم يخلف الميعاد، فعلى قوله: (إن شاء) بيان أنه يعذب بمشيئته لا بأن ذلك واجب عليه. قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ قال ابن عباس: غفورًا لمن تاب رحيمًا به (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3519>٢٥ </span>- وقوله: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ﴾ أي: صدهم ومنعهم عن المسلمين وعن الظفر بهم، يعني الاْحزاب بغيظهم، أي لم يشف صدورهم بنيل المراد وردهم فيهم غيظهم على المسلمين، والباء في (بغيظهم) بمعنى مع كما يقال: خرج بثيابه وركب الأمير بسلاحه.\nقوله تعالى: ﴿لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا﴾ قال ابن عباس: يريد ما كانوا يؤمنون (٥) من الظفر والمال (٦).\n_________\n(١) انظر: \"تفسير الطبري\" ٢١/ ١٤٨، \"الدر المنثور\" ٦/ ٥٨٩.\n(٢) ما بين المعقوفين زيادة من (ب).\n(٣) في (ب): (لمشيئته).\n(٤) انظر: \"تفسير ابن عباس\" ص ٣٥٢.\n(٥) هكذا في النسخ! ولعل الأصوب: يؤملون.\n(٦) لم أقف عليه.","vol":"18","page":221},{"text":"قال أبو إسحاق: أي لم يظفروا بالمسلمين، وذلك عندهم خير فخوطبوا على استعمالهم (١).\n﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ بالريح والملائكة التي أرسلت إليهم (٢) عليهم. ﴿وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا﴾ في ملكه. ﴿عَزِيزًا﴾ في قدرته. قاله ابن عباس (٣). ثم ذكر ما ليهود (٤) بني قريظة بقوله:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3520>٢٦ </span>- ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ﴾ أي: وازروا الأحزاب وأعانوهم على رسول الله -ﷺ-، يعني قريظة، وذلك أنهم نقضوا العهد، وصاروا يدًا واحدة مع المشركين على رسول الله -ﷺ- والمؤمنين، فلما هزم الله المشركين بالريح والملائكة أمر رسول الله بالمسير إلى قريظة فسار إليهم وحاصرهم عشرين ليلة ثم نزلوا (٥) على حكم سعد بن معاذ فحكم فيهم سعد أن يقتل مقاتليهم ويسبى ذراريهم (٦)، فذلك قوله: ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ﴾. قال ابن عباس وعكرمة ومقاتل: من حصونهم (٧).\nوقال مجاهد: من قصورهم (٨).\n_________\n(١) لم أقف عليه عن أبي إسحاق، وقد ذكره الطبرسي في \"مجمع البيان\" ٨/ ٥٥٠، ولم ينسبه لأحد.\n(٢) هكذا في النسخ! والظاهر أن \"إليهم\" زائدة.\n(٣) لم أقف عليه.\n(٤) في (ب): (باليهود).\n(٥) في (ب): (ثم حاصروهم)، وهو خطأ.\n(٦) ذكره الطبري ٢١/ ١٥١، والماوردي ٤/ ٣٩٢.\n(٧) انظر: \"تفسير الطبري\" ٢١/ ١٥١، \"زاد المسير\" ٦/ ٣٧٤، \"معاني القرآن الكريم\" للنحاس ٥/ ٣٤٠، \"تفسير مقاتل\" ٩٠ ب.\n(٨) انظر: \"تفسير الطبري\" ٢١/ ١٥٠، \"الدر المنثور\" ٦/ ٥٩١، وقال: أخرج الفريابي وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد.","vol":"18","page":222},{"text":"قال أبو إسحاق: معنى (الصياصي) كل ما يمتنع به، و(الصياصي) هاهنا الحصون وقيل: القصور؛ لأنه يتحصن فيها والصياصي قرون البقر والظباء، وكل قرن صيصة؛ لأن ذوات القرون تتحصن بقرونها وتمتنع بها، وصيصة الديك شوكته؛ لأنه يتحصن بها أيضًا (١).\nوقال أبو عبيدة: الصيصة القرون (٢)، وأنشد:\nوسادة قومي حتى بقيت فريدًا كصيصة الأعصب (٣).\nثم تسمى شوكة الديك وشوكة الحائك: صيصة، تشبيهًا بالقرن، ومنه قول دريد (٤):\nكوقع الصياصي في النسيج الممد (٥)\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٢٣.\n(٢) \"مجاز القرآن\" ٢/ ١٣٦.\n(٣) لم أقف على تمام البيت وقائله، وهكذا ورد في النسخ، والذي يظهر لي والله أعلم أنه خطأ، فقد بحثت وكررت البحث حسب طاقتي وجهدي فلم أقف على هذا الشعر، والله أعلم.\n(٤) هو: دريد بن الصمة بن الحارث بن معاوية بن جداعة، فارس مشهور، شاعر جاهلي، كان سيد قومه وفارسهم وقائدهم، أدرك الإسلام ولم يسلم، قتل في حنين سنة ٨ هـ.\nانظر: \"الشعر والشعراء\" ص ٥٠٦، \"تهذيب الأسماء واللغات\" ١/ ١٨٥، \"معجم الشعراء\" ص ١١٤.\n(٥) عجز بيت وصدره:\nفجئت إليه والرماح تنوشه\nوهو من الطويل لدريد بن الصمة في \"ديوانه\" ص ٦٣، \"تهذيب اللغة\" ١٢/ ٢٦٦، (صيص)، \"لسان العرب\" ٦/ ٣٦١ (نوش)، ٧/ ٥٢ (صيص)، ١٠/ ١٩٣ (شيق)، ١٤/ ٤٧٣ (صيا)، كتاب \"العين\" ٧/ ١٧٦.","vol":"18","page":223},{"text":"ثم يسمى كل ما يمنع به حصن وقصر صيصة لامتناع ذوات القرون بقرونها (١).\nقوله تعالى: ﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾. قال ابن عباس: ألقى في قلوبهم الخوف (٢). ﴿فَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ يعني: المقاتلة. قال مقاتل: منهم أربعمائة وخمسون رجلًا. ﴿وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾ وتسبون طائفة يعني الذراري. قال مقاتل: سبعمائة وخمسين (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3521>٢٧ </span>- قوله تعالى: ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ﴾. قال المفسرون: عقارهم ونخلهم ومنازلهم وأموالهم من الذهب والفضة والحلي والعبيد والإماء. قال: فجعل النبي -ﷺ- أرضهم وديارهم للمهاجرين؛ لأنهم لم يكونوا ذوي عقار (٤).\nقوله تعالى: ﴿وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا﴾. قال الكلبي: لم تملوكها، والمعنى لم تطئوها بعد بأقدامكم، وهي مما سيفتحها الله عليكم (٥).\nقال مقاتل والكلبي وابن زيد: يعني خيبر فتحها الله عليهم بعد (٦) بني قريظة (٧). واختار الفراء هذا القول وقال: عني خيبر، ولم يكونوا نالوها\n_________\n(١) انظر: \"تهذيب اللغة\" ١٢/ ٢٦٦، \"اللسان\" ٧/ ٥٢. \"التاج\" ١٨/ ٢٧.\n(٢) \"تفسير ابن عباس\" ص ٣٥٢، مع اختلاف في العبارة.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ٩١ أ.\n(٤) انظر: \"تفسير الطبري\" ٢١/ ١٥٠، \"الدر المنثور\" ٦/ ٥٩١، وقال: أخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة.\n(٥) ذكر هذا القول أكثر المفسرين، ولم أجد من نسبه للكلبي. انظر: \"الطبري\" ٢١/ ١٥٠ وما بعدها، \"زاد المسير\" ٦/ ٣٧٥.\n(٦) في (ب): (يعني).\n(٧) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٩١ أ، \"الطبري\" ٢١/ ١٥٥، \"الماوردي\" ٤/ ٣٩٣.","vol":"18","page":224},{"text":"فوعدهم الله إياها (١).\nوقال قتادة: مكة (٢). وقال الحسن: هي الروم وفارس (٣).\nوقال عكرمة: كل أرض لم يظهر عليها المسلمون إلى يوم القيامة (٤). ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ من العفو والانتقام (قديرًا). وقال مقاتل: من القرى يفتحها (٥) على المسلمين (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3522>٢٨ </span>- قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ﴾ (٧).\nقال المفسرون: إن أزواج النبي -ﷺ- سألنه شيئًا من عرض الدنيا وطلبن منه زيادة في النفقة وآذينه بغيرة بعضهم على بعض، فآلى رسول الله -ﷺ- منهن شهرًا. وأنزل الله آية التخيير، وهو قوله: ﴿قُلْ لِأَزْوَاجِكَ﴾ وكن يومئذ تسعًا: عائشة، وحفصة، وأم حبيبة، وسودة (٨)، وأم سلمة (٩)،\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" ٢/ ٣٤١.\n(٢) انظر: \"تفسير الماوردي\" ٤/ ٣٩٣، \"زاد المسير\" ٦/ ٣٧٥.\n(٣) انظر: \"تفسير الماوردي\" ٤/ ٣٩٣، \"تفسير الطبري\" ٢١/ ١٥٥.\n(٤) انظر: \"الماوردي\" ٤/ ٣٩٣، \"زاد المسير\" ٦/ ٣٧٥.\n(٥) في (ب): (وفتحها).\n(٦) \"تفسير مقاتل\" ٩١ أ.\n(٧) قوله: (وزينتها قعالين أمتعكن) ساقط من (أ).\n(٨) هي: أم المؤمنين سودة بنت زمعة بن قيس القرشية العامرية، وهي أول من تزوج بها النبي -ﷺ- بعد خديجة، وكان ذلك في رمضان سنة ١٠ من البعثة، وهبت يومها لعائشة بعدما كبرت، توفيت ﵂ في آخر خلافة عمر بن الخطاب بالمدينة.\nانظر: \"الاستيعاب بهامش الإصابة\" ٤/ ٣١٧، \"الإصابة\" ٤/ ٣٣٠، \"أسد الغابة\" ٥/ ٤٨٤.\n(٩) هي: أم المؤمنين هند بنت أمية بن المغيرة القرشية المخزومية، أم سلمة زوج =","vol":"18","page":225},{"text":"وهؤلاء من قريش، وصفية الخيبرية (١)، وميمونة الهلالية (٢)، وزينب بنت جحش الأسدية (٣)، وجويرية بنت الحارث (٤)\n_________\n= النبي -ﷺ-، وهي ممن أسلمت قديمًا وهاجرت إلى الحبشة ثم إلى المدينة، وهي آخر أمهات المؤمنين موتًا ﵅ جميعًا، ماتت سنة ٦١ هـ، وقيل ٦٢ هـ. انظر: \"الاستيعاب\" ٤/ ٤٠٥، \"الإصابة\" ٤/ ٤٠٧، \"أسد الغابة\" ٥/ ٥٦٠.\n(١) هي: أم المؤمنين صفية بنت حيى بن أخطب، تزوجها قبل إسلامها سلام بن أبي الحقيق، ثم أخوه كنانة، فقتل عنها يوم خيبر وسبيت وصارت في سهم دحية الكلبي، ثم أخذها النبي -ﷺ- وعوضه عنها، ثم إن النبي -ﷺ- تزوجها وجعل عتقها صداقها وكانت شريفة عاقلة ذات حسب وجمال ودين ﵂، توفيت سنة ٣٦ هـ، - وقيل ٥٠ هـ بالمدينة.\nانظر: \"الاستيعاب\" ٤/ ٣٩١، \"الإصابة\" ٤/ ٣٩٧، \"أسد الغابة\" ٥/ ٥٥٠.\n(٢) هي: أم المؤمنين ميمونة بنت الحارث بن حزن بن بحير بن صعصعة الهلالي، زوج النبي -ﷺ- وخالة خالد بن الوليد وابن عباس، تزوجها أولًا مسعود بن عمرو الثقفي قبيل الإسلام ففارقها وتزوجها أبو رهم بن عبد العزى فمات، فتزوجها النبي -ﷺ- حينما فرغ من عمرة القضاء سنة ٧ هـ وهي من سادات النساء، ماتت ﵂ سنة ٦١ هـ في خلافة يزيد ولها ٨٠ سنة، وقيل ماتت سنة ٥١ هـ.\nانظر: \"الاستيعاب بهامش الإصابة\" ٤/ ٣٠٦، \"الإصابة\" ٤/ ٣٠٧، \"أسد الغابة\" ٥/ ٤٦٣.\n(٣) هي: أم المؤمنين زينب بنت جحش بن رياب، ابنة عمة النبي -ﷺ- أمها أميمة بنت عبد المطلب ابن هاشم، كانت عند زيد مولى النبي -ﷺ- فطلقها ثم تزوجها النبي -ﷺ-، زوجها إياه ربه بنص كتابه بلا ولي ولا شاهد، فكانت تفخر بذلك على أمهات المؤمنين، وكانت من سادة النساء دينًا وورعًا وجودًا ومعروفًا، ماتت ﵂ سنة ٢٠ هـ وصلى عليها عمر.\nانظر: \"الاستيعاب\" ٤/ ٢٥١، \"الإصابة\" ٤/ ٢٥٧، \"أسد الغابة\" ٥/ ٤١٩.\n(٤) هي: أم المؤمنين جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار المصطلقبة سبيت يوم غزوة المريسيع سنة ٥ هجرية وكانت من أجمل النساء وأسلمت وتزوجها النبي -ﷺ- وأطلق الأسارى من قومها، وكان أبوها سيدًا مطاعًا في قومه، وقد قدم على =","vol":"18","page":226},{"text":"المصطلقية (١).\nوقوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ﴾ يعنى متعة الطلاق، وقد ذمنا أحكامها في سورة البقرة (٢). ﴿وَأُسَرِّحْكُنَّ﴾ قال ابن عباس: يريد الطلاق (٣).\n\n﴿سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ قال مقاتل: يعني حسنًا في غير ضرار (٤)، وهذا كقول: ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢<span data-type=\"title\" id=toc-3523>٢٩]</span>، وقد مر. التسريح صريح في الطلاق، وصريح الطلاق عند الشافعي ثلاثة: الطلاق والفراق والسراح، وسائر الألفاظ كنايات، وهي غير محصورة (٥).\nوالسراح اسم من التسريح يقام مقام المصدر كما يقال: أدى أداء.\n\n٢٩ - قال الحسن وقتادة: أمر الله رسوله أن يخير الرسول (٦) أزواجه بين الدنيا والآخرة والجنة والنار، فأنزل قوله (٧): ﴿إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ﴾،\n_________\n= النبي -ﷺ- فأسلم، توفيت ﵂ سنة ٥٠ هجرية\nانظري: \"الاستيعاب\" ٤/ ٢٠١، \"الإصابة\" ٤/ ٢٥٧، \"أسد الغابة\" ٥/ ٤١٩.\n(١) انظر: \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١٩٥ أ، \"تفسير الطبري\" ٢١/ ١٥٦،\"تفسير الماوردي\" ٤/ ٣٩٥.\n(٢) عند تفسير قوله تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ [آية: ٢٣٦]\n(٣) انظر: \"تفسير ابن عباس\" ص ٣٥٣.\n(٤) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٩١ أ.\n(٥) انظر: \"الأم\" للشافعي ٥/ ٢٤٠، \"المغنى\" ١٠/ ٣٥٥.\n(٦) في جميع النسخ: (أن يخير الله)، وهو خطأ.\n(٧) انظر: \"تفسير الطبري\" ٢١/ ١٥٧، \"تفسير ابن أبي حاتم\" ٩/ ٣١٢٨، وأورده السيوطي في \"الدر\" ٦/ ٥٩٦، وزاد نسبته لابن المنذر.","vol":"18","page":227},{"text":"وقوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ﴾ يعني الجنة ﴿فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (١) أي اللائي آثرن منكن الآخرة أجرًا عظيمًا. قال مقاتل: يعني الجنة (٢).\nقال المفسرون: فلما نزلت آية التخيير بدأ رسول الله -ﷺ- بعائشة وخيرها فاختارت الله ورسوله والدار الآخرة، ثم فعلت سائر أزواجه مثل ما فعلت عائشة وقلن: ما لنا وللدنيا، إنما خلقت الدنيا دار فناء والآخرة هي الباقية، والباقية أحب إلينا من الفانية (٣). فلما اخترن الله ورسوله شكرهن الله على ذلك فأنزل: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾ [الأحزاب: ٥٢] الآية، فقصره الله عليهن ورفع منزلتهن على سائر النساء بالتميز عنهن في العقوبة على المعصية والأجر على الطاعة، وهو قوله (٤):\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3524>٣٠ </span>- ﴿مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾. قال مقاتل: يعني العصيان البين (٥). وقال ابن عباس: يعني النشوز وسوء الخلق (٦). ﴿يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ قال مقاتل: يضاعف لها العذاب في الآخرة (٧).\n_________\n(١) في جميع النسخ: (المحصنات)، وهو خطأ.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ٩١ أ.\n(٣) أخرجه البخاري في \"صحيحه\" كتاب التفسير، باب ﴿وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ ٤/ ١٧٩٦ رقم ٤٥٠٧، ومسلم في \"صحيحه\" كتاب الطلاق، باب بيان أن تخيير امرأته لا يكون طلاقًا إلا بنية ٢/ ١١٠٣ رقم (١٤٧٥)، والطبري ٢١/ ١٥٧، وابن كثير ٣/ ٤٨٠.\n(٤) في (ب) زيادة: (وهو قوله: يا نساء النبي لستن كأحد من النساء).\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ٩١ أ.\n(٦) انظر: \"تفسير الماوردي\" ٤/ ٣٩٧، \"زاد المسير\" ٦/ ٣٧٩، \"البغوي\" ٣/ ٥٢٧.\n(٧) \"تفسير مقاتل\" ٩١ أ.","vol":"18","page":228},{"text":"وقال أبو عبيدة في \"تفسيره\" تضعيف العذاب: يجعل الواحد ثلاثة أي: يعذب ثلاثة أعذبة. قال: وكان عليها أن تعذب مرة فإذا ضوعف ضعفين صار العذاب ثلاثة أعذبة؛ لأن ضعف الشيء مثله وضعفيه مثلًا واحده (١).\nقال الزجاج: وليس هذا بشيء؛ لأن معنى يضاعف يجعل عذاب جرمها كعذاب جرمين. الدليل عليه قوله: ﴿نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾، فلا يكون أن تعطى على الطاعة أجرين وعلى المعصية ثلاث أعذبة (٢).\nوقال الأزهري: الذي قاله أبو عبيدة هو ما يستعمله الناس في مجاز كلامهم وما يتعارفونه في خطابهم، وقد قال الشافعي ما يقارب قوله في رجل أوصى فقال: أعطوا فلانًا ضعف ما يصيب ولدي. قال: يعطى مثله مرتين، ولو قال ضعفي ما يصيب ولدي نظرت فإن أصابه مائة أعطيته ثلاثمائة.\nقال: وقد قال الفراء (٣) شبيها بقولهما في قول الله تعالى: ﴿يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ﴾ [آل عمران: ١٣] قال الأزهري: والوصايا يستعمل العرف (٤) الذي يتعارفه المخاطب والمخاطب، وما يسبق إلى الأفهام فيما يذهب الوهم إليه، فأما كلام الله -﷿- فهو عربي مبين، ويرد تفسيره إلى موضع كلام العرب، ولا يستعمل فيه العرف إذا خالف اللغة، والضعف في\n_________\n(١) \"مجاز القرآن\" ٢/ ١٣٦ مع اختلاف في العبارة.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٢٦.\n(٣) في جميع النسخ: (القراة)، والصحيح: الفراء، كما في \"تهذيب اللغة\" ١/ ٤٨٠.\n(٤) في النسخ: (العرب) والصواب: العرف، كما في \"تهذيب اللغة\"، وهنا سقط حرف ولذلك فالكلام موهم، وهو في \"تهذيب اللغة\": يستعمل فيها العرف.","vol":"18","page":229},{"text":"كلام العرب: المثل ما زاد (١) وليس مقصورًا على مثلين فيكون ما قاله (٢) صوابًا، يقال: هذا ضعف هذا أي مثله، وهذا ضعفاه أي مثلاه وثلاثة أمثاله؛ لأن الضعف في الأصل ثلاثة (٣) غير محصورة، ألا ترى إلى قوله: ﴿فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ﴾ [سبأ: ٣٧] ولم يرد به مثلا ولا مثلين، ولكنه أراد بالضعف الأضعاف، وأولى الأشياء به أن يجعل عشرة أمثاله؛ لقوله تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠] فأقل الضعف محصور، وهو المثل وأكثره غير محصور وأما قوله تعالى: ﴿يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ فإذا سياق الآية التي بعدها دل على أن المراد من قوله ضعفين مثلين ألا تراه يقول بعد ذكر العذاب: ﴿نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾ فإذا جعل الله لأمهات المؤمنين من الأجر مثلي ما لغيرهن تفضيلًا لهن على سائر نساء الأمة، فكذلك إذا أتت إحداهن بفاحشة عذبت مثلي ما يعذب غيرها، ولا يجوز أن تعطى على الطاعة أجرين، وتعذب على المعصية ثلاثة أعذبة، وإذا قال الرجل لصاحبه: إن أعطيتني درهما كافأتك بضعفين فمعناه بدرهمين (٤)، ونحو هذا قال ابن قتيبة في الإنكار على أبي عبيدة (٥).\nوقال أبو علي الفارسي: (معنى ﴿يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ زيد في عذابها ضعف كما زيد في ثوابها ضعف في قوله: ﴿نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾\n_________\n(١) في \"تهذيب اللغة\": المثل إلى ما زاد، سقطت كلمة (إلى)، \"تهذيب اللغة\" ١/ ٤٨٠.\n(٢) المقصود به أبو عبيدة، كذا قال الأزهري.\n(٣) في \"تهذيب اللغة\" (زيادة) بدل ثلاثة.\n(٤) \"تهذيب اللغة\" ١/ ٤٨٠ (ضعف)، مع اختلاف في العبارة واختصار.\n(٥) \"تفسير غريب القرآن\" ص ٣٥٠.","vol":"18","page":230},{"text":"فكما ضوعف الأجر، كذلك ضوعف العقوبة والعذاب. ووجه تضعيف العذاب لهن على الفاحشة هو أنهن لما شاهدن من الزواجر وما يروع الذنوب ينبغي أن يمتنعن منها أكثر مما يمتنع مما لا يشاهد ذلك ولا يحضره، فإذا لم يمتنعن استحققن تضعيف العذاب، والضمير في قوله: ﴿لَهَا﴾ يعود على معنى من دون لفظه ولو عاد على لفظ من الذكر (١» (٢).\nقوله تعالى: ﴿وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ يقول: كان عذابها على الله هينا. وقال الربيع بن أنس: في هذه الآية أن الحجة على الأنبياء أشد منها على الأتباع في الخطيئة، وأن الحجة على العلماء أشد منها على غيرهم، وأن الحجة على نساء النبي -ﷺ- أشد منها على غيرهن (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3525>٣١ </span>- قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا﴾ قال ابن عباس: يعني الذين كانوا فيه من طاعة الله (٤). ﴿وَتَعْمَلْ صَالِحًا﴾ قال ابن عباس: [ولم] (٥) يختلف القراء في يأت ويقنت أنهما بالياء، واختلفوا في (تعمل صالحًا) فقرأ حمزة والكسائي بالياء وكذلك نؤتها، وقرأ الباقون بالتاء، نؤتها بالنون، فمن قرأ بالياء فلأن الفعل مسند إلى (من) ولفظ مذكر، ومن قرأ بالتاء حمل على المعنى وترك اللفظ فأنث، ومما يقوي الحمل على المعنى تأنيث الضمير في قوله: (نؤتها) وكان ينبغي على هذا القياس أن يحمل هذه الأفعال على التأنيث ويجعل الكلام على المعنى (٦).\n_________\n(١) الألف زائدة فالكلام في \"الحجة\": على لفظ من الذكر، وهو الصواب.\n(٢) \"الحجة\" ٥/ ٤٧٣.\n(٣) \"تفسير ابن أبي حاتم\" ٢٩/ ٣١٢٩.\n(٤) لم أعثر عليه.\n(٥) ما بين المعقوفين مكرر في (أ).\n(٦) انظر: \"الحجة\" ٥/ ٤٧٤، \"الكشف عن وجوه القراءات السبع .. \" ٢/ ١٩٦.","vol":"18","page":231},{"text":"وقوله: ﴿نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾ قال ابن عباس والكلبي: ضعفين في الآخرة (١). قال مقاتل: مكان كل حسنة يثيب عشرين حسنة (٢). ﴿وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا﴾ قالوا: حسنًا وهو في الجنة، ثم رفع منزلتهن وأظهر فضيلتهن على سائر النسوان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3526>٣٢ </span>- وقوله: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ﴾ قال أبو عبيدة: (أحد) يقع على الأنثى والذكر وعلى ما ليس من الآدميين، يقال: ليس فيها أحد لا شاة ولا بعير (٣).\nوقال أبو إسحاق: لم يقل كواحدة من النساء؛ لأن أحدًا نفي عام للمذكر والمؤنث والواحد والجماعة (٤). قال الله تعالى: ﴿فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ [الحاقة: ٤٧].\nقال قتادة: لستن كأحد من نساء هذه الأمة (٥)\nقال عطاء عن ابن عباس: يريد ليس قدركن عندي مثل قدر الصالحات من النساء، أنتن أكرم علي وأنا (٦) بكم أرحم، وثوابكن أعظم من ثواب جميع الخلائق (٧) لأنكن أزواج حبيبي -ﷺ- ﴿إِنِ اتَّقَيْتُنَّ﴾ يريد إن خفتن الله، وشرط عليهن التقوى في كونهن أفضل النساء بيانًا أن فضلهن\n_________\n(١) انظر: \"تفسير ابن عباس\" ص ٣٥٣.\n(٢) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٩١ ب.\n(٣) انظر: \"مجاز القرآن\" ٢/ ١٣٧.\n(٤) انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٢٤.\n(٥) انظر: \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ١١٦، \"الطبري\" ٢٢/ ٢، \"الماوردي\" ٤/ ٣٩٨.\n(٦) في (ب): (فأنا).\n(٧) انظر: \"الوسيط\" ٣/ ٤٦٩، \"البغوي\" ٣/ ٥٢٧، \"زاد المسير\" ٦/ ٧٨.","vol":"18","page":232},{"text":"عند الله إنما يكون بالتقوى لا باتصال أنسابهن بالنبي -ﷺ- كي لا يعتمدن على ذلك.\nقوله تعالى: ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ﴾ قال ابن عباس: يريد لا تلن الكلام لغير رسول الله (١). وقال السدي: لا ترققن القول (٢). ﴿فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ قال ابن عباس والسدى: يريد زنا (٣).\nوقال مقاتل: يعني: (٤) الفجور في أمر الزنا (٥). وقال قتادة: نفاق (٦).\nوالمعنى: لا تقلن قولًا يجد منافق أو فاجر به سبيلا إلى أن يطمع في موافقتكن له، ولهذا قال أصحابنا: المرأة مندوبة إذا خاطبت الأجانب إلى الغلظة في المقالة. لأن ذلك أبعد من الطمع في الزينة، وكذلك إذا خاطبت محرمًا عليها بالمصاهرة. ألا ترى أن الله تعالى أوصى أمهات المؤمنين وهن محرمات على التأبيد بهذه الوصية.\nقوله تعالى: ﴿وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ قال ابن عباس: يكلمن بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (٧). وقال الكلبي: صحيحًا جميلًا لا يطمع فاجر (٨).\n_________\n(١) انظر: \"تفسير ابن عباس\" ص ٣٥٣، \"البحر المحيط\" ٧/ ٢٢٢، وذكره الفراء في \"معاني القرآن\" ٢/ ٢٢٢، ولم ينسبه لأحد.\n(٢) انظر: \"ابن أبي حاتم\" ٩/ ٣١٣٠، \"ابن كثير\" ٣/ ٤٨٢، \"زاد المسير\" ٦/ ٥٩٩.\n(٣) انظر: \"تفسير الماوردي\" ٤/ ٣٩٩، \"تفسير ابن عباس\" ص ٣٥٣.\n(٤) في (ب): (يريد).\n(٥) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٩١ ب.\n(٦) انظر: \"تفسير الطبري\" ٢٢/ ٣، \"القرطبي\" ١٤/ ١٧٧، \"مجمع البيان\" ٨/ ٥٥٨.\n(٧) انظر: \"تفسير القرطبي\" ١٤/ ١٧٨، ولم أجد من ذكر هذا القول غيره.\n(٨) انظر: \"الماوردي\" ٤/ ٣٩٩، وذكر القول ابن الجوزي ٦/ ٣٧٩، ولم ينسبه لأحد.","vol":"18","page":233},{"text":"وقال أبو إسحاق: أي قلن ما يوجبه [الدين] (١) والإسلام بغير خضوع فيه، بل بتصريح وبيان (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3527>٣٣ </span>- قوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ قال: يقِر يقَر وقارًا إذا سكن، والأمر منه: قر، وللنساء: قرن، مثل عدن وزن، ونحو ذلك بما حذف منه الفاء وهي واو، فتبقى من الكلمة علن ومعناه: الأمر لهن بالتوقير والسكون في بيوتهن وأن لا يخرجن، ويجوز أن يكون أمرًا لهن من قر في مكانه يقر، فإذا أمرتهن قال: أقررن، فتبدل من العين الياء كراهية التضعيف كما أبدل في قيراط ودينار، ويصير لها حركة الحرف المبدل فيكون في التقدير: أقرن، ثم تلقى حركة الياء على القاف كراهية لتحرك ما بعدها فتصير الياء بالكسر [فتسقط التاء] (٣) لاجتماع الساكنين، وتسقط همزة الوصل لتحرك ما بعدها فتصير قرن. وقرأ أهل المدينة وعاصم: و(قرن) بفتح القاف (٤).\nوقال أبو إسحاق: هو من قررت بالمكان أقر والمعنى واقررن، فإذا خففت صار: وقرن، حذف العين لثقل التضعيف وألقيت حركتها على القاف (٥).\nقال الفراء: وهو كما قال: هل أحسست (٦) صاحبك. يريد وإن\n_________\n(١) (الدين) غير واضح في النسخ، والتصحيح من \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٢٢٤.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٢٤.\n(٣) ما بين المعقوفين طمس في (ب).\n(٤) انظر: \"الحجة\" ٥/ ٤٧٥، \"الكشف عن وجوه القراءات السبع\" ٢/ ١٩٧\n(٥) \"الحجة\" ٥/ ٤٧٥.\n(٦) هكذا هي في (أ)، وفي (ج) عباس هكذا: هل أحسم أحسب صاحبك، وهو خطأ، والصواب هل أحست، كما في \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٣٤٢.","vol":"18","page":234},{"text":"أحسست، وكما قال: ﴿فَظَلْتُمْ﴾ [الواقعة: ٦٥]، وقد قال أعرابي من بني نمير: ينحطن من الجبل يريد ينحططن (١).\nوقال أبو علي: الوجه في القراءة الكسر؛ لأنه يجوز من وجهين لا إشكال في جوازه وهما من القرار والوقار، وفتح القاف فيه خلاف؛ لأن قررن ثبت في المكان أقر، لا يجوزه كثير من أهل اللغة، وأبو عثمان يزعم أن قررت في المكان لا يجوز إنما يكون الكسر في قولهم: قررت به عينا (٢).\nوقال أبو عبيد: كان أشياخنا من أهل العربية ينكرون القراءة بالفتح (٣). وأجاز الفراء والزجاج وأبو عبيدة وأبو الهيثم: قررت في المكان أقر، وجعلوا وجه هذه القراءة من قررت بالكسر على تخفيف المضاعف (٤) كما بينا (٥).\nوقال ابن قتيبة: لم تسمع يقر بفتح القاف إلا في قرة العين، فأما (٦) في الاستقرار فإنما يتوقر بالمكان يقر مكسورة القاف، ولعل الفتح لغة (٧).\nقال ابن عباس في قوله: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ يريد الحجاب، يعني\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" ٢/ ٣٤٢ باختصار شديد.\n(٢) \"الحجة\" ٥/ ٤٧٥ مع اختلاف شديد في العبارة\n(٣) انظر: \"إعراب القرآن\" للنحاس ٣/ ٣١٣.\n(٤) في (ب): (المضعف).\n(٥) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٣٤٢، \"معاني القرآن وإعرابه\" للزجاج ٤/ ٢٢٥، \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ٢/ ١٣٧، \"تهذيب اللغة\" ٨/ ٢٧٨ (قر).\n(٦) في (ب): (وأما).\n(٧) \"تفسير غريب القرآن\" ص ٣٥١.\nوانظر: \"علل القراءات\" ٢/ ٥٤٠ \"الحجة\" ٥/ ٤٧٥، \"الدر المصون\" ٩/ ١٢٠.","vol":"18","page":235},{"text":"الستر بلزوم البيت (١).\nوقال مقاتل بن سليمان: ولا يخرجن (٢).\nوقال مقاتل بن حيان: أن يستقررن في بيوتهن (٣) (٤).\nقوله: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ﴾ قال أبو عبيدة: التبرج أن تخرج محاسنها (٥). وقال أبو إسحاق: التبرج إظهار الزينة مما يستدير به شهوة الرجل (٦).\nوقال المبرد: التبرج أن تبدي من محاسنها ما يجب عليها ستره، وأصله من البرج يقال: في عينه برج أي: سعة، وكذلك في أسنانه برج إذا تفرق ما بينهما، وجملته إظهار ما ينبغي أن يخفى (٧).\nوقال الليث: تبرجت المرأة إذا أبدت محاسنها من وجهها وجسدها، وترى مع ذلك من عينيها حسن نظر (٨). ومعنى ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ﴾ الأمر بالعفة ولزوم البيت قاله مقاتل (٩).\nوقال مجاهد: التبرج التبختر (١٠).\n_________\n(١) \"تفسير ابن عباس\" ص ٣٥٣ مع اختلاف في العبارة، وذكره ابن كثير ٣/ ٤٨٢ ولم ينسبه، وكذا ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٦/ ٣٧٩ ولم ينسبه.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ٩١ ب.\n(٣) في (ب): (بيوتكن).\n(٤) لم أعثر عليه.\n(٥) \"مجاز القرآن\" ٢/ ١٣٨.\n(٦) انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٢٥.\n(٧) انظر: \"تفسير القرطبي\" ١٤/ ١٧٩.\n(٨) انظر: \"تهذيب اللغة\" ١١/ ٥٥ (برج).\n(٩) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٩١ ب.\n(١٠) \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١٩٧ أ.","vol":"18","page":236},{"text":"وقال قتادة: كانت لنساء الجاهلية الأولى تكسر وتغنج فنهين هؤلاء عن ذلك (١). وهذا الذي ذكره معنى التبرج لا تفسيره. وتفسيره: إظهار الزينة، وكن يظهرن محاسنهن عند التبختر في مشيهن، ذلك فسر التبرج بالتبختر.\nقوله: ﴿تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ معناه تبرج (٢) أهل الجاهلية فحذف المضاف، واختلفوا في الجاهلية الأولى، متى كانت؟ فقال الحكم: هي ما بين آدم ونوح ثمانمائة سنة كانت نساؤهم قباحًا ورجالهم حسانًا، وكانت المرأة تتكلف في إظهار محاسنها للرجل (٣).\nوروى عكرمة عن ابن عباس: الجاهلية الأولى فيما بين نوح وإدريس وكانت ألف سنة، وكان في ذلك الزمان بطنان من ولد آدم، أحدهما يسكن الجبل وكانت نساؤهم قباحًا ورجالهم صباحًا، والآخر كان يسكن السهل ونساؤهم صباحًا وكان في رجالهم ذمامة، فاتخذ إبليس شيئًا مثل الذي يزمر فيه الرعاء وجاء بصوت لم يسمع الناس مثله، فانتابوه واجتمعوا عليه، فرأى رجال الجبال نساء السهل وصباحتهن فتحولوا إليهن ونزلوا مع أهل السهل وتبرجت النساء للرجال الصباح من أهل الجبل وظهرت فيهم الفاحشة (٤).\nوقال الكلبي: الجاهلية الأولى هي الزمان الذي ولد فيه إبراهيم -﵇-، كانت المرأة من أهل ذلك الزمان تتخذ الدرع من اللؤلؤ فتلبسه ثم\n_________\n(١) انظر: \"تفسير الطبري\" ٢٢/ ٤، \"تفسير الماوردي\" ٤/ ٣٣٩.\n(٢) في (أ): (التبرج).\n(٣) انظر: \"الثعلبي\" ٣/ ١٩٧/ أ، \"تفسير الطبري\" ٢٢/ ٤، \"القرطبي\" ١٤/ ١٧٩.\n(٤) انظر: \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١٩٧ ب، \"الطبري\" ٢٢/ ٤، \"السمرقندي\" ٣/ ٤٩.","vol":"18","page":237},{"text":"تمشي بين يدي الرجال ليس عليها شيء غيره، وكان ذلك في زممان نمرود الجبار والناس كلهم كفار (١). وهذا قول مقاتل بن حيان، قال: الجاهلية الأولى زمان إبراهيم، والثانية زمان محمد -ﷺ- قبل أن يبعث (٢).\nقال الشعبي: هي ما بين عيسى ومحمد (٣). وهو قول مقاتل بن سليمان، قال: هو قبل أن يبعث محمد رسولًا (٤). ونحوه قال ابن عباس (٥). وقال قتادة: هي ما قبل الإسلام (٦).\nوقال أبو إسحاق: والأشبه أن تكون زمان عيسى إلى زمان محمد -﵇-. لأنهم هم الجاهلية المعروفون، وكانوا يتخذون البغايا يغللن لهم، قال: ومعنى الأولى هاهنا التقدم، يقال لكل شيء متقدم ومتقدمة: أولى وأول، وتأويله أنهم تقدموا أمة محمد -﵇- (٧).\nوقال المبرد: معنى الأولى القديمة، وكانوا يبدلون أمورًا بحسب الظن بها، من ذلك أن المرأة تجتمع مع زوجها وخلمها (٨) فيكون للزوج نصفها الأسفل والأعلى للخلم لا يمنع من ترشفها وتقبيلها، ولهذا يقول أحد الخلوم لزوج صاحبته:\n_________\n(١) انظر:\"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١٩٧ ب، \"السمرقندي\" ٣/ ٤٩، \"زاد المسير\" ٦/ ٣٨٠.\n(٢) انظر:\"البحر المحيط\" ٧/ ٢٢٣.\n(٣) انظر: \"تفسير الطبري\" ٢٢/ ٤، \"الماوردي\" ٤/ ٤٠٠، \"زاد المسير\" ٦/ ٣٨٠.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٢٧٥.\n(٥) انظر: \"الدر المنثور\" ٦/ ٦٠٢، وقال: أخرج ابن مردويه عن ابن عباس.\n(٦) انظر: \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١٩٧ ب، \"البغوي\" ٣/ ٥٢٨، \"مجمع البيان\" ٨/ ٥٥٨.\n(٧) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٢٥.\n(٨) الخلم هو: الصديق، يسمى خلمًا لألفته. انظر: \"تهذيب اللغة\" ٧/ ٤٣٢ (خلم).","vol":"18","page":238},{"text":"فهل لك في البدال أبا خبيب ... فأرضى بالأكارع والعجوز (١)\nقوله تعالى: ﴿وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ﴾ قال ابن عباس: يريد عند مواقيتها (٢). ﴿وَآتِينَ الزَّكَاةَ﴾ يريد عند محلها. ﴿وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ قال عطاء: طاعتهما اتباع الكتاب والسنة (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3528>٣٣ </span>- قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ يقال: أردت لأفعل كذا وأن أفعل كذا، قال الله تعالى بما أوصاكن من الطاعة ولزوم البيت.\n﴿لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾. قال ابن عباس: يريد عمل الشيطان وما ليس لله فيه رضا (٤). وقال مقاتل: يعني الإثم الذي يحصل مما نهاهن عنه وأمرهن بتركه (٥).\nوقال قتادة: يعني السوء (٦). وقال أبو عمرو بن العلاء: القذر الرجس (٧). وهذا مما سبق الكلام في تفسيره (٨).\nواختلفوا في المراد بأهل البيت هاهنا، من هم؟ فقال ابن عباس في\n_________\n(١) انظر: \"البحر المحيط\" ٨/ ٤٧٧، فقد ذكر قول المبرد ونسبه له، ولم يذكر البيت الذي استشهد به، وكذا القرطبي ١٤/ ١٨٠ وذكر الماوردي القول مع استشهد به غير منسوب لأحد ٤/ ٤٠٠. وهذا البيت من الوافر، ولم أقف على قائله.\n(٢) و(٣) لم أقف عليه.\n(٤) انظر: \"تفسير البغوي\" ٣/ ٥٢٨. \"مجمع البيان\" ٨/ ٥٥٨.\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ٩١ ب.\n(٦) انظر: \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١٩٧ ب،\"تفسير الطبري\" ٢٢/ ٥، \"البغوي\" ٣/ ٢٧٥.\n(٧) لم أقف عليه.\n(٨) لعله عند قوله تعالى في المائدة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: من الآية: ٩٠]","vol":"18","page":239},{"text":"رواية سعيد بن جبير: هذا في نساء النبي -ﷺ- (١).\nوقال عكرمة: إنما هو في أزواج النبي -ﷺ- خاصة (٢).\nوقال مقاتل: يعني بها نساء النبي كلهن؛ لأنهن في بيته (٣).\nوقال الكلبي: يعني بذلك نساء النبي -ﷺ- (٤).\nوهؤلاء احتجوا بما تقدم من الخطاب وما تأخر، وهو قوله: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى﴾ الآية. وكل ذلك خطاب لأزواج رسول الله -ﷺ- خاصة. قالوا: وإنما ذكر الخطاب في قوله: عنكم ويطهركم، لأن رسول الله -ﷺ- كان فيهم، وإذا اجتمع المذكر والمؤنث غلب المذكر (٥).\nوقال آخرون: هذا خاص في النبي -﵇- وفاطمة وعلي والحسن والحسين.\nوهو قول أبي سعيد الخدري (٦)، ورووا في هذا روايات عن أم سلمة وعائشة وواثلة بن الأسقع (٧)، وأنس بن مالك أن النبي -ﷺ- غشا هؤلاء\n_________\n(١) انظر: \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١٩٧ ب، \"القرطبي\" ١٤/ ١٨٢، \"تفسير ابن أبي حاتم\" ٩/ ٣١٣٢، وأورده السيوطي في \"الدر\" ٦/ ٦٠٢، وزاد نسبته لابن عساكر.\n(٢) انظر: \"تفسير الطبري\" ٢٢/ ٨،\"القرطبي\" ١٤/ ١٨٢، \"الدر المنثور\" ٦/ ٦٠٣، وقال: أخرج ابن جرير وابن مردويه عن عكرمة، \"تفسير ابن أبي حاتم\" ٩/ ٣١٣٢.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ٩١ ب.\n(٤) ذكره أبو حيان في \"البحر المحيط\" ٧/ ٢٢٤.\n(٥) انظر: \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١٩٧ ب.\n(٦) انظر: \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١٩٧ ب، \"تفسير الطبري\" ٦/ ٢٢، \"الدر المنثور\" ٦/ ٦٠٤، وقال: أخرج ابن مردويه والخطيب عن أبي سعيد الخدري.\n(٧) هو: واثلة بن الأسقع بن كعب بن عامر الليثي من أصحاب الصفة، أسلم سنة ٩ هـ، وشهد غزوة تبوك، وكان من فقراء المسلمين -﵁-، وقد اعتمده البخاري وغيره، توفي -﵁- سنة ٨٣ هـ، وقيل: ٨٥ هـ وكان آخر من مات من الصحابة بدمشق.\nانظر: \"الاستيعاب\" ٤/ ٦٠٦، \"الإصابة\" ٤/ ٥٨٩، \"سير أعلام النبلاء\" ٣/ ٣٨٣.","vol":"18","page":240},{"text":"بكساء، وقال: \"اللهم هؤلاء أهل بيتي وخاصتي، فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرًا\" (١). وهذا لا يدل على أن هذه الآية خاصة فيهم؛ لأن هذه الرواية تدل على أن النبي -ﷺ- دعا لهم بهذا الدعاء، وسأل الله أن يطهرهم، لا جرم أنه استجيب له فيهم بالتطهير، ولقد أحسن أبو إسحاق في تفسير هذه الآية، فقال: اللغة تدل على أنه للنساء والرجال جميعًا؛ لقوله: ﴿عَنْكُمُ﴾ و﴿وَيُطَهِّرَكُمْ﴾ بالميم، ولو كان للنساء لم يجز إلا عنكن ويطهركن، ودليله: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ حين أفرد النساء بالخطاب (٢). وعلى هذا هو خطاب لأزواج النبي -ﷺ- ورجال بيته، قال: وانتصب (أهل البيت) على معنى: أعني أهل البيت، وهو منصوب على المدح قال: ويكون على النداء على معنى: يا أهل البيت) (٣).\nقوله: ﴿وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾. قال مقاتل: من أثم ما ذكر في هذه الآيات (٤). والمعنى من نجاسات الجاهلية؛ لأن ما أمرن به كله مضاد لأهل معان الجاهلية، ثم وعظهن ليتفكرن وامتن عليهن [بقوله] (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3529>٣٤ </span>- قوله: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ﴾ يعني: القرآن. ﴿وَالْحِكْمَةِ﴾. قال مقاتل: يعني أمره ونهيه في القرآن (٦).\n_________\n(١) انظر: \"الثعلبي\" ٣/ ١٩٧ ب، \"تفسير الطبري\" ٢٢/ ٦، \"تفسير ابن كثير\" ٣/ ٤٨٤ وما بعدها، وذكر هذه الروايات السيوطي في \"الدر\" ٦/ ٦٠٢ وما بعدها، \"تفسير ابن أبي حاتم\" ٩/ ٣١٣٣.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٢٦.\n(٣) المرجع السابق.\n(٤) لعل الكلام هنا خطأ، والصواب كما في \"تفسير مقاتل\" ٩٢ أ: من الإثم الذي ذكر في هذه الآيات.\n(٥) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).\n(٦) \"تفسير مقاتل\" ٩٢ أ.","vol":"18","page":241},{"text":"وقال عطاء عن ابن عباس: آيات الله، ما ذكر من الثواب لأوليائه والعقاب لأعدائه، والحكمة حدود الله ومفترضاته (١).\nوقال غيره: آيات الله القرآن، والحكمة النبوة، وهي في بيوتهن. ونحو هذا قال قتادة في قوله: ﴿آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ قال: القرآن والسنة (٢). وهذا حث لهن على حفظ القرآن ومذاكرتهما (٣)؛ للإحاطة بحدود الشريعة. والخطاب وإن اختص نساء النبي -ﷺ- فغيرهن داخل فيه، فإن كثيرًا من الخطاب يختص لفظه ويعم معناه. قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾ أي بأوليائه. ﴿خَبِيرًا﴾ بجميع خلقه، قاله ابن عباس. وقال مقاتل: لطف علمه إن خضعن بالقول خبيرًا به (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3530>٣٥ </span>- قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ اختلفوا في سبب نزول هذه الآية؛ فروى قابوس عن ابن عباس قال: قالت النساء للنبي -ﷺ-: ماله ليس يذكر النساء، [فأنزل الله إلا المؤمنين وليس يذكر المؤمنات (٥) بشيء] (٦) فأنزل الله هذه الآية (٧).\nوقال مجاهد: قالت أم سلمة: يا رسول الله يذكر الرجال ولا يذكر\n_________\n(١) لم أقف عليه.\n(٢) انظر: \"تفسير الطبري\" ٢٢/ ٩،\"تفسير البغوي\" ٣/ ٥٢٩، \"معاني القرآن\" للنحاس ٥/ ٣٤٩.\n(٣) لعل مراد المؤلف أن الضمير يعود إلى القرآن والسنة.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ٩١ أ.\n(٥) في (ب): (المؤمنين منات)، وهو خطأ.\n(٦) ما بين المعقوفين يظهر أنه زيادة.\n(٧) انظر: \"تفسير الطبري\" ٢٢/ ١٠، وذكره السيوطي في \"الدر\" ٦/ ٦٠٨، وزاد نسبته للطبراني وابن مردويه عن ابن عباس.","vol":"18","page":242},{"text":"النساء، فأنزل الله هذه الآية (١).\nوقال الكلبي ومقاتل: إن أم سلمة وأنيسة بنت كعب (٢) أتيا رسول الله -ﷺ- فقالتا: يا رسول الله ما نرى ربنا يذكر النساء في شيء من كتابه، إنما يذكر الرجال بالفضيلة والجزاء نخشى أن لا يكون فيهن خير ولا لله فيهن حاجة، فنزلت هذه الآية (٣).\nوقال عكرمة: أتت أم عمارة الأنصارية للنبي -ﷺ- فقالت: ما أرى كل شيء إلا للرجال، وما أرى للنساء (٤) يذكرن بشيء، فنزلت هذه الآية (٥).\nوقال مقاتل بن حيان: لما رجعت أسماء (٦) بنت جحش من الحبشة\n_________\n(١) انظر: \"تفسير الطبري\" ٢٢/ ١٠، ورواه الحاكم في \"المستدرك\" كتاب التفسير، تفسير سورة الأحزاب ٢/ ٤١٦، وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وذكره السيوطي في \"الدر\" ٦/ ٦٥٨، وزاد نسبته لسعيد بن منصور وعبد الرزاق والترمذي وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني.\n(٢) هي: أنيسة، ويقال نسيبة بنت كعب، أم عمارة، هي التي قالت للنبي -ﷺ-: ما لنا لا نذكر بخير فأنزل الله هذه الآية.\nانظر: \"الإصابة\" ٤/ ٢٤١، \"أسد الغابة\" ٥/ ٤٠٧.\n(٣) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٩٢ أ، وذكره الثعلبي ٣/ ٩٩ أ، عن مقاتل أيضًا ولم أقف على من نسبه للكلبي.\n(٤) هكذا في النسخ! والصواب: النساء.\n(٥) انظر: \"القرطبي\" ١٤/ ١٨٥ ونسبه للترمذي عن أم عمارة.\n(٦) هكذا في المخطوط! والصحيح أنها بنت عميس، وهي: أسماء بنت عميس بن معد بن الحارث الخثعمبة من خثعم، وكانت ﵂ من المهاجرات إلى الحبشة مع زوجها جعفر بن أبي طالب ثم هاجرت إلى المدينة، فلما قتل جعفر تزوجها أبو بكر رضي الله تعالى عنه ثم مات عنها فتزوجها علي بن أبي طالب، وقد ولدت منهم جميعًا.\nانظر: \"الاستيعاب\" ٤/ ٢٣٠، \"الإصابة\" ٤/ ٢٢٥، \"أسد الغابة\" ٥/ ٣٩٥.","vol":"18","page":243},{"text":"مع زوجها جعفر بن أبي طالب دخلت عى نساء رسول الله -ﷺ- فقالت: هل نزل فينا شيء من القرآن؟ قلن: لا. فأتت رسول الله -ﷺ- فقالت: يا رسول الله إن النساء لفى خسة وخسار. قال رسول الله -ﷺ-: \"ومما ذاك؟ \" قالت: لأنهن لا يذكرن بخير كما تذكر الرجال، فأنزل الله هذه الآية (١).\nوقال قتادة: لما ذكر الله نساء النبي دخل نساء من المسلمات عليهن فقلن: ذكرتم ولم نذكر، فأنزل الله هذه الآية (٢).\nوقال الفراء: الخطاب إذا ورد بلفظ التذكير اشتمل على الذكور والإناث جميعًا، فإذا قيل المسلمون والمؤمنون كانت الإناث في جملتهم، غير أنهن أردن أن يخصصن بالذكر ويذكرون باللفظ الخاص لهن فذكرهن لذلك، هذا معنى كلام الفراء (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3531>٣٥ </span>- وقوله: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ قال ابن عباس: يريد الذين أسلموا في الظاهر والباطن ولم يعدلوا به شيئًا، وسلم جميع الخلق من غشهم، وأحبوا للناس ما أحبوا لأنفسهم، وكانوا لليتيم مثل الأب، وللأرملة مثل الزوج، ونصحوا لله في أنفسهم وفي خلقه (٤).\nوقال مقاتل: يعني المخلصين بالتوحيد (٥).\n_________\n(١) انظر: \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١٩٩ أ، إلا أنه قال: أسماء بنت عمير، وذكره الواحدي في \"أسباب النزول\" له ص ٣٧٥ بدون سند، وذكره البغوي في \"تفسيره\" ٣/ ٥٢٩، ولم ينسبه لأحد.\n(٢) انظر: \"تفسير السمرقندي\" ٣/ ٥٠، \"تفسير الطبري\" ٢٢/ ١٠، \"زاد المسير\" ٦/ ٣٨٤.\n(٣) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٣٤٣.\n(٤) لم أقف عليه.\n(٥) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٩٢ أ.","vol":"18","page":244},{"text":"وقال عطاء [من] (١) فوض أمره إلى الله فهو داخل في قوله: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ (٢).\nقال ابن عباس: يريد الذين صدقوا بتوحيد الله وبما جاء به محمد -ﷺ- وصدقوا بالبعث والثواب والعقاب (٣).\nوقال مقاتل: يعني المصدقين بالتوحيد والمصدقات (٤).\nوقال عطاء: من أقر بأن الله ربه ومحمدًا رسوله ولم يخالف قلبه لسانه، فهو من هذه الجملة (٥).\nوقوله: ﴿وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ﴾ قال ابن عباس ومقاتل: المطيعين لله فيما افترض وأمر ونهى والمطيعات (٦).\nوقال عطاء: من أطاع الله في الفرض والرسول في السنة فهو من هذه الجملة (٧). ﴿وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ﴾ قال ابن عباس: في المواطن وفيما نذروا لله وفيما ساءهم وسرهم (٨).\nوقال مقاتل: ﴿وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ﴾ في إيمانهم (٩).\nوقال عطاء: من صان قوله عن الكذب فهو من هذه الجملة (١٠).\n_________\n(١) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).\n(٢) انظر: \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١٩٩ أ، \"تفسير البغوي\" ٣/ ٥٣٠.\n(٣) لم أقف عليه.\n(٤) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٩٢أ.\n(٥) انظر: \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١٩٩ أ، \"تفسير البغوي\" ٣/ ٥٣٠.\n(٦) انظر: \"تفسير ابن عباس\" ص ٤٢٢، \"تفسير مقاتل\" ٩٢ أ.\n(٧) انظر: \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١٩٩ ب، \"تفسير البغوى\" ٣/ ٥٣٠.\n(٨) لم أقف عليه عن ابن عباس وانظر: \"تفسير هود بن محكم\" ٣/ ٣٦٩.\n(٩) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٩٢ أ.\n(١٠) انظر: \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١٩٩ ب، \"تفسير البغوي\" ٣/ ٥٣٠.","vol":"18","page":245},{"text":"﴿وَالصَّابِرِينَ﴾ على ما أصابهم من الضر والبؤس والفقر وجيمع المصائب ﴿وَالصَّائِمَاتِ﴾ قاله ابن عباس (١). وقال مقاتل: والصابرين علي ما أمر الله والصابرات (٢).\nوقال عطاء: من صبر على الطاعة وعن المعصية وعلى الرزية فهو من هؤلاء (٣).\nقوله تعالى: ﴿وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ﴾ قال ابن عباس: يريد والذين خشعت قلوبهم من خوف الله (٤). ﴿إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ من خشية الله وازدادوا لله يقينًا وللدنيا بغضًا. وقال مقاتل: يعني المتواضعين والمتواضعات (٥). قال عطاء: من صلى فلم يعرف من عن يمينه ويساره فهو منهم (٦).\nوقوله: ﴿وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ﴾ قال ابن عباس: يتصدقون بالأموال ومما رزقهم الله من الثمار والمواشي وكل ما ملكوا يطلبون ما عند الله موقنين بالخلف والثواب (٧).\nقال عطاء: من صدق (٨) في كل أسبوع بدرهم فهو من هذه الجملة (٩).\n_________\n(١) لم أقف عليه\n(٢) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٩٢ أ.\n(٣) انظر: \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١٩٩ ب، \"تفسير البغوي\" ٣/ ٥٣٠.\n(٤) لم أقف عليه\n(٥) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٩٢ أ.\n(٦) انظر: \"تفسير الثعلبي\" ١٩٩/ ٣ ب، \"تفسير البغوي\" ٣/ ٥٣٠.\n(٧) لم أقف عليه.\n(٨) هكذا في النسخ! ولعل الصواب: تصدق، وهكذا ذكره الثعلبي ٣/ ١٩٩.\n(٩) انظر: \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١٩٩ ب، \"تفسير البغوي\" ٣/ ٥٣٠.","vol":"18","page":246},{"text":"[قوله] (١): ﴿وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ﴾ قال ابن عباس: الصائمين لله بنية صادقة، لا يغتابون أحدًا، ولا يتحدثون بكذب ولا يتأملون خلق امرأة، ولا يحدون النظر إليها، فإن هذه الخصال تفطر الصائم، وبكون فطرهم من حلال (٢).\nوقال عطاء: من صام من كل شهر الأيام البيض فهو من هذه الجملة (٣).\nقوله: ﴿وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ﴾ واستغنى عن ذكر الهاء بما تقدم، ومثله: (ونخلع ونترك من يفجرك) المعنى: ونخلع من يفجرك ونتركه، وأنشد:\nوكمتا مدماة كأن متونها ... جرى فوقها واستشعرت لون مذهب (٤)\nعلى رفع لون. المعنى: جرى فوقها لون مذهب واستشعرته (٥).\nوقوله تعالى: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ﴾ قال ابن عباس: يريد\n_________\n(١) ما بين المعقوفين بياض في (أ).\n(٢) لم أقف عليه.\n(٣) انظر: \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١٩٩ ب، \"تفسير البغوي\" ٣/ ٥٣٠.\n(٤) البيت من الطويل، لكميت الغنوي في \"ديوانه\" ص ٢٣، \"تهذيب اللغة\" ١٤/ ٢١٧ (كمت)، \"اللسان\" ٢/ ٨١ (كمت)، \"الكتاب\" ١/ ٧٧.\nوكمتا جمع أكمت، والكمتة: لون بين السواد والحمرة يكون في الخيل والإبل وغيرهما.\nومدماة: أي مشوبة بلون الدم.\nانظر: \"اللسان\" ٢/ ٨١ (كمت)، ١٤/ ٢٧٠ (دمى).\n(٥) انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" للزجاج ٤/ ٢٢٧، و\"معاني القرآن\" للنحاس ٥/ ٣٥٠.","vol":"18","page":247},{"text":"في أدبار الصلوات وغدوًا وعشيًا وفي المضاجع، وكلما استيقظ من نومه، وكلما غدا وراح من منزله ذكر الله -﷿- (١). وقال مجاهد: لا يكون العبد من الذاكرين الله كثيرًا والذاكرات حتى يذكر الله قائمًا وقاعدًا ومضطجعًا (٢) وقال رسول الله -ﷺ-: \"من استيقظ من الليل وأيقظ امرأته فصليا (٣) جميعًا ركعتين كتبا من الذاكرين الله كثيرًا والذاكرات\" (٤).\nوقال أبو إسحاق: المعنى والذاكراته وحذف الهاء. على ما ذكرناه (٥) في الحافظات (٦).\nوقال عطاء: من صلى الصلوات الخمس بحقوقها فهو داخل في قوله: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ﴾ (٧).\nوقوله: ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً﴾. قال ابن عباس ومقاتل: مغفرة لذنوبهم (٨). ﴿وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ ثوابًا جزيلًا وهو الجنة.\n_________\n(١) لم أقف عليه عن ابن عباس، انظر: \"تفسير ابن أبي حاتم\" ٩/ ٣١٣٤.\n(٢) انظر: \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١٩٩ ب، \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ١١٧.\n(٣) في (ب): (وصليا).\n(٤) أخرجه أبو داود في \"سقط كتاب الصلاة، باب قيام الليل ٢/ ٣٣، رقم الحديث ١٣٠٩ عن أبي هريرة، وابن ماجه في \"سننه\" أبواب إقامة الصلاة، باب: ما جاء فيمن أيقظ أهله من الليل ١/ ٢٤٢، رقم الحديث ١٣٢٩ عن أبي هريرة وأبي سعيد الخدري، والحاكم في \"المستدرك\"، كتاب صلاة التطوع، باب: توديع المنزل بركعتين ١/ ٣١٦ عن أبي هريرة وأبي سعيد الخدري، وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه\n(٥) الضمير (الهاء) ساقط من (ب).\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢٢٧/ ٤.\n(٧) انظر: \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١٩٩ ب، \"تفسير البغوي\" ٣/ ٥٣٠.\n(٨) انظر: \"تفسير ابن عباس\" (٣٥٤)، \"تفسير مقاتل\" ٩٢ ب.","vol":"18","page":248},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3532>٣٦ </span>- وقوله: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾. قال المفسرون (١): نزلت في عبد الله بن جحش وأخته زينب، وكانا ابني عمة النبي -ﷺ-، فخطب النبي -ﷺ- زينب لزيد بن حارثة مولاه، وهي تظن أنه يخطبها لنفسه، فلما علمت أنه يخطبها لزيد كرهت ذلك وكذلك أخوها، فلما نزلت الآية رضيا وسلما، فزوجها رسول الله -ﷺ- من زيد.\nوقوله ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ﴾ يعني: عبد الله بن جحش. ﴿وَلَا مُؤْمِنَةٍ﴾ يعني: أخته زينب، ﴿إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا﴾ حكمًا بذلك، ﴿أَنْ يَكُونَ لَهُمُ﴾ جمعت الكناية لأن المراد بقوله: ﴿لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ﴾ كل مؤمن ومؤمنة في الدنيا. والخيرة: الاختيار، وذكرنا تفسيرهما [فيما تقدم] (٢) في سورة القصص (٣).\nقال أبو إسحاق: أعلم الله أنه لا اختيار على ما قضى الله ورسوله (٤). وهذه الآية دليل على أن كل امرأة أراد رسول الله أن يزوجها من رجل، لم يكن لها أن تمتنع ولا لوليها، وأن رسول الله أولى بتزويجها من وليها كما ذلك في قوله: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: ٦] الآية. ولأنه أيضًا دليل على أن كل حكم ثبت عن رسول الله -ﷺ- فهو كما ثبت عن الله، فليس لأحد\n_________\n(١) انظر: \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٢٠٠ أ، \"تفسير الطبري\" ٢٢/ ١١، \"تفسير الماوردي\" ٤/ ٤٠٤، \"السمرقندي\" ٣/ ٥١.\n(٢) ما بين المعقوفين ساقط من (أ).\n(٣) عند الآية ٦٨، قال هناك: والخيرة اسم من الاختيار يقام مقام المصدر، والخيرة اسم للمختار، يقال: محمد خيرة الله من خلقه.\n(٤) انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٢٨.","vol":"18","page":249},{"text":"اختيار ولا استحسان مع قضاء الله ورسوله، وليس إلا الاقتداء والتسليم.\nقال أبو علي: وهذه الآية تدل على أن (ما) في قوله: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ [القصص: ٦٨] (ما) فيها نفي، وليست بموصولة، ألا ترى أنه نفى الاختيار على العباد في هذه الآية، كذلك في تلك (١).\nقال مقاتل: فلما زوجها رسول الله -ﷺ- زيدًا مكثت عنده حينًا، ثم إن النبي -ﷺ- أتى زيدًا فأبصر زينب قائمة، وكانت بيضاء جميلة من أتم نساء قريش، فهواها النبي -ﷺ- فقال: \"سبحان الله مقلب القلوب\". ففطن زيد فقال: يا رسول الله ائذن لي في طلاقها، فإن فيها كبرًا يعظم علي، وتؤذيني بلسانها، فقال له النبي -ﷺ-: \"أمسك عليك زوجك واتق الله\" (٢).\nوقال ابن عباس: إن زيدًا حين تزوج زينب أقامت عنده ما شاء الله أن تقيم، فأتى رسول الله -ﷺ- إلى منزل زيد يطلبه، فبعث الله ريحًا حتى رفعت الستر وزينب منفصلة على منزلها، فرأى رسول الله -ﷺ- زينب فوقعت في نفس النبي -ﷺ-، فأتى زيد فأخبرته، فوقع في نفس زيد أن يطلقها، وأقام زيد لا ينشر عليها من يومئذ، وكان زيد يرى رسول الله -ﷺ- فيقول: إني أريد أن أطلق زينب. والنبي -ﷺ- يقول: \"أمسك عليك زوجك واتق الله\". (٣)\nوقال مقاتل بن حيان: قالت زينب لما نزل قوله: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ﴾ الآية: أمري بيدك يا رسول الله، فأنكحها رسول الله زيدًا ودخل بها، فلم تمكث إلا يسيرًا حتى شكى إلى النبي -ﷺ- ما يلقى منها، وكانت امرأة لسنة،\n_________\n(١) \"الحجة\" ٥/ ٤٧٦.\n(٢) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٩٢ ب.\n(٣) انظر: \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٢٠٠ ب، \"تفسير السمرقندي\" ٣/ ٥١، \"تفسير البغوي\" ٣/ ٥٣٠.","vol":"18","page":250},{"text":"فدخل عليها النبي -ﷺ- وأمرها بتقوى الله والسمع والطاعة لزيد فلما كلمها أعجبه حسنها وجمالها وظرفها لأمر أراده الله -﷿- وخرج من عندها وفي نفسه ما شاء الله منها، وجاء زيد إلى النبي -ﷺ- يشكوها فقال له: \"اتق الله وأمسك عليك زوجك\". ويقول زيد: إني أريد أن أطلقها وأستريح منها، وأكره أن تكون معي في بيت مما ألقى منها من البلاء والشدة. ويقول النبي: \"اتق الله لا تطلقها\" وفي قلبه غير ذلك (١)، فأنزل الله تعالى قوله تعالى:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3533>٣٧ </span>- ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ أي: الهداية للإسلام.\n﴿وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ بأن أعتقته من الرق قاله جميع المفسرين، قالوا: وكان زيد من سبي الجاهلية، فاشتراه رسول الله -ﷺ- بعكاظ في الجاهلية وأعتقه وتبناه (٢)، ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ﴾ في أمرها فلا تطلقها.\nقال أبو إسحاق: (أمره بالتمسك بزينب وكان يحب أن يتزوجها، إلا أنه أمره بما يجب من الأمر بالمعروف، فقال: \"أمسك عليك زوجك واتق الله\" (٣). ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ﴾، وتستر وتضمر في قلبك من إرادة تزوجها، قاله الكلبي (٤): وقال قتادة: ود أنه طلقها (٥)، ﴿مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾، قال ابن عباس: مظهره لاْصحابك وغيرهم (٦).\n_________\n(١) لم أقف على قول مقاتل بن حيان.\n(٢) انظر: \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٢٥٠ ب، \"تفسير السمرقندي\" ٣/ ٥٢، \"الدر المنثور\" ٦/ ٦١٦ وعزاه لعبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة.\n(٣) انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٢٩.\n(٤) انظر: \"تفسير هود بن محكم\" ٣/ ٣٧٠.\n(٥) انظر: \"معاني القرآن\" للنحاس ٥/ ٣٥١، \"زاد المسير\" ٦/ ٣٨٨.\n(٦) لم أقف عليه عن ابن عباس، وذكره هود بن محكم في \"تفسيره\" ٣/ ٣٧٠ ولم ينسبه.","vol":"18","page":251},{"text":"وقال مقاتل: مظهره عليك حين ينزل به قرآنًا (١)، والمعنى: أن النبي -ﷺ- كتم حبها، وأراد تزوجها، وأمر زيدًا بإمساكها وفي قلبه خلاف ذلك، فأظهر الله عليه ما أخفاه بأن قضى طلاقها وزوجها منه، وأنزل في ذلك القرآن، ولهذا قال عمر وابن مسعود وعائشة والحسن: ما نزلت علي رسول الله آية هي أشد عليه من هذه الآية.\nقالت عائشة: لو كتم النبي -ﷺ- شيئًا من الوحي لكتم هذه الآية (٢): ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾.\nوقوله: ﴿وَتَخْشَى النَّاسَ﴾ قال مقاتل: تكره قالة الناس في أمر زينب (٣). يعني: تخاف لائمتهم أن يقولوا: أمر رجلًا بطلاق امرأته ثم نكحها حين طلقها، وكان النبي -ﷺ- يريد أن يصوب رأي زيد في طلاقها من حيث ميل النفس وهوى القلب، ولكنه خاف قالة الناس فذلك قوله: ﴿وَتَخْشَى النَّاسَ﴾، وقيل: الخشية هاهنا بمعنى الاستحياء، يعني تستحي من الناس أن تأمر رجلًا بطلاق زوجته ثم تتزوجها. والاستحياء قول ابن عباس والحسن والفراء (٤).\nوقال عطاء عن ابن عباس: والمراد بالناس هاهنا اليهود، وكانوا يعيبون المؤمنين فخشي النبي -ﷺ- في تزوجها أن يقولوا تزوج محمد امرأة\n_________\n(١) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٩٢ ب.\n(٢) أخرجه البخاري في كتاب: التوحيد، باب: وكان عرشه على الماء ٦/ ٢٦٩٩، رقم الحديث ٦٩٨٥، عن أنس، ومسلم في كتاب: الإيمان، باب في قوله تعالى ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ ١/ ١٦٠، رقم الحديث ٢٨٨ عن عائشة.\n(٣) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٩٢/ ب.\n(٤) انظر: \"تفسير البغوي\" ٣/ ٥٣١، \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٣٤٣.","vol":"18","page":252},{"text":"ابنه (١).\nوقوله: ﴿وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾. وقال ابن عباس: يريد [..] (٢) وتخافه (٣).\nوروي عن علي بن الحسين أنه قال في هذه الآية: كان الله -﷿- قد أعلم نبيه أن زينب ستكون من أزواجه، وأن زيدًا سيطلقها (٤). وعلى هذا جوز أن يكون النبي -ﷺ- معاتبًا (٥) على قوله: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ مع علمه بأنها ستكون زوجته، وكتمانه ما أخبره الله به، ويكون قوله: ﴿وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ في كتمان ما أخبرك به وإنما كتم النبي -ﷺ- ذلك؛ لأنه استحيا واستبشع أن يقول: إن زوجتك ستكون امرأتي (٦).\n_________\n(١) انظر: \"زاد المسير\" ٦/ ٣٨٧.\n(٢) في جميع النسخ قدر كلمة غير واضحة، ولعلها: تخشاه.\n(٣) لم أقف عليه\n(٤) انظر: \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٢٠١ أ، \"تفسير البغوي\" ٣/ ٥٣٢. \"مجمع البيان\" ٨/ ٥٦٤.\n(٥) في (أ): (بناها).\n(٦) هذه الروايات التي أوردها المؤلف ﵀ من أن زينب ﵂ وقعت في قلب النبي -ﷺ-، وأنه أحبها وتمنى تطليق زيد لها، أو أنه قال حين رآها: \"سبحان مصرف القلوب\". أقول: كل ذلك مما ينبغي أن ينزه عنه المصطف -ﷺ-، فزينب ابنة عمته وكان يعرفها قبل أن يزوجها من زيد.\nيقول: القشيري فيما نقله عنه القاضي عياض في \"الشفا في التعريف بحقوق المصطفى\" ٢/ ٨٨٠: وهذا إقدام عظيم من قائله وقلة معرفة بحق النبي -ﷺ- وبفضله.\nثم قال القاضي عياض: وكيف يقال: رآها فأعجبته وهي بنت عمته ولم يزل يراها منذ ولدت؟ ولا كان النساء يحتجبن منه -ﷺ- وهو زوجها لزيد، وإنما جعل الله =","vol":"18","page":253},{"text":"قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا﴾ قال الليث: الوطر: كل حاجة كان لصاحبها فيها همة، ولم أسمع لها فعلا، وجمعه أوطار (١).\n_________\n= طلاق زيد لها وتزويج النبي -ﷺ- إياها لإزالة حرمة التبني وإبطال سنته كما قال: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ وقال: ﴿لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ﴾ أهـ.\nانظر: \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٩٩ ب، \"تفسير البغوي\" ٣/ ٥٣٠، ٦٧٢.\nوقال الحافظ ابن حجر في \"الفتح\" بعد أن ذكر هذه الأقوال: وقد أخرج ابن أبي حاتم هذه القصة من طريق السدي فساقها سياقًا واضحًا حسنًا ولفظه: بلغنا أن هذه الآية نزلت في زينب بنت جحش وكانت أمها أميمة بنت عبد المطلب عمة رسول الله -ﷺ-، وكان رسول الله -ﷺ- أراد أن يزوجها زيد بن حارثة مولاه فكرهت ذلك، ثم إنها رضيت بما صنع رسول الله -ﷺ- فزوجها إياه، ثم أعلم الله نبيه -ﷺ- بعد أنها من أزواجه، فكان يستحي أن يأمر بطلاقها، وكان لا يزال يكون بين زيد وزينب ما يكون من الناس، فأمره رسول الله -ﷺ- أن يمسك عليه زوجه، وأن يتقي الله، وكان يخشى الناس أن يعيبوا عليه ويقولوا: تزوج امرأة ابنه وكان قد تبني زيدًا قال: بعد أن ذكر بعض الروايات التي استحسنها بعض العلماء، قال عن هذه الرواية وسندها: وهو أوضح سياقًا وأصح إسنادًا. ثم قال: وقد وردت آثار أخرى أخرجها ابن أبي حاتم والطبري، ونقلها كثير من المفسرين لا ينبغي التشاغل بها، والذي أوردته منها هو المعتمد، والحاصل أن الذي كان يخفيه النبي -ﷺ- هو إخبار الله إياه أنها ستصير زوجته، والذي كان يحمله على إخفاء ذلك خشية قول الناس تزوج امرأة ابنه، وأراد الله إبطال ما كان أهل الجاهلية عليه من أحكام التبني بأمر لا أبلغ في الإبطال منه، وهو تزوج امرأة الذي يدعى ابنا، ووقوع ذلك من إمام المسلمين؛ ليكون أدعى لقبولهم، وإنما وقع الخبط في تأويل معلق الخشية والله أعلم. أ. هـ.\nوللوقوف على كلام أهل العلم أكثر مما أثبته حول هذه القصة انظر: \"الشفا\" لعياض ٢/ ٨٨٠ وما بعدها، \"فتح الباري\" ٨/ ٦٧١ وما بعدها، \"محاسن التأويل\" للقاسمي ٨/ ٢٦٦ وما بعدها، \"أضواء البيان\" ٦/ ٥٨٠ وما بعدها.\n(١) انظر: \"تهذيب اللغة\" ١٤/ ١٠ (وطر).","vol":"18","page":254},{"text":"وقال أبو عبيدة: الوطر كالأرب، وأنشد للربيع بن ضبع: (١)\nودعني قبل أن أودعه ... لما قضى من شبابها الوطرا (٢)\nوقال المبرد (٣): الوطر الشهوة والمحبة، يقال: ما قضيت من لقائك وطرًا، أي ما استمتعت بك حتى تنتهى، وأنشد:\nوكيف ثوائي بالمدينة بعد ما ... قضى وطرا منها جميل من معمر (٤)\nقال ابن عباس في قوله: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا﴾ أي لذته ونهمته (٥). وقال مقاتل: يعني الجماع (٦).\nوقال مقاتل: يعني حاجة وطلقها (٧). وقال قتادة: طلقها (٨).\nومعنى قضى الوطر في اللغة: بلوغ منتهى ما في النفس من الشيء، فمعنى قضى وطرًا منها بلغ ما أراد من حاجته فيها. ويجوز أن يكون عبارة\n_________\n(١) هو: الربيع بن ضبع بن وهب بن بغيض الفزاري الذبياني، شاعر جاهلي معمر من الفرسان، أدرك النبي -ﷺ- ولم يلقه كان أحكم العرب في زمانه ومن أشعرهم وأخطبهم، قيل: إنه عاش أكثر من مائتي عام.\nانظر: \"سمط اللآلي\" ص ٨٠٢، \"الخزانة\"، \"تفسير ابن عباس\" ص ٣٨٣، \"الأعلام\" ٣/ ١٥.\n(٢) البيت من المنسرح وهو للربيع بن ضبع في \"الكتاب\" ١/ ٨٩، \"لسان العرب\" ١٣/ ٢٥٩ ضمن، \"أمالي المرتضى\" ١/ ٢٥٥.\n(٣) انظر: \"الدر المصون\" ٩/ ١٢٦، \"روح المعاني\" ٢٢/ ٢٥.\n(٤) البيت من الطويل، ولم أهتد إلى قائله، وهو في \"الكامل\" ١/ ٣٩٧، \"الدر المصون\"، \"البحر المحيط\" ٣/ ٢١١، غير منسوب.\n(٥) لم أقف عليه.\n(٦) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٩٣ أ.\n(٧) لم أقف عليه عن مقاتل، وانظر: \"تفسير هود بن محكم\" ٣/ ٣٧١.\n(٨) انظر: \"تفسير الماوردي\" ٤/ ٤٠٦، \"تفسير القرطبي\" ١٤/ ١٩٤.","vol":"18","page":255},{"text":"عن الطلاق، فإن الرجل إنما يطلق امرأته إذا لم يبق له فيها حاجة، فيقول: قضيت وطري منها، أي خليتها حيث لم يبق له فيها مراد، فيجوز أن يكون المراد بهذا اللفظ الطلاق مع بلوغ المراد منها، ويجوز أن يكون عبارة عن بلوغ المراد من نكاحها ثم يضمر الطلاق، ودل عليه (١) قوله: ﴿زَوَّجْنَاكَهَا﴾؛ لأن تزويجها من النبي -ﷺ- يوجب طلاق زيد إياها، وقد قال المفسرون (٢): طلقها زيد فلما انقضت عدتها تزوجها النبي -ﷺ-.\nوروى ثابت عن أنس قال: لما انقضت عدة زينب قال رسول الله -ﷺ-: \"اذهب فاذكرها علي\". قال: فانطلقت فقلت يا زينب أبشري، أرسلني رسول الله -ﷺ- يذكرك، ونزل القرآن، وجاء رسول الله -ﷺ- حتى دخل عليها بغير إذن (٣).\nقال أصحابنا: وهذه الآية دليل على أن كل امرأة أراد رسول الله نكاحها فهو مستغن عن الولي والشهود، وذلك أنه لما نزل قوله ﴿زَوَّجْنَاكَهَا﴾ دخل عليها رسول الله -ﷺ-، ولهذا كانت زينب تفاخر نساء\n_________\n(١) في (أ): (وقوله)، زيادة واو وهو خطأ.\n(٢) \"تفسير ابن أبي حاتم\" ٩/ ٣١٣٥، \"تفسير البغوي\" ٣/ ٥٣٢، وأورده السيوطي في \"الدر\" ٦/ ٦١٢، وزاد نسبته لابن سعد وأحمد وأبي يعلى والطبراني وابن مردويه عن أنس.\n(٣) أخرجه الإمام مسلم في النكاح، باب زواج زينب بنت جحش ونزول الحجاب ٢/ ١٠٤٨ رقم (١٤٢٨)، وأخرجه الإمام أحمد ٣/ ١٩٥ عن ثابت عن أنس، والنسائي في \"سننه\" كتاب: النكاح، باب: صلاة المرأة إذا خطبت واستخارتها ٦/ ٧٩ عن ثابت عن أنس. وأورد السيوطي في \"الدر\" ٦/ ٦١٢ وعزاه لابن سعد وأحمد والنسائي وأبي يعلى وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن أنس.","vol":"18","page":256},{"text":"النبي -ﷺ- وتقول: زوجكن أقاربكن وزوجني الله -﷿- (١).\nوذكر قضاء الوطر هنا بيانًا أن امرأة المتبنى تحل وإن وطئها المتبنى وهو قوله (٢): ﴿لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ﴾، أي: زوجناك زينب وهي امرأة زيد الذي تبنيته لكي (٣) تظن أنه من تُبُنِّيَ لم تحل امرأته للمتبني. قاله الزجاج (٤)، وهو قول جميع المفسرين (٥).\nقوله تعالى: ﴿إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا﴾ أي: جامعوهن وطلقوهن، قال الحسن: كانت العرب تظن أن حرمة المتبني مشتبكة كاشتباك الرحم، فبين الله تعالى أن حلائل الأدعياء غير محرمة على المتبنين وإن أصابوهن، بخلاف ابن الصلب فإن امرأته تحرم بنفس العقد، وامرأة المتبني لا تحرم وإن وطئها (٦).\nقوله تعالى: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ قال مقاتل: يقول تزوج النبي زينب كائنًا لابد (٧). وإنما يعني بذلك أن قضاء الله في زينب أن يتزوجها رسول الله -ﷺ- كان ماضيًا مفعولًا.\n_________\n(١) أخرجه البخاري في التوحيد، باب: وكان عرشه على الماء ٦/ ٢٦٩٩ رقم الحديث (٦٩٨٤، ٦٩٨٥)، وأخرج الترمذي في \"سننه\" كتاب التفسير، تفسير سورة الأحزاب ٥/ ٣٣ رقم الحديث (٣٢٦٥)، وقال: هذا حديث حسن صحيح.\n(٢) (يقوله) مكررة في (أ).\n(٣) هكذا في النسخ! وهو خطأ، والصواب: لكيلا.\n(٤) انظر: \"معاني القرآن واعرابه\" ٤/ ٢٢٩.\n(٥) انظر: \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٢٠١ أ، \"تفسير الطبري\" ٢٢/ ١٤، \"تفسير الماوردي\" ٤/ ٤٠٧، \"تفسير البغوي\" ٣/ ٥٣٣.\n(٦) لم أقف عليه.\n(٧) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٩٣ أ.","vol":"18","page":257},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3534>٣٨ </span>- قال مقاتل: ثم بين أنه لم يكن عليه حرج في هذا النكاح (١) في قوله: ﴿مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ﴾. قال ابن عباس والمفسرون: أحل الله له، أي: لا حرج عليه فيما أحل الله له (٢).\nقوله تعالى: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ﴾ فيه ثلاثة أقوال: أحدها: سن الله لمحمد -﵇- في التوسعة عليه في إباحة النكاح كسننه في الأنبياء الماضين، وهذا قول ابن عباس (٣).\nواختار الفراء والزجاج قالوا: عني كثرة أزواج داود وسليمان (٤).\nوقال مقاتل: يعني داود النبي حين هوى المرأة التي فتن بها، فجمع الله بينه وبينها، يقول: كذلك أجمع بين محمد وزينب إذ هويها كما فعلت بداود. ونحو هذا مقاتل بن حيان سواء (٥).\nوقال عبد الله بن مسلم: أي لا حرج على أحد فيما لم يحرم عليه (٦). وعلى هذا ﴿الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ﴾ (٧)، كان من تقدمه ممن قد مضى ولا\n_________\n(١) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٩٣ أ.\n(٢) انظر: \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٢٠١ أ، \"الطبري\" ٢٢/ ١٤، \"الماوردي\" ٤/ ٤٠٧.\n(٣) ذكره القرطبي ١٤/ ١٩٥ بمعناه غير منسوب لأحد، وكذا ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٦/ ٣٩٢، وذكره المؤلف في \"الوسيط\" ٣/ ٤٧٤ عن ابن عباس والكلبي والمقاتلين.\n(٤) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٣٤٤، \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٣٠.\n(٥) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٩٣ أ، انظر: \"الثعلبي\" ٣/ ٢٠١ أ، \"البغوي\" ٣/ ٥٣٣.\nولعل هذه الأقوال التي أوردها المؤلف لا تصح، بل هي فاسدة؛ لأنه مناف لمقام النبوة.\n(٦) انظر: \"غريب القرآن\" ص ٣٥١.\n(٧) كذا في المخطوط! ولعل الصواب: كل.","vol":"18","page":258},{"text":"يختص بالنبيين وهو الأليق بظاهر الآية لولا الآية الثانية، فإنها دلت على أن المراد بالذين خلوا: الأنبياء، قال أبو إسحاق: سنة الله منصوب على المصدر؛ لأن معنى ما كان على النبي من حرج سنة (١) الله له سنة واسعة لا حرج فيها (٢).\nقوله تعالى: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾. قال الكلبي: قضاء مقضيا، وكان من قدره أن يولد سليمان من تلك المرأة التي هويها داود ويملك من بعده (٣).\nوقال مقاتل: قدر الله لداود ولمحمد تزويجها (٤) (٥).\nوقال ابن حيان: أخبر الله أن امرأة (٦) زينب كان من حكم الله وقدره وفرضه (٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3535>٣٩ </span>- قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ﴾ قال أبو إسحاق: يجوز أن يكون (الذين) في موضع خفض نعت، لقوله: ﴿فِي الَّذِينَ خَلَوْا﴾. ويجوز أن يكون نعتًا على المدح، المعنى: هم الذين. ويجوز أن يكون نصبًا على معنى أعني الذين (٨).\n_________\n(١) كذا في المخطوط! والذي في \"معاني القرآن\" للزجاج: سن الله له.\n(٢) انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٣٠.\n(٣) ذكر هذا القول الثعلبي ٣/ ٢٠١ ب ونسبه لابن عباس. ولم أقف على من نسبه للكلبي.\n(٤) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٩٣ أ.\n(٥) هكذا في النسخ! والذي في تفسير مقاتل: تزويجهما.\n(٦) هكذا في النسخ! ولعل الصواب: أن نكاح زينب.\n(٧) لم أقف عليه.\n(٨) انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٣٠.","vol":"18","page":259},{"text":"﴿وَيَخْشَوْنَهُ﴾ قال سعيد بن جبير: الخشية من الله أن تخشاه حتى تكون خشيتك (١) وبينه وبين معصيته (٢). والمعنى على هذا: ولا تعصونه. ﴿وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ﴾ أي: لا يخشون قالة الناس ولائمتهم فيما أحل لهم. ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ أي: مجازيًا لمن يخشاه. قاله ابن عباس (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3536>٤٠ </span>- قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ قالت عائشة ﵂: لما تزوج رسول الله -ﷺ- زينب قال الناس: إن محمدًا تزوج امرأة ابنه، فأنزل الله هذه الآية (٤). يعني أنه ليس بأب لزيد فتحرم (٥) عليه زوجته. قال ابن عباس: يريد لم يكن في قضائي وقدري أن له ابنا يعيش حتى يصير رجلًا (٦).\nوقال المفسرون: لم يكن أبا أحد لم يلده، وقد ولد له ذكور: إبراهيم والقاسم والطيب والمطهر (٧). وقال مقاتل: لما نزلت هذه الآية قال النبي -ﷺ- لزيد: لست لك بأب، فقال زيد: يا رسول الله أنا زيد بن حارثة بن مروة بن شراحيل الكلبي معروف نسبي (٨).\n_________\n(١) هكذا في المخطوط! لعل الصواب: حتى تحول خشيتك بينك وبين معصيته.\n(٢) لم أقف على قول سعيد بن جبير.\n(٣) لم أقف عليه.\n(٤) رواه الترمذي حديث رقم (٣٢٦٠) عن عائشة، وابن أبي حاتم، وأورده السيوطي في \"الدر\" ٦/ ٦١٣ وعزاه لسعيد بن منصور وعبد بن حميد والترمذي وصححه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن عائشة.\n(٥) في (أ): (فيحرم).\n(٦) انظر: \"تفسير البغوي\" ٣/ ٥٣٤.\n(٧) انظر: \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٢٠١ ب، \"تفسير الطبري\" ٢٢/ ١٦، \"معاني القرآن وإعرابه\" للزجاج ٤/ ٢٢٩.\n(٨) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٩٣ ب.","vol":"18","page":260},{"text":"قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ هو يعني: آخر النبيين فلا نبي بعده، قال: يريد لو لم أختم به لجعلت له ولدًا يكون بعده نبيًا. قال مقاتل: لو كان لمحمد ولد لكان نبيًا رسولًا، فمن ثم قال: ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [لم يسمع أحدًا] (١) والمعنى أنه لما ختم النبيين دل على أنه لم يبق ولدًا بعده. وقراءة العامة بكسر التاء، وقرأ عاصم بفتح التاء (٢) (٣).\nقال أبو عبيد: الوجه الكسر؛ لأن التأويل أنه ختمهم، فهو خاتمهم (٤).\nوكذلك روي عنه في صفة نفسه أنه قال: \"أنا حاتم النبيين\" (٥). لم يسمع أحد من فقهائنا يرويه إلا بكسر التاء، قال الفراء: ويدل عليه قراءة عبد الله: ختم النبيين، ومن قرأ بفتح التاء فمعناه: آخر النبيين، وخاتم النبيين (٦) آخره، ومنه قوله ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾ (٧).\nوقال الحسن: الخاتم الذي ختم به (٨).\nوقال أهل اللغة: الخاتم بالكسر الفاعل، والخاتم بالفتح ما يوضع\n_________\n(١) هكذا في النسخ! ولعله زيادة من الناسخ خطأ.\n(٢) في (أ): (الهاء).\n(٣) انظر: \"الكشف عن وجوه القراءات السبع\" ٢/ ١٩٩، \"النشر\" ٢/ ٣٤٨.\n(٤) لم أقف على اختيار أبي عبيد.\n(٥) الحديث متفق عليه عن أبي هريرة، وهو جزء من حديث أخرجه البخاري في المناقب، باب: خاتم النيين -ﷺ-\" ٣/ ١٣٠٠ رقم (٣٣٤٢)، ومسلم في الفضائل، باب: كونه -ﷺ- خاتم النبيين ٤/ ١٧٩٠ رقم (٢٢٨٦).\n(٦) هكذا في النسخ! ولعل الصواب: آخرهم.\n(٧) \"معاني القرآن\" ٢/ ٣٤٤.\n(٨) انظر: \"الوسيط\" ٣/ ٤٧٤، \"الحجة\" ٥/ ٤٧٧.","vol":"18","page":261},{"text":"على الطينة، وهو اسم مثل العالم، يدل على هذا قولهم عند زيادة الحرف خاتام، فدلت زيادة الألف على أن التاء مفتوح في الخاتم (١).\nقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ قال ابن عباس: يريد علم ما يكون قبل أن يكون (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3537>٤١ </span>- وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ قال الكلبي ومقاتل: ذكرًا كثيرًا باللسان (٣). وقال مجاهد: هو ألا ينساه أبدًا (٤). وقال الكلبي: ويعني ذكرًا كثيرًا بالصلوات الخمس (٥).\nوقال ابن حيان: هو التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير على كل حال وهو أن يقول: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر (٦). وبلغنا أن هؤلاء الكلمات يتكلم بهن صاحب الجنابة والغائط والحدث (٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3538>٤٢ </span>- وقوله: ﴿وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ أي: صلوا لله صلاة الفجر والعصر. قاله مقاتل وقتادة (٨). وقال ابن حيان: صلوا لله بالغداة\n_________\n(١) انظر: \"تهذيب اللغة\" (ختم)، \"اللسان\" ١٢/ ١٦٣ (ختم).\n(٢) لم أقف عليه.\n(٣) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٩٣ ب، ولم أقف على من نسبه للكلبي.\n(٤) انظر: \"تفسير البغوي\" ٣/ ٥٣٤، \"مجمع البيان\" ٨/ ٥٦٨.\n(٥) انظر: \"الوسيط\" ٣/ ٤٧٥، \"زاد المسير\" ٦/ ٣٩٦.\n(٦) انظر: \"مجمع البيان\" ٨/ ٥٦٨، \"زاد المسير\" ٦/ ٣٩٦.\n(٧) ذكر ابن قدامة في \"المغنى\" ١/ ١٣٤ بأنه لا خلاف في أن للحائض والجنب ومن في حكمهما ذكر الله -﷾-، وهذه الألفاظ من الذكر.\n(٨) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٩٣ ب، \"تفسير الماوردي\" ٤/ ٤٠٩، \"الطبري\" ٢٢/ ١٧.","vol":"18","page":262},{"text":"والعشي (١). قال الكلبي: فصلاة الفجر، وأما أصيلًا: فصلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء (٢). ومضى الكلام في تفسير الأصيل عند قوله: ﴿بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3539>٤٣ </span>- قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ﴾ قال ابن عباس: لما نزل على رسول الله -ﷺ-: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ جاء المهاجرون والأنصار إلى رسول الله -ﷺ- يهنئونه، فقال أبو بكر: يا رسول الله أهذا لك خاصة ليس لنا فيه شيء، فأنزل الله هذه الآية (٤). قال المفسرون وأهل المعاني كلهم: ﴿يُصَلِّي﴾ (٥): يرحمكم ويغفر لكم (٦)، ومضى الكلام في تفسير الصلاة من الله عند قوله: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ١٥٧].\nقوله: ﴿وَمَلَائِكَتُهُ﴾ قال ابن عباس: وملائكته تدعوا الله لكم (٧).\n_________\n(١) لم أقف عليه عن ابن حيان، وانظر: \"القرطبي\" ٠١٤/ ١٩٨، \" تفسير هود\" ٣/ ٣٧٢.\n(٢) انظر: \"تفسير الماوردي\" ٩/ ٤٠٩، \"مجمع البيان\" ٨/ ٣٩٧، \"زاد المسير\" ٦/ ٥٦٨.\n(٣) عند قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ [الأعراف: ٢٠٥]\n(٤) ذكر هذا الأثر السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ٦٢٢، وعزاه لعبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد، وذكره البغوي في \"تفسيره\" ٣/ ٥٣٤ عن أنس، وذكره القرطبي ١٤/ ١٩٨ عن ابن عباس.\n(٥) في (أ): زيادة واو (ويصلي عليكم).\n(٦) انظر: \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٢٠٢/ أ، \"تفسير الطبري\" ٢٢/ ١٧، \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٣٤٥، \"معاني القرآن وإعرابه\" للزجاج ٤/ ٢٣١، \"معاني القرآن\" للنحاس ٥/ ٣٥٧.\n(٧) انظر: \"مجمع البيان\" ٨/ ٥٦٨.","vol":"18","page":263},{"text":"وقال المقاتلان: ويأمر الملائكة بالاستغفار لكم (١).\nقال الكلبي: صلاة الله على العباد مغفرته، فإذا رضي على العبد قال للملائكة: إني قد غفرت لعبدي فلان فاستغفروا له، وصلاة الملائكة: الاستغفار (٢).\nقوله -﷿-: ﴿لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ قالوا: من الشرك إلى الإيمان، يعني: أنه برحمته وهدايته ودعاء الملائكة لكم أخرجوكم من ظلمة الكفر إلى نور الإيمان بسبب توحيدكلم وتصديقكم رحمته ودعاء ملائكته (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3540>٤٤ </span>- قوله تعالى: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ﴾ قال مقاتل: يعني تسليم الملائكة عليهم يوم يلقون الرب (٤). وقال الكلبي: تحييهم الملائكة على أبواب (٥) الجنة بالسلام، فإذا دخلوها حيا بعضهم بعضا بالسلام، وتحية الرب إياهم حين يرسل إليهم بالسلام (٦). والكناية في قوله: ﴿تَحِيَّتُهُمْ﴾ يجوز أن تكون عن الملائكة، فيكون المصدر مضافًا إلى الفاعل. ويجوز أن تكون عن المؤمنين، فيكون المصدر مضافًا إلى الفاعلين؛ لأن المؤمنين يحيون بالسلام ويحيى بعضهم بعضًا. قال ابن عباس في قوله: ﴿يَوْمَ\n_________\n(١) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٩٣ ب، \"تفسير الماوردي\" ٤/ ٣٩٨، \"زاد المسير\" ٦/ ٤١٠.\n(٢) لم أقف عليه.\n(٣) انظر: \"تفسير الطبري\" ٢٢/ ١٧، \"بحر العلوم\" ٣/ ٥٤، \"تفسير البغوي\" ٣/ ٥٣٧.\n(٤) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٩٣/ ب.\n(٥) في (ب): (باب).\n(٦) انظر: \"بحر العلوم\" ٣/ ٥٤.","vol":"18","page":264},{"text":"يَلْقَوْنَهُ﴾: يريد عندما يدخلهم الجنة (١).\nومعنى الكلام في معنى لقاء الله في مواضع. وروي عن البراء بن عازب أنه قال في هذه الآية قال: \"يوم يلقون ملك الموت لا يقبض روح مؤمن إلا سلم عليه\" (٢). والكناية على هذا في قوله ﴿تَحِيَّتُهُمْ﴾ للمؤمنين، أي: تحيتهم من ملك الموت يوم يلقونه. والكناية في يلقونه لملك الموت وقد سبق ذكره في قوله: ﴿وَمَلَائِكَتُهُ﴾.\nوقوله: ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا﴾ أي: ثوابًا عظيمًا ورزقًا حسنًا في الجنة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3541>٤٥ </span>- قوله -﷿-: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ قال ابن عباس: يريد على أمتك وجميع الأمم (٣).\nوقال مقاتل: شاهدًا على هذه الأمة بتبليغ الرسالة، ومبشرًا بالجنة والنصر في الدنيا لمن صدقك وآمن بك (٤).\n﴿وَنَذِيرًا﴾: ومنذرًا بالنار لمن كفر بك وكذبك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3542>٤٦ </span>- ﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ﴾: إلى توحيد الله وطاعته وما يقرب منه\n_________\n(١) لم أقف عليه.\n(٢) أخرجه الحاكم في المستدرك كتاب التفسير، \"تفسير سورة إبراهيم -﵇-\" ٢/ ٣٥١، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي. وأخرجه ابن أبي حاتم في \"التفسير\" واْورده السيوطي في \"الدرر\" ٦/ ٦٢٣ وزاد نسبته لابن أبي شيبة في \"المصنف\" وابن أبي الدنيا في \"ذكر الموت\" وعبد بن حميد وأبي يعلى وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه والبيهقي في \"الشعب\".\n(٣) انظر: \"تفسير الماوردي\" ٤/ ٤١٠، \"الدر المنثور\" ٦/ ٦٢٤، وقال: أخرج ابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه والخطيب وابن عساكر عن ابن عباس.\n(٤) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٩٣ ب.","vol":"18","page":265},{"text":"﴿بِإِذْنِهِ﴾ قال مقاتل: يعني بأمره (١). يريد أنه أمرك بهذا لا أنك تفعله من قبل.\nقوله تعالى: ﴿وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ يجوز أن يكون هذا من صة النبي -ﷺ-، يكون المعنى من اتبعه اهتدى به كالسراج في الظلمة يستضاء به، وهذا معنى قول ابن عباس (٢).\nوقال المبرد: هذا تمثيل، والمعنى أن ضياء الهدى منه قد شمل القلوب كما شمل ضياء السراج الأبصار (٣). ويجوز أن يكون المراد بالسراج المنير: القرآن وهو قول ابن عباس قال: وكتابًا مبينًا (٤).\nواختاره الزجاج فقال: (والمعنى وذا سراج منير أي: ذا كتاب نير قال: وإن شئت كان المعنى وداعيًا إلى الله وتاليًا كتابًا بينًا) (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3543>٤٧ </span>- ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا﴾، قال مقاتل: يعني الجنة (٦).\n<span data-type=\"title\" id=toc-3544>٤٨ </span>- وقوله: ﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ أي إن دعوك إلى تقصر (٧) في بلاغ ما أرسلت به. قال ابن عباس: يريد الكافرين من أهل مكة\n_________\n(١) المصدر السابق.\n(٢) انظر: قول ابن عباس في \"تنوير المقباس\" ص ٣٥٥.\n(٣) لم أقف على قول المبرد.\n(٤) انظر: \"تفسير الماوردي\" ٤/ ٤١١، وذكره السيوطي في \"الدر\" ٦/ ٦٢٤، وعزاه لابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه والخطيب وابن عساكر.\n(٥) انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢١١.\n(٦) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٩٣ ب.\n(٧) هكذا في النسخ! ولعل الصواب: إلى أن تقصر.","vol":"18","page":266},{"text":"والمنافقين من أهل المدينة (١). وذكرنا تفسير هذا في أول السورة.\n﴿وَدَعْ أَذَاهُمْ﴾ قال ابن عباس وقتادة: يريد اصبر على أذاهم (٢).\nقال ابن عباس: هذا منسوخ نسخه السيف (٣).\nقال أبو إسحاق: (تأويل ﴿وَدَعْ أَذَاهُمْ﴾ لا تجازيهم عليه إلا أن تؤمر فيهم بأمر) (٤) وعلى هذا التقدير دع مكافأة أذاهم، ولهذا صار المعنى: اصبر على أذاهم.\nوقال مجاهد: دع أذاهم: أعرض عنهم (٥). ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ فإني أكفيك (٦) إذا توكلت علي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3545>٤٩ </span>- قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ أي: تجامعوهن. وقرئ: تماسوهن (٧). ومعنى الكلام في القراءتين في البقرة [: ٢٤٦].\nقوله -﷿-: ﴿فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ قال أبو إسحاق: (أسقط\n_________\n(١) انظر: \"تفسير ابن عباس\" ص ٣٥٠.\n(٢) انظر: \"تفسير الطبري\" ٢٢/ ١٩، \"تفسير البغوي\" ٣/ ٥٣٥، \"الدر المنثور\" ٦/ ٦٢٥، وعزاه لعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة.\n(٣) انظر: \"تفسير القرطبي\" ١٤/ ٢٠٢، \"زاد المسير\" ٦/ ٤٠٢، \"قبضة البيان في ناسخ ومنسوخ القرآن\" ص ٢٠، \"الناسخ والمنسوخ من كتاب الله\" ص ١٤٤، \"ناسخ القرآن ومنسوخه\" ص ٤٥.\n(٤) انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٣١.\n(٥) \"تفسير مجاهد\" ص ٥١٨، وانظر: \"تفسير الطبري\" ٢٢/ ١٩، \"تفسير ابن أبي حاتم\" ١٠/ ٣١٤١.\n(٦) في (أ): (أكفيكم).\n(٧) انظر: \"الحجة\" ٥/ ٤٧٧ \"إعراب القراءات السبع وعللها\" ٢/ ٢٠٣.","vol":"18","page":267},{"text":"الله العدة عن التي (١) لم يدخل بها؛ لأن العدة في الأصل استبراء (٢) الولد، فإن لم يدخل بها فهي بمنزلة الأمة التي لم يقربها مالكها فليس عليها استبراء. قال مقاتل: إن شاءت تزوجت من يومها (٣).\nوقوله: ﴿تَعْتَدُّونَهَا﴾ أي: تحصون العدة عليهن (٤) بالأقراء والأشهر وقال صاحب النظم: معنى الاعتداد هاهنا استبقاء العدة منهن؛ لأنها حق للأزواج على النساء استبراء من أن يلحق بهن (٥) من ليس منهم، ولانقطاع الأمر في النفقة والسكنى، يقال: عددته ألف درهم فاعتدها أي: استوفاها، وكذلك وزنته حقه فاتزنه، وكلته فاكتاله، أي: استوفاه وزنا وكيلا. كذلك هاهنا: استوفاها عددا.\nوروى ابن أبي بزة (٦) عن ابن كثير: تعتدونها مخففة، قال قنبل والقواس (٧):\n_________\n(١) في (أ): (النبي)، وهو خطأ.\n(٢) انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٣٢.\n(٣) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٩٣ ب.\n(٤) في (ب): (عليها).\n(٥) هكذا في النسخ! ولعل الصواب: بهم؛ لأن الضمير يعود للأزواج.\n(٦) هو: مقرئ مكة ومؤذن المسجد الحرام أبو الحسن أحمد بن محمد بن عبد الله بن القاسم بن أبي بزة المخزومي مولاهم الفارسي الأصل، كان مولده سنة ١٧٠ وهو أستاذ محقق ضابط متقن، قرأ على أبيه وعلى عبد الله بن زياد وعكرمة بن سليمان، وعليه قرأ إسحاق بن محمد الخزاعي والحسن بن الحباب وغيرهم، روى عنه القراءة قنبل، توفي -﵀- ٢٥٠ وعمره ثمانون سنة.\nانظر: \"غاية النهاية\" ١/ ١١٩، \"السير\" ١٢/ ٥٠، \"معرفة القراء الكبار\" ١/ ٥٤.\n(٧) هو: أبو الحسن أحمد بن محمد بن علقمة بن نافع بن عمر بن صح بن عون المكى النبال المعروف بالقواس، قرأ على ابن كثير وأبي الإخريط وهب بن واضح =","vol":"18","page":268},{"text":"وهذا مما وهم فيه ثم رجع عنه، وكذلك وهم في تخفيف قوله: ﴿وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ﴾ [إبراهيم: ١٧]، وقوله: ﴿وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ﴾ [التكوير: ٤]. قال أبو علي: ولا وجه للتخفيف في مثل هذا، نحو: تشتدونها وترتدونها، وليس كل المضاعف يبدل من حروف التضعيف فيه، إنما يبدل فيما سمع (١). قال قتادة: فإن شئت قلت: قد جاء في التنزيل في هذا النحو الأمران كقوله: ﴿فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وقال: ﴿فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً﴾ [الفرقان: ٥]، قال: وإن شئت جعلته من عدوت الشيء إذا جاوزته، أي: مالكم عليهن من وقت عدة يلزمكم أن تجاوزوا عدده فلا تنكحوا أختها ولا أربعًا سواها حتى تنقضي العدة (٢).\nقوله تعالى: ﴿فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ اختلفوا في هذه المتعة قال ابن عباس: هذا إذا لم يكن سمى لها صداقًا، فإذا فرض لها صداقًا فلها نصفه (٣)، هذا هو الأصح من مذهب الشافعي، وهو أن المطلقة قبل المسيس لا تستحق المتعة مع نصف المهر؛ لأن الله لم يذكر المتعة مع نصف المهر في سورة البقرة، وهو قوله: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٧] (٤).\n_________\n= وغيرهما، وقرأ عليه البزى. وقنبل.\nانظر: \"النشر\" ١/ ١٢٠.\n(١) انظر:: \"الحجة\" ٥/ ٤٧٧ - ٤٧٨.\n(٢) ذكر قول قتادة أبو علي في \"الحجة\" ٥/ ٤٧٨ ولم ينسبه لقتادة، \"البحر المحيط\" ٨/ ٤٩٠.\n(٣) انظر \"الطبري\" ٢٢/ ١٩، وذكره السيوطي في \"الدر\" ٦/ ٦٢٥ وعزاه لابن جرير المنذر وإبن أبي حاتم عن ابن عباس.\n(٤) انظر: \"الأم\" ٥/ ٥٤، \"المغني\" ١٠/ ١٤٢.","vol":"18","page":269},{"text":"وروى نافع عن ابن عمر قال: لكل مطلقة متاع إلا التي تطلق قبل أن يدخل بها وقد فرض لها، فإن لها نصف الصداق فلا متعة (١).\nقال قتادة: نسخت هذه الآية التي قبلها في البقرة وهو قوله: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٣٧] (٢). فدلت هذه الأقوال على أنها لا تستحق المتعة إذا طلقت قبل المسيس وبعد القرض، وإن طلقت قبلهما استحقت المتعة. روي أن شريحًا أخبر رجلًا طلق امرأته ولم يكن لها فرض ولم يدخل بها (٣)، وهو مذهب الزهري.\nوقال مقاتل: فمتعوهن بنصف (٤)، فجعل هذه المتعة بما تستحق من نصف المهر، وهذا إنما يكون إذا كان قد فرض لها، فأما إذا لم يفرض لها فإنها تستحق المتعة واجبة لها على قول أكثر الناس، وبعضهم يقول نسخت ذلك ولا تجب في قوله: ﴿وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ (٥) قال مقاتل: يعني: حسنًا في غير ضرر (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3546>٥٠ </span>- قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ﴾، ذكر الله تعالى في هذه الآية أنواع النسوة والأنكحة التي\n_________\n(١) لم أقف عليه.\n(٢) انظر: \"تفسير الطبري\" ٢٢/ ٢٠، \"تفسير زاد المسير\" ٦/ ٤٠٢، \"الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه\" ص ٣٤٨.\n(٣) الكلام هنا ناقص لم يتم، والأسلوب غير مستقيم يبدو أن فيه سقطًا ولم أستطع الوقوف عليه.\n(٤) لم أقف على قول مقاتل.\n(٥) انظر: \"تفسير الطبري\" ٢٢/ ١٩، \"الماوردي\" ٤/ ٤١٢، \"زاد المسير\" ٦/ ٤٠٢.\n(٦) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٩٣ ب.","vol":"18","page":270},{"text":"أحلها (١) للنبي -﵇- مما يختص به ومما سواه الأمة (٢) في ذلك.\nوقوله: ﴿إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ﴾ قال المفسرون: يعني: مهورهن، والمعنى: أحللنا لك أزواجك اللاتي تزوجتهن بصداق (٣)، ﴿وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾ يعني: الولائد: وهي مارية (٤) القبطية أم إبراهيم، وريحانة (٥) وصفية وجويرية. وقوله: ﴿مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ﴾ أي: رجعه ورده إليك من الكفار بأن سبيته وملكته.\n﴿وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ﴾ يعني: القرشيات (٦) من بني تميم وعدي ومخزوم وأمية.\n﴿وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ﴾ يعني نساء بني زهرة. وهذا مما تساويه الأمة فيه إلا العدد في الحرائر دون الإماء.\n_________\n(١) في (ب): (أحلتها).\n(٢) الأسلوب هنا فيه اضطراب، ولعل الصواب: دون ما سواه من الأمة.\n(٣) انظر: \"الطبري\" ٢٢/ ٢٠ - ٢١، \"الماوردي\" ٤/ ٤١٣، \"زاد المسير\" ٦/ ٤٠٣.\n(٤) هي: مارية القطية مولاة رسول الله -ﷺ- وأم ولده إبراهيم، أهداها للنبي -ﷺ- المقوقس القبطي صاحب مصر، توفيت ﵂ في خلافة عمر بن الخطاب سنة ١٦ هـ وصلى عليها عمر ودفنت بالبقيع.\nانظر: \"الاستيعاب\" ٤/ ٣٩٦، \"الإصابة\" ٤/ ٣٩١، \"أسد الغابة\" ٥/ ٥٤٣٩.\n(٥) هي: سرية رسول الله -ﷺ - واسمها: ريحانة بنت شمعون بن زيد بن قساعة من بني قريظة قتل زوجها في بني قريظة وكانت مع السبي، نفر لها رسول الله -ﷺ- حينما عرض عليه النبي وأرسلها إلى بيت أم المنذر بنت قبس ثم دخل عليها وخيرها فاختارت الله ورسوله فأعتقها وتزوجها، ماتت ﵂ سنة ١٠ هـ حينما رجع رسول الله -ﷺ- من حجة الوداع.\nانظر: \"الاستيعاب بهامش الإصابة\" ٤/ ٣٠٢، \"أسد الغابة\" ٥/ ٤٦٠.\n(٦) في (ب): (القريشيات).","vol":"18","page":271},{"text":"قوله تعالى: ﴿اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ﴾ قال مقاتل: إلى المدينة فإن كانت (١) تهاجر إلى المدينة لم يحل له تزوجها (٢). وروى السدي عن أبيِ صالح أن أم هانئ (٣) قالت: خطبني رسول الله -ﷺ- فاعتذرت إليه فعذرني، ثم أنزل الله عليه: ﴿إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ﴾. إلى قوله: ﴿اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ﴾ [قال مقاتل] (٤): قالت: لم أحل له لأني لم أهاجر معه كنت من الطلقاء (٥)، وهذا يوجب أن الهجرة كانت شرطًا في التحليل، فيحتمل أن يكون الأمر كذلك ثم نسخ كما كانت الوراثة بالهجرة ثم نسخ (٦).\nقال صاحب النظم: نزلت هذه الآية قبل تحليل غير المهاجرات.\n_________\n(١) هكذا في النسخ! ولعل الصواب كما في \"تفسير مقاتل\" ٩٤ أ: فإن كانت لم تهاجر.\n(٢) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٩٤ أ.\n(٣) هي: أم هانئ فاختة وقيل فاطمة وقيل هند والأول أشهر، بنت أبي طالب بن عبد المطلب ابن هاشم، ابنة عم النبي -ﷺ- وأخت علي بن أبي طالب، أسلمت عام الفتح وهرب زوجها واسمه هبيرة بن أبي وهب إلى نجران، فلما انقضت عدتها خطبها النبي -ﷺ- فقالت يا رسول الله؛ لأنت أحب إلى من سمعي ومن بصري وحق الزوج عظيم وأنا أضيع حق الزوج.\nانظر: \"الاستيعاب بهامش الإصابة\" ٤/ ٤٧٩، \"الإصابة\" ٤/ ٤٧٩، \"أسد الغابة\" ٥/ ٦٢٤.\n(٤) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).\n(٥) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٢٢/ ٢٠ - ٢١ ورواه الترمذي في \"جامعه\" كتاب: التفسير، تفسير سورة الأحزاب ٥/ ٣٣ رقم الحديث (٣٢٦٦) وقال: هذا حديث حسن لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث السدي، والحاكم في \"المستدرك\" ٢/ ٤٢٠ وصححه ووافقه الذهبي، وأورده السيوطي في \"الدر\" ٦/ ٦٢٨ وزاد نسبته لابن سعد وعبد بن حميد وابن مردويه والبيهقي.\n(٦) انظر: \"تفسير الماوردي\" ٤/ ٤١٤، \"تفسير زاد المسير\" ٦/ ٤٠٤، \"مجمع البيان\" ٨/ ٥٧١.","vol":"18","page":272},{"text":"وقوله: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً﴾ عطف على ما سبق من المحللات قال ابن عباس: يريد مصدقة بتوحيد الله (١). قال مقاتل: اليهودية أو النصرانية أو الحربية إن وهبت نفسها للنبي لم تحل له، قال: وإنما قيل هاهنا للنبي -ﷺ- لأنه لو قيل: إن وهبت نفسها لك، كان يجوز أن يتوهم في الكلام دليل أنه يجوز ذلك لغير النبي -ﷺ- كما جاز في قوله: ﴿وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ﴾؛ لأن بنات العم وبنات الخال يحللن للناس (٢).\nوقوله تعالى: ﴿إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا﴾ أي آثر نكاحها وأراد ذلك. ﴿خَالِصَةً لَكَ﴾ قال الفراء: (نصب على القطع يعني: هذه الخصلة يعني: النية في النكاح خالصة لك ورخصة) (٣).\nوقال الزجاج: (خالصة منصوب على الحال، المعنى: إنا جعلنا لك هؤلاء وأحللنا لك من وهبت نفسها خالصة لك) (٤). وقال صاحب النظم: خالصة مصدر كالخاطئة والكاذبة والملاعنة، والمعنى في قوله: ﴿خَالِصَةً لَكَ﴾ أي: خاصة لك وخاصة أيضًا مصدر مثل خالصة أي خصوصًا لك ذلك من بين أمتك وهو قوله: ﴿مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وقال أبو عبيدة: (رجع عن الغائبة إلى المخاطبة والعرب تفعل ذلك كقول عنترة:\nسقت مزارها سفين .. .. البيت) (٥).\n_________\n(١) ذكره الطبرسي في \"مجمع البيان\" ٨/ ٥٧١ غير منسوب لأحد.\n(٢) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٩٤ أ.\n(٣) انظر: \"معاني القرآن\" ٢/ ٣٤٥ مع اختلاف في العبارة.\n(٤) انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٣٣.\n(٥) \"مجاز القرآن\" ٢/ ١٣٩. وهكذا ورد في النسخ! وفي \"مجاز القرآن\" وكذا في بقية المراجع جاء البيت هكذا: =","vol":"18","page":273},{"text":"قال الأزهري: الهبة كانت للنبي -ﷺ- خاصة، ولا يحل لأحد أن تهب نفسها بغير شهود ولا ولي إلا للنبي -ﷺ-.\nوقال ابن عباس: لا يحل هذا لغيرك وهو لك حلال (١).\nقال المفسرون: هذا من خصائصه في النكاح وكان ينعقد النكاح له بلفظ الهبة من غير ولي ولا شهود، ولا ينعقد لأحد نكاح بلفظ الهبة (٢)، وهو مذهب الشافعي -رحمة الله- وأكثر الفقهاء (٣). وأجاز أهل الكوفة النكاح بلفظ الهبة إذا حضر الولي والشهود (٤). واختلفوا في الموهوبة، هل كانت عند النبي -ﷺ- موهوبة أم لا؟ فمذهب ابن عباس في رواية عكرمة ومجاهد أنه لم يكن عند النبي -ﷺ- امرأة إلا بعقد النكاح أو ملك اليمين، وهذا شيء أباحه الله له، فإذا استباحه حل له (٥).\n_________\n= شطت مزار العاشقين فأصبحت ... عسرا على طلابها ابنة مخرم\nوهو من الكامل، وهو لعنترة في \"ديوانه\" ص ١٩، \"شعراء النصرانية\" ٦/ ٨٠٩، \"الكامل\" ١/ ٣٩٩، ٢/ ٧٢٩، \"لسان العرب\" ٤/ ٣١٤ (زأر)، ٣٣٦ (زور)، انظر: \"تفسير ابن عباس\" ص ٣٣٤ (شطط).\nومعى البيت: يقول: نزلت الحبيبة أرض أعدائي فأصبح طلبها عسيرًا علي. وفي الكلام التفات من الغيبة إلى الخطاب انظر: \"جمهرة أشعار العرب في الجاهلية والإسلام\" ٢/ ٤٨٤.\n(١) انظر: \"تفسير ابن عباس\" ص ٤٢٤، وذكر الطبري نحوه ٢٢/ ٢١ ونسبه لمجاهد.\n(٢) انظر: \"تفسير الطبري\" ٢٢/ ٢٣ - ٢٤، \"تفسير الماوردي\" ٤/ ٤١٥، \"تفسير زاد المسير\" ٦/ ٤٠٥.\n(٣) انظر: \"الأم\" ٥/ ٣٣، \"المغني\" ٩/ ٣٤٥.\n(٤) يروى هذا كما في \"المغني\" ٩/ ٣٤٥ عن ابن سيرين والقاسم بن والحسن محمد بن صالح وأبي يوسف.\n(٥) انظر: \"تفسير الطبري\" ٢٢/ ٢٣، \"تفسير الماوردي\" ٤/ ٤١٤، \"مجمع البيان\" ٨/ ٥٧١.","vol":"18","page":274},{"text":"وقال آخرون: بل كانت عنده موهوبة، ثم اختلفوا، فقال عطاء عن ابن عباس: هي أم شريك العامرية (١)، وهو قول مقاتل (٢).\nوقال عروة: هي: خولة بنت حكيم (٣).\nوقال قتادة: هي ميمونة بنت الحارث (٤) وقال الشعبي: هي زينب بنت خزيمة (٥) (٦).\n_________\n(١) هي: أم شريك، واختلف في اسمها فقيل: غزيلة بالتصغير، ويقال عزية بتشديد الياء بنت دودان بن عوف بن عمرو بن عامر، اختلف في نسبتها، فقيل: قرشية وقيل: عامرية وقيل: أنصارية. يقول ابن حجر في \"الإصابة\": ويمكن الجمع بين الأقوال بأن يقال: هي قرشية تزوجت في دوس فنسبت إليهم، ثم تزوجت في الأنصار فنسبت إلهم. يقال: إنها التي وهبت نفسها للنبي -ﷺ-.\nانظر: \"الاستيعاب\" ٤/ ٤٤٥، \"الإصابة\" ٤/ ٤٤٦، \"أسد الغابة\" ٥/ ٥٩٤.\n(٢) انظر: \"مجمع البيان\" ٨/ ٥٧١، ونسب القول لعلي بن الحسين والضحاك ومقاتل، وانظر أيضًا: \"تفسير زاد المسير\" ٦/ ٤٠٥ ولم ينسبه لأحد. وذكره \"الماوردي\" أيضًا ٤/ ٤١٤ ونسبه لعروة بن الزبير، وانظر: \"تفسير مقاتل\" ٩٤ ب.\n(٣) انظر: \"تفسير الطبري\" ٢٢/ ٢٣، \"مجمع البيان\" ٨/ ٥٧١، وذكره \"الماوردي\" ٤/ ٤١٤، و\"ابن الجوزي\" ٦/ ٤٠٥ غير منسوب لأحد.\n(٤) انظر: \"تفسير الطبري\" ٢٢/ ٢٣، \"تفسير الماوردي\" ٤/ ٤١٤، \"تفسير زاد المسير\" ٦/ ٤٠٦ ونسبه لابن عباس.\n(٥) هي: زينب بنت خزيمة بن الحارث الهلالية زوج النبي -ﷺ-، يقال لها: أم المساكين لكثرة إطعامها الطعام لهم، تزوجها رسول الله -ﷺ- أدخل بها بعدما دخل بحفصة ﵂ ثم لم تلبث فلنب عند رسول الله -ﷺ- سوى شهرين أو ثلاثة حتى ماتت ﵂، ولم أجد عند من ترجموا لها من ذكر أنها وهبت نفسها للنبي -ﷺ- والله أعلم.\nانظر: \"الاستيعاب\" ٤/ ٣٠٥، \"الإصابة\" ٤/ ٣٠٩ \"أسد الغابة\" ٥/ ٤٦٦.\n(٦) انظر: \"تفسير الماوردي\" ٤/ ٤١٤، \"تفسير زاد المسير\" ٦/ ٤٠٦.","vol":"18","page":275},{"text":"وقال مقاتل: ثم أخبر الله عن المؤمنين فقال: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ﴾ ألا يتزوجوا إلا أربع نسوة بمهر وبينة وهذا قول جميع المفسرين (١)، قالوا: فرضنا على أمتك ألا يتجاوز الأربع ولا ينعقد نكاحهم إلا بالأولياء والشهود (٢).\nقوله: ﴿وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ قال أبو إسحاق: (ذلك اليمين لا يكون إلا ما يجوز سبيه) (٣) ممن يجوز حربه، فأما من كان له عهد فلا.\nوقال صاحب النظم: انتظمت هذه الآية مجاوزة الأربع للنبي -ﷺ- والهبة، وكان له أن يصطفي من النبي من شاء نبه الله بهذا على من خصه به (٤) دون غيره من أمته؛ لأنه لم يبح لهم من هذه الأصناف التي عددها في التحليل له شيئًا.\nقوله -﷿-: ﴿لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ﴾. فيه تقديم، والمعنى: خالصة لك من دون المؤمنين كي لا يكون عليك، [أي: أحللنا لك ما ذكرنا لكي لا يكون عليك] (٥) ضيق في أمر النكاح ومنع من شيء تريده. ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ في التزويج بغير مهر للنبي -﵇- ﴿رَحِيمًا﴾ به في تحليل ذلك. قاله مقاتل (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3547>٥١ </span>- قوله -﷿-: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ ذكرنا الكلام\n_________\n(١) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٩٤ أ.\n(٢) انظر: \"الطبري\" ٢٢/ ٢٣ - ٢٤، \"الماوردي\" ٤/ ٤١٥، \"زاد المسير\" ٦/ ٤٠٦.\n(٣) انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٣٣.\n(٤) هكذا في النسخ! ولعل الصواب: على ما خصه به.\n(٥) ما بين المعقوفين مكرر في (أ).\n(٦) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٩٤ أ.","vol":"18","page":276},{"text":"في [معنى] (١) الإرجاء عند قوله تعالى: ﴿أَرْجِهْ وَأَخَاهُ﴾ [الأعراف: ١١١] وقوله: ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١٠٦]، وأكثر المفسرين على أن هذه الآية نزلت في إباحة النبي -ﷺ- مصاحبة نسائه ومعاشرتهن كيف شاء من غير حرج عليه في ذلك تخصيصًا له وتفضيلًا، فأبيح له لمن أحب منهن يومًا أو أكثر، ويعظل من شاء منهن فلا يأتيها. وهذا قول ابن عباس ومجاهد وابن زيد واختيار الفراء والزجاج. فمعنى قوله: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ﴾ قال ابن عباس ترجيها من غير طلاق، ﴿وَتُؤْوِي إِلَيْكَ﴾ وتضم من تشاء تردها إليك (٢). قال مجاهد: تعزل بغير طلاق وتؤوي إليك من تشاء: تردها إليك (٣). وقال الكلبي: تترك من تشاء منهن فلا تأتيها ﴿وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ فتأتيها (٤) (٥).\nقال أبو إسحاق: (خيَّر الله -﷿- نبيه -ﷺ- فكان له أن يؤخِّر من أراد من نِسائه وله أن يردَّ من أحب إلى فراشه، وليس ذلك لغيره من أمته) (٦) وكان القسم والتسوية بينهن واجبًا عليه فلما نزلت هذه الآية سقط عنه وصار الاختيار فيهن، قال أبو زيد: وكان ممن آوى عائشة وحفصة وأم سلمة وزينب وكان قسمتهن من نفسه وماله سواء بينهن وكان ممن أرجى: سودة\n_________\n(١) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).\n(٢) انظر: \"تفسير الطبري\" ٢٢/ ٢٥، \"الماوردي\" ٤/ ٤١٥، \"زاد المسير\" ٦/ ٤٠٧.\n(٣) انظر: \"تفسير مجاهد\" ص ٥١٩، \"تفسير الطبري\" ٢٢/ ٢٥، \"الماوردي\" ٤/ ٤١٥.\n(٤) في (ب): (فتؤتيها).\n(٥) لم أقف على من نسبه للكلبي، وقد ذكر الطبرسي في \"مجمع البيان\" ٨/ ٥٧٤ نحو هذا القول وعزاه لقتادة.\n(٦) انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٣٣.","vol":"18","page":277},{"text":"وجويرية وأم حبيبة وميمونة (١) وصفية وكان يقسم لهن ما شاء، وكان أراد أن يفارقهن فقلن له: اقسم لنا من نفسك ما شئت ودعنا على حالنا (٢).\nقوله تعالى: ﴿وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾ أي: إن أردت أن نؤوي إليك امرأة ممن عزلتهن وأخرتهن من القسمة وتضمها إليك فلا جناح عليك (٣). لا ميل (٤) يلوم ولا عتب، والمعنى: أنك إذا أرجأت بعضًا وآويت ثم آويت من أرجأت فلا جناح عليك (٥)، وفي الكلام إيجاز بتقدير وأرجأت من آويت فلا جناح عليك، فدل أحد الظرفين على الثاني؛ لأنه إذا كان له إيواء من عزل وأرجأ كان له إرجاء من آوى.\nقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ﴾ أي: ذلك التخيير الذي خيرناك في صحبتهن أدنى إلى رضاهن إذا كان من عندنا، قال الفراء: (إذا علمن أن الله قد أباح ذلك رضين إذا كان من عند الله) (٦). قال أبو إسحاق:\n_________\n(١) في (ب): (وصفية وميمونة) تقديم وتأخير.\n(٢) انظر: \" تفسير الطبري\" ٢٦/ ٢٢، وقد ذكر قول ابن زيد لكنه لم يذكر أسماء من آوى ومن عزل. \"تفسير ابن أبي حاتم\" ١٠/ ٣١٤٥ عن ابن زيد، \"مجمع البيان\" ٨/ ٥٧٤، ونسب القول لابن رزين، وذكره ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٦/ ٤٠٧ وعزاه لابن رزين أيضًا، وذكره السيوطي في \"الدر\" ٦/ ٦٣٥، ونسبه لابن سعد وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي زيد.\n(٣) انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٣٣.\n(٤) هكذا في النسخ! ولعل الصواب: لا لوم.\n(٥) الكلام هنا موهم والأسلوب فيه اضطراب، والذي يظهر لي والله أعلم أن الكلام من قوله: (ميل) إلى قوله: (ثم إيواء من أرجأت فلا جناح عليك) كلام زائد وقع خطأ من النساخ.\n(٦) انظر: \"معاني القرآن\" ٢/ ٣٤٦.","vol":"18","page":278},{"text":"إذا كان هذا منزلًا من الله عليك (١) كان أقرب إلى أن يرضين بما آتيتهن كلهن أي ويرضين كلهن بما آتيتهن من تقريب وإرجاء (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ﴾ أي: من أمر النساء والميل إلى بعضهن، قال صاحب النظم: هذا يدل على أن الله قصد بها التخيير والتيسير (٣) والتسهيل محنة في كل ما أراد منهن، ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا﴾ بخلقه ﴿حَلِيمًا﴾ عن عقابهم. قاله ابن عباس (٤) وذكرت في قوله: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ قوال سوى ما ذكرنا، وسياق الآية [بعضها و] (٥) لا يوافقها فتركتها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3548>٥٢ </span>- قوله تعالى: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ﴾ ويقرأ بالتاء وقال أبو إسحاق: من قرأ بالياء فلأن النساء في معنى جميع النساء تدل على التأنيث فيستغنى عن تأنيث (يحل)، ومن قرأ بالتاء فعلى أن المعنى لا يحل (٦) لك جماعة (٧) النساء (٨).\nوقال الفراء: (التاء للنساء والياء بمعنى لا يحل لك شيء من النساء) (٩)، وقال أبو علي: (الياء والتاء جميعًا حسنان؛ لأن تأنيث النساء\n_________\n(١) في (ب): (إليك).\n(٢) انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٣٣.\n(٣) في (ب): (التسير).\n(٤) لم أقف عليه\n(٥) هكذا في النسخ! ولعلها زيادة من النساخ؛ لأنه يخل بنظم الكلام.\n(٦) في (ب): (لا تحل).\n(٧) في (ب): (جميع).\n(٨) انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٣٤\n(٩) انظر: \"معاني القرآن\" ٢/ ٣٤٦.","vol":"18","page":279},{"text":"ليس بحقيقي، إنما هو تأنيث الجمع نحو الجمال والجدوع، والتذكير حسن والتأنيث كذلك) (١).\nقال ابن عباس: لما خير رسول الله -ﷺ- نساءه اخترنه شكر الله تعالى ذلك لهن حيث اخترنه فأنزل الله: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾ (٢).\nقال مقاتل: حرم عليه تزويج غير التسعة اللاتي اخترنه، فقال: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾ أي: من بعد أزواجك التسعة اللاتي عندك (٣)، يقول: لا يحل لك أن تزداد عليهن ولا أن تبدل بهن، يعني: بنسائه التسعة من أزواج.\nقال ابن عباس: يريد أن تبدل بهذه [العدة] (٤) غيرهن، فلا يحل لك إلا هؤلاء اللاتي خيرتهن واخترتهن (٥). وقال الضحاك: يعني: ولا أن تبدل بهن بأزواجك اللاتي من في حبالك أزواجًا غيرهن بأن تطلقهن وتنكح غيرهن (٦). فحرم عليه طلاق نسائه اللاتي كن عنده إذ جعلهن أمهات المؤمنين، وحرمهن على غيره حين اخترنه، قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ﴾ أي: وإن أعجبك لجمالهن (٧)، فليس لك أن تطلق من نسائك وتنكح بدلها امرأة بجمالها.\n_________\n(١) انظر: \"الحجة\" ٥/ ٤٧٩.\n(٢) انظر: \"تفسير الطبري\" ٢٢/ ٢٨، \"الماوردي\" ٤/ ٤١٦، \"زاد المسير\" ٦/ ٤٠٩.\n(٣) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٩٤ ب.\n(٤) ما بين المعقوفين طمس في (ب).\n(٥) انظر: \"تفسير الطبري\" ٢٢/ ٢٩، \"الماوردي\" ٤/ ٤١٦، \"زاد المسير\" ٦/ ٤٠٩.\n(٦) انظر: \"تفسير الطبري\" ٢٢/ ٣١، \"مجمع البيان\" ٨/ ٥٧٥، \"زاد المسير\" ٦/ ٤١٠.\n(٧) هكذا في النسخ! ولعل الباء زيادة من النساخ.","vol":"18","page":280},{"text":"قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا﴾ قال مقاتل: يعني: الولائد (١). وقال ابن عباس: ملك بعد هؤلاء مارية (٢).\nقال الزجاج: موضع رفع المعنى لا يحل لك إلا ما ملكت يمينك، قال: ويجوز أن يكون نصبًا على معنى: لا يحل لك النساء، ثم استثني ما ملكت يمينك (٣).\nقال أبو عبيدة: في هذه الآية حرم عليه النساء غيرهن (٤). فإن روي فيه غير ذلك فهذه الآية منسوخة، يعني: ما روي عن عائشة ﵂ أنها قالت: ما مات رسول الله -ﷺ- حتى أحل له النساء (٥).\nقال الشافعي: كأنها تعني اللاتي حظرن عليه (٦).\nوهذه الآية منسوخة على ما قالت عائشة (٧)، وهذا الذي ذكرنا في هذه الآية قول ابن عباس وقتادة ومقاتل والحسن، قال: قصره الله على نسائه التسع اللاتي مات عنهن (٨). وفيها أقوال تركناها لضعفها لم نذكرها.\n_________\n(١) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٩٤ ب.\n(٢) انظر: \"تفسير ابن عباس\" بهامش المصحف ص ٤٢٥.\n(٣) انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٣٤.\n(٤) انظر: \"تفسير غريب القرآن\" ص ٣٥٢.\n(٥) انظر: \"تفسير الطبري\" ٢٢/ ٣٢، \"تفسير زاد المسير\" ٦/ ٤١١، وأخرجه الترمذي في \"سننه\" كتاب التفسير، تفسير الأحزاب ٥/ ٣٥ رقم (٣٢٦٩)، وقال: هذا حديث حسن صحيح وأخرجه ابن أبي حاتم ١٠/ ٣١٤٥ عن أم سلمة.\n(٦) \"الأم\" ٥/ ١٢٥.\n(٧) انظر: \"الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه\" ص ٣٨٥.\n(٨) انظر: \"تفسير الطبري\" ٢٢/ ٢٩ - ٣٠، \"تفسير المادردي\" ٤/ ٤١٧، \"مجمع البيان\" ٨/ ٥٧٥، \"تفسير زاد المسير\" ٦/ ٤١٠، \"تفسير مقاتل\" ٩٤ ب.","vol":"18","page":281},{"text":"قال مقاتل: ثم حذر النبي -ﷺ-[إن ركب] (١) في أمرهن ما لا ينبغي، وذلك قوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾ من العمل ﴿رَقِيبًا﴾ (٢) حفيظًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3549>٥٣ </span>- قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ قال أنس بن مالك: أنا أعلم الناس بهذه الآية، إنه الحجاب، أصبح رسول الله -ﷺ- عروسًا بزينب بنت جحش، ودعا القوم فأصابوا من الطعام، ثم خرجوا وبقي وهي منهم عند رسول الله -ﷺ- فأطالوا المكث، وجعلوا يتحدثون، وجعل رسول الله -ﷺ- يخرج ثم يرجع وهم قعود، فنزلت هذه الآية. قال: فقام القوم وضرب الحجاب (٣).\n﴿إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ قال الزجاج: (موضع أن نصب المعنى إلا بأن يؤذن أو لا يؤذن لكم) (٤) ﴿إِلَى طَعَامٍ﴾ أي: إلا أن تدعوا إلى طعام، ومعنى ﴿يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾: يدعوا، ويجوز أن يكون المعنى على التقديم والتأخير، فتقدير لا تدخلوا بيوت النبي إلى طعام إلا أن يؤذن لكم.\nوقوله: ﴿غَيْرَ نَاظِرِينَ﴾ قال أبو إسحاق: (غير منصوبة على الحال، المعنى: إلا أن يؤذن لكم غير منتظرين) (٥) ﴿إِنَاهُ﴾ أي: نضجه وإدراكه\n_________\n(١) ما بين المعقوفين غير واضح في جميع النسخ، والتصحيح من \"تفسير مقاتل\".\n(٢) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٩٤ ب.\n(٣) أخرجه البخاري في كتاب التفسير، باب: قوله: ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ ٤/ ١٤٩٩ رقم (٤٥١٣)، ومسلم في النكاح، باب: زواج زينب بنت جحش ونزول الحجاب ٢/ ١٠٤٨ رقم (١٤٢٨) كلاهما عن أنس.\n(٤) انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٣٤.\n(٥) المصدر السابق.","vol":"18","page":282},{"text":"وبلوغه. قال المفسرون (١). قال مجاهد: غير [متحينين] (٢) نضجه (٣). المعنى: أنهم كانوا يدخلون بيته فيجلسون منتظرين إدراك الطعام فنهوا عن ذلك، والتقدير: إلا أن يؤذن، لكن وأنتم لا تنتظرون بلوغ الطعام. قال أبو عبيدة: ﴿إِنَاهُ﴾ أي: إدراكه، يقال أنى يأني إدراك أنا كما ترى (٤)، وأنشد:\nتمخضت المنون له بيوم ... أنى ولكل حاملة تمام (٥)\nقال الأزهري ومن هذا قوله: ﴿حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن: ٤٤]، وهو الذي قد بلغ غاية الحرارة. وكذلك قوله: ﴿مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ [الغاشية: ٥] وقوله: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحديد: ١٦]، وهو أن يأني (٦). وقوله: ﴿وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ﴾ قال مجاهد: أي بعد أن تأكلوا (٧).\nقال مقاتل: كانوا يجلسون عند النبي -ﷺ- قبل الطعام وبعد الطعام\n_________\n(١) انظر: \"تفسير الطبري\" ٢٢/ ٣٤، \"تفسير الماوردي\" ٤/ ٤١٨، \"تفسير زاد المسير\" ٦/ ٤١٤ - ٤١٥.\n(٢) غير واضحة في جميع النسخ، والتصحيح من \"تفسير مجاهد\" ص ٥٢٠.\n(٣) انظر: \"تفسير مجاهد\" ص ٥٢٠.\n(٤) هكذا في النسخ! والذي في\"مجاز القرآن لأبي عبيدة\" ٢/ ١٤٠: أي: إدراكه وبلوغه، ويقال: أني لك أن تفعل يأني أنيًا، والاسم إني وأني: أبلغ أدرك.\n(٥) البيت من الوافر، وهو للنابغة الذبياني في \"ديوانه\" ص ١٠١ ضمن أبيات قالها حين عاد إلى النعمان فألفاه عليلا، \"جمهرة أشعار العرب\" ١/ ١٩٩.\nوالشاهد فيه قوله \"حاملة\" حيث جاء بهذا الوصف متصلًا بتاء التأنيث مع أنه خاص بالإناث لا يوسف به غيرهن، وذلك أنه جعل وصفًا جاريًا على الفعل.\n(٦) \"تهذيب اللغة\" ١٥/ ٥٥٣ (أنى).\n(٧) انظر: \"تفسير مجاهد\" ص ٥٢٠.","vol":"18","page":283},{"text":"يتحدثون عنده طويلًا (١)، وكان يؤذيه ذلك ويستحي أن يقول لهم قوموا، فذلك قوله: ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ﴾ يعني: دخول بيته بغير إذن والقعود؛ لانتظار الطعام يؤدي النبي -ﷺ- فيستحي منكم أن يخرجكم منها، ومعنى مستأنسين لحديث: مستأنسين له، والاستئناس هو التأنس، ويقال: إذا جاء الليل استأنس كل وحشي (٢).\nقال أبو إسحاق: (كان النبي -ﷺ- يحتمل إطالتهم كرمًا منه ويصبر على الأذى في ذلك، فعلم الله من يحضره الأدب فصار أدبًا لهم ولمن بعدهم) (٣).\nقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾، معناه: لا يستحيي أن يبين لكم ما هو الحق وذكرنا معنى استحياء الله -﷿- عند قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا﴾ [البقرة: ٢٦]\nقوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾، فنزل الأمر بالاستتار. قال ابن عباس: وذلك (٤) أن عمر -﵁- كان عند رسول الله -ﷺ- في ظلمة البيت فوافقت يده يد امرأة من أزواج رسول الله -ﷺ- فقال والله لو أطاعني رسول الله لضرب عليكن الحجاب فأنزل الله هذه الآية (٥). وقال أنس: قال عمر: يا رسول الله، يدخل عليك البرُّ والفاجر\n_________\n(١) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٩٤ ب.\n(٢) انظر: \"تهذيب اللغة\" ١٣/ ٨٧ (أنس)، \"اللسان\" ٦/ ١٥ (أنس).\n(٣) انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٣٥.\n(٤) في (ب): وذلك أن الله تعالى عمر -﵁-، وهو خطأ.\n(٥) انظر: \"تفسير الماوردي\" ٤/ ٤١٩، \"مجمع البيان\" ٨/ ٥٧٦.","vol":"18","page":284},{"text":"فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب، فنزلت آية الحجاب (١).\nقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ﴾ أي: سؤالكم إياهن المتاع من وراء الحجاب ﴿أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ ومن الريبة ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ﴾ قال أبو إسحاق: أي ما كان لكم أذاه في شيء من الأشياء (٢).\nقال أبو عبيدة: العرب (٣) يدخلون كان يؤكدون بها الكلام وهو مستغنى عنه وأنشد الفرزدق:\nفكيف إذا رأيت ديار قوم ... وجيران لنا كانوا كرام (٤)\nفجعلوا كان لغوًا (٥). قال مقاتل بن حيان: بلغنا أن رجلًا من قريش هوى أن يتزوج عائشة من بعد النبي فبلغ ذلك النبي -ﷺ- فشق ذلك عليه، فأنرل الله: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا﴾ (٦) وقال عطاء عن ابن عباس: كان رجل من سادة قريش من\n_________\n(١) انظر: \"تفسير الطبري\" ٢٢/ ٣٩، ورواه البخاري في الصلاة ١/ ١١١، وفي التفسير سورة البقرة ٦/ ٣٤، وسورة الأحزاب ٦/ ١٤٨، ورواه مسلم في فضائل الصحابة، باب: من فضائل عمر بن الخطاب ٧/ ١١٥.\n(٢) انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٣٥.\n(٣) في (أ): (تدخل)، وهو خطأ.\n(٤) البيت من الوافر وهو للفرزدق في \"ديوانه\" ٢/ ٢٩٠، \"خزانة الأدب\" ٩/ ٢١٧، ٢٢١، ٢٢٢، \"الكتاب\" ٢/ ١٥٣، \"لسان العرب\" ١٣/ ٣٧٠ (كنن).\nوالشاهد فيه قوله: \"وجيران لنا كانوا كرام\" حيث فصل بين الموصوف وهو قوله \"وجيران\" والصفة وهي قوله \"كرام\" بـ\"كانوا\" الزائدة.\n(٥) \"مجاز القرآن\" ٢/ ١٤٠.\n(٦) لم أقف على هذا القول عن مقاتل بن حيان وقد ذكره أكثر المفسرين فقد ذكره الطبري ٢٢/ ٤٠ عن ابن زيد، ومقاتل في \"تفسيره\" ٩٤ ب، والنحاس في \"معاني القرآن\" ٥/ ٣٧٣ عن قتادة، والطبرسي ٨/ ٥٧٤ عن أبي حمزة الثمالى.","vol":"18","page":285},{"text":"أصحاب النبي -ﷺ- من العشرة الذين (١) كانوا معه على حراء) قال في نفسه [لو] (٢) توفي رسول الله لتزوجت عائشة وهي بنت عمي فأنزل الله -﷿- ما أنزل (٣).\nقال مقاتل بن سليمان: هو طلحة بن عبيد الله قال لما نزلت آية الحجاب: نهانا محمد أن ندخل على بنات عمنا -يعني: عائشة- وهما من بني تميم بن مرة ثم قال: والله لئن مات محمد وأنا حي لأتزوجن عائشة، فأنزل الله في طلحة ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ﴾ إلى آخرها (٤). قال أبو إسحاق: أعلم الله أن ذلك محرم بقوله: ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾ أي: ذبنًا عظيمًا (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3550>٥٤ </span>- قوله تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ قال مقاتل: أعلم الله أنه يعلم سرهم (٦) ونجواهم وعلانيتهم (٧) فقال: ﴿إِنْ تُبْدُوا﴾ أي: تظهروا ﴿شَيْئًا﴾ من أمرهن يعني: طلحة (٨)؛\n_________\n(١) ما بين المعقوفين كلام زإئد يظهر أنه وهم من النساخ إذ لا معنى له.\n(٢) ما بين المعقوفين بياض في (ب).\n(٣) انظر: \"تفسير زاد المسير\" ٦/ ٤١٦، وذكره السيوطي في \"الدر\" ٦/ ٦٤٣، وعزاه لابن أبي حاتم وابن مردويه وذكره الطبري ٢٢/ ٤٠ عن ابن زيد.\n(٤) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٩٤ ب، وذكره السيوطي في \"الدر\" ٦/ ٦٤٣، وعزاه لابن أبي حاتم عن السدي ولعبد الرزاق عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة ولابن سعد عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم.\n(٥) انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٣٥.\n(٦) في (أ): (سرهن وعلانيتهن).\n(٧) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٩٤ ب.\n(٨) لا يصح مثل هذا عن صحابي كطلحة -﵁- وقد سبق ذكر بعض أقوال العلم ممن أنكر هذه المقولة.","vol":"18","page":286},{"text":"لقوله: يمنعنا محمد من الدخول على بنات عمنا وأضمر هذا القول، ثم قال: ﴿أَوْ تُخْفُوهُ﴾ يعني: أو تسروه في قلوبكم يعني: قوله: ليتزوجها من بعد موت النبي -ﷺ- فهذا الذي أخفاه، فذلك قوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ من السر والعلانية (١). قال عطاء عن ابن عباس: وقدم هذا الرجل على ما حدث به نفسه فمشى إلى مكة على رجليه وحمل عشرة أفراس في سبيل الله وأعتق رقيقًا، فكفر الله -﷿- عنه ورحمه (٢).\nقال المفسرون (٣): لما نزلت آية الحجاب قال الآباء والأبناء والأقارب لرسول الله -ﷺ-: ونحن أيضًا نكلمهن من وراء حجاب، فأنزل الله تعالى قوله:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3551>٥٥ </span>- ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ﴾ الآية أي: لا جناح عليهن في هؤلاء أن يروهن ويتركن الحجاب منهن.\nقال أبو إسحاق: هذه الآية نزلت فيمن يحل للمرأة البروز له ولم يذكر العم والخال؛ لأنهما يجريان مجرى الوالدين في الرؤية وقد جاء في القرآن تسمية العم أبا في قوله: ﴿وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ﴾ [البقرة: ١٣٣] (٤).\nوقال غيره: هذه الآية تتضمن بيان بعض المحارم (٥)، وقد سبق ذكر الحرم في سورة النور (٦) وهذه بعض تلك الآية.\n_________\n(١) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٩٥ أ.\n(٢) انظر: \"تفسير القرطبي\" ١٤/ ٢٢٨.\n(٣) وانظر: \"مجمع البيان\" ٨/ ٥٧٧، \"تفسير القرطبي\" ١٤/ ٢٣١، \"تفسير زاد المسير\" ٦/ ٤١٧.\n(٤) انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٣٦.\n(٥) انظر: \"تفسير القرطبي\" ١٤/ ٢٣١.\n(٦) هكذا جاءت العبارة وهو خطأ ولعل الصواب: وقد سبق ذكر المحارم في سورة النور، وقد سبق ذكره في تلك السورة عند تفسير الآية رقم ٣١.","vol":"18","page":287},{"text":"قوله تعالى: ﴿وَلَا نِسَائِهِنَّ﴾ قال ابن عباس: يريد نساء المؤمنين ولم يرد نساء اليهود والنصارى؛ لأنهن يضفن لأزواجهن نساء النبي -﵇- (١) ونحو هذا قال مقاتل: يعني: كل حرة مسلمة (٢). وقوله: ﴿وَلَا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ أكثر المفسرين على أن المراد بهذا: العبيد والإماء من الرجال والنساء (٣)، وقال سعيد بن المسيب: إنما يعني الإماء ولم (٤) يعن الرجال (٥). ﴿وَاتَّقِينَ اللَّهَ﴾ أن يراكن غير هؤلاء.\n﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾ (٦) من أعمال بني آدم ﴿شَهِيدًا﴾ قال مقاتل: يقول لم يغب عن الله شيء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3552>٥٦ </span>- قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ﴾ قال ابن عباس: يريد إن الله يرحم النبي والملائكة يدعون له بالرحمة (٧). قال مقاتل: أما صلاة الرب فالمغفرة (٨) للنبي -ﷺ- وأما صلاة الملائكة (٩) فالاستغفار له (١٠).\n_________\n(١) انظر: \"مجمع البيان\" ٨/ ٥٧٧، \"تفسير زاد المسير\" ٦/ ٤١٧، وذكر السيوطي في \"الدر\" ٦/ ٦٤٥ وعزاه لابن مردويه عن ابن عباس.\n(٢) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٩٥ أ.\n(٣) نظر: \"تفسير الطبري\" ٢٢/ ٤٢، \"الماوردي\" ٤/ ٤٢٠، \"زاد المسير\" ٦/ ٤١٨.\n(٤) في (ب): (ولا).\n(٥) انظر: \"تفسير الماوردي\" ٤/ ٤٢٠، \"زاد المسير\" ٦/ ٤١٨، \"القرطبي\" ١٢/ ٢٣٤.\n(٦) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٩٥ أ.\n(٧) لم أقف عليه منسوبًا لابن عباس وقد ذكره الطبري غير منسوب لأحد ٢٢/ ٣، وذكره الماوردي ٤/ ٤٢١ عن الحسن وعطاء بن أبي رباح.\n(٨) في (ب): (فللمغفرة)، وهو خطأ.\n(٩) في (أ): (الاستغفار).\n(١٠) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٩٥ أ.","vol":"18","page":288},{"text":"﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ﴾ قال ابن عباس: ادعوا له بالرحمة (١).\nوقال مقاتل: استغفروا ﴿وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ يعني: التسليم (٢) فيجوز أن (٣) يقول سلمك الله وسلام عليك والسلام عليك فمن قال: السلام على رسول الله أو سلام عليه (٤) أو سلمك الله يا رسول الله فقد سلم وإذا قال العبد اللهم صل على محمد وسلم، فقد أتى بالصلاة والتسليم (٥).\nوروي عن كعب بن عجرة أنه قال لما نزلت هذه الآية: قلنا يا رسول الله، قد علمنا السلام عليك، فكيف الصلاة عليك؟ قال: \"فقولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركلت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد\" (٦).\nومعنى قوله: علمنا السلام عليك: ما نقول في التشهد السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته. وهذه الآية بيان عما في نبوة النبي -ﷺ- من الحق الذي يقتضي الصلاة عليه كما صلى الله عليه وملائكته ولهذا قال الشافعي -﵁-: لا تصح صلاة في الشريعة إلا بالصلاة على رسول الله والسلام عليه (٧).\n_________\n(١) لم أقف عليه.\n(٢) في (ب): (للتسليم).\n(٣) في (ب): أن (تقول).\n(٤) في (ب): (عليك).\n(٥) لم أقف عليه وليس في \"تفسير مقاتل\".\n(٦) رواه البخاري كتاب: التفسير، باب: قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ ٤/ ١٨٠٢ رقم الحديث (٤٥١٩)، ومسلم في كتاب: الصلاة، باب: الصلاة على النبي -ﷺ- بعد التشهد ١/ ٣٠٥ رقم الحديث (٤٠٦).\n(٧) \"الأم\" ١/ ١٠٣.","vol":"18","page":289},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3553>٥٧ </span>- قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ قال الكلبي: هم اليهود والنصارى والمشركين (١) أما اليهود فإنهم قالوا: يد الله مغلولة وإن الله فقير ونحن أغنياء وقالت النصارى المسيح ابن الله وإن الله ثالث ثلاثة وقال المشركون: الملائكة بنات الله والأصنام شركاؤه [وسبوا] (٢) رسول الله وكسروا رباعيته وقالوا: مجنون شاعر كذاب (٣). ونحو هذا قال قتادة (٤)\nيدل على صحة هذا التفسير ما روى عبد الله بن قيس قال: قال رسول الله -ﷺ-: \"ما أحد أصبر على أذى سمعه من الله أن يجعل له يدًا ويجعل له ولدًا وهو على ذلك معافيهم ومعطيهم ويرزقهم\" (٥) وحقيقة معنى يؤذون الله يخالفون أمر الله ويعصونه ويقولون في وصفه ما هو منزه عنه والله تعالى لا يلحقه أذى ولكن لما كانت المخالفة فيما بيننا والخروج عن أمر الله يسمى إيذاء له خاطبنا الله بما نعرفه في تخاطبنا.\nوقوله: ﴿لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ قال مقاتل: يعني باللعنة في الدنيا: القتل والجلا وأما في الآخرة فإن الله يعذبهم بالنار فذلك قوله (٦)\n_________\n(١) هكذا في النسخ وهو خطأ والصواب: المشركون.\n(٢) ما بين المعقوفين طمس في (ب).\n(٣) ذكره ابن الجوزي في \"تفسير زاد المسير\" ٦/ ٤٢٠ غير منسوب لأحد، الواحدي في \"الوسيط\" ٣/ ٤٨٢ وعزاه للمفسرين.\n(٤) لم أقف عليه.\n(٥) رواه مسلم في \"صحيحه\" كتاب صفات المنافقين، باب: لا أحد أصبر على أذى من الله -﷿- ٤/ ٢١٦٠ رقم (٢٨٠٤) عن عبد الله بن قيس: قال: قال رسول -ﷺ-: \"ما أحد أصبر على أذى يسمعه من الله تعالى، إنهم يجعلون له ندًا ويجعلون له ولدًا، وهو مع ذلك يرزقهم ويعافيهم ويعطيهم\".\n(٦) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٩٥ أ.","vol":"18","page":290},{"text":"﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3554>٥٨ </span>- قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا﴾ قال مجاهد: يقضون فيهم بعد ما علموا، يعني: يرمونهم بما ليس فيهم (١). وروي أن رجلَّا شتم علقمة فقرأ هذه الآية (٢).\nوقال قتادة والحسن: إياكم وأذى المؤمن فإن الله يغضب له (٣).\nواختلفوا في سبب نزوله، فقال عطاء عن ابن عباس: رأى عمر -﵁- جارية من الأنصار متبرجة فضربها وكره ما رأى من زينتها، فذهبت إلى أهلها تشكو عمر، فخرجوا إليه فآذوه، فأنزل الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ يريد عمر بن الخطاب (٤).\nوقال مقاتل: نزلت في علي بن أبي طالب وذلك أن نفرًا من المنافقين كانوا يؤذونه ويكذبون عليه (٥).\nوقال السدي والكلبي: نزلت في أهل الفسق والفجور كانوا يتبعون الإماء بالمدينة يفجرون بهن فكانت المرأة من نساء المؤمنين تبرز للحاجة، فيتعرض لها بعض الفجار يرى أنها أمة وكان الزي واحدًا فتصيح به،\n_________\n(١) \"تفسير مجاهد\" ص ٥٢٠ ومعنى يقضون: يقذفونهم ويتهمونهم بالفجور.\n(٢) انظر: \"الوسيط\" ٣/ ٤٨٢.\n(٣) انظر: \"تفسير الطبري\" ٢٢/ ٤٥، وابن أبي حاتم ١٠/ ٣١٥٢ كلاهما عن قتادة وذكره السيوطي في \"الدر\" ٦/ ٦٥٧ وزاد نسبته لعبد بن حميد وابن المنذر، عن قتادة والواحدي في \"الوسيط\" ٣/ ٤٨٢ ونسبه لقتادة والحسن والطبرسي في \"مجمع البيان\" ٨/ ٥٨٠ عن قتادة والحسن.\n(٤) انظر: \"أسباب النزول\" للواحدي ص ٢٠٧، و\"تفسير زاد المسير\" ٦/ ٤٢١.\n(٥) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٩٥ أ، \"تفسير الماوردي\" ٤/ ٤٢٣.","vol":"18","page":291},{"text":"فيذهب، فشكا المسلمون ذلك إلى رسول الله -ﷺ- فأنزل الله هذه الآية (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3555>٥٩ </span>- ثم نهى الحرائر أن يتشبهن بالإماء في الزي بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ﴾ إلى قوله: ﴿مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ جمع الجلباب يعني ملاءة المرأة التي تشتمل بها (٢).\nوذكرنا تفسير الجلباب في سورة النور [النور: ٣٠ - ٣١]، قال المفسرون في قوله: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ يغطين رءوسهن ووجوههن إلا عينًا واحدة، فيعلم أنهن حرائر فلا يعرض لهن بأذى من قول وهو قوله: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾ (٣) هذا قول ابن عباس وابن سيرين (٤).\nقال أصحابنا: الحكم في الحرة إذا برزت لحاجة أن تلتحف حتى لا يرى منها سوى الصحيحين، وأما الأمة فإنها أيضًا يأمرها بالستر والتقنع وإن كانت لا تؤمر في ذلك الزمان. كما روى أن عمر -﵁- أنكر على أمة رآها متقنعه (٥). ويجوز تغير الحكم في الأزمنة بتغير أهلها ألا ترى أن أصحاب رسول الله -ﷺ- منعوا النساء المساجد بعد وفاة رسول الله -ﷺ- مع\n_________\n(١) انظر: \"الماوردي\" (٤/ ٤٢٣) عن الكلبي، \"مجمع البيان\" ٨/ ٥٨٠، \"تفسير زاد المسير\" ٦/ ٤٢١٩.\n(٢) انظر: \"اللسان\" ١/ ٢٧٢ (جلب)، \"مقاييس اللغة\" (٤٧٠) (حلب).\n(٣) (أدنى) مكررة في (ب) وهو خطأ.\n(٤) انظر: \"تفسير الطبري\" ٢٢/ ٤٦، \"ابن أبي حاتم\" ١٠/ ٣١٥٤، عن ابن عباس، \"مجمع البيان\" ٨/ ٥٨٠، ذكره السيوطي في \"الدر\" ٦/ ٦٥٩، وزاد نسبته لابن مردويه عن ابن عباس، وذكره الفراء في \"معاني القرآن\" ٢/ ٣٤٩.\n(٥) انظر: \"تفسير القرطبي\" ١٤/ ٢٤٤، وذكره السيوطي في \"الدر\" ٦/ ٦٦٠ وعزاه لابن أبي شيبة عن أبي قلابة ولابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن أنس.","vol":"18","page":292},{"text":"قوله: \"لا تمنعوا إماء الله مساجد الله\" (١) (٢).\n_________\n(١) أخرجه الإمام أحمد في \"مسنده\" ٢/ ١٦ - ٣٦ - ٤٣٨ - ٤٧٥، ٦/ ٦٩، والدارمي في \"سننه\" كتاب الصلاة، باب النهي عن منع النساء من المساجد ٢/ ٢٩٣.\n(٢) قول المؤلف -﵀- إن الفتوى تتغير الزمان هذا فيما يكون من الأحكام مبنيًّا على عادة النساء وعرفهم ومن المعلوم أن الشرع المطهر أوجب ملاحظة العرف والعادة عند تطبيق الأحكام ولذلك فمما يجب على المجتهد المفتي أن يكون مطلعًا على أحوال الناس عارفًا لمجاري كلامهم في عقودهم ومعاملاتهم فتكون فتواه على حسب ذلك.\nومن هنا تتغير الفتوى حسب تغير الأزمنة والأمكنة والأحوال. يقول القرافي ﵀ فيما نقله عنه د/ عبد الله التركي في \"أصول مذهب الإمام أحمد\" ص ٦٦٤: \" إن إجراء الأحكام التي مدركها العوائد مع تغير تلك العوائد خلاف الإجماع، وجهالة في الدين، بل كل ما هو في الشريعة يتبع العوائد يتغير الحكم فيه عند تغير العادة إلى ما تقتضيه العادة المتجددة. اهـ\nوليس معنى هذا أن أحكام الشريعة ونصوصها تتغير بل أن تغير الفتوى بتغير الزمان أو المكان أو حالة الناس هو تطبيق صحيح لأحكام الشريعة ونصوصها ذلك أن الشارع الحكيم جعل تطبيق هذه الأحكام مبنيًا على العرف والعادة. يقول د/ عبد الله التركي في المصدر السابق ص ٦٦٥: ولذلك أوجب العلماء على المفتين إذا جاءهم مستفت من غير بلادهم ألا يفتوه بما يفتون به أهل البلد، بل عليهم أن يسألوه عن العرف في بلده وهو يخالف عرف المفتي أو يتفق معه وهل تجدد لهم عرف إذا كان المفتي يعرف عرفهم السابق قال القرافي ﵀ في هذا: \"وهذا أمر متعين وواجب لا يختلف فيه العلماء وإن العادتين متى كانتا في بلدين ليستا سواء أن حكمهما ليس سواء\". اهـ.\nوقد عقد ابن القيم -رحمه الله تعالى- في كتابه \"أعلام الموقعين\" فصلا عن تغير الفتوى بتغير الزمان والمكان والأعراف وقد ضرب على ذلك أمثلة كثيرة بين فيها اختلاف الحكم من زمان إلى زمان ومن حال إلى حال وما ذاك إلا لاختلاف الزمان والحال \"أعلام الموقعين\" ١/ ١٤ ولمزيد من العلم في هذه المسألة راجع الكتب التالية \"إعلام الموقعين\" ١/ ٧٠، \"الفروق\" ١/ ٤٤ - ٤٧، \"أصول مذهب الإمام أحمد\". عبد الله التركي ص ٦٦٤ - ٦٧٠.","vol":"18","page":293},{"text":"قوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ أي: لمن اتبع [أمره رحيمًا به] (١) قاله ابن عباس (٢).\nوقال مقاتل: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا﴾ وفي تأخير العذاب ﴿رَحِيمًا﴾ حين لم يعجل بالعقوبة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3556>٦٠ </span>- قال: ثم أوعدهم فقال: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ﴾ عن نفاقهم. ﴿وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ يعني: الفجور (٣)، وهم الزناة وهو قول جميع المفسرين (٤) ﴿وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ﴾ قالوا: هم قوم كانوا يخبرون المؤمنين بما يكرهون من أمر عدوهم ويقولون: قد أتاكم العدو ويقولون [لسرايا] (٥) رسول الله -ﷺ- إنهم قتلوا وهزموا (٦) وذكر الفراء أن قومًا من المؤلفة قلوبهم كانوا يرجفون بأهل الصفة ويشنعون عليهم أنهم هم الذين يتناولون النساء لأنهم عزاب (٧)، ومعنى الإرجاف إشاعة الباطل للاغتمام به (٨). وهذا مما\n_________\n(١) ما بين المعقوفين طمس في (ب).\n(٢) لم أقف عليه.\n(٣) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٩٥ ب.\n(٤) انظر: \"تفسير الطبري\" ٢٢/ ٢٧، \"تفسير الماوردي\" ٤/ ٤٢٤، \"تفسير هود بن محكم\" ٣/ ٣٨٢، \"تفسير زاد المسير\" ٦/ ٤٢٢.\n(٥) لعلها: (عن سرايا).\n(٦) انظر: \"تفسير الطبري\" ٢٢/ ٤٨، \"تفسير الماوردي\" ٤/ ٤٢٤، \"تفسير راد المسير\" ٦/ ٤٢٢، وذكره السيوطي في \"الدر\" ٦/ ٦٦٢، وعزاه لعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(٧) انظر: \"معاني القرآن\" ٢/ ٣٤٩.\n(٨) قال في \"اللسان\" (رجف) قال الليث: أرجف القوم إذا خاضوا في الأخبار السيئة وذكر الفتن، قال الله تعالى: ﴿وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ﴾ وهم الذين يولدون الأخبار الكاذبة التي يكون معها اضطراب في الناس.","vol":"18","page":294},{"text":"سبق تفسيره.\nقوله: ﴿لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ﴾ قال ابن عباس: لنسلطنك عليهم (١)، وهو قول المفسرين وأهل المعاني (٢).\nوقال مقاتل: لنحملنك على قتلهم (٣) ومعنى الإغراءت الدعاء إلى تناول الشيء بالتحريض عليه، وقد مر (٤). ومعنى الآية [إن لم] (٥) ينته هؤلاء أمرناك بقتلهم حتى تقتلهم وتخلي المدينة منهم وهو قوله: ﴿ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا﴾ أي: لا يساكنوك في المدينة، قال ابن عباس: لا يقيمون معك بالمدينة ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ إلا يسيرًا حتى يهلكوا (٦). قال الفراء: (ويجوز أن تجعل (٧) القِلَّة من صفة الملعونين كأنك قلت إلا قليلًا ملعونين؛ لأن قوله ﴿أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا﴾ يدل على أنهم ملعونون فيعرفون) (٨).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3557>٦١ </span>- ﴿مَلْعُونِينَ﴾ مطرودين مبعدين عن الرحمة وعنكم قاله\n_________\n(١) انظر: \"تفسير الطبري\" ٢٢/ ٤٨، \"الماوردي\" ٤/ ٤٢٤، \"مجمع البيان\" ٨/ ٥١.\n(٢) انظر: المصادر السابقة و\"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٣٦، \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٣٤٩، \"معاني القرآن\" للنحاس ٥/ ٣٧٩.\n(٣) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٩٥ ب.\n(٤) عند تفسير قوله تعالى في سورة المائدة: ﴿فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ آية: ١٤.\n(٥) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).\n(٦) ذكره الطبري ٢٢/ ٤٨، الواحدي في \"الوسيط\" ٣/ ٤٨٣، والطبرسي في \"مجمع البيان\" ٨/ ٥٨١ ولم ينسبوه لأحد ولم أقف على من نسبه لابن عباس.\n(٧) في (أ): (يجعل) بالياء.\n(٨) \"معاني القرآن\" ٢/ ٣٥٠ وعبارة الفراء هكذا وقد يجوز أن تجعل القلة من صفتهم صفة الملعونين كأنك قلت: إلا أقلاء ملعونين؛ لأن قوله: \"أينما ثقفوا أخذوا\" يدك على أنهم يقلون ويتفرقون. اهـ.","vol":"18","page":295},{"text":"المبرد (١).\nقال أبو إسحاق: (ملعونين منصوب على الحال لا يجاورونك إلا وهم ملعونين) (٢) وذكر الفراء: هذا القول وقولا آخر، فقال: (ملعونين على الشتم وعلى الفعل أي لا يجاورونك فيها إلا ملعونين والشتم على الاستئناف كما قال ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾ [المسد: ٤] فيمن نصب تم استئناف جزاء فقال: ﴿أَيْنَ مَا ثُقِفُوا﴾ (٣) أي: مبعدين حيث ثقفوا مبعدين حيث ثقفوا فجعل قوله ملعونين متصلًا بما بعده.\nقال أبو إسحاق: (ولا يجوز أن يكون [قوله] (٤) ملعونين منصوبًا بما بعد أيضًا لا يجوز أن يقال ملعونًا أينما أخذ زيد يضرب؛ لأن ما بعد حروف الشرط لا تعمل فيما قبلها) (٥) وقوله: ﴿أُخِذُوا﴾ قال مقاتل: (وجدوا وأدركوا): ﴿أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾ قال يعني خذوهم واقتلوهم) (٦).\nوقال المبرد: (أي الحكم فيهم هذا على جهة الأمر كما قال \"العقرب يقتل\" أي: هذا الحكم فيها) (٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3558>٦٢ </span>- قوله تعالى: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ﴾ الآية قال أبو إسحاق: (المعنى سن\n_________\n(١) لم أقف على قول المبرد.\n(٢) انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٣٦.\n(٣) \"معاني القرآن\" ٢/ ٣٤٩ - ٣٥٠.\n(٤) ما بين المعقوفين ساقط من (أ).\n(٥) انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٣٦.\n(٦) لم أقف عليه وليس في \"تفسير مقاتل\".\n(٧) انظر: قول المبرد وفي \"تفسير القرطبي\" ١٤/ ٤٧، وأورده ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٦/ ٤٢٣، ولم ينسبه لأحد.","vol":"18","page":296},{"text":"الله في الذين بنافقون الأنبياء ويرجفون بهم أن يقتلوا حيث ما ثقفوا) (١). وهذا معنى قول المفسرين في هذه الآية (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3559>٦٣ </span>- قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ﴾ قال الكلبي: إن أهل مكة سألوا النبي -ﷺ- عن الساعة وعن قيامها فنزلت هذه الآية (٣). وقال مقاتل: إن النبي -ﷺ- كان يخطب فسأله رجل عن الساعة فأوحى الله إليه [فقال] (٤) (٥): ﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ (٦). ونظير هذه الآية في الأعراف [آية: ١٨٧].\nقوله تعالى: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ﴾ يقال: دريت الشيء عرفته وأدريته غيري إذا أعلمته ولا معنى أي شيء يعلمك علم الساعة حتى يكون قيامها أي [أنت] (٧) لا تعرفه. ثم قال: ﴿لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾ والباقي ظاهر إلى قوله:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3560>٦٧ </span>- ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا﴾ (وساده جمع سيد وهو فعله مثل كتبة وفجرة ووجه الجمع بالألف والتاء أنهم قالوا الجُرُزات (٨) والطرقات\n_________\n(١) انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٣٦.\n(٢) انظر: \"تفسير الطبري\" ٢٢/ ٤٩، \"تفسير الماوردي\" ٤/ ٤٢٥، \"مجمع البيان\" ٨/ ٥٨١، \"تفسير زاد المسير\" ٦/ ٤٢٣ \"تفسير هود بن محكم\" ٣/ ٣٨٣.\n(٣) لم أقف عليه منسوبًا للكلبي وقد ذكر السمرقندي في \"بحر العلوم\" ٣/ ٦١ قريبًا منه غير منسوب لأحد، وكذا ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٦/ ٤٩٣.\n(٤) ما بين المعقوفين ساقط في (ب).\n(٥) في (أ): (فقل)، وهو خطأ.\n(٦) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٩٦ أ.\n(٧) ما بين المعقوفين بياض في (ب).\n(٨) في (ب): (الجردات).","vol":"18","page":297},{"text":"والمعنات في [جمع معن] (١) جمع معين فكذلك يجوز في هذا الجمع سادات، قال أبو الحسن: ولا يكادون يقولون سادات قال وهي عربية) (٢).\nقال الكلبي: قالوا ربنا أطعنا أشرافنا وعظماءنا فأزالونا عن طريق الهدى (٣). وقال مقاتل: أطعنا سادتنا في الشرف وكبراءنا وذوي الأسنان منا قال وهم المطعمون (٤) في غزوة بدر (٥).\n﴿فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا﴾ الهدى وهو التوحيد، والتقدير: أضلونا عن السبيل فلما حذف الجار وصار الفعل والإضلال لا يتعدى إلى مفعولين من غير توسط حرف الجر كقوله: ﴿لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ﴾ [الفرقان: ٢٩] قال أبو عبيدة: ﴿فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا﴾ أضلونا عن السبيل (٦). وذكرنا الكلام في نحو قوله: السبيلا والرسولا في أول السورة (٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3561>٦٨ </span>- ثم قالت الأتباع: ﴿رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ يعنون: القادة والرؤساء أي: عذبهم مثل عذابنا (٨) قوله تعالى: ﴿وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا﴾\n_________\n(١) هكذا في النسخ وهو في \"الحجة\": معين فيما بين المعقوفين زيادة من النساخ.\n(٢) \"الحجة\" ٦/ ٤٨٠.\n(٣) لم أقف على من نسبه للكلبي وقد ذكره \"الماوردي\" ٤/ ٤٢٣٥، والواحدي في \"الوسيط\" ٣/ ٤٨٣، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٦/ ٤٢٤.\n(٤) هكذا في النسخ! ولعل الصواب: المطعمون كما في \"تفسير مقاتل\".\n(٥) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٩٦ أ.\n(٦) \"مجاز القرآن\" ٢/ ١٤١ وعبارة أبي عبيدة: أضلني عن السبيل، ومجازه عن الحق والدين.\n(٧) عند الآية ١٠.\n(٨) هكذا في النسخ والظاهر أنه خطأ؛ لأنه عذاب القادة إذا كان مثل عذاب الأتباع فليس ضعفين وإنما هو مثله وليس كذلك معنى الآية فلعل الكلام مثلي عذابنا.","vol":"18","page":298},{"text":"قال مقاتل: يعني: اللعن علي أثر اللعن (١). وقرأ عاصم كبيرًا بالياء على وصف اللعن بالكبر وهو العظم والثاء أشبه بالمعنى؛ لأنهم يلعنون مرة بعد مرة وقد جاء ﴿يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ [البقرة: ١٥٩] فالكثرة أشبه بالمرار المتكررة من الكبر (٢). [مع ما ذكرنا من تفسير (٣) مقاتل] ويشهد لصحة قراءة عاصم قول الكلبي في تفسير: ﴿وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا﴾ يقول عذبهم عذابًا كبيرًا (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3562>٦٩ </span>- وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى﴾ قال مقاتل: وعظ الله المؤمنين ألا يؤذوا محمدًا -ﷺ- بقولهم زيد بن محمد فإن ذلك أذى له كما آذت بنو إسرائيل موسى فزعموا أنه آدر وذلك أن موسى كان فيه حياء شديد وكان لا يغتسل إلا وعليه إزار وكانت بنو إسرائيل يغتسلون عراة، فقالوا ما يمنع موسى أن يتجرد كما نتجرد إلا أنه آدر فانطلق ذات يوم يغتسل في عين بأرض الشام واستتر بصخرة فوضع ثيابه عليها [ففرت] (٥) الصخرة بثيابه فاتبعها موسى متجردًا حتى انتهى إلى [ملأ من] (٦) بني إسرائيل فنظرت إليه [بنو إسرائيل فإذا هو من أحسن (٧) خلقًا وأعدله\n_________\n(١) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٩٦ أ.\n(٢) \"الحجة\" ٥/ ٤٨١.\n(٣) هكذا في النسخ والذي يظهر أن ما بين المعقوفين زيادة من النساخ إذ لا معنى لها فهي خطأ والله أعلم.\n(٤) لم أقف عليه.\n(٥) ما بين المعقوفين طمس في (ب).\n(٦) ما بين المعقوفين طمس في (ب).\n(٧) هكذا في النسخ وقد سقطت كلمة الرجال ففي بعض روايات الحديث من أحسن الرجال خلقًا.","vol":"18","page":299},{"text":"صورة وليس به] (١) الذي قالوا فذلك قوله: ﴿فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا﴾ [وهذا قول ابن عباس] (٢) والحسن والمفسرين وروي ذلك مرفوعًا عن أبي هريرة بطرق كثيرة (٣).\nقوله تعالى: ﴿وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ الوجيه ذو الوجاهة [يقال] (٤) وجه الرجل يوجه وجاهة فهو وجيه إذا كان ذا جاء (٥)، وقد قال ابن عباس: [كان (٦) عند الله] حظيًا لا يسأله شيئًا إلا أعطاه (٧).\nوقال الحسن: كان مستجاب الدعوة (٨). وقال مقاتل: يعني مكينا (٩).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3563>٧٠ </span>- قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ قال الليث: يقال: قل قولًا سددًا أو سديدًا أي صوابًا [والسدد مقصور] (١٠) من\n_________\n(١) ما بين المعقوفين طمس في (ب).\n(٢) ما بين المعقوفين طمس في (ب).\n(٣) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٩٦ أ، \"تفسير الطبري\" ٢٢/ ٥١، \"تفسير الماوردي\" ٤/ ٤٢٧، \"تفسير كتاب الله لهود من محكم\" ٣/ ٣٨٤، \"مجمع البيان\" ٨/ ٥٨٣، \"تفسير زاد المسير\" ٦/ ٤٢٥.\nوالحديث رواه البخاري في \"صحيحه\" كتاب: الاغتسال، باب: من اغتسل عريانًا وحده في الخلوة ١/ ٧٨٩ ومسلم في كتاب: الفضائل، باب: من فضائل موسى -﵇- ٤/ ١٨٤١.\n(٤) ما بين المعقوفين طمس في (ب).\n(٥) انظر: \"لسان العرب\" ١٣/ ٥٥٨ (وجه).\n(٦) ما بين المعقوفين طمس في (ب).\n(٧) انظر: \"الماوردي\" ٤/ ٤٢٧، \"مجمع البيان\" ٨/ ٥٨٣، \"زاد المسير\" ٦/ ٤٢٥.\n(٨) انظر: \"تفسير الماوردي\" ٤/ ٤٢٧، وذكره الواحدي في \"الوسيط\" ٣/ ٤٨٤.\n(٩) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٩٦ ب.\n(١٠) ما بين المعقوفين طمس في (ب).","vol":"18","page":300},{"text":"السداد (١) وأنشد لكعب:\nماذا عليها وماذا كان ينقصها ... يوم الترحل لو قالت لنا سددا (٢)\nوقال شمر: السداد الإصابة في المنطق، يقال: إنه لذو سداد في منطقه وتدبيره ورميه إذا كان مصيبًا. ويقال سديد إذا أتى السداد (٣).\nقال ابن عباس: قوله: ﴿سَدِيدًا﴾ صوابًا (٤).\nوقال الحسن: صادقًا (٥).\nوقال مقاتل: عدلًا وهو التوحيد (٦). وقال عطاء عن ابن عباس: يريد شهادة ألا إله إلا الله (٧).\nوقال عكرمة والكلبي: هو ألا إله إلا الله (٨).\nومعنى الآية: هو أن الله أمر المؤمنين بالتوحيد والتقوى ووعد عليهما\n_________\n(١) لم أقف على قول الليث.\n(٢) البيت من البسيط وهو مختلف في نسبته فهو لكعب كما قال المؤلف وكذا هو منسوب في كتاب: \"العين\" ٧/ ١٨٤، و\"الأفعال\" ٣/ ٥٥٠، و\"أساس البلاغة\" ص ٢٠٦ (سدد). وللأعشى في \"لسان العرب\" ٣/ ٢١٠ (سدد). وليس في \"ديوان الأعشى\" ولا في \"ديوان كعب بن زهير\" ولا \"كعب بن مالك\".\n(٣) \"تهذيب اللغة\" ١٢/ ٢٧٦ (سدد).\n(٤) انظر: \"تفسير الماوردي\" ٤/ ٤٢٨، \"تفسير القرطبي\" ١٤/ ٣٥٣، \"تفسير زاد المسير\" ٦/ ٤٢٧.\n(٥) انظر: \"تفسير الطبري\" ٢٢/ ٥٣، وعزاه الكلبي، و\"تفسير الماوردي\" ٤/ ٤٢٨، \"تفسير زاد المسير\" ٦/ ٤٢٧ عن الحسن.\n(٦) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٩٦ ب.\n(٧) انظر: \"تفسير راد المسير\" ٦/ ٤٢٧، \"تفسير القرطبي\" ١٤/ ٣٥٣.\n(٨) انظر: \"تفسير الطبري\" ٢٢/ ٥٣، \"تفسير الماوردي\" ٤/ ٤٢٨، \"مجمع البيان\" ٨/ ٥٨٤.","vol":"18","page":301},{"text":"أن يصلح أعمالهم فقال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3564>٧١ </span>- ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ قال ابن عباس: يتقبل حسناتكم (١). قال مقاتل: يزكي أعمالكم (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-3565>٧٢ </span>- قوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ﴾ (٣) قال ابن عباس: الأمانة الفرائض التي افترضها الله على العباد (٤).\nوقال الحسن: هو الدين، فالدين كله أمانة (٥).\nوقال أبو العالية: الأمانة ما أمروا به وما نهوا عنه (٦).\nوقال مقاتل: الأمانة هي الطاعة (٧). والأمانة في هذه الآية في قول جميعهم: الطاعة والفرائض التي (٨) يتعلق بأدائها الثواب وبتضييعها العقاب (٩).\nوروى زيد بن أسلم عن النبي -ﷺ- أنه قال: \"الأمانة ثلاثة: الصلاة\n_________\n(١) انظر: \"الوسيط\" ٣/ ٤٨٤، \"مجمع البيان\" ٨/ ٥٨٤، \"تفسير زاد المسير\" ٦/ ٤٢٧.\n(٢) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٩٦ ب.\n(٣) قوله: (والجبال) ساقط من (ب) وهو خطأ.\n(٤) انظر: \"تفسير الطبري\" ٢٢/ ٥٤. \"تفسير الماوردي\" ٤/ ٤٢٨، \"معاني القرآن\" للنحاس ٥/ ٣٨٤، \"مجمع البيان\" ٨/ ٥٨٤.\n(٥) انظر: \"تفسير الماوردي\" ٤/ ٤٢٨.\n(٦) انظر: \"تفسير الماوردي\" ٤/ ٤٢٨، \"مجمع البيان\" ٨/ ٥٨٤، وذكره السيوطي في \"الدر\" ٦/ ٦٦٨، وعزاه لابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(٧) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٩٦ ب.\n(٨) في (ب): (الذي).\n(٩) انظر: \"تفسير الطبري\" ٢٢/ ٥٧، \"معاني القرآن\" للنحاس ٥/ ٣٨٤، \"تفسير زاد المسير\" ٦/ ٤٢٨، \"تفسير القرطبي\" ١٤/ ٢٥٤.","vol":"18","page":302},{"text":"والصيام والغسل من الجنابة\" (١).\nوروي عن الحسن في هذه الآية قال: عرضت الأمانة على السموات السبع الطباق التي زينت بالنجوم وحملت العرش العظيم، فقيل لهن: أتأخذن الأمانة بما فيها؟ قلن: وما فيها؟ قلن (٢) لها: إن أحسنتن جزيتن وإن أسأتن عوقبتم. قلن: لا، ثم عرضت على الأرضين السبع اللاتي شددن بالأوتاد وذللت للمهاد وأسكنت العباد، فقيل لهن: أتأخذن الأمانة بما فيها؟ قلن: وما فيها؟ قلن لها (٣): إن أحسنتن جزيتنن وإن أسأتن عوقبتن (٤). قلن: لا، ثم عرضت على الجبال الصم الشم الشوامخ البوادخ الصلاب الصعاب، فقيل لهن: أتأخذن الأمانة بما فيها؟ قلن: وما فيها؟ قيل: إن اْحسنتن جزيتن وإن أسأتن عوقبتن، قلن: لا. فذلك قوله: ﴿فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا﴾.\nوقال ابن جريج: قالت السموات: يا رب خلقتني وجعلتني سقفا محفوظًا، وأجريت في الشمس والقمر، لا أتحمل فريضة ولا أبتغي ثوابًا ولا عقابًا (٥).\n_________\n(١) \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ١٠٢، وفي \"تفسير البغوي\" ٦/ ٣٨٠ عنه الصوم والغسل من الجنابة وما يخفى من الشرائع. وقد رجح الطبري ﵀ في \"تفسيره\" ٢٢/ ٥٧ أن المراد بالأمانة في هذا الموضع: جميع معاني الأمانات في الدين وأمانات الناس وذلك أن الله لم يخص بقوله ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ﴾ بعض معاني الأمانات.\n(٢) كذا في النسخ وهي في \"الوسيط\" قبل لهن.\n(٣) في (ب): (وإن أسأتن جوزيتن عقوبتين)، وهو خطأ.\n(٤) لم أقف عليه وقد أخرج ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ١٠/ ٣١٦٠ نحو هذا القول عن مجاهد.\n(٥) أخرجه ابن أبي حاتم في \"التفسير\" ١٠/ ٣١٥٩ عن ابن جريح.","vol":"18","page":303},{"text":"وقال مقاتل بن حيان: بدأ الله بالسموات فعرض عليهن الأمانة وهي الطاعة، فقال لهن: أتحملن هذه الأمانة ولكن علي الفضل والكرامة والثواب في الجنة؟ قلن: يا رب إنا لا نستطيع هذا الأمر وليست بنا قوة ولكنا لك مطيعون. وقال للأرض مثل ذلك، فقالت: لا صبر لنا على هذه يا رب ولا نطيقه، ولكنا لك سامعون مطيعون ولا نعصيك في شيء تأمرنا به. ثم قربت الجبال كلها فقلن مثل ذلك وهذا قول جميع المفسرين (١). وعلى هذا يكون العرض على أعيان هذه الأشياء بأن ركب الله تعالى فيهن العقول ويفهمن (٢) خطابهن حتى فهمن ونطقن بالجواب، ومعنى قوله: ﴿فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا﴾ أي: مخافة وخشية، لا معصية ومخالفة، والعرض كان تخييرًا لا لزامًا.\nقوله تعالى: ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ﴾ قال ابن عباس: قال الله لآدم: إني عرضت الأمانة على السموات والأرض فلم تطقها أفتحملها أنت [بما فيها] (٣)؟ قال: وما فيها؟ قال: إن أحسنت جزيت وإن أسأت عوقبت (٤). قال: فأنا أتحملها بما فيها، فلم يلبث في الجنة إلا قدر ما بين الأولى والعصر حتى أخرجه الشيطان منها (٥).\n_________\n(١) انظر: \"تفسير الطبري\" ٢٢/ ٥٣، وما بعدها، \"تفسير الماوردي\" ٤/ ٤٢٩، \"تفسير القرطبي\" ١٤/ ٢٥٣، \"مجمع البيان\" ٨/ ٥٨٦، \"تفسير زاد المسير\" ٦/ ٤٢٨.\n(٢) هكذا في النسخ، والذي يظهر أنه خطأ، والصواب هو كما في \"الوسيط\" ٣/ ٤٨٤ أفهمهن خطابه.\n(٣) ما بين المعقوفين طمس في (ب).\n(٤) في (ب): (عوقبتم).\n(٥) انظر: \"تفسير الطبري\" ٢٢/ ٥٤، \"تفسير القرطبي\" ١٤/ ٢٥٣، \"تفسير زاد المسير\" ٦/ ٤٢٧.","vol":"18","page":304},{"text":"وقال في رو اية عطاء: ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ﴾ يريد آدم -﵇-، عرض عليه أداء الفرائض والصلوات الخمس في مواقيتها، وأداء الزكاة عند محلها، وصام رمضان وحج البيت، على أن له الثواب وعليه العقاب، فقال: بين أذني وعاتقي (١).\nوقال ابن حيان: قال الله تعالى لآدم: أتحمل هذه الأمانة وترعاها حق رعايتها؟ فقال آدم: وما لي عندك؟ قال: إن أحسنت وأطعت ورعيت الأمانة فذلك الكرامة وحسن الثواب في الجنة، وإن عصيت وأسأت فإني معذبك ومعاقبك. قال: قد رضيت ربي وتحملها، فقال الله قد حملتها فذلك قوله: ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ﴾ (٢).\nوقال ابن عثمان: عرضت على آدم الطاعة والمعصية وعرف ثواب الطاعة وعقاب المعصية (٣) قوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾، قال الكلبي: ظلمه حين عصى ربه فأخرج من الجنة وجهله حين احتملها (٤). وقال المقاتلان: ظلومًا لنفسه جهولًا بعاقبة ما تحمل (٥). وهذا معنى قول المفسرين.\n_________\n(١) ذكره الطبري نحوه عن ابن زيد الطبري ٢٢/ ٥٥، ولم أقف على رواية عطاء عن ابن عباس.\n(٢) ذكره ابن أبي حاتم ١٠/ ٣١٦٠ عن مجاهد، وابن كثير ٥/ ٥٢٤ وعزاه لابن أبي حاتم.\n(٣) لم أقف عليه. وقد ذكر القرطبي في \"تفسيره\" ١٤/ ٢٥٣ نحو هذا القول عن ابن عباس.\n(٤) لم أقف عليه وانظر: المصدر السابق.\n(٥) لم أقف على قول ابن حبان، وانظر: قول ابن سليمان في \"تفسيره\" ٩٦ ب.","vol":"18","page":305},{"text":"وقال قتادة: ظلومًا للأمانة جهولًا بحقها (١).\nهذا الذي ذكرنا في تفسير هذه الآية مذهب الجمهور أهل التفسير، وقال السدي: الأمانة هي ائتمان آدم ابنه قابيل على أهله وولده وخيانته إياه في قتل أخيه، وذلك أن الله تعالى قال لآدم إن لي بيتًا بمكة فأته. قال آدم للسماء: احفظي ولدي بالأمانة فأبت، وقال للأرض فأبت، وقال للجبال فأبت، فقال لقابيل، قال: نعم تذهب وترجع وتجد أهلك كما يسرك، فانطلق آدم ثم رجع وقد قتل قابيل هابيل (٢).\nوقال أبو إسحاق: حقيقة تفسير هذه الآية -والله أعلم- أن الله تعالى ائتمن بني آدم على ما افترض عليهم من طاعته، وائتمن السموات والأرض والجبال بقول: ﴿ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١] فعرفنا الله أن السموات والأرض لم تحمل الأمانة أي: [أدتها] (٣) فكل من خان الأمانة فقد حملها وكذلك من أثم فقد حمل الإثم ويسمى حاملًا للإثم والسموات والأرض أبين أن يحملن الأمانة وأديتها وأداؤهما طاعتهما فيما أمر الله به وترك المعصية، وحملها الإنسان، قال الحسن: أراد الكافر والمنافق حملا الأمانة أي: خانا ولم يطيعا، قال: فهذا المعنى والله أعلم صحيح، ومن أطاع الأنبياء والصديقين والمؤمنين لا يقال ظلومًا جهولًا وتصديق ذلك ما يتلو هذا من قوله: ﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ﴾ (٤).\nقال الأزهري: [وما علمت أحد شرح في هذه الآية ما شرحه أبو\n_________\n(١) انظر: \"تفسير الماوردي\" ٤/ ٤٣٠.\n(٢) انظر: \"تفسير الطبري\" ٢٢/ ٥٦ - ٥٧، \"تفسير زاد المسير\" ٦/ ٤٢٨.\n(٣) ما بين المعقوفين طمس في جميع النسخ والتصويب من \"معاني القرآن وإعرابه\".\n(٤) انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٣٨ باختصار واختلاف في العبارة.","vol":"18","page":306},{"text":"إسحاق قال: ومما يؤيد قوله (١) في حمل الأمانة أنه خيانتها وترك أدائها قول الشاعر:\nإذا أنت لم تبرح تؤدي أمانة ... وتحمل أخرى أفرحتك الودائع) (٢) (٣)\nأراد بقوله: وتحمل أخرى أي: تخونها فلا تؤدها يدلك على ذلك قوله أفرحتك الودائع أي: أثقل ظهرك الأمانات التي تخونها ولا تؤديها، قال أبو علي: وحملها الإنسان أي: لم يؤدها؛ لأن حمل الحامل الشيء إمساك له وخلاف لأدائه وكأنه لم يؤد الأمانة (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3566>٧٣ </span>- قوله تعالى: ﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ﴾ قال المقاتلان: ليعذبهم الله بما خانوا الأمانة وكذبوا الرسل ونقضوا الميثاق الذي أقروا به حين أخرجهم من ظهر آدم ﴿وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ بأدائهم الأمانة ووفائهم بالعهد والميثاق (٥).\nوروي عن الحسن وقتادة أنهما قالا قوله: ﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ﴾ إلى قوله: ﴿وَيَتُوبَ اللَّهُ﴾ فقالا: هؤلاء الذين خانوهما وهم الذين ظلموها (٦).\n﴿وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ هؤلاء أدوها. وقال ابن قتيبة:\n_________\n(١) في (أ): قلبه. وهو خطأ.\n(٢) \"تهذيب اللغة\" ٥/ ٩٣.\n(٣) البيت من الطويل وهو لبيهس العذري في \"لسان العرب\" ٢/ ٥٤١ (فرح)، و\"التنبيه والإيضاح\" ١/ ٢٥٨، \"تاج العروس\" ١٧/ ١٣ (فرح). وبلا نسبة في \"تهذيب اللغة\" ٥/ ٩٣، \"المخصص\" ١٢/ ٣١٤.\n(٤) \"الحجة\" ٥/ ٢٤٦.\n(٥) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٩٦/ ب، \"تفسير الماوردي\" ٤/ ٤٣٠.\n(٦) انظر: \"تفسير الطبري\" ٢٢/ ٥٨، \"مجمع البيان\" ٨/ ٥٨٧، \"تفسير هود\" ٣/ ٣٨٦.","vol":"18","page":307},{"text":"أي عرضنا ذلك ليظهر نفاق المنافق وشرك المشارك (١) فيعذبهما الله ويظهر إيمان المؤمن فيتوب الله عليه) (٢) أي يعود عليه بالرحمة والمغفرة إن حصل منه تقصير في نقص الطاعات، ولذلك ذكرنا بلفظ التوبة وخص بالعذاب والمشرك فدل أن المؤمن العاص في خارج من العذاب وداخل في قوله: ﴿وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ غفورًا للمؤمنين رحيمًا بهم قاله ابن عباس ومقاتل (٣).\nوالله تعالى أعلم بالصواب.\n_________\n(١) هكذا في النسخ وهو عند ابن قتيبة: المشرك.\n(٢) انظر: \"مشكل القرآن\" ص ٨٢.\n(٣) انظر: \"تفسير ابن عباس\" ص ٤٢٧ بهامش المصحف، \"تفسير مقاتل\" ٩٦/ ب.","vol":"18","page":308},{"text":"سورة سبأ","vol":"18","page":309},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3567>سورة سبأ</span>\nبسم الله الرحمن الرحيم\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3568>١ </span>- ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ أي: له كل ذلك خلقًا وملكًا. ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ﴾، قال ابن عباس: يريد حيث لا يحمد أحد (١) غيره. وقال مقاتل: يعني يحمده أولياؤه في الآخرة، إذا دخلوا الجنة، فقالوا: الحمد لله الذي صدقنا وعده، والحمد لله الذي هدانا لهذا <span data-type=\"title\" id=toc-3569>(٢)</span>. ﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ قال ابن عباس: حكيم في خلقه أن يميتهم ثم يحييهم، الخبير لمن أطاعه ومن عصاه (٣).\nوقال قتادة: حكيم في أمره خبير بخلقه (٤).\n\n٢ - ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ﴾ يدخل. ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ من (٥) مطر أو كنزًا (٦). قاله\n_________\n(١) في (أ): (أحدًا)، وهو خطأ؛ لأنه نائب فاعل. ولم أقف على القول منسوبًا لابن عباس.\n(٢) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٩٦ ب.\n(٣) لم أقف عليه. وهكذا جاء في النسخ! ولعل الصواب: الخبير لمن أطاعه؛ لأنه يتعدى بالباء.\n(٤) ذكره الماوردي ٤/ ٤٣٢ غيرمنسوب لأحد، والمؤلف في \"الوسيط\" ٣/ ٤٨٦.\n(٥) (من) ساقطة من (ب).\n(٦) هكذا في النسخ! ولعل الصواب: أو كنز.","vol":"18","page":311},{"text":"الكلبي وغيره (١). ﴿وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا﴾ من زرع ونبات. ﴿وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ﴾ من مطر أو مصيبة أو رزق. ﴿وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا﴾ من الملائكة وأشباه ذلك من أعمال العباد. ﴿وَهُوَ الرَّحِيمُ﴾ بأوليائه. ﴿الْغَفُورُ﴾ لذنوبهم ومساوئهم. قاله ابن عباس (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3570>٣ </span>- قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ﴾ قال مقاتل: (قال أبو سفيان لكفار مكة: واللات والعزى لا تأتينا الساعة أبدًا، أي: لا نبعث، فلما حلف على ذلك بالأصنام قال الله لنبيه: قل يا محمد: بلى وربي لتأتينكم الساعة) (٣) ثم عاد إلى تمجيد نفسه فقال: ﴿عَالِمِ الْغَيْبِ﴾ قال أبو إسحاق: (الرفع على وجهين: أحدهما: الابتداء، ويكون ﴿لَا يَعْزُبُ عَنْهُ﴾ الخبر، والثاني: على جهة المدح لله -﷿-، المعنى هو عالم الغيب. ومن قرأ بالكسر فهو صفة لله -﷿-، على تقدير: الحمد لله عالم) (٤). وقرأ حمزة والكسائي: \"علام الغيب\" على المبالغة لقوله: علام الغيوب (٥). وباقي الآية مفسر في سورة يونس (٦).\n_________\n(١) انظر: \"تفسير الماوردي\" ٤/ ٤٣٢. وذكره غير منسوب: السمرقندي في \"بحر العلوم\" ٣/ ٦٤، الطبرسي في \"مجمع البيان\" ٨/ ٥٩٠، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٦/ ٤٣٢.\n(٢) لم أقف عليه عن ابن عباس، وذكره غير منسوب: الماوردي ٤/ ٤٣٢، الطبرسي في \"مجمع البيان\" ٨/ ٥٩٠، \"زاد المسير\" ٦/ ٤٣٢.\n(٣) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٩٧ أ.\n(٤) انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٤٠.\n(٥) انظر: \"الحجة\" ٦/ ٥، \"علل القراءات\" ٢/ ٥٤٧، \"الحجة في القراءات السبع\" ص ٢٩١.\n(٦) عند قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ آية: ٦١.","vol":"18","page":312},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3571>٤ </span>- قوله تعالى: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ قال مقاتل: لكي يجزي في الساعة الذين آمنوا (١). قال أبو إسحاق: (دخلت اللام جوابًا لقوله: ﴿بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾. ﴿لِيَجْزِيَ﴾ أي: للمجازاة، يعني: من أجل المجازاة) (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-3572>٥ </span>- ثم بين جزاء الفريقين فقال: ﴿أُولَئِكَ﴾ يعني الذين آمنوا إلى قوله: ﴿رِجْزٍ أَلِيمٌ﴾. وقرئ: أليم، رفعا وخفضًا. قال أبو إسحاق: (الخفض نعت للرجز، والرفع نعت للعذاب) (٣).\nقال أبو علي: (الرجز: العذاب؛ بدلالة قوله: ﴿لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ﴾ [الأعراف: ١٣٤]، وقوله: ﴿فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ٥٩]. وإذا كان العذاب، جاز أن يوصف بأليم كما أن نفس العذاب قد جاز أن يوصف به، ومن رفع فهو على نعت قوله: ﴿عَذَابٌ﴾، ومثل هذا في أن الصفة تجري في المضاف، وعلى المضاف إليه أُجري قوله: ﴿ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ﴾ و(خُضر) فالرفع على أن يتبع الثياب، والجر على أن يتبع السندس، وإذا كان الثياب سندسًا، والسندس خضر، فالثياب كذلك، وتقدير قوله: ﴿عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ﴾ عذاب رجز، كما أن قوله: ﴿ثِيَابُ سُنْدُسٍ﴾ معناه: ثياب من سندس. والجر في الأليم أبين؛ لأنه إذا كان عذاب من عذاب أليم كان العذاب الأول أليمًا، وإذا أجريت الأليم على العذاب كان المعنى عذاب، فالأول أكثر فائدة) (٤).\n_________\n(١) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٩٧ أ.\n(٢) انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٤٠\n(٣) انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٤١\n(٤) \"الحجة\" ٦/ ٦.","vol":"18","page":313},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3573>٦ </span>- قوله تعالى: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ قال الفراء: يرى في موضع نصب معناه: ليجزي الذين وليرى الذين (١). ونحو هذا قال أبو إسحاق (٢). وليس المعنى ما ذكر؛ لأن اللام في قوله: ﴿لِيَجْزِيَ﴾ متعلق بقوله: ﴿لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ على ما بيناه، ولا يجوز أن يكون المعنى: لتأتينكم الساعة ليرى الذين أوتوا العلم أن القرآن حق، فإنهم (٣) وإن لم تأتهم الساعة يرون القرآن حق (٤).\nقال الفراء: وإن شئت استأنفت ويرى (٥) فرفعتها (٦). وهذا هو الوجه لا ما قاله أولًا. ومعنى الرؤية هاهنا العلم، قال مقاتل: (يعني: ويعلم الذين أوتوا العلم بالله، يعني: مؤمني أهل الكتاب) (٧). وقال ابن عباس: يريد أصحاب رسول الله -ﷺ- (٨).\nوقوله: ﴿هُوَ الْحَقَّ﴾ هو فعل عند البصريين، وشمميه الكوفيون عمادًا، وقد بينا الكلام فيه عند قوله: ﴿هُوَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٨٠]. قال الفراء:\n_________\n(١) \"معانى القرآن\" ٢/ ٣٥٢\n(٢) انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٤٠.\n(٣) في (ب): كرر قوله: (فإنهم)، وفي (أ): كرر الجملة: (فإنهم وإن لم تأتهم الساعة يرون القرآن حق).\n(٤) انظر: \"إعراب القرآن\" للنحاس ٢/ ٦٥٦، \"البحر المحيط\" ٨/ ٥٢١، \"الدر المصون\" ٥/ ٤٣٠.\n(٥) في (أ): (ترى)، وهو خطأ.\n(٦) \"معاني القرآن\" ٢/ ٣٥٢.\n(٧) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٩٧ أ.\n(٨) لم أقف عليه منسوبًا لابن عباس، وقد ذكره أكثر المفسرين عن قتادة.\nانظر: \"الوسيط\" ٣/ ٤٨٧، \"تفسير الماوردي\" ٤/ ٤٣٣، \"تفسير الطبرسي\" ٨/ ٥٩٣، \"زاد المسير\" ٦/ ٤٣٣.","vol":"18","page":314},{"text":"(ولو رفعت الحق على أن تجعل هو اسما كان صوابًا، أنشد الكسائي:\nليت الشباب هو الرجيع (١) على الفتى ... والشيب كان هو البديء الأول (٢)\nفرفع ونصب في بيت واحد) (٣).\nقوله: ﴿وَيَهْدِي﴾ معناه: الهادي، ولفظ المستقبل كثيرًا ما يراد به لفظ الحال، يقول: تعلمون الحق القرآن الحق الهادي. ﴿إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ قال مقاتل: ويدعو إلى دين العزيز في ملكه، الحميد عند خلقه في سلطانه (٤).\nوقال الكلبي: يعني المنيع بالنعمة ممن لم يجب الرسل، المحمود في أفعاله (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3574>٧ </span>- قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يعني: منكري البعث. قال أبو إسحاق: (هذا قول المشركين الذين لا يؤمنون بالبعث، قال بعضهم لبعض: هل ندلكم على محمد الذي يزعم أنكم تبعثون بعد أن تكونوا عظامًا ورفاتًا وترابًا) (٦). وهذا الذي ذكره موافق لما قاله المفسرون (٧).\n_________\n(١) في (ب): (الرجع).\n(٢) البيت من الكامل، لم أهتد إلى قائله، وهو في: \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٣٥٢، \"الزاهر\" ٢/ ٢٢٤، \"الدر المصون\" ٦/ ٤٣، \"الجنى الداني\" ص ٤٩٣ بلا نسبة.\n(٣) \"معاني القرآن\" ٢/ ٣٥٢، وقوله: فرفع ونصب، يعني رفع في كان، ونصب في ليت، فالمرفوع هو البديء، والمنصوب الشباب.\n(٤) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٩٧ أ.\n(٥) لم أقف عليه.\n(٦) انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٤١.\n(٧) انظر: \"تفسير الطبري\" ٢٢/ ٦٠، \"تفسير الماوردي\" ٤/ ٤٣٤، \"مجمع البيان\" ٨/ ٥٩٣، \"بحر العلوم\" ٣/ ٦٦","vol":"18","page":315},{"text":"ومعنى: ﴿إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ (١) إذا صار (٢) قطعًا باليًا، قال: فرقتم كل تفريق وقطعتم كل تقطيع، والمزف خرف الأشياء، والتمزيق تفعيل منه، يقال: ثوب مزيق ممزوق متمزق ممزق إذا صار قطعًا باليًا (٣).\nقال ابن عباس: يريد إذا متم وبليتم (٤).\nوقال مقاتل: إذا تفرقتم في الأرض وذهبت الجلود والعظام وكنتم ترابًا، وهذا من قول أبي سفيان يقوله لكفار مكة (٥).\nقال أبو إسحاق: وفي هذه الآية نظير في العربية لطيف، ونحن نشرحه إن شاء الله. ﴿إِذَا﴾ في موضع نصب بمزقتم، ولا يجوز أن يعمل فيها جديد؛ لأن ما بعد أن لا يعمل فيما قبلها، والتأويل: هل ندلكم على رجل يقول لكم إذا مزقتم تبعثون، ويكون إذا بمنزلة إن الجزاء يعمل فيها الذي يليها. قال قيس بن الخطيم:\nإذا قصرت أسيافنا كان وصلها ... خطانا إلى أعدائنا فنضارب\nالمعنى: يكون وصلها، الدليل على ذلك جزم فنضارب، قال: ويجوز أن يكون العامل في إذا مضمر، يدل عليه أنكم لفي خلق جديد، ويكون المعنى: هل ندلكم على رجل يقول إنكم إذا مزقتم كل ممزق\n_________\n(١) (إذا) ساقط من (أ).\n(٢) هكذا في النسخ! ولعل الصواب: إذا صرتم.\n(٣) انظر: \"تهذيب اللغة\" (مزق)، \"اللسان\" ١٠/ ٣٤٢ (مزق).\n(٤) لم أقف عليه عن ابن عباس. انظر: \"تفسير الماوردي\" ٤/ ٤٣٤، \"مجمع البيان\" ٨/ ٥٩٣، \"زاد المسير\" ٦/ ٤٣٤.\n(٥) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٩٧ أ.","vol":"18","page":316},{"text":"بعثتم، كما قال: ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٢، الصافات: ١٦] كأنهم قالوا: أئذا متنا وكنا ترابًا نحاسب ونعذب! قال: ويجوز إنكم لفي خلق جديد؛ لأن اللام إذا جاءت لم يجز [كسر] (١) إن، انتهى كلامه (٢).\nقال أبو علي الفارسي: (يسأل في هذه الآية عن موضع إذا، وبأي الأفعال يحكم على موضعه، وفي الآية مما يمكن أن ينتصب به الظروف ثلاثة أشياء: قوله: ﴿يُنَبِّئُكُمْ﴾، وقوله: ﴿مُزِّقْتُمْ﴾، وقوله: ﴿خَلْقٍ جَدِيد﴾، فلا يجوز أن يكون موضع إذا نصبًا بقوله: ﴿يُنَبِّئُكُمْ﴾؛ لأن إذا لا يجوز أن تكون ظرفًا لهذا الفعل؛ لأن التنبؤ إنما تقع مثل (٣) الموت وأن يمزقوا بعد الموت، فامتنع أن ينتصب إذا به، وحمل ينبئكم على أنه بمعنى القول؛ لأنه ضرب منه.\nفأما قوله: ﴿إِذَا مُزِّقْتُمْ﴾ فإن جعل موضع إذا نصبا به لزم أن يحكم على موضعه بالجزم (٤)؛ لأن إذا هذه لا يجوز أن تنتصب به حتى يقدر جزم الفعل الذي هو الشرط [بها] (٥) بما لا يسوغ أن يحمل عليه الكتاب؛ لأنه إنما يجزم بها في ضرورة الشعر، وإذا لم يجر (٦) بها أضيف إلى الفعل،\n_________\n(١) ما بين المعقوفين طمس في (ب).\n(٢) انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٤١ - ٢٤٢.\n(٣) هكذا في النسخ! وهو خطأ، والصواب: \"قبل\".\n(٤) في (ب): (لزم أن يحكم عليه بالجزم).\n(٥) \"بها\" ساقطة من (ب)، \"وبما\" ساقطة من (أ).\n(٦) هنا سقط في النقل عن أبي علي، فكلام أبي على كما في \"المسائل المشكلة المعروفة بالبغداديات\" ص ٢١٤، جاء هكذا: \"إنما يجزم بها في ضرورة الشعر، =","vol":"18","page":317},{"text":"والمضاف إليه لا يعمل في الضاف ولا فيما قبله، وموضع الفعل الواقع بعد إذا خفض، وكما لا يعمل (١) المضاف إليه فيما قبله كذلك لا يجوز أن يكون موضع إذا نصبا بمزقتم إذا كانت قبلها وحتى مضافة إليها.\nولو قلت: زيدًا غلام ضارب عندك لم يجز، وكذلك سائر ما يتعلق بالمضاف إليه لا يجوز أن يتقدمه. ومما يدل على أن موضع الفعل بعد إذا خفض الإضافة ارتفاع الفعل المضارع بعدها، نحو: إذا يجيء زيد أكرمه، والفعل المضارع ليس يرتفع حتى يقع موقع اسم مرفوع أو مجرور أو منصوب، وهذا علة ارتفاعه، وإنما ارتفع بعد إذا لوقوعه موقع اسم مجرور، ولا يجوز أن يكون موضع إذا نصب بقوله جديد على تقدير: إنكم لفي خلق جديد إذا مزقتم؛ لأن إذا قبل إن، وما قبل أن لا يجوز أن يعمل فيه ما بعدها، لا يجوز: طعامك إن زيدًا أكل؛ لأن إن للابتداء فهو منقطع عما قبله، وإذا امتنع هذه الوجوه فالناصب لـ (إذا) مضمر يدل عليه قوله: ﴿إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ كأنه في التقدير: ينبئكم إذا مزقتم كل ممزق بعثتم أو نشرتم أو ما أشبه هذا من الأفعال التي يكون قوله: إنكم لفي خلق جديد دالًا عليه ومفسرًا له. وإن قدر هذا الفعل قبل إذا كان سابقًا، فيكون ينبئكم يقول لكم تبعثون إذا مزقتم كل ممزق. قال: وقد أجاز شيخ لنا -يعني: السراج- (٢) أن يكون\n_________\n= وإن حمل موضع (إذا) على أنه نصب والفعل غير مقدر في موضعه الجزم لم يجز؛ لأنه إذا لم يجاز بها أضيفت إلى الفعل والمضاف إليه لا يعمل .. \".\n(١) في (أ): (يفعل).\n(٢) هو: أبو محمد جعفر بن محمد بن الحسين بن أحمد البغدادي السراج القارئ، أديب عالم بالقراءات والنحو واللغة، ولد سنة ٤١٧ هـ. وقيل: ٤١٩ له مؤلفات منها: \"مصارع العشاق،\" و\"مناقب الحبش\"، ونظم كتاب الخرقي في فقه الحنابلة جعله نظما، توفي ﵀ سنة ٥٠٠ هـ. =","vol":"18","page":318},{"text":"موضح إذا نصبًا بمزقتم) (١) وهو عندي ممتنع لما ذكرت لك. ومثل هذا عندي قوله: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ﴾ (٢) الآية، وقد تقدم الكلام فيها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3575>٨ </span>- قوله تعالى: ﴿أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ﴾ هذا أيضًا من قول الكفار بعضهم لبعض، قالوا: افترى محمد على الله كذبًا حين زعم أنا نبعث بعد الموت، والألف في ﴿أَفْتَرَى﴾ ألف الاستفهاء، وهو استفهام تعجب وإنكار ﴿أَمْ بِهِ جِنَّةٌ﴾ يقولون: أزعم كذبًا أم به جنون، فرد الله عليهم فقال: ﴿بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ أي: ليس الأمر على ما قالوا من الافتراء والجنون، هم لأجل ما قالوا ﴿فِي الْعَذَابِ﴾ في الآخرة، ﴿وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ﴾ من الحق في الدنيا. وهذا الذي ذكرنا قول ابن عباس ومقاتل والكلبي (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-3576>٩ </span>- وفي هذه الآية وعظهم وخوفهم ليعتبروا فقال: ﴿أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ قال مقاتل: وذلك أن الإنسان حيث ما نظر رأى السماء والأرض، إن نظر قدامه وإن نظر خلفه (٤).\n_________\n= انظر: \"إشارة التعيين في تراجم النحاة واللغويين\" ص ٧٥، \"سير أعلام النبلاء\" ١٩/ ٢٢٨، \"الأعلام\" ٢/ ١٢١.\n(١) \"المسائل البغداديات\" ص ٢١٣/ ٢١٨.\n(٢) سورة المؤمنون: ١٠١.\n(٣) انظر: \"تفسير ابن عباس\" بهامش المصحف ص ٤٢٩، انظر: \"تفسير مقاتل\" ٩٧ أ. والقول غير منسوب لأحد عند: \"تفسير الماوردي\" ٤/ ٤٣٤، \"بحر العلوم\" ٣/ ٦٧، \"مجمع البيان\" ٨/ ٥٩٣.\n(٤) لم أقف عليه عن مقاتل. وقد ذكره ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٦/ ٤٣٥، ولم ينسبه.","vol":"18","page":319},{"text":"وقال قتادة: إنك إذا نظرت عن يمينك وعن (١) شمالك أو من بين يديك أو من خلفك كانت السماء والأرض (٢).\nثم هددهم فقال: ﴿إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ﴾ فتبتلعهم. ﴿أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا﴾ يعني: جانبًا. ﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾ فيهلكهم. والمعنى أنهم حيث كانوا فإن أرضي وسمائي محيطة بهم، أنا القادر عليهم لا يعجزونني، إن شئت خسفت بهم أرضي، وإن شئت أسقطت عليهم قطعة من السماء، أفلا يعتبرون ولا يخافون.\nوأدغم الكسائي (٣) وحده الفاء من قوله: ﴿نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ﴾. قال أبو علي: (إدغام الفاء في الباء لا يجوز، فإن جاز إدغام الباء في الفاء نحو: أذهب في ذلك، وذلك أن الفاء من باطن الشفة السفلى وأطراف الشفايا العليا، فانحدرت الصوت إلى الفم حتى اتصلت بمخرج الباء صارت بمنزلة حرف من موضع التاء، فلم يجز إدغامها في الباء كما لا يجوز إدغام التاء فيه؛ لزيادة صوت الفاء على صوت التاء. وكذلك الباء (٤) أدغمت في الميم نحو: اصحب مطرًا، وإن لم تدغم هي في الباء نحو: اضمم بكرا، لما فيها من زيادة الغنة التي ليست في التاء. وكذلك الراء لم تدغم في اللام نحو: احتر ليلة، وإن كانت اللام أدغمت في الراء نحو: اغسل راحتك، فما كان من الحروف فيه زيادة وصوت لم يجز إدغامه في مقاربه العادي من تلك، كذلك الفاء مع الباء.\n_________\n(١) في (ب): (أو عن)، زيادة همزة.\n(٢) انظر: \"تفسير الماوردي\" ٤/ ٤٣٤، \"الطبري\" ٢٢/ ٦٤، \"بحر العلوم\" ٣/ ٦٧.\n(٣) انظر: \"الحجة في القراءات السبع\" ص ٢٩٢.\n(٤) في (ب): (التاء).","vol":"18","page":320},{"text":"اختلفوا في النون من قوله: (نشأ نخسف) أو (نسقط)؛ فقرأ حمزة والكسائي: بالياء، في الأحرف الثلاثة؛ لقوله: ﴿أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾، والباقون؛ بالنون لقوله فيما بعد: ﴿آتَيْنَا دَاوُودَ﴾، والنون أشبه بآتينا) (١). قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ أي: فيما يرون من السماء والأرض، لآية تدل على قدرة الله على البعث، وعلى ما يشاء من الخسف بهم وإهلاكهم. ﴿لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ قال ابن عباس: راجع إلى مرضات الله (٢).\nوقال قتادة: تائب (٣). وقال السدي: مقبل إلى طاعة الله (٤). وقال أبو إسحاق: (إن في ذلك علامة تدل على من أناب إلى الله وتأمل ما خلق على أنه قادر على أن يحي الموتى) (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3577>١٠ </span>- وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا﴾ أي: أعطيناه من عندنا فضلًا. قال ابن عباس: يريد تفضلت عليه وأعطيته ما لم أعط أحدًا قبله ولا بعده (٦). وقال مقاتل: يعني بالفضل: النبوة والكتاب (٧).\nقال الكلبي: يعني: النبوة وما أعطي من الدنيا (٨). قوله: ﴿يَا جِبَالُ﴾،\n_________\n(١) \"الحجة\" ٦/ ٧ - ٨.\n(٢) انظر: \"تفسير ابن عباس\" ص ٤٢٩، قال: مقبل إلى الله وإلى طاعته.\n(٣) انظر: \"تفسير الطبري\" ٢٢/ ٦٤، \"معاني القرآن\" للنحاس ٥/ ٣٩٤.\n(٤) لم أقف عليه عن السدي. وقد ذكر \"تفسير الماوردي\" ٤/ ٤٣٥ نحوه عن قتادة، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٦/ ٤٣٥، ولم ينسبه.\n(٥) انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٤٢.\n(٦) لم أقف عليه عن ابن عباس. وقد ذكر ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٦/ ٤٣٥ نحوه، ولم ينسبه.\n(٧) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٩٧ ب.\n(٨) لم أقف عليه منسوبًا للكلبي، وقد ذكره أكثر المفسرين غير منسوب. انظر: \"تفسير =","vol":"18","page":321},{"text":"قال أبو عبيدة والزجاج: هو مختصر، المعنى: وقلنا يا جبال ﴿أَوِّبِي مَعَهُ﴾ ورجعي التسبيح (١). قال المفسرون كلهم: سبحي معه.\nقال أبو إسحاق: أوبي معه معناه: رجعى، يقال: آب يؤوب إذا رجع ومعنى رجعي معه أي: سبحي معه ورجعي التسبيح (٢).\nوقال غيره: التأويب في كلام العرب. سير النهار كله إلى الليل، يقال: أوب تأويبًا، والمعنى: يا جبال أوبي النهار كله إلى الليل بالتسبيح (٣). قال سلامة بن جندل:\nيومان يوم مقامات وأندية ... ويوم سير إلى الأعداء تأويب\nوروى أبو عبيد عن أبي عمرو: التأويب أن يسير النهار وينزل الليل (٤).\nوهذا اختيار ابن قتيبة، (وأنشد للراعي فقال:\nلحقنا بحي أوبوا السير بعد ما ... دفعنا شعاع الشمس والطرف يجنح (٥)\n_________\n= الماوردي\" ٤/ ٤٣٥، \"مجمع البيان\" ٨/ ٥٩٧، \"تفسير القرطبي\" ١٤/ ٢٦٤، \"زاد المسير\" ٦/ ٤٣٥.\n(١) انظر: \"مجاز القرآن\" ٢/ ١٤٢، \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٤٣.\n(٢) انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٤٣.\n(٣) انظر: \"تهذيب اللغة\" ١٥/ ٦٠٨ (آب)، \"اللسان\" ١/ ٢٢٠ (أوب)،\"مجاز القرآن\" ٢/ ١٤٢.\n(٤) انظر: \"تهذيب اللغة\" ١٥/ ٦٠٨ (آب).\n(٥) البيت من الطويل، وهو للراعي النميري في \"ديوانه\" ص ٣٩، ونسبه ابن قتيبة في \"غريب القرآن\" ص ٣٥٣، لابن مقبل. وكذا أبو حيان في \"البحر\" ٧/ ٦٣، والقرطبي في \"تفسيره\" ١٤/ ٢٦٥، والثعلبي في \"الكشف والبيان\" ٣٠/ ٢١١ ب.","vol":"18","page":322},{"text":"قال: كأنه أراد أوبي النهار كله بالتسبيح إلى الليل) (١).\nقال المفسرون: وكانت إذا سبح داود سبحت الجبال معه (٢).\nوقال وهب (٣): كان داود إذا نادى أجابته الجبال بصداها، فصدى الجبل الذي يستمعه الناس من ذاك (٤).\nقوله -﷿-: ﴿وَالطَّيْرَ﴾ قال أبو إسحاق: (في نصب والطير ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون عطفًا على قوله فضلا (٥)، كأنه آتينا داود فضلا والطير، أي: وسخرنا له الطير) (٦).\nوروى هذا يونس عن أبي عمرو (٧).\nوقال الفراء في هذا الوجه هو كقولك: أطعمته طعامًا وسقيته ماء (٨).\nالوجه الثاني: أن يكون نصبًا على النداء، كأنه قيل: ادعوا الجبال والطير، فالطير معطوف على موضع [الجبال] (٩) في الأصل، وكل منادى في موضع نصب (١٠).\n_________\n(١) انظر: \"تفسير غريب القرآن\" ص ٣٥٣.\n(٢) انظر: \"تفسير الطبري\" ٢٢/ ٦٥، \"بحر العلوم\" ٣/ ٦٦، \"الماوردي\" ٤/ ٤٣٥.\n(٣) هو: أبو عبد الله وهب بن منبه بن كامل الصنعاني الذماري، تقدمت ترجمته.\n(٤) انظر: \"تفسير القرطبي\" ١٤/ ٢٦٥.\n(٥) في (أ): (فضلنا).\n(٦) انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٤٣.\n(٧) انظر: \"علل القراءات\" ٢/ ٥٤٩، \"البحر المحيط\" ٨/ ٥٢٥، \"الكتاب\" لسيبويه ٢/ ١٨٦ - ١٨٧.\n(٨) \"معاني القرآن\" ٢/ ٣٥٥.\n(٩) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).\n(١٠) انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٤٣.","vol":"18","page":323},{"text":"وقال أبو عبيدة: زعم النحويون أن سبيل نصبها كقولك: يا زيد والصلت أقبلا (١).\nقال الفراء: نصبت الصلة؛ لأنه إنما يدعى بياء أها (٢)، فإذا فقدها (٣) كان كالمعدول عن جهته فنصب (٤). هذا كلامه. وقول أبي إسحاق: [أوجه] (٥).\nالوجه الثالث: أن يكون الطير منصوبًا على موضع مع، كما تقول: قمت وزيدًا، المعنى: مع زيد. والمعنى في الآية: أوبي معه ومع الطير (٦). قال ابن عباس: كانت الطير تسبح معه إذا سبح (٧).\nوقوله: ﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾ قال ابن عباس: حتى صار عنده مثل السمع (٨). وقال الحسن: كان يأخذ الحديد بيده، فيصير كأنه عجين (٩).\nوقال قتادة: ألان (١٠) الله له الحديد، فكان يعمله بغير نار (١١).\n_________\n(١) \"مجاز القرآن\" ٢/ ١٤٣.\n(٢) في (ب): (بيائها).\n(٣) في (ب): (بعدها).\n(٤) \"معاني القرآن\" ٢/ ٣٥٥.\n(٥) هكذا في النسخ! والذي يظهر لي أن ما بين المعفوفين زيادة.\n(٦) انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٤٣.\n(٧) انظر: \"الوسيط\" ٣/ ٤٨٨، \"تفسير الماوردي\" ٤/ ٤٣٥، \"زاد المسير\" ٦/ ٤٣٦.\n(٨) انظر: \"تفسير القرطبي\" ١٤/ ٢٦٧، \"البحر المحيط\" ٨/ ٥٢٥.\n(٩) نفسه.\n(١٠) في (أ): (ألانه)، وهو خطأ.\n(١١) انظر: \"تفسير الطبري\" ٢٢/ ٦٦، \"تفسير الماوردي\" ٤/ ٤٣٦، \"معاني القرآن\" للنحاس ٥/ ٣٩٦.","vol":"18","page":324},{"text":"وقال الأعمش: ألين له حتى كان مثل الخيوط (١).\nوقال مقاتل: كان داود يسرد الدرع لا يفرغها بحديد ولا يدخلها النار، ويفرغ من الدرع في بعض اليوم أو بعض الليلة ثمنها ألف درهم (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3578>١١ </span>- قوله تعالى: ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾ قال أبو إسحاق: (أن اعمل هاهنا في تأويل التفسير، كأنه قيل: وألنا له الحديد؛ لأن يعمل سابغات، ويكون بمعنى: وألنا له الحديد؛ لأن يعمل سابغات، وتصل إن بلفظ الأمر، ومثل هذا من الكلام قولك: أرسل إليه أن قم إلى فلان) (٣). فأما معنى سابغات، فقال الليث: سبغت الدرع، وكل شيء طال إلى الأرض فهو سابغ، يقال: مطر سابغ، ونعمة سابغة، وقد أسبغها الله، والدرع السابغة التي تجرها في الأرض أو على كعبيك طولًا وسعة، ويقال: دروع سابغات وسوابغ (٤)، ومنه قول الهذلي (٥):\n_________\n(١) لم أقف عليه\n(٢) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٩٧ ب.\n(٣) انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٤٤.\n(٤) انظر: قول الليث في: \"تاج العروس\" ٢٢/ ٤٩٨ (سبغ). انظر أيضًا: \"تهذيب اللغة\" ٨/ ٤٠ (سبع)، \"اللسان \" ٨/ ٤٣٢، (سبغ).\n(٥) هو: أبو ذؤيب خالد بن محرث الهذلي، مشهور بكنيته، شاعر فحل من أشعر شعراء هذيل، عده ابن سلام في الطبقة الثالثة من طبقات فحول شعراء أهل الجاهلية، شاعر مخضرم قدم المدينة عند وفاة النبي -ﷺ- فأسلم وحسن إسلامه، خرج مع عبد الله بن الزبير في مغزى نحو المغرب، فمات سنة ٢٧ هـ تقريبًا ﵀.\nانظر: \"طبقات فحول الشعراء\" ١/ ١٢٣، \"الشعر والشعراء\" ص ٤٤٠، \"الأعلام\" ٢/ ٣٢٥.","vol":"18","page":325},{"text":"أو صنع السوابغ تبع (١)\nوقال عبد الله بن الزبير:\nوسابغة تغشى البنان كأنها ... أضاة بضحضاح من الماء ظاهر.\nقال أبو إسحاق: (ومعنى سابغات: أي: دروع سابغات، فذكر الصفة؛ لأنها تدل على الموصوف، ومعنى السابغ الذي يغطي بما تحته حتى يفضل) (٢). قال ابن عباس: في قوله: ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ﴾ يريد: دروع الحديد (٣). وقال مقاتل: يعني: الدروع الطوال، وكانت الدروع قبل داود إنما هي صفائح الحديد مضروبة (٤).\n﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾ قال أبو عبيدة: (في سردها، يقال: درع مسرودة. وقال أبو ذؤيب:\nوعليهما مسرودتان قضاهما) (٥)\nوقال الليث: (السرد: اسم جامع للدروع وما أشبهها من عمل الخلق، ويسمى سردًا؛ لأنه يسرد فيثقب طرفا كل حلقة بالمسمار) (٦).\n_________\n(١) هذا جزء من بيت وهو: وعليهما مسرودتان قضاهما داود أو صنع السوابغ تبع. وهو من الكامل، لأبي ذؤيب الهذلي في: \"شرح أشعار الهذليين\" ١/ ٣٩، \"تهذيب اللغة\" ٢/ ٣٨ \"اللسان\" ٨/ ٣١ (تبع)، ٨/ ٢٠٩ (صنع)، \"المعاني الكبير\" ص ١٠٣٩، \"سر صناعة الإعراب\" ٢/ ٧٦٠، قال هذا البيت يصف متبارزين.\n(٢) انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٤٤.\n(٣) انظر: \"تفسير ابن عباس\" بهامش المصحف ص ٣٥٩.\n(٤) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٩٧ ب.\n(٥) \"مجاز القرآن\" ٢/ ١٤٣.\n(٦) انظر: \"تهذيب اللغة\" ١٢/ ٣٥٦ (سرد)، \"تاج العروس\" ٨/ ١٨٧ (سرد).","vol":"18","page":326},{"text":"وقال ابن، قتيبة: [والسرد: سجع المدرع] (١). (ومنه قيل، لصانع الدروع: سَرَّاد وزَرَّاد، تبدل من السين زايًا) (٢).\nوقال المبرد: السرد نقب المسامير، يقال: درع مسرودة (٣) إذا أحكمت مساميرها (٤). قال الأعشى:\nومن نسج داود [مصردة] (٥) مسرودة ... تساق مع الحي عيرا فعيرا (٦)\nقال الزجاج: (السرد في اللغة: مقدمة شيء إلى شيء حتى ينسق أثره في أثر بعض سابغًا، يقال: سرد فلان الحديث سردا) (٧) إذا تابعه، وسرد فلان الصوم إذا والاه، والمتتابع (٨) يسمى سردًا. وقيل لأعرابي: ما أشهر الحرم؟ فقال: ثلاثة سرد وواحد فرد. ويسمى الحرز سردا؛ لأنه متتابعة من المحرز (٩)، والمحرز يقال له: السراد والمسرد، فجاء من هذا أن اعمل\n_________\n(١) ما بين المعقوين ليس في \"غريب القرآن\" لابن قتيبة، ويظهر أنه زيادة من النساخ؛ إذ لا معنى له والله أعلم.\n(٢) \"تفسير غريب القرآن\" ص ٣٥٤.\n(٣) في (ب): (مسرود).\n(٤) لم أقف عليه\n(٥) ما بين المعقوفين زيادة في (ب)، وهو خطأ.\n(٦) البيت من المتقارب، هو للأعشى في: \"ديوانه\" ص ١٤٩، \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٤٨، \"اللسان\" ١٣/ ٤٥٠ (وضن)، فقد جاءت الرواية في اللسان: موضونة بدل مسرودة، والموضونة: هي المنسوجة.\n(٧) انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٤٤\n(٨) في (ب): (التابع)\n(٩) في (ب): (الحروف)، وهو خطأ.","vol":"18","page":327},{"text":"الدرع وكل شيء منه يسمى سردًا (١).\nوقال ابن عباس في رواية مجاهد: لا تدق المسامير وتوسع الحلق فيسلس، ولا يغلظ المسامير ويضيق الحلق فينقصم (٢)، اجعله قدرًا (٣).\nوقال ابن قتيبة: السرد: المسامير التي في حلق الدرع (٤). وهذا هو الأشبه بالمعنى؛ لأن الكل من أهل التأويل قالوا في معنى الآية: لا تجعل المسامير دقاقًا فتقلق، ولا غلاظًا فتكسر الحلق (٥).\nوقال مقاتل: يقول قدر المسامير في الحلق، ولا تعظمه فينفصم، ولا تصغره فيسلس (٦).\nوقال أبو إسحاق: (وهو أن لا يجعل المسمار غليظًا والثقب دقيقًا، ولا يجعل المسمار دقيقًا والثقب واسعًا فيتقلقل، قدر في ذلك أي: اجعله على القصد وقدر الحاجة) (٧).\nوقال مقاتل (٨): ثم قال الله لآل داود: ﴿وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ قال ابن عباس: يريدوا اشكروا الله بما هو أهله مثل قوله:\n_________\n(١) انظر: \"تهذيب اللغة\" ١٢/ ٣٥٦، \"اللسان\" ٣/ ٢١١، \"تاج العروس\" ٨/ ١٨٦.\n(٢) في (ب): (فينقهم)، وهو خطأ.\n(٣) انظر: \"تفسير الطبري\" ٢٢/ ٦٨، \"تفسير الماوردي\" ٤/ ٤٣٦، \"معاني القرآن\" للنحاس ٥/ ٣٩٨.\n(٤) لم أقف عليه.\n(٥) انظر: \"معاني القرآن\" للنحاس ٥/ ٣٩٨، \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٣٥٦، \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٤٤.\n(٦) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٩٧ ب.\n(٧) انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٤٤.\n(٨) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٩٧ ب.","vol":"18","page":328},{"text":"﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3579>١٢ </span>- ثم ذكر ابنه سليمان وما أعطاه من الخير والكرامة، فقال: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ﴾ قال الفراء: (نصب الريح على: وسخرنا لسليمان الريح، وهي منصوبة في الأنبياء ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً﴾ [الأنبياء: ٨١] أضمر وسخرنا، ورفع عاصم: ولسليمان الريح، لما لم يظهر التسخير، وأنشد:\nورأيتما لمجاشع نعما .... وبني أبية جاملا (٢) رغب (٣)\nيريد رأيتم لبني أبية، فلما لم يظهر (٤) الفعل رفع باللام) (٥). فقال أبو إسحاق: (النصب في الريح على الوجه، على معنى: وسخرنا لسليمان الريح، ويجوز الرفع على معنى: [ثبتت] (٦) له الريح، وهو يؤول إلى معنى: سخرنا كما أنك إذا قلت: لله الحمد، فتأويله: استقر لله الحمد (٧)، وهو يرجع إلى معنى: أحمد الله الحمد) (٨).\n_________\n(١) لم أقف عليه.\n(٢) هكذا في النسخ! وهو خطأ، والصواب: جامل.\n(٣) البيت من الكامل، ولم أهتد إلى قائله، وهو بلا نسبة في \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٣٥٦ - ٤٠١، \"ديوان الأدب\" ١/ ٣٥٨.\nوالجامل: جماعة الجمال والنوق، اللسان (جمل) ١١/ ١٢٤، والرغب: كل ما اتسع فقد رغب رغبًا، \"اللسان\" (رغب) ١/ ٤٢٤.\n(٤) في النسخ: (يضمر)، والتصحيح من \"معاني القرآن\" للفراء.\n(٥) \"معاني القرآن\" ٢/ ٣٥٦.\n(٦) ما بين المعقوفين غير واضح في جميع النسخ، والتصحيح من \"معاني القرآن وإعرابه\" للزجاج.\n(٧) في (أ): (الوحد).\n(٨) انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٤٥.","vol":"18","page":329},{"text":"وقال أبو علي: (وجه النصب أن الريح حملت على التسخير في قوله ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ﴾ [ص: ٣٦] كذلك ينبغي أن تحمل هنا عليه، ووجه الرفع أن الريح إذا سخرت لسليمان، جاز أن يقال: له الريح على معنى: له تسخير (١) الريح، فالرفع على هذا يؤول إلى معنى النصب؛ لأنه المصدر المقدر في تقدير الإضافة إلى المفعول به) (٢).\nقوله تعالى: ﴿غُدُوُّهَا﴾ أي: سير غدو تلك الريح المسخرة له شهر، أي: مسيرة شهر، وعلى هذا التقدير قوله: ﴿وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾ أي: سير رواحها سير شهر. قال الحسن: (كان يغدو من دمشق فيقيل باصطخر (٣)، وبينهما مسيرة شهر للمسرع، ثم يروح من اصطخر فمِبيت بكابل (٤)، وما بينهما مسيرة شهر للمسرع) (٥).\nوقال السدي: كانت تسير في اليوم مسيرة شهرين للراكب.\n_________\n(١) في (ب): (التسخير).\n(٢) \"الحجة\" ٦/ ١٠.\n(٣) اصطخر: بالكسر وسكون الخاء المعجمة، والنسبة إليها اصطخري، بلدة بفارس، وهي من أعيان حصون فارس، وبها كانت قبل الإسلام خزائن الملوك، ومن أشهر مدنها: البيضاء، ومائتين، ويزد وغير ذلك، ينسب إليها جماعة وافرة من أهل العلم. انظر: \"معجم البلدان\" ١/ ٢١١.\n(٤) (كابل) بضم الباء الموحدة ولام، من ثغور طخارستان، ولها من المدن: واذان وخواش وخشك وجزه، غزاها المسلمون في أيام بني مروان وافتتحوها، قلت: هي عاصمة جمهورية أفغانستان اليوم.\nانظر: \"معجم البلدان\" ٤/ ٤٢٦.\n(٥) انظر: \"تفسير الماوردي\" ٤/ ٤٣٧، \"المحرر الوجيز\" ٤/ ٤٠٨، \"مجمع البيان\" ٨/ ٥٩٨، \"البحر المحيط\" ٨/ ٥٢٦، \"تفسير القرطبي\" ١٤/ ٢٦٩.","vol":"18","page":330},{"text":"وهذا قول جماعة المفسرين (١). قالوا: والمعنى إلى غدوها، إلى انتصاف النهار، إلى الليل مسيرة شهر.\nقوله تعالى: ﴿وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ﴾ أي: أذبنا له عين النحاس.\nوقال ابن عباس والسدي وشهر بن حوشب ومجاهد ومقاتل: أجريت له عين الصفر ثلاثة أيام بلياليهن كمجرى الماء في صنعاء، يعمل بها ما أحب كما يعمل بالطين، وإنما يعمل الناس اليوم بما أعطي سليمان (٢).\nوقوله: ﴿وَمِنَ الْجِنِّ﴾ أي: سخرنا له من الجن.\n﴿مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾ أي: بأمر ربه. قال مقاتل: يعني رب سليمان (٣).\nقال ابن عباس: سخرهم وأمرهم بطاعته في جميع ما يأمرهم به (٤).\n﴿وَمَنْ يَزِغْ﴾ أي: ومن يعدل. ﴿مِنْهُمْ﴾ من الجن. ﴿عَنْ أَمْرِنَا﴾ لهم بطاعة سليمان. ﴿نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ قال مقاتل: يعني الوقود في الآخرة. وهو قول أكثر المفسرين.\nوقال عطاء عن ابن عباس: ﴿مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ الوقود. وهذا القول على هذا الإطلاق يحتمل ما قال بعضهم: إن هذا العذاب لمن زاغ عن أمر سليمان كان في الدنيا، وذلك أن الله تعالى وكَّلَ ملكًا بيده سوط من نار،\n_________\n(١) انظر: المصادر السابقة.\n(٢) انظر: \"تفسير الماوردي\" ٤٣٧/ ٤، \"مجمع البيان\" ٨/ ٥٩٨، \"تفسير القرطبي\" ١٤/ ٢٧٠، \"زاد المسير\" ٦/ ٤٣٨.\n(٣) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٩٧ ب.\n(٤) انظر: \"مجمع البيان\" ٨/ ٥٩٨، \"تفسير ابن عباس\" بهامش المصحف ص ٤٢٩.","vol":"18","page":331},{"text":"فمن زاغ من الجن عن طاعة سليمان ضربه ضربة أحرقته (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3580>١٣ </span>- قوله تعالى: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ﴾ قال مجاهد: بنيانًا دون القصور (٢).\nوقال قتادة: قصور ومساجد (٣).\nوقال الضحاك ومقاتل: يعني المساجد (٤).\nوقال ابن زيد: هي المساكن (٥)\nوقال أبو عبيدة: المحراب سيد البيوت (٦).\nوقال أبو إسحاق: أشرف موضع في الدار وفي البيت يقال له: محراب (٧).\nوقال المبرد: أطبقوا على أنها لا تكون إلا أن يرتقى إليها بدرج (٨)، ومن ذلك قوله: ﴿إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ﴾ [ص: ٢١]. وذكرنا تفسير المحراب في سورة آل عمران (٩).\nقوله تعالى: ﴿وَتَمَاثِيلَ﴾ قال المبرد: جمع تمثال، وهو كل شيء\n_________\n(١) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٩٧ ب، \"تفسير الماوردي\" ٤/ ٤٣٨، \"مجمع البيان\" ٨/ ٥٩٨، \"زاد المسير\" ٦/ ٤٣٩.\n(٢) \"تفسيرمجاهد\" ص ٥٢٤.\n(٣) انظر: \"الماوردي\" ٤/ ٤٣٨، \"مجمع البيان\" ٨/ ٥٩٨، \"زاد المسير\" ٦/ ٤٣٩.\n(٤) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٩٨ أ، \"الطبري\" ٢٢/ ٧٠.\n(٥) انظر: \"تفسير الماوردي\" ٤/ ٤٣٨، \"المحرر الوجيز\" ٤/ ٤٠٩.\n(٦) انظر: \"تفسير الماوردي\" ٤/ ٤٣٨، \"تفسير القرطبي\" ١٤/ ٢٧١.\n(٧) انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٤٦.\n(٨) لم أقف على قول المبرد.\n(٩) عند الآية ٣٧.","vol":"18","page":332},{"text":"مثلته بشيء (١). وقال الأزهري: (التمثال اسم للشيء المصنوع مشبهًا بخلق من خلق الله، وأصله من: مثلت الشيء بالشيء إذا قدرته على قدره، ويكون تمثيل الشيء بالشيء تشبيهًا، واسم ذلك الممثل تمثال) (٢).\nقال المفسرون: هي صورة من نحاس وزجاج ورخام كانت الجن تعلمها، قالوا: وهي سورة الأنبياء والملائكة، كانت تصور في المساجد ليراها الناس فيزدادوا عبادة، هذا يدل على أن التصوير كان مباحًا في ذلك الزمان (٣).\nقوله تعالى: ﴿وَجِفَانٍ﴾ جمع جفنة، وهي (٤) القصعة الكبيرة، والعدد الجفنات (٥) كالجوابي جمع الجابية، وهي الحوض الكبير يجبي الماء أي: يجمعه. قال الأعشى:\nنفى الذم عن رهط المحلق جفنة ... كجابية الشيخ العراقي تفهق (٦)\nقال المفسرون: يعني قصاعًا في العظم كحياض، الإبل يجلس على\n_________\n(١) لم أقف على هذا القول منسوبًا للمبرد، وانظر: \"تهذيب اللغة\" ٩٨/ ١٥ (مثل)، \"اللسان\" ١١/ ٦١٤ (مثل).\n(٢) \"تهذيب اللغة\" ١٥/ ٩٨ (مثل).\n(٣) انظر: \"تفسير الماوردي\" ٤/ ٤٣٨، \"بحر العلوم\" ٣/ ٦٨، \"تفسير هود بن محكم\" ٣/ ٣٩١، \"القرطبي\" ١٤/ ٢٧٢، \"مجمع البيان\" ٨/ ٦٠٠.\n(٤) في (أ): (وهو).\n(٥) انظر: \"تهذيب اللغة\" ١١/ ١١٢، \"اللسان\" ١٣/ ٨٩ (جفن).\n(٦) البيت من الطويل، وهو للأعشى في \"ديوانه\" ص ٢٢٥، وانظر: منسوبًا إليه في: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٤٦، \"الدر المصون\" ٥/ ٤٣٥، \"مجمع البيان\" ٨/ ٥٩٦، \"تفسير القرطبي\" ١٤/ ٢٧٥٤ والمعنى هنا يقول: صان آل المحلق أعراضهم بالجود، ونفى عنهم الذم جفنة ضخمة تقدم للضيفان كأنها حوض الماء يمده نهر العراق. انظر: \"الديوان\" ص ٢٢٥.","vol":"18","page":333},{"text":"القصعة الواحدة ألف رجل يأكلون منها (١). والقراء يختلفون في إثبات الياء في الجوابي؛ فقرأ ابن كثير بالياء فيها وصلا (٢) ووقفًا، وهو الأصل والقياس؛ لأن هذه الياء تثبت مع الألف واللام، ووقف أبو عمرو بغير ياء؛ لأنه شبهها بالفاصلة والوقف) (٣). قال أبو إسحاق: لأن الكسر ينوب عنها.\nقوله تعالى: ﴿وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ﴾ قال المفسرون: قدور عظام، لها قوائم لا يحركن عن أماكنها ولا يحركن لعظمها، ثوابت على أثافيها، تنحت من الجبال وكانت بأرض اليمن، وكان ملك سليمان ما بين كابل ومصر (٤).\nثم قال: قوله تعالى ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾ لما أعطيتكم من الفضل والخير (٥) أي: وقلنا اعملوا بطاعة الله يا آل داود شكرًا له على ما آتاكم. قال أبو إسحاق: (شكرًا ينتصب على وجهين: أحدهما: اعملوا للشكر، أي: اشكروا الله على ما آتاكم. والثاني: ينتصب على المصدر، كأنه قيل: اشكروا شكرًا) (٦)؛ لأنه معنى اعملوا آل داود شكرًا.\nقال مجاهد: لما نزلت ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾ قال داود لسليمان:\n_________\n(١) انظر: \"بحر العلوم\" ٣/ ٦٨، \"مجمع البيان\" ٨/ ٦٠٠، \"تفسير القرطبي\" ١٤/ ٢٧٥، \"زاد المسير\" ٦/ ٤٤٥.\n(٢) في (ب): تقديم وتأخير (وقفًا ووصلا).\n(٣) \"الحجة\" ٦/ ١٠ \"الحجة في القراءات السبع\" ص ٢٩٣، \"البحر المحيط\" ٨/ ٥٢٨.\n(٤) انظر: \"بحر العلوم\" ٣/ ٦٨، \"مجمع البيان\" ٨/ ٦٠٠، \"القرطبي\" ١٤/ ٢٧٦، \"زاد المسير\" ٤٤٠/ ٦.\n(٥) في (ب): (من الخير والفضل).\n(٦) انظر: \"معانى القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٤٦.","vol":"18","page":334},{"text":"إن الله قد ذكر الشكر، فاكفني قيام النهار أكفك قيام الليل، قال: لا أستطيع. قال: فاكفني إلى صلاة الظهر فكفاه (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3581>١٤ </span>- قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ﴾ قال المفسرون: كانت الجن تخبر الإنس أنهم يعلمون الغيب الذي يكون في غد، فابتلوا بموت سليمان، فمات سليمان متكئًا على عصاه وبقي كذلك ميتًا سنة، والجن تعمل تلك الأعمال الشاقة التي كانت تعمل في حياة سليمان، لا يشعرون في موته حتى أكلت الأرضة عصا سليمان فخر ميتًا، فحينئذ علموا بموته، وعلموا الإنس أن الجن لا تعلم الغيب، فذلك قوله: ﴿مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ﴾ قال المفسرون: يعني الأرضة (٢).\nوقوله: ﴿تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ﴾ قالوا: عصاه. قال السدي: هي بلسان الحبشة (٣). وقال ميسرة: هي بلغة اليمن (٤).\nوقال أبو عبيدة: المنسأة التي ينساء بها الغنم (٥).\nوقال الفراء: هي العصاة العظيمة التي تكون مع الراعي، أخذت من\n_________\n(١) انظر: \"تفسير ابن أبي حاتم\" ١٠/ ٣١٦٣، \"معاني القرآن\" للنحاس ٥/ ٤٠١، \"روح المعاني\" ٢٢/ ١٢٠ وأورده السيوطي في \"الدر\" ٦/ ٣٨٠، وعزاه للفريابي وابن أبي حاتم عن مجاهد.\n(٢) انظر: \"تفسير الطبري\" ٢٢/ ٧٤، \"تفسير الماوردي\" ٤/ ٤٤١، \"بحر العلوم\" ٣/ ٦٨، \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٢٤٢، \"غرائب القرآن\" ٢٢/ ٤٥.\n(٣) انظر: \"تفسير الماوردي\" ٤/ ٤٤١، \"تفسير القرطبي\" ١٤/ ٢٧٨، \"تفسير الطبري\" ٢٢/ ٧٣.\n(٤) لم أقف عليه.\n(٥) \"مجاز القرآن\" ٢/ ١٤٥.","vol":"18","page":335},{"text":"نسأت البعير: إذا زجرته ليزداد سيره (١).\nوقال أبو إسحاق: المنسأة التي ينسأ بها، أي: يطرد ويزجر (٢).\nوقال أبو عبيدة: هي التي يضرب بها (٣). وقال أبو علي الفارسي: هي من نسأت الغنم، إذ سقيتها (٤) وأنشدوا قول طرفة:\nأمون كألواح الأران نسأتها ... على لا حب كأنه ظهر يوجد (٥) (٦)\nوقال المبرد: المنسأة: العصاة لأنها ينسأ (٧) بها الطريق، أي يقصد، يقال: نسات الناقة، إذا حملتها على الطريق، وأنشد قول طرفة) (٨).\nوأكثر القراء على همزة المنسأة. وقرأ نافع وأبو عمرو بغير همز. قال أبو عبيدة: (تركوا همزها كما ترك بعضهم همز البرنة والذرية والنبئ. قال المبرد: بعض العرب يبدل من همزتها ألف فيقول: منساة وينشدون:\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" ٢/ ٣٥٦.\n(٢) انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٤٧.\n(٣) لم أقف عليه.\n(٤) هكذا في النسخ! وهو خطأ، والصواب: سقتها. انظر: \"الحجة\" ٦/ ١١.\n(٥) في (ب): (حدد)، وهو خطأ.\n(٦) البيت من الطويل، وهو لطرفة بن العبد في: \"ديوانه\" ص٢٢، \"شعراء النصرانية في الجاهلية\" ٣/ ٣٠٠ \"لسان العرب\" ١/ ١٧٣ (نسأ)، ١٣/ ١٥ (أرن)، كتاب \"العين\" ٨/ ٢٧٨.\nومعنى البيت: الأمون: هي الناقة الموثقة الخلق التي يؤمن عثارها وزللها، والإران: هو النشاط ونساتها: أي حملتها على السير في هذا الطريق اللاحب هو البين، والبرجد، كساء فيه خطوط وطرائق، فشبه الطرائق بطرائق البرجد. \"شرح القصائد السبع الجاهليات\" ص ١٥١.\n(٧) في (أ): (تنسئ).\n(٨) لم أقف على القول منسوبًا للمبرد.\nوانظر: \"تهذيب اللغة\" ١٣/ ٨٤، مادة: (نسأ)، \"اللسان\" ١/ ١٦٩ (نسأ).","vol":"18","page":336},{"text":"إذا دببت على المنساة من كبر ... فقد تباعد عنك اللهو والغزل) (١) (٢)\nوقال أبو علي: (قياس تخفيف الهمزة أن يجعلها بين بين، إلا أنهم خففوا همزتها على غير قياس) (٣).\nقوله: ﴿فَلَمَّا خَرَّ﴾ أي: سقط ميتًا. ﴿تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ﴾ الآية. قال المفسرون: تبينت الإنس أن الجن ﴿أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾، قالوا: وكذا (٤) كان ابن عباس يقرأها، بتبينت الإنس أن الجن لا يعلمون الغيب (٥).\nوأما معنى قراءة العامة، فقد ذكر [فيه] (٦) الفراء وأبو إسحاق وجوهًا بعيدة (٧). والصحيح ما ذكر أبو عبيدة فقال: (تبينت الجن للناس، أي: تبين للناس أن الجن لا يعلمون الغيب، ما غيب عنهم لما كانوا في نصبهم وهو ميت) (٨). ويدل على صحة هذا المعنى قراءة يعقوب: تُبِينت، بضم التاء\n_________\n(١) البيت من البسيط، ولم أقف على قائله، وهو في \"اللسان\" ١٦٩/ ١ (نسأ)، \"الصحاح\" ١/ ٦٧ (نسأ)، وكذا هو في \"الدر المصون\" ٥/ ٣٤٦، \"مجمع البيان\" ٨/ ٥٩٥، بلا نسبة.\n(٢) \"مجاز القرآن\" ٢/ ١٤٥.\n(٣) \"الحجة\" ١٢/ ٦.\n(٤) في (ب): (وكذلك).\n(٥) انظر: \"تفسير الطبري\" ٢٢/ ٧٤، \"تفسير الماوردي\" ٤/ ٤٤٢، \"علل القراءات\" ٢/ ٥٤٩، \"تفسير القرطبي\" ١٤/ ٢٨١.\n(٦) ما بين المعقوفين ساقط في (ب).\n(٧) انظر: هذه الوجوه في: \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٣٥٧، \"معاني القرآن وإعرابه\" للزجاج ٤/ ٢٤٧.\n(٨) \"مجاز القرآن\" ٢/ ١٤٦.","vol":"18","page":337},{"text":"وكسر الباء، أي: علم من حال الجن أنهم لا يعلمون الغيب. وأن على (١) قراءة العامة في محل الرفع على البدل من الجن، هذا وجه قراءة العامة. ويجوز فيه وجه آخر، وهو أن الجن كانت تتوهم أنها تعلم الغيب، فلما ابتلوا بموت سليمان ولم يقفوا عليه حتى دلتهم الأرضة، علمت أنها لا تعلم الغيب. وعلى هذا الوجه أن في موضع نصب وتبينت بمعنى علمت. وعلى الوجه الأول معناه: ظهرت وانكشفت (٢). وذكر ابن قتيبة الوجهين معًا (٣).\nقال أبو إسحاق: (المعنى أنهم لو كانوا يعلمون ما غاب عنهم، ما عملوا مسخرين لسليمان وهو ميت، وهم يظنون أنه حي يقف على عملهم) (٤).\nقال مقاتل: العذاب المهين: الشقاء والنصب في العمل (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3582>١٥ </span>- قوله: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ﴾ ذكر الكلام والقراءة في سبأ في سورة النمل (٦). وذكر المفسرون هاهنا ما روي عن فروة بن مسيك (٧) أن رجلًا\n_________\n(١) في (ب): (وأن في).\n(٢) \"مشكل إعراب القرآن\" ٢/ ٢٠٦، \"البحر المحيط\" ٨/ ٥٣٢، \"التبيان\" ٢/ ٢٧٧.\n(٣) \"تفسير غريب القرآن\" ص ٣٥٥.\n(٤) انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٤٧.\n(٥) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٩٧ أ.\n(٦) عند قوله تعالى: ﴿فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾ آية: ٢٢. قال: قرئ من سبأ بالإجراء والتنوين. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو غير مجرى. قال الفراء: من أجراه فلأنه فيما ذكروا رجل.\n(٧) هو: فروة بن مسيك، وقيل: مسيكة بن الحرث بن سلمة المرادي القطيعي، أبو عمر، له صحبة، وقد على النبي -ﷺ- سنة عشر من الهجرة، فأسلم، فبعثه على =","vol":"18","page":338},{"text":"قال: يا رسول الله، أخبرنا عن سبأ ما هو، رجل أم امرأة أم أرض؟ فقال: \"ليس بأرض ولا امرأة، ولكنه رجل ولد له عشرة من العرب، فتيامن ستة وتشام أربعة، فأما الذين تساموا فلخم وجذام وغسان وعاملة، وأما الذين تيامنوا فكندة والأشعريون والأزد ومدلج وحمير وأنمار\". فقال رجل: ما أنمار يا رسول الله؟ قال: \"الذين منهم خثعم وبجيلة\" (١).\nوقال مقاتل: هو رجل من يشجب بن يعرب بن قحطان، يقال: سبأ بن يشجب، والمراد بسبأ هاهنا: القبيلة (٢).\nقوله: (في مساكنهم) وقرئ: مسكنهم، على الواحد، بفتح الكاف وبكسرة (٣).\nقال أبو علي: (الوجه الجمع؛ ليكون اللفظ موافقًا للمعنى؛ لأن لكل (٤) ساكن مسكنًا (٥)، ومن قال: مسكنهم، أي: يكون جعل المسكن\n_________\n= مراد وزبيد ومذحج، وقد روى عن النبي -ﷺ-، وروى عنه الشعبي وأبو سبرة النخعي وغيرهم.\nانظر: \"الاستيعاب\" ٣/ ١٩٤، \"الإصابة\" ٣/ ٢٠٠.\n(١) انظر: \"تفسير الطبري\" ٢٢/ ٧٦، \"تفسير الماوردي\" ٤/ ٢٠٣، \"مجمع البيان\" ٨/ ٦٠٤. وأخرجه أحمد في \"مسنده\" ١/ ٣١٦، من حديث ابن عباس إلا أنه قال: سأل رجل النبي -ﷺ-، والترمذي في \"سننه\" كتاب التفسير: تفسير سورة سبأ ٥/ ٣٩، وقال: هذا حديث غريب حسن، رقم الحديث (٣٢٧٥)، والحاكم في \"المستدرك\" في تفسير سورة سبأ ٢/ ٤٢٤، وصححه ووافقه عليه الذهبي.\n(٢) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٩٨ أ.\n(٣) انظر: \"النشر\" ٢/ ٣٥٠، \"حجة القراءات\" ص ٥٨٥.\n(٤) في (ب): (كل)، وهو خطأ.\n(٥) في (ب): (مسكن).","vol":"18","page":339},{"text":"مصدرًا وحذف المضاف، والتقدير: في مواضع سكناهم (١)، فلما جعل المسكن كالسكنى أفرد كما يفرد المصادر، وهذا أشبه من أن يحمله على نحو: كلوا في بعض بطنكم، وجلد الجواميس، وعلى هذا قوله: ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ﴾ [القمر: ٥٥] أي: مواضع قعود، ألا ترى أن لكل واحد من المتقين موضع قعود، وهذا التأويل أشبه من أن يحمله على الآخر الذي لا يكاد يجيء إلا في شعر، وأما كسر الكاف؛ فاسم المكان والمصدر من هذا الجنس الذي هو فعل يفعل مفتوحًا، مثل: المحشر ونحوه، وقد يشذ عن القياس المطرد، هكذا وكالمسجد، وسيبويه يحملها على أنه اسم البيت وليس المكان، من فعل يفعل، وكذلك المطلع، والقياس: الفتح) (٢).\nوقال أبو الحسن: المسكن بكسر الكاف لغة فاشية، وهي لغة الناس اليوم، والفتح لغة أهل الحجاز، وهي اليوم قليلة (٣).\nوقال الفراء: هي لغة يمانية فصيحة (٤).\nقال المفسرون: وكانت مساكنهم بمأرب من اليمن (٥). يدل عليه قول النابغة:\nمن سبأَ الحاضرينَ مأربَ إذْ ... يبنونَ من دونِ سيلهِ العَرِما (٦)\n_________\n(١) في (ب): (مسكنهم).\n(٢) \"الحجة\" ٦/ ١٢ - ١٤.\n(٣) انظر: \"مجمع البيان\" ٨/ ٦٠٣، \"البحر المحيط\" ٨/ ٥٣٣.\n(٤) \"معاني القرآن\" ٢/ ٣٥٧.\n(٥) انظر: \"تفسير القرطبي\" ١٤/ ٢٣٨.\n(٦) البيت من المنسرح، وهو للنابغة الجعدي في \"ديوانه\" ص ١٣٤، \"الكتاب\" ٣/ ٢٥٣، \"جمهرة اللغة\" ص ٧٧٣، \"سمط الآلئ\" ص ١٨، \"اللسان\" ١/ ٣٩٦ مادة: (عرم).","vol":"18","page":340},{"text":"قوله: ﴿آيَةٌ﴾ أي: علامة تدلهم على قدرة الله، وأن المنعم عليهم هو الله، ثم ذكر تلك الآية فقال: ﴿جَنَّتَانِ﴾. قال الفراء: جنتان مرفوعتان؛ لأنهما تفسير للآية (١). وذكر الزجاج وجهًا آخر فقال: كأنه لما قيل: آية، قيل: الآية جنتان) (٢)، وعلى هذا ارتفع بخبر الابتداء المحذوف.\nقوله تعالى: ﴿عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ﴾ أي: يمنة وسرة. قال مقاتل: عن يمين الوادي وعن شماله (٣).\nوقال الآخرون: عن يمين من أتاهما وشماله (٤).\nوقال الفراء: أراد عن أيمانهم وشمائلهم (٥). والمعنى أن الجنتين أحاطت بهم وبمساكنهم يمنة ويسرة.\nقوله: ﴿كُلُوا﴾ قال أبو إسحاق: المعنى: قيل لهم ذلك (٦).\nوقوله: ﴿مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ﴾ يعني: ثمار الجنتين. قال السدي وأهل التفسير: كانت المرأة تخرج، فتحمل مكتلًا على رأسها وتمر في البستان فتملأ مكتلها من ألوان الفاكهة، من غير أن تمس شيئًا بيدها (٧).\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" ٢/ ٣٥٨.\n(٢) انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٤٨.\n(٣) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٩٨ أ.\n(٤) انظر: \"بحر العلوم\" ٣/ ٧٠، \"مجمع العلوم\" ٨/ ٦٠٤، \"تفسير القرطبي\" ١٤/ ٢٤٨.\n(٥) \"معاني القرآن\" ٣/ ٣٥٨.\n(٦) انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٤٨\n(٧) أورده المؤلف في \"الوسيط\" ٣/ ٤٩٠ عن السدي، وابن أبي حاتم ١٠/ ٣١٦٥ عنه كذلك، و\"تفسير الطبري\" ٢٢/ ٧٧ عن قتادة، والطبرسي في \"مجمع البيان\" ٨/ ٦٠٤، ولم ينسبه.","vol":"18","page":341},{"text":"قوله: ﴿وَاشْكُرُوا لَهُ﴾ أي: على ما رزقكم من النعمة، والمعنى: اعملوا بطاعته إذ أنعم عليكم بما أنعم، وهاهنا تم الكلام.\nثم ابتدأ فقال: ﴿بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ﴾. قال أبو إسحاق: المعنى: هذه بلدة طيبة (١).\nقال مقاتل: أرض سبأ بلدة طيبة؛ لأنها أخرجت ثمارها (٢). فعلى هذا طيبها: كثرة ثمارها. وقال الفراء: ليست بسبخة (٣).\nوقال ابن زيد: ليس فيها شيء مؤذ، من بعوضة أو ذباب.\nقال: ولم يكن يرى في بلدهم بعوض ولا ذباب ولا برغوث ولا عقرب، ويمر الغريب في بلدهم وفي ثيابه القمل فتموت كلها. وعلى هذا طيبها: طيب هوائها (٤).\nقوله: ﴿وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾ أي: والله رب غفور. قال مقاتل: وربكم إن شكرتم فإما رزقكم رب غفور للذنوب (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3583>١٦ </span>- قوله: ﴿فَأَعْرَضُوا﴾ قال مقاتل: عن الحق (٦).\nوقال ابن عباس: يريد فكفروا وكذبوا أنبيائهم (٧).\n_________\n(١) انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٤٨.\n(٢) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٩٨ أ.\n(٣) \"معاني القرآن\" ٢/ ٣٥٨.\n(٤) أخرجه ابن أبى حاتم في \"تفسيره\" ١٠/ ٣١٦٥ عن ابن زيد، وذكره المؤلف في \"الوسيط\" ٣/ ٤٩٠ عنه كذلك.\n(٥) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٩٨ ب.\n(٦) المصدر السابق.\n(٧) انظر: \"تفسير ابن عباس\" بهامش المصحف ص ٣٦٠.","vol":"18","page":342},{"text":"﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ﴾ قال المفسرون: كان الماء يأتي أرض سبأ من الشجر وأودية اليمن، فردموا ردمًا بين جبلين وحبسوا الماء، وجعلوا في ذلك الردم ثلاثة أبواب بعضها فوق بعض، وكان يسقون من الباب الأعلى ثم من الثاني ثم من الثالث، فأخصبوا وكثرت أموالهم، فلما كذبوا رسلهم بعث الله جرذًا نقب ذلك الردم حتى انتقض، فدخل الماء جنتهم ففرقها، ودفن السيل بيوتهم (١)، فذلك قوله: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ﴾.\nواختلفوا في العرم ما هو؟ فأكثر المفسرين على أن العرم: السكر (٢) والمسناة، وهي التي تحبس الماء (٣).\nقال السدي وأبو ميسرة: أهل اليمن يسمون المسناة العرم (٤). وهو اختيار الفراء (٥)، وابن قتيبة (٦)، والمبرد، قال: العرم جمع عرمة، وهي الحاجز بين الشيئين، يسمى السكر (٧)، واحتجوا بقول الجعدي (٨):\nإذ يبنون دون سيله العرما\n_________\n(١) انظر: \"تفسير الطبري\" ٢٢/ ٧٩، \"القرطبي\" ١٤/ ٢٨٥، \"مجمع البيان\" ٨/ ٦٠٥.\n(٢) قال في \"اللسان\" ٤/ ٣٧٥: سكر النهر يسكره سكرًا، سد فاه، وكل شق سد فقد سكر، والسكر ما سد به، والسكر: أيضًا المسناة. اهـ والمسناة بلغة أهل اليمن.\n(٣) انظر: \"تفسير الطبري\" ٢٢/ ٧٩، \"تفسير القرطبي\" ١٤/ ٢٨٥، \"زاد المسير\" ٦/ ٤٤٥، \"معاني القرآن\" النحاس ٥/ ٤٠٧.\n(٤) انظر: \"تفسير الطبري\" ٢٢/ ٧٩، \"المحرر الوجيز\" ٤/ ٤١٤، \"البحر المحيط\" ٨/ ٥٣٣، ولم أقف على من نسبه للسدي.\n(٥) \"معاني القرآن\" ٢/ ٣٥٨.\n(٦) \"تفسير غريب القرآن\" ص ٣٥٥.\n(٧) \"الكامل\" ٣/ ١٠٣٣.\n(٨) هو النابغة الجعدي، وقد سبق التعريف به، وتخريج البيت كذلك.","vol":"18","page":343},{"text":"وقال مقاتل: العرم اسم الوادي (١).\nوقال ابن الأعرابي: العرم السيل الذي لا يطاق (٢). وعلى هذا دل كلام ابن عباس، قال: [يريد] (٣) لا يمر بشيء إلا غرقه (٤). وقال مقاتل: العرم اسم الوادي (٥).\nوحكى أبو إسحاق في العرم قولين آخرين: أحدهما: أن العرم اسم الجرذ الذي بنوا (٦) للسكر عليهم، وهو الذي يقال له: الخلد، وذكر ابن الأعرابي أن العرم من أسماء الفأر (٧) الثاني: أن العرم هو المطر الشديد (٨). وأصل هذا كله من العرامة، وهي الشدة، ومثله: العرام، ورجل عارم: شديد لا يطاق (٩).\nقوله تعالى: ﴿وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ﴾ قال ابن عباس: يريد اللتين كان فيهما الفواكه والثمار. ﴿ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ﴾ قال ابن عباس: يريد الأراك. وهو قول مجاهد وقتادة ومقاتل والسدي، قالوا:\n_________\n(١) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٩٨ ب.\n(٢) انظر: \"تهذيب اللغة\" ٢/ ٣٩٠ مادة: (عرم).\n(٣) ما بين المعقوفين مكرر في (ب).\n(٤) ذكر المفسرون تفسير ابن عباس للعرم بأنه الشديد. انظر: \"تفسير الطبري\" ٢٢/ ٨٠، \"المحرر الوجيز\" ٤/ ٤١٤، \"زاد المسير\" ٦/ ٤٤٥.\n(٥) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٩٨ ب.\n(٦) هكذا في النسخ! وهو خطأ، إذ الصواب: الجرذ الذي ثقب السكر عليهم. انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٤٨.\n(٧) انظر: \"تهذيب اللغة\" ٢/ ٣٩١.\n(٨) انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٤٨.\n(٩) انظر: \"تهذيب اللغة\" ٢/ ٣٩٠، \"اللسان\" ٢/ ٣٩٥.","vol":"18","page":344},{"text":"الخمط: الأراك (١). قال قتادة: وأكله البرير (٢).\nوقال أبو عبيدة: الأكل الجني، والخمط: كل شجرة [ثمرة] (٣) ذات شوك (٤). ونحو هذا قال ابن قتيبة، فإن الأكثرين على أن الخمط اسم شجرة (٥). وإذا كان كذلك، فالأحسن قراءة من لم ينون الأكل وأضافه، وذلك أن الأكل إذا كان الجناء، فإن جنا (٦) كل شجرة منه، والتنوين في هذا ليس في حسن الإضافة، وذلك؛ لأن (٧) الخمط إنما هو اسم شجرة وليس بوصف للأكل، وإذا (٨) لم يكن وصفًا، لم يجر على ما قبله كما يجري على الموصوف، والتبدل ليس بالسهل أيضًا؛ لأنه ليس هو ولا بعضه؛ لأن الجنا من الشجرة وليس الشجرة من الجنا (٩).\nقال أبو الحسن: (في كلام العرب أن يضيفوا ما كان من نحو هذا، مثل: دار آجر، وثوب خز.\n_________\n(١) انظر: \"تفسير الطبري\" ٢٢/ ٨١، \"القرطبي\" ١٤/ ٢٨٦، \"زاد المسير\" ٦/ ٤٤٦.\n(٢) انظر: \"تفسير الطبري\" ٢٢/ ٨١، \"تفسير هود بن محكم\" ٣/ ٣٩٤، \"زاد المسير\" ٦/ ٤٤٦ والبرير: هو ثمر الأراك. انظر: \"اللسان\".\n(٣) ما بين المعقوفين لعلها زيادة من النساخ، إذ ليست من كلام أبي عبيدة.\n(٤) \"مجاز القرآن\" ٢/ ١٤٧.\n(٥) \" تفسير غريب القرآن\" ص ٣٥٦.\n(٦) في (ب): (الجنا).\n(٧) في (ب): (أن).\n(٨) في (ب): (وإذا كان) زيادة كان، وهو خطأ.\n(٩) انظر: \"علل القراءات\" ٢/ ٥٥١ \"مجمع البيان\" ٨/ ٦٠٣، \"البحر المحيط\" ٨/ ٥٣٦.","vol":"18","page":345},{"text":"قال: و﴿أُكُلٍ خَمْطٍ﴾ بالتنوين، ليس بالجيد في العربية) (١). واختار أبو عبيد التنوين، قال: لأن الأكل هو الخمط في التفسير، فالنعت أولى به من الإضافة، هذا قول أبي عبيد (٢). والمفسرون على خلاف ما قال، فإنهم جعلوا الخمط الشجر لا الأكل (٣). وقد قال ابن الأعرابي: الخمط ثمر شجر يقال له: فوه الضبع، على سورة الخشخاش، ينفرك ولا ينتفع به (٤).\nقال أبو إسحاق: (يقال لكل نبت قد أخذ طعمًا من المرارة حتى لا يمكن أكله: خمط) (٥). ونحو هذا قال المبرد.\nومنه قيل للبن إذا أحمض: خمط (٦). فهؤلاء جعلوا الخمط اسمًا للمأكول، فيصح على هذا التنوين في الأكل.\nقوله: ﴿وَأَثْلٍ﴾ قال مقاتل: يعني شجرة تشبه الطرف، يتخذ منه الأقداح (٧).\nوقال الفراء: الأثل شبه بالطرف، إلا أنه أعظم منه طولا (٨).\nقال الأزهري: (هو يشبه الطرف إلا أنه أكرم منه، تسوى منه الأقداح الصفر الجياد، ومنه اتخذ منبر النبي -ﷺ-، وللأثل أصول غليظة يسوى منها\n_________\n(١) انظر: \"مجمع البيان\" ٨/ ٦٠٣، \"تفسير القرطبي\" ١٤/ ٢٨٧.\n(٢) لم أقف عليه. وقد ذكره النحاس في \"إعراب القرآن\" ص ٦٦٤، وأنه اختيار المبرد.\n(٣) انظر: \"تفسير الطبري\" ٢٢/ ٨١، \"تفسير هود بن محكم\" ٣/ ٣٩٤، \"بحر العلوم\" ٣/ ٧٠، \"زاد المسير\" ٦/ ٤٤٦.\n(٤) انظر: \"تهذيب اللغة\" ٧/ ٢٦٠، \"اللسان\" ٧/ ٢٩٦، \"روح المعاني\" ٢٢/ ١٢٧.\n(٥) انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٤٩.\n(٦) انظر: \"تفسير القرطبي\" ١٤/ ٢٨٦، \"إعراب القرآن\" للنحاس ص ٤٦٤.\n(٧) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٩٨ ب.\n(٨) \"معاني القرآن\" ٢/ ٣٥٩.","vol":"18","page":346},{"text":"الأبواب وغيرها، وورقه عبل كورق الطرف) (١).\nقال ابن الأعرابي: والأثيل منبت الأراك (٢).\nقوله: ﴿وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ﴾ قال الأزهري: (السدر من الشجر سدران: أحدهما: سدر بري لا ينتفع بثمره، ولا يصلح ورقه للغسول، وربما خمط للراعية، وله ثمر عفص لا يؤكل، والعرب تسميه الضال. والجنس الثاني من السدر ينبت على الماء، وثمره النبق، وورقه غسول، يشبه شجر العناب إلا أن ثمره أصفر مر يتفكه به) (٣).\nوقال الفراء: ذكروا أنه الثمر (٤). وقال مقاتل: ثمرة السدر النبق (٥).\nوقال السدي: هذا السدر قليل، يعني: أن الخمط والأثل كانا أكثر في جنتيهم من السدر (٦). قال قتادة في الآية: بينما شجر القوم من خير الشجر، إذ صيره الله من شر الشجرة (٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3584>١٧ </span>- قوله: ﴿ذَلِكَ﴾] (٨) إشارة إلى ما ذكر من التبديل. قال أبو إسحاق: (وموضع ذلك نصب، المعنى ﴿جَزَيْنَاهُمْ﴾ ذلك ﴿بِمَا كَفَرُوا﴾ (٩).\n_________\n(١) انظر: \"تهذيب اللغة\" ١٥/ ١٣٢.\n(٢) انظر: قول ابن الأعرابي في \"تهذيب اللغة\" ١٥/ ١٣١.\n(٣) انظر: \"تهذيب اللغة\" ١٢/ ٣٥٣.\n(٤) هكذا في النسخ! ولعل الصواب: السمر، واحدته سمرة. \"معاني القرآن\" ٢/ ٣٥٩.\n(٥) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٩٨ ب.\n(٦) لم أقف عليه منسوبًا للسدي. وذكره المؤلف في \"الوسيط\" ٣/ ٤٩١، و\"الطبرسي في مجمع البيان\" ٨/ ٦٠٥، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٦/ ٤٤٦، بدون نسبة.\n(٧) انظر: المصادر السابقة، و\"تفسير القرطبي\" ١٤/ ٢٨٧.\n(٨) ما بين المعقوفين ساقط من (أ).\n(٩) انظر: \"معاني القران وإعرابه\" ٤/ ٢٤٩.","vol":"18","page":347},{"text":"﴿وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾ بالنون قرأ حمزة والكسائي؛ لقوله: ﴿جَزَيْنَاهُم﴾ ولم يقولوا جوزوا، من قرأ يجازي بالضم بني الفعل للمفعول به، والمجازي هو الله، فمعنى القراءتين سواء. وفي تخصيص الكفور بالمجازاة أقوال: أحدها (١): أن المؤمن يكفر عنه ذنوبه بطاعاته، فلا يجازى بذنوبه التي تكفر، قال الله تعالى: ﴿كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ [محمد: ٢] وقال: ﴿نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء: ٣١]، والكافر يجازى بكل سوء يعمله، وهذا قول أبي إسحاق وأبي علي (٢).\nوقال الفراء: (معنى جزيناه كافيناه (٣)، والسيئة للكافر بمثلها سيئة، وأما المؤمن فيجزى ولا يجازى؛ لأنه يزاد ويتفضل عليه، وقد يقال: جازيت بمعنى جزيت وأبين الكلام على ما وصفت) (٤). هذا كلام أهل المعاني (٥).\nوأما المفسرون؛ فقال مقاتل: وهل نكافئ بعمله السيئ إلا الكفور لله في نعمه (٦). وهذا كقول الفراء.\nوقال طاوس: يجازى الكفور ولا يغفر له، والمؤمن لا يناقش الحساب (٧).\n_________\n(١) في (ب): (أحدهما).\n(٢) انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٤٩، \"الحجة\" ٦/ ١٧ - ١٨.\n(٣) في (ب): (جزيناهم افيناهم).\n(٤) \"معاني القرآن\" ٢/ ٣٥٩.\n(٥) انظر: \"معاني القرآن\" للنحاس ٥/ ٤٠٩، \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٣٥٩، \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٤٩.\n(٦) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٩٨ ب.\n(٧) انظر: \"معاني القرآن\" للنحاس ٥/ ٤٠٩، \"تفسير القرطبي\" ١٤/ ٢٨٨، تفسير ابن كثير\" ٥/ ٥٤٣.","vol":"18","page":348},{"text":"وقال مجاهد: وهل يجازى: يعاقب (١). وهذا معنى وليس بتفسير. وبيانه ما ذكر ابن عباس في رواية عطاء قال: يريد لا أجازي بالعقاب إلا من كفر ربوبيتي وجحد نعمتي. فأضمر العقاب والمجازاة (٢). (وأدغم الكسائي لام هل في نون نجازي، وهو جائز، حكاه سيبويه، قال سيبويه: البيان أحسن؛ لأنه قد امتنع أن يدغم في النون شيء سوى اللام، فكأنهم يستوحشون من الإدغام فيها) (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3585>١٨ </span>- قوله: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ﴾ قال أبو إسحاق: هذا عطف على قوله: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ﴾ (٤) الآية. يعني: وكان من قصتهم أنا ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ﴾ أي: بين سبأ ﴿وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾. قال المفسرون: قرى الشام والأرض المقدسة: الأردن وفلسطين (٥). قال مقاتل: باركنا فيها بالشجر والماء (٦). قوله: ﴿قُرًى ظَاهِرَةً﴾ قال أبو إسحاق: (كان بين سبأ والشام قرى متصلة بعضها ببعض، يبيتون بقرية ويقيلون بقرية، لا يحلون عقدة حتى يرجعوا إلى أهليهم (٧) [ساعون من حيث نزلوا ما يأكلون] (٨) لا\n_________\n(١) \"تفسير مجاهد\" ص ٥٢٥.\n(٢) لم أقف عليه.\n(٣) \"الحجة\" ٦/ ١٨.\n(٤) انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٥٠.\n(٥) انظر: \"تفسير الطبري\" ٢٢/ ٨٣، \"تفسير هود بن محكم\" ٣/ ٣٩٥، \"تفسير الماوردي\" ٤/ ٤٤٤، \"تفسير القرطبي\" ١٤/ ٢٨٩.\n(٦) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٩٨ / ب.\n(٧) في (ب): \"أهلهم\".\n(٨) ما بين المعقوفين يظهر -والله أعلم- أنه كلام زائد من النساخ؛ إذ لا معنى له.","vol":"18","page":349},{"text":"يحتاجون من وادي شيئًا إلى زاد (١). وحقيقة معنى قوله ظاهرة، أن الثانيهَ تظهر من الأولى لقربها منها، كما قال الحسن: كان أحدهم يغدو فيقيل في قرية فيروح فيأوي إلى قرية، فإذا خرج من إحداها رأى الأخرى فظهرت (٢).\n[أي] (٣).\nوقال صاحب النظم: ليس من قرية إلا وهي ظاهرة، والمعنى أنها قرى متقاربة تتوالى، فإذا كان الرجل في قرية منها كانت التي تليها ظاهرة لعينه ينظر إليها.\nقوله تعالى: ﴿وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ﴾ قال مقاتل: للمبيت والمقيل من قرية إلى قرية (٤). قال الفراء: (جعل ما بين القرية إلى القرية نصف (٥) يوم، فذلك تقدير السير) (٦). قال أبو إسحاق: (جعلنا سيرهم بمقدار، حيث أرادوا أن يقيموا حلوا بقرية) (٧).\nوقال ابن قتيبة: (جعلنا السير بين القرية إلى القرية مقدارًا واحدًا) (٨).\nوقوله: ﴿سِيرُوا﴾ أي: وقلنا لهم سيروا. ﴿فِيهَا﴾ في تلك القرى. ﴿لَيَالِيَ وَأَيَّامًا﴾ متى شئتم السير ليلًا أو نهارًا.\n_________\n(١) هكذا في النسخ! وهو خطأ، والصواب كما هو في \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٤٤٤: لا يحتاجون من وادي سبأ إلى الشام إلى زاد.\n(٢) انظر: \"تفسير الماوردي\" ٤/ ٤٤٤، \"القرطبي\" ١٤/ ٢٨٩، \"زاد المسير\" ٦/ ٤٤٨.\n(٣) هكذا في النسخ! ويظهر أنها زائدة من النساخ.\n(٤) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٩٨ ب.\n(٥) في (ب): (لضعف)، وهو خطأ.\n(٦) \"معاني القرآن\" ٢/ ٣٥٩.\n(٧) انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٥٠.\n(٨) \"تفسير غريب القرآن\" ص ٣٥٦.","vol":"18","page":350},{"text":"﴿آمِنِينَ﴾ من الجوع والعطش والسباع والتعب، ومن كل خوف. قال ابن عباس ومقاتل (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3586>١٩ </span>- قال المفسرون: ثم إنهم سئموا الراحة وبطروا النعمة، وكرهوا ما كانوا فيه من الخصب (٢) والسعة في كفاية القدح في المعيشة كقوم موسى حين قالوا: ﴿فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ﴾ إلى قوله: ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾ [البقرة: ٦١] وهؤلاء من جملة من دخل في قوله: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا﴾ [القصص: ٥٨] فلم يشكروا ربهم، وسألوا أن تكون القرى والمنازل بعضها أبعد من بعض ﴿فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا﴾ أي: اجعل بيننا وبين الشام فلوات ومفاوز؛ لنركب إليها الرواحل ونتزود الأزواد. وقرئ: ﴿بَعَّد﴾، وهو مما فيه وفعل بمعنى واحد كقولك: ضاعِف وضعِّف، وكذلك خلافه (٣) قارب وقرب. ومعنى قراءة من قرأ على الخبر: ﴿رَبَّنَا بَاعِدْ﴾، أنهم استبعدوا سفرهم على قرية بطرا وأشرا، وقراءة العامة معناها الدعاء وسؤال الله أن يبعد بين أسفارهم (٤).\nوقوله ﴿وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ قال ابن عباس: بكفرهم وتكذيبهم أنبيائهم (٥).\n﴿فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ﴾ يريد لعن بعدهم، يتحدثون بأمرهم وشأنهم.\n﴿وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ مزقناهم في كل وجه من البلاد كل التفريق،\n_________\n(١) انظر: \"تفسير ابن عباس\" بهامش المصحف ص ٣٦٠، \"تفسير مقاتل\" ٩٨ ب.\n(٢) في (ب): (الحطب)، وهو خطأ.\n(٣) في (ب): (خلاف).\n(٤) \"الحجة\" ٦/ ١٩.\n(٥) انظر: \"تفسير ابن عباس\" بهامش المصحف ص ٣٦٠.","vol":"18","page":351},{"text":"وذلك أن الله تعالى لما غرق مكانهم وأذهب جنتيهم تبددوا في البلاد فصارت العرب تتمثل بهم في الفرقة، فيقولوا: تفرقوا أيدي سبأ وأيادي سبأ (١).\nقال الشاعر:\nمن صادر أو وارد أيدي سبأ (٢)\nوقال كثير:\nأيادي سبأ يا عز ما كنت بعدكم ... فلم يحل بالعينين بعدك منظر (٣)\n﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ يعني فيما فعل بسبأ. ﴿لَآيَاتٍ﴾ عبرًا ودلالات. ﴿لِكُلِّ صَبَّارٍ﴾ قال ابن عباس: عن معاصي الله، (شكور) لأنعم الله (٤).\nوقال مقاتل: يعني المؤمن من هذه الأمة صبور على البلاء، إذا ابتلي شاكر لله على نعمه (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3587>٢٠ </span>- قوله: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ﴾ وقرئ: صَدَقً، بالتشديد والتخفيف.\nقال أبو إسحاق: صدقه في ظنه أنه ظن بهم أنه إذا أغواهم اتبعوه فوجدهم كذلك، فمن شدد نصب الظن؛ لأنه مفعول به، ومن خفف نصب\n_________\n(١) هذا مثل للعرب، يضرب للقوم إذا تفرقوا. انظر: \"مجمع الأمثال\" ٢/ ٤.\n(٢) شطر بيت لم أقف على تمامه ولا قائله، وهو في \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٥١، \"اللسان\" ١/ ٩٤ بلا نسبة.\n(٣) البيت من الطويل، هو لكثير عزة في \"ديوانه\" ص ٣٢٨، \"شرح شواهد المغني\" ٢/ ٦٨٧، \"اللسان\" ١/ ٩٤.\n(٤) لم أقف عليه منسوبًا لابن عباس، وقد أورده المؤلف في \"الوسيط\" ٣/ ٤٩٣، \"تفسير الماوردي\" ٤/ ٤٤٦، \"تفسير القرطبي\" ١٤/ ٢٩١ بدون نسبة.\n(٥) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٩٨ ب.","vol":"18","page":352},{"text":"الظن، على معنى صدق ظنا ظنه، وصدق في ظنه (١) هذا كلامه. وشرحه أبو علي فقال: معنى التخفيف أنه صدق ظنه، أي الذي ظن بهم من متابعتهم إياه إذا أغواهم، وذلك نحو قوله: ﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الأعراف: ١٦] و﴿لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٣٩] وهذا ظنه؛ ذلك عن يقين؛ لأنه لم يقل بظنه (٢) على هذا ينتصب انتصاب المفعول به، ويجوز تعديته إلى المفعول به كما قال:\nفإن تك ظني صادقي فهو صادقي (٣)\nويجوز أن ينتصب انتصاب الظرف، على تقدير: صدق عليهم الظن، على أنه مفعول به وعدي صدق إليه كما قال:\nفإنْ لم أصدَّق ظنكَ بتيقنٍ ... فلا سقتِ الأوصالَ منِّي الرواعدُ (٤).\nواختلف المفسرون في هذه الآية؛ فمذهب ابن عباس في رواية عطاء أزال كناية في قوله: ﴿صَدَّقَ عَلَيْهِمْ﴾ عن أهل سبأ (٥). وقال في قوله: ﴿فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾: يريد قليلًا من الذين صدقوا الأنبياء\n_________\n(١) انظر: \"معاني القرآن وإعربه\" ٤/ ٢٥١.\n(٢) هكذا في النسخ! ولعل الصواب: فظنه، كما في \"الحجة\" ٦/ ٢١.\n(٣) شطر بيت من الطويل، لم أقف على قائله، وقد ورد في \"إملاء ما من به الرحمن\" ٢/ ١٩٧، وكذا في \"الدر المصون\" ٥/ ٤٤٢. وجاء البيت بتمامه في \"مجمع البيان\" ٨/ ٦٠٧ برواية:\nإن يك ظني صادقًا وهو صادقي ... بشملة يحبسهم بها محبسا وعرا\nونسبه محققه إلى مكبرة بنت بردام شملة، تقول: إن يك ظني بشملة صادقًا يحبسهم، أقي القوم الذين قتلوا أباه بتلك المعركة محبسا صعبا يدركه فيه ثأر أبيه\n(٤) بيت من الطويل ولم أقف على قائله.\n(٥) انظر: \"تفسير الطبري\" ٢٢/ ٨٧، \"تفسير ابن عباس\" بهامش المصحف ص ٤٣٠.","vol":"18","page":353},{"text":"وآمنوا بالله. وعلى هذا الاستثناء من سبأ، وهم من آمن منهم. ومذهب مجاهد (١) أن الكناية عن الناس كلهم، قال: صدق ظنه على الناس كلهم إلا من أطاع الله. وهو ظاهر مذهب المفسرين. قال مقاتل: يعني عباده المخلصين لم يتبعوهم في الشرك (٢)، وهم الذين قال الله: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر: ٤٢]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3588>٢١ </span>- وقوله: ﴿وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ﴾ قال أبو إسحاق: المعنى ما امتحنا بإبليس إلا لنعلم من يؤمن بالآخرة إلا لنعلم ذلك علم وقوعه منهم، وهو الذي يجازون عليه (٣). وشرح ابن قتيبة الآيتين شرحًا شافيًا فقال: إن إبليس لما سأل الله النظرة فأنظره قال: ﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ﴾ الآية. وقال: ﴿لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ (٤) وليس هو في وقت هذه المقالة مستيقنًا أن ما قرره فيهم يتم، وإنما قاله ظانا، فلما اتبعوه وأطاعوه صدق عليهم ما ظنه فيهم، ثم قال: وما كان تسليطنا إياه (٥) إلا لنعلم المؤمنين من الشاكين، يعني: نعلمهم موجودين ظاهرين فيحق القول ويقع الجزاء، فأراد جل وعز: ما سلطناه عليهم إلا لنعلم إيمان المؤمن ظاهرًا، وكفر الكافر ظاهرًا موجودًا كقوله:\n_________\n(١) انظر: \"مجمع البيان\" ٨/ ٦٠٨، \"تفسير القرطبي\" ١٤/ ٢٩٢.\n(٢) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٩٩ أ.\n(٣) انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٥٢.\n(٤) قال تعالى في سورة النساء: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا (١١٧) لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (١١٨) وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾.\nوقال في سورة الحجر: ﴿لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ الآية: ٣٩.\n(٥) في (ب): (إلا إياه) وهو خطأ.","vol":"18","page":354},{"text":"﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ﴾ [آل عمران: ١٤٢] (١)، وقد مر الكلام فيه (٢). وهذا معنى قول ابن عباس ومقاتل والكلبي وجميع المفسرين في هاتين الآيتين (٣). قوله: ﴿وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾ قال مقاتل: كل شيء من الإيمان والشك رقيب (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3589>٢٢ </span>- قوله: ﴿قُلِ﴾ أي: لكفار مكة. ﴿ادْعُوا﴾ استنصروا، واستعينوا كقوله: ﴿وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣]. وقوله: ﴿تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ﴾ [الأعراف: ١٩٧].\nوقوله: ﴿الَّذِينَ زَعَمْتُمْ﴾ أي: الذين زعمتم أنهم آلهة وأنهم ينصرونكم، فأضمر مفعول الزعم، قال المفسرون (٥): يعني الشركاء والملائكة وجميع من عبدوهم من دون الله.\nقال مقاتل: يقول: ادعوهم فليكشفوا عنكم التفسير الذي نزل بكم في سني الجوع (٦). ثم وصفهم وأخبر عنهم فقال: ﴿لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ أي: من خير وشر ونفع وضر. ﴿وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ﴾ يريد: ما شاركونا في شيء من خلقهما. ﴿وَمَا لَهُ﴾ وما لله. ﴿مِنْهُمْ﴾ من الشركاء والمعبودين. ﴿مِنْ ظَهِيرٍ﴾ من معين على شيء. قال مقاتل: ثم\n_________\n(١) \"تأويل مشكل القرآن\": ص ٣١١ - ٣١٢.\n(٢) عند تفسير الآية ١٤٢ من آل عمران.\n(٣) انظر: \"تفسير الطبري\" ٢٢/ ٨٧، \"تفسير الماوردي\" ٤/ ٤٤٧، \"مجمع البيان\" ٨/ ٦٠٨، \"زاد المسير\" ٦/ ٤٤٩، \"تفسير مقاتل\" ٩٩ أ.\n(٤) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٩٩ أ.\n(٥) انظر: \"تفسير الطبري\" ٢٢/ ٨٨، \"بحر العلوم\" ٣/ ٧٢، \"تفسير القرطبي\" ١٤/ ٢٩٥، \"زاد المسير\" ٦/ ٤٥١.\n(٦) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٩٩ أ.","vol":"18","page":355},{"text":"ذكر الملائكة الذين يرجون شفاعتهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3590>٢٣ </span>- وقوله: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ﴾ يعني: شفاعة الملائكة. ﴿عِنْدَهُ﴾ عند الله (١). ﴿إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ قرئ: بضم الهمزة وفتحها، فمن فتح بني الفعل للفاعل، وأسنده إلى ضمير اسم الله؛ لقوله تعالى: ﴿لَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾، ومن ضم الهمزة بني الفعل للمفعول وهو يريد هذا المعنى (٢). والآذن في القراءتين هو الله تعالى، كقوله: ﴿وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾ والمجازي في الوجهين هو الله تعالى. قال الفراء: أي لا تنفع شفاعة ملك مقرب ولا نبي حتى يؤذن له في الشفاعة، ويقال: حتى يؤذن له فيمن يشفع، فيكون (من) للمشفوع له (٣).\nوذكر أبو إسحاق أيضًا الوحهين جميعًا فقال: ويجوز أن يكون [من] (٤) في قوله: ﴿إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ للشافعين؛ لأنه كنى عنهم بقوله: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ والذين فزع عن قلوبهم هاهنا الملائكة، هذا كلامه. وتقدير الوجهين: إلا لمن أذن له في أن يشفع إذا كان (من) للشافع، وإن جعلت (من) للمشفوع فالتقدير: إلا لمن أذن له في أن يشفع له (٥).\nوكلام المفسرين في هذه الآية يدل على أن (من) للمشفوع له؛ قال ابن عباس: يريد لا تشفع الملائكة إلا لمن وحد الله (٦) كقوله في الأنبياء\n_________\n(١) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٩٩ أ.\n(٢) انظر: \"علل القراءات\" ٢/ ٥٥٣، \"حجة القراءات\" ص ٥٨٩.\n(٣) \"معاني القرآن\" ٢/ ٣٦١.\n(٤) ما بين المعقوفين ساقط من (أ).\n(٥) انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٥٢.\n(٦) انظر: \"الوسيط\" ٣/ ٢٩٤، \"تفسير ابن عباس\" بهامش المصحف ص ٤٣١.","vol":"18","page":356},{"text":"﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨]. وقال مقاتل: لا تنفع شفاعة الملائكة عنده لأحد إلا لمن أذن له أن يشفعوا له من أهل التوحيد. قال: ثم أخبر عن خوف الملائكة (١) فقال: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ وقُرِئ: فَزَع، بفتح الفاء والزاي.\nقال أبو عبيدة: ﴿فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾: نفس عنها (٢).\nوقال الفراء وأبو إسحاق: فزع: كشف الفزع عن قلوبهم، وفزع: كشف الله الفزع عن قلوبهم (٣). ومعنى القراءتين سواء كما ذكرنا في أذن وأذن (٤).\nوالتفزيع يريد المعنيين: أحدهما: إزالة التفزيع بالتمريض (٥)، وقد جاء مثل هذا في أفعل، قالوا: أشكاه (٦) إذا أزال عنه ما يشكوه، ويقال: فزعه وأفزعه، إذا روعه. قال ابن عباس: يريد سوى عن قلوبهم (٧).\nوقال قتادة والكلبي: جلي عن قلوبهم (٨). وقال مقاتل: انجلى الفزع\n_________\n(١) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٩٩ أ.\n(٢) \"مجاز القرآن\" ٢/ ١٤٧.\n(٣) \"معاني القرآن\" ٢/ ٣٦١، \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٢٥٣.\n(٤) سورة الحج: الآية ٢٧. قال: معنى التأذين: النداء والتصويت للإعلام، ثم أحال على قوله ﴿فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ﴾، وقوله: ﴿أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ﴾.\n(٥) في \"الوسيط\": والتفزيع إزالة الفزع كالتمريض. فلعل ما أثبت هنا خطأ، والصواب ما بينته من الوسيط.\n(٦) في (ب): (مشكاه).\n(٧) ذكر بعض المفسرين قول ابن عباس: جلي عن قلوبهم. انظر: \"الماوردي\" ٤/ ٤٨٤، \"القرطبي\" ١٤/ ٢٩٥.\n(٨) لم قف عليه منسوبًا لهما،، وقد نسبه الطبري ٢٢/ ٩٠ لابن عباس.","vol":"18","page":357},{"text":"من قلوبهم (١). وهو معنى وليس بتفسير. وأما معنى الآية روي عن أبي هريرة أن النبي -ﷺ- قال: \"إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانًا لقوله كأنه سلسلة على صفوان فـ ﴿إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ﴾ الآية\" (٢).\nوروي عن أنس بن سمعان (٣) أنه قال: إذا تكلم الله بالوحي أخذت السموات منه رعدة شديدة خوفًا من الله، فإذا سمع ذلك أهل السموات صعقوا (٤) وخروا لله سجدا، فيكون أول من يرفع رأسه جبريل، فيكلمه الله بما أراد من وحيه، فيمضي به جبريل على الملائكة سماء سماء، كلما مر\n_________\n(١) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٩٩ أ.\n(٢) الحديث أخرجه البخاري في \"صحيحه\" كتاب: التفسير: تفسير سورة سبأ ٤/ ١٨٠٤ رقم الحديث (٤٥٢٢) وتمامه: \"فإذا فزع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا للذي قال: الحق وهو العلي الكبير، فيسمعها مسترق السمع\" الحديث، وأخرجه الترمذي في \"سننه\" كتاب التفسير: تفسير سورة سبأ ٥/ ٤٠، رقم الحديث (٣٢٧٦)، وقال: هذا حديث حسن صحيح.\n(٣) هكذا ورد في (أ)، وفي (ب): (أنس سمعان)، وهو خطأ، والصواب هو: النواس بن سمعان، فهو راوي هذا الأثر، ولم أجد فيما عندي من مراجع راويا لهذا الحديث بهذا الاسم.\nوالنواس بن سمعان هو: النواس بن سمعان بن خالد بن عمرو بن قرط العامري الكلابي، ويقال: الأنصاري، له صحبة، روى عن النبي -ﷺ-، وروى عنه جبير بن نفير الخضرمي وأبو إدريس الخولاني. يقال: إن أباه سمعان وفد على النبي -ﷺ- وأهدى إليه نعليه فقبلهما وزوج أخته من النبي -ﷺ-، ويقال: إنه لما دخل بها تعوذت منه فتركها، وهي الكلابية، والله أعلم.\nانظر: \"الاستيعاب\" ٣/ ٥٣٩، \"الإصابة\" ٣/ ٥٤٩، \"أسد الغابة\" ٥/ ٤٥\n(٤) في (ب): (ضعفوا).","vol":"18","page":358},{"text":"بأهل سماء سأله ملائكتها: ماذا قال ربنا يا جبريل. فيقول: الحق (١).\nوروى الزهري عن أبي إدريس (٢) قال: إذا تكلم الله جل ثناؤه وجدت السموات ومن فيهن رجفة، حتى إذا ذهب ذلك عنها نادى بعضهم بعضًا: ماذا قال ربكم؟ قالوا: الحق، فذلك قوله: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ (٣).\nوقال ابن عباس: إذا تكلم الله بالوحي، يسمع أهل السموات صوتا كصوت الحديد على الصفا، فيخرون سجدًا لذلك، فإذا فزع عن قلوبهم قالوا: ماذا ... (٤) الآية. ونحو هذا قال ابن مسعود (٥).\nوقال قتادة والكلبي: لما كانت الفترة التي بين عيسى ومحمد ﵉ وبعث الله محمدًا، أنزل الله جبريل بالوحي، فلما نزل، ظنت الملائكة أنه نزل بشيء من الساعة فصعقوا لذلك، فجعل جبريل يمر بكل سماء ويكشف عنهم الفزع يرفعوا رؤوسهم (٦)، وقال بعضهم لبعض: ماذا\n_________\n(١) أورده الثعلبي في \"تفسيره\" ٣/ ٢١٩.\n(٢) هو: أبو إدريس عائذ الله بن عبد الله، ويقال فيه: عيذ الله بن إدريس بن عائذ الخولاني، تقدمت ترجمته.\n(٣) لم أقف عليه عن أبي إدريس من طريق الزهري. وقد أورد الثعلبي في \"تفسيره\" ٣/ ٢١٩ أ، هذا الأثر من طريق الأعمش عن مسلم عن مسروق عن عبد الله.\n(٤) أورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ٦/ ٦٩٧، وعزاه لابن أبي حاتم عن ابن عباس.\n(٥) الأثر المروي عن ابن مسعود -﵁- أخرجه بو داود في \"سننه\" كتاب: السنة، باب: في القرآن ٤/ ٢٣٥، رقم الحديث (٤٧٣٨)، و\"الطبري\" ٢٢/ ٩٠. وأورده السيوطي في \"الدر\" (٦/ ٦٩٩) وزاد نسبته لسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبي الشيخ في العظمة وابن مردويه والبيهقي.\n(٦) هكذا جاء الكلام في النسخ! وفيه اضطراب، والصواب: فيرفعون رؤوسهم ويقول بعضهم لبعض. انظر: \"تفسير القرطبي\" ١٤/ ١٩٧.","vol":"18","page":359},{"text":"قال ربكم؟ قالوا: الحق، يعني الوحي (١). ونحو هذا قال مقاتل (٢) سواء. وعلى هذا إنما يكون فزعهم من هول قيام الساعة. وهو اختيار الفراء، والزجاج (٣). وعلى ما ذكرنا أولًا إنما فزعوا للوحي. هذا مذهب المفسرين في هذه الآية.\nويبقى إشكال في النظم، وهو أن قوله: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ كيف يليق بما تقدم من الكلام، وأين الخبر عن فزعهم حتى يذكر زوال الفزع؟ قال صاحب النظم: لا يكاد يكون حتى إلا متصلة بخبر قبلها، ولم يتقدم هاهنا في الظاهر شيء تكون هي معطوفة عليه فهي في الظاهر منقطعة مما قبلها ومبتدأة، وهي في الباطن متصلة بمعنى متقدم مضمر، ومعنى فزع عن قلوبهم قد جاء في التفسير أخرج منها الفزع، فهذا دليل على أنه يصيبهم فزع شديد من شيء يحدث عليهم من أقدار الله -﷿-، ولم يقل الله حتى إذا فزع عن قلوبهم إلا وهم يفزعون. هذا كلامه. وشرح هذا أن حتى هاهنا منقطع في اللفظ عما قبله، وقد ذكرنا جواز هذا عند قوله: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ﴾ (٤)، وهو في المعنى متصل بمضمر دل عليه الظاهر، وذلك أن فزع معناه: أخرج الفزع، وإخراج الفزع يدل على حصوله وحدوثه، فكأنه قد ذكر فزعهم من الوحي أو من هول قيام الساعة على ما ذكر المفسرون حتى إذا أزيل ذلك الفزع قالوا: ماذا قال ربكم. ومعنى الآية: أن\n_________\n(١) ذكره النحاس في \"معاني القرآن\" ٥/ ٤١٧، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٦/ ٤٥٣، و\"القرطبي\" ١٤/ ٢٩٧.\n(٢) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٩٩ أ.\n(٣) \"معاني القرآن\" ٢/ ٣٦١، \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٥٣.\n(٤) سورة يونس: الآية ١١٠.","vol":"18","page":360},{"text":"الله أعلمهم أن الملائكة الذين يعبدونهم بهذه الحال من الخوف والفزع، كيف يعبدون من هو بهذه الصفة. أفلا يعبدون من تخافه الملائكة؟!\nومذهب مجاهد والحسن وابن زيد في هذه الآية: أن الكناية في قوله: ﴿عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ للمشركين، يقول: حتى إذا كشف الفزع عن قلوبهم في الآخرة إقامة الحجة عليهم، قالت الملائكة لهم: ﴿مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ﴾ في الدنيا ﴿قَالُوا الْحَقَّ﴾ فأقروا حين لا ينفعهم (١). وعلى هذا القول أيضًا وجه النظم ما ذكر.\nوقوله: ﴿الْحَقَّ﴾ قال الزجاج وأبو علي: التقدير: قالوا: قال الحق (٢). ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾، قال مقاتل: يعني الرفيع الذي فوق خلقه، الكبير العظيم فلا شيء أعظم منه (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3591>٢٤ </span>- قوله: ﴿قُلْ﴾ أي: لكفار مكة. ﴿مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ تقدم تفسيره في سورة يونس (٤). وهذا احتجاج عليهم بأن الله الذي يرزق هو المستحق للعبادة لا غيره مما لا يرزق، وأخبر عنهم في سورة يونس أنهم يعتقدون بأن الرزاق هو الله، وهو قوله: ﴿فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾. وهاهنا أمر النبي -ﷺ- بأن يقول: الرزاق هو الله، هو قوله: ﴿قُلِ اللَّهُ﴾ والمعنى: استفهم عن الرزاق، ثم أخبر أني أنا الرزاق، وذلك أنه إذا استفهم لم يمكنهم أن يثبتوا رازقًا غير الله، فثبت الحجة عليهم بقوله -ﷺ-،\n_________\n(١) انظر: \"تفسير مجاهد\" ص ٥٢٧، \"الطبري\" ٢٢/ ٩٢، \"الماوردي\" ٤/ ٤٣٨، \"القرطبي\" ١٤/ ٢٩٧.\n(٢) انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٥٣\n(٣) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٩٩ أ.\n(٤) آية ٣١.","vol":"18","page":361},{"text":"أي: هو الله. وقال صاحب النظم: هذا محمول على أنه لما أمر بقوله: ﴿مَنْ يَرْزُقُكُمْ﴾ بعد الأمر قل لهم ذلك، فقالوا له: فمن يرزقنا، فأجابهم الله بقوله: ﴿قُلِ اللَّهُ﴾ وتم الكلام، ثم أمره بأن يخبرهم أنهم على الضلال بعبادة غير الله بقوله: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ﴾ الآية، على تقدير: ثم قل: وإنا أو إياكم.\nروى عطاء عن ابن عباس في هذه الآية: الألف صلة للكلام يريد ألف أو (١). وشرح صاحب النظم هذا فقال: أو هاهنا بمنزلة واو النسق، وتأويلهما مبتدآن مجموعان لها جوابان مجموعان، فيرد إلى كل واحد منهما ما يقتضي، وهو أن يكون الهدى لقوله: ﴿وَإِنَّا﴾، والضلال لقوله: ﴿إِيَّاكُمْ﴾، قلنا في أشباهه مثل قوله: ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ [القصص: ٧٣] فابتغاء الفضل بالنهار والسكون بالليل، ومنه قول امرئ القيس:\nكأن قلوب الطير رطبا ويابسًا لدي ... [ذكراها] (٢) العناب والحشف البالي (٣)\nوهذا الذي ذكره صاحب النظم، هو معنى قول أبي عبيدة قال: معناه\n_________\n(١) لم أقف عليه منسوبًا لابن عباس، وقد ذكره المؤلف في \"الوسيط\" ٣/ ٤٩٤، ولم ينسبه لأحد.\n(٢) هكذا في النسخ! وهو خطأ، والصواب: وكرها.\n(٣) البيت من الطويل، وهو لامرئ القيس في \"ديوانه\" ص ٣٨، \"الكامل\" ٢/ ٧٤٠، \"شرح شواهد المغني\" ١/ ٣٤٢، ٢/ ٥٩٥، ٨١٩.\nيقول: كأن قلوب الطير رطبا: العناب، ويابسًا: الحثشف البالي. انظر: \"شرح ديوان امرئ القيس\" ١٦٦.","vol":"18","page":362},{"text":"إنا لعلى هدى، وإنكم لفي ضلال مبين (١). وهو معنى قول مقاتل: نحن وأنتم أمر واحد أن أحد الفريقين لعلى هدى، يعني: النبي نفسه وأصحابه، وإنكم لفي ضلال مبين، يعني: كفار مكة (٢). وعلى هذا القول يجب أن يكون أو في، قوله: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ﴾ وقوله: ﴿أَوْ فِي ضَلَالٍ﴾ يعني واو النسق، وهو مذهب المفسرين. قال الفراء: (معنى \" أو\" معنى الواو عند المفسرين، والعربية على غير ذلك، لا تكون \"أو\" بمنزلة الواو كما تقول: خذ درهمًا أو اثنين، فله (٣) أن يأخذ واحدًا أو اثنين، وليس له أن يأخذ الثلاثة، وفي قول من لا يبصر العربية ويجعل \"أو\" بمنزلة الواو يجوز له أن يأخذ الثلاثة؛ لأنه في قولهم بمنزلة: خذ درهمًا واثنين.\nوالمعنى في ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ﴾: إنا لضالون أو مهتدون، وهو تعالى يعلم أن رسوله المهتدي وأن غيره الضال، وأنت تقول في الكلام للرجل: والله إن أحدنا لكاذب، نكذبته كذبًا غير مكشوف، وهو في القرآن وكلام العرب كثير أن يوجه الكلام إلى أحسن مذاهبه إذا عرف، كقولك لمن قال فلان وهو كاذب في ذلك قل: إن شاء الله، أو قل: فيما أظن، فتكذبه بأحسن من صريح التكذيب) (٤). ونحو هذا قال الكسائي والأخفش والمبرد، قالوا: ليس معنى أو هاهنا الشك، وقد يتكلم بمثل هذا من لا يشك، كقول القائل: أنا اختار كذا ويختار ابن (٥) كذا وأحدنا مخطئ،\n_________\n(١) \"مجاز القرآن\" ٢/ ١٤٨.\n(٢) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٩٩ ب.\n(٣) في (ب): (قيله).\n(٤) \"معاني القرآن\" ٢/ ٣٦٢.\n(٥) هكذا في النسخ! ولعل الصواب: فلان.","vol":"18","page":363},{"text":"وليس يشك في خطأ صاحبه، وأنشدوا لأبي الأسود.\nيقول الأرذلون بني (١) قشير ... طوال الدهر ما ننسى عليا\nبنو عم النبي وأقربوه ... أحب الناس كلهم إليا\nفإن يك حبهم رشدًا أصبه ... ولست بمخطئ إن كان غيا (٢)\nفقاله عن غير شك، وقد أيقن أنه ليس بغي، ولكنه استظهار في الحجاج (٣).\nوقال أبو إسحاق: في التفسير وأنا على هدى وإنكم إلى ضلال، وهذا في اللغة غير جائز لكنه يؤول إلى هذا المعنى، والمعنى: إنا لعلى هدى أو في ضلال، وهذا كما يقول القائل: إذا كانت الحال تدل على أن أحدنا صادق أو كاذب ويؤول معنى الآية إلى: إنا لما أقمنا من البرهان لعلى هدى، وإنكم لفي ضلال مبين هذا كلامه (٤). وهو موافق لقول الفراء (٥). وتلخيص الآية: أن أو ظاهرة للشك وليس المعنى على ذلك، والمفسرون راعوا حقيقة المعنى، ولذلك جعلوا أو بمنزلة الواو.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3592>٢٥ </span>- قوله تعالى: ﴿قُلْ﴾ أي: لقومك. ﴿لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا﴾ قال ابن عباس: لا تؤاخذون بجرمنا، ولا نسأل عن كفركم وتكذيبكم، وهذا\n_________\n(١) هكذا في (أ)، وفي (ب): (بين)، وهو خطأ، والصواب: بنو؛ لأنه بدل.\n(٢) الأبيات من الوافر، لأبي الأسود الدؤلي، وهي من ديوانه ص ١٧٦ - ١٧٧، وانظرها منسوبة إليه في: \"مجاز القرآن\" ٢/ ١٤٨، \"الكامل\" ٣/ ٩٣٦، \"مجمع البيان\" ٨/ ٦١٠، \"روح المعاني\" ٢٢/ ١٤٠.\n(٣) \"معاني القرآن\" للأخفش ٢/ ٤٤٥، وذكر القول ونسبه للمبرد: \"تفسير القرطبي\" ١٤/ ٢٩٩، ولم أقف على قول الكسائي.\n(٤) انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٥٣.\n(٥) \"معاني القرآن\" ٢/ ٣٦٢.","vol":"18","page":364},{"text":"على التبري منهم ومن أعمالهم (١) كقوله: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون: ٦]. وهذا مما نزل قبل السيف (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3593>٢٦ </span>- ﴿قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا﴾ يعني بعد البعث في الآخرة يوم القيامة. ﴿ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ﴾ ثم يقضى ويحكم بيننا بالعدل. ﴿وَهُوَ الْفَتَّاحُ﴾ القاضي. ﴿الْعَلِيمُ﴾ بما يقضى.\n<span data-type=\"title\" id=toc-3594>٢٧ </span>- قوله: ﴿قُلْ﴾ للكفار ﴿أَرُونِيَ﴾ أعلموني. ﴿الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكَاءَ﴾ أي: ألحقتموهم بالله في العبادة معه شركاء، وهو نصب على الحال، وفي الآية محذوف به يتم المعاني (٣) بتقدير: هل يرزقون ويخلقون وينفعون ويضرون، ثم قال: ﴿كَلَّا﴾ [قال أبو إسحاق: معنى كلا] (٤) قالوا لما قال لهم: ﴿أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكَاءَ﴾ هم (٥) هذه الأصنام أو ما أشبه ذلك من الكلام، فرد الله عليهم بقوله: ﴿كَلَّا﴾.\n_________\n(١) انظر: \"تفسير ابن عباس\" بهامش المصحف ص ٤٣١، وذكر هذا المعنى أكثر المفسرين، ولم ينسبوه لابن عباس.\n(٢) وبهذا القول -وهو أن هذه الآية منسوخة بآية السيف- قال بعض العلماء، ومنهم: ابن القاسم البذوري في \"قبضة البيان في ناسخ ومنسوخ القرآن\" ص ٢٠، هبة الله بن سلامة المقري في \"الناسخ والمنسوخ من كتاب الله -﷿-\" ص ١٤٥، وابن البارزي في \"ناسخ القرآن العزيز ومنسوخه\" ص ٤٥. ومن العلماء من لا يرى النسخ في هذا الموضع، وإنما فيه بيان أن كل أحد مؤاخذ بعمله، فلا تظلم نفس شيئًا. وممن قال بعدم النسخ: مكي بن أبي طالب في \"الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه\" ص ٣٨٨، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٦/ ٤٥٥. ولعل هذا هو الراجح؛ لإمكانية الجمع بين الآيتين دون الحاجة إلى القول بالنسخ، إذ لا تعارض بينهما.\n(٣) هكذا في (ب)، وفي (أ): (المعالي)، وهو تصحيف، إذ الصواب: المعنى.\n(٤) ما بين المعقوفين يظهر أنه زائد؛ لأن كلام أبي إسحاق ذكر بعد سطر.\n(٥) (هم) ساقط في (ب).","vol":"18","page":365},{"text":"قال أبو إسحاق: (معنى كلا ردع وتنبيه، المعنى: ارتدعوا عن هذا القول وانتهوا عن ضلالكم) (١). وهذا يدل على أنهم أجابوا النبي -ﷺ- بما يوجب زجرهم وردعهم. قوله: ﴿بَلْ﴾ أي: ليس الأمر على ما ذكرتم إلحاق الشركاء (٢) به الذي يضر وينفع ويخلق ويرزق. ﴿هُوَ اللَّهُ الْعَزِيزُ﴾ في ملكه ﴿الْحَكِيمُ﴾ في أمره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3595>٢٨ </span>- قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ قال ابن عباس: يريد لجميع الخلق (٣). وقال مقاتل: يعني عامة (٤). وهو قول أبي عبيدة وابن قتيبة (٥). وعلى هذا يجب أن يكون التقدير: إلا للناس كافة، كقوله: ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾، وقوله: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾، فيكون المعنى: وما أرسلناك إلا للناس كلها عامة أحمرهم وأسودهم (٦). وذكرنا معنى الكافة (٧) فيما تقدم.\n_________\n(١) انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٥٤.\n(٢) هكذا جاءت العبارهَ، والذي يظهر أنه خطأ، فقد جاءت العبارة في الوسيط: أي ليس الأمر على ما أنتم عليه من إلحاق الشركاء الوسيط ٣/ ٤٩٥.\n(٣) انظر: \"الماوردي\" ٤/ ٤٥٠، وذكره المؤلف في \"الوسيط\" ٣/ ٤٩٥.\n(٤) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٩٩ ب.\n(٥) \"مجاز القرآن\" ٢/ ١٤٩، \"تفسير غريب القرآن\" ص ٣٥٧.\n(٦) ويزيد هذا القول ويدل عليه الحديث الذي يرويه جابر بن عبد الله، أخرج مسلم في \"صحيحه\" ١/ ٣٧٠ كتاب المساجد ومواضع الصلاة، رقم الحديث (٥٢١)، قال جابر -﵁-: قال رسول الله -ﷺ-:\" أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد قبلي، كان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى كل أحمر وأسود\" الحديث.\n(٧) لعله عند قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ [البقرة: ٢٠٨] قال: وقوله (كافة) يجوز أن يكون معناه: ادخلوا جميعًا، ويجوز أن يكون معناه: في السلم كافة، أي في جميع شرائعه.","vol":"18","page":366},{"text":"وقال أبو إسحاق: (المعنى: أرسلناك جامعًا للناس بالإنذار والإبلاغ) (١).\nوالكافة على هذا معناه: الجامع الذي يمنع أن يشذوا (٢)، النبي -ﷺ- جامع للناس كلهم في الإنذار والتبشير [جامع] (٣) مانع من أن يشذ واحد عن حكم رسالته.\nوالهاء في الكافة تكون للمبالغة، ويجوز أن يكون الكافة مصدرًا على فاعلة، كالخاينة والكاذبة واللاعنة، ويكون (٤) التقدير على حذف المضاف بمعنى: إلا ذا كافة للناس، أي: ذا منع لهم من أن يشذوا عن تبليغك. وهذا الوجه يقوي قول من ذهب في معنى الآية إلى أنه بعث ليكف الناس عما هم عليه من الكفر. ولا يحتاج في هذا القول إلى تقدير التقديم والتأخير، وقوله: ﴿أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ قال مقاتل: يعني كفار مكة (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3596>٢٩ </span>- وقوله: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ﴾ يعنون بالوعد (٦) للعذاب الذي ينزل بهم بعد الموت في قول ابن عباس (٧). وإنما قالوا هذا؛ لأنهم كانوا ينكرون البعث. وقيل: يعنون العذاب النازل بهم في الدنيا. وهو قول\n_________\n(١) انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٥٤.\n(٢) هكذا جاءت العبارة، ولعل المراد يمنع الناس أن يشذوا، كما تفسره العبارة التالية.\n(٣) هذه الكلمة زيادة من (ب)، وليست مثبتة في (أ).\n(٤) (يكون) ساقطة من (ب).\n(٥) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٩٩ ب\n(٦) في (ب): (بالولد)، وهو تصحيف.\n(٧) انظر: \"تفسير ابن عباس\" بهامش المصحف ص٤٣١، وذكره ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٦/ ٤٥٦، ولم ينسب لابن عباس.","vol":"18","page":367},{"text":"الربيع (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3597>٣٠ </span>- فقال الله: ﴿قُلْ لَكُمْ مِيعَادُ يَوْمٍ﴾ الآية. قال ابن عباس: يريد يوم القيامة (٢).\nوقال الضحاك: يوم النزع والسياق. وعلى قول الربيع هو يوم بدر؛ لأن ذلك اليوم كان ميعاد عذابهم في الدنيا (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3598>٣١ </span>- قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يعني: مشركي مكة. ﴿لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ قال ابن عباس والمفسرون: يعني التوراة والإنجيل (٤).\nقال الفراء: لما قال أهل الكتاب صفة محمد -ﷺ- في كتابنا، كفر أهل مكة بكتابهم (٥).\nثم أخبر الله عن حالهم في الآخرة بقوله: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ﴾ قال مقاتل: يعني: مشركي مكة (٦).\n﴿مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ قال ابن عباس: يريد يوم القيامة.\n﴿يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ﴾ قال: يجادل بعضهم بعضًا (٧).\n_________\n(١) لم أقف عليه عن الربيع. وقد ذكره القرطبي ١٤/ ٣٠١ نحو هذا القول، ولم ينسبه.\n(٢) انظر: \"تفسير ابن عباس\" بهامش المصحف ص ٤٣١، ولم أقف عليه منسوبًا لابن عباس عند أحد من المفسرين.\n(٣) انظر: \"الوسيط\" ٣/ ٤٩٥، \"زاد المسير\" ٦/ ٤٥٦.\n(٤) انظر: \"تفسير ابن عباس\" بهامش المصحف ص ٣٤١، وذكره \"تفسير الطبري\" ٢٢/ ٩٧ وعزاه لقتادة، و\"تفسير الماوردي\" ٤/ ٤٥١ وعزاه للسدي.\n(٥) \"معاني القرآن\" ٢/ ٣٦٢.\n(٦) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٩٩ ب.\n(٧) انظر: \"تفسير ابن عباس\" بهامش المصحف ص ٤٣١.","vol":"18","page":368},{"text":"وقال مقاتل: يرد بعضهم على بعض القول (١).\nثم أخبر عن جدالهم وما يجري بينهم فقال: ﴿يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ وهم الأتباع. ﴿لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾ يعني: الذين تكبروا عن الإيمان، وهم الأشراف القادة. ﴿لَوْلَا أَنْتُمْ﴾ معشر الكبراء. ﴿لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ﴾ مصدقين بتوحيد الله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3599>٣٣ </span>- وقوله: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾، قال قتادة: بل مكركم بالليل والنهار (٢).\nوقال الكلبي ومقاتل: بل قولكم لنا بالليل والنهار (٣).\nقال الأخفش: الليل والنهار لا يمكران لأحد، ولكن يمكر فيهما، كقوله (٤): ﴿مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ﴾ [محمد: ١٣] وهذا من سعة العربية (٥).\nوقال المبرد: (أي بل مكركم بالليل والنهار، كما تقول العرب: نهاره صائم وليله قائم، أي: هو قائم في ليله صائم في نهاره.\nوقال جرير:\nلقد لمتنا يا أم غيلان في السرى ... ونمت وما ليل المطي بنائم) (٦) (٧)\n_________\n(١) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٩٩ ب.\n(٢) انظر: \"معاني القرآن\" للنحاس ٥/ ٤١٩ \"تفسير القرطبي\" ١٤/ ٣٠٢.\n(٣) انظر: \"تفسير هود بن محكم\" ٣/ ٤٠١، فقد نسب القول للكلبي، ولم أقف عليه منسوبًا لمقاتل وليس في تفسيره.\n(٤) في (أ): (كقولك)، وهو تصحيف.\n(٥) \"معاني القرآن\" ٢/ ٣٦٣.\n(٦) البيت من الطويل، وهو لجرير في \"ديوانه\" ص ٩٩٣، \"الكتاب\" ١/ ١٦٥، \"لسان العرب\" ٢/ ٤٤٢ (ربح)، \"خزانة الأدب\" ١/ ٤٦٥، ٨/ ٢٠٢.\nوالشاهد فيه: وصف الليل بالنوم اتساعًا ومجازًا.\n(٧) \"الكامل\" ١/ ١٨٨، ٣/ ١١٧٠.","vol":"18","page":369},{"text":"وأنشد سيبويه:\nقيام لي ويحل هي .. (١)\nأي: نمت فيه، ونحو هذا قال الفراء (٢) والزجاج (٣). وذكر في مكر الليل والنهار قولان آخران، كلاهما غير سائغ في اللغة والتأويل فتركتهما، وذكرنا معنى قوله: ﴿وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ﴾ [يونس: ٥٤] (٤).\nقوله: ﴿وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قال ابن عباس: غلو بها في النيران والشركاء، وهم من الشياطين (٥).\nوقوله: ﴿هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ استفهام معناه التوبيخ، والتقدير: إلا جزاء ما كانوا يعملون. قال مقاتل: من الشرك في الدنيا (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3600>٣٤ </span>- وقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ﴾ أي: نبي ينذر أهل تلك القرية ﴿إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا﴾ قال ابن عباس: الملوك وأهل الغنى (٧). وقال\n_________\n(١) هكذا جاء في النسخ! وهو تصحيف، والصواب: فنام ليلي وتقضى همي. وهو رجز لرؤبة في \"ديوانه\" ص ١٤٢، \"المحتسب\" ٢/ ١٨٤.\nوالشاهد فيه قوله: فنام ليلي، يريد نمت في ليلي، فنسب الفعل إلى الليل للملابسة التي بين الشاعر وبيته.\n(٢) \"معاني القرآن\" ٢/ ٣٦٣.\n(٣) انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٥٤.\n(٤) آية ٥٤.\n(٥) لم أقف عليه عن ابن عباس. وانظر: \"القرطبي\" ١٤/ ٣٥٥.\n(٦) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٠٠ أ.\n(٧) لم أقف عليه عن ابن عباس، وذكره أكثر المفسرين. انظر: \"الطبري\" ٢٢/ ٩٩، \"معاني القرآن\" للنحاس ٥/ ٤١٩، \"الماوردي\" ٤/ ٤٥٢.","vol":"18","page":370},{"text":"مقاتل: أغنياؤها وجبابرتها (١). وقال أبو إسحاق: أو (٢) الترفه وهم رؤساؤها (٣). ﴿إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ﴾ وهو التوحيد ﴿كَافِرُونَ﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3601>٣٥ </span>- قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا﴾ قال ابن عباس: يعني مشركي [مكة] (٤)، افتخروا على رسول الله -ﷺ- وعلى المؤمنين بأموالهم وأولادهم، وظنوا أن الله تعالى إنما خولهم بالمال والولد الكرامة لهم عنده فقالوا: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ أي: أن الله قد أحسن إلينا بالمال والولد فلا يعذبنا، فقال ابن عباس (٥): أنكروا البعث والقيامة، فقال الله تعالى لنبيه:\n<span data-type=\"title\" id=toc-3602>٣٦ </span>- ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ يعني: أن بسط الرزق وتضييقه من الله تعالى يفعله ابتلاء وامتحانًا، وليس شيء منه يدل على ما في العواقب، فلا البسط يدل على رضا الله، ولا التضييق يدل على سخطه.\n﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ يعني: أهل مكة. ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ ذلك حيث ظنوا أن أموالهم وأولادهم دليل على كرامة لهم عند الله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3603>٣٧ </span>- ثم صرح بهذا المعنى فقال: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ﴾ قال الفراء: (جعل التي جامعة للأموال والأولاد؛ لأن الأولاد يقع عليها التي وكذلك الأموال، فصلح أن يقع عليهما جميعًا التي، ولو قيل بالتي أو بالذين جاز، كما تقول: أما العسكر والإبل فقد أقبلا، ولو قيل: بالذين،\n_________\n(١) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٠٠ أ.\n(٢) هكذا في النسخ! ولعل الصواب: أولوا، كما في \"معاني القرآن وإعرابه\" للزجاج.\n(٣) انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٥٥\n(٤) ما بين المعقوفين ساقط من (أ).\n(٥) لم أقف عليه. وانظر: \"تفسير القرطبي\" ١٤/ ٣٠٥، \"تفسير الماوردي\" ٤/ ٤٥٢.","vol":"18","page":371},{"text":"يذهب إلى تذكير الأولاد وتغليب بني آدم لجاز، ولو قال: لو وجهت التي إلى الأموال واكتفيت بها من ذكر الأولاد لصلح، كما قال الأسدي (١):\nنحن بما عندك وأنت بما ... عندك راض والرأي مختلف (٢) (٣)\nواختار أبو (٤) إسحاق هذا القول فقال: (المعنى: وما أموالكم بالتي تقربكم، ولا أولادكم بالذين يقربونكم، ولكنه حذف اختصارًا وإيجازًا) (٥).\nقوله تعالى: ﴿تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى﴾ قال ابن عباس: يريد قربي (٦).\n_________\n(١) هو: أبو حسان المراد بن سعيد بن حبيب الفقعسي، نسبته إلى فقعس من بني أسد ابن خزيمة، شاعر إسلامي من شعراء الدولة الأموية، كثير الشعر، وكان مفرط القصر ضئيلا.\nانظر: \"الشعر والشعراء\" ص ٤٤٠، \"معجم الشعراء\" ص ٤٠٨.\nوالبيت من المنسرح، وهو من الأبيات المختلف في نسبتها، فقد نسبها المؤلف -﵀- للأسدي، ينما نسبه سيبويه في \"الكتاب\" ١/ ٧٥ لقيس بن الخطيم، وأورده ابن هشام في \"مغني اللبيب\" ٢/ ٦٢٢ غير منسوب لأحد، وكذا في \"المذكر والمؤنث\" لابن الأنباري ص ٦٧٧، وفي \"المقتضب\" ٣/ ١١٢، ٤/ ٧٣. وقال الاْستاذ: محمد عبد الخالق عظيمة محقق كتاب \"المعتصب\" ٤/ ٧٣: والبيت نسبه إلى قيس بن الخطيم سيبويه، وكذلك فعل الأعلم وصاحب \"معاهد التصيص\" ١/ ١٨٩. و\"صحح البغدادي في الخزانة\" ٢/ ١٨٩ نسبة الشعر إلى عمرو بن امرئ القيس. والقصيدة التي فيها هذا الشاهد في ديوان قيس بن الخطيم، طبع بغداد، ص ٨١. أهـ.\n(٢) في (ب): (يختلف).\n(٣) انظر: \"معاني القرآن\" ٢/ ٣٦٣.\n(٤) في (ب): (ابن)، وهو تصحيف.\n(٥) انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٥٥\n(٦) لم أقف عليه عن ابن عباس. وقد نسبه إلى مجاهد: \"الطبري\" ٢٢/ ١٠٠، \"الماودي\"، ٤/ ٤٥٣، الطبرسي في \"مجمع البيان\" ٨/ ٦١٥.","vol":"18","page":372},{"text":"وقال مقاتل: يعني قربة (١).\nقال الأخفش: زلفى هاهنا اسم المصدر، كأنه أراد بالتي تقربكم عند تقربنا (٢).\nوذكرنا معنى الإزلاف عند قوله: ﴿وَأَزْلَفْنَا﴾ (٣) ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الشعراء: ٩٠]، وقوله ﴿إِلَّا مَنْ آمَنَ﴾ (٤) قال الفراء: إن شئت أوقعت التقريب على من، أي: لا تقرب الأموال إلا من كان مطيعًا (٥). ونحو هذا قال الزجاج، قال: موضع من نصب بالاستثناء على البدل من الكاف والميم، على معنى: ما تقرب الأموال إلا من آمن وعمل بها في طاعة (٦).\nوعلى هذا يجب أن يكون الخطاب في قوله: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ﴾ للمؤمنين والكافرين. والوجه أن يكون قوله: إلا من، استثناء منقطعًا، على تقدير: لكن من آمن وعمل صالحًا. وعلى هذا يدل تفسير ابن عباس، [فإنه] (٧) قال في قوله: إلا من آمن وعمل صالحًا [يريد] أن عمله\n_________\n(١) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٠٠ أ.\n(٢) انظر: \"معاني القرآن\" ٢/ ٤٤٥، وعبارة الأخفش: بالتي تقربكم عندنا إزلافًا.\n(٣) سورة الشعراء: الآية ٦٤. وموضعها بياض في (ب). وقال في هذا الموضع من \"البسيط\": وقال أبو عبيدة: أزلفنا جمعنا، قال: ومن ذلك سميت مزدلفة جمعا. ثم قال: والزلف الفازل والمراقي؛ لأنها تدني المسافر والراقي إلى حيث يقصده، ومنه قوله: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾.\n(٤) موضع (إلا) بياض في (ب).\n(٥) \"معاني القرآن\" ٢/ ٣٦٣.\n(٦) انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٥٥.\n(٧) ما بين المعقوفين بياض في (ب).","vol":"18","page":373},{"text":"وإيمانه يقر [بأنه] مني (١). ولم يفسر بان أمواله وأولاده تقربه حتى يكون مستثنى من الخطاب الأول.\nوقوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا﴾ قال ابن عباس: يريد يضعف الله لهم حسناتهم (٢).\nوقال مقاتل: يجزي بالحسنة الواحدة عشرًا فصاعدًا (٣) وقال أبو إسحاق: (جزاء الضعف هاهنا عشر حسنات، تأويله: فأولئك لهم جزاء الضعف الذي قد أعلمناكم مقداره، وهو من قوله: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠]) (٤).\nوقال ابن قتيبة: لم يرد أنهم يجازون على الواحدة بواحدة مثله ولا [اثنين] (٥)، كيف هذا والله يقول: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠] ولكنه أراد لهم جزاء الضعف، أي: التضعيف، وجزاء التضعيف الزيادة، أي: لهم جزاء الزيادة. قال: ويجوز أن يجعل الضعف في معنى الجميع (٦)، أي: جزاء الأضعاف، ونحوه ﴿عَذَابًا ضِعْفًا فِي النَّارِ﴾ [ص: ٦١]) (٧). وقد مر تفسير الضعف عند قوله: ﴿عَذَابًا ضِعْفًا﴾ (٨)، وتأويل\n_________\n(١) انظر: \"تفسير ابن عباس\" بهامش المصحف ص ٤٣٢.\n(٢) لم أقف عليه.\n(٣) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٠٠/ أ.\n(٤) انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٥٥.\n(٥) ما بين المعقوفين غير واضح في جميع النسخ، والتصحيح من تفسير غريب القرآن لابن قتيبة.\n(٦) في (ب): (الجمع).\n(٧) \"تفسير غريب القرآن\" ص ٣٥٧ - ٣٥٨.\n(٨) سورة الأعراف: الآية ٣٨.","vol":"18","page":374},{"text":"قوله: ﴿جَزَاءُ الضِّعْفِ﴾ وهو أن يجازي بالواحد (١) عشر إلى ما زاد، فمعنى إضافة الجزاء إلى الضعف وهو الجزاء، كإضافة الشيء إلى نفسه إذا اختلف اللفظ، ويضمر المضاف إليه زيادة معنى نحو: حق اليقين، وصلاة الأولى. ﴿بِمَا عَمِلُوا﴾ أي: من الخير في الدنيا.\n﴿وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ﴾ يعني: غرف الجنة آمنون من الموت. قاله مقاتل (٢).\nوقال ابن عباس: يريد غرفا من ياقوت ودر وزبرجد آمنون من الموت والعذاب (٣).\n(وقرأ حمزة: في الغرفة، على واحدة؛ لقوله: ﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا﴾ [الفرقان: ٧٥]. فكما أن الغرفة، يراد بها الكثرة والجمع، كذلك قوله ﴿وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ﴾ يراد بها الكثرة واسم الجنس، وحجة الجمع قوله: ﴿لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ﴾ [الزمر: ٢٠]، وقوله: ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا﴾ [العنكبوت: ٥٨]. وكما أن غرفا جمع كذلك الغرفات ينبغي أن تجمع، والجمع بالألف والتاء قد تكون للكثرة كقوله: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥]، وقول آخر:\nلنا الجفنات الغر (٤)\n_________\n(١) في (ب): (بالواحدة).\n(٢) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٠٠ أ.\n(٣) انظر: \"القرطبي\" ١٤/ ٣٠٦.\n(٤) جزء من بيت، وتمامه:\nلنا الجفنات الغر يلمعن بالضحى ... وأسيافنا يقطرن من نجدة دما\nوالبيت من الطويل، وهو لحسان بن ثابت في \"ديوانه\" ص ١٣١، \"الكتاب\" =","vol":"18","page":375},{"text":"فهذا لا يريد إلا الكثرة؛ لأن ما عداها لا يكون موضع افتخار (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3604>٣٩ </span>- قوله: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾، وروى أبو عبد عن اليزيدي: أخلف الله لك (٢). وروى سلمة عن الفراء قال: سمعت: أخلف الله عليك، ويقال: أخلف الله لك، أي: أبدل الله لك ما ذهب (٣). ويقال: قد أخلف الشجر إخلافًا، وذلك إذا أخرج ورقًا بعد ورق قد تناثر، والآية مختصرة، لأن المعنى فهو يخلفه لكم أو عليكم. قال سعيد بن جبير: وما أنفقتم من شيء في غير الإسراف ولا تقتير فهو يخلفه (٤).\nوقال الكلبي: ما تصدقتم وانفقتم في الخير والبر من نفقة فهو يخلفه، إما أن يعجله في الدنيا وإما أن يدخره له في الآخرة. وروى جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله -ﷺ-: \"كل معروف صدقه وما أنفق المؤمن من نفقة فعلى الله خلفه ضامنًا إلا ما كان من نفقة في [بنيان] (٥) أو معصية\" (٦). وقد\n_________\n= ٣/ ٥٧٨، \"لسان العرب\" ١٤/ ١٣٦ (جدًا)، \"المحتسب\" ١/ ١٨٧، \"خزانة الأدب\" ٨/ ١٠٦، ١٠٧، ١١٠، ١١٦.\nوالغر: الأبيض، جمع غراء، يريد بياض الشحم، يقول: جفاننا معدة للضيفان ومساكين الحي بالغداة، وسيوفنا تقطر بالدم لنجدتنا وكثرة حروبنا.\nوالشاهد فيه: جمع جفنة على جفنات مع أنها للقلة مرادًا بها جمع الكثرة. \"الكتاب\" ٣/ ٥٧٨.\n(١) إلى هنا انتهى النقل من الحجة من قوله: وقرأ حمزة. \"الحجة\" ٦/ ٢٢.\n(٢) انظر: \"تهذيب اللغة\" ٧/ ٤٠٣ (خلف).\n(٣) انظر: \"تهذيب اللغة\" ٧/ ٣٩٦ مادة: (خلف).\n(٤) انظر: \"الطبري\" ٢٢/ ١٠١، وأورده السيوطي في \"الدر\" ٦/ ٧٠٦ وزاد نسبته لابن أبي شيبة وعبد ابن حميد، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٦/ ٤٦١.\n(٥) انظر: \"زاد المسير\" ٦/ ٤٦١.\n(٦) ما بين المعقوفين غير واضح في جميع النسخ، والتصحيح من الدر ومجمع البيان.","vol":"18","page":376},{"text":"بان بقول هؤلاء أن الآية ليست على ظاهرها من حيث أن كل منفق يستحق خلفًا عاجلًا، بل هو للمقتصدين والمتصدقين، ثم قد يكون عاجلًا في الدنيا ويكون مدخرًا في الآخرة، وقد قال مجاهد في هذه الآية: فإن الرزق مقسوم، فلعل رزقه قليل وهو ينفقه نفقة الموسع عليه (١)، وربما أنفق الإنسان ما له في الخير ثم لم يزل عائلا حتى يموت. وهذا يؤكد ما قدمنا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3605>٤٠ </span>- وقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا﴾ قال ابن عباس: يريد المشركين (٢). وقال مقاتل: يعني الملائكة ومن عبدها (٣).\n﴿يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ﴾ معنى هذا الاستفهام كالذي في قوله لعيسى: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي﴾ (٤) الآية، وهو استفهام توبيخ للعابدين، فنزهت الملائكة ربها عن الشرك وتبرأوا منهم، وهو قوله:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3606>٤١ </span>- ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ﴾ تنزيها لك ما أضافوه إليك من الشركاء والمعبودين.\n﴿أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ﴾ قال ابن عباس: ما اتخذناهم عابدين ولا توليناهم، ولسنا نريد غيرك وليا (٥). ﴿بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ﴾ قال قتادة:\n_________\n(١) انظر: \"مجمع البيان\" ٨/ ٦١٦، وأورده السيوطي في \"الدر\" وعزاه لابن عدي والبيهقي.\n(٢) أورده السيوطي في \"الدر\" ٦/ ٧٠٦، وعزاه لعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(٣) لم أقف عليه.\n(٤) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٠٠ أ.\n(٥) انظر: \"الوسيط\" ٣/ ٤٩٧، وأورده ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٦/ ٤٦٣، ولم ينسبه لأحد.","vol":"18","page":377},{"text":"يعني الشياطين (١). وقال مقاتل: بل أطاعوا الشيطان (٢) في عبادتهم إيانا (٣). ﴿أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ يعني: المصدقين بالشياطين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3607>٤٢ </span>- ثم يقول الله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ﴾ يعني: الآخرة. ﴿لَا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ﴾ يعني: العابدين والمعبودين. ﴿وَلَا ضَرًّا﴾ أي: نفعا بالشفاعة، ولا ضرًا بالتعذيب، يريد أنهم عاجزين (٤) لا نفع عندهم ولا ضر، وإنما يملكهم الله تعالى. وقال مقاتل: لا تملك الملائكة ولا تقدر أن تدفع عند سوءًا إذا عبدوهم (٥). وعلى هذا يكون التقدير: ولا دفع ضر، فحذف المضاف. ثم أخبر عنهم أنهم يكذبون بمحمد والقرآن، ويسمون القرآن إفكًا وسحرًا، وهو قوله: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾.\n<span data-type=\"title\" id=toc-3608>٤٤ </span>- ثم أخبر أنهم لم يقولوا ذلك عن بينة، ولم يكذبوا محمدًا عن ثبت عندهم، وهو قوله: ﴿وَمَا آتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ﴾ قال قتادة: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ﴾ قال قتادة:] (٦) ما أنزل على العرب كتابًا قبل القرآن، ولا بعث إليهم نبيًا قبل محمد -ﷺ- (٧).\nونحو هذا قال ابن عباس والكلبي (٨).\n_________\n(١) لم أقف عليه.\n(٢) في (ب): (الشياطين).\n(٣) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٠٠ أ.\n(٤) هكذا في النسخ! وهو خطأ، والصواب: عاجزون.\n(٥) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٠ ب.\n(٦) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).\n(٧) انظر: \"الطبري\" ٢٢/ ١٠٣، \"زاد المسير\" ٦/ ٤٦٣، \"الوسيط\" ٣/ ٤٩٨.\n(٨) انظر: \"تفسير ابن عباس\" بهامش المصحف ص ٤٣٣.","vol":"18","page":378},{"text":"قال الفراء: أي من أين كذبوا بك ولم يأتهم كتاب ولا نذير بهذا الذي فعلوه (١).\nوقال مقاتل: يقول ما أعطيناهم كتابًا بأن مع الله شريكًا، ولا أرسلنا إليهم رسولًا بذلك (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3609>٤٥ </span>- ثم خوفهم وأخبر عن عاقبة من كان قبلهم من المكذبين فقال: ﴿وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ يعني: الأمم الكافرة.\n﴿وَمَا بَلَغُوا﴾ يعني: أهل مكة في قوله الجميع. ﴿مِعْشَارَ مَا آتَيْنَاهُمْ﴾] (٣) المعشار والعشير والعشر جزء من العشرة. [قال المفضل] (٤): لم يرد في العدد مفعال إلا هذا، والمرباع الربع (٥) (٦)، وأنشد:\nلك المرباع منها والصفايا (٧)\nوالمعشار والعشر في قول الجميع. قال ابن عباس: يقول: وما بلغوا قومك معشار ما آتينا (٨) من قبلهم، من القوة وكثرة المال وطول العمر\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" ٢/ ٣٦٤.\n(٢) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٠٠ ب.\n(٣) ما بين المعقوفين بياض في (ب).\n(٤) ما بين المعقوفين بياض في (ب).\n(٥) في (ب): (الرفع).\n(٦) لم أقف على هذا القول عن المفضل، وقد ذكره ابن منظور في \"اللسان\" ٨/ ١٠١ (ربع) عن قطرب، وكذا الزبيدي في \"تاج العروس\" ٢١/ ٣١ (ربع).\n(٧) صدر بيت، وعجزه:\nوحكمك والنشيطة والفضول\nوهو من الوافر، لعبد الله بن عنمة الضبي في: \"الأصمعيات\" ص ٣٧، \"تهذيب اللغة\" ٢/ ٣٦٩، ١١/ ٣١٤، ١٢/ ٤١، ٢٤٩، \"لسان العرب\" ١١/ ٥٢٦ (فضل)، ١٤/ ٤٦٢ (صفا)، \"تاج العروس\" ٢١/ ٢٠ (نشط).\n(٨) في (أ): (آتيناهم).","vol":"18","page":379},{"text":"وعمران الأرض (١).\nوقال قتادة: ما بلغوا هؤلاء معشار ما أتوا (٢) أولئك من القوة والجلد، فأهلكهم الله وهم أقوى وأجلد (٣). وهو قوله تعالى: ﴿فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ قال ابن عباس: يقول كيف رأيت ما صنعت بالمكذبين (٤).\nوقال مقاتل: فكيف كان نكير يعني: تغييري أليس وجدوه حقًّا، يعني: العذاب، يحذر أهل مكة مثل عذاب الذين كانوا أشد منهم قوة (٥). والنكير اسم بمعنى الإنكار. قال أبو عبيدة: نكيري: عقوبتي (٦) [وعناي] (٧).\nقال الزجاج: وحذفت الياء لأنه آخر آية (٨).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3610>٤٦ </span>- وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ﴾ أي: آمركم وأوصيكم، أمر الله نبيه -ﷺ- قال الزجاج: [أمره] (٩) أن يقول لقومه: ﴿إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ﴾ (١٠)\n_________\n(١) انظر: \"الطبري\" ٢٢/ ١٠٣ - ١٠٤، \"مجمع البيان\" ٨/ ٦١٨، \"زاد المسير\" ٦/ ٤٦٤، وعزاه للجمهور.\n(٢) هكذا في (أ)، وهي بياض في (ب)، والصواب: ما أوتي.\n(٣) انظر: \"المصادر السابقة، \"معاني القرآن\" للنحاس ٥/ ٤٢٢.\n(٤) لم أقف عليه.\n(٥) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٠٠ أ.\n(٦) \"مجاز القرآن\" ٢/ ١٥٠.\n(٧) ما بين المعقوفين يظهر أنها زيادة من النساخ. إذ لا معنى لها.\n(٨) انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٥٦.\n(٩) ما بين المعقوفين ساقط من (أ).\n(١٠) المصدر السابق.","vol":"18","page":380},{"text":"قال مجاهد: لا إله إلا الله (١). وروي ذلك عن ابن عباس (٢).\nوروى ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: بطاعة الله (٣).\nوقال مقاتل: بكلمة واحدة الإخلاص (٤).\nوقال أبو إسحاق: والطاعة تتضمن التوحيد والإخلاص، أي: فأنا أعظكم بهذه الخصلة الواحدة (٥).\nوقوله تعالى: ﴿أَنْ تَقُومُوا﴾ يصلح أن يكون محل (أن) خفضًا على البدل من واحدة، ويصلح أن يكون نصبًا، على تقدير: لأن تقوموا، فحذفت اللام، وهو قول الزجاج (٦). ويصلح أن يكون رفعا بتقدير: هي أن تقوموا لله مثنى وفرادى، تقوموا منفردين ومجتمعين ثم تتفكروا، أي: الواحدة التي أعظكم بها قيامكم وتشمركم لطلب الحق بالفكرة مجتمعين ومنفردين (٧). وتم الكلام عند قوله: ﴿ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا﴾ لتعلموا صحة ما أمرتكم به. قال مقاتل: يقول: ألا يتفكر الرجل منكم وحده ومع صاحبه، فينظر أن في خلق السموات والأرض دليلًا على أن خالقها واحد لا شريك له (٨).\n_________\n(١) انظر: \"زاد المسير\" ٦/ ٤٦٤، \"القرطبي\" ١٤/ ٣١١. وأورده السيوطي في \"الدر\" ٦/ ٧١٠ وعزاه للفريابي وعبد بن حميد.\n(٢) \"تفسير ابن عباس\" بهامش المصحف ص ٤٣٣.\n(٣) انظر: \"تفسير مجاهد\" ص ٥٢٨، \"الطبري\" ٢٢/ ١٠٤، \"الماوردي\" ٤/ ٤٥٥، \"زاد المسير\" ٦/ ٤٦٥.\n(٤) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٠٠ ب.\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٥٦.\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٥٧.\n(٧) \"إملاء ما من به الرحمن\" ٢/ ١٩٨، \"البحر المحيط\" ٨/ ٥٦٠.\n(٨) \"تفسير مقاتل\" ١٠٠/ ب.","vol":"18","page":381},{"text":"ثم ابتدأ فقال: ﴿مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾ هذا معنى قول المفسرين في هذه الآية. وأما أصحاب المعاني فإنهم جعلوا الآية متصلة. قال الفراء: أي يكفيني أن يقوم الرجل منكم وحده أو هو وغيره، ثم تتفكروا هل جربتم على محمد كذبًا أو رأيتم به جنونًا، ففي ذلك ما يتيقنون به أنه بني (١).\nوقال أبو إسحاق: المعنى: ثم تتفكروا فتعلموا أن النبي -ﷺ- ما هو بمجنون كما يقولون (٢) (٣). وعلى هذا الآية نظمها منفصل، ومعنى قوله. بواحدة، أي: بخصلة واحدة، وهو معنى قول الفراء: يكفيني أن يقوم الرجل منكم وحده أو هو وغيره.\nوشرح ابن قتيبة الآية على هذا المعنى شرحًا شافيًا فقال: (تأويله أن المشركين قالوا: إن محمدًا مجنون وساحر وأشباه هذا، فقال الله لنبيه -ﷺ-: قل لهم: اعتبروا أمري بواحدة، وهي أن تنصحوا لأنفسكم ولا يميل بكم هوى عن الحق، فتقوموا لله وفي ذاته مقامًا يخلو فيه الرجل بصاحبه فيقول له: هلم فلنتصادق هل بهذا الرجل جنة قط أو جربنا عليه كذبًا؟ وهذا موضع قيامهم مثنى، ثم ينفرد كل واحد عن صاحبه فيتفكر وينظر ويعتبر (فهذا موضع فرادى، [فإن] (٤) في ذلك ما دلهم على أنه نذير، وكل من يخبر في أمر قد) (٥) اشتبه عليه [واستبهم] (٦) أخرجه من الحيرة فيه: أن\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" ٢/ ٢٦٣\n(٢) في (أ): (يقولون)، وهو تصحيف.\n(٣) انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٥٧.\n(٤) ما بين المعقوفين بياض في (ب).\n(٥) ما بين القوسين مكرر في (أ).\n(٦) ما بين المعقوفين بياض في (ب).","vol":"18","page":382},{"text":"يسأل ويناظر، ثم يتفكر ويعتبر انتهى كلامه) (١). ومعنى القيام [هاهنا] (٢) التجرد والانكماش لطلب الحق، كما يقال: قام فلان بهذا الأمر، إذا تجرد [لكفايته] (٣). ونظير هذه الآية في اللفظ والمعنى قوله في سورة الأعراف: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ (٤) وقد مر الكلام فيه.\nوالقراء أيضًا مختلفون في الوقف على قوله: ﴿وَاحِدَةٍ﴾، وكان نافع يرى الوقف عندها، وغيره لا يرى ذلك. وكذلك قوله ثم تتفكروا، كان أبو حاتم يقول: هو تمام، وهو على المذهب (٥) الأول في تفسير الآية (٦).\nقوله: ﴿بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ قال ابن عباس: يريد بين يدي القيامة (٧). وقال مقاتل: بين يدي عذاب شديد في الآخرة (٨).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3611>٤٧ </span>- وقوله: ﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ﴾، قال أبو إسحاق: (معناه ما سألتكم من أجر على الرسالة التي أؤديها إليكم ﴿فَهُوَ لَكُمْ﴾ وتأويله أي: لست أجر إلى نفسي عرضًا من أعراض الدنيا ﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ﴾ أي: أني إنما أطلب ثواب الله بتأدية الرسالة) (٩).\n_________\n(١) \"تأويل مشكل القرآن\" ص ٣١٢ - ٣١٣.\n(٢) ما بين المعقوفين بياض في (ب).\n(٣) ما بين المعقوفين بياض في (ب).\n(٤) آية ١٨٤.\n(٥) في (أ): (مذهب)، وهو تصحيف.\n(٦) انظر: \"القطع والإئتناف\" ص ٣٤٥، \"منار الهدى في الوقف والابتداء\" ص ٢٢٧.\n(٧) انظر: \"تفسير ابن عباس\" بهامش المصحف ص ٤٣٣.\n(٨) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٠٠ ب.\n(٩) انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٥٧.","vol":"18","page":383},{"text":"[أجرًا فتتهموني بذلك] (١). ومعنى ﴿مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ﴾ أي: لم أسألكم شيئًا، كما يقول القائل: مالي في هذا فقد وهبت لك، يريد ليس فيه شيء.\nوذكر الكلبي ومقاتل ما دل على أنه كان قد سألهم شيئًا ثم تركه لهم كما يقتضي ظاهر اللفظ، وهو أنهما قالا: إنه سألهم أن لا يؤذوا قرابته فانتهوا عن ذلك، ثم سمعوه يعيب آلهتهم فقالوا: نهانا أن لا نؤذي (٢) قرابته ففعلنا، وهو يذكر آلهتنا ويعيبها، فأكثروا في ذلك فنزل (٣) ﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ﴾ أي: إن شئتم فآذوهم وإن شئتم فلا توْذوهم. وعلى هذا الأجر الذي سألهم هو الكف عن أقاربه، ثم تركه لهم؛ لقوله: ﴿فَهُوَ لَكُمْ﴾. والقول الأول أصح؛ لأنه وإن سألهم الكف عن أقاربه، فليس ذلك بأجر على تبليغ الرسالة.\nوقوله تعالى: ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ قال ابن عباس: يريد لم يغب عنه شيء (٤). وقال مقاتل: شهيد باني نذير وما بي جنون (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3612>٤٨ </span>- وقوله تعالى ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ قال الليث: القذف: الرمي بالسهم (٦) والحصى والكلام وكل شيء، حتى يقال: قذفت\n_________\n(١) ما بين المعقوفين يظهر أنه كلام زائد.\n(٢) في (أ): (يؤدي)، وهو تصحيف.\n(٣) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٠٠ ب، ولم أقف عليه عن الكلبي، وقد ذكره السمرقندي في \"بحر العلوم\" ٣/ ٧٧، والطبرسي في \"مجمع البيان\" ٨/ ٦٢٠ بدون نسبة.\n(٤) انظر: \"الوسيط\" ٣/ ٤٩٩.\n(٥) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٠١ أ.\n(٦) في (أ): (بألسنتهم).","vol":"18","page":384},{"text":"الناقة باللحم، أي: رميت به فأكثرت منه (١). وقول النابعة:\nمقذوفة بدخص النحض بازلها (٢)\nومن القذف الذي هو الرمي بالكلام قوله تعالى: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ﴾ (٣) وقد مر. قال ابن عباس: يقذف بالحق يريد: يدفع الباطل بالحق (٤). وعلى هذا التقدير: يقذف الباطل بالحق. وقال مقاتل: نتكلم بالوحي (٥).\nوقال الكلبي: يرمي (٦) بالحق ننزل الوحي من السماء (٧). وهو اختيار\n_________\n(١) انظر: \"تهذيب اللغة\" ٩/ ٧٤ (قذف)، وفيه: فاكتنزت منه.\n(٢) صدر بيت، هكذا أثبت في النسخ، وهو تصحيف، والبيت هو:\nمقذوفة بدخيس النحض بأزلها ... له حريف صريف القعو بالمسد\nوهو من البسيط، للنابغة الذبياني في \"ديوانه\" ص ١٦، \"تهذيب اللغة\" ٩/ ٧٤، \"للسان\" ٩/ ٢٧٧ (قذف)، ١١/ ٥٢ (بزل)، ١٥/ ١٩١ (قعا)، \"الكامل\" ٣/ ٨٤٤، \"الكتاب\" ١/ ٣٥٥.\nومعنى البيت: يصف ناقة بالقوة والنشاط، فيقول: كأنما قذفت باللحم لتراكمه عليها، والنحض هو اللحم، ودخيسة ما تداخل منه وتراكب، والبازل: السن تخرج عند بزول الناقة وذلك في التاسع من عمرها، والصريف: صوت أنيابها إذا حكت بعضها ببعض نشاطا، والقعو: ما تدور عليه البكرة إذا كان من خشب. \"الكتاب\" ١/ ٣٥٥.\n(٣) سورة الأنبياء: الآية ١٨.\n(٤) انظر: القرطبي ١٤/ ٣١٢.\n(٥) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٠١ أ.\n(٦) في (ب): (نرمي)، وهو تصحيف.\n(٧) انظر: \"الوسيط\" ٣/ ٤٩٩، وبعض المفسرين ذكروا هذا القول عن قتادة. انظر: \"تفسير الماوردي\" ٤/ ٤٥٧، \"مجمع البيان\" ٨/ ٦٢٠، \"القرطبي\" ١٤/ ٣١٢.","vol":"18","page":385},{"text":"ابن قتيبة قال: يلقيه إلى أنبيائه (١).\nوقوله: ﴿عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾، قال الفراء: (الوجه الرفع؛ لأن النعت إذا جاء بعد الخبر رفعته العرب في أن يقول (٢): إن أخاك قائم الظريف، ومثله قوله: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ﴾ [ص: ٦٤]) (٣). وقال أبو إسحاق: (ورفعه على وجهين: أحدهما: أن يكون صفة على موضع: إن ربي يقذف هو بالحق علام الغيوب) (٤). قال ابن عباس: علم ما غاب عن خلقه في السموات والأرض (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3613>٤٩ </span>- وقوله: ﴿قُلْ جَاءَ الْحَقُّ﴾ قال ابن عباس: يريد الدين والإيمان (٦). وقال مقاتل: يعني الإسلام (٧). وقيل: القرآن (٨).\nوقال أبو إسحاق: جاء أمر الله الذي هو الحق (٩). ﴿وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ﴾ أي: ذهب ذهابًا كليًا وزهق فلم يبق له بقية، ويقال: لكل ذاهب ما يبدي وما يعيد، ومنه قول عبيد:\n_________\n(١) \"تفسير غريب القرآن\" ص ٣٥٨.\n(٢) هكذا في النسخ! ولعل الصواب: كما هو عند الفراء: يقولون.\n(٣) \"معاني القرآن\" ٢/ ٣٦٤.\n(٤) انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٥٧.\n(٥) انظر: \"تفسير ابن عباس\" بهامش المصحف ص ٤٣٣.\n(٦) لم أقف عليه.\n(٧) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٠١ أ.\n(٨) ونسب هذا القول لقتادة. انظر: \"تفسير الطبري\" ٢٢/ ١٠٦، \"تفسير الماوردي\" ٤/ ٤٥٧.\n(٩) انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٥٨.","vol":"18","page":386},{"text":"فاليوم لا يبدئ ولا يعيد (١)\nوهذا معنى قول ابن عباس: يريد إقبال الباطل وإدباره (٢).\nوقال قتادة: الباطل: السلطان (٣)، ما يبدئ (٤) وما يعيد، أي (٥): ما خلق ابتداء ويبعث (٦). وهو قول مقاتل والكلبي (٧).\nوقال الحسن: الباطل كل معبود من دون الله، بقول ما يبدي لأهله خيرًا في الدنيا وما يعيده في الآخرة (٨).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3614>٥٠ </span>- وقوله: ﴿قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ﴾ قال مقاتل: إن كفار قريش قالوا للنبي -ﷺ-: لقد ضللت حين تركت دين آبائك، فقال الله: ﴿قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ﴾ كما تزعمون فإنما أضل على نفسي، أي: إثم ضلالتي على نفسي (٩). ﴿وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي﴾ من الحكمة والبيان. ﴿إِنَّهُ سَمِيعٌ﴾ الدعاء ﴿قَرِيبٌ﴾ مني. قاله ابن عباس (١٠).\n_________\n(١) عجز بيت، وصدره:\nأقفر من أهله عبيد\nوهو من البسيط لعبيد بن الأبرص في \"ديوانه\" ص ٤٥ \"الشعر والشعراء\" ص ١٤٤، \"شعراء النصرانية\" ٤/ ٦٠١، \"اللسان\" ٥/ ١١٠، كتاب \"العين\" ٥/ ١٥١.\n(٢) لم أقف عليه.\n(٣) هكذا في النسخ! وهو تصحيف، والصواب: الشيطان.\n(٤) (يبدي) مكررة في (ب).\n(٥) (أي) ساقطة من (ب).\n(٦) انظر: \"الوسيط\" (٣/ ٤٩٩)، \"القرطبي\" ١٤/ ٣١٣، \"معاني القرآن\" للنحاس ٥/ ٤٢٥.\n(٧) انظر \"تفسير مقاتل\" ١٠١/ أ، \"الوسيط\" ٣/ ٤٩٩.\n(٨) انظر: \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٢٢٢ ب\n(٩) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٠١ أ.\n(١٠) لم أقف عليه عن ابن عباس. انظر: \"القرطبي\" ١٤/ ٣١٤.","vol":"18","page":387},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3615>٥١ </span>- وقوله: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا﴾ قال ابن عباس: يريد حتى بهتوا (١).\n﴿فَلَا فَوْتَ﴾ يقول: لا يفوتني أحد ولا ينجو مني ظالم. ومذهب أكثر أهل التفسير أن هذا الفزع لهم عند البعث، وهو اختيار أبي إسحاق قال: هذا في وقت بعثهم (٢). وهو قوله: ﴿وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ﴾ يعني: القبور. وذهب آخرون إلى أن هذا الفزع لهم في القيامة. وهو مذهب الحسن وابن معقل (٣) وبلال بن سعد (٤)، قال بلال: إن الناس يوم القيامة حوله، وهو قوله: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ﴾ قال ابن معقل (٥): أفزعهم يوم القيامة فلم يفرقوا.\n_________\n(١) انظر: \"القرطبي\" ١٤/ ٣١٤، \"زاد المسير\" ٦/ ٤٦٧.\n(٢) انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٥٨.\n(٣) انظر: قول ابن معقل والحسن في كل من: \"الطبري\" ٢٢/ ١٠٨، \"الدر المنثور\" ٦/ ٧١٢. وذكره ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٦/ ٤٦٧، ونسبه للأكثرين.\n(٤) هو: أبو عمرو، وقيل: أبو زرعة بلال بن سعد بن تميم الأشعري، وقيل: الكندي الدمشقي، شيخ أهل دمشق في زمانه، تابعي جليل، وكانت لأبيه سعد صحبة، روى عن أبيه سعد وعن جابر بن عبد الله وأبي الدرداء وغيرهم. وروى عنه خلق كثير، وكان واعظًا بليغًا عابدًا مجتهدًا، توفي ﵀ سنة نيف وعشرة ومائة. انظر: \"تهذيب تاريخ دمشق\" ٣/ ٣١٨، \"تهذيب الكمال\" ٤/ ٢٩٠، \"سير أعلام النبلاء\" ٩٠/ ٥.\n(٥) هو: أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن محمد بن محفوظ بن معقل النيسابوري، شيخ محتشم، وكان أحد المجتهدين في العبادة، سمع أبا بكر بن خزيمة وأبا العباس بن السراج، وروى عنه الحاكم، توفي ﵀ في ربيع الأول سنة ٣٨١ هـ.\nانظر: \"تهذيب تاريخ دمشق\" ٣/ ٣١٨، \"تهذيب الكمال\" ٤/ ٢٩٠، \"سير أعلام النبلاء\" ٥/ ٩٠.","vol":"18","page":388},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ﴾ قال ابن عباس وأكتر المفسرين: يريد من تحت أقدامهم (١).\nوقال آخرون: من حيث كانوا؛ لأنهم حيث كانوا فهم من الله قريب، لا يبعدون عنه ولا يفوتونه (٢).\nوقال أبو إسحاق: وجواب لو محذوف، المعنى: لو ترى ذلك لرأيت ما تعتبر به عبرة عظيمة (٣).\nوقال صاحب النظم: قوله: ﴿فَلَا فَوْتَ﴾ منظوم بما بعده، وهو قوله: ﴿وَأُخِذُوا﴾ والتقدير: ولو ترى إذ فزعوا وأخذوا من مكان قريب فلا فوت، أي: فلا يفوتون.\nوقال الزجاج: أي فلا فوت لهم، لا يمكنهم أن يفوتوا (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3616>٥٢ </span>- وقوله: ﴿وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ﴾ قال مقاتل: بالقرآن (٥). وقال غيره: بمحمد -ﷺ- (٦).\n﴿وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ﴾ قال أبو إسحاق: (التناوش: التناول، أي: وكيف لهم أن يتناولوا ما كان مبذولًا لهم، وهو الإيمان والتوبة، وكان قريبًا\n_________\n(١) انظر: \"تفسير الماوردي\" ٤/ ٤٥٨ ونسبه لمجاهد، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٦/ ٤٦٩ ونسبه لمقاتل.\n(٢) انظر: \"تفسير الطبري\" ٢٢/ ١٠٩، \"تفسير الماوردي\" ٤/ ٤٥٨، \"معاني القرآن\" للنحاس ٥/ ٤٢٦.\n(٣) لم أقف على قول الزجاج، وليس هو في \"معاني القرآن\" له.\n(٤) انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٥٨\n(٥) لم أقف عليه عن مقاتل، وليس في \"تفسيره\".\n(٦) وبه قال قتادة. انظر: \"تفسير القرطبي\" ١٤/ ٣١٥، \"زاد المسير\" ٦/ ٤٦٩.","vol":"18","page":389},{"text":"منهم، وكيف يتناولونه حين بعد عنهم، ومن همز فلأن واو التناوش مضمومة وكل واو مضمومة ضمتها لازمة جاز إبدال الهمزة منها، نحو: أدور وتقاوم، قال: يجوز أن يكون التناوش من النئيش، وهو الحركة في الإبطاء والمعنى: من أين لهم أن يتحركوا فيما لا حيلة لهم فيه) (١).\nوقال الفراء: (هما متقاربان، مثل: ذمت الرجل وذأمته، إذا عبته) (٢). وقال أبو علي: المعنى كيف (٣) يتناولونه من بعد، وهم لم يتناولونه من قرب في حين الاختيار والانتفاع بالإيمان، والتناوش: التناول من: نشت تنوش، قال:\nتنوش البرير حين نال اهتصارها (٤)\nوقال: وهي تنوش الحوض نوشًا من علا فمن علا (٥).\n_________\n(١) انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٥٩.\n(٢) \"معاني القرآن\" ٢/ ٣٦٥.\n(٣) في (ب): (وكيف).\n(٤) عجز بيت هكذا جاء في النسخ، وهو تصحيف، والبيت هو:\nفما أم خسف بالعلاية شادن ... تنوش البرير حيث طاب اهتصارها\nوهو من الطويل، لأبي ذؤيب الهذلي في \"شرح أشعر الهذلين\" ١/ ٧١، \"لسان العرب\" ٦/ ٣٦٢ (نوش)، ١٥/ ٩٢ (علا)، \"تاج العروس\" ١٧/ ٤٣١ (نوش).\nومعنى البيت: العلاية: موضع، وفارد: تروى شادن ومشدن، والمعنى توي وتحرك، وتنوش: أي تتنا ول، والبرير: ثمر الأراك، واهتصارها: جذبها غصن الأراك وكسرها إياه. \"شرح أشعار الهذليين\" ١/ ٧١.\n(٥) صدر بيت من الرجز لغيلان بن حريث، وعجزه:\nنوشأ به تقطع أجواز الفلا\nوصدره جاء في جميع النسخ كما أثبته، والصحيح: وهي تنوش الحوض نوشًا من علا.\nانظره منسوبًا إليه في: \"مجاز القرآن\" ٢/ ١٥٠، \"اللسان\" ٦/ ٣٦٢، \"تاج العروس\" =","vol":"18","page":390},{"text":"فمن لم يهمز جعله تفاعلًا من النوش الذي هو التناول، ومن همز احتمل أمرين: أحدهما: أنه أبدل من الواو الهمزة لانضمامها مثل: أقتت وأدؤر، والآخر: أن يكون من النأش، وهو التطلب (١)، والهمزة منه عين، قال رؤبة:\nأقحمني جار أبي الخاموش ... إليك نأش القدر النئوش\nوهذا القول الثاني هو قول أبي عبيدة (٢). وذكر بيت رؤبة وفسره: وتطلب القدر.\nقال ابن عباس: يريد تناول التوبة يومئذ لا يقبل (٣).\nوقال قتادة: أني لهم أن يتناولوا التوبة (٤).\nروي عن ابن عباس في تفسير هذه الآية أنه قال: يسألون الرد وليس بحين رد (٥). وهذا معنى وليس بتفسير.\n_________\n= ١٧/ ٤٣١، \"الكتاب\" ٣/ ٤٥٣، \"الطبري\" ٢٢/ ١١٠، \"القرطبي\" ١٤/ ٣١٦. ولم أقف لقائل البيت غيلان بن حريث الربعي على ترجمة.\nومعنى البيت: يصف إبلًا وردت حوضًا وتناولت ما فيه تناولًا من فوق، والأجواز: جمع جوز، وهو الوسيط.\n(١) هكذا في النسخ! وهو خطأ، والصواب: الطلب، كما في \"الحجة\" ٦/ ٢٤.\n(٢) \"مجاز القرآن\" ٢/ ١٥١.\n(٣) لم أقف عليه\n(٤) انظر: \"معاني القرآن\" للنحاس ٥/ ٤٢٨، وأورده السيوطي في \"الدر\" ٦/ ٧١٥، وعزاه لعبد الرزاق وعبد بن حميد.\n(٥) انظر: \"الطبري\" ٢٢/ ١١٠، وأخرجه الحاكم في \"المستدرك\" ٢/ ٤٢٤، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وأورده السيوطي في \"الدر\" ٦/ ٧١٥، وزاد نسبته للفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"18","page":391},{"text":"ونحو هذا قول الكلبي ﴿وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ﴾ يقول: الرجعة إلى الدنيا، ﴿مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ بعد الموت (١). وقال عطية: وأني لهم الرد حين لا رد، والتوبة حين لا توبة (٢).\nوقال مقاتل: من أين لهم التوبة حين لا توبة [وقال مقاتل: من أين لهم التوبة] (٣) عند نزول العذاب (٤). ﴿مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ من الدنيا، وهذا كله معنى. وتفسير التناوش ما ذكره أصحاب المعاني.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3617>٥٣ </span>- وقوله: ﴿وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ﴾ واو الحال، أي: كيف يبلغون إلى التوبة وقد كانوا كافرين بمحمد والقرآن في الدنيا قبل نزول العذاب وقبل ما عاينوا من الأهوال.\nوقوله: ﴿وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ قال مجاهد: يرمون محمدً بالظن [لا باليقين] (٥)، وهو قولهم: إنه ساحر وكاهن وشاعر (٦). واختار الفراء هذا القول فقال: يقولون ليس بنبي، وقد باعدهم الله أن يعلموا ذلك؛ لأنه لا علم لهم إنما يقولون بالظن (٧). فعلى هذا الغيب الظن، وهو ما غاب علمه عنهم، والمكان البعيد: بعدهم عن علم ما يقولون.\n_________\n(١) أورده بعض المفسرين منسوبًا لابن عباس ومجاهد. انظر: \"الطبري\" ٢٢/ ١١٠، \"الماوردي\" ٤/ ٤٥٩، ولم أقف عليه عن الكلبي.\n(٢) لم أقف عليه\n(٣) ما بين المعقوفين زيادة في (أ)، وليس هو في (ب).\n(٤) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٠١ ب.\n(٥) ما بين المعقوفين ساقط من (ب)\n(٦) انظر: \"تفسير مجاهد\" ٥٢٩، وانظر: \"الطبري\" ٢٢/ ١١٢.\n(٧) انظر: \"معاني القرآن\" ٢/ ٣٦٥.","vol":"18","page":392},{"text":"وقال قتادة: يقذفون بالغيب يرجمون بالظن، يقولون لا بعث ولا جنة ولا نار (١). وعلى هذا المعنى: وقد كانوا يتكلمون بما غاب عنهم ويحكمون عليه بالكذب في الدنيا، وهو قوله: ﴿مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾. قال مجاهد: في الدنيا، وقد بعدت الدنيا من الآخرة جدًا عند إنقضائها وقيام الساعة (٢). وعلى هذين القولين، قوله: ﴿وَيَقْذِفُونَ﴾ معطوف على ما قبله.\nوقال مقاتل: ﴿وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ﴾ أي: ويتكلمون بالإيمان وقد غاب عنهم الإيمان عند نزول العذاب، فلم يقدروا عليه (٣)، وهو قوله: ﴿مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾. وعلى هذا، ويقذفون مستأنف؛ لأنه خبر عنهم أنهم آمنوا حين لا ينفعهم الإيمان بعد أن كفروا في الدنيا.\nوشرح ابن قتيبة هذه الآيات فقال: (يقول: ولو ترى يا محمد فزعهم حين لا فوت ولا مهرب لهم ولا ملجأ يفوتون به ويلجأون إليه، وهذا نحو قوله: ﴿فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ أي: نادوا حين لات مهرب. ﴿وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ﴾: يعني: القبور.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3618>٥٢ </span>- ﴿وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ﴾ أي: بمحمد. ﴿وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ﴾ أي: التناول، أي: كيف لهم بنيل ما طلبوا من الإيمان في هذا الوقت الذي يقال فيه كافر ولا يقبل فيه توبة.\nوقوله: ﴿مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ زيد بعد ما بين مكانهم يوم القيامة، وبين\n_________\n(١) انظر: \"الطبري\" ٢٢/ ١١٢، \"مجمع البيان\" ٨/ ٦٢٢، \"القرطبي\" ١٤/ ٣١٧.\n(٢) انظر: \"تفسير مجاهد\" ص ٥٢٩، \"الماوردي\" ٤/ ٤٥٩، \"معاني القرآن\" للنحاس ٥/ ٤٢٩\n(٣) في تفسير مقاتل سقطت هذه الآية من الأصل، وعلقت بالهامش، ولكنها غير واضحة، ولم أقف عليه.","vol":"18","page":393},{"text":"المكان الذي تقبل فيه الأعمال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3619>٥٣ </span>- ﴿وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ﴾ أي: بمحمد، يقول: كيف ينفعهم الإيمان (١) وقد كفروا به في الدنيا. ﴿وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ﴾ أي: بالظن أن التوبة تنفعهم ﴿مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ أي: بعيد من موضع يقبل فيه التوبة. ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ﴾ الأمم الخالية) (٢).\nوهذا الذي ذكره ابن قتيبة في قوله: ﴿وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ﴾ غير ما قدمناه، قال: (وكان بعض المفسرين يحمل الفزع عند نزول بأس الله من الموت أو غيره، وتعبيره بقوله: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [غافر: ٨٤] إلى آخر السورة) (٣). وهذا مذهب مقاتل، قال: هذا عند نزول العذاب بهم في الدنيا (٤).\nوقال الضحاك وزيد بن أسلم: هذا الفزع وما ذكر كله هو يوم بدر، إذ نزل بهم العذاب وشدة الموت قالوا: آمنا به، ولم ينفعهم ذلك (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3620>٥٤ </span>- وقوله: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ﴾ قال ابن عباس: يعني الرجعة إلى الدنيا (٦).\nوقال الحسن: يعني الإيمان. وهو قول سفيان (٧).\n_________\n(١) هكذا في الأصل ولعل الصواب في الآخرة.\n(٢) \"تأويل مشكل القرآن\" ص ٣٣٠ - ٣٣١.\n(٣) \"تأويل مشكل القرآن\" ص ٣٣١.\n(٤) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٠١/ ب\n(٥) انظر: \"تفسير الطبري\" ٢٢/ ١٠٧، \"القرطبي\" ١٤/ ٣١٤، \"زاد المسير\" ٦/ ٤٦٧.\n(٦) انظر: \"تفسير ابن عباس\" بهامش المصحف ص ٤٣٤، \"الوسيط\" ٣/ ٤٩٩، \"زاد المسير\" ٦/ ٤٧٠.\n(٧) انظر: \"تفسير الطبري\" ٢٢/ ١١٢، \"تفسير الماوردي\" ٤/ ٤٦٠، \"معاني القرآن\" للنحاس ٥/ ٤٣١.","vol":"18","page":394},{"text":"وقال مجاهد: ﴿وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ﴾ من مال وولد (١).\nوقال مقاتل: يعني من أن تقبل التوبة منهم (٢).\nوقوله: ﴿كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ﴾، قال ابن عباس: بنظرائهم (٣). قال مجاهد: الكفار من قبلهم (٤).\nوقال الزجاج: أي بمن كان مذهبه مذهبهم (٥)\nقال أبو عبيدة: شيعة وشيع وأشياع (٦). وهذا مما تقدم القول فيه (٧). وقوله: ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ قال مقاتل: من قبل هؤلاء (٨).\n﴿إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ﴾ قال: من العذاب أنه نازل بهم.\nقال الكلبي: في شك مما نزل بهم (٩). والكناية في ﴿إِنَّهُمْ﴾ تعود إلى الكفار الذين أخبر عنهم في قوله: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ﴾ لا إلى الأشياع. ﴿مُرِيبٍ﴾ موقع لهم الريبة والتهمة.\n_________\n(١) انظر: \"تفسير الطبري\" ٢٢/ ١١٢، \"معاني القرآن\" للنحاس ٥/ ٤٣١، \"زاد المسير\" ٦/ ٤٧٠.\n(٢) ليس هو في تفسيره، ولم أقف على هذا القول منسوبًا إليه.\n(٣) لم أقف عليه عن ابن عباس، وقد ذكره ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٦/ ٤٧١ نحو هذا القول عن الزجاج.\n(٤) انظر: \"تفسير مجاهد\" ص ٥٢٩.\n(٥) انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٥٩.\n(٦) \"مجاز القرآن\" ٢/ ١٥١.\n(٧) عند تفسير قوله: ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا﴾ [الأنعام: الآية ٦٥].\n(٨) ليس في تفسيره، ولم أقف على هذا القول منسوبًا له، وأورده ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٦/ ٤٧١، ونسبه للمفسرين.\n(٩) لم أقف عليه عد الكلبي. وانظر: \"تفسير هود\" ٣/ ٤٠٧ \"زاد المسير\" ٦/ ٤٧١.","vol":"18","page":395},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3621>سورة فاطر</span>","vol":"18","page":397},{"text":"تفسير سورة الملائكة\nبسم الله الرحمن الرحيم\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3622>١ </span>- ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ قال ابن عباس ومقاتل وغيرهما: خالق السموات والأرض (١). [قال المبرد: فاطر] (٢) خالق مبتدي، يقول: فطر الله الخلق، أي: ابتدأهم، [وأنا فاطر هذه البئر] (٣)، أي: ابتدأت حفرها (٤). ونحو هذا قال الزجاج (٥). وهذا مما سبق فيه الكلام.\nقوله: ﴿جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا﴾ قال مقاتل: منهم جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت والكرام الكاتبين (٦).\nوقوله: ﴿أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ يقول: من الملائكة من له جناحان، ومنهم من له ثلاثة أجنحة، ومنهم من له أربعة أجنحة. وذكرنا الكلام في مثنى وثلاث ورباع في أول سورة النساء (٧).\n_________\n(١) انظر: \"تفسير ابن عباس\" بهامش من المصحف ص ٣٦٤، \"بحر العلوم\" ٣/ ٧٩، \"تفسير مقاتل\" ١٠١ ب\n(٢) ما بين المعقوفين بياض في (ب).\n(٣) ما بين المعقوفين بياض في (ب).\n(٤) لم أقف عليه\n(٥) انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٤٦١.\n(٦) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٠١ ب.\n(٧) عند قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ الآية. وقال هناك: بدل مما طاب، ومعناه: اثنتين وثلاثًا وأربعًا، =","vol":"18","page":399},{"text":"وقوله: ﴿يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ﴾ قال مقاتل: يزيد في خلق الأجنحة على أربعة أجنحة (١). ورأى رسول الله -ﷺ- جبريل ليلة المعراج وله ستمائة جناح، وقال له جبريل: إن لإسرافيل اثني عشر [جناحًا] <span data-type=\"title\" id=toc-3623>(٢) </span>جناح منها بالمشرق، وجناح منها بالمغرب (٣). وهذا الذي ذكرنا في زيادة الخلق هو قول الفراء والزجاج (٤). وروى قتادة في قوله: ﴿يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ﴾ قال: الملاحة في العينين (٥).\nوروي عن الزهري قال: حسن الصوت (٦). وعن أبي هريرة مرفوعًا: الوجه الحسن والصوت الحسن والشعر الحسن (٧). ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ مما يريد أن يخلق ﴿قَدِيرٌ﴾ قاله ابن عباس (٨).\n\n٢ - قوله تعالى: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا﴾ قال أبو إسحاق: أي ما ياتيهم به من مطر أو رزق فلا يقدر أن يمسكه، وما يمسك\n_________\n= والواو دالة على تفرق الأنواع وتجنيس المباح من الزوجات، فمن تزوج مثنى لم يضم إليهما ثلاثًا، وكذلك من تزوج ثلاثًا لم يضم إليهن أربعًا.\n(١) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٠٢ أ.\n(٢) ما بين المعقوفين ساقط من (أ).\n(٣) انظر: \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٢٢٣ ب، \"بحر العلوم\" ٣/ ٧٩.\n(٤) انظر: \"معاني القرآن\" ٢/ ٣٦٦، \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٦١.\n(٥) انظر: \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٢٢٣ ب، \"تفسير البغوي\" ٣/ ٥٦٤، \"زاد المسير\" ٦/ ٤٧٣.\n(٦) انظر: المصادر السابقة، \"تفسير ابن أبي حاتم\" ١٠/ ٣١٧٠.\n(٧) لم أقف عليه مرفوعًا للنبي -ﷺ-.\nوانظر: \"تفسير القرطبي\" ١٤/ ٣٢٠، \"الثعلبي\" ٣/ ٢٢٣ ب، \"زاد المسير\" ٦/ ٤٧٣.\n(٨) انظر: \"مجمع البيان\" ٨/ ٦٢٦.","vol":"18","page":400},{"text":"من ذلك فلا يقدر قادر أن يرسله (١). وهذا معنى قول ابن عباس والمفسرين في هذه الآية (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3624>٣ </span>- وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ قال ابن عباس: يريد أهل مكة (٣). ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ قال: يريد حيث أسكنكم الحرم ومنعكم من جميع الغارات (٤). وقد ذكرنا معنى النعمة فيما تقدم.\nوقال الفراء: (وما كان من هذا في القرآن فمعناه: احفظوا، كما تقول: اذكر أيادي عندك أي: احفظها) (٥).\nوقوله: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ قال أبو إسحاق: (هذا ذكر بعد قوله: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا﴾ فأكد ذلك بان جعل السؤال لهم: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ قال: ورفع غير على معنى هل من خالق غير الله؛ لأن من مؤكدة) (٦).\nوقال أبو علي: (من جر ﴿غَيْرُ﴾ جعله صفة على اللفظ، وذلك حسن لاتباعه الجر الجر. وقوله: ﴿مِنْ خَالِقٍ﴾ في موضع رفع بالابتداء، وخبره قوله: ﴿يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾، وزيادة من في غير الإيجاب كثير، نحو: هل من رجل، و﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٦٢]. ومن رفع\n_________\n(١) انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٦٢.\n(٢) انظر: \"تفسير ابن عباس\" بهامش المصحف ص ٣٦٤، \"الطبري\" ٢٢/ ١١٥، \"الماوردي\" ٤/ ٤٦٢، \"بحر العلوم\" ٣/ ٨٠.\n(٣) انظر: \"تفسير ابن عباس\" بهامش المصحف ص ٣٦٤، وذكره الطبري ٢٢/ ١١٥، بدون نسبة وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٦/ ٤٧٤ ونسبه للمفسرين.\n(٤) لم أقف عليه.\n(٥) انظر: \"معاني القرآن\" ٢/ ٣٦٦.\n(٦) انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٦٢","vol":"18","page":401},{"text":"احتمل غير وجه، يجوز أن يكون خبرًا لمبتدأ، ويجوز أن يكون صفة على الموضع بتقدير: هل خالق غير الله يرزقكم، ويجوز أن يكون غير استثناء، تقديره: هل من خالق إلا الله) (١). فلما كانت ترتفع ما بعد إلا حملت رفع ما بعد إلا في غير، كما تقول: ما قام من أحد غير أبيك، ويدل على جواز هذا الوجه قوله: ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٦٢]، وذكرنا مثل هذا في قوله: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ في سورة الأعراف <span data-type=\"title\" id=toc-3626>[٥</span>٩].\nقال المفسرون وابن عباس: ﴿يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ﴾ المطر ومن ﴿الْأَرْضِ﴾ النبات (٢).\nثم وحد نفسه فقال: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ قال مقاتل: من أين تكذبون بأن الله لا شريك له، وأنتم مقرون بأن الله خلقكم ورزقكم (٣).\n\nقال أبو إسحاق: (من أين يقع لكم الإفك والتكذيب بتوحيد الله وإنكار البعث) <span data-type=\"title\" id=toc-3625>(٤)</span>.\n٤ - ثم عزى نبيَّه -ﷺ- بقوله: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ أي: الأمر راجع إلى الله في مجازاة من كذب، ونصرة من كذب من رسله.\n\n٥ - ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ يعني: كفار مكة. ﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ قال ابن\n_________\n(١) \"الحجة\" ٦/ ٢٦ - ٢٧.\n(٢) انظر: \"تفسير ابن عباس\" بهامش المصحف ص ٣٦٤، \"السمرقندي\" ٣/ ٨٠، \"زاد المسير\" ٦/ ٤٧٤، \"البغوي\" ٣/ ٥٦٥.\n(٣) لم أقف على قول مقاتل.\n(٤) انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٦٣.","vol":"18","page":402},{"text":"عباس: يريد بالثواب والعقاب (١). وقال مقاتل: في البعث (٢).\nوباقي الآية مفسر في سورة لقمان: ٣٣].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3627>٦ </span>- وقوله: ﴿فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ قال مقاتل: فعادوه بطاعة الله، ثم بين عداوته فقال: ﴿إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ﴾ أي: يدعو شيعته إلى الكفر (٣). ﴿لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾.\n٨ - وقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾ قال ابن عباس ومقاتل: نزلت في أبي جهل ومشركي مكة (٤).\nوقال سعيد بن جبير: يحسب الناس أن هذا في تزيين الخطايا لمن ركب منها شيئًا وليس كذلك، ولكنها الزينة في الملل والأهواء التي خالفت الهدى، فإن أهلها يحسبون أنهم يحسنون (٥). ألا ترى النصارى يدعون لله ولدًا ويحسبون أنهم يحسنون، وتتقرب بذلك إلى الله ولا يحب أن يزني ويسرق، وله الدنيا وما فيها، واحتج على هذا بقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ﴾ قال: ألا ترى ذلك صار في الضلالة والهدى وليس فيما يذهب الناس إليه من العمل.\nوأما نظم الآية وجواب قوله: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ﴾ فقال أبو إسحاق: (هو على ضربين: أحدهما: أن يكون المعنى أفمن زين له سوء عمله فأضله الله ذهبت نفسك عليه حسرة، ودل على هذا الجواب قوله: ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ\n_________\n(١) لم أقف عليه\n(٢) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٠٢ أ.\n(٣) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٠٢ أ.\n(٤) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٠٢ أ، \"البغوي\" ٣/ ٥٦٥، \"زاد المسير\" ٦/ ٤٧٥.\n(٥) انظر: \"الوسيط\" ٣/ ٥٠١، \"البغوي\" ٣/ ٥٦٥","vol":"18","page":403},{"text":"عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ وهذا قول الفراء والكسائي (١) قال: ويجوز أن يكون محذوفًا والمعنى: أفمن زين له سوء عمله كمن هداه الله، ويكون دليله ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ (٢). وهذا قول أبي عبيدة، لأنه قال في هذه الآية: هو مختصر مكفوف عن خبره لتمامه عند المستمع (٣).\nثم استأنف فقال: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾، قال ابن عباس: يقول لا تغتم ولا تهلك نفسك حسرات على تركهم الإسلام (٤)، كقوله: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ﴾ [الكهف: ٦] الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ يعني: عالم بصنيعهم فيجازيهم على ذلك. ثم أخبر عن صنعه جل وعز ليعتبروا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3628>٩ </span>- قوله: ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا﴾، قال الكلبي: فتنشئ سحابًا (٥). والمعنى: فنزعجه من حيث هو ﴿فَسُقْنَاهُ﴾ قال أبو عبيد: (فنسوقه، وأنشد قول قعنب:\nإن يسمعوا زينة (٦) طاروا بها فرحًا (٧)\n_________\n(١) انظر: \"معاني القرآن\" ٢/ ٣٦٦. انظر: \"الدر المصون\" ٥/ ٤٥٩، \"المحرر الوجيز\" ٤/ ٤٣٠. وانظر: قول الكسائي في \"إعراب القرآن\" للنحاس ٢/ ٦٨٦.\n(٢) انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٦٤.\n(٣) لم أقف على أبي عبيدة.\n(٤) انظر: \"الوسيط\" ٣/ ٥٠١، \"زاد المسير\" ٦/ ٤٧٦.\n(٥) لم أقف عليه.\n(٦) هكذا في النسخ، وهو خطأ، والصواب: ريبة.\n(٧) هذا صدر بيت وعجزه:\nمني وما سمعوا من صالح دفنوا\nوهو من البسيط، لقعنب بن أم صاحب في: \"الحماسة\" ٢/ ١٧٠، \"مجاز القرآن\" ١/ ١٧٧، ٢/ ١٥٢، \"سمط اللآلئ\" ص ٣٦٢، \"عيون الأخبار\" ٣/ ٨٤.","vol":"18","page":404},{"text":"أي إن سمعوا يطيروا) (١).\nوقوله: ﴿إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ﴾ قال ابن عباس: يريد الأرض الجرز (٢). وقال الكلبي: إلى مكان ليس عليه نبات (٣). وقوله: ﴿فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ قال ابن عباس: أنبتنا فيها الزرع والأشجار بعد ما لم يكن (٤).\n﴿كَذَلِكَ النُّشُورُ﴾ أي: البعث والإحياء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3629>١٠ </span>- وقوله: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ قال الفراء: (معناه من كان يريد علم العزة لمن هي، فإنها لله جميعًا، أي: كل وجه من العزة لله) (٥).\nوالآية على ما ذكرنا من باب حذف المضاف، وقال قتادة: من كان يريد العزة فليعتزز بطاعة الله (٦) يعني: أن قوله: ﴿فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ معناه: الدعاء إلى طاعة من له العزة ليعتز بطاعته، كما يقال: من أراد المال فالمال لفلان، أي: فليطلب من عنده من حيث يجب أن يطلب، وهذا قول ابن عباس في رواية عطاء؛ لأنه قال: يؤمن بالله فيعتز بعزه (٧).\nوقال مجاهد ومقاتل: من كان يريد العزة بعبادته غير الله فليعتزز\n_________\n(١) \"مجاز القرآن\" ٢/ ١٥٢.\n(٢) لم أقف عليه.\n(٣) لم أقف عليه عن الكلبي. وقد ذكره هو بن محكم في \"تفسيره\" ٣/ ٤١١ ولم ينسبه.\n(٤) انظر: \"تفسير ابن عباس\" بهامش المصحف ص٣٦٥.\n(٥) انظر: \"معاني القرآن\" ٢/ ٣٦٧.\n(٦) انظر: \"تفسير الطبري\" ٢٢/ ١٢٠، \"معاني القرآن\" للنحاس ٥/ ٤٤٠، \"زاد المسير\" ٦/ ٤٧٧.\n(٧) لم أقف عليه عن ابن عباس. وانظر: \"تفسير الطبري\" ٢٢/ ١٢٠، \"تفسير القرطبي\" ١٤/ ٣٢٨، \"زاد المسير\" ٦/ ٤٧٧.","vol":"18","page":405},{"text":"بطاعة الله، فإن العزة لله جميعًا (١). وعلى هذا في الآية محذوف دل عليه الكلام، والمعنى: أن عبدة الأصنام طلبوا التعزز بها، يدل على هذا هذا قوله: ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [النساء: ١٣٩]، وقوله: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا﴾ [مريم: ٨١] فأخبر الله تعالى أن العزة لله جميعًا لا غيره، فلا يعتز أحد بعبادة غيره وإنما التعزز بطاعة الله. ثم بين كيف يتعزز بطاعته فقال: قوله: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ قال مقاتل والمفسرون: إلى الله يصعد كلمة التوحيد، وهو: قول لا إله إلا الله (٢).\nوقال أبو إسحاق: (أي إليه يصل الكلام الذي هو توحيده، والله تعالى يرتفع إليه كل شيء) (٣). وعلى ما ذكر، معنى الصعود إليه: الارتفاع، وهو بمعنى العلم كما يقال: ارتفع هذا الأمر إلى القاضي وإلى السلطان، أي: علمه، وفي تخصيص الكلم الطيب بعلمه إثبات للثواب عليه (٤) ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ﴾ [الأنعام: ٣٣] فنثيبك (٥) عليه.\nوقال بعض أهل المعاني: يعني إليه يصعد إلى سمائه، والمحل الذي لا جري لأحد سواه فيه ملك ولا حكم (٦). ﴿وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ قال\n_________\n(١) انظر: \"تفسير مجاهد\" ص ٥٣١، \"تفسير مقاتل\" ١٠٢ ب، \"تفسير الطبري\" ٢٢/ ١٢٠، \"زاد المسير\" ٦/ ٤٧٧.\n(٢) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٠٢ أ. وانظر: \"تفسير البغوي\" ٣/ ٥٦٦، \"تفسير القرطبي\" ١٤/ ٣٢٩، \"زاد المسير\" ٦/ ٤٧٨.\n(٣) انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٦٥.\n(٤) يبدو أن هناك سقط في الكلام يمكن تقديره بنحو: يدل عليه قوله تعالى.\n(٥) في (ب): (فثبك).\n(٦) المؤلف ﵀ في هذا الموضع فيه تأويل لصفة الحلو والفوقية، وهذا =","vol":"18","page":406},{"text":"ابن عباس: يريد العمل بما افترضه الله -﷿-، يقول الله تعالى: \"إذا قال العبد: لا إله إلا الله بنية صادقة، نظرت الملائكة إلى عمله، فإن كان عمله موافقًا لقوله صعدا جميعًا، وإن كان عمله مخالفًا وقف قوله حتى يتوب من عمله (١) \".\nوقال الحسن: العمل الصالح يرفع الكلام الطيب إلى الله، يعرض القول على الفعل فإن وافق القول الفعل قبل وإن خالفه رد، ونحو هذا (٢) قال سعيد بن جبير (٣). وعلى هذا الكناية في ﴿يَرْفَعُهُ﴾ تعود إلى الكلم الطيب.\nوقال قتادة: يرفع الله العمل الصالح لصاحبه (٤). وعلى هذا تم الكلام عند قوله: ﴿الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾، ثم قال: ﴿وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ الله إليه، أي: يقبله، والكناية للعمل الصالح. وقال مقاتل: التوحيد يرفع العمل الصالح إلى السماء (٥). والمعنى على هذا: لا يقبل الله عمل صالح (٦) إلا من موحد، والرافع على هذا القول الكلم الطيب، وعلى القول الثاني\n_________\n= خلاف ما عليه أهل السنة والجماعة، فإنهم يثبتون لله جل وعلا ما أثبته لنفسه أو أثبته له رسوله -ﷺ- من غير تحريف ولا تعطيل ولا تمثيل. انظر: \"شرح العقيدة الطحاوية\" ٢/ ٣٨١.\n(١) أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٢٢/ ١٢١ من رواية علي بن أبي طلحة عن ابن عباس.\n(٢) (هذا) ساقط في (ب).\n(٣) انظر: \"معاني القرآن\" للنحاس ٥/ ٤٤٠، \"تفسير الماوردي\" ٤/ ٤٦٤، \"زاد المسير\" ٦/ ٤٧٨.\n(٤) انظر: المصادر السابقة.\n(٥) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٠٢ ب.\n(٦) هكذا في النسخ! وهو خطأ، والصواب: عملًا صالحًا.","vol":"18","page":407},{"text":"الرافع هو الله تعالى، وعلى القول الأول الرافع العمل الصالح، وهذا الأوجه، وقد ذكره الفراء والزجاج والمبرد (١).\nقال مقاتل: ثم ذكر من لا يوحد الله فقال: ﴿وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ﴾ أي: والذين يقولون الشرك (٢). وهذا معنى قول ابن عباس: والذين يشركون بالله لهم عذاب شديد (٣).\nوقال الكلبي: يعني يعملون السيئات (٤).\nوقال سعيد بن جبير: والذين يعملون بالرياء، وهو قول مجاهد وشهر ابن حوشب (٥).\nوقال أبو العالية: يعني الذين مكروا برسول الله في دار الندوة (٦)، وهو اختيار أبي إسحاق (٧). ثم أخبر أن مكرهم يبطل فقال: ﴿وَمَكْرُ أُولَئِكَ\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" ٢/ ٣٦٧، انظر: \"معاني القرآن وإعربه\" ٤/ ٢٦٥. ولم أقف على قول المبرد، وترجيح المؤلف -﵀- للقول الأول القائل بأن الرافع هو العمل الصالح؛ لأنه قول صحيح ثابت عن حبر الأمة وترجمان القرآن -﵁-\n(٢) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٠٢ ب.\n(٣) أورده الطبري ٢٢/ ١٧ ونسبه لقتادة، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٦/ ٤٧٩، ونسبه لمقاتل، ولم أقف عليه عن ابن عباس.\n(٤) انظر: \"مجمع البيان\" ٨/ ٦٢٩، \"تفسير القرطبي\" ١٤/ ٣٣٢، \"تفسير البغوي\" ٣/ ٥٦٧.\n(٥) انظر: \"الطبري\" ٢٢/ ١٧١، \"البغوي\" ٣/ ٥٦٧، \"الدر المنثور\" ٧/ ١٠ وعزاه لسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر والبيهقي في الشعب عن مجاهد ولسعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الشعب عن شهر بن حوشب.\n(٦) انظر: \"مجمع البيان\" ٨/ ٦٢٩، \"زاد المسير\" ٦/ ٤٧٩.\n(٧) انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٦٥.","vol":"18","page":408},{"text":"هُوَ يَبُورُ﴾ قال قتادة: يفسد (١). وقال مقاتل: يهلك ولا يكون شيئًا (٢). وقال السدي: يهلك وليس له ثواب في الآخرة (٣).\nثم دل على نفسه بصفة ليوحد فقال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3630>١١ </span>- قوله: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ قال ابن عباس ومقاتل: يعني آدم (٤). ﴿ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ يعني: نسله. ﴿ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا﴾ قال السدي ومقاتل: ذكرانًا وإناثًا (٥). ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ﴾ قال مقاتل: يقول: من قل عمره أو كثر عمره، فهو يعمر إلى أجله الذي كتب له (٦). فالمعمر على هذا الذي قدر له شئ من العمر وإن قل، وليس المعمر بمعنى الطويل العمر، وهو قول المفسرين (٧).\n﴿وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ﴾ كل يوم حتى ينتهي إلى أجله. قال سعيد بن جبير: يكتب في أول الصحيفة عمره، ثم يكتب في أسفل من ذلك: ذهب\n_________\n(١) انظر: \"تفسير الطبري\" ٢٢/ ١٧١، \"تفسير الماوردي\" ٤/ ٤٦٥، \"معاني القرآن\" للنحاس ٥/ ٤٤٣.\n(٢) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٠٢ ب.\n(٣) أورده السيوطي في \"الدر\" ٧/ ١٠ وعزاه لابن أبي حاتم عن السدي، \"تفسير السدي الكبير\" ص ٣٩٣.\n(٤) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٠٢ ب، ولم أقف عليه منسوبًا لابن عباس، وبعض المفسرين ذكر القول منسوبًا لقتادة انظر: \"تفسير الطبري\" ٢٢/ ١٢٢، \"تفسير القرطبي\" ١٤/ ٣٣٢.\n(٥) لم أقف عليه عن مقاتل، وقد أورده د/ محمد عطا في \"تفسير السدي الكبير\" ص ٣٩٩٣ وعزاه للسيوطي في \"الدر\"، ولم أقف عليه عند السيوطي.\n(٦) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٥٢ ب\n(٧) انظر: \"تفسير الطبري\" ٢٢/ ١٢٢، \"الماوردي\" ٤/ ٤٦٥، \"البغوي\" ٣/ ٥٦٧.","vol":"18","page":409},{"text":"يوم، ذهب يومان، حتى لا يبقى شيء (١).\nقال السدي (٢): يعمر الإنسان الستين والسبعين وينقص ما مضى من أيامه وذلك نقصان من عمره، وذلك كله ﴿كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ هذا الذي ذكرنا قول الجمهور.\nوقال ابن عباس في رواية عطاء: ما يزاد في عمر إنسان ولا ينقص من عمره (٣).\nوعلى هذا المعمر: الطويل العمر، والذي ينقص من عمره غيره. وعلى القول الأول الذي ينقص من عمره هو المعمر الأول. واختار الفراء هذا القول الثاني فقال: (ولا ينقص من عمره، يريد [أخبر] (٤) غير الأول، وكنى عنه بالهاء كأنه الأول، ومثله في الكلام: عندي درهم ونصفه، المعنى نصف آخر، وجاز أن يكنى عنه بالهاء؛ لأن اللفظ الثاني قد يظهر واللفظ الأول يكنى عنه كالكناية عن الأول، قال: وهذا أشبه بالصواب) (٥). وإنما اختار هذا؛ لأن القراءة المشهورة (ولا يَنقُص مِنْ\n_________\n(١) انظر: \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٢٢٥ ب، \"تفسير الماوردي\" ٤/ ٤٦٥. وأورده السيوطي في \"الدر\" ٧/ ١١ وعزاه لعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبي الشيخ في العظمة عن سعيد بن جبير.\n(٢) انظر: \"تفسير ابن أبي حاتم\" ١٠/ ٣١٧٥، وأورده الطبري ٢٢/ ١٢٣ عن ابن مالك.\n(٣) انظر: \"تفسير الطبري\" ٢٢/ ١٢٢، \"زاد المسير\" ٦/ ٤٨١.\n(٤) هكذا في (أ)، وهي ساقطة في (ب)، وهو خطأ، والصواب: آخر، كما في \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٣٦٨.\n(٥) انظر: \"معاني القرآن\" ٢/ ٣٦٨.","vol":"18","page":410},{"text":"عُمرِهِ) بفتح الياء كما قراه الحسن وابن سيرين (١)، ولأن المعمر في ظاهر اللغة الطويل العمر، وقيل ما يقال لمن قصر عمره: معمر.\nقوله: ﴿إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ قال ابن عباس ومقاتل: يريد اللوح المحفوظ [مكتوب] (٢) قبل أن يخلق (٣). ﴿إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ أي كتابة الآجال والأعمال على الله هين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3631>١٢ </span>- قوله تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ﴾ يعني العذب والمالح. ثم ذكر ذلك فقال ﴿هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ﴾ أي: جائز في الخلق. وهذه القطعة مر تفسيرها في سورة الفرقان (٤).\nوقوله: ﴿وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ﴾ إلى آخر الآية تفسيره قد سبق في سورة النحل (٥). وقوله هنا: ﴿وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ يعني: من المالح دون العذب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3632>١٣ </span>- وقوله تعالى: ﴿مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ قال أبو عبيدة: هو الفوقة التي النواة فيها (٦).\n_________\n(١) انظر: المصدر السابق، \"النشر\" ٢/ ٣٥٢.\n(٢) ما بين المعقوفين مكرر في (أ).\n(٣) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٠٢ ب، \"تفسير ابن عباس\" بهامش المصحف ص ٣٦٥.\n(٤) عند قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا﴾ آية ٥٣. وقال هناك: عذب طيب. وأصله من المنع، والماء العذب هو الذي يمنع العطش، فرات الفراة أعذب المياه.\n(٥) آية ١٤. انظر: \"البسيط\"، وذكر فيه: قال ابن عباس: يريد السمك والحيتان.\n(٦) \"مجاز القرآن\" ٢/ ١٥٣، والفوقة: هي الغشاء الرقيق المحيط بالنواف يقول السمين الحلبي في عمدة الحفاظ في تفسير أشرف الأنفاظ: وقال: إنه اجتمع في النواة أربعة أشياء، يضرب بها المثل في القلة والحقارة، وقد ذكرت منها ثلاثة في =","vol":"18","page":411},{"text":"وقال ابن السكيت: هو القشرة الرقيقة التي على النواة (١).\nقال الزجاج: هو لفافة النواة (٢).\nوقال مقاتل: يعني قشرة النواة الأبيض (٣). وهو السحاة التي تكون على النوى.\nوقال الحسن: قشر النوى (٤).\nوقال مجاهد: لفافة النواة، وهذا قول الجميع (٥).\nوروي عن ابن عباس أنه شق النواة، وهو اختيار المبرد (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3633>١٤ </span>- وقوله: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ قال مقاتل: يتبرأون من عبادتكم إياها (٧).\nوقال الزجاج: يقولون ما كنتم إيانا تعبدون، والمعنى: بإشراككم إياها مع الله في العبادة، يقولون: ما أمرناكم بعبادتنا (٨).\n﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ﴾ يا محمد، ﴿مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ قال ابن عباس ومقاتل: يعني\n_________\n= القرآن العزيز: الفتيل وهو ما في شق النواة مما يشبه الخط الرقيق، والنقير: وهو النقرة في ظهرها، والقطمير: وهو اللفافة على ظهرها. اهـ ٣/ ٢٣٦ - ٢٣٧.\n(١) انظر: \"تهذيب اللغة\" ٩/ ٤٠٩.\n(٢) انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٦٦.\n(٣) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٠٣ أ.\n(٤) لم أقف عليه.\n(٥) انظر: \"تفسير مجاهد\" ص ٥٣١، \"الطبري\" ٢٢/ ١٢٥. وأورده السيوطي في \"الدر\" ٢/ ١٥ وعزاه لعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد.\n(٦) انظر: \"القرطبي\" ١٤/ ٣٣٦.\n(٧) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٠٣ أ.\n(٨) انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٦٧.","vol":"18","page":412},{"text":"نفسه ﷿، يقول: فلا أحد أخبر منه بخلقه، وبأن هذا الذي ذكر من أمر الأصنام هو كائن يوم القيامة (١).\nوقال أبو إسحاق: لأن ما أنبأ الله -﷿- يكون فهو وحده يخبره ولا يشركه فيه أحد (٢). هذا كلامه، والمعنى: لا ينبئك مثل خبير يعلم الأشياء ويخبرها، لأنه لا مثل له، فلا ينبئك مثله في علمه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3634>١٥ </span>- وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾، قال ابن عباس: يريد أهل مكة (٣). ﴿أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ﴾ المحتاجون إلى رزقه ومغفرته. (وهو الغني) عن عبادتكم ﴿الْحَمِيدُ﴾ إلى خلقه وغير خلقه (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-3635>١٦ </span>- وقوله تعالى: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾ مفسر فيما مضى (٥) إلى قوله: ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ﴾، قال الفراء والزجاج: أي وإن تدع نفس مثقلة بالذنوب (٦).\n_________\n(١) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٠٣ أولم أقف عليه عن ابن عباس، وقد ذكره بعض المفسرين منسوبًا إلى المفسرين. انظر: \"الوسيط\" ٣/ ٥٠٣، \"بحر العلوم\" ٣/ ٨٣، \"المحرر الوجيز\" ٤/ ٤٣٤.\n(٢) انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٦٧.\n(٣) لم أقف عليه.\n(٤) هذه العبارة خطأ، ولعلها وهم من المؤلف ﵀ أو خطأ من الناسخ؛ لأنه لا شيء في الكون غير مخلوق لله جل وعلا.\n(٥) الآيتان: ١٩ - ٢٠ من سورة إبراهيم: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (١٩) وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾. وقال هناك: قال ابن عباس والكلبي: يريد أمتكم يا معشر الكفار، وأخلق قومًا غيركم خيرًا منكم وأطوع.\n(٦) انظر: \"معاني القرآن\" ٢/ ٣٦٨، \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٦٧.","vol":"18","page":413},{"text":"قال الفراء: (والنفس تعبر عن الذكر والأنثى، كقوله (١): ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران:<span data-type=\"title\" id=toc-3636> ١٨</span>٥، الأنبياء ٣٥، العنكبوت ٥٧]) (٢).\n١٨ - وقوله: ﴿إِلَى حِمْلِهَا﴾ أي: ما حمل من الخطايا والذنوب. ﴿لَا يُحْمَلْ مِنْهُ﴾ أي: من حملها.\n[وقوله] (٣) ﴿شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ قال مقاتل: ولو كان بينهما ما حملت عنها شيء من وزرها (٤) (٥).\nقال ابن عباس: يقول: يا بني احمل عني، فيقول: حسبي ما علي (٦).\nقال أبو إسحاق: أي ولو كان الذي يدعوه ذا قربى، مثل الأب والابن ومن أشبه هؤلاء (٧).\nقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ﴾ قال ابن عباس: يريد أولياؤه، يقول: خافوني وخافوا ما غاب عنهم من عذابي (٨).\nوقال أبو إسحاق: تأويله أن إنذارك إنما ينفع الذين يخشون ربهم (٩)، فكأنك تنذرهم دون غيرهم مما لا ينفعهم إنذارك، كقوله: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ\n_________\n(١) في (أ): (كقولك)، وما في الصلب هو الصواب.\n(٢) انظر: \"معاني القرآن\" ٢/ ٣٦٨\n(٣) ما بين المعقوفين ساقط من (ب)\n(٤) في (ب): (أوزارها).\n(٥) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٠٣/ أ.\n(٦) يدل على ذلك قوله تعالى في سورة عبس آية ٣٤: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (٣٦) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾\n(٧) انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٦٧.\n(٨) لم أقف عليه.\n(٩) المصدر السابق.","vol":"18","page":414},{"text":"مَنْ يَخْشَاهَا﴾ [النازعات: ٤٥].\nوقوله: ﴿وَمَنْ تَزَكَّى﴾ قال ابن عباس: من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه (١).\nوقال مقاتل: من صلح فصلاحه لنفسه (٢). ﴿وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ فيجزي بالأعمال في الآخرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3637>١٩ </span>- وقوله: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾ قال ابن عباس: لا يستوي المشرك والمؤمن (٣).\nوقال مقاتل: وما يستوي في الفضل الأعمى عن الهدى [يعني] (٤) الكافر، والبصير بالهدى يعني المؤمن يبصر رشده (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3638>٢٠ </span>- ﴿وَلَا الظُّلُمَاتُ﴾ يعني: الشرك والضلالات. ﴿وَلَا النُّورُ﴾ يعني: الهدى والإيمان بالله.\n<span data-type=\"title\" id=toc-3639>٢١ </span>- ﴿وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ﴾ قال الكلبي: أما الظل فالجنة، وأما الحرور فالنار (٦).\nوقال ابن عباس: يريد ظل الليل، والحرور هو الذي يكون مثل السموم بالنهار (٧).\n_________\n(١) لم أقف عليه عن ابن عباس. وانظر: \"زاد المسير\" ٦/ ٤٨٣، \"تفسير هود\" ٣/ ٤١٥.\n(٢) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٠٣ أ.\n(٣) انظر: \"تفسير ابن عباس\" بهامش المصحف ص ٣٦٦.\n(٤) ما بين المعقوفين مكرر في (ب)\n(٥) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٠٣ أ.\n(٦) انظر: \"الوسيط\" ٣/ ٥٠٤، \"مجمع البيان\" ٨/ ٦٣٣\n(٧) انظر: \"القرطبي\" ١٤/ ٣٤٠، \"البغوي\" ٣/ ٥٦٩.","vol":"18","page":415},{"text":"وقال قتادة: هذه أمتال ضربها الله للكافر والمؤمن، يقول: لاتستوى هذه الأشياء، كذلك لا يستوي الكافر والمؤمن (١).\nقال أبو عبيدة: الحرور ريح حارة تكون بالنهار مع الشمس، وأنشد لحميد الأرقط (٢):\nإنا وإن تباعد المسير ... وسفعت ألواننا الحرور\nوأوقدت نيرانها القبور (٣)\nقال أبو إسحاق: الحرور استيقاد الحر ولفحه بالليل والنهار، والسموم لا يكون إلا بالنهار (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3640>٢٢ </span>- قوله: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ﴾ يعني: المؤمنين والكافرين.\nقال ابن عباس: الكافر وإن كان يأكل ويشرب ويجيء ويذهب (٥)، فهو مثل الميت، ودليل هذا في صفتهم قوله تعالى: ﴿أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ﴾ [النحل: ٢١].\n_________\n(١) انظر: \"معاني القرآن\" للنحاس ٥/ ٤٥٠، \"تفسير القرطبي\" ١٤/ ٣٤٠، \"زاد المسير\" ٦/ ٤٨٤.\n(٢) هو: حميد بن مالك بن زيد مناة بن تميم، وقيل: هو أحد بني ربيعة بن مالك بن زيد مناة بن تميم، وهو شاعر إسلامي من شعراء الدولة الأموية، عاصر الحجاج، سمي الأرقط لآثار كانت بوجهه، وهو بخيل لئيم، يقال له: هجاء الأضياف.\nانظر: \"خزانة الأدب\" ٥/ ٣٩٥، \"العقد الفريد\" ٧/ ٢٠٨.\n(٣) \"مجاز القرآن\" ٢/ ١٥٤.\n(٤) انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٦٨.\n(٥) في (ب): (ويذهب ويجيئ)، ترتيب.","vol":"18","page":416},{"text":"ثم قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ قال ابن عباس: يسمع أولياءه (١) الذين خلقهم لجنته وعصمهم من الكفر (٢). والمعنى: يسمع كلامه من يشاء حتى يتعظ يهتدي. وقال السدي: يهدي من يشاء (٣).\n﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ يعني: الكفار، شبههم حين صموا ولم يجيبوا إذا دعوا إلى الإيمان بأهل القبور. ثم قال للنبي -ﷺ- حين لم يجيبوه إلى الإيمان:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3641>٢٣ </span>- ﴿إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ﴾ يقول: ما أنت إلا نذير، وليس عليك إلا البلاغ.\n<span data-type=\"title\" id=toc-3642>٢٤ </span>- وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ قال ابن عباس: وما من أمة من خلقي إلا وقد بعثت فيها نبيًّا (٤).\nوقال مقاتل: يقول: ما مر أمة فيما مضى إلا جاءهم رسول (٥).\nوقال ابن قتيبة: خلا فيها نذير سلف فيها نبي (٦).\n_________\n(١) في (أ): (أوليائهمن)، وهو خطأ.\n(٢) لم أقف عليه عن ابن عباس، وقد ذكر الطبري في \"تفسيره\" ٢٢/ ١٣٠، نحو عن قتادة، والقرطبي في \"تفسيره\" ١٠/ ٣١٧٩ ولم ينسبه لأحد.\n(٣) أخرجه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ١٠/ ٣١٧٩ عن السدي.\n(٤) لم أقف عليه منسوبًا لابن عباس.\nوانظر: \"معاني القرآن\" للنحاس ٥/ ٤٥٢، \"المحرر الوجيز\" ٤/ ٤٣٦، \"مجمع البيان\" ٨/ ٦٣٤.\n(٥) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٠٣ ب.\n(٦) \"تفسير غريب القرآن\" ص ٣٦١.","vol":"18","page":417},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3643>٢٦ </span>- وقوله: ﴿ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ أي: عاقبتهم فكيف كان عقوبتي. قاله أبو عبيد (١). قال مقاتل: يخوف كفار مكة مثل عذاب الأمم الخالية (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-3644>٢٧ </span>- ثم أخبر عن صنعه ليعرف توحيده فقال: ﴿لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ (٣) إلى قوله: ﴿وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ﴾ قال الفراء. (الجدد: الطرق تكون في الجبال مثل العروق، بيض وسود وحمر (٤)، واحدها جدة (٥)، وأنشد لامرئ القيس:\nكأن سراتيه (٦) وجدة ظهره ... كنائن يجري فوقهن دليص (٧).\nيعني: الخطة السوداء في متن الحمار، والدليص: الذي يبرق) (٨).\nوقال أبو عبيدة: (جدد: طرائق، وأنشد لذي الرمة يصف الليل:\n_________\n(١) لم أقف على قول أبي عبيد.\n(٢) لم أقف على قول مقاتل.\n(٣) قوله: (من السماء ماء) ساقط من (أ).\n(٤) في (ب): (بيض وحمر وسود).\n(٥) في (أ) بعد قوله: (واحدها جده)، قال: فقال ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ﴾ إلى قوله ﴿وَمِنْ الْجِبَالِ جُدَدٌ﴾ وسودهم من الناسخ.\n(٦) هكذا في النسخ! وهو خطأ، والصواب: سراته.\n(٧) البيت من الطويل، لامرئ القيس في: \"شرح ديوانه\" ص ١٢٤، \"تهذيب اللغة\" ١٠/ ٤٥٨، \"اللسان\" ٣/ ١٠٨ (جدد)، ٧/ ٣٧ (دلص)، \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٣٦٩، \"معاني القرآن وإعرابه\" للزجاج ٤/ ٢٦٩. وسراته: هو أعلى ظهره، وجدة ظهره: العلامة يخالف لونها لون جلده، والكنائن: هي الخطوط البيض بظهره.\n(٨) انظر: \"معاني القرآن\" ٢/ ٣٦٩.","vol":"18","page":418},{"text":"حتى إذا حان من حضر قوادمه ... ذي جدتين يكف الطرف تعميم (١) (٢).\nوقال أبو إسحاق: (جدد جمع جدة، وهي الطريقة، وكل طرقه جدة وجادة) (٣).\nوقال ابن قتيبة والمبرد: جدد: طرائق وخطوط (٤). ونحو هذا قال المفسرون في تفسير الجدد: أنها الطرائق (٥).\nوقال مقاتل: يعني بالجدد الطرائق التي تكون في الجبال، منها بيض ومنها حمر ومنها غرابيب سود (٦). وهو جمع غربيب، وهو الشديد السواد الذي يشبه لونه لون الغراب، يقال: أسود غربيب وغرابي (٧).\nوذكر عن الفراء أن هذا التقديم والتأخير، بتقدير: وسود غرابيب؛ لأنه يقال: أسود غربيب، وقل ما يقال: غربيب أسود (٨).\n_________\n(١) البيت من البسيط، وهو لذي الرمة في \"ديوانه\" ١/ ٤٤٤، وانظرها منسوبة إليه \"مجاز القرآن\" ٢/ ١٥٥، ومعنى البيت: يريد من ليس سود اوائله. ذي جدتين أي ناجيتين من الليل، ويكف الطرف يرده حتى لا يجوزه، وتغييم إلباس يقول: جاء الليل مثل الغيم.\n(٢) \"مجاز القرآن\" ٢/ ١٥٥.\n(٣) انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٦٩.\n(٤) \"تفسير غريب القرآن\" ص ٣٦١، وانظر: \"فتح القدير\" ٣/ ٣٧٤.\n(٥) انظر: \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٦٢٦ أ، \"تفسير الطبري\" ٢٢/ ١٣١، \"تفسير الماوردي\" ٤/ ٤٧٠.\n(٦) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٠٣ ب.\n(٧) انظر: \"تهذيب اللغة\" ٨/ ١١٧ (غريب)، \"اللسان\" ١/ ٦٣٨ (غريب).\n(٨) لم أقف على قول الفراء في معاني القرآن له. ونقل كلام الفراء: الطبرسي في \"مجمع البيان\" ٨/ ٦٣٥، والمؤلف في \"الوسيط\" (٣٥٠٤)، والشوكاني في \"فتح القدير\" ٤/ ٣٤٧.","vol":"18","page":419},{"text":"وقال الأخفش في هذه الآية: قوله: ﴿ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا﴾ نصب مختلفًا؛ لأن كل صفة متقدمة فهي التي تجري على الذي قبلها إذا كانت من سببه، والثمرات في موضع نصب، هذا كلامه (١). و(مختلفًا) ينتصب بكونه نعتًا لقوله ثمرات، وجاز تذكيره على الفعل فجاز أن يجري مجرى الفعل، ولو كان فعلًا جاز تذكيره كقوله: ﴿ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا﴾، والاختلاف الألوان، وجرى صفة للثمرات، كقوله: ﴿مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾ [النساء: ٧٥] فالظالم للأهل، وقد جرى صفة للقرية (٢). وشرحنا الكلام فيه هاهنا وتم الكلام عند قوله: ﴿أَلْوَانُهَا﴾، ثم ابتدأ فقال: ﴿وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ﴾ أي: ومما خلقنا من الجبال جدد بيض، يعني: طرائق، وليس يريد الطرائق التي تسلك وإنما أراد الطرائق (٣) التي تكون مستقيمة على ضرب واحد كطرائق النحل، وكذلك يكون الجبال ممتد منها طريقة (٤) بيض ومنها طريقة حمرة وطريقة سود وهي الغرابيب. قال أبو إسحاق: وهي الحرار من الجبال التي تكون ذات صخور سود (٥).\nهذا الذي ذكرنا هو الوجه في تفسير الجدد والطرائق؛ لأن الطرائق في اللغة كل مستطيل، ويجوز أن يكون المعنى ما ذكره الفراء من قوله: هي طريق تكون في الجبال كالعروق.\n_________\n(١) انظر: \"معاني القرآن\" ٢/ ٤٨٦.\n(٢) انظر: \"مشكل إعراب القرآن لمكي بن أبي طالب\" ٢/ ٢١٦، \"الدر المصون\" ٥/ ٤٦٦، \"البحر المحيط\" ٧/ ٢٩٦.\n(٣) في (ب): (الطريق).\n(٤) في (أ): (منها طريقة منها بيض)، وهو خطأ.\n(٥) انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٦٩.","vol":"18","page":420},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3645>٢٨ </span>- وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ﴾ قال الزجاج: المعنى: وفيما خلقنا مختلفًا ألوانه من الناس والدواب والأنعام، خلق مختلف ألوانه كاختلاف الثمرات والجبال (١). وتم الكلام ثم ابتدأ: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ قال الكلبي ومقاتل: في هذه الآية تقديم وتأخير (٢). يعنيان تقديم المفعول على الفاعل. قال ابن عباس: يريد إنما يخافني من خلقي من علم جبروتي وعزتي وسلطاني (٣). وقال مقاتل: أشد الناس لله خشية أعلمهم به (٤). وقال الكلبي: العلماء بالله هم الذين يخشونه (٥). وقال ابن مسعود: كفى بخشية الله علمًا، وكفى بالاغترار بالله جهلًا (٦). وقال مجاهد والشعبي: العالم من خاف الله (٧).\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ قال ابن عباس ومقاتل: عزيز في ملكه، غفور لذنوب المؤمنين (٨).\n_________\n(١) انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٦٩.\n(٢) لم أقف على قول الكلبي. انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٠٣ ب.\n(٣) انظر: \"القرطبي\" ١٤/ ٣٤٣، \"زاد المسير\" ٦/ ٤٨٦، انظر: \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ١٩٩ ب.\n(٤) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٠٣ ب.\n(٥) لم أقف عليه.\n(٦) انظر: \"القرطبي\" ١٤/ ٣٤٣، \"المحرر الوجيز\" ٤/ ٤٣٧. وأورده السيوطي في \"الدر\" ٧/ ٢٠ وعزاه لابن أبي شيبة وأحمد في الزهد وعبد بن حميد والطبراني عن ابن مسعود.\n(٧) انظر: \"المحرر الوجيز\" ٤/ ٤٣٧، \"زاد المسير\" ٦/ ٤٨٦. وأورده السيوطي في \"الدر\" ٧/ ٢١ وعزاه لابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن مجاهد.\n(٨) انظر: \"تفسير ابن عباس\" بهامش المصحف ص ٣٦٧، \"تفسير مقاتل\" ١٠٣ ب.","vol":"18","page":421},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3646>٢٩ </span>- قوله: ﴿يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ﴾ قال مقاتل وأبو عبيدة: لن تهلك (١).\nوقال أبو إسحاق: لن تفسد ولن تكسد (٢). وذكرنا الكلام في هذا عند قوله: ﴿وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ﴾ [فاطر: ١٠] في مواضع.\nقال ابن عباس في قوله: ﴿يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ﴾: يعني الجنة (٣). وقول. ﴿يَرْجُونَ﴾ قال الفراء: (هو جواب لقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ * يَرْجُونَ﴾ (٤) فيرجون جواب لأول الكلام) (٥).\nوقوله: ﴿لِيُوَفِّيَهُمْ﴾ متعلق بما ذكر من قوله: ﴿يَتْلُونَ﴾ ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ ﴿وَأَنْفَقُوا﴾ ليوفيهم، أي: فعلوا ما فعلوا ليوفيهم الله جزاء أعمالهم بالثواب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3647>٣٠ </span>- ﴿وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ قال ابن عباس: سوى الثواب، ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر (٦). ﴿إِنَّهُ غَفُورٌ﴾\n_________\n(١) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٠ ب، \"مجاز القرآن\" ٢/ ١٥٥.\n(٢) انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٦٩.\n(٣) لم أقف عليه عن ابن عباس. وقد ذكره هود في \"تفسيره\" ٣/ ٤١٧ ولم ينسبه.\n(٤) في (أ): (ويقيمون)، بدلًا من (وأقاموا).\n(٥) انظر: \"معاني القرآن\" ٢/ ٢٦٩.\n(٦) لم أقف على هذا الأثر عن ابن عباس، ولكن ورد عن أبي هريرة في الصحيحين، في البخاري كتاب: التفسير، تفسير سورة تنزيل السجدة ٤/ ١٧٩٤ رقم الحديث (٤٥٠١ - ٤٥٠٢) عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن رسول الله -ﷺ- قال: قال الله تعالى: \"أعددت لعبادي الصالحين مالا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر\". وبرقم (٤٥٠٣) عن أبي هريرة أيضًا.\nوأخرجه مسلم في \"صحيحه\" كتاب: الجنة وصفة نعيمها وأهلها ٤/ ٢١٧٤ رقم الحديث (٢٨٢٤)، وعن سهل بن سعد الساعدي رقم (٢٨٢٥).","vol":"18","page":422},{"text":"للذنوب. (شكور) لحسناتهم. قاله مقاتل (١). وقال ابن عباس: غفر العظيم من ذنوبهم، وشكر اليسير من أعمالهم (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3648>٣١ </span>- ﴿اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ قال ابن عباس: حيث جعلت نعمتى كرامتي فيمن خافني وعظم حقي (٣).\n٣٢ - وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ هذه الآية منتظمة بقوله: ﴿ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾. لما ذكر أن الأمم الماضية كذبوا الرسل الذين أتتهم بالبينات وبالزبور وبالكتاب المنير وأنه عاقبهم على ذلك، ذكر هذه الآية المصدقة بالكتاب فقال: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ﴾ قال مقاتل: يعني القرآن (٤) والمعنى: ثم جعلنا الكتاب ينتهي إليهم؛ لأن من ورث شيئًا كان ذلك الشيء منتهيًا له.\nوقوله: ﴿الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ عباس: يريد المهاجرين والأنصار والتابعين بإحسان وأمة محمد -ﷺ- (٥).\nثم قسمهم ورتبهم فقال: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ قال ابن عباس: بدأ بشرهم فقال: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ وهو الذي مات على كبيرة ولم يتب منها (٦).\n_________\n(١) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٠٣ ب.\n(٢) انظر: \"تفسير ابن عباس\" بهامش المصحف ص ٣٦٧، وانظر: \"الوسيط\" ٣/ ٥٠٥، \"تفسير البغوي\" ٣/ ٥٧٠.\n(٣) لم أقف عليه.\n(٤) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٥٣ ب.\n(٥) انظر: \"تفسير الطبري\" ٢٢/ ١٣٣، \"تفسير البغوي\" ٣/ ٥٧٠، \"المحرر الوجيز\" ٤/ ٤٣٩.\n(٦) انظر: \"الوسيط\" ٣/ ٥٠٥، \"زاد المسير\" ٦/ ٤٨٩.","vol":"18","page":423},{"text":"وقال مقاتل: يعني أصحاب الكبائر من أهل التوحيد (١).\n﴿وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾ قال ابن عباس: وهو والذي لم يصب كبيرة (٢).\nوقال مقاتل: هو صاحب اليمين (٣).\n﴿وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ يعني: المقربين الذين سبقوا إلى الأعمال الصالحة. وقال الحسن: الظالم الذي ترجح سيئاته على حسناته، والمقتصد الذي استوت حسناته وسيئاته، والسابق من رجحت [حسناته على سيئاته] (٤) (٥).\nوقال أبو الدرداء: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول في هذه الآية: \"السابق والمقتصد يدخلان (٦) الجنة بغير حساب، والظالم لنفسه يحاسب حسابًا يسيرًا ثم يدخل الجنة\" (٧).\nوقال عقبة قال (٨) لعائشة: أرأيت قول الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ﴾\n_________\n(١) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٠٤ أ.\n(٢) لم أقف عليه عن ابن عباس، وقد ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ٣/ ٢٢٨/ أ، عن بكر ابن سهل الدمياطي.\n(٣) لم أقف عليه عن مقاتل، وقد ذكره القرطبي ١٤/ ٣٤٦ عن مجاهد.\n(٤) ما بين المعقوفين ساقط من (أ).\n(٥) انظر: \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٢٢٨ أ، \"البغوي\" ٣/ ٥٧١، \"المحرر الوجيز\" ٤/ ٤٣٩.\n(٦) في (ب): (يدخلون)، وهو خطأ.\n(٧) هذا الحديث رواه الإمام أحمد في مسنده ٥/ ١٩٨، ٦/ ٤٤٤، والحاكم في \"المستدرك\" كتاب: التفسير، تفسير سورة الملائكة ٢/ ٤٢٦ وصححه ووافقه الذهبي، وابن أبي حاتم في \"التفسير\" ١٠/ ٣١٨٢.\n(٨) هكذا في النسخ! وهو خطأ، والصواب: قلت.\nوعقبة هو: ابن صهبان الأزدي الحداني، وقيل: الراسبي، وقيل: الهنائي البصري، وحدان وراسب وهناءة من الأزد، روى عن عبد الله بن مغفل المزني =","vol":"18","page":424},{"text":"الآية، فقالت: أما السابق فمن مضى في حياة رسول الله -ﷺ-، وأما المقتصد فمن اتبع آثارهم فيعمل بأعمالهم حى لحق بهم فمثلي (١) ومثلك ومن اتبعتك (٢)، وكل في الجنة (٣). وقال ابن الحنفية: الظالم مغفور له، والمقتصد في الجنات، والسابق في الدرجات العلى (٤).\nوروي عن ابن عباس أنه سأل كعبًا (٥) عن هؤلاء الأصناف الثلاثة فقال: تحاكت مناكبهم ورب الكعبة، ثم أعطوا الفضل بأعمالهم (٦).\n_________\n= وعثمان بن عفان وعائشة أم المؤمنين وغيرهم، وروى عنه جماعة منهم: صبيح أبو الوسيم وعلي بن زيد بن جدعان وقتادة بن دعامة، وهو ثقة، روى له البخاري ومسلم وأبو داود وابن ماجه، توفي في أول ولاية الحجاج على العراق.\nانظر: \"تهذيب الكمال\" ١٧/ ٢٠٠ الترجمة (٣٩٧٧)، \"الطبقات الكبرى\" ٧/ ١٤٦، \"الجرح والتعديل\" ٦/ ٣١٢، الترجمة ١٧٣٦.\n(١) هكذا في النسخ! وفيه سقط من الأثر نصه: وأما الظالم لنفسه فمثلي.\n(٢) هكذا في النسخ! ولعل الصواب: اتبعنا.\n(٣) هذا الحديث رواه الحاكم في\"المستدرك\"، كتاب: التفسير، تفسير سورة الملائكة ٤/ ٤٢٦ وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي. وابن حجر في \"المطالب العالية\" ٥/ ٣٦٠ وقال: لأبي داود، والثعلبي في \"تفسيره\".\n(٤) انظر: \"الطبري\" ٢٢/ ١٣٥، وأورده السيوطي في \"الد\" ٧/ ٢٨ وزاد نسبته لابن أبي حاتم.\n(٥) هو: إسحاق بن كعب بن نافع بن ذي هجن الحميري التابعي، اشتهر بكعب الأحبار، من علماء اليهود في اليمن، أسلم في خلافة أبي بكر وقدم المدينة فأخذ عنه الصحابة كثيرًا من أخبار الأمم الغابرة، وأخذ الكتاب والسنة من كبار الصحابة بالمدينة، ثم رحل إلى الشام وتوفي بها.\nانظر: \"حلية الأولياء\" ٥/ ١٦٤، \"تذكرة الحفاظ\" ١/ ٥٢، \"تهذيب التهذيب\" ٨/ ٤٣٨.\n(٦) انظر: \"تفسير الطبري\" ٢٢/ ١٣٤، \"المحرر الوجيز\" ٤/ ٤٣٩، أورده السيوطي في \" الدر\" ٧/ ٢٧ وزاد نسبته لابن أبي شيبة وعبد بن حمبد وابن المنذر.","vol":"18","page":425},{"text":"وقال كعب أيضًا: وقرأ هذه الآية إلى قوله: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾ فقال: دخلوها ورب الكعبة (١).\nوروي عن ابن عباس في هذه الآية أنه قال: فيعذب الله من اصطفاه وجعلهم يدخلون الجنة (٢).\nهذا الذي ذكرنا مذهب جمهور أهل التأويل. وذهب قوم إلى أن الظالم لنفسه ليس من أهل الجنة. فقال الكلبي: فمنهم ظالم لنفسه في الكفر وذلك في النار (٣).\nوروي عن عمرو بن دينار أن ابن عباس كان يقول: الظالم لنفسه هو المنافق (٤).\nوروي عوف عن الحسن: نجا السابق والمقتصد، وهلك الظالم لنفسه (٥).\nوقال مجاهد: صنفيان (٦) نانجيان وصنف هالك قال: وهذه الآية كالتي في الواقعة: ﴿فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (٨) وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا\n_________\n(١) انظر: \"الدر المنثور\" ٧/ ٢٧ وعزاه لعبد بن حميد. قلت: ولعل هذا القول وسابقه لا فرق بينهما، فكلاهما يدل على أن الأصناف الثلاثة داخلة الجنة.\n(٢) هكذا وردت هذه الرواية عن ابن عباس ﵂ في جميع النسخ، ويظهر أن في الكلام خطأ، ولم أقف على رواية عن ابن عباس قريبة منها بعد طول بحث، فيظهر -والله أعلم- أنها خطأ من النساخ والله أعلم.\n(٣) لم أقف عليه عن الكلبي، وانظر: \"القرطبي\" ١٤/ ٣٤٦، \"زاد المسير\" ٦/ ٤٨٩ ونسبه لعمرو بن دينار عن ابن عباس.\n(٤) انظر: \"مجمع البيان\" ٨/ ٦٣٩، وبعض المفسرين ذكر هذا القول منسوبًا للحسن. انظر: \"الطبري\" ٢٢/ ١٣٥، \"زاد المسير\" ٧/ ٤٨٩.\n(٥) انظر: \"الطبري\" ٢٢/ ١٣٥، \"زاد المسير\" ٧/ ٤٨٩، \"مجمع البيان\" ٨/ ٦٣٩. وأورده السيوطي في \"الدر\" ٧/ ٢٧ وعزاه لعبد بن حميد والبيهقي عن الحسن.\n(٦) هكذا في النسخ! وهو خطأ، والصواب: صنفان.","vol":"18","page":426},{"text":"أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ﴾ [الواقعة: ٨، ٩] (١). وعلى هذا القول الكناية في منهم ومنهم تعود إلى قوله: ﴿مِنْ عِبَادِنَا﴾. والقول هو الأول؛ لأن الله تعالى ذكر الأصناف بعد الاصطفاء؛ ولأنه ختم ذكرهم بقوله: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾.\nولقد أحسن أبو بكر الوراق كل الإحسان حيث قال: رتب الله هذه الأمة على ثلاث طبقات؛ لأن أحوالهم على ثلاث: معصية ثم توبة ثم قربة، فإذا عصى العبد كان ظالمًا لنفسه، ثم إذا تاب صار مقتصدًا فإذا ثبت على التوبة دخل (٢) في السابقين (٣).\nولهذا المعنى بدأ في ذكرهم بالظالمين (٤). على أن الواو عند أهل التحقيق لا توجب ترتيبًا. وذكرنا معنى المقتصد في اللغة عند قوله: ﴿أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ﴾ [المائدة: ٦٦] وقوله: ﴿سَابِقٌ﴾ أي: سابق إلى الجنة أو إلى\n_________\n(١) انظر: \"تفسير الطبري\" ٢٢/ ١٣٥، \"بحر العلوم\" ٣/ ٨٦، \"القرطبي\" ١٤/ ٣٤٦.\n(٢) في (ب): (صار من السابقين).\n(٣) انظر: \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٢٢٧ أ، \"البغوي\" ٣/ ٥٧٢.\n(٤) وقد ذكره القرطبي في \"تفسيره\" ١٤/ ٣٤٩ أوجهًا أخرى في سبب تقديم الظالم على المقتصد والسابق فقال: وتكلم الناس في تقديم الظالم على المقتصد والسابق، فقيل: التقديم في الذكر لا يقتضي تشريفًا، كقوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾.\nوقيل: قدم الظالم لكثرة الفاسقين منهم وغلبتهم، وأن المقتصدين قليل بالإضافة إليهم، والسابقين أقل من القليل ذكره الزمخشري ولم يذكر غيره. وقيل: قدم الظالم لتأكيد الرجاء في حقه؛ إذ ليس له شيء يتكل عليه إلا رحمة ربه، وأتكل المقتصد على حسن ظنه والسابق على طاعته.-قلت: وفي هذا القول نظر إذ لن يدخل أحد الجنة بعمله كما جاء عن الصادق المصدوق -ﷺ- وقيل: قدم الظالم لئلا ييأس من رحمة الله وأخر السابق لئلا يعجب بعمله.\nقلت: وقيل غير ذلك، ولا مانع من إرادة الكل والله أعلم.","vol":"18","page":427},{"text":"رحمة الله. ﴿بِالْخَيْرَاتِ﴾ أي: بأعماله الصالحة بإذن الله بأمر الله وإراداته. قوله: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ﴾ يعني: إيراثهم الكتاب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3650>٣٣ </span>- ثم أخبر بثوابهم وجمعهم في دخول الجنة فقال: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾ فقال ابن عباس: أدخلهم الجنة أفضل الجنان وأشرفها (١).\nوقال مقاتل: يعني: هؤلاء (٢) الأصناف الثلاثة يدخلون الجنان (٣).\nقال أبو علي: (جنات عدن نكرة ويدخلونها أو يدخلونها -على ما قرأ أبو عمرو- صفة لها؛ لأنها جملة والنكرات توصف بالجمل، وأما ارتفاع جنات، فيجوز أن يكون تفسيرا للفضل كأنه قيل: ما ذلك الفضل؟ فقال: الفضل جنات عدن، أي: دخول جنات. قال: ويجوز أن تجعل الجنات بدلًا من الفضل، كأن ذلك الفضل جنات عدن، أي: دخول جنات عدن) (٤). هذا كلامه، والمعنى: إيراثنا إياهم الكتاب الفضل الكبير، وذلك الفضل جنات عدن أي: دخولها؛ لأن إيراث الكتاب هو (٥) سبب دخول الجنات. وباقي الآية مفسرة في سورة الحج (٦).\nقال مقاتل: فلما دخلوها واستقرت بهم الدار، حمدوا ربهم على ما صنع بهم (٧). وهو:\n_________\n(١) انظر: \"تفسير ابن عباس\" بهامش المصحف ص ٣٦٧.\n(٢) في (ب): (هذه).\n(٣) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٥٤ أ.\n(٤) \"الحجة\" ٦/ ٢٨.\n(٥) \"هو\" ساقطة من (ب).\n(٦) آية: ٢٣، وأحال على سورة الكهف.\n(٧) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٠٤ أ.","vol":"18","page":428},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3651>٣٤ </span>- قوله: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾. قال أبو عبيدة والزجاج: الحزن والحزن واحد كالبخل والبخل والرشد والرشد (١).\nقال ابن عباس: يعنون ما يعاينون (٢) في الموقف من الأهوال والزلازل والشدائد (٣).\nقال مقاتل: لأنهم كانوا لا يدرون ما يصنع الله بهم (٤).\nوقال الكلبي: يعني الذي كان يحزنهم في الدنيا من أمر يوم القيامة (٥).\nوروى أبو الجوزاء عن ابن عباس قال: حزن النار (٦).\nوقال سعيد بن جبير: همُّ الخبز في الدنيا (٧).\nوقال الحسن: أحزان أهل الدنيا يقطعها الموت، ولكن أحزان الآخرة (٨).\nوقال عكرمة: حزن الذنوب والسيئات وخوف رد الطاعات (٩).\nوقال أبو إسحاق: اذهب الله عن أهل الجنة كل الأحزان ما كان منها\n_________\n(١) \"مجاز القرآن\" ٢/ ١٥٥، \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٧٠.\n(٢) في (أ): (عاينون).\n(٣) انظر: \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٢٢٩ أ، \"الماوردي\" ٤/ ٤٧٥، \"البغوي\" ٣/ ٥٧٢.\n(٤) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٠٤ أ.\n(٥) انظر: \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٢٢٩ أ، \"البغوي\" ٣/ ٥٧٢، \"فتح القدير\" ٤/ ٣٥٠.\n(٦) انظر: المصادر السابقة، ولعله لا فرق بين القولين.\n(٧) انظر: \"البغوي\" ٣/ ٥٧٢، \"زاد المسير\" ٦/ ٤٩٢، \"فتح القدير\" ٤/ ٣٥٠. ولعل المقصود بهذا القول هو هم طلب الرزق.\n(٨) لم أقف عليه.\n(٩) انظر: المصادر السابقة.","vol":"18","page":429},{"text":"لمعاش أو لمعاد (١).\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾ قال ابن عباس: يعنون بذلك أنهم غفر لنا العظائم من ذنوبنا، وشكر لنا من محاسن أعمالنا (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3652>٣٥ </span>- وقوله تعالى: ﴿الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ﴾ قال مقاتل: أنزلنا دار الخلود، أقاموا فيها أبدًا، لا يموتون ولا يتحولون عنها أبدًا (٣) قال الفراء والزجاج: المقامة مثل الإقامة، يقال: أقمت بالمكان إقامة ومقامة ومقامًا (٤).\nوقوله: ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾ قال أبو إسحاق: أي ذلك بتفضله لا بأعمالنا (٥).\n﴿لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ﴾ قال ابن عباس ومقاتل: لا يصيبنا في الجنة عناء ومشقة في أجسامنا (٦).\n﴿وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ﴾ اللغوب: الإعياء من التعب. قال الفراء في المصادر: لغب بالفتح يلغب الضم لغوبا، ولغب بفتح الغين قليلة (٧).\n_________\n(١) انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٧٠.\n(٢) انظر: \"تفسير ابن عباس\" ص ٣٦٧، وذكره المؤلف في \"الوسيط\" ٣/ ٥٠٦.\n(٣) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٠٤/ أ.\n(٤) انظر: \"معاني القرآن\" ٢/ ٣٧٠، انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٧١.\n(٥) انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٧١.\n(٦) انظر: \"تفسير ابن عباس\" بهامش المصحف ص ٣٦٧، \"تفسير مقاتل\" ١٠٤ أ.\n(٧) لم أقف على قول الفراء وانظر: \"اللسان\" ١/ ٧٤٢ (لغب)، إلا أن ابن منظور قال: ولغب بالكسر لغة ضعيفة. وما ذكر هنا خطأ فالمراد: ولعب بكسر العين، فلعله وهم من النساخ والله أعلم.","vol":"18","page":430},{"text":"الأزهري: ولغب فلان دابته، إذا تحامل عليها حتى أعيا (١) (٢).\nوالمفسرون يقولون في اللغوب: إنه الإعياء (٣). قال مقاتل: يقول: فلا يصيبنا في الجنة من إعياء (٤). وقال عطاء عن ابن عباس: مثل ما يلغب الرجل حين يلاعب أهله ويجامعها (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3653>٣٦ </span>- فلما بلغ هذا الموضع انقطعت صفة أهل التوحيد، وهم أمة محمد -ﷺ-، ثم قال في صفة الكفار (٦): ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا﴾ قال أبو إسحاق: فيموتوا جواب النفي، المعنى: لا يقضي عليهم الموت فيموتوا (٧). هذا كلامه. ويجوز أن يكون معنى لا يقضى عليهم لا يهلكون، من قوله: ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ (٨) وقد مر، وحينئذ لا يحتاج إلى تقدير محذوف. قال ابن عباس: فيموتوا فيستريحوا مما (٩) هم فيه من العذاب.\n﴿وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا﴾ طرفة عين كذلك يعن ما ذكر (١٠).\n_________\n(١) في (ب): (عيا) بدون همزة.\n(٢) انظر: \"تهذيب اللغة\" ٨/ ١٣٩ (لغب).\n(٣) انظر: \"تفسير الطبري\" ٢٢/ ١٤٠، \"بحر العلوم\" ٣٠/ ٨٨، \"المحرر الوجيز\" ٤/ ٤٤٠.\n(٤) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٠٤ أ.\n(٥) لم أقف عليه.\n(٦) في (ب): (الكافرين).\n(٧) انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٧١\n(٨) سورة القصص: آية ١٥.\n(٩) في (أ): (بما)، وهو خطأ.\n(١٠) انظر: \"تفسير ابن عباس\" بهامش المصحف ص ٣٦٧، وقد ذكره بعض المفسرين غير منسوب.","vol":"18","page":431},{"text":"وقال ابن عباس ومقاتل: هكذا نجزي كل كفور كل كافر (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3654>٣٧ </span>- ﴿يَصْطَرِخُونَ فِيهَا﴾ أي: يستغيثون. قاله ابن عباس (٢). والجميع، وهو [قول] (٣) من الافتعال من الصراخ، يقال اصطرخ (٤) القوم وتصارخوا (٥).\nقال مقاتل: والاستغاثة أنهم ينادون (٦) ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا﴾، قال ابن عباس: نقل: لا إله إلا الله ﴿غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾ يعني: الشرك (٧). فوبخهم الله تعالى فقال: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء: يريد ثماني عشرة سنة، وهو قول قتادة (٨). وقال الحسن: أربعين سنة (٩). وهو قول الكلبي، قال: تعمير العبد بعد أربعين سنة (١٠).\n_________\n= انظر: \"بحر العلوم\" ٣/ ٨٨، \"المحرر الوجيز\" ٤/ ٤٤٠، \"البغوي\" ٣/ ٥٧٣.\n(١) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٠٤ أ. وانظر: المصادر السابقة.\n(٢) انظر: \"تفسير ابن عباس\" ص ٤٣٨ بهامش المصحف.\n(٣) ما بين المعقوفين زيادة من (ب)\n(٤) في (ب): (أصرخ).\n(٥) انظر: \"تهذيب اللغة\" ٧/ ١٣٥ (صرخ)، \"اللسان\" ٣/ ٣٣ (صرخ).\n(٦) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٠٤ أ.\n(٧) انظر: \"الوسيط\" ٣/ ٥٠٦. \"تفسير القرطبي\" ١٤/ ٣٥٢.\n(٨) انظر: \"المحرر الوجيز\" ٤/ ٤٤١، \"تفسير البغوي\" ٣/ ٥٧٣، \"زاد المسير\" ٦/ ٤٩٤.\n(٩) انظر: \"معاني القرآن\" للنحاس ٥/ ٤٦١، \"تفسير البغوي\" ٣/ ٥٧٣، \"تفسير القرطبى\" ١٤/ ٣٥٣.\n(١٠) لم أقف عليه عن الكلبي. وقد ذكره الماوردي في \"تفسيره\" ٤/ ٤٧٦ عن ابن عباس ومسروق. وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ١/ ٣١٨٥ عن الحسن.","vol":"18","page":432},{"text":"روى منصور، عن هلال، قال: كان أهل المدينة إذا أتى على أحدهم أربعين سنة تفرغ للعبادة (١).\nوقال ابن عباس في رواية مجاهد: يعني ستين سنة (٢). وهذا أولى الأقاويل؛ لما روى أبو هريرة أن النبي -ﷺ- قال: \"إذا بلغ الرجل ستين سنة فقد أعذر الله إليه في العمر\" (٣)، وقوله: ﴿وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ قال ابن عباس (٤): يريد النبي -ﷺ-، وهو قول مقاتل والجمهور (٥).\nوقال آخرون: يعني به الشيب. روى ذلك عكرمة وسفيان بن عيينة (٦).\nوذكر الفراء والزجاج القولين في النذير (٧).\nوقال أبو علي: من قال: إن النذير محمد -ﷺ-، كان اسم فاعل كالمنذر، ومن قال: إنه الشيب، كان الأولى أن يكون مصدرًا كالإنذار (٨). والقول هو الأول. لقوله تعالى في صفة محمد -ﷺ-: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٥، الفتح.: ٨]\n_________\n(١) لم أقف عليه عن منصور بن هلال، وقد ذكره القرطبي في \"تفسيره\" ١٤/ ٣٥٣ ونسبه لمالك\n(٢) انظر: \"الطبري\" ٢٢/ ١٤١، \"بحر العلوم\" ٣/ ٨٩، \"زاد المسير\" ٦/ ٤٩٤.\n(٣) أخرجه الحاكم في \"المستدرك\" كتاب: التفسير، تفسير سورة الملائكة ٤/ ٤٢٧ وقال: صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه ووافقه الذهبي، وابن أبي حاتم في \"التفسير\" ١٠/ ٣١٨٥.\n(٤) انظر: \"تفسير ابن عباس\" بهامش المصحف ص ٤٣٧.\n(٥) وهو قول جمهور المفسرين كما حكاه \"البغوي\" ٣/ ٥٧٣، والنحاس في \"معاني القرآن\" ٥/ ٤٦٢، وابن عطية في \"المحرر الوجيز\" ٤/ ٤٤١.\n(٦) انظر: \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٢٣٠ أ، البغوي ٣/ ٥٧٣، \"زاد المسير\" ٦/ ٤٩٤.\n(٧) انظر: \"معاني القرآن\" ٢/ ٣٧٠، انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٧٢.\n(٨) \"الحجة\" ١/ ٢٥٥.","vol":"18","page":433},{"text":"وقوله تعالى: ﴿فَذُوقُوا﴾ قال مقاتل: فذوقوا العذاب. ﴿فَمَا لِلظَّالِمِينَ﴾ من مانع يمنعهم العذاب (١).\n\n٣٨ - وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَالِمُ غَيْبِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ تفسير هذه الآية قد تقدم فيما مضى (٢). قال الكلبي ومقاتل: في هذه الآية يعني أنهم لو ردوا (٣) لما نهو عنه (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3656>٣٩ </span>- ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ﴾ قال ابن عباس: يريد خلفًا من بعد قوم كانوا من قبلكم (٥). قال أبو إسحاق: أي جعلكم أمة خلفت من قبلها ورأت وشاهدت فيمن سلف ما ينبغي أن يعتبر به (٦). ﴿فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾ أي: جزاء كفره.\nثم أمر نبيه -ﷺ- بالاحتجاج عليهم بقوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ﴾ هو الآية. قال أبو إسحاق: معناه: قل أخبروني عن شركائكم (٧).\n﴿مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ﴾ قال أبو علي: (قوله: ﴿مَاذَا خَلَقُوا﴾ في موضع النصب؛ لأنه المفعول الثاني لأرأيتم.\n_________\n(١) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٠٤ أ.\n(٢) عند قوله تعالى في سورة آل عمران آية ١١٩، ١٥٤.\n(٣) هكذا في النسخ! وهو خطأ، إذا الصواب هو: لو ردوا لعادوا لما نهوا عنه، بدليل قوله تعالى في سورة الأنعام: آية ٢٨ ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾\n(٤) لم أقف عليه منسوبًا للكلبي. وانظر: \"تفسير مقاتل\" ١٠٤ أ، \"بحر العلوم\" ٣/ ٨٩، \"القرطبي\" ١٤/ ٣٥٥.\n(٥) لم أقف عليه منسوبًا لابن عباس. ونسبه بعض المفسرين لقتادة. انظر: \"تفسير الطبري\" ٢٢/ ٤٣، \"مجمع البيان\" ٨/ ٦٤٢.\n(٦) انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٧٢.\n(٧) المصدر السابق.","vol":"18","page":434},{"text":"وقوله تعالى: ﴿أَرُونِي﴾ تأكيدًا لما دل عليه أرأيتم. ألا ترى أن أرأيتم بمنزلة أخبروني، ومثله قوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ﴾ [القصص: ٧١]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3657>٤٠ </span>- وقوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ﴾ [فصلت: ٥٢] في الاستفهام في الآيتين، في (١) المفعول الثاني لـ (أرأيتم) (٢).\nوقال مقاتل: ﴿مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ﴾ كما خلق الله آدم إن كانوا آلهة (٣).\nقال الفراء: أي أنهم لم يخلقوا شيئًا (٤). فعلى هذا من بمعنى في.\nوقال الزجاج: (أي بأس شيء أوجبتم لهم شركة الله -﷿-) (٥) أي شيء خلقوه من الأرض.\n﴿أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ أي: أم لهم شركة في خلق الموات. ثم ترك هذا النظم فقال: ﴿أَمْ آتَيْنَاهُمْ﴾ يقول: بل آتيناهم، يعني: أهل مكة. ﴿كِتَابًا﴾ قال ابن عباس: يريد بعثت إليهم قبلك يا محمد نبينا، وأنزلت عليهم كتابًا (٦).\n_________\n(١) حرف الجر (في) طمس من (ب).\n(٢) لم أقف على قول أبي علي، وانظر: \"إعراب القرآن\" للنحاس ٢/ ٧٠١.\n(٣) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٠٤ ب.\n(٤) انظر: \"معاني القرآن\" ٢/ ٣٧٠.\n(٥) انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٧٣.\n(٦) انظر: \"تفسير ابن عباس\" بهامش المصحف ص ٤٣٩، وذكر هذا القول الماوردي في \"تفسيره\" ٤/ ٤٧٨ ونسبه للكلبي.","vol":"18","page":435},{"text":"وقال مقاتل: يقول هل أعطينا كفار مكة كتابًا (١). ﴿فَهُمْ عَلَى بَيِّنَتٍ مِنْهُ﴾ يعني: ما في الكتابين (٢) من ضروب البينات.\nوقرأ أبو عمرو: بينة، جعل ما في الكتاب بينة على لفظ الإفراد وإن كانت عدة أشياء، كما قال: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾ [هود: ٢٨] (٣).\nثم استأنف: ﴿بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ﴾ أي: ما يعد الظالمون. ﴿بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلَّا غُرُورًا﴾ يعني: أباطيل تغر. قال ابن عباس: يريد ما يعدهم به إبليس وجنوده (٤).\nوقال مقاتل: يعني ما يعد الشيطان كفار بني آدم من شفاعة الآلهة لهم في الآخرة إلا باطلًا ليس بشيء (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3658>٤١ </span>- قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا﴾ قال مقاتل: يعني لئلا تزولا عن مواضعهما (٦). وعلى هذا، تكون هذه الآية كقوله: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ (٧) وقد مر.\nوقال أبو إسحاق: يمسك بمعنى: يمنع (٨) (٩).\n_________\n(١) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٠٤ أ.\n(٢) هكذا في النسخ بالتثنية! وهو خطأ؛ لأن الإشارة لم تسبق إلا إلى كتاب واحد، وهكذا وردت بالإفراد في \"الوسيط\" ٣/ ٥٥٧.\n(٣) انظر: \"الحجة\" ٦/ ٢٩ - ٣٠، \"حجة القراءات\" ص ٥٩٤.\n(٤) لم أقف عليه.\n(٥) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٠٤ أ.\n(٦) المصدر السابق.\n(٧) سورة النساء: آية ١٧٦.\n(٨) في (أ): (يمنعني)، وهو تصحيف.\n(٩) النظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٧٣.","vol":"18","page":436},{"text":"وعلى هذا لا يحتاج إلى إضمار؛ لأن المعنى يمنعهما الزوال. وقال أبو عبيدة: في هذه الآية سبيلهما سبيل قوله: ﴿أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾ [الأنبياء: ٣٠] (١). يعني: أنه ذكر السموات والأرض، ثم أعاد الكناية إليهما كما تعاد إلى الاثنين. قال الأخفش: جعل السموات صنفا كالواحد (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ زَالَتَا﴾ قال الفراء: (يعني ولو زالتا، كقوله: ﴿وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا﴾، وقوله: ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ ولئن ولو، وهما متآخيتان يجابان بجواب واحد) (٣).\nوقال أبو إسحاق: هذا على وجهين:\nأحدهما: أنه أراد زولانهما في القيامة قال الله -﷿-: ﴿وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ﴾ [التكوير: ١١] والثاني: أن يقال: إن زالتا وهما لا يزولان. هذا كلامه (٤). والمعنى في الوجه الأول أن زوالهما جائز ولان (٥) في القيامة، وفي الوجه الثاني قيل: ولئن زالتا، على التقدير: لا أنهما تزولان ما دامت الدنيا.\nوقال مقاتل: يعني: ولئن أرسلتهما فزالتا (٦)، وأضمر الإرسال.\nوقوله تعالى: ﴿إِنْ أَمْسَكَهُمَا﴾ قال أبو عبيدة: أي لا يمسكهما (٧).\n_________\n(١) \"مجاز القرآن\" ٢/ ١٥٦.\n(٢) انظر: \"معاني القرآن\" ٢/ ٤٨٧.\n(٣) انظر: \"معاني القرآن\" ٢/ ٣٧٠.\n(٤) انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٧٤.\n(٥) هكذا في النسخ! ولعله تصحيف، والصواب: وكائن.\n(٦) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٠٤ ب.\n(٧) \"مجاز القرآن\" ٢/ ١٥٦.","vol":"18","page":437},{"text":"وقال الفراء: يعني: ما أمسكهما (١).\nقال مقاتل: يقول لم يمسكهما أحد من بعد الله (٢).\nوقال الكلبي في سبب النزول (٣): إن اليهود لما قالوا: عزير ابن الله [وقالت] (٤) النصارى: المسيح ابن الله، كادت السموات والأرضون أن تزولا عن أمكنتهما، فمنعها الله -﷿- ونزل هذه الآية.\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ قال: حليمًا عما يقال له، غفورًا لمن تاب من مقالته. واختار الزجاج قول الكلبي، وذكر في النزول مثل قوله. ﴿حَلِيمًا﴾ حلم عمن قال: اتخذ الرحمن ولدًا فلم يعجل عليهم العقوبة (٥). وسائر المفسرين لم يذكروا هذا السبب، والآية على قولهم احتجاجًا على المشركين بقدرة الله تعالى على حفظ السموات والأرض وإمساكهما عن الزوال، وإخبار (٦) عن عظم قدرته، وعلى هذا يقال: لم قال إنه كان حليمًا غفورًا؟ وأين هذا المكان عن ذكر الحلم والمغفرة وهذا موضع يدل على القدرة؟ والجواب عن هذا ما ذكر مقاتل، قال: هذا على التقديم، إنه كان حليمًا عن قولهم (٧) الملائكة بنات الله، غفورًا إذا أخر\n_________\n(١) انظر: \"معاني القرآن\" ٢/ ٣٧٥.\n(٢) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٠٤ ب.\n(٣) انظر: \"القرطبي\" ١٤/ ٣٥٧، وأورده ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٦/ ٤٩٦ عن الزجاج.\n(٤) ما بين المعقوفين ساقط في (ب)\n(٥) انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٧٣.\n(٦) في (ب): (وإجار).\n(٧) في (ب): (للملائكة).","vol":"18","page":438},{"text":"العذاب عنهم ولم يعجل عليهم بالعقوبة (١). يعني أن هذا يعود إلى ما قبله من ذكر كفار مكهَ والمشركين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3659>٤٢ </span>- قوله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ يعني: كفار مكة. وهذه ألفاظ قد سبق تفسيرها في سورتين (٢).\nقال ابن عباس: حلفوا بالله قبل أن يأتيهم محمد بأيمان غليظة ﴿لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ﴾ رسول. ﴿لَيَكُونُنَّ أَهْدَى﴾ أصوب دينا. ﴿مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ﴾ يريد: اليهود والنصارى والصابئين. ﴿جَاءَهُمْ نَذِيرٌ﴾ وهو محمد -ﷺ-: ﴿مَا زَادَهُمْ﴾ مجيئه ﴿إِلَّا نُفُورًا﴾ تباعدًا عن الهدى (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3660>٤٣ </span>- ﴿اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ﴾ قال ابن عباس: عتوا (٤).\nوقال مقاتل: تكبرا في الأرض عن الإيمان (٥). وانتصب استكبارا -عند الأخفش- على البدل من قوله: ﴿نُفُورًا﴾ (٦).\n_________\n(١) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٠٤ ب.\n(٢) سورة الأنعام: آية ١٠٩، قوله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا﴾ والآية ٥٣ من سورة النور، قوله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ﴾.\n(٣) انظر: \"تفسير ابن عباس\" بهامش المصحف ص ٣٦٨، وأرده المؤلف في \"الوسيط\" ٣/ ٥٠٨، وذكره أكثر المفسرين غير منسوب لابن عباس.\nانظر: \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٢٣٠ ب، \"بحر العلوم\" ٣/ ٩٠، \" المحرر الوجيز\" ٤/ ٤٤٣.\n(٤) لم أقف عليه عن ابن عباس. وانظر: \"بحر العلوم\" ٣/ ٩٠، \"الوسيط\" ٣/ ٥٠٨، \"القرطبي\" ١٤/ ٣٥٨.\n(٥) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٠٤ ب.\n(٦) انظر: \"الدر المصون\" ٥/ ٤٧٣، \"البحر المحيط\" ٨/ ٣٠٥.","vol":"18","page":439},{"text":"وقال الفراء: فعلوا ذلك استكبارا (١). وهذا محتمل المصدر، ويحتمل أن يكون معناه للاستكبار، وهو قول الزجاج قال: هو منصوب؛ لأنه مفعول له، المعنى: ما زادهم إلا نفورًا للاستكبار (٢).\n﴿وَمَكْرَ السَّيِّئِ﴾ قرأ حمزة بإسكان الهمزة. قال أبو إسحاق: (وهذا عند النحويين لحن لا يجوز، وإنما يجوز في الشعر للاضطرار، كقوله:\nإذا أعوججن قلت صاحب قوم (٣)\nيريد: يا صاحب، فحذف مضطرا، كأنه استثقل الضم بعد الكسر والكسر بعد الكسر، ولو قال صاحب، ومثله:\nاليوم اشرب غير مستحقب (٤)\n_________\n(١) انظر: \"معاني القرآن\" ٢/ ٣٧٨.\n(٢) انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٧٤.\n(٣) صدر بين من الرجز، وعجزه:\nبالدو أمثال السفين العوم\nوينسب لابن نحيلة، انظر: \"شرح أبيات سيبوبه\" ٢/ ٣٩٨، \"شرح شواهد الشافية\" ص ٢٢٥. وبلا نسبة في: \"الكتاب\" ٤/ ٢٠٣، \"الخصائص\" ١/ ٧٥، \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٣٧١.\nويعني بقوله: اعوججن، الإبل، والدو: الصحراء، شبه الإبل في الصحراء بالسفن التي تمخر عباب اليم.\nوالشاهد فيه: تسكين ياء صاحب، تشبيهًا للوصل بمجرى الوقف.\n(٤) صدر بيت، وعجزه:\nإثمًا من الله ولا واغل\nوهو لامرئ القيس كما في: \"ديوانه\" ص ١٢٢، \"الكتاب\" ٤/ ٢٠٤، \"لسان العرب\" ١/ ٣٢٥ (حقب)، \"الأصمعيات\" ص ١٣٠. واستحقب: اكتسب، وأصل الاستحقاب حمل الشيء في الحقيبة، والواغل: الداخل على القوم في شرابهم ولم يدع.\nوالشاهد فيه قوله: اشرب، حيث سكن الباء ضرورة.","vol":"18","page":440},{"text":"والبيتان أنشدهما جميع النحويين المذكورين، قد أعلنوا كلهم أن هذا من الاضطرار في الشعر، ولا يجوز مثله في كتاب الله) (١).\nقال أبو علي: (التقدير في قوله: ﴿اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ﴾: استكبروا في الأرض، ﴿وَمَكْرَ السَّيِّئِ﴾ أي: مكروا والمكر السيئ، فأضيف المصدر، إلى صفة المصدر ألا ترى أنه قد جاء بعد ولا يحيق المكر السيئ، وكما أن السيئ صفة للمصدر كذلك الذي قبله، ومثله قوله: ﴿أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ﴾ تقديره: مكروا المنكرات السيئات، إلا أنك إذا أضفت إلى السيئ قدرت الصفة وصفًا لشيء غير المكر، كما أن من قال: دار الآخرة، وجانب الغربي، قدره كذلك، يريد أن الأصل: الدار الآخرة، والجانب الغربي، فلما أضيف إلى صفته صار التقدير: دار الأحكام الآخرة، وجانب البلد الغربي، كذلك مكر السيئ يكون معناه: مكر الشرك السيء.\nقال: فأما قراءة حمزة واستكانة (٢) الهمزة في الاستدراج، فإن ذلك يكون على إجرائها في الوصل مجراها في الوقف، فهو مثل سببا (٣) ويمهل، وهو في الشعر كثير.\nومما يقوي ذلك أن قومًا قالوا في الوقف: أقعى وأقعوا، فأبدلوا من الألف الواو والياء، ثم أجروها في الوصل مجراها في الوقف فقالوا: هذه أفعوا يا فتى، فكذلك عمل حمزة بالهمزة في هذا الموضع.\n_________\n(١) انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٧٥.\n(٢) في (أ): (واستكانة)، وهو خطأ.\n(٣) في (ب): (سببا)، وهو تصحيف.","vol":"18","page":441},{"text":"قال: ويحتمل وجهًا آخر، وهو أنه خفف لاجتماع الكسرتين واليائين، كما خففوا الباء من إبل لتوالي الكسرتين، ونزل حركة الإعراب بمنزلة غير حركة الإعراب كما فعلوا في قولهم:\nفاليوم فاشرب غير مستحقب (١) ... ..........\n................ ... وقد بدا هنك من المئزر (٢)\nفإذا شاع ما ذكرنا في هذه القراءة من التأويل، لم يسغ لقائل أن يقول إنه لحن، للزمه أن يقول: إن قول من قال: افعوا في الوصل لحن، فإذا كان من قرأ به على قياس ما استعملوه في كلامهم المنثور لم يكن لحنا، ولم يكن لقادح في ذلك قدح. وهذه القرآة وإن كان لها مخلص من الطعن، فالوجه قراءة الحرف على ما عليه الجمهور في الدرج) (٣).\nوقال أبو جعفر النحاس: كان الأعمش يقف على ومكر السيئ، فيترك الحركة، وهو وقف حسن؛ لأنه تمام الكلام، ثم غلط الراوي فروى أنه كان يحذف الإعراب في الإدراج (٤)، فيحتمل أن يكون حمزة قد ذهب إلى قراءته ولم يعلم أنه إنما كانت يترك الحركة في همز الوقف؛ لأنه في\n_________\n(١) صدر بيت لامرئ القيس سبق معنا.\n(٢) عجز بيت من السريع، وصدره:\nرحت وفي رجليك ما فيهما.\nوهو مختلف في نسبته، فهو في ديوان الأقيشة الأسدي ومنسوب إليه في \"شرح أبيات سبويه\" ٢/ ٣٩١، و\"حزانة الأدب\" ٤/ ٤٨٤، ونسبه ابن قتيبة كما في \"الشعر والشعراء\" للفرزدق. والشاهد فيه: إسكان النون في هناك ضرورة، وهو مرفوع لأنه فاعل بدا.\n(٣) \"الحجة\" ٦/ ٣١ - ٣٣.\n(٤) \"القطع والائتناف\" ص ٥٩٣.","vol":"18","page":442},{"text":"الإدراج، فتابع المغالط في الرواية (١).\nوالمفسرون فسروا المكر السيئ هاهنا بالشرك (٢). والتقدير: ومكروا مكرًا سيئًا، والمكر السيئ وهو عملهم القبيح من الشرك، والمكر هو العمل القبيح. وقد مر هذا المعنى في مواضع من التنزيل.\n﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ قال ابن عباس: يريد عاقبة الشرك لا تحل إلا بمن أشرك (٣). وقال الكلبي: هو أنهم قتلوا يوم بدر (٤).\nثم خوفهم فقال: قوله تعالى: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ﴾ أي: هل ينظرون إلا أن ينزل بهم العذاب كما نزل بالأمم المكذبة قولهم (٥) أي: يجب أن لا ينتظروا إلا العذاب بعد تكذيبك، وهذا كقوله: ﴿فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ (٦) وقد مر.\nقوله: ﴿فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ في العذاب. ﴿تَبْدِيلًا﴾ وإن تأخر ذلك؛ لأن قوله الحق في نزول العذاب بهم في الدنيا.\n﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾ لا يقدر أحد أن يحول العذاب عنهم إلى غيرهم. قاله مقاتل وابن عباس (٧).\n_________\n(١) انظر: \"الدر المصون\" ٥/ ٤٧٣.\n(٢) انظر: \"تفسير الطبري\" ٢٢/ ١٤٥، \"بحر العلوم\" ٣/ ٩٠، \"تفسير البغوي\" ٣/ ٥٧٤، \"تفسير القرطبي\" ١٤/ ٣٥٨.\n(٣) انظر: \"تفسير البغوي\" ٣/ ٥٧٥، \"المحرر الوجيز\" ٤/ ٤٤٣، \" زاد المسير\" ٦/ ٣٥٩.\n(٤) انظر: \"تفسير الماوردي\" ٤/ ٤٧٩، \"البغوي\" ٣/ ٥٧٥، \"القرطبي\" ١٤/ ٣٥٩.\n(٥) هكذا في النسخ! وهو خطأ، والصواب: قبلهم.\n(٦) سورة يونس: آية ١٠٢.\n(٧) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٠٤ ب، انظر: \"تفسير ابن عباس\" ص ٣٦٨.","vol":"18","page":443},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3661>٤٥ </span>- وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا﴾ قال ابن عباس ومقاتل: يريد المشركين كفار مكة (١). ﴿بِمَا كَسَبُوا﴾ من الذنوب لعجل لهم العقوبة، وهو قوله: ﴿مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا﴾. قال الأخفش: أضمر الأرض من غير أن يكون ذكرها؛ لأن هذا الكلام قد كثر حتى قد عرف معناه، ويقولون: ما على ظهرها أحب إلى منك، وما بها من أحد آثر عندي منك (٢).\nوقال الزجاج: قد جرى ذكر الأرض في قوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ (٣).\nوقوله: ﴿مِنْ دَابَّةٍ﴾ قال ابن عباس: يريد المشركين (٤).\nوقال الكلبي: يعني الجن والإنس خاصة (٥)\nقال أبو عبيدة: الدابة هاهنا الناس خاصة (٦). واختار الزجاج قول الكلبي (٧).\nوسائر أهل التفسير يجعلون الدابة هاهنا عامًا في من دب على وجه الأرض، وذكرنا الكلام في هذا مستقصى في نظير هذه الآية في سورة النحل [: ٦١].\n_________\n(١) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٠٥ أ، ولم أقف عليه عن ابن عباس.\n(٢) انظر: \"معاني القرآن\" ٢/ ٤٨٧.\n(٣) انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٧٦.\n(٤) لم أقف عليه.\n(٥) انظر: \"تفسير الماوردي\" ٤/ ٤٧٩، \"تفسير القرطبي\" ١٤/ ٣٩١.\n(٦) \"مجاز القرآن\" ٢/ ١٥٦.\n(٧) انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٧٦.","vol":"18","page":444},{"text":"قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا﴾ قال ابن عباس: يريد أهل طاعته وأهل معصية (١).\n_________\n(١) انظر: \"الوسيط\" ٣/ ٥٠٨، \"تفسير البغوي\" ٣/ ٥٧٥.","vol":"18","page":445},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3662>سورة يس</span>","vol":"18","page":447},{"text":"تفسير سورة يس\nبسم الله الرحمن الرحيم\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3663>١ </span>- ﴿يس﴾، قال ابن عباس في رواية عطاء: يريد يا إنسان، قال: وهي بلغة طي، وهو قول الكلبي وعكرمة والضحاك ومقاتل والحسن (١).\nوقال ابن الحنفية: يا محمد، وهو قول سعيد بن جبير (٢).\nوقال أبو العالية: يا رجل (٣). وهذان القولان كالأول، تفسير لذلك الإنسان المنادى.\nوقال عطاء: هي بالسريانية. وقيل: بالحبشة. روي ذلك أيضًا عن ابن عباس (٤). فمن قال بهذا، قال: إنهم يقولون: يس، ويريدون به يا إنسان، ثم تكلمت العرب به فصار من لغتهم، كما ذكر أنها من لغة طي، ووجهه من العربية أنه اكتفى بالسين من إنسان كما يكتفي بالحرف الواحد من الكلمة.\nوقال مجاهد: ﴿يس﴾ فواتح من كلام الله يفتح بها كلامه (٥).\n_________\n(١) انظر: \"اللغات في القرآن\" ص ٥٣، \"الطبري\" ٢٢/ ١٤٨، \"الماوردي\" ٥/ ٥، \"زاد\nالمسير\" ٣/ ٧، \"تفسير مقاتل\" ١٠٥ أ.\n(٢) انظر: \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٢٣٢ أ، \"الماوردي\" ٥/ ٥، \"المحرر الوجيز\" ٤/ ٥٤٥، \"زاد المسير\" ٧/ ٣.\n(٣) انظر: \"البغوي\" ٤/ ٥، \"مجمع البيان\" ٨/ ٦٠٥.\n(٤) انظر: \"المارودي\" ٥/ ٥، \"القرطبي\" ١٥/ ٤، \"المحرر الوجيز\" ٤/ ٥٤٥، \"زاد المسير\" ٧/ ٣، \"البحر المحيط\" ٧/ ٣١٠.\n(٥) انظر: \"الطبري\" ٢٢/ ١٤٨، \"بحر العلوم\" ٣/ ٩٣، \"الماوردي\" ٥/ ٥.","vol":"18","page":449},{"text":"واختلف القراء في إظهار النون من ﴿يس﴾ وإخفائه، فقرأوا بالوجهين، وكلامه جائز صحيح، فمن أظهر فلأن هذه الحروف مبنيَّة علي الوقف يدل على ذلك استجازتهم فيها الجمع (١) بين ساكنين كما يجتمعان في الكلم التي يوقف عليها، فلما جاز فيها الجمع بين ساكنين من حيث كان التقدير فيها الوقف استجيز معها تبيين النون في الإدراج وإن كانت النون الساكنة تجيء مع حروف الفم؛ لأن التقدير بها الوقف. ومن أخفى فلأنه وإن كان في التقدير الوقف لم يقطع فيه همزة الوصل، وذلك قولهم: ألم الله، ألا ترى أنهم حذفوا همزة الوصل كما تحذف في الكلم التي توصل، فلا يكون التقدير فيها الوقوف عليها، وكذلك قالوا: واحد اثنان، فحذفوا همزة الوصل، وإذا صار في تقدير الوصل أوجب أن لا تبين معها النون (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3664>٢، ٣ </span>- قوله تعالى: ﴿وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (٢) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ قال ابن عباس ومقاتل: أقسم الله بالقرآن المحكم أنك لمن المرسلين، وذلك أن كفار مكة قالوا له: لست مرسلًا، وما أرسل الله إلينا رسولًا، فأقسم الله بالقرآن أن محمدًا من المرسلين (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-3665>٤ </span>- ﴿عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ قال ابن عباس ومقاتل: على [دين] (٤)\n_________\n(١) في (أ): (الجميع)، وهو خطأ.\n(٢) انظر هذا الكلام بنصه مع اختلاف يسير في \"الحجة\" ٦/ ٣٥، وانظر: \"حجة القراءات\" ص ٥٩٥، \"الحجة في القراءات السبع\" ٢٩٧.\n(٣) انظر: \"القرطبي\" ١٥/ ٥، \"تفسير مقاتل\" ١٠٥ أ، وذكره غير منسوب: البغوي ٥/ ٥، الطبري في \"مجمع البيان\" ٨/ ٦٥٠.\n(٤) ما بين المعقوفين طمس في (ب).","vol":"18","page":450},{"text":"مستقيم، يعني دين الإسلام؛ لأن الأديان كلها غير الإسلام [ليس] (١) بمستقيم (٢).\nقال أبو إسحاق: (أي على طريق الأنبياء الذين تقدموك، قال: وأحسن ما في العربية أن يكون ﴿لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ خبر إن، ويكون ﴿عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ خبرًا ثانيًا والمعنى: إنك لمن المرسلين، وإنك على صراط مستقيم. قال: ويجوز أن يكون على صراط من ملة المرسلين، فيكون المعنى: إنك من المرسلين الذين أرسلوا على طريقة مستقيمة (٣). وذكر الفراء أيضًا الوجهين في قوله: ﴿عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ كما ذكر الزجاج (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3666>٥ </span>- وقوله: ﴿تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ تنزيل يقرأ بالرفع والنصب، فمن قرأ بالنصب فعلى المصدر، على معنى: نزل الله ذلك تنزيلًا من العزيز الرحيم، ثم أضيف المصدر فصار معرفة، كما قال: ﴿فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ [محمد: ٤] على معنى: فضربًا للرقاب. وهذا قول الزجاج وأبي علي وصاحب النظم (٥).\nومن قرأ بالرفع فعلى معنى: الذي أنزل إليك تنزيل العزيز الرحيم، وهو تنزيل، أو على: تنزيل العزيز. هذا قول مقاتل (٦): هذا القرآن هو تنزيل\n_________\n(١) ما بين المعقوفين ساقط في (ب).\n(٢) لم أقف عليه عن ابن عباس. وانظر: \"تفسير مقاتل\" ١٠٥ أ.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٧٧.\n(٤) \"معاني القرآن\" ٢/ ٢٧٢.\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٧٨، \"الحجة\" ٦/ ٣٦.\n(٦) \"تفسير مقاتل\" ١٠٥ أ.","vol":"18","page":451},{"text":"العزيز في ملكه الرحيم بخلقه. وقال الكلبي: العزيز بالنقمة من (١) لم يجب الرسل الرحيم بالمؤمنين (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3667>٦ </span>- وقوله تعالى: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا﴾ قال صاحب النظم: هذا متصل بقوله: ﴿نَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٣) لِتُنْذِرَ قَوْمًا﴾\nقوله تعالى: ﴿مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ﴾ فيه قولان: قال ابن عباس في رواية عطاء: يريد كما أنذر آباؤهم من لدن إبراهيم وإسماعيل (٣).\nوقال مقاتل: كما أنذر آباؤهم الأولون (٤).\nوقال عكرمة: مثل ما أنذر آباؤهم (٥).\nالقول الثاني: قال قتادة: لتنذر قومًا لم يأتهم نذير قبلك (٦). ونحو هذا قال الكلبي (٧) وهو قول عامة المفسرين (٨). و﴿مَا﴾ على هذا القول تكون [جحدًا] (٩). وذكر الفراء والأخفش والزجاج القولين، قال الفراء: (لتنذر [قومًا] (١٠) لم ينفع (١١) آباؤهم ولا أتاهم رسول قبلك، ويقال: لتنذرهم بما\n_________\n(١) هكذا في النسخ! وهو خطأ، والصواب: لمن.\n(٢) لم أقف عليه.\n(٣) انظر: \"تفسير ابن عباس\" بهامش المصحف ٣٦٩، \"القرطبي\" ١٥/ ٦.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ١٠٥ أ.\n(٥) انظر: \"الطبري\" ٢٢/ ١٥٠، \"القرطبي\" ١٥/ ٦، \"مجمع البيان\" ٨/ ٦٥٠.\n(٦) انظر: \"الطبري\" ٢٢/ ١٥٠، \"الماوردي\" ٥/ ٦، \"مجمع البيان\" ٨/ ٦٥٠.\n(٧) لم أقف عليه.\n(٨) انظر: \"الثعلبي\" ٣/ ٢٣٢ ب، \"الطبري\" ٢٢/ ١٥٠، \"الماوردي\" ٥/ ٦، \"بحر العلوم\" ٣/ ٩٣.\n(٩) ما بين المعقوفين طمس في (ب).\n(١٠) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).\n(١١) هكذا في النسخ، وهو خطأ، والصواب: لم يُنذر آباؤهم.","vol":"18","page":452},{"text":"أنذر آباؤهم فتلقي الباء، فيكون ﴿مَا﴾ في موضع نصب كما قال: ﴿أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً﴾ [فصلت: ١٣]) (١).\nوقال الأخفش: (أي لم تنذر آباءهم؛ لأنهم كانوا في الفترة، قال: وقال بعضهم: لتنذر الذي أنذر آباؤهم، ثم اختار القول الأول؛ لقوله: ﴿فَهُمْ غَافِلُونَ﴾، ودخول الفاء على المعنى الثاني كأنه لا يجوز، وهو على الأول أحسن) (٢) هذا كلامه. ومعناه: أنك إذا جعلت ﴿مَا﴾ إثباتًا بمعنى الذي، لم يحسن دخول الفاء في ﴿فَهُمْ غَافِلُونَ﴾ فإذا جعلته نفيًا حسن.\nقال أبو إسحاق: (الاختيار أن ﴿مَا﴾ جحدٌ؛ لأن قوله: ﴿فَهُمْ غَافِلُونَ﴾ دليل على معنى لم ينذر آباؤهم، وإذا كان قد أنذر آباءهم كان في قوله: ﴿فَهُمْ غَافِلُونَ﴾ بُعدٌ. قال: ودليل النفي قوله: ﴿وَمَا آتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ﴾ [سبأ: ٤٤] (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3668>٧ </span>- وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ قال مقاتل: (وجب العذاب على أكثر أهل مكة، قال: ويعني بالقول قوله لإبليس: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ﴾ [ص: ٨٥]) (٤).\nقال أبو إسحاق: (القول هاهنا -والله أعلم- مثل قوله: ﴿وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الزمر: ٧١]) (٥).\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" ٢/ ٣٧٢.\n(٢) \"معاني القرآن\" ٢/ ٤٨٨.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٧٨\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ١٠٥ أ.\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٧٨.","vol":"18","page":453},{"text":"وقال صاحب النظم: القول هاهنا: إيماء (١) إلى القدر مقتصًا من قوله: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة: ١٣] هذا كلامه. والمعنى أن قوله: ﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ﴾ إشارة إلى الإرادة الأزلية السابقة بكفرهم، وإذا سبقت الإرادة بكفرهم فمتى يؤمنون؟ وهو قوله ﴿فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾.\nقال الزجاج: بكفرهم وعنادهم أضلهم ومنعهم الهدى فهم لا يؤمنون (٢). [قال الزجاج: بكفرهم وعنادهم فهم لا يؤمنون] (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3669>٨ </span>- قوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ﴾ في هذه الآية والتي بعدها مذهبان: أحدهما: مذهب المفسرين، وهو أن الآية نزلت في أبي جهل، قصد النبي -ﷺ- بحجر ليدمغه وهو يصلي، فيبست يده إلى عنقه حتى عاد إلى أصحابه، فذلك قوله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا﴾. وهذا قول مقاتل والكلبي (٤). والثاني: مذهب أهل المعاني: وهو أن هذا على طريق المثل ولم يكن هناك غل (٥)، أراد:\n_________\n(١) في (ب): (أبا).\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٧٨.\n(٣) ما بين المعقوفين تكرار، وهو في جميع النسخ.\n(٤) انظر: \"الطبري\" ٢٢/ ١٥٢، \"بحر العلوم\" ٣/ ٩٤، \"الماوردي\" ٥/ ٧، \"البغوي\" ٤/ ٦، \"زاد المسير\" ٧/ ٦، وأصل الحديث في البخاري \"كتاب التفسير\"، تفسير سورة إقرأ عند قوله تعالى: ﴿كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ﴾ ٤/ ١٨٩٦ رقم الحديث (٤٦٧٥) من طريق عكرمة عن ابن عباس ﵄.\nوقال الحافظ ابن حجر في \"تخريج أحاديث الكشاف\" ٣/ ١٦١: رواه أبو نعيم في \"دلائل النبوة\" قال: وهو في أوائل سيرة ابن هشام من قول ابن إسحاق في كلام طويل.\n(٥) \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٧٢، \"معاني القرآن\" للنحاس ٥/ ٤٧٥، \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٨٠.","vol":"18","page":454},{"text":"منعناهم عن الإيمان بموانع، وهذا قول أبي عبيدة (١).\nوقال الفراء: معناه إنا حبسناهم عن الإنفاق في سبيل الله (٢). وكان هذا الوجه أوضح؛ لقوله فيما بعد: ﴿وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ﴾ الآية.\n﴿فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ﴾ قال الفراء: (هي كناية عن الإيمان ولم يذكر، وذلك أن الغل لا يكون إلا في اليمين والعنق، جامعًا لليمين والعنق فكفى ذكر أحدهما عن صاحبه كما قال: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ﴾ [البقرة: ١٨٢] فضم الورثة إلى الوصي ولم يذكروا؛ لأن الصلح بما بقى من الوصي والورثة، ومثله قول الشاعر:\nوما أدري إذا يممت وجهًا ... أريد الخير أيهما يليني (٣)\nوإنما ذكر الخبر وحده، ثم قال: [أيهما] (٤) وذلك أن الشر يذكر مع الخير، وهي في قراءة عبد الله (إنا جعلنا في أيمانهم) فكفت الأيمان عن ذكر الأعناق في حرف عبد الله، وكفت الأعناق في قراءة العامة) (٥) عن ذكر الأيمان ونحو هذا قال الزجاج سواء، قال: (ومثل هذا قوله: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ ولم يذكر البرد؛ لأن ما يقي الحر يقي البرد) (٦).\n_________\n(١) انظر: \"القرطبي\" ١٥/ ٨، \"فتح القدير\" ٤/ ٣٦١.\n(٢) \"معاني القرآن\" ٢/ ٢٧٣.\n(٣) البيت من الوافر، وهو للمثقب العبدي في نونيته، في \"ديوانه\" ص ٢١٢، \"الخزانة\" ١١/ ٨٠، وبلا نسبة في: \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٣٧٢، \"معاني القرآن وإعرابه\" للزجاج ٤/ ٢٧٩.\n(٤) هكذا جاء في النسخ، وما بين المعقوفين يظهر أنه زائد؛ لأنه ليس في \"معاني القرآن\" للفراء، ولا معنى له كذلك.\n(٥) \"معاني القرآن\" ٢/ ٣٧٢ - ٣٧٣.\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٨٠.","vol":"18","page":455},{"text":"وقوله: ﴿فَهُمْ مُقْمَحُونَ﴾. قال الفراء: المقمح: الغاض بصره بعد رفع رأسه. (١) (٢) هذا قول.\nونحو ذلك قال أبو إسحاق (٣). ومعنى الإقماح في اللغة: رفع الرأس وغض البصر، يقا ل: أقمح البعير رأسه وقمح.\nقال أبو عبيد: يقمح البعير قمح قموحًا إذا رفع رأسه ولم يشرب الماء (٤).\nوقال الأصمعي: بعير قامح، إذا رفع رأسه عن الحوض ولم يشرب، وجمعه قماح (٥). وأنشد الفراء وجميع أهل اللغة قول بشر (٦) يصف سفينة:\nونحن على جوانبها قعود ... نغض (٧) الطرف كالإبل القماح\n_________\n(١) في (ب): (صوته)، وهو خطأ.\n(٢) \"معاني القرآن\" ٢/ ٣٧٣.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٧٩.\n(٤) انظر: \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٨١ (قمح)، \"اللسان\" ٢/ ٥٦٦ (قمح).\n(٥) انظر: \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٨١ (قمح)، \"اللسان\" ٢/ ٥٦٦ (قمح).\n(٦) هو: بشر بن أبي خازم عمرو بن عوف الأسدي، أبو نوفل، شاعر جاهلي فحل، عدَّه ابن سلام في الطبقة الثانية من طبقات فحول أهل الجاهلية، وهو من شجعان أهل نجد، مات سنة ٢٢ قبل الهجرة.\nانظر: \"الشعر والشعراء\" ١/ ١٩٠، \"طبقات فحول الشعراء\" ١/ ٩٧، \"الخزانة\" ٢/ ٢٦٢.\nوالبيت من الوافر، وهو في: \"ديوان بشر\" ص ٤٨، \"لسان العرب\" ٢/ ٥٦٦. (قمح)، \"تاج العروس\" ٧/ ٦٣ (قمح)، \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٨١ (قمح)، \"أساس البلاغة\" ص ٣٧٧ (قمح).\n(٧) في (أ): (يفض)، وهو خطأ.","vol":"18","page":456},{"text":"قال أبو إسحاق: (وقيل للكانونين: (١) شهرا قماح لأن الإبل إذا وردت الماء ترفع رأسها لشدة برده (٢» (٣).\nوأنشد أبو زيد للهذلي:\nفتًى ما الابن الأعر إذا استويا ... وحب الراد سميا في شهري قماح (٤) (٥)\nلكراهة كل ذي كبد شرب الماء، والقمح نحو من قمح.\nقال الأزهري: وأراد جل وعز أن أيديهم إنما غلت عند أعناقهم رفعت الأغلال أذقانهم ورؤوسهم صعدا كالإبل رافعة رأسها (٦). هذا كلامه وتأويله: فهم مقمحون أي: مرفوعو الرؤوس برفع الأغلال إياها، يدل عليه قول قتادة في تفسير ﴿مُقْمَحُونَ﴾ قال: مغلولون (٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3670>٩ </span>- قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا﴾ ومضى\n_________\n(١) يقصد: شهري كانون أول وكانون ثاني.\n(٢) في (ب): (برد)، وهو خطأ.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٧٩.\n(٤) هكذا ورد البيت في النسخ، وهو خطأ، والصواب:\nفتًى ما ابن الأغر إذا شتونا ... وحُبَّ الزاد في شهري قُماح\nوالبيت لخالد بن مالك الهذلي، وهو من الوافر، في \"ديوان الهذليين\" ٣/ ٥، \"المذكر والمؤنث\" لابن الأنباري ص ٥٣٢، \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٨١، \"اللسان\" ٢/ ٥٦٦ (قمح)، \"البحر المحيط\" ٧/ ٣١٢.\n(٥) انظر: \"الدر المصون\" ٥/ ٤٧٦، \"البحر المحيط\" ٧/ ٣١٢.\n(٦) \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٨١.\n(٧) انظر: \"الطبري\" ٢٢/ ١٥١، \"بحر العلوم\" ٣/ ٩٤، \"مجمع البيان\" ٨/ ٦٥١.","vol":"18","page":457},{"text":"الكلام في تفسير السد والقراءة فيه (١).\nقال مقاتل: لما عاد أبو جهل إلى أصحابه ولم يصل إلى ما قصد من النبي -ﷺ-. وسقط الحجر من يده، أخذ الحجر رجل آخر من بني مخزوم وقال: أنا أقتله بهذا الحجر، فلما دنا من النبي -ﷺ- طمس الله على بصره فلم ير النبي -ﷺ- ورجع إلى أصحابه فلم يبصرهم حتى نادوه، فذلك وقوله: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا﴾ حين لم ير أصحابه (٢). ونحو هذا قال الكلبي (٣). وقال ابن عباس في رواية عطاء: يريد يمنعهم [من الهدى] (٤) لما سبق في علمه (٥) عليهم (٦). وهذا موافق لمذهب أهل المعاني.\nوقوله: ﴿فَأَغْشَيْنَاهُمْ﴾، قال الفراء: ألبسنا أبصارهم غشاوة (٧). قال ابن قتيبة: أي عيونهم وأعميناهم عن الهدى (٨). والتأويل: أغشينا أعينهم بالعمى، فحذف المضاف والمفعول الثاني للعلم بأن ما يلبس العين إنما هو العمى.\n_________\n(١) عند الآية: ٩٤: الكهف، وهي قوله تعالى: ﴿فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا﴾. قال المؤلف هناك ﵀: قرئ بالفتح والضم. قال أبو عبيدة: السد بالضم، إذا كان مخلوقًا من فعل الله تعالى، فإن كان من فعل الآدميين فهو سَد بالفتح، وهذا قول عكرمة والأخفش. وقال الكسائي: ضم السين وفتحها سواء.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ١٠٥ ب.\n(٣) انظر: \"بحر العلوم\" ٣/ ٩٤.\n(٤) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).\n(٥) في (أ): (علمهم)، وهو خطأ.\n(٦) لم أقف عليه.\n(٧) \"معاني القرآن\" ٢/ ٣٧٣.\n(٨) \"تفسير غريب القرآن\" ص ٣٦٣.","vol":"18","page":458},{"text":"وقوله ﴿فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾، قال ابن عباس: يريد سبيل الهدى (١). وذكر أبو إسحاق المذهبين فقال: (هذا فيه وجهان: أحدهما: قد جاء في التفسير وهو أن جماعة أرادوا بالنبي -ﷺ- سوءًا فحال الله بينهم وبين ذلك، فجعلوا بمنزلة من هذه حالة ممن غلت يده وسط (٢) طريقه من بين يديه ومن خلفه وجعل على بصره غشاوة، قال: ويجوز أن يكون وَصَفَ إضلالهم أي: أضللناهم فأسكنا أيديهم عن النفقة في سبيل الله والسعي فيما يقرب إلى الله كما قال -﷿-: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [البقرة: ٧] قال: ودليل هذا القول قوله في أثر هذا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3671>١٠ </span>- ﴿وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ﴾ الآية أي: من أضله الله هذا الإضلال لم ينفعه الإنذار) (٣)، إنما ينفع الإنذار من ذكر في قوله: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ﴾ أي: إنما ينفع إنذارك هذا إلا (٤) من منعه الله عن الهدى، فخصه الله بإنذار هؤلاء لما لم ينفع الإنذار من غيرهم موقعه، فصار كأنه لم ينذرهم حيث لم ينفعهم، لذلك قال:\n<span data-type=\"title\" id=toc-3672>١١ </span>- ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ﴾ أي: من استمع القرآن واتبعه. ﴿وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾ خاف الله -﷿- من حيث لا يراه أحد. ﴿فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ﴾ لذنوبهم. ﴿وَأَجْرٍ كَرِيمٍ﴾ حسن، وهو الجنة.\n_________\n(١) انظر: \"تفسير ابن عباس\" بهامش المصحف ٣٦٩، وأورد هذا القول ونسبه لقتادة القرطبي ١٤/ ١٠، وأورده غير منسوب: البغوي ٤/ ٦.\n(٢) هذا في جميع النسخ، والصواب: وسُدَّ، كما في \"معاني القرآن وإعرابه\"\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٨٠.\n(٤) يظهر أن (إلا) هنا زائدة؛ لأنها تفسد المعنى، وأن هناك حرف ساقط، وتكون الجملة حسب ما يظهر لي هكذا: أي لا ينفع إنذارك هذا من منعه الله عن الهدى.","vol":"18","page":459},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3673>١٢ </span>- وقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى﴾ قال ابن عباس: يريد البعث (١).\n﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا﴾ قال مقاتل: من خيرٍ أو شر فاقتدى بها (٢) من بعدهم. وهذا اختيار الفراء والزجاج (٣).\nوهو قول سعيد بن جبير، قال: ﴿وَآثَارَهُمْ﴾: ما سنوا (٤).\nوقال ابن عباس في رواية عطاء: ما آثروا من أثر خير أو شر (٥). كقوله: ﴿يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾ [القيامة: ١٣].\nوقال أنس وابن عباس في رواية عكرمة: نزلت هذه الآية في بني سلمة، أرادوا أن ينتقلوا إلى قرب مسجد النبي -ﷺ- وكانت منازلهم بعيدة، فلما نزلت قالوا: بل نمكث مكاننا (٦). فعلى هذا معنى آثارهم: خطاهم.\n_________\n(١) لم أقف عليه.\n(٢) هنا نلحظ أن المؤلف اختصر في نقله عن مقاتل، وهذا الاختصار قد يكون موهمًا، ففي \"تفسير مقاتل\". ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا﴾ من خير وشر ﴿وَآثَارَهُمْ﴾ ما استنوه من سنة خيرًا وشرًّا، فاقُتدي به من بحد موتهم ا. هـ.\n(٣) \"معاني القرآن\" ٢/ ٣٧٣، \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٨١.\n(٤) انظر: \"معاني القرآن\" للنحاس ٥/ ٤٨١، \"الماوردي\" ٥/ ٩، وأورده السيوطي في \"الدر\" ٦/ ٤٨، ونسبه لابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(٥) \"تفسير ابن عباس\" بهامش المصحف ص ٣٦٩.\n(٦) هذا الحديث ورد بعدة طرق، منها: ما ورد عن أنس وقد أخرج ابن ماجه في \"سننه\" أبواب المساجد، باب الأبعد فالأبعد من المسجد أعظم أجرًا ١/ ١٤١ رقم (٧٦٨)، وأخرجه ابن شيبة في \"المصنف\" ٢/ ٢٠٧، ومنها ما ورد عن ابن عباس، وقد أخرجه ابن ماجه أيضًا في \"سننه\" أبواب المساجد، باب: الأبعد فالأبعد عن المسجد أعظم أجرًا ١/ ١٤١ رقم (٧٦٩). وأورده السيوطي في \"الدر\" ٧/ ٤٦، وقال: أخرج الفرياني وأحمد في \"الزهد\"، وعبد بن حميد، وإبن ماجه، وابن =","vol":"18","page":460},{"text":"وهو قول الحسن (١)، ومجاهد في رواية ابن أبي نجيح (٢)، وقتادة (٣).\nوقال عمر بن عبد العزيز: لو كان الله تاركًا لابن آدم شيئًا لترك ما عبث (٤) عليه الرياح من أثر (٥).\nوقال مسروق: ما خطأ رجل خطوة إلا كتب حسنة أو سيئة (٦).\nوروي عن مجاهد قال: ما قدموا من خير، وآثارهم: وما أورثوا من الضلالة (٧). فعلى هذا ما قدموا بالخير وخص الآثار ما يبقى بعدهم من آثار الضلالة وسنتها.\nوقوله: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ﴾ قال الفراء: القراء يجمعون على نصب كل\n_________\n= جرير، وابن المنذر، وابن مردويه، عن ابن عباس.\nوهناك رواية أخرى للحديث، أخرجها الإمام مسلم في \"صحيحه\" \"كتاب الصلاة\"، باب فضل كثرة الخطأ إلى المساجد ١/ ٤٦٢ رقم (٦٦٥) عن جابر بن عبد الله -﵁-\n(١) انظر: \"الطبري\" ٢٢/ ١٥٤، \"القرطبي\" ١٥/ ١٢، \"ابن كثير\" ٣/ ٥٦٥.\n(٢) \"تفسير مجاهد\" ص ٥٣٣، وانظر: \"معاني القرآن\" للنحاس ٥/ ٤٨١، \"الماوردي\" ٥/ ٩.\n(٣) انظر: \"الطبري\" ٢٢/ ١٥٥، \"القرطبي\" ١٥/ ٢١، \"ابن كثير\" ٣/ ٥٦٥.\n(٤) هكذا في النسخ، والصواب: عفت.\n(٥) انظر: \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ١٤٠، \"زاد المسير\" ٧/ ٨ وأخرج هذا الأثر الطبري ٢٢/ ١٥٥ عن قتادة، وأورده السيوطي في \"الدر\" ٧/ ٤٧ ونسبه لعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة.\n(٦) انظر: \"الدر المنثور\" ٧/ ٤٧، وقد نسبه لعبد بن حميد.\n(٧) انظر \"فتح القدير\" ٤/ ٤٦٢، وقد أورد هذا القول بعض المفسرين لكنه منسوب لغير مجاهد فأورده الماوردي ٥/ ٩ ونسبه لسعيد بن جبير، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٧/ ٩ ونسبه لابن عباس وسعيد بن جبير، قال: وهو اختيار الفراء وابن قتيبة والزجاج.","vol":"18","page":461},{"text":"لما وقع من الفعل على راجع (١). يعني الكناية في قوله: ﴿أَحْصَيْنَاهُ﴾ والاختيار أن يقول: (٢) ضربت زيدًا وعمرًا كلمته، ينتصب عمرًا لسبق الفعل قبله، وهاهنا أيضًا سبق الفعل، وهو قوله: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا﴾. ويجوز الرفع على الاستئناف (٣).\nوقال مقاتل: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ﴾ من الأعمال ما (٤) ﴿أَحْصَيْنَاهُ﴾ بيناه.\nقال ابن عباس: حفظناه (٥).\nومعنى الإحصاء في اللغة: العد، والعد يكون للبيان ويكون للحفظ (٦).\nوقوله تعالى: ﴿فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ قال ابن عباس ومقاتل: في اللوح المحفوظ (٧).\nوقال مجاهد: يعني أم الكتاب (٨).\nقال أهل المعاني (٩): وفي ذلك اعتبار الملائكة إذ قابلوا به ما يحدث\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" ٢/ ٢٧٣.\n(٢) في (ب): (تقول).\n(٣) انظر: \"إعراب القرآن\" للنحاس ٣/ ٣٨٦، \"الدر المصون\" ٥/ ٤٧٧.\n(٤) (ما) زائدة هنا وليست هي في \"تفسير مقاتل\". وانظر: \"تفسير مقاتل\" ١٠٥ ب.\n(٥) لم أقف عليه عن ابن عباس. وقد أورده ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٨/ ٧ ولم ينسبه.\n(٦) انظر: \"تهذيب اللغة\" ٥/ ١٦٤ (حصا)، \"اللسان\" ١٤/ ١٨٤ (حصى).\n(٧) \"تفسير ابن عباس\" هامش المصحف ص ٣٦٩، \"تفسير مقاتل\" ١٠٥ ب، وأورده الماوردي ٥/ ٩ ونسبه للسدي، والقرطبي ١٥/ ١٣، ونسبه لمجاهد وقتادة وابن زيد.\n(٨) انظر: \"الطبري\" ٢٢/ ١٥٥، \"الماوردي\" ٥/ ٩.\n(٩) لم أقف على هذا القول عند أحد من أهل المعاني، قوله وهم من المؤلف.","vol":"18","page":462},{"text":"من الأمور، وكان فيه دليل على معلومات الله -﷿- التفصيل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3674>١٣ </span>- وقوله تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ﴾ قال ابن عباس: يريد لقومك (١). وقال مقاتل: صف لهم يا محمد شبها يعني -لأهل مكة- أصحاب القرية (٢).\nقال أبو إسحاق: أصحاب القرية بدل من مثل، كأنه قال: اذكر لهم أصحاب القرية (٣). أي خبر أصحاب القرية، هي أنطاكية (٤) في قول الجميع (٥).\nوقوله: ﴿إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ﴾ يعني: رسل عيسى -﵇-، وذلك أنه بعث رسولين من الحواريين إلى أنطاكية يدعوا الناس إلى عبادة الله -﷿-\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3675>١٤ </span>- وقوله: ﴿إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا﴾، ﴿إِذْ أَرْسَلْنَا﴾ بدل من قوله: ﴿إِذْ جَاءَهَا﴾ والمعنى: إذ جاؤها (٦) بإرسالنا إليهم اثنين وكانا رسولي عيسى، وأضاف الله تعالى الإرسال إلى نفسه؛ لأن عيسى أرسلهما\n_________\n(١) \"تفسير ابن عباس\" هامش المصحف ص ٣٦٩.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ١٠٥ أ.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٨١ بمعناه.\n(٤) أنطاكية: بلد من بلدان الجمهورية العربية السورية. قال ياقوت في \"معجم البلدان\" ١/ ٢٦٦: أول من بني أنطاكية انطيخس، وهو الملك الثالث بعد الإسكندر، فتحها أبو عبيدة عامر بن الجراح وكانت العرب إذا أعجبها شيء نسبته إلى أنطاكية؛ لأنها من أعيان البلاد وأمهاتها، موصوفة بالنزاهة، والحسن، وطيب الهواء، وعذوبة الماء، وكثرة الفواكة، وسعة الخير.\n(٥) انظر: \"الطبري\" ٢٢/ ١٥٥، \"معاني القرآن\" للنحاس ٥/ ٤٨٢، \"الماوردي\" ٥/ ١٠، \"القرطبي\" ١٥/ ١٤، وقد استشكل الحافظ ابن كثير هذا القول ورده من وجوه. انظر: \"تفسيره\" ٣/ ٥٦٩.\n(٦) في (أ): (جائها).","vol":"18","page":463},{"text":"بأمر الله تعالى. قال الكلبي: وكان ذلك حين رفع إلى السماء (١).\nوقوله: ﴿فَكَذَّبُوهُمَا﴾ قال ابن عباس: فضربوهما وحبسوهما (٢).\n﴿فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ﴾ قال أبو إسحاق: (فقوينا وشددنا الرسالة برسول ثالث) (٣). وهو قول جميع المفسرين (٤).\nقال المبرد وأبو علي: من قرأ فعززنا بالتشديد، فالمعنى: شددنا وقوينا. ومن قرأ بالتخفيف، فمعناه: قهرنا (٥) وعلينا من قوله -﷿-: ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾ [ص: ٢٣]، وأنشد أبو علي لجرير:\nأُعُزُّك بالحجاز وإن تَسَهَّل ... يعزز (٦) الأرض يُنَتهب انتهابًا (٧) (٨)\nقال أبو عبيد: وقراءتنا بالتشديد. لأن تأويل عززنا: غلبنا (٩). والتفسير الأول أشبه بالمعنى. [وقال الفراء: عززنا] (١٠). وعززنا كقولك: شددنا وشددنا بالتخفيف والتثقيل (١١). ونحو ذلك قال الزجاج. ﴿فَقَالُوا﴾:\n_________\n(١) لم أقف عليه.\n(٢) انظر: \"الوسيط\" ٣/ ٥١١. \"مجمع البيان\" ٨/ ٦٥٤.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٨٢.\n(٤) انظر: \"الطبري\" ٢٢/ ١٥٦، \"الماوردي\" ٥/ ١٠، \"زاد المسير\" ٧/ ١١، \"القرطبي\" ١٥/ ١٤.\n(٥) في (ب): (قهرنا).\n(٦) هكذا في النسخ، والصواب كما في \"الديوان والحجة\": بغور.\n(٧) البيت من الوافر، لجرير في \"ديوانه\" ص٦٥، وهو من قصيدة طويلة يهجو بها الراعي النميري، \"الحجة\" ٦/ ٣٨.\n(٨) لم أقف على قول المبرد. وانظر: \"الحجة\" ٦/ ٣٨.\n(٩) انظر: \"تهذيب اللغة\" ١/ ٨٣ (عز).\n(١٠) ما بين المعقوفين مكرر في (أ).\n(١١) \"معاني القرآن\" ٢/ ٣٧٤.","vol":"18","page":464},{"text":"يعني الرسل لأهل أنطاكية. ﴿إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ﴾. قالوا لهم:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3676>١٥ </span>- ﴿مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ قال مقاتل: يعني ما نرى لكم علينا من فضل في شيء. ﴿وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ﴾ يعني: لم يرسل رسولًا. ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ﴾ بأنكم رسول الله (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-3677>١٦ </span>- ﴿قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ﴾ وإن كذبتمونا.\n<span data-type=\"title\" id=toc-3678>١٧ </span>- ﴿وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾: وما علينا إلا أن نبلغ ونبين لكم بان الله الواحد [لا شريك] (٢) له.\n<span data-type=\"title\" id=toc-3679>١٨ </span>- فقال القوم للرسل: ﴿إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ﴾ يعني: تشاءمنا بكم، وذلك أن المطر حبس عليهم فقالوا: أصابنا هذا الشر من قبلكم. ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا﴾ لئن لم تسكنوا. ﴿لَنَرْجُمَنَّكُمْ﴾ لنقتلنكم. قال الفراء: (كقوله: ﴿وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ﴾ [هود: ٩١] يريد القتل، وعامة الرجم في القرآن القتل) (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-3680>١٩ </span>- ﴿قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ﴾ قال ابن عباس: يريد شؤمكم معكم (٤). وهو لفظ الزجاج (٥). وقال الضحاك عن ابن عباس: طائركم حظكم من الخير والشر (٦). واختاره الفراء، فقال: (أي ما كان من خير وشر فهو في رقابكم لازم لكم) (٧).\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ١٠٦ أ\n(٢) ما بين المعقوفين مكرر في (ب).\n(٣) \"معاني القرآن\" ٢/ ٣٧٤.\n(٤) انظر: \"تفسير ابن عباس\" بهامش المصحف ٣٧٠، أورده السيوطي في \"الدر\" ٧/ ٥١ وعزاه لابن المنذر.\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٨٢.\n(٦) انظر: \"الطبري\" ١٥/ ١٦، \"البغوي\" ٤/ ٩.\n(٧) \"معاني القرآن\" ٢/ ٣٧٤.","vol":"18","page":465},{"text":"وهذا معنى قول مقاتل، يعني الذي أصابكم كان مكتوبًا في أعناقكم (١). وهذان القولان في الطائر ذكرنا استقصاهما عند قوله: ﴿أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأعراف: ١٣١]. وقوله: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ [الإسراء: ١٣]. وتم الكلام هاهنا، ثم قال لهم: ﴿أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ﴾ قال مقاتل: أين وعظتم بالله وتطيرتم (٢) بنا، وجواب الاستفهام محذوف، وهو ما ذكره مقاتل (٣).\nقال أبو علي: (كأنهم قالوا أين ذكرتم تشائمتم (٤)، فحذف الجواب لتقدم ما يدل عليه وهو قوله: ﴿تَطَيَّرْنَا بِكُمْ﴾؛ لأن معنى تطيرنا تشائمنا) (٥). ثم بينوا أن الأمر ليس على ما قالوا وشؤمهم إياهم من قبلهم، وهو قوله: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾.\nقال ابن عباس ومقاتل: مشركون باللهِ (٦). يعني: أنهم جاوزوا الحد حين أشركوا بالله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3681>٢٠ </span>- وقوله: ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى﴾ قال المفسرون (٧): هو حبيب النجار، وكان قد آمن بالرسل عند (٨) ورودهم القرية. قال وهب:\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ١٥٦ أ.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ١٠٦ أ. والواو في قوله: وتطيرنا، زائدة من النساخ.\n(٣) وهو قوله: تطيرتم بنا.\n(٤) في (ب): (شائمتم).\n(٥) \"الحجة\" ٦/ ٣٩.\n(٦) \"تفسير ابن عباس\" بهامش المصحف ٣٧٠، \"تفسير مقاتل\" ١٠٦ أ.\n(٧) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٠٦ أ، \"الطبري\" ٢٢/ ١٥٨، \"بحر العلوم\" ٣/ ٩٧، \"الماوردي\" ٥/ ١٣.\n(٨) في (ب): (حين)","vol":"18","page":466},{"text":"وكان منزله عند أقصى باب من أبواب القرية، فلما بلغه أن قومه قد كذبوا الرسل وهموا بقتلهم جاءهم وقال: ﴿يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ﴾ (١).\nوقال قتادة ومقاتل: إنه كان رجلًا يعبد الله في غارٍ فلما سمع بالرسل جاءهم فقال: أتسألون أجرًا على ما جئتم به؟ قالوا: لا. فقال لقومه:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3682>٢١ </span>- ﴿اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (٢٠) اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ يعني: الرسل (٢).\nقال محمد بن إسحاق: أي ما يسألونكم أموالكم على ما جاءوكم به من الهدى ﴿وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ﴾ فاتبعوهم تهتدوا بهداهم (٣).\nقال مقاتل: فلما قال، هذا أخذوه فرفعوه إلى الملك، فقال له: برئت منا وتبعت عدونا (٤).\nوقال ابن عباس: قال لهم (٥) الملك: أفأنت تتبعهم؟\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3683>٢٢ - ٢٥ </span>- فقال ﴿وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي﴾ إلى قوله: ﴿إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ﴾ (٦).\nقال محمد بن إسحاق: إني آمنت بربكم الذي كفرتم به، فاسمعوا قولي (٧).\n_________\n(١) انظر: \"الطبري\" ٢٢/ ١٥٨، \"المحرر الوجيز\" ٤/ ٤٥٠، \"القرطبي\" ١٥/ ١٨.\n(٢) انظر: \"الطبري\" ٢٢/ ١٥٩، \"معاني القرآن\" للنحاس ٥/ ٤٨٧، \"تفسير مقاتل\" ١٠٦ ب.\n(٣) انظر: \"الطبري\" ٢٢/ ١٥٩، \"ابن كثير\" ٣/ ٥٦٨.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ١٠٦ ب.\n(٥) هكذا جاءت في النسخ، ومقتضى السياق: له.\n(٦) انظر: \"الطبري\" ٢٢/ ١٦٠.\n(٧) انظر: \"الطبري\" ٢٢/ ١٦٠، \"ابن كثير\" ٣/ ٥٦٨.","vol":"18","page":467},{"text":"وقال كعب: إنه قال لقومه: ﴿يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ﴾ إلى قوله: ﴿إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾. ثم أقبل على الرسل فقال: ﴿إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ﴾ ليشهدهم على إيمانه (١). فعلى هذا الخطاب للرسل، وعلى ما قال محمد بن إسحاق الخطاب لقومه.\nوقال الكلبي: ﴿فَاسْمَعُونِ﴾ يريد: فاشهدوا لي (٢).\nومعنى فاسمعوا: اسمعوني، أي: اسمعوا مني. قال ذلك أبوعبيد (٣).\nوقال المبرد: فاسمعون أي: اسمعوا مني (٤). وهذا مثل قولك: سمعت فلانًا يقول، وإنما المسموع قوله، ولكنه من المختصر المحذوف، وهو أكثر الكلام يجري على الألسنة، وحق الكلام أن تقول: سمعت من فلان ما قال. قال ابن عباس: فوثب عليه أهل مملكته حتى قتلوه (٥).\nوقال مقاتل: وطئ حبيب حتى خرج أمعاؤه من دبره، ثم ألقي في البئر وهو الرس، فهم أصحاب الرس، وقتلوا الرسل الثلاثة (٦).\nوقال محمد بن إسحاق: وثبوا عليه وثبة رجل واحد فقتلوه واستضعفوه لضعفه وسقمه، وكان رجلًا قد أسرع فيه الجذام ولم (٧) له أحد\n_________\n(١) انظر: \"المحرر الوجيز\" ٤/ ٤٥١، \"القرطبي\" ١٥/ ١٩، وأورده السيوطي في \"الدر\" ٧/ ٥١، وعزاه لابن أبي شيبة وابن المنذر.\n(٢) لم أقف عليه عن الكلبي. وانظر: \"زاد المسير\" ٧/ ١٣.\n(٣) انظر: \"زاد المسير\" ٧/ ١٣.\n(٤) لم أقف عليه\n(٥) انظر: \"الطبري\" ٢٢/ ١٦١، \"ابن كثير\" ٣/ ٥٦٨.\n(٦) \"تفسير مقاتل\" ١٠٦ ب.\n(٧) هكذا في النسخ، ويبدو أن هناك كلمة ساقطة وهي: يكن.","vol":"18","page":468},{"text":"يدفع عنه (١).\nوقال ابن مسعود: وطئوه بأرجلهم حتى خرج قصبه من دبره (٢).\nقال كعب: أخذ فقذف في النار (٣).\nوقال قتادة: هذا رجل دعا قومه إلى الله -﷿- ومحضهم النصيحة فقتلوه على ذلك وأقبلوه يرجمونه، وهو يقول: اللهم اهد قومي، فأدخله الله الجنة وهو حي فيها يرزق (٤). وهو قوله:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3684>٢٦ </span>- ﴿قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ﴾. قال أبو إسحاق: المعنى فلما عذبوه (٥) قومه، قيل: ادخل الجنة، فلما شاهدها قال: ﴿قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ﴾ (٦).\nوقال مقاتل: لما ذهب بروح حبيب إلى الجنة ودخلها وعاين ما فيها من النعيم، تمنى فقال (٧):\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3685>٢٧ </span>- ﴿قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (٢٦) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾ اختلفوا فيها؛ فقال الكسائي: بالذي غفر لي ربى أي: بمعرفته، فعلى هذا هو ما المصدر؛ لأنه مع الفعل بمنزلة المصدر (٨). قال الفراء: ولو جعلت ﴿وَمَا﴾\n_________\n(١) انظر: \"الطبري\" ٢٢/ ١٦١، \"ابن كثير\" ٣/ ٥٦٨.\n(٢) انظر: \"الطبري\" ٢٢/ ١٦١، \"المحرر الوجيز\" ٤/ ٤٥١، \"زاد المسير\" ٧/ ١٣.\n(٣) أورده السيوطي في \"الدر\" ٧/ ٥١، ونسبه لابن أبي شيبة وابن المنذر.\n(٤) انظر: \"الطبري\" ٢٢/ ١٦٠، وقد ذكر القول إلى قوله: اللهم اهد قومي. وأورد هذا القول بتمامه: القرطبي ١٥/ ١٩ ونسبه للحسن. الزجاج في \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٨٣ عن قتادة.\n(٥) هكذا في النسخ، وهو خطأ، والصواب: عذبه.\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٨٣.\n(٧) \"تفسير مقاتل\" ١٠٦ ب.\n(٨) انظر \"الدر المصون\" ٥/ ٤٧٩، \"القرطبي\" ١٥/ ١٩، \"البحر المحيط\" ٧/ ٣١٦.","vol":"18","page":469},{"text":"في موضع أي كان صوابا، ويكون المعنى: ليتهم يعلمون بأي شيء غفر لي ربي (١). فقال الكسائي: لو كانت كذلك لكانت ﴿بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي﴾ بنقصان الألف كما تقول: سل عم شئت (٢)، وكقوله: ﴿فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾. قال الفراء: (يجوز أن يكون تمامًا وهو استفهام، وأنشد:\nإنا قتلنا بقتلانا سراتكم ... أهل اللواء ففيم يكثر القتل) (٣)\nوذكر أبو إسحاق الوجهين فقال: (أي بمغفرة ربي قال: وقيل: أي ليتهم يعلمون بالعمل والإيمان الذي غفر لي به ربي. قال: وحذف الاَّلف في هذا المعنى أجود) (٤). وهذا قول مقاتل قال: يعني بأي شيء غفر لي ربي، أي: إنما غفر لي باتباعي المرسلين، فلو علموا لآمنوا بالرسل، فنصح لهم في حياته وبعد موته (٥). وروى عطاء عن ابن عباس في هذه الآية قال: قال محمد -ﷺ-: \"نصح لقومه حيًّا وميتًا\" (٦). وقال قتادة: تمنى الرجل -والله أعلم- أن يعلم قومه ما عاين من كرامة الله، وذلك قوله:\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" ٢/ ٣٧٤، وانظر: \"المصادر السابقة\".\n(٢) انظر: \"المصادر السابقة\".\n(٣) البيت من البسيط، وهو لكعب بن مالك في \"ديوانه\" ص ٢٥٥، \"خزانة الأدب\" ٦/ ١٠٦.\nوالشاهد فيه: قوله: ففيما، حيث أثبت ألف ما الاستفهامية المتصلة بحرف الجر، وسراة القوم: خيارهم. والقول والقيل واحد. \"الخزانة\" ٦/ ١٠٧.\nوكلام الفراء في \"معاني القرآن\" ٢/ ٢٧٥.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٨٣.\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ١٠٦/ ب.\n(٦) انظر: \"ابن كثير\" ٣/ ٥٦٨، وقد أورد السمرقندي في \"بحر العلوم\" ٣/ ٩٨، وابن عطية في \"المحرر الوجيز\" ٤/ ٤٥١ غير منسوب لأحد.","vol":"18","page":470},{"text":"﴿وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾ أي: من المدخلين الجنة (١). قاله الزجاج (٢). وحبيب هذا الذي يقال له: صاحب يس، قال رسول الله -ﷺ-: \"سباق الأمم ثلاثة: صاحب يس حبيب النجار [مؤمن] (٣) آل يس، وحزقيل مؤمن آل فرعون، وعلي بن أبي طالب وهو أفضلهم\" (٤).\nوروي عن علي بن زيد بن جدعان أن عروة بن مسعود الثقفي صعد سور الطائف، فشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فرماه رجل من قومه بسهم فقتله، فقال النبي -ﷺ-: \"الحمد لله الذي جعل في أمتي مثل صاحب يس\" (٥).\n_________\n(١) انظر: \"الطبري\" ٢٢/ ١٦١، \"القرطبي\" ١٥/ ٢٠.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٨٣.\n(٣) ما بين المعقوفين بياض في (ب).\n(٤) هذا الأثر أخرجه الثعلبي في \"تفسيره\" ٣/ ٢٣٥ أ، بسنده عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أبيه. وأورده الطبرسي في \"مجمع البيان\" ٨/ ٦٥٩، ونسبه للثعلبي، وأورده الزمخشري في \"الكشاف\" ٣/ ٢٨٣. وقال الزيلعي في \"تخريج أحاديث الكشاف\" ٣/ ١٦٢: رواه الطبراني بنقص في \"معجمه\" من حديث حسين بن حسن الأشقر، عن سفيان بن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس، ورواه كذلك ابن مردويه في \"تفسيره\"، والعقيلي في \"الضعفاء\" وأعله بحسين الأشقر وقال: إنه شيعي متروك، ولا يعرف هذا إلا من جهته، وهو حديث منكر، ورواه بلفظ المصنف الثعلبي من حديث عمرو بن جميع، عن محمد بن أبي ليلى، عن أخيه عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أبيه. قال: وفيه عمرو بن جميع، وهو متروك ا. هـ.\n(٥) هذا الأثر أورده ابن كثير ٣/ ٥٦٨، ونسبه لابن أبي حاتم، وذكره ابن حجر في \"الإصابة\" ٢/ ٤٧ عن ابن إسحاق، وكذا ابن عبد البر في \"الاستيعاب\" ٣/ ١١٢، وابن الأثير في \"أسد الغابة\" ٣/ ٤٠٦","vol":"18","page":471},{"text":"قال ابن مسعود: فلما قتلوا حبيبًا، غضب الله لاستضعافهم إياه غضبًا لم يبق من القوم شيئًا، وعجل الله لهم (١) النقمة بما استحلوا منه فقال قومه:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3686>٢٨ </span>- ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾ يعني: الملائكة (٢). قاله مقاتل (٣).\nوقال ابن مسعود: أي ما كابدناهم بالجوع، أي: الأمر أيسر علينا من ذلك (٤).\nوقال الكلبي: لم يبعث إليهم الملائكة (٥).\nوقال الضحاك: ما استغثنا بأهل السماء عليهم (٦).\nوقال أبو إسحاق: لم ننتصر للذين (٧) قتلوه بجند (٨).\nهذا الذي ذكرنا قول جميع أهل العلم والتفسير.\nوقال مجاهد: أي لم نبعث إليهم رسالة بعده من السماء ولا أتاهم نبي (٩). والقول ما عليه الناس. وقوله: ﴿وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ﴾ على قوله: ﴿وَمَا\n_________\n(١) في (ب): (عليهم).\n(٢) انظر: \"الطبري\" ٢٣/ ١.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ١٠٦/ ب.\n(٤) انظر: \"تفسير ابن أبي حاتم\" ١٠/ ٣١٩٢، \"القرطبي\" ١٥/ ٣٠.\n(٥) لم أقف عليه عن الكلبي. وانظر: \"البغوي\" ٤/ ١١، \"زاد المسير\" ٧/ ١٤، \"القرطبي\" ١٥/ ٢٠.\n(٦) لم أقف عليه عن الضحاك، وقد ذكره ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ١٠/ ٣١٩٣ عن ابن مسعود.\n(٧) هكذا في النسخ، والصواب: للذي.\n(٨) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٨٣.\n(٩) انظر: \"تفسير مجاهد\" ص ٥٣٤.","vol":"18","page":472},{"text":"أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾، والباقون: جعلوا هذا توكيدًا لأول الكلام (١).\nوأنكر صاحب النظم القولين جميعًا فقال: لا يجوز أن يكون المعنى لم ينزل على أحد جندا؛ لأنه أنزل الجند على أهل بدر وحنين، ولا يجوز أن يكون مكررًا على ما قبله؛ لأنه لا يكون نظمًا حسيا، وفيه أيضًا حمل الكلام على التكرير ولكن (ما) هاهنا اسم، والمعنى: لم ينزل عليهم حتى أهلكناهم جندًا من السماء ﴿وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ﴾ ولا ما كنا ننزله على من قبلهم من الأمم، إذ أهلكناهم بمثل الماء للغرق والصاعقة والريح، وهذا في النظم كقوله: ﴿قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا﴾ ولا (٢) على الذي فطرنا. وعلى ما ذكر صاحب النظم ما يكون معطوفًا على قوله: من جندٍ، أي: لم ينزل عليهم [جندًا] (٣) ولا ريحًا ولا صاعقة ولا ماء، ثم بين أيش (٤) كانت عقوبتهم فقال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3687>٢٩ </span>- ﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ﴾ قال ابن عباس ومقاتل والكلبي: كانت صيحة من جبريل، أخذ بعضادتي باب المدينة ثم صاح بهم صيحة فإذا هم ميتون لا يسمع لهم صوت، مثل النار إذا أطفأت (٥).\nقال ابن مسعود: أهلك الله ذلك الملك وأهل أنطاكية، فبادوا عن\n_________\n(١) في (ب): (للكلام)، وهو خطأ.\n(٢) (لا) ساقطة من (ب).\n(٣) ما بين المعقوفين طمس في (ب).\n(٤) يعني: أي شيء.\n(٥) ذكر هذا القول البغوي ٤/ ١١، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٧/ ١٤، وابن كثير في \"تفسيره\" ٣/ ٥٦٩، والشوكاني في \"فتح القدير\" ٤/ ٣٦٧، ونسبوه لأكثر المفسرين.","vol":"18","page":473},{"text":"وجه الأرض ولم يبق منهم باقية (١). وقال قتادة: ما نوظروا بعد قتلهم إياه حتى أخذتهم الصيحة (٢).\nقال الزجاج: (ما كانت عقوبتهم إلا صيحة واحدة فإذا خامدون: أي ساكتون، قد ماتوا وصاروا بمنزلة الرماد الخامد) (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3688>٣٠ </span>- وقوله تعالى: ﴿يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ معنى الحسرة في اللغة: أشد الندامة، وذكرنا اشتقاقها فيما تقدم (٤)، وهذه نكرة موصوفة، قال الفراء: (والعرب إذا نادت نكرة موصولة بشيء آثرت النصب، يقولون: يا رجلًا كريمًا أقبل، ويا راكبًا على البعير أقبل) (٥).\nوقال المبرد: نصبه كنصب نداء النكرة، كقولك: يا رجلًا أقبل، ومثله قول الصلتان:\nفيا شاعرًا لا شاعرَ اليومَ مثلُه (٦) ... جريرٌ (٧) ولكن في كليبٍ تواضعُ (٨)\n_________\n(١) انظر: \"ابن كثير\" ٣/ ٥٦٩.\n(٢) انظر: \"المحرر الوجيز\" ٤/ ٤٥٢، \"ابن كثير\" ٣/ ٥٦٩.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٨٣.\n(٤) عند قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [سورة مريم: ٣٩]. قال المؤلف ﵀ هناك: والحسرة هي الندامة، يتحسر المسيء هلَّا أحسن العمل، ولم يذكر اشقاق الحسرة فعله وهم رحم الله حينما أحال على ذلك الموضع.\n(٥) \"معاني القرآن\" ٢/ ٣٧٥.\n(٦) هكذا في النسخ، والصواب: (أيا شاعرًا لا شاعر اليوم مثله).\n(٧) في (ب) زيادة في أول الشطر الثاني: (ومعنى)، وهو خطأ.\n(٨) البيت الطويل. وهو للصلتان العبدي في \"الكامل\" ٣/ ١١١١، \"المقتضب\" =","vol":"18","page":474},{"text":"ومعنى نداء الحسرة تنبيه لأن يتمكن علم المخاطب بالحسرة، كما يقال: يا عجبًا أتفعل كذا، والمعنى: يا عجيب أقبل، فإنه من أمامك، ونداء العجب أبلغ في الفائدة كذلك نداء الحسرة، وهو معنى قول أبي إسحاق (١).\nقال ابن عباس: يا حسرة على العباد في الآخرة باستهزائهم بالرسل في الرسل (٢) (٣). ثم بين سبب الحسرة فقال: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ﴾ أي: في الدنيا، ﴿إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾. ثم خوف كفار مكة مثل عذاب الأمم الخالية في الدنيا ليعتبروا [فقال] (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3689>٣١ </span>- وقوله: ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ قال أبو إسحاق: (موضع كم نصب بأهلكنا؛ لأن كم لا يعمل فيها ما قبلها، خبرًا كانت أو استخبارًا. وقوله: ﴿أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ أنهم بدل من معنى ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا﴾ والمعنى: ألم يروا أن القرون التي أهلكنا أنهم لا يرجعون) (٥).\n_________\n= ٤/ ٢١٥، \"الشعر والشعراء\" ص ٣١٤، \"الكتاب\" ٢/ ٢٣٧، \"معاهد التنصيص\" ١/ ٧٥.\nوالشاهد فيه قوله: أيا شاعرًا، حيث نصب المنادى من قبيل الشبيه بالمضاف؛ لأنه موصوف بجملة.\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٨٤. وانظر: \"إعراب القرآن\" للنحاس ٣/ ٣٩١، \"الفريد في إعراب القرآن\" ٤/ ١٠٦، \"الكشاف\" ٣/ ٢٨٥.\n(٢) هكذا في جميع النسخ، وهو تصحيف، ولعل الصواب: الدنيا.\n(٣) لم أقف على من نسب القول لابن عباس. وقد أورد المؤلف في \"الوسيط\" ٣/ ٥١٣، ونسبه لمجاهد ومقاتل، وهو في \"تفسير مقاتل\" ١٠٦ ب، \"تفسير مجاهد\" ص ٥٣٤.\n(٤) ما بين المعقوفين ساقط من (أ)، وهذه الكلمة لا يحتاجها السياق.\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٨٥.","vol":"18","page":475},{"text":"والتفسير: لم يعتبروا بمن أهلكنا من قبلهم من القرون فيخافوا أن يعجل لهم في الدنيا مثل الذي عجل لغيرهم ممن أهلك، وأنهم مع ذلك لا يعودون إلى الدنيا أبدًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3690>٣٢ </span>- وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾ قرئ: لما بالتخفيف والتشديد، فمن خفف فما زائدة (١) مؤكدة، والمعنى: وإن كل لجميع لدينا محضرون، ومن شدد جعل لما بمعنى إلا تقول: سألتك لما\n_________\n(١) ما نقله المؤلف ﵀ هنا عن الزجاج من القول بأن (ما) زائدة، قال به أيضًا الزمخشري في \"الكشاف\" ٢/ ٢٩٥، وذكره أيضًا السمين في \"الدر\" ٦/ ٤٠١، ولكن هذا القول لا ينبغي أن يقال؛ لأنه ينافي الأدب مع القرآن، فالقول بأن هذا الحرف زائد يوحي بأنه لا فائدة له، وهذا ليس صحيحًا في حق كلام الله جل وعلا. يقول ابن هشام في كتابه \"الإعراب عن قواعد الإعراب\" ص ١٠٨ - ١٠٩: وينبغي أن يتجنب المعرب أن يقول في حرف من كتاب الله: إنه زائدة لأنه يسبق إلى الأذهان أن الزائد هو الذي لا معنى له، وكلام الله سبحانه منزه عن ذلك. والزائد عند النحويين معناه الذي لم يؤت به إلا لمجرد التقوية والتوكيد لا المهمل، وكثير من المتقدمين يسمون الزائد صلة، وبعضهم يسميه لغوًا، لكن اجتناب هذه العبارة في التنزيل واجب ا. هـ.\nويقول شيخ الإسلام ابن تيمية في \"مجموع الفتاوى\" ١٦/ ٥٣٧ بعد أن تكلم عن التكرار والزيادة في كلام العرب: (فليس في القرآن من هذا شيء ولا يذكر فيه لفظًا زائدًا إلا لمعنى زائد، وإن كان في ضمن ذلك التوكيد، وما يجيء به من زيادة اللفظ في مثل قوله: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ [سورة آل عمران: ١٥٩] وقوله: ﴿قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ﴾ [المؤمنون: ٤٠] وقوله: ﴿قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿الأعراف: ٣﴾ فالمعنى مع هذا أزيد من المعنى بدونه، فزيادة اللفظ لزيادة المعنى، وقوة اللفظ لقوة المعنى) ا. هـ.\nوانظر: \"التأويل النحوي في القرآن الكريم\" ٢/ ١٢٧٧ وما بعدها. \"البرهان الكاشف عن إعجاز القرآن\" ص ٣٠٢، \"البرهان\" للزركشي ٢/ ١٧٧.","vol":"18","page":476},{"text":"فعلته، وإلا فعلت، هذا قول الزجاج (١).\nوقال الفراء: (الوجه التخفيف؛ لأنها ما أدخلت عليها لام يكون جوابًا لأن كأنك قلت: وإن كل لجميع. وأما من ثقل فإنه يجعل لما بمنزلة إلا مع أن خاصة، كأنها ضمت إليها ما (٢) فصار جميعًا استثناء وخرجتا من حد الجحد إذا جمعتا فصارتا حرفًا واحدًا) (٣) هذا كلامه. ومعنى قوله: بمنزلة إلا مع أن خاصة، يعني أن إلا كلمتان أولاهما التي هي جحد بمنزلة ما ولا أيضًا جحد جمع بينهما فصارتا استثناء، وكذلك لما جحد إن اجتمعتا لم وما فتشابهتا في هذا المعنى، وهذا كلام صاحب النظم في شرح ما ذكره الفراء قال: وكان الكسائي ينفي هذا القول، ويقول: لا أعرف جهة لما بالتشديد في القراءة (٤). وقد ذكرنا استقصاء هذه المسألة في سورة هود عند قوله: ﴿وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ﴾ [هود: ١١١] وتفسير مقاتل موافق لمذهب من شدد لما؛ لأنه يقول: وما إلا جميع لدينا محضرون (٥). ومن خفف لما كان أن في قوله: ﴿وَإِنَّ كُلًّا﴾ بمنزلة المشددة، ولكنها إذا خففت لم تنصب، وهذه الجملة قد أشبعنا الكلام فيها في سورة هود.\nقال أبو إسحاق: (تفسير الآية: أنهم يحضرون يوم القيامة فيقفون على ما عملوا) (٦).\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٨٦.\n(٢) (ما) ساقطة من (ب).\n(٣) \"معاني القرآن\" ٢/ ٣٧٧.\n(٤) انظر: \"الدر المصون\" ٤/ ١٤٠، \"البحر المحيط\" ٧/ ٣١٩، \"القرطبي\" ١٥/ ٢٤.\n(٥) لم أقف على هذا التفسير عن مقاتل.\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٨٦.","vol":"18","page":477},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3691>٣٣ </span>- ثم وعظ كفار مكة أن يتفكروا في صنعه ليعرفوا توحيده، فقال: (١) ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا﴾ إلى قوله: ﴿لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ﴾. واختلفوا في الكناية في قوله: ﴿ثَمَرِهِ﴾. فقال أبو عبيدة: (العرب تذكر الإثنين ثم تقتصر على الخبر عن أحدهما، كقوله: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا﴾.\nوقال الأزرق بن طرفة بن العَمرَّد (٢):\nرماني بأمر كنت منه ووالدي ... بري ومن أجل الطوي رماني\nفاقتصر على خبر واحد، وقد أدخل الآخر معه) (٣). فعلى قول الكناية تعود إلى مضمر مراد في اللفظ وهو الماء؛ لأن قوله:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3692>٣٤ </span>- ﴿وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ﴾ تقديره: وفجرنا فيها ماء من العيون.\n<span data-type=\"title\" id=toc-3693>٣٥ </span>- ﴿لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ﴾ لأن الثمار لا تكون إلا من الماء وبالماء.\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ﴾ يجوز أن تكون (٤) ما موصولة\n_________\n(١) في (ب) زيادة: (وقوله تعالى)، وهي زيادة لا يحتاجها السياق.\n(٢) لم أقف له على ترجمة.\nوالبيت من الطويل، مختلف في نسبته، فالأكثر ينسبه لعمر بن أحمر وهو في \"ديوانه\" ص ١٨٧، \"الدرر\" ٢/ ٦٢، \"الكتاب\" ١/ ٧٥، ونسبه أبو عبيدة لطرفة بن العمرَّد كما في \"مجاز القرآن\" ٢/ ١٦١، وله أو لابن أحمر كما في \"اللسان\" ١١/ ١٣٢ (حول). وهو غير منسوب في \"المصون من الأدب\" ص ٨٤.\nوالشاهد فيه: حذف خبر كان، والتقدير: كنت منه بريئًا، وعليه فبريئًا الموجود خبر لكان المحذوفة مع اسمها.\nومعنى رماني: أي قذفني بأمر أكرهه، والطوي: هي البئر المطوية بالحجارة. \"الكتاب\" ١/ ٧٥.\n(٣) \"مجاز القرآن\" ٢/ ١٦١.\n(٤) في (أ): (يكون).","vol":"18","page":478},{"text":"بمعنى الذي، ويكون في موضع خفض (١) عطفًا على التمر: ليأكلوا من ثمره ومما عملت أيديهم. وهذا معنى قول ابن عباس؛ لأنه قال: يريد من الغروس، يعني أن الغروس من عمل أيدينا (٢).\nقال صاحب النظم: المعنى ويأكلوا بما عملت أيديهم بالمقاساة بالحراثة كما قال -﷿-: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ﴾ [الواقعة: ٦٣] فأضاف الحراثة إليهم. وعلى هذا العائد من الصلة إلى الموصول محذوف على قول (٣) من قرأ: عملت بغير هاء، وأكثر ما جاء في التنزيل من هذا على حذف كقوله: ﴿أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ و﴿وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ و﴿أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ و﴿لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ﴾. وكل هذا على إرادة الهاء وحذفها، وقد جاء الإثبات في قوله: ﴿إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ ويكون هذا كقول (٤) من قرأ: عملته بالهاء، في أنه ردَّ الكناية من الصلة إلى الموصول. ويجوز أن يكون في قوله: ﴿وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ﴾ نفيًا على معنى: ليأكلوا من ثمره ولم تعمله أيديهم ولكن من فعلنا.\nوقال الضحاك: أي وجدوها معمولة ولا صنع لهم فيها (٥).\nقال الفراء: (إذا جعلت (ما) جحدًا لم تجعل لها موضعًا، ويكون\n_________\n(١) في (أ): (خفين)، وهو تصحيف.\n(٢) انظر:: \"معاني القرآن\" للنحاس ٥/ ٤٩٢، \"القرطبى\" ١٥/ ٢٥، \"ابن كثير\" ٣/ ٥٧٠.\n(٣) في (أ): (قوله)، وهو خطأ.\n(٤) في (أ): (كقوله)، وهو خطأ.\n(٥) انظر: \"الماوردي\" ٥/ ١٦، \"البغوي\" ٤/ ١٢،\"مجمع البيان\" ٨/ ٦٦١.","vol":"18","page":479},{"text":"المعنى: إنا جعلنا لهم الجنات والنخيل والأعناب، ولم تعملها أيديهم) (١) ويقوي هذا الوجه قوله: ﴿أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾. ومن قدر هذا التقدير لم يكن ﴿عَمِلَتْهُ﴾ صلة، وإذا لم يكن صلة لم يقتض الهاء الراجعة إلى الموصول، ويجوز أيضًا أن تكون (ما) نافية على قراءة من أثبت الهاء في عملته، وتكون الهاء كناية عن لفظ الثمر والتمر لم تعمله أيدي الناس، إنما ظهر بقدرة الله وإيجاده. وهذا الذي ذكرنا معنى قول الفراء (٢)، والزجاج (٣)، وأبي علي (٤) ﵏.\nوقوله: ﴿أَفَلَا يَشْكُرُونَ﴾ قال ابن عباس: أفلا يطيعون (٥).\nقال مقاتل: أفلا يشكرون رب هذه النعم ويوحدونه (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3694>٣٦ </span>- ثم نزه نفسه وعجب خلقه فقال: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا﴾ قال ابن عباس: والحبوب.\n﴿مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ قال قتادة ومقاتل: يعني الذكر والأنثى، والأزواج من النبات أجناسه، ومن الأنفس الذكر والأنثى (٧).\nوقوله: ﴿وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ﴾ قال الكلبي: من سائر الخلق (٨).\n_________\n(١) انظر: \"معاني القرآن\" ٢/ ٣٧٧.\n(٢) المصدر السابق.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٨٦.\n(٤) \"الحجة\" ٤٥/ ٦.\n(٥) لم أقف عليه عن ابن عباس.\n(٦) \"تفسير مقاتل\" ١٠٧ أ.\n(٧) \"تفسير مقاتل\" ١٠٧ أ، ولم أقف عليه عن قتادف\n(٨) لم أقف عليه عن الكلبي، وذكر ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٧/ ١٧ نحوه ولم ينسبه.","vol":"18","page":480},{"text":"وقال مقاتل: [ومما لا يعلمون من الخلق] (١) (٢).\nوقال الزجاج: (ومما لا يعلمون مما خلق الله من جميع الأنواع والأشباه) (٣)، والمعنى: أن الله خالق الأنواع مما يعلمون، وهو ما ذكر من النبات والأنفس، ومما لا يعلمون بما لا يقف عليها من دواب البر والبحر وغيرها من الأشياء التي لا نعلمها (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3695>٣٧ </span>- وقوله: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ﴾ أي: علامة تدل على قدرتنا. ﴿اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ﴾ قال الكلبي ومقاتل: [..] (٥) ويذهب به (٦). قال أبو عبيدة: (نخرج ونميز منه فيجيء الظلمة، يقال للرجل: سلخه الله من دينه) (٧). وقال الفراء: (معناه نسلخ عنه النهار فرمي بالنهار عنه فيأتي بالظلمة) (٨). وقال الزجاج: (نخرج منه النهار إخراجًا لا يبقى معه شيء في ضوء النهار (٩). هذا كلامه.\nومعنى السلخ في اللغة: كشطك الإهاب، ثم تستعمل فيه أشياء كثيرة تكون بمعنى الإخراج، والإنسلاخ: الخروج، كقوله: ﴿فَانْسَلَخَ مِنْهَا﴾ [الأعراف: ١٧٥] وانسلخت الشمس أي استكملت أيامه (١٠). وقد مر\n_________\n(١) ما بين المعقوفين مكرر في (أ) منسوبًا للزجاج، وهو خطأ.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ١٠٧ أ.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\"\" ٤/ ٢٨٧.\n(٤) في (أ): (يعلمها)، وهو تصحيف.\n(٥) قدر كلمة في جميع النسخ غير واضحة، والظاهر والله أعلم أنها: ينزعه.\n(٦) انظر: \"تفسير التعلبي\" ٣/ ٢٣٥ ب\n(٧) \"مجاز القرآن\" ٢/ ١٦١.\n(٨) \"معاني القرآن\" ٢/ ٣٧٨.\n(٩) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٨٧.\n(١٠) انظر: \"تهذيب اللغة\" ٧/ ١٧٠، \"اللسان\": ٣/ ٥٤ (سلخ)، \"عمدة الحفاظ\" ٢/ ٢٤١.","vol":"18","page":481},{"text":"الكلام في هذا (١).\nوتحقيق معنى نسلخ (٢) من النهار: أن الظلمة هي الأصل والنهار داخل عليها يسترها بضوئه، فإذا غربت الشمس سلخ النهار من الليل، أي كشط وأزيل كما يكشط (٣) الشيء الطارئ على الشيء، فجعل ذهاب الضوء ظهور الظلمة كالسلخ من الشيء فيظهر المسلوخ بعد سلخ إهابه (٤).\nقال أبو علي: (وآية ترتفع بالإبتداء، ولهم صفة للنكرة، والخير مضمر تقديره: وآية لهم في المشاهدة أو في الوجود) (٥).\nوقوله تعالى: ﴿اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ﴾ وقوله: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي﴾ الآية كما أن قوله: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ تفسير للوصية) [النساء: ١١]\nقوله تعالى: ﴿فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ﴾ أي: داخلون في الظلمة. يقال: أظلمنا، أي: دخلنا في ظلام الليل، وجاء فلان مظلمًا أي بليل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3696>٣٨ </span>- قوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي﴾ قال أبو إسحاق: المعنى وآية لهم الشمس تجري لمستقر لها (٦).\n_________\n(١) عند تفسير قوله تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [سورة التوبة: ٥].\n(٢) في (ب): (لنسلخ)، وهو خطأ.\n(٣) في (أ): (يكشف)، وهو تصحيف.\n(٤) في (ب): (منه).\n(٥) \"الحجة\" ٦/ ٤٠.\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٨٧.","vol":"18","page":482},{"text":"قال المبرد وابن قتيبة: أي إلى مستقر لها، كما تقول: هو (١) يجري لغايته وإلى غايته (٢).\nواختلفوا في مستقر الشمس، فروى أبو ذر أن النبي -ﷺ- قال في هذه الآية: \"مستقرها تحت العرش\" (٣) وهو قول ابن عباس قال: يريد تحت عرش الرحمن (٤).\nوعلى هذا هي إذا غربت كل نهار استقرت تحت عرش الرحمن إلى أن تطلع، يدل عليه ما روى أبو ذر أنه قال: كنت مع رسول الله -ﷺ- في المسجد عند غروب الشمس فقال: \"أتدري أين تغرب؟ \" فقلت: الله ورسوله أعلم. قال: \"يذهب بها حتى ينتهي تحت العرش ثم تستأذن فيؤذن بها، ويوشك أن تستأذن فلا يؤذن لها\" (٥).\nوقال قتادة: إلى وقت وأجل لها لا تعدوه (٦). ونحو هذا قال مقاتل (٧)\n_________\n(١) في (أ): (هم)، وهو تصحيف.\n(٢) \"تفسير غريب القرآن\" ص ٣٦٥، \"تأويل المشكل\" ص ٣١٦، ولم أقف على قول المبرد.\n(٣) الحديث أخرجه البخاري في \"صحيحه\" كتاب التوحيد\" باب قول الله تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ وقوله جل ذكره: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ ٦/ ٢٧٠٣ رقم ٦٩٩٦، والإمام مسلم في \"صحيحه\" كتاب: الإيمان، باب: بيان الزمن الذي لا يقبل فيه الإيمان ١/ ١٣٩ رقم ٢٥١.\n(٤) لم أقف عليه.\n(٥) رواه الإمام أحمد في \"مسنده\" ٥/ ١٢٥ - ١٧٧، والترمذي في \"سننه\" \"كتات التفسير\"، تفسير سورة يس ٥/ ٤٢ رقم ٣٢٨٠. وقال هذا حديث حسن صحيح.\n(٦) انظر: \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٢٣٥ ب، \"الطبري\" ٢٣/ ٦، \"الماوردي\" ٥/ ١١.\n(٧) \"تفسير مقاتل\" ١٠٧ أ.","vol":"18","page":483},{"text":"وعلى هذا مستقرها انتهاء سيرها عند إنقضاء الدنيا، وهو اختيار أبي إسحاق فقال: (لمستقرها أي: لأجل قد أجل لها) (١).\nوقال الكلبي: تسير في منازلها حتى تنتهي إلى آخر مستقرها الذي لا تجاوزه، ثم ترجع إلى منازلها حتى تنتهي إلى أبعد مغاربها ثم ترجع، فذلك مستقرها؛ لأنها لا تجاوزه (٢). وعلى هذا (لمستقرها) أي: لمستقر لسيرها لا يزيد إذا انتهى إليه انصرف ورجع.\nوقوله: ﴿ذَلِكَ﴾ قال مقاتل: ذلك الذي ذكره من أمر الليل والنهار والشمس. ﴿تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ﴾ في ملكه ﴿الْعَلِيمِ﴾ بما قدر من أمرها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3697>٣٩ </span>- قوله تعالى: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ﴾ قرئ: والقمر بالرفع والنصب، فالرفع بتقدير: وآية لهم القمر، كما ذكرنا في قوله: ﴿اللَّيْلُ نَسْلَخُ﴾ و﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي﴾. ويجوز أن يكون ابتداء وقدرناه الخبر، والنصب على: وقدرنا القمر قدرناه، وقد حمله سيبويه على: زيدًا أضربته، قال: وهو عربي. هذا كلام أبي إسحاق وأبي علي (٣).\nوقال الفراء: في القمر (٤) أعجب إلى؛ لأنه قال: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ﴾ ثم جعل الشمس والقمر متبعين الليل، وهما آيتان مثله (٥).\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٨٧.\n(٢) انظر: \"الماوردي\" ٥/ ١٧، \"زاد المسير\" ٧/ ١٩، وأورد هذا القول ولم ينسبه: ابن عطية في \"المحرر الوجيز\" ٤/ ٤٥٤، والطبرسي في \"مجمع البيان\" ٨/ ٦٦٣.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٨٧، \"الحجة\" ٦/ ٣٩ - ٤٠.\n(٤) هكذا في جميع النسخ، وهو خطأ، والصواب كما في \"معاني القرآن\" للفراء: الرفع في القمر ..\n(٥) \"معاني القرآن\" ٢/ ٣٧٨.","vol":"18","page":484},{"text":"وقال أبو عبيدة: النصب أحب إلي؛ للفعل المتقدم قبله والمتأخر بعده، فالمتقدم قوله: ﴿نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ﴾، والمتأخر قوله: ﴿قَدَّرْنَاهُ﴾ والتقدير في الآية: قدرناه ذا منازل، كما ذكرنا في قوله: ﴿قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ﴾ (١) ثم حذف المضاف (٢). ومنازل القمر معروفة، وهي: ثمانية وعشرون منزلة، من أول الشهر إلى ثمان وعشرين ليلة منه تم فإذا صار في آخر منازله دق وذلك (٣)\nقوله: (٤) ﴿حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾. قال أبو إسحاق: (العرجون عود العذق الذي تركبه الشماريخ من العذق، وهو فعلول من الانعراج، وإذا جف وقدم دق وصغر، يشبه (٥) به الهلال في آخر الشهر وفي أول مطلعه) (٦). واستقوس (٧) فشبه القمر ليلة ثماني وعشرين، والآية مختصرة؛ لأن التقدير: فسار في منازله حتى عاد كالعرجون، ودل قوله: ﴿قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ﴾ (٨) على هذا المحذوف وهو السير؛ لأن كونه ذا منازل يقتضي سيره\n_________\n(١) في (أ): (وقدرناه) بزيادة الواو، وهو خطأ.\n(٢) لم أقف على قول أبي عبيد. وانظر في توجيه هذه القراءة: القراءات وعلل النحويين فيها ٢/ ٥٦٤، \"الحجة في القراءات السبع\" ص ٢٩٨، \"الكشف عن وجوه القراءات السبع وعللها\"، \"حججها\" ص ٢١٦.\n(٣) في (ب): (فذلك).\n(٤) في (أ) زيادة بعد قوله: (وقوله)، وهو خطأ.\n(٥) في (أ): (يشبهه).\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٨٨.\n(٧) هكذا جاء الكلام في جميع النسخ، والذي يظهر أن هناك عدم ترابط بين كلام أبي إسحاق وكلام المؤلف بسبب سقط كلمة أو نحوها.\n(٨) في (ب): (وقدرناه) زيادة الواو، وهو خطأ.","vol":"18","page":485},{"text":"فيها. وقال الكلبي: كالعرجون اليابس قد حال عليه الحول فتوش (١) (٢). ونحو هذا قال مقاتل (٣).\nوالعرجون على ما ذكر أبو إسحاق من الثلاثي؛ لأنه (٤) جعل النون زائدة، وذكره الليث في باب الرباعي فقال: العرجون أصل العذق، وهو أصفر عريض يشبه به الهلال إذا انمحق. قال: والعرجنة تصوير عراجين النخل (٥).\nوقال رؤبة:\nفي خدر مياس الدجى معرجن (٦)\nأي: مصور فيه صورة النخل (٧) والدمى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3698>٤٠ </span>- قوله تعالى: ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ﴾ قال الكلبي: لا تجري الشمس في سلطان القمر فيذهب بصره. ﴿وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ﴾ فيجئ قبل وقته (٨).\nوقال مقاتل: يقول: فلا يدرك سواد الليل ضوء النهار فيغلبه على\n_________\n(١) هكذا في النسخ، ولعل الصواب: (فتقوس).\n(٢) لم أقف عليه.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ١٠٧ أ.\n(٤) في (ب): (لا أنه)، وهو خطأ.\n(٥) انظر: \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٣٢٠ (عرجن).\n(٦) عجز بيت من الرجز، وصدره:\nأوذكر ذات الرَّبد المعهن.\nوهو لرؤبة في \"ديوانه\" ص ١٦١، \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٣٢٠، \"اللسان\" ١٣/ ٢٨٤ (عوجن).\n(٧) في (ب): (القتل)، وهو خطأ.\n(٨) لم أقف عليه منسوبًا للكلبي. وانظر: \"البغوي\" ٤/ ١٣، \"زاد المسير\" ٧/ ٢٠.","vol":"18","page":486},{"text":"ضوئه (١). وحقيقة المعنى ما ذكره أبو إسحاق فقال: أي لا يذهب أحدهما بمعنى الآخر (٢).\nوشرح ابن قتيبة معنى ما ذكره المفسرون فقال: (في هذه الآية يقول الله تعالى إنهما يسيران الدهر دائبين لا يجتمعان، فسلطان القمر بالليل وسلطان الشمس بالنهار، ولو أدركت الشمس القمر لذهب ضوئه، وبطل سلطانه، ودخل النهار على الليل، وقد قال الله تعالى حين ذكر يوم القيامة: ﴿وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ وذلك عند إبطال هذا التدبير ونقض هذا التأليف، وكما لا يدخل النهار على الليل قبل انقضائه، وهو قوله: ﴿وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ﴾ أي: هما يتعاقبان، فلا يذهب الليل قبل مجيء النهار (٣) وهذا معنى آخر سوى الأول.\nوقوله: ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ أي: يجرون، يعني الشمس والقمر والنجوم. وقال أبو إسحاق: (أي يسيرون فيه بانبساط، وكل من انبسط في شيء فقد سبح فيه، ومن ذلك: السباحة في الماء) (٤). وسبق في سورة الأنبياء تفسير قوله: ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ (٥).\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ١٠٧ أ.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٨٨.\n(٣) \"تأويل مشكل القرآن\" ٣١٧ - ٣١٨.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٨٨.\n(٥) آية ٣٣.\nوانظر: \"البسيط\" النسخة الأزهرية ٣/ ٢٤٢ أ، قال: والفلك في كلام العرب: كل شيء مستدير، وجمعه أفلاك. هذا معنى الفلك في قول أهل اللغة، وأما المفسرون فقال السدي في قوله: ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ﴾ أي كل في مجرى واستدراجه. وقال الكلبي: الفلك استدارة السماء، وكل شء استدار فهو فلك وعلى هذا، المراد بالفلك السماء، والسماء مستديرة والنجوم تدور فيها، وهذا معنى قول مجاهد.","vol":"18","page":487},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3699>٤١ </span>- وقوله: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ﴾. قال مقاتل: وعلامة لكفار مكة. ﴿أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ يعني: ذرية أهل مكة في أصلاب آبائهم وعلى هذا المراد بالذرية: الأولاد وأولادهم كانوا في أصلاب من حمل مع نوح في سفينة (١). وقال آخرون: المراد بالذرية هاهنا الآباء والأجداد، والمعنى: حملنا آبائهم الذين هؤلاء من نسلهم في الفلك المشحون. قال ثعلب: الذرية تقع على الآباء، واحتج بهذه الآية (٢).\nوقال (٣) الفراء: جعل ذرية التي كانت مع نوح لأهل مكة؛ لأنها أجل لهم (٤).\nوقال الزجاج: قيل لأهل مكة حملنا ذريتهم؛ لأن من حمل مع نوح فهم آباؤهم وذرياتهم (٥). فهذه الأقوال تدل على أن الآباء يجوز أن تسمى ذرية الأبناء.\nوقد كشف صاحب النظم على هذا فقال: جعل الله تعالى الآباء ذرية للأبناء، وجاز ذلك. لأن الذرية مأخوذة من: ذرأ (٦) الله الخلق، فسمى الولد ذرية؛ لأنه ذرى من الأب، فكما جاز أن يقال للولد: ذرية لأبيه، لأنه ذري منه، وكذلك يجوز أن يقال للأب: ذرية للابن؛ لأن ابنه ذري\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ١٠٧ أ.\n(٢) لم أقف عليه عن ثعلب، والقول في \"تهذيب اللغة\" ١٥/ ٤ (ذرأ) عن الليث\n(٣) (الواو) ساقطة في (ب).\n(٤) \"معاني القرآن\" ٢/ ٣٧٩.\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٨٨.\n(٦) في (ب): (ذر الله).","vol":"18","page":488},{"text":"منه، فالفعل يتصل به من أحد الوجهين، وهذا كما تقول في المصدر فإنه سمي (١) به الفاعل مرة والمفعول أخرى، نحو: درهم ضرب الأمير، ونسج اليمن، وكقول ﴿إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا﴾ [الملك: ٣٠] أي: غائرًا وهو كثير، وكذلك يضاف المصدر (٢) إلى الفاعل مرة ومرة إلى المفعول، لاشتماله عليهما واشتراكهما في التسمية به. والمشحون: المملوء.\nقال أبو عبيدة: يقال: شحنت المدينة وأشحنتها، إذا ملأتها (٣). قال مقاتل: يعني الموقر من الناس والدواب (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3700>٤٢ </span>- وقوله: ﴿وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء: يريد السفن مثل مركب نوح. وهذا قول مقاتل والحسن وأبي صالح والسدي عن أبي مالك. كل هؤلاء قالوا: يعني السفن الصغار، فإنها عملت بعد سفينة نوح على صنعتها (٥).\nوقال آخرون: يعني الإبل. وهو قول عكرمة وعبد الله بن شداد (٦).\nوذكر الكلبي القولين جميعًا، وقال: في البحر السفن، وفي البر الإبل (٧). والظاهر القول الأول؛ لأنه قال: ﴿مِنْ مِثْلِهِ﴾، والسفن هي التي\n_________\n(١) في (ب): (سعى)، وهو تصحيف.\n(٢) جاءت العبارة في (أ) هكذا: وكذلك يضاف المصدر إلى المصدر مرة إلى الفاعل ومرة إلى المفعول، وهو خطأ.\n(٣) \"مجاز القرآن\" ٢/ ١٦٣.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ١٠٧ أ.\n(٥) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٠٧ أ، \"الطبري\" ٢٣/ ١٠، \"الماوردي\" ٥/ ١٩، \"بحر العلوم\" ٣/ ١٠١.\n(٦) انظر: \"الطبري\" ٢٣/ ١١، \"الماوردي\" ٥/ ٢٠، \"زاد المسير\" ٧/ ٢٢.\n(٧) لم أقف عليه عن الكلبي. وانظر: \"القرطبي\" ١٥/ ٣٥، \"المحرر الوجيز\" ٤/ ٤٥٥.","vol":"18","page":489},{"text":"تشبه ما عمله نوح، وهي أيضًا من الخشب الذي هو من خشب سفينة نوح. ومن ذهب إلى الإبل احتاج أن يجعل (مِنْ) زائدة، ويجعل الإبل من (١) السفينة في أنها تحمل الإنسان في البر كما تحمله السفينة في البحر، فهو مثلها في العمل والحمل لا في الصورة والخلقة، ويدل على صحة القول الأول:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3701>٤٣ </span>- قوله تعالى: ﴿وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ﴾ والإغراق يكون بالماء في البحر، والمراد بهذا أن الله تعالى ذكر منته على أنه خلق لهم الخشب حتى عملوا مثل سفينة نوح وركبوه للتجارات، ثم ذكر أنه بفضله يحفظهم ولو شاء أغرقهم فلم (٢) يغثهم أحد ولم ينقذهم، وهو قوله: ﴿فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ﴾ الآية. قال ابن عباس: لا مغيث لهم. وهو قول الجميع (٣). والصريخ هاهنا بمعنى المصرخ. ﴿وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ﴾ هو أي: من الغرق. يقال: أنقذه واستنقذه إذا خلصه، وتقدير قوله: ﴿فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ﴾: فليس لهم صريخ، كما تقول: إن شاء ضربك فلا ناصر لك. ﴿وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ﴾ قال ابن عباس: ولا أحد ينقذهم من عذابي (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-3702>٤٤ </span>- وقوله: ﴿إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ أي: إلا أن يرحمهم (٥) ويمنعهم إلى آجالهم. قال ابن عباس: وذلك أن الكافر متعه الله في الدنيا\n_________\n(١) هكذا جاءت في النسخ، والذي يظهر أنها: (مثل) وليست (من).\n(٢) في (ب): (ولم).\n(٣) انظر: \"الطبري\" ٢٣/ ١١، \"الماوردي\" ٥/ ٢٠، \"البغوي\" ٤/ ١٤، \"معاني القرآن\" للنحاس ٥/ ٤٩٩.\n(٤) انظر: \"الوسيط\" ٣/ ٥١٤، \"البغوي\" ٤/ ١٤.\n(٥) في (ب): (نرحمهم).","vol":"18","page":490},{"text":"ورزقه فيها وجعلها جنته، فإذا ركب السفينة سلمه الله ورزقه حتى يموت (١). وكل نبي إذا كذبه قومه عجل لهم العذاب، إلا محمدًا -ﷺ- فإنه أخر العذاب عمن كذبه إلى الموت وإلى القيامة، وهو معنى قوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧].\nقال أبو إسحاق: (رحمة منصوب مفعول لها المعنى: لا ينقذون إلا لرحمة منا ولمتاع إلى حين) (٢). وهذا ليس بالظاهر القوي.\nقال أبو عبيدة: ﴿وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ (٤٣) إِلَّا رَحْمَةً﴾ مجازها مجاز المصدر الذي فعله بغير لفظه، وأنشد قول رؤبة:\nإن نزارًا أصبحت نزارا ... دعوةَ أبرارٍ دعوا أبرارًا (٣) \" (٤)\nيعني: دعوا دعوة أبرار، كذلك المعنى في الآية: إلا أن يرحمهم رحمة، والمتاع هاهنا اسم أقيم مقام المصدر كالأداء والسراج.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3703>٤٥ </span>- وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ﴾ اختلفوا في هذا، فقال مقاتل وقتادة: ما بين أيديكم عذاب الأمم الخالية، وما خلفكم عذاب الآخرة (٥). وعكس الكلبي فقال: ما بين أيديكم من أمر\n_________\n(١) أورده المؤلف في \"الوسيط\" ٣/ ٥١٥، ولم أقف عليه عند غيره.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٨٩.\n(٣) البيت من الرجز، لرؤبة في \"الكتاب\" ١/ ٣٨٢، \"مجاز القرآن\" ٢/ ١٦٢، وبلا نسبة في: \"شرح المفصل\" ١/ ١٧٧، \"المخصص\" ١٥/ ١٣٧. ومعنى البيت: أن ربيعة ومضر ابني نزار كانت بينهما حرب وتقاطع، فلما اصطلحوا انتموا كلهم إلى أبيهم نزار وجعلوه شعارهم، فجعل دعوتهم برَّة بذلك.\n(٤) \"مجاز القرآن\" ٢/ ١٦٢.\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ١٠٧ ب. وانظر: \"الطبري\" ٢٣/ ١٢، \"الماوردي\" ٥/ ٢١، \"البغوي\" ٤/ ١٤.","vol":"18","page":491},{"text":"الآخرة فاعملوا لها، وما خلفكم من أمر الدنيا فاحذروها ولا تغتروا بما فيها من زهرتها (١).\nوقال مجاهد: ما بين أيديكم ما يأتي من الذنوب، وما خلفكم ما مضى منها (٢). وذكر أبو إسحاق على القلب من هذا فقال: ما بين أيديكم ومما أسلفتم من ذنوبكم، وما خلفكم وما تعملونه فيما تستقبلون (٣).\nوقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ قال ابن عباس ومقاتل: لكي ترحموا (٤).\nوقال أهل المعاني: لتكونوا على رجاء رحمته، وهو قول أبي إسحاق (٥).\nوذكرنا هذا فيما تقدم أولًا (٦)، وجواب إذا محذوف على التقدير: إذا قيل لهم هذا أعرضوا، يدل على هذا المحذوف قوله: ﴿وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ﴾ أي: عبرة ودلالة تدل على صدق محمد -ﷺ- كاشتقاق (٧) القمر وغيره من الآيات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3704>٤٦ </span>- وقوله: ﴿إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ﴾ قال الفراء: (هذا جواب لقوله: ﴿وَمَا تَأْتِيهِمْ﴾. وفيه جواب لقوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُم﴾؛ لأن المعنى: إذا قيل\n_________\n(١) انظر: \"بحر العلوم\" ٣/ ١٠١.\n(٢) \"تفسير مجاهد\" ص ٥٣٥.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٨٩.\n(٤) \"تفسير ابن عباس\" بهامش المصحف ص ٣٨١، \"تفسير مقاتل\" ١٠٧ ب. وانظر: \"مجمع البيان\" ٨/ ٦٦٧.\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٣٠٦.\n(٦) ذكر المؤلف ﵀ ذلك عند تفسير للآية: ١٥٥ من سورة الأنعام، وهي قوله تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾.\n(٧) هكذا جاء في النسخ، وهو تصحيف، والصواب: كانشقاق القمر.","vol":"18","page":492},{"text":"لهم اتقوا أعرضوا، وإذا أتتهم آية أعرضوا) (١). ونحو هذا قال الكسائي: إن هذا جواب لقوله: ﴿وَمَا تَأْتِيهِمْ﴾ وفيه معنى جواب ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ﴾ (٢) (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3705>٤٧ </span>- وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ قال الكلبي: كان [من] (٤) أصحاب رسول الله -ﷺ- يجتمعون إليه بمكة وهم يومئذ فقراء، فيخرجون فيسألون، فيقول أهل مكة: لا والله لا نتصدق عليكم بشيء وأنتم على غير ديننا حتى ترجعوا إليه، فأنزل الله هذه الآية (٥).\nوقال مقاتل: إن المؤمنين قالوا لكفار قريش: انفقوا على المساكين ما زعمتم من أموالكم أنه لله، وذلك أنهم كانوا يقولون هذا على حد الاستهزاء (٦). وذكر غيره أنهم ذهبوا في قولهم أن الله تعالى لما كان قادرًا على إطعامهم وليس يشاء إطعامهم فنحن أحق بذلك، على أي وجه قالوه فقد أخطأوا؛ لأنهم إن قالوه استهزاء فلا إيمان لهم بمشيئة الله. ويقوي هذا الوجه ما روى معمر عن الكلبي: أنها نزلت في الزنادقة (٧). وإن قالوه على\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" ٢/ ٣٧٩.\n(٢) لم أقف عليه.\n(٣) في (ب): زيادة قوله: (ولا لزوم لها).\n(٤) هكذا في النسخ، والذي يظهر أن ما بين المعقوفين زائد.\n(٥) لم أقف على هذا القول منسوبًا للكلبي. وذكر نحوه الماوردي ٥/ ٢١، وابن عطية في \"المحرر الوجيز\" ٤/ ٤٥٦، والبغوي في \"تفسيره\" ٤/ ١٤، وذكر ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٧/ ٢٤ قولًا نسبه للكلبي، وهو أن الآية نزلت في العاص بن وائل، كان إذا سأله مسكين قال: اذهب إلى ربك فهو أولى بك مني، ويقول: قد منعه الله أطعمه أنا؟.\n(٦) \"تفسير مقاتل\" ١٠٧ أ.\n(٧) انظر: \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ١٤٤، وقد أورده الماوردي ٥/ ٢١ عن قتادة، وكذا =","vol":"18","page":493},{"text":"أنهم يوافقون مشيئة الله، فلا يطعمون من لم يطعمها الله، فقد أخطأوا؛ لأن الله تعالى لو شاء لأغنى الخلق كلهم ولكنه قسم المعيشة بينهم، فأغنى بعضًا وأفقر بعضا؛ ليبلو الغني بالفقير فيما فرض له من ماله من الزكاة وندبه إليه من التطوع بالمساواة؛ ليصح التكليف والابتلاء وأن يعترض (١) على المشيئة.\nقوله تعالى: ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ قال ابن عباس: يريدون المؤمنين (٢).\nوقال مقاتل بن سليمان، ومقاتل بن حيان: ثم قالوا لأصحاب النبي -ﷺ-: ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ قالوا في اتباعكم محمدًا وترك ديننا (٣).\nوقال الكلبي: يقول الله: ﴿إِنْ أَنْتُمْ﴾ يا أهل مكة ﴿إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ أي خطأ بين (٤) (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3706>٤٨ </span>- وقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ قال\n_________\n= ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٧/ ٢٤، والطبرسي في \"مجمع البيان\" ٨/ ٦٦٧، وأورده القرطبي ١٥/ ٣٧ ونسبه لابن عباس.\n(١) هكذا في النسخ، هو خطأ، ولعل الصواب: وأن لا يعترض.\n(٢) لم أقف عليه عن ابن عباس، وقد ذكره أكثر المفسرين ولم ينسبه أحد حسب علمي لابن عباس، بل نسبه بعضهم لقتادة انظر مثلًا: الماوردي ٥/ ٢٢، \"مجمع البيان\" ٨/ ٦٦٧. ومنهم من ذكره ولم ينسبه لأحد. انظر: \"الطبري\" ٢٣/ ١٢، \"القرطبي\" ٢٧/ ١٥، \"بحر العلوم\" ٣/ ١٠٢.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ١٠٧ ب. انظر: \"القرطبي\" ١٥/ ٣٧.\n(٤) في (ب): زيادة (أي خاط خطأ بين)، وهو خطأ.\n(٥) لم أقف على من نسبه للكلبي. وانظر: \"الطبري\" ٢٣/ ١٢، \"بحر العلوم\" ٣٠/ ١٠٢، \"القرطبي\" ١٥/ ٣٧.","vol":"18","page":494},{"text":"مقاتل: يعني العذاب. ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ أن العذاب نازل (١). وقال الكلبي: متى هذا الوعد الذي تعدنا به من القيامة إن كنتم صادقين في ذلك (٢).\nقال أبو إسحاق: أي: متى إنجاز هذا الوعد، إن كنتم صادقين فأرونا ذلك (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3707>٤٩ </span>- قال الله تعالى: [..] (٤) ﴿مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ﴾ قال ابن عباس: يريد النفخة الأولى (٥). والمعنى أن القيامة تأتيهم بغتة، تأخذهم الصيحة وهم يخصمون، أىِ: يختصمون. قال ابن عباس: يريد البيع والشراء (٦).\nقال الكلبي: يتكلمون ويتبايعون في أسواقهم (٧).\nوقال مقاتل: وهم أعز ما كانوا يتكلمون في الأسواق والمجالس (٨).\nوقال قتادة: تهيج الساعة بالناس والرجل يسقي ماشيته، والرجل يصلح حوضه، والرجل يقيم سلعته، والرجل يخفض ميزانه ويرفعه،\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ١٠٧ ب.\n(٢) لم أقف عليه عن الكلبي، وقد أورده الماوردي ٥/ ٢٢ عن يحيى بن سلام.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٨٩.\n(٤) في (أ): زيادة قوله تعالى، وهو تكرار لا لزوم له بل إثباته خطأ؛ لأنه يجعل (قوله تعالى) مقولًا لـ (قال الله تعالى)، فيكون قرآنًا وهو ليس كذلك. وقد تكررت في بعض المواضع في باقي السورة.\n(٥) انظر: \"البغوي\" ٤/ ١٤، \"مجمع البيان\" ٨/ ٦٦٨.\n(٦) ورد بنحوه في \"تفسير ابن عباس\" بهامش المصحف ص ٣٧٢.\n(٧) لم أقف عليه عن ابن عباس، وأورده الماوردي ٥/ ٢٢ عن السدي.\n(٨) \"تفسير مقاتل\" ١٠٧ ب.","vol":"18","page":495},{"text":"فيصيح (١) بهم وهم كذلك (٢).\nوقال أبو إسحاق: تقوم الساعة وهم متشاغلون في تصرفاتهم (٣).\nوفي قوله: ﴿يَخِصِّمُونَ﴾ وجوه من القراءة، أجودها فتح الخاء مع تشديد الصاد، والأصل: يختصمون، فألقيت حركة الحرف المدغم -وهو التاء- على الساكن الذي قبله -وهو الخاء- وهذا أحسن الوجوه بدلالة قولهم: ردَّ وفرَّ وغضَّ، [فألقوا حركة العين على الساكن، وذلك أن الأصل: ردد وافرر واغضض] (٤). ويلي الوجه الأول في الجودة قراءة من قرأ بكسر الخاء، ووجهه أنه حرك الخاء بالكسر لالتقاء الساكنين؛ لأنه لم يلق حركة التاء على الفاء. وقرأ أهل المدينة بالجمع بين ساكنين والخاء والحرف المدغم. قال الزجاج: وهو أشد الوجود وأردؤها (٥).\nوقال أبو علي: من زعم أن ذلك ليس في طاقة اللسان إدغامًا يعلم فساده بغير استدلال (٦).\nوقرأ حمزة: يخصمون، ساكنة الخاء مخففة الصاد، وهي قراءة يحيى ابن وثاب.\nقال الفراء: (من قرأ على قراءة يحيى فيكون تفعلون من الخصومة،\n_________\n(١) في (ب): (فيهيج).\n(٢) انظر: \"الطبري\" ٢٣/ ١٣، وأورده السيوطي في \"الدر\" ٧/ ٦١ وزاد نسبته لعبد بن حميد وابن أبي حاتم.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٩٠.\n(٤) ما بين المعقوفين مكرر في (أ).\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٩٠.\n(٦) \"الحجة\" ٦/ ٤٢.","vol":"18","page":496},{"text":"كأنه قال: وهم يتكلمون. قال: ووجه آخر: وهم في أنفسهم يخصمون من وعدهم الساعة، وهم يغلبون عند أنفسهم من قال لهم أن الساعة آتية) (١).\nوذكر (٢) أبو إسحاق هذين الوجهين فقال: (في هذه القراءة أنها جيدة أيضًا، ومعناها أنها تأخذهم وبعضهم يخصم بعضًا. قال: ويجوز أن يكون تأخذهم وهم عند أنفسهم يخصمون، فتقديره: يخصم بعضهم بعضًا، فحذف المضاف، وحذف المفعول به كثير في التنزيل وغيره. قال: ويجوز أن يكون المعنى: يخصمون مجادلهم عند أنفسهم، فحذف المفعول به، ومعنى يخصمون يعلنون خصومهم في الخصام (٣) انتهى كلامه.\nوالوجه الأول في معنى هذه القراءة كمعنى سائر الوجوه من القراءة؛ لأنه بمعنى يخصم بعضهم بعضًا في تخاصمهم ومكالمتهم في متصرفاتهم (٤) يغلب بعضهم بعضًا متشاغلين بكلامهم، وليس بمعنى الغلبة في الخصومة في الساعة كما ذكر في الوجه الثاني (٥).\nفإن قيل: إن هؤلاء الذين أخبر عنهم ما هم قالوا متى هذا الوعد انقرضوا صاروا رمادًا، فكيف يخبر عنهم بأن الساعة تقوم عليهم وهم يختصمون؟ قيل: يراد بهذا من هو على مثل حالهم من المكذبين بالساعة،\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" ٢/ ٣٧٩.\n(٢) في (ب): (وقال)، وهو خطأ.\n(٣) لم أقف على هذا الكلام عن أبي إسحاق، ويظهر أنه كلام أبي علي وإنما وهم المؤلف ﵀ فنسبه لأبي إسحاق. انظر: \"الحجة\" ٦/ ٤٢.\n(٤) في (ب): (متصرتهم)، وهو خطأ.\n(٥) انظر: \"الحجة\" ٦/ ٤١ - ٤٣، \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٣٧٩، \"علل القراءات\" ٢/ ٥٦٦، \"الكشف عن وجوه القراءات السبع وعللها وحججها\" ص ٢١٧.","vol":"18","page":497},{"text":"والقوم إذا كان أمرهم واحدًا كان الخبر عن بعضهم في ذلك الأمر كالخبر عن جميعهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3708>٥٠ </span>- ثم ذكر أن الساعة إذا (١) أخذتهم بغتة لم يقدروا على الإيصاء بشيء، فقال: ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً﴾ قال مقاتل: يقول عجلوا عن الوصية فماتوا (٢). وقال أبو إسحاق: لا يستطيع أحد أن يوصي وصية في شيء من أمره (٣).\n﴿وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ﴾ لا يلبث أن يصير إلى أهله ومنزله، يموت في مكانه.\nوقال مقاتل: يقول ولا إلى منازلهم يرجعون من الأسواق (٤). وهذا قول المفسرين (٥).\nوقال الكلبي: ولا إلى أهلهم يرجعون الكلام (٦).\nوذكر الفراء هذا القول أيضًا فقال: أي لا يرجعون إلى أهليهم قولًا (٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3709>٥١ </span>- قال مقاتل: أخبرهم الله بما يقولون في النفخة الأولى، ثم\n_________\n(١) في (ب): (أوذا)، وهو خطأ.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ١٠٧ أ. ب.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٩٥.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ١٠٧ ب.\n(٥) انظر: \"الطبري\" ٢٣/ ١٥، \"بحر العلوم\" ٣/ ١٠٢، \"الماوردي\" ٥/ ٢٢.\n(٦) لم أقف عليه عن الكلبي. وانظر: \"معاني القرآن\" للنحاس ٥/ ٣٠٥، \"القرطبي\" ١٥/ ٣٩.\n(٧) \"معاني القرآن\" ٢/ ٣٨٠.","vol":"18","page":498},{"text":"أخبرهم بما يقولون في النفخة الثانية إذا بعثوا بعد الموت، وذلك قوله (١): ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ قال ابن عباس: يريد النفخة الثانية (٢).\n﴿فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ﴾ يعني: القبور، واحدها جدث. قال أبو عبيدة: وهي لغة أهل العالية، وهي أهل نجد يقولون: جدث (٣).\n﴿إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ قال مقاتل: يخرجون إلى الله من قبورهم أحياء (٤). وقال الزجاج: ينسلون يخرجون بسرعة (٥).\nقال المبرد (٦): يقال للإنسان إذا غدا عجلا: نسل، والريب ينسل وينسل، وأنشد الجعدي:\nعَسَلاَن الذئبِ أمسى قاربًا ... برد الليل عليه فَنَسلْ (٧)\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ١٠٧ ب.\n(٢) لم أقف عليه عن ابن عباس، وأكثر المفسرين قالوا: إنها النفخة الثانية. انظر: \"الطبري\" ٢٣/ ١٥، \"الماوردي\" ٥/ ٢٣، \"بحر العلوم\" ٣/ ١٠٢، \"القرطبي\" ١٥/ ٣٩.\n(٣) كلام أبي عبيدة كما في \"المجاز\" ٢/ ١٦٣: وهي لغة أهل العالية، وأهل نجد يقولون: جدف.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ١٠٧ ب.\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٩٠.\n(٦) \"الكامل\" ١/ ٣٢١ - ٣٢٢.\n(٧) البيت من الرمل، وهو للنابغة الجعدي في \"ديوانه\" ٩٠، \"تهذيب اللغة\" ٢/ ٩٦، وينسب للبيد، وهو في \"ديوانه\" ص ٢٠٠، \"لسان العرب\" ١١/ ٤٤٦ (عسل)، \"الكامل\" ١/ ٣٢١. وبلا نسبة في \"جمهرة اللغة\" ص ٣٠٥، ٨٤٢، \"المخصص\" ٧/ ١٢٦، \"الخصائص\" ٢/ ٤٨. يقال: عسل الذئب والثعلبي يعسِل عسلًا وعسلانًا، مضى مسرعًا واضطرب في عدوه وهزَّ رأسه. وقاربًا نقرب: أي نطلب والأصل في هذا طلب الماء ثم توسع فيه. والنسل: هو الإسراع في المشي.","vol":"18","page":499},{"text":"ابن السكيت: يقال: نسل في العدو ينسل نسلانًا (١).\nوقد يقال في مصدره: النسل، ومنه الحديث: شكونا إلى رسول الله -ﷺ- الضعف فقال: \"عليكم بالنسل\" (٢).\nوقال ابن الأعرابي: النسل ينشط، وهو الإسراع في المشي (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3710>٥٢ </span>- قال مقاتل: فلما رأوا البعث ذكروا قول الرسل في الدنيا أن البعث حق (٤). فقالوا: ﴿يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا﴾. قال المفسرون: إنما يقولون هذا؛ لأن الله رفع عنهم العذاب فيما بين النفختين فيرقدون.\nقال مقاتل: إن أرواح الكفار كانت تعرض على منازلها من النار طرفي النهار (٥) وكل يوم، فلما كان بين النفختين رفع فرقد تلك الأرواح، فلما بعثوا في النفخة الأخيرة وعاينوا القيامة دعوا بالويل (٦) فقالوا: ﴿وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾.\nقال أبي بن كعب: ينامون قبل البعث نومة (٧).\n_________\n(١) انظر: \"تهذيب اللغة\" ١٢/ ٤٢٨ (نسل).\n(٢) أخرجه الخطابي في \"غريب الحديث\" ٢/ ٣٧١، وابن الأثير في \"غريب الحديث\" ٥/ ٤٩ (نسل)، والزمخشري في \"الفائق في غريب الحديث\" ٣/ ٤٢١ (نسل)، وابن الجوزي في \"غريب الحديث\" ٢/ ٤٠٥ باب النون مع السين.\n(٣) انظر: \"تهذيب اللغة\" ١٢/ ٤٢٨ (نسل)، \"اللسان\" ١١/ ٦٦١ (نسل).\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ١٠٧ ب.\n(٥) (الواو) هنا زائدة، وليست في \"تفسير مقاتل\".\n(٦) \"تفسير مقاتل\" ١٠٧ ب.\n(٧) انظر: \"الطبري\" ٢٣/ ١٦، \"معاني القرآن\" للنحاس ٥/ ٥٠٥، \"زاد المسير\" ٧/ ٢٥. وأورده السيوطي في \"الدر\" ٧/ ٦٣ وزاد نسبته للفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"18","page":500},{"text":"قال أبو هريرة: إذا أراد الله أن يبعث الخلق أمطر عليهم ماء من تحت العرش، فينبتون منه كما ينبت الزرع من الماء، حتى إذا تكاملت أجسادهم نفخ فيها الروح، ثم تلقى عليهم نومة، فبينما هم في قبورهم إذ نفخ في الصور، فجلسوا وهم يجدون طعم النوم في رؤسهم وأعينهم كما يجد النائم حين يستيقظ من نومه، فعند ذلك يقولون: (١) ﴿يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾. وأكثر القراء وأهل المعاني على أن الوقف تام عند قوله (٢): ﴿مَرْقَدِنَا﴾، ثم يبتدئ فيقول: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ﴾. قال ابن عباس: تقول الملائكة: هذا ما وعد الرحمن على ألسنة الرسل أن يبعث بعد الموت، ﴿وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ بأن البعث حق (٣).\nوذهب آخرون إلى أن هذا من قول المؤمنين. روي عن أبي بن كعب أنه قال: فيقول المؤمن: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ (٤).\nوقال قتادة: أولها للكافرين وآخرها للمؤمنين قال الكافر: يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا، وقال المسلم: هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون،\n_________\n(١) لم أقف عليه.\n(٢) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٣٨٠، \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٨٠،\"القطع والائتناف\" ص ٩١،\"منار الهدى\" ص ٣٢٠، \"المكتفى في الوقف والابتداء\" ص ٤٧٣.\n(٣) انظر: \"تفسير ابن عباس\" بهامش المصحف ص ٣٧٢. وأكثر المفسرين ذكروا هذا القول، ولمن لم أقف على من نسبه لابن عباس. انظر: \"الماوردي\" ٥/ ٢٤، \"المحرر الوجيز\" ٤/ ٤٥٨، \"زاد المسير\" ٧/ ٢٦، \"ابن كثير\" ٣/ ٥٧٤.\n(٤) لم أقف على هذا القول عن أبي، وقد ذكر المفسرون هذا القول عن قتادة ومجاهد. انظر: \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ١٤٥، \"الطبري\" ٢٣/ ١٦ - ١٧، \"الماوردي\" ٥/ ٢٤، \"معانى القرآن\" للنحاس ٥/ ٥٠٥.","vol":"18","page":501},{"text":"ونحو هذا قال مجاهد (١)، واختاره الزجاج (٢). والقول الأول اختيار الفراء (٣). وهذا في موضع رفع، كأنك قلت: هذا وعد الرحمن.\nوذهب قوم إلى أن الوقف على قوله هذا، على أن يكون هذا من نعت مرقدنا، ثم تبتدئ: ما وعد الرحمن، حكى ذلك النحاس (٤)، وذكره الفراء (٥)، والزجاج. قال الزجاج: (إذا وقفت على قوله هذا، كان ما وعد الرحمن على ضربين أحدهما على إضمار هذا. والثاني على إضمار حق، فيكون المعنى: حق ما وعد الرحمن. قال: والقول الأول -أعني ابتداء هذا- عليه التفسير، وهو قول أهل اللغة) (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3711>٥٣ </span>- ثم ذكر النفخة الثانية فقال: ﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ الآية، وهي ظاهرة، وكذلك ما بعدها، ثم ذكر جل وعز أوليائه فقال:\n<span data-type=\"title\" id=toc-3712>٥٤ </span>- ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ﴾ قال ابن عباس: يريد في الآخرة (٧).\n﴿فِي شُغُلٍ﴾ وقرئ: شُغْل، وهما لغتان (٨).\n_________\n(١) انظر: \"المصادر السابقة\".\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٩١.\n(٣) \"معاني القرآن\" ٢/ ٣٨٠.\n(٤) \"القطع والائتناف\" ص ٩١.\n(٥) \"معاني القرآن\" ٢/ ٣٨٠.\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٩١.\n(٧) في \"تفسير ابن عباس\" بهامش المصحف ص ٤٤٤ قال: يوم القيامة. ولم أقف على من نسب هذا القول لابن عباس. وانظر: \"بحر العلوم\" ٣/ ١٠٣، \"زاد المسير\" ٧/ ٢٧، \"ابن كثير\" ٣/ ٥٧٥.\n(٨) انظر: \"علل القراءات\" ٢/ ٥٦٦، \"الكشف عن وجوه القراءات السبع وعللها وحججها\" ص٢٩١.","vol":"18","page":502},{"text":"قال ابن عباس في رواية عطاء وعكرمة: يريد افتضاض العذارى والأبكار (١).\nوقال مقاتل: شغلوا بافتضاض العذارى عن أهل النار، فلا يذكرونهم ولا يهتمون لهم (٢).\nوروى مجاهد عن ابن عباس: شغلوا بفضة العذارى (٣).\nوقال أبو الأحوص (٤): شغلوا بافتضاض (٥) الأبكار على السرر في الحجال.\nوقوله: ﴿فَاكِهُونَ﴾ قال ابن عباس: ناعمون (٦).\n_________\n(١) انظر: \"الطبري\" ٢٣/ ١٨،\"بحر العلوم\" ٣/ ١٠٣، \"المحرر الوجيز\" ٤/ ٤٥٨.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ١٠٨ أ.\n(٣) انظر: \"زاد المسير\" ٧/ ٢٧، وأورده الطبري ٢٣/ ١٨ برواية عكرمة عن ابن عباس.\n(٤) لم أستطع تحديده، فهناك أبو الأحوص: قاضي عُكبر، أبو عبد الله محمد بن الهيثم بن حماد الثقفي مولاهم البغدادي المشهور بأبي الأحوص. حدَّث عن أبي نُعيم، وعبد بن رجاء وخلق غيرهما وروى عنه ابن ماجه حديثًا واحدًا وأبو عوانة وعثمان بن السَّمَّاك وغيرهم. قال الدارقطني عنه: إنه من الحفَّاظ الثقات. توفي بعكبرى سنة ٢٧٩ هـ.\nانظر: \"تاريخ بغداد\" ٣/ ٣٦٢، \"تهذيب الكمال\" ٢٦/ ٥٧١، \"سير أعلام النبلاء\" ١٣/ ١٥٦، أو لعله: الإمام الثقة سلاَّم بن سليم الحنفي مولاهم الكوفي، وقد تقدمت ترجمته.\n(٥) في (ب): (بافتضاض).\n(٦) \"تفسير ابن عباس\" بهامش المصحف ص ٣٧٢، ولم أقف على من نسبه لابن عباس، وقد ذكره أكثر المفسرين عن مقاتل وقتادة والسدي.\nانظر: \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٢٣٧ أ، \"الماوردي\" ٥/ ٢٥، \"بحر العلوم\" ٣/ ١٠٣، \"زاد المسير\" ٧/ ٢٨، \"القرطبي\" ١٥/ ٤٤.","vol":"18","page":503},{"text":"وقال مقاتل وقتادة: أي معجبون بما هم فيه. وهو قول الحسن والكلبي (١). وهذان القولان عليهما أهل التفسير، ولكل منهما أصل في اللغة، فمن قال: فاكهون ناعمون (٢). فأصله من الفكيهة والفاكهة، وهي المزاح والكلام الطيب، يقال: فاكهت القوم بملح الكلام مفاكهة.\nروى أبو عبيد عن أبي زيد: الفكه الطيب النفس الضحوك. روى شمر عنه: رجل فكه وفاكهة (٣)، وهو الطيب النفس المزاح (٤)، وأنشد أبو عبيدة:\nفكه العشي إذا تأدب رحله ... رَكْبُ الشتاءِ مسامح في الميسر (٥)\n[وأنشد أيضًا]: (٦)\nفكِهٌ لدى جنبِ الخِوانِ إذا أتت ... نكباءَ تقلعُ ثابت الأطنابِ (٧)\nقال الفراء والزجاج والكسائي: الفاكه والفكه كالحاذر والحذر\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ١٠٨ أ. وانظر المصادر السابقة.\n(٢) في (أ): فاكين ناعمين، وهو خطأ.\n(٣) هكذا في النسخ، وهو خطأ، والصواب: فاكه.\n(٤) انظر: \"تهذيب اللغة\" ٦/ ٢٦ (فكه)، \"اللسان\" ١٣/ ٥٢٣ (فكه).\n(٥) البيت من الكامل وهو لصخر بن عمرو بن الشريد، اْخو الخنساء، في \"مجاز القرآن\" ٢/ ١٦٣، \"أساس البلاغة\" ص ٣٤٦ (فكه).\n(٦) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).\n(٧) لعل نسبه هذا البيت لأبي عبيدة خطأ من المؤلف تابع فيه الأزهري، فقد نسبه لأبي عبيدة كما في \"تهذيب اللغة\" ٦/ ٢٦، أما ابن منظور في \"اللسان\" فقال أنشده أبو عبيد. والبيت من \"الكامل\"، وهو بلا نسبة في: \"تهذيب اللغة\" ٦/ ٢٦، \"اللسان\" ١٣/ ٥٢٤ (فكه)، \"أساس البلاغة\" ص ٣٤٦ (فكه). والخوان: هو الذي يؤكل عليه معرَّب، والجمع أخون، \"اللسان\" ١٣/ ١٤ (خون)، والنكباء: كل ريح من الرياح الأربع انحرفت ووقعت بين ريحين، وهي تلك المال وتحبس القطر. \"اللسان\" ١/ ٧٧١ (نكب).","vol":"18","page":504},{"text":"والفاره والفره ولم يسمع في الثلاثي فعل (١).\nقال الأخفش: ولم أسمع فكه يفكه (٢). ويجوز أن تكون الفاكه كاللابن والتامر، وهو قول أبي عبيدة والأخفش.\nقال أبو عبيدة: (من قرأها فاكهون، معناه صاحب فاكهة، أي: كثير الفاكهة، وأنشد للحطيئة فقال:\nوغررتني وزعمت أنك لابن بالصيف تأمر (٣» (٤).\nوقال أبو الحسن: فاكهون به وفاكهة وذو الفاكهة ناعم (٥). فلذلك قال المفسرون في تفسير الفاكه: أنه الناعم، ومن قال: الفاكه المعجب، فإن العرب تقول: فكهنا من كذا، أي: تعجبنا، ومنه: قوله تعالى: ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ [الواقعة: ٦٥] أي: تعجبون (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3713>٥٦ </span>- وقوله: ﴿هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ﴾ يعني حلائلهم من الحور العين [..] (٧).\nومنه قوله: ﴿ظِلَالٍ﴾، قال مقاتل: يعني أكنان القصور (٨). وذكرنا\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" ٢/ ٣٨٠، \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٩١، ولم أقف على قول الكسائي.\n(٢) لم أقف عليه.\n(٣) البيت من مجزوء \"الكامل\"، وهو للحطيئة في \"ديوانه\" ص ٣٣، \"مجاز القرآن\" ٢/ ١٦٤، \"الكتاب\" ٢/ ٨٨، \"المقتضب\" ٣/ ٥٨، \"الخصائص\" ٣/ ٢٨٢، وهذا البيت من قصيدة يهجو بها الزبرقان بن بدر.\n(٤) \"مجاز القرآن\" ٢/ ١٦٤.\n(٥) لم أقف على قول أبي الحسن.\n(٦) انظر: \"تهذيب اللغة\" ٦/ ٢٦ (فكه)، \"اللسان\" ١٣/ ٥٢٣ (فكه).\n(٧) ما بين المعقوفين -قدر كلمة أو كلمتين- لم أستطع قراءتها أو فهمها في جميع النسخ.\n(٨) \"تفسير مقاتل\" ١٠٨ أ.","vol":"18","page":505},{"text":"معنى الظلال عند قوله: (يتفيأ ظلاله) [النحل: ٤٨].\nوقرئ: ظلل، وذكرنا معناها عند قوله: ﴿فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ [البقرة: ٢١٠] (١). وتفسير الأرائك مذكور في سورة الكهف (٢).\nقال أبو علي الفارسي: (الظلل جمع ظلة، مثل غرفة وغرف، والظلال يجوز أن يكون جمع ظلة أيضًا كعبلة وعلاب، [وجفرة] (٣) وجفار، وبرمة وبرام. ويجوز أن يكون جمع ظلل) (٤).\nقال أبو عبيدة في هذه الآية: (في ظلال واحدها ظلة والجمع الظلل، وهو الكن لا يصحوا، وقال: الأرائك واحدها أريكة، وهي الفرش في الحجال، وأنشد قول ذي الرمة:\nحدود جفت في السير حتى كأنما ... يباشرن بالمعزاء مس الأرائك (٥» (٦)\n_________\n(١) قال هناك: الظُلل: جمع ظلة مثل: هلة وهُللَ والظُلة: ما يستظل به من الشمس ويسمى السحاب ظلة؛ لأنه يستظل بها، منه قوله: ﴿عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ﴾ أرد غيمًا تحت سموم.\n(٢) عند الآية (٣١)، وهي قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا﴾.\n(٣) ما بين المعقوفين طمس في (أ)، والجفرة تأنيث جَفْر، وهو من أولاد الشاء إذا عظم وفصل عن أمه \"اللسان\"٤/ ١٤٢.\n(٤) \"الحجة\" ٦/ ٤٣ - ٤٤\n(٥) البيت من الطويل، وهو لذي الرمة في \"شرح ديوانه\" ٣/ ١٧٢٩، \"مجاز القرآن\" ١/ ٤٠١، ٢/ ١٦٤.\nومعنى البيت: جفت في السير: أي لم تطمئن فيه، والأرائك: جح أريكة وهي الأسرة، والمعزاء: أرض غليظة ذات حصى. يقول: كأنهن إذا وقعّن على المعزاء وجدن بها مس الأرائك من التعب والإعياء. \"ديوان ذي الرمة\" شرح أبي نصر الباهلي ص ١٧٢٩.\n(٦) \"مجاز القرآن\" ٢/ ١٦٤.","vol":"18","page":506},{"text":"ونحو هذا قال أبو إسحاق (١). وأما المفسرون فإنهم قالوا في تفسير الأرائك: إنها السرر عليها الحجال، وهو قول ابن عباس ومجاهد ومقاتل (٢).\nوقال أحمد بن يحيى: الأريكة لا تكون إلا سريرًا في قبة علية شواره ومخدة (٣).\nوقال الكلبي: الأرائك السرر في الحجال، لا تكون أريكة إلا إذا اجتمعتا، فإذا تفرقتا فليس بأريكة (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3714>٥٧ </span>- وقوله: ﴿وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ﴾ قال أبو عبيدة: ما يتمنون، تقول العرب: ادع على ما شئت، أي: تمن (٥)، ونحو هذا قال ابن قتيبة (٦). والزجاج قال: هو مأخوذ من الدعا، المعنى: كل ما يدعونه أهل الجنة يأتيهم (٧).\nقال ابن عباس: يريد ما يتمنون وما يشتهون (٨). وهو قول مقاتل (٩).\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٩٢.\n(٢) انظر: \"الطبري\" ٢٣/ ٢٠، \"معاني القرآن\" للنحاس ٥/ ٥٠٨، \"المحرر الوجيز\" ٤/ ٤٥٩، \"تفسير مقاتل\" ١٠٨ أ.\n(٣) انظر: \"زاد المسير\" ٥/ ١٣٨،\"فتح القدير\" ٤/ ٣٦٥. ومعنى شواره: أي زينته. انظر. \"اللسان\" ٤/ ٤٣٤ (شور).\n(٤) انظر: \"بحر العلوم\" ٣/ ١٠٣.\n(٥) \"مجاز القرآن\" ٢/ ١٦٤.\n(٦) \"تفسير غريب القرآن\" ص ٣٦٧.\n(٧) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٩٢.\n(٨) انظر: \"تفسير ابن عباس\" بهامش المصحف ٣٧٢.\n(٩) \"تفسير مقاتل\" ١٠٨ أ.","vol":"18","page":507},{"text":"وقال الكلبي: يسألون، من التحف والتمني (١). والسؤال معنى وليس بتفسير. وحقيقة تفسيره ما ذكره الزجاج: أي ما يدعونه أهل الجنة فهو لهم؛ لأن الادعا افتعال من الدعا، فيدعون بمعنى يدعون (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3715>٥٨ </span>- وقوله: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا﴾. قال أبو إسحاق: سلام بدل من ما، المعنى: لهم سلام بقوله ﷿ ﴿قَوْلًا﴾ (٣). وهذا الذي ذكره الزجاج معنى قول أبي عبيدة: سلام رفع على لهم عملت فيه، وقولًا خرجت مخرج المصدر الذي يخرج من غير لفظ فعله (٤). أي: يقولون ذلك قولًا. ونحو هذا قال الفراء والكسائي (٥).\nقال ابن عباس: يرسل الرحيم إليهم بالسلام (٦).\nوقال الكلبي: يرسل إليهم ربهم الملائكة في جناتهم بالتحف من عنده وبالسلام (٧).\nوقال مقاتل: إن الملائكة يدخلون على أهل الجنة من كل باب، يقولون سلام عليكم يا أهل الجنة من ربكم الرحيم (٨). فهؤلاء قالوا: إن الله يرسل إليهم بالسلام.\n_________\n(١) لم أقف عليه عن الكلبي، وقد ذكر الماوردي ٥/ ٢٦ نحوه عن أبي عبيدة.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٩٢.\n(٣) المصدر السابق.\n(٤) \"مجاز القرآن\" ٢/ ١٦٤.\n(٥) \"معاني القرآن\" ٢/ ٣٨٠، ولم أقف على قول الكسائي.\n(٦) ذكر نحوه أبو حيان في \"البحر المحيط\" ٧/ ٣٢٧ عن ابن عباس.\n(٧) لم أقف عليه عن الكلبي. وانظر: \"تفسير هود بن محكم\" ٣/ ٤٣٨، \"مجمع البيان\" ٨/ ٦٧١ فقد ذُكر نحو هذا القول غير منسوب.\n(٨) \"تفسير مقاتل\" ١٠٨ أ.","vol":"18","page":508},{"text":"وروى جابر عن النبي -ﷺ-: \"إن الله يشرف على أهل الجنة فيقول: السلام عليكم يا أهل الجنة\". فذلك قوله: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ (١). وهو قول كعب القرظي (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3716>٥٩ </span>- وقوله: ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ (٥٩)﴾ أي: انقطعوا وتميزوا منهم، يقال: أمزت الشيء من الشيء أميزه، إذا عزلته عنه، فانماز وامتاز، وميزته فتميز (٣).\nوقال ابن عباس: يقول تنحوا أيها المشركون (٤).\nوقال مقاتل: اعتزلوا اليوم -يعني: في الآخرة- من الصالحين (٥).\nوقال السدي: كونوا على حده (٦). وهذا قول أكثر المفسرين (٧)، واختيار أبي إسحاق قال: معناه: انفردوا عن المؤمنين (٨).\nوقال الضحاك: هم يفرد كل واحد من أهل النار بيتًا ويرد بابه،\n_________\n(١) رواه ابن ماجه في \"سننه\" باب: ما أنكرت الجهمية ١/ ٣٦ رقم ١٧٢. وقال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" ٧/ ٩٨: رواه البزار، وفيه الفضل بن عيسى الرقاشي، وهو ضعيف.\n(٢) انظر: \"الطبري\" ٢٣/ ٢١، وأورده السيوطي في \"الدر\" ٧/ ٦٦، وزاد نسبته لأبي نصر السجزي في \"الإبانة\".\n(٣) انظر: \"تهذيب اللغة\" ١٣/ ٢٧٢ (ماز)، \"اللسان\" ٥/ ٤١٢ (ميز).\n(٤) لم أقف عليه عن ابن عباس، وقد ذكر الماوردي نحوه ٥/ ٢٦ عن الكلبي، وذكره هود بن محكم ٣/ ٤٣٨ ولم ينسبه.\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ١٠٨ أ.\n(٦) ذكره المؤلف في \"الوسيط\" ٣/ ٥١٧. وانظر: \"البغوي\" ٤/ ١٦، \"مجمع البيان\" ٨/ ٦٧١.\n(٧) المصادر السابقة. وانظر كذلك: \"بحر العلوم\" ٣/ ١٠٤، \"زاد المسير\" ٧/ ٣٠.\n(٨) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٩٢.","vol":"18","page":509},{"text":"فيكون فيه أبدًا، لا يَرى ولا يُرى. وعلى هذا امتيازهم: أن يمتازوا بعضهم من بعض (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3717>٦٠ </span>- وقوله: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ﴾ أي: ألم آمر ولم أوص، كقوله: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ﴾ [طه: ١١٥] وقد مر.\nقال ابن عباس: ألم أقدم إليكم (٢).\nوقال الزجاج: ألم أتقدم إليكم، يعني على لسان الرسل (٣). ﴿يَا بَنِي آدَمَ﴾ قال مقاتل: يعني الذين أمروا بالاعتزال (٤).\n﴿أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ﴾ أي: لا يطيعوا إبليس في الشرك. ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ من العداوة إخراج أبويكم من الجنة. قاله ابن عباس (٥). قال سعيد بن جبير والكلبي: من أطاع الشيطان فقد عبده (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3718>٦١ </span>- ﴿وَأَنِ اعْبُدُونِي﴾ يعني: ألم أعهد إليكم أن اعبدوني. قال ابن عباس: أطيعوني (٧). وقال مقاتل: وحدوني (٨). ﴿هَذَا﴾ يريد الذي جاء به محمد -ﷺ-. ﴿صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ (٩) يعني: دين الإسلام. ثم ذكر عداوته لبني\n_________\n(١) انظر: \"الماوردي\" ٥/ ٢٦، \"البغوي\" ٤/ ١٦، \"القرطبي\" ١٥/ ٤٦.\n(٢) \"تفسير ابن عباس\" بهامش المصحف ص ٣٧٢.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٩٢.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ١٠٨ أ.\n(٥) لم أقف عليه.\n(٦) لم أقف عليه عنهما. وذكره السمرقندي في \"بحر العلوم\" ٣/ ١٠٤ ونسبه لابن عباس.\n(٧) لم أقف عليه عن ابن عباس. وانظر: \"بحر العلوم\" ٣/ ١٠٤، \"زاد المسير\" ٧/ ٣٠، \"البغوي\" ٤/ ١٧.\n(٨) \"تفسير مقاتل\" ١٠٨ أ.\n(٩) قوله: (مستقيم) غير مثبت في (ب).","vol":"18","page":510},{"text":"آدم فقال: [..] (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3719>٦٢ </span>- ﴿وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا﴾ أي: عن الهدى. ﴿جِبِلًّا كَثِيرًا﴾ فيه وجوه من القراءة: جُبُلًا وجُبْلَّا بالضم وتشديد اللام قال: وجبل وجِبِلَّة لغات كلها (٢). ونحو هذا قال أبو عبيدة، قال: ومعناها: الخلق والجماعة (٣).\nوقال الليث: الجبلة الخلق خلقهم الله فهم مجبولون، وأنشد: بحيث شد الجبابل المجابلا (٤).\nأي: حيث شد أسر خلقه (٥). وجبل الإنسان على هذا الأمر، أي: طبع، فهو مجبول عليه.\nقال ابن عباس ومجاهد والمفسرون: خلقًا كثيرًا (٦).\nقوله: ﴿أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ﴾. قال ابن عباس: يريد ما رأيتم من الأمم قبلكم ألم تعقلوا فتعتبروا بما رأيتم من الأمم قبلكم (٧).\n_________\n(١) في (أ): زيادة (قوله تعالى) وهو هنا زائد لا يحتاج السياق.\n(٢) \"الحجة\" ٦/ ٤٤ - ٤٥، \"الحجة في القراءات السبع\" ص ٢٩٩، \"علل القراءات\" ٢/ ٥٦٧.\n(٣) \"مجاز القرآن\" ٢/ ١٦٤.\n(٤) شطر بيت لم أقف على تمامه ولا قائله، وهو في \"تهذيب اللغة\" ١١/ ٩٦، \"اللسان\" ١١/ ٩٨.\n(٥) انظر: \"تهذيب اللغة\" ١١/ ٩٦ (جبل)، \"اللسان\" ١١/ ٩٨ (جبل).\n(٦) \"تفسير ابن عباس\" بهاش المصحف ص ٣٧٢، \"تفسير مجاهد\" ص ٥٣٦. وانظر: \"البغوي\" ٢٣/ ٢٣، \"الماوردي\" ٥/ ٢٧، \"بحر العلوم\" ٣/ ١٠٤.\n(٧) لم أقف عليه عن ابن عباس. وانظر: \"الوسيط\" ٣/ ٥١٧، \"بحر العلوم\" ٣/ ١٠٤، \"البغوى\" ٤/ ١٧، \"زاد المسير\" ٧/ ٣١.","vol":"18","page":511},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3720>٦٣ </span>- قال مقاتل: فلما دنوا من النار، قال لهم خزنتها: ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ بها في الدنيا فتكذبون (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-3721>٦٤ </span>- ﴿اصْلَوْهَا﴾: قاسوا حرها وشدتها. ﴿الْيَوْمَ﴾ يعني: في الآخرة. ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ بكفرهم بما كان في الدنيا.\n<span data-type=\"title\" id=toc-3722>٦٥ </span>- وقوله: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ﴾. قال مقاتل والكلبي: وذلك أنهم أنكروا الشرك والتكذيب، فيختم الله على أفواههم، وتكلمت جوارحهم بإذن لها في الكلام، فشهدت عليهم بما عملوا (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-3723>٦٦ </span>- وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ﴾ ذكرنا معنى الطمس في سورة النساء ويونس (٣). قال أبو عبيدة (٤) والمبرد (٥) والزجاج (٦) في هذه الآية: يقال: عين طمس ومطموس، وهو الذي لا يرى شق عينه ولا يتبين جفنه. وذكرنا في تفسير هذه الآية قولين. قال مقاتل: يقول: لو نشاء لحولنا أبصارهم من الضلالة إلى الهدى فأبصروا طريق الهدى، ثم\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ١٠٨ أ.\n(٢) المصدر السابق، ولم أقف عليه عن الكلبي.\n(٣) في سورة النساء: الآية ٤٧، وهي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾ الآية، وهذه الآية مع آية أخرى ناقصة من المخطوط.\nوفي سورة يونس: آية ٨٨ قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ وقال المؤلف هناك بعد أن أحال على آية النساء. قال الزجاج: تأويل طمس الشيء: إذهابه عن صورته والانتفاع به على الحال الأولى التي كانت عليها.\n(٤) \"مجاز القرآن\" ٢/ ١٦٥.\n(٥) لم أقف على هذا القول عن المبرد.\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٩٣.","vol":"18","page":512},{"text":"قال: ﴿فَأَنَّى يُبْصِرُونَ﴾ يقول: فمن أين يبصرون طريق الهدى، ولم أعم عليهم طريق الكفر؟ (١). ونحو هذا قال الكلبي (٢).\nالقول الثاني: أن معنى الآية لو نشاء لأعميناهم وتركناهم عميًا يترددون، وكيف يبصرون الطريق حينئذ؟ وهذا قول الحسن وقتادة والسدي (٣). وهو الاختيار لأن الله تعالى يهددهم بهذه الآية كالتي بعدها كما قال: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٥] يقول: كما أعمينا قلوبهم لو شئنا أعمينا أبصارهم الظاهرة. وهذا القول اختيار المبرد والزجاج.\nقال المبرد: تأويل الآية قال: راموا الاستباق إلى المنهاج، فمن أين لهم أبصار؟ (٤).\nوقال الزجاج: أي لو (٥) نشاء لأعميناهم فعدلوا عن الطريق، فمن أين (٦) يبصرون؟.\nوذكرنا معنى الاستباق عند قوله: ﴿وَاسْتَبَقَا الْبَابَ﴾ [يوسف: ٢٥]. والاستباق هاهنا معناه غير معنى ما تقدم. قال الأزهري: ﴿فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ﴾ فجازوا الصراط وخلفوه، وهذا الاستباق من واحد والذي في سورة يوسف\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ١٠٨ أ.\n(٢) انظر: \"بحر العلوم\" ٣/ ١٠٤، ونسبه بعض المفسرين لقتادة القائل. انظر: \"البغوي\" ٤/ ٣٦، \"زاد المسير\" ٧/ ٣٢، \"القرطبي\" ١٥/ ٤٩.\n(٣) انظر: \"الطبري\" ٢٣/ ٢٥، \"الماوردي\" ٥/ ٢٩، \"البغوي\" ٤/ ٣٦.\n(٤) لم أقف على قول المبرد.\n(٥) في (ب): (ولو نشاء).\n(٦) في (أ) كرر قول الزجاج ولكنه قال في آخر مرة: فمن أين لهم أبصار، وقال في الأخرى: فمن أين يبصرون. كما أثبته وكما هو في \"معاني الزجاج\" ٤/ ١٩٣.","vol":"18","page":513},{"text":"من اثنين؛ لأن هذا بمعنى سبقوا، والأول بمعنى المسابقة (١) هذا كلامه ويدل على صحته قول أبي إسحاق (٢): عدلوا عن الطريق [في هذه الآية] (٣) ومعنى عدلوا عن الطريق ما ذكره الأزهري: جازوا الصراط وخلفوه.\nويدل على صحة القول الثاني ما ذكره عطاء عن ابن عباس في هذه الآية قال: إن الأسود بن عبد الأسود أخذ حجرًا وجماعة من بني مخزوم معه ليطرحوه على رسول الله -ﷺ- وهو يصلي، فطمس الله بصره وألصق الحجر بيده، فما أبصر ولا اهتدى (٤). ومعنى الاستباق في هذا القول ما ذكروا في القول الأول معناه: فاهتدوا الطريق.\nقال الكلبي: فاستبقوا إلى الصراط المستقيم (٥). وفي هذا القول عدول عن الظاهر؛ لأن قوله: ﴿لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ﴾ يقتضي طمس الأعين الظاهرة مع أنه ليس يليق بما بعده، وهو قوله (٦):\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3724>٦٧ </span>- ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا﴾. قال ابن عباس: يريد لمسخت أبا جهل وكل من معه، على مكانتهم: يريد بالموضع الذي كانوا فيه قعودًا (٧).\n_________\n(١) \"تهذيب اللغة\" ٨/ ٤١٨ (شق).\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ١٩٣.\n(٣) ما بين المعقوفين زيادة من (أ).\n(٤) انظر: \"القرطبي\" ١٥/ ٥٠.\n(٥) لم أقف عليه عن الكلبي، وقد ذكر القرطبي نحوه عن ابن عباس ١٥/ ٤٩، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٧/ ٣٢ وقال: روى عن جماعة منهم مقاتل.\n(٦) في (ب): (واو) زائدة، (وقوله)، وهو خطأ.\n(٧) انظر: \"الطبري\" ٢٣/ ٢٩، \"الماوردي\" ٥/ ٢٦، \"معاني القرآن\" للنحاس ٥/ ٥١٤.","vol":"18","page":514},{"text":"قال أبو عبيدة (١) والزجاج (٢): المكانة والمكان واحد. وهذا مما تقدم القول فيه.\nوقال مقاتل: لو شئت لمسختهم حجارة في منازلهم ليس فيها أرواح.\n﴿فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا وَلَا يَرْجِعُونَ﴾ قال: يقول لا يتقدمون ولا يتأخرون (٣). وقال ابن عباس: لم يتقدموا ولم يتأخروا (٤).\nوقال أبو إسحاق: أي لم يقدروا على ذهاب ولا مجيء (٥). هذا الذي ذكرنا هو الصحيح في تفسير الآية، وقال قتادة: يقول لو نشاء لجعلناهم كسحا لا يقومون (٦). والكسح جمع الأكسح، وهو المقعد. والقول هو الأول؛ لأن معنى المسخ تحويل الصورة إلى صورة ذي روح كالقرد والخنزير، ولم يصح عنده هذا المسخ في الآية مع قوله: ﴿فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا﴾ فعدل إلى المسخ بالإقعاد، وليس كما ظن فإنه؛ يقال: مسخه الله حجرًا، وقد أوضح ذلك مقاتل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3725>٦٨ </span>- قوله تعالى: ﴿وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلَا يَعْقِلُونَ﴾ وقرئ: نُنَكَّسه، بالتشديد، يقال: نَكسته (٧) أنكسه وأنكسه، ونكسته\n_________\n(١) \"مجاز القرآن\" ٢/ ١٦٥.\n(٢) \"مجاز القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٩٣.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ١٠٨ أ.\n(٤) \"تفسير ابن عباس\" بهامش المصحف ص ٣٧٣، \"زاد المسير\" ٧/ ٣٣. وانظر: \"الطبري\" ٢٣/ ٢٦، \"الماوردي\" ٥/ ٢٩.\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٩٣.\n(٦) انظر: \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٤٦١، \"المحرر الوجيز\" ٤/ ١٤٥، \"زاد المسير\" ٧/ ٣٣.\n(٧) في (ب): (نكسه).","vol":"18","page":515},{"text":"أنكسه (١). وقد ذكرنا معنى النكس عند قوله: ﴿ثُمَّ نُكِسُوا﴾ [الأنبياء. ٦٥] (٢). قال الأخفش: ننكسه هو كلام العرب، ولا يكادون يقولون: نكسته، إلا لما يقلب فيجعل (٣) رأسه أسفله (٤). قال مقاتل: يعني أدرك العمر (٥).\nوقال أبو إسحاق: من أطلنا عمره نكسنا خلقه، فصار بدل القوة ضعفًا وبدل الشباب هرمًا (٦). وهذا معنى قول قتادة: هو الهرم يتغير بصره وقوته، كما رأيت قوله في رواية معمر (٧). وهذا عام في كل من يهرم، تتراجع قوته ويتغير عما كان عليه في شبابه.\nوقال الكلبي (٨): من نعمره حتى يدركه الهرم يرده في الخلق الأول الذي كان لا يعقل فيه شيئًا. وروي ذلك عن قتادة (٩) قال: ننكسه في الخلق لكي لا يعلم بعد علم شيئًا، يعني: الهرم. وهذا لا يعم؛ لأنه ليس كل من عمر صار إلى الفند، على أن ابن عباس خص الآية بالكافر فقال في رواية\n_________\n(١) انظر: \"الطبري\" ٢٣/ ٢٧، \"الحجة\" ٦/ ٤٥.\n(٢) انظر: \"البسيط\" النسخة الأزهرية ٣/ ٢٤٦ أ.\n(٣) في (ب): (فنجعل).\n(٤) انظر: \"الحجة\" ٦/ ٤٥، \"الكشف عن وجوه القراءات السبع وعللها وحججها\" ٢/ ٢٢٠.\n(٥) لم أقف على قول مقاتل، وليس هو في \"تفسيره\".\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٩٣.\n(٧) انظر: \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ١٤٥،\"الطبري\" ٢٣/ ٢٦، \"معاني القرآن\" للنحاس ٥/ ٥١٤.\n(٨) لم أقف على قول الكلبي. وذكر ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ١٠/ ٣٢٠٠ نحوه عن قتادة.\n(٩) انظر: \"مجمع البيان\" ٨/ ٦٧٤، \"القرطبي\" ١٥/ ٥١.","vol":"18","page":516},{"text":"عطاء: ومن نعمره يريد المشركين، نرده إلى ذهاب العقل، كما قال ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ [التين: ٥] يريد الكافرين من ولد آدم (١). فالنكس على هذا القول ردّه من حالة العلم إلى حالة الجهل، وعلى القول الأول من القوة إلى الضعف ومن الشباب إلى الشيب، ومن الزيادة إلى النقصان.\nوقوله: ﴿أَفَلَا يَعْقِلُونَ﴾ أي: فليس لهم عقل فيعتبروا فيعلموا أن الذي قدر على هذا من تصريف أحوال الإنسان، قدر على البعث بعد الموت، ومن قرأ بالتاء، فلقوله: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3726>٦٩ </span>- قوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ قال الكلبي (٢) ومقاتل (٣): نزلت في مشركي مكة، حين قالوا: إن القرآن شعر، وإن محمدًا شاعر ساحر كذاب، فقال الله تكذيبًا لهم: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾. قال ابن عباس: يريد ما (٤) ينبغي له الشعر، ما كان يروي بيت شعر ولا يقومه مستقيمًا (٥). قال أبو إسحاق: وما يتسهل ذلك (٦).\nوأصل (ينبغي) من قولهم: بغيت الشيء أبغيه، أي: طلبته، فابتغى لي ذلك الشيء أن تسهل وحصل، كما تقول: كسرته فانكسر (٧). وكان\n_________\n(١) لم أقف عليه.\n(٢) لم أقف عليه.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ١٠٨ ب، \"البغوي\" ٤/ ١٨، \"زاد المسير\" ٧/ ٣٤.\n(٤) في (ب): (وما).\n(٥) لم أقف عليه عن ابن عباس. وانظر: \"الطبري\" ٢٧/ ٢٣، \"بحر العلوم\" ٣/ ١٠٥. البغوي ٤/ ١٨، \"مجمع البيان\" ٨/ ٦٧٤.\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٩٣.\n(٧) انظر: \"تهذيب اللغة\" ٨/ ٢١٢ (بغي)، \"اللسان\" ١٤/ ٧٦ (بغا).","vol":"18","page":517},{"text":"النبي -ﷺ- بالصفة التي وصفه الله بها ما كان يقرن له بيت شعر، حتى إنه إذا تمثل بيت شعر جرى على لسانه منكسرًا، فقد روي أنه كان يتمثل بقول العباس بن مرداس فيقول:\nأتجعل نهبي ونهب العبيد بين الأقرع وعيينة (١)\nوكان يتمثل بقول عبد بني الحسحاس (٢) يقول:\nكلي (٣) الإسلام والشيب للمرء ناهيًا (٤)\nوكان يتكلم ببيت طرفة فيقول:\nويأتيك من لم تزود بالأخبار (٥)\n_________\n(١) البيت من المتقارب وصحته: أتجعل نهبي ونهب العبيد بين عيينة والأقرع. وهو في \"ديوان العباس\" ٨٤، \"لسان العرب\" ١/ ٧٧٤ (نهب)، \"تاج العروس\" ٤/ ٣١٩ (نهب)، \"خزانة الأدب\" ١/ ١٥٣. وذكر هذا الأثر القرطبي في \"تفسيره\" ١٥/ ٥٢.\n(٢) عبد بني الحسحاس، اسمه سحيم، وكان عبدًا أسود نوبيًا أعجميًا، وهو من المخضرمين، أدرك الجاهلية والإسلام ولا يعرف له صحبة قُتل في خلافة عثمان -﵁-، قتله بنو الحسحاس لأنه أحبَّ امرأة منهم وطفق يتغزل فيها، فقتلوه خشية العار.\nانظر: \"الخزانة\" ٢/ ١٠٢، \"الأغاني\" ٢٢/ ٣٠٥، \"الشعر والشعراء\" ص ٢٤١.\n(٣) هكذا في النسخ، وهو خطأ، والصواب: كفى.\n(٤) البيت من الطويل، وصحته:\nعميرة ودع إن تجهزت غازيًا ... كفى الشيبُ والإسلام للمرء ناهيًا\nوهو لسحيم في: \"البيان والتبيين\" ١/ ٧١، \"الكامل\" ١/ ٢٨٥، \"الخزانة\" ١/ ٢٦٧، ٢/ ١٠٢، \"الأغاني\" ٢٢/ ٣٠٧، \"سر صناعة الإعراب\" ١/ ١٤١.\nوذكر هذا الأثر الإمام محمد بن يوسف الصالحين الشامي في \"سبل الهدى والرشاد في سيرة خبر العباد\" ٩/ ٣٥٢، وقال: أخرجه ابن سعد عن الحسن البصري، والقرطبي في \"تفسيره\" ١٥/ ٥٢.\n(٥) البيت من الطويل، وصحته: =","vol":"18","page":518},{"text":"فيعاد عليه مستويًا فيقول: إني \"لست بشاعر ولا ينبغي لي\" (١). والمفسرون ذهبوا إلى أنه ما كان يتسهل له أن يأتي ببيت موزون؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾. وما روي عنه من الأراجز كقوله: \"هل أنت إلا أصبع دميت\" (٢).\nوقوله: \"لبيك إن العيش عيش الآخرة\" (٣).\n_________\n= ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلًا ... ويأتيك بالأخبار من لم تزود\nوهو لطرفة بن العبد في معلقته المشهورة في: \"ديوانه\" ص ٤١، \"أشعار الشعراء الستة الجاهلين\" ٢/ ٥٧،\"لسان العرب\" ٢/ ٨ (تبت)، \"تاج العروس\" ١٥/ ١٥٠.\n(١) رواه الإمام أحمد في \"مسنده\" ٦/ ٣١، ١٤٦، والنسائي في \"عمل اليوم واليلة\" ص ٥٤٩، والترمذي في \"سننه\" أبواب الآداب، ما جاء في إنشاد الشعر ٤/ ٢١٨ رقم ٣٠٠٦. قال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" ٨/ ١٢٨: رواه الترمذي عن عائشة، ورواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح، ورواه البزار، والطبراني، عن ابن عباس، ورجالهما رجال الصحيح.\n(٢) هذا الحديث أخرجه الإمام البخاري في \"صحيحه\" \"كتاب الجهاد\"، باب من ينكب في سبيل الله ٣/ ١٠٣١ رقم ٢٦٤٨، وفي \"كتاب الأدب\"، باب ما يجوز من الشعر ٥/ ٢٢٧٦ رقم ٥٧٩٤ من حديث جندب بن سفيان. والإمام مسلم في \"صحيحه\" كتاب الجهاد، باب ما لقي النبي -ﷺ- من أذى المشركين والمنافقين ٣/ ١٤٢١ رقم ١٧٩٦ من حديث جندب بن سفيان.\n(٣) أخرجه البخاري في \"صحيحه\" \"كتاب الجهاد\"، باب التحريض على القتال ٣/ ١٠٤٣ رقم ٢٦٧٩، وفي باب البيعة في الحرب ألا يفروا ٣/ ١٠٨١ رقم ٢٨٠١ عن أنس، وفي \"كتاب الرقاق\"، باب ما جاء في الصحة والفراغ وأن لا عيش إلا عيش الآخرة ٥/ ٢٣٥٧ رقم ٦٠٥٠ عن أنس، ورقم ٦٠٥١ عن سهل بن سعد الساعدي. وأخرجه الإمام مسلم في \"صحيحه\" \"كتاب الجهاد\" باب غزوة الأحزاب ٣/ ١٤٣١ رقم ١٨٠٤ من حديث أنس.","vol":"18","page":519},{"text":"فالرجز جنس من الكلام ليس بشعر (١).\nوقال أبو إسحاق: (ليس يوجب هذا أن يكون النبي -ﷺ- لم يتمثل ببيت شعر قط، وإنما يوجب هذا أنه ليس بشاعر، وأن يكون القرآن أتى به مباينًا لكلام المخلوقين وأوزان أشعار العرب) (٢). وعلى ما ذكر قوله: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ معناه: وما يسهل له إنشاء الشعر من قبل نفسه.\nقوله: ﴿إِنْ هُوَ﴾ قال مقاتل: القرآن (٣). ﴿إِلَّا ذِكْرٌ﴾ قال ابن عباس: موعظة. ﴿وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ قال: يريد فيه الفرائض والحدود والأحكام (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3727>٧٠ </span>- ﴿لِيُنْذِرَ﴾ أي: القرآن، ومن قرأ بالتاء فهو خطاب للنبي -ﷺ-\n_________\n(١) ذكر الحافظ ابن حجر ﵀ في \"فتح الباري\" ٨/ ٣٨ في شرحه لقول النبي -ﷺ-: \"أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب\". قال: وقد أجيب عن مقالته -ﷺ- هذا الرجز بأجوبة: أحدها: أنه نظمه غيره وأنه كان فيه: أنت النبي لا كذب أنت عبد المطلب، فذكره بلفظ أنا في الموضعين. ثانيها: أن هذا رجز وليس من أقسام الشعر، وهذا مردود. ثالتها: أنه لا يكون شعرًا حتى يتم قِطْعَة. وهذه كلمات يسيرة لا تسمى شعرًا. رابعها: أنه خرج موزونًا ولم يقصد به الشعر، وهذا أعدل الأجوبة.\nوقال الإمام القرطبي في \"تفسيره\" ١٥/ ٥٢: وإصابته -ﷺ- الوزن أحيانًا لا يوجب أنه يعلم الشعر، وكذلك ما يأتي أحيانًا من نثر كلامه ما يدخل في وزن ... فقد يأتي مثل ذلك في آيات القرآن وفي كل كلام وليس ذلك شعرًا ولا في معناه.\nوانظر للاستزادة في الموضوع: \"فتح الباري\" ٨/ ٣٨، ١٠/ ٦٦٠، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٥/ ٥١، \"الشعر الإسلامي في صدر الإسلام\" ص ٢٤ وما بعدها.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٩٤.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ١٠٨ ب.\n(٤) \"تفسير ابن عباس\" بهامش المصحف ص ٣٧٣. وانظر: \"البغوي\" ٤/ ١٩، \"زاد المسير\" ٧/ ٣٣.","vol":"18","page":520},{"text":"أي: لتنذر يا محمد بما في القرآن من الوعيد (١). ﴿مَنْ كَانَ حَيًّا﴾ قال ابن عباس: يريد مؤمنًا (٢).\nوقال مقاتل: من كان مهتديًا في علم الله (٣).\nوقال أبو إسحاق: أي من يعقل ما يخاطب به، فإن الكافر كالميت، وإنه لا يتدبر (٤).\nوقال أبو علي الفارسي: (يعني المؤمنين؛ لأن الكفار أموات كما قال ﴿أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ﴾ ﴿النحل: ٢٦﴾. وقال: ﴿أَوَ مَنْ كَانَ مَيْتًا لِيُنْذِرَ﴾ [الأنعام: ١٢٢]) (٥).\nوقوله: ﴿وَيَحِقَّ الْقَوْلُ﴾ أي: ويجب الحجة بالقرآن على الكافرين، ثم وعظهم ليعتبروا فقال: [..] (٦)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3728>٧١ </span>- ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا﴾ أي: مما تولينا خلقه.\n﴿أَيْدِينَا﴾ بإبداعنا وإنشائنا واختراعنا، لم نشارك في خلقه ولا خلقناه بإعانة معين ولا إرشاد دليل. وذكر الأيدي هاهنا يدل هذه المعاني التي (٧) ذكرنا وإنما خاطبنا بما نعقل، والألفاظ التي تستعمل نستعملها في مخاطبتنا، والواحد منا إذا قال: عملت هذا بيدي، دل ذلك على توليته\n_________\n(١) انظر: \"الحجة\" ٦/ ٤٧، \"الكشف عن وجوه القراءات السبع وعللها وحججها\" ٢/ ٢٢٠.\n(٢) لم أقف عليه عن ابن عباس. وانظر: \"الماوردي\" ٥/ ٣٠، \"زاد المسير\" ٧/ ٣٧.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ١٠٨ ب.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٩٤.\n(٥) \"الحجة\" ٦/ ٤٧.\n(٦) في (أ): زيادة (قوله)، وهي زيادة لا يحتاجها السياق.\n(٧) في (ب): (الذي).","vol":"18","page":521},{"text":"بعمله وانفراده به (١).\nوأراد بالأنعام: الإبل والبقر والغنم. وقال المفسرون في قوله: ﴿عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾: عملناه.\nقوله تعالى: ﴿فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ﴾ قال مقاتل: يعني لضابطين (٢). وقال الزجاج: (مالكون ضابطون؛ لأن القصد إلى أنها ذليلة لهم، ألا ترى إلى قوله:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3729>٧٢ </span>- ﴿وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ﴾، ومثله قول الشاعر:\nأصبحت لا أحمل السلاح ولا ... أملك رأس البعير ان نفرا (٣)\nأي: لا أضبط رأس البعير) (٤).\nوقوله: ﴿فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ﴾. قال الليث: الركوب بفتح الراء كل دابة نركب، والركوبة اسم يجمع ما يركب، كالحمولة والركوبة والحلوبة (٥).\nوقال أبو عبيدة: ركوبهم ما ركبوا، والحلوبة ما حلبوا (٦).\nقال الأزهري (٧): فعول أكثر ما يجيء الفاعل كالمغفور والشكور،\n_________\n(١) سبق أن يينا خطأ المؤلف ﵀ في تفسير مثل هذه الآية، حيث إنه يؤول بعض الصفات وأهل السنة والجماعة يثبتون لله جل وعلا ما أثبته لنفسه أو أثبته له رسوله -ﷺ-، من غير تحريف ولا تعطيل ولا تمثيل.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ١٠٨ ب.\n(٣) البيت من المنسوخ وهو للربيع بن ضبع الفزاري في: \"الخزانة\" ٧/ ٣٨٤، \"الكتاب\" ١/ ٨٩، \"لسان العرب\" ١٣/ ٢٥٩ (ضمن).\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٩٤.\n(٥) انظر:\"تهذيب اللغة\" ٨/ ٢١٨ (ركب).\n(٦) \"مجاز القرآن\" ٢/ ١٦٥.\n(٧) \"تهذيب اللغة\" ٨/ ٢١٦.","vol":"18","page":522},{"text":"ويجيء بمعنى مفعول كالركوب والحلوب، وربما أدخلوا الهاء في هذا الباب، وقد يجيء اسمًا لا صفة كالذنوب، وهو النصيب أو الدلو، وقد يجيء مصدرًا كالقبول والولوغ والزروع [والوزوع] (١).\nقال مقاتل: (فمنها ركوبهم، يعني: حلوبتهم الإبل والبقر، ومنها يأكلون: الغنم) (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3730>٧٣ </span>- ﴿وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ﴾ قال ابن عباس والكلبي: يعني بالركوب والحمل والأصواف والأوبار والأشعار والسحال (٣) والفصلان ومنافع كسبها وظهورها (٤). ﴿وَمَشَارِبُ﴾ من ألبانها. ﴿أَفَلَا يَشْكُرُونَ﴾ رب هذه النعم فيوحدونه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-3731>٧٤ </span>- ثم ذكر جهلهم وغرتهم (٥) فقال: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ﴾ (٦) أي: لعلهم يمنعون من العذاب باتخاذ الآلهة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-3732>٧٥ </span>- ثم بين أن الأمر ليس على ما يقدرون فقال: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ﴾.\n_________\n(١) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ١٠٨ ب.\n(٣) السحال: جمع سحليل، وهو الناقة العظيمة الضرع التي ليس في الإبل مثلها، فتلك ناقة سحليل. وأما الفصلان: جمع فصيل، وهو ولد الناقة إذا فصل عن أمه، وأكثر ما يطلق في الإبل، وقد يقال في البقر (فصل) \"اللسان\" ١١/ ٥٢٢.\n(٤) لم أقف عليه عنهما، وقد أورده بعض المفسرين غير منسوب. انظر: \"القرطبي\" ١٥/ ٥٦، \"زاد المسير\" ٧/ ٣٩.\n(٥) لعله من التَّغرير، وهو حمل النفس على الغَرَرِ، والغُرور: بالضم الأباطيل. \"اللسان\" / ١٢ (غرر).\n(٦) قوله: (آلهة) غير مثبت في النسخ، وهو خطأ.","vol":"18","page":523},{"text":"قال ابن عباس: يريد أن الأصنام لا تقدر على نصرهم (١).\nوقال مقاتل: لا تقدر الآلهة أن تمنعهم من العذاب (٢). ﴿وَهُمْ﴾ يعني: الكفار. ﴿لَهُمْ﴾ الآلهة. ﴿جُنْدٌ مُحْضَرُونَ﴾.\nوقال ابن عباس ومقاتل: وهم لهم جند يغضبون لهم ويحضرونهم في الدنيا (٣). وهذا قول قتادة والحسن، واختيار أبي إسحاق.\nقال قتادة: يغضبون للآلهة في الدنيا، وهي لا تسوق إليهم (٤) خيرًا ولا تدفع عنهم شرًّا إنما هي أصنام (٥).\nوقال الحسن: محضرون لآلهتهم يدفعون عنهم ويمنعونهم (٦).\nوقال أبو إسحاق: أي هم للأصنام ينتصرون، والأصنام لا تستطيع نصرهم (٧). وهذا القول هو الاختيار (٨). وفيه قول آخر، وهو أن المعنى: والآلهة جند للعابدين محضرون معهم في النار، يريد أن العابدين والمعبودين كلهم مجتمعون في النار، فلا يدفع بعضهم عن بعض ولا ينتفع الكفار بعبادتهم ورجائهم نصرتهم. وهذا معنى قول الكلبي، (٩) ورواية معمر\n_________\n(١) \"تفسير ابن عباس\" بهامش المصحف ص ٣٧٣، وانظر: \"الوسيط\" ٩/ ٥١٣، \"البغوي\" ٤/ ٢٠.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ١٠٨ ب.\n(٣) انظر لم أقف عليه منسوبًا لابن عباس، وهو في \"تفسير مقاتل\" ١٠٨ ب.\n(٤) في (ب): (لهم).\n(٥) انظر: \"الطبري\" ٢٣/ ٢٩، \"بحر العلوم\" ٣/ ١٠٦، \"زاد المسير\" ٧/ ٣٩.\n(٦) انظر: \"القرطبي\" ١٥/ ٢٩٠.\n(٧) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٩٥.\n(٨) وهو ما رجحه الإمام الطبري ٢٣/ ٣٠.\n(٩) انظر: \"زاد المسير\" ٧/ ٣٩.","vol":"18","page":524},{"text":"عن الحسن (١). وعلى هذا القول ﴿هُمْ﴾ كناية عن الآلهة، والكناية في هم الكفار والخلق لفظ للجند على الآلهة بزعمهم، وعلى ما كانوا يقدرون من أنها لهم جند تمنعهم، فقيل: إنهم لهم جند محضرون معهم النار. ثم عزى نبيه -ﷺ- فقال: [..] (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3733>٧٦ </span>- ﴿فَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ في ضمائرهم من الشرك والتكذيب. ﴿وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ بألسنتهم. ومعنى أنا نعلم ذلك، ثم إذا علم أثاب نبيه على صبره على أذاهم وجازاهم بسوء صنيعهم، وكأنه قال: لا يحزنك ما يقولون، فإنا نثيبك ونجازيهم.\n<span data-type=\"title\" id=toc-3734>٧٧ </span>- وقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء (٣): يريد أبي ابن خلف. وهو قول مقاتل (٤)، والأكثرين (٥).\nوقال سعيد بن جبير (٦): هو العاص بن وائل.\nوقال الحسن (٧): هو أمية بن خلف، خاصم النبي -ﷺ- في إنكار البعث، وأتاه بعظم حائل ففته بين يديه، وقال (٨): أيحي هذه الله بعدما\n_________\n(١) انظر: \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ١٤٦، \"زاد المسير\" ٧/ ٣٩.\n(٢) في (أ): زيادة (وقوله تعالى) وهي زيادة لا يحتاجها السياق.\n(٣) انظر: \"بحر العلوم\" ٣/ ١٠٧، وأورده السيوطي في \"الدر\" ٧/ ٣٩ وعزاه لابن مردويه عن ابن عباس.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ١٠٨ ب.\n(٥) فقد قال به مجاهد وقتادة والسدي وعكرمة والكلبي. انظر: \"الطبري\" ٢٣/ ٣٠، \"الماوردي\" ٥/ ٣٣، \"بحر العلوم\" ٣/ ١٠٧. وقال ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٧/ ٤١: وبه قال الجمهور. وعليه المفسرون.\n(٦) انظر: \"الطبري\" ٢٣/ ٣٠، \"زاد المسير\" ٧/ ٤٠، \"القرطبي\" ١٥/ ٧٠.\n(٧) انظر: \"مجمع البيان\" ٨/ ٦٧٨، \"زاد المسير\" ٧/ ٤١، \"فتح القدير\" ٤/ ٣٨٣.\n(٨) في (ب): (فقال).","vol":"18","page":525},{"text":"رم (١) وبلي فأنزل الله [وقوله] (٢): ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ يعني: ألا يرى أنه مخلوق من نطفة ثم هو يخاصم، وهذا تعجب من جهله وإنكار عليه خصومته، أي: كيف لا يتفكر في بدء خلقه حتى يدع خصومته (٣). وهذا كقوله: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ [النحل: ٤]. وقد مر تفسيره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3735>٧٨ </span>- ثم أكد الإنكار عليه بقوله: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا﴾. قال مقاتل (٤): وصف لنا شبها، يعني: أنه ضرب المثل في إنكار البعث بالعظم الحائل، ففته وبذره وينكر إحيائه بعد بلائه ويتعجب ممن يقول: إن الله يحييه. فهذا معنى ضرب المثل هاهنا، وهو أنه بين بما فعله إنكار البعث واعتقداه في استحالة الإعادة، وكان ذلك ضرب مثل الله. أي: فإن قدر على الإحياء والإعادة فليحي هذا العظم.\nقوله تعالى: ﴿وَنَسِيَ خَلْقَهُ﴾. قال مقاتل: يقول: وترك النظر في خلق نفسه ءأذا خلق من نطفة ولم يك قبل ذلك شيئًا (٥). ثم بين أيش (٦) كان ذلك\n_________\n(١) في (ب): (ورمى).\n(٢) ما بين المعقوفين غير مثبت في (أ).\n(٣) هذه الأقوال التي ذكرها المؤلف ﵀ فيمن نزلت هذه الآية هي بعض مقاله المفسرون. وقد قال ابن كثير ﵀ في \"تفسيره\" ٣/ ٥٨١ بعد أن ذكر الأقوال: وعلى كل تقدير سواء كانت هذه الآيات قد نزلت في أبي بن خلف أو العاص بن وائل أو فيهما، فهي عامه في كل من أنكر البعث، والألف واللام في قولى تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ﴾ للجنس، فيعم كل منكر للبعث. اهـ.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ١٠٩ أ.\n(٥) المصدر السابق.\n(٦) أصل الكلمة: أي شيء.","vol":"18","page":526},{"text":"المثل بقوله [..] (١): ﴿قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾. قال أبو عبيد: الرميم مثل الرمة، يقال منه: رم العظم، وهو يرم رما، وهو رميم (٢). وقال ابن الأعرابي: رمت عظامه وأرمت إذا بليت (٣).\nوقال أبو عبيدة: الرميم الرفات (٤). وإنما قال رميم بغير هاء، وهو صفة العظام؛ لأنه منقول عن فاعل، فهو غير مبني على الفعل، وإذا لم يبن على الفعل لم يدخله عليه علامة التأنيث.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3736>٧٩ </span>- ثم ذكر جواب المنكر بقوله: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾. قال ابن عباس: يريد ابتدأها أول مرة (٥).\nقال أبو إسحاق: والقدرة في الإبتداء أبين من الإعادة (٦).\nوقوله: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ قال ابن عباس: يريد حين ابتدأه وحين يعيده (٧).\nوقال مقاتل: عليهم بخلقهم في الدنيا وعليم بخلقهم بعد الموت (٨).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3737>٨٠ </span>- ثم زاد في البيان وأخبر عن عجيب صنعه مما يشاهدون؛ ليعتبروا ويستدلوا فقال: ﴿جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا﴾. قال\n_________\n(١) في (أ): زياد: ﴿قَوْلُهُ﴾ وهي زيادة لا يحتاجها السياق.\n(٢) انظر: \"تهذيب اللغة\" ١٥/ ١٩١ (رمم).\n(٣) انظر: \"اللسان\" ١٢/ ٢٥٣ (رمم).\n(٤) \"مجاز القرآن\" ٢/ ١٦٥.\n(٥) لم أقف عليه عن ابن عباس، وقد ذكره المؤلف في \"الوسيط\" ٣/ ٥٢٠ ولم ينسبه، وكذا الماوردي ٥/ ٣٢.\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٩٥.\n(٧) لما أقف عليه عن ابن عباس، وقد ذكره الماوردي في \"تفسيره\" ٥/ ٣٢ ولم ينسبه.\n(٨) \"تفسير مقاتل\" ١٠٩ أ.","vol":"18","page":527},{"text":"الكسائي والفراء (١): ذكر الشجر هاهنا، وفي قوله: ﴿لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ (٥٢)﴾ [الواقعة: ٥٢] ذكرها بالتأنيث، ثم ذكر أيضًا في قوله: ﴿وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ [النحل: ١٠]، والشجر يؤنث ويذكر كالنخل و[(٢)] قد تقدم الكلام فيه (٣).\nوقوله: ﴿نَارًا﴾ يعني: ما جعل من النار في المرخ والعفار، وهما شجرتان تتخذ الأعراب وقودها منهما. وقال ابن عباس: ليس من شجر إلا وفيها نار إلا الشجرة (٤) التي كلم الله موسى منها، وهي العناب (٥).\nوقوله: ﴿فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ﴾ أي: تقدحون النار وتوقدونها من ذلك الشجر. قال مقاتل: والذي يخرج من الشجر نارًا وأنتم تبصرونه، والنار تأكل الحطب، فهو قادر على البعث (٦). ومعنى الآية أنه يدلهم على قدرته على البعث بخلقه النار في الشجر الأخضر، ثم إيقادهم النار من الشجر الأخضر. قال مقاتل: ثم ذكر ما هو أعظم خلقا من الإنسان (٧)، فقال: [..] (٨)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3738>٨١ </span>- ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى﴾\n_________\n(١) لم أقف على قول الكسائي. وانظر قول الفراء في: \"معاني القرآن له\" ٢/ ٣٨٢.\n(٢) قدر كلمة في جميع النسخة غير واضحة.\n(٣) لم أقف على الموضع الذي أحال المؤلف ﵀ إليه.\n(٤) في (أ): (شجرة).\n(٥) لم أقف عليه عن ابن عباس، وقد ذكره الماوردي ٥/ ٣٤ عن الكلبي، والطبرسي في \"مجمع البيان\" ٨/ ٦٧٩ عن الكلبي أيضًا، والبغوي ٤/ ٢١ عن الحكماء.\n(٦) \"تفسير مقاتل\" ١٠٩ أ.\n(٧) المصدر السابق.\n(٨) في (أ): زيادة (قوله تعالى)، وهي زيادة لا يحتاجها السياق.","vol":"18","page":528},{"text":"هذا استفهام معناه التقرير، يقول: أو لا يقدر من خلق السموات والأرض على أن يخلق مثلهم. قال مقاتل: أن يخلق في الآخرة مثل خلقهم في الدنيا (١). وعلى هذا المضاف مقدر، وهذا كقوله: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [غافر:٥٧].\nثم أجاب هذا الاستفهام بقوله: ﴿بَلَى﴾ أي: هو قادر على ذلك. ﴿وَهُوَ الْخَلَّاقُ﴾ خلقهم في الدنيا ويخلقهم في الآخرة خلقًا جديدًا. ﴿الْعَلِيمُ﴾ قال ابن عباس: بجميع ما خلق (٢).\nثم ذكر قدرته على إيجاد الشيء فقال: [..] (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3739>٨٢ </span>- ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾. وهذا كقوله في سورة النحل: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل ٤٠] (٤) الآية وقد تقدم الكلام فيها.\n<span data-type=\"title\" id=toc-3740>٨٣ </span>- ثم نزه فيها نفسه عن قولهم أنه لا يقدر، فقال: ﴿فَسُبْحَانَ﴾. قال أبو إسحاق: أي تنزيه من السوء، ومن أن يوصف بغير القدرة (٥). ﴿الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾. قال مقاتل: يعني خلق كل شيء (٦). قال عطاء: ملك كل شيء (٧).\n_________\n(١) المصدر السابق.\n(٢) لم أقف عليه.\n(٣) في (أ): زيادة (قوله تعالى)، وهي زيادة لا يحتاجها السياق.\n(٤) في جميع النسخ: (أمرنا)، وهو خطأ.\n(٥) انضر: \"البسيط\" النسخة الأزهرية ٣/ ١٢٤ ب.\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٩٦.\n(٧) \"تفسير مقاتل\" ١٠٩ أ.","vol":"18","page":529},{"text":"وقال الزجاج: أي القدرة على كل شيء (١). ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ أي: هو يبعثكم بعد موتكم.\nوقال عطاء: يريد مصير عبادي إلى (٢). والله أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب.\n[والحمد لله وحده وصلواته على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين وسلم تسليمًا] (٣).\n_________\n(١) لم أقف عليه.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٩٦.\n(٣) ما بين المعقوفين غير مثبت في (ب).","vol":"18","page":530},{"text":"المملكة العربية السعودية\nوزارة التعليم العالي\nجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية\nعمادة البحث العلمي\nالتَّفْسِيرُ البَسِيْط\nلأبي الحسن علي بن أحمد بن محمد الواحدي\n(ت ٤٦٨ هـ)\nمن أول سورة الصافات إلى آخر سورة ص\nتحقيق\nد. محمد بن عبد الله بن سابح الطيار\nمن أول سورة الزمر إلى آخر سورة الشورى\nتحقيق\nد. على بن عمر السجيباني\nأشرف على طباعته وإخراجه\nد. عبد العزيز بن بسطام آل سعود ... أ. د. تركي بن سهول العتيبي\nالجزء التاسع عشر","vol":"19","page":1},{"text":"المملكة العربية السعودية\nوزارة التعليم العالي\nجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية\nعمادة البحث العلمي\nالتَّفْسِيرُ البَسِيْط\nلأبي الحسن علي بن أحمد بن محمد الواحدي\n(ت ٤٦٨ هـ)\nمن أول سورة الصافات إلى آخر سورة ص\nتحقيق\nد. محمد بن عبد الله بن سابح الطيار\nمن أول سورة الزمر إلى آخر سورة الشورى\nتحقيق\nد. على بن عمر السجيباني\nأشرف على طباعته وإخراجه\nد. عبد العزيز بن بسطام آل سعود ... أ. د. تركي بن سهول العتيبي\nالجزء التاسع عشر","vol":"19","page":2},{"text":"جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ١٤٣٠ هـ\nفهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية أثناء النشر\nالواحدي، علي بن أحمد\nالتفسير البسيط لأبي الحسن علي بن أحمد بن محمد\nالواحدي (ت ٤٦٨ هـ)./ محمد بن عبد الله بن سابح الطيار؛ علي بن\nعمر السحيباني، الرياض ١٤٣٠ هـ.\n٢٥مج. (سلسلة الرسائل الجامعية)\nردمكـ: ٤ - ٨٥٧ - ٠٤ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (مجموعة)\n٥ - ٨٧٦ - ٠٤ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (ج ١٩)\n١ - القرآن تفسير ... ٢ - الواحدي، علي بن أحمد\nأ- العنوان ... ب- السلسلة\nديوي ٢٢٧.٣ ... ٨٦٨/ ١٤٣٠\nرقم الإيداع: ٨٦٨/ ١٤٣٠ هـ\nردمكـ: ٤ - ٨٥٧ - ٠٤ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (مجموعة)\n٥ - ٨٧٦ - ٠٤ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (ج ١٩)","vol":"19","page":3},{"text":"التَّفْسِيرُ البَسِيْط\nلأبي الحسن علي بن أحمد بن محمد الواحدي\n(ت ٤٦٨ هـ)\n[١٩]","vol":"19","page":4},{"text":"بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ","vol":"19","page":5},{"text":"التَّفْسِيرُ البَّسِيْط\nلأبي الحسن علي بن أحمد بن محمد الواحدي\n(ت ٤٦٨ هـ)\nمن أول سورة الصافات إلى آخر سورة ص\nتحقيق\nد. محمد بن عبد الله بن سابح الطيار\nمن أول سورة الزمر إلى آخر سورة الشورى","vol":"19","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3741>تفسير سورة الصافات</span>\nبسم الله الرحمن الرحيم\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3742>١ </span>- ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا﴾ قالوا جميعًا: يعني الملائكة. وهو قول عبد الله ومسروق ومجاهد وقتادة ومقاتل (١).\nقال ابن عباس: يريد الملائكة صفوفًا، لا يعرف كل ملك منهم من إلى جانبه، لم يلتفت منذ خلقه الله (٢). وقال الكلبي: الملائكة صفوف في السماء كصفوف الخلق في الدنيا للصلاة (٣). وذكرنا معنى الصف عند قوله: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ [الحج: ٣٦]. وهذا قَسَمٌ أقسم الله تعالى بالملائكة التي تصف (٤) نفسها صفًّا.\nقال أبو إسحاق: أي هم مصطفون (٥) في السماء (٦).\n_________\n(١) انظر: \"الطبري\" ٢٣/ ٣٣، الثعلبي ٣/ ٢٣٩ ب، \"الماوردي\" ٥/ ٣٦، \"معاني القرآن\" للنحاس ٦/ ٧.\n(٢) انظر: \"الوسيط\" ٣/ ٥٢١، \"زاد المسير\" ٧/ ٤٤.\n(٣) لم أقف عليه عن الكلبي. وانظر: \"البغوي\" ٤/ ٢٢، \"القرطبي\" ١٥/ ٣٦١، \"مجمع البيان\" ٨/ ٦٨٣.\n(٤) في (ب): (تصفا)، وهو خطأ.\n(٥) هكذا في النسخ، والذي في \"معاني القرآن\" للزجاج مطيعون.\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٩٧.","vol":"19","page":7},{"text":"وذكر أهل المعاني في القسم (١) وجهين، أحدهما: أن القسم بالله -﷿- على تقدير ورب الصافات كقوله: ﴿وَالْعَصْرِ﴾ ﴿وَالشَّمْسِ﴾ ﴿وَاللَّيْلِ﴾ إلا أنه حُذِفَ لما في العلم من أن التعظيم بالقسم لله.\n\nوالثاني: أن هذا على ظاهر ما أقسم به؛ لأنه ينبئ عن تعظيمه بما فيه من العبرة الدالة على ربه. وذكر أيضًا في التفسير أن المراد بهذا الصف أن الملائكة تصف أجنحتها في الهواء واقفة لأمر الله حتى يأمرها بما يريد <span data-type=\"title\" id=toc-3743>(٢)</span>. والصافات: جمع الصف، يقال: جماعة صافة ثم يجمع صافات.\n٢ - قوله تعالى: ﴿فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا﴾ قال الليث: زجرت البعير فأنا أزجره زجرًا، إذا حبسته ليمضي، وزجرت فلانًا عن سوء فانزجر، أي نهيته فانتهى (٣).\nقال الشاعر:\nوليس يزجركم ما توعظون به ... والبهم يزجرها الراعي فتنزجرُ (٤)\nفالزجر للإنسان كالنهي وللبعير كالحث. ويقال: زجرته وازدجرته، ومنه قوله تعالى: ﴿وَازْدُجِرَ﴾ [القمر: ٩]. قال ابن عباس وابن مسعود ومجاهد ومقاتل: يعني الملائكة (٥).\nقال ابن عباس: يريد ملائكة وكلوا بالسحاب يزجرونها. ونحو هذا\n_________\n(١) لم أقف عليه في \"معاني القرآن\" للأخفش والفراء والزجاج.\n(٢) انظر: \"الماوردي\" ٥/ ٣٦، \"القرطبي\" ١٥/ ٦١، \"زاد المسير\" ٧/ ٤٤.\n(٣) انظر: \"تهذيب اللغة\" ١٠/ ٦٠٢ (زجر).\n(٤) البيت من البسيط، وهو لسابق البربري.\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ١٠٩ ب، \"تفسير مجاهد\" ص ٥٣٩. وانظر: \"الطبري\" ٣٣/ ٢٣، \"الماوردي\" ٥/ ٣٧، \"زاد المسير\" ٧/ ٤٥.","vol":"19","page":8},{"text":"قال الكلبي ومقاتل والسدي (١): إن هذا الزجر للسحاب في سوقه وتأليفه.\nوقال أهل المعاني: الملائكة تزجر عن المعاصي زجرًا، يوصل الله مفهومه إلى قلوب العباد كما يوصل مفهوم إغواء الشيطان إلى قلوبهم ليصح التكليف (٢).\n\nوقال قتادة: الزاجرات زواجر القرآن، وهي كل ما ينهى وبزجر عن القبيح المحظور <span data-type=\"title\" id=toc-3744>(٣)</span>.\n٣ - قوله: ﴿فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا﴾ قال ابن مسعود ومسروق ومجاهد ومقاتل: هم الملائكة (٤).\nقال ابن عباس: يريد ملائكة يتلون ذكر الله -﷿- (٥).\nوقال مقاتل: هو جبريل يتلو القرآن على الأنبياء من ربهم، وهو الملقيات ذكرًا يلقي الذكر على الأنبياء (٦). وعلى هذا المراد جبريل، وذكر بلفظ الجمع إشارة إلى أنه كبير الملائكة، فهو لا يخلو من أعوان وجنود له من الملائكة يعرجون بعروجه وينزلون بنزوله (٧).\nوقال السدي: هم الملائكة يتلون الذكر على الأنبياء (٨).\n_________\n(١) انظر: المصادر السابقة.\n(٢) لم أقف عليه في كتب \"معاني القرآن\".\n(٣) انظر: \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ١٤٧، \"الطبري\" ٥٣/ ٣٤، \"معاني القرآن\" للنحاس ٦/ ٨.\n(٤) انظر: \"الطبري\" ٢٣/ ٣٤، \"الماوردي\" ٥/ ٣٧، \"زاد المسير\" ٧/ ٤٥.\n(٥) انظر: المصادر السابقة.\n(٦) \"تفسير مقاتل\" ١٠٩ ب.\n(٧) انظر: \"القرطبي\" ١٥/ ٩٢، \"فتح القدير\" ٤/ ٣٨٦.\n(٨) انظر: \"الطبري\" ٢٣/ ٣٤، \"بحر العلوم\" ٣/ ١١٠، \"مجمع البيان\" ٨/ ٦٨٤.","vol":"19","page":9},{"text":"وقال الكلبي: هو قراءة الكتاب (١).\nقال أبو إسحاق: ﴿فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا (٣)﴾ جائز أن يكون الملائكة وغيرهم ممن يتلون ذكر الله -﷿- (٢).\nقال قتادة: (التاليات ذكرًا) ما يتلى من أي القرآن (٣). وهذا يحمل على تفسير الذكر؛ لأن التاليات لا يكون ما يتلى. وأما هذه الفاءات هاهنا وفي سورة الذاريات والمرسلات. فالفاء في العطف تؤذن أن الثاني بعد الأول بخلاف الواو، فإنه لا يدل على المبدوء به والفاء يدل كقولك: دخلت الكوفة فالبصرة، فالفاء هاهنا تؤذن أن دخول الكوفة كان قبل دخول البصرة (٤)، وفي هذه الآية يدل على أن الله تعالى ذكر القسم أولًا بالصافات ثم بالزاجرات ثم بالتاليات.\nوذكر صاحب النظم أن الفاء هاهنا جواب وما قبله سبب له، كما تقول قام فمر، واضطجع فنام، فالقيام سبب للمرور والاضطجاع سبب للنوم. وتأويل الآية: والتي تصف صفًّا فتزجر زجرًا، فالصف سبب الزجر والزجر سبب التلاوة.\nقال: ويدل على هذا قوله: ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا (١) فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا﴾ [المرسلات: ١ - ٢]، ثم استأنف قسمًا آخر منقطعًا مما قبله غير منسوق عليه بالواو فقال: ﴿وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا﴾ وهذه الواو واو قسم، وعلى ما ذكره يجب أن يكون الصافات والزاجرات والتاليات جنسًا واحدًا وعصبة من الملائكة\n_________\n(١) انظر: \"الوسيط\" ٣/ ٥٢١.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٩٧.\n(٣) انظر: \"الطبري\" ٢٣/ ٣٤، \"الماوردي\" ٥/ ٣٧، \"زاد المسير\" ٧/ ٤٥.\n(٤) انظر: \"الكشاف\" ٣/ ٢٩٥.","vol":"19","page":10},{"text":"اجتمعت فيهم هذه الصفات (١). ولا يجوز أن يكون الزاجرات غير الصافات (٢)، وعلى ما ذكر أولًا يجوز أن يكون كل من الصافات والزاجرات والتاليات عصبة سوى الأخرى، وهو ظاهر قول المفسرين.\nوأما التاءات التي في الصافات والزاجرات والتاليات فإنها تقرأ بالإظهار، وأدغمها حمزة فيما بعدها، وهو قراءة عبد الله. وإدغام التاء في الصاد حسن لمقاربة الحرفين، ألا ترى أنها من طرف اللسان وأصول الثنايا، ويجتمعان في الهمس، والمدغم فيه يزيد على المدغم بالإطباق والصفير، وحسن أن يدغم الأنقص في الأزيد، ولا يجوز أن يدغم الأزيد صوتًا في الأنقص. وإدغام التاء في الزاي حسن أيضًا، لأن التاء مهموسة والزاي مجهورة. وفيها زيادة صفير كما كان في الصاد. وكذلك حسن إدغام التاء في الذال في قوله: ﴿فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا﴾ لاتفاقهما في أنهما من طرف اللسان وأصول الثنايا. وأما من قرأ بالإظهار وترك الإدغام فذلك لاختلاف المخارج، وأن المدغم فيه ليس بلازم، فلم يدغموا لتباين المخارج وانتفاء اللزوم، ألا ترى أنهم يثبتون نحو [أفعلَ] (٣) وإن كان من كلمة واحدة لما لم يلزم التاء هذا البناء، فما كان من كلمتين منفصلتين أجدر بالبيان (٤).\n_________\n(١) في (أ): (الصافات).\n(٢) في (ب) تقديم وتأخير هكذا: (الصافات غير الزاجرات ...).\n(٣) ما بين المعقوفتين مطموس في جميع النسخ، وما أثبت من الحجة لأبي علي لأن الكلام قد يكون بنصه منقولًا عنها من قوله: وأما التاءات التي في الصافات. \"الحجة\" ٦/ ٤٩ - ٥٠.\n(٤) انظر: \"الحجة\" ٦/ ٤٩، \"علل القراءات\" ٢/ ٥٧٣، \"الحجة في القراءات السبع\" ص ٣٠٠.","vol":"19","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3745>٤ </span>- قوله تعالى: ﴿إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ﴾ جواب القسم. قال ابن عباس: يريد نفسه لا شريك (١) له.\nوقال مقاتل: إن كفار مكة قالوا لمحمد: اجعل الآلهة إلهًا واحدًا، فأقسم الله بهؤلاء الملائكة أنه واحد ليس له شريك (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3746>٥ </span>- ثم (٣) نفسه عن شركهم فقال: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ من شيء من الآلهة وغيرها. ﴿وَرَبُّ الْمَشَارِقِ﴾ أي مطالع الشمس. قال السدي: المشارق ثلاثمائة وستون مشرقًا وكذلك المغارب عدد السنة، تطلع الشمس كل يوم في مشرق وتغرب كل يوم في مغرب (٤). ونحو هذا قال قتادة في المشارق والمغارب (٥).\nوقال ابن عباس في رواية عطاء: يريد ثمانين ومائة مشرق في الشتاء وثمانين ومائة مشرق في الصيف؛ لأن الشمس في كل يوم تشرق من موضع غير الذي طلعت منه بالأمس (٦).\nوقال في رواية عكرمة: إن الشمس تطلع كل سنة في ثلاث مائة وستين (٧) كوة تطلع في (٨) كل يوم في كوة لا ترجع إلى تلك الكوة إلى ذلك\n_________\n(١) لم أقف عليه.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ١٠٩ ب.\n(٣) هكذا في النسخ، ويظهر والله أعلم أن هناك كلمة ساقطة: ثم نزه نفسه.\n(٤) انظر: \"الطبري\" ٢٣/ ٣٥، \"الماوردي\" ٥/ ٣٧، \"زاد المسير\" ٧/ ٤٥.\n(٥) انظر: المصادر السابقة\n(٦) لم أقف عليه عن ابن عباس وقد ذكره الماوردي في \"تفسيره\" ٥/ ٣٧، عن يحيى بن سلام، وذكره هود بن محكم في \"تفسيره\" ٣/ ٤٤٤، ولم ينسبه.\n(٧) في (ب): (وستون)، وهو خطأ.\n(٨) (في) ساقطة من (ب).","vol":"19","page":12},{"text":"اليوم من العام المقبل (١) (٢). وأراد المشارق والمغارب فاكتفى بذكر المشارق كقوله: ﴿تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: ٨١].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3747>٦ </span>- وقوله: ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ﴾ قال ابن عباس: يريد التي تلي الأرض (٣).\nوقال مقاتل: إنما سميت الدنيا لأنها أدنى السماء من الأرض (٤).\nوقوله: ﴿بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ﴾ أن يحسنها. وقال ابن عباس: بضوئها (٥). وعلى هذه القراءة المصدر يضاف إلى المفعول به كقوله: ﴿مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ﴾ [فصلت: ٤٩]، ﴿بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ﴾ [ص: ٢٤].\nوقرأ حمزة بزينةٍ منونة وخفض الكواكب، وهي قراءة مسروق والأعمش (٦).\nقال الفراء: وهو رد معرفة على نكرة (٧).\nوقال الزجاج: الكواكب بدل من الزينة (٨).\nوقال أبو علي: جعل الكواكب بدلًا من الزينة لأنها هي كما تقول مررت بأبىِ عبد الله زيد.\n_________\n(١) في (ب): (القابلي).\n(٢) انظر: \"القرطبي\" ١٥/ ٦٣.\n(٣) لم أقف عليه.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ١٠٩ ب.\n(٥) انظر: \"بحر العلوم\" ٣/ ١١١، \"البغوي\" ٤/ ٢٣.\n(٦) انظر: \"الحجة\" ٦/ ٥٠ - ٥١، \"الطبري\" ٢٣/ ٣٤٥.\n(٧) \"معاني القرآن\" ٢/ ٣٨٢.\n(٨) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٩٨.","vol":"19","page":13},{"text":"وقرأ عاصم بالتنوين في الزينة ونصب الكواكب (١). قال الفراء: بتزييننا الكواكب (٢).\nقال أبو إسحاق: ويجوز أن يكون الكواكب في النصب بدلًا من قوله: ﴿بِزِينَةٍ﴾ في موضع نصب. (٣)\nوقال أبو علي: [أعمل] (٤) عاصم الزينة في الكواكب والمعنى إنا (٥) زينا الكواكب فيها، ومثله قوله: ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١٤ - ١٥] (٦). وهذا شرح ما ذكره الفراء.\n\nوقال [أبو علي] <span data-type=\"title\" id=toc-3748>(٧) </span>صاحب النظم: التأويل إنا زينا السماء الدنيا أي بتزييننا الكواكب وتزيين الكواكب ضوئها ونورها وتأليفها في منازلها (٨).\n٧ - قوله تعالى: ﴿وَحِفْظًا﴾ قال أبو إسحاق وغيره: وحفظناها حفظًا (٩).\nقال المبرد: إذا ذكرت فعلًا ثم عطفت عليه مصدر فعل آخر نصبت المصدر؛ لأنه قد دل على فعله وذلك قوله: افعل وكرامة، لأنه لما قال افعل علم أن الأسماء لا تعطف على الأفعال، فالمعنى افعل ذلك وأكرم\n_________\n(١) انظر: \"الحجة\" ٦/ ٥٠ - ٥١.\n(٢) \"معاني القرآن\" ٢/ ٣٨٢.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٩٨.\n(٤) ما بين المعقوفين مكرر في (ب).\n(٥) في (ب): (إن).\n(٦) \"الحجة\" ٦/ ٥٠ - ٥١.\n(٧) ما بين المعقوفين غير مثبت في (أ).\n(٨) انظر القول في \"الحجة\" ٦/ ٥١، غير منسوب لصاحب النظم.\n(٩) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٩٨.","vol":"19","page":14},{"text":"كرامة، وكذلك لا أفعل ذلك ولا كيدًا ولا هما أي ولا أكيد ولا أهم (١) (٢).\nقال ابن عباس: يريد وحفظًا للسماء ﴿مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ﴾ يريد الذي تمرد على الله (٣).\nوقال مقاتل: وحفظًا للسماء بالكواكب (٤).\nقال الكلبي: حفظًا للسموات من كل شيطان شديد متمرد، يُرمون بها ولا تُخطيهم (٥)، وذكرنا تفسير المارد عند قوله: ﴿مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ﴾ [التوبة: ١٠١]. وقوله: ﴿كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ﴾ [الحج: ٣] (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3749>٨ </span>- قوله: ﴿لَا يَسَّمَّعُونَ﴾ المعنى لئلا يسمعون، فلما حذف الناصب عاد الفعل إلى الرفع. قال الفراء: ولو كان في موضع (لا) (أن) لصلح ذلك كما قال: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦]. وكما قال: ﴿رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ (٧). ويصلح في لا (٨) على هذا المعنى الجزم، والعرب تقول: ربطت الفرس لا تفلت بالجزم، وأوثقت عبدي لا يفرق (٩)، وأنشد:\n_________\n(١) في (ب): (ولاهم).\n(٢) لم أقف على قول المبرد.\n(٣) لم أقف عليه.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ١٠٩ ب.\n(٥) لم أقف عليه.\n(٦) قال في هذا الموضع من \"البسيط\": المريد الذي يتمرد على الله -﷿-. وقال أهل اللغة في المريد قولين: أحدهما: إنه المتجرد للفساد، والثاني: إنه العاري من الخير.\n(٧) جزء من آية في سورة النحل: الآية ١٥. ومن سورة لقمان: الآية ١٠.\n(٨) في (أ): (ألا)، وهو خطأ.\n(٩) هكذا في النسخ، والصواب كما في \"معاني الفراء\" (يفرر).","vol":"19","page":15},{"text":"وحين رأينا أحسن الود بيننا ... مساكنةً لا يقرِفُ الشر قَارِفُ (١)\nوبعضهم (٢) يقول لا يفرق والرفع لغة أهل الحجاز وبذلك جاء القرآن) (٣). هذا كلامه، ونحو هذا قال صاحب النظم.\nويجوز أن يكون هذا ابتداء إخبار (٤) عن الشياطين بأنهم لا يسمعون، ولا يحتاج إلى إضمار شيء، وذلك أنهم إذا منعوا عن السماء بالحراسة لم يسمعوا، وهذا الوجه أبين على قراءة من قرأ بالتخفيف، ومن قرأ بالتشديد لم يظهر هذا الوجه لأنهم يتسمعون ثم يمنعون بالرمي (٥). وذكرنا الكلام في هذا عند قوله: ﴿كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (٢٠٠) لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ [الشعراء: ٢٠٠ - ٢٠١]. واختار أبو عبيد (٦) التشديد في يسمعون قال: لأن العرب (٧) تسمعت إلى فلان.\nوقال صاحب النظم: قد يعدى السمع بإلى واحتج بقول الشاعر:\nاسمع إلى من يسومني العللا (٨)\nوقال أبو علي الفارسي: (يقال: سمعت الشيء واستمعته، كما يقال\n_________\n(١) البيت من الطويل، وهو لبعض بني عقيل في \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٨٣، \"الكافية الشافية\" ص ١٥٥٦، \"الطبري\" ٢٣/ ٣٩.\n(٢) في (ب): زيادة (لا)، وهو خطأ.\n(٣) \"معاني القرآن\" ٢/ ٣٨٣.\n(٤) في (ب): (إخبارًا).\n(٥) انظر: \"الحجة\" ٦/ ٥٢، \"الحجة في القراءات السبع\" ص ٣٠٧، \"حجة القراءات\" ص ٦٠٥.\n(٦) انظر: \"الدر المصون\" ٥/ ٤٩٥، \"القرطبي\" ١٥/ ٦٥، \"فتح القدير\" ٣/ ٣٨٧.\n(٧) الكلام هنا فيه اضطراب ويظهر أن كلمة ساقطة لابد منها تُقدَّر تقول.\n(٨) لم أهتد إلى تمامه ولا قائله.","vol":"19","page":16},{"text":"حقرته واحتقرته، وشويته واشتويته، ثم يعدى باللام وإلى [كما] (١) قال الله تعالى: ﴿فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾ [الأعراف: ٢٠٤] وقال: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ﴾ [الأنعام: ٢٥]. وهذا كما تقول في الإيحاء والهداية، قال الله تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ [النحل: ٦٨] وقال: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ [الزلزلة: ٥]، ﴿وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأنعام: ٨٧]، ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا﴾ [الأعراف: ٤٣]، ولا فصل بين فعلت وافتعلت في ذلك لاتفاقهما في التعدي) (٢)، فإذا حسن استمع إليه حسن أيضًا سمع (٣) إليه. وأما وجه القراءتين، فمن قرأ بالتشديد أدغم التاء في السين وهو أبلغ، إلا أنه إذا نفى التسمع عنهم فقد نفى سمعهم، وحجة من خفف قوله: ﴿إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٢]. والسمع مصدر سمع، وهذا الوجه هو اختيار ابن عباس، روى ذلك عن مجاهد، قال: إنهم كانوا يتسمعون ولا يسمعون، يريد الشياطين، يتسمعون إلى الملأ الأعلى ثم يمنعون ولا يسمعون فنفى السماع أولًا (٤) من نفي التسمع (٥).\nقال الكلبي: لا يسمعون إلى الملأ الأعلى لكي لا يسمعوا إلى الكتبة من الملائكة (٦).\n_________\n(١) ما بين المعقوفين غير مثبت في (أ).\n(٢) \"الحجة\" ٦/ ٥٢ - ٥٣.\n(٣) في (ب): (استمع)، وهو خطأ.\n(٤) هكذا في النسخ، والصواب: (أولى).\n(٥) انظر: \"الطبري\" ٢٣/ ٣٦، \"الكشف عن وجوه القراءات السبع وعللها وحججها\" ٢/ ٢٢١، \"حجة القراءات\" ص ٦٠٥، \"المحرر الوجيز\" ٤/ ٤٦٦.\n(٦) انظر: \"الوسيط\" ٣/ ٥٢٢، \"مجمع البيان\" ٨/ ٦٨٥.","vol":"19","page":17},{"text":"وقال السدي: الملأ الأعلى الملائكة الذين هم في السماء الدنيا (١). وقال عطاء: الملائكة الأشراف (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3750>٨ </span>- قوله: ﴿وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ (٨) دُحُورًا﴾ قال ابن عباس ومقاتل (٣) والمفسرون: ويرمون من كل ناحية. وذكرنا معنى القذف فيما تقدم (٤). والمفعول الثاني مقدر على تقدير ويقذفون من كل جانب بالشهب، يدل عليه قراءة أبي عبد الرحمن السلمي دحورًا بفتح الدال. قال الفراء: (كأنه قال يقذفون بداحِر وبما يدحر. قال: ولست أشتهي الفتح؛ لأنه لو وجه ذلك على صحته لكان فيها التاء كما تقول: يقذفون بالحجارة، ولا تقول يقذفون الحجارة وهو جائز كما قال:\nنغالي اللحم للأضياف نيئا (٥)\n_________\n(١) انظر: \"الماوردي\" ٥/ ٣٩، وأورده غير منسوب الطبرسي في \"مجمع البيان\" ٨/ ٦٨٥.\n(٢) لم أقف عليه.\n(٣) لم أقف على هذا القول عن ابن عباس أو مقاتل أو لغيرهم ويكادون يجمعون حسب علمي على أن معنى الدحور هو: الطرد وليس الرمي كما فسره المؤلف ﵀ فلعله وهم منه، والله أعلم.\n(٤) ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ﴾ [طه: ٣٩]. قال: ومعنى القذف في اللغة الرمي بالسهم والحصى والكلام وكل شيء، ويقال للسب القذف لأنه رمي بالقبيح من القول.\n(٥) صدر بيت وعجزه:\nونرخصه إذا نضج القدير\nولم أهتد لقائله.\nانظره في \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٣٨٣، \"معاني القرآن وإعرابه\" ١/ ١٩١، \"المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات\" ٢/ ٢١٩، \"الدر المصون\" ٣/ ٤٤٤، \"تهذيب اللغة\" ٦/ ١٣٢، ٧/ ١٣٥، ٨/ ١٩١، \"اللسان\" ١٥/ ١٣١.","vol":"19","page":18},{"text":"أي: يغالي باللحم (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3751>٩ </span>- قوله: ﴿دُحُورًا﴾ قال الكلبي (٢): يدحرونهم فيباعدونهم عن تلك المجالس التي يسترقون فيها السمع.\nوقال مقاتل: يعني طردًا بالشهب من الكواكب (٣).\nوقال عطاء عن ابن عباس: دحورًا بشهب النار (٤).\nوذكرنا معنى الدحور في سورة الأعراف (٥) عند قوله: ﴿قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا﴾. قال المبرد: الدحور هو أشد الصغار وأبين الذل (٦).\nقال ابن قتيبة: ذكرته دحرًا ودحورًا دفعته وطردته (٧). وانتصب دحورًا بالمصدر على معنى يدحرون دحورًا. ودل على المصدر الفعل قوله: ﴿وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ﴾، وإن شئت قلت الدحور ثم حذف اللام.\nوقال مجاهد: دحورًا مطرودين (٨). فعلى هذا هو حال سميت بالمصدر (٩) كالركوع والسجود والحصور.\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" ٢/ ٣٨٣.\n(٢) لم أقف عليه.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ١٠٩ ب.\n(٤) لم أقف عليه عن ابن عباس، وقد ذكر ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٧/ ٤٧، نحوه عن قتادة.\n(٥) الآية ١٨. قال المؤلف هناك: الدحر في اللغة: الطرد والإقصاء والتبعيد. يقال: دحره دحرًا ودحورًا إذا طرده وبعَّده.\n(٦) لم أقف عليه.\n(٧) \"تفسير غريب القرآن\" ص ٣٦٩.\n(٨) \"تفسير مجاهد\" ص ٥٣٩.\n(٩) في (ب): (سميت به المصدر).","vol":"19","page":19},{"text":"قوله: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ﴾ قالوا كلهم: دائم. وقد مر في سورة النحل (١). ومن فسر الواصب بالشديد والوجع، فهو معنى وليس بتفسير. قال مقاتل: يعني دائمًا إلى النفخة الأولى فهي تجرح ولا تقتل (٢). فقد بين مقاتل أن المراد بهذا العذاب عذاب الدنيا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3752>١٠ </span>- قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ﴾ قال صاحب النظم: يجوز أن يكون هذا استثناء من قوله: ﴿لَا يَسَّمَّعُونَ﴾ فيكون في موضع الرفع لأنه استثناء من النفي. قال: ويجوز أن يكون قوله: ﴿وَيُقْذَفُونَ﴾ فصلًا مستأنفًا، ويكون ﴿إِلَّا مَنْ خَطِفَ﴾ في موضع نصب على الاستثناء منه. هذا كلامه، والمعنى إذا جعلت من استثناء من يقذفون أنهم يرمون بالشهب ولا يمكنون (٣) من السمع ﴿إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ﴾ قال ابن عباس: اختلس الكلمة (٤).\nوقال الكلبي: خطف الخطفة مسارقة (٥).\nوقال مقاتل: يعني يخطف من كلام الملائكة (٦). وذكرنا معنى\n_________\n(١) عند قوله تعالى: ﴿وَلَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا﴾ آية ٥٢. قال: والواصب الدائم يقال وصب وصوبًا إذا دام، ويقال واصَبَ على الشيء وواظب عليه إذا دام عليه.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ١٠٩ ب.\n(٣) في (ب): (يتمكنون).\n(٤) لم أقف عليه عن ابن عباس بهذا اللفظ. وانظر: \"تنوير المقباس\" ص ٣٧٤ بهامش المصحف.\n(٥) لم أقف عليه عن الكلبي، وانظر: \"القرطبي\" ١٥/ ٦٦، \"زاد المسير\" ٧/ ٤٨.\n(٦) \"تفسير مقاتل\" ١٠٩ ب.","vol":"19","page":20},{"text":"الخطف في سورة الحج (١).\nقال الزجاج: وهو أخذ الشيء بسرعة (٢).\nقوله: ﴿فَأَتْبَعَهُ﴾ أي: لحقه وأصابه. قال المفسرون: لا يخطيه، يقتل أو يحرق أو يخبل (٣)، يقال تبعه وأتبعه إذا مضى في أثره، وأتبعه إذا لحقه، ومنه قوله: ﴿فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ﴾ [الأعراف: ١٧٥]، وقد مر.\nقوله تعالى: ﴿شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾ قال ابن عباس ومقاتل: نار مضيئًا يحرقه (٤).\nقال الحسن وقتادة: ثاقب مضيء (٥).\nقال الليث (٦): الثقوب مصدر. النار الثاقبة والكوكب الثاقب، يقال ثقب يثقب ثقوبًا وهو شدة ضوئه وتلألئه، والخشب الثاقب الصريح النقي (٧).\nوقال أبو عبيدة: الثاقب النير المضيء، ويقال أثقب نارًا أي أضاءها، والثقوب ما يذكى به النار، ومنه قول أبي الأسود:\n_________\n(١) عند قوله تعالى: ﴿حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ الآية ٣١. قال: خطف يخطف إذا أخذ بسرعة.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٩٩.\n(٣) انظر: \"الثعلبي\" ٣/ ٢٤٠/ ب، \"الطبري\" ٢٣/ ٤٠، \"البغوي\" ٤/ ٢٣، \"القرطبي\" ١٥/ ٦٧.\n(٤) \"تنوير المقباس\" ص ٤٤٦ بهامش المصحف، \"تفسير مقاتل\" ١٠٩ ب.\n(٥) انظر: \"الطبري\" ٢٣/ ٤٠، \"معاني القرآن\" للنحاس ٦/ ١٣، \"القرطبي\" ١٥/ ٦٧.\n(٦) انظر: \"تهذيب اللغة\" ٩/ ٨٣ (ثقب)، \"اللسان\" ١/ ٢٣٩ (ثقب).\n(٧) انظر: المصادر السابقة، \"القاموس المحيط\" ص ٨١.","vol":"19","page":21},{"text":"أذاع به في الناس حتى كأنه ... بعلياء نارٍ أُوقدت بثقوبِ (١) (٢)\nونظير هذه الآية قوله: ﴿إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ﴾ (٣) [الحجر: ١٨]، وذكرنا الكلام هناك مستقصى في (٤) معنى الشهاب، ومعنى الآية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3753>١١ </span>- قوله تعالى: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ﴾ قال ابن عباس: قل يا محمد لقومك (٥).\nوقال أبو إسحاق: فسألهم (٦) سؤال تقرير. ﴿أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا﴾ أي: أحكم صنعة ﴿أَمْ مَنْ خَلَقْنَا﴾ من غيرهم، يعني من الأمم السالفة، يريد أنهم ليسوا بأحكم خلقًا من غيرهم من الأمم وقد أهلكناهم بالتكذيب، فما الذي يؤمنهم من العذاب، وهذا معنى قول ابن عباس في رواية عطاء (٧).\nوقال مقاتل: ﴿أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا﴾ بعد الموت، وذلك أنهم كفروا بالبعث (٨). ﴿أَمْ مَنْ خَلَقْنَا﴾ يعني السموات والأرض والجبال، وهذا قول\n_________\n(١) البيت من الطويل لأبي الأسود في \"ديوانه\" ص ٤٥، \"مجاز القرآن\" ١/ ١٣٣، ٢/ ١٦٧، \"الدر المصون\" ٢/ ٤٠٢.\n(٢) \"مجاز القرآن\" ٢/ ١٦٧.\n(٣) في (ب): (ثاقب مبين)، وهو خطأ.\n(٤) قال ﵀ هناك: والشهاب شعلة نار ساطع، ثم يسمى الكوكب شهابًا والسنان شهابا لبريقهما يشبهان النار. فقال المفسرون: إن الشهاب لا يخطئه أبدًا وإنهم ليرمون فإذا توارى عنكم فقد أخطأه.\n(٥) انظر: \"تنوير المقباس\" ص ٣٧٤ بهامش المصحف.\n(٦) هكذا في النسخ ولعل الصواب: فاسألهم؛ لأن عبارة أبي إسحاق: أي سلهم. \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٢٩٩.\n(٧) لم أقف عليه. وانظر: \"القرطبي\" ٦٨/ ١٥، \"زاد المسير\" ٧/ ٤٩.\n(٨) \"تفسير مقاتل\" ١١ أ.","vol":"19","page":22},{"text":"مجاهد وسفيان (١)، والمعنى: ليس خلقهم بعد الموت بأشد من خلق السموات والأرض والجبال، وقد علموا أن الله خلق هذه الأشياء، فهو أيضًا يقدر على خلقهم بعد الموت.\nوقال الكلبي: ﴿أَمْ مَنْ خَلَقْنَا﴾ يقول: أم من عندنا من الملائكة (٢). ومَنْ على قول مقاتل ومجاهد بمعنى: ما.\nثم ذكر خلق الإنسان فقال: ﴿إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لَازِبٍ﴾ قال عطاء: يريد الذي يلصق (٣).\nوقال مجاهد عن ابن عباس: من طين لازب قال جيد (٤).\nوقال السدي: الذي يلزق بعضه ببعض (٥).\nوقال عكرمة: اللزوج (٦). وقال الكلبي: الطين الجيد اللاصق (٧). وأكثر أهل اللغة على أن الباء في اللازب بدل من الميم، يقال: لازم ولازب، وهو قول أبي عبيد (٨) والفراء.\n_________\n(١) \"تفسير مجاهد\" ص ٥٤٠، ولم أقف عليه عن سفيان.\n(٢) لم أقف عليه. وانظر: \"القرطبي\" ١٥/ ٦٨، \"زاد المسير\" ٧/ ٤٩، فقد ذكرا القول بدون نسبه.\n(٣) لم أقف عليه عن عطاء وقد روى عن ابن عباس. وانظر: \"الطبري\" ٢٣/ ٤٣، \"مجمع البيان\" ٨/ ٦٨٦.\n(٤) انظر: \"الطبري\" ٢٣/ ٤٣، \"المحرر الوجيز\" ٤/ ٤٦٧، \"زاد المسير\" ٧/ ٤٩.\n(٥) لم أقف عليه عن السدي وينسب للضحاك وقتادة وابن زيد. وانظر: \"الطبري\" ٢٣/ ٤٢، \"القرطبي\" ١٥/ ٦٩.\n(٦) انظر: \"الطبري\" ٢٣/ ٤٣، \"الماوردي\" ٥/ ٤٠، \"القرطبي\" ١٥/ ٦٩.\n(٧) لم أقف عليه عن الكلبي، وانظر: المصادر السابقة.\n(٨) انظر: \"معاني القرآن\" ٢/ ٣٨٤، \"تهذيب اللغة\" ١٣/ ٢١٥، عن الفراء. \"تاج العروس\" ٤/ ٢٠٥.","vol":"19","page":23},{"text":"وقال الكسائي: لزِب يلزِب بالكسر ولزُب بالضم لغتان لزوبًا (١). وعلى هذا يجوز أن يكون اللازب لغة بنفسه من غير أن تكون الباء مبدلة من الميم.\nوالمعنى: قال مقاتل: فالذي خلق من الطين أهون خلقًا عند هذا المكذب بالبعث من خلق السموات والأرض (٢). وعلى القول الأول في معنى الآية: أراد الإخبار عن التسوية بينهم وبين غيرهم من الأمم، يعني أن هؤلاء خلقوا مما خلق منهم الأولون، فليسوا بأشد خلقًا منهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3754>١٢ </span>- قوله تعالى: ﴿بَلْ عَجِبْتَ﴾ الكلام في معنى بل قد تقدم عند قوله: ﴿بَلْ زَعَمْتُمْ﴾ [الكهف: ٤٨] (٣)، وأما عجبت ففيه قراءتان: ضم التاء وفتحها، والضم قراءة ابن عباس وابن مسعود والأعمش، وقراءة قراء الكوفة واختيار أبي عبيد، وكان شريح يقول: بل عجبتَ، ويقول إن الله لا يعجب من شيء إنما يعجب من لا يعلم. قال الأعمش: فذكرت ذلك لإبراهيم فقال: كان شريح يعجب بعلمه وكان عبد الله أعلم منه وكان يقرأ: (بل عجبتُ) (٤) (٥).\nقال أبو عبيد: والشاهد مع هذا قول الله: ﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ﴾\n_________\n(١) لم أقف عليه وانظر: \"القرطبي\" ١٥/ ٦٩.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ١١٠ أ.\n(٣) انظر: \"البسيط\" قال: بل هنا لتؤذن بتحقيق ما سبق وتوكيد ما يأتي بعده. وقد تجيء بل في الكلام لترك ما سبق من غير إبطال له.\n(٤) أورده عبد الرزاق في \"تفسيره\" ٢/ ١٤٨ بسنده عن الثوري عن الأعمش عن أبي وائل، والفراء في \"معاني القرآن\" ٢/ ٣٨٤.\n(٥) انظر حول هذه القراءة. \"الحجة\" ٦/ ٥٣، \"علل القراءات\" ٢/ ٥٧٤، \"الطبري\" ٢٣/ ٤٢.","vol":"19","page":24},{"text":"[الرعد: ٥] أخبر ﷻ أنه عجيب، ومما يزيده تصديقًا الحديث المرفوع: \"لقد عجيب الله البارحة من فلان وفلادة\" (١).\nوقال الفراء: (العجب وإن أسند إلى الله فليس معناه من الله كمعناه من العباد، ألا ترى أنه قال: ﴿سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ﴾ [التوبة: ٧٩]. وليس السُخْرِيّ من الله كمعناه من العباد) (٢).\nوقال أبو إسحاق: (العجب من الله خلاف العجب من الآدميين هذا كما قال: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ﴾ [الأنفال: ٣٠]، وقال: ﴿سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ﴾ [التوبة: ٧٩]، وقال: ﴿وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٢]، والمكر من الله والخداع خلافه من الآدميين. وأصل العجب في اللغة أن الإنسان إذا رأى ما ينكره ويقل مثله قال عجبت من كذا وكذا، وكذلك إذا فعل الآدميون ما ينكره الله -﷿- جاز أن يقول: عجبت. والله -﷿- قد علم الشيء قبل كونه، ولكن الإنكار والعجب الذي به تلزم الحجة عند وقوع الشيء انتهى كلامه) (٣).\n_________\n(١) هذا جزء من حديث طويل أخرجه البخاري في \"صحيحه\" كتاب التفسير، باب ويؤثرون على أنفسهم ٤/ ١٨٤٥ رقم ٤٦٠٧، عن أبي هريرة -﵁- قال: أتى رجل رسول الله -ﷺ- فقال: يا رسول الله أصابني الجهدُ، فأرسل إلى نسائه فلم يجد عندهن شيئًا، فقال رسول الله -ﷺ-: \"ألا رجل يُضَيَّفه هذه الليلة\". فقام رجل من الأنصار فقال: أنا يا رسول الله، فذهب إلى أهله فقال لامرأته: ضيف رسول الله -ﷺ- لا تدَّخريه شيئًا. قالت: والله ما عندي إلا قوت الصبية. قال: فإذا أراد الصبية العشاء فنَومِّيهم وتعالى فاطفئي السراج ونطوي بطوننا الليلة ففعلت. ثم غدا الرجل على النبي -ﷺ- فقال: \"لقد عجب الله -﷿-، أو ضحك من فلانٍ وفلانةٍ\" فأنزل الله -﷿ -: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾.\n(٢) \"معاني القرآن\" ٢/ ٣٨٤.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٣٠٠.","vol":"19","page":25},{"text":"وقد ثبت جواز إضافة العجب إلى الله، وهو على وجهين: عجيب مما يرضى وعجب مما يكره، فالعجب مما يرضى معناه في صفة الله الاستحسان وأخبر عن تمام الرضى. والعجب بما يكره الإنكار والذم له. وذهب قوم إلى أنه لا يجوز العجب في وصف الله، وقالوا في قوله: ﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ﴾ [الرعد: ٥] أي: فعجب عندكم، وقالوا في هذه القراءة: معناها أن هذه الحالة وهي إنكارهم البعث مع وضوح الدلالة عليه وهو الإبتداء والإنشاء حلت محل الشيء الذي إذا ورد عليكم عجبتم منه، ويقول سامعها عجبت كما أن قوله: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾ [مريم: ٣٨] معناه أن هؤلاء مما [يقولون أنتم فيه هذا النحو من الكلام، وكذلك قوله: ﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾ [البقرة: ١٧٥]. عند من لم يجعل اللفظ على الاستفهام، وعلى هذا النحو قوله: ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: ٤٤] (١).\nقالوا: ولا يجوز العجب في وصف القديم (٢) كما يكون في وصف الإنسان؛ لأن العجب منا إنما يكون إذا شاهدنا ما لم نشاهد مثله ولم نعرف سببه، وهذا منتف عن القديم ﷾، وهذا مذهب المعتزلة. ومذهب أهل السنة أن العجب قد ورد مضافًا إلى الله في كثير من الأخبار كما روى: \"عجب ربكم من إلِّكُم وقنوطكم، وعجب ربكم من شاب ليست له\n_________\n(١) ما بين المعقوفين يبدو أنه كلام لا علاقة له بالسياق فلعله وهمٌ من النساخ.\n(٢) وصف الله جل وعلا بالقديم مما أدخله المتكلمون في أسماء الله تعالى وليس من أسمائه الحسنى، لأن القديم في لغة العرب هو المتقدم على غيره، وقد جاء الشرع المطهر باسمه الأول، وهو أحسن من القديم، لأنه يشعر أن ما بعده آيل إليه.\nانظر: \"شرح العقيدة الطحاوية\" ١/ ٧٧.","vol":"19","page":26},{"text":"صبوة\" (١) ومعناه ما ذكرنا. والعجب الذي ذكروا أنه لا يجوز في وصف الله لا نجوزه نحن، ولكن من حيث اللفظ قد ورد العجب في وصفه، وتأويله ما ذكرنا (٢).\nوأما معنى الآية والمفسرون على فتح التاء وذكروا فيه قولين، أحدهما: عجبت يا محمد من القرآن حين أوحي إليك ﴿وَيَسْخَرُونَ﴾، يعني كفار مكة سخروا من النبي حين سمعوا منه القرآن، هذا قول مقاتل (٣).\nوقال قتادة (٤): عجب نبي الله من هذا القرآن حين أنزل عليه وضلال بني آدم، والمعنى أنه -ﷺ- كان يظن أن كل من يسمع منه القرآن يؤمن به، فلما سمع المشركون القرآن فسخروا منه وتركوا الإيمان به عجب\n_________\n(١) أخرج ابن الأثير في \"النهاية في غريب الحديث\" ١/ ٦١ أول الحديث وفي ٣/ ١١ آخر الحديث \"وعجب ربكم من شاب ليست له صبوة\". والزمخشري في \"الفائق\" ١/ ٥٢، أول الحديث: \"عجب ربكم من إلكم وقنوطكم\". وابن الجوزي في \"غريب الحديث\" ١/ ٣٦ أول الحديث، وإلّكم من الإِلّ، قال ابن الأثير في \"النهاية\" ١/ ٦١: الإِلُّ: شدة القنوط، ويجوز أن يكون رفع الصوت بالبكاء.\nوقال الزمخثمري في \"الفائق\" ١/ ٥٢: الإِل والألل والأليِّل رفع الصوت بالبكاء. والمعنى أن إفراطكم في الجؤار والنحيب فعل القانطين من رحمة الله مستغرب مع ما ترون من آثار الرأفة عليكم.\n(٢) تأويل المؤلف لصفة العجب الذي يشير إليه بقوله ما ذكرنا لم أقف عليه. والذي يظهر لي والله أعلم أن المؤلف ﵀ قد اضطرب في فهم هذه الصفة أو في إثباتها، فمذهب الأشاعرة هو تأويل هذه الصفة. أما أهل السنة والجماعة فإنهم يثبتون لله جل وعلا ما أثبته لنفسه وما أثبته له نبيه -ﷺ- من الصفات من غير تكييف ولا تمثيل ولا تشبيه ولا تعطيل. انظر: \"شرح العقيدة الطحاوية\" ١/ ٦٠.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ١١٠ أ.\n(٤) انظر: \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ١٤٨، \"الطبري\" ٢٣/ ٤٤، \"معاني النحاس\" ٦/ ١٥.","vol":"19","page":27},{"text":"محمد -ﷺ- من ذلك، فقال الله تعالى عجبت يا محمد من نزول الوحي وتركهم الإيمان وهو معنى قوله: ﴿وَيَسْخَرُونَ﴾، لأن سخرتهم من ترك الإيمان به.\nوالقول الثاني: عجبت من إنكارهم البعث وهم يسخرون منك ويستهزئون من تعجبك، وهذا قول الكلبي (١) ومعنى قول ابن عباس (٢) في رواية عطاء، وذكر أبو إسحاق (٣) القولين جميعًا.\nوعلى القول الأول: العجب من نزول الوحي وسخرتهم بالنبي -ﷺ- والقرآن. والواو في: ﴿وَيَسْخَرُونَ﴾ واو الحال، والتقدير: بل عجبت وهم يسخرون أن وقع العجب منك في هذه الحال منهم.\nوعلى القول الثاني: العجب من إنكارهم البعث والواو في: ﴿وَيَسْخَرُونَ﴾ واو الاستئناف.\nوأما معنى الآية على قراءة من قرأ بالضم فقد ذكرنا فيه قولين، فمن أجاز إضافة العجب إلى الله على معنى الإنكار، كان تأويل الآية أن الله تعالى ذكر إنكاره عليهم ما هم فيه من الكفر والتكذيب، وسخطه عليهم وهم يسخرون ويستهزئون ولا يتفكرون. وعلى قول من لم يضف العجب إلى الله معنى الآية كمعناها في قراءة من قرأ بالفتح (٤).\nقوله تعالى: ﴿وَإِذَا ذُكِّرُوا لَا يَذْكُرُونَ (١٣) وَإِذَا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ﴾ أي: إذا\n_________\n(١) انظر: \"زاد المسير\" ٧/ ٤٩.\n(٢) لم أقف عليه عن ابن عباس. وانظر: \"القرطبي\" ١٥/ ٦٩، \"زاد المسير\" ٧/ ٤٩.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٣٠٠.\n(٤) انظر: \"الحجة\" ٦/ ٥٣، \"القراءات وعلل النحويين فيها\" ٢/ ٥٧٤.","vol":"19","page":28},{"text":"وعظوا بالقرآن لا يتعظون به، ﴿وَإِذَا رَأَوْا آيَةً﴾ قال ابن عباس ومقاتل: يعني انشقاق القمر بمكة (١) ﴿يَسْتَسْخِرُونَ﴾، قال أبو عبيدة (٢): يستسخرون ويسخرون سواء، وهو قول المفسرين، قالوا كلهم: يسخرون ويستهزئون ويقولون: هذا عمل السحرة وهو قوله: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾، وقال ابن قتيبة: (يقال سخر واستسخر كما يقال قرَّ واستقر، وعجب واستعجب، وأنشد قول أوس:\nومستعجبٍ مما يرى من أناتنا (٣)\nقال: ويجوز أن يكون يسألون غيرهم من المشركين أن يسخروا من النبي -ﷺ-، كما تقول استعتبته أي سألته العتبى واستوهبته) (٤) ونحو ذلك.\nوقال أبو إسحاق في قوله: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ أي جعلوا ما يدل على التوحيد مما يعجزون عنه سحرًا) (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3755>١٦ </span>- قوله تعالى: ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا﴾ (٦) الآية. الكلام في نظير هذه الآية قد تقدم في سورة الرعد (٧)، ثم في سورة النمل (٨)،\n_________\n(١) انظر: \"بحر العلوم\" ٣/ ١١٢، \"البغوي\" ٤/ ٢٤، \"تفسير مقاتل\" ١١٠ أ.\n(٢) \"مجاز القرآن\" ٢/ ١٦٧.\n(٣) عجز بيت وصدره:\nولو زبنته العرب لم يترمرم\nوهو من الطويل لأوس بن حجر في \"ديوانه\" ص ١٢١، \"تفسير غريب القرآن\" ص ٣٧٠، \"اللسان\" ٢/ ٦٩ - ١٥/ ١٤٧، \"الكامل\" ٢/ ١١٤٣.\n(٤) \"تفسير غريب القرآن\" ص٣٧٠.\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٣٠٠.\n(٦) قوله: (وكنا ترابا) غير مثبت في (أ).\n(٧) عند قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ الآية ٥.\n(٨) عند قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ﴾ الآية: ٦٧.","vol":"19","page":29},{"text":"والعنكبوت (١). قال أبو إسحاق المعنى: أنبعث إذا كنا ترابًا وعظامًا (٢)، وهذا استفهام إنكار وتعجب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3756>١٧ </span>- قوله تعالى: ﴿أَوَآبَاؤُنَا﴾ قال مقاتل (٣): أو يبعث آباؤنا. وهذه ألف الاستفهام دخلت على حرف العطف. وقرأ نافع هاهنا وفي سورة الواقعة (٤) ساكنة الواو. وذكرنا الكلام في هذا في سورة الأعراف عند قوله: ﴿أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى﴾ (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-3757>١٨ </span>- قال مقاتل: فقال الله لنبيه -ﷺ- ﴿قُلْ﴾ لكفار مكة ﴿نَعَمْ﴾ تبعثون ﴿وَأَنْتُمْ دَاخِرُونَ﴾ أي صاغرون (٦)، وقال أبو عبيدة والمفضل (٧): الدخور أشد الصغار، يقال داخر صاغر، وأنشد أبو عبيدة قول ذي الرمة فقال:\nفلم يبق إلا داخر في مخيّشٍ ... ومنحجِرٌ في غير أرضك في حُجْرِ (٨) (٩)\n_________\n(١) عند قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (١٩) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ الآيتان ١٩ - ٢٠.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٣٠٠.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ١١٠ أ.\n(٤) آية ٤٨ قوله تعالى: ﴿أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ﴾.\n(٥) آية ٩٨. وقد ذكر المؤلف ﵀ هناك كلامًا طويلًا منقولًا بنصه من الحجة كما قال د/ محمد الفايز، وانظر: \"الحجة\" ٤/ ٥٤.\n(٦) \"تفسير مقاتل\" ١١٠ أ.\n(٧) لم أقف على قول المفضل.\n(٨) البيت من الطويل وهو لذي الرمة في \"ديوانه\" ص ٢٧٥، وانظره منسوبًا إليه في \"مجاز القرآن\" ٢/ ١٦٨. والدخور هو التواضع، والمخيش: السجن، والمنحجر الداخل في الحجر. انظر: \"الدر\" بتحقيق الخراط ٧/ ٢٣٣.\n(٩) \"مجاز القرآن\" ٢/ ١٦٨.","vol":"19","page":30},{"text":"وذكرنا تفسير هذا عند قوله: ﴿سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ﴾ [النحل: ٤٨] (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3758>١٩ </span>- ثم ذكر أن بعثهم يقع بزجرة واحدة، وذلك قوله: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ﴾ [وهي ضمير على أن شريطة التفسير] (٢) وقد مضت هذه المسألة، والمعنى وإنها قصة البعث زجرة واحدة.\nقال مقاتل: يعني صيحة واحدة من إسرافيل (٣).\nوقال ابن عباس: يريد نفخة البعث (٤). ومعنى الزجر في اللغة الصيحة التي يزجر بها، كالزجرة بالغنم وبالإبل (٥) عند الحث، ثم كثر استعمالها حتى صارت بمعنى الصيحة وإن لم يكن فيها معنى الزجر عن الشيء كالتي في هذه الآية (٦).\nقوله تعالى: ﴿فَإِذَا هُمْ يَنْظُرُونَ﴾ قال مقاتل: ينظرون إلى البعث الذي كذبوا به (٧).\nوقال الكلبي: إذا سمعوا بالصيحة الآخرة زجروا من قبورهم فاستووا على ظهر الأرض قيامًا ينظرون (٨) ما يؤمرون به.\nقال أبو إسحاق: (أي يبعثون بصراء ينظرون)، فلما عاينوا البعث\n_________\n(١) قال هناك: داخرون أي صاغرون هذا لفظ المفسرين، يقال دخر يدخر دخورًا أي صغر يصغر صغارًا، وهو الذي يفعل ما يؤمر به شاء أم أبى.\n(٢) هذه الجملة يظهر لي والله أعلم أنها مدرجة وأنها خطأ ووهم من النساخ.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ١١٠ أ.\n(٤) \"تفسير ابن عباس\" ص ٣٧٤ بهامش المصحف.\n(٥) في (ب): (والإبل).\n(٦) انظر: \"تهذيب اللغة\" ١٠/ ٦٠٢، \"اللسان\" ٤/ ٣١٨ (زجر).\n(٧) \"تفسير مقاتل\" ١١٠ أ.\n(٨) لم أقف عليه عند الكلبي، وانظر: \"القرطبي\" ١٥/ ٧٢.","vol":"19","page":31},{"text":"ذكروا قول الرسل في الدنيا أن البعث حق فدعوا بالويل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3759>٢٠ </span>- ﴿وَقَالُوا يَا وَيْلَنَا﴾ قال (١): من العذاب ﴿هَذَا يَوْمُ الدِّينِ﴾ يعني يوم الحساب والجزاء، قاله الكلبي ومقاتل وعطاء (٢).\nوقال أبو إسحاق: يوم نجازى فيه بأعمالنا (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3760>٢١ </span>- قال مقاتل: (فردت عليهم الملائكة فقالوا: ﴿هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ﴾ يعني يوم القضاء. ﴿الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ بأنه غير كائن) (٤)، ونحو هذا قال الكلبي (٥). فيقال لهم: ﴿هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ﴾.\nوقال ابن عباس: يريد اليوم الذي يفصل بين العباد (٦).\nوقال أبو إسحاق: هذا يوم الفصل فيه بين المحسن والمسيء ويجازى كل بعمله (٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3761>٢٢ </span>- قوله تعالى: ﴿احْشُرُوا﴾ أي: يقال في ذلك اليوم ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ قال ابن عباس: الذين أشركوا من بني آدم (٨).\nوقوله: ﴿وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ أكثر المفسرين على أن المراد بالأزواج هاهنا\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٣٠١.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ١١٠ أ، ولم أقف عليه عند الكلبي وعطاء، وانظر: \"الماوردي\" ٥/ ٤٢، \"زاد المسير\" ٧/ ٥٢.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٣٠١.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ١١٠ أ.\n(٥) لم أقف على قول الكلبي، وقد ذكره القرطبي ١٥/ ٧٢ ولم ينسبه، وكذا ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٧/ ٥٢.\n(٦) \"تفسير ابن عباس\" ص ٣٧٤ بهامش المصحف.\n(٧) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٣٠١.\n(٨) انظر: \"تفسير ابن عباس\" ص ٣٧٤ بهامش المصحف، وذكر القول ولم ينسبه البغوي ٤/ ٢٥، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٧/ ٥٢.","vol":"19","page":32},{"text":"الأمثال والأشباه والضرباء وهو قول عمر بن الخطاب وابن عباس وابن زيد وسعيد بن جبير ومجاهد وقتادة والشعبي، قالوا هؤلاء كلهم: أمثالهم وأشباههم وأشياعهم وأتباعهم وضرباؤهم (١). ونحو ذلك قال الكلبي (٢). كل من عمل مثل عملهم وهو من قوله: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً﴾ أي أشكالًا وأشباهًا، وهذا القول اختيار أبي إسحاق قال: (المعنى ونظراؤهم وضرباؤهم، تقول عندي من هذا أزواج أي أمثال، وكذلك زوجان من الجفاف، أي كل واحد نظير صاحبه، وكذلك الزوج المرأة والزوج الرجل، قد تناسبا بعقد النكاح وكذلك قوله: ﴿وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾ [ص: ٥٨] انتهى كلامه) (٣)، وعلى هذا يجب أن يكون المراد بالذين ظلموا الرؤساء والقادة، لأنك إذا جعلت الذين ظلموا عامًا في كل من أشرك لم يكن للأزواج معنى.\nوقال ابن عباس (٤) في رواية عطاء: ﴿وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ قرناؤهم من الشياطين، وهو قول مقاتل (٥). قال: يعني الشياطين الذين أضلوهم، وكل كافر مع شيطان في سلسلة واحدة، وقال الحسن (٦): ﴿وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ قال: يعني ضرباؤهم من الجن.\n_________\n(١) انظر: \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ١٤٨، \"الطبري\" ٢٣/ ٤٦، الثعلبي ٣/ ٢٤٠/ ب، \"الماوردي\" ٥/ ٤٣، \"زاد المسير\" ٧/ ٥٢.\n(٢) لم أقف عليه عن الكلبي، وانظر: المصادر السابقة.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٣٠١.\n(٤) \"تفسير ابن عباس\" ص ٣٧٥ بهامش المصحف. وانظر: \"الماوردي\" ٥/ ٤٣.\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ١١٠ أ.\n(٦) لم أقف عليه عن الحسن، ونسبه أكثر المفسرين للضحاك ومقاتل. وانظر: \"البغوي\" ٤/ ٢٥، \"القرطبي\" ١٥/ ٧٣، \"زاد المسير\" ٧/ ٥٢.","vol":"19","page":33},{"text":"قوله - ﷿ -: ﴿وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (٢٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي: من الأوثان والطواغيت. وقال مقاتل: يعني إبليس وجنده (١) واحتج بقوله: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ﴾ [يس: ٦٠].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3762>٢٣ </span>- قوله: ﴿فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾ قال ابن عباس: دلوهم (٢). وهو اختيار المفضل (٣) قال: المعنى اذهبوا بهم.\nقال أهل المعاني: وإنما استعملت الهداية هاهنا لأنه جعل الهداية إلى الجنة كما قال: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [آل عمران: ٢١، التوبة: ٣١، الانشقاق:<span data-type=\"title\" id=toc-3763> ٢٤]</span>. فوقعت البشارة بالعذاب لهؤلاء بدل البشارة بالنعيم لأولئك (٤). وروي عن ابن عباس في قوله: ﴿فَاهْدُوهُمْ﴾ فسوقوهم (٥).\nوقال مقاتل والكلبي والضحاك (٦): فادعوهم، وهو معنى وليس بتفسير.\nوقال ابن كيسان: قدموهم (٧) وهودوهم؛ لأنه يقال هذا إذا تقدم، ومنه الهادية والهوادي وهاديات الوحش، ولا يقال هدى بمعنى قدم.\n\n٢٤ - قوله تعالى: ﴿وَقِفُوهُمْ﴾ يقال: وقفت الدابة أقفها وقفًا فوقفت\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ١١٠ أ.\n(٢) \"تفسير ابن عباس\" ص ٣٧٤ بهامش المصحف. وانظر: \"البغوي\" ٤/ ٢٥.\n(٣) لم أقف على اختيار المفضل.\n(٤) لم أقف عليه عند أهل المعانى، وقد ذكره الطبرسي في \"مجمع البيان\" ٨/ ٦٨٨.\n(٥) أورده السيوطي في \"الدر\" ٧/ ٨٤، وعزاه لابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس. قلت: ولم أقف عليه عند ابن جرير.\n(٦) \"تفسير مقاتل\" ١١٠ أ، ولم أقف عليه عن الكلبي والضحاك، وأورده الماوردي ٥/ ٤٣، ونسبه للسدي.\n(٧) انظر: \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٢٤٠ ب، \"البغوي\" ٤/ ٢٥.","vol":"19","page":34},{"text":"هي وقوفًا (١). قال الزجاج (٢): احبسوهم.\nوقال الكلبي: وقفوا قبل ذلك وحوسبوا حين قدموا على الله (٣). يعني أن في الكلام تقديمًا وتأخيرًا، والأمر بوقفهم يكون قبل الأمر بسوقهم إلى صراط الجحيم، روي عن ابن عباس أنه قال: وقفوا قبل ذلك.\nقال المفضل (٤): يجوز أن يكون التقديم والتأخير: قفوهم واهدوهم.\nوقال مقاتل: فلما سيقوا إلى النار حبسوا (٥). وعلى هذا الحبس كان (٦) بعد السوق والكلام على وجهه ونظمه، كأنه قيل: واهدوهم إلى صراط الجحيم، فإذا انتهوا إلى الصراط قبل وقفوهم (٧) للسؤال على الصراط.\n﴿إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾ قال ابن عباس: عن أعمالهم في الدنيا وأقاويلهم (٨).\nوقال مقاتل (٩): سألتهم خزنة جهنم ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ (١٠) [الزمر: ٧١]، ويجوز أن يكون هذا السؤال ما ذكر بعد وهو\n_________\n(١) انظر: \"تهذيب اللغة\" ٩/ ٣٣٣ (وقف)، \"مقاييس اللغة\" ص ١١٠١ (وقف).\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٣٠٢.\n(٣) انظر: \"القرطبي\" ١٥/ ٧٤.\n(٤) لم أقف على قول المفضل.\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ١١٠ ب.\n(٦) في (أ): (كانوا)، وهو خطأ.\n(٧) في (أ): (وقفوهم السؤال)، وهو خطأ.\n(٨) انظر: \"البغوي\" ٤/ ٢٥، \"القرطبي\" ١٥/ ٧٤، \"زاد المسير\" ٧/ ٥٣.\n(٩) \"تفسير مقاتل\" ١١٠ ب.\n(١٠) قوله: (ألم يأتكم رسل منكم) غير مثبت في (أ)، وعدم إثباته خطأ.","vol":"19","page":35},{"text":"قوله: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ﴾ أي: أنهم مسؤولون توبيخًا لهم فيقال: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ﴾ (١) أي: لا تتناصرون.\nقال ابن عباس: لا ينصر بعضكم بعضًا كما كنتم في الدنيا، وذلك أن أبا جهل قال يوم بدر: نحن جميع منتصر، فقيل لهم ذلك اليوم: ما لكم غير متناصرين (٢).\nوقال مقاتل (٣): يقول للكفار ما لشركائكم لا يمنعونكم من العذاب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3764>٢٦ </span>- قال الله تعالى: ﴿بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾ يقال: استسلم للشيء إذا انقاد له وخضع. قال أبو عبيدة: والمستسلم الذي يعطى بيده (٤).\nوقال الكسائي (٥): ملقون بأيديهم.\nوقال المفضل (٦): أذلاء منقادون لا حيلة لهم في أنفسهم، لا العابد ولا المعبود.\nوقال ابن عباس: ألقوا بأيديهم وضلت حجتهم (٧).\nوقال أبو صالح: استسلم العابد والمعبود عند ذلك وعرفوا أنه الحق (٨). ومعنى استسلم: طلب السلامة بترك المنازعة.\n_________\n(١) سقط من (أ) قوله: (لا).\n(٢) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ٣/ ٢٤٠ ب، \"البغوي\" ٤/ ٢٥، \"القرطبي\" ١٥/ ٧٤.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ١١٠ ب.\n(٤) \"مجاز القرآن\" ١٢/ ٦٨.\n(٥) لم أقف على قول الكسائي. وأورده الشوكاني في \"فتح القدير\" ٤/ ٣٧٩ ونسبه للأخفش.\n(٦) لم أقف على قول المفضل. وأورده الشوكاني في \"فتح القدير\" ٤/ ٣٧٩ ولم ينسبه.\n(٧) لم أقف عليه عن ابن عباس. وأورده الطبرسي ٨/ ٦٨٩، ولم ينسبه.\n(٨) لم أقف عليه عن أبي صالح.","vol":"19","page":36},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3765>٢٧ </span>- قوله: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ قال ابن عباس: يريدهم والشياطين (١)، وقيل الرؤساء والأتباع (٢).\nوقوله: ﴿يَتَسَاءَلُونَ﴾ أي يسأل بعضهم بعضًا، قال مقاتل (٣) والكلبي (٤): يتكلمون فيما بينهم أي يختصمون، وهذا التساؤل عبارة عن التخاصم والتكلم، وهو سؤال التأنيب. يقولون: غررتمونا. وتقول أولئك لهم: قبلتم منا. وقال في موضع آخر: ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ﴾ [القلم: ٣٠]، وهذا التساؤل متضمن لمعنى التلاوم وليس ذلك تساؤل المستفهمين، بل هو تساؤل التوبيخ فهو نفس التلاوم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3766>٢٨ </span>- ثم ذكر ذلك التخاصم والتلاوم وهو قوله: ﴿قَالُوا﴾ أي الكفار للشياطين أو الأتباع للرؤساء: ﴿إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ﴾، قال ابن عباس (٥): يريد من قبل الحق، وهو لفظ مقاتل (٦).\nوقال الكلبي (٧): يقول تأتوننا من قبل الدين فتزينون لنا ضلالتنا التي كنا عليها، ونحو ذلك قال الضحاك (٨).\n_________\n(١) \"تفسير ابن عباس\" ص ٣٧٥ بهامش المصحف.\n(٢) ذكره الماوردي ٥/ ٤٥، ولم ينسبه، وكذا ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٧/ ٥٤.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ١١٠ ب.\n(٤) لم أقف عليه عن الكلبي، وقد ذكره الماوردي ٥/ ٤٥ عن ابن عباس، وذكره البغوي ٤/ ٢٦ غير منسوب لأحد.\n(٥) انظر: \"القرطبي\" ١٥/ ٧٥، وذكره الماوردي ٥/ ٤٦، ونسبه لمجاهد.\n(٦) \"تفسير مقاتل\" ١١٠ ب.\n(٧) انظر: \"الماوردي\" ٥/ ٤٥.\n(٨) انظر: \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٢٤١ أ، \"البغوي\" ٤/ ٢٦، \"زاد المسير\" ٧/ ٥٤.","vol":"19","page":37},{"text":"وقال قتادة: كنتم تفتنوننا عن طاعة الله (١).\nقال الفراء: (يقول: كنتم تأتوننا من قبل الدين، أي تخدعوننا بأقوى الوجوه، واليمين القدرة والقوة، قال الشماخ:\nتلقاها عرابة باليمين (٢)\nقال: يريد القدرة (٣) والقوة) (٤).\nوقال أبو إسحاق: (أي كنتم تأتوننا من قبل الدين فتروننا أن الدين والحق ما تعلنوننا به) (٥).\nفاليمين على ما ذكروا عبارة عن الحق والدين، غير أن قول أبي إسحاق غير قول الآخرين؛ لأن معنى قوله: كنتم تزينون لنا الدين الذي كنتم عليه وهو الكفر. ومعنى قول الآخرين: كنتم تمنعوننا بإضلالكم عن الدين الذي هو الحق.\nوشرح ابن قتيبة قول المفسرين في هذه الآية فقال: (يقول المشركون لقرنائهم من الشياطين: إنكم كنتم تأتوننا عن أيماننا لأن إبليس قال: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾ [الأعراف: ١٧]\n_________\n(١) انظر: \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ١٤٨، \"الطبري\" ٢٣/ ٤٩، وأورده السيوطي في \"الدر\" ٧/ ٨٦، وعزاه لعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة.\n(٢) هذا عجز بيت من الوافر وصدره:\nإذا ما راية رفعت لمجد\nللشماخ في \"ديوانه\" ص ٣٣٦، \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٣٨٥، \"تهذيب اللغة\" ٨/ ٢٢١ - ١٥/ ٥٢٣، \"اللسان\" ١٣/ ٤٦١.\n(٣) في (أ): (القوة والقدرة).\n(٤) \"معاني القرآن\" ٢/ ٣٨٤.\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٣٠٢.","vol":"19","page":38},{"text":"فشياطينه (١) تأتيهم من كل جهة من هذه الجهات، يعني التأكيد والإضلال، قال المفسرون: فمن أتاه الشيطان من قبل الشمال أتاه من قبل الشهوات، ومن أتاه من بين يديه أتاه من قبل التكذيب بالقيامة وبالثواب والعقاب، ومن أتاه من خلفه خوفه الفقر على نفسه وعلى من يخلف من بعده، فلم يصل رحمًا ولم يؤد زكاة. فقال (٢) المشركون لقرنائهم: إنكم كنتم تأتوننا في الدنيا من جهة الدين فتشبِّهون علينا فيه حتى أضللتمونا) (٣).\nوقال أبو القاسم (٤) الزجاجي: أجود ما قيل في هذا أنه من قول العرب: فلان عندي باليمين، أي بالمنزلة الحسنة، وفلان عندي بالشمال أي بالمنزلة الخسيسة الدنية (٥). فقال هؤلاء الكفار [لأئمتهم] (٦) الذين أضلوهم وزينوا لهم الكفر: إنكم كنتم تخدعوننا وترونا (٧) أننا عندكم بمنزلة اليمين، أي بالمنزلة الحسنة، فوثقنا بكم وقبلنا عنكم، أي أتيتمونا من ذلك الجانب.\nقال: وقال بعض أصحابنا وهو قول قوي: إن أئمة المشركين كانوا قد أخافوا (٨) لهؤلاء المستضعفين أن ما يدعونهم إليه هو الحق، فوثقوا بأيمانهم وتمسكوا بعهودهم التي عهدوها. فمعنى قوله: ﴿كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ\n_________\n(١) هكذا في النسخ وفي \"تأويل المشكل\" لابن قتيبة (فشياطينهم)، وهو الصواب.\n(٢) في (ب): (قال) سقطت الفاء.\n(٣) \"تأويل مشكل القرآن\" ص ٣٤٨.\n(٤) في (ب): (أبو الغنيم)، وهو خطأ.\n(٥) لم أقف عليه.\n(٦) ما بين المعقوفين طمس في (ب).\n(٧) في (ب): (وتروننا).\n(٨) هكذا في النسخ، ولعل الصواب: (قالوا).","vol":"19","page":39},{"text":"الْيَمِينِ﴾ أي من ناحية المواثيق والأيمان التي قدمتموها لنا، فقال لهم قرباؤهم: ﴿بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ أي: لم تكونوا على حق فنشبهه عليكم ونزيلكم عنه إلى باطل، أي ما كنتم مؤمنين فرددناكم عن الإيمان، أي إنما الكفر من قبلكم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3767>٣٠ </span>- ﴿وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ﴾ أي من قدرة فنقهركم ونجبركم. وقال مقاتل: يعني من ملك فنكرهكم على مبايعتنا (١). ﴿بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طَاغِينَ﴾ قال ابن عباس: ضالين (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-3768>٣١ </span>- وقال الكلبي: فوجب علينا جميعًا قول ربنا بالسخط (٣). وقال مقاتل (٤): يعني قول الله لإبليس: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٥]، وقال أبو إسحاق: أي حقت علينا كلمة العذاب (٥).\nقوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ لَذَائِقُو﴾ أي العذاب الأليم، قاله ابن عباس (٦) ومقاتل والكلبي.\nوقال أبو إسحاق: أي أن الجماعة المضل والضال (٧) في النار (٨).\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ١١٠ ب.\n(٢) لم أقف عليه عن ابن عباس. وانظر: \"القرطبي\" ١٥/ ٧٥، \"زاد المسير\" ٧/ ٥٥، \"مجمع البيان\" ٨/ ٦٨٩.\n(٣) لم أقف عليه عن الكلبي. وانظر المصادر السابقة.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ١١٠ب.\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٣٠٢.\n(٦) \"تفسير ابن عباس\" بهامش المصحف ص ٣٧٥، ولم أقف على هذا القول منسوبًا لمقاتل والكلبي. انظر: \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٢٤١ ب، \"معاني القرآن\" للنحاس ٦/ ٢٣.\n(٧) في (ب): (الضال والمضل).\n(٨) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٣٠٢.","vol":"19","page":40},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3769>٣٢ </span>- قوله تعالى: ﴿فَأَغْوَيْنَاكُمْ﴾ قال ابن عباس ومقاتل: فأضللناكم عن الهدى (١).\nوقال الكلبي: دعوناكم (٢) إلى ما كنا عليه فأضللناكم (٣).\nوقال عبد الله بن مسلم: أي بالدعاء والوسوسة. ومثله: ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ﴾ [إبراهيم: ٢٢] الآية) (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3770>٣٣ </span>- يقول الله تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ﴾ قال ابن عباس ومقاتل (٥): يريد الشياطين والإنس.\nوقال الكلبي: هم والذين أطاعوهم في الضلالة شركاء (٦) في النار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3771>٣٤ - ٣٧ </span>- ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ﴾ قال ابن عباس: يريد المشركين الذين جعلوا لله أندادًا وشركاء (٧)، وهو قول الكلبي (٨) وعامة المفسرين، أن المراد بالمجرمين هاهنا المشركين (٩) خاصة، يدل عليه قوله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾، قال ابن عباس:\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ١١٠ ب، \"تفسير ابن عباس\" ص ٣٧٥، وانظر القول غير منسوب في: \"بحر العلوم\" ٣/ ١١٤،\"البغوي\" ٤/ ٢٦، \"زاد المسير\" ٧/ ٥٥.\n(٢) في (ب): (دعويناكم).\n(٣) لم أقف عليه عن الكلبي. وانظر: \"زاد المسير\" ٧/ ٥٥. \"مجمع البيان\" ٨/ ٦٩٠.\n(٤) \"تأويل مشكل القرآن\" ص ٣٤٩.\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ١١٠ ب، ولم أقف عليه عن ابن عباس وذكره أكثر المفسرين. وانظر: \"بحر العلوم\" ٣/ ١١٤، \"البغوي\" ٤/ ٢٦، \"القرطبي\" ١٥/ ٧٥.\n(٦) أورده الطبرسي في \"مجمع البيان\" ٨/ ٦٩٠ غير منسوب لأحد.\n(٧) انظر: \"البغوي\" ٤/ ٢٦، \"مجمع البيان\" ٨/ ٦٩٠.\n(٨) لم أقف عليه عن الكلبي.\n(٩) في (أ): (المشركون)، وهو خطأ.","vol":"19","page":41},{"text":"يريد لا يقولونها (١).\nوقال مقاتل: يعني يتكبرون عن الهدى (٢).\nوقال أبو إسحاق: يستكبرون عن توحيد الله -﷿- (٣).\nوفي الآية إضمار على تقدير: إذا قال لهم قولوا لا إله إلا الله.\nقال مقاتل: وذلك أن الملأ من قريش اجتمعوا عند أبي طالب فقال لهم النبي -ﷺ- يومئذ: \"قولوا لا إله إلا الله تملكون بها العرب وتدين لكم بها العجم\"، فأبوا وقالوا: ﴿أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا﴾، أي: نترك (٤) عبادتها لهذا الشاعر المجنون، يعنون محمدًا -ﷺ- فكذبهم الله ورد عليهم بقوله: ﴿بَلْ﴾ أي ليس الأمر كما قالوا ﴿جَاءَ﴾ محمد -ﷺ- ﴿بِالْحَقِّ﴾ قال الكلبي: بالقرآن (٥). وقال مقاتل: بالتوحيد (٦).\n﴿وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ﴾ قال ابن عباس: يريد الذين كانوا قبله (٧). والمعنى أنه أتى بما أتوا به من التوحيد فهو موافق لهم.\n﴿إِنَّكُمْ﴾ قال الكلبي يعني العابد والمعبود (٨).\n_________\n(١) لم أقف عليه عن ابن عباس. وانظر: \"بحر العلوم\" ٣/ ١١٤، \"معاني القرآن\" للنحاس ٦/ ٢٣.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ١١٠ ب.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٣٠٢.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ١١٠ ب.\n(٥) لم أقف عليه عن الكلبي. وانظر: \"بحر العلوم\" ٣/ ١١٤، \"القرطبي\" ١٥/ ٧٦، \"زاد المسير\" ٧/ ٥٥.\n(٦) \"تفسير مقاتل\" ١١٠ ب.\n(٧) \"تفسير ابن عباس\" بهامش المصحف ص ٣٧٥. وانظر: المصادر السابقة.\n(٨) لم أقف عليه عن الكلبي. وانظر: \"بحر العلوم\" ٣/ ١١٤.","vol":"19","page":42},{"text":"﴿إِنَّكُمْ لَذَائِقُو الْعَذَابِ الْأَلِيمِ (٣٨) وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا﴾ أي إلا بما ﴿كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي: بما تجزون في الآخرة إلا بما كنتم تعملون في الدنيا من الشرك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3772>٤٠ </span>- قال مقاتل: ثم (١) استثنى فقال: ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾، قال عطاء والكلبي عن ابن عباس: هم الموحدون (٢)، أهل لا إله إلا الله، وهم الذين استخلصهم الله لنفسه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-3773>٤١ </span>- ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ﴾ قال الكلبي: مقدار غدوة وعشية (٣)، وليس ثم بكرة وعشية يدل على هذا قوله: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم: ٦٢]، وقال مقاتل: يعني بالمعلوم حين يشتهونه (٤).\nوقال قتادة: الرزق المعلوم الجنة (٥).\nوقال غيره: رزق معلوم أي بعلم الله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3774>٤٢ </span>- ثم بين الرزق فقال ﴿فَوَاكِهُ﴾ وهذا يوجب أن يكون الرزق المعلوم الفواكه؛ لأنه فسره بها، والفواكه جمع الفاكهة، وهي الثمار كلها رطبها ويابسها، وتفكه إذا أكل الفاكهة، وفكهت أي أطعمتهم الفاكهة (٦). وقال بعض أهل المعاني: الفاكهة طعام يؤكل للذة لا للقوت (٧)، والفاكه الذي كثرت فاكهه.\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ١١٠/ ب.\n(٢) لم أقف عليه عن ابن عباس. انظر: \"بحر العلوم\" ٣/ ١١٤، \"البغوي\" ٤/ ٢٧، \"زاد المسير\" ٧/ ٥٥.\n(٣) انظر: \"القرطبي\" ١٥/ ٧٧، \"زاد المسير\" ٧/ ٥٦.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ١١٠ ب.\n(٥) انظر: \"الطبري\" ٢٣/ ٥٢، \"القرطبي\" ١٥/ ٧٧، \"زاد المسير\" ٧/ ٥٥.\n(٦) انظر: \"تهذيب اللغة\" ٦/ ٢٥ (فكه)، \"اللسان\" ١٣/ ٥٢٣ (فكه).\n(٧) في (ب): (لا لقوت)، وهو خطأ.","vol":"19","page":43},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3775>٤٥ </span>- قوله تعالى: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ﴾ قال أبو عبيدة: الكأس الإناء بما فيه (١). وقال أبو إسحاق: (الكأس الإناء إذا كان فيه خمر، ويقع الكأس لكل إناء مع شرابه) (٢). والمفسرون فسروا الكأس بالخمر، وهو قول عطاء والكلبي ومقاتل (٣).\nوقال الضحاك: كل كأس في القرآن إنما عني به الخمر (٤). وهذا منهم توسع، وذلك أنهم لما كان المراد بإدارة الكأس إدارة ما فيه لا الإناء فسروه بما هو المراد.\nوقوله: ﴿مِنْ مَعِينٍ﴾ مضى الكلام مستقصى في تفسير المعين عند قوله: ﴿ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾ [المؤمنون: ٥٠] (٥).\nقال الكلبي (٦): يطوف عليهم خدمهم بخمر بيضاء من معين، والمعين الظاهر.\nوقال مقاتل: من معين يعني الجاري (٧).\nوفي المعين قولان: أحدهما (٨): أنه الظاهر الذي تراه العيون. والثاني: أنه الجاري السايح وقد ذكرناهما.\n_________\n(١) \"مجاز القرآن\" ٢/ ١٦٩.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٣٠٣.\n(٣) لم أقف عليه عن عطاء والكلبي، وانظر: \"تفسير مقاتل\" ١١٠ ب.\n(٤) انظر: \"المحرر الوجيز\" ٤/ ٤٧١، \"القرطبي\" ١٥/ ٧٧، \"زاد المسير\" ٧/ ٥٦.\n(٥) قال: قال ابن عباس في رواية عكرمة يعني أنهار دمشق، وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: المعين الماء، وروى جابر عنه أنه الماء الجاري وهو قول مقاتل.\n(٦) لم أقف على قول الكلبي.\n(٧) \"تفسير مقاتل\" ١١١ أ.\n(٨) في (أ): (أحدها).","vol":"19","page":44},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3776>٤٦ </span>- وقوله: ﴿بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ﴾ قال الحسن: خمر الجنة أشد بياضًا من اللبن (١).\nوقوله: ﴿لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ﴾ يجوز أن يكون اللذة مصدرًا سمي به. قال الليث: (اللذ واللذيذ يجريان مجرىً واحدًا في النعت، يقال شراب لذ ولذيذ) (٢). قال الله تعالى: ﴿بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ﴾، وقال تعالى: ﴿مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ﴾ [محمد: ١٥]، وبذلك سمي النوم (٣) الاستلذاذة، وعلى هذا لذة بمعنى اللذيذة. وقال أبو إسحاق: أي ذات لذة (٤). فعلى هذا حذف المضاف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3777>٤٧ </span>- قوله: ﴿لَا فِيهَا غَوْلٌ﴾ قال الفراء: العرب تقول ليس فيها غيلة وغائلة وغول (٥) سواء.\nوقال أبو عبيدة: (الغول أن تغتال عقولهم وأنشد قول مطيع بن إياس (٦):\nوما زالت الكأس تغتالهم ... وتذهب بالأول الأول (٧)\n_________\n(١) انظر: \"معاني القرآن\" للنحاس ٦/ ٢٤، \"البغوي\" ٤/ ٢٧، \"مجمع البيان\" ٨/ ٦٩٢.\n(٢) انظر: \"تهذيب اللغة\" ١٤/ ٤٠٩ (لذَّ).\n(٣) في (أ): زيادة (إلى)، وهو خطأ.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٣٠٣\n(٥) \"معاني القرآن\" ٢/ ٣٨٥.\n(٦) هو: مطيع بن إياس الكناني من بني ليث بن بكر وقيل من بني الديل بن بكر، يكنى أبا مسلم، شاعر ظريف حلو العشرة، مليح النادرة، وكان متهمًا بالزندقة، أدرك الدولتين الأموية والعباسية، ولاه المهدي العباسي الصدقات بالبصرة ومات فيها. انظر: \"معجم الشعراء\" ص ٤٨٠، \"خزانة الأدب\" ١٠/ ٢٢٣، \"سمط اللآلئ\" ص ٦٠٠، \"الأعلام\" ١١/ ٥٠٩ (غول)، \"الدر المصون\" ٥/ ٥٥٢، \"البحر المحيط\" ٧/ ٣٥٠.\n(٧) \"مجاز القرآن\" ٢/ ١٦٩.","vol":"19","page":45},{"text":"وقال ابن قتيبة: أي لا تغتال عقولهم فتذهب بها، يقال الخمر غول للعلم، والحرب غول للنفوس (١)، وغالني هؤلاء أي أذهبني.\nوقال الليث: الغول الصداع يقال ليس فيها صداع (٢)، هذا كلام أهل اللغة في الغول، وحقيقة الإغلال (٣). يقال غاله غولًا أي أهلكه، والغول والغائلة المهلكة، ثم يسمى الوجع غولًا لأنه يؤدي إلى الهلاك (٤).\nوأكثر المفسرين قالوا في الغول: إنه الوجع في البطن والرأس، وهو قول مجاهد وقتادة قالوا: لا يوجع (٥).\nوقال مقاتل: لا يوجع الرأس كفعل خمر (٦) الدنيا (٧). وهو قول الحسن قال: غول صداع (٨).\nوقال الشعبي: لا يغتال عقولهم فيذهب بها (٩).\nوذكر أبو إسحاق القولين جميعًا في الغول فقال: لا تغتال عقولهم\n_________\n(١) \"تفسير غريب القرآن\" ص٣٧٠.\n(٢) لم أقف على القول منسوبًا لليث. وانظر: \"تهذيب اللغة\" ٨/ ١٩٢،\"اللسان\" ١١/ ٥٠٩ (غول).\n(٣) في (أ): (الإهلاك)، وهو تصحيف، وهكذا أثبت في (ب)، ولعله تصحيف أيضًا والصواب (الغول).\n(٤) انظر: \"تهذيب اللغة\" ٨/ ١٩٢ (غول).\n(٥) انظر: \"تفسير مجاهد\" ص ٥٤١، \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ١٤٨، \"تفسير الطبري\" ٢٣/ ٥٤.\n(٦) في (ب): (كفعل الخمر في الدنيا).\n(٧) \"تفسير مقاتل\" ١١١ أ.\n(٨) انظر: \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٢٤١ ب، \"البغوي\" ٤/ ٢٧، \"القرطبي\" ١٥/ ٧٩.\n(٩) انظر: المصادر السابقة.","vol":"19","page":46},{"text":"ولا يصيبهم منها وجع (١).\nقوله: ﴿وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ﴾ وقرئ بكسر الزاي. قال الفراء: (من كسر الزاي فله معنيان، يقال أنزف الرجل إذا فنيت خمره، وأنزف إذا ذهب عقله من السكر. ومن فتح الزاي فمعناه: لا تذهب عقولهم أي لا يسكرون، يقال نزف الرجل فهو منزوف (٢) ونزيف).\nونحو هذا قال أبو إسحاق في من فتح، وقال في قراءة من كسر الزاي لا يُنفِدون شرابهم وهو دائم أبدًا لهم قال: ويجوز أن يكون يُنزفون يسكرون، وأنشد هو وأبو عبيدة وغيرهما فقال:\nلعمري لئن أنزفتمُ أو صحوتمُ ... لبئس الندامى كنتم آل أبجرا (٣) (٤)\nوحقق أبو علي الكلام في هذه الآية فقال: (أنزف الرجل على معنيين: أحدهما: أنه يراد به السكر، وأنشد البيت وقال: ومقابلته له بصحوتم يدل على أنه يراد به سكرتم، والآخر: أنزف إذا نفد شرابه والمعنى: صار ذا نفادٍ لشرابه، كما أن الأول معناه النفاد في عقله، فقول من كسر الزاي يجوز أن يراد به لا يسكرون عن شربها، ويجوز أن يراد به لا\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٣٠٣.\n(٢) \"معاني القرآن\" ٢/ ٣٨٥.\n(٣) في (ب): (آل بجرا).\n(٤) انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٣٠٣، \"مجاز القرآن\" ٢/ ١٦٩.\nوالبيت من الطويل مختلف في نسبته فهو للأبيرد والرياحي في \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٦٩، \"الصحاح\" ٤/ ١٤٣١ (نزف)، \"اللسان\" ٩/ ٣٢٧ (نزف)، \"المحرر الوجيز\" ٤/ ٤٧٢. وللحطيئة في \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٢٤١ أ، والقرطبي ١٥/ ٧٩. وللأسود في \"الدر المصون\" ٥/ ٥٠١. وبلا نسبة في \"تهذيب اللغة\" ١٣/ ٢٢٦، \"علل القراءات\" ٢/ ٣١٨، \"المحتسب\" ٢/ ٣٠٨.","vol":"19","page":47},{"text":"ينفد ذلك عنهم كما ينفد شراب أهل الدنيا، فإذا كان معنى لا ينفد شرابهم لأنك إن حملته على أنهم لا يسكرون صرت كأنك كررت لا يسكرون مرتين؛ وإن جعلت لا فيها غول على لا (١) تغتال صحتهم ولا يصيبهم عنها العلل التي تحدث عن شربها حملت ينزفون على أنهم لا يسكرون، وعلى أنهم لا ينفد شرابهم، ومن فتح الزاي أراد لا يسكرون من نزف فهو منزوف إذا سكر، وليس من أفعل، ألا ترى أن أنزف بالمعنيين جميعًا لا يتعدى إلى المفعول به، فإذا لم يتعد إلى المفعول به لم يجز أن يبنى له) (٢) انتهى كلامه.\nوأصل النزف في اللغة الاستخراج، يقال نزفتُ البئر إذا استقيتُ ماءها، ونزف فلان دمه إذا استخرجه بحجامة أو فصد وهذا هو الأصل، ونزف الرجل إذا سكر معناه استخرج عقله، وأنزف إذا سكر أي صار إلى حالة نزف العقل عنه، وأنزف إذا نفد شرابه معناه أنه صار إلى حالة نفاد الشراب بنزفه وإنفاده (٣). واختار أبو عبيد كسر الزاي لاحتمال المعنيين (٤). وأما المفسرون فإنهم فسروا لا ينزفون لا يسكرون ولا تذهب عقولهم، وهو قول ابن عباس ومجاهد وقتادة والكلبي ومقاتل (٥).\n_________\n(١) في (أ): (ألا)، وهو خطأ.\n(٢) \"الحجة\" ٦/ ٥٤ - ٥٥.\n(٣) انظر: \"مقاليس اللغة\" ص ١٠٢٢ (نزف)، \"تهذيب اللغة\" ١٣/ ٢٢٥ (نزف)، \"اللسان\" ٩/ ٣٢٥ (نزف).\n(٤) لم أقف على اختيار أبي عبيد.\n(٥) انظر: \"تفسير مجاهد\" ص ٥٤٠، \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ١٤٨، \"الطبري\" ٢٣/ ٥٥، \"تفسير مقاتل\" ١١١ أ، \"معاني القرآن\" للنحاس ٦/ ٢٤، ولم أقف عليه عن الكلبي.","vol":"19","page":48},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3778>٤٨ </span>- قوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ﴾ معني القصر في اللغة الحبس. قال الزجاج والمبرد وابن قتيبة: أي قصرن طرفهن على أزواجهن، فلا يرون غيرهم ولا يطمحن إلى غيرهم (١). وهذا كقوله: ﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ﴾ [ص: ٥٢] وأنشد لامرئ القيس (٢):\nمن القاصرات الطرف لو دب مُحوِلٌ.\nومنه قوله تعالى: ﴿مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ﴾ [الرحمن: ٧٢] أي محبوسات. والطرف إطباق الجفن على الجفن. وقال الليث: (الطرف تحريك الجفون في النظر يقال شخص بصره فيما يطرف) (٣). والمعنى أنهن يحبسن نظرهن فلا ينظرن إلى غير أزواجهن. وقال أبو عبيدة: ﴿قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾ راضيات (٤). وهذا معنى وليس بتفسير، يعني أنهن رضين بأزواجهن حيث لم يطمحن إلى غيرهم. والمفسرون قالوا في قاصرات الطرف نحو ما ذكرنا من قول أهل المعاني.\n_________\n(١) انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٣٠٤، \"تفسير غريب القرآن\" ص ٣٧١، ولم أقف على قول المبرد.\n(٢) هذا صدر بيت من الطويل، وعجزه:\nمن الذر فوق الإتب منها لأثرا\nلامرئ القيس في \"ديوانه\" ص ٦٨، وانظره منسوبًا له في القرطبي ١٥/ ٨٠، \"الدر المصون\" ٥/ ٥٠٢، ٦/ ٥٥٦. \"الماوردي\" ٥/ ٤٨، \"مقاييس اللغة\" ١/ ٥٣، \"لسان العرب\" ٥/ ٩٩ (قصر)، وبلا نسبة في \"تهذيب اللغة\" ٨/ ٣٥٩:\nومعنى البيت أنه يصف امرأة بأنها ممن قصَّرت أعينهن عن النظر إلى من ليس لها من الرجال، والمحول من الذر هو الصغير جدًا منه، والإِتب هو القميص غير المخيط الجانبين الذي كانت تلبسه لأثر في جسمها وهذا نهاية الرقة واللطف.\n\"شرح ديوان امرئ القيس\" ص ٩١.\n(٣) انظر: \"تهذيب اللغة\" ١٣/ ٣٢٠ (طرف).\n(٤) \"مجاز القرآن\" ٢/ ١٦٩.","vol":"19","page":49},{"text":"وقوله: ﴿عِينٌ﴾ قال أبو إسحاق: كبار الأعين حسانها. واحدها عيناء (١). وقال الكلبي ومقاتل: حسان (٢) الأعين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3779>٤٩ </span>- قوله: ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ المكنون معناه في اللغة: المستور، يقال كننت الشيء وأكننته وقد سبق (٣) الكلام فيه.\nوقال أبو عبيدة: (المكنون المصون وكل لؤلؤ أو بيض أو متاع صنته فهو مكنون) (٤).\nقال أبو إسحاق: (يقال كننت الشيء إذا سترته وصنته فهو مكنون) (٥).\nقال الحسن وابن زيد: شبههن ببيض النعام يكنها بالريش من الريح والغبار (٦).\nوقال الكلبي: كأنهن بيض قد خبئ من الحر والقر (٧). وذكر قوم من المفسرين في هذا التشبيه ما لا يصح ولا يكون له وجه من حيث اللفظ ما ذكره الحسن وابن زيد.\nقال أبو إسحاق: أي كأن ألوانهن ألوان بيض النعام يكنه ريش النعام (٨).\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٣٠٤.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ١١١ أ، ولم أقف عليه عن الكلبي.\n(٣) عند قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾ [الأنعام: ٢٥].\n(٤) \"مجاز القرآن\" ٢/ ١٧٠.\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٣٠٤.\n(٦) انظر: \"الطبري\" ٢٣/ ٧٥، \"الماوردي\" ٥/ ٤٨، \"القرطبي\" ١٥/ ٨٠، \"زاد المسير\" ٧/ ٥٨.\n(٧) لم أقف عليه عن الكلبي، وهو في \"تفسير ابن عباس\" بهامش المصحف ص ٣٧٥.\n(٨) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٣٠٤.","vol":"19","page":50},{"text":"وقال المبرد: العرب تشبه المرأة الناعمة في ضيائها وحسنها وصفوة النعمة عليها ببيضة.\nقال الراعي:\nكأن بيض نعام في ملاحفها ... إذا اجتلاهن قيظ ليلةٌ ومِدُ (١)\nوقال ابن الرقيات:\nواوضح لونها كبيضة ادحى ... لها في النساء خلق عميم\nوقال أبو داود (٢):\nممكورة تجلوا الظلام ركلةٍ ... ريا العظام كبيضة النغص (٣)\nوقال آخر (٤):\nوهتكت بني الليل عن ... بيض السوالف والصفاح\nفكأنما ضحكت سجو ... ف الربط عن بيض الأداحي\n_________\n(١) البيت من \"البسيط\"، وهو للراعي في \"ديوانه\" ص ٥٥، \"تهذيب اللغة\" ١٤/ ٢١٨، \"اللسان\" ٣/ ٤٧٠، \"الكامل\" ٢/ ٧٦٧.\nوالملاحف هي الأغطية. والوقدُ هو ندًى يجيء في صميم الحر من قبل البحر مع سكون الريح. وقيل هو الحر أيًّا كان مع سكون الريح. انظر: \"الكامل\" ٢/ ٧٦٧.\n(٢) أبو داود لم أستطع تحديده وهناك أكثر من شاعر يكنى أبا داود:\nأ- أبو داود الإيادي، وهو جويرية بن الحجاج وقيل جارية- تقدمت ترجمته.\nب - أبو داود الرواس زيد بن معاوية بن عمرو بن قيس بن رواس بن كلاب شاعر فارس. انظر: \"المؤتلف والمختلف\" ص ١١٦.\nأما البيت فلم أقف عليه.\n(٣) علق في هامش كلا النسختين: (والنفص: النعام).\n(٤) نسب البيتين لعبد الصمد بن المعذل، ورواية الصدر في الأول:\nوهتكن بني الليل عني\nوالسوالف أعلى العنق. والشجف هو السِّتر ولا يسمى سجفًا إلا أن يكون مشقوق الوسط. \"اللسان\" ٩/ ١٤٤ (سجف)، \"اللسان\" ٩/ ١٥٩ (سلف).","vol":"19","page":51},{"text":"وقال امرؤ القيس (١):\nصادت فؤادك بالدلال جريرة ... صفراء رادعة عليها اللؤلؤ\nكعقيلة الأدحى بات يحفها ... ريش النعام وزال عنها الجؤجؤ\nأراد بعقيلة الأدحى: بيض النعام. وعلى هذا المعنى حمل [قول] (٢) الكندي (٣):\nوبيضة خدر لا يرام خباؤها\nوقال ابن زيد في هذه الآية: البيض بيض النعام أكنة الريش، فلونه أبيض في صفرة (٤). قالوا: وهذه أحسن ألوان النساء أن تكون بيضاء مشربة صفرة.\nوقال سعيد بن جبير والسدي: إن الله تعالى شبههن ببطن البيض قبل أن تمسه الأيدي (٥)، وليس بالوجه.\nقوله تعالى: ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ يعني أهل الجنة. ﴿يَتَسَاءَلُونَ﴾ قال مقاتل: يعني يتكلمون يكلم بعضهم (٦) بعضًا.\nوقال الكلبي: يتحدثون في الجنة عن أهل الدنيا (٧). والمعنى يسأل هذا ذاك وذاك هذا عن أحوال كانت في الدنيا. يدل عليه ما ذكر الله -﷿- عن\n_________\n(١) البيتان من الكامل وهما لامرئ القيس ولم أقف عليهما في \"ديوانه\".\n(٢) ما بين المعقوفين مكرر في (ب).\n(٣) لم أهتدِ إليه ولم أقف على بيته.\n(٤) انظر: \"الطبري\" ٢٣/ ٥٧، \"مجمع البيان\" ٨/ ٦٩٢، \"زاد المسير\" ٧/ ٥٨.\n(٥) انظر: \" الماوردي\" ٥/ ٤٨، \"القرطبي\" ١٥/ ٨٠، \"زاد المسير\" ٧/ ٥٨.\n(٦) \"تفسير مقاتل\" ١١١ أ.\n(٧) لم أقف عليه عن الكلبي وذكر هذا القول غير منسوب القرطبي في \"تفسيره\" ١٥/ ٨٣، ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٧/ ٥٩.","vol":"19","page":52},{"text":"بعضهم أنه أخبر عن حال قرينه [معه] (١) كيف كانت في الدنيا وهو قوله: ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ﴾ يعني أهل الجنة ﴿إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ﴾ (٢) يعني أخًا كان له في الدنيا ينكر البعث وهو قوله: ﴿يَقُولُ﴾ أي يقول لي: ﴿أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ﴾ بالبعث.\nوالمفسرون مختلفون في هذين فمنهم من قال: كانا أخوين وهو قول مقاتل والكلبي (٣). ومنهم من قال: كانا شريكين، وهو قول عطاء والسدي (٤)، وقد قص الله قصتهما في سورة الكهف وهو قوله: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ﴾ (٥) الآيات.\nقال صاحب النظم: قوله: ﴿يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ﴾ يقتضي مفعولًا للتصديق فلم [..] (٦) حتى قال: ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا﴾ وهذا أيضًا يقتضى جوابًا فلما قال: ﴿أَإِنَّا لَمَدِينُونَ﴾ كان هذا جوابًا لهما على تأويل أئنك لمن المصدقين، إنا لمدينون، فيكون موضع (إنا) نصبًا وكسرت ألفها لدخول اللام في خبر إن، وهذا الذي ذكره يصح على قراءة من قرأ إنا لمدينون بغير [ألف] (٧) استفهام، فأما من قرأ بالاستفهام فمفعول التصديق\n_________\n(١) ما بين المعقوفين غير مثبت في (ب).\n(٢) في (ب): (إنه) بدلًا من (إني)، وهو خطأ.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ١١١ أ. انظر: \"القرطبي\" ١٠/ ٣٩٩، \"الماوردي\" ٣/ ٣٠٥.\n(٤) انظر: \"القرطبي\" ١٠/ ٤٠٠، وأورده السيوطي في، \"الدر\" ٧/ ٩٠، عزاه لعبد الرزاق وابن المنذر عن عطاء، ولابن أبي حاتم عن السدي.\n(٥) آية ٣٢، وما بعدها.\n(٦) في جميع النسخ مقدار كلمة غير واضحة، ويمكن تقدير المحذوف بنحو (يذكره).\n(٧) ما بين المعقوفين غير مثبت في (أ).","vol":"19","page":53},{"text":"مضمر على تقدير أئنك لمن المصدقين بالبعث (١)، ودل عليه ما ذكر بعده من إنكاره البعث.\nقال أبو إسحاق: المعنى: كان لي قرين يقول أئنك ممن يصدق بالبعث بعد أن نصير ترابًا وعظامًا (٢)، وهو قوله: ﴿أَإِذَا مِتْنَا﴾ الآية.\nقوله: ﴿لَمَدِينُونَ﴾ أي مجزيون ومحاسبون قاله المفسرون (٣). ومضى الكلام في الدين (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3780>٥٤ </span>- قال مقاتل: ثم قال المؤمن لإخوانه في الجنة: ﴿هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ إلى النار لينظر كيف (٥) منزلة أخيه، ونحو هذا قال الكلبي (٦).\nوروى عطاء عن ابن عباس قال: تقول الملائكة (٧): ﴿هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾. والظاهر هو القول الأول، وهو أن قوله: ﴿قَالَ﴾ إخبار عن المؤمن الذي قص خبره مع القرين. واطَّلع افتعل من الطلوع، يقال أطلعته على الأمر فاطَّلع عليه أي أشرف.\n_________\n(١) انظر: \"المبسوط في القراءات العشر\" ص ٣١٦، \"إرشاد المبتدي وتذكرة المنتهي\" ص ٣٨٥.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٣٠٤.\n(٣) انظر: \"الطبري\" ٢٣/ ٦٠، \"بحر العلوم\" ٣/ ١١٥، \"الماوردي\" ٥/ ٤٩، \"البغوي\" ٣/ ٢٨.\n(٤) مضى عند تفسير المؤلف ﵀ للفاتحة قال المؤلف ﵀ هناك: قوله تعالى: ﴿الدِّينِ﴾ قال الضحاك وقتادة: الدين الجزاء، يعني يوم يدين الله العباد بأعمالهم، تقول العرب: دنته بما فعل أي جازيته ومنه قوله: ﴿أَإِنَّا لَمَدِينُونَ﴾.\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ١١١ أ.\n(٦) انظر: \"مجمع البيان\" ٨/ ٦٩٤.\n(٧) لم أقف عليه عن ابن عباس، وقد ذكره القرطبي ولم ينسبه ١٥/ ٨٢.","vol":"19","page":54},{"text":"قال كعب (١): إن بين الجنة والنار كوى فإذا أراد المؤمن أن ينظر إلى عدو له في الدنيا اطَّلع من بعض تلك الكوى. ونحو هذا قال مقاتل (٢).\nوقال قتادة (٣): بلغنا أنه سأل ربه أن يطلعه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3781>٥٥ </span>- قوله تعالى: ﴿فَاطَّلَعَ﴾ قال مقاتل: أنه لما قال لأهل الجنة هل أنتم مطلعون، قالوا له إنك أعرف به منا، فاطَّلع أنت فاطَّلع فرأى أخاه في سواء الجحيم (٤).\nقال ابن عباس والجماعة: في وسط الجحيم (٥).\nقال أبو عبيدة: (سمعت عيسى بن عمر يقول: كنت أكتب بالليل حتى بنقطع سوائي أي وسطي) (٦).\nوقال أبو إسحاق: سواء كل شيء: وسطه (٧).\nوقال أهل المعاني: إنما قيل للوسط سواء لاستوائه في مكانه بأن صار بدلًا منه (٨).\n_________\n(١) انظر: \"القرطبي\" ١٥/ ٨٣، وذكره البغوي ٤/ ٢٨، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٧/ ٦٠ عن ابن عباس، وذكره الطبرسي في \"مجمع البيان\" ٨/ ٦٩٤ عن الكلبي.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ١١١ أ.\n(٣) انظر: \"الطبري\" ٢٣/ ٦٠، وأورده السيوطي في \"الدر\" وعزاه لعبد الرزاق -ولم أجده في تفسيره- وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ١١١ أ.\n(٥) انظر: \"الطبري\" ٢٣/ ٦٠، \"الماوردي\" ٥/ ٥٠، \"القرطبي\" ١٥/ ٨٣.\n(٦) \"مجاز القرآن\" ٢/ ١٧٠.\n(٧) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٣٠٤.\n(٨) لم أقف عليه عندهم بهذا اللفظ. وانظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" للزجاج ٤/ ٣٠٤، \"معاني القرآن\" للنحاس ٦/ ٣٠.","vol":"19","page":55},{"text":"وروى قتادة عن خليد (١) قال: لولا أن الله عرفه إياه ما عرفه، لقد تغير خيره وسبره فعند ذلك قال: ﴿إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ (٢) أي ما أردت إلا أن تهلكني.\nقال مقاتل: والله لقد كدت أن تغويني فأنزل منزلتك (٣). وقال الكلبي: لتغوين، تقول: اترك دينك واتبعني (٤). وقال ابن عباس: تضلني (٥).\nوقال أبو عبيدة والزجاج: ترديني وتهلكني (٦). والإرداء الإهلاك ردى إذا هلك، وأرديته أهلكته، والإغواء والإضلال معنى وليس بتفسير، وذلك أن من أغوى إنسانًا فقد أهلكه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3782>٥٧ </span>- قوله: ﴿وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي﴾ قال ابن عباس: يريد حيث هداني (٧).\n_________\n(١) هو خليد بن عبد الله العصريُّ أبو سليمان البصري، روى عن الأحنف بن قيس وعلي ابن أبي طالب، وسلمان الفارسي، وأبي الدرداء وأبي ذر الغفاري، وروى عنه أبان بن أبي عياش وعوف الأعرابي وقتادة وغيرهم، روى له مسلم حديثًا وأبو داود حديث آخر، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\nانظر: \"تهذيب الكمال\" ٨/ ٣٠٩، \"التاريخ الكبير\" ٣/ ١٩٨، \"حلية الأولياء\" ٢/ ٢٣٢. \"تاريخ بغداد\" ٨/ ٣٤٠.\n(٢) \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ١٤٩، \"زاد المسير\" ٧/ ٦٠، وأورده السيوطي في \"الدر\" ٧/ ٩٤، وعزاه لعبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ١١١ أ.\n(٤) لم أقف عليه.\n(٥) انظر: \"تفسير ابن عباس\" بهامش المصحف ص ٣٧٦.\n(٦) \"مجاز القرآن\" ٢/ ١٧١، \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٣٠٦.\n(٧) لم أقف عليه عن ابن عباس. وانظر: \"الماوردي\" ٦/ ٥٠، \"القرطبي\" ١٥/ ٧٨٤، \"زاد المسير\" ٧/ ٦٠.","vol":"19","page":56},{"text":"وقال مقاتل: يعني لولا ما أنعم الله علي بالإسلام (١).\nوقال الكلبي: لولا النعمة بالإسلام (٢).\n﴿لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ قالوا جميعًا: أي معك في النار، وهو قول مقاتل (٣) وقتادة.\nوقال ابن عباس: من المعذبين (٤). ومعناه من المحضرين العذاب.\nوقال أبو إسحاق: أي أُحضَرَ العذاب كما أُحضرتَ (٥).\nوقال الفراء: لكنت معك في النار محضرًا (٦).\nوقال صاحب النظم: لما قال ولولا نعمة ربي، دلَّ هذا الإحضار ليس هو لخير إنما هو لشر، وهذا مقتضى من قوله: ﴿فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ﴾ [الروم: ١٦]، ومن قوله: ﴿ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا﴾ [مريم: ٦٨]، ومما جاء في مثله قوله: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ [الصافات: ١٢٧]، وهذا أيضًا مُستَدلٌ عليه بقوله: ﴿فَكَذَّبُوهُ﴾ لأن جزاء التكذيب لا يكون إلا شرًا. وقوله: ﴿وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾ [المؤمنون: ٩٨]، والحضور قد يكون للخير والشر إلا أن قوله: ﴿أَعُوذُ بِكَ﴾ يدل على أنه للشر، ومنه قول النبي -ﷺ-: \"إن هذه الحشوش محتضرة\" (٧)، أي الشياطين تحضر من\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ١١١ أ.\n(٢) لم أقف عليه عن الكلبي، وانظر: المصادر السابقة.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ١١١ أ، \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ١٤٩.\n(٤) \"تفسير ابن عباس\" بهامش المصحف ص ٣٧٧.\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٣٠٦.\n(٦) لم أقف عليه في \"معاني القرآن\". وانظر القول منسوبًا له في \"القرطبي\" ١٥/ ٨٤.\n(٧) الحديث أخرجه الإمام أحمد في \"مسنده\" ٤/ ٣٦٩ - ٣٧٣، وأبو داود في \"سننه\"، كتاب: الطهارة، باب ما يقول الرجل إذا دخل الخلاء ١/ ٢ رقم ٦، وابن ماجه =","vol":"19","page":57},{"text":"يدخلها. وكذلك قوله: \"اللبن محتضر\" (١)، وكذلك قول الناس: حضر فلان أي دنا موته (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3783>٥٨ - ٦٠ </span>- قوله تعالى: ﴿أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ (٥٨) إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَى﴾ قال مقاتل: عرف المؤمن أن كل نعيم معه الموت فليس بتام، فأقبل على أصحابه فقال: أفما نحن بميتين إلا موتتنا الأولى التي كانت في الدنيا وما نحن بمعذبين، فقيل له: لا موت فيها. فقال عند ذلك: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (٣). وعلى هذا كان هذا المؤمن لا يعلم أن أهل الجنة لا يموتون، فاستفهم عن ذلك فقال: ﴿أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ (٥٨) إِلَّا مَوْتَتَنَا﴾ سوى موتتنا التي حلت بنا في الدنيا، وإلا هاهنا بمعنى سوى. ونحو هذا قال الحسن (٤)، إلا أنه جعل هذا عن قول جميع أهل الجنة لا عن قول المؤمن الواحد، فقال: قالوا أفما نحن بميتين: قيل لا. قالوا: إن هذا لهو الفوز العظيم.\n_________\n= في \"سننه\"، أبواب الطهارة، باب: ما يقول إذا دخل الخلاء ١/ ٩ رقم ٢٩٤، والحاكم في \"المستدرك\" كتاب: الطهارة، باب: إذا دخل أحدكم الخلاء الغائط فليقل: أعوذ بالله من الرجس النجس الشيطان الرجيم ١/ ١٨٧، وقال: صحيح على شرط الصحيح ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.\n(١) ذكر هذا القول الأزهري في \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٢٠١ (حضر)، وابن منظور في \"اللسان\" ٤/ ١٩٩ (حضر)، عن الأصمعي قال: العرب تقول: اللبن محتضر فغطَّه يعني تحضره الدواب وغيرها من أهل الأرض.\n(٢) ذكره الأزهري في \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٢٠٠ (حضر).\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ١١١ أ.\n(٤) أورده السيوطي في \"الدر\" ٧/ ٩٥، وعزاه لابن أبي حاتم عن الحسن.","vol":"19","page":58},{"text":"وقال الكلبي (١): يؤتى بالموت فيذبح، فإذا أَمِنَ أهل الجنة أن يموتوا وفرحوا بذلك قالوا: أفما نحن بميتين إلا موتتنا الأولى التي كانت في الدنيا وما نحن بمعذبين. فقيل لهم: لا. فعند ذلك قالوا: إن هذا لهو النجاة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3784>٦١ </span>- قال مقاتل (٢): ثم انقطع كلام المؤمن بقول الله: ﴿لِمِثْلِ هَذَا﴾ النعيم الذي ذكر من قوله: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ﴾ إلى قوله: ﴿بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾، ﴿فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾.\nوبعضهم (٣) يجعل هذا من كلام المؤمن للقرين، ويجعل قوله: ﴿أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا﴾، ابتداء من كلام الله تعالى. قال أبو عبيدة: (النزول والنزل واحد، وهو الفضل، يقال هذا طعام له نُزُل (٤) ونَزَل، أي: ريع) (٥).\nقال المفضل: ليس هذا موضع الفضل (٦). وكأنه رأى هذا غلطًا منه.\nقال أبو إسحاق: (أي أذلك خير في باب الإنزال التي يتقرب بها ويمكن معها الإقامة أم نزل أهل النار. قال: ومعنى أقمت لهم نزلهم: أقمت لهم ما يصلحهم ويصلح أن ينزلوا عليه) (٧). والنزل مما تقدم تفسيره (٨).\n_________\n(١) انظر: \"زاد المسير\" ٧/ ٦١.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ١١١ أ.\n(٣) انظر: \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٢٤٢ أ، \"زاد المسير\" ٧/ ٦١.\n(٤) في (ب): (نزول ونزل)، وهو خطأ.\n(٥) \"مجاز القرآن\" ٢/ ١٧٠.\n(٦) لم أقف عليه.\n(٧) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٣٠٦.\n(٨) عند قوله تعالى: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ﴾ [آل عمران: ١٩٨]. =","vol":"19","page":59},{"text":"قوله تعالى: ﴿أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾ لم يذكر المفسرون للزقوم تفسيرًا إلا ما ذكر الكلبي: أن ابن الزبعرى قال: أكثر الله في بيوتكم الزقوم (١). فإن أهل اليمن يدعون التمر والزبد الزقوم. فقال أبو جهل لجاريته: ويحك زقِّمينا، فأتته بزبد وتمر. فقالت: تزقموا (٢).\nوقال الليث: لما نزلت آية الزقوم لم يعرفه قريش، فقدم رجل من أفريقية فسئل عنه فقال: الزقوم بلغة أفريقية التمر والزبد (٣). فهذا الذي ذكروا معلوم أن الله تعالى لم يرد الزقوم هاهنا الزبد والتمر.\nقال أهل المعاني: الزقوم: ثمر شجرة مرة الطعم جدًا، من قولهم: تزقم هذا الطعام إذا تناوله على تكرُّه ومشقَّة شديدة (٤).\nوقال ابن زيد: إن يكن للزقوم اشتقاق (٥) فمن التزقم، وهو الإفراط من أكل الشيء، حتى يُكره ذلك. يقال: بات فلان (٦) يتزقم. الكسائي وأبو عمرو: الزقم واللقم واحد هذا كلامهم (٧). وإذا كان الزقم بمعنى اللقم،\n_________\n= قال المؤلف هناك: النزل: ما يهيأ لضيفٍ أو لقومٍ إذا نزلوا موضعًا.\n(١) أكثر المفسرين ذكروا قول ابن الزبعري، ولم أقف على من نسبه للكلبي. وانظر: \"بحر العلوم\" ٣/ ١١٦، الثعلبي ٣/ ٢٤٢ أ، \"البغوي\" ٤/ ٢٩، \"القرطبي\" ١٥/ ٨٥، \"مجمع الييان\" ٨/ ٦٩٦.\n(٢) انظر: المصادر السابقة، \"القرطبي\" ٢٣/ ٦٣.\n(٣) انظر: \"تهذيب اللغة\" ٨/ ٤٤١ (زقم)، وأورده ابن منظور في \"اللسان\" ١٢/ ٢٦٨ (زقم) عن ابن سيده.\n(٤) لم أقف على قول أهل المعاني.\n(٥) في (ب): (اشتقاقًا).\n(٦) \"جمهرة اللغة\" ٣/ ١٤. وانظر: \"تهذيب اللغة\" ٨/ ٤٤٠ (زقم).\n(٧) لم أقف على كلام الكسائي وأبو عمرو عنهما. وانظره في \"تهذيب اللغة\" ٨/ ٤٤٠ (زقم)، \"جمهرة اللغة\" ٣/ ١٤.","vol":"19","page":60},{"text":"كان معنى التزقم تناول الشيء بِكُرهٍ، والزقوم ما يكره تناوله، والذي أراد الله هو شيء مرٌ كريه يكره تناوله. وأهل النار يُكرَهونَ على تناولِهِ، فهم يتزقمونه على أشد كراهيته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3785>٦٣ </span>- قوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ﴾ ذكر المفسرون وجهين للفتنة في شجرة الزقوم: أحدها: أنهم أنكروا أن يكون في النار شجرة، والنار تحرق الشجر (١). والآخر: أنهم قالوا إن الزقوم الثمر والزبد، وهذا قول قتادة ومجاهد ومقاتل (٢).\nقال أبو إسحاق: فتنة أي: خبرة للظالمين، افتتنوا بها وكذبوا بكونها (٣)، فصارت فتنة لهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3786>٦٤ </span>- وقال قتادة: لما ذكر الله -﷿- هذه الشجرة افتتن بها الظلمة فقالوا: أيكون في النار شجرة، والنار تأكل الشجرة. فأنزل الله -﷿-: ﴿إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ﴾ (٤). قال مقاتل: تخرج تنبت (٥).\nقوله: ﴿فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ﴾ قال قتادة: أخبرهم أن عذابها من النار إن عذبت بالنار (٦). وقال الحسن: أصلها في قعر جهنم، وأغصانها ترتفع إلى دركاتها (٧). وعلى ما قال قتادة الآية جواب لإنكارهم بل هي إخبار عن\n_________\n(١) انظر: \"الطبري\" ٢٣/ ٦٣، \"بحر العلوم\" ٣/ ١١٦، \"زاد المسير\" ٧/ ٦٣.\n(٢) لم أقف عليه عن قتادة. وانظر: \"تفسير مجاهد\" ص ٥٤٢، \"تفسير مقاتل\" ١١١ ب، وانظر: المصادر السابقة.\n(٣) هكذا وردت في النسخ، وفي \"معاني القرآن\" ٤/ ٣٠٦ قال: وكذبوا بها فصارت.\n(٤) انظر: \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ١٤٩، \"الطبري\" ٢٣/ ٦٣، \"زاد المسير\" ٧/ ٦٣.\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ١١١ ب.\n(٦) أخرج ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ١٠/ ٣٢١٦ عن قتادة نحوه.\n(٧) انظر: \"البغوي\" ٤/ ٢٩، \"زاد المسير\" ٧/ ٦٣، \"مجمع البيان\" ٨/ ٦٩٦.","vol":"19","page":61},{"text":"منبت الشجرة، وأما جواب إنكارهم فقال ابن قتيبة: (قد تكون شجرهَ الزقوم بيتًا من النار أو من جوهر لا يأكله النار، وكذلك سلاسل النار وأغلالها وأنكالها وعقاربها وحياتها، ولو كانت على ما يعلم لم يبق على النار، وإنما دلنا الله على الغائب عنده بالحاضر عندنا، فالأسماء متفقة الدلالة والمعاني مختلفة، وما في الجنة من شجرها (١) وثمرها وفرشها وجميع آلاتها على مثل ذلك) (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3787>٦٥ </span>- قوله: ﴿طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾ قال مقاتل والكلبي: ثمرها (٣).\nوقال ابن قتيبة: (سمي طلعها لطلوعه كل سنة، ولذلك قيل: طلع النخل لأول ما يخرج من ثمره) (٤).\nقوله: ﴿كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾ ذكر الفراء والزجاج في هذا التشبية ثلاثة أقوال:\nأحدها: أن الشياطين حيات لها رؤوس وأعراف، وهي من أقبح الحيات، وبها يضرب المثل في القبح، كما قال الشاعر يذم امرأة:\nعنجرد تحلف حين أحلف ... كمثل شيطان الحماط أعرف (٥)\n_________\n(١) في (ب): (أشجرها)، وهو خطأ.\n(٢) \"تأويل مشكل القرآن\" ص ٧٠.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ١١١ ب، ولم أقف عليه عن الكلبي.\n(٤) \"تأويل مشكل القرآن\" ص ٣٨٨.\n(٥) البيت من الرجز، ولم أقف على قائله، وقد ذكره غير منسوب الفراء في \"معاني القرآن\" ٢/ ٣٨٧، الطبري في \"تفسيره\" ٢٣/ ٦٤، ابن عطية في \"المحرر الوجيز\" ٤/ ٤٧٦، السمين الحلبي في \"الدر\" ٥/ ٥٠٥، والأزهري في \"التهذيب\" ٣/ ٣٧٠ - ٤/ ٤٠٢ - ١١/ ٣١٣، وابن منظور في \"اللسان\" ٣/ ٣١١.","vol":"19","page":62},{"text":"عنجرد: سليطة وثَّابة، والحماط: شجر، وأعرف: ذو عرف. والعرب تقول إذا رأت منظرًا قبيحًا كأنه شيطان الحماطة.\nالقول الثاني: وهو القول المعروف: أنه أراد الشياطين بأعيانها موصوفة بالقبح وإن كانت لا تُرى، والشيء إذا استقبح (١) شبه بالشياطين، فيقال: كأنه شيطان، والشيطان لا يُرى ولكنه يُستشعر أنه أقبح ما يكون من الأشياء لو رُئي لرُئِي في أقبح صوره، قال امرؤ القيس:\nأيقتلني والمشرفي مُضَاجِعي ... ومسنونةٌ زرقٌ كأنيابِ أغوالِ (٢)\nولم ير الغول ولا نابها ولكن التمثيل بما يستقبح. والقول الثالث: أن رؤوس الشياطين نبت معروف قبيح الرؤوس.\nقال الفراء: والأوجه الثلاثة تقرب إلى معنى واحد في القبح (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3788>٦٦ </span>- قوله: ﴿فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا﴾ قال مقاتل: يعني من ثمرها (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-3789>٦٧ </span>- قوله: ﴿ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ﴾ قال أبو إسحاق: على أكلها لشوبًا (٥). الشوب: الخلط العام في كل شيء وكل شيء خلطته بشيء فقد شِبْتَهُ به.\nقال مقاتل وقتادة: يعني لخلطًا ومزاجًا (٦). وزاد مقاتل: يعني لشرابًا،\n_________\n(١) في (ب): (إذا ستقبح)، سقطت الهمزة.\n(٢) البيت من الطويل لامرئ القيس في \"ديوانه\" ص ٣٣، \"تهذيب اللغة\" ٨/ ١٩٣، \"اللسان\" ١١/ ٥٠٨ (غول). ١٣/ ٣٣٨ (شطن)، \"جمهرة اللغة\" ص ٩٦١.\n(٣) \"معاني القرآن\" ٢/ ٣٨٧، \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٣٠٦.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ١١١ ب.\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٣٠٧.\n(٦) \"تفسير مقاتل\" ١١١ ب. وانظر: \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ١٥٠، \"الطبري\" ٢٣/ ٦٥.","vol":"19","page":63},{"text":"يريد أنهم إذا أكلوا الزقوم شربوا عليه الحميم، وهو الماء الحار الذي قد انتهى خيره، فيشرب الحميم في بطونهم الزقوم فيصير شوبًا لهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3790>٦٨ </span>- قوله: ﴿ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ﴾ قال مقاتل: أي بعد الزقوم وشرب الحميم (١). وهذا يدل على أنهم على شرب الحميم لم يكونوا في الجحيم، وهو يحتمل أن يكون الحميم، في موضع خارج عن الجحيم لشربه، كما تورد الإِبل إلى الماء ثم يردُون إلى الجحيم وهذا القول اعتمده مقاتل واحتج بقوله: ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ (٤٣) يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن: ٤٣]. وهذه الآية تدل على المعنى الذي ذكرنا. وذُكِرَ في هذه الآية أوجه فاسدة تَركتُ ذكرها.\n<span data-type=\"title\" id=toc-3791>٦٩ </span>- قوله: ﴿إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ﴾ قال مقاتل: وجدوا آباءهم ضالين عن الهدى.\n<span data-type=\"title\" id=toc-3792>٧٠ </span>- قوله: ﴿فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ﴾ قال: يسعون في مثل أعمال آبائهم (٢).\nوقال الكلبي: يعملون بمثل عملهم (٣).\nوقال ابن عباس وقتادة: يسرعون (٤). وقال مجاهد: كهيئة الهرولة (٥). قال الفراء: الإهراع: الإسراع فيه شبيه بالرِّعدة (٦).\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ١١١ ب.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ١١١ ب.\n(٣) انظر: \"الوسيط\" ٣/ ٥٢٧، \"البغوي\" ٤/ ٢٩.\n(٤) انظر: \"الطبري\" ٢٣/ ٦٦، \"معاني القرآن\" للنحاس ٦/ ٣٦، \"مجمع البيان\" ٨/ ٦٩٨.\n(٥) \"تفسير مجاهد\" ص ٥٤٢.\n(٦) \"معاني القرآن\" ٢/ ٣٨٧.","vol":"19","page":64},{"text":"وقال الزجاج: يتبعون آبائهم اتباعًا في سرعة، كأنهم يزعجون إلى إتباعهم، يقال: هرع وأهرع إذا استحث وأسرع (١).\nوذكرنا الكلام في هذا الحرف عند قوله: ﴿يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ﴾ [هود: ٧٨].\nقوله: ﴿وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ﴾ قال ابن عباس: قبل قومك (٢). (أكثر الأولين) يريد: الأمم الخالية. قال الكلبي: من لدن آدم فهلم جرا إلى محمد -ﷺ- (٣).\nقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ﴾ قال ابن عباس: فيمن مضى من الأمم (٤). ﴿مُنْذِرِينَ﴾ يريد: مرسلين (٥). قال الكلبي: معنى أرسلنا فيهم كما أرسلنا إلى قومك.\nقوله: ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ﴾ أي الذين أنذروا العذاب.\nقال مقاتل: يقول كان عاقبتهم العذاب يحذر كفار مكة تكذيبًا بمحمد -ﷺ-، فنزل بهم العذاب في الدنيا كما نزل بالأمم الخالية (٦).\nثم استثنى، فقال: ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ يعني الأمم الموحدين، نجوا من العذاب في الدنيا بالتوحيد. قال ابن عباس: يريد الذين استخلصهم الله من الكفر (٧).\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٣٠٧.\n(٢) \"تفسير ابن عباس\" بهامش المصحف ص ٣٧٦، وانظر: \"الوسيط\" ٣/ ٥٢٧، \"مجمع البيان\" ٨/ ٦٩٨، \"زاد المسير\" ٧/ ٦٤.\n(٣) لم أقف عليه.\n(٤) لم أقف عليه. وانظر: \"بحر العلوم\" ٣/ ١١٧، \"الوسيط\" ٣/ ٥٢٧، \"مجمع البيان\" ٨/ ٦٩٩، فقد ذكروا نحوه دون نسبة لأحد.\n(٥) لم أقف عليه، وانظر: المصادر السابقة.\n(٦) \"تفسير مقاتل\" ١١١ ب.\n(٧) \"تفسير ابن عباس\" بهامش المصحف ص ٣٧٦.","vol":"19","page":65},{"text":"قال أبو عبيدة: إلا عباد الله، نصبها الاستثناء من المنذرين (١). هذا قوله وهو كما ذكره مقاتل. ويجوز أن يكون قوله: ﴿إِلَّا عِبَادَ﴾ استثناء من قوله: ﴿وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ﴾.\nقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ﴾ (٢) قال الكلبي: يقول دعا ربه على قومه (٣). قال مقاتل: يعني قوله (٤): ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾ [القمر: ١٠]. ﴿فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ﴾ قال ابن عباس: يريد فأجبته وعظم نفسه (٥). وقال أبو إسحاق: المعنى ونعم المجيبون نحن (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3793>٧٦ </span>- وقوله: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾ قال الكلبي ومقاتل وعطاء: يريد من الغم العظيم وهو الغرق (٧). وهذا مفسر في سورة الأنبياء (٨).\n<span data-type=\"title\" id=toc-3794>٧٧ </span>- قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾ قال عطاء عن ابن عباس: يريد أخرجت جميع الخلق من ذريته (٩).\n_________\n(١) \"مجاز القرآن\" ٢/ ١٧١.\n(٢) قوله (نادانا) غير مثبت في (ب)، وهو خطأ.\n(٣) لم أقف عليه عن الكلبي. وانظر: \"البغوي\" ٤/ ٢٩، \"مجمع البيان\" ٨/ ٦٩٨، \"زاد المسير\" ٧/ ٦٥.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ١١١ ب.\n(٥) لم أقف عليه عن ابن عباس. وانظر: \"البغوي\" ٤/ ٣٠، \"مجمع البيان\" ٨/ ٦٩٩، \"زاد المسير\" ٧/ ٦٥.\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٣٠٧.\n(٧) \"تفسير مقاتل\" ١١١ب، ولم أقف عليه عن الكلبي وعطاء.\n(٨) الآية ٧٦، قوله تعالى: ﴿فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾.\n(٩) انظر: \"الماوردي\" ٥/ ٥٣، \"القرطبي\" ١٥/ ٨٩، \"مجمع البيان\" ٨/ ٦٩٩.","vol":"19","page":66},{"text":"وروى الضحاك عنه قال: لما خرج نوح -﵇- مات من معه من الرجال والنساء إلا ولده ونساؤهم، كذلك قوله (١): ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾ ونحو هذا قال مقاتل (٢).\nقال الكلبي: إن أهل سفينة نوح ماتوا ولم يكن لهم نسل غير ولد نوح، فكان الناس من ولد نوح، يدل على صحة هذا ما روى الحسن عن سمرة عن النبي -ﷺ- في هذه الآية قال: \"سام وحام ويافث\" (٣)، فسر الذرية الباقية بهؤلاء الثلاثة ثم قال: \"سام أب العرب، وحام الحبش، ويافث أب الروم\" (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3795>٧٨ </span>- قوله: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ﴾ قال الكلبي ومقاتل وابن عباس: تركنا عليه ثناءً حسنًا لا يذكره أحد إلا بخير إلى يوم القيامة (٥). وعني بالآخرين الذين يجيئون من بعده. وذلك قوله: ﴿سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ﴾ يعني بالسلام: الثناء الحسن.\n_________\n(١) انظر: المصادر السابقة.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ١١١ ب.\n(٣) الحديث أخرجه الترمذي في \"سننه\" \"كتاب التفسير\" -سورة الصافات- ٥/ ٤٣ رقم ٣٢٨٣ عن سمرة، وقال: هذا حديث حسن غريب، وابن جرير الطبري ٢٣/ ٦٧ عن سمرة.\n(٤) أخرجه الترمذي في \"سننه\" \"كتاب التفسير\" -سورة الصافات- ٥/ ٤٣ رقم ٣٢٨٤، والإمام أحمد في \"مسنده\" ٥/ ٩ - ١٠ - ١١ عن سمرة، والحاكم في \"المستدرك\" \"كتاب التاريخ\" باب ذكر نوح النبي -ﷺ- ٢/ ٥٤٦ عن سمرة، إلا أنه لم يذكر عن سام أنه أبو العرب، ولا حام أنه أبو الحبش. وقال هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه ووافقه الذهبي.\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ١١١ ب. وانظر: \"البغوي\" ٢٣/ ٦٨، \"مجمع البيان\" ٨/ ٦٩٩.","vol":"19","page":67},{"text":"قال الفراء: (أي تركنا عليه هذه الكلمة كما تقول: قرأت الحمد لله رب العالمين، فتكون الجملة في معنى نصب، وإنما يرفعها بالكلام كذلك: سلام على نوح ترفعه بعلى في تأويل نصب، فلو كان سلامًا بالنصب كان صوابًا) (١). وكذا هو في قراءة عبد الله (٢).\nوقال أبو إسحاق: أي تركنا عليه الذكر الجميل إلى يوم القيامة، وذلك الذكر قوله: ﴿سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ﴾ أي: تركنا عليه في الآخرين أن (٣) يصلى عليه إلى يوم القيامة (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3796>٨٠ </span>- قوله: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ قال مقاتل: جزاه الله بإحسانه الثناء الحسن في العالمين (٥).\nقوله: ﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ﴾ أي: من شيعة نوح، أي: من أهل ملته ودينه ومنهاجه وسنته ﴿لَإِبْرَاهِيمَ﴾، وهذا من قول قتادة ومجاهد والمفسرين (٦).\nوقال الكلبي: يقول من شيعة (٧) محمد -ﷺ- (٨)، وهذا اختيار الفراء، قال: يقول: إن من شيعة محمد -ﷺ- لإبراهيم، يقول على دينه ومنهاجه،\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" ٢/ ٣٨٧.\n(٢) انظر: \"الدر المصون\" ٥/ ٥٠٧، \"البحر المحيط\" ٧/ ٣٤٩.\n(٣) في (أ): (أي نصلى)، وهو خطأ.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٣٠٨.\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ١١٢ أ.\n(٦) انظر: \"الطبري\" ٢٣/ ٦٩، الثعلبي ٣/ ٢٤٢ ب، \"بحر العلوم\" ٣/ ١١٧، \"تفسير مجاهد\" ص ٥٤٢.\n(٧) في (أ): (شيعته).\n(٨) انظر: \"بحر العلوم\" ٣/ ١١٧، \"زاد المسير\" ٧/ ٦٦.","vol":"19","page":68},{"text":"فهو من شعته وإن كان سابقًا له (١). وتفسير الشيعة قد سبق عند قوله: ﴿هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ﴾ [القصص: ١٥] (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3797>٨٤ </span>- وقوله: ﴿إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ قال الكلبي ومقاتل: خالص من الشرك وهو قول المفسرين (٣)، والمعنى أنه سلم من الشرك فلم يشرك بالله.\nوقال أبو إسحاق: سليم من كل دنس (٤). وروى عطاء عن ابن عباس قال: كان يحب للناس ما يحب لنفسه، وسلم كل الناس من غشمه وظلمه، وأسلم الله بقلبه ولسانه ولم يعدل به [أحدًا] (٥) (٦). ويدل على أن المراد سلامته من الشرك أنه ذكر بعد إنكاره على قومه الشرك بالله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3798>٨٥ </span>- قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ﴾ وهذا استفهام توبيخ كأنه وبخهم على عبادة غير الله.\n<span data-type=\"title\" id=toc-3799>٨٦ </span>- فقال: ﴿أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ﴾ قال المبرد: الإِفك أسوأ الكذب (٧)، وهذا مما سبق تفسيره.\nوقوله: ﴿تُرِيدُونَ﴾ قال ابن عباس: تعبدون، وتقدير الآلهة (٨):\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" ٢/ ٣٨٨.\n(٢) شيعة الرجل هم جماعته وأنصاره. \"اللسان\" ٨/ ١٨٨ (شيع).\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ١١٢ أ، ولم أقف عليه عن الكلبي. وانظر: \"الطبري\" ٢٣/ ٧٠، \"بحر العلوم\" ٢٢/ ٤٧٦، \"البغوي\" ٣/ ٣٩٠، \"زاد المسير\" ٦/ ١٣٠.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٣٠٨.\n(٥) ما بين المعقوفين بياض في (ب).\n(٦) لم أقف عليه.\n(٧) انظر: \"القرطبي\" ١٥/ ٩٢، \"فتح القدير\" ٤/ ٤٠١.\n(٨) هكذا جاءت في النسخ، وهو خطأ لأن السياق يقتضي أن يكون وتقدير الآية.","vol":"19","page":69},{"text":"أتأفكون إفكًا وتعبدون آلهة سوى الله (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3800>٨٧ </span>- وقوله: ﴿فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ قال مقاتل والكلبي: ما ظنكم إذا لقيتموه وقد عبدتم غيره (٢). كأنه قال: ما ظنكم أنه يصنع بكم، هذا قول المفسرين (٣).\nوذكر أهل المعاني وجهًا آخر: وهو أن المعنى أي شيء ظنكم بالله حيث عبدتم معه آلهة دونه (٤). كأنه قال أتظنون به أن عبادة غيره تجوز وأنه لا ينقم عليكم ذلك.\nقال أبو إسحاق: أي شيء ظنكم برب العالمين وأنتم تعبدون غيره (٥).\nقوله: ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (٨٨) فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ﴾ روي عن ابن عباس أنه قال: كانوا يتعاطون علم النجوم فعاملهم من حيث كانوا لئلا ينكروا عليه (٦). وذلك أنه أراد أن يكايدهم في أصنامهم لتلزمهم الحجة في أنها غير معبودة، وأنها لا تصلح أن تعبد وكان لهم من الغد يوم عيد يخرجون إليه، فأراد أن يتخلف عنهم فاعتل بالسقم وهو قوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ وقد\n_________\n(١) في (ب): (دون الله).\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ١١٢ أ، ولم أقف عليه عن الكلبي.\n(٣) انظر: \"الطبري\" ٢٣/ ٧٥، \"بحر العلوم\" ٣/ ١١٧، \"البغوي\" ٤/ ٣٠، \"القرطبي\" ١٥/ ٩٢.\n(٤) \"معاني القرآن\" للنحاس ٦/ ٣٩، \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٣٠٨.\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٣٠٨.\n(٦) انظر: \"البغوي\" ٤/ ٣٠، وأورد قول ابن عباس ولم ينسبه له ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٧/ ٦٧، والطبرسي في \"مجمع البيان\" ٨/ ٧٠٢.","vol":"19","page":70},{"text":"ذكرنا هذه القصة عند قوله: ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٥٧] الآيات. فنظر إلى النجوم يريهم أنه مستدل بها على حاله فلما نظر إليها قال: إني سقيم، أي سأسقم، قال مقاتل: أي وجع غدا من نظره إلى الكواكب (١). فاعتل بذلك ليخلفوا (٢) من بعدهم، وأكثر المفسرين على أن تفسير السقم هاهنا يريد مطعون. وهو قول ابن عباس وسعيد بن جبير وابن إسحاق (٣).\nومطعون من الطاعون لا من الطعن. قال ابن إسحاق: كانوا يهربون من إذا سمعوا به. وإنما يريد إبراهيم أن يخرجوا ليبلغ من أصنامهم الذي يريد (٤).\nوقال عطاء عن ابن عباس: كان في ذلك الزمان نجم يطلع بالطاعون، وكان إذا طعن رجل منهم هربوا منه (٥). وعلى هذا معنى قوله: ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ﴾ ليريهم ذلك النجم وطلع وأنه مصاب (٦) بالطاعون.\nقال الأزهري: (وأُثْبِتَ لنا عن أحمد بن يحيى أنه قال: هو جمع نجم، وهو ما نجم من كلامهم لما سألوه أن يخرج معهم إلى عيده فنظر نظرة، ونظر هاهنا تفكر ليدبر حجة فقال: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾، أي: سقيم من كفرهم.\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ١١٢ أ.\n(٢) هكذا جاءت في النسخ، ولعل الصواب: ليتخلف.\n(٣) انظر: \"الطبري\" ٢٣/ ٧١، \"معاني القرآن\" للنحاس ٦/ ٤٢، \"بحر العلوم\" ٣/ ١١٨، \"القرطبي\" ١٥/ ٩٣.\n(٤) انظر: \"الطبري\" ١٢٣/ ٧١.\n(٥) انظر: \"البغوي\" ٤/ ٣١، \"المحرر الوجيز\" ٤/ ٤٧٨.\n(٦) في (أ): (مصيبت)، وهو خطأ.","vol":"19","page":71},{"text":"وقال الليث: يقال للإنسان إذا تفكر ليدبر حجة وينظر في أمرٍ كيف يدبره نظر في النجوم. قال: وهكذا ما جاء (١) عن الحسن في تفسيره، أي: فكر ما الذي يصرفهم عنه إذا كلفوه الخروج معهم) (٢) وعلى هذا معنى ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ﴾ أي تفكر وتدبر ولم يكن هناك نجم ولا ينظر فيه. وعلى قول الضحاك (٣) واختيار الزجاج (٤). وهذا كما أنك تقول لمريض إذا استدللت على صحته بشيء: إنك صحيح، أي: ستصح، وتقول لمن رأيته على أوقات السفر: إنك مسافر (٥)، وتأول في السقم أن كل واحد وإن كان معافًا لابد وأن يسقم ويموت قال الله [تعالى] (٦): ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠] أي إنك ستموت فيما يستقبل. وذكرنا الكلام في هذا مستقصى عند قوله: ﴿قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ﴾ [الأنبياء: ٦٣] قال أبو إسحاق: (أوهمهم أن به الطاعون ﴿فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ﴾ فرارًا من أن يعدى إليهم الطاعون) (٧). قال ابن عباس: مدبرين هاربين (٨).\nوقال الكلبي ومقاتل: ذاهبين إلى عيدهم (٩).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3801>٩١ </span>- قوله: ﴿فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ﴾ قال المفسرون: مال إليها وهو ميل في\n_________\n(١) هكذا في النسخ، والصواب كما في \"تهذيب اللغة\" بدون ما.\n(٢) \"تهذيب اللغة\" ١١/ ١٢٨ (نجم).\n(٣) انظر: \"معاني القرآن\" للنحاس ٦/ ٤٢، \"القرطبي\" ١٥/ ٩٣.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٣٠٨.\n(٥) انظر: \"تفسير الفخر الرازي\" ٢٦/ ١٤٨.\n(٦) ما بين المعقوفين غير مثبت في (أ).\n(٧) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٣٠٨.\n(٨) لم أقف عليه عن ابن عباس، وانظر: \"الطبري\" ٢٣/ ٧٢، \"القرطبي\" ١٥/ ٩٣.\n(٩) \"تفسير مقاتل\" ١١٢ أ، وانظر: \"تفسير ابن عباس\" بهامش المصحف ص ٣٧٧.","vol":"19","page":72},{"text":"خفية، يقال راغ إليه أي مال إليه سرًا (١).\nقوله: ﴿أَلَا تَأْكُلُونَ﴾ قال مقاتل: يعني الطعام الذي كان بين أيديهم (٢).\nوقال أبو إسحاق والكلبي: وإنما يقول هذا استهزاء بها وتحقيرًا في شأنها (٣). وكذلك قوله: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ﴾. ثم أقبل عليهم ضربًا كما قال الله: ﴿فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ﴾ قال ابن عباس ومقاتل: يريد فأقبل عليهم (٤). وهذا معنى وليس بتفسير. وتفسيره: مال عليهم بالضرب، قال الزجاج والمبرد وابن قتيبة.\nوقال الزجاج: المعنى فمال إلى الأصنام يضربهم ضربًا (٥).\nوقال المبرد: مال عليهم بالضرب (٦).\nوقال ابن قتيبة: مال عليهم يضربهم (٧).\nقوله: (باليمين) قال الكلبي: يضربهم بيمينه بالفأس (٨).\n_________\n(١) انظر: \"الطبري\" ٢٣/ ٧٢، \"معاني القرآن\" للنحاس ٦/ ٤٢، \"القرطبي\" ١٥/ ٩٤، \"الدر المصون\" ٥/ ٥٠٨.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ١١٢ أ.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٣٠٩، ولم أقف على من نسبه للكلبي، وقد ذكر هذا القول أكثر المفسرين. انظر: \"المحرر الوجيز\" ٤/ ٤٧٩، \"تفسير البغوي\" ٤/ ٣١، \"القرطبي\" ١٥/ ٩٤، \"زاد المسير\" ٧/ ٦٨، \"البحر المحيط\" ٧/ ٣٥١.\n(٤) لم أقف عليه عن ابن عباس، وقد ذكره الماوردي ٥/ ٥٧، \"القرطبي\" ١٥/ ٩٤ عن الكلبي. وانظر: \"تفسير مقاتل\" ١١٢ أ.\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٣٠٩.\n(٦) لم أقف على قول المبرد.\n(٧) \"تفسير غريب القرآن\" ص ٣٧٢.\n(٨) لم أقف على هذا القول عن الكلبي.","vol":"19","page":73},{"text":"قال مقاتل: يعني اليمنى (١) نحو ما قال الكلبي. وهو قول أبي إسحاق والضحاك والربيع والأكثرين (٢).\nوقال السدي بالقوة والقدرة (٣).\nوذكر أبو إسحاق (٤) القولين. وذكر في تفسير اليمين هاهنا أنه الحلف الذي ذكره حين قال: ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ﴾ فجعل يضربها بتلك اليمين التي سبقت منه (٥). وروى عطاء عن ابن عباس: باليمين يريد بالحق (٦).\nقوله: ﴿فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ﴾ قال الزجاج: (يسرعون، وأصله من زفيف النعامة وهو ابتداء غدوه) (٧). والنعامة يقال له زفوف. قال ابن حِلِّزة (٨):\nبزفوف كأنها هقلة أم ... مُ رئالٍ دويَّة سقفاء\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ١١٢ أ.\n(٢) انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٣٠٩، \"الطبري\" ٢٣/ ٧٢، \"الماوردي\" ٤٥/ ٥٧، \"القرطبي\" ١٥/ ٩٤، \"المحرر الوجيز\" ٤/ ٤٧٩، \"زاد المسير\" ٧/ ٦٨، \"البحر المحيط\" ٧/ ٣٥١.\n(٣) انظر: \"زاد المسير\" ٧/ ٦٩، \"مجمع البيان\" ٨/ ٣٠٧.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٣٠٩.\n(٥) انظر: \"بحر العلوم\" ١٣/ ١١٨ \"الماوردي\" ٥/ ٥٧. \"زاد المسير\" ٧/ ٦٩، \"القرطبي\" ١٥/ ٩٤.\n(٦) لم أقف عليه. وانظر: \"القرطبي\" ١٥/ ٩٤، \"مجمع البيان\" ٨/ ٣٠٧.\n(٧) هكذا في النسخ، ولعل الصواب: عدوها كما في \"معاني القرآن وإعرابه\" للزجاج ٤/ ٣٠٩.\n(٨) البيت من الخفيف وهو للحارث بن حلزة في \"ديوانه\" ص ٢١، \"تهذيب اللغة\" ١٣/ ١٧٠، \"خزانة الأدب\" ٣/ ٤١٥، \"المغني الكبير\" ١/ ٣٤٣. =","vol":"19","page":74},{"text":"وقرأ حمزة: يزفون بضم الياء، وهو قراءة الأعمش (١).\nقال الفراء: ولم يُسمع إلا زَفَّ، يقال للرجل: جاء يزف، ولعل قراءة الأعمش من قول العرب: أَطَرَدتَ الرجل [أي صيرته طريدًا، فيكون يزفون] (٢) أي جاءوا على هذه الهيئة وأنشد:\nتمنى حصين أن يسود حذاعة ... فأمسى حُصينٌ قد أذل وأقهرا (٣)\nأراد صار إلى [حال] (٤) قهره) (٥).\nونحو هذا قال أبو إسحاق (٦) في قراءة حمزة.\nوقال أبو عبيد: (تقول للنعامة: تَزُفُّ وهو من أول عدوها وآخر مشيها، وجاء الرجل يَزُفُّ زفيف النعامة أي من سرعته [وأنشد] (٧) للفرزدق:\nوجاء قريع الشول قبل إفالها ... زفيفًا وجاءت خلفه وهي زُفَفُّ) (٨)\n_________\n= والزفوف بفتح الزاي: الناقة السريعة من الزفيف وهو السرعة، والهقلة أنثى النعام، والرئال بكسر الراء جمع رأل وهو ولد النعام، والدوَّية بتشديد الواو منسوبة إلى الدو، وهي الأرض البعيدة الواسعة. يقول: أستعين على قضاء همي بناقة مسرعة، كأنها في إسراعها نعامة لها أولاد. \"الخزانة\" ٣/ ٤١٨.\n(١) انظر: \"الحجة\" ٦/ ٥٦، \"علل القراءات\" ٢/ ٥٧٨.\n(٢) ما بين المعقوفين مكرر في (أ).\n(٣) البيت من الطويل وهو للمخبَّل السعدي يهجو الزبرقان وقومه في \"ديوانه\" ص ٢٩٤، \"تهذيب اللغة\" ٥/ ٣٩٥ (قهر)، \"اللسان\" ٥/ ١٢٠ (قهر).\n(٤) ما بين المعقوفين بياض في (ب).\n(٥) \"معاني القرآن\" ٢/ ٣٨٩.\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٣٠٩.\n(٧) ما بين المعقوفين بياض في (ب).\n(٨) البيت من الطويل وهو للفرزدق في \"ديوانه\" ٢/ ٢٧، \"مقاييس اللغة\" ١/ ١١٩، =","vol":"19","page":75},{"text":"وقال أبو علي: (يقال زفت الإبل تزف إذا أسرعت.\nقال الهذلي:\nوزفت الشول من برد العشيّ كما ... زف النعام إلى حَفَّانهِ الرُّوحُ (١)\nوقرأ حمزة: يُزِفُّون، يحملون غيرهم على الزفيف. قال الأصمعي: أزففت الإِبل إذا حملتها على أن تزف. قال: وهو سرعة الخطو ومقاربة المشيء والمفعول محذوف على قراءته، كأنهم حملوا ظهورهم على الجد والإسراع في المشيء) (٢). هذا كلامه.\nومعنى يزفون في قول أهل اللغة: يسرعون، وهو لفظ ابن زيد (٣) من المفسرين. قال ابن عباس: يمشون إليه متعمدين (٤).\n_________\n= \"لسان العرب\" ٨/ ٢٦٧ (قرع) والبيت في \"المصادر\" هكذا:\nوجاء قريع الشول قبل إفالها ... يزف وجاءت خلفه وهي زُفّفُ\nوالقريع من الإبل الذي يأخذ بذراع الناقة فينيخها، \"اللسان\" ٨/ ٢٦٧ (قرع). والشول جمع شائلة وهي من الإبل ما أتى عليها من حملها أو وضعها سبعة أشهر فخفَّ لبنها، \"اللسان\" ١١/ ٣٧٤ (شول).\nولم أقف على قول أبي عبيد.\n(١) البيت من البسيط، وهو لأبي ذؤيب الهذلي. انظر: \"شرح أشعار الهذليين\" ١/ ١٢١، وانظره منسوبًا له في \"الحجة\" ٦/ ٥٦، \"المحتسب\" ٢/ ٢٢١، \"اللسان\" ٢/ ٤٦٦ (روح)، \"المحرر الوجيز\" ٤/ ٤٧٩، \"مجمع البيان\" ٨/ ٧٠٠.\nالحفَّان صغار النعام والإبل، \"اللسان\" ٨/ ٥٢ (حفف). والرَّوح اتساع ما بين الفخذين أوسعة في الرجلين. \"اللسان\" ٢/ ٤٦٦ (روح).\n(٢) \"الحجة\" ٦/ ٥٦ - ٥٧.\n(٣) انظر: \"القرطبي\" ١٥/ ٩٥، \"مجمع البيان\" ٨/ ٣٠٧.\n(٤) لم أقف عليه بهذا المعنى عن ابن عباس. وانظر: \"القرطبي\" ١٥/ ٩٥، \"مجمع البيان\" ٨/ ٣٠٧.","vol":"19","page":76},{"text":"وقال مقاتل: يمشون إلى إبراهيم ليأخذوه بأيديهم (١).\nوقال الكلبي: يمشون إليه جميعًا يريدونه (٢). ونحو هذا قال السدي (٣).\nوالإِسراع تفسير أهل اللغة، والمشي تفسير المفسرين.\nوقال الضحاك: يسعون (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3802>٩٥ </span>- فقال إبراهيم لهم: ﴿أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ﴾ بأيديكم من الأصنام ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾، قال ابن عباس: يريد خلق ما تعملون فاعبدوا الذي خلقكم (٥).\nوقال الكلبي: وما تعملون بأيديكم (٦) وأنتم تعبدون هذه الآلهة التي جعلتم بأيديكم.\nوقال مقاتل: يعني وما تنحتون بأيديكم من الأصنام (٧)، فهذا يدل على أن أصنامهم كانت معمولة لهم، اتخذوها من النحاس والحديد والخشب [فأخبر الله] (٨) عنهم. وتلك الأصنام مخلوقة لله فلما لزمتهم الحجة [قالوا] (٩) قوله: ﴿قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ﴾ قال ابن عباس:\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ١١٢ أ.\n(٢) انظر: \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ١٥٠.\n(٣) انظر: \"الطبري\" ٢٣/ ٧٤، \"القرطبي\" ١٥/ ٩٥.\n(٤) انظر: \"الماوردي\" ٥/ ٥٧، \"القرطبي\" ١٥/ ٩٥.\n(٥) انظر: \"تفسير ابن عباس\" بهامش المصحف ص ٣٧٧.\n(٦) لم أقف عليه.\n(٧) \"تفسير مقاتل\" ١١٢ ب.\n(٨) ما بين المعقوفين بياض في (ب).\n(٩) ما بين المعقوفين غير مثبت في (أ).","vol":"19","page":77},{"text":"بنوا حائطًا من حجارة وطين طوله في السماء ثلاثون ذراعًا، وعرضه عشرون ذراعًا، وملوه نارًا وطرحوه فيها (١). وذلك قوله: ﴿فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ﴾ وهي النار العظيمة.\nقال أبو إسحاق: كل نار بعضها فوق (٢) جهنم. والألف واللام في الجحيم بدل عن الكناية، والمعنى: في جحمه، أي: في جحيم ذلك البنيان، وهو النار التي توقد فيه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3803>٩٨ </span>- قوله تعالى: ﴿فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا﴾ قال مقاتل: شرًّا أن يحرقوه بالنار (٣).\n﴿فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ﴾ قال الكلبي: المدحوض حجتهم يعني أنه علاهم (٤) بالحجة، حيث رد الله كيدهم وجعل النار عليه بردًا وسلامًا، وهذا معنى قول المفسرين.\nقال مقاتل: علاهم إبراهيم فسلمه الله وحجزهم عنه فلم يلبثوا إلا يسيرًا حتى أهلكهم الله (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3804>٩٩ </span>- قوله تعالى: ﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ قال ابن عباس: مهاجر إلى ربي، والمعنى أهجر ديار الكفر وأذهب إلى حيث أمرني كما\n_________\n(١) انظر: \"القرطبي\" ١٥/ ٩٧، \"مجمع البيان\" ٨/ ٤٠٨.\n(٢) هكذا وردت العبارة في النسخ، وهو وهم من النساخ، ففي العبارة سننه، وهي في \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٣١٠ هكذا: كل نار بعضها فوق بعض. وهي حَجمٌ.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ١١٢ ب.\n(٤) لم أقف عيه عن الكلبي. وانظر: \"الطبري\" ٢٣/ ٧٥، \"القرطبي\" ١٥/ ٩٧، \"زاد المسير\" ٧/ ٧٠.\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ١١٢ ب.","vol":"19","page":78},{"text":"قال الله (١): ﴿وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي﴾ قال مقاتل: يعني إلى رضاء ربي بأرض المقدس (٢). وهو أول من هاجر من الخلق (٣). وقال الكلبي: ذاهب بعبادتي إلى ربي (٤). وهذا معنى قول قتادة: ذاهب بعمله وقلبه وهمته (٥)، وعلى هذا ذهابه إليه بالعمل، وعلى القول الأول بالهجرة، وهو الصحيح إن شاء الله، لأن المراد الإخبار عن هجرته أرض قومه وذهابه إلى حيث أُمِرَ من الشام.\nقوله: ﴿سَيَهْدِينِ﴾ قال ابن عباس: سيرشدني (٦).\nوقال الكلبي: سينجيني منهم (٧).\nوقال مقاتل: سيهدين لدينه (٨). وقول الكلبي أقرب إلى المعنى، لأن المراد سيهدين إلى حيث أمرني بالمصير إليه، وفي ذلك إنجاء له منهم. وقول مقاتل سيهدين لدينه فيه بعد، لأنه كان على الدين في ذلك الوقت، إلا أن يحمل على التثبيت على الدين والهداية. وقول ابن عباس يحتمل المعنيين: الإرشاد إلى الدين، والإرشاد إلى الطريق، والأولى أن يحمل على الإرشاد إلى طريق مُهَاجَرِهِ.\n_________\n(١) انظر: \"مجمع البيان\" ٨/ ٧٠٤، وذكر القول ولم ينسبه لأحد الطبري ٢٣/ ٧٥، \"الماوردي\" ٥/ ٥٩.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ١١٢ ب.\n(٣) وبهذا قال مقاتل. انظر: \"تفسيره\" ١١٢ ب، \"القرطبي\" ١٥/ ٩٧.\n(٤) انظر: \"الطبري\" ٢٣/ ٧٦، \"مجمع البيان\" ٨/ ٧٠٤.\n(٥) انظر: \"الطبري\" ٢٣/ ٧٦، \"زاد المسير\" ٧/ ٧١.\n(٦) \"تفسير ابن عباس\" بهامش المصحف ص ٣٧٧.\n(٧) لم أقف عليه عن الكلبي. وانظر: \"الماوردي\" ٥/ ٥٩، \"زاد المسير\" ٧/ ٧١.\n(٨) \"تفسير مقاتل\" ١١٢ ب.","vol":"19","page":79},{"text":"قال مقاتل: فلما قدم الأرض المقدسة سأل ربه (١) الولد فقال: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ قال المفسرون وأصحاب المعاني: الآية مختصرة والتقدير هب لي ولدًا صالحًا من الصالحين (٢). قال الفراء: (وهذا بمنزلة قولك أدن فأصب من الطعام يجتزأ بمنْ عن المضمر) (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3805>١٠١ </span>- فاستجاب الله له بقوله: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ﴾ قال الكلبي: يقول بغلام في صغره حليم في كبره (٤).\nقال أبو إسحاق: (هذه البشارة تدل على أنه غلام وأنه يبقى حتى يوصف بالحلم) (٥)، والمعنى أنه لما بشر بغلام دل على أنه مفسر بابن ذكر، ولما وصف بالحلم دل على أنه ينتهي في السن حتى يبلغ الحلم، هذا معنى ما ذكره الكلبي وأبو إسحاق ونحو هذا قال (٦): يريد في كبره.\nوقال مقاتل: يعني حليمًا والحلم من موجبات العلم فهو يدل على العلم (٧).\nوقال أهل المعاني: الحليم المتأني في الأمر وضده السفيه، فيجوز\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ١١٢ ب.\n(٢) انظر: \"الطبري\" ٢٣/ ٧٦، الثعلبي ٣/ ٢٤٣ ب، \"بحر العلوم\" ٣/ ١١٩، \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٣١٠، \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٣٨٩.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٣٨٩.\n(٤) لم أقف عليه عن الكلبي. وانظر: \"تفسير ابن عباس\" بهامش المصحف ص ٣٧٧، \"بحر العلوم\" ٣/ ١١٩، \"البغوي\" ٤/ ٣٢.\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٣١٠.\n(٦) هكذا في النسخ، والذي يظهر أنه سننه القائل، وهذا القول ذكره الفراء في \"معاني القرآن له\" ٢/ ٣٨٩.\n(٧) \"تفسير مقاتل\" ١١٢ ب.","vol":"19","page":80},{"text":"أن يكون غلامًا حليمًا في حالة واحدة (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3806>١٠٢ </span>- قوله: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾ قال مجاهد: لما شب وأدرك سعيه سعى إبراهيم (٢). وهذا قول أهل المعاني. قال الفراء: يقول طاق أن يعينه على عمله وسعيه وكان يومئذٍ ابن ثلاثة عشر سنة (٣).\nوقال الزجاج: أدرك معه العمل (٤).\nوقال أبو عبيدة: أدرك أن يسعى على أهله معه وأعانه (٥).\nوقال ابن قتيبة: أي بلغ أن يتصرف معه ويعينه (٦).\nوروي عن ابن عباس أنه قال: يعني المشي مع أبيه إلى الجبل (٧). وهو قول مقاتل (٨). وكان أبوه قد ذهب به معه إلى الجبل.\nوقال عطاء عن ابن عباس: يريد العمل لله تعالى وهو الاحتلام (٩). وهذا قول الكلبي، قال في معنى السعي: إنه العمل لله (١٠). ونحو هذا قال\n_________\n(١) لم أقف عليه عند أهل المعاني.\n(٢) \"تفسير مجاهد\" ص ٥٤٤.\n(٣) هكذا هي في النسخ، والصواب ثلاث عشرة سنة. وانظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٣٨٩.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٣١٠.\n(٥) \"مجاز القرآن\" ٢/ ١٧١.\n(٦) \"تفسير غريب القرآن\" ص ٣٧٣.\n(٧) انظر: \"البغوي\" ٤/ ٣٢، وذكره السمرقندي في \"بحر العلوم\" ٣/ ١١٩، ولم ينسبه لأحد.\n(٨) \"تفسير مقاتل\" ١١٢ ب.\n(٩) انظر: \"القرطبي\" ١٥/ ٩٩، وأورده الشوكاني في \"فتح القدير\" ٤/ ٤٠٣ ولم ينسبه لأحد.\n(١٠) انظر: \"البغوي\" ٤/ ٣٢، \"مجمع البيان\" ٨/ ٧٠٦.","vol":"19","page":81},{"text":"الحسن ومقاتل وابن زيد، قالوا: هو العبادة والعمل الذي تقوم به الحجة، وهو ما بعد البلوغ (١).\nقوله: ﴿إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ قال مقاتل: رأى ذلك إبراهيم ثلاث ليال متتابعات (٢).\nوقال محمد بن كعب: كانت الرسل يأتيهم الوحي من الله أيقاظًا ورقودًا (٣)، وذلك أن الأنبياء لا تنام قلوبها. وقال عبيد بن عمير: رؤيا الأنبياء وحي.\nوقال السدي: كان إبراهيم حين بشر بإسحاق قبل أن يولد له قال: هو إذًا لله ذبيح (٤). فقيل لإبراهيم في منامه: قد نذرت نذرًا فَفِ بنذرك، فلما أصبح قال: ﴿يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾.\nوقال أبو إسحاق: رؤيا الأنبياء وحي بمنزلة الوحي إليهم في اليقظة (٥). هذا كلام أهل التفسير في ظاهر [الرؤيا]، (٦). وظاهر اللفظ دل على أنه رأى في المنام أنه يذبح ابنه، والتفسير يدل على أنه رأى في المنام ما يوجب أنه يذبح ابنه في اليقظة، فيكون تقدير اللفظ: إني أرى في المنام ما يوجب أني أذبحك، فموجب الذبح رُئِيَ في المنام لا الذبح، وذكر في\n_________\n(١) انظر: \"الطبري\" ٢٣/ ٧٧، \"البغوي\" ٤/ ٣٢، \"القرطبي\" ١٥/ ٩٩.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ١١٢ ب.\n(٣) انظر: \"القرطبي\" ١٥/ ١٠١، وقد ذكر القول مقاتل في \"تفسيره\" ١١٢ ب، وذكره البغوي ٤/ ٣٣ عن مقاتل.\n(٤) انظر: \"البغوي\" ٤/ ٣٣، \"القرطبي\" ١٥/ ١٠٢.\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٣١٠.\n(٦) ما بين المعقوفين بياض في (ب).","vol":"19","page":82},{"text":"الظاهر أنه رأي الذبح لأن موجب الذبح كأنه رأى الذبح حيث لا يجوز له أن يخالف ذلك، ألا ترى أن ابنه قال له: ﴿افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ فدل أنه أمر في المنام بذبح ابنه. وقد صرح مقاتل بما ذكر فقال: يقول إني أمرت في المنام أني أذبحك (١).\nوقال ابن قتيبة: (لم يرد أنه ذبحه في المنام، ولكنه أمر في المنام بذبحه، فقال: ﴿إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ أي: أني سأذبحك، ومثل هذا رجل رأى في المنام أنه يؤذن، والأذن دليل الحج، فقال: إني رأيت في المنام أني أحج أي سأحج) (٢).\nواختلفوا في الذبيح من هو من ابني إبراهيم. فالأكثرون على أنه إسحاق، وهو قول علي وابن مسعود وكعب وقتادة ومجاهد في بعض الروايات وعكرمة وابن عباس، وهؤلاء قالوا: كانت هذه القصة بالشام (٣).\nوقال سعيد بن جبير لما رأى إبراهيم في المنام ذبح إسحاق، سار به مسيرة شهر في غداة واحدة، حتى أتى المنحر، فلما صرف الله عنه الذبح وذبح الكبش، سار به مسيرة شهر في غداة واحدة طويت له الأودية والجبال (٤).\nوقال آخرون: الذي أمر بذبحه إسماعيل، وهو قول سعيد بن المسيب\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ١١٢ب.\n(٢) \"تفسير غريب القرآن\" ص ٣٧٣.\n(٣) انظر: \"الطبري\" ٢٣/ ٨١ - ٨٢، \"بحر العلوم\" ٩/ ١١٣، \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٢٤٣ ب، \"القرطبي\" ١٥/ ٩٩ - ١٠١، \"البغوي\" ٤/ ٣٢.\n(٤) انظر: \"البغوي\" ٤/ ٣٢، \"القرطبي\" ١٥/ ١٠٠، وأورده السيوطي في \"الدر\" ٧/ ١٠٩، وعزاه لعبد الله بن أحمد في \"زوائد الزهد\" عن سعيد بن جبير.","vol":"19","page":83},{"text":"والشعبي والحسن ومجاهد في رواية ابن أبي نجيح، وابن عباس في رواية عطاء، وعامر ومجاهد بن كعب ومحمد بن إسحاق (١). وسياق هذه الآيات تدل على أنه إسحاق لأنه قال: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ﴾، ولا خلاف (٢) أن هذا إسحاق. قال: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾ فعطف بقصة الذبح على ذكر إسحاق، وقوله بعد ذكر هذه القصة: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ﴾ قال عكرمة: بشر بنبوته (٣).\nوقال قتادة: بعد الذي كان من أمره (٤)، غير أن محمد بن كعب احتج على أنه إسماعيل بقوله: ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ قال: يقول بابن وابن ابن، فلم يكن يأمره بذبح إسحاق ولد من الله من الموعود ما وعده (٥). وقد قال أبو إسحاق: (الله أعلم أيهما الذبيح (٦).\n_________\n(١) انظر: \"الطبري\" ٢٣/ ٨٢، \"بحر العلوم\" ٣/ ١١٩، \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٢٤٣ ب، \"القرطبي\" ١٥/ ٩٩ - ١٠١، \"البغوي\" ٤/ ٣٢.\n(٢) قول المؤلف ﵀ هنا ولا خلاف أن هذا إسحاق. فيه نظر إذ الخلاف مشهور جدًّا في تحديد الذبيح، وإن كان الراجح والله أعلم أنه إسماعيل كما سيأتي معنا.\n(٣) انظر: \"الطبري\" ٢٣/ ٨٩، \"القرطبي\" ١٥/ ١٠١، \"زاد المسير\" ٧/ ٧٨.\n(٤) انظر: \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ١٥٤، \"زاد المسير\" ٧/ ٨٧.\n(٥) أخرجه: الطبري في \"تفسيره\" ٢٣/ ٨٤، والحاكم في \"المستدرك\" \"كتاب التاريخ\" ذكر إسماعيل بن إبراهيم صلوات الله عليهما ٢/ ٥٥٥، ووافقه الذهبي. وأورده السيوطي في \"الدر\" ٧/ ١٠٦، وزاد نسبته لعبد بن حميد عن محمد بن كعب.\n(٦) اختلف العلماء قديمًا وحديثًا في تعيين الذبيح من هو من ولدي إبراهيم، هل هو إسماعيل أم إسحاق إلى ثلاثة أقوال: فمنهم من يرى أنه إسماعيل، وقد ذكر المؤلف بعضًا ممن قال بهذا القول. ومنهم من يرى أنه إسحاق، وقد ذكر المؤلف كذلك بعضًا ممن قال بهذا القول. وذهب بعضهم إلى التوقف في المسألة نظرًا لطول الخلاف فيها وقدِمه، ولعدم وجود دليل صريح وواضح من الكتاب أو =","vol":"19","page":84},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= السنة حسب فهمهم يفيد تعيين الذبيح من هو، ومن هؤلاء الحافظ جلال الدين السيوطي ﵀، يقول في آخر كتابه القول الفصيح في تعيين الذبيح ص ٨٦ بعد أن ذكر القولين: وأنا الآن متوقف في ذلك، والله أعلم. وكذا الشوكاني، فقد قال في \"فتح القدير\": ٤/ ٣٩٢ بعد أن ذكر القولين وأدلة كل فريق. قال: وكل ذلك يحتمل المناقشة.\nولعل الراجح والله أعلم هو القول القائل بان الذبيح هو إسماعيل -﵇-، والقائلون بهذا القول يستدلون بالشواهد التاريخية، وبما عند أهل الكتاب في التوراة والإنجيل، وكذلك بالقرآن. ونحن هنا نذكر أدلة هؤلاء من وجهة النظر الإسلامية بعيدًا عن الشواهد التاريخية وما يستنبط من التوراة والإنجيل، وذلك من أجل الاختصار والإيجاز وبُعدًا عن الإطالة، ومن أراد الاستزادة من الأدلة فليرجع إلى المراجع التي سوف أشير إليها بعد ذكر أدلة القول الراجح.\nيقول الإمام ابن القيم ﵀ في \"زاد المعاد في هدي خير العباد\" ١/ ٧١: وإسماعيل هو الذبيح على القول الصواب عند علماء الصحابة والتابعين ومن بعدهم، وأما القول بأنه إسحاق فباطل بأكثر من عشرين وجهًا، وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدَّس الله روحه يقول: هذا القول -أن الذبيح إسحاق- إنما هو متلقى من أهل الكتاب، مع أنه باطل بنص كتابهم. فإن فيه أن الله أمر إبراهيم أن يذبح ابنه بكره وفي لفظ وحيده، ولا يشك أهل الكتاب مع المسلمين أن إسماعيل هو بكر أولاده. والذي غرَّ أصحاب هذا القول أن في التوراة التي بأيديهم اذبح بكرك ووحيدك، ولكن اليهود حسدت بني إسماعيل على هذا الشرف ... ثم قال: وكيف يسوغ أن يقال إن الذبيح إسحاق والله تعالى قد بشَّر أم إسحاق به وبابنه يعقوب، فقال تعالى عن الملائكة أنهم قالوا لإبراهيم لما أتوه بالبشرى: ﴿لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ (٧٠) وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود: ٤٠ - ٧١] فمحال أن يبشرها بأنه يولد له ولد ثم يأمر بذبحه.\nويدل عليه أيضًا أن الله سبحانه لما ذكر قصة إبراهيم وابنه الذبيح في سورة الصافات قال: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٠٥) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (١٠٦) وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (١٠٧) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي =","vol":"19","page":85},{"text":"قوله: ﴿فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى﴾ وقرأ حمزة والكسائي: تُري بضم التاء\n_________\n= الْآخِرِينَ (١٠٨) سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ (١٠٩) كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١١٠) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الصافات: ١٠٣ - ١١١]، ثم قال تعالى: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الصافات: ١١٣]، فهذه بشارة من الله تعالى له شكرًا على صبره على ما أُمِرَ به. وهذا ظاهر جدًا في أن المُبَشَّر به غيرُ الأولِ بل هو كالنص فيه ...\nوأيضًا فلا ريب أن الذبيح كان بمكة، ولذلك جعلت القرابين يوم النحر بها، كما جعل السعي بين الصفا والمروة ورمي الجمار، تذكيرًا بشأن إسماعيل وأمِّه، وإقامة لذكر الله، ومعلوم أن إسماعيل وأمه هما اللذان كانا بمكة دون إسحاق وأمه ... وأيضًا فإن الله سبحانه سمى الذبيح حليمًا، لأنه لا أحلم ممن أسلم نفسه للذبح طاعة لربه، ولما ذكر إسحاق سماه عليمًا في قوله: ﴿وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ﴾ [الذاريات: ٢٨].\nهذه بعض أدلة القائلين بأن الذبيح هو إسماعيل -﵇-. وأما القائلون بأنه إسحاق فاستدلوا بآثار عن بعض الصحابة والتابعين، وهي كلها ضعيفة لا ترقى لقوة أدلة مخالفيهم.\nيقول الحافظ ابن كثير في \"تفسيره\" ٤/ ١٧ بعد أن ذكر أقوال بعض الصحابة والتابعين في أن الذبيح إسحاق يقول: وهذه الأقوال -والله أعلم- كلها مأخوذة عن كعب الأحبار، فإنه لما أسلم في الدولة العمرية جعل يحدث عمر -﵁- عن كتب قديمة، فربما استمع له عمر -﵁- فترخص الناس في استماع ما عنده، ونقلوا ما عنده عنه غثها وسمينها، وليس لهذه الأمة حاجة إلى حرف واحد مما عنده ا. هـ.\nانظر في هذه المسألة بتوسع: \"تفسير ابن جرير الطبري\" ٢٣/ ٨١ وما بعدها، \"مجموع فتاوى ابن تيمية\" ٤/ ٣٣١ وما بعدها، \"روح المعاني\" ٢٣/ ١٣٤، \"زاد المعاد في هدي خير العباد\" ١/ ٧١ وما بعدها، \"تفسير ابن كثير\" ٤/ ١٧، \"الكامل في التاريخ\" لابن الأثير ١/ ١٠٨،\"تفسير القاسمي محاسن التأويل\" ٨/ ١٢٠، \"القول الفصيح في تعيين الذبيح\" للسيوطي، ومعه كتاب \"القول الصحيح في تعيين الذبيح\" لإبراهيم الحازمي، كُتيب من القطع الصغير بحدود ٩٠ صفحة، ذكر فيه مؤلفه ﵀ ومحققه وفقه الله الأقوال وأدلتها بشيء من التوسع.","vol":"19","page":86},{"text":"وكسر الراء. قال إبراهيم: ماذا تُرى تأمر وماذا تَرى تشير) (١).\nقال أبو علي الفارسي: (من فتح التاء كان مفعول ترى أحد شيئين أحدهما: أن يكون ما مع ذا بمنزلة اسم واحد، فيكونان في موضع نصب بأنه مفعول ترى، والآخر أن يكون ذا بمنزلة الذي، والهاء محذوفة من الصلة، ويكون ترى على هذه القراءة الذي معناه الرأي وليس إدراك المرى (٢) كما تقول فلان يرى ما رأى أبو حنيفة (٣). والتقدير ما الذي تراه، فتصير ما في موضع ابتداء، والذي في موضع خبره، ويكون المعنى: ما الذي تذهب إليه فيما ألقيت إليك، هل تستسلم وتتلقاه بالقبول أو تأتي غير ذلك. وأما قول حمزة: ماذا تُري فإنه يجوز أن يكون ماذا بمنزلة اسم واحد، ويكون في موضع نصب، والمعنى: أجَلَدًا ترى على ما تُحملُ عليه أم خَوَارًا (٤).\nويجوز أن يجعل ما مبتدأ وذا بمنزلة الذي ويعود إليه الذكر المحذوف من الصلة، والفعل منقول من رأى زيد الشيء وأريته الشيء إلا أنه من باب أعطيت، فيجوز أن يقتصر على أحد المفعولين دون الآخر كما أن أعطيت كذلك) (٥). وقال الفراء: ماذا ترى معناه ماذا ترى من خبرك أو جزعك (٦).\nوقال أبو إسحاق: ولا أعلم أحدًا قال هذا، وفي كل التفسير ماذا\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٣١٠.\n(٢) في \"الحجة\": (إدراك الحاجة).\n(٣) في (أ): (أبي)، وهو خطأ.\n(٤) في (ب): (خورًا)، وهو خطأ.\n(٥) \"الحجة\" ٦/ ٥٧ - ٥٨.\n(٦) \"معاني القرآن\" ٢/ ٣٩٠.","vol":"19","page":87},{"text":"ترى ماذا تشير (١). واختار أبو عبيدة القراءة الأولى. وقال: لا يعلم أحدًا قال في موضع المشورة والرأي ما ترى في كذا وكذا، وإنما يقولون هذا في رؤية العين، ولا موضع لرؤية العين هاهنا (٢).\nوأما وجه مشاورته الابن فيما أمر به، فيجوز أن يكون أمر بأن طلع ابنه على ذلك ويشاوره ليعلم صبره لأمر الله، فيكون في ذلك قرة عين لإبراهيم حيث يرى من ابنه طاعته في أمر الله وصبره على أعظم المكروه، وهو القتل في رضا الله ورضا أبيه. ويكون فيه أيضًا ثواب للابن وثناء حسن يبقى له، حيث قال في جوابه لأبيه (٣): ﴿يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ قال ابن عباس: يريد ما أوحي إليك من ربك (٤).\nقال أبو علي: (التقدير ما تؤمر به، فحذف الجار فوصل الفعل إلى الضمير، فصار تؤمره، ثم حذفت الهاء من الصلة كما حذفت من قوله (٥): ﴿وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ [النمل: ٥٩] أي اصطفاهم) (٦).\n﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ على بلاء الله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3807>١٠٣ </span>- قوله: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا﴾ قال المبرد: استسلما لأمر الله وأذعنا\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٣١٠.\n(٢) انظر: \"إعراب القرآن\" للنحاس ٢/ ٤٣٣، \"القرطبي\" ١٥/ ١٠٣، \"فتح القدير\" ٤/ ٤٠٤.\n(٣) انظر: \"الطبري\" ٢٣/ ٧٩، \"الماوردي\" ٥/ ٦٠، \"القرطبي\" ١٥/ ١٠٣.\n(٤) لم أقف عليه عن ابن عباس. وانظر: \"الماوردي\" ٥/ ٦١، \"البغوي\" ٤/ ٣٣، \"القرطبي\" ١٥/ ١٠٣.\n(٥) زيدت من هنا في (ب).\n(٦) \"الحجة\" ٦/ ٩٩.","vol":"19","page":88},{"text":"له (١) (٢).\nقال ابن قتيبة نحوه، قال: ومثله سلما (٣).\nوقال الفراء: فوَّضا وأطاعا. وفي قراءة عبد الله: فلما سلما) (٤)\nوقال أبو إسحاق: استسلم للذبح واستسلم إبراهيم لذبحه (٥).\nقال مقاتل: يقول سلما لأمر الله (٦).\nوروى إبراهيم التيمي عن ابن عباس أنه كان يقرأ: فلما سلما وأسلم الأمر لله، بمعنى سلم (٧)، كما تقول إذا أصابك مصيبة: فسلم لأمر الله، أي: فارضى به، ويكون أسلم بمعنى استسلم أي دخل في السلم، كأنه انقاد ورضي.\nوقال ابن عباس في رواية عطاء: أسلم إسماعيل صحبته ونفسه لله -﷿- وأسلم إبراهيم ابنه وبكره واحده (٨) لله، وعلى هذا الإسلام بمعنى الترك.\nوقوله: ﴿وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ قال أبو عبيدة: (أي صرعه، وللوجه جبينان\n_________\n(١) في (أ): (وأذعناه)، وهو خطأ.\n(٢) لم أقف عليه.\n(٣) \"تفسير غريب القرآن\" ص ٣٧٣.\n(٤) \"معاني القرآن\" ٢/ ٣٩٠.\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٣١١.\n(٦) \"تفسير مقاتل\" ١١٢ ب.\n(٧) تروى هذه القراءة كذلك عن ابن مسعود. انظر: \"القرطبي\" ١٥/ ١٠٤، \"المحتسب\" ٢/ ٢٢٢، \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٣٩٠.\n(٨) لم أقف عليه عن ابن عباس، وهذا القول نسبه أكثر المفسرين لقتادة، وزاد الطبري نسبته لعكرمة.\nانظر: \"الطبري\" ٢٣/ ٧٩، \"تفسير الثعلبي\" ٢٤٧/ ٣ أ، \"الماوردي\" ٥/ ٦١، \"بحر العلوم\" ٣/ ١٢١، \"البغوي\" ٤/ ٣٣، \"القرطبي\" ١٥/ ١٠٤.","vol":"19","page":89},{"text":"والجبهة بينهما، ونحو هذا قال المبرد، وأنشد:\nشككت له بالرمح جنبي قميصه ... فخر تليلًا لليدين وللفم) (١) (٢)\nوقال ابن قتيبة: صرعه على الأرض على أحد جنبيه (٣).\nوقال ابن الأعرابي: التليل والمتلول المصروع، والمتلى الذي يتلى به أي يصرع (٤). قال ابن عباس: أضجعه على جنبيه على الأرض (٥). وهو قول قتادة (٦). وقال مقاتل: كبه لجبهته (٧).\nوقال مجاهد وابن جريج: وضع وجهه للأرض (٨). والصحيح أنه أضجعه على أحد شقيه؛ لأن الجبين غير الجبهة كما ذكرنا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3808>١٠٤، ١٠٥ </span>- ﴿وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ هذا جواب فلما عند الفراء والكوفيين، والواو مقمحة زائدة. وعند البصريين لا يجوز ذلك. والجواب مقدر على تقدير: فلما فعل ذلك سَعُدَ وأتاه الله نبوة ولده،\n_________\n(١) \"مجاز القرآن\" ٢/ ١٧١.\n(٢) البيت من الطويل، وهو لجابر بن جني في \"شرح المفضل\" ص ٤٣٤، ولربيعة بن مكدم في \"الأغاني\" ١٦/ ٧٥، ولعصام بن المقشعر في \"معجم الشعراء\" ص ٢٧٠، وللأشعث الكندي في \"الأزهية\" ص ٢٨٨.\n(٣) \"تفسير غريب القرآن\" ص ٣٧٣.\n(٤) \"تهذيب اللغة\" ١٤/ ١٥٢ (تل). وانظر: \"اللسان\" ١١/ ٧٨ (تلل).\n(٥) انظر: \"الماوردي\" ٥/ ٦١، \"البغوي\" ٤/ ٣٣، \"القرطبي\" ١٥/ ١٠٤.\n(٦) انظر: \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ١٥١، \"الطبري\" ٢٣/ ٨٠، \"القرطبي\" ١٥/ ١٠٤.\n(٧) \"تفسير مقاتل\" ١١٢ ب.\n(٨) انظر: \"تفسير مجاهد\" ص ٥٤٤. \"الطبري\" ٢٣/ ٨٠، ولم أقف عليه عن ابن جريج.","vol":"19","page":90},{"text":"وأجزل له الثواب في الآخرة. وذكر (١) ذلك أبو إسحاق (٢). وهذه المسألة ذكرناها في مواضع.\nقال المفسرون: لما أضجعه للذبح نودي من الجبل: يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا.\nقال مقاتل: عرف الله منهما الصدق (٣). يعني أن إبراهيم قصد الذبح بما أمكنه، وابنه طاوعه ومكن من الذبح، وعرف الله منهما الصدق فلذلك قال: ﴿صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ وإن لم يتحقق الذبح (٤).\nوقال قوم إنه [رأى في] (٥) المنام معالجة الذبح من شد اليدين والرجلين وإمرار السكين على الحلق، وفعل في اليقظة ما رأى في النوم (٦) فلذلك قيل له: ﴿صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ فهذان وجهان في قوله: ﴿صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾.\nوذكر أهل المعاني أوجهًا منها: أنه أمر في المنام أن يقعد منه مقعد الذابح، وينتظر الأمر بإمضاء الذبح، ففعل ما رأى في منامه، وهو أنه أمر بذلك على شرط التحلية والتمكين وقصد ذلك ولكن لم يمكن منه (٧).\nقال السدي: ضرب الله على قفاه صفحة نحاس فجعل يحز ولا يقطع\n_________\n(١) في (ب): (وذلك)، وهو خطأ.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٣١١.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ١١٢ ب.\n(٤) انظر: \"الطبري\" ٢٣/ ٨٠، \"بحر العلوم\" ٣/ ١٢١، \"زاد المسير\" ٧/ ٨٦.\n(٥) ما بين المعقوفين بياض في (ب).\n(٦) انظر: \"الماوردي\" ٥/ ٦١، \"زاد المسير\" ٧/ ٧٦.\n(٧) لم أقف عليه عند أحد من أهل المعاني. وانظر: \"الماوردي\" ٥/ ٦١، \"زاد المسير\" ٧/ ٧٦.","vol":"19","page":91},{"text":"شيئًا ونودي من الجبل: يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا (١).\nوقال محمد بن إسحاق: لم يحك السكين وانقلبت من حدة (٢) إلى مثنة (٣). ومنها أنه ذبح ووصل الله ما قرى بلا فصل (٤). وهذا أضعف الوجوه: لأنه لم يثبت بهذا رواية (٥).\nقوله تعالى: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ﴾ ابتداء إخبار من الله، وليس يتصل بما قبله من الكلام الذي نودي به إبراهيم. والمعنى: أنا كما ذكرنا من العفو عن ذبح ولده ﴿نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾، قال مقاتل: جزاه الله بإحسانه وطاعته في أمر الذبح ومضيه على أمر الله العفو عن ابنه إسحاق (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3809>١٠٦ </span>- قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ﴾ أي: الاختيار\n_________\n(١) انظر: \"البغوي\" ٤/ ٣٤، ولم أقف عليه عن السدي عند غيره. وذكر بعض المفسرين غير منسوب لأحد. انظر: \"الماوردي\" ٥/ ٦١، \"بحر العلوم\" ٣/ ١٢١، \"القرطبي\" ١٥/ ١٠٤.\n(٢) في (ب): (فنجده)، وهو خطأ.\n(٣) لم أقف عليه.\n(٤) ذكره الماوردي ٥/ ٦١.\n(٥) هذه الآثار التي ذكرها المؤلف ﵀ في قصة الذبح وكيف تمت وكيف امتنع الذبح، هل قطع ثم عاد ما قُطع، أو لم تتمكن السكين من القطع إلى غير ذلك، كلها روايات منكرة لم يصح سندها ولا متنها، كما قال جمال الدين القاسمي -﵀- في \"تفسيره\" ٨/ ١٢٠ قال: يروي المفسرون في قصة الذبح روايات منكرة لم يصح سندها ولا متنها. بل ولم تحسن، فهي معضلة تنتهي إلى السدي وكعب. والسدي حاله معلوم في ضعف مروياته وكذلك كعب ا. هـ\nولعل أكثر ما يروى في هذه القصة هو مما كان يحدِّث به كعب الأحبار حينما أسلم.\n(٦) \"تفسير مقاتل\" ١١٣ أ.","vol":"19","page":92},{"text":"الظاهر، حيث أخبره بذبح بكره وواحده، وهذا معنى قول ابن عباس وغيره، جعلوا النبلاء هاهنا بمعنى الاختبار (١).\nوقال مقاتل: النبلاء النعمة، وهو أن كف عن ولده وفدي بالكبش (٢). ولقد ذكرنا معنى البلاء عند قوله: ﴿وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ [البقرة: ٤٩] (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3810>١٠٧ </span>- قوله تعالى: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ أي: جعلنا الذبح فداء له وخلصناه من الذبح، والذبح مصدر ذبحت، والذبح ما يذبح. واختلفوا في هذا الذبح، فقال ابن عباس في رواية عطاء: يريد الكبش الذي تقرب به هابيل بن آدم إلى الله تعالى فقبله، وكان في الجنة يرعى حتى فدى الله به إسماعيل (٤). وقال آخرون: أرسل إليه كبشًا من الجنة قد رعى أربعين خريفًا، وهو رواية سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: بكبش قد رعى في الجنة أربعين خريفًا وهو قول معمر وقتاد (٥).\nوروى جعفر بن إياس (٦) عن ابن عباس قال: خرج عليه كبش من\n_________\n(١) \"تفسير ابن عباس\" بهامش المصحف ص ٣٧٧، وينسب هذه القول أيضًا لابن زيد وابن قتيبة، انظر: \"الطبري\" ٢٣/ ٨٠، \"الماوردي\" ٥/ ٦٢، \"زاد المسير\" ٧/ ٧٧.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ١١٣أ.\n(٣) انظر: \"البسيط\" رسالة دكتوراه إعداد: د/ محمد الفوزان ٣/ ٨٦٦.\n(٤) انظر: \"الماوردي\" ٥/ ٦٢، \"البغوي\" ٤/ ٣٥، \"القرطبي\" ١٥/ ١٠٧.\n(٥) انظر: المصادر السابقة، \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ١٥٢.\n(٦) هو: جعفر بن إياس اليشكري البصري الواسطي، أحد الأئمة الحفاظ، حدَّث عن بشر بن ثابت والشعبي، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وطاووس وعن خلق غيرهم. وعنه الأعمش وشعبة وأبو عوانة وشعبة الحجاج وغيرهم. وثَّقه أبو حاتم وأبو زرعة وابن معين وغيرهم. مات سنة ١٢٤ هـ وقيل ١٢٣، وقيل ١٢٥ هـ =","vol":"19","page":93},{"text":"الجنة وقد رعاها قبل ذلك بأربعين خريفًا (١).\nوقال السدي: نودي إبراهيم فالتفت فإذا هو بكبش أملح انحط من الجبل، فقام عند ذلك إبراهيم فأخذه وذبحه وخلى عن ابنه، وأعتق ابنه وقال: يا بني اليوم وُهِبتَ لي. قال: وبلغنا أن الكبش رعى في الجنة أربعين خريفًا (٢).\nوقال مقاتل: وكان رعى في الجنة أربعين سنة قبل أن يذبح وكان من غير نسل (٣) وقال آخرون: كان ذلك الذبح، وعلا انحط عليه من الجبل.\nقال الحسن: ما فدى إسماعيل إلا بتيس من الأروى، انحط عليه من جبل ثبير (٤)، فذبحه إبراهيم فداء عن ابنه (٥)، فضحوا عباد الله وأعلموا أن الذبح يدفع منية السوء.\nوروي عن علي -﵁- أنه قال في قوله: (بذبح) قال: كبشٌ أعين أقرن أملح مربوط بسمرة في بثير (٦). وهذا قول الكلبي في رواية أبي صالح عن\n_________\n= انظر: \"تهذيب الكمال\" ٥/ ٥، \"سير أعلام النبلاء\" ٥/ ٤٦٥، \"الطبقات الكبرى\" ٧/ ٢٥٣.\n(١) انظر: \"الماوردي\" ٥/ ٦٢، \"البغوي\" ٤/ ٣٥، \"القرطبي\" ١٥/ ١٠٧، \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ١٥٢ كلهم عن ابن عباس.\n(٢) لم أقف عليه عن السدي.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ١١٣ أ.\n(٤) ثبير: جبل بمكة يشرف على مني. انظر: \"معجم البلدان\" ٢/ ٧٣.\n(٥) انظر: \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٢٤٧ ب، \"البغوي\" ٤/ ٣٥، \"القرطبي\" ١٥/ ١٠٧، \"زاد المسير\" ٧/ ٧٧، \"ابن كثير\" ٤/ ١٦، \"مجمع البيان\" ٨/ ٧٠٨.\n(٦) انظر: \"الطبري\" ٢٣/ ٨٦، \"تفسير ابن كثير\" ٦/ ١٤.","vol":"19","page":94},{"text":"ابن عباس (١).\nوقوله: ﴿عَظِيمٍ﴾ قال مجاهد: متقبل (٢). وعلى هذا سمي عظيمًا لعظم قدره، حيث قبل فداء عن إبراهيم. وعند غيره سمي عظيمًا لعظمه وسمنه. قال سعيد بن جبير: حق له أن يكون عظيمًا وقد رعى في الجنة أربعين خريفًا (٣).\n\n١٠٨ - قوله: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ﴾ مفسر في قصة نوح (٤) إلى قوله: ﴿كَذَلِكَ﴾ وقد ذكرنا في هذه القصة ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾، والمراد بذلك جزاء إبراهيم وابنه حين أطاعا فيما ابتليا به، فجوزيا بالعفو والفداء.\nوالمراد بقوله: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ جزاء إبراهيم وحده. قال مقاتل: جزاه الله بإحسانه الثناء الحسن في الناس (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3812>١١٢ </span>- قوله تعالى: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾، من جعل الذبيح إسماعيل جعل معنى قوله: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ﴾ أن الله تعالى بشره بولد نبي بعد هذه القصة جزاءً لطاعته. ومن جعل الذبيح إسحاق قال: بشر بنبوته. وهذا قول عكرمة (٦).\n_________\n(١) انظر: المصادر السابقة، \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٢٤٧ ب. وقد أورد هذا الأثر السيوطي في \"الدر المنثور\" ٧/ ١٠٥، وعزاه لأحمد وابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه والبيهقي في شعبه عن ابن عباس.\n(٢) \"تفسير مجاهد\" ص ٥٤٥.\n(٣) انظر: \"الطبري\" ٢٣/ ٨٧، \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٢٤٧ ب، \"زاد المسير\" ٧/ ٧٧.\n(٤) عند الآية ٧٨ من هذه السورة.\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ١١٣ أ.\n(٦) انظر: \"الطبري\" ٢٣/ ٨١، \"البغوي\" ٤/ ٣٤، \"زاد المسير\" ٧/ ٧٢.","vol":"19","page":95},{"text":"ونحو ذلك قال مقاتل (١): بشر إبراهيم بنبوة إسحاق بعد العفو عنه.\nقوله: ﴿وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ﴾ يعني كثرة ولدهما وذريتهما، وهم الأسباط كلها.\nقوله: ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ﴾ أي: أنعمنا عليهما بالنبوة، قاله مقاتل (٢) وغيره (٣). وقوله: ﴿مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾ أكثر المفسرين على أنه الغرق، أغرق الله فرعون وقومه ونجى بني إسرائيل. ويذهب بعضهم إلى أنه نجاهم من استعباد فرعون إياهم، وما كان يصيبهم من جهته من البلاء (٤)، وهو قوله: ﴿يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ﴾ [البقرة: ٤٩].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3813>١٢٣ </span>- قوله: ﴿وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ أكثر أهل التفسير على أن إلياس نبي من أنبياء بني إسرائيل، وقصته مشهورة مع قومه. وروي عن ابن مسعود أنه قرأ: (وإن إدريس) وقال: إلياس هو إدريس (٥) نحو إسرائيل ويعقوب. وهذا قول عكرمة (٦). وقرأ ابن عامر: ﴿وَإِنَّ إِلْيَاسَ﴾ بغير همز، وله وجهان، أحدهما: أنه حذف الهمزة من إلياس حذفًا كما حذفها ابن\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ١١٣ أ.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ١١٣ أ.\n(٣) ذكر هذا القول كثير من المفسرين دون نسبة لأحد. انظر: \"الطبري\" ٢٣/ ٩٥، \"بحر العلوم\" ٣/ ١٢٢، \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٢٤٧ ب.\n(٤) انظر: المصادر السابقة، وكذلك: البغوي ٤/ ٣٥، \"زاد المسير\" ٧/ ٧٩، \"مجمع البيان\" ٨/ ٧١١.\n(٥) انظر: \"الماوردي\" ٥/ ٦٤، \"البغوي\" ٤/ ٣٦، \"زاد المسير\" ٧/ ٧٩.\n(٦) انظر: \"البغوي\" ٤/ ٣٦، \"القرطبي\" ١٥/ ١١٥.","vol":"19","page":96},{"text":"كثير من قوله: ﴿إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ﴾ [المدثر: ٣٥] وكقول الشاعر:\nويلُمِّها في هواء الجو طالبةً (١)\nوسنذكر الكلام هناك إن شاء الله تعالى (٢).\nوالآخر: أنه جعل الهمزة التي تصحب اللام للتعريف كقوله: (وليسع). والوجه قراءة العامة؛ لأن إلياس ليس بموضع تحذف فيه الهمزة، إنما هو موضع تجعل فيه بين بين في التخفيف كما يخفف سئم وبئس، ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ﴾ [البقرة: ٢٥٨]. ويقوي ثبات الهمزة قوله: ﴿سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ﴾، فهذا يدل على أن الهمزة ثابتة في إلياس بثبوتها في آل ياسين (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3814>١٢٤ </span>- قوله: ﴿إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلَا تَتَّقُونَ﴾، إذ يتعلق بمحذوف، كأنه قيل لمحمد -﵇-: اذكر لقومك إذ قال لقومه ونحو هذا كثير، وذكرنا الكلام فيه عند قوله: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ﴾ [البقرة: ٣٠]، الآية. قال ابن عباس: ألا تخافون الله (٤).\nوقال مقاتل: ألا تعبدون الله (٥).\n_________\n(١) هذا صدر بيت لامرئ القيس وعجزه:\nولا كهذا الذي في الأرض مطلوب\nوالبيت من البسيط وهو لامرئ القيس في \"ديوانه\" ص ٢٢٧، \"خزانة الأدب\" ٤/ ٩١، \"سر صناعة الإعراب\" ص ٢٣٥، \"الكتاب\" ٢/ ٢٩٤.\nوالشاهد فيه قوله: ويلمها والأصل ويل أمها فحذف الهمزة استخفافًا ثم أتبع حركة اللام حركة الميم.\n(٢) ذكر المؤلف هناك كلامًا نقله عن أبي علي الفارسي. وانظر: \"الحجة\" ٦/ ٣٣٩.\n(٣) انظر: \"علل القراءات\" ٢/ ٥٧٩، \"الحجة\" ٥/ ٥٩ - ٦٠، \"المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات\" ٣/ ٢٢٣.\n(٤) لم أقف عليه عن ابن عباس. وانظر: \"الوسيط\" ٣/ ٥٣١، \"زاد المسير\" ٧/ ٨٠.\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ١١٣ أ.","vol":"19","page":97},{"text":"وقال الكلبي: ألا تتقون عبادة غير الله (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3815>١٢٥ </span>- ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلًا﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء: يريد كان لهم صنم يعبدونه (٢). وقال مقاتل: وكان من ذهبٍ ببعل بك (٣) من أرض الشام، كسره إلياس ثم هرب منهم (٤).\nوالأكثرون من المفسرين قالوا: البعل: الرب، ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلًا﴾: ربّا، وهو قول مجاهد وقتادة وعكرمة (٥).\nوروى قيس (٦) عن ابن عباس أنه سمع رجلًا وضلت له جارية وهو يقول: أنا بعلها.\nقال ابن عباس: هذا من قول الله: ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلًا﴾ (٧)، فالبعل الذي\n_________\n(١) لم أقف عليه عن الكلبي. وانظر: \"تفسير ابن عباس\" بهامش المصحف ص ٣٧٨.\n(٢) انظر: \"بحر العلوم\" ٣/ ١٢٣، \"القرطبي\" ١٥/ ١١٧.\n(٣) بعلبك: قال ياقوت: بالفتح ثم السكون وفتح اللام والباء الموحدة والكاف مشددة: مدينة قديمة فيها أبنية عجيبة وآثار عظيمة وقصور على أساطين الرخام لا نظير لها في الدنيا، بينها وبين دمشق ثلاثة أيام وقيل اثنا عشر فرسخًا.\nانظر: \"معجم البلدان\" ١/ ٤٥٣.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ١١٣ أ.\n(٥) انظر: \"الطبري\" ١٣/ ٩١، \"بحر العلوم\" ٣/ ١٢٣، \"الماوردي\" ٥/ ٦٤، \"زاد المسير\" ٧/ ٨٠، \"القرطبي\" ١٥/ ١١٧.\n(٦) هو: قيس بن هبَّار وقيل ابن همَّام وقيل ابن هنَّام، وقيل غير ذلك، روى عن ابن عباس، وروى عنه سليمان التيمي. ذكره ابن حبان في الثقات وروى له النسائي. انظر: \"تهذيب الكمال\" ٢٤/ ٨٥، \"الجرح والتعديل\" ٧/ ١٠٥، \"تهذيب التهذيب\" ٨/ ٤٠٥.\n(٧) هذه القصة ذكرها النحاس في \"معاني القرآن له\" ٦/ ٥٤، سمع ابن عباس رجلًا =","vol":"19","page":98},{"text":"ذكره أهل اللغة بمعنى المالك والسيد والرب، ومنه سمي الزوج بعلًا (١). ويقال أنا بعل هذه الدابة.\nقال مقاتل: وهي بلغة اليمن (٢).ويمكن أنهم سموا صنمهم بعلًا لهذا المعنى، فيكون في هذا جمع بين القولين في البعل.\nقوله: ﴿وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ﴾ قال مقاتل: وتذرون عبادة أحسن الخالقين فلا تعبدونه (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3816>١٢٦ </span>- ﴿اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾، قرئ بالرفع على الاستئناف لتمام الكلام الأول، والمعنى: أنه خالقكم ورازقكم، فهو الذي تحق له العبادة دون من لا يبصر ولا يسمع ولا يغني عن أحد شيئًا. وقرئ بالنصب على صفة أحسن الخالقين، ليكون الكلام فيه وجه واحد (٤).\n١٢٧ - ﴿فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾، قال ابن عباس والمفسرون: لمحضرون النار غدًا (٥). وقد ذكرنا الكلام في هذا عند قوله: ﴿لَكُنْتُ مِنَ\n_________\n= ينشد ضالة فقال آخر أنا بعلها أي ربها. أما ما أُثبِتَ في النسخ فيظهر أن فيه تصحيفًا إذ الكلام فيه اضطراب، وذكرها كذلك ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٧/ ٨٠.\n(١) انظر: \"تهذيب اللغة\" ٢/ ٤١٢ (بعل)، \"اللسان\" ١١/ ٥٩ (بعل).\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ١١٣ أ، وفي كتاب \"غريب القرآن\" لابن عباس ص ٦٢. قال: هي بلغة حمير.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ١١٣ أ.\n(٤) انظر: \"علل القراءات\" ٢/ ٥٧٨، \"الحجة\" ٦/ ٦٣، \"المبسوط في القراءات العشر\" ص ٣١٧.\n(٥) \"تفسير ابن عباس\" بهامش المصحف ص ٣٧. وانظر: \"الطبري\" ٢٣/ ٩٤، \"البغوي\" ٤/ ٤١، \"زاد المسير\" ٧/ ٨١.","vol":"19","page":99},{"text":"الْمُحْضَرِينَ﴾ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3817>١٢٨ </span>- ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ يعني المصدقين الذين لم يكذبوا، فإنهم لا يحضرون النار.\n<span data-type=\"title\" id=toc-3819>١٣٠ </span>- قوله تعالى: ﴿سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ﴾ قال ابن عباس: يريد إليالس ومن معه (٢). قال الفراء: (إن شئت ذهبت بإلياسين إلى أن تجعله جمعًا، فتجعل أصحابه داخلين في اسمه، كما تقول للقوم رئيسهم المهلب: قد جاءكم المهالبة والمهلبون، فيكون بمنزلة قوله الأشعرين بالتخفيف والسعدين. قال:\nأنا ابن سعد سيد السعدينا (٣)\nقال: ويجوز أن تجعله واحدًا بمنزلة إلياس، والعجمي من الأسماء قد تفعل العرب به هذا، تقول: ميكال وميكائيل وميكاين، وهي في بني أسد، يقولون: هذا إسماعين قد جاء، بالنون، وأنشدني بعض بني نمير: (٤)\n_________\n(١) آية (٥٧) من هذه السورة.\n(٢) انظر: \"الوسيط\" ٣/ ٥٣٢، وقد ذكر هذا القول أكثر المفسرين لكنهم لم ينسبوه لابن عباس. انظر: \"الطبري\" ٢٣/ ٩٤، \"الماوردي\" ٥/ ٦٥، \"القرطبي\" ١٥/ ١١٨.\n(٣) الرجز لرؤبة في \"ملحق ديوانه\" ص ١٩١، \"شرح المفضل\" ١/ ٤٧، \"الكتاب\" ٢/ ١٥٣.\n(٤) شطر بيت عن الرجز وصدره:\nيقول أهل الحي لما جينا\nولم أقف على قائله. ففي \"المقاصد النحوية\" قال: هو الأعرابي ٢/ ٤٢٥، وكذا في \"المعاني الكبير\" ٢/ ٦٤٦، \"سمط اللآلئ\" ص٦٨١.\nيريد: إسماعيلًا فأبدل من اللام نونًا.","vol":"19","page":100},{"text":"هذا ورب البيت إسماعينا (١)\nونحو هذا ذكر أبو إسحاق (٢) سواء، واختار أبو علي القول الأول وشرحه فقال: (إلياسين جمع معنى واحده الإضافة بالياء، نحن تميمي وبكري، والقول فيه أن لا يخلوا لا من أن يراد به الجمع الذي على حد مسلم ومسلمون، وزيد وزيدون، أو الذي واحده يراد به النسب، فمن البيِّن أنه لا يجوز أن يكون على حد مسلم ومسلمون، لأنه ليس كل واحد منهم اسمه إلياس، وإنما إلياس اسم نبيهم، فإذا لم يكن على هذا علم أنه على إرادة النسب بالياء، إلا أن الياءين حذفتا في جميع هذه الأسماء على التصحيح كما حذفت ياء النسب في التكسير، وذلك نحو: المسامعة والمهالبة والمناذِرة، وإنما هذا على أن كل واحد منهم مسمعي ومهلبي، فحذف في التكسير الياءات كما حُذفت في التصحيح، ومما يدل على ذلك قولهم: فارسي وفرس، فليس الفرس جمع فارس وإنما هو جمع فارسي، حذف منه ياء النسب ثم جمع الاسم بعد على حد باذلٍ وبدلٍ، ونحو هذا قولهم: الأعجمون، ألا ترى [أنه] (٣) لا يخلو من أن يكون جمع أعجم أو عجمي، فلا يجوز أن يكون جمع أعجم لأن هذا الضرب من الآحاد التي هي صفات لا تجمع بالواو والنون، كما أن مؤنثه لا يجمع بالألف والتاء، لا يقال في الأحمر: الأحمرون، فإذا لم يجز ذلك علم أنه جمع أعجمي، وعلى هذا قالوا: النميرون والهبيرات (٤)، وكذلك الياسين تقديره: الياسيين\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" ٢/ ٣٩١ - ٣٩٢.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٣١٢.\n(٣) ما بين المعقوفين غير مثبت في (أ).\n(٤) في (ب): (الهبرات).","vol":"19","page":101},{"text":"فحذف كما حذف من سائر هذه الكلم. قال: ولا يجوز أن يكون الياسين بمعنى إلياس، نحو: ميكال وميكائيل؛ لأن ميكال وميكائيل لغتان في اسم واحد، وليس أحدهما مفردًا والآخر جمعًا كإدريس وإدراسين (١)، وإلياس وإلياسين، وفي حرف عبد الله بن سلام على إدراسين، أراد إدريس ومن كان من شيعته وأهل دينه، ولم يقل إدريسين لأن إدريس وإدراس كإبراهيم وإبراهام (٢).\nوقرأ نافع: سلام (٣) على آل ياسين، وحجته أنها في المصحف مفصولة من يس، ولو كانت الألف والنون واللام التي للتعريف أوصلت في الخط ولم تفصل، فمن فصل ذلك في الكتاب دلالة على أن الذي تصغيره أهيل) (٤).\nواختار أبو عبيدة القراءة الأولى، وقال: الياسين اسم إلياس، مثل إبراهام في إبراهيم، ألا تراه أنه لم يقل في شيء من السورة على آل فلان وآل فلان، إنما جاء بالاسم وكذلك الياسين (٥).\nوقال الفراء: القراءة الأولى أشبه بالصواب؛ لأن في قراءة عبد الله: (وإن إدريس لمن المرسلين سلام على إدراسين) (٦).\nوالسدي يقول في إلياس والياسين: إنه إدريس (٧).\n_________\n(١) في (ب): (إدريسين).\n(٢) في (ب): (وإبرهام).\n(٣) في (ب): (سليم).\n(٤) \"الحجة\" ٦/ ٦١ وما بعدها.\n(٥) \"مجاز القرآن\" ٢/ ١٧٢ - ١٧٣. وانظر:\"إعراب القرآن\" للنحاس ٣/ ٤٣٦.\n(٦) \"معاني القرآن\" ٢/ ٢٩٢.\n(٧) لم أقف على هذا القول عن السدي، وهو منسوب لابن عباس. انظر: \"تفسير ابن =","vol":"19","page":102},{"text":"قال الفراء: (ويشهد على صواب القراءة الأولى قوله: ﴿مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ﴾ [المؤمنون: ٢٠] ثم قال في موضع آخر: ﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾ [التين: ٢] وهو في معنى واحد وموضع واحد) (١). فقد ظهر أن الصحيح قراءة العامة؛ لأن إلياسين إنما هو بمعنى إلياس أو بمعنى إلياس وأتابعه، وأريد به إدريس على ما ذكره عكرمة والسدي: فأما أن يكون الذي هو أل (٢) تصغير أهيل فهو مستبعد.\nوقد ذكر الكلبي في تفسيره ﴿سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ﴾ يقول: سلام على آل محمد. وهذا بعيد؛ لأن ما قبله من الكلام وما بعده لا يدل عليه (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3820>١٣٣ </span>- قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لُوطًا لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٣) إِذْ نَجَّيْنَاهُ﴾ إذ لا يتعلق بما قبله؛ لأنه لم يرسل وإن نجى، ولكنه يتعلق بمحذوف كأنه قيل: واذكر يا محمد إذ نجيناه. وعند أبي عبيدة: إذ زائدة (٤). وقد ذكر هذا في سورة البقرة.\nوهذه الآيات مفسرة في سورة الشعراء (٥) إلى قوله: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ﴾، أي: تمرون في ذهابكم ومجيئكم إلى الشام للتجارة على قراهم وآثارهم ومنازلهم ﴿مُصْبِحِينَ﴾ أي: نهارًا (٦).\n_________\n= عباس\" بهامش المصحف ص ٣٧٨، \"الماوردي\" ٥/ ٦٤.\n(١) \"معاني القرآن\" ٢/ ٣٩٢.\n(٢) في (أ): (الذي آل هو) وما أثبته هو الأنسب بالسياق.\n(٣) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٩٣، \"الوسيط\" ٣/ ٥٣٢، \"بحر العلوم\" ٣/ ١٢٣، \"البغوي\" ٤/ ٤١، \"القرطبي\" ١٥/ ١١٩.\n(٤) \"مجاز القرآن\" ١/ ٣٦، وسبق أن لدينا خطأ القول أن في القرآن شيئًا زائدًا.\n(٥) الآيات ١٧٠ - ١٧١ - ١٧٢. انظر: \"البسيط\" النسخة الأزهرية ٤/ ٨٤ ب.\n(٦) في (أ): (أي نهارًا أي)، وهو خطأ.","vol":"19","page":103},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3821>١٣٨ </span>- ﴿وَبِاللَّيْلِ﴾، أي: غدوة وعشيًا، تارة تمرون على ديارهم نهارًا وتارة ليلًا. وهي ما بين مكة والشام، هذا قول ابن عباس ومقاتل (١). وتم الكلام هاهنا ثم قال: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ فتعتبرون.\nقوله تعالى: ﴿إِذْ أَبَقَ﴾ الكلام في إذ كما ذكرنا في القصتين قبل هذه. وأبق من إباق العبد، وهو هربه من سيده. قال مقاتل: يعني إذ فر (٢). وقال عبد الله: عبد أبق من ربه. ونحو هذا قال ابن عباس (٣).\nقال المفسرون: كان يونس قد وعد قومه العذاب، فلما تأخر عنهم العذاب خرج كالمنشوز عنهم، فقصد البحر وركب سفينة (٤)، فذلك قوله: ﴿إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ ونحو هذا قوله: ﴿إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا﴾ [الأنبياء: ٨٧] وقد مر الكلام فيه مستقصى.\nوقال أهل المعاني: يَفِرُ من ربه كما يَفِرُ العبد من سيده لأنه يعلم أن ربه يقدر عليه أين ما كان من بر وبحر، ولكنه بذهابه إلى الفلك كالفار من مولاه فقال: ﴿أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ﴾ فزع إليه (٥).\nقال المبرد: تأويل ابن تباعد أي ذهب (٦) إليه، ومن ذلك قولهم: عبد آبق.\nقوله تعالى: ﴿إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ مفسر في سورة يس (٧). قال\n_________\n(١) لم أقف عليه عن ابن عباس. وانظر: \"تفسير مقاتل\" ١١٣ ب.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ١١٣ب.\n(٣) انظر: \"تفسير ابن عباس\" بهامش المصحف ص ٣٧٨.\n(٤) انظر: \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٢٥٢ ب، \"البغوي\" ٤/ ٤٢.\n(٥) لم أقف عيه.\n(٦) انظر: \"القرطبى\" ١٥/ ١٢٢، \"زاد المسير\" ٧/ ٨٦.\n(٧) آية ٤١.","vol":"19","page":104},{"text":"مقاتل: يعني الموقر من الناس والدواب (١).\nوقال سعيد بن جير: ركب يونس السفينة في البحر حتى إذا توسطت بهم ركدت فتوقفت، لا ترجع وراءها ولا تتقدم أمامها، فقال أهل السفينة: إن لسفينتنا لشأنًا. قال: قد والله (٢) عرفتُ شأنها. قالوا: وما شأنها. قال: ركبها رجل ذو خطيئة عظيمة. قالوا: ومن هو. قال: أنا فاقذفوني في البحر من سفينتكم وانطلقوا لشأنكم، قالوا: ما كنا لنطرحك من بيننا [حتى] (٣) نعذر في شأنك. قال: فاستهموا حتى تروا على من يقع السهم، فاقترعوا بسهامهم فأدحض سهمه. قال: قد أخبرتكم، فقذفوه منها (٤)، فذلك قوله: ﴿فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾ وقال وهب: لما احتبست السفينة قال: هاهنا عبد أبق من سيده، وهذا رسم السفينة إذا كان فيها لا تجري، فاقترعوا فوقعت القرعة على يونس، فقال: أنا الآبق وزج نفسه في الماء (٥). قال المفسرون: ﴿فَسَاهَمَ﴾: فقارع (٦).\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ١١٣ ب.\n(٢) في (ب): (قد عرفت والله شأنها).\n(٣) ما بين المعقوفين غير مثبت في (ب).\n(٤) لم أقف عليه عن سعيد بن جير. وقد ورد بغير هذه الصيغة عن ابن عباس وطاووس. انظر: \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٢٥٤، وأورده السيوطي في \"الدر\" ٧/ ١٢١، وعزاه لعبد الرزاق وأحمد في الزهد وعبد بن حميد وابن المنذر عن طاووس، ولابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس.\n(٥) انظر: \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٢٥٢ ب، \"البغوي\" ٤/ ٤٢.\n(٦) انظر: \"الطبري\" ٢٣/ ٩٨، \"الماوردي\" ٥/ ٦٧، \"بحر العلوم\" ٣/ ١٢٤.","vol":"19","page":105},{"text":"قال المبرد: وإنما أخذ من السهام التي تحال للقرعة (١).\n﴿فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾ أي المغلوبين (٢) المقروعين المسهومين، ققال ابن عباس (٣) والمفسرون. قال ابن قتيبة. (يقال: أدحض الله حجته فدحضت، أي: أزالها فزالت) (٤). وأصل الحرف من الدحض الذي هو الزلق يقال: دحضت رجل البعير إذا زلقت (٥). قال سعيد بن جبير: لما استهموا في السفينة جاء حوت إلى السفينة فاغرًا فاه ينتظر أمر ربه، حتى إذا قذفوه منها أخذه الحوت، فذلك (٦) قوله: ﴿فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ﴾. وقال النبي -ﷺ-: \"لما أراد الله حبس يونس في بطن الحوت أوحى إلى الحوت أن خذه ولا تخدش له لحمًا ولا تكسر له عظمًا\" (٧).\nوقال المفسرون في قوله: ﴿فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ﴾: التهمه وابتلعه (٨). يقال لقمت اللقمة وألقمتها غيري.\nقوله: ﴿وَهُوَ مُلِيمٌ﴾، يقال: ألام إذا أتى ما يلام عليه (٩).\n_________\n(١) القرطبي ١٥/ ١٢٣. وانظر: \"تهذيب اللغة\" ٣٦/ ١٣٨ (سهم).\n(٢) في (ب): (المقروعين المغلوبين).\n(٣) انظر: \"الطبري\" ٢٣/ ٩٨، \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٢٥٢ ب، \"بحر العلوم\" ٣/ ١٢٤، \"الماوردي\" ٥/ ٦٧.\n(٤) \"تفسير غريب القرآن\" ص ٣٧٤.\n(٥) انظر: \"تهذيب اللغة\" ٤/ ١٩٨ (دحض)، \"اللسان\" ٧/ ١٤٨ (دحض).\n(٦) لم أقف عليه.\n(٧) أخرج ابن أبي حاتم في \"التفسير\" ١٠/ ٣٢٢٧، والطبري ١٧/ ٨٠ عن عبد الله بن الحارث.\n(٨) انظر: \"الطبري\" ٢٣/ ٩٩، \"بحر العلوم\" ٣/ ١٢٤، \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٢٥٢ ب.\n(٩) انظر: \"تهذيب اللغة\" ١٥/ ٣٩٩ (لأم)، \"اللسان\" ١٢/ ٥٣٠ (لأم).","vol":"19","page":106},{"text":"قال مقاتل: يعني استلام إلى ربه (١).\nوقال الكلبي: يقول مذموم (٢).\nوقال قتادة عن ابن عباس: مسيء (٣).\nوقال إسماعيل بن أبي خالد: مذنب (٤).\nقال أهل المعاني: كان يونس قد خرج قبل أن يأمره الله، وكان أذنب ذنبًا استحق به التأديب ليستمر على طريقة التهذيب (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3822>١٤٣ </span>- قوله: ﴿فَلَوْلَا﴾ قال مقاتل: فلولا أنه كان في الرخاء قبل أن يلتقمه الحوت، ﴿مِنَ الْمُسَبِّحِينَ﴾ يعني المصلين، وكان في زمانه كثير الصلاة والذكر لله، لولا ذلك ﴿لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ﴾ عقوبة [له] (٦) (٧). وكان قبره إلى يوم يبعث (٨) الناس من قبورهم. ونحو ذلك قال الكلبي (٩) سواء.\nوروى أبو زيد عن ابن عباس في قوله: ﴿مِنَ الْمُسَبِّحِينَ﴾ من المصلين (١٠).\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ١١٤ أ.\n(٢) انظر: \"الماوردي\" ٥/ ٦٧. قال عن الكلبي: يلام على ما صنع.\n(٣) انظر: \"الماوردي\" ٥/ ٦٧، وأورده النحاس في \"معاني القرآن\" ٦/ ٥٧، ونسبه لقتادة.\n(٤) لم أقف عليه عن إسماعيل، وقد ذكره الماوردي في \"تفسيره\" ٥/ ٦٧ عن ابن عباس، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٧/ ٧٨ عن ابن قتيبة.\n(٥) لم أقف عليه.\n(٦) ما بين المعقوفين بياض في (ب).\n(٧) \"تفسير مقاتل\" ١١٤ أ.\n(٨) في (ب): (يبعثون).\n(٩) لم أقف عليه عن الكلبي. وانظر: \"تفسير ابن عباس\" بهامش المصحف ص ٣٧٩.\n(١٠) انظر: \"الطبري\" ٢٣/ ١٠٠، \"الماوردي\" ٥/ ٦٧، \"البغوي\" ٤/ ٤٣.","vol":"19","page":107},{"text":"وقال قتادة: كان يكثر الصلاة في الرخاء (١). وقال الربيع بن أنس: كان خلاله عمل صالح للبث في بطنه (٢).\nوقال الضحاك بن قيس (٣) (٤): اذكروا الله في الرخاء يذكركم في الشدة، فإن يونس كان عبدًا صالحًا ذاكرًا لله، فلما وقع في بطن الحوت قال الله: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ﴾ الآية. وإن فرعون كان عبدًا طاغيًا ناسيًا ذكر الله فلما أدركه الغرق قال: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ﴾ [يونس: ٩٠] قال الله: ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ﴾ [يونس: ٩١] الآية) (٥).\nوقال قتادة في الحكمة: إن العمل الصالح يرفع صاحبه كلما عثر وجد متكئًا (٦).\n_________\n(١) انظر: \"الطبري\" ٢٣/ ١٠٠، \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ١٥٥، \"القرطبي\" ١٥/ ١٢٦.\n(٢) انظر: \"الطبري\" ٢٣/ ١٠٠،\"القرطبي\" ١٥/ ١٢٦، وأورده السيوطي في \"الدر\" ٧/ ١٢٥، وعزاه لأحمد في \"الزهد\".\n(٣) الضحاك بن قيس بن خالد الفهري القرشي. أبو أمية وقيل أبو أُنيس وقيل أبو عبد الرحمن وقيل أبو سعيد. من صغار الصحابة، روى عن النبي -ﷺ- وعن عمر بن الخطاب، وحبيب بن مسلمة الفهري وغيرهم. وعنه حدَّث معاوية بن أبي سفيان، وسعيد بن جبير، والشعبي وغيرهم. خرَّج له النسائي، شهد فتح دمشق وسكنها ومات مقتولًا في مرج راهط سنة أربع وستين.\nانظر: \"الإصابة\" ٢/ ١٩٩، \"الاستيعاب\" ٢/ ١٩٧، \"تهذيب التهذيب\" ١٣/ ٢٧٩، \"سير أعلام النبلاء\" ٣/ ٢٤١.\n(٤) الهمزة ساقطة في (ب).\n(٥) انظر: \"الطبري\" ٢٣/ ١٠٠، \"المحرر الوجيز\" ٤/ ٤٨٦، وأورده السيوطي في \"الدر\" ٧/ ١٢٦، وعزاه لابن أبي شيبة.\n(٦) انظر: \"الطبري\" ٢٣/ ٩٩، وأورده السيوطي في \"الدر\" ٧/ ١٢٥، وعزاه لأحمد في \"الزهد\"، وعبد بن حميد وابن جرير والبيهقي عن قتادة.","vol":"19","page":108},{"text":"وقال ابن جريج والسدي عن أبي مالك: لبث يونس في بطن الحوت أربعين يومًا (١). وهو قول الكلبي (٢).\nوقال مقاتل بن حيان: ثلاثة أيام (٣).\nوقال عطاء: سبعة أيام (٤). وقال الضحاك: عشرين يومًا (٥).\nوروى عطاء عن ابن عباس في قوله: ﴿مِنَ الْمُسَبِّحِينَ﴾ قال: يريد في بطن الحوت (٦).\nوقال سعيد بن جبير: يعني قوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧]. (٧). فعلى هذا تسبيحه كان في بطن الحوت. وعلى القول الأول تسبيحه كان قبل ذلك.\nقال الحسن: ما كانت له صلاة في بطن الحوت ولكنه قدم عملًا صالحًا (٨). وقال: ولم يلبث إلا قليلًا وأخرج من بطنه بعيد الوقت الذي التقمه فيه (٩).\nوروى أبو هريرة عن النبي -ﷺ- قال: \"سبح يونس في بطن الحوت\n_________\n(١) انظر: \"الطبري\" ٢٣/ ١٠١، \"المحرر الوجيز\" ٤/ ٤٨٦، \"الماوردي\" ٥/ ٦٨.\n(٢) انظر: \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٢٥٣ أ، \"مجمع البيان\" ٨/ ٧١٦.\n(٣) انظر: \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٢٥٣ أ، \"المحرر الو جيز\" ٤/ ٤٨٦، \"البغوي\" ٤/ ٤٣.\n(٤) انظر: \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٢٥٣ أ، \"البغوي\" ٤/ ٤٣، \"مجمع البيان\" ٨/ ٧١٦.\n(٥) انظر: \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٢٥٣ أ، \"البغوي\" ٤/ ٤٣، \"زاد المسير\" ٧/ ٨٨.\n(٦) لم أقف عليه عن ابن عباس. وانظر: \"البغوي\" ٤/ ٤٣.\n(٧) انظر: \"الطبري\" ٢٣/ ١٥١، \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٢٥٢/ ب، \"مجمع البيان\" ٨/ ٧١٦.\n(٨) انظر: \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٢٥٢/ ب، \"القرطبي\" ١٥/ ١٢٦، \"البغوي\" ٤/ ٤٣.\n(٩) لم أقف عليه عن الحسن. وقد ذكر نحو هذا القول الماوردي ٥/ ٦٨، قال: بعض يوم، قال الشعبي: التقمه ضحى ولفظه عشية.","vol":"19","page":109},{"text":"فسمعت الملائكة تسبيحه. فقالوا: ربنا إنا نسمع صوتًا ضعيفًا بأرض غريبة. قال: ذلك عبدي يونس عصاني فحبسته في بطن الحوت في البحر. قالوا: العبد الصالح الذي كان يصعد إليك منه في كل يوم وليلة عمل صالح. قال: نعم. قال: فشفعوا له عند ذلك فأمر الحوت فقذفته في الساحل\" فذلك قوله: ﴿فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ﴾ (١). يعني العراء: المكان الخالي.\nقال أبو عبيدة: (وإنما قيل له العراء لأنه لا شجر فيه ولا شيء يغطيه، وأنشد فقال:\nفرفعت رجلًا لا أخاف عِثارها ... ونبذت بالبلد العراءِ ثيابي (٢) (٣)\nوقال الليث: (العراء: الأرض الفضا التي لا تستر بشيء وثلاثة أعرية وأعراء الأرض ما ظهر من متونها وأنشد:\nوبلدة عارية اعراؤه (٤)\nيعني بارزه طهوره) (٥).\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ١٠/ ٣٢٢٧، عن أنس بن مالك. وقد أورده السيوطي في \"الدر\" ٧/ ١٢٢، وعزاه لابن إسحاق والبزار وابن جرير عن أبي هريرة.\n(٢) البيت من الكامل، وهو لرجل من خزاعة يقال له قيس بن جعدة في \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٦٦، \"القرطبي\" ١٥/ ١٢٩، \"البحر المحيط\" ٧/ ٣٦٨. وبلا نسبة في \"تهذيب اللغة\" ٣/ ١٥٨، \"الطبري\" ٢٣/ ١٠١.\n(٣) \"مجاز القرآن\" ٢/ ١٧٥.\n(٤) شطر بيت لم أقف على تمامه ولا قائله، وهو في \"تهذيب اللغة\" ٣/ ١٥٩، \"اللسان\" ١٥/ ٤٩ (عرا).\n(٥) لم أقف على قول الليث. وانظر: \"تهذيب اللغة\" ٣/ ١٥٩، \"اللسان\" ١٥/ ٤٩ (عرا).","vol":"19","page":110},{"text":"وقال مقاتل: يقول البراري من الأرض التي ليس فيها نبت (١).\nوقال الكلبي: يعني وجه الأرض (٢).\nوقال ابن حيان: يعني ظهر الأرض (٣). وقال ابن عباس: يريد على ساحل قرية من الموصل (٤).\nقوله: ﴿وَهُوَ سَقِيمٌ﴾، قال: قد بلى لحمه وكل شيء منه مثل الصبي المولود (٥). وقال ابن مسعود: [كهيئة الفرخ الممعط] (٦) ليس عليه ريش (٧). وقال مجاهد: ﴿وَهُوَ سَقِيمٌ﴾: مكتئب (٨).\nوروى أنس عن النبي -ﷺ- قال: \"أمر الله الحوت فلفظه كهيئة الصبي في أصل يقطينة، وهي الدبا يستظل بظلها، وهيأ الله له أروبة من الوحش تروح [عليه] (٩) بكرة وعشية، فتفشخ عليه فيشرب من لبنها حتى نبت اللحم\" فذلك (١٠) قوله: ﴿وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ﴾.\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ١١٤ أ.\n(٢) انظر: \"الوسيط\" ٣/ ٥٣٣، \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٢٥٢ ب، وذكره الطبرسي في \"مجمع البيان\" ٨/ ٧١٦، ولم ينسبه لأحد.\n(٣) انظر: \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٢٥٢ ب.\n(٤) انظر: \"الطبري\" ٢٣/ ١٥١، إلا أنه قال بالساحل دون ذكر المكان، وكذا الماوردي ٥/ ٦٨.\n(٥) انظر: \"الطبري\" ٢٣/ ١٠٢، \"تفسير ابن عباس\" بهامش المصحف ص ٣٧٩.\n(٦) ما بين المعقوفين بياض في (ب). ومعنى ممعط: قال في \"اللسان\" ٧/ ٤٠٥ (معط): تمعط وامعط: تمرط وسقط من داء يعرض له.\n(٧) انظر: \"الماوردي\" ٥/ ٦٨، \"زاد المسير\" ٧/ ٨٨.\n(٨) لم أقف عليه.\n(٩) ما بين المعقوفين بياض في (ب).\n(١٠) لم أقف عليه عن أنس، وقد أخرجه الطبري في \"تفسيره\" ٢٣/ ١٠٣ عن أبي هريرة. وأورده الثعلبي في \"تفسيره\" ٥/ ٢٥٣ أعن مقاتل بن حيان.","vol":"19","page":111},{"text":"قال أبو عبيدة (١) والمبرد (٢) والزجاج (٣) وابن قتيبة (٤): كل شجرة لا تقوم على ساق وإنما تمتد على وجه الأرض، فهو يقطين، نحو الدباء والحنظل والبطيخ. قال أبو إسحاق: وأحسب اشتقاقها من قطن بالمكان إذا أقام به. وهذا الشجر ورقه كله على وجه الأرض فلذلك قيل يقطين (٥).\nوقال ابن قتيبة: وزنه تفعيل (٦).\nقال الفراء: (قيل عند ابن عباس: هو ورق القرع. فقال: ومن جعل القرع من بين الشجر يقطينًا كل ورقة اتسعت وسترت [فهي] (٧) يقطين) (٨).\nقال مقاتل: يعني القرع يأكل منها ويستظل بها (٩). وهو قول ابن مسعود (١٠) ومجاهد (١١). وكل شيء ذهب بسطًا في الأرض يقطين.\nقال الكلبي: ومنه القرع والبطيخ والقثاء والشرى (١٢).\n_________\n(١) \"مجاز القرآن\" ٢/ ١٧٥.\n(٢) انظر: \"القرطبي\" ١٥/ ١٢٩،\"فتح القدير\" ٤/ ٤١١.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٣١٤.\n(٤) \"تفسير غريب القرآن\" ص ٣٧٥.\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٣١٤.\n(٦) \"تفسير غريب القرآن\" ص ٣٧٥.\n(٧) ما بين المعقوفين بياض في (ب).\n(٨) \"معاني القرآن\" ٢/ ٣٩٣.\n(٩) \"تفسير مقاتل\" ١١٤ أ.\n(١٠) انظر: \"الطبري\" ٢٣/ ١٠٢، \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٢٥٣ أ، \"معاني القرآن\" للنحاس ٦/ ٥٩.\n(١١) \"تفسير مجاهد\" ص ٥٤٥، وانظر: \"الطبري\" ٢٣/ ١٠٣.\n(١٢) لم أقف على هذا القول عن الكلبي. وانظر: \"الطبري\" ٢٣/ ١٥٢، \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٢٥٣ أ.","vol":"19","page":112},{"text":"وقال سعيد بن جبير: كل شيء ينبت ثم يموت من عامه فهو يقطين (١).\nوالآية تقتضي شيئين لم يذكرهما المفسرون أحدهما: أن هذا اليقطين لم يكن قبل فأنبته الله لأجله. والآخر: أن اليقطين كان [معروشًا ليحصل] (٢) له ظل؛ لأنه لو كان منبسطًا على الأرض لم يكن أن يستظل به. وقد قال أمية بن أبي الصلت في هذه القصة:\nوأنبتت يقطينًا عليه برحمة من الله لولا الله أُلقي ضاحيا (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3823>١٤٧ </span>- قوله: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ قال مقاتل: وأرسلناه قبل أن يلتقمه الحوت (٤). وعلى هذا الإرسال وإن ذكر بعد الالتقام فالمراد به التقديم، والواو معناها الجمع، وليس فيها دليل على أن أحد الشيئين أو الأشياء قبل الآخر.\nوروي عن ابن عباس أنه قال: كانت رسالة يونس بعد ما نبذه الحوت (٥). وعلى هذا يجوز أنه أرسل إلى قوم آخرين سوى القوم الأُوَلْ، ويجوز أن يكون أرسل إلى الأولين ثانيًا بشريعة فآمنوا بها. وقوله: ﴿أَوْ يَزِيدُونَ﴾ قال أبو عبيدة: (أو هاهنا ليس بشك، وقالوا هي في موضع الواو وأنشد لجرير:\n_________\n(١) انظر: \"الطبري\" ٢٣/ ١٠٢، \"الثعلبي\" ٣/ ٢٥٣ أ، \"معاني القرآن\" للنحاس ٦/ ٥٩.\n(٢) ما بين المعقوفين بياض في (ب).\n(٣) البيت من الطويل، وهو لأمية بن أبي الصلت في الطبري ٢٣/ ١٠٣، \"المحرر الوجيز\" ٤/ ٤٨٧، \"البحر المحيط\" ٧/ ٣٦٠، \"زاد المسير\" ٧/ ٨٨، \"مجمع البيان\" ٨/ ٧١٥، ولم أجده في \"ديوانه\"، ومعنى ضاحيًا. قال في \"اللسان\" / ٤٧٧ (ضحا): ضحا الرجل ضحْوًا وضُحُوًا وضُحِيّا برز الشمس.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ١١٤ أ.\n(٥) انظر: \"الطبري\" ٢٣/ ١٠٥، \"الماوردي\" ٥/ ٦٩، \"القرطبي\" ١٥/ ١٣٠.","vol":"19","page":113},{"text":"أثعلبة الفوارس أو رياحا ... عدلت بهم طُهيَّة والخشابا (١)\n[وأيضًا] (٢):\n[إن] بها أكتل أو رزاما ... خُوَيرِبين ينفقان الهاما (٣)\nقال: ولو كان شكًا ما قال خويربين وإنما هو أكتل ورزام) (٤).\nوقال ابن الأحمر:\nألا فالبثا شهرين أو نصف ثالث ... إلى داكما ما غيبتني غيابيا (٥)\n_________\n(١) البيت من الوافر، وهو لجرير في \"ديوانه\" ص ٨١٤، \"الكتاب\" ١/ ١٠٢ - ٣/ ١٨٣، \"لسان العرب\" ١/ ٣٥٥ (خشب)، \"مجاز القرآن\" ٢/ ١٤٨ - ١٧٥، \"المقاصد النحوية في شرح شواهد شروح الألفية\" ٣/ ١١٣٨.\nقوله: أثعلبة أراد بها قبيلة، ورياحًا أراد بها أيضًا قبيلة، وهي رياح بن يربوع. وطُهيَّة حي من تميم، والخشابا أيضًا قبيلة.\n(٢) ما بين المعقوفين بياض في (ب).\n(٣) الرجز لرجل من بني أسد في \"الكتاب\" ٢/ ١٤٩، \"الأزهية\" ص ١١٦، وبلا نسبة في \"الكامل\" ٢/ ٧٥٤، \"لسان العرب\" ١١/ ٨٥٨٢ (كتل)، \"مغني اللبيب\" ١/ ٦٣. وأكتل ورزام لصان كان يقطعان الطريق، والخويرب تصغير خارب، وهو اللص أو سارق الإبل خاصة، وإلهام جمع هامة وهي الرأس. وينفقان الهاما أي يستخرجان الدماغ والمخ. وهذا مثل ضربة لحذقهما بالسرقة. \"شرح الكتاب\" لعبد السلام هارون ٢/ ١٤٩.\nوالشاهد فيه أن خويربين انتصبا على الشتم ولو كان على إنَّ لقال خويربًا لكنه انتصب على الشتم.\n(٤) \"مجاز القرآن\" ٢/ ١٧٥.\n(٥) البيت من الطويل وهو لابن أحمر في \"ديوانه\" ص ١٧١، \"الأزهية\" ص ١١٥، \"خزانة الأدب\" ١١/ ٧١.\nوالشاهد فيه قوله: فالبثا شهرين أو نصف ثالث، يريد إلبثا شهرين ونصف ثالث فجاءت أو بمعنى الواو.","vol":"19","page":114},{"text":"وهذا قول قطرب واختيار أبي قتيبة فقال: (أو ربما كانت بمعنى واو النسق كقوله: ﴿عُذْرًا أَوْ نُذْرًا﴾ [المرسلات: ٦] وقوله: ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: ٤٤]، وقوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا﴾ [طه: ١١٣]. قال: وهذا كله عند المفسرين بمعنى واو النسق. قال: ونحو هذا قال: ﴿وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ﴾ [النحل: ٧٧]، وقوله: ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ (١) [النجم: ٩]. وقال: وبعضهم يذهب إلى أنها بمعنى بل في هاتين الآيتين وفي قوله: ﴿أَوْ يَزِيدُونَ﴾ على مذهب التدارك، وليس كما تأولوا، وإنما هي في جميع هذه المواضع بمعنى واحد: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾، ﴿وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ﴾، ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾، وأنشد بيت ابن الأحمر الذي أنشده أبو عبيدة، وقال: هذا البيت يوضح لك معنى الواو؛ لأنه أراد شهرين ونصف شهر ثالث) (٢).\nوقال الفراء: أو هاهنا بمعنى بل كذلك جاء في التفسير مع صحته في العربية (٣). وهذا الذي قاله الفراء قول مقاتل (٤) والكلبي (٥). وأنكر البصريون القولين (٦) جميعًا.\n_________\n(١) في (أ): (وكان)، وهو خطأ.\n(٢) \"تأويل المشكل\" ص ٤٤٣ - ٤٤٤ - ٤٤٥.\n(٣) \"معاني القرآن\" ٢/ ٣٩٣.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ١١٤ أ.\n(٥) لم أقف على هذا القول عن الكلبي وهو قول يروى عن ابن عباس. انظر: \"الماوردي\" ٥/ ٦٩، \"القرطبي\" ١٥/ ١٣٢.\n(٦) في (أ): (القول).","vol":"19","page":115},{"text":"قال الأخفش في قوله: ﴿إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ يقول: كانوا كذلك عندكم (١).\nوشرحه الزجاج فقال: (معناه: أو يزيدون في تقديركم إذا رآهم الرائي قال: هؤلاء مائة ألف أو يزيدون على المائة. وهذا هو القول لأنه على أصل أو. وقال: ولا يجوز أن تكون بمعنى الواو؛ لأن الواو للاجتماع وليس فيها دليل على أن أحد الشيئين قبل الآخر، وأو معناها إفراد أحد الشيئين أو أشياء) (٢).\nوزاد أبو الفتح الموصلي بيانًا لمذهب البصريين فقال: (ومعناه: وأرسلناه إلى جمع لو رأيتموه قلتم أنتم فيهم هؤلاء مائة ألف أو يزيدون، فهذا الشك إنما دخل في الكلام على حكايته قول المخلوقين؛ لأن الخالق ﷻ لا يعترضه الشك في شيء من خبره، ومثل هذا في المعنى كثير في التنزيل كقوله: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان: ٤٩]، وقوله: ﴿وَقَالُوا يَا أَيُّهَ السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ﴾ [الزخرف: ٤٩]، وقالوا هذا بعد إيمانهم وتقديره: يا أيها الساحر عند أولئك الذين يدعونك ساحرًا) (٣)، وقد ذكرنا قبل هذا في مواضع من هذا الكتاب.\nقال أبو الفتح: (ألطف وأوضح من قول قطرب أن أو بمعنى الواو) (٤). قال الفراء (٥): إن أو بمعنى بل.\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" ٢/ ٤٩١.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٣١٤.\n(٣) \"سر صناعة الإعراب\" ١/ ٤٥٦\n(٤) \"المصدر السابق\".\n(٥) \"معاني القرآن\" ٢/ ٣٩٤.","vol":"19","page":116},{"text":"وقال المبرد: (معناه أرسلناه إلى مائة ألف، فهم فرضه الذي عليه أن يؤديه، فإن زاد بالأولاد فعليه أيضًا دعاؤهم نافلة غير فرض) (١).\nواختلف المفسرون في الزيادة على المائة ألف. فقال الكلبي ومقاتل: يزيدون عشرين ألفًا، وهو قول السدي (٢). وروى مولى لابن عباس عنه قال: مائة ألف وبضعة (٣) وثلاثون ألفًا (٤). وهو قول الحسن والربيع (٥).\nوقال سعيد بن جبير: يزيدون سبعين ألفًا (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3824>١٤٨ </span>- (فآمنوا) بمعنى: المائة ألف والزيادة الذين أرسل إليهم يونس، آمنوا أي: صدقوا بتوحيد الله ﴿فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾، متعناهم في الدنيا إلى منتهى آجالهم. قاله ابن عباس (٧)، وقتادة (٨)، ومقاتل (٩).\n<span data-type=\"title\" id=toc-3825>١٤٩ </span>- قوله: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ﴾ قال ابن عباس (١٠) ومقاتل (١١): فاسئل\n_________\n(١) لم أقف عليه بهذا اللفظ عن المبرد. وقد ذكر النحاس في \"معاني القرآن\" ٦/ ٦١، قول المبرد: وقال محمد بن يزيد (أو) على بابها، والمعنى أرسلناه إلى جماعة لو رأيتموهم لقلتم مائة ألف أو أكثر.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ١١٤ أ، ولم أقف عليه عن الكلبي والسدي. وقد ذكره أكثر المفسرين منسوبًا لابن عباس ولأبي -﵃- جميعًا. انظر: \"الطبري\" ٢٣/ ١٠٤، \"الماوردي\" ٥/ ٧٠، \"ابن كثير\" ٤/ ٢٢.\n(٣) في (ب): (تسعة).\n(٤) انظر: \"زاد المسير\" ٧/ ٩٠، \"ابن كثير\" ٤/ ٢٢.\n(٥) انظر: \"القرطبي\" ١٥/ ١٣٢، \"مجمع البيان\" ٨/ ٧١٧، \"البغوي\" ٤/ ٤٤.\n(٦) انظر: \"الماوردي\" ٥/ ٧٥، \"المحرر الوجيز\" ٤/ ٤٨٧، \"البغوي\" ٤/ ٤٤.\n(٧) \"تفسير ابن عباس\" بهامش المصحف ص ٣٧٩.\n(٨) انظر: \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ١٥٧، \"الطبري\" ٢٣/ ١٠٥.\n(٩) \"تفسير مقاتل\" ١١٤ أ.\n(١٠) \"تفسير ابن عباس\" بهامش المصحف س ٣٧٩.\n(١١) \"تفسير مقاتل\" ١١٤ أ.","vol":"19","page":117},{"text":"أهل مكة. قال أبو إسحاق: فسألهم مسألة توبيخ وتقرير (١).\nقال مقاتل: فسألهم النبي -ﷺ- في والنجم وهو قوله: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ﴾ [النجم: ٢١] الآية (٢).\nقوله: ﴿أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ﴾ قال المفسرون: وذلك أن قريشًا وأحياء من العرب: جهينة (٣) وبني سلمة (٤) وخزاعة (٥) وبني مليح (٦)، قالوا: الملائكة بنات الله (٧). قال الكلبي: لا يرضى أحدكم أن يكون له بنت، فكيف يرضى لله ما لا يرضى لنفسه (٨).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3826>١٥٠ </span>- قوله: ﴿أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ﴾ معناه: بل أخلقنا الملائكة إناثًا وهم شاهدون حاضرون خلقنا إياهم، كقوله: ﴿أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾ [الزخرف: ١٩]، ثم وهذا إنكار عليهم يقول: كيف\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٣١٤.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ١١٤ أ.\n(٣) جهينة: من قبائل الحجاز العظيمة، تمتد منازلها على الساحل من جنوبي دير بلى حتى ينبع، وجهينة بن زيد: حي عظيم من قضاعة من القحطانية، ومساكنهم ما بين ينبع ويثرب في متسع من برية الحجاز.\"معجم قبائل العرب\" ١/ ٢١٤.\n(٤) بنو سَلِمة: بفتح السين وكسر اللام، بطن من الخزج من القحطانية، وهم بنو سَلِمة ابن سعد بن علي بن راشد.\nانظر: \"نهاية الأرب في معرفة أنساب العرب\" ص٣٧٠.\n(٥) خزاعة: قبيلة من الأزد من القحطانية وهم بنو عمر بن ربيعة، ومنازلهم بأنحاء مكة في مرِّ الظهران وما يليه. \"معجم قبائل العرب\" ١/ ٣٣٨.\n(٦) بنو مليح: كزبير حيٌّ من خزاعة، وخزاعة قبيلة من الأزد من القحطانية. انظر: \"معجم البلدان\" ١/ ٣٣٨.\n(٧) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١١٤ أ، \"تفسير الثعلبي\" ٢٣/ ٥٣ أ، \"القرطبي\" ١٥/ ١٣٣.\n(٨) لم أقف عليه عن الكلبي. وانظر: \"تفسير ابن عباس\" بهامش المصحف ص ٣٧٩.","vol":"19","page":118},{"text":"جعلوهم إناثًا ولم يشهدوا خلقهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3827>١٥١ </span>- ثَمَّ أخبر عن كذبهم فقال: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ (١٥١) وَلَدَ اللَّهُ﴾ يعني حين زعموا أن الملائكة بنات الله، ﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ في قولهم.\n<span data-type=\"title\" id=toc-3828>١٥٣ </span>- قوله تعالى: ﴿أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ﴾ قراءة العامة بفتح الهمزة وقطعها من أصطفي على معنى أأصطفي ثم يحذف ألف الوصل وهو استفهام توبيخ وتقريع، كقوله: ﴿أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ﴾ [الزخرف: ١٦]، وقوله: ﴿أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ﴾ [الطور: ٣٩]، وقوله: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى﴾ [النجم: ٢١]. فكما أن هذه المواضع كلها استفهام كذلك [في] (١) هذه الآية. وقرأ نافع في بعض الروايات: ﴿أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ﴾، ﴿أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ﴾، ﴿أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ﴾، ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى﴾ موصولة بغير استفهام. وإذا ابتدأَ كَسَر الهمزَة على وجه الخبر كأنه اصطفى البنات فيما يقولون، كقوله: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان: ٤٩]، أي: فيما كنت تقوله وتذهب إليه، وكقوله: ﴿وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحجر: ٦]، أي: فيما يقول هو ومن يتبعه.\nويجوز أن يكون اصطفى تفسيرًا لكذبهم الذي نسب إليهم في قولهم: ﴿وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾، كما أن ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ (٢) تفسير للوعد (٣).\n_________\n(١) ما بين المعقوفين ساقط في (ب).\n(٢) [سورة المائدة: الآية ٩]. قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾.\n(٣) في (أ): (للوعيد).","vol":"19","page":119},{"text":"ويجوز أن يكون قوله: ﴿أَصْطَفَى﴾ متعلقًا بقوله: ﴿لَيَقُولُونَ﴾ على أنه أريد حرف العطف فلم يذكر، واستغنى بها في الجملة الثانية من الاتصال بالأولى عن حرف العطف كقوله: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ [الكهف: ٢٢] ونحو ذلك مما حذف حرف العطف منه لالتباس (١) الثانية بالأولى. ذكر هذه الوجوه أبو علي ثم قال: وغير الاستفهام ليس باتجاه الاستفهام) (٢).\nوذكر الفراء وجهًا آخر وهو: أنه أراد الاستفهام، وحذف حرف الاستفهام كقوله: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ﴾ [الأحقاف: ٢٠]، قرئ بالاستفهام ﴿أَذْهَبْتُمْ﴾ وقرئ بغير حرف الاستفهام ومعناهما جميعًا [واحد] (٣) (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3829>١٥٤ </span>- قوله تعالى: ﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ توبيخ لهم على قولهم الكذب.\nقال مقاتل: كيف تقصون الجور حين تزعمون أن لله البنات ولكم البنون، (أفلا تذكرون) أنه لا يختار البنات على البنين (٥).\nوقال ابن عباس: أفلا تتعظون، يعني فتنتهون عن هذا القول (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3830>١٥٦ </span>- ﴿أَمْ لَكُمْ﴾ [قال مقاتل] (٧): يعني ألكم (٨) ﴿وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾.\n_________\n(١) في (أ): (للا لتباس).\n(٢) \"الحجة\" ٦/ ٦٤ - ٦٥.\n(٣) ما بين المعقوفين طمس في (ب).\n(٤) \"معاني القرآن\" ٢/ ٣٩٤.\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ١١٤ أ.\n(٦) لم أقف عليه عن ابن عباس. وانظر: \"الطبري\" ٢٣/ ١٠٧.\n(٧) ما بين المعقوفين غير مثبت في (ب).\n(٨) لم أقف عليه.","vol":"19","page":120},{"text":"قال ابن ساس: حجة بينة (١) أنما قلتم كما قلتم (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3831>١٥٧ </span>- ﴿فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ﴾ يريد الذي لكم فيه الحجة، ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ في قولكم الملائكة بنات الله.\n<span data-type=\"title\" id=toc-3832>١٥٨ </span>- قوله: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾، اختلفوا في الجنة وفي هذا النسب الذي جعلوه. فروى السدي عن أبي صالح قال: الجنة: الملائكة (٣). وروى عن أبي مالك قال: إنما سموا الجنة لأنهم كانوا على الجنان (٤).\nوقال مقاتل: جعلوا نسبًا بين الرب والملائكة حين زعموا أنهم بنات الله (٥). وعلى هذا القول الجنة هم الملائكة. سموا جنة لاجتنانهم عن الأبصار، أو لأنهم خُزَّان الجنة كما ذكر السدي. وقال الكلبي: قالوا لعنهم الله تزوج من الجن فخرج منها الملائكة. تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا (٦).\nوقال قتادة: قالوا صاهر الجن، والملائكة من الجن (٧). فذلك قوله:\n_________\n(١) هكذا في النسخ. ويظهر أن هناك سقطًا ولعل تقديره حتى يكون المعنى واضحًا: حجة بينة على أنما قلتم كما قلتم.\n(٢) لم أقف عليه عن ابن عباس، وقد ذكره الماوردي ٨/ ٧٠ عن ابن قتيبة، وأورده بعض المفسرين غير منسوب. وانظر: \"بحر العلوم\" ٣/ ١٢٥، \"مجمع البيان\" ٨/ ٧١٨، \"القرطبي\" ١٥/ ١٣٤.\n(٣) انظر: \"تفسير السدي\" ص ٤٠٦، \"القرطبي\" ١٥/ ١٣٤.\n(٤) انظر: \"القرطبي\" ١٥/ ١٣٤، وأورده السيوطي في \"الدر\" ٧/ ١٣٤، وعزاه لابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن أبي مالك، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ١٠/ ٣٢٣١.\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ١١٤ ب.\n(٦) انظر: \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٢٥٣ أ، \"البغوي\" ٤/ ٤٤، \"زاد المسير\" ٧/ ٩١.\n(٧) انظر: \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ١٥٧، \"الطبري\" ٢٣/ ١٠٨، \"معاني القرآن\" للنحاس ٦/ ٦٥.","vol":"19","page":121},{"text":"﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾. وقال مجاهد: قالت كفار قريش: الملائكة بنات الله، فقال لهم أبو بكر الصديق: فمن أمهاتهم؟ قالوا: سروات (١) الجن (٢). وعلى هذا القول: الجنة أولاد الجن، والنسب هو المصاهرة وروي قول آخر عن الحسن، قالوا: أشركوا الشيطان في عبادة الله، فهو النسب الذي جعلوه (٣). يعني أنهم عبدوه مع الله وأطاعوه وكأنهم جعلوه نسبًا لله، حيث اعتقدوا طاعته. وفيه بعد.\nوالاختيار القول الأول، وهو قول الفراء (٤) وأبي إسحاق (٥)، يدل عليه ما بعده من قوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾، أي: قد علمت الملائكة أن الذي قالوا هذا القول محضرون النار ويعذبون. قاله مقاتل (٦)، وعطاء (٧)، والفراء، وأبو إسحاق، والكناية في قوله: إنهم تعود على الكفار الذين قالوا هذا القول وجعلوا هذا النسب، وعلى القول الأول الكناية تعود على الجِنَّة، والمعنى: ولقد علمت الجِنة أنهم سيحضرون الحساب.\nقال مجاهد: والتأويل أنه لو كان كما قال الكفار من أن بين الله وبينهم نسبًا ما أحضروا الحساب، وإحضارهم للحساب دليل على أنه لا\n_________\n(١) يعنون أشرافهم.\n(٢) \"تفسير مجاهد\" ص ٥٤٦. وانظر: \"الطبري\" ٢٣/ ١٠٨، \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٢٥٣ أ.\n(٣) انظر: \"الماوردي\" ٥/ ٧٠، \"البغوي\" ٤/ ٤٥، \"القرطبي\" ١٥/ ١٣٥.\n(٤) \"معاني القرآن\" ٢/ ٣٩٤.\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٣١٥.\n(٦) \"تفسير مقاتل\" ١١٤ ب.\n(٧) لم أقف عليه عن عطاء. وأورده الطبري في \"تفسيره\" ٢٣/ ٨، عن السدي.","vol":"19","page":122},{"text":"نسب بينه وبينهم (١)، كما قال الله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ﴾ [المائدة: ١٨]، يعني: أن تعذيبه إياكم يدل على أنكم لستم كما تقولون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3833>١٥٩ </span>- ثم نزه نفسه عما قالوا من الكذب فقال: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٥٩) إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ يعني الموحدين، الذين استخلصهم الله لتوحيده وعبادته، وهذا من المؤخر الذي يراد به التقديم؛ لأنه استثناء من المحضرين بقول: أُعلِموا أنهم محضرون النار إلا من أخلص ووحد. وفي هذه الآية دليل على صحة القول الأول في قوله: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾. وروي عن ابن عباس: إلا عباد الله المخلصين فإنهم لا يجعلون لله صاحبة ولا ولدًا (٢). وعلى هذا الاستثناء منقطع وفي الكلام محذوف يدل على ما قبله.\n<span data-type=\"title\" id=toc-3834>١٦١، ١٦٢ </span>- ثم خاطب كفار مكة بقوله: ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ (١٦١) مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ﴾ معنى الفتنة هاهنا الإضلال في قول جميعهم.\nقال الفراء: وأهل الحجاز يقولون: فتنت الرجل، وأهل نجد أفتنته (٣). ويدل طى أن المراد بالفتنة الإضلال قوله: ﴿مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ قال الزجاج: ما أنتم عليه بمضلين إلا من أضله الله (٤)، ويقال: أضله على الشيء كما يقال أضله به. وبعضهم يجعل على هاهنا بمعنى الباء، قال\n_________\n(١) لم أقف عليه، وقد ذكر ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ١٠/ ٣٢٣١ قريبًا من هذا القول عن مجاهد.\n(٢) لم أقف عليه.\n(٣) \"معاني القرآن\" ٢/ ٣٩٤.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٣١٥.","vol":"19","page":123},{"text":"مقاتل: يقول ما أنتم بمضلين أحدًا بآلهتكم إلا من قدر الله له أن يصلى الجحيم وكتب عليه الضلالة (١)، وهذا قول ابن عباس (٢)، وجميع المفسرين، وكان عمر بن عبد العزيز يحتج في إثبات القدر بهذه الآيات، ويقول: لو أراد الله أن لا يُعصى ما خلق إبليس وهو رأس الخطيئة، ثم يقرأ (٣) هذه الآيات (٤)، يعني أن الله تعالى قد بين أن قضاءه سبق في الدنيا ويعبدون الأصنام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3835>١٦٤ </span>- قوله: ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ﴾، هذا إخبار عن قول جبريل للنبي -ﷺ-. قال مقاتل: ثم قال جبريل للنبي -ﷺ-: وما منا معشر الملائكة إلا له مقام معلوم في السموات يعبد الله فيه (٥)، ونحو هذا قال الكلبي (٦). وروى عطاء عن ابن عباس: وقالت الملائكة وما منا إلا له مقام معلوم (٧)، وقد حذف على النظم قائل هذا القول.\nوقال أبو إسحاق: (هذا قول الملائكة وفيه مضمر، المعنى: ما منا ملك إلا له مقام معلوم (٨).\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ١١٤ب.\n(٢) انظر: \"الطبري\" ٢٣/ ١٥٩، \"الماوردي\" ٥/ ٧٢، \"معاني القرآن\" للنحاس ٦/ ٦٧.\n(٣) في (ب): (تلا).\n(٤) انظر: \"الطبري\" ٢٣/ ١١٠، \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٢٥٣ ب، وأورده السيوطي في \"الدر\" ٧/ ١٣٤، وعزاه لعبد بن حميد، والبيهقي في \"الأسماء والصفات\".\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ١١٤ب.\n(٦) انظر: \"زاد المسير\" ٧/ ٩٣.\n(٧) لم أقف عليه عن ابن عباس، وقد ذكره القرطبي في \"تفسيره\" ١٥/ ١٣٧، ولم ينسبه.\n(٨) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٣١٦.","vol":"19","page":124},{"text":"وروى مسروق عن عائشة قالت: قال نبي الله -ﷺ-: \"ما في سماء الدنيا موضع قدم إلا عليه ملك ساجد أو قائم فذلك قول الملائكة: ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ (١٦٤) وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (١٦٥) وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾ (١) \"). ونحو هذا قال ابن عباس (٢)، وابن مسعود (٣).\nوقال الكلبي: صفوف الملائكة في السماء كصفوف أهل الدنيا في الأرض (٤).\nوقال قتادة: هم الملائكة صفوا أقدامهم (٥).\nقال ابن عباس: وإنا لنحن الصافون في التهليل والتسبيح والتكبير (٦). وكان عمر -﵁- إذا أقيمت الصلاة استقبل الناس بوجهه ثم قال: أقيموا صفوفكم واستووا، إنما يريد الله بكم هدي الملائكة، ثم يقرأ: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" ١٠/ ٣٢٣٢ عن عائشة، وأورده السيوطي في \"الدر\" ٧/ ١٣٥، وقال: أخرج محمد بن نصر المروزي في \"كتاب الصلاة\"، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن مردويه عن عائشة.\nوللحديث طريق آخر عن أبي ذر، أخرجه الترمذي في \"سننه\" أبواب الزهد، باب ما جاء في قول النبي -ﷺ-: \"لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا\" ٣/ ٣٨٠ رقم ٢٤١٤، وقال: وفي الباب عن عائشة وأبي هريرة وابن عباس وأنس، ثم قال: هذا حديث حسن غريب. وأخرجه ابن ماجه في \"سننه\" أبواب الزهد، باب الحزن والبكاء٢/ ٤٢٤ رقم ٤٢٤٣، وأخرجه الإمام أحمد في \"مسنده\" ٥/ ١٧٣.\n(٢) انظر: \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٢٥٣ ب، \"البغوي\" ٤/ ٤٥، \"القرطبي\" ١٥/ ١٣٧.\n(٣) انظر: \"تفسير الماوردي\" ٥/ ٧٢، \"القرطبي\" ١٥/ ١٣٧.\n(٤) انظر: \"البغوي\" ٤/ ٤٥، \"القرطبي\" ١٥/ ١٣٧، \"زاد المسير\" ٧/ ٩٣.\n(٥) انظر: \"الطبري\" ٢٣/ ١١٣، \"البغوي\" ٤/ ٤٥، \"القرطبي\" ١٥/ ١٣٧.\n(٦) انظر: \"الطبري\" ٢٣/ ١١٢.","vol":"19","page":125},{"text":"الصَّافُّونَ (١٦٥) وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾ (١). قال الكلبي (٢) ومقاتل (٣): المصلون.\nوقال أبو إسحاق: الممجدون الله الذين ينزهونه عن السوء (٤).\nوقال مقاتل: يخبر جبريل النبي -ﷺ- بعبادتهم لربهم فكيف عندهم كفار مكة (٥). يعني أن جبريل أخبر أنهم يعبدون الله بالصلاة والتسبيح، وأنهم عباد الله ليسوا بمعبودين، ولا بنات الله كما زعمت الكفار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3836>١٦٧ </span>- ثم عاد إلى الإخبار عن المشركين فقال: ﴿وَإِنْ كَانُوا لَيَقُولُونَ﴾ يعني وأنهم كانوا ليقولون: ﴿لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْرًا مِنَ الْأَوَّلِينَ﴾. قال السدي: قالوا لو أن عندنا كتابًا من كتب الأنبياء (٦) ﴿لَكُنَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾. وقال الكلبي: يقولون لو أتانا نبي كما أتى اليهود والنصارى لكنا عباد الله (٧).\nقال عطاء عن ابن عباس: يريد قرآنا من لدن إبراهيم وإسماعيل (٨). وقال أبو إسحاق: كان كفار قريش يقولون لو جاءنا ذكر كما جاء غيرنا من\n_________\n(١) انظر: \"الطبري\" ٢٣/ ١١٢، وابن كثير ٤/ ٢٤، \"زاد المسير\" ٧/ ٩٣.\n(٢) لم أقف عليه عن الكلبي وبعض المفسرين ينسبه لقتادة. انظر: \"الماوردي\" ٥/ ٧٣، \"القرطبي\" ١٥/ ١٤٠.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ١١٤ ب.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٣١٦.\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ١١٤ب.\n(٦) انظر: \"الطبري\" ٢٣/ ١١٣، \"تفسير السدي\" ص ٤٠٧، \"المحرر الوجيز\" ٤/ ٤٨٩.\n(٧) لم أقف عليه عن الكلبي، وقد أورد الطبري في \"تفسيره\" ٢٣/ ١١٣ نحوه عن قتادة، والقرطبي في \"تفسيره\" ١٥/ ١٣٨، ولم ينسبه.\n(٨) لم أقف عليه عن ابن عباس، وقد أورد الطبري في \"تفسيره\" ٢٣/ ١١٣ نحوه عن السدي والضحاك، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٧/ ٩٣، ولم ينسبه.","vol":"19","page":126},{"text":"الأولين ﴿لَكُنَّا عِبَادَ اللَّهِ﴾ (١)، وعلى هذا في الآية مضاف مقدر على تقدير ذكر من الكتب الأولين.\nوقال مقاتل: يعني خبر الأمم الخالية كيف أهلكوا وما كان أمرهم ﴿لَكُنَّا عِبَادَ اللَّهِ﴾ (٢)، ولا يحتاج على هذا إلى تقدير المضاف. والقول هو الأول؛ لقوله -﷿-: ﴿أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ﴾ [الأنعام: ١٥٧]، قال الله تعالى: ﴿فَكَفَرُوا بِهِ﴾ المعنى: فجاءهم ما طلبوا فكفروا به. قال الزجاج: فلما جاءهم كفروا به (٣).\nوقال الفراء: (المعنى: وقد أرسل إليهم محمدًا بالقرآن فكفروا به، وهو مضمر لم يذكر؛ لأن معناه معروف مثل قوله: ﴿يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ﴾ [الأعراف: ١١٠]، وهذا من قول الملأ ثم قال: ﴿فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾، فوصل قول فرعون بقولهم؛ لأن المعنى بيِّن) (٤). قال قتادة (٥): وهذا كقوله: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة: ٨٩]. وقال مقاتل: يقص الله في القرآن خبر الأولين فكفروا بالقرآن، ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ وعيد القتل ببدر (٦). وقال ابن عباس: يريد تهديدًا (٧).\nوقال أبو إسحاق: فسوف يعلمون مغبة كفرهم وما نُنْزِل بهم من\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٣١٦.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ١١٤ ب.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٣١٦.\n(٤) \"معانى القرآن\" ٢/ ٣٩٥.\n(٥) انظر: \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ١٥٩، \"الطبري\" ٢٣/ ١١٣.\n(٦) \"تفسير مقاتل\" ١١٤ ب\n(٧) لم أقف عليه.","vol":"19","page":127},{"text":"العذاب في الدنيا والآخرة (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3837>١٧١ </span>- ثم ذكر أن العاقبة للأنبياء بالنصر وإن كذبهم قومهم، فقال: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ﴾، أي: تقدم الوعد بأن الله ينصرهم بالحجة وبالظفر بعدوهم. قال مقاتل: يعني بالكلمة: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ [المجادلة: ٢١]، فهذه الكلمة التى سبقت للمرسلين (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-3838>١٧٣ </span>- ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ أي: ضرب الله لهم الغلبة. فإن قيل: كيف سبقت الكلمة بالنصر لهم مع أن الأنبياء من قبل (٣) أو هزم أحزابهم، قيل: بعض المفسرين يذهب إلى أن الغلبة بالحجة، وهو مذهب السدي (٤)، وبعضهم يذهب إلى أن العاقبة لهم بالنصر على من ناوأهم، ولم يقتل نبي في معركة حرب (٥). وقيل هذه النصرة هو أن الأنبياء وأتباعهم ينجون من عذاب الدنيا والآخرة، وهذا مذهب مقاتل بن سليمان (٦).\n<span data-type=\"title\" id=toc-3839>١٧٤ </span>- قوله: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ﴾ قال ابن عباس (٧)، ومقاتل (٨): يعني القتل ببدر. وهو قول مجاهد (٩)، والسدي (١٠). وقال الكلبي: يعني\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٣١٦.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ١١٤ ب.\n(٣) يظهر أن هنا كلمة ساقطة تُقَدَّر: هزموا أو هزم أحزابهم.\n(٤) انظر: \"الطبري\" ٢٣/ ١١٤، \"الماوردي\" ٥/ ٧٣، \"مجمع البيان\" ٨/ ٧٢١.\n(٥) وهذا القول ينسب للحسن. انظر: \"القرطبي\" ١٥/ ١٣٩، \"مجمع البيان\" ٨/ ٧٢١.\n(٦) \"تفسير مقاتل\" ١١٤ ب.\n(٧) انظر: \"القرطبي\" ١٥/ ١٣٩، \"تفسير ابن عباس\" بهامش المصحف ص ٣٨٠.\n(٨) \"تفسير مقاتل\" ١١٤ ب.\n(٩) انظر: \"تفسير الثعلبي\" ٢٣/ ٢٥٣ ب، \"مجمع البيان\" ٨/ ٧٢١.\n(١٠) انظر: \"الطبري\" ٢٣/ ١١٥، \"الماوردي\" ٥/ ٧٣، \"مجمع البيان\" ٨/ ٧٢١.","vol":"19","page":128},{"text":"فتح مكة (١). وقال قتادة: إلى الموت (٢). قال عطاء عن ابن عباس ومقاتل: هذ منسوخة بآية السيف (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3840>١٧٥ - ١٧٧ </span>- ﴿وَأَبْصِرْهُمْ﴾ قال ابن عباس: انتظر بهم (٤).\nوقال مقاتل: أبصرهم إذا نزل بهم (٥). ويقال: أبصره إذا نصرناك عليهم. ﴿فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ ذلك. قال مقاتل: فقالوا متى هذا العذاب تكذيبًا به (٦)، فأنزل الله: ﴿أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ (١٧٦) فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ﴾، الساحة متسع الدار، وجمعها سوح، كالبوح في جمع الباحة، ومنه قول الشاعر:\n.. .. .. .. واغبرت البوح (٧)\nيصف قحطًا وأوله: وكان سّيان أن لا يسرحوا نعما أو يسرحوا بهما.\nقال ابن عباس: نزل بديارهم (٨).\n_________\n(١) انظر: \"بحر العلوم\" ٣/ ١٢٦، وأورده القرطبي ١٥/ ١٣٩، ولم ينسبه لأحد.\n(٢) انظر: \"الماوردي\" ٥/ ٧٣، \"المحرر الوجيز\" ٤/ ٤٩٠، \"القرطبي\" ١٥/ ١٣٩.\n(٣) انظر: \"الناسخ والمنسوخ من كتاب الله\"، لـ: هبة الله بن سلامة المقري ص ١٤٧، \"ناسخ القرآن ومنسوخه\" لابن البارزي ص ٤٦.\n(٤) لم أقف عليه.\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ١١٤ ب.\n(٦) \"تفسير مقاتل\" ١١٤ ب.\n(٧) جزء من بيت وتمامه:\nفكان سيان ألا يسرحوا نعما ... أو يسرحوه بها واغبرت البوحُ\nوهو لأبي ذؤيب الهذلي في \"ديوان الهذليين\" ١/ ١٥٧، \"خزانة الأدب\" ٥/ ١٣٧، \"شرح أشعار الهذليين\" ص ١٢٢، \"لسان العرب\" ١٤/ ٤١٢ (سوا)، وبلا نسبة في \"الخصائص\" ١/ ٣٤٨ - ٢/ ٤٦٥، \"مغني اللبيب\" ١/ ٦٣.\n(٨) لم أقف عليه عن ابن عباس، ونسبه الطبري ٢٣/ ١١٦ للسدي. وأورده النحاس في \"معانى القرآن\" ٦/ ٦٩، والقرطبي ١٥/ ١٤٠، ولم ينسباه لأحد.","vol":"19","page":129},{"text":"وقال مقاتل: يعني بحضرتهم (١).\nوقال الفراء (٢)، والزجاج (٣): (نزل بهم، والعرب تجتزئ بالساحة والعقوة (٤) من القوم، يقال: نزل بك العذاب وبساحتك سواء).\nقوله: ﴿فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ﴾، أي: بئس صباح الذين أنذروا بالعذاب، وفيه مضمر، كأنه قيل: فساء الصبح صباحهم، وذلك أنهم يصبحون في العذاب معذبين. وخص الصباح هاهنا بالذكر من بين الأوقات لأن العرب كانت تصبحهم الغارة فيقول قائلهم: واصباحاه وا سوء صباحاه، ويسمون الغارة: الصباح لأنها توافق الصباح، وذلك أنهم يعتقدون (٥) من يقصدون بالغارة في ذلك الوقت، فجرى اسم الصباح على الغارة، والذي ينزل به الغارة ينادي واسوء صباحاه، وإن لم يكن في وقت الصباح كذلك هؤلاء إذا نزل بهم العذاب؛ قيل في وصفهم ساء صباحهم. ثم ذكر ما سبق تأكيدًا لوعيد العذاب فقال: ﴿وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ﴾، يقول: أعرض عنهم إلى تلك المدة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3841>١٧٩ </span>- ﴿وَأَبْصِرْ﴾ العذاب إذا نزل بهم. ﴿فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾.\n<span data-type=\"title\" id=toc-3842>١٨٠ </span>- ثم نزه نفسه عن شبههم (٦) ووصفهم بقوله: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ١١٥ أ.\n(٢) \"معاني القرآن\" ٢/ ٣٩٦، والكلام بنصه هنا منقول عن الفراء.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٣١٧.\n(٤) عقوة الدار: ساحتها وما حولها. انظر: \"اللسان\" ٣/ ٢٩ (عاق).\n(٥) هكذا جاءت في النسخ، ولعله تصحيف، والصواب (يتعمدون).\n(٦) حرف الشين ساقط في (ي).","vol":"19","page":130},{"text":"الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾، أي: الغلبة والقوة (١).\nقال عطاء (٢): يريد سيُعِزُك وأصحابَكَ عما يصفون الله به من اتخاذ البنات والنساء (٣) يقولون من الكذب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3843>١٨١ </span>- ﴿وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ﴾ قال ابن عباس (٤)، ومقاتل (٥): يريد الذين بلغوا عن الله التوحيد ورسالاته وقاموا بدينه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-3844>١٨٢ </span>- قوله تعالى: ﴿وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ قال ابن عباس: الحمد لي وأنا إله الأولين والآخرين (٦).\nوقال الكلبي (٧): الشكر لله على هلاك المشركين، وهو قول مقاتل (٨).\nوقال أهل المعاني (٩). الحمد لله بإحسانه بكل أفاعيله.\n_________\n(١) هكذا جاء في الكلام في النسخ، وفيه اضطراب، ولابد من تقدير كلمة، وهي: العزة، وهكذا جاءت في \"الوسيط\" ٣/ ٥٣٥.\n(٢) لم أقف عليه.\n(٣) هكذا في النسخ، ولعل الصواب: (وما يقولون).\n(٤) \"تفسير ابن عباس\" بهامش المصحف ص ٣٨٠، وأورد القول غير منسوب: البغوي في \"تفسيره\" ٤٥/ ٤٦، \"القرطبي\" ١٥/ ١٤٢.\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ١١٥ أ.\n(٦) لم أقف عليه.\n(٧) لم قف عليه عن الكلبي. وانظر: \"البغوي\" ٤/ ٤٦، \"القرطبي\" ١٥/ ١٤٢، \"زاد المسير\" ٧/ ٩٥.\n(٨) \"تفسير مقاتل\" ١١٥ أ.\n(٩) انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ١/ ٤٥، ولم أقف عليه عند غيره من أهل المعاني.","vol":"19","page":131},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3845>سورة ص</span>","vol":"19","page":133},{"text":"تفسير سورة ص\nبسم الله الرحمن الرحيم\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3846>١ </span>- روى الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس وجابر أنهما سئلا عن ﴿ص﴾ فقالا: لا ندري (١).\nوقال سعيد بن جبير: بحر يحيى الله به الموتى (٢).\nوقال الضحاك: صدق الله وعده (٣).\nوقال مجاهد: فاتحة السورة (٤).\nوقال قتادة: اسم من أسماء القرآن (٥).\nوروى الوالبي عن ابن عباس قال: هو اسم من أسماء الله -﷿- (٦). وقال في رواية عطاء: يريد صدق محمد -ﷺ- (٧).\nوقال محمد القُرظي: هو مفتاح أسماء الله: صمد، وصانع المصنوعات، وصادق الوعد (٨).\n_________\n(١) انظر: \"الثعلبي\" ٣/ ٢٥٤ ب، \"القرطبي\" ١٥/ ١٤٣، وأورده السيوطي في \"الدر\" ٧/ ١٤٣، وعزاه لعبد بن حميد عن أبي صالح.\n(٢) انظر: \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٢٥٤ ب، \"القرطبي\" ١٥/ ١٤٣.\n(٣) انظر: \"الماوردي\" ٥/ ٧٥. \"البغوي\" ٤/ ٤٧، \"القرطبي\" ١٥/ ١٤٣.\n(٤) انظر: \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٢٥٤ ب، \"القرطبي\" ١٥/ ١٤٣.\n(٥) انظر: \"الطبري\" ٢٣/ ١١٧، \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٢٥٤ ب، \"الماوردي\" ٥/ ٧٥.\n(٦) انظر: \"الطبري\" ٢٣/ ١١٧، \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٢٥٤ ب، \"زاد المسير\" ٧/ ٩٧.\n(٧) انظر: \"البغوي\" ٤/ ٤٧، \"زاد المسير\" ٧/ ٩٧.\n(٨) انظر: \"المحرر الوجيز\" ٤/ ٤٩١، \"البغوي\" ٤/ ٤٧، \"القرطبي\" ١٥/ ١٤٣.","vol":"19","page":135},{"text":"وقال السدي: هو قسم أقسم الله به (١).\nوذكر أبو إسحاق (٢) فيه قولين قال: معناه الصادق الله. وقيل: إنه قسم (٣).\nقوله: ﴿وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ عطف عليها، المعنى: أقسم بـ ﴿ص﴾ وبالقرآن ذي الذكر. وأنكر أبو علي أن تكون ﴿ص﴾ قسمًا قال: (لأنه إذا كان قسمًا لا يخلو قوله: ﴿وَالْقُرْآنِ﴾ من أن يكون استئناف قسم أو عطفا على قسم، وهو قوله: ﴿ص﴾، فلا يجوز أن يكون استئناف قسم إن جعلت ﴿ص﴾ قسمًا؛ لأن جواب الأول لم يمض، فإذا لم يمض جواب الأول لم يجز أن يستأنف قسم آخر، ولا يجوز أن يكون عطفًا على القسم الأول، فيكون جوابان تشرك الأول؛ لأنه لا حرف جر في الأول، فإذا لم يكن في الأول حرف جر لم يجز ذلك، ولا يجوز إضمار حرف الجر في القسم إلا في أسماء الله كما تقول: الله لأفعلن، ولا يجوز: الكعبة لأفعلن، يريد بالكعبة كما جاز في اسم الله، لأنه كثر في كلامهم فجاز فيه للكثرة مالا يجوز في غيره، ألا ترى أنهم قد استجازوا في هذا الاسم بدل الباء من\n_________\n(١) انظر: \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٢٥٤ ب، \"القرطبي\" ١٥/ ١٤٣.\n(٢) \"معاني القرآن واعرابه\" ٤/ ٣١٩.\n(٣) هذه الأقوال التي ذكرها المؤلف ﵀ في معنى ﴿ص﴾ أقوال لا دليل عليها، والأولى أن يقال في جميع الحروف المقطعة التي افتتحت بها بعض سور القرآن: أنها بيان لإعجاز القرآن. يقول الإمام ابن كثير ﵀ عنها: إنما ذكرت هذه الحروف في أوائل السور التي ذكرت فيها بيانا لإعجاز القرآن، وأن الخلق عاجزون عن معارضته بمثله مع أنه مركب من هذه الحروف المقطعة التي يتخاطبون بها. \"تفسير ابن كثير\" ١/ ٣٨. وهذا القول اختيار جماعة من المحققين. انظر. \"الكشاف\" ١/ ٧٦، \"فتح القدير\" ١/ ٣٧، \"أضواء البيان\" ٣/ ٣ - ٧.","vol":"19","page":136},{"text":"الواو ولم يجبزوه في غيره، وقالوا: بالله اغفر لي، ولا ينادون اسمًا فيه الأف واللام سوى هذا، لقولك (١) أجازوا الحذف في هذا ولم يجيزوه في غيره، وإذا كان كذلك لم يجز أن يكون ﴿ص﴾ قسمًا، ويكون ﴿وَالْقُرْآنِ﴾ قسمًا لم يسبق قبله قسم) (٢).\nوقوله: ﴿ذِي الذِّكْرِ﴾ أكثر المفسرين قالوا: معناه ذي الشرف. وهو قول سعيد بن جبير وأبي حصين وإسماعيل بن أبي خالد وابن عباس في رواية سعيد (٣). والذكر يكون بمعنى الشرف كقوله: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف: ٤٤]، وكقوله: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾ [الأنبياء: ١٠]. قال مقاتل: ذي البيان (٤). ويكون المعنى على هذا: وأنه ذكر فيه أقاصيص الأولين والآخرين، وما يحتاج إليه في الحلال والحرام. وروي عن الضحاك وقتادة: ذي الموعظة والتذكير (٥).\nواختلفوا في جواب القسم: فحكى النسائي والفراء والزجاج (٦): أن جواب القسم قوله: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ﴾ (٧). قال الكسائي:\n_________\n(١) هكذا جاءت في النسخ، ولعل الصواب: (لذلك) حتى يستقيم الكلام.\n(٢) لم أقف على قول أبي علي.\n(٣) انظر: \"الطبري\" ٢٣/ ١١٨، \"الماوردي\" ٥/ ٧٥، \"المحرر الوجيز\" ٤/ ٤٩١، \"زاد المسير\" ٧/ ٩٨.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ١١٥ أ.\n(٥) انظر: \"الطبري\" ٢٣/ ١١٩، \"الماوردي\" ٥/ ٧٥، \"زاد المسير\" ٧/ ٩٨.\n(٦) انظر: \"مجمع البيان\" ٨/ ٧٢٥، \"التبيان في غريب القرآن\" ٢/ ١٠٩٦، \"الدر المصون\" ٥/ ٥٢٥، \"البحر المحيط\" ٧/ ٣٦٧، \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٣١٩.\n(٧) وهذه الآية في آخر السورة رقمها (٦٤). ولطول الفاصل بين القسم وبين جوابه على هذا القول. نجد أن الكسائي رده ولا يراه شيئًا. وكذا الفراء، وكذلك استبعده النحاس في \"معاني القرآن\" ٦/ ٧٦.","vol":"19","page":137},{"text":"ولا أراه شيئًا، فاستبعده. وقال الفراء: (هذا قد تأخر عن قوله: ﴿وَالْقُرْآنِ﴾ تأخرًا كثيرًا وجرت بينهما قصص مختلفة، فلا يعد ذلك مستقيمًا في العربية) (١). وحكى هؤلاء أيضًا قولًا آخر في جواب القسم، وهو أن يكون قوله: ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا﴾ واعترض بين القسم وجوابه: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ومعناه: لكم أهلكنا، فلما طال الكلام المعترض بينهما حذفت اللام (٢).\nوحكى الأخفش (٣) فقال: يزعمون أن موضع القسم في قوله: ﴿إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾. وقال النحاس (٤): وهذا كالأول في الاستبعاد.\nوذكر صاحب النظم هذا القول فقال: لما قال: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ اعترض خبر آخر سواه، وهو قوله: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فمرَّ فيه إلى قوله: ﴿أُولَئِكَ الْأَحْزَابُ﴾ ثم قال: ﴿إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ﴾ فكان هذا جوابًا للقسم، ومعنى ﴿إِنْ كُلٌّ﴾: ما كل، كما يقال في الكلام: والله ما هذا إلا كافر. وما اعترض بين قوله: ﴿ص وَالْقُرْآنِ﴾ إلى قوله: ﴿إِنْ كُلٌّ﴾ قصة واحدة، وهذا الجواب قد يتصل بها وينتظم معها، فيكون جوابًا للقصة المعترضة للقسم انتهى كلامه.\nوروي عن قتادة أن موضع القسم: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (٥) كما قال:\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" ٢/ ٣٩٧.\n(٢) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٣٩٧، \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٣١٩، \"مجمع البيان\" ٨/ ٧٢٥.\n(٣) \"معاني القرآن\" ٢/ ٤٩٢.\n(٤) \"معاني القرآن الكريم\" ٦/ ٧٦.\n(٥) انظر: \"الطبري\" ٢٣/ ١١٩، \"معاني القرآن\" للنحاس ٦/ ٧٧، \"زاد المسير\" ٧/ ٩٩.","vol":"19","page":138},{"text":"﴿وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (١) بَلْ عَجِبُوا﴾. وقال صاحب النظم في هذا القول: معنى بل توكيد للخبر الذي بعده [...] (١) في سبب ما بعدها قبل هاهنا بمنزلة أن؛ لأنه توكيد ما بعده من الخبر وإن كان له معنى سواه في نفي خبر متقدم، فكأنه -﷿- قال: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (١) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾، كما تقول: والله إن زيدًا قائم. ثم قال: واحتج قائل هذا القول بأن هذا النظم وإن لم يكن للعرب فيه أصل ولا لها فيه رسم، فيحتمل أن يكون نظمًا أحدثه الله -﷿- لما بينا من احتمال بل معنى أن. انتهى كلامه (٢).\nوقال أبو القاسم الزجاج: (قال النحويون: إن بل يقع في جواب القسم كما تقع لن؛ لأن المراد بهما توكيد الخبر، وذلك في قوله: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (١) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وكذلك قوله: ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (١) بَلْ عَجِبُوا﴾ وهذا من طريق الاعتبار يصلح أن يكون بمعنى أن لا أنه شائع في عبارة العرب أن يكون بل جوابًا للقسم، لكن بل لما كان متضمنًا خبر وإثبات خبرًا آخر بعد، فكأنه وكد من سائر التوكيدات، فحسن وضعه في موضع إن وقد، فكأنه قال: ص والقرآن ذي الذكر إن الذين كفروا. وقال:\n_________\n(١) في جميع النسخ قدر ثلاث كلمات غير واضحة، ولم أستطع الوقوف عليها في مضانها بعد طول بحث.\n(٢) القول بأن الجواب هو قوله: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وهو قول قتادة، لعله أرجح الأقوال، وقد رجحه الإمام الطبري في \"تفسيره\" ٢٣/ ١١٩. فقال: والصواب عندي ما قاله قتادة؛ لأنَّ بل دلت على التكذيب، فمعنى الكلام: ما الأمر كما يقول هؤلاء الكفار، بل هم في عزة وشقاق ا. هـ.\nأما قول صاحب النظم بأن قائل هذا القول يحتج بأن النظم وإن لم يكن للعرب فيه أصل ولا لها فيه رسم .. إلى آخر كلامه، فهذا تكلف لا مسوغ له.","vol":"19","page":139},{"text":"والقرآن المجيد لقد عجبوا) (١).\nوذهب أبو حاتم إلى هذا القول الذي يروى عن قتادة (٢). وحكاه الأخفش أيضًا فقال: المعنى بل الذين كفروا في عزة وشقاق والقرآن ذي الذكر (٣).\nقال الأخفش: (وهذا يقوله الكوفيون وليس بالجيد في العربية لو قلت: والله قام، وأنت تريد: قام والله لا يحسن أنها لليمين مواضع خاصة يقع فيها إذا أزلتها عنها لم يحسن) (٤).\nقال النحاس: (هذا خطأ على مذهب النحويين؛ لأنه إذا ابتدأ بالقسم وكان الكلام معتمدًا عليه لم يكن بد من الجواب، وأجمعوا على أنه لا يجوز: والله قام عمرو بمعنى قام عمرو والله؛ لأن الكلام معتمد على القسم) (٥).\nقال الأخفش وذكر وجها آخر: يجوز أن يكون لـ ﴿ص﴾ معنى يقع على القسم، لا ندري نحو ما هو كأنه كقوله: الحق والله (٦). وهذا الذي قاله الأخفش صحيح المعنى على قول من يقول ﴿ص﴾ الصادق الله أو صدق محمد، وهذا الوجه ذكره الفراء أيضًا فجعل ﴿ص﴾ جواب القسم،\n_________\n(١) لم أقف على قوله.\n(٢) انظر القول منسوبًا لأبي حاتم وقتادة في: \"القطع والائتناف\" ص ٦١٥.\n(٣) انظر: \"تفسير القرطبي\" ١٥/ ١٤٤، \"المحرر الوجيز\" ٤/ ٤٩١، \"البحر المحيط\" ٧/ ٣٦٧، \"زاد المسير\" ٧/ ٩٩.\n(٤) لم أقف عليه عن الأخفش. وانظر: \"القطع والائتناف\" ص ٦١٥.\n(٥) \"القطع والائتناف\" ص ٦١٥.\n(٦) لم أقف عله عن الأخفش. انظر: \"المصدر السابق\" ص: ٦١٥ فقد ذكر هذا القول.","vol":"19","page":140},{"text":"قال: هو كذلك وجب والله، ونزل والله، فهي جواب لقوله: ﴿وَالْقُرْآنِ﴾ كما تقول: نزل والله) (١).\nوذكر النحاس وغيره من المعاني (٢) وجهًا (٣) آخر في جواب القسم، وهو أنه محذوف بتقدير: ﴿وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ ما الأمر كما يقول هؤلاء الكفار، ودل على المحذوف قوله: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. قال: وهذا القول مذهب محمد بن جرير (٤) وهو مستخرج من قول قتادة، وهو قول حسن.\nوشرح صاحب النظم هذا القول فقال: بل دافع لخبر قبله ومثبت لخبر بعده، فقد ظهر ما بعده. وأضمر ما قبله. وما بعده دليل على ما قبله فالظاهر يدل على الباطن، وإذا كان كذلك وجب أن يكون قوله: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾ مخالفًا لهذا المضمر، فكأنه قيل: والقرآن ذي الذكر إن الذين كفروا يزعمون أنهم على الحق وكلامًا في هذا المعنى. فهذه ستة أوجه ذكرناها في جواب القسم (٥).\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" ٢/ ٣٩٦.\n(٢) لعل صحة الكلام: وغيره من أهل المعاني.\n(٣) \"معاني القرآن\" للنحاس ٦/ ٧٦، \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٣٩٧، \"معاني القرآن وإعرابه\" للزجاج ٤/ ٣١٩.\n(٤) \"تفسير الطبري\" ٢٣/ ١١٩.\n(٥) ولعل الأرجح منها -وهو ما سبق ترجيحه- قول قتادة، وهو أن الجواب قوله: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. وإن كان القول السادس -وهو ما قال به النحاس وأهل المعاني- مستخرجًا من قول قتادة كما يقول المؤلف، فهو قول قوي ومقبول أما الأقوال الأخرى ففيها بعد. أما القول الأول: وهو أن الجواب قوله: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ﴾ فبعده لطول الفاصل بين القسم والجواب كما أسلفنا. وأما الثاني: وهو أن الجواب قوله: ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا﴾ فبعيد للفاصل أيضًا، وإن كان الفاصل قليلًا، إلا =","vol":"19","page":141},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3847>٢ </span>- قوله: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾ قال ابن عباس (١): جحدوا وكذبوا وأشركوا. وقال مقاتل: كفروا بالتوحيد من أهل مكة.\n(في عزة) قال: يعني حمية، كقوله: ﴿أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ﴾ [البقرة: ٢٠٦] (٢). وقال الكلبي: يكفروا عن محمد -ﷺ- <span data-type=\"title\" id=toc-3848>(٣)</span>. قال المبرد: العزة التعزز عن الحق، نحو قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ﴾ [البقرة: ٢٠٦] وتحقيقه الأنفة عن الانقياد للحق (٤).\nوقوله: ﴿وَشِقَاقٍ﴾ قال ابن عباس: يريد الاختلاف (٥). والكلام في هذا تقدم (٦).\n\n٣ - ثم خوَّفهم فقال: ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ﴾ قال مقاتل: يعني الأمم الخالية حين كذبوا الرسل. ﴿فَنَادَوْا﴾ عند نزول العذاب في الدنيا (٧).\n_________\n= أن هذا لا يجعلنا نقول: إن هذا هو الجواب؛ لوجود ما يصلح جوابًا قبله. وأما الثالث: وهو أن الجواب قوله: ﴿إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾ فبعيد أيضًا لطول الفصل. وأما الرابع: وهو قول الأخفش: يجوز أن يكون لـ ﴿ص﴾ معنى يقع عليه القسم لا ندري نحن ما هو، كانه قولك الحق والله، فبعيد؛ لأن الجواب ظاهر ومفهوم ولا يحتاج إلى تقدير شيء.\n(١) لم أقف عليه\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ١١٥ أ.\n(٣) هكذا جاءت في العبارة في النسخ، وهو خطأ، فإن يكفروا تعدّى بالباء وليس بعن، فالصحيح: يكفروا بمحمد. ولم أقف على قول الكلبي.\n(٤) انظر: \"اللسان\" ٥/ ٣٧٨ (عزز).\n(٥) \"تفسير ابن عباس\" بهامش المصحف ص ٣٨٠.\n(٦) عند الآية (٢٥٦) من سورة البقرة في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾.\n(٧) \"تفسير مقاتل\" ١١٥ أ.","vol":"19","page":142},{"text":"ولم يذكر بأيش نادوا، والظاهر أنه أراد نادوا بالاستغاثة؛ لأن نداء من نزل به العذاب الاستغاثة، وعلى هذا دل كلام ابن عباس وغيره من المفسرين (١).\nوقال آخرون (٢): نادوا بالإيمان والتوبة عند معاينة العذاب، وهو معنى قول قتادة (٣).\nوقال الكلبي (٤): كانوا إذا قاتلوا فاضطروا، قال بعضهم لبعض: مناص (٥) فلما أتاهم العذاب، قالوا: مناص فقال الله تعالى: ﴿وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾. وعلى هذا المعنى والتقدير: فنادوا مناص، إلا أنه حذف المنادى، ودل عليه قوله: ﴿وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ أي: ليس الوقت وقت ما ينادون به، إلا أن هذا القول ضعيف؛ لأن هذا إخبار عن القرون الماضية المهلكة، ويبعد أن يقال: كل القرون كانت عادتهم عند الأضطرار في القتال أن ينادوا مناص. قال صاحب النظم: فنادوا أي: رفعوا أصواتهم، يقال منه: فلان أندى صوتًا من فلان أي: أرفع، ومنه قال الشاعر (٦):\n_________\n(١) انظر: \"الطبري\" ٢٣/ ١٢١، \"الماوردي\" ٥/ ٧٧، \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٢٥٤ ب، \"البغوي\" ٤/ ٤٧.\n(٢) ينسب هذا القول للسدي. انظر: \"الطبري\" ٢٣/ ١٢١، وذكر النحاس في \"معانيه\" ٦/ ٧٧ ولم ينسبه.\n(٣) انظر: \"الطبري\" ٢٣/ ١٢١، \"ابن كثير\" ٤/ ٢٦.\n(٤) انظر: \"الماوردي\" ٥/ ٧٨، \"بحر العلوم\" ٣/ ١٢٩، \"القرطبي\" ١٥/ ١٤٥، وأورده البغوي ٤/ ٤٨ عن ابن عباس.\n(٥) والمناص هنا المراد به: الفرار، فكأنه ينادي بعضهم بعضًا بالفرار والبحث عن ملجأ.\n(٦) هذا البيت من الوافر للأعشى في: \"الكتاب\" ٣/ ٤٥، \"الدر\" ٤/ ٨٥ وليس في =","vol":"19","page":143},{"text":"فقلتُ ادْعى وأدعُوْ فإن أندى ... لصوتٍ أن ينادي داعيان\nقال: وقوله: ﴿وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ ظرف لقوله: ﴿فَنَادَوْا﴾ لأنه وقت (١) له. والمعنى: فنادوا حين لا مناص أي: ساعة لا منجا ولا فوت، إلا أنه لما قدم لا وأخر حين اقتضى ذلك الواو، وكما يقتضي الحال إذا جعل ابتداءً وخبرًا مثل قولك: جاءني زيد راكبًا فإذا جعلته مبتدأ وخبرًا اقتضى الواو مثل: جاءني زيد وهو راكب) (٢). ومما يشبه هذا النظم قولك: أتيت زيدًا حين لم يطلع الفجر، ثم تقول: أتيت زيدًا والفجر لم يطلع، فارتفع الفجر بدخول الواو؛ لأنه جعل مبتدأ وموضعه نصب على الحال. وهذا الذي ذكره شرح قول قتادة: نادوا القوم على غير حين النداء، وتدل هذه الجملة على أنهم نادوا بالاستغاثة. قال ابن عباس (٣) والمفسرون في قوله: ﴿وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾: ليس بحين بروز ولا فرار ضبط القوم (٤).\nقال أبو عبيد: المناص مصدر وناص ينوص، وهو المتجاوز الفوت (٥).\n_________\n= \"ديوانه\". وللفرزدق في \"أمالي القالي\" ٢/ ٩٠ وليس في \"ديوانه\". ولد ثار بن شيبان النمري في \"سمط اللآلئ\" ص ٧٢٦، \"اللسان\" ١٥/ ٣١٦ (ندى). وقيل: للأعشى أو للحطئية أو لربيعة بن جشم أو لدثار بن شيبان في: \"شرح التصريح\" ٢/ ٢٣٩، \"شرح شواهد المغني\" ٢/ ٨٢٧. وبلا نسبة في \"أوضح المسالك\" ٤/ ١٨٢، \"سر صناعة الإعراب\" ١/ ٣٩٢\n(١) في (ب): زيادة (لا)، وهو خطأ.\n(٢) انظر قول أبي علي الجرجاني في القرطبي ١٥/ ١٤٦.\n(٣) انظر: \"الطبري\" ٢٣/ ١٢١، \"تفسير ابن عباس\" بهامش المصحف ص ٣٨٩.\n(٤) انظر: \"الطبري\" ٢٣/ ١٢١، \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٢٥٤ ب.\n(٥) لم أقف عليه عن أبي عبيد. وانظر: \"اللسان\" ٧/ ١٠٢ (نوص).","vol":"19","page":144},{"text":"وقال الفراء: (النوص التأخر في كلام العرب، وأنشد لامرئ القيس:\nأمن ذكر ليلى إذ نأتك تنوص (١) (٢)\nوقال أبو إسحاق: (يقال: ناصه ينوصه، إذا فاته، وفي التفسير: لات حين نداء. قال: ومعناه لات حين نداءٍ ينجي) (٣). وأما لات والكلام في هذه التاء فقال وهب والكلبي: لات بلغة اليمن ليس (٤)، هذا ما ذكر عن أهل التفسير. وأما النحويون فإنهم مختلفون في هذه التاء.\nقال أبو عبيدة: (ولات إنما هي ولا، وبعض العرب يزيد فيها هاء الوقف، فإذا اتصلت صارت تاء) (٥). فعلى قوله، التاء لحقت لا.\nوقال أبو زيد: (لات التاء فيها صلة، والعرب تقول: لات بالتاء،\n_________\n(١) صدر بيت، وعجزه:\nوتقصر عنها خطوة وتبوص\nوهو من الطويل، لامرئ القيس في \"ديوانه\" ص ١٧٧، \"تهذيب اللغة\" ١٢/ ٢٤٦ (ناص)، \"اللسان\" ٥/ ٩٧ (قعد)، ٧/ ٩ (بوص). وبلا نسبة في: \"رصف المباني\" ص ٤٩٦.\nوالشاهد فيه قوله: تبوصو، حيث جاءت الواو لإطلاق القافية. ومعنى نأتك: أي بُعدت عنك وهجرتك. وتنوص: تذهب متباعدًا، وتبوص تَعْجَل، يعني أنك تتردد بين الريث والعجلة. \"شرح ديوان امرئ القيس\" ص ١٢٢.\n(٢) \"معاني القرآن\" ٢/ ٣٩٧.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٣٢٠.\n(٤) لم أقف على هذا القول عن الكلبي ولا عن وهب. وقد ذكر الثعلبي في \"تفسيره\" ٣/ ٢٥٤ ب، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٧/ ١٠٠ عن وهب أنها بالسريانية وليست بلغة أهل اليمن. وذكر البوي في \"تفسيره\" ٤/ ٤٨ أنها بلغة أهل اليمن ولم ينسب هذا القول لأحد، وذكره ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٧/ ١٠٠ عن عطاء.\n(٥) \"مجاز القرآن\" ٢/ ١٧٦.","vol":"19","page":145},{"text":"وأنشد:\nطلبوا صلحنا ولات أوان ... فأجبنا أن ليس حين بقاء (١)\nقال: والأصل فيها لا، والمعنى فيها ليس. قال: والعرب تقول: ما اسطيع وما أستطيع، ويقولون: ثمت في موضع ثم، وربت في موضع رب، ويا ويلتنا ويا ويلتا) (٢).\nوذكر أبو الهيثم عن الرازي في قولهم: (لات هنا أي: ليس حين ذلك وإنما هو لاهَنَّا فأنت لا فقيل لاه، ثم أُضيِف فتحولت الهاء تاء، كما أنثوا رب ربة وثم ثمة) (٣).\nوقال شمر: (أصل هذه التاء هاء وصلت بلا، فقالوا: لاه لغير معنى حادث كما زادوها في ثمة، فلما وصلوها جعلوها تاء. قال: وهذا إجماع من علماء البصرة والكوفة) (٤).\nوقال أبو علي: من الحروف ما دخل عليه حرف التأنيث نحو: ثم وثمه ولات ولات (٥).\nوخالف أبو عبيد (٦) فقال: وجدنا هذه التاء تلحق مع حين ومع لات\n_________\n(١) البيت من الخفيف، وهو لأبي زبيد الطائي في \"ديوانه\" ص ٣٠، \"الإنصاف\" ص ١٠٩، \"خزانة الأدب\" ٤/ ١٩٠، \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣٢٠، \"القرطبي\" ١٥/ ١٤٧.\n(٢) انظر: \"تهذيب اللغة\" ١٥/ ٤٢٠ (لات).\n(٣) انظر: \"المصدر السابق\".\n(٤) انظر: \"المصدر السابق\".\n(٥) لم أقف عليه.\n(٦) ذكر قول أبي عبيد: ابن الأنباري في \"التبيان في غريب إعراب القرآن\" ٢/ ٣١٢، والقرطبي في \"تفسيره\" ١٥/ ١٤٦.","vol":"19","page":146},{"text":"ومع أوان، فيقال: كان هذا تحين كان ذلك، وكذلك تاوان، ويقال اذهب ثلاث إن شئت فاهمز تلأن وإن شئت فلا تهمز، قال: وقد وجدنا ذلك في أشعارهم وفي كلامهم، فمن ذلك قول وجزة:\nالعاطفون تحين ما من عاطف ... والمطعمون زمان ما من مطعم (١)\nقال: وقد كان بعض النحويين يجعلون الهاء موصولة بالنون فتقول العاطفونه، وهذا غلط بين؛ لأن الهاء إنما تقحم مع النون في مواضح القطع والسكوت، فأما مع الاتصال فإنه غير موجود، ومن إدخالهم التاء في أوان قول أبي زبيد (٢):\nطلبوا صلحنا ولات أوان) (٣).\nومن إدخالهم التاء في الآن حديث أبي (٤) عمر وسأله رجل عن عثمان فذكر [يبين لك أن التاء لم تكن زيادة مع لا] (٥). مع أني تعمدت النظر في\n_________\n(١) البيت من الكامل، وهو لأبي وجزة السعدي في: \"الأزهية\" ص ٢٦٤، \"خزانة الأدب\" ٤/ ١٧٦، \"اللسان\" ٩/ ٢٥١ (عطف).\nوالشاهد فيه قوله: (العاطفون تحين) حين زاد التاء على حين، وخرِّج على أن هذه التاء في الأصل هاء السكت، وقيل: الشاهد حذف لا وإبقاء التاء لأن الحين مضافة في التقدير، والتقدير: العاطفون حين لات حين ما من عاطف، فحذف حين مع لا.\n(٢) في النسخ كتب: أبو عبيد، ثم علق في الهامش: زبيد. ولعله وهم من الناسخ ثم صححه من اطلع على الكتاب. البيت لأبي زبيد كما سبق تخريجه.\n(٣) انظر قول أبي عبيد في: \"اللسان\" ٢/ ٨٧ (ليت).\n(٤) هكذا في النسخ، والصواب: (ابن).\n(٥) هكذا جاءت في النسخ، والذي ورد عند القرطبي ١٥/ ١٤٧ حينما نقل كلام أبي عبيد قال: قال أبو عبيد: ومن إدخالهم التاء في الآن حديث ابن عمر وسأله رجل عن عثمان بن عفان -﵁-، فذكر مناقبه ثم قال: اذهب بها تَلاَن فعك.","vol":"19","page":147},{"text":"المصحف الذي يقال له الإمام مصحف عثمان، فوجدت التاء متصلة مع حين قد كتبت تحين، قال: والوقف عندي على هذا الحرف ولا من غير تاء، ثم يبتدئ فيقول: تحين مناص) (١).\nوقال أبو إسحاق: (الوقف على لات بالتاء، فالكسائي يقف بالها لاه، فجعلها هاء التأنيث. قال: وحقيقة الوقف عليها بالتاء؛ لأن هذه التاء نظيرة التاء في الفعل في قولك: ذهبت، جلست، وفي قولك: زيدًا تمت عمرًا عند الوقف على تمت فخطأ فهاء الحروف بمنزلة تاء الأفعال؛ لأن التاء في الموضعين دخلت على ما لا يعرب وليس هو في طريق الأسماء نحو: قاعد وقاعدة) (٢).\nقال أبو علي الفارسي فيما أصلح على أبي إسحاق (٣): (ليس للعرفان والجهالة في قلب هذه التاء هاء في الوقف ولا لتركها مذهب، ولكن يدل على أن الوقف على هذا ينبغي أن يكون بالتاء؛ لأنه لا خلاف أن الوقف على الفعل بالتاء، وإذا كان الوقف على التي في الفعل بالتاء وقعت المنازعة في الحروف وجب أن ينظر فيلحق بالقبيل الذي هو أشبه، والحروف بالفعل أشبه منه بالاسم من حيث كان الفعل ثانيًا والاسم أولًا، فالحرف لهذا الثاني أشبه بالأصل، وأيضًا فإذا كانت هذه الهاء في بعض اللغات تترك تاء في الأسماء كما حكاه سيبويه، وأنشد أبو الحسن من قوله:\n_________\n(١) انظر قول أبي عبيد بتمامه في: القرطبي ١٥/ ١٤٦ - ١٤٧.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٣٢١.\n(٣) أصلح أبو علي على أبي إسحاق كتابه: \"معاني القرآن وإعرابه\"، وكتاب أبي علي اسمه: \"الإغفال فيما أغفله الزجاج في معاني القرآن\".","vol":"19","page":148},{"text":"بل جوزتيها كظهر الحجفتْ (١)\nوإن تترك في الحرف ولا تقلب أجدر، فبهذا ترجح هذا القول على قول الكسائي في القياس) (٢) انتهى كلامه.\nوقياس قول الكسائي أن هذه التاء هاء في الأصل، ثم تصير تاء في الوصل، فإذا ترك الوصل عاد إلى ما كان نحو: قاعدة وضاربة (٣).\nوعند أبي إسحاق وأبي علي لم تكن هاء قط هو تاء في الأصل والوقف كالتاء التي في: ذهبت، وقعدت. وهذا هو الأشبه لما ذكره أبو علي من الحرف بالفعل أشبه منه بالاسم، وقال الفراء: (الوقف على لات بالتاء) (٤).\nفهذه ثلاثة أوجه في الوقف: أحدهما: لات بالتاء، والثاني: لاه بالهاء، والثالث: لا، وهو مذهب أبي عبيد.\nقال الفراء: (والكلام أن ننصب تاء لات؛ لأنها في معنى ليس، أنشدني المفضل:\n_________\n(١) جزء من بيت، وتمامه:\nقد تبلت فؤاده وشغفت ... بل جَوْزِتيهاء كظهر الحجفتْ\nوهو من الرجز لسؤر الذنب.\nانظره مع أبيات أخرى في: \"اللسان\" ٩/ ٣٩ (حجف).١١/ ٧٠ (بلن). \"تاج العروس\" ٢٣/ ١١٩ (حجف). وبلا نسبة في \"رصف المباني\" ص ٢٣٢، ٢٣٨، ٢٦٩، \"المحتسب\" ٢/ ٩٢.\n(٢) \"الإغفال فيما أغفله الزجاج من المعاني\"، رسالة ماجستير أعدها: محمد حسن إسماعيل، كلية الآداب، جامعة عين شمس- مصر. ص ١١٩٣ - ١١٩٤.\n(٣) \"معاني القرآن\" ٢/ ٣٩٨.\n(٤) انظر قول الكسائي في \"إعراب القرآن\" للنحاس ٢/ ٧٨١، \"القرطبي\" ١٥/ ١٤٦.","vol":"19","page":149},{"text":"تذكر حب ليلى لات عينا ... وأضحى الشيب قد قطع القرينا (١) (٢)\nقال أبو إسحاق: النصب على أنها عملت عمل ليس، المعنى: وليس الوقت حين مناص، قال: والرفع جيد، ومن رفع بها جعل حين اسم ليس وأضمر الخبر على معنى: ليس حين منجى لنا) (٣). قال (٤) العرب من يضيف لات فتخفض بها، وأنشد:\nعلمت أنني قد قتلته ... ندمت عليه حين لات ساعة مندم (٥)\nوأنشد أيضًا قول أبي زيد:\n(ولات أوان) (٦)\n_________\n(١) البيت من الوافر، وهو لعمر بن شأس في \"ديوانه\" ص ٧٣، \"تذكرة النحاة\" ص ٧٣٤. وبلا نسبة في \"خزانة الأدب\" ٤/ ١٦٩، ١٧٨، \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٣٩٧، \"الدر المصون\" ٥/ ٥٢٢، والقرين: هو المصاحب. انظر: \"اللسان\" ١٣/ ٣٣٧ (قرن).\n(٢) \"معاني القرآن\" ٢/ ٣٩٧.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٣٢٥.\n(٤) هكذا جاء الكلام في جميع النسخ وهو موهم، والكلام بنصه عند الطبري ٢٣/ ١٢٢ ونصُّه: وقال بعض نحوي الكوفة: من العرب من يضيف لات.\n(٥) الذي عند الطبري إثبات الشاهد فقط وهو: لات ساعة مندم. والبيت الذي ذكره المؤلف سقطت منه كلمة (فلما) في أوله. وهو من الطويل، للقتال الكلابي في \"الحماسة\" ١/ ٦٣ إلا أن روايته فيه هكذا:\nولما رأيت أنني قد قتلته ... ندمت عليه أي ساعة مندم\nوفي تحقيق د/ أحمد الخراط لـ\"رصف الماني\" ص ٣٣٤ نسبه للقتال. وبلا نسبة في \"تذكرة النحاة\" ص ٧٣٤، \"خزانة الأدب\" ٤/ ١٦٨، ١٦٩، ١٧٤، ١٨٧، \"تأويل مشكل القرآن\" ص ٥٢٩.\n(٦) \"تفسير الطبري\" ٢٣/ ١٢٢.","vol":"19","page":150},{"text":"قال ابن قنيبة: (وجر العرب بها يفسد مذهب أبي عبيد؛ لأنهم إذا جروا ما بعدها جعلوها كالمضاف للزيادة واحتجاجه بقوله: القاطعون تحين. فإن ابن الأعرابي قال: إنما هو القاطعونه بالهاء، فإذا وصلت صارت الهاء تاء، قال: وسمعتُ الكِلَّابي (١) ينهى رجلًا عن عمل، فقال له: حسبكلآن (٢) أراد حَسْبُكهُ الآن، فلما وصل صارت الهاء تاء) (٣).\nقال أبو إسحاق: (الكسر بها شاذ، شبيه بالخطأ عند البصريين، ولم يرو سيبويه والخليل الكسر، والذي عليه العمل النصب والرفع. قال الأخفش: إن لات حين نصب حين بلا، كما تقول: لا رجل في الدار، ودخلت التاء للتأنيث) (٤).\nقوله: ﴿وَعَجِبُوا﴾] (٥) قال صاحب النظم: هذا منظوم بقوله: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾؛ لأنه منسوق عليه بالواو. قوله تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا﴾ معترض وليس من النصب في شيء.\n_________\n(١) هو: أبو الحسين عبد الوهاب بن الحسن بن الوليد بن موسى الكِلابيُّ الدمشقي، يعرف بأخي تبوك، محدَّث صادق معمّر، ولد سنة ٣٠٦. روى عن محمد بن خُزيم وطاهر بن محمد وأبي عبيدة بن ذكران وخلق غيرهم، وعنه روى تمام الرازي وعبد الوهاب الميداني وأبو القاسم السُميساطي وغيرهم. مات ﵀ سنة ٣٩٦ هـ. قال الكتَّاني: كان ثقة نبيلًا مأمونًا.\nانظر: \"سير أعلام النبلاء\" ١٦/ ٥٥٧، \"شذرات الذهب\" ٣/ ١٤٧، \"العبر\" ٣/ ٦١.\n(٢) في \"تأويل المشكل\" ص ٥٣١: (حسبَك تلان).\n(٣) \"تأويل المشكل\" ص ٥٣٠ - ٥٣١.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرإبه\" ٤/ ٣٢١.\n(٥) ما بين المعقوفين بياض في (ب).","vol":"19","page":151},{"text":"قوله: ﴿مُنْذِرٌ مِنْهُمْ﴾ قال ابن عباس (١) ومقاتل (٢): يعني رسولًا من أنفسهم. ﴿وَقَالَ الْكَافِرُونَ﴾ من أهل مكة. ﴿هَذَا سَاحِرٌ﴾ يفرق بين الإثنين بسحره، يعني: بين الولد ووالده والرجل وزوجته يُميل أحدهما فيَميل إليه ويهجر صاحبه. ﴿كَذَّابٌ﴾ حين يزعم أنه رسول.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3849>٥ </span>- قوله: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ﴾ قال ابن عباس والمفسرون: كان لهم ثلاثمائة وستون صنفًا فلما دعاهم النبي -ﷺ- إلى عبادة إله واحد أنكروا وقالوا: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ (٣).\nوالمعنى: أنهم كانوا يعبدونها مع الله، فلما أبطلها النبي -ﷺ- دعاهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، تعجبوا وقالوا: أجعل الآلهة إلهًا واحدًا! أي: كيف جعل لنا إلهًا واحدًا بعد ما كنا نعبد آلهة، وليس المعنى أنه جعل جميعها واحدًا، وإنما المعنى أنه أبطل آلهتنا وأثبت الإِلهية لواحد وهو الله\n_________\n(١) \"تفسير ابن عباس\" بهامش المصحف ص ٣٨٠.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ١١٥ أ.\n(٣) لم أقف عليه عن ابن عباس. وما ذكره المفسرون هو جزء من حديث طويل، رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس: أن قريشًا شكوا رسول الله -ﷺ- إلى ابن طالب، فقال: يا ابن أخي، ما تريد من قومك؟ فقال: \"يا عم، إنما أريد منهم كلمة تذَل لهم بها العرب، وتؤدِّي إليهم بها الجزية العجم\". قال: كلمه. قال: \"كلمة واحدة\". قال: ما هي؟. قال: \"لا إله إلا الله\". فقالوا: أجعل الآلهة إلهًا واحدًا، فأنزل الله هذه الآية. وهذا الحديث وردّ بعدة روايات وبطرق مختلفة، رواه الإمام أحمد في \"مسنده\"١/ ٣٦٢، والترمذي في \"سننه\" ٢/ ١٥٥، وقال: هذا حديث حسن صحيح، والحاكم في \"المستدرك\" كتاب التفسير، تفسير سورة ص ٢/ ٤٣٢ وصححه ووافقه الذهبي. وذكره من المفسرين \"الطبري\" ٢٣/ ١٢٥، \"البغوي\" ٤/ ٤٨، \"القرطبي\" ١٥/ ١٥٠.","vol":"19","page":152},{"text":"تعالى، فقالوا: كيف جعلها واحدًا أي: كيف جعل الآلهة من الآلهة التي كنا نعبدها واحدًا وهو الله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا﴾ الذي يقول محمد من أن الآلهة واحد. ﴿لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ قال مقاتل (١): لأمر عجب بلغة أزد شنوءة (٢).\nوقال أبو عبيدة: (العرب قد تحول فعيلا إلى أفعال، وأنشد لعباس بن مرداس:\nأين دريد وهو ذو براعة ... تغدوا به سلهبة سراعة (٣)\nأي: سريعة) (٤). ونحو هذا قال الفراء (٥) والزجاج (٦) وغيرهما، قالوا: تقول العرب: رجل كريم وكُرَّام وكُرَام، وشيء كبير وكُبَّار وكُبَار، وطويل وطوّال، وطَوال وشيء عجب وعُجّاب وعُجَاب بالتشديد، وهي قراءة عيسى بن عمر (٧).\n_________\n(١) انظر: \"تفسير الثعلبي\" ٣/ ٢٥٥ أ، \"القرطبي\" ١٥/ ١٥٠، \"الدر المصون\" ٥/ ٥٢٥.\n(٢) أزد شنؤة من الأزد، وهي من أعظم قبائل العرب وأشهرها، وأزد شنوءة قسم من الأزد، نسبتهم إلى كعب بن الحارث بن كعب بن عبد الله بن مالك بن نصر بن الأزد، كانت منازلهم السَّراة بتثليث وتُربة وبيشة. قلت: وهذه مدن ثلاث معروفة من مدن المملكة العربية السعودية.\nانظر: \"معجم قبائل العرب\" ١/ ١٥.\n(٣) هذا البيت من الرجز لعباس بن مرداس في \"مجاز القرآن\" ٢/ ١٧٧. والسلهبة: هي وصف يقال للفرس، إذ عظم وطال وطالت عظامه. انظر: \"اللسان\" ١/ ٤٧٤ (سلهب).\n(٤) \"مجاز القرآن\" ٢/ ١٧٧.\n(٥) \"معاني القرآن\" ٢/ ٣٩٨ س.\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٣٢١.\n(٧) لم أستطع تحديد من هو؛ لوجود أكثر من قارئ بنفس الاسم، فهناك:\nأ- عيسى بن عمر الثقفي.\nب- عيسى بن عمر الأسدي.","vol":"19","page":153},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3850>٦ </span>- قوله: ﴿وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ﴾ قال المفسرون: لما أسلم عمر -﵁- شق على قريش ذلك وفرح به المؤمنون، فانطلق الملأ منهم من قريش وهم سبعة وعشرون رجلًا من أشرافهم إلى أبي طالب وشكوا إليه ابن أخيه، فأرسل إليه أبو طالب فدعاه وعاتبه. فقال النبي -ﷺ-: أدعوكم إلى كلمة واحدة. قالوا: وما هي؟. قال: لا إله إلا الله، فنفروا من ذلك، قالوا: أجعل إلآلهة إلهًا واحدًا، وهو معنى قول ابن عباس (١) ومقاتل (٢) وسعيد بن جبير (٣).\nقال محمد بن إسحاق: نزلت ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ في مجلسهم ذلك (٤). يعني: مجلس أبي طالب حين نازعوا رسول الله -ﷺ-، فذلك قوله: ﴿وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ﴾. قال ابن عباس: يريد الأشراف منهم إلى أبي طالب. ﴿أَنِ امْشُوا﴾ قال: معناه: أي امشوا. وتأويله: يقولون امشوا.\nقال أهل المعاني (٥): أن هاهنا بمعنى أي التي للتفسير، وذلك أنه صار انطلاقهم بدلالته على المشي بمنزلة الناطق به، كقولهم: قام فلان يصلي، أي أنه رجل صالح، فهذان وجهان: أحدهما وهو ما ذكره أبو إسحاق أن التأويل يقولون امشوا، والثاني: فسر انطلاقهم بقول بعضهم لبعض: امشوا.\n_________\n(١) انظر: \"الطبري\" ٢٣/ ١٢٥، \"القرطبي\" ١٥/ ١٥٠، وأورده السيوطي في \"الدر\" ٧/ ١٤٦، وزاد نسبته لابن مردويه عن ابن عباس.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ١١٥ أ.\n(٣) انظر: \"المصادر السابقة\".\n(٤) انظر: \"القرطبي\" ١٥/ ١٥١.\n(٥) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٢/ ٢٩٩، \"معاني القرآن وإعرابه\" للزجاج ٤/ ٣٢١، \"معاني القرآن\" للنحاس ٦/ ٨٠.","vol":"19","page":154},{"text":"وقال مقاتل (١): أن امشوا إلى أبي طالب.\nوذكر الفراء (٢) وأبو إسحاق وجهًا آخر في ﴿أَنِ امْشُوا﴾ وهو أن في موضع النصب لفقد الخافض، والتقدير: انطلق الملأ منهم بأن امشوا، أي بهذا القول. وهذا يتوجه إذا حملت الانطلاق والمشي على الخروج من عند أبي طالب والذهاب من عنده لا إليه.\nوقد ذكر أبو إسحاق (٣) هذا فقال: وقص هذه القصة التي ذكرناها في سبب النزول ثم نهضوا وانطلقوا من مجلسهم يقول بعضهم لبعض: امشوا واصبروا على آلهتكم. وعلى هذا القول المعنى: اخرجوا من عند أبي طالب وتفرقوا على هذا القول، وهو أن يمشوا فيصبروا على دينهم الذي هم عليه ويتمسكوا به.\nوقال مقاتل (٤): يعني واثبتوا على عبادة آلهتكم، كقوله في الفرقان: ﴿لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا﴾ [الفرقان:٤٢]. قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾ أي: لأمر يراد بنا، يعنون بإسلام عمر وزيادة أصحاب أصحاب -ﷺ- قاله ابن عباس (٥) ومقاتل (٦).\nوقال الكلبي (٧):إن هذا لشيء يراد بأهل الأرض.\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ١١٥ أ\n(٢) \"معاني القرآن\" ٢/ ٣٩٩\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٣٢١.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ١١٥ أ.\n(٥) لم أقف عليه.\n(٦) انظر: \"الماوردي\" ٥/ ٧٩، \"القرطبي\" ١٥/ ١٥٢.\n(٧) الطبري ٢٣/ ١٢٥، \"الماوردي\" ٥/ ٧٨.","vol":"19","page":155},{"text":"المملكة العربية السعودية\nوزارة التعليم العالي\nجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية\nعمادة البحث العلمي\nالتَّفْسِيرُ البَسِيْط\nلأبي الحسن على بن أحمد بن محمد الواحدي\n(ت ٤٦٨ هـ)\nمن أول سورة الزخرف إلى آخر سورة الحجرات\nتحقيق\nد. على بن عمر السحيباني\nمن أول سورة ق إلى آخر سورة الطور\nتحقيق\nد. فاضل بن صالح بن عبد الله الشهري\nأشرف على طباعته وإخراجه\nد. عبد العزيز بن بسطام آل سعود ... أ. د. تركي بن سهو العتيبي\nالجزء العشرون","vol":"20","page":1},{"text":"المملكة العربية السعودية\nوزارة التعليم العالي\nجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية\nعمادة البحث العلمي\nالتَّفْسِيرُ البَسِيْط\nلأبي الحسن على بن أحمد بن محمد الواحدي\n(ت ٤٦٨ هـ)\nمن أول سورة الزخرف إلى آخر سورة الحجرات\nتحقيق\nد. على بن عمر السحيباني\nمن أول سورة ق إلى آخر سورة الطور\nتحقيق\nد. فاضل بن صالح بن عبد الله الشهري\nأشرف على طباعته وإخراجه\nد. عبد العزيز بن بسطام آل سعود ... أ. د. تركي بن سهو العتيبي\nالجزء العشرون","vol":"20","page":2},{"text":"جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ١٤٣٠ هـ\nفهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية أثناء النشر\nالواحدي، علي بن أحمد\nالتفسير البسيط لأبي الحسن علي بن أحمد بن محمد\nالواحدي (ت ٤٦٨ هـ)./ على بن عمر السحيباني؛ فاضل\nبن صالح بن عبد الله الشهري الرياض ١٤٣٠ هـ.\n٢٥مج. (سلسلة الرسائل الجامعية)\nردمكـ: ٤ - ٨٥٧ - ٠٤ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (مجموعة)\n٢ - ٨٧٧ - ٠٤ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (ج ٢٠)\n١ - القرآن تفسير ... ٢ - الواحدي، علي بن أحمد\nأ- العنوان ... ب- السلسلة\nديوي ٢٢٧.٣ ... ٨٦٨/ ١٤٣٠\nرقم الإيداع: ٨٦٨/ ١٤٣٠ هـ\nردمكـ: ٤ - ٨٥٧ - ٠٤ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (مجموعة)\n٢ - ٨٧٧ - ٠٤ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (ج ٢٠)","vol":"20","page":3},{"text":"التَّفْسِيرُ البَسِيْط\nلأبي الحسن علي بن أحمد بن محمد الواحدي\n(ت ٤٦٨ هـ)\n[٢٠]","vol":"20","page":4},{"text":"بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ","vol":"20","page":5},{"text":"التَّفْسِيرُ البَسِيْط\nلأبي الحسن علي بن أحمد بن محمد الواحدي\n(ت ٤٦٨ هـ)\nمن أول سورة الزخرف إلى آخر سورة الحجرات\nتحقيق\nد. على بن عمر السحيباني","vol":"20","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3851>تفسير سورة الزخرف</span>\nبسم الله الرحمن الرحيم\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3852>١، ٢ </span>- ﴿حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ قال ابن عباس: قَسَمٌ من الله بالقرآن المبين (١)، يريد الذي بَيَّنَ فيه الفرائض والسنن والشرائع، قال أبو إسحاق: ﴿الْمُبِينِ﴾ الذي أبانَ طريقَ الهدى من طرق الضلالة، وأبان كلَّ ما تحتاج إليه الأمة (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-3853>٣ </span>- قوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ أي: صَيَّرناه. والجَعْل يكون بمعنى (٣) التصيير، ذكرنا ذلك في قوله: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ﴾ [المائدة: ١٠٣] والمعنى: صَيَّرْنا قرآنَ هذا الكتاب عربيًّا، لأن من القرآن العبراني (٤)\n_________\n(١) ذكر ذلك الطبري ١٣/ ٤٧، والبغوي ٧/ ٢٠٥، وابن الجوزي ٧/ ٣٠٢ ولم ينسبوه.\n(٢) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٤٠٥.\n(٣) انظر: \"تهذيب اللغة\" (جعل) ١/ ٣٧٣، \"اللسان\" (جعل) ١١/ ١١١، \"مفردات الراغب\" (جعل) ص ٩٤، \"تفسير البغوي\" ٧/ ٢٠٥، \"تفسير ابن عطية\" ١٤/ ٢٣٩.\n(٤) قال السيوطي: اختلف الأئمة في وقوع المعرَّب في القرآن، فالأكثرون ومنهم الإمام الشافعي، وابن جرير، وأبو عبيدة، والقاضي أبو بكر، وابن فارس على عدم وقوعه فيه لقوله تعالى: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ وقوله: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾ وقد شدد الشافعي النكير على القائل بذلك، وقال أبو عبيدة: إنما أنزل القرآن بلسان عربي مبين، فمن زعم أن فيه غير العربية فقد أعظم القول، ومن زعم أن كذابًا بالنبطية فقد أكبر القول. وقال ابن أوس: لو كان فيه من لغة غير العرب شيء لتوهم متوهم أن العرب إنما عجزت عن الإتيان بمثله، لأنه أتى بلغات لا يعرفونها. وقال ابن جرير: ما ورد عن ابن عباس وغيره من تفسير =","vol":"20","page":7},{"text":"والسرياني، فما نقل منه إلى العربية صار عربيًا بالتصيير والنقل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3854>٤ </span>- قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ﴾ يعني: القرآن ﴿فِي أُمِّ الْكِتَابِ﴾ قال ابن عباس: في اللوخ المحفوظ (١). ﴿لَدَيْنَا﴾ يريد: الذي عندنا، قال مقاتل: يقول فإن نُسْخته في أم الكتاب، يعني: اللوح المحفوظ (٢).\nوقال أبو إسحاق: ﴿أُمِّ الْكِتَابِ﴾ أصل الكتاب، وأصلُ كلِّ شيء أمُّه، والقرآن مثبت عند الله في اللوح المحفوظ، والدليل على ذلك: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ (٢٢)﴾ (٣) [البروج: ٢١ - ٢٢].\nوقال عبد الرحمن بن سابط: كلُّ شيء كائن إلى يوم القيامة مكتوب في أم الكتاب (٤).\n_________\n= ألفاظ من القرآن إنها بالفارسية والحبشية والنبطية أو نحو ذلك إنما اتفق فيها توارد اللغات فتكلمت بها العرب والفرس والحبشة بلفظ واحد، وذهب آخرون إلى وقوعه فيه وأجابوا عن قوله تعالى: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ بأن الكلمات اليسيرة بغير العربية لا تخرجه عن كونه عربيًا والقصيدة الفارسية لا تخرج عنها بلفظة فيها عربية. وعن قوله تعالى: ﴿أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾ بأن المعنى من السياق: أكلام أعجمي ومخاطب عربي، وقال أبو عبيد القاسم بن سلام بعد أن حكى القول بالوقوع عن الفقهاء والمنع عن أهل العربية: والصواب عندي مذهب فيه تصديق القولين جميعًا، وذلك أن هذه الأحرف أصولها أعجمية كما قال الفقهاء، لكنها وقعت للعرب فعربتها بألسنتها وحولتها عن ألفاظ العجم إلى ألفاظها فصارت عربية ثم نزل القرآن وقد اختلطت هذه الحروف بكلام العرب، فمن قال: إنها عربية فهو صادق ومن قال عجمية فصادق، ومال إلى هذا القول الجواليقي، وابن الجوزي، وآخرون. انظر: \"الإتقان\" للسيوطي ١/ ٣٦٦ - ٣٦٩.\n(١) ذكر ذلك الثعلبي ١٠/ ٧٨ ب، والبغوي ٧/ ٢٠٥، والقرطبي ١٦/ ٦٢ ولم ينسبوه.\n(٢) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٣/ ٧٨٩.\n(٣) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٤٠٥.\n(٤) انظر: \"الدر المنثور\" ٧/ ٣٦٦.","vol":"20","page":8},{"text":"قوله: ﴿لَدَيْنَا﴾ يجوز أن يكون من صفة أم الكتاب، كما ذكره ابن عباس (١)، ويجوز أن يكون المعنى: وإنه لدينا في أم الكتاب. ﴿لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ قال قتادة: أخبر عن منزلته وفضله وشرفه (٢)، أي: إن كَذَّبتم به يا أهل مكة فإنه عندنا رفيع، شريف، محكم من الباطل، قاله المفسرون (٣).\nوقال أهل المعاني: العلي في البلاغة المظهر ما بالخلق إليه حاجة (٤) في أحسن البيان، جهله من جهله، وعلمه من علمه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3855>٥ </span>- قوله تعالى: ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا﴾ قال الفراء (٥) والزجاج (٦): يقال: ضربت عنه وأضربت عنه، أي: تركته وأمسكت عنه. وقوله: (صفحًا). قال ابن قتيبة: أي: إعراضًا، يقال: صَفَحْت عن فلان، إذا أعرضت عنه، والأصل في ذلك أنك موليه صَفْحةَ عنقك. قال كُثيِّر يذكر امرأةً صفوحًا:\nصفُوحًا فَما تَلْقَاكَ إلا بَخِيلَةً ... فَمنْ مَلَّ مِنْها ذَلِك الوَصْلَ مَلَّتِ\nأي: معرضة بوجهها (٧).\nوقال أبو علي: وانتصاب (صفحًا) من باب: (صُنْعَ الله) لأن قوله: (أفنضرب عنكم الذكر) يدل على أصفح عنكم صفحًا (٨)، واختلفوا في\n_________\n(١) انظر: \"تفسير الطبري\" ١٣/ ٤٨، \"تفسير ابن كثير\" ٦/ ٢١٦.\n(٢) أخرج ذلك الطبري عن قتادة، انظر: \"تفسيره\" ١٣/ ٤٩، \"تفسير الوسيط\" ٤/ ٦٣.\n(٣) انظر: \"تفسير البغوي\" ٧/ ٢٠٥، \"تفسير الوسيط\" ٤/ ٦٤.\n(٤) انظر: \"غرائب التفسير\" للكرماني ٢/ ١٠٦٠.\n(٥) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ٢٨.\n(٦) \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٤٠٥.\n(٧) إلى هنا انتهى ما نقله عن ابن قتيبة في \"تفسير غريب القرآن\" ص ٣٩٥.\n(٨) انظر: \"الحجة للقراء السبعة\" ٦/ ١٣٨.","vol":"20","page":9},{"text":"معنى الذكر هاهنا، فقال أبو صالح ومجاهد: يعني: ذكر العذاب، والمعنى: يكذبون بالقرآن ولا يعاقبون (١).\nقال أبو إسحاق: المعنى: أفنضرب عنكم ذكر العذاب بأن أسرفتم، قال: والدليل على أن المعني هذا قوله: ﴿فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا﴾ (٢) وعلى هذا ضَرْب الذكر: رده وكفه، واختيار الفراء على هذا القول، وقال: المعنى: أفنضرب عنكم ذكر الانتقام منكم والعقوبة لكم، لأن كنتم قومًا مسرفين (٣).\nوقال آخرون: معنى: الذكر هاهنا القرآن والتذكير به، قال ابن عباس: يريد: الضرب عنكم الموعظة (٤)، وقال الكلبي: يقول الله لأهل مكة: أفنترك عنكم الوحي صفحًا فلا نأمركم بشيء ولا ننهاكم (٥) ولا نرسل إليكم رسولًا أن كنتم قومًا مشركين، المعنى على هذا: أفنمسك عن إنزال القرآن ونتركه من أجل أنكم لا تؤمنون به (٦)، وهذا معنى قول قتادة: والله لو كان هذا القرآن رُفع حين ردَّه أوائل هذه الأمة لهلكوا، ولكن الله برحمته كرره عليهم ودعاهم إليه عشرين سنة (٧).\n_________\n(١) أخرج ذلك الطبري ١٣/ ٤٩، وانظر: \"تفسير الماوردي\" ٥/ ٢١٦، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٦/ ٦٢.\n(٢) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٢٠٦.\n(٣) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ٢٧ ونص عبارته: والعرب تقول: قد أضربت عنك وضربت عنك، إذا أردت به: تركتك وأعرضت عنك.\n(٤) لم أقف عليه، وكذا رسمها في الأصل، ولعل الصواب: نضرب أو أضرب.\n(٥) ذكر ذلك الثعلبي ١٠/ ٧٩ أ، والبغوي ٧/ ٢٥٦، وأبو حيان ٨/ ٦ عن الكلبي.\n(٦) انظر: \"تفسير الطبري\" ١٣/ ٤٩، \"البغوي\" ٧/ ٢٠٦، \"الجامع\" للقرطبي ١٦/ ٦٢.\n(٧) أخرج ذلك الطبري ١٣/ ٤٩ عن قتادة، ونسبه البغوي ٧/ ٢٠٦ لقتادة.","vol":"20","page":10},{"text":"قال الأزهري: أفنعرض عن تذكيركم إعراضًا من أجل إسرافكم في كفركم (١).\nوقال أبو إسحاق مثل هذا القول أي: أنهملكم فلا نعرفكم ما يجب عليكم لأن أسرفتم (٢)، والاختيار هذا القول، وهو قول ابن زيد واختيار الجبائي (٣) لأنه أليق بما بعده من قوله: (أن كنتم قومًا مسرفين) (٤)، وقرئ ﴿إِنْ كُنْتُمْ﴾ بكسر الهمزة وفتحها، فمن فتح فالمعنى: لأن، والكسر على أنه جزاء استغني عن جوابه بما تقدمه، مثل: أنت ظالم إن فعلت، كأنه قال: إن كنتم قومًا مسرفين نضرب (٥).\nوقال أبو إسحاق: من كسر فعلى معنى الاستقبال، على معنى: إن تكونوا مسرفين، وقرئ: ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ﴾ (٦)، وقال الفراء: ومثله ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ﴾ [المائدة: ٢] و(أن صدوكم) بالكسر والفتح وأنشد:\n_________\n(١) انظر: \"تهذيب اللغة\" (صفح) ٤/ ٢٥٧.\n(٢) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٤٠٦.\n(٣) هو: محمد بن عبد الوهاب بن سلام الجبائي أبو علي من أئمة المعتزلة ورئيس علماء الكلام في عصره وإليه نسبة الطائفة (الجبائية) مات سنة ثلاث وثلاثمائة، انظر: \"وفيات الأعيان\" ١/ ٤٨٠، \"البداية والنهاية\" ١١/ ١٢٥، \"الأعلام\" ٦/ ٢٥٦.\n(٤) لم أقف عليه.\n(٥) انظر: \"تفسير الطبري\" ١٣/ ٥٠، \"إعراب القرآن\" للنحاس ٤/ ٩٨، \"الحجة\" لأبي علي ٦/ ١٣٨.\n(٦) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٤٠٥.","vol":"20","page":11},{"text":"أَتَجْزعُ إِنْ أُذْنَا قُتَيْبَةَ حُزَّتا ... جِهَارًا وَلَم تَجْزَعْ لِقَتْلِ ابن خَازِمِ (١)\nقال: وفي قوله: ﴿أَنْ صَدُّوكُمْ﴾ ﴿أَنْ﴾ الفتح والكسر (٢) واختار أبو عبيد النصب، وقال: لأن الله تعالى عاتبهم على ما كان منهم، وعلمه قبل ذلك من فعلهم (٣). ثم عزى نبيه بقوله:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3856>٦ - ٨ </span>- ﴿وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ (٦) وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٧) فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا وَمَضَى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الزخرف: ٦ - ٨].\nقال ابن عباس: يريد أشد من قومك بطشًا (٤)، ويعني: بالأشد بطشًا الأولين الذين ذكر أنه أرسل فيهم الرسول فاستهزؤا به فأهلكهم الله، وهم كانوا أشد بطشًا من قريش.\nقال ابن عباس: يعني: أكبر عددًا وأظهر جَلدًا (٥)، ونظم الكلام\n_________\n(١) البيت للفرزدق انظر: \"ديوانه\" ٨٥٥، \"الخزانة\" ٣/ ٦٥٥، \"شرح شواهد المغني\" ١/ ٨٦، وهو من قصيدة يمدح فيها سليمان بن عبد الملك ويهجو جريرًا وقتيبة هو: قتيبة بن مسلم الباهلي القائد المشهور، وأما ابن خازم فهو: عبد الله بن خازم السلمي أمير خراسان من قبل ابن الزبير، والشاهد فيه كسر (إن) وحملها على معنى الشرط، وقد ورد البيت في \"تفسير الطبري\" ١٣/ ٥٠، \"الدر المصون\" ٦/ ٩٢.\n(٢) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ٢٧.\n(٣) ذكر ذلك الثعلبي ١٠/ ٧٩ ب، والشوكاني في \"فتح القدير\" ٤/ ٥٤٨ عن أبي عبيد، وذكره بهذا اللفظ القرطبي ١٣/ ٦٣ ولكن نسبه لأبي عبيدة فلعله تصحيف (عبيد).\n(٤) ذكر ابن الجوزي أن المراد: قريش، ولم ينسبه، انظر: \"زاد المسير\" ٧/ ٣٠٣، وقال البغوي ٧/ ٢٠٦: أي: أقوى من قومك، وقال القرطبي: الكناية في ﴿مِنْهُمْ﴾ ترجع إلى المشركين المخاطبين بقوله: ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا﴾ فكنى عنهم بعد أن خاطبهم ١٦/ ٦٣.\n(٥) قال القرطبي ١٦/ ٦٤: أقوى من هؤلاء المشركين في أبدانهم وأتباعهم. ولم ينسبه.","vol":"20","page":12},{"text":"يوجب أن يكون التقدير: فأهلكناهم، يعني الأولين، فحذف مفعول الإهلاك لدلالة الكلام عليه: ﴿أَشَدَّ مِنْهُمْ﴾ منتصب على الحال، وفيه تخويف لكفار مكة، والكناية في (منهم) تعود إلى المشركين الذين خاطبهم بقوله: (أفنضرب عنكم الذكر صفحًا)، كنى عنهم بعد أن خاطبهم (١).\nقوله تعالى: ﴿وَمَضَى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ﴾ قال الكلبي: سنة الأولين ممن أهلك، وهو قول مجاهد (٢).\nقال مقاتل: يعني: سنة الأولين في العقوبة حين كذبوا رسلهم (٣).\nوقال قتادة: عقوبة الأولين (٤).\nوقال ابن عباس: يريد: وسبق ما أنزل الله في القرون الأولين قوم نوح وعاد وثمود (٥)، وعلى هذا معنى الآية: وسبق ما أنزلنا في إهلاكهم، وهو مَثَلٌ ضربناه لهم، وتقدير الكلام: مثل الأولين لهم.\nقال أهل المعاني (٦): ومضى مثل الأولين لهؤلاء الباقين، أي: أنهم قد سلكوا في الكفر والتكذيب مسلك من كان قبلهم، فليحذروا أن ينزل بهم من الخزي ما نزل بهم، فقد ضربنا لهم مثلهم كما قال: ﴿وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ﴾ [الفرقان: ٣٩]، وكقوله: ﴿وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا\n_________\n(١) انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٦/ ٦٣.\n(٢) انظر: \"تفسير الطبري\" ١٣/ ٥١، \"تنوير المقباس\" ص ٤٨٩.\n(٣) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٣/ ٧٨٩.\n(٤) \"تفسير الطبري\" ١٣/ ٥١ فقد أخرجه عن قتادة، ونسبه القرطبي لقتادة، انظر: \"الجامع\" ١٦/ ٦٤.\n(٥) لم أقف عليه، وكذا رسمها في الأصل، ولعل الصواب: (الأولى).\n(٦) لم أقف عليه.","vol":"20","page":13},{"text":"أَنْفُسَهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿الْأَمْثَالَ﴾ [إبراهيم: ٤٥] والمعنى: سبق فيما أنزلنا إليك بشبه حال الكفار الماضية بحال هؤلاء في التكذيب، ولما أهلكوا هؤلاء بتكذيبهم، فعاقبة هؤلاء أيضًا الإهلاك لأنهم أشباه بعضهم لبعض، وأما قول المفسرين في تفسير قوله: (مثل الأولين) عقوبتهم وسنتهم (١)، فهو معنى وليس تفسير؛ لأن المعنى ذِكْر بيان ما حل بهم ليعتبر هؤلاء.\nثم ذكر أن هؤلاء مع شركهم وكفرهم يقرون بما هو الحجة عليهم فقال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3857>٩ </span>- ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ﴾ قال ابن عباس: ولئن سألت قومك يا محمد (٢) ﴿مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ قال: يريد إقرارًا منهم بعدلي وعلمي بخَلْقي، قال الكلبي: وهذا إيمان منهم وهم يخالفون فيشركون به الأصنام (٣).\nوقال أهل المعاني: هذا إخبار عن غاية جهلهم، إذ أقروا بالله خالق السموات والأرض، ثم عبدوا معه غيره، وأنكروا قدرته على البعث (٤)، وقد تم الإخبار عنهم (٥) ثم ابتدأ جل وعز دالًّا على نفسه فقال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3858>١٠ </span>- قوله تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا﴾ (٦) قال صاحب\n_________\n(١) انظر: \"تفسير الطبري\" ١٣/ ٥١، \"تفسير الثعلبي\" ١٠/ ٧٩ أ، \"تفسير البغوي\" ٧/ ٢٠٦، \"تفسير الماوردي\" ٥/ ٢١٦.\n(٢) ذكر ذلك البغوي ٧/ ٢٠٦ ولم ينسبه، وابن عطية ١٤/ ٢٤٢ ولم ينسبه.\n(٣) ذكر نحو ذلك في \"تفسير الوسيط\" ٤/ ٦٥ ولم ينسبه، وكذلك \"البغوي\" ٧/ ٢٠٧.\n(٤) انظر: \"تفسير البغوي\" ٧/ ٢٠٧، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٦/ ٦٤.\n(٥) انظر: \"القطع والائتناف\" للنحاس ص ٦٤٦.\n(٦) نص الآية: ﴿مَهْدًا﴾ قال أبو علي الفارسي: اختلفوا فى قوله: ﴿مَهْدًا﴾ (طه: ٥٣) =","vol":"20","page":14},{"text":"النظم: أخبر الله عما يقول الكفار إذا سئلوا عمن خلق السموات والأرض (١)، ابتدأ -﷿- وصف نفسه غير حاكٍ ذلك عن الكفار فقال: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا﴾، ولو كان منتظمًا بما قبله من كلام الكفار لوجب أن يكون نظمه: الذي جعل لنا الأرض، والمعنى العزيز العليم الذي أوموا إليه أنه خلقهن هو الذي جعل لكم الأرض مهادًا، قال: ونظيره من كلام الناس: أن يسمع الرجل رجلًا يقول: الذي بني هذا المسجد فلان العالم، فيقول السامع لهذا الكلام: الزاهد الكريم، كأنه عرفه فزاد في وصفه، فيكون النعتان جميعًا لرجل واحد من رجلين مختلفين، وكذلك قوله -﷿-: ﴿الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ صفة من صفات الله محكية عن الكفار.\nقوله: ﴿الَّذِي جَعَلَ﴾ صفة من صفاته أضافها -﷿- إلى الصفة التي حكاها عن الكفار؛ لأنها حق، وإن كان من كلام الكفار، وتفسير هذه الآية قد سبق في سورة طه [آية ٥٣].\nوقوله: ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ فيه قولان: أحدهما: تهتدون في أسفاركم إلى مقاصدكم، وهذا قول الحسن ومقاتل، والثاني: لتهتدوا إلى الحق [في بالاعتبار] (٢) الذي جعل لكم، وهذا معنى قول ابن عباس (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3859>١١ </span>- قوله: ﴿وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ﴾ قال ابن عباس: يريد\n_________\n= في زيادة الألف ونقصانها هاهنا في [الزخرف: ١٠]، ولم يختلفوا في غيرها. فقرأ ابن كثير وأبو عمرو ونافع وابن عامر ﴿مِهْادًا﴾ بالألف في كل القرآن، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي: ﴿مَهْدًا﴾ بغير ألف فيها. انظر: \"الحجة\" ٥/ ٢٢٣.\n(١) كذا رسمها في الأصل، ولعله سننه لفظ: (ثم).\n(٢) كذا رسمها في الأصل ولعل المراد: (فيه بالاعتبار).\n(٣) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٣/ ٧٩٠، \"تفسير الماوردي\" ٥/ ٢٣، \"تفسير ابن عطية\" ١٤/ ٢٤٣، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٦/ ٦٤","vol":"20","page":15},{"text":"ليس كما أنزل على قوم نوح بغير قدر حتى أغرقهم وأهلكهم، بل هو بقدر حتى يكون معاشًا لكم ولأنعامكم (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3860>١٢ </span>- ﴿وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا﴾ أي الأصناف والضروب والألوان والذكر والأنثى.\n<span data-type=\"title\" id=toc-3861>١٣ </span>- قوله: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ﴾ قال أبو عبيدة: التذكير لـ: ما (٢)، وقال الفراء: أضاف الظهور إلى واحد فيه معنى الجمع بمنزلة الجيش والجند، فلذلك ذكَّر وجمع الظهور (٣).\n﴿ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ﴾ يعني النعمة بتسخير ذلك لكم، مراكب في البر والبحر، وقال الكلبي: هو أن تقول: الحمد لله الذي رزقني هذا وحملني عليه (٤)، وهذا معنى قول ابن عباس: تذكروا كرامة ربكم إذا استويتم عليه، يعني: إكرامه إياكم بتلك المراكب (٥)، ويدل على هذا قوله: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [الإسراء: ٧٠].\nوقوله: ﴿وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا﴾ قال مقاتل: ذلل لنا هذا المركب (٦)، وقال قتادة: قد علمكم كيف تقولون إذا ركبتم الفلك بقوله: ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾ [هود: ٤١] ويعلمكم إذا ركبتم الإبل أن\n_________\n(١) انظر: \"تفسير الطبري\" ١٣/ ٥٢، \"تفسير البغوي\" ٢٠٧/ ٧، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٦/ ٦٤، وقد نسبه القرطبي، والمؤلف في \"الوسيط\" ٤/ ٦٥ لابن عباس.\n(٢) انظر: \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ٢/ ٢٠٢.\n(٣) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ٢٨.\n(٤) ذكر ذلك في \"الوسيط\" ٤/ ٦٥ ونسبه لمقاتل والكلبي.\n(٥) لم أقف عليه.\n(٦) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٣/ ٧٩٠.","vol":"20","page":16},{"text":"تقولوا: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ (١).\nقال ابن عباس: يريد: ولا طاقة لنا بالإبل ولا بالفلك ولا بالبحر لولا أن الله سخره لنا (٢) ومعنى المقرن: المطيق في قول المفسرين (٣)، قال أبو عبيدة: فلان مقرن لفلان، أي: ضابط له وأنشد:\nولَسْتُم للصِّعَابِ بمُقرنِينَا (٤)\nوقال الليث: أقرنت لهذا البرذون والبعير، أي قد أطقته، وكان اشتقاقه من قولك: صوت له قرنًا مطيقًا (٥)، ونحو هذا قال الزجاج وابن قتيبة قال: ومعنى: أنا قرن لفلان، أي: مثله في الشدة (٦).\nوقال صاحب النظم: هذا كله خبر عن ظاهره، ومعناه في الباطن أمر؛ لأنه لو كان خبرًا لوجب أن يكون ذلك عامًا في الإتيان والعمل به، فلما لم يكن ذلك عامًا، وكان خاصًّا في بعض، دل ذلك عليه أنه أمر أخرج مخرج الخبر، قال: وقد قيل إن معناه: ليأمركم إذا استويتم عليه أن تذكروا نعمة ربكم كقوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]\n_________\n(١) أخرجه الطبري ١٣/ ٥٤ عن قتادة، ونسبه في \"الوسيط\" لقتادة.\n(٢) نسبه في \"الوسيط\" لابن عباس. انظر: ٤/ ٦٥.\n(٣) انظر: \"تفسير الطبري\" ١٣/ ٥٥، \"الماوردي\" ٥/ ٢١٨، \"القرطبي\" ١٦/ ٦٦.\n(٤) انظر: \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ٢/ ٢٠٢، والبيت للكميت وصدره قوله:\nركبتم صعبتي أنشرًا وحيفًا\nوالشاهد قوله: مقرنينا: أي ضابطين. وقد استشهد به النحاس في \"معاني القرآن\" ٦/ ٣٤١، والقرطبي في \"الجامع\" ١٦/ ٦٦.\n(٥) انظر: كتاب: العين ٥/ ١٤٣ (قرن) بلفظ:\nصرت له قرينا أي مطيقًا\n(٦) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٤٠٦، \"تفسير غريب القرآن\" لابن قتيبة ص ٣٩٥.","vol":"20","page":17},{"text":"إلا لآمركم أن تعبدونِ، ولو كان على ظاهر النظم لوجب أن يعبدوه كلهم. والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3862>١٥ </span>- قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ﴾. قال صاحب النظم: رجع إلى ذكر الكفار الذين قدم ذكرهم في أول السورة، فابتدأ خبرًا عنهم من غير أن يصله في المعنى بما قبله؛ لأنه لا يتصل بشيء مما تقدمه، وإن كان منسوقًا عليه بواو العطف، ومعنى الجزء في اللغة: القطعة والنصيب، وجمعه أجزاء، ويقال: جزأت الشيء بينهم وجزأته، إذا قسمته، تخفف وتثقل (١).\nوذكر المفسرون في هذا قولين:\nأحدهما: قال ابن عباس: يريد حيث جعلوا الملائكة بنات الله (٢)، وعلى هذا معنى الآية حكموا بأن بعض العباد وهم الملائكة له أولاد.\nفمعنى الجعل هنا الحكم بالشيء، وحُذِفَ من الكلام مفعولٌ هو مراد على تقدير: وجعلوا له من عباده جزءًا ولدًا أو بنات.\nالقول الثاني: أن معنى الجزء هاهنا العدل والشبيه، وذلك أنهم عبدوا الملائكة والجن، فجعلوهم لله عدلًا وشبيهًا، وهذا معنى قول مقاتل وقتادة (٣)، وتقدير هذا القول كتقدير القول الأول؛ لأن المعنى: وجعلوا له\n_________\n(١) انظر: \"تهذيب اللغة\" (جزى) ١١/ ١٤٦، \"اللسان\" (جزأ) ١/ ٤٧، \"كتاب الجيم\" ص ٩٣.\n(٢) أخرج ذلك الطبري ١٣/ ٥٥ عن مجاهد والسدي. ونسبه في \"الوسيط\" ٤/ ٦٦ لابن عباس ومجاهد والحسن.\n(٣) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٣/ ٧٩٠، \"تفسير الطبري\" وقد ذكر القولين ١٣/ ٥٥ - ٥٦، \"تفسير غريب القرآن\" لابن قتيبة ص ٣٩٦، \"تفسير الماوردي\" ٥/ ٢١٩.","vol":"20","page":18},{"text":"من عباده جزءًا عدلًا، فحذف أحد المفعولين، وذكر أبو إسحاق في الجزء قولًا آخر فقال: أنشدني بعض أهل العلم بيتًا يدل على [أن] (١) معنى الجزء الإناث، ولا أدري البيت قديمٌ أم مصنوع وهو:\nإنْ أَجْزأَتْ حُرَّةٌ يومًا فلاَ عَجَبٌ ... قَدْ تُجْزِئُ الحُرَّةُ المِذْكَارُ أَحْيَانَا (٢)\nأي: إن ولدت أنثى، قال الأزهري: واستدل قائل هذا القول بقوله -﷿-: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا﴾ [الزخرف: ١٩] قال: وهذا القول ليس بشيء، والجزء بمعنى الإناث غير موجود في كلام العرب، والشعر القديم الصحيح لا يعبأ بالبيت الذي ذكره لأنه مصنوع (٣)، ومعنى الآية: أنهم جعلوا لله من عباده نصيبًا، على معنى أنهم جعلوه نصيب الله من الولد، وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثًا، أي: وصفوهم بالأنوثة، وكذبوا في المعنيين جميعًا: في قولهم إنهم بنات الله، وفي أنهم إناث.\nقوله: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ﴾ يعني: إن الكافر (لكفور) لجحود لنعم الله (مبين) بيِّن الكفران، والاختيار: القول الأول لقوله:\n_________\n(١) زيادة يقتضيها السياق.\n(٢) البيت استشهد به ابن قتيبة في \"تفسير غريب القرآن\" ص ٣٩٦، والماوردي في \"تفسيره\" ٥/ ٢١٩، وأبو حيان في \"البحر\" ٨/ ٨، \"اللسان\" (جزأ) ١/ ٤٧. وقال الزمخشري: ومن بدع التفاسير تفسير الجزء بالإناث وادعاء أن الجزء في لغة العرب اسم للإناث ما هو إلا كذب على العرب ووضح محدث متحول ولم يقنعهم ذلك حتى اشتقوا منه أجزأت المرأة ثم صنعوا بيتًا وبيتًا:\nإن أجزأت حرة يومًا فلا عجب\nزوجتها من بنات الأوس مجزئة\nانظر: \"الكشاف\" ٣/ ٤١٣.\n(٣) انظر: \"تهذيب اللغة\" بتصرف يسير (جزى) ١١/ ١٤٥.","vol":"20","page":19},{"text":"١٦ - ﴿أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ﴾ وهذا استفهام توبيخ (١)، يقول: اتَّخذ ربكم لنفسه البنات ﴿وَأَصْفَاكُمْ﴾ واختصكم وأخلصكم ﴿بِالْبَنِينَ﴾ ويقال: أصفيت فلانًا بكذا، أي: آثرته به، وهذه الآية كقوله: ﴿أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ﴾ [الإسراء: ٤٠] قال أهل المعاني: والحجة عليهم في هذه الآية أنه ليس يحكم من اختار لنفسه أدون المبدلين ولغيره أعلاها، ولو كان على ما يقوله المشركون من اتخاذ الولد، لم يتخذ لنفسه البنات ويصفهم بالبنين، فغلطوا في الأصل وهو: جواز [لاتخاذ] (٢) الولد، وفي البناء على الأصل وهو اتخاذ البنات، فنعوذ بالله من الخطأ في الدين، ثم [رادا] (٣) احتجاجًا في القول عليهم بقوله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3864>١٧ </span>- قوله تعالى: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا﴾ قال مقاتل: بالذي وصف للرحمن شبهًا (٤)، وقال [مقاتل] (٥): بما جعل لله شبهًا (٦)، وذلك أنهم إذا أجازوا أن تكون الملائكة بنات الله، فقد جعلوا الملائكة شبهًا لله، وذلك أن ولد كل شيء شبهه وجنسه، وهذه الآية مفسرة في سورة النحل [آية ٥٨].\nووجه الاحتجاج عليهم من هذه الآية أن من اسود وجهه بما يضاف إليه مما لا يرضى، فهو أحق أن يسود وجهه بإضافته مثل ذلك إلى من هو\n_________\n(١) انظر: \"تفسير الطبري\" ١٣/ ٥٦، \"تفسير البغوي\" ٧/ ٢٠٨، \"زاد المسير\" ٧/ ٣٠٥.\n(٢) كذا رسمها بالأصل، ولعل الصواب (اتخاذ).\n(٣) كذا رسمها بالأصل، ولعل الصواب (رد) أو (أراد).\n(٤) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٣/ ٧٩١.\n(٥) كذا في الأصل ولعله تصحيف، ولعل الصواب (قتادة).\n(٦) انظر: \"تفسير الطبري\" ١٣/ ٥٦، فقد أخرج عن قتادة بلفظ: (بما جعل لله).","vol":"20","page":20},{"text":"أجل منه، فكيف إلى ربه -﷿-.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3865>١٨ </span>- قوله تعالى: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ﴾ قال مقاتل: ينبت في الزينة، يعني: الابنة (١) قال المبرد: تقدير الآية: أو يجعلون له من ينشأ في الحلية يعني البنات، ونحو هذا قال الزجاج والفراء (٢)، وعلى هذا موضع (من) نصب، وهو اختيار أبي علي قال: موضع (من) نصب على تقدير: اتخذوا له من ينشأ في الحلية على وجه التقريع لهم بما افتروه (٣)، وذكر الفراء قولين قال: وإن شئت جعلت (من) في موضع رفع على الاستئناف، وعلى هذا يضمر الخبر، قال: وإن رددتها على أول الكلام على قوله: ﴿بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ﴾ خفضتها (٤).\nوقرأ حمزة والكسائي: (ينشؤ) بالتشديد على غير تسمية الفاعل، وهي قراءة ابن عباس وابن مسعود (٥).\nقال أبو علي الفارسي: يقال: نشأت السحاب، ونشأ الغلام، فإذا نقل بالهمز تعدَّى إلى مفعول كقوله: ﴿وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ﴾ [الرعد: ١٢] ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ [المؤمنون: ١٤] والأكثر في الأفعال التي لا تتعدى إذا أريد تعديتها أن ينقل بالهمزة، أو بتضعيف العين نحو: فرَّحته وأفرحته،\n_________\n(١) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٣/ ٧٩١.\n(٢) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٤٥٧، \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ٢٩، ولم أقف على قول المبرد.\n(٣) انظر: \"الحجة للقراء السبعة\" ٦/ ١٤٠.\n(٤) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ٢٩.\n(٥) انظر: \"تفسير الطبري\" ١٣/ ٥٨، \"حجة القراءات\" لابن زنجلة ص ٦٤٦، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٦/ ٧١، \"الإتحاف\" ص ٤٧٢.","vol":"20","page":21},{"text":"وغرَّمته وأغرمته، وقد جاء منه شيء عدي بتضعيف العين دون الهمز وهو قولهم: لقيت خيرًا، ولقانيه زيد، ولا تقول: ألقانيه. ومن هذا قوله: ﴿وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا﴾ [الفرقان: ٧٥]. ﴿فَوَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً﴾ [الإنسان: ١١] فيجوز أن يكون نشأ من ذلك، عدي بالهمزة دون التضعيف؛ لأنا لم نعلم نشأ، كما جاء بلغ وأبلغ، ونجَّى وأنجى، وإذا كان كذلك كان الأوجلى: أو من ينشأ من الإنشاء، ومن قال (ينشأ) فهو في القياس مثل: فرَّح وأفرح، وغرَّم وأغرم، وإن عزَّ وجود ذلك في الاستعمال. هذا كرمه (١)، وهو كما قال، فإن أحدًا من أهل اللغة لم يحكِ نشأ، ولا حكاه الأزهري عن أحد في كتابه، غير أن الكسائي قال: نشى فهو منشأ ينشأ وينشيه، واختار أبو عبيد هذه القراءة، قال: ومعناه أن الله تعالى فعل ذلك بهن (٢).\nقال المبرد: الفرق الذي ذكر أبو عبيد بين (ينشأ وينشا) ليس بشيء، لأنه إذا أنشئ نشأ، ولا ينشَّأ إلا أن ينشأ، وكذلك: إنك ميت، إنما هو ممات؛ لأنه لا يموت حتى يمات، وكذلك كل ما ينسب إلى العبد في خلقه (٣).\nقوله تعالى: ﴿وَهُوَ فِي الْخِصَامِ﴾ يعني المخاصمة ﴿غَيْرُ مُبِينٍ﴾ للحجة قاله الكلبي، وقال قتادة: قلما تتكلم امرأة بحجتها إلا تكلمت بالحجة عليها (٤)، وقال أبو إسحاق: إن الأنثى لا تكاد تستوفي الحجة ولا تبين (٥)،\n_________\n(١) انظر: \"الحجة للقراء السبعة\" ٦/ ١٤٠.\n(٢) انظر: \"إعراب القرآن\" للنحاس ٤/ ١٠٢، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٦/ ٧١.\n(٣) قولا الكسائي والمبرد لم أقف عليهما، وانظر: \"حجة القراءات\" لابن زنجلة ص ٦٤٦.\n(٤) انظر: \"تفسير عبد الرازق\" ٢/ ١٩٥، \"الطبري\" ١٣/ ٥٧، \"البغوي\" ٧/ ٢٠٩.\n(٥) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٤٠٧.","vol":"20","page":22},{"text":"والمعنى: أنهم نسبوا إلى الله ما يكرهونه، ومن لا يكاد يقوم بحجته أو يستوفيها، وهذا في ظاهره استفهام وهو إنكار وردٌّ، وهو الذي ذكرنا من أن المراد بالآية البنات، وهو قول جماعة أهل التفسير (١) وقد قال ابن زيد: هذه تماثيلهم التي يضربونها من فضة وذهب وينشؤنها في الحلية ثم يعبدونها (٢)، والقول هو الأول، قال أبو إسحاق: والأجود أن يكون يعني به المؤنث (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3866>١٩ </span>- قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ﴾ قال أبو إسحاق: الجعل هاهنا في معنى القول والحكم على الشيء، يقول: قد جعلت زيدًا أعلم الناس، أي قد وصفته بذلك وحكمت به.\nقوله: ﴿الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ﴾ (٤)، وكلٌّ صواب، قد جاء التنزيل بالأمرين جميعًا في وصف الملائكة، وذلك قوله: ﴿بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٦]، وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٦]، وقوله: ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الأنبياء: ١٩]، وفي قوله: (عند الرحمن) دلالة على رفع المنزلة، والتقريب كما قال: ﴿وَلَا الْمَلَائِكَةُ\n_________\n(١) انظر: \"تفسير عبد الرازق\" ٢/ ١٩٥، \"الطبري\" ١٣/ ٥٧، \"الماوردي\" ٥/ ٢١٩.\n(٢) أخرج ذلك الطبري ١٣/ ٥٧ عن ابن زيد، ونسبه الثعلبي ١٠/ ٨٠ ب لابن زيد، وانظر: \"تفسير الماوردي\" ٥/ ٢٢٠.\n(٣) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٤٠٧.\n(٤) لعل في الكلام سقطًا هاهنا، فكأن المؤلف يشير إلى القراءة الأخرى، وهي قراءة ابن كثير ونافع وابن عامر: ﴿عِندَ الرَّحْمَنِ﴾ بالنون، وقرأ الباقون: ﴿عِبَادُ الرَّحْمَنِ﴾ بالباء، ومما يقوى ذلك أنه غالبًا ما ينقل عن \"الحجة\" لأبي علي الفارسي وهي هكذا في \"الحجة\" بنفس الشواهد انظر: \"الحجة\" ٦/ ١٤٠.\nوقال في \"الوسيط\" ٤/ ٦٧ بعد هذا المقطع: وقرئ ﴿عِندَ الرَّحْمَنِ﴾ وكل صواب.","vol":"20","page":23},{"text":"الْمُقَرَّبُونَ﴾ [النساء: ١٧٢]. وهذا من القرب في المنزلة والرفعة في الدرجة، وليس من قرب المسافة (١)، واختار أبو عبيد: (عباد الرحمن) قال: وفي ذلك تكذيب لقولهم بنات الله، أخبر أنهم عبيده وليسوا بناته (٢)، واختار أبو حاتم: (عند الرحمن)، وقال: إن فيه مدحًا لهم.\nوقال المبرد: هذه القراءة أنبأ عن صحة كذبهم مما اختاره القسم (٣)، لأن المعنى أن الملائكة عنده وليسوا عندهم [رواهم] (٤)، فكيف حكموا بأنوثتهم، يدل على هذا قوله: ﴿أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾، (فعند) على ما ذكره المبرد ينبئ عن العلم لا عن الدنية (٥).\nواختلفوا في قوله: ﴿أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾ فقرأه العامة من الشهود، ويدل عليه قوله: ﴿أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ﴾ [الصافات: ١٥٠]، وقرأ نافع: (أَأشْهِدُوا) على أفعلوا بضم الهمزة وسكون الشين وقبلها همزة الاستفهام مفتوحة، ثم خففت الهمزة الثانية من غير أن يدخل بينهما الفاء. وروى المسيبي عنه بإدخال الألف بين الهمزتين، و(شهد) الذي يراد به حضر يتعدَّى إلى مفعول به من غير حرف جر كقوله:\n_________\n(١) انظر: \"الحجة\" ٦/ ١٤٠، \"الكشف عن وجوه القراءات\" لمكي ٢/ ٢٥٦.\n(٢) انظر: \"اختيار\" أبي عبيد في \"إعراب القرآن\" للنحاس ٤/ ١٠٢، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٦/ ٧٢.\n(٣) كذا رسمها، ولعله سقط لفظ (الأول).\n(٤) كذا رسمها، ولعل الصواب (يرونهم).\n(٥) قال الطبري: والصواب من القول في ذلك عندي أنهما قراءتان معروفتان في قراءة الأمصار صحيحتا المعنى فبأيتهما قرأ القارىء فمصيب، وذلك أن الملائكة عباد الله وعنده. \"تفسير الطبري\" ١٣/ ٥٨، ولم أقف على قول المبرد.","vol":"20","page":24},{"text":"شَهدنا فَمَا تَلْقَى لَنَا مِنْ كَتِيْبَةٍ ... يَدَ الدَّهرِ إلَّا جبْرئيلٌ أمَامُها (١)\nوهذا محذوف المفعول التقدير فيه: شهدنا المعركة أو من اجتمع لقتالها، وهذا الضرب يتعدَّى إلى مفعول واحد، فإذا نقل بالهمز تعدَّى إلى مفعولين تقول: شهد زيد المعركة، وأشهدته إياها، ومن ذلك قوله: ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (٢) [الكهف: ٥١]، فقوله: ﴿أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾ من الشهادة التي هي الحضور، كأنهم وبِّخوا على أن قالوا ما لم يحضروا له، مما حُكْمُه أن يُعْلم بالمشاهدة، ومن قرأ: (أَأشْهِدوا) فالمعنى: أو أحضروا ذلك (٣)، ويقوي هذه القراءة قوله: ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الكهف: ٥١]، وقال المبرد: القراءتان تؤولان إلى معنى؛ لأنه لا يشهد هذا الموضع أحد إلا أن يشهده الله (٤). [فإذا شهدوا وأشهدوا، وإذا شهد فقد شهدوا] (٥).\nقال ابن عباس: يريد أحضروا أو عاينوا خلقهم.\nقال الكلبي ومقاتل: لما جعلوا الملائكة بنات الله سألهم النبي -ﷺ- فقال: \"ما يدريكم أنهم إناث؟ \" قالوا: سمعنا من آبائنا ونحن نشهد أنهم لم\n_________\n(١) البيت لحسان بن ثابت في ملحقات \"ديوانه\" ١/ ٥٢٢، وينسب البيت لكعب بن مالك. انظر: \"الخزانة\" ١/ ١٩٩، \"اللسان\" (جبر) ٤/ ١١٤، \"الحجة\" ٦/ ١٤٢.\n(٢) انظر: \"الحجة للقراء السبعة\" ٦/ ١٤٢، وفيها: أو من اجتمع لقتالنا، بدل قتالها، وكتاب: التذكرة في القراءات ٢/ ٦٦٦، \"الكشف\" لمكي ٢/ ٢٥٧.\n(٣) كذا رسمها في الأصل وفي \"الحجة\" (أأشهدوا)، فالمعنى: أأحضروا ذلك، انظر: ٦/ ١٤٦.\n(٤) لم أقف على قول المبرد، وقد ذكر نحو ذلك النحاس في \"إعراب القرآن\" ٤/ ١٠٤.\n(٥) كذا رسمها في الأصل، وفي \"إعراب القرآن\" للنحاس (لأنهم إذا شهدوا فقد أشهدوا).","vol":"20","page":25},{"text":"يكذبوا أنهم إناث، فقال الله: ﴿سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ﴾ أي: ستحفظ شهادتهم ويسألون عنها في الآخرة (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3867>٢٠ </span>- قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾ قال الكلبي: بنو مليح (٢) من خزاعة كانوا يعبدون الملائكة، قالوا: لو شاء الرحمن ما عبدناهم، ونحو هذا قال قتادة ومقاتل (٣).\nقوله تعالى: ﴿مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ﴾ قال أبو إسحاق: ما لهم بقولهم إن الملائكة بنات الله من علم (٤)، يدل على هذا قوله: ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ وقال أصحابنا إنهم عنوا بقولهم: ﴿لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾ أنه قدرنا على عبادتها فَلَمْ يعاقبنا؛ لأنه رضي بذلك منا (٥). وذلك كذب منهم، لأن الله تعالى وإن أراد كفر الكافر لا يرضاه، وليس تقديره الكافر على الكفر رضا منه (٦)، فذلك يدل على ذلك. ﴿مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ﴾ أي: لا علم\n_________\n(١) انظر: \"تنوير المقباس\" ص ٤٩٠، \"تفسير مقاتل\" ٣/ ٧٩١، \"تفسير البغوي\" ٧/ ٢٠٩، \"تفسير الوسيط\" ٤/ ٦٨.\n(٢) بنو مليح بن عمرو بن عامر بن لحي بن قَمَعَة بن إلياس، ويقال إن بني مليح هؤلاء من ولد الصلت بن مالك بن النضر بن كنانة انظر: \"جمهرة أنساب العرب\" لابن حزم ص ٢٣٨.\n(٣) انظر: \"تنوير المقباس\" ص ٤٩٠، \"تفسير مقاتل\" ٣/ ٧٩١، \"القرطبي\" ١٦/ ٧٤.\n(٤) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٤٠٨.\n(٥) ذكر ذلك الثعلبي في \"تفسيره\" ١٠/ ٨١ أ.\n(٦) قال ابن كثير ﵀: ﴿وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾ أي لو أراد الله لحال بيننا وبين عبادة هذه الأصنام فإنه عالم بذلك وهو يقررنا عليه فجمعوا بين أنواع كثيرة من الخطأ:\nالأول: جعلهم لله تعالى ولدًا.\nالثاني: دعواهم أنه اصطفى البنات على البنين. =","vol":"20","page":26},{"text":"لهم بما يدَّعون، ولكنهم يخرصون في ذلك، وهذا إنكار ورد ولا يحتمل أن يكون ردًا لظاهر قولهم: ﴿لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾، لأن هذا القول حق وإن كان من الكافر؛ لأن الحق حق حيث ما كان، فلا يحتمل أن يكون هذا الإنكار واقعًا إلا على ما أولناه من أن قولهم: لو شاء الرحمن ما عبدنا؛ لأن هذا القول حق أمرنا أن نعبدهم؛ لأن هذا افتراء وكذب منهم على الله، فهذان قولان صحيحان في معنى الآية:\nأحدهما: وهو أن قول أبي إسحاق أن قوله: ﴿مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ إنكارٌ لما ذكر عنهم من قوله: ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا﴾، وقوله: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا﴾.\nوالثاني: أنهم [أروا] (١) بقولهم: لو شاء الرحمن ما عبدناهم، أنه أمرنا بذلك، وأنه رضي بذلك فقدرنا عليه، فأنكر عليهم، وهذه الآية كقوله: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ في سورة النحل [٣٥].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3868>٢١ </span>- قوله تعالى: ﴿أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ﴾ قالوا كلهم: من قبل القرآن، قال مقاتل: يقول هل أعطيناهم كتابًا من قبل\n_________\n= الثالث: عبادتهم لهم مع ذلك كله بلا دليل ولا برهان ولا إذن من الله -﷿-.\nالرابع: احتجاجهم بتقديرهم على ذلك قدرًا، وقد جهلوا في هذا الاحتجاج جهلًا كبيرًا فإنه تعالى قد أنكر ذلك عليهم أشد الإنكار. انظر: \"تفسير ابن كثير\" ٦/ ٢٢٢. وقال شارح الطحاوية: أما أهل السنة فيقولون إن الله وإن كان يريد المعاصي قدرًا فهو لا يحبها ولا يرضاها ولا يأمر بها بل يبغضها ويسخطها ويكرهها وينهى عنها، وهذا قول السلف قاطبة فيقولون: ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن. انظر: \"شرح الطحاوية\" ١/ ٧٩.\n(١) كذا رسمها، ولعل المراد (أرادوا).","vol":"20","page":27},{"text":"القرآن بأن يعبدوا غير الله (١) فهم به مستمسكون.\nقال ابن عباس: فهم به يعملون (٢)، وقال الكلبي: يأخذون بما فيه (٣).\nوقال أبو إسحاق: أم هل قالوه عن كتاب، والمعنى آتيناهم كتابًا بما قالوه من عبادة غيره (٤). [ذكر أنه لم] (٥) يعبدوا غيره بكتاب [إذا] (٦) العلم بالحق لا يدرك إلا بالسمع أو بالعقل، وليس يوجب ما يفعلون عقل ولا سمع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3869>٢٢ </span>- ثم ذكر أنهم لم يأتهم كتاب، فقال: ﴿بَلْ﴾ أي ما أتيناهم كتابًا ولكنهم ﴿قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾.\nوقال الزجاج: أعلم الله أن فعلهم اتباع ضلالة آبائهم بقوله: ﴿بَلْ قَالُوا﴾ (٧).\nوقال صاحب النظم: أي ليس لهم حجة إلا تقليد آبائهم، وقولهم: إنا وجدناهم على دين فنحن نتبعهم، ومعنى الأمة في هذه الآية: السنة والملة والدين، في قول جميعهم (٨).\n_________\n(١) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٣/ ٧٩٢.\n(٢) ذكر ذلك القرطبي في \"الجامع\" ولم ينسبه. انظر: ١٦/ ٧٤.\n(٣) انظر: \"تفسير أبي الليث السمرقندي\" ٣/ ٢٠٥، \"تنوير المقباس\" ص ٤٩٥.\n(٤) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٤٠٨.\n(٥) كذا في الأصل، ولعل الصواب (ذكر أنهم لم).\n(٦) كذا في الأصل، ولعل الصواب (إذ).\n(٧) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٤٠٨.\n(٨) انظر: \"تفسير السمرقندي\" ٣/ ٢٠٥، \"الماوردي\" ٥/ ٢٢١، \"البغوي\" ٥/ ٢١٠.","vol":"20","page":28},{"text":"﴿وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ وقال ابن عباس: يعنون الضلالة التي هم عليها، جعلوا أنفسهم باتباع آبائهم مهتدين (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3870>٢٣ </span>- ثم أخبر تعالى أن غيرهم قالوا هذا القول فقال: ﴿وَكَذَلِكَ﴾ أي وكما قالوا ﴿مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ﴾ الآية.\nقوله: ﴿مُتْرَفُوهَا﴾ قال ابن عباس ومقاتل: ملوكها وأشرافها وجابرتها (٢)، وقال أبو إسحاق قوله: ﴿مُهْتَدُونَ﴾ و﴿مُقْتَدُونَ﴾، يصلح أن يكون جوابًا لـ: ﴿إِنَّا﴾، و﴿عَلَى﴾ من صلته والتقدير: إنا مهتدون على آثارهم، وكذلك مقتدرون، ويصلح أن يكون خبرًا بعد خبر، فيكون (على آثارهم) خبر (إنا) ومهتدون [خبرًا ثان] (٣)، وكذلك مقتدون (٤)، فقال الله تعالى لنبيه:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3871>٢٤ </span>- ﴿قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ﴾ قال الكلبي: بأعرف دينا وأبين صلاحًا (٥).\nوقال أبو إسحاق: المعنى فيه قل: أتتبعون ما وجدتم عليه آباءكم وإن جئتكم بأهدى منه (٦)؟ فأبوا أن يقبلوا ذلك ﴿قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾.\n_________\n(١) ذكر ذلك البغوي ٧/ ٢١٠، وذكر نحوه ابن الجوزي ٧/ ٣٠٨ ولم ينسباه.\n(٢) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٣/ ٧٩٢، \"تفسير أبي الليث\" ٣/ ٢٠٥، \"تنوير المقباس\" ص ٤٩١.\n(٣) كذا في الأصل، وفي معاني الزجاج (ثانيًا) ٤/ ٤٠٨.\n(٤) نص العبارة عند الزجاج: ويصلح أن يكون خبرًا لإنا مهتدون، و﴿عَلَى﴾ من صلة مهتدين، وكذلك ﴿مُقْتَدُونَ﴾، فيكون المعنى وإنهم مهتدون على آثارهم، وكذلك يكون المعنى مقتدون على آثارهم، ويصلح أن يكون خبرًا بعد خبر، فيكون: ﴿وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ﴾ الخبر ويكون ﴿مُهْتَدُونَ﴾ خبرًا ثانيًا، وكذلك ﴿مُقْتَدُونَ﴾ ٤/ ٤٠٨.\n(٥) انظر: \"تفسير الثعلبي\" ١٠/ ٨١ ب، \"السمرقندي\" ٣/ ٢٠٥، \"البغوي\" ٧/ ٢١٠.\n(٦) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٤٠٨.","vol":"20","page":29},{"text":"ثم ذكر ما فعل بالأمم المكذبة تخويفًا لهم فقال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3872>٢٥ </span>- ﴿فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ الآية. قال ابن عباس: يريد ما صنع بقوم نوح وعاد وثمود (١)، ونحو هذا قال مقاتل (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-3873>٢٦ </span>- ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ﴾ قال الكلبي: لما خرج إبراهيم من السرب وهو ابن سبع عشرة سنة، أبصر قومه وأباه يعبدون الأصنام فقال لهم هذا القول (٣).\nوقوله: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ﴾ قال الكساني والفراء والمبرد: براء: مصدر لا يثنى ولا يجمع مثل: عدل ورمي، تقول العرب: أنا البرآء منك والخلا، ولا يقولون: البراءان والبراءون؛ لأن المعنى: ذو البراء، وذو البراء، فإن قلت: بريء وخلى، ثنيت وجمعت (٤)، ثم استثنى خالقه من البراءة فقال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3874>٢٧ </span>- ﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ المعنى أنا أتبرأ مما تعبدون إلا من الله -﷿-، ويجوز أن يكون (إلا) بمعنى لكن، فيكون المعنى لكن الذي فطرني ﴿فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ أي سيرشدني لدينه ويوفقني لطاعته، قاله ابن عباس (٥). والوجهان في الاستثناء ذكرهما الزجاج (٦).\n<span data-type=\"title\" id=toc-3875>٢٨ </span>- قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ قال ابن عباس ومجاهد وقتادة: يعني لا إله إلا الله، وقال قتادة: لا يزال في ذريته من يعبد\n_________\n(١) ذكر ذلك الشوكاني في \"فتح القدير\" ٤/ ٥٥٣ ولم ينسبه.\n(٢) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٣/ ٧٩٣.\n(٣) ذكر ذلك في \"تفسير الوسيط\" انظر: ٤/ ٦٩.\n(٤) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ٣٠، \"اشتقاق أسماء الله\" لأبي القاسم الزجاجي ص ٢٤٢.\n(٥) ذكر ذلك البغوي ٤/ ٢١٠، والشوكاني ٤/ ٥٥٣ ولم ينسبه.\n(٦) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٤٠٩.","vol":"20","page":30},{"text":"الله ويوحده (١)، والكناية على هذا في قوله (وجعلها) تعود إلى كلمة التوحيد لا إل إلا الله والمعنى: وجعل كلمة التوحيد باقية في عقب إبراهيم، ولم يسبق ذكر كلمة التوحيد حتى يكنى عنها.\nقال صاحب النظم: قد رضيت العامة بقول المفسرين من غير وقوف على حقيقة مخرج هذه الكلمة، وإذا تأملت الآية رددتها بالاعتبار إلى تأويلها، دلت على قيام لا إله إلا الله فيها مصورة، وذلك أن النفي والتنزيه عند العرب واحد في المعنى.\nوقوله -﷿- ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ﴾ مثل قولك: لا، لأنه يتبرأ بها من الشيء.\nقوله: ﴿مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾ كل معبود عند العرب كان يسمى إلهًا، فقد رجع تأويل هذه الآية بهذا الاعتبار أنها كناية عن الإله، ثم قال: ﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ ولا يهدي ولا يفطر إلا الله -﷿-، وكأنه قال: إلا الله، وقد انتظمت الكلمتان بهذا التأويل لا إله إلا الله.\nوقوله: ﴿فِي عَقِبِهِ﴾ قال مقاتل: في ذرية إبراهيم، وقال الكلبي: في نسله (٢)، وقال الحسن: عقب الرجل: نسله إلى يوم القيامة.\nوقال ابن عباس: يريد في ولده وولد ولده إلى يوم القيامة (٣).\n_________\n(١) انظر: \"تفسير أبي الليث\" ٣/ ٢٠٦ فقد ذكر القول ولم ينسبه، ونسبه الماوردي ٥/ ٢٢٢، والبغوي ٧/ ٢١٠، والقرطبي ١٦/ ٧٧ لمجاهد وقتادة، ونسب القرطبي لابن عباس قوله: في عقبه أي في خلفه.\n(٢) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٣/ ٧٩٣، \"تنوير المقباس\" ص ٤٩١، وفص العبارة عند مقاتل: يعني في ذريته، يعني ذرية إبراهيم.\n(٣) انظر: \"تفسير أبي الليث\" ٣/ ٢٠٦، \"تفسير الماوردي\" ٥/ ٢٢٢، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٦/ ٧٧.","vol":"20","page":31},{"text":"قال الأزهري: وكل شيء خلف بعد شيء فقد عقبه يعقب عقبًا وعقوبًا، ولهذا قيل لولد الرجل عقبه، ومنه حديث عمر ﵀ أنه سافر في عقب رمضان، أي في آخره (١).\nقول: ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ قال الفراء: أي لعل أهل مكة يتبعون هذا الدين إذ كانوا من ولد إبراهيم، فذلك قوله: ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ أي: إلى دينك دين إبراهيم (٢)، وقال قتادة: لعلهم يتوبون ويرجعون عما هم عليه إلى عبادة الله (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3876>٢٩ </span>- ثم ذكر نعمته على قريش فقال: ﴿بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلَاءِ وَآبَاءَهُمْ﴾ قال ابن عباس: يريد المشركين (٤)، يعني أنه متعهم بأنفسهم وأموالهم وأنواع إنعامه عليهم، ولم يعاجلهم بعقوبة كفرهم ﴿حَتَّى جَاءَهُمُ الْحَقُّ﴾، وقال مقاتل: يعني القرآن. وقال الضحاك: الإسلام (٥).\n﴿وَرَسُولٌ مُبِينٌ﴾ مبين لهم الإعلام والأحكام، وقال مقاتل: بين أمره (٦).\n_________\n(١) انظر: \"تهذيب اللغة\" للأزهري (عقب) ١/ ٢٧١، وانظر: \"غريب الحديث\" لأبي عبيد (عقب) / ٢٤٣، \"غريب الحديث\" لابن الجوزي (عقب) ٢/ ١١١، \"النهاية في غريب الحديث\" لابن الأثير (عقب) ٣/ ٢٦٨.\n(٢) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ٣١.\n(٣) انظر: \"تفسير الماوردي\" ٥/ ٢٢٣، فقد أورد عدة أقوال عن قتادة بلفظ: (يذكرون)، وعن ابن عباس بلفظ (يتوبون)، وعن الفراء: (يرجعون إلى دينك الذي هو دين إبراهيم)، وذكره البغوي ٧/ ٢١١ ونسبه للسدي.\n(٤) ذكر ذلك البغوي ٧/ ٢١١ ولم ينسبه، وذكره أبو الليث السمرقندي بلفظ: يعني قومك، ولم ينسبه. انظر: \"تفسيره\" ٣/ ٢٠٦.\n(٥) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٣/ ٧٩٣، \"تفسير البغوي\" ٧/ ٢١١ عن الضحاك.\n(٦) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٣/ ٧٩٣.","vol":"20","page":32},{"text":"وقال أهل المعاني: كان من حق ما أنعم الله عليه من الانتفاع ونعته الرسول أن يطيعوه بإجابة رسوله، فلم يجيبوه وعصوا رسوله فلم يقضوا حق إنعامه وهو قوله تعالى:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3877>٣٠، ٣١ </span>- ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ﴾ يعني: القرآن ﴿قَالُوا هَذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ (٣٠) وَقَالُوا لَوْلَا﴾ هلا ﴿نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ﴾ الآية. قال الكلبي ومقاتل: قال الوليد بن المغيرة، لو كان هذا القرآن حقًا لنزل عليَّ أو على [ابن] (١) مسعود: عمرو بن عمير بن عوف الثقفي جد المختار الكذاب (٢)، وكان بالطائف والوليد كان بمكة، وهما القريتان، وقال عطاء عن ابن عباس وقتادة: في عظيم الطائف إنه عروة بن مسعود (٣)، وقال مجاهد: عتبة بن ربيعة من مكة، وابن عبد الثقفي من الطائف (٤).\nوقال أبو إسحاق: المعنى على رجل من رجلي القريتين (٥).\nوقال أبو علي: من إحدى القريتين (٦).\n_________\n(١) كذا في الأصل، وفي \"تفسير مقاتل\" (أبي).\n(٢) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٣/ ٧٩٣، \"تفسير البغوي\" ٧/ ٢١١.\n(٣) ذكر ذلك البغوي، ونسبه لقتادة انظر: \"تفسيره\" ٧/ ٢١١، وذكره ابن الجوزي ونسبه لمجاهد وقتادة. انظر: \"زاد المسير\" ٧/ ٣١١، ونسبه القرطبي لقتادة. انظر: \"الجامع\" ١٦/ ٨٣. وهو عروة بن مسعود بن معتب بن مالك.\n(٤) انظر: \"تفسير الطبري\" ١٣/ ٦٥، \"تفسير البغوي\" ٧/ ٢١١، \"التعريف الإعلام فيما أبهم في القرآن من الأسماء الأعلام\" ص ٢٨٧، ورجح النحاس أن المراد بالرجلين: الوليد بن المغيرة، وعروة بن مسعود الثقفي. انظر: \"معاني القرآن\" للنحاس ٦/ ٣٥١.\n(٥) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٤٠٩.\n(٦) لم أقف عليه.","vol":"20","page":33},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3878>٣٢ </span>- فقال الله -﷿- إنكارًا وردًا عليهم: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾ قال ابن عباس: نبوة ربك، وهو قول جميع المفسرين (١)، والمعنى: أنهم [أعرضوا] (٢) على الله بقولهم لِمَ لَمْ ينزل هذا القرآن على غير محمد؟ فبين الله -﷿- أنه هو الذي يقسم بفضله ورحمته لا غير، وقال مقاتل في هذه الآية: أبأيديهم مفاتيح الرسالة فيضعونها حيث شاءوا، أي: أنها ليست بأيديهم، ولكنا نختار لها من نشاء من عبادنا (٣).\nثم قال قوله تعالى: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ قال ابن عباس: يريد أرزاقهم (٤)، واختلفوا في معنى ذكر سبب قسمة المعيشة هاهنا، فقال مقاتل في هذه الآية: يقول لم أعط الوليد وأبا مسعود الذي أعطيناهما من الغنى لكرامتهما على الله، ولكنه قسمة من الله بين الخلق (٥)، فعلى هذا المعنى: نحن أعطيناهما ذلك فلا يغر بهما الغنى ولا يبطر بهما النعمة، فإن من قسمها لهما قادر على نزعها عنهما، ثم ذكر الحكمة في تفضيل بعض على بعض في الرزق في باقي الآية.\nوقال أهل المعاني: إن الله قسم النبوة كما قسم الرزق في المعيشة، فليس لأحد أن يتحكم في شيء من ذلك، وكما فضلنا بعضهم فوق بعض في الرزق والمنزلة، كذلك اصطفينا للرسالة من نشاء، وعلى هذا معنى الآية: إنا تولينا قسم معيشتهم، كذلك تولينا قسم النبوة بالرحمة، فلا\n_________\n(١) انظر: \"تفسير الطبري\" ١٣/ ٦٥، \"الثعلبي\" ١٠/ ٨٢ أ، \"الماوردي\" ٥/ ٢٢٣.\n(٢) كذا في الأصل، ولعل الصواب (اعترضوا).\n(٣) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٣/ ٧٩٤.\n(٤) لم أقف عليه.\n(٥) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٣/ ٧٩٤.","vol":"20","page":34},{"text":"اعتراض لأحد في قسمتنا (١)\nوقال آخرون: نبه الله -﷿- بالأدنى على الأعلى، فذكر أنه قسم المعيشة بين عباده بتفضيله من يشاء في الرزق على غيره، وإذا كان هو المتولي لهذه القسمة، فأن يكون هو المتولي لقسمة النبوة، إذ شأن النبوة أعظم ومحلها أرفع، وكما لا يعترض عليه في قسمة الرزق، كذلك لا يعترض عليه في قسمة النبوة (٢).\nقوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾ قال ابن عباس ومقاتل: يعني الفضل في الغنى في الحياة الدنيا (٣). ﴿لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾ أي يستخدم بعضهم بعضًا فيسخر الأغنياء بأموالهم الفقراء، هذا قول السدي وابن زيد (٤)، قال الضحاك وقتادة: ليملك بعضهم بما لهم بعضًا فيتخذونهم عبيدًا ومماليك، وهذا معنى قول مقاتل والكلبي (٥).\nوقال ابن عباس: يُسخِّر هذا لهذا وهذا لهذا (٦). وهذا القول يحتمل القولين؛ لأن التسخير يكون بالأجر ويكون بالملك (٧)، وذكرنا معنى السخرى في سورة المؤمنين [١١٠]، وقال أبو الحسن الأخفش: اتفق\n_________\n(١) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٤١٠، \"معاني القرآن\" للنحاس ٦/ ٣٥٢.\n(٢) انظر: \"تفسير أبي الليث السمرقندي\" ٣/ ٢٠٦، \"تفسير ابن عطية\" ١٤/ ٢٥٤.\n(٣) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٣/ ٧٩٤، ولم أقف على نسبته لابن عباس.\n(٤) انظر: \"تفسير الثعلبي\" ١٠/ ٨٢ أ، \"تفسير الماوردي\" ٥/ ٢٢٤، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٦/ ٨٣.\n(٥) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٣/ ٧٩٤، \"تفسير أبي الليث\" ٣/ ٢٠٦، \"الماوردي\" ٥/ ٢٢٤.\n(٦) قال ابن كثير: قيل معناه: ليسخر بعضهم بعضًا في الأعمال لاحتياج هذا إلى هذا، وهذا إلى هذا. قاله السدي وغيره. انظر: \"تفسير ابن كثير\" ٦/ ٢٢٥.\n(٧) انظر: \"تفسير الطبري\" ١٣/ ٦٧.","vol":"20","page":35},{"text":"القراء هاهنا على الضم لأنه من السُّخرة وانقياد بعضهم لبعض في الأمور، التي لو لم يَنْقَدْ فيها بعضهم لبعض لم يلتئم قوام العالم (١).\nقوله تعالى: ﴿وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ قال مقاتل: يعني الجنة للمؤمنين خير مما يجمع الكفار من الأموال (٢)، وهذا القول اختيار أبي إسحاق فقال: أعلم الله أن الآخرة أحظ من الدنيا (٣)، وقال ابن عباس: والنبوة من ربك خير مما يجمعون من الدنيا، والرحمة على هذا القول: النبوة (٤) وهو أولى لقوله: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾ ولم يختلفوا أنها بمعنى النبوة، كذلك التي في آخر الآية، والمعنى على هذا: أن النبوة لك يا محمد من ربك خير من أموالهم التي يجمعونها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3879>٣٣ </span>- ثم أعلم قلة الدنيا عنده -﷿- فقال: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ قال قتادة: لولا أن يكون الناس كفارًا (٥).\nوقال مقاتل: يقول لولا أن يرغب الناس في الكفر إذا رأوا الكفار في سعة من الخير والرزق (٦).\n_________\n(١) لم أقف عليه عند الأخفش وقد ذكره القرطبي في \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٦/ ٨٦، وذكر هذه القراءة أبو حيان في \"البحر المحيط\" ٨/ ١٣، وقال ابن الجوزي: وقرأ ابن السميفع وابن محيصن ﴿سِخْرِيًّا﴾ بكسر السين، انظر: \"زاد المسير\" ٧/ ٣١٢، وقال القرطبي: وكل الناس ضموا ﴿سُخْرِيًّا﴾ إلا ابن محيصن ومجاهد قرأ ﴿سِخْرِيًّا﴾ ١٦/ ٨٣.\n(٢) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٣/ ٧٩٤.\n(٣) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٤١٠.\n(٤) انظر: \"تفسير الطبري\" ١٣/ ٦٧، فقد أخرج ذلك عن قتادة والسدي، وذكر ذلك الماوردي ٥/ ٢٢٤ ولم ينسبه، والقرطبي ١٦/ ٨٤ ولم ينسبه.\n(٥) انظر: \"تفسير الطبري\" ١٣/ ٦٨، \"تفسير الماوردي\" ٥/ ٢٢٤.\n(٦) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٣/ ٧٩٤.","vol":"20","page":36},{"text":"وقال الكلبي: لولا أن يجتمعوا على الكفر (١).\n﴿لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ﴾ لهوان الدنيا عليه ﴿سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ﴾ قال الشعبي: يعني: الجذوع (٢)، وقال مقاتل: يعني سماء البيت (٣)، وقرئ: ﴿سُقُفًا﴾. فمن قال (سَقْفًا) فهو واحد يدل على الجمع، ألا ترى أنه قد علم بقوله: ﴿لِبُيُوتِهِمْ﴾ أن لكل بيت سقفًا، ومن قرأ: (سُقُفًا). فهو جمع سَقْف، مثل: رَهْنَ ورُهُنُ، ويُخَفَّفُ فيقال: رُهْنُ، ومثله في الصفة فَرَسٌ وَرْدٌّ، [والجميع] (٤) وُرْدٌ [وكذلك] (٥) كَثٌ وكُثٌّ، وسَهْمٌ حَشْرٌ وسِهَام حُشْرٌ، وَفُعُلٌ في الجمع يُخَفَّف نحو: أَسَدٍ و[أُسْدٍ] (٦)، قال:\n_________\n(١) انظر: \"تفسير الطبري\" ١٣/ ٦٨، \"تفسير الثعلبي\" ١٠/ ٨٢ ب، \"تفسير أبي الليث\" ٣/ ٢٠٧.\n(٢) أخرج ذلك النحاس عن الشعبي لكنها بلفظ: (الجزوع) انظر: \"معاني القرآن\" للنحاس ٦/ ٣٥٤، وعزاه السيوطي في \"الدر المنثور\" لعبد بن حميد وابن المنذر عن الشعبي بلفظ: (الجزوع) انظر: \"الدر\" ٧/ ٣٧٦، والذي يظهر لي أن الصحيح أنها: (الجذوع) بالذال قال ابن فارس: في \"معجم مقاييس اللغة\" (سقف)، السين والقاف والفاء أصل يدل على ارتفاع في إطلال وانحناء، ومن ذلك السقف سقف البيت لأنه عال مطل، والسقيفة الصفة، والسقيفة كل لوح عريض في بناء إذا ظهر من حائط. انظر: \"معجم مقاييس اللغة\" (سقف) ٣/ ٨٧. وقال الأزهري: قال الليث: السقف غماء البيت .. قال: والسقيفة كل بناء سُقِف به صفة أو شبه صفة مما يكون بارزًا .. والسقيفة كل خشبة عريضة كاللوح أو حجر عريض يستطاع أن يُسقَفَ به قُترةٌ أو غيرها. انظر: \"تهذيب اللغة\" (سقف) ٨/ ٤١٣. وذكر ذلك النحاس في \"إعراب القرآن\" بلفظ: (جذوعًا) ونسبه لسعيد بن جبير والشعبي. انظر: ٤/ ١٠٩.\n(٣) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٣/ ٧٩٤.\n(٤) كذا في الأصل وهو تصحيف، والصحيح (وخَيْلُ).\n(٥) سقط من الأصل لفظ (وكذلك).\n(٦) سقط من الأصل لفظ (أُسْدٍ).","vol":"20","page":37},{"text":"كأنَّ مُحَرَّبًا من أُسْدِ تَرْجٍ ... ينازِلُهُ لِنَابَيْهِ قَبِيبُ (١)\nوهذا الذي ذكرنا هو كلام أبي إسحاق وأبي علي (٢)، ويدل على صحة قراءة من قرأ بالجمع ما روي عن مجاهد أنه قال: كل شيء من السماء فهو سَقْف، وكل شيء من البيوت فهو سُقُف بضمتين، ويشبه أن يكون اعتبر في هذا قوله (٣): ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا﴾ [الأنبياء: ٣٢]. قوله: ﴿وَمَعَارِجَ﴾ يعني: الدرج في قول جميعهم (٤)، وهو من عرج يعرج، وقد سبق تفسيره [السجدة: ٥] ﴿عَليهَا﴾ أي على المعارج ﴿يَظْهَرُونَ﴾ قال ابن عباس: يرتفعون (٥)، وقال مقاتل: يرتقون (٦).\nوقال ابن قتيبة: يعلون، يقال: ظهرت على البيت، إذا علوت سطحه (٧)، ومنه قول الجعدي:\nوإنَّا لَنَرْجُو فَوْقَ ذلك مَظْهَرا (٨)\n_________\n(١) البيت لأبي ذؤيب في \"شرح ديوان الهذليين\" ١/ ١١٠ وفيه: ينازلهم بدل ينازله، \"اللسان\" كذلك ينازلهم. وقب القوم يقبون قبا: صخبوا في خصومة أو تمار. وقب الأسد، والفحل يقب قبًا وقَبِيبًا إذا سمعت قعقعة أنيابه .. انظر: \"اللسان\" (قبب) ١/ ٦٥٧، \"الحجة\" ٦/ ١٤٨.\n(٢) نظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٤١٠، \"الحجة\" لأبي علي ٦/ ١٤٨.\n(٣) انظر: \"الحجة\" لأبي علي ٦/ ١٤٨.\n(٤) انظر: \"تفسير الطبري\" ١٣/ ٧٠، \"تفسير الماوردي\" ٥/ ٢٢٤، \"تفسير الوسيط\" ٤/ ٧١، \"تغليق التعليق\" لابن حجر ٤/ ٣٠٥.\n(٥) انظر: \"تفسير الطبري\" ١٣/ ٧٠.\n(٦) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٣/ ٧٩٤.\n(٧) انظر: \"تفسير غريب القرآن\" لابن قتيبة ص ٣٩٧.\n(٨) البيت للنابغة الجعدي وصدره قوله: =","vol":"20","page":38},{"text":"يعني مرقى ومصعدًا. قال أبو إسحاق: المعنى: وجعلنا معارج من فضة (١) (و) كذلك:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3880>٣٤ </span>- ﴿وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا﴾ أي أبوابًا من فضة (و) كذلك ﴿وَسُرُرًا﴾ من فضة، والمعنى لولا (٢) تميل بهم الدنيا فيصير الخلق كفارًا لأعطى الله الكافر في الدنيا غاية ما يتمنى فيها لقلتها عنده، ولكنه -﷿- لم يفعل ذلك لعلمه بأن الغالب على الخلق حب العاجلة.\nقال الأخفش: واحد المعارج معراج، ولو شئت قلت في جمعه المعاريج (٣) وإن شئت جعلت الواحد معراجًا بفتح وكسر، كما تقول: مَرقاة ومِرْقاة. قال: وقوله: ﴿يَظْهَرُونَ﴾، يقول: قد ظهر على البيت يظهر، ويظهر ظهورًا وظهورًا، إذا علاه، وظهرت على السطح، إذا صرت عليه، ومنه قوله تعالى: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [الفتح: ٢٨] معناه: ليُعْليه، وأظهر الله المسلمين على الكافرين أي: أعلاهم [عليه] (٤)، وأظهر على الشيء المسروق، إذا أطلع عليه (٥).\n﴿وَسُرُرًا﴾ هو السرير، والعدد أسرة، والجميع السرر.\n_________\n= بلغنا السماء مجدنا وجدودنا\nانظر: \"ديوانه\" ٦٨، ٧٣. وقد ذكره ابن قتيبة في \"غريب الحديث\" ١/ ١٢٧، \"اللسان\" (ظهر) ٤/ ٥٢٩.\n(١) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٤١١.\n(٢) كذا في الأصل، ولعله سقط لفظ: (أن).\n(٣) انظر: \"معاني القرآن\" للأخفش ٢/ ٦٨٨.\n(٤) كذا في الأصل، ولعل الصواب (عليهم).\n(٥) انظر: \"تهذيب اللغة\" (ظهر) ٦/ ٢٤٨، \"الصحاح\" (ظهر) ٢/ ٧٣٢.","vol":"20","page":39},{"text":"قوله تعالى: ﴿يَتَّكِئُونَ﴾ أصله من الواو، وكان أصل اتَّكى أوتكى، ففعل به مثل ما فُعل باتّزن واتّعد، وقد مضى، ومثل الاتكاء التوكؤ، وهو التحامل على الشيء (١)، ومنه قوله: ﴿أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا﴾ [طه: ١٨].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3881>٣٥ </span>- قوله تعالى: ﴿وَزُخْرُفًا﴾ تفسير الزخرف في اللغة: الزينة، وكمال الشيء فيها، ودليل ذلك قوله (٢): ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا﴾ [يونس: ٢٤]، ونحو هذا قال ابن عباس: يريد جمع الزينة (٣).\nوقال مقاتل: يقول ولجعلنا لهم كلَّ شيء من ذهب (٤).\nوقال الفراء: جاء في التفسير إنما نجعلها لهم من فضة ومن زخرف، فإذا ألقيت من أوقعتَ الفعلَ عليه فتنصبه، أي وزخرفها تجعل ذلك منه. قال: وقال آخرون: ونجعل لهم مع ذلك ذهبًا وغنى، وهو أشبه الوجهين بالصواب (٥).\nقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ القراء على تخفيف ﴿لما﴾ و﴿مَا﴾ لغو، المعنى: لمتاع الحياة الدنيا، (وإن) مخففة من الثقيلة، واللام في ﴿لَما﴾ التي تدخل لتفصل بين النفي والإيجاب في نحو قوله:\n_________\n(١) انظر: \"تهذيب اللغة\" (تكأ) ١٠/ ٣٣٣، (وكأ) ١٠/ ٤١٧، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٦/ ١٧، \"اللسان\" (وكأ) ١/ ٢٠٠.\n(٢) انظر: \"تهذيب اللغة\" (زخرف) ٧/ ٦٧٢، \"الصحاح\" (زخرف) ٤/ ١٣٦٩.\n(٣) انظر: \"تفسير الطبري\" ١٣/ ٧١، \"إعراب القرآن\" للنحاس ٤/ ١٠٩.\n(٤) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٣/ ٧٩٥.\n(٥) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء بتصرف يسير ٣/ ٣٢.","vol":"20","page":40},{"text":"هَبَلَتْكَ أمُّكَ إنْ قَتَلْتَ لَمُسْلِمًا (١)\nولم تعمل (إن) عمل الفعل لما خففتها لزوال شبهها بالفعل من أجل التخفيف، وحكى سيبويه النصب بها مخففة، والقياس أن لا تعمل إذا خففت بذلك على دخولها على الفعل في نحو: ﴿وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ﴾ [الأنعام: ١٥٦] ﴿وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ﴾ [الأعراف: ١٠٢]، وقرأ حمزة (لمَّا) بالتشديد، جعل (لما) في معنى: إلا، وحكى سيبويه: نشدتك باللهِ لَمَّا فَعَلْتَ يعني: إلا، ويقوي هذه [القراءتان في حرف] (٢) (وما ذلك إلا متاع الحياة الدنيا) وهذا يدل على أن (لما) بمعنى (إلا) وأنَّ (إنْ) بمعنى (ما) (٣).\nوقال أبو الحسن: الوجه التخفيف، لأن (لما) في المعنى (إلا) لا يكاد يعرف ولا يكاد يُتكلم بها (٤)، وحُكي عن الكسائي أنه قال: لا أعرف وجه التثقيل (٥).\n_________\n(١) البيت لعاتكة بنت زيد العدوية ابنة عم عمر بن الخطاب من قصيدة تخاطب بها عمرو ابن جرموز قاتل زوجها الزبير بن العوام في معركة الجمل وعجزه:\nحلت عليك عقوبة المتعمد\nانظر: \"المحتسب\" لابن جني ٢/ ٢٥٥، \"الأضداد\" لابن الأنباري ص١٩٠، \"شرح ابن عقيل\" لألفية ابن مالك ١/ ٣٣٥، لكن صدره: شلت يمينك.\n(٢) كذا في الأصل، ولعل الصواب (القراءة أن في حرف أبي) انظر: \"الحجة\" ٦/ ١٤٩.\n(٣) من بداية ذكر القراءة نقله المؤلف عن \"الحجة\" لأبي علي مع اختصار لبعض المواضع. انظر: \"الحجة\" ٦/ ١٤٩، وانظر: \"الجنى الداني في حروف المعاني\" ص ٥٩٤.\n(٤) انظر: \"معاني القرآن\" للأخفش ٢/ ٦٨٨.\n(٥) انظر: \"الحجة\" ٦/ ١٤٩، \"تفسير ابن عطية\" ١٤/ ٢٥٦.","vol":"20","page":41},{"text":"قال ابن عباس في قوله: ﴿وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ يريد يزول ويذهب ويتغير (١)، وقال مقاتل: يتمتعون فيها قليلًا (٢)، ﴿وَالْآخِرَةُ﴾ يعني الجنة ﴿عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ خاصة لهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3882>٣٦ </span>- وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا﴾ قال أبو زيد وابن الأعرابي: عشى يعشو عَشْوًا وعُشُوًّا، إذا أتى نارًا للضيافة، وعشا يعشو، إذا ضعف بصره (٣)، ونحو هذا قال الليث، قال: والعاشية كل شيء يعشو بالليل إلى ضوء نار من أصناف الحيوان كالفراش (٤) وغيره وأنشدوا:\nمَتَى تَأتِه تَعْشُو إلى ضوْءِ نارِهِ ... تَجِدْ خَيْرَ نَارٍ عِنْدَها خَيْرُ مُوقِدِ (٥)\nوذكر المفسرون وأهل التأويل في هذه الآية قولين:\nأحدهما: أن المراد بقوله (يعش): يعم ويضعف بصره.\nوالآخر: أن المعنى: ومن يعرض عن ذكر الرحمن، والأول قول مقاتل وابن زيد وابن عباس في رواية عطاء وأبي عبيدة وابن قتيبة.\nقال مقاتل: يقول: ومن يعم بصره عن ذكر الرحمن، يعني القرآن.\n_________\n(١) انظر: \"تفسير الطبري\" ١٣/ ٧٢ فقد ذكر المعنى ولم ينسبه، ونسبه في \"الوسيط\" لابن عباس. انظر: ٤/ ٧٢.\n(٢) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٣/ ٧٩٥.\n(٣) انظر: \"الصحاح\" (عشى) ٦/ ٢٤٢٦، \"اللسان\" (عشا) ١٥/ ٥٦.\n(٤) انظر: \"العين\" (عشى) ٢/ ١٨٧.\n(٥) البيت للحطيئة من قصيدة مدح بها بغيض بن عامر بن شماس. انظر: \"ديوانه\" ص ٢٤٩، \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ٢/ ٢٠٤، \"الصحاح\" (عشا) ٦/ ٢٤٢٦، \"اللسان\" (عشا) ١٥/ ٥٦، \"العين\" (عشى) ٢/ ١٧٨، \"الكتاب\" ٣/ ٨٦.","vol":"20","page":42},{"text":"وقال ابن عباس: ومن يعم عن ذكر الله تعالى.\nوقال أبو عبيدة: ومن تظلم عينه، واختاره ابن قتيبة (١).\nوالقول الثاني: هو قول قتادة، وروي ذلك عن ابن عباس وهو اختيار الفراء وأبي إسحاق (٢).\nوشرح الأزهري القولين وبيَّن الأصوب فقال: قال القتيبي معنى قوله: ﴿وَمَنْ يَعْشُ﴾ أي ومن يظلم بصره، قال: وهذا قول أبي عبيدة، ثم ذهب يرد قول الفراء ويقول: لم أر أحدًا يجيز عشوت عن الشيء، أي: تغافلت عنه كأني لم أره وكذلك تعاميت.\nقال الأزهري: أغفل القتيبي موضع الصواب، واعترض مع غفلته على الفراء يرد عليه، فذكرت قوله لأبين عواره، فلا يغتر به الناظر في كتابه، العرب تقول: عَشَوت إلى النار أعشو عَشْوًا، أي قصدتها مهتديًا بها، وعشوت عنها، أي: أعرضت فيفرقون بين (إلى) و(عن) موصولين بالفعل.\nقال أبو الهيثم: عشا عن كذا يعشو عنه، إذا مضى، وعشا إلى كذا يعشو إليه عَشْوًا وعُشُوًّا، إذا قصد إليه مهتديًا بضوء ناره، وإنما أتى القتيبي في وهمه الخطأ من جهة أنه لم يفرق بين عشا إلى النار، وعشا عنها، ولم يعلم أن كل واحد منهما ضد الآخر في باب الميل إلى الشيء والميل عنه كقولك: عدلت إلى بني فلان، وعدلت عنهم، وكذلك ملت إليهم، وملت\n_________\n(١) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٧٩٥/ ٣، \"تفسير الطبري\" ١٣/ ٧٣، \"تنوير المقباس\" ص ٤٩٢، \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ٢/ ٢٠٤، \"تفسير غريب القرآن\" لابن قتيبة ص ٣٩٨.\n(٢) انظر: \"تفسير الطبري\" ١٣/ ٧٣، \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ٣٢، \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٤١١.","vol":"20","page":43},{"text":"عنهم، ومضيت إليهم، ومضيت عنهم.\nوهكذا قال أبو إسحاق الزجاج في هذه الآية كما قال الفراء (١) قال: معنى الآية: أن من أعرض عن القرآن وما فيه من الحكمة إلى أباطيل المضلين، يعاقبه بشيطان يقيضه له حتى يضله ويلازمه قرينًا له، فلا يهتدي مجازاة له حين آثر الباطل على الحق البين (٢).\nقال الأزهري: وأبو عبيدة صاحب معرفة الغريب، وأيام العرب، وهو بليد النظر في باب النحو ومقاييسه، انتهت الحكاية عن الأزهري (٣)، والقول ما اختاره؛ لأن الإعراض عن القرآن صح يعني من العمى عنه، ولهذا الوجه أدلة من التنزيل كقوله: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ [طه: ١٢٤] وقوله: ﴿وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ﴾ [الجن: ١٧] والأول ليس ببعيد، ويحمل على أنه يعمى عن الاستدلال بحججه والتأويل في تبيانه، ونظيره من التنزيل قوله: ﴿الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي﴾ [الكهف: ١٠١]\nقوله: ﴿نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا﴾ تفسير التقييض قد تقدَّم في سورة السجدة [آية: ٢٥]، قال مقاتل: يعني يضم إليه (٤).\n(فهو له) في الدنيا (قرين) يعني صاحبًا يزين له العمى، وقال ابن عباس: فهو له قرين: يريد في الدنيا والآخرة (٥).\n_________\n(١) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٤١١، \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ٣٢.\n(٢) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٤١٢، لكنه بأخصر مما هنا، وهذا القول بنصه في \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٥٦ (عشا) وفي \"الوسيط\" ٤/ ٧٢.\n(٣) انظر: \"تهذيب اللغة\" وقد اختصر المؤلف في بعض المواضع من كلام الأزهري (عشا) ٣/ ٥٥ - ٥٧.\n(٤) ذكر ذلك المعنى البغوي ٧/ ٢١٣ ولم ينسبه، ولم أقف عليه عند مقاتل.\n(٥) انظر: \"تفسير الماوردي\" ٥/ ٢٢٦، \"تنوير المقباس\" ص ٤٩٢، وقال القرطبي: =","vol":"20","page":44},{"text":"قوله: ﴿فَهُوَ﴾ يجوز أن يكون كناية عن الشيطان، ويجوز أن يكون كناية عن المعرض، لأن كل واحد منهما قرين لصاحبه، وفي هذا تكذيب للقدرية لأنه تعالى ذكر أنه يسلط الشيطان على الكافر حتى يضله، ويخيل إليه أنه على الهدى وهو على الضلالة، وذلك قوله:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3883>٣٧ </span>- ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ﴾ الهدى، وذكر الكناية عن الشيطان وابن آدم بلفظ الجمع في قوله: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ﴾ لأن قوله: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا﴾ في مذهب جمع (١) وإن كان اللفظ على الواحد. قاله الفراء (٢).\nقوله تعالى: ﴿وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ قال مقاتل: يحسب كفار مكة أنهم على هدى (٣)، وقال أبو إسحاق: الشيطان يصدهم عن السبيل، ويحسب الكفار أنهم مهتدون (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3884>٣٨ </span>- ثم عاد إلى لفظ الواحد فقال: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَنَا﴾ يعني الكافر، وقرئ (جاءانا) يعني الكافر وشيطانه، قال مقاتل: يعني ابن آدم وقرينه في الآخرة جعلا في سلسلة واحدة (٥).\nوروى معمر عن الجريري في هذه الآية قال: بلغنا أن الكافر إذا بعث يوم القيامة من قبره أخذ بيده شيطان فلم يفارقه حتى يصيرهما الله إلى النار،\n_________\n= قيل في الدنيا يمنعه من الحلال ويبعثه على الحرام وينهاه عن الطاعة ويأمره بالمعصية، وهو معنى قول ابن عباس، انظر: \"الجامع\" ١٦/ ٨٩\n(١) انظر: \"تفسير ابن عطية\" ١٤/ ٢٥٨، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٦/ ٩٠.\n(٢) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ٣٢.\n(٣) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٣/ ٧٩٥.\n(٤) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٤١٢.\n(٥) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٣/ ٧٩٥.","vol":"20","page":45},{"text":"فذلك حيث يقول: ﴿يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ﴾ (١).\nقال مقاتل: يعني يقول يتمنى الكافر أن بينهما بعد المشرقين، وأطول يوم في السنة إلى مشرق أقصر يوم في السنة (٢). ويقال: إنه أراد المشرق والمغرب فقال: المشرقين، وهذا أشبه الوجهين بالصواب؛ لأن العرب قد تجمع الاسمين على تسمية أشهرهما كما قال الفرزدق:\nلنا قَمَرَاها والنّجومُ والطَّوَالِعُ (٣)\nيريد: الشمس والقمر، ويقولون للكوفة والبصرة: البصرتان، وللجزيرة والموصل: الموصلان، الغداة (٤) والعصر، ومثله كثير، واختاره أبو إسحاق فقال: غلب لفظ المشرق كما قالوا سُنَّة العمرين يراد: سنة أبي بكر وعمر رحمة الله عليهما (٥).\nقوله تعالى: ﴿فَبِئْسَ الْقَرِينُ﴾ أي: أنت، قال مقاتل والكلبي: فبئس المصاحب معه في النار في سلسلة واحدة (٦)، ويقول الله للكافر في ذلك اليوم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3885>٣٩ </span>- ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ﴾ أي: أشركتم في الدنيا، قاله ابن عباس ومقاتل.\n_________\n(١) أخرج ذلك عبد الرازق في \"تفسيره\" ٢/ ١٩٦، والطبري ١٣/ ٧٤، وانظر: \"تفسير ابن كثير\" ٦/ ٢٢٧.\n(٢) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٣/ ٧٩٥ بلفظ (يعني ما بين مشرق الصيف إلى مشرق الشتاء أطول يوم في السنة، وأقصر يوم في السنة).\n(٣) انظر: \"ديوان الفرزدق\" ص ٥١٩، \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ٣٣، \"تفسير الطبري\" ١٣/ ٧٤، \"تهذيب اللغة\" (عني) ٣/ ٢١٤، \"تفسير ابن عطية\" ١٤/ ٢٥٩.\n(٤) في \"تفسير الثعلبي\" (ويقال الغداة والعشي العصران) ١٠/ ٨٤ أ.\n(٥) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٤١٢.\n(٦) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٣/ ٧٩٥، \"تنوير المقباس\" ص ٤٩٢.","vol":"20","page":46},{"text":"قال عطاء: لن ينفعكم اليوم هذا الكلام، يعني قوله: يا ليت بيني وبينك، وقال مقاتل: لم ينفعكم اليوم في الآخرة الندم والاعتذار (١)، وهذا إنما يصح أن لو قرئ: (إِنكم في العذاب) بكسر الهمزة على الابتداء، وإذا فتحت الهمزة تفسير للذي لا ينفعهم، وهو اشتراكهم مع شياطينهم في العذاب.\nوذكر ابن مجاهد أن ابن عامر قرأ ﴿إِنَّكُمْ﴾ بكسر الألف (٢)، وهو صحيح على ما ذكرنا من قول ابن عباس ومقاتل، وهو على إضمار فاعل ينفعكم، والفاعل ما ذكراهما، والمعنى: ولن ينفعكم اليوم التبرؤ إذ ظلمتم أمس، ودل على التبرؤ قوله: ﴿يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ﴾ والفاعل قد يضمر إذا دلت عليه الحال كقولهم: إذا كان غدًا فأتني، وعلى هذه القراءة ﴿إِنَّكُمْ﴾ ابتداء كلام، ومن إضمار الفاعل في التنزيل قوله: ﴿فَزَادَهُمْ إِيمَانًا﴾ [آل عمران: ١٧٣] أي زادهم قولُ الناس إيمانًا، وقرأه العامة: ﴿أَنَّكُمْ﴾ بفتح الهمزة.\nقال المفسرون: لا يخفف الاشتراك عنهم؛ لأن لكل أحد من الكفار والشياطين الحظ الأوفر من العذاب (٣).\nقال المبرد فيما حكى عنه الزجاج: أنهم مُنِعوا روح التأسي، [لأن التأسي] (٤) يسهل المصيبة، فأعْلموا أنه لن ينفعهم الاشتراك في العذاب، فإن الله لا يجعل لهم فيه أسوة (٥).\n_________\n(١) انظر: \"تفسير الطبري\" ١٣/ ٧٥، \"تفسير مقاتل\" ٣/ ٧٩٥.\n(٢) انظر: كتاب: السبعة لابن مجاهد ص ٥٨٦، \"الحجة\" ٦/ ١٥٥.\n(٣) انظر: \"تفسير الطبري\" ١٣/ ٧٥، \"الثعلبي\" ١٠/ ٨٤ أ، \"البغوي\" ٧/ ٢١٤.\n(٤) (لأن التآسي) ساقط من الأصل وهي هكذا عند الزجاج.\n(٥) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٤١٢.","vol":"20","page":47},{"text":"ومما يدل على أن التأسي يخفف قول الخنساء:\nولولا كَثْرةُ البَاكِينَ حَوْلي ... على إخْوَانهم لَقَتَلْتُ نَفْسِي\nوما يَبْكُونَ مِثْلَ أخِي ولكِن ... أعَزّي النَّفْسَ عَنْهُ بالتَّأسِّي (١)\nوقال آخر:\nوهَوّنَ وَجْدِي عن خَلِيلِي أنني ... إذا شِئْتُ لاقيت امرأ ما صاحبه (٢)\nوذكر أبو علي نحو هذا فقال: ولن ينفعكم اليوم اشتراككم، وفي هذا حرمان التأسي، وهي نعمة يسلبها الله أهل النار، ليكون أشد لعذابهم، ألا ترى أن التأسي قد يخفف كثيرًا من الحزن عن المتأسي كما جاء:\nولكن أُسَلَّي النفْسَ عنه بالتَّأسَّي (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3886>٤٠ </span>- ثم ذكر الله تعالى أنه لا تنفع الدعوة والوعظ من سبقت له الشقاوة فقال: ﴿أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ﴾ قال ابن عباس: يريد أنهم لا يعقلون ما جئت به ولا يبصرونه، لأن من أعميت قلبه فلا هادي له (٤) ﴿وَمَنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ يريد بانت ضلالته بتكذيب الصادق الأمين.\n<span data-type=\"title\" id=toc-3887>٤١ </span>- قوله تعالى: ﴿فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ﴾ قال ابن عباس: يريد: الموت (٥)، قال مقاتل: يعني: فيميتك (٦).\n_________\n(١) انظر: \"ديوانه\" ص ٦٢، \"معاني القرآن\" للنحاس ٦/ ٣٦٢، \"وشواهد الكشاف\" ٤/ ٦٤، \"الدر المصون\" ٦/ ٩٩، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٦/ ٩١.\n(٢) لم أقف عليه.\n(٣) انظر: \"الحجة\" لأبي علي ٦/ ١٥٥، ١٥٦، \"عجز البيت\" للخنساء.\n(٤) ذكر ذلك في \"الوسيط\" عن ابن عباس. انظر: ٤/ ٧٣.\n(٥) ذكر ذلك السمرقندي في \"تفسيره\" ٣/ ٢٠٨، وذكره الشوكاني ٤/ ٥٥٧ ولم ينسبه.\n(٦) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٣/ ٧٩٦.","vol":"20","page":48},{"text":"وقال الكلبي: يعني: قبل أن يريك النقمة في كفار مكة (١)، فإنا منهم منتقمون بالقتل بعدك، يعني: ينتقم منهم بأن كذبوك بعدك (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3888>٤٢ </span>- ﴿أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ﴾ قال ابن عباس: أو نرينك في حياتك ما وعدناهم من الذل والقتل.\n﴿فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ﴾ قالوا: وقد أري ذلك يوم بدر (٣) والمعنى: أن الله تعالى يقول لنبيه مطيبًا قلبه: إن ذهبنا بك انتقمنا لك منهم بعدك، أو نرينك في حياتك ما وعدناهم من العذاب على تكذيبك ﴿فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ﴾ متى شئنا عذبناهم، ثم عذبوا يوم بدر، وهذا قول ابن عباس ومقاتل (٤).\nوذهب قوم من المفسرين إلى أن هذا في المسلمين وهو مذهب قتادة والحسن، قال قتادة: أكرم الله نبيه وذهب به ولم ير في أمته ما كان من النقمة بعده (٥)، والقول هو الأول لأنه في ذكر المشركين قوله: ﴿وَإِنَّهُ﴾ الهاء كناية عن الذي أوحي إليه، وهو القرآن في قوله:\n_________\n(١) انظر: \"تنوير المقباس\" ص ٤٩٢، \"تفسير الوسيط\" ٤/ ٧٤.\n(٢) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٣/ ٧٩٦.\n(٣) ذكر ذلك الثعلبي ١٠/ ٨٤ ب، والبغوي ٧/ ٢١٤ ولم ينسباه، ونسبه القرطبي ١٦/ ٩٢ لابن عباس.\n(٤) انظر: \"تفسير الثعلبي\" قال: وهو قول أكثر المفسرين، وكذلك البغوي نسبه لأكثر المفسرين، ونسبه القرطبي لابن عباس وأكثر المفسرين، انظر المواضع السابقة، و\"تفسير مقاتل\" ٣/ ٧٩.\n(٥) أخرج ذلك الطبري ١٣/ ٧٥ عن الحسن وقتادة، وأورده بدون سند الثعلبي ١٠/ ٨٤ ب، ونسبه البغوي ٧/ ٢١٤ للحسن وقتادة، وانظر: \"تفسير الحسن البصري\" ٢/ ٢٧٤، وانظر: \"الجامع\" ١٦/ ٩٢ فقد نسبه للحسن وقتادة.","vol":"20","page":49},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3889>٤٣، ٤٤ </span>- ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ﴾ (١) ﴿لَذِكْرٌ لَكَ﴾ قالوا لشرف لك كقوله: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾ [الأنبياء: ١٠].\nقوله تعالى: ﴿وَلِقَوْمِكَ﴾ قال ابن عباس ومقاتل: لمن آمن منهم، والقوم يحتمل كل من بعث إليه من الناس، ويحتمل أن يراد به قريش و[(٢)] ابن عباس ومقاتل: المؤمنين (٣)، ويكون المعنى على هذا: القرآن شرف لك بما أعطاك الله من الحكمة ولقومك المؤمنين بما عوضهم من إدراك الحق به، وإن قلنا: المراد بالقوم: قريش فشرفهم بالقرآن أنه أنزل على رجل منهم.\nوروى الضحاك عن ابن عباس: أن النبي -ﷺ- كان إذا سئل لمن هذا الأمر بعدك؟ لم يخبر بشيء، حتى نزلت: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ فكان بعد ذلك إذا سئل قال: لقريش (٤)، وهذا يدل على أن -ﷺ- فهم من هذا أنه يلي على المسلمين بحكم النبوة وشرف القرآن الذي أنزل على رجل منهم، وقال مجاهد: هو أن يقول الرجل لأخيه: ممن الرجل؟ فيقول: من العرب، فيقول: من أي العرب؟، فيقول: من قريش، فيقول: من أي قريش؟ فيقول: من بني هاشم (٥)، هذا والله هو الذِّكر والشرف، وعلى هذا\n_________\n(١) انظر: \"تفسير الطبري\" ١٣/ ٧٦، \"تفسير الوسيط\" ٤/ ٧٤.\n(٢) كذا في الأصل وقد سقط لفظ: (قال).\n(٣) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٣/ ٧٩٦، \"تفسير أبي الليث\" ٣/ ٢٠٨، وقد ذكر الأقوال الثلاثة ابن الجوزي ولم ينسبها، قال: أحدها: العرب قاطبة، والثاني: قريش، والثالث: جميع من آمن به، انظر: \"زاد المسير\" ٧/ ٣١٨.\n(٤) أخرج ذلك الثعلبي في \"تفسيره\" ١٠/ ٨٤ ب عن علي وابن عباس، وعزاه السيوطي في \"الدر\" لابن عدي وابن مردويه عن علي وابن عباس، انظر: \"الدر\" ٧/ ٣٨٠، ونسبه البغوي لابن عباس ٧/ ٢١٥.\n(٥) أخرج ذلك الطبري عن مجاهد دون ذكر بني هاشم، انظر: \"تفسيره\" ١٣/ ٧٦، =","vol":"20","page":50},{"text":"القول: القرآن شرف لمحمد وهو شرف للعرب، ثم للأخص فالأخص من قومه، ولما كان شرف قومه به وشرفه بالقرآن، كان القرآن شرفًا للجميع.\nوقوله: ﴿وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾ قال الكلبي: أي عن هذا الشرف هل أديتم شكره (١).\nوقال مقاتل: يعني من كذب به، كأن يسأل: لم كذب به؟ (٢) فيسأل سؤال توبيخ.\nوقال أبو إسحاق: سوف تسألون عن شكر ما جعله الله لكم من الشرف (٣)، وقال غيره: تسألون عن القرآن وعملكم بما أمرتم به فيه، وعما يلزمكم من القيام بحقه (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3890>٤٥ </span>- قوله: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا﴾ اختلف المفسرون وأهل التأويل في هذه الآية، فذهب طائفة إلى أن المعنى: واسأل مؤمني أهل الكتاب الذين أرسلت إليهم الأنبياء، هل جاءتكم الرسل إلا بالتوحيد؟ وهذا قول ابن عباس ومجاهد وقتادة والحسن والمقاتلين، واختيار الزجاج والفراء وابن قتيبة (٥).\n_________\n= \"تفسير الماوردي\" ٥/ ٢٢٧، ونسبه القرطبي لمجاهد، انظر: \"الجامع\" ١٦/ ٩٤.\n(١) انظر: \"تنوير المقباس\" ص ٤٩٢، \"تفسير الوسيط\" عن الكلبي ٤/ ٧٤.\n(٢) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٣/ ٧٩٦، \"تفسير أبي الليث\" ٣/ ٨٠٢.\n(٣) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٤١٣.\n(٤) انظر: \"زاد المسير\" ٧/ ٣١٨، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٦/ ٩٤، \"تفسير الوسيط\" ٤/ ٧٤.\n(٥) أخرج ذلك الطبري في \"تفسيره\" ١٣/ ٧٧ عن قتادة ورجحه، وأوردد البغوي في \"تفسيره\" ٧/ ٢١٦، وابن عطية في \"تفسيره\" ١/ ٢٦٣٤، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٧/ ٣١٩، والقرطبي في \"الجامع\" ١٦/ ٩٦، وانظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ٣٤، و\"تفسير غريب القرآن\" لابن قيبة ص ٣٩٩.","vol":"20","page":51},{"text":"قال الزجاج: المعنى: سل أمم من أرسلنا (١)، وعلى هذا فقد حذف المضاف، وقال الفراء: هو أن تسأل التوراة والإنجيل، [فيخبروه أنه كتب] (٢) الرسل، فإذا سأل الكتاب فكأنه سأل الرسل (٣).\nوقال ابن قتيبة: تقدير الآية: واسأل من أرسلنا، يعني: أهل الكتاب (٤).\nقال ابن الأنباري (٥): وهذا خطأ في النحو؛ لأنه لا يصلح إضمار (إِلَيْهِ) اتفق النحويون أنه لا يجوز: الذي جلست عبد الله، على معنى: الذي جلست إليه؛ لأن (إليه) حرف منفصل، والمنفصل لا يضمر في صلة الموصول لانفصاله من الفعل؛ لأنه يجري مجرى المظهر. كما أنك إذا قلت: الذي أكرمك أبا عبد الله، لم يجز أن يضمر أباه، وإنما يحسن الإضمار في الهاء المتصلة نحو: الذي أكلت طعامك إذا أكلته، فحذف الهاء تخفيفًا لطول الاسم؛ لأن (الذي) و(أكلت) حرف واحد، ومعنى الآية: تِبَاع من أرسلنا (٦) فيكون هذا من باب حذف المضاف، ومعنى هذا الأمر بالسؤال التقدير لمشركي قريش أنه لم يأت رسول ولا كتاب بعبادة غير الله.\n_________\n(١) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٤١٤.\n(٢) كذا في الأصل وفي \"معاني الفراء\": (فإنهم إنما يخبرونه عن كتب .. ..).\n(٣) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ٣٤.\n(٤) انظر: \"تفسير غريب القرآن\" لابن قتية ص ٣٩٩.\n(٥) لم أقف على قول ابن الأنباري، وقد ذكر نحوه النحاس في \"إعراب القرآن\" ٤/ ١١١، ١١٢.\n(٦) انظر: \"تفسير ابن عطية\" ١٤/ ٢٦٥ بهذا اللفظ، وذكره في \"الوسيط\" ٤/ ٧٥ عن ابن الأنباري بلفظ: (سل أتباع من أرسلنا).","vol":"20","page":52},{"text":"وقال عطاء عن ابن عباس: لما أسري بالنبي -ﷺ- إلى المسجد الأقصى بعث الله تعالى، آدم ومن ولد من المرسلين، فأذن جبريل ثم أقام وقال: يا محمد تقدم فصلِّ بهم، فلما فرغ رسول الله -ﷺ- من الصلاة، قال له جبريل: سل يا محمد [...] (١) قبلك من رسلنا، الآية فقال رسول الله -ﷺ-: \"لا أسأل قد اكتفيت\" (٢).\nوهذا قول سعيد بن جبير والزهري، قالوا: جمع له الرسل ليلة أسري به فلقيهم وأمر أن يسألهم، فلم يشكك ولم يسأل (٣).\nوذكر أبو إسحاق قولًا ثالثًا وهو: أن يكون الخطاب للنبي -ﷺ- والمراد: الذين بعث إليهم، كأنه قيل لهم: سلوا الذين أرسلنا إليهم الرسل قبل محمد، هل أتوا بدين غير التوحيد؟ ولكن الكلام خرج على مخاطبته -ﷺ- كما قال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [الطلاق: ١] (٤).\nوذكر صاحب النظم وجهًا آخر [حلفًا فاسدًا] (٥) فقال: المعنى سل الأنبياء الذين أرسلناهم من هم لتعرفهم، كما تقول: سل من هذا، أي:\n_________\n(١) كذا في الأصل، وقد سقط لفظ: (من).\n(٢) أخرج نحو ذلك الطبري ١٣/ ٧٨ عن ابن زيد، ونسبه البغوي ٧/ ٢١٦ لعطاء عن ابن عباس، ونسبه القرطبي ١٦/ ٩٥ لابن عباس وابن زيد، ونسبه في \"الوسيط\" ٤/ ٧٥ لعطاء عن ابن عباس.\n(٣) انظر: \"تفسير الطبري\" ١٣/ ٧٨، \"تفسير الماوردي\" ٥/ ٢٢٨، \"البغوي\" ٧/ ٢١٦، \"زاد المسير\" ٧/ ٣١٩، \"الوسيط\" ٤/ ٧٥، وقد زاد بعضهم نسبته لابن زيد.\n(٤) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج بتصرف في العبارة ٤/ ٤١٤.\n(٥) كذا رسمها في الأصل ولم أتبينها.","vol":"20","page":53},{"text":"سل الناس من هذا الرجل، فكأنه قال: سلنا من أرسلنا (١)، وتم الكلام (٢)، ثم قال مبتدئًا قوله تعالى: ﴿أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ على معنى الإنكار أي: ما جعلنا ذلك، فيكونان خبرين لا خبرًا واحدًا، وهذا مما لا يُعرَّج عليه لأن النظم ومعنى الخطاب لا يحتمله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3891>٤٦ </span>- قوله تعالى: ﴿إِذَا هُمْ مِنْهَا يَضْحَكُونَ﴾ قال الكلبي: ألقى عصاه لهم فإذا هي ثعبان مبين فضحك القوم وهزئوا به وقالوا: هل يأته غير هذه؟ قال: نعم، فأراهم يده لها شعاع كشعاع الشمس يضيء لها الوادي فضحكوا منه وهزئوا (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-3892>٤٨ </span>- قوله تعالى: ﴿إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا﴾ قال الكلبي: من التي كانت قبلها (٤).\nقال مقاتل: كانت اليد أكبر من العصا، وكان موسى بدأ بالعصا فألقاها ثم أخرج يده فلم يؤمنوا ﴿وَأَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ﴾ يعني: بالطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم والطمس (٥).\nوذهب قوم إلى أن المعنى في قوله: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِآيَاتِنَا﴾: هي العصا واليد والطوفان والجراد إلى الدم، فكانوا يكذبون ويهزؤن وهي تترادف عليهم التالية أكبر من السابقة، وهي العذاب المذكور في قوله: (وأخذناهم\n_________\n(١) ذكر نحو ذلك أبو حيان في \"البحر المحيط\" ٨/ ١٨، والألوسي في \"تفسيره\" ٢٥/ ٨٦.\n(٢) انظر: \"القطع والائتناف\" للنحاس ص ٦٤٨.\n(٣) و(٤) انظر: \"تنوير المقباس\" ص ٤٩٢، ص٤٩٣ فقد ذكر نحوه.\n(٥) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٣/ ٧٩٦.","vol":"20","page":54},{"text":"بالعذاب) لأنهم عذبوا بهذه الآيات فكانت عذابًا لهم ومعجزات ودلالات لموسى، فغلب عليهم الشقاق [لم] (١) يؤمنوا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3893>٤٩ </span>- ﴿وَقَالُوا يَا أَيُّهَ السَّاحِرُ﴾ قال ابن عباس: يقولون أيها العالم، وكان الساحر فيهم عظيمًا يعظمونه ويعزونه ولم يكن صفة ذم (٢)، وقيل: إنهم قالوا ذلك جهلًا منهم بصفته.\nوقال أبو إسحاق: إنهم خاطبوه بما تقدم له عندهم من التسمية بالساحر، ولم يناقشهم موسى في مخاطبتهم إياه بذلك رجاء أن يؤمنوا، قوله تعالى: ﴿بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ﴾ فيمن آمن به من كشف العذاب عنهم (٣).\nقوله: ﴿إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ﴾ أي: مؤمنون بك، قاله ابن عباس (٤) ومقاتل قال: وكان الله عهد إلى موسى لئن آمنوا كشفت عنهم العذاب، فدعا موسى ربه فكشف عنهم فلم يؤمنوا فذلك قوله:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3894>٥٠ </span>- ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ﴾ أي: العهد الذي عاهدوا عليه موسى (٥) وهو مذكور في قوله: ﴿لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ﴾ الآية من سورة الأعراف [آية: ١٣٤].\nومعنى ذكر هذه القصة هاهنا: أن حال موسى مع قومه كحال محمد -ﷺ- وأن أمره يؤول إلى الاستعلاء كما آل أمر موسى.\n_________\n(١) كذا في الأصل ولعل الصواب (فلم أو ولم)، وهي كذلك في \"الوسيط\" ٤/ ٧٦.\n(٢) انظر: \"تفسير الطبري\" ١٣/ ٨٠، \"تفسير الثعلبي\" ١٠/ ٨٦ أ، \"تفسير الماوردي\" ٥/ ٢٢٩، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٦/ ٩٧، \"تفسير الوسيط\" ٤/ ٧٦.\n(٣) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٤١٤.\n(٤) ذكر ذلك البغوي ٧/ ٢١٧، والمصنف في \"الوسيط\" ولم ينسباه ٤/ ٧٦.\n(٥) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٣/ ٧٩٧، \"تفسير البغوي\" من غير نسبه ٧/ ٢١٧.","vol":"20","page":55},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3895>٥١ </span>- قوله تعالى: ﴿وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾ يعني: أنهار النيل، في قول المفسرين تجري من تحتي، قال مقاتل: يعني: أسفل مني (١)، كأنه أراد من تحت قصوره، وهو معنى قول الكلبي: حولي (٢)، وقال قتادة: بين يدي في جناتي (٣).\nوقال الحسن: بأمر (٤)، وعلى هذا معناه: تجري تحت أمري، وهو معنى قول عطاء: في قبضتي وملكي (٥).\nقوله: ﴿أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ قال ابن عباس: أفلا تبصرون ما أنا فيه من النعم والخير، وما فيه موسى من الفقر، افتخر عدو الله بملكه (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3896>٥٢ </span>- قوله تعالى: ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ﴾ اختلف المفسرون وأهل التأويل في معنى (أم) هاهنا فقال أبو عبيدة: مجازها: بل أنا خير (٧)، وعلى هذا تمام الفصل عند قوله: أفلا تبصرون (٨) ثم ابتدأ فصلًا آخر فقال: (أم أنا خير) على تأويل: أنا خير، وهذا قول مقاتل، قال: ليس باستفهام يعني: بل أنا خير، ونحو هذا قال السدي (٩).\n_________\n(١) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٣/ ٧٩٧.\n(٢) انظر: \"تنوير المقباس\" ص ٤٩٣.\n(٣) ذكر ذلك البغوي ٧/ ٢١٧، والقرطبي ١٦/ ٩٨، والمؤلف في \"الوسيط\" ٤/ ٧٦ ونسبوه لقتادة.\n(٤) نُسب للحسن في \"تفسير البغوي\" ٧/ ٢١٧، و\"الوسيط\" ٤/ ٧٦.\n(٥) انظر: \"تفسير الثعلبي\" ١٠/ ٨٦ ب.\n(٦) ذكر هذا المعنى \"الطبري\" ١٣/ ٨١ ولم ينسبه، ونسبه في \"الوسيط\" لقتادة ٤/ ٧٧.\n(٧) انظر: \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ٢/ ٢٠٤.\n(٨) انظر: \"القطع والاثتناف\" للنحاس ص ٦٤٩، \"المكتفى\" للداني ص ٥٠٩.\n(٩) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٣/ ٧٩٧، \"تفسير الطبري\" ١٣/ ٨١ فقد أخرج عن السدي.","vol":"20","page":56},{"text":"وقال أبو إسحاق: قال سيبويه والخليل: عطف ﴿أَنَا﴾ بأم على ﴿أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ كأنه قال: أفلا تبصرون أم تبصرون، قال: لأنهم إذا قالوا له: أنت خير منه، فقد صاروا عنده بصراء، فكأنه قال: أفلا تبصرون أم أنتم بصراء (١)، وهذا فيه بعض الغموض، ولا يقف عليه إلا من تأمل وتفكر.\nوذكر صاحب النظم وجهًا حسنًا وهو: أن يكون تمام الكلام عند قولى: أم، وقوله: (أنا خير) فصل آخر مبتدأ، على تأويل: أفلا تبصرون أم تبصرون، فكيف ذكر (تبصرون) اكتفاء بذكره في قوله: (أفلا تبصرون) كما يقال في الكلام: أتاكل أم لا، فسكت على الاكتفاء بما قبله من ذكر الأكل، وكذلك يكون إذا قدمت النفي فتقول: ألا تأكل أم تأكل، ثم يكف، ذكر تأكل بعد (أم) اكتفاء بذكره في أول الكلام، فكذلك قوله: أفلا تبصرون أم تبصرون، فكف ذكر (تبصرون) عند (أم) لجري ذكره، وهذا معنى قول مجاهد: أم تام يقف، ثم أنا خير أفلا تبصرون أم قد أبصرتم (٢).\nوقوله: ﴿أَنَا خَيْرٌ﴾ قال مقاتل: أفضل ﴿مِنْ هَذَا﴾ يعني: موسى ﴿الَّذِي هُوَ مَهِينٌ﴾ يعني: ضعيف ذليل (٣)، وقال الكلبي: ضعيف في بدنه (٤)، وقال الليث: رجل مهين صغير ضعيف (٥).\nوقال الزجاج: معنى مهين قليل، يقال: شيء مهين أي: قليل، وهو\n_________\n(١) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٤١٥، \"الكتاب\" ٣/ ١٧٣، \"الجمل في النحو\" للخليل ص ٣٢٠، \"معاني الحروف\" للرماني ص ١٧٣، ١٧٤.\n(٢) انظر: \"المكتفى في الوقف والابتدا\" للداني ص ٥٠٨، \"تفسير الطبري\" ١٣/ ٨١.\n(٣) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٣/ ٧٩٧.\n(٤) انظر: \"تنوير المقباس\" ص ٤٩٣.\n(٥) انظر: \"العين\" للخليل (مهن) ٤/ ٦١، \"تهذيب اللغة\" (مهن) ٦/ ٣٢٩.","vol":"20","page":57},{"text":"فعيل من المهانة (١).\nقوله تعالى: ﴿وَلَا يَكَادُ يُبِينُ﴾ قال ابن عباس: لا يبين الكلام (٢)، وقال الكلبي: لا يكاد يبين حجته (٣)، وقال قتادة والسدي: آفة بلسانه (٤)، وقال الزجاج: يعني اللثغة (٥) التي كانت بلسان موسى (٦).\nفإن قيل: أليس موسى سأل الله أن يذهب الرُّتَّةَ (٧) من لسانه بقوله: ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (٢٧) يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ [طه: ٢٧ - ٢٨] أعطاه ذلك بقوله: ﴿قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى﴾ [طه: ٣٦] فكيف عابه فرعون باللثغة؟ والجواب عن هذا من وجهين: أحدهما: أن فرعون أراد: لا يكاد يبين حجته التي تدل على صدقه فيما يدعي، ولم يرد أنه لا يوضح ما يتكلم به، وهذا كذب من فرعون وعناد بعد ما رأى من الآية، هذا معنى قول مقاتل (٨).\n_________\n(١) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٤١٥.\n(٢) لم أقف عليه.\n(٣) انظر: \"تنوير المقباس\" ص ٤٩٣.\n(٤) انظر: \"تفسير الطبري\" ١٣/ ٨٢، \"تفسير مقاتل\" ٣/ ٧٩٧، \"الماوردي\" ٥/ ٢٣٠.\n(٥) قال الأزهري: أخبرني المنذري عن المبرد أنه قال: (اللثغة أن يُعدل بحرف إلى حرف) وقال الليث: الألثغ: الذي يتحول لسانه من السين إلى الثاء والمصدر: اللثغُ واللُّثْغَةُ، وقال أبو زيد: الألثغ: الذي لا يُتم رفع لسانه في الكلام وفيه ثقل. انظر: \"تهذيب اللغة\" (لثغ) ٨/ ٩٢.\n(٦) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٤١٥.\n(٧) قال الليث: (الرُّتَّة: عجلة في الكلام. ورجل أرت). وقال ابن الأعرابي: رترت الرجل إذا تعتع في التاء وغيرها. انظر: \"تهذيب اللغة\" (رت) ١٤/ ٢٥٠، وقال ابن قتيبة عند قوله تعالى: ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي﴾ أي: رَتَّةً كانت في لسانه. انظر: \"تفسير غريب القرآن\" ص ٢٧٨.\n(٨) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٣/ ٧٩٧.","vol":"20","page":58},{"text":"والجواب الثاني: عابه مما كان عليه أولًا، وذلك أن موسى كان عند فرعون دهرًا وهو ألثغ لا يكاد يبين، فنسبه فرعون إلى ما عهده عليه من الرُّتَّةَ.\nويقوي الجواب الأول قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ﴾ ألا ترى أنه اقترح الآيات، ولم يكتف بما ظهر من معجزته، وليس للأمم أن يقترحوا من الآيات، ما يريدون، بل إذا أتى الرسول بما فيه دلالة على صدقه وجب الإيمان به.\nواختلف القراء في ﴿أَسْوِرَةٌ﴾ فقرءوا بوجهين: أسورة وأساورة، فأسورة جمع سوار لأدنى العدد، كقولك: خِمَارٍ وَأَخْمِرَةٍ، وغُرَابٍ وأَغْرِبَة، ومن قال في سوار: أسوار، جمعه أساوير وأساورة، تكون الهاء عوضًا من الياء نحو: بطاريق وبطارقة، وزناديق وزنادقة، وقدادين وقدادنة، فيكون أساورة: جمع أسوار، وإن شئت فجمع أسورة، كما تقول: أساقٍ في جمع أسقية، وأساقي في جمع أسقية، هذا كلام المبرد (١).\nوقال أبو زيد: هو سوار المرأة وأسوار المرأة، وهما قُلْبان يكونان في يديها (٢)، وأسورة جمع سوار مثل: سقاءٍ وأَسْقِيَةٍ، وإزارٍ وآزِرَة، وخوانٍ وأَخوِنَةٍ، وأساورة جمع أسوار، وألحق الهاء في الجمع عوضًا من الياء التي ينبغي أن تلحق في جمع أسوار، على حد إعصار وأعاصير، كذلك أسوار وأساور، ثم يقال: أساورة، ويجوز أن يكون جمع أسورة مثل أسقية وأساق، وهذا كلام أبي علي (٣).\n_________\n(١) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ٣٥ بنحوه، \"الدر المصون\" ٦/ ١٠٣ ولم أقف على قول المبرد\n(٢) انظر: \"تهذيب اللغة\" (سور) ١٣/ ٥١.\n(٣) انظر: \"الحجة\" لأبي علي ٦/ ١٥١، \"الكشف عن وجوه القراءات\" لمكي ٢/ ٢٥٩.","vol":"20","page":59},{"text":"وقال مقاتل: يقول فهلا ألقى على موسى إلهه الذي أرسله أسورةً من ذهب إن كان صادقًا أنه رسول (١)، وقال الكلبي: كان الرجل إذا ارتفع سوّروه (٢).\nوقال مجاهد: كانوا إذا سودُوا رجلًا سوّروه بسوار وطوقوه بطوق من ذهب، يكون ذلك دلالة على سيادته (٣).\nقال أبو إسحاق: كأنه لما وصف نفسه بالملك والرياسة فقال: هلا جاء موسى يلقى عليه أسورة من ذهب، يدل على أنها من عند إلهه الذي يدعوكم إلى توحيده (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3897>٥٣ </span>- قوله: ﴿أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ﴾ قال قتادة: متتابعين (٥)، وقال ابن عباس: يعاونونه على من خالفه (٦)، وقال مقاتل: يعينونه على أمره الذي بعث له (٧)، وقال الكلبي: مصدقين له بالرسالة (٨).\nوقال أبو إسحاق: أي يمشون معه فيدلون على صحة نبوته (٩)، وقد جمع بين هذه الأقوال كلها لأنه فسر الاقتران وموجبه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3898>٥٤ </span>- قوله تعالى: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ﴾ يقال: استخفه الفرح،\n_________\n(١) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٣/ ٧٩٨.\n(٢) انظر: \"تفسير أبي الليث\" ٣/ ٢٠٩، \"زاد المسير\" ٧/ ٣٢٢ من غير نسبة.\n(٣) انظر: \"تفسير البغوي\" ٧/ ٢١٧، \"الجامع\" للقرطبي ١٦/ ١٠٠ ونسباه لمجاهد.\n(٤) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٤١٥.\n(٥) أخرج ذلك الطبري ١٣/ ٨٣ عن قتادة، ونسبه القرطبي ١٦/ ١٠٥ لقتادة.\n(٦) انظر: \"تفسير الطبري\" ١٣/ ٨٣، \"تفسير الثعلبي\" ١٠/ ٨٧ أ، \"البغوي\" ٧/ ٢١٧.\n(٧) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٣/ ٧٩٨.\n(٨) انظر: \"تنوير المقباس\" ص ٤٩٣.\n(٩) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٤١٥.","vol":"20","page":60},{"text":"إذا أزعجه وأقلقه، واستخفه إذا حمله على الجهل (١)، ومنه قوله: ﴿وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾ [الروم: ٦٠] أي [لا يحميك] (٢) على الجهل والميل إليهم، قال مقاتل: فاستفز قومه القبط (٣)، وهو قول الفراء: استفزهم (٤)، والمعنى أزعجهم وحملهم على صفة الجهل بكيده وغروره، وقوله لهم: ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى﴾ [غافر: ٢٩].\nومن قال هاهنا في تفسير (استخفهم): وجدهم جهالًا خفاف الأحلام (٥)، فليس بالوجه لقوله: ﴿فَأَطَاعُوهُ﴾ وهذا يوجب أنه أمرهم بشيء فيه إزعاجهم فأطاعوه، ولا يقال وجده خفيفًا فأطاعه، لأنك قد تجد إنسانًا خفيف العقل فلا يطيعك، لأنك لم تأمره أو لم يرد هو طاعتك، ويحتاج في هذا التفسير إلى إِضْمارٍ لا يجوز، هو أن يكون التقدير: وجده خفيفًا فدعاه إلى الغواية فأطاعه، وإذا قلت: أزعجه فأطاعه، لم يحتج إلى إضمار.\nومعنى ﴿فَأَطَاعُوهُ﴾: قال ابن عباس ومقاتل: على تكذيب موسى (٦)، والمعنى أنه حملهم على الجهل فقبلوا قوله وكذبوا موسى.\n﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ قالا: عاصين لله (٧).\n_________\n(١) انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٦/ ١٠١.\n(٢) كذا في الأصل، ولعل الصواب (لا يحملنك).\n(٣) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٣/ ٣٥.\n(٤) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ٣٥.\n(٥) ذكر ذلك الماوردي في \"تفسيره\" ٥/ ٢٣١ وقال: هو معنى قول الكلبي، وذكره البغوي ١٧/ ٢٧، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٧/ ٣٢٢ بغير نسبة.\n(٦) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٣/ ٧٩٨، \"تفسير الماوردي\" ٥/ ٢٣١ وقد نسبه لابن زياد.\n(٧) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٣/ ٧٩٨، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٦/ ١٠١.","vol":"20","page":61},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3899>٥٥ </span>- قوله: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء: غاظونا، وقال في رواية الكلبي: أغضبونا، وهو قول مقاتل وقتادة ومجاهد وغيرهم (١)، وذكرنا تفسير هذا الحرف عند قوله: ﴿غَضْبَانَ أَسِفًا﴾ [الأعراف: ١٥٠]، قال عبد الرزاق: غضب ابن جريج في شيء فقيل له: أتغضب يا أبا خالد؟ فقال: قد غضب الذي خلق الأحلام، إن الله تعالى يقول: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا﴾ أي أغضبونا.\nونحو هذا روي أن وهب بن منبه كان عند عروة بن الزبير وشكا إليه عامل له فأكثروا عليه (٢) فقالوا: فعل وفعل وثبتت البينة عليه، فلم يملك وهب نفسه، فضربه على يديه بعصا، فإذا دماء يشخب، فضحك عروة واستلقى على قفاه، وقال: يعيب علينا أبو عبيد الله الغضب في حكمته وهو يغضب. فقال وهب: وما لي لا أغضب، وقد غضب خالق الأحلام. إن الله يقول (٣): ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3900>٥٦ </span>- قوله تعالى: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ﴾ يقال: سلف يسلف، إذا تقدم ومضى، وسلف له عمل صالح، أي: تقدم، والسلف كل شيء قدمته من عمل صالح أو ولد، قرضا وقرض فهو سلف. وهذا وجه واحد، ويقال في جمعه الأسلاف، والسلف أيضًا من تقدم من آبائك وذوي قرابتك، واحدهم سالف، ومنه قول طفيل يرثي قومه:\n_________\n(١) انظر: المرجعين السابقين، و\"تفسير الطبري\" ١٣/ ٨٤، \"الماوردي\" ٥/ ٢٣١، \"البغوي\" ٧/ ٢١٨، \"زاد المسير\" ٧/ ٣٢٢.\n(٢) أي: بالغوا في الشكوى.\n(٣) انظر: \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٢٠٣، \"تفسير أبي الليث\" ٣/ ٢١٠.","vol":"20","page":62},{"text":"مَضَوْا سلَفًا قَصْدُ السبيلِ عَلَيْهم ... وصَرْفُ المنايا بالرَّجَالِ [سلف] (١)\nوذكر الليث: سلُف بضم اللام يسلُفُ سُلُوفًا فهو سليف، أي تقدم (٢)، قال الفراء والزجاج: يقول جعلناهم متقدمين ليتعظ بهم الآخرون (٣).\nوقال ابن عباس: يريد مضوا إلى النار (٤).\nوقال مجاهد وقتادة: جعلناهم سلفًا لكفار أمة محمد -ﷺ- إلى النار (٥)، وأكثر القراء قرؤوا ﴿سَلَفًا﴾ بالفتح، وهو جمع سالف كما ذكرنا.\nقال أبو علي: وفَعَل قد جاء بحروف يراد به الكثرة، وكأنه اسم من أسماء الجمع كقولهم: خادِم وخَدَم، وطالب وطَلَب، وحارِس وحرَس، وحكى أحمد بن يحيى: رائِح وَرَوح.\nوقرأ حمزة والكسائي (سُلُفًا) بالضم، وهو جمع سليف من سلُف بضم اللام (٦). ذكره الفراء والزجاج (٧)، وقال المبرد: سُلُف يمكن أن يكون جمع سَلَفٍ كقولك: أَسَد وأُسُد، ووثَن ووُثن، وزاد أبو علي: ومما لحقته هاء التأنيث، من هذا: خشبة وخشب، وبدنة وبدن (٨).\n_________\n(١) كذا في الأصل، ورواية البيت (تقلب). انظر: \"ديوانه\" ص ٤٠، \"تهذيب اللغة\" (سلف) ١٢/ ٤٣١، \"الدر المصون\" ٦/ ١٠٤، \"اللسان\" (سلف) ٩/ ١٥٩، \"البحر المحيط\" ٨/ ٢٣.\n(٢) انظر: \"كتاب العين\" (سلف) ٧/ ٢٥٨.\n(٣) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ٣٦، \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٤١٦.\n(٤) ذكر ذلك السمرقندي في \"تفسيره\" ٣/ ٢١٠ ونسبه لقتادة.\n(٥) انظر: \"تفسير الطبري\" ١٣/ ٨٥، \"الماوردي\" ٥/ ٢٣٢، \"الثعلبي\" ١٠/ ٨٧ ب.\n(٦) انظر: \"إعراب القرآن\" للنحاس ٤/ ١١٥.\n(٧) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ٣٦، \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٤١٦.\n(٨) انظر: \"الحجة للقراء السبعة\" ٦/ ١٥٢، \"الدر المصون\" ٦/ ١٠٤.","vol":"20","page":63},{"text":"وقوله: ﴿وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ﴾. قال ابن عباس ومقاتل: يريد عظة لمن بقي بعدهم (١) وآية وعبرة، والمعنى: أن حال غيرهم من المشركين يقاس بحالهم ويجروا مجراهم إذا ماتوا على الطغيان. قال أبو علي: والمثل واحد يراد به الجمع، ومن ثم عطف على سلف، ويدلك على وقوعه أكثر من واحد. قوله: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ﴾ [النحل: ٧٥]، فأوقع لفظ الإفراد على التثنية، وكذلك أفرد في موضع التثنية فيما أنشد سيبويه:\nوَسَاقِيَيْنِ مِثْلِ زَيْدٍ وجُعَلْ (٢)\nوقد جمع المثل في قوله: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ﴾ [الحشر: ٢١] وقوله: ﴿ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨]، وأفرد في قوله (٣): ﴿إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٠].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3901>٥٧ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء: يريد لما ذكر عيسى، وقدرة الله تعالى فيه وخلقه إياه من غير ذكر، وما كان يفعل من إحياء الموتى وغير ذلك إذا قومك منه يصدون يريد: يضجون كضجيج الإبل بالأثقال (٤).\nوقال مجاهد في هذه الآية: قالوا إنما يريد محمدٌ أن نعبده كما عبدَ\n_________\n(١) انظر: \"تفسير الطبري\" ١٣/ ٨٥، \"تفسير مقاتل\" ٣/ ٧٩٨.\n(٢) هذا صدر البيت وعجزه:\nسقبان ممشوقان مكنوزا العضل\nانظر: \"الكتاب\" ٢/ ١٧، \"شرح أبيات\" سيبويه ص ٩٥، \"الحجة\" ٦/ ١٥٣.\n(٣) انظر: \"الحجة\" ٦/ ١٥٣.\n(٤) ذكر ذلك القرطبي في \"الجامع\" ١٦/ ١٠٣.","vol":"20","page":64},{"text":"قومُ عيسى عيسى (١).\nوقال قتادة: لما ذكر عيسى بن مريم جزعت قريش من ذلك وقالوا: ما يريد محمد إلا أن يصنع به كما صنعت النصارى بعيسى ابن مريم (٢). هذا قول هؤلاء، وأريد بهذا المثل قوله: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٥٩]، وهي مذكورة في آل عمران بعد ما ذكرت أحوال عيسى، وما أظهر الله على يده من المعجزات ومعنى: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا﴾ لما شبه عيسى في إحداث الله إياه من غير فحل بآدم أو خلق من غير أب ولا [آدم] (٣) إذا قومك منه يصدون، أي يضجون ويقولون: ما يريد محمد إلا أن نعبده (٤)، والمعنى على أنهم لما سمعوا ذكر عيسى ظنوا أن محمدًا إنما يذكره بأوصافه ليصنع به قومه ما صنع قوم عيسى بعيسى فلذلك ضجوا.\nوفي: ﴿يَصِدُّونَ﴾ قراءتان: ضم الصاد وكسرها. قال الأخفش والكسائي: هما لغتان قريبتان لا تختلفان في المعنى، ونحو ذلك ذكر الفراء، قال الزجاج: ومعناهما جميعًا يضجون (٥). قال: ويجوز أن يكون معنى المضمومة يعرضون (٦).\n_________\n(١) أخرج ذلك الطبري عن مجاهد. انظر: ١٣/ ٨٥، ونسبه الماوردي لمجاهد ٥/ ٢٣٣، ونسبه القرطبي لمجاهد ١٦/ ١٠٢.\n(٢) انظر: \"تفسير الطبري\" فقد أخرجه عن قتادة ١٣/ ٨٥، ونسبه الماوردي لقتادة ٥/ ١٣٣، وكذلك نسبه القرطبي لقتادة ١٦/ ١٠٢.\n(٣) كذا رسمها في الأصل، ولعل الصواب (ولا أم).\n(٤) انظر: \"تفسير الطبري\" ١٣/ ٨٥\n(٥) انظر: \"معاني القرآن\" للأخفش ٢/ ٦٩٠، \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ٣٦، \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٤١٦، \"معاني القرآن\" للنحاس ٦/ ٣٧٦.\n(٦) هذا تابع لقول الزجاج في \"معاني القرآن\" ٤/ ٤١٦.","vol":"20","page":65},{"text":"قال الأزهري: وإذا كان بمعنى يضجون (١)، فالوجه الكسر في يصدون، وبه قرأ ابن عباس وفسره يضجون (٢).\nواختاره أبو عبيدة قال: ونرى مَنْ ضمها أراد الصدود عن الحق ولو كان من هذا القبيل [..] (٣) ﴿عَنْهُ﴾ يصدون ولم يكن ﴿مِنْهُ﴾ ولكنه عندنا على ما فسره ابن عباس يضجون.\nوقال أبو عبيدة: يصدون يضجون، ومن ضمها أراد يعدلون (٤) ويريغون (٥) وأما تعلق أبي عبيدة بقوله: (منه) ولم يقل عنه، فذلك لا يدل على ترجيح الكسر؛ لأن من ذهب في (يصدون) إلى الضم بمعنى: يعدلون، كان المعنى إذا قومك منه، أي: من أجل المثل يصدون، ولم يصل يصد بـ (من) ومن قرأ بالكسر جعل (من) متصلة به كما تقول: ضج من كذا، وذكر ذلك أبو علي (٦).\nوذكر أكثر المفسرين (٧) أن هذه الآية نزلت في مجادلة ابن الزبعرى مع النبي -ﷺ- لما نزل قوله: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٨] وقد\n_________\n(١) يقال: أضَجَّ القوم اضجاجًا إذا صاحو وجَلَّبُوا، فإذا جزعوا من شيء وغُلِبُوا قيل: ضجُّوا يَضِجُّون. انظر: \"تهذيب اللغة\" (ضج) ١٠/ ٤٤٧.\n(٢) انظر: \"تهذيب اللغة\" (صد) ١٢/ ١٠٤، \"حجة القراءات\" ص ٦٥٢.\n(٣) كذا في الأصل وقد سقط لفظ: (لكان).\n(٤) انظر: \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ٢/ ٢٠٥.\n(٥) قال الليث: الرَّوّاغ: الثعلب، وهو أروَغُ من ثعلب، وطريق رائغ مائل، وراغَ فلانُ إلى فلانٍ إذا مال إليه سرًّا. انظر: كتاب: العين (روغ) ٤/ ٤٤٥، \"تهذيب اللغة\" (راغ) ٨/ ١٨٦.\n(٦) انظر: \"الحجة\" لأبي علي ٦/ ١٥٥.\n(٧) انظر: \"تفسير الطبري\" ١٣/ ٨٦، \"الثعلبي\" ١٠/ ٨٧ ب، \"تفسير مقاتل\" ٣/ ٧٩٩.","vol":"20","page":66},{"text":"ذكرنا تلك القصة، وهذا قول ابن عباس في رواية الكلبي ومقاتل (١)، وعلى هذا القول: معنى ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا﴾ قال مقاتل: ولما وصف ابن مريم شبهًا في العذاب في الآلهة أي: فيما قالوه وعلى زعمهم لأن الله لم يذكر في تلك الآية عيسى ولم يرده بقوله: ﴿وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أو إنما أراد أوثانهم ولكنهم ألزموه عيسى جدلًا وعتبًا، ومعنى: (يضجون) على هذا القول صحيح الجدال والمخاصمة أو صحيح السرور، حيث ظنوا أنهم خصموه بتسويتهم بينه وبين آلهتهم، فقد قال بعض المفسرين: يضجون، ولا يتوجه الاعتراض على هذا القول، ويدل على صحة هذا القول الثاني في الآية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3902>٥٨ </span>- قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ﴾ وذلك أنهم قالوا\n_________\n(١) أخرج ذلك الواحدي في \"أسباب النزول\" عن ابن عباس، انظر: \"أسباب النزول\" ص ٣٩٧، وأورده مقاتل في \"تفسيره\" بدون سند، انظر: \"تفسير مقاتل\" ٣/ ٧٩٨، وأورده السيوطي في \"لباب النقول وعزاه\" لأحمد والطبراني، انظر: \"لباب النقول\" ص ١٨٩، وأورده الهيثمي في \"مجمع الزوائد وعزاه\" لأحمد والطبراني قال: وفيه عاصم بن بهدلة وثقه أحمد وغيره وهو سيء الحفظ وبقية رجاله رجال الصحيح، انظر: \"مجمع الزوائد\" ٧/ ١٠٤. وملخص القصة: قال ابن عباس: أراد به مناظرة عبد الله بن الزبعرى مع النبي -ﷺ- في شأن عيسى وأن الضارب لهذا المثل هو عبد الله بن الزبعرى السهمي حالة كفره لما قالت له قريش إن محمدًا يتلوا: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ الآية، فقال: لو حضرته لرددت عليه. قالوا: وما كنت تقول له، قال: كنت أقول له هذا المسيح تعبده النصارى، واليهود تعبد عزيرًا أفهما من حصب جهنم؟، فعجبت قريش من مقالته ورأوا أنه قد خصم، فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ ولو تأمل ابن الزبعرى الآية، ما أعترض عليها؛ لأنه قال: ﴿وَمَا تَعْبُدُونَ﴾ ولم يقل ومن تعبدون. انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٦/ ١٠٣.","vol":"20","page":67},{"text":"رضينا أن تكون آلهتنا بمنزلة عيسى، فإن كان عيسى في النار بأنه يعبد من دون الله فكذلك آلهتنا، هذا معنى قول مقاتل، فقال الله تعالى: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا﴾ قال مقاتل: ما وصفوا لك ذكر عيسى إلا ليجادلوك به (١).\nوقال أبو إسحاق: طلب المجادلة لأنهم قد علموا أن المعني في حصب جهنم أصنامهم (٢).\nوقال أبو علي: ما ضربوه إلا إرادة للمجادلة؛ لأنهم قد علموا أن المراد لحصب جهنم ما اتخذوه من الموات (٣)، وعلى القول الأول في الآية الأولى قوله: ﴿أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ﴾ يعنون محمدًا -ﷺ-، قاله قتادة (٤). والمعنى: أنهم يقولون: آلهتنا خير أم (٥) فنحن لا ندع عبادتها لعبادة محمد -ﷺ- وهو سؤال تقرير أن آلهتهم خير.\nقوله تعالى: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا﴾ أي ما قالوا لك هذا القول إلا طلبًا للخصومة منه، ثم ذكر أنهم أصحاب خصومة، فقال: ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ الخَصِم الشديد الخصومة، وكذلك الجَدِل (٦)، والقول الثاني أظهر وسياق الآيات عليه أدل وهو قوله:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3903>٥٩ </span>- ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ﴾ قال ابن عباس: يريد ليس بولد ولا\n_________\n(١) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٣/ ٧٩٩.\n(٢) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٤١٦.\n(٣) انظر: \"الحجة\" لأبي علي ٦/ ١٥٤.\n(٤) أخرج ذلك الطبري عن قتادة. انظر: \"تفسيره\" ١٣/ ٨٨، \"تفسير الماوردي\" ٥/ ٢٣٤، ونسبه القرطبي لقتادة. انظر: \"الجامع\" ١٦/ ١٠٤.\n(٥) كذا في الأصل، ولعله قد سقط لفظ (محمد).\n(٦) انظر: \"تفسير الماوردي\" ٥/ ٢٣٤، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٦/ ١٠٤.","vol":"20","page":68},{"text":"إله، إنما هو عبد أنعمنا عليه، خلقته من روحي وكلمتي، وقال مقاتل: أنعمنا عليه بالنبوة (١).\n﴿وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾، قال الكلبي: معتبرًا (٢).\nوقال مقاتل: يعني أنه وغيره ليعتبروا حين [ولده] (٣) من غير أب.\nوقال قتادة: آية لبني إسرائيل (٤).\nوالمعنى: أنهم يعرفون به قدرة الله فيعلمون أن من قدر على خلق ولد من غير أب قادر على ما يشاء، فهو مثل لهم يشبهون به ما يرون من أعاجيب صنع الله تعالى، ثم [خاطبهم] (٥) كفار مكة فقال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3904>٦٠ </span>- ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً﴾ أي لو نشاء لأهلكناكم ولجعلنا بدلكم ملائكة ﴿فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ﴾ يكونون خلفًا منكم، قاله الكلبي (٦)، وقال قتادة: يخلف بعضهم بعضًا مكان ابن آدم، وقال محمد: يعمرون الأرض بدلًا منكم، وقول قتادة معنى قول ابن عباس في رواية عطاء قال: كما جعلت في ولد آدم أمة بعد أمة، وقومًا بعد قوم خلفًا من قوم (٧).\nقال الأزهري: و(من) قد يكون للبدل كقوله: لجعلنا منكم، يريد بدلًا\n_________\n(١) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٣/ ٧٩٩، ولم أقف على قول ابن عباس.\n(٢) انظر: \"تنوير المقباس\" ص ٧٩٣.\n(٣) كذا رسمها في الأصل ولعل الصواب (ولد)، انظر: \"تفسير مقاتل\" ٣/ ٧٩٩، ٨٠٠.\n(٤) انظر: \"تفسير أبي الليث\" ٣/ ٢١١، \"تفسير مقاتل\" ٣/ ٨٠٠، \"الطبري\" ١٣/ ٨٩.\n(٥) كذا في الأصل، ولعل الصواب (خاطب).\n(٦) انظر: \"تنوير المقباس\" ص ٤٩٣.\n(٧) أخرج الطبري قول قتادة، وأخرج القول الثالث عن مجاهد. انظر: \"تفسيره\" ١٣/ ٨٩، وأورد الماوردي قول الكلبي ونسبه للسدي. انظر: \"تفسيره\" ٥/ ٢٣٥، وأورد القرطبي قول قتادة، ونسبه لابن عباس. انظر: \"الجامع\" ١٦/ ١٠٥.","vol":"20","page":69},{"text":"منهم (١)، ونحو هذا قال مجاهد وقتادة ومقاتل (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3905>٦١ </span>- ثم رجع إلى ذكر عيسى فقال قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا﴾ قال ابن عباس والمفسرون: يعني نزول عيسى من السماء من أشراط الساعة وأهوالها، ويكون التقدير على هذا ظهوره أو نزوله.\nوروي عن الحسن وقتادة أنهما قالا: الكناية في (وإنه) تعود إلى القرآن، يدل على مجيء الساعة، أو به يعلم أحوال الساعة وأهوالها (٣)، وقوله: ﴿لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ قال ابن قتيبة: يُعلم به قرب الساعة (٤).\n﴿فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا﴾ قال ابن عباس: لا تكذبوا بها (٥)، وقال مقاتل: لا تشكوا في الساعة (٦)، وقول ابن عباس جيد؛ لأن الامتراء يوصل بفي، يقال: امترى فيه، كقوله: ﴿الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ [مريم: ٣٤]، وهاهنا وصل بالباء لأنه بمعنى التكذيب، ومن شك في شيء فقد كذب به ﴿وَاتَّبِعُونِ﴾،\n_________\n(١) انظر: \"تهذيب اللغة\" للأزهري (خلف) ٧/ ٤٠٠.\n(٢) انظر: \"تفسير الطبري\" ١٣/ ٨٩، \"تفسير مقا تل\" ٣/ ٨٠٠، \"الماوردي\" ٥/ ٢٣٥.\n(٣) أخرج الطبري ١٣/ ٩٠، ٩١ القولين، والأول عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي، وأخرج القول الأول الثعلبي ١٠/ ٨٨ ب، وذكر القولين الماوردي ٥/ ٢٣٥، وأورد القولين القرطبي ١٦/ ١٠٥، ونسب الأول لابن عباس ومجاهد والضحاك والسدي، ونسب الثاني للحسن وقتادة وسعيد بن جبير.\n(٤) انظر: \"تفسير غريب القرآن\" لابن قتيبة ص ٤٠٠.\n(٥) ذكر ذلك البغوي ٧/ ٢٢٠ عن ابن عباس. انظر: \"تفسيره\" ٧/ ٢٢٠، ونسبه في \"الوسيط\" ٤/ ٧٩ لابن عباس. انظر: ٤/ ٧٩.\n(٦) انظر: \"تفسير البغوي\" ٧/ ٢٢٠، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٦/ ١٠٧ وقد نسب قول ابن عباس للسدي، \"تفسير متقاتل\" ٣/ ٨٠٠.","vol":"20","page":70},{"text":"قال مقاتل: على التوحيد (١)، ﴿هَذَا﴾ قال ابن عباس: يريد الذي أنا عليه (٢) ﴿صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ من دين إبراهيم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3906>٦٣ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ﴾ قال قتادة ومقاتل: يعني الإنجيل (٣).\n﴿وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾ مذهب أبي عبيدة أن بعض هاهنا بمعنى الكل (٤)، وذكرنا ذلك عند قوله: ﴿يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾ [غافر: ٢٨] وعلى هذا المعنى، ولأبين لكم ما تختلفون فيه، قال ابن عباس: يعني ما تختلفون فيه، يعني أحكام التوراة (٥)، وقال السدي: يعني اختلاف الفرق الذين تحزبوا في أمر عيسى، وقيل: لأبين لكم أمر دينكم دون أمر دنياكم (٦)، وعلى هذه الأقوال ليس المراد بالبعض الكل.\n_________\n(١) انظر: \"تفسير البغوي\" ٧/ ٢٢٠، \"زاد المسير\" ٧/ ٣٢٦، فقد ذكرا قول مقاتل من غير نسبة ولم أجد هذا القول له في \"تفسيره\" ٣/ ٨٠٠.\n(٢) ذكر ذلك البغوي ولم ينسبه، وكذلك ذكره في \"الوسيط\" ٤/ ٧٩ ولم ينسبه.\n(٣) أخرج الطبري ١٣/ ٩٢ قول قتادة، \"تفسير الماوردي\" ٥/ ٢٣٦، وانظر: \"تفسير مقاتل\" ٣/ ٨٠٠.\n(٤) انظر: \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ٢/ ٢٠٥، وأورد الطبري ١٣/ ٩٢ هذا القول قال: وقيل إن معنى البعض في هذا الموضع بمعنى الكل، واستشهد ببيت من الشعر للبيد وهو قوله:\nترَّاك أمكنةٍ إذا لم أرضها ... أو يعتلق بعض النفوس حمامها\n(٥) ذكر ذلك في \"الوسيط\" ونسبه لمجاهد، وذكر عن ابن عباس: ما تختلفون فيه من أمري وأمر دينكم انظر: \"الوسيط\" ٤/ ٨١.\n(٦) انظر: \"تفسير الطبري\" ١٣/ ٩٢، \"تفسير البغوي\"، وقد نسب قول السدي لقتادة ٧/ ٢٢٠ وقال الطبري: (كان بينهم اختلاف كثير في أسباب دينهم ودنياهم)، فقال لهم: أبين لكم بعض ذلك، وهو أمر دينهم دون ما هم فيه مختلفون من أمر دنياهم، فلذلك خص ما أخبرهم أنه يبينه لهم.","vol":"20","page":71},{"text":"وقال مقاتل: هذا كقوله: ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [آل عمران: ٥٠] [قد مر] (١) فذكر في تفسير هذه الآية ما أحل لهم في الإنجيل مما كان محرمًا عليهم في التوراة كاللحوم من الإبل، والشحوم من كل حيوان، وصيد السمك في يوم السبت (٢).\nوقال أبو إسحاق: الذي جاء به عيسى في الإنجيل إنما هو بعض الذي اختلفوا فيه، وبين لهم في غير الإنجيل ما احتاجوا إليه (٣)، وما بعد هذا مفسر فيما مضى (٤)، إلى قوله:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3907>٦٦، ٦٧ </span>- ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ﴾ قال ابن عباس: هل يرتقبون إلا القيامة (٥). يعني أنها تأتيهم لا محالة بغتة، فكأنهم يرتقبونها وإن كانوا أمواتًا، فهم يرقبونها لأنه من يكفر بالبعث والقيامة إذا مات، علم أنه حق فهو يرتقبها، ولكن لا يدري متى تفجأه فهو قوله: ﴿أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٦٦) الْأَخِلَّاءُ﴾ في الدنيا، ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ يعني في الآخرة ﴿بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ يعني أن الخلة إذا كانت على المعصية والكفر صارت عداوة يوم القيامة ﴿إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ يعني الموحدين المؤمنين الذين يخال بعضهم بعضًا على الإيمان والتقوى، فإن خلتهم لا تصير عداوة، وهذا معنى قول المفسرين (٦).\n_________\n(١) كذا في الأصل، ولعله قد سقط حرف الواو.\n(٢) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٣/ ٨٠٠.\n(٣) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٤١٨.\n(٤) لعله في سورة مريم عند قوله: ﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ﴾ آية: ٣٧، وفي سورة الأحزاب عند قوله: ﴿يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا﴾ آية: ٢٠.\n(٥) ذكر ذلك في \"تفسير الوسيط\" ٤/ ٨٠ ولم ينسبه.\n(٦) انظر: \"تفسير الطبري\" ١٣/ ٩٤، \"الثعلبي\" ١٠/ ٨٩ أ، \"الوسيط\" ٤/ ٨٠.","vol":"20","page":72},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3908>٦٨ </span>- ﴿يَا عِبَادِ﴾ قال مقاتل: إذا وقع الخوف يوم القيامة نادى مناد: يا عبادي ﴿لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ﴾ يعني من العذاب. ﴿الْيَوْمَ﴾ فإذا سمع النداء رفع الخلائق رؤسهم فيقال: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ فينكس أهل الأديان رؤسهم غير المسلمين (١)،\nقال أبو إسحاق: ﴿الَّذِينَ﴾، في موضع نصب على النعت لـ ﴿عِبَادى﴾ لأن [..] (٢) منادى مضاف (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3909>٦٩، ٧٠ </span>- قال النحاس وصاحب النظم وأبو حاتم (٤): ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ابتداء، وخبره مضمر على تقدير يقال لهم: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾، أو يكون الخبر ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ﴾ ويجوز أن يكون التقدير: هم الذين آمنوا بآياتنا.\nوقال صاحب النظم: وعلى كلا الوجهين دليل في الفصل، فقوله: ﴿وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ دليل لمن جعل (الذين) منتظمًا بالآية الأولى؛ لأن آخر الكلام وأوله خطاب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3910>٧١ </span>- قوله: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ﴾ دليل على القول الآخر على تأويل الذين آمنوا يقال لهم: ادخلوا الجنة، ويطاف عليهم.\nوقوله: ﴿تُحْبَرُونَ﴾ قال: تكرمون وتنعمون.\nقال الكلبي: تكرمون إكرامًا يبالغ فيه (٥). والحبرة المبالغة فيما وصف\n_________\n(١) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٣/ ٨٠٢.\n(٢) كذا في الأصل، وقد سقط لفظ ﴿عِبَادِى﴾ وهي كذلك مثبتة عند الزجاج.\n(٣) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٤١٩.\n(٤) لم أقف على أقوال هؤلاء وانظر: \"إعراب القرآن\" للنحاس ٤/ ١١٩، \"الدر المصون\" ٦/ ١٠٦.\n(٥) انظر: \"تنوير المقباس\" ص ٤٩٤.","vol":"20","page":73},{"text":"بجميل (١)، وهذا مما سبق تفسيره في سورة الروم [آية: ١٥] ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ﴾، قال مقاتل: بأيدي غلمان (٢).\n﴿بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ﴾ قال الكلبي: بقصاع (٣)، قال الليث: الصحيفة شبه قصعة مُسْلَنْطِحَة عريضة، والجمع الصحاف (٤).\nقال الأعشى:\nوالمَكَاكِيكُ والصحَافُ من الفضـ ... ـضةِ والضامِراتُ تحت الرِّحالِ (٥)\nقوله تعالى: ﴿وَأَكْوَابٍ﴾، قال الفراء: الكوب المستدير الرأس الذي لا أذن له، وأنشد لعدي (٦):\nمُتَّكِئًا تُصْفَقُ أبوابُهُ ... يَسْعَى عَلَيْه العَبْدُ بالكُوبِ\nوقال أبو عبيدة: الأكواب الأباريق التي لا خراطم لها (٧).\n_________\n(١) قال في \"تهذيب اللغة\" (حبر) ٥/ ٣٢ روي عن النبي -ﷺ- أنه قال: \"يخرج رجل من النار قد ذهب حِبْرُه وسِبْرُه\". قال أبو عبيد قال الأصمعي: حِبْرُه وسِبْرُه: هو الجمالُ والبهاءُ. يقال فلان حَسَن الحبرِ والسِّبْرِ.\n(٢) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٣/ ٨٠٢.\n(٣) انظر: \"تنوير المقباس\" ص ٤٩٤.\n(٤) قال ابن سيده: (الصحفة: شبه قصعة مُسْلَنْطِحَةَ عريضة وهي تشبع الخمسة ونحوهم). انظر: \"اللسان\" (صحف) ٩/ ١٨٧، وانظر: قول الليث في \"كتاب العين\" (صحف) ٣/ ١٢٠، \"تهذيب اللغة\" (صحف) ٤/ ٢٥٤.\n(٥) انظر: \"ديوان\" الأعشى ص ٤١، \"تهذيب اللغة\" (صحف) ٤/ ٢٥٤، \"اللسان\" (صحف) ٩/ ١٨٧.\n(٦) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ٣٧، والبيت لعدي بن زيد بن حماد بن أيوب من زيد مناة بن تميم. انظر: \"معاني الفراء\" ٣/ ٣٧، \"تهذيب اللغة\" (كوب) ١٠/ ٤٠٠، \"الدر المصون\" ٦/ ١٠٦، \"اللسان\" (صفق) ١٠/ ٢٠٣، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٦/ ١١٤.\n(٧) انظر: \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ٢/ ٢٠٦.","vol":"20","page":74},{"text":"وقال أبو إسحاق: واحدها كوب وهو إناء مستدير لا عروة له (١).\nقال ابن عباس: هي الأباريق التي ليس لها آذان (٢)، وقال مقاتل: يعني الأكواب التي ليست لها عرا مدورة الرأس (٣).\nوقوله تعالى: ﴿مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ﴾ وقرئت: ﴿تَشْتَهِيهِ﴾ بإثبات الهاء، قال المبرد: الأصل إثبات الهاء والحذف استخفاف، وهو حسن كثير، كما تقول: الذي ضربت زيد، والأصل ضربته، وإنما استخفوا في هذا الموضع حذف المفعول لأن (الذي) اسم، وضربت اسم الفاعل، والهاء المفعول، فلما اجتمع ذلك استخفوا الحذف، وكان المجيء بالهاء مع (ما) أحسن منه مع (الذي)؛ لأن (الذي) أطول من (ما)، ولأن (ما) مبهمة تقع للمؤنث والمذكر، والمجيء بالهاء يفصل بينهما، والذي والتي تنبيان عن أنفسهما فيستغنى عن الهاء، وفي هذا دليل على حسن قراءة من قرأ (تشتهيه) (٤).\nوقال أبو علي الفارسي: حذف هذه الهاء من الصلة في الحسن كإثباتها، إلا أن الحذف يرجح على الإثبات بأن ما كان من هذا النحو في التنزيل جاء على الحذف، من ذلك قوله: ﴿أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ [الفرقان: ٤١] ﴿وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ [النمل: ٥٩] ﴿لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ\n_________\n(١) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٤١٩.\n(٢) لم أقف عليه.\n(٣) انظر: \"تفسير الماوردي\" ٥/ ٢٣٨، \"تفسير مقاتل\" ٣/ ٨٠٢.\n(٤) انظر: \"الحجة\" لابن خالويه ص ٣٢٣، \"الكشف عن وجوه القراءات\" لمكي ٢/ ٢٦٢، \"حجة القراءات\" لابن زنجلة ص ٦٥٤، وهي قراءة: نافع وابن عامر وحفص عن عاصم. \"إعراب القرآن\" للنحاس ٤/ ١٢٠، وقرأ الباقون وأبو بكر عن عاصم: ﴿تَشْتَهِي﴾ بغير هاء.","vol":"20","page":75},{"text":"مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ﴾ [هود: ٤٣] و﴿إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ﴾ [طه: ٦٩]. ويقوي الحذف من جهة القياس أنه اسم قد طال، والأسماء إذا طالت فقد يحذف منها كما حذفوا من اشهيباب، واحميرار، الياء لطول الاسم، وقد جاءت مثبتة في قوله: ﴿إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة: ٢٧٥] (١).\nقوله تعالى: ﴿وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ﴾ قال الكسائي: يقال للشيء: يلذ بالكسر لَذَاذًا ولذاذة بفتح اللام فيهما، فإذا كنت أنت الفاعل كان فعلت منه مكسورًا، ويفعل مفتوحًا، تقول: لَذِذْتُ الشيء أَلَذُّه، مثل استلْذَذته (٢).\nقال مقاتل (٣): وفيها ما تشتهي الأنفس من شيء وتلذ الأعين، أنه ما من شيء تشتهيه نفس أو استلذته عين إلا وهو في الجنة، وقد عبر الله بهذين اللفظين عن جميع نعيم أهل الجنة، فإنه ما من نعمة إلا وهي تصيب النفس أو العين يستحسن بالعين أو يستطاب بالنفس، ثم تمم هذه النعم بقوله: ﴿وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ لأنها لو انقطعت لم تطب، فإن الشيء إذا طاب بعضه [بناه] (٤)، فإذا دام كان أطيب له.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3911>٧٢ </span>- وقوله: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ﴾ يعني الجنة التي ذكرها في قوله: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا﴾ (٥) وقد ذكرنا في رواية الجنة قولين في قوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ﴾ وابن عباس قال في هذه الآية: خلق الله لكل نفس جنة ونارًا،\n_________\n(١) انظر: \"الحجة\" لأبي علي ٦/ ١٥٨.\n(٢) انظر: \"الصحاح\" للجوهري (لذذ) ٢/ ٥٧٥، \"اللسان\" (لذذ) ٣/ ٥٠٦.\n(٣) قول مقاتل هذا غير موجود في \"تفسيره\" لهذه الآية ٣/ ٨٠٢.\n(٤) كذا رسمها وهي غير منقوطة.\n(٥) كذا في الأصل وهو تصحيف ونص الآية ﴿تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا﴾ [الأعراف: ٤٣].","vol":"20","page":76},{"text":"والكافر يرث نار المؤمن، والمؤمن يرث جنة الكافر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3912>٧٦ </span>- قوله: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ﴾، وقال الكلبي ومقاتل: وما ظلمناهم بتعذيبهم، وما عذبناهم على غير ذنب (١).\n﴿وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ﴾ لأنفسهم لما جنوا عليها من الشرك والكفر، قال أصحابنا: ولا يتصور الظلم من الله تعالى لأنه متصرف في ملكه على الإطلاق، كيف ما تصرف، وإنما الظلم أن يفعل الفاعل ما ليس له فعله و﴿هُمُ﴾ في قوله: ﴿هُمُ الظَّالِمِينَ﴾ عماد وفصل (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3913>٧٧ </span>- ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ﴾ قال ابن عباس: يريد خازن جهنم (٣).\n﴿لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ قال الكلبي: ليقض علينا الموت.\nوقال مقاتل: لينزل علينا ربك الموت، والمعنى أنهم توسلوا بمالك إلى الله تعالى ليسأل الله تعالى ليميتهم حتى يستريحوا من شدة العذاب، فيسكت عنهم مالك ولا يجيبهم أربعين سنة في قول الكلبي (٤)، وألف سنة فيما روي عن ابن عباس (٥).\n_________\n(١) انظر: \"تنوير المقباس\" ص ٤٩٥، \"تفسير مقاتل\" ٣/ ٨٠٢.\n(٢) ﴿هُمْ﴾ هاهنا فصل كذا يسميها البصريون، وهي تأتي دليلًا على أن ما بعدها ليس بصفة لما قبلها، وأن المتكلم يأتي بخبر الأول، ويسميها الكوفيون العِماد، وهي عند البصريين لا موضع لها في رفع ولا نصب ولا جر. انظر: \"معاني الزجاج\" ٤/ ٤١٩.\n(٣) أخرج ذلك الطبري عن السدي. انظر: \"تفسيره\" ١٣/ ٩٩، ونسبه ابن الجوزي ٧/ ٣٢٩ للمفسرين، وذكره السمرقندي في \"تفسيره\" ٣/ ٢١٣ ولم ينسبه، وذكره القرطبي ١٦/ ١١٦ ولم ينسبه.\n(٤) انظر: \"تنوير المقباس\" ص ٤٩٥، \"تفسير مقاتل\" ٣/ ٨٠٢.\n(٥) أخرج ذلك الطبري ١٣/ ٩٩ عن ابن عباس، وأخرجه الحاكم في \"المستدرك\" ٢/ ٤٤٨، وقال: حديث صحيح ولم يخرجاه. وقال الذهبي: صحيح، وذكر ذلك البغوي في \"تفسيره\" ٧/ ٢٢٢، والقرطبي في \"الجامع\" ١٦/ ١١٧.","vol":"20","page":77},{"text":"قال القرظي: لا يجيبهم ثمانين سنة، كل يوم منها كألف سنة مما تعدون، ثم يلحظ إليهم بعد الثمانين فيقول (١): ﴿إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾، قال مقاتل: يقول مقيمون في العذاب (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3914>٧٨ </span>- قوله تعالى: ﴿لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ﴾ وهو من قول مالك لهم فيها فيما ذكر مقاتل، و(٣) غيره من المفسرين هو من كلام الله تعالى في مخاطبة الكفار يقول (٤): إليكم يا معشر قريش محمدًا -ﷺ- (٥). ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾ قال ابن عباس: يريد كلكم كارهون لما جاء به محمد -ﷺ- (٦).\n<span data-type=\"title\" id=toc-3915>٧٩ </span>- قوله تعالى: ﴿أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا﴾ الإبرام معناه في اللغة الأحكام. يقال: أبرمت الأمر، أي أحكمته (٧)، قال مجاهد ومقاتل: أم أجمعوا أمرًا فإنا مجمعون (٨)، والمعنى بل أحكموا أمرًا في كيد محمد والمكر به، فإنا محكمون أمرًا في مجازاتهم.\n_________\n(١) انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٦/ ١١٧.\n(٢) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٣/ ٨٠٣.\n(٣) كأن في الكلام سقطًا هاهنا ولفظه (قال).\n(٤) كأن في الكلام سقطًا هاهنا ولفظه (لقد أرسلنا) هذا لفظها عند الطبري. انظر: \"تفسيره\" ١٣/ ٩٩.\n(٥) انظر: \"تفسير الطبري\" ١٣/ ٩٩، \"تفسير البغوي\" ٧/ ٢٢٣.\n(٦) ذكر ذلك ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٧/ ٣٣٠، والقرطبي في \"الجامع\" ١٦/ ١١٨، وذكره المؤلف في \"الوسيط\" ٤/ ٨٢ عن ابن عباس.\n(٧) انظر: اللسان (برم) ١٢/ ٤٣.\n(٨) أخرج ذلك الطبري عن قتادة بهذا اللفض، وأخرجه عن مجاهد بلفظ: (مجمعون) إن كادوا شرًّا كدنا مثله. انظر: ١٣/ ١٠٠، وانظر: \"تفسير مجاهد\" ص ٥٩٥.","vol":"20","page":78},{"text":"قال مقاتل: نزلت في تدبيرهم في المكر به في دار الندوة (١) (٢).\nوهو ما ذكر الله في قوله: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنفال: ٣٠]. وقد ذكرنا القصة (٣). قال أبو إسحاق: أم أحكموا عند أنفسهم أمرًا من كيد أو شر فإنا محكمون مجازاتهم (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3916>٨٠ </span>- ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ﴾ ما [يسرونهم] (٥) من غيرهم مما يتناجون به بينهم. ﴿بَلَى﴾ نسمع ذلك، ﴿وَرُسُلُنَا﴾ من الملائكة، يعني الحفظة، ﴿لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾.\n<span data-type=\"title\" id=toc-3917>٨١ </span>- قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ كثرت الوجوه في هذا التفسير، فالأصح منها، والذي عليه أكثر أهل العلم قول مجاهد، قال: يقول إن كان لله ولد في قولكم، فأنا أول من عبد الله ووحده (٦)، واختاره الزجاج فقال: إن كان للرحمن ولد في قولكم كما قال: ﴿أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ﴾ [النحل: ٢٧] أي في\n_________\n(١) هي دار بمكة أحدثها قصي بن كلاب بن مرة لما تملك مكة وهي دار كانوا يجتمعون فيها للمشاورة، وجعلها بعد وفاته لابنه عبد الدار بن قصي، ولفظه: مأخوذ من الندى والنادي والمنتدى، وهو مجلس القوم الذين يندون حوله، أي: يذهبون قريبًا منه ثم يرجعون، وقد أصبحت دار الإمارة في زمن معاوية بن أبي سفيان. انظر: \"معجم البلدان\" ٢/ ٤٢٣.\n(٢) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٣/ ٨٠٣.\n(٣) في سورة الأنفال: آية ٣٠.\n(٤) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٤٢٠.\n(٥) كذا لفظها في الأصل، ولعل الصواب (يسرونه).\n(٦) انظر: \"تفسير مجاهد\" ص ٥٩٥، \"تفسير الطبري\" ١٣/ ١٠١، \"الماوردي\" ٥/ ٢٤٠ \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٦/ ١١٩.","vol":"20","page":79},{"text":"قولكم، والله -﷿- لا شريك له (١). والمعنى إن كنتم تزعمون أن للرحمن ولدًا جل وعز فأنا أول الموحدين؛ لأن من عبد الله واعترف أنه إلهه فقد دفع أن يكون له ولد، واختاره ابن قتيبة فقال: لما قال المشركون لله ولد ولم يرجعوا عن مقالتهم بما أنزل الله على رسوله من التبرؤ من ذلك، قال الله لرسوله: قل لهم إن كان للرحمن ولد أي عندكم وفي ادعائكم فأنا أول العابدين؛ أي: أول الموحدين، ومن وحد الله فقد عبده، ومن جعل له ولدًا وندًا فليس من العابدين، وإن اجتهد، ومنه قوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] أي ليوحدون (٢)، واختاره الأزهري أيضًا فقال: المعنى إن كان للرحمن ولد في دعواكم، فالله -﷿- واحد لا شريك له، وهو معبودي الذي لا ولد له ولا والد (٣).\nالوجه الثاني: أن يكون ﴿الْعَابِدِينَ﴾ من عبد بمعنى غضب، قال ابن عباس: إن كان للرحمن ولد كما تزعمون فأنا أول من غضب للرحمن أن يقال: له ولد (٤) وأنشد:\nمتى ما يَشَأ ذُو الوُدِّ يَصْرِمْ خَلِيلَه ... وَيعْبَدْ عليه لا محالَة ظَالِما (٥)\n_________\n(١) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٤٢٠.\n(٢) انظر: \"مشكل القرآن وغريبه\" لابن قتيبة ٢/ ١٢٤.\n(٣) انظر: \"تهذيب اللغة\" للأزهري (عبد) ٢/ ٢٣١.\n(٤) ذكر ذلك البغوي ٧/ ٢٢٣ ولم يشبه، وانظر: \"تفسير الماوردي\" ٥/ ٢٤١، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٦/ ١٢٠.\n(٥) لم أقف على قائل هذا البيت، والشاهد فيه قوله: ويعبد عليه: أي يغضب عليه. وقد استشهد ابن جرير في \"تفسيره\" ١٣/ ١٠٢ بالبيت نفسه. وكذلك استشهد به ابن عطية ١٤/ ٢٧٨، وكذلك استشهد به السمين الحلبي في \"الدر المصون\" ٦/ ١٠٨ ونسبه محققو \"الدر\" للمرقش الأصغر. انظر: \"المفضليات\" ص ٥٠٢.","vol":"20","page":80},{"text":"قال: يريد وغضب، وهذا صحيح في اللغة، قال النضر: العبد: طول الغضب (١).\nوروى أبو عبيد عن الفراء: عَبَدَ عليه وأحِنَ، أي: غضب (٢)، والعَبَد يكون بمعنى الأنف، ومنه قول الفرزدق:\nوأَعْبَدُ أَنْ أهْجُو كُلَيْبًا بِدَارِم (٣)\nأي: آنف (٤)، ابن الأعرابي في قوله: ﴿فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ أي الغضاب، وهذا قول أبي عبيدة والمبرد في (العابدين) هاهنا: أنه معنى الآنفين ولكن (إن) عندهم قوله: ﴿إِنْ كَانَ﴾ بمعنى: (ما) قالوا: ومعنى الآية: ما كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين أي: الآنفين مما قلتم والمنكرين له.\nقال أبو عبيدة: ومجاز الفاء في أنا مجاز الواو (٥).\nوقال الكسائي: يقال: رجل عابِد وعَبِدُ، وآنِف وأنِفُ. (٦)\nوقال ابن قتيبة: يقال عَبِدتُ من كذا أعبدُ عَبَدًا (٧)، وأكثر ما يأتي\n_________\n(١) انظر: \"تهذيب اللغة\" (عبد) ٢/ ٢٣٨.\n(٢) انظر: \"اللسان\" (عبد) ٢/ ٢٧٥.\n(٣) هذا عجز بيت، وصدره:\nأولئك قوم إن هجوني هجوتهم\nوالشاهد قوله: أعبد. أي آنف، وقد ورد البيت في \"اللسان\" (عبد) ٣/ ٢٧٥، وفي \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ٢/ ٢٠٦، \"المحتسب\" لابن جني ٢/ ٢٥٨، \"الدر المصون\" ٦/ ١٠٨، \"تهذيب اللغة\" (عبد) ٢/ ٢٣٨.\n(٤) انظر: \"تهذيب اللغة\" (عبد) ٢/ ٢٣٨ وهي كذا في الأصل ولعله سقط لفظ (قال).\n(٥) انظر: \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ٢/ ٢٠٦.\n(٦) انظر: \"تهذيب اللغة\" (عبد) ٢/ ٢٣٠، فقد نقل قول الكسائي.\n(٧) انظر: \"تفسير غريب القرآن\" لابن قتيبة ص ٤٠١.","vol":"20","page":81},{"text":"الأسماء من فَعِلَ يفعل على فَعَل كالوجل والفزع، وربما يأتي عليها نحو: صدٍ صاد، وكذلك عبد وعابد.\nوذهب قوم إلى أن (إن) بمعنى: (ما)، و(العابدين) من العبادة وهو قول الكلبي (١) ومقاتل، والمعنى: ما كان للرحمن ولد (٢) فأنا أول العابدين، يعني: أول الموحدين من أهل مكة، واختاره ابن الأنباري فقال: معناه: ما كان للرحمن ولد، والوقف على الولد، ثم تبدأ فتقول: فأنا أول العابدين له، على أنه لا ولد له (٣)، والوقف على العابدين تام. وهذا قول الحسن وقتادة (٤).\nوفي الآية قول آخر ذكره السدي فقال: قال الله تعالى لمحمد -ﷺ-: قل لهم إن كان للرحمن ولد كما تقولون، لكنت أول من يعبده ويطيعه (٥)، أي: إن كان له ولد فأنا أول من عبده بأن له ولدا، ولكن لا ولد له، ومعنى هذا القول: لو كان له ولد لعبدته، كما تقول: لو دعت الحكمة إلى عبادة غير الله لعبدته ولكنها لا تدعو إلى عبادة غيره، كما تقول: لو دل الدليل لقبلت به، ولكنه لا يدل، فهذا تحقيق لنفي الولد.\nوقول آخر في الآية يروى عن ابن عيينة أنه سئل عن هذه الآية فقال: يقول فكما أني لست أول من عبد الله، فكذلك ليس لله ولد (٦)،\n_________\n(١) انظر: \"تهذيب اللغة\" (عبد) ٢/ ٢٣٠ فقد نقل قول الكلبي.\n(٢) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٣/ ٨٠٥.\n(٣) انظر: \"الإيضاح\" لابن الأنباري ٢/ ٨٨٦.\n(٤) انظر: قول ابن الأنباري بنصه في \"تهذيب اللغة\" (عبد) ٢/ ٢٣١، وكذلك قولي الحسن وقتادة. وانظر: \"المكتفى\" للداني ص ٥١١.\n(٥) انظر: قول السدي في \"تهذيب اللغة\" (عبد) ٢/ ٢٣٠، \"المكتفي\" للداني ص ٥١١.\n(٦) انظر: \"تهذيب اللغة\" (عبد) ٢/ ٢٣٠، \"تفسير الوسيط\" ٤/ ٨٣.","vol":"20","page":82},{"text":"وهذا كما تقول إن كنت [كاذبًا]، (١) فأنا حاسب، تريد لست أنت كذا ولا أنا، وتأويل الآية ليس للرحمن ولد كما لست أنا أول من عبد الرحمن، فقد عبده قبلي ناس، هذا وجه ما ذكره ابن عيينة، وهو حسن صحيح في معنى الآية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3918>٨٢ </span>- ثم نزه نفسه فقال: ﴿سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ الآية.\nقوله: ﴿عَمَّا يَصِفُونَ﴾ قال مقاتل: عما يقولون من الكذب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3919>٨٣ </span>- ﴿فَذَرْهُمْ﴾ يعني كفار مكة حين كذبوا بالعذاب في الآخرة عصوا في باطلهم ولهوا في دنياهم (٢). ﴿حَتَّى يُلَاقُوا﴾ يوم القيامة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-3920>٨٤ </span>- قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ قال قتادة: يعبد في السماء ويعبد في الأرض (٣)، قال مقاتل: يوحد في السماء ويوحد في الأرض (٤).\nوقال المبرد: تأويله والله أعلم: رَبّ من هناك، ورَبّ من هاهنا كقوله: سبحان الله (٥)، ونحو هذا قوله: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾ [الأنعام: ٣]، وقد مر الكلام فيه مستقصى.\nقال أبو علي: نظرت فيما يرتفع به (إله) فوجدت ارتفاعه يصح بأن يكون خبر مبتدأ محذوف من الصلة راجع إلى الموصول كأنه: وهو الذي\n_________\n(١) كذا في الأصل، وفي \"الوسيط\" ٤/ ٨٣ بلفظ (كاتبًا) وهو الصواب.\n(٢) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٣/ ٨٠٥.\n(٣) أخرج ذلك الطبري عن قتادة. انظر: \"تفسيره\" ١٣/ ١٠٤، ونسبه ابن الجوزي لمجاهد وقتادة. انظر: \"زاد المسير\" ٧/ ٢٣٣.\n(٤) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٣/ ٨٠٦.\n(٥) لم أقف على قول المبرد.","vol":"20","page":83},{"text":"في السماء هو إله، وتقدير هذا الحذف من الصلة هنا حسن لطولها، وقد استحسن الخليل ذلك، فإذا كان التقدير على هذا ارتفع هذا المحذوف بالابتداء و﴿إِلَهٌ﴾ خبره والظرف الذي هو قوله: ﴿فِي السَّمَاءِ﴾ متعلق بقوله: ﴿إِلَهٌ﴾ وموضعه نصب وإن كان مقدمًا عليه، ألا ترى أنهم قد أجازوا كل يوم ثوب فاعمل فيه، والمعنى مقدم. والمعنى: إنما هو عن الإخبار بالآلهة لا عن الكون في السماء، أي: أنه تعالى اسمه يقصد بالعبادة في السماء والأرض. انتهى (١).\nقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ﴾ لأن خَلْق السموات والأرض يدل على الحكمة والعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3921>٨٦ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ﴾ ذكر المفسرون في هذه الآية قولين:\nأحدهما: إن الذين يدعون من دونه هم عزير وعيسى والملائكة، وهذا قول ابن عباس في رواية عطاء والكلبي، وقول مجاهد ومقاتل (٢)، وقال ابن عباس: يريد أن الملائكة لا تشفع إلا لمن شهد بالحق (٣)، وقال مجاهد: لا يشفع عيسى ولا عزير ولا الملائكة إلا من شهد بالحق (٤).\nوقال مقاتل: قال النضر بن الحرث ونفرٌ معه: إن كان ما يقول محمد حق، فنحن نتولى الملائكة فهم أحق بالشفاعة من محمد، فأنزل الله هذه\n_________\n(١) ذكر ذلك في \"الوسيط\" عن أبي علي الفارسي ٤/ ٨٣، ولم أقف عليه عند أبي علي.\n(٢) انظر: \"تفسير مجاهد\" ٥٩٦. وأخرجه الطبري ١٣/ ١٠٥ عن مجاهد، وانظر: \"تفسير الثعلبي\" ١٠/ ٩٢ أ، \"تفسير مقاتل\" ٣/ ٨٠٦، \"زاد المسير\" ٧/ ٣٣٤.\n(٣) لم أقف عليه.\n(٤) \"تفسير مجاهد\" ص ٥٩٦، وأخرجه الطبري ١٣/ ١٠٥ عن مجاهد.","vol":"20","page":84},{"text":"الآية، يقول: لا تقدر الملائكة الذين تعبدونهم لأن يشفعوا لأحد، ثم استثنى فقال: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ﴾ (١) والمعنى على هذا القول: لا يشفع هؤلاء إلا لمن شهد بالحق، فأضمر اللام (٢) أو يقال التقدير: إلا شفاعة من شهد بالحق فحذف المضاف، وهذا على لغة من يعدي الشفاعة بغير لام فيقول: شفعت فلانًا، بمعنى شفعت له، كما تقول: كلمته وكلمت له، ونصحته ونصحت له.\nالقول الثاني: أن الذين يدعون من دونه كل معبود من دون الله، وقوله: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ﴾ عزير وعيسى والملائكة، وهذا قول قتادة قال: إنهم عبدوه من دون الله ولهم شفاعة عند الله ومنزلة (٣)، ومعنى ﴿مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ﴾ قال ابن عباس: من شهد أنه لا إله إلا الله وحده وأن محمدًا عبده ورسوله (٤)، وقال مقاتل: إلا من شهد بالتوحيد من بني آدم (٥).\n﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أن الله واحد لا شريك له فيشفعون لهؤلاء، وفي هذا دليل على أنه لا تتحقق الشهادة بالعلم، وأجمع أصحابنا أن شرط الإيمان طمأنينة القلب على ما أعهده بحيث لا يتشكك إذا شكك، ولا يضطرب إذا حرك لقوله: ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ يعني شهدوا على علم وبصيرة (٦)، قال إبراهيم: يشهد وهو يعلم أنك كذلك، قال مجاهد:\n_________\n(١) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٣/ ٨٠٦، \"تفسير الماوردي\" ٥/ ٢٤٢، \"زاد المسير\" ٧/ ٢٣٣.\n(٢) انظر: \"الدر المصون\" ٦/ ١٠٨، \"تفسير ابن عطية\" ١٤/ ٢٨١.\n(٣) أخرج ذلك الطبري ١٣/ ١٠٥ عن قتادة، وانظر: \"تفسير الثعلبي\" ١٠/ ٩٢ ب، \"زاد المسير\" ٧/ ٣٣٤.\n(٤) ذكر ذلك القرطبي في \"الجامع\" عن ابن عباس. انظر: ١٦/ ١٢٢.\n(٥) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٣/ ٨٠٦\n(٦) ذكر ذلك في تفسير \"الوسيط\" ٤/ ٨٤.","vol":"20","page":85},{"text":"يعلمون أن الله ربهم (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3922>٨٧ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ الآية مفسرة في أواخر سورة العنكبوت [آية: ٦١] وفي غيرها.\n<span data-type=\"title\" id=toc-3923>٨٨ </span>- ﴿وَقِيلِهِ يَا رَبِّ إِنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ لَا يُؤْمِنُونَ﴾، قال ابن عباس: شكا إلى ربه تخلف قومه عن الإيمان (٢)، واختلفوا في انتصاب ﴿وَقِيلِهِ﴾ فذكر الأخفش والفراء فيه قولين: أحدهما: أنه نصب على المصدر بتقدير، وقال ﴿وَقِيلِهِ﴾ وشكا شكواه إلى ربه، يعني: النبي -ﷺ- فانتصب ﴿وَقِيلِهِ﴾ بإضمار قال.\nوالثاني: أنه عطف على ما تقدم من قوله: إنا لا نسمع سرهم ونجواهم وقيله (٣).\nوقال أبو إسحاق: والذي أختاره أنا أن يكون نصبًا على معنى: وعنده علم الساعة، ويعلم قيله (٤)، وشرح أبو علي هذا القول فقال: نصب قيله على الحمل على موضع [...] (٥) الساعة مفعول بها وليست بظرف والمصدر مضاف إلى المفعول به ومثل ذلك قوله:\n_________\n(١) انظر: \"تفسير مجاهد\" ص ٥٩٦، \"تفسير الطبري\" ١٣/ ١٠٥.\n(٢) أخرج ذلك الطبري ١٣/ ١٠٦ عن قتادة. وانظر: \"تفسير الثعلبي\" ١٠/ ٩٢ ب من غير نسبة، ونسبه ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٧/ ٣٣٤ لابن عباس.\n(٣) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ٣٨، ولم أجده في \"معاني الأخفش\"، وانظر: \"الدر المصون\" ٦/ ١٠٩.\n(٤) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٤٢١.\n(٥) كذا في الأصل وقد سقط لفظ [﴿وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ لأن]، انظر: \"الحجة\" لأبي علي ٦/ ١٦٠.","vol":"20","page":86},{"text":"قد كُنْتُ دَايَنْت به حَسَّانَا ... مَخَافَةَ الإفْلاسِ واللّيَانَا (١)\nوكما أن الليان محمول على ما أضيف إليه المصدر من المفعول به، كذلك وقوله: ﴿وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ لما كان معناه يعلم الساعة حملت ﴿وَقِيلِهِ﴾ على ذلك، قال: ويجوز أن يكون حمله على: يقول قيله، فيدل انتصاب المصدر على فعله، وكذلك قول كعب:\nيَسْعَى الوشَاةُ حَواليها وقِيلِهم ... إنَّك يا ابْن أبي سَلْمَى لَمَقْتُولُ (٢)\nوقرأ عاصم وحمزة: وقيله بالجر، قال الأخفش والفراء والزجاج: الجر على قوله: وعنده علم الساعة وعلم قيله يا رب (٣)، والاختيار القراءة الأولى (٤)، وهو الموافق لما ذكره المفسرون.\nقال ابن عباس في تقدير الآية: أيحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم وقيله يا رب، ونحو هذا قال مقاتل (٥).\n_________\n(١) الرجز لرؤية بن العجاج، انظر: \"ديوانه\" ص ١٨٧، \"الكتاب\" ١/ ١٩١، \"الحجة\" لأبي علي ٦/ ١٦٠، وداينت: من المداينة وهي البيع بالدين، بها أي بالإبل، وحسان: اسم رجل، والليان: مصدر لويته بالدين ليًا وليانًا إذا مطلته، يقول: داين بالإبل حسان لأنه رجل مليء لا يماطل مخافة أن يداين غير حسان ممن ليس بمليء فيماطل لإفلاسه، انظر: \"الكتاب\" ١/ ١٩١.\n(٢) البيت لكعب بن زهير في \"ديوانه\" ص ١٩ من قصيدته المشهورة بالبردة، وانظر: \"الحجة\" لأبي علي ٦/ ١٦٠، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٦/ ١٢٤.\n(٣) \"الحجة\" ٦/ ١٦٠، \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ٣٨، \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٤٢١، \"إعراب القرآن\" للنحاس ٤/ ١٢٣.\n(٤) انظر: \"كتاب السبعة\" لابن مجاهد ص ٥٨٩، \"الكشف عن وجوه القراءات\" لمكي ٢/ ٢٦٢، \"الحجة في القرءات السبع\" لابن خالويه ص ٣٢٣.\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ٣/ ٨٠٧، وذكر هذا المعنى بغير نسبة: البغوي ٧/ ٢٢٤، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٧/ ٣٣٤.","vol":"20","page":87},{"text":"وقال المبرد: العطف على المنصوب حَسَن (١)، وإن تباعد المعطوف من المعطوف عليه؛ لأنه لا يجوز أن يفصل بين المنصوب وعامله والمجرور، يجوز ذلك فيه على قبح؛ لأنه لا يفصل بينه وبين عامله إلا في ضرورة، ومعنى النصب: أنا لا نسمع قيله، وهو معطوف على منصوب قد تباعد منه، وكان حسنًا في المنصوب، ولما كان معنى الجر: وعنده علم الساعة وعلم قيله، فتح لما وصفنا، وقرأ ناس من غير السبعة: وقيله يا رب، بالرفع.\nوقال أبو إسحاق: الرفع على معنى: وقيله هذا القول قول يا رب إن هؤلاء قوم لا يؤمنون (٢).\nقال أبو علي: الرفع يحتمل ضربين: أحدهما: أن يجعل الخبر، وقيله يا رب مسموع ومتقبل، فيا رب منصوب الموضع بقيله المذكورة، وعلى القول الآخر بقيل المضمر وهو من صلته، ولا يمتنع ذلك من حيث امتنع أن يحذف بعض الموصول، ويبقى بعضه، لأن حذف القول [قد كثر] (٣) حتى صار بمنزلة المذكور، وقد يحتمل بيت كعب الرفع على هذين الوجهين (٤)، والقيل مصدر كالقول، ومنه قول النبي -ﷺ-: \"نهى عن قيل وقال\" (٥).\n_________\n(١) انظر: \"إعراب القرآن\" للنحاس ٤/ ١٢٣، \"الدر المصون\" ٦/ ١٠٩.\n(٢) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٤٢١، \"الحجة\" ٦/ ١٦٠.\n(٣) كذا في الأصل وفي \"الحجة\" (قد أضمر).\n(٤) انظر: \"الحجة\" لأبي علي ٦/ ١٦١.\n(٥) أخرجه الجاري عن المغيرة: \"إن الله كره لكم ثلاثًا .. \" الحديث، كتاب الزكاة باب قول الله: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ ٢/ ١٣١، وفي الأدب باب عقوق =","vol":"20","page":88},{"text":"قال أبو عبيد: يقال قلت قولًا، قال وسمعت الكسائي يقول في قراءة عبد الله ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ﴾ [مريم: ٣٤] قال الفراء: القال في معني القول، مثل العيب والعاب (١).\nوقال الليث: تقول العرب كثير فيه: القيل والقال (٢)، أبو زيد: يقال: ما أحسن قيلك وقولك ومقالتك ومقالك وقالك، خمسة أوجه (٣).\nقوله تعالى: ﴿فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ﴾ قال ابن عباس: أمسك عنهم، وقال مقاتل: أعرض عنهم وقيل سلام، اردد عليهم معروفًا (٤).\nوقال ابن عباس: يريد مداراة حتى ينزل حكمي (٥).\nقال المبرد: قال سيبويه: إنما معناه المتاركة كما تقول: سلام بسلام أي تركًا بترك (٦)، وهذا كقوله: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ [القصص: ٥٥] وقد مر. وقال الفراء: رفع (سلام) بضمير (عليكم) وما أشبهه، ولو\n_________\n= الوالدين ٧/ ٧٠، وفي الرقاق باب ما يكره من قيل وقال ٧/ ١٨٣، وفي الاعتصام باب ما يكره من كثرة السؤال ٨/ ١٤٢، وأخرجه الإمام مسلم في كتاب الأقضية باب النهي عن كثرة المسائل ٢/ ١٤٣٠، وأخرجه الإمام أحمد عن أبي هريرة ٢/ ٣٢٧، ٣٦٠، ٣٦٧، وعن المغيرة ٤/ ٢٤٦، ٢٤٩، ٢٥٠.\n(١) انظر: هذه الأقوال في \"تهذيب اللغة\" للأزهري من قوله: ومنه قول النبي .. (لقى) ٩/ ٣٠٤، \"اللسان\" (قول) ١١/ ٥٧٣.\n(٢) انظر: \"كتاب العين\" (قول) ٥/ ٢١٣.\n(٣) انظر: قولي الليث وأبي زيد في \"تهذيب اللغة\" (لقى) ٩/ ٣٠٥.\n(٤) أورد ذلك القرطبي ١٦/ ١٢٤ عن ابن عباس لكن بلفظ: أعرض عنهم، وانظر: \"تفسير مقاتل\" ٣/ ٨٠٧.\n(٥) انظر: \"تفسير الوسيط\" ذكر ذلك عن عطاء ٤/ ٨٤.\n(٦) انظر: \"الكتاب\" ١/ ٣٢٦.","vol":"20","page":89},{"text":"كان: وقيل سلامًا، كان صوابًا (١).\nقوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ قرئ: بالتاء والياء، فمعنى التاء أن الله تعالى أمر نبيه -ﷺ- أن يقول للمشركين: سلام عليكم ويقول لهم سلام فسوف تعلمون، ومن قرأ بالياء حمل على الغيبة التي هي (فاصفح عنهم .. فسوف يعلمون) (٢) قال ابن عباس: وهذا وعيد وتهدد من الله تعالى.\nقال ابن عباس: وقوله: ﴿فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ﴾ منسوخ بالسيف (٣).\nوقال مقاتل: نسخ السيف الإعراض والسلام (٤).\nوقال قتادة: أمر بالصفح عنهم ثم أمر بقتالهم (٥).\n_________\n(١) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ٣٨.\n(٢) انظر: \"الحجة\" لأبي علي ٦/ ١٦١، \"الكشف عن وجوه القراءات\" لمكي ٢/ ٢٦٣.\n(٣) ذكر ذلك ابن الجوزي في \"نواسخ القرآن\" عن ابن عباس ص ٤٥٥، وذكره ابن حزم في \"الناسخ والمنسوخ\" ولم ينسبه ص ٥٥، وذكره من غير نسبة هبة الله بن سلامة في \"الناسخ والمنسوخ\" ص ١٥٨.\n(٤) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٣/ ٨٠٧.\n(٥) أخرج ذلك الطبري عن قتادة، انظر. \"تفسيره\" ١٣/ ١٠٧، ونسبه القرطبي لقتادة ١٦/ ١٢٤.","vol":"20","page":90},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3924>سورة الدخان</span>","vol":"20","page":91},{"text":"تفسير سورة الدخان\nبسم الله الرحمن الرحيم\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3925>١، ٢ </span>- ﴿حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ قال ابن عباس: يريد القرآن وما أنزل فيه من البيان والحلال والحرام (١)، ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ﴾ قال الكلبي: أقسم بـ حم والقرآن (٢) ذلك لقد أنزلناه، فجواب القسم على ما ذكر:\n<span data-type=\"title\" id=toc-3926>٣ </span>- ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ﴾، وكذلك هو عند أهل التفسير.\nوقال النحاس: يجوز أن يجعل جواب القسم: (إنا أنزلناه حم) فيكون تمام الكلام عند قوله: ﴿الْمُبِينِ﴾ وإن جعلت جواب القسم (إنا أنزلناه)، اتصل بالكلام الأول (٣).\nقال صاحب النظم: لولا أن قوله (إنا أنزلناه) صفة القرآن والذي أقسم به وأخبر عنه، لاحتمل أن يكون جوابًا للقسم، ولكن ليس من عادتهم أن يقسموا بنفس الشيء إذا أخبروا عنه.\n_________\n(١) قال في \"تنوير المقباس\": (وأقسم بالكتاب المبين لقد قضى ما هو كائن أي بين، ويقال أقسم بالحاء والميم والقرآن المبين بالحلال والحرام والأمر والنهي) انظر: \"تنوير المقباس\" ص ٤٩٦، ونسبه في \"الوسيط\" لابن عباس. انظر: ٤/ ٨٥.\n(٢) انظر: \"تنوير المقباس\" ص ٤٩٦.\n(٣) انظر: \"القطع والائتناف\" للنحاس ص ٦٥٤، لكن بلفظ: إن جعلت جواب القسم ﴿حم﴾ كان هذا وقفًا، وإن جعلت الجواب: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ﴾ فالوقف: ﴿إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ﴾.","vol":"20","page":93},{"text":"قوله: ﴿فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ أي كثيرة الخير، والليلة التي أنزل فيها كتاب الله مباركة، بأن الخير ينمو فيها على ما دبره الله من علو مرتبتها بالخير الذي قسمه الله فيها، واختلفوا في الليلة المباركة فقال ابن عباس في رواية عطاء والكلبي: إنها ليلة القدر (١). نزل القرآن جملة من عند ذي العرش إلى السماء الدنيا، وقد ذكرنا كيفية ذلك عند قوله: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة: ١٨٥]، وهذا قول قتادة ومقاتل وابن زيد ومجاهد (٢)، وبه قال الأكثرون: واختاره الزجاج (٣) لقوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر: ١]، قال مقاتل: كان ينزل من اللوح المحفوظ كل ليلة قدرٌ من الوحي على مقدار ما ينزل به جبريل على النبي -ﷺ- في السَّنَة كلها إلى مثلها من العام المقبل، حتى نزل القرآن كله في ليلة القدر (٤).\nوقال عكرمة: هي ليلة النصف من شعبان (٥).\nقوله: ﴿إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ﴾. قال ابن عباس: منذرين بالقرآن من عصى الله (٦).\n_________\n(١) ذكر ذلك الماوردي ولم ينسبه. انظر: ٥/ ٢٤٤، ونسبه ابن الجوزي للأكثرين. انظر: \"زاد المسير\" / ٣٣٦، وذكره السمرقندي ولم ينسبه. انظر: تفسيره ٣/ ١١٥.\n(٢) أخرج ذلك الطبري ١٣/ ١٠٧ عن قتادة وابن زيد. وانظر: \"تفسير مقاتل\" ٣/ ٨١٧.\n(٣) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٤٢٣.\n(٤) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٣/ ٨١٧.\n(٥) أخرج ذلك الطبري عن عكرمة. انظر: تفسيره ١٣/ ١٠٩، وذكره البغوي عن عكرمة.\nانظر: تفسيره ٧/ ٢٢، ونسبه ابن الجوزي لعكرمة. انظر: \"زاد المسير\" ٧/ ٣٣٨، ونسبه القرطبي لعكرمة. انظر: \"الجامع\" ١٦/ ١٢٦.\n(٦) لم أقف عليه.","vol":"20","page":94},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3927>٤ </span>- قوله تعالى: ﴿فِيهَا﴾ أي في تلك الليلة المباركة. ﴿يُفْرَقُ﴾ أي يفصل ويبين ويضبط، من قولهم: فرقت الشيء أفرقه فرقًا وفرقانًا (١)، والأمر الحكيم المحكم، يعني أمر السنة إلى مثلها من العام المقبل يقضي الله في تلك الليلة ما هو كائن في السنة من الخير والشدة والرخاء والأرزاق والآجال ومحو وتثبيت ما يشاء، وهذا قول عامة المفسرين، روى مهران (٢) عن ابن عباس في هذه الآية قال: يكتب في أم الكتاب في ليلة القدر ما يكون في السنة من موت وحياة ورزق ومطر، حتى الحُجّاج يقال: يحج فلان (٣).\nوروى عنه [سعيد بن يحيى] (٤). في هذه الآية قال: إنك لترى الرجل يمشي في الأسواق وقد وقع اسمه في الموتى (٥).\n_________\n(١) انظر: \"تهذيب اللغة\" (فرق) ٩/ ١٠٥، و\"مفردات\" الراغب (فرق) ص ٣٧٧.\n(٢) لعله: مهران أبو صفوان حديثه في الكوفيين روى عن ابن عباس، وعنه الحسن بن عمرو النُقيمي، قال أبو زرعة لا أعرفه إلا في الحديث وذكره ابن حبان في \"الثقات\". انظر: \"ميزان الاعتدال\" ٤/ ١٩٦، و\"تهذيب التهذيب\" ١٠/ ٣٢٨.\n(٣) انظر: \"تفسير البغوي\"، وقد نسبه لابن عباس ٧/ ٢٢٧، ونسبة في \"الوسيط\" لابن عباس انظر: ٤/ ٨٥، وانظر: \"زاد المسير\" ٧/ ٣٣٨، وقد نسبه لابن عباس، ونسبه القرطبي لابن عباس. انظر: ١٦/ ١٢٧.\n(٤) كذا في الأصل وهو تصحيف والصحيح (سعيد بن جبير) لأن سعيد بن يحيى متأخر، فلم يلق ابن عباس، فقد توفي سنة ٢٤٩ هـ. وانظر: تفسير الطبري، وقد نسبه لسعيد ابن جبير عن ابن عباس ١٣/ ١٠٩، وكذلك نسبه المؤلف لسعيد بن جبير عن ابن عباس. انظر: تفسيره \"الوسيط\" ٤/ ٨٥.\n(٥) أخرجه الحاكم في \"المستدرك\" عن ابن عباس وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وقال الذهبي على شرط مسلم. انظر: \"المستدرك مع التلخيص\" ٢/ ٤٤٨.","vol":"20","page":95},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3928>٥ </span>- قوله تعالى: ﴿أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا﴾ قال أبو إسحاق: ﴿أَمْرًا﴾ نصب بيفرق، بمنزلة يفرق فرقًا، لأن أمرًا بمعنى فرقا، وهذا قول الفراء (١) ونحو هذا قال المبرد في وجه الانتصاب، إلا أنه لم يجعل في موضع مصدر ﴿يُفْرَقُ﴾ وجعله بمنزلة مصدر: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ﴾ فقال: انتصابه انتصاب المصادر وهو في موضع قولك [..] (٢). إنزالًا، والأمر اسم مشتمل على جميع الأخبار، والتقدير: إنا أنزلناه أمرًا من عندنا، ونحو هذا قال الأخفش: إنا أنزلناه أمرًا (٣).\nوحكى أبو علي الفارسي عن أبي الحسن أنه حمل قوله: ﴿أَمْرًا﴾ على الحال و(ذو الحال) (٤) قوله: ﴿كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ وهو نكرة (٥).\n\nقوله تعالى ﴿إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾ قال المفسرون: يعني محمدًا -ﷺ- <span data-type=\"title\" id=toc-3929>(٦)</span>، وقال صاحب النظم: يعني به الأنبياء.\n٦ - قوله: ﴿رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ ذكر الفراء وأبو إسحاق في انتصاب الرحمة ما ذكرنا في قوله: ﴿أَمْرًا﴾ وزاد وجهًا آخر وهو: أن يكون مفعولًا\n_________\n(١) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٤٢٤، و\"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ٣٩.\n(٢) سننه من الأصل لفظ ﴿أَنْزَلْنَاهُ﴾. وانظر: قول المبرد في \"إعراب القرآن\" للنحاس ٤/ ١٢٦، و\"فتح القدير\" ٤/ ٥٧٠.\n(٣) انظر: \"معاني القرآن\" للأخفش ٢/ ٦٩١.\n(٤) انظر: \"معاني القرآن\" للأخفش ٢/ ٦٩١، و\"إعراب القرآن\" للنحاس ٤/ ١٢٦، ومشكل \"إعراب القرآن\" لمكي ٢/ ٢٨٧.\n(٥) كذا في الأصل وهي غير واضحة، وقد نقل مكي عن الجرمي: هو حال من نكرة، وهو: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ فحسن ذلك لما وصف النكرة بـ ﴿حَكِيمٍ﴾.\n(٦) انظر: \"تفسير الطبري\" ١٣/ ١١٠، و\"الثعلبي\" ١٠/ ٩٣ ب، و\"البغوي\" ٧/ ٢٢٨.","vol":"20","page":96},{"text":"له على تقدير: إنا أنزلناه رحمة، أي: للرحمة (١)، وهذا معنى قول صاحب النظم: ﴿رَحْمَةً﴾ نصب على السبب؛ لأنه سبب لما ذكر أنه فعله.\nقال ابن عباس: يريد رأفة مني بخلقي (٢).\nوقال الكلبي: نعمة من ربك بما بعثنا إليهم من الرسل (٣).\nوقال مقاتل: رحمة من ربك لمن آمن به من المؤمنين. ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ﴾ لمن دعاه. ﴿الْعَلِيمُ﴾ بخلقه. قاله مقاتل (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3930>٧ </span>- قوله: ﴿رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ بالرفع والخفض، فالرفع على قوله: ﴿السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦) رَبِّ السَّمَاوَاتِ﴾، وإن شئت على الاستئناف على معنى: هو رب السموات هذا قول الفراء والزجاج (٥)، وزاد أبو علي وجهًا آخر فقال: ويكون ﴿رَبِّ السَّمَاوَاتِ﴾ مبتدأ وخبره الجملة التي [عادت] (٦) الذكر منها إليه، وهو قوله: لا إله إلا هو، ومن خفضه جعله بدلًا من ﴿رَبِّكَ﴾ المتقدم ذكره (٧).\nقوله تعالى: ﴿وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ قال عطاء والكلبي عن ابن عباس: يريد من الهواء وغير ذلك من خَلْق (٨). ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ بذلك، وهو أنه لا إله\n_________\n(١) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ٣٩، و\"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٤٢٤.\n(٢) ذكره البغوي عن ابن عباس. انظر: تفسيره ٧/ ٢٢٨، ونسبه في \"الوسيط\" لابن عباس. انظر: ٤/ ٨٦.\n(٣) انظر: \"تنوير المقباس\" ص ٤٩٦.\n(٤) انظر: \"تفسير البغوي\" ٧/ ٢٢٨، و\"تفسير مقاتل\" ٣/ ٨١٨.\n(٥) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ٣٩، و\"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٤٢٤.\n(٦) كذا في الأصل، ولعل الصواب (عاد).\n(٧) انظر: \"الحجة\" لأبي علي ٦/ ١٦٥.\n(٨) ذكر ذلك في \"الوسيط\" ولم ينسبه. انظر: ٤/ ٨٦.","vol":"20","page":97},{"text":"غيره، وهذه الآية مفسَّرة في سورة الشعراء [آية: ٢٤].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3931>٩ </span>- قوله تعالى: ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ﴾ قال ابن عباس: في ضلال يتمادون (١)، وقال مقاتل: في شك من هذا القرآن يهزؤن به لاهين عنه (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-3932>١٠ </span>- قوله: ﴿فَارْتَقِبْ﴾ أي فانتظر، ويقال ذلك في المكروه، والمعنى: انتظر يا محمد عذابهم، فحذف مفعول الارتقاب لدلالة ما ذكره بعده عليه وهو قوله: ﴿هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ويجوز أن يكون ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ﴾ مفعول الارتقاب (٣).\nقوله تعالى: ﴿بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ اختلفوا في معنى الدخان هاهنا، فالأكثرون على أن هذا الدخان كان حين دعا النبي -ﷺ- على قومه بمكة لما كذبوه فقال: \"اللهم سبعًا كسني يوسف\" (٤) فارتفع القطر، وأجدبت الأرض فأصابت قريشًا شدة المجاعة حتى أكلوا العظام والكلاب والجيف، فكان الرجل لما به من الجوع يرى بينه وبين السماء دخان، وهذا قول عطاء عن ابن عباس (٥) ومقاتل ومجاهد (٦) واختيار الفراء والزجاج وابن منبه، وهو قول ابن مسعود، وكان ينكر أن الدخان إلا هذا الذي أصابهم من شدة\n_________\n(١) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٣/ ٨١٨.\n(٢) انظر: \"إملاء ما منَّ به الرحمن\" ٢/ ٢٣٠.\n(٣) ذكر ذلك في \"الوسيط\" عن ابن عباس. انظر: ٤/ ٨٦.\n(٤) أخرج هذا الحديث الجاري في صحيحه -كتاب التفسير - تفسير سورة الدخان - باب [٢]: يغشى الناس هذا عذاب أليم ٦/ ٣٩، ومسلم -كتاب صفات المنافقين وأحكامهم- باب (٧) الدخان ٣/ ٢١٥٧، والإمام أحمد ١/ ٢٨٠، ٤٢١، ٤٤١.\n(٥) انظر: \"تفسير الطبري\" ١٣/ ١١١، و\"تفسير البغوي\" ٧/ ٢٢٩، ولم أقف على نسبته لابن عباس.\n(٦) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٨/ ٨١٣، و\"تفسير مجاهد\" ص ٥٩٧.","vol":"20","page":98},{"text":"الجوع، كالظلمة في أبصارهم حتى كانوا يرون دخانًا، فعلي هذا: الدخان هو الظلمة التي في أبصارهم من شدة الجوع (١).\nوذكر ابن قتيبة معنيين آخرين أحدهما: أن الجوع يقال له: دخان، ليُبْس الأرض في سنة الجدب، وانقطاع المطر وارتفاع الغبار فيه، فيشبه ما يرتفع منه بالدخان، ولهذا يقال لسنة المجاعة الغبراء، ومنه جوع أغبر، وهذا معنى قول مجاهد في قوله: ﴿بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ قال: الجدب وإمساك القطر عن كفار قريش (٢). قال: وربما وضعت العرب الدخان موضع الشر إذا علا فيقولون: كان بيننا أمر ارتفع له دخان (٣).\nالقول الثاني في الدخان: أنه آية من آيات الله مرسلة على عباده قبل مجيء الساعة، فيدخل في أسماع أهل الغي ويعتري أهل الإيمان منه كهيئة الزكام، وهذا قول ابن عباس [والحسين] (٤) وابن عمر وعلي (٥). روى الحارث (٦) عنه أنه قال: الدخان لم يمض بعد يأخذ المؤمنين كهيئة الزكام،\n_________\n(١) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ٣٩، و\"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٤٢٤، و\"تفسير الطبري\" ١٣/ ١١٢، و\"الدر المنثور\" ٧/ ٤٠٦.\n(٢) انظر: \"تفسير مجاهد\" ص ٥٩٧.\n(٣) انظر: \"تفسير غريب القرآن\" لابن قتيبة ص ٤٠٢، و\"مشكل القرآن وغريبه\" ٢/ ١٢٥.\n(٤) كذا في الأصل وهو تصحيف، والصحيح (الحسن).\n(٥) انظر: \"تفسير الطبري\" ١٣/ ١١٣، وتفسير الثعلبي ١٠/ ٩٤ ب، و\"تفسير البغوي\" ٧/ ٢٢٩، و\"زاد المسير\" ٧/ ٣٣٩.\n(٦) هو الحارث بن قيس الجعفي الكوفي. روى عن ابن مسعود وعلى وعنه خيثمة ويحيى ابن هانئ قال ابن المديني: قتل مع علي، وقال ابن حبان في الثقات: مات الحارث في ولاية معاوية، وصلى أبو موسى على قبره بعد ما دفن. انظر: \"تهذيب التهذيب\" ٢/ ١٥٤، و\"الإصابة\" ١/ ٣٧٠.","vol":"20","page":99},{"text":"وينفخ الكافر حتى يَنْقذَ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3933>١١ </span>- قوله تعالى: ﴿يَغْشَى النَّاسَ﴾ من صفة قوله: (بِدُخَانٍ) والناس على القول الأول في الدخان: أهل مكة. وعلى القول الثاني: عام (٢).\nقوله تعالى: ﴿هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ قال الفراء: يراد به ذلك العذاب. قال: ويقال: إن الناس كانوا يقولون لهذا الدخان: عذاب (٣)، وعلى هذا تقدير الكلام يقولون: هذا عذاب أليم، وقال صاحب النظم: (هذا) إشارة إليه وإخبار عن دنوه واقترابه، كما يقال في الكلام: هذا الشتاء فاعدد له، وهذا العدو فاستقبله، على التقريب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3934>١٢ </span>- قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ﴾ هذا على ما ذكرنا من التقدير: يقولون هذا عذاب أليم ربنا اكشف، وإن لم يضمروا القول هناك أضمرت هنا، والعذاب قال الكلبي: الجوع والدخان (٤) ﴿إِنَّا مُؤْمِنُونَ﴾ أي: بمحمد والقرآن.\n<span data-type=\"title\" id=toc-3935>١٣ </span>- قال الله تعالى: ﴿أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى﴾، قال ابن عباس: كيف يتعظون، والمعنى أن الله أبعد عنهم الاتعاظ والتذكير بعد توليهم عن محمد وتكذيبهم إياه (٥). وهو قوله: ﴿وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ﴾ بين الرسالة لم يكن عندهم بكذاب.\n_________\n(١) أخرج ذلك عبد الرزاق عن علي. انظر: تفسيره ٢/ ٢٠٦، وأورده السيوطي في الدر عن علي، وزاد نسبته لعبد بن حميد وابن أبي حاتم. انظر: \"الدر المنثور\" ٧/ ٤٠٧.\n(٢) ذكر ذلك القرطبي في \"الجامع\" ١٦/ ١٣١.\n(٣) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ٤٠.\n(٤) انظر: \"تنوير المقباس\" ٤٩٦.\n(٥) ذكر ذلك القرطبي عن ابن عباس. انظر \"الجامع\" ١٦/ ١٣٢.","vol":"20","page":100},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3936>١٤ </span>- ﴿ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ﴾ الكلام كله في موضع الحال على تقدير: كيف يتذكرون متوليين عن رسول مبين قد جاءهم. ﴿وَقَالُوا مُعَلَّمٌ﴾ أي: هو معلم يعلمه بشر.\n<span data-type=\"title\" id=toc-3937>١٥ </span>- قال الله تعالى: ﴿إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ﴾ التقدير: [كاشفو] (١) العذاب لأنه إخبار عما لم يمض، ولكنه خفف بحذف النون كقوله: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥] وقد مر. قال المفسرون: يعني عذاب الجوع. ﴿قَلِيلًا﴾. قال مقاتل: يعني: يوم بدر. ﴿إِنَّكُمْ عَائِدُونَ﴾ أي: في كفركم وتكذيبكم (٢)، أعلمهم الله أنهم لا يتعظون، وإذا زال عنهم المكروه عادوا في طغيانهم، وهذه الآيات تدل على صحة القول الأول في الدخان (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-3938>١٦ </span>- قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ﴾ تفسير البطش قد تقدم [الأعراف: ١٩٥]، قال صاحب النظم: التأويل (إِنَّا مُنتَقِمُونَ) (يَوْمَ نَبْطِشُ)، فقوله: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ﴾ ظرف لقوله: ﴿إِنَّا مُنْتَقِمُونَ﴾ قال أبو إسحاق: ﴿يَوْمَ﴾ لا يجوز أن يكون منصوبًا بقوله: ﴿مُنْتَقِمُونَ﴾ لأن ما بعد ﴿إِنَّا﴾ لا يجوز أن يعمل فيما قبلها، ولكنه منصوب بتقدير: واذكر يوم نبطش البطشة الكبرى (٤)، واختلفوا في ذلك اليوم، فالأكثرون على أنه\n_________\n(١) كذا في الأصل وهو تصحيف والصحيح (كاشفون). قال النحاس: (﴿كَاشِفُو الْعَذَابِ﴾ الأصل كاشفون حذفت النون تخفيفًا. انظر: \"إعراب القرآن\" للنحاس ٤/ ١٢٧.\n(٢) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٣/ ٨١٩.\n(٣) وهو الذي رجحه الطبري في تفسيره ١٣/ ١١٤، وهو ما أصاب قريش من الجهد بدعاء رسول الله -ﷺ- عليهم.\n(٤) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٤٢٥.","vol":"20","page":101},{"text":"يوم بدر، وهو قول ابن مسعود وابن عباس في رواية عطاء والكلبي ومجاهد ومقاتل وابن سيرين وأبي العالية، قالوا: إن كفار مكة لما كشف عنهم الجوع عادوا إلى التكذيب فانتقم الله منهم يوم بدر (١)، وأنا أقول هو يوم القيامة (٢).\nوقال أهل المعاني: معنى البطش الأخذ بيده (٣)، وأكثر ما يكون بوقع الضرب المتتابع، وأجري إيقاع الألم المتتابع مجراه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3939>١٧ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾ قال ابن عباس: ابتلينا (٤)، وقال أبو إسحاق: بلونا (٥)، والمعنى: عاملناهم معاملة المختبر ببعث الرسول إليهم، ودعاهم إلى الحق.\nقوله: ﴿وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ﴾ قال ابن عباس وقتادة: يريد موسى (٦)، واختلفوا في معنى الكريم هاهنا، فقال الكلبي: كريم على ربه (٧) يعني: بما\n_________\n(١) أخرج ذلك الطبري عنهم. انظر: \"تفسيره\" ١٣/ ١١٦، ١١٧، و\"تفسير مقاتل\" ٣/ ١٩، و\"تفسير مجاهد\" ص ٥٩٧، و\"تفسير الوسيط\" ٤/ ٨٧.\n(٢) أخرج ذلك الطبري عن ابن عباس والحسن انظر: تفسيره ١٣/ ١١٧، و\"زاد المسير\" ٧/ ٣٤٢، ومعانى القرآن للنحاس ٦/ ٤٠٠، و\"تفسير الوسيط\" ونسبه لابن عباس والحسن. انظر: ٤/ ٨٧\n(٣) البطش: تناول الشيء بصولة. انظر: \"مفردات الراغب\" كتاب الياء ص ٥٠.\n(٤) لم أقف عليه.\n(٥) لم أجده في \"معاني القرآن\" للزجاج وقد ذكره البغوي في تفسيره ٧/ ٢٣٠، والسيوطي في \"الدر المنثور\" ونسبه لابن عباس ٧/ ٤٠٩، وذكره الشوكاني في تفسيره ونسبه للزجاج، انظر: \"فتح القدير\" ٤/ ٥٧٤.\n(٦) أخرج ذلك الطبري عن قتادة. انظر: تفسيره ١٣/ ١١٨، وذكره الماوردي ولم ينسبه ٥/ ٢٤٩.\n(٧) انظر: \"تنوير المقباس\" ص ٤٩٦.","vol":"20","page":102},{"text":"استحق من الإكرام والإجلال بطاعة ربه.\nوقال مقاتل: حسن الخلق (١).\nوقال الفراء: يقال: كريم من قومه؛ لأنه قل ما بعث نبي إلا من سر (٢) قومه (٣).\nوقال صاحب النظم: معنى هذه الآية على التقديم والتأخير والتقدير، ولقد جاء قوم فرعون رسول كريم وفتناهم؛ لأن الفتنة كانت بعد مجيء الرسول.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3940>١٨ </span>- قوله تعالى: ﴿أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ﴾ قال صاحب النظم: المعنى يقول لهم: أدوا إليَّ، أي: يأمرهم به.\nوقال غيره: المعنى وجاءهم رسول بأن أدوا (٤)، فحذف الجار، ويستقيم الكلام من غير تقدير الجار؛ لأنك تقول: أرسلت إليه أن يفعل كذا، وهذا من قول موسى لفرعون وذويه، يقول: ادفع إليَّ بني إسرائيل ولا تعذبهم أي: أطلقهم من عذابك كما قال: ﴿فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الأعراف: ١٠٥]. وهذا قول ابن عباس والمفسرين (٥).\n_________\n(١) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٣/ ٨٢٥.\n(٢) كذا في الأصل، وفي بعض نسخ معاني الفراء [سرا] والمثبت في معاني الفراء [في شرف قومه] وقال الأزهري في تهذيب اللغة: [سرى] قال ابن السكيت وغيره: يقال: سَرُؤ الرجلُ يَسْرُؤ وسرا يَسرؤ وسَرِى يَسْرَى: إذا شرُف، انظر: ١٣/ ٥٢.\n(٣) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ٤٠.\n(٤) انظر: مشكل \"إعراب القرآن\" لمكي ٢/ ٢٨٩.\n(٥) انظر: \"تفسير الطبري\" ١٣/ ١١٨، و\"تفسير الماوردي\" ٥/ ٢٤٩، و\"تفسير البغوي\" ٧/ ٢٣٠.","vol":"20","page":103},{"text":"قال مقاتل: يقول خل سبيلهم فإنهم أحرار فلا تستعبدهم (١).\nوذكر الفراء والزجاج وجهًا آخر وهو: أن يكون ﴿أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ﴾ نصبًا على النداء، ويكون المعنى: أن أدوا إلى ما أمركم الله به يا عباد الله (٢)\nوذكر الأزهري وجهًا آخر وهو: أن يكون: ﴿أَدُّوا إِلَيَّ﴾ بمعنى استمعوا إلى، كأنه يقول: أدوا إلى سمعكم أبلغكم رسالة ربكم (٣).\nقوله تعالى: ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ قال ابن عباس: ائتمنني الله على وحيه (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3941>١٩ </span>- ﴿وَأَنْ لَا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ﴾ قال: لا تتجبروا على الله.\nوقال قتادة: لا تعتدوا على الله، وقال مقاتل: يريد وحِّدوه (٥).\n﴿إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ بحجة بينة يخضع لها كل جبار، وقال الحسن: لا تستكبروا على الله بترك طاعته، وعن ابن عباس: لا تطغوا بافتراء الكذب على الله (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3942>٢٠ </span>- قال المفسرون: فلما قال لهم هذا، توعدوه بالقتل (٧)، فقال:\n_________\n(١) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٣/ ٨٢٠.\n(٢) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ٤٠، و\"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٤٢٥.\n(٣) انظر: \"تهذيب اللغة\" للأزهري (أدى) ١٤/ ٢٣٠.\n(٤) لم أقف عليه منسوبًا لابن عباس. وانظر: \"تفسير البغوي\" ٧/ ٢٣٠، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٦/ ١٣٤.\n(٥) أخرج الطبري عن قتادة بلفظ: (لا تبغوا على الله). انظر: تفسيره ١٣/ ١١٩، و\"تفسير مقاتل\" ٣/ ٨٢٠.\n(٦) انظر: \"تفسير الطبري\" ١٣/ ١١٩، و\"تفسير الماوردي\" ٥/ ٢٤٩.\n(٧) انظر: \"تفسير الثعلبي\" ١٠/ ٩٥ ب، و\"تفسير الماوردي\" ٧/ ٢٣١، و\"تفسير البغوي\" ٢٣١، و\"تفسير الوسيط\" ٤/ ٨٨.","vol":"20","page":104},{"text":"﴿وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ﴾ قالوا: أن تقتلون، قال أبو صالح: ترجمون [بالقتل] (١) وتقولوا ساحر كذاب (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3943>٢١ </span>- ﴿وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي﴾ أي: لم تصدقوني ولم تؤمنوا بالله لأجل برهاني، ولما آتيتكم به من الحجة، فاللام في (لي) لام الأجل (٣).\n﴿فَاعْتَزِلُونِ﴾ قال الكلبي: فاتركوني لا معي ولا علي (٤)، وقال قتادة: خلوا سبيلي (٥)، قال ابن عباس: فا عتزلوا أذاي (٦). وعلى هذا حذف المضاف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3944>٢٢ </span>- قوله تعالى: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ﴾ قال صاحب النظم: الفاء في: ﴿فَدَعَا﴾ دليل على أنه متصل بخبر قبله لم يذكر، على تأويل أنهم كفروا ولم يؤمنوا، فدعا موسى ربه بأن هؤلاء قوم مجرمون، قال الكلبي ومقاتل: مشركون لا يؤمنون.\n<span data-type=\"title\" id=toc-3945>٢٣ </span>- فأجاب الله دعاءه وأمره أن يسري (٧) وهو قوله: ﴿فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلًا﴾ قال مقاتل: فاستجاب الله له فأوحى إليه أن أسر بعبادي (٨) يعني من آمن به من بني إسرائيل. ﴿إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ﴾ يتبعكم فرعون وقومه، أعلمه الله\n_________\n(١) كذا في الأصل، وهو تصحيف والصحيح (بالقول).\n(٢) أخرج ذلك الطبري عن أبي صالح. انظر: \"تفسيره\" ١٣/ ١١٩، وذكره الماوردي في \"تفسيره\" ٥/ ٢٥٠.\n(٣) كذا ذكر القرطبي في \"الجامع\" ١٦/ ١٣٥.\n(٤) انظر: \"تنوير المقباس\" ص ٤٩٧.\n(٥) أخرج ذلك الطبري عن قتادة ١٣/ ١٢٠.\n(٦) انظر: \"تفسير البغوي\" ٧/ ٢٣١، فقد نسبه لابن عباس، وكذلك في \"الوسيط\" نسبه لابن عباس. انظر: ٤/ ٨٨.\n(٧) انظر: \"تنوير المقباس\" ص ٤٩٧، و\"تفسير مقاتل\" ٣/ ٨٢١.\n(٨) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٣/ ٨٢١.","vol":"20","page":105},{"text":"تعالى أنهم سيتبعونهم، والمعنى في ذلك أن الله تعالى إنما أمرهم بالسُّرَى ليلًا ليكون سببًا لاتباع فرعون وقومه إياهم، فيكون ذلك الاتباع سببًا للغرق. قاله صاحب النظم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3946>٢٤ </span>- قوله تعالى: ﴿وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا﴾ وقال أبو عبيدة: أي ساكنًا وأنشد قول بشر بن أبي خازم:\nفإن أَهْلِكْ عُمَيْرُ فَرُبَّ زَحْفٍ ... يُشبهُ نَقْعُهُ رَهْوًا ضَبَابًا (١)\nأي: يشبه نقعه ساكنًا بالضباب، ونحو هذا قال الفراء (٢) والمبرد (٣) وابن قتيبة (٤).\nقال الليث: الرَّهْو مشي في سكون (٥). يقال رَهَا يَرْهُو رهوًا فهو رَاهٍ، ومن هذا يقال: عيش راهٍ إذا كان حافظًا وادعًا، وأفعلُ ذلك سهوًا رهوًا، أي ساكنًا بغير تشدد، أبو عبيد عن الأصمعي، يقال لكل ساكن لا يتحرك ساجٍ ورَاه، والإرْها الإسكان، ومعنى الآية على هذا القول قال الليث: بلغنا أن موسى لما دخل البحر عَجلَ وأَعْجَل أصحابه، فأوحى الله إليه: واترك البحر رهوًا، أي: ساكنًا على [هِينَتِكَ (٦)، والرهو من نعت موسى] (٧)\n_________\n(١) انظر: \"مجاز القرآن\" لأبي عبيد ٢/ ٢٠٨، و\"اللسان\" (رها) ١٤/ ٣٤١.\n(٢) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ٤١.\n(٣) انظر: قول المبرد في \"إعراب القرآن\" للنحاس ٤/ ١٢٩.\n(٤) انظر: \"تفسير غريب القرآن\" لابن قتيبة ص ٤٠٢.\n(٥) انظر: \"كتاب العين\" (رهو) ٤/ ٨٣.\n(٦) انظر: \"تهذيب اللغة\" (رها) ٦/ ٤٠٣، ٤٠٤ (رها) ٦/ ٣٧٠، و\"اللسان\" (رها) ١٤/ ٣٦٠ فقد ورد فيهما بنصه.\n(٧) كذا في الأصل، وفي \"كتاب العين\" (والرهو من نعت سير موسى) وأهل التفسير يقولون في قوله تعالى: ﴿وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا﴾: أي: ساكنًا على هِينةٍ.","vol":"20","page":106},{"text":"وقومه، وليس من نعت البحر، إنما هو كما تقول للرجل: رفقًا، هذا كلامه، وليس بالسائغ في معنى الآية لأنه لم يقل أحد من المفسرين ولا من أهل المعاني أن الرهو من نعت موسى، وأيضًا فإن (اترك البحر) لا يدل على معنى اعبره وجاوزه واقطعه، ومعنى الآية ما ذكره مجاهد وقتادة ومقاتل (١). وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله: ﴿رَهْوًا﴾ قال: ساكنًا هو أي كهيئته بعد أن ضربه، يقول: لا تأمره يرجع، اتركه حتى يدخله آخرهم (٢).\nوقال قتادة: لما قطع موسى البحر عطف ليضرب البحر بعصاه ليلتئم وخاف أن يتبع فرعون وجنوده فقيل له: (واترك البحر رهوًا) يقول: كما هو طريقًا يابسًا (٣). وقال مقاتل: لما قطعوا البحر قالوا لموسى: اجعل لنا البحر كما كان، فإنا نخشى أن يقطعه فرعون في آثارنا، فأراد موسى أن يفعل ذلك، فقال الله تعالى: ﴿وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا﴾ قال: يعني: صفوفًا (٤)، فعلى قول مجاهد معناه: اتركه ذا وهو أي: ساكنًا كما هو، وعلى قول قتادة ومقاتل: الرهو بمعنى السكون، إنما الرهو الفرجة بين الشيئين.\nقال الأصمعي: [مَرَّ فالج (٥) بأعرابي] (٦) فقال: سبحان الله رهو بين\n_________\n(١) وهو أنهم قالوا يبسًا، أخرج ذلك الطبري عن مجاهد وقتادة ١٣/ ١٢٢، وانظر: \"تفسير مقاتل\" ٣/ ٨٢١.\n(٢) انظر: \"تفسير مجاهد\" ص ٥٩٨، و\"تفسير الوسيط\" عن مجاهد ٤/ ٨٨.\n(٣) أخرج ذلك الطبري عن قتادة ١٣/ ١٢١.\n(٤) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٣/ ٨٢١ بلفظ: (يعني صفوفًا ويقال ساكنًا) ولم أتوصل إلى معنى صفوفًا.\n(٥) الفلج: الفحج في الساقين، والفلج في الثنيتين. \"تهذيب اللغة\" (فلج) ١١/ ٨٧.\n(٦) كذا لفظها في الأصل وهو تصحيف، والصحيح (ومر بأعرابي فالج). انظر: \"تهذيب اللغة\" (رها) ٦/ ٤٠٥، وفي اللسان: نظر أعرابي إلى بعير فالج.","vol":"20","page":107},{"text":"سنامين أي: فجوة. فقال: رهى ما بين رجليه أي: فتح (١)، ونحو هذا قال مجاهد فيما روى عنه إسحاق بن عبد الله بن الحارث (٢) قالا: (رهوًا) طريقًا (٣)، يعنون الطريق بين الماء، ونحو هذا قال في رواية الوالبي: سمتًا (٤)، وهو بمعنى: الطريق.\nوعبارات المفسرين في تفسير الرهو مختلفة، وذكرنا ما وافق اللغة، قال الربيع: سهلًا (٥)، وقال الضحاك: دمثًا (٦)، وقال عكرمة: يبسًا (٧)، وكل هذا من نعت الطريق الذي أظهره الله في البحر، وكأن ذلك الطريق يجمع هذه الأوصاف، وقال أبو سعيد: الرهو ما اطمأن وارتفع ما حوله (٨).\nوقوله: ﴿وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا﴾ يريد دعه كما فلقته لك؛ لأن الطريق في البحر كان رهوًا بين ملقى البحر، وهذا القول أيضًا من نعت الطريق غير أنه\n_________\n(١) انظر: \"تهذيب اللغة\" (رها) ٦/ ٤٠٥.\n(٢) هو إسحاق بن عبد الله بن الحارث بن كنانة العامري مولاهم، ويقال: الثقفي، وقد ينسب إلى جده، أرسل عن النبي -ﷺ-، وروى عن أبي هريرة وابن عباس مرسلًا، وذكره ابن حبان في الثقات في التابعين، وأخرج له ابن خزيمة في صحيحه. انظر: \"تهذيب التهذيب\" ١/ ٢٣٨.\n(٣) انظر: \"تفسير الماوردي\" ٥/ ٢٥٠، و\"الدر المنثور\" ٧/ ٤١٠.\n(٤) أخرج ذلك الطبري من رواية علي بن أبي طلحة ١٣/ ١٢١، ونسبه الماوردي لابن عباس ٥/ ٢٥٠.\n(٥) أخرج ذلك الطبري عن الربيع ١٣/ ١٢١، وذكره الماوردي ٥٨/ ٢٥٠، ونسبه القرطبي للربيع. انظر: \"الجامع\" ١٦/ ١٣٧.\n(٦) أخرج ذلك الطبري عن الضحاك ١٣/ ١٢٢.\n(٧) أخرج ذلك الطبري عن عكرمة ١٣/ ١٢٢، ونسبه القرطبي لعكرمة. انظر: \"الجامع\" ١٦/ ١٣٧.\n(٨) انظر: \"تهذيب اللغة\" (رها) ٦/ ٤٠٦.","vol":"20","page":108},{"text":"يقول: الرهو اسم لطريق مطمئن بين ربوتين وشبه الطريق بين فلقي الماء به.\nقوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ﴾ أخبر الله تعالى موسى أنه يغرقهم ليطمئن قلبه في ترك البحر كما جاوزه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3947>٢٥ </span>- قوله: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ﴾ قال صاحب النظم: كم هاهنا دلالة على الكثرة، ودلت الآية على أنه أغرقهم وأخرجهم من هذه الجنات وما اتصل بها، وهذه الآية وما بعدها مفسرة في سورة الشعراء [آية: ٥٧].\n<span data-type=\"title\" id=toc-3948>٢٦ </span>- قوله تعالى: ﴿وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾ قال مجاهد وسعيد بن جبير: يعني به المنابر هاهنا (١)، وقال عطاء: هي منابر كانت بمصر يعظم فرعون عليها (٢)، وقال آخرون: هي المجالس الحسنات من مجالس الملوك (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-3949>٢٧ </span>- ﴿وَنَعْمَةٍ﴾ قال علماء اللغة: نعمة العيش بفتح النون: حسنه وغَضَارته ونعمة الله مَنُّهُ وعطاؤه (٤)، وقال المفسرون: وعيش لين رغد كانوا متنعمين (٥)، وتفسير الفاكهة قد تقدم في سورة يس [آية: ٥٥].\n<span data-type=\"title\" id=toc-3950>٢٨ </span>- ﴿كَذَلِكَ﴾ قال أبو إسحاق: موضع ﴿كَذَلِكَ﴾ رفع على خبر الابتداء المضمر، المعنى: الأمر كذلك (٦).\nقال الكلبي: كذلك أفعل بمن عصاني (٧).\n_________\n(١) أخرج ذلك الطبري عنهما ١٣/ ١٢٣، وذكره الثعلبي في \"تفسيره\"، ونسبه لمجاهد وسعيد بن جبير ١٠/ ٩٦ أ.\n(٢) لم أقف عليه.\n(٣) انظر: \"تفسير الطبري\" ١٣/ ١٢٣، و\"تفسير الماوردي\" ٥/ ٢٥١.\n(٤) انظر: \"تهذيب اللغة\" (نعم) ٣/ ١٠، و\"اللسان\" (نعم) ١٢/ ٥٨٢.\n(٥) انظر: \"تفسير الطبري\" ١٣/ ١٢٣، و\"الثعلبي\" ١٠/ ٩٦ أ، و\"الماوردي\" ٥/ ٢٥٢.\n(٦) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٤٢٦.\n(٧) انظر: \"تفسير البغوي\" ٧/ ٢٣٢، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٦/ ١٣٩.","vol":"20","page":109},{"text":"قال مقاتل: هكذا فعلنا بهم (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3951>٢٩ </span>- قوله تعالى: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ﴾ روى أنس بن مالك أن النبي -ﷺ- قال: \"ما من عبد إلا له في السماء بابان باب يخرج منه ويرزق، وباب يدخل فيه عمله فإذا مات فقداه وبكيا عليه\" (٢) وتلا هذه الآية، قال: وذلك أنهم لم يكونوا يعملون على الأرض عملًا صالحًا يبكي عليهم ولم يصعد لهم إلى السماء كلام طيب ولا عمل صالح فيبكي عليهم، وهذا قول جميع المفسرين ابن عباس وسعيد بن جبير ومقاتل وقتادة، قالوا: لم تبك عليهم مصاعد أعمالهم على السماء، ولا مواضع سجودهم (٣) من الأرض.\nوقال مجاهد: ما مات مؤمن إلا بكت عليه السماء والأرض أربعين صباحًا (٤)، فقلت له: أتبكي؟ فقال: أو تعجب!! وما للأرض لا تبكي\n_________\n(١) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٣/ ٨٢٢.\n(٢) أخرج ذلك الترمذي في سننه كتاب التفسير باب (٤٦) ومن سورة الدخان، وقال أبو عيسى: هذا حديث غريب لا نعرفه مرفوعًا إلا من هذا الوجه، وموسى بن عبيدة ويزيد بن إبان الرقاشي يضعفان في الحديث ٥/ ٣٨٠، وأخرجه الثعلبي في تفسيره عن أنس ١٠/ ٩٦ ب، وأخرجه أبو نعيم في \"الحلية\" ٨/ ٣٢٧، والخطيب في \"تاريخ بغداد\" ١١/ ٢١٢، وأخرجه أبو يعلى في مسنده عن أنس. انظر: ٧/ ١٦٠، وأشار محقق المسند إلى ضعفه، وذكره أيضًا ابن حجر في \"المطالب العالية\" ٣/ ٣٦٩. وعزاه إلى أبي يعلى وقال إسناده: ضعيف، انظر: \"المطالب العالية\" ٣/ ٣٦٩.\n(٣) أخرج ذلك الطبري عنهم، انظر: تفسيره ١٣/ ١٢٥، و\"تفسير مقاتل\" ٣/ ٨٢٢، وكذا رسمها في الأصل ولعل المراد (إلى السماء).\n(٤) أخرج ذلك الطبري عن مجاهد، انظر: تفسيره ١٣/ ١٢٥، ونسبه ابن كثير لمجاهد، انظر: \"تفسيره\" ٦/ ٢٥٤، ونسبه في \"الوسيط\" لمجاهد، انظر: ٤/ ٩٠.","vol":"20","page":110},{"text":"على عبد كان يعمرها بالركع والسجود، وما للسماء لا تبكي على عبد كان لتسبيحه فيها دوي كدوي النحل (١)، وهذا قول ثان لأنه لم يخص موضعًا منهما بالبكاء كما خص الأولون.\nوذكر أهل المعاني في هذا قولين آخرين أحدهما: أن التقدير: أهل السماء والأرض، فحذف المضاف والمعنى: ما بكت عليهم الملائكة ولا المؤمنون، بل كانوا بهلاكهم مسرورين، والثاني: أن العرب تقول في هذا كالرجل العظيم الشأن، أظلمت له الشمس، وكسف القمر لفقده، وبكته الريح والبرق والسماء والأرض، يريدون المبالغة في وصف المصيبة وأنها قد شملت وعمت، وليس ذلك بكذب لأنهم جميعًا متواطئون عليه، والسامع له يعرف مذهب القائل فيه ونيتهم في قولهم: أظلمت الشمس، كادت تظلم، وكذلك في سائر الألفاظ التي يقصدون بها التعظيم والاستقصاء في الصفة. ومعنى الآية: أن الله تعالى حين أهلك فرعون وقومه وأورث منازلهم وجناتهم غيرهم لم يبك عليهم باك ولم يجزع جازع ولم يوجد لهم فَقْد، ولو كانت السماء والأرض ممن تبكي لم تبك على هؤلاء لاستحقاقهم العقوبة والهلاك، والقولان: ذكرهما ابن قتيبة (٢) وغيره.\n_________\n(١) ذكر ذلك ابن كثير في تفسيره ٦/ ٢٥٤، والسيوطي في \"الدر المنثور\"، وعزاه لعبد ابن حميد وأبو الشيخ، انظر: \"الدر\" ٧/ ٤١٢.\n(٢) انظر: \"تأويل مشكل القرآن\" لابن قتيبة ص ١٢٦، و\"معاني القرآن\" للزجاج ٦/ ٤٠٥، و\"تفسير الماوردي\" ٥/ ٢٥٢، و\"زاد المسير\" ٧/ ٣٤٥، و\"الزاهر\" لابن الأنباري ١/ ٢٨٤.","vol":"20","page":111},{"text":"قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ﴾ لم يُنْظَروا حين أخْذِهم لتوبة ولا لغيرها قاله: ابن عباس وغيره (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3952>٣٠ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾ يعني قتل الأبناء واستخدام النساء والتعب في العمل.\n<span data-type=\"title\" id=toc-3953>٣١ </span>- ﴿مِنْ فِرْعَوْنَ﴾ هذا مُكَررَةٌ على قوله: ﴿مِنَ الْعَذَابِ﴾ أي: نجيناهم من العذاب ونجيناهم من فرعون (٢) ويجوز أن يكون ﴿مِنْ فِرْعَوْنَ﴾ من صلة العذاب (٣) والمعنى: من العذاب الذي كان يلحقهم من جهة فرعون.\nقوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِنَ الْمُسْرِفِينَ﴾ قال عطاء عن ابن عباس: كان عاليًا على عباد الله من المشركين والمعنى: كان جبارًا عاصيًا من المشركين ونحو هذا رواه الكلبي عنه (٤) والعالي: إذا أطلق كان صفة مدح، وهاهنا مقيد بأنه عال في الإسراف، والعالي في الإحسان صفة مدح، والعالي الإساءة صفة ذم (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3954>٣٢ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ يعني: بني إسرائيل على علم علمه الله فيهم (عَلَى الْعَالَمِينَ) على عالمي زمانهم، قاله ابن عباس والكلبي ومقاتل (٦) وقتادة والجميع، قال مجاهد: فضلناهم على\n_________\n(١) ذكر ذلك البغوي في تفسيره ٧/ ٢٣٢ ولم ينسبه، وذكره في \"الوسيط\" ولم ينسبه، انظر: ٤/ ٩٠.\n(٢) انظر: \"تفسير الطبري\" ١٣/ ١٢٦، و\"الثعلبي\" ١٠/ ٩٦ ب، و\"البغوي\" ٧/ ٢٣٢.\n(٣) انظر: \"إعراب القرآن\" للنحاس ٤/ ١٣١.\n(٤) انظر: \"تفسير الطبري\" ١٣/ ١٢٦، و\"تنوير المقباس\" ص ٤٩٧.\n(٥) انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٦/ ١٤٢.\n(٦) انظر: قول مقاتل في تفسيره ٣/ ٨٢٢، وانظر: \"تنوير المقباس\" ص ٤٩٧، =","vol":"20","page":112},{"text":"من هم بين ظهرانيه (١).\nقال أهل المعاني: ويدل على هذا التخصيص قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ الآية [آل عمران: ١١٠] هذا مقتضى أنه ما اختارهم على من هو خير منهم، وإنما أختارهم على من في وقتهم من العالمين (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3955>٣٣ </span>- قوله: ﴿وَآتَيْنَاهُمْ مِنَ الْآيَاتِ مَا فِيهِ بَلَاءٌ مُبِينٌ﴾ أكثر المفسرين على أن البلاء المبين معناه النعمة البينة الظاهرة، وعنى بالآيات فلق البحر وتظليل الغمام وإنزال المن والسلوى والتوراة، وغير ذلك من النعم التي أنعمها الله عليهم، وهذا قول مجاهد ومقاتل والكلبي (٣) وغيرهم، [وهذا ذهب] (٤) آخرون إلى أن معنى البلاء هاهنا الاختبار والتجربة (٥) فذكر ابن عباس (٦) في رواية عطاء في هذه الآية أنه أراد بالبلاء المبين: السلسلة التي كانت في زمان داود وقصتها مشهورة. قال: ويريد الساريتين اللتين من دنا\n_________\n= و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٦/ ١٤٢.\n(١) أخرج الطبري قولي قتادة ومجاهد في \"تفسيره\" ١٣/ ١٢٧، وذكره ابن كثير في \"تفسيره\" ٦/ ٢٥٥.\n(٢) هذا قول ابن جرير الطبري، انظر: \"تفسيره\" ١٣/ ١٢٧، وابن كثير في \"تفسيره\" ٦/ ٢٥٥ والزجاج في \"معاني القرآن\" ٤/ ٤٢٧، والنحاس في \"إعراب القرآن\" ٤/ ١٣٢.\n(٣) انظر: \"تفسير الطبري\" ١٣/ ١٢٧، و\"تفسير مقاتل\" ٣/ ٨٢٣، و\"تفسير الماوردي\" ٥/ ٢٥٤ و\"تفسير البغوي\" ٧/ ٢٣٣.\n(٤) كذا في الأصل ولعل الصواب (هذا وذهب).\n(٥) انظر: \"الكشاف\" للزمخشري ٣/ ٤٣٣، و\"فتح القدير\" للشوكاني ٤/ ٥٧٦، و\"روح المعاني\" للألوسي ٢٥/ ١٢٦.\n(٦) لم أقف عليه.","vol":"20","page":113},{"text":"يدخل بينهما فإن اعترف أخرج فرجم، وإن لم يعترف [النصاعليه فتعلناه] (١) ويعمل الرجل الذنب فيصبح يجده مكتوبًا على بابهن وأمور كثيرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3956>٣٤، ٣٥ </span>- ثم رجع إلى ذكر كفار مكة فقال: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ﴾ يعني: كفار مكة ﴿لَيَقُولُونَ (٣٤) إِنْ هِيَ﴾ إضمار على شريطة التفسير، وقد تقدمت نظائره (٢) ﴿إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولَى﴾ أي: ما الموتة إلا موتة نموتها في الدنيا ثم لا نبعث، وهو قوله: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ﴾ أي: بمبعوثين.\n<span data-type=\"title\" id=toc-3957>٣٦ </span>- ﴿فَأْتُوا بِآبَائِنَا﴾ الذين ماتوا (٣) أي: ابعثوهم لنا ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ أنا نُبْعث بعد الموت، قال الفراء: يخاطبون النبي -ﷺ- وحده وهو كقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [الطلاق: ١] ومنه قوله: ﴿قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ (٤) [المؤمنون: ٩٩].\n<span data-type=\"title\" id=toc-3958>٣٧ </span>- ثم خوفهم الله مثل عذاب الأمم الخالية، فقال: ﴿أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ﴾ وهذا استفهام إنكار أي: ليسوا خيرًا منهم، بمعنى أقوى وأعتى وأشد منهم، قال ابن عباس: (أهم خير) يريد أشد (٥)، قال أبو عبيدة:\n_________\n(١) كذا رسمها في الأصل، ولعل المعنى: (التصقتا عليه فقتلتاه).\n(٢) كقوله تعالى: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ﴾ [الأعراف: ١٥٥]، وقوله: ﴿وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا﴾ [الأنعام: ٢٩].\n(٣) انظر: \"تفسير البغوي\" ٧/ ٢٣٣، و\"زاد المسير\" ٧/ ٣٤٧، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٦/ ١٤٤.\n(٤) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ٤٢.\n(٥) انظر: \"تفسير الماوردي\" ولم ينسبه ٥/ ٢٥٥، وذكره الزمخشري ونسبه لابن عباس، انظر: \"الكشاف\" ٣/ ٤٣٤.","vol":"20","page":114},{"text":"ملوك اليمن كان كل واحد منهم يسمى تبعًا، لأنه يتبع صاحبه، والظل يسمى تبعًا؛ لأنه يتبع الشمس، وموضع تبع في الجاهلية موضع الخليفة في الإسلام، وهم ملوك العرب الأعاظم (١) وأنشد فقال:\nأو لا يقولُ اللهُ في آياتِه ... والله يوحي ما يشاء وينزل\nأنتم كتُبَّع أو كسَائِرِ قَوْمِهِ ... بل قومُ تبَّعٍ في الفضائل أفْضَلُ (٢)\nوأنشد قول متمم:\nوعِشْنَا بخيرٍ في الحَيَاةِ وقَبْلَنَا ... أَصَابَ المَنَايَا رَهْط كِسْرًا وتُبَّعا\nوقالت عائشة ﵂: \"كان تبع رجلًا صالحًا\" (٣).\nوقال كعب: ذَمَّ الله قومه ولم يذمَّه (٤)، قال وهب: نهى رسول الله -ﷺ- عن سب أسعد وهو تبع، وكان على دين إبراهيم (٥).\nوقال الكلبي: وهو أبو كرب أسعد بن ملكيكرب (٦)، وتبع اسم الملك منهم كفرعون وكـ هامان.\n_________\n(١) انظر: \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ٢/ ٢٠٩.\n(٢) لم أقف على قائل هذين البيتين.\n(٣) أخرجه الحاكم عن عائشة، وقال: حديث على شرط الشيخين ولم يخرجاه ووافقه الذهبي، انظر: المستدرك كتاب التفسير ٢/ ٤٥٠، وأخرجه الطبري عن عائشة ١٣/ ١٢٨، ونسبه البغوي لعائشة، انظر: \"تفسيره\" ٧/ ٢٣٤، ونسبه في \"الوسيط\" لعائشة، انظر: \"تفسير الوسيط\" ٤/ ٩١.\n(٤) انظر: \"تفسير الطبري\" ١٣/ ١٢٩، و\"تفسير البغوي\" ٧/ ٢٣٤، و\"زاد المسير\" ٧/ ٣٤٨، و\"الجامع لأحكام القرآن\" عن كعب ١٦/ ١٤٦.\n(٥) ذكر ذلك السيوطي في \"الدر المنثور\" ٧/ ٤١٥، وعزاه لابن المنذر وابن عساكر.\n(٦) انظر: \"تفسير البغوي\" ٧/ ٢٣٣، و\"تنوير المقباس\" ص ٤٩٧، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٦/ ١٤٦.","vol":"20","page":115},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3959>٣٨ </span>- قوله تعالى: ﴿لَاعِبِينَ﴾ قال مقاتل: لم يخلقهما عابثين لغير شيء (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-3960>٣٩ </span>- قوله: ﴿مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ قال الكلبي والفراء: أي: للحق (٢).\nوقال أبو إسحاق: أي: لإقامة الحق (٣).\nقال ابن عباس: يريد: للثواب والعقاب (٤) ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ قال: يريد المشركين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3961>٤٠ </span>- ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ﴾ قال ابن عباس: يريد: يوم يفصل الرحمن بين العباد وهو يوم القضاء (٥)، ﴿مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ يريد: البر والفاجر، قال مقاتل: ميعادهم أجمعين، يوافي يوم القيامة الأولون والآخرون.\n<span data-type=\"title\" id=toc-3962>٤١ </span>- ثم نعت ذلك اليوم فقال (٦): ﴿يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾، قال ابن عباس: يريد قريبًا من قريب (٧)، ﴿وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾\n_________\n(١) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٣/ ٨٢٤.\n(٢) انظر: \"تنوير المقباس\" ص ٤٩٧، و\"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ٤٢.\n(٣) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٤٢٧.\n(٤) ذكر هذا المعنى البغوي في تفسيره ولم ينسبه. انظر: ٧/ ٢٣٥.\n(٥) ذكر البغوي في تفسيره هذا المعنى ولم ينسبه. انظر: ٤/ ٢٣٥، وكذلك ورد من غير نسبة في \"تفسير الوسيط\" ٤/ ٩١.\n(٦) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٣/ ٨٢٤.\n(٧) ذكر ذلك البغوي ولم ينسبه. انظر: \"تفسيره\" ٧/ ٢٣٥، ونسبه ابن الجوزي لمقاتل، انظر: /٣٤٨، وذكره السمرقندي في \"تفسيره\" ولم ينسبه. انظر: ٣/ ٢٢٠، والقرطبي ولم ينسبه ١٦/ ١٤٨.","vol":"20","page":116},{"text":"لا ينصر المؤمن الكافر لقرابته، ولا يغني عنهم شيئًا، والمراد بقوله: ﴿مَوْلًى عَنْ مَوْلًى﴾ الكفار، ألا ترى أنه ذكر المؤمن فإنه يشفع له، وقال الكلبي: استثنى الله المؤمنين، فإنه يشفع بعضهم في بعض (١)، وعلى هذا موضع ﴿مَنْ﴾ نصب لأنه استثناء منقطع عن أول الكلام، يريد اللهم إلا ﴿مَنْ رَحِمَ﴾ ويجوز أن يكون قوله: ﴿مَوْلًى عَنْ مَوْلًى﴾ على العموم، ثم استثنى المؤمنين فقال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3963>٤٢ </span>- ﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ﴾ فيكون: ﴿مَنْ﴾ في موضع رفع كما تقول: لا يقوم أحدٌ إلا فلان، والمعنى: لا يغني قريب إلا المؤمن، والوجهان في الاستثناء ذكرهما الفراء (٢)، وهو قوله: ﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ قال مقاتل: العزيز في نقمته من أعدائه الذين لا شفاعة لهم، الرحيم بالمؤمنين الذين استثنى في هذه الآية (٣).\n٤٣ - قوله تعالى: ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ﴾ قد تقدَّم تفسيره في سورة الصافات [آية: ٦٢].\n٤٤ - قوله تعالى: ﴿طَعَامُ الْأَثِيمِ﴾ قال ابن عباس: يريد طعام أبي جهل، وهو قول مجاهد ومقاتل (٤)، وقال الكلبي: الأثيم: الفاجر، وهو هاهنا الوليد بن المغيرة المخزومي (٥)، والأثيم: معناه: ذو الإثم، يقال:\n_________\n(١) انظر: \"تنوير المقباس\" ص ٤٩٨.\n(٢) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ٤٢، و\"تفسير الطبري\" ١٣/ ١٣٠.\n(٣) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٢٤/ ٨٢٤.\n(٤) انظر: \"تفسير الثعلبي\" ١٠/ ٩٧ ب، و\"تفسير مقاتل\" ٣/ ٨٢٤، وذكره البغوي ولم ينسبه، انظر: ٧/ ٢٣٦.\n(٥) انظر: تفسير أبي الليث السمرقندي ٣/ ٢٢٠، و\"تنوير المقباس\" ص ٤٩٨.","vol":"20","page":117},{"text":"أثم يأثم إثمًا، فهو أثِمٌ وأثيم (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3964>٤٥ </span>- قوله: ﴿كَالْمُهْلِ﴾ سبق تفسيره في سورة الكهف [آية: ٢٩]، وقد شَبَّه الله تعالى هذا الطعام بالمهل وهو: دردي الزيت وعكر القطران على ما ذكره المفسرون (٢) كما سبق بيانه [الكهف: ٢٩]، وتم الكلام هاهنا ثم أخبر عن غليانه في بطون الكفار فقال (٣): ﴿يَغْلِي فِي الْبُطُونِ﴾ وقرئ: (يغلي) بالياء فمن قرأ بالتاء فلتأنيث الشجرة، ومن قرأ بالياء حَمَلَه على الطعام في قوله: ﴿طَعَامُ الْأَثِيمِ﴾ لأن الطعام هو الشجرة في المعنى، ألا ترى أنه خبرُ الشجرة، والخبر في المعنى إذا كان مفردًا هو المبتدأ، واختيار أبي عبيد الياء قال: لأن الاسم المذكر يعني: المهل هو الذي يلي الفعل، فصار أَوْلى به للتذكير وللقرب وكذلك في قوله: ﴿أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى﴾ [آل عمران: ١٥٤] و﴿صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٨٠] و﴿أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى﴾ [القيامة: ٣٧] يختار الياء في هذه الآيات (٤).\nقال أبو علي: لا يجوزُ أن يحمل الغلي على المهل؛ لأن المهل لا يغلي في البطون إنما يغلي ما شبه به (٥)، وأما سائر الآيات التي ذكرها فالياء والتاء فيها سواء لأن كل واحد مما فيها هو الآخر، فالنطفة والمني سواء.\n_________\n(١) انظر: \"تهذيب اللغة\" (أثم) ١٥/ ١٦٠، و\"المفردات\" للراغب (أثم) ص ١٠.\n(٢) انظر: \"تفسير الطبري\" ٩/ ٢٤٠، و\"تفسير الماوردي\" ٣/ ٣٠٣، و\"تفسير البغوي\" ٧/ ٢٣٦.\n(٣) انظر: \"القطع والائتناف\" للنحاس ص ٦٥٦.\n(٤) أورد النحاس اختيار أبي عبيد في \"إعراب القرآن\" ولم يؤيده بل رده كما رده وضعفه أبو علي الفارسي، انظر: \"إعراب القرآن\" للنحاس ٤/ ١٣٤.\n(٥) انظر: \"الحجة\" لأبي علي ٦/ ١٦٦، و\"المسائل العضديات\" ص ١١٦.","vol":"20","page":118},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3965>٤٦ </span>- قوله تعالى: ﴿كَغَلْيِ الْحَمِيمِ﴾ قال ابن عباس: الماء إذا اشتد غليانه فهو حميم (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-3966>٤٧ </span>- قوله تعالى: ﴿خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ﴾ أي: يقال للزبانية: خذوه يعني: الأثيم فاعتلوه، قُرِئ بكسر التاء، قال الليث: العتل أن تأخذ بتَلْبيب الرجل فتعتله أي: تجرّه إليك وتذهب به إلى حَبْس أو بلية (٢)، وأخذ فلان بزمام الناقة فعتلها، وذلك إذا قبض على أجل الزمام عند الرأس وقادها قودًا عنيفًا.\nوقال ابن السكيت: عَتَلْته إلى السجن، وعَتَنْتهُ فأنا أَعْتُلُهُ وأعْتِنه (٣) إذا دَفَعْته دفعًا عنيفًا (٤)، وهذا معنى قول جميع أهل اللغة في معنى العتل (٥) وذكروا اللغتين ضم التاء وكسرها وهما صحيحان (٦) مثل: ﴿يَعْكُفُونَ﴾ و﴿يَعْكِفُونَ﴾ و﴿يَعْرِشُونَ﴾ و﴿يَعْرُشُونَ﴾. وأنشدوا للفرزدق فقال:\nلَيْسَ الكِرَامُ بِنَاحِلِيكَ أَبَاهَمُ ... حتى تُرَدَّ إلى عَطِيَّةَ تُعْتَلُ (٧)\n_________\n(١) انظر: \"تفسير الطبري\" ١٣/ ١٣٣، وقد ذكر المعنى ولم ينسبه، كما ذكره من غير نسبة كل من البغوي في تفسيره ٧/ ٢٣٦، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٧/ ٣٤٩.\n(٢) انظر: \"كتاب العين\" (عتل) ٢/ ٦٩.\n(٣) في \"تهذيب اللغة\" زيادة لفظ: (وأَعْتنُه) ٢/ ٢٧٠.\n(٤) انظر: \"تهذيب اللغة\" (عتل) ٢/ ٢٧٠.\n(٥) انظر: \"جمهرة اللغة\" (تلع) ٢/ ٢١، و\"مقاييس اللغة\" (عتل) ٤/ ٢٢٣، والصحاح (عتل) ٥/ ١٧٥٨، و\"اللسان\" (عتل) ١١/ ٤٢٣، و\"المفردات\" للراغب (عتل) ص ٣٢١.\n(٦) قرأ ابن كثير ونافع وابن عامر: ﴿خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ﴾ بضم التاء، عبيد عن أبي عمرو: ﴿فَاعْتِلُوهُ﴾ و﴿فَاعْتِلُوهُ﴾ بالكسر والضمِّ جميعًا، وقرأ الباقون: ﴿فَاعْتِلُوهُ﴾ بالكسر، انظر: \"السبعة\" لابن مجاهد ص ٥٩٢، ٥٩٣، و\"الحجة\" لأبي علي ٦/ ١٦٥.\n(٧) انظر: \"ديوانه\" ص ٧٢٢، و\"تفسير الطبري\" ١٣/ ١٣٣.","vol":"20","page":119},{"text":"وقال أبو إسحاق: المعنى: يا أيها الملائكة خذوه فاعتلوه (١).\nقال مجاهد ومقاتل: ادفعوه على وجهه (٢)، وقال الكلبي: سوقوه إلى سواء الجحيم قال: وسط الجحيم (٣)، كقوله: ﴿فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٥٥].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3967>٤٨ </span>- ﴿ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ﴾ قال مقاتل: يعني: أبا جهل، وذلك أن مالكًا خازن جهنم يضربه ضربة على رأسه بمَقْمع من حديد فيثقب رأسه عن دماغه فيجري دماغه على جسده ثم يصب الملك فيه ماء حميمًا قد انتهى حَرُّه فيقع في بطنه، فيقول الملك: ذق العذاب (٤) فذلك قوله: ﴿ذُقْ﴾ ونحو هذه الآية قوله: ﴿يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ﴾ [الحج: ١٩] قوله: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ قال عكرمة والكلبي: التقى النبي -ﷺ- وأبو جهل فقال له النبي -ﷺ-: \"إن الله أمرني أن أقول لك ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾ \" [القيامة: ٣٤] \"فقال: يا محمد بأي شيء تهددني فوالله ما تستطيع أنت ولا ربك أن تفعلا بي شيئًا إني لمن أعز هذا الوادي وأكرمه على قومه، فقتله الله يوم بدر وأذله وعيره بكلمته وأنزل هذه الآية (٥)، وهذا قول أهل التفسير قالوا: إنه كان يقول أنا أعز أهل الوادي وأكرمهم، فيقول له الملك: ذق العذاب أيها المتعزز المتكرم، يوبخه ويصغره (٦). قال أبو إسحاق:\n_________\n(١) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٤٢٨.\n(٢) أخرج ذلك الطبري عن مجاهد ١٣/ ١٣٣، وانظر: \"تفسير مقاتل\" ٣/ ٨٢٥.\n(٣) انظر: \"تنوير المقباس\" ص ٤٩٨.\n(٤) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٣/ ٨٢٥.\n(٥) انظر: \"تنوير المقباس\" ص ٤٩٨، و\"الدر المنثور\" ٧/ ٤١٨، وأخرج الطبري نحوه عن قتادة ١٣/ ١٣٤، ونسبه القرطبي لعكرمة، انظر: \"الجامع\" ١٦/ ١٥١.\n(٦) انظر: \"تفسير الثعلبي\" ١٠/ ٩٨ أ، و\"تفسير الماوردي\" ٥/ ٢٥٨، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٦/ ١٥١، و\"تفسير الوسيط\" ٤/ ٩٢.","vol":"20","page":120},{"text":"المعنى: ذق هذا العذاب، إنك أنت القائل: أنا العزيز الكريم (١). وقال أبو علي الفارسي: المعنى: إنك أنت العزيز الكريم في زعمك وفيما تقوله، فأجري ذلك على حسب ما كان يذكره أو يُذْكَر به ومثله قوله: ﴿أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [القصص: ٦٢] أين شركائي فيما تفترون وتدعون، وهذا كما روي أن زهرة اليمن (٢) قال في جرير:\nأَبْلِغْ كُلَيْبُا وأَبْلِغْ عَنْكَ شَاعِرهَا ... أَنَّي الأَعَزُّ وأَنِي زَهْرةُ الْيَمَنِ (٣)\nفأجابه جرير:\nأَلَمْ تَكُنْ في وُسُومٍ قد وَسَمْتُ بها ... مَنْ حَانَ مَوْعِظَةً يا زَهْرةَ اليَمَنِ (٤)\nأي: زهرة اليمن فيما تقول، وكذلك أبو جهل كان يقول إنه أعز الوادي وأمنعهم. فعلى ما كان يقول جاء في التنزيل حكايته، ونحو هذا قال صاحب النظم قال: هذا على وجه المعارضة والتبكيت، ودلالة على أنه أخبر أنه قال في الخطاب أنا العزيز الكريم، وهو شبيه بقول الكفار: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحجر: ٦] كأنه لما قال لهم أنزل عليَّ الذكرُ من الله عارضوه بهذا كالمستهزئين به، كذلك يستهزأ بأبي جهل ويوبخ بما زعم وادَّعى به، وليس كذلك.\n_________\n(١) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٤٢٨.\n(٢) لم أقف على ترجمته.\n(٣) ورد هذا البيت في \"الحجة\" لأبي علي ٦/ ٤٦٧، و\"المسائل الحلبيات\" ص ٨٢، و\"الخصائص\" لابن جني ٢/ ٤٦٣، و\"سر صناعة الإعراب\" ١/ ٤٠٥، و\"الدر المصون\" ٦/ ١١٨، و\"تفسير ابن عطية\" ١٤/ ٣٠٠.\n(٤) انظر: \"ديوان جرير\" ص ٤٣٠، حان: هلك، الوسوم: جمع وسم وهو أثر الكي ويريد به هنا أذى هجائه، والشاهد قوله: (يا زهرة اليمن) أي: يا من قال إني زهرة اليمن، ولست عندي كذلك، والذي في الديوان: يا حارث اليمن.","vol":"20","page":121},{"text":"وقال بعض أهل المعاني: هذا على معنى النقيض، كأنه قيل إنك أنت الذليل المهان (١)، وهذا كما خاطب قوم شعيبًا: ﴿إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ [هود: ٨٧] يعنون السفيه الجاهل، وقد مر، وقرأه العامة (إنك) بكسر الألف على الابتداء، وقرأ الكسائي بالفتح على معنى: ذق بأنك، أي: هذا القول الذي قلته في الدنيا، قاله الفراء وأبو علي (٢)، وعلى هذا الواقع عليه يضمر على تأويل: ذق العذاب، وكذلك هو في قراءة العامة (٣).\nوقال صاحب النظم: من فتح الهمزة كان قوله: ﴿ذُقْ﴾ واقعًا على تأويل: ذق، وقال هذا القول وجزاؤه (٤)، وقال مقاتل: فلما ذاق العذاب قال الملك الخازن: إن هذا العذاب ما كنتم به تمترون يعني: تشكون في الدنيا أنه غير كائن والمعنى تكذبون به (٥)، كقوله: ﴿فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا﴾ [الزخرف: ٦١] وقد مر قبل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3968>٥١، ٥٢ </span>- ثم ذكر مستقر المتقين فقال: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ (٥١) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ [الدخان: ٥١] قال ابن عباس: يريد: أصحاب النبي -ﷺ- في خلود دائم (٦)، وعلى هذا المعنى: أنهم قد أمنوا الشخوص، وقال مقاتل: أمينٍ\n_________\n(١) انظر: \"مشكل إعراب القرآن\" لمكي ٢/ ٢٩١.\n(٢) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ٤٣، و\"الحجة\" لأبي علي ٦/ ١٦٧.\n(٣) انظر: كتاب \"السبعة في القراءات\" لابن مجاهد ص ٥٩٣، والكشف عن وجوه القراءات لمكي ٢/ ٢٦٥٨، و\"تحبير التيسير\" لابن الجزري ص ١٧٩، و\"الدر المصون\" ٦/ ١١٨.\n(٤) يظهر أن فيه سقطًا ولكن كتاب \"نظم القرآن\" مفقودًا، ولم أتوصل إلى النص فيما لدي من مراجع.\n(٥) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٣/ ٨٢٥.\n(٦) لم أقف عليه.","vol":"20","page":122},{"text":"من الموت (١). وقال الضحاك: أمنوا أن يموتوا وأن يعروا وأن يجوعوا (٢).\nوقد جمع أبو إسحاق هذه الأشياء فقال: قد أمنوا فيه الغِيَر (٣)، وقرأه العامة (مقام) بفتح الميم يراد به المجلس والمشهد، ووصفه بالأمن يقوي أنه يراد به المكان، ووصف بالأمن كما يوصف بالخوف، [وقرأ عامر] (٤) ونافع بضم الميم، فيحتمل أن يراد به المكان من أقام، فيكون على هذا معنى القراءتين واحدًا، وقد يجوز أن يجعله مصدرًا ويقدر المضاف محذوفًا على تقدير في موضع إقامة (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3969>٥٣ </span>- قوله: ﴿مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ﴾ مر تفسيره في سورة الكهف [آية: ٣١].\nقوله: ﴿مُتَقَابِلِينَ﴾ أي: لا يرى بعضهم قفا بعض ﴿كَذَلِكَ﴾ أي: كما وصفنا يكون حالهم والمعنى: الأمر كذلك الذي ذكرنا ووصفنا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3970>٥٤ </span>- قوله: ﴿وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ﴾ قال أبو عبيدة: جعلناهم أزواجًا كلما يزوج النعل بالنعل، جعلناهم اثنين اثنين (٦)، وقال يونس: أي: قرناهم بهن (٧)، وليس من عقد التزويج، والعرب لا تقول: تزوجت بها، إنما يقولون: تزوجتها، والتنزيل يدل على ما قال يونس، وذلك قوله: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ [الأحزاب: ٣٧] ولو كان على تزوجت بها،\n_________\n(١) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٣/ ٨٢٥.\n(٢) ذكر ذلك السيوطي فى \"الدر المنثور\" ٧/ ٤٢٠، وعزاه لابن أبي شيبة عن الضحاك.\n(٣) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٤٢٨.\n(٤) كذا في الأصل ولعل الصواب: (وقرأ ابن عامر). انظر: \"الحجة\" ٦/ ١٦٧، و\"الكشف عن وجوه القراءات\" لمكي ٢/ ٢٦٥.\n(٥) انظر: \"الحجة\" لأبي عبيد ١٦/ ١٦٧،١٦٨، و\"الكشف عن وجوه القراءات\" ٢/ ٢٦٥.\n(٦) انظر: \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ٢/ ٢٠٩.\n(٧) انظر: \"الصحاح\" (زوج) ١/ ٣٢٠.","vol":"20","page":123},{"text":"لكان زوجناك بها، قال ابن سلام وقال أبو البيداء تميم (١): تقول تزوجت امرأة وتزوجت بامرأة، وحكى الكسائي أيضًا: زوجنا بامرأة، وزوجناه امرأة، ولا يبعد أن يكون قوله (زوجناكها) على أنه حذف الحرف فوصل الفعل، وذكره الأزهري تقول العرب: زوجت امرأة، وتزوجت امرأة، وليس من كلامهم: تزوجت بامرأة (٢).\nوقال الفراء: هي لغة في أزد شنوءة (٣) هذا كلامه، وقول أبي عبيدة حسن لأنه جعل قوله: ﴿وَزَوَّجْنَاهُمْ﴾ من التزويج الذي هو بمعنى: جعل الشيء زوجًا، لا بمعنى عقد النكاح، ومن هذا يجوز أن يقال: كان فردًا وزوجته بآخر، كما يقال شفعته بآخر، فإنما يمتنع الباء عند من يمتنع إذا كان بمعنى التزويج، ونحو هذا قال الأخفش في هذه الآية: جعلناهم أزواجًا بالحور (٤).\nوقال مجاهد: أنكحناهم الحور العين التي يحار فيها الطرف، باديًا مخ سوقهن من وراء ثيابهن، ويرى الناظر وجهه في كبد إحداهن كالمِرْآة، من رقة الجلد وصفاء اللون (٥)، وقال قتادة: بجَوَارٍ بيض (٦).\n_________\n(١) لم أهتد إلى ترجمته.\n(٢) انظر: \"تهذيب اللغة\" (زاج» ١/ ١٥٢ بلفظ: تقول العرب زوجته، و\"اللسان\" (زوج) ٢/ ٢٩٣.\n(٣) انظر: قول الفراء في \"تهذيب اللغة\" (زاج) ١١/ ١٥٢، ولم أقف عليه في معاني الفراء.\n(٤) انظر: \"معاني القرآن\" للأخفش ٢/ ٦٩١.\n(٥) أخرج ذلك الطبري عن مجاهد ١٣/ ١٣٦، وانظر: \"تفسير مجاهد\" ص ٥٩٨، ونسبه ابن حجر في \"تغليق التعليق\" لمجاهد، انظر: ٤/ ٣١٠.\n(٦) ذكره الطبري بلفظ: (بيض عين)، ونسبه لقتادة، انظر. \"تفسير الطبري\" ١٣/ ١٣٦، وقال القرطبي: الحور: البيض في قول قتادة والعامة، انظر: \"الجامع\" ١٦/ ١٥٢.","vol":"20","page":124},{"text":"وقال ابن عباس: الحور في لغة العرب: البيض (١).\nوقال مقاتل: الحور: البيض الوجوه، العين: الحسان الأعين (٢).\nوأصل الحور البياض والتحوير التبييض، وذكرنا ذلك في تفسير الحوريين، وعين حوراء، إذا اشتد بياضُها، واشتد سوادُ سوادها، ولا تسمى المرأة [حمراء] (٣) حتى تكون مع حور عينيها بيضاء لون الجسد (٤).\nوقال أبو عبيد: الحوراء: الشديدة بياض العين الشديدة سوادها (٥)، و(العين) جمع عَيْناء، وهي: العظيمة العينين من النساء، قال اللحياني: إنه لأعين، إذا كان ضخم العين واسعها، والأنثى عيناء، [والجمع عين عينًا]، (٦)، ويدل على أن المراد بالحور في هذه الآية البيض، قراءة ابن مسعود: بعيس عين (٧)، والعيس: البيض.\nقال الحسن: الحور العين، عجائزكم ينشئهن الله خلقًا آخر (٨)، وقال\n_________\n(١) ذكر ذلك الألوسي ونسبه لابن عباس والضحاك وغيرهما، انظر: \"روح المعاني\" ٢٥/ ١٣٥، ونسبه القرطبي لقتادة والعامة، انظر: \"الجامع\" ١٦/ ١٥٢.\n(٢) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٣/ ٨٢٦.\n(٣) كذا في الأصل وهو تصحيف والصحيح (حوراء).\n(٤) انظر: \"تهذيب اللغة\" (حار) ٥/ ٢٢٩.\n(٥) انظر: اللسان (حور) ٤/ ٢١٨، وغريب الحديث لأبي عبيد (حور) ١/ ٢١٧.\n(٦) كذا في الأصل وفي \"تهذيب اللغة\": (والجميع منها عين). انظر: قول اللحياني في \"تهذيب اللغة\" (عان) ٣/ ٢٠٦.\n(٧) انظر: \"تفسير الطبري\" ١٣/ ١٣٦، و\"معاني القرآن\" للزجاج ٦/ ٤١٦، و\"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ٤٤، و\"المحتسب\" لابن جني ٢/ ٢٦١، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٦/ ١٥٢.\n(٨) لم أقف عليه.","vol":"20","page":125},{"text":"أبو هريرة: لسن من نساء الدنيا (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3971>٥٥ </span>- قوله تعالى: ﴿يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ﴾ قال ابن عباس: قد أمنوا الموت والأسقام والأوجاع والتخم (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-3972>٥٦ </span>- قوله تعالى: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾ قال أهل المعاني: جعل الموت في مقاساة الآلام والأسباب التي يحدث عندها الموت، كالطعام الذي يكره ذوقه، فلذلك استعير له الذوق وهو في الحقيقة عَرَض لا يذاق (٣).\nفإن قيل: أليس أهل النار لا يموتون، فلم بشر أهل الجنة بهذا مع مشاركة غيرهم في هذا المعنى؟ قيل: إن أهل الجنة في حياة هنيئة بشارتهم بالخلود تزيدهم سرورًا وقرة عين، وأهل النار يموتون موتات كثيرة بما يقاسون من الشدة، وانتفاء الموت عنهم يزيدهم حسرةً وشدة وَجْد (٤).\nوقوله: ﴿إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾ قال ابن عباس: يريد: التي كانت في الدنيا (٥)، وقال مقاتل: يعني: المرة الأولى التي كانت في الدنيا (٦).\nقال أبو إسحاق: المعنى: لا يذوقون فيها الموت البتة سوى الموتة الأولى التي ذاقوها في الدنيا، وهذا كما قال (٧) ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ\n_________\n(١) لم أقف عليه.\n(٢) لم أقف عليه وذكر الثعلبي ١٠/ ٩٨ ب، عن قتادة: آمنين من الموت والأوصاب والشيطان، ونسبه البغوي ٧/ ٢٣٧، لقتادة، ونسبه القرطبي ١٦/ ١٥٤ لقتادة.\n(٣) انظر: \"مجاز القرآن\" ص ٤١٧، ٤١٨.\n(٤) لم أقف عليه.\n(٥) لم أقف عليه.\n(٦) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٣/ ٨٢٦.\n(٧) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٤٢٨.","vol":"20","page":126},{"text":"آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٢] أي: سوى ما قد سلف، ونحو هذا قال الفراء قال: ومثله في الكلام: لك عندي ألف إلا مالك عندي من قِبَلِ فلان، ومعناه: سوى مالك علي من قِبَلِه، قال: (وإلا) قد تكون حطًّا مما قبلها وقد تكون زيادة عليه، فالحط كقولك: لك علي ألف إلا مائة، والزيادة كالتي في هذه الآية فهو زيادة على ما قبل، إلا كما ذكرنا في المثال من الكلام (١).\nوقال بعض أهل المعاني: (إلا) بمعنى: بعد، أي: بعد الموتة الأولى، وقيل (إلا) بمعنى: لكن، كأنه قيل: لكن الموتة الأولى (٢)، وقد ذاقوها، وذكر ابن قتيبة وجهًا حسنًا فقال: إنما استثنى الموتة الأولى وهي في الدنيا، من موت في الجنة؛ لأن السعداء حين يموتون يصيرون بلطف الله وقدرته إلى أسباب من أسباب الجنة، فيلقون الروح والريحان، ويرون منازلهم من الجنة، وتفتح لهم أبوابها، فإذا ماتوا في الدنيا فكأنهم ماتوا في الجنة لا تصالهم بأسبابها ومشاهدتهم إياها، فجاز أن يستثني الموتة الأولى من مكانهم في الجنة (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3973>٥٧ </span>- قوله: ﴿فَضْلًا مِنْ رَبِّكَ﴾ قال الفراء والزجاج: المعنى: فعل ذلك ربهم فضلًا وتفضلًا منه (٤).\n_________\n(١) انظر:\"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ٤٤.\n(٢) انظر: \"تفسير الطبري\" ١٣/ ١٣، فقد ذكر أنها تأتي بمعني بعد، وذكر القرطبي المعنين. انظر: \"الجامع\" ١٦/ ١٥٤، وانظر: \"غرائب التفسير وعجائب التأويل\" للكرماني ٢/ ١٠٨٠.\n(٣) انظر: مشكل القرآن وغريبه لابن قتيبة ١/ ٢١٥ (بتصرف).\n(٤) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ٤٤، و\"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٤٢٩.","vol":"20","page":127},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3974>٥٨ </span>- قوله تعالى: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ﴾ قال مقاتل: يعني القرآن يقول هوناه على لسانك (١)، قوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ لكي يتعظوا فيؤمنوا به فلم يؤمنوا به، يقول الله لنبيه: ﴿فَارْتَقِبْ﴾ يعني: فانتظرهم (٢) العذاب فإنهم ﴿مُرْتَقِبُونَ﴾ منتظرون هلاكك ويقال: فانتظر الفتح والنصر عليهم، إنهم ينتظرون غلبتك وقهرك (٣).\n_________\n(١) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٣/ ٨٢٦.\n(٢) كذا في الأصل، ولعل الصواب (فانتظر لهم).\n(٣) انظر: \"تفسير الطبري\" ١٣/ ١٣٩، و\"تفسير البغوي\" ٧/ ٢٣٧.","vol":"20","page":128},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3975>سورة الجاثية</span>","vol":"20","page":129},{"text":"تفسير سورة الجاثية\nبسم الله الرحمن الرحيم\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3976>١، ٢ </span>- قوله: ﴿حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ قال صاحب النظم: هذا فصل يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون مبتدأ وخبرًا، فيكون قوله ﴿حم﴾ مبتدأ، وقوله: ﴿تنزيل الكتاب﴾ خبرًا له، ويكون قوله ﴿إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ مبتدأ آخر، والثاني: أن يكون قوله: ﴿حم﴾ قَسَمًا، وقوله: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ﴾ نعتًا له على إضمار (١) (هو) كما تقول في الكلام: والله هو الرحمن الرحيم إنك لظالم، فيكون جواب القسم قوله تعالى:\n<span data-type=\"title\" id=toc-3977>٣ </span>- ﴿إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ قال مقاتل: إن في خلق السموات والأرض -وهما خلقان عظيمان (٢) - ﴿لَآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ وعلى هذا يقدر المضاف، واختاره الزجاج قال: ويدل عليه قوله: وفي خلقكم (٣)، ويجوز أن يقدر المضاف وتكون الآيات: الشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب.\n<span data-type=\"title\" id=toc-3978>٤ </span>- قوله تعالى: ﴿وَفِي خَلْقِكُمْ﴾ قال ابن عباس ومقاتل: يريد وفي خلق أنفسكم من تراب ثم من نطفة إلى أن يصير إنسانًا، و(بث) تفرق على الأرض من جميع ما خلق، واختلاف ذلك من المشي على رجلين وعلى أربع وعلى\n_________\n(١) انظر: \"إعراب القرآن\" للنحاس ٤/ ١٣٩.\n(٢) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٣/ ٨٣٥\n(٣) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٤٣١.","vol":"20","page":131},{"text":"البطن، آيات ودلالات على توحيد مَنْ خلقها (لقوم يوقنون) أنه لا إله غيره (١).\nوجاز الرفع في قوله: (آيات) من وجهين ذكرهما الزجاج والمبرد وأبو علي (٢):\nأحدهما: العطف على موضع (أن) وما عمل فيه؛ لأن موضعها رفع بالابتداء، فيحمل الرفع فيه على الموضع كما تقول: إن زيدًا منطلق وعمرو، وإن زيدًا أخوك وخالد و﴿أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة: ٣] لأن معنى قوله: ﴿أن الله بريء﴾ هو الله بريء، وهذا نظير قولك: لست بقائم ولا قاعد، أو لست بجبان ولا بخيلًا، عطف الثاني على موضع الباء.\nوالوجه الآخر: أن يكون قوله: ﴿وَفِي خَلْقِكُمْ﴾ مستأنف، ويكون الكلام جملة معطوفة على جملة كما تقول: إن زيدًا منطلق وعمرو خارج، جعلت قولك: عمرو خارج، كلامًا آخر، كما تقول: زيد في الدار وأخرج غدًا إلى بلد كذا، فإنما حدث بحديثين اثنين، ووصلت أحدهما بالآخر بالواو.\nوهذا الوجه هو اختيار أبي الحسن، قال: لأنه قد صار على كلام آخر نحو: إن في الدار زيدًا، وفي البيت عمرو؛ لأنك إنما تعطف الكلام كله على الكلام كله (٣).\nوهذا الوجه أيضًا قول الفراء قال: الرفع على الاستئناف بعد (أن)؛\n_________\n(١) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٣/ ٨٣٥، ونسبه في \"الوسيط\" لابن عباس ومقاتل. انظر: \"تفسير الوسيط\" ٤/ ٩٤.\n(٢) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٤٣١، و\"المقتضب\" للمبرد ٤/ ٣٧١، و\"الحجة\" لأبي علي ٦/ ١٦٩.\n(٣) انظر: \"الحجة\" لأبي علي ٦/ ١٦٩، و\"إعراب القرآن\" للنحاس ٤/ ١٤٠، ولم أقف عليه في \"معاني القرآن\" للأخفش.","vol":"20","page":132},{"text":"يقول العرب: إن لي عليك مالا وعلى أخيك، ما ينصبون الثاني ويرفعونه (١)، فيكون قوله \"آيات\" على هذا الوجه مرتفعًا بالظرف على قول من رأى الرفع بالظرف، أو بالابتداء في قول من لم ير الرفع بالظرف، وقرأ حمزة والكسائي (آيات) وكذلك ﴿وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ﴾ كسرا فيها وهو في موضع نصب على النسق على أن قوله ﴿إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ على معنى وإن في خلقكم آيات، ويقوي هذه القراءة أنها في قراءة عبد الله وأُبي \"لآيات\" ودخول اللام يدل على أن الكلام محمول على (أن)، وإذا كان محمولًا عليها حَسُن النصب على ما قرأ حمزة، وصار كل موضع من ذلك كأن (أن) مذكورة فيه بدخول اللام؛ لأن هذه اللام إنما تدخل على خبر (أن) أو على اسمها، ولا اختلاف في جواز هذه القراءة وحسنها في قوله: ﴿وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ﴾، ﴿وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ﴾: فإن فيه عطفًا على عاملين مختلفين، وذلك أنه عطف بحرف واحد وهو الواو في قوله (واختلاف الليل) على عاملين أحدهما: الجار الذي هو في قوله: ﴿وَفِي خَلْقِكُمْ﴾ والآخر: \"إن\" في قوله: ﴿إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ بعطف آيات على (إن) بهذه الواو وحدها، وسيبويه وكثير من النحويين لا يجيزونه، ووجه جواز ذلك هاهنا أن يقدر (في وأن) في قوله:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3979>٥ </span>- ﴿وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ﴾ كأنه قيل: وأن في اختلاف الليل، و(إن) فإن كانت محذوفة من اللفظ فهو في حكم المثبت فيه، وذلك أن ذكره قد تقدَّم في قوله: ﴿إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ بعطف آيات فأما الجار فقد تقدَّم ذكرُه في قوله (في السموات .. وفي خلقكم) فلما تقدم ذكره في هذين، قدر فيه\n_________\n(١) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ٤٥. بلفظ (الرفع على الاستئناف فيما بعد أن).","vol":"20","page":133},{"text":"الإثبات في اللفظ وإن كان محذوفًا منه كما قدر سيبويه في قوله:\nأكلَّ امْرِئٍ تَحْسَبِينَ امرأً ... ونارًا (١) تَوَقّدُ باللَّيْلِ نَارَا (٢)\n\nأن كُلا في حكم الملفوظ به، واستغني عن إظهاره بتقدم ذكره، ويجوز أن تقدر آيات متكررة كررتها لما تراخى الكلام وطال، كماقال بعض المشايخ في قوله: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ﴾ [التوبة:<span data-type=\"title\" id=toc-3980> ٦</span>٣] قال (أن) هي الأولى كررت، وهذا النحو في كلامهم غير ضيق، هذا كله كلام المبرد وأبي علي ومعنى (٣) كلام أبي إسحاق قوله تعالى:\n٦ - ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ﴾ قال ابن عباس: يريد هذا الذي قصصنا عليك من آيات الله بها (٤) ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ﴾ قال أبو إسحاق: بعد كتاب [(٥)]، ﴿وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ قرئ بالياء والتاء، واختار أبو عبيد: الياء لأن قبله غيبة، وهو قوله: ﴿لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ و﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ وهذا خبر عنهم.\n_________\n(١) كذا في الأصل وهو تصحيف، والصحيح (ونارٍ) حيث ذكره الجميع بجر نارٍ وهو الشاهد من البيت حيث عطفه على ما عملت فيه كل.\n(٢) البيت لأبي دؤاد الإيادي. انظر: الكتاب لسيبويه ١/ ٦٦، والشعر والشعراء لابن قتيبة ص ١٤١، و\"الحجة\" لأبي علي ٦/ ١٧١، و\"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٤٣٢، و\"الدر المصون\" ٦/ ١٢٣، وفي \"الكامل\" للمبرد منسوب لعدي بن زيد العبادي. انظر: الكامل ١/ ٢٨٧.\n(٣) انظر: \"الكامل\" للمبرد ١/ ٢٨٧، و\"الحجة\" لأبي علي ٦/ ١٧١، و\"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٤٤٢.\n(٤) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٣/ ٨٣٥.\n(٥) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٤٣٢، وهي كذا في الأصل وفي \"معاني الزجاج\" بلفظ (بعد كتاب الله).","vol":"20","page":134},{"text":"فإن قيل: إن في أول الكلام خطابًا وهو قوله: (وفي خلقكم) قيل: الغيبة التي ذكرنا أقرب إلى الحرف المختلف فيه، والأقرب إليه أولى أن يحمل عليه، واحتج أيضًا بأن قال في أول الآية خطاب للنبي -ﷺ- ولا يكون في خطابه قوله تعالى: ﴿بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ (١)، ووجه قول من قرأ بالتاء: أن \"قل\" فيه مقدر على تأويل: قل لهم فبأي حديث بعد ذلك يؤمنون (٢).\nقال المبرد: والتأويل في جميع هذا إنما هو الإبلاغ، فيجوز أن يستغنى عن أن يقال (قل) مع أن القول كثيرًا ما يضمر كقوله: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ﴾ (٣) [الرعد: ٢٣].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3981>٧ </span>- قوله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ﴾ هذه الآية وما بعدها نزلت في النضر ابن الحارث، قاله الكلبي ومقاتل (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-3982>٩ </span>- قوله تعالى: ﴿وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آيَاتِنَا شَيْئًا اتَّخَذَهَا هُزُوًا﴾ قال مقاتل: يعني وإذا سمع من آيات القرآن شيئًا اتخذها هزوا (٥) ﴿أُولَئِكَ﴾ قال الأخفش: رد الكلام إلى معنى الكل في قوله ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ﴾ فلذلك جمع (٦).\n<span data-type=\"title\" id=toc-3983>١٠ </span>- قوله: ﴿مِنْ وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ﴾ قال ابن عباس: يريد أمامهم\n_________\n(١) انظر: اختيار أبي عبيد في \"إعراب القرآن\" للنحاس ٤/ ١٤١.\n(٢) انظر: \"الحجة\" لأبي علي ٦/ ١٧٣، و\"السبعة\" لابن مجاهد ص ٥٩٤، و\"حجة القراءات\" لابن زنجلة ص ٦٥٩.\n(٣) انظر: \"الكامل\" للمبرد ١/ ٣٧٨.\n(٤) انظر: \"تنوير المقباس\" ص ٤٩٩، و\"تفسير مقاتل\" ٣/ ٨٣٦، وذكر ذلك السمرقندي في \"تفسيره\" ٣/ ٢٢٣، والبغوي في \"تفسيره\" ٧/ ٢٤١.\n(٥) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٣/ ٨٣٦.\n(٦) انظر: \"معاني القرآن\" للأخفش ٢/ ٦٩٢.","vol":"20","page":135},{"text":"جهنم (١)، وقال مقاتل: يريد هو في الدنيا، ومن بعده له في الآخرة جهنم (٢)، وذكرنا الكلام في هذا في سورة إبراهيم عند قوله: ﴿مِنْ وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ﴾ [آية: ١٠]. ﴿وَلَا يُغْنِي عَنْهُمْ مَا كَسَبُوا﴾ من الأموال التي جمعوها ﴿شَيْئًا﴾ ولا ما عبدوا من دون الله من الآلهة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3984>١١ </span>- قوله: ﴿هَذَا هُدًى﴾ قال مقاتل: هذا القرآن بيان من الضلالة (٣)، وقال عطاء عن ابن عباس: يريد كل ما جاء به محمد -ﷺ- بيان للمؤمنين (٤).\nقوله تعالى: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ﴾ وقرئ (أليم) رفعًا (٥)، والرجز العذاب بدلالة قوله: ﴿فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ)﴾ [البقرة: ٥٩]. وقوله: ﴿لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ﴾ [الأعراف: ١٣٤] فمعنى قوله: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ﴾: لهم عذابٌ من عذاب أليم، وإذا كان عذابهم من عذاب أليم، كان عذابهم أليمًا، قوله: ﴿مِنْ رِجْز﴾ على هذا صفة للعذاب؛ لأنه نكرة، من رفع أليمًا كان المعنى: لهم عذاب أليم من عذاب، وليس فائدته كالفائدة في القراءة الأولى، وإذا كان كذلك فيحمل على أمرين: أحدهما: أن قوله ﴿من عذاب﴾ يكون صفة مؤكدة، والصفة قد تجيء على وجه التأكيد كما روي في بعض الحروف (وَلِيَ نَعْجَةٌ أنثى) وقوله: ﴿وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ [النجم: ٢٠] وقولهم: أمس الدابر،\n_________\n(١) ذكر ذلك القرطبي في \"الجامع\" عن ابن عباس. انظر: ١٦/ ١٥٩، ونسبه في \"الوسيط\" لابن عباس. انظر: ٤/ ٩٥.\n(٢) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٣/ ٨٣٦.\n(٣) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٣/ ٨٣٦.\n(٤) انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٦/ ١٥٩ فقد نسبه لابن عباس.\n(٥) وهي قراءة ابن كثير وعاصم في رواية حفص. انظر: \"الحجة\" لأبي علي ٦/ ١٧٤.","vol":"20","page":136},{"text":"والآخر: أن يحمل الرجز على الذي بمعنى الرجس الذي هو النجاسة على الإبدال للمقاربة، يخب النجاسة فيه قوله: ﴿وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ﴾ [إبراهيم: ١٦] وكان المعنى: لهم عذاب من تجرع رجس أو شرب رجس، فيكون من تَبْيينًا للعذاب مِمَّ هو (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3985>١٢، ١٣ </span>- قوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ يعني من شمس وقمر ونجم ومطر وثلج وبرد ﴿وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ من دابة وشجر ونبات وأنهار، قاله ابن عباس (٢)، معنى تسخيره لنا: هو أنه هيأها لانتفاعنا بها، فهو مسخر لنا من حيث إننا ننتفع به على الوجه الذي نريد.\nقوله تعالى: ﴿جَمِيعًا مِنْهُ﴾ قال: كل ذلك رحمة منه لكم، وقال أبو إسحاق: (جميعًا) منصوب على الحال (٣)، والمعنى: كل ذلك منه تفضل وإحسان، والوقف يحسن على قوله (جميعًا) (٤).\nقوله تعالى: ﴿مِنْهُ﴾ أي ذلك التسخير منه لا من غيره، فهو فضله وإحسانه قوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ في صنع الله فيوحدونه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3986>١٤ </span>- قوله: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ﴾ قال الفراء: هذا خبر في منزلة الأمر، كأنه قيل: قل للذين آمنوا اغفروا، ولكنه جزم بالتشبيه بالجزاء والشرط، كقوله: قم تصب خيرًا، وليس كذلك، ولكن العرب إذا أخرج الكلام في مثال غيره وهو مقارب له، أعربوه\n_________\n(١) هذا كله منقول عن \"الحجة\" لأبي علي ٦/ ١٧٤، ١٧٥.\n(٢) لم أقف عليه.\n(٣) انظر: \"إعراب القرآن\" للنحاس ٤/ ١٤٢، ولم أقف عليه في \"معاني الزجاج\".\n(٤) انظر: \"القطع والائتناف\" للنحاس ص ٦٥٩.","vol":"20","page":137},{"text":"بإعرابه، فهذا من ذلك (١) وقد استقصينا الكلام في هذه المسألة عند قول: ﴿قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [إبراهيم: ٣١].\nواختلفوا في سبب نزول الآية، قال ابن عباس في رواية عطاء، وهو قول مقاتل (٢): نزلت في عمر ﵁، قال ابن عباس: يريد عمر بن الخطاب خاصة ﴿يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ﴾ يريد: عبد الله بن أبي، وذلك أنهم تولوا في غزاة (٣) بني المصطلق (٤) على بئر يقال له المريسيع (٥) فأرسل عبد الله غلامه ليستقي الماء فأبطأ عليه، فلما أتاه قال له ما حبسك؟ قال غلام عمر: تَعدّ على فضل البير، فما ترك أحدًا يستقي حتى ملأ قرب\n_________\n(١) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ٤٥، ٤٦.\n(٢) انظر: \"تنوير المقباس\" ص ٥٠٠، و\"تفسير مقاتل\" ٣/ ٨٣٧، و\"زاد المسير\" ٧/ ٣٥٧، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٦/ ١٦١.\n(٣) كانت هذه الغزوة في شعبان من السنة السادسة من الهجرة وكان قائد بني المصطلق الحارث ابن أبي ضرار، أبو جويرية بنت الحارث التي تزوجها رسول الله -ﷺ- بعد ذلك.\nانظر: \"سيرة ابن هشام\" ٣/ ٣٣٣، و\"البداية والنهاية\" ٤/ ١٥٦.\n(٤) هم: بطن من خزاعة من القحطانية وهم بنو المصطلق واسمه جذيمة بن سعد بن عمرو بن ربيعة غزاهم النبي -ﷺ- واشتهرت بغزوة بني المصطلق وذلك سنة ست من الهجرة على ماء لهم يقال له: المريسيع. انظر: \"معجم قبائل العرب\" ٣/ ١١٠٤.\n(٥) المُرَيسِيعُ: بالضم ثم الفتح وياء ساكنة ثم سين مهملة مكسورة وياء أخرى وآخره عين مهملة في الأشهر، ورواه بعضهم بالغين معجمة. كأنه تصغير المرسوع وهو الذي انسلقت عينه من السهر، وهو اسم ماء في ناحية قُديد إلى الساحل، لار النبي -ﷺ- في سنة خمس وقال أبو إسحاق في سنة ست إلى بني المصطلق من خزاعة لما بلغه أن الحارث بن أبي ضرار الخزاعي قد جمع له جمعا فوجدهم على ماء يقال له المريسيع فقاتلهم وسباهم. انظر: \"معجم البلدان\" ٥/ ١١٨.","vol":"20","page":138},{"text":"النبي -ﷺ- وقرب أبي بكر وملأ لمولاه، فقال عبد الله: ما مثلنا ومثل هؤلاء إلا كما قيل: سمن كلبك يأكلك، فبلغ قوله عمر فاشتمل بسيفه يريد التوجه إليه فأنزل الله هذه الآية.\nوقال مقاتل: شتم رجل من كفار قريش بمكة عمر، فهَمَّ عمر أن يبطش به، فأمره الله بالعفو والتجاوز وأنزل هذه الآية (١).\nوروى ميمون بن مهران [(٢)] فنحاص اليهودي، قال لما نزل قوله ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ﴾ قال: احتاج رب محمد، فلما سمع بذلك عمر اشتمل على سيفه وخرج في طلبه، فأنزل الله هذه الآية، فبعث النبي -ﷺ- في طلبه حتى رَدَّه (٣).\nقوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ﴾ قال ابن عباس: لا يرجون ثواب الله ولا يخافون عقابه (٤).\nوقال مقاتل: لا يخشون مثل عذاب الأمم الخالية (٥).\nوقال مجاهد: لا ينالون نعم الله أو نقم الله (٦)، وذلك أنهم لا يؤمنون به فلا يرجون ثوابه ولا يخافون عقابه، كما قال ابن عباس، وذكرنا أيام الله عند تفسير قوله: ﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾ [إبراهيم: ٥] وأجمعوا أن هذه الآية\n_________\n(١) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٣/ ٨٣٧، و\"تفسير السمرقندي\" ٣/ ٢٢٤، و\"تفسير البغوي\" ٧/ ٢٤٢.\n(٢) كذا في الأصل وقد سننه لفظ (أن).\n(٣) أخرج ذلك الثعلبي. انظر: تفسيره ١٠/ ١٠٠ أ، والواحدي في \"أسباب النزول\" ص ٣٩٩ وأورده ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٧/ ٣٥٨.\n(٤) لم أقف عليه.\n(٥) انظر. \"تفسير مقاتل\" ٣/ ٨٣٧.\n(٦) أخرج ذلك الطبري عن مجاهد ٣/ ١٤٤.","vol":"20","page":139},{"text":"نزلت قبل أن يؤمر النبي -ﷺ- بقتال أهل مكة وأنها منسوخة بآية القتال (١)، إلا على ما رواه عطاء عن ابن عباس، فإن على روايته نزلت الآية بعد الأمر بالقتال؛ لأنه ذكر أن الآية نزلت بعد غزوة بني المصطلق (٢) والصحيح أنها نزلت قبل الأمر بالقتال والله أعلم، قال قتادة (٣): نسختها ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] وقال أبو صالح (٤): نسختها ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ﴾ [الحج: ٣٩] الآية.\nقوله تعالى: ﴿لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ قال ابن عباس: يريد يجازي الذين أحسنوا الجنة، والذين أساؤوا بالعذاب (٥)، وقال مقاتل: لكن نجزي بالمغفرة قومًا يعملون الخير (٦).\n_________\n(١) ذكر ذلك الطبري في تفسيره ١٣/ ١٤٤، والنحاس في \"الناسخ والمنسوخ\" ٢/ ٦٢٥، ومكي في \"الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه\" ص ٣٥٥، وابن الجوزي في \"نواسخ القرآن\" ص ٤٥٩، وابن حزم في \"الناسخ والمنسوخ\" ص ٥٥، وابن البارزي في \"ناسخ القرآن العزيز ومنسوخه\" ص ٤٩، وأبو عبيد في \"الناسخ والمنسوخ في القرآن العزيز\" ص ١٩١.\n(٢) وقد رجح الدكتور سليمان اللاحم أن الآية محكمة في تحققه لكتاب \"الناسخ والمنسوخ\" للنحاس ٢/ ٦٢٦، وقال ابن الجوزي أيضًا: ويمكن أن يقال أنها محكمة وذكر رواية عطاء عن ابن عباس. انظر: \"نواسخ القرآن\" لابن الجوزي ص ٤٦٠، كما ذكر المؤلف رواية عطاء في \"أسباب النزول\" ص ٣٩٩، وذكرهما أيضًا القرطبي في \"الجامع\" ١٦/ ١٦١.\n(٣) أخرج ذلك الطبري عن قتادة. انظر: \"تفسيره\" ١٣/ ١٤٤، والنحاس في \"الناسخ والمنسوخ\" ٢/ ٦٢٦.\n(٤) أخرج ذلك الطبري عن أبي صالح. انظر: تفسيره ١٣/ ١٤٥، وذكره ابن الجوزي في \"نواسخ القرآن\" ص ٤٦٠.\n(٥) لم أقف عليه.\n(٦) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٣/ ٨٣٧.","vol":"20","page":140},{"text":"وقال آخرون: معنى الآية: قل للمؤمنين يتجاوزوا عن الكفار ليجزي الله الكفار بما كسبوا من الإثم ليوفيهم عقاب سيئاتهم بما عملوا من ذلك، قيل لا قكافؤنهم أنتم لنكافيهم نحن (١)، ثم ذكر المؤمنين وأعمالهم والمشركين وأعمالهم بقوله:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3987>١٥ </span>- ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا﴾ الآية.\n<span data-type=\"title\" id=toc-3988>١٦ </span>- قوله تعالى: ﴿الْكِتَابَ﴾ يعني التوراة ﴿وَالْحُكْمَ﴾ يعني الفهم في الكتاب، وقوله: ﴿وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ يعني المنَّ والسلوى، قاله الكلبي ومقاتل (٢).\n﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ تقدم تفسيره في سورة الدخان، [آية: ٣٢] قال ابن عباس: لم يكن أحد من العالمين في زمان بني إسرائيل أكرم على الله ولا أحب إليه منهم (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3989>١٧ </span>- قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُمْ بَيِّنَاتٍ مِنَ الْأَمْرِ﴾ قال ابن عباس: يعني ما بين لهم من أمر النبي -ﷺ- وأنه مهاجر من تهامة إلى يثرب يكون أنصاره أهل يثرب (٤).\nقوله تعالى: ﴿فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ مفسر في سورة: حم عسق [آية: ١٤] وغيرها من السور [آل عمران: ١٩].\n_________\n(١) انظر: \"زاد المسير\" ٧/ ٣٥٩.\n(٢) انظر: \"تنوير المقباس\" ص ٥٠٠، و\"تفسير مقاتل\" ٣/ ٨٣٧.\n(٣) ذكر ذلك البغوي في تفسيره ٧/ ٢٤٣، عن ابن عباس، ونسبه في \"الوسيط\" لابن عباس. انظر: ٤/ ٩٧.\n(٤) ذكر ذلك البغوي في \"تفسيره\"، ولم ينسبه. انظر: ٧/ ٢٤٣، ونسبه القرطبي لابن عباس ١٦/ ١٦٣.","vol":"20","page":141},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3990>١٨ </span>- قوله تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا﴾ قال الفراء: يقال دين وملة ومنهاج، كل ذلك يقال (١).\nوقال أبو عبيدة: على طريقة وسنة (٢).\nوقال المبرد: على منهاج وقصد، وبذلك سميت شريعة النهي (٣)؛ لأنها يوصل منها إلى الانتفاع، والشرائع في الدين المذاهب التي شرعها الله لخلقه، وهذا الحرف مما قد تقدم تفسيره [الشوري: ١٣، ٢١].\nقال ابن عباس: يريد على دين ظاهر رضيته لك (٤) ﴿فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ قال يريدت قريظة والنضير (٥).\nوقال مقاتل: الذين لا يعملون توحيد الله يعني كفار قريش (٦)، وقال الكلبي: إن رؤساء قريش قالوا للنبي -ﷺ- وهو بمكة: ارجع إلى ملة آبائك فهم كانوا أفضل منك (٧) وأسن، فأنزل الله هذه الآية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3991>١٩ </span>- ثم ذكر أن اتباعهم لا ينفعه، وأنهم لا يدفعون عنه ولا ينفعونه فقال: ﴿إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ لن يدفعوا عنك من عذاب الله شيئًا: ﴿وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ﴾ قال ابن عباس:\n_________\n(١) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ٤٦.\n(٢) انظر: \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ٢/ ٢١٠.\n(٣) انظر: \"أحكام القرآن\" لابن العربي ٤/ ١٦٩٤، ولم أقف عليه عند المبرد.\n(٤) ذكر ذلك الماوردي في \"تفسيره\" ونسبه لابن زيد. انظر: ٥/ ٢٦٤، ونسبه القرطبي لابن عباس لكن بلفظ (على هدى من الأمر) انظر: ١٦/ ١٦٣.\n(٥) انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٦/ ١٦٤.\n(٦) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٣/ ٨٣٨.\n(٧) ذكر ذلك مقاتل ٣/ ٨٣٨، والبغوي في \"تفسيره\" ٧/ ٢٤٣.","vol":"20","page":142},{"text":"يريد المنافقين أولياء اليهود (١)، وقال الكلبي، ومقاتل: يعني مشركي مكة بعضهم أولياء بعض، والله ولي المتقين الشرك (٢)، وهم أمة محمد -ﷺ-، وقال عطاء: يريد المهاجرين والأنصار (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3992>٢٠ </span>- قوله: ﴿هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ﴾ قال ابن عباس ومقاتل: يعني القرآن (٤)، كأنه قال هذا القرآن، (هذا) إشارة إلى القرآن، قاله الزجاج (٥)، وقال أبو عبيدة: مجازها مجاز القرآن بصائر للناس (٦)، وذكرنا تفسير هذه الآية في آخر سورة الأعراف [آية: ٢٠٣].\n<span data-type=\"title\" id=toc-3993>٢١ </span>- قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ﴾ قال الكلبي: نزلت في علي وحمزة وعبيدة بن الحارث، وفي ثلاثة رهط من المشركين عتبة وشيبة والوليد بن عتبة، قالوا للمؤمنين: والله ما أنتم علي شيء وإن كان ما تقولون حقًا لنفضلن عليكم في الآخرة كما فضلنا عليكم في الدنيا (٧).\nقال مقاتل: قال كفار مكة للمؤمنين: إنا نُعْطَى في الآخرة من الخير مثل ما تعطون. فقال الله: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ﴾ وهو استفهام إنكار ﴿اجْتَرَحُوا\n_________\n(١) ذكر ذلك القرطبي في \"الجامع\" ١٦/ ١٦٤ عن ابن عباس.\n(٢) انظر: \"تنوير المقباس\" ص ٥٠٠، و\"تفسير مقاتل\" ٣/ ٨٣٨.\n(٣) لم أقف عليه.\n(٤) انظر: \"تفسير الطبري\" ١٣/ ١٤٧ لكن نسبه لابن زيد، وانظر: \"تفسير مقاتل\" ٣/ ٨٣٨.\n(٥) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٤٣٢.\n(٦) انظر: \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ٢/ ٢١٠.\n(٧) انظر: \"تنوير المقباس\" ص ٥٠٠، و\"تفسير السمرقندي\" ٣/ ٢٢٥، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٦/ ١٦٥.","vol":"20","page":143},{"text":"السَّيِّئَاتِ﴾ عملوا الشرك (١)، واجترح معناه في اللغة: اكتسب (٢)، قال أبو عبيدة: اجترحوا: اكتسبوا (٣)، وأنشد للأعشى:\nوهو الدَّافِعُ عن ذي كُرْبَةٍ ... أيْدِي القَوْم إذا الجَاني اجْتَرَحْ (٤)\nوذكرنا الكلام في تفسير هذا الحرف عند قوله: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ﴾ [المائدة: ٤] قال ابن عباس: افتعلوا السيئات، يريد الشرك والنفاق (٥).\nقوله تعالى: ﴿سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ﴾ قرئ (سواء) رفعًا ونصبًا، واختار أبو عبيد النصب (٦) [موقع (نجعلهم) عليهم (٧)] قال: وهو عندنا وجه التأويل إن أحسنوا أن نجعلهم وهؤلاء الذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء.\nوقال الفراء: إذا نصبت (سواء) كانت بمنزلة قولك: رأيت القوم سواء صغارهم وكبارهم، ومررت بقوم سواء صغارهم وكبارهم (٨).\nوقال أبو إسحاق: من قرأ بالنصب جعله في موضع مستويًا (٩)، وهو\n_________\n(١) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٣/ ٨٣٩\n(٢) انظر: \"تهذيب اللغة\" (جرح) ٤/ ١٤١، و\"اللسان\" (جرح) ٢/ ٤٢٣.\n(٣) انظر: \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ٢/ ٢١٠.\n(٤) انظر: \"ديوان الأعشى\" ص ١٦١، و\"الزاهر\" لابن الأنباري ١/ ٢٦٨.\n(٥) لم أقف عليه.\n(٦) انظر: \"الحجة\" لأبي علي ٦/ ١٧٥، و\"الكشف عن وجوه القراءات\" لمكي ٢/ ٢٦٨، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٦/ ١٦٥، وقد أشار إلى اختيار أبي عبيد.\n(٧) كذا رسمها في الأصل، وذكر النحاس في \"إعراب القرآن\" اختيار أبي عبيد بلفظ (بوقوع \"نجعلهم\" عليها). انظر: \"إعراب القرآن\" للنحاس ٤/ ١٤٥.\n(٨) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ٤٧.\n(٩) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٤٣٣.","vol":"20","page":144},{"text":"قول الأخفش (١).\nقال أبو علي: من نصب (سواء) جعل المحيا والممات بدلًا من الضمير المنصوب في \"نجعلهم\" فيصير التقدير: أن نجعل محياهم ومماتهم سواء، على أنه مفعول ثانٍ لنجعل، فيكون انتصاب (سواء) على القول حسنًا، قال: ويجوز أن نجعله حالًا، ويكون المفعول الثاني قوله: ﴿كَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ وإذا كان كذلك أمكن أن يكون سواء منتصبًا على الحال، وعلى هذه القراءة الضمير في محياهم ومماتهم للقبيلتين المؤمنين والكافرين (٢).\nومعنى الآية: ما ذكره مجاهد عن ابن عباس قال: المؤمن مؤمن محياه مؤمن مماته، والكافر كافر محياه كافر مماته (٣). يعني أَحسِبوا أن حياتهم وموتهم كحياة المؤمنين وموتهم، كلا فإنهم يعيشون كافرين ويموتون كافرين، والمؤمنون يعيشون مؤمنين ثم يموتون مؤمنين، وقد مَيَّز الله بين الفريقين في مواضع من كتابه، فجعل حزب الإيمان في الجنة وحزب الكفر في السعير، هذا كله على القراءة بالنصب (٤)، وأما بالرفع فقال أبو إسحاق: الاختيار عند سيبويه والخليل وجميع البصريين الرفع لأن (سواء) في مذهب المصدر، تقول: ظننت زيدًا سواءً أبوه وأمه (٥)، قال أبو\n_________\n(١) انظر: \"معاني القرآن\" للأخفش ٢/ ٦٩٢.\n(٢) انظر: \"الحجة\" لأبي علي بتصرف ٦/ ١٧٧.\n(٣) أخرج ذلك الطبري عن مجاهد. انظر: \"تفسيره\" ١٤/ ١٣، و\"تفسير مجاهد\" ص ٦٠٠، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٦/ ١٦٦.\n(٤) قرأ الكسائي وحمزة وحفص عن عاصم (سواءً) نصبًا، وقرأ الباقون وأبو بكر عن عاصم (سواءٌ محياهم) رفع.\nانظر: \"الحجة\" ٦/ ١٧٥، و\"حجة القراءات\" لابن زنجلة ص ٦٦١.\n(٥) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٤٣٣، والكتاب لسيبويه ٢/ ٣٤، ولم أقف على اختيار الخليل، وانظر: \"إعراب القرآن\" للنحاس ٤/ ١٤٦.","vol":"20","page":145},{"text":"علي: ليس الوجه في الآية نصب سواء.\nوأجراه على ما قبله على حد قولك: مررت برجل ضارب أبوه؛ لأنه ليس باسم فاعل ولا ما شبه به من حسن وشديد ونحو ذلك، إنما هو مصدر فلا ينبغي أن يجرى على ما قبله كما يجرى اسم الفاعل وما شبه به، لتَعرِّيه من المعاني التي أعمل لها فاعلُ، وما شُبِّه به عَمَلُ الفعل (١).\nوقال المبرد: وجه الكلام الرفع؛ لأن (سواء) في معنى المصدر وليس باسم الفاعل، فلا يكون اسمًا لما قبله كما تقول: جعلت زيدًا مستويًا أمره، قال ووجه جواز النصب فيه أن المصدر يدل على الفعل وإن لم يكن اسم الفاعل، ومن قال هذا: مررت برجل تمام درهمه (٢).\nوقال أبو علي: ومن قال مررت برجل خير منه أبوه، وبسرجٍ خزٍّ صُفَّتُهُ، وبرجل مائةٍ إبلُهُ، استجاز أيضًا أن يجري (سواء) على ما قبله، ووجه القراءة بالرفع أن الكلام قد تم عنده قوله ﴿آمنوا﴾ والضمير في ﴿نجعلهم﴾ المفعول الأول، والمفعول الثاني: ﴿كالذين آمنوا﴾ وارتفع سواء بأنه خبر ابتداء مقدم تقديره: محياهم ومماتهم سواء، والضمير على هذه القراءة في المحيا والممات تعود على الكفار دون الذين آمنوا، والمعنى: محياهم محيا سوء ومماتهم كذلك، أي: أن محياهم ومماتهم يستويان في الذم والبعد من رحمة الله، ويجوز أن يكون الضيم للقبيلتين (٣).\n_________\n(١) انظر: \"الحجة\" لأبي علي ٦/ ١٧٥.\n(٢) لم أقف عليه.\n(٣) انظر: \"الحجة\" لأبي علي ٦/ ١٧٧.","vol":"20","page":146},{"text":"والمعنى: ما رواه قيس (١) بن سعد عن مجاهد قال: يموت المؤمن على إيمانه ويبعث عليه ويموت الكافر على كفره ويبعث عليه (٢)، وتأويل هذا أن محيا القبيلتين ومماتهم سواء، الكفار يعيشون كافرين ويموتون كافرين، والمؤمنون على الضد من ذلك، كما قال ابن أبي نجيح عن مجاهد: المؤمن مؤمن في الدنيا والآخرة، والكافر كافر في الدنيا والآخرة (٣).\nقوله تعالى: ﴿سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ قال ابن عباس: بئس ما حكموا (٤)، وقال مقاتل: بئس ما يقضون من الجور حين يرون أن لهم في الآخرة ما للمؤمنين (٥)، ثم ذكر أنه خلق السموات للحق ولجزاء كل نفس بما كسبت، كي لا يظن الكافر أنه لا يُجْزَى بكفره، وأنه يستوي مع المؤمن وهو قوله:\n_________\n(١) هو قيس بن سعد بن عبادة بن دليم بن حارثة بن أبي خزيمة بن ثعلبة بن طريف بن الخزرج ابن ساعدة الأنصاري الخزرجي الساعدي يكني أبا الفضل، وقيل: أبو عبد الله. وقيل: أبو عبد الملك، وكان من فضلاء الصحابة وأحد دهاة العرب وكرمائهم، قال ابن عيينة: كان ضخمًا حسنًا طويلًا، مات في خلافة عبد الملك. وقيل: في آخر خلافة معاوية سنة ٨٥ هـ.\nانظر: \"أسد الغابة\" لابن الأثير ٥/ ٢١٤، و\"تهذيب التهذيب\" ٨/ ٣٩٥، و\"الإصابة\" ٣/ ٢٤٩ (٧١٧٧).\n(٢) لم أقف على هذه الرواية وقد أخرج ابن جرير عن ابن أبي أبي نجيح عن مجاهد نحو هذه الرواية.\nانظر: \"تفسير ابن جرير\" ١٣/ ١٤٨، و\"تفسير مجاهد\" ص ٦٠٠، و\"الدر المنثور\" ٧/ ٤٢٦.\n(٣) انظر: \"تفسير الطبري\" ١٣/ ١٤٨، و\"تفسير مجاهد\" ص ٦٠٠، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٦/ ١٦٦.\n(٤) لم أقف عليه.\n(٥) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٣/ ٨٣٩.","vol":"20","page":147},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3994>٢٢ </span>- ﴿وَخَلَقَ اللَّهُ﴾.\n<span data-type=\"title\" id=toc-3995>٢٣ </span>- قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ ذكر المفسرون في هذا قولين: روى سعيد بن جبير عن ابن عباس في هذه الآية قال: كان أحدهم يعبد الحجر، فإذا رأى ما هو أحسن منه رمى به وعبد الآخر، ونحو هذا قال الكلبي (١) عنه، وقال مقاتل: نزلت في الحارث (٢) بن قيس، وذلك أنه هوي الأوثان فعبدها (٣)، القول الثاني: قال قتادة: هو الكافر لا يهوى شيئًا إلا ركبه لا يخاف الله (٤)، وهو قول الحسن ورواية عطاء عن ابن عباس قال: إذا هوي شيئًا هو لله سُخْطٌ اتبعه وترك ما لله فيه رضًا (٥)\nقوله: ﴿وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ قال ابن عباس: يريد علم ما يكون قبل أن يخلقه (٦)، وقال سعيد بن جبير ومقاتل: على علمه فيه (٧)، قال أبو\n_________\n(١) انظر: \"تفسير الثعلبي\" ١٠/ ١٠ ب، و\"تفسير الماوردي\" ٥/ ٢٦٥، و\"تفسير البغوي\" ٧/ ٢٤٥، و\"تفسير الوسيط\" ٤/ ٩٩، و\"تنوير المقباس\" ص ٥٠١.\n(٢) هو: الحارث بن قيس بن عدي بن سعد بن سهم السهمي كان أحد المستهزئين الذين يؤذون النبي -ﷺ-، وهو ابن العيطلة رهط أمه، وكان يأخذ حجرًا يعبده فإذا رأى أحسن منه ترك الأول وعبد الثاني، أكل حوتًا مملوحًا فلم يزل يشرب الماء حتى مات.\nانظر: \"الكامل\" لابن الأثير ٢/ ٤٨.\n(٣) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٣/ ٨٣٩، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٦/ ١٦٧.\n(٤) أخرج ذلك الطبري عن قتادة. انظر: تفسيره ١٣/ ١٥٠، و\"تفسير البغوي\" ٧/ ٢٤٥.\n(٥) انظر: \"تفسير الحسن البصري\" ٢/ ٢٨١، و\"تفسير البغوي\" ٧/ ٢٤٥، و\"تفسير الوسيط\" ٤/ ٩٩، و\"تفسير الشوكاني\" ٥/ ٨.\n(٦) انظر: \"تفسير الطبري\" ١٣/ ١٥١، و\"تفسير الماوردي\" ٥/ ٢٦٥، و\"تفسير البغوي\" ٧/ ٢٤٥ ولم ينسبه.\n(٧) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٣/ ٨٤٠، و\"تفسير الوسيط\" ٤/ ٩٩ عن سعيد بن جبير.","vol":"20","page":148},{"text":"إسحاق: أي: على ما سبق في علمه أنه ضال قبل أن يخلقه (١).\nقولى تعالى: ﴿وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ﴾ وقال ابن عباس: يريد بالأمر الذي سبق في أم (٢) الكتاب، وقال مقاتل: طبع على سمعه فلم يسمع الهدى، وعلى قلبه فلم يعقل الهدى (٣).\nقوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً﴾ قالا: يعني: ظلمة فلا يبصر الهدى (٤)، ونظير هذه الآية ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [البقرة: ٧] الآية، وليس يبقى للقدرية مع هذه الآية عذر ولا حيلة؛ لأن الله تعالى صرح بمنعه إياهم عن الهدى حين أخبر أنه ختم على قلب هذا الكافر وسمعه (٥) ثم أكد ذلك بقوله: ﴿فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ﴾ قال مقاتل: بعد إذ أضله الله، والتقدير: بعد إضلال الله ﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ أيها المنكرون قدرة الله وتوحيده فتعرفون أنه قادر على ما يشاء (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3996>٢٤ </span>- ﴿وَقَالُوا﴾ يعني: منكري البعث ﴿مَا هِيَ﴾ ما الحياة ﴿إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا﴾ يعني: ما هم فيه من الحيرة ﴿نَمُوتُ وَنَحْيَا﴾ قال مقاتل: نموت نحن\n_________\n(١) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٤٣٣.\n(٢) لم أقف عليه.\n(٣) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٣/ ٨٤٠.\n(٤) انظر: \"تنوير المقباس\" ص ٥٥١، و\"تفسير مقاتل\" ٣/ ٨٤٠.\n(٥) قال ابن جرير: في قوله: ﴿وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ يقول تعالى ذكره: وخذله عن محجة الطريق وسبيل الرشاد في سابق علمه على علم منه بأنه لا يهتدي ولو جاءته كل آية. ﴿فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ﴾ يقول تعالى ذكره: فمن يوقفه لإصابة الحق وإبصار محجة الرشد بعد إضلال الله إياه ﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ أيها الناس فتعلموا أن من فعل الله به ما وصفنا فلن يهتدي أبدًا، ولن يجد لنفسه وليًّا مرشدًا، ١٣/ ١٥٠، ١٥١.\n(٦) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٣/ ٨٤٠.","vol":"20","page":149},{"text":"ويحيا آخرون يخرجون من أصلابنا، فنحن كذلك أبدًا (١)، وهذا قول المفسرين. والمعنى: نموت نحن وتحيا أولادنا، فيموت قوم ويحيا قوم (٢)، قال الفراء: وفعل أبنائهم الذين يجيئون بعدهم كفعلهم، وهو في العربية كثير (٣).\nوذكر أبو إسحاق وجهين آخرين؛ أحدهما: أن المعنى: نحيا ونموت، والواو للاجتماع، وليس فيها دليل على أن أحد الشيئين قبل الآخر. والثاني: يقولون: ابتدأنا موات في أصل الخلقة، ثم نحيا (٤).\nقوله تعالى: ﴿وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ قال الكلبي والمفسرون: وما يهلكنا إلا طول العمر واختلاف الليل والنهار (٥)، قال قتادة: إلا العمر (٦)، قال ابن عيينة: كان أهل الجاهلية يقولون: الدهر هو الذي يهلكنا هو الذي يميتنا ويحيينا (٧).\n_________\n(١) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٣/ ٨٤٠.\n(٢) انظر: \"تفسير الطبري\" ١٣/ ١٥١، و\"الثعلبي\" ١٠/ ١٠٣ أ، و\"الماوردي\" ٥/ ٢٦٦، و\"البغوي\" ٧/ ٢٤٥، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٦/ ١٧٠، و\"تفسير ابن كثير\" ٦/ ٢٦٩.\n(٣) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ٤٨.\n(٤) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٤٣٤.\n(٥) انظر: \"تفسير السمرقندي\" ٣/ ٢٢٦، و\"تفسير البغوي\" ٧/ ٢٤٥، و\"تفسير الوسيط\" ٤/ ١٠٠.\n(٦) أخرج ذلك الطبري عن قتادة انظر: \"تفسيره\" ١٣/ ١٥٢، و\"تفسير الماوردي\" ٥/ ٢٦٦، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٦/ ١٧٠.\n(٧) انظر: \"تفسير سفيان بن عيينة\" ص ٣١٩، وأخرجه الثعلبي في تفسيره ١٠/ ١٠٣ أ، ونسبه القرطبي لابن عيينة ١٦/ ١٧٠، وهذا معنى حديث متفق عليه ولفظه: \"قال =","vol":"20","page":150},{"text":"قال الله تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ﴾ الذي قالوه ﴿مِنْ عِلْمٍ﴾ أي لم يقولوا ذلك من علم علموه، بل قالوه ضلالًا شاكين، وهو قوله: ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ قال مقاتل: يعني: ما يستيقنون إنما يتكلمون بالظن (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3997>٢٧ </span>- قوله تعالى: ﴿يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ﴾ قال مقاتل والكلبي: يعني: المكذبين الكافرين، والمبطلون أصحاب الأباطيل (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-3998>٢٨ </span>- قوله تعالى: ﴿وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً﴾ قال الليث: الجُثُو الجلوس على الركب (٣) كما يُجْثَى بين يدي الحاكم، وقال أبو عبيدة: جاثية على الركب (٤)، يراد: أنها غير مطمئنة. قال أبو إسحاق: معناه جاثية جالسة على ركب، يقال: جثا فلان يجثو إذا جلس على ركبته، ومثله جذا يجذو، والجذو أشد استيفازًا؛ لأنه على أطراف الأصابع (٥)، قال ابن عباس: يريد نجثوا على ركبنا ننتظر القضاء (٦)، وقال مقاتل: جاثية على الركب عند\n_________\n= الله -﷿- يؤذيني ابن آدم يسب الدهر وأنا الدهر بيدي الأمر أقلب الليل والنهار\". أخرجه البخاري في عدة مواضع منها في كتاب التفسير سورة الجاثية، باب ١ وما يهلكنا إلا الدهر ٦/ ٤١، ومسلم كتاب الألفاظ من الأدب وغيرها باب النهي عن سب الدهر ٢/ ١٧٦٢.\n(١) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٣/ ٨٤٠.\n(٢) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٣/ ٨٤١، و\"تفسير البغوي\" ٧/ ٢٤٦، و\"زاد المسير\" ٧/ ٣٦٣.\n(٣) انظر: \"كتاب العين\" (جذو) ٦/ ١٧١، وتهذيب اللغة (جثا) ١١/ ١٧٢ من غير نسبة، ومفردات الراغب (جثا) ص ٨٨.\n(٤) انظر: \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ٢/ ٢١٠.\n(٥) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٤٣٥.\n(٦) ذكر الماوردي في تفسيره أنه بمعنى: مجتمعة، ونسبه لابن عباس ٥/ ٢٦٧، وذكره أبو حيان في تفسيره ٨/ ٥٠.","vol":"20","page":151},{"text":"الحساب (١)، وقال مجاهد: مستوفزين على الركب (٢) وينشد هاهنا:\nأخَاصِمُهُم مَرةً قائمًا ... وأحْدُو إذا ما جَثَوا للرُّكَب (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3999>٢٩ </span>- قوله: ﴿هَذَا كِتَابُنَا﴾ المفسرون على أن الكتاب هاهنا اللوح المحفوظ (٤)، وقد ذكر أنه ديوان الحفظة (٥).\nقوله: ﴿يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ﴾ أي يشهد عليكم بالحق، ويستعار النطق للكتاب على معنى التبيين، يقال: نطق الكتاب بكذا، ونطق به التنزيل، على معنى بينه بيانًا شافيًا حتى كأنه ناطق (٦)، وقال ابن قتيبة: يراد أنهم يقرأونه فيذكرهم ويدلهم، فكأنه ينطق عليهم (٧).\nقوله تعالى: ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ﴾ قال أبو عبيدة: نثبت وهو قول الضحاك وقال ابن قتيبة: نكتب (٨). ومعنى نستنسخ: نأمر بالنسخ، وفيه قولان من المعنى. أحدهما: نأمر الملائكة بنسخ ما تعملون، أي كَتْبه وإثباته عليكم، والآخر: نأمر بانتساخ ما يعملون من أم الكتاب، وكلا\n_________\n(١) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٣/ ٨٤١.\n(٢) أخرج ذلك الطبري عن مجاهد. انظر: \"تفسيره\" ١٣/ ١٥٤، و\"تفسير مجاهد\" ص ٦٠٠، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٦/ ١٧٤.\n(٣) لم أقف عليه.\n(٤) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٣/ ٨٤١، و\"زاد المسير\" ٧/ ٣٦٤.\n(٥) انظر: \"تفسير الثعلبي\" ١٠/ ١٠٥ أ، و\"تفسير البغوي\" ٧/ ٢٤٧، و\"تفسير الوسيط\" ٤/ ١٠٠ و\"تنوير المقباس\" ص ٥٠١، و\"زاد المسير\" ٧/ ٣٦٤.\n(٦) انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٦/ ١٧٥، والبحر المحيط ٨/ ٥١.\n(٧) انظر: \"تفسير غريب القرآن\" لابن قتيبة ص ٤٠٥.\n(٨) انظر: \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ٢/ ٢١١، و\"تفسير البغوي\" ٧/ ٢٤٧، فقد ذكر قول الضحاك، و\"تفسير غريب القرآن \" لابن قتيبة ص ٤٠٦.","vol":"20","page":152},{"text":"القولين مروي عن ابن عباس (١)، القول الأول رواه الكلبي واختاره الفراء، والاستنساخ أن الملكين يرفعان عمل الرجل صغيره وكبيره، فيثبت الله من عمله ما كان له ثواب أو عقاب، ويطرح منه اللغو الذي لا ثواب فيه ولا عقاب، كقولك: هلم واذهب، فذلك الاستنساخ (٢).\nالقول الثاني: رواه مقسم عن ابن عباس: أن الله وكَّل ملائكةً مطهرين يستنسخون من أم الكتاب كل عام في رمضان ما يكون من بني آدم، فيعارضون حفظة الله على العباد عشية كل خميس فيجدون ما جاء به الحفظة من أعمال العباد موافقًا لما في كتابهم الذي استنسخوه من ذلك الكتاب، ليس فيه زيادة ولا نقصان (٣)، وقال مقاتل: يستنسخ من اللوح المحفوظ يعني: نسخه أعمالكم قبل أن تعملوا (٤).\nقال مقسم: قال ابن عباس: ألستم قومًا عربًا، هل تكون النسخة إلا من كتاب (٥)؟ وعلى هذا القول الاستنساخ أن يأمر الله الملائكة باتخاذ النسخة من أم الكتاب، وعلى القول الأول تكتب النَّسَخةُ عليهم من أعمالهم التي يعملونها، واختار الزجاج القول الثاني، وقال: الاستنساخ\n_________\n(١) انظر: \"تفسير الطبري\" ١٣/ ١٥٦، و\"معاني القرآن\" للنحاس ٦/ ٤٣٣، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٦/ ١٧٥، و\"تفسير ابن كثير\" ٦/ ٢٧١.\n(٢) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ٤٨ - ٤٩، و\"تنوير المقباس\" ص ٥٠١.\n(٣) ذكر ذلك السيوطي في \"الدر المنثور\" ٧/ ٤٣١، والقرطبي في \"الجامع\" ١٦/ ١٧٥. كلاهما عن ابن عباس، ونسبه ابن كثير لابن عباس، انظر: \"تفسيره\" ٦/ ٢٧١.\n(٤) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٣/ ٨٤١.\n(٥) انظر: \"تفسير الطبري\" ١٣/ ١٥٦، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٦/ ١٧٥، و\"الدر المنثور\" ٧/ ٤٣٠، وقد نسبوه لابن عباس.","vol":"20","page":153},{"text":"لا يكون إلا من أصل، وهو أن يستنسخ كتابًا من كتاب (١)، وروى ابن عمر عن النبي -ﷺ- في هذه الآية معنى القول الثاني مثل ما ذكرنا (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4000>٣١ </span>- قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَفَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ قال الزجاج: جواب (أما) محذوف لأن في الكلام دليلًا عليه، المعنى: وأما الذين كفروا فيقال لهم: ألم تكن، فدلت الفاء في قوله: (أفلم) على قولك: فيقال لهم (٣).\nقوله: ﴿فَاسْتَكْبَرْتُمْ﴾ قال مقاتل: تكبرتم على الإيمان بالقرآن (٤).\n﴿وَكُنْتُمْ قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾ منكرين كافرين قاله ابن عباس (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4001>٣٢ </span>- قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ قال مقاتل: يعني البعث كائن (٦) ﴿وَالسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيهَا﴾ يعني: القيامة لا شك فيها أنها كائنة، وقرئ (والساعة) رفعًا ونصبًا.\nقال أبو إسحاق: من نصب فعطف على الوعد، ومن رفع فعلى معنى: وقيل الساعة لا ريب فيها (٧).\nقال أبو علي: الرفع في (الساعة) من وجهين أحدهما: أن يقطعه من الأول فيعطف جملة على جملة، والآخر: أن يكون المعطوف محمولًا\n_________\n(١) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٤٣٥.\n(٢) ذكر ذلك السيوطي في \"الدر المنثور\" ٧/ ٤٣٠.\n(٣) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٤٣٥.\n(٤) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٣/ ٨٤١.\n(٥) ذكر ذلك ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٧/ ٣٦٥، عن ابن عباس.\n(٦) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٣/ ٨٤٢.\n(٧) انظر: \"معاني القرآن\" الزجاج ٤/ ٤٣٥.","vol":"20","page":154},{"text":"على معنى \"إن\" وما عملت فيه وموضعها رفع (١)، ومن نصب حمله على لفظ \"إن\" مثل: إن زيدًا منطلق وعمرًا قائم، وموضع قوله: \"لا ريب فيها\" رفع بأنه في موضع خبر (إن) وقد عاد الذكر إلى الاسم؛ لأن قوله: (لا ريب فيها) في معنى: حق، وكأنه قال: والساعة حق (٢).\nوقال الأخفش (٣): الرفع أجود في المعنى في كلام العرب، أكثر إذا جاء بعد إن اسمٌ معطوف أو صفة أن يرفع، قال: والنصب عربي ويقوي ما قال قوله: ﴿إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٨] فالعاقبة لم تقرأ إلا رفعًا (٤).\nقوله تعالى: ﴿قُلْتُمْ مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا﴾ قال الكلبي: هم أهل مكة قالوا: ما ندري ما يقول، ولكنا نظنه ظنًا في غير يقين أنه كما قلت (٥)، وقال ابن قتيبة: أي ما نعلم ذلك إلا حديثًا وظنًا وما نستيقنه (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4002>٣٣ </span>- قوله: ﴿وَبَدَا لَهُمْ﴾ يعني في الآخرة ﴿سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا﴾ وهي الشرك والكفر.\n_________\n(١) انظر: \"الحجة\" لأبي علي ٦/ ١٧٩.\n(٢) انظر: \"الكشف عن وجوه القراءات\" لمكي ٢/ ٢٦٩، و\"حجة القراءات\" لابن زنجلة ص ٦٦٢.\n(٣) هذا ليس في \"معاني القرآن\" للأخفش، وقد نقله المؤلف عن \"الحجة\" لأبي علي ونص العبارة في \"الحجة\": \"الرفع أجود في المعنى، وفي كلام العرب، وأكثر إذا جاء بعد خبر إن اسم معطوف أو صفة أن يرفع ... \" ٦/ ١٨١.\n(٤) انظر: \"الحجة\" لأبي علي ٦/ ١٨١.\n(٥) لم أقف عليه.\n(٦) انظر: \"تفسير غريب القرآن\" لابن قتيبة ص ٤٠٦.","vol":"20","page":155},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4003>٣٤ </span>- ﴿وَقِيلَ﴾ يعني: الكفار ﴿الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ﴾ نترككم في النار، قاله ابن عباس ومقاتل (١) ﴿كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ قال الفراء: كما تركتم العمل للقاء يومكم هذا (٢).\nوقال الزجاج: كما تركتم الإيمان والعمل ليومكم (٣) هذا، وقد فسرنا هذا القول في سورة ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ [السجدة: ٢].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4004>٣٥ </span>- قوله: ﴿وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ قال ابن عباس: لا يقبل الله منهم توبة ولا عذرًا، وروي عنه: لا يعاتبون بعد ذلك، انقطعت المعاتبة (٤)\nقال الفراء: لا يراجَعون الكلامَ بعد دخولهم النار (٥).\nوقال أبو إسحاق: لا يُلتمسُ منهم عملٌ ولا طاعة (٦).\nوذكرنا معنى الاستعتاب فيما تقدم [فصلت: ٢٤].\nتمت.\n_________\n(١) أخرج ذلك الطبري عن ابن عباس. انظر: تفسيره ١٣/ ١٥٨، و\"تفسير مقاتل\" ٣/ ٨٤٢.\n(٢) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ٤٩.\n(٣) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٤٣٦.\n(٤) ذكر ذلك البغوي في تفسيره، ولم ينسبه ٧/ ٢٤٨، وكذلك ذكره ابن الجوزي ولم ينسبه ٧/ ٣٦٦.\n(٥) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ٤٩.\n(٦) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٤٣٦.","vol":"20","page":156},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4005>سورة الأحقاف</span>","vol":"20","page":157},{"text":"تفسير سورة الأحقاف\nبسم الله الرحمن الرحيم\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4006>١ </span>- ﴿حم﴾ الآيات نظم ابتداء هذه السورة كنظم ابتداء سورة الجاثية وقد ذكرنا ما فيه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-4007>٣ </span>- قوله: ﴿مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ قال ابن عباس ومقاتل: لم نخلقهما باطلا عبثًا لغير شيء، ما خلقناهما إلا للثواب والعقاب (١)، وقد مر تفسير هذه الآية في مواضع [الحجر: ٨٥].\nقوله تعالى: ﴿وَأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ قال المفسرون: يعني يوم القيامة، وهو الأجل الذي تنتهي إليه السموات والأرض، وهذا إشارة إلى فنائها وانقضاء أمرها (٢)، ثم ذكر أن الكفار أعرضوا بعد أن قام لهم الدليل بخلق السموات والأرض، فقال: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾ خوفوا به في القرآن معرضون أي: لم يتعظوا بالقرآن (٣) ثم دعاهم إلى الدليل لهم على بطلان ما يعبدون من الأوثان بقوله:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4008>٤ </span>- ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ﴾ وهي مفسَّرة في سورة فاطر [آية: ٤٠] إلى قوله:\n_________\n(١) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٤/ ١٥، ونسبه في \"الوسيط\" لابن عباس. انظر: ٤/ ١٠٢.\n(٢) انظر: \"تفسير الماودي\" ٥/ ٢٧١، و\"البغوي\" ٧/ ٢٥١، و\"القرطبي\" ١٦/ ١٧٨.\n(٣) انظر: \"تفسير الطبري\" ١٣/ ٢/ ١، و\"تفسير البغوي\" ٧/ ٢٥١.","vol":"20","page":159},{"text":"﴿ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا﴾ أي: ائتوني بكتاب من قبل القرآن فيه برهان ما تدعون من عبادة الأصنام ﴿أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ﴾، قال أبو عبيدة: أي بقية، ويقال: ناقة ذات أثارة، أي بقية من شحم (١)، ونحو هذا ذكر الفراء (٢)، والزجاج (٣) في معنى الأثارة أنها البقية.\nقال ابن قتيبة: أي بقية علم عن الأولين (٤)، وزاد الفراء فقال: ويقال أو شيء مأثور من كتب الأولين، قال: وأثارة على المصدر مثل: السماحة والشجاعة (٥)، وزاد الزجاج فقال: (أثارة) معناها علامة من علم (٦).\nوقال المبرد: أثارة ما يؤثر من علم، كقولك: هذا حديث يؤثرُ عن فلان، ومن ثَمَّ سميت الأخبار الآثار، يقال: في الأثر كذا وكذا، قال: وقالوا في الأثارة: الشيء الحسن البهي في العين، يقال للناقة: ذات أثارة، إذا كانت ممتلئة تروق العين، يقال: أثرة وأثارة على فَعَلة وفَعَالة، فهذا ما ذكره علماء اللغة في تفسير هذا الحرف (٧)، وهو ينقسم إلى أقوال ثلاثة:\nالأول: البقية، واشتقاقه من: أَثَرْثُ الشيء أُثِيره إِثَارَة، كأنها بقية تستخرج فتثار، وهو قول الحسن (٨).\n_________\n(١) انظر: \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ٢/ ٢١٢.\n(٢) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ٥٠.\n(٣) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٤٣٨.\n(٤) انظر: \"تفسير غريب القرآن\" لابن قتيبة ص ٤٠٧.\n(٥) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ٥٠.\n(٦) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٤٣٨.\n(٧) انظر: \"تهذيب اللغة\" (أثر) ١٥/ ١١٩، و\"الصحاح\" (أثر) ٢/ ٥٧٤، و\"اللسان\" (أثر) ٤/ ٥.\n(٨) أخرج ذلك الطبري عن الحسن. انظر: \"تفسيره\" ١٣/ ٣/٢، و\"تفسير الحسن البصري\" ٢/ ٢٨١، و\"زاد المسير\" ٧/ ٣٦٩.","vol":"20","page":160},{"text":"الثاني: من الأثر الذي هو الرواية (١)، ومنه قول الأعشى:\nإنَّ الذي فيه تَمَارَيْتُمَا ... بُيِّنَ للسَّامِع والأَثِرِ (٢)\nالثالث: من الأثر بمعنى العلامة (٣)، وعلى [هذا المعاني] (٤) يدور كلام المفسرين، روى عطاء عن ابن عباس؛ قال: يريد أو شيء ترويه عن نبي كان قبل محمد -ﷺ-.\nوقال مقاتل: أو رواية من علم عن الأنبياء أن لله شريكًا (٥)، وقال: هذا قول مجاهد وعكرمة والقرظي (٦)، وعلى هذا الأثارة مصدر يقال: أثر ياثر أثرًا وأثارة بمعنى روى، وقال في رواية الكلبي: بقية من علم (٧)، وعلى هذا معنى قول قتادة: خاصة من العلم؛ لأن الخاصة من العلم بقية منه بقيت عند خواص العلماء (٨)، ويحتمل قول قتادة وجهًا آخر، وهو أن تكون الأثارة من إيثار والاستيثار يقال: أثرت فلانًا بكذا، إذا خصصته به\n_________\n(١) أخرج ذلك الطبري عن مجاهد. انظر: تفسيره ١٣/ ٣/٢، و\"تفسير مجاهد\" ص ٦٠٢، و\"تفسير الماوردي\" ٥/ ٢٧١.\n(٢) انظر: \"ديوانه\" ص ٩٢، و\"اللسان\" (أثر) ٤/ ٦، و\"تفسير الثعلبي\" ١٠/ ١٠٦ ب، و\"الدر المصون\" ٦/ ١٣٥.\n(٣) وهذا قول الزجاج، انظر: \"معاني القرآن\" ٤/ ٤٣٨، و\"زاد المسير\" ٧/ ٣٦٩.\n(٤) كذا رسمها في الأصل ولعل الصواب (هذه المعاني).\n(٥) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٤/ ١٥، ونسبه في \"الوسيط\" لعطاء. انظر: ٤/ ١٠٣.\n(٦) أخرج الطبري عن مجاهد بلفظ: (أحد يأثر علمًا) ١٣/ ٢/ ٣، وذكر الماوردي عن عكرمة ميراث من علم ٥/ ٢٧١، وذكر الثعلبي قول القرظي بلفظ: الإسناد ١٠/ ١٠٦ ب، وذكره أيضًا القرطبي ١٦/ ١٨٢.\n(٧) انظر: \"تنوير المقباس\" ص ٥٠٢.\n(٨) انظر: \"تفسير الطبري\" ١٣/ ٣/ ٢، و\"الماوردي\" ٥/ ٢٧١، و\"القرطبي\" ١٦/ ١٨٢.","vol":"20","page":161},{"text":"واستأثر فلان بكذا، إذا اختص به دون غيره (١)، ومنه قول الأعشى:\nاستأثَرَ اللهُ بالوَفَاءِ وبـ ... الحَمْدِ وولَّى الملامَةَ الرَّجُلا (٢)\nويقال لفلان: أثرة بكذا أو أثارة، أي اختصاص، ويؤكد ما قلناه قراءة السلمي والحسن (أو أَثَرةٍ من علم) (٣)، والمعنى على هذا: ائتوني بعلم تنفردون به دوننا، فإنا لا نعلم أن لله شريكًا، وهذا وجه حسن، وروى أبو سلمة (٤) عن ابن عباس والشعبي أيضًا عنه في قوله: ﴿أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ﴾ قال: هو علم الخط (٥)، وهو خط كان تخطه العرب في الأرض.\nوروي عن النبي -ﷺ- أنه قال: \"قد كان نبي من الأنبياء يخط فمن وافق خطه، عَلِمَ عِلْمَه\" (٦). والمعنى على هذا: ائتوني بعلم من قبل الخط الذي\n_________\n(١) انظر: \"تهذيب اللغة\" (أثر) ١٥/ ١٢٢، و\"اللسان\" (أثر) ٤/ ٨، و\"معاني القرآن\" للنحاس ٦/ ٤٤٠.\n(٢) انظر: \"شرح المعلقات العشر\" ص ١٣٧، و\"اللسان\" (أثر) ٤/ ٨.\n(٣) ذكره هذه القراءة الكلبي في \"تفسير\" ١٠/ ١٠٦ ب، والماوردي في \"تفسيره\" ٥/ ٢٧١، والقرطبي في \"الجامع\" ١٦/ ١٨٢، وأبو حيان في \"البحر المحيط\" ٨/ ٥٥، وهي بفتح الهمزة والثاء.\n(٤) هو: أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف.\n(٥) أخرج ذلك الحاكم عن أبي سلمة عن ابن عباس، وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. انظر: \"المستدرك\" التفسير ٢/ ٤٥٤. كما أخرج رواية الشعبي عن ابن عباس وقال: هذه زيادة عن ابن عباس في قوله -﷿- غريبة في هذا الحديث، وسكت عنه الذهبي ٢/ ٤٥٤.\n(٦) أخرج مسلم في \"صحيحه\" عن معاوية بن الحكم السلمي في حديث طويل، وفيه قال: قلت: ومنا رجال يخطون قال: \"كان نبي من الأنبياء يخط فمن وافق خطه فذاك\"، انظر: \"صحيح مسلم\" كتاب المساجد، باب ٧، تحريم الكلام في الصلاة .. ١/ ٣٨١، وفي كتاب السلام، باب ٣٥، تحريم الكهانة وإتيان الكهان =","vol":"20","page":162},{"text":"تخطونه في الأرض، وكأنه قيل لهم ذلك لأنهم كانوا يعدونه علمًا لهم وبيانًا في الأمور فقيل لهم: ائتوني بعلم من هذه الجهة على ما تدعونه حقًّا إن كنتم صادقين أن لله شريكًا. واشتقاق هذا القول من الأثر بمعنى العلامة، والخط أثر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4009>٥ </span>- ثم ذكر ضلالة هؤلاء. فقال: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ﴾ إلى قوله: ﴿مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ﴾ قال ابن عباس: لا يثيبه ولا يرزقه إلى يوم القيامة (١). قال مقاتل: أبدًا، يعني: لا يستجيب له أبدًا ما دامت الدنيا، فإذا قامت القيامة كانت الآلهة أعداء لمن عبدها في الدنيا (٢)، وهو قوله:\n<span data-type=\"title\" id=toc-4010>٦ </span>- ﴿وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾، وهذا كقوله: ﴿وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مريم:<span data-type=\"title\" id=toc-4011> ٨</span>٢] وقد مر. قال ابن عباس: يريد الملائكة وعيسى وعزير وكل ما عبد من دون الله أعداء لمن عبدهم (٣) ﴿وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾؛ لأنهم يقولون: ما دعوناهم إلى عبادتنا وتبرؤوا من عبادتهم كما قال: ﴿تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ﴾ [القصص: ٦٣].\n٨ - قوله: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾ وذلك أن كفار مكة قالوا: ما هذا القرآن إلا شيء ابتدعته من تلقاء نفسك فقال الله: ﴿قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلَا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾.\n_________\n= ٢/ ١٧٤٩، كما أخرجه الإمام أحمد في \"المسند\" ٥/ ٤٤٧، والنسائي في \"السنن\" كتاب السهو، باب ٢٠، الكلام في الصلاة ٣/ ١٤، وأبو داود في \"السنن\" كتاب الطب، باب ٢٣، في الخط وزجر الطير ٤/ ٢٢٩.\n(١) لم أقف عليه.\n(٢) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٤/ ١٦.\n(٣) لم أقف عليه.","vol":"20","page":163},{"text":"قال مقاتل: لا تقدروا لحى أن تردوا عني عذابه (١)، وهذا كقوله: ﴿قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [الفتح: ١١] ومثله في التنزيل كثير.\nوقال ابن عباس: لا تمنعونني من الله (٢) والمعنى: أنكم لا تقدرون أن تدفعوا عني عقاب الله، فكيف أفتري على الله لأجلكم وأنا أعلم هذا، وفيه تبعيد لقولهم افتريته، ﴿هُوَ﴾ أي: الله ﴿أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ أي: بما تقولون في القرآن وتخوضون فيه من التكذيب به، والقول فيه أنه سحر وكهانة، قاله المفسرون (٣)، وكل خوض في الحديث إفاضة كقوله (٤): ﴿إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ [يونس: ٦١] وقد مر.\n﴿كَفَى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ قال مقاتل: يعني فلا شاهد أفضل من الله بيني وبينكم أن القرآن جاء من الله ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ في تأخير العذاب عنكم حين لا يعجل عليكم بالعقوبة (٥).\nوقال ابن عباس: يريد لأوليائه وأهل طاعته (٦).\nوقال أبو إسحاق: معنى الغفور الرحيم هاهنا دعاهم إلى التوبة، معناه: أن من أتى من الكبائر العظام بمثل ما أتيتم به من الافتراء على الله (٧)، وعليَّ ثم تاب فالله غفور رحيم له.\n_________\n(١) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٤/ ١٦.\n(٢) لم أقف عليه\n(٣) انظر: \"تفسير الطبري\" ١٣/ ٢/ ٥، و\"زاد المسير\" ٧/ ٣٧١، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٦/ ١٨٤، و\"تفسير الوسيط\" ٤/ ١٠٤.\n(٤) انظر: اللسان (خوض) ٧/ ١٤٧.\n(٥) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٤/ ١٦، ١٧.\n(٦) لم أقف عليه.\n(٧) نص العبارة عند الزجاج: (من افتراء على الله جل وعلا ثم تاب فإن الله غفور رحيم) ٤/ ٤٣٩.","vol":"20","page":164},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4012>٩ </span>- قوله تعالى: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ قال أبو عبيدة: أي ما كنت أولهم (١)، ونحو هذا قال الفراء (٢)، والزجاج (٣) وقال المبرد: البدع والبديع من كل شيء المبتدأ، والبدعة ما اخترع مما لم تجر به سنة، ورجل درع من قوم أبداع (٤) قال عدي بن زيد:\nفَلاَ أنا بِدْعٌ مِنْ حَوَادِثَ تَعْتَرِي ... رِجالًا عَرَتْ مِنْ بَعْدِ بُؤْسَى وأسْعُدِ (٥)\nوقال الكسائي: رجل بدع وامرأة بدعة، وامرأتان بدعتان، ونساء بدع، بكسر الباء وفتح الدال، وأبداع (٦).\nقال المفسرون: ما أنا بأول رسول بعث، قد أرسل قبلي رسل كثيرون (٧).\nقال مقاتل: وهذا جواب لقولهم أما وجد الله نبيًّا غيرك (٨).\nقوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ﴾ روي عن ابن عباس في\n_________\n(١) انظر: \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ٢/ ٢١٢.\n(٢) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ٥٠.\n(٣) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٤٣٩.\n(٤) انظر: الصحاح (بدع) ٣/ ١١٨٣، و\"اللسان\" (بدع) ٨/ ٦، و\"إعراب القرآن\" للنحاس ٤/ ١٦٠.\n(٥) استشهد بهذا البيت الطبري ١٣/ ٢/ ٦، وابن عطية ١٥/ ١٣، والقرطبي ١٦/ ١٨٥، وأبو حيان ٨/ ٥٦، وفي \"شعراء النصرانية\" ص ٤٦٥، و\"المفضليات\" ٨٢٩.\n(٦) انظر: قول الكسائي في اللسان (بدع) ٨/ ٧.\n(٧) انظر: \"تفسير الطبري\" ١٣/ ٢/ ٦، و\"تفسير الماوردي\" ٥/ ٢٧٢، و\"تفسير البغوي\" ٧/ ٢٥٢، و\"تغليق التعليق\" ٤/ ٣١١.\n(٨) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٤/ ١٧.","vol":"20","page":165},{"text":"هذا قولان قال في رواية عطاء: لما نزلت هذه الآية فرح المشركون واليهود والمنافقون فقالوا كيف نتبع نبيًا لا يدري ما يُفعلُ به ولا بنا، فأنزل الله تعالى ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ﴾ [الفتح: ١ - ٢] الآيات إلى قوله (١) ﴿وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: ٥] فبين الله ما يفعل به وبمن اتبعه من المؤمنين، ونسخت هذه الآية، وأرغم الله أنف المنافقين والمشركين واليهود، ورحم النبي -ﷺ- والمؤمنين، وقال قتادة في هذه الآية: نسختها ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ وهذا قول أنس وعكرمة (٢).\nوقال في رواية الكلبي: لما اشتد البلاء بأصحاب رسول الله -ﷺ- بمكة رأى في المنام أنه يهاجر إلى أرض ذات نخل وشجر وماء فقصَّها على أصحابه فاستبشروا بذلك ورأوا فيها فرجًا مما هم فيه من أذى المشركين، ثم إنهم مكثوا برهة لا يرون ذلك فقالوا: يا رسول الله ما رأينا الذي قلت ومتى نهاجر (٣) إلى الأرض التي رأيت، فسكت رسول الله -ﷺ- وأنزل الله ﴿وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ﴾ يعني: لا أدري أخرج إلى الموضع الذي أُرِيتهُ في منامي أم لا، ثم قال لهم: إنما هو شيء أريته في منامي، ما أتبع إلا ما يوحى إلى، يقول: لم يوح إلى ما أخبرتكم، وعلى هذا لا نسخ في الآية، وهذا القول اختيار الفراء (٤) والزجاج (٥).\n_________\n(١) ذكر الطبري رواية عن ابن عباس نحو هذا المعنى وأخصر منه. انظر: ١٣/ ٧/٢.\n(٢) انظر: \"تفسير الطبري\" ١٣/ ٢/ ٧، و\"الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه\" ص ٣٥٦، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٦/ ١٨٥.\n(٣) انظر: \"تفسير أبي الليث السمرقندي\" ٣/ ٢٣٠.\n(٤) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ٥٠ - ٥١.\n(٥) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٤٣٩، وقال مكي: فأما من قال معناه: وما =","vol":"20","page":166},{"text":"وروى أبو بكر الهذلي عن الحسن: في هذه الآية قال: أما في الآخرة فمعاذ الله أن لا يدري ما يفعل به، قد علم أنه في الجنة، ولكنه يخاطب بهذا المشركين، يقول: لا أدري ما يفعل بي في الدنيا، أموت أم أقتل كما قتلت الأنبياء قبلي (١) ﴿وَلَا بِكُمْ﴾ أيها المكذبون أترمون بالحجارة من السما أم يخسف بكم أم أيش يفعل بكم مما فعل بالأمم المكذبة.\nقوله تعالى: ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾، قال ابن عباس: يريد ما أبلغكم إلا ما بعثني الله به إليكم (٢)، وقال مقاتل: ما أتبع إلا ما يوحى إلى من القرآن، إذا أمرت بأمر فعلته، ولا أبتدع ما لم أومر به (٣).\n﴿وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ قال ابن عباس: أنذركم عذاب الله وأبين لكم ما يبعدكم من الله ويقربكم إلى الله (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4013>١٠ </span>- قوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ﴾ قال صاحب النظم: يقال: إن قوله (أرأيتم) نظم وضع للسؤال والاستفتاء وقيل للتنبيه، فلذلك لا يقتضي مفعولًا كما قال: ﴿أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ [العلق: ١٣] وقد تقدَّم الكلام في هذا.\nوقال أبو علي: الاستفهام الذي يقع موقعَ المفعول الثاني محذوف\n_________\n= أدري ما يفعل بي ولا بكم في الدنيا من تقلب الأحوال فيها، فالآية عنده محكمة، انظر: \"الإيضاح\" لمكي ص ٣٥٦.\n(١) أخرج ذلك الطبري عن الحسن ورجحه. انظر: \"تفسيره\" ١٣/ ٢/ ٧، وأخرجه أيضًا النحاس عن الحسن، ورجحه. انظر: \"الناسخ والمنسوخ\" للنحاس ٢/ ٦٢٨، ورجحه أيضًا ابن الجوزي في \"نواسخ القرآن\" ص ٤٦٤، ورجحه أيضًا ابن كثير في \"تفسيره\" ٦/ ٢٧٧.\n(٢) لم أقف عليه.\n(٣) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٤/ ١٧.\n(٤) لم أقف عليه.","vol":"20","page":167},{"text":"الكلام بالمفعول الأول، وكان التقدير: أتأمنون عقوبة الله أو ألا تخشون انتقامه (١)، ومثله من غير حذف المفعول الثاني قوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ﴾ [فصلت: ٥٢]، وقوله. ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ﴾ [القصص: ٧١] فالاستفهام في الآيتين هو المفعول الثاني لأرأيتم؛ لأنه بمعنى أخبروني، هذا هو الكلام وليس ما ذكره صاحب النظم بشيء. قوله: ﴿إِنْ كَانَ﴾ يعني القرآن ﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ﴾ وقال ابن عباس في رواية عطاء: يريد عبد الله بن سلام، ونحو هذا روى الكلبي عنه أنه الشاهد من بني إسرائيل عبد الله بن سلام، وهو قول مجاهد وقتادة ومقاتل والضحاك وابن زيد والحسن (٢)، وبه قال من الصحابة عوف بن مالك الأشجعي وسعد بن أبي وقاص.\nويؤكد ذلك ما روي في حديث مقتل عثمان أن عبد الله أتاه لينصره فخرج إلى الناس وقال: إنه قد نزل في آيات من كتاب الله نزلت فيَّ، وشهد من بني إسرائيل على مثله (٣)، وذكر كلامًا طويلًا.\nقوله: ﴿عَلَى مِثْلِهِ﴾ قال ابن عباس: يريد على ما جئتكم به (٤)، قال\n_________\n(١) انظر: \"المسائل الحلبيات\" لأبي علي ص ٧٧.\n(٢) انظر: أقوال هؤلاء في \"تفسير الطبري\" ١٣/ ٢/ ١٠، ١١، و\"تفسير الماوردي\" ٥/ ٢٧٣، و\"تفسير مقاتل\" ٤/ ١٧، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٦/ ١٨٨، و\"تنوير المقباس\" ص ٥٠٣، و\"البحر المحيط\" ٨/ ٥٧.\n(٣) أخرج ذلك الترمذي في كتاب التفسير باب ٤٧، ومن سورة الأحقاف ٥/ ٣٨١. وقال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب.\n(٤) لم أقف عليه.","vol":"20","page":168},{"text":"صاحب النظم: ليس لمثل هاهنا معنًى مقصود إليه، هو فصل وصلة (١) كقوله: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ﴾ [البقرة: ١٣٧] وتأويله: وشهد شاهد من بني إسرائيل عليه، أي على أنه من عند الله، وقال أبو إسحاق: الأجود أن يكون (على مثله) على مثل شهادة النبي -ﷺ- (٢).\nقوله: (فَآمَنَ) يعني الشاهد وهو ابن سلام ﴿وَاسْتَكْبَرْتُمْ﴾ عن الإيمان فلم تؤمنوا، واختلفوا في تقدير جواب قوله: (إن كان من عند الله) فقال صاحب النظم: جوابه محذوف على تقدير: أليس قد ظلمتم (٣) فكان قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ دليلًا على هذا الجواب.\nوقال الزجاج: تقديره: فآمن واستكبرتم أتؤمنون (٤)، وقال غيره فآمن واستكبرتم أفما تهلكون (٥)، وقال الحسن: جوابه من أضل منكم (٦)، ووجه تأويل الآية: أخبروني ماذا تقولون إن كان القرآن حقًا من عند الله، وشهد على ذلك عالم بني إسرائيل وآمن به وكفرتم واستكبرتم ألستم تستحقون العقاب، وأنكر قوم منهم الشعبي ومسروق أن يكون الشاهد عبد الله بن سلام، وقالوا: إن إسلامه كان بالمدينة قبل وفاة رسول الله -ﷺ- بعامين، وآل\n_________\n(١) انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٦/ ١٨٩، و\"تفسير الوسيط\" ٤/ ١٠٤.\n(٢) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٤٤٠.\n(٣) انظر: \"التبيان في إعراب القرآن\" للعكبري ٢/ ١١٥٥، و\"زاد المسير\" ٧/ ٣٧٤، و\"تفسير الوسيط\" ٤/ ١٠٥.\n(٤) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٤٤٠.\n(٥) ذكر ذلك الماوردي في تفسيره ونسبه لمذكور ٥/ ٢٧٤، وذكره ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٧/ ٣٧٤، وذكره أبو حيان في البحر المحيط ٨/ ٥٧.\n(٦) ذكر ذلك الماوردي في تفسيره ٥/ ٢٧٤، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٧/ ٣٧٤، وأبو حيان ٨/ ٥٧، والمؤلف في \"الوسيط\" ٤/ ١٠٥.","vol":"20","page":169},{"text":"﴿حم﴾ نزل بمكة (١)،ثم لم يأت للآية بوجه من التأويل صحيح غير الإنكار، على أن ابن سيرين قد قال في هذه الآية: كانت تنزل الآية فيؤمر أن توضع في سورة كذا، يعني: أن هذه الآية يجوز أن تكون نازلة بالمدينة وأمر أن توضع في سورة مكية (٢).\nوقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ قال ابن عباس: يريد قريظة والنضير (٣)، وقال مقاتل: يعني اليهود (٤)، قال أبو إسحاق: أعلم الله -﷿- أن هؤلاء المعاندين خاصة لا يؤمنون بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ أي: قد جعل جزاءهم على كفرهم بعد ما تبين لهم الهدى، مَدَّهم في الضلالة (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4014>١١ </span>- قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء: يعني من كفر من اليهود للذين آمنوا، يعني ابن سلام وأصحابه،\n_________\n(١) أخرج ذلك الطبري عن الشعبي ومسروق. انظر: \"تفسيره\" ١٣/ ٢/ ٩، وذكره الماوردي في \"تفسيره\" ٥/ ٢٧٣، والبغوي في \"تفسيره\" ٧/ ٢٥٥.\nوهذا هو الوجه الذي رجحه ابن جرير الطبري قال: والصواب من القول في ذلك عندنا أن الذي قاله مسروق في تأويل ذلك أشبه بظاهر التنزيل لأن قوله ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ﴾ في سياق توبيخ الله تعالى ذكره مشركي قريش واحتجاجًا عليهم لنبيه -ﷺ- وهذه الآية نظيرة سائر الآيات قبلها، ولم يجر لأهل الكتاب ولا لليهود قبل ذلك ذكر فتوجه هذه الآية أنها نزلت فيهم .. ١٣/ ٢/ ١٢.\n(٢) انظر: \"معاني القرآن\" للنحاس ٦/ ٤٤٤، وتفسير الفخر الرازي ٢٨/ ١٠، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٦/ ١٨٨.\n(٣) لم أقف عليه.\n(٤) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٤/ ١٩.\n(٥) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٤٤٠.","vol":"20","page":170},{"text":"وهذا قول السدي\nوقال في رواية الكلبي (١) الذين كفروا أسد (٢) وغطفان (٣) لما أسلم جهينة (٤) ومزينة (٥) قالوا: لو كان ما جاء به محمد خيرًا ما سبقنا إليه رعاء البهم؛ يعنون جهينة ومزينة وأسلم وغِفَارًا (٦).\nوقال مقاتل: الذين كفروا قريش، والذين آمنوا أصحاب محمد -ﷺ- (٧).\n_________\n(١) ذكر ذلك الثعلبي في تفسيره ١٠/ ١٠٩ ب، والبغوي في تفسيره ٧/ ٢٥٦، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٧/ ٣٧٥، والقرطبي في \"الجامع\" ١٦/ ١٩٠.\n(٢) هو: بنو أسد بن خزيمة: قبيلة عظيمة من العدنانية تنتسب إلى أسد بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار، وهي ذات بطون كثيرة منازلهم كانت بلادهم فيما يلي الكرخ من أرض نجد وفي مجاورة طي.\nانظر: \"نهاية الأرب\" للقلقشندي ص ٤٧، و\"معجم قبائل العرب\" لكحالة ١/ ٢١.\n(٣) هم: بنو غطفان بن سعد بن قيس عيلان بن مضر بطن عظيم متسع كثير الشعوب والأفخاد وقد حاربهم رسول الله -ﷺ- في غزوة الخندق وهي الأحزاب.\nانظر: \"جمهرة أنساب العرب\" لابن حزم ص ٢٤٨، و\"معجم قبائل العرب\" ٣/ ٨٨٨.\n(٤) هم: بنو جهينة بن زيد بن ليث بن سويد بن أسلم حي عظيم من قضاعة من القحطانية كانت مساكنهم ما بين الينبع ويثرب قاتلوا مع خالد بن الوليد في فتح مكة وقاتلوا في غزوة حنين.\nانظر: \"جمهرة أنساب العرب\" ص ٤٤٤، و\"معجم قبائل العرب\" ١/ ٢١٦.\n(٥) هم: بنو عمرو بن أد عثمان وأوس، وأمهما مزينة بنت كلب بن وبرة، فنسب ولدها إليها، كانت مساكن مزينة بين المدينة ووادي القرى.\nانظر: \"جمهرة أنساب العرب\" ص ٢٠١، و\"معجم قبائل العرب\" ٣/ ١٠٨٣.\n(٦) ذكر ذلك الثعلبي في \"تفسيره\" ١٠/ ١٠٩ ب، والماوردي في \"تفسيره\" ٥/ ٢٧٤، وانظر: \"تنوير المقباس\" ص ٥٠٣.\n(٧) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٤/ ١٩.","vol":"20","page":171},{"text":"وقال الحسن: كانت غفار وأسلم أهل سلة في الجاهلية، أي سرقة، فلما أسلموا قالت قريش: لو كان خيرًا ما سبقونا إليه (١).\nوذكر صاحب النظم في اللام في قوله: ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ وجهين: أحدهما أن تكون اللام بمنزلة الإيماء إليهم، كأنه يقول: وقال الذين كفروا لو كان هذا الذي جاء به محمد خيرًا لما سبقنا هؤلاء إليه، فقام قوله: (للذين آمنوا) مقام هؤلاء بالتفسير لهم مَن هم، والوجه الآخر: أن يكون المعنى: وقال الذين كفروا للذين آمنوا على المخاطبة كما تقول: قال زيد لعمرو، ثم ترك المخاطبة (٢) ولون الكلام كقوله: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ [يونس: ٢٢] قوله: ﴿وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ﴾ أي: ولما لم يصيبوا الهداية بالقرآن فسينسبونه إلى الكذب وهو قوله: ﴿فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ﴾ أي: أساطير الأولين. ويدل على أن المراد بقوله: (الذين كفروا) اليهود قوله: ﴿وَمِنْ قَبْلِهِ﴾ يعني قبل: القرآن ﴿كِتَابُ مُوسَى﴾ يريد التوراة ﴿إِمَامًا﴾ يقتدى به ﴿وَرَحْمَةً﴾ من الله ﷿ للناظر فيه بما يجد من نور الهدى، وفي الكلام محذوف به يتم المعنى على تقدير: فلم يهتدوا به، ودل على هذا المحذوف قوله في الآية الأولى: ﴿وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ﴾ (٣)، وذلك أن في التوراة بيان بعث النبي -ﷺ- والإيمان به فتركوا ذلك، وهذا\n_________\n(١) لم أقف عليه.\n(٢) ذكر السمين الحلبي في \"الدر المصون\" أن اللام يجوز أن تكون لام العلة أي لأجلهم، وأن تكون للتبليغ. انظر: \"الدر المصون\" ٦/ ١٣٧.\n(٣) ذكر ذلك البغوي في تفسيره / ٢٥٦، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٧/ ٣٧٦، والقرطبي في \"الجامع\" ١٦/ ١٩١، والمؤلف في \"تفسير الوسيط\" ٤/ ١٠٥.","vol":"20","page":172},{"text":"معنى قول مقاتل؛ لأنه قال: ومن قبل هذا القرآن قد كذبوا بالتوراة لقولهم (١) ﴿إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ﴾ [القصص: ٤٨].\nقال أبو إسحاق: (إمامًا) منصوب على الحال ورحمةً عطف عليه (٢)، وتقدير الكلام: وتقدمه كتاب موسى إمامًا؛ لأن معنى (ومن قبله) تقدمه وتم الكلام (٣)، ثم قال: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ﴾ قال المفسرون: للكتب التي قبله (٤).\nقال أبو إسحاق: مصدق لما بين يديه، كما قال: ﴿كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [الأحقاف: ٣٠] وحذف هاهنا التقدم (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4015>١٢ </span>- قوله: ﴿وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى﴾ والمعنى: وهذا كتاب مصدق له أي لكتاب موسى، فحذف للعلم به، و﴿لِسَانًا عَرَبِيًّا﴾ منصوب على الحال، المعنى: مصدق لما بين يديه عربيًّا، وذكر (لسانًا) توكيد كما تقول: جاءني زيد رجلًا صالحًا، فتذكر رجلًا توكيدًا، قال وفيه وجه آخر وهو: وهذا كتاب مصدق النبي -ﷺ- فيكون التقدير مصدق ذا لسان عربي (٦)، وذكر الأخفش هذين القولين أيضًا (٧).\n_________\n(١) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٤/ ١٩.\n(٢) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٤٤٠.\n(٣) انظر: \"القطع والائتناف\" للنحاس ص ٦٦١، و\"المكتفى\" للداني ص ٥٢١.\n(٤) انظر: \"تفسير البغوي\" ٧/ ٢٥٦، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٦/ ١٩١.\n(٥) الذي في \"معاني القرآن\" للزجاج: (وحذف له هاهنا أعني من قوله: \"وهذا كتاب مصدق\" لأن قبله ومن قبله كتاب موسى، فالمعنى وهذا كتاب مصدق له، أي مصدق التوراة) ٤/ ٤٤١.\n(٦) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٤٤١.\n(٧) انظر: \"معاني القرآن\" للأخفش ٢/ ٦٩٣.","vol":"20","page":173},{"text":"قوله: ﴿لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ﴾ قال ابن عباس: أشركوا (١)، وقال مقاتل: يعني مشركي مكة (٢).\nوفي قوله (لينذر) قراءتان (٣): التاء: لكثرة ما ورد من هذا المعنى بالمخاطبة كقوله: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا﴾ [النازعات: ٤٥] و﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ [الرعد: ٧] ﴿لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: ٢] والياء لتقدم ذكر الكتاب، فأسند الإنذار إلى الكتاب كما أسند إلى الرسول -ﷺ- في قوله: ﴿عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾، ﴿قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا﴾ [الكهف: ١ - ٢].\nوقوله: ﴿وَبُشْرَى﴾، قال إسحاق: الأجود أن يكون (وبشرى) في موضع رفع، المعنى: وهو بشرى للمحسنين. قال: ويجوز أن يكون في موضع نصب على معنى: لتنذر الذين ظلموا وتبشر المحسنين بشرى (٤)، وزاد الفراء هذا الوجه بيانًا فقال: النصب على (لتنذر الذين ظلموا) وتبشر، فإذا وضعت في موضعه بشرى أو بشارة، نصبت، ومثله في الكلام: أعوذ بالله منك. وسَقْيًا لفلان، كأنه قال: وسقى الله فلانًا، وجئت لأكرمك وزيارة لك وقضاء لحقك، معناه لأزورك وأقضي حقك، فتنصب الزيارةَ والقضاءَ بفعل مضمر (٥).\n_________\n(١) انظر: \"تنوير المقباس\" ص ٥٠٣.\n(٢) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٤/ ١٩.\n(٣) قرأ ابن نافع وابن عامر والبزي بالتاء، وقرأ الباقون بالياء. انظر: \"الكشف عن وجوه القراءات\" لمكي ٢/ ٢٧١، و\"حجة القراءات\" لابن زنجلة ص ٦٦٢.\n(٤) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٤٤١.\n(٥) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ٥٢، والكشف والبيان للثعلبي ١٠/ ١١٠ أ.","vol":"20","page":174},{"text":"قوله تعالى: ﴿لِلْمُحْسِنِينَ﴾ قال عطاء والكلبي (١) ومقاتل (٢): وبشرى بالجنة للموحدين المؤمنين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4016>١٣ </span>- قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ روى الأسود بن هلال (٣) عن أبي بكر الصديق، في هذه الآية، قال: استقاموا على ما افترض عليهم (٤)، وقال مقاتل: استقاموا على المعرفة فلم يرتدوا عنها (٥). وهذه الآية مفسَّرة في سورة حم السجدة [آية: ٣٠].\n<span data-type=\"title\" id=toc-4017>١٥ </span>- قوله: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ﴾ قد تقدَّم الكلامُ في نظير هذه الآية في سورة العنكبوت [آية: ٣٠] ولقمان [آية: ١٤].\nقوله: ﴿إِحْسَانًا﴾ قال مقاتل: برًّا (٦) وقرئ (إحسانًا) والإحسان خلاف الإساءة، والحسن خلاف القبح، فمن قال (إحسانًا) فحجته قوله في سورة بني إسرائيل: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: ٢٣] لم يختلفوا فيه، وانتصابه على المصدر، وذلك أن معنى قوله (ووصينا الإنسان): أمرناه بالإحسان أي ليأت الإحسان إليهما دون الإساءة، ولا يجوز أن يكون انتصابه بوصينا؛ لأن وصينا قد استوفى مفعوليه أحدهما: الإنسان، والآخر: المتعلق بالباء، ومن قال (حُسْنًا) كان المعنى ليأت في أمرهما أمرًا ذا حسن\n_________\n(١) انظر: \"تنوير المقباس\" ص ٥٠٣.\n(٢) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٤/ ١٩.\n(٣) هو: الأسود بن هلال المحاربي كوفي قتل في الجماجم سنة نيف وثمانين، وقيل: أدرك الجاهلية وحديثه عن الصحابة في الصحيحين وغيرهما عن معاذ بن جبل. انظر: \"أسد الغابة\" ١/ ٨٨، و\"الإصابة\" ١/ ١٠٥.\n(٤) أخرج ذلك الطبري في \"تفسيره\" ١٢/ ٢/ ١٥، وذكره القرطبي في \"الجامع\" ١٥/ ٣٥٨.\n(٥) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٤/ ١٩، ٢٠.\n(٦) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٤/ ١٩، ٢٠.","vol":"20","page":175},{"text":"أي: ليأت الحسن في شأنهما دون القبح، وحجته ما في العنكبوت ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ [آية: ٨] لم يختلف فيه، فأما الباء في قوله: ﴿بِوَالِدَيْهِ﴾ فإنها تتعلق بوصينا بدلالة قوله: ﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ﴾ [الأنعام: ١٥١ - ١٥٣] ويجوز أن تتعلق بالإحسان، يدل على ذلك قوله: ﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بِي﴾ [يوسف: ١٠٠] وعلى هذا تعلقها بمضمر يفسره الإحسان؛ لأنه يجوز تقدمها على الموصول، ولكن يضمر ما يتعلق به، ويجعل الإحسان مفسرًا لذلك المضمر، كأنه قيل: ووصينا الإنسان أن يحسن بوالديه، ومثل هذا قول الراجز:\nكان جَزَائِي بالعَصا أَنْ أُجْلَدَا (١)\nفي قول من علق الباء بالجلد، ولم يعلقه بالجزاء (٢) قوله: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا﴾ وقرئ (كَرْهًا) (٣) والكَرْه المصدر من كَرِهْتُ الشيء أَكْرَهُهُ، والكُرْه الاسم، كأنه الشيء المكروه، قال الله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦] فهذا (٤) وقال: ﴿أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ [النساء: ١٩] فهذا في موضع حال، ولم تقرأ بغير الفتح، فما كان مصدرًا أو في موضع الحال فالفتح فيه أحسن، وما كان اسمًا نحو: ذهب به على كُرهٍ، كان الضم فيه أحسن، وقد قيل إنهما لغتان، فمن ذهب إلى ذلك جعلهما مثل الشَّرْبِ والشُّرْب، والضَّعف والضُّعف، والفَقْر والفُقْر،\n_________\n(١) الرجز للعجاج. انظر: \"المحتسب\" ٢/ ٣١٠، و\"شرح الأبيات المشكلة الإعراب\" لأبي علي ص ١١٩، و\"الحجة\" ٦/ ١٨٢.\n(٢) انظر: \"الحجة\" لأبي علي ٦/ ١٨٢.\n(٣) وهي قراءة ابن كثير ونافع وأبو عمرو. انظر: \"الحجة\" ٦/ ١٨٤.\n(٤) فيه زيادة لفظ (بالضم). انظر: \"الحجة\" ٦/ ١٨٤.","vol":"20","page":176},{"text":"ومن غير المصادر الدَّفُّ والدُّف، والشَّهْد والشُّهْد (١).\nقال المفسرون: حملته أمه في مشقة ووضعته في مشقة (٢)، وليس يريد ابتداء الحمل؛ لأن ذلك لا يكون مشقة، وقد قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا﴾ [الأعراف: ١٨٩] يريد ابتداء الحمل، فإنها تحمل علقة ومضغة، فإذا ثقلت حينئذ حملته كرهًا، يدل على ما ذكرنا قول ابن عباس في هذه الآية: يريد ثقل عليها يعني الولد في حملها إياه، ووضعته كرها، يريد شدة الطلق (٣).\nقوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ يريد أن مدة حمله إلى أن فصل من الرضاع كانت هذا القدر، والمعنى: أنهما يقعان في ثلاثين شهرًا من ابتداء الحمل إلى أن يفصل. روى مسلم بن صبيح عن ابن عباس قال: حملته ستة أشهر والفصال حولين، وروى عكرمة عنه قال: إذا حملت تسعة أشهر أرضعته إحدى وعشرين شهرًا، وإذا حملته ستة أشهر أرضعته أربعة وعشرين شهرًا (٤).\nوهذه الآية نازلة في أبي بكر الصديق ﵁ (٥)، روى ذلك\n_________\n(١) انظر: \"الحجة\" لأبي علي ٦/ ١٨٤.\n(٢) انظر: \"تفسير الطبري\" ١٣/ ٢/ ١٥، و\"تفسير الماوردي\" ٥/ ٢٧٦، و\"تفسير ابن كثير\" ٦/ ٢٨٠.\n(٣) ذكر ذلك في \"الوسيط\" عن ابن عباس، انظر: ٤/ ١٠٧.\n(٤) ذكر ذلك البغوي في \"تفسيره\" ٧/ ٢٥٧، وأخرجه ابن كثير في \"تفسيره\" عن عكرمة عن ابن عباس ٦/ ٢٨١.\n(٥) أورد ذلك المؤلف في \"أسباب النزول\" بدون سند ص ٤٠١، وذكره الثعلبي في تفسيره ١٠/ ١١٠ ب، وكذلك ذكره البغوي في \"تفسيره\" ٧/ ٢٥٧، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٧/ ٣٧٨.","vol":"20","page":177},{"text":"الكلبي وعطاء عن ابن عباس. وهو قول مقاتل (١) واختيار صاحب النظم قال: لأن الله تعالى قد وَقَّتَ الحمل والفصال هاهنا بتوقيت يعلم أنه قد ينقص ويزيد لاختلاف الناس في الولادة، فدل هذا على أنه مقصود به إنسان بعينه كان حمله وفصاله ثلاثين شهرًا، فيمكن أن يكون أبو بكر كان حمله وفصاله هذا القدر، ويدل على ما ذكرنا قوله: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾، إلى آخر الآية، وقد علمنا أن كثيرًا ممن بلغ هذا المبلغ من المؤمنين وغيرهم لم يكن منه هذا القول، فثبت بذلك أن هذا في إنسان بعينه وهو الصديق ﵁ (٢)، والآية من باب حذف المضاف لأن التقدير: ومدة حمله وفصاله ثلاثون شهرًا.\nقال الأزهري المعنى: ومَدَى الحَمْل للمرأة منتهى الوقت الذي يفصل فيه الولد عن رضاعه ثلاثون شهرًا (٣)، والكلام في معنى الفصال قد تقدم في سورة البقرة [آية: ١٢٣].\nقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾ اختلفوا في معنى بلوغ الأشد هاهنا فروى عطاء عن ابن عباس قال: يريد ثمان عشرة سنة، وذلك أن أبا بكر صحب رسول الله -ﷺ- وهو ابن ثمان عشرة سنة والنبي -ﷺ- ابن عشرين سنة وهم يريدون الشام في التجارة فنزلوا منزلا فيه سدرة فقعد رسول الله -ﷺ- في ظلها ومضى أبو بكر إلى راهب هناك يسأله من الدين فقال له: مَنْ الرجل\n_________\n(١) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٤/ ٢٠.\n(٢) وهو الذي ورد في سبب نزول الآية كما سبقت الإشارة إليه، وقد ذكر السيوطي في \"الدر\" أنه أخرجه ابن عساكر من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس ﵄. انظر: \"الدر المنثور\" ٧/ ٤٤١.\n(٣) انظر: \"تهذيب اللغة\" (فصل) ١٢/ ١٩٣.","vol":"20","page":178},{"text":"الذي في ظل السدرة؟ فقال: ذاك محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، قال: هذا والله نبي، وما استظل تحتها أحد بعد عيسى بن مريم إلا محمد نبي الله، فوقع في قلب أبي بكر اليقين والتصديق، وكان لا يكاد يفارق رسول الله -ﷺ- في أسفاره وحضوره فلما نبىء رسول الله -ﷺ- وهو ابن أربعين سنة وأبو بكر ابن ثمان وثلاثين سنة فأسلم وصدق رسول الله -ﷺ- فلما بلغ أربعين سنة قال: ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي﴾ (١) الآية.\nوروى مجالد عن الشعبي قال: الأشد بلوغ الحلم، إذا كتبت له الحسنات وكتبت عليه السيئات (٢)، وقال الحسن: هو بلوغ الأربعين (٣) والأكثرون من أهل التفسير على أنه ثلاث وثلاثون سنة وهو قول مجاهد (٤) ورواه عن ابن عباس، وقول مقاتل وقتادة، واختيار الفراء (٥) والزجاج، قال الزجاج: الأكثر أن يكون ثلاثًا وثلاثين سنة؛ لأن الوقت الذي يكمل فيه الإنسان في بدنه وقوته واستحكام شبابه أن يبلغ بضعًا وثلاثين سنة (٦)،\n_________\n(١) ذكر ذلك المؤلف في \"أسباب النزول\" ص ٤٠١، وأورده البغوي في \"تفسيره\" ٧/ ٢٥٧، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٧/ ٣٧٨، وقال رواه عطاء عن ابن عباس، وذكره القرطبي في \"الجامع\" ١٦/ ١٩٤.\n(٢) أخرج ذلك الطبري في تفسيره ١٣/ ٢/ ١٦، وذكره الماوردي ونسبه للشعبي ٥/ ٢٧٦.\n(٣) ذكر ذلك الماوردي في \"تفسيره\" ٥/ ٢٧٧، والقرطبي في \"الجامع\" ١٦/ ١٩٤ عن الحسن.\n(٤) أخرج ذلك الطبري عن مجاهد وقتادة، انظر: \"تفسيره\" ١٣/ ٢/ ١٦، وانظر: \"تفسير مقاتل\" ٤/ ٢٠، ونص العبارة عنده: فهو في القوة والشدة من ثماني عثرة إلى الأربعين سنة.\n(٥) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ٥٢.\n(٦) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٤٤٢.","vol":"20","page":179},{"text":"وقال الفراء: الأشبه بالصواب ثلاث وثلاثون؛ لأن الأربعين أقرب في النسق إلى ثلاث وثلاثين منها إلى ثمان عشرة، ألا ترى أنك تقول: أخذت عامة المال أو كله، فيكون أحسن من قولك: أخذت أقل المال أو كله، ومثله قوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ﴾ [المزمل: ٢٠] فبعض ذا قريب من بعض، فهذا سبيل كلام العرب (١).\nقوله: ﴿قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي﴾ قال ابن عباس: دعا ربه فقال: اللهم ألهمني (٢) ﴿أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ﴾ يريد: هديتني وجعلتني مؤمنًا صديقًا، لا أشرك بك شيئًا.\nقوله تعالى: ﴿وَعَلَى وَالِدَيَّ﴾ عن علي أنه قال: هذه الآية في أبي بكر أسلم أبواه جميعًا، ولم يجتمع لأحد من الصحابة المهاجرين أبواه غيره، أوصاه الله بهما ولزم ذلك من بعده (٣).\nقال المفسرون: ووالداه أبو قحافة عثمان بن عمرو، وأم الخير بنت صخر بن عمرو (٤).\nوقوله: ﴿وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي﴾ قال ابن عباس: فأجابه الله تعالى فأعتق تسعة من المؤمنين يعذبون في الله منهم: بلال، وعامر بن فهيرة، ولم يَدَع شيئًا من الخير إلا أعانه الله عليه.\n_________\n(١) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ٥٢.\n(٢) انظر: \"تفسير البغوي\" ٧/ ٢٥، و\"ابن كثير\" ٦/ ٢٨٢ فقد ذكرا المعني من غير نسبة.\n(٣) أخرج ذلك الثعلبي في \"تفسيره\" عن علي ١٠/ ١١٠ ب، وذكره البغوي في \"تفسيره\" ٧/ ٢٥٧، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٧/ ٣٧٨، من غير نسبة، ونسبه القرطبي لعلي. انظر: ١٦/ ١٩٤، وكذلك نسبه في \"الوسيط\" لعلي. انظر: ٤/ ١٠٧.\n(٤) ذكر ذلك البغوي في تفسيره ٧/ ٢٥٧، والقرطبي في \"الجامع\" ١٦/ ١٩٤.","vol":"20","page":180},{"text":"وقوله: ﴿وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي﴾ قال أبو إسحاق: معناه: اجعل ذريتي صالحين (١).\nقال ابن عباس: فلم يبق له ولد ولا والد ولا والدة إلا آمنوا بالله وحده (٢). وقال مقاتل: يعني واجعل أولادي مؤمنين، فأسلموا أجمعون (٣).\nقال المفسرون: ولم يكن أحد من الصحابة أسلم هو ووالده وبنوه وبناته إلا أبو بكر (٤).\nقال مقاتل: ثم قال أبو بكر: ﴿إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ﴾ من الشرك ﴿وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ يعني المخلصين بالتوحيد (٥). وقال عطاء: إني رجعت إلى كل ما تحب (٦) وأسلمت لك بقلبي ولساني.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4018>١٦ </span>- وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ﴾ أي أهل هذا القول: ﴿الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ﴾ قرئ بضم الياء على بناء الفعل للمفعول وقرئ بالنون المفتوحة، وكذلك ﴿وَنَتَجَاوَزُ﴾ وكلاهما في المعني واحد؛ لأن الفعل وإن كان مبنيًّا\n_________\n(١) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٤٤٢.\n(٢) ذكر ذلك البغوي في \"تفسيره\" ٧/ ٢٥٨، والقرطبي في \"الجامع\" ١٦/ ١٩٥، والمؤلف في \"الوسيط\" ٤/ ١٠٨.\n(٣) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٤/ ٢٠.\n(٤) ذكر ذلك البغوي في تفسيره ٧/ ٢٥٨، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٧/ ٣٧٨، والقرطبي في \"الجامع\" ١٦/ ١٩٥.\n(٥) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٤/ ٢٠.\n(٦) ذكر ذلك الماوردي في هذه الجملة عن ابن عباس بلفظ: رجعت عن الأمر الذي كنت عليه ٥/ ٢٧٨، وذكره ابن الجوزي في \"زاد المسير\" بنص عبارة المؤلف ولم ينسبه ٧/ ٣٧٨، وكذلك ذكره في \"الوسيط\" عن عطاء عن ابن عباس. انظر: ٤/ ١٠٨.","vol":"20","page":181},{"text":"للمفعول فمعلوم أنه لله سبحانه، فبناؤه للمفعول في العلم بالفاعل كبنائه للفاعل كقوله: ﴿يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨] والفعل معلوم أنه لله وإن بني للمفعول كقوله: ﴿وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ١٣٥] ووجه قول من قرأ بالنون أنه قدم تقدم قوله: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ﴾ فكذلك يُتَقَبَّلُ (١).\nوقوله: ﴿أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا﴾ يعني: الأعمال الصالحة التي عملوها في الدنيا وكلها حسن، فالأحسن بمعنى التحسن كقوله: ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ﴾ [الزمر: ٥٥] وقد مر، وقال بعض أهل المعاني: الحسن من الأعمال المباح الذي لا يتعلق به ثواب ولا عقاب، والأحسن ما يوجب الثواب من خير وطاعة (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ قال الحسن: هذا لمن أراد الله كرامته (٣)، وقال عطاء: يريد ما كان في الشرك.\nقوله: ﴿فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ﴾ قال مقاتل: (في) بمعنى: مع (٤)، وعلى هذا المعنى أنه يفعل بهم ما يفعل بأصحاب الجنة كما تقول: يعطى زيد مع القوم، ويجوز أن يكون المعنى: ونتجاوز عن سيئاتهم في جملة ما نتجاوز عنهم وهم أصحاب الجنة؛ لأنهم أهل التجاوز عنهم، وكأنه قال: ونتجاوز\n_________\n(١) قرأ حمزة والكسائي وحفص بالنون، وقرأ الباقون بالياء. انظر: كتاب \"الحجة\" لأبي علي ٦/ ١٨٤، و\"السبعة\" لابن مجاهد ص ٥٩٧، و\"الكشف عن وجوه القراءات\" لمكي ٢/ ٢٧٢، و\"حجة القراءات\" لابن زنجلة ص ٦٦٤.\n(٢) انظر: \"الجامع الأحكام القرآن\" ١٦/ ١٩٦.\n(٣) انظر: \"تفسير أبي الليث\" ٣/ ٢٣٣.\n(٤) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٤/ ٢١.","vol":"20","page":182},{"text":"في جملة من نتجاوز عنهم (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾ قال أبو إسحاق: هو مصدر مؤكد لما قبله؛ لأن قوله (نتقبل) و(نتجاوز) بمعنى الوعد لأن الله قد وعدهم القبول، فوعد الصدق توكيد لذلك (٢).\nقال المفسرون: ومعنى (وعد الصدق): هو ما وعد الله أهل الإيمان أن يتقبل من محسنهم ويتجاوز عن مسيئهم (٣)، ومعنى التجاوز في اللغة: ترك الوقوف على الشيء، يقال: جاز عنه وتجاوز، ثم استعمل بمعنى العفو؛ لأنه بمعنى الترك للذنب والمحاسبة عليه (٤)، ووعد الصدق من باب إضافة الشيء إلى نفسه؛ لأن الصدق هو ذلك الوعد الذي وعده الله فهو كقوله (٥): ﴿حَقُّ الْيَقِينِ﴾ [الواقعة: ٩٥] هذا على مذهب الكوفيين، وعند البصريين يكون التقدير: وعد الكلام الصدق، والكتاب الصدق فحذف الموصوف (٦).\nوقوله: ﴿الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾، قال الكلبي: كانوا يوعدون في\n_________\n(١) قال ابن كثير عند تفسير هذه الآية: أي هؤلاء المتصفون بما ذكرنا التائبون إلى الله المنيبون إليه المستدركون ما فات بالتوبة والاستغفار، هم الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ونتجاوز عن سيئاتهم، فيغفر لهم الكثير من الزلل ونتقبل عنهم اليسير من العمل. انظر: \"تفسير ابن كثير\" ٦/ ٢٨٢.\n(٢) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٤٤٣.\n(٣) انظر: \"تفسير الطبري\" ١٣/ ٢/ ١٨، و\"تفسير البغوي\" ٧/ ٢٥٨، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٦/ ١٩٦، و\"تفسير الوسيط\" ٤/ ١٠٨.\n(٤) انظر: \"تهذيب اللغة\" (جوز) ١١/ ١٤٩، و\"الصحاح\" (جوز) ٣/ ٨٧٠.\n(٥) انظر: \"وضح البرهان في مشكلات القرآن\" ٢/ ٢٩٦.\n(٦) انظر: \"فتح القدير\" للشوكاني ٥/ ١٩.","vol":"20","page":183},{"text":"الدنيا على لسان الرسل (١)، وهو قوله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [التوبة: ٧٢].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4019>١٧ </span>- قوله: ﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي﴾ ذكر المفسرون في هذه الآية قولين، الأكثرون على أنها نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر (٢)، وهو قول ابن عباس (٣) وأبي العالية والسدي ومقاتل (٤) ومجاهد قالوا: نزلت فيه قبل إسلامه (٥) كان أبواه يدعوانه إلى الإسلام فيأبى وهو قول \"أف لكما\". قال مقاتل: يعني الرديء من القول (٦)، وذكرنا تفسير أُف، والقراءة فيه في سورة بني إسرائيل [آية: ٢٣]، قال المفسرون: دعاه أبواه إلى الإسلام وأخبراه بالبعث بعد الموت فقال: ﴿أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ﴾ أي: من القبر يعني: أبعث بعد الموت ﴿وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي﴾ يعني الأمم الخالية، فلم أر أحدًا منهم، فأين عبد الله بن جدعان، وأين عثمان بن\n_________\n(١) انظر: \"تنوير المقباس\" ص ٥٠٤، وذكر هذا المعنى الماوردي، ولم ينسبه. انظر: \"تفسيره\" ٥/ ٢٩، وأيضًا ذكره ابن الجوزي، ولم ينسبه. انظر: \"زاد المسير\" ٧/ ٣٧٩.\n(٢) أخرج ذلك البخاري في صحيحه. انظر: كتاب التفسير سورة الأحقاف باب \"والذي قال لوالديه أف لكما. .) ٢/ ٦ / ٤١.\n(٣) أخرج ذلك الطبري عن ابن عباس. انظر: \"تفسيره\" ١٣/ ٢/ ١٩، وانظر: \"تفسير الماوردي\" ٥/ ٢٧٩، و\"تفسير البغوي\" ٧/ ٢٥٨، و\"الجامع\" للقرطبي ١٦/ ١٩٧.\n(٤) انظر: \"تفسير البغوي\" ٧/ ٢٥٨، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٦/ ١٩٧، و\"تفسير ابن كثير\" ٦/ ٢٨٤، و\"تفسير مقاتل\" ٤/ ٢١.\n(٥) وقد ضعف هذا القول ابن كثير في تفسيره ٦/ ٢٨٤، وكذلك ضعفه ابن حجر في الفتح، فقال: قلت: لكن نفي عائشة أن تكون نزلت في عبد الرحمن وآل بيته أصح إسنادًا وأولى بالقبول. انظر: \"فتح الباري\" تفسير ٨/ ٥٧٦.\n(٦) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٤/ ٢١.","vol":"20","page":184},{"text":"عمرو (١) وفلان وفلان (٢).\nقوله تعالى: ﴿وَهُمَا﴾ يعني والديه ﴿يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ﴾ يدعوان الله بالهدى وأن يقبل بقلبه إلى الإسلام والمعنى: يستغيثان بالله من كفره وإنكاره، فلما حذف الجار وصل الفعل، ويجوز أن يكون الباء حذف لأنه أريد بالاستغاثة الدعاء على ما قال المفسرون يدعوان الله، والاستغاثة بالله دعاء ليغيثك فيما نابك، فلما أريد به الدعاء حذف الجار (٣)؛ لأن الدعاء لا يقتضيه ومثله كثير.\nقوله: ﴿وَيْلَكَ﴾ أي: ويقولون له: ويلك ﴿آمِنْ﴾ صدق بالبعث ﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ﴾ بالبعث ﴿حَقٌّ فَيَقُولُ﴾ لهما ﴿مَا هَذَا﴾ الذي تقولان من أمر البعث وتدعوانني إليه ﴿إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ وقال الحسن وقتادة: هذه الآية مرسلة عامة، وهي نعت عبد كافر عاق لوالديه (٤)، وكانت عائشة ﵂ تنكر أن تكون الآية في عبد الرحمن، وقالت: إنها في فلان بن فلان وسَمَّت رجلًا (٥). وقال أبو إسحاق: من قال إنها نزلت في عبد الرحمن قبل إسلامه يبطله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4020>١٨ </span>- قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ﴾ الآية، فأعلم الله أن\n_________\n(١) هو: عثمان بن عمرو بن أد بن طابخة من عدنان جد جاهلي بنوه بطن من مزينة منهم زهير بن أبي سلمى وآخرون صحابة وشعراء محدثون.\nانظر: \"جمهرة الأنساب\" ص ١٩٠، و\"الأعلام\" ٤/ ٢١٢.\n(٢) انظر: \"تفسير الثعلبي\" ١٠/ ١١١ أ، و\"تفسير البغوي\" ٧/ ٢٥٩، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٦/ ١٩٨، و\"تفسير الوسيط\" ٤/ ١٠٩.\n(٣) انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٦/ ١٩٨، و\"تفسير الوسيط\" ٤/ ١٠٩.\n(٤) انظر: \"تفسير البغوي\" ٧/ ٢٥٩، و\"الجامع\" ١٦/ ١٩٧، فقد نسباه للحسن وقتادة.\n(٥) انظر: \"فتح الباري\" ٨/ ٥٧٦، و\"تفسير البغوي\" ٧/ ٢٥٩، و\"زاد المسير\" ٧/ ٣٨٠، و\"الجامع\" للقرطبي ١٦/ ١٩٧.","vol":"20","page":185},{"text":"هؤلاء قد حقت عليهم كلمة العذاب، وإذا أعلم بذلك فقد أعلم أنهم لا يؤمنون وعبد الرحمن مؤمن من أفاضل المسلمين وسرواتهم، أجاب الله فيه دعاء أبيه فأسلم، والتفسير الصحيح أنها نزلت في الكافر العاق (١)، وقال صاحب النظم: ذكر الله تعالى في الآيتين قبل هذه من بر بوالديه وعمل بوصية الله، ثم ذكر من لم يعمل بالوصية فقال لوالديه: أف لكما بصفة العقوق، حيث لم يطع الله في قوله: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣] وعلى هذا القول نزلت في كافر عاق مات على عقوقه وكفره، ثم دخل فيها من كان بهذه الصفة لقوله بعد هذا ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ﴾ والذين قالوا الآية في عبد الرحمن قبل إسلامه قالوا: في قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ﴾. نزل في الذين ذكرهم عبد الرحمن من المشركين الذين ماتوا قبله هم الذين حق عليهم القول، وليس عبد الرحمن من جملتهم؛ لأنه آمن وحسن إيمانه، ذكر ذلك الكلبي (٢) ومقاتل (٣)، وهذه الآية مفسَّرة في سورة ﴿حم﴾ السجدة [آية: ٢٥].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4021>١٩ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾ ذكر ابن عباس ومقاتل: أن هذه الآية خاصة في المؤمنين.\nقال ابن عباس: يريد من سبق إلى الإسلام فهو أفضل ممن تخلف عنه ولو بساعة (٤).\n_________\n(١) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٤٤٣.\n(٢) انظر: \"تنوير المقباس\" ص ٥٠٤.\n(٣) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٤/ ٢٢.\n(٤) انظر: \"تفسير البغوي\" ٧/ ٢٥٩، فقد ذكر هذا القول ونسبه لابن عباس، وكذلك نسبه في \"الوسيط\" لابن عباس. انظر: ٤/ ١١٠.","vol":"20","page":186},{"text":"وقال مقاتل: يعني ولكل فضائل بأعمالهم (١)، وذهب بعضهم إلى الإشارة في هذه الآية إلى إسلام عبد الرحمن، فإنه كان مسبوقًا بالإسلام، فبين الله للسابق درجة وللمسبوق درجة، ومذهب ابن زيد أن الآية في الفريقين من المؤمنين والكافرين، فقال: (ولكل) يعني من الفريقين درجات، قال: درج أهل الجنة تذهب علوًّا، ودرج أهل النار تذهب سفالًا (٢).\nوقوله: ﴿مِمَّا عَمِلُوا﴾ يعني: أن الدرجات المتفاوتة كانت لهم من أعمالهم ﴿وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ﴾ يريد مجازاة أعمالهم وثواب أعمالهم قاله ابن عباس، ومقاتل (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4022>٢٠ </span>- قوله: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ﴾ قال مقاتل: يعني يكشف الغطاء عنها لهم فينظرون إليها، يعني كفار مكة (٤).\nقوله: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ﴾ قرئ بالاستفهام والخبر، قال الفراء (٥) والزجاج (٦): العرب توبخ بالألف، وبحذف الألف فتقول: أذهبت ففعلت كذا وكذا، وذهبت ففعلت كذا وكذا، والمعنى في القراءتين: يقال لهم هذا فحذف القول، قال أبو علي: وجه الاستفهام أن هذا النحو قد جاء بالاستفهام نحو: ﴿أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ﴾ [الأحقاف: ٣٤]، ﴿أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ\n_________\n(١) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٤/ ٢٢.\n(٢) أخرج ذلك الطبري عن ابن زيد. انظر: \"تفسيره\" ١٣/ ٢ / ٢٠، وانظر تفسير البغوي\" ٧/ ٢٥٩، و\"تفسير ابن كثير\" ٦/ ٢٨٥، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٦/ ١٩٩.\n(٣) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٤/ ٢٢. ولم أقف على نسبته لابن عباس.\n(٤) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٤/ ٢٢. ولم أقف على نسبته لابن عباس.\n(٥) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ٥٤.\n(٦) انظر: \"معانى القرآن\" للزجاج ٤/ ٤٤٤.","vol":"20","page":187},{"text":"إِيمَانِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٠٦] ووجه الخبر أن المراد هاهنا التقرير، فالاستفهام مثل الخبر، ألا ترى أن هذا الاستفهام الذي يراد به التقرير لا يجاب بالفاء كما يجاب بها إذا لم يكن تقريرًا، فكأنهم يوبَّخُون بهذا الذي يخبرون به وُيبَكَّتُون (١)، قال الكلبي: يعني اللذات وما كانوا فيه من المعايش وتمتعهم بها في الحياة الدنيا (٢).\nوذكر المفسرون عن النبي -ﷺ- والصحابة أخبارًا في هذه الآية، أنهم كانوا يجتنبون نعيم العيش ولذته بالطيبات في الدنيا (٣)؛ لأن الله تعالى وبخ الكافرين بذلك، وذلك مذهب الصالحين يؤثرون في الدنيا التقشف والزهد رجاء أن يكون ثوابهم في الآخرة أكمل، ولا عتب على المؤمن في التمتع بما أحل الله له وأباحه من نعيم العيش والتمتع بالطيبات في الدنيا، وإنما وبخ الكافر بذلك؛ لأنه تمتع بها ولم يؤد شكر المنعم بطاعته والإيمان به، والمؤمن يؤدي بإيمانه شكر المنعم فلا يوبَّخ بتمتعه، وهذا معنى قول مقاتل (٤)، وهو حسن، قوله تعالى: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ أي: تتكبرون عن عبادة الله والإيمان به ﴿وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ﴾ تعصون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4023>٢١ </span>- قوله تعالى ﴿وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ﴾ قال ابن عباس ومقاتل: واذكر يا محمد لقومك أهل مكة [وهودًا] (٥) -﵇- (إذ أنذر\n_________\n(١) انظر: \"الحجة\" لأبي علي ٦/ ١٨٩.\n(٢) انظر: \"تنوير المقباس\" ص ٥٠٤، و\"تفسير الوسيط\" ٤/ ١١٠.\n(٣) انظر: \"تفسير الطبري\" ١٣/ ٢/ ٢١، و\"زاد المسير\" ٧/ ٣٨٢، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٦/ ٢٠٠، و\"تفسير الوسيط\" ٤/ ١١٠.\n(٤) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٤/ ٢٢.\n(٥) كذا في الأصل ولعل الصواب (هودًا). وانظر: \"تفسير مقاتل\" ٤/ ٢٢، ولم أقف على نسبته لابن عباس.","vol":"20","page":188},{"text":"قومه) حذرهم عذاب الله إن لم يؤمنوا، وقوله (بالأحقاف) قال أبوعبيد عن الأصمعي (١): الحقف الرمل المعوج، ومنه قيل للمعوج محقوقف، وقال الفراء: الأحقاف واحدها حقف، وهو المستطيل المشرف (٢).\nوقال أبو عبيدة: الأحقاف الرمال، وأنشد:\nباتَ إلى أرْطَاةِ حِقْفٍ أحْقَفا (٣)\nقال المبرد: الأحقاف واحدها حقف، وهو الكثيب المكتبر غير العظيم وفيه اعوجاج، يقال للشيء: احقوقف، إذا هم بأن تلاقى طرفاه، كما قال العجاج:\nسَمَاوَةُ الهِلالِ حتَّى احقَوْقَفَا (٤)\nويقال أيضًا في جميع الحقف حقاف وحقوف، قال امرؤ القيس:\nذِي حِقَافٍ عَقنْقَلِ (٥)\n_________\n(١) انظر: قول أبي عبيد في \"تهذيب اللغة\" (حقف) ٤/ ٦٨، وانظر: \"العين\" للخليل (حقف) ٣/ ٥١.\n(٢) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ٥٤.\n(٣) انظر: \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ٢/ ٢١٣، وقد نسب هذا الرجز للعجاج، ونسبه إليه أيضًا الطبري في \"تفسيره\" ١٣/ ٢/ ٢٣، والقرطبي في \"الجامع\" ١٦/ ٢٠٣.\n(٤) انظر: \"الكامل\" للمرد ١/ ١٥٠، ١٥٣، و\"الكتاب\" لسيبويه ١/ ٣٥٩، وانظر: ملحقات \"ديوان العجاج\" ص ٨٤، و\"تهذيب اللغة\" (حقف) ٤/ ٦٨، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٦/ ٢٠٣.\n(٥) البيت بتمامه:\nفلما أجزنا ساحة الحي وانتحى ... بنا بطن خبت ذي حقاف عقنقل\nالحقاف: ما ارتفع من الأرض وغلظ. والعقنقل: الرمل المتعقد الداخل بعضه في بعض. انظر: \"ديوانه\" ص ١١٥، و\"شرح المعلقات العشر\" ص ٢٨، و\"الدر المصون\" ٦/ ١٤١.","vol":"20","page":189},{"text":"وقال رؤبة:\nمثل الأقاحِ اهْتَزَّ بالحُقُوف (١).\nوذكر الكلبي سبب هذه الرمال واعوجاجها، فقال: هي رمال نضب الماء عنها زمان الغرق، كما ينضب الماء عن المكان من الجبل ويبقى أثره (٢) وينضب أيضًا عن مكان أسفل من ذلك، ويبقى أثره دون ذلك، فذلك الأحقاف.\nقال ابن عباس: الأحقاف واد بين عمان ومهرة (٣)، وإليها تنسب الجمال المهرية (٤)، وقال عطاء عنه: هي رمال بلاد الشَّحر، وهو قول قتادة (٥)، وقال مقاتل: هي دكاك الرمل باليمن في حضرموت (٦) (٧).\n_________\n(١) لم أقف عليه.\n(٢) ذكر ذلك الثعلبي عن الكلبي ١٠/ ١١٤ أ، والقرطبي عن الكلبي ١٦/ ٢٠٤.\n(٣) مَهَرة: قال العمراني: مهرة بلاد تنتسب إليها الإبل، قلت: هذا خطأ إنما مهرة قبيلة وهي مهرة بن حيدان بن عمرو بن الحاف بن قضاعة تنسب إليهم الإبل المهرية وباليمن لهم مخلاف يقال بإسقاط المضاف إليه، وبينه وبين عُمان نحو شهر وكذلك بينه وبين حضرموت فيما زعم أبو زيد وطول مخلاف مهرة أربع وستون درجة وعرضه سبع عشرة درجة وثلاثون دقيقة.\nانظر: \"معجم البلدان\" ٥/ ٢٣٤.\n(٤) ذكر ذلك الثعلبي في تفسيره ١٠/ ١١٤ أ، والماوردي في تفسيره ٥/ ٢٨٢، والبغوي في \"تفسيره\" ٧/ ٢٦٢، والقرطبي في \"الجامع\" ١٦/ ٢٠٤.\n(٥) ذكر ذلك الثعلبي في \"تفسيره\" ١٠/ ١١٤ أ، والبغوي في \"تفسيره\" ٧/ ٢٦٢.\n(٦) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٤/ ٢٣.\n(٧) حضرموت: ناحية واسعة في شرقي عدن بقرب البحر، وحولها رمال كثيرة تعرف بالأحقاف، وبها قبر هود -﵇-، ولها مدينتان يقال لإحداهما تريم وللأخرى شبام. وعندها قلاع وقرى. =","vol":"20","page":190},{"text":"وقال مجاهد: هي أرض حِسْمَى (١) (٢).\nقوله تعالى: ﴿وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ﴾ قال مقاتل: وقد مضت الرسل من قبل هود ومن بعده إلى قومهم ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ﴾ يعني: لم يبعث رسولًا من قبل هود ولا من بعد هود إلا أمر بعبادة الله وحده (٣).\nوقوله: ﴿وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ﴾ كلامٌ اعترض بين إنذار هود وكلامه لقومه (٤)، لأن التقدير: إذ أنذر قومه بالأحقاف فقال: ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ فذكر فصلًا مؤكدًا لهذا الكلام، ثم عاد إلى كلام هود لقومه بقوله (٥):\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4024>٢٢ </span>- ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ وهذا معنى قول مقاتل، فقالوا لهود: ﴿أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا﴾ قال ابن عباس ومقاتل: لتصدنا عن\n_________\n= وقال ابن الفقيه: حضرموت مخلاف من اليمن بينه وبين البحر رمال، وبينه وبين مخلاف صُداء ثلاثون فرسخًا. وقيل: مسيرة أحد عشر يومًا. وقال الإصطخري: بين حضرموت وعدن مسيرة شهر. انظر: \"معجم البلدان\" ٢/ ٢٧٠.\n(١) أخرج ذلك الطبري عن مجاهد انظر: \"تفسيره\" ١٣/ ٢/ ٢٣، وأورده الثعلبي في تفسيره ١٠/ ١١٤ أ.\n(٢) حسمى: بالكسر ثم السكون مقصور، يجوز أن يكون أصله من الحسم وهو المنع. وهو أرض ببادية الشام، بينها وبين وادي القرى ليلتان، وأهل تبوك يرون جبل وحسمى في غربيهم وفي شرقيهم شَرَورَى، وبين وادي القرى والمدينة ست ليال. وحِسمى أرض غليظة وماؤها كذلك لا خير فيها ويقال آخر ماء نضب من ماء الطوفان حسمى فبقيت منه هذه البقية إلى اليوم فلذلك هو أخبث ماء. انظر: \"معجم البلدان\" ٢/ ٢٥٨.\n(٣) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٤/ ٢٣.\n(٤) انظر: \"راد المسير\" ٧/ ٣٨٤.\n(٥) انظر: \"زاد المسير\" ٧/ ٣٨٤.","vol":"20","page":191},{"text":"عبادة آلهتنا (١).\nوقال أبو إسحاق: لتصرفنا عنها بالإفك (٢) (٣)، ثم استعجلوا العذاب فقالوا: ﴿فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا﴾ من العذاب ﴿إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ إن العذاب نازل بنا، قال هود:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4025>٢٣ </span>- ﴿قَالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ أي هو يعلم متى يأتيكم العذاب، وهذا معنى قول المفسرين (٤)، يعني: يعلم نزول العذاب بكم، ﴿وَأُبَلِّغُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ﴾ أي: من الوحي والإنذار، يعني: أنا مبلغ والعلم بوقت العذاب عند الله و﴿وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾ قال عطاء: تجهلون عظمة الله وما يراد بكم من العذاب، وقال الكلبي: تجهلون الأمر أنه من الله (٥)، وقال أبو إسحاق: أي أدلكم على الرشاد وأنتم تصدون وتعبدون آلهة لا تنفع ولا تضر (٦).\n<span data-type=\"title\" id=toc-4026>٢٤ </span>- قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ﴾ ذكر المبرد في الضمير في (رأوه) قولين أحدهما: أنه عاد إلى غير مذكور وبَيَّنه قولُه تعالى: ﴿عَارِضًا﴾ (٧)، كما قال: ﴿مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ [فاطر: ٤٥] ولم يذكر الأرض، ولكن يدل عليها العلم بها وما دل عليه الكلام، وعلى هذا الضمير يعود إلى السحاب كأنه قيل: فلما رأوا السحاب عارضًا، وهذا قول المفسرين\n_________\n(١) انظر: \"الطبري\" ١٣/ ٢/ ٢٤، و\"القرطبي\" ١٦/ ٢٠٥، و\"تفسير مقاتل\" ٤/ ٢٣.\n(٢) أفَكَ يأفِكُ وأفِكَ يَأفَكْ إذا كذب، والإفْكُ: الإثم، والإفك: الكذب. انظر: \"تهذيب اللغة\" (أفك) ١٠/ ٣٩٦.\n(٣) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٤٤٥.\n(٤) انظر: \"تفسير الطبري\" ١٣/ ٢/ ٢٥، و\"تفسير البغوي\" ٧/ ٢٦٣.\n(٥) انظر: \"تنوير المقباس\" ص ٥٠٥ ولم أقف على قول عطاء.\n(٦) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٤٤٥.\n(٧) انظر: \"إعراب القرآن\" للنحاس ٤/ ١٦٩، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٦/ ٢٠٥.","vol":"20","page":192},{"text":"واختيار الزجاج (١)، ويكون هذا من باب الإضمار على شريطة التفسير، القول الثاني: أن الضمير عاد إلى: (ما) في قوله: ﴿فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا﴾، فلما رأوا ما يوعدون (٢) عارضًا.\nقال أبو زيد: العارض السحاب يراها في ناحية السماء (٣).\nوقال أبو عبيدة: العارض من السحاب الذي يرى في قطر من أقطار السماء بالعشي، ثم يصبح وقد حبا حتى استوى (٤)، وهذا قول مقاتل: العارض بعض السحابة ثم تطبق السماء (٥).\nقوله: ﴿مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ﴾ قال المفسرون: كان عاد قد حبس عنهم المطر أيامًا فساق الله إليهم سحابة سوداء فخرجت عليهم من واد لهم يقال له المغيث (٦)، فلما رأوه مستقبل أوديتهم استبشروا (٧) ﴿قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ والمعنى: ممطر إيانا، وهذا كقوله: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥]، وقد مر.\nقال عمرو بن ميمون: كان هو قاعدًا في قومه فجاء سحاب\n_________\n(١) انظر: \"تفسير الطبري\" ١٣/ ٢/ ٢٥، و\"تفسير الثعلبي\" ١٠/ ١١٤ ب، و\"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٤٤٥.\n(٢) ذكر القولين السمين الحلبي في \"الدر المصون\" ٦/ ١٤١.\n(٣) انظر: \"إعراب القرآن\" للنحاس ٤/ ١٦٩.\n(٤) انظر: \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ٢/ ٢١٣.\n(٥) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٤/ ٢٣.\n(٦) المُغِيث: بالضم ثم الكسر وآخره ثاء مثلثة: اسم الوادي الذي هلك فيه قوم عاد، وقال أبو منصور: بين معدن النَّقْرة والرَّبذة ماء يعرف ماوان ماء وشروب. انظر: \"معجم البلدان\" ٥/ ١٦٢.\n(٧) انظر: \"تفسير الطبري\" ١٣/ ٢/ ٢٥، \"تفسير الثعلبي\" ١٠/ ١١٤ ب.","vol":"20","page":193},{"text":"مكفهر (١)، فقالوا: هذا عارض ممطرنا، فقال هود: ﴿بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ﴾ (٢) قال مقاتل: وكان استعجالهم حين قالوا لهود: ﴿فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا﴾ (٣) ثم بين ما هو فقال: ﴿رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ والريح التي عذبوا بها نشأت من ذلك السحاب الذي رأوه، قال ابن عباس: كانت الريح تطير بهم بين السماء والأرض حتى أهلكتهم (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4027>٢٥ </span>- ثم وصف الريح فقال: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ﴾ قال مقاتل: تهلك كل شيء من الناس والدواب والأموال (٥).\nوقال ابن عباس: يريد كل شيء بعثت إليه (٦).\n﴿بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ بإذن ربها ﴿فَأَصْبَحُوا﴾ يعني: عادًا ﴿لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾ قرأه عاصم وحمزة: ﴿يُرَى﴾ بالياء مضمومة ﴿مَسَاكِنُهُمْ﴾ بالرفع، قال أبو إسحاق: تأويله لا يرى شيئًا إلا مساكنهم؛ لأنهم قد هلكوا (٧).\nقال أبو علي: تذكير الفعل في هذه القراءة أحسن من لحاق علامة التأنيث، من أجل جمع المساكن، وذلك أنهم حملوا الكلام في هذا الباب على المعنى، فقالوا: ما قام إلا هند، ولم يقولوا: ما قامت، لما كان\n_________\n(١) قال الأصمعي: (المكفهِرَ من السحاب: الذي يَغلَظ ويركَبْ بعضهُ بعضًا)، انظر: \"تهذيب اللغة\" (المكفهر) ٦/ ٥٠٨.\n(٢) أخرج ذلك الطبري عن عمرو بن ميمون انظر \"تفسيره\" ١٣/ ٢/ ٢٦.\n(٣) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٤/ ٢٣.\n(٤) ذكر ذلك القرطبي في \"الجامع\" عن ابن عباس ١٦/ ٢٠٦، ونسبه في \"الوسيط\" لابن عباس، انظر: ٤/ ١١٣.\n(٥) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٤/ ٢٥.\n(٦) انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٦/ ٢٠٦.\n(٧) انظر: \"معاني الزجاج\" ٤/ ٤٤٦.","vol":"20","page":194},{"text":"المعنى: ما قام أحد، حملوه على هذا، وإن كان المؤنث يرتفع بهذا الفعل والتأنيث فيه لم يجيء إلا في شذوذ وضرورة (١)، كقوله:\nفما بَقِيتْ إلا الضُّلُوعُ الجَرَاشِعُ (٢)\nوقرأ الباقون: (لا تَرى) بفتح التاء (إلا مساكنَهم) بالنصب على معنى: لا ترى أيها المخاطب، والمساكن مفعول بها، و(ترى) في القراءتين جميعًا من رؤية العين، المعنى: لا تشاهد شيئًا إلا مساكنهم، كأنها قد زالت عما كانت عليه من كثرة الناس بها وما يتبعهم مما يقتنونه (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4028>٢٦ </span>- قال ابن عباس: فلم يبق إلا هود ومن آمن معه.\nثم خوف كفار مكة وذكر فضل عاد بالقوة والأجسام عليهم فقال: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ﴾ قال مقاتل: أي: من الخير والتمكين في الأرض (٤).\nوقال الكلبي: يعني: ملكنا عالًا وأمهلناهم من العمر فيما لم نمكن لكم من العمر والمهلة (٥)، والمعنى: مكناهم في الشيء الذي لم نمكنكم فيه يا أهل مكة من الدنيا وكثرة الأموال وشدة الأبدان.\n_________\n(١) انظر: \"الحجة للقراء السبعة\" لأبي علي ٦/ ١٨٦.\n(٢) هذا عجز بيت لذي الرمة وصدره قوله:\nبَرَى النَّحْزُ والأجْرَازُ ما في غُرُوضِها\nانظر: \"ديوانه\" ص ٣٤١، و\"المحتسب\" ٢/ ٢٠٧، و\"الحجة\" ٦/ ١٨٦، و\"الدر المصون\" ٦/ ١٤٢.\n(٣) انظر: \"الكشف عن وجوه القراءات\" لمكي ٢/ ٢٧٤، و\"إعراب القرآن\" للنحاس ٤/ ١٧٠.\n(٤) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٤/ ٢٦.\n(٥) انظر: \"تنوير المقباس\" ٥٠٥.","vol":"20","page":195},{"text":"قال المبرد: (مَا) في قوله: ﴿فِيمَا﴾ بمنزلة (الذي)، و(إِن) بمنزلة (ما) وتقديره: ولقد مكناهم في الذي ما مكناكم فيه (١)، ونحو هذا قال الكسائي والفراء (٢)، والزجاج وزاد بيانًا فقال: (إن) في النفي مع (ما) التي في معنى (الذي) أحسن اللفظ من (ما) لاختلاف اللفظين (٣).\nوقال ابن قتيبة: معنى الآية: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ﴾ فزيدت (أن) (٤)، فقال ابن الأنباري (٥): وهذا غلط لأن كتاب الله -﷿- ليس فيه حرف لا معنى له، بل كل حرف يفيد فائدة ويزيد معنى، والعرب لا تزيد (إن) على (ما) إذا كانت بمعنى (الذي) والاستفهام والتعجب، بل يزيدونها عليها إذا كانت جحدًا على جهة التوكيد بها، فيقولون: ما إن قمت، وما إن لقيت عبد الله، يؤكدون الجَحْد \"بإن\" قال دريد ابن الصمة:\nما إنْ رأيتُ ولا سُمِعتُ به ... كاليَوْمِ طالي أَيْنُقٍ صُهْب (٦)\nأراد: ما رأيت، وقال لبيد:\nغُودِرت بعدَهم وكنتُ بطُولِ صُحْبتِهِم ضَنِينَا ... ما إنْ رِأيْتُ ولا سَمِعْتُ بمِثْلِهِم في العَالَمِينا (٧)\n_________\n(١) انظر: \"الدر المصون\" ٦/ ١٤٢، و\"تفسير الفخر الرازي\" ٢٨/ ٢٩.\n(٢) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٦/ ٥٦، و\"إعراب القرآن\" للنحاس ٤/ ١٧٠.\n(٣) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٤٤٦.\n(٤) انظر: \"تأويل مشكل القرآن\" لابن قتيبة ٢/ ١٣٠، و\"تفسير غريب القرآن\" ص ٤٠٨.\n(٥) ذكر في \"كتاب الاضداد\" حول هذه الآية ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ﴾ معناه: في الذي قد مكناكم فيه. انظر: \"كتاب الأضداد\" ص ١٨٩.\n(٦) لم أقف عليه.\n(٧) لم أقف عليه.","vol":"20","page":196},{"text":"والعرب تجمع بين الحرفين إذا اتفق معناهما إذا كان لفظهما مختلف كقوله: ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ [الحجر: ٣٠]. و(ما) في هذه الآية بمعنى (الذي) فلا يزاد معها (إن) لا يقال: ما إن قبضت ديناراك، بمعنى الذي قبضت ديناراك، ثم ذكر الله تعالى أنهم أعرضوا عن قبول الحجج والتفكر فيما يدلهم على التوحيد مع ما أعطاهم الله تعالى من الحواس التي بها تدرك الأدلة قال: ﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً﴾ الآية، وفي هذا تخويف لأهل مكة، وضرب المثل لهم بحالة من قبلهم، فإنهم لما لم يستدلوا على توحيد الله ولم يقبلوا ممن دعاهم إليه لزمتهم الحجة ولم تغن عنهم مدارك الأدلة شيئًا، فأهل مكة إن صنعوا كصنعهم استحقوا مثل عذابهم، ثم زاد في التخويف فقال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4029>٢٧ </span>- ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى﴾ قال ابن قتيبة: يريد: باليمن والشام (١) ﴿وَصَرَّفْنَا الْآيَاتِ﴾ بيناها ﴿لَعَلَّهُمْ﴾ لعل أهل القرى ﴿يَرْجِعُونَ﴾، والمراد بالتصريف التقديم؛ لأنه كان قبل الإهلاك، وقال قوم: تقدير الكلام: وصرفنا الآيات لعلهم يرجعون فلم يرجعوا ﴿فَأَهْلَكْنَاهُمْ﴾.\n<span data-type=\"title\" id=toc-4030>٢٨ </span>- فلم ينصرهم منا ناصر وهو قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ\n_________\n(١) قول قتيبة هذا غير موجود في تأويل المشكل، وتفسير غريب القرآن، والذي ذكر الطبري، قال كحجر ثمود وأرض سدوم ومأرب ونحوها، انظر: \"تفسيره\" ١٣/ ٢/ ٢٩. وقال الثعلبي: كحجر ثمود وأرض سدوم ونحوها. انظر \"تفسيره\" ١٠/ ١١٦ أ.\nوقال في \"الوسيط\": وأراد بالقرى المهلكة باليمن والشام، انظر: ٤/ ١١٤، وقال القرطبي: يريد حجر ثمود وقرى لوط ونحوهما مما كان يجاور بلاد الحجاز، وكانت أخبارهم متواترة عندهم. انظر: \"الجامع\" ١٦/ ٢٠٩.","vol":"20","page":197},{"text":"اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً﴾ وهذا يدل على أنه لم ينصرهم من الله ناصر حين حلَّ بهم العذاب، وقولهم: ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا﴾ القربان: ما يتقَرَّبُ به إلى الله (١) وهو في الأصل مصدر، وقد مر (٢)، قال ابن قتيبة: اتخذوهم آلهة يتقرب بها إلى الله (٣).\nقوله تعالى: ﴿بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ﴾ أي: اتخاذهم الآلهة دون الله كذبهم وافتراؤهم، و(اتخذوا) يدل على الاتخاذ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4031>٢٩ </span>- قوله: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ﴾ قال المفسرون: لما أيس رسول الله -ﷺ- من قومه أهل مكة أن يجيبوه خرج إلى الطائف ليدعوهم إلى الإسلام، فلما انصرف إلى مكة فكان ببطن نخلة (٤) قام يقرأ القرآن في صلاة الفجر مَرَّ به نفر من أشراف حسن نصيبين كان إبليس بعثهم ليعرف السبب الذي أوجب حراسة السماء بالرجم، فدفعوا إلى النبي -ﷺ- وهو يصلي فاستمعوا لقراءته، وهذا قول ابن عباس في رواية مجاهد والكلبي وقول عبد الله وسعيد بن جبير ومقاتل (٥).\n_________\n(١) انظر: \"تهذيب اللغة\" (قرب) ٩/ ١٢٤.\n(٢) ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا﴾ [المائدة: ٢٧].\n(٣) انظر: \"تأويل مشكل القرآن\" لابن قتيبة ٢/ ١٣٠.\n(٤) هي: قرية قريبة من المدينة على طريق البصرة، ينهما الطرف على الطريق وهو بعد أبرق العزّاف للقاصد إلى مكة، انظر: \"معجم البلدان\" ١/ ٤٤٩ - ٤٥٠، وقال ابن حجر: هي موضع بين مكة وطائف. قال البكري: على ليلة من مكة وهي التي ينسب إليها بطن نخلة ووقع في رواية مسلم بنخل بلا هاء والصواب إثباتها، انظر: \"فتح الباري\" / ٦٧٤.\n(٥) انظر: \"تفسير الطبري\" ١٣/ ٢/ ٣٠، و\"تفسير مجاهد\" ص ٦٠٣، و\"تنوير المقباس\" ص ٥٠٦ و\"تفسير مقاتل\" ٤/ ٢٧، و\"الدر المنثور\" ٧/ ٤٥٢، و\"تفسير الوسيط\" ٤/ ١١٥.","vol":"20","page":198},{"text":"وقال آخرون: بل أمر رسول الله -ﷺ- أن ينذر الجِنَّة ويدعوهم إلى الله ويقرأ عليهم القرآن، فصرف إليه نفر من الجن ليستمعوا منه وينذروا قومهم، وهذا معنى قول قتادة (١)، واختلفوا في عدد النفر، فقال ابن عباس: كانوا سبعة (٢)، وقال الكلبي ومقاتل (٣): كانوا تسعة، وهو قول زر بن حبيش (٤)، وقوله: ﴿يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ﴾ من صفة النكرة، وهذا يدل على أنهم أتوا لاستماع القرآن؛ لأن المعنى: نفرًا مستمعين القرآن، أي طالبين سماعه، فهذا يدل على صحة القول الثاني.\nقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا حَضَرُوهُ﴾ إن عاد الضمير إلى النبي -ﷺ- فهو من تلوين الخطاب، وإن عاد إلى القرآن وهو الظاهر، فالمعنى: فلما حضروا استماعه (٥) قالوا: انصتوا، قال زر بن حبيش: قالوا صَهٍ (٦)، وهو كلمة الإسكات.\n_________\n(١) انظر: \"زاد المسير\" ٧/ ٣٨٨، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٦/ ٢١٢.\n(٢) أخرج ذلك الطبري عن ابن عباس، انظر: \"تفسيره\" ١٣/ ٢/ ٣٠، ونسبه في \"الوسيط\" لابن عباس، انظر: ٤/ ١١٥.\n(٣) انظر: \"تنوير المقباس\" ص ٥٠٦، و\"تفسير مقاتل\" ٤/ ٢٧، ونسبه الهيثمي في مجمع الزوائد لابن عباس، انظر: ٧/ ١٠٦، ونسبه في \"الوسيط\" للكلبي ومقاتل، انظر: ٤/ ١١٥.\n(٤) أخرج ذلك الطبري عن زر بن حبيش، انظر: تفسيره ١٣/ ٢/ ٣١، ونسبه الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" لزر بن حبيش وقال: رواه البزار ورجاله ثقات. انظر: \"مجمع الزوائد\" ٧/ ١٠٦، وهو في \"كشف الأستار\" ٣/ ٦٨ عن زر.\n(٥) انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٦/ ٢١٥، و\"الدر المصون\" ٦/ ١٤٤.\n(٦) أخرج ذلك الطبري عن زر. انظر: \"تفسيره\" ١٣/ ٢/ ٣٣، وأخرجه الهيثمي في \"كشف الأستار\" عن زر. انظر: \"كشف الأستار\" ٣/ ٦٨.","vol":"20","page":199},{"text":"قال ابن عباس والمفسرون: قال بعضهم لبعض اسكتوا (١)، وذلك أنهم ازدحموا وركب بعضهم بعضًا حبًا للقرآن وحرصًا عليه، قال ابن مسعود: لما فتح النبي -ﷺ- القرآن ليلة الجن غشيته أسودة كثيرة (٢).\nقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قُضِيَ﴾ قال أبو إسحاق: أي فلما تلى عليهم القرآن حتى فرغ منه (٣). ﴿وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ قال ابن عباس: يريد بما أمرهم به رسول الله -ﷺ- من توحيده وفرائضه وأحكامه (٤).\nوالمعنى: أن هؤلاء الذين استمعوا القرآن انصرفوا إلى قومهم بعد الاستماع محذرين إياهم بأس الله إن لم يؤمنوا، وهذا يدل على أن هؤلاء آمنوا بالنبي -ﷺ- ولو لم يؤمنوا لم يخبر عنهم بإنذار قومهم، ولهذا قال مقاتل في تفسير (منذرين): مؤمنين (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4032>٣٠ </span>- ثم أخبر عنهم بما قالوا لقومهم وهو قوله تعالى: ﴿قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى﴾ يعنون القرآن، قال مقاتل: وكانوا مؤمنين بموسى (٦).\n<span data-type=\"title\" id=toc-4033>٣١ </span>- قوله تعالى: ﴿أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ﴾ قال ابن عباس والمفسرون:\n_________\n(١) ذكر المعنى من غير نسبة البغوي في \"تفسيره\" ٧٥/ ٢٦٩، والقرطبي في \"الجامع\" ١٦/ ٢١٥.\n(٢) انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٦/ ٢١٢.\n(٣) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٤٤٧.\n(٤) أخرج الطبري عن ابن عباس يقول: انصرفوا منذرين عذاب الله على الكفر به. انظر: \"تفسير الطبري\" ١٣/ ٣٣.\n(٥) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٤/ ٢٧.\n(٦) المرجع السابق.","vol":"20","page":200},{"text":"يعنون محمدًا -ﷺ- قالوا: وهذه القصة تدل على أن محمدًا -ﷺكان مبعوثًا إلى الجن كما كان مبعوثًا إلى الإنس (١) (٢).\nقال مقاتل: ولم يبعث الله نبيًا إلى الإنس والجن قبله -ﷺ- (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4034>٣٢ </span>- وقوله: ﴿فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ﴾ قال ابن عباس ومقاتل يقول: لا يعجز الله فيسبقه ويفوته، ﴿وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ﴾ أنصار يمنعونه من الله ﴿أُولَئِكَ﴾ يعني: الذين لا يجيبون إلى الإيمان ﴿فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ قال مقاتل: فأقبل إلى النبي -ﷺ- من الجن الذين أنذروا سبعون رجلًا فقرأ النبي -ﷺ- عليهم القرآن فأمرهم ونهاهم (٤). واختلفوا في حكم مؤمني الجن؛ فروى سفيان عن ليث قال: الجن ثوابهم أن يجاروا من النار، ثم يقال لهم كونوا ترابًا مثل البهائم (٥)، وهذا مذهب جماعة من أهل العلم قالوا: لا ثواب لهم إلا النجاة من النار، وتأولوا قوله: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (٦).\n_________\n(١) انظر: \"تفسير البغوي\" ٧/ ٢٧٠، و\"زاد المسير\" ٧/ ٣٩٠، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٦/ ٢١٧، و\"تفسير ابن كثير\" ٦/ ٣٠٤، و\"تفسير الوسيط\" ٤/ ١١٥.\n(٢) ومما يدل على ذلك بما ورد في \"صحيح مسلم\" كتاب المساجد ومواضع الصلاة ١/ ٣٧٠، من حديث جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله -ﷺ-: \"أعطيت خمسًا لم يطهن أحد قبلي .. \". وذكر منها: \"وبعثت إلى كل أحمر وأسود\". قال مجاهد: الأحمر والأسود: الجن والإنس. وانظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٦/ ٢١٧.\n(٣) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٤/ ٣٠، و\"تفسير الوسيط\" ٤/ ١١٥.\n(٤) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٤/ ٢٨\n(٥) أخرج ذلك الثعلبي في \"تفسيره\" ١٠/ ١٢٠ أ، وأورده البغوي في تفسيره ٧/ ٢٧٠.\n(٦) ذكر ذلك البغوي في تفسيره ٧/ ٢٧٠، والقرطبي في \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٦/ ٢١٧.","vol":"20","page":201},{"text":"وذهب قوم إلى أنهم كما يعاقبون في الإساءة يجازون بالإحسان، وهو مذهب مالك وابن أبي ليلى (١) قال الضحاك: الجن يدخلون الجنة ويأكلون ويشربون (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4035>٣٣ </span>- قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ﴾ قال مقاتل (٣): نزلت في أبي بن خلف الجمحي حين أنكر البعث، وقد مضت القصة في آخر سورة يس [آية: ٧٧] (٤).\nواختلفوا في وجه دخول الباء في قوله: ﴿بقادر﴾ وهو خبر (أن) والباء لا تدخل في خبرها، فقال أبو عبيدة: مجازها قادر، والعرب تؤكد الكلام بالباء وهي مُسْتغنًى عنها (٥).\nوقال الأخفش: هذه الباء كالباء في قوله: ﴿فَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [يونس: ٢٩] وقوله: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ (٦) [المؤمنون: ٢٠] فعلى قولهما الباء زائدة مؤكدة.\n_________\n(١) ذكر ذلك الثعلبي في تفسيره. انظر: ١٠/ ١٢٠ أ، والبغوي في \"تفسيره\" ٧/ ٢٧٠، والقرطبي في \"الجامع\" ١٦/ ٢١٨.\n(٢) أخرج ذلك الثعلبي عن الضحاك. انظر المراجع السابقة.\nوقال ابن كثير في تفسيره: والحق أن مؤمنيهم كمؤمني الإنس يدخلون الجنة كما هو مذهب جماعة من السلف، وقد استدل لهذا بقوله -﷿-: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ﴾، وفي هذا الاستدلال نظر. وأحسن منه قوله جل وعلا: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ .. ٦/ ٣٠٥.\n(٣) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٤/ ٣٠.\n(٤) أخرج ذلك الطبري عن مجاهد. انظر: \"تفسيره\" ١٢/ ٣٠، وأورده الواحدي في \"أسباب النزول\" ص ٣٨٥، والبغوي في \"تفسيره\" ٧/ ٢٨.\n(٥) انظر: \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ٢/ ٢١٣.\n(٦) انظر: \"معاني القرآن\" للأخفش ٢/ ٦٩٤.","vol":"20","page":202},{"text":"وقال الفراء: دخلت الباء لِلَم، والعرب تدخلها مع الجحد مثل قولك: ما أظنك بقائم، وما أظن أنك بقائم، وأنشد:\nفَما رَجَعَتْ بخاَئِبةٍ رِكَابُ ... حَكِيمُ بنُ المسَيَّبِ مُنْتهَاها (١)\nوهذا مذهب الكسائي (٢)، ونحو هذا قال الزجاج، وزاد بيانًا فقال: لو قلت: ظننت أن زيدًا بقائم، لم يجز ولو قلت: ما ظننت أن زيدًا بقائم، جاز بدخول (ما) قال ودخول (إن) إنما هو توكيد الكلام فكأنه في تقدير: أليس الله بقادر على أن يحيى الموتى (٣).\nوزاد أبو علي شرحًا فقال: هذا من الحمل على المعنى، وأدخل الباء لما كان الكلام في معنى: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ﴾ [يس: ٨١].\nقال: ومثل ذلك من الحمل على المعنى:\nبَادَتْ وغَيَّرَ آيَهُنَّ مَعَ البِلَى ... إلاَّ رَوَاكدَ جَمْرُهُنَّ هَبَاءُ (٤)\nومُشَجَّجٌ أمَّا سَواءُ قَذَاله ... فبدا وغيب سَارَه المَعْزَاءُ (٥)\n_________\n(١) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ٥٦، ٥٧، وانظر: \"مغني اللبيب\" ١/ ٩٤، و\"تفسير الطبري\" ١٣/ ٢/ ٣٥، وانظر: \"الجنى الداني في حروف المعاني\" للمرادي ص ٥٥، وقد نسبه: للقحيف العقيلي. وانظر: \"بصائر ذوي التمييز\" للفيروزابادي ٢/ ١٩٥.\n(٢) انظر: \"إعراب القرآن\" للنحاس ٤/ ١٧٤.\n(٣) انظر:\"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٤٤٧.\n(٤) معنى بادت: تغيرت وبليت، أي: غير البيود آيهن، والآي: جمع آية، وهي آثار الديار وعلاماتها، والبلى: تقادم العهد، والرواكد: الأثافي لركودها وثبوتها، والهباء: الغبار جعل الجمر كالهباء لقدمه وانسحاقه.\n(٥) هذا موضع الشاهد والمشجج: الوتد من أوتاد الخباء وتشجيجه: ضرب رأسه لتثبيته، والقذال: عني به أعلى الوتد وهو من الدابة معقد العذار بير الأذنين وسواؤه: وسطه، وساره: سائره أي جميعه، وهي لغة في سائره. والمعزاء: =","vol":"20","page":203},{"text":"لما كان معنى الكلام: بها رواكد، حمل مشجج على ذلك (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4036>٣٥ </span>- قوله: ﴿كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ تفسير العزم قد تقدَّم ذكره [البقرة:٢٢٧، وآل عمران: ١٥٩] قال ابن عباس في رواية عطاء وأبي صالح: يريد نوحًا وإبراهيم وموسى وعيسى، ونحو هذا روى معمر عن قتادة (٢).\nوقال أبو العالية: هم ثلاثة: نوح وإبراهيم وهود، ومحمد -ﷺ- رابعهم (٣).\nوقال الحسن: هم أربعة إبراهيم وموسى ودواد وعيسى، أما إبراهيم فإنه ابتلي في نفسه وولده ووطنه فوجد صادقًا، وأما موسى فإنه عزم ولم يشك حين قال له قومه: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (٦١) قَالَ كَلَّا﴾ [الشعراء: ٦١]. وأما داود فإنه لما نُبِّهَ على زلته بكى أربعين سنة، وأما عشى فإنه لم يضع في الدنيا لبنة على لبنة (٤).\n_________\n= الأرض الحزنة الغليظة ذات الحجارة جمعها الأماعز، وكانوا ينحرون النزول في الصلابة ليكونوا بمعزل عن السيل، والشاهد فيه رفع مشجج على المعنى.\nوالبيتان لذي الرمة وقيل للشماخ. انظر: ملحقات \"ديوان ذي الرمة\" ٣/ ١٨٤، و\"ديوان الشماخ\" ص ٤٢٨، و\"الكتاب\" لسيبويه ١/ ١٧٣، و\"اللسان\" (شجج) ٢/ ٣٠٤.\n(١) انظر: \"الحجة\" لأبي علي ٥/ ٣١٣، ٦/ ١٨٧.\n(٢) أخرج ذلك الطبري عن عطاء ١٣/ ٢/ ٣٧، وانظر: \"تفسير الماوردي\" ٥/ ٢٨٨، و\"البغوي\" ٧/ ٢٧٢، و\"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٢١٩، و\"تفسير الوسيط\" ٤/ ١١٦.\n(٣) نظر: \"تفسير الماوردي\" ٥/ ٢٨٨، و\"زاد المسير\" ٧/ ٣٩٢، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٦/ ٢٢٠، و\"تفسير أبي الليث السمرقندي\" ٣/ ٢٣٧.\n(٤) انظر: \"تفسير الثعلبي\" ١٠/ ١٢١ ب. و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٦/ ٢٢١، عن الحسن، وانظر: تفسير الحسن ٢/ ٢٨٦.","vol":"20","page":204},{"text":"وقال مقاتل: هم ستة: نوح صبر على أذى قومه، وإبراهيم صبر على النار، وإسحاق صبر على الذبح (١)، ويعقوب صبر على فقد الولد وذهاب البصر، ويوسف صبر على البئر والسجن، وأيوب صبر على الضر (٢).\nوقال الكلبي: هم أمروا بالقتال فأظهروا المكاشفة وجاهدوا في الدين (٣)، فهذا قول المفسرين في تفسير أولي العزم من الرسل.\nوأما أهل المعاني والمحققون من العلماء فإنهم قالوا: كل الرسل أولو العزم، ولم يبعث الله رسولًا إلا كان ذا عزم وحزم ورأي وكمال عقل.\nو(من) في قوله: (من الرسل) تبيين لا تبعيض (٤) كما يقال: أكسية من الخز، وكأنه قيل له: اصبر كما صبر الرسل قبلك على أذى قومهم، ووصفهم بالعزم لصبرهم ورزانتهم.\nوهذا قول ابن زيد (٥) وذكره الكلبي فقال: ويقال كل الرسل قد كان ذا عزم (٦).\n_________\n(١) هذا على القول بأن الذبيح إسحاق لا إسماعيل، وهو قول ضعيف.\n(٢) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٤/ ٣١، ٣٢، و\"الثعلبي\" ١٠/ ١٢١ ب، و\"البغوي\" ٧/ ٢٧٢.\n(٣) انظر: \"تفسير الثعلبي\" ١٠/ ١٢١ أ، و\"تفسير البغوي\" ٧/ ٢٧١، عن الكلبي، و\"تفسير الوسيط\" ٤/ ١١٦.\n(٤) انظر: \"تفسير الثعلبي\" ١٠/ ١٢١ أ، و\"وضح البرهان في مشكلات القرآن\" ٢/ ٢٩٨، و\"تفسير البغوي\" ٧/ ٢٧١\n(٥) أخرج ذلك الطبري عن ابن زيد. انظر: تفسيره ١٣/ ٢/ ٣٧، و\"تفسير الثعلبي\" ١٠/ ١٢١ أ، و\"تفسير البغوي\" ٧/ ٢٧١.\n(٦) انظر: \"تفسير الثعلبي\" ١٠/ ١٢١ أ، و\"تنوير المقباس\" ص ٥٠٦.","vol":"20","page":205},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ﴾ قال ابن عباس: يريد العذاب، ومفعول الاستعجال محذوف من الكلام، وهو ما ذكره ابن عباس (١)، وكان النبي -ﷺ- ضجر بعض الضمير وأحب أن ينزل الله العذاب بمن أبى من قومه، فأمر بالصبر وترك الاستعجال، ثم أخبر أن ذلك منهم قريب (٢) بقوله: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ﴾ أي: من العذاب في الآخرة: ﴿لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ﴾ وقال الكلبي: لم يمكثوا في القبور إلا ساعة (٣)، وقال مقاتل: لم يلبثوا في الدنيا إلا ساعة من نهار (٤)، والمعنى أنهم إذا عاينوا العذاب صار طول لبثهم في الدنيا والبرزخ كأنه ساعة من النهار، أو كأنه لم يكن لهول ما عاينوا؛ ولأن الشيء إذا مضى كأنه لم يكن وإن كان طويلًا ألا تسمع قول القائل:\nكأنَّ شيئًا لم يَكُنْ إذا مَضَى ... كأنَّ شيئًا لم يَزَل إذا أَتَى (٥)\nوتم الكلام (٦) ثم قال: ﴿بَلَاغٌ﴾ أي: هذا القرآن وما فيه من البيان بلاغ من الله إليكم كما قال: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ﴾ [إبراهيم: ٥٢] الآية، والبلاغ بمعنى التبليغ، وهذا مذهب المفسرين والقراء، من أن قوله (بلاغ)\n_________\n(١) انظر: \"تفسير الطبري\" ١٣/ ٢/ ٣٧، و\"تفسير الثعلبي\" ١٢٢/ ١٠ ب، و\"تفسير البغوي\" ٧/ ٢٧٢، فقد ذكروا المعنى ولم ينسبوه لابن عباس.\n(٢) انظر: \"تفسير البغوي\" ٧/ ٢٢، و\"زاد المسير\" ٧/ ٣٩٣، و\"تفسير الوسيط\" ٤/ ١١٧.\n(٣) انظر: \"تفسير الماوردي\" ٥/ ٢٨٩، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٦/ ٢٢٢، وقد نسبا القول للنقاش.\n(٤) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٤/ ٣٢، و\"تفسير الطبري\" ١٣/ ٢ / ٣٧.\n(٥) لم أقف عليه.\n(٦) انظر: \"القطع والائتناف\" ص ٦٦٤.","vol":"20","page":206},{"text":"ابتداء كلام آخر (١)، وقال مقاتل في قوله (بلاغ) يقول: كأنهم تبلغوا فيها، والبلاغ على هذا القول بمعنى التبليغ (٢)، والمعنى: أن طول لبثهم في الدنيا كأنه تبلغ. والقول هو الأول.\nقوله تعالى: ﴿فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ﴾ أي: العاصون الخارجون عن أمر الله. يعني: أن العذاب لا يقع إلا بهم فيما بلغهم محمد -ﷺ- عن الله، ولهذا قال قوم: ما في الرجاء لرحمة الله آية أقوى من هذه الآية (٣).\nقال أبو إسحاق تأويله: لا يهلك مع رحمة الله وتفضله إلا القوم الفاسقون (٤).\n_________\n(١) انظر: \"تفسير الثعلبي\" ١٠/ ١٢ ب، و\"تفسير البغوي\" ٧/ ٢٧٣، و\"زاد المسير\" ٧/ ٣٩٣، و\"القطع والائتناف\" للنحاس ص ٦٦٤، و\"النشر في القراءات العشر\" ص ٤٨٢.\n(٢) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٤/ ٣٢.\n(٣) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٤٤٨، و\"تفسير البغوي\" ٧/ ٢٧٣، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٦/ ٢٢٢، و\"تفسير الوسيط\" ٤/ ١١٧.\n(٤) انظر:\"معاني القرآن\" للزجاج ٤/ ٤٤٨.","vol":"20","page":207},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4037>سورة محمد</span>","vol":"20","page":209},{"text":"تفسير سورة محمد\nبسم الله الرحمن الرحيم\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4038>١ </span>- ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قال مقاتل: بتوحيد الله (١) ﴿وَصَدُّوا﴾ الناس ﴿عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾، قال ابن عباس في رواية عطاء ومجاهد: يريد مشركي قريش أهل مكة، وما فعلوا بالنبي -ﷺ- وأصحابه (٢)، وقال في رواية الكلبي: يعني المطعمين ببدر وهم اثنا عشر رجلًا (٣).\nوذكر مقاتل أسماءهم، أبو جهل والحارث بن هشام وعتبة وشيبة ابنا ربيعة وأبي وأمية ابنا خلف ومنبه (٤) ونبيه (٥) ابنا الحجاج، وأبو البختري بن\n_________\n(١) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٤/ ٤٨.\n(٢) أخرج ذلك الطبري ١٣/ ٣٩ عن مجاهد، وانظر: \"الجامع\" للقرطبي ١٦/ ٢٢٣.\n(٣) انظر: \"تفسير السمرقندي\" ٣/ ٢٣٩، \"تنوير المقباس\" ص ٥٠٦.\n(٤) هو: منبه بن الحجاج السهمي نديم جاهلي من أشراف قريش في الجاهلية وزنادقتها، قتله أبو قيس الأنصاري في وقعة بدر. \"المحبر\" ص ١٦١، \"طبقات ابن سعد\" ٢/ ١٨، \"الأعلام\" ٧/ ٢٨٩.\n(٥) نبيه بن الحجاج بن عامر بن حذيفة السعدي السهمي القرشي أبو الرزام شاعر من ذوي الوجاهة في قريش قبل الإسلام، قتل في وقعة بدر. \"خزانة البغدادي\" ٣/ ١٠١، \"المحبر\" ١٦٠، \"الأعلام\" ٨/ ٨.","vol":"20","page":211},{"text":"هشام (١) وزمعة بن الأسود <span data-type=\"title\" id=toc-4039>(٢) </span>وحكيم بن حزام والحارث (٣) بن عامر بن نوفل.\nقوله تعالى: ﴿أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ قال الكلبي (٤) ومقاتل (٥): أبطلها لأنها كانت في غير إيمان، يعني إطعامهم الطعام وصلتهم الأرحام.\nقال أبو إسحاق: أحبطها فلا يرون في الآخرة لها ثوابًا (٦) والمعنى: أنها تفسير كأن لم تكن، من قول العرب: ضل اللبن في الماء. وقال عطاء: يريد أضل كيدهم الذي كادوا به النبي -ﷺ- (٧).\n\n٢ - قوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ قال مجاهد عن ابن عباس: يعني: الأنصار (٨).\nوقال الكلبي: هم أصحاب محمد -ﷺ- (٩).\n_________\n(١) هو: العاص بن هشام بن الحارث بن أسد بن عبد العزى قتل يوم بدر، قيل قتله عمر وقيل غيره، وهو من المستهزئين وممن عمل على شق الصحيفة. انظر: \"سيرة ابن هشام\" ١/ ٣٧٥، \"تاريخ الطبري\" ٢/ ٣٣٦، \"طبقات ابن سعد\" ٢/ ١٨.\n(٢) هو: زمعة بن الأسود بن عبد يغوث بن عبد الملك بن أسد أحد زعماء قريش في الجاهلية. انظر: \"الكامل\" لابن الأثير ٢/ ٦١، \"سيرة ابن هشام\" ١/ ٣١٥، \"طبقات ابن سعد\" ٢/ ١٨.\n(٣) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٤/ ٤٣، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٦/ ٢٢٣.\n(٤) انظر: \"تنوير المقباس\" ص ٥٠٧.\n(٥) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٤/ ٤٣.\n(٦) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ٥.\n(٧) أورد الثعلبي هذا القول ونسبه للضحاك. انظرت \"تفسيره\" ١٠/ ١٢٣ أ، وكذلك البغوي في \"تفسيره\" ٧/ ٢٧٧، والقرطبي في \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٦/ ٢٢٣.\n(٨) أخرج ذلك الطبري ١٣/ ٢/ ٣٩، وانظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٦/ ٢٢٤.\n(٩) انظر: \"تنوير المقباس\" ص ٥٠٧.","vol":"20","page":212},{"text":"وقال مقاتل: نزلت في بني هاشم وبني المطلب (١).\nقوله تعالى: ﴿وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ﴾ قال المبرد: البال الحال في هذا الموضع، وقد يكون في غير هذا القلب، يقول القائل: ما يخطر هذا على بالي، أي: على قلبي (٢)، قال مجاهد عن ابن عباس: أي: حالهم في الدنيا (٣)، وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد: شأنهم (٤)، وذكرهما الكلبي فقال: حالهم وشأنهم (٥)، وقال مقاتل: زين أمرهم في الإسلام (٦).\nوقال عطاء عن ابن عباس: يريد عصمهم أيام حياتهم (٧)، وهذا تفسير حسن مبينٌ لما أجمله المفسرون من إصلاح الأمر والشأن والحال، وقد علم أن الله لم يرد بذلك إعطاء المال والثروة؛ لأن أصحاب النبي -ﷺ- لم يكونوا مياسير ذوي [ذروه (٨)] وإنما المراد بهذا الإصلاح، إصلاح الأعمال\n_________\n(١) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٤/ ٤٣.\n(٢) ذكر قول المبرد هذا النحاس في \"إعراب القرآن\" ٤/ ١٧٨، والقرطبي في \"الجامع\" ١٦/ ٢٢٤، المؤلف في \"الوسيط\" ٤/ ١١٨.\n(٣) أخرج الطبري عن قتادة وابن زيد قال: حالهم في الدنيا، انظر: ١٣/ ٢/ ٣٩.\n(٤) أخرج ذلك الطبري عن ابن عباس ومجاهد ١٣/ ٢/ ٣٩، ونسبه الماوردي في \"تفسيره\" لمجاهد ٥/ ٢٩١، ونسبه القرطبي ١٦/ ٢٢٤ لمجاهد وغيره.\n(٥) انظر: \"تنوير المقباس\" ص ٥٠٧.\n(٦) الذي عند مقاتل: أصلح بالتوحيد حالهم في سعة الرزق ٤/ ٤٣.\n(٧) ذكر ذلك البغوي في \"تفسيره\" عن ابن عباس قال: عصمهم أيام حياتهم يعني أن هذا الإصلاح يعود إلى إصلاح أعمالهم حتى لا يعصوا. انظر: \"تفسير البغوي\" ٧/ ٢٧٧. كما أورده بهذا النص أيضًا عن ابن عباس المؤلف في \"الوسيط\" ٤/ ١١٨.\n(٨) كذا رسمها في الأصل، وهي إما أن تكون تصحيف: ثروة، أو يكون معناه: مأخوذ من ذروة الشيء، وهو آعلاه: أي لم يكونوا من ذوي الذروة وهي المنزلة العالية في الغنى والسعة في المال.","vol":"20","page":213},{"text":"حتى لم يعصوا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4040>٣ </span>- ثم ذكر السبب في ذلك قوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ﴾ أي: ذلك الإضلال والإصلاح لاتباع الذين كفروا الباطل، قال ابن عباس: يعني الشرك (١)، وقال مقاتل: يعني عبادة الشيطان (٢).\nقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ قال ابن عباس: يعني التوحيد وتصديق النبي -ﷺ- (٣)، وقال مقاتل: يعني القرآن (٤).\n﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ الله لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ﴾ قال عطاء: يريد: فمصير الذين كفروا إلى النار، ومصير الذين آمنوا إلى الجنة (٥).\nوقال مقاتل: يعني حين ذكر إضلال أعمال الكفار وتكفير سيئات المؤمنين (٦).\nقال أبو إسحاق: أي كذلك يبين الله للناس أمثال حسنات المؤمنين وسيئات الكافرين، أي كالبيان الذي ذكر، انتهى كلامه (٧)، والضمير في (أمثالهم) يعود إلى الذين كفروا والذين آمنوا (٨).\nومعنى (أمثالهم): ما ذكر من إضلال أعمال أولئك الكفرة، فصار\n_________\n(١) انظر: \"تفسير أبي الليث\" السمرقندي ٣/ ٢٤٠، و\"الجامع\" للقرطبي ١٦/ ٢٢٥.\n(٢) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٤/ ٤٤.\n(٣) قال القرطبي: الحق: التوحيد والإيمان ولم ينسبه انظر: \"الجامع\" ١٦/ ٢٢٥.\n(٤) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٤/ ٤٤.\n(٥) لم أقف عليه.\n(٦) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٤/ ٤٤.\n(٧) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ٦.\n(٨) انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٦/ ٢٢٥، \"الدر المصون\" ٦/ ١٤٦.","vol":"20","page":214},{"text":"ذلك مثلًا لمن كان على مثل شأنهم وما ذكر من تكفير سيئات أولئك المؤمنين، فصار ذلك مثلًا لمن كان على مثل شأنهم، فمن كان كافرًا أضل الله عمله، ومن كان مؤمنًا كفَّر (سيئه)، هذا معنى قوله: ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ الله لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ﴾، وجائز أن يعود الضمير إلى الناس وهم الكفار والمؤمنون (١).\nولما ذكر ما يعمل بالكفار علم المؤمنين كيف يصنعون بهم إذا لقوهم فقال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4041>٤ </span>- قوله تعالى (٢): ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ قال أبو عبيدة: هذا كقول العرب: يانفس صبرًا (٣)، وقال الفراء: نصب على الأمر، والذي نصب به مضمر (٤).\nقال أبو إسحاق: معناه: فاضربوا الرقاب ضربًا، منصوب على الأمر وتأويله: فاقتلوهم، ولكن أكثر مواضع القتل ضرب العنق، فأعلمهم الله كيف القصد، وليس يتوهم بهذا أن الضرب محصور على الرقبة فقط (٥).\nقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ﴾ قال ابن عباس: أكثرتم القتل ومضى تفسير الإثخان (٦) عند قوله: ﴿حَتَّى يُثْخِنَ في الْأَرْضِ﴾ [الأنعام: ٦٧]\n_________\n(١) انظر: \"الدر المصون\" ٦/ ١٤٦.\n(٢) كذا نصها في الأصل.\n(٣) انظر: \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ٢/ ٢١٤.\n(٤) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ٥٧.\n(٥) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ٦.\n(٦) قال الأزهري: ﴿حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ﴾، قال أبو العباس: معناه: حتى إذا عليتموهم وقهرتموهم وكثر فيهم الجراح فأعطو بأيديهم. قال: وقال ابن الأعرابي: أثخن: إذا غلب وقهر وقال أبو زيد: يقال: أثخنت فلانًا معرفة: أي: قتلته معرفة، ورصنته معرفة: نحو الإثخان. انظر: \"تهذيب اللغة\" (ثخن) ٧/ ٣٣٤.","vol":"20","page":215},{"text":"وقوله: ﴿فَشُدُّوا الْوَثَاقَ﴾ قال ابن عباس والمفسرون: يريد الأسر يعني إذا بالغتم في قتلهم فأسروهم، فالأمر بعد المبالغة في القتل (١) كما قال: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ في الْأَرْضِ﴾ [الأنفال: ٦٧] وأما الوثاق: فهو اسم من الإيثاق، وقد يوضع موضع المصدر يقال: أوثقه إيثاقًا ووثاقًا، ومنه قوله: ﴿وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾ [الفجر: ٢٦] والوِثاق بالكسر اسم الشيء الذي يوثق به كالرباط (٢).\nقال المفسرون: أمر الله تعالى بشد وثاق الأسارى كيلا يقتلوا ويهربوا (٣)، فأمر أولًا بالقتل ثم بالأسر، ثم ذكر الحكم في الأسر بقوله: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ قال أبو إسحاق: أي بعد أن تأسروهم إما مننتم عليهم منًّا، فأطلقوهم بغير عوض، وإما أن تفدوا فداء (٤)، واختلف المفسرون في هذه الآية، فذهب كثير منهم إلى هذا الحكم، وهو المن والفداء منسوخ بالقتل، وهو قوله ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] وهو قول مجاهد وقتادة والحسن ومقاتل والضحاك والسدي وابن جريج ورواية عطاء عن ابن عباس قالوا: إما السيف وإما الإسلام (٥).\n_________\n(١) قال الزجاج: ﴿أَثْخَنْتُمُوهُمْ﴾ أكثرتم فيهم القتل. فالأسر بعد المبالغة في القتل. انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ٦، وذكر هذا المعنى البغوي في \"تفسيره\" ولم ينسبه ٧/ ٢٧٨، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ولم ينسبه ٧/ ٣٩٧، وقال السمرقندي: يعني: حتى إذا قهرتموهم وأسرتموهم فشدوا الوثاق يعني: فاستوثقوا أيديهم من خلفهم. انظر: \"تفسير أبي الليث\" ٣/ ٢٤٠.\n(٢) انظر: \"تهذيب اللغة\" (وثق) ٩/ ٢٦٦، \"اللسان\" (وثق) ١٠/ ٣٧١.\n(٣) ذكر ذلك الطبري في \"تفسيره\" ١٣/ ٢/ ٤٠.\n(٤) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ٦.\n(٥) أخرج الطبري قول ابن جريج والسدي وقتادة وابن عباس والضحاك. انظر: =","vol":"20","page":216},{"text":"وقال سعيد بن جبير: إذا أثخن بالقتل فادى ومنّ (١) وقال الشعبي: الأسير يمن عليه، أو يفادى، وهذا مذهب ابن عمر وعطاء ورواية علي بن أبي طلحة عن ابن عباس (٢) قال في قوله: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى﴾ [الأنفال: ٦٧] الآية قال: ذلك يوم بدر والمسلمون يومئذ قليل فلما كثروا واشتد سلطانهم أنزل الله في الأسارى: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ فجعل الله النبي -ﷺ- والمؤمنين بالخيار في الأسارى إن شاؤوا قتلوهم، وإن شاؤوا استعبدوهم، وإن شاؤوا فادوهم (٣) ونحو هذا روى المبارك بن فضالة عن الحسن.\nقال أبو عبيد (٤): والقول عندنا هذا، ولم يزل رسول الله -ﷺ- كان (٥) عاملًا بهذه الأحكام التي أباحها له في الأسارى حتى توفاه الله على ذلك، ولا نعلمه نسخ شيء منها، بل كان يعمل بها على ما أراه الله من الأحكام التي أباحها له في الأسارى، وجعل الخيار والنظر فيها إليه حتى قبضه الله\n_________\n= \"تفسيره\" ١٣/ ٢/ ٤١، وذكر القرطبي قول قتادة ومجاهد. انظر: \"الجامع\" ١٦/ ٢٢٧، \"تفسير البغوي\" ٧/ ٢٧٨، وانظر: \"النا سخ والمنسوخ\" للنحاس ٣/ ٥، \"نواسخ القرآن\" لابن الجوزي ص ٤٦٦.\n(١) انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٦/ ٢٢٨.\n(٢) انظر: \"تفسير الطبري\" ١٣/ ٢/ ٤١، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٦/ ٢٢٨، \"تفسير البغوي\" ٧/ ٢٧٨.\n(٣) انظر: \"تفسير الطبري\" ١٣/ ٤١، \"تفسير البغوي\" ٧/ ٢٨٧.\n(٤) انظر: \"الناسخ والمنسوخ في القرآن العزيز\" لأبي عبيد ص ٢١١.\n(٥) كذا رسمها في الأصل ووردت كذلك في إحدى نسخ كتاب \"الوسيط\" للمؤلف وعند أبي عبيد بلفظ: (وذلك أنه كان عاملًا بالآبات كلها من القتل والفداء والمن حتى توفاه الله). ص ٢١١.","vol":"20","page":217},{"text":"على ذلك، لم ينسخ من أحكامهم شيء، والإمام مخير في الذكور والمذكورين منهم بين أربع خلال وهي: القتل والاسترقاق والفداء والمن، إذا لم يدخل ذلك ميل بهوى في العفو ولا طلب الذّحل (١) في العقوبة، ولكن على النظر للإسلام وأهله، هذا كلامه (٢).\nومذهب الشافعي ﵀ مثل ما ذكر (٣) في أحكام الأسارى من تخير الإمام في هذه الأربع الخلال في الأسارى الوثنية وفي أهل الكتاب (٤)، يزيد حكم خامس؛ وهو: أخذ الجزية عنهم إذا قبلوها وإن كان بعد الأسر.\nقوله تعالى: ﴿حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ تفسير الأوزار ومأخذها من اللغة قد تقدم (٥).\n_________\n(١) طلب الذحل: أي طلب الثأر. وقيل: وطلب مكافأة بجناية جنيت عليك أو عداوة أتيت إليك. انظر: \"تهذيب اللغة\" (ذحل) ٤/ ٤٦٥، \"اللسان\" (ذلل) ١١/ ٢٥٦.\n(٢) الناسخ والمنسوخ\" لأبي عبيد ص ٢١١ - ٢١٦.\n(٣) انظر: \"أحكام القرآن\" للشافعي ١/ ١٥٨.\n(٤) قال ابن قدامة: من أسر من أهل الحرب على ثلاثة أضرب: أحدها النساء والصبيان. فلا يجوز قتلهم ويصيرون رقيقًا للمسلمين؛ لأن النبي -ﷺ- نهى عن قتل النساء والولدان، وكان ﵊ يسترقهم إذا سباهم. الثاني: الرجال من أهل الكتاب والمجوس الذين يقرون بالجزية فيتخير الإمام فيهم بين أربعة أشياء: القتل، والمن بغير عوض، والمفاداة بهم، واسترقاقهم. الثالث: الرجال من عبدة الأوثان وغيرهم ممن لا يقر بالجزية فيتخير الإمام فيهم بين ثلاثة أشياء: القتل أو المن والمفاداة ولا يجوز استرقاقهم، وعن أحمد جواز استرقاقهم وهو مذهب الشافعي. وبما ذكرنا في أهل الكتاب قال الأوزاعي والشافعي وأبو ثور. انظر: \"المغني\" لابن قدامة ١٣/ ٤٤.\n(٥) قال الفراء في قول الله جل وعز: ﴿حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ قال: يريد آثامها وشركها حتى لا يبقى إلا مسلم أو مسالم. انظر: \"تهذيب اللغة\" (وزر) ١٣/ ٢٤٣، =","vol":"20","page":218},{"text":"قال أبو إسحاق: (حتى) موصولة بالقتل والأسر، المعنى: فاقتلوهم وأسروهم حتى تفسع العرب أوزارها (١). قال ابن عباس في رواية عطاء: حتى لا يبقى أحد من المشركين (٢)، يريد عبدة الأوثان.\nوقال مجاهد: حتى لا يكون دين إلا الإسلام (٣).\nوقال الحسن: حتى يعبد الله ولا يشرك به (٤).\nوقال سعيد بن جبير: يعني خروج عيسى بن مريم (٥)، ونحو هذا قال مقاتل: وقال: أراد بالأوزار الشوك (٦)، وقال قتادة: حتى لا يكون شرك (٧).\nوقال ابن حيان (٨): حتى يقولوا: لا إله إلا الله، وهذه الأقوال معناها واحد وهو ما ذكره الفراء فقال: (أوزارها) آثامها وشركها، والمعنى: حتى لا يبقى إلا مسلم أو مسالم، قال: والهاء التي في (أوزارها) للحرب، وإنما يراد أوزار أهلها، وهم أهل الشرك خاصة كقولك: حتى تنفي الحرب\n_________\n= \"اللسان\" (وزر) ٤/ ٢٨٢. وقال ابن قتيبة: أجل الوزر: ما حملته فسمي السلاح. أوزارًا لأنه يحمل. انظر: \"تفسير غريب القرآن\" لابن قتيبة ص ٤٠٩.\n(١) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ٦.\n(٢) أورد هذا القول ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ولم ينسبه ٧/ ٣٩٧، ونسبه في \"الوسيط\" لابن عباس انظر: ٤/ ١٢٠.\n(٣) ذكر ذلك ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٧/ ٣٩٧، والقرطبي في \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٦/ ٢٢٨، و\"تفسير الوسيط\" ٤/ ١٢٠.\n(٤) انظر: \"تفسير الحسن البصري\" ص ٢٨٨، \"الدر المنثور\" ٧/ ٤٥٩.\n(٥) ذكر ذلك ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٧/ ٣٩٧، والقرطبي في \"الجامع\" ١٦/ ٢٢٨، والمؤلف في \"الوسيط\" ٤/ ١٢٠.\n(٦) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٤/ ٤٤.\n(٧) أخرج ذلك الطبري عن قتادة انظر: \"تفسيره\" ١٣/ ٤٢.\n(٨) أي مقاتل بن حيان، ولم أقف عليه.","vol":"20","page":219},{"text":"أوزارها، يريد أوزار المشركين (١) هذا كلامه. وتأويله: حتى تضع حربكم وقتالكم أوزار المشركين بأن يسلموا فلا يبقى دين غير الإسلام ولا يعبد وثن. والأوزار في هذا التفسير بمعنى الإجرام والآثام، وهذا المعنى موافق لقوله -ﷺ-: \"والجهاد ماض منذ بعثني الله إلى أن يقاتل آخر أمتي الدجال\" (٢).\nقال أبو إسحاق: أي: اقتلوهم وأسروهم حتى يؤمنوا، فما دام الكفر فالجهاد والحرب قائمة أبدًا (٣).\nوذُكر في هذا المعنى وجهان آخران. أحدهما: أن معنى الأوزار هاهنا الأسلحة وآلات الحرب، وهو اختيار أبي عبيد (٤) وابن قتيبة (٥) واحتجَّا بقول الأعشى:\nوَأَعْدَدْتُ لِلْحَرْبِ أَوْزَارَهَا ... رِمَاحًا طِوالًا وَخَيْلًا ذُكُورا (٦)\nففسر الأوزار بالرماح، قال ابن قتيبة: وأصل الوزر ما حملته، فسمي السلاح أوزارًا؛ لأنه يحمل، قال: والمعنى: حتى تضع أهل الحرب\n_________\n(١) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ٥٧.\n(٢) قطعة من حديث أخرجه أبو داود في كتاب الجهاد باب ٣٥، في الغزو مع أئمة الجور ٣/ ٤٠، كما أخرجه سعيد بن منصور في \"سننه\" برقم ٢٣٦٧، عن أنس -﵁- ٢/ ١٤٣، وأورده الزيلعي في \"نصب الراية\" وقال: قال المنذري في مختصره: يزيد بن أبي نُشْبَة في معنى المجهول، وقال عبد الحق: يزيد بن أبي نُشْبَة هو رجل من بني سليم، لم يرو عنه إلا جعفر بن برقان. انظر: \"نصب الراية\" ٣/ ٣٧٧.\n(٣) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ٦.\n(٤) انظر: قول أبي عبيد في \"تهذيب اللغة\" (وزر) ١٣/ ٢٤٤.\n(٥) انظر: \"تفسير غريب القرآن\" لابن قتيبة ص ٤٠٩.\n(٦) انظر: \"ديوان الأعشى\" ص ٧١، \"تهذيب اللغة\" ١٣/ ٢٤٤، \"تفسير غريب القرآن\" لابن قتيبة ص ٤٠٩، \"الدر المصون\" ٦/ ١٤٧، و\"الجامع\" ١٦/ ٢٢٩.","vol":"20","page":220},{"text":"السلاح، ثم يعود هذا إلى ما ذكره الفراء: حتى يسلموا أو يسالموا (١).\nالوجه الثاني: أن معنى الحرب هاهنا: القوم المحاربون، يقال: هؤلاء حرب لفلان، إذا كانوا يعادونه ويحاربونه. والتأويل: حتى يضع المحاربون لملة الإسلام السلاح والشرك والآثام بالسلم والإسلام (٢)، وللحرب تأويلان وللأوزار تأويلان على [ذكرنا (٣)].\nقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ﴾ قال أبو إسحاق: الأمر ذلك، قال: ويجوز أن يكون منصوبًا على معنى: افعلوا ذلك (٤).\nقوله تعالى: ﴿وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ﴾ قال ابن عباس: يريد بغيركم (٥).\nوقال مقاتل: لانتصر منهم بملك واحد (٦)، والمعنى: إن الله تعالى قادر على الانتصار منهم بغيركم من الملائكة، أو يهلكهم ويعذبهم بما يشاء، ﴿وَلَكِنْ﴾ يأمركم بالحرب ﴿لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ﴾ قال ابن عباس: يريد مَنْ قُتِلَ من المؤمنين فمصيره إلى النعيم والثواب، ومن قُتِل من\n_________\n(١) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ٥٧.\n(٢) انظر: \"تفسير البغوي\" ٧/ ٢٧٩، و\"زاد المسير\" لابن الجوزي ٧/ ٣٩٧، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٦/ ٢٢٩.\n(٣) كذا في الأصل ولعل الصواب (على ما ذكرنا).\n(٤) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ٧.\n(٥) ذكر القرطبي قول ابن عباس لكن بلفظ: (لأهلكم بجند من الملائكة) ١٦/ ٢٣٠.\n(٦) هذا القول غير موجود في \"تفسير مقاتل\" عند هذه الآية انظر ٤/ ٤٤، وقد أورده السيوطي بلفظ: (لأرسل عليهم ملكًا فدمر عليهم) وعزاه لابن المنذر وابن جريج. انظر: \"الدر المنثور\" ٧/ ٤٦١، ونسبه القرطبي لابن عباس بلفظ: \"لأهلكهم بجند من الملائكة\" انظر: \"الجامع\" ١٦/ ٢٣٠.","vol":"20","page":221},{"text":"المشركين فمصيره إلى العذاب، [وهو (١)] الذي ذكر ابن عباس هو معنى الابتلاء، وذلك أن الله تعالى ابتلى الفريقين أحدهما بالآخر ليثبت المؤمن ويكرمه بالشهادة، ويخزي الكافر ويذله بالقتل.\nوقال أبو إسحاق: أي ليمحص المؤمنين وليمحق الكافرين (٢).\nقوله تعالى ﴿وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي جاهدوا المشركين.\n﴿فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ يعني: كما يضل أعمال الذين كفروا في قوله: ﴿أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾، وقرأ أبو عمرو: ﴿وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ والوجه قراءة العامة؛ لأنها أعم من حيث إنها تشمل مَنْ قاتل ولم يقتل، ومن قاتل وقُتل وقد حصل للمقاتل الثواب كما حصل للمقتول، فكان أولى لعمومه. وعلى قراءة أبي عمرو يختص المقتول (٣) بقوله: ﴿فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ وحجة أبي عمرو (٤) ما قال قتادة (٥) ومقاتل (٦): أن المراد بقوله: (والذين قتلوا في سبيل الله) قتلى أحد من المؤمنين، غير أن قوله:\n_________\n(١) كذا رسمها، ولعل الصواب (وهذا) وانظر هذا القول في \"الوسيط\" ٤/ ١٢٠.\n(٢) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ٧.\n(٣) هذا المحظور لا يرد على هذه القراءة. فالتعبير بـ (قتلوا) لبيان أن القتال مظنة القتل ولو لم يُقتل المقاتل فإنه كان معرضًا نفسه لذلك. وعليه فحتى على هذه القراءة لا يختص ما ورد فيها من مثوبة بمن قتل فحسب. وبذلك لا يعكر على \"تفسيره\" ما ورد عن ابن عباس - ﵄-.\n(٤) انظر: \"الحجة\" لأبي علي الفارسي ٦/ ١٩٠، \"الكشف عن وجوه القراءات\" لمكي ٢/ ٢٧٦، \"حجة القراءات\" لابن زنجلة ص ٦٦٦.\n(٥) أخرج ذلك الطبري عن قتادة انظر: \"تفسيره\" ٢٣/ ٤٤، وذكره عبد الرزاق في \"تفسيره\" ٢/ ٢٢١، والبغوي في \"تفسيره\" ٧/ ٢٨٠.\n(٦) انظر: \"تفسير مقاتل\" إلا أنه قال قتلى بدر ٤/ ٤٥، وقال أبو الليث السمرقندي قتلى يوم أحد وبدر. انظر: \"تفسيره\" ٣/ ٢٤١.","vol":"20","page":222},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4042>٥ </span>- ﴿سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ﴾ ينقض هذا القول، فإن ابن عباس قال: سيهديهم إلى أرشد الأمور ويعصمهم أيام حياتهم في الدنيا (١)، وهذا لا يحسن وصف المقتولين، وحمل أبو إسحاق إصلاح البال في الموضعين من هذه السورة على إصلاح أمر المعاش وحال الدنيا، وقال: أراد أنه يجمع له خير الدنيا والآخرة، واحتج بقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ [المائدة:<span data-type=\"title\" id=toc-4043> ٦</span>٦] إلى قوله: ﴿لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ وبقوله: ﴿يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾ [نوح: ١١] إلى قوله: ﴿أَنْهَارًا﴾ (٢) ويمكن أن يقال على قول قتادة ومقاتل [يعني (٣)] الآية: سيهديهم إلى طريق الجنة ويصلح بالهم، وحالهم في الآخرة بإرضاء خصومهم وقبول أعمالهم وما شاكل ذلك.\n٦ - وقوله: ﴿وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾ قال ابن عباس في رواية أبي صالح: إذا دخلوا الجنة حياهم الله بما يحيون به، وأعطاهم ما أعطاهم، ثم يقال لهم تفرقوا إلى منازلكم فيتفرقون إليها، فلهُم أعرفُ بمنازلهم من أهل الجمعة إذا انصرفوا إلى منازلهم (٤).\nوقال مجاهد: يهتدي أهلها إلى بيوتهم ومساكنهم لا يخطئون، كأنهم\n_________\n(١) ذكر ذلك ابن الجوزي ونسبه لابن عباس ولم يذكر قوله: (ويعصمهم ...). انظر: زاد المسير\" ٧/ ٣٩٨، وذكره المؤلف في \"الوسيط\" عن ابن عباس. انظر: ٤/ ١٢١.\n(٢) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ٧.\n(٣) في الأصل كتبت (يعني) ولعل الصواب (معنى).\n(٤) أخرج الطبري عن مجاهد وابن زيد نحو هذه الرواية. انظر: \"تفسيره\" ١٣/ ٢/ ٤٤، وكذلك ذكر نحوه البغوي ونسبه لأكثر المفسرين. انظر: \"تفسيره\" ٧/ ٢٨٠، وكذلك ذكره القرطبي في \"الجامع\" ١٦/ ٣٢١ ولم ينسبه، وذكره في \"الوسيط \" ولم ينسبه انظر: ٤/ ١٢١.","vol":"20","page":223},{"text":"ساكنوها منذ خلقوا لا يستدلون عليها أحدًا (١).\nهذا قول عامة المفسرين وأهل المعاني (٢) وتلخيصه ما قال أبو عبيدة: (عرفها لهم): بينها لهم حتى عرفوها من غير استدلال (٣)، على أن مقاتل بن حيان جعل هذا تعريفًا باستدلال، فإنه يقول: بلغنا أن الملك الذي وكل بحفظ عمل ابن آدم يمشي في الجنة ويتبعه ابن آدم حتى يأتي أقصى منزل هو له فيعرفه كل شيء أعطاه الله في الجنة، فإذا دخل إلى منزله وأزواجه انصرف الملك عنه، فهذا تعريف بوساطة الملك (٤)، والأول تعريف من قبل الله تعالى، وروي عن سلمة بن كهيل أنه قال: (عرفها لهم) طرقها (٥) وعلى هذا التعريف واقع على الطرق إلى الجنة، على معنى: إن الله يعرفهم طرقها حتى يهتدوا إليها، ويكون التقدير: عرف طرقها لهم، فحذف المضاف (٦).\nوقال الحسن: وصف الله الجنة في الدنيا لهم فإذا دخلوها عرفوها بصفتها (٧). وعلى هذا القول هذا التعريف وقع في الدنيا. ويكون المعنى:\n_________\n(١) أخرج ذلك الطبري عن مجاهد. انظر: \"تفسيره\" ١٣/ ٤٤، وأورده الثعلبي في \"تفسيره\" ١٠/ ١٢٥ أ، وأورده البغوي في \"تفسيره\" ٧/ ٢٨٠.\n(٢) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ٥٨، \"تفسير غريب القرآن\" لابن قتية ص ٤٠٩، \"معاني القرآن\" للنحاس ٦/ ٤٦٥.\n(٣) انظر: \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ٢/ ٢١٤.\n(٤) ذكر ذلك أبو حيان في البحر المحيط ونسبه لمقاتل. انظر: البحر ٨/ ٧٥. وذكره الشوكاني مختصرًا ونسبه لمقاتل انظر: \"فتح القدير\" ٥/ ٣١.\n(٥) ذكر ذلك النحاس في \"معاني القرآن\" ونسبه لسلمة بن كهيل ٦/ ٤٦٦، وذكر معنى هذا القول الشوكاني في \"فتح القدير\" ولم ينسبه ٥/ ٣١.\n(٦) انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٦/ ٢٣١.\n(٧) ذكر ذلك الماوردي في \"تفسيره\" ونسبه للحسن ٥/ ٢٩٤، وانظر: \"تفسير الحسن البصري\" ٢/ ٢٨٨، ونسبه القرطبي للحسن. انظر: \"الجامع\" ١٦/ ٢٣١.","vol":"20","page":224},{"text":"يدخلهم الجنة التي عرفها لهم، واللام في (لهم) لام الأجل، وهذه الأقوال كلها من التعريف الذي هو واقع المعرفة.\nوروي عن ابن عباس قول آخر، قال عطاء: يريد طيبها لهم (١)، وهذا القول اختيار المؤرج (٢) وأصحاب اللغة (٣) وأصله من العَرْف وهو الرائحة الطيبة، وطعام مُعرّف، أي: مطيب، وأنشدوا قول الأسود بن يعفر:\nفَتُدخِلُ أيدٍ في خناجرَ أُقْنِعت ... لِعَادتِها من الخَزِيرِ المُعَرَّفِ (٤)\nوعلى هذا معنى الآية: طيبها لهم بما خلق فيها من الروائح الطيبة، وقال بعض أهل المعاني: طيبها لهم بضروب الملاذ التي تتقبلها النفس تقبل ما تعرفه ولا تنكره (٥)، وروى أبو العباس عن بعضهم في قوله: (عرفها لهم). قال: هو وضع الطعام بعضه على بعض من كثرته، وخزير معرَّف بعضه على بعض (٦)، وعلى هذا القول هو من العُرْف المتتابع كعُرْف الفرس.\n_________\n(١) ذكر هذا القول الماوردي في \"تفسيره\"، ولم ينسبه ٥/ ٢٩٤، ونسبه في \"الوسيط\" لعطاء عن ابن عباس ٤/ ١٢١، وذكره البغوي ونسبه لعطاء ٧/ ٢٨٠.\n(٢) ذكر ذلك الثعلبي في \"تفسيره\" ١٠/ ١٢٥ أ.\n(٣) انظر: \"تهذيب اللغة\" (عرف) ٢/ ٣٤٥.\n(٤) البيت استشهد به ابن قتيبة في \"تفسير غريب القرآن\" ولم ينسبه ص ٤١٠، وهو في \"تهذيب اللغة\" منسوب للأسود بن يعفر ٢/ ٣٤٥، ومعنى أقنعت: مدت ورفعت للفم والخزير: الحساء من الدسم.\nوقد استشهد بالبيت الثعلبي في \"تفسيره\" ولم ينسبه ١٠/ ١٢٥ أ.\n(٥) انظر: \"معاني القرآن\" للنحاس ٦/ ٤٦٦، و\"زاد المسير\" ٧/ ٣٩٨، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٦/ ٢٣١.\n(٦) أنظر: قول أبي العباس في \"تهذيب اللغة\" (عرف) ٢/ ٣٤٥، وفي \"الجامع لأحكام القرآن\" من غير نسبة ١٦/ ٢٣١.","vol":"20","page":225},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4044>٧ </span>- قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾ قال أهل المعاني: إن تنصروا دين الله (١) ورسوله بالجهاد، إلا أنه أضيف النصر إلى الله تفخيمًا لشأنه وتعظيمًا وتلطفًا في الاستدعاء إليه كالتلطف في ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ﴾ [البقرة: ٢٤٥] وقوله: ﴿يَنْصُرْكُمْ﴾ أي بالغلبة على عدوكم ﴿وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ قال الكلبي ومقاتل: يعني عند القتال (٢)، وقيل: علي الإسلام (٣)، وروي عن ابن عباس على الصراط (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-4045>٨ </span>- قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ قال الكلبي: يعني: كفار قريش (٥)، وقال قتادة: هي للكفار خاصة (٦)، وهذا أشبه لأن قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ﴾ يعم المؤمنين كلهم، كذلك ما بعده من حكم الكفار، ومعنى التَّعْس في اللغة: قال النضر: التعس: الهلاك. وتعس: هلك (٧).\nوقال أبو الهيثم: تعس يتعس معناه: انكب وعثر فسقط على يديه، وأتعسه الله (٨).\n_________\n(١) انظر: \"إعراب القرآن\" للنحاس ٤/ ١٨٠، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٦/ ٢٣٢.\n(٢) انظر: \"تنوير المقباس\" ص ٥٠٧، \"تفسير مقاتل\" ٤/ ٤٥.\n(٣) ذكر هذا القول والذي قبله الثعلبي في \"تفسيره\" ولم ينسبهما ١٠/ ١٢٥ أ، وكذلك القرطبي في \"الجامع\" ١٦/ ٢٣٢.\n(٤) ذكر هذا القول القرطبي في \"الجامع\" ولم ينسبه ١٦/ ٢٣٢، وكذلك ذكره الشوكاني مع القولين السابقين ولم ينسبها. انظر: \"فتح القدير\" ٥/ ٣١.\n(٥) قال في \"تنوير المقباس\": (أبطل حسناتهم ونفقاتهم يوم بدر) ص ٥٠٧.\n(٦) أخرج الطبري عن قتادة قال: هي عامة للكفار ١٣/ ٤٦.\n(٧) انظر: \"تهذيب اللغة\" (تعس) ٢/ ٧٨.\n(٨) انظر: \"اللسان\" (تعس) ٦/ ٣٢.","vol":"20","page":226},{"text":"وقال أبو إسحاق: التعس في اللغة: الانحطاط والعثور (١).\nوروى أبو عبيد عن أبي عبيدة: تعسه الله وأتعسه في باب فعَلت وأفعلت بمعنى واحد، قال شمر: لا أعرف: تعسه الله، ولكن يقال: تعس بنفسه وأتعسه الله، وذكر عن الفراء قال: يقال تَعَسْتَ، إذا خاطبت الرجل. فإذا صرت إلى أن تقول فَعَل قلت: تعِس بكسرالعين، قال شمر: وهكذا سمعته في حديث عائشة: تعس مسطح (٢)، وأنكر شميل، وأبو الهيثم: تعس بكسر العين. قال ابن شميل: تقول العرب: تَعِسَ فما انتعش وشيكَ فلا انْتَقَشْ إذا دعيت (٣) على إنسان، وأنشد (٤) أبو الهيثم بيت الأعشى:\nفالتَّعْسُ أَدْنَى لهَا من أنْ أَقول لَعَا (٥)\nقال: ولا يجوز تعس، ولو جاز لقال: فالتعس أدنى لها، هذا قول\n_________\n(١) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ٨.\n(٢) أخرج ذلك البخاري عن عائشة ﵂. انظر: \"صحيح البخاري\"، كتاب التفسير باب ٢٥، ومن سورة النور ٥/ ٣٣٢.\n(٣) نص الحديث عند البخاري عن أبي هريرة -﵁-، قال: قال رسول الله -ﷺ-: (تعس عبد الدينار وعبد الدرهم وعبد الخميصة، إن أعطي رضي وإن لم يعط سخط، تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش ..). انظر: \"صحيح البخاري\" كتاب الجهاد والسير، باب ٧٠، الحراسة في الغزو في سبيل الله ٣/ ٢٢٢.\n(٤) انظر: هذا النص من قوله: روى أبو عبيد عن أبي عبيدة في \"تهذيب اللغة\" (تعس) ٢/ ٧٨ وانظر: \"اللسان\" (تعس) ٦/ ٣٢.\n(٥) انظر: \"ديوان الأعشى\" ص ١٠٥، و\"تهذيب اللغة\" (تعس) ٢/ ٧٩، \"اللسان\" (تعس) ٦/ ٣٢، والكشاف ٣/ ٤٥٤، وقال في مشاهد الإنصاف: يقال للعاثر لعا لك، دعاء له بالانتعاش وتعسًا لك دعاء عليه بالسقوط، يريد أنها لا تعثر ولو عثرت فالدعاء عليها أحق بها من الدعاء لها. انظر: \"مثساهد الإنصاف على شواهد الكشاف\" ص ٧٦.","vol":"20","page":227},{"text":"أهل اللغة في تفسير التعس وتعريفه.\nوأما المفسرون، فقال ابن عباس: يريد في الدنيا العثرة وفي الآخرة التردي في النار (١).\nوقال مقاتل: فنكسًا لهم. قال: ويقال: فخيبة لهم (٢)، وهو قول الضحاك (٣)، وقال أبو العالية: سقوطًا لهم (٤)، وقال ابن زيد: شقاء (٥).\nوقال ابن جرير: فخزيًا وبلاء (٦). وقال المبرد: فمكروهًا لهم وسوءًا قال: وإنما يقال هذا لمن دُعي عليه بالشر والهلكة (٧).\nوأما إعراب الآية ونظمها فقال أبو إسحاق: (الذين) في موضع رفع على الابتداء ويكون: (فتعسًا لهم) الخبر (٨)، قال صاحب النظم: موضع الفاء جزم على الجزاء؛ لأنه منسوق على قوله: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾ وإنما جاء بالفاء في الجواب؛ لأن ذلك لم يوجبه عليهم إلا بشريطة الكفر،\n_________\n(١) ذكر ذلك أبو حيان في البحر منسوبًا لابن عباس لكن بلفظ: (في الدنيا القتل ..). انظر: البحر المحيط ٨/ ٧٦، وذكره البغوي في \"تفسيره\" ولم ينسبه. انظر: \"تفسيره\" ٧/ ٢٨١، ونسبه الزمخشري لابن عباس لكن بلفظ: (في الدنيا القتل وفي الآخرة التردد في النار). انظر: \"الكشاف\" ٣/ ٤٥٤.\n(٢) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٤/ ٤٥.\n(٣) ذكر ذلك البغوي في \"تفسيره\" ٧/ ٢٨١، والقرطبي في \"الجامع\" ١٦/ ٢٣٢.\n(٤) ذكر ذلك الثعلبي في \"تفسيره\" ١٠/ ١٢٥ أ، والبغوي في \"تفسيره\" ٧/ ٢٨١.\n(٥) ذكر ذلك الثعلبي في \"تفسيره\" ١٠/ ١٢٥ أ، والبغوي في \"تفسيره\" ٧/ ٢٨١، والقرطبي في \"الجامع\" ١٦/ ٢٣٢.\n(٦) انظر: \"جامع البيان\" للطبري ١٣/ ٤٥.\n(٧) لم أقف على هذا القول.\n(٨) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ٨.","vol":"20","page":228},{"text":"وهذا الذي قال صاحب النظم قد تقدم شرحُه في مواضع، منها قوله: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [البقرة: ٢٧٤] إلى قوله: ﴿فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ﴾ وقوله: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ﴾ [البقرة: ١٨٤] ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ﴾ [المائدة:<span data-type=\"title\" id=toc-4046> ٩</span>٥] وانتصب (تعسًا) على الدعاء كما تقول: سقيًا له ورعيًا، على معنى: سقاه الله سقيًا، ورعاه رعيًا، كذلك هاهنا تعسهم الله تعسًا على قول أبي عبيدة وعلى قول غيره: أتعسهم الله فتعسوا تعسًا (١)، ولهذا التقدير عطف بقوله: ﴿وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ على ﴿فَتَعْسًا﴾ لأن التقدير: فأتعسهم الله وأضل أعمالهم، قاله الفراء (٢).\n٩ - قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ﴾ أي: ذلك الإتعاس والإضلال ﴿بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ وقال الفراء والزجاج: كرهوا القرآن ونبوة المصطفى -ﷺ- وسخطوا ما أنزل الله عليه (٣)، وهذا معنى قول المفسرين (٤).\nوقال سفيان وعمرو بن ميمون: كرهوا الفرائض (٥) التي أنزل الله من الصلاة والزكاة.\n﴿فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ قال ابن عباس ومقاتل: يعني: ما عملوا من شيء يريدون به الله؛ لأنها لم تكن في إيمان، ولا يقبل الله إلا من المتقين (٦).\n_________\n(١) انظر: \"تهذيب اللغة\" (تعس) ٢/ ٧٩، \"الدر المصون\" ٦/ ١٤٨.\n(٢) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ٥٨.\n(٣) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ٥٩، \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ٨.\n(٤) انظر: \"جامع البيان\" للطبري ١٣/ ٤٦، \"تفسير السمرقندي\" ٣/ ٢٤٢.\n(٥) أورد ذلك السيوطي في \"الدر المنثور\" عن عمرو بن ميمون وعزاه لابن أبي شيبة وعبد ابن حميد وابن المنذر. انظر: \"الدر المنثور\" ٧/ ٤٦٢، ولم أقف على نسبته لسفيان.\n(٦) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٤/ ٤٥، و\"القرطبي\" ١٦/ ٢٣٣ فقد ذكر معنى هذا القول ولم ينسبه.","vol":"20","page":229},{"text":"ثم خوف كفار مكة بمثل عذاب الأمم الخالية فقال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4047>١٠ </span>- قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا﴾ قال مجاهد: أمثال ما دمربه القرون الأولى، وعيد من الله لهم (١)، وقال مقاتل: وللكافرين من هذه الأمة أمثالها من العذاب (٢).\nوقال عطاء: يريد لمن كذَّب النبي -ﷺ- مثل ما أصاب الأمم قبلهم، قال أبو إسحاق: أي: أمثال تلك العاقبة من الهلاك، فأهلك الله -﷿- بالسيف من أهلكه من كفار هذه الأمة (٣)، هذا هو الصحيح في تفسير هذه الآية، وهو أن هذا الوعيد قد لحقهم.\nوقال مقاتل بن حيان في قوله: ﴿وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا﴾: يعني: عذابًا ينزل من السماء يصيب قرنًا ولم يكن بعد، وإنما حمله على هذا القول أن عذاب الذين كانوا من قبلهم نزل من السماء كالصيحة والرجفة والغرق، ولم يكن بيد المؤمنين، ولما قال الله تعالى: (أمثالها) حملها على ما ينزل من السماء كشأن ما قبلها من عذاب الأمم (٤)، والصحيح هو الأول؛ لأن الله تعالى أراد أمثالها في الإهلاك والتدمير.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4048>١١ </span>- قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ﴾ قال مقاتل: ذلك النصر، يعني قوله: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾ ثم ذكر سبب ذلك النصر فقال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ\n_________\n(١) أخرج ذلك الطبري عن مجاهد. انظر: \"جامع البيان\" ١٣/ ٤٦، وأورد ذلك السيوطي في \"الدر المنثور\" ٧/ ٤٦٣ وعزاه لعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر.\n(٢) انظر: \"تفسير مقاتل\": ٤/ ٤٥.\n(٣) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ٨.\n(٤) لم أقف على هذا القول.","vol":"20","page":230},{"text":"آمَنُوا﴾ (١)، قال ابن عباس: ناصر الذين صدقوا (٢)، وقال مجاهد ومقاتل ابن حيان والكلبي: يعني: ولي أصحاب رسول الله -ﷺ- ينصرهم على عدوهم (٣).\n﴿وَأَنَّ الْكَافِرِينَ﴾ كفار قريش ﴿لَا مَوْلَى لَهُمْ﴾ لا ولي لهم ولا ناصر لهم.\nقال أبو إسحاق: المعنى ذلك بأن الله يتولى الذين آمنوا في هدايتهم والنصر على عدوهم، وبأن الكافرين لا ولي لهم ينصرهم من الله في هداية ولا في علو على المؤمنين (٤).\nوقال غيره من أهل المعاني (٥): المولى هو الجاعل نصرته على من أرادها له، وكل مؤمن فالله مولاه بنصره إياه، وكل كافر فلا مولى له ينصره من عقاب ربه فهو يُسَلَّمُ لهلاكه، ولهذا المعنى لا يقال: الله مولى الكافرين؛ لأنه لا يتولاهم.\nوقد روينا عن علي -﵁- بإسناد أذكره في مسند التفسير إن شاء الله، قال الأبهري لابن الكوا: مَنْ رَبُّ الناس؟ قال: الله، قال: فمن مولى الناس؟ قال: الله، قال: كذبت، الله مولى الذين آمنوا والكافرين لا مولى لهم (٦).\nثم ذكر حال الكفار ومآلهم فقال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4049>١٢ </span>- قوله تعالى: ﴿وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ﴾ قال\n_________\n(١) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٤/ ٤٥.\n(٢) ذكر هذا القول القرطبي في \"الجامع\" ١٦/ ٢٣٤.\n(٣) لم أقف على قول هؤلاء.\n(٤) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ٨.\n(٥) لم أقف على هذا القول.\n(٦) ذكر ذلك المؤلف في \"تفسيره الوسيط\" ٤/ ١٢٢.","vol":"20","page":231},{"text":"ابن عباس: يريد في الدنيا، ويأكلون كما تأكل الأنعام (١)، قال الكلبي: الأنعام تأكل وتشرب ولا تدري ما في غد، وهكذا الكفار (٢)، وقال مقاتل: يأكلون ولا يلتفتون إلى الآخرة، كما تأكل الأنعام ليس لها هَمّ إلا الأكل والشرب في الدنيا (٣) ﴿وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ منزل ومقام ومصير ومأوى، كل هذا من ألفاظ المفسرين (٤).\nثم خوفهم ليحذروا فقال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4050>١٣ </span>- قوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ﴾ يعني: مكة ﴿الَّتِي أَخْرَجَتْكَ﴾ خرج الكلام على القرية والمراد أهلها، وهكذا ذكر المفسرون، قال ابن عباس: وكأين من رجال هم أشد من أهل مكة (٥)، وقال أبو إسحاق: المعنى: وكم من أهل قرية هم أشد قوة من أهل قريتك التي أخرجك أهلها (٦)، يدل على هذا قوله: ﴿أَهْلَكْنَاهُمْ﴾ قال مقاتل: أي بالعذاب حين كذبوا رسلهم (٧).\n﴿فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ﴾ قال ابن عباس: فلم يكن لهم ناصر (٨).\n_________\n(١) لم أقف عليه.\n(٢) أورد هذا القول: الثعلبي في \"تفسيره\"، ولم ينسبه. انظر: ١٠/ ١٢٥ ب، وكذلك ذكره ابن الجوزي في \"زاد المسير\"، ولم ينسبه. انظر: ٧/ ٤٠٠.\n(٣) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٤/ ٤٥ - ٤٦.\n(٤) انظر: \"جامع البيان\" للطبري ١٣/ ٤٧، \"تفسير السمرقندي\" ٣/ ٢٤٢، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٦/ ٢٣٥.\n(٥) ذكر ذلك البغوي في \"تفسيره\" ٧/ ٢٨٢.\n(٦) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ٩.\n(٧) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٤/ ٤٦.\n(٨) ذكر ذلك المؤلف في \"الوسيط\" عن ابن عباس. انظر: \"تفسير الوسيط\" ٤/ ١٢٢.","vol":"20","page":232},{"text":"قال الفراء: ويجوز إضمار (كان) وإن كنت قد نصبت الناصر بالتبرية، قال: ويكون: (أهلكناهم فلا ناصر لهم) الآن، هذان وجهان ذكرهما الفراء في نظم الآية. أحدهما: إضمار كان. والآخر: أن يكون المعنى: فلا ناصر لهم الآن (١)، وأصح مما ذكر أن يقال: هذا على طريق الحكايه للحال الماضية عند الإهلاك، أي: كأن يقال فيهم عند إهلاكهم: لا ناصر لهم، كما ذكرنا في قوله: ﴿هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ﴾ [القصص:<span data-type=\"title\" id=toc-4052> ١٥] </span>وفي آيات سواها، ويدل على صحة هذا الوجه قوله: ﴿هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً﴾. ولا يقال فيها وهي مهلكة: هي أشد قوة، ولا يصح في هذا شيء من الوجهين الذين ذكرهما، وإنما يصح فيه الحكاية؛ أي: التي كان يقال فيها هي أشد قوة من مكة، ثم ذكر بُعْد ما بين المؤمن والكافر.\n<span data-type=\"title\" id=toc-4051>١٤ </span>- قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ قال أبو إسحاق: هذه ألِفُ توقيف وتقرير؛ لأن الجواب معلوم (٢).\nقال ابن عباس (٣) ومقاتل (٤) والكلبي (٥): يريد على بيان من ربه ويقين من دينه وهو محمد -ﷺ- على شهادة أن لا إله إلا الله ﴿كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ﴾ يعني: عبادة الأوثان، وهو أبو جهل والكفار ﴿وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾ في عبادة الحجارة.\n\n١٥ - ثم وصف الجنات التي وعدها المؤمنين بقوله: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي\n_________\n(١) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ٥٩.\n(٢) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ٩.\n(٣) انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٦/ ٢٣٥.\n(٤) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٤/ ٤٦.\n(٥) انظر: \"تنوير المقباس\" ص ٥٠٨.","vol":"20","page":233},{"text":"وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾ الآية، والكلام في معنى (مثل الجنة) وإعرابه قد مر في سورة الرعد [آية: ٣٥] بأبلغ استقصاء. قوله تعالى: ﴿الْمُتَّقُونَ﴾ قال الكلبي ومقاتل: هم أمة محمد -ﷺ- يتقون الشرك (١).\nقوله تعالى: ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾ وتقرأ: أسن. بالقصر، روى أبو عبيد عن أبي زيد: أسَنَ الماءُ يأسِنُ أَسْنا وأُسُونًا، إذا تغير، وهو الذي لا يشربه أحدٌ من نتنه (٢)، وكذلك: أسن الرجل يأسن، إذا غشي عليه من ريح خبيثة، وربما مات منها (٣) وأنشد لزهير:\nيُغادِرُ القِرْنَ مُصْفَرًَّا أنامِلُه ... يَمِيْدُ في الرُّمْحِ مَيْدَ المائِحِ الأسِنِ (٤)\nوهو الرجل الذي دخل بئرًا فاشتد عليه ريحها حتى يصيبه دوار فيسقط، وقال المبرد: يقال أسن يأسِن أسَنًا فهو آسِن وأسِن، وهو المتغير الرائحة وقياسه: حذر يحذر حذرًا فهو حاذر وحَذِر (٥)، قال المفسرون في الآسن: هو المتغير المنتن (٦) ﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ﴾ قالوا: لا يحمض كما تتغير ألبان أهل الدنيا، وذلك أنها لم تخرج من ضروع الإبل ولا الغنم (٧) ﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ﴾ كقوله: ﴿بَيْضَآءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ﴾\n_________\n(١) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٤/ ٤٦، \"تنوير المقباس\" ص ٥٠٨.\n(٢) انظر هذا القول بنصه في \"تهذيب اللغة\" (أسن) ١٣/ ٨٤، وانظر: \"اللسان\" (أسن) ١٣/ ١٦.\n(٣) انظر: \"تهذيب اللغة\" (أسن) ١٣/ ٨٥، \"اللسان\" (أسن) ١٣/ ١٧.\n(٤) انظر: \"ديوان زهير\" ص ١٢١، و: تهذيب اللغة\" (أسن) ١٣/ ٨٤، \"اللسان\" (أسن) ١٣/ ١٧، \"الحجة\" ٦/ ١٩١، \"الدر المصون\" ٦/ ١٥٠، \"البحر المحيط\" ٨/ ٧٠.\n(٥) انظر: \"الكامل\" للمبرد ٣/ ٦٨.\n(٦) انظر: \"جامع البيان\" ١٣/ ٤٩، \"تفسير الثعلبي\" ١٠/ ١٢٦ أ، \"البغوي\" ٧/ ٢٨٢.\n(٧) قال ابن جرير: لأنه لم يحلب من حيوان فيتغير طعمه بالخروج من الضروع، ولكنه=","vol":"20","page":234},{"text":"[الصافات: ٤٦] وقد مر. قال ابن عباس: يريد لم تعصره الرجال (١).\nقوله: ﴿مِنْ عَسَلٍ﴾ العسل هو المستحلى من لعاب النحل، والعرب تسمي ما يستحلى عسلًا كصمغ العُرْفُط (٢). وصقر الرطب (٣).\nوأقرأني العروضي ﵀ قال: أقرأني الأزهري قال: أخبرني عبد الملك (٤) عن الربيع عن الشافعي، أنه قال: عسل النحل هو المنفرد بالاسم دون ما سواه، والعرب تؤنث العسل وتذكره، وتأنيثه في شعر الشماخ، والعاسل الذي يشتار العسل ومنه قول لبيد:\nوأرْي دُبُورٍ شارَه النحلَ عاسلُ (٥)\n_________\n= خلقه الله ابتداء في الأنهار فهو بهيئته لم يتغير عما خلقه عليه. انظر: \"تفسير الطبري\" ١٣/ ٤٩.\n(١) قال الثعلبي في \"تفسيره\": أي لم تدسها الأرجل ولم تدنسها الأيدي. انظر: \"تفسيره\" ١٠/ ١٢٦ أ، ولم أقف على قول ابن عباس.\n(٢) قال شمر: العُرْفُط: شجرة قصيرة متدانية الأغصان ذات شوك كثير، طولها في السماء كطول البعير باركًا، ولها وريقة صغيرة، تنبت بالجبال تَعْلقُها الإبل أي تأكل بفيها أعراض غِصَنَتِها.\nأبو عبيد عن الأصمعي: العُرْفُط: شجرة من العضاة.\nانظر: \"تهذيب اللغة\" (باب العين والطاء) ٣/ ٣٤٦.\n(٣) قال الليث: والصَّقر: ما تَحلَّبَ من العنبِ والتمر من غير عصر. انظر: \"تهذيب اللغة\" (قصر) ٨/ ٣٦٤.\n(٤) هو: عبد الملك بن محمد بن عدي أبو نعيم الجرجاني الأستراباذي سمع من الربيع ابن سليمان وغيره، وقال الخطيب: كان أحد الأئمة ومن الحفاظ لشرائع الدين مع صدق وتيقظ وورع. توفي سنة ٣٢٣ هـ انظر: \"تاريخ بغداد\" ١٠/ ٤٢٨، \"طبقات الشافعية الكبرى\" ٢/ ٢٤٢، \"تذكرة الحفاظ\" ٣/ ٨١٦.\n(٥) عجز البيت في \"تهذيب اللغة\". (عسل) ٢/ ٩٤، \"اللسان\" (عسل) ١١/ ٤٤٥.","vol":"20","page":235},{"text":"ويقال: عسلت الطعام أعسله، إذا جعلت فيه عسلًا (١)، قال ابن عباس: يريد لم يخرج من بطون النحل (٢)، وذلك قوله: ﴿مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى﴾ قال مقاتل: ليس فيها عكر ولا كدر كعسل أهل الدنيا (٣).\nقوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ قال أبو علي الفارسي: (من) زائدة للتوكيد (٤) وأنشد قول ذي الرمة:\nتبَسَّمْنَ عن نَوْر الأقاحِي في الثَّرَى ... وفَتَّرنَ من أَبْصار مَضرُوجَةٍ كحْلِ (٥)\nأراد وفترن أبصار مضروجة.\nقوله: ﴿وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ قال أبو إسحاق: يغفر ذنوبهم ولا يجازون بالسيئات ولا يوبخون في الجنة فَيُهَنَّونَ الفوز العظيم والعطاء الجزيل (٦).\nقوله ﴿كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ﴾ قال الفراء: لم يقل: أمن كان في هذا النعيم كمن هو خالد في النار، ولكن هذا المعنى في ضمن هذا الكلام فبني عليه (٧).\nوقال أبو إسحاق: المعنى: أفمن كان على بينة من ربه، وأعطي هذه\n_________\n(١) من بداية الحديث عن العسل. انظره بنصه في \"تهذيب اللغة\" (عسل) ٢/ ٩٣ - ٩٤.\n(٢) ذكر ذلك أبو حيان في \"البحر المحيط\" ٨/ ٧٩.\n(٣) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٤/ ٤٦.\n(٤) انظر: \"الدر المصون\" ٦/ ١٥١، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٦/ ٢٣٧، ولم أقف عليه عند أبي علي.\n(٥) انظر: \"ديوانه\" ص ٤٨٧.\n(٦) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ١٠.\n(٧) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ٦٠.","vol":"20","page":236},{"text":"الأشياء كمن زين له سوء عمله وهو خالد في النار (١)، وعلى ما قال أبو إسحاق ﴿كمَن﴾ في هذه الآية: بدل من قوله: ﴿كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ﴾ واختار صاحب النظم قول الفراء، وقال: الكاف في قوله: ﴿كَمَن﴾ تدل على مبتدأ قبله، ولم يجر له ذكر، وإنما جرى ذكر الجنة وصفتها، فكأنه -﷿- قال: أفمن هو في الجنة كمن هو خالد في النار، فدل الجواب على الابتداء (٢).\nقوله تعالى ﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾ قال مقاتل: ماء شديد الحر تستعر عليهم جهنم، فهي تغلي منذ خلقت السموات والأرض، فقطع أمعاءهم في الجوف من شدة الحر (٣).\nوروى أبو أمامة عن النبي -ﷺ- قال: \"إذا شربه قطع أمعاءه حتى تخرج من دبره\" (٤).\nقال ابن عباس: وهذه الآية كقوله (٥): ﴿يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ (١٩) يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ﴾ [الحج: ١٩] ونحو هذه الآية قوله: ﴿وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ (١٦) يَتَجَرَّعُهُ﴾ [إبراهيم: ١٧] الآية، وقوله: ﴿يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ﴾ [الكهف: ٢٩] الآية، وواحد الأمعاء: مِعَى،\n_________\n(١) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ١٠.\n(٢) انظر: \"تفسير ابن عطية\" ١٥/ ٦٠، \"الدر المصون\" ٦/ ١٥١.\n(٣) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٤/ ٤٧.\n(٤) أخرج ذلك الطبري عن أبي أمامة. انظر: \"تفسيره\" ١٣/ ٥٠، \"تفسير الوسيط\" ٤/ ١٢٣، وأخرجه الحاكم عن أبي أمامة. انظر: \"المستدرك\"، كتاب التفسير، تفسير سورة محمد -ﷺ- ٢/ ٤٥٧، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.\n(٥) لم أقف عليه.","vol":"20","page":237},{"text":"مثل ضِلَع. وتثنيته: معيان، وهو جميع ما في البطن من الحوايا (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4053>١٦ </span>- قوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ﴾ قال ابن عباس والمفسرون: يعني المنافقين يستمعون خطبة النبي -ﷺ- يوم الجمعة، وكان يعرض بالمنافقين ويعيبهم، فإذا خرجوا من المسجد قالوا لأولي العلم من الصحابة: ماذا قال آنفًا، وذلك قوله: ﴿حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ (٢).\nوروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: كنت فيمن سئل، يعني أنه من الذين ذكرهم الله في قوله: (قالوا للذين أوتوا العلم) (٣). وروى عطاء عن ابن عباس: يريد عبد الله بن مسعود، وهو قول ابن بريدة (٤) ومقاتل (٥).\nقوله: ﴿مَاذَا قَالَ آنِفًا﴾ أي: ماذا قال الساعة، ويعني الآنف من الائتناف، وهو الابتداء يقال: ائتنفت الكلام ائتنافًا، أي: ابتدأته. قال: ذلك أبو زيد، والاستئناف أيضًا بهذا المعنى، وهما من الأنف وهو أول كل شيء يقال هذا ثم أنف العدو، وأنف البرد، وأنف المطر، أي: أوله (٦)، قال امرؤ القيس:\n_________\n(١) انظر: \"تفسير البغوي\" ٧/ ٢٨٣، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٦/ ٢٣٧.\n(٢) انظر: \"تفسير السمرقندي\" ٣/ ٢٤٣، \"تنوير المقباس\" ص ٥٠٨.\n(٣) خرج ذلك الطبري. انظر: \"تفسيره\" ١٣/ ٥١، والحاكم في \"المستدرك\" ٢/ ٤٥٧ وقال صحيح على شرط البخاري ومسلم، ولم يخرجاه ووافقه الذهبي. انظر: \"المستدرك\" كتاب التفسير تفسير سورة محمد -ﷺ-.\n(٤) انظر: \"تفسير الماوردي\" ٥/ ٢٩٨، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٦/ ٢٣٨.\n(٥) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٤/ ٤٧.\n(٦) انظر: \"تهذيب اللغة\" (أنف) ١٥/ ٤٨٢، \"اللسان\" (أنف) ٩/ ١٤.","vol":"20","page":238},{"text":"قد غَدَا يَحْمِلُنِي أَنْفِهِ ... لاحِقُ الأيْطَلِ مَحْبُوكٌ مُمَرْ (١)\nأي: في أول جريه، ومن هذا أنف الجبل، وأنف الإنسان، وأنف خف البعير، وقال أبو علي الفارسي: و(آنفا) من أنف، أي ابتدأ وهو غير مستعمل، وإن كان القياس يوجبه، وقد يجيء اسم الفاعل على ما لم يستعمل من الفعل نحو: فقير، جاء على فَقره، والمستعمل افتقر، وكذلك شديد، والمستعمل اشتد، فكذلك قوله: آنفًا، والمستعمل ائتنف (٢).\nوروى أحمد بن موسى بإسناده عن ابن كثير من طريق البزي: (أنِفًا) بالقمر (٣)، وهذا يحمل على أنه توهمه، مثل: خادر وخدر، وفاكه وفكه، والوجه قراءة العامة، ويدل عليه قول الشاعر:\nويحرُمُ سِرُّ جَارَتِهم عليهم ... ويَأْكُلُ جَارُهُم أُنُفَ القِصَاعِ (٤)\nيريد: أنهم يؤثرونه بأفضل الطعام وأوله لا البقايا، وأُنُف جمع أَنْف بالمد، مثل: قَاتِل وقُتُلٍ، وبازلٍ وبُزُلٍ (٥).\nوذكر المفسرون في وجه سؤال المنافقين قولين: أحدهما: أنهم سألوا استهزاء منهم وإعلامًا أنهم لم يستمعوا إلى كلامه ولم يلتفتوا إلى ما قال، وهذا اختيار الزجاج (٦)، القول الثاني: أنهم سمعوا كلامه ولم\n_________\n(١) انظر: \"تهذيب اللغة\" (أنف) ١٥/ ٤٨٢، \"اللسان\" ٩/ ١٤.\n(٢) انظر: \"الحجة للقراء السبعة\" ٦/ ١٩٣.\n(٣) انظر: \"الحجة\" ٦/ ١٩٢، \"التذكرة في القراءات\" لابن غلبون ٢/ ٦٨٣.\n(٤) البيت للحطيئة. انظر: \"ديوانه\" ص ٦٢، \"لسان العرب\" (أنف) ٩/ ١٣، و\"الزاهر\" ٢/ ٣١٢.\n(٥) انظر: \"الحجة للقراء السبعة\" ٦/ ١٩٤.\n(٦) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ١٠، \"تفسير الماوردي\" ٥/ ٢٩٨، و\"زاد المسير\" ٧/ ٤٠٢.","vol":"20","page":239},{"text":"يفقهوه، فلذلك سألوا (١).\nقال مقاتل: وقد سمعوا قول النبي -ﷺ- فلم يفقهوه (٢)، وعلى هذا دل كلام ابن عباس في رواية عكرمة قال: كان المنافقون إذا جلسوا عند النبي -ﷺ- يخرجون فيقولون: ماذا قال آنفًا (٣) ليس معهم قلوب، وعلى هذا دل سياق الآية، وهو قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ قال مقاتل: ختم على قلوبهم بالكفر فلا يعقلون الإيمان ﴿وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾ في الكفر (٤) والنفاق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4054>١٧ </span>- ثم ذكر المؤمنين فقال: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا﴾ قال الكلبي: يعني أهل الإسلام (٥).\n﴿زَادَهُمْ﴾ أي: زادهم الله هدى. قاله عطاء عن ابن عباس (٦)، وقال أبو صالح عنه: والذين اهتدوا بالمنسوخ زادهم الله هدى بالناسخ (٧)، ويجوز أن يكون المعنى: زادهم الناسخ هدى.\nوقال مقاتل بن سليمان: والذين اهتدوا من الضلالة زادهم الله هدى\n_________\n(١) \"تفسير الماوردي\" ٥/ ٢٩٨، و\"زاد المسير\" ٧/ ٤٠٢.\n(٢) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٤/ ٤٧.\n(٣) ذكر أبو حيان في البحر المحيط قريبًا من ذلك ولم ينسبه. انظر: \"البحر المحيط\" ٨/ ٧٩، وكذلك ذكر نحوه ابن كثير في \"تفسيره\" ٦/ ٣١٦.\n(٤) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٤/ ٤٧.\n(٥) قال الثعلبي في \"تفسيره\" ١٠/ ١٢٧ أ: يعني المؤمنين. وقال في \"تنوير المقباس\" ص ٥٠٨: والذين اهتدوا بالإيمان.\n(٦) ذكر ذلك ابن الجوزي في \"زاد المسير\" من غير نسبة. انظر ٧/ ٤٠٣، وكذلك ذكره من غير نسبة القرطبي في \"الجامع\" ١٦/ ٢٣٩.\n(٧) ذكر نحوه القرطبي في \"الجامع\" ١٦/ ٢٣٩.","vol":"20","page":240},{"text":"بالحكم الذي نسخ الأمر الأول (١).\nوقال مقاتل بن حيان: والذين اهتدوا هم المؤمنون الذين كانوا يؤمرون بالأمر من طاعة ربهم فيعملون به، ثم ينسخه الله فيحولهم إلى غيره فيتحولون إلى ما يؤمرون به، فيأجرهم الله لما مضى ويزيدهم بتحويلهم عما كانوا أمروا به إلى الذي تحولوا إليه هُدًى مع هديهم (٢).\nوذكر الفراء وأبو إسحاق في (زادهم هدى) وجهين آخرين؛ أحدهما: زادهم إعراضُ المنافقين واستهزاؤهم هدى. والثاني: زادهم ما قال الرسول آنفًا هدى (٣).\nوقال الضحاك: كلما أتاهم من الله تنزيل فرحوا به، فزادهم الله به هدى (٤).\nقوله تعالى: ﴿وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ قال الكلبي: وألهمهم تقواهم (٥).\nوقال سعيد بن جبير: وألهمهم ثواب تقواهم (٦)، وذكر ابن حيان معنى القولين، فقال في معنى القول الأول: وفقهم للعمل بما أمروا به مما فرض عليهم، قال: ومنهم من يقول: آتاهم ثواب أعمالهم في الآخرة (٧).\nثم خوف كفار مكة بقرب الساعة، وأنها إذا أتت لم يقبل منهم شيء فقال:\n_________\n(١) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٤/ ٤٧.\n(٢) لم أقف عليه.\n(٣) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ٦١، \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ١١.\n(٤) ذكر ذلك المؤلف في \"تفسيره الوسيط\" عن الضحاك. انظر ٤/ ١٢٤.\n(٥) انظر: \"تنوير المقباس\" ص ٥٠٨، وأورده القرطبي ١٦/ ٢٣٩ من غير نسبة.\n(٦) ذكر ذلك الثعلبي في \"تفسيره\" ١٠/ ١٢٧ أ، والبغوي في \"تفسيره\" ٧/ ٢٨٣.\n(٧) لم أقف عليه.","vol":"20","page":241},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4055>١٨ </span>- قوله تعالى: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً﴾ وتفسير هذا قد تقدَّم في آي كثيرة [الحج: ٥٥، الزخرف: ٦٦]، قال أبو إسحاق: موضع أن نصب على البدل من الساعة، المعنى: فهل ينظرون إلا أن تأتيهم بغتة، وهذا من البدل المشتمل على الأول في المعنى (١). ونحو هذا ذكر الفراء (٢) والكسائي (٣) وزاد المبرد بيانًا فقال: (أن تأتيهم) بدل من الساعة والتقدير: فهل ينظرون إلا الساعة إتيانها بغتة، فإذا نحيت الساعة صار المعنى: فهل ينظرون إلا إتيان الساعة بغتة، وهذا كقوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢١٧] أي عن قتال في الشهر الحرام ومثله: ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ﴾ [الفتح: ٢٥] إنما هو لولا أن تطؤوهم.\nقوله تعالى: ﴿فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ قال أبو عبيد: قال الأصمعي: هي علاماتها، قال: ومنه الاشتراط الذي يشترط الناس بعضهم على بعض، إنما هي علامات يجعلونها بينهم قال: ولهذا سميت الشُّرط لأنهم جعلوا لأنفسهم علامة يعرفون بها.\nقال أبو عبيد: وقال غيره في بيت (٤) أوس بن حجر:\nفَأَشْرَطَ فِيهَا نَفْسَهُ وَهْوَ مُعْصِمٌ ... وأَلْقَى بِأَسْبَابٍ لَهُ وتَوكَّلا (٥)\nهو من هذا أيضًا، يريد أنه جعل نفسه علمًا لهذا الأمر.\n_________\n(١) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ١١.\n(٢) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ٦١.\n(٣) لم أقف على قولي الكسائي والمبرد.\n(٤) انظر: \"تهذيب اللغة\" (شرط) ١١/ ٣٠٩، \"اللسان\" (يشترط) ٧/ ٣٣٠.\n(٥) انظر: المرجعين السابقين، \"الدر المصون\" ٦/ ١٥٢.","vol":"20","page":242},{"text":"وقال أبو سعيد: أشراط الساعة أسبابها التي هي دون معظمها وقيامها، قال: وأشراط كل شيء ابتداء أوله، ومنه يقال للدون من الناس: الشَّرَط لأنهم دون الذين هم أعظمهم وأنشد للكميت:\nوجدتُ الناسَ غيرَ ابْنَي نِزارٍ ... ولم أَذْمُمْهُم شَرَطًا وَدُونَا (١)\nقال الليث: والشرطان كوكبان، يقال إنهما قرنا الحمل، وهو أول نجم من نجوم الربيع، ومن ذلك صار أوائل كل أمر يقع أشراطُه (٢)، وأكثر أهل اللغة على القول الأول: أبو عبيدة (٣) والمبرد والزجاج (٤) كلهم قالوا في الأشراط أنها الأعلام، ونحو ذلك قال المفسرون (٥).\nوأنشد أبو عبيدة لابن المفرغ (٦):\nوَشَريتُ بُرْدًا لَيْتَنِي ... من بعد بُرْدٍ كنتُ هَامَهْ\nوتَبِعْثُ عبد بَنِي عِلاَجٍ ... تِلكَ أَشْرَاطُ القِيامَهْ (٧)\n_________\n(١) انظر: ديوانه ٢/ ١١١، \"تهذيب اللغة\" (شرط) ١١/ ٣٠٩، \"المحتسب\" لابن جني ١/ ٨٩، \"اللسان\" (شرط) ١١/ ٣٣١.\n(٢) من قوله: قال أبو عبيد: قال الأصمعي .. إلخ. انظره بنصه في \"تهذيب اللغة\" (شرط) ١١/ ٢٠٩ - ٢١٠.\n(٣) انظر: \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢١٥، وقول المبرد في \"إعراب القرآن\" للنحاس ٤/ ١٨٥.\n(٤) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ١١.\n(٥) انظر: \"جامع البيان\" للطبري ١٣/ ٥٢، \"تفسير الثعلبي\" ١٠/ ١٢٧ أ \"تفسير البغوي\" ٧/ ٢٨٤.\n(٦) هو: يزيد بن زياد بن ربيعة الملقب بمفرغ الحميري أبو عثمان شاعر غزل هو الذي وضع سيرة تبع وأشعاره وكان هجاء مقذعا وله مديح ونظمه سائر كانت وفاته حوالي ٦٩ هـ. انظر: \"خزانة البغدادي\" ٢/ ١١٢، \"الوفيات\" ٢/ ٢٨٩، \"الأعلام\" ٨/ ١٨٣.\n(٧) انظر: \"مجاز القرآن\" الأبي عبيدة ١/ ٤٨، ٣٠٤، وقد أورد البيت الأول فقط، =","vol":"20","page":243},{"text":"وواحد الأشراط: شَرط بفتح العين، قال ابن عباس: أشراطها: معالمها (١)، يريد أن النبي -ﷺ- من أشراطها، وقد قال: \"بعثت أنا والساعة كهاتين\" (٢) \"كفرسي رهان\" (٣).\nوقال الحسن: محمد من أشراطها (٤)، وقال مقاتل: يعني أعلامها من انشقاق القمر والدخان، وخروج النبي -ﷺ- فقد عاينوا هذا كله (٥).\nقوله تعالى ﴿فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ﴾ قال أبو إسحاق: المعنى: فمن أين لهم ذكراهم إذا جاءتهم الساعة، (ذكراهم) في موضع رفع بقوله: (فأنى) (٦) قال ابن عباس: من أين لهم بالتوبة إذا جاءتهم الساعة (٧).\nوقال مقاتل: في الآية تقديم، تقول: من أين لهم التذكرة والتوبة عند\n_________\n= وأورده أيضًا صاحب \"اللسان\" في مادة (شرى) ١٤/ ٤٢٨.\n(١) ذكر ذلك الماوردي في تفسيره لكن بلفظ: (أوائلها) وعلق عليها المحقق، فقال: هكذا في الأصول ولعلها: أدلتها أي: أماراتها ٥/ ٢٩٩.\n(٢) أخرج ذلك البخاري عن سهل بن سعد -﵁-. انظر: \"صحيح البخاري\" كتاب التفسير ٦/ ٧٩ تفسير سورة النازعات، وأخرجه مسلم عن أنس بن مالك -﵁- انظر: \"صحيح مسلم\"، كتاب الفتن، وأشراط الساعة، باب ٢٧ قرب الساعة ٣/ ٢٢٦٨ رقم ٢٩٥١. وأخرجه البغوي في شرح السنة ١٥/ ٩٨، ورقم ٤٢٩٤.\n(٣) أخرج ذلك الإمام أحمد في \"المسند\" عن سهل بن سعد -﵁-، انظر: \"المسند\" ٥/ ٣٣١.\n(٤) انظر: \"تفسير الحسن\" ٢/ ٢٨٩، و\"تفسير ابن كثير\" ٦/ ٣١٧، و\"الدر المنثور\" ٧/ ٤٦٧.\n(٥) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٤/ ٤٨.\n(٦) انظر: \"معاني القرآن للزجاج\" ٥/ ١١.\n(٧) ذكر نحوه الثعلبي في \"تفسيره\" ١٠/ ١٢٧ أمن غير نسبة، وكذلك ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٧/ ٤٠٤، ونسبه لقتادة، ونسبه في \"الوسيط\" ٤/ ١٢٤ لعطاء.","vol":"20","page":244},{"text":"الساعة إذا جاءتهم وقد فرطوا فيها (١).\nوقال قتادة: يقول: أنى لهم أن يتذكروا ويتوبوا إذا جاءتهم الساعة (٢).\nوقال الحسن: إذا جاءت الساعة لا تقبل منهم (٣).\nقال الفراء: ومثله قوله (٤): ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى﴾ [الفجر: ٢٣].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4056>١٩ </span>- قوله: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ لم أر في هذا شيئًا أمثل مما قال أبو إسحاق، وهو أنه قال: المعنى: قد بينا ما يدل على أن الله -﷿- واحد فاعلم أنه لا إله إلا الله، والنبي -ﷺ- قد علم ذلك ولكنه خطاب يدخل الناس مع النبي -ﷺ- كما قال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ﴾ [الطلاق: ١] والمعنى: من علم فليقم على ذلك العلم، كما قال: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٥] أي ثبتنا على الهداية (٥)، هذا كلامه على أنه قد ذكر عن عبد العزيز بن يحيي أنه قال: كان النبي -ﷺ-: يضجر ويضيق صدره من طعن الكافرين والمنافقين فيه، فأنزل الله هذه الآية يعني: فاعلم أنه لا كاشف يكشف ما بك إلا الله، فلا تعلق قلبك على أحد سواه (٦).\nويجوز أن يكون قوله: (فاعلم) جوابًا لقوله (إذا جاءتهم) له جوابان\n_________\n(١) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٤/ ٤٨.\n(٢) انظر: \"تفسير الماوردي\" ٥/ ٢٩٩، \"زاد المسير\" ٧/ ٤٠٤، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٦/ ٢٤١.\n(٣) ذكر ذلك الهواري في \"تفسيره\" من غير نسبة. انظر ٤/ ١٦٥، وكذلك ذكره الفخر الرازي ٢٨/ ٦٠.\n(٤) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ٦١.\n(٥) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ١٢.\n(٦) ذكر ذلك الثعلبي في \"تفسيره\" ١٠/ ١٢٧ أ.","vol":"20","page":245},{"text":"أحدهما: سابق؛ وهو قوله: ﴿فَأَنَّى لَهُمْ﴾، والآخر: (فاعلم)، ويكون المعنى على هذا: إذا جاءتهم الساعة فاعلم أنه لا إله إلا الله، أي: في ذلك الوقت تبطل الممالك والدعاوى، فلا ملك ولا حكم لأحد إلا الله ولا ملجأ إلى أحد إلا الله كقوله: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤] وهذا المعنى يروى عن سفيان بن عيينة وأبي العالية (١).\nقوله: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ الكلام في ذنبه -ﷺ- يأتي في أول سورة الفتح إن شاء الله، قال أهل المعاني: وإنما أمر بالاستغفار مع أنه مغفور له لتستن ول أمته في الاستغفار (٢)، وقد قال -ﷺ-: \"إني لأستغفر في اليوم سبعين مرة\" (٣).\nقوله تعالى: ﴿وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ أي: ولذنوبهم، وهذا إكرام من الله تعالى للمؤمنين والمؤمنات من هذه الأمة حين أمر نبيهم -ﷺ- أن يستغفر لهم، وهو الشفيع المجاب، ثم أخبر عن علمه بأحوال الخلق ومآلهم بقوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ﴾ قال ابن عباس: متصرفكم ومنتشركم في أعمالكم في الدنيا ومصيركم في الآخرة إلى الجنة أو النار (٤).\n_________\n(١) انظر: \"تفسير سفيان بن عيينة\" ص ٣٢٠، \"تفسير الثعلبي\" ١٠/ ١٢٧ ب، \"تفسير البغوي\" ٧/ ٢٨٥.\n(٢) ذكر ذلك الثعلبي في \"تفسيره\" ١٠/ ١٢٧/ ب، والبغوي في \"تفسيره\" ٧/ ٢٨٥، والقرطبي في \"الجامع\" ١٦/ ٢٤٢.\n(٣) أخرج ذلك الترمذي عن أبي هريرة، وقال: هذا حديث حسن صحيح. انظر: \"سنن الترمذي\" كتاب: التفسير باب ٤٨، ومن سورة محمد -ﷺ- ٥/ ٣٨٣، رقم ٣٢٥٩. وانظر: \"الدر المنثور\" ٧/ ٤٩٥ وقد، عزاه لعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في \"شعب الإيمان\"، وانظر: \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٢٢٣.\n(٤) ذكر ذلك الثعلبي في \"تفسيره\" ١٠/ ١٢٨ أوالبغوي في \"تفسيره\" ٧/ ٢٨٥، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٧/ ٤٠٥، والقرطبي في \"الجامع\" ١٦/ ٢٤٣.","vol":"20","page":246},{"text":"وقال مقاتل: منتشركم بالنهار ومأواكم بالليل (١).\nوقال عكرمة: متقلبكم من الأصلاب إلى الأرحام ومقامكم في الأرض (٢). وقال ابن كيسان: متقلبكم حيث تتقلبون فيه من ظهر إلى بطن ومقامكم في القبور (٣)، والمعنى: أنه عالم بجميع أحوالكم فلا يخفى عليه شيء منها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4057>٢٠ </span>- قال ابن عباس في رواية عطاء: يريد أن المؤمنين يسألون ربهم أن ينزل سورة فيها ثواب القتال في سبيل الله يحرض فيها المؤمنين (٤)، وقال في رواية الكلبي: كان المؤمنين إذا أبطأ عليهم الوحي اشتاقوا إلى نزوله فقالوا: هلا أنزلت سورة على محمد -ﷺ- (٥)، والقول هو الأول: أنهم أحبوا أن ينزل سورة فيها ذكر القتال، ألا ترى أن الله تعالى قال: ﴿فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ﴾ قال قتادة: كل سورة ذكر فيها القتال فهي محكمة (٦)، وهذا معنى ما روى عطاء عن ابن عباس في المحكمة أنها ما\n_________\n(١) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٤/ ٤٨، \"تفسير البغوي\" ٧/ ٢٨٥، \"زاد المسير\" ٧/ ٤٠٥.\n(٢) ذكر ذلك الثعلبي في \"تفسيره\" ١٠/ ١٢٧ ب، ١٢٨ أ، وانظر: \"تفسير البغوي\" ٧/ ٢٨٦، \"زاد المسير\" ٧/ ٤٠٥، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٦/ ٢٤٣.\n(٣) ذكر ذلك الثعلبي في \"تفسيره\" ١٠/ ٢٨٠ أ، والبغوي في \"تفسيره\" ٧/ ٢٨٦، والقرطبي في \"الجامع\" ١٦/ ٢٤٣.\n(٤) ذكر معنى هذا القول من غير نسبة الثعلبي في \"تفسيره\" ١٠/ ١٢٨ أ، ونسبه في \"الوسيط\" لابن عباس، انظر: ٤/ ١٢٦.\n(٥) ذكر معنى هذا القول من غير نسبة الماوردي في \"تفسيره\" ٥/ ٣٠٠، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٧/ ٤٠٥، والقرطبي ١٦/ ٢٤٣، وانظر: \"تنوير المقباس\" ص ٥٠٩.\n(٦) أخرج ذلك الطبري عن قتادة. انظر: \"تفسيره\" ١٣/ ٥٤، وأورده الماوردي في \"تفسيره\" ٥/ ٣٠١، والثعلبي في \"تفسيره\" ١٠/ ١٢٨ أ، والبغوي ٧/ ٢٨٦.","vol":"20","page":247},{"text":"أمر فيها بنصر نبي الله -ﷺ-.\nوروي عن ابن عباس في المحكمة أنها التي لا ينسخ ما نزل فيها (١)، وهو اختيار الزجاج، قال معنى محكمة: غير منسوخة (٢)، ونحو هذا قال الكلبي ومقاتل: إنها البينة بالحلال (٣)، والأمر والنهي لا ينسخ.\nوقال عبد الله بن مسلم: سورة محكمة أي: محدثة، وسميت المحكمة محدثة؛ لأنها حين تنزل تكون كذلك حتى ينسخ منها شيء، يدل على صحة هذا أن في حرف عبد الله (فإذا أنزلت سورة محدثة وذكر فيها القتال) (٤) قال المفسرون أي: فرض فيها الجهاد (٥)، والمعنى: ذكر فيها فرض القتال، قاله الزجاج (٦).\nقوله تعالى: ﴿يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ كقوله: ﴿تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ [الأحزاب: ١٩] وقد مر، قال ابن قتيبة: يريد أنهم يشخصون نحوك بأبصارهم وينظرون نظرًا شديدًا\n_________\n(١) ذكر نحوه الماوردي ٥/ ٣٠١ من غير نسبة. وكذلك ذكر هذا المعنى في \"الوسيط\" ٤/ ١٢٦ ولم ينسبه.\n(٢) انظر: \"معاني القرآن للزجاج\" ٥/ ١٢.\n(٣) انظر: \"تنوير المقباس\" ص ٥٠٩، وتفسير مقاتل ٤/ ٤٨.\n(٤) انظر: \"تأويل مشكل القرآن\" ٢/ ١٣٢، و\"تفسير الطبري\" ٢٦/ ٥٤. وذكر ذلك الثعلبي في \"تفسيره\" ١٠/ ١٢٨ أ، والماوردي ٥/ ٣٠٠، وصرح أنه ابن مسعود، وذكره أيضًا ابن عطية في \"تفسيره\" ١٥/ ٦٧، والقرطبي ١٦/ ٢٤٣.\n(٥) انظر: \"تأويل مشكل القرآن\" لابن قتيبة ٢/ ١٣٢، \"زاد المسير\" ٧/ ٤٠٥، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٦/ ٢٤٣.\n(٦) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ١٢.","vol":"20","page":248},{"text":"بتحديد وتحديق، كما ينظر الشاخص بصره عند الموت من شدَّة العداوة (١).\nوقال أبو إسحاق: إنما ذكر ذلك لأنهم منافقون يكرهون القتال؛ لأنهم إذا قعدوا عنه ظهر نفاقهم فخافوا على أنفسهم القتل (٢).\nقوله: ﴿فَأَوْلَى لَهُمْ﴾ فيه مذاهب ثلاثة:\nقال قتادة: هذا وعيد لهم وانقطع الكلام (٣)، ونحو هذا قال مقاتل والكلبي (٤)، واختاره الزجاج وابن قتيبة (٥)، وهو قول أكثر أهل اللغة (٦)، واختلفوا لم صارت هذه الكلمة للتهديد؟ فقال الأصمعي: معنى قولهم في التهديد: أولى لك، وليك وقاربك ما تكره وأنشد:\nفَعَادى بَينَ هَادِيَتَيْنِ مِنْهَا ... وأَوْلَى أَن يَزيدَ عَلَى الثَّلاثِ (٧)\nأي: قاربك أن يزيد على الثلاث.\nقال ثعلب: ولم يقل أحد في (أولى لك) أحسن مما قال الأصمعي (٨)، وأبو إسحاق يختار هذا القول، ويقول: المعنى: وليهم المكروه (٩).\nقال أبو العباس: وقال غير الأصمعي: (أولى) يقولها الرجل لآخر\n_________\n(١) انظر: \"تأويل مشكل القرآن\" لابن قتيبة ٢/ ١٣٢.\n(٢) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ١٢.\n(٣) أخرج ذلك الطبري ١٣/ ٥٥ عن قتادف وذكره الماوردي في \"تفسيره\" ٥/ ٣٠١.\n(٤) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٤/ ٤٨، \"تنوير المقباس\" ص ٥٠٩.\n(٥) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ١٢، و\"تفسير غريب القرآن\" لابن قتيبة ص ٤١١.\n(٦) قال ذلك الطبري. انظر: \"تفسيره\" ١٣/ ٥٥، وانظر: \"تهذيب اللغة\" (ولى) ١٥/ ٤٤٨، \"اللسان\" (ولى) ١٥/ ٤١١، \"مقاييس اللغة\" (ولى) ٦/ ١٤١.\n(٧) انظر: المراجع السابقة، \"الدر المصون\" ٦/ ١٥٣.\n(٨) ذكر ذلك الأزهري في \"تهذيب اللغة\" (ولي) ١٥/ ٤٤٨، وانظر: المراجح السابقة.\n(٩) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ١٢.","vol":"20","page":249},{"text":"يحسِّره على ما فاته، ويقول له: يا محروم أي شيء فاتك (١).\nوقال صاحب النظم: (أولى) مأخوذ من الويل (٢)، وللويل تصريف قد درج ولم يبق منه إلا الويل فقط وقد قال جرير:\nيَعْلَمْن بالأكْبارِ ويلًا وائلًا (٣)\nفقوله: أولى أفعل من الويل، إلا أن فيه قلبًا، وهو أن عين الفعل وضع موضع اللام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4058>٢١ </span>- قوله: ﴿طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾ يرتفع بمحذوف، ورافعه إما قبله وإما بعده، فمذهب سيبويه (٤) والخليل أن المعنى: طاعة وقول معروف أمثل، والمعنى على هذا: أن الله تعالى قال: لو أطاعوا وقالوا معروفًا كان أمثل وأحسن، وهذا اختيار الزجاج (٥).\nوهو على حذف الخبر، ويجوز أن يقدر الحذف ابتداء على تقدير: أمر بالطاعة وقول معروف، وهذا قول المبرد (٦)، واختيار ابن قتيبة وقال: هذا مختصر يريد قولهم قبل نزول القرض: سمع لك وطاعة (٧).\n_________\n(١) ذكر ذلك الأزهري في \"تهذيب اللغة\" (ولى) ١٥/ ٤٤٨، والقرطبي في \"الجامع\" من غير نسبة ١٦/ ٢٤٤.\n(٢) ذكر ذلك القرطبي ١٦/ ٢٤٤، والسمين الحلبي في \"الدر المصون\" ٦/ ١٥٣.\n(٣) الويل: قال الليث هو حلول الشر، والويلة: البلية والفضيحة، وأصل الويل في اللغة: الهلاك والعذاب، انظر: \"تهذيب اللغة\" (ويل) ١٥/ ٤٥٥، \"اللسان\" (ويل) ١١/ ٧٣٧. ولم أعثر على هذا الشطر من البيت.\n(٤) انظر: \"الكتاب\" ٢/ ١٣٦.\n(٥) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ١٣، وقد نقل قولي سيبويه والخليل، كما ذكرهما أيضًا النحاس في \"إعراب القرآن\" ٤/ ١٨٦، ١٨٧.\n(٦) انظر: \"الكامل\" للمبرد ٢/ ٥٧.\n(٧) انظر: \"تأويل مشكل القرآن\" لابن قتيبة ٢/ ١٣٢.","vol":"20","page":250},{"text":"المذهب الثاني: أن الكلام تم سط قوله: (فأولى)، وهو تهديد على ما ذكرنا، ثم ابتدأ فقال لهم: (طاعة وقول معروف) (١)، وهو القول الحسن الذي يعرف حسنه وصحته، ويجوز على هذا القول أن يكون المعنى: للمنافقين طاعة وقول معروف باللسان، فإذا جد الأمر تبين كذبهم فيما قالوا بقعودهم عن نصرة النبي -ﷺ-، يدل على صحة هذا سياق الآية فيما بعد.\nالمذهب الثالث: أن الآية الثانية التي هي قوله: طاعة متصلة بالآية الأولى في المعنى، والتقدير: فأولى لهم طاعة وقول معروف، وهذا معنى ما روي عن عطاء عن ابن عباس (٢): يريد كانت الطاعة أولى لهم، والمعنى على هذا: طاعة الله ورسوله وقول معروف بالإجابة أولى لهم، وهذا القول اختيار الكسائي (٣).\nقوله تعالى: ﴿فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْر﴾ قال ابن عباس ومجاهد (٤) ومقاتل: جد القتال عن حقائق الأمور (٥).\nوقال أبو إسحاق: جد الأمر ولزم فرض القتال (٦).\n_________\n(١) انظر: \"مشكل إعراب القرآن\" لمكي ٢/ ٣٠٨، \"الدر المصون\" ٦/ ١٥٤.\n(٢) انظر: \"تفسير البغوي\" ٧/ ٢٨٦، وقد نسبه لابن عباس في رواية عطاء، وانظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٦/ ٢٤٤.\n(٣) ذكر ذلك في \"الوسيط\" ٤/ ١٢٦.\n(٤) أخرج ذلك الطبري في \"تفسيره\" عن مجاهد ١٣/ ٥٥، وذكره الماوردي في \"تفسيره\" من غير نسبة ٥/ ٣٠١، والبغوي ولم ينسبه ٧/ ٢٨٦، وكذلك القرطبي في \"الجامع\" ولم ينسبه ١٦/ ٢٤٤.\n(٥) انظر: \"تفسير مقاتل\" لكنه قال: عند دقائق الأمور ٤/ ٤٨.\n(٦) انظر: \"معانى القرآن للزجاج\" ٥/ ١٣.","vol":"20","page":251},{"text":"قال أبو الهيثم: (عزم الأمر) هو فاعل بمعنى مفعول، وإنما يُعْزَم الأمر ولا يَعْزِم والعزم لإنسان لا للأمر، قال: وهذا كقولهم: هلك الرجل، وإنما أهلك (١).\nوقال غيره: معنى عزم الأمر: انعقد الأمر بالإرادة أنه يفعله، فإذا عقد الأمر على أنه يفعل قيل: عزم الأمر (٢) على طريق البلاغة.\nقال الفراء: معنى الآية: فإذا عزم الأمر نكلوا ولم يفعلوا (٣)، ونحو هذا قال ابن قتيبة (فإذا عزم الأمر) أي: جاء الجد كرهوا ذلك، فحذف الجواب (٤).\nوقال صاحب النظم قوله: (عزم الأمر) يقتضى جوابًا ولم يذكر ذلك الجواب، فلما قال: (فلو صدقوا الله) كان هذا دليلًا على المضمر وهو أن يكون كذبوا (٥) ومثله قوله: ﴿أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ﴾ وقد مر [الشعراء: ٦٣].\n_________\n(١) ذكر ذلك الأزهري في \"تهذيب اللغة\" (عز) ٢/ ١٥٢، و\"اللسان\" (عزم) ١٢/ ٤٠٠.\n(٢) ذكر نحوًا من هذا ابن فارس في \"مقاييس اللغة\" (عزم) ٤/ ٣٥٨.\n(٣) هذا القول لم أجده في معاني الفراء عند هذه الآية ٣/ ٦٢.\nقال السمرقندي في تفسيره: فإذا عزم الأمر يعني: وجب الأمر وجد الأمر، كرهوا ذلك.\nانظر: ٣/ ٢٤٤، وقال الشوكاني: عزم الأمر: جد الأمر أي جد القتال ووجب وفرض.\nقال المفسرون: معناه إذا جد الأمر ولزم وفرض القتال خالفوا وتخلفوا. انظر: \"فتح القدير\" ٥/ ٣٨.\n(٤) انظر: \"تأويل مشكل القرآن\" لابن قتيبة ٢/ ١٣٣.\n(٥) ذكر قريبًا من هذا المعنى البغوي ٧/ ٢٨٦، وابن الجوزي \"زاد المسير\" ٧/ ٤٠٦.","vol":"20","page":252},{"text":"قوله: ﴿فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ﴾ أي: في إيمانهم وجهادهم سمحوا بالطاعة والإجابة ﴿لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ من المعصية والكراهية، قاله ابن عباس (١). والمعنى: لكان الصدق خيرًا لهم، فأضمر لدلالة صدقوا عليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4059>٢٢ </span>- ثم قال: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ﴾ وقوله: ﴿إِنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾ قال عطاء عن ابن عباس: يريد عن الإسلام (٢)، وعلى هذا معنى الآية.\nقال أبو إسحاق: لعلكم إن توليتم عما جاء به النبي -ﷺ- أن تعودوا إلى أمر الجاهلية فتفسدوا ويقتل بعضكم بعضًا وتقطعوا أرحامكم أي: تئدوا البنات وتدفنوهن أحياء (٣).\nوقال ابن قتيبة: أي إذا انصرفتم عن النبي -ﷺ- أن تفسدوا يريد فهل تريدون إذا أنتم تركتم محمدًا وما يأمركم به أن تعودوا إلى مثل ما كنتم عليه من الكفر والإفساد في الأرض وقطع الأرحام (٤)، وعلى هذا القول كأن الله تعالى يذكر منته عليهم بالإسلام ومحمد -ﷺ- حين جمعهم به وأكرمهم بالإلفة بعد ما كانوا عليه في جاهليتهم من القتل والبغي وقطيعة الرحم، فيقول: لعلكم إذا كرهتم الإسلام والقرآن، تريدون أن ترجعوا إلى ما كنتم عليه، والمراد بقطع الأرحام قتل بعضكم بعضًا، ويحتمل ما ذكره أبو إسحاق من الوأد.\nوفي الآية قول آخر قال الكلبي: إن توليتم إمرة هذه الأمة (٥)، ويدل\n_________\n(١) ذكر نحوه الشوكاني في \"فتح القدير\" ٥/ ٣٨.\n(٢) ذكر البغوي ٧/ ٢٨٧، وابن الجوزي ٧/ ٤٠٧ قريبًا من هذا المعنى، ولم ينسباه.\n(٣) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ١٣.\n(٤) انظر: \"تأويل مشكل القرآن\" لابن قتيبة ٢/ ١٢٣.\n(٥) ذكر ذلك القرطبى ١٦/ ٢٤٥، وانظر: \"تنوير المقباس\" ص ٥٠٩.","vol":"20","page":253},{"text":"على صحة هذا التأويل ما روي في قراءة النبي -ﷺ-: إن وُلِّيتُم (١)، ومن قال بهذا القول قال: المراد بهذا الخطاب بنو أمية (٢) يقول لهم: إن توليتم أمر الناس أفسدتم وقطعتم رحم بني هاشم (٣) بقتلهم، وعلى هذا القول: قتادة والمسيب (٤) بن شريك (٥)، وذكر الفراء والزجاج (٦) القولين جميعًا، وما\n_________\n(١) انظر: \"المحتسب\" لابن جني ٢/ ١٧٢، و\"البحر المحيط\" ٨/ ٨٢، و\"التذكرة في القراءات\" لابن غلبون ص ٦٨٤، قال: وقرأ رويس: توليتم: بضم التاء والواو وكسر اللام. وانظر: \"النشر في القراءات العشر\" ٢/ ٣٧٤، وقال القرطبي: قرأ علي بن أبي طالب: تُوُلِّيتُم. بضم التاء والواو وكسر اللام. وهي قراءة ابن أبي إسحاق ورواها رويس عن يعقوب ١٦/ ٢٤٣.\n(٢) هم: بطن من قريش من العدنانية وهم بو أمية الأكبر بن عبد شمس بن مناف. وبنو أمية هؤلاء هم المراد ببني أمية عند الإطلاق وكان له عشرة أولاد أربعة منهم يسمون أعياص، وهم: العاص وأبو العاص والعيص وأبو العيص، وستة يسمون العنابس، وهم: حرب وأبو حرب وسفيان وأبو سفيان وعمرو وأبو عمرو. وسموا بذلك بابن من أبناء حرب أحد أسماء عنبسة غلب عليهم اسمه ومن عقبه عثمان بن عفان ومنهم أيضًا معاوية بن أبي سفيان.\nانظر: \"نهاية الأرب في معرفة أنساب العرب\" ص ٨٥.\n(٣) هم: بنو هاشم من قريب من العدنانية. وهم بنو هاشم بن عبد مناف، كان له خمسة أولاد منهم: عبد المطلب، وحنظلة وأسد وصيفي وأبو صيفي واسم هاشم عمرو وسمي هاشمًا لهشمه الثريد لقومه في شدة المحل، وذلك أنه كان إليه الرفادة والسقاية بمكة، وانتهت إليه سيادة قريش.\nانظر: \"نهاية الأرب في معرفة أنساب العرب\" ص ٣٨٦.\n(٤) هو: المسيب بن شريك أبو سعيد التميمي الشقري الكوفي روي عن الأعمش، قال يبيح: ليس بشيء، وقال أحمد: ترك الناس حديثه، وقال البخاري: سكتوا عنه. انظر: \"ميزان الاعتدال\" ٤/ ١١٤.\n(٥) ذكر ذلك الثعلبي في \"تفسيره\" ١٠/ ١٢٨ ب، وأبو حيان في \"البحر\" ٨/ ٨٢، وانظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٦/ ٢٤٥.\n(٦) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ٦٣، \"معاني القرآن للزجاج\" ٥/ ١٣.","vol":"20","page":254},{"text":"قبل هذه الآية يدل (١) في المنافقين، فلعل منافقي بني أمية خوطبوا بهذا والله أعلم، ثم وصف هؤلاء المنافقين بقوله:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4060>٢٣ </span>- ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾ الآية.\n<span data-type=\"title\" id=toc-4061>٢٤ </span>- قوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ أي: ليعرفوا ما أعد الله للذين لم يتولوا عن الإسلام ولم يقطعوا أرحام، قال ابن عباس: ومعنى تدبر القرآن ذكرناه في سورة النساء [آية: ٨٢]. (أَم على قلوب أقفالها).\nقال الليث: القفل معروف، وفعله الإقفال، وقد أقفلته فاقتفل (٢)، وأصله من اليبس والصلابة، ويقال لما يبس من الشجر القفل، وأقفله الصوم، إذا أيبسه (٣).\nقال ابن عباس: يريد على قلوب هؤلاء أقفال (٤).\nوقال مقاتل: يعني الطبع على القلب (٥)، وفي هذا تنبيه على القدر والقضاء السابق بالختم على القلب، والأقفال استعارة لارتياح القلب، من الباب الذي ما لم يرفع الختم عن القلب لم يدخله الإيمان والقرآن، وفي تنكير القلوب وإضافة الأقفال إليها مع ما في ظاهر اللفظ، تأكيدٌ للمعنى الذي ذكرنا، ومعنى تنكير القلوب: إرادة لقلوب هؤلاء وقلوب من بهذه الصفة من غيرهم، ولو قال: أم على قلوبهم، لم يدخل قلب غيرهم في\n_________\n(١) كذا رسمها في الأصل، ولم يتضح لي معناها.\n(٢) انظر: \"كتاب العين\" (قفل) ٥/ ١٦١، و\"تهذيب اللغة\" ٩/ ١٦٠.\n(٣) انظر: \"تهذيب اللغة\" (قفل) ٩/ ١٦١.\n(٤) لم أقف عليه.\n(٥) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٤/ ٤٩.","vol":"20","page":255},{"text":"هذه الجملة، وفي قوله: (أقفالها) دليل على ما ذكرنا من أن المراد بالأقفال الختم وانغلاق القلب، ولو قال: (أقفال) لذهب الوهم إلى ما نعرف بهذا الاسم، فلما أضافها إلى القلوب علم أن المراد بها ما هو للقلب بمنزلة القفل للباب.\nومعنى الاستفهام في قوله (أم على قلوب أقفالها) الإخبار أنها كذلك، ويصدق هذه الجملة التي ذكرناها ما روي أن النبي -ﷺ- كان يقرأ هذه السورة شابًا (١) من أهل اليمن فلما قرأ: أم على قلوب أقفالها. قال: بل عليها أقفالها حتى يفرجها الله، فقال النبي -ﷺ-: \"صدقت\" (٢).\nثم ذكر اليهود وسوء عاقبتهم حين ارتدوا بعد المعرفة:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4062>٢٥ </span>- قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ﴾ رجعوا كفارًا ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى﴾ يعني: اليهود، ظهر لهم أمر النبي -ﷺ- بنعته وصفته في كتابه، وكانوا يعرفونه لما دعاهم إلى دينه كفروا به. هذا قول الكلبي (٣) ومقاتل (٤) وقتادة (٥).\n_________\n(١) كذا في الأصل ولعل الصواب (وعنده شاب).\n(٢) أخرجه الطبري عن هشام بن عروة عن أبيه ولم يذكر لفظ صدقت انظر: \"تفسير الطبري\" ١٣/ ٥٨، وأخرجه الثعلبي في \"تفسيره\" ١٠/ ١٢٩ أ، والبغوي في \"تفسيره\" ٧/ ٢٨٧، بمثل لفظ الطبري وعزاه السيوطي في \"الدر\" لإسحاق بن راهويه، وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه بلفظ صدقت. انظر: \"الدر\" ٧/ ٥٠١، وانظر: \"الوسيط\" ٤/ ١٢٦.\n(٣) انظر: \"تنوير المقباس\" ص ٥٠٩.\n(٤) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٤/ ٤٩.\n(٥) أخرج ذلك الطبري عن قتادة. انظر: \"تفسيره\" ١٣/ ٥٨، وأورده الثعلبي في \"تفسيره\" ونسبه لقتادة ١٠/ ١٢٩/ ب، وكذلك البغوي نسبة لقتادة ٧/ ٢٨٧.","vol":"20","page":256},{"text":"وقال السدي والضحاك: يعني المنافقين (١).\nثم قال: ﴿الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ﴾ قال ابن عباس: زين لهم القبيح (٢)، وتفسير التسويل قد سبق في سورة (٣) يوسف [آية: ١٨: ٨٣].\nقوله: ﴿وَأَمْلَى لَهُمْ﴾ يعني الإملاء في اللغة: الترفيه في العمر، والمد فيه (٤) وذكرنا الكلام فيه عند قوله: ﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ [مريم: ٤٦] قال مقاتل: يعني: وأمهل الله لهم (٥). وهذا قول أكثر المفسرين (٦)، وقوله: ﴿إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٨] وقوله: ﴿فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ﴾ [الحج: ٤٤]، وقوله: ﴿فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الرعد: ٣٢].\nوالمعنى: لم يعجل عليهم العقوبة وأمهلهم موسعًا عليهم ليتمادوا في طغيانهم، جزاء لهم على ما فعلوا، وقرأ أبو عمرو: (وأملِيَ لهم) بضم الهمزة وفتح الياء على ما لم يسم فاعله.\n_________\n(١) أخرج ذلك الطبري ١٣/ ٥٨ عن الضحاك، ونسبة الثعلبي لابن عباس والضحاك والسدي. انظر: \"تفسيره\"١٠/ ١٢٩ ب، وكذلك نسبه إليهم البغوي في \"تفسيره\" ٧/ ٢٨٨، والقرطبي في الجامع ١٦/ ٢٤٩.\n(٢) ذكر ذلك البغوي ولم ينسبه. انظر: \"تفسيره\" ٧/ ٢٨٨، وقال القرطبي في \"الجامع\": زين لهم خطاياهم، ونسبه للحسن. انظر: \"الجامع\" ١٦/ ٢٤٩.\n(٣) قال الأزهري: قال الله جل وعز: ﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا﴾ أي زينت لكم أنفسكم أمرًا غير ما تصفون وكأن التسويل تفعيل من سول الإنسان، وهو أمنيته التي يتمناها فتزين لطالبها الباطل والغرور. انظر: \"تهذيب اللغة\" (سول) ١٣/ ٦٦.\n(٤) انظر: \"تفسير البغوي\" ٧/ ٢٨٨، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٦/ ٢٤٩.\n(٥) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٤/ ٤٩.\n(٦) انظر: \"تفسير أبي الليث\" ٣/ ٢٤٥، و\"تنوير المقباس\" ص ٥٠٩، و\"الجامع الأحكام القرآن\" ١٦/ ٢٤٩.","vol":"20","page":257},{"text":"قال أبو الحسن الأخفش: هي خشنة في المعنى، يريد أن هذه القراءة فصل بين فعل الشيطان وفعل الله تعالى، حيث بني الفعل للمفعول ويعلم يقينًا أنه لا يؤخر أحد مدة أحد، ولا يوسع له فيها إلا الله سبحانه (١) ففصل من حيث الرفع اللفظ، وعلى القراءتين يحسن الوقف على قوله (سول لهم) (٢)، لا على قول الحسن، فإنه قال في قوله: (وأملى لهم) على قراءة العامة: مد لهم الشيطان في الأمل (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4063>٢٦ </span>- قوله: (ذلك) أي: ذلك الإملاء ﴿بِأَنَّهُمْ قَالُوا﴾ يعني: اليهود ﴿لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ﴾ يعني المشركين ﴿سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ﴾ قال مقاتل: في تكذيب محمد -ﷺ- وهو بعض الأمر (٤).\nوقال أبو إسحاق: جاء في التفسير أنهم قالوا: سنطيعكم في الظاهر على عداوة النبي -ﷺ- (٥).\nقال مقاتل: إنهم قالوا ذلك سرًّا فيما بينهم (٦).\nفأخبر الله تعالى نبيه بذلك، وأعلم أنه يعلم ذلك فقال: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ﴾ قرئ بكسر الألف على المصدر، وبفتحها على جمع سر (٧).\n_________\n(١) انظر: \"الحجة\" ٦/ ١٩٤، ١٩٦، \"الكشف\" لمكي ٢/ ٢٧٨، ولم أقف عليه عند الأخفش.\n(٢) انظر: \"القطع والائتناف\" ص ٦٦٧، \"المكتفى\" ص ٥٢٥.\n(٣) انظر قول الحسن في \"القطع والائتناف\" ص ٦٦٧، \"تفسير الماوردي\" ٥/ ٣٠٣.\n(٤) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٤/ ٤٩.\n(٥) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ١٤.\n(٦) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٤/ ٤٩.\n(٧) قرأ بالكسر حمزة والكسائي وحفص، وقرأ الباقون وأبو بكر عن عاصم بفتح الألف. انظر: \"الحجة\" ٦/ ١٩٦، و\"الكشف عن وجوه القراءت\" لمكي ٢/ ٢٧٨.","vol":"20","page":258},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4064>٢٧ </span>- ثم خوفهم فقال: (فكيف) قال أبو إسحاق: المعنى: فكيف كون حالهم (١) ﴿إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ الآية، وقد مرَّ تفسيرها في سورة الأنفال عند قوله: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى﴾ الآية [آية: ٥٠].\n<span data-type=\"title\" id=toc-4065>٢٨ </span>- ثم ذكر سبب ذلك الضرب فقال: (ذلك) يعني: ذلك الضرب ﴿بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ﴾ قال ابن عباس: يريد ما كتموا من التوراة (٢).\nوقال مقاتل: يعني الكفر بمحمد -ﷺ- (٣)، وقال الزجاج: اتبعوا من خالف النبي -ﷺ- (٤).\nقوله تعالى: ﴿وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ﴾ يعني: كرهوا ما فيه رضوان الله تعالى وما هو سبب الرضوان من طاعة الله وطاعة رسوله والإيمان به، وإذا كرهوا سبب الرضوان فقد كرهوا الرضوان، وهذا معنى قول الكلبي ومقاتل وأهل التفسير (٥) ﴿فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ التي كانوا يعملونها من صلاة وصدقة وصلة رحم لأنها في غير إيمان.\nثم رجع إلى ذكر المنافقين فقال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4066>٢٩ </span>- ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ﴾ قال الليث (٦): الضِّغن الحِقْدُ ويجمع الأضغان، ومثله الضَّغِينةُ، وجمعها\n_________\n(١) انظر: \"معاني القرآن للزجاج\" ٥/ ١٤.\n(٢) ذكر ذلك البغوي في \"تفسيره\" ٧/ ٢٨٨، والقرطبي في \"الجامع\" ١٦/ ٢٥١.\n(٣) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٤/ ٤٩.\n(٤) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ١٤.\n(٥) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٤/ ٤٩، \"تفسير أبي الليث\" ٣/ ٢٤٦، \"البغوي\" ٧/ ٢٨٨.\n(٦) انظر كتاب: العين (ضغن) ٤/ ٣٦٦. وانظر: \"تهذيب اللغة\" (ضغن) ٨/ ١١، \"اللسان\" (ضغن) ١٣/ ٢٥٥.","vol":"20","page":259},{"text":"ضَغَائِن، وضَغِنَ فلان يَضْغُنُ ضِغْنًَا فهو ضَغِن، والمرأة ضَغِنَة، وأضْغَنَ عليَّ ضُغَناء، أي أضْمَرهُ وأصله من الضِّغْنِ، والضِّغْنُ هو الالتواء والاعوجاج في قوائم الدابة والقناة وكل شيء، ومنه قول بشر:\nكذاتِ الضِّغْنِ تَمْشِي في الرِّفاقِ (١)\nوأنشد الليث:\nإنَّ قَناتِي مِن صلِيباتِ القَنَا ... مَا زَادَهَا التَّثْقِيفُ إلاَّ ضَغَنا (٢)\nوالحقد في القلب مشبه به؛ لأنه لا يستقيم الحقود عليه، قال ابن عباس في قوله: ﴿أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ﴾: أن لا يطلع الله على ما في قلوبهم (٣)، وقال مقاتل: أن لا يظهر الله الغشّ الذي في قلوبهم (٤).\nوقال أبو إسحاق: لا يبدي الله عداوتهم لرسوله -ﷺ- والمؤمنين ويظهره على نفاقهم (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4067>٣٠ </span>- قوله: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ﴾ قال مقاتل والمفسرون: لأعلمناكهم (٦). كقوله: ﴿بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ [النساء: ١٠٥] أي: بما علمك\n_________\n(١) انظر: \"تهذيب اللغة\" (فرق) ٩/ ١١٣، \"اللسان\" (ضغن) ١٣/ ٢٥٥، \"الدر المصون\" ٦/ ١٥٧.\n(٢) انظر كتاب: العين (ضغن) ٤/ ٣٦٦، \"تهذيب اللغة\" (ضغن) ٨/ ١١، \"اللسان\" (ضغن) ١٣/ ٢٥٦. والثقاف: حديدة تكون مع القوَّاس والرمَّاح يقوّم بها الشيء المعوج. أي كأن الشاعر يقول: ما زادها التقويم إلا اعوجاجًا، \"اللسان\" (ثقف) ٩/ ٢٠.\n(٣) ذكر هذا المعنى في \"الوسيط\" ولم ينسبه. انظر ٤/ ١٢٨.\n(٤) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٤/ ٥٠.\n(٥) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ١٥.\n(٦) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٤/ ٥٠، \"تفسير البغوي\" ٧/ ٢٨٨، \"زاد المسير\" ٧/ ٤١١، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٦/ ٢٥٢.","vol":"20","page":260},{"text":"الله، وقد مر، وقال الفراء والزجاج: يريد لعرفناكهم، وأنت تقول للرجل أريتك كذا وكذا، تريد عَرَّفتكه وعَلَّمتكه (١).\nقوله: ﴿فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾ أي: فعرفتهم، ودخلت اللام لتأكيد المعرفة، والكلام في تفسير السيما قد سبق في سورة البقرة [آية: ٢٧٣].\nقال أبو إسحاق: المعنى: لو نشاء لجعلنا على المنافقين علامة، وهي السيما فلعرفتهم بتلك العلامة (٢).\nقوله: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ﴾ قال أبو عبيدة والفراء والزجاج: في نحو القول معنى القول (٣): في فحوى القول وقصد القول، وهو الذي يدل على ما عنده وفي قلبه من غير تصريح به، وقريب منه قول النبي -ﷺ- في سعد (٤) بن معاذ وسعد بن عبادة (٥) حين وجههما لاستعلام خبر قريظة \"فإن رأيتماهم على العهد فأعلنا ذلك وإلا فالحنا لي لحنًا أعرفه ولا تفتان أعضاد المسلمين\" (٦).\n_________\n(١) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ٦٣، \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ١٥.\n(٢) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ١٥.\n(٣) انظر: \"جاز القرآن لأبي عبيدة\" ٢/ ٢١٥ بلفظ: (في فحوى القول)، و\"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ٦٣، و\"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ١٥.\n(٤) سعد بن معاذ بن النعمان الأوسى، سيد قومه، وهو الذي حكم على بني قريظة بأن تقتل وتسبى النساء والذرية، انظر: \"الاستيعاب\" ٢/ ٢٧، \"أسد الغابة\" ٢/ ٢٩٦.\n(٥) هو: سعد بن عبادة بن دليم الأنصاري سيد الخزرج، انظر: \"الاستيعاب\" ٢/ ٣٥، و\"الإصابة\" ٢/ ٣٠٠.\n(٦) لم أقف على هذا الحديث إلا أن ابن الأثير في \"النهاية\" ذكر نحوه وهو (أنه بعث رجلين إلى بعض الثغور عينًا. فقال لهما: إذا انصرفتما فالحنا) أي: أشيرا إلىَّ ولا تفصحا، وعرضا بما رأيتما. أمرهما بذلك لأنهما ربما أخبرا عن العدو ببأس وقوة فأحب ألا يقف عليه المسلمون. انظر: \"النهاية في غريب الحديث\" (لحن) ٤/ ٢٤١.","vol":"20","page":261},{"text":"وقال الليث: ما تلحن إليه بلسانك: تميل إليه (١).\nوقال أبو زيد: لحنت له ألحن، إذا قلت له قولًا يفقه عنك ويخفي على غيره (٢).\nوقال ابن دريد (٣) معنى اللحن: أن تريد الشيء فتوري عنه بقول آخر (٤).\nوقيل لمعاوية: إن عبد الله يلحن، فقال: أوليس بظريف لابن أخي (٥) أن يتكلم بالفارسية، ظن معاوية أنهم عنوا بقولهم عبد الله يلحن أي يتكلم بالفارسية إذ كان المتكلم بها معدولا عن جهة العربية.\nوقال الفزاري (٦):\n_________\n(١) انظر: كتاب \"العين\" (لحن) ٣/ ٢٢٩.\n(٢) انظر: \"تهذيب اللغة\" (لحن) ٥/ ٦٠.\n(٣) هو: أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد بن عتاهية بن حنتم بن حسن بن حمامي بن جرو بن واسع بن وهب بن سلمة، من أئمة اللغة والأدب، كانوا يقولون ابن دريد أشعر العلماء وأعلم الشعراء ولد في البصرة سنة ٢٢٣ هـ، ومن كتبه: \"الاشتقاق\"، و\"المقصور والممدود\"، و\"الجمهرة\"، و\"المجتبى\" وغيرها، مات سنة ٣٢١ هـ. انظر: مقدمة \"جمهرة اللغة\" ١/ ٣، ٤، و\"فيات الأعيان\" ١/ ٤٩٧، و\"تاريخ بغداد\" ٢/ ١٩٥.\n(٤) انظر: \"جمهرة اللغة\" (لحن) ٢/ ١٩٢، بلفظ: (اللحن صرفك الكلام عن جهته، لحن يلحن لَحْنا ولَحَنا، وعرفت ذلك في لحن كلامه أي فيما دل عليه كلامه).\n(٥) انظر: \"اللسان\" (لحن) ١٣/ ٣٨٠.\n(٦) هو: مالك بن أسماء بن خارجة بن حصن بن حذيفة بن بدر القزاري أبو الحسن شاعر غزل ظريف من الولاة كان هو وأبوه من أشراف الكوفة وتزوج الحجاج أخته هند بنت أسماء، واختار له أبو تمام أبياتًا في الحماسة. انظر: \"الشعر والشعراء\" ص ٥٢٧، و\"لسان الميزان\" ٥/ ٢، و\"الأعلام\" ٥/ ٢٥٧.","vol":"20","page":262},{"text":"مَنطِقٌ صائِبٌ وَتَلَحَنُ أَحْيَانًا ... وَخَيرُ الحَدِيْثِ مَا كَانَ لَحْنَا (١)\nيريد أنها تتكلم بالشيء وهي تريد غيره، وتعرض في حديثها فتزيله عن جهته من ذكائها وفطنتها كما قال الله -﷿- ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ وكما قال القَتَّال الكلابي (٢):\nوَلَقدْ وَحَيْتُ لَكُم لِكَيْمَا تَفْهَمُوا ... وَلَحنْتَ لَحنًا لَيْسَ بِالمرْتَابِ (٣)\nواللحن في العربية راجع إلى هذا، لأنه العدول عن الصواب، هذا كلامه فيما حكاه حمزة (٤) صاحب الأمثال، وهو سديد، وذكر أبو القاسم الزجاجي ﵀ معنى اللحن في كلام العرب بأبلغ شرح فقال (٥): أصل (ل ح ن) على هذا الترتيب موضوع للميل عن الشيء والعدول عنه، يقال: لحن فلان في منطقه، إذا أخذ في شيء ترك الظاهر له وعدل عنه إلى غيره،\n_________\n(١) انظر: \"الشعر والشعراء\" ص ٥٢٧، \"تهذيب اللغة\" (لحن) ٥/ ٦١، \"اللسان\" (لحن) ١٣/ ٣٨٠، \"الدر المصون\" ٦/ ١٥٧.\n(٢) ورد خلاف في اسمه والمشهور: عبد الله بن مجيب بن مضرحى الكلابي أبو المسيب شاعر إسلامي غلب عليه لقب القتال لشجاعته. له ديوان مطبوع وهو من بني أبي بكر بن كلاب بن ربيعة. انظر: \"الأغاني\" ٢/ ١٥٩، \"المحبر\" ص ٢٨٨، \"الخزانة\" ٣/ ٦٨٨، \"الشعر والشعراء\" ص ٤٧١.\n(٣) انظر: \"ديوانه\" ص ٣٦، \"الزاهر\" لابن الأنباري ١/ ٣٠٦، واستشهد القرطبي بهذا البيت بهذا اللفظ. انظر ١٦/ ٢٥٣، وهو في \"اللسان\" بلفظ (لحنت لكم (بدل) وحيت لكم). انظر: \"اللسان\" (لحن) ١٣/ ٣٨٠، وانظر: \"الدر المصون\" ٦/ ١٥٧.\n(٤) لعله: حمزة بن الحسن الأصبهاني أبو عبد الله إمام لغوي له مؤلفات حسان توفي حوالي ٣٦٠ هـ له كتاب \"الأمثال السائرة، والأمثال الصادرة في بيوت الشعر\". انظر ترجمته في: \"أخبار أصبهان\" ١/ ٣٠٠، \"الأعلام\" للزركلي ٢/ ٣٠٩، \"معجم المؤلفين\" ٤/ ٧٨.\n(٥) لم أقف عليه عند الزجاجي وانظر: \"مقاييس اللغة\" (لحن) ٥/ ٢٣٩.","vol":"20","page":263},{"text":"يعميه على السامع وذلك كالتعريض في الكلام، ويقال لمثل ذلك القول: ملاحن القول، وهذا كقولهم: والله ما رأيت زيدًا برائب، أصبت ريبة لا روبة البصر، ويقال: لاحنت فلانًا، أي راطنته، وذلك أن تضع بينك وبينه كلامًا يفهمه عنك وتفهمه عنه، ولا يفهم غيركما، لأنكما قد عدلتما عن المعتاد من الكلام ومنه قول الطرماح:\nوأَدَّتْ إليَّ القَولَ عَنْهنَّ زَوْلةٌ ... تُلاحِنُ أوْ تَرْنُو لقَوْلِ المُلاحِنِ (١)\nأي: تتكلم بمعنى كلام لا يفطن له غيري، ومن هذا قوله تعالى: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ أي في فحواه ومعناه، يعني: المنافقين، وذلك أنهم كانوا يخاطبون النبي -ﷺ- بكلام تواضعوه بينهم والنبي -ﷺ- يسمع ذلك ويأخذ بالظاهر المعتاد، فنبهه الله تعالى على ذلك، فكان بعد نزول هذه الآية يعرف المنافقين إذا سمع [كلام (٢)]، فلحن القول ميلهم عن الظاهر.\nوحكى سلمة (٣) عن الفراء: يقال للرجل يعرض ولا يصرح: قد جعل كذا وكذا لحنا لحاجته، ويقال من هذا: لَحَنَ يلحن، فأما لَحِنَ يلحن فالمراد به (٤) فَطِن وفهم.\n_________\n(١) انظر: \"تهذيب اللغة\" (لحن) ٥/ ٦٣، \"اللسان\" (لحن) ١٣/ ٣٧٩.\n(٢) كذا في الأصل ولعل الصواب (كلامهم).\n(٣) هو: سلمة بن عاصم أبو محمد البغدادي النحوي صاحب الفراء، روى القراءة عن أبي الحارث الليث بن خالد وروي القراءة عنه أحمد بن يحيى ثعلب، قال ابن الأنباري: كتاب سلمة في \"معاني القرآن للفراء\" أجود الكتب لأن سلمة كان عالمًا وكان يراجع الفراء فيما عليه ويرجع عنه، توفي بعد ٢٧٠ هـ.\nانظر: \"طبقات النحويين واللغويين\" ١٣٧، و\"إنباه الرواة\" ٢/ ٥٦، و\"غاية النهاية\" ١/ ٣١١.\n(٤) انظر: \"كتاب العين\" (لحن) ٣/ ٢٣٠، و\"معاني القرآن للفراء\" ٣/ ٦٣.","vol":"20","page":264},{"text":"ومنه قول النبي -ﷺ-: \"ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض\" (١)، أي أفطن لها وأقدر على لحن القول وفحواه ومعناه.\nقال أبو عبيد (٢): اللّحَن بفتح الحاء الفطنة، واللّحِن بالكسر الحاذق بالكلام الفطن، وإنما قالوا: لحِن، إذا فطن وفهم؛ لأنه سمع ما لُحِنَ له من القول فعلم فحوى ما قيل له، فقيل: لَحِنَ كما يقال: فطن، وأما قول الكلابية قال (٣):\nوقومٌ لهم لَحْنٌ سِوى لَحْنِ قَوْمِنا ... وشَكْلٌ وبيتِ اللهِ لَسْنا نُشاكِلُهْ (٤)\nأي: لغة ومذهب في الكلام يذهبون إليه سوى كلام الناس المعتاد، لأنهم عدلوا به إلى ما أرادوا وتركوا ما يتعارفه الناس، والألحان:\n_________\n(١) أخرجه البخاري في كتاب الشهادات باب ٣٧ من أقام البينة بعد اليمين ٣/ ١٦٢، وفي كتاب الحيل، باب ١٠، ٨/ ٦٢، وفي كتاب الأحكام، باب ٢٠ موعظة الإمام للخصوم ٨/ ١١٢، وأخرجه مسلم في كتاب الأقضية، باب ٣ الحكم بالظاهر واللحن وبالحجة ٢/ ١١٢، وأخرجه الترمذي في كتاب الأحكام، باب ١١ ما جاء في التشديد على من يقضى له بشيء ليس له أن يأخذه ٣/ ٢٣٣، وفي باب ٣٣ ما يقطع القضاء ٨/ ٢٤٧، وأخرجه ابن ماجه في كتاب الأحكام، باب ٥ قضية الحاكم لا تحل حرامًا ولا تحرم حلالًا ٢/ ٧١٩، وأخرجه مالك في الموطأ كتاب الأقضية، باب ١، الترغيب في القضاء بالحق ٢/ ٧١٩، وأخرجه الإمام أحمد عن أبي هريرة ٢/ ٣٣٢، وأخرجه أيضًا عن أم سلمة ٦/ ٢٠٣، ٦/ ٢٩٠، ٦/ ٣٠٧، ٦/ ٣٠٨، ٦/ ٣٢٠.\n(٢) انظر: \"تهذيب اللغة\" (لحن) ٥/ ٦٢ بتصرف.\n(٣) كذا في الأصل بمد اللام وفي \"تهذيب اللغة\" الكلبية. انظر: \"تهذيب اللغة\" (لحن) ٥/ ٦٢، \"اللسان\" (لحن) ١٣/ ٣٨٠، ولم أقف لها على ترجمة.\n(٤) انظر هذا الشاهد وكلام أبي عبيد الذي قبله في \"تهذيب اللغة\" (لحن) ٥/ ٦٢، \"اللسان\" (لحن) ١٣/ ٣٨٠.","vol":"20","page":265},{"text":"الضروب من الأصوات في الأغاني كقولهم: لحن معبد ولحن سريج، سمي بذلك لأن كل صوت له طريق ومذهب غير مذهب الصوت الآخر، فكأن المعنى عدل بالصوت إلى طريق آخر، والملحِّن الذي يسوي طريق الأغاني.\nوقال النضر: سألت الخليل عن قولهم: لحن القارئ فيما قرأ، فقال: ترك إعراب الصواب وعدل عنه (١).\nوأما المفسرون؛ فقال ابن عباس: في معنى القول (٢).\nوقال الحسن: في فحواه (٣)، وقال القرظي: في مقصده ومغزاه (٤)، وقال أبو إسحاق: دل بهذا والله أعلم أن قول القائل قد يدل على نيته (٥) هذا كلامه، ومعنى الآية: ولتعرفنهم في معاريض كلامهم وما يلحنون به، من غير تصريح في تهجين أمرك وأمر المسلمين والاستهزاء بهم، قال الكلبي: كان بعد ذلك لا يتكلم منافق عند رسول الله -ﷺ- إلا عرفه بكلامه (٦).\nوقال مقاتل: لم يَخْفَ منافقٌ بعد هذه الآية على النَّبي -ﷺ- (٧).\nونحو هذا روي عن أنس أنه قال: خفي بعد نزول هذه الآية على رسول الله -ﷺ- شيء من المنافقين (٨)، وهذا يحمل على أنه -ﷺ- تأمل كلامهم\n_________\n(١) لم أقف عليه.\n(٢) ذكر ذلك البغوي في \"تفسيره\" ٧/ ٢٨٩ ولم ينسبه، والقرطبي ولم ينسبه ١٦/ ٢٥٢.\n(٣) ذكر ابن الجوزي هذا المعنى ٧/ ٤١١، والقرطبي ١٦/ ٢٥٢ ولم ينسباه.\n(٤) ذكر ذلك في \"الوسيط\"، ولم ينسبه، انظر: ٤/ ١٢٩.\n(٥) انظر: \"معاني القرآن للزجاج\" ٥/ ١٥.\n(٦) ذكر هذا القول أبو الليث السمرقندي في \"تفسيره\" ٣/ ٢٤٦ ولم ينسبه، ونسبه القرطبي في \"الجامع\" ١٦/ ٢٥٣ للكلبي، وذكره في \"الوسيط\" ٤/ ١٢٩ ولم ينسبه.\n(٧) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٤/ ٥٠.\n(٨) ذكر ذلك القرطبي في \"الجامع\" ١٦٦/ ٢٥٣.","vol":"20","page":266},{"text":"وتفكر في أنحاء مخاطباتهم لما نبهه الله على ذلك بقوله: (ولتعرفنهم في من القول). فاستدل بفحوى كلامهم على فساد دخيلتهم وسوء اعتقادهم.\nقال مقاتل: ثم رجع إلى المؤمنين أهل التوحيد فقال: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ﴾ من الخير والشر (١)، فلا يخفى عليه منها شيء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4068>٣١ </span>- قوله: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ﴾ أي: لنعاملنكم المختبر نأمركم بالقتال والجهاد حتى يتبين المجاهد والصابر على دينه من غيره، وهو قوله: ﴿حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ﴾. قال ابن عباس: حتى نميز (٢).\nوقال مقاتل: حتى نرى (٣) وذكرنا الكلام في مثل هذا في مواضع، والمعنى حتى نعلم علم شهادة ووجود، وهو العلم الذي يقع به الجزاء والذي علمه غيبًا لا يقع به الجزاء والقراء قرؤوا: (ولنبلونكم) وما بعده بالنون لما تقدمه من قوله: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ﴾ جعلوا قوله: (والله يعلم أعمالكم) كالاعتراض، ويجوز أن يكون ذلك عودًا إلى لفظ الجمع بعد لفظ الإفراد فيكون كقوله: ﴿وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ [الإسراء: ٢] بعد قوله: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء: ١] وروي عن عاصم الياء فيها حملًا على قوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٠].\nوقوله: ﴿وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ عطف على قوله: (حتى نعلم) (٤)، قال ابن عباس في رواية عطاء: يريد لنظهر ما تسرون.\n_________\n(١) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٤/ ٥٠.\n(٢) ذكر ذلك القرطبي في \"الجامع\" ١٦/ ٢٥٣.\n(٣) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٤/ ٥٠.\n(٤) انظر: \"الحجة\" لأبي علي ٦/ ١٩٧، \"تفسير الطبري\" ١٣/ ٦٢، \"الكشف عن وجوه القراءات\" لمكي ٢/ ٢٧٨، \"المحرر الوجيز\" لابن عطية ١٥/ ٧٦.","vol":"20","page":267},{"text":"وقال في رواية الكلبي يقول: تظهر نفاقكم للمؤمنين (١).\nومعنى الآية: حتى نعلم المجاهدين وحتى نكشف أخباركم ونظهرها يعني يأبى من يأبى القتال ولا يصبر على الجهاد فيفضح ويظهر سر نفاقه، فمعنى (نبلوا) هاهنا ليس من الاختبار في شيء، لأنه لا يقال: ولنبلونكم حتى نبلوا أخباركم، ولأن بلو الأخبار بمعنى التجربة لا يصح، فمعناه ما ذكره ابن عباس من الكشف والإظهار، ويجوز أن يوضع البلو موضع الكشف؛ لأن القصد بالبلو الكشف والإظهار، فجاز أن يفسر بما يؤول إليه، ومن هذا قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾ [الطارق: ٩] أي تظهر، ونذكر الكلام فيه إذا انتهينا إليه إن شاء الله تعالى.\nقوله تعالى:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4069>٣٢ </span>- قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا﴾ الآية قال ابن عباس في رواية عطاء: يريد قريظة والنضير (٢).\nوقال مقاتل: يعني اليهود (٣).\nوقال الكلبي: نزلت في المطعمين يوم بدر (٤)، والقول أنها نزلت في اليهود لقوله: (بعد ما تبين لهم الهدى). بعد ما بين لهم في التوراة، وهذا\n_________\n(١) انظر: \"تنوير المقباس\" ص ٥١٠.\n(٢) ذكر ذلك ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٧/ ٤١٢، وذكره في \"الوسيط\" ٤/ ١٢٩ ولم ينسبه.\n(٣) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٤/ ٥٠.\n(٤) ذكر ذلك البغوي في \"تفسيره\" ٧/ ٢٩٠، والسمرقندي في \"تفسيره\" ٣/ ٢٤٦، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٧/ ٤١٢، والقرطبي في \"الجامع\" ونسبه لابن عباس ١٦/ ٢٥٤، وانظر: \"تنوير المقباس\" ص ٥١٠.","vol":"20","page":268},{"text":"لا يصح في وصف المشركين من أهل مكة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4070>٣٣ </span>- ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ قال عطاء عن ابن عباس: أي: بالشك والنفاق (١) وقال الكلبي عنه: بالرياء والسمعة (٢). والمعنى: أخلصوها لله، وقال مقاتل: أي بالمن (٣)، نزلت في قوم كانوا يمنون بإسلامهم على رسول الله -ﷺ-، وقال الحسن: أي بالمعاصي والكبائر (٤).\nوروى الربيع بن أنس عن أبي العالية، قال: كان أصحاب رسول الله -ﷺ- يرون أنه لا يضر مع الإخلاص لله ذنبٌ، كما لا ينفع مع الشرك عمل صالح (٥). فأنزل الله هذه الآية، فخافوا الكبائر بعد أن تحبط الأعمال.\nوقال مقاتل بن حيان: يقول: إذا عصيتم النبي -ﷺ- فقد أبطلتم أعمالكم (٦).\n_________\n(١) ذكر ذلك البغوي في \"تفسيره\" ٧/ ٢٩٠، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٧/ ٤١٢، ونسبه في \"الوسيط\" ٤/ ١٢٩ لعطاء.\n(٢) ذكر ذلك الماوردي في \"تفسيره\" ٥/ ٣٠٦، والبغوي في \"تفسيره\" ٧/ ٢٩٠، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ونسبه لابن السائب ٧/ ٤١٢، والقرطبي في \"الجامع\"، ونسبه لابن جريج ١٦/ ٢٥٤، ونسبه في \"الوسيط\" للكلبي. انظر ٤/ ١٢٩.\n(٣) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٤/ ٥١.\n(٤) ذكر ذلك الماوردي في \"تفسيره\" دون ذكر الكبائر ٥/ ٣٠٦، والبغوي في \"تفسيره\" ٧/ ٢٩٠، والقرطبي في \"الجامع\" ١٦/ ٢٥٤ دون ذكر الكبائر ونسبه في \"الوسيط\" للحسن بهذا اللفظ. انظر: ٤/ ١٢٩.\n(٥) ذكر ذلك السمرقندي في \"تفسيره\" ٣/ ٢٤٧، والبغوي ٧/ ٢٩٠ والسيوطي في \"الدر\" ٨/ ٥٠٤ وعزاه لعبد بن حميد ومحمد بن نصر المروزي وابن أبي حاتم، ونسبه القرطبي في \"الجامع\" ١٦/ ٢٥٥ لأبي العالية، ونسبه في \"الوسيط\" ٤/ ١٢٩ لأبي العالية.\n(٦) ذكر ذلك القرطبي \"الجامع\" ١٦/ ٢٥٥، وأبو حيان في \"البحر المحيط\" ٧/ ٨٥.","vol":"20","page":269},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4071>٣٥ </span>- ثم قال للمسلمين: ﴿فَلَا تَهِنُوا﴾ فلا تضعفوا، قاله الجميع (١)، وقوله: ﴿وَتَدْعُوا﴾ في محل الجزم بالعطف على ما قبله (٢).\nقوله: ﴿إِلَى السَّلْمِ﴾ وقرئ بفتح السين (٣) وقد تقدَّم الكلامُ فيه في سورة البقرة [آية: ٢٠٨] قال قتادة: لا يكونوا أولى الطائفتين ترغب إلى صاحبها (٤).\nقال ابن حيان: ولا تبدؤا فتدعوا إلى الصلح (٥).\nقال أبو إسحاق: منع الله المسلمين أن يدعوا الكافرين إلى الصلح وأمرهم بحربهم حتى يسلموا (٦).\nوقال أبو علي: المعنى: لا توادعوهم ولا تتركوا قتالهم؛ لأنكم الأعلون فلا ضعف بكم فتدعوا إلى الموادعة (٧)، فقال ابن عباس في قوله: (وأنتم الأعلون): وأنتم الغالبون، وهو قول مجاهد والمقاتلَيْن وقتادة (٨): وأنتم أولى بالله منهم.\nوقال الكلبي: آخر الأمر لكم وإن غلبوكم في بعض الأوقات (٩).\n_________\n(١) انظر: \"تفسير السمرقندي\" ٣/ ٢٤٧، و\"تفسير البغوي\" ٧/ ٢٩٠، و\"زاد المسير\" ٧/ ٤١٣، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٦/ ٢٥٥.\n(٢) انظر: \"إعراب القرآن\" للنحاس ٤/ ١٩٢، و\"الدر المصون\" ٦/ ١٥٨.\n(٣) انظر: \"الحجة\" لأبي علي ٦/ ١٩٨.\n(٤) ذكر ذلك الثعلبي في تفسيره ١٠/ ١٣ أ، والقرطبي في \"الجامع\" ١٦/ ١٥٦.\n(٥) ذكر معنى ذلك مقاتل في \"تفسيره\" ٤/ ٥٣.\n(٦) انظر: \"معاني القرآن للزجاج\" ٥/ ١٦.\n(٧) انظر: \"الحجة\" لأبي علي ٦/ ١٩٩.\n(٨) أخرج ذلك الطبري عن مجاهد. انظر: \"تفسيره\" ١٣/ ٦٣، و\"تفسير مجاهد\" ص ٦٠٥، و\"تفسير مقاتل\" ٤/ ٥٣، و\"تفسير البغوي\" ولم ينسبه ٧/ ٢٩٠.\n(٩) ذكر ذلك البغوي في \"تفسيره\" ٧/ ٢٩٠، وانظر: \"تنوير المقباس\" ص ٥١٠.","vol":"20","page":270},{"text":"وقال الزجاج: وأنتم الأعلون في الحجة (١). ومضى الكلام في نظير هذه الآية في سورة آل عمران [آية: ١٣٩].\nقوله: ﴿وَاللهُ مَعَكُمْ﴾ قال ابن عباس: يريد على عدوكم، وقال مقاتل وغيره: والله معكم بالنصر (٢) ﴿وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ قال الكسائي: لن ينقصكم، يقال: وتره يتره وِتْرًا ووَتْرًا ووترة، ونحو هذا قال أبو عبيدة والمبرد والزجاج (٣) وجميع أهل اللغة، واحتجوا بما روي في الحديث: \"من فاته العصر فكأنما وتر أهله وماله\" (٤)، أي نقص أهله وماله فبقي فردًا.\nقال الزجاج: أي لن ينقصكم شيئًا من ثوابكم (٥).\nوقال الفراء: هو من وترت الرجل، إذا قتلت له قتيلًا، وأخذت ماله فقد وترته (٦)، وحمل الحديث على هذا المعنى وهو من الوتر، وهو أن يجني الرجل على الرجل جناية ويقتل له قتيلًا أو يذهب بماله وأهله فيقال: وتر فلان أهله وماله، قال أبو عبيد والمبرد: وأحد القولين قريب من\n_________\n(١) انظر: \"معاني القرآن للزجاج\" ٥/ ١٦.\n(٢) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٤/ ٥٣، و\"البغوي\" ٧/ ٢٩٠، و\"زاد المسير\" ٧/ ٥١٤.\n(٣) انظر: \"مجاز القرآن لأبي عبيدة\" ٢/ ٢١٦، و\"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ١٦، و\"معاني القرآن\" للنحاس ٦/ ٤٨٦، و\"تفسير الطبري\" ١٣/ ٦٤، و\"تفسير غريب القرآن لابن قتيبة\" ص ٤١١.\n(٤) أخرجه البخاري عن ابن عمر بلفظ: \"الذي تفوته صلاة العصر كأنما وتر أهله وماله\" كتاب المواقيت، باب أثم من فاتته العصر ١/ ١٣٨، وأخرجه مسلم في كتاب المساجد، باب التغليظ في تفويت صلاة العصر ١/ ٤٣٥، وأخرجه مالك في \"الموطأ\"، كتاب وقوت الصلاة، باب ٥، ١/ ١١، ١٢\n(٥) انظر: \"معاني القرآن للزجاج\" ٥/ ١٦.\n(٦) انظر: \"معاني القرآن للفراء\" ٣/ ٦٤.","vol":"20","page":271},{"text":"الآخر (١)؛ لأن الموتر إنما هو مطالبة بما نقص من عدده، والمفسرون قالوا: لن ينقصكم ولن يظلمكم (٢)، قال ابن حيان: لن يظلمكم أعمالكم الصالحة، أي: يؤتيكم أجورها في الآخرة (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4072>٣٦ </span>- ثم حض على طلب الآخرة قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ قال ابن عباس: باطل وغرور (٤) ﴿وَإِنْ تُؤْمِنُوا﴾ تصدقوا بمحمد -ﷺ- (وتتقوا) قال الكلبي ومقاتل: الفواحش والكبائر ومعاصي الله (٥). ﴿يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ﴾ يعني جزاء أعمالكم في الآخرة.\n﴿وَلَا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ﴾ قال الكلبي: لا يسألكم أموالكم كلها في الصدقة (٦)، ويدل على هذا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4073>٣٧ </span>- قوله: ﴿إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ﴾ أي: يجهدكم بمسألة جميع أموالكم، يقال أحفى فلان فلانًا إذا برح به في الإلحاح عليه وسأله فأكثر عليه الطلب وهو مثل الإلحاف سواء.\nقال الكلبي: إن يسألكموها كلها في الصدقة فيجهدكم، تبخلوا بها\n_________\n(١) ذكر ذلك الأزهري في \"تهذيب اللغة\" (وتر) ١٤/ ٣١٤، وانظر: \"اللسان\" (وتر) ٥/ ٢٤٧.\n(٢) أخرج ذلك الطبري عن ابن عباس ومجاهد وقتادة ١٣/ ٦٤، وذكره الماوردي في \"تفسيره\" ونسبه لمجاهد وقتادة ٥/ ٣٠٦، ونسبه البغوي لابن عباس وقتادة ومقاتل والضحاك ٧/ ٢٩٠.\n(٣) ذكر ذلك البغوي ٧/ ٢٩٠، ولم ينسبه، ونسبه في \"الوسيط\" ٤/ ١٣٠ لابن حيان.\n(٤) ذكر ذلك البغوي ولم ينسبه ٧/ ٢٩٠.\n(٥) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٤/ ٥٣، و\"تنوير المقابس\" ص ٥١٠.\n(٦) ذكر ذلك الماوردي ولم ينسبه ٥/ ٣٠٦، والبغوي ونسبه لابن عيينة ٧/ ٢٩١، وكذلك نسبه القرطبي لابن عيينة ١٦/ ٢٥٧.","vol":"20","page":272},{"text":"فلا تعطوها (١) \"وقال أبو إسحاق: أي إن يجهدكم بالمسألة (٢).\n﴿تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ﴾ قال الكلبي: يظهر بغضكم وعداوتكم لله ورسوله، ولكنه فرض عليكم يسيرًا ربع العشر، وهذا قول مقاتل والجميع (٣).\nوقال السدي: إن سألكم جميع ما في أيديكم تبخلوا (٤)، ولكن يسألكم أن تنفقوا في سبيل الله وهو يسير فيما أعطاكم.\nوقال قتادة: علم الله أن في مسألة المال خروج الأضغان (٥).\nوقال الفراء، يخرج ذلك البخل عداوتكم (٦)، يعني أن قوله (تبخلوا) يدل على البخل.\nقوله تعالى: ﴿يُخْرِجْ﴾ مسند إليه، أي ذلك البخل يظهر عداوتكم لله ورسوله لو سألكم أموالكم كلها، قال: ويجوز أن يكون يخرج الله أضغانكم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4074>٣٨ </span>- قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ﴾ قال ابن عباس: يريد أن لا ينفق أحد في سبيل الله إلا أعطاه الله في الدنيا أضعافه، وفي الآخرة ما لا يقدر الواصفون يصفونه (٧).\nوقال مقاتل بن سليمان: فإنما يبخل بالخير والفضل في الآخرة عن\n_________\n(١) ذكر هذا المعنى البغوي ولم ينسبه ٧/ ٢٩١، وانظر: \"تنوير المقباس\" ص ٥١٠، و\"تفسير الوسيط\" ٤/ ١٣٠.\n(٢) انظر: \"معاني القرآن للزجاج\" ٥/ ١٦.\n(٣) انظر: \"تفسير البغوي\" ٧/ ٢٩١، و\"تفسير مقاتل\" ٤/ ٥٤، و\"زاد المسير\" ٤١٤.\n(٤) ذكر ذلك المؤلف في تفسيره \"الوسيط\" عن السدي. انظر: ٤/ ١٣٠.\n(٥) ذكر نحو هذا المعنى الطبري ١٣/ ٦٥، والبغوي ٧/ ٢٩١، وأورد الثعلبي قول قتادة في \"تفسيره\" ١٠/ ١٣١ أ، وى لك ذكر قول قتادة في \"الوسيط\" ٤/ ١٣٠.\n(٦) انظر: \"معاني القرآن للفراء\" ٣/ ٦٤.\n(٧) لم أقف عليه.","vol":"20","page":273},{"text":"نفسه (١)، وقال ابن حيان: فإنما يبخل بالكرامة والفضل من الله على نفسه (٢).\n﴿وَاللهُ الْغَنِيُّ﴾ عما عندكم من الأموال وقال عطاء: عن خلقه (٣) ﴿وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ﴾ إليه وإلى ما عنده من الخير والرحمة.\n﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا﴾ قال ابن عباس: عن الإسلام (٤)، وقال مقاتل: وإن تعرضوا عما افترضت عليكم من حقي ﴿يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ قال مقاتل: يعني قومًا أمثل وأطوع لله منكم (٥).\nقوله: ﴿ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ قال: يكونوا خيرًا منكم، وقال عطاء عن ابن عباس: لا يكونوا أمثالكم في النفاق والبخل (٦)، وعلى هذا يجب أن يكون الخطاب للمنافقين.\nوقال الكلبي: لم يتولوا ولم يستبدل بهم (٧).\nوروى أبو هريرة أن النبي -ﷺ- سئل عن الذين يستبدل بهم إن تولوا، فضرب على منكب سلمان، وقال: \"هذا وقومه\" (٨).\n_________\n(١) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٤/ ٥٤.\n(٢) ذكر ذلك في \"الوسيط\" عن مقاتل، انظر: ٤/ ١٣٠.\n(٣) قال ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٧/ ٤١٥: (عنكم وعن أموالكم) ولم ينسبه.\n(٤) أخرج الطبري عن قتادة قال: (عن كتابي وطاعتي) ١٣/ ٦٦، وذكره في \"الوسيط\" بهذا اللفظ، ولم ينسبه. انظر: ٤/ ١٣٠.\n(٥) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٤/ ٥٤.\n(٦) قال الطبري ١٣/ ٦٦: (لا يبخلوا بما أمروا به من النفقة في سبيل الله ولا يضيعون شيئًا من حدود دينهم ولكنهم يقومون بذلك كله على ما يؤمرون به).\n(٧) ذكر المؤلف ذلك في تفسيره \"الوسيط\" ٤/ ١٣٠ عن الكلبي.\n(٨) أخرجه الطبري عن أبي هريرة. انظر: \"تفسيره\" ١٣/ ٦٦، وأخرجه الترمذي عن أبي هريرة، انظر: كتاب التفسير، باب ٤٨، ومن سورة محمد -ﷺ- ٥/ ٣٨٤، وأخرجه المؤلف في \"الوسيط\" عن أبي هريرة. انظر: ٤/ ١٣١.","vol":"20","page":274},{"text":"وهذا كما قال الحسن: هم العجم (١)، ونحو هذا قال عكرمة: فارس (٢)\nوأحسن مجاهد في قوله: من شاء (٣)، يعني يستبدل الله بهم من شاء من عباده، فيجعلهم خيرًا من هؤلاء.\n_________\n(١) انظر: \"تفسير الحسن البصري\" ٢/ ٢٩١، \"تفسير البغوي\" فقد نسب القول للحسن ٧/ ٢٩١، وكذلك ابن الجوزي نسبه للحسن ٧/ ٤١٥، والقرطبي ١٦/ ٢٥٨.\n(٢) ذكر ذلك البغوي ٧/ ٢٩١، وابن الجوزي ٧/ ٤١٥، والقرطبي ١٦/ ٢٥٨ عن عكرمة.\n(٣) انظر: \"تفسير مجاهد\" ص ٦٠٦، \"زاد المسير\" ٧/ ٤١٦، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٦/ ٢٥٨، \"الدر المنثور\" ٧/ ٥٠٦.","vol":"20","page":275},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4075>سورة الفتح</span>","vol":"20","page":277},{"text":"تفسير سورة الفتح\nبسم الله الرحمن الرحيم\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4076>١ </span>- ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ اختلفوا في سبب نزول هذه الآية، ومعنى هذا الفتح، فذهب الأكثرون إلى أن الآية نزلت في صلح الحديبية، والمراد بالفتح ذلك الصلح، وهو قول جابر والبراء وأنس (١) في رواية قتادة.\nوروي ذلك مرفوعًا وهو أن النبي -ﷺ- لما انصرف من الحديبية وأنزلت عليه هذه السورة قرأها على أصحابه فقال عمر: أوَفتحٌ هو يا رسول الله؟ فقال: \"نعم، والذي نفسي بيده إنه لفتح\" (٢).\nوروي عن مسور بن مخرمة أنه قال: نزلت بين مكة والمدينة في شأن الحديبية من أولها إلى آخرها (٣)، وهو قول الشعبي، ومجاهد، وابن عباس (٤) في رواية الكلبي: قال كان فتحًا بغير قتال،\n_________\n(١) أخرج ذلك البخاري عن أنس، انظر: \"صحيح البخاري\" كتاب: التفسير باب [١] ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ ٦/ ٤٣، وأخرجه الثعلبي عن جابر وعن البراء، انظر: \"تفسيره\" ١٠/ ١٣٢ ب، وانظر: \"تفسير ابن عطية\" ١٥/ ٨٦، \"تفسير البغوي\" ٧/ ٢٩٦، \"البحر المحيط\" ٨/ ٨٩.\n(٢) أخرج ذلك الطبري ١٣/ ٧٠ عن أبي وائل، وانظر: \"تفسير الوسيط\" ٤/ ١٣٣.\n(٣) أخرج ذلك الحاكم وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، انظر: \"المستدرك\" ٢/ ٤٥٩، و\"لباب النقول\" للسيوطي ص ١٩٣.\n(٤) انظر: \"تفسير الطبري\" ١٣/ ٧١، الماوردي ٥/ ٣٠٩، البغوي ٧/ ٢٩٦، \"زاد المسير\" ٧/ ٤١٩، \"تنوير المقباس\" ص ٥١١، \"المغازي\" للواقدي ٢/ ٦١٧.","vol":"20","page":279},{"text":"والصلح من الفتح، واختاره الفراء، وقال: الفتح قد يكون صلحًا (١) فعلى قول هؤلاء معنى هذا الفتح هو صلح الحديبية، ومعنى الفتح في اللغة: فتح المنغلق (٢). والصلح الذي حصل بينه وبين المشركين في ذلك اليوم كان مسدودًا عليه متعذرًا حتى فتحه الله ذلك اليوم ويسره، ودخل بعد ذلك ناس كثير في الإسلام حتى قال جابر: ما كنا نعد فتح مكة إلا يوم الحديبية (٣)، وقال الشعبي: أصاب النبي -ﷺ- في ذلك الوجه ما لم يصب في وجه، بويع بيعة الرضوان، وغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وظهرت الروم على فارس، وفرح المؤمنون بظهور أهل الكتاب على المجوس (٤).\nوقال الزهري: ما كان في الإسلام فتح أعظم من صلح الحديبية، وذلك أن المشركين اختلطوا بالمسلمين فسمعوا كلامهم فتمكن الإسلام في قلوبهم، وأسلم في ثلاث سنين خلق كثير وكثر بهم سواد الإسلام (٥).\nوقال الضحاك: فتحنا لك فتحًا بغير قتال، وكان الصلح من الفتح (٦).\nوقال ابن عباس في رواية عطاء: اليهود شمتوا بالنبي -ﷺ- والمسلمين\n_________\n(١) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ٦٤.\n(٢) انظر: \"تهذيب اللغة\" (فتح) ٤/ ٤٥٥، \"اللسان\" (فتح) ٢/ ٥٣٩.\n(٣) أخرج ذلك الطبري ١٣/ ٧٠ عن جابر، ونسبه القرطبي ١٦/ ٢٦٠ لجابر، ونسبه في \"الوسيط\" ٤/ ١٣٣ لجابر.\n(٤) ذكر ذلك الطبري في \"تفسيره\" ١٣/ ٧١، الماوردي ٥/ ٣٠٩، البغوي ٧/ ٢٩٦، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٧/ ٤١٨، والقرطبي في \"الجامع\" ١٦/ ٢٦٠.\n(٥) ذكر ذلك البغوي في \"تفسيره\" ٧/ ٢٩٦، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٧/ ٤١٩، والقرطبي في \"الجامع\" ١٦/ ٢٦١، والمؤلف في \"الوسيط\" ٤/ ١٣٣.\n(٦) ذكر ذلك البغوي في \"تفسيره\" ٧/ ٢٩٦ عن الضحاك، وكذلك ذكره القرطبي عن الضحاك ١٦/ ٢٦٠.","vol":"20","page":280},{"text":"لما نزل قوله: ﴿وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ﴾ [الأحقاف: ٩] وقالوا: كيف نتبع من لا يدري ما يفعل به ولا بمن آمن به وصدَّقه، واشتد ذلك على النبي -ﷺ- فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ قال: يريد: قضينا لك قضاء واجبًا (١)، ونحو هذا قال مقاتل في سبب النزول سواء <span data-type=\"title\" id=toc-4077>(٢)</span>.\nوقال أهل التفسير: قضينا لك قضاء مبينًا، يعني: الإسلام، وهو قول قتادة، واختاره الزجاج، وقال معناه: حكمنا لك بإظهار دين الإسلام والنصرة على عدوك (٣)، فهذا الفتح في الدين وهو الهداية إلى الإسلام ودليل ذلك قوله تعالى:\n\n٢ - ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾، واختلفوا في الجالب لهذه اللام في (ليغفر) فالذين قالوا: هذا الفتح في الدين ومعناه الحكم له بالإسلام والهداية، تتعلق اللام بالفتح، لأن سبب مغفرة الذنب هو الدين والإسلام، فكأنه قال: هديناك للدين ليغفر لك، وهذا معنى قول الحسن (٤): فتح الله عليك الإسلام ليغفر لك الله، وأبي إسحاق. ومن ذهب إلى أن المراد بالفتح صلح الحديبية، ذكر في اللام وجوهًا أحدها: ما قال أبو حاتم: وهو أنه قال هذه اللام لام اليمين، كأنه قال ليغفرن الله لك،\n_________\n(١) ذكر ذلك الثعلبي ونسبه لمقاتل بن سليمان، انظر: \"تفسيره\" ١٠/ ١٣٣ أ، ونسبه القرطبي ١٦/ ٢٥٩ للضحاك عن ابن عباس، وانظر: \"تفسير مقاتل\" ٤/ ٦٥، وذكره المؤلف في \"أسباب النزول\" ص ٤٠٣ عن عطاء عن ابن عباس.\n(٢) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٤/ ٦٥.\n(٣) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ١٩.\n(٤) انظر: \"تفسير الثعلبي\" ١٠/ ١٣٣ أ، \"الدر المصون\" ٦/ ١٥٩، \"تفسير الوسيط\" ٤/ ١٣٣.","vol":"20","page":281},{"text":"فحذفت النون وكسرت اللام، فأشبهت في اللفظ لام كي (١) فنصبوا كما نصبوا بلام كي، واحتج بأن العرب تقول في التعجب: أطرف بزيد، فيجزمونه لشبهه بلفظ الأمر، قال ابن الأنباري: هذا الذي قاله أبو حاتم غلط، لأن لام القسم لا تكسر ولا ينصب بها، ولو جاز أن يكون معنى (ليغفر): ليغفرن، لقلنا: ليقوم زيد بتأويل: والله ليقومن، وهذا معدوم في كلام العرب، وليس هذا بمنزلة: أطرف بزيد؛ لأن التعجب عدل به إلى لفظ الأمر، ولام القسم لم توجد مكسورة قط (٢).\nثم قال: سألت أبا العباس عن اللام في قوله: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ﴾ فقال هي لام كي معناها: إنا فتحنا لك فتحًا مبينًا لكي يجتمع لك مع المغفرة [كا] (٣) تمام النعمة في الفتح، فلما انضم إلى المغفرة شيء حادث واقع حسن معنى كي (٤)، وقال ابن جرير وصاحب النظم: هذا مقتص من قوله: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ﴾ [النصر: ٣] أعلمه أنه إذا جاءه الفتح واستغفر غفر له (٥)، والقول ما قال أبو العباس.\nوقوله: ﴿مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّر﴾ قال مقاتل: يعني ما كان في الجاهلية وما تأخر بعد النبوة (٦).\n_________\n(١) أورد ذلك الثعلبي في \"تفسيره\" ١٠/ ١٣٣ ب، وانظر: \"تفسير الوسيط\" ٤/ ١٣٤، \"الدر المصون\" ٦/ ١٥٩.\n(٢) أورد ذلك القرطبي في \"الجامع\" ١٦/ ٢٦٢، والشوكاني في \"فتح القدير\" ٥/ ٤٤.\n(٣) كذا في الأصل زيادة (كما) وليس لها معنى.\n(٤) ذكره بنصه ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٧/ ٤٢٣، والمؤلف في \"الوسيط\" ٤/ ١٣٤.\n(٥) انظر: \"تفسير ابن جرير\" ١٣/ ٦٨، \"تفسير الثعلبي\" ١٠/ ٣٣٣ أ.\n(٦) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٤/ ٦٦.","vol":"20","page":282},{"text":"وروي عن ابن عباس: أي ط كان عليك من إثم الجاهلية وما تأخر مما يكون، وهذا على طريقة من جوز الصغائر على الأنبياء (١).\nوقال عطاء الخراساني: (ما تقدم من ذنبك) يعني: ذنب أبويك آدم وحواء ببركتك، (وما تأخر) يعني: من ذنوب أمتك بدعوتك (٢)، وهذا القول يمكن توجيهه على بُعْد، وهو أن يحمل قوله (من ذنبك) على حذف المضاف بتقدير: من ذنب أبويك، ويحمل قوله (ما تأخر) على ذنوب أمته، ويبين هذا القول أنه لا ذنب له بعد النبوة، فإذا حكمنا ببراءته من الذنب، حمل الذنب المضاف إليه على الوجه الذي يصح وجوده وهو ما ذكرنا (٣).\nوقال سفيان الثوري: ﴿مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ﴾ ما عملت في الجاهلية وما تأخر، يعني: ما لم تعمله (٤)، هذا كلامه، يقال على هذا ما لم يعمله كيف يوصف بأنه يغفره ولم يعمله بعد؟ والجواب: أن هذا يذكر على طريق التأكيد والإمكان، كما تقول: أعطى من رآه ومن لم يره، وضرب من لقيه ومن لم يلقه (٥)، وليس يمكن أن يضرب من لم يلقه ولا أن يعطيه، ولكنه يذكر تأكيدًا للكلام على معنى: أنه كان يضربه إن أمكنه، كذلك في الآية غفر المتقدم والمتأخر لو وجد.\nقوله تعالى: ﴿وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾ قال ابن عباس: في الجنة وروي\n_________\n(١) هذا بنصه في \"تفسير الثعلبي\" ١٠/ ١٣٣ أ، \"تفسير البغوي\" ٧/ ٢٩٧، \"زاد المسير\" ٧/ ٤٢٣، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٦/ ٢٦٢.\n(٢) ذكر ذلك الثعلبي ١٠/ ١٣٣ أ، البغوي ٧/ ٢٩٨، والقرطبي ١٦/ ٢٦٣.\n(٣) ذكر ذلك الثعلبي ١٠/ ١٣٣ أ.\n(٤) ذكر ذلك الثعلبي، والبغوي، والقرطبي، والمؤلف في \"الوسيط\"؛ المواضع السابقة.\n(٥) ذكر ذلك البغوي في \"تفسيره\" ٧/ ٢٩٨.","vol":"20","page":283},{"text":"عنه أي: بالنبوة والمغفرة، والمعنى: ليجتمع لك مع الفتح تمام النعمة بالمغفرة والهداية إلى صراط مستقيم وهو الإسلام (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4078>٣ </span>- قوله تعالى: ﴿وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا﴾ قال ابن عباس ومقاتل: وينصرك الله على عدوك نصرًا منيعًا فلا تستذل (٢)، وقال أبو إسحاق: معنى ﴿نَصْرًا عَزِيزًا﴾: نصرًا ذا عز لا يقع معه ذل (٣) وحقيقة معناه: الغالب الممتنع فلا يغلب.\n<span data-type=\"title\" id=toc-4079>٤ </span>- قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قال ابن عباس والمفسرون: هي الرحمة والطمأنينة والوقار (٤).\nوقال أهل المعاني: هي البصيرة التي تسكن إليها النفس وتجد الثقة بها وهي للمؤمنين خاصة، وأما غيرهم فتنزعج نفوسهم لأول عارض يرد عليهم؛ لأنهم لا يجدون برد اليقين في قلوبهم (٥)، وهذا مما تقدَّم تفسيرُه [التوبة: ٢٦، ٤٠].\nقوله تعالى: ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ قال ابن عباس والمفسرون: تصديقًا مع تصديقهم ويقينًا مع يقينهم، يعني: بالشرائع وبما يأمرهم من\n_________\n(١) انظر: \"تفسير البغوي\" ٧/ ٢٩٨ من غير نسبه، وذكر ابن الجوزي القولين ونسبهما لابن عباس ٧/ ٤٢٣، ونسبهما القرطبي لابن عباس ١٦/ ٢٦٣، ونسبهما في \"الوسيط\" لابن عباس، انظر ٤/ ١٣٤.\n(٢) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٤/ ٦٦، \"الجامع لأحكام القرآن\" ذكره ولم ينسبه ١٦/ ٢٦٣، \"تنوير المقباس\" ص ٥١١.\n(٣) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ٢٠.\n(٤) انظر: \"تفسير الطبري\" ١٣/ ٧١، \"تفسير البغوي\" ٧/ ٢٩٨، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٦/ ٢٦٤، \"تفسير الوسيط\" ٤/ ١٣٥.\n(٥) انظر: \"تفسير الوسيط\" ٤/ ١٣٥، \"تفسير البغوي\" ٧/ ٢٩٨، \"فتح القدير\" ٥/ ٤٥.","vol":"20","page":284},{"text":"الفرائض كالصلاة والصيام والزكاة والحج، كلما صدقوا بشيء من ذلك ازدادوا تصديقًا، وذلك بالسكينه التي أنزلها الله في قلوبهم (١).\nوقال الكلبي: كلما نزلت آية من السماء فصدقوا بها ازدادوا تصديقًا إلى تصديقهم (٢).\nقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ قال ابن عباس: يعني: الملائكة والجن والإنس والشياطين (٣)، ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا﴾ بما في قلوب عباده ﴿حَكِيمًا﴾ في حكمه وتدبيره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4080>٥ </span>- قوله تعالى: ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ الآية ذكر المفسرون أن رسول الله - ﷺ - لما قرأ على أصحابه قوله: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ﴾ الآية، قالوا: هنيئًا لك يا رسول الله، فماذا لنا، فأنزل الله: ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٤)، واللام في (ليدخل)\n_________\n(١) أخرج ذلك الطبري ١٣/ ٧٢ عن ابن عباس، ونسبه البغوي ٧/ ٢٩٨، والثعلبي ١٠/ ١٣٤ ألابن عباس، وذكره في \"الوسيط\" ٤/ ١٣٥ ولم ينسبه.\n(٢) ذكر الثعلبي عن الكلبي: هذا في أمر الحديبية حين صدق الله رسوله الرؤيا بالحق، انظر: \"تفسيره\" ١٠/ ١٣٤ أ، \"تفسير البغوي\" بهذا اللفظ أيضًا ٧/ ٢٩٨، ونسبه في \"الوسيط\" ٤/ ١٣٥ للكلبي بنص ما هنا.\n(٣) أورد ذلك القرطبي ١٦/ ٢٦٤ عن ابن عباس، وذكره الشوكاني في \"فتح القدير\" من غير نسبة ٥/ ٤٦، ونسبه في \"الوسيط\" ٤/ ١٣٥ لابن عباس.\n(٤) أخرج ذلك البخاري عن أنس، انظر: \"صحيح البخاري\"، كتاب المغازي باب (٣٥) غزوة الحديبية ٥/ ٦٦، وأخرجه البغوي في \"شرح السنة\" ١٤/ ٢٢٢، والترمذي عن أنس، انظر: \"سنن الترمذي\" كتاب: التفسير باب (٤٩) ومن سورة الفتح ٥/ ٣٨٥، وأخرجه الحاكم وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وقال الذهبي: أخرج مسلم أوله، انظر: \"المستدرك\" كتاب: التفسير سورة الفتح ٢/ ٤٥٩، وأخرجه المؤلف في \"أسباب النزول\" ص ٤٠٤.","vol":"20","page":285},{"text":"متعلق بما يتعلق به اللام في قوله: (ليغفر) على البدل منه، وتكرر إنا فتحنا (١).\nقوله: ﴿وَكَانَ ذَلِكَ﴾ أي: ذلك الوعد بإدخالهم الجنة ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ أي: في حكمه ﴿فَوْزًا عَظِيمًا﴾ لهم أي: الوعد من الله بإدخال المؤمنين الجنة فوز عظيم لهم في حكم الله، كأن الله تعالى حكم لهم بالفوز العظيم، فلذلك وعدهم إدخالها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4081>٦ </span>- قوله تعالى: ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ﴾ قال ابن عباس ومقاتل: أي: من أهل المدينة والمشركين والمشركات من أهل مكة (٢)، وظاهر الكلام يدل على أن المراد بهذا العذاب: عذاب الدنيا بأيدي المؤمنين؛ لأن نصرة الرسول والفتح عليه يقتضي ذلك (٣) وإن حملنا الفتح على الهداية والبيان له في الدين، فذلك سبب عذاب المنافقين والمشركين، لأنه كما سعد بتصديقه المؤمنون فاستوجبوا المغفرة والجنة، شقي بتكذيبه المنافقون والمشركون فاستوجبوا العذاب والنار.\nقوله: ﴿الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ﴾ هو أنهم ظنوا أن محمدًا لا ينصر، هذا قول أكثر المفسرين (٤)، وقال مقاتل: كان ظنهم: أنهم قالوا: واللات والعزى ما نحن وهو عند الله إلا بمنزلة واحدة (٥) حين نزل قوله: ﴿وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ﴾ [الأحقاف: ١٩].\n_________\n(١) انظر: \"تفسير الطبري\" ١٣/ ٧٣، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٦/ ٢٦٤.\n(٢) ذكر ذلك البغوي في \"تفسيره\" ٧/ ٢٩٩، ومقاشل في \"تفسيره\" ٤/ ٦٩، وأبو الليث في \"تفسيره\" ٣/ ٢٥٣، والمؤلف في \"الوسيط\" ٤/ ١٣٦.\n(٣) انظر: \"تفسير الوسيط\" ٤/ ١٣٦.\n(٤) انظر: \"تفسير الطبري\" ١٣/ ٧٣، \"تفسير البغوي\" ٧/ ٢٩٩، \"زاد المسير\" ٧/ ٤٢٦، \"تفسير الوسيط\" ٤/ ١٣٦.\n(٥) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٤/ ٦٩.","vol":"20","page":286},{"text":"وقال أبو إسحاق: زعم الخليل وسيبويه أن معنى (السوء) هاهنا: الفساد، فالمعنى: الظانين باللهِ ظن الفساد، وهو ما ظنوا أن الرسول ومن معه لا يرجعون (١)، وذلك في قوله: ﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا﴾ الآية [آية: ١٢].\nقوله: ﴿عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾ قال ابن عباس: عليهم يدور العذاب (٢).\nوقال أبو إسحاق: أي: الفساد والهلاك يقع بهم (٣).\nوقال أبو علي: عليهم دائرة السوء، أي: الذي أرادوه بالمسلمين وتمنوه لهم يقع بهم لا بالمسلمين (٤)، والكلام في تفسير (دائرة السوء) والقراءة فيه قد تقدم في سورة (٥) براءة [آية: ٩٨].\nقال مقاتل: فلما نزلت هذه الآية، قال عبد الله بن أُبي والمنافقون: يزعم محمد أن الله ينصره على عدوه هيهات هيهات، لقد بقي له من العدو أكثر وأكثر، فإن أهل فارس والروم وهم أكثر عددًا وأشد بأسًا، ولن يظهر\n_________\n(١) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ٢٠.\n(٢) ورد هذا المعنى من غير نسبة عند الطبري في \"تفسيره\" ١٣/ ٧٣، الثعلبي ١٠/ ١٣٤ ب، البغوي ٧/ ٢٩٩، والمؤلف في \"الوسيط\" ٤/ ١٣٦.\n(٣) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ٢١.\n(٤) انظر: \"الحجة\" لأبي علي الفارسي ٦/ ٢٠١.\n(٥) اختلفوا في ضم السين وفتحها من قوله تعالى: ﴿دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾ [التوبة: ٩٨] فقرأ ابن كثير، وأبو عمرو ﴿دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾ بضم السين، وكذلك في سورة الفتح [آية: ٦] وقرأ نافع وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائي ﴿السَّوْءِ﴾: بفتح السين فيهما ولم يختلف في غيرهما، انظر: \"الحجة\" ٤/ ٢٠٦.","vol":"20","page":287},{"text":"محمد عليهم (١)، فأنزل الله في ذلك قوله:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4082>٧ </span>- ﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ﴾ يعني: الملائكة (والأرض) يعني: المؤمنون وهم أكثر من أهل فارس والروم، ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا﴾ في ملكه ﴿حَكِيمًا﴾ في أمره.\n<span data-type=\"title\" id=toc-4083>٨ </span>- قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ قال ابن عباس: يريد على جميع الخلق (٢)، وقال المقاتلان: شاهدًا على أمتك بالرسالة (٣)، وقال الكلبي: شاهدًا بالبلاغ إلى أمتك (٤) وهذه الشهادة تكون في الآخرة يشهد يوم القيامة على الأمم بتبليغ الرسل إليهم، على قول ابن عباس (٥)، وعلى قول الآخرين فانتصاب قوله: (شاهدًا) يكون على تقديم الحال، كأنه قيل: مقدر الشهادة كما تقول: معه صقر صائدًا به غدًا (٦) وقد مرت نظائره فقوله (شاهدًا) حال مقدرة، أي: يكون يوم القيامة، وقوله (مبشرًا ونذيرًا) حال يكون النبي -ﷺ- ملابسًا لها في الدنيا (٧).\nقال عطاء: ومبشرًا لأوليائي وأهل طاعتي، ونذيرًا لأعدائي وأهل معصيتي. وقال الكلبي: مبشرًا بالقرآن للمؤمنين بالجنة، ونذيرًا للكافرين\n_________\n(١) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٤/ ٦٩.\n(٢) لم أقف على هذا القول.\n(٣) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٤/ ٦٩، \"تفسير الشوكاني\" ٥/ ٤٧.\n(٤) انظر: \"تنوير المقباس\" ص ٥١١، وقد نسب القرطبي ١٦/ ٢٦٦ هذا القول لقتادة.\n(٥) لم أقف على هذا القول.\n(٦) انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٦/ ٢٦٦.\n(٧) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ٢١، وانظر: \"تفسير ابن عطية\" ١٤/ ٩٤، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٦/ ٢٦٦.","vol":"20","page":288},{"text":"بالسخط (١).\nوقال المقاتلان: مبشرًا بالنصر في الدنيا والجنة في الآخرة للمؤمنين ونذيرًا من النار (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4084>٩ </span>- قوله تعالى: ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ قرئ: بالتاء والياء، وكذلك ما بعده من الأفعال، فمن قرأ بالتاء فعلى معنى: قل لهم: إنا أرسلناك لتؤمنوا، ومن قرأ بالياء: وهو اختيار أبي عبيد، قال ذكر المؤمنين قبله وهو قوله: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ولقوله بعده: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ﴾ ولأنه لا يقال للنبي -ﷺ-: لتؤمنوا بالله ورسوله وهو الرسول، وهذا معنى قول أبي إسحاق في وجه هذه القراءة، لأن النبي -ﷺ- قد آمن بالله وبأنبيائه وكتبه (٣).\nوقوله: ﴿وتعزروه﴾ ذكرنا تفسيره عند قوله: ﴿وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ﴾ [المائدة: ١٢]، قال مقاتل: تعينوه وتنصروه على أمره (٤).\nوقال قتادة: تنصروه وتعزروه بالسيف واللسان (٥).\nوقال ابن حيان: تنصروا النبي -ﷺ- بالسيف (٦).\n_________\n(١) لم أقف على قولي عطاء والكلبي.\n(٢) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٤/ ٧٠، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٦/ ٢٦٦.\n(٣) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ٢١، \"التذكرة في القراءات\" ٢/ ٦٨٧، \"الحجة\" لأبي علي ٦/ ٢٠٠، وأشار القرطبي ١٦/ ٢٦٦ إلى اختيار أبي عبيد.\n(٤) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٤/ ٧٠.\n(٥) أخرج ذلك الطبري في \"تفسيره\" ١٣/ ٧٤ عن قتادة، ونسبه القرطبي لقتادة، وذكره في \"الوسيط\" ٤/ ١٣٦ من غير نسبه.\n(٦) لم أقف على هذا القول.","vol":"20","page":289},{"text":"وقال عكرمة: تقاتلوا معه بالسيف (١).\nوروى الحجاج بن أرطأة عنه قال: قلت لابن عباس: ما قوله: (وتعزروه)؟ قال: الضرب بين يدي النبي -ﷺ- بالسيف (٢).\nقوله: ﴿وَتُوَقِّرُوهُ﴾ قال قتادة: تكرموه وتعظموه وتسودوه (٣).\nوقال ابن حيان: تشرفوه وتبجلوه وتجلوه (٤)، كل هذا من ألفاظ المفسرين.\nقوله: ﴿وَتُسَبِّحُوهُ﴾ هذه الكناية راجعة إلى اسم الله (٥) في قوله: ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ﴾ وكثير من القراء اختاروا الوقف على قوله: وتوقروه (٦) لمخالفة الكناية في: (وتسبحوه) الكناية التي قبلها، والمعنى: وتصَلّوا لله بالغداة والعشي. قاله المقاتلان (٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4085>١٠ </span>- قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ﴾ قال المفسرون: يعني بيعة\n_________\n(١) أخرج ذلك الطبري في \"تفسيره\" عن عكرمة ١٣/ ٧٥، ونسبه النحاس في \"معاني القرآن\" لعكرمة ٦/ ٤٩٩، ونسبه القرطبي ١٦/ ٢٦٦ لابن عباس وعكرمة.\n(٢) أخرج الطبري ١٣/ ٧٥ عن عكرمة قال: يقاتلون معه بالسيف، ونسبه القرطبي في \"الجامع\" ١٦/ ٢٦٧ لابن عباس وعكرمة.\n(٣) أخرج الطبري ١٣/ ٧٤ عن قتادة في ﴿وَتُوَقِّرُوهُ﴾ أمر الله بتسويده وتفخيمه.\n(٤) لم أقف على هذا القول.\n(٥) انظر: \"تفسير الطبري\" ١٣/ ٧٥، \"الماوردي\" ٥/ ٣١٣، \"البغوي\" ٧/ ٢٩٩.\n(٦) انظر: \"المكتفى\" للداني ص ٥٢٨، \"تفسير البغوي\" ٧/ ٢٩٩، القرطبي ١٦/ ٢٦٧، ونقل النحاس عن أبي حاتم وأحمد بن موسى أن التمام عند قوله: ويوقروه. لأنهما قالا المعنى: ويوقروا النبي -ﷺ- ويسبحوا الله بكرة وأصيلًا. وخولفا في هذا لأن (ويسبحوه) معطوف على ما قبله قد حذفت منه النون للنصب فكيف يتم الكلام على ما قبله. انظر: \"القطع والائتاف\" لأبي جعفر النحاس ص٦٧٠.\n(٧) \"تفسير مقاتل\" ٤/ ٧٠.","vol":"20","page":290},{"text":"الرضوان، وكانت بالحديبية تحت الشجرة، وكان المسلمون يومئذ ألفًا وأربعمائة رجل بايعوا النبي -ﷺ- على أن يقاتلوا ولا يفروا (١).\nقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾ لأن تلك البيعة طاعة لله وتقربًا إليه، باعوا أنفسهم من الله تعالى بالجنة كما ذكر في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ﴾ الآية [التوبة: ١١١] والعقد كان مع النبي -ﷺ-، وكذلك قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ قال أكثر المفسرين: يد الله بالوفاء لهم بما وعدهم من الخير فوق أيديهم بالوفاء والعهد حين بايعوك، وهذا قول ابن عباس ومقاتل (٢) واختيار الفراء (٣) ومعناه: الله أوفى منهم كما قال: ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ﴾ [التوبة: ١١١].\nوقال الكلبي: نعمة الله عليهم فوق ما صنعوا (٤)، واختاره الزجاج فقال: يد الله في المنة بالهداية فوق أيديهم في الطاعة (٥)، أي: إحسان الله تعالى إليهم بأن هداهم للإيمان أبلغ وأتم من إحسانهم إليك بالنصرة والبيعة.\n_________\n(١) وهذا ثابت في الحديث الصحيح عند مسلم من حديث جابر، انظر: \"صحيح مسلم\" كتاب: الإمارة باب (١٨) استحباب مبايعة الإمام الجيش عند إرادة القتال وبيان بيعة الرضوان تحت الشجرة ٢/ ١٤٨٣، وانظر: \"الطبري\" ١٣/ ٧٦، \"البغوي\" ٧/ ٢٩٩، \"تفسير الوسيط\" ٤/ ١٣٦، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٦/ ٢٦٦.\n(٢) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٤/ ٧٠، \"تفسير البغوي\" وقد نسبه لابن عباس ٧/ ٣٠٠، \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ٢٢.\n(٣) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ٦٥.\n(٤) ذكر ذلك الثعلبي ١٠/ ١٣٥ ب، البغوي ٧/ ٣٠٠، والقرطبي ١٦/ ٢٦٧.\n(٥) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ٢٢.","vol":"20","page":291},{"text":"وقال ابن كيسان: قوة الله ونصرته فوق قوتهم ونصرتهم (١)، وهذا معنى قول ابن عباس في رواية عطاء (٢)، والمعنى على هذا: ثق بنصرة الله لك، لا بنصرتهم وإن بايعوك (٣).\nقوله تعالى: ﴿فَمَنْ نَكَثَ﴾ أي: نقض ما عقد من البيعة ﴿فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ أي: يرجع ضرر ذلك النقض عليه، قال ابن عباس: وليس له الجنة (٤)، ﴿وَمَنْ أَوْفَى﴾ أي: ثبت على الوفاء، ﴿بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ﴾ من البيعة ﴿فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ يعني: الجنة، قال ابن عباس: والعِظَم لا يوصف (٥).\n_________\n(١) ذكر ذلك الثعلبي في \"تفسيره\" ١٠/ ١٣٥ ب، والقرطبي ١٦/ ٢٦٨، و\"الفخر الرازي\" ٢٨/ ٧٨، والمؤلف في \"الوسيط\" ٤/ ١٣٦.\n(٢) ذكر الثعلبي رواية ابن عباس بلفظ: يد الله بالوفاء بما وعدهم من الخير فوق أيديهم بالوفاء، انظر: \"تفسير الثعلبي\" ١٠/ ١٣٥ ب.\n(٣) ذكر الإمام ابن جرير في \"تفسيره\" أقوال المؤولين في صفة اليد ورجح مذهب السلف وهو: أنها صفة من صفاته هي يد غير أنها ليست بجارحة كجوارح بني آدم، انظر: \"تفسير الطبري\" ٤/ ٣٠١، وقال البغوي عند تفسير آية المائدة: ويد الله صفة من صفات ذاته كالسمع والبصر والوجه، وقال جل ذكره: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾، وقال النبي -ﷺ-: \"كلتا يديه يمين\" والله أعلم بصفاته، على العبد فيها الإيمان والتسليم. وقال أئمة السلف من أهل السنة في هذه الصفات: أمروها كما جاءت بلا كيف انظر: \"تفسير البغوي\" ٣/ ٧٦. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية بعد أن ذكر وجوب الإيمان بصفة اليد وعدم تأويلها ونقل كلام المتقدمين من سلف الأمة قال: ويدل على إبطال التأويل أن الصحابة ومن بعدهم من التابعين حملوها على ظاهرها ولم يتعرضوا لتأويلها ولا صرفوها عن ظاهرها فلو كان التأويل سائغًا لكانوا أسبق إليه لما فيه من إزالة التشبيه ورفع الشبهة انظر: \"مجموع الفتاوى\" ٥/ ٩٠.\n(٤) ذكر ذلك في \"الوسيط\" عن ابن عباس، انظر ٤/ ١٣٦.\n(٥) لم أقف عليه.","vol":"20","page":292},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4086>١١ </span>- قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ﴾.\nقال المفسرون: إن رسول الله -ﷺ- لما أراد الخروج إلى مكة عام الحديبية استنفر مَنْ حول المدينة من أعراب غفار (١) ومزينة (٢) وجهينة وأسلم (٣)، فقعدوا عنه وقالوا: فيما بينهم: نذهب معه إلى قوم جاؤوه فقتلوا أصحابه نخرج إليهم فنقاتلهم في دارهم، فأخبر الله تعالى نبيه بما يقول له هؤلاء، إذا عاد إليهم بقوله: ﴿سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ﴾ وهم الذين خلفهم الله عن صحبة نبيه (٤) -ﷺ-، ولم يقل: المتخلفون، تحقيقًا أن تخلفهم [كان بغضًا الله، وأنا الذي خلفهم] (٥).\nوقوله: ﴿مِنَ الْأَعْرَابِ﴾ يعني: القبائل الذي ذكرنا (شغلتنا) عن الخروج معك ﴿أَمْوَالُنَا﴾ أي: لم يكن لنا من يقوم بها ويكفينا أمرها.\n_________\n(١) هم: بنو غفار بن مليل بن ضمرة بن بكر بن عبد مناف بن كنانة بن خزيمة بن مدركة عمرو بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان، كانوا حول مكة، ومن مياههم: بدر، ومن أوديتهم: ودان، انظر: \"معجم قبائل العرب\" لكحالة ٣/ ٨٩٠.\n(٢) هم: بنو مر بن أن بن طابخة بن إلياس بن مضر، واسم ولده: عثمان وأوس، وأمهما: مزينة فسمي جميع ولديهما بها. كانت مساكن مزينة بين المدينة ووادي القرى، ومن ديارهم وقراهم: فيحة الرَّوحاء، العمق، الفُرع، انظر:\"معجم قبائل العرب\" لعمر رضا كحالة ٣/ ١٠٨٢.\n(٣) هم: بطن من خزاعة من القحطانية وهم بنو أسلم بن قصي بن حارثة بن عمرو بن مزيقيا منهم الحجاج بن مالك بن عويمر الأسلمي الصحابي من قراهم وَبْرة وهي: قرية ذات نخيل من أعراض المدينة. انظر: \"نهاية الأرب\" للقلقشندي ص ٤٨، \"معجم قبائل العرب\" ١/ ٢٦.\n(٤) انظر: \"تفسير الثعلبي\" ١٠/ ١٣٥ ب، \"تفسير أبي الليث\" ٣/ ٢٥٤، \"البغوي\" ٧/ ٣٠٠، \"القرطبي\" ١٦/ ٢٦٨، \"تفسير الوسيط\" ٤/ ١٣٧.\n(٥) كذا رسمها بالأصل، ولعل الصواب: (كان بغضًا من الله لهم وأنه الذي خلّفهم).","vol":"20","page":293},{"text":"قوله: ﴿وَأَهْلُونَا﴾ يعنون: النساء والذراري، أي لم يكن من يخلفنا فيهم وهو جمع أهل، وأهل الرجل أخص الناس به (١)، ويقال: أهل وأهلون وأهال وأهلة وأهلات (٢)، قال الله ﷾: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ﴾ [التحريم: ٦]. وأنشد المفضل:\nوأَهْلَةِ وُدِّ قد تَبَرّضْتُ وُدَّهُم ... وأَبْلَيْتُهُم في الحَمْدِ جُهْدِي ونَائِلِي (٣)\nوأنشد في الأهلات:\nفَهُم أَهَلاتٌ حَوْلَ قَيْسِ بن عَاصم ... إذا أَدْلَجُوا باللَّيلِ يَدْعُونَ كَوْثَرا (٤)\nقال الفراء: والأهل يجوز أن يكون واحدًا وجمعًا (٥).\nقوله: ﴿فَاسْتَغْفِرْ لَنَا﴾ أي: تخلفنا عنك، أي: سل ربك أن يغفر ذلك لنا فإنا كنا معذورين، قال ابن عباس: ولم يكن شغلهم إلا الشك في الله، يعني: أنهم شكوا في نصرة الله رسوله، فكذبهم الله في قولهم (فاستغفر لنا) (٦).\n_________\n(١) انظر: \"تهذيب اللغة\" (أهل) ٦/ ٤١٧.\n(٢) انظر: \"لسان العرب\" (أهل) ١١/ ٢٨.\n(٣) الأهل: أهل الرجل وأهل الدار وكذلك الأَهْلة، قال ابن سيده: أهل الرجل: عشيرته وذوو قرباه، والجمع أهلون وآهال وأهال وأهْلات وأهَلات، والشاهد من البيت: وأهْلةِ وُدٍّ، وقد ورد هذا البيت في \"اللسان\" منسوبًا لأبي الطمحان، وفيه: تبريت ودهم، انظر: \"اللسان\" (أهل) ١١/ ٢٨.\n(٤) الشاهد قوله: أهَلاتٌ، والإدلاج: السير في الليل، والبيت للمخبل السعدي، انظر: \"اللسان\" (أهل) ١١/ ٢٨. واسمه: ربيعة بن مالك، وهو من بني شماس بن لأي بن أنف الناقة، هاجر هو وابنه إلى البصرة، وولده كثير بالأحساء وهشام شعراء، انظر: \"الشعر والشعراء\" لابن قتيبة ص ٢٦٩.\n(٥) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ٦٥.\n(٦) لم أقف عليه.","vol":"20","page":294},{"text":"وقوله: ﴿يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ قال مقاتل: أي: من أمر الاشغفار لا يبالون استغفر لهم النبي أم لا (١) ﴿قُلْ﴾ لهم يا محمد ﴿فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ قال ابن عباس: يريد: من يمنعكم من الله (٢)، وهذا مفسَّر في سورة المائدة (٣) وغيرها.\nقوله تعالى: ﴿إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا﴾ وقرئ: ضُرًّا، والضَّر بالفتح: خلاف النفع، وبالضم سوء الحال، كقوله: ﴿فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ﴾ [الأنبياء: ٨٤] قال أبو علي الفارسي: ويجوز أن يكونا لغتين، كالفَقْر والفُقْر، والضَّعْفَ والضُّعْف (٤).\nقال ابن عباس: هو العذاب (٥).\nوقال مقاتل: يعني: سوءًا، وهو الهزيمة (٦).\nقوله تعالى: ﴿أو نفعًا﴾ قال ابن عباس: يريد الغنيمة (٧)، ومعنى هذا الكلام الرد عليهم حين ظنوا أن تخلفهم عن النبي -ﷺ- يدفع عنهم الضر\n_________\n(١) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٤/ ٧١.\n(٢) ذكر السمرقندي قريبًا من هذا المعنى ولم ينسبه، انظر: \"تفسيره\" ٣/ ٢٥٤، ونسبه في \"الوسيط\" لابن عباس، انظر ٤/ ١٣٧.\n(٣) هو قوله تعالى: ﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾ [المائدة: ٧٦].\n(٤) انظر: \"الحجة\" لأبي علي ٦/ ٢٠٢، والضم قراءة حمزة والكسائي، وقرأ الباقون بالنصب.\n(٥) نسب القرطبي لابن عباس بلفظ: الهزيمة، انظر: \"الجامع\" ١٦/ ٢٦٨، وقال في \"تنوير المقباس\"، قتلًا أو هزيمة، انظر ص ٥١٢.\n(٦) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٤/ ٧١.\n(٧) قال القرطبي في \"الجامع\" نصرًا أو غنيمة. ولم ينسبه ١٦/ ٢٦٩، وذكر ذلك في \"الوسيط\"، ولم ينسبه، انظر ٤/ ١٣٧.","vol":"20","page":295},{"text":"ويعجل لهم النفع بالسلامة في أنفسهم وأموالهم، ثم قال: ﴿بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ أي: عالمًا بما كنتم تعملون في تخلفكم ثم أَعَلَمَ أنهم إنما تخلفوا عن الخروج مع النبي -ﷺ- بظنهم ظن السوء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4087>١٢ </span>- قوله: ﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا﴾ أي: ظننتم أنهم لا يرجعون إلى من خلفوا بالمدينة من الأهل والأولاد، لأن العدو يستأصلهم، قوله: ﴿وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ قال ابن عباس: زين الشيطان ذلك الظن في قلوبكم (١).\nقال المفسرون: وذلك أنهم قالوا: إن محمدًا وأصحابه أكلة رأس، لا يرجع هو ولا أصحابه أبدًا، فأنَّى تذهبون؟ أتقتلون أنفسكم، انتظروا ما يكون من أمره (٢)، فذلك قوله: ﴿وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا﴾ قال الكلبي عن ابن عباس: البور بكلام أهل (٣) عُمان (٤): الفاسد، يقول:\n_________\n(١) ذكر ذلك بغير نسبة: البغوي ٧/ ٣٠١، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٧/ ٤٣٠، والقرطبي ١٦/ ٢٦٩، والمؤلف في \"الوسيط\" ٤/ ١٣٧.\n(٢) ذكر ذلك الثعلبي ١٠/ ١٣٦ أ، البغوي ٧/ ٣٠١، والقرطبي ١٦/ ٢٦٩.\n(٣) كذا في الأصل، وفي \"تفسير مقاتل\" بلغة عمان ٤/ ٧١، وفي تفسير السمرقندي: في لغة أزد وعمان ٣/ ٢٥٤، وفي \"زاد المسير\" في لغة أزد عُمان ٦/ ٧٨، وانظر: \"تنوير المقباس\" بلفظ: هلكى فاسدة القلوب قاسية القلوب ص ٥١٢.\n(٤) عُمان: بضم أوله وتخفيف ثانيه، وآخره نون: اسم كورة عربية على ساحل بحر اليمن والهند، وعمان في الإقليم الأول طولها: أربع وثلاثون درجة وثلاثون دقيقهَ، وعرضها: تسع عثمرة درجة وخمس وأربعون دقيقة في شرقي هَجَر، تشتمل على بلدان كثيرة ذات نخل وزروع، إلا أن حرها يضرب به المثل، وأكثر أهلها في أيامنا خوارج إباضية ليس بها من غير هذا المذهب إلا طاريء أو غريب. انظر: \"معجم البلدان\" ٤/ ١٥٠.","vol":"20","page":296},{"text":"فاسدة قلوبكم، وقال مقاتل: يعني: هلكى بلغة عمان (١).\nوقال مجاهد: هلكى (٢) لا يصلحون لشيء من الخير.\nوقال أبو إسحاق: أي: هالكين عند الله جل وعز (٣).\nوقال الفراء: البور في كلام العرب لا شيء، يقول: أصبحت أقوالهم وأعمالهم بورًا، أي: لا شيء (٤)، وهذا الحرف مفسر في سورة الفرقان [آية: ١٨] ثم أوعد تارك الإيمان بقوله:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4088>١٣ </span>- ﴿وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ الآية، ثم عظم نفسه وأخبر بنفسه أنه غني عن عباده، فقال:\n<span data-type=\"title\" id=toc-4089>١٤ </span>- ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ الآية.\n<span data-type=\"title\" id=toc-4090>١٥ </span>- قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا﴾ يعني: هؤلاء القبائل الذين ذكرناهم إذا انطلقتم أيها المؤمنون، أي: سرتم وذهبتم إلى مغانم لتأخذوها، يعني: مغانم خيبر (٥).\nقال المفسرون: وذلك أنهم لما انصرفوا من الحديبية بالصلح وعدهم الله فتح خيبر، وخصَّ بغنائمها من شهد الحديبية دون غيرهم، فلما انطلقوا\n_________\n(١) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٤/ ٧١.\n(٢) أخرج ذلك الطبري ١٣/ ٧٩ عن مجاهد لكن بلفظ: هالكين فقط، وانظر: \"تفسير مجاهد\" ص ٦٠٨، \"الجامع لأحكام القرآن\" بلفظ: هلكى ١٦/ ٢٦٩.\n(٣) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج بلفظ: هالكين عند الله -﷿- فاسدين في علمه ٥/ ٢٣.\n(٤) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ٦٦ بلفظ: يقال أصبحت أعمالهم بورًا ومساكنهم قبورًا.\n(٥) خيبر: الموضع المذكور في غزاة النبي -ﷺ- وهي: ناحية على ثمانية برد من المدينة لمن يريد الشام، يطلق هذا الاسم على الولاية، وتشتمل هذه الولاية على سبعة حصون ومزارع ونخل كثير، وقد فتحها النبي -ﷺ- سنة سبع من الهجرة، وقيل. سنة ثمان، انظر: \"معجم البلدان\" ٢/ ٤٠٩.","vol":"20","page":297},{"text":"إليها قال هؤلاء المخلفون (١) ﴿ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ﴾.\nقال الله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ﴾ وقرئ: (كَلِمَ الله) (٢)، والكلام مصدر، والكَلِمْ: جمع كلمة، وكلاهما ورد به التنزيل، وهو قوله: ﴿حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦] وقوله: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ [المائدة: ٤١] قال ابن عباس: يريد مواعبد الله لأن الله تعالى جعل خيبر لأهل الحديبية خاصة (٣) لم يجعل لأحد من الناس فيها شيئًا إلا لمن تخلف عنها لعذر.\nوقال مقاتل: يعني: يغيروا كلام الله الذي أمر الله النبي -ﷺ- أن لا يسير معه منهم أحد (٤)، قال أبو إسحاق: يعني بقوله: (يريدون أن يبدلوا كلام الله) قول -﷿-: ﴿فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا﴾ [التوبة: ٨٣] فأرادوا أن يأتوا بما ينقض هذا، فأعلم الله ﷿ أنهم لا يفعلون ولا يقدرون على ذلك (٥) فقال الله تعالى: ﴿قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ﴾ قال ابن عباس: يريد: في الحديبية (٦)، وقال مقاتل: يعني: هكذا قال الله بالحديبية من قبل خيبر أن لا تتبعونا (٧).\n_________\n(١) انظر: \"تفسير الطبري\" ١٣/ ٨٠، \"تفسير البغوي\" ٧/ ٣٠٢، \"زاد المسير\" ٧/ ٤٣٠، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٦/ ٢٧٠.\n(٢) قرأ حمزة والكسائي: (كَلِمَ)، وقرأ الباقون: (كلام)، انظر: \"الحجة\" ٦/ ٢٠٢، و\"التذكرة في القراءات\" ٢/ ٦٨٧.\n(٣) ذكر ذلك ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٧/ ٤٣٠.\n(٤) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٤/ ٧٢.\n(٥) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ٢٤، لكن بلفظ: (لا يعقلون) بدل: (لا يفعلون).\n(٦) معنى هذا القول عند الطبري منسوبًا لقتادة، انظر: \"تفسيره\" ١٣/ ٨١، وعند البغوي غير منسوب ٧/ ٣٠٢.\n(٧) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٤/ ٧٢.","vol":"20","page":298},{"text":"وقال غيره: من قبل مرجعنا إليكم، أخبرنا الله أن غنيمة خيبر لمن شهد الحديبية (١)، فعلي هذا القول الذي ذكرنا يعني: قال الله تعالى من قبل ما سبق من وعده بالغنيمة لأهل الحديبية.\nوقال الكلبي: لما قالوا لهم: لن تتبعونا، قالوا: والله ما أمركم الله بذلك وما بكم إلا الحسد (٢)، فقال لهم المؤمنون: كذلكم قال الله لنا حين انصرفنا من الحديبية، إنهم سيقولون لكم إذا لم تأذنوا لهم إلى خيبر: إن بكم إلا الحسد كما قلتم لنا فهو بمعنى قوله: ﴿كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ﴾ واختار الفراء هذا القول، فقال: إنهم قالوا لرسول الله: ذرنا نتبعك، قال: نعم على أن لا نسهم لكم، فإن خرجتم على ذا فاخرجوا، فقالوا للمسلمين: كذلكم (٣) قال الله من قبل تقولون قد أخبرنا بما تقولون قبل أن تقولوه، وعلى هذا معنى قوله: (كذلكم قال الله من قبل).\nقوله: ﴿فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا﴾ والأول أظهر لأن ذكر الحسد لم يتقدم طى قوله: (كذلكم قال الله)، وإنما ذكر بعد، قال مقاتل: يقولون: يمنعكم الحسد من أن نصيب معكم الغنائم (٤) فقال الله: ﴿بَلْ كَانُوا لَا يَفْقَهُونَ﴾ أي: لا يعلمون عن الله ما لهم وعليهم من أمر الدين ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ قال الكلبي:\n_________\n(١) انظر: \"تفسير الطبري\" ١٣/ ٨١، \"تفسير الثعلبي\" ١٠/ ١٣٦ ب، \"تفسير البغوي\" ٧/ ٣٠٢.\n(٢) انظر: \"تنوير المقباس\" ص ٥١٢.\n(٣) العبارة فيها تصحيف، ونصها عند الفراء في \"المعاني\" ٣/ ٦٦: (فقالوا للمسلمين: ما هذا لكم ما فعلتموه بنا إلا حسدًا؟ قال المسلمون: كذلكم قال الله لنا من قبل أن تقولوا).\n(٤) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٤/ ٧٢.","vol":"20","page":299},{"text":"إلا يسيرًا، منهم وهو من ترك النفاق وصدق بالله وبالرسول (١).\nقيل لهم: إن كنتم إنما ترغبون في الغزو والجهاد لا في الغنائم، فستدعون غدًا إلى أهل اليمامة، وهو قوله تعالى:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4091>١٦ </span>- ﴿قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء وأبي صالح: هم بنو حنيفة (٢) أتباع مسيلمة (٣)، وهو قول المقاتلين والزهري والكلبي (٤)، واختيار الفراء والزجاج (٥)، ويؤكده ما روي عن رافع بن خديج (٦) أنه قال: لقد كنا نقرأ هذه الآية ولا نعلم من هم، حتى دعا أبو بكر -﵁- إلى قتال بني\n_________\n(١) ذكر ذلك في \"الوسيط\" ٤/ ١٣٨ ولم ينسبه.\n(٢) بنو حنيفة: حي من بكر بن وائل من العدنانية، وهم بنو حنيفة بن لحيم بن صعب بن علي بن بكر بن وائل، وبكر كان له من الولد: الرول، وعدي، وعامر، وكانت منازل لي حنيفة اليمامة، وكان يسكنها منهم: هودة بن علي بن ثمامة بن عمرو بن عبد العزى بن لحيم بن مرة بن الدوك بن حنيفة وهو الذي كتب إليه النبي -ﷺ- يدعوه إلى الإسلام. انظر: \"نهاية الأرب\" للقلقشندي ص ٢٢٣.\n(٣) أخرج الطبري ١٣/ ٨٣ هذا القول منسوبًا لسعيد بن جبير وعكرمة، ونسبه الثعلبي ١٠/ ١٣٦ ب للزهري ومقاتل، وكذلك البغوي والقرطبي نسباه للزهري ومقاتل، انظر: \"تفسير البغوي\" ٧/ ٣٥٣، \"الجامع\" ١٦/ ٢٧٢.\n(٤) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٤/ ٧٢، \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٢٢٦، \"تنوير المقباس\" ص ٥١٣.\n(٥) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ٦٦، \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ٢٤.\n(٦) هو: رافع بن خديج بن رافع بن عدي بن يزيد بن جشم بن حارثة بن الحارث بن الخزرج ابن عمرو بن مالك بن الأوس الأنصاري الأوسي، الحارثي أبو عبد الله أو أبو خديج، شهد أحدًا وما بعدها، وتوفي في خلافة معاوية على الصحيح. انظر: \"الإصابة\" ١/ ٤٩٥، \"تهذيب التهذيب\" ٣/ ٢٢٩، \"الأعلام\" ٣/ ١٢.","vol":"20","page":300},{"text":"حنيفة فعلمنا أنهم هم (١).\nوعلى هذا التفسير، الآية تدل على خلافة أبي بكر -﵁-، وذلك أن الله تعالى ذكر أنهم يدعون إلى قتال بني حنيفة، وعلم أن ذلك الداعي أبو بكر، ووعدهم على طاعته وإجابته الأجر الحسن وهو الجنة، فقال: ﴿فَإِنْ تُطِيعُوا﴾ يعني الداعي إلى قتال من ذكرهم وهو أبو بكر ﴿يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا﴾ قال مقاتل: يعني: الجنة (٢)، ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا﴾ يعني: تعرضوا عن قتال أهل اليمامة ﴿كَمَا تَوَلَّيْتُمْ﴾ أعرضتم عن المسير إلى الحديبية ﴿يُعَذِّبْكُمْ﴾ في الآخرة ﴿عَذَابًا أَلِيمًا﴾ فأوعد على مخالفة أبي بكر -﵁- كما أوعد على مخالفة الرسول -ﷺ- بالنار، وهذا ظاهر بحمد الله.\nوقال أبو إسحاق: ﴿فَإِنْ تُطِيعُوا﴾ أي تبتم وتركتم النفاق وجاهدتم ﴿يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِنْ تَتَوَلَّوْا﴾ أي إن أقمتم على نفاقكم ﴿كَمَا تَوَلَّيْتُمْ﴾ على عهد رسول الله -ﷺ- ﴿يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ (٣).\nوذكر المفسرون في تفسير قوله: ﴿قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ أنهم فارس، وقيل: الروم (٤)، وقيل: هوزان (٥)\n_________\n(١) ذكر ذلك الثعلبي ١٠/ ١٣٦ ب، والألوسي في \"روح المعاني\" ٢٦/ ١٠٢، والبغوي ٧/ ٣٠٣، والقرطبي ١٦/ ٢٧٢، والمؤلف في \"الوسيط\" ٤/ ١٣٨.\n(٢) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٤/ ٧٣.\n(٣) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ٢٥.\n(٤) أخرج الطبري ١٣/ ٨٣ عن ابن عباس وابن أبي ليلى والحسن ومجاهد وابن زيد أنهم فارس، وأخرج عن الحسن وابن أبي ليلى وابن زيد أنهم فارس والروم. وذكر الثعلبي عن ابن عباس وعطاء بن أبي رباح وعطاء الخراساني وعبد الرحمن بن أبي ليلى ومجاهد (أنهم فارس) وذكر عن كعب أنهم الروم وعن الحسن أنهم فارس والروم. انظر: \"تفسير الثعلبي\" ١٠/ ١٣٦ ب.\n(٥) هوزان: هم بطن من قيس عيلان من العدنانية وهم بنو هوازن بن منصور بن عكرمة =","vol":"20","page":301},{"text":"وثقيف (١) (٢)، وغطفان، كل هذا من أقوالهم (٣).\nقوله: ﴿تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ قال الفراء: تقاتلونهم أو يكون منهم الإسلام (٤).\nوقال الزجاج: المعنى: أو هم يسلمون (٥).\nقال أبو صالح عن ابن عباس: لما أنزل ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا﴾ إلى قوله: ﴿عَذَابًا أَلِيمًا﴾ أتى أهل الزمانة رسول الله -ﷺ- وقالوا: كيف لنا إذا دعينا ولا نستطيع الخروج، فأنزل الله قوله تعالى:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4092>١٧ </span>- ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ﴾ وبين عذرهم (٦).\n_________\n= بن خصفة بن قيس بن عيلان وهم الذين أغار عليهم النبي -ﷺ- وغزاهم. انظر: \"جمهرة أنساب العرب\" ص ٢٦٤، \"نهاية الأرب\" للقلقشندي ص ٣٩١.\n(١) ثقيف: هم بطن من هوزان من العدنانية، اشتهروا باسم أبيهم فيقال: لهم ثقيف واسمه قيس بن منبه بن بكر بن هوزان، قال أبو عبيد: وكان لثقيف من الولد جشم وناصرة، قال في \"العبر\": وهم بطن متسع. قال: وكانت منازلهم بالطائف، وهي مدينة من أرض نجد على مرحلتين من مكة. انظر: \"نهاية الأرب\" ص ١٨٦.\n(٢) أخرج ذلك الطبري ١٣/ ٨٣ عن عكرمة وسعيد بن جبير، ونسبه الثعلبي ١٠/ ١٣٦ ب، والبغوي ٧/ ٣٠٣ لسعيد بن جبير.\n(٣) أخرج الطبري عن قتادة أنهم هوازن وغطفان يوم حنين، وكذلك ذكر الثعلبي عن قتادة أنهم هوزان وغطفان يوم حنين، وكذلك ذكر عبد الرزاق عن معمر عن قتادة أنهم هوازن وغطفان وثقيف يوم حنين. انظر: \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٢٢٦. وذكر الماوردي ٥/ ٣١٦ عن سعيد بن جبير وقتادة أنهم هوازن وغطفان.\n(٤) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ٦٦.\n(٥) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ٢٤ بلفظ: (تقاتلونهم حتى يسلموا وإلا أن يسلموا).\n(٦) ذكر ذلك الثعلبي عن ابن عباس. انظر: \"تفسيره\" ١٠/ ١٣٧ أ، وأخرجه الطبراني =","vol":"20","page":302},{"text":"وقال مقاتل: عَذَرَ أهل الزمانة الذين يتخلفون عن المسير إلى الحديبية، يقول، لا حرج عليهم، فمن شاء منهم أن يسير معكم إلى خيبر فليسر (١). ونحو هذا قال ابن حيان: يقول من تخلف من هؤلاء عن الحديبية فهم معذورون. (٢)\nثم أعلم -﷿- بخبر من أخلص نيته فقال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4093>١٨ </span>- قوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾. قال المفسرون: يعني بيعة الحديبية، وهي تسمى بيعة الرضوان لهذه الآية، وكانت الشجرة سَمُرة بايع تحتها رسول الله -ﷺ- أصحابه على أن يناجزوا قريشًا ولا يفروا (٣).\nوذكر ابن عباس سبب هذه البيعة، فقال فيما روى عنه عطاء: إن رسول الله -ﷺ- خرج يريد مكة، فلما بلغ الحديبية وقفت ناقته وزجرها فلم تنزجر، وبركت فقال أصحابه: خلأت (٤) الناقة، فقال رسول الله -ﷺ-: \"ما\n_________\n= في \"المعجم الكبير\" ٥/ ١٥٥ رقم ٤٩٢٦ عن زيد بن ثابت وقال حمدي السلفي في تحقيقه: في إسناده محمد بن جابر اليمامي صدوق، ومحمد بن جابر السحيمي ضعيف ويكتب حديثه وبقية رجاله رجال الصحيح.\n(١) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٤/ ٧٣.\n(٢) لم أقف عليه.\n(٣) وردت قصة هذه البيعة بروايات مختلفة في بعض الألفاظ انظر: \"صحيح البخاري\" كتاب: المغازي باب (٣٥) غزوة الحديبية، وقول الله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ ٥/ ٦١، \"تفسير الطبري\" ١٣/ ٨٥، \"تفسير الثعلبي\" ١٠/ ١٣٧ أ - ب، \"تفسير البغوي\" ٧/ ٣٠٥، \"زاد المسير\" ٧/ ٤٢٠، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٦/ ٢٧٤، \"البداية والنهاية\" ٤/ ١٦٤.\n(٤) قال الليث: الخِلأُ في الإبل كالحِرَان في الدواب. يقال: خلأت الناقة تخلأ خِلاءً إذا لم تبرح مكانها. =","vol":"20","page":303},{"text":"هذا لها بعادة ولكن حبسها حابس الفيل\" ودعا عمر -﵁- ليرسله إلى أهل مكة ليأذنوا له بأن يدخل مكة ويحل من عمرته وينحر هديه فقال: يا رسول الله والله ما لي بها من حميم، وإني أخاف قريشًا على نفسي ولقد علمت قريش بشدة عداوتي إياها، ولكن أدلك على رجل هو أعز بها مني عثمان بن عفان قال: صدقت. فدعا رسول الله -ﷺ- عثمان بن عفان وأرسله، فجال الشيطان وصاح في عسكر رسول الله -ﷺ- بأن أهل مكة قتلوا عثمان، فقام رسول الله -ﷺ- إلى الشجرة فاستند إليها وبايع الناس على قتال أهل مكة.\nقال عبد الله بن أبي أوفى: كنا يومئذ ألفًا وثلاثمائة (١).\nوقال ابن عباس في رواية عطية: كانوا خمسمائة وخمسة وعشرين رجلًا (٢).\nوقال قتادة: كانوا خمس عشرة مائة (٣).\n_________\n= قال الأزهري: قلت والخِلاء لا يكون إلا للناقة، وأكثر ما يكون الخِلاء منها إذا ضَبِعَتْ فتبرك ولا تثور. انظر: \"تهذيب اللغة\" (خلأ) ٧/ ٥٧٦.\n(١) أخرج ذلك البخاري عن عبد الله بن أبي أوفى. انظر: \"صحيح البخاري\" كتاب: المغازي- باب (٣٥) ٥/ ٦٣، وأخرج ذلك الطبري عن عبد الله بن أبي أوفى. انظر: \"تفسيره\" ١٣/ ٨٨، \"تفسير البغوي\" ٧/ ٣٠٥، \"زاد المسير\" ٧/ ٤٢٢، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٦/ ٢٧٦.\n(٢) أخرج الطبري عن ابن عباس أنهم كانوا ألفًا وخمسمائة وخمسة وعشرين ١٣/ ٨٧، وكذلك ذكر الثعلبي عن العوفي أنهم كانوا ألفًا وخمسمائة وخمسة وعشرين، انظر: \"تفسير الثعلبي\" ١٠/ ١٣٨/ أ، وأورد نفس هذه الرواية ابن الجوزي في \"زاد المسير\" عن العوفي عن ابن عباس ٧/ ٤٢٢، وذكر الألوسي عن ابن سعد أنهم كانوا ألفًا وخمسمائة وخمسة وعشرين، انظر: \"تفسيره\" ٢٦/ ١٠٧، فلعل هذا خطأ من الناسخ.\n(٣) ذكر ذلك البخاري عن قتادة وجابر، انظر: \"صحح البخاري\" كتاب: المغازي، =","vol":"20","page":304},{"text":"وقال جابر بن عبد الله: كانوا ألفًا وأربعمائة (١).\nقوله تعالى: ﴿فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ قال ابن عباس: من الصدق والوفاء وهذا قول أكثرهم (٢)، وقال مقاتل: فعلم ما في قلوبهم من الكراهة للبيعة علي أن يقاتلوا ولا يفروا (٣).\n﴿فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ﴾ يعني: الطمأنينة والرضا حتى أقروا على أن يقاتلوا ولا يفروا، وذكر الفراء قولًا آخر قال: كان النبي -ﷺ- أري في منامه أن يدخل مكة فلم يتهيأ لذلك، وصالح أهل مكة على أن يخلوها له ثلاث من العام المقبل، ودخل المسلمين من ذلك أمر عظيم، فقال لهم النبي -ﷺ-: \"إنما كانت رؤيا أريتها، ولم يكن وحيًا من السماء\" فعلم الله ما في قلوب المسلمين من ذلك، فأنزل السكينة عليهم، أي: الطمأنينة (٤) في هذه السورة وفي غيرها، وقال الكلبي في تفسير السكينة هاهنا: الطمأنينة (٥) حين صدهم المشركون فأذهب تلك الحمية من قلوبهم ﴿وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا\n_________\n= باب (٣٥) ٥/ ٦٣، وأخرجه الطبري ١٣/ ٨٧ عن قتادة، ونسبه البغوي ٧/ ٣٠٤ لجابر، ونسبه ابن الجوزي ٧/ ٤٢٢ لجابر وقتادة.\n(١) أخرج ذلك البخاري عن جابر، انظر كتاب: المغازي باب (٣٥) ٥/ ٦٣، وأخرجه الطبري ١٣/ ٨٧، والبغوي ٧/ ٤٠٣ عن جابر.\n(٢) ذكره من غير نسبة: \"الطبري\" ١٣/ ٨٨، \"الثعلبي\" ١٠/ ١٣٨ أ، \"البغوي\" ٧/ ٣٠٦، \"زاد المسير\" ٧/ ٤٣٤.\n(٣) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٤/ ٧٣.\n(٤) انظر: \"معاني الفراء\" ٣/ ٦٧.\n(٥) هكذا فسرها الطبري ١٣/ ٨٨، وقال البغوي: الطمأنينة والرضاء ٧/ ٣٠٦، وكذلك ابن الجوزي في ٧/ ٤٣٤، وانظر: \"تنوير المقباس\" ص ٥١٣.","vol":"20","page":305},{"text":"قَرِيبًا﴾ يعني: خيبر في قول الجميع (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4094>١٩ </span>- ﴿وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا﴾ من أموال يهود خيبر، وكانت خيبر ذات عقار وأموال، هذا قول الأكثرين (٢)، وقال ابن عباس في رواية عطاء والكلبي: يريد مغانم فارس والروم مما هم آخذوها ولم يأخذوها بعد (٣)، والقول هو الأول، لأن سائر المغانم قد وعدوها وذكرت بعد هذه الآية قوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا﴾ غالبًا (حكيمًا) في أمره حكم لكم بالغنيمة، ولأهل خيبر بالسبي والهزيمة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-4095>٢٠ </span>- ثم ذكر سائر المغانم التي يأخذونها فيما يأتي من الزمان فقال: ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا﴾ قال مقاتل: أي مع النبي -ﷺ- ومن بعده إلى يوم القيامة (٤) وهذا قول الجميع (٥) ﴿فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ﴾ يعني: غنيمة خيبر.\n﴿وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ﴾ قال المفسرون: لما رجع رسول الله -ﷺ- من الحديبية إلى المدينة أقام بها بقية ذي الحجة وبعض المحرم، ثم خرج في بقية المحرم سنة سبع إلى خيبر، وحاصر أهلها فهمت حلفاء يهود خيبر من أسد وغطفان ويهود المدينة أن يغيروا على عيال المسلمين وذراريهم\n_________\n(١) أخرج ذلك الطبري ١٣/ ٨٨ عن قتادة، وابن أبي ليلى، وانظر: \"تفسير الثعلبي\" ١٠/ ١٣٨ ب، \"تفسير البغوي\" ٦/ ٣٥٧.\n(٢) انظر:\"تفسير الثعلبي\" ١٠/ ٣٨٠ ب، \"تفسير البغوي\" ٧/ ٣٠٦، \"زاد المسير\" ٧/ ٤٣٥، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٦/ ٢٧٨.\n(٣) انظر: \"تنوير المقباس\" ص ٥١٣.\n(٤) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٤/ ٧٣، ٧٤.\n(٥) انظر: \"تفسير الطبري\" ١٣/ ٩٥، \"تفسير الثعلبي\" ١٠/ ١٣٨ ب، \"تفسير البغوي\" ٧/ ٣٠٦، \"زاد المسير\" ٧/ ٤٣٥، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٦/ ٢٧٨.","vol":"20","page":306},{"text":"بالمدينة فكف الله أيديهم بإلقاء الرعب في قلوبهم، وهذا قول قتادة (١) ومقاتل (٢)، وقال عطاء عن ابن عباس: أراد بالناس أهل مكة (٣).\nقوله: ﴿وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: ولتكون هزيمة هؤلاء الذين هموا بذراري المسلمين وسلامتكم آية للمؤمنين على صدقك ونبوتك، وهذا معنى قول مقاتل (٤).\nوقال مقاتل بن حيان وقتادة: وليكون كف أيديهم عن عيالكم عبرة للمؤمنين (٥)، وأجود القولين أن يكون المعنى: ولتكون هذه التي عجلها لكم آية للمؤمنين على صدقك حيث وعدتهم أن يصيبوها (٦). وذلك أنا إن قلنا: ولتكون الهزيمة، كان إخبارًا عما لم يجر له ذكر، إذ الهزيمة لم تذكر، وإن قلنا: وليكون كف أيدي الناس آية، وجب أن يقال: وليكون بالياء، لأن الكف مصدر مذكر، والواو في (ولتكون) مقحمة على مذهب الكوفيين، وعلى مذهب البصريين الواو عاطفة على مضمر بتقدير: وكف أيدي الناس عنكم لتشكروه ولتكون آية للمؤمنين (٧).\n﴿وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ أي: يزيدكم هدى بالتصديق لمحمد ولما\n_________\n(١) أخرج ذلك الطبري ١٣/ ٩٠ عن قتادة، ونسبه الثعلبي ١٠/ ١٣٨ ب، وعبد الرزاق في \"تفسيره\" ٢/ ٢٧٧ لقتادة.\n(٢) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٤/ ٧٤.\n(٣) ذكر ذلك بغير نسبة: الطبري ١٣/ ٩٠، والثعلبي ١٠/ ١٣٨ أ، والماوردي ٥/ ٣١٧، والبغوي ٧/ ٣٠٦.\n(٤) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٤/ ٧٤.\n(٥) أخرج ذلك الطبري عن قتادة، وانظر: \"تفسير الماوردي\" ٥/ ٣١٧، \"زاد المسير\" ٧/ ٤٣٦، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٦/ ٢٧٩.\n(٦) ذكر ذلك السمرقندى في \"تفسيره\" ٣/ ٢٥٦، (٨) الماوردي، وابن الجوزي، والقرطبي.\n(٧) ذكر ذلك القرطبي في \"الجامع\" ١٦/ ٢٧٩، وأبو حيان في \"البحر\" ٨/ ٩٧.","vol":"20","page":307},{"text":"جاء به مما ترون من عدة الله في القرآن بالفتح والغنيمة، وهذا قول مقاتل (١).\nوقال غيره: ويهديكم صراطًا مستقيمًا يعني: طريق التوكل والتفويض (٢)، وذلك أنه لما جاءهم أمر من هم بهم من عدوهم، وكان بذلك هاديًا لهم إلى طريق التوكل حتى يتوكلوا على الله فيما نابهم فيكفيهم كما كفاهم هذا من غير سعي منهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4096>٢١ </span>- ثم ذكر ما وعدهم سوى خيبر مما يفتحه عليهم فقال: (وأخرى) وهي في محل النصب بالعطف على قوله: ﴿مَغَانِمَ كَثِيرَةً﴾ على تقدير: ووعدكم مغانم أخرى على ما قال الزجاج (٣)، وبلادًا أو قرى أخرى على ما ذكر المفسرون.\nقال ابن عباس في رواية عطاء: يريد فارس والروم، وهو قول أكثرهم (٤).\nقوله: ﴿لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا﴾ خطاب للعرب وما كانت العرب تقدر على قتال فارس والروم وفتح مدائنها، بل كانوا خولًا لهم حتى قدروا عليها بالإسلام، وعز أهله.\n_________\n(١) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٤/ ٧٤.\n(٢) انظر: \"تفسير الطبري\" ١٣/ ٩١، \"الثعلبي\" ١٠/ ١٣٨ ب، \"زاد المسير\" ٧/ ٤٣٦.\n(٣) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ٢٦، \"إعراب القرآن\" للنحاس ٤/ ٢٠١، \"مشكل إعراب القرآن\" لمكي ٢/ ٣١١.\n(٤) أخرج ذلك الطبري عن ابن عباس، ونسبه الثعلبي في \"تفسيره\" ١٠/ ١٤٢ ب، لابن عباس، وابن أبي ليلى والحسن ومقاتل، ونسبه الماوردي لابن عباس ٥/ ٣١٨، ونسبه البغوي ٧/ ٣١٣ لابن عباس والحسن ومقاتل، ونسبه الشرطبي ١٦/ ٢٧٩ لابن عباس، والحسن، ومقاتل، وابن أبي ليلى.","vol":"20","page":308},{"text":"قوله تعالى: ﴿قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا﴾ قال الكلبي: أحاط الله لكم بها وجعلها لكم وحواها لكم (١).\nقال الفراء: أحاط الله بها لكم حتى يفتحها عليكم (٢)، ومعنى الإحاطة على هذا القول: الحفظ، كأنه قال: حفظها لكم ومنعها عن غيركم حتى تفتحوها (٣) فتأخذوها.\nوقال ابن عباس: علم أنها ستكون لكم (٤)، وهو قول مقاتل (٥)، واختيار الزجاج قال: أحاط الله بها قد علمها الله، وقال: وهو ما يغنم المسلمون إلى أن لا يقاتلهم أحد (٦)، وهذا معنى قول مجاهد في تفسير (وأخرى لم تقدروا عليها) لأنه قال: هي ما فتحوا حتى اليوم (٧)، ومعنى الإحاطة في هذا القول: العلم، ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ من فتح القُرَى وغير ذلك ﴿قَدِيرًا﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4097>٢٢ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قال ابن عباس في رواية\n_________\n(١) قال في \"تنوير المقباس\" ص ٥١٣ (قد علم الله أنها ستكون وهي غنيمة فارس).\n(٢) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ٦٧.\n(٣) انظر: \"تفسير الماوردي\" ٥/ ٣١٨، \"تفسير البغوي\" ٧/ ٣١٢، \"زاد المسير\" ٧/ ٤٣٧، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٦/ ٢٧٩.\n(٤) ذكر ذلك البغوي ٧/ ٣١٢، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ولم ينسبه ٧/ ٤٣٧، والقرطبي في \"الجامع\" ولم ينسبه ١٦/ ٢٧٩.\n(٥) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٤/ ٧٤.\n(٦) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ٢٦.\n(٧) أخرج ذلك الطبري ١٣/ ٩١ عن مجاهد، انظر: \"تفسير مجاهد\" ص ٦٠٨، ونسبه ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٧/ ٤٣٦ لمجاهد.","vol":"20","page":309},{"text":"الكلبي: يعني: أسد وغطفان والذين أرادوا نصرة يهود خيبر (١)، وقد ذكرناهم، وقال في رواية عطاء: يريد أهل مكة، وهو قول قتادة (٢)، والضحاك ومقاتل (٣).\nوقال أبو إسحاق: لو قاتلك من لم يقاتلك لنصرت عليهم (٤)، وهذا عام في كل من يخالفه في دينه.\nقوله: ﴿ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ قال ابن عباس: يريد: من تولَّى غير الله خذله الله ولم ينصره (٥)، ثم ذكر أن سنة الله النصرة لأوليائه، قوله:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4098>٢٣ </span>- ﴿سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ﴾ قال الزجاج: (سنة الله) منصوبة على المصدر لأن قوله: ﴿لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ﴾ معناه: سَنّ الله خذلانهم سنة (٦)، قال ابن عباس في هذه الآية: يريد: هذه سنتي في أهل طاعتي وأوليائي، وهذه سنتي في أعدائي وأهل معصيتي، يريد: أنصرُ أوليائي وأخذل أهل معصيتي (٧).\n<span data-type=\"title\" id=toc-4099>٢٤ </span>- ثم ذكر سنته بالمحاجزة بين الفريقين، فقال: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ\n_________\n(١) ذكر ذلك من غير نسبة كل من الثعلبي ١٠/ ١٤٢ ب، والسمرقندي ٣/ ٢٥٧، والبغوي ٧/ ٣١٢، والقرطبي ١٦/ ٢٨٠، وانظر: \"تنوير المقباس\" ص ٥١٣.\n(٢) أخرج ذلك الطبري عن قتادة، انظر: \"تفسيره\" ١٣/ ٩٣، ونسبه الثعلبي في \"تفسيره\" لقتادة ١٠/ ١٤٢ ب، وكذلك نسبه ابن الجوزي لقتادة ٧/ ٤٣٧، وأيضًا نسبه لقتادة القرطبي في \"الجامع\" ١٦/ ٢٨٠.\n(٣) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٤/ ٧٤، ولم أقف على نسبته للضحاك.\n(٤) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ٢٦.\n(٥) ذكر ذلك في \"الوسيط\" عن ابن عباس، انظر ٤/ ١٤١.\n(٦) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ٢٦.\n(٧) ذكر ذلك في \"الوسيط\" عن ابن عباس، انظر ٤/ ١٤١.","vol":"20","page":310},{"text":"أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ﴾ قال ابن عباس: يريد: أيدي أهل مكة، وذلك أن المشركين جاءوا يصدون رسول الله -ﷺ- عن البيت وعليهم عكرمة ابن أبي جهل، فبعث رسول الله -ﷺ- خالد بن الوليد إليه ومعه خيل المسلمين فهزمه حتى أدخله حيطان مكة، وكان يومئذ بينهم قتال بالحجارة، وهذا قول ابن عباس في رواية عكرمة وعطاء والكلبي (١)، ونحو هذا قال مقاتل قال: كانوا قد خرجوا يقاتلون النبي -ﷺ- فهزمهم بالطعن والنبل، حتى أدخلهم بيوت مكة (٢)، فمعنى قوله: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ﴾: يعني: حتى لم تقتلوا منهم ببطن مكة، قال عطاء: يريد: الحديبية (٣).\nوقال مقاتل: يعني: ببطن أرض مكة كلها، والحرم كله مكة (٤).\nوقال الكلبي: يعني: جوف مكة، وبكة الأرض التي فيها البيت، ومكة التي فيها الحديبية اسم الأرض، هذا كلامه (٥)، والحديبية: من الحل (٦)،\n_________\n(١) أخرج ذلك الطبري ١٣/ ٩٤ عن عكرمة، وكذلك نسبه الثعلبي ١٠/ ١٤٣ أ، وانظر: \"تنوير المقباس\" ص ٥١٤.\n(٢) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٤/ ٧٥.\n(٣) أخرج الطبري ١٣/ ٩٤ عن قتادة، قال: بطن مكة الحديبية، ونسب ابن الجوزي ٧/ ٤٣٨ هذا القول لأنس، وأورده القرطبي ١٦/ ٢٨٢ ولم ينسبه.\n(٤) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٤/ ٧٥\n(٥) ذكر ابن الجوزي في \"زاد المسير\" أن بكة المسجد والبيت، ومكة: اسم للحرم كله، قاله الزهري وضمرة بن حبيب، انظر: \"زاد المسير\" ١/ ٤٢٥.\nوذكره القرطبي في \"الجامع\" أن بكة: موضع البيت، ومكة سائر البلد، عن مالك ابن أنس، وقال محمد بن شهاب: بكة المسجد، ومكة الحرم كله تدخل فيه البيوت، قال مجاهد: بكة هي مكة فالميم على هذا مبدلة من الباء، كما قالوا: طين لازِبٌ ولازم، وقال الضحاك والمؤرج، انظر: \"الجامع\" ٤/ ١٣٨.\n(٦) قال الشافعي في \"الأم\" ٢/ ٢١٨: ونحر -ﷺ- في الحل، وقد قيل في الحرم، وإنما =","vol":"20","page":311},{"text":"وعلى ما ذكروا اسم مكة يجب أن يكون واقعًا على الحل والحرم.\nقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ يريد: أن الظفر كان للنبي -ﷺ- على أهل مكة، والمعنى: أن الله تعالى يذكر منته بحجزه بين الفريقين حتى لم يقتتلا، وحتى اتفق بينهم الصلح الذي كان أعظم من الفتح، وسلم للرجل من بينه وبينه قرابة، ومن هو مؤمن من أهل مكة أن يصاب، وهذا قول عامة المفسرين.\nوقال عبد الله بن المغفل: بينا نحن بالحديبية، وكتاب الصلح يكتب بين يدي رسول الله -ﷺ- إذ خرج علينا ثلاثون شابًا عليهم السلاح، فثاروا في وجوهنا فدعا عليهم النبي -ﷺ- فأخذ الله بأبصارهم فقمنا إليهم فأخذناهم، فقال رسول الله -ﷺ-: \"هل جئتم في عهد أحد، أو هل جعل لكم أحد أمانة\"، قالوا: اللهم لا، فخلى سبيلهم، فأنزل الله هذه الآية (١).\nوقال أنس: إن ثمانين رجلًا من أهل مكة هبطوا على رسول الله -ﷺ- وأصحابه من جبل التنعيم عند صلاة الفجر عام الحديبية ليقتلوهم فأخذهم\n_________\n= ذهبنا إلى أنه نحو في الحل، وبعضها في الحرم، لأن الله -﷿- يقول: ﴿وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ والحرم كله محله عند أهل العلم، وانظر: \"أحكام القرآن\" للشافعي ٢/ ١٣١، ونقل ابن القيم في \"زاد المعاد\" ٣/ ٣٠٣ عن الشافعي أن الحديبية بعضها في الحل، وبعضها في الحرم ٣/ ٣٠٣.\n(١) أخرج ذلك النسائي في \"السنن الكبرى\"، كتاب: التفسير ٦/ ٤٦٤، وأخرج الطبري في \"تفسيره\" ١٣/ ٩٤، وأخرجه الحاكم في \"المستدرك\" كتاب: التفسير ٢/ ٤٦٠، وقال حديث صحيح، على شرط الشيخين ووافقه الذهبي. وقال الهيثني في \"مجمع الزوائد\" رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح، انظر: \"مجمع الزوائد\" ٦/ ١٤٥، وأخرجه البغوي في \"تفسيره\" ٧/ ٣١٣.","vol":"20","page":312},{"text":"رسول الله -ﷺ- ثم أعتقهم فأنزل الله هذه الآية (١)، ثم ذكر سبب منعه رسول الله -ﷺ- ذلك العام عن دخول مكة في قوله:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4100>٢٥ </span>- ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يعني: كفار مكة ﴿وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ قال ابن عباس ومقاتل: أن تحلوا من عمرتكم وتطوفوا به (٢) ﴿وَالْهَدْيَ﴾ منصوب ... ... ... (٣) المعنى وصدوا الهدي.\nوقال ابن عباس: يعني البدن التي ساقها رسول الله -ﷺ- وكان قد ساق معه سبعين بدنة (٤)، بدنة بين عشرة، وبقرة بين سبعة، وقال مقاتل: كان النبي -ﷺ- أهدى عام الحديبية مائة بدنة (٥).\nقوله تعالى: (معكوفًا) قال المفسرون: محبوسًا، والعكف: الحبس، يقال: عكفه يعكفه عكفًا، إذا حبسه، وعكفت القوم عن كذا،\n_________\n(١) أخرجه مسلم في الجهاد والسير باب (٤٦) قول الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ﴾ ٢/ ١٤٤٢ رقم ١٨٠٨. وأخرجه الطبري ١٣/ ٩٤، البغوي ٧/ ٣١٣.\n(٢) انظر: \"تفسير البغوي\" ٧/ ٣٢٠، \"زاد المسير\" ٧/ ٤٤٠، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٦/ ٢٨٣، \"تفسير مقاتل\" ٤/ ٧٥.\n(٣) غير واضحة في الأصل عليها آثار مسح، لكن في \"معاني القرآن\" للزجاج عبارة مطابقة للصورة الموجودة وهي: الهدي منصوب سبق على الكاف والميم المعنى وصدوا الهدي، انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ٢٧، وقال في \"الدر المصون\" ٦/ ١٦٣، ﴿وَالْهَدْيَ﴾ العامة على نصبه والمشهور أنه نسق على الضمير المنصوب في ﴿صَدُّوكُمْ﴾ وقيل: نصب على المعية، وفيه ضعف لإمكان العطف.\n(٤) أخرج الطبري ١٣/ ٩٥ - ٩٦ عن مروان بن الحكم، والمسور بن مخرمة أن هديه كان سبعين بدنة، وأخرجه عنهما أيضًا البغوي ٧/ ٣١٣.\n(٥) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٤/ ٧٥ وقد أشار إلى القول: بأنها سبعين بدنة، كما أشار السمرقندي ٣/ ٢٥٧ إلى القولين جميعًا.","vol":"20","page":313},{"text":"أي: حبستهم، ويقال: إنك لتعكفني عن حاجتي، أي: تصرفني (١)، قال الأزهري: يقال: عكفته عكفًا فعكف عكوفًا (٢)، وهو لازم وواقع، كما يقال: رجعته فرجع، إلا أن المصدر اللازم العكوف، ومصدر الواقع العكف.\nقوله: ﴿أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ قال الزجاج: موضع (أن) منصوب على معنى وصدوا الهدي محبوسًا عن أن يبلغ محله (٣).\nقال مقاتل: يعني منحره (٤)، وهو الحرم كله.\n﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ﴾ يعني: المستضعفين من المؤمنين الذين كانوا بمكة بين ظهراني الكفار وهم كالوليد بن المغيرة، وسلمة بن هشام، وعياش بن أبي ربيعة، وأبي جندل (٥) بن سهيل وأشباههم (تعلموهم) أي: لم تعرفوهم كقوله: ﴿لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ [الأنفال:\n_________\n(١) انظر: \"تفسير الطبري\" ١٣/ ٩٥، وتفسير السمرقندي ٣/ ٢٥٧، \"تفسير البغوي\" ٧/ ٣٢٠، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٦/ ٢٨٣.\n(٢) انظر: \"تهذيب اللغة\" عكف ١/ ٣٢١.\n(٣) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ٢٧.\n(٤) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٤/ ٧٥.\n(٥) أبو جندل بن سهيل بن عمرو بن عامر بيب لؤي، وأبوه سهيل بن عمرو الذي بعثته قريش إلى رسول الله -ﷺ- في صلح الحديبية، ولما اتفق مع رسول الله -ﷺ- على الصلح جاء ابنه أبو جندل يوسف في الحديد قد انفلت إلى رسول الله -ﷺ- فلما رأى سهيل ابنه أبا جندل أخذه وقال: يا محمد قد تمت القضية بيني وبينك قبل أن يأتيك هذا، قال: \"صدقت\"، وأخذه ليرده إلى قريش، فصاح أبو جندل: يا معشر المسلمين أرد إلى المشركين ليفتنوني في دينى؟ فقال رسول الله -ﷺ-: \"احتسب فإن الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجًا ومخرجًا\" توفي رحمه ألله سنة ٢٣ هـ، انظر: \"الكامل\" لابن الأثير ٢/ ١٣٨، ٣/ ٤١.","vol":"20","page":314},{"text":"٦٠]، قال مقاتل: لم تعلموهم أنهم مؤمنون (١).\nقوله: ﴿أَنْ تَطَئُوهُم﴾ أي: بالقتل وتوقعوا بهم، يقال: منه وطِئت القوم أي: أوقعت بهم، ومنه قول الشاعر:\nووطِئَتْنَا وَطْأً على حَنَقٍ ... وطْأَ المُقَيَّدِ يابِسَ الهَرْمِ (٢)\nقال أبو إسحاق: موضع (أن) رفع بدل من رجال، المعنى: لولا أن تطأوا رجالًا مؤمنين ونساء مؤمنات (٣).\nقوله: ﴿فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ﴾ قال مقاتل وابن زيد: إثم (٤)، قال أبو عبيدة وابن هانئ: المعرفة: الجناية، أي: جناية كجناية العَرِّ وهو الجَرَب (٥).\nوقال النضر: يقال عَرَّه بشر، أي: ظلمه وشتمه وأخذ ماله.\nوقال شمر: المعرفة التي كانت تصيب المؤمنين أنهم لو كبسوا (٦) أهل مكة وبين ظهرانيهم قوم مؤمنون لم يتميزوا من الكفار، لم يأمنوا أن يطؤوا المؤمنين بغير علم فيقتلوهم، فتلزمهم دياتهم وتلحقهم سُبَّةُ بأنهم قتلوا من\n_________\n(١) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٤/ ٧٥.\n(٢) البيت: لزهير، انظر: \"تهذيب اللغة\" (هرم) ٦/ ٢٩٦، \"اللسان\" (هرم) ١٢/ ٦٠٧، \"الدر المصون\" ٦/ ١٦٤.\n(٣) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ٢٧.\n(٤) انظر: \"تفسير الماوردي\" ٥/ ٣٢٠، \"تفسير البغوي\" ٧/ ٣٢٠، \"زاد المسير\" ٧/ ٤٤٠، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٦/ ٢٨٦، وقد نسب كل منهم هذا القول لابن زيد، ولم أجده في \"تفسير مقاتل\".\n(٥) انظر: \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ٢/ ٢١٧، \"تهذيب اللغة\" (عر) ١/ ٩٩، \"فتح القدير\" للشوكاني ٥/ ٥٤.\n(٦) قال في \"تهذيب اللغة\" (كبس) التكْبِيسُ: الاقتحام على الشيء تقول كبَّسُوا عليهم ١٠/ ٨٠.","vol":"20","page":315},{"text":"هو على دينهم إذ كانوا مختلطين بهم، فهذه المعرة التي صان الله المؤمنين عنها هي غُرم الديات ومسبة الكفار إياهم، انتهى كلامه (١)، أما غرم الدية فهو قول محمد بن إسحاق بن يسار (٢)، وهو غلط لأن الله تعالى لم يوجب على قاتل المؤمن خطأ في دار الحرب الدية، وإنما أوجب الكفارة في قوله: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ﴾ [النساء: ٩٢]، فالصحيح أن يقال: غرم الكفارة (٣)، وأما المَسَبّة فهو اختيار أبي إسحاق (٤).\nقوله: ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ مقدم في المعنى، كأن التقدير: لولا أن تطؤوهم بغير علم (٥)، وهذه الآية دليل على أن القرية من قرى المشركين إذا كان فيها طائفة من المسلمين لا يجوز البيات عليهم ولا تعميمهم بالحرق والغرق والمجانيق، وفي هذه الآية ضروب من النظم.\nقال صاحب النظم: التأويل: ولولا تطؤوا رجالًا مؤمنين ونساء مؤمنات لا تعرفون إيمانهم فتوقعون، فلما قدم ذكر الرجال والنساء، والمراد في التقديم، الوطأة بَنَى عليه الوطاة (٦) كالتكرير في ذكره، وهذا معنى ما ذكره أبو إسحاق أن قوله: أن ﴿تَطَئُوهُمْ﴾ بدل من قوله: (رجال) (٧).\nواختلفوا في جواب قوله: (ولولا رجال) فذهب قوم إلى أنه محذوف\n_________\n(١) انظر قولي النضر وشمر في \"تهذيب اللغة\" (عر) ١/ ٩٩ - ١٠٠.\n(٢) أخرجه الطبري ١٣/ ١٠٢ عن ابن إسحاق، وذكره الثعلبي ١٠/ ١٥١ أ، والماوردي ٥/ ٣٢٠، والبغوي ٧/ ٣٢٠، وابن الجوزي ٧/ ٤٤٠، والقرطبي ١٦/ ٢٨٦.\n(٣) وهذا اختيار الطبري ١٣/ ١٠٢، وأورده الثعلبي ١٠/ ١٥١أ، والبغوي ٧/ ٣٢٠.\n(٤) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ٢٧.\n(٥) انظر: \"تفسير الوسيط\" ٤/ ١٤٣.\n(٦) كذا رسمها في الأصل ولم أقف عليه.\n(٧) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ٢٧.","vol":"20","page":316},{"text":"علي تقدير: لسلطناكم عليهم ولأذنا لكم في دخولها، وحذف الجواب كثير في التنزيل، وقال آخرون: جوابه قوله: (لعذبنا الذين كفروا) وهو جواب لكلامين أحدهما: لولا رجال، والثاني: لو تزيلوا (١).\nقوله تعالى: ﴿لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ اللام متعلق بمحذوف دل عليه معنى الكلام على تقدير: حال بينكم وبينهم ليدخل الله في رحمته من يشاء، يعني من أسلم من الكفار بعد الصلح، ودل على الحيلولة قوله: (ولولا رجال مؤمنون) (٢).\nوقال أبو جعفر النحاس: أجاز أبو حاتم الوقف على قوله: (بغير علم)، وجعل اللام في قوله: (ليدخل الله) لام قسم كما جعل في قوله: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ﴾ ما تقدم الآية [لما لم (٣) ير قبل اللام فعلًا متعلقًا به]، وفي هذا المعنى لطف، فلذلك أشكل عليه، والتقدير: لم يأذن لكم في القتال ودخول مكة على سبيل العرب، ليدخل الله في رحمته من يشاء ممن يسلمون وتم الكلام (٤)، ثم قال: ﴿لَوْ تَزَيَّلُوا﴾ قال أبو عبيدة: لو انمازوا (٥)، وقال الفراء والزجاج: لو تميزوا (٦)، وذكرنا تفسير هذا الحرف عند قوله: ﴿فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ﴾ [يونس: ٢٨]. قال الكلبي: لو تفرق بعضهم من\n_________\n(١) انظر: \"التبيان في إعراب القرآن\" للعكبري ٢/ ١١٦٧، \"الدر المصون\" ٦/ ١٦٤.\n(٢) انظر: \"تفسير البغوي\" ٧/ ٣٢٠، \"البحر المحيط\" ٨/ ٩٩.\n(٣) نص العبارة عند النحاس (فجلها لام قسم لما لم ير الفعل قبلها يتعلق به). انظر: \"القطع والائتناف\" للنحاس ص ٦٧١.\n(٤) انظر: \"القطع والائتناف\" ص ٦٧١.\n(٥) انظر: \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ٢/ ٢١٧\n(٦) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ٦٨، \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ٢٧.","vol":"20","page":317},{"text":"بعض حتى يخلص الكفار وحدهم (١).\nقوله تعالى: ﴿لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ وقال مقاتل: لو اعتزل المؤمنون الذين بمكة من كفارهم لعذبنا الذين كفروا (٢).\nقال الفراء: أي: لو خلص الكفار من المؤمنين لأنزل الله بهم القتل والعذاب (٣).\nوقال ابن قتيبة: لو تميزوا من المشركين لعذبنا المشركين بالسيف عذابًا أليمًا (٤). قال مجاهد: يعني القتل والسبي (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4101>٢٦ </span>- قوله: ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ﴾ (إذ) متعلق بقوله: (لعذبنا) لأن المعنى: لعذبنا الذين كفروا إذ جعلوا في قلوبهم الحمية، وهي مصدر قولك: حمى فلانٌ أنفه يحميه حَمِيَّة أو مَحْمِيَّة، وفلان ذو حمية منكرة، إذا كان ذا غضب وأنفة (٦)، ومعناها الحفاظ من قولهم: حمي فلان الشيء يحميه، إذا منعه من أن يُقْرَب ويجوز أن يكون من الحمى بمعنى الحرارة، قال الليث: حميت من هذا الشيء أحمي منه\n_________\n(١) ذكر ذلك الماوردي في \"تفسيره\" ٥/ ٣٢٥، والقرطبي في \"الجامع\" ١٦/ ٢٨٦، وانظر: \"تنوير المقباس\" ص ٥١٤.\n(٢) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٤/ ٧٥.\n(٣) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ٦٨.\n(٤) انظر: \"تأويل مشكل القرآن\" لابن قتيبة ٢/ ١٣٤.\n(٥) لم أقف على هذا القول، وقال الطبري ١٣/ ١٠٣: لقتلنا من بقي فيها بالسيف أو لأهلكناهم ببعض ما يؤلمهم من عذابنا العاجل، وذكره في \"الوسيط\" ٤/ ١٤٣ بلفظ المؤلف ولم ينسبه.\n(٦) انظر. \"تهذيب اللغة\" (حمى) ٥/ ٢٧٤.","vol":"20","page":318},{"text":"حمية، أي أنفًا وغضبًا، منه لرجل حمي لا يحتمل الضيم، وحمي الأنف (١).\nقال المبرد: الحمية الأنفة والإنكار، فإذا كانت مما لا يوقف من مثله فهو ضلالة وعلو، كما قال تعالى: ﴿حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ وإذا كانت لما يجب أن يوقف منه فصاحبها محمود.\nقال الفراء: حموا أنفًا أن يدخلها عليهم النبي -ﷺ- (٢).\nقال المقاتلان: قال أهل مكة: قد قتلوا أبناءنا وإخواننا ويدخلون علينا في منازلنا ونسائنا، وتحدث العرب أنهم قد دخلوا علينا على رغم أنفنا، واللات والعزى لا يدخلونها علينا -يعنون محمدًا وأصحابه- فهذه الحمية الجاهلية التي دخلت قلوبهم (٣).\nوقال الزهري: كانت حميتهم أنهم لم يقروا أنه نبي الله ولم يقروا ببسم الله الرحمن الرحيم (٤). وهذا قول ابن عباس في رواية عطاء، وذلك أن سهيل بن عمرو كان عند النبي صلى -ﷺ- وهو يملي كتاب الصلح، وسهيل مشرك فقال رسول الله -ﷺ- لعلي: \"اكتب بسم الله الرحمن الرحيم\"، فقال سهيل: لا ندري ما الرحمن، ولكن اكتب: بسمك اللهم. ثم قال:\n_________\n(١) انظر: \"العين\" (حمى) ٣/ ٣١٢، \"تهذيب اللغة\" (حمى) ٥/ ٢٧٤ لكن بلفظ (أنفًا وغيظًا) بدل غضبًا.\n(٢) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ٦٨. ولم أقف على قول المبرد.\n(٣) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٤/ ٧٥، ٧٦، وأورد السمرقندي ٣/ ٢٨٥ هذا القول ولم ينسبه، وذكره البغوي ٧/ ٣٢١ ونسبه لمقاتل، وأورده ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ولم ينسبه ٧/ ٤٤١، ونسبه في \"الوسيط\" ٤/ ١٣ للمقاتلان.\n(٤) أخرج ذلك الطبري١٣/ ١٠٣ عن الزهري. وأورده الثعلبي ولم ينسبه ١٠/ ١٥١ ب، ونسبه للزهري: الماوردي ٥/ ٣٢٠، والقرطبي ١٦/ ٢٨٨، ٢٨٩.","vol":"20","page":319},{"text":"\"اكتب: هذا ما صالح عليه محمد رسول الله\"، فقال سهيل: لو علمنا أنك رسول الله ما صددناك عن البيت، ولكن اكتب اسمك واسم أبيك (١).\nقوله تعالى: ﴿فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ تفسير السكينة في هذه السورة قد مر مرارًا، ومعناها هاهنا ما ذكره الفراء: أذهب الله عن المؤمنين أن يدخلهم ما دخل أؤلئك من الحمية فيعصوا الله (٢).\nقوله تعالى: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾ قال مقاتل: ألزم المؤمنين كلمة الإخلاص وهي: لا إله إلا الله (٣)، وهذا قول جماعة المفسرين (٤)، ورواية أبي بن كعب عن النبي -ﷺ- أنه قال في تفسيرها هي: لا إله إلا الله (٥)، وزاد علي وابن عمر: والله أكبر (٦).\nقال عمرو بن ميمون: ما تكلم الناس بشيء أعظم عند الله من لا إله إلا الله، وهي الكلمة التي ألزمها الله أصحاب محمد (٧).\n_________\n(١) أورد ذلك الطبري ١٣/ ٩٩، الثعلبي ١٠/ ١٤٧ ب، \"البغوي\" ٧/ ٣١٦.\n(٢) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ٦٨.\n(٣) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٤/ ٧٦.\n(٤) انظر: \"تفسير الطبري\" ١٣/ ١٠٤، ١٠٥، \"الثعلبي\" ١٠/ ١٥٢ أ، \"السمرقندي\" ٣/ ٢٥٨، \"الماوردي\" ٥/ ٣٢١، \"البغوي\" ٧/ ٣٢١.\n(٥) أخرج ذلك الترمذي في التفسير باب (٤٩) ومن سورة الفتح ٥/ ٣٨٦، وقال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه مرفوعًا إلا من حديث الحسن بن قزعة، قال: وسألت أبا زرعة عن هذا الحديث فلم يعرفه مرفوعًا إلا من هذا الوجه، والثعلبي ١٠/ ١٥٢ أعن أبي بن كعب. ونسبه البغوي ٧/ ٣٢١، والقرطبي ١٦/ ٢٨٩.\n(٦) أخرج ذلك الطبري ١٣/ ١٠٤ عن علي -﵁-، والثعلبي ١٠/ ١٥٢ أ، ونسبه ابن الجوزي ٧/ ٤٤٢، والقرطبي ١٦/ ٢٨٩، والبغوي ٧/ ٣٢١ لعلي وابن عمر.\n(٧) أخرجه الطبري ١٣/ ١٠٥ عن عمرو بن ميمون قال: لا إله إلا الله فقط دون ما ذكره المؤلف.","vol":"20","page":320},{"text":"وقال الزهري: هي بسم الله الرحمن الرحيم (١)، يعني أن المشركين لما أبوا أن يقروا بهذا خص الله بهذه الكلمة المؤمنين (٢)، والقول هو الأول لأن معنى كلمة التقوى هي التي يتقى بها من الشرك وهي: لا إله إلا الله.\nقوله: ﴿وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا﴾ قال مقاتل: كانوا أحق بها من كفار مكة، وكانوا أهلها في علم الله (٣).\nوقال أبو إسحاق: أي كانوا أحق بها من غيرهم؛ لأن الله جل وعز اختار لنبيه ولدينه أهل الخير ومستحقيه، ومن هو أولى بالهداية من غيرهم (٤).\nقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ قال مقاتل: عليمًا بأنهم كانوا أهلًا للتوحيد في علم الله (٥). والمعنى: أنه عليم بأمر الكفار وما يستحقونه، وأمر المؤمنين وما يستحقونه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4102>٢٧ </span>- وقوله: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ﴾ قال مقاتل: إن الله تعالى أرى نبيه -﵇- في المنام بالمدينة قبل أن يخرج إلى الحديبية كأنه وأصحابه حلقوا وقصروا، فأخبر بذلك أصحابه ففرحوا وحسبوا أنهم داخلوه عامهم ذلك، وقالوا: إن رؤيا النبي -ﷺ- حق، فلما انصرفوا ولم\n_________\n(١) أخرج ذلك الطبري ١٣/ ١٠٦ عن الزهري، وأخرجه الثعلبي عن الزهري ١٠/ ١٥٢ أ، وعبد الرزاق في \"تفسيره\" عن الزهري ٢/ ٢٢٩، ونسبه الماوردي ٥/ ٣٢١، والبغوي ٧/ ٣٢٢، وابن الجوزي للزهري ٧/ ٤٤٢.\n(٢) ذكر ذلك القرطبي في \"الجامع\" ١٦/ ٢٨٩.\n(٣) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٤/ ٧٦.\n(٤) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ٢٨، بلفظ: (ومن هو أولى بالهداية من غيره).\n(٥) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٤/ ٧٦.","vol":"20","page":321},{"text":"يدخلوه قال المنافقون: والله ما حلقنا ولا قصرنا ولا دخلنا المسجد الحرام، فأنزل الله هذه الآية (١).\nوقال مجاهد: أري هذه الرؤيا بالحديبية، فقال أصحابه حين نحر بالحديبية أين رؤيا محمد -ﷺ-، فنزلت الآية (٢)، والمعنى: أن الله تعالى يخبر عن صدق ما أرى رسوله بقوله: صدقه الله رؤياه، أي: أراه الصدق في منامه لا الباطل.\nقوله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ المفسرون يجعلون هذا تفسير رؤياه وشرح ما رأى، ومقاتل يجعل هذا ابتداء إخبار عن الله تعالى أخبر المؤمنين أنهم يدخلونه فقال: (لتدخلن)، يعني: العام المقبل (٣)، وابن كيسان يجعل هذا الكلام خبرًا عن رسول الله -ﷺ- أنه قال ذلك لأصحابه (٤) والتقدير: فقال: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾، والاستثناء بالمشيئة على هذا القول حسن، لأنه من كلام رسول الله -ﷺ-، ثم معنى الاستثناء بالمشيئة يجوز أن يعود إلى الدخول، ويجوز أن يعود إلى الأمن، أي: لتدخلنه إن شاء الله الدخول، أو لتدخلنه آمنين إن شاء الله الأمن (٥)، وإذا\n_________\n(١) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٤/ ٧٦، \"تفسير الطبري\" ١٣/ ١٠٧، وقد أخرجه عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وأورده البغوي ٧/ ٣٢٢ بغير سند ٧/ ٣٢٢، ونسبه القرطبي ١٦/ ٢٨٩ لقتادة.\n(٢) أخرج ذلك الطبري ١٣/ ١٠٧ عن مجاهد، وانظر: \"تفسير مجاهد\" ص ٦٠٩، \"تفسير البغوي\" ٧/ ٣٢٢.\n(٣) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٤/ ٧٦، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٦/ ٢٩٠.\n(٤) ذكر ذلك الثعلبي ١٠/ ١٥٢ ب، البغوي ٧/ ٣٢٣، والقرطبي ١٦/ ٢٩٠.\n(٥) ذكر ذلك الثعلبي ١٠/ ١٥٢ ب، البغوي ٧/ ٣٢٣، وابن الجوزي ٧/ ٤٤٣.","vol":"20","page":322},{"text":"من هذا من كلام الله واختاره للمؤمنين بذلك، فوجه الاستثناء مختلف فيه.\nقال أبو عبيدة: (إن) بمعنى إذ يعني: إذ شاء الله، حيث أرى رسوله ذلك (١)، وذكر أبو إسحاق فيه وجهين أحدهما: أن معناه: لتدخلن إن أمركم الله، فالمشيئة هاهنا بمعنى الأمر؛ لأنه إذا شاء أمر، والثاني: أن يكون (إن شاء الله) على ما أمر الله به في كلِّ ما يُتوقع فقال: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ (٢) [الكهف: ٢٣]، وهذا معنى ما روي عن أبي العباس أنه سئل عن هذا فقال: استثنى الله فيما يعلم، ليستثني الخلق فيما لا يعلمون (٣).\nقوله تعالى: ﴿آمِنِينَ﴾ أي من العدو، و﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ﴾ يقال: حَلَقَ رأسَه، وحَلّق رأسه، والمحلق موضع حلق الرأس بمنى، ومنه قول الراجر:\n_________\n(١) لم أجد قول أبي عبيدة في \"مجاز القرآن\"، ولكن قد نسبه إليه الثعلبي ١٠/ ١٥٢ ب، البغوي ٧/ ٣٢٣، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٧/ ٤٤٣ والقرطبي ١٦/ ٢٩٠، وأبو حيان في \"البحر المحيط\" ٨/ ١٠١، والمؤلف في \"الوسيط\" ٤/ ١٤٥، وقال النحاس في \"إعراب القرآن\" ٤/ ٢٠٤: (وقد زعم بعض أهل اللغة أن المعنى لتدخلن المسجد الحرام إذ شاء الله وزعم أنه مثل قوله: ﴿وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ وأن مثله: (وإنا إن شاء الله بكم لاحقون) وهذا قول لا يعرج عليه ولا يَعرِفُ أحد من النحويين (إن) بمعنى (إذ) وإنما تلك (أن) فَغَلِطَ وبينهما فصل في اللغة والأحكام عند الفقهاء والنحويين). وقال ابن عطية: وقال قوم: إن بمعنى إذ فكأنه قال: إذ شاء الله، وهذا حسن في معناه، ولكن كون إن بمعنى إذ غير موجود في لسان العرب. انظر: \"المحرر الوجيز\" لابن عطية ١٥/ ١٢٠.\n(٢) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ٢٨.\n(٣) ذكر ذلك ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٧/ ٤٤٣، والقرطبي ١٦/ ٢٩٠ عن ثعلب.","vol":"20","page":323},{"text":"كلا وربِّ البيْتِ والمُحَلّقِ (١)\nقوله: ﴿وَمُقَصِّرِينَ﴾ أي من الشعر، يقال: قصر شعره، إذا جز من طوله، وهذا يدل على أن المُحْرم بالخيار عند التحلل من الإحرام إن شاء حلق وإن شاء قصر (٢).\nقوله: ﴿لَا تَخَافُونَ﴾ حال من المحلقين والمقصرين، على تقدير غير خائفين (٣).\nقوله تعالى: ﴿فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا﴾ أي: علم الله ما في تأخير الدخول من الخير والصلاح، ولم تعلموه أنتم وهو خروج المؤمنين من بينهم والصلح المبارك موقعه العظيم أثره. قال مقاتل: فعلم الله أنه يفتح عليهم خيبر قبل ذلك، ولم يعلموا (٤).\nوقال غيره: علم الله أن ذلك كائن إلى سنة، ولم تعلموا أنتم (٥).\n_________\n(١) ورد الرجز في \"اللسان\" غير منسوب. انظر: \"اللسان\" (حلق) ١٠/ ٦٤.\n(٢) أخرج البخاري عن نافع عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول -ﷺ- قال: \"اللهم ارحم المحلقين\". قالوا: والمقصرين يا رسول الله. قال: \"اللهم ارحم المحلقين\". قالوا: والمقصرين يا رسول الله. قال: و\"المقصرين\". انظر: \"صحيح البخاري\" كتاب الحج- باب الحلق والتقصير عند الإحلال ٢/ ١٨٨.\nوقال القرطبي ٢/ ٣٨١: قال علماؤنا: ففي دعاء رسول الله -ﷺ- للمحلقين ثلاثًا وللمقصرين مرة دليل على أن الحلق في الحج والعمرة أفضل من التقصير، وأجمع أهل العلم على أن التقصير يجزئ عن الرجال إلا شيء ذكر عن الحسن أنه كان يوجب الحلق في أول حجة يحجها الإنسان.\n(٣) انظر: \"مشكل إعراب القرآن\" لمكي ٢/ ٣١٢.\n(٤) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٤/ ٧٧.\n(٥) ذكر ذلك السمرقندي في \"تفسيره\" ٣/ ٢٥٨ ونسبه للكلبي، ونسبه الماوردي في \"تفسيره\" ٥/ ٣٢٢، والقرطبي ١٦/ ٢٩١ للكلبي.","vol":"20","page":324},{"text":"قوله: ﴿فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ أي: من قبل الدخول فتحًا قريبًا، يعني فتح خيبر في قول ابن عباس في رواية عطاء ومقاتل وابن زيد (١)، وفي قول الآخرين هو صلح الحديبية (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4103>٢٨ </span>- قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ﴾ مفسَّر في سورة براءة [آية: ٣٣] إلى قوله: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ أي: على ما أرسل، قال مقاتل: وهذا رد على المشركين لمَّا أملى رسول الله -ﷺ-: هذا ما صالح عليه محمد رسوله، أنكروا ذلك على ما بينا، فأنزل الله هذه الآية (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-4104>٢٩ </span>- قوله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾ قال ابن عباس: شهد له بالرسالة (٤) وهو جملة مبتدأ وخبر، ويجوز أن يكون محمد ابتداء، ورسول الله نعته، والذين معه عطف على الابتداء، وخبره فيما بعده (٥).\nقال ابن عباس: (والذين معه) أهل الحديبية (٦).\n_________\n(١) أخرج ذلك الطبري ١٣/ ١٠٨ عن ابن زيد، \"تفسير مقاتل\" ٤/ ٧٧، ونسبه الثعلبي في \"تفسيره\" لابن زيد ١٠/ ١٥٣ أ، ونسبه ابن الجوزي ٧/ ٤٤٤ لابن عباس وعطاء وابن زيد ومقاتل، ونسبه القرطبي لابن زيد والضحاك ١٦/ ٢٩١.\n(٢) أخرج ذلك الطبري ١٣/ ١٠٨ عن مجاهد والزهري وابن إسحاق، ونسبه الثعلبي لأكثر المفسرين ١٠/ ١٥٣ أ، ونسبه الماوردي لمجاهد ٥/ ٣٢٢، وانظر: \"تفسير مجاهد\" ص ٦٠٩، ونسبه ابن الجوزي لمجاهد والزهري وابن إسحاق ٧/ ٤٤٤، ونسبه القرطبي لمجاهد ١٦/ ٢٩١.\n(٣) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٤/ ٧٧، \"زاد المسير\" ٧/ ٤٤٥، \"القرطبي\" ١٦/ ٢٩٢.\n(٤) ذكر ذلك ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٧/ ٤٤٥، وفي \"الوسيط\" ٤/ ١٤٦ عن ابن عباس.\n(٥) انظر: \"إعراب القرآن\" للنحاس ٤/ ٢٠٥، \"مشكل إعراب القرآن\" لمكي ٢/ ٣١٣.\n(٦) ذكر ذلك القرطبي \"الجامع\" ١٦/ ٢٩٢، ونسبه لابن عباس، ونسبه في \"الوسيط\" لابن عباس، انظر ٤/ ١٤٦.","vol":"20","page":325},{"text":"وقال مقاتل: والذين آمنوا معه من المؤمنين (١).\n﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ﴾ غلاظ عليهم كالأسد على فريسته ﴿رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ يرحم أحدهم الآخر، قال ابن عباس: الرجل للرجل منهم كالولد لوالده، والعبد لسيده (٢).\nوقال مقاتل: متوادون بعضهم لبعض (٣)، وهذا كقوله: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة: ٥٤].\n﴿تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا﴾ إخبار عن كثرة صلاتهم ومداومتهم عليها، قال ابن عباس: إن عروة بن مسعود الثقفي أتى النبي -ﷺ- وهو بالحديبية فأقام بلال فتقدم رسول الله -ﷺ- وهم خلفه وعروة يعجب من حسن ما يرى من ركوعهم وسجودهم (٤).\nقوله تعالى: ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ قال مقاتل: يعني الجنة ورضا الله (٥).\n﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء: أي: مما حملت من الأرض جباههم، وهذا قول عكرمة وسعيد بن جبير وأبي العالية، قال سعيد: هو ندى الطهور وندى الأرض (٦).\n_________\n(١) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٤/ ٧٨.\n(٢) ذكره بغير نسبة: البغوي ٧/ ٣٢٣ - ٣٢٤ دون قوله: والعبد لسيده، والمصنف في \"الوسيط\" ٤/ ١٤٦ بنصه.\n(٣) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٤/ ٧٨.\n(٤) لم أقف عليه.\n(٥) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٤/ ٧٨، ونص العبارة: (فضلًا، يعني: رزقًا من الله ورضوانًا، يعنىِ يطلبون رضي ربهم).\n(٦) أخرج ذلك الطبري ١٣/ ١١١ - ١١٢ عن سعيد بن جبير وعكرمة، ونسبه الثعلبي =","vol":"20","page":326},{"text":"وقال أبو العالية: لأنهم يسجدون على التراب لا على الأثواب (١).\nوقال شمر بن عطية: هو التهيج والصفرة في الوجه وأثر السهر (٢). وهو قول الحسن والضحاك، قال الحسن: تحسبهم مرضى وما هم بمرضى، يعني من كثرة السهر للصلاة.\nوقال الضحاك: إذا سهر الرجل أصبح مصفرًا.\nوقال عطية: (مواضع السجود (٣) أشد وجوههم بياضًا يوم القيامة) (٤)، وعلى هذا القول هذه السيما تعرف في وجوههم يوم القيامة، وهذا قول الزهري وشهر بن حوشب، قال: يكون مواضع السجود من وجوههم كالقمر ليلة البدر، والقولان جميعًا ذكرهما الكلبي عن ابن عباس فقال: سيماهم من السهر بالليل والصفرة في وجوههم يعرفون بها يوم القيامة غرًّا (٥).\nوقال مجاهد: هو الخشوع والتواضع وأنكر أن يكون [السحادة] (٦)\n_________\n= لعكرمة وسعيد بن جبير، انظر: \"تفسيره\" ١٠/ ١٥٣ ب، ونسبه الماوردي ٥/ ٣٢٣ لسعيد بن جبير، ونسبه البغوي ٧/ ٣٢٤ لعكرمة وسعيد بن جبير.\n(١) ذكر ذلك الثعلبي ١٠/ ١٥٣، ١٥٤، والبغوي ٧/ ٣٢٤، وابن الجوزي ٧/ ٤٤٦.\n(٢) أخرج ذلك الطبري ١٣/ ١١١ عن شمر، وذكر ذلك الثعلبي ١٠/ ١٥٣ ب، وابن الجوزي ٧/ ٤٤٧، والقرطبي ١٦/ ٢٩٤ ونسبوه لشمر.\n(٣) نص العبارة عند ابن الجوزي: (مواضع السجود من وجوههم يكون أشد وجوههم بياضًا يوم القيامة) انظر: \"زاد المسير\" ٧/ ٤٤٧. ونصها عند الطبري ١٣/ ١١٠: (مواضع السجود من وجوههم يوم القيامة أشد وجوههم بياضًا).\n(٤) ذكر هذه الأقوال الثعلبي ١٠/ ١٥٣ ب، والماوردي ٥/ ٣٢٣، البغوي ٧/ ٣٢٤، وابن الجوزي ٧/ ٤٤٦ - ٤٤٧، والقرطبي ١٦/ ٢٩٤.\n(٥) ذكر ذلك الثعلبي ١٠/ ١٥٣ - ١٥٤، وابن الجوزي ٧/ ٤٤٧، والقرطبي ١٦/ ٢٩٤.\n(٦) كذا في الأصل، ولعل المراد (السحنة).","vol":"20","page":327},{"text":"بين العينين، وقال إنه ليكون في وجه الرجل مثل ركبة العنز، وإنه لأخبث من كذا (١)، وهذا قول طاوس ومقاتل، ورواية الوالبي عن ابن عباس، قالوا: هو الهدي والسمت الحسن وسيما الإسلام وسحنته (٢)، وعلى هذا معنى قوله (من أثر السجود) أي: من أثر الصلاة، والمعنى: أن السجود أورثهم ذلك الخشوع والسمت الحسن الذي يعرفون به.\nوحكى أبو إسحاق: أن هذه السيما هو أنهم يبعثون يوم القيامة غرًا محجلين من أثر الطهور، يجعله الله لهم يوم القيامة علامة يبين بها فضلهم على غيرهم (٣).\nقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ﴾ يعني: ما ذكر من وصفهم وهو ما وصفوا في التوراة أيضًا، والمعنى أنهم وصفوا في التوراة بما وصفوا في القرآن، وتم الكلام هاهنا في قول ابن عباس فيما روى عنه ابن جريج، وهو قول الضحاك وقتادة ومقاتل وابن زيد (٤).\n_________\n(١) أخرج ذلك الطبري ١٣/ ١١١ عن مجاهد، وذكره الثعلبي ١٠/ ١٥٣ ب، والقرطبي ١٦/ ٢٩٤، ونسباه لمجاهد مع اختلاف في بعض الألفاظ، ونسبه في \"الوسيط\" ٤/ ١٤٦ لمجاهد.\n(٢) أخرج ذلك الطبري ١٣/ ١١١ عن ابن عباس، ونسبه الثعلبي ١٠/ ١٥٣ ب، والبغوي ٧/ ٣٢٤ لابن عباس، وانظر: \"تفسير مقاتل\" ٤/ ٧٨، ونسبه في \"الوسيط\" لابن عباس في رواية الوالبي.\n(٣) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ٢٩، وقد ورد ذلك في الحديث الصحيح عند مسلم عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: \"إن أمتي يأتون يوم القيامة غرًا محجلين من أثر الوضوء، فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فيلفعل\"، انظر: \"صحيح مسلم\"، كتاب: الطهارة باب (١٢) اسححباب إطالة الغرة والتحجيل في الوضوء ١/ ٢١٦.\n(٤) أخرج ذلك الطبرى عن قتادة والضحاك وابن زيد ورجح هذا القول، انظر: =","vol":"20","page":328},{"text":"قال مقاتل: يقول ذلك الذي ذكر نعت أمة محمد ﵇ في التوراة، ثم ذكر نعتهم في الإنجيل (١) فقال: ﴿وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ﴾ وقال مجاهد: المثلان في التوراة والإنجيل واحد، وهذا قول ابن عباس في رواية الكلبي قال: يقول صفتهم في التوراة والإنجيل كصفتهم في القرآن (٢)، وذكر الفراء القولين أيضًا (٣)، وتمام الكلام على قول مجاهد: عند قوله في الإنجيل، ثم ابتدأ، فقال: كزرع، أي: هم كزرع، أو هو يعني: رسول الله كزرع، والكاف في محل الرفع، لأنه خبر المبتدأ المحذوف (٤).\nقوله تعالى: ﴿أَخْرَجَ شَطْأَهُ﴾ يقرأ: بسكون الطاء وفتحها (٥)، قال أبو زيد: أشطأت الشجرة بغصونها، إذا أخرجت غصونها (٦)، وقال ابن الأعرابي: أخرج شطأه، أي: فراخه، وجمعه أشطاء، وقد أشطأ الزرع، إذا فرخ (٧)، ونحو هذا قال أبو عبيدة (٨).\n_________\n= \"تفسيره\" ١٣/ ١١٢ - ١١٣، وكذلك الثعلبي فسره بذلك، انظر: \"تفسيره\" ١٠/ ١٥٤ أ، وكذلك فسره به البغوي ٧/ ٣٢٤، وأشار ابن الجوزي ٥/ ٣٢٣ إلى القولين ونسب هذا القول للضحاك وابن زيد ونسب القول بأنه مثل واحد لمجاهد، وأورد القولين من غير نسبة ولا ترجيح الماوردي في \"تفسيره\" ٥/ ٣٢٣.\n(١) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٤/ ٧٨.\n(٢) أخرج ذلك الطبري ١٣/ ١١٣ عن مجاهد، ونسبه القرطبي ١٦/ ٢٩٤ لمجاهد.\n(٣) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ٦٩.\n(٤) انظر: \"مشكل إعراب القرآن\" لمكي ٢/ ٣١٤، \"الدر المصون\" ٦/ ١٦٦.\n(٥) قرأ ابن كثير وابن عامر: بالفتح، وقرأ الباقون: بالسكون، انظر: \"الحجة\" لأبي علي ٦/ ٢٠٣.\n(٦) انظر: \"الحجة\" ٦/ ٢٠٤ \"تهذيب اللغة\" (شطأ) ١١/ ٣٩٢.\n(٧) انظر: \"تهذيب اللغة\" (شطأ) ١١/ ٣٩٢، \"اللسان\" (شطأ) ١/ ١٠٠.\n(٨) انظر: \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ٢/ ٢١٨.","vol":"20","page":329},{"text":"وقال الزجاج: أخرج نباته (١).\nوقال المبرد: أشطأ فراخ الزرع يقال قد أشطأ الزرع، ومن هذا يقال للواحد من الأولاد: إنك لشطأةٌ صالحة (٢).\nوقال أبو علي الفارسي: والشَّطْأ والشَطَأ يشبه أن يكونا لغتين، كالشَّمْع والشَّمَع والنَّهْر والنَّهَر (٣).\nأما التفسير فقال أنس بن مالك: نباته وفروخه (٤).\nوقال مجاهد: جوانبه (٥)، وقال [أبو زيد] (٦): أولاده (٧).\nوقال الضحاك: هو ما يخرج بجنب الحلقة فينمو (٨).\nقوله تعالى: ﴿فآزره﴾ القراءة بالمد، وقرأ ابن عامر: (فأزره) مقصورًا على فعله (٩).\n_________\n(١) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ٢٩.\n(٢) لم أقف عليه.\n(٣) انظر: \"الحجة\" لأبي علي ٦/ ٢٠٤.\n(٤) أخرج ذلك الطبري ١٣/ ١١٣ عن أنس بدون لفظ (فروخه)، ونسبه له الثعلبي ١٠/ ١٥٤ أ.\n(٥) أخرج الطبري ١٣/ ١١٤ عن مجاهد بلفظ: (ما يخرج بجنب الحلقة فيتم وينمو)، وكذلك الثعلبي نسب هذا المعنى لمجاهد، انظر: \"تفسيره\" ١٠/ ١٥٤ أ.\n(٦) كذا في الأصل، وهو تصحيف والصحيح [ابن زيد].\n(٧) أخرج الطبري هذا القول عن ابن زيد انظر: \"تفسيره\" ١٣/ ١١٤، وكذلك نسبه الثعلبي لابن زيد ١٠/ ١٥٤ أ، وكذلك نسبه القرطبي ١٦/ ٢٩٤ لابن زيد وغيره.\n(٨) أخرج الطبري ١٣/ ١١٤ هذا عن مجاهد، ونسبه الثعلبي في \"تفسيره\" لمجاهد والضحاك ١٠/ ١٥٤ أ.\n(٩) انظر: \"السبعة\" لابن مجاهد ص ٦٠٤ - ٦٠٥، \"الحجة\" لأبي علي ٦/ ٢٠٤","vol":"20","page":330},{"text":"قال أبو عبيدة: ساواه وصار مثل الأم، وأنشد لحميد الأرقط (١):\nيَسْقِي بغَيْثٍ غَدِقٍ السَّاحَاتِ ... زَرْعًَا وقَضْبًا مُؤْزَر النباتِ (٢)\nوقال المبرد: معناه: أن هذه الأفرخ لحقت الأمهات حتى صارت مثلها (٣)، والمعنى: آزر الشطأ الزرع فصار في طوله.\nوقال الأصمعي: فساوى الفراخ الطوال فاستوى طولها، وأنشد قول امرئ القيس:\nبِمَحْنِيَّةٍ قَدْ آزَرَ الضَّالَ نَبْتُها ... مَجَرَّ جُيُوشٍ غانِمِيْنَ وخُيَّبِ (٤)\nقال: أراد: أن نبت هذه المحنية طال حتى ساوى السدر، لأن الناس هابوه فلم يرعوه، وعلى قول هؤلاء فاعل (آزر) الشطأ، وآزر وزنه أفعل، ويدل عليه قول حميد.\nوقال بُزُرْج: يقال: وأزرني فلان على الأمر وآزرني، والألف أعرب (٥) وهو من المؤازرة، وفعلت منها آزرت أزرًا (٦).\n_________\n(١) لم أقف على ترجمته.\n(٢) انظر: \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ٢/ ٢١٨، والبيت بلفظ: (السَّحات).\n(٣) ذكر ذلك في \"الوسيط\" ونسبه للمبرد، انظر ٤/ ١٤٦.\n(٤) انظر: \"تهذيب اللغة\" (وزر) ١٣/ ٢٤٧، \"اللسان\" (أزر) ٤/ ١٨، \"الحجة\" لأبي علي ٦/ ٢٠٤، \"شرح الأبيات المشكلة الإعراب\" ص ٣٣٢ - ٣٣٣، والمحنية: واحدة المحاني، وهي معاطف الأودية، والمحنية أخصب موضع في الوادي، والضال: شجر السدر، وآزر: ساوى، يريد: لحق النبت بالشجر، وهي مجمع للجيوش فلا ينزلها أحد ليرعاها خوفًا من الجيوش، وانظر: \"ديوان امرئ القيس\" ص ٥١.\n(٥) في \"تهذيب اللغة\" (والألف أفصح) انظر: \"تهذيب اللغة\" (وزر) ١٣/ ٢٤٦.\n(٦) انظر. \"تهذيب اللغة\" (وزر) ١٣/ ٢٤٦ - ٢٤٧.","vol":"20","page":331},{"text":"وقال الفراء: آزرت فلانًا آزره أزرًا، قويته على وزن عَزَّرته، وآزرته عاونته (١).\nوقال الزجاج: آزرت الرجل على فلان، إذا أعنته عليه وقويته (٢)، وعلى هذا القول آزر وزنه فاعل.\nقال المبرد: يقال: آزرني على أمري، أي: قواني (٣) ومنه قوله تعالى: ﴿اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي﴾ [طه: ٣١]، وفلان موازر، لفلان على أمره وليس هذا من الوزير لأن هذا فاؤه مهموز، والوزير فاؤه وواوه، فا عل (آزر) على هذا القول الزرعُ، والمعنى: آزر الزرعُ الشطأ (٤).\nقال أبو الحسن الأخفش: الأشبه في آزر أفعل (٥) لا فاعل ليكون قول أبي عامر أزره فعله، فيكون فيه لغتان فَعَل وأفْعَل، لأنهما كثيرًا ما يتعاقبان على الكلمة كما قالوا: ألَتَهُ وآلَتَهُ يُولِتُهُ، وكذلك آزره وأزره (٦).\nقال ابن عباس ومقاتل ومجاهد: فآزره فشده وأعانه (٧)، وقال الزهري وقتادة: فتلاحق (٨).\n_________\n(١) انظر: \"تهذيب اللغة\" (وزر) ١٣/ ٢٤٧، \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ٦٩.\n(٢) انظر: \"تهذيب اللغة\" (وزر) ١٣/ ٢٤٧، ونسبه للزجاج والذي في \"معاني القرآن\" ٥/ ٢٩ للزجاج: (فآزره أي: فآزر الصغار الكبار حتى استوى بعضه مع بعض).\n(٣) لم أقف على قول المبرد، وفي \"تهذيب اللغة\" الأزر: القوة (وزر) ١٣/ ٢٤٧، وفي \"اللسان\" الأزر: القوة والشدة (أزر) ٤/ ١٧.\n(٤) انظر: \"الحجة\" لأبي علي ٦/ ٢٠٥، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٦/ ٢٩٥.\n(٥) انظر: \"معاني القرآن\" للأخفش ٢/ ٦٩٥، وهذا النقل بنصه في \"الحجة\" ٦/ ٢٠٥.\n(٦) انظر: \"الحجة\" لأبي علي ٦/ ٢٠٥.\n(٧) انظر: \"تفسير الطبري\" ١٣/ ١١٤، \"الثعلبي\" ١٠/ ١٥٤ ب، \"تفسير مقاتل\" ٤/ ٧٨.\n(٨) أخرج ذلك الطبري عن قتادة والزهري، انظر: \"تفسيره\" ١٣/ ١١٥.","vol":"20","page":332},{"text":"قوله: ﴿فَاسْتَغْلَظَ﴾ يقال: استغلظ الشيء، إذا صار غليظًا، وهذا لازم، واستغلظت الثوب، إذا خيّل إليك أنه غليظ (١) واقع، واستغلظ النبات والشجر إذا غلظ، قوله: ﴿فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ﴾ ذكرنا تفسير السوق عند قوله: ﴿فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ﴾ [ص: ٣٣] وهي جمع ساق، قال الكلبي: فقام على قصبه وأصوله فأعجب ذلك زارعه (٢) وهو قوله: ﴿يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ﴾، وقال مقاتل: يعجب الزارع حُسْنُ زرعه حين استوى قائمًا على ساقه (٣).\nقال المفسرون: وهذا كله مثل ضربه الله تعالى لمحمد -ﷺ- وأصحابه فالزرع محمد، والشطأ أصحابه والمؤمنون حوله، وكانوا في ضعف وقلة (٤)، كان أول الزرع دقيقًا ثم غلظ وقوي وتلاحق، كذلك المؤمنون يقوي بعضهم بعضًا حتى يستغلظوا ويستووا على أمرهم، كما استغلظ هذا الزرع واستوى على سوقه، وهذا قول مقاتل (٥).\nوقال الكلبي: محمد -ﷺ- بدأ حين بدأ وحْدَه، فجعل الناس يأتونه وجعلوا يزدادون ويكثرون حتى امتنعوا وهابهم العدو وقهروا من حولهم (٦).\n_________\n(١) انظر: \"تهذيب اللغة\" (غلظ) ٨/ ٨٤.\n(٢) لم أقف عليه بهذا النص، وقد ذكر الثعلبي أنه بمعنى أصوله ولم ينسبه ١٠/ ١٥٤ ب، وكذا البغوي ٧/ ٣٢٥، وذكره في \"الوسيط\" ٤/ ١٤٧ بنص ما هنا ولم ينسبه.\n(٣) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٤/ ٧٨.\n(٤) انظر: \"تفسير الطبري\" ١٣/ ١١٥، \"تفسير الثعلبي\" ١٠/ ١٥٤ ب، \"تفسير الماوردي\" ٥/ ٣٢٤، \"تفسير البغوي\" ٧/ ٣٢٥، \"زاد المسير\" ٧/ ٤٤٨، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٦/ ٢٩٥.\n(٥) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٤/ ٧٨.\n(٦) ذكر نحو ذلك في \"تنوير المقباس\" ص ٥١٥، وفي \"تفسير الوسيط\" ٤/ ١٤٧ ولم ينسبه.","vol":"20","page":333},{"text":"قوله تعالى: ﴿يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ﴾ من صفة كمال ذلك الزرع وحسنه.\nوقال أبو إسحاق: (الزُّراع) الدعاة إلى الإسلام (١)، وعلى هذا معنى الكلام: أن قوة صحابة محمد -ﷺ- وكثرتهم تعجب الدعاة إلى دينه، كما يعجب حسن هذا الزرع الذين زرعوه، وتم الكلام ثم قال: ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ واللام متعلق بمحذوف دل عليه ما سبق والتقدير: فعل الله بهم ذلك ليغيظ بهم الكفار (٢)، أي: إنما كثرهم وقواهم لكونوا غيظًا للكافرين، وروي لنا عن الشافعي -﵁- أنه قال في قوله: ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ ما آمن أن يكونوا قد صارعوا الكفار، يعني: الرافضة، لأن الله تعالى يقول: ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ فمن غاظه واحد من أصحاب النبي -ﷺ- خفت عليه أن يكون ممن دخل في قوله: ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ (٣).\nوقوله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، قال أبو إسحاق: فيها قولان: يكون منهم تخليصًا للجنس من غيره، كما تقول: أنفق نفقتك من الدراهم، أي: اجعل نفقتك هذا الجنس، والمعنى: وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات من أصحاب رسول الله -ﷺ- المؤمنين أجرًا عظيمًا، فضلهم على غيرهم لسابقتهم وعظم أجرهم، هذا كلامه في أحد القولين، وبياف أنه ليس يمكن حمل قوله: (منهم) على التبعيض لأنهم كلهم مؤمنون\n_________\n(١) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ٢٩.\n(٢) انظر: \"الدر المصون\" ٦/ ١٦٧، \"البحر المحيط\" ٨/ ١٠٣.\n(٣) ذكر القرطبي ١٦/ ٢٩٧ نحو هذه المقالة، وكذلك أبو حيان في \"البحر المحيط\" ٨/ ١٠٣، وابن كثير ٦/ ٣٦٥ ونسبوها جميعًا لمالك.","vol":"20","page":334},{"text":"فحمله على الجنس ليدخل فيه كلهم، وتخصيصهم بوعد المغفرة والأجر تفصيل لهم، وإن وعد المؤمنون كلهم ذلك، ولكنهم إذا ذكروا على التخصيص كان ذلك فضيلة لهم، قال: والقول الثاني: أن يكون المعنى وعد الله الذين آمنوا، أي: أقاموا على الإيمان والعمل الصالح (١).\nقوله تعالى: ﴿مِنْهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ قال ابن عباس: ثوابًا لا ينقطع (٢)، وقال مقاتل: يعني الجنة (٣) والله تعالى أعلم.\n_________\n(١) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ٢٩ - ٣٠، \"الدر المصون\" ٦/ ١٦٧، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٦/ ٢٩٥ - ٢٩٦.\n(٢) لم أقف عليه.\n(٣) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٤/ ٧٨.","vol":"20","page":335},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4105>سورة الحجرات</span>","vol":"20","page":337},{"text":"تفسير سورة الحجرات\nبسم الله الرحمن الرحيم\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4106>١ </span>- ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ الآية، قَدَّم هاهنا: بمعنى: تقدم وهو لازم لا يقتضي مفعولًا، يدل عليه قراءة الضحاك ويعقوب: (لا تَقَدَّموا) بفتح التاء والدال من المتقدم ومعناهما واحد (١).\nقال الفراء: يقال قَدَمت في أمر كذا، وكذا وتقدَّمت (٢).\nوقال الأزهري: يقال قَدَّم يُقدِّم، وتَقدّم يَتقدّم، وأقدم يُقْدِمُ، واستَقدم يستقدم بمعنى واحد (٣).\nوقال أبو [عبيد] (٤): تقول العرب: لا تقدم بين يدي الإمام وبين يدي الأب، أي: لا تعجل بالأمر دونه والنهي (٥)، يجيء فعل بمعنى يفعل، يقال: حول بمعنى تحول، ومنه قول ذي الرمة: قوله:\nإذا حَوّل الظِّل العَشِي رأيتَه ... حَنِيفًا وفي قَرْنِ الضُّحَى يَتَنصَّرُ (٦)\n_________\n(١) انظر كتاب: \"التذكرة في القراءات\" ٢/ ٦٨٩، \"الدر المصون\" ٦/ ١٦٨.\n(٢) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ٦٩.\n(٣) انظر: \"تهذيب اللغة\" (قدم) ٩/ ٤٩.\n(٤) كذا في الأصل والصواب (عبيدة).\n(٥) انظر: \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ٢/ ٢١٩\n(٦) انظر: \"ديوان ذي الرمة\" ص ٢٢٩، وانظر: \"تهذيب اللغة\" (ولى) ١٥/ ٤٥٢، قال الأزهري: أراد تحول الظل بالعشي.","vol":"20","page":339},{"text":"ومعنى بين اليدين هاهنا: المقدام والأمام، وذلك راجع إلى قدام الأمر والنهي، لأن المعنى: لا تقدموا قبل أمرهما ونهيهما، وبين اليدين عبارة عن الأمام، لأن ما بين يدي الإنسان أمامه، وهذا اللفظ بهذا المعنى كثير في التنزيل.\nواختلفوا في سبب نزول هذه الآية، قال الكلبي والسدي والمقاتلان وعطاء الخراساني: نزلت [..] (١) قصة بئر معونة (٢) وقيل: للثلاثة الذين قتلوا الرجلين المسلمين اللذين اعتزيا إلى بني عامر، وكان بنو عامر قتلوا أصحاب بئر معونة، فلما اعتزى الرجلان إليهم قتلوهما وأخذوا ما كان معهما، فلامهم رسول الله -ﷺ- وقال: \"بئسما صنعتما هما رجلان من بني سليم (٣) من أهل ميثاقي\" ونزلت هذه الآية (٤) يقول: لا تقطعوا أمرًا دون الله\n_________\n(١) كذا في الأصل وقد سقط حرف (في).\n(٢) بئر معونة: قال ابن إسحاق: (بئر معونة بين أرض بني عامر وحرة بني سليم، وقال: كلا البلدين منها قريب إلا أنها إلى حرة بني سليم أقرب، وقيل: بثر معونة بين جبال يقال لها: أبْلَى في طريق المصعد من المدينة إلى مكة وهي لبني سليم)، وقال الواقدي: (بئر معونة في اْرض بني سليم وأرض بني كلاب، وعندها كانت قصة الرجيع) والله أعلم، انظر: \"معجم البلدان\" ١/ ٣٠٢.\n(٣) بنو سليم: بضم السين- قبيلة عظيمة من قيس عيلان والنسبة إليهم سلمى، وهم بنو سليم بن منصور بن عكرمة بن حفصة بن قيس، قال الحمداني: وهم أكثر قبائل قيس، وكان لسليم من الولد بهتة ومنه جميع أولاده، قال في العبر: وكانت منازلهم في عالية نجد بالقرب من خيبر، قال: وليس لهم الآن عدد ولا بقية في بلادهم. انظر: \"نهاية الأرب\" ص ٢٧١.\n(٤) أورد ذلك الثعلبي في \"تفسيره\" ١٠/ ١٥٧ أونسبه للسدي وعطاء الخراساني، وانظر: \"تفسير مقاتل\" ٤/ ٨٧، \"تفسير الماوردي\" ٥/ ٣٢٦ ونسبه للضحاك عن ابن عباس، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٦/ ٣٠١، \"تفسير الألوسي\" ٢٦/ ١٣٣.","vol":"20","page":340},{"text":"ورسوله، ولا تعجلوا به، وهذه رواية باذان عن ابن عباس (١).\nوقال ابن الزبير: قدم المدينة ركب من بني تميم (٢) على النبي -ﷺ-[..]، (٣)، فقال أبو بكر: ما أردت إلا خلافي. وتماريا حتى ارتفعت أصواتهما، فأنزل الله هذه الآية (٤) وهذه رواية عطاء عن ابن عباس (٥).\nوقال جابر بن عبد الله: نزلت في النهي عن الذبح يوم الأضحى قبل الصلاة، وذلك أن ناسًا من المسلمين ذبحوا قبل صلاة النبي -ﷺ- فأمرهم أن ييدوا الذبح. وهو قول الحسن (٦)، واختيار الزجاج، قال: أعلم الله أن ذلك غير جائز، قال: وفي هذا دليل أنه لا يجوز أن يؤدِّى فرضٌ قبل وقته، ولا تطوع قبل وقته مما جاءت به السنة (٧).\n_________\n(١) ذكر ذلك الثعلبي في \"تفسيره\" ١٠/ ١٥٧ ب.\n(٢) بنو تميم: بطن من طابخة وطابخة من العدنانية وهم بنو تميم بن مر بن أد بن طابخة، والتميم في اللغة الشديد، وكان لتميم من الولد زيد مناة وعمرو بن الحارث، قال في العبر: وكانت منازلهم بأرض نجد من هنالك على البصرة واليمامة وامتدت إلى الغري من أرض الكوفة. انظر: \"نهاية الأرب\" ص ١٧٧.\n(٣) سقط من الأصل قوله: (فقال: أبو بكر أمر القعقاع بن معبد وقال عمر أمر الأقرع ابن حابس).\n(٤) أخرجه عن عبد الله بن الزبير البخاري في التفسير، باب إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون ٦/ ٤٧، والطبري ١٣/ ١١٩، وأخرجه الثعلبي ١٠/ ١٥٧ أ، والمؤلف في \"أسباب النزول\" ص ٤٠٦، والبغوي ٧/ ٣٣٤.\n(٥) وهي التي سبقت الإشارة إليها في قصة بئر معونة وقتل الرجلين.\n(٦) أخرج ذلك الثعلبي ١٠/ ١٥٦ ب عن جابر بن عبد الله، وأشار أيضًا أنه اختيار الحسن البصري، ونسبه في \"الوسيط\" ٤/ ١٥٠ لجابر، ونسبه الطبري ١٣/ ١١٧، والماوردي ٥/ ٣٢٥، وابن الجوزي ٧/ ٤٥٤، والقرطبي ١٦/ ٣٠١ للحسن.\n(٧) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ٣١.","vol":"20","page":341},{"text":"وروى مسروق عن عائشة ﵂ أنها نزلت في النهي عن صوم يوم الشك، قالت: لا تصوموا قبل أن يصوم نبيكم (١).\n\nوأما التفسير: فقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: لا تقولوا خلاف الكتاب والسنة <span data-type=\"title\" id=toc-4107>(٢)</span>، وقال العوفي عنه: لا تتكلموا بين يدي كلامه (٣).\nوقال مجاهد: لا تفتاتوا على رسول الله بشيء حتى يقضيه الله على لسانه (٤)، وقال الضحاك: لا تقضوا أمرًا دون الله ورسوله (٥).\nوقال الكلبي: لا تسبقوا رسول الله -ﷺ- بقول ولا فعل حتى يكون هو الذي يأمركم (٦).\nوهذه عبارات المفسرين ومعناها واحد.\n\n٢ - قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ قال ابن عباس: في رواية عطاء والكلبي والمقاتلان: نزلت في ثابت بن\n_________\n(١) أخرج ذلك الثعلبي ١٠/ ١٥٦ ب عن عائشة، ونسبه إليها البغوي ٧/ ٣٣٤، وابن الجوزي ٧/ ٤٥٥، وعزاه السيوطي في \"الدر\" ٧/ ٥٤٧ إلى الطبراني في الأوسط وابن مردويه، ونسبه في \"الوسيط\" ٤/ ١٥٠ لمسروق عن عائشة.\n(٢) أخرج ذلك الطبري ١٣/ ١١٦ عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، ونسبه الثعلبي في \"تفسيره\" ١٠/ ١٥٦ ب لابن عباس عن علي بن أبي طلحة.\n(٣) أخرج ذلك الطبري ١٣/ ١١٦ عن ابن عباس، ونسبه الماوردي ٥/ ٣٥٢ لابن عباس، ونسبه ابن الجوزي ٧/ ٤٥٥ للعوفي، وذكره السيوطي في \"الدر\" ٧/ ٥٤٦. ونسبه للطبري وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس.\n(٤) انظر: \"تفسير مجاهد\" ص ٦١٠، وأخرجه الطبري ١٣/ ١١٦، ونسبه الثعلبي ١٠/ ١٥٧ أ، ونسبه البغوي ٧/ ٣٣٤، والقرطبي ١٦/ ٣٠١ لمجاهد.\n(٥) نسب هذا القول للضحاك، الثعلبي ١٠/ ١٥٧/ أ، والبغوي ٧/ ٣٣٤.\n(٦) نسب الثعلبي ١٠/ ١٥٧ أهذا القول للكلبي، \"تنوير المقباس\" ص ٥١٥.","vol":"20","page":342},{"text":"قيس بن شماس، كان إذا تكلم عند النبي -ﷺ- رفع صوته فربما كان ينادي رسول الله -ﷺ- بصوته (١)\nقوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ﴾ قال مقاتل: يقول: لا تدعوه باسمه يا محمد بن عبد الله، كما يدعو الرجل منكم غيره باسمه: يا فلان ويا فلان، ولكن عظّموه وقولوا: يا رسول الله، يؤدبهم (٢).\nوقال مجاهد: لا تنادوه ولا تقولوا: يا محمد، ولكن قولوا: قولًا لينًا: يا رسول الله (٣).\nوقال أبو إسحاق: أمرهم الله ﷿ بتبجيل نبيه وأن يغضوا أصواتهم ويخاطبوه بالسكينة والوقار، وأن يفضلوه في المخاطبة قال: ومعنى (كجهر بعضكم لبعض) أي: لا تنزلوه بمنزلة بعضكم من بعض فتقولوا: يا محمد، خاطبوه بالنبوة والسكينة والإعظام (٤).\nقوله تعالى: ﴿أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ﴾ قال ابن قتيبة: لئلا تحبط (٥)، وهذا\n_________\n(١) أخرج البخاري عن أنس بن مالك قصة فقد الرسول -ﷺ- لثابت بن قيس وسؤاله عنه وذكر قيس سبب تخلفه وهي هذه الآية، انظر: \"صحيح البخاري\"، كتاب: التفسير ٤٦/ ٦، وأخرجه مسلم في الإيمان باب مخافة المؤمن أن يحبط عمله ١/ ١١٠، والطبري ١٣/ ١١٨ عن أنس، وذكر الثعلبي أنها نزلت في قيس بن شماس ولم ينسبه ١٠/ ١٥٨ أ، وأخرجه البغوي ٧/ ٣٣٥ عن أنس، ونسبه في \"الوسيط\" ٤/ ١٥٠ لأنس، وانظر: \"تفسير مقاتل\" ٤/ ٨٩.\n(٢) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٤/ ٩٠.\n(٣) أخرج ذلك الطبري ١٣/ ١١٨ عن مجاهد، وذكر الماوردي هذا المعنى ولم ينسبه، انظر: \"تفسيره\" ٥/ ٣٢٦ - ٣٢٧، وانظر: \"تفسير مجاهد\" ص ٦١٠.\n(٤) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ٣٢.\n(٥) انظر: \"تفسير غريب القرآن\" لابن قتيبة ص ٤١٥.","vol":"20","page":343},{"text":"مذهب الكوفيين، قال الأخفش: مخافة أن تحبط، كما تقول: أدعم الحائط أن يميل أي مخافة أن يميل (١)، وهذا قول البصريين، وقد بينا هذا في مواضع.\nقال مقاتل: يعني أن تبطل حسناتكم وأنتم لا تشعرون (٢).\n\nقال أبو إسحاق: هذا إعلام أن النبي -ﷺ- يجب أن يجل ويعظم غاية الإجلال والإعظام، وأنه قد يفعل الشيء مما لا يشعر به في أمر النبي -ﷺ- فيكون ذلك مهلكًا لفاعله أو قائله، ولذلك قال بعض الفقهاء: من قال: إن زِرَّ رسول الله -ﷺ- وسخ، يريد به النقص وجب قتله، هذا مذهب مالك وأصحابه، انتهى كلامه <span data-type=\"title\" id=toc-4108>(٣)</span>.\nقال المفسرون: فلما نزلت هذه الآية انطلق ثابت مهمومًا حزينًا فمكث في بيته أيامًا مخافة أن يكون قد حبط عمله، وكان سعد بن عبادة جاره فانطلق سعد حتى أتى النبي -ﷺ- فأخبره بقول ثابت أنه قد حبط عمله وأنه في النار فقال: \"اذهبْ فأخبره أنه ليس مِنْ أهل النار وأنه من أهلِ الجنة\" (٤) ففرح ثابت وخرج إلى النبي -ﷺ- فكان بعد ذلك إذا كان عند النبي\n-ﷺ- خفض صوته فلا يسمع من يليه فنزلت فيه.\n\n٣ - قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ وقال عطاء\n_________\n(١) انظر: \"معاني القرآن\" للأخفش ٢/ ٦٩٥، ونص عبارته (أي مخافة أن تحبط أعمالكم، وقد يقال: (اسْمُك الحائط أن يميل).\n(٢) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٤/ ٩٠.\n(٣) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ٣٢.\n(٤) أخرج ذلك البخاري عن أنس بن مالك. انظر: \"صحح البخاري\" -كتاب التفسير- سورة الحجرات ٦/ ٤٦. وأخرجه الطبري ١٣/ ١١٩ عن عكرمة، وأورده الثعلي في \"تفسيره\" ١٠/ ١٥٨ أ - ب، وذكره القرطبي في \"الجامع\" ١٦/ ٣٠٥.","vol":"20","page":344},{"text":"عن ابن عباس: لما نزل قوله: ﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ﴾ تألَّى أبو بكر ألا يكلم رسول الله -ﷺ- إلا كأخي السرار، فأنزل الله تعالى في أبي بكر: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ﴾ (١) ونحو هذا روي لنا عن أبي هريرة (٢).\nوقال ابن الزبير: ما حدث عمر النبي -ﷺ- بعد قوله: ﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ﴾ فسمع النبي -ﷺ- كلامه حتى يستفهمه بما يخفض صوته فأنزل الله فيه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ﴾ (٣).\nوالغض: النقص من كل شيء، ومنه غض البصر وغض الصوت (٤). قال الله تعالى: ﴿وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ﴾ [لقمان: ١٩]، قال مقاتل: يخفضون كلامهم عند رسول الله (٥)، قال ابن عباس: يريد أبا بكر (٦).\nقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى﴾ قال مقاتل\n_________\n(١) ذكر ذلك الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" وقال رواه البزار وفيه حصين بن عمر الأحمسي وهو متروك، وقد وثقه العجلي، وبقية رجاله رجال الصحيح، انظر: \"مجمع الزوائد\" ٧/ ١٠٨، وذكره الماوردي ٥/ ٣٢٦، البغوي ٤/ ٣٣٦، والقرطبي ١٦/ ٣٠٨، وذكره في \"الوسيط\" ٤/ ١٥١.\n(٢) أخرج ذلك الثعلبي ١٠/ ١٥٩ أعن أبي هريرة وأخرجه الحاكم وقال صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه ووافقه الذهبي. انظر: \"المستدرك\" -كتاب التفسير- سورة الحجرات ٢/ ٤٦٢، وذكره البغوي في \"تفسيره\" ٧/ ٣٣٦.\n(٣) أخرج ذلك البخاري في \"تفسيره\". انظر: \"صحيح البخاري\" كتاب: التفسير ٦/ ٤٦، وذكر ذلك الثعلبي في \"تفسيره\" عن ابن الزبير ١٠/ ١٥٩ أ، البغوي في \"تفسيره\" ٧/ ٣٣٧، وذكره القرطبي في \"الجامع\" ١٦/ ٣٠٨، ولا مانع من نزول الآية في جميع من ذكر لما اتحد فعلهم.\n(٤) انظر: \"تهذيب اللغة\" (غض) ١٦/ ٣٦، \"اللسان\" (غضض) ٧/ ١٩٧.\n(٥) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٤/ ٩٠.\n(٦) انظر: \"تفسير الوسيط\" ٤/ ١٥١.","vol":"20","page":345},{"text":"ومجاهد وقتادة: أخلص الله قلوبهم (١)، وهذا معني وليس بتفسير، وذلك أن الامتحان معناه في اللغة: الاختبار (٢)، والاختبار إنما يكون الإخلاص كما يمتحن الذهب بالنار ليخلص، والتقدير: امتحن الله قلوب فأخلصها للتقوى فحذف الإخلاص لدلالة الامتحان عليه، وذلك أن الامتحان إنما كان للإخلاص.\nقال عطاء عن ابن عباس: يريد طهَّر قلوبهم من كل قبيح، وجعل التقوى في قلوبهم والخوف من الله (٣)، قال الفراء: أخلص قلوبهم للتقوى كما يمتحن الذهب بالنار فيخرج جيده من رديئه ويسقط خبثه (٤)، وقال أبو عبيدة: امتحنه: اصطفاه (٥)، وهذا كقول المفسرين.\nوقال أبو سعيد الضرير: محنت الأديم محنًا إذا مددته حتى توسعه، قال: ومعنى قوله: ﴿امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى﴾ شرح الله قلوبهم، كان معناه وسَّع الله قلوبهم للتقوى (٦)، وعلى هذا القول لا يحتاج إلى تقدير محذوف، وقال المقاتلان: قال ثابت لما نزلت هذه الآية: ما يسرني أني لم أجهر بصوتي عند النبي -ﷺ- إذ امتحن الله قلبي للتقوى، وجعل لي مغفرة وأجرًا عظيمًا (٧).\n_________\n(١) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٤/ ٩٠، \"تفسير الطبري\" ١٣/ ١٢٠، و\"الوسيط\" ٤/ ١٥١.\n(٢) انظر: \"تهذيب اللغة\" (محن) ٥/ ١٢١، \"اللسان\" (عن) ١٣/ ٤٠١.\n(٣) انظر: ذلك القرطبي في \"الجامع\" ١٦/ ٣٠٨ عن ابن عباس.\n(٤) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ٧٠.\n(٥) انظر: \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ٢/ ٢١٩.\n(٦) انظر: \"تهذيب اللغة\" (عن) ٥/ ١٢١ - ١٢٢، \"اللسان\" (عن) ١٣/ ٤٠١.\n(٧) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٤/ ٩٠ - ٩١.","vol":"20","page":346},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4109>٤ </span>- قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ أكثر المفسرين على أن الآية نزلت في قوم حفاة أجلاف من بني تميم قدموا على النبي -ﷺ- لفداء ذرارٍ لهم سبيت، وكان النبي -ﷺ- قد نام للقائلة، فجحلوا ينادونه: يا محمد اخرج إلينا، ولم يعلموا في أي حجرة هو من حجر نسائه، فكانوا يطوفون على الحجر وينادونه: يا محمد اخرج إلينا، وهذا قول جابر (١) وابن عباس (٢) والمقاتلين (٣) ومجاهد (٤) والكلبي (٥).\nوروي لنا مرفوعًا أن النبي -ﷺ- سئل عن قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ﴾ الآية قال: \"هم الجفاة من بني تميم\" (٦)، والحجرات جمع حجرة، وفُعْلة تجمع فعلات، نحو: عرفات وظلمات، ومنهم من يستثقل الضمتين فيفتح الجيم.\nوذكرنا الكلام في هذا عند قوله: ﴿خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ [البقرة: ١٦٨].\nقال الفراء: وأصل الحجر المنع، وكل ما منعت من أن توصل إليه فقد حجرت عليه، وكذلك الحجرة التي ينزلها الناس هو ما حوطوا عليه (٧)، وأنشد أبو عبيدة قول الفرزدق:\n_________\n(١) أخرجه الثعلبي عن جابر. انظر ١٠/ ١٥٩ ب، وذكره البغوي ٧/ ٣٣٨، كما أخرجه المؤلف في \"أسباب النزول\" ص ٤٠٩، وذكره ابن حجر في \"الكافي الشاف\" ص ١٥٦، وذكره ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٧/ ٤٥٨.\n(٢) أورد ذلك البغوي ٧/ ٣٣٧ ونسبه لابن عباس، وكذلك ابن حجر في \"الكاف الشاف\" ص ١٥٦، وابن الجوزي ٧/ ٤٥٩.\n(٣) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٤/ ٩١.\n(٤) \"تفسير مجاهد\" ص ٦١٠، وأخرجه الطبري ١٣/ ١٢٢، وذكره القرطبي ١٦/ ٣٠٩.\n(٥) انظر: \"تنوير المقباس\" ص ٥١٥.\n(٦) أخرج ذلك الطبري ١٣/ ١٢٢ عن مجاهد ونسه القرطبي ١٦/ ٣٠٩ لمجاهد.\n(٧) هذا النص لم أقف عليه في \"معاني القرآن\" للفراء وهو في \"تهذيب اللغة\" منسوبًا =","vol":"20","page":347},{"text":"أَما كان عبادة (١) كفيًا لِدارِم ... بلى ولأبياتٍ بها الحجراتُ\nوقوله: ﴿أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ وصفهم الله بالجهل، وقلة العقل ونَعَى عليهم قلة صبرهم فقال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4110>٥ </span>- ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ وذلك أن رسول الله -ﷺ- فاداهم نصف ذراريهم، وأعتق نصفهم، يقول الله: ولو صبروا كنت تعتق كلهم.\nقال مقاتل: يعني بالخير أنهم لو صبروا لخلى سبيلهم بغير فداء (٢)، هذا قول المفسرين (٣).\nقوله: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ قال ابن عباس: يريد لمن تاب منهم (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4111>٦ </span>- قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ﴾ قال ابن عباس وقتادة ومجاهد (٥) والمقاتلان (٦): نزلت في الوليد بن عقبة بن أبي معيط بعثه\n_________\n= لأبي إسحاق. انظر: \"تهذيب اللغة\" (حجر) ٤/ ١٣٢.\n(١) كذا في الأصل، وعند أبي عبيدة (عبَّا كفيا لدارهم). انظر: \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢١٩، وعند الطبري ١٣/ ١٢١ (عباد كفيئا لدارم). وكذا أيضًا عند المبرد في \"الكامل\" ١/ ٦٤ ولم أقف عليه عند الفرزدق.\n(٢) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٤/ ٩٢.\n(٣) ذكر ذلك الثعلبي ١٠/ ١٦٢ أ، وذكره السمرقندي ٣/ ٢٦٢، الماوردي ٥/ ٣٢٨، والقرطبي ١٦/ ٣١١.\n(٤) ذكر هذا المعنى في \"الوسيط\" ٤/ ١٥٢ ولم ينسبه.\n(٥) أخرج ذلك الطبري ١٣/ ١٢٤ عن ابن عباس وقتادة ومجاهد. وأخرجه الإمام أحمد عن الحرث بن ضرار الخزاعي. انظر: \"مسند أحمد\" ٤/ ٢٧٩، وأورده الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" وعزاه للإمام أحمد. وقال: رجال أحمد ثقات ٧/ ١٠٩، وأخرجه عبد الرزاق عن قتادة. انظر: \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٢٣١، وقال الحافظ ابن حجر في \"الكاف الشاف\" ص ١٥٦: رواه ابن إسحاق والطبراني من حديث أم سلمة وفيه موسى بن عبيدة وهو ضعيف.\n(٦) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٤/ ٩٢.","vol":"20","page":348},{"text":"رسول الله -ﷺ- مصدقًا إلى بني المصطلق (١) فلما سمعوا به فرحوا واجتمعوا ليتلقوه، وكانت بينهم عداوة في الجاهلية، ففرق الوليد ورجع إلى النبي -ﷺ- وقال: إنهم قد منعوا الصدقة وارتدوا، فبعث إليهم رسول الله -ﷺ- خالد بن الوليد، فلما دنا خالد منهم بعث عيونًا ليلًا فإذا هم ينادون ويصلون، فأتاهم خالد فلم ير منهم إلا طاعة وخيرًا، فرجع إلى النبي -ﷺ- فأخبره ونزلت الآية.\nوذكرنا القراءة في قوله: ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ في سورة النساء (٢).\nقوله: ﴿أَنْ تُصِيبُوا﴾ يعني: لئلا تصيبوا، وكراهة أن تصيبوا (٣) على ما ذكرنا في مواضع.\nوقوله: ﴿بِجَهَالَةٍ﴾ أي: بجهالة بحالهم، وما هم عليه من الإسلام والطاعة.\n﴿فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ قال مقاتل: يعني الذين انتدبوا لقتال بني المصطلق (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4112>٧ </span>- ثم وعظهم فقال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ﴾ ومعناه: اتقوا أن تكذبوه أو تقولوا باطلًا، فإن الله يخبره فتفتضحوا، يعني: أنهم إذا لم\n_________\n(١) بنو المصطلق: حي من خزاعة، حاربهم رسول الله -ﷺ- في غزوة المريسيع في شعبان سنة ست من الهجرة. انظر: \"سيرة ابن هشام\" ٣/ ٣٣٣، \"البداية والنهاية\" ٤/ ١٥٦.\n(٢) قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم وابن عامر: ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ بالنون، وكذلك في الحجرات: ٦، وقرأ حمزة والكسائي: (فتثبتوا) بالتاء وكذلك في الحجرات، انظر: \"الحجة\" لأبي علي ٣/ ١٧٣، \"تفسير الطبري\" ١٣/ ١٢٣.\n(٣) انظر: \"البحر المحيط\" ٨/ ١٠٩.\n(٤) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٤/ ٩٣.","vol":"20","page":349},{"text":"يراعوا هذا كانوا كأنهم لم يعلموا أن رسول الله بين أظهرهم؛ لأنهم لم يعملوا على موجب ما علموا، فقال لهم: اعلموا ذلك علمًا تعملون به فتتقوا الكذب.\nثم قال: ﴿لَوْ يُطِيعُكُمْ﴾ أي: رسول الله ﴿فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ﴾ أي: مما تخبرونه فيه بالباطل (لعنتم) لوقعتم في عنت، وهو الإثم والهلاك.\nقال مقاتل: لأنهم (١) في دينكم، ثم خاطب المؤمنين المخلصين الذين لا يكذبون النبي -ﷺ- ولا يخبرونه بالباطل فقال: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ﴾ جعله أحبَّ الأديان إليكم حتى أحببتموه ﴿وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ حتى اخترتموه ﴿وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ﴾ جعل الكفر تكرهونه وتجتنبونه (والفسوق) قال ابن عباس: يريد الكذب (٢) (والعصيان) جميع معاصي الله.\nثم عاد إلى الخبر فقال: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾ قال ابن عباس ومقاتل: يعني المهتدين في محاسن أمورهم (٣)، ومثل هذا في النظم قوله: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ﴾ الآية [الروم: ٣٩].\nثم بين أن جميع ذلك بفضل من الله فقال: ﴿فَضْلًا مِنَ اللَّهِ﴾ قال أبو إسحاق: (فضلًا) منصوب مفعول له، المعنى: فعل الله بكم ذلك فضلًا أي\n_________\n(١) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٤/ ٩٣، ونصها: (لأثمتم في دينكم).\n(٢) ذكر ذلك البغوي ٧/ ٣٣٩ ونسبه لابن عباس ٧/ ٣٣٩، ونسبه الماوردي ٥/ ٣٢٩ لابن زيد ٥/ ٣٢٩، ونسبه القرطبي ١٦/ ٣١٤ لابن عباس وابن زيد، ونسبه في \"الوسيط\" ٤/ ١٥٣ لابن عباس.\n(٣) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٤/ ٩٣، وذكر هذا المعنى في \"الوسيط\" ٤/ ١٥٣ ولم","vol":"20","page":350},{"text":"للفضل والنعمة (١).\nقال ابن عباس: يريد تفضلًا مني عليهم، ورحمة مني لهم (٢) ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ بما في قلوبهم (حكيم) فيهم بعلمه.\nوقال مقاتل: عليم بخلقه حكيم في أمره (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4113>٩ </span>- قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ قال المفسرون: نزلت في حَيَّيْن من الأنصار كان بينهما قتال بالنعال والأيدي.\nقال أبو مالك: اقتتل رجلان فاقتتل حياهما، فاقتتلوا بالنعال والعصي، فأنزل الله ما قد سمعتم (٤)، ونحو هذا قال الحسن (٥) وقتادة (٦) والسدي (٧).\n﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ أي: بالدعاء إلى حكم كتاب الله، والرضاء بما فيه لهما وعليهما.\nوقوله: ﴿فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى﴾ أي: طلبت ما ليس لها، ولم ترجع إلى الصلح والرضا بحكم الله الذي حكم في كتابه.\nقال أبو إسحاق: والباغية: التي تعدل عن الحق وما عليه أئمة\n_________\n(١) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ٣٥.\n(٢) ذكر ذلك في \"الوسيط\" منسوبًا لابن عباس، انظر ٤/ ١٥٣.\n(٣) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٤/ ٩٣.\n(٤) أخرجه الطبري ١٣/ ١٢٨ عن أبي مالك، وعزاه السيوطي في \"الدر\" ٧/ ٥٦٠ لسعيد ابن منصور وابن جرير وابن المنذر عن أبي مالك.\n(٥) أخرجه الطبري عن الحسن، انظر: \"تفسير الحسن\" ٢/ ٢٩٦.\n(٦) أخرجه الطبري ١٣/ ١٢٩ عن قتادة، ونسبه الماوردي ٥/ ٣٣٠، والبغوي ٧/ ٣٤٠، وابن الجوزي ٧/ ٤٦٣ لقتادة.\n(٧) أخرجه الطبري ١٣/ ١٢٨ عن السدي، ونسبه الثعلبى ١٠/ ١٦٤ أ، والماوردي ٥/ ٣٣٠، والبغوي ٧/ ٣٤٠ للسدي.","vol":"20","page":351},{"text":"المسلمين وجماعتهم (١).\nقوله تعالى: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ قال ابن عباس: ترجع إلى طاعة الله (٢).\nوقال مقاتل: ترجع إلى الصلح الذي أمر الله به (٣).\nقال أصحابنا: ودلت عليه هذه الآية، على أنه يجحب أن يقاتل المارق الباغي المشاقّ لما عليه الأمة (٤)؛ لأن ظاهر الأمر الوجوب، والبغاة الذين يجب قتالهم هم الذين يجتمع لهم أوصاف ثلاثة: الغلبة بالشوكة والقوة، والتأويل المحتمل (٥)، والإمام الذين يجتمعون عليه، فهؤلاء يدعون أولًا إلى طاعة الله بالإنذار، والعود إلى طاعة الإمام العادل، فإن أبوا قوتلوا من غير أن يبدأ بالقتال، ولكن إن قصدوا أهل العدل قاتلوهم للدفع، ثم لا يتبع مدبرهم، ولا يجهز على جرحتهم، ونحو ما ذكرنا سار أمير المؤمنين علي -﵁- في أهل البغي (٦)، وما أتلف أهل البغي من مال أهل العدل وما\n_________\n(١) انظر: \"معاني الزجاج\" ٥/ ٣٥.\n(٢) لم أقف عليه.\n(٣) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٤/ ٩٤.\n(٤) انظر: \"تفسير الطبري\" ١٣/ ١٢٨، \"تفسير البغوي\" ٧/ ٣٤٢، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٦/ ٣١٧.\n(٥) انظر: \"تفسير البغوي\" ٧/ ٣٤٢.\n(٦) أخرجه الحاكم عن أبي أمامة وقال: هذا صحيح الإسناد في هذا الباب، ووافقه الذهبي، انظر: \"المستدرك\" كتاب: قتال أهل البغي ٢/ ١٥٥، وأخرجه البيهقي موقوفًا على علي، انظر: \"سنن البيهقي\" كتاب: قتال أهل البغي، باب أهل البغي إذا فاءوا لم يتبع مدبرهم ولم يقتل أسيرهم ولم يجهز على جريحهم ولم يستمتع بشيء من أموالهم ٨/ ١٨١. وانظر: \"التلخيص الحبير\" لابن حجر ٤/ ٤٣.","vol":"20","page":352},{"text":"أراقوا من دمائهم يجب عليهم الغرامة على الصحيح من مذهب الشافعي، والقود يسقط بالشبهة (١).\nقوله تعالى: ﴿فَإِنْ فَاءَتْ﴾ أي: رجعت الباغية إلى طاعة الله ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ﴾ قال ابن عباس: بالديات التي فرضها الله، يعني: أنهم يدون الجرحى والقتلى، وذلك هو الإصلاح بين الفريقين، يؤخذ للعادل من الباغي دية الجراحة والقتل وغرم ما أتلف من المال (٢)، ﴿وَأَقْسِطُوا﴾ واعدلوا في الإصلاح بينهما وفي كل حكم ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ وذكرنا معنى الإقساط في أول سورة النساء [آية: ٥].\nونزل في هذا أيضًا قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ قال أبو إسحاق: أعلم الله -﷿- أن الدين يجمعهم وأنهم إخوة إذا كانوا متفقين في دينهم، فرجعوا بالاتفاق في الدين إلى أجل النسب لأنهم لآدم وحواء، فإن اختلفت أديانهم افترقوا في النسب وإن كانوا لأب ولأم، ألا ترى أنه لا يرث الولد المؤمن الأب الكافر، ولا الحميم المؤمن نسيبه الكافر (٣).\nوقوله: ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ يعني: بين كل مسلمين تخاصما وتقاتلا.\n_________\n(١) انظر: \"أحكام القرآن\" للشافعي ١/ ٢٩٢، \"إرواء الغليل\" للألباني ٨/ ١١٦، والقود: قتل القاتل بالقتيل، تقول: أقدْتُه واستقدتُ الحاكِم، وإذا أتى الإنسان إلى آخر أمرًا فالقم منه مثلها، قيل: استقادها منه. انظر: \"تهذيب اللغة\" (قاد) ٩/ ٢٤٨.\n(٢) انظر: \"أحكام القرآن\" للشافعي ١/ ٢٩٣، وكتاب: الأم، حكم أهل البغي في الأموال وغيرها ٤/ ٢٢٠.\n(٣) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ٣٦.","vol":"20","page":353},{"text":"وقال الكلبي ومقاتل (١): نزلت هذه الآية وما قبلها في الأوس والخزرج (٢).\nوقال أبو علي الفارسي: اقتتلا بسبب عبد الله بن أبي، وعبد الله بن رواحة (٣) (٤)، وعلى هذا قال مقاتل: بين أخويكم: يعني: الأوس والخزرج (٥).\nوقال أبو علي الفارسي: يراد بالأخرين الطائفتان ونحوهما مما يكون كثرة، وإن كان اللفظ لفظ التثنية يرد والمراد به الكثرة والعموم (٦)، وذكرنا شواهد ذلك في قوله: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤].\n_________\n(١) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٤/ ٩٤، وذكر ذلك الماوردي ٥/ ٣٣٠، ونسبه لمقاتل والكلبي والفراء، انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ٧١.\n(٢) الأوس: بطن من مزيقيا من القحطانية وهم بنو الأوس بن حارثة بن تغلب بن مزيقيا وهم أحد قبيلتي الأنصار، وكان لهم ملك يثرب نزلوها عند خروجهم من اليمن وجاء الإسلام وهم بها، فكانوا أنصارًا للنبي -ﷺ- انظر: \"نهاية الأرب\" للقلقشندي ص ٦٥. الخزرج: بطن من مزيقيا من الأزد غلب عليهم اسم أبيهم فقيل لهم الخزرج، وهم المراد عند الإطلاق لهذا الاسم وهم إحدى قبيلتي الأنصار أخوة الأوس ويقال لكليهما بنو قيلة. انظر: \"نهاية الأرب\" ص ٦٠، \"جمهرة أنساب العرب\" ص ٣٦٢، \"معجم قبائل العرب\" ١/ ٣٤٢.\n(٣) هو: عبد الله بن رواحة بن ثعلبة الأنصاري من الخزرج أبو محمد يعد من الأمراء والشعراء الراجزين، شهد العقبة مع السبعين من الأنصار، وكان أحد النقباء الاثني عر واستخلفه النبي -ﷺ- في إحدى غزواته على المدينة، وكان أحد الأمراء في وقعة مؤتة فاستشهد فيها. انظر: \"حلية الأولياء\" ١/ ١١٨، \"الاستيعاب\" ٢/ ٢٩٣، \"الإصابة\" ٢/ ٣٠٦.\n(٤) لم أقف عليه.\n(٥) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٤/ ٩٤.\n(٦) انظر: \"الحجة\" لأبي علي ٦/ ٢٠٩.","vol":"20","page":354},{"text":"وقال أبو عبيدة في قوله: (بين أخويكم): معنى الآيتين يأتي على الجميع إنما تأويله: على كل أخوين (١).\nوفي قوله: ﴿بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ دليل على أن صفة البغي لا تزيل اسم الإيمان؛ لأن الله تعالى أثبت الأخوة بين المؤمنين بقوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ ثم سَمَّى الباغي والعادل أخوين فقال: ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ وجعلهما أخوين للمؤمنين، فالباغي أخو المؤمنين كما أن العادل أخوهم، ونحو هذا قال علي بن أبي طالب -﵁- فيهم لما سأله الحارث (٢) الأعور عن أهل الجمل وصفين (٣) فقال: أمشركون هم؟ قال: لا، من الشرك فروا (٤). فقال: أهم منافقون؟. قال: لا، إن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلًا. قال: فما حالهم؟ قال: إخواننا بغوا علينا (٥).\n_________\n(١) لم أقف عليه عند أبي عبيدة، وقد نسبه القرطبي ١٦/ ٣٢٣ لأبي عبيدة.\n(٢) هو: الحارث بن عبد الله الأعور الهَمْداني الخارِفِي أبو زهير الكوفي، ويقال: الحارث بن عبيد، ويقال: الحوتي، وحوت بطن من همدان، روى عن علي وابن مسعود وزيد بن ثابت وروى عنه الشعبي وأبو إسحاق السبيعي وأبو البختري الطائي وغيرهم، وهو ضعيف في الحديث، توفي عام ٦٥ هـ انظر: \"ميزان الاعتدال\" ١/ ٤٣٥، \"تهذيب التهذيب\" ٢/ ١٤٥.\n(٣) صفين: بكسرتين وتشديد الفاء: هو موضع بقرب الرقة على شاطىء الفرات من الجانب الغربي بين الرقة وبالس وكانت وقعة صفين بين علي -﵁- ومعاوية -﵁- في سنة ٣٧ هـ، في غرة صفر. انظر: \"معجم البلدان\" ٣/ ٤١٤.\n(٤) قال الفراء: فَرّ فلان يَفِر فِرارًا إذا هَرَب، انظر \"تهذيب اللغة\" (فر) ١٥/ ١٧٢، وفي الحديث عنه -ﷺ- قال لِعديّ بن حاتم: \"ما يُفِرُّك إلا أن يقال لا إله إلا الله\" أفْرَرْتُه أفِرَّه: فَعَلْتُ به ما يَفِر منه ويَهْرُب: أي: ما يحملك على الفرار إلا التوحيد. انظر: \"النهاية في غريب الحديث\" ٣/ ٤٢٧.\n(٥) ذكر ذلك الثعلبي في \"تفسيره\" عن الحارث عن علي، انظر ١٠/ ١٦٤ أ، ب. وأيضًا ذكره البغوي في \"تفسيره\" ٧/ ٣٤١، والقرطبي في \"الجامع\" ١٦/ ٣٢٣.","vol":"20","page":355},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4114>١١ </span>- قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ﴾ الآية، قال مقاتل: يقول: لا يستهزئ الرجل من أخيه فيقول: إنك رديء المعيشة، لئيم الحسب، وأشباه ذلك بما يتنقصه به، ولعله خير منه عند الله (١)، وهو قوله: ﴿عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ﴾ ونحو هذا قال مجاهد (٢)، والقوم: الرجال دون النساء، قاله الليث (٣) وأبو العباس (٤)، وأنشد الليث قول زهير:\nوما أَدْرِي وسَوْفَ إِخالُ أدْرِي ... أقَوْمٌ آلُ حِصْنٍ أم نِساءُ (٥)\nوعلى هذا تدل الآية لأن الله تعالى فصل بينهما فذكر الرجال بلفظ القوم، ثم ذكر النساء فقال: ﴿وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ﴾.\nقوله تعالى: ﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ يعني اللمز في اللغة: العيب (٦)، ذكرنا ذلك عند قوله: ﴿يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ [التوبة: ٥٨]، قال ابن عباس والمفسرون كلهم: لا يطعن بعضكم على بعض (٧) والمعنى: لا تلمزوا إخوانكم الذين هم كأنفسكم كما قال: ﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤]، ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]، وقد مر.\nقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾ التنابز: تفاعل من النبز، وهو\n_________\n(١) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٤/ ٩٤.\n(٢) أخرجه الطبري ١٣/ ١٣١ عن مجاهد، وانظر: \"تفسير مجاهد\" ص ٦١١.\n(٣) انظر كتاب: العين (قوم) ٥/ ٢٣١، \"تهذيب اللغة\" (قوم) ٩/ ٣٥٦.\n(٤) انظر: \"تهذيب اللغة\" (قوم) ٩/ ٣٥٦، \"اللسان\" (قوم) ١٢/ ٥٠٥.\n(٥) انظر: \"ديوان زهير\" ص ٧٣، و\"العين\" (قوم) ٥/ ٢٣١، \"تهذيب اللغة\" (قام) ٩/ ٣٥٦، \"اللسان\" (قوم) ١٢/ ٥٠٥.\n(٦) انظر: \"تهذيب اللغة\" (لمز) ١٣/ ٢٢٠.\n(٧) أخرج ذلك الطبري ١٣/ ١٣٢ عن ابن عباس، ونسبه الماوردي ٥/ ٣٣٢ لابن عباس ومجاهد وقتادة وسعيد بن جبير، وأيضًا نسبه إلى هؤلاء القرطبي ١٦/ ٣٢٧.","vol":"20","page":356},{"text":"المصدر والنبز الاسم، وهو كاللقب. قال المبرد: ويقال: لبني فلان نبز يعرفون به إذا كان لقبًا متابعًا (١)، والألقاب جمع اللقب وهو اسم غير الذي سمي به الإنسان، قاله الليث، يقال: لقبت فلانًا تلقيبًا (٢).\nقال عكرمة والحسن ومجاهد وقتادة: وهو أن يقول المسلم لأخيه المسلم يا فاسق يا منافق (٣).\nوقال المقاتلان: لا تدعوا مسلمًا بغير اسم أهل دينه، وهو أن تقول: يا يهودي يا نصراني، تدعوه بالدين الذي كان عليه في الشرك، نهاهم الله أن يتنابزوا بذلك (٤).\nوروي عن طلحة بن عمرو أنه قال: قلت لعطاء: يا أبا محمد ﴿وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾ ما هذا الذي نهى عنه؟ قال: كل شيء أخرجت به أخاك من الإسلام، يا كلب يا حمار يا خنزير ونحو هذا (٥)، فهذا الذي نهي عنه. وقال إبراهيم: كانوا يقولون: إذا قال الرجل للرجل: يا حمار يا كلب يا خنزير، قال الله له يوم القيامة: أتراني خلقته كلبًا أو حمارًا أو خنزيرًا (٦).\n_________\n(١) لم أقف عليه.\n(٢) انظر: كتاب \"العين\" (لقلب) ٥/ ١٧٢، \"تهذيب اللغة\" (لقلب) ٩/ ١٧٧.\n(٣) أخرج ذلك الطبري ١٣/ ١٣١ - ١٣٢ عن عكرمة ومجاهد وقتادة، ونسبه الثعلبي لقتادة وعكرمة ١٠/ ١٦٦ أ، ونسبه القرطبي ١٦/ ٣٢٨ لقتادة ومجاهد والحسن.\n(٤) أخرج ذلك الطبري ١٣/ ١٣٢ عن الحسن، وانظر: \"تفسير مقاتل\" ٤/ ٩٥، ونسب القرطبي ١٦/ ٣٢٨ هذا القول للحسن ومجاهد.\n(٥) ذكر ذلك البغوي ٧/ ٣٤٤ ونسبه لعطاء، وعزاه السيوطي في \"الدر المنثور\" ٧/ ٥٦٤ لعبد بن حميد وابن المنذر عن عطاء، ونسبه في \"الوسيط\" ٤/ ١٥٥ لعطاء.\n(٦) لم أقف عليه.","vol":"20","page":357},{"text":"وقال الشعبي: قال أبو جبيرة (١) بن الضحاك: قدم علينا رسول الله -ﷺ- المدينة [وليس له رجل (٢) إلا وله اسمان] أو ثلاثة وكان رسول الله -ﷺ- يدعو الرجل فيقول: يا فلان، فيقال: يا رسول الله إنه يغضب من هذا الاسم، قال: ففينا أنزل الله: ﴿وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾ (٣)، وهذا كما قال أبو إسحاق في هذه الآية: يحتمل أن يكون في كل لقب يكرهه الإنسان؛ لأنه إنما يجب أن يخاطب المؤمن أخاه بأحب الأسماء إليه (٤)، والقول في هذا النهي هو أن يسميه باسم يضاد الإسلام والإيمان؛ لقوله: ﴿بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ﴾ قال أبو إسحاق: أي: بئس الاسم أن يقول له: يا يهودي يا نصراني، وقد آمن (٥).\nوقال غيره: معنى هذا: أن من دعا أخاه بلقب يكرهه لزمه اسم الفسق لمخالفة النهي، والله تعالى يقول ﴿بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ﴾ من فعل\n_________\n(١) هو: زيد بن جبيرة بن محمد بن أبي جبيرة بن الضحاك الأنصاري أبو جبيرة المدني، روى عن: أبيه ويحيى بن سعيد الأنصاري وأبي الطوالة، وعنه: سويد بن عبد العزيز ويحيى بن أيوب والليث ونافع بن يزيد، قال البخاري: منكر الحديث، وقال النسائي: ليس بثقة، وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث. انظر: \"ميزان الاعتدال\" ٢/ ٩٩، \"تهذيب التهذيب\" ٣/ ٤٠٠.\n(٢) نص العبارة في تفسير الثعلبي: (وما منا رجل إلا له اسمان ...) وهو الأصوب. انظر: ١٠/ ١٦٦ أ.\n(٣) أخرجه الترمذي عن أبي جبيرة، وقال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، انظر: \"سنن الترمذي\" كتاب: تفسير القرآن باب (٥٠) ومن سورة الحجرات ٥/ ٣٨٨، وأخرجه أبو يعلى في مسنده ١٢/ ٢٥٣، وقال حسين سليم أسد محقق \"المسند\": إسناده صحيح.\n(٤) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ٣٦.\n(٥) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ٣٦.","vol":"20","page":358},{"text":"ما نهى الله عنه من السخرية واللمز والنبز فسق بذلك (١)، ويدل على هذا التأويل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَتُبْ﴾ أي: من هذه الأشياء ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ قال ابن عباس: يريد: من لم يتب فهو ظالم (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4115>١٢ </span>- قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ﴾ وهو أن يظن بأخيه المسلم سوءًا [كأنه] (٣) سمع منه كلامًا لا يريد به سوءًا، أو رآه يدخل مدخلًا لا يقصد به سوءًا، فظن به سوءًا، فذلك الظن هو المأمور باجتنابه، ولا بأس به ما لم يتكلم به، فإن تكلم بذلك الظن وأبداه [ثم] وهو قوله تعالى: ﴿إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ يعني: ما أعلن وأبدى مما ظن بأخيه، هذا قول المقاتلين (٤).\nوقال أبو إسحاق: أمر الله باجتناب كثير من الظن وهو أن يظن بأهل الخير سوءًا، فأما أهل السوء والفسق فلنا أن نظن بهم مثل الذي ظهر منهم (٥).\nقوله تعالى: ﴿وَلَا تَجَسَّسُوا﴾ قال الليث: الجَسُّ: جَسُّ الخَبَر، والجَاسُوسُ: العينُ يَتَجَسَّسُ الأخبار، والتجسس: البحث (٦).\n_________\n(١) ذكر نحو ذلك الطبري في \"تفسيره\" ١٣/ ١٣٣ - ١٣٤، والبغوي في \"تفسيره\" ٧/ ٣٤٤، والقرطبي في \"الجامع\" ١٦/ ٣٢٨.\n(٢) انظر: \"زاد المسير\" ٧/ ٤٦٩ عن ابن عباس: بلفظ: (الضارون لأنفسهم بمعصيتهم).\n(٣) كذا في الأصل، ولعلها: (لأنه).\n(٤) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٤/ ٩٦، \"تفسير الماوردي\" ٥/ ٣٣٤، وقد نسبه لمقاتل بن حيان، ونسبه في \"الوسيط\" للمقاتلين، انظر ٤/ ١٥٥.\n(٥) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ٣٦ - ٣٧.\n(٦) انظر كتاب: العين (جسس) ٦/ ٥، \"تهذيت اللغة\" (جسس) ١٠/ ٤٤٨.","vol":"20","page":359},{"text":"وقال يحيى بن أبي كثير: التجسس البحث عن باطن أمور الناس، وأكثر ما يقال ذلك في الشر (١)، قال المقاتلان: يقول لا يبحث أحدكم عن عيب أخيه حتى يطلع عليه إذ ستره الله عليه (٢)، وهذا معنى قول ابن عباس: يريد: لا تجسسوا من عيوب الناس (٣)، وقال مجاهد: يقول: خذوا ما ظهر ودعوا ما ستره الله (٤).\nقوله تعالى: ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ يقال: اغتاب فلان فلانًا اغتيابًا وغيبة يغتابه، قال الأزهري: وروي عن بعضهم أنه سمع: غابه يغيبه، إذا عابه وذكر منه ما يسوؤه مما هو فيه (٥)، وإذا تناوله بما ليس فيه فهو بهت وبهتان، وهذا قول جميع المفسرين (٦).\nوروي ذلك عن النبي -ﷺ- قال:\"من ذكر رجلًا بما فيه فقد اغتابه، ومن ذكره بما ليس فيه فقد بهته\" (٧).\n_________\n(١) ورد هذا القول في \"اللسان\" غير منسوب، انظر: \"اللسان\" (جسس) ٦/ ٣٨، وأورد نحوه ابن الجوزي في \"زاد المسير\" منسوبًا ليحيى بن أبي كثير ٧/ ٤٧١.\n(٢) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٤/ ٩٦، وذكر هذا المعنى في \"الوسيط\" ٤/ ١٥٦ ولم ينسبه.\n(٣) أخرج ذلك الطبري ١٣/ ١٣٥ عن ابن عباس.\n(٤) أخرج ذلك الطبري عن مجاهد.\n(٥) انظر: \"تهذيب اللغة\" (غيب) ٨/ ٢١٥.\n(٦) انظر: \"تفسير الطبري\" ١٣/ ١٣٥، \"الثعلبي\" ١٠/ ١٦٨ أ، \"الماوردي\" ٥/ ٣٣٤، \"زاد المسير\" ٧/ ٤٧١، \"القرطبى\" ١٦/ ٣٣٤، \"تفسير الوسيط\" ٤/ ١٥٦.\n(٧) أخرج ذلك مسلم عن أبي هريرة بلفظ: \"أتدرون ما الغيبة؟ \" قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: \"ذكرك أخاك بما يكره\"، قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: \"إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد بهته\". انظر: صحيح مسلم كتاب البر والصلة والآداب، باب (٢٠) تحريم الغيبة ٣/ ٢٠٠١، وأخرجه الترمذي عن أبي هريرة، انظر: \"سنن الترمذي\" كتاب: البر والصلة باب (٢٣) ما =","vol":"20","page":360},{"text":"قال مقاتل: ثم ضرب للغيبة مثلًا فقال: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا﴾ بقوله، فكما كرهتم أكل لحم الميت، فكذلك فاكرهوا الغيبة لإخوانكم (١).\nوقال أبو إسحاق: تأويله: إن ذِكْرَكَ بسوء من لم يحضرك بمنزلة أكل لحمه وهو ميت لا يحيى بذلك، ويقال للمغتاب: فلان يأكل لحوم الناس (٢).\nوهذا استفهام معناه: التقرير، كأنه قيل لهم: لم تحبون أكل لحم أخيكم ميتًا؟ وعطف قوله (فكرهتموه) على معنى لفظ الاستفهام (٣)، كما قال: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١) وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾ [الشرح: ١، ٢] فقوله: ﴿وَوَضَعْنَا﴾: عطف على معنى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ﴾ لا على لفظه، ألا ترى أنه لا يقال: ألم وضعنا، ولكن معنى (ألم نشرح) لا على لفظه ولكن معنى (ألم نشرح) قد شرحنا، فعطف على معناه، كذلك هذه الآية، قاله المبرد (٤) وقال الفراء: قوله: فكرهتموه أي: فقد كرهتموه فلا تفعلوه (٥).\nقال صاحب \"النظم\": التأويل: أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتًا\n_________\n= جاء في \"الغيبة\" ٤/ ٣٢٩، وقال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، وأخرجه أبو داود في سننه في كتاب: الأدب باب (٤٠) في الغيبة ٥/ ١٩١، عن أبي هريرة، وأخرجه الطبري ١٣/ ١٣٧ عن أبي هريرة.\n(١) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٤/ ٩٦.\n(٢) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ٣٧.\n(٣) انظر: \"روح المعاني\" للألوسي ٢٦/ ١٥٨.\n(٤) لم أقف عليه، وقد ذكر قريبًا من هذا النحاس في \"إعراب القرآن\" ٤/ ٢١٥.\n(٥) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ٧٣.","vol":"20","page":361},{"text":"وقد كرهتم ذلك، أي: فاكرهوا الغيبة أيضًا، فإنها مثل أكلكم لحوم أخوانكم (١).\nوقال مجاهد: لما قيل لهم (أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتًا؟)، قالوا: لا، فقيل: فكرهتموه أي: فكما كرهتم هذا فاجتنبوا ذكره بالسوء غائبًا (٢)، وشرح أبو علي الفارسي هذا الوجه فقال: الفاء في قول: ﴿فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ عطف على المعنى، كأنه لما قيل لهم: أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتًا، قالوا: لا، فقيل لهم لما قالوا لا: فكرهتموه، أي: كرهتم أكل لحمه ميتًا، فكذلك فاكرهوا غيبته (٣).\nقوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ معطوف على هذا الفعل المقدر، ولا يكون قوله (فكرهتموه) بمعنى فاكرهوه واتقوا الله؛ لأن لفظ الخبر لا يوضع للأمر في كل موضع، ولأن قوله فكرهتموه محمول على المعنى الذي ذكرنا، فمعنى الخبر فيه صحيح (٤).\nقال مقاتل: واتقوا الله في الغيبة ﴿إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ﴾ علي من تاب ﴿رَحِيمٌ﴾ به (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4116>١٣ </span>- قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى﴾ نزلت هذه الآية في الزجر عن التفاخر بالإنساب والتكاثر بالأموال والازدراء بالفقراء، وسبب\n_________\n(١) لم أقف عليه.\n(٢) أخرج نحوه الطبري ١٣/ ٣٧٣ عن مجاهد، وانظر: \"تفسير مجاهد\" ص ٦١٢، وأورده البغوي ٧/ ٣٤٦ بهذا النص.\n(٣) انظر: \"الحجة\" لأبي علي ٦/ ٢١٢.\n(٤) المصدر السابق.\n(٥) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٤/ ٩٦.","vol":"20","page":362},{"text":"نزولها على ما ذكره الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس: أن ثابت بن قيس بن شماس كان في أذنه وقر، وكان إذا أتى رسول الله -ﷺ- أوسعوا له حتى يجلس إلى جنبه فيسمع ما يقول، فأتى ذات يوم وقد أخذ الناس في مجالسهم فجعل يتخطى رقاب الناس، فقال لرجل: تفسح، فقال: قد أصبت مجلسًا فاجلس، فجلس مغضبًا، ثم قال للرجل: من أنت؟ قال: أنا فلان، فقال له ثابت: ابن فلانة، وذكر أمًا له كان يعير بها في الجاهلية، فنكس الرجل رأسه واستحيا، فقال رسول الله -ﷺ-: \"من الذاكر فلانة\" فقام ثابت فقال: أنا يا رسول الله، فقال: \"انظر في وجوه الناس\" فنظر إليهم، فقال: \"ما رأيتَ\" قال: رأيتُ أبيض وأسود وأحمر، قال: \"فإنك لا تفضلهم إلا في الدين والتقوى\" وأنزل الله في ثابت هذه الآية (١).\nوقال مقاتل: نزلت في بلال المؤذن وفي أربعة نفر من قريش عابوه بسواده يوم فتح مكة، وذلك أن رسول الله -ﷺ- أمره أن يؤذن على ظهر الكعبة ليذل المشركين بذلك، فلما أذن قالوا: ما وجد محمد غير هذا الغراب الأسود مؤذنًا (٢)، فأنزل الله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى﴾ يعني: آدم وحواء، والمعنى: أنكم متساوون في النسب، ليس يفضل أحد غيره بنسبه؛ لأن كلكم مخلوق من آدم وحواء، ترجعون بالنسب إليهما،\n_________\n(١) ذكره الثعلبي ١٠/ ١٦٥ أعن ابن عباس ١٠/ ١٦٥ أ، وأورده الماوردي في \"تفسيره\" ٥/ ٣٣٣ مختصرًا ونسبه للكلبي والفراء، ونسبه البغوي ٧/ ٣٤٢، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٧/ ٤٦٥ لابن عباس، وذكره المؤلف في \"أسباب النزول\" بدون سند ص ٤١٥.\n(٢) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٤/ ٩٦، \"الدر المنثور\" ٧/ ٥٦٣ وزاد نسبتة لابن أبي حاتم، وذكره البغوي ٧/ ٣٤٣، والقرطبي ١٦/ ٣٤١.","vol":"20","page":363},{"text":"كما قال رسول الله -ﷺ-: \"كلكم بنو آدم وكلكم بنو رجل واحد كطف الصاع\" (١).\nثم ذكر الله تعالى أنه إنما فرق أنساب الناس ليتعارفوا لا ليتفاخروا فقال: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا﴾ وهي: جمع الشعب وهو الحي العظيم، والقبائل دون ذلك، وهذا قول أبي عبيدة (٢) والفراء (٣) وجميع أهل اللغة (٤) قالوا: الشعب أعظم من القبيلة، وهي مثل مضر (٥) وربيعة (٦)، والقبائل: واحدتها قبيلة وهم كـ (بكر) (٧) من ربيعة وتميم من مضر، وأصل الشعب مأخوذ من:\n_________\n(١) نص الحديث: \"إن الله أذهب نخوة الجاهلية وتكبرها بآبائها كلكم لآدم وحواء، كطف الصالح بالصاع، وإن كرمكم عند الله أتقاكم فمن أتاكم، ترضون دينه وأمانته فزوجوه\" انظر: \"الدر المنثور\" ٧/ ٥٧٩، وأخرج نحوه الطبري ١٣/ ١٤٠ عن عقبة بن عامر، قال أبو عبيد: الطف هو أن يقرب الإناء من الامتلاء من غير أن يمتلئ، يقال: هو طف المكيال وطفافه، إذا كرب أن يملأه، ومنه التطفيف في الكيل إنما هو نقصانه أي لم يملأ إلى شفته إنما هو إلى دون ذلك. انظر: \"غريب الحديث\" لأبي عبيد الهروي ١/ ٤٢٥، و\"النهاية في غريب الحديث\" لابن الأثير ٣/ ١٢٩.\n(٢) انظر: \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ٢/ ٢٢٠.\n(٣) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ٧٢.\n(٤) انظر (شعب) في: \"تهذيب اللغة\" ١/ ٤٤٢، و\"الصحاح\" ١/ ١٥٥، \"اللسان\" ١/ ٤٩٧.\n(٥) مضر: قبيلة من العدنانية، وهم بنو مضر بن معد بن عدنان، قال في \"العبر\": وكانت مضر أهل الكثرة والغلب بالحجاز من سائر بني عدنان، وكانت لهم الرياسة بمكة والحرم، انظر: \"نهاية الأرب\" ص ٣٧٧.\n(٦) ربيعة: حي من مضر من العدنانية، وهم بنو ربيعة بن نزار بن مضر، وتعرف بربيعة الحمرا، قال في العبر: وديارهم ما بين اليمامة والبحرين والعراق، انظر: \"جمهرة أنساب العرب\" ص ٢٩٢، \"نهاية الأرب\" ص ٢٤٢.\n(٧) بنو بكر: بطن من ربيعة من العدنانية، وهم بنو بكر القحطاية، وهم بنو بكر بن عامر ابن عوف بن عذرة بن زيد اللات. انظر: \"نهاية الأرب\" ص ١٧٠.","vol":"20","page":364},{"text":"شعبت الشيء إذا ضممته وأصلحته (١)، والقبائل مأخوذ من قبائل الرأس، وهي كل فلقة قد قوبلت بالأخرى، وكذلك قبائل العرب بعضها متصل ببعض، والشعوب يجمعها ويضمها، هذا قول الليث وأبي العباس في معنى الشعب والقبيلة (٢).\nونحو هذا ذكر أبو الهيثم فقال: الشعب شعب الرأس، يعني: شأنه الذي يضم قبائله، وفي الرأس أربع قبائل (٣)، والشعب أبو القبائل الذي ينتسبون إليه ويجمعهم ويضمهم، ونحو هذا قال المفسرون في تفسير الشعوب والقبائل.\nقال ابن عباس في رواية سعيد بن جبير: الشعوب الجمهور مثل: ربيعة ومضر والقبائل والأفخاذ (٤)، ونحو هذا روى الكلبي (٥) عنه.\nوقال مقاتل: الشعوب رؤوس القبائل مضر وربيعة والأزد، وقبائل يعني: الأفخاذ سعد وبنو عامر (٦).\nقال الزبير بن بكار (٧): العرب على ست طبقات وهي: شعب،\n_________\n(١) انظر: \"تهذيب اللغة\" (شعب) ١/ ٤٤٣.\n(٢) انظر (شعب) في: \"العين\" ١/ ٢٦٢، \"تهذيب اللغة\" ١/ ٤٤٢، \"اللسان\" ١/ ٥٠٠.\n(٣) انظر: \"تهذيب اللغة\" (شعب) ١/ ٤٤٢، \"اللسان\" (شعب) ١٦/ ٣٤٤.\n(٤) أخرجه الطبري ١٣/ ١٣٩ عن سعيد بن جبير، ونسبه القرطبي ١٦/ ٣٤٤ لابن عباس.\n(٥) انظر: \"تنوير المقباس\" ص ٥١٧.\n(٦) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٤/ ٩٧.\n(٧) هو: الزبير بن بكار بن عبد الله بن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير بن العوام ابن خولجد أبو عبد الله الأسدي المديني العلامة، عالم بالأنساب وأخبار العرب، ولد بالمدينة، وولي قضاء مكة، فتوفي فيها، له تصانيف منها \"أخبار العرب وأيامها\"، و\"نسب قريش وأخبارها\"، و\"الأوس والخزرج\"، وغيرها، مات سنة =","vol":"20","page":365},{"text":"وقبيلة، وعمارة وبطن وفخذ وفصيلة (١)، فالثعب جمع القبائل، والقبائل تجمع العمائر، والعمائر تجمع البطون، والبطون تجمع الأفخاذ، والأفخاذ تجمع الفصائل (٢)، فمضر شعب، وكنانة قبيلة، وقريش عمارة، وقصي بطن، وهاشم فخذ، والعباس فصيلة (٣).\nوروى عطاء عن ابن عباس قال: يريد بالشعوب: الموالي، وبالقبائل: العرب (٤)، وإلي هذا ذهب قوم فقالوا: الشعوب من العجم وهم من لا يعرف لهم أصل نسب كالهند والجيل والترك (٥)، والقبائل من العرب.\nقوله تعالى: (لتعارفوا) أي: ليعرف بعضكم بعضًا في قرب النسب وبعده، ثم أعلمهم أن أرفعهم عنده منزلة أتقاهم فقال: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾، وقال مقاتل: يعني: بلالًا (٦) أخبر أن أتقاهم بلال، وروى أبو هريرة عن النبي -ﷺ- قال: \"إن الله -﷿- يقول يوم القيامة إني جعلت نسبًا فجعلت أكرمكم أتقاكم، وأبيتم إلا أن تقولوا فلان بن فلان، وأنا اليوم أرفع\n_________\n= ٢٥٦ هـ، وعمره ٨٤ سنة. انظر: \"تاريخ بغداد\" ٨/ ٤٦٧، \"ميزان الاعتدال\" ٢/ ٦٦، \"تهذيب التهذيب\" ٣/ ٣١٢.\n(١) انظر: \"اللسان\" (شعب) نسب ذلك للزبير بن بكار ١/ ٥٠٠.\n(٢) انظر: \"اللسان\" (شعب) ١/ ٥٠٠ - ٥٠١.\n(٣) انظر: \"تفسير الثعلبي\" ١٠/ ١٧٠، ١٧١، \"تفسير البغوي\" ٧/ ٣٤٨، \"البحر المحيط\" ٨/ ١٠٤.\n(٤) انظر: \"تفسير الثعلبي\" ١٠/ ١٧١ أ، ولم ينسبه، والبغوي ٧/ ٣٤٨ من غير نسبة، ونسبه ابن الجوزي ٧/ ٤٧٤ لعطاء عن ابن عباس، وذكره القرطبي ١٦/ ٣٤٤ من غير نسبة، ونسبه في \"الوسيط\" ٤/ ١٥٨ لعطاء عن ابن عباس.\n(٥) ذكر ذلك القرطبي ١٦/ ٣٤٤ ونسبه للقشيري، وذكره المؤلف في \"الوسيط\" ٤/ ١٥٨ ولم ينسبه.\n(٦) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٤/ ٩٧.","vol":"20","page":366},{"text":"نسبي وأضع أنسابكم، أين المتقون أين المتقون؟ \" (١).\nوقال أهل العلم: هذا في الزجر عن الازدراء بالناس والتحقير لهم لأجل النسب والاستطالة على من يكون حاصل (٢) النسب والتفاخر بالآباء والأجداد، فأما اعتبار النسب في الكفاءة فإن ذلك متفق عليه، والأصل فيه شيئان: نسب يتصل برسول الله -ﷺ-، أو سبب ثان وهو العلم الموروث عنه -ﷺ-، وقد نبه على هذا بقوله: \"كل سبب ونسب منقطع يوم القيامة إلا سببي ونسبي\" (٣)، فأما نسب الأمراء والوزراء والرؤساء والظلمة، فذلك مما لا يشترط في الكفاءة، والتقوى تشترط كما يشترط أصل الدين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4117>١٤ </span>- قوله: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ نزلت في بني أسد بن خزيمة (٤)، أتوا النبي -ﷺ- في سنة جدبة وأظهروا الإسلام ولم يكونوا مؤمنين في السر، إنما أتوا يطلبون الصدقة، هذا قول ابن عباس\n_________\n(١) أخرج ذلك الثعلبي في \"تفسيره\" ١٠/ ١٧١ ب عن أبي هريرة، وأورده السمرقندي في \"تفسيره\" ٣/ ٢٦٦ ولم ينسبه، وأورده القرطبي في \"الجامع\" ١٦/ ٣٤٥ ونسبه لأبي هريرة، وأخرجه الحاكم عن أبي هريرة وقال: هذا حديث عال غريب الإسناد والمتن ولم يخرجاه، وقال الذهبي: غريب، قلت: المخزومي ابن زبالة ساقط. انظر: \"المستدرك\" كتاب التفسير، سورة الحجرات ٢/ ٤٦٣ - ٤٦٤.\n(٢) كذا رسمها في الأصل.\n(٣) أخرجه الإمام أحمد في \"المسند\" ٤/ ٣٢٣ من حديث المسور بن مخرمة.\n(٤) هم: بنو أسد حي من بني خزيمة من العدنانية وهم بنو أسد بن خزيمة بن مدركة وكان لأسد هذا من الولد: دودان، وكاهل، وعمرو، وصعب، وحلمة، قال في العبر: وهم بطن كبير متسع وذو بطون قال وبلادهم مما يلي الكرخ من أرض نجد في مجاورة طي، قال: ويقال: إن بلاد طي كانت لبني أسد فلما خرج بنو طي من اليمن غلبوا على سلمى وأجا، وقد تفرقوا بعد ذلك في الأقطار ولم يبق لهم حي. انظر: \"نهاية الأرب\" للقلقشندي ص ٤٧.","vol":"20","page":367},{"text":"ومجاهد وقتادة وسعيد بن جبير (١)، وقالوا: المراد بالأعراب هاهنا بنو أسد.\nوقال السدي ومقاتل: يعني: الأعراب الذين تخلفوا عن رسول الله -ﷺ- عام الحديبية (٢)، وقد ذكرناهم في سورة الفتح، وهؤلاء كانوا قد أظهروا كلمة الإسلام ليأمنوا على أنفسهم وأموالهم من سرايا رسول الله -ﷺ- التي كانت تمر بهم، والمعنى: أنهم يقولون: قد صدقنا بما جئت به، ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا﴾ لم تصدقوا ﴿وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾، قال ابن عباس: أقررنا بالإيمان (٣).\nوقال مقاتل ومجاهد وقتادة: انقدنا واستسلمنا مخافة القتل والسبي (٤)، ثم بين أن الإيمان محله القلب لا اللسان بقوله: ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾.\nقال أبو إسحاق: والإسلام: إظهار الخضوع وقبول ما أتى به النبي -ﷺ-، وبذلك يحقن الدم، فإن كان مع ذلك الإظهار اعتقاد وتصديق بالقلب فذلك الإيمان، وصاحبه المؤمن المسلم حقًا، وأما من أظهر قبول الشريعة\n_________\n(١) أخرجه الطبري ١٣/ ١٤١ عن مجاهد، وذكره الثعلبي ١٠/ ١٧٢ أولم ينسبه، وأخرجه النسائي عن سعيد بن جير، انظر: \"السنن الكبرى\" كتاب التفسير، قوله تعالى: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا﴾ ٦/ ٤٦٧، وذكره البغوي ٧/ ٣٤٩ ولم ينسبه، ونسبه ابن الجوزي ٧/ ٤٧٥ لمجا هد، وذكره القرطبي ١٦/ ٣٤٨ ولم ينسبه، ونسبه أبو حيان في \"البحر المحيط\" ٨/ ١١٦ لمجاهد، وذكره المؤلف في \"أسباب النزول\" ص ٤١٩، و\"الوسيط\" ٤/ ١٥٩ - ١٦٠ من غير إسناد.\n(٢) ذكره الثعلبي ١٠/ ١٧٢ أ، والبغوي ٧/ ٣٥٠، وابن الجوزي ٧/ ٤٧٦، والقرطبي ١٦/ ٣٤٨ ونسبوه للسدي، وانظر: \"تفسير مقاتل\" ٤/ ٩٧.\n(٣) لم أقف عليه.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ٤/ ٩٨، وأخرجه الطبري ١٣/ ١٤٢ عن مجاهد وسعيد بن جبير.","vol":"20","page":368},{"text":"واستسلم لدفع المكروه فهو في الظاهر مسلم، والإيمان لا بد أن يكون صاحبه صديقًا؛ لأن قولك: آمنت بكذا، معناه: صدقت به، وقد أخرج الله هؤلاء من الإيمان فقال: ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ أي: لم تصدقوا إني أسلمتم تعوذًا من القتل، والمسلم الذي أظهر الإسلام تعوذًا غير مؤمن في الحقيقة، إلا أن حكمه في الظاهر حكم المسلمين. انتهى كلامه (١).\nومعنى الإيمان والإِسلام وحقيقتهما في اللغة قد سبق ذكره في سورة البقرة.\nقوله: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ قال ابن عباس: تخلصوا الإيمان (٢)، ﴿لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا﴾ وقرأ أبو عمرو: (لا يألتكم) من ألت، وهما لغتان (٣)، قال أبو زيد: قالوا: الله السلطان حَقّه يألته ألتًا، مثل: ضربه يضربه ضربًا إذا نقصه، قال: وقوم يقولون: لات يلت، وحكى التوزي (٤):\nفي ألت آلت يولت إيلاتًا (٥).\n_________\n(١) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ٣٨.\n(٢) ذكر ذلك البغوي ٧/ ٣٥٥ عن ابن عباس، وابن الجوزي ٧/ ٤٧٧ عن ابن عباس، والقرطبي ١٦/ ٣٤٨ من غير نسبة.\n(٣) قراءة أبي عمرو: من ألتَ يألِتُ ألتا، مثل: ضرب يضرب ضربًا، وقرأ الباقون: يَلِتكم، من لات يَلِيتُ، إذا نقص، انظر: \"الكشف عن وجوه القراءات\" لمكي ٢/ ٢٨٤، \"حجة القراءات\" لابن زنجلة ص ٦٧٦.\n(٤) هو: عبد الله بن محمد بن هارون التوزي أبو محمد مولى قريش من أكابر أئمة اللغة، قال السيرافي: قرأ على الجرمي \"كتاب\" سيبويه، وكان أعلم من الرياشي والمازني وأكثرهم رواية، عن أبي عبيدة، وقد قرأ أيضًا على الأصمعي وغيره، صنف كتاب: الخيل والأمثال والأضداد، مات سنة ثلاث وثلاثين ومائتين. انظر: \"بغية الوعاة\" للسيوطي ٢/ ٦١، \"أخبار النحويين والبصريين\" ص ٨٥.\n(٥) انظر: \"تهذيب اللغة\" (لات وولت) ١٤/ ٣٢١، \"المحتسب\" لابن جني ٢/ ٢٩٠، \"البحر المحيط\" ٨/ ١٠٤ - ١٤٩، \"زاد المسير\" ٧/ ٤٧٧.","vol":"20","page":369},{"text":"وحكى الزجاج في لات: ألات يُلِيْتُ، فاجتمع أربع لغات: أَلَت وآلَتَ ولاَتَ وأَلاَتَ، كلها معناها النقصان، وحجة أبي عمرو قوله: ﴿وَمَا أَلَتْنَاهُمْ﴾ [الطور: ٢١] فالبناء مضارعه يألتكم، وحجة الباقين خط المصحف، قال أبو إسحاق: والمعنى فيهما واحد (١).\nقال ابن عباس ومقاتل: لا ينقصكم من ثواب أعمالكم شيئًا (٢)، ثم نعت المؤمنين الصادقين في إيمانهم فقال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4118>١٥ </span>- ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ قال مقاتل: لم يشكوا في دينهم بعد الإيمان (٣)، أي: لم يشكوا في وحدانية الله ونبوة محمد -﵇-.\n﴿وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (٤) قال أبو إسحاق: هو الذي يرى أن أداء الفرائض واجب عليه (٥)، والجهاد مع النبي -ﷺ- كان فرضًا في ذلك الوقت (٦).\n﴿أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ في إيمانهم، قال المفسرون: فلما نزلت الآيتان أتوا رسول الله -ﷺ- يحلفون أنهم مؤمنون صادقون، وعرف الله غير ذلك منهم (٧).\n_________\n(١) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ٣٩.\n(٢) ذكر هذا الثعلبي ١٠/ ١٧٣ أ، والبغوي ٧/ ٣٥٠، والقرطبي ١٦/ ٣٤٨ ولم ينسبوه، وانظر: \"تفسير مقاتل\" ٤/ ٩٨، ونسبه في \"الوسيط\" ٤/ ١٦٠ لابن عباس ومقاتل.\n(٣) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٤/ ٩٩.\n(٤) كذا في الأصل وقد سقط (بأموالهم وأنفسهم).\n(٥) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ٣٨.\n(٦) انظر: \"زاد المسير\" ٧/ ٤٧٧.\n(٧) ذكر ذلك الثعلبي في \"تفسيره\" ١٠/ ١٧٣ ب، البغوي في \"تفسيره\" ٧/ ٣٥١، السمرقندي في \"تفسيره\" ٣/ ٢٦٧.","vol":"20","page":370},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4119>١٦ </span>- قوله تعالى: ﴿قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ﴾ أي: الذي أنتم عليه، وهذا يحمل على أحد وجهين: إما أن تكون الباء زائدة ويكون المعنى: أتعلمون الله دينكم؛ لأنه يقال: علمته الشيء، أو يحمل على أن علم هاهنا بمعنى أعلم، ذكر ذلك أبو العباس عن ابن الأعرابي قال: يكون علم بمعنى علم (١) قال: ومنه قوله: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ﴾ [البقرة: ١٠٢]، وقد مر.\nقال المفسرون: وكان هؤلاء النفر يقولون لرسول الله -ﷺ- جئناك بالعإل والأثقال والذراري، ولم نقاتلك كما قاتلك بنو فلان، يمنون عليك بذلك، فأنزل الله:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4120>١٧ </span>- ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا﴾ (٢) الآية، والمن الذي معناه: اعتداد الصنيعة يُعدَّى بالجار يقال: مَنَّ عليه بكذا، وحذف الجار في هذه الآية من المواضع الثلاثة.\nقال الفراء في قوله: ﴿أَنْ أَسْلَمُوا﴾ و﴿أَنْ هَدَاكُمْ﴾: موضعها نصب لا بوقوع الفعل، ولكن بسقوط الصفة (٣).\n_________\n(١) ذكر ذلك في \"تفسير الوسيط\" ٤/ ١٦١.\n(٢) أخرج ذلك الطبري عن سعيد بن جبير وقتادة، انظر: \"تفسيره\" ١٣/ ١٤٥، وقال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" ٧/ ١١٢: رواه الطبراني في الكبير والأوسط وفيه الحجاج ابن أرطأة، وهو ثقة ولكنه مدلس وبقية رجاله رجال الصحيح، وأورده السيوطي في \"أساب النزول\" وعزاه للطبراني والبزار، انظر: \"أسباب النزول\" ص ١٩٩.\n(٣) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ٧٤.","vol":"20","page":371},{"text":"التَّفْسِيرُ البَسِيْط\nلأبي الحسن علي بن أحمد بن محمد الواحدي\n(ت ٤٦٨ هـ)\nمن أول سورة ق إلى آخر سورة الطور\nتحقيق\nد. فاضل بن صالح بن عبد الله الشهري","vol":"20","page":373},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4121>تفسير سورة ق</span>\nبسم الله الرحمن الرحيم\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4122>١ </span>- (ق) اختلفوا في تأويله. فأكثر المفسرين قالوا: إنه جبل محيط بالدنيا من زَبَرْجَد، والسماء مقببةٌ عليه، وهو من وراء الحجاب التي تغيب الشمس من ورائه بمسيرة سنة، وما بينهما ظلمة. وهذا قول مقاتل، وابن بريدة، وعكرمة، والضحاك، ومجاهد، ورواية عطاء، وأبي الجوزاء عن ابن عباس. قال الفراء: على هذا القول: كان يجب أن يظهر الإعراب في قاف؛ لأنه اسم وليس هجاء. ثم قال: ولعل القاف وحدها ذكرت من اسمه كما قال:\nقلتُ لها قِفِي فَقَالَتْ قَافْ (١)\nقال: ذكرت قاف أرادت الوقف، أي أنا واقفة (٢). وقال قتادة: قاف\n_________\n(١) بيت للوليد بن عقبة بن أبي معيط، وبعده: (لا تحسبينا قد نسينا الإيجاف) والإيجات: هو العدو. والشاهد فيه قوله (فقالت قاف) والمراد: فقالت إني واقفة أو أقف.\nانظر: \"الأغاني\" للأصفهاني ٤/ ١٨١، \"الخصائص\" لابن جني ١/ ٣٠، \"شرح شواهد الشافية\" ص ٢٧١، \"الكتاب\" لسيبويه ٢/ ٦٢، \"المحتسب\" لابن جني ٢/ ٢٠٤.\n(٢) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ٧٥.","vol":"20","page":375},{"text":"اسم من أسماء القرآن (١). وروى خصيف عن مجاهد قال: قاف فاتحة السورة (٢). وهذا مذهب أهل اللغة. قال أبو عبيدة: مجازها مجاز أوائل السور (٣). يعني: مجاز الحروف التي في أوائل السور نحو ﴿ن﴾ [القلم: ١] و﴿الر﴾ [الحجر: ١]، و﴿الم﴾ [لقمان: ١]، واختاره الزجاج وقال: هو ابتداء للسورة، يعني أن السورة افتتحت بهذا الحرف، كما افتتحت سائر السور التي ابتدئ فيها بحروف الهجاء (٤). وحكى الفراء، وأبو إسحاق أن قومًا من أهل اللغة قالوا معنى (ق) قضي الأمر، أو قضي ما هو كائن كما قيل في (حم) حمَّ الأمر. واحتجوا بقول الشاعر (٥):\nقلنا لها قِفِي فَقَالَتْ قَافْ\nمعناه: قالت: أقف (٦).\n_________\n(١) انظر: \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٢٣٤، \"جامع البيان\" للطبري ٢٦/ ٩٣، \"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي ١٧/ ٣.\n(٢) انظر: \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٢٢١، حيث قال: \"والذي ثبت عن مجاهد أنه حرف من حروف الهجاء كقوله تعالى: (ص)، (ن)، (حم)، (طسم)، (الم) ونحو ذلك، فهذه تبعد ما تقدم عن ابن عباس ﵄، وهذا القول هو المرجح عند ابن كثير وغيره.\nوانظر: \"تفسير القاسمي\" ١٥/ ٥٤٨٢.\n(٣) انظر: \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٢٢.\n(٤) انظر: \"معاني القرآن\" ٥/ ٤١.\n(٥) تقدم في الصفحة السابقة.\n(٦) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ٧٥، \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ٤١.\nوقد رد ابن كثير ﵀ هذا القول، لأن الحذف في الكلام إنما يكون إذا دل دليل عليها، ومن أين يفهم هذا من ذكر هذا الحرف. انظر: \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٢٢١. =","vol":"20","page":376},{"text":"قوله تعالى: ﴿وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ قال المفسرون: الكريم على الله الكثير الخير. وذكرنا معنى المجيد (١) في سورة هود (٢). واختلفوا في جواب القسم، فقال الأخفش: جوابه ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ﴾ [ق: ٤] (٣).\nقال الزجاج: ويكون المعنى: ق والقرآن المجيد لقد علمنا ما تنقص الأرض منهم. وحذفت اللام؛ لأن ما قبلها عوض منها كما قال -﷿-: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ [الشمس: ١] إلى قوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ﴾ [الشمس: ٩] (٤). وقال الفراء: جواب القسم محذوف يدل عليه قوله: ﴿أَإِذَا مِتْنَا﴾ [ق: ٣] والمعنى: ق والقرآن المجيد لتبعثن بعد الموت، فقالوا: أإذا كنا ترابًا بعثنا، فجحدوا البعث. واختار الزجاج هذا القول أيضًا (٥).\nوذهب كثير من الناس إلى أن الجواب قوله: ﴿بَلْ عَجِبُوا﴾ (٦). وقد\n_________\n= قلت: وما ذكره ابن كثير هو المرجح، وسيأتي زيادة بيان في أول سورة القلم. والله تعالى أعلم.\n(١) (ك): (المجيد. والمجيد).\n(٢) عند تفسيره لآية (٧٣) من سورة هود، حيث قال: المجيد الماجد وهو ذو الشرف والكرم. يقال: مسجد الرجل يمجد مجدًا ومجدادةً، ومجد يمجد. لغة قال الحسن والكلبي: المجيد الكريم، وهو قول أبي إسحاق. وقال ابن الأعرابي: المجيد الرفيع. قال أهل المعاني: المجيد الكامل الشرف والرفعة والكرم والصفات المحمودة.\n(٣) انظر: \"معاني القرآن\" للأخفش ٢/ ٦٩٦.\n(٤) وانظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ٤٢.\n(٥) انظر: \"معانى القرآن\" للفراء ٣/ ٧٥، \"معانى القرآن\" للزجاج ٥/ ٤١، \"مشكل إعراب القرآن\" ٢/ ٦٨٢.\n(٦) قاله نحاة الكوفة. انظر: \"الجامع\" للقرطبي ١٧/ ٣، \"البحر المحيط\" ٨/ ١٢٠.","vol":"20","page":377},{"text":"ذكرنا الكلام في هذا مستقصى عند قول: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (١) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (١). ونظم ابتداء هذه السورة شبيه بنظم ابتداء سورة ص.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4123>٢ </span>- قوله: ﴿بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ﴾ مفسَّر في سورة ص (٢) قوله: ﴿فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ قال مقاتل: يعنون هذا الأمر عجب أن يكون محمد رسولًا (٣). والعجيب يعني المُعْجِب، وهو الذي يحملك علي العجب.\nوقال الليث: يقال إنه عجيب وعجاب، ويقال: هذا شيء عجب وعجاب (٤)، على معنى أنه ذو عجيب أي: يعجب منه. وقوله: ﴿فَقَالَ\n_________\n(١) عند تفسيره للآيتين (١، ٢) من سورة ص وقد ذكر ستة أقوال في جواب القسم في قوله تعالى: ﴿ص (١) وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ وهي:\n١ - حكى الكسائي والفراء والَزجاج أن جواب القسم: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ﴾ ثم نقل استبعاد الكسائي والفراء له.\n٢ - أن يكون قوله: ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا﴾ اعترض بين القسم وجوابه: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ومعناه: لكم أهلكنا. فلما طال الكلام المعترض بينهما حذفت اللام.\n٣ - أن يكون قوله: ﴿إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾.\n٤ - أن موضع القسم: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ كما قال: ﴿وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (١) بَلْ عَجِبُوا﴾.\n٥ - أن يكون لـ (ص) معنى يقع عليه القسم لا نعرفه كقولك: الحق والله.\n٦ - الجواب محذوف تقديره: والقرآن ذي الذكر ما الأمر كما يقول هؤلاء الكفار. قال الواحدي: وهو قول حسن. انظر: \"البسيط\" ٣/ ٢٠٤ أ.\n(٢) عند تفسيره لآية (٤) من سورة: ص ومما قال: قال \"صاحب النظم\": هذا منظوم بقوله: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾ لأنه مسوق عليه بالواو.\n(٣) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٢٣ ب.\n(٤) انظر: \"تهذيب اللغة\" للأزهري ١/ ٣٨٦، \"اللسان\" ٢/ ٦٨٨ (عجيب). وفي (ك): (عجيب وعجيب).","vol":"20","page":378},{"text":"الْكَافِرُونَ﴾ وقال في سورة ص: ﴿وَقَالَ الْكَافِرُونَ﴾ [ص: ٤] بالواو وهاهنا بالفاء. ذكر صاحب النظم أن في سورة (ص) قراءة: ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ﴾ [ص: ٤] خبران:\nأحدهما قوله: ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ﴾ فهذا خبر تام.\nثم نسق عليه خبر آخر فقال: ﴿وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾ أخبر عنهم بالعجب وبقولهم: ﴿هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾. وفي هذه السورة عطف بالفاء؛ لأن الآية كلها خبر واحد، والعجب سبب لقولهم: ﴿هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ لأنهم عجبوا فقالوا: هذا شيء عجيب، كما تقول: قام فمرَّ. جعلت القيام سببًا للمرور. ولو قلت: قام ومر. كنت قد أخبرت عنه بشيئين ولم تجعل الأول سببًا للثاني، يدل على أن الآية في هذه السورة خبر واحد. قوله: ﴿فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ فهذا من جنس قوله: ﴿وَعَجِبُوا﴾ وقال في سورة ص: ﴿وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾ وهذا ليس من جنس عجبوا (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4124>٣ </span>- قوله تعالى: ﴿أَإِذَا مِتْنَا﴾ قال أبو إسحاق: أي أنُبْعث إذا متنا وكنا ترابًا. ولو لم يكن (٢) لإذا متعلق، لم يكن في الكلام فائدة (٣).\nقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ الرجع معناه الرد. قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ﴾ [التوبة: ٨٣] وقد مر (٤).\n_________\n(١) انظر: \"التفسير الكبير\" ٢٨/ ١٥١.\n(٢) (ك): (ولم لم يكن) والصواب ما أثبته.\n(٣) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ٤٢.\n(٤) قال: معنى الرجع تصيير الشيء إلى المكان الذي كان فيه. يقأل رجعته رجعًا كقولك: ر ددته. ردًّا.","vol":"20","page":379},{"text":"قال مقاتل: ذلك رجع إلى الحياة بعيد، فإن البعث غير كائن (١).\nأي: يبعد عندنا أن نبعث بعد الموت. قال الفراء: جحدوا البعث أصلًا كما تقول للرجل يخطئ في المسألة: لقد ذهبت مذهبًا بعيدًا من الصواب. أي أخطأت (٢).\nقال مقاتل: أنكروا البعث وقالوا: إن الله لا يحيينا، وكيف يقدر علينا وقد كنا ترابًا وضللنا في الأرض (٣). فقال الله تعالى:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4125>٤ </span>- ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ﴾ أي: ما تأكل من لحومهم ودمائهم وأشعارهم وأبدانهم.\nوهذا قول الحسن، ومجاهد، ومقاتل، والكلبي (٤).\nوقال السدي: قد علمنا من يموت منهم (٥). جعل نقص الأرض، من الناس الموت، وذلك أن من مات دفن في الأرض، فهي تأخذ من مات، وتنقص من الناس بالأخذ منهم. وهذا قول قتادة، والضحاك (٦).\nثم ذكر أن عنده بذلك كتابًا فقال: ﴿وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ﴾ قال ابن عباس: يريد اللوح المحفوظ (٧).\n_________\n(١) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٢٣ ب، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٢٠.\n(٢) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ٧٥ - ٧٦.\n(٣) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٢٤ أ.\n(٤) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٢٤ أ، \"جامع البيان\" ٢٦/ ٩٤، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٢٠.\n(٥) انظر: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٢٠، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ٤.\n(٦) انظر: \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٢٣٦، \"جامع البيان\" ٢٦/ ٩٤.\n(٧) انظر: \"الكشف والبيان\" ١٠/ ١٧٥ ب، \"غرائب القرآن\" ٢٦/ ١٠٧ ولم ينسبه لقائل.","vol":"20","page":380},{"text":"وقال الضحاك: وعندنا كتاب محفوظ بعدتهم وأسمائهم (١).\nوقال مقاتل: محفوظ من الشياطين، يعني اللوح المحفوظ (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4126>٥ </span>- ثم استأنف فقال: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ﴾ [ق: ٥] أي: بالقرآن ومحمد -ﷺ-. قاله المفسرون (٣). ﴿فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾ قال أبو عبيدة والمبرد: مختلط (٤). يقال للشيء المُخلّى، قد اختلط بعضه ببعض: مريج، ومنه قوله -ﷺ-: \"قد مرجت عهودهم وأماناتهم، وصاروا هكذا وشبك بين أصابعه، (٥). ذكره المبرد (٦). وأصله على هذا من قوله: مرج الشيء، إذا أرسله وخلاه، ومرج دابتَه، خلاها، ومنه قوله: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ﴾ [الرحمن: ١٩]، والمريج المهمل والمهمل يختلط، فسمي المختلط مريجًا.\n_________\n(١) انظر: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٢١، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ٤، \"الدر\" ٦/ ١٠٢.\n(٢) انظر:\"تفسير مقاتل\" ١٢٤ أ.\n(٣) انظر: \"التفسير الكبير\" ٢٨/ ١٥٣، \"روح المعاني\" ٢٦/ ١٧٤، وقال القرطبي في \"جامعه\" ١٧/ ٤ أي بالقرآن في قول الجميع.\n(٤) انظر: \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٢٢.\n(٥) انظر: جزء من حديث صحيح رواه الإمام أحمد في \"مسنده\" ٢/ ١٦٢، ٢١٢، وابن ماجه في \"سننه\" كتاب: الفتن، باب: التثبت في الفتنة ٢/ ١٣٠٧، وأبو داود في كتاب: الملاحم ٤/ ٥١٣، وانظر: \"المسند\" بتحقيق أحمد شاكر ١١/ ٧٠٤٧، ٧٠٦٢، \"صحيح سنن ماجه\" للألباني ٢/ ٣٥٤.\n(٦) لم أجده في مؤلفات المبرد المطبوعة، ولعله نُقل من كتاب \"إعراب القرآن\" للمبرد، وهو من الكتب التي لم يصل إلينا سوى اسمها. انظر: \"منهج ابن حيان النحوي الأندلسي\" في كتابه: \"ارتشاف الضرب من لسان العرب\" تحقيق مزيد إسماعيل نعيم. رسالة في مكتبة الرسائل الجامعية بجامعة الإمام بالرياض.","vol":"20","page":381},{"text":"وأنشد أبو عبيدة قول الهذلي (١) فقال:\nفجالَتْ والتَمَسَتْ به حَشَاها ... فَخَرَّ كأنَّهُ خُوطٌ مَرِيجُ (٢)\nأي غصنٌ قد أرسل من الشجر بأن قطع منه فسقط. وعلى هذا المعنى يدور كلام المفسرين، فإنهم قالوا في تفسير المريج: المختلف والملتبس والمختلط. والاختلاط يؤدي إلى الالتباس.\nوهذا الذي ذكرنا قول ابن عباس، ومجاهد، ومقاتل، والضحاك، وقد قال عطاء عن ابن عباس: يريد مختلط مثل البهائم الممرجة (٣).\nوقيل في قول الهذلي: (خوط مريج) إنه الذي اختلط شعبه والتبس بعضه ببعض (٤). وقال قوم: أصل هذا من المرج وهو القلق والاضطراب.\n_________\n(١) عمرو بن الداخل الهذلي، أصله من بني سهم بن معاوية، له قصيدة جيمية ومنها هذا البيت.\nانظر: \"ديوان الأدب\" ٣/ ٨٩، \"تاريخ التراث العربي\" ٢/ ٢٦١، \"الأمالي\" ١/ ٢٦٤.\n(٢) البيت ورد منسوبًا في \"ديوان الهذليين\" ٣/ ١٠٣، \"تهذيب اللغة\" التحقيق ١١/ ٧٢، \"اللسان\" ٣/ ٤٦١ (مرج). وعند أبي عبيدة نسبه لأبي ذؤيب الهذلي، ولم أجده في \"ديوانه\".\nانظر: \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٢٢، ومعناه أن البقرة راغت عن السهم فأصاب حشوة الجوف وكأن السهم غصن طرح وترك عندما سقط.\n(٣) وممن قال به أيضًا: قتادة، وابن زيد، وابن جبير.\nوقال ابن جرير: \"وقد اختلفت عبارات أهل التأويل في تأويلها، وإن كانت متقاربات المعاني\". \"جامع البيان\" ٢٦/ ٩٤.\nوانظر: \"تفسير مقاتل\" ١٢٤ أ، \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٢٣٦، \"الجاح لأحكام القرآن\" ١٧/ ٤ - ٥.\n(٤) انظر: \"تهذيب اللغة\" ١١/ ٧٢ (مرج).","vol":"20","page":382},{"text":"يقال: مرج الخاتمُ في يدي، ومرج العهود اضطرابها، ومنه قول الشاعر:\nمَرجَ الدِّينُ فأعددتُ له ... مُشْرِفَ الحَارِكِ مَحْبُوكَ الكَتَدْ (١)\nأي: اضطرب والتبس.\nوعلى هذا: المريج المضطرب غير المستقر (٢). وعلى هذا الأصل قول من قال من المفسرين في المريج: الفاسد والمتغير. قال الحسن: ما ترك قوم الحق إلا مرج أمرهم (٣).\nقال أبو إسحاق: هو أنهم كانوا يقولون للنبي -ﷺ- مرة شاعر، ومرة ساحر، ومرة معلَّم. وللقرآن إنه سحر، ومرة يقولون مفترى. وهذا دليل أن أمرهم ملتبس مختلط عليهم. ثم دلهم -﷿- على قدرته على بعثهم بعد الموت بعظيم خلقه الذي يدل على (٤) قدرته على البعث (٥) فقال قوله تعالى:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4127>٦ </span>- ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا﴾ [ق: ٦] قال المفسرون: يعني بغير عمد (٦) ﴿وَزَيَّنَّاهَا﴾ أي بالكواكب ﴿وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ﴾، أي فتوق\n_________\n(١) البيت لأبي دؤاد كما في \"ديوانه\" ص ٣٠٤، \"اللسان\" ٣/ ٤٦١ (مرج)، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ٥ والحارِكُ: أعلى الكاهل. وقيل: الحارك من الفرس فروع الكتفين.\nوالكتد: مجتمع الكتفين من الإنسان والفرس. \"اللسان\" ٣/ ٢١٨ (كتد) ١/ ٦١٥ (حرك).\n(٢) انظر: \"اللسان\" ٣/ ٤٦١، \"المفردات\" ٤٦٥ (مرج).\n(٣) انظر: \"الوسيط\" ٤/ ١٦٣، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٢١.\n(٤) (ك): (عليه على).\n(٥) انظر: \"معاني القرآن\" ٥/ ٤٢.\n(٦) انظر: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٢١، \"روح المعاني\" ٢٦/ ١٧٥، \"تفسير القاسمي\" ١٥/ ٥٤٨٥.","vol":"20","page":383},{"text":"وشقوق وصدوع وفصول. كل هذا من ألفاظهم. وقال مقاتل: من خلل (١). ومعنى الفَرْجِ في اللغة: الخلل، والفُرجة بين الشيئين. ويقال لما بين دوارج (٢) الدابة: الفروج. ومنه قول امرئ القيس:\nتسدُّ به فَرْجَها من دُبُر (٣)\nأراد لما بين فخذيها ورجليها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4128>٨ </span>- قوله تعالى: ﴿تَبْصِرَةً وَذِكْرَى﴾ قال أبو إسحاق: فعلنا لنبصر ونذكر به، ويدلُّ على القدرة: ﴿لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ يرجع إلى الله ويفكر في قدرته (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-4129>٩ </span>- قوله: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا﴾ يعني كثير الخير، وفيه حياة كل شيء وهو المطر. قوله ﴿وَحَبَّ الْحَصِيدِ﴾ الحصيد المَحصود، وقد مَرَّ تفسيرُه عند قوله: ﴿مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ﴾ [هود: ١٠٠] (٥).\nقال ابن عباس: يريد القمح (٦).\n_________\n(١) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٢٤ أ.\n(٢) دوارج الدابة: قوائمها. \"اللسان\" ١/ ٩٦٣ (درج).\n(٣) وصدره:\nلها ذنب مثل ذيل العروس\nانظر: \"ديوانه\" ص ١١٢، \"تهذيب اللغة\" ١١/ ٤٥ (فَرَجَ)، \"الخزانة\" ٧/ ٢١٠.\n(٤) انظر: \"معاني القرآن\" ٥/ ٤٣.\n(٥) عند تفسيره لآية (١٠٠) من سورة هود. ومما قال: الحصيد غير القائم وهو من الديار الخرب والمخسوف به، ومن الزرع ما أهلك ومحي أثره.\n(٦) والذي ورد عنه ﵁ قوله: (الحبوب كلها التي تحصد).\nانظر: \"تنوير المقباس\" ٥/ ٢٥٣، وهو ما قال به الزجاج أيضًا.","vol":"20","page":384},{"text":"وقال قتادة: هو البر والشعير (١).\nوقال أبو إسحاق: جَمع بذلك جميع ما يقتات ويحصد من حب (٢). قال الفراء: الحب الحصيد، وهو مما أضيف إلى نفسه (٣). والبصريون يقولون: أراد حب النبت الحصيد (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4130>١٠ </span>- قوله: ﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ﴾ يعني طوالًا، وبسوقها طولها. يقال: جبل باسق، وبناء باسق، وحَسَب باسق، وبسقت المرأة إذا طالت، وكذلك النخلة (٥).\nوأنشد أبو عبيدة (٦):\nيا ابْنَ الذين بُضُلُهم ... بَسَقْتَ على قَيسٍ فَزَارَة (٧)\n_________\n(١) انظر: \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٢٣٧، \"جامع البيان\" ٢٦/ ٩٦.\n(٢) انظر: \"معاني القرآن\" ٥/ ٤٣.\n(٣) انظر: \"معاني القرآن\" ٣/ ٧٦، قال الأزهري: وقول الزجاج: أصح لأنه أعم. \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٢٢٦ (حصد).\n(٤) انظر: \"إعراب القرآن\" للنحاس ٣/ ٤١٣، \"البحر المحيط\" ٨/ ١٢١.\n(٥) انظر: \"تهذيب اللغة\" ٨/ ٤١٨، \"المفردات\" ص ٤٦ (بسق).\n(٦) انظر: \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٢٣، \"اللسان\" ١/ ٢١٤ (بسق). والبيت لأبي نوفل يمدح ابن هبيرة.\n\"اللسان\" ١/ ٢١٤ (بسق)، \"الدر المصون\" ١٠/ ٢٠ - ٢١.\n(٧) قيس بن عيلان بن مضر بن نزار. قبيلة عظيمة تشعبت إلى ثلاثة بطون من كعب وعمرو وسعد. وغلب اسم قيس على سائر العدنانية.\nانظر: \"معجم قبائل العرب\" ٣/ ٩٧٢.\nوفزارة بطن عص من غطفان وهم بنو فزارة بن ذبيان ومنهم جماعة من العلماء والأئمة من بطن بني غراب. كانت منازلهم بنجد ووادي القرى، ثم تفرقوا. لهم أيام في الإسلام وقبله. انظر: \"معجم قبائل العرب\" ٣/ ٩١٨.","vol":"20","page":385},{"text":"والمفسرون كلهم قالوا في الباسقات: إنها الطوال (١).\nقوله: ﴿لَهَا طَلْعٌ﴾ وهو أول ما يظهر من ثمر النخل. يقال: طَلَعَ الطَّلعُ أي يطلعُ طلوعًا، وأطلعت النخلة، إذا أخرجت طلعها. وطلعها كفرَّاها (٢) قبل أن ينشق. وقال المفضل: الطلع أول ما يرى من عذق النخلة الواحدة طَلْعَة (٣).\nقوله: ﴿نَضِيدٌ﴾ يقال: نضدت الشيء أنضده نضدًا، إذا وضعت بعضه فوق بعض، وهو منضود ونضيد ونضد.\nقال المفسرون (٤): (نضيد) منضود بعضه على بعض.\nقال الفراء: طلع الكُفُرَّى نضيد ما كان في أكمامه، فإذا خرج من أكمامه فليس بنضيد (٥). وهذا قول الكلبي، واختاره ابن قتيبة فقال: وذلك قبل أن ينفتح، فإذا انشق جفت الطلعة وتفرقت فليس بنضيد (٦). ومجاهد\n_________\n(١) قاله ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، والحسن، وقتادة، والسدي، وغيرهم.\nانظر: \"تفسير مجاهد\" ٢/ ٦١٠، \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٢٣٧، \"جامع البيان\" ٢٦/ ٩٦، \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٢٢٢.\n(٢) الكَفَرُ، الكُفُرِّي، والكِفِرَّي، والكَفَرَّي، والكُفَّري، وعاء طلع النخل.\nوكفُرَّاهُ: بالضم وتشديد الراء وفتح الفاء وضمها هو وعاء الطلع وقشره الأعلى. \"اللسان\" ٣/ ٢٧٥ (كفر).\n(٣) انظر: \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٧٣، \"اللسان\" ٢/ ٦٠٥ (طلع).\n(٤) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٢٤ أ، \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٢٣٧، \"جامع البيان\" ٢٦/ ٩٦ - ٩٧.\n(٥) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ٧٦، ولم أجده منسوبًا للكلبي.\n(٦) انظر: \"تفسير غريب القرآن\" ص ٤١٨، والجُفُّ: الوعاء، وجُفُّ الطلعة: وعاؤها الذي تكون فيه.","vol":"20","page":386},{"text":"جعله نصيدًا بعد الانشقاق، فقال: (طلع نضيد): حيث ينشق عنه كمامه (١). والقولان تحتملهما المشاهدة، وذلك أنه قبل الانشقاق أشد تنضدًا بعد الاششقاق، فقال: (طلع نضيد) حيث ينشق عنه كمامه، لا يتفرق حب الثمر حتى ينفصل بعضه عن بعض كالعنب فإن حباته منتضدة على الشِّمراخ (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4131>١١ </span>- قوله تعالى: ﴿رِزْقًا لِلْعِبَادِ﴾ قال أبو إسحاق: ينتصب على وجهين:\nأحدهما: على معنى رزقناهم رزقًا، لأن إنباته هذه الأشياء رزق، ويجوز أن يكون مفعولًا له، المعنى: فأنبتنا هذه الأشياء للرزق (٣).\nقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ الْخُرُوجُ﴾ أي من القبور. والمعنى: كما خلقنا هذه الأشياء نبعثكم كقوله: ﴿كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى﴾ [الأعراف: ٥٧]. وقال ابن عباس: ينزل من السماء مطر كنطف الرجال تنبت عليهم اللحوم والعظام (٤). وهذا معنى قول مقاتل: يخرجون من القبور بالماء، كما أخرجنا النبت من الأرض بالماء (٥).\n_________\n(١) لم أجده عن مجاهد، أو عن غيره، ولعل ما ذكره صاحب \"اللسان\" ٣/ ٦٥٦ في قوله تعالى: ﴿وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ﴾ هو الذي نُضَّد بالحمل من أوله إلى آخره. أو بالورق ليس دونه سوق بارزة. يفسر هذا ويدل عليه.\n(٢) الشمراخ والشُّمروخ: العثكال الذي عليه الشر، وأصله في العذق وقد يكون في العنب.\nوالعثكال، والعثكول، والعثكولة: العذق. \"اللسان\" ٢/ ٣٥٧ (شمرخ) ٢/ ٦٨٥ (عثكل).\n(٣) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ٤٣.\n(٤) لم أجده عن ابن عباس وسيأتي نحوه عن علي ﵁ عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ من سورة الطور.\n(٥) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٢٤ أ.","vol":"20","page":387},{"text":"ثم ذكر الأمم المكذبة تخويقًا لكفار مكة. فقال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4132>١٢ - ١٤ </span>- قوله: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ (١٢) وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ (١٣) وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ﴾ وأخبار هؤلاء قد سبق ذكرُها، وتُبّع هذا هو الذي ذكر في قوله: ﴿أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ﴾ وهو تبع الحميري (١)، أسلم ودعا قومه إلى الإسلام. وكانوا يعبدون النار فأحرقهم الله بالنار.\nقوله: ﴿فَحَقَّ وَعِيدِ﴾ قال ابن عباس: يعني ما أوجب الله لمن كذب أنبياءه من العذاب (٢). وقال مقاتل: فوجب عليهم عذابي (٣).\nوقال أبو إسحاق: فحقت عليهم كلمةُ العذاب والوعيد لمكذبي الرسل (٤).\nثم أنزل جوابًا لقولهم: ﴿ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ قوله تعالى:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4133>١٥ </span>- ﴿أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ﴾ يقال لكل من عجز عن شيء: عَيِيَ به، وعَيِيّ به، وعَيِيَ فلان بهذا الأمر. قال الشاعر:\nعَيُّوا بأمْرِهِمُ كَمَا ... عَيَّتْ ببَيْضَتِهَا الحَمَامَةْ\n_________\n(١) أسعد أبو كرب بن ملك يكرب بن تبع، قدم مكة، وكسا الكعبة. ثم عاد إلى اليمن وآمن بالتوراة ودخل معه عامة أهل اليمن بعد التحاكم إلى نار تأخذ الظالم ولا تضر المظلوم. وهو تبع الأوسط. وتوفي قبل مبعث الرسول -ﷺ- بنحو من سبعمائة سنة. وبعد موته عاد قومه إلى عبادة النيران والأصنام فعاقبهم الله تعالى.\nانظر: \"المعارف\" ٦٣١، \"تاريخ الأمم والملوك\" ١/ ٣٧١، \"البداية والنهاية\" ٢/ ١٦٣، \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٢٢٢.\n(٢) انظر: \"تنوير المقباس\" ٥/ ٢٥٦، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٢٢.\n(٣) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٢٤ أ.\n(٤) انظر: \"معاني القرآن\" ٥/ ٤٣.","vol":"20","page":388},{"text":"ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ﴾ [الأحقاف: ٣٣]. قال ابن عباس: يريد عجزنا (١).\nوقال مقاتل: يقول الله: أعجزنا عن الخلق الأول حين خلقناهم ولم يكونوا شيئًا، فكيف نعيا عن بعثهم (٢)؟ وهذا تقرير لهم؛ لأنهم اعترفوا بأن الله الخالق وأنكروا البعث. ثم ذكر أنهم في شك من البعث بعد الموت فقال: ﴿بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ قال مجاهد، وقتادة: يمترون بالبعث بعد الموت (٣).\nوقال الفراء: أي هم في ضلال وشك (٤).\nوقال المبرد: التبس عليهم إعادة الخلق (٥). وذكرنا معنى اللبس عند قوله: ﴿وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ﴾ [الأنعام: ٩] (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4134>١٦ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ﴾ يعني ابن آدم، وهو اسم\n_________\n(١) انظر: \"الوسيط\" ٤/ ١٦٤، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٢٢، \"تفسير القاسمي\" ١٥/ ٥٤٨٨، ولم ينسبوه لقائل.\n(٢) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٢٤ ب.\n(٣) انظر: \"تفسير مجاهد\" ٢/ ٦١٠، \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٢٣٧، \"جامع البيان\" ٢٦/ ٩٨.\n(٤) انظر: \"معاني القرآن\" ٣/ ٧٧.\n(٥) لم أجده عنه وهو معنى ما روي عن مجاهد، وقتادة، وأصحاب اللغة.\n(٦) مما قال عند تفسيره لهذه الآية: لبست الأمر على القوم ألبسه لبسًا، إذا شبهته عليهم وجعلته مشكلًا. قال ابن السكب: يقال: لبست عليه الأمر إذا خلطته عليه حتى لا يعرف جهته. قال أهل اللغة: معنى اللبس منع النفس من إدراك المعنى بما هو كالستر له، وأصله من الستر بالثوب. ومنه لبس الثوب؛ لأنه ستر النفس به.\nوانظر: \"تهذيب اللغة\" ١٢/ ٤٤٢ \"اللسان\" ٣/ ٣٣٥ (لبس).","vol":"20","page":389},{"text":"الجنس ﴿وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ يعني يُحدث به قلبه. والمعنى: يعلم ما يخفي ويكن في نفسه. وذكرنا معنى الوسوسة عند قوله: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ﴾ [الأعراف: ٢٠] (١).\nقوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ قال أهل اللغة: الوريد: عرق تحت اللسان يتفرق في البدن، وهو في العضد فَلِيقٌ (٢)، وفي الذراع الأكحل، وفيما تفرق من ظهر الكفِّ الأشاجعُ (٣)، وفي بطن الذراع الرَّواهش (٤).\nوقال أبو الهيثم (٥): الوريدان عرقان بجنب الودجين عن يمين ثغرة النحر ويسارها. قال: والوريدان ينبضان أبدًا من الإنسان. فكل عرق ينبض فهو من الأوردة التي فيها مجرى الحياة، والوريد من العروق ما جرى فيه\n_________\n(١) الآية (٢٠) من سورة الأعراف موضع سقط من المخطوطة.\nوالوسوسة هي الصوت الخفي من ريح، والوسوسة والوسواس: حديث النفس، والوسواس بالفتح هو الشيطان. انظر: \"تهذيب اللغة\" ١٣/ ١٣٦ (وسس)، \"اللسان\" ٣/ ٩٢٢ (وسس).\n(٢) الفليق: عرق في العضد يجري على العظم إلى نغضِ الكتف. \"تهذيب اللغة\" ١٥٦/ ٩، \"اللسان\" ٢/ ١١٢٨ (فلق). ونغض الكتف هو أعلى منقطع غضروف الكتف.\n(٣) الأشاجع: العصب الممدود فوق السّلامى من بين الرسغ إلى أصول الأصابع. وقيل: رؤوس الأصابع التي تتصل بعصب ظاهر الكف، وقيل عروق ظاهر الكف، وهو مغرز الأصابع.\n\"تهذيب اللغة\" ١/ ٣٣١، \"اللسان\" ٢/ ٢٧٣ (شجع).\n(٤) الرواهش: واحدها راهشة، أو راهش، وهي عروق باطن الذراع. \"تهذيب اللغة\" ٦/ ٨١، \"اللسان\" ١/ ١٢٣٩ (رهش).\n(٥) انظر: \"تهذيب اللغة\" ٤/ ١٦٣، \"اللسان\" ٣/ ٩٠٨ (ورد).","vol":"20","page":390},{"text":"النَّفس ولم يجر فيه الدم.\nوقال الليث: هما وريدان مكتنفان صفحتي العنق، يقال للغضبان: قد انتفخ وريداه، والجميع الأوردة، والورد (١). وذكر الفراء وأبو عبيدة والزجاج أن الوريد في الحلق وباطن العنق (٢).\nقال مقاتل: هو عرق يخالط القلب، فعِلْمُ الربِّ ﵎ أقرب إلى القلب من ذلك العرق (٣).\nوقال أهل المعاني (٤): المعنى: ونحن أقرب إليه في العلم وما تحدث به نفسه من هذا العرق المخالط للإنسان، وذلك أن أبعاض الإنسان وأجزاءه يحجب بعضها بعضًا، ولا يحجب علم الله عنه شيء (٥).\nثم ذكر أنه مع علمه به وكَّل به ملكين يحفظان ويكتبان عليه عمله إلزامًا للحجة فقال: قوله:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4135>١٧ </span>- ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ﴾ (إذ) يتعلق بمحذوف دل عليه ما قبله وهو العلم، كأنه قيل: يعلم، ما يعمل، ويقول إذ يتلقى الملكان. أخبر أنه عالم\n_________\n(١) انظر المرجع السابق.\n(٢) انظر: \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٢٣، \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ٧٦، \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ٤٤.\n(٣) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٢٤ ب، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ٩.\n(٤) قال ابن الصلاح: وحيث رأيت في كتب التفسير (قال أهل المعاني) فالمراد به مصنفو الكتب في \"معاني القرآن\" كالزجاج ومن قبله. وفي بعض كلام الواحدي: أكثر أهل المعاني: الفراء والزجاج، وابن الأنباري. قالوا كذا\nانظر: \"البرهان في علوم القرآن\" ١/ ٢٩١\n(٥) انظر: \"الكشف والبيان\" ١١/ ١٧٨ ب، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٢٢، \"الجامع لأحكام القرآن\" ٩/ ١٧.","vol":"20","page":391},{"text":"بأحواله وما يثبت عليه الملكان فلا يحتاج إلى الملكين ليخبراه، ولكنهما وكِّلا به إلزامًا للحجة وتوكيدًا للأمر عليه. والتلقِّي معناه: التلقن (١) والأخذ. ذكرنا ذلك عند قوله: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ﴾ [البقرة: ٣٧] (٢) ومفعول التلقي محذوف وتقديره: يتلقى المتلقيان ألفاظه وأفعاله. ودل علي هذا قوله: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ﴾ الآية.\nقال مقاتل في هذه الآية: يعني الملكين يتلقيان عمل ابن آدم ومنطقه (٣).\nقوله: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ قعيدا كلِّ إنسان حافظاه، وهما الملكان الموكَّلان به، قال ابن قتيبة: قعيد بمنزلة قاعد. مثل: قدير وقادر، وقد يكون بمنزلة: أكيل وشريب (٤). فيكون القعيد بمعنى القاعد، وأصل هذا من القعود، ثم صار اسمًا للملازم للإنسان في كل حال من القيام والقعود والمشي والاضطجاع. ولهذا كانت العرب تطلق هذا الاسم تريد به الله تعالى، على معنى أن الله مع العبد بالعلم أينما كان فيقول: قَعْدَكَ الله وقعيدَك الله، بمنزلة نشدتك الله. وأنشد أبو الهيثم فقال:\n_________\n(١) التَلَقِّي: هو الاستقبال ومنه: فلان يتلقى فلانًا، أي يستقبله، ويأتي بمعنى التلقين، ومنه: الرجل يلقي الكلام، أي يُلقنه. \"اللسان\" ٣/ ٣٨٨ (لقا).\n(٢) عند تفسيره لآية (٣٧) من سورة البقرة، ومما قال: والتلقي في اللغة معناه الاستقبال .. ومنه الحديث: أنه نهى عن تلقي الركبان. قالوا معناه الاستقبال. وتفسير التلقي بالتلقن جائز صحيح وليس من لفظه.\n(٣) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٢٤ ب.\n(٤) انظر: \"تفسير غريب القرآن\" ص ٤١٨.","vol":"20","page":392},{"text":"قَعِيدكُمَا الله الذي أنْتُما له ... ألم تَسْمَعَا بالبيضَتَيْن المُنَادِيَا (١)\nقال: ومعنى قعيدك الله: أي أينما قعدت فأنت مقاعد لله، أي: هو معك، ومن هذا قول المتمم:\nقَعِيدَكِ ألَّا تُسْمِعِيني مَلامَةً ... ولا تَنْكِئي قَرْحَ الفُؤادِ قبيحا (٢)\nقال أبو إسحاق: المعنى عن اليمين قعيد، وعن الشمال قعيد. فدل أحدهما على الآخر، فحذف المدلول عليه، وأنشد (٣):\nنَحْن بما عِنْدَنا وأنْتَ بما ... عِنْدَك رَاضٍ والرَّأيُ مُخْتَلِفُ\nأي: نحن بما عندنا راضون، وأنت بما عندك راضٍ.\nومثله أيضًا:\nرَمَاني بأَمْرٍ كنتُ منه ووالِدِي ... بريئًا ومن أجْلِ الطّوى رَمَانِي (٤)\n_________\n(١) البيت للفرزدق، والبيضتان ماء لبني يربوع وماء لبني دارم.\nانظر: \"ديوان الفرزدق\" ٢/ ٣٦٠، \"اللسان\" ١/ ٢٩٨ (بيض) ٣/ ١٢٩ (قعد)، \"همع الهوامع\" ٤/ ٢٦٢.\n(٢) ورد البيت منسوبًا في \"المفضليات\" ص ٢٦٩، \"الإيضاح في شرح المفصل\" ١/ ٢٣٧، \"تهذيب اللغة\" ١/ ١٩٩، \"اللسان\" ٣/ ١٢٩، (قعد)، \"الخزانة\" ٢/ ٢٠، وكل المصادر روته (فييجعا) بدل (قبيحًا).\n(٣) البيت لقيس بن الخطيم والد ثابت بن قيس الصحابي الجليل، وينسب إلى عمرو بن امرئ القيس الخزرجي.\nانظر: \"ديوان قيس\" ص ٢٣٩، \"الكتاب\" ١/ ٧٥، \"المقتضب\" ٣/ ١١٢، ٤/ ٧٣، \"الأمالي\" ابن الشجري ٢/ ٢٠، \"الإنصاف\" ص ٩٥.\n(٤) البيت لعمرو بن أحمر أو لطرفة الفراصي. انظر: \"الكتاب\" ١/ ٧٥، \"همع الهوامع\" ٢/ ٨٤، \"المذكر والمؤنث\" لابن الأنباري ص ٦٧٨، \"معاني القرآن\" للأخفش ١/ ٢٥٨، ونسبه أبو عبيدة في \"مجاز القرآن\" ٢/ ١٦١ للأَزرق الباهلي.\nوالمراد بالطوي البئر التي كان بينة وبين خصمه خلاف عليها.","vol":"20","page":393},{"text":"قال: المعنى كنت بريئًا وكان والدي منه بريئًا (١). ونحو هذا قال الفراء، وأنشد للفرزدق (٢):\nإني ضَمِنْت لمن أتانِي ما جَنَى ... وأبي فكان وكُنْتُ غَيْرَ غَدُورِ (٣)\nوقال المبرد: فعيل يكون للواحد والجميع، وأنشد هو وأبو عبيدة:\nيا عاذلاتي لا تطلن ملامتي ... إن العواذل لسن (٤) لي بأمير (٥)\nوقال الله تعالى: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ [التحريم: ٤]. وقد ذكرنا هذا عند قوله: ﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩] (٦). والمراد بالقعيد هاهنا: الملازم الذي لا يبرح، لا القاعد الذي هو ضد القائم، قال مجاهد: عن اليمين كاتب الحسنات، وعن الشمال كاتب السيئات (٧).\n_________\n(١) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ٤٤.\n(٢) في (أ): (الفرزدق) والصواب ما أثبته. سبق ترجمته في سورة النساء.\n(٣) ورد البيت في \"الكتاب\" ١/ ٣٨، \"الإنصاف\" ص ٩٥، \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ٧٧، \"المذكر والمؤنث\" ص ٦٧٧، \"الإيضاح في شرح المفصل\"١/ ١٦٨، وليس في \"ديوان الفرزدق\". والشاهد فيه: \"غدور\" ولم يقل: \"غدورين\".\n(٤) أي: (ليس).\n(٥) قال البغدادي في شرح أبيات \"مغني اللبيب\" ٤/ ٤٨٣: والبيت مشهور بتداول العلماء إياه في مصنفاتهم، ولم أقف على قائله اهـ. ونسب في بعض المصادر ليزيد ابن الصعق.\nانظر: \"تهذيب اللغة\" ٦/ ٢٤٤، \"اللسان\" ٢/ ٦٥٨ (ظهر)، \"الخصائص\" ٣/ ١٧١، \"معاني القرآن\" للأخفش ٢/ ٦٤٣، وقوله: (بأمير) أي لسن لي بأمراء.\n(٦) ومما قال عند تفسيره لآية: قال الفراء: وإنما وحد الرفيق وهو حقه الجمع؛ لأن الرفيق والبريد والرسول تذهب بها العرب إلى الواحد وإلى الجمع، ولا يجوز أن تقول: حسن أولئك رجلًا. وقال بعضهم: حسن كل واحد منهما رفيقًا\n(٧) انظر: \"جامع البيان\" ٢٦/ ٩٩، \"الوسيط\" ٤/ ١٦٥.","vol":"20","page":394},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4136>١٨ </span>- قوله تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ﴾ معني اللفظ في اللغة: الرمي من الفم. يقال: لفظ الكلامَ، إذا رماه من أنفه وفمه. والأرض تلفظ الميت إذا لم تقبله، والبحر يلفظ الشيء إذا رَمَى به إلى الساحل (١). والمعنى: ما يتكلم من كلام فيلفظه: ﴿إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ﴾ حافظ. يعني الملك الموكل به، إما صاحب اليمين وإما صاحب الشمال.\nقوله: ﴿عَتِيدٌ﴾ قال الكلبي: حاضر معه يحفظ عمله (٢).\nوقال الزجاج: ثابت لازم (٣). وذكرنا تفسيره عند قوله: ﴿أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [النساء: ١٨] (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4137>١٩ </span>- قوله تعالى: ﴿وَجَاءَتْ﴾ أي: وتجيء. وذُكر بلفظ الماضي إشعارًا بتحقق كونه، كما قال: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ﴾ [الأعراف: ٤٤] وقد مر (٥) قوله ﴿سَكْرَةُ الْمَوْتِ﴾ أي غمرته وشدته التي تغشى الإنسان وتغلب على عقله وفهمه. وذكرنا الكلام في هذا الحرف عند قوله: ﴿سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا﴾ [الحجر: ١٥] (٦).\n_________\n(١) انظر: \"تهذيب اللغة\" ١٤/ ٣٨١، \"المفردات\" (٤٥٢) (الفظ).\n(٢) انظر: \"الوسيط\" ٤/ ١٦٥، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٢٢، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ١١، ولم ينسبوه لقائل.\n(٣) انظر: \"معاني القرآن\" ٥/ ٤٥.\n(٤) ومما قال عند تفسيره الآية: يقال اعتدت الشيء فهو معتد وعتيد، وقد عند الشيء عتادة وهو عتيد حاضر، قاله الليث. قال: ومن هنالك سميت العتيدة التي فيها طيب الرجل وأدهانه.\n(٥) عند تفسيره لآية (٤٤) من سورة الأعراف. ولم يذكر هناك شيئًا عن وروده بصيغة الماضي والله أعلم.\n(٦) مما قاله عند تفسيره لهذه الآية: السَّكر سد الثقب لئلا ينفجر الماء، والسكر في الشرب هو تغير العقل وفساد اللب وقيل السكر في الشراب هو أن ينقطع عما كان =","vol":"20","page":395},{"text":"قوله تعالى: ﴿بِاَلحَقِّ﴾. قال مقاتل: يعني أنه حق كائن (١).\nوقال أبو إسحاق: أي بالموت الذي خلق له (٢). وقال الفراء: يقول بالحق الذي كان غير متبين لهم من أمر الآخرة، ويكون الحق هو الموت. أي جاءت سكرة الموت بحقيقة الموت (٣).\nقوله (٤) تعالى: ﴿ذَلِكَ﴾ أي يقال لمن جاءته سكرة الموت: (ذلك)، أي ذلك الموت ﴿مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ قال مقاتل: يعني كراهية الموت (٥). ونحو هذا قال ابن عباس: تكره (٦). يقال: حاد عن الشيء يحيد حيدًا وحَيْدُودة وحَيَدانا ومحيدًا وحِيَادًا وحُيودًا، إذا مال عنه وهرب (٧). قال عطاء عن ابن عباس: يجتنب ويهرب (٨). وقال الضحاك: يزوغ ويميل وينكص، كل هذا من ألفاظهم (٩).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4138>٢٠ </span>- قوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ قال مقاتل والكلبي: هي النفخة\n_________\n= عليه من المضاء في حال الصحو ولا ينفذ رأيه على حد نفاده في صحوه.\nوانظر: \"تهذيب اللغة\" ١٠/ ٥٥، \"اللسان\" ٢/ ١٧٠، \"المفردات\" (٢٣٦) (سكر).\n(١) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٢٤ ب، \"الوسيط\" ٤/ ١٦٧.\n(٢) انظر: \"معاني القرآن\" ٥/ ٤٥.\n(٣) انظر: \"معاني القرآن\" ٣/ ٧٨.\n(٤) (ك): (وجاءت: أي وتجيء وذكر بلفظ الماضي إشعارًا قوله) والصواب حذفها.\n(٥) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٢٤ ب.\n(٦) انظر: \"تنوير المقباس\" ٥/ ٢٥٦، \"الكشف والبيان\" ١١/ ١٨٠ ب، \"الوسيط\" ٤/ ١٦٧، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٢٣.\n(٧) انظر: \"تهذيب اللغة\" ٥/ ١٨٩، \"اللسان\" ١/ ٧٦٦ (حيد).\n(٨) لم أجده، وهو في معنى القول الأول.\n(٩) انظر: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٢٣، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١/ ١٣.","vol":"20","page":396},{"text":"الأخيرة (١) ﴿ذَلِكَ﴾ أي ذلك اليوم الذي ينفخ فيه في الصور ﴿يَوْمُ الْوَعِيدِ﴾ قال مقاتل: يعني بالوعيد: العذاب في الآخرة (٢). والمعنى: ذلك يوم تحقق الوعيد ووقوع الوعيد، فحذف المضاف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4139>٢١ </span>- ﴿وَجَاءَتْ﴾ أي في ذلك اليوم ﴿كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾ قال ابن عباس ومقاتل والحسن: سائق يسوقها إلى المحشر وإلى أمر الله، وشهيد يشهد عليها بما عملت، وهو قول الجميع (٣).\nقال الكلبي: السائق هو الذي كان يكتب عليه السيئات، والشهيد هو الذي كان يكتب الحسنات (٤).\nقال عبد الله بن مسلم: السائق قرينها من الشياطين، سمي سائقًا؛ لأنه يتبعها وإن لم يحثها ويدفعها. وكان رسول الله -ﷺ- يسوق أصحابه. أي يكون وراءهم. والشهيد الملك الشاهد عليها بما عملت (٥). والمراد بالنفس هاهنا نفس الكافر، يدل عليه قوله:\n\n٢٢ - ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا﴾ اليوم في الدنيا ﴿فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ﴾ قال ابن عباس: الذي كان في الدنيا يغشى قلبك وسمعك وبصرك (٦).\n_________\n(١) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٢٤ ب، \"التفسير الكبير\" ٢٨/ ١٦٤.\n(٢) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٢٤ ب، \"الوسيط\" ٤/ ١٦٧، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٢٣.\n(٣) انظر: \"تنوير المقباس\" ٥/ ٢٥٦، \"تفسير مقاتل\" ١٢٤ ب، \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٢٣٨، \"جامع البيان\" ٢٦/ ١٠١، \"المصنف\" ١٣/ ٤٣٩، وهو قول عثمان بن عفان، ومجاهد، وقتادة، والربيع بن أنس، والضحاك، وابن زيد، وغيرهم.\n(٤) انظر: \"الوسيط\" ٤/ ١٦٧، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٢٣.\n(٥) انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ١٥، \"البحر المحيط\" ٨/ ١٢٤، وقال (وهو قول ضعيف).\n(٦) انظر. \"الوسيط\" ٤/ ١٦٧، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٢٣، ولم ينسب.","vol":"20","page":397},{"text":"وقال ابن قتيبة: أي: أريناك ما كان مستورًا عنك في الدنيا (١).\nوقال أبو إسحاق: هذا مثل، المعنى: كنت بمنزلة من عليه غطاء وعلى قلبه غشاوة ﴿فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ أي فعلمك بما أنت فيه نافذ، وليس يراد بهذا البصر بصر العين (٢). وهذا قول الكلبي واختيار الفراء، قال: المعنى كنت تكذب فأنت اليوم عالم نافذ البصر، والبصر هاهنا: العلم وليس بالعين (٣). والآخرون قالوا: هو العين.\nقال ابن عباس في رواية عطاء: تبصر ما كنت تنكر في الدنيا (٤).\nقال ابن قتيبة: أي: فأنت نافذ البصر لما كشفت عنك الغطاء (٥).\nقال الضحاك: يحشر الكافر وبصره حديد، ثم يزرق ثم يعمى (٦).\nوقال مقاتل: يشخص بصره، فلا يطرف حين يعاين في الآخرة ما كان يكذب به في الدنيا (٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4140>٢٣ </span>- قوله تعالى: ﴿وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾ قال مقاتل: يعني صاحبه، وهذا الملك الذي كان يكتب عمله السىِّء في الدنيا يقول لربه: كنت وكلتني به في الدنيا فهذا عندي معد حاضر قد آتيتك به (٨). ونحو هذا\n_________\n(١) انظر: \"تأويل المشكل\" ص ٤<span data-type=\"title\" id=toc-4141>٢٢</span>.\n(٢) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ٤٥.\n(٣) انظر: \"تنوير المقباس\" ٥/ ٢٥٧، \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ٧٨، وأخرج ابن جرير في \"جامعه\" ٢٦/ ١٠٣ عن قتادة.\n(٤) انظر: \"معالم التزيل\" ٤/ ٢٢٣، ولم ينسبه.\n(٥) انظر: \"تأويل المشكل\" ص ٤٢٢. وعبارته: فأنت ثاقب.\n(٦) انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ١٥.\n(٧) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٢٤ ب.\n(٨) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٢٤ ب.","vol":"20","page":398},{"text":"قال الكلبي (١). وعلى قولهما يحتمل أن يكون المراد بقوله: ﴿هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾ الشخص الذي أتي به ويكون ﴿مَا﴾ بمعنى (من) (٢)، ويحتمل أن يكون المراد ديوان أعماله وما كتب عليه. وقد صرح مجاهد بالقول الأول وقال: هذا الذي وكلتني به من ابن آدم قد أحضرته (٣).\nوابن قتيبة صرح بالقول الثاني فقال: يعني ما كتبته من عمله حاضر عندي (٤). وسيبويه جعل ﴿مَا﴾ هاهنا نكرة فقال: المعنى هذا شيء لدي عتيد، فارتفع ﴿عَتِيدٌ﴾ لأنه صفة لـ ﴿مَا﴾ (٥). وذكر أبو إسحاق في رفع عتيد وجهين آخرين:\nأحدهما: أن يرفع بإضمار (هو) كأنه قيل: هذا شيء لدي هو عتيد.\nوالآخر: أن يكون خبرًا بعد خبر، كما تقول: هذا حلو حامض (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4142>٢٤ </span>- ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ﴾ قال مقاتل: يقول الله ألقيا في جهنم يعني الخازن، وهو في كلام العرب: خذاه، يعني الواحد (٧).\nوقال الكلبي: كلام العرب ألقيا لواحد (٨) واختار الأخفش، والفراء هذا المذهب، وهو أن هذا خطاب للواحد بلفظ التثنية على عادة العرب يأمرون الواحد كما يأمر الاثنان، يقولون: قوما عنا للرجل. وويلك\n_________\n(١) لم أجده عن الكلبي.\n(٢) انظر: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٢٣.\n(٣) انظر: \"الوسيط\" ٤/ ١٦٧، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٢٣، \"الجامع\" للقرطبي ١٧/ ١٦.\n(٤) انظر: \"تأويل المشكل\" ص ٤٢٢.\n(٥) انظر: \"الكتاب\" ١/ ٢٦٩، \"إعراب القرآن\" للنحاس ٣/ ٢٢٠.\n(٦) انظر: \"معاني القرآن\" ٥/ ٤٥.\n(٧) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٢٤ ب.\n(٨) انظر: \"جامع البيان\" ٢٦/ ١٠٣، \"الوسيط\" ٤/ ١٦٧، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٢٣.","vol":"20","page":399},{"text":"ارحلاها وازجراها. قال الفراء: سمعتها من العرب وأنشد (١):\nفقلتُ لصَاحِبي لا تَحْبِسَانا ... بنَزْعِ أصُولِهِ واجْتَزّ شِيحَا\nوأنشد أيضًا:\nفإن تَزْجُرانِي يابنَ عَفَّان أنزَجِرْ ... وإن تَدَعَاني أحَمِ عِرْضًا مُمنَّعا (٢)\nقال الفراء: ويرى أن ذلك منهم؛ لأن الرجل أدنى أعوانه في إبله وغنمه اثنان، وكذلك الرفقة أدنى ما يكون ثلاثة، فجرى كلام الواحد على غالب العادة. ألا ترى الشعراء أكثر شيء: قيلا (٣) يا صاحبي، ويا خليلي، قال امرؤ القيس:\nخليلَيّ مُرّا بي على أمِّ جُنْدُبِ ... لنَقْضِي حَاجَاتِ الفُؤادِ المُعَذَّبِ\nثم قال:\nألم تَرَيَانِي كُلّما جئْتُ طَارِقًا ... وَجَدْتُ بها طِيبًا وإنْ لم تَطَيَّبِ (٤)\nفرجع إلى الواحد، وأول الكلام اثنان (٥).\nوذكر أبو إسحاق عن المبرد أن هذا فعل مبني توكيدًا، كأنه لما قال:\n_________\n(١) البيت لمضرس بن ربيع الفقعسي، وقيل ليزيد بن الطثرية. انظر: \"شرح شواهد الألفية\" ٤/ ٥٩١، \"اللسان\" ١/ ٤٥٣ (جزز) وفيه (لا تحسبنَّا) بدلًا من (لا تحسبانا)، \"شرح المفصل\" ١٠/ ٤٩، \"الخزانة\" ١١/ ١٧، \"سر صناعة الإعراب\" ١/ ١٨٧.\n(٢) البيت لسويد بن كراع. انظر: \"شرح القصائد السبع\" ص ١٦، \"الأغاني\" ١١/ ١٢٣، \"شرح شواهد الشافية\" ص ٤٨٤، \"إملاء العكبري\" ٢/ ٢٤٢، \"الخزانة\" ١١/ ١٧.\n(٣) (ك): (قليلًا).\n(٤) انظر: \"ديوانه\" ص ٤١، ١٢١، \"الخصائص\" ٣/ ٢٨١، \"التصريح بمضمون التوضيح\" ١/ ٢٠٢.\n(٥) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ٧٨ - ٨٩.","vol":"20","page":400},{"text":"(ألقيا) ناب عن قوله: ألق ألق. وكذلك عنده قِفَا، معناه: قف قف، فناب عن فعلين. قال: وهذا قولٌ صالحٌ، والذي ذكره محمد بن يزيد في قوله: ﴿أَلْقِيَا﴾ هو مذهب أبي عثمان المازني، ذهب إلى أن أراد ألق ألق، فثنى ضمير الفاعل فناب ذلك عن تكرير الفعل (١).\nقال أبو الفتح الموصلي: وهذا يدل على شدة اشتراك الفعل والفاعل، ألا ترى أنه لما بني أحدهما وهو ضمير الفاعل ناب عن تكرير الفعل، وإنما ناب عنه لقوة امتزاجهما، فكأن أحدهما إذا حضر فقد حضرا جميعًا (٢). وهذا الذي قاله الموصلي بيان علة جواز نيابة (ألقيا) عن ألق ألق.\nقال أبو إسحاق: والوجه عندي أن يكون أمر الملكين؛ لأن (ألقيا) للاثنين، فأنا اعتقد أنه أمر الاثنين (٣).\nوبهذا قال جماعة من المفسرين؛ فذكروا أن هذا خطاب للمتلقين معًا (٤)، أو للسائق والشاهد جميعًا (٥). والأشهر في هذا ما ذكره الفراء، ويدل عليه قراءة الحسن: (ألقين) بالنون الخفيفة، وهو خطاب الواحد (٦). قوله ﴿كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ﴾ قال الكلبي، ومقاتل: كل كَفّار للنعم، معرض عن\n_________\n(١) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ٤٥ - ٤٦.\n(٢) انظر: \"سر صناعة الإعراب\" ١/ ٢٢٥ - ٢٢٦\n(٣) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ٤٦.\n(٤) انظر: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٢٤، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ١٦.\n(٥) قال ابن كثير: والظاهر أنها مخاطبة مع السائق والشهيد، وبه قال الألوسي، وهو معنى ما قاله الزجاج.\nانظر: \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٢٢٦، \"روح المعاني\" ٢٦/ ١٨٥.\n(٦) انظر: \"الكشاف\" ٤/ ٢٢، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ١٦، \"البحر المحيط\" ٨/ ١٢٦.","vol":"20","page":401},{"text":"الإيمان والتوحيد مجانب له (١). والحنيد بمعنى المعاند كالضجيع والقرين وذكرنا تفسيره عند قوله: ﴿كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ﴾ [إبراهيم: ١٥] (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4143>٢٥ </span>- قوله تعالى: ﴿مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ﴾ أي لا يبذل خيرًا. قال مقاتل: لا يعطي في حق الله (٣).\n(مُعْتَدٍ) ظالم غشوم لا يقر بتوحيد الله، ﴿مُرِيبٍ﴾ قال قتادة والكلبي ومقاتل: شاك في الحق، وهو توحيد الله (٤). وهذا من قولهم: أراب الرجل، إذا صار ذا ريب. وقد ذكرنا ذلك في ابتداء سورة البقرة (٥). وذكر عطاء ومقاتل أن هذه الآيات نزلت في الوليد بن المغيرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4144>٢٧ </span>- قوله تعالى: ﴿قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ﴾ اختلفوا في المراد بالقرين هاهنا فقال ابن عباس في رواية عطاء: يعني قرينه من الشياطين (٦).\n_________\n(١) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٢٤ ب، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٢٤.\n(٢) قال عند تفسيره لهذه الآية: العنيد المعرض عن طاعة الله وهو قول ابن عباس. ومجاهد: هو المجانب للحق. وقال إبراهيم: الناكب عن الحق. وقال ابن زيد: المخالف للحق. وقال أبو إسحاق: الذي يعدل عن القصد. وقال ابن الأعرابي: أعند الرجل إذا عارض إنسانًا بالخلاف، وأعند إذا عارض بالاتفاق. وعند البعير خطامه أي عارضه. والعنود من الإبل التي تعاند الإبل فتعارضه. وقال قوم من أهل اللغة: معنى عند إذا أبى قبول الشيء مع العلم به تكبرًا عنه وبغيًا وطغيانًا.\n(٣) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٢٤ ب، \"الوسيط\" ٤/ ١٦٧.\n(٤) انظر: \"جامع البيان\" ٢٦/ ١٠٤، \"الوسيط\" ٤/ ١٦٧، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ١٧.\n(٥) عند تفسيره لآية (٢) من سورة البقرة. ومما قال: الريب الشك. يقال: رابني فلان يريبني، أي علمت منه الريبة. وأرابني أوهمنيها ولم يحققها.\n(٦) انظر: \"جامع البيان\" ٢٦/ ١٠٤، \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٢٢٦.","vol":"20","page":402},{"text":"وقال مقاتل: ﴿قَرِينُهُ﴾ هو شيطانه (١). واختاره ابن قتيبة (٢). وعلى هذا القول معنى الآية هو: أن شيطانه يعتذر إلى ربه يقول: لم يكن لي قوة بأن أقوله بغير سلطانك ﴿وَلَكِنْ كَانَ﴾ في الدنيا (في ضَلَالٍ بَعِيدٍ) طويل. ذكره مقاتل (٣). ومعنى ﴿مَا أَطْغَيْتُهُ﴾ ما أَضللته وأغويته. أي لم أتول ذلك من نفسي ولكنه كان في ضلال عن الحق بخذلانك إياه، كأنه يقول: لم أكن سبب طغيانه (٤).\nوقال الكلبي: يقول الملك: ربنا ما أطغيته (٥)، وعلى هذا القول المراد بالقرين الملك. وهو قول سعيد بن جبير. قال: يقول الكافر: رب إن الملك زاد عليّ في الكتابة (٦). واختار الفراء هذا القول فقال: إن الكافر يقول: يا رب إنه كان يعجلني عن التوبة، فيقول الملك: ربنا ما أطغيته (٧) أي: ما أعجلته عن التوبة وما زدت عليه. والمعنى: لم أكن سبب طغيانه بالإعجال والزيادة عليه، ولكن كان في ضلال بعيد لا يرجع إلى الحق ولا إلى التوبة. فيقول الله تعالى: ﴿لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ﴾ قال ابن قتيبة: وذكر الله\n_________\n(١) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٢٥ أ.\n(٢) انظر: \"تأويل المشكل\" ص ٤٢٢.\n(٣) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٢٥ أ.\n(٤) انظر: \"الوسيط\" ٤/ ١٦٧، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٢٤.\n(٥) لم أجده.\n(٦) انظر: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٢٤، \"الجامع\" للقرطبي ١٧/ ١٧، \"فتح القدير\" ٥/ ٧٧.\nوهو مروي عن ابن عباس، ومقاتل. انظر: \"تنوير المقباس\" ٥/ ٢٥٩، \"الكشف والبيان\" ١١/ ١٨١ ب، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٢٤\n(٧) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ٧٦.","vol":"20","page":403},{"text":"اختصامهم في سورة الصافات وهو قوله: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (٢٧) قَالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ﴾ الآيات إلى قوله: ﴿فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ في الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الصافات: ٣٣] (١) وهذا يدل على أن المراد بالقرين الشيطان\nقوله تعالى: ﴿وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ﴾ يعني ما ذكر من الوعيد بالعذاب لمن عصى الرسل.\nقال مقاتل: يقول قد أخبرتكم في الدنيا بعذابي في الآخرة (٢). وقدَّم هاهنا إن كان واقعًا فالباء في ﴿بِالْوَعِيدِ﴾ زائدة مؤكدة، وإن كان لازمًا بمعنى يقدم كما ذكرنا في قوله: ﴿لَا تُقَدِّمُوا﴾ [الحجرات: ١] (٣) فالباء للتعدية (٤).\nثم ذكر أنه لا تبديل لقوله ولا خلف لوعده فقال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4145>٢٩ </span>- ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء: يريد ما لوعدي خلف لأهل طاعتي ولا لأهل معصيتي (٥).\nوقال مجاهد: قد قضيت ما أنا قاض (٦).\nوقال مقاتل: يقول الذي قلت لكم في الدنيا من الوعيد قد قضيته (٧)\n_________\n(١) من آية (٢٧ - ٣٣) من سورة الصافات. وانظر: \"تأويل المشكل\" ص ٤٢٣.\n(٢) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٢٥ أ.\n(٣) قال: قدم هاهنا بمعنى تقدم. وهو لازم لا يقتضي مفعولًا .. قال الفراء: يقال: قدمت في أمر كذا وكذا وتقدمت. وقال الأزهري: ويقال: قدم ويقدم وتقدم يتقدم وأقدم يقدم واستقدم يستقدم بمعنى واحد.\n(٤) انظر: \"البحر المحيط\" ٨/ ١٢٦، \"فتح القدير\" ٥/ ٧٧، \"روح المعاني\" ٢٦/ ١٨٦.\n(٥) لم أجده.\n(٦) انظر: \"تفسير مجاهد\" ٢/ ٦١٢، \"جامع البيان\" ٢٦/ ١٠٥، \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٢٢٦.\n(٧) (ك): (قضيت). والصواب ما أثبته.","vol":"20","page":404},{"text":"عليكم فلا تبديل له (١). فعلى هذا معني الآية: لا تبديل لقول الله فيما ذكر من وعيد الكفار.\nقال المفسرون (٢): وهو قوله: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود: ١١٩، السجدة: ١٣]. وقال أبو إسحاق: يعني قوله: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا﴾ (٣).\nفإن قيل: على هذا كيف يجوز النسخ مع قوله: ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ﴾ قلنا سبق قضاؤه بنسخ ما ينسخه، فلو لم ينسخ وقد سبق به الحكم حينئذ لزم تبديل القول.\nوهكذا نقول في فائدة الدعاء والشفاعة (٤). وذكر الكلبي في الآية قولًا آخر فقال: معنى الآية: ما يغير القول عندي بالكذب (٥). يعني من كذب عندي فالغيب لا يخفى علي، وعلى هذا القول هو قول العبد لا قول الله تعالى. واختار الفراء وابن قتيبة هذا القول.\nقال الفراء: معناه ما يكذب عندي للعلم بالغيب (٦). وقال ابن قتيبة: ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ﴾ أي لا يُغير عن جهته ولا يُحَرّف، ولا يزاد فيه ولا\n_________\n(١) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٢٥ أ.\n(٢) انظر: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٢٤، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ١٧.\n(٣) من آية (١٦٠) من سورة الأنعام. وانظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ٤٦.\n(٤) انظر: \"نواسخ القرآن\" لابن الجوزي ص ١٦، \"مناهل العرفان\" ٢/ ١٩٨، \"مباحث في علوم القرآن\" ٢٣٤ - ٢٣٥.\n(٥) انظر: \"الكشف والبيان\" ١١/ ١٨١ ب، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٢٤، \"فتح القدير\" ٥/ ٧٧.\n(٦) انظر: \"معانى القرآن\" للفراء ٣/ ٧٩.","vol":"20","page":405},{"text":"ينقص، لأني أعلم كيف ضلوا وكيف أضللتموهم (١). وهذا القول كأنه أظهر؛ لأنه قال (القول لديّ) ولم يقل (قولي) (٢). وهذا كما يقال: لا تكذب عندي. ولو قال قائل: لا يغير القول لديّ، فهم من كلامه أنه يقول: لا يكذب عندي بل يؤدي القول عندي على وجهه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4146>٣٠ </span>- قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ﴾ قال أبو إسحاق: نصب ﴿يَوْمَ﴾ على وجهين:\nعلى معنى: ما يبدل القول لديّ في ذلك اليوم.\nوعلى معنى: أنذرهم يوم نقول، كما قال: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ﴾ (٣).\nوقرأ نافع: (يقول) بالياء على معنى: يقول الله. وقراءة العامة (٤) أشبه بما قبله من قوله: ﴿وَقَدْ قَدَّمْتُ﴾ وقوله: ﴿وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ والنون في المعنى مثل: أقول، فهو أشبه بما قبله (٥).\nوقوله: ﴿هَلِ امْتَلَأْتِ﴾ قال جماعة علماء التأويل (٦): الله تعالى عالم هل امتلأت أم لا، وسؤالها عن امتلائها توبيخ لمن أُدْخِلها، ودلالة على صدق قوله: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ﴾ أراها الله تعالى تصديق قوله: ﴿لَأَمْلَأَنَّ﴾ فلما امتلأت قال لها: ﴿هَلِ امْتَلَأْتِ﴾، قال أبو إسحاق: ووجه مخاطبتها جعل\n_________\n(١) انظر: \"تأويل المشكل\" ص ٤٢٣.\n(٢) ذكره الشوكاني، ثم قال: والأول أولى، \"فتح القدير\" ٥/ ٧٧.\n(٣) من آية (٣٩) من سورة مريم. وانظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ٤٦.\n(٤) قرأ نافع وأبو بكر (يقول) بالياء. وقرأ الباقون (نقول) بالنون. انظر: \"حجة القراءات\" ص ٦٧٨، \"النشر\" ٢/ ٣٧٦، \"الإتحاف\" ص ٣٩٨.\n(٥) انظر: \"الحجة للقراء السبعة\" ٦/ ٢١٣.\n(٦) انظر: \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٢٣٨، \"جامع البيان\" ٢٦/ ١٠٥، \"القرطبي\" ١٧/ ١٨.","vol":"20","page":406},{"text":"فيها ما به يتميز وتخاطب، كما جعل في النملة التي قالت: ﴿يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ﴾ [النمل: ١٨] (١).\nقوله تعالى: ﴿وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء: يريد هل فيّ من سَعَة. وقد ضاقت بأهلها (٢). وقال مجاهد في رواية ابن أبي نجيح: وَعَدَهَا الله ليملأنها فقال: وفيتك. فقالت: فهل فيّ من مسلك (٣). وقال في رواية ابن أبي مريم: لا يزال يقذف فيها حتى تقول: قد امتلأت، فهل فيّ من مزيد (٤).\nوروى مقاتل بن سليمان قال: فتنتفض فتقول: قد امتلأت وليس فيّ مزيد. تقول: ليس فيّ سَعَة (٥). وعلى هذا معنى الاستفهام في قوله: ﴿هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ الإنكار (٦). أي قد امتلأت ولم يبق فيّ موضع لم يمتلئ.\nوقال ابن عباس في رواية أبي صالح (٧): معنى قوله: ﴿هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾\n_________\n(١) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ٤٧. والمؤلف ﵀ تصرف في عبارة الزجاج، ونصها: ووجه مخاطبتها أن الله -﷿- جعل فيها ..\n(٢) انظر: \"تنوير المقباس\" ٥/ ٢٥٩، من طريق الكلبي، \"تفسير مقاتل\" ١٢٥ أ، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٢٤.\n(٣) انظر: \"تفسير مجاهد\" ٢/ ٦١٢، \"جامع البيان\" ٢٦/ ١٠٥.\n(٤) انظر: \"الدر المنثور\" ٦/ ١٠٧، ونسب إخراجه لسعيد بن منصور وابن المنذر.\n(٥) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٢٥ أ، \"الكشف والبيان\" ١١/ ١٨١ ب.\n(٦) قلت: قول المؤلف ﵀: ومعنى الاستفهام الإنكار هو من كلام شيخه الثعلبي، ولا يليق بهذا المقام على القراءتين إذ لا يتصور إنكار من مخلوق على الله تعالى وبخاصة في يوم القيامة، بل الاستفهام فيه من الضعف والاستصغار أمام عظمة الله تعالى ما يرد وصفه بالإنكار والله أعلم.\n(٧) باذام أو باذان مولى أم هانئ. وثقه بعض أهل العلم، وتكلم فيه بعضهم، واختار الشيخ أحمد شاكر توثيقه، وقال ابن معين: إذا روى عنه الكلبي فليس بشيء، =","vol":"20","page":407},{"text":"مسألة للزيادة (١)، كأنها تستزيد إلى ما فيها. ولهذه الاستزادة مع قول: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ﴾ وجوه:\nأحدها: أن هذا السؤال كان قبل دخول جميع أهل النار فيها (٢)\nوالآخر: إنَّما طلبت أن يزاد في سعتها لتضايقها بأهلها (٣).\nوقال أبو إسحاق: إنها تقول: هل من مزيد تغيظًا على من فيها، يعني أن طلب الزيادة حنقًا على أهلها، تقول: هل بقي أحد لم أنتقم لك منه، فالزيادة (٤) ليس أنها لم تمتلئ فطلب الزيادة (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4147>٣١ </span>- قوله تعالى: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ قال مقاتل: قربت\n_________\n= وإذا روى عنه غير الكلبي فليس به بأس.\nانظر: \"تهذيب الكمال\" ١/ ١٣٧، \"الجرح والتعديل\" ١/ ٤٣٢، \"مسند الإمام أحمد\" بتحقيق شاكر ٣/ ٣٢٣، \"تهذيب التهذيب\" ١/ ٤١٦، \"ميزان الاعتدال\" ١/ ٢٩٦.\n(١) انظر: \"جامع البيان\" ٢٦/ ١٠٦، \"الكشف والبيان\" ١١/ ١٨١ ب، \"الوسيط\" ٤/ ١٦٨.\nقلت: والقول بأن قوله تعالى: ﴿هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ معنى: هل بقي شيء تزيدوني، هو الظاهر من السياق وعليه تدل الأحاديث الصحيحة.\nانظر: \"صحيح البخاري\"، كتاب: التفسير، باب: وتقول هل من مزيد، ٦/ ١٧٣، \"صحيح مسلم\"، كتاب: الجنة وصفة نعيمها وأهلها باب: النار يدخله الجبارون ٤/ ٢١٨٦، \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٢٣٨، \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٢٢٦.\n(٢) انظر: \"الكشف والبيان\" ١١/ ١٨١ ب، \"الوسيط\" ٤/ ١٦٨، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٢٤\n(٣) انظر: \"التفسير الكبير\" ٢٨/ ١٧٤، \"فتح القدير\" ٥/ ٧٧.\n(٤) (ك): (فازادة).\n(٥) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ٤٧.","vol":"20","page":408},{"text":"الجنة للمتقين الشرك غير بعيد، فينظرون إليها قبل دخولها حين تنصب على يمين العرش (١) ويقال لهم:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4148>٣٢ </span>- ﴿هَذَا﴾ أي هذا الجزاء أو هذا الشيء الذي ترونه: ﴿مَا تُوعَدُونَ﴾ قوله: ﴿لِكُلِّ أَوَّابٍ﴾ بدل من قوله: ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٢) ويجوز أن يكون التقدير: هذا ما توعدون لكل أواب حفيظ منكم. فحذف (منكم) لدلالة الخطاب عليه (٣).\nقال ابن عباس: يريد لكل راجع عن معاصي الله (٤). وقال عبيد بن عمير: الأواب الذي يتذكر ذنوبه ثم يستغفر منها (٥).\nوقال مجاهد: هو الذي إذا ذكر ذنبه في الخلاء استغفر منه (٦).\nوقال ابن المسيب: هو الذي يذنب ثم يتوب، ثم يذنب ثم يتوب (٧). وأصله من الرجوع، وقد مر تفسيره عند قوله: ﴿لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾ [الإسراء: ٢٥] (٨)\nقوله: ﴿حَفِيظٌ﴾ قال ابن عباس: أي لما ائتمنه الله عليه وافترضه (٩).\n_________\n(١) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٢٥ أ، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٢٥.\n(٢) انظر: \"الكشاف\" ٤/ ٢٤.\n(٣) انظر: \"فتح القدير\" ٥/ ٧٨.\n(٤) انظر: \"تنوير المقباس\" ٥/ ٢٦٠، \"الوسيط\" ٤/ ١٦٨.\n(٥) انظر: \"المصنف\" ١٣/ ٤٤٠، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ٢٠، \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٢٢٨، \"فتح القدير\" ٥/ ٧٨.\n(٦) انظر: \"الكشف والبيان\" ١١/ ١٨٢ ب، \"الوسيط\" ٤/ ١٦٨، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٢٥.\n(٧) انظر: \"الوسيط\" ٤/ ١٦٨، \"معا لم التنزيل\" ٤/ ٢٢٥، \"الدر\" ٦/ ١٠٧.\n(٨) عند تفسيره لآية (٢٥) من سورة الإسراء. وهو بنفس النص المذكور هنا.\n(٩) انظر: \"تنوير المقباس\" ٥/ ٢٦٠، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ٢٠ عن قتادة.","vol":"20","page":409},{"text":"وقال الكلبي ومقاتل: حافظ لأمر الله (١).\nوقال قتادة: حافقالما استودعه الله من حقه ونعمته (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4149>٣٣ </span>- قوله تعالى: ﴿مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾ يجوز أن يكون بدلًا من قوله: ﴿أَوَّابٍ حَفِيظٍ﴾، ويجوز أن يكون استئنافًا على: هو من خشي الرحمن ويجوز أن يكون ابتداء يراد به الجزاء، على معنى: من خشي الرحمن قيل له: ﴿ادْخُلُوهَا﴾ وادخلوها جواب للجزاء، أضمرت قبله القول وجعلته فعلًا للجميع وهو قوله: ﴿ادْخُلُوهَا﴾، لأن (من) يكون في مذهب الجمع ذكر ذلك الفراء (٣).\nومعنى ﴿خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾ قال ابن عباس: يقول يخافني ولا يرائي فكأنه يرائي (٤).\nوقال مقاتل: أطاعه ولم يره (٥). وهذا كما ذكرنا في قوله: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة: ٣] ومعنى هذا الغيب: غيبته عن رؤية الله. وقال الضحاك والسدي والحسن: يعني: في الخلوة، حيث لا يراه أحد إذا أرخى الستر وأغلق الباب (٦). وعلى هذا الغيب غيبته عن الناس ورؤيتهم.\n_________\n(١) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٢٥ أ.\n(٢) انظر: \"جامع البيان\" ٢٦/ ١٠٧، \"الكشف والبيان\" ١١/ ١٨٢ أ، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٢٥.\n(٣) انظر: \"معاني القرآن\" ٣/ ٧٩، \"إعراب القرآن\" للنحاس ٣/ ٢٢٣، \"مشكل إعراب القرآن\" ٢/ ٦٨٥.\n(٤) انظر: \"تنوير المقباس\" ٥/ ٢٦٠، \"الوسيط\" ٤/ ١٦٩، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٢٥.\n(٥) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٢٥ أ.\n(٦) انظر: \"الكشف والبيان\" ١١/ ١٨٢ ب، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٢٥، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ٢١، \"فتح القدير\" ٥/ ٧٨.","vol":"20","page":410},{"text":"قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾ قال مقاتل: وجاء في الآخرة بقلب مخلص (١). قال عطاء عن ابن عباس: راجع عن معاصي الله (٢).\nوقال أبو صالح عنه: مقبل إلى طاعة الله (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4150>٣٤ </span>- وقوله: ﴿ادْخُلُوهَا﴾ أي يقال لهم: ادخلوا الجنة ﴿بِسَلَامٍ﴾ قال ابن عباس: بسلامة قد إنقطعت عنهم الهموم وأمنوا الموت (٤). وقال قتادة: سلموا من عذاب الله وسلم الله عليهم (٥).\n﴿ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ﴾ في الجنة، لأنه لا موت فيها. قاله مقاتل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4151>٣٥ </span>- ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا﴾ ثم يزيدهم الله من عنده ما لم يسألوه ولم يخطرهم على بال، فذلك قوله: ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ (٦) يعني وعندنا لهم مزيد. وقال عطاء عن ابن عباس: المزيد ما يزيدهم الله من الحور العين إلى ما عندهم من بنات آدم (٧).\nوقال الكلبي عنه: هو أن الملائكة تأتي أحدهم بالهدايا من عند الله\n_________\n(١) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٢٥ أ، \"الوسيط\" ٤/ ١٦٩.\n(٢) انظر: \"الوسيط\" ٤/ ١٦٩، ولم ينسبه لقائل.\n(٣) انظر: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٢٥، \"الجامع\" للقرطبي ١٧/ ٢١، \"فتح القدير\" ٥/ ٧٨.\n(٤) انظر: \"تنوير المقباس\" ٥/ ٢٦٠، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٢٥.\n(٥) انظر: \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٢٣٩، \"جامع البيان\" ٢٦/ ١٠٨.\n(٦) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٢٥ أ.\n(٧) انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ٢١، لاروح المعاني\" ٢٦/ ١٩٠، \"الدر\" ٦/ ١٠٨، قال: وأخرج أحمد وأبو يعلى، وابن جرير بسند حسن عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله -ﷺ- وفيه: \"ثم تأتيه امرأته فتضرب علي منكبه ... ويسألها من أنت فتقول: أنا من المزيد\". وانظر: \"جامع البيان\" ٢٦/ ١١٠.","vol":"20","page":411},{"text":"فإذانظر إليها أعجبته، فتقول الملائكة للشجر الذي بفناء بابه: الله يأمرك أن تنفطري له عن كل ما يشاء من مقل هذه، وهو المزيد (١).\nوقال كثير بن مرة (٢) وغيره: هو أن السحابة تمر بأهل الجنة فتقول: ما تريدون أن أمطركم؟ فلا يدعون بشيء إلا أمطر لهم، وتمطر لهم الحور العين، فتقول الحور: نحن الذين قال الله: ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ (٣) وروي عن أنس ابن مالك في قوله ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ قال: يظهر لهم الرب ﵎ (٤)\nوروى ذلك أيضًا عن جابر ويشهد لهذا التأويل قوله: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] (٥).\n_________\n(١) لم أجده.\n(٢) كثير بن مرة أبو شجرة، ويقال أبو القاسم الحضرمي، الحمصي، ثقة. سمع عمر، وروى عن معاذ وعبادة بن الصامت وجماعة، ويقال إنه أدرك سبعين بدريًا وشهد الجابيَّة مع عمر.\nانظر: \"التاريخ الكبير\" ٤/ ٢٠٨، \"طبقات ابن سعد\" ٧/ ٤٤٨، \"تقريب التهذيب\" ٢/ ١٣٣، \"سير أعلام النبلاء\" ٦/ ٤٦، \"أسد الغابة\" ٤/ ٢٣٣.\n(٣) أخرج ابن أبي حاتم نحوه. انظر: \"الدر\" ٦/ ١٠٩، \"روح المعاني\" ٢٦/ ١٩٠، قلت: لعل الأقوال السابقة من المزيد الذي ذكره الله تعالى تندرج في معنى الحديث الصحيح: \"فيها ما لا عن رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر\".\n(٤) أخرجه الشافعي، وأبو يعلى، وابن أبي شيبة وغيرهم من طريق جيدة. \"الدر المنثور\" ٦/ ١٠٨.\n(٥) قال ابن كثير: وقد روى تفسير الزيادة بالنظر إلى وجهه الكريم الجمهور من السلف والخلف، \"تفسير القرآن العظيم\" ٢/ ١٩١.\nوانظر: \"صحيح مسلم\"، كتاب: الإيمان، باب: إثبات رؤية المؤمنين في الآخرة لربهم ١/ ١٦٣.\n\"سنن الترمذي\"، كتاب: التفسير سورة يونس ٥/ ٢٧٦، \"سنن ابن ماجه\" ١/ ٦٧ =","vol":"20","page":412},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4152>٣٦ </span>- قوله تعالى: ﴿فَنَقَّبُوا في الْبِلَادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ﴾ قال عطاء عن ابن عباس: ساروا (١). وقال الكلبي عنه: تقلبوا (٢) وقال مجاهد: ضربوا (٣).\nوقال النضر: دَوّروا (٤). وقال أبو عبيدة: طافوا وتباعدوا (٥).\nوقال الفراء: خرّقوا البلاد فساروا فيها (٦).\nوقال الزجاج: طوفوا وفتشوا. قال ومنه: نقيب القوم للذي يعرف أمرهم (٧).\nوقال المبرد: نقبوا في اللغة: طوفوا. وأصله من النقب وهو الطريق، كأنهم سلكوا كل طريق.\nوأنشدوا لامرئ القيس (٨):\nوقد نَقّبْتُ في الآفَاقِ حتَّى ... رَضِيتُ من الغَنِيمَةِ بالإيَابِ\nومعنى الآية: أن القرون الماضية ساروا في البلاد فلم يجدوا محيصًا\n_________\n= في المقدمة، \"شرح النووي على مسلم\" ٣/ ١٧، \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٢٢٨.\n(١) انظر: \"تنوير المقباس\" ٥/ ٢٦٠، \"جامع البيان\" ٢٦/ ١١٠، \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٢٢٩.\n(٢) انظر: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٢٦، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ٢٢.\n(٣) انظر: \"تفسير مجاهد\" ٢/ ٦١٢، \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٢٢٩.\n(٤) (ك): (دوخوا) وانظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ٢٢، \"فتح القدير\" ٥/ ٨٠.\n(٥) انظر: \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٢٤.\n(٦) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ٧٩.\n(٧) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ٤٨.\n(٨) انظر: \"ديوانه\" ٧٣، \"اللسان\" ٣/ ٦٩٧ (نقب)، والمراجع السابقة. ورواية الديوان \"طوفت\" بدل \"نقبت\". وقد ذكرها عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى﴾ آية: ٧ من سورة النجم.","vol":"20","page":413},{"text":"عن أمر الله. قال قتادة: حاص أعداء الله فوجدوا أمر الله لهم مدركًا (١) وقال أبو إسحاق: طوفوا وفتشوا فلم يروا محيصًا من الموت (٢). أخبر الله عنهم أنهم طلبوا المهرب من الموت فلم يجدوا. وتقدير اللفظ: فنقبوا في البلاد هل من محيص لهم فلم يجدوا. وفي هذا إنذار لأهل مكة أنهم على مثل سبيلهم لا يجدون مفرًا من الموت. يموتون فيصيرون إلى عذاب الله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4153>٣٧ </span>- قوله: ﴿إِنَّ في ذَلِكَ﴾ أي في إهلاكهم: ﴿لَذِكْرَى﴾ يعني تذكرة وموعظة ﴿لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء، وأبي صالح: عقل (٣).\nقال الفراء: وهذا جائز في العربية أن يقول: مالك قلب، وما قلبك معك. أي: ما عقلك معك، وأين يذهب قلبك. أي: أين يذهب عقلك (٤).\nوقال غيره: إنما جاز ﴿لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ لأن من لا يعي الذكر لا يعتد بما له من القلب، والمعنى: لمن صرف قلبه إلى التفهم، لأن من لم يتفهم كان بمنزلة من لا قلب له، ألا ترى أن الكفار ما لم يستمعوا سماع تفهم واسترشاد جعلوا بمنزلة من لا يسمع فقيل في صفتهم: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ﴾ (٥) وهذا قول أبي إسحاق (٦).\nقوله تعالى: ﴿أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ قال أبو عبيدة والفراء:\n_________\n(١) انظر: \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٢٣٩، \"جامع البيان\" ٢٦/ ١١٠.\n(٢) انظر: \"معاني القرآن\" ٥/ ٤٨.\n(٣) انظر: \"تنوير المقباس\" ٥/ ٢٦٢، \"الوسيط\" ٤/ ١٧٠، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٢٦.\n(٤) انظر: \"معاني القرآن\" ٣/ ٨٠.\n(٥) انظر: من آية (١٨) و(١٧١) من سورة البقرة.\n(٦) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ٤٨.","vol":"20","page":414},{"text":"وقال: ألقى سمعه إلى الشيء، وألق سمعك إليّ: استمع مني. فمعنى: ﴿أَلْقَى السَّمْعَ﴾ استمع (١)، وليس يراد بالسمع هاهنا الأذن، وإنما يراد حاسة السمع، كأنه قيل: وجه سمعه وأصغى حاسة سمعه إلى ما يقال له. وقوله: ﴿وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ قال ابن عباس ومقاتل: وهو شاهد غير غائب (٢).\nقال ابن قتيبة: استمع كتاب الله وهو شاهد القلب والفهم ليس بغافل ولا ساهٍ (٣). فالمعنى: وهو شهيد بالفهم والقلب.\nقال أبو إسحاق: ويجوز أن يكون: ﴿وَهُوَ﴾ كناية عن القلب. أي وقلبه حاضر فيما يسمع (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4154>٣٨ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا في سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ قال جماعة المفسرين (٥): إن اليهود قالت: خلق الله السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام، أولها يوم الأحد وآخرها يوم الجمعة، واستراح يوم السبت، فذلك لا يعمل فيه شيئًا. فأكذبهم الله تعالى بقوله: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ قال الكسائي: يقال لَغَبَ بالفتح يلغُبُ بالضم لغوبًا، ولغِبَ بالكسر يلغَب بالفتح لغبًا - لغتان فهو لاغب (٦).\n_________\n(١) انظر: \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٢٤، \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ٨٠.\n(٢) انظر: \"تنوير المقباس\" ٥/ ٢٦٢، \"تفسير مقاتل\" ١٢٥ ب.\n(٣) انظر: \"تفسير غريب القرآن\" ص ٤١٩.\n(٤) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ٤٩.\n(٥) انظر: \"تنوير المقباس\" ٥/ ٢٦٢، \"تفسير مقاتل\" ١٢٥ ب، \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٢٣٩، \"جامع البيان\" ٢٦/ ١١، \"أسباب النزول\" للواحدي ص ٤٥٨، وبهذا قال ابن عباس، والحسن، وقتادة، ومقاتل، والكلبي، وغيرهم. وأخرجه الحاكم في \"المستدرك\" ٢/ ٤٥٠ عن عكرمة عن ابن عباس.\n(٦) انظر: \"اللسان\" ٣/ ٣٧٥، \"المفردات\" ص ٤٥١ (لغب).","vol":"20","page":415},{"text":"قال ابن عباس: يريد كما يلغب المخلوقون إذا عملوا من النَّصَب والتعب والإعياء (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4155>٣٩ </span>- قوله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ يعني علي بهت اليهود وكذبهم في قول مقاتل (٢). وقال مقاتل (٣): نزلت في المستهزئين بالقرآن، ولم يكن أذن لرسول الله -ﷺ- في القتال بعد.\nوقوله: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ أي صَلِّ حمدًا لله تعالى: ﴿قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ قال مقاتل: يعني صلاة الفجر والعصر (٤). وزاد عطاء والكلبي عن ابن عباس: صلاة الظهر (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4156>٤٠ </span>- ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ﴾ قال عطاء، والكلبي، ومقاتل: يريد المغرب والعشاء (٦).\n﴿وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾ بكسر الهمزة (٧) مصدر أدبر الشيء إدبارًا، إذا ولَّى. وانتصابه هاهنا على الظرف. والمصادر تجعل ظرفًا على إرادة إضافة\n_________\n(١) انظر: لم أجده.\n(٢) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٢٥ ب، \"الوسيط\" ٤/ ١٧٠، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٢٦.\n(٣) انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ٢٤، \"فتح القدير\" ٥/ ٨٠، ولم ينسب لقائل.\n(٤) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٢٥ ب، وفيه (يعني صلاة الفجر والظهر والعصر).\n(٥) انظر: \"تنوير المقباس\" ٥/ ٢٦٢، ٢٦٣، وهو المروي عن مقاتل. ومن المفسرين من علقه بصلاة الفجر وصلاة العصر، ومنهم من علقه بوقت الفجر ووقت العصر. انظر: \"جامع البيان\" ٢٦/ ١١٢، \"تفسير القرآن\" ٤/ ٢٢٩، \"فتح القدير\" ٥/ ٨٠.\n(٦) انظر: \"الوسيط\" ٤/ ١٧١، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٢٧.\n(٧) قرأ نافع، وابن كثير، وحمزة، وأبو جعفر، وخلف: ﴿وَأَدْبَارَ﴾ بكسر الهمزة، وقرأ الباقون بفتحها. انظر: \"حجة القراءات\" ص ٦٧٨، \"النشر\" ٢/ ٣٧٦، \"الإتحاف\" ص ٣٩٨.","vol":"20","page":416},{"text":"أسماء الزمان إليها وحذفها كقولك: جئتك مقدمَ الحاج، وخفوقَ النجم، وخلافةَ فلان. تريد في ذلك كله: وقت كذا، وحذفته. فكذلك يُقدَّر في قوله: وقت إدبار السجود، إلا أن المضاف المحذوف في هذا الباب لا يكاد يظهر ولا يستعمل، ومن فتح الهمزة جعله جمع دُبْرٍ أو دبر، مثل: قُفْلٍ، وأقفال، وطنبٍ وأطناب. وقد استعمل ذلك ظرفًا في نحو: جئتك في دبر الصلاة، وفي أدبار الصلوات، وعلى دبر الشهر الحرام (١).\nقال أوس (٢):\nعلى دُبرِ الشَّهرِ الحَرَامِ بأرْضِنَا ... وما حَوْلَها جَدْبٌ سُنُون تلمَّعُ\nواختلفوا في المأمور به في أدبار السجود، فروى عطاء عن ابن عباس قال: يريد الوتر الذي جعله سنة بعد الصلاة (٣).\nوقال قتادة ومجاهد والكلبي ومقاتل: يعني الركعتين بعد صلاة المغرب (٤)، وهو مذهب علي، وعمر، وأبي هريرة، والحسن، والنخعي، والشعبي، وإبراهيم (٥)، والحسن بن علي -ﷺ-. وروي ذلك مرفوعًا. رواه كريب عن ابن عباس، قال: قال لي النبي -ﷺ-: \"يا ابن عباس ركعتان بعد\n_________\n(١) انظر: \"الحجة للقراء السبعة\" ٦/ ٢١٣ - ٢١٤.\n(٢) لم أقف على البيت في \"ديوان أوس بن حجر\"، وانظر:، الحجة للقراء السبعة\" ٢/ ٣٧٠، ٦/ ٢١٤.\n(٣) انظر: \"الوسيط\" ٢/ ١٧١، \"روح المعاني\" ٢٦/ ١٩٣.\n(٤) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٢٥ ب، \"تفسير مجاهد\" ٢/ ٦١٣، \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٢٤٠، \"الكشف والبيان\" ١١/ ١٨٣ أ.\n(٥) إبراهيم بن مهاجر بن جابر البجلي، ثقة، وكان أبوه من كتاب الحجاج بن يوسف. انظر: \"طبقات ابن سعد\" ٦/ ٣٣١، \"التاريخ الكبير\" ١/ ٣٢٨.","vol":"20","page":417},{"text":"المغرب أدبار السجود\" (١).\nوروى مجاهد عن ابن عباس قال: أمر بالتسبيح، وهو التسبيح باللسان أدبار الصلوات المكتوبة (٢) وعلى هذا أمر بالتسبيح بعد الفراغ من الصلاة. والسجود عبارة عن الصلاة.\nواختار أبو عبيد فتح الهمزة. وقال: لأنه لا إدبار للسجود إنما ذلك للنجوم، ولهذا لم يختلف في كسر ﴿وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾ [الطور: ٤٩] (٣) وأدبار جمع دُبُر، ويقال: دبر الصلاة، أي خلف الصلاة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4157>٤١ </span>- قوله تعالى: ﴿وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ﴾ مفعول الاستماع محذوف على تقدير: واستمع النداء أو الصوت، أو الصيحة، وهي صيحة القيامة والبعث والنشور. واختلفوا في المنادي، فقال الكلبي:\n_________\n(١) رواه الترمذي في التفسير، باب: ومن سورة الطور ٥/ ٣٦٦، عن هشام الرفاعي عن محمد بن فضيل وقال: غريب لا نعرفه مرفوعًا إلا من هذا الوجه.\nوأخرجه الطبري من وجه آخر عن ابن عباس، وإسناده ضعيف، لكن روى ابن المنذر من طريق أبي تميم الجيشاني قال: قال أصحاب رسول الله -ﷺ- في قوله تعالى ﴿وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾ هما الركعتان بعد المغرب، \"فتح الباري\" ٨/ ٥٩٨.\n(٢) انظر: \"تفسير مجاهد\" ٢/ ٦١٣، \"جامع البيان\" ٢٦/ ١١٣، \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٢٣٠، وقال: ويؤيد هذا ما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ وفي \"الاستذكار\" لابن عبد البر ٥/ ٤٣١: عن أبي رزين عن ابن عباس: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ قال: الصلاة المكتوبة يعني الصبح والعصر، وبه قال قتادة وغيره.\n(٣) انظر: \"إعراب القرآن\" للنحاس ٣/ ٢٢٥، وقد ردَّ هذا الاختيار وقال: وهذا مما أخذ عليه، لأن معنى ﴿وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾ وما بعده وما يعقبه فهذا للسجود، والنجوم والإنسان واحد، وقد روى المحدثون الحيلة تفسير ﴿وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾ ﴿وَأَدْبَارَ النُّجُومِ﴾ فلا نعلم أحدًا منهم فرق ما بينهما.","vol":"20","page":418},{"text":"هو جبريل (١)\nوقال مقاتل: هو إسرافيل، وهو أنه ينادي بالحشر فيقول: يا أيها الناس: هلموا إلى الحساب، وذلك في النفخة الأخيرة (٢).\nوقوله: ﴿مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ﴾ أكثر المفسرين (٣) على أنه صخرة بيت المقدس. قال الكلبي: وهي أقرب (٤) الأرض من السماء باثني عشر ميلًا. ونحو ذلك قال مقاتل. قال وهو وسط الأرض (٥).\nوروى عطاء عن ابن عباس قال: يريد من تحت أقدامهم (٦). يعني أن النداء بالحشر يسمعه كل أحد من مكان قريب منه، حتى كأنه يسمعه من تحت قدميه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4158>٤٢ </span>- ﴿يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ﴾ قال المفسرون (٧): يعني النفخة الثانية، ويجوز أن يريد النداء للبعث. وهو قول المنادي: يا أيتها العظام البالية، والأوصال المتقطعة، واللحوم المتمزقة، والشعور المتفرقة، إن الله يأمركن\n_________\n(١) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ٨١، \"الكشاف\" ٤/ ٣٥، \"فتح القدير\" ٥/ ٨١.\n(٢) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٢٥ ب، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٢٧، \"جامع البيان\" ٢٦/ ١١٤، عن بريدة، \"الدر\" ٦/ ١١١.\n(٣) وممن قال به كعب الأحبار وقتادة، ويزيد بن جابر، وابن عباس، وبريدة.\nانظر: \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٢٤٠، \"جامع البيان\" ٢٦/ ١١٤، \"روح المعاني\" ٢٦/ ١٩٤.\n(٤) (أقرب) ساقطة من (ك).\nوانظر: \"الوسيط\" ٤/ ١٧٢، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٢٨، \"القرطبي\" ١٧/ ٢٧.\n(٥) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٢٥ ب، \"جامع البيان\" ٢٦/ ١١٤، عن قتادة.\n(٦) انظر. \"تنوير المقباس\" ٥/ ٢٦٤.\n(٧) انظر: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٢٨.","vol":"20","page":419},{"text":"أن تجتمعن لفصل القضاء (١).\nقوله تعالى: ﴿بِالْحَقّ﴾ قال الكلبي: بالبعث (٢). وقال مقاتل: يعني أنها كائنة حقًّا (٣). ﴿ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ﴾ من القبور.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4159>٤٣ </span>- قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ﴾ قال ابن عباس: يريد كنتم أحياء وأمتناكم ثم إلينا مصيركم (٤). وعلى معنى قول الكلبي ومقاتل معناه: إنَّا نحن نميت في الدنيا ونحيي للبعث (٥).\n﴿وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ﴾ والواو لا توجب ترتيبًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4160>٤٤ </span>- قوله: ﴿يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ﴾ (يوم) ظرف للمصير.\nقوله تعالى: ﴿سِرَاعًا﴾ أي خارجين سراعًا يسرعون إلى الداعي، قال: ﴿مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ﴾ [القمر: ٨].\nقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ﴾، قال عطاء: بَعْثٌ علينا سهل (٦). وقال الكلبي: سَوْق علينا هين (٧).\nوقال مقاتل: جَمْعُ الخلائق علينا هين. ثم عَزّى نبيه -﵇- فقال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4161>٤٥ </span>- ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ﴾ يعني كفار مكة، ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ﴾\n_________\n(١) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٢٥ ب، ١٢٦ أ، \"الكشف والببان\" ١١/ ١٨٣ ب، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٢٧، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ٢٧.\n(٢) انظر: \"الوسيط\" ٤/ ١٧٢، \"فتح القدير\" ٥/ ٨١.\n(٣) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٢٥ ب، \"الوسيط\" ٤/ ١٧٢.\n(٤) انظر: \"تنوير المقباس\" ٥/ ٢٦٤.\n(٥) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٢٥ ب، \"الوسيط\" ٤/ ١٧٢، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ٢٧.\n(٦) انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ٢٧.\n(٧) لم أجده، وهو بمعنى سابقه ولاحقه.","vol":"20","page":420},{"text":"قال المفسرون: بمسلط (١). قال ابن عباس: لم تبعث لتجبرهم على الإسلام والهدى، إنما بعثتُ مذكرًا وذلك قبل أن يؤمر بالقتال (٢).\nقال ابن قتيبة: وجبار ليس من: أجبرت الرجل على الأمر، إذا قهرته عليه، لأنه لا يقال من ذلك، والجبار الملك، سمي بذلك لتجبره.\nيقول: فلست عليهم بملك مسلط (٣). وهذا قول الفراء، قال: لا يقال: دخال بمعنى مُدْخِل، ولا خراج بمعنى مخرج. والجبار من الجبرية وأنشد قول عمرو:\nعَصَيْنَا أمْرَه الجَبَّار فِينَا (٤)\nقال: يريد المنذر (٥) لولايته.\nثم قال: وقد قالت العرب: درّاك من أدركت، فإن قلت: الجبار على هذا من أجبرت، فهو وجه. قال: وسمعت بعض العرب يقول: جبره على الأمر، فالجبار من هذه اللغة صحيح، يريد: يجبرهم ويقهرهم (٦).\n_________\n(١) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٢٦ أ، \"جامع البيان\" ٢٦/ ١١٥، \"الوسيط\" ٤/ ١٧٢.\n(٢) انظر: \"تنوير المقباس\" ٥/ ٢٦٥، \"الوسيط\" ٤/ ١٧٢، \"فتح القدير\" ٥/ ٨١.\n(٣) انظر: \"تفسير غريب القرآن\" ص ٤١٩.\n(٤) البيت لعمرو بن كلثوم، ولم أجده بهذا اللفظ عند غير المؤلف.\nانظر: \"الديوان\" ص ٣٤٩، \"شرح المعلقات السبع\" للزوزني ص ١٠٩، ورواية الديوان:\nإذا ما الملك سام الناس خسفًا ... أبينا أن نقر الذل فينا\n(٥) هو المنذر بن المنذر بن امرئ القيس ملك الحيرة بعد أبيه، خرج يطلب دم أبيه من الحارث بن أبي شمر الغساني، فقتله الحارث، وقيل قتله مرة بن كلثوم التغلبي أخو عمرو بن كلثوم. انظر: \"المعارف\" ص ٦٤٨.\n(٦) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ٨١، \"جامع البيان\" ٢٦/ ١١٥.","vol":"20","page":421},{"text":"قوله: ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ﴾ قال ابن عباس: فعظ بالقرآن من يخاف وعيد ما وعدت من عصاني من العذاب (١).\nقال الكلبي: نسخت هذه الآية وأمثالها بآيات القتال (٢).\nتَمَّتْ.\n_________\n(١) انظر: \"تنوير المقباس\" ٥/ ٢٦٥، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ٢٨.\n(٢) انظر: \"نواسخ القرآن\" ص٢٣٠، \"الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه\" ص ٤١٧، \"فتح القدير\" ٥/ ٨١.","vol":"20","page":422},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4162>سورة الذاريات</span>","vol":"20","page":423},{"text":"تفسير سورة الذاريات\nبسم الله الرحمن الرحيم\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4163>١ </span>- ﴿وَالذَّارِيَاتِ﴾ قال جماعة المفسرين (١): هي الرياح تذرو التراب وهشيم النبت. أي تفرقه كقوله: ﴿تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ﴾ [الكهف: ٤٥] <span data-type=\"title\" id=toc-4164>(٢) </span>وقد مرَّ. وذكر جميعُ أهل اللغة أن ذرت وأذرت بمعنى واحد <span data-type=\"title\" id=toc-4165>(٣)</span>.\nقال أبو إسحاق: ﴿وَالذَّارِيَاتِ﴾ مجرور على القسم، المعنى: أحلف بالذاريات وبهذه الأشياء، قال: وقال قوم: المعنى: وربِّ الذاريات، كما قال -﷿-: ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ (٤)\n\n٢ - قوله: ﴿فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا﴾ يعني السحاب التي تحمل وقرًا، أي ثقلًا من الماء.\n\n٣ - قوله: ﴿فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا﴾ يعني السفن تجري ميسرةً في الماء جريًا سهلًا.\n_________\n(١) وهو المروي عن عمر، وعلي، وابن عباس، ومجاهد، وقتادة وغيرهم. انظر: \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٢٤١، \"جامع البيان\" ٢٦/ ١١٦، \"فتح الباري\" ٨/ ٥٩٨.\n(٢) عند تفسيره لآية [الكهف: ٤٥]. ومما قال: الهشم الكسر، والهاشم الذي يهشم الخبز ولكسره في الثريد، وبه سمي هاشمًا. والهشيم ما تكسر وتهشم وتحطم من يبس النبات. وقال المفسرون في الهثيم: إنه الكسير المتفتت.\n(٣) انظر: \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٢٥، \"تهذيب اللغة\" (ذرا).\n(٤) من (آية: ٢٣) من هذه السورة\" وانظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ٥١.","vol":"20","page":425},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4166>٤ </span>- قوله تعالى: ﴿فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا﴾. قال الكلي ومقاتل: يعني الملائكة جبريل وميكائل وإسرافيل وملك الموت، يقسمون الأمر بين خلقه في الأرض، وهم المدبرات أمرًا.\nقال المبرد: يفرقون في الناس ما أمرهم الله به (١).\nوقال الفراء: جبريل صاحب الغلظة، وميكائل صاحب الرحمة، وملك الموت يأتي بالموت (٢). هؤلاء سموا هذه الأربعة من الملائكة في تفسير المقسمات. وغيرهم ذكروا الملائكة على العموم والإطلاق. قالوا في: ﴿فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا﴾ إنهم الملائكة وهذا أولى من تخصيص الأربعة لقوله: ﴿فَالْمُقَسِّمَاتِ﴾ ومعناه: فالجماعات المقسمات، يعني جماعات الملائكة الذين وكلوا بالأمور يقسمونها على ما أمروا به. وتفسير هذه الآيات على ما ذكرنا مروي عن أمير المؤمنين علي -﵁- وتبعه المفسرون في ذلك فقالوا بقوله (٣).\nوانتصب ﴿يُسْرًا﴾ على تقدير: فالجاريات جريًا يسرًا، فهو نعت مصدر محذوف، وانتصب: ﴿أَمْرًا﴾ في قوله: ﴿فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا﴾ بالمقسمات، أي يقسمون أمرًا أمروا به (٤).\n_________\n(١) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٢٦ أ، \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ٨٢، \"القرطبي\" ١٧/ ٣.\n(٢) (ك): (بالرحمة) وانظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ٨٢ ..\n(٣) وهو المروى عن ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، وغيرهم انظر: \"تفسير مجاهد\" ٢/ ٦١٥، \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٢٤١، \"جامع البيان\" ٢٦/ ١١٦ - ١١٧، \"المستدرك\" ٢/ ٤٦٧ عن علي بن أبي طالب. وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.\n(٤) انظر: \"إعراب القرآن\" للنحاس ٣/ ٢٢٩، \"مشكل إعراب القرآن\" ٢/ ٦٨٦.","vol":"20","page":426},{"text":"ويجوز أن يكون المدعي: فالمقسمات بالأمر. أي بأمر الله تعالى أمروا بذلك أمرًا. وأما معني القَسْم بهذه الأشياء، إن قلنا إنه على إضمار الرب كما ذكره الزجاج فهو ظاهر، وإن قلنا إنه أقسم بهذه الأشياء، فوجه ذلك أنه إنما أقسم بالرياح لما فيها من عظيم العبر في هبوبها تارة وسكونها تارة، وما فيها من الحاجة في تنشئة السحاب وتذرية الطعام، واختلافها في العصوف واللين، فهي تقتضي مصرفًا لها، ومسكنًا، ومحركًا، وأقسم بالسحاب لما فيه من الآيات، وهو أنه ينبئ عن مُحَمل حمله الماء وأمسكه من غير عماد وأغاث بمطره العباد، وأحيا البلاد، وصرفه في وقت الغنى عنه بما لو دام لصار الناس إلى الهلال، ولو انقطع أصلًا لأضرّ بهم جميعًا، وأقسم بالسفن لما فيه من الدلائل بتسخير البحر لجريانها، وتقدير الريح لها بما لو زاد لغرق وما في هداية النفوس إلى صنعتها، وما في عظم النفع فيما ينتقل من بلد إلى بلد بها، وأقسم بالملائكة لما فيه من اللطيفة وعظم الفائدة وجلالة المنزلة بتقسيم الأمور بأمر ربها. وقد دل بهذه الأشياء على توحيده في قوله: ﴿الْفُلْكَ تَجْرِي في الْبَحْرِ﴾ الآية [البقرة: ١٦٤].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4167>٥ </span>- ثم ذكر جواب القسم فقال: ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ﴾ قال ابن عباس: يزيد ما توعدون من أمر الساعة لحق. وهو قول كائن يقع بكم في الآخرة (١).\nوقال مقاتل: إن الذي توعدون من أمر الساعة لحق. وهو قول مجاهد (٢).\n_________\n(١) انظر: \"تنوير المقباس\" ٥/ ٢٦٦، \"الوسيط\" ٤/ ١٧٣، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٢٩.\n(٢) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٢٦ أ، \"تفسير مجاهد\" ٢/ ٦١٥.","vol":"20","page":427},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4168>٦ </span>- قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ﴾ قالوا: وإن الجزاء لكائن. وقال أبو إسحاق: إن المجازاة على أعمالكم لواقعة (١):\n<span data-type=\"title\" id=toc-4169>٧ </span>- ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ﴾ معني الحَبْك في اللغة: إجادة النسج. وقال: حبك الثوب، أي أجاد نسخه، وحبل محبوك، إذا كان شديد الفتل، ومنه قول الراجز:\nوإن تجعَّرتْ بمَحْبُوكٍ مُمَرّ (٢)\nوفرس محبوك الكفل، أي مدمجه.\nقال لبيد:\nمُدْمَج الحَارِك مَحْبُوك الكَفَلْ (٣)\nقال شمر: والمَحبوك في اللغة ما أجيد عمله، ودابة محبوكة إذا كانت مُدْمَجَة الخَلْق (٤). وقال أبو عبيدة والمبرد: الحبُك: الطرائق، واحدتها حِبَاك، وحباك الحمام، طرائق على جناحيه، وطرائق الماء حَبكه (٥) وأنشد\n_________\n(١) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ٥١.\n(٢) ورد في \"تهذيب اللغة\" ١/ ٣٦٢، \"اللسان\" ١/ ٤٦٥ (جعر) وغيرهما ولم أجده منسوبًا.\nليس الجعارُ منجيًا من القَدرْ ... وإن تجعَّرت بمحبوك مُمَرّ\nوالجعار: الحبل. يشد به وسط الرجل إذا نزل في البئر وطرفه في يد رجل. والحبك: الشد. والممر الحبل الذي أجيد قتله، وكل مفتول ممر. انظر: \"اللسان\" ٣/ ٤٦٦ (مرر).\n(٣) البيت في \"ديوان لبيد بن ربيعة\" ص ١٤٤، \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٩٧ (حرك) والحارك: أعلى الكاهل. ورواية الديون:\nساهم الوجه شديد أسْرُهُ مُغبَط الحارِكِ مَحبوكُ الكَفلُ\n(٤) انظر: \"تهذيب اللغة\" ٤/ ١٠٨ (حبك).\n(٥) انظر: \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٢٤، \"اللسان\" ١/ ٥٥٥ (حبك).","vol":"20","page":428},{"text":"أبو عبيدة لزهير:\nمُكَلَّل بأصُولِ النَّبْتِ تْنَسِجُهُ ... ريحُ الجنوبِ لِضاحِيِ مائِه حُبُكُ (١)\nوأنشد للفرزدق:\nوأنت ابن جَبّارَيْ رَبِيعَة حَلَّقَتْ ... بك الشمْسُ في الخَضْراء ذاتِ الحَبائِكِ (٢)\nوقال الفراء: الحبك تكَسُّرٌ بكل شيء كالرملة إذا مرت بها الريح، والماء الدائم إذا مرت به الريح، والدرع إذا كانت من الحديد لها حُبُك أيضًا، والشعرة الجعدة تكسُّرها حبك، وواحد الحُبُك حِبَاك وحَبِيكة، مثل طريقة وطرق، ومثال ومثل (٣).\nقال ابن عباس في رواية عطاء: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ﴾ يريد الخلق الحسن (٤). وهو قول أبي صالح، وأبي مالك وقتادة، والربيع.\nقال الحسن: حُبكتْ بالخلق الحسن (٥). وروي سعيد بن جبير عن ابن عباس في تفسير الحبك قال: حسنها واستواؤها (٦).\nوروى معمر عن قتادة: ﴿ذَاتِ الْحُبُكِ﴾ ذات الخلق الحسن الشديد (٧).\n_________\n(١) البيت في \"ديوانه\" ص ١٧٦، \"المحتسب\" ٢/ ٢٨٧، \"اللسان\" ١/ ٥٥٥ (حبك). وفي الألفاظ بعض الاختلاف، والشاهد فيه أن النجم هو نبت يمتد على وجه الأرض بلا ساق.\n(٢) انظر: \"ديوانه\" ٢/ ٥٦.\n(٣) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ٨٢.\n(٤) انظر: \"تنوير المقباس\" ٥/ ٢٦٦، \"جامع البيان\" ٢٦/ ١١٧.\n(٥) انظر: \"جامع البيان\" ٢٦/ ١١٨.\n(٦) انظر: \"جامع البيان\" ٢٦/ ١١٨، \"الدر\" ٦/ ١١٢.\n(٧) انظر: \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٢٤٢.","vol":"20","page":429},{"text":"وهو قول ابن زيد. قال: ذات (١) الشدة. وقرأ قوله: ﴿سَبْعًا شِدَادًا﴾ [النبأ: ١٢] وهو معنى قول مجاهد: متقنة البنيان (٢).\nوقال في رواية الكلبي: ذات الطرائق، ولكنها بعيد عن العباد فلا يرونها كحبك الماء إذا ضربته الريح وكحبك الرمل، وكحبك الشَّعْر الجعد (٣). ونحو هذا قال مقاتل سواء (٤) وهو قول عكرمة، وقال: إن بنيانها كالبرد المسلسل (٥).\nوقال عبد الله بن عمرو: هي السماء السابعة (٦). يعني: أنها ذات الطرائق لا التي نراها. والاختيار عند أهل اللغة في تفسير: ﴿ذَاتِ الْحُبُكِ﴾ ذات الطرائق الحسنة (٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4170>٨ </span>- ثم ذكر جواب القسم فقال: ﴿إِنَّكُمْ﴾ يعني أهل مكة ﴿لَفِي قَوْلٍ\n_________\n(١) انظر: \"جامع البيان\" ٢٦/ ١١٨، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ٣٢.\n(٢) انظر: \"تفسير مجاهد\" ٢/ ٦١٦، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٢٩.\n(٣) مراد المؤلف من قوله: (وقال في رواية الكلبي) أي ابن عباس، وقد فصل بين الرواية الأولي وهذه بفاصل قد يوهم فوجب التنبيه. انظر: \"تنوير المقباس\" ٥/ ٢٦٦، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٢٩.\n(٤) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٢٦ أ.\n(٥) انظر: \"جامع البيان\" ٢٦/ ١١٨، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٢٩.\n(٦) انظر: \"جامع البيان\" ٢٦/ ١١٨، للالجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ٣١. قال ابن كثير: وكل هذه الأقوال ترجع إلى شيء واحد وهو الحسن والبهاء، كما قال ابن عباس -﵄- فإنها من حسنها مرتفعة شفافة صفيقة شديدة البناء ... \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٢٣٢. والصفيق جيد النسج.\n(٧) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ٥٢. وقال الشنقيطي -﵀-: ﴿ذَاتِ الْحُبُكِ﴾ فيه العلماء أقوال متقاربة لا يكذب بعضها بعضًا .. والآية تشمل الجميع، فكل الأقوال حق. \"أضواء البيان\" ٧/ ٦٦٢ - ٦٦٤.","vol":"20","page":430},{"text":"مُخْتَلِفٍ﴾. قال عطاء عن ابن عباس: يعني في محمد -ﷺ- بعضكم يقول شاعر، وبعضكم يقول مجنون. وفي (١) القرآن: يؤمن به بعضكم ويكفر به بعضكم (٢).\nوقال الكلبي: إنكم بين مصدق ومكذب بمحمد والقرآن (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4171>٩ </span>- ﴿يُؤْفَكُ عَنْهُ﴾ قال أبو عبيدة: يدفع عنه ويحرمه (٤).\nوقال الفراء: يَضْرب عنه. والكناية في ﴿عَنْهُ﴾ يجوز أن يكون للقرآن، أو للإيمان (٥) أو لمحمد -ﷺ-، كل ذلك قد قيل.\nقال ابن عباس: يكذب به من يكذب (٦). والمعنى: يصرف عنه من صُرِفَ حتى يكذب به.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4172>١٠ </span>- قوله تعالى: ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ﴾ قال جماعة المفسرين وأهل المعاني (٧): لعن الكذابون. قال ابن الأنباري: هذا تعليم لنا الدعاء عليهم، معناه: قولوا إذا دعيتم عليهم: قتل الخراصوان. قال: والقتل إذا أخبر عن الله به كان بمعنى اللعنة، إن من لعنه الله فهو بمنزلة المقتول الهالك (٨).\n_________\n(١) في (ك): (يعني في) والصواب ما أثبته.\n(٢) انظر: \"تنوير المقباس\" ٥/ ٢٦٧، \"الوسيط\" ٤/ ١٧٤، \"التفسير الكبير\" ٢٨/ ١٩٧.\n(٣) انظر: \"معالم التزيل\" ٤/ ٢٢٩، \"فتح القدير\" ٥/ ٨٣.\n(٤) انظر: \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٢٤.\n(٥) انظر: \"معاني القرآن\" ٣/ ٨٣.\n(٦) انظر: \"تنوير المقباس\" ٥/ ٢٦٧، \"الوسيط\" ٤/ ١٧٤، \"معالم التزيل\" ٤/ ٢٢٩.\n(٧) انظر: \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٢٤٢، \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ٨٣، \"تفسير غريب القرآن\" ٤٢١، \"جامع البيان\" ٢٦/ ١١٩، \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٢٣٢، \"فتح الباري\" ٨/ ٥٩٩.\n(٨) انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ٣٣، \"فتح القدير\" ٥/ ٨٤.","vol":"20","page":431},{"text":"وأما الخراصون فقال أبو إسحاق: هم الكذابون (١)، يقال: قد تَخَرَّص علىّ فلان بالباطل. قال: ويجوز أن ﴿الَّذِينَ هُمْ في غَمْرَةٍ سَاهُونَ﴾ يكون الخراصون الذين يتظنون الشيء لا يُحقُّونه فيعملون بما لا يدرون صحته (٢). الأزهري: وأصل الخْرَصِ التَّظَنِّي فيما لا يستيقنه، ومنه قيل: خرصت النخل والكرم، إذا حزرته، لأن الحزر فيه الظن لا الإحاطة، ثم قيل للكذب خرص لما يدخله من الظنون الكاذبة (٣). واختلفوا في الخراصين هاهنا مَنْ هم؟ فقال (٤): هم رؤساء قريش الذين رموه بما رموه به من السحر، وهو اختيار الفراء. قال: هم الذين قالوا: محمد شاعر، كذاب، مجنون، ساحر، وأشباه ذلك، خرصوا ما لا علم لهم به (٥). وقال ابن عباس: هم المقتسمون (٦). وهو قول مقاتل. قال: وتخرصهم أنهم قالوا للناس: إن محمدًا شاعر، وساحر، ومجنون (٧).\nوقال مجاهد: هم الكهنة. وهو اختيار أبي عبيدة (٨).\n_________\n(١) انظر: \"معاني القرآن\" ٥/ ٥٢.\n(٢) من قوله: (يقال: قد تخرص) من كلام الزجاج، انظر \"معاني القرآن\" ٥/ ٥٢.\n(٣) انظر: \"تهذيب اللغة\" ٧/ ١٣ (خرص).\n(٤) قوله (فقال) يدل على إسقاط صاحب القول، ونحوه عن ابن عباس، وابن زيد وغيرهما. انظر: \"تنوير المقباس\" ٥/ ٢٦٨، \"جامع البيان\" ٢٦/ ١١٩.\n(٥) انظر: \"معاني القرآن\" ٣/ ٨٣.\n(٦) انظر: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٢٩، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ٣٤، ومراده من المقتسمين. أي اقسموا القول في النبي -ﷺ- فمنهم من رماه بالسحر، ومنهم من رماه بالشعر، ومنهم من رماه بالكهانة.\n(٧) انظر \"تفسير مقاتل\" ١٢٦ أ.\n(٨) انظر: \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٢٥، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٢٩، \"جامع البيان\" ٢٦/ ١١٩، عن ابن عباس.","vol":"20","page":432},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4173>١١ </span>- قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ في غَمْرَةٍ سَاهُونَ﴾ الغمرة ما غمر الشيء فغطاه. يقال: هذا نهر غمر. أي يغمر فيه مَنْ دخله (١) ومنه: ﴿غَمَرَاتِ الْمَوْتِ﴾ وقد مرَّ (٢).\nقال ابن عباس: في عمى وجهالة عن أمر الآخرة ساهون لاهون غافلون (٣). ومعنى السهو في اللغة الغفلة عن الشيء، وذهاب القلب عنه. يقال: سها يسهو سهوًا وسُهوًّا. ذكر ذلك الليث (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4174>١٢ </span>- قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ﴾ قال ابن عباس: متى يوم القيامة الذي فيه الثواب والعقاب (٥).\nوقال الكلبي، ومقاتل: يسألون النبي يقولون: يا محمد متى الساعة وقيامها، واليوم الذي توعدنا به وتزعم أنا نعذب فيه تكذيبًا منهم بالحساب، واستهزاء (٦).\nو﴿أَيَّانَ﴾ معناه في اللغة متى، وفيه لغتان، فتح الهمزة وكسرها (٧).\n_________\n(١) انظر: \"تهذيب اللغة\" ٨/ ١٢٨، \"اللسان\" ٢/ ١٠١٣ (غمر).\n(٢) عند تفسيره للآية [الأنعام: ٩٣] قال: الغمرة شدة الموت وما يغشي الإنسان من همومه وسكراته. وغمرة كل شيء كثرته ومعظمة، ومنه غمرة الماء وغمرة الحرب. ويقال: غمره الشيء إذا علاه وغطاه. قال الزجاج: ويقال لكل من كان في شيء كثير قد غمره ذلك. وغمره الدين إذا كثر عليه. هذا هو الأصل ثم يقال للشدائد والمكاره الغمرات.\n(٣) انظر: \"تنوير المقباس\" ٥/ ٢٦٨، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٢٩.\n(٤) انظر: \"تهذيب اللغة\" ٦/ ٢٦٦، (سهو)، \"اللسان\" ٢/ ٢٣. (سها).\n(٥) انظر: \"تنوير المقباس\" ٥/ ٥٢.\n(٦) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٢٦ أ، \"الوسيط\" ٤/ ١٧٤، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٢٩.\n(٧) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ٥٢، \"تهذيب اللغة\" ١٥/ ٥٤٩ (أيان)، \"الكشاف\" ٢/ ١٠٧، وقراءة الكسر لعبد الرحمن السلمي، وهي لغة لسُليم.","vol":"20","page":433},{"text":"وكأنه مركب من أي والآوان (١) فجعلتا كلمة واحدة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4175>١٣ </span>- ثم أخبر الله تعالى عن ذلك اليوم الذي يسألون عنه فقال: ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ﴾ قال أبو إسحاق: نصب (يوم) على وجهين: أحدهما: على معنى يقع الجزاء يوم هم على النار. والثاني: أن يكون لفظه نصبًا، ومعناه معنى رفع؛ لأنه مضاف إلى جملة، نقول: يعجبني يوم أنت قائم، ويوم تقوم، وإن شئت تحت، وهو في موضع رفع، وهذا كقوله: ﴿وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ﴾ [هود: ٦٦] ففتح يوم وهو في موضع خفض، لأنك أضفته إلى غير متمكن (٢). وقد ذكرنا هذه المسألة عند قوله: ﴿هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ (٣) [المائدة: ١١٩]. في قراءة من قرأ بالنصب. ومعنى (يُفْتَنُونَ) يحرقون ويعذبون بالنار، وكذا قال المفسرون.\nقال المبرد: يقال: فتنت الدينار، إذا أحرقت عنه ما زيد فيه من الغش (٤). وهذا معنى قول مجاهد: كما يفتن الذهب في النار (٥). وقال عكرمة -في هذه الآية-: ألم تر أن الذهب إذا أدخل النار قيل فتن (٦).\n_________\n(١) في (ك): (والألوان) والصواب ما أثبته.\n(٢) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ٥٢ - ٥٣. وفتح (يوم) في [هود: ٦٦] نافع، والسكاكي، وأبو جعفر، والباقون بكسرها. انظر: \"حجة القراءات\" ص ٣٤٤، \"النشر\" ٢/ ٢٨٩، \"الإتحاف\" ص ٢٥٧.\n(٣) وفتح (يوم) نافع، والباقون قرأوا بالرفع. انظر: \"حجة القراءات\" ص ٢٤٢، \"النشر\" ٢/ ٢٥٦، \"الإتحاف\" ص ٢٠٤.\n(٤) لم أقف عليه.\n(٥) انظر: \"جامع البيان\" ٢٦/ ١٢، \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٢٣٣.\n(٦) انظر: \"جامع البيان\" ٢٦/ ١٢، \"الوسيط\" ٤/ ١٧٤.","vol":"20","page":434},{"text":"قال الزجاج: ويقال للحجارة التي كأنها قد أحرقت بالنار الفَتِين (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4176>١٤ </span>- قوله: ﴿ذُوقُواْ﴾ أي يقول لهم خزنة النار ذوقوا فتنتكم. قال جاهد والكلبي: حريقكم (٢).\nوقال آخرون: عذابكم (٣). وهو معنًى، والتفسير هو الأول.\nقوله تعالى: ﴿هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ يجوز أن يكون متصلًا بالكلام الأول ويكون هذا إشارة إلى الفتنة وذكر إرادة الإحراق والعذاب (٤). ويجوز أن يكون الكلام قد تم ثم قيل لهم: هذا العذاب الذي كنتم به تستعجلون في الدنيا استهزاء وتكذيبًا به. وهذا مذهب أبي عبيدة (٥).\nولما ذكر الله تعالى أن الجزاء على الأعمال كائن بقوله: ﴿وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ﴾ ذكر جزاء أهل النار، ثم أعلم ما لأهل الجنة عنده من الجزاء بقوله (٦) تعالى:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4177>١٥، ١٦ </span>- ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ في جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٥) آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ﴾ قال ابن عباس، والمفسرون (٧): ما أعطاهم من الخير والكرامة. وانتصابه\n_________\n(١) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ٥٣.\n(٢) انظر: \"جامع البيان\" ٢٦/ ١٢١، \"الوسيط\" ٤/ ١٧٤، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ٣٥، \"اللسان\" ٢/ ١١٣٧ (فتن).\n(٣) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٢٦ ب، \"جامع البيان\" ٢٦/ ١٢١، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٢٩، وفي \"تنوير المقباس\" ٥/ ٢٦٨، قال: حرقكم وعذابكم ونضجكم.\n(٤) انظر: \"التفسير الكبير\" ٢٨/ ١٩٩، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ٣٥، \"فتح القدير\" ٥/ ٨٤.\n(٥) انظر: \"مجار القرآن\" ٢/ ٢٢٦، \"إعراب القرآن\" للنحاس ٣/ ٢٣٢.\n(٦) (ك): (بقوله قوله).\n(٧) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٢٦ ب، \"الوسيط\" ٤/ ١٧٥، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٣.","vol":"20","page":435},{"text":"على الحال، والعامل فيه ما يقدر مع الجار في خبر إن؛ لأن المعنى: يستقرون في جنات (١).\nثم أثنى عليهم فقال: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ﴾ يعني في الدنيا. قال مقاتل: كانوا قبل ذلك الثواب محسنين في أعمالهم (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4178>١٧ </span>- ثم ذكر إحسانهم فقال: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ والهجع معناه النوم بالليل دون النهار، ومنه يقال: لقيته بعد هجعة. أي بعد نومه من الليل (٣). وكثر الاختلاف في تقدير هذه الآية. وتفسيرها أن (ما) صلة والمعني كانوا يهجعون قليلًا من الليل. أي: لا ينامون بالليل كله ولا كثيره، بل يصلون أكثر الليل (٤). وعلى هذا التأويل قال عطاء (٥): ذاك إذا أمروا بقيام الليل، فكان أبو ذر يأخذ العصا ويعتمد عليها حتى نزلت الرخصة (٦). ويجوز على هذا التأويل معنى آخر، وهو أن يكون الليل اسم الجنس، والمعنى الذي ينامون فيه قليلًا. وهو معنى قول ابن عباس في رواية سعيد بن جبير قال: كانوا قل ليلة تمر بهم الأصلوا فيها (٧).\n_________\n(١) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ٥٣، \"إعراب القرآن\" للنحاس ٣/ ٢٣٣.\n(٢) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٢٦ ب، \"الوسيط\" ٤/ ١٧٥.\n(٣) انظر: \"تهذيب اللغة\" ١/ ١٢٩، \"اللسان\" ٣/ ٧٧٤ (هجع).\n(٤) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ٨٤، \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ٥٣.\n(٥) في (ك): (وعلى هذا التأويل قال عطاء) مكررة.\n(٦) انظر: \"المصنف\" لابن أبي شيبة ٢/ ٢٣٨، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ٣٦، \"الدر\" ٦/ ١١٣، ونسب تخريجه لابن أبي شيبة وابن المنذر وابن نصر.\n(٧) انظر: \"جامع البيان\" ٢٦/ ١٢٢، \"الوسيط\" ٤/ ١٧٥، \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٢٣٣، \"المستدرك\" ٢/ ٤٦٧ وقال: حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.","vol":"20","page":436},{"text":"وقال مطرف بن الشِّخِّير: قل ليلة أتت عليهم هجعوها كلها (١).\nوقال مجاهد: كانوا لا ينامون كل الليل (٢). ووجه آخر وهو الوقف علي قوله: (قَلِيلًا) ثم ابتدأ فقال: ﴿مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ وهذا على نفي النوم عنهم البتة. وهو قول مقاتل والضحاك قالا: كانوا قليلًا (٣). وعلى هذا القول عطاء عن ابن عباس: المراد بهؤلاء القليل ثمانون من نصارى نجران والشام. آمنوا بمحمد -ﷺ- وصدقوه فذكرهم الله في غير موضع من القرآن (٤). وذكر وجهان آخران.\nأحدهما: أن ﴿مَا﴾ في هذه الآية ما المصدر، ويكون التقدير: كانوا قليلًا من الليل هجوعهم. وهذا الوجه ذكره أبو إسحاق والفراء، وكذلك الوجه الأول (٥). واختاره يعقوب ووقف على قوله: ﴿قَلِيلًا﴾ (٦).\n_________\n(١) انظر: \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٢٤٣، \"جامع البيان\" ٢٦/ ١٢٢، \"المصنف\" ٢/ ٢٣٨، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٣.\n(٢) انظر: \"تفسير مجاهد\" ٢/ ٦١٧، \"جامع البيان\" ٢٦/ ١٢٢، \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٢٣٣، \"المصنف\" ١٣/ ٥٦٨.\n(٣) انظر: \"جامع البيان\" ٢٦/ ١٢٣، \"المصنف\" ٢/ ٢٣٩، \"الوسيط\" ٤/ ١٧٥، \"التفسير الكبير\" ٢٨/ ٢٠٢، وفي \"تفسير مقاتل\" ١٢٦ ب قال بقلة نومهم، والله أعلم. وهذا القول رده بعض العلماء لما فيه من تفكيك للنظم، وتقدم معمول العامل المنفي بـ (ما) على عامله لا يجوز عند البصريين. انظر: \"الكشاف\" ٤/ ٢٨، \"البحر المحيط\" ٨/ ١٣٥، \"فتح القدير\" ٥/ ٨٤.\n(٤) انظر: \"الوسيط\" ٤/ ١٧٥.\n(٥) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ٨٤، \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ٥٣.\n(٦) انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ٣٦، وما ذكره القرطبي هو نقل يعقوب له لا اختياره. ثم قال: قال ابن الأنباري: وهذا فاسد؛ لأن الآية إنما تدل على قلة نومهم، لا على قلة عددهم. قلت: مراد المؤلف - ﵀ أن يعقوب اختار =","vol":"20","page":437},{"text":"والآخر: أن (ما) بمعني الذي والتقدير: كانوا قليلًا من الليل الذي يهجعون. وهذا قول الكلبي. قال: كانوا قليلًا من الليل الذي يناموا (١) ويجوز في هذا التأويل الوجهان اللذان ذكرنا في التأويل الأول، بأن يجعل الذي يهجعون بعض الليلة الواحدة، وبعض الليالي فيجعل الليل اسم الجنس. واختار المبرد أن تكون (ما) صلة. وقال: لو كان (ما) للمصدر أو بمعنى الذي، لكان ما قبلها مرفوعًا فيكون: قليل هجوعهم، أو قليل الذي يهجعون (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4179>١٨ </span>- ﴿وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ وأجاز الفراء وأبو إسحاق النصب مع كون (ما) للمصدر (٣). وأقوال المفسرين موافقة للوجوه التي ذكرناها ودالة عليها. فأما قول من قال: كانوا لا ينامون عن العشاء الآخرة. وهو قول أبي العالية. ونحو ذلك قال محمد بن علي: كانوا لا ينامون حتى يصلوا العتمة (٤).\nوروي قتادة عن أنس في هذه الآية قال: كانوا يصلون بين المغرب\n_________\n= الوجه الأول وهو المتقدم على هذا الوجه، حيث قال: ووجه آخر وهو الوقف على قوله ﴿قَلِيلًا﴾. وانظر \"القطع والائتناف\" ص٦٨٠ - ٦٨١.\n(١) انظر: \"جامع البيان\" ٢٦/ ١٢٣، واختار ابن جرير حيث قال: لأن الله ﵎ وصفهم بذلك مدحًا لهم وأثني عليهم به، فوصفهم بكثرة العمل وسهر الليل ومكابدته فيما يقربهم منه ويرضيه عنهم، أولي وأشبه من وصفهم من قلة العمل وكثرة النوم، مع أن الذي اخترنا في ذلك هو أغلب المعاني على ظاهر التنزيل.\n(٢) لم أقف عليه.\n(٣) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ٨٤، \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ٥٣.\n(٤) انظر: \"جامع البيان\" ٢٦/ ١٢٢، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٢٠، \"الجامع الأحكام القرآن\" ١٧/ ٣٦.","vol":"20","page":438},{"text":"والعشاء (١). فهذا يحمل على أن الله تعالى عَدَّ هجوعهم قليلًا في جنب تعظيم الصلاة ومحافظتهم عليها حتى لا يشتغلوا عنها بالنوم. ويدل على أن المراد سهرهم بالليل، وقلة نومهم، قوله تعالى: ﴿وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾. قال عطاء، والكلبي، ومقاتل، ومجاهد: يصلون (٢)، ففسروا الاستغفار بالصلاة، على أن صلاتهم بالأسحار طلب منهم مغفرة الله تعالى. وذهب آخرون إلى ظاهر الاستغفار باللسان. وهو قول ابن مسعود والحسن. وقال أنس: أمرنا أن نستغفر بالأسحار سبعين استغفارًا (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4180>١٩ </span>- ثم ذكر صدقاتهم فقال: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ معنى المحروم في اللغة: الذي حرم الخير حرمانًا. روي أبو عبيد عن الأصمعي: حَرَمْتُ الرجل العطيةَ أَحْرِمه حِرْمَانًا. وزاد أبو نصر (٤): وحَريِمةً. ولغة أخرى: أخْرَمْتُ، وليست بجيدة (٥).\nواختلفوا في المحروم هاهنا مَنْ هو؟ فقال ابن عباس: هو المُحارَفُ. وهو قول نافع، وسعيد بن المسيب، ورواية قيس بن كَرْكَم (٦)\n_________\n(١) انظر: \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٢٤٣، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٣.\n(٢) انظر: \"تفسير مجاهد\" ٢/ ٦١٨، \"تفسير مقاتل\" ١٢٦ ب، \"جامع البيان\" ٢٦/ ١٢٤، \"المصنف\" ١٣/ ٣٢٧، عن ابن عمر، \"الوسيط\" ٤/ ١٧٥.\n(٣) لم أجده.\n(٤) أحمد بن حاتم النحوي: إمام مشهور، كتب: النحو واللغة، وصنف فيهما. قال الأصمعي: لا يُصَدَّق عليَّ إلا أبو نصر. حدث عنه ثعلب، مات سنة (٢٣١ هـ). انظر: \"الأعلام\" ١/ ١٠٤، \"إنباه الرواة\" ٦/ ٣٦، \"تاريخ بغداد\" ٤/ ١١٤، \"معجم الأدباء\" ٢/ ٢٨٣، \"معجم المؤلفين\" ١/ ١٨٦.\n(٥) انظر: \"تهذيب اللغة\" ٥/ ٤٦ (حرم)\n(٦) قيس بن كَرْكَم. قال ابن حبان: هو قيس بن شُقَي، روي عن ابن عباس، وعنه أبو =","vol":"20","page":439},{"text":"عن ابن عباس. واختيار الفراء (١). وفسر إبراهيم، ومجاهد: المحروم المحارف، فقالوا: هو الذي ليس له في الغنيمة شيء، ولا في الإسلام سهم، ولا يجري عليه من الفيء شيء (٢). يدل على صحة هذا التأويل ما روى الحسن بن محمد بن الحنفية (٣) أن النبي -ﷺ- بعث سرية فغنموا فجاء بعدهم قوم لم يشهدوا فنزلت هذه الآية. وقال قتادة، والزهري: المحروم المتعفف الذي لا يسأل. وذكر الزهري قوله -ﷺ-: \"ليس المسكين الذي ترده التمرة والتمرتان، والأكله والأكلتان\". قالوا: فمن المسكين يا رسول الله؟ قال: \"الذي لا يجد غنى ولا يُعْلم بحاجته فيتصدق عليه\" (٤).\nقال الزهري: فذلك المحروم (٥).\n_________\n= إسحاق الهمداني، وأبو إسحاق السبيعي، قال الأزدي: ليس بذاك، ولا أحفظ له حديثًا مسندًا. انظر: \"لسان الميزان\" ٤/ ٤٧٩، \"التاريخ الكبير\" ٤/ ١/ ١٤٩، \"الجرح والتعديل\" ٧/ ١٠٣، \"الثقات\" لابن حبان ٥/ ٣١٢.\n(١) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ٨٤، \"جامع البيان\" ٢٦/ ١٢٤، \"الكشف والبيان\" ١١/ ١٨٣ ب، \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٢٣٤.\n(٢) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٢٦ ب، \"جامع البيان\" ٢٦/ ١٢٥، \"القرطبي\" ١٧/ ٣٨، المحارف: الذي لا يصيب خيرًا من وجه توجه له. \"اللسان\" ١/ ٦١٠ (حرف).\n(٣) أبو محمد الحسن بن محمد بن الحنيفة: ثقة، فقيه. يقال: إنه أول من تكلم في الإرجاء. مات سنة (١٠٠ هـ) أو قبلها بسنة. انظر: \"جامع البيان\" ٢٦/ ١٢٥، \"الكشف والبيان\" ١١/ ١٨٣ ب، \"الدر\" ٦/ ١١٣.\n(٤) حديث متفق عليه، أخرجه البخاري في كتاب: الزكاة، باب: قول الله تعالى: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ ٢/ ١٥٣، وفي ألفاظه اختلاف. ومسلم في كتاب: الزكاة، باب: المسكين الذي لا يجد غنى .. ٢/ ٧١٩، والنسائي في كتاب: الزكاة، باب: تفسير المسكين ٢/ ٤٥٣، وأحمد في \"المسند\" ٢/ ٢٦.\n(٥) انظر: \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٢٤٣ \"الكشف والبيان\" ١١/ ١٨٣ ب، \"الوسيط\" ٤/ ١٧٥، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٣١.","vol":"20","page":440},{"text":"وقال عكرمة: هو الذي لا ينمو له مال (١). وهو رواية ابن أبي نجيح عن مجاهد.\nوقال ابن زيد: هو المصاب ثمره أو زرعه أو نسل ماشيته. وهو قول القرظي. قال: المَحروم صاحب الجائحة. واحتج بقوله: ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ [القلم: ٢٧] (٢).\nوقال الشعبي: أعياني أن أعلم ما المحروم في هذا الحق (٣).\nوقال ابن سيرين: هو الزكاة (٤). وهو قول مجاهد في رواية منصور، قال: كانوا إذا حصدوا أعطوا الزكاة (٥).\nوروى ابن أبي نجيح عنه قال: حق سوى الزكاة (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4181>٢٠ </span>- قوله تعالى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ﴾ قال ابن عباس في رواية الكلبي، ومقاتل: يعني ما فيها من الجبال والبحار والأشجار والثمار والنبت عامًا بعام. وزاد الكلبي: وما فيها من آثار الأمم المهلكة، ففي هذا\n_________\n(١) انظر: \"جامع البيان\" ٢٦/ ١٢٦، \"الكشف والبيان\" ١١/ ١٨٣ ب، \"الدر\" ٦/ ١١٣.\n(٢) انظر: \"جامع البيان\" ٢٦/ ١٢٦، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٣١ \"القرطبي\" ١٧/ ٣٩.\n(٣) انظر: \"جامع البيان\" ٢٦/ ١٢٦، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ٣٩.\n(٤) انظر: \"الدر\" ٦/ ١١٣، عن ابن عمر، \"فتح القدير\" ٥/ ٨٤.\n(٥) لم أجده.\n(٦) انظر: \"تفسير مجاهد\" ٢/ ٦١٨، \"جامع البيان\" ٢٦/ ١٢٦، أخرجه عن زيد بن أسلم ثم قال بعد إيراده للأقوال: فلا قول في ذلك أولى بالصواب من أن تعم كما قال جل ثناؤه: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾. وبهذا قال النحاس، وأبو حيان، والشوكاني، وغيرهم. انظر. \"إعراب القرآن\" للنحاس ٣/ ٢٣٤، \"البحر المحيط\" ٨/ ١٣٦، \"فتح القدير\" ٥/ ٨٥.","vol":"20","page":441},{"text":"كله عبر وآيات للموقنين بالله يعرفونه بصنعه ويوحدونه (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4182>٢١ </span>- ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ﴾ المعنى: وفي الأرض وفي أنفسكم آيات، قاله الفراء (٢).\nقال مقاتل: وفي خلق أنفسكم حين كان نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم عظمًا ثم لحمًا ثم نفخ فيه الروح (٣). وهذا معنى قول قتادة، وفي خلقه أيضًا إذا فكرت فيه معتبر (٤).\nوقال عطاء عن ابن عباس: اختلاف الألسنة والألوان والصور والطبائع (٥). وروي عن ابن الزبير أنه قال: يعني سبيل الخلاء والبول، يأكل ويشرب من مدخل واحد، ويخرج من سبيلين (٦). وهذا معنى ما روى عطاء عن ابن عباس: مدخل الطعام والشراب واحد، ومخرجهما موضعان (٧). قال الفراء: ثم عنفهم فقال: ﴿أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ (٨) قال مقاتل: أفلا تبصرون كيف خلقكم الرب، فتعرفوا أنه قادر على أن يبعثكم كما خلقكم (٩).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4183>٢٢ </span>- قوله تعالى: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ قال ابن عباس ومقاتل\n_________\n(١) انظر: \"تنوير المقباس\" ٥/ ٢٧، \"تفسير مقاتل\" ١٢٦ ب، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ٣٩ - ٤٠، \"فتح القدير\" ٥/ ٨٥.\n(٢) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ٨٤.\n(٣) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٢٦ ب\n(٤) انظر: \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٢٤٤، \"جامع البيان\" ٢٦/ ١٢٦.\n(٥) انظر: \"الوسيط\" ٤/ ١٧٦، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٣١.\n(٦) انظر: \"جامع البيان\" ٢٦/ ١٢٦، \"الوسيط\" ٤/ ١٧٦، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٣١.\n(٧) انظر: \"تنوير المقباس\" ٥/ ٢٧٠.\n(٨) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ٨٤.\n(٩) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٢٦ ب.","vol":"20","page":442},{"text":"ومجاهد: يريد المطر (١).\nقوله تعالى: ﴿وَمَا تُوعَدُونَ﴾ قال عطاء: من الثواب والعقاب (٢). وقال الكلبي: من الخير والشر. وقال مجاهد: الجنة والنار (٣). وقال مقاتل، والربيع، وابن سيرين: وما توعدون من أمر الساعة (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4184>٢٣ </span>- ثم أقسم الرب بنفسه فقال: ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ قال الكلبي: يعني هذا الذي قصصت في الكتاب لكائن (٥).\nقال أبو إسحاق: يعني أن الذي ذكر من أمر الرزق والآيات وأمر النبي -ﷺ- حق (٦). وقال مقاتل: يعني أن أمر الساعة لكائن (٧) ﴿مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾ قرئ ﴿مِثْلَ﴾ رفعًا ونصبًا (٨). فمن قرأ بالرفع جعله من صفه الحق. قاله الفراء، والزجاج (٩). قال أبو علي: وجاز أن يكون (مِّثْلَ) وإن كان\n_________\n(١) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٢٦ ب، \"جامع البيان\" ٢٦/ ١٢٧، \"الوسيط\" ٤/ ١٧٦.\n(٢) انظر: \"الوسيط\" ٤/ ١٧٦، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٣١.\n(٣) انظر: \"الوسيط\" ٤/ ١٧٦، \"فتح القدير\" ٥/ ٨٥، \"الكشف والبيان\" ١١/ ١٨٧ أونسبه للضحاك، وروي عن مجاهد قال: يعني الخير والشر، وعن الضحاك: الجنة والنار، والمعاني متقاربة، ولعل من قال: الخير والشر، أقرب إلى الصواب، حيث يشمل الدنيا والآخرة، وما فيمها من خير وشر. والله أعلم. انظر: \"تفسير مجاهد\" ٢/ ٦١٨، \"جامع البيان\" ٢٦/ ١٢٧، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٣١.\n(٤) انظر: \"فتح القدير\" ٥/ ٨٥.\n(٥) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ٨٤، \"الوسيط\" ٤/ ١٧٦، \"فتح القدير\" ٥/ ٨٥.\n(٦) انظر: \"معاني القرآن\" ٥/ ٥٤.\n(٧) انظر: \"تفسر مقاتل\" ١٢٦ ب، \"الوسيط\" ٤/ ١٧٦.\n(٨) قرأ حمزة والكسائي وخلف وأبو بكر، ﴿مِثْلَ﴾ بالرفع، وقرأ الباقون بالنصب. انظر: \"حجة القراءات\" ص ٦٧٩، \"النشر\" ٢/ ٣٧٧ \"الإتحاف\" ص ٣٩٩.\n(٩) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ٨٥، \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ٥٤.","vol":"20","page":443},{"text":"مضافًا إلى صفة للنكرة، لأن مثلًا لا تختص بالإضافة لكثرة الأشياء التي يقع التماثل بها، فلما لم تخصه الإضافة ولم يزُل عنه الإيهام والشياع الذي كان فيه قبل الإضافة بقي على تنكيره فقالوا: مررت برجل مثلك، فكذلك في الآية لم يتعرف بالإضافة إلى ﴿أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾ وإن كان قوله: ﴿أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾ بمنزلة نطقكم (١). وأمَّا في قوله: ﴿مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ﴾ فقال الفراء: العرب تجمعُ بين الشيئين من الأسماء والأدوات إذا اختلف لفظهما كقول الشاعر:\nما إنْ رأيتُ ولا سَمِعْتُ به (٢)\nفجمع بين ما وإن وهما (٣) جحدان، أحدهما يجزي عن الآخر (٤)، فعلى هذا القول (ما) مع الفعل بمنزلة المصدر، وكذلك ﴿أَن﴾ فكأنه قيل: مثل نطقكم. وقال المبرد: ﴿مَا﴾ زائدة. وبه قال أبو علي -وأبى أن تكون التي بمنزلة أن مع الفعل فتكون مصدرًا- وقال: لأنه لا فعل معها، والتي تكون مع الفعل بمنزلة اسم المصدر تكون مقرونة مع الفعل كقوله: ﴿فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ [الأعراف: ٥١] (٥) والمعنى: فاليوم ننساهم نسيانًا كنسيان يومهم هذا، ولكونهم\n_________\n(١) انظر: \"الحجة للقراء السبعة\" ٦/ ٢١٦.\n(٢) البيت لدريد بن الصمة يصف الخنساء، وقد رآها تهنأ بعيرًا أجرب وتمام البيت:\nكاليوم طالي أيْنقُ جُرْب\nانظر: \"ديوان دريد بن الصمة\" ص ٣٤، \"شرح شواهد المغني\" ٢/ ٩٥٥، \"شرح المفصل\" ٥/ ٨٢، \"مغني اللبيب\" ص ٦٧٩.\n(٣) (ك): (وإنهما).\n(٤) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ٨٥.\n(٥) انظر: \"المسائل المشكلة المعروفة بالبغداديات\" ص ٣٣٤.","vol":"20","page":444},{"text":"جاحدين بآياتنا. قال: ومثل زيادة (ما) هنا زيادتها في قوله: ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ﴾ [نوح: ٢٥] وقوله: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ﴾ [آل عمران: ١٥٩] و﴿قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ﴾ [المؤمنون:٤٠]. وأما منتصب ﴿مِثْلَ﴾ فقال أبو إسحاق: هو في موضع رفع إلا أنه لما أضيفت إلى ﴿أَن﴾ فتح (١).\nوشرحه أبو علي فقال: من نصب (مثل) فإنه لما أضاف مثل إلى مبنيٍّ وهو قوله: ﴿أَنَّكُمْ﴾ بناه كما بُنَى (يومئذ) في قوله: ﴿مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ﴾ [المعارج: ١١] و﴿وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ﴾ [هود: ٦٦] و:\nعَلى حِينَ عاتَبْتُ المَشِيبَ على الصِّبَا (٢)\nوقوله:\nلم يَمْنَعِ الشُّرْبَ منها غيرُ أن نَطَقَتْ (٣)\nفغير في موضع رفع بأنه فاعل، (يمنع) وإنما بنيت هذه الأسماء المبهمة نحو مثل، ويوم، وحين، وغير، إذا أضيفت إلى المبنيِّ لأنها تكتسي منه البناء، لأن المضاف يكتسي من المضاف إليه ما فيه من التعريف\n_________\n(١) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ٥٤.\n(٢) البيت للنابغة الذبياني، وتمامه:\nوقلت ألمَّا أصْحُ والشَّيْبُ وازع\nانظر: \"ديوانه\" ص ١٦٣، \"الكتاب\" لسيبويه ٢/ ٣٣٢، \"الكامل\" ١/ ١٥٨، \"الخزانة\" ٢/ ٤٥٦، \"المصنف\" ١/ ٥٨، \"ارتشاف الضرب\" ٢/ ٥٢٠.\n(٣) صدر بيت لأبي قيس بن الأسلت، وتمامه:\nحمامة في غصون ذات أوقال\nانظر: \"الكتاب\" ١/ ٣٦٩، \"أمالي\" بن الشجري ١/ ٦٩، \"الإنصاف\" ص ٢٨٧، \"الخزانة\" ٣/ ٤٠٦، والأوقال: هي الثمار، مفردها وَقْل. \"اللسان\" ٣/ ٩٧١ (وقيل).","vol":"20","page":445},{"text":"والتنكير والجزاء والاستفهام. تقول: هذا غلام زيد، وصاحب القاضي. فيتعرف الاسم بالإضافة إلى المعرفة، وتقول: غلام (١) مَنْ تضرب؟ فيكون استفهامًا كما تقول: صاحب مَنْ تضرب؟ فيكون جزاءً، فمن بني هذه المبهمة إذا أضافها إلى مبني جعل البناء أحد ما تكتسبه من المضاف إليه، ولا يجوز على هذا: جاءني صاحب خمسة عشر، ولا غلام هذا؛ لأن هذين من الأسماء غير المبهمة، والمبهمة في إبهامها (٢) وبعدها من الاختصاص (٣) كالحروف التي تدل على أمور مبهمة، فلما أضيفت إلى المبنية جاز ذلك فيها. ثم ذكر قولين آخرين في نصب ﴿مِثْلِ مَا﴾: أحدهما: أن تجعل (ما) مع مثل بمنزلة شيء واحد بنيته على الفتح، وإن كانت ما زائدة، وهذا قول أبي عثمان وأنشد في ذلك:\nوَتَدَاعَى مَنْخِرَاهُ بِدَمٍ ... مِثْلَ ما أثْمَرَ حُمَّاضُ الجَبَلْ (٤)\nفذهب إلى أن (مثل ما) بمنزلة شيء واحد، ويدل على جواز بناء مثل مع (ما) وكونه معه بمنزله شيء واحد قول حميد بن ثور:\nووَيَحْا لِمنْ لم يَدْرِ ما هُنَّ وْيحَمَا (٥)\n_________\n(١) (ك): (علا).\n(٢) (ك): (أيامها).\n(٣) (ك): (الاختصان).\n(٤) البيت للنابغة الجعدي، والحمَّاض بقلة برية تنبت أيام الربيع في مسايل الماء ولها ثمرة حمراء. انظر: \"ديوانه\" ص ٨٧، \"أمالي\" ابن الشجري ٢/ ٦٠٤، \"شرح المفصل\" لابن يعيش ٨/ ١٣٥، \"اللسان\" ١/ ٧١٩ (حمض)، \"رصف المباني\" ٣٧٩.\n(٥) صدر البيت:\nألاَ هَيَّمًا مِمَّا لَقِيْتُ وَهَيَّمَا\nوانظر: \"ديوانه\" ص ٦، \"اللسان\" ٣/ ٩٩٦، (ويح) \"الخصائص\" ٢/ ١٨١، ونسبه لحميد بن الأرقط \"ديوان ابن الأرقط\" ص ٧: \"الحجة\" ٦/ ٢١٩.","vol":"20","page":446},{"text":"فبنى ويحًا مع (ما) ولم يلحقه التنوين.\nومثله ما أنشده أحمد بن يحيى:\nأثَوْرَ ما أصِيدُكُمْ أمْ ثَوْرَيْنْ (١)\nأراد أثورًا أصيدكم؟ فبني الثور على الفتح وجعله مع (ما) شيئًا واحدًا.\nالقول الثاني: أن ينتصب على الحال من النكرة الذي هو (حق) في قوله: ﴿إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ والعامل في الحال هو الحق؛ لأنه مصدر. وإلى هذا ذهب أبو عمر الجرمي. وقد حمل أبو الحسن (٢) قوله: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (٤) أَمْرًا﴾ [الدخان: ٤ - ٥] على الحال، وذو الحال قوله: ﴿أَمْرٍ حَكِيمٍ (٤) أَمْرًا﴾ وهو نكرة (٣). وذكر المبرد أيضًا هذا الوجه فقال: يجوز أن يجعل حالًا للنكرة كقوله: هذا رجل قائمًا (٤) وذكر الفراء والزجاج وجهًا آخر. في انتصاب (مثل ما).\nقال الفراء: من نصب (مثل ما) جعله في مذهب مصدر كقولك: إنه لَحَقُّ حقًا (٥).\nوقال الزجاج: يجوز أن يكون منصوبًا على التوكيد على معنى: إنه\n_________\n(١) من الرجز، والآخر:\nأمْ تِيكُم الجَمَّاءَ ذَات القَرْنَيْنْ\nوهو للنضر بن سلمة، كما في \"الخصائص\" ٢/ ١٨، \"اللسان\" ١/ ٣٨٦ (ثور)، \"التصريح بمضمون التوضيح\" ١/ ٢٤، \"الحجة\" ٦/ ٢٢٠.\n(٢) هو الأخفش، وتقدمت ترجمته.\n(٣) انظر: \"الحجة للقراء السبعة\" ٤/ ٣٤٨، ٣٥١، ٦/ ٢٢٢ - ٢١٧.\n(٤) انظر: \"البحر المحيط\" ٨/ ١٣٧.\n(٥) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ٨٥.","vol":"20","page":447},{"text":"لَحَقُّ حقًّا، مثل نطقكم (١). هذا كلامهما. ومعناه أنه نصب لأنه نعت مصدر محذوف. هذا هو الكلام في الإعراب.\nوأما المعنى؛ فقال أبو عبيدة: مجازه كما أنكم تنطقون (٢). وهوقول ابن عباس قال: يريد كما أنكم تنطقون (٣).\nقال الفراء: إنه لحق كما أن الآدمي ناطق، وللآدمي نطق لا لغيره (٤). وقال الزجاج: هذا كما تقول في الكلام: إن هذا لحق كما أنك هاهنا، وإن هذا لحق كما أنك متكلم (٥). هذا قول هؤلاء وبيانه: أن الله تعالى شبه تحقق ما أخبر عنه بتحقيق نطق الآدمي ووجوده، والواحد منا يعرف أنه ناطق ضرورة، فإذا نطق لم يحتج إلى استدلال على نطقه، وعلى أنه ناطق لا يتخالجه في ذلك شك، فكذلك ما أخبر الله تعالى عنه هو في صدقه ووجوده كالذي نعرفه ضرورةً من غير استدلال بشيء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4185>٢٤ </span>- قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ﴾ قصة ضيف إبراهيم قد سبق في سورة هود والحجر (٦).\nقال ابن عباس ومقاتل: يريد قد أتاك (٧).\n_________\n(١) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ٥٤.\n(٢) انظر: \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٢٦.\n(٣) لم أجده.\n(٤) انظر: \"معاني القرآن\" ٣/ ٨٥.\n(٥) انظر: \"معاني القرآن\" ٥/ ٥٤.\n(٦) من [هود: ٦٩ إلى ٧٦]، ومن [الحجر: ٥١ إلى ٦٠].\n(٧) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٢٦ ب، \"الوسيط\" ٤/ ١٧٧.","vol":"20","page":448},{"text":"وقال الكلبي: لم يكن ذلك أتاه حدثيهم في القرآن (١).\nقال الفراء: لم يكن علمه النبي -ﷺ- حتى أنزله عليه (٢).\nوقوله: ﴿الْمُكْرَمِينَ﴾ يعني عند الله -﷿- كما قال في صفة الملائكة: ﴿بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٦] وعلى هذا دل كلام ابن عباس؛ لأنه ذكر أسماءهم فقال: يريد إسرافيل وجبرائيل وميكائيل (٣). وهو قول عبد العزيز بن يحيى. وروي ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: إكرامهم خدمته إياهم بنفسه (٤). ونحو هذا قال مقاتل: أكرمهم إبراهيم فأحسن عليهم القيام، وكان لا يقوم على رأس ضيف، فلما رأى هيأتهم حسنة قام هو وامرأته سارة لخدمتهم (٥). وروي عن مجاهد أيضًا أنه قال: أكرمهم بالعجل (٦) وهو قول الكلبي (٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4186>٢٥ </span>- قوله تعالى: ﴿إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ﴾ الكلام في إعراب هذه الآية والقراءات فيها قد مر مستوفى في سورة هود (٨).\n_________\n(١) انظر: \"الوسيط\" ٤/ ١٧٧، ولم ينسبه لقائل.\n(٢) انظر: \"معاني القرآن\" ٣/ ٨٦.\n(٣) انظر: \"تنوير المقباس\" ٥/ ٢٧١، \"الوسيط\" ٤/ ١٧٧، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ٤٤.\n(٤) انظر: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٣٢، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ٤٥.\n(٥) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٢٦ ب، \"فتح القدير\" ٥/ ٨٧.\n(٦) انظر: \"جامع البيان\" ٢٦/ ١٢٨، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ٤٥.\n(٧) انظر: \"الوسيط\" ٤/ ١٧٧، \"فتح القدير\" ٥/ ٨٧.\n(٨) عن تفسيره [هود: ٦٩] ومما قال: (سلام) التقدير فيه سلام عليكم فحذف الخبر كما حذف من قوله: (فصبر جميل) أي صبر جميل أمثل، أو يكون المعني سلام، وشأني كما أن قوله: (فصبر جميل) يصلح أن يكون المحذوف منه المبتدأ. ومثل ذلك قوله: ﴿فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ﴾ على حذف الخبر أو المبتدأ الذي سلام =","vol":"20","page":449},{"text":"قوله تعالى: ﴿قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾. قال الفراء والزجاج: رفعه على معنى: أنتم قوم منكرون (١).\nوقال ابن عباس: قال في نفسه قوم منكرون (٢). وعلى هذا يكون: هؤلاء قوم منكرون. وهو الوجه؛ لأن الظاهر أنه لم يخاطبهم بهذا، ولو خاطبهم لأجابوه ولم يذكر جوابهم عن إنكاره إياهم، وأيضًا فإنه لم تجر عادة الكرام بإنكار ضيفهم من كان، وإخباره بأنه منكرهم. ومعنى ﴿مُنْكَرُونَ﴾ غير معروفين. واختلفوا لم أنكرهم إبراهيم -﵇-؟ فقال مقاتل: ظن أنهم من الإنس. أي ظنهم إنسًا ولم يعرفهم، فلذلك أنكرهم (٣). ونحو هذا قال الكلبي وغيره، وهو أنه رأى قومًا طيبي الريح حسان الوجوه فظنهم غُربًا من الآدميين، وحينئذٍ تهيأ لضيافتهم (٤). وهو قوله:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4187>٢٦ </span>- ﴿فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ﴾ قال ابن عباس: فمضى إلى منزل سارة (٥).\nوقال مقاتل: فعمد إلى أهله (٦). وقال أبو عبيدة: فعدل إلى أهله (٧).\n_________\n= خبره. اهـ. وفي قوله (سلام) قرأ حمزة والكسائي (سِلْمُ) بكسر السين وإسكان اللام من غير ألف. وقرأ الباقون (سلام) بفتح السين واللام وألف بعدها. انظر: \"حجة القراءات\" ٣٤٦، \"النشر\" ٢/ ٢٩٠، \"الإتحاف\" ص ٢٥٨، \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ٦٠، \"الحجة للقراء السبعة\" ٤/ ٣٥٩.\n(١) انظر: \"معاني القرآن للزجاج\" ٣/ ٨٦، \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ٥٤.\n(٢) \"الوسيط\" ٤/ ١٧٨، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٣٢.\n(٣) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٢٦ ب.\n(٤) انظر: \"تفسير القرآن العظيم\" ٥/ ٢٧٢.\n(٥) انظر: \"تنوير المقباس\" ٥/ ٢٧٢، ولفظه: (فرجع إبراهيم إلى أهله).\n(٦) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٢٦ ب.\n(٧) انظر: \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٢٦.","vol":"20","page":450},{"text":"ومعنى راغ في اللغة: عدل ومال. قال الفراء: فرجع إلى أهله. والروغ وإن كان على هذا المعنى فإنه لا ينطق به حتى يكون صاحبه مُخْفيًا لذهابه ومجيئه. ألا ترى أنك لا تقول: قد راغ أهل مكة، وأنت تريد رجعوا وصدروا (١). ونحو هذا قال أبو إسحاق: عدل إليهم من حيث لا يعلمون (٢).\nوقال المبرد: راغ إليه، أي مال وعدل إليه. ولو قلت: راغ عنه، كان معناه مال عنه وتباعد (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4188>٢٧ - ٢٩ </span>- وقوله تعالى: ﴿فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ﴾ قال أبو إسحاق: المعنى فقربه إليهم ليأكلوا منه، فلم يأكلوا. فقال على النكير لحالهم ﴿أَلَا تَأْكُلُونَ﴾ أي: أمركم في ترك الأكل مما أنكره (٤). وما بعد هذا مفسر فيما سبق إلى قوله: ﴿فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ﴾ (٥).\n_________\n(١) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء٣/ ٨٦.\n(٢) انظر: \"معاني القرآن\" ٥/ ٥٤.\n(٣) انظر: \"تهذيب اللغة\" ٨/ ١٨٦، \"اللسان\" ١/ ١٢٥٧ (روغ).\n(٤) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ٥٥.\n(٥) عند تفسير للآيات [هود: ٦٩ - ٧٠] ومما قال: المراد بالرسل هاهنا الملائكة الذين أتوا على سورة الآدميين وظنهم أضيافًا. قال ابن عباس: وهم جبريل وميكائيل وإسرافيل. والبشري هي البشارة بالولد. والحنيذ اشتواء اللحم بالحجارة المسخنة. وقيل النضيج ... وأوجس أي أضمر منهم خوفًا قاله أبو عبيدة والزجاج وابن قتيبة .. وقال عامة المفسرين لما رآهم إبراهيم شبانًا أقوياء ولم يتحرموا بطعامه لم يأمن أن يكونوا جاءوا ليلًا أن سُنتهم كانت في ذلك الدهر إذا ورد عليهم القوم فأتوا بالطعام فلم يمسوه ظنوا أنهم عدو ولوصوص فهناك أوجس في نفسه فزعًا ورأوا علامة ذلك في وجهه فقالوا: لا تخف.","vol":"20","page":451},{"text":"قال الفراء: لم تقبل من موضع إلى موضع، إنما هو كقولك: أقبل يشتمني. أي: أخذ في شتمي (١).\nوروي عن ابن عباس أنه قال: إقبالها في الصرة، أخذها فيها (٢)، ومعنى الصرة في اللغة: الصحية. قال أبو عبيدة: يقال: أقبل يصطر (٣). وقال المبرد: القوم في سورة واحدة، إذا ارتفعت أصواتهم وأنشد قول مهلهل (٤):\nفلولا الرِّيحُ أسْمعَ أَهْل حَجْرٍ ... صَرِيرَ البَيْضِ يُقْرَعُ بالذُّكورِ (٥)\nقال المفسرون: في ضجَّةٍ وصيحة. قال الفراء: وذكروا أن تلك الصحية أوَّه بوزن: عَوّه (٦)، وقال بعضهم: كانت بقوله: يا ويلتا (٧). قوله تعالى: ﴿فَصَكَّتْ وَجْهَهَا﴾ قال ابن عباس: وضعت أصابعها على وجهها (٨). وقال الكلبي، ومقاتل: جمعت أصابعها فضربت جبينها تعجبًا (٩). ومعنى الصك: ضرب الشيء بالشيء العريض (١٠).\n_________\n(١) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ٨٧.\n(٢) انظر: \"تنوير المقباس\" ٥/ ٢٧٤، \"جامع البيان\" ٢٦/ ١٢٩.\n(٣) انظر: \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٢٧، وتمام كلامه: أي يصوتوا صوتًا شديدًا.\n(٤) هو مهلهل بن ربيعة الثعلبي، تقدمت ترجمته.\n(٥) البيت ورد في (ديوانه) ص ٤١، \"الأصمعيات\" ص ١٥٥.\n(٦) انظر: \"معاني القرآن\" ٣/ ٨٧، \"اللسان\" ٢/ ٤٢٨ (صرر).\n(٧) انظر: \"الوسيط\" ٤/ ١٧٨، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٣٢.\n(٨) لم أجده، والذي ذكره المفسرون هو المروي عن الكلبي، ومقاتل، وعند الطبري عن سفيان قال: وضعت يدها على جبهتها تعجبًا. \"جامع البيان\" ٢٦/ ١٢٩. انظر: \"تنوير المقباس\" ٥/ ٢٧٤، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٣٢، \"الجامع لأحكام القرآن \" ١٧/ ٤٧.\n(٩) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٢٧ أ، \"الوسيط\" ٧/ ١٧٨، \"فتح القدير\" ٥/ ٨٨.\n(١٠) انظر: \"تهذيب اللغة\" ٩/ ٤٢٨، \"اللسان\" ٢/ ٤٥٩ (صكك).","vol":"20","page":452},{"text":"قوله: ﴿عَجُوزٌ عَقِيمٌ﴾ قال الفراء: رفعها بضمير تلد عجوز عقيم (١). وقال أبو إسحاق: المعنى: وقالت أنا عجوز عقيم فكيف ألد، كما قال في موضع آخر: ﴿يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ﴾ (٢). قال الكلبي: قالت من أين الولد لعجوز عقيم لا تلد (٣)؟\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4189>٣٠ </span>- ﴿قَالُوا كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ﴾ أي: كما قلنا لك قال ربك إنك ستلدين غلامًا أي: إنما نخبرك عن الله -﷿-.\n<span data-type=\"title\" id=toc-4190>٣١ - ٣٤ </span>- وما بعد هذا مفسر فيما مضى (٤).\nإلى قوله: ﴿لِلْمُسْرِفِينَ﴾ قال ابن عباس، ومقاتل: للمشركين، والشرك أسرف الذنوب وأعظمها (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4191>٣٥ </span>- ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا﴾ يعني في قرى قوم لوط ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وذلك قوله: ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ﴾ [الحجر: ٦٥] وهو أن الله تعالى أمر لوطًا بأن يخرج هو ومن معه من المؤمنين، لئلا يصيبهم العذاب.\n<span data-type=\"title\" id=toc-4192>٣٦ </span>- ﴿فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ قال مجاهد، ومقاتل والمفسرون: يعني: لوطًا وبنتيه (٦). وهذا مذكور في مواضع من التنزيل كقوله: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ﴾ [الأعراف: ٨٣] وقوله: ﴿لَنُنَجِّيَنَّهُ\n_________\n(١) انظر: \"معاني القرآن\" ٣/ ٨٧.\n(٢) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ٥٥.\n(٣) لم أجده عند الكلبي والمعنى ظاهر، ونحوه روي عن عامة المفسرين. انظر: \"جامع البيان\" ٢٦/ ١٢٩، \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٢٣٦.\n(٤) عند \"تفسيره\" للآيات [الحجر: ٧٤ - ٧٥].\n(٥) انظر: \"تنوير المقباس\" ٥/ ٢٧٥، \"تفسير مقاتل\" ١٢٧ أ، \"المصنف\" ١١/ ٥٢٣ عن مجاهد، \"الوسيط\" ٤/ ١٧٨، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٣٢.\n(٦) انظر: \"تهذيب اللغة\" ١٤/ ٣٣٣، \"اللسان\" ١/ ٢٩٢ (بيت).","vol":"20","page":453},{"text":"وَأَهْلَهُ﴾ [العنكبوت: ٢] وقوله: ﴿إِلَّا آلَ لُوطٍ﴾ [القمر: ٣٤] الآيات. والتقدير في الآية: غير أهل بيت، وكثر استعمال هذا حتى انطلق البيت على أهله، فيقال: بيت شريف، يراد به الأهل (١). وسَمّاهم في الآية الأولى: مؤمنين، وفي الثانية: مسلمين؛ لأنه ما من مؤمن إلا وهو مسلم، وقد يكون مسلمًا ولا يكون مؤمنًا كما قال تعالى ذكره: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات: ١٤].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4193>٣٧ </span>- قوله تعالى: ﴿وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ قال أبو إسحاق: تركنا في مدينة قوم لوط علامة للخائفين تدلهم على أن الله أهلكهم فينكل غيرهم عن فعلهم (٢). هذا قول المفسرين. وقال الفراء: معناه وتركناها آية، وأنت قائل للسماء فيها آية، وأنت تريد هي الآية بعينها (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-4194>٣٨ </span>- قوله: ﴿وَفِي مُوسَى﴾ ذكر صاحب النظم أن هذا عطف على قوله: ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ﴾. ﴿وَفِي مُوسَى﴾ أي وفي شأنه وقصته آية. وهو ما ذكر بعد من غرق فرعون (٤).\nقال أبو إسحاق: ويجوز أن يكون عطفًا على قوله: ﴿وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً﴾ (٥). فيكون المعنى: وتركنا في قصة موسى آية.\n_________\n(١) انظر: \"الوسيط\" ٤/ ١٧٨، \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٢٣٦، \"فتح القدير\" ٥/ ٨٩.\n(٢) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ٥٦.\n(٣) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ٨٧.\n(٤) وهو قول الزجاج، والزمخشري، وابن عطة، ونسبه القرطبي للفراء. انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ٥٦، \"الكشاف\" ٤/ ٣٠، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ٤٩، \"فتح القدير\" ٥/ ٩٠، وقال أبو حيان: وهذا بعيد جدًّا ينزه القرآن عن مثله.\n(٥) انظر: \"معاني القرآن\" ٥/ ٥٦.","vol":"20","page":454},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4195>٣٩ </span>- وقوله: ﴿فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ﴾ قال ابن عباس، ومقاتل: أي بجمعه وجنده ورهطه (١). وعلى هذا سمى جمعه ركنًا له، لأنه يتقوي بهم كالبنيان يتقوي بركنه. والباء يكون في ﴿بِرُكْنِهِ﴾ للتعدية، أي جعلهم يتولون (٢). ويجوز أن يكون المعنى: تولى هو بسبب جنده. أي بقوتهم وشوكتهم، كما تقول: فعلت هذا بقوة فلان.\nوقال الفراء: أعرض بقوته في نفسه (٣). وعلى هذا ركنه قوته. وهذا راجع إلى الأول، لأن قوته بجنده، وقال أبو عبيدة: فتولى بركنه، وبجانبه سواء، إنما هي ناحيته (٤). وهو اختيار ابن قتيبة. قال: فتولى بركنه ونأى بجانبه سواء (٥). وعلى هذا ركنه نفسه. وهو قول المؤرج قال: بركنه بجانبه (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4196>٤١ </span>- قوله: ﴿الرِّيحَ الْعَقِيمَ﴾، قال جماعة المفسرين (٧): هي التي لا تلقح شجرًا ولا تثير سحابًا ولا تحمل مطرًا ولا خير فيها ولا بركة ولا منفعة ولا رحمة، ولا ينزل بها غيث، إنما هي ريح الإهلاك، وهي عذاب على من أرسلت عليه.\n_________\n(١) انظر: \"جامع البيان\" ٢٧/ ٣، \"الوسيط\" ٤/ ١٧٩، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٣٣، وبه قال ابن زيد، ومجاهد.\n(٢) انظر: \"التفسير الكبير\" ٢٨/ ٢٢.\n(٣) انظر: \"معاني القرآن\" ٣/ ٨٧.\n(٤) انظر: \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٢٧.\n(٥) انظر: \"تفسير غريب القرآن\" ٤٢٢\n(٦) انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ٥\n(٧) انظر: \"تفسير مجاهد\" ٢/ ٦٢، \"تفسير مقاتل\" ١٢٧ أ، \"جامع البيان\" ٢٧/ ٤، \"فتح القدير\" ٨/ ٩٠.","vol":"20","page":455},{"text":"قال سعيد بن المسيب: هي الجنوب (١).\nوقال مقاتل: هي الدبور (٢).\nوروى عكرمة عن ابن عباس: هي النكباء (٣).\nوقال عبيد بن عمير: مسكنها الأرض الرابعة، وما فتح على عاد منها إلا كقدر منخر الثور (٤). ويقال للتي لا تلد من النساء عقيمًا، وكذلك للذي لا يولد له: يقال له: رجل عقيم، وفحل عقيم إذا كان لا يلقح، وكما وصفت\n_________\n(١) انظر: \"جامع البيان\" ٢٧/ ٤، \"الدر\" ٦/ ١١٥. والجنوب: ريح تخالف الشمال تأتي عن يمين القبلة، وهي رياح حارة ومهبها ما بين مهبي الصبا والدبور، وقيل غير ذلك. \"اللسان\" ١/ ٥٠٧ (جنب).\n(٢) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٢٧ أ، وهو المروي عن ابن عباس وغيره، انظر: \"تنوير المقباس\" ٥/ ٢٧٦ وهذا هو الثابت في الحديث المتفق عليه عن النبي -ﷺ- قال: \"نصرت بالصبا، وأهلكت عاد بالدبور\". صحيح البخاري، كتاب: بدء الخلق، باب ما جاء في قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ﴾ ٤/ ١٣٢، كتاب: الاستسقاء، باب: (نصرت بالصبا) ٢/ ٤٠. صحيح مسلم، كتاب: الاستسقاء: باب في ريح الصبا والدبور ٢/ ٦١٧، \"المسند\" ١/ ٢٢٣ - ٢٢٨ والدبور: ريح تأتي من دبر الكعبة مما يذهب نحو الشرق. \"اللسان\" ١/ ٩٤٠ (دبر).\n(٣) انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ٥، \"الدر\" ٦/ ١١٥، عن علي بن أبي طالب. والنكباء: كل ريح من الرياح الأربع انحرفت ووقعت بين ريحين، وهي تهلك المال وتحبس القطر. \"اللسان\" ٣/ ٧١٢ (نكب).\n(٤) لم أجده. وفي العظمة ٤/ ١٣٣٣: عن عطاء بن يسار -﵁- قال: قلت لكعب رحمه الله تعالى: من ساكن الأرض الثانية؟ قال: الريح العقيم، لما أراد الله -﷿- أن يهلك قوم عاد أوحي إلى خزنتها أن افتحوا منها بابًا قالوا: يا ربنا مثل منخر الثور؟ قال: إذًا تكفي الأرض بمن عليها. فقال: افتحوا منها مثل حلقة الخاتم. قال والأقرب أن يكون موقوفًا على عبد الله بن عمرو -﵄- من زاملتيه اللتين أصابهما يوم اليرموك والله أعلم.","vol":"20","page":456},{"text":"الرياح باللقاح في قوله: ﴿الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾ [الحجر: ٢٢] وسميت بالعقيم هاهنا حين لم تلقح الشجر ولم تحمل المطر، ثم وصف تلك الريح فقال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4197>٤٢ </span>- ﴿مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ﴾ قال مقاتل: من أنفسهم وأنعامهم وأموالهم (١) ﴿إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ﴾ كالشيء الهالك البالي. وذكر تفسير الرميم عند قوله: ﴿وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ (٢) قال الفراء: الرميم نبات الأرض إذا يبس وديس (٣).\nوقال أبو إسحاق: هو الورق الجاف المتحطم (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4198>٤٣ </span>- وقوله: ﴿وَفِي ثَمُودَ﴾ أي وفي ثمود أيضًا آية: ﴿إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا﴾ قال صالح لهم ذلك فعقروها، فقال تمتعوا. أي: عيشوا، وقد مر (٥).\nقوله تعالى: ﴿حَتَّى حِينٍ﴾ قال عطاء، والكلبي: يعني ثلاثة أيام (٦). والمعنى إلى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4199>٤٤ </span>- ﴿فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾ حين يأتيكم العذاب فأتاهم يوم الرابع. وقد قال في سورة هود ﴿فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا في\n_________\n(١) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٢٧ أ، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٣٣.\n(٢) عند تفسيره لآية [الحجر: ٧٨] ومما قال: قال أبو عبيدة: الرميم مثل الرمة. يقال رم العظيم وهو يرم رمًّا وهو رميم. وقال ابن الأعرابي: رمت عظامه وأرمت إذا بليت. وقال أبو عبيدة: الروم الرفات.\n(٣) انظر: \"معاني القرآن\" ٣/ ٨٨.\n(٤) انظر: \"معاني القرآن\" ٥/ ٥٧\n(٥) عند ذكره سبحانه لقصتهم في سورة هود.\n(٦) انظر: \"جامع البيان\" ٢٧/ ٥، \"الوسيط\" ٤/ ١٧٩، \"التفسير الكبير\" ٢٨/ ٢٢٣.","vol":"20","page":457},{"text":"دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ﴾ [هود: ٦٥].\nقوله تعالى: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾ قال عطاء عن ابن عباس: يريد الموت، والصاعقة الموت (١).\nوقال مقاتل: يعني العذاب (٢). وتفسير الصاعقة كل عذاب مهلك، وقد تقدم القول فيها (٣).\nوقرأ الكسائي (الصَّعْقَةُ) (٤). قال المبرد: وهي مصدر مثل الضربة. قال: والصعقة إنما هي مثل الزجرة، وهي الصوت الذي يكون عن الصاعقة. والصاعقة هي النازلة بعينها، وأنشد لعويف القوافي (٥) فقال:\nلاحَ سَحَابٌ فرأَيْنَا بَرْقَه ... ثم تَدَانَى فسَمِعْنَا صعْقَه\nوقوله: ﴿وَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾ أي يرون ذلك.\nوالمعنى: أخذتهم الصاعقة عيانًا (٦). وهو معنى قول عطاء: قد رأوا\n_________\n(١) انظر: \"الوسيط\" ٤/ ١٧٩، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٣٤.\n(٢) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٢٧ ب، \"الوسيط\" ٤/ ١٧٩.\n(٣) عند تفسيره لآية ١٩ من البقرة، ومما قال: الصاعقة والصعقة الصحية. يغشي منها على من سمعها أو يموت .. ويقال لها الصواعق الشديد من الرعد يسقط معها قطعة نار. وانظر: \"تهذيب اللغة\" ١/ ٧٧٧، \"اللسان\" ٢/ ٤٤٢ (صعق).\n(٤) قرأ الكسائي (الصَّعْقَةُ) بإسكان العين من غير ألف. وقرأ الباقون (الصاعقة) بالألف وكسر العين. انظر: \"حجة القراءات\" ٦٨٠ \"النشر\" ٢/ ٣٧٧، \"الإتحاف\" ٣٩٩.\n(٥) عويف بن معاوية بن عتيبة، شاعر أموي مقل، مدح الوليد، وسليمان بن عبد الملك، وعمر بن عبد العزيز، سمي عويف القوافي لقوله:\nسأكذب من قد كان يزعم أنني ... إذا قلت شعرًا لا أجيد القوافيا\nانظر: \"ألقاب الشعر\" ص ٣٠٩، \"الأغاني\" ١٩/ ١٨٤، \"الخزانة\" ٦/ ٣٨٤، والبيت في \"اللسان\" ٢/ ٤٤٢ (صعق)، \"الحجة للقراء السبعة\" ٦/ ٢٢٢.\n(٦) انظر: \"الوسيط\" ٤/ ١٧٩، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٣٤، \"فتح القدير\" ٥/ ٩١.","vol":"20","page":458},{"text":"العذاب (١).\nوقال مجاهد: فجأة (٢) وعلى هذا معنى (ينظرون)، وذلك أن صالحًا قد ضرب لهم الأجل للعذاب ثلاثة أيام، وجعل لنزول العذاب بهم علامات في تلك الأيام، وظهرت تلك العلامات فانتظروا العذاب في اليوم الرابع (٣). وهذا هو الصحيح؛ لأنه قد ذكر في قصتهم أنهم تحنطوا في اليوم الرابع ولبسوا الأكفان، وكانت أكفانهم الأنطاع، وحنوطهم الصبر (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4200>٤٥ </span>- قوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَطَاعُوا مِنْ قِيَامٍ وَمَا كَانُوا مُنْتَصِرِينَ﴾ أي ما أطاقوا عذاب الله ولم يقوموا له حين أتاهم، كما تقول: فلان لا يقوم بهذا الأمر ولا يقاومه، أي لا يطيق ولا يحتمله (٥). وهو معنى قول مقاتل: أي: لم يقوموا للعذاب حين غشيهم (٦).\nوقال عطاء عن ابن عباس: يريد ذهبت أجسامهم وبقيت أرواحهم في العذاب (٧).\nوالقيام على هذا يراد به النهوض. والمعنى أنهم لم ينهضوا من تلك\n_________\n(١) لم أجده، وهو بمعنى الأول.\n(٢) انظر: \"تفسير مجاهد\" ٢/ ٦٢٠، \"جامع البيان\" ٢٧/ ٥.\n(٣) انظر: \"جامع البيان\" ٢٧/ ٥، \"الوسيط\" ٤/ ١٧٩.\n(٤) الأنطاع: جمع نطع بالكسر من الأدَمِ والصَبرِ: شجر ورقه كقرب السكاكين طوال غلاظ، في خضرتها غُبْرة، وكُمْدَة مُقشَعرَّة المنظر. انظر: \"اللسان\" ٢/ ٤٠٣ (صبر) ٣/ ١١٧ (قطع).\n(٥) انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ٥٢.\n(٦) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٢٧ ب\n(٧) انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ٥٢.","vol":"20","page":459},{"text":"الصرعة ولم يستقلوا بعد تلك النكبة. وهذا معنى قول قتادة: من نهوض (١).\nوقال الكلبي: فما استطاعوا أن يقوموا فيردوا العذاب حين غشيهم (٢). وعلى هذا المعنى (٣) ما استطاعوا قيامًا لدفع العذاب عنهم حين أتاهم. ﴿وَمَا كَانُوا مُنْتَصِرِينَ﴾ قال مقاتل: يعني ممتنعين من العذاب حين أهلكوا (٤). أي: ما كانت عندهم قوة يمتنعون بها من عذاب الله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4201>٤٦ </span>- قوله تعالى: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ﴾ قرئ بالنصب والخفض (٥). فالخفض ظاهر بالحمل على قوله: (وَفِي مُوسَى) ومن نصب حمل على المعنى وهو أن قوله: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ﴾ يدل على أهلكناهم، فكأنه قال: أهلكناهم وأهلكنا قوم نوح. وهذا قول الفراء، والزجاج (٦). قال: ويجوز أن يحمل على معنى قوله: ﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ في الْيَمِّ﴾ ألا ترى أن هذا الكلام يدل على أغرقناهم، فكأنه قال: أغرقناهم وأغرقنا قوم نوح (٧).\nقال المبرد: والنصب أحسن لتراخيه عن عامل الجر، والعرب إذا تراخى المجرور عن عامل الجر حملته على المعنى، والدليل على حسن النصب أن الجار ذكر في قصص الأمم وهو في ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ﴾ لم يلحق معهم\n_________\n(١) انظر: \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٢٤٥، \"جامع البيان\" ٢٧/ ٥.\n(٢) لم أجده عن الكلبي، وتقدم مثله عن مقاتل.\n(٣) في (ك): (معنى) ولعل الصواب ما أثبته.\n(٤) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٢٧ ب، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ٥٢.\n(٥) قرأ أبو عمرو، وحمزة، والكسائي، وخلف (وقوم) بالكسر وقرأ الباقون بالنصب. انظر: \"حجة القراءات\" ص ٦٨٠، \"النشر\" ٢/ ٣٧٧، \"الإتحاف\" ص ٤٠٠.\n(٦) انظر \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ٨٨ - ٨٩.\n(٧) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ٥٧. \"الحجة للقراء السبعة\" ٦/ ٢٢٣.","vol":"20","page":460},{"text":"حرف الجر فعمل النصب (١). واختار أبو عبيد النصب أيضًا. قال: لأن من خفض أراد: وفي قوم نوح، كما قال: ﴿وَفِي عَادٍ﴾ ﴿وَفِي ثَمُودَ﴾ وأولئك قوم قص الله، النصب على أنه أشركهم فيما فُعِل بالأمم من العقوبة إذ لم يخبرنا عنهم بخبر خاص (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4202>٤٧ </span>- قوله تعالى: ﴿وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ يقال: أوسع الرجل، إذا صار ذا وسع وَسَعَة، وهو الغنى والجدة، والموسع المليء ومنه قوله: ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ﴾ [البقرة: ٢٣٦]. واختلفت العبارات في تفسير: ﴿لَمُوسِعُونَ﴾ هاهنا فقال (٣) عن ابن عباس: ﴿لَمُوسِعُونَ﴾ لخلقي (٤). قال الكلبي: يعني سعة الرزق (٥).\nقال الفراء: لذو سَعَة لخلقنا (٦). وقال الحسن: قادرون على رزقهم لا نعجز عنه، ولهذا قال مقاتل في تفسيره: لقادرون (٧).\nوقال الحسن: مطيعون (٨). وهذا يعود إلى أنه يقدر على رزقهم ويطيق ذلك، فهو موسع لخلقه في أرزاقهم.\n_________\n(١) انظر: \"إعراب القرآن\" للنحاس ٣/ ٢٤٢ - ٢٤٣.\n(٢) انظر: \"إعراب القرآن\" للنحاس ٣/ ٢٤٣، \"التفسير الكبير\" ٢٨/ ٢٢٥.\n(٣) كذا العبارة في (ك) وفيها سقط ظاهر.\n(٤) لم أجده بهذا اللفظ، وعنه قال: (لموسعون بالرزق) \"تنوير المقباس\" ٥/ ٢٧٧.\n(٥) لم أجده، انظر: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٣٤، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ٥٢.\n(٦) في (ك): (حلقنا). انظر: \"معاني القرآن\" ٣/ ٨٩.\n(٧) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٢٧ ب\n(٨) انظر: \"الكشف والبيان\" ١١/ ١٩٠ ب، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٣٤، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ٥٢.","vol":"20","page":461},{"text":"وقال مجاهد: لقادرون أن نخلق سماء مثلها (١)، يعني أنه لما ذكر قدرته على خلق السماء ذكر أنه موسع لخلق مثلها. أي مطيق قادر.\nوقال أبو إسحاق: جعلنا بين السماء والأرض سعة (٢).\nقال الأزهري: جعل أبو إسحاق أوسع بمعنى وسع (٣). وعلى هذا يجوز أيضًا أن يعود التوسع إلى الرزق، فقد روي عن ابن عباس أنه قال: إنا لموسعون الرزق على خلقنا (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4203>٤٨ </span>- قوله تعالى: ﴿فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ﴾ قال ابن عباس: فنعم ما وطأت لعبادي (٥). وأوسعت عليهم، يعني الأرض.\nقال أبو إسحاق: المعنى: فنعم الماهدون نحن، ولكن اللفظ بقوله: ﴿فَرَشْنَاهَا﴾ يدل على المضمر المَحذوف (٦).\n\n٤٩ - قوله: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ﴾ أي صنفين ونوعين، فالزوجان في الحيوان الذكر والأنثى، وفي غير الحيوان المختلفان باللون والطعم. فيدخل في هذا الأبيض والأسود والمر والحلو.\nقال مقاتل: يعني الليل والنهار، والشمس والقمر، والبر والبحر، والصيف والشتاء، والبرد والحر، والسهل والجبل، والنور والظلمة (٧).\n_________\n(١) انظر: \"التفسير الكبير\" ٢٨/ ٢٢٧.\n(٢) انظر: \"معاني القرآن\" ٥/ ٥٧.\n(٣) انظر: \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٩٦ (وسع).\n(٤) انظر: \"الكشف والبيان\" ١١/ ١٩٠ ب، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٣٤، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ٥٢.\n(٥) انظر: \"الوسيط\" ٤/ ١٨٠، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٣٤.\n(٦) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٥/ ٥٧.\n(٧) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٢٧ ب، وهو قول مجاهد أيضًا. انظر: \"جامع البيان\" ٢٧/ ٦، \"تفسير القاسمي\" ١٥/ ٥٥٣٥.","vol":"20","page":462},{"text":"قوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ أي: تذكرون أنه ليس فيما خلق له عدل ولا مثل. قاله مقاتل (١). وقال غيره: تذكرون أن خالق الأزواج فرد (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4204>٥٠ </span>- قوله: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللهِ﴾ قال ابن عباس: يريد بالتوبة من ذنوبكم (٣).\nوالمعنى على هذا فروا من العصيان والكفران إلى الطاعة والإيمان. يدل على هذا قوله: ﴿إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ أي: أنذركم عقابه على الكفر والمعصية. وكذلك الآية التي نهى عن الشرك، وهو قوله:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4206>٥١ </span>- ﴿وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللهِ﴾ الآية. وجميع المفسرين على أنه أمر محمدًا -ﷺ- أن يقول هذا للناس (٤). والكناية في قوله: ﴿مِنْهُ﴾ تعود على اسم الله. والنذير هو النبي -ﷺ- وهذا هو الظاهر.\nوروى عطاء عن ابن عباس على الضد من ذلك، فجعل الآية خطابًا من الله تعالى للخلق. يقول: لا تجعلوا مع الله إلهًا آخر ﴿إِنِّي لَكُمْ﴾ يعني نفسه تعالى وعز، ﴿مِنْهُ﴾ من محمد وسيوفه. ﴿نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ أي: أنذرتكم بأسه وسيفه إن أشركتم بي (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4207>٥٢ </span>- قوله: ﴿كَذَلِكَ﴾ قال أبو إسحاق: المعنى: الأمر كذلك. أي: كما فعل من قبلهم من الأمم في تكذيب الرسل (٦). وهو قوله: ﴿مَا أَتَى الَّذِينَ\n_________\n(١) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٢٧ ب، وهو قول مجاهد أيضًا. انظر: \"جامع البيان\" ٢٧/ ٦، \"تفسير القاسمي\" ١٥/ ٥٥٣٥.\n(٢) انظر: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٣٤.\n(٣) انظر: \"الوسيط\" ٤/ ١٨٠، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ٥٣.\n(٤) انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ٥٣، \"فتح القدير\" ٥/ ٩١.\n(٥) انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ٥٤.\n(٦) انظر: \"معاني القرآن\" ٥/ ٥٨.","vol":"20","page":463},{"text":"مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ﴾ أي: هو ساحر ﴿أَوْ مَجْنُونٌ﴾ قال مقاتل: يعني كقول كفار مكة لمحمد -ﷺ-. يقول الله تعالى:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4208>٥٣ </span>- ﴿أَتَوَاصَوْا بِهِ﴾ أي بهذا القول.\nقال مقاتل: يعني أوصى الأول الآخر يقول ذلك لرسوله (١).\nوقال قتادة: أوصى أولهم آخرهم بالتكذيب (٢).\nقال الزجاج: والألف فيه للتوبيخ (٣).\nقوله تعالى: ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ يعني أهل مكة طاغون.\nقال ابن عباس: حملهم الطغيان فيما أعطيتهم ووسعت عليهم على تكذيبك (٤). والمعنى ما أوصى أولهم بذلك، ولكنهم قوم خارجون عن الحد في العصيان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4209>٥٤، ٥٥ </span>- قوله تعالى: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ يقول: فأعرض عن هؤلاء المشركين فقد بلغت وأنذرت، وهو قوله: ﴿فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ﴾ أي لا لوم عليك إذ أديت الرسالة. قال ابن عباس: فحزن رسول الله -ﷺ- لما نزلت هذه الآية مخافة أن تنزل بقومه العذاب. ونحو هذا قال مقاتل، وقتادة، وغيرهما. قالوا: واشتد على أصحابه وظنوا أن الوحي قوإنقطع، أي: العذاب حضر، فأنزل الله قوله تعالى: ﴿وَذَكِّرْ﴾ (٥) أي عظ بالقرآن. وفي هذا قولان:\n_________\n(١) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٢٧ ب.\n(٢) انظر: \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٢٤٥، \"جامع البيان\" ٢٧/ ٧.\n(٣) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ٥٨، ونصه: (وهذه ألف التوبيخ وألف الاستفهام).\n(٤) انظر: \"الوسيط\" ٤/ ١٨٠، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٣٥.\n(٥) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٢٧ ب، \"جامع البيان\" ٢٧/ ٧، \"الكشف والبيان\" ١١/ ١٩٠ ب، \"الدر\" ٦/ ١١٦.","vol":"20","page":464},{"text":"أحدهما: أنه أمر بالتولي عن الكفار ووعظ المؤمنين. يدل على هذا قوله: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قال الكلبي: عظ بالقرآن من آمن من قومك، فإن الذكرى تنفعهم (١).\nالقول الثاني: أنه أمر أن يُذكر ويعظ الكفار. وهو قول مقاتل. يقول: عظ كفار مكة بوعيد القرآن، فإن الذكرى تنفع المؤمنين، يعني من في علم الله أن يؤمن منهم (٢). وهذا القول أشد موافقة لما ذكرنا في الآية الأولى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4210>٥٦ </span>- قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ تعلقت القدرية بهذه الآية وقالوا: دلت الآية على أن الله تعالى خلق كل مكلف لعبادته وأراد منهم العبادة. ولا حجة لهم في هذه الآية إذا تدبرت قول العلماء فيها ومذاهبهم في تفسيرها (٣). والآية فيها مذاهب للمفسرين.\nأحدهما: التخصيص، وهو أن المراد بالجن والإنس مؤمنو الفريقين. وهو قول الكلبي، والضحاك، والفراء، وعبد الله بن مسلم. قال الكلبي: هذا خاص لأهل طاعته. يعني: ما خلقت مؤمني الجن والإنس إلا ليعبدون (٤). وقال الضحاك: هذا خاص في أهل عبادة الله وطاعته. يدل عليه قوله: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ [الأعراف: ١٧٩] والذين ذرأهم للنار لا يكونون ممن ذرأهم لعبادته. وهذه الآية التي نحن\n_________\n(١) انظر: \"الوسيط\" ٤/ ١٨١، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٣٥.\n(٢) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٢٧ ب، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٣٥، \"فتح القدير\" ٥/ ٩٢.\n(٣) انظر: \"جامع البيان\" ٢٧/ ٨، \"دقائق التفسير\" لابن تيمية ٤/ ٥٢٧، \"فتح القدير\" ٥/ ٩٢.\n(٤) انظر: \"الكشف والبيان\" ١١/ ١٩٠ ب، \"الوسيط\" ٤/ ١٨١، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٣٥.","vol":"20","page":465},{"text":"فيها مطلقة، وآية الذرء مقيدة، والمطلق يحمل على المقيد، وإذا جمعنا بين الآيتين علمنا أن الذين خلقوا للعبادة غير أولئك (١).\nوقال الفراء: هذه الآية خاصة. يقول: وما خلقت أهل السعادة من الفريقين إلا ليوحدوني ... (٢) لأهل القدر حجة وقد فُسِّر.\nوقال عبد الله بن مسلم: يعني المؤمنين (٣). واحتج (٤) هؤلاء لمذهبهم بقراءة ابن عباس ... (٥) (الجن والإنس من المؤمنين إلا ليعبدون) (٦) معناه: إلا لآمرهم بعبادتي وأدعوهم إليها. وهو قول أمير المؤمنين (٧) ... -﵁-، ومقاتل، واختيار الزجاج.\nقال مقاتل: يعني إلا لآمرهم بالعبادة، ولو أنهم خلقوا للعبادة ما عصو ..... (٨).\n_________\n(١) انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ٥٥، \"فتح القدير\" ٥/ ٩٢.\n(٢) في (ك): بياض. وتمام العبارة في \"معاني القرآن\" ٣/ ٨٩، (وقال بعضهم: خلقهم ليفعلوا ففعل بعضهم وترك بعض وليس فيه).\n(٣) انظر: \"تفسير غريب القرآن\" ص ٤٢٢.\n(٤) كذا في (ك). ولعل في العبارة سقطًا، حيث لم يذكر من قال بهذا القول وهو القول الثاني، وقد فسروا قوله تعالى: ﴿إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ أي لأدعوهم إلى عبادتي.\n(٥) (ك): كلمة لم تظهر ولعلها (وما خلقت).\n(٦) وبها قرأ ابن مسعود، وأبى. انظر: \"الكشف والبيان\" ١١/ ١٩١ أ، \"الوسيط\" ٤/ ١٨١، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٣٥، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ٥٥، \"روح المعاني\" ٢٧/ ٢٢.\n(٧) في (ك): كلمة لم تقرأ وهي (علي) وانظر: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٣٥، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ٥٥.\n(٨) في (ك): كلمة لم تقرأ وهي (طرفة عين) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٢٧ ب.","vol":"20","page":466},{"text":"وقال الزجاج: المعنى: وما خلقت الجن والإنس إلا لأدعوهم إلى عبادتي (١). هذا كلامهم وتفسيرهم. قالوا .... (٢) العبادة غير الدعاء إليها والأمر بها، والله تعالى قال: ﴿إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ وأنتم تقولون إلا لآمرهم بذلك. قيل: قد يقال ... (٣) هذا إذا لم يشتبه ودلت الحال عليه، ما تقول لإنسان أكرمته وأحسنت إليه لتأمره يصنع لك شيئًا: ما أكرمتك إلا لتصنع هذا. وأنت تريد: إلا لآمرك بذلك. وأكثرة من لا يعبد الله من الكفار يدل على أنه لم يخلقهم لعبادته (٤).\nواختار صاحب النظم هذا المذهب، واستشهد بقوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ (١٢) لِتَسْتَوُوا﴾ [الزخرف: ١٢، ١٣] (٥). قال: معناه: ليأمركم إذا استويتم على ظهوره أن تذكروه، ولو كان على ظاهره لوجب أن يكون ذلك عامًا في الإتيان به.\nالمذهب الثالث: أن المفسرين قالوا في قوله: ﴿إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ إلا ليوحدوني، والمؤمنون يوحدون الله تعالى طوعًا في الشدة والرخاء، الكفار يوحدونه في الشدة والبلاء وعند العباس. وهذا معنى رواية حبان عن الكلبي (٦) هذا جملة أقوال المفسرين.\n_________\n(١) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ٥٨.\n(٢) في (ك): الكلمة غير واضحة، لعلها (وتفسير).\n(٣) كذا في (ك). والعبارة مستقيمة ولعل الكلمة الساقطة (مثل).\n(٤) انظر: \"البحر المحيط\" ٨/ ١٤٣، \"روح المعاني\" ٢٧/ ٢٠ - ٢١.\n(٥) ورجح الشنقيطي في تفسيره ٧/ ٦٧٣ هذا القول لدلالة آيات القرآن عليه.\n(٦) انظر: \"الكشف والبيان\" ١١/ ١٩٢ أ، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٣٥، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ٥٦.","vol":"20","page":467},{"text":"وأما أهل المعاني فلهم أيضًا أقوال سديدة في معنى الآية:\nأحدها: أن المعنى قوله: ﴿إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ إلا ليخضعوا لي ويتذللوا. وهذا معنى العبادة في اللغة، وكل أحد من مؤمن وكافر، وبر وفاجر، فهو خاضع لقضاء الله متذلل لمشيئته، خَلَقه على ما أراد، ورزقه كما قضى، لا يملك أحد لنفسه خروجًا عما خلق عليه، فقد حصل هذا الخضوع والتذلل من كل أحد (١).\nالقول الثاني: أن معنى الخلق في قوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ﴾ خلق التكليف والاختيار، لا خلق الجبلة والطبيعة (٢)، فمن وفقه وسدده أقام العبادة التي خلق لها، ومن خذله وطرده حرمها وعمل ما خلق له (٣). وقد بين النبي -ﷺ- هذا المعنى بقوله: \"اعملوا فكل ميسر لما خلق له\" (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4211>٥٧ </span>- قوله تعالى: ﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ﴾ قال عطاء عن ابن عباس: ما أريد أن يرزقوا من خلقي أحدًا، ونحوه قال مقاتل، والزجاج. وقال الكلبي: ﴿مِنْ رِزْقٍ﴾ أن يرزقوا أنفسهم. ونحوه قال\n_________\n(١) انظر: \"الكشف والبيان\" ١١/ ١٩١ ب، ١٩٢ أ، \"الوسيط\" ٤/ ١٨١، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٣٥، \"فتح القدير\" ٥/ ٩٢. وهو اختيار ابن جرير أيضًا \"جامع البيان\" ٢٧/ ٨.\n(٢) انظر: \"دقائق التفسير\" ٤/ ٥٢٩، \"فتح القدير\" ٨/ ٦٠٠.\n(٣) في (ك): (لها).\n(٤) حديث متفق عليه. أخرجه البخاري في كتاب: التفسير سورة ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ ٦/ ٢١٢، كتاب: القدر، باب: جف القلم على علم الله ٨/ ١٥٣، ومسلم في كتاب: القدر، باب: كيفية الخلق الآدمي ٤/ ٢٠٤١. وأخرجه أحمد في \"المسند\" ١/ ٨٢، ١٢٩، انظر: \"شرح الطحاوية\" ٣١٨ وما ذكره المؤلف هنا جزء من الحديث. اقتصر على مكان الشاهد منه.","vol":"20","page":468},{"text":"الفراء (١).\nوقوله: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ﴾ قال ابن عباس: أن يطعموا لي عبدًا. وهو قول الفراء والزجاج. قالا: أن يطعموا أحدًا من خلقي (٢).\nوالآخرون قالوا: أن يرزقوني. ومرادهم أن يرزقوا عبادي؛ لأن الله تعالى غير مرتزق ولا طاعم، ويستحيل في وصفه الاستطعام وسؤال الرزق، وإنما أسند الإطعام إلى نفسه؛ لأن الخلق عيال الله فمن أطعم عيال رجل ورزقهم فقد أطعمه ورزقه (٣). وهذا كما قال -ﷺ- فيما يخبر به عن ربه أن الله تعالى يقول: \"عبدي استطعمتك فلم تطعمني\" (٤)، والمعنى: لم تطعم عبدي. والآية محمولة على أنه ما أوجب ذلك على عباده، ولم يكلفهم القيام برزق الخلق والإطعام، وإن كان قد ندب إلى إطعام الجائع وذي الحاجة إلى الطعام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4212>٥٨ </span>- ثم بين أن الرزاق هو لا غيره. فقال: ﴿إِنَّ اللهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ قال ابن عباس: الرزاق لجميع خلقه. ﴿ذُو الْقُوَّة﴾ على جميع ما خلق (٥). وقال مقاتل: يعني: ذو البطش (٦).\n_________\n(١) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٢٨ أ، \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ٩٠، \"جامع البيان\" للطبري ٢٧/ ٨، \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ٥٩.\n(٢) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ٩٥، \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ٥٩.\n(٣) انظر: \"الوسيط\" ٤/ ١٨١، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٣٥، \"فتح القدير\" ٥/ ٩٢.\n(٤) جزء من الحديث الصحيح الذي أخرجه مسلم في كتاب: البر، باب: فضل عيادة المريض ٤/ ١٩٩١.\n(٥) انظر: \"الوسيط\" ٤/ ١٨٢، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٣٦.\n(٦) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٢٨ أ","vol":"20","page":469},{"text":"وقوله: ﴿الْمَتِينُ﴾ معناه في صفة الله القوي (١). وقد مَتُنَ شأنه، إذا قوي (٢)، ثم ذكر أن لمشركي مكة من العذاب مثل ما لغيرهم من الأمم الكافرة وهو قوله:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4213>٥٩ </span>- ﴿فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ قال مقاتل: يعني مشركي مكة (٣). ﴿ذَنُوبًا﴾ الذَّنوب في كلام العرب: الدلو العظيم.\nأنشد الفراء:\nإنَّا إذا نَازَعَنَا سَرَيْت ... لنا ذَنُوبٌ من نَدَاك ذنوب (٤)\nوأنشد المبرد لعلقمة بن عبدة:\nوفي كلِّ حَيٍّ قد خَبَطْتَ بنِعْمَةٍ ... فحُقَّ لِشَأسٍ من نَداك ذَنُوبُ (٥)\nقال ابن قتيبة: كانوا يستقون فيكون لكل واحد ذنوب، فحمل الذنوب مكان الحظ والنصيب (٦)، وبهذا جاء التفسير. قال أبو إسحاق: يعني: نصيبًا من العذاب، مثل نصيب أصحابهم الذين أهلكوا نحو قوم نوح،\n_________\n(١) انظر: \"روح المعاني\" ٢٧/ ٢٣.\n(٢) انظر: \"تهذيب اللغة\" ١٤/ ٣٠٥، \"اللسان\" ٣/ ٤٣٤ (متن).\n(٣) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٢٨ أ.\n(٤) البيت لرؤبة. انظر: \"ديوانه\" ص ١٣٢، \"أمالي ابن الشجري\" ٢/ ١٨١، \"شرح المفصل\" ٥/ ٤٨، \"المفضليات\" ٦٩٦، \"تهذيب اللغة\" ١٤/ ٤٣٨، \"اللسان\" ١/ ١٠٧٩ (ذنب).\n(٥) البيت في \"ديوان علقمة\" ص ٤٨، الكتاب ٤/ ٤٧١، \"شرح المفصل\" ٥/ ٤٨، \"المفضليات\" ص ٣٩٦، \"المذكر والمؤنث\" ص ٣٣٧، \"الإيضاح في شرح المفصل\" ٢/ ٥١٦، \"المصنف\" ٢/ ٣٣٢، وشأس هو أخو علقمة. والبيت من قصيدة يمدح بها الحارث بن شمر الغساني.\n(٦) انظر: \"تأويل المشكل\" ١٥٠، \"تفسير غريب القرآن\" ٤٢٣.","vol":"20","page":470},{"text":"وعاد، وثمود (١). وعبارة المفسرين مختلفة في تفسير الذنوب، والأصل ما ذكرنا، قال قتادة، ومقاتل، وأبو العالية: عذابًا مثل عذاب أصحابهم (٢).\nوقال مجاهد: سجلًا. وقال إبراهيم: طرفًا (٣).\nقوله تعالى: ﴿فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ﴾ أي بالعذاب، يعني أنهم أخِّروا إلى يوم القيامة، يدل على ذلك قوله:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4214>٦٠ </span>- ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ قال الكلبي، وعطاء، ومقاتل: يعني يوم القيامة (٤).\n_________\n(١) انظر: \"معاني القرآن\" ٥/ ٥٩.\n(٢) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٢٨ أ، \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٢٤٥. وهو المروي عن ابن عباس. انظر: \"تنوير المقباس\" ٥/ ٢٧٩، \"جامع البيان\" ٢٧/ ٩.\n(٣) انظر: \"جامع البيان\" ٢٧/ ٩.\n(٤) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٢٨ أ، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٣٦، \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٢٣٨.","vol":"20","page":471},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4215>سورة الطور</span>","vol":"20","page":473},{"text":"تفسير سورة الطور\nبسم الله الرحمن الرحيم\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4216>١ </span>- ﴿وَالطُّورِ﴾ ذكرنا تفسير الطور في سورة البقرة (١). قال عامة المفسرين <span data-type=\"title\" id=toc-4217>(٢): </span>أقسم الله بالجبل الذي كلّم الله عليه موسى بن عمران ﵇ وهو بمدين (٣) واسمه زبير. ونحو هذا قال الفراء والزجاج وابن قتيبة (٤).\n٢ - قوله: ﴿وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ﴾ المسطور معناه المكتوب من قولك: سطر يسطر سطرًا. وذكرنا هذا عند تفسير الأساطير (٥). وأكثر المفسرين\n_________\n(١) عند تفسيره لآية (٦٣) من سورة البقرة. ومما قال: الطور قيل: إنه الجبل بالسريانية .. وقيل: إنه اسم جبل بعينه. والطَّوْرُ: التارة، والحدبين الشيئين، والطُّورُ الجبل. وطُورُ سيناءَ: جبلٌ بالشام.\n(٢) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٢٨ أ، \"الوسيط\" ٤/ ١٣، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٣٦، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ٥٨.\n(٣) مدين على بحر القلزم، وهو المعروف حاليًا بالبحر الأحمر، محاذية لتبوك على نحو من ست مراحل. وهي أكبر من تبوك وبها البئر التي استقى منها موسى ﵇ لسائمة شعيب. انظر: \"معجم البلدان\" ٥/ ٧٧.\n(٤) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ٩١، \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ٦١، \"تفسير غريب القرآن\" ص ٤٢٤.\n(٥) عند تفسيره لآية (٢٥) من سورة الأنعام. ومما قال: السطر هو أن تجعل شيئًا ممتدًّا مؤلفًا ومن ذلك سطر الكتاب، وسطر من شجر مغروس، ونحو ذلك قال ابن =","vol":"20","page":475},{"text":"على أن المراد بالكتاب هاهنا ما أثبت على بني آدم من أعمالهم. وهو قول مقاتل، ومجاهد، والكلبي، والزجاج (١). وذكر فيه أنه (٢) اللوح المحفوظ <span data-type=\"title\" id=toc-4218>(٣)</span>. وقيل: هو ما كتبه الله لموسى من التوراة (٤). والصحيح هو القول الأول لقوله (٥) تعالى:\n٣ - ﴿في رَقٍّ مَنْشُور﴾ ولم يثبت أن اللوح المحفوظ من الرق. ولا أن ما كتب لموسى كان على الرق. والمراد بالكتاب، المكتوب، سُمّي بالمصدر. والرق مما كتب فيه. قال أبو عبيدة: الرق الورق (٦).\nوقال الليث: الرَّقُّ الصحيفة البيضاء (٧).\n_________\n= السكيت. يقال: سَطْرٌ وَسَطرٌ فمن قال سطرٌ فجمعه في القليل أسطر وفي الكثير سطور ومن قال سطَرَ جَمَعَه أسطارًا ثم أساطير جمع الجمع، قاله اللحياني، واختار الزجاج أن يكون واحدها أسطورة. انظر: \"البسيط\" ٢/ ٨٩ ب.\n(١) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٢٨ أ، و\"جامع البيان\" ٢٧/ ١٠، \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ٦١، \"الكشف والبيان\" ١١/ ١٩٣ ب، \"الوسيط\" ٤/ ١٨٢، وبه قال الفراء، وابن قتيبة. انظر: \"تفسير غريب القرآن\": ٤٢٤، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ٥٩، \"فتح القدير\" ٥/ ٩٤، ولم أجده عن الكلبي.\n(٢) في (ك): (أن).\n(٣) انظر: \"تنوير المقباس\" ٥/ ٢٨١، عن ابن عباس، وقد جمع القولين فقال: وأقسم باللوح المحفوظ مكتوب فيه أعمال بني آدم. \"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٣٦.\n(٤) انظر: \"الكشف البيان\" ١١/ ١٩٣ ب، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٣٦، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ٥٩، ونُسب للكبي.\n(٥) في (ك): (قوله) والصواب ما أثبته. قال الشنقيطي: والأظهر أن الكتاب المسطور هو القرآن العظيم .. \"أضواء البيان\" ٧/ ٦٨٣.\n(٦) انظر: \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٣٠.\n(٧) انظر: \"تهذيب اللغة\" ٢/ ٢٨٤ (رقق).","vol":"20","page":476},{"text":"وقال المبرد: الرق، ما رُقّق من الجلد ليكتب فيه. والمنشور: المبسوط يتباعد أطرافه (١).\nقال مقاتل: يخرج إليهم أعمالهم يومئذٍ في رق، يعني أديم الصحف (٢). ونحو هذا قال الكلبي.\nقال الفراء: الرق الصحائف التي تخرج إلى بني آدم يوم القيامة فآخذ كتابه بيمينه وآخذ بشماله (٣). وهذا كقوله: ﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا﴾ [الإسر اء: ١٣].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4219>٤ </span>- قوله: ﴿وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ﴾ روى أنس عن النبي -ﷺ- قال: \"البيت المعمور في السماء السابعة، يدخله كل يوم سبعون ألف ملك، ثم لا يعودون إليه حتى تقوم الساعة\" (٤).\nوقال ابن عباس: البيت المعمور في السماء بحيال الكعبة، يحجه كل يوم سبعون ألف (٥) ملك يسمى الصُّراح (٦). ونحو هذا قال جماعة المفسرين (٧)، إلا الحسن فقد روي عنه أنه قال: هو الكعبة. ومعنى\n_________\n(١) انظر: \"اللسان\" ١٠/ ١٢٩ (رقق)، \"القرطبي\" ١٧/ ٥٩، \"فتح القدير\" ٥/ ٩٤.\n(٢) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٢٨ أ.\n(٣) انظر: \"معاني القرآن\" ٣/ ٩١.\n(٤) أخرجه ابن جرير في \"تفسيره\" ٢٧/ ١١، وابن المنذر، وابن مردويه، والحاكم في \"المستدرك\" ٢/ ٤٦٨ وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، والبيهقي في \"شعب الإيمان\". وانظر: \"الدر\" ٦/ ١١٧.\n(٥) في (ك): (ألف) ساقطة.\n(٦) انظر: \"تنوير المقباس\" ٥/ ٢٨١، \"الكشف البيان\" ١١/ ١٩٣ ب، \"الوسيط\" ٤/ ١٤، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ٥٩.\n(٧) انظر: \"تفسير مجاهد\" ٢/ ٦٢٤، \"تفسير مقاتل\" ١٢٨ أ، \"جامع البيان\" ٢٧/ ١١، \"تفسير ابن كثير\" ٤/ ٢٣٩، قال: وكذا قال عكرمة ومجاهد وغير واحد من السلف.","vol":"20","page":477},{"text":"﴿الْمَعْمُورِ﴾ أنه معمور بكثرة الغاشية والزائرين (١).\nقال مقاتل: عمارته أنه يدخله كل يوم سبعون ألف ملك يصلون فيه (٢). وقال الكلبي: المعمور بالملائكة. قال: وهو بيت في السماء السادسة، بناه آدم فرفع أيام الطوفان (٣).\n\nوروى عطاء عن ابن عباس أنه في السماء الدنيا (٤). قال: وكان ابن عباس يقول: لله في السموات والأرضين خمسة عشر بيتًا، كل واحد يحاذي صاحبه، سبعة على الأرضين وسبعة في السموات. والكعبة الخامس عشر <span data-type=\"title\" id=toc-4220>(٥)</span>.\n٥ - قوله تعالى: ﴿وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ﴾. قال علي ﵁: يعني السماء. وهو قول قتادة، ومجاهد، والجميع (٦). قال مقاتل: المرفوع من الأرض مسيرة خمسمائة عام (٧). وسَمَّى السماء سقفًا؛ لأنها للأرض كالسقف. وقد قال عَزّ ذكره: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا﴾ [الأنبياء: ٣٢] وروى عطاء عن ابن عباس قال: السقف المرفوع هو العرش، وهو سقف الجنة (٨).\n_________\n(١) انظر: \"الكشف البيان\" ١١/ ١٩٤ أ - ب، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ٦٠، \"فتح القدير\" ٥/ ٩٤، \"روح المعاني\" ٢٧/ ٢٧.\n(٢) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٢٨ أ.\n(٣) انظر: \"تنوير المقباس\" ٥/ ٢٨١، \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ٩١.\n(٤) انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ٦٠، عن الربيع بن أنس.\n(٥) انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ٦٠.\n(٦) انظر: \"تفسير مجاهد\" ٢/ ٦٢٤، \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٢٤٦، \"جامع البيان\" ٢٧/ ١٠، \"العظمة\" ٣/ ١٠٣٠.\n(٧) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٢٨ أ.\n(٨) انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ٦٠، \"فتح القدير\" ٥/ ٩٤.","vol":"20","page":478},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4221>٦ </span>- وقوله: ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ قال الفراء: المسجور في كلام العرب المملوء (١). يقال: سجرت الإناء، إذا ملأته. قال لبيد:\nفَتَوَسَّطا عُرْضَ السَّرِيِّ وَصَدَّعَا ... مَسْجُورَةً مُتَجَاوِرًا قُلاَّمُهَا (٢)\nوقال المبرد: البحر المسجور المملوء عند العرب، وأنشد هو وأبو عبيدة للنمر بن تَوْلَبْ يصف وعلًا:\nإذا شَاءَ طالَعَ مَسْجُورَةً ... تَرَى حَوْلَهَا النَّبْعَ والسَّاسَمَا (٣)\nيريد: به عينًا مملوءة. وهذا قول ابن عباس في رواية عطاء، والكلبي، ومقاتل قالوا: الممتلئ. وقال قتادة: المملوء (٤).\nروى النزَّال بن سَبْرة عن علي ﵁ قال: هو بحر تحت العرش فيه ماء غليظ، يقال له: بحر الحيوان، يمطر العباد بعد النفخة\n_________\n(١) انظر: \"معاني القرآن\" ٣/ ٩١.\n(٢) البيت ورد في \"ديوانه\" ص ١٠، وفي \"شرح المعلقات السبع\" (معلقة لبيد) للزوزني ص ٨٢، \"جمهرة أشعار العرب\" ص ٦٨، \"المُحتسب\" ٢/ ٣٧١، وقوله: (قُلاَّمُهَا) ضرب من شجر الحمض، ويروى (أقلامها) وهو قصب اليراع. والسَّرِيُّ: النهر الصغير والجمع الأسرية.\nوالبيت في وصف العير والأتان، وقد توسطا جانب النهر الصغير وشقا عينًا مملوءة ماء، قد كثر نبتها.\n(٣) في (ك): (والساسماير) والصواب ما أثبته.\nوالبيت في \"ديوانه\" ص ١٦٥، \"الخزانة\" ١١/ ٩٥، \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٣٠، \"تفسير غريب القرآن\" ص ٤٢٤ والنبع: شجر أصفر العود رزينة ثقيلة في اليد، إذا تقادم احمر.\nوالساسم: قيل هو جمع سِمْسِم، وقد يكون من الخشب يشبه الأبنوس. \"اللسان\" ١/ ٥٦٩ (نبع) ٢/ ١٤٢ (سسم).\n(٤) انظر: \"تنوير المقباس\" ٥/ ٢٨١، \"تفسير مقاتل\" ١٢٨ أ، \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٢٤٧، \"جامع البيان\" ٢٧/ ١١.","vol":"20","page":479},{"text":"الأولى منه أربعين صباحًا، فينبتون في قبورهم (١). وهذا قول الكلبي، ومقاتل، قالا: يحيي الله به الموتى فيما بين النفختين (٢).\nوقال مجاهد ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ الموقد (٣). قال الليث: السجر إيقادك في التنور تسجره بالوقود سجرًا. والسَّجُورُ اسم الحطب (٤). وهذا قول الضحاك وشَمِر بن عطية، وكعب. قالوا: البحر المسجور يسجر فيزاد في نار جهنم (٥).\nوقد روي هذا في الحديث: أن الله تعالى يجعل البحار كلها نارًا فتجعل نار جهنم (٦). قال المبرد: وهذا القول يرجع أصله إلى القول الأول؛ لأن معنى: سجرت التنور، ملأته حطبًا ونارًا (٧). قال الفراء: وكان علي ﵁ يقول: مسجور بالنار. أي مملوء (٨).\nوقال ابن عباس في رواية عطية: البحر المسجور هو اليابس الذي قد نضب ماؤه وذهب. وهو قول أبي العالية، ورواية ذي الرمة الشاعر، عن ابن\n_________\n(١) انظر: \"الكشف البيان\" ١١/ ١٩٥ أ، \"الوسيط\" ٤/ ١٨٥، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٣٧، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ٦٢.\n(٢) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٢٨ أ، \"الوسيط\" ٤/ ١٨٥.\n(٣) انظر: \"تفسير مجاهد\" ٢/ ٦٢٤.\n(٤) انظر: \"تهذيب اللغة\" ١٠/ ٥٧٥ (سجر).\n(٥) انظر: \"جامع البيان\" ٢٧/ ١١، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٣٧، \"الدر\" ٦/ ١١ \"ونسب إخراجه لأبي الشيخ عن كعب.\n(٦) ذكره ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٧/ ٤٨، وقال محققه: لم نقف على هذا الحديث سندًا فيما بين أيدينا من المصادر، وقد أورده بعض المفسرين كالمصنف بلا سند.\n(٧) انظر: \"اللسان\" ٢/ ٩٩ (سجر).\n(٨) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ٩١.","vol":"20","page":480},{"text":"عباس (١) وليس له رواية غير هذا (٢).\nقال أبو زيد: المسجور يكون المملوء، ويكون الذي ليس فيه شيء (٣). أقسم الله تعالى بما ذكر من هذه الأشياء للتنبيه على ما فيها من عظم النعمة والعبرة من وجوب التدبير لذلك، وطلب ما فيها من دقائق الحكمة، والواو في قوله: ﴿وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ﴾ وما بعدها من الواوات للعطف على المُقْسَم به، ولا يجوزأن يكون للقسم؛ لأن جواب القسم الأول وهو قوله: ﴿وَالطُّورِ﴾ لم يأت بعد، وإذا لم يأت جواب الأول، لم يجز أن يستأنف قسم آخر، وقد ذكرنا هذا الفصل في ابتداء سورة (ص) (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4222>٧ </span>- وجوات هذه الأقسام قوله: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ﴾ (٥) قال ابن عباس والمفسرون: إن عذاب ربك للمشركين والكافرين والمنافقين لكائن (٦). يعني في الآخرة يدل عليه قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا (٩)\n_________\n(١) انظر: \"جامع البيان\" ٢٧/ ١٢، \"الكشف البيان\" ١١/ ١٩٥ أ، \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٢٤٠.\n(٢) انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ٦١، وقال: قاله ابن أبي داود.\n(٣) انظر: \"تهذيب اللغة\" ١٠/ ٥٧٧، \"اللسان\" ٢/ ١٠٠ (سجر). وفي \"النوادر\" لأبي زيد ٥٨ قال: التسجير الامتلاء. يقال: بحر مسجور ومسجر. أي مملوء غاية الامتلاء.\nواختار ابن جرير قول من قال: البحر المملوء المجموع ماؤه بعضه في بعض، ووجهه بأنه ليس موقدًا اليوم فهو مملوء. \"جامع البيان\" ٢٧/ ١١. وقال ابن الأنباري في \"أضداده\" ص ٤٤: والمسجور من الأضداد، يقال المسجور للمملوء والمسجور للفارغ ....\n(٤) عند تفسيره لآية (٢،١) من سورة ص. وتقدمه [ص:٦٩].\n(٥) انظر: \"اعراب القرآن\" للنحاس ٣/ ٢٤٩.\n(٦) انظر: \"تنوير المقباس\" ٥/ ٢٢،\"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٣٧.","vol":"20","page":481},{"text":"وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا﴾.\nقال أبو إسحاق: (يومَ) منصوب بقوله: ﴿لَوَاقِعٌ﴾ أي لواقع يوم القيامة (١). ومعنى المور في اللغة: الاختلاف والاضطراب والذهاب والمجيء والتردد.\nوالداغصة (٢) تمور في الركبة، والبعير يمور عضده مورًا، إذا مشى. وروى عمرو (٣) عن أبيه: المور الدوران، ويثال: مار يمور مورًا، إذا جعل يذهب ويجيء ويتردد، ومنه قوله:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4223>٩ </span>- ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا﴾ (٤). قال المبرد: أي تتحرك إما لسير وإما لدوران. قال ابن عباس، ومجاهد: تدور بما فيها دورانًا وتتكفأ تكفؤ السفينة وتضطرب وتتحرك وتستدير، كل هذا من عبارات المفسرين (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-4224>١٠ </span>- ﴿وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا﴾ قال ابن عباس: كسير السحاب اليوم في الدنيا (٦).\nوقال مقاتل: تسير عن أماكنها حتى تستوي بالأرض (٧) وهذا\n_________\n(١) انظر: \"معاني القرآن\" ٥/ ٦١.\n(٢) الداغصة: عظم مدور يموج فوق رضف الركبة. والداغصة الشحمة التي تحت الجلدة الكائنة فوق الركبة. انظر: \"القاموس المحيط\" ٢/ ٣٠٣. \"اللسان\" ١/ ٩٨٩ (دغص).\n(٣) هو: عمرو بن أبي عمرو الشيباني.\n(٤) انظر: \"تهذيب اللغة\" ١٥/ ٢٩٧، \"اللسان\" ٣/ ٥٤٨ (مور).\n(٥) انظر: \"تنوير المقباس\" ٥/ ٢٨٢، \"تفسير مقاتل\" ١٢٨ أ، \"جامع البيان\" ٢٧/ ١٣. \"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٣٧.\n(٦) انظر: \"تنوير المقباس\" ٥/ ٢٨٢، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ٦٣.\n(٧) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٢٨، \"الوسيط\" ٤/ ١٨٥.","vol":"20","page":482},{"text":"كقوله: ﴿وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا﴾ [الكهف: ٤٧] وقوله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ﴾ [طه: ١٠٥] وقوله: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ﴾ [النمل:٨٨] الآيات، وقد ذكر الله تعالى في الواقعة أنها تصير هباءً منثورًا (١)،ثم ذكر ما للمكذبين في ذلك اليوم بقوله:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4225>١١ </span>- ﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ قال الكلبي: الشدة من العذاب يومئذ للمكذبين بالإيمان (٢). وذكرنا قديمًا تفسير الويل (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-4226>١٢ </span>- ثم نعت هؤلاء المكذبين فقال: ﴿الَّذِينَ هُمْ في خَوْضٍ يَلْعَبُونَ﴾ ومعنى الخوض في اللغة الدخول في الماء، ثم يتفرع منه الدخول في الأمر بالقول (٤). وأراد بالخوض هاهنا خوضهم في حديث محمد بالتكذيب واللاستهزاء، ولهذا قال المفسرون: في باطل يلعبون. قال عطاء: يخوضون في تكذيبك ويلهون بذكرك (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-4227>١٣ </span>- قوله: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ﴾ يوم بدل من قوله: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ (٦) ومعنى\n_________\n(١) قال تعالى: ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا (٥) فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا﴾. [الوقعه ٥، ٦].\n(٢) انظر: \"الوسيط\" ٤/ ١٨٥.\"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٣٨.\n(٣) عند تفسيره لآية (٧٩) من سورة البقرة. قال: قال ابن عباس. الويل شدة العذاب. وقال الزجاج: الويل كلمة يستعملها كل واقع في هلكة وأصله في اللغة العذاب. وقال ابن قتيبه: قال الأصمعي: الويل تقبيح. وروى الأزهري عن أبي طالب النحوي أنه قال: قولهم: (ويله) كان أصلها (روي) وصلت بـ (له) ومعنى (روي) حزن له ومنه قولهم: ويه، معناه حزن أخرج مخرج الندب. والويل: حلول الشر، والويله: الفضيحه، والبلية. والويل كلمة عذاب. والهلاك يُدعى بمن له وقع في هلكة يستحقها. وانظر: \"اللسان\" ٣/ ٩٩٧ (ويل).\n(٤) انظر: \"تهذيب اللغة\" ٧/ ٤٦٦، \"اللسان\" ١/ ٩٢٠ (خوض).\n(٥) انظر: \"الوسيط\" ٤/ ١٨٥، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٣٨، \"الجامع\" للقرطبي ١٧/ ٦٤.\n(٦) انظر: \"مشكل اعراب القرآن\" ٢/ ٢٣١.","vol":"20","page":483},{"text":"الدَّع في اللغة: الدفع في قسوة وعنف. قال أبو عبيدة (١): دععت (٢) في قفاه، أي دفعت، ومنه قوله: ﴿يَدُعُّ الْيَتِيم﴾ [الماعون: ٢]، وأنشد الليث:\nإذا القوم في المَحُلِ دَعُّوا اليَتِيمَا (٣)\nقال عامة المفسرين: يدفعون إلى النار دفعًا على وجوههم (٤)، وقال قتادة: يزعجون إليها إزعاجًا (٥). وقال مجاهد: دفرًا في أقفيتهم (٦).\nقال ابن الأعرابي: الدفر: الدفع (٧). قال مقاتل: يغلون أيديهم إلى أعناقهم، وتجمع نواصيهم إلى أقدامهم وراء ظهورهم، ثم يدفعون إلى جهنم دفعًا على وجوههم، حتى إذا دنوا منها قال لهم خزنتها قوله:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4228>١٤ </span>- ﴿هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ (٨) قال ابن عباس: أي في الدنيا (٩).\nثم وبخوا بما كانوا يدعون في حال التكذيب قبل انكشاف الأمر، فقيل لهم لما عاينوا مصداق الخبر\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4229>١٥ </span>- ﴿أَفَسِحْرٌ هَذَا﴾ أي هذا الذي ترون. والمعنى يعود إلى العذاب،\n_________\n(١) انظر: \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٣١.\n(٢) في (ك): (دعت) والصواب ما أثبته.\n(٣) لم أجده فيما اطلعت عليه.\n(٤) اانظر: \"جامع البيان\" ٢٧/ ١٤، \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٢٤١.\n(٥) انظر: \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٢٤٧، \"جامع البيان\" ٢٧/ ١٤.\n(٦) انظر: \"تهذيب اللغة\" ١/ ٩٢، \"اللسان\" ١/ ٩٨٣ (دعع).\n(٧) انظر: \"تهذيب اللغة\" ١٤/ ١٠٢، \"اللسان\" ١/ ٩٩١ (دفر).\n(٨) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٢٨/ ب، \"الوسيط\" ٤/ ١٨٥.\n(٩) انظر: \"تنوير المقباس\" ٥/ ٢٨٢.","vol":"20","page":484},{"text":"ولذلك ذكر بلفظ التذكير في قوله: ﴿هَذَا﴾. قوله: ﴿أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ﴾ يريد: أم قد غطى على أبصاركم، وذلك أنهم كانوا يكذبون محمدًا -ﷺ- فيما يوعدهم من العذاب وينسبونه إلى السحر، وإلى أنه يسحر الناس ويغطي على أبصارهم بالسحر، ومنه قوله تعالى: ﴿لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا﴾ وقد مر (١). فلما شاهدوا ما وعدوا به من العذاب قيل لهم للتوبيخ والتبكيت: أفسحر ما ترون، أم قد غطي على أبصاركم فلا ترون كما كنتم تدعون في الدنيا أنه يفعل بكم. وهذا معنى قول مقاتل (٢). ويجوز أن يكون المعنى في قوله: ﴿أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ﴾ التهديد. يقول: أم لا تبصرون العذاب فتكذبون به كما كنتم تكذبون به في الدنيا إذا كنتم لا تبصرونه. فلما ألقوا فيها قالت لهم الخزنة:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4230>١٦ </span>- ﴿فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا﴾ أي: على العذاب ومقاساة حر النار ﴿سَوَاءٌ عَلَيْكُم﴾ قال أبو إسحاق: مرفوع بالابتداء والخبر محذوف. المعنى: سواء عليكم الصبر والجزع (٣). يدل على ذلك أنهم أقروا بهذا في قوله: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا﴾ [إبراهيم: ٢١].\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي الأمر جار عليكم بالعدل، ما جوزيتم إلا جزاء أعمالكم، والمعنى: إنما تجزون جزاء ما كنتم تعملون، أي الكفر والتكذيب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4231>١٨ </span>- فقوله تعالى: ﴿فَاكِهِينَ بِمَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ﴾. قال ابن عباس،\n_________\n(١) عند تفسيره لآية (١٥) من سورة الحجر.\n(٢) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٢٨ ب، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٣٨.\n(٣) انظر: \"معاني القرآن\" ٥/ ٦٢.","vol":"20","page":485},{"text":"ومقاتل: معجبين (١). وذكرنا تفسير هذا الحرف في سورة يس (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4232>١٩ </span>- قوله تعالى: ﴿هَنِيئًا﴾ يقال: هَنُؤَ يَهْنُؤ هَنَاءَةً فهو هنيء (٣). وهنيئًا هاهنا نعت محذوف على تقدير: إمتاعًا هنيئًا، وأمرهم بالأكل والشرب يدل على الإمتاع، كأنه قيل: أمتعتم بنعيم الجنة إمتاعًا هنيئًا، ويجوز أن يقول: أراد شربًا هنيئًا، أو أكلًا هنيئًا. واقتصر على صفة مصدر أحد الفعلين من الآخر. وقال الزجاج: (هنيئًا) صفة في موضع المصدر، أي: ليهنأكم ما صرتم إليه هنيئا (٤). وذكرنا تفسير الهنيء في أول سورة النساء (٥).\nقال مقاتل: يعني حلالًا.\n_________\n(١) انظر: \"تنوير المقباس\" ٥/ ٢٨٣، \"تفسير مقاتل\" ١٢٨ ب.\n(٢) عند تفسيره لآية (٥٥) من سورة يس قال: ﴿فَاكِهُونَ﴾ قال ابن عباس: ناعمون. وقال مقاتل وقتادة: أي معجبون بما هم فيه. وهو قول الحسن والكلبي. وهذان القولان عليهما أهل التفسير ولكل منهما أجل في اللغة. فمن قال فاكهين ناعمين، فاصله من الفكهية والفاكهة وهي المزاح والكلام الطيب. يقال: فاكهت القوم بملح الكلام مفاكهةً. روى أبو عبيد عن زيد: الفَكِهُ الطيب النفس الضحوك .. ومن قال الفاكهة المعجب فإن العرب تقول: فكهنا من كذا أي تعجبنا. ومنه قوله تعالى: ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ أي تعجبون. وانظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ٦٣، \"تهذيب اللغة\" ٦/ ٢٥ (فكه)، \"الأضداد\" لابن الأنبارى ٥٤.\n(٣) انظر: \"تهذيب اللغة\" ٦/ ٤٣٣ (هنا) ذكره عن الليث.\n(٤) انظر: \"معاني القرآن\" ٥/ ٦٣.\n(٥) عند تفسيره لآية (٤) من سورة النساء. ومما قال: قال الأصمعي: يقال في الدعاء للرجل: هنئت ولا تَنْكَه. أي أصبت خيرًا ولا أصابك التفسير. وقال أبو الهيثم: معنى قوله ﴿هنئت﴾ يريد ظفرت على الدعاء له. وأصل الهنيء من الهناء. وهو معالجة الجرب بالقطران. فالهنيء شفاء من المرض كالهناء شفاء من الجرب، قال المفسرون: معنى الهنيء الطيب المساغ الذي لا ينغصه شيء.","vol":"20","page":486},{"text":"وقال الكلبي: ﴿هَنِيئًا﴾ لا يموتون (١). ومقاتل ذهب إلى أن الحرام وخيم العاقبة، وطعام الجنة لما كان مأمون العاقبة وصف بالهنيء. وذهب الكلبي إلى أن الموت ينغص النعمة، ولما كان أهل الجنة يأمنوا الموت وصف نعيمهم بالهنيء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4233>٢٠ </span>- قوله تعالي: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ﴾ تفسير هذه الحروف قد تقدَّم فيما سبق.\nووصف ابن عباس هذه السرر فيما روي عنه عطاء قال: يريد من ذهب مكللة بالزبرجد والدر والياقوت، والسرير مثل ما بين مكة وأيْلة (٢).\nوقال الكلبي: طول السرير في السماء مائة عام، فإذا أراد الرجل أن يجلس عليه تواضع له حتى يجلس عليه، فإذا جلس عليه ارتفع به إلى مكانه (٣).\nقوله تعالي: ﴿وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ﴾ ذكرنا تفسيره في آخر سورة الدخان (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4234>٢١ </span>- قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ قال ابن عباس: يعني المهاجرين والأنصار والتابعين (٥).\n_________\n(١) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٢٨ ب.\n(٢) انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ٦٥، \"فتح القدير\" ٥/ ٩٦.\n(٣) انظر: \"الوسيط\" ٣/ ٤٦، \"التفسير الكبير\" ١٩/ ١٥٣، \"القرطبي\" ١٠/ ٣٣، \"روح المعاني\" ١٤/ ٥٩، وأيْلَةُ بالفتح مدينة على ساحل البحر الأحمر ممل يلي الشام، وقيل: هي آخر الحجاز وأول الشام. انظر: \"معجم البلدان\" ١/ ٣٤٧.\n(٤) عند تفسيره لآية (٥٤) من سورة الدخان وملخصه: أن الله تعالى أنكحهم في الجنة الحور العين، والحور في اللغة البيض وقيل الحسان الأعين.\n(٥) انظر: \"الحامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ٦٧، \"روح المعاني\" ٢٧/ ٣٢، وقال (لكن =","vol":"20","page":487},{"text":"﴿وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ﴾ اختلفوا في أن هذا الإيمان من المؤمنين الذين ذكروا في قوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ أم من الذرية؟ فقال قتادة: بإيمان من الذرية (١)، والمعنى: واتبعتهم ذريتهم في الإيمان؛ لأن الذرية إذا لم تتبع الأصل بالإيمان لم تجتمع معه في الجنة. وعلى هذا المراد بالذرية الكبار. ويجوز أن يكون المراد بالإيمان إيمان الذين آمنوا (٢).\nوالمعنى: وأتبعهم بإيمان من الآباء ذريتهم، والذرية تتبع الآباء وإن كانت صغارًا في كثير من أحكام الإيمان وهو الميراث، والدفن في مقابر المسلمين، وحكمهم حكم الآباء في أحكامهم، إلا فيما كان موضوعًا عن الصغير لصغره. وعلى هذا القول، المراد بالذرية: الصغار.\nقال أبو علي: فإن جعلت الذرية للكبار (٣) كان قوله: ﴿بِإِيمَانٍ﴾ حالًا من الفاعلين الذين هم ذريتهم (٤). وكلا القولين مروي عن ابن عباس (٥). والوجه أن تحمل الذرية على ما بينَّا. وعلى هذه الجملة يدل كلام\n_________\n= لا أظن صحته). وقال الشوكاني: وقيل المراد بالذين آمنوا المهاجرون والأنصار فقط، وظاهر الآية العموم، ولا يوجب تخصيصها بالمهاجرين والأنصار، كونهم السبب في نزولها إن صح ذلك، فالاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. انظر: \"فتح القدير\" ٥/ ٩٨.\n(١) انظر: \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٢٤٧، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ٦٦.\n(٢) وهو المروي عن ابن عباس، والضحاك.\nانظر: \"جامع البيان\" ١٧/ ١٥، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٣٩.\n(٣) في (ك): (فإذا حملت الذرية الكبار) والصواب ما أثبته.\n(٤) انظر: \"الحجة للقراء السبعة\" ٦/ ٢٥٥.\n(٥) انظر: \"جامع البيان\" ٢٧/ ١٥، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ٦٦.","vol":"20","page":488},{"text":"المفسرين (١).\nوالذرية تقع على الصغير والكبير، والواحد والكثير (٢). فمن وقوعها على الصغير الواحد قوله: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾ [آل عمران: ٣٨] ومن وقوعها على الكبار البالغين قوله: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ﴾ [الأنعام: ٨٤].\nومن وقوعها على الكبير قوله: ﴿مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ﴾ [مريم: ٥٨]. روى سعيد بن جبير عن ابن عباس أن النبي -ﷺ- قال: \"إن الله يرفع ذرية المؤمن في درجته وإن كانوا دونه في العمل لتقر بهم عينه\" ثم قرأ هذه الآية (٣).\nوقال عبد الله في هذه الآية: الرجل يكون له القِدم وتكون له الذرية فيدخل الجنة فيرفعون إليه لتقر بهم عينه وإن لم يبلغوا ذلك (٤).\nوقال أبو مجلز: يجمعهم الله له ما كان يحب أن يُجْمعوا له في الدنيا (٥). وقال الشعبي: أدخل الله الذرية بعمل الآباء الجنة (٦).\n_________\n(١) انظر \"الكشف البيان\" ١١/ ١٩٦ ب، \"الوسيط\" ٤/ ١٦، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٣٩.\n(٢) انظر: \"تهذيب اللغة\" ١٥/ ٣ (ذرأ).\n(٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٤٧ موقوفًا على ابن عباس، والحاكم في مستدركه، كتاب: التفسير، سورة الطور ٢/ ٤٦٨، والبزار عن ابن عباس، عن النبي -ﷺ- وفيه قيس بن الربيع. وثقه شعبة والثوري وفيه ضعف.\nانظر: \"مجمع الزوائد\" ٧/ ١١٤، وأخرجه ابن جرير في \"تفسيره\" ٢٧/ ١٥، \"البحر المحيط\" ٨/ ١٤٨، وانظر: \"تخريجات الكشاف\" ص١٦٠، \"الصواعق المرسلة\" ١/ ٣٩١ - ٣٩٢، \"التفسير القيم\" ص ٤٤٩. وبه قال الجمهور.\n(٤) انظر: \"التفسير القيم\" ص ٤٥١.\n(٥) انظر: \"الدر\" ٦/ ١١٩، ونسب إخراجه لابن المنذر.\n(٦) انظر: \"حامع البيان\" ٢٧/ ١٦.","vol":"20","page":489},{"text":"وقال الكلبي عن ابن عباس: إن كان الآباء أرفع درجة من الأبناء رفع الله الأبناء إلى الآباء، وإن كان الأبناء أرفع درجة من الآباء رفع الله الآباء إلى الأبناء. وهذا القول اختيار الفراء (١). والآباء على هذا القول داخلون في اسم الذرية.\nوذكرنا جواز ذلك عند قوله: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ (٢) عني بالذرية الآباء. والأكثرون على القول الأول. وهو أن الأبناء يلحقون بدرجة الآباء.\nقال إبراهيم: أعطوا مثل أجور آبائهم ولم ينقص الآباء من أجورهم شيئًا (٣). وهو اختيار الزجاج. قال: تأويل الآية أن الأبناء يلحقون بالآباء إذا كانت مراتب الآباء في الجنة أعلى من مراتبهم، ولم ينقص الآباء من أجورهم شيئًا (٤). وذلك قوله: ﴿وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ وذكرنا تفسير الألت عند قوله: ﴿لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا﴾ (٥) والقراء على فتح اللام\n_________\n(١) انظر: \"معاني القرآن\" ٣/ ٩٢، \"القرطبي\" ١٧/ ٦، \"التفسير القيم\" ص ٤٥١.\n(٢) عند تفسيره لآية (٤١) من سورة يس. ومما قال: قال ثعلب: الذرية تقع على الآباء. وقال الفراء: جعل الذرية التي كانت مع نوح لأهل مكة لأنها أصل لهم، وقال الزجاج: قيل لأهل مكة (حملنا ذريتهم) لأن من حمل مع نوح فهم أباؤهم وذرياتهم. فهذه الأقوال تدل على أن الآباء يجوز أن تسمى ذرية الأبناء. وقد كشف صاحب النظم عن هذا فقال: جعل الله الآباء ذرية للأبناء. وجاز ذلك لأن الذرية مأخوذة من ذرأ الله الخلق فسمى الولد ذرية لأنه ذري من الأب فكما جاز أن يقال للولد ذرية لأبيه لأنه ذري منه كذلك يجوز أن يقال للأب ذرية للابن ابنه ذري منه.\n(٣) انظر: \"جامع البيان\" ٢٧/ ١٦، \"الدر\" ٦/ ١١٩، وزاد نسبة إخراجه لابن المنذر وهناد.\n(٤) انظر: \"معاني القرآن\" ٥/ ٦٥ - ٦٦.\n(٥) عند تفسيره للآية (١٤) من سورة الحجرات، ومما قال: لاتَ اجتمع أربع لغات: أَلَتَ، وآلَتَ، ولاَتَ، وأَلاَتَ. كلها معناها النقصان. قال ابن عباس ومقاتل: لا ينقصكم من ثواب أعمالكم شيئًا. انظر: \"البسيط\" ٦٥٦ بتحقيق السحيباني.","vol":"20","page":490},{"text":"في: (ألتناهم) وهو الأشهر الأعرف.\nوقرأ ابن كثير بكسر اللام (١). ويشبه أن يكون ذلك لغة، فقد جاءت حروف على فَعِلَ وفَعَلَ، مثل: نَقِمَ يَنْقَمُ، ونَقَم يَنْقِم.\nوقد رويت هذه القراءة عن يحيى بن يعمر، ومكانه مكانه (٢).\nقال ابن عباس: لم تنقص الآباء من الثواب حين ألحقنا بهم ذرياتهم (٣). وهذه الآية رد ظاهر على القدرية حين أنكروا أن يعطي الله تعالى ذكره مؤمنًا من فضله ما لا يستحقه بعمله. وتم الكلام عند قوله: ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ (٤)، ثم ابتدأ: ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ قال ابن عباس: ارتهن أهل جهنم بأعمالهم (٥). أي أخذوا وحبسوا في جهنم، ولكن الكلام في نفس الآية يدل على ما ذكر؛ لأن الله وصف منازل أهل الجنة، ثم ذكر أهل النار وأنهم ارتهنوا بعملهم، فدل معنى الكلام على أنهم معذبون، فإن أهل الجنة في نعيمهم.\nوقال مقاتل: كل امرئ كافر بما عمل من الشرك مرتهن في النار (٦). ويدل على صحة ما ذكر ما قال الكلبي، وهو أن الله تعالى استثنى المؤمنين في قوله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨) إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾ (٧) فدل على أن\n_________\n(١) انظر: \"حجة القراءات السبع\" ص ٦٢، \"النشر\" ٢/ ٣٧٧، \"الإتحاف\" ص ٤٠٠.\n(٢) انظر: \"الحجة للقراء السبعة\" ٦/ ٢٢٦.\n(٣) انظر: \"تنوير المقباس\" ٥/ ٢٨٤، \"جامع البيان\" ٢٧/ ١٧، \"الوسيط\" ٤/ ١٨٧.\n(٤) انظر: \"القطع والائتناف\" ص ٦٦ قال: وهو قول أبي حاتم.\n(٥) انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ٦٨.\n(٦) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٢٨ ب، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٣٩.\n(٧) آية (٣٨، ٣٩) من سورة المدثر. ولم أجد القول عن الكلبي أو غيره.","vol":"20","page":491},{"text":"المراد بقوله: ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ الكافر لا المسلم (١).\nثم ذكر ما يزيدهم (٢) من الخير والنعمة فقال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4235>٢٢ </span>- ﴿وَأَمْدَدْنَاهُمْ بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ قال ابن عباس: يعني غير الذي كان لهم زيادة من الله تعالى أمدهم بها (٣). قال الكلبي، ومقاتل: يعنى غير الذي كان لهم زيادة من الله تعالى أمدهم بها.\n<span data-type=\"title\" id=toc-4236>٢٣ </span>- ﴿يَتَنَازَعُونَ﴾ يتعاطون (٤) والمعنى أن هذا يأخذ من يد هذا وهذا يأخذ من يد هذا كالشيء المتنازع فيه، تنزعه من صاحبك، وصاحبك ينزعه منك. هذا هو الأصل ثم صار التنازع اسمًا للتناول، والمنازعة اسمًا للمناولة (٥) وقال الأعشى:\nنازَعتُهُمْ قُضُبَ الرّيْحَانِ مُتّكئا ... وَقَهْوَةً مُزّةً رَاوُقُهَا خَضِلُ (٦)\nوقال الأخطل:\nنازَعْتُهمُ طَيِّبَ الرَّاحِ الشَّمُولِ وقد ... صَاحَ الدَّجَاجُ وحاَنتْ وَقْعَةُ السَّاري (٧)\n_________\n(١) واختيار ابن جرير، والنحاس، وابن كثير، وغيرهم العموم، وأن كل إنسان مرتهن بعمله، فإن قام به على الوجه الذي أمره الله به فكه، وإلا أهلكه. انظر: \"جامع البيان\" ٢٧/ ١٧، \"إعراب القرآن\" للنحاس ٣/ ٢٥٣، \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٢٤٢، \"فتح القدير\" ٥/ ٩٨.\n(٢) في (ك): (ما يزيد) والتصويب من الوسيط.\n(٣) انظر: \"الوسيط\" ٤/ ١٨، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٣٩.\n(٤) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٢٨ ب، \"جامع البيان\" ٢٧/ ١٧.\n(٥) انظر: \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٤١، \"اللسان\" ٣/ ٦١٦ (نزع).\n(٦) انظر: \"ديوان النابغة\" ص ١٤٧، والقهوة: الخمر، والراووق: إناء الخمر، والخضل: الندي.\n(٧) انظر: \"ديوان الأخطل\" ١٠/ ١٩٨، \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٢٣، ومعنى (نازعته) ناولته. والشمول: الطيبة الريح.","vol":"20","page":492},{"text":"وجميع أهل اللغة قالوا في معنى (يتنازعون): يتعاطون. وهو قول أبي عبيدة، والمبرد، والزجاج، وابن قتيبة (١).\nقوله تعالى: ﴿فِيهَا كَأْسًا﴾ قال ابن عباس، ومقاتل، يعني الخمر (٢). وقد ذكرنا أن الكأس معناه الإناء فيه الشراب، فإذا كان فارغًا فليس بكأس، ولما لم ينفك الكأس عما فيه، جاز أن يسمى ما فيه باسم الكأس (٣).\nقوله تعالى: ﴿لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ﴾ قال ابن عباس: يريد لا يلغون ولا يأثمون (٤). وعبارات المفسرين مختلفة الألفاظ، فقد قالوا: لا فضول ولا باطل ولا سباب ولا تخاصم فيها (٥).\nقال أبو إسحاق: أي لا يجري بينهم ما يُلْغَى، ولا ما فيه إثم كما يجري في الدنيا لشربة الخمر (٦).\nوقال ابن قتيبة: أي: لا يذهب بعقولهم فيلغوا ويرفثوا كما يكون من خمر الدنيا (٧). فإذا لم يذهب بعقولهم لم يكن منهم ما يؤثم. والتأثيم تفعيل\n_________\n(١) انظر: \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٣٢، \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ٦٣ \"غريب القرآن\" ٤٢٥.\n(٢) انظر: \"تنوير المقباس\" ٥/ ٢٨٤، \"تفسير مقاتل\" ١٢٨ ب.\n(٣) انظر: \"المفردات\" ٤٤٣، \"تهذيب اللغة\" ١٠/ ٣١٣ (كيس)، \"اللسان\" ٣/ ٢٠٦ (كأس).\n(٤) انظر: \"تنوير المقباس\" ٥/ ٢٨٤، \"جامع البيان\" ٢٧/ ١٧.\n(٥) انظر: \"تفسير مجاهد\" ٢/ ٦٢٤، \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٢٤٨، \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٢٤٢.\n(٦) انظر: \"معاني القرآن\" ٥/ ٦٣\n(٧) انظر: \"تفسير غريب القرآن\" ص ٤٢٥.","vol":"20","page":493},{"text":"من الإثم. يقال: أثمه، إذا جعله ذا إثم. يعني أن تلك الكأس لا تجعلهم آثمين. والكلام في التنوين وتركه في مثل هذا قد تقدم عند قوله: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ﴾ (١).\nوقوله: ﴿فِيهَا﴾ من قوله: ﴿لَا لَغْوٌ فِيهَا﴾ في موضع رفع بأنه خبر مبتدأ على قول سيبويه؛ لأنه خبر عن قوله: ﴿لَا لَغْوٌ﴾ والتقدير: لا لغو فيها ولا تأثيم فيها، واستغني عن ذكر خبر الثاني لدلالة خبر الأول عليه كقوله: زيد منطلق وعمرو (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4237>٢٤ </span>- قوله تعالى: ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَهُمْ﴾ قال الكلبي: بالخدمة غلمان لهم (٣). قال مقاتل: لا يكبرون أبدًا (٤). ﴿كَأَنَّهُمْ﴾ في الحسن والبياض ﴿لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ﴾ في الصدف لم تمسه الأيدي ولم تره الأعين.\nوقال عطاء: يريد مثل اللؤلؤ حين يخرج من أصدافه قبل أن يصيبه الطيب والدهن (٥).\n_________\n(١) عند تفسيره لآية (١٩٧) من سورة البقرة. وفي قوله ﴿لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ﴾ قرأ ابن كثيرن وأبو عمرو، ويعقوب: ﴿لَغْوٌ * تَأْثِيمٌ﴾، بالنصب وقرأ الباقون ﴿لَغْوٌ * تَأْثِيمٌ﴾ بالرفع والتنوين.\nانظر: \"حجة القراءات\": ٦٨٣، \"النشر\" ٢/ ٢١١، \"الإتحاف\" ١٣٤. وفي قوله\nتعالى: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ﴾ بالرفع والتنوين، وقرأ الباقون بالفتح من غير تنوين. انظر: \"البسيط\" ١/ ١٢٢ أ - ب، الحجة ٢/ ٢٨٦، \"النشر\" ٢/ ٢١١، \"الإتحاف\" ص ١٣٥.\n(٢) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٢٧٠، ٥/ ٦٣، \"الحجة للقراء السبعة\" ٦/ ٢٢٦.\n(٣) انظر: \"الوسيط\" ٤/ ١٨٨، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٤٠.\n(٤) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٢٨ ب، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ٦٩.\n(٥) لم أجده.","vol":"20","page":494},{"text":"ومعنى: ﴿مَكْنُونٌ﴾ مصون فيما تكنه أي تستره (١). ذكرنا تفسير هذا الحرف في مواضع، وعلى ما ذكر مقاتل، وعطاء: أراد أنه مكنون في الصدف (٢). وقال الكلبي: قد خُبِّئ وكُنَّ من الحر والقر والمطر فلم يتغير (٣). وعلى هذا هو مكنون في غير الصدف. قال الحسن في هذه الآية: قالوا: يا رسول الله، الخادم كاللؤلؤ، فكيف بالمخدوم؟ قال: \"كما بين القمر ليلة البدر والكوكب\" (٤). ونحو هذا ذكر قتادة (٥).\nوروت عائشة أن رسول الله -ﷺ- قال: \"إن أدنى أهل الجنة منزلة من ينادي الخادم من خدمه فيجيبه ألف يناديه كلهم لبيك لبيك\" (٦).\nوقال أبو عبد الرحمن المعافري (٧): إنه ليصف الرجل من أهل الجنة\n_________\n(١) الكِنُّ والكنَّةُ والكِنانُ: وقِاء كل شيء وسِترهُ، والكِنُّ: البيت أيضًا. والجمع أكنْانٌ وأكنَّةٌ، \"اللسان\" ٣/ ٣٠٤ (كَنَنَ).\n(٢) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٢٨ ب، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٤٠.\n(٣) لم أجده عن الكلبي، وفي \"تنوير المقباس\" ٥/ ٢٨٤، قال: (قد كن من الحر والبرد والقر).\nوالقُرُّ: هو البرد عامة. وقال بعضهم: القُرُّ في الشتاء والبرد في الشتاء والصيف، \"اللسان\" ٣/ ٥٢ (قرر).\n(٤) أخرجه الثعلبي من رواية الحسن مرسلًا. انظر: \"الكشف البيان\" ١١/ ١٩٧ ب، تخريجات الكشاف: ١٦٠.\n(٥) أخرجه عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر.\nانظر: \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٢٤٨، \"جامع البيان\" ٢٧/ ١٨، \"الدر\" ٦/ ١١٩.\n(٦) أخرج الثعلبي من رواية عمر بن عبد العزيز البصري، عن يوسف بن أبي طيبة، عن وكيع، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة نحوه. انظر: \"الكشف البيان\" ١١/ ١٩٧ ب، \"تخريجات الكشاف\" ص ١٦٠.\n(٧) لم أجد ترجمته.","vol":"20","page":495},{"text":"سماطان لا يرى طرفهما من غلمانه حتى إذا مر مشوا وراءه (١).\nوقال حميد بن هلال (٢): ذكرنا أن الرجل إذا دخل الجنة صور صورة أهل الجنة وألبس لباسهم، وحُلِّي حليهم، وأُري أزواجه وخدمه، أخذه سوار فرح لو كان ينبغي له أن يموت لمات من سوار فرح، فيقال له: أرأيت سوار فرحتك، فإنها قائمة لك أبدًا (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4238>٢٧ </span>- قوله تعالى: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ قال ابن عباس: يتذاكرون ما كانوا فيه في الدنيا من التعب والنصب والخوف (٤). وقال مقاتل: زار بعضهم بعضًا فتساءلوا بينهم ما كانوا فيه من المشقة في الدنيا فذلك قوله:\n<span data-type=\"title\" id=toc-4239>٢٨ </span>- ﴿إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ﴾ أي في دار الدنيا مشفقين من العذاب.\n٢٩ - ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾ بالمغفرة ﴿وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ﴾ يعني جهنم الحارة (٥). ونحو هذا قال الحسن في السموم أنه من أسماء جهنم (٦).\nوقال عطاء: يريد الطبق السابع من جهنم وهو الأعلى (٧).\n_________\n(١) لم أجد هذا القول.\n(٢) حميد بن هلال العدوي، أبو نصر البصري، ثقة، عالم، توقف فيه ابن سيرين لدخوله عمل السلطان. انظر: \"تقريب التهذيب\" ١/ ٢٠٤، \"صفة الصفوة\" ٣/ ٢٦٠، \"سير أعلام النبلاء\" ٥/ ٣٠٩.\n(٣) انظر: \"صفة الصفوه\" ٣/ ٢٦٠.\n(٤) انظر: \"الوسيط\" ٤/ ١٨٨، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٤٠. ومعنى قوله: أخذه سوار الفرح، أي: دَبَّ فيه الفرح دَبيبَ الشَّرَاب. انظر: \"اللسان\" ٢/ ٢٣٧ (سور).\n(٥) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٢٨ ب، ١٢٩ أ.\n(٦) انظر: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٤٠، \"زاد المسير\" ٨/ ٥٣، \"القرطبي\" ١٧/ ٧٠.\n(٧) لم أجده.","vol":"20","page":496},{"text":"وقال الكلبي: (عذاب السموم) عذاب النار (١). وهو قول أبي عبيدة (٢). ومعنى السموم في اللغة: الريح الحارة تكون بالنهار، وقد تكون بالليل أيضًا.\nقال أهل المعاني: معنى السموم الحر الذي يدخل في مسام البدن بما يوجب ألمه، ومنه ريح السموم، ومسام البدن الخروق الدقاق، وعلى هذا حر جهنم وحر النار مما يدخل في مسام البدن (٣).\nوقال أبو إسحاق: ﴿عَذَابَ السَّمُوم﴾ أي سموم جهنم (٤). وعلى هذا سموم جهنم ما يوجد من لفح أوارها (٥) وحرارة لهوبها كالريح الحارة الي تهب فتؤذي الإنسان. فكأنهم قالوا: وقانا الله حر جهنم حتى لم يصبنا وهج نارها.\nقال (٦): وسياق هذه الآيات يدل على أنهم يتساءلون في الجنة عن أحوالهم التي كانت في الدنيا، كأن بعضهم يقول لبعض: بم صوت إلى هذه المنزلة؟ وفي الكلام دليل على ذلك، وهو قولهم في جواب المسألة: ﴿إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ﴾ أي من المصير إلى عذاب الله فعملنا بطاعته (٧).\n_________\n(١) انظر: \"الوسيط\" ٤/ ١٨٨، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٤٠، \"زاد المسير\" ص ٥٣.\n(٢) انظر: \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٣٣.\n(٣) انظر: \"تهذيب اللغة\" ١٢/ ٣٢٠، \"اللسان\" ٢/ ٢٠٨ (سمم).\n(٤) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ٦٤.\n(٥) وَرَتِ النارُ تَرِي وَرْيًا ورِيةً حَسَنةُ. اتَّقد، وأوْرَيتُ النار أوريها إيراء. \"اللسان\" ٣/ ٩١٦ (ورى).\n(٦) أي الزجاج.\n(٧) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ٦٤.","vol":"20","page":497},{"text":"قال إبراهيم التيمي: ينبغي لمن لم يحزن في الدنيا ولم يخف، أن يكون من أهل النار، وأن لا يكون من أهل الجنة؛ لأنهم قالوا: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ [فاطر: ٣٤] وقالوا:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4240>٢٨ </span>- ﴿إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ﴾ (١). ثم قرنوا الجواب مع ذلك\nبالإخلاص والتوحيد وهو قوله تعالى: ﴿إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾ أي نوحده ولا ندعو إلهًا غيره. وهو قول ابن عباس (٢).\nوقوله: ﴿إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾ وقرئ ﴿أَنَّهُ﴾ بالفتح (٣).\nوالمعنى: ندعوه لأنه هو البر الرحيم. أي فلرحمته يجيب من دعاه، فلذلك ندعوه، ومن كسر الهمزة قطع الكلام مما قبله واستأنف (٤)، وهو اختيار أبي عبيد قال: نقرؤها كسرًا على الابتداء، أي إن ربنا كذلك على كل حال. قال: ومن نصب أراد ندعوه لأنه، أو بأنه. فيصير المعنى: أنه يدعى من أجل هذا (٥).\nوالتأويل الأول أعم وأحب إليّ، قال المبرد: قال أبو عبيد: الكسر أعم، ولا وجه له؛ لأن قوله ﴿إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾ بمعنى لأنه، أو بأنه دائم ثابت في الله -﷿- مثل قولهم لو ابتدأوا فقالوا: إنه، وأما قوله: من نصب يصير المعنى فيه أن الله يدعى من أجل هذا، فهو كما وصف، وليس\n_________\n(١) انظر: \"صفة الصفوة\" ٣/ ٩١.\n(٢) انظر: \"تنوير المقباس\" ٥/ ٢٨٦، \"جامع البيان\" ٢٧/ ١٨.\n(٣) قرأ نافع، والكسائي، وأبو جعفر \"أنه\" بالفتح، وقرأ الباقون \"إنه\" بالكسر. انظر: \"حجة القراءات\" ص ٦٨٤، \"النشر\" ٢/ ٣٧٨، \"الإتحاف\" ص ٤٠١.\n(٤) انظر: \"الحجة للقراء السبعة\" ٦/ ٢٢٧.\n(٥) انظر: \"حجة القراءات\" ص ٦٨٤.","vol":"20","page":498},{"text":"في هذا علة توهن هذه القراءة، وإنما يدعو المسلمون ويستغفرون ربهم لأنه الغفور الرحيم. والمعنى في القراءتين يؤول إلى شيء واحد والله أعلم (١).\nقال الكلبي ومقاتل: إنه هو البر الصادق فيما وعد أولياءه، الرحيم بالمؤمنين (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4241>٢٩ </span>- قوله ﴿فَذَكِّرْ﴾ قال المفسرون: فعظ بالقرآن أهل مكة. والمعنى: ذكرهم بما أعتدنا للمؤمنين والكافرين.\n﴿فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ﴾ قال ابن عباس، ومقاتل: برحمة ربك عليك (٣). والمعنى: بإنعامه عليك بالنبوة ورحمته إياك حتى عصمك وطهرك (٤).\nقوله: ﴿بِكَاهِنٍ﴾ يقال: كَهَنَ الرجل يَكْهَنُ كَهانةً، مثل: كتب يكتب كتابة، وقَلّ ما يقال إلا تَكَهَّنَ الرجل، ويقال: كهن لهم، إذا قال لهم قول الكهنة (٥)، وهم الذين كانت الشياطين تلقي إليهم ما يسترقون فيخبرون الناس به، وكانت الكهانة في العرب قبل مبعث النبي -ﷺ- فلما بعث ومنعت الشياطين من استراق السمع بطل علم الكهانة (٦).\n_________\n(١) انظر: \"إعراب القرآن\" للنحاس ٣/ ٢٥٤.\n(٢) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٢٩ أ.\n(٣) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٢٩ أ، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٤٠.\n(٤) وفي \"تنوير المقباس\" ٥/ ٢٨٦، قال: بالنبوة والإسلام.\n(٥) انظر: \"تهذيب اللغة\" ٦/ ٢٤، \"اللسان\" ٣/ ٣٠٩ (كهن) وهو قول الليث.\n(٦) انظر: \"فتح الباري\" ١٠/ ٢١٦ - ٢١٩، ومما نقله عن القرطبي قوله: (كانوا في الجاهلية يترافعون إلى الكهان في الوقائع والأحكام ويرجعون إلى أقوالهم، وقد انقطت الكهانة بالبعثة المحمدية، لكن بقي في الوجود من يتشبه بهم ..).","vol":"20","page":499},{"text":"قال المفسرون: ما أنت بكاهن تبتدع القول وتخبر بما في غد من غير وحي. أي لست تقول ما تقوله (١) كهانة، ولا تنطق إلا بوحي. والكاهن الذي يوهم أنه يعلم الغيبَ بطريق خدمة الجن إياه وإخبارهم، والمجنون المارق الذي يغطي على عقله. وهذا جواب لكفار مكة حين قالوا: إنه كاهن ومجنون وشاعر، وقد علموا أنه ليس كما قالوا، ولكنهم قالوا ذلك على جهة الكذيب ليستريحوا إلى ذلك كما يستريح السفهاء إلى التكذيب على أعدائهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4242>٣٠ </span>- قوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ﴾ أي بل أيقولون: ﴿شَاعِرٌ﴾ أي هو شاعر ﴿نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ﴾ ريب الدهر صروفه وحوادثه من قولهم: رابه الأمر ريبًا، أي نابه وأصابه (٢). والمنون الدهر في قول الفراء (٣)، والأصمعي، والكسائي، وأصله من المنّ بمعنى القطع، وذلك أنه يقطع الأعمال.\nقال الفراء: المنون يذكر ويؤنث، فمن ذكره أراد به الدهر، ومن أنث أراد المنية. وقول الهذلي (٤):\nأَمِنَ الَمُنونِ وَرَيْبِهِ تَتَوَجَّعُ\nروي بالوجهين.\nوقال الكسائي: المنون واحد في اللفظ، وقد يذهب به مذهب الجماع وأنشد قول عدي:\n_________\n(١) في (ك): (مقول).\n(٢) انظر: \"تهذيب اللغة\" ١٥/ ٢٥٢، \"اللسان\" ١/ ١٢٦٣ (ريب).\n(٣) انظر: \"معاني القرآن\" ٣/ ٩٣.\n(٤) البيت في \"ديوانه\" ص ٨٧، \"الخصائص\" ١/ ٩٤، \"شرح المفصل\" لابن يعيش ٤/ ١٠، \"المذكر والمؤنث\" ص ٢٢٧.","vol":"20","page":500},{"text":"مَنْ رأيْتَ المَنُونَ عَدّيْنَ أم من ... ذا عَلَيْه من أن يُضَامَ خَفِيرُ (١)\nعدين: أي تركن وجاوزن.\nقال: والعرب تقول: لا أكلمك آخر المنون. أي: آخر الدهر (٢) وكلا القولين في المنون ذكره المفسرون.\nقال ابن عباس في رواية عطاء: يريد حدثان الموت (٣).\nوقال الكلبي عنه: أوجاع الموت (٤).\nوقال مقاتل: يعني الموت. وهو قول مقاتل (٥).\nوقال مجاهد: حوادث الدهر (٦). والمعنى: ما يصيبه من الدهر أو من الموت. ومعنى التربص بالشيء: انتظار الدوائر به. وأنشد ابن عباس:\n_________\n(١) هو عدي بن زيد العبادي، والبيت في ديوانه.\n(٢) انظر: \"الوسيط\" ٤/ ١٨٩، ولم ينسبه.\n(٣) انظر: \"تنوير المقباس\" ٥/ ٢٨٦.\n(٤) لعل مراد المؤلف ﵀ من قوله (وقال مقاتل) أي فيما يرويه عن ابن عباس، حيث روى ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبخاري عن ابن عباس في قوله ﴿رَيْبَ الْمَنُونِ﴾ قال: الموت. وفي \"تفسير مقاتل\" قال: حوادث الدهر.\nانظر: \"تفسير مقاتل\" ١٢٩ أ، \"جامع البيان\" ٢٧/ ١٩، \"فتح الباري\" ٨/ ٦٠٢، \"الدر\" ٦/ ١٢٠.\n(٥) انظر: \"تفسير مجاهد\" ٢/ ٦٢٦، \"جامع البيان\" ٢٧/ ١٩.\n(٦) أخرجه ابن الأنباري عن ابن عباس في الوقف والابتداء، وابن دريد في \"الجمهرة\" ١/ ٢٥٩، وفي \"اللسان\" ١/ ١١٠٦ (ربص) ولم ينسبه لقائل. والذي ذكره المفسرون لا يدل على إنشاد ابن عباس لهذا البيت، وإنما ذكروا قوله ثم قالوا: وقال الشاعر، وربما ذكروا القول ونسبوه لغيره.\nانظر: \"جامع البيان\" ٢٧/ ١٩، \"القرطبي\" ١٧/ ٧٢، \"فتح القدير\" ٥/ ٩٩.","vol":"20","page":501},{"text":"تَربَّصْ بها رَيْبَ المَنُونِ لعلّها ... تُطَلَّقُ يومًا أو يَمُوتُ حَلِيلهُا (١)\nقال المفسرون: قال المشركون: ننتظر بمحمد الموت وحوادث الدهر فيهلك كما هلك من قبله من الشعراء زهير والنابغة، وأن أباه توفي شابًّا ونحن نرجو أن يموت كما مات أبوه شابًّا (٢). وقال الأخفش: يريد نتربص به إلى ريب المنون، فحذف الجر كما تقول:\nقصدت زيدًا وقصدت إلى زيد، وعمدت زيدًا وعمدت إلى زيد (٣)\nوأصله من المنِّ، قال الله تعالى:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4243>٣١ </span>- ﴿قُلْ تَرَبَّصُوا﴾ قال الكلبي: انتظروا بي الموت ﴿فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ﴾ بكم من المنتظرين عذابكم، فعذبوا يوم بدر بالسيف، وهو قول جماعة المفسرين (٤).\nقال أبو إسحاق: وجاء في التفسير أن هؤلاء الذين قالوا هذا هلكوا كلهم قبل وفاة رسول الله -ﷺ- (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4244>٣٢ </span>- قوله تعالى: ﴿أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُمْ بِهَذَا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ قال ابن عباس: يريد التكذيب (٦). يعني أن الله تعالى أشار بقوله: ﴿بِهَذَا﴾ إلى ما ذكر\n_________\n(١) أخرج ابن جرير نحوه عن ابن عباس بإسناد حسن، وأخرجه ابن إسحاق في السيرة. انظر: \"جامع البيان\" ٢٧/ ١٩، \"فتح الباري\" ٨/ ٦٠٢، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٤٠، \"مرويات ابن عباس\" للحميدي ٢/ ٨٢٩.\n(٢) انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ٧٢، \"فتح القديرِ\" ٥/ ٩٩.\n(٣) في \"معاني القرآن\" للأخفش ٢/ ٦٩٧، قال: وقال ﴿نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ﴾ لأنك تقول: تربصتُ زيدًا، أي تربصت به.\n(٤) انظر: \"الوسيط\" ٤/ ١٨٩، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٤١، \"القرطبي\" ١٧/ ٧٣.\n(٥) انظر: \"معاني القرآن\" ٥/ ٦٥.\n(٦) انظر: \"تنوير المقباس\" ٥/ ٢٨٦.","vol":"20","page":502},{"text":"عنهم مما يدل على تكذيبهم. يقول: أم تأمرهم أحلامهم بترك القبول ممن يدعوهم إلى التوحيد، ويأتيهم على ذلك بالدلائل، وهم يعبدون أحجارًا.\nقال الفراء: الأحلام في هذا الموضع العقول والألباب (١). وكانت عظماء قريش توصف بالأحلام والنهى، وبأنهم أولوا العقول فقال الله تعالى -منكرًا عليهم-: أتأمرهم أحلامهم بهذا. وهذا تهكم وإزراء (٢) بأحلامهم، وأنها لم تثمر لهم معرفة الحق من الباطل (٣)، وفيه رد على من يوجب شيئًا بالعقل، وأن الهدى يكتسب بالعقل.\nوقوله: ﴿أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ أي: أم يكفرون طغيانًا، وقد ظهر لهم الحق. وأول الآية إنكار عليهم، وآخرها إيجاب. وهو قوله: ﴿أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ قال ابن عباس: يريد حملهم الطغيان على تكذيبك (٤). ومثل هذه الآية في النظم قوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ﴾ قال عطاء: افتعله (٥).\nوقال الكلبي: تكذّبه من تلقاء نفسه (٦).\nوقال مقاتل: اختلق محمد القرآن من تلقاء نفسه (٧).\nوالتقوّل: تكلف القول، ولا يستعمل إلا في الكذب، لأنه تكلف القول من غير حقيقة بمعنى يرجع إلى أجل (٨).\n_________\n(١) انظر: \"معاني القرآن\" ٣/ ٩٣.\n(٢) أزرى بالشيء إزراء: تهاون به. انظر: المصباح (زرى).\n(٣) انظر: \"جامع البيان\" ٢٧/ ١٩، \"الوسيط\" ٤/ ١٨٩، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٤١.\n(٤) انظر: \"الوسيط\" ٤/ ١٨٩.\n(٥) انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ٧٣.\n(٦) انظر: \"تنوير المقباس\" ٥/ ٢٨٧، \"الوسيط\" ٤/ ١٨٩.\n(٧) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٢٩ أ.\n(٨) انظر: \"تهذيب اللغة\" ٩/ ٣١١، \"اللسان\" ٣/ ١٠٨٩ (قول) \"الجامع لأحكام =","vol":"20","page":503},{"text":"قوله تعالى: ﴿بَلْ﴾ أي ليس الأمر على ما زعموا ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾ بالقرآن استكبارًا. ثم ألزمهم الحجة على أنهم كذبوا فيما قالوا بقوله:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4245>٣٣ </span>- ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ﴾ أي: إذ قالوا إن محمدًا تقوّله، فقد زعموا أنه من قول البشر فليقولوا مثله.\nقال ابن عباس، ومقاتل: بقرآن من تلقاء أنفسهم مثل هذا القرآن كما جاء به ﴿إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾ أن محمدًا تقوّله (١). وهذا في دليل على الإعجاز؛ لأن الله تعالى تحداهم بالقرآن فما رام أحد منهم أن يعارضه بشيء واللسان لسانهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4246>٣٥ </span>- ثم احتج عليهم بابتداء الخلق:\nقوله تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ قال ابن عباس: يريد من غير نطفة ولا طين (٢).\nوقال الكلبي: من غير أب (٣).\nوقال مقاتل: أكانوا خلقًا من غير شيء هكذا (٤).\nوالمعنى: أوجدوا كما هم عليه من كمال الخلقة، وخلقوا من غير أن\n_________\n= القرآن\" ١٧/ ٧٣، \"فتح القدير\" ٥/ ٩٩ وقوله: (بمعنى يرجع إلى أصل) ليست في المراجع السابقة، ولعل معناها إن صحت، أي ليس للتقول وهو الكذب أصل وإنما هو اختلاق وافتراء فقط.\n(١) انظر: \"تنوير المقباس\" ٥/ ٢٨٧، \"تفسير مقاتل\" ١٢٩ أ.\n(٢) لم أجده عن ابن عباس، والذي ذكره المفسرون عنه قوله: (من غير رب خلقهم وقدرهم).\nانظر: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٤١، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ٧٤.\n(٣) انظر: \"تنوير المقباس\" ٥/ ٢٨٧، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ٧٤.\n(٤) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٢٩ أ.","vol":"20","page":504},{"text":"كان لهم ابتداء من التراب، ثم من الأب ثم من النطفة والعلقة. وهذا استفهام إنكاري، أي أنهم خلقوا أطوارًا، وذلك يدل على قادر رددهم وصرّفهم في أحوالهم، ولم يوجدوا ابتداء كما يخلق الجماد ابتداءً من غير تقدم سبب من أب وأم، فلا تقوم عليه الحجة، وهؤلاء خلقوا من أشياء ليستدلوا بذلك فتقوم عليهم الحجة. هذا معنى قول المفسرين (١).\nوأهل المعاني جعلوا ﴿مِنْ﴾ بمعنى اللام.\nقال أبو إسحاق: أم خلقوا لغير شيء. أي أخلقوا باطلًا لا يحاسبون ولا يؤمرون؟! (٢) ونحو هذا قال ابن كيسان: أم خلقوا عبثًا وتركوا سُدى لا يؤمرون ولا ينهون (٣). ويدل على هذا المعنى قوله: ﴿أمْ هُمُ الخالِقون﴾ هو أي: أهم الخالقون أنفسهم فلا يأتمرون لأمر الله، ولا ينتهون عما نهى الله عنه؛ لأن هذا من صفة الخالق لا من صفة المخلوق. والمخلوق يجب عليه ائتمار خالقه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4247>٣٦ </span>- قوله تعالى: ﴿أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ فيكونوا هم الخالقين ﴿بَلْ﴾ ليس الأمر على هذا. لم يخلقوا شيئًا ثم ﴿لَا يُوقِنُونَ﴾ قال ابن عباس: بربوبيتي ودوام ملكي (٤).\nوقال مقاتل: بتوحيد الخالق (٥).\nوقال أهل المعاني: لا يوقنون بالحق (٦).\n_________\n(١) انظر: \"جامع البيان\" ٢٧/ ٢٠، \"فتح الباري\" ٨/ ٦٠٣، \"فتح القدير\" ٥/ ١٠١.\n(٢) انظر: \"معاني القرآن\" ٥/ ٦٥.\n(٣) انظر: \"الوسيط\" ٤/ ١٨٩، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٤١، \"القرطبي\" ١٧/ ٧٤.\n(٤) لم أجده.\n(٥) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٢٩ أ.\n(٦) انظر: \"الوسيط\" ٤/ ١٨٩.","vol":"20","page":505},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4248>٣٧ </span>- قوله تعالى: ﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ﴾ قال مقاتل: يقول أبأيديهم مفاتيح ربك بالرسالة فيضعونها حيث شاءوا (١). ونحو هذا قال عكرمة: يعني النبوة (٢). وهذا كقوله: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾ [الزخرف: ٣٢]، وقال الكلبي: خزائن المطر والرزق (٣).\nوقال أهل المعاني: هذا عام في جميع مقدورات الله تعالى، وضرب لها المثل بالخزائن، لأن الخزانة بيت مهيأ لجَمْع (٤) أنواع مختلفة، ومقدوراته كالخزائن التي فيها من كل أجناس المعاني لا نهاية له (٥) يخرج ما شاء بإيجاده إياه. يقول: أعندهم خزائن ربك فقد أمنوا أن يجري الأمور على خلاف ما يحبون.\n﴿أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ﴾ أي: الأرباب المسلطون، ومصدره التسطير (٦)، ويقال: تسيطرت عليّ، أي: اتخذتني خولا، وعلى هذا قول الليث وأبي عبيدة (٧).\nوقال المبرد: المسيطر المتغلب على الشيء، يقال: تسيطرت علينا أي تكلفت أن تقصرنا على ما تحب (٨).\n_________\n(١) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٢٩ أ، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٤١.\n(٢) انظر: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٤١، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ٧٤.\n(٣) انظر: \"الوسيط\" ٤/ ١٨٩، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٤١، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ٧٤، عن ابن عباس، وكذا في \"تنوير المقباس\" ٥/ ٢٨٨.\n(٤) (ك): الجميع).\n(٥) انظر: \"تفسير القرطبى\" ١٧/ ٧٤، ٧٥، \"البحر المحيط\" ١/ ١٥٢ عن الرماني.\n(٦) (ك): (التسطير).\n(٧) انظر: \"مجاز القرآن\" ١/ ٢٣٣، \"تهذيب اللغة\" ١٢/ ٣٢٦ (سطر).\n(٨) انظر: \"اللسان\" ٢/ ١٤٣ (سطر)، \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ٦٦.","vol":"20","page":506},{"text":"قال أبو علي: وقد جاء على هذا البناء مُبَيْطِر ومُهَيمن ومبيقر (١). والصاد جائز في (المصيطر) (٢).\nذكرنا ذلك في الصراط (٣).\nوقال المفسرون في تفسير هذا الحرف: المسلطون الجبارون الأرباب القاهرون. كل هذا ألفاظهم.\nقال عطاء عن ابن عباس: المسلطون على عبادي (٤).\nوقال مقاتل: أم هم المسلطون على الناس فيجبرونهم على ما شاءوا ويمنعونهم ما شاءوا (٥).\nقال الكلبي: أم هم المسلطون على تلك الخزائن ينزلون منها على\n_________\n(١) انظر: \"الحجة للقراء السبعة\" ٦/ ٢٢.\nوالبيطرة: معالجة الدواب، والمبيطر: معالج الدواب. والبيقرة: مثية فيها تقارب. \"اللسان\" ١/ ٢٢٥، ٢٤٢ (بطر)، (بقر).\n(٢) قال الفراء: كتابتها بالصاد، والقراءة بالسين والصاد، \"معاني القرآن\" ٣/ ٩٣، وابن كثير، وحفص، وابن عامر في رواية الحلواني عن هشام، عن عمار، والكسائي في رواية الفراء: قرأوا (المسيطرون) بالسين، وقرأ حمزة بالإشمام، وقرأ الباقون بالصاد.\nانظر: \"حجة القراء السبعة\" ١/ ٤٩، ٦/ ٢٢٨، \"حجة القراءات\" ٦٨٤، \"النشر\" ٢/ ٣٧٨، \"الإتحاف\" ٤٠١\n(٣) عند تفسيره لآية (٦) من سورة الفاتحة. والقراءة في قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ رويت عن ابن كثير السين والصاد وروي عن أبي عمرو السين والصاد والمضارعة بين الزاي والصاد. رواه عنه العريان بن أبي سفيان، وروى عنه الأصمعي (الزراط) بالزاي. والباقون بالصاد، غير أن حمزة يلفظ بها بين الصاد والزاي. انظر: \"الحجة\" ١/ ٤٩.\n(٤) انظر: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٤١، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ٧٥.\n(٥) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٢٩ أ.","vol":"20","page":507},{"text":"الخلق (١)، هذا كلامهم، والمعنى: أم هم الأرباب فلا يكونوا تحت أمر ونهي يفعلون ما شاءوا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4249>٣٨ </span>- قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ﴾ قال أبو عبيدة: السلم السبب والمَرْقَى (٢).\nوقد مرَّ تفسير السُّلّم (٣).\nوقوله: ﴿يَسْتَمِعُونَ فِيهِ﴾ قال أبو عبيدة: معنى ﴿فِيهِ﴾ به وعليه (٤).\nوقال المبرد: (فيه) هاهنا بمنزلة (عليه) في الفائدة. والأصل مختلف، فإذا قلت: عليه، فمعناه العلو والارتفاع، وإذا قلت: فيه، فمعناه أنه مكان حواه (٥). وهذا كقوله: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١] وقد مر.\nومعنى الآية: ألهم سلم إلى السماء يستمعون عليه الوحي فقد وثقوا بما هم عليه وردوا ما سواه. قال المفسرون: يقول: ألهم سبب إلى السماء يرتقون عليه فيستمعون الوحي فيدعون أنهم سمعوا من الله ما هم عليه وأنه حق ﴿فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ﴾ إن دعوا ذلك ﴿بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ بحجة واضحة.\nوقال أبو إسحاق: المعنى ألهم كجبريل الذي يأتي النبي -ﷺ- بالوحي ويبين عن الله -﷿-.\n_________\n(١) انظر: \"تنوير المقباس\" ٥/ ٢٨٨، \"التفسير الكبير\" ٢٨/ ٢٦١.\n(٢) انظر: \"اللسان\" ٢/ ١٩٠ (سلم).\n(٣) عند تفسيره لآية (٣٥) من سورة الأنعام. وقد ذكر معنى الآية ولم يتطرق لمعنى السلم قال الزجاج: والسلم مشتق من السَّلامة وهو الشيء الذي يُسلمك إلى مصعدك. وانظر: \"معاني القرآن\" ٢/ ٢٤٤.\n(٤) انظر: \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٣٣.\n(٥) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ٦٦، \"البحر المحيط\" ٨/ ١٥٢.","vol":"20","page":508},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4250>٣٩ </span>- ثم سفه أحلامهم في جعلهم البنات لله فقال: ﴿أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ﴾ (١)، وهذا كقوله: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ﴾ [الصافات: ١٤٩] وقوله: ﴿أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ﴾ [الزخرف: ١٦] الآية. ومعنى الآية الإنكار عليهم، أي: أنتم جاعلون له ما تكرهون وأنتم حكماء عند أنفسكم ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا﴾ على ما جئتم به من الدين والشريعة ﴿فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ﴾ أي غرم ﴿مُثْقَلُونَ﴾ قال مقاتل: أثقلهم الغرم فلا يستطيعون الإيمان من أجل الغرم (٢). وكل هذا إنما ذكر قطعًا لحجتهم وبيانًا أن الحجة عليهم من كل وجه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-4251>٤١ </span>- قوله تعالى: ﴿أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ﴾ قال عطاء عن ابن عباس: يريد هل نزل عليهم وحي من السماء فهم يكتبون (٣)؟\nقال: يريد كتبوه وعلموه، وهذا مجمل، وقد فسره مقاتل فقال: أعندهم علم الغيب بأن الله لا يبعثهم، وأن ما يقول محمد -ﷺ- غير كائن، ومعهم بذلك كتاب فهم يكتبون (٤).\nوهذا وهم؛ لأنهم لو علموا الغيب لم (٥) يوجب ذلك إنكار البعث وأمر محمد -ﷺ-، ولكن المعنى ما قال قتادة: أن هذا جواب لقولهم: ﴿نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ﴾ يقول الله تعالى: أعندهم الغيب حتى علموا أن\n_________\n(١) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ٦٧.\n(٢) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٢٩ ب.\n(٣) انظر: \"تنوير المقباس\" ٥/ ٢٨٨، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٤٢، \"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي ١٧/ ٧٦.\n(٤) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٢٩ ب.\n(٥) (لم) ساقطة من (ك).","vol":"20","page":509},{"text":"محمدًا يموت قبلهم (١). وعلى هذا قوله: ﴿فَهُمْ يَكْتُبُونَ﴾ يجوز أن يكون معناه: يكتبون ذلك الذي عندهم من علم الغيب.\nوقال ابن قتيبة (٢): معناه: يحكمون. والكتاب بمعنى الحكم قد ورد في كثير من المواضع كقوله: ﴿كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: ٥٤] أي قضى وأوجب. وكقوله: \"سأقضي بينكم بكتاب الله\" (٣) أي بحكمه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4252>٤٢ </span>- قوله تعالى: ﴿أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا﴾ يعني: أيريدون أن يكيدوك ويمكروا بك مكرًا يغتالونك به ﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ﴾ أي: المجزيون بكيدهم في الدنيا والآخرة. يريد أن ضرر ذلك يعود عليهم ويحيق بهم مكرهم. وقال الكلبي ومقاتل: يعني بكيدهم ما اجتمعوا ليكيدوا به في دار الندوة، فجزاهم الله بكيدهم أن قتلهم ببدر، فذلك قوله تعالى: ﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ﴾ (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-4253>٤٣ </span>- ﴿أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ﴾ هذا إنكار عليهم ما اتخذوه من الآلهة دون الله. يقول: ألهم إله دون الله، يعني: إلهًا يخلق ويرزق ويحيي ويميت.\n_________\n(١) انظر: \"الوسيط\" ٤/ ١٩٠، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٤٢، \"القرطبي\" ١٧/ ٧٦. قلت: قول المؤلف ﵀: (وهذا وهم) رد لقول مقاتل. وظاهر الآية لا يرده. إذا في قوله تعالى ﴿أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ ..﴾ ما يرد كل افتراءاتهم وتكذيبهم للنبي -ﷺ- حيث لم يستندوا على وحي أو عقل، ويدخل ضمن دلالة الآية دعواهم بأن النبي -ﷺ- سيموت في شبابه كما مات الشعراء من أمثاله النابغة وزهير. والله أعلم.\n(٢) انظر: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٤٢، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ٧٦.\n(٣) الحديث رواه البخاري في كتاب الصلح، باب إذا اصطلحوا على صلح جور فالصلح مردود ٣/ ٢٤١، وفي مواضع أخرى ولفظه: \"لأقضين بينكما بكتاب الله\"، ومسلم في كتاب الحدود، وأحمد في المسند ٤/ ١١٥.\n(٤) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٢٩ ب، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٤٢، \"القرطبي\" ١٧/ ٧٦.","vol":"20","page":510},{"text":"وهذا معنى قور مقاتل: ألهم إله يمنعهم من مكرنا بهم (١). يعني: إن الذين اتخذوهم آلهة ليست بآلهة تدفع وتضر وتنفع.\nثم نزه نفسه بقوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ أي: عمن يجعلونه شريكًا لله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4254>٤٤ </span>- ثم ذكر عنادهم وقساوة قلوبهم فقال: قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا﴾ قال مقاتل: يعني: جانبًا من السماء يسقط عليهم لعذابهم لقالوا من تكذيبهم: هذا سَحَابٌ مَّرْكُومٌ بعضه على بعض (٢). والمعنى: إن عذبناهم بسقوط بعض من السماء عليهم لم ينتهوا عن كفرهم، وقالوا هو قطعة من السحاب، وهذا معنى قول ابن عباس (٣).\nقال أبو إسحاق: أعلم الله -﷿- هؤلاء لا يعتبرون ولا يوقنون ولا يؤمنون بأبهر ما يكون من الآيات (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4255>٤٥ </span>- ثم أخبر (٥) نبيه عن إيمانهم فقال:\nقوله تعالى: ﴿فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ﴾ يقول: فخل عنهم، يعني لا تهتم بهم حتى يعاينوا يوم موتهم. وهذا تهديد لهم. ومعنى (يصعقون): يموتون، من قوله: ﴿فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ [الزمر: ٦٨] وقُرئ ﴿يُصْعَقُونَ﴾ بضم الياء (٦).\n_________\n(١) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٢٩ ب.\n(٢) انظر: المرجع السابق.\n(٣) انظر: \"تنوير المقباس\" ٥/ ٢٨٩، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٤٢.\n(٤) انظر: \"معاني القرآن\" ٥/ ٦٨.\n(٥) (ك): (حثب) ولعل الصواب ما أثبته.\n(٦) قرأ ابن عامر، وعاصم (يُصعقون) بضم الياء، وقرأ الباقون بفتحها. انظر: \"حجه القراءات\" ص ٦٨٤، \"النشر\" ٢/ ٣٧٩، \"الإتحاف\" ص ٤٠١.","vol":"20","page":511},{"text":"قال الفراء: يقال صُعِقَ الرجُلُ وصَعِقَ مثل سُعِد وسَعِد. لغات كلها صواب (١). وحكى الأخفش أيضًا صُعق. وعلى هذا يجوز مصعوق.\nوقال أبو علي: ﴿يُصْعَقُونَ﴾ بضم الياء منقول من صَعِقُوا هم، وأصعقهم الله فيصعقون من باب يُكرمون (٢). ومنه قول ابن مقبل:\n....... أصْعَقَتْهَا صَوَاهِلُه (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4256>٤٧ </span>- ثم أعلم الله -﷿- أنه يعجل لهم العذاب في الدنيا فقال: قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ يعني كفار مكة ﴿عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ﴾ قالوا: يعني القتل ببدر (٤).\nوقال مجاهد: يعني الجوع والقحط الذي أصابهم (٥). ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أي: لا يعلمون ما يصيرون إليه، وما هو نازل بهم.\nثم أمر نبيه -ﷺ- بالصبر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4257>٤٨ </span>- قوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ أي إلى أن يقع بهم\n_________\n(١) انظر: \"معاني القرآن\" ٣/ ٩٤.\n(٢) انظر: \"الحجة للقراء السبعة\" ٦/ ٢٨٨.\n(٣) انظر: \"ديوانه\" ص ٢٥٢، \"مجالس ثعلب\" ص ١٢٨، \"الحيوان\" ٧/ ٢٣٣، \"همع الهوامع\" ١/ ٨٣، \"الدر اللوامع\" ١/ ٧، والبيت بتمامه:\nترى النُّعَراتِ الخُضْرَ تحت لَبانِه ... فُرادَى ومثنى أصْعَقَتْها صَواهلُهْ\nوالصهل: حدة الموت، ويطلق على صوت الخيل، \"اللسان\" ٢/ ٤٨٧ (صهل).\n(٤) قال ابن عباس، ومقاتل. انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٢٩ ب، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٤٣.\n(٥) انظر: \"تفسير مجاهد\" ٢/ ٦٢٦.\nورجح ابن جرير، وابن كثير، وغيرهما حمل الآية على العموم، حيث تشمل الذين ظلموا أنفسهم بالكفر إلى يوم القيامة، والعذاب في الدنيا بالجوع وغيره وفي القبر. كل ذلك دون يوم القيامة الذي فيه يصعقون.\nانظر: \"جامع البيان\" ٢٧/ ٢٢، \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٢٤٥.","vol":"20","page":512},{"text":"العذاب الذي حكمنا عليهم، فإنا نرى ما تقاسي منهم. وهو قوله: ﴿فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ قال ابن عباس: يريد أرى وأسمع ما يعمل بك (١).\nوقال أبو إسحاق: أي إنك بحيث نراك ونحفظك ونرعاك، فلا يصلون إلى مكروهك (٢). وفي هذا تسلية للنبي -ﷺ-.\nقوله تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ أكثر المفسرين على أنه أمر أن يقول حين يقوم من مجلسه: سبحان الله وبحمده، وهو قول أبي الأحوص، وسعيد بن جبير، وعطاء (٣).\nقال ابن عباس: صلِّ لله حين تقوم من منامك، يعني: صلاة الصبح (٤).\nوقال الكلبي: سبِّح الله حين تقوم من فراشك إلى أن تدخل في الصلاة (٥).\nوقال الضحاك: أمران يقول حين يقوم للصلاة: الله أكبر كبيرًا، والحمد لله كثيرًا، وسبحان الله بكرة وأصيلا (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4258>٤٩ </span>- قوله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾ قال ابن عباس: يريد فصل له كقوله: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ﴾ (٧) [الإسراء: ٧٩] وقال\n_________\n(١) انظر: \"الوسيط\" ٤/ ١٩١، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٤٣.\n(٢) انظر: \"معاني القرآن\" ٥/ ١٩١.\n(٣) انظر: \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٢٤٩، \"جامع البيان\" ٢٧/ ٢٢، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٤٣.\n(٤) انظر: \"تنوير المقباس\" ٥/ ٢٨٩، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٤٣.\n(٥) انظر: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٤٣، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ٧٩.\n(٦) انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ٧٩، \"فتح القدير\" ٥/ ١٠٣.\n(٧) انظر: \"تنوير المقباس\" ٥/ ٢٨٩، \"الوسيط\" ٤/ ١٩١.","vol":"20","page":513},{"text":"مقاتل: يقول فصلِّ المغرب والعشاء (١).\nوقوله: ﴿وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾ يعني الركعتين قبل صلاة الفجر في قول الجميع (٢). وذلك حين تدبر النجوم. أي تولي فلا تظهر لضوء الصبح. والكلام في هذا ذكرناه في قوله: ﴿وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾، وذكر عن الضحاك، وابن زيد أن المراد به صلاة الفجر الفريضة (٣).\n_________\n(١) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٣٠ أ، \"الوسيط\" ٤/ ١٩١.\n(٢) انظر: \"جامع البيان\" ٢٧/ ٢٣، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٤٤، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ٨٠، \"الاستذكار\" ٥/ ٤٣١ عن علي وأبي هريرة.\n(٣) انظر: \"جامع البيان\" ٢٧/ ٢٤، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٤٤.","vol":"20","page":514},{"text":"الممكة العربية السعودية\nوزارة التعليم العالي\nجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية\nعمادة البحث العلمي\nسلسلة الرسائل الجامعية\n-١١٤ -\nالتَّفْسِيرُ البَسِيْط\nلأبي الحسن علي بن أحمد بن محمد الواحدي\n(ت ٤٦٨ هـ)\nمن سورة النجم إلى سورة الطلاق\nتحقيق\nد. فاضل بن صالح بن عبد الله الشهري\nأشرف على طباعته وإخراجه\nد. عبد العزيز بن سطام آل سعود ... أ. د. تركي بن سهو العتيبي\nالجزء الحادي والعشرون","vol":"21","page":1},{"text":"التَّفْسِيرُ البَسِيْط\nلأبي الحسن علي بن أحمد بن محمد الواحدي\n(ت ٤٦٨ هـ)\n[٢١]","vol":"21","page":2},{"text":"جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ١٤٣٠ هـ\nفهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية أثناء النشر\nالواحدي، علي بن أحمد\nالتفسير البسيط لأبي الحسن علي بن أحمد بن محمد\nالواحدي (ت ٤٦٨ هـ)./ فاضل بن صالح بن عبد الله الشهري،\nالرياض ١٤٣٠ هـ.\n٢٥ مج. (سلسلة الرسائل الجامعية)\nردمك: ٤ - ٨٥٧ - ٠٤ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (مجموعة)\n٩ - ٨٧٨ - ٠٤ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (ج ٢١)\n١ - القرآن تفسير ... ٢ - الواحدي، علي بن أحمد\nأ- لعنوان ... ب- السلسلة\nديوي٢٢٧.٣ ... ٨٦٨/ ١٤٣٠\nرقم الإيداع: ٨٦٨/ ١٤٣٠ هـ\nردمك: ٤ - ٨٥٧ - ٠٤ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (مجموعة)\n٩ - ٨٧٨ - ٠٤ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (ج ٢١)","vol":"21","page":3},{"text":"الممكة العربية السعودية\nوزارة التعليم العالي\nجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية\nعمادة البحث العلمي\nسلسلة الرسائل الجامعية\n-١١٤ -\nالتَّفْسِيرُ البَسِيْط\nلأبي الحسن علي بن أحمد بن محمد الواحدي\n(ت ٤٦٨ هـ)\nمن سورة النجم إلى سورة الطلاق\nتحقيق\nد. فاضل بن صالح بن عبد الله الشهري\nأشرف على طباعته وإخراجه\nد. عبد العزيز بن سطام آل سعود ... أ. د. تركي بن سهو العتيبي\nالجزء الحادي والعشرون","vol":"21","page":4},{"text":"بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ","vol":"21","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4259>سورة النَّجم</span>","vol":"21","page":6},{"text":"تفسير سورة النجم\nبسم الله الرحمن الرحيم\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4260>١ </span>- ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ اختلفت الروايات عن ابن عباس في تفسير هذه الآية، فقال في رواية الكلبي: أقسم بالقرآن إذا نزل نجوما على رسول الله -ﷺ- أربع آيات وثلاث آيات، والسورة، وكان بين أوله وآخره عشرون سنة.\nونحو هذا روي عن عطاء (١)، وهو قول مقاتل، والضحاك، ومجاهد في رواية الأعمش عنه، واختيار الفراء (٢).\nوعلى هذا القول سُمي القرآن نجمًا لتفريقه في النزول، والعرب تسمي التفريق تنجيمًا، والمفرق نجومًا ومنه نجوم الدين ونجوم الكتابة،\n_________\n(١) انظر: \"تنوير المقباس\" ٥/ ٢٩٥، و\"الوسيط\" ٤/ ١٩٢، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٤٤.\n(٢) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٣٠ أ، و\"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ٩٤، و\"جامع البيان\" ٢٧/ ٢٤. قال الشنقيطي: أظهر الأقوال عندي وأقربها للصواب في نظري أن المراد بـ ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ هنا في هذه السورة و﴿بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ في الواقعة هو نجوم القرآن التي نزل بها الملك نجمًا فنجمًا، وذلك لأمرين:\nأحدهما: أن هذا الذي أقسم الله عليه بالنجم إذا هوى أن النبي -ﷺ- على حق، وأنه ما ضل وما غوى وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى موافق في المعنى لما أقسم عيه بمواقع النجم، وهو قوله: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾.\nوالثاني: أن كون المقسم به المعبر عنه بالنجوم هو القرآن العظيم، وهو أنسب لقوله بعده: ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾.\nانظر: \"أضواء البيان\" ٧/ ٧٠٠ - ٧٠١.","vol":"21","page":7},{"text":"وتقول: جعلت مالي على فلان نجومًا منجمة يؤدي كل نجم في شهر كذا.\nوأصل هذا أن العرب كانت تجعل مطالع منازل القمر ومساقطها مواقيتًا لحلول ديونها، فيقول إذا طلع النجم وهو الثريا: حل عليك مالي، وكذلك سائرها، ومن هذا قول زهير في ديات جعلت نجومًا على العاقلة (١):\nيُنَجِّمُهَا قَوْمٌ لِقَوْمٍ غَرَامَةً ... ولَمْ يُهريقُوا بَيْنَهُمْ مِلءَ محْجَم (٢)\nهذا الذي ذكرنا هو الأصل ثم جعل كل تنجيم تفريقًا وإن لم يكن مؤقتًا بطلوع نجم.\nويدل على صحة هذا التأويل الذي ذكرنا في الآية قوله -﷿-: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة: ٧٥]. قال عبد الله: يعني القرآن. فلما ذكر القسم به هاهنا ذكر أيضًا هناك.\nوقوله: (هَوَى) معناه على هذا القول: نزل.\nقال الأصمعي: هَوَى يَهْويِ هَوِيًّا إذا سقط من علو إلى أسفل، وقال أبو زيد: هَوت العقاب تَهْوي هَويًّا بالفتح إذا انقضّت على صيد أو غيره. فهذان ذكرا المصدر بفتح الهاء، ونحو ذلك قال ابن الأعرابي، وفرق بين الهَويّ والهُوي، فقال: بالفتح في السريع إلى أسفل والضم في السريع إلى فوق، وأنشد:\nوالَّدلْوُ في إِصْعادِها عَجْلىَ الهُويّ (٣)\n_________\n(١) العاقلة: قبيلة الرجال، ولا يُحملون من الدية ما لا يطيقونه. \"اللسان\" ٢/ ٨٤٥ (عقل).\n(٢) انظر: \"ديوان زهير\" ص ١٧، و\"تهذيب اللغة\" ١١/ ١٢٩، و\"اللسان\" ٣/ ٥٨٩ (نجم)، و\"شرح المعلقات السبع\" للزوزني ص ٦٤.\nوالمِحجم: آلة الحجام، والمعنى أنهما لم يريقوا مقدار ما يملأ محجمًا من الدماء.\n(٣) لم أجده منسوبًا. وانظر: \"الأضداد\" لقطرب ص ١٢٠، وفيه: (إتراعها) بدل (إصعادها).","vol":"21","page":8},{"text":"بالضم. وقال الليث: العامة تقول: الهُوِيُّ في مصدر هَوَى يَهوْيِ هُويًّا. وأما الهَويُ فالحين من الزمان، يقال: جلست عنده هَويًّا. هذا كلام أهل اللغة (١).\nوبان أن معنى (هَوَى) سقط كسقوط النجم في مغاربه من الأفق، ولما سمي القرآن نجمًا سمي نزوله هويًا ليتجانس اللفظ.\nوقال في رواية علي بن أبي طلحة، وعطية: يعني والثريا إذا سقطت وغابت وهو قول مجاهد في رواية ابنه، ومنصور، وابن أبي نجيح عنه (٢).\nوالعرب تطلق اسم النجم على الثريا خاصة.\nقال ساجعهم (٣):\nطَلَعَ النجْمُ غُدَيَّه ... ابتَغَى الرَّاعي شُكَيَّه (٤)\n_________\n(١) انظر: \"تهذيب اللغة\" ٦/ ٤٨٨ (هوى)، و\"اللسان\" ٣/ ٨٤٨ (هوا).\n(٢) انظر: \"تفسير مجاهد\" ٢/ ٦٢٧، و\"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٢٥٠، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٢٤٦.\nوقال ابن جرير: (والصواب من القول في ذلك عندي ما قاله مجاهد من أنه عني بالنجم في هذا الموضع الثريا ...) \"جامع البيان\" ٢٧/ ٢٥.\n(٣) (ك): (سابعهم).\n(٤) انظر: \"تهذيب اللغة\" ١١/ ١٢٧، ولم ينسبه لقائل، و\"شواهد الكشاف\" ص ٦، و\"التفسير الكبير\" ٢٨/ ٢٧٩، و\"البحر المحيط\" ٨/ ١٥٧، وفي \"ارتشاف الضرب\" ١/ ١٧٠:\nطَلَعَ النجم غدية ... وبع لراعي كُسيَّه\nوفي \"الأضداد\" لابن الأنباري ٦٢:\nإذا الثريا طلعت غديه ... فبع لراعي غنم كسيهْ\nوفيه:\nإذا الثريا طلعت عشاء ... فبع لراعي غنم كساءَ","vol":"21","page":9},{"text":"وقال أيضًا:\nطَلَعَ النجْمُ عشيا ... ابتَغَى الراعي شُكَيَّا\nيعني الثريا. ومنه قول الراعي يصف قدرًا كثيرة الدسم:\nفَبَاتَتْ تَعُدُّ النَّجْمَ في مُسْتَحِيرَةٍ ... سَرِيعٍ بأَيْدِي الآكِلِينَ جُمُوُدُهَا (١)\nيريد: تعد أنجم الثريا.\nقال ابن دريد: وهي سبعة أنجم ستة منها ظاهرة، وواحد منها خفي، يمتحن الناس به أبصارهم (٢).\nوقوله: فباتت تعد النجم، يدل على أن هذا كان في وسط الشتاء حين تحلق الثريا في وسط السماء، وذلك في ليالي الشتاء؛ لأنها لو كانت في أفق لم يكن عدها في القِدْر.\nوقال في رواية عكرمة: يعني الرجوم من النجوم، وهي ما يرمى به الشياطين عند استراق السمع (٣).\nوهذا القول ظاهر ونحن نشاهد هوي النجم إذا رمى به.\nوهذا قول الحسن (٤). وقال أبو حمزة الثمالي: يعني النجوم إذا\n_________\n= وفي \"الأضداد\" للأصمعي ٣٠:\nإذا الثريا طلعت عثسيه ... فبع لراعي غنم كسيه\n(١) انظر: \"ديوان الراعي\" ص ١٩٤، و\"الحماسة\" لأبي تمام ٢/ ٢٠٧، و\"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٣٥، و\"اللسان\" ٣/ ٥٩٠ (نجم). والمستحيرة: هي المتحيرة في امتلائها، أي في مرقها. \"اللسان\" ١/ ٧٦٧ (حير).\n(٢) انظر: \"اللسان\" ٣/ ٥٨٩ (نجم)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ٨٢.\n(٣) انظر: \"الوسيط\" ٤/ ١٩٢، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٤٤.\n(٤) انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ٨٢.","vol":"21","page":10},{"text":"انتثرت يوم القيامة (١).\nهذا الذي ذكرنا أقوال المفسرين.\n\nوقال أبو عبيدة: النجم بمعنى النجوم. أقسم بالنجم إذا سقط في المغرب، كأنه يخصص الثريا دون غيرها، واحتج ببيت الراعي، وجعل النجم فيه نجوم السماء عامة <span data-type=\"title\" id=toc-4261>(٢)</span>.\nوعلى هذا أقسم بالنجم ليدل على ما فيها من العبرة بتصريف من يملك طلوعها وغيوبها، ولا يملكه إلا الله وحده.\n\nوقال الأخفش: النجم هاهنا معناه: النبت الذي ليس له ساق، وهوى سقط على الأرض <span data-type=\"title\" id=toc-4262>(٣)</span>، ومنه قوله تعالى: ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾ [الرحمن: ٦] وسنذكر الكلام في النجم بمعنى النبت إذا انتهينا إلى هذه الآية إن شاء الله. ثم ذكر جواب القسم فقال:\n٢ - قوله تعالى: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ يعني النبي -ﷺ- يقول: ما ضل عن طريق الهدى وما غوى.\nقال مقاتل: يعني ما تكلم بالباطل (٤).\n\n٣ - ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ أي وما ينطق محمد بالقرآن من هوى نفسه. قال الكلبي: قالت قريش: إن محمدًا -ﷺ- يقول القرآن من تلقاء نفسه،\n_________\n(١) انظر: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٤٤.\n(٢) انظر: \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٣٥، وذكره الشوكاني ونسبه لجماعة المفسرين، ورجحه. \"فتح القدير\" ٥/ ١٠٤.\n(٣) انظر: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٤٤، \"فتح القدير\" ٥/ ١٠٥، شرحه ثم قال: وأما على قول من قال إنه الشجر الذي لا ساق له. فلا يظهر للهوي معنى صحيح.\n(٤) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٣٠ أ، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٤٥.","vol":"21","page":11},{"text":"فنزلت هذه الآيات (١).\nقال أبو إسحاق: أي ما الذي يأتيكم به مما قاله بهواه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4263>٤ </span>- ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ إنْ بمعنى ما (٢).\nقال الكلبي ومقاتل: ما القرآن إلا وحي من الله -﷿- يأتي به جبريل، فذلك قوله:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4264>٥ </span>- ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ (٣) قال ابن عباس والمفسرون: يعني جبريل (٤) ﵇، والقوى جمع قوة\n<span data-type=\"title\" id=toc-4265>٦ </span>- ﴿ذُو مِرَّةٍ﴾. قال الكلبي: ذو شدة (٥)، وقال مقاتل: ذو قوة (٦).\nومعنى المِرَّة في اللغة شدة الفتل وشدة أسر الخلق، ومنه الحديث: \"لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مِرَّة سَوي\" (٧).\nوأصل المرة من أمررت الحبل أي: شددت قتله، وكل قوة من قوى الحبل مرة، وجمعها مِرر (٨). وتم الكلام عند قوله: ﴿ذُو مِرَّةٍ﴾ (٩) وهو من\n_________\n(١) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ٧٠.\n(٢) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ٧٠.\n(٣) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٣٠ أ، و\"الوسيط\" ٤/ ١٩٣.\n(٤) انظر: \"تنوير المقباس\" ٥/ ٢٩١، و\"جامع البيان\" ٢٧/ ٢٥، و\"ابن كثير\" ٤/ ٢٤٧.\n(٥) انظر: \"تنوير المقباس\" ٥/ ٢٩١، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٤٥.\n(٦) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٣٠ أ، و\"جامع البيان\" ٢٧/ ٢٥، عن ابن زيد، ومجاهد، وسفيان.\n(٧) حديث صحيح، أخرجه الإمام أحمد في \"المسند\" ٢/ ١٦٤، ١٩٢ والترمذي في الزكاة، باب ما جاء من لا تحل له الصدقة ٣/ ٤٢، وأبو داود في الزكاة، باب من يعطى من الصدقة وحد الغنى ١/ ٤٠٧، وابن ماجه في الزكاة ١/ ٥٨٠ (٢٦).\n(٨) انظر: \"تهذيب اللغة\" ١٥/ ١٩٦ (مر).\n(٩) انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ٨٧.","vol":"21","page":12},{"text":"نعت ﴿شَدِيدُ الْقُوَى﴾ (١).\nثم قال: ﴿فَاسْتَوَى﴾ قال صاحب النظم: ﴿فَاسْتَوَى﴾ لا يحسن انتظامه بما قبله؛ لأن دخول الفاء لو كان متصلًا بما قبله لوجب أن يكون ما قبله للاستواء، وهو متصل بما بعده على تأويل ﴿فَاسْتَوَى﴾ أي جبريل ﴿وَهُوَ﴾ أي النبي -ﷺ-، وعلى هذا عطف بقوله ﴿وَهُوَ﴾ على الضمير المرفوع في ﴿اسْتَوَى﴾ من غير تأكيد.\nقال الفراء: وأكثر كلام العرب إذا نسقوا على المكنى المرفوع أن يؤكدوه (٢) قبل أن ينسقوا عليه فيقولون: استوى هو وأبوه ولا يكادون يقولون: استوى وأبوه، وربما فعلوا ذلك كقول الشاعر:\nألم تر أن النبع يصلب عوده ... ولا يستوى والخروع المتقصف (٣)\nقال أبو إسحاق: وهذا عند أهل اللغة لا يجوز مثله إِلَّا في الشعر، وإنما المعنى: استوى جبريل وهو بالأفق الأعلى على (٤) صورته الحقيقية فاستوى لأنه كان يتمثل للنبي -ﷺ- إذا هبط عليه بالوحي في سورة رجل فأحب رسول الله -ﷺ- أن يراه على حقيقته فاستوى في أفق المشرق فملأ الأفق، فالمعنى: فاستوى جبريل في الأفق الأعلى على صورته (٥).\n_________\n(١) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ٩٥.\n(٢) في (ك): (يؤكده، فيقول).\n(٣) انظر: \"معاني القرآن\" ٣/ ٩٥، و\"القطع والائتناف\" ص ٦٨، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ٨٥، ولم أجد البيت منسوبًا.\n(٤) في (ك): (على) ساقطة.\n(٥) انظر: \"معانى القرآن\" للزجاج ٥/ ٧٠.","vol":"21","page":13},{"text":"وشرح أبو علي الفارسي هذا الفصل فقال: قوله:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4266>٧ </span>- ﴿وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى﴾ مرتفع ﴿هُوَ﴾ فيه بالابتداء وليس هو وهو، وكان قوله: ﴿بِالْأُفُقِ﴾ ظرفًا لـ (استوى)، وليس كذلك، ولكنه من استوى الذي هو يقتصر فيه على فاعل واحد، كقوله: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى﴾ [القصص: ١٤] ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] فقوله: ﴿بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى﴾ تأويلنا في موضع رفع بأنه خبر المبتدأ، وفيه ضمير للمبتدأ، وقد تبينت أنه لا دلالة لمن احتج بهذه الآية على جواز عطف الظاهر المرفوع على المضمر المرفوع من غير أن يؤكد، ولكن يجيء في الشعر كقوله:\nقُلْتُ إذْ أَقْبَلَتْ وزُهْرٌ تَهادَى ... كَنِعاجِ اْلْمَلا تَعَسَّفنَ رَمْلا (١)\nانتهى كلامه (٢).\nوعلى ما قالا: الواو في ﴿وَهُوَ﴾ واو الحال لا العطف، والضمير لجبريل.\nوقول الفراء كما هو خطأ في العربية، ولم يقله أيضًا أحد من المفسرين الذين يعتمدون فيما أعلم، إنما جعلوا ﴿هُوَ﴾ ضميرًا لجبريل.\nقال عطاء عن ابن عباس: رأى رسول الله -ﷺ- جبريل وهو بالأفق الأعلى في صورته له ستمائة جناح، ونحو هذا ذكر الكلبي عنه (٣).\n_________\n(١) البيت لعمر بن أبي ربيعة كما في \"ديوانه\" ص ١٧٧، و\"الكتاب\" ١/ ٣٩٠، و\"الخصائص\" ٢/ ٢، و\"الإنصاف\" ص ٤٧٥.\n(٢) لم أجده.\n(٣) انظر: \"تنوير المقباس\" ٥/ ٢٩٣، وفي صحيح البخاري: كتاب التفسير، سورة =","vol":"21","page":14},{"text":"وقال مقاتل ﴿وَهُوَ﴾ يعني جبريل ﴿بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى﴾ يعني من قبل المطلع (١).\nوقال الكلبي: يعني مطلع الشمس (٢)، وهذا قول الجميع في الأفق الأعلى. يعني: أفوق المشرق (٣). وذكرنا تفسير الأفق عند قوله: ﴿آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ﴾ (٤).\nقال المفسرون: إن جبريل كان يأتي رسول الله -ﷺ- في صورة الآدميين فسأله رسول الله -ﷺ- أن يريه نفسه على صورته التي جعل عليها فأراه نفسه مرتين. مرة في الأرض، ومرة في السماء، فأما في الأرض ففي الأفق الأعلى، وذلك أن محمدًا (٥) -ﷺ- كان بحراء (٦) فطلع له جبريل من المشرق فسد الأفق إلى المغرب، فخر رسول الله -ﷺ- مغشيًّا عليه، فنزل جبريل في سورة الآدميين وضمه إلى نفسه، وجعل يمسح الغبار عن وجهه، ومثل هذا (٧) قوله: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ﴾ [التكوير: ٢٣]، وأما في\n_________\n= النجم ٦/ ١٧٦، عن ابن مسعود بلفظ ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (٩) فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ ... رأي جبريل له ستمائة جناح.\n(١) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٣٠ أ.\n(٢) انظر: \"تنوير المقباس\" ٥/ ٢٩١.\n(٣) انظر: \"تفسير عبد الرزاق ٢/ ٢٥٠، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ٨٨.\n(٤) عند تفسيره لآية (٥٣) من سورة فصلت. حيث قال: واحد الآفاق أفق وهو الناحية من نواحي الأرض، وكذلك آفاق السماء أطرافها ونواحيها.\n(٥) قوله: (وذلك أن محمدًا) زيادة من \"الوسيط\" حيث لم تظهر في (ك).\n(٦) حراء بالكسر والتخفيف والمد: جبل من جبال مكة على ثلاثة أميال.\nانظر: \"معجم البلدان\" ٢/ ٢٣٣.\n(٧) في (ك): (ومثل هذا) لم تظهر ولعل ما أثبته يقيم العبارة.","vol":"21","page":15},{"text":"السماء فعند سدرة المنتهى، ويأتي بيانه بعد ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى﴾.\nهذا، ولم يره أحد من الأنبياء (١) على تلك الصورة إلا محمد -ﷺ- (٢).\nوقوله: ﴿الْأَعْلَى﴾ ليس المراد به الأعلى في السماء، وإنما المراد بالأعلى جانب المشرق، وهو فوق جانب المغرب، فهو أعلى منه في صعيد الأرض لا في الهواء. وقد يقال لما استعلى من البلاد آفاق تشبيهًا بآفاق السماء ومنه قول امرئ القيس:\nفقد طوفتُ بالآفاق حتى ... رضيتُ من الغنيمةِ بالإياب (٣).\nويجوز أن يكون المراد بالأفق الأعلى طرف السماء، ويدل على صحة هذا التفسير الذي ذكرنا وهو أن جبريل كان بالأفق الأعلى دون محمد -ﷺ-.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4267>٨ </span>- ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى﴾ التدلي مطاوع التدلية (٤) يقال: دليت الشيء في مهواه فتدلى، فمعنى التدلي الامتداد إلى جهة السفل، يقال: تدلى العذق تدليًا. هذا هو الأصل، ثم يستعمل في القرب من العلو، وهذا قول الفراء (٥).\nوقال صاحب النظم: هذا من التقديم والتأخير؛ لأن المعنى: ثم تدلى فدنا، لأن التدلي سبب الدنو (٦).\n_________\n(١) في (ك): (الأنبياء) مطموسة.\n(٢) انظر: \"الكشف والبيان\" ١٢/ ٤ أ - ب، و\"الوسيط\" ٤/ ١٩٣، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٤٥، و\"زاد المسير\" ٨/ ٦٥.\n(٣) تقدم تخريجه.\n(٤) انظر: \"التفسير الكبير\" ٢٨/ ٢٨٥، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٢٤٧، و\"تفسير القاسمي\" ١٥/ ٥٥٥٧.\n(٥) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ٩٥.\n(٦) انظر: \"التفسير الكبير\" ٢٨/ ٢٨٦، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ٨٩.","vol":"21","page":16},{"text":"قال ابن الأعرابي: تدلى إذا قرب بعد علو، وتدلى تواضع، ويقال: تدلى فلان علينا من أرض كذا، أي: أتانا، يقال: من أين تدليت علينا. قال أسامة الهذلي (١):\nتَدَلَّى عَلَينا وهْوَ زُرْقٌ جِمَامُهُ ... له طِحْلِبٌ في مُنْتَهَى القَيْضِ هَامِدُ (٢)\nوقال لبيد:\nفَتَدَلَّيْتُ عليه قَافِلًا ... وعلى الأرضِ غَيَايَاتُ الطَّفَل (٣)\nأراد أنه نزل من مر بابه وهو على فرسه راكب. ولا يكون التدلي إلا من علو إلى أسفل (٤). قال الكلبي: ثم دنا جبريل من محمد فتقرب منه (٥).\nوقال الحسن، وقتادة: ثم دنا جبريل بعد استوائه بالأفق الأعلى من الأرض فنزل إلى محمد -ﷺ- (٦).\nوقال أبو صالح: جبريل الذي دنا فتدلى (٧).\n_________\n(١) أسامة بن الحارث الهذلي، يكنى أبا سهم، كان من بني عمرو بن الحارث، عاش في الجاهلية وصدر الإسلام. انظر: \"الشعر والشعراء\" ٤١٩، الإصابة ١/ ٢٠، و\"ديوان الهذليين\" ٢/ ١٥٢، و\"معجم الشعراء الجاهليين والمخضرمين\" ص ١٤.\n(٢) انظر: \"تهذيب اللغة\" ١٤/ ١٧٣ (دال)، و\"اللسان\" ١/ ١٠٠٩ (دلا)، وروايتهما: زرق حمامةٍ، وكذا ذكرها المؤلف، وفي زيادات \"ديوان الهذليين\" ٣/ ١٣٥١: زرقٌ جمامهُ، وهو الصواب. ومعناه الماء الصافي الكثير.\n(٣) انظر: \"ديوان لبيد\" ص ١٤٥، غيايات الطفل: هو ظل الشمس بالعشي. \"اللسان\"\n٥٩٩/ ٢ (طفل)، ١/ ١٠٣٩ (غيا).\n(٤) انظر: \"تهذيب اللغة\" ١٤/ ١٧٣ (دال)، و\"اللسان\" ١/ ١٠٠٨ (دلا).\n(٥) انظر: \"تنوير المقباس\" ٥/ ٢٩٢، و\"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ٩٥.\n(٦) انظر: \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٢٥٠، و\"الوسيط\" ٤/ ١٩٣، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٤٦.\n(٧) انظر: \"الوسيط\" ٤/ ١٩٣، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ٨٨.","vol":"21","page":17},{"text":"قال أبو إسحاق: معنى (دنا فتدلى) واحد، لأن المعنى أنه قرب، وتدلى زاد في القرب كما تقول: قد دنا مني فلان وقرب، ولو قلت: قرب مني ودنا جاز (١).\nقال أبو بكر بن الأنباري: معنى الآية: ثم تدلى جبريل فدنا من محمد -ﷺ-، فقدم (دَنَا) على (تدلى) لأن الفعلين المصطحبين اللذين إذا وقع أحدهما موقع الآخر كان تقدم المتقدم كتأخره، كقولك: دنوت فقربت، وقربت فدنوت، لا فرق بينهما، وكذلك ظلمتني فأسأت، بمنزلة: أسأت فظلمتني، ومنه قوله: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر: ١]. معناه انشق القمر واقتربت الساعة (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4268>٩ </span>- ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ القاب من القوس ما بين المقبض والسية (٣). ولكل قوس قابان، والقاب في اللغة أيضًا القَدْر.\nقال أبو عبيدة: قدر قوسين، ونحو ذلك قال الفراء والزجاج (٤).\nوقال ابن السكيت: يقال: قاب قوس وقيب، وقال رمح، وقيد رمح. كله بمعنى القدر (٥). وهذا هو المعنى بما في الآية لا الأول وهو قول\n_________\n(١) انظر: \"معاني القرآن\" ٥/ ٧٠.\n(٢) انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ٨٩، و\"فتح القدير\" ٥/ ١٠٦، وهو قول الفراء أيضًا. انظر: \"معاني القرآن\" ٣/ ٩٥.\n(٣) سية القوس: ما عطف من طرفيها، ولها سيتان، وقيل: رأسها، وقيل: ما اعوج من رأسها. \"اللسان\" ٢/ ٢٥٥ (سيا).\n(٤) انظر: \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٣٦، و\"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ٧١، و\"اللسان\" ٣/ ١١ (قوب).\n(٥) انظر: \"إصلاح المنطق\" ص ٨٩، ولفظه: قاب قوس وقيب قوس، وقيس رمح وقاس رمح ..، و\"تهذيب اللغة\" ٩/ ٢٤٧ (قاد).","vol":"21","page":18},{"text":"المفسرين جميعًا (١).\nقال الكسائي: وهي لغة حجازية، يقال: كان مني قاب قوسين، وقال قوشن، وقيد قوسين (٢)، وانتصب قاب على خبر كان.\nقال الزجاج: المعنى كان ما بينه وبين رسول الله -ﷺ- مقدار قوسين (٣).\nوقال الكلبي: ﴿قَابَ قَوْسَيْنِ﴾ قدر قوسين من القسط العربية، وهو قول مجاهد، ورواية عكرمة عن ابن عباس، وعطاء قالوا: قدر قوسين (٤).\nوقال الكلبي، والحسن، وقتادة: قيد قوسين (٥).\nوالمراد بالقوس هي التي ترمى منها في قول هؤلاء وخصت بالذكر على عادتهم كما ذكره الكسائي (٦).\nوقال عبد الله: قدر ذراع أو ذراعين (٧).\nوروى عاصم عن أبي رزين قال: القاب: القيد، والقوس: الذراع. وهذا قول شقيق (٨) بن سلمة، وسعيد بن جبير، وأبي إسحاق الهمداني قالوا: قدر ذراعين (٩)، وعلى هذا معنى القوس: ما يقاس به الشيء، أي:\n_________\n(١) انظر: \"جامع البيان\" ٢٧/ ٢٧، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٤٦، و\"القرطبي\" ١٧/ ٨٩.\n(٢) انظر: \"الكشف والبيان\" ١٢/ ٥ ب.\n(٣) انظر: \"معاني القرآن\" ٥/ ٧١.\n(٤) انظر: \"تنوير المقباس\" ٥/ ٢٩٢، و\"الوسيط\" ٤/ ١٩٤، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٤٦، و\"زاد المسير\" ٨/ ٧٦.\n(٥) انظر: \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٢٥٠، و\"جامع البيان\" ٢٧/ ٢٧.\n(٦) انظر: \"الوسيط\" ٤/ ١٩٤.\n(٧) انظر: \"جامع البيان\" ٢٧/ ٢٧.\n(٨) في (ك): (سفيان) والصواب ما أتبته.\n(٩) انظر: \"جامع البيان\" ٢٧/ ٢٧، و\"الوسيط\" ٤/ ١٩٤، \"القرطبي\" ١٧/ ٩٠. =","vol":"21","page":19},{"text":"يقدر كالذراع.\nقال ابن السكيت: قاس الشيء يَقُوسُه قوسًا لغة في قاسه إذا قدرته، يقال قِسْتُه وقُسْتُه (١).\nوالقوس مصدر كالقيس، ثم سُمِّي ما يقاس به الشيء قوسًا، وهي لغة أهل الحجاز.\nوروى الشعبي عن مسروق قال: قلت لعائشة ﵂ في قوله (٢): ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ قال: ذاك جبريل (٣)، وهو قول ابن عباس، والحسن، وقتادة، والربيع (٤).\nوقوله: (أَوْ أَدْنَى) أو أقرب بنصف القوس، وقال مقاتل: بل أقرب من ذلك (٥).\nقال أبو إسحاق: خاطب الله تعالى العباد على لغتهم ومقدار فهمهم، والمعنى: أو أدنى فيما تقدرون أنتم كما تقول في الشيء تقدره: هذا قدر رمحين، أو نقص، أو أرجح، والله تعالى عالم بمقادير الأشياء من غير\n_________\n= قال ابن حجر: وينبغي أن يكون هذا القول هو الراجح، فقد أخرج ابن مردويه بإسناد صحيح عن ابن عباس قال: القاب القدر، والقوسان الذراعان، ويؤيده أنه المراد به القوس التي يرمى بها لم يمثل بذلك ليحتاج إلى التثنية، فكان يقال مثلًا: قاب رمح أو نحو ذلك. \"فتح الباري\" ٨/ ٦١٠.\n(١) انظر: \"إصلاح المنطق\" ١٣٧، و\"تهذيب اللغة\" ٩/ ٢٢٥ (قاس).\n(٢) في (ك): (في قوله) ساقطة.\n(٣) انظر: \"صحيح مسلم\"، كتاب الإيمان، باب قوله ﷿ ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ ١/ ١٥٩، و\"جامع البيان\" ٢٧/ ٢٧، و\"الوسيط\" ٤/ ١٩٤.\n(٤) انظر: \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٢٥١، و\"ابن كثير\" ٤/ ٢٤٩، و\"فتح الباري\" ٨/ ٦٠٨.\n(٥) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٣٠ أ.","vol":"21","page":20},{"text":"شك، ولكنه يخاطبنا على ما جرت به عادة المخاطبة فيما بيننا (١)، وقد مر مثل هذا في قوله: ﴿إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ (٢).\nومعنى الآية أن جبريل مع عظمه وكثرة أجزائه حتى سد الأفق بجناحه دنا من النبي -ﷺ- في غير تلك الصورة حتى قرب منه بعدما رآه على الصورة الأولى، وفي ذلك بيان قدرة الله تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4269>١٠، ١١ </span>- قوله تعالى: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (١٠) مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء والكلبي: أوحى جبريل إلى النبي -ﷺ- ما أوحى الله إليه (٣).\nوقال قتادة: يوحي الله إلى جبريل ويوحي جبريل إلى محمد -ﷺ-، هذا قول الحسن، وابن زيد (٤)، واختيار الفراء، والزجاج، وابن الأنباري (٥).\nقوله: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ يقال: كذبني فلان بالتخفيف، أي: قال لي الكذب ولم يصدقني، وهذا فعل يتعدى إلى مفعول واحد، يدل\n_________\n(١) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ٧١.\n(٢) من آية (١٤٧) من سورة الصافات. قال: ﴿أَوْ يَزِيدُونَ﴾ قال أبو عبيدة: أو هاهنا ليست شك، وقالوا هي في موضع الواو .. وهو قول قطرب واختيار ابن قتيبة، ومثله (أَوْ أَدْنَى) ﴿أَوْ هُوَ أَقْرَبُ﴾ وبعضهم يذهب إلى أنها بمعنى (بل)، وبه قال الفراء وهو قول مقاتل والكلبي ... وقال الأخفش: كانوا كذلك عندكم .. وبه قال الزجاج.\n(٣) انظر: \"الوسيط\" ٤/ ١٩٥، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٤٦.\n(٤) انظر: \"جامع البيان\" ٢٨/ ٢٧، و\"الكشف والبيان\" ١٢/ ٦ أ، و\"الوسيط\" ٤/ ١٩٥، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٤٦.\n(٥) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ٩٥، و\"معاني القرآن\"، للزجاج ٥/ ٧١.","vol":"21","page":21},{"text":"عليه قول الأخطل:\nكَذَبَتْكَ عَيْنُكَ أم رَأيتَ بواسِطٍ ... غَلَسَ الظَّلامِ من الرَّبابِ خَيَالاَ (١)\nأي أرتك ما لا حقيقة له، كما أنك إذا قلت كذبتني عيني، معناه: رأت ما لا حقيقة له، ومعنى الآية: كانت رؤيته صحيحة غير كاذبة.\nقال المفسرون: هذا إخبار عن رؤية النبي -ﷺ- ربه ليلة المعراج.\nقال ابن عباس في رواية عطاء: رأى ربه بقلبه (٢).\nوقال في رواية باذان: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ﴾ يعني فؤاد رسول الله -ﷺ-، وإنما رأى محمد ربه بفؤاده ولم يره بعينه (٣).\nوقال في رواية عكرمة: رآه بقلبه (٤).\nوقال في رواية أبي العالية: رآه بفؤاده (٥)، ونحو هذا روي عن أبي ذر (٦)، وإبراهيم التيمي. وعلى هذا القول: رأى النبي -ﷺ- ربه بفؤادهِ رؤية\n_________\n(١) انظر: \"ديوان الأخطل\" ١/ ١٠٥، و\"الكتاب\" ٣/ ١٧٤، و\"الخزانة\" ٦/ ٩، و\"مغني اللبيب\" ص ٤٥، و\"المقتضب\" ٣/ ٢٩٥.\n(٢) أخرجه مسلم في كتاب الإيمان، باب قول الله -﷿- ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ ١/ ١٥٨، بلفظ (رآه بقلبه).\nقال ابن حجر: وأصرح من ذلك ما أخرجه ابن مردويه من طريق عطاء أيضًا عن ابن عباس قال: لم يره رسول الله -ﷺ- بعينه، إنما رآه بقلبه. \"فتح الباري\" ٨/ ٦٠٨.\n(٣) انظر: \"تنوير المقباس\" ٥/ ٢٩٢، و\"الدر\" ٦/ ١٢٥، وزاد نسبة تخريجه لابن جرير وعبد بن حميد.\n(٤) أخرجه الترمذي في التفسير، سورة النجم، ٥/ ٣٦٩، وقال: هذا حديث حسن، وابن جرير في \"جامعه\" ٢٧/ ٢٨، وعبد الرزاق في \"تفسيره\" ٢/ ٢٥١.\n(٥) انظر: صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ ١/ ١٥٨ ولفظه: (رآه بفؤاده مرتين)، و\"مسند الإمام أحمد\" ٢/ ٢٢٣، و\"الطبري\" ٢٧/ ٢٩.\n(٦) رواه ابن خزيمة بلفظ: (رآه بقلبه ولم يره بعينه)، و\"فتح الباري\" ٨/ ٦٠٨.","vol":"21","page":22},{"text":"صحيحة، وهو أن الله تعالى جعل بصره في فؤاده، أو خلق لفؤاده بصرًا حتى رأى به رؤية غير كاذبة كما يرى بالعين (١).\nومذهب جماعة من المفسرين أنه رآه بعينه، وهو قول أنس (٢)، وعكرمة، والحسن، وكان يحلف بالله لقد رأى محمد ربه (٣)، ونحو ذلك قال الربيع (٤).\nوروى عكرمة أنه قال: أتعجبون أن تكون الخلة لإبراهيم، والكلام لموسى، والرؤية لمحمد -ﷺ- (٥).\nوروى عبد الله بن الحارث عن ابن عباس أنه قال: أما نحن بنو هاشم فنقول إن محمدًا رأى ربه مرتين (٦).\n_________\n(١) انظر: \"شرح النووي على مسلم\" ٣/ ٦، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٤٦، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ٩٢.\n(٢) رواه ابن خزيمة بلفظ: (رأى محمدٌ ربه)، و\"فتح الباري\" ٨/ ٦٠٨.\n(٣) انظر: \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٢٥٣.\n(٤) صحيح مسلم بشرح النووي ٣/ ٧ - ٦، و\"فتح الباري\" ٨/ ٦٠٨، وزاد نسبة هذا القول لعروة بن الزبير وكعب الأحبار، والزهري، ومعمر، والأشعري، وغالب أتباعه، وسائر أصحاب ابن عباس، والإمام أحمد.\n(٥) أخرجه الحاكم في \"مستدركه\"، كتاب التفسير، تفسير سورة النجم ٢/ ٤٦٩ وقال: حديث صحيح على شرط البخاري، ولم يخرجاه. وانظر: \"فتح الباري\" ٨/ ٦٠٦.\n(٦) أخرجه الترمذي في كتاب \"التفسير\" ٥/ ٣٦٨، من كلام كعب، حيث قال: فقال كعب: وإن الله قسم رؤيته وكلامه بين محمد وموسى، فكلم موسى مرتين، ورآه محمد مرتين.\nوابن جرير في \"تفسيره\" ٢٧/ ٣١، وذكر عبد الرزاق في \"تفسيره\" ٢/ ٢٥٢ قول ابن عباس تم قال: فكبر كعب حتى جاوبته الجبال، ثم قال .. وذكر كلام كعب.","vol":"21","page":23},{"text":"وكل هؤلاء أثبتوا رؤية صحيحة إما بالعين والبصر، وإما بالفؤاد على ما بينا (١).\n_________\n(١) قال ابن كثير ﵀: ومن روى عنه -أي: عن ابن عباس- بالبصر فقد أغرب، فإنه لا يصح في ذلك شيء عن الصحابة ﵃، وقول البغوي في تفسيره: وذهب جماعة إلى أنه رآه بعينه، وهو قول أنس، والحسن، وعكرمة، فيه نظر والله أعلم. \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٢٥٠.\nقلت: وما ذكره ابن كثير -﵀- عن البغوي هو كلام الواحدي، وإنما نقله البغوي عنه.\nوالخلاف في هذه المسألة مشهور، وبقول كلِّ قال أناس من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، والنصوص الواردة في هذا الباب لا تؤيد وجهة أحدهما، ولهذا نقل القاضي عياض عن بعض مشايخه التوقف ورجحه القرطبي.\nانظر: \"فتح القدير\" ٨/ ٦٠٨، و\"روح المعاني\" ٢٧/ ٥٣.\nوحكى عثمان بن سعيد الدارمي اتفاق الصحابة على أنه لم يره.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: وليس قول ابن عباس \"أنه رآه\" مناقضًا لهذا، ولا قوله (رآه بفؤاده) وقد صح عنه أنه قال: (رأيت ربي ﵎) ولكن لم يكن هذا في الإسراء، ولكن كان في المدينة لما احتبس عنهم في صلاة الصبح.\nوأما الرؤية فالذي ثبت في الصحيح عن ابن عباس أنه قال: (رأى محمد ربه بفؤاده مرتين) وعائشة أنكرت الرؤيقى فمن الناس من جمع بينهما فقال: عائشة أنكرت رؤية العين، وابن عباس أثبت رؤية الفؤاد ... والألفاظ الثابتة عن ابن عباس هي مطلقة أو مقيدة بالفؤاد تارة .. ولم يثبت عن ابن عباس لفظ صريح بأنه رآه بعينه. وكذلك الإمام أحمد .. لكن طائفة من أصحابه سمعوا بعض كلامه المطلق ففهموا منه رؤية العين، كما سمع بعض الناس مطلق كلام ابن عباس ففهم منه رؤية العين. \"مجموع الفتاوى\" ٦/ ٥٠٧، ٥٠٩. قلت: وبهذا الكلام النفيس يتبين اتفاق الصحابة -رضوان الله عليهم- على أنه لم يره بعينه، والله أعلم. وانظر: \"زاد المعاد\" ٣/ ٣٧، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٢٥٠ - ٢٥١، و\"شرح العقيدة الطحاوية\" ٢/ ٢٢٢ - ٢٦، و\"تفسير ابن عباس ومروياته في التفسير من كتب السنة\" ٢/ ٨٣٥ - ٨٤١.","vol":"21","page":24},{"text":"قال المبرد: ومعنى الآية أنه رأى شيئًا فصدق فيه (١).\nوقال أبو الهيثم: أي لم يكذب الفؤاد رؤيته و(مَا رَأَى) بمعنى الرؤية. يقال: ما أوهمه الفؤاد أنه رأى ولم (٢) ير، بل صدقه الفؤاد رؤيته (٣)، وعلي هذا (مَا رَأَى) مصدر في موضمع النصب؛ لأنه مفعول كذب.\nوقرأ ابن عامر (مَا كَذَّبَ) بالتشديد (٤)، قال المبرد: ومعناه أنه رأى شيئًا بقلبه. قال: وفي هذه القراءة بعد؛ لأنه إذا رأى بقلبه فقد علمه أيضًا بقلبه، وإذا وقع العلم فلا تكذيب معه، لأن القلب يكذب ويصدق فإذا كان الشيء في القلب معلومًا فكيف يكون معه تكذيب، وهذا على ما قال المبرد إذا جعلت الرؤية للفؤاد، فإن جعلتها للعين زال هذا الإشكال وصح هذا المعنى، فيقال: ما كذب فؤاده ما رآه ببصره (٥).\n_________\n(١) انظر: \"التفسير الكبير\" ٢٨/ ٢٨٩.\n(٢) في (ك): (أي لم) والصواب ما أثبته.\n(٣) انظر: \"تهذيب اللغة\" ١٠/ ١٧٠، و\"اللسان\" ٣/ ٢٣٣ (كذب).\n(٤) قرأ أبو جعفر، وابن عامر في رواية هشام: (ما كَذَب) مشددة، وقرأ ابن عامر في رواية ابن ذكران وبقية العشرة (ما كَذَبَ) مخففة. انظر: \"حجة القراءات\" ص ٦٥، و\"النشر\" ٢/ ٣٩، و\"الإتحاف\" ص ٤٠٢.\n(٥) انظر: \"الوسيط\" ٤/ ١٩٥، و\"إعراب القرآن\" للنحاس ٣/ ٢٦٤، قال ابن جرير في معنى قراءة التشديد: إن الفؤاد لم يكذب الذي رأى، ولكنه جعله حقًّا وصدقًا، وقد يحتمل أن يكون معناه إذا قرئ كذلك ما كذب صاحب الفؤاد ما رأى .. لذا هو أولى القراءتين في ذلك عندي بالصواب قراءة من قرأ بالتخفيف لإجماع الحجة من القراء عليه، والأخرى غير مدفوعة صحتها لصحة معناها. \"جامع البيان\" ٢٧/ ٢٩. قلت: وإذا أمكن توجيه القراءة وحملها على وجه صحيح فلا مجال لردها، كيف وقد صحت عن رسول الله -ﷺ- وعندها فلا قبول لقول أحد بعد صحتها عن أفصح العرب -ﷺ- مهما بلغت درجته ومنزلته ونسأل الله له المغفرة.","vol":"21","page":25},{"text":"وأنكرت عائشة ﵂ رؤية محمد -ﷺ- ربه ليلة المعراج، وكانت تخالف ابن عباس في مذهبه وتذهب بهذه الرؤية إلى رؤية جبريل (١). وظاهر الآية مع ابن عباس، وقد قال معمر: ما عائشة عندنا بأعلم من ابن عباس (٢).\nثم هذا الاختلاف من أدل دليل على أن البارئ جائز الرؤية؛ لأن ما لا تجوز رؤيته لا يختلف في رؤيته، وعائشة أنكرت الرؤية في الدنيا وقبل الموت، واحتجت بقوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ (٣) [الأنعام: ١٠٣] الآية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4270>١٢ </span>- قوله تعالى: ﴿أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى﴾ قال الكلبي وغيره من المفسرين: لما نزل ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ الآيات، أتى عتبة بن أبي لهب رسول الله -ﷺ- فقال: يا محمد هو يكفر بالنجم إذا هوى وبالذي دنا فتدلى، فنزلت هذه الآية (٤).\n_________\n(١) انظر: \"سنن الترمذي\" كتاب التفسير ٥/ ٣٦٨، عن مسروق، عن عائشة، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٢٤٩، وبهذا قال ابن مسعود وأبو ذر، وأبو هريرة.\n(٢) انظر: \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٢٥٢.\n(٣) قلت: تقدم الكلام على هذه المسألة. وفي قوله تعالى ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ وفي الأخبار الصحيحة المشهورة ما يثبت وقوعها للمؤمنين في الآخرة، وإذا جازت في الآخرة جازت في الدنيا لتساوي الوقتين بالنسبة إلى المرئي.\nوقال الإمام مالك: إنما لم يُرَ سبحانه في الدنيا، لأنه باق، والباقي لا يرى بالفاني، فإذا كان في الآخرة ورزقوا أبصارًا باقية رأوا الباقي بالباقي. انظر: \"فتح الباري\" ٨/ ٦٠٧ - ٦٠٨.\n(٤) انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ٨٣، و\"تخريجات الكشاف\" ١٦٠، وقال: أخرجه أبو نعيم في \"الدلائل\" .. ورواه البيهقي في الدلائل، والطبراني من طريق سعيد. عن قتادة مطولًا نحوه، ورواه الحاكم في \"الدلائل\" أيضًا، وقال البيهقي: هكذا قال عباس بن الفضل الأزرق، وليس بالقوى، وأهل المغازى يقولونه عتبة أو عتيبة. وانظر: \"دلائل النبوة\" للبيهقي ٢/ ٣٣٩.","vol":"21","page":26},{"text":"وقرئ (أَفَتُمَارُونَهُ) (١) قال عامة المفسرين وأهل التأويل (٢) (أَفَتُمَارُونَهُ) أفتجادلونه و(أفتمارونه) أفتجحدونه، تقول العرب: مريت الرجل حقه إذا جحدته. قال الشاعر:\nلئن هجرت أخا صِدقٍ ومَكْرُمَةٍ ... لقد مَرَيْتَ أخًا ما كان يَمْرِيكا (٣)\nقال المبرد: (أفتمرونه) أي أتدفعونه عما يرى، قال: و(على) في موضح عن (٤)، و(أَفَتُمَارُونَهُ) أي: أتدفعونه وتمارونه، كأنه أغلب في هذا الموضع للإنكار عليه، أي: تجادلونه فيما رأى وعلم، وأما الجحود منهم فقد كان ذلك عامًا فيما يأتيهم به الرسول -ﷺ- والجدال في هذا الموضع كأنه أغلب، والمعنيان يتقاربان؛ لأن مجادلتهم جحود فيجتمع فيه الجحود والمجادلة، وقد كانت من المشركين مجادلة النبي -ﷺ- حين أسري به قالوا: صف لنا مسجد بيت المقدس (٥)، وأخبِرنا عن عيرنا التي في\n_________\n(١) قرأ حمزة، والكسائي، وخلف، ويعقوب (أَفَتَمْرُونَهُ) مفتوحة التاء بغير ألف.\nوقرأ الباقون: (أَفَتُمَارُونَهُ) بألف. انظر: \"حجة القراءات\" ٦٨٥، و\"النشر\" ٢/ ٣٧٩، و\"الإتحاف\" ٤٠٢.\n(٢) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ٩٦، و\"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ٧٢، و\"جامع البيان\" ٢٧/ ٢٩، و\"الوسيط\" ٤/ ١٩٧.\n(٣) ورد البيت غير منسوب في \"الكشاف\" ٤/ ٣٨، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ٩٣، و\"البحر المحيط\" ٨/ ١٥٩، و\"تخريجات الكشاف\" ٤/ ٨٧.\nومعناه: لئن ذممت أخا صدق ومكرمة، فقد غلبته في الجدال وأنفدت ما عنده أو جحدت حقه كأنك أخذت منه أو تسببت في إخراجه ما عنده فيذمك كما ذمته.\n(٤) انظر: \"تهذيب اللغة\" ١٥/ ٢٨٣ (مرى).\n(٥) بيت المقدس. يطلق على الأرض المباركة وعلى الطور الذي كلم الله موسى عليه. والمراد به عند الإطلاق المسجد الأقصى.\nانظر: \"معجم البلدان\" ٥/ ١٩٣.","vol":"21","page":27},{"text":"طريق الشام (١)، وغير ذلك مما جادلوه به (٢).\nواختار أبو عبيد (أفتمرونه) قال: وذلك أن المشركين إنما كان شأنهم الجحود لما كان يأتيهم من الوحي، فهذا أكثر من المماراة (٣).\nقال أبو علي: من قال: (أَفَتُمَارُونَهُ) فمعناه: أفتجادلونه جدالًا ترومون به دفعه عما هو (٤) عليه وشاهده الوحي، ويقوي هذا الوجه قوله: ﴿يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ﴾ [الأنفال: ٦]، ومن قال: (أفتمرونه) كان المعنى: أفتجحدونه، والمجادلة كأنه أشبه في هذا؛ لأن الجحود كان منهم في هذا وفي غيره، وقد جادله المشركون في الإسراء به فكان مما قالوا: صف لنا عيرنا في طريق الشام ونحو ذلك (٥).\nوقد صح المعنيان عند (٦) المبرد، وأبي علي، على (٧) أن الوجه قراءة\n_________\n(١) الشام: سميت بذلك لأن قومًا من كنعان بن حام خرجوا عند التفريق فتشاءموا بها إليها. وقيل غير ذلك طولها من الفرات إلى العريش نحو شهر، وعرضها نحو عشرين يومًا. انظر: \"معجم البلدان\" ٣/ ٣٥٣.\n(٢) انظر: \"الوسيط\" ٤/ ١٩٧، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٤٧، و\"القرطبي\" ١٧/ ٩٣.\n(٣) انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ٩٣، و\"فتح القدير\" ٥/ ١٠٦.\nقال النحاس: غير أن أبا حاتم حُكي أنه قال: لم يماروه وإنما جحدوه. قال وفي هذا طعن علي جماعة من القراء تقوم بقراءتهم الحجة ... والقول في هذا أنهما قراءتان مستفيضتان قد قرأ بهما الجماعة، غير أن الأولى من ذكرنا من الصحابة، فاما أن يقال لم يماروه فعظيم؛ لأن الله جل وعز قد أخبر أنهم قد جادلوا، والجدال هو المراءَ ولا سيما في هذه القصة .. \"إعراب القرآن\" ٣/ ٢٦٥.\n(٤) (هو) ساقطة.\n(٥) انظر: \"الحجة للقراء السبعة\" ٦/ ٢٣٠.\n(٦) (عند) ساقطة من (ك) وبها يستقيم الكلام.\n(٧) (على) ساقطة من (ك) وبها يستقيم الكلام.","vol":"21","page":28},{"text":"العامة لا ما اختاره أبو عبيد، وذلك أن الجحود كان عامًا منهم في كل ما يأتي به الرسول -ﷺ- والجدال كان في هذا خاصًا على ما ذكرا (١).\nوأيضًا فإنه لا مجادل إلا وهو جاحد، وقد يجحد الشيء من لا يجادل فيه، فالجدال إذًا أعم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4271>١٣ </span>- معنى قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ أكثر العلماء على أن اههنى أشبه رأى جبريل في صورته مرتين على ما ذكرنا (٢).\nوقال ابن عباس: رأى ربه على ما ذكرنا في قوله: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾.\nوعلى هذا معنى قوله: (نَزْلَةً أُخْرَى) يعود إلى محمد -ﷺ-، وقد روي أنه كانت له عرجات في تلك الليلة لما استحط ربه من أعداد الصلوات المفروضة، فيكون لكل عرجة نزلة، فيحتمل أنه رأى ربه -﷿- في بعض تلك النزلات (٣).\n_________\n(١) انظر: \"الوسيط\" ٤/ ١٩٧، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ٩٣.\n(٢) وفي \"صحيح مسلم\" أن عائشة سألت النبي -ﷺ- عن قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ﴾ وقوله: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ فقال: إنما هو جبريل. لم أره على صورته التي خلق عليها غير هاتين المرتين، رأيته منهبطًا من السماء سادًّا عظم خلقه ما بين السماء والأرض. كتاب: الإيمان، باب ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ ١/ ١٥٩.\n(٣) انظر: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٤٧، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ٩٤. قال ابن حجر: وأبدى بعض الشيوخ حكمة لاختيار موسى تكرير ترداد النبي -ﷺ- فقال: لما كان موسى قد سأل الرؤية فمنع وعرف أنها حصلت لمحمد -ﷺ- قصد بتكرير رجوعه تكرير رؤيته ليرى من رأى.\nقال الشيخ ابن باز في تعليقه على هذه الحكمة: \"ليست بشيء، والتحقيق أن النبي -ﷺ- لم ير ربه .. \" فتح الباري ١/ ٤٦٣.","vol":"21","page":29},{"text":"(وهو) أي محمدًا -ﷺ-.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4272>١٤ </span>- ﴿عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَ﴾، والسدر في اللغة: ضرب من شجر النبق (١).\nقال عطاء عن ابن عباس: وإنما سميت سدرة المنتهى؛ لأن علم الملائكة ينتهي إليها (٢). ولم يجاوزها أحد إلا رسول الله -ﷺ- حين تدلى إليه الرفرف (٣).\nوقال الكلبي، ومقاتل: هي شجرة عن يمين العرش فوق السماء السابعة إنتهى إليها علم كل ملك (٤).\n_________\n(١) في (ك): (البر). والنَّبِق: بتشديد النون وكسر الباء ثمر السدر. \"اللسان\" ٣/ ٥٧٠ (نبق).\n(٢) أخرجه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" ١٣/ ١٥٠ عن ابن عباس قال: سألت كعبًا ...، وانظر: \"تنوير المقباس\" ٥/ ٢٩٣، و\"جامع البيان\" ٢٧/ ٣١ عن كعب، و\"الكشف والبيان\" ١٢/ ٨ ب، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ٩٥ عن كعب أيضًا.\n(٣) لم أجد من قال بأن النبي -ﷺ- تجاوز سدرة المنتهى، وقد نقله النووي عن الواحدي في شرحه على مسلم ٢/ ٢١٤، ونسبه لابن عباس والمفسرين، والذي في الصحيح: (ثم انطلق بي حتى انتهى بي إلى سدرة المنتهى، وغشيها ألوان لا أدري ما هي، ثم أدخلت الجنة فإذا فيها حبايل اللؤلؤ وإذا ترابها المسك).\nوالرفرف هو المذكور في الصحيح حيث قال: (رأى رفرفًا أخضر قد سد الأفق). يوضحه ما أخرجه النسائي، والحاكم، عن ابن مسعود قال: (أبصر نبي الله -ﷺ- جبريل -﵇- على رفرف قد ملأ ما بين السماء والأرض).\nانظر: \"صحيح البخاري\"، كتاب: الصلاة، باب: كيف فرضت الصلوات في الإسراء ١/ ٩، وكتاب التفسير، باب ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ ٦/ ١٧٦، و\"فتح الباري\" ٨/ ٦١١، و\"المستدرك\" ٢/ ٤٦٩.\n(٤) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٣٠ أ - ب، و\"تنوير المقباس\" ٥/ ٢٩٣.","vol":"21","page":30},{"text":"وقال عبد الله: سميت سدرة المنتهى؛ لأنه ينتهي إليها ما يهبط من فوقها وما يصعد من تحتها من أمر الله تعالى لا يعدوها (١).\nوقال أبو هريرة: لما أسري بالنبي -ﷺ- انتهى إلى السدرة فقيل له: هذه السدرة ينتهي إليها كل أحد من أمتك على سنتك وإذا هي شجرة يخرج من أصلها أنهار من ماء إلى قوله: ﴿عَسَلٍ مُصَفًّى﴾ [محمد: ١٥] وهي شجرة يسير الراكب في ظلمها مائة عام لا يقطعها والورقة منها مغطية للأمة كلها (٢). وقال عبد الله: هي شجرة عليها فضول السندس والإستبرق (٣).\nوروى قتادة عن أنس، أن رسول الله -ﷺ- قال: \"لما عرج بي إلى السماء السابعة رفعت إلى سدرة المنتهى في السماء السابعة وإذا نبقها مثل قلال (٤) هجر (٥) وورقها مثل أذن الفيلة، يخرج من ساقها نهران ظاهران ونهران باطنان، فقلت: يا جبريل: ما هذا؟ قال: أما النهران الباطنان ففي الجنة -قال مقاتل: هما السلسبيل والكوثر (٦) - وأما النهران الظاهران فالنيل والفرات\" (٧).\n_________\n(١) انظر: \"جامع البيان\" ٢٧/ ٣١، و\"الكشف والبيان\" ١٢/ ٨ ب، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٤٨.\n(٢) أخرجه ابن جرير والثعلبي. انظر: \"جامع البيان\" ٢٧/ ٣٢، و\"الكشف والبيان\" ١٢/ ٨ ب، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ٩٥، ٩٦.\n(٣) أخرجه ابن جرير والفريابي، وابن أبي شيبة، والطبراني. انظر: \"جامع البيان\" ٢٧/ ٣٢، و\"الدر\" ٦/ ١٢٥.\n(٤) القلال: جمع قلة، والقلة الحب العظيم، وقيل: الجرة العظيمة، وقيل: الكور المغير. انظر: النهاية ٣/ ٢٧٥.\n(٥) هَجَر: قرية قريبة من المدينة وليست هجر البحرين، وكانت تعمل بها القلال. \"النهاية\" ٣/ ٢٧٥، و\"معجم البلدان\" ٥/ ٤٥٢.\n(٦) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٣٠ب.\n(٧) لم أجده.","vol":"21","page":31},{"text":"وروى عكرمة عن ابن عباس قال: سألت كعبًا: ما سدرة المنتهى؟ قال: سدرة ينتهي إليها علم الملائكة وعندها يجدون أمر الله لا يجاوزها علمهم (١).\nفهذا ما ذكره المفسرون ورووه في سدرة المنتهى (٢).\nومعنى المنتهى موضع الانتهاء، وهذه الشجرة هناك وعندها تنتهي الملاكة والنبيون، فلذلك أضيفت السدرة إلى المنتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4273>١٥ </span>- قوله تعالى: ﴿عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى﴾ قال عطاء عن ابن عباس: يريد الجنة التي يأوي إليها جبريل والملائكة (٣).\nوقال مقاتل، والكلبي: هي جنة تأوي إليها أرواح الشهداء (٤).\nوروى عكرمة عن ابن عباس عن كعب قال: جنة المأوى فيها طير خضر ترتع فيها أرواح الشهداء. وهذا قول أكثر المفسرين (٥). وقالت عائشة ﵂ هي جنة من الجنان (٦)، وهو قول زر بن حبيش.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4274>١٦ </span>- قوله تعالى: ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى﴾ إذ متعلق بقوله: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ واختلفوا في الذي كان يغشى السدرة في ذلك الوقت فروي\n_________\n(١) انظر: \"جامع البيان\" ٢٧/ ٣١، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٤٨، و\"القرطبي\" ١٧/ ٩٥.\n(٢) المنتهى: بمعنى الانتهاء -على اختيار ابن جرير- فكأنه قيل عند سدرة الانتهاء، وجوز العموم في كل ما روي عن المفسرين في هذا المعنى حيث لم يرد خبر يقطع العذر بأنه قيل ذلك لها لبعض ذلك دون بعض فلا قول فيه أصح من القول الذي قال ربنا ﷻ، وهو أنها سدرة المنتهى. \"جامع البيان\" ٢٧/ ٣١.\n(٣) انظر: \"الوسيط\" ٤/ ١٩٨، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٤٨.\n(٤) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٣٠ أ، \"المصنف\" لابن أبي شيبة ١٣/ ١٥٠، و\"الحلية\" ٥/ ٣٨١، و\"تنوير المقباس\" ٥/ ٢٩٣.\n(٥) انظر: \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٢٥٣، و\"جامع البيان\" ٢٧/ ٣٣، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٤٨.\n(٦) لم أجده.","vol":"21","page":32},{"text":"أن النبي -ﷺ- سئل ما غشيها؟ قال: \"فراش من ذهب\" (١) وهو قول عبد الله، وسعيد بنُ جبير، ورواية عكرمة عن ابن عباس (٢).\nوروى الضحاك عنه: قال رسول الله -ﷺ-: \"رأيتها حتى استثبتها ثم حال دونها فراش من ذهب\" (٣) وهو قول مسروق وأبي العالية (٤).\nوقال مقاتل: غشيتها الملائكة (٥)، وروي عن الحسن: غشيتها الملائكة مثل الغربان حين يقعن علي الشجر (٦).\nوروي أن النبي -ﷺ- قال: \"رأيت على كل ورقة من ورقها ملكًا قائمًا يسبح الله -﷿-\" (٧).\n_________\n(١) قلت: الذي عند الترمذي في كتاب التفسير ٥/ ٣٦٧ (٣٢٧٦) قال ابن مسعود: ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى﴾ قال: السدرة في السماء السادسة، قال سفيان: فراش من ذهب ..) الحديث. قال أبو عيسى: هذا حديث صحيح.\nوتقدم في الحديث الذي رواه البخاري وغيره أنه -ﷺ- قال: (وغشيها ألوان لا أدري ما هي.). والأقوال المروية عن الأئمة إن صحت نسبتها إليهم في تفسير الآية اجتهادات منهم، ربما لم يبلغهم الحديث الصحيح، والله تعالى أعلم.\n(٢) انظر: \"جامع البيان\" ٢٧/ ٣٣، و\"الكشف والبيان\" ١٢/ ٩ ب، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٤٨، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٢٥٢.\n(٣) أخرجه ابن جرير، انظر: \"جامع البيان\" ٢٧/ ٣٣.\n(٤) انظر: \"جامع البيان\" ٢٧/ ٣٣، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٤٨.\n(٥) انظر: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٨، و\"القرطبي\" ١٧/ ٩٦، ولم أجده في \"تفسير مقاتل\".\n(٦) انظر: \"الوسيط\" ٤/ ١٩٨، وذكر غيره من المفسرين هذا القول منسوبًا للربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أبي هريرة. وذكروا قول الحسن بلفظ: (غشيها نور رب العالمين فاستنارت). انظر: \"الكشف والبيان\" ٩/ ١٢ ب، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٤٨، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ٩٦، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٢٥٢.\n(٧) قال ابن حجر: أخرجه الطبري من طريق عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، قال: قيل يا رسولى الله: أي شيء رأيت يغشى تلك الشجرة، فذكره وأتم منه. وعبد الرحمن ضعيف، وهذا معضل. \"تخريجات الكشاف\" ٤/ ٣٣٥، وأخرجه الثعلبي بلفظ: =","vol":"21","page":33},{"text":"وقال إبراهيم، ومجاهد: رفرف أخضر (١).\nوقال السدي: غشيها طيور من فوقها (٢).\nوروي مرفوعًا: \"غشيها نور من الله حتى ما يستطيع أحد ينظر إليها\" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4275>١٧ </span>- قوله تعالى: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾ قال عطاء عن ابن عباس: يريد النبي -ﷺ-؛ لأن الله تعالى أعطاه من القوة ما قوي به على النظر إلى الآيات (٤).\nفعلى هذا القول معنى الآية ما ملَّ بصره من رؤية الآيات خوفًا وجزعًا.\nوروى مسلم عن ابن عباس: ما زاغ البصر يمينًا ولا شمالًا ولا جاوز ما أمر به (٥). ونحو ذلك روى الكلبي، وهو قول مجاهد، والمفسرين، قال الكلبي: ما قلب بصره يمينًا ولا شمالًا، وما جاوز ما رأى (٦).\nوعلى هذا معنى الآية وصف أدب النبي -ﷺ- في ذلك المقام إذ لم يلتفت جانبًا ولم يمد بصره إلى غير ما أري من الآيات واستقبله من\n_________\n= ويروى أن رسول الله -ﷺ- .. بدون سند. \"الكشف والبيان\" ١٢/ ٩ ب.\nوانظر: \"جامع البيان\" ٢٧/ ٣٣، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٢٥٢.\n(١) انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ٩٧، و\"فتح القدير\" ٥/ ١٠٧.\n(٢) انظر: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٤٨.\n(٣) لعل مراد المؤلف ﵀ ما ورد في الصحيح وقوله -ﷺ-: \"فلما غشيها من أمر الله ما غشي تغيرت فما أحد من خلق الله يستطيع أن ينعتها من حسنها .. \" \"صحيح مسلم\"، كتاب: الإيمان\" باب: الإسراء برسول الله -ﷺ- .. ١/ ١٤٦.\n(٤) لم أقف عليه\n(٥) انظر: \"جامع البيان\" ٢٧/ ٣٤، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ٩٧، وأخرجه الحاكم في \"المستدرك\" ٢/ ٤٦٩ عن مجاهد عن ابن عباس وقال: هذا حديث صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه، وزاد الذهبي وعلى شرط مسلم أيضًا.\n(٦) انظر: \"تنوير المقباس\" ٥/ ٢٩٣، و\"الوسيط\" ٤/ ١٩٨، و\"معالم التزيل\" ٤/ ٢٤٩، و\"تفسر القرآن العظيم\" ٤/ ٢٥٢.","vol":"21","page":34},{"text":"العجائب، فمعنى زيغ البصر: التفاته من الجانبين وطغيانه أنه يمد بصره أمامه إلى حيث ينتهي يقول: لم يفعل ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4276>١٨ </span>- قوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ يجوز أن تكون الكبرى من صفة الآيات وحدت لتوافق الفواصل، ويجوز نعت الجماعة بنعت الأنثى الواحدة، كقوله: ﴿مَآرِبُ أُخْرَى﴾ [طه: ١٨] وهذا معنى قول عطاء، والكلبي (١)، يعني الآيات العظام التي رآها تلك الليلة، وقال مقاقل: يعني ما رأى تلك الليلة (٢). ويدل على صحة التأويل قوله: ﴿لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا﴾ [الإسر اء: ١].\nويجوز أن تكون ﴿الْكُبْرَى﴾ نعت محذوف على تقدير: لقد رأى من آيات ربه الكبرى (٣).\nواختلفوا في تلك الآية فروى أبو صالح عن ابن عباس قال: رأى جبريل قد طبق الأفق في صورته التي خلق فيها له ستمائة جناح (٤)، وهذا قول ابن زيد، وابن حيان، ومحمد بن كعب، قالوا: جبريل من آيات ربه الكبرى (٥).\nقال عبد الله: رأى رفرفًا أخضر (٦).\n_________\n(١) انظر: \"تنوير المقباس\" ٥/ ٢٩٤، و\"التفسير الكبير\" ٢٨/ ٢٩٥، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ٩٨.\n(٢) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٣٠ ب، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٤٩.\n(٣) انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ٩٩. ولعل في العبارة سقط واستقامتها: لقد رأى من آيات ربه الآية الكبرى. والله أعلم.\n(٤) انظر: \"الوسيط\" ٤/ ١٩٨، و\"فتح القدير\" ٥/ ١٠٧.\n(٥) انظر: \"جامع البيان\" ٢٧/ ٣٤، و\"الكشف والبيان\" ١٢/ ١٠ أ، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ٩٨.\n(٦) انظر: \"صحيح البخاري\"، كتاب: التفسير، باب ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ ٦/ ١٧٦، و\"جامع البيان\" ٢٧/ ٣٤، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٤٩، وروى النسائي =","vol":"21","page":35},{"text":"وقال الضحاك: هي سدرة المنتهى (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4277>١٩ </span>- قال أبو إسحاق: لما قص الله هذه الأقاصيص قال للمشركين: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾ كأن المعنى والله أعلم: أخبرونا عن هذه الآلهة التي تعبدونها من دون الله، هل لها من هذه القدرة والعظمة التي وصف بها رب العزة شيء (٢).\nومعنى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ﴾ على ما ذكر السؤال والاستفتاء كقوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ﴾ وقد مر (٣).\nوتنتظم الآية بما قبلها على المعنى الذي ذكره.\nقال صاحب النظم: معنى الآية أفرأيتم هذه الآلهة التي تعبدونهن أأوحَين شيئًا إليكم كما أوحي إلى النبي -ﷺ- (٤)؟ والتقديران اللذان ذكراهما\n_________\n= والحاكم عن ابن مسعود قال: (أبصر نبي الله -ﷺ- جبريل -﵇- على رفرف قد ملأ ما بين السماء والأرض). قال ابن حجر: فيجتمع من الحديثين أن الموصوف جبريل، والصفة التي كان عليها. \"فتح الباري\" ٨/ ٦١١، و\"المستدرك\" ٢/ ٤٦٩.\nقلت: وبهذا تجتمع الأقوال في أن المراد بالآيات \"الكبرى\" هو جبريل -﵇-، حين رآه النبي -ﷺ- في حلة من رفرف قد ملأ ما بين السماء والأرض. وانظر: \"سنن الترمذي\" ٥/ ٣٧٠، وقال: هذا حديث حسن صحيح.\n(١) انظر: \"الكشف والبيان\" ١٢/ ١٠ أ، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ٩٨، و\"فتح القدير\" ٥/ ١٠٧.\nقلت: لعل ما ذكر عن السلف في تفسير هذه الآية هو من باب ذكر بعض ما رآه -ﷺ-. قال القرطبي: وقيل: هو ما رأى تلك اليلة في مسراه في عوده وبدئه، وهو أحسن، دليله ﴿لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾ \"الجامع\" ١٧/ ٩٨.\nونحوه ذكر ابن كثير في \"تفسيره\" ٤/ ٢٥٢ وحمل الآية على عموم ما رآه أولى.\nقال ابن جرير: لقد رأى محمد هنالك من أعلام ربه وأدلته الأعلام والأدلة الكبرى.\"جامع البيان\" ٢٧/ ٣٤.\n(٢) انظر: \"معاني القرآن\" ٥/ ٧٢.\n(٣) من آية (٥٠) من سورة يونس.\n(٤) انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ٩٩.","vol":"21","page":36},{"text":"يستدل عليهما بفحوى الكلام، وقد قال أبو إسحاق أيضًا: أفرأيتم هذه الإناث أَلله هي وأنتم تختارون الذكران وذلك قوله: ألكم الذكر وله الأنثى (١)، وهذا الوجه أجود الثلاثة وسنزيده وضوحًا عند قوله: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ﴾ إن شاء الله.\nقال أبو علي الفارسي: أرأيتم هنا بمنزلة أخبروني لتعدي أرأيت إلى المفعول ووقوع الاستفهام في موضع المفعول الثاني، والمعنى: أرأيتم جعلكم اللات والعزى بنات الله، ألكم الذكر؟ وجاز الحذف لأن هذا قد تكرر في القرآن كقوله: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ﴾ [النحل: ٥٧] ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا﴾ [الزخرف: ١٩] فكان الحذف بمنزلة الإثبات، ألا ترى أن سيبويه جعل كُلًاّ في قوله:\nونارٍ توقَّدُ بالليلِ نَارا (٢)\nبمنزلة المذكور في اللفظ للعلم به وإن كان محذوفًا وقد دل قوله: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى﴾ على المحذوف، وادعوا هذا في هذه الآلهة كما ادعوه في الملائكة (٣).\nفأما اللات فروى عطاء عن ابن عباس قال: هي صنم (٤).\nقال قتادة: هي بالطائف (٥)، قال الكلبي: هي صخرة كانت بالطائف\n_________\n(١) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ٧٢، و\"إعراب القرآن\" للنحاس ٣/ ٢٦٨.\n(٢) البيت لأبي دواد الإيادي، وهو جارية بن الحجاج.\nانظر: \"ديوانه\" ٣٥٣، و\"الكتاب\" ١/ ٦٦، و\"الكامل\" ١/ ٢٨٧، و\"الإنصاف\" ٧٤٣، و\"أمالي ابن الشجري\" ٢/ ٢١، و\"الأصمعيات\" ١٩١. وصدره:\nأكل امرئ تحسبين أمرأً\n(٣) انظر: \"المسائل الحلبيات\" ص ٧٨ - ٧٩، و\"الكتاب\" ١/ ٦٦.\n(٤) لم أقف على هذه الرواية، والجمبع على أن اللات اسم لصنم.\n(٥) انظر: \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٢٥٣، \"الكشف والبيان\" ١٢/ ١٠ أ.","vol":"21","page":37},{"text":"لثقيف (١) يعبدونها (٢).\nوقال ابن زيد: اللات بيت بنخلة (٣) كانت قريش تعبده (٤).\nوقال أبو عبيدة: هي صنم في جوف الكعبة لقريش (٥).\nواختلفوا في اشتقاق اللات، فأكثر المفسرين (٦) ذكروا أنه بتشديد التاء من اللَّت، وهو خلط السويق بالسمن ودلكه به.\nروى أبو الجوزاء، عن ابن عباس قال: اللات رجل كان يلت السويق للمشركين فمات فعكفوا على قبره فعبدوه (٧)، ونحو ذلك روى\n_________\n(١) ثقيف: بطن من هوازن من العدنانية، اشتهروا باسم أبيهم فيقال لهم ثقيف، وكانت منازلهم بالطائف على مرحلتين من مكة. انظر: \"نهاية الأرب\" ص ١٨٦.\n(٢) انظر: \"الكشف والبيان\" ١٢/ ١٠ ب، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٤٩، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ١٠٠.\n(٣) نخلة: موضع بين مكة والطائف. قال البكري: على ليلة من مكة وهي التي ينسب إليها بطن نخلة.\nانظر: \"معجم البلدان\" ١/ ٤٤٩، و\"فتح الباري\" ٨/ ٦٧٤.\n(٤) انظر: \"جامع البيان\" ٢٧/ ٣٥.\n(٥) انظر: \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٣٦، ولفظه (أصنام من حجارة كانت في جوف الكعبة يعبدونها). قال ابن حجر: (وكانت اللات بالطائف، وقيل بنخلة، وقيل بعكاظ، والأول أصح).\n\"فتح الباري \" ٨/ ٦١٢.\n(٦) ومنهم ابن عباس، ومجاهد، والربيع بن أنس، وأبو صالح، والكلبي. انظر: \"جامع البيان\" ٢٧/ ٣٥، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٤٩، و\"الجامع\" للقرطبي ١٧/ ١٠٠.\n(٧) \"صحيح البخاري\"، كتاب التفسير، باب ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾ ٦/ ١٧٦ ولفظه: (كان اللات رجلًا يلت سويق الحاج).\nقال ابن حجر: وأخرج ابن أبي حاتم من طريق عمرو بن مالك عن أبي الجوزاء =","vol":"21","page":38},{"text":"السدي، وذكر أنه كان بالطائف (١).\nوزاد الكلبي بيانًا فقال: كان رجل من ثقيف يقال له صِرمة بن غنم كان يسلأ (٢) السمن فيضعه على صخرة ثم تأتيه العرب فيلت به أسوقتهم فلما مات الرجل حولت ثقيف تلك الصخرة إلى منازلها فعبدتها (٣).\nويدل على صحة هذا التأويل قراءة ابن عباس، ومجاهد، وأبي صالح: (الَّلاتَّ) بتشديد التاء (٤).\nووجه قراءة العامة على هذا الاشتقاق ما ذكره الفراء قال: القراءة بالتخفيف، والأصل بالتشديد؛ لأن الصنم إنما سمي باسم اللاَّتِ الذي كان يلت السويق عنده، وجعل اسمًا للصنم، وعلى هذا الوقف على اللات يكون بالتاء (٥) وهو اختيار أبي إسحاق، قال: لاتباع المصحف فإنها كتبت\n_________\n= عن ابن عباس، ولفظه فيه زيادة (كان يلت السويق على الحجر فلا يشرب منه أحد إلا سمن فعبدوه) \"فتح الباري\" ٨/ ٦١٢.\n(١) انظر: \"تنوير المقباس\" ٥/ ٢٩٤، و\"الكشف والبيان\" ١٢/ ١٠ أ.\n(٢) قال الأصمعي: سَلأتُ السَّمْنَ أسْلأُه سَلأً. قال: والسِّلاء الاسم وهو السَّمن. \"تهذيب اللغة\" ١٣/ ٧٠ (سلأ).\n(٣) انظر: \"الكشف والبيان\" ١٢/ ١٠ ب، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٤٩، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ١٠٠.\n(٤) قرأ رويس (الَّلاتَّ) بتشديد التاء وبمدٍ للساكنين، وهي قراءة ابن عباس، ومجاهد، ومنصور ابن المعتمر، وطلحة، وأبي الجوزاء. والقراءة المتواترة (اللَّاتَ) بالتخفيف. انظر: \"النشر\" ٢/ ٣٧٩، و\"الإتحاف\" ٤٠٣، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ١٠٠، و\"البحر المحيط\" ٨/ ١٦٠.\n(٥) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ٩٧، و\"تهذيب اللغة\" ١٤/ ٢٥٣ (لت)، و\"اللسان\" ٣/ ٣٤٠ (لتت).","vol":"21","page":39},{"text":"بالتاء (١).\nوقال جماعة من المفسرين: اللات من الله، وكان المشركون يسمون أوثانهم بأسماء الله فقالوا: من الله اللات، ومن العزيز العزَّى (٢)، وهو اختيار الأزهري قال: كأن المشركين الذين عبدوها عارضوا باسمها اسم الله تعالى علوًا كبيرًا عن إفكهم ومعارضتهم والحادهم في اسمه العظيم، ويدل على صحة هذا التأويل أن الكسائي كان يختار الوقف عليها بالهاء، وهذا يدل على أنه لم يجعلها من اللَّت (٣).\nقال أبو علي الفارسي: اشتقاق اللات من لويت على الشيء، أي: أقمت عليه، ولذلك أنهم كانوا يلوون على آلهتهم وبعكفون عليها عبادة لها وتقرئا إليها، ولذلك تواصوا فيما بينهم فيما أخبر الله به عنهم في قوله: ﴿وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ﴾ [ص: ٦] فاشتق اسمها من هذا المعنى الذي كانوا يعتقدون فيها ويتدينون به لها، فهو على هذا مثل شاه وذات، والتاء للتأنيث في قول من خفف، ومعنى التأنيث فيها تأنيث اللفظ، إذ التأنيث الحقيقي لا يصح فيهاة لأنها جماد، والدليل على صحة هذا أن سيبويه قال في النسبة إليها لاي (٤)، فحذف التاء، فدل على أنها للتأنيث، وذلك أن تاء التأنيث تحذف في النسبة، ولما حذف التاء شبه بقلة التصرف الحروف فزاد على الحرف حرفًا مثله كما فعل ذلك بـ (ذا) إذا سُمي به رجل فقال: ذآء، فلما\n_________\n(١) انظر: \"معاني القرآن\" ٥/ ٧٣.\n(٢) انظر: \"جامع البيان\" ٢٧/ ٣٤، و\"الوسيط\" ٤/ ١٩٩، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٤٩.\n(٣) انظر: \"تهذيب اللغة\" ١٤/ ٢٥٣ (لت).\n(٤) انظر: \"الكتاب\" ١/ ٣٧١.","vol":"21","page":40},{"text":"زيدت همزة على (ذا) لما سمي به كذلك زيدت هاهنا همزة، وكذلك يفعلون بـ (ما) و(لا) عند التسمية بهما، والوقف على هذا بالهاء كما اختاره الكسائي.\nوقول أبي إسحاق الأجود الوقف بالتاء لاتباع المصحف. فيجوز أن تكون كتبت فيه بالتاء على الوصل دون الوقف كما كتب ﴿وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ﴾ [الشورى: ٢٤] ونحوه بغير الواو، فلما كتب هذا ونحوه على الوصل كذلك يجوز أن يكون كتب في المصحف على الوصل، انتهى كلامه (١).\nوأما الألف واللام في اللَّات والعزّى فذهب أبو الحسن (٢) إلى أن اللام فيهما زائدة.\nوالذي يدل على صحة مذهبه أن اللّات والعزَّى (٣) علمان بمنزلة يغوث (٤) ويعوق (٥) ونسر (٦) ومناة (٧) وغير ذلك من أسماء الأصنام. فهذه كلها أعلام وغير محتاجة في تعريفها (٨) إلى اللام، وليست من باب الحارث والعباس من الأوصاف التي نقلت فصارت أعلامًا وأقرت فيها لام\n_________\n(١) لم أقف عليه.\n(٢) انظر: \"معاني القرآن\" للأخفش ١/ ١٥٨.\n(٣) (والعزى) ساقطة من (ب).\n(٤) يغوث: صنم كان لمذحج. وهو اسم صنم كانن لقوم نوح كما هو في سورة نوح.\n(٥) يعوق: اسم صنم لكنانة. وقيل: كان لقوم نوح.\n(٦) نسر: صنم كان لذي الكلاع بأرض حمير. وهذه الأصنام ذكرها الله تعالى في سورة نوح فهي بلا شك لقومه. وأخذ المشركون منها أسماء آلهتهم.\n(٧) مناة: صنم كان لهذيل وخزاعة بين مكة والمدينة.\n(٨) في (ك): (تعرفها).","vol":"21","page":41},{"text":"التعريف على ضرب من توهم روائح الصفة فيها فيحمل على ذلك، فوجب أن تكون اللام فيها زائدة كما ذكرنا في الذي وبابه، وهذا الذي ذكرنا كلام أبي الفتح الموصلي (١).\nوأما العُزّى قال عطاء: هي صنم (٢)، وقال مجاهد، والكلبي: هي سمرة من الشجر كانت بنخلة لغطفان (٣) يعبدونها، وهي التي بعث إليها رسول الله -ﷺ- خالد بن الوليد فقطعها ويقول:\nيا عز كفرانك لا سبحانكِ ... إني رأيت الله قد أهانكِ\nفخرجت منها شيطانة تجر شعرها واضعة يديها على رأسها تدعو بالويل فضربها خالد بالسيف حتى قتلها ثم رجع إلى رسول الله -ﷺ- فأخبره فقال: \"تلك العزى ولن تعبد أبدًا\" (٤).\n_________\n(١) انظر: \"سر صناعة الإعراب\" ١/ ٣٥٩، و\"الكتاب\" ١/ ٢٦٧.\n(٢) انظر: \"فتح القدير\" ٥/ ١٠٨، و\"روح المعاني\" ٢٧/ ٥٥، ولم ينسباه لقائل.\nوقيل العزى: شجرة قديمة قدسها العرب في بلدة نخلة الثامية إلى الشمال من مكة، وكانت قريش وبعض قبائل الحجاز مثل غني، وباهلة تعظمها. انظر: \"أطلس تاريخ الإسلام\".\nوقال ابن كثير: كانت بيتًا بنخلة يعظمه قريش وكنانة ومضر، و\"البداية والنهاية\" ٤/ ٣١٦.\n(٣) غطفان: بطن عظيم متسع، كثير الشعوب والأفخاذ، من قيس عيلان من العدنانية، كانت لهم منازل بنجد مما يلي وادي القرى، وجبل طىء.\nانظر: \"معجم البلدان\" ٣/ ٨٨٨.\n(٤) اقتصر البيهقي في \"دلائل النبوة\" ٥/ ٧٧ على قوله -ﷺ-: \"تلك العزى\". وفي \"الطبقات\" ٢/ ١٤٦ بلفظ: \"نعم تلك العزى وقد يئست أن تعبد ببلادكم أبدًا\"، وكذا الواقدي في \"المغازي\" ٣/ ٨٧٤.","vol":"21","page":42},{"text":"وقال قتادة: كاذت العزى لقريش (١)، وهو قول الحسن واختيار أبي عبيدة قالوا: هذه أصنام من حجارة كانت قريش توجه إليها العبادة (٢).\nوقال الضحاك: هي صنم من حجر لغطفان وضعها لهم سعد بن ظالم الغطفاني (٣).\nوأما تفسير العزى فإنها تأنيث الأعز مثل الكبرى والأكبر، والأعز يكون بمعنى العزيز والعزى بمعنى العزيزة (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4278>٢٠ </span>- قوله تعالى: ﴿وَمَنَاةَ﴾ قال عطاء عن ابن عباس: أصنام المشركين (٥). يعني هذه وما ذكر قبلها، وهو اختيار أبي عبيدة على ما ذكرنا.\nوقال قتادة: وكاذت مناة للأنصار (٦)، وقال الضحاك والكلبي: مناة صنم كانت لهذيل وخزاعة (٧).\n_________\n(١) انظر: \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٢٥٣، و\"الدر\" ٦/ ١٢٧.\n(٢) انظر: \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٣٦، و\"روح المعاني\" ٢٧/ ٥٥.\n(٣) انظر: \"الكشف والبيان\" ١٢/ ١٠ ب، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٤٩.\n(٤) انظر: \"سر صناعة الإعراب\" ١/ ٣٦١ - ٣٦٣.\n(٥) لم أقف على هذه الرواية. وانظر: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٥٠.\n(٦) انظر: \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٢٥٣، و\"فتح الباري\" ٨/ ٦١٣.\n(٧) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء، ٣/ ٩٨، و\"الكشف والبيان\" ١٢/ ١١ ب، و\"الوسيط\" ٤/ ١٩٩، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٥٠.\nوهذيل: ابن مدركة بطن من مدركة بن إلياس، من العدنانية، كانت ديارهم بالسروات، وسراتهم متصلة بجبل غزوان المتصل بالطائف، ثم تفرقوا بعد الإسلام. انظر: \"معجم قبائل العرب\" ٣/ ١٢١٣. =","vol":"21","page":43},{"text":"ولم يذكروا لمناة اشتقاقًا (١). وكان ابن كثير يقرؤها بالمد والهمز (٢).\nقال أبو علي الفارسي: لعل (مناءة) بالمد لغة ولم أسمع بها من أحد من رواة اللغة، وقد سمّوا زيد مناة، وعبد مناة ولم أسمع بالمد، قال جرير:\nأزيدَ مناةَ توعِدُ يَابْنَ تيم ... تَبَيَّنْ أَيْنَ تَاهَ بكَ الوَعيدُ (٣)\n﴿الثَّالِثَةَ﴾ نعت لمناة؛ يعني الثالثة للصنمين اللذين ذكرهما، وهذه ثالثتهما في الذكر، و﴿الْأُخْرَى﴾ نعت لمناة أيضًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4279>٢١ </span>- قوله تعالى: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى﴾ مذهب جماعة من المفسرين أن هذه الآية وما بعدها معترضة بين قصة الأصنام، فإن هذه لا تعلق لها بما قبلها (٤)، ومعناها الإنكار عليهم حيث جعلوا الملائكة بنات الله.\nقال عطاء عن ابن عباس: وذلك أن المشركين قالوا: الملائكة بنات\n_________\n= وخزاعة: قبيلة من الأزد من القحطانية، وكانوا بأنحاء مكة في مر الظهران وما يليه من جبالهم الأبواء، وهو جبل شامخ مرتفع ليس عليه شيء من النبات. \"معجم قبائل العرب\" ١/ ٢٣٨.\n(١) وفي \"الصحاح\" .. من قولك منوت الشيء. \"اللسان\" ٣/ ٥٤١ (مني).\nوقال النحاس: من مَنَى الله -﷿- عليه الشيء: أي قدَّره. \"إعراب القرآن\" ٣/ ٢٦. وقيل: من مني يمني: صب؛ لصب دماء النحائر عندها. \"الإتحاف\" ص ٤٠٣. وانظر: \"الكشاف\" ٤/ ٣٩، و\"محاسن التأويل\" ١٥/ ٥٥٧١.\n(٢) قرأ ابن كثير (ومَنَاءَةَ) بهمزة مفتوحة بعد الألف فيمد مدًا متصلًا. وقرأ الباقون \"مناة\" انظر: \"حجة القراءات\" ص ٦٨٥، و\"النشر\" ٢/ ٣٧٩، و\"الإتحاف\" ص ٤٠٣.\n(٣) انظر: \"ديوان جرير\" ١/ ٣٣٢، و\"الحجة للقراء السبعة\" ٦/ ٢٣٢، \"البحر المحيط\" ٨/ ١٦١، و\"المُحرر\" ١٥/ ٢٦٧.\n(٤) قال النحاس: يجوز أن يكون مقدمًا ما ينوي به التآخير. \"إعراب القرآن\" ٣/ ٢٦٨.","vol":"21","page":44},{"text":"الله، وجعلوا لأنفسهم البنين كما قال: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ﴾ [النحل: ٦٢] وهذا مذهب السدي ومقاتل (١).\nقال الكلبي: قال مشركو مكة: الأصنام والملائكة بنات الله فنحلوه البنات، وكان الرجل منهم إذا بشر بالأنثى كره ذلك، فقال الله تعالى منكرًا عليه ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ﴾ يعني البنين، ﴿وَلَهُ الْأُنثَى﴾ يعني ما نحلوه من الأصنام -وهي إناث في أسمائها- والملائكة (٢)، وهذا اختيار الزجاج والفراء وابن قتيبة (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4280>٢٢ </span>- قوله تعالى: ﴿تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾. القراء على ترك الهمز من (ضِيزَى)، وقرأ ابن كثير (ضِئزى) بالهمز (٤).\nقال ابن السكيت: يقال: ضِزْتُه حَقَّه أي نقصته.\nوقال أبو زيد: (ضِيزى) جائرة، يقال: ضاز يضيز ضيزًا، قال: وضأز، يضأز مثله. وأنشد أبو زيد فقال:\nإن تَنْأَ عنَّا نَنتَقِصْك، وإن تُقِم ... فحظُّك مَضْؤزُ وأنفُكَ راغِمُ (٥)\n_________\n(١) انظر: \"تنوير المقباس\" ٥/ ٢٩٥، و\"تفسير مقاتل\" ١٣٠ ب.\n(٢) انظر: \"الوسيط\" ٤/ ١٩٩، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٥٠.\n(٣) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ٩٨، و\"تفسير غريب القرآن\" ٤٢٨، و\"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ٧٢ - ٧٣.\n(٤) قراْ ابن كثير (ضئْزَىَ) بهمزة ساكنة، وقرأ الباقون (ضيزى) بياء مكان الهمزة. انظر: \"حجة القراءات\" ص ٦٨٥، و\"النشر\" ٢/ ٣٧٩، و\"الإتحاف\" ص ٤٠٣.\n(٥) البيت للقطامي كما في \"جامع البيان\" ٢٧/ ٣٦، و\"المذكر والمؤنث\" ص ١٧٥، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ١٠٢، و\"تهذيب اللغة\" ١٢/ ٥٣، (ضاز)، و\"اللسان\" ٢/ ٥٠٣ (ضأز).","vol":"21","page":45},{"text":"وقال أبو الهيثم: ضِزْتُ فلانًا أضيزه ضيزا: جُرت عليه.\nوقال ابن الأعرابي: تقول العرب: قسمةٌ ضُؤْزَى بالضم والهمز وضُوزى بلا همزٍ وضِيئِزَى بالكسر والهمز (١).\nقال الفراء: ضيزى فعلى وإن رأيت أولها مكسورًا وهي مثل بيض وعين، كان أولها مضمومًا فكرهوا أن يترك على ضمته فيقال: بوضٌ وعونٌ، والواحدة بيضاء وعيناء فكسروا أولها ليكون بالياء ويتألف الجمع والاثنان والواحد، كذلك كرهوا أن يقولوا ضُوزى فتصيرُ بالواو وهي من الياء وإنما قضيت على أولها بالضم لأن النعوت للمؤنث تأتي إما بفتح أو بضم نحو سَكْرى وعطشى وحُبْلى، والمكسور يكون اسما ولا يكون نعتًا كالذكرى والدِّفْلى (٢) والشِّعْرَى، انتهى كلامه (٣).\nوقال أبو إسحاق: أجمع النحويون أن أجل ضيزى ضوزى فنقلت من فُعْلَى إلى فِعْلَى لتسلم الياء كما قالوا أبيض وبيضٌ، وأصله بُيْضُ فنقلت الضمة إلى الكسرة، وإنما لم يقل النحويون إنها على أصلها لأنهم لم يعرفوا الكلام فُعْلَى صفةً، ونظير ضيزى في الكلام قولهم: مِشْيِةً حيكى، وهي مشية يحيك فيها صاحبها. فحِيكى عندهم فُعْلَى أيضًا (٤).\nوشرح أبو علي الفارسي هذا الفصل فقال: قولهم قسمة ضيزى\n_________\n(١) انظر: \"تهذيب اللغة\" ١٢/ ٥٣ (نضم).\n(٢) في (ك): (الدفري) والصواب ما أثبته. والدِّفْلىَ: شجر مر أخضر حسن المنظر يكون في الأودية. \"اللسان\" ١/ ٩٩٤ (دفل).\n(٣) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ٩٨ - ٩٩، و\"اللسان\" ٢/ ٥٥٩ (ضيز).\n(٤) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ٧٣، و\"المذكر والمؤنث\" ص ١٧٥. ومشية حيكىَ إذا كان فيها تبختر. \"اللسان\" ١/ ٧٧١ (حيك).","vol":"21","page":46},{"text":"ومشية حِيكَى فإن النحويين يحملوه على أنه في الأصل فُعْلَى وإن كان اللفظ علي فِعْلَى كما أن البيوت والعِصيَّ في الأصل فعولٌ وإن كانت الفاء مكسورة وإنما حملوها على أنها فُعْلى دون ما عليه اللفظ؛ لأنهم لم يجدوا في الصفات شيئًا على فُعلى وكان القياس أن يقال ضوزى وأن لا يُحْفَل بانقلاب الياء إلى الواو وكأنهم آثروا الكسرة والياء على الضمة والواو من حيث كانت الكسرة والياء أخف عليهم، ولم يخافوا التباسًا حيث لم يكن في الصفة شيء على فِعْلى فإن قلت: كيف قالوا: إن فِعلى لا تكون في أبنية الصفات وقد قال أحمد بن يحيى: رجل كِيصى إذا يأكل وحده، وقد كاص طعامه إذا أكله وحده؟ قيل إن سيبويه قال: لم تجئ فِعْلَى صفة (١). والذي حكاه أحمد بن يحيى (٢) بالتنوين فليس هو ما قاله سيبويه ولا يمتنع أن يجيء الألف آخرًا للإلحاق بِهجرَع (٣) ونحوه، وأما قراءة ابن كثير فلا ينبغي أن يكون أراد بضيزى فُعْلى، لأنه لو أراد ذلك لكان ضوزى ولم يرد به أيضًا فِعلى صفة؛ لأن هذا البناء لم يجيء صفة ولكن ينبغي أن يكون أراد به المصدر مثل: الذِّكرَى فكأنه قال: قسمة ذات ظلم، فعلى هذا يكون وجه قراءته (٤).\nوأما التفسير فقال ابن عباس في رواية عطاء، والكلبي، وقتادة:\n_________\n(١) انظر: \"الكتاب\" ٢/ ٣٧١.\n(٢) انظر: \"مجالس ثعلب\" ٢/ ٣٢٣ - ٣٢٤، و\"تهذيب اللغة\" ١٠/ ٣٠٩، و\"اللسان\" ٣/ ٢٠ (كأص).\n(٣) الهِجْرَعَ: من صنف الكلاب السلوقية الخفاف، والهِجْرَعَ، الطويل الممشوق. \"اللسان\" ٣/ ٧٧٤ (هجرع).\n(٤) انظر: \"الحجة للقراء السبعة\" ٦/ ٢٣٤، و\"التكملة\" لأبي علي ص ٣١٧ - ٣١٨.","vol":"21","page":47},{"text":"ضيزى جائرة (١). وقال مجاهد، ومقاتل: عوجاء (٢).\nوقال الحسن: غير معتدلة (٣)، وقال الضحاك: ناقصة (٤)، وقال سفيان: منقوصة (٥).\nوالمعنى: تلك القسمة التي قسمتم من نسبة البنات إلى الله وإيثاركم بالبنين قسمة غير عادلة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4281>٢٣ </span>- قوله تعالى: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ﴾ أخبر الله تعالى أن هذه الأصنام سموها بهذه الأسامي لا معاني تحتها، لأنه لا ضر عندها ولا نفع فهي تسميات ألقيت على جمادات.\nقوله: ﴿إِنْ هِيَ﴾ يعني اللات والعُزّى ومناة. يقول: ما هي إلا أسماء، أي أنها لا تنبئ عن معنى ﴿سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ﴾ تسمية باطلة لم يقم بها حجة، وهو قوله: ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾، ويجوز أن يكون المعنى: ما أنزل الله بعبادتها من سلطان، قال مقاتل: لم ينزل بذلك كتابًا لكم فيه حجة بما تقولون إنها آلهة (٦).\nثم رجع عن الخطاب إلى الخبر فقال: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾ يقول: ما لهم من علم أنها آلهة إلا ظنًا يتبعون في عبادتها الظن وهوى النفس،\n_________\n(١) انظر: \"تنوير المقباس\" ٥/ ٢٩٥، و\"جامع البيان\" ٢٧/ ٣٦، و\"البغوي\" ٤/ ٢٥٠.\n(٢) انظر: \"تفسير مجاهد\" ٢/ ٦٣١، و\"تفسير مقاتل\" ١٣٠ ب.\n(٣) انظر: الكشف والبيان\" ١٢/ ١١ ب، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٥٠.\n(٤) (ك): (ناقة) ولعل الصواب ما أثبته، وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك قال: جائزة. \"الدر\" ٦/ ١٢٧، و\"الكشف والبيان\" ١٢/ ١١ ب.\n(٥) انظر: \"جامع البيان\" ٢٧/ ٣٦، و\"روح المعاني\" ٢٧/ ٥٧.\n(٦) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٣٠ ب، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٥١.","vol":"21","page":48},{"text":"وهو ما زين لهم الشيطان ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ أي البيان والرشاد بالكتاب والرسول.\nوهذا تعجيب من حالهم حيث لم يتركوا عبادتها مع وضوح البيان.\nثم أنكر على الكفار تمنيتهم شفاعة الأصنام فقال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4282>٢٤ </span>- ﴿أَمْ لِلْإِنْسَانِ﴾ يعني الكافر (مَا تَمَنَّى) من شفاعة الأصنام (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-4283>٢٥ </span>- ﴿فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولَى﴾ أي لا يملك فيهما ولا منهما أحد شيئًا إلا بإذنه؛ لأنهما (٢) له. وفي هذا إبطال ما يتمنى الكافر.\nثم أكد هذا بقوله تعالى:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4284>٢٦ </span>- ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ﴾ جمع الكناية لأن المراد بقوله: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَك﴾ الكثرة، وذلك أن كم يخبر بها عن العدد الكثير فدل ﴿كَمْ﴾ على أنه أراد جمعًا، قاله الفراء، والزجاج (٣).\nقوله: ﴿إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ﴾ في الشفاعة ﴿لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ يعني أنهم لا يشفعون إلا لمن يرضي الله من أهل التوحيد.\n_________\n(١) ذكر بعض المفسرين هذا القول ومنهم من فسر التمني بما كانوا يشتهونه من نزول القرآن على رجل من إحدى القريتين عظيم، وقيل غير ذلك.\nقال الألوسي: ويفهم من كلام بعض المحققين أن المراد السلب الكلي، والمعنى: لا شيء مما يتمناه الإنسان مملوكًا له مختصًا به يتصرف فيه حسب إرادته، ويتضمن ذلك نفي أن يكون للكفرة ما ذكر وليس الإنسان خاصًا بهم كما قيل. \"روح المعاني\" ٢٧/ ٥٨.\nوانظر: \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٢٥٤، و\"البحر المحيط\" ٨/ ١٦٣.\n(٢) في (ك): (كأنهما) والصواب ما أثبته.\n(٣) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ٩٩، و\"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ٧٣ - ٧٤.","vol":"21","page":49},{"text":"قال ابن عباس: يريد لا تشفع الملائكة إلا لمن ﵁ (١)، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء:<span data-type=\"title\" id=toc-4286> ٢٨]</span>.\nقال أبو علي: قوله: ﴿لِمَن يشَآءُ﴾ المعنى: لمن يشاء شفاعته على إضافة المصدر إلى المفعول به الذي هو مشفوع له، ثم حذف المضاف فصار اللفظ لمن شاءه، أي: يشاء شفاعته، ثم حذف الهاء من الصلة (٢).\nثم ذم الله تعالى صنيع الكفار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4285>٢٧ </span>- قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ قال ابن عباس: لا يصدقون بالثواب والعقاب (٣).\n﴿لَيُسَمُّونَ الْمَلَائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثَى﴾ حين زعموا أنهم بنات الله، والأنثى تسمى بنتًا فإذا وصفوا الملائكة بالبنات فقد سموها تسمية الإناث، وتسمية الأنثى من باب إضافة المصدر إلى المفعول.\n\n٢٨ - ﴿وَمَا لَهُمْ بِهِ﴾ ذلك التسمية: ﴿مِنْ عِلْمٍ﴾ قال مقاتل: ما يستيقنون بأنها إناث (٤).\n﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾ قال ابن عباس: يريد ظنًا ليس بيقين (٥).\n﴿وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ قال عطاء: يريد لا ينتفعون به (٦).\n_________\n(١) انظر: \"الوسيط\" ٤/ ٢٠٠، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٥١.\n(٢) انظر: \"التفسير الكبير\" ٢٨/ ٣٠٧.\n(٣) وفي \"تنوير المقباس\" ٥/ ٢٩٧، قال: (بالبعث بعد الموت، يعني كفار مكة) والمعنى متقارب.\n(٤) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٣١ أ.\n(٥) انظر: \"تنوير المقباس\" ٥/ ٢٩٧.\n(٦) انظر: \"جامع البيان\" ٢٧/ ٣٧، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٢٥٥، وهو المعتمد عندهما ولم ينسباه لقائل.","vol":"21","page":50},{"text":"والمعنى لا يقوم مقام الحق ولا يغني من العلم فمعنى الحق هاهنا العلم. وهذا يدل على أن الظان غير عالم، وأن من بني على الظن لم يبن علي أساس (١).\nوقال الكلبي: أي لا يدفع من عذاب الله شيئًا، وهو اختيار الفراء (٢). والحق على هذا القول معناه العذاب.\nثم أمره بالإعراض عنهم:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4287>٢٩ </span>- قوله تعالى: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا﴾ قال ابن عباس: يريد القرآن (٣)، وهذا مما نسخته آية القتال (٤).\nثم صغر رأيهم وأزرى بهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4288>٣٠ </span>- فقال: ﴿ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ أي لم يبلغوا من العلم إلا ظنهم أن الملائكة بنات الله وأنها تشفع لهم فاعتمدوا ذلك وأعرضوا عن القرآن. هذا معنى قول مقاتل (٥).\n_________\n(١) قال الشوكاني ﵀: وهذا من الأمور التي يحتاج فيها إلى العلم، وهي المسائل العلمية، لا فيما يكتفى فيه بالظن، وهي المسائل العلمية ... فإن دلالة العموم والقياس وخبر الواحد ونحو ذلك ظنية، فالعمل بها عمل بالظن، وقد وجب علينا العمل به في مثل هذه الأمور ... \"فتح القدير\" ٥/ ١١٢.\n(٢) انظر: \"تنوير المقباس\" ٥/ ٢٩٧، و\"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ١٠٠.\n(٣) انظر: \"تنوير المقباس\" ٥/ ٢٩٧، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٥١، و\"القرطبي\" ١٧/ ١٠٥.\n(٤) انظر: \"الوسيط\" ٤/ ٢٠١، و\"نواسخ القرآن\" ٢٣٣.\n(٥) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٣١ أ، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٥١.\nومعنى الآية على ما ذكر ابن كثير ورجحه الشوكاني، والآلوسي: أن التولي وقصر الإرادة على الحياة الدنيا هو مبلغهم من العلم ليس لهم غيره، ولا يلتفتون إلى سواه من أمر الدين. انظر: \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٢٥٥، و\"فتح القدير\" ٥/ ١١٢، و\"روح المعاني\" ٢٧/ ٦٠.","vol":"21","page":51},{"text":"وقال أبو إسحاق: أي إنما يعملون ما يحتاجون إليه في معايشهم، وقد نبذوا أمر الآخرة وراء ظهورهم (١)، وهذا معنى قول الكلبي، وذكر الفراء القولين (٢).\nثم عزّى نبيه -ﷺ-، قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ أي أنه عالم بهم فهو يجازيهم بما يستحقون ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى﴾، قال ابن عباس: يريد قبل أن يخلق الخلائق (٣). والمعنى أنه أعلم بالفريقين لأنه علمهما قبل خلقهما فلا يذهب عليه جزاؤهما.\nثم أكد هذا المعنى بقوله: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ قال صاحب النظم: هذا فصل معترض.\nقوله تعالى: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا﴾ متعلق بمعنى الآية وهو قوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ الآية. والمعنى أنه أعلم بهم فإذا كان أعلم بهم جازى كلًاّ بما يستحقه.\nواللام في قوله: ﴿لِيَجْزِيَ﴾ لام العاقبة (٤)، وهو أن علمه بالفريقين أدى إلى جزائهم باستحقاقهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4289>٣١ </span>- وقوله: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ إخبار عن قدرته وسعة ملكه؛ وهذا فيما يؤكد الجزاء، لأنه إنما يقدر على مجازاة المحسن والمسيء إذا كان كثير الملك واسع المقدرة، ثم أن هذه المعاني، وهي\n_________\n(١) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ٧٤.\n(٢) انظر: \"تنوير المقباس\" ٥/ ٢٩٧، و\"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ١٠٠.\n(٣) لم أجده.\n(٤) انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ١٠٥.","vol":"21","page":52},{"text":"علمه وقدرته وسعة ملكه إلى جزاء المطيع بطاعته والمسيء بإساءته، فذلك قلنا إن اللام في ﴿لِيَجْزِيَ﴾ لام العاقبة، هذا معنى ما ذكره صاحب النظم (١).\nقال ابن عباس، ومقاتل: ليجزي في الآخرة ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا﴾ قالوا لا إله إلا الله (بِالْحُسْنَى) بالجنة (٢). ثم نعت المحسنين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4290>٣٢ </span>- قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ﴾ وقد تقدم الكلام في تفسير الكبائر في سورة النساء (٣).\nقال مقاتل: كبائر الإثم، يعني: كل ذنب ختم بالنار، والفواحش يعني: كل ذنب فيه الحد (٤).\n_________\n(١) انظر: \"التفسير الكبير\" ٢٩/ ٥ - ٦.\n(٢) انظر: \"تنوير المقباس\" ٥/ ٢٩٨، و\"تفسير مقاتل\" ١٣١ أ.\n(٣) عند تفسيره لآية (٣١) من سورة النساء.\nومما قال: اختلفوا في الكبائر ما هي ... قال ابن عباس في رواية سعيد بن جبير: كل شئ عصي الله فيه فهو كبيرة .. وقال في رواية علي بن أبي طلحة: هي كل ذنب ختمه الله -﷿- بنار أو غضب أو لعنة أو عذاب، وهذا قول الحسن وسعيد بن جبير والضحاك. والصحيح أنه ليس لها حد يعرفه العباد وتتميز به الصغائر يتميز إشارة ولو عرف ذلك لكانت الصغائر مباحة ولكن الله تعالى يعلم ذلك وأخفاه عن العباد ليجتهد كل أحد في اجتناب ما نهى عنه رجاء أن يكون مجتنب الكبائر.\n(٤) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٣١ أ. وفي \"شرح العقيدة الطحاوية\" ٢/ ٥٢٥ قال: واختلف العلماء في الكبائر على أقوال .. وقيل إنها ما يترتب عليها حد، أو تُوعِّد بالنار، أو اللعنة، أو الغضب، وهذا أمثل الأقوال.\nقال الألوسي: والفواحش ما عظم قبحه من الكبائر فعطفه على ما تقدم من عطف الخاص على العام. وقيل: الفواحش والكبائر مترادفان. \"ررح المعاني\" ٢٧/ ٦١. وانظر: \"تهذيب اللغة\" ٤/ ١٨٨، و\"اللسان\" ٢/ ١٠٥٦ (فحش).","vol":"21","page":53},{"text":"وقرأ حمزة والكسائي: (كبير الإثم) (١).\nوفعيل قد جاء يعني به الكثرة كما أن فعولا كذلك في قوله: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ﴾ [النساء: ٩٢]، وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾ [الأنعام: ١١٢].\nومن فعيل الذي أريدَ به الكثرة قوله تعالى: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (١٠٠) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ [الشعراء: ١٠٠ - ١٠١]، وقوله: ﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩]، وقوله: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ [ق: ١٧]، وقول الشاعر (٢):\nوَمَا ضَرَّنَا أَنَّا قَلِيلٌ ...... البيت (٣)\nفمن حيث كان لفظ الإفراد والمراد به الكثرة في هذا الموضع كذلك أفرد فعيل في قوله: (كبير الإثم) وإن كان المراد به الكبائر.\nويحسن الإفراد من وجه آخر، وهو أن المصدر المضاف فعيل إليه واحد في معنى الكثرة، ألا ترى أنه (٤) ليس يراد به إثم بعينه، إنما يراد به\n_________\n(١) قرأ حمزة، والكسائي، وخلف (كبير) بكسر الباء من غير الألف ولا همزة على التوحيد. وقرأ الباقون (كَبَائِرَ) بفتح الباء والف وهمزة مكسورة بعدها.\nانظر: \"حجة القراءات\" ص ٦٨٦، و\"النشر\" ٢/ ٣٦٧، و\"الإتحاف\" ص ٤٠٣.\n(٢) الشاعر هو السموأل بن غريض بن عادياء اليهودي، وهو صاحب الحصن المعروف بالأبلق بتيماء.\nانظر: مقدمة \"ديوانه\" ص ٦٧، و\"الأعلام\" ٣/ ١٤٠، و\"الأصمعيات\" ص ٨٢، و\"معجم الشعراء الجاهليين والمخضرمين\" ص ١٥٦.\n(٣) والبيت ورد في \"ديوانه\" ٩٠، و\"الحماسة\" لأبي تمام ١/ ٨٠، و\"شرح حماسة المرزوقي\" ١/ ١١٢، و\"الحجة\" ٦/ ٢٣٥ والبيت بتمامه:\nوما ضرنا أنا قليلٌ، وَجَارُنَا ... عَزِيزٌ، وَجَارُ الأَكْثَرينَ ذَلِيلُ\n(٤) (أنه) زيادة من \"الحجة\".","vol":"21","page":54},{"text":"الآثام، فكذلك يكون المراد بالمضاف الكثرة، وإذا كان كذلك فالإفراد فيه يفيد ما يفيد الجمع.\nفإن قيل: فهلا أُفْردا في النساء كما أفردا في هذه السورة؟ قيل: إذا أتيا به على قياس ما جاء في التنزيل في غير هذا الموضع لم يكن لقائل مقال، ألا ترى أنه قد جاء ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ﴾ [النساء: ٩٢] وقال: ﴿وَهُمْ لَكُمْ عَدُو﴾ [الكهف: ٥٠]، فأفرد، وجمع في قوله: ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ﴾ [فصلت: ١٩]، و﴿إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً﴾ [الممتحنة: ٢] فلم صنع من إفراد ذلك جمعه في المواضع التي جمع فيها (١)، كذلك الإفراد هاهنا لا يمنع الجمع في سورة النساء، وأما من جمع فقال: ﴿كَبَائِرَ الْإِثْمِ﴾ فلأنه في المعنى جمعٌ، والإثم يراد به الكثرة إلا أنه أفرد كما تفرد المصادر وغيرها من الأسماء التي يراد بها الكثرة والأجناس (٢).\nقوله تعالى: ﴿إِلَّا اللَّمَمَ﴾ اختلفوا فيه على قولين:\nأحدهما: أن اللمم صغار الذنوب، مثل النظرة والغمزة والقبلة.\nقال عطاء، عن ابن عباس: إلا ما كان دون الزنا (٣). وقال الكلبي عنه: اللمم النظرة عن غير تعمد، فإن أعاد النظر فليس بلمم وهو ذنب (٤).\n_________\n(١) (فيها) ساقطة من (ك).\n(٢) من قوله: \"وفعيل قد جاء يعني به الكثرة .. \" إلى هنا من كلام أبي علي.\nانظر: \"الحجة للقراء السبعة\" ٦/ ٢٣٥ - ٢٣٧.\n(٣) انظر: \"الوسيط\" ٤/ ٢٠١، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٥٢.\n(٤) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ١٠٠، و\"تهذيب اللغة\" ١٥/ ٣٤٨، و\"الكشف والبيان\" ١٢/ ١٤ ب، و\"معالم النزيل\" ٤/ ٢٥٣، عن الحسين بن الفضل.","vol":"21","page":55},{"text":"وعن نافع بن جبير بن مطعم: هو ما دون الوقاع، وهذا قول ابن مسعود، وأبي هريرة، ومسروق، والشعبي، وطاووس، قالوا: ما دون الزنا (١).\nواحتجوا بما روى أبو هريرة أن النبي -ﷺ- قال: \"إن الله -﷿- كتب على ابن آدم حظه من الزنا أدركه ذلك لا محالة، فزنا العينين النظر، وزنا اللسان المنطق، وزنا الشفتين التقبيل، وزنا اليدين البطش، وزنا الرجلين المشي، والنفس تتمنى وتشتهي، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه\" (٢).\nفإن تقدم فرجه كان زانٍ وإلا فهو اللمم.\nوقال ابن الزبير، وعكرمة، وقتادة، والضحاك، ومقاتل: هو ما بين الحدين، حد الدنيا، وعذاب الآخرة، وكل ذنب ليس فيه حد في الدنيا ولم يتوعد عليه بعذاب في الآخرة فهو اللمم، وهي رواية العوفي، والحكم عن ابن عباس، وهؤلاء قالوا: اللمم تكفره الصلوات وهو مغفور لمن اجتنب الكبائر (٣).\nالقول الثاني في اللمم: أنه الذنب يلم به الرجل ثم يتوب، روى عمرو بن دينار عن عطاء، عن ابن عباس في قوله: ﴿إِلَّا اللَّمَمَ﴾ قال: يلم\n_________\n(١) انظر: \"جامع البيان\" ١٧/ ٣٩، و\"الكشف والبيان\" ١٢/ ١٣ أ، و\"الوسيط\" ٤/ ٢٠١، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٥٢، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٢٥٥.\n(٢) أخرجه البخاري في كتاب الاستئذان، باب زنا الجوارح دون الفرج ٤/ ٦٧، ومسلم في كتاب القدر، باب: قدر على ابن آدم حظه من الزنا وغيره ٤/ ٢٠٤٦، وعبد الرزاق في \"تفسيره\" ٢/ ٢٥٣، والإمام أحمد في \"المسند\" ٢/ ٣١٧.\n(٣) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٣١ أ، و\"جامع البيان\" ٢٧/ ٤٠، و\"الكشف والبيان\" ١٢/ ١٣ أ، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٥٢.","vol":"21","page":56},{"text":"بالذنب مرة ثم يتوب منه ولا يعود (١). قال: وكان النبي -ﷺ- يقول:\n\"إنْ تَغْفِر اللَّهمَّ تَغْفِرْ جَمَّا ... وأَيُّ عَبْدٍ لك لا أَلَمَّا\" (٢)\nوقال الحسن: هو الرجل يلم المرة ثم ينزع (٣).\nوروى السدي عن أبي صالح، قال: سألني رجل عن اللمم، فقلت: هو الرجل يلم بالذنب ثم (٤) لا يعاود، قال: فحدثت بذلك ابن عباس قال: لقد أعانك عليها ملك كريم (٥)، وهذا قول مجاهد والسدي (٦).\nومعنى اللمم على هذا القول ما تيب منه وإن عظم وكبر، وأصل معنى\n_________\n(١) انظر: \"جامع البيان\" ٢٧/ ٤٠، و\"الكشف والبيان\" ١٢/ ١٢ ب، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ١٠٧.\n(٢) رواه ابن جرير في \"جامعه\" ٢٧/ ٣٩، والترمذي في سننه، كتاب التفسير، باب (ومن سورة النجم) ٥/ ٣٧٠، وقال عنه: هذا حديث حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من حديث زكريا بن إسحاق. وقال ابن كثير في \"تفسيره\" ٤/ ٢٥٦، وكذا قال البزار: لا نعلمه يروى متصلًا إلا من هذا الوجه، وساقه ابن أبي حاتم والبغوي من حديث أبي عاصم النبيل، وإنما ذكره البغوي في تفسير سورة المزمل، وفي صحته مرفوعًا نظر. وقال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" ٧/ ١١٥، رواه البزار ورجاله رجال الصحيح. وقال القرطبي: قال النحاس: هذا أصح ما قيل فيه وأجلها إسنادًا. \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ١٠٧.\nوالبيت لأمية بن أبي الصلت، كما في \"تهذيب اللغة\" ١٥/ ٣٤٧، و\"اللسان\" ٣/ ٣٩٧ (لمم)، و\"الخزانة\" ٢/ ٢٩٥، و\"المقتضب\" ٤/ ٢٤٢، و\"الأغاني\" ٣/ ١٨٣، وليس في \"ديوانه\".\n(٣) انظر: \"حامع البيان\" ٢٧/ ٣٩، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٢٥٦.\n(٤) في (ك): (اللمم الخطيئة ثم) ولا معنى لها هنا.\n(٥) أخرجه عبد بن حميد. انظر: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٥٢، و\"الدر\" ٦/ ١١٨.\n(٦) انظر: \"تفسير مجاهد\" ٢/ ٦٣١، و\"الوسيط\" ٤/ ٢٠٢.","vol":"21","page":57},{"text":"القولين في اللغة واحد.\nوقال المبرد: يقال: أَلَمَّ فلان بكذا إذا قاربه ولم يخالطه (١)، وأَلَمَّ به إذا لم يمعن فيه ولكن نال منه حظًا، وهما من أجل واحدة لأنه يقال ذلك لمن لم يستحوذ على الشيء.\nفعلى ما ذكر اللمم ما قارب به من الكبيرة كالنظر والقبلة واللمس، واللمم ما ألم به مرة من زنا وشرب خمر، ثم لم يمعن فيه وتاب منه والعرب تقول: ألممت بفلان إلمامًا، وما يزورنا إلا لمامًا.\nقال جرير:\nبنفسي من تجنبه عزيزٌ ... عليَّ ومن زيارته لمام (٢)\nقال أبو عبيدة: معناه الأحيان على غير مواظبة ولا وقت معلوم، قال الأزهري: والعرب تستعمل الإلمام في المقاربة والدنو، يقال: ألَمَّ بفعل كذا، في معنى كاد يفعل، قال أبو زيد: كان ذلك منذ شهرين أو لمامهما، ومنذ شهر أو لممه، أي قراب شهر، ومنه قوله -ﷺ-: \"وإن مما ينبت الربيع ما يقتل حبطا أو يُلِمَّ\" (٣) قال أبو عبيدة: معناه أو يقرب إليه.\n_________\n(١) انظر: \"فتح القدير\" ٥/ ١١٣.\n(٢) \"ديوانه\" ص ٥١٢، و\"القطع والائتناف\" ص ٦٩١، و\"البحر المحيط\" ٨/ ١٥٥.\n(٣) جزء من حديث متفق عليه، أخرجه البخاري في كتاب: الجهاد، باب: فضل النفقة في سبيل الله ٤/ ٣٢، وكتاب: الرقاق، باب: ما يحذر من زهرة الدنيا والمتنافس فيها ٨/ ١١٣، ولفظه: \" .. وإن كل ما أثبت الربيع يقتل حبطًا أو يُلمُّ\" وفي لفظ: \" .. وإنه كلُّ .. \" ومسلم في كتاب: الزكاة، باب: تخوف ما يخرج من زهرة الدنيا ٢/ ٧٢٧، وأحمد في \"المسند\" ٣/ ٧، ٢١. والحبط أن تأكل الماشية فتكثر حتى تنتفخ لذلك بطونها، ولا يخرج عنها ما فيها.","vol":"21","page":58},{"text":"وقال أبو زيد: في أرض بني فلان من الشجر المُلِمّ كذا وكذا، وهو الذي قارب أن يَحْمل.\nوقال المبرد: فلان ميت أو ملم، أي قد قارب الموت، ونخل مُلِمُّ قد قارب الإطعام وأنشد:\nوزَيْدٌ مَيّتٌ كَمَدَ الحُبَارَى ... إِذَا بَانَتْ لَطِيفَةُ أَو مُلِمُّ (١)\nقال: يعني أو مدانٍ للموت، واللمة من الشعر التي ألمت أن تبلغ أذن، أي قاربت (٢).\nوقوله: أَلْمِم، معناه اجعل لنا من زيارتك أدنى حظ، ومنه قول الشاعر:\nأَلْمِمْ بِسَلُّومَةَ أَلْمِمْ ألْمِمِ ... خَلونَهَا مِن الخَليلِ والحَمِي (٣)\nوأمَّا الاستثناء في قوله: ﴿إِلَّا اللَّمَمَ﴾ على القولين جميعًا استثناء خارج.\nقال أبو عبيدة: لم يؤذن لهم في اللمم وليس اللمم من الفواحش ولا من كبائر الإثم، وقد يستثنى الشيء من الشيء وليس منه، والتقدير: إلا أن يلم ملم بشيء من الفواحش (٤)، فهذا على القول الأول.\nوقال المبرد: لم يبحهم اللمم، ومعناه استثناء ليس من الأول،\n_________\n(١) ورد في \"الجمهرة\" لابن دريد ١/ ١٢١، و\"مقاييس اللغة\" ٢/ ١٢٨، و\"الحيوان\" ٥/ ٤٥٥. وهو لأبي الأسود الدؤلي.\n(٢) لم أقف على كلام المبرد.\n(٣) لم أجده.\n(٤) انظر: \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٣٧.","vol":"21","page":59},{"text":"وتفسيره: لكن إن ألموا تابوا كما قال: ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى (١٩) إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى﴾ [الليل: ١٩ - ٢٠]. فابتغاء وجه ربه من نعمة لأحد.\nوالمعنى، ولكنه يبتغي، قال: وقال ابن أحمر-وأراد أن يخدع من يخاطبه- فقال:\nقد قلتُ في بعضِ مَا أَقولُ لَهَا ... قَولةَ نَزْرِ الكَلامِ مُحْتَشِمِ\nقَد حَرَّمَ اللهُ كلَّ فَاحشةٍ ... ورَخَّصَ اللهُ منكِ في اللَّمَمِ\nقال: وإنما قال ذلك بخلاعته لا لأنه لم يعرف أن اللمم لم يرخص فيه، الدليل على ذلك أنه قال:\nفأنكرت ذاك وهي صالحةٌ ... مِنْ نِسوةٍ لا يَجُدْنَ بالتُّهَمِ\nانتهى كلامه (١).\nوقال قوم: اللَّمَمُ على القول الثاني من جنس الفواحش والاستثناء وقع من الجنس، ومعنى الآية: إلا أن يلم بالفاحشة ثم يتوب، ويقع الوقعة ثم ينتهي، واسم اللممِ يدل على التوبة والانتهاء، لأنه إنما يسمى لمما إذا لم يمعن فيه، والصحيح هو الأول؛ لأن هذا يؤدي إلى إباحة اللمم (٢). وذكر في الآية قولان آخران:\n_________\n(١) لم أقف على كلام المبرد هذا. ولا على أبيات ابن أحمر.\n(٢) قال ابن جرير: (وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب قول من قال: إلا بمعنى الاستثناء المنقطع، ووجه معنى الكلام: إلا الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم بما دون كبائر الإثم، ودون الفواحش الموجبة للحدود في الدنيا والعذاب في الآخرة ...) \"جامع البيان\" ٢٧/ ٤١. وانظر: \"إعراب القرآن\" للنحاس ٣/ ٢٧١، و\"فتح القدير\" ٥/ ١١٣، ونسبه للجمهور.","vol":"21","page":60},{"text":"أحدهما: أن اللمم ما سلف في الجاهلية من الذنوب، وذلك أن المشركين قالوا للمسلمين، إنما كنتم بالأمس تعملون معنا ما نعمل، فأنزل اقه هذه الآية، وهو (١) قول زيد بن ثابت، وزيد بن أسلم، ورواية عن علي ابن أبي طلحة، عن ابن عباس قال: ﴿إِلَّا اللَّمَمَ﴾ إلا ما قد سلف في الجاهلية (٢)، واللمم على هذا القول ما ألموا به من الذنوب والفواحش في الجاهلية.\nالقول الثاني: هو قول عبد الله بن عمرو قال: اللمم ما دون الشرك (٣)، وعلى هذا القول: الكبائر والفواحش موجبات الشرك.\nوالناس على القولين الأولين، واختار أبو إسحاق الثاني منهما، قال: اللمم هو أن يكون الإنسان قد ألم بالمعصية ولم يصر ولم يُقم على ذلك، والإلمام في اللغة يوجب أنك تأتي الشيء في الوقت ولا تقيم عليه. فهذا معنى اللمم في هذا الموضع (٤) يدل عليه قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾ قال ابن عباس: لمن فعل ذلك وتاب (٥)، وتم الكلام هاهنا (٦).\nثم قال قوله: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ قال ابن عباس:\n_________\n(١) (ك): (على) والصواب ما أثبته.\n(٢) انظر: \"جامع البيان\" ٢٧/ ٣٨، و\"الكشف والبيان\" ١٢/ ١٢ ب، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٥٢.\n(٣) انظر: \"جامع البيان\" ٢٧/ ٤٠، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ١٠٨.\n(٤) انظر: \"معاني القرآن\" ٥/ ٧٥.\n(٥) انظر: \"تنوير المقباس\" ٥/ ٢٩٨، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٥٣.\n(٦) انظر: \"القطع والائتناف\" ص ٦٩٢ قال: والتمام عند يعقوب وجماعة معه بعد قوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾، و\"المكتفى في الوقف والابتداء\" ص ٥٤٣.","vol":"21","page":61},{"text":"هو أعلم بكم قبل أن يخلقكم: ﴿إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ قال: يريد ما كان من خلق آدم ميت تراب (١).\nقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ أجنة جمع جنين، وهو الولد ما دام في البطن، سمي جنينًا لأنه مستور، ومنه سمي المدفون جنينًا لأنه مستور بالتراب، قال عمرو:\nوَلاَ شَمْطَاءُ لم يترك شقَاها ... لَهَا من تسعةٍ إلا جَنينا (٢)\nأي إلا دفينًا في قبره.\nقال الحسن: علم الله من كل نفس ما هي عاملة وما هي صانعة وإلى ما هي صائرة (٣)، وقال الفراء: هو أعلم أولًا وآخرًا (٤).\n﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ﴾ قال الكلبي، ومقاتل: كان ناس يقولون: صلينا وصمنا وفعلنا وفعلنا، فأنزل الله ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ﴾ (٥)، قال الفراء: لا يقولن أحدكم عملت كذا وفعلت كذا (٦)، فعلى هذا معناه النهي عن الاعتداد بالأعمال.\nوقال آخرون: معناه لا تبرؤوها ولا تمدحوها، يدل على هذا ما روى أن زينب بنت أبي سلمة (٧) قالت: سميت برة فقال النبي -ﷺ-: \"لا تزكوا\n_________\n(١) انظر: \"الوسيط\" ٤/ ٢٥٢، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٥٣.\n(٢) ورد في \"ديوانه\" ٣٦٧، و\"شرح المعلقات السبع\" للزوزني ص ٩٨.\n(٣) انظر: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٥٣، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ١١٠.\n(٤) انظر: \"معاني القرآن\" ٣/ ١٠٠.\n(٥) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٣١ ب، و\"الكشف والبيان\" ١٢/ ١٤ أ، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٥٣.\n(٦) انظر: \"معاني القرآن\" ٣/ ١٠٠.\n(٧) زينب بنت أبي سلمة بن عبد الأسد المخزومة، ربيبة النبي -ﷺ- وأخت عمر، =","vol":"21","page":62},{"text":"أنفسكم، الله أعلم بالبر منكم. قالوا: ما نسميها؟ قال: سموها زينب\" (١).\nوالمعنى: لا تزكوها بما ليس فيها. ويجوز أن يكون المعنى على العموم وذلك أنه أقرب إلى النسك والخشوع وأبعد من الرياء والعجب ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ أي بر وأطاع.\nوقال الحسن: أخلص العمل (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4291>٣٣ </span>- قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى﴾، قال ابن عباس في رواية عطاء: نزلت في الوليد بن المغيرة وهو قول مجاهد، ومقاتل، وابن زيد، قالوا: كان قد أَتبع رسول الله -ﷺ- فعيره بعض المشركين وعاتبه على الإسلام فقال: إني خشيت عذاب الله، فقال: إني أضمن لك أن أتحمل عنك عذاب الله إن أنت أعطيتني كذا وكذا من مالك، فأرجع إلى ما كنت عليه، فرجع إلى الشرك وأعطى الذي عاتبه بعض المال الذي شرط إذ هو أعطاه أن يتحمل عنه العذاب ومنعه تمام ذلك، فأنزل الله فيه (٣) ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى﴾ قال ابن عباس، ومقاتل: أدبر عن الحق والإسلام (٤).\n_________\n= ولدتهما أم المؤمنين بالحبشة، ماتت سنة (٧٣ هـ) وحضر ابن عمر جنازتها.\nانظر: \"طبقات ابن سعد\" ص ٤٦١، و\"الإصابة\" ٤/ ٣١٧، و\"أسد الغابة\" ٥/ ٤٦٨، و\"تقريب التهذيب\" ٢/ ٦٠٠، و\"أعلام النساء\" ٢/ ٦٧.\n(١) \"صحيح البخاري\"، كتاب: الآداب، باب: تحويل الاسم إلى اسم أحسن منه ٨/ ٥٣، و\"صحيح مسلم\" كتاب: الأدب، باب: استحباب تغيير الاسم القبيح إلى حسن ٣/ ١٦٨٨.\n(٢) انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ١١٠، و\"فتح القدير\" ٥/ ١١٣.\n(٣) انظر: \"تفسير مجاهد\" ٢/ ٦٣١، و\"تفسير مقاتل\" ١٣١ ب، \"جامع البيان\" ٢٧/ ٤٢.\n(٤) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٣١ ب، و\"الوسيط\" ٤/ ٢٠٣.","vol":"21","page":63},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4292>٣٤ </span>- ﴿وَأَعْطَى قَلِيلًا﴾ يعني أعطى صاحبه الذي عاتبه (وَأَكْدَى) قال الفراء: أمسك من العطية وقطع (١).\nروى عمرو عن أبيه: أكْدى مَنَعَ وأكْدى قطع، وأكْدَى إذا انقطع، وأكْدى إذا حفر فبلغ الكُدى وهي الصخور (٢).\nوالمفسرون قالوا في (أَكْدَى) قطع وانقطع وأمسك، وذكر سعيد بن جبير الأصل فيه فقال: ألا ترى إلى القوم إذا حفروا الوهدة فأفضوا إلى الصخرة قالوا: أكدينا (٣).\nقال أبو إسحاق: معنى (أَكْدَى) قطع، وأصله من الحفر في البئر، يقال للحافر إذا بلغ إلى حجر لا يمكنه الحفر معه قد بلغ إلى الكدية، وعند ذلك يقطع الحفر (٤).\nوقال المبرد: (أَكْدَى) أي منع منعًا شديدًا (٥). وذكر مثل قول أبي إسحاق.\nوقال ابن قتيبة: أكدى من كدية الركَّية وهي الصلابة فيها وإذا بلغها الحافر يئس من حفرها فقطع الحفر فقيل لكل من يطلب شيئًا فلم يبلغ آخره أو أعطى ولم يتم أكدى ومعنى أكدى هاهنا منع صاحبه تمام ما ضمن له؛ وقال عطاء ومقاتل إن الوليد بن المغيرة كان قد مدح القرآن ثم أمسك عنه\n_________\n(١) انظر: \"معاني القرآن\" ٣/ ١٠١.\n(٢) انظر: \"تهذيب اللغة\" ١٠/ ٣٢٤، و\"اللسان\" ٣/ ٢٣٢ (كذا).\n(٣) انظر: \"جامع البيان\" ٢٧/ ٤٢ عن أبي زيد. والوهدة الحفرة وهي النقرة المنتقرة في الأرض أشد دخولًا في الأرض من الغائط وليس لها حرف.\n(٤) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ٧٥.\n(٥) انظر: \"الوسيط\" ٤/ ٢٠٣، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٥٣.","vol":"21","page":64},{"text":"فنزل فيه ﴿وَأَعْطَى قَلِيلًا﴾ أي: من الخير بلسانه، وأكدى أي قطع ذلك أمسك عنه (١). وهذا تعيير له. ثم زاد في التعيير والتوبيخ فقال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4293>٣٥ </span>- ﴿أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ﴾ يعني ما غاب عنه من أمر العذاب ﴿فَهُوَ يَرَى﴾ أن صاحبه يتحمل عنه عذابه.\nقال الزجاج: (فهو يرى) معناه فهو يعلم، والرؤية تكون بمعنى العلم كالمكفوف، يقول: رأيت زيدًا عاقلًا، فلو كان من رؤية العين لم يجز ذلك (٢)، والمعنى فهو يعلم علم الغيب حتى علم أنه غير معذب بتحمل صاحبه عنه العذاب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4294>٣٦ </span>- ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ﴾ لم يحدَّث ولم يخبر ﴿بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى﴾ يعني: أسفار التوراة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-4295>٣٧ </span>- ﴿وَإِبْرَاهِيمَ﴾ يعني: وفي صحف إبراهيم ﴿الَّذِي وَفَّى﴾ معنى التوفية في اللغة الإتمام والإكمال، يقال: وفيته أجره، قال الله تعالى: ﴿لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ﴾ [فاطر: ٣٠].\nواختلفوا في معنى (وفي) هاهنا. فقال ابن عباس في رواية عطاء والكلبي: بلغ ما أُمر به قومه، وهو قول مقاتل، واختيار الفراء، وابن قتيبة، وهو قول سعيد بن جبير، وإبراهيم، ومجاهد، وأبي العالية، وعكرمة (٣) كل هؤلاء قالوا: بلغ قومه وأدى إليهم عن الله هؤلاء الكلمات، وهي قوله تعالى:\n_________\n(١) انظر: \"تفسير غريب القرآن\" ص ٤٢٩.\n(٢) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٣١ ب، و\"الكشف والبيان\" ١٢/ ١٤ ب، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ١١١.\n(٣) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ٧٥.","vol":"21","page":65},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4296>٣٨ </span>- ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ وأَنْ على هذا القول في محل النصب بقوله: (وفي) (١).\nوقال آخرون: معنى: (وفي) أكمل ما يجب لله تعالى عليه بالطاعة في كل ما أمر وامتحن به من ذبح الولد والإلقاء في النار والكلمات التي ابتلي بها في قوله: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾ [البقرة: ١٢٤] الآية، والاختتان، ومناسك الحج التي أمر بها، وفاها كلها وأتمها بالطاعة والصبر، فأثنى الله تعالى عليه لقيامه بجميع ذلك بقوله: (وفي)، وهذا قول جماعة من المفسرين (٢)، وهو اختيار أبي إسحاق، وعلى هذا موضع أَنْ في قوله: ﴿أَلَّا تَزِرُ﴾ خفض على البدل من قوله: ﴿بِمَا في صُحُفِ﴾، والمعنى: ألم ينبأ بأن لا تزر، وقال: يجوز أن يكون في موضع رفع على إضمار هو، كأنه لما قيل: بما في صحف موسى، قيل: ما هو؟ فقيل: ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ ومعناه: أن لا تؤخذ نفس بإثم غيرها (٣).\nقال عكرمة عن ابن عباس: لا يؤخذ الرجل بذنب غيره (٤)، وفي هذا إبطال لقول من قال للوليد بن المغيرة: أعطني شيئًا وأحمل عنك ذنوبك. أخبر الله تعالى أنه لا يؤخذ أحد بجناية غيره، وأن هذا مما أنزل على\n_________\n(١) انظر: \"تنوير المقباس\" ٥/ ٣٠٠، و\"تفسير مجاهد\" ٢/ ٦٣٢، و\"تفسير مقاتل\" ١٣١ ب، و\"جامع البيان\" ٢٧/ ٤٢ - ٤٣، و\"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ١٠١، و\"تفسير غريب القرآن\" ص ٤٢٩.\n(٢) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ١٠١.\n(٣) انظر: \"جامع البيان\" ٢٤/ ٤٣ عن ابن عباس، وإبراهيم النخعي والقرظي، و\"الكشف والبيان\" ١٢/ ١٥ ب، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٥٤، و\"الدر\" ٦/ ١٢٩.\n(٤) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ٧٥، و\"إعراب القرآن\" للنحاس ٣/ ٢٧٣، و\"مشكل إعراب القرآن\" ٢/ ٦٩٤.","vol":"21","page":66},{"text":"إبراهيم وموسى (١).\nوذكره (٢) المفسرون (٣) فقالوا: كان من لدن نوح إلى زمان إبراهيم يؤخذ الرجل بذنب أخيه وابنه حتى بلّغهم إبراهيم ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾، وهذا عام في الدنيا والآخرة، وقد أخبر الله تعالى بذلك (٤)، وذكره رسولنا محمد -ﷺ- أن من دعا إلى ضلالة كان عليه مثل أوزار من اتبعه، وذلك في قوله تعالى: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ﴾ [النحل: ٢٥].\nقوله: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ [العنكبوت: ١٣] وهذا في رؤساء الكفر والضلالة يزاد لهم الوزر بسبب إضلالهم، فأما أن تحمل نفس ذنب أخرى حتى يصير المحمول منها كأنها لم تأت بذنب، فليس ذلك في شريعة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4297>٣٩ </span>- قوله: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ عطف على قوله: ﴿أَلَّا تَزِرُ﴾ وهذا أيضًا مما في صحف إبراهيم وموسى، والمعنى: ليس للإنسان في الآخرة إلا ما عمل في الدنيا، قاله مقاتل (٥).\nقال أبو إسحاق: معناه: ليس له إلا جزاء سعيه، إن عمل خيرًا أُجزي\n_________\n(١) انظر: \"جامع البيان\" ٢٧/ ٤٢، و\"الدر\" ٦/ ١٢٩.\n(٢) في (ك): (وذكر).\n(٣) وهو المروي عن ابن عباس، وعمرو بن أوس، والنخعي. انظر: \"جامع البيان\" ٢٧/ ٤٢، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٥٤.\n(٤) (بذلك) ساقطة من (ك).\n(٥) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٣١ ب.","vol":"21","page":67},{"text":"خيرًا، وإن عمل شرًا أُجزي شرًا (١). هذا معناه في الظاهر.\nثم المفسرون مختلفون في حكم الآية، فروى الوالبي عن ابن عباس أن هذا منسوخ الحكم في هذه الشريعة بقوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ﴾ [الطور: ٢١] الآية، أدخل الله تعالى الأبناء بصلاح الآباء الجنة (٢)، ورفع درجاتهم وإن لم يستحقوها بأعمالهم، ونحو هذا قال عكرمة: كان ذلك لقوم إبراهيم وموسى، فأما هذه الأمة فلهم ما سعى غيرهم نيابة عنهم (٣)، بدليل حديث المرأة التي قالت لرسول الله -ﷺ-: إن أبي مات ولم يحج، قال: \"فحجي عنه\" (٤). وقال العلماء من أصحابنا: هذه الآية تدل على منع النيابة في الطاعات إلا ما قام عليه الدليل كالحج (٥)، وهذا إذا قلنا إنه غير منسوخ الحكم، وعلى ما ذكر الوالبي وعكرمة: الآية منسوخة الحكم في شرعنا.\nوقال الحسين بن الفضل (٦): هذا من طريق العدل ليس للإنسان إلا ما سعى ولله أن يتفضل عليه بما يشاء من تضعيف الحسنات (٧).\n_________\n(١) انظر: \"معاني القرآن\" ٥/ ٧٦.\n(٢) انظر: \"جامع البيان\" ٢٧/ ٤٤، و\"الكشف والبيان\" ١٢/ ١٦ ب، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٥٤.\n(٣) انظر: \"الكشف والبيان\" ١٢/ ١٦ أ، و\"الوسيط\" ٤/ ٢٥٣، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٥٤.\n(٤) جزء من حديث متفق عليه، أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب: الحج عمن لا يستطيع الثبوت على الراحلة، وباب: حج المرأة عن الرجل ٣/ ٢٣، ومسلم في كتاب: الحج، باب: الحج عن العاجز لزمانة وهرم ونحوهما أو للموت ٢/ ٩٧٤.\n(٥) انظر: \"الأم\" ٢/ ١٠٤، و\"الحاوي الكبير\" ٤/ ١٧.\n(٦) تقدمت ترجمه في سورة البقرة.\n(٧) انظر: \"الكشف والبيان\" ١٢/ ١٧ أ، و\"البحر المحيط\" ٨/ ١٦٨، و\"روح المعاني\" =","vol":"21","page":68},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4298>٤٠ </span>- قوله: ﴿وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى﴾ يُرَى من أريته الشيء، والمعنى أن سعيه يرى يوم القيامة حتى ينظر إليه، أي يرى عمله في ميزانه؛ وهذا قول مقاتل والزجاج (١)، وقال ابن قتيبة ﴿يُرَى﴾ يعلم، والمعنى يعلمه الناس (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-4299>٤١ </span>- ﴿ثُمَّ يُجْزَاهُ﴾ أي يجرْى الإنسان سعيه، والضمير للسعي يقال: جزيت فلانًا عمله وسعيه، أي قضيته.\nقال الشاعر (٣):\nإن أُزِ علقمة بن سعد سعيه ... لا أجزه ببلاء يوم واحد\nو﴿الْجَزَاءَ الْأَوْفَى﴾ الأكمل والأتم، قال أبو إسحاق: أي يجزى عمله أوفى جزاء (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4300>٤٢ </span>- قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى﴾ أي إليه منتهى العباد ومرجعهم، هذا قول المفسرين. وروي تفسير آخر لهذه الآية مرفوعًا إلى النبي -ﷺ- قال: \"لا فكرة في الرب\" (٥).\n_________\n= ٢٧/ ٦٦. قال مكي: والبين في هذا الذي يوجبه النظر وعليه أكثر العلماء أنه ليس بمنسوخ وأنه محكم \"الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه\" ص ٤٢٣.\nوانظر: \"نواسخ القرآن\" لابن الجوزي ص ٢٣٣، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ١١٤، و\"فتح القدير\" ٥/ ١١٤.\n(١) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٣١ ب، و\"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ٧٦.\n(٢) انظر: \"تفسير غريب القرآن\" ص ٤٢٩.\n(٣) لم أجده.\n(٤) انظر: \"معاني القرآن\" ٥/ ٧٦.\n(٥) أخرجه أبو الشيخ في \"العظمة\" ١/ ٢١٨ عن سفيان الثوري في قوله -﷿-: ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى﴾ قال: لا فكرة في الرب -﷿-، وأخرجه الدارقطني في الأفراد، =","vol":"21","page":69},{"text":"ومعنى هذا أن الإنسان يتفكر في كل شيء فيحيط به علمًا ويقف على كنهه وكيفيته حتى ينتهي إلى الله تعالى فلا يحيط به علمًا ولا يدركه بفكرته، فإليه المنتهى من هذا الوجه، ويؤكد هذا المعنى ما روى أنس أن النبي -ﷺ- قال: \"إذا ذكر الله فانتهوا\" (١).\nوقال -ﷺ-: \"تفكروا في الخلق ولا تفكروا في الخالق\" (٢).\nوالمنتهى معناه الانتهاء.\n_________\n= والبغوي في \"تفسيره\" ٤/ ٢٥٥ مرفوعًا.\nوأورده ابن كثير، وذكر رواية البغوي له ثم عقب عليه بقوله: وليس بمحفوظ بهذا اللفظ، وإنما الذي في الصحيح: يأتي الشيطان أحدكم فيقول: من خلق كذا؟ من خلق كذا؟ .. وذكر الحديث ثم قال: والحديث الآخر الذي في \"السنن\": (تفكروا في مخلوقات الله ولا تفكروا في ذات الله ..)، \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٢٥٩، وانظر: \"سلسلة الأحاديث الصحيحة\" ٤/ ٣٩٦.\n(١) أخرجه الثعلبي في \"تفسيره\" ١٢/ ١٧ ب، وذكره بعض المفسرين عن أنس بدون سند، وفي بعض الألفاظ: \"إذا ذكر الله تعالى فاتته\".\nانظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ١١٥، و\"البحر المحيط\" ٨/ ١٦٨، و\"روح المعاني\" ٢٧/ ٦٨.\n(٢) ذكره البغوي في \"تفسيره\" ٤/ ٢٥٥، وعقب عليه ابن كثير بما سبق ذكره.\nوأخرجه أبو الشيخ في \"العظمة\" ١/ ٢١٦، وزاد فيه \"فإنكم لا تقدرون قدره\" وأخرجه أبو القاسم الأصفهاني في \"الترغيب والترهيب\" ٢/ ١٧٤، بسندين فيهما انقطاع، وأورده السيوطي في \"الجامع الصغير\" ١/ ١٣٢، وعزاه إلى أبي الشيخ ورمز له بالضعف، وفي تخريجات \"إحياء علوم الدين\" قال: أخرجه أبو نعيم في الحلية بالمرفوع مه بإسناد ضعيف، ورواه الأصبهاني في \"الترغيب والترهيب\" من وجه آخر أصح منه، ورواه الطبراني في \"الأوسط\"، والبيهقي \"الشعب\" من حديث ابن عمر وقال: هذا إسناد فيه نظر. قلت: فيه الوازع بن نافع متروك. انظر \"الإحياء\" ٤/ ٤٢٤، و\"ضعيف الجامع\" ٣/ ٣٨ (٢٤٦٩).","vol":"21","page":70},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4301>٤٣ </span>- قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى﴾ أكثر المفسرين على أن هذا عام في كل ضحك وبكاء، يدل عليه ما روي عن عائشة ﵂ قالت: مر النبي -ﷺ- على قوم يضحكون فقال: \"لو تعلمون ما أعلم لبكيتم كثيرًا ولضحكتم قليلًا\" فنزل عليه جبريل فقال: إن الله -﷿- يقول: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى﴾ فرجع إليهم، فقال: \"إن الله هو أضحك وأبكى\" (١).\nوهذا يدل على أن كل ما يعمله الإنسان بقضائه وإرادته وخلقه حتى الضحك والبكاء، وكذلك ما روي عن جبار الطائي (٢) قال: شهدت جنازة أم مصعب (٣) وفيها ابن عباس، وابن الزبير، وابن عمر، وابن عباس يقاد على أتان له، فمرا وفي الجنازة صوارخَ فقلت: يا أبا عباس: تفعل هذا؟ قال: دعنا منك يا جبار فإن الله هو أضحك وأبكى (٤).\nومن المفسرين من خصَّ؛ وهو قول الكلبي. قال: أضحك أهل الجنة وأبكى أهل النار (٥)، ومنهم من حمل الضحك والبكاء على المجاز، وهو قول عطاء بن أبي مسلم قال: معناه أفرح وأحزن؛ لأن الضحك يجلبه\n_________\n(١) أخرجه الثعلبي في \"تفسيره\" ١٢/ ١٨ أ، والواحدي في \"أسباب النزول\" ص ٤٦١. وأخرجه ابن مردويه عنها. انظر: \"إحياء علوم الدين\" ٤/ ٤٥٠، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ١١٦، و\"الدر\" ٦/ ٣٠٠.\n(٢) جبار بن القاسم الطائي، روى عن ابن عباس، وعنه أبو إسحاق، ضعفه الأزدي وذكره ابن حبان في \"الثقات\" بروايته عن ابن عباس. انظر: \"لسان الميزان\" ٢/ ١٢٠.\n(٣) هي الرباب بنت أنيف الكلبية انظر: \"طبقات ابن سعد\" ٥/ ١٨٢، و\"سير أعلام النبلاء\" ٤/ ١٤١.\n(٤) لم أجده.\n(٥) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ١٠١، و\"جامع البيان\" ٢٧/ ٤٤، و\"البغوي\" ٤/ ٢٥٥.","vol":"21","page":71},{"text":"السرور والفرح، والبكاء يوجبه الحزن والنزح (١)، ومنهم من حمل الآيهَ على الاستعارة وهو قول الضحاك.\nقال: المعنى أضحك الأرض بالنبات وأبكى السماء بالمطر (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4302>٤٤ </span>- قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا﴾ المتقدمون من المفسرين حملوا هذا (٣) على الإماتة في الدنيا والإحياء للبعث (٤)، والمتأخرون منهم ذكروا وجوهًا أخرى، منها: أنه أمات الآباء، وأحيا الأبناء، كما ذكرنا في قوله: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا﴾ [الجاثية: ٢٤] ومنها أنه أمات النطفة وأحيا النسمة، وأمات الكافر بالكفر وأحيا المؤمن بالإيمان، والوجهان ذكرا في قوله: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ [الروم: ١٩]. ويدل على الوجه الثاني قوله: ﴿أَوَ وَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ [الأنعام: ١٢٢].\n<span data-type=\"title\" id=toc-4303>٤٦ </span>- قوله تعالى: ﴿مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء: يريد الجماع، وقال في رواية الكلبي: تهراق في الرحم، وهو قول الضحاك، قال: تصب في الرحم، ويقال: مني الرجل، وأمنى من المني (٥)، وقيل في مني (٦) مكة سميت مني؛ لما يمنى من الدماء أي:\n_________\n(١) انظر: \"الكشف والبيان\" ١٢/ ١٨ ب، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٥٥.\n(٢) (بالمطر) ساقطة من (ك)، والتصحيح من \"الوسيط\".\nانظر: \"الكشف والبيان\" ١٢/ ١٨ ب، و\"الوسيط\" ٤/ ٢٠٤، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٥٥، قلت: وهذا التفسير يخالف ما يفهم من ظاهر الآية، وحمله على الضحك والبكاء المعروفين أولى، والله أعلم.\n(٣) في (ك): (على هذا).\n(٤) انظر: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٥٥، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ١١٧.\n(٥) انظر: المراجع السابقة.\n(٦) مِنَى: المكان المعروف من مهبط العقبة إلى محسر. سميت بذلك لما يمنى من الدماء. وقيل لأن الكبش مُني بها أي ذبح. انظر: \"معجم البلدان\" ٥/ ٢٢٩.","vol":"21","page":72},{"text":"يراق (١)، وقال الله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ﴾ [الواقعة: ٥٨] هذا قول المفسرين. وقال أبو عبيدة، والمبرد، وابن قتيبة: ﴿تُمْنَى﴾ أي تقدر، ويقال: إنك لا تدري ما يَمني لك الماني أي ما يقدر لك المقدر (٢)، والقولان أصلهما واحد وهو التقدير، يقال: مني الله لك ما يسرك أي قدر، والاسم من المنى.\nوأنشد الفراء فقال:\nولا تقولنَّ لشيء سوف أفعله ... حتى تبين ما يَمني لك الماني (٣)\nوالمني الماء الذي يخلق ويقدر منه الولد، ثم يقال منه: مني وأمنى إذا أصب ذلك الماء.\nفمعنى قوله: ﴿إِذَا تُمْنَى﴾ إذا تُصَب وتلقى على تقدير ولد في الرحم، هذا هو الأصل، ثم يقال: أمنى ومنى بمعنى صب من غير تقدير (٤). قوله تعالى: ﴿يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ﴾ (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4304>٤٨ </span>- قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى﴾ أي أغنى الناس بالأموال ومولهم (وأقنى) اختلفوا فيه، فقال أبو صالح: أعطى القنية وأصول الأموال التي تقتنى (٦).\n_________\n(١) قاله الليث، وقال ابن شميل: سمي مني؛ لأن الكبش مُنِي به، أي: ذبح.\nوانظر: \"تهذيب اللغة\" ١٥/ ٥٣٠ (منا).\n(٢) انظر: \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٣٨، و\"تفسير غريب القرآن\" ص ٤٢٩.\n(٣) البيت لأبي قلابة الهذلي، وقيل: لأبي المثلم الهذلي، كما في \"ديوان الهذليين\" ٣/ ٣٩، ولم أجده عند الفراء.\nوانظر: \"تهذيب اللغة\" ١٥/ ٥٣٠، و\"اللسان\" ٣/ ٥٣٨ (مني).\n(٤) انظر: \"تهذيب اللغة\" ١٥/ ٥٣١، و\"اللسان\" ٣/ ٥٣٨ (مني).\n(٥) عند تفسيره لآية (٢٠) من سورة العكبوت. انظر: \"البسيط\" ٤/ ١٢١ أحيث قال: أي ثم الله الذي خلقها وبدأ خلقها ينشئها نشأة ثانية ...\n(٦) انظر: \"جامع البيان\" ٢٧/ ٤٥، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٥٦.","vol":"21","page":73},{"text":"والاكثرون قالوا: أقنى قنّع ورضّى بما أعطى الفقير، وهو قول مجاهد، ومقاتل، ورواية عكرمة عن ابن عباس (١)، والقول الأول اختيار أبي عبيدة، والمبرد، وابن الأعرابي، قال أبو عبيدة، والمبرد: أغنى أقوامًا وجعل لهم قنية وهي أصل المال (٢) من أي مال كان.\nوقال ابن الأعرابي: أقنى أعطاه ما يدخر بعد الكفاية (٣)، وأبو إساق ذكر القولين (٤)، وهما يرجعان إلى أصل واحد.\nقال الليث: يقال: قنيت به، أي: رضيت، وأقنيت لنفسي مالًا، أي: جعلته قنية أرتضيه، وأنشد للمتلمس:\nوألقيته بالثّني من جَنْبِ كافرٍ ... كذلك أقْنُو كلَّ قِطّ مُضَلِّلِ (٥)\nقال: أقنو بمعنى أرضى. وقال غيره: أقنو ألزم وأحفظ (٦)، فالاقتناء يتردد بين أصلين.\nأحدهما: الرضا، وذلك أن الإنسان لا يقتني إلا ما يرتضيه، فعلى هذا أصل القولين الرضا، والآخر: الحفظ واللزوم، ومنه يقال: قنا الحياء، إذا لزمه، ومنه قول الشاعر:\n_________\n(١) انظر: \"تنوير المقباس\" ٥/ ٣٠١، و\"تفسير مجاهد\" ٢/ ٦٣٢، و\"تفسير مقاتل\" ١٣٢ أ. وفي \"صحيح البخاري\" قال: ابن عباس: (أغنى وأقنى) أعطى وأرضى، و\"كتاب التفسير\" سورة النجم ٦/ ١٧٥.\nقال ابن حجر: وصله ابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة، و\"فتح الباري\" ٨/ ٦٠٦.\n(٢) في (ك): (مال) وانظر: \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٣٨.\n(٣) انظر: \"تهذيب اللغة\" ٩/ ٣١٣، و\"اللسان\" ٣/ ١٧٧ (قنا).\n(٤) انظر: \"معاني القرآن\" ٥/ ٧٦.\n(٥) البيت ورد في \"تهذيب اللغة\" ٩/ ٣١٢، و\"اللسان\" ٣/ ١٧٧ (قنا)، و\"الخزانة\" ٣/ ٢٣، و\"المذكر والمؤنث\" ص ٤١٦.\n(٦) انظر: \"تهذيب اللغة\" ٩/ ٣١٤ (قنا).","vol":"21","page":74},{"text":"فأقْنَى حياءَك لا أبالَكِ إنني ... في أرض فارس موثقٌ أحوالًا (١)\nوالقنية ما يلزمها الإنسان ويحفظها. وعلى هذا الأصلان مختلفان. قال الضحاك، والحسن، وقتادة: أغنى في المال وأقنى في الخدم (٢)، وهؤلاء خصوا الاقتناء بإعطاء الخدم.\nوأما ما روي عن ابن زيد أنه قال: أغنى أكثر وأقنى أقل (٣)، ولا وجه لقوله أقنى أقل في اللغة، إلا أن يقال: معناه رضي بالفليل كما ذكره الأكثرون فترك ذلك الرضا واقتصر على القلة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4305>٤٩ </span>- قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى﴾ قال جماعة المفسرين: هي كوكب خلف الجوزاء يقال لها مرزم الجوزاء، وهي الشعرى العبور، وكانت خزاعة تعبدها، فقال الله: أنا رب الشعرى فاعبدوني، وإنما سميت العبور لأنها عبرت المغيرة فقطعت عرضًا وهما الشعرتان، يقال لأحدهما: العبور وللأخرى الغميضاء، وسميت الغميضاء؛ لأن العرب تقول: إن سهيلًا والشعرتين كانت مجتمعة فانحدر سهيل فصار يمانيًا فتبعته الشعرى العبور فعبرت المغيرة وأقامت الغميضاء فبكت لفقد سهيل حتى غمضت عيناها فسميت الغميضاء (٤).\n_________\n(١) انظر: \"اللسان\" ٣/ ١٧٧ (قنا) وقال أنشده ابن بري ولم ينسبه لقائل.\n(٢) انظر: \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٢٥٤، و\"جامع البيان\" ٢٧/ ٤٥.\n(٣) انظر: \"جامع البيان\" ٢٧/ ٤٥، وفي \"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٥٦، و\"الجامع\" للقرطبي ١٧/ ١١٩، نسبه للأخفش وهو قول الحضرمي أيضًا.\nوقال ابن كثير معقبًا على هذا القول: وهما بعيدان من حيث اللفظ، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٢٥٩. وقال أبو حيان في \"البحر المحيط\" ٨/ ١٦٩: وقد تكلم المفسرون على ذلك فقالوا اثني عشر قولًا كقولهم: أغنى نفسه وأفقر خلقه إليه، وكل قول منها لا دليل على تعيينه، فينبغي أن تجعل أمثلة.\n(٤) انظر: \"الجمهرة\" ٢/ ٣٤٢، و\"الكفش والبيان\" ١٢/ ١٩ أ - ب، قال الآلوسي في =","vol":"21","page":75},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4306>٥٠ </span>- قوله ﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى﴾ ذكر أبو إسحاق وغيره من النحويين في (الأولى) ثلاث لغات:\nأحدها: (الأولى) بسكون لام المعرفة.\nوالثانية: (الُولَى) على تخفيف الهمزة ونقل حركتها إلى لام المعرفة.\nالثالثة: الولى) بطرح همزة الوصل؛ لأن اللام تحركت فاستغني عنها (١).\nومثله الأحمر والحمر ولحمر، وقراءة العامة (عادًا الأولى) (٢) أجود اللغات الثلاثة، وذلك أن التنوين اجتمع مع لام المعرفة وهما ساكنان فحرك التنوين بالكسر.\nوقرأ أبو عمرو (عادًا لولى)، قال أبو عثمان: أساء عندي أبو عمرو في قراءته (عادًا لولى)؛ لأنه أدغم النون في لام المعرفة، واللام إنما تحركت بحركة الهمزة، وليست بحركة لازمة، والدليل على ذلك أنك تقول: اَلَحْمَر. فلا تحذف ألف الوصل وإن حركت اللام؛ لأنها ليست بحركة لازمة، قال: ولكن كان أبو الحسن روى عن بعض العرب أنه يقول هذا لَحْمَر قد جاء، بحذف ألف الوصل لحركة اللام (٣).\n_________\n= \"روح المعاني\" ٢٧/ ٦٩: وقيل زعموا أن سهيلًا والشعرى ... -وذكر ما هاهنا ثم قال-: وكل ذلك من تخيلاتهم الكاذبة التي لا حقيقة لها والمتبادر عند الإطلاق وعدم الوصف: العبورة لأنها أكبر جرمًا وأكثر ضياء، وهي التي عبدت من دون الله في الجاهلية.\n(١) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ٧٧.\n(٢) قرأ نافع، وأبو عمرو، وأبو جعفر، ويعقوب (عادًا لولى) موصولة مدغمة، وذلك بإدغام التنوين في اللام بعد نقل حركة الهمزة إليها وصلًا. وقرأ الباقون (عادًا الأولى) بكسر التنوين وسكون اللام وتخفيف الهمزة من غير نقل. انظر: \"حجة القراءات\" ص ٦٨٧ و\"النشر\" ١/ ٤١١ - ٤١٢، و\"الإتحاف\" ص ٤٠٣ - ٤٠٤.\n(٣) قلت: قول أبي عثمان -المازني: أساء أبو عمرو في قراءته .. إلى أن قال: ولكن =","vol":"21","page":76},{"text":"قال أبو علي: الإساءة التي نسبها أبو عثمان إلى أبي عمرو في قراءة: (عادًا لولى) لا تلزمه من وجهين:\nأحدهما: أنه يقول: (لُوْلَى) قبل الإدغام على لغة من يقول لَحْمَرْ فيحذف همزة الوصل، وعلى هذا القول اللام في حكم المتحرك، وخرجت من حكم السكون بدلالة حذف همزة الوصل وإذا خرجت من حكم السكون حسن الإدغام كما حسن في مَنْ لك؟ ومَنْ لُوهُ؟ (١) فالإدغام في حرف متحرك غير ساكن.\nوالوجه الآخر: أن يكون أدغم على قول من يقول (الُولى) الحَمْرَ، فلم يحذف همزة الوصل مع إلقاء الحركة على لام المعرفة؛ لأنه في تقدير السكون فلا يمتنع أن يدغم فيه، وإن كان في حكم السكون كما لم يمتنع أن يدغم في نحو رُدَّ وفِرَّ وغَضَّ، وإن كانت لاماتهن سواكن، وتحركها للإدغام، وإذا جاز الإدغام في الوجهين جميعًا ثبتت صحته.\nوروي عن نافع (عاد لوْلَى) بالإدغام والهمز، ووجه الإدغام ما ذكرنا، ووجه الهمز أن الضمة لقربها من الواو وأنه لم يحجز بينهما شيء صارت كأنها عليها فهمزها كما يهمز الواو إذا كانت مضمومة نحو أدؤُر والغؤور (٢)، وما أشبه ذلك، وهذه لغة قد رويت وحكيت وإن لم تكن بتلك\n_________\n= كان أبو الحسن -أي الأخفش- فيه إساءة وتجاوز، فالقراءة تواترها عن أفصح العرب -ﷺ- وكان الأولى إثباتها وإن خالفت ما وضعه النحاة من قواعد، وما أثر عن العرب من لغتهم، أما أن تصوب القراءة لنقل الأخفش أو غيره وجهًا لها عن العرب فرأي مردود على صاحبه وإن بلغ ما بلغ من علم وفهم كالمازني، وكل يؤخذ من قوله ويرد إلا الصادق المصدوق -ﷺ-، والله أعلم.\n(١) (ك): (لزم) والتصويب من \"الحجة\".\n(٢) أدؤر جمع دار، والهمز لكراهه الضمة على الواو. يقال: ثلاث أدؤر: همزت لأن الألف التي كانت في الدار صارت في أَفْعُل في مواضع تحرك فأُلقِي عليها =","vol":"21","page":77},{"text":"الفاشية.\nقال أبو عثمان: ومن قرأ (عادًا لولى) فأظهر النون فقد أخطأ؛ لأن النون لا تظهر على اللسان إلا مع حروف الحلق (١).\nقال المفسرون: عاد الأولى، قوم هود، وهم أولى عاد أهلكوا بريح صرصر، وكان لهم عقب، وكانوا عادًا الأخرى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4307>٥١ </span>- قوله تعالى: ﴿وَثَمُودَ﴾ أهلك الله ثمود وهم قوم صالح بالصيحة ﴿فَمَا أَبْقَى﴾ منهم أحدًا.\n<span data-type=\"title\" id=toc-4308>٥٢ </span>- ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ﴾ أهلك الله قوم نوح من قبل عاد وثمود.\n﴿إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى﴾ قال ابن عباس وقتادة ومقاتل، وغيرهم: إنما وصف بأنهم كانوا أظلم وأطغى من غيرهم لطول دعوة نوح إياهم، وعتوهم على الله في المعصية والتكذيب، ولم يطل مقام أحد من الأنبياء في دعوة قومه كما طال مقامه (٢)، وقد ذكر الله تعالى ذلك في قوله: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ [العنكبوت: ١٤] وكان الرجل منهم يأخذ ابنه فينطلق به إلى نوح فيقول له: احذر هذا فإنه كذاب، وإن أبي قد مشى بي إلى هذا وأنا مثلك فاحذره فيموت الكبير على الكفر، وينشأ الصغير على وصية أبيه (٣).\n_________\n= الصرف ولم ترد إلى أصلها. وغار القوم غورًا وغؤورًا، أتوا الغور، وغار في الشيء غؤورً دخل. وغار الماء غؤورًا. ذهب في الأرض. انظر: \"تهذيب اللغة\" ٨/ ١٨٠، و\"اللسان\" ٢/ ١٠٢٦ (غور).\n(١) من قوله: قال أبو عثمان. إلى هنا: نقله من كتاب \"الحجة\" لأبي علي مع تصرف يسير. انظر: \"الحجة\" ٦/ ٢٣٧ - ٢٤٠، و\"البغداديات\" ص ١٩٠ - ١٩٤.\n(٢) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٣٢ أ، و\"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٢٥٤، و\"جامع البيان\" ٢٧/ ٤٦.\n(٣) انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ١٢٠، و\"الدر\" ٦/ ١٣١.","vol":"21","page":78},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4309>٥٣ </span>- قوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى﴾ قال الفراء: كل شيء انهوى وانخسف فقد ائتفك (١).\nوقال أبو عبيدة: المؤتفكة المخسوف بها ائتفكت بأهلها (٢)، وقد تقدم تفسير المؤتفكات (٣).\nوهي قرى قوم لوط رفعها جبريل بجناحه إلى السماء حتى سمعت ملاكة سماء الدنيا أصوات الدجاج ونباح الكلاب، ثم قلبها فهوت من السماء إلى الأرض مقلوبة (٤)، فذلك قوله: (أهوى) أي: أهلك، وتفسيره: أسقط، هوى إذا سقط، وأهواه أسقطه (٥)، وقد مر في قوله: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾، والمعنى: أهواها جبريل إلى الأرض بعد أن رفعها، وقال المبرد: جعلها تهوي (٦).\nوقال الفراء: رفعها إلى السماء، ثم أهواها وأتبعهم الله بالحجارة، فذلك قوله تعالى:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4310>٥٤ </span>- ﴿فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى﴾ (٧)، أي: فغشاها الله وألبسها ما غشى، يعني: الحجارة في قول جميع المفسرين.\n_________\n(١) لم أقف عليه في \"معاني القرآن\" للفراء، وما قاله أبو عبيدة يؤيده.\n(٢) انظر: \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٣٩.\n(٣) عند تفسيره لآية (٧٠) من سورة التوبة. ومما قال: المؤتفكات، قال المفسرون: يعني قرى قوم لوط وهي جمع مؤتفكة، ومعنى الائتفاك في اللغة: الانقلاب. وتلك القرى ائتفكت بأهلها أي انقلبت فصار أعلاها أسفلها.\n(٤) انظر: \"تاريخ الأمم والملوك\" ١/ ١٨٠، و\"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ٧٧، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ١٢٠.\n(٥) انظر: \"تفسير غريب القرآن\" ص٤٣٠.\n(٦) انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ١٢٠، و\"فتح القدير\" ٥/ ١١٧.\n(٧) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ١٠٣.","vol":"21","page":79},{"text":"وأيهم ذكر ما غشاهم؛ لأنه ذكر ذلك في قوله: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ﴾ [الحجر: ٧٤].\nوقال ابن الأنباري (١): تأويله فغشى الله المؤتفكات الذي غشي غيرهم من الأمم السالفة؛ لأنه قد تقدم ذكر عاد وثمود، وقوم نوح ممن أهلك بالعذاب، وكأن التأويل ما غشى الأمم السالفة، فحذف الأمم لتقدمهم وبيان معناهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4311>٥٥ </span>- قوله تعالى: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى﴾ قال أبو إسحاق: هذا خطاب للإنسان، لما عدد الله عليه ما فعله مما يدل على وحدانيته قال: بأي نعم ربك التي تدلك على أنه واحد تتشك؛ لأن المرية الشك (٢).\nقال أهل المعاني: وإنما قيل بعد تعديد النقم ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكَ﴾؛ لأن النقم التي تحدث نعم علينا لما لنا فيها من المزاجر، مع أنه نالهم بكفر النعم (٣)، والمعنى: فبأي نعم ربك أنت أيها المخاطب تتمارى حتى تكون مقارنًا لهم في سلوك بعض مسالكهم (٤)، وهذا معنى قول قتادة: بأي نعم ربك تتمارى (٥) يا ابن آدم (٦).\nوقال ابن عباس: يريد تكذب يا وليد (٧)، يعني: الوليد بن المغيرة الذي نزل فيه قوله: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى﴾ وهذه الآيات كلها نزلت في شأنه،\n_________\n(١) انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ١٢١، و\"فتح القدير\" ٥/ ١١٧.\n(٢) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ٧٨.\n(٣) انظر: \"الكشاف\" ٤/ ٤٣، و\"التفسير الكبير\" ٢٩/ ٢٥، و\"فتح القدير\" ٥/ ١١٧.\n(٤) في (ك): (مسالكه) والصواب ما أثبته.\n(٥) (تتمارى) ساقطة من (ك).\n(٦) انظر: \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٢٥٥، و\"جامع البيان\" ٢٧/ ٤٧.\n(٧) انظر: \"الوسيط\" ٤/ ٢٠٥.","vol":"21","page":80},{"text":"إلى قوله:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4312>٥٦ </span>- ﴿هَذَا نَذِيرٌ﴾ يعني: محمدًا -ﷺ- ﴿مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى﴾ من الرسول قبله.\nقال قتادة: يقول أنذر محمد -ﷺ- كما أنذر الرسل من قبله (١).\nقال أبو إسحاق: أي النبي -ﷺ- مجراه في الإنذار مجرى من تقدمه من الأنبياء ﵈، وذكر قولًا آخر هو قول أبي مالك، ومقاتل، وهو أن يكون النذير مصدرًا بمعنى الإنذار كالنكير بمعنى الإنكار، والمعنى: هذا إنذار لكم كما أنذر من قبلكم وقد أعلمتم ما قص الله عليكم من حال من كذب بالرسل وما وقع بهم من الإهلاك (٢)، وهذا معنى قول مقاتل، يقول: هذا خبر من خبر هلاك الأمم الخالية (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4313>٥٧ </span>- قوله تعالى: ﴿أَزِفَتِ الْآزِفَةُ﴾ قال المفسرون: دنت القيامة واقتربت الساعة، وقد ذكرنا ما في هذا عند قوله: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ﴾ (٤) قال أبو إسحاق والمبرد: معناه: قربت القريبة (٥)، وهذا كما يقال: قتل القاتل، وضرب الضارب، والآزفة من أسماء القيامة، سميت بذلك لدنوها من الناس؛ لأن كل ما هو آت دان، وإن استبعدت.\n_________\n(١) انظر: \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٢٥٤.\n(٢) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ٧٨.\n(٣) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٣٢ أ.\n(٤) عند تفسيره لآية (١٨) من سورة غافر. ومما قال: يقال أزف الشيء يأزف أزفًا إذا دنا، ومنه يقال للقصير: متأزف؛ لتداني أعضائه بعضها من بعض ... قال عامة المفرين الأزفة القيامة. قال ابن عباس: أزف أمرها. وقال مقاتل: يعني: اقتربت الساعة. وهذا معني قول الضحاك سميت آزفة لقربها. قال أبو إسحاق: قيل لها آزفة لأنها قريبة وإن استبعد الناس مداها وما هو كائن قريب ... انظر: \"البسيط\" ص ١٧٢ بتحقيق السحيباني.\n(٥) انظر: \"معاني القرآن\" ٥/ ٧٨.","vol":"21","page":81},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4314>٥٨ </span>- قوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾ ذكر المفسرون فيه قولين: قال ابن عباس في رواية عطاء: يريد ليس أحد من شركائكم من يرد ذلك، ونحو هذا قال الضحاك: ليس من دون الله من آلهتهم كاشفة (١).\nومعنى الكشف في اللغة رفع الشيء عما يواريه، والمعنى على هذا القول أن القيامة إذا غشيت الخلق بشدائدها وأهوالها لم يكشفها أحد من آلهتهم، أي: أنها لا تنجيهم منها، ويدل على صحة هذا المعنى أن القيامة سميت غاشية فلما كانت في غاشية كان ردها كشفًا كما يقال في الدعاء: اللهم اكشف عنا الهموم والأحزان، والكاشفة على هذا القول نعت مؤنث محذوف على تقدير: نفس كاشفة، أو جماعة كاشفة، وهذا معنى قول قتادة: ليس لها من دون الله راد (٢).\nويجوز أن تكون الكاشفة مصدرًا كالخائنة والعاقبة والعافية، فإذا قدرتها مصدرًا كان المعنى ليس لها من دون الله كشف، أي: لا يكشف عنها غيره. بمعنى لا يبديها ولا يظهرها ولا يزيل عنها ما يسترها، وهو معنى قول مقاتل: لا يكشفها أحد إلا الله، قال: يعني الساعة الله الذي يكشفها.\nويدل على صحة هذا التأويل قوله تعالى: ﴿لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأعراف: ١٨٧] وهذا القول اختيار الزجاج (٣) والفراء، وهو قول الكلبي، قال: ليس لها من يكشف عن علمها إلا الله (٤)، وإذا كشف عن علمها فقد كشف عنها.\n_________\n(١) انظر: \"الوسيط\" ٤/ ٢٠٥، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٥٧، و\"الدر\" ٦/ ١٣١.\n(٢) انظر: \"الكشف والبيان\" ١٢/ ٢٠ أ، و\"معالم التنريل\" ٤/ ٢٥٧، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ١٢٢.\n(٣) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ٧٨.\n(٤) لم أجد هذا القول، وهو ظاهر المعنى.","vol":"21","page":82},{"text":"قال الفراء: وتأنيث كاشفة كقولك له: ﴿فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ﴾ (١) يريد من بقاء. والعافية والعاقبة، كل هذا في معنى المصدر (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4315>٥٩ </span>- قوله تعالى: ﴿أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ﴾ قال جماعة المفسرين: يعني: القرآن.\nقال أبو إسحاق: أي مما يتلى عليكم من كتاب الله تعجبون (٣).\nقال مقاتل: تعجبون تكذيبًا به (٤)، والمعنى: تعجبون من إنزاله على محمد -ﷺ- فتكذبون به كما قال: ﴿بَلْ عَجِبُوا ...﴾ الآية [ق: ٢].\nوقال أهل المعاني: يجوز أن يكون معنى الحديث هاهنا ما ذكر من حديث القيامة (٥)، والكفار كانوا يكذبون بها ويعجبون من وقوعها، أي: وقعت عندهم يدل على هذا قوله:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4316>٦٠ </span>- ﴿وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ﴾ أي: تستهزئون ولا تبكون خوفًا منها. وعلى قول المفسرين: ولا تبكون مما فيه من الوعيد.\nروى أبو الخليل (٦) أن النبي -ﷺ- ما رئي ضاحكًا إلا تبسمًا بعد نزول هذه الآية (٧).\n_________\n(١) في \"معاني القرآن\" للفراء: ما لفلان باقية، وما ذكره المؤلف هو قوله تعالى: ﴿فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ﴾ [سورة الحاقة: ٨٠].\n(٢) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ١٠٣.\n(٣) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ٧٨.\n(٤) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٣٢ ب.\n(٥) انظر: \"التفسير الكبير\" ٢٩/ ٢٧.\n(٦) هو صالح بن أبي مريم الضبي، أبو الخليل، وثقه ابن معين، والنسائي، وأغرب أبو عبد الله بن عد البر فقال: لا يحتج به. انظر: \"تقريب التهذيب\" ١/ ٣٦٣، و\"سير أعلام النبلاء\" ٤/ ٤٧٩، و\"طبقات ابن سعد\" ٧/ ٢٣٧، و\"تهذيب التهذيب\" ٤/ ٢٠٤.\n(٧) رواه الإمام أحمد في \"الزهد\"، وابن أبي شيبة في \"المصنف\" ١٣/ ٢٣٤، =","vol":"21","page":83},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4317>٦١ </span>- قوله ﴿وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ﴾ قال الليث: السمود في الناس الغفلة والسهو عن الشيء، وهذا قول المبرد، قال: السمود الاشتغال عن الشيء يكون لهم أو فرح يتشاغل به وأنشد فقال:\nرَمى الحِدْثانُ نِسْوَةَ آلِ حَرْبٍ ... بمقدارٍ سَمَدْنَ له سُمودا (١)\nوروى عكرمة عن ابن عباس قال: السمود الغناء في لغة حمير (٢)، يقال: اسمدي لنا، أي غني لنا (٣)، ومنه قول أبي زبيد أنشده أبو عبيدة فقال:\nوكأن العَزِيفَ فِيهَا غِنَاءً ... لِلنَدَامَى مِنْ شَارِبٍ مَسْمُودٍ (٤)\nفالمسمود الذي غني له، والسامد أيضًا القائم في تحير، قال المبرد: ومما يأثر العرب من أشعار عاد (٥):\n_________\n= والثعلبي في \"الكشف والبيان\" ١٢/ ٢١ أ، وابن مردويه من طريق سعيد بن جبير، عن ابن العباس بإسناد ضعيف، و\"تخريجات الكشاف\" ٤/ ١٦١، ورواه وكيع بن الجراح في \"الزهد\" ١/ ٢٦٦. قال محققه: إسناده ضعيف ومعناه غريب أيضًا؛ لأن الآية نزلت في مكة، وقد ثبت ضحك النبي -ﷺ- وتبسمه في أحاديث كثيرة.\n(١) البيت لعبد الله بن الزبير بن الأشيم الأسدي، أو للكميت بن معروف. انظر: \"الحماسة\" لأبي تمام ١/ ٤٦٤، و\"أمالي القالي\" ٣/ ١١٥، و\"الأضداد\" ص ٣٦، و\"مجالس ثعلب\" ص ٤٣٩، و\"تهذيب اللغة\" ١/ ٣٧٧٢، و\"اللسان\" ٢/ ١٩٨ (سمد). ونسبه ابن كثير في \"البداية والنهاية\" ٨/ ١٤٤ لأيمن بن خزيم.\n(٢) حمير: بطن عظيم من القحطانية ينسب إلى حمير بن سبأ، من بلادهم في اليمن شام، وذمار، ورفع .. قدم رسول ملوك حمير سنة تسع من الهجرة على رسول الله -ﷺ-: انظر: \"معجم قبائل العرب\" ١/ ٣٠٤ - ٣٠٥.\n(٣) انظر: \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٢٥٥، و\"جامع البيان\" ٢٧/ ٤٨، و\"المصنف\" لابن أبي شيبة ١٠/ ٤٧١.\n(٤) انظر. \"الأضداد\" لابن الأنباري ص ٣٦، و\"الأضداد\" للسجستاني ص ١٤٤.\n(٥) عاد بن عوص من العرب العاربة البائدة، يقال لهم عاد الأولى، وكانت منازلهم =","vol":"21","page":84},{"text":"قَيْلُ قُم فَانْظُر إلَيْهِمْ ... ثُمَّ دع عَنْكَ السُّمُودَا (١)\nومنه حديث علي -﵁- أنه دخل المسجد والناس ينتظرون الصلاة، قال: مالي أراكم سامدين (٢).\nقال أبو عبيدة: يعني: القيام، وكل رافع رأسه فهو سامد، قال ابن الأعرابي: السامد اللاهي، والسامد الغافل، والسامد الساهي، والسامد المتكبر، والسامد القائم، هذا كلام أهل اللغة في السمود (٣).\nوالمفسرون قالوا: لاهون غافلون معرضون، ونحو هذا روي عن ابن عباس في جميع الروايات (٤) إلا ما روى عكرمة أنه الغناء، قال: وكانوا إذا سمعوا القرآن تغنوا.\nوروى شمر بإسناد عن ابن عباس أنه قال: مستكبرون. قال: ويقال\n_________\n= بالأحقاف وهو الرمل ما بين عمان إلى الشحر إلى حضرموت إلى عدن أبين. انظر: \"معجم قبائل العرب\" ٢/ ٧٠٠.\n(١) من شعر هزيلة بنت بكر، وهي تبكي قوم عاد. انظر: \"الأضداد\" لابن الأنباري ص ٣٦، و\"الأضداد\" للسجستاني ص ١٤٤، و\"الدر\" ٦/ ١٣٢، وعزاه للطستي في \"مسائله\"، و\"روح المعاني\" ٢٧/ ٧٢، و\"تهذيب اللغة\" ١٢/ ٣٧٨، و\"اللسان\" ٢/ ١٩٩ (سمد).\n(٢) أخرجه عبد الرزاق، وابن جرير، وعبد بن حميد، وذكره المهدوي. انظر: \"جامع البيان\" ٢٧/ ٤٩، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ١٢٣ و\"الدر\" ٦/ ١٣٢، و\"الأضداد\" لابن الأنباري ص ٣٦ - ٣٧.\n(٣) انظر: \"تهذيب اللغة\" ١٢/ ٣٧٧، و\"اللسان\" ٢/ ١٩٧ (سمد).\n(٤) انظر: \"تنوير المقباس\" ٥/ ٣٠٣، و\"معالم التزيل\" ٤/ ٢٥٧، و\"زاد المسير\" ٨/ ٨٥، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٢٦٠.","vol":"21","page":85},{"text":"للفحل إذا اغْتَلم: قد سمد (١)، وهذا معنى قول الضحاك: أشرون بطرون، وقول مجاهد: غضاب مبرطمون (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4318>٦٢ </span>- قوله: ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا﴾، قال الكلبي ومقاتل: صلوا لله، يعني: الصلوات الخمس.\n﴿وَاعْبُدُوا﴾ قال مقاتل: يعني وحدوا الرب، وقال الكلبي: أطيعوه فيما يأمركم به (٣).\nوقال أبو إسحاق: معنى الآية: فاسجدوا للذي خلق السموات والأرض، ولا تعبدوا اللات والعزى ومناة والشعرى؛ لأنه قد ذكر معبوداتهم في هذه السورة (٤).\n_________\n(١) قال ابن كثير: وفي رواية عن ابن عباس: تستكبرون، وبه يقول السدّي، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٢٦٠، وانظر: \"تهذيب اللغة\" ١٢/ ٣٧٧ (سمد). والمراد باغتلام الفحل هيجانه للضراب.\n(٢) انظر: \"جامع البيان\" ٢٧/ ٤٩، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٥٧.\nوالبرطمة هي: الانتفاخ من الغيظ والغضب.\nقال ابن القيم بعد ذكره لما تقدم في معنى الغناء: فالغناء يجمع هذا كله ويوجبه. فهذه أربعة عشر اسمًا سوى اسم الغناء.\nانظر: \"إغاثة اللهفان\" ١/ ٢٥٨.\n(٣) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٣٢ ب.\n(٤) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ٧٩.","vol":"21","page":86},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4319>سورة القمر</span>","vol":"21","page":87},{"text":"تفسير سورة القمر\nبسم الله الرحمن الرحيم\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4320>١ </span>- ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ قال ابن عباس: اجتمع المشركون إلى رسول الله -ﷺ- فقالوا: إن كنت صادقًا فشق لنا القمر فرقتين، نصف على أبي قبيس، ونصف على قعيقعان، فقال لهم رسول الله -ﷺ-: إن فعلت ذلك تؤمنون؟ قالوا: نعم، وكانت ليلة بدر (١)، فسأل رسول الله -ﷺ- ربه أن يعطيه ما قالوا فانشق القمر فرقتين، ورسول الله -ﷺ- ينادي المشركين يا فلان يا فلان اشهدوا (٢)، ونحن على هذا، قاله عامة المفسرين، إلا ما روى عثمان بن عطاء (٣) عن أبيه أنه قال: معناه وسينشق القمر (٤)، وهو محجوج بإجماع المفسرين على خلافه، وبالأخبار المتظاهرة في انشقاق القمر، فقد روى جبير بن مطعم، وأنس، وابن عباس، وحذيفة، وابن مسعود، وهؤلاء الخمسة (٥) رووا أن القمر انشق على عهد رسول الله -ﷺ-: قال\n_________\n(١) مراد المؤلف (بليلة بدر) أن القمر انشق ليلة أربع عشرة كما ورد في بعض الروايات.\n(٢) أخرج أبو نعيم في الحلية عن ابن عباس بلفظ أقرب من هذا. انظر: \"الدر\" ٦/ ١٣٣.\n(٣) في (ك): (عطية) والصواب ما أثبته. وهو عثمان بن عطاء بن أبي مسلم. أبو مسعود المقدسي، ضعيف، مات سنة (١٥٥ هـ). انظر: \"تقريب التهذيب\" ٢/ ١٢.\n(٤) انظر: \"الكشف والبيان\"، ١٢/ ٢١ ب، و\"الوسيط\" ٤/ ٢٧.\n(٥) قال ابن كثير ﵀ قد كان هذا زمان رسول الله -ﷺ- كما ورد ذلك في الأحاديث =","vol":"21","page":89},{"text":"عبد الله: فرأيت الجبل بين فلقتيه، إحداهما خلف الجبل، والأخرى فوقه (١).\n\nولأن قوله ﴿وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا﴾ يدل على أن هذا قد مضى وتقدم، وإنما ذكر اقتراب الساعة مع انشقاق القمر؛ لأن انشقاقه من علامات نبوة محمد -ﷺ-، ونبوته وزمانه من أشراط اقتراب الساعة، قال أبو إسحاق منكرًا لقول عطاء: زعم قوم عَندوا عَنِ القصد وما عليه أهل العلم أن تأويله أن القمر ينشق يوم القيامة، والأمر بين في اللفظ، وإجماع <span data-type=\"title\" id=toc-4321>(٢) </span>أهل العلم؛ لأن قوله:\n٢ - ﴿وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ فكيف يكون هذا في القيامة (٣). قال المفسرون: لما انشق القمر قال المشركون: سحرنا محمد، فقال الله تعالى ﴿وَإِنْ يَرَوْا آيَةً﴾ (٤) يعني انشقاق القمر ﴿يُعْرِضُواْ﴾، أي: عن التصديق والإيمان بها.\n﴿وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ فيه قولان:\nأحدهما: ذاهب، وهو قول أنس، ومجاهد، ومقاتل، والكلبي،\n_________\n= المتواترة بالأسانيد الصحيحة، وهذا أمر متفق عليه بين العلماء أن انشقاق القمر قد وقع في زمان النبي -ﷺ-، وأنه كان إحدى المعجزات الباهرات. \"تفسير القرآن العظيم\" ٥/ ٢٦١، وانظر: \"فتح القدير\" ٥/ ١٢، و\"روح المعاني\" ٢٧/ ٧٤ - ٧٥.\n(١) انظر: \"صحيح البخاري\"، كتاب: التفسير، سورة القمر، باب: وانشق القمر، وإن يروا آية يعرضوا ٦/ ١٧٨، \"صحيح مسلم\"، كتاب: صفة القيامة والجنة والنار، باب: انشقاق القمر، و\"مسند الإمام أحمد\" ١/ ٣٧٧، و\"المستدرك\"، كتاب: التفسير، سورة القمر، و\"سنن الترمذي\"، كتاب: \"التفسير\" ٥/ ٣٧ (٣٢٨٥).\n(٢) في (ك): (والإجماع) والصواب ما أثبته.\n(٣) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ٨١\n(٤) انظر: \"الوسيط\" ٤/ ٢٧، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٥٨، و\"فتح القدير\" ٥/ ١٢.","vol":"21","page":90},{"text":"وقتادة، واختيار الفراء والزجاج (١)، وأصله من قوله: مر الشيء على وجهه واستمر، أي: ذهب.\n\nالقول الثاني: أن معنى المستمر: القوي الشديد، وهو معنى قول ابن عباس: يريد يعلو كل سحر، وهو قول أبي العالية، والضحاك، ورواية شيبان، عن قتادة، قالوا: محكم شديد غالمب قوي (٢)، واختاره أبو عبيدة، والمبرد وابن قتيبة، فقال أبو عبيدة: (مستمر) شديد <span data-type=\"title\" id=toc-4322>(٣)</span>، وقال المبرد: هو من قولك: ذو مرة أي: قوة، ومنه أمررت الحبل إذا شددت فتله، واستمر فلان على كذا إذا قوي واستحكم معرفته، قال: ومر فلان، هو من هذا، لأن معناه على الحقيقة بَعُد ولم يرتدع، كقولك: مر السهم (٤)، ونحو هذا ذكر ابن قتيبة (٥)، وقول الربيع بن أنس، ويمان بن رباب: نافذ ماضٍ (٦) يعود إلى هذا؛ لأن نفوذه ومضاءه من قوته.\n٣ - ثم ذكر تكذيبهم فقال ﴿وَكَذَّبُوا﴾ قال ابن عباس: كذبوا النبي -ﷺ- وما عاينوا من عظمة الله وقدرته.\n﴿وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾ قال: ما زين لهم الشيطان من الباطل الذي هم\n_________\n(١) انظر: \"تفسير مجاهد\" ٢/ ٦٣٥، و\"تفسير مقاتل\" ١٣٢ ب، و\"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٢٥٧، و\"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ١٤، و\"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ٨٢.\n(٢) انظر: \"الكشف والبيان\" ١٢/ ٢٢ ب، ٢٣ أ، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٥٨، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ١٢٧.\n(٣) انظر: \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٤.\n(٤) انظر: \"تهذيب اللغة\" ١٥/ ١٩٥، و\"اللسان\" ٣/ ٤٦٦ (مرر) ولم أجده منسوبًا للمبرد.\n(٥) انظر: \"تفسير غريب القرآن\" ٤٣١.\n(٦) انظر: \"تهذيب اللغة\" ١٥/ ١٩٦، ولم ينسبه لقائل، و\"الجامع لآحكام القرآن\" ١٧/ ١٢٧.","vol":"21","page":91},{"text":"عليه (١)، وقال الكلبي: يعني عبادة الأوثان (٢).\n\n﴿وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ﴾ قال الكلبي: لكل أمر حقيقة، ما كان منه في الدنيا فسيظهر، وما كان منه في الآخرة فسيعرف (٣). ومعنى هذا ما ذكره مقاتل قال: هذا وعيد لهم. يقول: لكل حديث منتهى، يعني العذاب بعضه يقع بهم ببدر، وبعضه في الآخرة <span data-type=\"title\" id=toc-4323>(٤)</span>. وعلى هذا معنى الآية: وكل أمر مما قضاه الله من العذاب يستقر بهم في الوقت الذي قضاه، وقال قتادة: ﴿وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ﴾ فالخير (٥) يستقر قرار تكذيبهم، وقرار قول المصدقين حتى يعفروا حقيقته بالثواب والعقاب.\n٤ - وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ﴾ يعني أهل مكة ﴿مِنَ الْأَنْبَاءِ﴾ أي: من أخبار الأمم المكذبة في القرآن ﴿مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ﴾ يقال: زجرته وأزدجرته وهو كالنهي عن السوء للإنسان، ومنه قوله (وازدجر) وقد يوضع الازدجار موضع الازجار فيكون لازمًا، والدال في ازدجر مقلوب عن التاء وذلك أن الدال أقرب إلى الزاي من التاء لأنهما مجهوران والتاء مهموس.\nقال أبو الفتح الموصلي: فالافتعال إذا كان زايًا قلبت التاء دالًا نحو ازْدَجَرَ، وازْدهى، وازدار، وازدان، وازدلف، ونحو ذلك، وأصل هذا كله التاء ولكن الزاي لما كانت مجهورة، وكانت التاء مهموسة، وكانت\n_________\n(١) انظر: \"الوسيط\" ٤/ ٢٧، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٥٨.\n(٢) لم أجده.\n(٣) انظر: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٥٨، و\"فتح القدير\" ٥/ ١٢١.\n(٤) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٣٢ ب.\n(٥) كذا في (ك) وفيه سقط، وصوابه: أي بأهل الخير الخير وبأهل الشر الشر. وقال الفراء: يقول فالخير. انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ١٤، جامع البيان ٢٧/ ٥٢، و\"الوسيط\" ٤/ ٢٧.","vol":"21","page":92},{"text":"الدال (١) أخت التاء في المخرج وأخت الزاي في الجهر قربوا بعض الصوت من بعض فأبدلوا من التاء أشبه الحروف من موضعها بالزاي وهي الدال فقالوا: ازدجر (٢).\nوالمزدَجَر هاهنا بمعنى الازدجار الواقع في المعنى ما فيه ازدجار لهم ووعظ ونهي، وليس بمعنى الانزجار، لأنه لو كان لهم فيه انزجار لكانوا قد انزجروا واتعظوا.\nقال مقاتل: يعني موعظة لهم وهو النهي عن المعاصي (٣)، وقال السدي: ما فيه عظة (٤).\n\nوجماعة من أهل التفسير والمعاني حملوا المزدجر هاهنا على المطاوع لأنهم قالوا في تفسيره منتهي ومتناهي ومتعظ، وهو قول الكلبي، ومجاهد، والفراء، والزجاج <span data-type=\"title\" id=toc-4324>(٥)</span>، وعلى هذا لابد من تقدير محذوف كأنه قيل ما فيه انزجار لهم لو انزجروا، ومنتهى لو انتهوا.\n٥ - ثم قال: ﴿حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ﴾ قال مقاتل، والكلبي: يعني القرآن (٦).\nقال أبو إسحاق: رفعت حكمة بدلًا من (ما) في قوله ﴿مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ﴾، المعنى: ولقد جاءهم حكمة بالغة، وإن شئت رفعت بإضمار\n_________\n(١) في (ك): (الدال).\n(٢) انظر: \"سر صناعة الإعراب\" ١/ ١٨٥ - ١٨٦.\n(٣) انظر: تفسير مقاتل ١٣٢ ب.\n(٤) انظر: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٥٩.\n(٥) انظر: \"تفسير مجاهد\" ٢/ ٦٣٦، و\"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ١٤، و\"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ٨٥.\n(٦) انظر: \"تنوير المقباس\" ٥/ ٣٤، \"تفسير مقاتل\" ١٣٢ ب.","vol":"21","page":93},{"text":"هو ﴿حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ﴾ (١)، أي تامة قد بلغت الغاية في كل ما توصف به.\nقوله ﴿فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ﴾ ذكر الفراء، والزجاج أن (ما) يجوز أن تكون نفيًا على معنى، فليست تغني النذر، ويجوز أن يكون استفهامًا بمعنى التوبيخ ويكون المعنى فأي شيء تغني النذر إذا لم تؤمنوا (٢)، وهذا كقول ﴿وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ١٠١] فإن قدرت ما استفهاما كان في موضع النصب بتغني.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4325>٦ </span>- ثم أمره بالإعراض عنهم فقال ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ وهذا مما نسخ (٣)، وهاهنا وقف التمام (٤).\nقوله: ﴿يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ﴾ قال الزجاج: يوم منصوب بقوله ﴿يَخْرُجُونَ مِنَ آلأجْدَاثِ﴾ (٥) وقال المبرد: (يوم) ظرف لقوله ﴿وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ * يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ﴾ (٦) قال مقاتل: هو إسرافيل ينفخ قائمًا على صخرة بيت المقدس (٧) ﴿إِلَى شَىْءٍ نُّكُرٍ﴾ قال إلى أمر فظيع.\nقال ابن عباس في رواية عطاء: يريد يوم القيامة ﴿إِلَى شَىْءٍ نُّكُرٍ﴾\n_________\n(١) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ٨٥.\n(٢) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ١٥، و\"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ٨٥.\n(٣) انظر: \"الكشف والبيان\"، ١٢/ ٢٣ أ، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٥٩، و\"فتح القدير\" ٥/ ١٢١. قال مكي: وليس في سورة القمر، وسورة الرحمن، والواقعة شيء، وكذلك الحديد الإيضاح: ٤٢٤، وقال ابن الجوزي: وقد زعم قوم أن هذا التولي منسوخ بآية السيف، وقد تكلمنا على نظائره وبينا أنه ليس بمنسوخ. \"نواسخ القرآن\": ٢٣٤.\n(٤) اننطر: \"المكتفى\": ٥٤٥، و\"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ٨٦، و\"زاد المسير\" ٨/ ٩.\n(٥) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ٨٦.\n(٦) انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ١٢٩، و\"البحرالمحيط\" ٨/ ١٧٤.\n(٧) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٣٢ ب.","vol":"21","page":94},{"text":"شدة العذاب وفظاعته (١).\nوقال الكلبي: يعني حين يدعى أهل النار إلى النار (٢).\nو(نكر) معناه منكر، وهو الذي تأباه النفس من جهة نفور الطبع، وذلك أنهم لم يروا مثله قط فينكرونه استعظامًا له، وهو صفة على فُعُل، مثل: جُنب، وجُزر، وأُحد، ويجوز فيه التخفيف (٣)، وإنما وصف بأنه نكر لغلظه على النفس.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4326>٧ </span>- قوله تعالى ﴿خُشَّعًا أَبْصَارُهُم﴾ وقرئ خاشعًا (٤)، قال الفراء والزجاج: يجوز في أسماء الفاعلين إذا تقدمت على الجماعة التوحيد نحو (خاشعًا أبصارهم) والتأنيث نحو ﴿خَشِعَةً أَبْصَارُهُمْ﴾ وهو قراءة عبد الله، والجمع نحو ﴿خُشَّعًا أَبْصَرُهُمْ﴾، ويقول: مررت بشباب حسن أوجههم، وحسان أوجههم، وحسنة أوجههم، وأنشدا:\nوشباب حسن أوجههم ... من إياد بن نزار بن معد (٥)\n_________\n(١) في (ك): (فظاطته) ولم أجد الرواية عن ابن عباس، ولعل وضوح المعاني حال دون نسبة التفسير لقائل.\n(٢) انظر: \"تنوير المقباس\" ٥/ ٣٤.\n(٣) يشير المؤلف بقوله هذا إلى قراءة ابن كثير (نُكْر) بإسكان الكاف، والباقون بضمها انظر: \"حجة القراءات\" ص ٦٨٨، و\"الحجة للقراء السبعة\" ٦/ ٢٤١، و\"النشر\" ٢/ ٣٨، و\"الإتحاف\" ص ٤٤.\n(٤) قرأ أبو عمرو، وحمزة، والكسائي، ويعقوب، وخلف ﴿خَاشِعًا﴾ بفتح الخاء وألف بعدها وكسر الشين مخففة بالإفراد، وقرأ الباقون ﴿خُشَّعًا﴾ بضم الخاء وفتح الشين مشددة من غير ألف. انظر: \"حجة القراءات\" ص ٦٨٨، و\"النشر\" ٢/ ٣٨، و\"الإتحاف\" ص ٤٤.\n(٥) البيت للحرث بن دوس الأنصاري، ويروى لأبي دؤاد الأنصاري. =","vol":"21","page":95},{"text":"وأنشد الفراء:\nيرمي الفجاج بها الركبان معترضًا ... أعناق بُزَّلها مُرْخَى لها الجُدُلُ\nفلو قال معترضات أو معترضة ومرخاة أو مرخيات كان صوابا (١).\nقال أبو إسحاق: و(خشعًا) منصوب على الحال، المعنى: يخرجون من الأجداث خشعًا أبصارهم (٢).\nقال المفسرون: يعني ذليلة خاضعة أبصارهم عند معاينة العذاب (٣).\nوقال أهل المعاني: وصفت الأبصار بالخشوع؛ لأن ذلة الذليل وعزة العزيز تتبين في نظره (٤) كما قال عز ذكره: ﴿يَنُظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِىِ﴾ [الشورى: ٤٥].\nقوله تعالى: ﴿يَخْرُجُونَ مِنَ اَلأَجْدَاثِ﴾ هو قال المفسرون: يريد القبول واحدها جدث، وبنو تميم (٥) تقول بالفاء جدف (٦).\n_________\n= انظر: ديوان أبي دؤاد ص ٣٥، و\"اللسان\" (خشع)، و\"البحر المحيط\" ٨/ ١٧٥، و\"المحرر\" ١٥/ ٢٩٦، و\"شرح الأبيات\" للفارسي ص ٣٩٨.\n(١) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ١٥، ١٦، و\"جامع البيان\" ٢٧/ ٥٣، و\"البحر المحيط\" ٨/ ١٧٥، والجدُل: جمع الجديل وهو الزمام. ولم أجد البيت منسوبًا لقائل.\n(٢) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ٨٦.\n(٣) انظر: \"جامع البيان\" ٢٧/ ٥٣، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٥٣.\n(٤) انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ١٢٩، و\"فتح القدير\" ٥/ ١٢٢.\n(٥) بنو تميم: قبيلة عظيمة من العدنانية، تنتسب إلى تميم بن مرة، منازلهم بأرض نجد، تمتاز هذه القبيلة بتاريخها الحربي في الجاهلية والإسلام. انظر: \"معجم قبائل العرب\" ١/ ١٢٧، و\"نهاية الأرب\" ص ١٧٧.\n(٦) انظر: \"تهذيب اللغة\" ١/ ٦٣٤، و\"اللسان\" ١/ ٤١٢ (جدث).","vol":"21","page":96},{"text":"قوله تعالى ﴿كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ﴾ تفسير الجراد قد تقدم في سورة الأعراف (١).\nقال مقاتل: فيكثرون من الكثرة كأنهم جراد حين انتشر من موضعه (٢).\nوقال الكلبي: ينبث بعضهم في بعض (٣).\nقال أهل المعاني: المعنى أنهم يخرجون فزعين لا يهتدون فيدخل بعضهم في بعض لا جهة لأحد منهم يقصدها، فشبههم في هذا الوقت بالجراد؛ لأن الجراد لا جهة لها فتكون أبدًا مختلفة بعضها في بعض (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4327>٨ </span>- قوله تعالى: ﴿مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ﴾ قال ابن عباس: مقبلين إلى الصوت، وقال مقاتل: مقبلين سراعًا إلى صوت إسرافيل (٥).\nوذكر في تفسير مهطعين قولان: أحدهما: مسرعين. والآخر: ناظرين مديمي النظر (٦)، وقد ذكرنا ما فيه عند قوله ﴿مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ﴾ [إبراهيم: ٤٣].\nقوله تعالى: ﴿يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾ قال ابن عباس: يوم القيامة عسر على الكافرين، وعلى المؤمنين سهل يسير (٧).\nقال مقاتل: يهون على المؤمنين الحشر، والكفار ينكبون على\n_________\n(١) عند تفسيره الآية ١٣٣ من سورة الأعراف.\n(٢) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٣٢ ب.\n(٣) انظر: \"الوسيط\" ٤/ ٢٨، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٥٩.\n(٤) انظر: \"الوسيط\" ٤/ ٢٨، و\"البحر المحيط\" ٨/ ١٧٦، و\"روح المعاني\" ٨/ ٢٧\n(٥) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٣٢ ب، و\"الكشف\" ٢٣ ب، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٦.\n(٦) انظر: \"جامع البيان\" ٢٧/ ٥٣، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ١٣، و\"تهذيب اللغة\" ١/ ١٣٤، و\"اللسان\" ٣/ ٨١١.\n(٧) انظر: \"الوسيط\" ٤/ ٢٨.","vol":"21","page":97},{"text":"وجوههم فلا يقومون مقامًا إلا عسر عليهم (١)، ويقال: عَسِرَ يَعْسَر عُسْرًا فهو عَسيرٌ، وهذا كقوله ﴿فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ <span data-type=\"title\" id=toc-4328>(٩) </span>عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ [المدثر: ٩، ١٠].\n٩ - قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ﴾ ظاهر إلى قوله (وازدجر) قال ابن عباس: وانتهر، وقال الكلبي: زجر عن مقالته، وقالوا: مستطار الفؤاد (٢). يعني أنهم اتهموه بالجنون وقالوا: إنه لا عقل له، وزجروه عن دعوته.\nقال ابن زيد: توعدوه بالقتل (٣)، وقال الفراء: زجروه بالشتم (٤). وتفسير الازدجار قد مر قبيل.\nوالأفعال في هذه الآية مسندة إلى الفاعلين وبني ازدجر للمفعول لوفاق الفواصل، وإن كان للفاعلين الذين جرى ذكرهم.\nقوله ﴿مُّنْهَمِرٍ﴾ يقال: همر الماء وانهمر فهو هامر منهمر إذا سأل وانصب، قال المفسرون: منصب انصبابًا شديدًا لم ينقطع أربعين يومًا (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4329>١٢ </span>- قوله تعالى: ﴿فَالْتَقَى الْمَاءُ﴾ قال المفسرون: يعني ماء الأرض وماء السماء، قال الفراء: ولا يجوز التقى إلا للاثنين فما زاد، وإنما جاز في الماء لأنه يكون جمعًا وواحدًا (٦). يعني أنه اسم الجنس فهو يجمع ماء الأرض وماء السماء.\n_________\n(١) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٣٢ ب.\n(٢) انظر: \"تنوير المقباس\" ٥/ ٣٥، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٦.\n(٣) انظر: \"حامع البيان\" ٢٧/ ٥٤.\n(٤) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ١٦.\n(٥) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٣٣ أ، و\"الكشف والبيان\" ١٢/ ٢٤ أ، ونسبه لابن عباس والقرطبي، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٦.\n(٦) انظر: \"معاني القرآن\" ٣/ ١٦.","vol":"21","page":98},{"text":"قوله تعالى ﴿عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ فيه قولان. قال الكلبي: على أمر قد مضى عليهم (١)، وهو قول محمد بن كعب قال: كان القدر قبل النبلاء (٢). وقال مقاتل: إن ماء السماء وماء الأرض قدرهما الله تعالى أن يكونا سواء فذلك قوله ﴿عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ (٣)، والقولان ذكرهما الفراء، والزجاج (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4330>١٣ </span>- قوله تعالى: ﴿وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ﴾ يعني على سفينة ذات ألواح وهي خشباتها العريضة التي منها هيئت وجبت.\nوقوله ﴿وَدُسُرٍ﴾ معنى الدَّسْر في اللغة: الدفع الشديد، يقال دَسَرَه بالرمح ودسر جاريته بهنها عند النكاح، ومنه قول ابن عباس في العنبر: إنما هي شيء دسره البحر (٥)، أي: دفعه.\nوقال أبو إسحاق: الدُّسُر: المسامير والشروط (٦) التي تشد بها الألواح، وكل شيء كان نحو السَّمْرُ وإدخال شيء في شيء بقوة وشدة فهو الدُّسُر، يقال: دَسّرْت (٧) المسمار في الخشبة أدْسُرُه وأدسِرُه دَسْرًا، والدُّسُرُ واحدها دِسَار، نحو حِمَار وحُمُر (٨).\nقال ابن عباس ومقاتل والكلبي وجماعة المفسرين: يعني المسامير\n_________\n(١) انظر: \"تنوير المقباس\" ٥/ ٣٥.\n(٢) انظر: \"جامع البيان\" ٢٧/ ٥٥، و\"الكشف والبيان\" ١٢/ ٢٤ ب.\n(٣) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٣٣ أ.\n(٤) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ١٦، و\"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ٨٧\n(٥) انظر: \"الكشف والبيان\"، ١٢/ ٢٤ ب، و\"تهذيب اللغة\" ١٢/ ٣٥٥، و\"اللسان\" ١/ ٩٧٦ (دسر).\n(٦) الشروط: جمع شريطة وهي حبال يُربط بها.\n(٧) في (ك): (جرست) والصواب ما أثبته.\n(٨) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ٨٧، ٨٨.","vol":"21","page":99},{"text":"والشروط، وكل ما شدت به السفينة (١).\nوذُكِر في الدسر قولان آخران.\nأحدهما: أن الدسر هو دفعها الماء بكلكلها (٢)، حكاه أحمد بن يحيى، ورواه معمر عن الحسن، قال: تدسر الماء بصدرها (٣). والدسر على هذا يجب أن يكون مصدرًا.\nوالثاني: أن الدسر هو صدرها الذي ترفع به الماء وتدسر وهو جؤجؤها (٤). وهذا القول يروى عن شهر بن حوشب، ورواه عطيه عن ابن عباس (٥). والقول هو الأول (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4331>١٤ </span>- قوله تعالى: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾. قال المفسرون وأهل المعاني: بمنظر ومرأى منا وحفظ. وهذا كقوله ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [هود: ٣٧] وقد مر.\nقوله تعالى: ﴿جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ﴾ قال مقاتل: يعني نوحا؛ لأنه المكفور به (٧).\n_________\n(١) انظر: \"تنوير المقباس\" ٥/ ٣٥، و\"تفسير مقاتل\" ١٣٣ أ، و\"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ١٦، و\"جامع البيان\" ٢٧/ ٥٥.\n(٢) الكْلكْل: الصدر من كل شيء، وقيل: هو ما بين التَّرْقُوَتَيْن، وقيل: هو باطن الزَّرْرِ. \"اللسان\" ٣/ ٢٩ (كلل).\n(٣) انظر: \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٢٥٨، و\"تهذيب اللغة\" ١٢/ ٣٥٥ (دسر).\n(٤) الجؤجؤ: عظام الصدر وجمعه الجآجئ، وجُؤْجُؤ السفينة والطائر: صدرهما. اللسان (جأجأ).\n(٥) انظر: \"جامع البيان\" ٢٧/ ٥٥، و\"الكشف والبيان\" ١٢/ ٢٤ ب، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٦.\n(٦) قال ابن كثير: قال ابن عباس، وسعيد بن جبير، والقرظى، وقتادة، وابن زيد: هي المسامير، واختاره ابن جرير ... \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٢٦٤.\n(٧) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٣٣ أ.","vol":"21","page":100},{"text":"قال الفراء: يقول فعلنا به وبهم ما فعلنا من إنجائه وإغراقهم لما صنع بنوح، قال: وفي (لمن) معنى ما، ألا ترى أنك تقول: غرقوا لنوح ولما صنع بنوح (١)، هذا كلامه، والمعنى: فعلنا ذلك ثوابًا لمن كفر به وجحد أمره، وهو نوح -﵇-.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4332>١٥ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً﴾ ذكر في الضمير في (تركناها) قولان:\nأحدهما: أنها للسفينة المذكورة في قوله ﴿ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ﴾؛ لأن المراد بها السفينة، وهو قول قتادة، قال: أبقى الله سفينة نوح على الجودي حتى أدركتها أوائل هذه الأمة. (٢)\nالثاني: قال أبو إسحاق: المعنى تركنا هذه الفعلة وأمر سفينة نوح آية، أي علامة ليعتبر بها (٣)، يدل على صحة هذا المعنى قوله ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ (١١) لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١١، ١٢]، والتذكير يكون بالحمل في الجارية، والمعنى: لنجعل تلك الفعلة التي فعلنا.\nقوله تعالى ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ قال مقاتل: فهل من متذكر يعلم أن ذلك حق فيعتبر ويخاف. (٤)\nقال أبو إسحاق: وأصله مُذْتَكِر، ولكن التاء أبدل منها الدال، والذال من موضع التاء، وهي أشبه بالدال من التاء، وأدغمت الذال في الدال (٥). هذا كلامه، وإنما فُعل ذلك؛ لأن التاء مهموس، والدال مجهور، وهي من\n_________\n(١) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ١٧.\n(٢) انظر: \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٢٥٨.\n(٣) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ٨٨.\n(٤) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٣٣ أ.\n(٥) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ٨٨، و\"سر صناعة الإعراب\" ١/ ١٨٧، ١٨٨.","vol":"21","page":101},{"text":"مخرج التاء، والدال أيضًا مجهور، والمجهور بالمجهور أشبه، فصار كما ذكرنا في (مزدجر).\nقال أبو علي الفارسي: وقالوا الذكر بالذال، حكاه سيبويه، وكط ك روي بيت ابن مقبل: من بعض ما يعتري قلبي من الذَّكر. (١)\nوذلك لما كثر تصرف الكلمة بالدال نحو ادَّكر، وهل من مدكر أشبهت تقوى وتقية وتقاة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4333>١٦ </span>- قوله تعالى ﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾ كيف استفهام عن تلك الحالية، ومعناه التعظيم لذلك العذاب. والتعجب منه للسامعين.\nقوله تعالى: ﴿وَنُذُر﴾ النذر اسم من الإنذار يقوم مقام المصدر، قال الفراء: النذر هاهنا مصدر معناه: فكيف كان إنذاري (٢).\nوقال أبو علي: النذر والنذير مثل المنكر والنكير وهي جميعًا مصدران، ومنه قوله ﴿عُذْرًا أَوْ نُذْرًا﴾ (٣) [المرسلات: ٦] ونذكر الكلام هناك إن شاء الله، والمعنى: كيف كان إنذاري إياهم، إذ دعاهم نوح إلى الإيمان فلم يؤمنوا، وفي هذا تخويف للمشركين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4334>١٧ </span>- قوله تعالى ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾ اختلفوا في هذا على قولين:\nأحدهما: أن المراد بالذكر هاهنا الحفظ والقراءة، وهو قول سعيد بن جُبير، وليس من كتب الله كتاب يقرأ كله ظاهرًا إلا القرآن (٤).\n_________\n(١) انظر: \"الكتاب \" ٤/ ٤٢١، و\"ديوان ابن مقبل\" ص ٨١، و\"سر صناعة الإعراب\" ١/ ١٨٨، و\"الخصائص\" ١/ ٣١٥، و\"المنصف\" ٣/ ١٤.\n(٢) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ١٧.\n(٣) انظر: \"الحجة\" ٦/ ٣٦٣، و\"البسيط\" ١١٦ أ، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ١٣٤.\n(٤) انظر: \"الكشف والبيان\" ١٢/ ٢٥ أ، و\"الوسيط\" ٤/ ٢٩، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٦١، و\"زاد المسير\" ٨/ ٩٤.","vol":"21","page":102},{"text":"وقال مقاتل: لولا أن الله يسر القرآن ما استطاع أحد أن يتكلم بكلام الله، ولكن الله يسره على خلقه (١).\nوقال الزجاج: قيل: إن كتب أهل الأديان نحو التوراة والإنجيل إنما يتلوها أهلها نظرًا، ولا يكادون يحفظون كتبهم من أولها إلى آخرها كما يحفظ القرآن (٢).\nوعلى هذا القول معنى قوله ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ أي هل من ذاكر يذكره، وقارئ يقرأه، ومعناه الحث على قراءة القرآن ودرسه وتعلمه وتفهم معانيه، وهذا معنى قول مطر الوراق: هل من طالب علم فيعان عليه (٣).\n\nالقول الثاني: أن معنى الذكر هاهنا الاعتبار والتفكر، قال مقاتل: يعني ليتذكروا ما فيه (٤)، والمعنى: هونّاه بأن جعلنا ألفاظه سهلة مفهومة لا صعبة متعقدة كما قال ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء:<span data-type=\"title\" id=toc-4335> ١٩</span>٥]، وبينا فيه المواعظ والمزاجر، فهذا معنى ﴿يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾.\nوقوله ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ أي من متعظ معتبر خائف، وهذا معنى قول ابن عباس في رواية عطاء، قال: يريد سهلنا القرآن لكل متعظ (٥).\n\n١٩ - قوله تعالى ﴿رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ﴾ ذكرنا تفسيره في قوله ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ﴾ [فصلت: ١٦]. قال ابن عباس:\n_________\n(١) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٣٣ أ، ورواه البيهقي في \"الأسماء والصفات\" ٢/ ٨، عن ابن عباس بسند ضعيف.\n(٢) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ٨٨.\n(٣) انظر: \"جامع البيان\" ٢٧/ ٥٧، و\"الكشف والبيان\"، ١٢/ ٢٥ أ، و\"الدر\" ٦/ ١٣٥.\n(٤) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٣٣ أ.\n(٥) لم أجد هذا القول منسوبًا. وانظر: \"الكشف والبيان\" ١٢/ ٢٥ أ.","vol":"21","page":103},{"text":"كانوا يتشاءمون بذلك اليوم (١).\nوقال الكلبي: كان شؤم ذلك اليوم عليهم (٢).\nقال أبو إسحق: قيل في يوم أربعاء في آخر الشهر لا يدور (٣)، ومعنى مستمر دائم الشؤم.\nقال الفراء: استمر عليهم بنحوسته (٤)، وتفسير المستمر قد مر في هذه السورة (٥).\nومعنى ﴿نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ﴾ قوي يأتي عليهم فيهلكهم حتى لا يبقى منهم أحدًا.\nوروي عن قتادة أنه قال: استمر بهم إلى نار جهنم (٦)، وفي هذا نحتاج إلى تقدير محذوف.\n_________\n(١) انظر: \"الوسيط\" ٤/ ٢١، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ١٣٥.\n(٢) انظر: \"تنوير المقباس\" ٥/ ٣٧.\n(٣) انظر: \"معاني القرآن\" ٥/ ٨٩، قال الألوسي: على معنى أن ابتداء إرسال الرياح كان فيه فلا ينافي آيتي فصلت، والحاقة. \"روح المعاني\" ٢٧/ ٨٥.\n(٤) انظر: \"معاني القرآن\" ٣/ ١٨ قال ابن كثير: ومن قال إن اليوم النحس المستمر هو يوم الأربعاء وتشاءم به لهذا اللهم فقد أخطأ وخالف القرآن، فإنه قال في الآية الأخرى ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ﴾ ومعلوم أنها ثمانية أيام متتابعات فلو كانت نحسات في أنفسها لكانت جميع الأيام السبعة المندرجة فيها مشؤومة. وهذا لا يقوله أحد، وإنما المراد في أيام نحسات أي عليهم. انظر: البداية والنهاية ١/ ١٢٨.\n(٥) ذكر المؤلف معنين لقوله تعالى ﴿وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾، أحدهما: ذاهب، والآخر: قوي شديد، وهذا المعنى يفسر به الاستمرار هنا دون الأول، والله أعلم.\n(٦) انظر: \"جامع البيان\" ٢٧/ ٥٨، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٢٦٤، و\"روح المعاني\" ٢٧/ ٨٣ - ٨٤، وفيه زيادة بيان وإيضاخ.","vol":"21","page":104},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4336>٢٠ </span>- قوله تعالى ﴿تَنْزِعُ النَّاسَ﴾ أي تقلعهم، قال ابن عباس: اقتلعتهم الريح من تحت أقدامهم (١)، وقال السدي: تنزع الناس من البيوت (٢).\nوروي عن النبي -صلي الله عليه وسلم - أنه قال: \"انتزعت الريح الناس من قبورهم\" (٣).\nقوله تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ على تقدير فتتركهم كأنهم أعجاز نخل، وذلك أنهم إنما أشبهوا أعجاز النخل عند سقوطهم لا عند نزعهم، وقال الزجاج: كأنهم هاهنا في موضع الحال، والمعنى تنزع الناس مشبهين النخل المنقعر وهو المقطوع من أصوله (٤)، وعلى ما ذكر لا إضمار في الآية.\nوأعجاز جمع عَجُز، وهو مؤخر الشيء، وشبههم بأعجاز النخل؛ لأن الريح قلعت رؤوسهم أولا ثم كبتهم لوجوههم (٥).\nوقوله: ﴿مُنْقَعِرٍ﴾ قال ابن السكيت: يقال: قعرت النخلة: إذا قلعتها من أصلها حتى تسقط، وقوإنقعرت هي أي: انقلعت وسقطت (٦)، قال الفراء: يقول أسَافِلَ نخل مصرع (٧)، وقال أبو عبيدة: منقلع (٨)، قال\n_________\n(١) انظر: \"الوسيط\" ٤/ ٢١، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ١٣٦.\n(٢) انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ١٣٦، و\"فتح القدير\" ٥/ ١٢٥.\n(٣) وأورده الثعلبي في \"تفسيره\" ٢٥ ب، والقرطبي في \"جامعه\" ١٧/ ١٣٦ وقال الشوكاني في \"تفسيره\" ٥/ ١٢٥ \"وقيل من قبورهم لأنهم حفروا حفائر ودخلوها\".\n(٤) انظر: \"معاني القرآن\" ٥/ ٨٩.\n(٥) انظر: \"جامع البيان\" ٥٨/ ٢٧ - ٥٩، عن قتادة، ومجاهد، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٢٦٤.\n(٦) انظر: \"تهذيب اللغة\" ١/ ٢٢٨ (قعر).\n(٧) انظر: \"معاني القرآن\" ٣/ ١٨.\n(٨) انظر: \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٤١.","vol":"21","page":105},{"text":"مجاهد: سقطت رؤوسهم أمثال الأخبية وتفردت أعناقهم، فشبههم بأعجاز نخل منقعر (١).\nقال المفسرون: شبههم لطول قاماتهم حين صرعتهم الريح وكبتهم على وجوههم بالنخيل الساقطة على الأرض التي ليست لها رؤوس (٢)، والعرب تشبه الرجال إذا انكبوا على وجوههم على الأرض بالنخيل الساقطة، ومنه قول الشاعر يزيد بن عمرو (٣) يرثي قومه:\nألا من رأى قومي كأن رجالهم ... نخيل أتاها عاضد فأمالها (٤)\nوتذكير المنقعر للفظ النخل وهو من الجمع الذي يذكر ويؤنث، وتأنيثه قد جاء في قوله عز ذكره ﴿نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٧].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4337>٢٣ </span>- ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ﴾ قال ابن عباس: يريد ما جاءهم به صالح (٥)، وعلى هذا معنى النذر: الإنذار، كما ذكرنا في قوله ﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾ وقال مقاتل: يعني بالرسل (٦)، وعلى هذا النذر: جمع نذير، وتكذيبهم صالحًا تكذيب لجميع الرسل؛ لأن الإيمان بالجميع واجب.\nثم أنكروا أن يكونوا تبعًا لواحد منهم، وهو قوله:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4338>٢٤ </span>- ﴿فَقَالُوا أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ﴾ أي هو آدمي مثلنا وهو واحد فلا\n_________\n(١) انظر: \"جامع البيان\" ٢٧/ ٥٩.\n(٢) انظر: \"الكشف والبيان\" ١٢/ ٢٥ ب، و\"الوسيط\" ٤/ ٢١، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٢١٦، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ١٣٧.\n(٣) لم أجد له ترجمة.\n(٤) انظر: \"الحماسة\" لأبي تمام ٢/ ٤٧٣، وفيها: (قومي) بدلا من قومًا. و(عاضد) بدلا من (عاصف).\n(٥) ذكره المفسرون لبيان المعنى ولم ينسب لقائل.\n(٦) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٣٣ ب.","vol":"21","page":106},{"text":"نكون له تبعًا ﴿إِنَّا إِذًا﴾ إن فعلنا ذلك ﴿لَفِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ﴾ قال الكلبي: خطأ ذهاب عن الحق (١).\n﴿وَسُعُرٍ﴾ قال أبو عبيدة: جمع سُعْر (٢). والمفسرون وأهل المعاني ذكروا في السعر معنيين.\nقال مقاتل: يعني شقاء وعناء، وهو قول قتادة، والكلبي (٣)، واختيار الفراء، قال: أراد بالسعر العناء للعذاب (٤)، وهو قول الحسن، قال: أراد شدة العذاب (٥)، ويكون المعنى على هذا القول: إنا إن اتبعناه فنحن في ضلال وفي عذاب مما يلزمنا.\nوقال عطاء عن ابن عباس: وجنون (٦). وأصل هذا من قولهم: ناقة مسعورة، إذا كانت كأن بها جنونًا، ومنه قول الشاعر:\nتخال بها سُعْرا إذا العيس هزها ... ذميل وإيضاع من السير متعب (٧)\nوذكر أبو إسحق القولين (٨)، والمبرد ذكرهما وجمع بينهما فقال:\n_________\n(١) انظر: \"الكشف والبيان\" ١٢/ ٢٦ أ، و\"الوسيط\" ٤/ ٢١، و\"البغوي\" ٤/ ٢٦١.\n(٢) انظر: \"جامع البيان\" ٢٧/ ٥٩، و\"فتح القدير\" ٥/ ١٢٦ ونسبه الثعلبي في \"تفسيره\" ١٢/ ٢٦ أإلى سفيان ابن عيينة.\n(٣) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٣٣ ب، و\"جامع البيان\" ٢٧/ ٥٩، و\"الكثمف والبيان\"، ١٢/ ٢٦/ أ.\n(٤) انظر: \"معاني القرآن\" ٣/ ١٨.\n(٥) انظر: \"الكشف والبيان\" ١٢/ ٢٦ أ، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٦١ - ٢٦٢.\n(٦) انظر: \"زاد المسير\" ٨/ ٩٦، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ١٣٨.\n(٧) لم أجده منسوبًا، وقد ورد في \"تخريجات الكشاف\" ص ١٥، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ١٣٨، و\"البحر المحيط\" ٨/ ١٨، وفي الألفاظ اختلاف يسير، والذميل ضرب من سير الإبل. \"اللسان\" (ذمل).\n(٨) انظر: \"معاني القرآن\" ٥/ ٨٩.","vol":"21","page":107},{"text":"سعر جمع سعير، وهو لهب النار، ويقال: سُعُر: جنون، من قولهم: ناقة مسعورة، وجمل مسعور، ويذهبون إلى أن هذا من ذلك، وأنه قال للمجنون مسعور؛ لأنه لا يستقر يذهب كذا وكذا لما يلتهب فيه من الحدة فتنزيله مرة كذا ومرة كذا (١). ثم أنكروا أن يكون الوحي يأتيه فقالوا:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4339>٢٥ </span>- ﴿أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا﴾ قال أبو عبيدة: يعنون أجاء الذكر، كما يقول: ألقيت عليه المسألة، وألقيت عليه حسابًا (٢).\nقال ابن عباس، والكلبي: يقولون: أجاءته النبوة وخص بها من بيننا (٣)، وقال مقاتل: يعني الوحي (٤).\n﴿بَلْ هُوَ كَذَّابٌ﴾ افتعل ما يقول. ﴿أَشِرٌ﴾. قال أبو عبيدة: الأشر: المرح والتجبر والكبرياء، وربما كان من النشاط (٥).\nوقال المبرد: الأشر البطر، يقال: أشر يأشر أشرًا إذا طغى وعلا متبجحًا فرحًا (٦).\nوقال الأزهري: الأشَر المَرح، ورجل أَشِر وأشْران، وقوم أُشَارَى، ورجل مئشِر، وكذلك امرأة مِئْشِر بغير هاء (٧).\n_________\n(١) لم أجده عن المبرد. وانظر: \"تهذيب اللغة\" ٢/ ٨٧، و\"اللسان\" ٢/ ١٤٨ (سعر).\n(٢) انظر: \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٤١.\n(٣) انظر: \"تنوير المقباس\" ٥/ ٣٧، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ١٣٨.\n(٤) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٣٣ ب، انظر: \"الكشف والبيان\" ١٢/ ٢٦ ب.\n(٥) انظر: \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٤١.\n(٦) لم أجده عن المبرد، وانظر: \"اللسان\" ١/ ٦٥ (أشر).\n(٧) انظر: \"تهذيب اللغة\" ١١/ ٤١ (وشر).","vol":"21","page":108},{"text":"وقال الكسائي،، والفراء: الأشِر والأشُر بكسر الشين وضمها نحو الحذِر والحَذُر، والفطِنُ والفطُن، والعجِلُ والعَجُلُ، والضم قراءة مجاهد (١).\nقال المفسرون: أشر: بطر مرح متكبر يريد أن يتعظم علينا بالنبوة.\nقال ابن عباس: وكان صالح بن عبيد شريفًا سيدًا من أشرف بطن فيهم، فقال الله تعالى:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4340>٢٦ </span>- ﴿سَيَعْلَمُونَ غَدًا﴾ يعني عند نزول العذاب، وهو تهديد لهم وإنما قال (غدًا) (٢) للتقريب على عادة الناس، كقوله تعالى: ﴿وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ [الحشر: ١٨]، واسم الغد يقع على ما بعد يومك الذي أنت فيه قرب أو بعد، ولكن العادة جرت إطلاقه على القريب، وغد من الأسماء الناقصة كاليد والفم، وأصله غدو، وربما يستعمل على الأصل، قال الشاعر:\nوما النَّاسُ إلا كالدَّيار وأهلِها ... بها يوْمَ حَلُّوها وَغَدْوًا بَلاقِعُ (٣)\nويقال في المثل إن مع اليوم أخاه غدوا (٤).\nومعنى (غدًا) هاهنا يجوز أن يكون اليوم الذي نزل بهم العذاب، هددوا بذلك اليوم.\n_________\n(١) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ١٨، و\"جامع البيان\" ٢٧/ ٥٩، و\"الكشاف\" ٤/ ٤٧، و\"البحر المحيط\" ٨/ ١٨، وزاد نسبة القراءة لأبي قيس الأودي، و\"روح المعاني\" ٢٧/ ٨٩.\n(٢» (غدًا) ساقطة من (ك).\n(٣) البيت للبيد، كما في \"ديوانه\" ص ١٦٩، و\"الكتاب مع شرح شواهده\" للأعلم ٢/ ٨، و\"شرح المفصل\" ٦/ ٤، \"أمالي ابن الشجري\" ٢/ ٣٥، و\"المصنف\" ١/ ٦٤.\n(٤) انظر: \"تهذيب اللغة\" ٨/ ١٧، \"اللسان\" ٢/ ٩٦٢ (غدا).","vol":"21","page":109},{"text":"هذا معنى قول مقاتل (١)، وقال الكلبي: يعني يوم القيامة (٢).\nوقرئ (ستعلمون) بالتاء (٣)، وعلى هذا هو من كلام صالح أجابهم بهذا، فقال (ستعلمون غدًا من الكذاب الأشر) منا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4341>٢٧ </span>- قوله تعالى ﴿إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ فِتْنَةً﴾ قال ابن عباس (٤) وذك أنهم تعنتوا على صالح فسألوه أن يخرج لهم من صخرة ناقة حمراء عشراء تضع، ثم ترد ماءهم فتشربه، ثم تغدو عليهم بمثله لبنًا، فقال الله تعالى ﴿إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ﴾ أي باعثوها بإنشائها، فتكون هي مرسلة ولا تكون رسولًا؛ لأن الرسول من حمل الرسالة وكلف أداءها.\n﴿فِتْنَةً لَهُمْ﴾ أي محنة واختبارا. قال أبو إسحق: فتنة مفعول له. المعنى لنفتنهم (٥).\nقوله تعالى: ﴿فَارْتَقِبْهُمْ﴾ أي انتظر ما هم صانعون، ﴿وَاصْطَبِرْ﴾ على ما يصيبك من الأذى، قال الكلبي: أمره بالصبر لما سبق في علمه أنهم سيكذبونه (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4342>٢٨ </span>- قوله تعالى: ﴿وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ﴾ يعني بين ثمود وبين\n_________\n(١) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٣٣ ب، انظر: \"الكشف والبيان\"، ١٢/ ٢٦ أ.\n(٢) انظر: \"تنوير المقباس\" ٥/ ٣٨، و\"جامع البيان\" ٢٧/ ٥٩، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٦٢.\n(٣) قرأ ابن عامر، وحمزة: (ستعلمون) بالتاء، وقرأ الباقون ﴿سَيَعْلَمُونَ﴾ بالياء. انظر: \"الحجة\" ٦/ ٢٤٣، و\"حجة القراءات\" ص ٦٨٩، و\"النشر\" ٢/ ٣٨، و\"الإتحاف\" ص ٤٥.\n(٤) انظر: \"جامع البيان\" ٢٧/ ٦، و\"الوسيط\" ٤/ ٢١١، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٦٢، و\"زاد المسير\" ٨/ ٩٧.\n(٥) انظر: \"معاني القرآن\" ٥/ ٨٩.\n(٦) لم أجده.","vol":"21","page":110},{"text":"الناقة، يوم لها ويوم لهم، كما قال ﴿لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الشعراء: ١٥٥] هذا قول الجميع، وإنما لم يقل بينهم وبين الناقة؛ لأن الناقة داخلة في قوله (بينهم) وذلك أن العرب إذا أخبرت عن البهائم، وعن بني آدم غلبوا بني آدم على البهائم.\nقال ابن عباس: كان يوم شربهم لا تشرب الناقة فيه شيئًا من الماء وتسقيهم لبنًا، وكانوا في شيء من النعيم لا يعرف قدره، وإذا كان يوم الناقة شربت الماء كله فلم تبق لهم شيئًا (١)، فذلك قوله ﴿كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ﴾ يحضر القوم يومًا وتحضر الناقة يومًا، فيحضر الشرب من كانت نوبته، وحضر واحتضر واحد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4343>٢٩ </span>- قوله: ﴿فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ﴾ يعني عاقر الناقة قدار بن سالف (٢)، ويقال له أحمر ثمود.\n﴿فَتَعَاطَى فَعَقَرَ﴾ تفاعل من العطو، وهو التناول باليد ومنه:\nكأن ظبية تعطو إلى ناضر السلم\nومنه الإعطاء، والمعاطاة، والتعاطي، غير أن بعضهم ذكر في التعاطي أنه تناول ما لا يحل (٣).\nقال المفسرون: تعاطى الناقة وتناولها بالسيف فعقرها، ومضى تفسير العقر (٤).\n_________\n(١) انظر: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٦٢، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ١٤.\n(٢) في (ك): (سالم) والصواب ما أثبته.\nوانظر: \"المعارف\" ص ٢٩، و\"تاريخ الأمم والملوك\" ١/ ١٣٩.\n(٣) انظر: \"اللسان\" ٢/ ٨١٥ - ٨١٦ (عطا).\n(٤) عند تفسيره الآية (٧٧) من سورة الأعراف.","vol":"21","page":111},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4344>٣١ </span>- قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ يعني الصاعقة التي أخذتهم وهي مذكورة في مواضع من التنزيل، وقال عطاء: يريد صيحة جبريل (١).\n﴿فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ﴾ قال أبو عبيدة: الهشيم ما يبس من الشجر أجمع (٢).\nوقال المبرد: الهشيم حطام البقل (٣).\nوقال أبو إسحق: هو ما يبس من الورق وتكسر وتحطم (٤)، ومضى تفسير الهشيم عند قوله ﴿فَأَصْبَحَ هَشِيمًا﴾ [الكهف: ٤٥].\nوالمحتظر مفتعل من الحظير، ومعنى المحتظر في كلام العرب: المنع، ذكرنا ذلك عند قوله ﴿وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾ [الإسراء: ٢] ويقال: احتظر على نَعَمِهِ وحظر إذا جمع الشجر ووضع بعضه فوق بعض ليمنع برد الريح عن النَعَم، ويقال لذلك المانع حَظَارٌ بفتح الحاء وكسره، وكذلك الحطب الرطب الذي يحظر به حظر، ومنه قول الشاعر:\nولم يَمْشِ بينَ الحَيَّ بالحَظِرِ الرّطْبِ (٥)\n_________\n(١) انظر: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٦٢، و\"زاد المسير\" ١/ ٩٧، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ١٤٢.\n(٢) انظر: \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٤١.\n(٣) انظر: \"الوسيط\" ٤/ ٢١١.\n(٤) انظر: \"معاني القرآن\" ٥/ ٩.\n(٥) اليت لمالك بن أبي كعب. وصدره:\nمن البيض لم تصطد على خيل لأمة\nوانظر: تهذيب اللغة ٤/ ٤٥٥، و\"اللسان\" ١/ ٦٦٦ (حظر)، و\"الكشاف\" ٤/ ٢٩٧، و\"تفسير الماوردي\" ٤/ ٥٤٢.","vol":"21","page":112},{"text":"قال أبو عبيدة، والمبرد، والزجاج: المحتظر صاحب الحظيرة (١).\nواختلفوا في (هشيم المحتظر) ما هو؟ فقال الكلبي: وذلك أن الرجل كان يجعل لغنمه حظيرة يحظرها فيها دون السباع (٢) من الشجر، فما سقط من ذلك الشجر وداسته الغنم فهو هشيم، فشبه القوم به حين فرقت حومهم وعظامهم (٣)، وهذا القول اختيار الزجاج، فقد قال: كانوا كالهشيم الذي يجمعه صاحب الحظيرة (٤).\nوهذا يحتمل أنه أراد الذي صار هشيمًا مما جمعه، ويحتمل أنه أراد أن صاحب الحظيرة، وهو صاحب الماشية يجمع الهشيم لعلف ماشيته، وقد صرح المبرد بهذا فقال: المحتظر هو الذي يجمع الهشيم لغنمه، فاضيف إليه؛ لأنه يجمعه. ونحو هذا قال ابن قتيبة: يعني الذي يجمع الحشيش في الحظيرة لغنمه (٥).\nوقال مقاتل: شبههم في الهلاك بالهشيم البالي، وهو الحظيرة من قصب يصيبها ماء السماء وحر الشمس فتبلى من طول الزمان (٦).\nوقال الفراء: معنى قولهم: كهشيم المحتظر، أي كهشيم الذي يحتظر على غنمه (٧).\n_________\n(١) انظر: \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٤١ و\"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ٩.\n(٢) في (ك): (الشمال).\n(٣) انظر: \"جامع البيان\" ٢٧/ ٦١، عن الضحاك، انظر: \"الكشف والبيان\" ١٢/ ٢٧ أ، عن ابن عباس، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٦٢، عن ابن عباس.\n(٤) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ٩.\n(٥) انظر: \"تفسير غريب القرآن\" ص ٤٣٤.\n(٦) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٣٣ ب.\n(٧) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ١٨.","vol":"21","page":113},{"text":"قال الأزهري: أراد أنه حظر حظارًا رطبًا على حظار قديم قد يبس (١). والمعنى أنهم بادوا وهلكوا فصاروا كيابس الشجر إذا تحطم. وقال عطاء عن ابن عباس: يريد مثل القمح الذي قد يبس وهشم (٢). وعلى هذا المحتظر الذي يتخذ حظيرة على زرعه، والهشيم فتات السنبل وقصب القمح إذا ديس. وذكر في الآية قولان فاسدان.\nأحدهما: كالتراب الذي يتناثر من الحائط (٣)، وذلك لا يسمى هشيمًا. والآخر: كالعظام المحترقة (٤)، وهذا بعيد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4345>٣٤ </span>- قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا﴾ معنى الحصب في اللغة الرمي، ذكرنا ذلك في قوله: ﴿حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩]، والحاصب الرامي، ويكون الذي يرمى به، قال النضر: الحاصب الحصباء في الريح، كان يومنا ذا حاصب، وريح حاصبةٌ وحَصِبَة فيها حصباء، قال ذو الرمة:\nحَفيِفُ نافجةٍ عُثْنونُها حَصِب (٥)\nوقال أبو عبيدة: الحاصب الحجارة، وقد تكون من الجليد، وأنشد\n_________\n(١) انظر: \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٤٥٤ (حظر).\n(٢) انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ٢٤٣.\n(٣) قاله سعيد بن جُبير. انظر: \"جامع البيان\" ٢٧/ ٦١، انظر: \"الكشف والبيان\" ١٢/ ٢٧ ب، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٦٢.\n(٤) قاله قتادة انظر: \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٢٥٩، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ١٤٢.\n(٥) انظر: \"ديوان ذي الرمة\" ١/ ١٢٦، و\"تهذيب اللغة\" ٤/ ٢٦١، و\"اللسان\" ١/ ٦٤٩ (حصب) وصدر البيت:\nيَرْقُدُ في ظِلَّ عراض ويَطْرُدُهُ\nوالنافجة: كل ريح تبدأ بشدة،: وقيل أول كل يح تبدأ بشدة. \"اللسان\" ٣/ ٦٨٣ (نفج).","vol":"21","page":114},{"text":"للفرزدق (١):\nمستقبلين شمال الشام تضربنا ... بحاصب كنديف القطن منثور\nقال المبرد: يعني الثلج؛ لأن الريح ترميهم به في قصدهم الشام، قال: ومنه المحصب لأن فيه الحصى الذي قد رمي به، وأنشد قول العامري:\nولم أر ليلى غير موقف ساعة ... ببطن مني ترمي جمار المحصب\nويروى المحصب بكسر الصاد نسب إلى الرامي.\nقال ابن عباس: يريد ما حصبوا به من السماء من الحجارة (٢)، وقال مقاتل: يعني الحجارة من فوقهم، ونحو هذا قال الضحاك (٣)، والحاصب على هذا القول الحجارة التي يحصب بها. أي يُرمى.\nوقال آخرون: يعني عذابًا يحصبهم، أي: يرميهم بحجارة من سجيل. وعلى القول الأول سمي ما يحصب به حاصبا؛ لأنه كأنه يرمي نفسه كالثلج لا يرى له رام، فكأنه هو فاعل الرمي، وكذلك حجارة قوم لوط لم ير لها رام، فسمي ما حصبوا به حاصبا على هذا المعنى.\nقوله تعالى: ﴿إِلَّا آلَ لُوطٍ﴾ يعني لوطًا وابنتيه.\n﴿نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ﴾ قال أبو إسحق: سحر إذا كان نكرة يراد به سحر من الأسحار انصرف، تقول: أتيت زيدًا سحرًا، فإذا أردت يومك، قلت: أتيته سَحَرَ يا هذا، وأتيته بسحر (٤).\nقال الفراء: إنما ترك إجراؤه لأن كلامهم كان فيه بالألف واللام\n_________\n(١) انظر: \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٤١.\n(٢) انظر: \"الوسيط\" ٤/ ٢١١.\n(٣) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٣٣ ب، و\"الثعلبي\" ١٢/ ٢٧ ب، و\"البغوي\" ٤/ ٢٦٣.\n(٤) انظر: \"معانى القرآن\" للزجاج ٥/ ٩.","vol":"21","page":115},{"text":"تقول العرب: ما زال عندنا مذ السحر. لا يكادون يقولون غيره، فلما حذفت منه الألف واللام وفيه نيتهما لم يصرف (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4346>٣٥ </span>- قوله تعالى: ﴿نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنَا﴾ منصوب مفعول له، المعنى: نجيناهم للإنعام عليهم ﴿كَذلِكَ﴾ أنعمنا عليهم ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ﴾ قال مقاتل: يعني من وحد الله لم يعذب مع المشركين في الدنيا كقوله ﴿وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٥] يعني الموحدين (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-4347>٣٦ </span>- قوله: ﴿وَلَقَدْ أَنذَرَهُم بَطْشَتَنَا﴾ قال ابن عباس: عذابنا (٣).\nوالمعنى: أَخْذَتنا إياهم بالعذاب.\n﴿فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ﴾ قال مقاتل: شكوا في العذاب أنه غير نازل بهم (٤)، وقال قتادة: لم يصدقوه (٥).\nوقال الفراء: كذبوا بما قال لهم (٦)، وقال ابن قتيبة: شكوا بالإنذار (٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4348>٣٧ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ﴾ ذكرنا تفسير المراودة في سورة يوسف (٨)، والمعنى: طلبوا أن يخلي بينهم وبينهم، ﴿فَطَمَسْنَا\n_________\n(١) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ١٩.\n(٢) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٣٤ أ.\n(٣) انظر: \"تنوير المقباس\" ٥/ ٣١، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ١٤٤.\n(٤) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٣٤ أ.\n(٥) انظر: \"جامع البيان\" ٢٧/ ٦٢، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٦٣.\n(٦) انظر: \"معاني القرآن\" ٣/ ١٧.\n(٧) انظر: \"تفسير غريب القرآن\" ص ٤٣٤.\n(٨) عند تفسيره الآية (٢٣) من سورة يوسف، والمراودة بمعنى الإرادة، تقوق: راودته على كذا مراودة ورِوادًا. أي أردته. \"اللسان\"١/ ١٢٥٤ (رود).","vol":"21","page":116},{"text":"أَعْيُنَهُمْ﴾ تفسير الطمس مذكور عند قوله ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ﴾ [يونس: ٨٨] (١).\nقال عامة المفسرين: صفق جبريل أعينهم بجناحيه صفقة فأذهبتها (٢). وهذه القصة مذكورة في سورة هود [آية: ٧٦، ٨٣]. وتم الكلام عند قوله ﴿أَعْيُنَهُمْ﴾ (٣).\nثم قال ﴿فَذُوقُوا﴾ أي: فقلنا لهم ذوقوا ﴿عَذَابِي﴾ وهو خطاب لجميع قوم لوط الذين أرسل عليهم الحاصب.\nقوله تعالى (ونذر) أي وما أنذركم به لوط من العذاب، سمي ذلك بالمصدر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4349>٣٨ </span>- قوله تعالى ﴿وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ﴾ يقال صَبَحتُ فلانًا وصَبَّحتُه، أتيته صباحًا، والخيل المصبح الذين أتوا صباحًا (٤).\nقوله تعالى: ﴿عَذَابٌ مُسْتَقِرٌّ﴾، قال ابن عباس: يعني نزول العذاب بهم، وقال مقاتل: يعني استقر بهم العذاب بكرة (٥)، وقال الفراء: عذاب لاحق (٦).\nوالعذاب المستقر على ما ذكروا ذلك العذاب الذي نزل بهم. وقال\n_________\n(١) والطمس هو الدروس والانمحاء، وطَمَسَ الطريق وطَمَسَ يَطْمِسُ طُمُوسًا، درَسَ وامحَّى أثره. \"تهذيب اللغة\" ١٢/ ٣٥١ (طمس).\n(٢) انظر: \"الكشف والبيان\" ١٢/ ٢٨ أ، و\"الوسيط\" ٤/ ٢١٢، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ١٤٤.\n(٣) انظر: \"الوسيط\" ٤/ ٢١٢.\n(٤) انظر: \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٢٦٣، و\"اللسان\" ٢/ ٤١ (صبح).\n(٥) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٣٤ أ، و\"الوسيط\" ٤/ ٢١٢.\n(٦) في (ك): (لاحق)، وانظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ١٩.","vol":"21","page":117},{"text":"غيرهم: معنى المستقر أي: ذلك العذاب استقر فيهم حتى أفضى بهم إلى عذاب الآخرة (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4350>٤١ </span>- قوله: ﴿وَلَقَدْ جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ﴾ يعني القبط.\nوفي النذر ثلاثة أقوال:\nأحدها: أن المراد به موسى وهارون، وهذا قول ابن عباس، ومقاتل، والمفسرين (٢)، وهو على تسمية الاثنين باسم الجماعة، لأنه جمع نذير.\nوالثاني: أن المراد به الآيات التي أنذرهم بها موسى، وكل آية منها نذير.\nوالآخر: أن المراد به الإنذار (٣).\nويدل على القول الثاني قوله:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4351>٤٢ </span>- ﴿كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كُلِّهَا﴾ يعني الآيات التسع في قول المفسرين (فأخذناهم) (بالعذاب) (أخذ عزيز) غالب في انتقامه (مقتدر) قادر على هلاكهم.\n<span data-type=\"title\" id=toc-4352>٤٣ </span>- ﴿أَكُفَّارُكُمْ﴾ قال ابن عباس: أكفاركم يا معشر العرب (٤)، وقال مقاتل: يعني كفار أمة محمد -ﷺ- (٥).\nقوله تعالى: ﴿خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ﴾ قال ابن عباس: يريد أشد من\n_________\n(١) قاله ابن عباس في رواية الكلبي، وقتادة انظر: \"تنوير المقباس\" ٥/ ٣١، و\"جامع البيان\" ٢٧/ ٦٣، و\"الكشف والبيان\" ١٢/ ٢٨ أ، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٦٣.\n(٢) انظر: \"تنوير المقباس\" ٥/ ٣١، و\"تفسير مقاتل\" ١٣٤ أ، و\"القرطبي\" ١٧/ ١٤٥.\n(٣) انظر: \"الوسيط\" ٤/ ٢١٢، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٦٣، و\"ابن كثير\" ٤/ ٢٦٦.\n(٤) انظر: \"الوسيط\" ٤/ ٢١٣، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ١٤٥.\n(٥) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٣٤ أ.","vol":"21","page":118},{"text":"أولئكم (١)، وقال مقاتل: يقول أليس أهلكناهم بتكذيبهم فليسوا خيرًا منهم (٢)، وهذا استفهام معناه الإنكار. أي: ليس الكفار خيرًا من قوم نوح وثمود وعاد وقد أهلكناهم.\nومعنى الخير يجوز أن يراد به الشدة والقوة كما ذكر ابن عباس، وعليه دل سائر الآي، كقوله ﴿هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا﴾ [ق: ٣٦] ومثله كثير، ويجوز أن يكون معناه أن كفر هؤلاء ليس دون كفرهم فليسوا خيرًا منهم.\nثم خاطب الكفار فقال ﴿أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ﴾ قال ابن عباس: يريد أم لكم في اللوح المحفوظ براءة من العذاب (٣).\nوقال مقاتل: يقول ألكم براءة من العذاب في الكتب أنه لن يصيبكم من العذاب ما أصاب الأمم الخالية (٤).\nوقال أبو إسحاق: أم أتاكم في الكتب أنكم مبرأون مما يوجب عذابكم (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4353>٤٤ </span>- ثم عاد إلى الخبر عنهم فقال: ﴿أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ﴾ قال ابن عباس: يريد جماعة ينصر بعضنا بعضًا (٦)، وقال الكلبي: نحن جميع أمرنا ننتصر من أعدائنا (٧)، والمعنى: بل أيقولون نحن واحدة على من\n_________\n(١) انظر: \"الوسيط\" ٤/ ٢١٣، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٦٤.\n(٢) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٣٤ أ.\n(٣) انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ١٤٥.\n(٤) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٣٤/ أ، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٦٤.\n(٥) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ٩١.\n(٦) لم أقف عليه.\n(٧) انظر: \"الوسيط\" ٤/ ٢١٣، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٦٤.","vol":"21","page":119},{"text":"خالفنا ننتصر ممن عادانا فيدلون بقوة واجتماع عليك، ووحد المنتصر بلفظ الجميع، وهو واحد في اللفظ وإن كان اسمًا للجماعة كالرهط والجيش.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4354>٤٥ </span>- قال الله تعالى: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ﴾ يعني جمع كفار مكة ﴿وَيُوَلُّونَ الدُّبُر﴾ أي ينهزمون فيولونكم أدبارهم في الهزيمة، والمراد بالدبر الإدبار، وهي من اسم الجنس الذي يؤدي عن الجميع كالدرهم والدينار، قال الفراء (١).\nقال أبو إسحاق: أعلم الله نبيه -ﷺ- أنه يظهره عليهم وجاعل كلمته العليا، فكانت هذه الهزيمة يوم بدر (٢).\nقال المفسرون: ضرب أبو جهل فرسه يوم بدر فتقدم في الصف وهو يقول: نحن اليوم جميع منتصر من عدونا. والنبي -ﷺ- يثب في درعه ويقول ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ فما كان بأسرع من أن قتل ابن مسعود أبا جهل بسيف أبي جهل، وولوا منهزمين (٣).\nوقال عمر -﵁-: لما نزلت هذه الآية جعلت أقول: أي جمع يهزم؟ فلما كان يوم بدر عرفت أنه هو (٤).\n_________\n(١) انظر: \"معاني القرآن\" ٣/ ١١.\n(٢) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ٩٢.\n(٣) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٣٤ أ، و\"الكشاف\" ٤/ ٤٨.\n(٤) أخرجه ابن أبي حاتم، وعبد الرزاق، وابن جرير، والثعلبي، عن سعيد بن المسيب، عن عمر، وذكر ابن حجر، تخريج عبد الرزاق له في شرح حديث باب \"سيهزم الجمع ويولون الدبر\" عن ابن عباس، وقال: فكأن ابن عباس حمل ذلك عن عمر، وكأن عكرمة حمله عن ابن عباس عن عمر. انظر: \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٢٥٩، و\"جامع البيان\" ٢٧/ ٦٤، و\"الدر المنثور\" ٦/ ١٣٧، و\"فتح البارى\" ٨/ ٦١٩.","vol":"21","page":120},{"text":"قال عطاء عن ابن عباس: كان بين نزول هذه الآية وبين بدر سبع سنين. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4355>٤٦ </span>- ثم قال ﷿: ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ﴾ يعني أن موعد الجميع للعذاب القيامة.\nثم ذكر فظاعتها فقال: ﴿وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾ أي أعظم في الضر. قال ابن عباس: أعظم عذابًا (٢)، وقال مقاتل: أفظع (٣)، و(أدهى) من الدهاء، وهو المنكر والشدة والفظاعة، والدَّاهيةُ: الشديدة من شدائد الدهر، ودهاه أمر كذا، إذا أصابه دَهْوًا ودَهْيا ودَاهية دَهْيَاء ودَهْواء. ذكر ذلك ابن السكيت (٤).\nقوله تعالى: ﴿وَأَمَرُّ﴾ أي أشد مرارة من قولهم: مَرَّ الشيء وأمَرّ إذا اشتدت مرارته (٥).\nقال أبو إسحق: أي ليس ما نزل بهم من القتل والأسر بمخفف عنهم من عذاب الآخرة شيئًا، ومعنى (أمّرُّ): أشد مَرَارَة من القتل والأسر (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4356>٤٧ </span>- ثم أخبر عنهم فقال: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ﴾ فقال عطاء، عن ابن عباس: يريد بالضلال الخسران، والسُّعُر الجنون (٧).\n_________\n(١) انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ١٤٦.\n(٢) انظر: \"تنوير المقباس\" ٥/ ٣١١.\n(٣) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٣٤ أ.\n(٤) انظر: \"تهذيب اللغة\" ٦/ ٣٨٦، و\"اللسان\" ١/ ١٣ (دها).\n(٥) انظر: \"تهذيب اللغة\" ١٥/ ١٩٨ (مر).\n(٦) انظر: \"معاني القرآن\" ٥/ ٩٢.\n(٧) تقدم معنى السعر عند قوله تعالى ﴿لَفِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ﴾ ولم أجد هذه الرواية عن ابن عباس، وفي \"تنوير الممقباس\" ٥/ ٣١١ عنه: في خطأ بين في الدنيا وتعب وعناء في النار.","vol":"21","page":121},{"text":"وقال الكلبي: وهو قول المفسرين: في كفرٍ بعبادتهم الأصنام وعناء من العذاب (١).\nوالمعنى على هذا: في ضلال في الدنيا وسعر في الآخرة. وإن حملت السعر على الجنون جاز أن يكونوا في الضلال والسعر في الدنيا، والكلام في السعر قد مر في هذه السورة.\nقال أهل المعاني: (في ضلال) أي ذهاب عن طريق الجنة في الآخرة، وفي نار مسعرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4357>٤٨ </span>- قوله ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ﴾ يجوز أن تتعلق هذه الآية بما قبلها على تقدير: إن المجرمين في سعر يوم يسحبون، ويجوز أن لا تتعلق ويكون العامل في الظرف ما يقدر من القول مع ذوقوا؛ لأن التقدير: يوم يسحبون في النار على وجوههم يقال لهم ﴿ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾ (٢).\nومس سفر إصابتها إياهم بعذابه وحره، وهذا كما يقال: ذق من الضرب وقاس مس الحمى.\nقال الليث: سفر اسم معرفة للنار غير منصرف، وكذلك لظى وجهنم (٣)، ولم يصرف لاجتماع التأنيث والمعرفة، وكذلك كل اسم مؤنث معرفة لا يُجرى وإن لم يكن فيه الهاء؛ لأن فيه معنى الهاء، وان لم تظهر إلا أسماء معدودة خفت فجاز إجراؤها نحو هند ووعد وجُمْل، والأصل\n_________\n(١) انظر: \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٢٦١، و\"الكشف والبيان\" ١٢/ ٢٩ أ، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٦٤، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ١٤٧.\n(٢) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ٩٢، و\"إعراب القرآن\" للنحاس ٣/ ٢٩٨.\n(٣) انظر: \"تهذيب اللغة\" ٨/ ٤٢ (سقر).","vol":"21","page":122},{"text":"أن لا يجرى، ذكر ذلك الفراء (١).\nقال عطاء: سفر الطبق السادس من جهنم (٢).\nوقال الكلبي: إذا ألقوا فيها لا تُبْقي لهم عظمًا ولا لحمًا فيعادون خلقًا جديدًا (٣)، وتم الكلام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4358>٤٩ </span>- ثم ابتدأ كلامًا آخر فقال: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ قال الكلبي عن ابن عباس: إنا كل شيء جعلنا له شكلًا يوافقه ويصلح له، فالمرأة للرجل، والأتان للحمار، والرمكة للفرس، وثياب الرجال للرجال لا تصلح للنساء، وثياب النساء للنساء لا تصلح للرجال، وكذلك ما شاكلها على هذا (٤).\nوقال الحسن: قدر الله لكل شيء من خلقه قدره الذي ينبغي كقوله: ﴿قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ [الطلاق: ٣] وهذا قول الربيع (٥).\nوقال مقاتل: يعني أنه قدر لهم العذاب (٦)، وعلى هذا التفسير الآية متصلة بما قبلها، وروى محمد بن عياد المخزومي (٧) عن أبي هريرة أن\n_________\n(١) انظر: \"معاني القرآن\" ٣/ ١١.\n(٢) انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ١٤٧.\n(٣) لم أجده، ومعناه: نفى توهم خفة عذاب النار وأنه مجرد مس فوضح أن مسها يصل إلى العظم واللحم ثم يعاد كما بدأ كما في قوله تعالى: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ ...﴾ [النساء: ٥٦].\n(٤) انظر: \"الكشف والبيان\" ١٢/ ٢٩ أ، ب، ذكره عن ابن عباس من غير سند.\n(٥) انظر: \"الكشف والبيان\" ١٢/ ٢٩ أ.\n(٦) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٣٤ ب.\n(٧) محمد بن عياد بن جعفر المخزومي، المكي، ثقة.\nانظر: \"تقريب التهذيب\" ٢/ ١٧٤.","vol":"21","page":123},{"text":"قوله: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ﴾ إلى قوله: ﴿خَلَقْنَاهُ بِقَدَر﴾ نزلت في القدرية (١)، وذلك أن مشركي قريش جاءوا إلى النبي -صلي الله عليه وسلم - يخاصمونه في القدر فنزلت هذه الآيات (٢)، وهذا قول محمد بن كعب القرظي قال: نزلت تعييرًا لأهل القدر (٣).\nوعلى هذا القول المراد بالمجرمين القدرية المشركون وإخوانهم من قدرية هذه الأمة، يكونون في حكمهم. يدل على ذلك ما روى زرارة (٤) أن النبي -صلي الله عليه وسلم- قرأ هذه الآيات وقال: \"إنها نزلت في ناس يكونون في آخر أمتي يكذبون بقدر الله\" (٥).\n_________\n(١) سموا بذلك لقولهم في القدر، زعموا أن العبد هو الذي يخلق فعله استقلالًا فأثبنوا خالقًا مع الله، ولذا سماهم النبي -صلي الله عليه وسلم- مجوس هذه الأمة؛ لأن المجوس قالوا بإثبات خالقين: النور والظلمة، وهم يزعمون أن الله لا يقدر على مقدرات غيره. وهذا هو مذهب المعتزلة في القدر. انظر: \"الملل والنحل\" للشهرستاني ١/ ٥٤، و\"البرهان في معرفة عقائد أهل الأديان\" ص ٢٦.\n(٢) رواه مسلم في كتاب القدر، باب: كل شيء بقدر، وأحمد في \"مسنده\" ٢/ ٤٤٤، والترمذي في كتاب التفسير، تفسير سورة القمر، وقال: هذا حديث حسن صحيح، والثعلبي في \"تفسيره\" ١٢/ ٢٩ ب، والواحدي في \"أسباب النزول\" ص ٤٢٥.\n(٣) انظر: \"جامع البيان\" ٢٧/ ٦٥.\n(٤) في (ك): (زراة) وهو زرارة بن أوفى العامري، أبو حاجب، قاضي البصرة، ثقة، عابد، قرأ في الصبح ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾ فخر ميتًا سنة (٩٣ هـ). انظر: \"طبقات ابن سعد\" ٧/ ١٥، و\"أخبار القضاة\" ١/ ٢٩٢، و\"تاريخ البخاري\" ٣/ ٤٣٨، و\"صفة الصفوة\" ٣/ ٢٣، و\"سير أعلام النبلاء\" ٤/ ٥١٥.\n(٥) رواه ابن أبي حاتم، والطبراني. قال الهيثمي: رواه الطبراني وفيه من لم أعرفه. \"مجمع الزوائد\" ٧/ ١١١.\nوانظر: \"أسباب النزول\" للواحدي ص ٤٦٤، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٢٦٧.","vol":"21","page":124},{"text":"وروي عن أبي ذر قال: قدم وقد نجران على النبي -ﷺ- فقالوا: الأعمال إلينا والآجال بيد غيرنا؟ فأنزل الله هذه الآيات. فقالوا: يا محمد يكتب علينا الذنب ويعذبنا؟ فقال: \"أنتم خصماء الله يوم القيامة\" (١).\nويؤكد هذا ما روى عمر بن الخطاب -﵁- عن رسول -ﷺ- قال: \"ينادي مناد يوم القيامة ليقم خصماء الله، وهم القدرية\" (٢).\nويزيد وضوحًا هذه الجملة ما روي عن كعب أنه قال: نجد في التوراة أن القدرية يسحبون في النار على وجوههم، وهو قول عطاء عن ابن عباس أن الآيات نزلت في القدرية من المشركين الذين جادلوا رسول الله -صلي الله عليه وسلم - (٣).\nوعلى هذا معنى قوله: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ أي كل ما خلقناه فمقدور مكتوب في اللوح المحفوظ قبل وقوعه، يدل على هذا قوله: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ﴾ ذكر ذلك أبو إسحاق (٤).\n_________\n(١) انظر: \"أسباب النزول\" للواحدي ص ٤٦٤، عن عطاء، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ١٤٨، بدون سند وأخرجه الثعلبي عن سيار بن الحكم .. إلى قوله: فأنزل الله تعالى فيهم: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ﴾ إلى آخر السورة، ولم ينسبه، يذكره من قول النبي -صلي الله عليه وسلم -.\n(٢) رواه ابن أبي عاصم في \"كتاب السنة\" ١/ ١٤٨، باب إذا كان يوم القيامة نادى مناد ليقم خصماء الله تعالى. وقال عنه الألباني: إسناده ضعيف، ورواه الطبراني في الأوسط من رواية بقية، وهو مدلس، وحبيب بن عمرو مجهول. انظر: \"مجمع الزوائد\" ٧/ ٢٦ وقال الألباني -بعد ذكره للحديث وتخريج الهيثمي وحكمه على بقية وحبيب بن عمرو- قلت: قد شرح بقية بالتحديث عند المصنف فزالت شبهة تدليسه وانحصرت في شيخه.\n(٣) انظر: \"تنوير المقباس\" ٥/ ٣١١، قال ابن حجر: وأشتهر على ألسنة السلف والخلف أن هذه الآية نزلت في القدرية. انظر: \"فتح الباري\" ١١/ ٤٧٨.\n(٤) انظر: \"معاني القرآن\" ٥/ ٩٢.","vol":"21","page":125},{"text":"وروى الوالبي عن ابن عباس قال: خلق الله الخلق كلهم بقدر، وخلق لهم الخير والشر، فخير الخير السعادة، وشر الشر الشقاوة (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4359>٥٠ </span>- قوله تعالى ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ قال عطاء عن ابن عباس: يريد أن قضائي في خلقي أسرع من لمح البصر (٢).\nوقال الكلبي عنه: وما أمرنا بمجيء الساعة في السرعة (إلا واحدة) كطرف البصر (٣)، وهذا قول مقاتل، يقول: مرة واحدة كرجوع الطرف (٤). وهذا القول هو اختيار الفراء وأبي عبيد (٥).\nوعلى هذا يختص الكلام بأمر الساعة.\nومعنى اللمح في اللغة: النظر بالعجلة، يقال: لمح البرق ولمح البصر، ولمحه ببصره (٦).\nوالأحسن في معنى الآية أن هذا عام في كل ما يخلقه الله تعالى ويريد تكوينه. يقول: إذا أردنا أن نفعل شيئًا فمرة واحدة لأنه ليس منا معاناة ولا علاج ولا توصل بالآلات والأسباب فيكون بمرات كما تكون أفعال العباد، إنما هو كن فيكون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4360>٥١ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ﴾ يعني أشباهكم\n_________\n(١) انظر: \"جامع البيان\" ٢٧/ ٦٥، و\"الكشف والبيان\" ١٢/ ٢٩ ب.\n(٢) انظر: \"الوسيط\" ٤/ ٢١٦، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٦٥، و\"زاد المسير\" ٨/ ١٢.\n(٣) انظر: \"تنوير المقباس\" ٥/ ٣٧، و\"الوسيط\" ٤/ ٢١٦، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٦٥.\n(٤) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٣٤ ب.\n(٥) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ١١.\n(٦) انظر: \"تهذيب اللغة\" ٥/ ٩٧، و\"اللسان\" ٣/ ٣٩٨، و\"مفردات الراغب\" ص ٤٥٤ (لمح).","vol":"21","page":126},{"text":"ونظراءكم في الكفر من لأمم الخالية، ومضى تفسير الأشياع (١).\n﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ متعظ يعلم أن ذلك حق فيخاف ويعتبر.\nثم أخبر أن جميع ما فعله الأمم قبلهم كان مكتوبًا عليهم فقال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4361>٥٢ </span>- ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ﴾ قال مقاتل: يعني الأمم الخالية (٢) ﴿فِي الزُّبُرِ﴾ مكتوب عليهم في اللوح المحفوظ- وهذا قول عطاء (٣)، وقال الكلبي: محصى عليهم في الكتب (٤)، يعني كتب أعمالهم.\n<span data-type=\"title\" id=toc-4362>٥٣ </span>- ﴿وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ﴾ من الخلق والأعمال (مستطر) مكتوب بمعنى مسطور، قال أبو إسحق: مكتوب على فاعليه قبل أن يفعلوه ومكتوب لهم وعليهم إذا فعلوه للجزاء (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-4363>٥٤ </span>- قوله: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ﴾ أكثرُ أهل التفسير والمعاني (٦) على أنه أراد وأنهار. يعني أنهار الجنة من الماء والخمر واللبن والعسل،\n_________\n(١) عند تفسيره الآية (٦٥) من سورة الأنعام. قال: الشيع جمع شيعة وكل قوم\nاجتمعوا على أمر فهم شيعة. والجمع شيع وأشياع ... ومعنى الشيعة الذين يتبع بعضهم بعضًا. انظر: البسيط (فيلم ٣٧٣١). والتَّشيْعُ: مقدار من العدد كقولهم: أقمت عنده شهرًا أو سَيْعَ شهر، وتشايع القوم: صاروا شيعًا وأشياعكم: أمثالكم من الأمم الماضية، ومن كان مذهبه مذهبكم. يقال: هذا شَيْعً هذا. أي مِثْله. انظر: \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٦، و\"اللسان\" ٢/ ٣٩٣ (شيع).\n(٢) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٣٤ ب.\n(٣) انظر: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٦٦، وهو قول مقاتل أيضًا. \"تفسير مقاتل\" ١٣٤ ب.\n(٤) انظر: \"تنوير المقباس\" ٥/ ٣١٢، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ١٤٩.\n(٥) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ٩٢.\n(٦) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ١١١، و\"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٤١، و\"جامع البيان\" ١٧/ ٦٧، و\"زاد المسير\" ٨/ ١٢.","vol":"21","page":127},{"text":"ووحد لأنه قابل الفواصل فصار كقوله ﴿وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ والواحد قد ينبى عن الجميع فيخبر به كقوله:\nوأما جلدها فصليب (١)\nوقد تقدم في مثل هذا بالاستشهادات. وهذا قول أبي عبيدة، والكسائي، والفراء، والزجاج (٢).\nوذكر قوم أن معنى (نهر) ضياء وسعة، قالوا: ومنه النهار لضيائه، وأنهرت الجرح وسعته، وهو قول الضحاك، وذكره الفراء وابن قتيبة (٣)، والقول هو الأول.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4364>٥٥ </span>- وقوله ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ﴾ في مجلس حسن.\nوقد ذكرنا قديمًا أن العرب إذا بالغت في مدح شيء أضافته إلى الصدق، كقوله تعالى ﴿لِسَانَ صِدْقٍ﴾ [الشعراء: ٨٤] و﴿قَدَمَ صِدْقٍ﴾ (٤) [يونس: ٢]. قال عطاء: يريد في جوار الرحمن (٥).\n_________\n(١) أنشده الخليل، وسيبويه والبيت لعلقمة الفحل يصف الصحراء وبها جيف الإبل التي رذحت وماتت فتصلبت بقايا جلدها وذهب لحمها فبقي عظمها أبيض. والشاهد قوله (جلدها) أفرد ومراده الجمع، والمعنى جلودها. انظر: \"ديوان علقمة\" ص ٤، و\"الكتاب\" ١/ ٢٩، و\"المفضليات\" ص ٣٩٤، و\"معاني القرآن\" للزجاج ١/ ٨٣، و\"إيضاح الشعر\" للفارسي ص ٣٣٤.\n(٢) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ٩٣، و\"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ١١١، و\"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٤١.\n(٣) انظر: \"جامع البيان\" ٢٧/ ٦٧، و\"الكشف والبيان\" ١٢/ ٣١، و\"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ١١١، و\"تفسير غريب القرآن\" ص ٤٣٥.\n(٤) وانظر: \"تهذيب اللغة\" ٨/ ٣٥٥، و\"اللسان\" ٢/ ٤٢ (صدق)\n(٥) لم أقف عليه.","vol":"21","page":128},{"text":"قوله تعالى ﴿عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ أي عند مليك قادر لا يعجزه شيء و(عند) إشارة إلى الزلفة والكرامة.\nوالمعنى في المكان الذي كرم لأوليائه.","vol":"21","page":129},{"text":"سورة الرحمن","vol":"21","page":131},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4365>سورة الرحمن</span>\nبسم الله الرحمن الرحيم\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4366>١، ٢ </span>- ﴿الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾: قال و(١) مقاتل: لما نزل قوله: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ [الإسراء: ١١] قال كفار مكة: ما نعرف إلا مسيلمة، رحمان اليمامة، وهو قوله تعالى إخبارًا عنهم ﴿قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ﴾ [الفرقان: ٦٠] فأنكروه، فأخبر الله عن نفسه، وذكر صنعه ليعرف فيوحد فقال: ﴿الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾ (٢) قال صاحب النظم: قوله (علَّم) يقتضي مفعولين ولم يجيء هاهنا إلا واحد. وهذا كما يقال في الكلام: زيد أطعم الطعام، فقد يعلم أن الإطعام لا يقع إلا على من يأكل، فكذلك قوله ﷿ ﴿عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾ واقع على من يلقن التعليم (٣)، وهذا معنى قول الكلبي: علم القرآن محمدًا وعلمه محمد -ﷺ- أمته (٤).\nقال أبو إسحق: ومعنى ﴿عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾ يسَّره لأن يُذكر (٥).\n_________\n(١) كذا في (ك)، ولعل في العبارة سقطًا.\n(٢) انظر: \"تنوير المقباس\" ٥/ ٣٢٣، و\"تفسير مقاتل\" ١٣٤ ب، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ١٥٢.\n(٣) انظر: \"التفسير الكبير\" ٢٩/ ٨٤.\n(٤) انظر: \"تنوير المقباس\" ٥/ ٣١٣، و\"الوسيط\" ٤/ ٢١٧، و\"فتح القدير\" ٥/ ١٣١.\n(٥) انظر: \"معاني القرآن\" ٥/ ٩٥.","vol":"21","page":133},{"text":"ثم نسق على هذا خبرًا آخر مؤكدًا له من غير حرف عطف وهو قوله: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ﴾ قال عطاء عن ابن عباس: يريد محمدًا -ﷺ- (١). ﴿عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ قال: يريد أفصح الكلام، يعني القرآن.\nوالآيتان بهذا التفسير تأكيد لما قبلهما، وهذا قول ابن كيسان في الإنسان أنه محمد -ﷺ- إلا أنه قال في البيان أنه بيان ما كان وما يكون؛ لأنه -ﷺ- كان ينبئ عن الأولين والآخرين وعن يوم الدين (٢).\nوقال الكلبي وقتادة: الإنسان آدم -﵇- علمه أسماء كل شيء، وهذا قول مقاتل (٣).\n\nوقال آخرون: الإنسان اسم لجنس الناس جميعًا، ومعنى ﴿عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ النطق والتمييز، والكتابة والخط، والفهم والإفهام، حتى عرف ما يقول وما يقال له، وعلم كل قوم لسانهم الذي يتكلمون به، وجعله مميزًا حتى انفصل الإنسان من جميع الحيوان، وهذا قول أبي العالية، ومرة، وابن زيد (٤)، والحسن، والقرظي، والسدي، ويمان بن رباب. <span data-type=\"title\" id=toc-4367>(٥)</span>\n٥ - وقوله تعالى: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾ ذكرنا معنى الحسبان\n_________\n(١) انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ١٥٢\n(٢) انظر: \"الكشف والبيان\" ١٢/ ٣٣ ب، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٦٧، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ١٥٢، و\"فتح القدير\" ٥/ ١٣١.\n(٣) انظر: \"نفسير مقاتل\" ١٣٤ ب، و\"جامع البيان\" ٢٣/ ٦٧، والثعلبي ١٢/ ٣٣ ب.\n(٤) (ك): (وبرة بن زيد) وهو خطأ.\n(٥) انظر: \"الكشف والبيان\" ١٢/ ٣٣ ب، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٦٦، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ١٥٢ - ١٥٣، ورجحه الرازي والألوسي وغيرهما، انظر: \"التفسير الكبير\" ٢٩/ ٨٥، و\"روح المعاني\" ٢٧/ ٣٩.","vol":"21","page":134},{"text":"في قوله ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا﴾ (١)، قال جماعة المفسرين: يجريان بحساب ومنازل لا يعدوانها (٢)، والمعنى فيه أنهما يدلان على عدد المشهور والسنين وجميع الأوقات، قال أبو إسحق: وخبر الابتداء يدل عليه قوله ﴿بِحُسْبَانٍ﴾؛ لأن المعنى: يجريان بحساب (٣).\nوروى السدي عن أبي مالك في هذه الآية قال: لهما حساب وأجل أجل الناس، فإذا جاء أجلهما هلكا (٤)، وعلى هذا معنى الحساب حساب أيام جريهما إلى الإنقضاء، والقول هو الأول. (٥)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4368>٦ </span>- قوله تعالى: ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾ قال عامة أهل اللغة والمفسرين: النجم: النبت على الأرض ليس له ساق، والشجر: ما كان على ساق، يبقى شتاء والنجم لا يبقى على الشتاء (٦).\n_________\n(١) عند تفسيره الآية (٩٦) من سورة الأنعام. والحُسْبانُ: الحساب. قال أبو العباس: حسبانًا، مصدر كما تقول: حسبته أحسبه حسبانًا، وحسبانًا، وجعله الأخفش وأبو الهيثم: جمع حساب. انظر: \"معاني القرآن\" للأخفش ٢/ ٧١، و\"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٢٨، و\"اللسان\" ١/ ٦٢٩ (حسب).\n(٢) انظر: \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٢٦٢، و\"جامع البيان\" ٢٧/ ٦٧، و\"الكشف والبيان\" ١٢/ ٣٣ ب، أ، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٦٧.\n(٣) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ٩٥.\n(٤) أخرجه عبد بن حميد، وابن المنذر. انظر: \"الدرر\" ٦/ ١٤٠، وذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ١٢/ ٣٤ أ، والقرطبي في \"تفسيره\" أيضًا ١٧/ ١٥٣.\n(٥) وهو اختيار ابن جرير، والمعتمد عند ابن كثير. انظر: \"جامع البيان\" ٢٧/ ٦٨، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٢٧، و\"تفسير القاسمي\" ١٥/ ٥٦١٣.\n(٦) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ١١٢، و\"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٤٢، و\"جامع البيان\" ٢٧/ ٦٨، و\"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ٩٦.","vol":"21","page":135},{"text":"قال ابن الأعرابي: النجمة نبتة صغيرة وجمعها نَجْمٌ (١)، ويقال: نجم النبات إذا طلع، ونجم القرن، ونجم النجم، ونجم السن، كل ذلك بمعنى طلع، وأنشد أبو عبيدة للحارث بن ظالم (٢):\nأَخُصْيَيْ حِمارٍ ظَلَّ يَكْدِمُ نَجْمةً ... أَتُؤْكَلُ جاراتي وجارُك سالمُ (٣)\nقال الأزهري: وإنما قال ذلك لأن الحمار إذا أراد أن يقلع النجمة من الأرض وكدمها ارتدت خصياه إلى مؤخره. (٤)\nوأنشد الليث:\nمُوزَرٌ بعميم النَّجْم تنسجهُ ... ريحُ الخريف لضاحي مائه حُبُكُ (٥)\nذكر المفسرون في تفسير النجم: هو ما أنجمت الأرض، يعنون أنبتت، ولم أر لأهل اللغة أنجم، بمعنى: أنبت.\nوقوله: ﴿يَسْجُدَانِ﴾ قال الفراء والكسائي: العرب إذا جمعت جمعين من غير الناس مثل السدر والنخل جعلوا فعليهما واحدًا، فتقول: السدر والنخل تنبت، والإبل والغنم مقبلة، ويجوز ينبتان ومقبلتان، والأول كلامهم، وذكر في الآية على لفظ التثنية لوفاق الفواصل (٦)، هذا\n_________\n(١) انظر: \"اللسان\" (نجم).\n(٢) أبو ليلى. محمد بن مرة بن ذبيان، تقدمت ترجمته.\n(٣) ورد البيت منسوبًا في \"المفضيات\" ص ٣١٣، و\"اللسان\" ٣/ ٥٩ (نجم)، و\"المنصف\" ٢/ ١٣١.\n(٤) انظر: \"تهذيب اللغة\" ١١/ ١٢٩ (نجم).\n(٥) البيت لزهير بن أبي سلمى. كما في \"ديوانه\" ص ١٧٦، و\"المحتسب\" ٢/ ٢١٧، و\"اللسان\" ٣/ ٥٩ (خبك) وفي الألفاظ بعض الاختلاف والشاهد فيه أن النجم هو نبت يمتد على وجه الأرض بلا ساق.\n(٦) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ١١٢.","vol":"21","page":136},{"text":"معنى كلامهما، وقال أهل التفسير في معنى سجود النجم والشجر أنه سجود أظلالهما (١).\nوقد ذكرنا ذلك في قوله: ﴿يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ﴾ (٢).\nوقال مجاهد في قوله: ﴿وَالنَّجْمُ﴾ قال نجوم السماء ﴿وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾ بكرة وعشيًا: وهو قول قتادة في النجم (٣).\nقال أبو إسحاق (٤): وهذا جائز أن يكون الله أعلمنا أن النجم يسجد كما قال ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ﴾ إلى قوله ﴿وَالنُّجُومُ﴾ [النحل: ١٢].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4369>٧ </span>- قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ﴾ قال مقاتل وغيره: رفعها فوق الأرض مسيرة خمسمائة عام وأمسكها أن تقع على الأرض (٥).\n﴿وَوَضَعَ الْمِيزَانَ﴾ تفسير الميزان: الآلة التي يوزن بها، وفي معناه هاهنا قولان، أحدهما: أنه أريد به الميزان الذي نعرفه بيننا.\nقال مقاتل: يعني الذي يزن به الناس وضعه عدلًا بينهم لينتصف بعض الناس من بعض، وهو قول الحسن وقتادة والضحاك (٦)، قالوا: هو الذي يوزن به ليوصل به إلى الإنصاف والانتصاف.\n_________\n(١) جمع الظَّلَّ: أظلال وظِلال وظلول. \"اللسان\" ٢/ ٦٤٧ (ظلل).\n(٢) عند تفسيره الآية (٤٨) من سورة النحل.\n(٣) انظر: \"تفسير مجاهد\" ٢/ ٦٣٩، و\"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٢٦٢.\n(٤) انظر: \"معاني القرآن\" ٥/ ٩٦.\n(٥) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٣٤ ب.\n(٦) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٣٥ أ، و\"جامع البيان\" ٦٩/ ٢٧، و\"الكشف والبيان\" ١٢/ ٣٤ ب، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٦٧.","vol":"21","page":137},{"text":"قال أهل المعاني: وهذا تنبيه على النعمة فيه والهداية إليه، ولولا الميزان لتعذر الوصول إلى كثير من الحقوق.\nالقول الثاني: أن المراد بالميزان العدل، وعبر عنه بالميزان؛ لأنه آلته.\nقال عطاء عن ابن عباس: يعني العدل في الأرض بين الناس، وهو قول مجاهد (١).\nقال أبو إسحق: الميزان هاهنا العدل؛ لأن المعادلة موازنة الأشياء (٢). قال صاحب النظم: على هذا القول: تأويله أمر بالعدل يدل هذا قوله تعالى:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4370>٨ </span>- ﴿أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ﴾ أي لا تجاوزوا العدل.\nو(أن لا تطغوا) يحتمل وجهين، أحدهما: لئلا تطغوا كقوله ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦]، والثاني: أن معنى (أن) التفسير، فيكون المعنى أن لا تطغوا كقوله تعالى: ﴿وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا﴾ [ص: ٦] (٣) وقد مر.\nوعلى القول الأول يكون (تطغوا) في محل النصب بأن، وعلى القول الثاني يكون تطغوا جزمًا على النهي. ذكر ذلك الفراء والزجاج (٤)، قال الفراء: والنهي أحب إلى؛ لقوله:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4371>٩ </span>- ﴿وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ﴾ (٥)، وهذا أيضًا يدل على أن المراد\n_________\n(١) انظر: \"تفسير مجاهد\" ٢/ ٦٤، ولم أقف عليه عن ابن عباس.\n(٢) انظر: \"معاني القرآن\" ٥/ ٩٦.\n(٣) انظر: \"التفسير الكبير\" ٢٩/ ٩، و\"القرطبي\" ١٧/ ١٥٤، و\"فتح القدير\" ٥/ ١٣٧.\n(٤) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ٩٦.\n(٥) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ١١٣.","vol":"21","page":138},{"text":"بقوله ﴿أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ﴾ أي في الذي يوزن به، قال عطاء عن ابن عباس: يريد لا تخونوا من وزنتم له (١).\nومعنى ﴿لا تطغوا﴾ لا تظلموا ولا تنقصوا ولا تجاوزوا القدر، قاله أبو عبيدة والزجاج (٢).\nوقال أهل المعاني (٣): إنما قيل لا تطغوا؛ لأن ما لا يضبط في الوزن موضوع عنهم ما لم يتعمدوا البخس فإذا تعمدوا فقد طغوا، وإنما قال: ﴿لا تطغوا في الميزان﴾ ولم يقل فيه بالكناية وقد سبق ذكره لكي يكون قائمًا بنفسه في النهي عنه، ولا يكون الثاني متضمنًا بالأول.\nقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ﴾ قال المفسرون: أقيموا لسان الميزان بالقسط، أي: بالعدل، وهو قول مجاهد والكلبي ومقاتل (٤).\nوالأحسن إذا وزن أن يقيم اللسان بالقسط كما أمر الله تعالى ثم يرجح إن أراد ذلك وتبرع به، وقد روي عن علي -﵁- أنه مر على رجل وهو يزن الزعفران وقد أرجح فكفأ الميزان ثم قال: أقم الوزن بالقسط ثم أرجح بعد ذلك ما شئت (٥).\nوقوله: ﴿وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ﴾ قال ابن عباس والمفسرون: لا تنقصوا\n_________\n(١) انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ١٥٥.\n(٢) انظر: \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٤٢، و\"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ٩٦.\n(٣) انظر: \"الكشاف\" ٤/ ٥.\n(٤) انظر: \"تنوير المقباس\" ٥/ ٣١٤، و\"تفسير مقاتل\" ١٣٥ أ، و\"الدر\" ٦/ ١٤١.\n(٥) لم أقف عليه عن علي، وأخرج ابن أبي حاتم من طريق أبي المغيرة عن ابن عباس نحوه. انظر: \"فتح الباري\" ٨/ ٦٢١.","vol":"21","page":139},{"text":"ولا تبخسوا (١). وهذا كقوله تعالى ذكره ﴿وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ [المطففين: ٣] أي ينقصون. وروى أهل اللغة: أخسرت الميزان وخسرته ومنه قراءة بلال بن أبي بردة (٢) ﴿وَلَا تُخْسِرُوا﴾ بفتح التاء (٣)، وهذا كقوله ﴿وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ﴾ [هود: ٨٤] (٤) وذكرنا معنى نقص الميزان وكيفيته في سورة هود.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4372>١٠ </span>- قوله: ﴿وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ﴾ قال الكلبي: بسطها على الماء للأمام (٥). قال الليث: الأنام ما ظهر على الأرض من جميع الخلق ويجوز في الشعر الأنيم (٦).\nواختلف المفسرون في تفسير الأنام، فروى عكرمة عن ابن عباس ﴿لِلْأَنَامِ﴾ للناس (٧)، وعن مجاهد وقتادة والضحاك: للخلق والخلائق، وعن عطاء: لجميع الخلق.\nوقال الكلبي: للخلق كلهم الذين بثهم فيها، وهذه الأقوال تدل على\n_________\n(١) انظر: \"تنوير المقباس\" ٥/ ٣١٤، و\"جامع البيان\" ٢٧/ ٧.\n(٢) هو بلال بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري، قاضي البصرة، مقل، مات سنة نسِف وعشرين ومائة. انظر: \"تقريب التهذيب\" ١/ ١٩.\n(٣) انظر: \"مختصر ابن خالوية\" ص ١٤٩، و\"الكشف والبيان\" ٣٤/ ١٢ ب، و\"الكشاف\" ٤/ ٥، و\"البحر المحيط\" ٨/ ١٨٩.\n(٤) انظر: \"تهذيب اللغة\" ٧/ ١٦٢، و\"اللسان\" ١/ ٨٢٩ (خسر).\n(٥) انظر: \"تنوير المقباس\" ٥/ ٣١٤.\nقال الألوسي: ثم إن كونها على الماء مبني على ما اشتهر أنه -﷿- خلق الماء قبلها وخلقها سبحانه من زبدة. \"روح المعاني\" ٢٧/ ١٣.\n(٦) انظر: \"تهذيب اللغة\" ١٥/ ٧٥ (أنم).\n(٧) انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ١٥٥، و\"الدر\" ٦/ ١٤١.","vol":"21","page":140},{"text":"أن المراد با لأنام كل ذي روح، وهو قول الشعبي (١)، وقال الحسن: للجن والإنس (٢)، وهو اختيار أبي إسحاق (٣).\nقوله: ﴿فِيهَا فَاكِهَةٌ﴾ أي في الأرض فاكهة، يعني كل ما يتفكه من ألوان الثمار. وذكر ابن عباس منها العنب والتين والخوخ والتفاح (٤).\n﴿وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ﴾ معنى الكم في اللغة ما ستر شيئًا وغطاه، ومنه كم القميص، ويقال للقلنسوة كمة، وأكمام الزرع: غلفها، وذكرنا ذلك عند قوله ﴿وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ مِنْ أَكْمَامِهَا﴾ (٥) قال ابن عباس: يريد الطلع (٦)، قال الكلبي: ﴿ذَاتُ الْأَكْمَامِ﴾ ذات الغلف، وثمرها في غلف الكُفُرَّاه: ما لم تنشق وهي كمه (٧)، فإذا انشقت منها الكفراه فليست أكمامها. وقال الحسن وقتادة: أكمامها ليفها (٨).\n_________\n(١) انظر: \"تفسير مجاهد\" ٢/ ٦٤، و\"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٢٦٢، و\"جامع البيان\" ٢٧/ ٧، و\"الكشف والبيان\" ١٢/ ٣٥ أ.\n(٢) انظر:، جامع البيان\" ٢٧/ ٧، و\"الكشف والبيان\" ١٢/ ٣٤ ب، و\"الدر\" ٦/ ١٤١.\n(٣) انظر: \"معاني القرآن\" ٥/ ٩٧، قلت: ولعل الصواب أن المراد بالأنام جمع ذوات الأرواح من الجن والإنس وغيرهم، فقد روى البخاري في \"صحيحه\"، كتاب بدء الخلق، باب في النجوم، قال: قال ابن عباس: ﴿الأنام﴾ الخلق، وأخرجه ابن جرير في \"جامعه\" ٧/ ١٧، من طريق علي بن أبي طلحة.\n(٤) لم أجده.\n(٥) عند تفسيره للآية (٤٧) من سورة فصلت. وانظر: \"تهذيب اللغة\" ٩/ ٤٦٥، و\"اللسان\" ٣/ ١٩٦ (كمم)\n(٦) انظر: \"جامع البيان\" ٧/ ٢٧، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٦٧، عن ابن زيد.\n(٧) انظر: \"تنوير المقباس\" ٥/ ٣١٤، والكافور: وعاء الطلح قبل أن ينشق. وهو الكَفَرُ، والكُفُرَّي، والكِفِوى، والكَفَرَّى، والكُفَرَّي.\n(٨) انظر: \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٢٦٢، و\"جامع البيان\" ٢٧/ ٧، و\"الثعلبي\" ١٢/ ٣٥ أ.","vol":"21","page":141},{"text":"قال أبو إسحق: ما غطى جمَّارهما من السعف والليف فهو من أكمام النخلة (١).\nوالمفسرون على أن الأكمام أوعية الثمر كما ذكرنا، قال الليث: ولكل شجرة مثمرة كم، وهو برعومه (٢).\nقوله: ﴿وَالْحَبُّ﴾ قال عطاء: يريد القمح (٣)، وقال مقاتل والضحاك: يعني الشعير والحنطة (٤)، وقال الكلبي: هو الحبوب كلها مما يحرث في الأرض من الحنطة والشعير وغير ذلك (٥).\nوالوجه الرفع في قوله:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4373>١٢ </span>- ﴿وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ﴾ نسقًا على قوله: ﴿فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ﴾ وقرأ ابن عامر ﴿والحب ذا العصف﴾ نصبًا (٦)، حمله على قوله ﴿وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا﴾ مثل خلقها للأنام، وخلق الحب ذا العصف.\nواختلفوا في تفسير العصف، فقال الليث: العصف ما على حب الحنطة ونحوها من قشور التبن، قال: والعصف أيضًا ما على ساق الزرع من الورق الذي يبس فيتفتت، كل ذلك من العصف (٧).\n_________\n(١) انظر: \"معاني القرآن\" ٥/ ٩٧، والجُمَّارُ: بضم الجيم وفتح الميم مع تشديدها، هو جمار النخلة وهو لحمتها التي في قمة رأسها تقطع قمته ثم تكشط عن جمارة في جوفها بيضاء كأنها قطعة سنام ضخمة وهي رَحْحَةٌ تؤكل بالعسل. انظر: \"اللسان\" (جمر).\n(٢) انظر: \"تهذيب اللغة\" ٩/ ٤٦٦ (كمم).\n(٣) لم أجده.\n(٤) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٣٥ أ، و\"جامع البيان\" ٢٧/ ٧١.\n(٥) انظر: \"تنوير المقباس\" ٥/ ٣١٤.\n(٦) قرأ ابن عامر: ﴿والحبَّ ذا العصف﴾ بالنصب وقرأ الباقون ﴿وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ﴾ انظر: \"حجة القراءات\" ص ٦٩، و\"النشر\" ٢/ ٣٨، و\"الإتحاف\" ص ٤٥.\n(٧) انظر: \"تهذيب اللغة\" ٢/ ٤١، و\"اللسان\" ٢/ ٧٩٦ (عصف).","vol":"21","page":142},{"text":"وقال الفراء: العصف: بقل الزرع، يعني أول ما ينبت منه وهو ورق بعد، قال: والعرب تقول: خرجنا نعصف الزرع إذا قطعوا منه شيئًا قبل إدراكه فذلك العصف (١).\nوقال النضر: يقال: عصفنا الزرع نعصفه، أي: جززنا ورقه ليكون أخف للزرع، وإن لم يفعل مال بالزرع. (٢)\nوقال ابن عباس: العصف والعصيفة ورق السنبل. (٣)\nوقال أبو إسحق: العصف ورق الزرع، ويقال للتبن عصف وعصيفة، وأنشد أبو عبيدة:\nيُسقي مذانبَ قد مالتْ عَصيفَتُها ... حدودها من أتيّ الماء مطموم (٤)\nفحصل من هذا الأقوال أن العصفَ ورق الزرع، ثم إذا يبس وديس صار تبنًا. وعلى هذا يدور كلام المفسرين.\nقال مجاهد: هو ورق الزرع، وهو قول مقاتل، وابن عباس في رواية الكلبي والعوفي (٥).\nوقال قتادة: ﴿الْعَصْفِ﴾ التبن، وهو قول الضحاك، ورواية علي بن\n_________\n(١) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ١١٣.\n(٢) انظر: \"تهذيب اللغة\" ٢/ ٤١ (عصف).\n(٣) انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ١٥٧ ونسبه للهروي.\n(٤) البيت لعلقمة بن عبدة، والمذانب الجداول التي يسيل فيها الماء، وطَمَّ الماء يَطِمُّ طَمًّا وطُمُومًا. علا وغمر، وكل ما كَثُرَ وعَلا حتى غَلَب فقد طَمَّ يَطِمُّ.\nانظر: \"ديوان علقمة\" ص ١١٧، و\"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٤٢، و\"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ٩٧، و\"جامع البيان\" ٢٧/ ٧١، و\"اللسان\" ١/ ١٨ (ذنب)، ٢/ ٦١٥ (طم)، ٢/ ٧٩٦ (عصف).\n(٥) انظر: \"تنوير المقباس\" ٥/ ٣١٤، و\"تفسير مقاتل\" ١٣٥ أ، و\"جامع البيان\" ٢٧/ ٧١.","vol":"21","page":143},{"text":"أبي طلحة عن ابن عباس (١).\nوروى السدي عن أبي (٢) مالك قال: هو أول ما ينبت (٣).\nقال ابن كيسان: العصف: ورق كل شيء خرج منه الحب يبدو أولًا ورقًا، ثم يكون سوقًا، ثم يحدث الله فيه أكمامًا، ثم يحدث في الأكمام الحب (٤).\nقوله تعالى: ﴿وَالرَّيْحَانُ﴾ قال أبو زيد: الريحان كل بقلة طيبة الريح، يقال للطاقة منها ريحانة، سميت ريحانة: لأن الإنسان يراح له رائحة طيبة إذا مسها، أي يدركها. قال: رحت الشيء أراح إذا أردت رائحته وهو فَعْلان من الرائحة والريح، وأصل الياء فيه واو قلبوها ياء فرقًا بينه وبين الروحان، وهو شيء له روح، ويقال: شيء ريحاني وروحاني، حكاهما ابن الأعرابي، وما يتركب من الراء والواو والحاء كثير، والأصل في ذلك الحركة والاهتزاز فالرائحة فاعلة من راحت الريح تروح روحانًا إذا تحركت، ذكر هذا كله أبو القاسم الزجاجي.\nوقال أبو علي: ويجوز أن يكون الريحان فَيْعِلانا، والعين محذوفة كأنه كان في الأصل ريوحان فلما اجتمعت الياء والواو وسبقت إحداهما\n_________\n(١) انظر: \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٢٦٢، و\"جامع البيان\" ٢٧/ ٧١، و\"الكشف والبيان\" ١٢/ ٣٥ أ.\n(٢) في (ك): (ابن).\n(٣) انظر: \"صحيح البخاري\"، كتاب التفسير، سورة الرحمن، ٦/ ١٨.، قال: وقال أبو مالك: العصف أول ما ينبت. قال ابن حجر: وليس له -أي لابن مالك- في البخاري إلا هذا الموضع. \"فتح الباري\" ٨/ ٦٢١، و\"جامع البيان\" ٢٧/ ٧١، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي مالك.\n(٤) انظر: \"الوسيط\" ٤/ ٢١٨، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٦٨، و\"فتح القدير\" ٥/ ١٣٢.","vol":"21","page":144},{"text":"بالسكون أدغم أحدهما في الآخر فقيل ريحان، ثم خفف كما قلنا في سيد وميت وهين (١).\nقال أبو القاسم: وسمت العرب الرزق ريحانا؛ لأن الإنسان يرتاح له (٢) ويقوى به روحه، واللغة العرفية في الريحان أنه يطلق على ما له رائحة من الأنوار، وقال أبو عبيدة: الريحان الحب الذي يؤكل، ومنه يقال: سبحانك وريحانك، أي: رزقك، وأنشد للنمر بن تولب:\nسلام الإله وريحانُه ... ورحمتُه وسماءٌ دِرَرْ (٣)\nوقال الفراء: والريحان في كلام العرب: الرزق، تقول: خرجنا نطلب ريحان الله ورزقه (٤).\nوقال أبو إسحق: والعرب تقول: سبحان الله وريحانه.\nقال أهل اللغة: واسترزاقه، وأنشد بيت النمر، قال: معنى ريحانه: رزقه (٥).\nقال مجاهد: الريحان الرزق. وهو رواية عكرمة والكلبي عن ابن عباس (٦).\n_________\n(١) انظر: \"الحجة للقراء السبعة\" ٦/ ٢٤٥ - ٢٤٦، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ١٥٧.\n(٢) كذا في (ك)، ولم تتبين ليّ.\n(٣) انظر: \"المنصف\" ٢/ ١١، و\"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٤٣، و\"تفسير غريب القرآن\" ص ٤٣٧، و\"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ٩٧، و\"اللسان\" ١/ ١٢٤٧ (روح).\n(٤) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ١١٣ - ١١٤.\n(٥) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ٩٧.\n(٦) اظر: \"تفسير مجاهد\" ٢/ ٦٤، و\"جامع البيان\" ٢٧/ ٧١، و\"الكشف والبيان\"\n١٢/ ٣٥ أ، و\"صحيح البخاري\"، كتاب: التفسير، سورة الرحمن ٦/ ٧٣، قال: وقال مجاهد: العصف ورق الحنطة، والريحان الرزق.","vol":"21","page":145},{"text":"قال المقاتلان: هو بلغة حمير (١).\nوقال الحسن وابن زيد: هو ريحانكم الذي يشم (٢).\nواختلفوا في إعراب (الريحان) فقرأ الأكثرون بالرفع على معنى: وفيها الحب والريحان، وقرأ حمزة والكسائي بالخفض حملًا على (ذو) كأنه والحب ذو العصف وذو الريحان، أي: من الحب الرزق، وأريد بالريحان الرزق إذا خرج وخلص من لفائفه وهو رزق للناس، والعصف رزق للدواب، فذكر قوت الناس والأنعام كما قال تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى (٥٣) كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ﴾ [طه: ٥٣] وقال: ﴿مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾ [النازعات: ٧٣، عبس: ٣٢] فكذلك العصف يختص بأنه رزق الأنعام، والريحان يعم الأناسي وغيرهم، ولا يجوز على هذه القراءة أن يكون الريحان المشموم (٣)، واختار أبو عبيد هذه القراءة. قال: لأن الريحان في التفسير الرزق، والعصف الورق فيكون المعنى أن الحب ذو ورق ورزق، ومن رَفع الريحان على الابتداء صار التأويل في الحب أنه ذو ورق لا غير، ولا أحب هذا المعني.\nقال المبرد: الذي قال أبو عبيد يجوز، ولكن فيه بعد؛ لأن الحب هو الرزق نفسه ليس غيره فيبعد أن يقال للرزق ذو الرزق، إلا أن يحمل على ما قال مقاتل أن الريحان الرزق بلغة حمير، وهو ما يخرج من الحب من دقيق\n_________\n(١) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٣٥ أ، و\"الكشف والبيان\" ١٢/ ٢٥ أ، ونسبه لمقاتل بن حيان.\n(٢) انظر: \"جامع البيان\" ٢٧/ ٧١، و\"الكشف والبيان\" ١٢/ ٣٥ ب، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٦٨.\n(٣) انظر: \"الحجة للقراء السبعة\" ٦/ ٢٤٥ - ٢٤٦.","vol":"21","page":146},{"text":"أو سويق أو غيره، قال: والوجه الرفع في الريحان؛ لأنه إن أريد بالريحان الرزق كان المعنى فيها: الحب ذو العصف: أي: الذي معه ورقه، وتم الكلام ثم قال: ﴿الرَّيْحَانُ﴾ أي الرزق المنفرد، وإن أريد بالريحان المشموم، ولذلك فهذه القراءة تحتمل القولين في تفسير الريحان.\nقال: والظاهر أن الريحان في هذا الموضع هو الذي يشم؛ لأن الريحان إذا جاء مطلقًا وقع على ما يشم، وهذا هو الأحسن في التفسير، لأنه لما قيل: ﴿فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ (١١) وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ﴾ كان ذلك جامعًا لأكثر المأكولات ثم ذكر بعدها ما يشم مما يخرج من الأرض؛ لأن النعمة على الناس عظيمة جليلة في المأكول والمشموم، والريحان إذا جاء بلا دليل انطلق على المشموم لأنه اسمه الخاص، وإذا عني بالريحان الرزق احتيج إلى أن يكون في الكلام ما يدل عليه كما قال سيبويه، يقال: سبحان الله وريحانه. تقديره: تسبيحًا واسترزاقًا (١).\nوقرأ ابن عامر: (والريحانَ) نصبًا اتباعًا لقوله: ﴿وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ﴾ على قراءته (٢).\nقال أبو علي: وانتصب ريحان فيما حكاه سيبويه انتصاب المصادر، وذكرنا في وزنه قولين، فإن قلنا وزنه فيعلان كان هذا اسمًا موضوعًا موضع المصدر؛ لأنه ليس في أبنية المصادر شيء على هذا الوزن فيكون كقولهم: تربا وجندلًا، ونحو ذلك مما وضع موضع المصادر، أو يجعله\n_________\n(١) انظر: \"الكتاب\" ١/ ٣٢٢.\n(٢) قرأ ابن عامر ﴿وَالرَّيْحَانُ﴾ بالنصب، وقرأ حمزة والكسائي وخلف ﴿وَالرَّيْحَانُ﴾ في بخفض النون. وقرأ الباقون برفع النون ﴿وَالرَّيْحَانُ﴾. انظر: \"حجة القراءات\" ص ٦٩، و\"النشر\" ٢/ ٣٨، و\"الإتحاف\" ص ٤٥.","vol":"21","page":147},{"text":"مصدرًا اختص به المعتل كما اختص بكينونةٍ (١) وإن جعلته فعلًا بيكون مثل الكيان وليس هذا كما لزمه الانتصاب من المصادر نحو معاذ الله وسبحان الله ألا ترى أنه قد جاء مرفوعًا في بيت النمر ومجرورًا في قراءة حمزة (٢).\nقال أبو إسحق: وقد ذكر الله -﷿- في هذه السورة ما يدل على وحدانيته من خلق الإنسان وتعليم البيان ومن خلق الشمس والقمر والسماء والأرض.\nثم خاطب الجن والإنس فقال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4374>١٣ </span>- ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ أي فبأي نعم ربكما تكذبان من هذه الأشياء المذكورة؛ لأنها كلها مُنعم بها عليكم في دلالتها إياكم على وحدانيته وفي رزقه إياكم ما به قوامكم والوصلة إلى حياتكم (٣). وتقدم الكلام في تفسير الآلاء في سورة الأعراف (٤)، قال الكلبي: فبأي آلاء ربكما يريد الإنس والجن (٥).\nفإن قيل: على هذا إنما تقدم ذكر الإنس في قوله ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ﴾ ولم يجر للجن ذكر حتى يدخل في الخطاب، والجواب عن هذا ما ذكره الفراء قال: العرب تخاطب الواحد بفعل الاثنين فيقال: ارجلاها وازجراها (٦) وقد ذكرنا هذا عند قوله ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ﴾ وهذا الوجه اختيار ابن\n_________\n(١) قال ابن منظور: وكان الخليل يقول: كيْنونة فيعولة هي في الأصل كيونونة، التقت منها ياء وواو والأولى منهما ساكنة فصيرتا ياء مشددة مثل ما قالوا الهيّن من هُنْتُ، ثم خففوها فقالوا: كينونة كما قالوا: هَيْنٌ لَيْنٌ، انظر: \"اللسان\" ٣/ ٣١٦ (كون).\n(٢) تقدم توثيقها، وانظر: \"الحجة للقراء السبعة\" ٦/ ٢٤٦.\n(٣) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ٩٨.\n(٤) عند تفسيره الآية (٦٩) من سورة الأعراف وآلاء: النعم، واحدها أَلىّ بالفتح، وإليٌّ، وإلى. \"اللسان\" (ألا).\n(٥) انظر: \"تنوير المقباس\" ٥/ ٣١٤\n(٦) انظر: \"معاني القرآن\" ٣/ ١١٤، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ١٦.","vol":"21","page":148},{"text":"الأنباري.\nوقال صاحب النظم: خاطب الجن مع الإنس، وإن لم يجر لهم ذكر كما أن يكنى عن الشيء، وإن لم يجر له ذكر كقوله تعالى ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ (١).\nوذكر الأزهري قولين آخرين: أحدهما: أنه قد جرى ذكر الأنام وهحناه الجن والإنس، والثاني: أن الله تعالى خاطبهما قبل ذكرهما ثم ذكرهما معا بعقب الخطاب، وهو قوله: ﴿أَيُّهَ الثَّقَلَانِ﴾ كما قال المثقب العبدي (٢):\nوما أدري إذا يممت أرضا ... أريد الخير أيهما يليني\nأألخير الذي أنا أبتغيه ... أم الشر الذي هو يبتغيني\nفقال أيهما، ولم يجر للشر ذكر إلا بعد تمام البيت الثاني (٣).\nوهذا الوجه معنى قول أبي عبيدة والكسائي (٤).\nوأما معنى تكرير هذه الآية في هذه السورة فقال أصحاب المعاني: معنى التكرير التقرير بالنعمة عند ذكرها على التفصيل نعمة نعمة، كأنه قيل: بأي هذه الآلاء تكذبان، ثم ذكرت آلاء أخر، واقتضت من التقرير بها ما اقتضت الأولى ليتأمل كل واحدة في نفسها وفيما تقتضيه صفتها وحقيقتها التي تنفصل بها من غيرها.\n_________\n(١) من آية (٣٢) من سورة ص، وانظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ١٥٨.\n(٢) هو عائذ بن محصن بن ثعلبة، أبو عَدِيّ الملقب المثقَّب. من بني نُكْرَة. تقدمت ترجمته. والأبيات وردت في \"مغني اللبيب\" وشرح شواهده للسيوطي / ٦٩، و\"شرح المفصل\" ٩/ ١٣٨، و\"المفضليات\" ص ٢٩٢، و\"شرح شواهد الشافعية\" ص ١٨٨.\n(٣) انظر: \"تهذيب اللغة\" ١٥/ ٥٨ (نأم).\n(٤) انظر: \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٤٣.","vol":"21","page":149},{"text":"وشرح ابن قتيبة هذه الجملة شرحًا شافيًا فقال: إن الله تعالى عدد في هذه السورة نعماءه وذكّر عباده آلاءه، ونبههم على قدرته ولطفه بخلقه، ثم أتبع ذكر كل خلة وصفها بهذه الآية، وجعلها فاصلة بين كل نعمتين ليفهمهم النعم، ويقررهم بها، وهذا كقولك لرجل أحسنت إليه دهرك وتابعت عليه الأيادي وهو في ذلك ينكرك ويكفرك: ألم أبوئك منزلًا وأنت طريد أتنكر هذا؟ ألم أحجج بك وأنت صرورة؟ ألم أحملك وأنت راجل؟ أفتنكر هذا (١)؟\nوقال صاحب النظم: إن من عادة العرب الإيجاز والاختصار في بعض الأماكن والإشباع والتوكيد في بعض، والتكرير والإعادة إذا أرادوا الإبلاغ بحسب العناية بالأمر كما قال الحارث بن عباد (٢):\nقربا مربط النعامة مني ... لقحت حرب وائل من حيال\nوكرر ذكر قول (قربا مربط النعامة) في رؤوس أبيات كثيرة عناية بالأمر، وإرادة للإبلاغ في التثنية والتحذير وكذلك الجعفي (٣) في قصيدته التي يقول فيها:\nوكتيبة لبستها بكتيبة حتى ... تقول نساؤهم هذا فتى\n_________\n(١) انظر: \"الكشف والبيان\" ١٢/ ٣٥ ب، ٣٤ أ، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ١٦، و\"فتح القدير\" ٥/ ١٣٣، والصرورة الذي لم يحج.\n(٢) الحارث بن عباد البكري، كان من حكام ربيعة وفرسانها المعدودين، ولد له عقب. توفي سنة ٥٥ م. انظر: \"الشعر والشعراء\" ص ٢٦٢، و\"الكامل\" ٢/ ٢٣١، و\"الأغاني\" ٥/ ٤، و\"الخزانة\" ١/ ٢٢٥، و\"الأعلام\" ٢/ ١٥٦، والبيت ورد في \"الحيوان\" ١/ ٢٢، و\"أمالي ابن الشجري\" ٢/ ٢٧، و\"المنصف\" ٣/ ٥٩.\n(٣) مرثد بن أبي حمران الجعفي، ولكنى أبا حمران. شاعر جاهلي. انظر: \"الاشتقاق\" ص ٢٤٣، و\"المؤتلف\" ص ٤٧، البيت ورد في \"الأصمعيات\" ص ١٤٢، ولفظه: وكتيبة وجهتها لكتبه حتى نقول سرائهم هذا الفتى.","vol":"21","page":150},{"text":"فكرر هذه الكلمة في رؤوس أبيات منها، لأنه ذهب مذهب الحارث ابن عباد في العناية والتأكيد، وقال غيرهما:\nكم نعمة كانت لكم ... كم كم وكم (١)\nفكرر كم في بيت واحد أربع مرات تأكيدًا لفرط العناية بهذه الكلمة، فكذلك قوله -﷿- ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (١٣)﴾، وقوله في ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ (٢)، وقوله ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ (٣) جاء هذا كله في التكرير والإعادة في الإبلاغ والتوكيد؛ لأنها كلها تحرير وتذكير وتنبيه (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4375>١٤ </span>- قوله تعالى: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ﴾ تقدم تفسيره في سورة الحجر (٥).\nقال أبو إسحاق: اختلفت الألفاظ فيما بدأ منه خلق آدم فقيل في موضع: ﴿خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ﴾ [آل عمران: ٥٩]، وفي آخر ﴿مِنْ طِينٍ لَازِبٍ﴾ [الصافات: ١١]، وفي آخر ﴿مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ [الحجر: ٢٦]، وفي آخر من صلصال، وهذه الألفاظ راجعة في المعنى إلى أصل واحد، وهو التراب الذي هو أصل الطين، أعلم الله -﷿- أنه خلق آدم من تراب جعل طينًا، ثم\n_________\n(١) ورد البيت في \"تأويل مشكل القرآن\" ص ٢٣٦، و\"أمالي المرتضى\" ١/ ٨٤، و\"الصباحي\" ص ١٧٧، ولم ينسب لقائل.\n(٢) [القمر: ١٧، ٢٢، ٣٢، ٤٠، ٥١].\n(٣) [المرسلات: ١٥، ١٩، ٢٤، ٢٨، ٣٤، ٣٧، ٤٠، ٤٥، ٤٧، ٤٩].\n(٤) قلت: كلام الجرجاني هذا توضيح وبيان لما قاله أهل المعاني، وشرحه ابن قتيبة. وانظر: \"روح المعاني\" ٢٧/ ٩٧.\n(٥) عند تفسيره الآية (٢٦) من سورة الحجر. والصلصال من الطين ما لم يجعل خزفًا، سمي به لتصلصله. والصلصال الطين اليابس الذي لم تصبه النار، فإذا مسته النار فهو حينئذٍ فخار. \"اللسان\" ٢/ ٤٦٧ (صلل).","vol":"21","page":151},{"text":"انتقل فصار كالحمأ المسنون، تم انتقل فصار صلصالًا كالفخار (١). فهذا كله أصله التراب وليس في شيء ينقض بعضه بعضا، قال أبو عبيدة: والفخار ما طبخ بالنار (٢)، وقال المبرد: الفخار الخزف، كأنه والله أعلم طين من يبسه كالخزف (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4376>١٥ </span>- قوله تعالى: ﴿وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ﴾ تفسير الجان قد سبق في سورة الحجر (٤)، قال أبو عبيدة: مارج من خلط (٥) من نار.\nوقال الليث: المارج من النار: الشعلة الساطعة ذات اللهب الشديد (٦).\nواختلف المفسرون في المارج فذكر الكلبي أنه نار لا دخان لها، منها تكون الصواعق (٧)، والأكثرون قالوا إنه الصافي من لهب النار، وهو قول ابن عباس ومقاتل وعكرمة ومجاهد، قالوا: إنه اللهب الذي يعلو النار فيختلط بعضه ببعض أحمر وأصفر وأخضر (٨).\n_________\n(١) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ٩٨.\n(٢) انظر: \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٤٣.\n(٣) انظر: \"الوسيط\" ٤/ ٢٢، و\"فتح القدير\" ٥/ ١٣٣.\n(٤) عند تفسيره لآية (٢٧) من سورة الحجر. وجَنَّ الشي يجنه جنًا ستره. وكل شيء ستر عنك فقد جن عنه، والجّانُّ: أبو الجن، خلق من نار ثم خلق منه نسله.\nوالجانُّ: الجنُّ. وهو اسم جمع كالجامل والباقر. انظر: \"اللسان\" ١/ ٥١٧ (جنن).\n(٥) (ك): (خالص) وانظر: \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٤٣.\n(٦) انظر: \"تهذيب اللغة\" ١١/ ٧١، و\"اللسان\" ٣/ ٤٦١ (مرج).\n(٧) انظر: \"تنوير المقباس\" ٥/ ٣١٥.\n(٨) انظر: \"تفسير مجاهد\" ٢/ ٦٤، و\"تفسير مقاتل\" ١٣٥ أ، و\"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٢٣٢، و\"جامع البيان\" ٢٧/ ٧٤، و\"الكشف والبيان\" ١٢/ ٣٦ أ.","vol":"21","page":152},{"text":"قال المبرد: المارج كل ما أرسلِ غير ممنوع (١)، وذكرنا الكلام في هذا الحرف عند قوله: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ﴾ في سورة الفرقان (٢) وقوله: ﴿فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾ في سورة ق.\nوالمارج معناه في اللغة: المرسل والمختلط (٣)، وكلاهما يحسن في صفة لهب النار وهو فاعل بمعنى مفعول كقوله -﷿- ﴿مَاءٍ دَافِقٍ﴾ [الطارق: ٦] و﴿عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٢١، القارعة: ٧] والمعنى: ذو مرج (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4377>١٧ </span>- قوله تعالى ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ﴾ إجماع القراء على الرفع في رب المشرقين، قال أبو عبيد (٥): لولا إجماعهم على الرفع لكان الخفض أحب إلى على النعت للاسم قبله.\nقال المبرد: الرفع على الاستئناف على قولك: هو رب المشرقين، وهو أحسن من البدل لأن أكثر الكلام إذا تكرر المنعوت الرفع على الابتداء كقوله: ﴿إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (١) اللَّهِ﴾ [إبراهيم: ١، ٢] وكان ينبغي لأبي عبيد أن يعلم أن اجتماعهم على الرفع قد دل على اختياره.\nقال المفسرون: يعني مشرق الصيف ومشرق الشتاء، وهما مشرقان، مشرق الأيام الطوال ومشرق الأيام القصار، وكذلك المغرب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4378>١٩ </span>- قوله تعالى ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ﴾ تفسير هذه الآية والتي بعدها قد\n_________\n(١) انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ١٦١، و\"فتح القدير\" ٥/ ١٣٣.\n(٢) عند تفشره الآية (٥٣) من سورة الفرقان.\n(٣) انظر: \"تهذيب اللغة\" ١١/ ٧١، و\"اللسان\" ٣/ ٤٦١، (مرج).\n(٤) انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ١٦١.\n(٥) في (ك): (أبو عبيدة) والصواب ما أثبته.","vol":"21","page":153},{"text":"تقدم في سورة الفرقان (١).\nوالمعنى أن الله تعالى ذكر عظيم قدرته حيث خلى البحرين العذب والملح يلتقيان، أي: يلتقيين كما تقول: تركت زيدًا وعمرا يقتتلان - ثم لم يختلط أحدهما بالآخر، وهو قوله:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4379>٢٠ </span>- ﴿بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ﴾ أي حاجز من قدرة الله تعالى، فلا ينبغي الملح على العذب فيفسده ولا يبغي على الملح فيختلط به. والمعنى لا يطلبان أن يخرجا مما حد لهما، هذا قول مقاتل وأكثر المفسرين (٢).\nوقال الحسن وقتادة: (برزخ) يعني الأرض التي بينهما وهي الحجاز ﴿لَا يَبْغِيَانِ﴾ لا يطمان على الناس بالغرق (٣)، والقول هو الأول؛ لقوله تعالى في سورة الفرقان: ﴿هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4380>٢٢ </span>- قوله تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ هو أكثر القراء (٤) (يُخْرَج) بضم الياء وفتح الراء من الإخراج، لأنه يخرج ولا يخرج بنفسه، ومن قرأ يَخرج فهو اتساع، وذلك أنه إذا أخرج خرج (٥).\n_________\n(١) تقدم تخريجها.\n(٢) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٣٥ أ، و\"جامع البيان\" ٢٧/ ٧٥ - ٧٦، و\"الكشف والبيان\" ١٢/ ٣٦ ب.\n(٣) انظر: \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٢٦٣، و\"جامع البيان\" ٢٧/ ٧٥، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ١٦٩.\n(٤) في (ك): (القراءة).\n(٥) قرأ نافع وأبو عمرو وأبو جعفر، ويعقوب ﴿يَخْرُجُ﴾ بضم الياء وفتح الراء. وقرأ الباقون ﴿يَخْرُجُ﴾ فتح الياء وضم الراء.\nانظر: \"حجة القراءات\" ص ٦٩١، و\"الحجة للقراء السبعه\" ٦/ ٢٤٧، و\"النشر\". ٢/ ٣٨، و\"الإتحاف\" ص ٤٥.","vol":"21","page":154},{"text":"وقوله: (منهما) وإنما يخرج من أحط البحرين وهو الملح دون العذب، قال أبو عبيدة: العرب تجمع الجنسين ثم تخبر عن أحدهما كقوله تعالى ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٠] وإنما الرسل من الإنس، وتقول: أكلت خبزًا ولبنًا، وإنما يقع الأكل على الخبز (١)، وقال أبو إسحاق: إن الله تعالى قد ذكرهما وجمحهما فإذا أخرج من أحدهما فقد خرج منهما، ومثل ذلك قوله: ﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا (١٥) وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا﴾ [نوح: ١٥، ١٦] والقمر في السماء الدنيا إلا أنه لما أجمل ذكر السبع كأن ما في إحداهن فيهن (٢).\nوقال مقاتل: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا﴾ أي من الماءين جميعًا العذب والملح (٣)، وهذا القول ذكره الأخفش فقال: زعم قوم أنه يخرج من العذب أيضًا (٤).\nوقال أبو علي: هذا على حذف المضاف كما قلنا في قوله ﴿عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ﴾ [الزخرف: ٣١].\nوأما تفسير اللؤلؤ والمرجان فقال الفراء: اللؤلؤ: العظام، والمرجان: ما صغر (٥)، وهو قول جميع أهل اللغة في المرجان أنه الصغار من اللؤلؤ.\nقال الأزهري: ولا أدري أرباعي هو أم ثلاثي.\nوقال أبو الهيثم: اختلفوا في المرجان، فقال بعضهم: هو صغار\n_________\n(١) انظر: \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٤٤، و\"الكشف والبيان\" ١٢/ ٣٦ ب، ونسبه لأهل المعاني والكلبي.\n(٢) انظر: \"معاني القرآن\" ٥/ ١.\n(٣) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٣٥ ب.\n(٤) انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ١٦٣، و\"فتح القدير\" ٥/ ١٣٤.\n(٥) انظر: \"معاني القرآن\" ٣/ ١١٥.","vol":"21","page":155},{"text":"اللؤلؤ، وقال آخرون: هو الْبَسْتذ، وهو جوهر أحمر يقال إن الجن تطرحه في البحر (١)، وهو قول ابن مسعود في المرجان في هذه الآية، وعطاء الخراساني، قال عطاء عن ابن عباس: اللؤلؤ يريد الكبير، والمرجان الصغير، وهو قول الحسن وابن رزين (٢) وقتادة (٣). وذكر مقاتل على الضد من هذا فقال: اللؤلؤ الصغار والمرجان العظام، وهو قول مجاهد، والسدي، ومرة، ورواية عكرمة عن ابن عباس (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4381>٢٤ </span>- قوله: ﴿وَلَهُ الْجَوَارِ﴾ يعني السفن، واحدتها جارية، كقوله ﴿حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾ [الحاقة: ١١].\n﴿الْمُنْشَآتُ﴾ قال أبو عبيدة: المرفوعات المجريات (٥) - ففسر المنشأت تفسيرين، أحدهما: المرفوعات، وهي التي رفع خشبها بعضها على بعض، وركب حتى ارتفعت وطالت وتمت، والمعنى أنشأ صنعتها وعليها (٦)، الثاني: أنشأ إجراءها.\nوالقراءة المعروفة فتح الشين، وقرأ حمزة بكسر الشين (٧)، والوجه الفتح؛ لأنها أنشئت وأجريت، أي: فعل بها الإنشاء ولم تفعل ذلك\n_________\n(١) انظر: \"تهذيب اللغة\" ١١/ ٧٢ - ٧٣ (مرج).\n(٢) كذا في (ك) وعلها (ابن زيد).\n(٣) انظر: \"تنوير المقباس\" ٥/ ٣١٦، و\"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٢٦٣، و\"جامع البيان\" ٢٧/ ٧٧. ولم أجد من نسب قوله (إن الجن تطرحه في البحر) لأحد، وإنما ذكره الأزهري دون نسبة، ولعله لا يصح ولا يستقيم.\n(٤) انظر: \"تفسير مجاهد\" ٢/ ٦٤١، و\"تفسير مقاتل\" ١٣٥ ب، و\"جامع البيان\" ٢٧/ ٧٦.\n(٥) انظر: \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٤٤.\n(٦) كذا في (ك) ولم أتبين معناها.\n(٧) قرأ حمزة وأبو بكر عن عاصم ﴿المنشِآت﴾ بكسر الشين. وقرأ الباقون بفتحها. انظر: \"حجة الفراءات\" ٦٩١ - ٦٩٢، و\"النشر\" ٢/ ٣٨١\" و\"الإتحاف\" ص ٤٦.","vol":"21","page":156},{"text":"أنفسها، ووجه الكسر أن الفعل نسب إليها على الاتساع كما يقال: مات زيد، ومرض عمرو، ونحو ذلك، مما يضاف الفعل إليه إذا وجد فيه وهو في الحقيقة لغيره، فكأن المعنى المنشآت السير، فحذف المفعول للعلم به.\nوإضافة السير إليها اتساع أيضًا؛ لأن سيرها إنما يكون في الحقيقة بهبوب الريح أو دفع الصواري (١).\nقوله تعالى: ﴿كَالْأَعْلَامِ﴾ أي: كالجبال، والعَلَم الجبل، قال الفراء: وكل جبل طال فهو علم (٢).\nقال جرير:\nإذا قطعنا علمًا بدا علم (٣)\nوقالت الخنساء:\nوإن صخرًا (٤) لتأتم الهداة به ... كأنه علم في رأسه نار\nقال مقاتل: شبه السفن في البحر كالجب الذي البر (٥).\nوقال عطاء عن ابن عباس: يريد أن قلوع السفينة إذا رفعت كانت\n_________\n(١) انظر: \"الحجة للقراء السبعة\" ٦/ ٢٤٨.\n(٢) انظر: \"معاني القرآن\" ٣/ ١١٥.\n(٣) انظر: \"ديوان جرير\" ص ٥٢، و\"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٤٤، و\"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ١.\n(٤) هو صخر بن عمرو السلمي، شاعر جاهلي، كان حليمًا جوادًا بارًا بأخته الخنساء، أصيب بطعنة مات على أثرها.\nانظر: \"المعارف\" ص ٨٥، و\"الأغاني\" ١٥/ ٧٦، و\"الإصابة\" (في ترجمة الخنساء) ٧/ ٦١٤، و\"جمهرة أنساب العرب\" ص ٢٦١، وبيت الخنساء في \"ديوانها\" ص ٤٩، و\"معنى اللبيب وشواهده\" ص ٥٦٦.\n(٥) لم أجده.","vol":"21","page":157},{"text":"كأنها الجبال، وقال الكلبي: شبهها بالجبال إذا رفع شروعها. (١)\nوقال مجاهد: ما رفع قِلْعُه من السفن فهي منشأة، وما لم يرفع قِلْعُها فليست منشأة (٢)، واختار أبو عبيد فتح الشين وقال إن تفسيرهما التي رُفِع قلعها (٣)، قال الزجاج: المنشآت المرفوعات الشُّرُع (٤)، وهذا القول تفسير ثالث للمنشآت سوى الذين ذكرناهما.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4382>٢٦ </span>- قوله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا﴾ أي على الأرض، وقد سبق ذكرها في قوله ﴿وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا﴾، والمعنى أن كل من دب ودرج على أرض من حيوان فهو (فانٍ) هالك، قال الكلبي ومقاتل: لما نزلت هذه الآية قالت الملائكة: هلك أهل الأرض، فلما نزل ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] أيقنت الملائكة بالهلاك (٥).\nقال الشعبي: إذا قرأت ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ فلا تسكت حتى تقول: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ (٦).\nوذكر أهل المعاني في الوجه هاهنا قولين: أحدهما: أن المعنى ويبقى ربك الظاهر بأدلته كظهور الإنسان بوجهه، فالوجه على هذا عبارة عن الظهور.\n_________\n(١) انظر: \"تنوير المقباس\" ٥/ ٣١٦.\n(٢) انظر: \"تفسير مجاهد\" ٢/ ٦٤١، و\"جامع البيان\" ٢٧/ ٧٨.\n(٣) انظر: \"حجة القراءات\" ص ٦٩٢.\n(٤) انظر: \"معاني القرآن\" ١/ ٥.\n(٥) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٣٥ ب، و\"الكشف والبيان\" ١٢/ ٣٨ أ، عن ابن عباس، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ١٦٥، عن ابن عباس ومقاتل، و\"شرح العقيدة الطحاوية\" ٢/ ٦٢.\n(٦) انظر: \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٢٧٢ - ٢٧٣.","vol":"21","page":158},{"text":"الثاني: ويبقى ربك وهو السيد المعظم، والوجه يذكر بمعنى الشيء المعظم كقولهم: هذا وجه القوم، ووجه التدبير، أي: التدبير المعظم (١)، ولا يجوز أن يكون الوجه هاهنا صلة لقوله (ذو) بالرفع وهو من صفة الوجه، ولو كان الوجه صلة لقيل ذي، ليكون صفة لقوله ربك، والجلال عظمة الله وكبرياؤه واستحقاقه صفات المدح بإحسانه وإنعامه، وقال: جل الشيء، أي: عظم، وأجللته: أعظمته، والجلال اسم من جل، والجلال مصدر، قال الأصمعي: ولا يقال الجلال إلا لله ﵎ (٢).\nقال أبو علي: قد جاء الجلال في غير الله سبحانه وأنشد:\nفلا ذا جلالٍ هبنه لجلال ... ولا ذا ضياع هُنَّ يتركن للفقر (٣)\nهذا كلامه.\nويجوز أن يكون البيت جاهليًّا، والأصمعي يقول: لا يقال ذلك بعد الإسلام، أي: لا يستحقه إلا الله سبحانه (٤).\n_________\n(١) انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ١٦٥، و\"فتح القدير\" ٥/ ١٣٦.\nقلت: المراد بالوجه عند أهل السنة والجماعة في هذه الآية وما يماثلها (الذات) أي: تبقى ذاته -﷾-. انظر: \"مجموع الفتاوى\" ٢/ ٤٣٤، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٩٧٣، و\"روح المعاني\" ٢٧/ ١٨.\n(٢) انظر: \"تهذيب اللغة\" ١/ ٤٨٨، و\"اللسان\" ١/ ٤٨٧ (جلل).\n(٣) البيت لهدبة بن خشرم العذري يصف المنايا وعمومها للخلق.\nوقد ورد في \"شواهد سيبويه\" ١/ ٧٢، و\"المفصل\" ٢/ ٣٧، و\"الحجة للقراء السبعة\" ٦/ ٢٥٤.\n(٤) قلت: تفسير كلام الأصمعي بقول المؤلف: أي لا يستحقه إلا الله سبحانه هو الصواب إن شاء الله.\nوأما البيت فهو لهدبة بن خشرم وهو شاعر إسلامى قتل ابن عمه زيادة بن زيد =","vol":"21","page":159},{"text":"وللإكرام هاهنا معنيان. أحدهما: إكرام الله تعالى أنبياءه فهو مكرمهم بلطفه مع جلاله وعظمته. والآخر: إن الإكرام بمعنى الإعظام من العبد لله بعبادته والثناء عليه بإحسانه وإنعامه. والأول معنى قول الحسن: الذي يكرم أهل دينه وولايته (١)، ومعنى قول الكلبي: الكريم على خلقه في عفوه عنهم، والثاني معنى قول ابن عباس: الذي لا أكرم منه ولا أجل ولا أعظم (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4383>٢٩ </span>- قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ قال أبو صالح: يسأله من في السموات الرحمة، ويسأله من في الأرض المغفرة والرزق (٣).\nوقال مقاتل وابن جريج: يسأله أهل الأرض الرزق والمغفرة، وتسأله الملائكة لهم أيضًا الرزق والمغفرة (٤) يدل على هذا قوله ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ [الشورى: ٥].\nوالوقف على (الأرض) حسن، لأن قوله ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ كلام\n_________\n= فأقيد به في أيام معاوية بن أبي سفيان، ويقال أنه أول من أقيد في الإسلام وعليه فلا محذور في إطلاق الجلال على المخلوق فلله تعالى الجلال المطلق الذي يليق به سبحانه وللمخلوق جلاله المناسب لحالته، والله تعالى أعلم.\n(١) انظر: \"الوسيط\" ٤/ ٢٢١، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٧.\n(٢) لم أقف عليه\n(٣) وهو المروي عن ابن عباس أيضًا.\nانظر: \"تنوير المقباس\" ٥/ ٣١٧، و\"الكشف والبيان\" ١٢/ ٣٨ ب، و\"الوسيط\" ٤/ ٢٢١، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ١٦٦.\n(٤) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٣٥ ب، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٧، و\"البحر المحيط\" ٨/ ١٩٣.","vol":"21","page":160},{"text":"آخر من نعت عظمته (١).\nوقال الأخفش: لا يحسن الوقف على (الأرض) لاتصال معنى الآية وذلك أنه أخبر في النصف الأول من الآية من سؤال الخلق إياه، والسؤال (٢) مختلف؛ لأن كل أحد يسأل ما يهمه، ثم أخبر في آخر الآية أنه في شأن من إعطاء سؤلهم، وقضاء حوائجهم، وكفاية أشغالهم على ما يرى التدبير في ذلك.\nوكل يوم ينتصب بالظرف؛ لقوله ﴿فِي شَأْنٍ﴾ وقال يعقوب: انتصب ﴿كُلَّ يَوْمٍ﴾ بالسؤال، والمعنى: \"سأله من في السموات والأرض كل يوم\" وهاهنا الوقف، ثم قال ﴿هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ أي ربنا في شأن على ما يذكر من تفسير ذلك الشأن، وهذا قول غير بعيد.\nقال أبو جعفر النحاس: وقال يعقوب ﴿كُلَّ يَوْمٍ﴾ فهذا الوقف التام، ثم قال النحاس: أما قول يعقوب فمخالف لقول الذين شاهدوا التنزيل (٣).\nوالذي يوافق ما ذكره المفسرون أن يكون ﴿كُلَّ يَوْمٍ﴾ ظرفًا لقوله ﴿هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ لأنهم قالوا: من شأنه أن يحيى ويميت، ويرزق ويمنع، وينصر ويعز ويذل، ويفك عانيا ويشفي مريضا، ويجيب داعيًا ويعطي سائلًا، ويتوب على قوم، ويكشف كربًا، ويغفر ذنبًا، إلى ما لا يحصى من أفعاله وأحداثه في خلقه ما يشاء.\nذكر ذلك مجاهد، والكلبي، وعبيد بن عمير، وأبو ميسرة، وعطاء عن\n_________\n(١) انظر: \"القطع والائتناف\" ص ٦٩٧ - ٦٩٨، حيث قال: قال عيسى بن عمر: قال أبو حاتم: (يسأله من في السموات والأرض). تام، ثم قال جل وعز: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾.\n(٢) في (ك): (وسؤال).\n(٣) انظر: \"القطع والائتناف\" ص ٦٩٧ - ٦٩٨.","vol":"21","page":161},{"text":"ابن عباس (١)، ومقاتل، وذكر السبب في نزوله، فقال: إن اليهود قالوا: إن الله لا يقضي يوم السبت شيئًا فأنزل الله في ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ (٢) ويؤكد ما ذكرنا ما روي عن عبد الله بن منيب (٣) أنه قال: تلا علينا رسول الله -ﷺ- هذه الآية فقلنا: \"يا رسول الله: وما ذاك الشأن؟ قال: يغفر ذنبًا ويفرج كربًا، ويرفع قومًا، ويضع آخرين\" (٤).\n_________\n(١) لم أقف على هذه الرواية عن عطاء.\nوانظر: \"تفسير مجاهد\" ٢/ ٦٤٢، و\"جامع البيان\" ٢٧/ ٧٨، و\"العظمة\" ٢/ ٤٧٩ - ٤٨٨، ونحو هذا روى أبو الدرداء عن النبي في -ﷺ- قال الألباني بعد ذكره لطرق الحديث: حديث صحيح، ورجاله موثقون، وفي هشام كلام، لكنه توبع. انظر: \"تخريج السنة\" ١/ ١٣.\nوذكر ابن كثير الرواية عن أبي ميسرة وعن غيره، ثم قال: دخل الكلام بعضهم في بعض وإسناد المؤلف -يعني أبا الشيخ- إلى أبي ميسرة صحيح. انظر: \"تفسبر القرآن العظيم\" ٤/ ٢٧٣.\n(٢) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٣٥ ب، و\"الكشف والبيان\" ١٢/ ٣٨ ب، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٧.\n(٣) عبد الله بن منيب؛ ذكره ابن أبي حاتم في \"الجرح والتعديل\" ٥/ ١٥٢، وذكره ابن حجر في \"الإصابة\" ٣/ ٣٧٤، ونقل عنه ابن السكن أنه قال: عبد الله والد منيب له صحبة.\n(٤) أخرجه الطبراني، والبزار، وابن أبي حاتم، قال البزار: لا أعلم أسند عبد الله بن منيب إلا هذا الحديث. \"تخريجات الكشاف\" ٤/ ١٦٢.\nوقال الهيثمي: رواه الطبراني في الكبير والأوسط، والبزار وفيه من لم أعرفهم. \"مجمع الزوائد\" ٧/ ١١٧.\nواستشهد به الحافظ ابن حجر في \"فتح الباري\" ٨/ ٦٢٣، لحديث أبي الدرداء. وتعقبه الألباني بقوله: عمرو بن بكر السكسكي متروك كما في \"التقريب\" ٢/ ٦٦. قلت: فيتعجب منه كيف اعتبره شاهدًا مع هذا الضعف الشديد. \"ظلال الجنة في تخريج السنة\" ١/ ١٣ فالحديث ضعيف جدًّا؛ لأن عمرو بن بكر متروك وفيه عدة مجاهيل. \"العظة\" بتحقيق المباركفوري ٢/ ٤٨٣.","vol":"21","page":162},{"text":"ويزيده وضوحًا ما روى سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: إن مما خلق لله -﷿- لوحًا من درة بيضاء دفتاه ياقوتة حمراء، قلمه نور وكتابه نور ينظر الله -﷿- فيه كل يوم ثلثمائة وستين نظرة، يخلق ويرزق، ويحيي ويميت، ويعز ويذل، ويفعل ما يشاء، ولا يشغله شأن عن شأن، فذلك قوله: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ (١).\nومعنى الشأن في اللغة: خطب له عِظَم، وجمعه شؤون.\nقال أبو الجوزاء (٢) في هذه الآية: ولا يشغله شأن عن شأن (٣)،\n_________\n(١) أخرجه الحاكم ٢/ ١١٩، وفي سنده أبو حمزة الثمالي، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد، فإن أبا حمزة الثمالي لم ينقم عليه إلا الغلو في مذهبه فقط.\nوأخرجه ابن جرير في \"تفسيره\" ٢٧/ ٧٩، وأبو الشيخ في \"العظمة\" ٢/ ٤٩٢، ٤٩٦، والبيهقي في \"الأسماء والصفات\" ٢/ ٢٦٤، ٤٢٦، موقوفًا على ابن عباس، كلهم عن أبي حمزة الثمالي، وأخرجه الطبراني في \"المعجم الكبير\" بسنده برقم (١٢٥١١) وبرقم ٥٠٦ موقوفًا على ابن عباس، ص ٢٩٣.\nقال الألباني في تعليقه على الطحاوية: (إسناده يحتمل التحسين، فإن رجاله كلهم ثقات غير بكير بن شهاب، وهو الكوفي، قال فيه أبو حاتم: شيخ، وذكره ابن حبان في \"الثقات\" ٢/ ٣٢، وفي كتاب \"العظمة\" قال محققه بعد ذكره لطرق الحديث: وإذا ضم إلى هذا الطريق -أي طريق أبي الشيخ- الطرق التي أوردناها وفيها ما يحتمل التحسين يرتفع عنه الضعف ويصل درجة الحسن، و\"العظمة\" ٢/ ٤٩٤.\nوفي موقع آخر قال: ولكن للحديث طريق أخرى تجعل إسناده حسنًا موقوفًا من كلام ابن عباس ٢/ ٤٩٧ وقال شعيب الأرناؤوط في تعليقاته على \"الطحاوية\" ٢/ ٣٤٤، بعد ذكره لتخريج الطبراني له: وسنده حسن. وانظر: \"مجمع الزوائد\" ٧/ ١٩١.\n(٢) في (ك): (الجزاء) وانظر. \"الدر المنثور\" ٦/ ١٤٣ - ١٤٤، ونسب إخراجه إلى عبد بن حميد\n(٣) انظر: \"تهذيب اللغة\" ١١/ ٤١٥، و\"اللسان\" ٢/ ٢٥٨ (شأن).","vol":"21","page":163},{"text":"هاهنا (١) واحد والمراد به الجمع كقوله ﴿ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾ [غافر: ٦٧] وإن شئت قلت: إن ما يحدثه الله تعالى كل يوم في خلقه شأن واحد، ولا تنافي بين هذه الآية وبين ما في الأخبار من سبق القضاء بالأمور، وذلك أن القضاء قد سبق قبل خلق الأجسام، والذي يحدثه الله كل يوم هو إيجاد ما سبق به القضاء، وهذا معنى ما قال الحسين بن الفضل: هو سوق المقادير إلى المواقيت (٢).\nولما ذكر أنه كل يوم هو في شأن ذكر فراغه من ذلك بمعنى تركه فعله فقال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4384>٣١ </span>- ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ﴾ قال أبو عبيدة: سنحاسبكم، سنجمعكم ولم يشغله شيء ﵎ (٣)، فذكر أبو عبيدة في تفسير الفراغ المحاسبة والجمع؛ لأن المعنى سنترك ذلك الشأن إلى هذا، وإنما حسن لفظ الفراغ لسبق ذكر الشأن، هذا وجه في معنى الفراغ في صفة الله تعالى، وهذا معنى قول الكلبي: سنحاسبكم (٤).\nقال الفراء: وهذا من الله وعيد؛ لأنه لا يشغله شيء عن شيء، وأنت قائل للرجل الذي لا شغل له: قد فرغت لي، قد فرغت لشتمي، أي: أخذت فيه وأقبلت عليه، هذا كلامه (٥)، ومعناه أنه وعيد بالمحاسبة\n_________\n(١) كذا في (ك) وظاهر العبارة يدل على سقط لعل استقامتها: ولفظه هاهنا واحد. وانظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" ٧/ ١٦٧.\n(٢) انظر: \"الكشف والبيان\" ١٢/ ٣٩ أ، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٧، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ١٧٦، ونسبه للكلبي.\n(٣) انظر: \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٤٤، وفيه (سنحاسبكم، لم يشغله) ولم يذكر الجمع.\n(٤) انظر: \"تنوير المقباس\" ٥/ ٣١٧.\n(٥) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ١١٦.","vol":"21","page":164},{"text":"والمجازاة. سيأخذ في ذلك. وهذا قريب من قول أبي عبيدة.\nوقال أبو إسحاق: الفراغ في اللغة على ضربين: أحدهما: الفراغ من الشغل، والآخر: القصد للشيء، تقول: سأتفرغ لفلان، أي سأجعل قصدي إليه، ومعنى ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ﴾ سنقصد لحسابكم (١)، وهذا قول ابن الأعرابي في الآية (٢)، واختيار أبي علي، قال: وليس الفراغ هاهنا فراغًا من شغل، ولكن تأويله القصد، كما قال جرير:\nالآن فَقَد فرغت إلى نمير ... فهذا حينَ صِرتُ لهم عَذَابا (٣)\nوقال بعض أهل المعاني: ومعنى الآية: سنعمد عمد من يتفرغ للعمل لتجويده من غير تضجيع، وهذا من أبلغ الوعيد وأشده.\nوقال ابن قتيبة: الفراغ يكون من الناس بعد شغل، ثم قد ينتقل فيصير في معنى القصد للشيء، وذلك أنه إنما يقصد الشيء إذا فرغ مما يقطعه فيسمى القصد إلى الشيء فراغًا له كما كان يحصل عن فراغ من موانعه، والله تعالى لا يشغله شأن عن شأن فقوله: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ﴾ أي سنقصد لكم بعد طول الترك والإمهال، وهذا معنى قول قتادة في هذه الآية: قد دنا من الله فراغ لخلقه (٤)، أي: قصد لمحاسبتهم، يريد أن الساعة قد أزفت.\nوأما التفسير فأكثر المفسرين ذهبوا في تفسير هذا اللفظ إلى أنه وعيد\n_________\n(١) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ٩٩.\n(٢) في (ك) من قوله: (وهذا قريب) إلى هنا مكرر. وانظر: \"تهذيب اللغة\" ٨/ ١١١ (فرغ).\n(٣) ليس البيت في \"ديوان جرير\". وانظر: \"الحجة للقراء السبعة\" ٦/ ٢٤٩، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ١٦٨، و\"اللسان\" ١/ ١٤٦ (أين).\n(٤) انظر: \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٢٦٤، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٢٧٣.","vol":"21","page":165},{"text":"وتهديد، وهو قول مقاتل والضحاك، وابن عباس في رواية عطاء، قال: هذا تهديد منه لعباده (١).\nوذهب قوم إلى أن المعنى سنوفر عليكم ما وعدناكم من الحساب والجزاء بالثواب والعقاب وننجزه لكم، وهذا قول الحسن، وابن زيد، وابن كيسان (٢).\nويقال: فَرّغَ يَفْرَغُ وَيفْرُغُ وفَرغَ يَفْرَغُ. كل ذلك مروي عن أهل اللغة (٣).\nوقراءة العامة (سنفرغ) بالنون. وقرئ بالياء على الغيبة (٤) لتقدم قوله: ﴿وَلَهُ الْجَوَارِ﴾ وقوله: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾.\nوقوله: ﴿أَيُّهَ الثَّقَلَانِ﴾ يريد الجن والإنس في قول الجميع.\nقال أهل المعاني: وإنما وصف الجنس والإنس بأنهما ثقلان لعظم شأنهما بالإضافة إلى ما في الأرض من غيرهما، فهما أثقل وزنًا لعظم الشأن بالعقل والتمكين والتكليف لأداء الواجب في الحقوق (٥).\nوقال أبو العباس أحمد بن يحيى: العرب تقول لكل شيء نفيس مصون: ثَقَل، وأصله من بيض النعام المصون، قال ثعلبة بن صُعير\n_________\n(١) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٣٥ ب، و\"جامع البيان\" ٢٧/ ٧٩، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٧.\n(٢) انظر: \"الكشف والبيان\" ١٢/ ٤٠ أ، ب، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٧١، و\"فتح القدير\" ٥/ ١٣٦.\n(٣) انظر: \"تهذيب اللغة\" ٨/ ١٩، و\"اللسان\" ٢/ ١٨٤ (فرغ).\n(٤) (ك): من قوله (وقراءة العامة) إلى هنا مكرر. وقرأ حمزة، والنسائي، وخلف ﴿سيفرغ﴾ بفتح الياء وضم الراء. وقرأ الباقون ﴿سَنَفْرُغُ﴾ بالنون. انظر: \"حجة القراءات\" ٦٩٢، و\"الحجة للقراء السبعة\" ٦/ ٢٤٨ - ٢٤٩، و\"النشر\" ٢/ ٣٨١، و\"الإتحاف\" ص ٤٦.\n(٥) انظر: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٧١، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ١٦٩.","vol":"21","page":166},{"text":"المازني (١) يذكر الظليم والنعامة:\nفتَذَكَّرا ثقلًا رَثيدا بَعْدَما ... أَلْقَتْ ذُكاءُ يمنيها في كافِر (٢)\nويقال للسيد العزيز: ثقل من هذا، وسمى الله -﷿- الجن والإنس الثقلين لتفضيله إياهما على سائر الحيوان المخلوق في الأرض بالتمييز والعقل اللذين خُصا به، ولهذا سمى النبي -ﷺ- كتاب الله وعترته (٣) الثقلين فقال: \"إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي\" (٤) لفضلهما وشرفهما، وقال غيره: إنما سميا ثقلين لثقلهما على الأرض أحياء وأمواتًا، وقد سمى الله تعالى الأموات أثقالا في قوله: ﴿وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا﴾ [الزلزلة: ٢]\n_________\n(١) هو ثعلبة بن صغير المازني: شاعر جاهلي، وقد وقع خلط في وقت مبكر بينه والصحابي ثعلبة بن أبي صغير بن عمرو من بني عُذْرَة. انظر: \"الشعر والشعراء\" ص ٢٨٥، و\"الأمالي\" ٢/ ١٤٥، و\"معجم الشعراء الجاهليين والمخضرمين\" ص ٥٨، و\"الإصابة\" ١/ ٤٠٦، و\"الأعلام\" ٢/ ٨٣.\n(٢) ورد البيت منسوبًا في \"المحتسب\" ٢/ ٢٣٤، و\"المفضليات\" ص ٢٥٧، و\"تهذيب اللغة\" ٩/ ٧٨ (ثقل)، و\"اللسان\" ١/ ٣٦٦ (ثقل)، وأماكن أخرى من الكتاب وهي المذكورة لاحقًا.\nوالظليم: الذكر من النعام، والجمع أظلمةُ وظُلمان وظِلمانُ، اللسان ٢/ ٦٥٢ (ظلم). والرثد: بالتحريك متاع البيت، و\"اللسان\" ١/ ١١٢٢ (رثد). وذُكاءُ (بالضم): اسم الشمس معرفة لا ينصرف ولا تدخلها الألف واللام، و\"اللسان\" ١/ ١٠٧٣ (ذكا). والكافر هنا هو المغيب، ويحتمل أن يكون أراد الليل، \"اللسان\" ٣/ ٢٧٤ (كفر).\n(٣) عترته في تحديدها خلاف، والمشهور المعروف أنهم أهل بيته، وهم الذين حرمت طيهم الزكاة والصدقة المفروضة، وهم ذوو القربى الذين لهم خمس الخمس المذكور في سورة الأنفال. \"اللسان\" ٢/ ٦٧٧ (عتر).\n(٤) رواه الترمذي في \"سننه\"، باب مناقب آل البيت، وقال. هذا حديث حسن غريب.","vol":"21","page":167},{"text":"يعني موتاها، ومنه قول الخنساء:\nأبعد ابن عمرو من آل الشريد ... حلت به الأرض أثقالها (١)\nأي موتاها أي جعلته الأرض حلية أمواتها لفضله وشرفه (٢).\nوروي عن الصادق أنه قال: سُميا ثقلين لأنهما مثقلان بالذنوب (٣) ويدل على أن المراد بالثقلين الجن والإنس أن الله تعالى خاطبهما بعد هذا فقال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4385>٣٣ </span>- ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ﴾ ولم يقل إن استطعتما؛ لأنهما إذا جمعا جمع (٤) واحد كما قال ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا﴾ [الحج: ١٩] وكقوله ﴿فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ﴾ [النحل: ٤٥] ولو قيل: إن استطعتم كان صوابًا كما قال ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا﴾ ذكر ذلك الفراء والكسائي (٥).\nقوله ﴿أَنْ تَنْفُذُوا﴾ يقال: نفذ الشيء من الشيء إذا خلص منه كالسهم ينفذ من الرمية نفوذا أو نفاذا، ونفذ من الشيء خرج منه، والنفذ المخرج، يقال: لهذا الطريق نفذ إلى مكان كذا، أي: مخرج، والنفاذ: الجواز، وهذا يستعمل بالباء يقال: نفذ بالشيء كما يقال: مر بالشيء (٦).\n_________\n(١) انظر: \"ديوان الخنساء\" ص ١٢٠، و\"الخصائص\" ٣/ ١٧٢، و\"الأغاني\" ٣/ ١٣١، و\"اللسان\" ٢/ ٢٩٦ (شرد) وبنو الشَّريج بطن من سُلَيْم.\n(٢) انظر: \"تهذيب اللغة\" ٩/ ٣٨، و\"اللسان\" ١/ ٣٦٦ (ثقل).\n(٣) انظر: \"الكشف والبيان\" ١٢/ ٤٠/ ب، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٣١، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ١٦٩، و\"فتح القدير\" ٥/ ١٣٧.\n(٤) ظاهر العبارة غير مستقيم، وفي \"الكشف والبيان\" ١٢/ ٤٠/ ب (ولم يقل إن استطعتما لأنهما فريقان في حال الجمع).\n(٥) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ١١٦، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ١٦٩.\n(٦) انظر: \"تهذيب اللغة\" ١٤/ ٤٣٦، و\"اللسان\" ٣/ ٦٨٦، و\"المفردات\" ص ٥٠٠ (نفذ).","vol":"21","page":168},{"text":"قوله: ﴿مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي من جوانبها ونواحيها. واحدها قطر وقتر (١).\nوفي تفسير هذه الآية قولان، أحدهما: أن المعنى: إن استطعتم أن تهربوا من الموت بأن تخرجوا من أقطار السموات والأرض فاهربوا واخرجوا منها، والمعنى أنكم حيث ما كنتم أدرككم الموت، كما قال تعالى: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ﴾ [النساء: ٧٨] ولن تستطيعوا أن تهربوا من بالخروج من أقطار السموات والأرض، وهذا قول ابن مسعود ومقاتل، قال: إن استطعتم أن تنفذوا من أطراف السموات والأرض هرابًا من الموت فانفذوا ﴿لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾ يقول: إلا بملكي حيث توجهتم فثم ملكي وأنا آخذكم بالموت (٢)، وهذا إخبار عن عجزهم عن النفوذ من الأقطار، وأنهم في قبضة الجبار الذي لا يفوته مطلوب أين ما كان.\nومعنى (السلطان) القوة التي يتسلط بها على الأمر، ثم الملك والقدرة والحجة كلها سلطان، يدل على أنه واحد.\nالقول الثاني: أن الله تعالى يأمر الملائكة يوم القيامة فتحف بأطراف السموات والأرض فيكونون على أطرافها وتحضر جهنم فيسمع الجن والإنس زفيرها فيندون فيقال لهم: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ الآية، فلا يستطيع شيطان ولا إنس ولا جن يخرج من أقطارها، والمعنى أن تنفذوا\n_________\n(١) أقطارها: نواحيها، واحدها قطر، وكذلك أقتارها، واحدها قُتْرٌ. \"اللسان\" ٣/ ١١٤ (قطر).\n(٢) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٣٦ أ، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٧١، وأورده الطبري في \"تفسيره\" ٢٧/ ٨٠، وغيره عن الضحاك.","vol":"21","page":169},{"text":"من أقطارها هاربين من العقاب، فانفذوا، وهذا أمر تعجيز على القولين، والقول الثاني هو قول الكلبي والضحاك (١)، ويدل على صحته قوله: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ﴾ في الخبر: \"يحاط على الخلق بالملائكة وبلسان من نار ثم ينادون: يا معشر الجن والإنس إن استطعتم، وذلك قوله تعالى:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4386>٣٥ </span>- ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ﴾ \" (٢).\nقال أبو عبيدة: الشواظ النار التي تأجج لا دخان فيها، وأنشد لرؤبة فقال:\nإن لهم من وقعنا أقياظا ... نارَ حرب تُشعر الشواظا (٣)\nوأنشد أيضًا لحسان:\nهجرتك فاختضعت بذل نفسي ... بقافية تأجج كالشواظ (٤)\nقال الليث: وهو قول جميع أهل اللغة: الشواظ اللهب الذي لا دخان معه.\nقال ابن شميل: ويقال لحر النار شواظ، يقال: أصابني شواظ من\n_________\n(١) انظر: \"تنوير المقباس\" ٥/ ٣١٧، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٧١.\n(٢) كذا أورده الثعلبي بدون سند، انظر: \"الكشف والبيان\" ١٢/ ٤١ أ.\n(٣) لم أجد البيت في \"ديوانه\"، وانظر: \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٤٤، و\"جامع البيان\" ٢٧/ ٨١، و\"اللسان\" ٢/ ٣٨٢، (شوظ) وأقياظ جمع: قيظ، وهو حميم الصيف، وهو من طلوع النجم إلى طلوع سهيل، والمراد بالنجم هنا الثريا.\n\"اللسان\" ٣/ ٢٠٢، (قيظ).\n(٤) انظر: \"ديوان حسان\" ١/ ١٩٣، وروايته:\nمُجَلَّلَة تُغَمّمكمْ سنارًا ... مضرمةً تأجج كالشواظ\nوفي \"سيرة ابن هشام\" ١/ ٣٨٢ بدل قول المؤلف (هجرتك) قال (همزتك).","vol":"21","page":170},{"text":"الشمس (١) إذا أصابك حرها ولم يصبك الضح (٢).\nوقرأ ابن كثير (وشِواظ) بكسر الشين؛ وهي قراءة الحسن (٣).\nقال الفراء والمبرد: وهما لغتان، كما قالوا لجماعة البقر صُوار وصِوار (٤).\nقال أبو الحسن: وأهل مكة يكسرون الشواظ (٥)، قال ابن عباس: يريد اللهب الذي لا دخان فيه، وهو قول المفسرين (٦)، وقال مجاهد: هو اللهب الأخضر المنقطع من النار (٧).\nوقوله ﴿وَنُحَاسٌ﴾ قال أبو عبيدة: النحاس الدخان وأنشد للجعدي:\nيضيئ كضوء سراج السَّليط ... لم يجعل الله فيه نحاسا (٨)\n_________\n(١) انظر: \"تهذيب اللغة\" ١١/ ٣٩٩، و\"اللسان\" ٢/ ٣٨٢ (شوظ).\n(٢) كذا في (ك)، ولعلها (الفيح) وهو سطوع الحر وهيجانه.\n(٣) قرأ الجمهور ﴿شُوَاظٌ﴾ بضم الشين، وقرأ ابن كثير والحسن، وابن محيصن، والأعمش بكسر الشين.\nانظر: \"حجة القراءات\" ص ٦٩٢، و\"النشر\" ٢/ ٣٨١، و\"الإتحاف\" ص ٤٠٦.\n(٤) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ١١٧، و\"اللسان\" ٢/ ٣٨٢ (شوظ)، ٢/ ٤٩٢ (حور).\n(٥) انظر: \"الحجة للقراء السبعة\" ٦/ ٢٤٩.\n(٦) انظر: \"تنوير المقباس\" ٥/ ٣١٨، و\"الكشف والبيان\" ٤١ أ، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٧١، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ١٧١.\n(٧) انظر: \"جامع البيان\" ٢٧/ ٨١، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٢٧٤.\n(٨) انظر: \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٤٤.\nوالبيت في \"ديوان النابغة\" ٧٥، و\"شواهد الكشاف\" ص ١٥٧، و\"اللسان\" ٣/ ٥٩٦ (نحس).\nوالسَّلِيطُ عند عامة العرب الزيت، وعند أهل اليمن دُهْنُ السمسم. ورجح ابن منظور أنه الزيت.\nانظر: \"اللسان\" ٢/ ١٨٢ (سلط).","vol":"21","page":171},{"text":"وقال الليث: النحاس الدخان الذي لا لهب له. وهو قول عطاء، والكلبي، وسعيد بن جبير، والوالبي عن ابن عباس (١).\nوقال مجاهد، وقتادة: النحاس الصفر المذاب يصب على رؤوسهم. (٢)\nقال مقاتل: يعني الصفر الذائب، وهي خمسة أنهار تجري من تحت العرش على رؤوس أهل النار، ثلاثة أنهار على مقدار الليل، ونهران على مقدار النهار (٣)، وهذا القول في النحاس هو رواية عطية عن ابن عباس، وهو قول ابن مسعود. قال: النحاس المهل، ونحو ذلك قال الربيع: هو القطر (٤).\nوأكثر القراءة الرفع في قوله ﴿نحاس﴾ بالعطف على قوله (شواظ) والمعنى: يرسل عليكما شواظ ويرسل نحاس، أي: يرسل هذا مرة وهذا مرة.\nوقرأ ابن كثير وأبو عمرو (ونحاسٍ) كسرًا (٥). وهو ضعيف، لأن معنى الشواظ اللهب الذي لا دخان فيه على ما ذكره أهل اللغة، والمفسرون فكيف يكون شواظ من نحاس، وإن جعلنا النحاس الصفر المذاب فهو\n_________\n(١) انظر: \"جامع البيان\" ٢٧/ ٨١، وهو اختياره، و\"الكشف والبيان\" ١٢/ ٤١ ب، و\"الوسيط\" ٤/ ٢٢٣، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٢٧٤.\n(٢) انظر: \"جامع البيان\" ٢٧/ ٨٢، عن مجاهد وقتادة وسفيان، و\"الكشف والبيان\" ١٢/ ٤١ ب، وزاد نسبته لقتادة، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٧٢.\n(٣) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٣٦ أ، و\"الكشف والبيان\" ١٢/ ٤١ ب.\n(٤) انظر: \"الكشف والبيان\" ١٢/ ٤٩ ب، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٧٢، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ١٧٢.\n(٥) قرأ الجمهور \"ونحاسٌ\" بالرفع، وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وروح \"ونحاسٍ\". انظر: \"النشر\" ٢/ ٣٨١، و\"الإتحاف\" ص ٤٠٦.","vol":"21","page":172},{"text":"أبعد (١).\nقال أبو علي: وهو يجوز من وجه على أن تقدره يرسل عليكما شواظ من نار وشيء من نحاس، يحذف الموصوف ويقيم الصفة مقامه، كقوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ﴾ [الروم: ٢٤] و﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ﴾ [النساء: ٤٦٠] ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ﴾ [النساء: ١٥٩] ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ﴾ [التوبة: ١٠] وحذف الموصوف من هذا كله، كذلك في الآية، وقد جاء في الشعر:\nوما راعنا إلا يَسيرُ بشرطةٍ ... وعهدي به قينا يفش بكير (٢)\nفإذا قدرت هذا التقدير كان الموصوف محذوفًا، والجار أيضًا يكون محذوفًا، لأن التقدير: وشيء من شواظ، وحذف من؛ لأن ذكره قد تقدم في قوله (من نار) فحسن ذلك حذفها، كما حسن حذف الجار من قولهم:\nعلى من تَنْزِلُ أنْزِلْ\nوكما أنشد أبو زيد:\nفأصبح من أسماء قيسٌ كقابض ... على الماء لا يدري بما هو قابض (٣)\nأي: بما هو قابض عليه، فيكون انجرار ﴿نحاس﴾ على هذا بمن المضمرة لا بالإشراك في من التي جَرّت في قوله ﴿من نار﴾ وإذا كان كذلك\n_________\n(١) انظر: \"حجة القراءات\" ص ٦٩٣.\n(٢) البيت لمعاوية الأسدي كما في \"الخصائص\" ٢/ ٤٣٤، و\"شرح المفصل\" ٤/ ٢٧، و\"التصريح بمضمون التوضيح\" ١/ ٢٦٨، و\"شرح شواهد الألفية\" للعيني ٤/ ٤٠٠. وفش الكبير هو نفخه، والكير هو زق أو جلد غليظ ذو حافات.\nانظر: \"اللسان\" ٢/ ١٠٩٧ (فشش)، ٣/ ٣٢١ (كير).\n(٣) البيت للعجاج. انظر: \"ديوانه\" ١/ ١٢.","vol":"21","page":173},{"text":"لم يكن الشواظ الذي هو اللهب قسطًا من الدخان على أن أبا الحسن قد حكى عن بعضهم أنه قال: لا يكون الشواظ إلا من النار والدخان جميعًا، ونحو ذلك حكي عن أبي عمرو، وعلى هذا فالجر متجه وليس بممتنع (١).\nقوله تعالى: ﴿فَلَا تَنْتَصِرَانِ﴾ قال ابن عباس: يريد لا ناصر لكم من الله تعالى، وقال مقاتل (٢): فلا تمتنعان من ذلك (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4387>٣٧ </span>- وقوله ﴿فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً﴾ قال أبو عبيدة: لونها كلون الورد (٤).\nوقال الفراء: أراد بالوردة الفرس الورد، يكون في الربيع وردة إلى الصفرة فإذا استد البرد كانت حمراء، فإذا كان بعد ذلك كانت وردة إلى الغُبرة (٥). قال ابن دريد: الوردة شقرة تعلوها صفرة، يقال: فرس ورد، والجمع وارد، وسمي الذي يسمى وردًا لحمرته، قال أبو القاسم الزجاجي: أصل الواو والراء مع الدال على هذا النظام موضوع في كلامهم للمجيء والإتيان، يقال: وردت أرد ورودًا، ووردت الماشية الماء ترد. ثم\n_________\n(١) من قوله: (قال أبو علي) إلى هنا كلام أبي علي ﵀.\nوانظر: \"الحجة للقراء السبعة\" ٦/ ٢٥٠ - ٢٥٢.\nقلت: وما قاله أبو علي كلام حسن، وفيه رد على من ضعف قراءة ابن كثير وأبي عمرو -رحمهما الله- وبيان لوجهها من الناحية اللغوية، وإذا صحت القراءة عن رسول الله -ﷺ- كما هنا فلن تعدم من يحتج لها من أهل العربية ولعل القصور في قواعد اللغة وليس في القراءة. والله أعلم.\n(٢) في (ك): (مقاتلا).\n(٣) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٣٦ أ، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٧٢.\n(٤) انظر: \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٤٥.\n(٥) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ١١٧.","vol":"21","page":174},{"text":"من الناس من يقول إن العرب تسمي الأسد الورد لجرأته وتورده على فريسته، ومنه قول طرفة:\nكسيد الغضا نبهته المتورد\nهو المتقدم على فرسته الذي لا يدفعه شيء، ثم شبه لون هذا المتورد بلون الأسد لأن الغالب عليه الشقرة فسمي وردًا، هذا قول ابن درستويه النحوي (١)، وليس بمرتضى؛ لأنهم سموا الفرس الذي هو بين الكميت الأحمر وبين الأشقر ويضرب إلى الصفرة وردًا، والكلام على هذا من طريق التحقيق أن الورد عند العرب من الألوان لون أبيض ورد عليه لون الحمرة والصفرة، هذا قول أبي إسحاق الزجاج (٢)، يقال: وردت المرأة خدها إذا أوردت عليه لونًا غير اللون الأصلي، قال: ونظير ذلك أنهم يسمون الظليم (٣) أخرج، والنعامة خرجاء إذا كان لونها يجمع السواد والبياض كأن لونًا خرج إلى لون آخر، ورماد أخرج وبرمة خرجاء فيها حجارة سود وبيض، وهذا استعمل فيه معنى الخروج من شيء إلى شيء كما استعمل في الأول معنى الورود.\nقوله: ﴿كَالدِّهَانِ﴾ قال أبو عبيدة: جماعة دُهْن، وهو قول الفراء والمبرد والزجاج (٤).\nوفي تفسير الآية قولان، أحدهما: وهو الذي عليه الأكثر أنه شبه\n_________\n(١) هو عبد الله بن جعفر بن درستويه الفارسي.\n(٢) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ١٠١.\n(٣) الظليم هو ذكر النعام، وقد تقدم.\n(٤) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ١١٧، و\"مجاز القرآن\" ٢/ ٤٣٩، و\"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ١٠١.","vol":"21","page":175},{"text":"السماء في تلونها واختلاف ألوانها بالوردة، وهي الفرس التي تتلون ألوانًا، قال الكلبي: تتلون كما تتلون الفرس الورد (١).\nوقال الحسن: تلون ألوانًا (٢)، ثم شبه هذا الفرس الذي يتلون بالدهان بقوله ﴿كَالدِّهَانِ﴾ قال الفراء: شبه تلون السماء بتلون الوردة من الخيل، وشبه الوردة في اختلاف ألوانها بالدهن واختلاف ألوانه (٣)، وهذا قول الضحاك ومجاهد وقتادة والربيع وأبي العالية وأكثر أهل التفسير (٤)، واختلاف (٥) الفراء والزجاج واحتج بقوله ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ﴾ [المعارج: ٥] أي كالزيت الذي قد أغلي، وذكر مقاتل السبب في تلون السماء. قال يعني فصارت من الخوف وردة (٦).\nقال أبو إسحاق: تتلون من الفزع الأكبر كما يتلون الدهان (٧)، وعلى هذا يجب أن يكون الله تعالى ركب فيها عقلًا حتى يصح خوفها.\nالقول الثاني: أن المراد بالوردة هاهنا الحمرة والعرب تقول: عشية وردة إذا احمر أفقها عند غروب الشمس. وذلك علامة الجدب، ومنه قول زهير:\n_________\n(١) انظر: \"جامع البيان\" ٢٧/ ٨٢، عن ابن عباس، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٧٢، وفي \"الكشف والبيان\" ١٢/ ٤٢ أقال: كالأديم الأحمر.\n(٢) انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ١٧٣، و\"فتح القدير\" ٥/ ١٣٨.\n(٣) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ١١٧.\n(٤) انظر: \"تفسير مجاهد\" ٢/ ٦٤٢، و\"جامع البيان\" ٢٧/ ٨٢، و\"الكشف والبيان\" ١٢/ ٤٢ أ، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٧٢.\n(٥) كذا في (ك)، ولم يظهر لي معناها.\n(٦) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٣٦ أ.\n(٧) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ١٠١.","vol":"21","page":176},{"text":"عَلَونَ بأنماط عِتَاقٍ وَكلَّةٍ ... ورادٍ حَوَاشيها مُشاكِهَةِ الدَّم (١)\nشبه حمرة حواشيها بالدم، والدهان بالأديم الأحمر الصرف، ذكر ذلك أبو عبيدة والفراء وابن الأعرابي (٢).\nومعنى الآية أن الله تعالى أخبر أن السماء تحمر حتى تفسير كالأديم الأحمر، وهذا القول اختيار قطرب وابن الأعرابي.\nوذكر بعض أهل المعاني قولًا آخر، فقال: إن السماء تذوب يوم القيامة من حر نار جهنم فتصير حمراء ذائبة كالدهن وعلى هذا وقع التشبيه بالدهن في الذوبان والسيلان (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4388>٣٩ </span>- وقوله: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ﴾ الآية، يعني: لا يسأل ليعرف ذلك بالمسألة، وليعرف المذنب من غيره، فلا يسأل سؤال إستفهام ولكن يسألون سؤال تقريع وتوبيخ، وهذا معنى قول مقاتل: لا يسأل لأن الله قد أحصى عمله (٤)، ومعنى قول الحسن قد حفظ الله عليهم أعمالهم، وهو قول قتادة، ورواية العوفي عن ابن عباس، قالوا: لا يسألون ليعرف ذلك من جهتهم، لأن الملائكة قد كتبت عليهم أعمالهم، ولا يسألون هل عملتم\n_________\n(١) من معلقة زهير بن أبي سلمى. انظر: \"ديوانه\"، و\"شرح المعلقات\" للزوزني ص ٦.\nوالمعنى: أنه وصف الثياب الملقاة على الهودج بأنها حمر الحواشي، يشبه الوانها الدم في شجة الحمرة.\n(٢) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ١١٧، و\"تفسير غريب القرآن\" ص ٤٣٩، و\"اللسان\" ٣/ ٩٠٨ (ورد).\n(٣) انظر: \"الكشف والبيان\" ١٢/ ٤٢ أ، ونسبه لابن جريج، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ١٧٣.\n(٤) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٣٦ أ.","vol":"21","page":177},{"text":"كذا؟ ولكن يسألون لم عملتم كذا (١).\nوقال مجاهد: لا يسألون ليعرف المجرمون فإنهم يعرفون بسيماهم (٢)، دليله قوله: ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ﴾ الآية.\nوقال عكرمة: إنها مواقف يسأل في بعضها ولا يسأل في بعضها (٣).\nوقال الكلبي: هذا الفراغ من الحساب (٤)، واختار ابن قتيبة هذا القول وشرحه فقال: إن يوم القيامة كما قال الله -﷿- ﴿مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: ٤] ففي هذا اليوم يسألون، وفيه لا يسألون، لأنهم حين يعرضون يوقفون على الذنوب ويحاسبون فإذا انتهت المسألة وخبت الحجة انشقت السماء فكانت وردة كالدهان وانقطع الكلام، وذهب الخصام، واسودت وجوه قوم وابيضت وجوه آخرين، وعرف الفريقان بسيماهم.\nوقد حصل في هذا أربعة أقوال:\nأحدها: لا يسألون سؤال استفهام عن ذنوبهم، وهو اختيار الزجاج (٥).\nوالثاني: لا يسألون ليعفروا بذنوبهم وهو اختيار الفراء (٦).\nوالآخر: لا يسألون في بعض المواقف.\nوالرابع: لا يسألون بعد الفراغ من الحساب.\n_________\n(١) انظر: \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٢٦٥، و\"جامع البيان\" ٢٧/ ٨٣، و\"الكشف والبيان\" ١٢/ ٤٢ أ - ب.\n(٢) انظر: \"جامع البيان\" ٢٧/ ٨٣، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ١٧٤.\n(٣) انظر: \"الكشف والبيان\" ١٢/ ٤٢ ب، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٢٧٥.\n(٤) انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ١٧٤، و\"فتح القدير\" ٥/ ١٣٨.\n(٥) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ١٠١.\n(٦) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ١١٧.","vol":"21","page":178},{"text":"قوله تعالى: ﴿إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ﴾، قال مقاتل: يقول إنسي ولا جني (١).\nوالجان هاهنا واحد الجن، قال ثعلب، عن عمرو، عن أبيه: الجان من الجن وجمعه جنان (٢)، ويدل على صحة قول مجاهد في هذه الآية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4389>٤١ </span>- قوله تعالى: ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ﴾ قال جماعة المفسرين: يعرف بسواد الوجوه وزرقة الأعين (٣)، ودليل ذلك قوله: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: ١٠٦] وقوله: ﴿وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾ [طه:١٠٢].\nقال عطاء عن ابن عباس في تفسير المجرمين في هذه الآية: يريد أبا جهل والأسود والوليد والنضر.\nقوله تعالى ﴿فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ﴾ قال الكلبي: تأخذهم الملائكة وهم على الصراط بنواصيهم فيصرعونهم في النار (٤).\nوروى الأعمش عن رجل عن ابن عباس قال يؤخذ بناصيته وقدميه فيكسر كما يكسر الحطب ويطرح في التنور (٥).\nوقال أبو إسحاق نجعل الأقدام مضمومة إلى النواصي من خلف ويلقون في النار وذلك أشد لعذابهم والتشويه بهم (٦)، ويقال لهم:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4390>٤٣ </span>- ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ قال الكلبي: تقول الملائكة\n_________\n(١) انظر: \"روح المعاني\" ٢٧/ ١١٤، وليس في تفسير مقاتل.\n(٢) انظر: \"تهذيب اللغة\" ١٠/ ٤٩٣، و\"اللسان\" ١/ ٥١٦ (جنن).\n(٣) انظر: \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٢٦٥، و\"جامع البيان\" ٢٧/ ٨٣.\n(٤) انظر: \"تنوير المقباس\" ٥/ ٣٢٠، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٧٣.\n(٥) أخرجه ابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في \"البعث والنشور\"، و\"الدر\" ٦/ ١٤٥، وفي \"تفسير ابن كثير\" ٤/ ٢٧٥، عن الأعمش عن ابن عباس وذكره.\n(٦) انظر: \"معاني القران\" ٥/ ١٠١ - ١٠٢.","vol":"21","page":179},{"text":"لهم: هذه جهنم التي كنتم تكذبون بها أنها لا تكون (١).\nثم أخبر عن حالهم فيها فقال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4391>٤٤ </span>- ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ قال أبو عبيدة: (آن) بلغ إناه في شدة الحر وكل مدركٍ آن (٢).\nوقال الفراء: هو الذي قد انتهى شدة حره (٣).\nقال الزجاج: أني يأني فهو آنٍ إذا انتها في النضج والحرارة (٤).\nقال عطاء: يريد قد انتهى غليانه كقوله ﴿مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ [الغاشية: ٥] يريد حارة (٥)، وقال الحسن: قد بلغ منتهى حره، وهذا قول الجماعة (٦).\nومعنى الآية أنهم يسعون بين عذاب الجحيم وبين الحميم فإذا استغاثوا من النار جعل غياثهم الحميم الآني الذي قد صار كالمهل، وهو قوله: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا﴾ [الكهف: ٢٩] الآية، نستجير بالله برحمته منهما (٧).\nقال أهل المعاني (٨): وكل ما ذكر من قوله ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا﴾ إلى هنا مواعظ ومزاجر وتهدد ووعيد وزجر وتخويف وهي كلها نعمة من الله تعالى بالانزجار\n_________\n(١) انظر: \"تنوير المقباس\" ٥/ ٣٢٥، و\"الوسيط\" ٤/ ٢٢٥.\n(٢) انظر: \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٤٥.\n(٣) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ١١٨.\n(٤) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ١٠٢.\n(٥) لم أجده عن عطاء، وعن ابن عباس قال: يقول: غلي حتى انتهى عليه، ومثله عن الضحاك.\nانظر: \"جامع البيان\" ٢٧/ ٨٤.\n(٦) قال ابن كثير: وكذا قال مجاهد، وسعيد بن جبير، والضحاك، والحسن، والثوري، والسدي.\nانظر: \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٢٧٦\n(٧) في (ك): (قوله تعالى) زيادة لا فائدة منها.\n(٨) انظر: \"الوسيط\" ٤/ ٢٢٥، و\"التفسير الكبير\" ٢٩/ ١٢١.","vol":"21","page":180},{"text":"به عن المعاصي ولذلك ختم كل آية بقوله ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4392>٤٦ </span>- ثم أعلم -﷿- ما لمن اتقاه وخافه، قوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ وقد ذكرنا أن المقام يجوز أن يكون مصدرًا وموضعًا عند قوله ﴿خَيْرٌ مَقَامًا﴾ [مريم: ٧٣] وهاهنا أيضا يجوز المعنيان (١) فإن جعلته موضعًا كان المعنى مقامه بين يدي ربه للحساب، أي: المقام الذي يوقفه فيه ربه وإن جعلته مصدرًا جاز فيه وجهان، أحدهما:\nقيامه لربه يدل عليه قوله ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين: ٦]، والآخر: قيام ربه عليه أي إشرافه واطلاعه عليه بالعلم، ويدل عليه قوله ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ﴾ [الرعد: ٣٣] الآية.\nوالمفسرون على القول الأول في المقام، قال ابن عباس: يريد مقامه بين يدي ربه، خاف ذلك المقام فترك المعصية والشهوة (٢)\nوقال مجاهد: إذا هم بمعصية فذكر مقام الله عليه في الدنيا فتركها (٣). وعلى هذا المقام مصدر.\nقوله تعالى: ﴿جَنَّتَانِ﴾ كلام بعض المفسرين يدل على أن كل من ترك المعصية خوفًا من الله فله جنتان على حدته لا يشاركه فيهما غيره، وكلام بعضهم يدل على أنها جنتان لكل من خاف الله ﵎ بترك المعصية على المشاركة فيهما (٤) وهذا معنى قول مقاتل يعني جنة عدن وجنة\n_________\n(١) في (ك): (المعنيين) المُقام والمُقامىُ: الموضع الذي تقيم فيه.\nوالمُقامة (بالضم): الإقامة. والمَقامة (بالفتح): المجلس والجماعة من الناس.\nوأما المَقامُ والمُقامُ فقد يكون كل واحد منهما بمعنى الإقامة \"اللسان\" ٣/ ١٩١، (قوم).\n(٢) انظر: \"تنوير المقباس\" ٥/ ٣٢٠، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٧٣.\n(٣) انظر: \"جامع البيان\" ٢٧/ ٨٥، و\"الكشف والبيان\" ١٢/ ٣٤ أ، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ١٧٦.\n(٤) انظر: \"التفسير الكبير\" ٢/ ١٢٣، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ١٧٧.","vol":"21","page":181},{"text":"النعيم (١)، ويدل على القول الأول ما روي أن النبي -ﷺ- قال في تفسير الجنتين \"هما بستانان في رياض الجنة\" (٢).\nقال الفراء: وقد يكون في العربية جنة واحدة فثنيت لرؤوس الآي كما قال (٣):\nومَهْمَهَيِنْ فذفين مَرَّتَيْنِ ... قَطَعَّته بالأمَّ لا بالسمتين\nيرد مهما وسمتا واحدًا (٤)، ويريد بالسمت اهتداء بنجم أو بعلامة.\nوأنكر ابن قتيبة ذلك أشد إنكار، وقال: نعوذ بالله أن نجيز على الله الزيادة والنقصان في الكلام لرأس آية كيف يكون هذا وهو يصفهما صفات الاثنين في قوله: ذواتا، وفيهما.\nولو أن قائلًا قال في خزنة النار إنهم عشرون وإنما جعلهم تسعة عشر\n_________\n(١) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٣٦ ب.\n(٢) أخرج ابن مردويه عن عياض بن تميم أنه سمع رسول الله -ﷺ- تلا ... وذكر نحو هذا وزيادة، وذكره القرطبي عن ابن عباس عن النبي -ﷺ- نحوه.\nانظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ١٧٧، و\"الدر\" ٦/ ١١٧، وهو المعنى المروي عن ابن عباس في \"تنوير المقباس\" ٥/ ٣٢.\n(٣) البيت لخطام المجاشعي، وقيل لهيمان بن قحافة. وانظر: \"الكتاب\" ١/ ٢٤١، و\"اللسان\" ٢/ ١٩٧، وفيه (بالأم) بدلا من (بالسَّمْتِ)، و\"الخزانة\" ١/ ٣٦٧، و\"أمالي ابن الشجري\" ١/ ١٠، وفي ألفاظه اختلاف.\nوالمعنى في البيت أنه قطع المفازة على طريق وحجة لا على طريقين، وقال: قطعته، ولم يقل: قطعتهما. والسمت: السير على طريق ما لظن، وقيل: هو السير بالحدس والظن على غير الطريق. والأَمّ: القصد على طريق مستقيم.\nاللسان ٢/ ١٩٧ (سمت)، ٣/ ٥٤٤ (مهمه) ١/ ١٠١ (أمم).\n(٤) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ١١٨.","vol":"21","page":182},{"text":"لرؤس الآي، كما قال الشاعر (١):\nنحن بني أم البنين الأربعة\nوهم خمسة فجلهم للقافية أربعة ما كان في هذا القول إلا كالفراء (٢).\nثم وصفهما فقال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4393>٤٨ </span>- ﴿ذَوَاتَا أَفْنَانٍ﴾ قال أبو عبيدة: الأفنان: الأغصان واحدها فَنَن وهو الغصن المستقيم طولًا، ويقال لخصل الشعر أفنان تشبيها لها بالأغصان.\nومنه قول حميد:\nيَنْقُضْنَ أفنانَ السَّبيبِ والعُذُرْ (٣)\nيصف الخيل ويقصد خصل شعر نواصيها وعرفها، وقال المرار:\nأعلاقةً أمَّ الوُلَيدِ بعدَما ... أفْنانُ رأسِك كالثغام المُخْلِسِ (٤)\n_________\n(١) البيت من الرجز، وهو للبيد، وعجزه:\nونحن خير عامر بن صعصعه\nوانظر: \"ديوانه\" ص ٣٤٠، و\"الأغاني\" ١٤/ ٩١، و\"الكتاب مع شرح شواهده\" للأعلم ١/ ٣٢٧، و\"الخزانة\" ٤/ ١٧١.\n(٢) انظر: \"تفسير غريب القرآن\" ص ٤٣٩ - ٤٤١.\nوقال النحاس: وهذا القول -أي قول الفراء- من أعظم الغلط على كتاب الله -﷿-، يقول الله -﷿- ﴿جنتان﴾ ويصفهما بقوله ﴿فِيهِمَا﴾ فيدع الظاهر ويقول: يجوز أن تكون جنة ويحتج بالشعر. انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ١٧٧.\n(٣) \"اللسان\" ٢/ ١١٣٨ ولم ينسبه.\nوالسبيب: من الفرس شعر الذنب والعرف والناصية. \"اللسان\" ٢/ ٧٩ (سبب).\nوالعُذُرُ: جمع عذار وهو ما وقع منه على خدي الدابة. وقيل: عذَارُ اللجام السيران اللذان يجتمعان عند القفا. \"اللسان\" ٢/ ٧١٨ (عذر).\n(٤) ورد البيت منسوبًا في \"الكتاب مع شرح شواهده\" للأعلم ١/ ٦٠، و\"المقتضب\" ٢/ ٥٤، و\"تهذيب اللغة\" ١٥/ ٤٦٦ (فنن)، و\"أمالي الشجري\" ٢/ ٢٤٢، و\"الخزانة\" ٤/ ٤٩٣.","vol":"21","page":183},{"text":"يعني: خُصَلَ جُمَّة رأسها حين شابت (١).\nوقال أبو إسحاق: الأفنان: الألوان (٢)، فقال أبو الهيثم: فسره بعضهم ذواتا أغصان وبعضهم ذواتا ألوان واحدتها حينئذ فن وفنن، كما قالوا: سن وسنن، وعن وعنن، قال الأزهري: واحد الأفنان إذا أردت بها الألوان فن، وإذا أردت بها الأغصان فنن، والفن الضرب من كل منها، وجمعه فنون وأفنان.\nوأنشد الليث (٣):\nقد لَبِسْتُ الدَّهْر من أفنْانِه ... كل فنّ ناعمٍ منه حَبِرْ\nوذكر المفسرون أيضًا القولين، فقال مجاهد: أغصان، وهو معنى قول الحسن: ذواتا ظلال لأنه يريج ظل الأغصان وقد صرح به عكرمة فقال: ظل الأغصان على الحيطان، وهذه رواية عطية عن ابن عباس، والكلبي (٤).\nوقال الضحاك: ذواتا ألوان من الفاكهة، وهو قول سعيد بن جبير (٥). وجمع عطاء بين القولين فقال: يريد في كل غصن فنون من الفاكهة قال والفنون أصناف (٦).\n_________\n(١) انظر: \"تهذيب اللغة\" ١٥/ ٤٦٦، و\"اللسان\" ٢/ ١١٣٨ (فنن).\n(٢) انظر: \"معاني القرآن\" ٥/ ١٠٢.\n(٣) البيت للمرار بن منقذ العدوي كما ذكر في \"المفضليات\" ص ٨٢، و\"تهذيب اللغة\" ٥/ ٣٤، (حبر) والحبر: النعم. وقال شمر: الحبر صفرة تركب إنسان وهي الحِبْرَةُ. وانظر: \"تهذيب اللغة\"، و\"اللسان\" ٢/ ١١٣٧ (فنن).\n(٤) انظر: \"جامع البيان\" ٢٧/ ٨٦، و\"الكشف والبيان\" ١٢/ ٤٣ ب، و\"الوسيط\" ٤/ ٢٢٦، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٧٤.\n(٥) انظر: \"جامع البيان\" ٢٧/ ٨٦، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٧٤.\n(٦) انظر: \"الوسيط\" ٤/ ٢٢٦، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٧٤.","vol":"21","page":184},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4394>٥٠ </span>- قوله تعالى: ﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ﴾ قال عطاء عن ابن عباس: عينان مثل الدنيا أضعافًا مضاعفة حصباؤها الياقوت الأحمر والزبرجد الأخضر ترابها الكافور، وجماتها المسك الأذفر، وحافاتها الزعفران (١).\nوقال الحسن: تجريان بالماء الزلال إحداهما السلسبيل والأخرى النسيم (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4395>٥٢ </span>- قوله تعالى: ﴿فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ﴾ أي ضربان وصنفان ونوعان، كل هذا من ألفاظهم، والمعنى أن فيهما من كل ما يتفكه به ضربين رطبًا ويابسًا، لا يقصر يابسه عن رطبه في الفضل والطيب، ولا رطبه عن يابسه في العدم (٣) كما يكون في الدنيا، وقيل: ضربان: ضرب معروف، وضرب من شكله غريب (٤).\nقوله تعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا﴾ قال صاحب النظم: (متكئين) حال للذين ذكروا في قوله: ﴿وَلِمَنْ خَافَ﴾ (٥) و(من) ينبئ عن الجميع.\nوقوله: ﴿بَطَائِنُهَا﴾ جمع بطانة، وهي التي تحت الطهارة، وذكرنا تفسيرها عند قوله: ﴿بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾ [آل عمران: ١١٨].\nقال أبو إسحاق: وهي ما يلي الأرض (٦).\n_________\n= قال ابن كثير -بعد ذكره للأقوال- وكل هذه الأقوال صحيحة ولا منافاة بينها، والله أعلم. \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٢٧٧.\n(١) انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ١٧٨ - ١٧٩.\n(٢) انظر: \"الكشف والبيان\" ١٢/ ٤٣ ب، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٧٤.\n(٣) كذا في (ك)، والوسيط ولم أتبين معناها.\n(٤) \"جامع البيان\" ٢٧/ ٨٦، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٧٤.\n(٥) انظر: \"إعراب القرآن\" للنحاس ٣/ ٣١٣، و\"البحر المحيط\" ٨/ ١٩٧.\n(٦) انظر: \"معاني القرآن\" ٥/ ١٠٤، و\"فتح القدير\" ٥/ ١٤١.","vol":"21","page":185},{"text":"وقال الفراء: أراد بالبطائن الظواهر، وقد يكون بالبطانة ظهارة والظهارة بطانة، وذلك أن كل واحد منهما يكون وجهًا، وقد تقول العرب: هذا ظهر السماء لظاهرها الذي نراه.\nوحكي عن ابن الزبير أنه ذكر قتلة عثمان فقال: قتلهم الله شر قتلة، ونجا من نجا منهم تحت بطون الكواكب، يعني: هربوا ليلًا فجعل ظهور الكواكب بطونا (١)، وهذا قول مقاتل قال: يعني ظواهرها (٢). ونحو ذلك قال المؤرج، قال: وهو بلغة القبط، وأنكر ذلك ابن قتيبة وقال: هذا من عجيب التفسير، كيف تكون البطانة ظهارة والطهارة بطانة، والبطانة ما بطن من الثوب وكان من شأن الناس إخفاؤه، والظهارة ما ظهر وكان من شأن الناس إبداؤه، وإنما يجوز ما قاله الفراء في ذي الوجهين المتساويين إذا ولي كل واحد منهما قومًا كحائط يلي أحد صفحيه قومًا والصفح الآخر قومًا أخرى فكل وجه من الحائط ظهر لمن يليه وكل واحد من الوجهين ظهر وبطن وكذلك وجها الجبل وما شاكله، ويجوز أن يجعل ما يليهما من وجه السماء والكواكب ظهرًا وبطنًا وكذلك سقوف البيت، فأما الثوب فلا يجوز أن يكون بطانته ظهارة، وظهارته بطانة، ولا يجوز لأحد أن يقول لوجه المصلى هذا بطانته ولما ولي الأرض ظهارته، وإنما أراد الله تعالى أن يعرفنا من حيث نفهم فضل هذه الفرش، وإنما ولي الأرض منها استبرق وإذا كانت البطانة كذلك فالظهارة أعلى وأشرف (٣).\n_________\n(١) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ١١٨، و\"الكشف والبيان\" ١٢/ ٤٤ أ، و\"تفسير غريب القرآن\" ٤٤١.\n(٢) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٣٦ ب، وذكره القرطبي ١٧/ ١٨ عن الحسن.\n(٣) انظر: \"تفسير غريب القرآن\" ص ٤٤١ - ٤٤٢.","vol":"21","page":186},{"text":"ويؤكد قول ابن قتيبة ما روي عن ابن مسعود أنه قال: أخبرتم بالبطائن فكيف بالظهائر (١).\nوقال أبو هريرة: هذه البطائن فما ظنكم بالظواهر (٢)، وقيل لسعيد بن جبير: البطائن من استبرق فما الظواهر، فقال: هذا مما قال الله تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧]، وقال أيضًا: الظواهر من نور جامد (٣)، وقال ابن عباس: وصف البطائن وترك الظواهر لأنه ليس في الأرض أحد يعرف ما الظواهر (٤).\nوقوله: ﴿مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾ قال المفسرون يعني: ما غلظ من الديباج، وذكرنا الكلام فيه في سورة الكهف (٥).\nقوله تعالى: ﴿وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ﴾ الجنى: ما يجتنى من الثمار، قال ابن عباس: تدنو الشجرة حتى يجتنيها ولي الله إن شاء قائما وإن شاء قاعدًا وإن شاء مضطجعًا (٦)، وقال قتادة: لا يرد يده بُعدٌ ولا شوك (٧).\n_________\n(١) انظر: \"جامع البيان\" ٢٧/ ٨٦، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٧٤، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٢٧٧.\n(٢) انظر: \"الكشف والبيان\" ١٢/ ٤٤ أ، و\"زاد المسير\" ٨/ ١٢١، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٨/ ١٧٩.\n(٣) انظر: \"جامع البيان\" ٢٧/ ٨٦، و\"الكشف والبيان\" ١٢/ ٤٤ أ، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٧٤، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ١٧٩.\n(٤) انظر: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٧٤، و\"زاد المسير\" ٨/ ١٢١.\n(٥) عند تفسيره الآية (٣١) من سورة الكهف.\nوانظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ١١٨، و\"اللسان\" ١/ ١٩٧ (برق).\n(٦) انظر: \"تنوير المقباس\" ٤/ ٣٢١، و\"الوسيط\" ٤/ ٢٢٧، و\"ابن كثير\" ٤/ ٢٧٧.\n(٧) انظر: \"تفسير عبدالرزاق\" ٢/ ٢٦٥، و\"جامع البيان\" ٢٧/ ٨٧.","vol":"21","page":187},{"text":"وقال أبو إسحاق: تدنو منهم حتى يتناولوه بأفواههم أو بأيديهم (١).\nقوله تعالى: ﴿فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾، قال مقاتل: يعني في الجنتين اللتين ذكرتا بعد في قوله ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ﴾ قال: وهي جنة عدن، وجنة النعيم، وجنة الفردوس، وجنة المأوى (٢) فقال أبو إسحاق: قوله (فيهن) وإنما ذكر جنتين يعني في هاتين الجنتين، وما أعد لصاحب هذه القصة غير هاتين الجنتين (٣).\nوقال غيره من أهل المعاني (٤): الضمير يعود على الفرش وهي أولى بالعود عليها من الجنان لتقدم ذكرها، قال: ويجوز أن يرجع إلى الجنان لأنها معلومة فصارت كأنها قد ذكرت.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4396>٥٦ </span>- وقوله ﴿قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾ أي حور ونساء قاصرات الطرف، وقد تقدم تفسيرها عند قوله ﴿وَعِندَهُم قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾ (٥).\nقال ابن عباس: قصرت طرفها على زوجها فلا ترى أن خلقًا أكرم على الله منه ولا أجمل ولا أحسن (٦)، وقال ابن زيد: إنها لتقول لزوجها: وعزة ربي ما أرى في الجنة شيئًا أحسن منك فالحمد لله الذي جعلني زوجك\n_________\n(١) انظر: \"معاني القرآن\" ٥/ ١٠٤.\n(٢) انظر: \"تفسر مقاتل\" ١٣٦ ب.\n(٣) انظر: \"معاني القرآن\" ٥/ ١٠٣، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ١٨.\n(٤) قال الزمخشري: ﴿فِيهِنَّ﴾ في هذه الآلاء المعهودة من الجنين والعينين والفاكهة والفرش والجني، أو في الجنتين لاشتمالهما على أماكن وقصور ومجالس. \"الكشاف\" ٤/ ٥٤.\n(٥) انظر: \"جامع البيان\" ٢٧/ ٨٧، و\"الكشف والبيان\" ١٢/ ٤٤ ب، و\"البغوي\" ٤/ ٢٧٥.\n(٦) انظر: \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٤٧.","vol":"21","page":188},{"text":"وجعلك زوجي.\nقوله تعالى: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ﴾ قال أبو عبيدة: لم يمسهن، يقال: ما طمث هذا البعير حبل قط أي ما مسه.\nونحو ذلك أخبرني العروضي (١) عن الأزهري قال: أخبرني المنذري، عن ابن فهم، عن محمد بن سلام، أنه سأل يونس عن قوله: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ﴾ فقال: تقول العرب هذا جمل ما طمثه حبل قط أي لم يمسه (٢).\nوروى سلمة عن الفراء قال: الطمث الافتضاض، وهو النكاح بالتدمية، والطمث هو الدم، وفيه لغتان: طَمَثَ يَطْمُثُ ويَطْمِثُ (٣). وقال الليث: طمثت الجارية إذا افترعتها، والطامث في اللغة هي الحائض، قال أبو الهيثم: يقال للمرأة طمثت تطمث أي أدميت بالافتضاض، وطَمَثَتْ على فعلت تطمث، إذا حاضت أول ما تحيض وهي طامث، وقال في قول الفرزدق (٤):\nخرجن إليّ لم يطمثن قبلي ... وهن أصحُّ من بيض النعامِ\nأي: لم يمسسن (٥).\nقال المفسرون: لم يطأهن ولم يغشهن ولم يجامعهن، هذه ألفاظهم (٦)، وهم مختلفون في هؤلاء فبعضهم يقول: هن اللواتي أنشئن في الجنة من\n_________\n(١) هو أحمد بن محمد بن عبد الله العروضي الصفار، تقدمت ترجمته.\n(٢) انظر: \"اللسان\" ٢/ ٦١٢ (طمث) ذكر المعنى ولم يورد الرواية، ولم أقف عيها في \"تهذيب اللغة\".\n(٣) انظر: \"معاني القرآن\" ٣/ ١١٩، و\"اللسان\" ٢/ ٦١٢ (طمث).\n(٤) انظر: \"ديوان الفرزدق\".\n(٥) انظر: \"اللسان\" ٢/ ٦١٢ (طمث).\n(٦) وهو قول علي بن أبي طالب وابن عباس وعكرمة وابن زيد والكلبي وغيرهم. =","vol":"21","page":189},{"text":"حورها وبعضهم يقول يعني نساء الدنيا أنشئن خلقًا آخر أبكارًا كما وصفن.\nقال الشعبي: نساء من نساء الدنيا لم يمسسن منذ أنشئن خلقًا (١).\nوقال مقاتل: لأنهن خلقن في الجنة (٢).\nوقال عطاء عن ابن عباس: هن الآدميات اللاتي متن أبكارًا (٣).\nوقال الكلبي: لم يجامعهن في هذا الخلق الذي أنشئن فيه إنس ولا جان (٤).\nقال أبو إسحاق: وفي هذه الآية دليل أن الجني يغشى كما أن الإنسي يغشى (٥)، وهذا مذهب ضمرة بن حبيب (٦) سئل: هل للجن من ثواب؟ فقال: نعم، وقرأ هذه الآية. ثم قال: الإنسيات للإنس، والجنيات للجن (٧).\nوقال مجاهد في هذه الآية: إذا جامع الرجل ولم يسم انطوى الجان\n_________\n= انظر: \"جامع البيان\" ٢٧/ ٨٧، و\"الكشف والبيان\" ١٢/ ٤٤ ب، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٧٥، و\"زاد المسير\" ٨/ ١٢٢.\n(١) أخرجه سعيد بن منصور وابن المنذر.\nانظر: \"الدر\" ٦/ ١٤٨، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٧٥.\n(٢) قاله مقاتل ومجاهد. انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٣٦ ب، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ١٨١.\n(٣) لم أقف عليه.\n(٤) انظر: \"الوسيط\" ٤/ ٢٢٧، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٧٥، و\"روح المعاني\" ٢٧/ ١١٩.\n(٥) انظر: \"معاني القرآن\" ٥/ ١٠٣.\n(٦) هو ضمرة بن حبيب بن صهيب الزُبيدي، أبو عتبة الحمصي، ثقة، مات سنة ثلاثين ومائة، أخرج له الجماعة. انظر: \"طبقات ابن سعد\" ٧/ ٤٦٤، و\"تقريب التهذيب\" ١/ ٣٧٤، و\"تهذيب التهذيب\" ٤/ ٤٥٩.\n(٧) انظر: \"جامع البيان\" ٢٧/ ٨٨، و\"الكشف والبيان\" ١٢/ ٤٥ أ، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٢٧٨، و\"الدر\" ٦/ ١٤٨.","vol":"21","page":190},{"text":"على إحليله فجامع معه (١).\nوالضمير في قوله: ﴿قَبْلَهُمْ﴾ للمعنيين بقوله ﴿مُتَّكِئِينَ﴾ وهم أزواج هؤلاء النسوة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4397>٥٨ </span>- قوله تعالى: ﴿كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ﴾ قال عامة المفسرين (٢): أراد صفاء الياقوت في بياض المرجان، شبههن في صفاء اللون وبياضه بالياقوت والمرجان، يدل على هذا ما قال عبد الله: إن المرأة من نساء أهل المجنة لتلبس عليها سبعين حلة من حرير فيرى بياض ساقيها من ورائهن، ذلك بان الله يقول: ﴿كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ﴾ ألا وإن الياقوت حجر لو جعلت فيه سلكًا ثم استصفيته نظرت إلى السلك من وراء الحجر (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-4398>٦٠ </span>- قوله تعالى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ هذا استفهام معناه النفي، أي: ما جزاء من أحسن في الدنيا إلا أن يحسن إليه في\n_________\n(١) انظر: \"جامع البيان\" ٢٧/ ٨٨، و\"الكشف والبيان\" ١٢/ ٤٤ أ، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ١٨١.\n(٢) وممن قال بهذا عمرو بن ميمون، والحسن، وقتادة، وابن زيد، والسدي، ومقاتل. انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٣٦ أ، و\"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٢٦٥، و\"جامع البيان\" ٢٧/ ٨٨، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٢٧٨.\n(٣) أخرجه الترمذي في صفة الجنة، باب في صفة نساء أهل الجنة، وابن جرير في \"تفسيره\" ٢٧/ ٨٨، وابن أبي حاتم، كما ذكر ابن كثير في \"تفسيره\" ٤/ ٢٧٨، وغيرهم، عن ابن مسعود عن النبي -ﷺ- كلهم من طريق عبيدة بن حميد عن عطاء بن السائب، وأخرجه الترمذي وابن جرير من طرق أخرى، وفيها عطاء بن السائب موقوفًا. وقال الترمذي: هو أصح، وعطاء بن السائب اختلط في آخر عمره. وذكر الطحاوي أن حديثه الذي كان منه قبل تغيره يؤخذ من أربعة لا من سواهم وهم شعبة وسفيان الثوري وحماد بن سلمة، وحماد بن زيد. انظر: \"الكواكب النيرات\" ص ٣٢٥.\nوهذا الحديث ليس من طريق هؤلاء، وهو ضعيف بهذا الإسناد. وفي معناه ورد =","vol":"21","page":191},{"text":"الآخرة، قاله الزجاج (١).\nقال ابن عباس: هل جزاء من قال لا إله إلا الله وعمل بما جاء به محمد -ﷺ- إلا الجنة (٢)، وقال مقاتل: هل جزاء التوحيد إلا الجنة (٣).\nوقال السدي: هل جزاء الذين أطاعوني في الدنيا إلا الكرامة في الجنة (٤).\nهذا معنى قول الجميع (٥)، وروي هذا المعنى مرفوعًا رواه ابن عمرو وابن عباس أن رسول الله -ﷺ- قال في هذه الآية: \"يقول الله تعالى: هل جزاء من أنعمت عليه بمعرفتي وتوحيدي إلا أن أسكنه جنتي وحضرة قدسي برحمتي\" (٦).\n_________\n= أحاديث صحيحة منها ما أخرجه البخاري في كتاب بدء الخلق، باب ما جاء في صفة الجنة، وأنها مخلوقة، ٤/ ١٤١، ومسلم في الجنة وصفة نعيمها وأهلها. والله أعلم. وانظر: \"العظمة\" ٣/ ١٠٨٢ - ١٠٨٣.\n(١) انظر: \"معاني القرآن\" ٥/ ١٠٣.\n(٢) انظر: \"تنوير المقباس\" ٥/ ٣٢٥، و\"الوسيط\" ٤/ ٢٢٧، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٧٦.\n(٣) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٣٦ ب.\n(٤) انظر: \"الكشف والبيان\" ١٢/ ٤٦ أ.\n(٥) قال الرازي: وفيه -أي الآية- وجوه كثيرة حتى قيل: إن في القرآن ثلاث آيات في كل آية منها مائة قول. ومنها هذه الآية.\nانظر: \"التفسير الكبير\" ٢٩/ ١٣١.\n(٦) رواه ابن جرير في \"تفسيره\" ٢٧/ ٨٩، وذكره ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٨/ ١٢٣، والبغوي في \"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٧٦، قال محقق \"زاد المسير\": رواه البغوي في تفسيره وفي إسناده ضعف. وقال السيوطي في \"الدر\" ٦/ ١٤٨: أخرجه ابن أبي حاتم وابن مردويه، والبيهقي في شعب الإيمان وضعفه عن ابن عمر قال: قال رسول الله -ﷺ- ... وانظر: \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٢٧٨، والألفاظ تختلف عما ذكره المؤلف. وطريقته كما هو معلوم الرواة بالمعنى، ولكثرتها لم أتطرق إلى ذكر الاختلاف فيها، والله أعلم.","vol":"21","page":192},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4399>٦٢ </span>- قوله تعالى: ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ﴾ قال ابن عباس: يريد أدنى من الأوليين (١). قال ابن جريج: هي أربع: جنتان للمقربين السابقين كما وصفنا وجنتان لأصحاب اليمين والتابعين (٢) كما وصفنا فيما بعد. ونحو هذا قال مقاتل (٣)، وهو قول أكثر المفسرين أن هاتين دون الأوليين في الفضل، ذكر ذلك ابن زيد والكلبي وغيرهما (٤).\nوذهب الضحاك إلى ضد ما ذكر هؤلاء فقال: الجنتان الأوليان من ذهب وفضة، والآخريان من ياقوت وزمرد، وهما أفضل من الأوليين (٥).\nوعلى هذا قوله: ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا﴾ أي ومن أمامهما وقبلهما وهو قول الكسائي وذكرنا معاني (دون) عند قوله: ﴿شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٣].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4400>٦٤ </span>- ثم نعتهما فقال: ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾ قال أبو عبيدة: من خضرتهما قد اسودتا من الري (٦). قال أبو إسحاق: وكل نبت اخضر، فتمام خضرته وريّه أن يضرب إلى السواد (٧).\nومعنى الدَّهْمَةَ في كلام العرب السواد، يقال: أدهم بيّن الدهمة\n_________\n(١) انظر: \"تنوير المقباس\" ٥/ ٣٢٥، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٧٦.\n(٢) انظر: \"الكشف والبيان\" ١٢/ ٤٦ أ، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٧٦، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ١٨٣.\n(٣) انظر: \"نفسير مقاتل\" ١٣٧ أ.\n(٤) انظر: \"جامع البيان\" ٢٧/ ٨٩، و\"الكشف والبيان\" ١٢/ ٤٦ أ، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٧٦.\n(٥) انظر: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٧٦، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ١٨٤.\n(٦) انظر: \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٤٦.\n(٧) انظر: \"معانى القرآن\" ٥/ ١٠٣.","vol":"21","page":193},{"text":"وادْهامَّ ادْهيمامًا، وقال الليث: ادْهامَّ الزرع إذا علاه السواد رِيًّا (١).\nقال ابن عباس: شديد الخضرة إلى السواد (٢).\nوقال الكلبي: خضراوان قد علاهما سواد من شدة الخضرة والري (٣)، وهذا معنى قول الجميع، والأصل في ذلك أن الخضرة إذا اشتدت ضربت إلى السواد، وسميت العرب الأخضر أسود والأسود أخضر، قال ابن الأعرابي: الخضرة عند العرب سواد، وأنشد القطامي:\nيا ناق خُبِي خَبَبَاَ زِوَرَّا ... عارضي الليلَ إذا ما اخْضَرَّا\nومنه قيل لليل المظلم أخضر، قال ذو الرمة:\nفي ظِلّ أخضر يَدْعُو هامَة البُومُ (٤)\nومن هذا يقال أباد الله خضراءهم أي سوادهم هذا في الأسود الذي وصف بالخضر، وأما الأخضر الذي وصف بالسواد فهو قول ذي الرمة أنشده ابن قتيبة في تفسير هذه الآية يصف غيثًا:\nكسا الأكم بهمى غَضَّةَ حَبَشِيَّةً ... توامًا ونُقعانُ الظَّهورِ الأقارعِ (٥)\n_________\n(١) انظر: \"تهذيب اللغة\" ٦/ ٢٢٤، و\"اللسان\" ١/ ١٠٢٦ (دهم).\n(٢) انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ١٨٤.\n(٣) انظر: \"تنوير المقباس\" ٥/ ٣٢٥، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٧٦.\n(٤) وصدره:\nقد أعْسِفً النازحَ المجهولَ مَعْسِفُهُ\nوانظر: \"الديوان\" ١/ ٤٠١، و\"الحيوان\" ٦/ ١٧٥، و\"تهذيب اللغة\" (خضر).\nوالعسف: ركوب الأمر بلا تدبير ولا روية ٧/ ٩٩ ورواية الديوان:\nفي ظل أعصف يدعو هامهُ اليوم\n(٥) البيت في \"ديوانه\"، و\"اللسان\" ٣/ ٦٦ (قزع).\nوالبُهمى: نبت تجد به الغنم وجدًا شديدًا ما دام أخضر، والقعان: جمع (نقع) وهو مجتمع الماء. والظهور القوارع: الأراضي المرتفعة الشديدة الصلبة.","vol":"21","page":194},{"text":"فجعلها حبشية لما اشتدت خضرتها (١). وكذلك قوله أيضا أنشد أبو علي في تفسير هذه الآية:\nحواء قرحاء أَشْرَاطِيَّةُ وكفت ... فيها الذَهابُ وَحَفَّتْها البراَعِيمُ (٢)\nيصف روضة بشدة الخضرة فجعلها حواء.\nقال أبو علي: وعلى ضد هذا وصف الجدب البياض فقيل سنة شهداء من ذلك قول أوس:\nعلي دبر الشهر الحرام بأرضنا ... وما حولها جدب سنون تلمع (٣)\nفقوله: تلمع؛ معناه أنه لا خصب فيها ولا نبات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4401>٦٦ </span>- وقوله تعالى: ﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ﴾ قال أبو عبيدة: فوارتان. قال الليث: النضخ فور الماء من العين (٤). وقال المبردت النضاخة الرفاعة بالماء.\nواختلفوا في الذي تنضخ به العينان، فقال عطاء عن ابن عباس وابن مسعود وأنس: تنضخ على أولياء الله المسك والعنبر والكافور، وفي دور أهل الجنة كما ينضخ طش المطر (٥)، وقال الحسن وعطاء الخراساني: تنبعان ثم تجريان (٦)، وهو قول سعيد بن جبير، وزاد فقال: نضاختان\n_________\n(١) انظر: \"تفسير غريب القرآن\" ص ٤٤٢ - ٤٤٣.\n(٢) انظر: \"الكامل\" ٣/ ٣٦.\n(٣) تقدم تخريجه.\n(٤) انظر: \"تهذيب اللغة\" ٧/ ١١١ (نضخ).\n(٥) انظر: \"الكشف والبيان\" ١٢/ ٤٦ ب، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٧٦، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ١٨٥.\n(٦) انظر: \"الكشف والبيان\" ١٢/ ٤٦ ب، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ١٨٥.","vol":"21","page":195},{"text":"بالماء وألوان الفواكه (١).\nوقال الكلبي: نضاختان بالخير والبركة على أهل الجنة، وهو قول قتادة ومقاتل والضحاك (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4402>٦٨ </span>- قوله تعالى: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ قال المفسرون: يعني ألوان الفاكهة وألوان الرمان.\nقال ابن عباس: والرمانة مثل جلد البعير المقتب (٣)، وثمر النخلة والرمان من جملة الفاكهة غير أنهما ذكرا على التفصيل للتفضيل فأخرجا من الجملة بالذكر كقوله ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨] فأعاد الوسطى بعد أن ذكرها في الجملة تشديدًا لها. كذلك أعيد النخل والرمان ترغيبًا لأهل الجنة هذا قول الفراء (٤).\nوقال أبو إسحاق: قال يونس النحوي -وهو يتلو الخليل في القدم\n_________\n(١) انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ١٨٥، و\"الدر\" ٦/ ١٥.\n(٢) انظر: \"تنوير المقباس\" ٥/ ٣٢٥، و\"تفسير مقاتل\" ١٣٧ أ، و\"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٢٦٦، واختار الطبري قول من قال بأن المراد تنضخان بالماء؛ لأنه المعروف بالعيون إذ كانت عيون ماء. \"جامع البيان\" ٢٧/ ٩١، وأخرج البخاري عن ابن عباس في قوله ﴿نَضَّاخَتَانِ﴾ قال فياضتان. \"صحح البخاري\"، كتاب: التفسير، سورة الرحمن ٦/ ١٨١. قلت: ولا تعارض بين ما رواه البخاري، وما رجحه ابن جرير؛ لأن الماء هو مصدر الخير كله والله أعلم.\n(٣) رواه الثعلبي في \"تفسيره\" ١٢/ ٤٧ أ، من رواية أبي هارون العبدي عن أبي سعيد، عن النبي -ﷺ- وأبو هارون اسمه عمارة بن حديث، ضعيف جدًّا، و\"تخريجات العراقي لإحياء علوم الدين\" ٤/ ٥٤٢، وذكره القرطبي ١٧/ ١٨٦، وابن كثير في ٤/ ٢٧٩، من حديث أبي سعيد الخدري يرفعه، ونسبا تخريجه لابن أبي حاتم.\n(٤) انظر: \"معاني القرآن\" ٣/ ١١٩.","vol":"21","page":196},{"text":"والحذق- أن الرمان والنخل من أفضل الفاكهة، وإنما فصل بالواو لفضلهما، واستشهد في ذلك بقوله جل وعز ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ [البقرة: ٩٨] قال فصل بالواو لفضلهما (١).\nوغلط أهل العراق حين لم يجعلوا الحالف أن لا يأكل الفاكهة حانثا بأكل الرمان والتمر وظنوا أنهما لما ذكرا بعد الفاكهة ليسا من الفاكهة (٢) وهو خلاف قول جميع أهل اللغة ولا حجة لهم في الآية.\nقال الأزهري: ما علمت أحدًا من العرب قال في النخيل والكُروم وثمارها إنها ليست من الفاكهة، وإنما قال من قال ذلك لقلة علمه بكلام العرب وعلم اللغة وتأويل القرآن العربي المبين، والعرب تذكر أشياء جملة ثم تخص شيئًا منها بالتسمية تنبيهًا على فضل فيه، قال الله -﷿-: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ﴾ إلى قوله ﴿وَمِيكَالَ﴾ فمن قال إنهما ليسا من الملائكة لإفراد الله إياهما بالتسمية فهو كافر، ومن قال: إن ثمر النخل والرمان ليس من الفاكهة لإفراد الله إياهما بالتسمية بعد ذكر الفاكهة فهو جاهل، هذا كلامه (٣).\n_________\n(١) انظر: \"معاني القرآن\" ٥/ ١٠٣.\n(٢) قال أبو حنيفة وأبو ثور: وحجتهم أن المعطوف يغاير المعطوف عليه، وخالفهم في ذلك الجمهور من الفقهاء وأهل اللغة. انظر: \"المغني\" ١٣/ ٥٩١ - ٥٩٢.\n(٣) انظر: \"تهذيب اللغة\" ٦/ ٢٥ (فكه).\nقلت: غفر الله للأزهري في كلامه هذا، إن كان ينبغي له وهو أهل فضل وعلم أن يعرف لأهل الفضل فضلهم فأصحاب هذا القول -﵏- وإن جانبهم الصواب فيه، فلهم من السبق والرسوخ ما يرفع من قدرهم ومكانتهم عند من جاء بعدهم، عفا الله عن الجميع وجمعنا وإياهم في جنته.","vol":"21","page":197},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4403>٧٠ </span>- قوله تعالى: ﴿فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ﴾ يعني في الجنان الأربع التي جرى ذكرهما (١).\nوخيرات جمع خَيْرة، وهي في الأصل بالتشديد ثم خفف، كما قيل: هَيْنٌ وليْنٌ، وذكر الفراء فيها ثلاث لغات: خَيْرَة وخِيْرَةٌ وخَيِّرة (٢) وكذلك في الجمع.\nوقال المبرد: الخيرة الفاضلة المقدمة ولقال رجل خَيِّرٌ وامرأة خَيِّرةٌ (٣) وأنشد أبو عبيدة: (٤)\nولقد طَعَمْتُ بجامع الرَّبلات ... رَبَلاتِ هِنْدٍ خَيْرَةِ المَلِكاتِ\nوأنشد ابن السكيت:\nتأبري يا خيرة النسيل\nوفرق الليث بين الخَيِّرة والخَيْرَة، قال: خَيِّرَةٌ صالحة وخَيْرَةٌ في جمالها ومَيسَمِها (٥). قال الأزهري: ولا فرق عندي بينهما في المخففة من\n_________\n(١) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ١٢٠، و\"الكشف والبيان\" ١٢/ ٤٧ أ، ونسبه للكسائي، و\"جامع البيان\" ٢٧/ ٩١.\nوقال الشوكاني: قيل: وهذه الصفة عائدة إلى الجنان الأربع، ولا وجه لهذا فإنه قد وصف نساء الجنتين الأوليين بأنهن قاصرات الطرف كأنهن الياقوت والمرجان، وبين الصفتين بنون بعيد. \"فتح القدير\" ٥/ ١٤٣.\n(٢) انظر: \"معاني القرآن\" ٣/ ١٢.\n(٣) يقال: رجل خَيْرٌ وخَيِّرٌ، مشدد ومخفف. وامرأة خَيْرَةٌ وخَيِّرَةٌ. انظر: \"اللسان\" ١/ (٩٢٦) (خير).\n(٤) انظر: \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٤٦. والبيت لرجل من بني عَدِي تيم، تميمي جاهلي. انظر: \"تهذيب اللغة\" ٧/ ٥٤٦، و\"اللسان\" ١/ ٩٢٦ (خير).\n(٥) انظر: \"تهذيب اللغة\" ٧/ ٥٤٦، (خار).","vol":"21","page":198},{"text":"المشددة (١).\nقال جماعة المفسرين (٢) يعني خيرات الأخلاق حسان الوجوه، وهو تفسير النبي -ﷺ- فيما روت عنه أم سلمة (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4404>٧٢ </span>- قوله تعالى: ﴿حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ﴾ تقدم تفسير الحور (٤)، والمقصورات المحبوسات، ويجوز أن يكون محبوسات في الخيام، وهو معنى قول أبي عبيدة: خدرن (٥) في الخيام، ونحوه قال مقاتل: محبوسات في الخيام (٦)، ويجوز أن يكون محبوسات على أزواجهن، ولا يرون غيرهم وهن في الخيام، وهذا معنى قول المفسرين: قصرن على أزواجهن فلا يردن غيرهم، ولا يطمحن إلى سواهم، ذكره الفراء (٧).\n_________\n= وميسمها أي: حسنها من الوسامة، و\"اللسان\" ٣/ ٩٢٨ (وسم).\n(١) انظر: \"تهذيب اللغة\" ٧/ ٥٤٦ (خار) وعبارته (عند أهل المعرفة باللغة) بدلًا من قول المؤلف (عندي).\n(٢) انظر: \"جامع البيان\" ٢٧/ ٩١، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٢٨.\n(٣) والحديث رواه ابن جرير ٢٧/ ٩٢، والثعلبي ١٢/ ٤٧ ب، والبغوي ٤/ ٢٧٧، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٨/ ١١٦. وقال محقق \"زاد المسير\": رواه ابن جرير الطبري، وفي سنده ضعف.\n(٤) عند تفسيره الآية (٥٤) من سورة الدخان. والحَوَرُ: أن يشتد بياض العين وسواد سوادها، وتستدير حدقتها، وترق جفونها ويبيض ما حواليها. وإنما قيل للنساء حور العين؛ لأنهن شبههن بالظباء والبقر. \"اللسان\" ١/ ٧٥٠ (حور).\n(٥) انظر: \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٤٦، ومعناه: سترن في الخيام. والخدرُ سِتْرٌ يمد للجارية في ناحية البيت. \"اللسان\" ١/ ٧٣٦ (خدر).\n(٦) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٣٧ أ.\n(٧) انظر: \"معاني القرآن\" ٣/ ١٢٠.","vol":"21","page":199},{"text":"وقال مجاهد: مقصورات قلوبهن على أزواجهن في خيام اللؤلؤ (١).\nوالخيام جمع خَيم وخيم: جمع خيمة، وهي أعواد تنصب وتظلل بالثياب في القيظ فيكون أبرد من الأخبية (٢)، ذكره ابن السكيت.\nوقال ابن الأعرابي: الخيمة لا تكون إلا أربعة أعواد ثم تسقف بالثُّمام ولا تكون من ثياب (٣)، ومنه قول النابغة:\nفلم يبقَ إلا آلُ خَيْمٍ منصدٍ وسُفْعٌ ... على آسٍ وَنُؤْيٌ مُعَثْلِبُ\nويقال خيم فلان خيمته إذا بناها من جريد النخل ويخيم فيها إذا أقام، وتظلل بها قال زهير: (٤)\nوَضَعْنَ عِصِى الحَاضِرِ المتَخَيَّمِ\nهذا معنى الخيام في اللغة، قال أبو عبيدة (٥): والهوادج أيضًا خيام وأنشد للبيد فقال:\nشاقتك ظعن الحي يوم تحمَّلوا ... فتكنَّسُوا قطنًا تَصرُّ خِيامُها (٦)\n_________\n(١) انظر: \"تفسير مجاهد\" ٢/ ٦٤٤، و\"جامع البيان\" ٢٧/ ٩٢، ٩٣.\n(٢) انظر: \"اللسان\" ١/ ٩٣٣ (خيم)، و\"فتح القدير\" ٥/ ١٤٣.\n(٣) انظر: \"تهذيب اللغة\" ٨/ ٦٠٧، و\"اللسان\" ١/ ٩٣٣ (خيم).\nوالثُّمامُ: شجر واحدته ثمامة وثمة، وهو نبت ضعيف له خوص أو شبيه بالخوص. \"اللسان\" ١/ ٣٧٥ (ثمم).\n(٤) وصدر البيت:\nفلما وردن الماء زرقًا جمامه\nانظر: \"الديوان\" ٧٨، و\"اللسان\" ١/ ٩٩٣ (خيم).\n(٥) انظر: \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٤٦.\n(٦) البيت ورد في معلقة لبيد. انظر: \"شرح المعلقات السبع\" للزوزني ٧٥.","vol":"21","page":200},{"text":"وأما خيام الجنة فقال المفسرون: إنها من در مجوف، قال عطاء عن ابن عباس: يريد خيام الدر والياقوت والزبرجد، يرى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها، الخيمة ما بين بصرى إلى صنعاء (١).\nوروى قتادة عن ابن عباس قال: الخيمة درة مجوفة فرسخ في فرسخ فيها أربعة آلاف مصراع من ذهب (٢).\nوروي عن النبي -ﷺ- \"والخيمة مجوفة طولها في السماء ستون ميلًا في كل زاوية منها أهل للمؤمن لا يراهم الآخرون\" (٣).\nقوله: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ﴾ قال صاحب النظم: قال الله تعالى: ﴿وَمِن دُونِهِمَا جَنَّنَانِ﴾ ولم يذكر لهما أهلًا كما ذكره لما قبلهما من الجنتين فلما قال (متكئين) دل أنه أراد أهلهما، وإنما كف عن ذكر أهلها اقتصارًا على ذكر أهل الجنتين اللتين قبلهما، واكتفاء بالذكر الأول عن الثاني، كما قال -﷿-: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ [الإسراء: ٥]. قال في فصل آخر متصل بهذا الفصل ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [الإسراء: ٧]، والتأويل: بعثناهم ليسوؤا فكف عن ذكره اكتفاء بالأول (٤).\nوأما الرفرف فقال الليث: الرفرف ضرب من الثياب خضر تبسط،\n_________\n(ا) لم أجده.\n(٢) انظر: \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٢٦٧، وأخرجه ابن جرير عن ابن عباس وأبي الأحوص. انظر: \"جامع البيان\" ٢٧/ ٩٣، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٢٨.\n(٣) \"صحيح البخاري\"، كتاب: التفسير، باب: حور مقصورات في الخيام، ٦/ ١٨٢، و\"صحيح مسلم\"، كتاب: الجنة، باب (٣٣). \"مسند أحمد\" ٣/ ١٠٣.\n(٤) انتهى كلام صاحب النظم ولم أجده فيما اطلعت عليه، وكتابه مفقود كما تقدم بيانه.","vol":"21","page":201},{"text":"والواحدة رفرفة (١)، وقال أبو عبيدة: الرفارف البسط (٢)، وأنشد قول مقبل فقال:\nوإنا لنزالون تغشى فعالنا ... سواقط من أصناف ربط ورفزف (٣)\nوقال أبو إسحاق: قالوا الرفرف هاهنا رياض الجنة. وقالوا: الرفرف الوسائد. وقالوا: الرفرف المحابس، وقالوا: الرفرف فضول المحابس للفرش. (٤) واختاره المبرد فقال: هو فضول الثياب التي تتخذ الملوك في الفرش وغيره، وكأن الأقرب هذا، لأن العرب تسمي كسر الخباء والخرقة التي تحيط في أسفل الخباء رفرفا. ومنه الحديث في وفاة النبي -ﷺ- \"فرفع الرفرف فرأينا وجهه كأنه ورقة\" (٥).\nقال ابن الأعرابي: الرفرف هاهنا طرف الفسطاط (٦)، فشبه ما فضل من المجالس عما تحته بطرف الفسطاط فسمى رفرفًا يؤكد هذا ما روى هارون بن عنترة، عن أبيه (٧)، عن ابن عباس، قال في قوله:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4405>٧٦ </span>- ﴿رَفْرَفٍ خُضْرٍ﴾ فضول المجالس، والبسط والفرش (٨) وهو قول\n_________\n(١) انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ١٩٠، و\"فتح القدير\" ٥/ ١٤٣.\n(٢) انظر: \"تهذيب اللغة\" ١٥/ ١٧١، و\"اللسان\" ١/ ١٢ (رفف).\n(٣) لم أجده عند أبي عبيدة. وانظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ١٩.\n(٤) انظر: \"معاني القرآن\" ٥/ ١٠٥.\n(٥) انظر: \" النهاية في غريب الحديث والأثر\" ٢/ ٢٤٢) رفرف).\n(٦) انظر: \"تهذيب اللغة\"، و\"اللسان\" ١/ ١٢٠٠ (رف، رفف).\n(٧) هو عنترة بن عبد الرحمن الكوفي، ثقة، وهم من زعم أن له صحبة. انظر: \"تقريب التهذيب\" ٢/ ٨٩.\n(٨) انظر: \"جامع البيان\" ٢٧/ ٩٥، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ١٩.\nوالمحبس: المقرمة: يعني الستر، وهي التي تبسط على وجه الفراش للنوم، و\"اللسان\" ١/ ٥٥١ (حبس).","vol":"21","page":202},{"text":"الضحاك، ومقاتل، والحسن. قالوا: المحابس والبسط (١).\nقال الحسن: كان أهل الجاهلية يقولون هي البسط (٢).\nقال سعيد بن جبير: وهي الرياض، وهو قول الكلبي. (٣)\nوقوله: ﴿وَعَبْقَرِيٍّ﴾ قال أبو عبيدة: كل وشى من البسط عبقري قال ويروى أنها أرض يَوشى فيها (٤).\nوقال الليث: عبقر موضع بالبادية كثير الجن يقال في المثل: كأنهم جن عبقر، وقال أبو عبيدة في حديث النبي -ﷺ- حينما ذكر عمر \"فلم أر عبقريًّا يفري فريه\" (٥).\nقال أبو عبيدة: وإنما أصل هذا فيما يقال إنه نسب إلى عبقر، وهي أرض يسكنها الجن فصارت مثلًا لكل منسوب إلى شيء رفيع، وأنشد لزهير (٦):\nيخيل عليها جِنّةٌ عَبْقَرّيةٌ ... جَدِيرون يوما أن ينالوا فيستعلوا\n_________\n(١) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٣٧ أ، و\"الوسيط\" ٤/ ٢٣، و\"الجامع\" للقرطبي ١٧/ ١٩.\n(٢) انظر: \"جامع البيان\" ٢٧/ ٩٥، وفيه: هي البسط. أهل المدينة يقولون: هي البسط.\n(٣) انظر: \"تنوير المقباس\" ٥/ ٣٢٧، و\"جامع البيان\" ٢٧/ ٩٤، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٩٧٨، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ١٩.\n(٤) انظر: \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٤٦. وقوله: (أرض يوشَّى فيها) هو ما ذكر أن عَبْقَر قرية تسكنها الجن فيما زعموا فكلما رأوا شيئًا فائقًا غريبًا. قالوا: عبقري. ومنه عبقري للبسط التي فيها الأصباغ والنقوش وشيت بها. اللسان (عبقر).\n(٥) جزء من حديث أخرجه البخاري في مواضع من صحيحه منها، كتاب فضائل الصحابة، باب مناقب عمر بن الخطاب، ٥/ ١٣، ومسلم في \"صحيحه\"، كتاب: فضائل الصحابة (١٩)، وأحمد في \"المسند\" ٢/ ٢٨، ٣٩.\n(٦) انظر: \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٤٦، و\"تهذيب اللغة\"، و\"اللسان\" ٢/ ٦٧٢ (عبقر). والبجت في \"ديوان زهير\" ص ١٠٣، و\"المحتسب\" ٢/ ٣٠٦.","vol":"21","page":203},{"text":"وهذا القول هو الصحيح في العبقري، وذلك أن العرب إذا بالغت في وصف شيء نسبته إلى الجن أو شبهته بهم ومنه قول لبيد (١):\nجِنُّ الْبَدِيٍّ رواسيًا أقدامُها\nوقال آخر يصف المرأة:\nجنية أو لها جن يعلِّمُها ... رمي القلوب بقوس ما لها وتر\nوذلك أنهم يعتقدون في الجن كل صفة عجيبة، وأنهم يأتون بكل أمر عجيب، ولما كان عبقر معروفًا بسكناهم فسموا كل شي مبالغ فيه إليها، ويريدون بذلك أنه من عملهم وصنعتهم هذا هو الأصل (٢)، ثم صار العبقري اسما ونعتا لكل ما بولغ في صفته، ويشهد لما ذكر بيت زهير فإنه نسب الجن إلى عبقر فثبت به أنها مكانهم، ثم رأينا أشياء كثيرة نسبت إلى عبقر غير البسط والثياب، كقوله -ﷺ- في صفة عمر (عبقريًّا).\nوروى سلمة عن الفراء قال: العبقري السيد من الرجال، وهو الفاخر من الحيوان والجوهر (٣).\nفلو كانت عبقر مخصوصة بالوشي لما نسب إليها غير الموشى، وإنما نسب إليها البسط الموشاة العجيبة الصنعة لما ذكرنا نسب إليها كلما بولغ في وصفه.\n_________\n(١) وصدره:\nغُلِبَ تَشَذو بالذَّخُولِ كانَّها\nومعناه: أنهم رجال غلاظ الأعناق كالأسود يهدد بعضهم بعضًا بسبب الأحقاد التي بينهم. ثم شبههم بجن هذا الموضع (البدّي) في ثباتهم في الخصام والجدل. وانظر: \"ديوانه\" ص ١٧٧، و\"شرح المعلقات السبع\" للزوزني ص ٩٠، و\"الإنصاف\" ص ٧٧٢، و\"الخزانة\" ٤/ ١٥٧.\n(٢) انظر: \"اللسان\" ٢/ ٦٧٢، (عبقر)، و\"الجامع\" للقرطبي ١٧/ ١٩٢.\n(٣) انظر: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٧٨، و\"المفردات\" (عبقر)، و\"اللسان\" ٢/ ٦٧٢ (عبقر).","vol":"21","page":204},{"text":"قال ابن عباس في قوله: ﴿وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ﴾ يريد البسط والطنافس (١)، وقال الكلي: هي الطنافس المخملة (٢).\nوقال قتادة: هي عتاق الزرابي (٣)، وهو قول سعيد بن جبير (٤).\nوقال مجاهد: الديباج الغليظ (٥).\nوعبقري هاهنا: جمع، واحده عبقرية، لذلك قال: ﴿حِسَانٍ﴾ فجمع وأما قراءة من قرأ عباقري حسان وهي تروى عن عاصم الجحدري (٦) ورويت أيضًا مرفوعة (٧)، قال أبو عبيدة: وهذا وجه لا إسناد له ولا أراه محفوظًا ولو كان له أصل لكان على ترك الإجراء؛ لأنه وجه الإعراب (٨).\n_________\n(١) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ١٢/ ٤٩ أولم ينسبه لقائل.\n(٢) انظر: \"تنوير المقباس\" ٥/ ٣٢٣.\n(٣) انظر: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٧٨.\n(٤) انظر: \"جامع البيان\" ٢٧/ ٩٥، و\"تفسير مجاهد\" ٢/ ٦٤٤، ومعنى \"عتاق الزرابي\" أي كرام الوسائد.\n(٥) انظر: \"جامع البيان\" ٢٧/ ٩٥، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ١٩٢.\n(٦) هو عاصم بن أبي الصباح الجحدري الضري، أخذ القراءة عرضًا عن سليمان بن قثه عن ابن عباس، وقرأ أيضًا على نصر بن عاصم، والحسن، ويحيى بن يعمر، وقراءته في الكامل والإفصاح فيها مناكير، ولا يثبت سندها، والسند إليه صحيح في قراءة يعقوب من قراءة على سلام عنه، مات قبل الثلاثين ومائة. انظر: \"غاية الرواية\" ١/ ٣٤٩.\n(٧) انظر: \"المحتسب\" ٢/ ٣٠٥ \"مختصر ابن خالويه\" ص ١٥، و\"الكشاف\" ٤/ ٥٥، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ١٩١، و\"البحر المحيط\" ٨/ ١٩٩.\n(٨) قال النحاس: (وإسنادها ليس بالصحيح، وزعم أبو عبيد أنها لو صحت لكانت وعَبَقريَّ بغير إجراء، وزعم أنه هكذا يجب في العربية، وهذا غلط بين عند جميع النحويين؛ لأنهم قد أجمعوا جميعًا أنه يقال: رجل مَدَائني، بالصرف.\nانظر: \"إعراب القرآن\" ٣/ ٣١٧، و\"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ١٩.","vol":"21","page":205},{"text":"قال أبو إسحاق: هذه القراءة لا مخرج لها في العربية لأن كل جمع بعد ألفه حرفان لم ينسب إليه نحو مساجد، ومجاوز الثلاثة لا تجمع بياء النسب لو جمعت عبقريًا كان جمعه عباقرة كما أنك (١) لو جمعت مهلبيا، مهالبة ولم يقل مَهَالبي (٢).\nوقال المبرد: أخطأ القاسم في \"عباقري\" أنه لو كان له وجه لكان ترك الإجراء وجه الإعراب، لأن ياء النسب تجعله كالواحد كقولك مدائني فينصرف؛ لأنه يصير إلى الواحد ويزول عنه بناء الجمع، ومن نسب إلى عباقر وهو جمع لم يجز إلا عبقري كالنسب إلى مساجد مسجدي، وإلى الفرائض فرضي، وإن كان اسما لواحد قلت عباقري فتصرفه، كما تقول في كلاب (٣)، وفي المدائني مدائني لأنه اسم لواحد، ولو نسب إلى جماعة الكلاب قيل كلبي.\nثم ختم السورة بما ينبغي أن يمجد به ويعظم فقال، قوله -﷿-:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4406>٧٨ </span>- ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ تقدم تفسير الجلال والإكرام في هذه السورة.\nوقرأ ابن عامر: ذو الجلال (٤) والإكرام بالرفع إجراء على الاسم وذلك دليل ظاهر على أن الاسم هو المسمى؛ لأن ذو الجلال من صفة الله -﷿- لا من صفة التسمية.\n_________\n(١) في (ك): (أنكر).\n(٢) انظر: \"معاني الزجاج\" ٥/ ١٠٤ - ١٠٥.\n(٣) كذا في (ك)، ولعلها (كلاب كلابي).\n(٤) قرأ ابن عامر \"ذو الجلال\" صفة للاسم، والباقون \"ذي الجلال\" صفة للرب.\nانظر: \"حجة القراءات\" ص ٦٩٤، و\"الحجة للقراء السبعة\" ٦/ ٢٥٣، و\"النشر\" ٢/ ٣٨٢، و\"الإتحاف\" ص ٤٠٧.","vol":"21","page":206},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4407>سورة الواقعة</span>","vol":"21","page":207},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4408>تفسير سورة الواقعة</span>\nبسم الله الرحمن الرحيم\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4409>١ </span>- ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ﴾ قال أهل المعاني (١): اذكر إذا وقعت الواقعة، وقال \"صاحب النظم\": إذا هاهنا صفة وفضل ولغو، كما قال -﷿-: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ [الانشقاق: ١] وتأويله: انشقت السماء، كما قال: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾ [القمر: ١] و﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾ [النحل: ١]، ونظيره في الكلام: قد جاء الشتاء وجاء الصوم بمعنى اقترب ودنا، وإنما قلنا: إن (إذا) ملغاة، لأنه لم يجيء لها خبر ولا جواب، ومنه قول الهذلي (٢):\nحتى إذا أسلكوهم في قتائدهم ... شلَّا كما يطرد الجمالة الشردا\n_________\n(١) انظر: \"الكشاف\" ٤/ ٥٥، و\"الجامع\" للقرطبي ١٧/ ١٩٤، و\"فتح القدير\" ٥/ ١٤٧.\n(٢) هو عبد مناف بن ربع الهذلي، جاهلي، والبيت ورد في \"ديوان الهذليين\" ٢/ ٤٢، وروايته (فتائدة)، و\"الأمالي\" لابن الشجري ٢/ ١٢٢، و\"الإنصاف\" ص ٤٦١، و\"الخزانة\" ٧/ ٣٩، ٤١. وانظر أيضًا: \"اللسان\" ٣/ ١٦ (قتد)، ٢/ ١٨٨ (سلك)، و\"تهذيب اللغة\" ١٠/ ٦٣ (سلك) ونسبه لابن أحمر.\nوالقتائد: ثنية معروفة، وقيل: اسم عقبة، والشُّرد جمع شرود.","vol":"21","page":209},{"text":"يريد حتى أسلكوهم واليت آخر القصيدة ولم يجيء لـ (إذا) جواب هذا كلامه (١)، والأول الوجه.\n\nقال المبرد: (وَقَعَتِ) معناه: تقع؛ لأن إذا للاستقبال ومعنى الوقوع هاهنا ظهور بالحدوث كظهور الساقط يحضره الرأي <span data-type=\"title\" id=toc-4410>(٢)</span>.\nوقال أبو إسحاق: يقال لكل (٣) آت كان يتوقع: قد وقع، تقول: قد وقع الأمر، كقولك: قد جاء الأمر (٤).\nقال ابن عباس: إذا قامت القيامة (٥).\nقال أبو عبيدة والأخفش: الواقعة: اسم للقيامة كالآزفة وغيرها (٦)، وهذا هو الصحيح (٧)؛ لأن المعنى أنها ستقع، وأما ما قال مقاتل في تفسير الواقعة أنها الصيحة وهي النفخة الأخيرة (٨) فبعيد، لأن الله تعالى وصفها بعد بقوله: ﴿خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ﴾ وهي من صفة القيامة لا من صفة الصيحة.\n\n٢ - قوله تعالى: ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ﴾ الكاذبة هاهنا مصدر بمعنى الكذب، كالخائنة، واللاغية، والخاطئة، والعافية، والعاقبة، عند أكثر\n_________\n(١) انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ١٩٥.\n(٢) انظر: \"الكشاف\" ٤/ ٥٥، و\"روح المعاني\" ٢٧/ ١٢٩.\n(٣) في (ك): (كل).\n(٤) انظر: \"معاني القرآن\" ٥/ ١٠٧.\n(٥) انظر: \"تنوير المقباس\" ٥/ ٣٢٩، و\"الوسيط\" ٤/ ٢٣١، و\"زاد المسير\" ٨/ ١٣٠.\n(٦) انظر: \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٤٧.\n(٧) وبه قال ابن قتيبة واعتمده ابن كثير وغيره من المفسرين.\nانظر: \"تفسير غريب القرآن\" ص ٤٤٥، و\"ابن كثير\" ٤/ ٢٨٢، و\"فتح القدير\" ٥/ ١٤٧.\n(٨) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٣٧ أ، وفيه (.. النفخة الأولى) وبقول مقاتل قال الضحاك. انظر: \"جامع البيان\" ٢٧/ ٩٦، و\"روح المعاني\" ٢٧/ ١٢٩.","vol":"21","page":210},{"text":"أهل المعاني (١)، والمعنى: ليس لها كذب، أي أنها تقع صدقًا وحقًا فليس فيها ولا الإخبار عن وقوعها كذب.\nوقال بعض أهل المعاني: يجوز أن تكون الكاذبة صفة والموصوف محذوفًا، على تقدير: ليس لوقعتها قضية كاذبة أي أن كل ما أخبر الله من أحكامها وقضاياها صادقة غير كاذبة، ويجوز أن يكون التقدير ليس لوقعتها نفس كاذبة (٢) أي أن كل من يخبر عن وقوعها صادق غير كاذب لم تكذب نفس أخبرت عن وقوعها.\nوأما الكسائي والفراء والزجاج فإنهم جعلوا الكاذبة هاهنا بمعنى التكذيب وفسروها بالرد، قال الكسائي: كاذبة تكذيب، وزاد الفراء: المكذوبة بمعنى التكذيب، وحكاها عن أبي ثروان (٣).\nوقال أبو إسحاق: كاذبة أي لا يردها شيء، كما تقول حملة فلان لا تكذب، أي لا يرد حملته شيء (٤)، وعلى هذا المعنى دل كلام ابن عباس في رواية عطاء والكلبي قال: ليس لوقعتها رادة، وقال الكلبي عنه\n_________\n(١) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ١٢١، و\"إعراب القرآن\" للنحاس ٣/ ٣١٨ - ٣١٩.\n(٢) انظر: \"الكشاف\" ٤/ ٥٥، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ١٩٥، و\"البحر المحيط\" ٨/ ٢٠٣.\n(٣) أبو ثروان العكلي من الأعراب الذين شايعوا الكسائي على سيبويه في المسألة الزنبورية المعروفة، تعلم في البادية، وأكثر الفراء من الرواية عنه. له كتاب \"خلق الفرس\"، و\"معاني الشعر\".\nانظر: \"طبقات الزبيدي\" ص ٧١، و\"معجم الأدباء\" ٧/ ١٤٨، و\"همع الهوامع\" ١/ ٢١٠، وانظر: \"تهذيب اللغة\" ١٠/ ١٦٧ (كذب).\n(٤) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ١٢١، و\"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ١٠٧، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ١٩٥.","vol":"21","page":211},{"text":"مردودة (١).\nوالردة هاهنا بمعنى المصدر، أي: رد، وعلى هذا القول يجب أن تكون (الكاذبة) بمعنى التكذيب ويكون التكذيب بمعنى الرد، ولم أر الفاعلة في مصادر التفعيل ولا الكذب بمعنى الرد لغيرهم فالله أعلم.\nويكون كذب بمعنى ارتد وولى، يقال: ما كذب عن قرنه أي ما جبن ولا رجع. ومنه قول زهير: (٢)\nليث بعثر يصطاد الرجال إذا ... ما الليث كذَّب عن أقرانه صدقا\n\nفإن صحت الكاذبة بهذا المعنى كان تفسير ليس لوقعتها ارتداد، وهذا قول قتادة ومقاتل. قالا: ليس لوقعتها مثنوية ولا ارتداد <span data-type=\"title\" id=toc-4411>(٣)</span>.\n٣ - قوله تعالى ﴿خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ﴾ قال أبو إسحاق: هي خافضة رافعة (٤). روى عكرمة عن ابن عباس قال تخفض ناسًا وترفع (٥) آخرين (٦).\nوقال عطاء عنه: تخفض أقوامًا كانوا في الدنيا مرتفعين، وترفع أقوامًا كانوا في الدنيا متَّضعين (٧).\n_________\n(١) انظر: \"تنوير المقباس\" ٥/ ٣٢٩، وفيه (راد ولا خلف ولا مثنوية).\nوانظر: \"جامع البيان\" ٢٧/ ٩٦، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ١٩٥.\n(٢) انظر: \"ديوان زهير\" ص ٥٤، و\"شرح المفصل\" ١/ ٦١، و\"المنصف\" ٣/ ١٢١، وقوله \"بعثر\" هي موضع في اليمن. وقيل: هي أرض مأسدة بناحية تبالة، و\"اللسان\" ٢/ ٦٨٤ (عثر).\n(٣) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٣٧ أ، و\"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٢٦٩، و\"الطبري\" ٢٧/ ٩٦.\n(٤) انظر: \"معاني القرآن\" ٥/ ١٠٧.\n(٥) في (ك): (وتضع).\n(٦) انظر: \"المصنف\" ١٣/ ٣٧٢، و\"الوسيط\" ٤/ ٢٣٢، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٢٨٢، ونسب تخريجه لابن أبي حاتم.\n(٧) انظر: \"الوسيط\" ٤/ ٢٣٢، و\"معالم التزيل\" ٤/ ٢٧٩، و\"زاد المسير\" ٨/ ١٣١.","vol":"21","page":212},{"text":"وقال قتادة: خفضت أقوامًا في عذاب الله، ورفعت أقوامًا في كرامة الله (١)، والمعنى أنها تخفض أقوامًا إلى أسفل سافلين في النار، وترفع آخرين إلى أعلى عليين في الجنة، وقال أهل المعاني: تخفض بالمعصية وترفع بالطاعة (٢)، وقال ابن عطاء: خفضت قومًا بالعدل ورفعت قومًا بالفضل (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4412>٤ </span>- قوله: ﴿إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا﴾ الوجه أن تجعل إذا مضمنًا بالذكر كما قلنا في ﴿إِذَا وَقَعَتِ﴾ وقال الجرجاني: إذا ظرف لقوله: ﴿وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ﴾ لأنه وقت لها، أي أن الواقعة تقع إذا رجت الأرض رجًا، قال: وفي هذا دليل على أن تأويل قوله: ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ﴾ ستقع الواقعة إذا رجت (٤)، ونحو هذا قال أبو إسحاق: موضع إذا نصب المعنى: إذا وقعت في ذلك الوقت ومعنى (رُجَّتِ) حركت حركة شديدة <span data-type=\"title\" id=toc-4413>(٥) </span>يقال: رججته فارتج، والسهم يرتج في الغرض (٦)، قال قتادة ومقاتل: زلزلت زلزالًا (٧).\nوقال الكلبي وجماعة المفسرين: ترج كما يرج الصبي في المهد حتى يتهدم كل بناء عليها وينكسر كل ما عليها من الجبال (٨)، فذلك قوله تعالى:\n\n٥ - ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا﴾ ذكر أهل المعاني واللغة فيه قولين:\n_________\n(١) انظر: \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٢٦٩، و\"جامع البيان\" ٢٧/ ٩٦.\n(٢) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ١٠٧.\n(٣) انظر: \"الكشف والبيان\" ١٢/ ٥٠ ب، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ١٩٥.\n(٤) انظر: \"التفسير الكبير\" ٢٩/ ١٤٢، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ١٩٦.\n(٥) انظر: \"معاني القرآن\" ٥/ ١٠٨.\n(٦) الرَّجُّ: التحريك؛ والرجرجة: الاضطراب. والرَّجُّ: تحريكك شيئًا كحائط إذا حركته \"اللسان\" ١/ ١١٢٥ (رَجج).\n(٧) انظر: \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٢٦٩، و\"تفسير مقاتل\" ١٣٧ أ.\n(٨) انظر: \"الوسيط\" ٤/ ٢٣٢، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٧٩، و\"زاد الميسر\" ٨/ ١٣١.","vol":"21","page":213},{"text":"أحدهما: أن معنى: (بُسَّتِ) خلطت فصارت كالدقيق المبسوس، وهو الملتوت بشيء من الماء، هذا قول أبي عبيدة، والفراء، وأنشدا (١):\nلا تخبزا خبزًا وبسا بسَّا\nأي: اخلطا الدقيق بالماء فكلاه، والمعنى على هذا أن الجبال تصير ترابًا تخلي بعضها ببعض.\nالقول الثاني: أن معنى البس الفت، روى عمرو عن أبيه: بس الشيء إذا فتته حتى يصير فتاتًا (٢).\nوذكر أبو إسحاق في البس قولًا آخر وهو السوق والطرد، ومعنى (بُسَّتِ) سيقت، وأنشد (٣):\nوانبس حيَّاتُ الكثيب الأهيل\nقال اللحياني (٤): يقال بُسَّهم عنك، أي: اطردهم، وانبس الرجل إذا ذهب، وانبست الحيات إذا جرت على الأرض (٥)، وأقوال المفسرين غير خارجة عن هذه الأقسام.\n_________\n(١) انظر: \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٤٧ - ٢٤٨، و\"معاني القرآن\" ٣/ ١٢١، والبيت من الرجز، قيل إنه للص من غطفان. وتمامه:\nولا تطيلا بمناخ حبسا\nوانظر: \"اللسان\" ١/ ٢١٢ (بسس)، و\"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ١٠٨، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ١٩٦، وفي تمامه اختلاف. وذكره الأزهري عن الأصمعي حيث قال: وسمعت العرب تنشد ..، انظر: \"تهذيب اللغة\" ١٢/ ٣١٦ (بس).\n(٢) انظر: \"تهذيب اللغة\" ١٢/ ٣١٥، و\"اللسان\" ١/ ٢١٢ (بسس).\n(٣) انظر: \"معاني القرآن\" ٥/ ١٠٨، والبيت في \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ١٠٨. و\"اللسان\" ١/ ٢١٢ (بسس)، ومعناه أن الحيات تذهب وتنساب على وجه الأرض.\n(٤) انظر: \"تهذيب اللغة\" ١٢/ ٣١٦ (بس).\n(٥) انظر: \"جامع البيان\" ٢٧/ ٩٧، و\"تفسير مجاهد\" ٢/ ٦٤٥، و\"تفسير مقاتل\" ١٣٧ ب.","vol":"21","page":214},{"text":"قال ابن عباس في رواية عطاء: فُتَّت فتا، وهذا قول مقاتل ومجاهد في رواية ابن أبي نجيح (١) وروى منصور عنه: لُتَّت لتًّا كما يبس السويق (٢). وقال السدي: كسرت كسرًا (٣)، وهذا كقول من قال: فتت.\nوقال الكلبي: سيرت عن وجه الأرض (٤)، ونحو هذا قال الحسن: قلعت من أصلها (٥).\n\nوقال قتادة: نسفت نسفًا، وقول الكلبي والحسن وقتادة معنى قول من يفسر البس بالطرد <span data-type=\"title\" id=toc-4414>(٦)</span>.\n٦ - قوله تعالى: ﴿فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا﴾ يعني صارت غبارًا متفرقًا كالذي يرى في شعاع الشمس إذا دخل من الكوة وهو الهباء (٧).\nوالمنبث المتفرق، هذا قول ابن عباس ومقاتل ومجاهد (٨).\n_________\n(١) انظر: \"تفسير مجاهد\" ٢/ ٦٤٥، و\"جامع البيان\" ٢٧/ ٩٧.\n(٢) انظر: \"الكشف والبيان\" ١٢/ ٥١ ب، و\"الوسيط\" ٤/ ٢٣٢، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٧٩.\n(٣) انظر: \"تنوير المقباس\" ٥/ ٣٣١، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٧٩.\n(٤) انظر: \"الكشف والبيان\" ١٢/ ٥ ب، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٣٢، و\"فتح القدير\" ٥/ ١٤٧.\n(٥) انظر: \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٢٦٩، قال الشنقيطي: وقوله تعالى: ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا﴾ في معناه لأهل العلم أوجه متقاربة لا يكذب بعضها بعضًا، وكلها حق، وكلها يشهد له القرآن. ثم ذكر الأقوال وشواهدها، انظر: \"أضواء البيان\" ٧/ ٤٦٤.\n(٦) في (ك): (اللبس بالطردة).\n(٧) الهباء: التراب الذي تُطيره الريح فتراه على وجوه الناس وجلودهم وثيابهم يلزق لزوقًا. وقيل: غبار شبه الدخان ساطع في الهواء. \"اللسان\" ٣/ ٧٦٦ (هبا).\n(٨) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٣٧ ب، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٧٩.","vol":"21","page":215},{"text":"وروي عن علي -﵁- قال: يعني رهج الدواب الذي يسطع من حوافرها (١).\nثم ذكر أحوال الناس فقال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4415>٧ </span>- قوله تعالى: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً﴾، قال المفسرون: أصنافًا ثلاثة، قال أبو إسحاق: يقال للأصناف التي بعضها مع بعض أزواج (٢).\nثم فسر الأزواج بقوله: ﴿فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ﴾ يعني اليمين، وجمعها الميامن، وهي جوانب اليمين، وفي أصحاب الميمنة أربعة أقوال:\nقال عطاء، عن ابن عباس: هم الذين يعطون كتبهم بأيمانهم، وهو قول الضحاك (٣).\nوعن ابن عباس أيضًا: هم الذين كانوا على يمين آدم حين أخرجت الذرية من صلبه (٤).\nوقال الحسن والربيع: هم الذين كانوا ميامين مباركين على أنفسهم، وكانت أعمارهم في طاعة الله -﷿- (٥).\n_________\n(١) انظر: \"جامع البيان\" ٢٧/ ٩٧، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ١٩٧، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٢٨٢.\n(٢) انظر: \"معاني القرآن\" ٥/ ١٠٨.\n(٣) انظر: \"الكشف والبيان\" ١٢/ ٥١ أ، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٧٩، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ١٩٧.\n(٤) انظر: \"الكشف والبيان\" ١٢/ ٥١ أ، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٧٩، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٢٨٢.\n(٥) انظر: \"الكشف والبيان\" ١٢/ ٥١ أ - ب، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ١٩٧، و\"فتح القدير\" ٥/ ١٤٨.","vol":"21","page":216},{"text":"القول الرابع: أنهم الذين يؤخذ بهم ذات اليمين إلى الجنة (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4416>٨ </span>- قوله تعالى: ﴿مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ﴾ قال جميع أهل المعاني (٢) (مَا) هاهنا تفخيم لقصتهم وتعظيم لشأنهم وتعجيب منهم، كما تقول: زيد ما زيد؟ أي: أي شيء هو؟ للتعجب منه، وهذا كقوله: ﴿الْحَاقَّةُ (١) مَا الْحَاقَّةُ﴾ [الحاقة: ١، ٢] و﴿الْقَارِعَةُ (١) مَا الْقَارِعَةُ﴾ [القارعة: ١، ٢].\n<span data-type=\"title\" id=toc-4417>٩ </span>- قوله تعالى: ﴿وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ﴾ يعني أصحاب الشمال والمشئمة اليسرى. يقال: اليد اليمنى واليد الشومى، ومن هذا اللفظ أخذ اليُمْن والشؤم، واليَمَن والشأم.\nوفي أصحاب المشئمة أربعة أقوال تضاد الأقوال التي ذكرناها في أصحاب الميمنة (٣).\nثم ذكر الصنف الثالث فقال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4418>١٠، ١١ </span>- قوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ قال الفراء والزجاج يجوز أن يكون (وَالسَّابِقُونَ) ابتداء، وخبره الثاني، ويكون المعنى: والسابقون إلى طاعة الله السابقون إلى رحمة الله، ويكون ﴿أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ من صفتهم. ويجوز أن يكون الأول ابتداء والثاني توكيده، ويكون الخبر ﴿أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ (٤).\n_________\n(١) انظر: \"جامع البيان\" ٢٧/ ٩٨، و\"الجامع\" للقرطبي ١٧/ ١٩٧، ونسبه للسدي.\n(٢) انظر: \"معاني القرآن\" للأخفش ٢/ ٧٠١، و\"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ١٢٢، و\"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ١٠٨.\n(٣) انظر: \"الكشف والبيان\" ١٢/ ٥١ ب.\n(٤) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ١٢٢، و\"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ١٠٩.\nأورد النحاس قولهما أن ﴿أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ صفة، قال: ولكن يكون بدلًا أو خبرًا بعد خبر. انظر: \"إعراب القرآن\" ٣/ ٣٢١.","vol":"21","page":217},{"text":"واختلفوا في تفسير السابقين فقال ابن عباس (١): يريد الذين سبقوا إلى توحيد الله والإيمان برسوله كما قال: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ﴾ [التوبة: ١٠٠] الآية.\nوقال ابن سيرين: هم الذين صلوا القبلتين (٢)، وهذا كقول ابن عباس؛ لأن الذين صلوا القبلتين كانوا هم الأولين من الصحابة، ونحو هذا قال عكرمة: السابقون إلى الإسلام (٣)، وهو معنى قول الربيع: إلى إجابة الرسول -ﷺ- (٤).\nوقال مقاتل: إلى الأنبياء بالإيمان (٥). وهذا القول يوجب تخصيص السابقين بأوائل هذه الأمة. وقال الكلبي: السابقون إلى الرسول من كل أمة السابقون في الآخرة إلى الجنة (٦).\nوأكثر المفسرين جعلوا هذا السبق إلى الطاعات، فمنهم من أجملها وهو القرظي فقال: إلى كل خير وإلى كل ما دعا الله إليه، وهو اختيار ابن كيسان (٧).\nومنهم من فصَّل فقال سعيد بن جبير: إلى التوبة (٨)، وقال علي -﵁-:\n_________\n(١) انظر: \"تنوير المقباس\" ٥/ ٣٣٢، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٨٥.\n(٢) انظر: \"جامع البيان\" ٢٧/ ٩٩، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٢٨٣.\n(٣) انظر: \"الكشف والبيان\" ١٢/ ٥٢ أ، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٨٥، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ١٩٩.\n(٤) انظر: \"الكشف والبيان\" ١٢/ ٥٢ أ، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٨٠.\n(٥) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٣٧ ب.\n(٦) انظر: \"تنوير المقباس\" ٥/ ٣٣٢، و\"الوسيط\" ٤/ ٢٣٢.\n(٧) انظر: \"الكشف والبيان\" ١٢/ ٥٢ أ، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٨٠.\n(٨) انظر: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٨٠، و\"زاد المسير\" ٨/ ١٣٣.","vol":"21","page":218},{"text":"إلى الصلوات الخمس (١)، وقال عثمان بن أبي سودة (٢): إلى المسجد، إلى الجهاد، يخرجون في الرعيل الأول من المصلين والمجاهدين (٣).\nثم وصفهم وأخبر عنهم فقال: ﴿أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ قال ابن عباس: مثل النبيين والمرسلين (٤). وقال الكلبي: إلى عَدَن (٥). وقال أهل المعاني: جزيل ثواب الله وعظيم كرامته (٦).\nثم أخبر أين محلهم فقال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4419>١٢ </span>- ﴿فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ وقوله: ﴿أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ إلى قوله: ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ﴾ [الواقعة: ٢٧] كله من صفة السابقين وبيان حالهم، وذلك أن الله تعالى صنف الخلق ثلاثة أصناف كما ذكر، ثم بين هناك كل صنف وحاله في الآخرة فذكر صفة السابقين أولًا، ثم وصف\n_________\n(١) انظر: \"الكشف والبيان\" ١٢/ ٥٢ أ، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ١٩٩، و\"روح المعاني\" ٢٧/ ١٣٢.\n(٢) هو عثمان بن أبي سودة المقدسي، روى عن أبي الدرداء وأبي هريرة وغيرهما، وعنه الأوزاعي وجابر بن زيد وغيرهما، وثقه مروان بن محمد وذكره ابن حبان في \"الثقات\" .. انظر: \"تهذيب التهذيب\" ٧/ ١٢٠، و\"تقريب التهذيب\" ٢/ ٩.\n(٣) انظر: \"جامع البيان\" ٢٧/ ٩٩، و\"المصنف\" ٥/ ٢٦٧، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ١٩٩، ونسبه لمجاهد وغيره.\nقال ابن كثير بعد ذكره للأقوال: وهذه الأقوال كلها صحيحة، فإن المراد بالسابقين هم المبادرون إلى فعل الخيرات كما أمروا، كما قال تعالى ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران: ١٣٣] فمن سابق في هذه الدنيا وسبق إلى الخير كان في الآخرة من السابقين إلى الكرامة، فإن الجزاء من جنس العمل، وكما تدين تدان. \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٢٨٣.\n(٤) انظر: \"الوسيط\" ٤/ ٢٣٢.\n(٥) لم أجده، وذكر المفسرون نحوه، فقالوا: (عند الله).\n(٦) انظر: \"الوسيط\" ٤/ ٢٣٢.","vol":"21","page":219},{"text":"الفريقين الآخرين فيما بعد.\nقوله تعالى: ﴿ثُلَّةٌ﴾ الثلة: الفرقة والجماعة من (١) الناس غير محصوري العدد في قلة ولا كثرة (٢).\nقوله تعالى: ﴿مِنَ الْأَوَّلِينَ﴾ يعني من لدن آدم إلى زمان نبينا -ﷺ-. قاله الكلبي (٣)، وقال عطاء: يريد كثيرًا من الأولين (٤)، وقال مقاتل: يعني سابقي الأمم الخالية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4420>١٤ </span>- ﴿وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾ يريد من أمة محمد -ﷺ-.\nقال مقاتل: يعني سابقي هذه الأمة أقل من سابقي الأمم الخالية (٥).\nوقال أبو إسحاق: الذين عاينوا جميع النبيين وصدقوا بهم أكثر ممن عاين النبي -ﷺ- (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4421>١٥ </span>- قوله: ﴿عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ﴾ معنى الوضن في اللغة: النضد والنسج المضاعف، يقال: وضن فلان الحجر والآجر بعضه فوق بعض فهو موضون.\nوقال الليث: الوضن نسج السرير وأشباهه، ويقال: درع موضونة مقاربة في النسج مثل مرصوفة، وقال رجل من العرب لامرأته: ضنيه -يعني متاع البيت- أي قاربي بعضه من بعض.\n_________\n(١) (من) ساقطة من (ك)، وبزيادتها تستقيم العبارة.\n(٢) وقال أبو عبيدة: (تجيء جماعة وأمة وتجيء بقية). \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٤٨. وانظر: \"تهذيب اللغة\" ١٥/ ٦٣، و\"اللسان\" ١/ ٣٧١ (ثلل).\n(٣) انظر: \"تنوير المقباس\" ٥/ ٣٣٢، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٨٠.\n(٤) لم أجده. وهو ظاهر المعنى.\n(٥) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٣٧ ب.\n(٦) انظر: \"معاني القرآن\" ٥/ ١٠٩.","vol":"21","page":220},{"text":"قال أبو عبيدة، والفراء، والمبرد، وابن قتيبة (١): موضونة: منسوجة مضاعفة متداخلة بعضها على بعض كما يوضن حلق الدروع، ومنه سمي الوضين، وهو بطان من سيور منسوجة مضاعفة تنسج فيدخل بعضه في بعض، وأنشدوا للأعشى (٢):\nومن نسج داوود موضونة ... تساق مع الحي عيرًا فعيرا\nقال المفسرون: مرمولة منسوجة بقضبان الذهب مشبكة بالدر والياقوت والزبرجد، وهو قول الكلبي، ومجاهد، ومقاتل (٣).\nوقال الضحاك: مصفوفة، وهو قول ابن عباس في رواية الوالبي (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4422>١٧ </span>- قوله تعالى: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ قال أبو عبيدة: لا يهرمون ولا يتغيرون (٥)، ونحو ذلك قال الفراء، قال: والعرب تقول للرجل إذا كبر ولم يشمط: إنه لمخلد، وإذا لم تذهب أسنانه من الكبر قيل: إنه لمخلد، قال: ويقال مخلدون: مقرَّطون، ويقال مسورون (٦).\nوأنشد غيره:\n_________\n(١) انظر: \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٤٨، و\"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ١٢٢، و\"تفسير غريب القرآن\" ص ٤٤٦.\n(٢) \"ديوانه\" ص ٩٠، و\"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ١١٠، و\"اللسان\" ٣/ ٩٤٤ (وضن)، و\"تفسير غريب القرآن\" ص ٤٠٩.\n(٣) انظر: \"تنوير المقباس\" ٥/ ٣٣٢، و\"تفسير مجاهد\" ٢/ ٦٤٦، و\"تفسير مقاتل\" ١٣٧ ب، و\"جامع البيان\" ٢٧/ ٩٩، و\"المصنف\" ١٣/ ١٣٩.\n(٤) انظر: \"جامع الييان\" ٢٧/ ١٠٠، و\"الثعلبي\" ١٢/ ٥٣ أ، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٨٠.\n(٥) انظر: \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٤٩.\n(٦) انظر: \"معاني القرآن\" ٣/ ١٢٢ - ١٢٣.","vol":"21","page":221},{"text":"ومخلداتٍ باللجين كأنما ... أعجازهن أقاوز الكثبان (١)\nوهذا قول ابن الأعرابي قال: مخلدون مقرَّطون بالخلدة، وجمعها خلد، وهي القرطة.\nوروى عمرو عن أبيه: خلَّد جاريته إذا حلَّاها بالخلد وهي القرطة، وخلَّد إذا أسنَّ ولم يشب (٢).\nقال ابن عباس: غلمان لا يموتون وهو قول مجاهد (٣)، وعلى هذا هو من الخلود الذي هو البقاء بلا موت.\nوقال الكلبي ومقاتل: لا يكبرون ولا يهرمون ولا يتغيرون (٤).\nوقال سعيد بن جبير والمؤرج: مقرطون (٥).\nوالمراد بالولدان: الغلمان، وهم وإن لم يولدوا ولم يحصلوا عن ولادة أطلق عليهم هذا الاسم، لأن العرب تسمي الغلمان ولدانًا، وبعضهم احترز فجعل الولدان هاهنا ولدان المسلمين الذين يموتون ولا حسنة لهم ولا سيئة، وهذا القول يروى عن علي والحسن، قالا: لأن الجنة لا ولادة فيها (٦)،\n_________\n(١) البيت في \"تهذيب اللغة\" ٧/ ٢٧٧، و\"اللسان\" ١/ ٨٧٦ (خلد) و٣/ ١٨٦ (قوز)، و\"تفسير غريب القرآن\" ص ٤٤٧، ولم ينسب لقائل، واللجين هي الفضة.\n(٢) انظر: \"تهذيب اللغة\" ٧/ ٢٧٩ (خلد).\n(٣) انظر: \"تفسير مجاهد\" ٢/ ٦٤٦، و\"تنوير المقباس\" ٥/ ٣٣٣.\n(٤) انظر: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٨١، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ٢٠٢، ولم أقف عليه في \"تفسير مقاتل\".\n(٥) \"الكشف والبيان\" ١٢/ ٥٣ أ، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٨١، و\"اللسان\" ص ٨٧٦ (خلد). قال الألوسي: أي مبقون أبدًا على شكل الولدان، وحد الوصافة لا يتحولون عن ذلك، وإلا فكل أهل الجنة مخلد لا يموت \"روح المعاني\" ٢٧/ ١٣٦.\n(٦) انظر: \"الكشف والبيان\" ١٢/ ٥٣ أ، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ٢٠٣.","vol":"21","page":222},{"text":"والقول هو الأول (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4423>١٨ </span>- قوله تعالى: ﴿بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ﴾ قالوا الأكواب المستديرة الأفواه لا آذان لهما ولا عُرى، والأباريق ذات الخراطيم واحدها إبريق، وهو الذي يبرق لونه من صفائه (٢). وأباريق الجنة من الفضة في صفاء القوارير، يرى من ظاهرها ما في باطنها، ذكر ذلك عطاء، ومقاتل (٣)، والعرب تسمي السيف إبريقًا لبريق لونه، ومنه قول ابن أحمر (٤):\nتعلَّقت إبريقًا وعلقت جعبةً ... ليهلك حيا ذا زهاء وجامل (٥)\nوقال اللحياني: امرأة إبريق إذا كانت برَّاقة. وما بعد هذا مفسر في سورة الصافات [آية: ٤٥].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4424>٢٠ </span>- قوله تعالى: ﴿مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ﴾ تخيرت الشيء أخذت خيره.\n<span data-type=\"title\" id=toc-4425>٢١ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ قال ابن عباس: يخطر على قلبه الطير فيصير ممثلًا بين يديه على ما اشتهى (٦).\n<span data-type=\"title\" id=toc-4426>٢٢ </span>- قوله تعالى: ﴿حُورٌ عِينٌ﴾ أكثر القراءة بالرفع، وقرأ حمزة والكسائي بالخفض (٧).\n_________\n(١) وقال الشوكاني: ولا يبعد أن يكونوا مخلوقين في الجنة للقيام بهذه الخدمة، و\"فتح القدير\" ٥/ ١٤٩.\n(٢) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ١٢٣، و\"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ١١٠.\n(٣) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٣٧ ب.\n(٤) انظر: \"تهذيب اللغة\" ٩/ ١٣٣ (برق).\n(٥) ورد البيت في \"اللسان\" ٢/ ٨٦٣ (علق)، ولم ينسبه.\n(٦) انظر: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٨١، و\"زاد المسير\" ٨/ ١٣٧.\n(٧) قرأ حمزة، والكسائي، وأبو جعفر ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ بالخفض. وقرأ الباقون برفعهما. انظر: \"النشر\" ٢/ ٣٨٣، و\"الإتحاف\" ص ٤٠٧ - ٤٠٨","vol":"21","page":223},{"text":"قال أبو عبيد: هي عندنا بالرفع بمعنى: وعندهم حور عين، ولا أحب الخفض لأنه ليس يطاف عليهم بالحور، هذا كلامه (١)، ووجه الرفع علي مذهب سيبويه (٢) أن قوله: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ إلي قوله: ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ دل على أن معنى الكلام لهم كذا ولهم كذا، فحمل: (حُورٌ) على المعنى كأنه قيل: ولهم حور، ومثله مما حمل على المعنى قول الشاعر (٣):\nإلا رواكد جمرهن هباء\nومشجج ............\nفحمل ومشجج على المعنى لأن المعنى إلا رواكد ومشجج. ذكر ذلك المبرد والزجاج وأبو علي (٤).\nوأما الخفض فقال الفراء: هو وجه الكلام على أن تتبع آخر الكلام أوله وان لم يحسن في آخره ما حسن في أوله، وأنشد:\n_________\n(١) انظر: \"إعراب القرآن\" للنحاس ٣/ ٣٢٤، و\"حجة القراءات\" ص ٦٩٥.\n(٢) انظر: \"الكتاب\" ١/ ١٧٣.\n(٣) البيت الأول بتمامه:\nبادت وغير آيهن مع البلى ... إلا رواكد جمرهن هباء\nوالبيت الثاني:\nومشجج أما سواء قذاله فبدا ... وغير سارة المعزاء\nوالبيتان ينسبان إلى ذي الرمة، كما في \"ملحقات ديوانه\" ٣/ ١٨٤٠.\nوينسبان إلى الشماخ كما في \"ملحقات ديوانه\" ص ٤٢٧، ٤٢٨، و\"الكتاب\" ١/ ١٧٣، و\"اللسان\" ٢/ ٣٥٤ (شجج)، و\"الحجة\" ٦/ ٢٥٦، والرواكد الأثافي، والمشجج هو الوتد، وتشجيجه ضرب رأسه لثبت، وسواء قذالة: وسطه. والمعزاء. أرض صلبة ذات حصى.\n(٤) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ١١١، ١/ ٢٥٤، و\"الحجة للقراء السبعة\" ٦/ ٢٥٥ - ٢٥٦، و\"البغداديات\" ص ٢١٩ - ٢٢٠.","vol":"21","page":224},{"text":"إذا ما الغانيات برزن يومًا ... وزججن الحواجب والعيونا (١)\nوالعين لا تزجج إنما تكحل، فردها على الحواجب لأن المعنى يعرف، قال: وكان ينبغي لمن رفع -لأنهن لا يطاف بهن- أن يرفع ﴿فَاكِهَةٍ﴾ ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ﴾. لأن الفاكهة واللحوم لا يطاف بها وفي ذلك بيان أن الخفض وجه الكلام (٢)، يعني أن الحور أَتبع في الخفض اللحم والفاكهة، فلما خفضا كذلك خفض الحور، وبين الزجاج هذا الوجه فقال: وحور مخفوض على غير ما ذهب إليه من ظن أن معنى الخفض فيه أنه يطاف به ولا يطاف بالحور، ولكن معنى ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ (١٧) بِأَكْوَابٍ﴾ ينعمون بها، وكذلك ينعمون بلحم طير وينعمون بحور عين (٣). وهذا معنى قول الفراء وإن لم يحسن في آخره ما حسن في أوله يعني لا يحسن الطوف في الحور كما حسن في الكأس، ولكن يعطف عليه في الظاهر؛ لأن المعنى يعرف كما عطف الشاعر العيون على الحواجب وأراد وكحلن العيون كذلك هاهنا يراد ويكرمون، أو وينعمون بفاكهة ولحم طير وحور عين.\n_________\n(١) البيت للراعي النميري، انظر: \"ديوانه\" ص ١٥٠، و\"الخصائص\" ٢/ ٤٣٢، و\"شرح شواهد المغني\" ٢/ ٧٧٥، و\"الدرر اللوامع\" ١/ ١٩١، و\"الإنصاف\" ص ٦١٠، و\"الخزانة\" ٩/ ١٤١.\n(٢) انظر: \"معاني القرآن\" ٣/ ١٢٣ - ١٢٤.\nقلت: قوله: (لأن الفاكهة واللحوم لا يطاف بها) تعقبه النحاس بقوله: (وهذا الاحتجاج لا ندري كيف هو إذ كان القراء قد أجمعوا على القراءة بالخفض في قوله جل وعز ﴿وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ (٢٠) وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ فمن أين له أنه لا يطاف بهذه الأشياء التي ادعى أنه لا يطاف بها؟ وإنما يسلم في هذا لحجة قاطعة، أو خبر يجب التسليم به. \"إعراب القرآن\" ٣/ ٣٢٤ - ٣٢٥.\n(٣) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ١١١.","vol":"21","page":225},{"text":"وقال أبو علي: وجه الجر أن تحمله على قوله: ﴿أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (١١) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ التقدير: في جنات النعيم، وفي حور عين أي في مقام به حور عين أو معاشرة حور عين، ثم حذف المضاف (١).\n\nوتفسير اللؤلؤ المكنون سبق في سورة الطور (٢) [آية:<span data-type=\"title\" id=toc-4427> ٢٤]</span>.\n٢٤ - قوله تعالى: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ذكر أبو إسحاق في نصب جزاء قولين: أحدهما: أنه مصدر ودل ما قبله على يجزون.\nوالثاني: أنه مفعول له، المعنى: يفعل ذلك بهم لجزاء أعمالهم (٣). قوله تعالى: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا﴾ قال المبرد: اللغو ما يرغب عنه من الكلام ويستحق أن يلغى (٤). والمعنى: ليس فيها لغو فيسمع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4428>٢٥ </span>- [قوله: ﴿وَلَا تَأْثِيمًا﴾] (٥) يقال أثَّمه إذا قال أثمت، وللتأثيم هاهنا معنيان:\nأحدهما: أن بعضهم لا يقولون لبعض أثمت لأنهم لا يتكلمون بالإثم كما يتكلم أهل الدنيا (٦).\nالثاني: ولا يأتون تأثيمًا أي ما هو سبب التأثيم من فعل أو قول قبيح (٧)، وهذا معنى قول أبي عبيدة، قال في هذه الآية: مجازها مجاز: أكلت خبزًا ولبنًا، واللبن لا يؤكل فجاز إذا كان معها شيء يؤكل، والتأثيم\n_________\n(١) انظر: \"الحجة\" ٦/ ٢٥٧.\n(٢) في (ك): (الذاريات).\n(٣) انظر: \"معاني القرآن\" ٥/ ١١١ - ١١٢.\n(٤) انظر: \"اللسان\" ٣/ ٣٧٨ (لغا).\n(٥) ما بين المعقوفين زيادة من المحقق.\n(٦) انظر: \"الوسيط\" ٤/ ٢٣٤، ونسبه لابن عباس، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٢٨٨.\n(٧) انظر: \"جامع البيان\" ٢٧/ ١٠٢.","vol":"21","page":226},{"text":"لا يسمع إنما يسمع اللغو (١)، وهذا معني قول الكلبي، يقول: ولا إثم فيها (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4429>٢٦ </span>- قوله تعالى: ﴿إِلَّا قِيلًا﴾ من الاستثناء المنقطع، المعنى: لكن يقولون قيلا أو يسمعون قيلا ﴿سَلَامًا سَلَامًا﴾ وانتصب سلامًا على النعت لقوله: قيلا، والسلام الآخر بدل الثاني، والمعنى: إلا قيلا يسلم فيه من اللغو والإثم، وإن شئت جعلت القيل يعمل في السلام الأول والآخر بدل، والمعنى: إلا أنهم يقولون الخير، هذا قول الأخفش والفراء والزجاج (٣).\nقال عطاء عن ابن عباس: يريد: يحيي بعضهم بعضًا بالسلام (٤)، وزاد الكلبي عنه: وتحييهم الملائكة بالسلام ويرسل إليهم ربهم بالسلام (٥).\nوقال مقاتل: يعني كثرة السلام من الملائكة (٦).\nفالمفسرون: جعلوا السلام هاهنا بمعنى التحية والوجه ما قال الزجاج من أن المراد بالسلام أن قولهم يسلم من اللغو (٧)، ويدل على ذلك أن مسموع أهل الجنة لا يكون مقصورًا على التحية فقط، بل يسمعون\n_________\n(١) انظر: \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٤٩.\n(٢) انظر: \"تنوير المقباس\" ٢/ ٣٣٥.\n(٣) انظر: \"معاني القرآن\" للأخفش ٢/ ٤٠١ - ٧٠٢، و\"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ١٢٤، و\"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ١١٢.\n(٤) انظر: \"الوسيط\" ٤/ ٢٣٤، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٨٢.\n(٥) انظر: \"تنوير المقباس\" ٥/ ٣٣٥، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ٢٠٦.\n(٦) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٣٨ أ.\n(٧) انظر: \"معاني القرآن\" ٥/ ١١٢.","vol":"21","page":227},{"text":"غيرها مما لا لغو فيه ولا تأثيم (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4430>٢٧ </span>- ثم ذكر أصحاب اليمين وعجب من شأنهم فقال: ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ﴾ وقد تقدم تفسيره.\nثم ذكر منازلهم فقال:\n\n٢٨ - قوله تعالى: ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ﴾ تفسير السدر قد تقدم في سورتين (٢).\nوالمخضود المنزوع الشوك في قول جميع أهل اللغة، والخضد: كسر (٣) الشيء اللين، وإذا كسرت عودًا لينًا ولم تبنه قلت: خضدته فاتخضد (٤)، ومعنى مخضود. خضد شوكه، أي قطع فلا شوك فيه.\nقال ابن عباس في رواية الكلبي، ومجاهد، ومقاتل، وقتادة، وأبو الأحوص، وقسامة بن زهير (٥):\n_________\n(١) قلت: وهو أيضًا ما اختاره ابن جرير ٢٧/ ١٠٢، حيث قال: (لا يسمعون فيها من القول إلا قليلًا سلامًا. أي: أسلم مما تكره). ويرى ابن كثير ٤/ ٢٨٨ شمول الآية للمعنيين حيث قال: (أي إلا التسليم منهم بعضهم على بعض، كما قال تعالى ﴿تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ﴾ [إبراهيم: ٢٣] وكلامهم أيضًا سالم من اللغو، الإثم).\n(٢) عند تفسيره الآية [سبأ: ١٦] حيث قال: السدر من الشجر سدران. أحدهما: سدر بري لا ينتفع بثمره، ولا يصلح ورقه لغسول، وربما خبط للراعية، وله ثمر عفص لا يؤكل، والعرب تسميه الضال .. يتفكه به. وقال الفراء: ذكروا أنه السمر.\n(٣) في (ك): (بكسر).\n(٤) انظر: \"تهذيب اللغة\" ٧/ ٩٧، و\"اللسان\" ١/ ٨٤٦ (خضد).\n(٥) قسامة بن زهير المازني البصري، ثقة، حدث عن أبي موسى وأبي هريرة وروى عنه قتادة وهشام ابن حسان. قال ابن سعد: كان ثقة إن شاء الله. وتوفي في إمرة الحجاج. انظر: \"تقريب التهذيب\" ٢/ ١٢٦، و\"تاريخ الإسلام\" ٥/ ٤٥٧، و\"طبقات ابن سعد\" ٧/ ١٥٢، و\"تهذب التهذيب\" ٨/ ٣٧٨.","vol":"21","page":228},{"text":"خضد شوكه فلا شوك فيه (١)، يدل عليه ما روي عن سليم (٢) ابن عامر (٣) قال: أقبل أعرابي يومًا فقال: يا رسول الله لقد ذكر الله في القرآن شجرة مؤذية، وما كنت أرى أن في الجنة شجرة تؤذى (٤) صاحبها، فقال رسول الله -ﷺ-: \"وما هي؟ \" قال: السدر، فقال رسول الله: \"أو ليس يقول (في سدر مخضود) خضد الله شوكه فجعل مكان كل شوكة ثمرة، تنفتق الثمرة عن اثنتين وسبعين لونًا من الطعام، ما فيه لون يشبه الآخر\" (٥).\nوذكر جماعة من المفسرين في تفسير المخضود: أنه الموقر حملا (٦)، ولا وجه له، وكأنهم ذهبوا إلى أن الله تعالى لما خضد شوكه أوقره بالحمل كما هو في الخبر الذي ذكرنا، ولا يكون ذلك مما يفسر به المخضود، وأما ذكر من أنه لا يعقر اليد ولا يرد اليد منه شوك، ولا أذى\n_________\n(١) انظر: \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٢٧٠، و\"تنوير المقباس\" ٥/ ٣٣٥، و\"تفسير مقاتل\" ١٣٨ أ، و\"جامع البيان\" ٢٧/ ١٠٣، و\"الثعلبي\" ١٢/ ٥١ ب، و\"ابن كثير\" ٤/<span data-type=\"title\" id=toc-4431> ٢٨</span>٨.\n(٢) في (ك): (سليمان).\n(٣) هو: سليم بن عامر الكلاعي، تقدمت ترجمته في سورة النور.\n(٤) (تؤذي) ساقطة من (ك).\n(٥) ذكره ابن كثير من رواية البغوي، و\"تفسير ابن كثير\" ٤/ ٢٨٨. وأخرجه الحاكم في التفسير، سورة الواقعة ٢/ ٤٧٦ وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، والبيهقي عن أبي أمامة قال: .. وذكر الحديث. وأخرجه ابن المبارك في \"الزهد\" (٧٤)، عن صفوان بن عمرو، عن سليم بن عامر مرسلًا من غير ذكر لأبي أمامة. وانظر: \"إحياء علوم الدين\" ٤/ ٥٣٨، وأخرجه أبو نعيم في \"الحلية\" ٦/ ١٠٣، والهيثمي في \"مجمع الزوائد\" ١٠/ ٤١٤ عن الطبراني.\n(٦) روي عن مجاهد، والضحاك، وسعيد بن جبير، ومقاتل بن حيان. انظر: \"جامع البيان\" ٢٧/ ١٠٣، و\"الثعلبي\" ١٢/ ٥٤ ب، و\"القرطبي\" ١٧/ ٢٠٧.","vol":"21","page":229},{"text":"فيه فكل هذا من معاني المخضود لا من تفسيره (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4432>٢٩ </span>- قوله: ﴿وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ﴾ قال الليث: الطلح شجر أم غيلان، له شوك أحجن (٢)، وهو من أعظم العضاه شوكًا وأصلبه عودًا وأجوده صمغًا، والواحدة طلحة، وهذا قول جميع أهل اللغة في الطلح (٣). والمفسرون كلهم قالوا في الطلح إنه الموز (٤).\nقال أبو إسحاق: جائز أن يكون يعني به شجر أم غيلان، لأن له نورًا طيب الرائحة جدًا، فخوطبوا ووعدوا ما يحبون مثله إلا أن فضله على ما في الدنيا كفضل سائر ما في الجنة على سائر ما في الدنيا (٥)، ويؤكد هذا ما ذكر في التفسير أنه ليس شيء في الجنة مما في الدنيا إلا الأسامي.\nوقال مجاهد: أعجبهم طلح وج (٦) وحسنه، فقيل لهم: ﴿وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ﴾ (٧).\n_________\n(١) انظر: \"الكشف والبيان\" للثعلبي ١٢/ ٥٤ ب.\n(٢) الأحجن والمحجنة والمحجن العصا المعوجة. وقوله شوك أحجن أي معوج.\n(٣) انظر: \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٨٣، و\"اللسان\" ٢/ ٦٠١ (طلح).\n(٤) في (ك): (المر)، وممن روي عنه هذا القول: علي، وأبي هريرة، وأبي سعيد الخدري، وابن عباس، وغيرهم. انظر: \"تفسير مجاهد\" ٢/ ٦٤٧، و\"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٢٧٠، و\"صحيح البخاري\" ٦/ ١٨٢، و\"جامع البيان\" ٢٧/ ١٠٤.\n(٥) انظر: \"معاني القرآن\" ٥/ ١١٢.\n(٦) وج: وادٍ بالطائف، سمي بهذا الاسم نسبة لوج بن عبد الحق من العمالقة، وقيل من خزاعة. انظر: \"معجم البلدان\" ٥/ ٤١٦.\n(٧) انظر: \"تفسير مجاهد\" ٢/ ٦٤٧، وقال أبو عبيدة: زعم المفسرون أنه الموز، وأما الحرب: فالطلح عندهم شجر عظيم كثير الشوك .. \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٥٠.\nقلت: والمرجح عندي -والله أعلم- ما قاله النحاس ﵀، حيث قال: (وسمعت علي بن سليمان يقول: يجوز أن يكون هذا مما لم ينقله أصحاب =","vol":"21","page":230},{"text":"وتفسير المنضود قد تقدم (١)، قال الكلبي حمله بعضه على بعض (٢).\nقال ابن قتيبة: المنضود الذي نضد بالحمل من أوله إلى آخره، أو بالورق والحمل، فليست له سوق بارزة كما قال مسروق: أنهار الجنة تجري في غير أخدود وشجرها نضيد من أسفلها إلى أعلاها (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4433>٣٠ </span>- قوله: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ أي: دائم تام باق لا يزول ولا تنسخه الشمس كظل أهل الدنيا، هذاَ قول ابن عباس ومقاتل والمفسرين (٤).\nقال أبو عبيدة (٥): والعرب تقول لكل شيء طويل لا ينقطع: ممدود.\nقال لبيد (٦):\nغلب العزاء وكان غير مغلب ... دهر طويل دائم ممدود\nوأما ما ذكر بعضهم في هذا الظل أنه مسيرة سبعين سنة ومائة سنة، فهو وهم، وذلك أن ظل الجنة أمد من أن يحد، والجنة كلها ظل لا شمس معه (٧).\n_________\n= الغريب وأسماء النبت كثيرة، حتى أن أهل اللغة يقولون: ما يعاب على من صحف في أسماء النبت لكثرتها) \"إعراب القرآن\" ٣/ ٣٢٨.\n(١) عند تفسيره للآية (٨٢) من سورة هود. قال: النضد: وضع الشيء بعضه على بعض، وقال قتادة: المنضود المصفوف، وقال الربيع: هو الذي نضد بعضه على بعض.\n(٢) انظر: \"جامع البيان\" ٢٧/ ١٠٤، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٨٢.\n(٣) انظر: \"تفسير غريب القرآن\" ص ٤٤٨.\n(٤) انظر: \"تنوير المقباس\" ٥/ ٣٣٥، و\"تفسير مقاتل\" ١٣٨ أ.\n(٥) انظر: \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٥٠.\n(٦) البيت في \"ديوان لبيد\" ص ٢٧، و\"جامع البيان\" ٢٧/ ١٠٤، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ٢٠٩.\n(٧) قلت: بل المؤلف ﵀ هو الذي وهم، فقد ورد في الحديث الصحيح: \"إن في =","vol":"21","page":231},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4434>٣١ </span>- قوله تعالى: ﴿وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ﴾ السكب: صب الماء، يقال. سكبت الماء فهو مسكوب، وانسكب الماء وسكب فهو منسكب ساكب سكوبًا، فالسكب واقع والسكوب مطاوع (١).\nقال الكلبي: مصبوب يجري الليل والنهار لا ينقطع عنهم (٢)، وبيانه ما قال أبو إسحاق: أنه ماء لا يتعبون فيه ينسكب لهم كيف يحبون (٣).\nقال عطاء: يريد بحارًا حصباؤها الياقوت الأحمر، وحمأها المسك الأذفر، وترابها الكافور (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4435>٣٢ </span>- ﴿وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ﴾ يعني ألوان فواكه الجنة.\nقوله تعالى: ﴿لَا مَقْطُوعَةٍ﴾ قال ابن عباس: لا تنقطع إذا جنيت (٥). وهذا كما روي أن النبي -ﷺ- قال: \"لا يقطع من ثمار الجنة إلا أبدل الله\n_________\n= الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها، وأقرءوا إن شئتم ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ \". انظر: \"صحيح البخاري\" التفسير، سورة الواقعة ٦/ ١٨٣، و\"مسلم\"، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها ٤/ ٢١٧٥ وغيرها من الأحاديث الدالة على هذا المعنى.\n(١) انظر: \"اللسان\" ٢/ ١٦٨ (سكب).\n(٢) انظر: \"الوسيط\" ٤/ ٢٣٤، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ٢٠٩.\n(٣) انظر: \"معاني القرآن\" ٥/ ١١٢.\n(٤) لم أجده. ولعله أراد به الحديث الذي رواه الترمذي وفيه: (قلت: الجنة ما بناؤها. قال: لبنة فضة، ولبنة ذهب، ومِلاَطُها المسك الأذفر، وحصباؤها اللؤلؤ والياقوت، وتربتها الزعفران). \"سنن الترمذي\"، في صفة الجنة، باب ما جاء في صفة الجنة ونعيمها ٤/ ٥٨٠، وتقدم عن ابن عباس في صفة حصباء العيون في الجنة، نحوه.\n(٥) انظر: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٨٣، و\"زاد المسير\" ٨/ ١٤١.","vol":"21","page":232},{"text":"مكانها ضعفين\" (١)\n﴿وَلَا مَمْنُوعَةٍ﴾ قال ابن عباس: ولا يمتنع من أحد أراد أخذها (٢). وقال الكلبي: لا مقطوعة تنقطع في حين ولا ممنوعة وهي التي ينظر إليها ولا تذاق (٣).\nقال ابن قتيبة: يعني أنها غير محظورة عليها كما يحظر على بساتين الدنيا فينظر الناظر إلى ثمارها ولا يصل إليها (٤)، ويجوز أن يكون المعنى أنها غير مقطوعة بالأزمان، ولا ممنوعة بالأثمان، لا يتوصل إليها إلا بالثمن يدل على هذا ما روي عن ابن شوذب (٥) أنه قال: مررت بالحجاج ابن فرافصة (٦) وهو واقف على أصحاب الفاكهة، فقلت ما يقيمك هاهنا؟\n_________\n(١) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ١٢/ ٥٦ أ، وفي \"مجمع الزوائد\" ١٠/ ٤١٤ (إن الرجل إذا نزع ئمرة من الجنة عادت مكانها أخرى). رواه الطبراني والبزار، ورجال الطبراني وأحد إسنادي البزار ثقات.\n(٢) انظر: \"الوسيط\" ٤/ ٣٣٤، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٨٣.\n(٣) انظر: \"تنوير المقباس\" ٤/ ٢٣٥، و\"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ١٢٥.\n(٤) انظر: \"تفسير غريب القرآن\" (٤٤٩).\n(٥) عبد الله بن شوذب الخراساني، أبو عبد الرحمن، صدوق عابد، نزيل بيت المقدس، روى عن الحسن وطبقته، وكان كثير العلم، جليل القدر. عاش سبعين سنة، وتوفي سنة (١٥٦ هـ).\nانظر: \"سير أعلام النبلاء\" ٧/ ٩٢، و\"البداية والنهاية\" ١٠/ ١١٥، و\"ميزان الاعتدال\" ٢/ ٤٤٠، و\"العبر\" ١/ ١٧٣، و\"التاريخ الكبير\" ٣/ ١٧.\n(٦) الحجاج بن فرافصة الباهلي البصري، صدوق، عابد، يهم، أسند عن أنس وغيره، من السادسة.\nانظر: \"التقريب\" ١/ ١٥٤، و\"التاريخ الكبير\" ١/ ٣٧٥، و\"صفة الصفوة\" ٣/ ٣٣٥.","vol":"21","page":233},{"text":"قال: انظر إلى هذه المقطوعة الممنوعة (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4436>٣٤ </span>- قوله تعالى: ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ الفرش جمع فراش، وهو ما ينام عليه، مرفوعة على الأسرة وهو قول علي -﵁-، ومقاتل قال: فوق السرر (٢)، وجماعة المفسرين قالوا: بعضها فوق بعض فهي مرفوعة أي عالية (٣)، ويدل على صحة هذا التفسير ما روى الخدري عن النبي -ﷺ- في قوله: ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ قال: \"ارتفاعها كما بين السماء والأرض\" (٤).\nوروى القاسم عن أبي أمامة (٥) قال: \"لو طرح فراش من أعلاها إلى أسفلها لهوى سبعين خريفًا\" (٦).\nوقال أهل المعاني (٧): المراد بالفرش هاهنا: النساء، والعرب تكني عن المرأة بالفراش والإزار واللباس، ومنه قوله تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧].\n_________\n(١) انظر: \"صفة الصفوة\" ٣/ ٣٣٦.\n(٢) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٣٨ أ، و\"زاد المسير\" ٨/ ١٤١، و\"فتح القدير\" ٥/ ١٥٣.\n(٣) انظر: \"جامع البيان\" ٢٧/ ١٠٦، و\"زاد المسير\" ٨/ ١٤١، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٢٩٠.\n(٤) رواه الترمذي في \"سننه\"، كتاب: صفة الجنة، باب: ما جاء في صفة ثياب أهل الجنة ٤/ ٥٨٦، وفي كتاب: التفسير، باب: ومن سورة الواقعة ٥/ ٣٧٤، وقال: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلى من حديث رشدين بن سعد. قال ابن كثير في \"تفسيره\" ٤/ ٢٩١: وهو المصري، وهو ضعيف. ورواه ابن جرير في \"تفسيره\" ٢٧/ ١٠٦، عن أبي غريب عن رشدين بن سعد.\n(٥) النساء.\n(٦) قال الهيثمي: رواه الطبراني وفيه جعفر بن الزبير الحنفي، وهو ضعيف. \"مجمع الزوائد\" ٧/ ١٢٠. وذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ١٢/ ٥٦ أ، عن أبي أمامة بدون سند.\n(٧) انظر: \"التفسير الكبير\" ٢٩/ ١٦٦، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ٢١٠.","vol":"21","page":234},{"text":"ومعنى ﴿مَرْفُوعَةٍ﴾ أنهن رفعن بالجمال والفضل على نساء الدنيا، فهن مرتفعات في عقولهن وحسنهن وكمالهن، واحتجوا على هذا القول بقوله:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4437>٣٥ </span>- ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً﴾ فعادت الكناية إليهن ولم يجر لهن ذكر، فبان أن المراد بالفرش النسوة.\nوعلى القول الأول كنى عنهن وإن لم يجر لهن ذكر؛ لأن الفرش محل النساء فاكتفى بذكر الفرش (١).\nقال قتادة، وسعيد بن جبير: خلقناهن خلقًا جديدًا (٢). وقال ابن عباس: يريد النساء الآدميات (٣)، وقال الكلبي، ومقاتل: يعني نساء أهل الدنيا العجز الشمط يقول خلقناهن بعد الهرم والكبر وبعد الخلق الأول في الدنيا (٤).\nويؤكد هذا التفسير ما روى أنس أن النبي -ﷺ- قال: \"هن عجائزكن العمش الرمص\" (٥)، وذكر مقاتل قولًا آخر هو اختيار الزجاج، وهو أنه يعني الحور العين التي ذكرهن. قيل: أنشأهن الله -﷿- لأوليائه لم يقع عليهم ولادة (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4438>٣٧ </span>- ثم نعتهن فقال: ﴿عُرُبًا﴾ جمع عروب وهن المتحببات إلى أزواجهن. قال ابن الأعرابي: العروب من النساء: المطيعة لزوجها المتحببة\n_________\n(١) انظر: \"تفسير غريب القرآن\" ص ٤٤٩.\n(٢) انظر: \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٢٧١، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٨٣.\n(٣) انظر: \"جامع البيان\" ٢٧/ ١٠٧، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٢٩١.\n(٤) انظر: \"تنوير المقباس\" ٥/ ٣٣٥، و\"تفسير مقاتل\" ١٣٨ أ.\n(٥) رواه ابن جرير في \"تفسيره\" ٢٧/ ١٠٧، والترمذي في \"سننه\"، كتاب: التفسير، باب: ومن سورة الواقعة ٥/ ٣٧٥ وابن أبي حاتم: \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٢٩١، وقال الترمذي: غريب، وموسى ويزيد ضعيفان.\n(٦) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٣٨ أ، و\"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ١١٢.","vol":"21","page":235},{"text":"إليه، وقال أبو عبيدة: العروب الحسنة التبعل (١)، وقال المبرد: العاشقة لزوجها، وأنشد (٢):\nوفي الخروج عروب غير فاحشةٍ ... ريا الروادف يغشى دونها البصر\nوفيه قراءتان التثقيل والتخفيف (٣) وهما جائزان مطردان في جمع فعول.\nوذكر المفسرون في تفسير العرب: العواشق المتحببات الغنجات (٤) المتعشقات الغلمات الشَّكِلات المغنوجات كل ذلك من ألفاظهم (٥).\nقوله تعالي: ﴿أَتْرَابًا﴾ أي أمثالًا. يقال: هما تربان (٦) والمفسرون يقولون أقرانًا مستويات على سن واحد، وميلاد واحد، بنات ثلاث وثلاثين (٧).\n_________\n(١) انظر: \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٥١.\n(٢) البيت للبيد كما في \"الديوان\" ص ٥٦، و\"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٥١، و\"القرطبي\" ١٧/ ٢١١، والحروج جمع حرج وهو مركب للنساء والرجال ليس له رأس. \"اللسان\" ١/ ٥٩٩ (حرج). وانظر: \"تهذيب اللغة\" ٢/ ٣٦٠، و\"اللسان\" ٢/ ٧٢٥ (عرب).\n(٣) قرأ حمزة، وخلف، وأبو بكر ﴿عُرُبًا﴾ ساكنة الراء. وقرأ الباقون ﴿عُرُبًا﴾ بضمها. انظر: \"حجة القراءات\" ص ٦٩٦، و\"الحجة\" للقراء السبعة ٦/ ٢٣٧ - ٢٥٨، و\"النشر\" ٢/ ٢١٦، و\"الإتحاف\" ص ٤٠٨.\n(٤) امرأة غَنجة: حسنة الدل، وغُنْجُها وغُناجُها: شكلها. وقيل: الغُنْجُ: ملاحة العين والغليمة هي المرأة المقبلة على زوجها في النكاح. الشكلة: يأتي بمعنى غنجة وهو حسن دل المرأة وشكلها.\nانظر: \"اللسان\" ٢/ ٣٤٨، ١٠١١، ١٠٢٢ (غنج، غلم، شكل).\n(٥) انظر: \"تفسير مجاهد\" ٢/ ٦٤٨، و\"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٢٧١، و\"جامع البيان\" ٢٧/ ١٠٧ - ١٠٨.\n(٦) انظر: \"المفردات\" ص ٧٣ (تراب).\n(٧) قاله ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، وغيرهم. انظر: \"تنوير المقباس\" ٥/ ٣٣٥ - ٣٣٦، و\"تفسير مجاهد\" ٢/ ٦٤٨، و\"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٢٧١، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٢٩٢.","vol":"21","page":236},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4439>٣٨ </span>- قوله تعالى: ﴿لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ قال ابن عباس: يريد أنشأناهن لأصحاب اليمين (١). وقال مقاتل: يقول: هذا الذي ذكرنا لأصحاب اليمين (٢)، وهو قول الكلبي. قال المفسرون: الحور العين للسابقين والعرب الأتراب لأصحاب اليمين (٣).\nثم أخبر عنهم فقال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4440>٣٩ </span>- قوله تعالى: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ﴾ أي هم ثلة من المؤمنين الذين كانوا قبل مؤمني هذه الأمة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-4441>٤٠ </span>- ﴿وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾ من مؤمني هذه الأمة فمن آدم إلينا ثلة ومنا ثلة (٤).\nوهذا يروى مرفوعًا أن النبي -ﷺ- قال: \"من آدم إلينا ثلة ومني إلى القيامة ثلة ولا يستتمها إلا سودان من رعاة الإبل ممن قال لا إله إلا الله\" (٥). وهذا قول ابن عباس في رواية عطاء (٦)، ومقاتل.\nقال مقاتل: فأمة محمد -ﷺ- أكثر أهل الجنة، واحتج بما روي أن النبي -ﷺ- قال: \"أهل الجنة عشرون ومائة صف، أمتي من ذلك ثمانون صفًّا وأربعون صفًّا من سائر الناس\" (٧).\n_________\n(١) انظر: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٨٤، \"معاني القرآن\" ١٧/ ٢١١.\n(٢) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٣٨ أ.\n(٣) انظر: \"الجامع\" للقرطبي ١٧/ ٢١١.\n(٤) بهذا قال الحسن ومجاهد. انظر: \"جامع البيان\" ٢٧/ ١٥٩، و\"أضواء البيان\" ٧/ ٧٧٠ - ٧٧١ حيث رجح ما قاله الكلبي وعطاء ومقاتل في السابقين، وما ذكره المؤلف هنا في أصحاب اليمين.\n(٥) أخرجه الثعلبي ١٢/ ٥٨ أ، بسياق أطول مما هنا، والبغوي ٤/ ٢٨٤.\n(٦) انظر: \"الوسيط\" ٤/ ٢٣٥، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٨٤.\n(٧) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٣٨ أ - ب، والحديث أخرجه ابن ماجه، كتاب الزهد، باب صفة أمة محمد -ﷺ- ٢/ ١٤٣٣، والترمذي في صفة الجنة، باب ما جاء في صفة أهل الجنة ٤/ ٥٨٩ وقال هذا. حديث حسن، وعبد الرزاق في \"تفسيره\" ٢/ ٢٧١.","vol":"21","page":237},{"text":"ومذهب جماعة من المفسرين أن الثلتين جميعًا من هذه الأمة ثلة من سابقيها وثلة من متأخريها، وهذا قول أبي العالية، ومجاهد، والضحاك (١) ويدلس على هذا ما روى سعيد بن جبير، عن ابن عباس، أن النبي -ﷺ- قال في الثلتين: \"هما جميعًا من أمتي\" (٢).\nوهذا القول هو اختيار أبي إسحاق، قال: معناه جماعة ممن تبع النبي -ﷺ- وآمن به وعاينه، وجماعة ممن آمن به وكان بعده (٣).\nوذكر الفراء في ارتفاع قوله: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ﴾ وجهين:\nأحدهما: الاستئناف على معنى: هم ثلة.\nوالآخر: أن تكون مرفوعة بقوله: ﴿لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ ويكون المعنى لأصحاب اليمين ثلتان: ثلة من هؤلاء وثلة من هؤلاء، والمعنى: هم فرقتان، فرقة من هؤلاء، وفرقة من هؤلاء (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4442>٤١ </span>- ثم ذكر أصحاب الشمال ومنازلهم فقال: ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ﴾ قال عطاء عن ابن عباس: يريد الذين يعطون كتبهم بشمائلهم (٥).\n_________\n(١) انظر: \"الوسيط\" ٤/ ٢٣٥، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٨٥.\n(٢) قال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" ٧/ ١١٨ - ١١٩، وعن أبي بكرة عن النبي -ﷺ- في قوله: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (٣٩) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾ قال: جميعهما من هذه الأمة. رواه الطبراني بإسنادين رجال أحدهما رجال الصحيح غير علي بن زيد، وهو ثقة سيء الحفظ. وقال السيوطي في \"الدر\" ٦/ ١٥٩: أخرجه الفريابي، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن عدي، وابن مردويه، بسند ضعيف عن ابن عباس.\n(٣) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ١١٣.\n(٤) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ١٢٦.\n(٥) انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ٢١٣.","vol":"21","page":238},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4443>٤٢ </span>- ﴿فِي سَمُومٍ﴾ أي في حر النار، وذكرنا تفسير السموم عند قوله: ﴿مِنْ نَارِ السَّمُومِ﴾ [الحجر: ٢٧] (١)، وقوله: ﴿وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ﴾ [الطور: ٢٧].\nوقوله: ﴿وَحَمِيمٍ﴾ قال الكلبي: يعني ماءً حارًّا شديدًا يغلي (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4444>٤٣ </span>- وقوله: ﴿وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ﴾ اليحموم يفعول من الأحم، وهو الأسود، والعرب تقول أسود يحموم إذا كان شديد السواد (٣).\nوأنشد أبو عبيدة فقال:\nدَعْ ذا فَكَمْ مِنْ حالكٍ يَحْموم (٤)\nوكان للنعمان بن المنذر (٥) فرس شديد السواد يسمى يحمومًا، وهو الذي ذكره الأعشى في قوله:\n_________\n(١) ومما قال في تفسيرها: اختلفوا في معنى السموم، فقال ابن عباس في رواية الكلبي: هي نار لا دخان لها. وقال آخرون: من نار الريح الحارة، وهو قول ابن مسعود. والسموم في اللغة الريح الحارة تكون بالنهار، وقد تكون بالليل. قيل سميت سمومًا لدخولها بلطفها في مسام البدن.\n(٢) انظر: \"تنوير المقباس\" ٥/ ٣٣٦، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ٢١٣.\n(٣) انظر: \"تهذيب اللغة\" ٤/ ١٣، و\"اللسان\" ١/ ٧٢٥ (حمم).\n(٤) البيت للصبّاح بن عمرو الهزاني، وعجزه:\nساقِطة أرواقُه بهيم\nوقد ورد منسوبًا في \"اللسان\" ١/ ٧٢٨ (حمم) ولم أجده عند أبي عبيدة كما ذكر المؤلف.\n(٥) النعمان بن المنذر بن المنذر بن امرئ القيس، ملك الحيرة، وكان يكى أبا قابوس، وهو صاحب النابغة، قتل عبيد بن الأبرص وغيره من الشعراء. وكانت نهاية النعمان أن حبسه كسرى واسمه (أبرويز) بساباط ثم ألقي تحت أرجل الفيلة فوطئته حتى مات. انظر: \"المعارف\" ص ٦٤٩ - ٦٥٠","vol":"21","page":239},{"text":"ويأمر لليحموم كل عشية ... بقت وتعليق فقد كاد يسنق (١)\nوالمفسرون جميعًا قالوا في اليحموم أنه دخان جهنم (٢)، والمعنى أنهم في ظل من دخان جهنم.\nثم نعت ذلك الظل فقال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4445>٤٤ </span>- ﴿لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ﴾ قال أبو عبيدة: جره على الأول (٣).\nقال الفراء: وجه الكلام أن يكون خفضًا متبغا لما قبله، كقوله تعالى: ﴿زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾ [النور: ٣٥] وكذلك قوله: ﴿وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (٣٢) لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ﴾ [الواقعة: ٢٣، ٣٣] قال: وقد يستأنف بلا فيرفع كما قال (٤):\nوتريك وجهًا كالصحيفة (٥) لا ... ظمآنُ مختلجٌ ولا جَهِمُ\nقال ابن عباس: يريد لا بارد المدخل ولا كريم المنظر (٦).\n_________\n(١) البيت في \"ديوان الأعشى\" ص ١١٩، و\"تهذيب اللغة\" ٤/ ١٩، و\"اللسان\" ١/ ٧٢٨ (حمم)، ٢/ ٢١٩ (سنق).\nوالقتُّ: الفصفصة، يكون رطبًا ويكون يابسًا واحدتها قتة \"اللسان\" ٢/ ١٠٤٤ (فتت).\nوالسنق: البشم. يقال: شرب الفصيل حتى سنق، وهي التخمة والشبع \"اللسان\" ٢/ ٢١٩ (سنق)، والتعليق ما تعلقه الدواب من الشعير ونحوه.\n(٢) انظر: \"تفسير مجاهد\" ٢/ ٦٤٩، و\"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٢٧٢، و\"جامع البيان\" ٢٧/ ١١٠ - ١١١.\n(٣) انظر: \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٥١.\n(٤) انظر: البيت للمخبل، كما في \"اللسان\" ١/ ٨٧٦ (خلج)، و\"المفضليات\" ص ١١٥.\n(٥) في (ك): (كالود بله).\n(٦) انظر: \"الوسيط\" ٤/ ٢٣٦، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٨٦.","vol":"21","page":240},{"text":"وقال مقاتل: لا بارد المقيل ولا حسن المنزل (١).\nقال الفراء: والعرب تجعل الكريم تابعًا لكل شيء نفت عنه فعلًا تنوي به الذم تقول ما هو بسمين ولا بكريم، وما هذه الدار بواسعة ولا كريمة (٢).\nثم ذكر أعمال أهل النار التي أوجبت لهم هذا فقال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4446>٤٥ </span>- ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ يعني كانوا في الدنيا منعمين متكبرين، قال مقاتل: يعني متجبرين في ترك أمر الله (٣) وتفسير الترف قد تقدم (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-4447>٤٦ </span>- ﴿وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ﴾ قال الليث: الحنث: الذنب (٥) العظيم، وتقول العرب: بلغ الغلام الحنث، إذا بلغ مبلغًا جَرَى عليه القلم بالمعصية والطاعة، والحنث: الرجوع في اليمين وهو أن لا يبرها (٦)، وأكثر المفسرين قالوا في الحنث هاهنا: إنه الشرك. قال مقاتل: يعني الذنب الكبير وهو الشرك (٧)، ونحو ذلك قال قتادة ومجاهد والسدي (٨)، وهو قول ابن عباس في رواية عطاء والكلبي قال: كانوا لا يتوبون عن الشرك ولا\n_________\n(١) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٣٨ ب.\n(٢) انظر: \"معاني القرآن\" ٣/ ١٢٧.\n(٣) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٣٨ ب، و\"الوسيط\" ٤/ ٢٣٦، ولفظهما (منعمين) بدل (متجبرين).\n(٤) عند تفسيره الآية (١١٦) من سورة هود. قال: الترف: النعمة، وصبي مترف إذا كان منعم البدن، والمترف الذي أبطرته النعمة وسعة العيش.\nانظر: \"البسيط\" ٣/ ٤٩ ب.\n(٥) في (ك): (النعب) والصواب ما أثبته.\n(٦) انظر: \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٤٨٠ (حنث).\n(٧) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٣٨ ب.\n(٨) انظر: \"جامع البيان\" ٢٧/ ١١٢، و\"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٢٧٢، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٢٩٥.","vol":"21","page":241},{"text":"يستغفرون (١).\nوقال الشعبي: الحنث العظيم اليمين الغموس (٢)، وشرح أبو بكر الأصم (٣) هذا فقال: إنهم كانوا يقسمون أن لا بعث، وأن الأصنام أندادُ الله وكانوا يقيمون عليه، فذلك حنثهم (٤)، واختاره الزجاح فقال: ودليل ذلك قوله: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ﴾ [النحل: ٣٨] فهذا -والله أعلم- إصرارهم على الحنث العظيم (٥)، ويدل على هذا ما ذكر الله تعالى من إنكارهم البعث وهو قوله: ﴿وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا﴾ الآية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4448>٥٥ </span>- وما بعدها ظاهر إلى قوله: ﴿فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ﴾ وقرئ شرب بضم الشين (٦) فقال الزجاج: الشَّرب المصدر، والشُّرب الاسم، قال: وقد قيل: إن الشرب أيضًا المصدر (٧). واختار أبو عبيد الفتح، وادعى أنه لغة النبي -ﷺ- حين قال لأيام التشريق: \"إنها أيام أكل وشَرب\" (٨).\n_________\n(١) انظر: \"تنوير المقباس\" ٥/ ٣٣٦ - ٣٣٧.\n(٢) انظر: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٨٦، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ٢١٣.\n(٣) أبو بكر الأصم، شيخ المعتزلة. كان دينًا وقورًا صبورًا على الفقر، له تفسير، وكتاب \"خلق القرآن\"، وكتاب \"الحجة والرسل\". مات سنة ٢٠١ هـ انظر: \"سير أعلام النبلاء\" ٩/ ٤٠٢، و\"الفهرست\" ص ٢١٤.\n(٤) انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ٢١٣.\n(٥) انظر: \"معاني القرآن\" ٥/ ١١٣.\n(٦) قرأ نافع وعاصم وحمزة وأبو جعفر: ﴿شُرْبَ﴾ بضم الشين، والباقون بفتحها. انظر: \"حجة القراءات\" ص ٦٩٦، و\"النشر\" ٢/ ٣٨٣، و\"الإتحاف\" ص ٤٠٨.\n(٧) انظر: \"معاني القرآن\" ٥/ ١١٣.\n(٨) \"صحيح مسلم\": كتاب: الصيام، باب: تحريم صوم أيام التشريق ٢/ ٨٠٠، و\"مسند أحمد\" ٤/ ١٥٢.","vol":"21","page":242},{"text":"قال المبرد: هذا كلام هائل لا يجترأ عليه إلا باليقين، وأكثر الرواية \"أكل وشُرب\" بالضم، والضم والفتح معروفان عند أهل اللغة أما الفتح فهو على أصل المصدر، والضم اسم للمصدر، والمعنى في ذلك واحد، تقول شغل شَغلا والاسم شُغلِ، وضعف ضَعفًا والاسم الضُعف وكذلك الفَقر والفُقر (١).\nوأما ﴿الْهِيمِ﴾ فأكثر المفسرين على أنه الإبل العطاش، وهو قول مجاهد وقتادة وسعيد بن جبير (٢)، ومنهم من ذكر السبب في عطشها، قال عكرمة: هي الإبل المراض ألا تراها تمص الماء مصًا ولا تروى (٣).\nوقال ابن عباس في رواية عطاء: هي الإبل التي بها الهيام لا تروى (٤)، وقال في رواية أبي صالح: يعني شرب الإبل الظماء (٥) إذا أخذها الداء فلا تكاد تروى (٦)، ونحو هذا ذكر مقاتل (٧).\nقال الفراء: الهيم الإبل التي يصيبها داء فلا تروى من الماء واحدها\n_________\n(١) انظر: \"معاني القرآن\" للأخفش ٢/ ٧٠٢ - ٧٠٣، و\"الحجة\" للقراء السبعة ٦/ ٢٦٠،\nو\"إعراب القرآن\" للنحاس ٣/ ٣٣٥ - ٣٣٩، و\"تهذيب اللغة\" ١١/ ٣٥٢ (شرب).\n(٢) انظر: \"تفسير مجاهد\" ٢/ ٦٤٩، و\"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٢٧٢، و\"جامع البيان\" ٢٧/ ١١٣.\nوروى ابن عباس وعكرمة والضحاك، وانظر: \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٢٩٥.\n(٣) انظر: \"جامع البيان\" ١٣/ ١٢٧، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٨٦.\n(٤) انظر: \"الوسيط\" ٤/ ٢٣٦.\n(٥) في (ك): (العظماء) والصواب ما أثبته.\n(٦) انظر: \"جامع البيان\" ٢٧/ ١١٣.\n(٧) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٣٩ أ.","vol":"21","page":243},{"text":"أهيم (١) والأنثى هيماء، قال: ومن العرب من يقول هائم، والأنثى هائمة، ثم يجمعونه على هيم كما قالوا: عائط (٢)، وعوط (٣)، وحائل وحول، إلا أن الضمة تركت في هيم لئلا تصير الياء واوًا (٤).\nوقال شمر في حديث ابن عمر رضي الله: (إن رجلًا باع منه إبلًا هيما) (٥) قال شمر: قال بعضهم: الهيم العطاش الظِّماء، ويقال هي المراض التي تمص الماء مصًّا ولا تروى.\nقال الأصمعي: الهيام داء شبيه بالحمى تسخن عليها جلودها يعني الإبل وقيل إنها لا تروى إذا كانت كذلك (٦)، وهو في قول لبيد (٧):\nأجزت على معازفها بشعثٍ ... وأطلاحٍ من المهري هيم\nوقال الضحاك والكلبي: الهيم السهلة من الرملة (٨)، وهو قول ابن\n_________\n(١) في (ك): (الهيم) والصواب ما أثبته.\n(٢) العائط: هي التي لم تحمل سنين من غير عقم.\n(٣) كذا في (ك). وفي \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ١٢٨، وفي \"اللسان\" (هيم) عن الفراء: (عيط) وكلاهما صواب. قال في \"اللسان\" ٢/ ٩٢٩ (عوط) قال الكسائي: إذا لم تحمل الناقة أول سنة يطرقها الفحل فهي عائط وحائل، فإذا لم تحمل السنة المقبلة أيضًا فهي عائط عُوط وعوطط، زاد الجوهري: عائط عيط.\n(٤) انظر: \"معاني القرآن\" ٣/ ١٢٨.\n(٥) هذا جزء من حديث رواه البخاري في \"صحيحه\"، كتاب: البيوع، باب: شراء الإبل الهيم أو الأجرب ٣/ ٨٢ وفيه: (فجاءه، فقال: إن شريكي باعك إبلًا هيمًا ولم يعرفك ..) الحديث.\n(٦) انظر: \"تهذيب اللغة\" ٦/ ٤٦٧، و\"اللسان\" ٣/ ٨٥٨ (هيم).\n(٧) \"ديوانه\" ص ١٨٥.\n(٨) انظر: \"تنوير المقباس\" ٥/ ٣٣٨، و\"جامع البيان\" ٢٧/ ١١٣، و\"تفسير ابن عيينة\" ص ٣٣٣، و\"معالم النزيل\" ٤/ ٢٨٦، وزاد نسبته لابن عيينة.","vol":"21","page":244},{"text":"عباس في رواية عمرو بن في ينار: قال يعني هيام الأرض (١).\nقال الليث: الهيام من الرمل ما كان ترابًا دقاقًا يابسًا، ومنه قول لبيد:\nبعجوب أنقاءٍ يميل هيامها (٢)\nقال مقاتل: يلقى على أهل النار العطش فيشربون كشرب الهيم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4449>٥٦ </span>- قوله تعالى: ﴿هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ (٥٦) نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ﴾ قال مقاتل: يعني الذي ذكر من الزقوم والشراب (٣)، وقال الكلبي: هذا نزلهم يعني طعامهم وشرابهم (٤).\nوقال الزجاج: هذا غذاؤهم يوم يجازون بأعمالهم (٥)، وروي عن أبي عمرو (٦) (نُزُلْهُمْ) مخففًا وهما لغتان (٧)، مثل الشغُل والشغْل، والعنُق\n_________\n(١) انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ٢١٥، و\"روح المعاني\" ٢٧/ ١٤٦.\n(٢) انظر: \"ديوانه\" ص ١٧٢، و\"تهذيب اللغة\" ٦/ ٤٦٧، و\"اللسان\" ٣/ ٨٥٨ (هيم)، و\"المنصف\" ٣/ ٥٢، و\"شرح المعلقات\" للزوزني ص ٨٤، والبيت ورد في معلقة لبيد وصدره:\nتجتاف أصلًا قالصًا متنبذًا\nومعناه أن البقر يستتر من البرد والمطر بأغصان الشجر ولا تقيها البرد والمطر لتقلصها، وتنهال كثبان الرمل عليها مع ذلك.\n(٣) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٣٩ أ.\n(٤) انظر: \"تنوير المقباس\" ٥/ ٣٣٨.\n(٥) انظر: \"معاني القرآن\" ٥/ ١١٣.\n(٦) قرأ الجمهور ﴿نُزُلُهُمْ﴾ بضم الزاي، وقرأ ابن محيصن وخارجة عن نافع، ونعيم ومحبوب وأبو زيد وهارون وعصمة وعباس كلهم عن أبي عمرو ﴿نُزْلُهُمْ﴾ بسكون الزاي. انظر: \"الكشاف\" ٤/ ٦٠، و\"الجامع\" للقرطبي ١٧/ ٢١٥، و\"البحر المحيط\" ٨/ ٢١٠.\n(٧) انظر: \"اللسان\" ٣/ ٦١٩ (نزل).","vol":"21","page":245},{"text":"والعنْق. وتفسير النزاع قد ذكرناه في مواضع (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4450>٥٧ </span>- ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ﴾.\nثم احتج عليهم في البعث بقوله: ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ﴾ قال مقاتل: خلقناكم ولم تكونوا شيئًا وأنتم تعلمون ذلك (٢) (فَلَوْلَا) فهلا (تُصَدِّقُونَ) بالبعث، ثم أخبر عن صنعه ليعتبروا فقال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4451>٥٨ </span>- قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ﴾ ما تقذفون وتصبون في أرحام النساء من النطف، وذكرنا الكلام في الإمناء عند قوله: ﴿مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى﴾ [النجم: ٤٦].\n<span data-type=\"title\" id=toc-4452>٥٩ </span>- ﴿أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ﴾ ما تمنون بشرًا ﴿أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ﴾ احتج عليهم في البعث بالقدرة على ابتداء الخلق.\n<span data-type=\"title\" id=toc-4453>٦٠ </span>- قوله تعالى: ﴿نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ﴾ وقرأ ابن كثير: (قَدَرْنَا) مخففًا وهما لغتان قدرت الشيء وقدرته (٣)، ويدل عليه قوله (٤):\nومفرهةٍ عنسٍ قدرت لساقها ... فخرَّت كما تتابع الريحُ بالقفل\n_________\n(١) عند تفسيره الآية (١٩٨) من سورة آل عمران. قال: النزاع ما يهيئ للضيف أو لقوم إذا نزلوا موضعًا، ويقال أقمت لهم نزلهم أي أقمت لهم غذاءهم وما يصلح معه أن ينزلوا عليه.\n(٢) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٣٩ أ.\n(٣) قرأ ابن كثير ﴿قَدَرْنَا﴾ بتخفيف الدال، والباقون بتشديدها.\nانظر: \"حجة القراءات\" ص ٦٩٦، و\"النشر\" ٢/ ٣٨٣، و\"الإتحاف\" ص ٤٠٨.\n(٤) البيت لأبي ذؤيب الهذلي. انظر: \"ديوان الهذليين\" ١/ ٣٨، ورواية ديوان الهذليين (لرجلها) بدل (ساقها)، و\"الحجة\" ٥/ ٤٨.\nوالمفرهة: الناقة التي تجيء بأولاد فوارة. والعنس: الصلبة الشديدة. قدرت: هيأت. القفل: ما جف من ورق الشجر.","vol":"21","page":246},{"text":"المعنى: قدررت ضربي لساقها فضربتها فخرت. قال ابن عباس: يريد الآجال (١). قال مقاتل: فمنكم من يموت كبيرًا ومنكم من يموت صغيرًا وشابًا وشيخًا (٢)، وقال الضحاك: تقديره أنه جعل أهل السماء وأهل الأرض فيه سواء شريفهم ووضيعهم (٣)، وعلى هذا يكون معنى (قَدَّرْنَا) قضيناه.\nقوله تعالى: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ يريد لا يفوتني شيء أريده، ولا يمتنع مني أحد. وهذه الآية متصلة بما بعدها وهو قوله تعالى: ﴿عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ﴾ وعلى من صلة معنى مسبوقين لا من صلة اللفظ، لا يقال: سبقته على كذا، إنما يقال: إلى كذا، ولكن يقال: غلبته على كذا، ويكون مثل سبقته إليه. قال المفسرون: على أن نأتي بخلق مثلكم بدلًا منكم (٤).\nقال أبو إسحاق (٥): أي إن أردنا أن نخلق خلقًا غيركم لم يسبقنا سابق ولا يفوتنا ذلك (٦).\nقوله تعالى: ﴿وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ قال ابن عباس: يريد في غير حليتكم (٧) إلى ما أسمج (٨) منها (٩).\n_________\n(١) انظر: \"تنوير المقباس\" ٥/ ٣٣٨.\n(٢) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٣٩ أ، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٨٧.\n(٣) انظر: \"الوسيط\" ٤/ ٢٣٧، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٢٩٥.\n(٤) انظر: \"جامع البيان\" ٢٧/ ١١٣، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٨٧.\n(٥) انظر: \"معاني القرآن\" ٥/ ١١٤.\n(٦) (ذلك) ساقطة من (ك) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ١١٤.\n(٧) كذا في (ك): ولعلها (خلقتكم).\n(٨) سَمُجَ الشيء: قبح يسمج سماجة إذا لم يكن فيه ملاحة. \"اللسان\" ٢/ ١٩٧ (سمج).\n(٩) لم أجده.","vol":"21","page":247},{"text":"وقال مقاتل: ونخلقكم في سوى خلقكم مما لا تعلمون من الصور (١)، من أي خلق شئنا، ونحو هذا قال مجاهد والسدي (٢)، وقال الحسن: نبدل صفاتكم ونجعلكم قردة وخنازير كما فعلنا بمن كان قبلكم (٣).\nوهذه الأقوال كلها تدل على المسخ، وعلى أنه لو شاء أن يبدلهم بأمثالهم من بني آدم قدر، ولو شاء أن يمسخهم في غير صورتهم قدر.\nوقال أبو إسحاق: إن أردنا أن نجعل منكم القردة والخنازير لم نسبق ولا فاتنا ذلك (٤).\nوقال بعض أهل المعاني: هذا على النشأة الثانية يكونها الله في وقت لا يعلمه العباد ولا يعلمون كيفيته كما علموا الإنشاء الأول من جهة التناسل (٥)، ويكون التقدير على هذا وما نحن بمسبوقين على أن ننشئكم في وقت لا تعلمون يعني وقت البعث، وتكون هذه الآية متصلة بما بعدها وهو قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى﴾ يعني لا تعلمون ذلك ولقد علمتم هذه كيف كانت وهذا الوجه اختيار الحسين بن الفضل (٦).\nقوله: ﴿فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ﴾ والمعنى: قد علمتم ابتداء الخلق حين خلق من نطفة وعلقة ومضغة فلم تنكرون البعث، وروي مرفوعًا: \"عجبًا كل العجب\n_________\n(١) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٣٩ أ.\n(٢) قال مجاهد: (في أي خلق شئنا). انظر: \"جامع البيان\" ٢٧/ ١١٤.\n(٣) انظر: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٨٧، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ٣١٧.\n(٤) انظر: \"معاني القرآن\" ٥/ ١١٤.\n(٥) انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ٢١٧.\n(٦) لم أقف عليه.","vol":"21","page":248},{"text":"للمكذب بالنشأة الآخرة وهو يرى النشأة الأولى، وعجبًا للمصدق بالنشأة الآخرة وهو يسعى لدار الغرور\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4454>٦٣، ٦٤ </span>- قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ قال الكلبي: ما تعملون في الأرض (٢).\nوقال غيره: ما تلقون في الأرض من البذور (٣)، وذكرنا معنى الحرث فيما تقدم (٤).\n﴿أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ﴾ قال الكلبي ومقالَل: تنبتونه أم نحن المنبتون (٥)، قال المبرد: يقال زرعه الله أنماه، ومنه يقال للصبي زرعة الله (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4455>٦٥ </span>- ﴿لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ﴾ أي: لجعلنا ما تحرثون ﴿حُطَامًا﴾ قال عطاء: تبنًا لا قمح فيه (٧). وقال مقاتل: هالكًا (٨). قال أبو عبيدة: الحطام والهشيم والرفات واحد (٩).\n_________\n(١) لم أجد هذا الحديث.\n(٢) انظر: \"الوسيط\" ٤/ ٢٣٧.\n(٣) انظر: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٨٧، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ٢١٧.\n(٤) عند تفسيره الآية (٧١) من سورة البقرة، ومما قال: الحرث: كل موضع ذللته من الأرض ليزرع فيه، ويقال له عند غرسه وبذره إلى حيث بلغ حرث. فمعنى الحرث الأرض المهيأة للزرع، ومنه قوله: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣] على التشبيه بالأرض التي قد هيأت للزرع. انظر: \"البسيط\" ٣/ ١٥٥٩ بتحقيق الفوزان.\n(٥) انظر: \"تنوير المقباس\" ٥/ ٣٣٩، و\"تفسير مقاتل\" ١٣٩ أ.\n(٦) انظر: \"اللسان\" ٢/ ٢٥ (زرع).\n(٧) انظر: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٨٧، و\"زاد المسير\" ٨/ ١٤٨.\n(٨) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٣٩ أ، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ٢١٨.\n(٩) انظر: \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٥١.","vol":"21","page":249},{"text":"وقال أبو إسحاق: أي أبطلناه حتى يكون متحطمًا لا حنطة فيه ولا شيء مما تزرعون هذا كلامه (١). وتلخيص المعنى أن الله يقول: لو نشاء لجعلنا ما تحرثون كلأً يصير بعد يبسه حطامًا متكسرًا لا حنطة فيه، وكل ما نبت من الأرض حطام غير الحب، فإنه صلب لا يتحطم وسائره بعد الهيح حطام (٢).\nقوله تعالى: ﴿فَظَلْتُمْ﴾ ذكرنا الكلام فيه عند قوله: ﴿الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا﴾ [طه: ٩٧] (٣).\n﴿تَفَكَّهُونَ﴾ أي تندمون قاله عكرمة والحسن وقتادة (٤)، وقال عطاء والكلبي ومقاتل ومجاهد: تعجبون (٥).\nقال الفراء (٦): تفكهون: تتعجبون مما نزل بكم في زرعكم، قال:\n_________\n(١) انظر: \"معاني القرآن\" ٥/ ١٤٤.\n(٢) انظر: \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٩٩ (حطم).\n(٣) ومما قال عند تفسيره لهذه الآية: ظلت أصله ظللت. قال الزجاج: ولكن اللام حذفت لثقل التضعيف والكسر، والعرب تفعل ذلك كثيرًا ... وظلَّ نهاره يفعل كذا، وكذا يظل ظلا وظلولًا وظللت أنا، وظَلْتْ وظِلْتُ. لا يقال ذلك إلا في النهار لكنه قد سمع بعض الشعر ظَل ليله. ومنه قوله تعالى: ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾. وانظر: \"اللسان\" ٢/ ٦٤٧ (ظلل).\n(٤) انظر: \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٢٧٢، و\"جامع البيان\" ٢٧/ ١١٤، و\"الوسيط\" ٤/ ٢٣٨، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ٢١٩.\n(٥) انظر: \"الجامع البيان\" ٢٧/ ١١٤، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٨٧، ولم أقف عليه في تفسيري مجاهد ومقاتل.\n(٦) انظر: \"معاني القرآن\" ٣/ ١٢٨.","vol":"21","page":250},{"text":"ويقال معناه تندمون وكذلك تفكنون (١) وهي لغة لعكل (٢).\nقال اللحياني: أزد شنوءه يقولون: تفكهون، وتميم تقول: تفكنون. وقال ابن الأعرابي: تفكهت وتفكنت أي تندمت وأنشد لرؤبة فقال (٣):\nأما جزاء العارف المستيقن ... عندك إلا حاجة التفكَّن\nوقال الكسائي وأبو عمرو: هو التلهف على ما فات (٤)، والمعنى في الآية: تتلهفون على ما فاتكم، وعلى هذا يتوجه قول من قال تفجعون وتحزنون (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4456>٦٦ </span>- قوله تعالي: ﴿إِنَّا لَمُغْرَمُونَ﴾ قال الزجاج وغيره: أي وتقولون: إنا لمغرمون فحذف القول، ومعنى المغرم الذي ذهب ماله بغير عوض (٦).\nقال أبو إسحاق: يقولون إنا قد غرمنا وذهب زرعنا (٧) يعني: غرمنا\n_________\n(١) وقول المؤلف (وكذلك تفكنون وهي لغة لعكل) ليست في معاني الفراء المطبوعة، وهي في \"التهذيب\" منسوبة له.\n(٢) عُكَل بطن من طابخة من العدنانية، وعكل اسم امرأة حضنت بني عوف بن وائل فغلبت عليهم وسموا باسمها، من قراهم الشقراء والأشيقر. انظر: \"معجم قبائل العرب\" ٢/ ٨٠٤، و(تفكنون) قرأ بها أبو حزام. انظر: \"الكشاف\" ٤/ ٦٠، و\"البحر المحيط\" ٨/ ٢١١، و\"روح المعاني\" ٢٧/ ١٤٨.\n(٣) انظر: \"تهذيب اللغة\" ١٠/ ٢٨٠، و\"اللسان\" ٢/ ١١٢١ (فكن).\nوالبيت في \"ديوانه\" ص ١٦١، المراجع السابقة.\n(٤) انظر: \"تهذيب اللغة\" نفسه، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٨٧، و\"فتح القدير\" ٥/ ١٥٧.\n(٥) قاله مجاهد، وفسر ابن كيسان التفكه بالحزن. انظر: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٨٧، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ٢١٩، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٢٩٦.\n(٦) قاله الضحاك وابن كيسان. انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ٢٢٠، و\"فتح القدير\" ٥/ ١٥٧.\n(٧) انظر: \"معاني الزجاج\" ٥/ ١١٤.","vol":"21","page":251},{"text":"الحب الذي بذرناه فذهب في غير عوض هذا الذي ذكرنا هو الأصل.\nقال أبو عبيدة والفراء: لمعذبون (١)، وهو قول ابن عباس وقتادة (٢)، وهذا معنى كأنهم ذهبوا إلى أنهم عذبوا بذهاب أموالهم.\nوقال عكرمة ومجاهد ومقاتل: لمولع بنا (٣)، والمعنى لمولع بنا الشر من قولهم: أغرم فلان بفلانة إذا أولع بها، ومنه الغرام وهو الشر اللازم وقد تقدم تفسيره (٤). ويدل على القول الأول (٥) قوله تعالى: ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ أي حرمنا ما كنا نطلبه من الريع في الزرع.\nوما بعد هذا ظاهر ومفسر فيما تقدم إلى قوله: ﴿الَّتِي تُورُونَ﴾ قال الكسائي: أوْرَيْتُ النار وقد ورَتْ ووَرِيَتْ (٦).\nوقال أبو إسحاق: ورَى الزَّندُ يَرِيَ فهو وارٍ إذا انقدحت منه النار، وأوريت النار إذا قدحتها (٧)، وقال الكلبي والمبرد: أورى القادح إذا أتى بالنار. قال الأعشى (٨):\n_________\n(١) انظر: \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٥١، و\"معاني القرآن\" ٣/ ١٢٩.\n(٢) انظر: \"تنوير المقباس\" ٥/ ٣٣٩، و\"جامع البيان\" ٢٧/ ١١٥، وهو اختيار ابن جرير.\n(٣) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٣٩ أ، و\"جامع البيان\" ٢٧/ ١١٥.\n(٤) عند تفسيره الآية (٦٥) من سورة الفرقان. ومما قال: والغَرامُ: اللازمُ من العذاب، والشرُّ الدائم، والبلاءُ والحبُّ والعشق وما لا يستطاع أن يتفصَّى منه، ويروى أن الغريم إنما سمي غريمًا لأنه يطلب حقه ويلح حتى يقتضيه، فمعنى غرامًا ملحًا دائمًا. وانظر: \"اللسان\" ٢/ ٩٨١ (غرم).\n(٥) وهو قول الضحاك وابن كيسان والزجاج.\n(٦) انظر: \"اللسان\" ٣/ ٩١٦ (وري).\n(٧) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ١١٥.\n(٨) \"ديوانه\" ص ٨٤، وروايته: =","vol":"21","page":252},{"text":"ولو بتَّ تقدحُ في ظلمةٍ ... صفاةً بنبعٍ لأوريت نارا\nيقول أنت ميمون الطائر فلو التمست الشيء من حيث لا يوجد لوجدته. قال أبو عبيدة: تورون: تستخرجون (١). وقال الكلبي: تقدحون (٢). وقال مقاتل: توقدون (٣).\nقوله تعالى: (شَجَرَتَهَا) قال المفسرون: يعني التي تقدح منها وهي المرخ والعفار (٤).\nقال المبرد: وهما شجرتان يوريان النار وهما رطبان، ولذلك قال الأعشى (٥):\nوزندك خير زناد الملوك ... صادف منهنَّ مرخًا عفارًا\nوتقول العرب للرجل إذا كان معاملته سهلًا غير ملتوٍ ولا مماطلٍ: أرخ يديك واسترخ إن الزناد من مرخ (٦).\nقوله تعالى: ﴿نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً﴾ قال عطاء: موعظة ليتعظ بها المؤمن (٧).\n_________\n= ولو رُمت في ليلة قادحًا ... حصاة بنبع لأوْريت نارا\n(١) انظر: \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٥٢.\n(٢) انظر:\"تنوير المقباس\" ٥/ ٣٣٩.\n(٣) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٣٩ أ.\n(٤) قال الأزهري: وهما شجرتان فيهما نار ليس في غيرهما من الشجر، ويسوّى من أغصانهما الزناد فيقتدح بها. \"تهذيب اللغة\" ٢/ ٣٥١ (عفر).\n(٥) الديوان ص ٨٤، وروايته:\nزنادك خير زناد الملوك ... خالط منهن مرخ عفارا\n\"الخزانة\" ٧/ ٢٥٠.\n(٦) انظر: \"اللسان\" ٣/ ٤٦٣ (مرخ) ونسب تفسير المثل لابن الأعرابي.\n(٧) انظر: \"الوسيط\" ٤/ ٢٣٨، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٨٨، و\"فتح القدير\" ٥/ ١٥٨.","vol":"21","page":253},{"text":"وقال الكلبي: عظة في الدنيا من نار جهنم (١)، وقال عكرمة، ومجاهد ومقاتل: جعلنا هذه النار تذكرة للنار الكبرى (٢).\nقال أبو إسحاق: أي إذا رآها الرائي ذكر جهنم وما يخافه من العذاب فذكر الله ﷿ واستجار به منها (٣).\nقوله تعالى: ﴿وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ﴾ قال الفراء، والزجاج: المقوي الذي ينزل بالقواء وهي الأرض الخالية (٤)، وكل من نزل بها من مسافر مار أو مقيم بها فهو مقو.\nقال الليث: أقوَى القومُ إذا وقعوا في قيً من الأرض (٥).\nقال ابن عباس: يريد ينتفع بها أهل البوادي والأسفار (٦).\nوقال الكلبي: منفعة للمسافرين النازلين في الأرض القيّ (٧).\nوقال مقاتل: يقول: ومنافع لمن كان بأرض في ومنهم الأعراب (٨)، ونحو هذا قال الحسن والضحاك (٩). وعلى هذا القول خص المسافر بالانتفاع بها؛ لأن منفعته بها أكثر من منفعة المقيم، وذلك أن أهل البوادي\n_________\n(١) انظر: \"تنوير المقباس\" ٥/ ٣٤٠.\n(٢) انظر: \"تفسير مجاهد\" ٢/ ٦٥١، و\"تفسير مقاتل\" ١٣٩ أ، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٨٨.\n(٣) انظر: \"معاني القرآن\" ٥/ ١١٥.\n(٤) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ١٢٩، و\"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ١١٥.\n(٥) انظر: \"تهذيب اللغة\" ٩/ ٣٦٩ (قوى).\n(٦) انظر: \"تنوير المقباس\" ٥/ ٣٤٠، و\"الوسيط\" ٤/ ٢٣٨.\n(٧) انظر: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٨٨، و\"فتح القدير\" ٥/ ١٥٨.\n(٨) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٣٩ أ.\n(٩) انظر: \"جامع البيان\" ٢٧/ ١١٦، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٨٨، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ٢٢١.","vol":"21","page":254},{"text":"لابد (١) لهم من النار يوقدونها ليلًا لتهرب منهم السباع، وفي كثير من حوائجهم.\nوقال أبو عبيدة: المقوي الذي لا زاد معه ولا مال، وهذا من قولهم أقوت الدار، أي: خلت (٢)، فالمقوي الخالي من الزاد. وهذا قول الربيع، والسدي. قالا: يعني المرملين المقترين الذين لا زاد معهم فهؤلاء يوقدون النار ويشتون بها لحوم الصيد ولابد لهم منها، وهذه رواية العوفي عن ابن عباس (٣).\nوفي المقوين قول ثالث، وهو قول عكرمة، ومجاهد، قالا: للمقوين أي للمستمتعين بها من الناس أجمعين (٤) المسافرين والحاضرين يستضيئون بها في الظلمة ويصطلون من البرد وينتفعون بها في الطبخ والخبز (٥).\nوعلى هذا المقوي من الأضداد. ويقال للفقير: مقوٍ لخلوه من المال، وللغني: مقو لقوته على ما يريد، يقال أقوى الرجل إذا صار إلى حالة القوة، ذكر ذلك قطرب وغيره (٦). والمعنى ومتاعًا للأغنياء والفقراء وذلك\n_________\n(١) في (ك): (بدل).\n(٢) انظر: \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٥٢.\n(٣) انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ٢٢٢.\n(٤) انظر: \"تفسير مجاهد\" ٢/ ٦٥١، و\"جامع البيان\" ٢٧/ ١١٦.\n(٥) انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ٢٢٢.\nقال ابن كثير في \"تفسيره\" ٤/ ٢٩٧: وهذا التفسير أعم من غيره، فإن الحاضر والبادي من غني وفقير، الجميع محتاجون إليها للطبخ، والاصطلاء، والإضاءة، وغير ذلك من المنافع.\n(٦) انظر: \"الأضداد\" لقطرب ص ٩٢، و\"الأضداد\" للأصمعي والسجستاني ٤، ١٢٤، ٢٧٩، ٦٣٨، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٨٨، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ٢٢٢، ورواه ثعلب عن ابن الأعرابي. انظر: \"تهذيب اللغة\" ٦/ ٣٦٩ (قوى).","vol":"21","page":255},{"text":"أنه لا غني بأحد عنها.\nقال أبو إسحاق: ذكر الله ﷿ في هذه السورة ما يدل على توحيده وما أنعم به عليهم من خلقهم وتغذيتهم مما يأكلون ويشربون، ثم قال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4457>٧٤ </span>- قوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ أي فبرئ الله ﷿ مما يقولون في وصفه (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-4458>٧٥ </span>- قوله: ﴿فَلَا أُقْسِمُ﴾ أكثر أهل العلم على أن (لا) صلة. المعنى: فأقسم (٢)، وزيادة (لا) كثير في الكلام والتنزيل.\nوذهب أهل المعاني (٣) إلى أن (لا) (٤) هاهنا رد لقولهم في القرآن إنه سحر وشعر وكهانة، فرد الله ذلك بقوله: ﴿فَلَا﴾، ثم استأنف القسم على أنه قرآن كريم، ومثل هذا قوله: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ﴾ [النساء: ٦٥] (٥).\nوقد مر قوله تعالى: ﴿بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ وقرئ (بِمَوقِعِ) (٦).\nقال أبو عبيد: والتي نختار الجماع؛ لأنها في التفسير منازل القرآن حين نزل نجومًا. قال: وبعضهم يتأولها مغائب الكواكب حين تسقط فأي\n_________\n(١) انظر: \"معاني القرآن\" ٥/ ١١٥.\n(٢) انظر: \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٥٢، و\"الكشاف\" ٤/ ٦١، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٨٩، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ٢٢٣.\n(٣) انظر: \"جامع البيان\" ٢٧/ ١١٧، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٨٩، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ٢٢٣.\n(٤) (لا) ساقطة من (ك).\n(٥) هذا القول نسبه المفسرون للفراء ولسعيد بن جبير. قال أبو حيان: ولا يجوز؛ لأن في ذلك حذف اسم لا وخبرها، وليس جوابًا لسائل سأل فيحتمل ذلك نحو قوله: لا: لمن قال: هل من رجل في الدار. \"البحر المحيط\" ٨/ ٢١٣.\n(٦) قرأ حمزة والكسائي وخلف (بموقع) على واحد. وقرأ الباقون ﴿بِمَوَاقِعِ﴾ جماعة. انظر: \"حجة القراءات\" ص ٦٩٧، و\"النشر\" ٢/ ٣٨٣، و\"الإتحاف\" ص ٤٠٩.","vol":"21","page":256},{"text":"الوجهين كان فالجماع أولى (١).\nوقال المبرد: (موقع) هاهنا مصدر، فهو يصلح للقليل والكثير والواحد والجمع (٢)، كما تقول: عجبت من ضرب القوم، ومن علم القوم فالواحد ينبئ عن الجميع.\nوقال أبو علي: المصادر وسائر الأجناس إذا اختلفت جاز جمعها، كما قال عز من قائل: ﴿إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ﴾ فجمع للاختلاف وقال ﴿لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ [لقمان: ١٩]، فأفرد لما كان الجميع ضربًا واحدًا، فمن قال: ﴿بموقع النجوم﴾ فأفرد؛ فلأنه اسم جنس، ومن جمع فلاختلاف ذلك، فأما قول الشاعر (٣):\nكأن مَتْنَيْه من النفي ... مواقع الطير على الصفىِّ\nفليس اسم المصدر وإنما هو موضع فجمع؛ لأن المعنى على الجمع، وإنما شبه مواضع بمواضع (٤).\nوأما التفسير فقال عطاء عن ابن عباس: يريد: أُقسِم بنزول القرآن، وهو قول الكلبي ومقاتل وسعيد بن جبير وقتادة (٥).\n_________\n(١) لم أقف عليه.\n(٢) انظر: \"الوسيط\" ٤/ ٢٣٩، و\"فتح القدير\" ٥/ ١٦٠.\n(٣) البيت للأخيل الطائي كما في \"اللسان\" ٢/ ٤٥٥ (صفا)، و\"الجمهرة\" ٣/ ١٥٣، و\"مجالس ثعلب\" ١/ ٢٠٧، و\"الحيوان\" ٢/ ٣٣٩، و\"الخصائص\" ٢/ ١١، و\"المنصف\" ٣/ ٧٢، والبيت يصف ساقيًا ويشبه الماء لما جف على ظهره وابيض بذرق الطائر، والصفي جمع الصفا، والصفا جمع الصفاة، وهي الحجر الصلد الضخم الأملس.\n(٤) انظر: \"الحجة للقراء السبعة\" ٦/ ٢٦٣.\n(٥) انظر: \"تنوير المقباس\" ٥/ ٣٤٠، و\"تفسير مجاهد\" ٢/ ٦٥١، و\"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٢٧٣، و\"تفسير مقاتل\" ١٣٩ ب، و\"جامع البيان\" ٢٧/ ١١٧.","vol":"21","page":257},{"text":"وذكرنا معنى النجوم في نزول القرآن عند قوله: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ [النجم: ١]، وذهب جماعة من المفسرين (١) إلى أن مواقع النجوم معناها مغارب النجوم ومساقطها، وهو قول أبي عبيدة قال: والله تعالى له أن يقسم بما شاء من خلقه وليس للعباد أن يحلفوا إلا به، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ﴾ [المعارج: ٤٠] (٢).\nوقال الحسن: يعني انكدارها وانتثارها (٣)، وهذا على قراءة من قرأ: ﴿بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ لأنه مصدر يريد بوقوعها سقوطها من السماء عند انكدارها، ويجوز الجمع أيضًا لإضافته إلى النجوم ولكل نجم وقوع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4459>٧٦ </span>- ثم أخبر عن عظم هذا القسم فقال، قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ قال الفراء والزجاج: هذا يدل على أن المراد بمواقع النجوم نزول القرآن (٤)، والضمير في (إِنَّهُ) يعود على القسم، ودل عليه قوله: ﴿أُقْسِمُ﴾، والمعنى: وأن القسم بمواقع النجوم لقسم عظيم لو تعلمون عظمه لانتفعتم بذلك.\nوقال أبو علي الفارسي: التقدير في: ﴿لَوْ تَعْلَمُونَ﴾ ما علموا، كما تقول: لو قمت أي: قم (٥).\n_________\n(١) وهو قول قتادة وغيره.\nانظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ٢٢٣، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٢٩٨، وهو اختيار ابن جرير. \"جامع البيان\" ٢٧/ ١١٧.\n(٢) من الآية (٤٠) من سورة المعارج. والذي في \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٥٢. قوله: (فأقسم بمواقع النجوم، ومواقعها مساقطها ومغايبها).\n(٣) انظر: \"جامع البيان\" ٢٧/ ١١٧، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٨٩.\n(٤) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ١٢٩، و\"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ١١٥.\n(٥) انظر: \"التفسير الكبير\" ٢٩/ ١٨٩.","vol":"21","page":258},{"text":"وزعم أبو الحسن أن الماضي في هذا المعنى أكثر من المضارع.\nوالآية اعتراض بين المقسم والمقسم عليه لأن التقدير: فأقسم بمواقع النجوم إنه لقرآن كريم.\nوقوله: (لَّوْ تَعْلَمُونَ) اعتراض أيضًا بين الصفة والموصوف من الجملة التي هي اعتراض (١).\nثم ذكر المقسم عليه بقوله: (إِنَّهُ لَقُرْآنٌ) أي إن الكتاب الذي أنزل على محمد -ﷺ- لقرآن كريم. قال الكلبي: حسن كريم على ربه (٢).\nوقال مقاتل: كرمه الله وأعزه لأنه كلامه (٣).\nوقال أهل المعاني (٤): القرآن الكريم الذي من شأنه يعطي الخير الكثير بالدلائل التي تؤدي إلى الحق في الدين.\nوقال الأزهري: الكرمُ اسم جامع لما يُحمد، والله كريم حميد الفعال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4460>٧٧ </span>- و﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧)﴾ أي قرآن يحمد لما فيه من الهدى والبيان والعلم والحكمة (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-4461>٧٨ </span>- قوله: ﴿فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (٧٨) لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ قال جماعة المفسرين: يريد في اللوح المحفوظ.\nقال الكلبي: مكنون من الشياطين (٦).\n_________\n(١) انظر: \"الكشاف\" ٤/ ٦٢، و\"البحر المحيط\" ٨/ ٢١٤، و\"فتح القدير\" ٥/ ١٦٠.\n(٢) انظر: \"تنوير المقباس\" ٥/ ٣٤٠.\n(٣) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٣٩ ب، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٨٩.\n(٤) انظر: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٨٩، و\"فتح القدير\" ٥/ ١٦٠.\n(٥) انظر: \"تهذيب اللغة\" ١٠/ ٢٣٤ (كرم).\n(٦) انظر: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٨٩.","vol":"21","page":259},{"text":"وقال مقاتل: مستور من خلقه عند الله في اللوح المحفوظ (١).\nوقال أبو إسحاق: أي مصون في السماء (٢).\nوقال مجاهد: في كتاب مكنون لا يصيبه تراب، ولا غبار (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4462>٧٩ </span>- قوله: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ أكثر المفسرين على أن الكناية في قوله (لا يمسه) تعود إلى الكتاب المكنون، وهو اللوح المحفوظ.\nوالمطهرون هم الملائكة، وهذا قول ابن عباس في رواية عطاء، وباذان، وسعيد بن جبير، وأبي العالية، والضحاك، والكلبي، وقتادة، ومقاتل (٤)، قالوا: المطهرون الملائكة طهروا من الشرك والذنوب والأحداث والنجاسات، فالذي في السماء لا يمسه إلا المطهرون، وأما كتابنا فيمسه الطاهر وغير الطاهر، وهو اختيار الفراء والزجاج، قالا: لا يمس ذلك اللوح المحفوظ إلا الملائكة (٥).\nوالمعنى على هذا القول أن النسخة التي في السماء من القرآن مكنون مصون لا يصل إليه أحد، ولا يمسه إلا الملائكة الذين وصفوا بالطهارة، ومذهب الفقهاء (٦) في هذه الآية أن الضمير في قوله: (لَّا يَمَسُّهُ) يعود إلى\n_________\n(١) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٣٩ ب.\n(٢) انظر: \"معاني القرآن\" ٥/ ١١٥.\n(٣) انظر: \"جامع البيان\" ٢٧/ ١١٨.\n(٤) انظر: \"تفسير مجاهد\" ٢/ ٦٥٢، و\"تفسير مقاتل\" ١٣٩ ب، و\"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٢٧٣، و\"جامع البيان\" ٢٧/ ١١٨ - ١١٩.\n(٥) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ١٣٠، و\"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ١١٦.\n(٦) قال الجصاص: (إن حمل اللفظ - أي قوله تعالى ﴿لَا يَمَسُّهُ﴾ على حقيقة الخبر =","vol":"21","page":260},{"text":"القرآن، والمراد بالقرآن المصحف لقوله -ﷺ-: \"نهى أن يُسافر بالقرآن إلى أرض العدو\" (١). يعني المصحف، والمراد بقوله: (الْمُطَهَّرُونَ) أي من الأحداث والجنابات، وقالوا: قوله: (لا يَمَسُّهُ) خبر في معنى النهي ومنعوا بهذه الآية الجنب والحائض والمحدث من مس المصحف وحمله، وإن كان بعلاّقة أو في غلاف، وهذا قول محمد بن علي، وعطاء، وطاووس، وسالم، والقاسم، وعبد الرحمن بن الأسود، وإبراهيم، وسفيان، ومذهب مالك، والشافعي (٢).\n_________\n= فالأولى أن يكون المراد القرآن الذي عند الله والمطهرون الملائكة، وإن حمل على النهي -وإن كان في صورة الخبر- كان عمومًا فينا وهذا أولى ..) \"أحكام القرآن\" ٣/ ٤١٦، وانظر: \"سنن سعيد بن منصور\" ٢/ ٣٤٦.\n(١) الحديث أخرجه البخاري في \"صحيحه\"، كتاب: الجهاد، باب: السفر بالمصاحف إلى أرض العدو ٤/ ٦٨، ومسلم في كتاب: الإمارة، باب: النهي أن يسافر بالمصحف إلى أرض الكفار ٣/ ١٤٩٠، وأبو داود في \"سننه\"، كتاب: الجهاد، باب: في المصحف يسافر به إلى أرض العدو ٢/ ٤٩٥، وأحمد في \"المسند\" ٢/ ٦ ولفظ البخاري: \" ... عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله -ﷺ- نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو\".\n(٢) قال ابن قدامة: (ولا يمس المصحف إلا طاهر، يعني طاهرًا من الحدثين جميعًا. روى عن ابن عمر والحسن وعطاء وطاوس ...) ولا نعلم مخالفًا لهم إلا داود، أي الظاهري، قال: ويجوز حمله بعلاقته، وهذا قول أبي حنيفة، وروى ذلك عن الحسن، وعطاء، وطاوس، والشعبي، والقاسم، وأبي وائل، والحكم، وحماد. ومنع منه الأوزاعي، ومالك، والشافعي.\nانظر: \"المدونة\" ١/ ١٠٧، و\"المغني\" ١/ ٢٠٢ - ٢٠٣، و\"المحلى\" ١/ ٨١ - ٨٤. قلت: وبهذا يتبين أن الواحدي -﵀- عمم القول بمنع حمله بعلاقة مع أن منهم من جوز ذلك والله أعلم.","vol":"21","page":261},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4463>٨٠ </span>- قوله تعالى: ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ قال أبو إسحاق: تنزيل صفة لقوله: ﴿لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ وعلى هذا المراد بالمصدر المفعول، والمعني منزل كقولهم: ضَرْب الأمير ونَسْج اليمن، قال: ويجوز أن يكون مرفوعًا على: هو تنزيل من رب العالمين (١)، قال الكلبي: يعني القرآن تنزيل من رب العالمين على رسول الله -ﷺ- (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-4464>٨١ </span>- قوله تعالى: ﴿أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ﴾ قال ابن عباس: يريد ﴿أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ﴾ القرآن يا أهل مكة ﴿أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ﴾ قال تكفرون وتكذبون (٣).\nوقال مقاتل: تكفرون (٤).\nوقال الكلبي: تكذبون أنه ليس كما قال لكم وأنه لا جنة ولا نار ولا بعث (٥).\nقال أبو عبيدة: المدهن والمداهن واحد (٦)، وقال الفراء: مدهنون مكذبون، ويقال: كافرون (٧).\nوقال الزجاج: أي أفبالقرآن تكذبون، قال: والمدهن والمداهن الكذاب المنافق (٨).\n_________\n(١) انظر: \"معاني القرآن\" ٥/ ١١٦.\n(٢) انظر: \"تنوير\" المقباس\" ٥/ ٣٤٠، و\"الوسيط\" ٤/ ٢٤٠.\n(٣) انظر: \"الوسيط\" ٤/ ٢٤٠، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٩٠.\n(٤) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٣٩ ب، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ٢٢٧.\n(٥) انظر: \"تنوير المقباس\" ٥/ ٣٤١.\n(٦) انظر: \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٥٢.\n(٧) انظر: \"معاني القرآن\" ٣/ ١٣٠.\n(٨) انظر: \"معاني القرآن\" ٥/ ١١٦.","vol":"21","page":262},{"text":"وقال ابن الأعرابي: ﴿مُدْهِنُونَ﴾ منافقون والإدهان والمداهنة اللين والمصانعة، وهو أن يسر خلاف ما يظهر، والمدهن الذي يجري في الباطن على خلاف الظاهر (١). هذا أصل معناه في اللغة.\nثم قيل للمكذب مدهن، وإن صرح بالتكذيب والكفر، ويجوز أن يكون هذا خطابًا لمن آمن بالقرآن ظاهرًا وأسر الكفر به، وهذا معنى الإدهان والمداهنة.\nقال المؤرج: المدهن المنافق الذي يلين جانبه ليخفي كفره (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4465>٨٢ </span>- قوله تعالى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ قال ابن عباس وجماعة المفسرين: تجعلون شكركم أنكم تكذبون بنعمة الله عليكم فتقولون سقينا بنوء كذا (٣).\nقال أبو إسحاق: كانوا يقولون مطرنا بنوء كذا، ولا ينسبون السقيا إلى الله ﷿ فقيل لهم: أتجعلون رزقكم أي شكركم بما رزقتم التكذيب (٤).\nوقال أبو علي الفارسي: أي وتجعلون رزقكم الذي رزقكموه أي شكر رزقكم -فحذف المضاف- أن تكذبوا بذلك الرزق أنه من الله وأن تنسبوه إلى غيره فتقولوا مطرنا بنوء كذا.\n_________\n(١) انظر: \"اللسان\" ١/ ١٠٢٨ (دهن).\n(٢) انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ٢٢٧، و\"فتح القدير\" ٥/ ١٦١.\n(٣) انظر: \"جامع البيان\" ٢٧/ ١١٩، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٩٠.\nروى البخاري في كتاب: الاستسقاء: باب قول الله تعالى ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ ٢/ ٤١، قال ابن عباس: شكركم. ورواه ابن جرير بسند صحيح عن ابن عباس. انظر: \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٢٩٩، و\"تفسير ابن عباس ومروياته\" للحميدي ٢/ ٨٦٣ - ٨٦٤.\n(٤) انظر: \"معاني القرآن\" ٥/ ١١٦.","vol":"21","page":263},{"text":"ويجوز أن يكون المعنى أن تكذبوا بما جاء به التنزيل في قوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا﴾ [ق: ٩] إلى قوله: ﴿رِزْقًا لِلْعِبَادِ﴾ [ق: ١١]، وقوله: ﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ)﴾ [البقرة: ٢٢] فذكر أنه أنزل الماء ورزق به العباد الثمار، فمن نسب الإنزال إلى النجم فقد كذب برزق الله وكذب بما جاء به القرآن (١).\nوالمعنى: أتجعلون بدل الشكر التكذيب.\nوروي عن عاصم ﴿أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ خفيفة (٢) أي تنسبون هذا الرزق إلى غير الله، وقال الأزهري: معنى الآية وتجعلون شكر (٣) رزقكم الذي رزقكم الله التكذيب بأنه من عند الله الرزق، وتجعلون الرزق من عند غير الله (٤)، وذلك كفر، فأما من جعل الرزق من عند الله وجعل النجم وقتًا وقته الله للغيث، ولم يجعله المغيث الرزق رجوت أن لا يكون مكذبًا، والله أعلم.\nوقال ابن إسحاق في بعض أماليه: من قال مطرنا بنوء كذا ومراده أنا مطرنا في وقت طلوع نجم كذا ولم يقصد إلى فعل النجم فذلك والله أعلم جائز، كما جاء عن عمر -﵁- أنه استسقى بالمصلى ثم نادى العباس: كم (٥) بقي من نوء الثريا؟ فقال: إن العلماء بها يزعمون أنها تعترض في الأفق سبعًا بعد وقوعها، فوالله ما مضت تلك السبعة حتى غيث\n_________\n(١) انظر: \"الحجة للقراء السبعة\" ٦/ ٢٦٤ - ٢٦٥.\n(٢) وهي قراءة المفضل عن عاصم، ويحيى بن وثاب، (تَكْذبون) خفيفة منصوبة التاء. انظر: \"الحجة للقراء السبعة\" ٦/ ٢٦٤، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ٢٣٠.\n(٣) (ك): (شكر) ساقطة من (ك)، وزيادتها من \"تهذيب اللغة\".\n(٤) انظر: \"تهذيب اللغة\" ٨/ ٤٣٠ (رزق).\n(٥) كذا في (ك) وصوابها: (فقال: يا عباس يا عم رسول الله -ﷺ-: كم ...).","vol":"21","page":264},{"text":"الناس (١).\nوإنما أراد عمر: كم بقي من الوقت الذي جرت به العادة أنه إذا تم أتى الله بالمطر.\nهذا الذي ذكرنا هو قول جماعة المفسرين (٢).\nوقال الحسن: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ﴾ أي حظكم ونصيبكم من القرآن أنكم تكذبون قال: وخسر عبد لا يكون حظه من كتاب الله إلا التكذيب به (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4466>٨٣ </span>- ثم احتج عليهم بقوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ﴾ يقول فهلا إذا بلغت الروح أو النفس الحلقوم عند الموت.\n<span data-type=\"title\" id=toc-4467>٨٤ </span>- ﴿وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ﴾ يجوز أن يكون خطابًا للذين بلغت روحهم الحلقوم، وهم الذين أسرفوا على الموت (٤)، ويجوز أن يكون خطابًا لأهل الميت والذين يحضرونه عند السياق (٥).\n_________\n(١) أخرجه ابن جرير في \"تفسيره\" ٢٧/ ١٢٠، وذكره القرطبي في \"جامعه\" ١٧/ ٢٣٠، وابن كثير في \"تفسيره\" ٤/ ٢٩٩.\n(٢) قال ابن كثير: وهذا محمول على السؤال عن الوقت الذي أجرى الله فيه العادة بإنزال المطر، لا أن ذلك النوء مؤثر بنفسه في نزول المطر، فإن هذا هو المنهي عن اعتقاده.\nومما نقل القرطبي في \"تفسيره\" ١٧/ ٢٢٩: عن الشافعي -﵀- قوله: لا أحب أحدًا أن يقول: مطرنا بنوء كذا وكذا، وإن كان النوء عندنا الوقت المخلوق لا يضر ولا ينفع، ولا يمطر ولا يحبس شيئًا من المطر، والذي أحب أن يقول: مطرنا وقت كذا كما نقول: مطرنا شهر كذا.\n(٣) انظر: \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٢٧٣، و\"جامع البيان\" ٢٧/ ١٢٠.\n(٤) انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ٢٣١.\n(٥) وبهذا قال عامة المفسرين. انظر: \"جامع البيان\" ٢٧/ ١٢٠، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٣٠٠.","vol":"21","page":265},{"text":"قوله: (تَنظُرُونَ) قال مقاتل: إلى أمري وسلطاني (١).\nوقال عطاء: إلى ما كنتم تكذبون به (٢)، يعني العذاب.\nوقال الكلبي: تنظرون إليه متى تخرج نفسه (٣).\nقال أبو إسحاق: أي أنتم يا أهل الميت في تلك الحالة ترونه قد صار إلى أن تخرج نفسه (٤).\nوقال صاحب النظم: معنى (تَنظُرُونَ) هاهنا لا يمكنكم الدفع ولا تملكون شيئًا (٥)، كما قال تأبط شرًّا:\nفخالط سهل الأرض لم يكدح الصفا ... به كدحةً والموت خزيانُ ينظر (٦)\nوقوله: ينظر هاهنا، معناه: لا يقدر على شيء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4468>٨٥ </span>- قوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ﴾ أي بالعلم والقدرة والرؤية وذلك أن الله تعالى يراه من غير مسافة بينه وبينه فهو أقرب إليه من كل من يراه بمسافة بينه وبينه (٧). ﴿وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ﴾ أي لا تعلمون ذلك. وهذا خطاب للكفار، هذا قول أهل المعاني.\nوقال المفسرون: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ﴾ يعني ملك الموت وأعوانه (٨).\n_________\n(١) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٣٩ ب.\n(٢) لم أجده.\n(٣) انظر: \"تنوير المقباس\" ٥/ ٣٤١، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٩٠.\n(٤) انظر: \"معاني القرآن\" ٥/ ١١٦.\n(٥) انظر: \"الوسيط\" ٤/ ٢٤١، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٩٠.\n(٦) (ينظر) ساقطة من (ك).\nوالبيت ورد في \"ديوانه\" ص ٢٨٤، و\"الحماسة\" لأبي تمام ١/ ٧٢.\n(٧) انظر: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٩١، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ٢٣١.\n(٨) انظر: \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٣٠٠، و\"فتح القدير\" ٥/ ١٦١.","vol":"21","page":266},{"text":"والمعنى: ورسلنا القابضون روحه أقرب إليه منكم، ولكن لا تبصرون أولئك الذين حضروه لقبض الروح.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4469>٨٦ </span>- قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ قال أكثر المفسرين: غير محاسبين وهو قول عطاء، وسعيد بن جبير، ومجاهد، ومقاتل (١).\nوقال الكلبي: غير مملوكين (٢).\nوقال أبو عبيدة: غير مجزيين (٣). واختار الفراء والزجاج غير مملوكين (٤)، والمدينة: الأمة المملوكة.\nوأنشد أبو عبيدة للأخطل (٥):\nربت فربا في كرمها ابن مدينةٍ ... يزلُّ على مسحاته يتركَّلُ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4470>٨٧ </span>- قوله تعالى: ﴿تَرْجِعُونَهَا﴾ أي تردون تلك النفس التي بلغت الحلقوم.\nقال الفراء: وأجيب ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ﴾ و﴿فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ﴾ بجواب واحد، وهو قوله: ﴿تَرْجِعُونَهَا﴾، قال: ومثله قوله: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ [البقرة: ٣٨]، أجيبتا بجواب واحد\n_________\n(١) انظر: \"تفسير مجاهد\" ٢/ ٦٥٣، و\"تفسير مقاتل\" ١٣٩ ب، و\"جامع البيان\" ٢٧/ ١٢١، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٩١.\n(٢) انظر: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٩١، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ٢٣١.\n(٣) انظر: \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٥٢.\n(٤) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ١٣١، و\"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ١١٧.\n(٥) انظر: \"ديوانه\" ١/ ١٩، و\"اللسان\" ١/ ١٠٤٣ (دين)، \"المنصف\" ١/ ٣١٢.\nوالتركل: هو وضع القدم على المسحاة للمبالغة في الحفر. \"اللسان\" ١/ ١٢١٨ (ركل).","vol":"21","page":267},{"text":"وهما جزاءان (١).\nوقال صاحب النظم: قوله: ﴿تَرْجِعُونَهَا﴾ جواب لقوله: ﴿فَلَوْلَا﴾ المتقدمة والمتأخرة على تأويل: فلولا إذا بلغت النفس الحلقوم ترجعونها أي تردونها إلى موضعها إن كنتم غير محاسبين ولا مجزيين كما تزعمون، يقول: إن كان الأمر كما تقولون أنه لا بعث ولا حساب ولا جزاء ولا إله يقوم بذلك، فهلَّا تردون نفسًا ممن يعز عليكم إذا بلغت الحلقوم؟ وإذا لم يمكنكم في ذلك حيلة بوجه من الوجوه فلم لا يدلكم ذلك على أن الأمر إلى غيركم وهو الله ﷿ (٢).\nوقال أبو إسحاق: معناه هلا ترجعون الروح إن كنتم غير مدينين، أي: غير مملوكين مدبَّرين ليس لكم في الحياة والموت قدرة، فهلا إن كنتم كما زعمتم في مثل قولكم الذي جاء في القرآن: ﴿لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾ [آل عمران: ١٦٨] ﴿لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا﴾ [آل عمران: ١٥٦] أي إن كنتم تقدرون أن تؤخروا أجلًا فهلا ترجعون الروح إذا بلغت الحلقوم وهلا تردون عن أنفسكم الموت (٣).\nولما دل بما ذكر على أنهم محاسبون ومجزيون ومملوكون، ذكر طبقات الخلق عند الموت والحشرجة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4471>٨٨ </span>- قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ إن كان هذا الذي بلغت روحه الحلقوم من المقربين عند الله في الدرجات والتفضيل (فَرَوْحٌ) أي:\n_________\n(١) انظر: \"معاني القرآن\" ٣/ ١٣٠.\n(٢) انظر: \"الوسيط\" ٤/ ٢٤١ - ٢٤٢، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٩١، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ٢٣٢.\n(٣) انظر: \"معاني القرآن\" ٥/ ١١٧.","vol":"21","page":268},{"text":"فله روح وهو الراحة والاستراحة، قاله ابن عباس والكلبي وقتادة والضحاك (١).\nوقال مجاهد: الروح الفرح (٢).\nقوله: ﴿وَرَيْحَانٌ﴾ قالوا: يعني الرزق في الجنة (٣)، وذكرنا الريحان بمعنى الرزق في قوله: ﴿ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ﴾ [الرحمن: ١٢].\nوقال الحسن وأبو العالية: هو ريحاننا هذا يؤتى بغصن من ريحان الجنة فيشمه (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4472>٩٠، ٩١ </span>- ﴿وَأَمَّا إِنْ كَانَ﴾ أي المتوفى ﴿مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩٠) فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾. قال مقاتل: سلم الله لهم أمرهم يتجاوز عن سيئاتهم ويقبل حسناتهم (٥).\nوقال الكلبي: يسلم عليك أهل الجنة، وقال أيضًا: يقول السلام لك (٦)، قال الزجاج: أي أنك ترى فيهم ما تحب من السلام وقد علمت ما أعد لهم من الجزاء (٧).\n_________\n(١) انظر: \"تنوير المقباس\" ٥/ ٣٤١، و\"تفسير مقاتل\" ١٤٠ أ، و\"جامع البيان\" ٢٧/ ١٢٢.\n(٢) انظر: \"الدر\" ٦/ ١٦٦، و\"فتح القدير\" ٥/ ١٦٢.\n(٣) قاله مجاهد، وابن جبير، ومقاتل.\nانظر: \"تفسير مجاهد\" ٢/ ٦٥٣، و\"تفسير مقاتل\" ١٤٠ أ، و\"جامع البيان\" ٢٧/ ١٢٢.\n(٤) انظر: \"جامع البيان\" ٢٧/ ١٢٢، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٩١. وقال ابن كثير ٤/ ٣٠٠ بعد ذكره للأقوال: (وكل هذه الأقوال متقاربة صحيحة فإن من مات مقربًا حصل له جميع ذلك من الرحمة والراحة والاستراحة والفرح والسرور والرزق الحسن).\n(٥) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٤٠ أ.\n(٦) انظر: \"تنوير المقباس\" ٥/ ٣٤٢، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٩١.\n(٧) انظر: \"معاني القرآن\" ٥/ ١١٨.","vol":"21","page":269},{"text":"وقال الفراء: سلم لك أنهم (١) من أصحاب اليمين، وحذف أنهم (٢) من الكلام كما تقول: أنت مصدق مسافر عن قليل إذا كان قد قال إني مسافر عن قليل (٣)، والمعنى: أنت مصدق أنك مسافر فألقيت أن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4473>٩٢ </span>- ﴿وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ﴾ بالبعث ﴿الضَّالِّينَ﴾ عن الهدى.\n<span data-type=\"title\" id=toc-4474>٩٣ </span>- ﴿فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ﴾ أي فالذي يعد له حميم جهنم.\n<span data-type=\"title\" id=toc-4475>٩٤ </span>- ﴿وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ أي إدخال نار عظيمة يقال: أصلاه النار، أي: جعله يصلاها ويقاسي حرها، والمصدر هاهنا مضاف إلى المفعول كما تقول لفلان إكرام وإعطاء مال، أي: يعطي المال، كذلك هاهنا يصلى الجحيم (٤)، كما قال: ﴿وَيَصْلَى سَعِيرًا (١٢)﴾ [الانشقاق: ١٢] في قراءة من شدد (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-4476>٩٥ </span>- قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ﴾ قال مقاتل: إن هذا الذي ذكر للمقربين وأصحاب اليمين وللمكذبين لهو حق اليقين لا شك فيه (٦).\nوقال أبو إسحاق: أي هذا الذي قصصنا عليك في هذه السورة من الأقاصيص وما أعد الله لأوليائه وأعدائه وما ذكر مما يدل على وحدانيته\n_________\n(١) في المعاني: (أنك، أن).\n(٢) انظر: \"جامع البيان\" ٢٧/ ١٢٢، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٩١.\n(٣) انظر: \"معاني القرآن\" ٣/ ١٣١.\n(٤) انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ٢٣٤، و\"فتح القدير\" ٥/ ١٦٢.\n(٥) قرأ نافع، وابن كثير، وابن عامر، والكسائي ﴿وَيَصْلَى﴾ بضم الياء وفتح الصاد وتشديد اللام، وقرأ الباقون بفتح الياء وسكون الصاد وتخفيف اللام.\nانظر: \"الحجة للقراء السبعة\" ٦/ ٣٩٠، و\"حجة القراءات\" ص ٧٥٦، و\"النشر\" ٢/ ٣٩٩، و\"الإتحاف\" ص ٤٣٦.\n(٦) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٤٠ أ.","vol":"21","page":270},{"text":"ليقين (١).\nومعنى (حَقُّ اليَقِينِ) حق الأمر اليقين عند الأخفش والبصريين (٢)، وعند الكوفيين هو من باب إضافة الشيء إلى نفسه (٣).\nوقال أبو إسحاق: هذا كما تقول إن زيدًا لعالم، وإنه للعالم حق العالم إذا بالغت في التوكيد (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4477>٩٦ </span>- قوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ قال أبو إسحاق: فنزّه الله ﷿ عن السوء.\nوالباء يجب أن تكون زيادة للتوكيد (٥)، والاسم يكون بمعنى الذات والنفس كأنه قيل: سبح ونزه ربك العظيم. والله أعلم بالصواب.\n_________\n(١) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ١١٨.\n(٢) انظر: \"معاني القرآن\" للأخفش ٢/ ٧٠٣، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ٢٣٤.\n(٣) انظر: \"إعراب القرآن\" للنحاس ٣/ ٣٤٧، و\"البحر المحيط\" ٨/ ٢١٦.\n(٤) انظر: \"معاني القرآن\" ٥/ ١١٨.\n(٥) انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ٢٣٤ - ٢٣٥.\nوقال الشوكاني في \"تفسيره\" ٥/ ١٦٢، والباء متعلقة بمحذوف: أي فسبح ملتبسًا باسم ربك للتبرك به، وقيل: المعنى: فصل بذكر ربك، وقيل الباء زائدة، والاسم بمعنى الذات. وقيل: هي للتعدية؛ لأن سبح يتعدى بنفسه تارة ويتعدى بالحرف أخرى، والأول أولى.","vol":"21","page":271},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4478>سورة الحديد</span>","vol":"21","page":273},{"text":"تفسير سورة الحديد\nبسم الله الرحمن الرحيم\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4479>١ </span>- ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ قال المقاتلان يعني كل شيء من ذي الروح وغيره من الشجر، والجبال، والبحار، والشمس، والقمر، وكل خلق فيهما ولكن لا تفقهون تسبيحهم (١).\nوقال أهل المعاني: تسبيح ما لا يعقل تنزيه لله من السوء بما فيه من الآية الداعية إلى ذلك كأنها ناطقة به إذ صنعه يقتضي صانعًا غير مصنوع (٢).\nقال أبو إسحاق: وهذا خطأ؛ لأن التسبيح تمجيد لله ﷿ وتنزيهه من [السوء] (*)، قال الله ﷿ ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤] فلو كان التسبيح آثار الصنعة لكانت معقولة، وكانوا يفقهونها، وأيضًا فإنه قال ﴿وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ﴾ [الأنبياء: ٧٩] فلو كان تسبيحها آثار الصنعة لم يكن في هذا تخصيص لداود (٣)، وذكرنا الكلام في هذا عند قوله: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤]، وفي مواضع.\n_________\n(١) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٤٠ أ، و\"جامع البيان\" ٢٧/ ١٢٤ ولم ينسبه، و\"الوسيط\" ٤/ ٢٤٤، و\"فتح القدير\" ٥/ ١٦٥.\n(٢) انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ٢٣٥، و\"فتح القدير\" ٥/ ١٦٥.\n(٣) انظر: \"معاني القرآن\" ٥/ ١٢١، وقال القرطبي ١٧/ ٢٣٦، وما ذكره هو الصحيح.\n(*) قال معد الكتاب للشاملة: ما بين المعقوفين غير واضح في المطبوع، وما أثبتناه من معاني القرآن لأبي إسحاق الزجاج (٥/ ١٢١).","vol":"21","page":275},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4480>٢ </span>- قوله تعالى: ﴿يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ قال المفسرون: يحيى الأموات للبعث ويميت الأحياء في الدنيا (١).\nوقال الزجاج: ويجوز أن يكون المعنى يحيي النطف التي إنما هي موات ويميت الأحياء، ويكون موضع يحي ويميت رفعًا على معنى هو يحيي ويميت ويجوز أن يكون نصبًا على معنى له ملك السموات والأرض محييًا ومميتًا قادرًا (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4481>٣ </span>- قوله تعالى: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ﴾ قال جماعة المفسرين: هو الأول قبل كل شيء، كان هو ولا شيء موجود، فهو الأول بلا ابتداء، والآخر بعد كل شيء بلا انتهاء، يفني الأشياء، ويبقى آخرًا كما كان أولًا، وهذا يروى مرفوعًا أنه \"الأول وليس قبله شيء والآخر وليس بعده شيء\" (٣).\nقال الأزهري: ولا يجوز أن يعدو في تفسير الاسمين ما روي عن النبي -ﷺ- (٤).\nقوله تعالى: ﴿وَالظَّاهِرُ﴾ أي الغالب العالي على كل شيء، ومثل قوله تعالى: ﴿فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾ [الصف: ١٤] أي غالبين عالين، من قولك: ظهرت\n_________\n(١) انظر: \"جامع البيان\" ٢٧/ ١٢٤، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ٢٣٦.\n(٢) انظر: \"معاني القرآن\" ٥/ ١٢١.\n(٣) الحديث أخرجه مسلم (٢٧١٣) في الدعاء، باب ما يقول عند النوم وأخذ المضجع وفيه \"اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء وأنت الباطن فليس دونك شيء\" الحديث. والترمذي في الدعوات، باب ما جاء في الدعاء إذا أوى إلى فراشه، وأحمد ٢/ ٣٨١، ٤٠٤.\n(٤) لم أجد هذا اللفظ في \"تهذيب اللغة\" ١٣/ ٤٧٤ (بطن) وإنما قال: ومن صفات الله ﷿: \"الظاهر والباطن\" لا تأويلها ما روي عن النبي -ﷺ- في تمجيد الرب .. وذكر الحديث.","vol":"21","page":276},{"text":"على فلان أي علوته. ومنه قوله تعالى: ﴿عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ﴾ [الزخرف: ٣٣] وهذا معنى ما روي في الحديث: \"والظاهر فليس فوقك شيء\" وهذا قول أكثر أهل العلم (١)، ويجوز أن يكون معنى الظاهر أنه ظاهر بالأدلة والشواهد على ربوبيته (٢). وهذا معنى ما روي في الخبر: \"اللهم أنت الظاهر فلا تخفى\".\nقوله تعالى: ﴿وَالْبَاطِنُ﴾ قال أبو إسحاق: الباطن العالم بما بطن، كما تقول: فلان يبطن أمر فلان، أي يعلم دِخْلَةَ أمره (٣).\n\nقال الليث: يقال أنت أبطن بهذا الأمر من فلان، أي: أخبر بباطنه فالله تعالى العالم الباطن بكل شيء فلا أحد أعلم منه <span data-type=\"title\" id=toc-4482>(٤)</span>، وهذا معنى ما روي في الحديث: \"وأنت الباطن فليس دونك شيء\" أي ليس أقرب منك بالعلم شيء، ويجوز أن يكون معنى الباطن أنه محتجب عن الأبصار وهو معنى ما روي في الخبر \"والباطن فلا يُرى\".\n٤ - قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ مفسر في سورة الأعراف (٥) إلى قوله: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ﴾ وهو مفسر في سورة سبأ (٦) إلى قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ أي بالعلم والقدرة وليس ينفك أحد من تعلق علم\n_________\n(١) انظر: \"مجموع الفتاوي\" ٥/ ٢٤٤ - ٢٤٥، و\"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ١٣٢، قال ابن كثير: وقال البخاري: قال يحيى: ونقل كلام الفراء. \"ابن كثير\" ٤/ ٣٠٢.\n(٢) انظر: \"الكشاف\" ٤/ ٦٣، و\"فتح القدير\" ٥/ ١٦٥، ثم قال: وقد فسر هذه الأشياء الأربعة رسول الله -ﷺ- فيتعين المصير إلى ذلك.\n(٣) انظر: \"معاني القرآن\" ٥/ ١٢٢.\n(٤) انظر: \"تهذيب اللغة\" (بطن).\n(٥) من الآية (٥٤) من سورة الأعراف.\n(٦) \"تفسيره\" الآية (٣٤) من سورة سبأ.","vol":"21","page":277},{"text":"الله وقدرته به أينما كان من أرض، وسماء، وبر وبحر.\nوهذا حجة على من ترك تأوبل قوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ وأجراه على الظاهر إذ لابد من التأويل في قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ ولا يجوز إجراؤه على الظاهر حتى يعتقد أنه مع كل واحد في مكانه وجهته وإذا جاء التأويل في بعض جاز في الكل (١).\n_________\n(١) قول المؤلف ﵀: ولا يجوز إجراؤه على الظاهر ... أي قوله تعالى ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ صواب وحق لا ريب فيه. قال أبو عمر الصلمنكي: وأجمع المسلمون من أهل \"السنة\"، على معنى قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ ونحو ذلك من القرآن أن ذلك علمه، وأن الله فوق السماوات بذاته مستو على عرشه كيف شاء. انظر: \"الصواعق المرسلة\" ٤/ ١٢٨٤، و\"العلو\" ص ١٧٨.\nأما قوله: وهذا حجة على من ترك تأويل قوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ وأجراه على الظاهر فهو كلام مردود مخالف لما عليه أهل السنة والجماعة من سلف هذه الأمة. قال الإمام أحمد ﵀ عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾ يقول: هو إله من في السموات وإله من في الأرض، وهو الله على العرش، وقد أحاط علمه بما دون العرش، لا يخلو من علم الله مكان، ومثل هذا نقل عن الشافعي، وابن جرير، وابن المبارك، وسعيد بن عامر، وابن خزيمة، والبخاري، والأوزاعي، وأبي حنيفة، ومالك، وغيرهم. انظر: \"الأسماء والصفات\" للبيهقي ٥/ ٥، و\"شرح الفقه الأكبر\"، لأبي حنيفة ص١٠٢، و\"العلو\" للذهبي ص١٠١ - ١٠٢، و\"السنة\" لعبد الله بن أحمد ١/ ٧، و\"الرسالة\" ص ٨، و\"الصواعق المرسلة\" ٤/ ١٢٩٢ - ١٣٠٥.\nوأما قوله: وإذا جاز التأويل في بعض جاز في الكل، فجوابه أن التأويل الذي يقبل هو التأويل بمعنى التفسير أي معرفة معاني الصفات، وهذا حق. وأما التأويل بمعنى الحقيقة فهذا لا يعلمه إلا الله، فحقائق الصفات من الغيب الذي استأثر الله بعلمه، وأما التأويل الذي يشير إليه المؤلف -عفا الله عنه- فهو صرف نصوص الصفات عما دلت عليه بغير دليل، وإنما لشبهة، وهذا التأويل مردود ولا يصح. انظر: \"التدمرية\" لابن تيمية ص ٩١.","vol":"21","page":278},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4483>٧ </span>- قوله تعالى: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ يخاطب كفار قريش ﴿وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ يعني المال الذي كان بيد غيرهم فأهلكهم وأعطا قريشًا ذلك فكانوا خلائف عمن مضوا، وهذا معنى قول المفسرين أنفقوا من أموالكم التي ملككم الله وعمركم فيها (١).\nقوله تعالى: ﴿وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ﴾ قال عطاء والكلبي ومجاهد والمقاتلان (٢): يريد حين أخرجهم من ظهر آدم.\nوقال: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢].\nقوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ قال الكلبي: إذا كنتم عند أخذ العهد مقرين له (٣) فـ ﴿إِنْ﴾ على قوله بمعنى (إذ)، وقال غيره: إن كنتم مؤمنين بالحجج والدليل فقد بان وظهر على يد محمد -ﷺ- ببعثته وإنزال القرآن عليه، ويجوز أن يكون المعنى: إن كنتم مؤمنين يومًا فما لكم لا تؤمنون الآن، وقد قامت الحجة على صدق محمد -ﷺ- وصحة نبوته (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4484>٨ </span>- ثم قال في الحث على الإنفاق، قوله تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: أيّ شيء لكم في ترك الإنفاق\n_________\n(١) انظر: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٩٤، و\"القرطبي\" ١٧/ ٢٣٨، قلت: وحمل الآية على العموم أولى من حصرها على كفار قريش أو العرب. انظر: \"التفسير الكبير\" ٢٩/ ٢١٥، وقال الشوكاني في \"تفسيره\" ٥/ ١٦٧: ويجوز أن يكون خطابًا للجميع، ويكون المراد بالأمر بالإيمان في حق المسلمين الاستمرار عليه، أو الازدياد منه.\n(٢) انظر: \"تنوير المقباس\" ٥/ ٣٤٧ - ٣٤٨، و\"تفسير مجاهد\" ٢/ ٦٥٦، و\"تفسير مقاتل\" ١٤٠ ب.\n(٣) انظر: \"تنوير المقباس\" ٥/ ٣٤٧.\n(٤) انظر: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٩٤، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ٢٣٨ - ٢٣٩.","vol":"21","page":279},{"text":"فيما يقرب من الله وأنتم ميتون تاركون أموالكم قاله الزجاج (١)، وهو معنى قول المفسرين (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4485>١٠ </span>- ثم بين فضل من سبق بالإنفاق في سبيل الله فقال: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ﴾ قال: يعني فتح مكة في قول جميعهم (٣)، قال مقاتل: لا يستوي في الفضل والسابقة من أنفق من ماله وقاتل العدو من قبل فتح مكة (٤).\nقال الكلبي في رواية محمد بن فضيل: نزلت في أبي بكر ﵁، يدل على هذا أنه كان أول من أنفق المال على رسول الله - ﷺ - في سبيل الله (٥).\nقال ابن عمر: كنت قاعدًا عند النبي -ﷺ- وعنده أبو بكر الصديق وعليه عباءة فخلّها (٦) في صدره بخلال فنزل عليه جبريل فقال: مالي أرى أبا بكر عليه عباءة فخلها في صدره؟ فقال: أنفق ماله عليّ قبل الفتح (٧).\n_________\n(١) انظر: \"معاني القرآن\" ٥/ ١٢٣.\n(٢) انظر: \"جامع البيان\" ٢٧/ ١٢٦، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٩٤.\n(٣) انظر: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٩٤، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ٢٣٩، وزاد مع الشعبي الزهري.\n(٤) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٤٠ ب.\n(٥) انظر: \"أسباب النزول\" للواحدي ص ٤٦٩، و\"الوسيط\" ٤/ ٢٤٥، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٩٤، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ٢٤٠.\n(٦) خلها: أي جمع بين طرفيها بعود أو حديد. النهاية (خلل).\n(٧) انظر: \"الكشف والبيان\" ١٢/ ٦٢ أ، و\"أسباب النزول\" للواحدي ص ٤٦٩، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٩٥، و\"ابن كثير\" ٤/ ٣٠٧، كلهم ذكروا بيان أطول من هذا، وتعقبه ابن كثير بقوله: هذا الحديث ضعيف الإسناد من هذا الوجه، وذكره ابن الجوزي في ترجمة أبي بكر عن ابن عمر بدون سند، و\"صفة الصفوة\" ١/ ٢٤٩ - ٢٥٠.","vol":"21","page":280},{"text":"ولأنه -﵁- كان أيضًا أول من قاتل على الإسلام فقد روى زر عن ابن مسعود قال: أول من أظهر إسلامه بسيفه النبي -ﷺ- وأبو بكر ﵁ (١).\nقال صاحب النظم: قوله: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ﴾ يقتضي نقيضًا كما قال ﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ [الحشر: ٢٠] ولم يجيء هاهنا النقيض الذي يقابل من أنفق فلما قال ﴿أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا﴾ دل على هذا النقيض؛ لأن نقيضه من أنفقوا من بعد وقاتلوا (٢).\nقال عطاء: يريد درجات الجنة تتفاضل، فالذين أنفقوا من قبل الفتح في أفضلها (٣)، وقال مقاتل بن حبان: يقول كانت نفقتهم وجهادهم مع النبي -ﷺ- أعظم أجرًا ودرجات من درجات من أنفق وقاتل بعد الفتح فتح مكة (٤).\nقال أبو إسحاق: لأن المتقدمين نالهم من المشقة أكثر مما نال من بعدهم وكانت بصائرهم أيضًا أنفذ (٥).\nقوله تعالى: ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ قال مقاتل بن سليمان: يقول\n_________\n(١) انظر: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٩٥، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ٢٤٠، و\"لباب التأويل\" ٧/ ٣٢.\n(٢) انظر: \"التفسيرالكبير\" ٢٩/ ٢١٨، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ٢٤٠، و\"فتح القدير\" ٥/ ١٦٨.\n(٣) انظر: \"الوسيط\" ٤/ ٢٤٦، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٩٥.\n(٤) انظر: \"فتح القدير\" ٥/ ١٦٨.\n(٥) انظر: \"معاني القرآن\" ٥/ ١٢٣.","vol":"21","page":281},{"text":"وكلا الفريقين وعد الله الجنة (١).\nوالقراء في النصب في ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ﴾ لأنه بمنزلة زيدًا وعدت خيرًا فهو مفعول وعد، وقرأ ابن عامر \"وكل\" بالرفع (٢)، وحجته أن الفعل إذا تقدم عليه مفعوله لم يقو عمله فيه قوته إذا تأخر، ألا ترى أنهم قد قالوا في الشعر (٣): زيدٌ ضربتُ، ومما جاء في ذلك الشعر (٤):\nقد أصبحتْ أمُّ الخيارِ وتدَّعي ... عليَّ ذنْبًا كُلُهُ لم أصْنّعِ\nفرووا (كُلُ) بالرفع لتقدمه على الفعل، وإن لم يكن شيء يمنع من تسلّط الفعل عليه فكذلك ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ ويكون على إرادة الهاء وحذفها كما تحذف من الصلاتِ نحو: ﴿أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ [الفرقان: ٤١] والصفات ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٤٨]. ومثل ذلك قول جرير (٥):\nأبحتَ حمى تهامةَ بعد نجدٍ ... وما شيءٌ حميتَ بمُستباحِ\nأي حميته (٦).\n_________\n(١) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٤٠ ب.\n(٢) قرأ ابن عامر \"وكل\" وقرأ الباقون بالنصب انظر: \"حجة القراءات\" ص ٦٩٨، و\"النشر\" ٢/ ٣٨٤، و\"الإتحاف\" ص ٤٠٩.\n(٣) قوله: (في الشعر) زيادة لا فائدة منها.\n(٤) \"البيت\" لأبي النجم. انظر: \"الخزانة\" ١/ ١٧٣، و\"الخصائص\" ١/ ٢٩٢، و\"شرح أبيات المغني\" ٤/ ٢٤.\n(٥) انظر: \"ديوان جرير\" ١/ ٨٩، و\"شرح أبيات المغني\" ص ٧٤١، \"شرح شواهد سيبويه\" ١/ ٤٥، و\"مغني اللبيب\" ص ٥٠٣، و\"أمالي ابن الشجري\" ١/ ٢٥، و\"شرح شواهد الألفية\" ٤/ ٧٥.\n(٦) من قوله: \"وحجته أن الفعل\" إلى هنا من كلام أبي علي الفارسي.\nانظر: \"الحجة للقراء السبعة\" ٦/ ٢٦٦ - ٢٦٧.","vol":"21","page":282},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4486>١١ </span>- قوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ قال الكلبي: صادقًا محتسبًا بالصدقة (١).\nوقال مقاتل: يعني طيبة بها نفسه (٢).\nوقال أهل العلم: القرض الحسن أن يجمع أوصافًا عشرة وهي: أن تكون من الحلال، وقد قال رسول الله -ﷺ-: \"إن الله طيب لا يقبل إلا الطيب\" (٣).\nوقد قال أيضًا: \"لا يقبل الله صلاة بغير طهور ولا صدقة من غلول\" (٤).\nوأن تكون من أكرم ما تملكه دون أن تقصد إلى الرديء للإنفاق. قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٢٦٧].\nوأن تتصدق به وأنت تحبه وتحتاج إليه، بأن ترجو الحياة كما قال -ﷺ- لما سئل عن أفضل الصدقة، فقال: \"أن تعطيه وأنت صحيح شحيح تأمل العيش ولا تمهل حتى إذا بلغت التراقي قلت لفلان كذا أو لفلان كذا\" (٥).\n_________\n(١) انظر: \"تنوير المقباس\" ٥/ ٣٥٢.\n(٢) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٤٠ ب.\n(٣) جزء حديث صحيح رواه الإمام مسلم في\"صحيحه\"، كتاب الزكاة، باب قبول الصدقة من الكسب الطيب وتربيتها. والإمام أحمد في \"المسند\" ٢/ ٣٢٨.\n(٤) رواه الإمام مسلم في الطهارة، باب وجوب الطهارة للصلاة، وأبو داود في الطهارة، باب في فرض الوضوء، والترمذي في الطهارة، باب: ما جاء (لا تقبل صلاة بغير طهور) وقال: هذا الحديث هو أصح شيء في هذا الباب وأحسن.\n(٥) رواه البخاري في\"صحيحه\"، كتاب: الزكاة، باب: أفضل الصدقة صدقة الشحيح الصحيح ٢/ ١٣٧، ومسلم في كتاب: الزكاة، باب: بيان أن أفضل الصدقه صدقة الصحيح الشحيح.","vol":"21","page":283},{"text":"وأن تضعه في الأخل (١) الأحوج الأولى بأخذه، ولذلك خص الله تعالى أقوامًا بأخذ الصدقات وهم أهل السهمان.\nوأن تكتمه ما أمكن؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧١].\nوأن لا تتبعه منا وأذى؛ لأن الله تعالى قال: ﴿لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ [البقرة: ٢٦٤].\nوأن تقصد به وجه الله ولا ترائي بذلك؛ لأن المرائي مذموم على لسان الشرع.\nوأن تستحقرها، تعطي وإن كثر؛ لأن ذلك قليل والدنيا كلها قليلة.\nوأن تكون من أحب مالك إليك، قال الله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢]. فهذه أوصاف عشرة إذا استكمَلَتها الصدقة كانت قرضًا حسنًا إن شاء الله (٢)، وهذه الآية مفسرة مذكورة في سورة البقرة (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4487>١٢ </span>- قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ قال أبو إسحاق: يوم منصوب بقوله: ﴿وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾ أي وله أجر كريم في ذلك اليوم (٤).\nو﴿يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ قال مقاتل والحسن: يسعى نورهم بين\n_________\n(١) في (ك): (الأحل) والتصحيح من \"تفسير الوسيط\". والأخل هو الفقير المحتاج، من (الخَلَّة): الحاجة والفقر. انظر: \"اللسان\" (خلل).\n(٢) انظر: \"الوسيط\" ٢/ ٢٤٧، و\"التفسير الكبير\" ٢٩/ ٢٢١، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ٢٤٢، ونسب هذا القول للقشيري.\n(٣) عند تفسيره الآية (٢٤٥) من سورة البقرة.\n(٤) انظر: \"معاني القرآن\" ٥/ ١٢٣.","vol":"21","page":284},{"text":"أيديهم على الصراط يوم القيامة، وهو دليل لهم إلى الجنة (١).\nوقال قتادة: إن المؤمن يضيء له نوره كما بين عدن إلى صنعاء ودون ذلك حتى أن من المؤمنين من لا يضيء له نور إلا موضع قدميه (٢).\nوقال ابن مسعود في هذه الآية: يؤتون نورهم على قدر أعمالهم منهم من نوره مثل الجبل وأدناهم نورًا نوره على إبهامه يطفأ مرة ويَقد أخرى (٣).\nوقال مجاهد: ما من عبد إلا ينادي يوم القيامة أين فلان بن فلان ها نورك، أين فلان بن فلان لا نور لك.\nقوله: ﴿وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾ قال الأخفش والفراء: يريد من أيمانهم وشمائلهم فأقام الباء مقام عن كما قال: ﴿يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ [الشورى: ٤٥]. يقول بطرف (٤)، واكتفى بالأيمان عن ذكر الشمائل.\nوقال الضحاك وابن حبان: ﴿وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾ كتبهم التي أعطوها فكتبهم بأيمانهم ونورهم بين أيديهم (٥)، وعلى هذا حذف الكتب لدلالة قوله: ﴿وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾ عليها.\nقوله تعالى: ﴿بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ﴾ أي: وتقول لهم الملائكة: بشراكم اليوم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4488>١٣ </span>- ثم ذكر حال المنافقين في ذلك اليوم فقال: قوله تعالى: ﴿يَوْمَ\n_________\n(١) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٤٠ ب، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ٢٤٤.\n(٢) انظر: \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٢٧٥، و\"جامع البيان\" ٢٧/ ١٢٨، و\"الكشف والبيان\" ١٢/ ٦٣ أ.\n(٣) انظر: \"جامع البيان\" ٢٧/ ١٢٨، و\"زاد المسير\" ٨/ ١٦٥، و\"لباب التأويل\" ٧/ ٣٢، وهو اختيار أبي جعفر النحاس. انظر: \"إعراب القرآن\" ٣/ ٣٥٥.\n(٤) انظر: \"معاني القرآن\" للأخفش ٢/ ٤٠٧، و\"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ١٣٢.\n(٥) انظر: \"الوسيط\" ٤/ ٢٤٨، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٩٥، و\"زاد المسير\" ٨/ ١٦٥، وهو اختيار ابن جرير، و\"جامع البيان\" ٢٧/ ١٢٨.","vol":"21","page":285},{"text":"يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ﴾ يوم بدل من قوله: ﴿يَوْمَ تَرَى﴾ (١) فقال أبو أمامة: يغشى الناس يوم القيامة ظلمة شديدة ثم يقسم النور فيعطى المؤمن نورًا ويترك الكافر والمنافق فلا يعطيان شيئًا فيمضي المؤمنون ويقول المنافقون ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا﴾ قال: وهي خدعة خدع بها المنافقون، قال الله تعالى: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٢]، فيرجعون إلى المكان الذي قسم فيه النور فلا يجدون شيئًا فينصرفون إليهم وقد ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ﴾ (٢).\nوقال ابن عباس ومجاهد: إن المؤمنين والمنافقين جميعًا يعطون النور وذلك أنهم يحشرون معًا ويعطون النور فيطفأ نور المنافقين ويقولون للمؤمنين ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ (٣).\nوقال الكلبي: يستضيء المنافقون بنور المؤمنين ولا يعطون النور فإذا سبقهم المؤمنون قالوا: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ أي انتظرونا (٤) ونظر بمعنى انتظر في التنزيل والشعر كثير، قال الله تعالى: ﴿غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾ [الأحزاب: ٥٣] منتظرين إدراكه، وأنشد أبو علي (٥):\nما زِلت مُذ أشهرَ السُّفَّارُ أنْظُرُهُم ... مثلُ انتظارِ المضحّي راعيَ الإبلِ\n_________\n(١) انظر: \"إعراب القرآن\" للنحاس ٣/ ٣٥٦ - ٣٥٧.\n(٢) أخرجه ابن المبارك في \"الزهد\" ص ١٠٨ (الرقائق)، والحاكم في \"المستدرك\" وصححه، والبيهقي في \"الأسماء والصفات\" ٢/ ٤٣٥، ببيان أطول مما هاهنا، وهو صحيح الإسناد موقوف على أبي أمامة، وانظر: \"ابن كثير\" ٤/ ٣٨، و\"الدر\" ٦/ ١٧٣.\n(٣) انظر: \"تفسير مجاهد\" ٢/ ٦٥٧، و\"جامع البيان\" ٢٧/ ١٢٩.\n(٤) انظر: \"تنوير المقباس\" ٥/ ٣٥٤، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ٢٤٥.\n(٥) البيت ورد في \"اللسان\" (ش) ولم ينسبه، وفيه: (راعي الغنم).","vol":"21","page":286},{"text":"المعنى: انتظرهم انتظارًا مثل انتظار الضحي ويجي فعلت وافتعلت بمعنى كثيرًا كقولهم: شريت واشتريت وحفرت واحتفرت (١).\nوقرأ حمزة ﴿أنْظِرُونَا﴾ بقطع الألف (٢) من الإنظار: قال أبو عبيد: التي تختارها هي الأولى (٣)؛ لأن تأويلها: انتظرونا، وأما الأخرى: فإنما هي من التأخير ولا أعرب للتأخير هاهنا موضعًا (٤) فأبطل هذه القراءة.\nقال أبو إسحاق: ﴿انْظُرُونَا﴾ بقطع الألف معناه: انتظرونا أيضًا، وأنشد بيت عمرو بن كلثوم (٥):\nأبا هند فلا تعجل علينا ... وأنظرنا نخبرك اليقينا\nوقال أبو علي: وقد يكون أنظرتُ في معنى انتظرت بقولك: أنظرني التنفيس الذي يطلب بالانتظار من ذلك قوله:\nوأنظرنا نخبرك اليقينا\nومن ذلك قوله تعالى: ﴿أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الأعراف: ١٤] إنما هو طلب الإمهال والتسويف، فالمطلوب بقوله: وأنظرنا: تسويف، وكذلك\n_________\n(١) انظر: \"الحجة للقراء السبعة\" ٦/ ٢٧٢، وأشهر السفار: أي مضى عليهم شهر.\n(٢) قرأ حمزة (أَنْظِرُونَا) بقطع الهمزة مفتوحة وكسر الظاء، وقرأ الباقون (انظُرُونَا) بوصل الهمزة وضم الظاء. انظر: \"النشر\" ٢/ ٣٨٤، و\"الإتحاف\" ص ٤١٠.\n(٣) أي قراءة الجمهور.\n(٤) قلت: وإذا ثبتت القراءة عن النبي -ﷺكما هنا فلا عبرة بما قال غيره، وعدم معرفة أبي عبيد -﵀ - لهذا المعنى في القراءة لا يطعن في صحة القراءة وقوتها ولا يقلل من قدره ﵀، ومعرفة غيره من علماء اللغة لهذا المعنى تشهد لصحة القراءة لغة وقد صحت سندًا، والله أعلم.\n(٥) البيت من معلقة عمرو بن هند. انظر: \"شرح المعلقات السبع\" للزوزني ص ٩٨، و\"الخزانة\" ٣/ ٦٢٨.","vol":"21","page":287},{"text":"قوله: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ﴾ نفسونا نقبتس، وانتظروا علينا. وكذلك ما جاء في الحديث من إنظار المعسر (١) فهذا وإن كان التأخير يشملها فهو على تأخير دون تأخير، وليس تسرّع من تسّرعَ إلى تخطئة من قال: \"أنظرونا\" بشيء وليس ينبغي أن يقال فيما لطف إنه خطأ، وهو زعموا قراءة يحيى بن وثاب والأعمش (٢).\nقوله تعالى: ﴿قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ﴾ قال ابن عباس: يقول المؤمنون لهم ارجعوا وراءكم (٣). وقال مقاتل: قالت لهم الملائكة ارجعوا وراءكم من حيث جئتم من الظلمة (٤).\n﴿فَالْتَمِسُوا نُورًا﴾ قال أبو إسحاق: تأويله لا نور لكم عندنا (٥).\nقوله: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ﴾ قد ذكرنا أن المنافقين ينصرفون لطلب النور فلا يجدون، ثم يقبلون إلى المؤمنين ليلحقوهم فيميز بينهم وبين المؤمنين ويضرب بينهم سد، وهو قوله: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ﴾ أي أن بين المنافقين والمؤمنين ﴿بِسُورٍ﴾ وهو الحائط، والباء فيه صلة للتأكيد، قاله\n_________\n(١) أخرج مسلم في \"صحيحه\"، كتاب الفضائل، باب من أنظر انقياد الشجر للنبي -ﷺ- وفيه (من أنظر معسرًا، أو وضع عنه، أظله الله في ظله).\n(٢) انظر: \" الحجة للقراء السبعة\" ٦/ ٢٧٣، و\"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ١٣٣، و\"إعراب القرآن\" للنحاس ٣/ ٣٥٧، وقوله: فيما لطف، أي فيما غمض معناه وغفى، و\"اللسان\" ٣/ ٣٦٩ (لطف).\n(٣) انظر: \"تنوير المقباس\" ٥/ ٣٥٤، و\"الوسيط\" ٤/ ٢٤٩\n(٤) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٤٠ ب، و\"جامع البيان\" ٢٧/ ١٢٩، ونسب القول للمؤمنين موضحًا معنى الآية.\n(٥) انظر: \"معاني القرآن\" ٥/ ١٢٤.","vol":"21","page":288},{"text":"الأخفش (١). وقد مضى الكلام فيه.\n﴿لَهُ بَابٌ﴾ لذلك السور باب ﴿بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ﴾ أي في باطن ذلك السور الرحمة، قال ابن عباس والمفسرون (٢): يعني الجنة التي فيها المؤمنون ﴿وَظَاهِرُهُ﴾ يعني وخارج السور ﴿مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ أي من قبله يأتيهم العذاب، والمعنى أن ما يلي المؤمنين ففيه الرحمة، وما يلي الكافرين يأتيهم من قبله العذاب.\nقال ابن عباس: يريد جهنم (٣)، وقال الحسن: يعني النار (٤).\nوقال الكلبي: هذا السور هو سور الأعراف (٥).\nوقال قتادة: هو حائط بين الجنة والنار (٦)، والمعنى أن المؤمنين يسبقونهم فيدخلون الجنة، والمنافقين يحصلون (٧) في العذاب والنار وبينهم السور الذي ذكر الله تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4489>١٤ </span>- قوله تعالى: ﴿يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ﴾ قال المفسرون: إن المؤمنين إذا فاتوا المنافقين وسبقوهم نادوهم من وراء السور ألم نكن معكم نصلي بصلاتكم في مساجدكم ونغزو مغازيكم، وكنا معكم في الحج\n_________\n(١) انظر: \"معاني القرآن\" ٢/ ٧٠٤.\n(٢) انظر: \"جامع البيان\" ٢٧/ ١٢٩، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٩٦، و\"زاد المسير\" ٨/ ١٦٦.\n(٣) انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ٢٤٦، و\"فتح القدير\" ٥/ ١٧١.\n(٤) انظر: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٩٦، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٣٠٩.\n(٥) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٤١ أ، و\"جامع البيان\" ٢٧/ ١٢٩، و\"الجامع\" للقرطبي ١٧/ ٢٤٦، و\"ابن كثير\" ٤/ ٩٠٣، عن مجاهد وابن زيد، وقال ابن كثير: وهو الصحيح.\n(٦) انظر: \"جامع البيان\" ٢٧/ ١٢٩، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٣٩، وزاد نسبته للحسن.\n(٧) قوله: (يحصلون) أي يميزون، والمُحَصَّلة: التي تْمَيِزّ الذهب من الفضة، و\"اللسان\" ١/ ٦٥٤ (حصل).","vol":"21","page":289},{"text":"والعمرة ﴿قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ قال المفسرون وأهل المعاني: استعملتموها في الكفر والشهوات والمعاصي وكلها فتنة (١).\n﴿وَتَرَبَّصْتُم﴾ قال ابن عباس: يريد بالتوبة (٢)، وقال مقاتل: وتربصتم بمحمد الموت، وقلتم: يوشك أن يموت فنستريح منه (٣)، وهو اختيار أبي إسحاق، قال: وتربصتم بالنبي -ﷺ- والمؤمنين الدوائر (٤).\nقوله تعالى: ﴿وَارْتَبْتُمْ﴾ قال ابن عباس: شككتم في الوعيد، يعني فيما أوعدهم به محمد -ﷺ- من العذاب (٥).\nوقال مقاتل: وشككتم في نبوة محمد (٦).\nوقوله: ﴿وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ﴾ قال ابن عباس: يريد الباطل وهو ما كانوا يتمنون الدوائر بالمؤمنين (٧) ﴿حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ﴾ قالوا: الموت.\nقال قتادة: ما زالوا على خدعة من الشيطان حتى قذفهم الله في النار (٨). وهو قوله تعالى: ﴿وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ أي وغركم الشيطان بحلم الله وإمهاله وهذا مفسر فيما تقدم (٩).\n_________\n(١) انظر: \"جامع البيان\" ٢٧/ ١٣٠، و\"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ١٢٤، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٩٦.\n(٢) انظر: \"تنوير المقباس\" ٥/ ٣٥٥، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ٢٤٧.\n(٣) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٤١ أ، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٩٦.\n(٤) انظر: \"معاني القرآن\" ٥/ ١٢٤.\n(٥) انظر: \"تنوير المقباس\" ٥/ ٣٥٥، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ٢٤٧.\n(٦) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٤١ أ.\n(٧) انظر: \"الوسيط\" ٤/ ٢٤٩، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٩٦.\n(٨) (الله في) ساقطة من (ك)، وانظر: \"جامع البيان\" ٢٧/ ١٣٠، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٩٦.\n(٩) عند \"تفسيره\" الآية (٣٣) من سورة لقمان.","vol":"21","page":290},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4490>١٥ </span>- قوله تعالى: (هي مولاكم) قال ابن عباس: هي مصيركم (١).\nوقال مقاتل: يعني وليكم (٢).\nوقال الكلبي: هي أولى بكم (٣)، وهو قول أبي عبيدة، وأنشد للبيد: (٤)\nتعدت كل الفرجين تحسب أنه ... مولى المخافة خلفها وأمامها\nقال أبو إسحاق: معن ﴿مَوْلَاكُمْ﴾ هي أولى بكم لما أسلفتم من الذنوب، وأنشد البيت ثم قال: أي ولي المخافة (٥).\nوقال الفراء: هي أولى بكم (٦). هذا الذي ذكرنا ألفاظهم (٧). والمعنى: إنما هي التي تلي عليكم لأنها قد ملكت أمركم وأسلمتم إليها فهي أولى بكم من كل شيء وإنما جاز إطلاق هذا اللفظ على النار؛ لأن\n_________\n(١) انظر: \"التفسير الكبير\" ٢٩/ ٢٢٧.\n(٢) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٤١ أ.\n(٣) انظر: \"تنوير المقباس\" ٥/ ٣٥٥، و\"الوسيط\" ٤/ ٢٤٩.\n(٤) انظر: \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٥٤، والبيت في معلقة لبيد. انظر: \"شرح المعلقات السبع\" للزوزني ص ٨٥، ومعناه: أن البقر هربت خوفًا من الكلاب، ولا تعرف أن الكلاب خلفها أم أمامها من شدة الخوف، فما بين اليدين فرج وما بين الرجلين فرج. وورد أيضًا في \"شرح شواهد الكتاب\" ١/ ٢٠٢، و\"المقتضب\" ٣/ ٢٠١، و\"الدرر اللوامع\" ١/ ١٧٨.\n(٥) انظر: \"معاني القرآن\" ٥/ ١٢٥.\n(٦) انظر: \"معاني القرآن\" ٣/ ١٣٤.\n(٧) قال الرازي: واعلم أن هذا الذي قالوه معنى وليس بتفسير للفظ؛ لأنه لو كان مولى وأولى بمعنى واحد في اللغة لصح استعمال كل واحد منهما في مكان الآخر. انظر: \"التفسير الكبير\" ٢٩/ ٢٢٧ - ٢٢٨.","vol":"21","page":291},{"text":"الله تعالى قد ركب فيها العقل والمعرفة فهي تتميز غيظًا على أعداء الله وهي أعرف بهم من الوالدة بولدها ولهذا المعنى خوطبت في قوله ﷿: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ﴾ الآية [ق: ٣٠].\nووجه آخر وهو أن معنى قوله: ﴿هِيَ مَوْلَاكُمْ﴾ لا مولى لكم أي لا ناصر، وذلك أن من كانت النار مولاه فهو مولى له وهذا كما يقال: ناصره الخذلان، ومعينه البكاء، أي لا ناصر له ولا معين، ومثله كثير ويؤكد هذا الوجه قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ﴾ [محمد: ١١].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4491>١٦ </span>- قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾. يقال: أَنَى لك يَأْني أَنًى، وآن لك يئين أيْناَ إذا حان (١). روى الثوري عن الأعمش قال: لما قدموا المدينة أصأبوا من لين العيش ورفاهيته ففتروا عن بعض ما كانوا عليه فعوتبوا ونزلت في ذلك ﴿أَلَمْ يَأْنِ﴾ الآية (٢). ونحو هذا قال القرظي، قال: كانوا مجدبين بمكة فلما هاجروا أصابوا الريف ففتروا عما كانوا عليه (٣).\nوقال ابن أبي رواد: إن أصحاب النبي -ﷺ- ظهر فيهم المزاح والضحك فأنزل الله هذه الآية (٤).\nقال ابن مسعود: لم يكن بين إسلامهم وبين أن عاتبهم الله بهذه الآية\n_________\n(١) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ١٢٥، و\"اللسان\" ١/ ١٢٢ (أني).\n(٢) أخرجه عبد الرزاق في \"تفسيره\" ٢/ ٢٧٦، وابن المبارك في \"الزهد\" ٢/ ٨٩، وابن المنذر، و\"الدر\" ٦/ ١٧٥.\n(٣) انظر: \"الكشف والبيان\" ١٢/ ٦٦ أ - ب.\n(٤) أخرجه ابن أبي شيبة في \"المصنف\". انظر: \"الدر\" ٦/ ١٧٥، و\"فتح القدير\" ٥/ ١٧٤.","vol":"21","page":292},{"text":"إلا أربع سنين (١).\nوقال مقاتل بن حيان: إنها حين نزلت قال النبي -ﷺ-: \"إن الله يستبطئكم بالخشوع\" فقالوا عند ذلك يعتب ربنا. (٢) والمعنى: أما حان للمؤمنين أن ترق قلوبهم لذكر الله.\nقال ابن عباس: يريد لمواعظ الله، وعلى هذا الذكر مصدر أضيف إلى الفاعل أي \"لذكر الله\" وعظهم وما يعتبرون به ويستدلون به على الخشوع وهو ما ذكر الله لهم من مواعظ القرآن، ويجوز أن يكون الذكر مضافًا إلى المفعول والمعنى لذكرهم الله، أي يجب أن يورثهم الذكر خشوعًا ولا يكونوا كمن يذكره بالغفلة فلا يخشع قلبه للذكر.\nقال أبو إسحاق هذه الآية -والله أعلم- نزلت في طائفة من المؤمنين حُثُّوا على الرقة والخشوع، فأما من وصفه الله جل وعز بالخشوع والرقة فطبقة من المؤمنين فوق هؤلاء (٣).\nقوله تعالى: ﴿وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾ (ما) في موضع جر بالعطف على الذكر وهو موصول، والعائد إليه محذوف على تقدير وما نزله (٤) من الحق\n_________\n(١) أخرجه مسلم في التفسير، باب: في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾. وانظر: \"مجمع الزوائد\" ٧/ ١٢١، و\"تفسير القرآن العظيم \" ٤/ ٣١.\n(٢) ذكره القرطبي في \"تفسيره\" بدون سند، وفي \"تفسير الثعلبي\" ١٢/ ١٦٥ أعن ابن عباس قال: إن الله تعالى استبطأ قلوب المؤمنين فعاتبهم على ثلاث عشرة سنة من نزول القرآن، وأورده ابن المبارك في \"الزهد\" ص ٨٩ عنه.\n(٣) انظر: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٩٧، و\"لباب التأويل\" ٧/ ٣٥، و\"الوسيط\" ٤/ ٢٥.\n(٤) في (ك): (نزل).","vol":"21","page":293},{"text":"وقراءة العامة بالتشديد (١) لكثرة ما جاء في القرآن من ذكر التنزيل.\nقال أبو عبيدة: وكذلك هي عندنا على التشديد لذكر الله جل ثناؤه قبل ذلك (٢). والمعنى أنه هو نزل الحق.\nقال المبرد: والمعنى في التشديد والتخفيف واحد؛ لأن الحق لا ينزل إلا بأن ينزله الله ﷿ فهو معلوم أن الله ﷿ أنزله وإن لم يذكر باللفظ ويدل على صحة قراءة من ضعف قوله: ﴿وَبِالْحَقِّ نَزَلَ﴾ (٣).\nقال ابن عباس والمفسرون: في قوله: ﴿وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾ يعني القرآن (٤).\nقوله تعالى: ﴿وَلَا يَكُونُوا﴾ هو قال الفراء: هو في موضع نصب معناه: ألم يأن أن تخشع قلوبهم وألا يكونوا. قال: ولو كان جزمًا على النهي كان صوابًا (٥)، ويدل على هذا الوجه قراءة من قرأ بالتاء (٦).\nقوله تعالى: ﴿كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ﴾ قال ابن عباس: يريد اليهود والنصارى ﴿فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ﴾ قال ابن عباس: يريد الدهر، وهو\n_________\n(١) قرأ الجمهور، وأبو بكر عن عاصم ﴿وَمَا نَزَلَ﴾ بتشديد الزاي، وقرأ نافع والمفضل وحفص عن عاصم بتخفيفها. انظر: \"النشر\" ٢/ ٣٨٤، و\"الإتحاف\" ص ٤١.\n(٢) انظر: \"الحجة للقراء السبعة\" ٦/ ٢٧٤، و\"إعراب القرآن\" للنحاس ٣/ ٣٥٩.\n(٣) من الآية (١٠٥) من سورة الإسراء. وانظر: المراجع السابقة. قال النحاس: وليس يقع في هذا اختيار، ولو جاز أن يقال الذي مثل هذا اختيار لقيل: الاختيار نزل؛ لأن مثله ﴿لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ ولم يقل: لتذكير الله.\n(٤) انظر: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٩٧، و\"فتح القدير\" ٥/ ١٧٢.\n(٥) انظر: \"معاني القرآن\" ٣/ ١٣٥.\n(٦) وهي قراءة عيسى، وابن إسحاق، ورويس، وأبي حيوة، وابن أبي عبلة، وغيرهم.=","vol":"21","page":294},{"text":"قول مجاهد (١).\nوالمعنى: طال عليهم الزمان بينهم وبين أنبيائهم ﴿فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ قال ابن عباس: يريد حب الدنيا أي مالوا إليها وأعرضوا عن مواعظ الله تعالى (٢)، ويجوز أن يكون المراد بطول الأمد أن أعمارهم طالت في الغفلة فأورثهم ذلك القسوة (٣).\nويكون المعنى على هذا: طال عليهم أمد الجزاء وأمد آجالهم.\nوقال ابن حيان: الأمد (٤) هاهنا الأمل (٥) البعيد (٦)، والمعنى على هذا: طال عليهم الأمد بطول الأمل أي أملوا بعيدًا فقست قلوبهم.\nوقال هو ومقاتل بن سليمان: يعني طال عليهم أمد خروج النبي -ﷺ- فقست قلوبهم حتى أحدثوا الأحداث (٧) يعني الذين كانوا قبل خروج النبي -ﷺ- والمعنى: أنه نهى المؤمنين أن يكونوا في صحبة القرآن كاليهود الذين قست قلوبهم لما طال عليهم الدهر، ولهذا قال القرطبي: يجب أن يزداد المؤمن إيمانًا ويقينًا وإخلاصًا في طول صحبته الكتاب (٨).\n_________\n= انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ٢٤٩، و\"البحر المحيط\" ٨/ ٢٢٣، و\"روح المعاني\" ٢٧/ ١٨١.\n(١) انظر: \"تفسير مجاهد\" ٢/ ٦٥٨، و\"الوسيط\" ٤/ ٢٥٥، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٩٧.\n(٢) انظر: \"الوسيط\" ٤/ ٢٥٠، و\"لباب التأويل\" ٧/ ٣٥.\n(٣) انظر: \"التفسير الكبير\" ٢٩/ ٢٢٩، و\"فتح القدير\" ٥/ ١٧٣.\n(٤) في (ك): (الأحد) والتصويب من \"التفسير الكبير\".\n(٥) انظر: \"التفسير الكبير\" ٢٩/ ٢٣٠.\n(٦) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٤١ ب.\n(٧) انظر: \"الكشف والبيان\" ١٢/ ٦٦ ب، و\"الوسيط\" ٤/ ٢٥٠، و\"التفسير الكبير\" ٢٩/ ٢٣.\n(٨) انظر: \"جامع البيان\" ٢٧/ ١٣٢، و\"الكشف والبيان\" ١٣/ ٦٦ ب، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٣١.","vol":"21","page":295},{"text":"قوله تعالى: ﴿وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ يعني الذين تركوا الإيمان بعيسى ومحمد -ﷺ- هذا الذي ذكرنا في هذه الآية هو قول عامة المفسرين (١).\nوقال الكلبي ومقاتل بن سليمان نزلت في المنافقين (٢) وعلى هذا معنى قوله: ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي باللسان في العلانية.\nقال مقاتل: كان المنافقون لا ترق قلوبهم لذكر الله والقرآن فلم يَلِن له إلا القليل منهم وهم الذين صدقوا وكثير منهم فاسقون (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4492>١٨ </span>- قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ﴾ قراءة العامة بتشديد الصاد على معنى المتصدقين والمتصدقات بالصدقة، وكذا هو في قراءة أُبَّي بالفاء (٤) فأدغمت التاء في الصاد يدل على أن المعنى هذا.\nقوله تعالى: ﴿وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ وهذا الفصل اعتراض بعين الخبر والمخبر عنه والاعتراض بمنزلة الصفة (٥) فهو للصدقة أشد ملاءمة منه للتصديق، وقراءة من قرأ بتخفيف الصاد من التصديق الذي هو بمعنى الإيمان، ومعناها إن المؤمنين والمؤمنات، حجة هذه القراءة أن التشديد مقصور على الصدقة والتخفيف أعم؛ لأن التصديق يعم الصدقة وغيرها من كل ما صدقوا وآمنوا به فهو أذهب في باب المدح، وعلى هذا قوله:\n_________\n(١) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٤١ ب، و\"الكشف والبيان\" ١٢/ ٦٤ ب، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٩٧، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ٢٤٩.\n(٢) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٤١ ب.\n(٣) المرجع السابق.\n(٤) قرأ ابن كثير، وأبو بكر: ﴿الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ﴾ بتخفيف الصاد فيهما وقرأ الباقون (المصَّدَّقين والمصَّدقات) بتاء ظاهرى وبها احتج الجمهور لقراءة التشديد. انظر: \"حجة القراءات\" ص ١٠٧، و\"النشر\" ٢/ ٣٨٤، و\"الإتحاف\" ص ٤١.\n(٥) في (ك): (الصلة).","vol":"21","page":296},{"text":"﴿وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ كقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ (١) فذكر العمل الصالح بعد الإيمان كذلك هاهنا ذكر القرض الحسن بعد التصديق على هذه القراءة لا يحمل قوله: وأقرضوا على الاعتراض ولكنه عطف على المعنى، ألا ترى أن المصدقين معناه الذين صدقوا فكأنه قال: إن الذين صدقوا وأقرضوا ويجوز هذا الوجه في القراءة الأولى (٢)، على معنى إن الذين تصدقوا وأقرضوا الله قرضا حسنًا، وذكرنا تفسير القرض الحسن في هذه السورة.\nوذكر أبو علي في المسائل الحلبية في قوله: ﴿وَأَقْرَضُوا اللَّهَ﴾ أوجهًا، واختار الاعتراض فقال: حمله على الاعتراض أرجح الوجوه عندي؛ لأن الاعتراض قد شاع في كلامهم وكثر، ولم يجر ذلك عندهم فجرى مجرى الفصل بين المتصلين بما هو أجنبي؛ لأن فيه تبيينًا فأشبه بذلك الصفة والتأكيد (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4493>١٩ </span>- قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ﴾ في تفسير هذه الآية طريقان: أحدهما: أن الآية عامة في كل من آمن بالله ورسله وهو مذهب مجاهد، وقال: كل من آمن بالله ورسوله فهو صديق، ثم قرأ هذه الآية (٤)، ويدل على هذا ما روي عن ابن عباس في قوله: ﴿هُمُ\n_________\n(١) من الآية (٢٧٧) من سورة البقرة، وفي غيرها من سور القرآن كثير.\n(٢) من قوله: (قوله تعالى ﴿وَأَقْرَضُوا﴾ وهذا الفصل) إلى هنا من كلام أبي علي الفارسي بتصرف من المؤلف. انظر: \"الحجة للقراء السبعة\" ٦/ ٢٧٤ - ٢٧٥.\n(٣) انظر: \"المسائل الحلبيات\" ص ١٤٣.\n(٤) انظر: \"جامع البيان\" ٢٧/ ١٣٣، و\"معالم التزيل\" ٤/ ٢٩٨، و\"زاد المسير\" ٨/ ١٧.","vol":"21","page":297},{"text":"الصِّدِّيقُونَ﴾ أي الموحدون (١).\nالثاني: أن الآية خاصة وهو قول المقاتلين، قال ابن سليمان: هم الذين لم يشكوا في الرسل ساعة حين أخبروهم (٢).\nوقال ابن حيان: هم الذين آمنوا بالرسل حين أتوهم ولم يكذبوهم ساعة قط مثل حديث آل ياسين ومؤمن آل فرعون وأبي بكر الصديق (٣)، هذا كلامه وهو مذهب الضحاك في هذه الآية، قال: هم ثمانية نفر سبقوا أهل الأرض في زمانهم إلى الإسلام: أبو بكر، وعلي، وزيد، وعثمان، وطلحة، والزبير، وسعد، وحمزة، وتاسعهم عمر ﵃ ألحقه الله بهم لما عرف من صدق نيته (٤).\nومن قال بالطريقة الأولى قال: قوله: ﴿وَالشُّهَدَاءُ﴾ عطف على الآية الأولى. والمعنى: إن الذين آمنوا بالله ورسله هم الصديقون وهم الشهداء.\nقال مجاهد: كل مؤمن صديق وشهيد، ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ﴾ (٥).\n_________\n(١) انظر: \"تنوير المقباس\" ٥/ ٣٥٩، و\"التفسير الكبير\" ٢٩/ ٢٣١.\n(٢) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٤١ ب.\n(٣) انظر: \"الوسيط\" ٤/ ٢٥١، و\"التفسير الكبير\" ٢٩/ ٢٣١، و\"فتح القدير\" ٥/ ١٧٣، وأبو بكر الصديق هو خليفة رسول الله -ﷺ- توفي سنة ثلاث عشرة عن ثلاث وستين سنة. انظر: \"الإصابة\" ١١/ ٤٠، و\"العبر\" ١/ ١٣، و\"صفة الصفوة\" ١/ ٢٣٥.\n(٤) انظر: \"الكشف والبيان\" ١٢/ ٦٧ ب، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٩٨، و\"زاد المسير\" ٨/ ١٧٠، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ٢٥٤.\n(٥) انظر: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٩٨، و\"التفسير الكبير\" ٢٩/ ٢٣٢، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٣١٢.","vol":"21","page":298},{"text":"وقال الضحاك: الشهداء هم الصديقون، وكانوا كلهم شهداء (١). يعني الذين ذكرهم بأسمائهم.\nقال أبو إسحاق: يجوز أن يكون (والشهداء) نسقًا على ما قبله، فيكون المعنى: أولئك هم الصديقون وأولئك هم الشهداء عند ربهم، ويكون ﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ﴾ للجماعة من الصديقين والشهداء (٢).\nوعند قوم من المفسرين هذه الآية مستأنفة. قال مسروق: هذه للشهداء خاصة (٣)، وقال مقاتل بن سليمان ثم استأنف للشهداء يعني من استشهد (٤).\nوقال مقاتل بن حيان: الآية الأولى مفصولة ثم ذكر الشهداء وهم الأنبياء والرسل (٥) واختار محمد بن جرير هذا القول قال: لأن الإيمان غير موجب اسم شهيد إلا أن يراد أنه شهيد على ما آمن به فيكون وجهًا وذلك ليس بمعروف من معانيه إذا أطلق، والتأويل والشهداء الذين قتلوا في سبيل الله عند ربهم (٦).\nوقال الفراء: انقطع الكلام عند قوله: ﴿هُمُ الصِّدِّيقُونَ﴾ ثم قال ﴿وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ يعني النبيين ﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ﴾ ورفعت ﴿الشُّهَدَاءُ﴾ بقوله: ﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ﴾ ونحو هذا ذكر أبو إسحاق (٧) في هذا الوجه سواء فالشهداء\n_________\n(١) انظر: \"الكشف والبيان\" ١٢/ ٦٨ أ.\n(٢) انظر: \"معاني القرآن\" ٥/ ١٢٦ - ١٢٧.\n(٣) انظر: \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٢٧٦، و\"جامع البيان\" ٢٧/ ١٣٣.\n(٤) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٤١ ب.\n(٥) انظر: \"الوسيط\" ٤/ ٢٥١، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٩٨.\n(٦) انظر: \"جامع البيان\" ٢٧/ ١٣٣ - ١٣٤.\n(٧) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ١٣٥، و\"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ١٢٦.","vol":"21","page":299},{"text":"في قول مقاتل بن سليمان، وابن جرير من استشهد في سبيل الله، وفي قول ابن حيان، والفراء، والزجاج: الأنبياء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4494>٢٠ </span>- قوله تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ الآية، آراء المتأخرين من أهل التفسير يفسرون الحياة الدنيا بما في هذه الدار الفانية من العروض والأموال التي تسمى الدنيا وهي لا تسمى الحياة، والحياة الدنيا الحياة في هذه الدار، وللآدمي حياتان، الحياة الدنيا، وهي حياته في هذه الدار، وحياته الثانية: حياته في الآخرة، أعلم الله تعالى أن الحياة الفانية ما هي وهو يريد حياة من لا تكون حياته في طاعته؛ لأن من كانت حياته في طاعة الله لا تكون حياته لعبًا ولهوًا. قال ابن عباس في هذه الآية: يريد ما كان لغير الله فهو باطل وغرور (١). وإنما جعلها لعبًا ولهوًا: لأنها تنقضي عن قريب، ولأنها إذا كانت في غير الطاعة فهي باطل وغرور. قاله ابن عباس.\nقوله تعالى: ﴿وَزِينَةٌ﴾ قال ابن عباس: يريد يتزين الناس بما لا يحب الله ولا يرضى (٢). والمعنى أن الكافر يستغل حياته بالتزين للدنيا، دون العمل للآخرة فحياته زينة على معنى أنه يذهبها في الزينة، والزينة اسم جامع لكل شيء يتزين به، والكافر لا همة له في حياته إلا ما يزينه في دنياه، وهذا كما قيل: حياتك بالغرور سهو وغفلة، أي أنك تذهبها فيهما لا أنها هما بعينهما. وكذلك قوله: ﴿وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ﴾ يعني أنكم تشتغلون في حياتكم بالتفاخر.\nقال ابن عباس: يفاخر الرجل قريبه وجاره (٣).\n_________\n(١) انظر: \"الوسيط\" ٤/ ٢٥٢، و\"التفسير الكبير\" ٢٩/ ٢٣٣.\n(٢) انظر: \"التفسير الكبير\" ٢٩/ ٢٣٣، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٥/ ٢٥٥.\n(٣) انظر: \"الوسيط\" ٤/ ٢٥٢، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٩٨.","vol":"21","page":300},{"text":"﴿وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ﴾ قال ابن عباس: يجمع ما لا يحل له تكاثرًا به، ويتطاول على أولياء الله بماله وخدمه وولده (١).\nثم بين لهذه الحياة شبيهًا فقال ﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ﴾ يعني المطر والكاف موضعه رفع من وجهين أحدهما: أن يكون صفة لقوله. ﴿لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ وما ذكر بعدهما. والآخر: أن يكون خبرًا بعد خبر قاله الزجاج (٢)، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ﴾ [الكهف: ٤٥] الآية. وقد بينا الكلام فيها قوله تعالى: ﴿أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ﴾ يعني الزراع، عن عبد الله ومجاهد (٣).\nقال الأزهري: والعرب تقول: للزارع كافرًا؛ لأنه يكْفُرُ البَذْرَ الذي يبذره بتراب الأرض، ومنه قوله: ﴿أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ﴾ أي الزُّرَّاعَ، وإذا أعجب الزراع نباتة مع علمهم به فهو غاية ما يُسْتَحْسَنُ، قال: وقيل الكفار في هذه الآية الكفار باللهِ وهم أشد إعجابًا بزينة الدنيا وحرثها من المؤمنين هذا كلامه (٤) وأكثره من قول أبي إسحاق (٥).\nوقوله: ﴿نَبَاتُهُ﴾ أي ما ينبت من ذلك الغيث وباقي الآية مفسر في سورة الزمر (٦).\nقال أهل المعاني: زهد الله بهذه الآية في العمل للدنيا ورغب في\n_________\n(١) انظر: \"الوسيط\" ٤/ ٢٥٢، و\"التفسير الكبير\" ٢٩/ ٢٣٣.\n(٢) انظر: \"معاني القرآن\" ٥/ ١٢٧.\n(٣) انظر: \"التفسير الكبير\" ٢٩/ ٢٣٣، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٣١٣.\n(٤) انظر: \"تهذيب اللغة\" ١/ ١٩٩ (كفر).\n(٥) انظر: \"معاني القرآن\" ٥/ ١٢٧.\n(٦) عند \"تفسيره\" الآية (٢١) من سورة الزمر.","vol":"21","page":301},{"text":"العمل للآخرة وهي صفة حياة الكافر وحياة من يشتغل باللهو واللعب وما ذكر بعدهما، وهي خطاب للكافر وتحذير للمؤمنين عن مثل حياتهم، ويدل على هذا قوله: ﴿وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ فختم بذكر العذاب، والمعنى: فعذاب شديد لمن كانت حياته بهذه الصفة.\nقال مقاتل: عذاب شديد لأعداء الله ﴿وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ﴾ لأوليائه وأهل طاعته (١). وقاله ابن عباس.\nقال الزجاج: معناه: مغفرة لأولياء الله، وعذاب لأعدائه (٢).\nوقال الفراء: ذكر ما في الدنيا وأنه على ما وصف، ثم قال: وأما الآخرة فإنها إما عذاب وإما جنة (٣).\nقوله تعالى: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ يعني لمن عمل لها ولم يعمل للآخرة، وهو معنى قول مقاتل، أي: لمن اغتر بها يتمتعون ثم يذهب (٤).\nوقال سعيد بن جبير: متاع الغرور هو ما يلهيك عن طلب الآخرة وما لم يلهك فليس بمتاع الغرور ولكنه متاع بلاغ إلى ما هو خير منه (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4495>٢١ </span>- قوله تعالى: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ مضى تفسير هذه الآية عند قوله: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران: ١٣٣].\nقوله تعالى: ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ فيه ثلاثة أقوال.\n_________\n(١) انظر: \"الوسيط\" ٤/ ٢٥٢، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٩٨.\n(٢) انظر: \"معاني القرآن\" ٥/ ١٢٧.\n(٣) انظر: \"معاني القرآن\" ٣/ ١٣٥.\n(٤) انظر: \"التفسير الكبير\" ٢٩/ ٢٣٤، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ٢٥٦.\n(٥) انظر: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٩٨، و\"لباب التأويل\" ٧/ ٣٦، و\"فتح القدير\" ٥/ ١٧٥.","vol":"21","page":302},{"text":"أحدها: أن السموات السبع والأرضين السبع لو ألزق بعضها ببعض ووصل لكانت الجنة في عرضها جميعًا هذا قول مقاتل (١).\nوقال عطاء عن ابن عباس: يريد لرجل واحد، يعني أن لكل واحد جنة بهذه السعة (٢).\nالقول الثالث: أن هذا تمثيل للعباد بما يعقلونه ويقع في نفوسهم، وأكبر ما يقع في نفوسهم مقدار السموات والأرض وهذا قول الزجاج (٣). وهذه الأقوال مشروحة في سورة آل عمران.\nقوله تعالى: ﴿أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ في هذا أعظم رجاء وأقوى أمل إذ ذكر أن الجنة أعدت لمن آمن ولم يذكر مع الإيمان شيئًا آخر (٤).\nثم قال ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ فبين أنه لا يدخل أحد الجنة إلا بفضل الله (٥).\nقال أبو إسحاق: ثم أعلم أن المؤَدَّى إلى الجنة أو إلى النار لا يكون إلا بقضاء وقدر فقال:\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ١٤٢ أ، و\"التفسير الكبير\" ٢٩/ ٢٣٤.\n(٢) انظر: \"التفسير الكبير\" ٢٩/ ٢٣٤، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ٢٥٦، و\"فتح القدير\" ٥/ ١٧٥. وفي \"تفسير الثعلبي\" ١٢/ ٧٨ ب قال: وقال ابن كيسان (عني به جنة واحدة من الجنان).\n(٣) انظر: \"معاني القرآن\" ٥/ ١٢٨.\n(٤) انظر: \"التفسير الكبير\" ٢٩/ ٢٣٥، قال الشوكاني: ولكن هذا مقيد بالأدلة الدالة على أنه لا يستحقها إلا من عمل بما فرض الله عليه، واجتنب ما نها الله عنه، وهي أدلة كثيرة في الكتاب و\"السنة\". \"فتح القدير\" ٥/ ١٧٦.\n(٥) انظر: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٩٩، و\"تفسير القرآن\" ٤/ ٣١٣.","vol":"21","page":303},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4496>٢٢ </span>- قوله تعالى: (١) ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ قال الكلبي والمقاتلان: المصيبة في الأرض قحط المطر وقلة النبات ونقص الثمار وغلاء السعر وتتابع الجوع، وقالوا في قوله: ﴿وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ المصيبة في الأنفس: النبلاء والأمراض، وذهاب الولد، وإقامة الحدود عليها (٢).\nوقال الشعبي: المصيبة ما يكون من خير وشر، وما يسوء وشر (٣)، وهو اختيار الزجاج، قال: أو كسب خير أو شر فمكتوب عند الله معلوم (٤)، وهو قوله: ﴿إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ قالوا: يعني اللوح المحفوظ.\nوذكر أن سعيد بن جبير لما انطلق به إلى الحجاج بكى رجل، فقال ما يبكيك: قال: الذي نزل بك من الأمر قال: فلا تبك فإنه كان سبق في علم الله أن يكون هذا ثم قرأ هذه الآية (٥).\nقال أبو علي الفارسي: قوله: ﴿مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ﴾ موضع قوله: ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ يحتمل ضربين أحدهما: أن يكون مفعولا فيه ظرفًا، والآخر: أن يكون وصفًا، فإن جعلته ظرفًا احتمل أن يكون ظرفًا لأصاب، واحتمل أن يكون لمصيبة ويؤكد كونه ظرفًا ويحسنه دخول لا في قوله:\n_________\n(١) انظر: \"معاني القرآن\" ٥/ ١٢٨.\n(٢) انظر: \"تنوير المقباس\" ٥/ ٣٦٢، و\"تفسبر مقاتل\" ١٤٢ أ، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ٢٥٧.\n(٣) انظر: \"الكشف والبيان\" ١٢/ ٦٩ أ، و\"التفسير الكبير\" ٢٩/ ٢٣٧، و\"روح المعاني\" ٢٧/ ١٨٦.\n(٤) انظر: \"معاني القرآن\" ٥/ ١٢٨.\n(٥) انظر: \"الكشف والبيان\" ١٢/ ٦٩ أ، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ٢٥٧.","vol":"21","page":304},{"text":"﴿وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ فصار ذلك مثل: ما ضرب من رجل ولا امرأة.\nالوجه الثاني: أن يكون صفة للنكرة، وقوله: ﴿وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ صفة معطوفة على صفة، وإذا كان كذلك احتمل موضع قوله: ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ ضربين: أحدهما: أن يكون جرًا على لفظ قوله: ﴿مِنْ مُصِيبَةٍ﴾ والآخر: أن يكون رفعًا على موضع ﴿مِنْ مُصِيبَةٍ﴾.\nفإن قلتَ: فما وجه دخول (لا) في قوله: ﴿وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ وليس الكلام على هذا التأويل بنفي؟ فالقول فيه: أنه لما كان معطوفًا على ما هو منفي في المعنى وإن لم يكن منفيًا في اللفظ جاز أن يحمل الكلام على المعنى فيدخل فيه لا؛ لأن قوله: ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ صفة لمنفي (١) فأجريته مجرى المنفي فاستجزت العطف عليه بلا، والحمل على المعنى في النفي قد جاء في غير شيء من كلامهم ألا ترى أنهم قد قالوا: إن أحدًا لا يقول إلا زيد لما كان في المعنى منفيًا. وإن شئت قلت: إن (لا) زائدة وقد ذكرنا زيادتها في غير موضع (٢).\nقوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ قال ابن عباس: من قبل أن أخلق خلقي (٣).\nوقال الكلبي والمقاتلان: من قبل أن أخلق الأنفس (٤). وعلى هذا\n_________\n(١) في (ك): (ملنفى) ولعل صوابها (لمنفى).\n(٢) انظر: \"الدر المصون\" ١/ ٢٥١.\n(٣) انظر: \"التفسير الكبير\" ٢٩/ ٢٣٧، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٣١٣، و\"فتح القدير\" ٥/ ١٧٦، ولم ينسب القول لقائل.\n(٤) انظر: \"تنوير المقباس\" ٥/ ٣٦٣، و\"تفسير مقاتل\" ١٤٢ أ.","vol":"21","page":305},{"text":"الضمير في نبرأها للأنفس وهو اختيار الفراء (١). وذكر أيضًا الضمير للأرض والأنفس جميعًا (٢)، وعن ابن عباس أيضًا أنها للمصيبة (٣).\nقوله تعالى: ﴿إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ قال ابن عباس: إن حفظ ذلك على الله هين (٤). وهذا كقوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [فاطر: ١١] والمعنى أن إثبات ذلك على كثرته يسير هين على الله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4497>٢٣ </span>- قوله: ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ﴾ هذا يدل على قول الشعبي إن المصيبة تكون من خير وشر؛ لأن الله تعالى ذكر في هذه الآية الحزن والفرح جميعًا، وهذه اللام تجعل أول الكلام سببًا لآخره، كما تقول: قمت لأضربك، بينت باللام أن القيام سبب للضرب وفي هذه الآية ليس الأمر على ذلك؛ لأن إثبات الله تعالى للحوادث والكائنات قبل خلقها لو كان سببًا لنفي الحزن والفرح ما فرح أحد ولا حزن، ولا وجد فرح ولا حزن، ولكن اللام تتعلق بإخبار الله تعالى إيانا بانقضائه وسبق قدره وبالكائنات، وذلك يوجب نفي الفرح والحزن وكأنه قيل: أخبرناكم بهذا لكيلا تأسوا، وحذف ذلك؛ لأن المشاهدة أغنت عنه وهذا معنى ما ذكره صاحب النظم (٥).\n_________\n(١) انظر: \"معاني القرآن\" ٣/ ١٣٦.\n(٢) انظر: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٩٩، و\"التفسير الكبير\" ٢٩/ ٢٣٧.\n(٣) انظر: \"الكشف والبيان\" ١٢/ ٦٩ أ، و\"التفسير الكبير\" ٢٩/ ٢٣٧، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ٢٥٧.\n(٤) انظر: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٩٩، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٣١٤.\n(٥) انظر: \"التفسير الكبير\" ٢٩/ ٢٣٨.","vol":"21","page":306},{"text":"والذي يوجب نفي الأسى والفرح من هذا أن الإنسان إذا علم أن ما قضي عليه من مفرح (١) أو محزن سيصيبه لا محالة قَلَّ فرحه وحزنه لاستشعاره العلم بذلك قبل وقوعه.\nقوله تعالى: ﴿مَا آتَاكُمْ﴾ قراءة العامة بالمد من الإيتاء، وقرأ أبو عمرو مقصورًا من الإتيان (٢) عادل به ﴿فَاتَكُمْ﴾ فكما أن الفعل للفائت في قوله: ﴿فَاتَكُمْ﴾ كذلك يكون الفعل الذي في قوله: ﴿مَا آتَاكُمْ﴾ والعائد إلى الموصول من الكلمتين الذكر المرفوع بأنه فاعل، ووجه قراءة العامة أن الخير الذي يأتيهم هو مما يعطيه الله فإذا قد كان ذلك منسوبًا إلى الله وهو المعطي لذلك، ويكون فاعل الفعل في (آتاكم) ضميرًا عائدًا إلى اسم الله، والهاء محذوفة من الصلة تقديره: بما آتاكموه (٣).\nقال المبرد: المعنى في قوله: ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾ أي لا يكون منكم في هذا ولا في هذا ما يجاوز مقدار ما ينبغي فيه (٤).\nوشرحه الزجاج فقال: معناه: لا تحزنوا حزنًا يطغيكم حتى يخرجكم إلى أن تلزموا أنفسكم الهلكة، ولا تعتدوا بثواب ما تسلبونه وما فاتكم،\n_________\n(١) في (ك): (مفراج).\n(٢) قرأ الجمهور ﴿آتَاكُمْ﴾ بالمد، وقرأ أبو عمرو ﴿أَتَاكُمْ﴾ انظر: \"النشر\" ٢/ ٣٨٤، و\"الإتحاف\" ص ٤١١.\n(٣) انظر: \"الحجة للقراء السبعة\" ٦/ ٢٧٥ - ٢٧٦، و\"حجة القراءات\" ص ١٠٧ - ٢٠٧.\n(٤) انظر: \"التفسير الكبير\" ٢٩/ ٢٣٩، والظاهر أن الرازي ﵀ خلط بين كلام المبرد وكلام الزجاج حيث ذكر ما شرح به الزجاج كلام المبرد ونسبه للمبرد، والصواب ما ذكره المؤلف هنا.","vol":"21","page":307},{"text":"ولا تفرحوا فرحًا شديدًا تأثروا فيه وتبطروا، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ فدل بهذا أنه ذم الفرح الذي يختال فيه صاحبه ويبطر، فأما الفرح بنعمة الله والشكر عليها فغير مذموم (١). وهذا كله معنى ما روى عكرمة عن ابن عباس: ليس أحد إلا وهو يفرح ويحزن، ولكن اجعلوا للمصيبة صبرًا وللخير شكرًا (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4498>٢٤ </span>- قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ هذه الآية مستأنفة لا تتعلق بما قبلها لأنها في صفة اليهود الذين كتموا صفة محمد ﵇ وبخلوا ببيان فعته، قاله ابن عباس في رواية عطاء والكلبي ومقاتل (٣)، والآية مفسرة في سورة النساء (٤). و(الذين) ابتداء وخبره محذوف دل عليه قوله: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ على تقدير الذين يبخلون الله غني عنهم (٥).\nقال ابن عباس: ومن يتول عن الإيمان فإن الله غني عن عبادته، حميد إلى أوليائه (٦).\nوقال مقاتل: يعني بخل اليهود حين بخلوا بالزكاة والنفقة في سبيل الله. يقول الله غني عما عندهم حميد عند خلقه (٧).\n_________\n(١) انظر: \"معاني القرآن\" ٥/ ١٢٨.\n(٢) انظر: \"جامع البيان\" ٢٧/ ١٣٦، و\"التفسير الكبير\" ٢٩/ ٢٣٩، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٣١٤.\n(٣) انظر: \"تنوير المقباس\" ٥/ ٣٦٣، و\"تفسير مقاتل\" ١٤٢ أ، و\"التفسير الكبير\" ٢٩/ ٢٤.\n(٤) عند تفسيره الآية (٣٧) من سورة النساء.\n(٥) انظر: \"إعراب القرآن\" للنحاس ٣/ ٣٦٧، و\"مشكل إعراب القرآن\" ٢/ ٧١٩.\n(٦) انظر: \"تنوير المقباس\" ٥/ ٣٦٣، و\"الوسيط\" ٤/ ٢٥٣.\n(٧) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٤٢ أ.","vol":"21","page":308},{"text":"والذي ذكرنا من حذف الخبر قول الأخفش، قال: وحذف الخبر كير في القرآن كقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ﴾ [الرعد: ٣١] الآية، ولم يأت له خبر (١)، وقراءة العامة ﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ وقرأ ابن عامر (فإن الله الغني) (٢). ومن أثبت (هو) كان فصلًا، ولا يكون مبتدأ والفصل حذفه أسهل، ألا ترى أنه لا موضع للفصل من الإعراب وقد يحذف فلا يخل بالمعنى (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4499>٢٥ </span>- قوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ﴾ قال مقاتل بن حيان: البينات: الإخلاص لله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة إلى ذلك دعت الرسل (٤). فالبينات على قول ابن سليمان الحجج (٥)، وعلى قول ابن حيان الأحكام في العبادة، والأول الوجه (٦)؛ لقوله (٧): ﴿وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ﴾، والكتاب يتضمن الأحكام.\nقوله تعالى: ﴿وَالْمِيزَانَ﴾ قال قتادة وابن حيان: الميزان: العدل (٨).\n_________\n(١) انظر: \"معاني القرآن\" للأخفش ٢/ ٤٠٧.\n(٢) قرأ الجمهور ﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ﴾ وقرأ نافع وابن عامر وأبو جعفر (فإن الله الغني) انظر: \"النشر\" ٢/ ٣٨٤، و\"الإتحاف\" ص ٤١١.\n(٣) انظر: \"الحجة للقراء السبعة\" ٦/ ٢٧٦.\n(٤) انظر: \"التفسير الكبير\" ٢٩/ ٢٤.\n(٥) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٤٢ أ، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٩٩.\n(٦) يظهر من قول المؤلف \"والمعدل الوجه\" سقط في العبارة قبل قوله: قال مقاتل بن حيان. ولعل العبارة كما في \"تفسير مقاتل بن سليمان\" هكذا (قال مقاتل بن سليمان: البينات: يعني الآيات).\n(٧) في (ك): (كقوله).\n(٨) انظر: \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٢٧٥، و\"الوسيط\" ٤/ ٢٥٣، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٩٩.","vol":"21","page":309},{"text":"ويكون المعنى على. هذا وأمرنا بالعدل، وهذا كقوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ﴾ [الشورى: ١٧] وقد مر.\nوقال مقاتل بن سليمان: يعني الموازين (١). وهو قول ابن زيد. قال: ما يوزن (٢) به.\nوعلى هذا المعنى أنزلنا معهم الكتاب ووضعنا الميزان فيكون من باب:\nعلفتها تبنًا وماء باردًا (٣)\nوأكلت خبزًا ولبنًا.\nوقد مر في مواضع، يدل على صحة هذا قوله: ﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ﴾ [الرحمن: ٦].\nقوله: ﴿لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ أي: ليتبعوا ما أمروا به من الطاعة والعدل فتعملوا بينهم بالعدل.\n﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ﴾ قال الكلبي: أنزل الله على آدم القلاة والمطرقة\n_________\n(١) انظر: \"الوسيط\" ٤/ ٢٥٣، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٩٩، والذي في \"تفسير مقاتل\" أن المراد بالميزان يعني العدل. انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٤٢ أ.\n(٢) انظر: \"جامع البيان\" ٢٧/ ١٣٧، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ٢٦.\n(٣) ورد في \"البيت\" في \"الخصائص\" ٢/ ٤٣١، و\"الخزانة\" ٣/ ١٣٩، و\"إيضاح الشعر\" للفارسي ص ٥٧٣، و\"الإنصاف\" ص ٦١٣، ونسبه إلى ذي الرمة وليس في ديوانه. وفي \"أوضح المسالك\" ٢/ ٢٤٥، رقم (٢٥٨) قال محققه: ولم أقف له على نسبة إلى قائل معين، ثم ذكر ثلاثة تخريجات للبيت ومن قال بكل قول. وتمام البيت:\nحتى شتت حمالة عيناها\nوانظر: \"زاد المسير\" ٨/ ٢١٢، و\"البحر المحيط\" ١/ ٢٤٧، و\"شذرات الذهب\" الشاهد رقم (١١٥).","vol":"21","page":310},{"text":"والكلبتين (١).\nوروي عن ابن عباس: نزل آدم من الجنة معه خمسة أشياء من الحديد: السندان والكلبتان والميقعة والمطرقة والإبرة (٢).\nويدل على صحة هذا ما روى ابن عمر أن النبي -ﷺ- قال: \"إن الله -﷿- أنزل أربع بركات من السماء إلى الأرض: أنزل الحديد، والنار، والماء، والملح\" (٣) هذا مذهب المفسرين.\nوذهب قوم إلى أن معنى أنزلنا الحديد أنشاناه وأحدثناه، كقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ [الزمر: ٦] وهو معنى قول مقاتل يقول: بأمرنا كان الحديد (٤)، وهذا قول أبي علي الفارسي.\nوقال قطرب: معنى أنزلنا هيأنا وخلقنا من التنزل - يقال: أنزل الأمير على فلان نزلًا حسنًا (٥)، ومعنى الآية: أنعمنا بالحديد وجعلناه مهيأ لكم\n_________\n(١) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ١٣٦، والقلاة هي السَّندان وهي الصَّلاءَةُ، و\"اللسان\" ٦/ ٢١٥ (سند). والكلبتان: الآلة التي تكون مع الحدادين، \"اللسان\" ٢/ ٢٨٤ (كلب).\n(٢) انظر: \"الكشف والبيان\" ١٢/ ٧٠ أ، و\"التفسير الكبير\" ٢٩/ ٢٤١ - ٢٤٢، والميقَعةُ: ما دُفعَ به السيف، وقيل: الميقعة المسن الطويل، و\"اللسان\" ٣/ ٩٦٨ (وقع).\n(٣) أخرجه الثعلبي في \"تفسيره\" ١٢/ ٧٠ ب، وقال ابن حجر: وفي إسناده من لا أعرفه. \"تخريج أحاديث الكشاف\" ٤/ ١٦٤، وفي \"ضعيف الجامع\" ٣/ ٧٧: موضوع، وفي \"الطب النبوي\" لابن القيم ص ٣٩٦، قال: ذكره البغوي مرفوعًا والموقف أشبه.\n(٤) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٤٢ أ.\n(٥) انظر: \"الكشف والبيان\" ١٢/ ٧٠ أ - ب، و\"الوسيط\" ٤/ ٢٥٣، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٠٠، و\"التفسير الكبير\" ٢٩/ ٢٤٢.","vol":"21","page":311},{"text":"وهذا القول قريب من قول أبي علي.\nقوله تعالى: ﴿فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ قال أبو إسحاق: يمتنع به ويحارب (١) به، وهو قول المفسرين: فيه قتال شديد، قاله عطاء والكلبي (٢).\nوقال مقاتل: بأس شديد للحرب (٣)، والمعنى: أنه يتخذ منه آلتان للحرب: آلة الدفع، وآلة الضرب، وقد جمعهما مجاهد في قوله: جُنَّة وسلاح (٤).\nقوله تعالى: ﴿وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ قال المقاتلان والكلبي: ما ينتفعون به في معايشهم مثل السكاكين والفأس والمبرد (٥).\nوقال عطاء عن ابن عباس: لأن كل شيء خلقه الله من حجر أو شجر لا يصلح إلا بالحديد (٦).\nوقال أبو إسحاق: يستعملونه في أدواتهم وما ينتفعون به (٧).\nقال صاحب النظم قوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ كل هذا معترض بين قوله: ﴿لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ﴾؛ لأن قوله: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ﴾ لا يتصل بإنزال الحديد وهو نسق على قوله: ﴿لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ (٨).\n_________\n(١) انظر: \"معاني القرآن\" ٥/ ١٢٩.\n(٢) انظر؛ \"تنوير المقباس\" ٥/ ٣٦٤، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٠٠، وعبارتهما (قوة شديدة).\n(٣) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٤٢ أ.\n(٤) انظر: \"تفسير مجاهد\" ٢/ ٦٥٨، و\"جامع البيان\" ٢٧/ ١٣٧.\n(٥) في (ك): (المدّ)، وانظر: \"تنوير المقباس\" ٥/ ٣٦٤.\n(٦) لم أجده.\n(٧) انظر: \"معاني القرآن\" ٥/ ١٢٦.\n(٨) انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ٢٦١، و\"الدر المصون\" ١/ ٢٥٣.","vol":"21","page":312},{"text":"والمعنى: أنزلنا الكتاب والميزان لتعامل بالعدل وليعلم الله من ينصره وذلك أن الله تعالى أمر في كتابه بنصرة دينه ورسله وامتحن الناس بذلك الأمر، فمن (١) نصر دينه ورسله علمه ناصرًا، ومن عصى علمه بخلاف ذلك. وعلى هذا إنزال الحديد وما يتعلق به فصل معترض.\nولأبي النصر عبد الجبار بن محمد العتبي الكاتب -﵀- فصل في هذه الآية خلاف ما ذكره صاحب النظم؛ وهو أنه قال: كان يختلج في صدري معنى قوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ﴾ إلى قوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ﴾ لجمعه بين الكتاب، والميزان، والحديد، على تنافر طردها من المناسبة، وبعدها قبل الرؤية والاستنباط عن المشاكلة والمقاربة، وسألت عنه عدة من أعيان العلماء بالتفسير والمشهورين من بينهم بالتذكير فلم أحصل منهم على جواب يزيح العلة، ويشفي الصدر، وينقع الغلة، حتى أعملت التفكر، وأنعمت التوبر، فوجدت الكتاب قانون الشريعة ودستور الأحكام الدينية يبين سبل المراشد، ويفصل جمل الفرائض، ويريهن مصالح الأبدان والنفوس، ويتضمن جوامع الأحكام والحدود، قد خطر فيه التعادي والتظالم، والتباغي والتخاصم، وأمر بالتناصف والتعادل في أقسام الأرزاق المخرجة لهم بين رجع السماء وصدع الأرض، ليكون ما لِصل منها إلى أهل الخطاب بحسب الاستحقاق بالتكسب دون التغلب والتوثب، واحتاجوا في استدامة حياتهم بأقواتهم مع النصفة المندوب إليها إلى استعمال آلة العدل التي يقع بها التعامل، ويعم معها التساوي والتعادل، فألهمم الله -﷿- اتخاذ الآلة التي هي الميزان فيما يأخذونه\n_________\n(١) (فمن) زيادة يقتضيها السياق.","vol":"21","page":313},{"text":"ويعطونه لئلا يتظالموا لمخالفته فيهلكوا به إذا لم يكن ينتظم لهم عيش مع شيوع ظلم البعض منهم للبعض، ويدل على هذا المعنى قوله جل ذكره: ﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ﴾ [الرحمن: ٧] وذلك أنه تعالى جعل السماء سببًا للأرزاق والأقوات من أنواع الحبوب والنبات فكان ما يخرج منها من أغذية العباد مضطرًا إلى أن يكون اقتسامه بينهم على الإنصاف دون الجزاف، ولم يكن ذلك إلا بالآلة المذكورة، فنبه الله -﷿- على موقع الفائدة فيه والفائدة به بتكرير ذكره هذا في الكتاب والميزان، ثم إنه من المعلوم أن الكتاب الجامع للأوامر الإلهية والآلة الموضوعة للتعامل بالسوية، إنما تحفظ العامي على ابتغاها ويضطر العالم إلى التزام أحكامها بالسيف الذي هو حجة الله على من جحد ونزع من صفقه الجماعة اليد، وهو بارق سطوته، وشهاب نقمته، وجذوة عقابه، وعذبة عذابه، وهذا السيف هو الحديد الذي وصفه الله بالبأس الشديد، فجمع بالقول الوجيز معاني كثيرة النقوب، متدانية الجيوب، حكمة المطالع، مقومة المبادئ والمقاطع. انتهى كلامه.\nوهذا الذي ذكره من أن المراد بالحديد السيف هو معنى ما ذكرنا من قول المفسرين في تفسير قوله: ﴿بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾.\nوقوله: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ﴾ قد مضى الكلام في بيان هذا العلم في مواضع، والمفسرون يقولون: وليرى الله من ينصره وينصر دينه، كقوله تعالى: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾ [محمد: ٧].\n﴿وَرُسُلَهُ﴾ أي يقاتل مع رسله في سبيله ﴿بِالْغَيْبِ﴾ أي ولم ير الله ولا أحكام الآخرة وإنما يحمد إذا أطاع بالغيب، كما قال الله تعالى ﴿يُؤَمنُونَ","vol":"21","page":314},{"text":"بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة: ٣].\n﴿إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ﴾ في أمره، ﴿عَزِيزٌ﴾ في ملكه. قال مقاتل (١): وفيه بيان أنه غني عن خلقه وعن نصرتهم بعزه وقوته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4500>٢٧ </span>- وما بعد هذا ظاهر ومفسر فيما تقدم، إلى قوله: ﴿وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾ قال ابن عباس يريد الحواريين وأتباعهم (٢).\n﴿رَأْفَةً وَرَحْمَةً﴾ قال مقاتل (٣): يعني المودة كانوا متوادين بعضهم لبعض كما وصف الله تعالى أصحاب محمد -ﷺ- بقوله ﴿رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩].\nقوله تعالى: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً﴾ هي اسم مبني من الرهبة، وقد مضى الكلام في تفسير الرهبان (٤)، قال أبو إسحاق: وابتدعوا رهبانية كما تقول: رأيت زيدًا وعمرًا كلمته (٥).\nوقال أبو علي: قوله: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً﴾ محمول على فعل، كأنه قال: وابتدعوا رهبانية ابتدعوها، ألا ترى أن الرهبانية لا يستقيم حملها على جعلنا (٦) مع وصفه إياها، بقوله: ابتدعوها؛ لأن ما يجعله هو -﷿- لا\n_________\n(١) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٤٢ ب، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٠.\n(٢) انظر: \"الوسيط\" ٤/ ٢٥٤، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ٢٦٢.\n(٣) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٤٢ ب، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٠.\n(٤) الآية (٤٠) من سورة البقرة. رهب، يرهب، رهبًا: أي خاف، والراهب: المتعبد في الصومعة.\nوأصل الرهبانية من الرهبة ثم صارت اسمًا لما فضل عن المقدار وأفرط فيه. \"اللسان\" ١/ ١٢٣٧ (رهب).\n(٥) انظر: \"معاني القرآن\" ٥/ ١٣.\n(٦) في (ك): (جعلها).","vol":"21","page":315},{"text":"يتبدعونه هم (١).\nومعنى ﴿ابْتَدَعُوهَا﴾ جاءوا بها من قبل أنفسهم، وهو معنى قوله: ﴿مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ﴾ قال ابن عباس: ما فرضناها عليهم (٢).\nومعنى رهبانيتهم غلوهم في العبادة من حمل المشاق على أنفسهم في الامتناع من المطعم والمشرب والملبس والنكاح، والتعبد في الغيران والكهوف والديارات والصوامع، وسبب ذلك على ما قال المفسرون: أن ملوكهم بدلوا غيروا وأحدثوا أحداثًا في دينه وقاتلوهم الذين بقوا على دينهم، فقتل منهم الكثير ولم يبق إلا نفر قليل، فذهب هؤلاء النفر وخرجوا إلى البراري والجبال متبتلين، وابتدعوا الرهبانية (٣).\nقوله تعالى: ﴿إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ﴾ قال ابن عباس: يريد طلبوا رضي الله (٤).\nوقال قتادة: ابتدعوها ابتغاء رضوان الله (٥)، وعلى هذا يكون التقدير: ما كتبناها عليهم لكن ابتدعوها ابتغاء رضوان الله، فيكون استثناء منقطعًا.\nوقال أبو إسحاق: ويكون ﴿ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ﴾ بدلًا من الهاء\n_________\n(١) انظر: \"التفسير الكبير\" ٢٩/ ٢٤٥، و\"فتح القدير\" ٥/ ١٧٨.\n(٢) انظر: \"تنوير المقباس\" ٥/ ٣٦٥، و\"الوسيط\" ٤/ ٢٥٤، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ٢٦٣، ونسبه لابن زيد.\n(٣) انظر: \"جامع البيان\" ٢٧/ ١٣٨، سنن النسائي، كتاب آداب القضاة، باب: تأويل قوله -﷿- ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ١٠٣، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٣١٥ - ٣١٦.\n(٤) انظر: \"تنوير المقباس\" ٥/ ٣٦٥، و\"التفسير الكبير\" ٢٩/ ٢٤٦.\n(٥) انظر: \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٢٧٦، و\"جامع البيان\" ٢٧/ ١٣٨.","vol":"21","page":316},{"text":"والألف (١)، فيكون المعنى: ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله، وابتغاء رضوان الله اتباع ما أمر به (٢) (٣)، هذا كلامه. ومعناه على هذا أن الابتغاء بدل من الضمير في كتبناها، كما تقول: ما رأيت القوم إلا زيدًا، والمعنى: ما كتبنا الرهبانية عليهم إلا ابتغاء رضوان الله، وهو أن يطلبوا رضاه باتباع أمره (٤).\nقوله تعالى: ﴿فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أن هؤلاء الذين ذكرهم الله ووصفهم بتصنع الرهبانية وترك رعايتها هم قوم كفروا بدين عيسى وتهودوا وتنصروا من هؤلاء الذين أحدثوا الرهبانية ودخلوا في دين ملوكهم وتركوا الترهب وهو قول مقاتل، قال: لم يرعوها ولا أحسنوا حين تهودوا وتنصروا فأقام أناس منهم على دين عيسى حتى أدركوا محمدًا -ﷺ- فآمنوا به، فهو قوله: ﴿فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ الذين تهودوا وتنصروا (٥).\nونحو هذا روى ابن مسعود عن النبي -ﷺ- قال: \"منهم من تمسك بدينه وهم الذين قال الله ﴿فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ﴾ ومنهم من كفر، وهو قوله: ﴿وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ (٦) وهذا قول الضحاك ورواية عطاء عن ابن\n_________\n(١) من الهاء والألف في (كتبناها).\n(٢) في (ك): (أمره).\n(٣) انظر: \"معاني القرآن\" ٥/ ١٣.\n(٤) انظر: \"التفسير الكبير\" ٢٩/ ٢٤٦، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ٣٦٣.\n(٥) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٤٢ أ، و\"التفسير الكبير\" ٢٩/ ٢٤٦.\n(٦) هذا الحديث ذكره المؤلف بالمعنى، وهو حديث طويل أخرجه الحاكم في كتاب التفسير، سودة الحديد. وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وقال الذهبي: قلت ليس بصحيح فإن الصعق وإن كان موثقًا فإن شيخه منكر الحديث. =","vol":"21","page":317},{"text":"عباس (١).\nالقول الثاني: أن الذين لم يرعوها حق رعايتهم (٢) الذين أدركوا محمدًا -ﷺ- ولم يؤمنوا به (٣).\nقوله تعالى: ﴿فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ﴾ أي آمنوا بمحمد -ﷺ-، ﴿وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ يعني الذين لم يؤمنوا به، يدل على هذا ما روي أن النبي -ﷺ- قال: \"من آمن بي وصدقني واتبعني فقد رعاها حق رعايتها ومن لم يؤمن بي فأولئك هم الهالكون\" (٤).\nالقول الثالث: أن الصالحين من قوم عيسى ابتدعوا الرهبانية وانقرض على ذلك طائفة منهم، وخلف بعدهم قوم اقتدوا بهم ولم يكونوا على منهاجهم، فهم الذين لم يرعوها حق رعايتها وهذا قول ابن عباس في رواية سعيد (٥)، وعطاء.\n_________\n= قال البخاري: وفي كتاب \"السنة\" لابن أبي عاصم ١/ ٣٥، وقال عنه محققه: إسناده ضعيف جدًّا، ورجاله ثقات غير عقيل الجعدي، فإنه ضعيف جدًّا كما يفيده قول البخاري فيه: منكر الحديث. قال: والحديث أخرجه الطبراني في الصغير والكبير والحاكم في \"صحيحه\"، ورده الذهبي بالجعدي، لكن للحديث في كبير الطبراني إسناد آخر عن ابن مسعود خير من هذا.\n(١) انظر: \"الكشف والببان\" ١٢/ ٧١ ب، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٠١، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ٢٦٣.\n(٢) كذا في (ك)، ولعل الصواب (رعايتها).\n(٣) انظر: \"التفسير الكبير\" ٢٩/ ٢٤٦.\n(٤) جزء من الحديث السابق، وقد أخرجه الثعلبي في \"تفسيره\" ١٢/ ٧١ ب، وفي سنده: عقيل الجعدي أيضًا.\n(٥) انظر: \"جامع البيان\" ٢٧/ ١٣٨.","vol":"21","page":318},{"text":"قال عطاء: لم يرعوها كما رعاها الحواريون وأتباعهم (١).\nوقال سعيد: ابتدعها (٢) الصالحون فما رعوها حق رعايتها، يعني الآخرين الذين جاؤوا من بعدهم ﴿فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ﴾ يعني الذين ابتدعوها ﴿وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ الذين جاؤا من بعدهم (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4501>٢٨ </span>- قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾ خطاب لأهل الكتاب من اليهود والنصارى (٤) بقوله: يا أيها الذين آمنوا بموسى وعيسى اتقوا الله في محمد -ﷺ- وآمنوا به ﴿يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ﴾ ضعفين وأجرين ونصيبين ﴿مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ وذكرنا تفسير الكفل في سورة النساء (٥).\nقوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ﴾ قال ابن عباس: يعني على الصراط، وهو قول مقاتل (٦)، وقال مجاهد: يعني الهدى والبيان (٧).\nوذكر أبو إسحاق القولين فقال: ويجعل لكم نورًا تمشون به كما قال\n_________\n(١) انظر: \"التفسير الكبير\" ٢٩/ ٢٤٦.\n(٢) كذا في (ك) ولعل الصواب (ابتدعها).\n(٣) انظر: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٠١٢، غرائب القرآن ٢٧/ ١٤١.\n(٤) قال ابن عباس والضحاك وعتبة بن أبي حكيم، وهو اختيار ابن جرير انظر: \"جامع البيان\" ٢٧/ ١٤٠، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٣١٧.\n(٥) عند \"تفسيره\" الآية (٨٥) من سورة النساء. والكفل: الحظَّ والضَّعف من الأجر والإثم، والكفل: النصيب أخذ من قولهم: اكتفلت البعير إذا أدرت على سنامه أو على موقع من ظهره كساء وركبت عليه، وإنما قيل له كفل؛ لأنه لم يستعمل الظهر كله. انظر: \"تهذيب اللغة\"، و\"اللسان\" ٣/ ٢٧١، (كفل).\n(٦) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٤٣ أ، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٥٣، و\"فتح القدير\" ٥/ ١٧٩.\n(٧) انظر: \"تفسير مجاهد\" ٢/ ٦٥٨، و\"جامع البيان\" ٢٧/ ١٤٢، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ٢٦٧.","vol":"21","page":319},{"text":"﴿نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ [التحريم: ٨] وهذا علامة المؤمنين في القيامة. قال: ويجوز أن يكون المعنى: ويجعل لكم سبيلا واضحًا من الهدى تهتدون به (١).\nوعد الله تعالى لمن آمن من أهل الكتاب أجرين اثنين أجرًا لإيمانهم بالنبي، والكتاب الأول وأجرًا لإيمانهم بالنبي محمد -ﷺ- والكتاب الثاني، كما قال في موضع آخر ﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾ [القصص: ٥٤] الآية. ووعدهم أن يجعل لهم نورًا وأن يغفر لهم ما سلف من ذنوبهم قبل الإيمان بمحمد -ﷺ- وهو قوله تعالى: ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4502>٢٩ </span>- ولما نزل هذا وآمن من آمن منهم حسدهم الذين لم يؤمنوا فأنزل الله تعالى، قوله تعالى: ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ﴾ أي لأن يعلم ولا صلة في قول الجميع (٢) ﴿أَهْلُ الْكِتَابِ﴾ يعني الذين لم يؤمنوا بمحمد -ﷺ- وحسدوا المؤمنين منهم ﴿أَلَّا يَقْدِرُونَ﴾ يعني أنهم لا يقدرون ﴿عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ والمعنى: جعلنا الأجرين لمن آمن بمحمد -ﷺ- ليعلم الذين لم يؤمنوا منهم أنهم لا أجر لهم ولا نصيب لهم في فضل الله ﴿وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ فآت المؤمنين منهم أجرين.\nقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ يتفضل على من يشاء من عباده المؤمنين، وهذا الذي ذكرنا معنى قول قتادة (٣).\n_________\n(١) انظر: \"معاني القرآن\" ٥/ ١٣١.\n(٢) انظر: \"معاني القرآن\" للأخفش، ٢/ ٤٧٠، و\"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ١٣٧، و\"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٥٤.\n(٣) انظر: \"تفسر عبد الرزاق\" ٢/ ٣٧٦، و\"جامع البيان\" ٢٧/ ١٤٣، و\"إعراب القرآن\" للنحاس ٣/ ٣٧٠، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٠٣.","vol":"21","page":320},{"text":"وهذه آية مشكلة، وليس للمفسرين ولا لأهل المعاني فيها بيان ينتهى إليه ويلفق (١) به بين هذه الآية والتي قبلها، وأقوالهم مختلفة متدافعة، وأقربها إلى الفهم وأحسنها قول قتادة (٢)، وقد بان واتضح المعنى فيما ذكرنا، والله المَحمود بمنه.\n_________\n(١) التلفيق بين شيئين: ضم أحدهما إلى الآخر، ويقال للرجلين لا يفترقان هما لَفقَان \"اللسان\" ٣/ ٣٨٢ (لفق).\n(٢) وهو اختيار ابن جرير وابن كثير. انظر: \"جامع البيان\" ٢٧/ ١٤٢، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٣١٧.","vol":"21","page":321},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4503>سورة المجادلة</span>","vol":"21","page":323},{"text":"تفسير سورة المجادلة\nبسم الله الرحمن الرحيم\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4504>١ </span>- ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ الآية. قال المفسرون (١): نزلت هذه الآيات من أول هذه السورة في خولة بنت ثعلبة (٢)، وزوجها أوس بن الصامت (٣)، وكان به لمم (٤)، فاشتد به لممه ذات يوم فظاهر منها ثم ندم على ذلك -وكان الظهار طلاقًا في الجاهلية- (٥) وقال لها: ما أراك\n_________\n(١) ومن قال به: ابن عباس، وعائشة، وقتادة، والقرظي، ومجاهد، وغيرهم.\nانظر: \"تنوير المقباس\" ٦/ ٤، و\"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٢٧٧، و\"جامع البيان\" ٢٨/ ٢، و\"أسباب النزول\" للواحدي ص ٤٣٣، و\"زاد المسير\" ٨/ ١٨٠، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٣١٨.\n(٢) خولة بنت ثعلبة بن أصرم الأنصارية الخزرجية. ويقال لها: خويلة، بالتصغير، لها وقفة مع عمر بن الخطاب؟ في خلافته تناصحه وتذكره وتعظه، وقد سمع منها -﵄- حتى انتهت من كلامها. انظر: \"الطبقات الكبرى\" لابن سعد ٨/ ٣٧٨، و\"الإصابة\" ١٢/ ٢٣١، و\"التقريب\" ٢/ ٥٩٦.\n(٣) أوس بن الصامت الأنصاري الخزرجي، شهد بدرًا، وأحدًا، والخندق، والمشاهد كلها مع رسول الله -ﷺ- مات في خلافة عثمان وله خمس وثمانون. انظر: \"الطبقات الكبرى\" ٣/ ٥٤٧، و\"الإصابة\" ١/ ٢٢٠، و\"التقريب\" ١/ ٨٥.\n(٤) ليس المراد باللمم هنا الخبل والجنون، إذ لو كان كذلك ثم ظاهر في تلك الحال لم يكن يلزمه شيء، وإنما المراد به الإلمام بالنساء، وشدة الحرص والتوقان إليهن. انظر: \"اللسان\" ٣/ ٢٩٧ (لمم)، و\"التفسير الكبير\" ٢٩/ ٢٤٩.\n(٥) انظر: \"المغني\" ١٠/ ٤٠٠، و\"فتح الباري\" ٩/ ٤٣٢، و\"نيل الأوطار\" ٦/ ٢٢٠، و\"الفقه على المذاهب الأربعة\" ٤/ ٤٩.","vol":"21","page":325},{"text":"إلا وقد حرمت عليّ، فقالت: والله ما ذكرت طلاقًا، ثم أتت رسول الله -ﷺ- فقالت: يا رسول الله: أوس بن الصامت أبو ولدي، وابن عمي، وأحب الناس إليّ، ظاهر مني، والله ما ذكر طلاقًا. فقال رسول الله -ﷺ-: \"ما أراك إلا قد حرمتِ عليه\"، فأعادت عليه وقالت: والله يا رسول الله ما ذكر طلاقًا، أشكو إليك وحشتي وفراق زوجي، فقال رسول الله -ﷺ-: \"حرمتِ عليه\". فهتفت، وشكت، وبكت، وجعلت تراجع رسول الله -ﷺ-. فبينا هي في ذلك إذ تربد (١) وجه رسول الله -ﷺ- للوحي ونزل عليه قوله: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ﴾، قالت عائشة ﵂: تبارك الذي وسع سمعه كل شيء، إنيّ لأسمع كلام خولة بنت ثعلبة، ويخفى عليّ بعضه، وهي تحاور رسول الله -ﷺ- فما برحت حتى نزل جبريل بهذه الآيات (٢).\nقوله تعالى: ﴿قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ أي: تجادلك في قول زوجها وكلامه، وهي أن النبي -ﷺ- كلما قال لها: \"حرمتِ عليه\"؛ قالت: والله ما ذكر طلاقًا، فكان هذا مجادلتها النبي -ﷺ- في زوجها.\nقوله تعالى: ﴿وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ﴾ يعني قولها: أشكو إلى الله فاقتي\n_________\n(١) الرُبْدَةُ: الغُبرة، وقيل: لون إلى الغبرة، وقيل: لون بين السواد والغبرة. وهي في حقه -ﷺ- لما يعانيه وقت نزول الوحي. انظر: \"النهاية\" ٢/ ٥٨ (ربد)، و\"اللسان\" ١/ ١١٠٥ (ربد).\n(٢) رواه الإمام أحمد في \"مسنده\" ٦/ ٤١٠، وابن ماجه في \"سننه\" المقدمة، باب: فيما أنكرت الجهمية (١١٨)، والحاكم ٢/ ٤١١، وقال: صحيح الإسناد، وأقره الذهبي، والواحدي في \"أسباب النزول\" ص ٤٧١، وذكره الوادعي في \"الصحيح المسند من أسباب النزول\" ص ١٤٩، قلت: المؤلف كما هي عادته -﵀ - يذكر الأحاديث والأقوال بالمعنى، ولهذا قل أن تجد حديثًا أو قولًا يخرج عن هذا، والله أعلم.","vol":"21","page":326},{"text":"ووحدتي، وإن لي صبية صغارًا إن ضممتهم إليه ضاعوا، وإن ضممتهم إليّ جاعوا. وجعلت تتضرع وترفع رأسها إلى السماء وتقول: اللهم إني أشكو إليك.\nقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا﴾ أي تخاطبكما ومراجعتكما الكلام. والتحاور والمحاورة: مراجعة الكلام في المخاطبة، يقال: حاور فلانًا في المنطق، وأحرت إليه جوابًا، وكلمته فما أحار بكلمة، أي: ما أجاب. والحوير اسم من المحاورة. تقول: سمعت حويرهما وحوارهما (١).\nوقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ﴾ قال ابن عباس: سميع لمن يناجيه ويتضرع إليه.\n\n﴿بَصِيرٌ﴾ بمن يشكو إليه <span data-type=\"title\" id=toc-4505>(٢)</span>.\n٢ - ثم ذم الظهار والمظاهر فقال: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ أي: يقولون لهن: أنتن كظهور أمهاتنا، وذكرنا القراءات واللغات في (تظاهرون) في ابتداء سورة الأحزاب (٣).\n_________\n(١) انظر: \"تهذيب اللغة\" ٥/ ٢٢٧ (حور)، و\"اللسان\" ١/ ٧٥١ (حور).\n(٢) لم أجده عن ابن عباس، أو غيره. وانظر: \"الوسيط\" ٤/ ٢٥٩.\n(٣) عند تفسيره الآية (٤) من سورة الأحزاب. وقرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، ويعقوب ﴿تَظَاهِرُونَ﴾ بفتح التاء وتشديد الهاء والظاء، بلا ألف، وكذا هنا في المجادلة، وقرأ عاصم بضم التاء، وفتح الظاء، وألف بعدها، وكسر الهاء مخففة. وقرأ حمزة، والكسائي، وابن عامر، وخلف، وأبو جعفر بفتح الياء وتشديد الظاء بعدها ألف مع فتح الهاء مخففة. وفي لأحزاب قرأ حمزة، والكسائي، وخلف بفتح التاء، والهاء، وتخفيف الظاء، وألف بعدها. وقرأ ابن عامر في الأحزاب بضم التاء، وتشديد الظاء، وألف بعدها، وكسر الهاء مع تخفيفها. \"حجة القراءات\" ص ٧٠٣، و\"النشر\" ٢/ ٣٤٧، و\"الإتحاف\" ص ٣٥٣.","vol":"21","page":327},{"text":"قوله تعالى: ﴿مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ﴾. قال أبو إسحاق: المعنى: ما اللواتي يجعلن من الزوجات كالأمهات بأمهات (١). وقراءة العامة: ﴿مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ﴾ بكسر التاء، وهي في موضع نصب على خبر ما، المعني: ليس هن بأمهاتهم، فلما ألقيت الباء نصبت، وهي لغة الحجاز كقوله: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾ [يوسف: ٣١]، قال الفراء: أهل نجد إذا ألقوا الباء رفعوا فقالوا: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾ ﴿مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ﴾ وأنشد:\nويزعم حسل أنه فرع قومه ... وما أنت فرع يا حسيل ولا أصل (٢)\nوبهذه اللغة قرأ المفضل بن عاصم فرفع الأمهات (٣)، وهو لغة تميم. قال سيبويه: وهو أقيس الوجهين، وذلك أن النفي كالاستفهام، فكما لا يغير الاستفهام الكلام عما كان عليه في الواجب، فكذلك ينبغي أن لا يغيره النفي عما كان عليه في الواجب، وأما النصب فهو لغة أهل الحجاز، والأخذ بلغتهم في التنزيل أولى (٤)، ووجهه أن (ما) يدخل على الابتداء والخبر كما أن (ليس) تدخل عليهما، و(ما) تنفي ما في الحال كما أن (ليس) تنفي ما في الحال، وقد رأيت الشبهين إذا قاما في شيء من شيء\n_________\n(١) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ١٣٤.\n(٢) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ١٣٩، و\"الإنصاف في مسائل الخلاف\" ٢/ ٦٩٤، ولم أجد البيت منسوبًا لقائل، والشاهد في قوله:\nوما أنت فرع يا حسيل ولا أصل\nفإنه أهمل (ما)، فلم يرفع بها الاسم وينصب الخبر على لغة تميم.\n(٣) انظر: \"الكشاف\" ٤/ ٧١، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ٢٧٩، و\"البحر المحيط\" ٨/ ٢٣٢، وذكر أبو زرعة وجه قراءة الرفع دون ذكر خلاف في القراءة. انظر: \"حجة القراءات\": ٣٧٠.\n(٤) انظر: \"الكتاب\" ١/ ٢٩، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ٢٧٩.","vol":"21","page":328},{"text":"جذباه إلى حكم ما فيه الشبهان منه، فمن ذلك جميع ما لا ينصرف مع كثرته واختلاف قوته لما حصل فيه شبهان من الفعل صار بمنزلة في امتناع الجر والتنوين منه فكذلك (ما) لما حصل فيه الشبهان من ليس وجب على هذا أن يكون في حكمها وتعمل عملها (١).\n\nقوله تعالى: ﴿إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ﴾ مضى الكلام في: ﴿اللَّائِي﴾ في سورة الأحزاب عند قوله: ﴿وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي﴾ الآية (٢). والمعنى: ما أمهاتهم إلا الوالدات ﴿وَإِنَّهُمْ﴾ يعني المظاهرين ﴿لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ﴾ قال ابن عباس: فظيعًا <span data-type=\"title\" id=toc-4506>(٣)</span>.\nوقال مقاتل: لا يعرف ذلك في الشرع ﴿وَزُورًا﴾ كذبًا (٤).\n﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ عفا عنهم وغفر لهم بجعله الكفارة عليهم.\n\n٣ - قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾، (الذين) رفع بالابتداء، وخبرهم: فعليهم تحرير رقبة، ولم يذكر عليهم لأن (٥) في الكلام دليلًا عليه. قاله الزجاج، وقال: وإن شئت أضمرت فكفارتهم تحرير رقبة (٦).\n_________\n(١) انظر: \"الحجة\" للقراء السبعة ٦/ ٢٧٧، و\"معاني الحروف\" لأبي الحسن الرماني ص ٨٨.\n(٢) من الآية (٤) من سورة الأحزاب، حيث قرأ ابن عامر، وعاصم، وحمزة، والكسائي، وخلف (اللائي) بإثبات ياء ساكنة بغير الهمزة. وقرأ الباقون (اللاي) بغير مد ولا همز. انظر: \"حجة القراءات\" ص ٥٧١، و\"النشر\" ١/ ٤٠٤، و\"الإتحاف\" ص ٤١٢.\n(٣) انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ٢٧٩، ولم ينسبه لقائل. وفي \"تنوير المقباس\" ٦/ ٦، قال: (قبيحًا).\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ١٤٤ ب، و\"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٢٧٨، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٠٤، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ٢٧٩.\n(٥) في (ك): (لأنه) والصواب ما أثبته.\n(٦) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ١٣٤.","vol":"21","page":329},{"text":"وقوله: ﴿يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ معناه: يمتنعون منهن بهذا اللفظ، أي من جماعهن، وقد ذكرنا أن هذا مأخوذ من لفظ: الظهر (١).\nقال صاحب النظم: ليس قول الرجل لامرأته: أنت عليّ كظهر أمي. مأخوذًا من الظهر الذي هو عضو من الجسد، لأنه لو كان المراد بهذا القول الظهر بعينه لم يكن الظهر أولى من سائر الأعضاء التي هي مواضع المباضعة والتلذذ، والظهر هاهنا مأخوذ من العلو، ومنه قوله تعالى: ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ﴾ [الكهف: ٩٧]، أي يعلوه، وكل من علا شيئًا فقد ظهره، وبه سمي المركوب ظهرًا، لأن راكبه يعلوه، وكذلك امرأة الرجل ظهره، لأنه يعلوها بذلك البضع وإن لم يكن من ناحية الظهر، وكأن امرأة الرجل للرجل مركب وظهر، ويدل على صحة هذا المعنى أن العرب تقول في الطلاق: نزلت عن امرأتي، أي: طلقتها، وفي قولهم: أنت عليّ كظهر أمي حذف وإضمار؛ لأن تأويله: ظهرك عليّ، أي: ملكي إياك وعلوي حرام كما علوي أمي وملكها حرام عليّ (٢).\nقوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ أكثر الاختلاف في معنى العود المذكور هاهنا، فمذهب الشافعي -﵀- أن معنى العود لما قالوا: السكوت عن الطلاق بعد الظهار زمانًا يمكنه أن يطلق فيه، وذلك أنه إذا ظاهر فقد قصد التحريم، فإن وصل ذلك بالطلاق، فقد جرى على ما ابتدأه من إيقاع التحريم وأتمه، ولا كفارة عليه، وإذا سكت عن الطلاق فذلك للندم منه على ما ابتدأ به من التحريم فهو عود إلى ما كان عليه، فحينئذٍ\n_________\n(١) عند تفسيره الآية (٤) من سورة الأحزاب. وانظر: \"المفردات\" ص ٣١٨ (ظهر)، و\"اللسان\" ٢/ ٦٥٩ (ظهر).\n(٢) انظر: \"التفسير الكبير\" ٢٩/ ٢٥١، و\"غرائب القرآن\" ٢٩/ ٨.","vol":"21","page":330},{"text":"تجب عليه الكفارة (١)، ويدل على هذا أن ابن عباس -﵀- فسر العود في هذه الآية بالندم، فقال في قوله: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ يريد يندمون فيرجعون إلى الألفة والرجعة (٢).\nوقال الفراء: يعودون لما قالوا وإلى ما قالوا وفيما قالوا. معناه: يرجعون عما قالوا، قال: ويجوز في العربية أن تقود: عاد لما فعل، أي: فعله مرة أخري، ويجوز عاد لما فعل. أي: نقض ما فعل (٣).\nوهذا الذي قاله الفراء يبين صحة ما ذهب إليه الشافعي، لأن المعنى عنده: ثم يعودون لما قالوا بالنقض، وهو السكوت عن الطلاق، وعلى هذا ﴿مَا قَالُوا﴾ لفظ الظهار، ويجوز أن يكون معنى ﴿مَا قَالُوا﴾ المقول فيه. والمقول فيه هو النساء، وما قالوا والمقالة والقول واحد في المعنى. و(ما) هاهنا للمصدر والمفعول يسمى بالمصدر كثيرًا كقولهم: ضرب الأمير، ونسج اليمن. هذا الذي ذكرنا بيان مذهب الشافعي في هذه الآية (٤).\nوقال قتادة: فمن حرمها ثم يريد أن يعود لها يطأها ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ (٥) وهذا مذهب أبي حنيفة وأهل العراق. قالوا: معنى العود: هو العزم على الوطء، فإذا عزم على وطئها ونوى أن يغشاها كان عودًا ويلزمه الكفارة (٦).\n_________\n(١) انظر: \"الأم\" ٥/ ٢٦٥، و\"المجموع\" ١٧/ ٣٦١، \"الفقه على المذاهب الأربعة\" ٤/ ٥٠٧، و\"نيل الأوطار\" ٦/ ٢٢٢.\n(٢) انظر: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٠٥، و\"روح المعاني\" ٢٨/ ٧.\n(٣) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ١٣٩.\n(٤) انظر: \"الأم\" ٥/ ٢٦٥، وما بعدها، و\"المجموع\" ١٧/ ٣٦٢.\n(٥) انظر: \"جامع البيان\" ٢٨/ ٧، و\"الكشف والببان\" ١٢/ ٧٧ أ.\n(٦) انظر: \"البحر الرائق\" ٤/ ٩٧، و\"تبيبن الحقائق شرح كنوز الدقائق\" ٣/ ٣، و\"أحكام القرآن\" لابن العربي ٤/ ١٧٥٢.","vol":"21","page":331},{"text":"وقال مقاتل: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ يعني الذي حرموا من الجماع (١). وهو قول الحسن.\n﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ قال: الغشيان في الفرج، ونحو ذلك قال طاووس، والزهري. قالا: الوطء، وإلى هذا ذهب مالك. فقال: إن وطئها كان عودًا (٢).\nقال أصحابنا: العود المذكور هاهنا صالح للجماع كما قال مالك، وللعزم على الجماع كما (٣) قال أهل العراق، ولترك الطلاق كما قال الشافعي (٤)، وهو أول ما ينطلق عليه اسم العود، فيجب تعليق الحكم به، لأنه الظاهر، وما زاد عليه يعرف بدليل آخر (٥).\nوقال أبو العالية: إذا كرر اللفظ بالظهار كان عودًا، وإن لم يكرر لم يكن عودًا (٦)، وإلى هذا ذهب أهل الظاهر، فجعلوا العود تكرير لفظ الظهار، واحتجوا بأن ظاهر قوله: ﴿يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ يدل على إعادة لفظ الظهار مرة أخرى (٧).\n_________\n(١) لم أجده عن مقاتل.\n(٢) انظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص ٣/ ٤١٨، و\"المغني\" ١١/ ٧٣، و\"المحلى\" ١٠/ ٥١، قال صح ذلك عن طاوس وقتادة، والحسن، والزهري، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ٢٨٠، و\"الفروع\" لابن مفلح ٥/ ٤٩٤.\n(٣) (كما) ساقطة من (ك).\n(٤) انظر: \"التفسير الكبير\" ٢٩/ ٢٥٧.\n(٥) وقال الإمام أحمد: العود الغشيان إذ أراد أن يغشى كفر. \"حاشية الدسوقي على الشرح الكبير\" ٢/ ٣٩٦، والعود عند مالك هو العزم على الوطء.\n(٦) انظر: \"جامع البيان\" ٢٨/ ٧، و\"الكشف\" ١٢/ ٧٧ أ، و\"الجامع\" ١٧/ ٢٨.\n(٧) انظر: \"المحلى\" ١٠/ ٥١ - ٥٢، و\"المغني\" ١١/ ٧٤، و\"أحكام القرآن\" للجصاص ٣/ ٤١٦.","vol":"21","page":332},{"text":"قال أبو علي الفارسي: وليس في هذا ظاهر كما ادعوا، لأن العود على ضربين:\nأحدهما: أن يصير إلى شيء قد كان عليه قبل فتركه ثم صار إليه.\nوالآخر: أن يصير إلى شيء وان لم يكن على ذلك قبل.\nوكأن هذا الوجع غمض عليهم، وهذا عند من خوطب بالقرآن، كالوجه الأول في الظهور. وفي أنهم يعرفونه كما يعرفون ذلك، فمن ذلك قول الهذلي (١):\nوعاد الفتى كالكهل ليس بقائل ... سوى الحق شيئًا فاستراح العواذل\nمعناه: وصار، وكذلك قول العجاج:\nويصحبني حتى كاد ... يعود بعد أعظم أعوادًا\nوقال امرئ القيس:\nوماء كون الزيت قد عاد آجنًا ... قليل به الأصوات ذي كلإ مخلي (٢)\nوسميت الآخرة المعاد ولم يكن فيها أحد، ثم صار إليها. وهذا إذا تتبع كثير جدًّا (٣).\nقال أبو إسحاق -وذكر هذا المذهب فقال-: قال بعض الناس: لا\n_________\n(١) هو: أبو خراش، واسمه خويلد بن مرة، شاعر مخضرم، أدرك الإسلام شيخًا كبيرًا فأسلم، وحسن إسلامه، ويعد من أبرز شعراء هذيل، ومات في زمن عمر بن الخطاب؟ متأئرًا بنهشة حية. انظر: \"الشعر والشعراء\" ٢/ ٦٣٣، و\"الأغاني\" ٢١/ ٢٠٤، و\"الخزانة\" ١/ ٢١١، و\"الإصابة\" ٢/ ٣٦٤، و\"معجم الشعراء الجاهليين والمخضرمين\" ص ١٥٦، والبيت في \"ديوان الهذليين\" ٢/ ١٥٠، وروايته (العدل) بدلًا من (الحق) \"المسائل الحلبيات\" ص ٢٤.\n(٢) انظر: \"الديوان\": ٤١٣، و\"الخزانة\" ٥/ ١٢١، و\"تهذيب اللغة\" ٧/ ٣١.\n(٣) انظر: \"مشكل إعراب القرآن\" ٢/ ٧٢٢.","vol":"21","page":333},{"text":"تجب الكفارة حتى يقول ثانية: أنصت عليّ كظهر أمي، وهذا قول من لا يدري اللغة، وهو خلاف قول أهل العلم أجمعين (١)، هذا الذي ذكرنا مذهب المفسرين والفقهاء.\nوأما أهل المعاني فإن أبا الحسن الأخفش قال: تقدير الآية: والذين يظاهرون من نسائهم فتحرير رقبة لما قالوا ثم يعودون إلى نسائهم (٢). أي: فعليهم تحرير رقبة لما قالوا، أي: لما نطقوا به من ذكر التحريم الموجب الامتناع من الوطء إلا بعد التكفير، والجار في قوله: ﴿لِمَا قَالُوا﴾ متعلق بالمحذوف الذي هو خبر الابتداء وهو عليهم.\nوقوله: ﴿يَعُودُونَ﴾ أي: إلى نسائهم، يعني: إلى وطئهن الذي كانوا حرموه على أنفسهم بالظهار منهن، وأما التقديم والتأخير الذي قدره في الآية فهو كثير جدًا كقوله: ﴿اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا﴾ [النمل: ٢٨] الآية. والمعنى: فألقه إليهم فانظر ماذا يرجعون ثم تول عنهم. هذا قول الأخفش. وشرحه أبو علي (٣).\nقال أبو إسحاق: وهذا مذهب حسن (٤)، وقال ابن قتيبة: أجمع الناس على أن الظهار (٥) يقع بلفظ واحد، وتأويل قوله: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ هو أن أهل الجاهلية كانوا يطلقون بالظهار، فجعل الله حكم الظهار في الإسلام خلاف حكمه عندهم في الجاهلية فقال: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ\n_________\n(١) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ١٣٥.\n(٢) انظر: \"معاني الأخفش\" ٢/ ٧٠٥، وذِكرُ المؤلف له هنا بالمعنى.\n(٣) انظر: \"شرح الأبيات المشكلة الأعراب\" لأبي علي الفارسي ١/ ١٠٠ - ١٠٢.\n(٤) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ١٣٥.\n(٥) في (ك): (الظاهر).","vol":"21","page":334},{"text":"نِسَائِهِمْ﴾ يريد في الجاهلية ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ في الإسلام يعودون لما كانوا يقولونه من هذا الكلام (١) ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ م﴾ وهذا القول هو اختيار صاحب النظم، وشرحه فقال: المعنى: والذين كانوا يظاهرون من نسائهم قبل الإسلام ثم يعودون في الإسلام لمثل هذا القول فيظاهرون من نسائهم. ثم ذكر ما أوجب في ذلك في الإسلام من الحكم، والعرب تضمر كان كقوله: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ﴾ [البقرة: ١٠٢] أي: ما كانت تتلو الشياطين فأضمر كانت (٢).\nقوله تعالى ﴿لِمَا قَالُوا﴾ قال الأخفش: لما قالوا، وإلى ما قالوا واحد، يقال: عدت إلى ذاك، وعدت لذاك (٣)، قال أبو علي: إلى واللام يتعاقبان (٤) كقوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا﴾ [الأعراف: ٤٣] وقال: ﴿فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٢٣] وقال: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ [الزلزلة: ٥]. وقال: ﴿وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ﴾ [هود: ٣٦].\nقوله: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ قالوا أراد رقبة مؤمنة؛ لأنه قيد في كفارة\n_________\n(١) انظر: \"تفسير غريب القرآن\" ص ٤٥٦ - ٤٥٧.\n(٢) وبه قال الثوري -﵀- ذكره الرازي في \"تفسيره\" ٢٩/ ٢٥٧، ثم قال: وهذا القول ضعيف، لأنه تعالى ذكر الظهار، وذكر العود بعده بكلمة (ثم) وهذا يقتضي أن يكون المراد من العود شيئًا غير الظهار، فإن قالوا: المراد والذين كانوا يظاهرون من نسائهم قبل الإسلام والعرب تضمر لفظ كاند .. قلنا: الإضمار خلاف الأصل. وانظر: \"غرائب القرآن\" ٢٨/ ١٣.\n(٣) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ١٣٩، و\"إعراب القرآن\" للنحاس ٣/ ٣٧٣، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ٢٨٢، وليس في \"معاني القرآن\" للأخفش.\n(٤) انظر: \"التفسير الكبير\" ٢٩/ ٢٥٦، و\"غرائب القرآن\" ٢٨/ ١١.","vol":"21","page":335},{"text":"القتل (١) وأطلق هاهنا، والمطلق يحمل على المقيد ويفسر به (٢).\nقوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ أي: يجامعا، وذكر الكلام في هذا عند قوله: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ (٣) فلا يجوز للمظاهر أن يطأها قبل التكفير، وإنما قيل ﴿قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ بعد قوله: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ﴾ لأن المراد به الزوجان، فعاد الكلام إليهما؛ لأن الجماع بينهما، والظهار يختص به الرجال، فأخبر عن الرجال أولًا، فلما انتهى الكلام إلى ذكر المسببين عاد إلى الزوجين لما ذكرنا.\n\nقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ﴾ قال أبو إسحاق: المعنى ذلك التغليظ في الكفارة توعظون به <span data-type=\"title\" id=toc-4507>(٤)</span>. أي: تؤمرون به من الكفارة ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ من التكفير وتركه ﴿خَبِيرٌ﴾.\n٤ - ثم ذكر حكم العاجز عن الرقبة فقال: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ﴾ أي الرقبة ﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ﴾ أي فكفارته، أو فعليه صيام شهرين ﴿مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ﴾ الصيام فكفارته إطعام ﴿سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾.\nوهذه الأنواع من الكفارات كلها قبل المسيس، فإن جامع قبلها أتى محرمًا ويكون قد أخر الكفارة عن وقتها إلى غير وقتها، ثم يأتي بها على وجه\n_________\n(١) وذلك في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: ٩٢].\n(٢) وبه قال مالك، والشافعي، وأحمد في رواية. انظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص ٣/ ٤٣٥، و\"المغني\" ١١/ ٨١، و\"الأم\" ٥/ ٢٦٦.\n(٣) عند تفسيره الآية (٢٣٧) من سورة البقرة. وانظر: \"المفردات\" ص ٤٦٧، و\"اللسان\" ٣/ ٤٨٣ (مس).\n(٤) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ١٣٥.","vol":"21","page":336},{"text":"القضاء (١)، وفروع هذه المسألة يذكرها الفقهاء (٢)، ولا موضع لذكرها هاهنا.\nوذكر الله الكفارة بالعتق، والصيام، فنص فيها على ما قبل الجماع بقوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾، ولم يذكر في الإطعام أنه قبل التماس، وذلك أنه لما ذكر في الإعتاق وانه قبل التماس ألحق به الإطعام، لأن زمانهما لا يطول، وأعاد في الكفارة بالصوم أنها قبل التماس، لأنه بخلاف الإعتاق، ولطول مدة الصوم فلم يمكن أن يلحق الصيام بالإعتاق في أنه قبل المسيس لو لم يذكر ذلك لمخالفتهما في طول المدة وقصرها (٣).\nقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ﴾ قال أبو إسحاق: ذلك في موضع رفع. المعنى: الفرض ذلك الذي وصفنا ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾، لتصدقوا ما أتى به الرسول، وتصدقوا أن الله أمر به (٤).\nوقال صاحب النظم: المعنى فعلنا ذلك لتؤمنوا بالله ورسوله (٥)؛ لأن هذه اللام تقتضي سببًا تكون هي وما بعدها جوابا له.\n﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ يعني ما وصف من الكفارة في الظهار.\nقوله تعالى: ﴿وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ قال ابن عباس: لمن جحد هذا وكذب به (٦).\n_________\n(١) قال ابن قدامة: هذا قول أكثر أهل العلم، و\"المغني\" ١١/ ١١.\n(٢) راجع تفصيل هذه المسألة في: \"الأم\" ٥/ ٢٦٥، و\"المجموع\" ١٧/ ٣٦٦، و\"شرح فتح القدير\" لابن الهمام ٤/ ٢٤٩.\n(٣) انظر: \"الانتصاف بما تضمنه الكشاف من الاعتزال\" ٤/ ٧٢.\n(٤) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ١٣٦.\n(٥) انظر: \"إعراب القرآن\" للنحاس ٣/ ٣٧٤.\n(٦) انظر: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٧.","vol":"21","page":337},{"text":"قال المقاتلان: فلما نزلت الآيات علي النبي -ﷺ- بعث إلى زوجها أوس بن الصامت فقال: \"أعندك تحرير رقبة؟ \" قال: لا أجد يا رسول الله. قال: \"أفتطيق صوم شهرين متتابعين؟ \" قال: يا رسول الله إني إذا لم آكل كل دوم ثلاث مرات كلّ بصري -وكان يشتكي بصره- فقال: \"أعندك طعام ستين مسكينا؟ \" قال: لا يا نبي الله إلا بصلة منك وعون، فأعانه النبي ﵇ بخمسة عشر صاعًا (١). وجاءا بمثلها من قبلهم، فذلك ثلاثون صاعًا لستين لكل مسكين نصف صاع.\nوقال عكرمة: لما نزل الوحي على رسول الله -ﷺ- بهذه الآيات، قال للمرأة التي أتته: \"ابشري فقد أنزل الله فيك وفيه، مريه فليعتق رقبة\". قالت: أنّى يا رسول الله، وما يخدمني غيره، ولا يخدمه غيري. قال: \"فليصم شهرين متتابعين\". قالت: أنى ولولا أنه يأكل في اليوم كذا وكذا لذهب بصره. قال: \"مريه فليطعم ستين مسكينًا\". قالت: أنى يا رسول الله وإنما هي وجبة. فقال النبي -ﷺ-: \"مريه فليأت فلانة فليأخذ شطر وسيق فليتصدق به\". قالت: فلما رآني أوس مقبلة قال: ما وراءك؟ قلت: خير وأنت ذميم، قد أمرك رسول الله -ﷺ- أن تأتي فلانة فتأخذ منها شطر وسق فتصدف به (٢). قالت: فانطلق من عندي وعهدي به لا يحمل خمسة أصوع فأتى بشطر وسق يحمله على ظهره حتى طرحه.\n_________\n(١) أورده الثعلبي في \"تفسيره\" ١٣/ ٧٥ أ - ب، وأخرج ابن مردويه عن أنس نحوه، و\"الدر\" ٦/ ١٨٠، وأخرجه الدارقطني من حديث أنس أيضًا، و\"الجامع\" ١٧/ ٢٧١.\n(٢) أخرجه ابن جرير مختصرًا عن ابن عباس من طريق عكرمة، وأخرجه البغوي عن عطاء بألفاظ متقاربة، واين سعد عن عمران عن أنس. انظر: \"جامع البيان\" ٢٨/ ٣، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٠٦، و\"الدر\" ٦/ ١٨١.","vol":"21","page":338},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4508>٥ </span>- قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ قال المفسرون: يحادون، يخالفون، ومعنى المحادة المخالفة في الحدود (١)، قال أبو إسحاق: معنى يحادون الله أي: هم في غير الحد الذي فيه أولياء الله، وكذلك (يشاقون) (٢) وقد مر (٣).\nوقال المبرد: أصل المحادة الممانعة، ومنه يقال للبواب حداد، وللممنوع الرزق محدود (٤). وتقدم الكلام في هذا عند قوله: ﴿مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ﴾ في سورة التوبة (٥).\nقوله تعالى: ﴿كُبِتُوا﴾ قال عطاء والسدي: لعنوا (٦). وقال المقاتلان: أخزوا كما أُخزي من كان قبلهم من أهل الشرك (٧). قال ابن عباس: يعني المنافقين (٨).\n_________\n(١) انظر: \" الكشف والبيان\" ١٢/ ٧٨ أ، و\"الوسيط\" ٤/ ٢٦٣.\n(٢) انظر: \"معاني القرآن\" ٥/ ١٣٦، قال: .. وكذلك يشاقون يكونون في الشق الذي فيه أعداء الله.\n(٣) عند تفسيره الآية (١١٥) من سورة النساء.\n(٤) انظر: \"التفسير الكبير\" ٢٩/ ٢٦٢.\n(٥) عند تفسيره الآية (٦٣) من سورة التوبة.\n(٦) نسبه القرطبي في \"جامعه\" ١٧/ ٢٨٨ للسدي، وفي كتاب \"اللغات في القرآن\" ص ٤٦، نسبه لابن عباس وقال: هي لغة مذجح.\n(٧) أخرجه عبد الرزاق، وابن جرير، وعبد بن حميد، وابن أبي حاتم عن قتادة، وهو اختيار ابن جرير.\nانظر: \"تفسير مقاتل\" ١٤٤ ب، و\"جامع البيان\" ٢٨/ ٩، و\"فتح الباري\" ٨/ ٦٢٨، وزاد نسبه تخريج ابن أبي حاتم له عن مقاتل بن حيان. \"الدر\" ٦/ ١٨٣.\n(٨) انظر: \"التفسير الكبير\" ٢٩/ ٢٦٢، و\"الجامع\" ١٧/ ٢٨٨، ولم ينسب لقائل.","vol":"21","page":339},{"text":"وقال الفراء: غيظوا وأحزنوا يوم الخندق (١)، وعلى هذا يعني المشركين.\nوقال الزجاج: أُذِلُّوا وأُخزوا بأن غلبوا (٢).\nقال المبرد: يقال كبت الله فلانًا إذا أذله. والمردود بالذل يقال له: مكبوت (٣)، وقد تكلمنا في هذا الحرف عند قوله: ﴿أَوْ يَكْبِتَهُمْ﴾ (٤).\nقوله تعالى: ﴿وَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ قال ابن عباس: يريد فرائض قيمة معروفة (٥). ﴿وَلِلْكَافِرِينَ﴾ قال: يريد لمن لم يعمل بها ولم يصدق بها ﴿عَذَابٌ مُهِينٌ﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4509>٦ </span>- ثم بين أن ذلك العذاب متى يكون فقال: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا﴾.\nوقوله: ﴿أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ﴾ قال مقاتل: حفظ الله أعمالهم ونسوا هم (٦).\n\n٧ - قوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ قد ذكر أن النجوى مصدر عند قوله: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ﴾ (٧). ويجوز أن يوصف به كما يقال: قوم نجوى، ومنه قوله -﷿-: ﴿وَإِذْ هُمْ نَجْوَى﴾\n_________\n(١) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ١٣٩.\n(٢) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ١٣٦.\n(٣) انظر: \"التفسير الكبير\" ٢٩/ ٢٦٢، ولم أجده في مؤلفات المبرد.\n(٤) عند تفسيره الآية (١٢٧) من سورة آل عمران.\n(٥) المعنى ظاهر، ولم أجد من عزاه لابن عباس.\n(٦) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٤٤ ب، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٧.\n(٧) عند تفسيره الآية (١١٤) من سورة النساء. وانظر: \"معاني الزجاج\" ٢/ ١٠٤.","vol":"21","page":340},{"text":"[الإسراء: ٤<span data-type=\"title\" id=toc-4510>٧]</span>، والمعنى هم ذوو نجوى فحذف المضاف وكذلك كل مصدر وصف به.\nفأما قوله: ﴿مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ﴾ قال أبو علي: يحتمل جر ﴿ثَلَاثَةٍ﴾ أمرين:\nأحدهما: أن يكون مجرورًا بإضافة ﴿نَجْوَى﴾ إليه كأنه ما يكون من سرار ثلاثةٍ، ويجوز أن يكون ﴿ثَلَاثَةٍ﴾ جرًا على الصفة على قياس قوله: ﴿وَإِذْ هُمْ نَجْوَى﴾ (١) وهذا معنى قول الفراء: ﴿ثَلَاثَةٍ﴾ إن شئت خفضتها على أنها من نعت النجوى، وإن شئت أضفت النجوى إليها (٢)، وبيانه أن النجوى إن جعلتها مصدرًا أضفتها إلى ثلاثة، وإن جعلتها بمعنى المتناجين جعلت (ثلاثة) صفة لها.\nقال أبو إسحاق: ﴿نَجْوَى﴾ مشتق من النجوة، وهي ما ترتفع وتَنَحَّى (٣). والمتناجيان يتناجيان ويخلوان بسرهما كخلو المرتفع من الأرض عما يتصل به.\nومعنى ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ﴾ أي ما يكون من خلوة ثلاثة يسرون شيئًا ويتناجون به (٤). ومعنى قول المفسرين في النجوى أنها إسرار. قال ابن عباس: ما من شيء تناجي به صاحبك (٥).\n_________\n(١) انظر: \"الحجة\" ٦/ ٢٧٩، و\"مثسكل إعراب القرآن\" ٢/ ٧٢٣، و\"الكشاف\" ٤/ ٧٤.\n(٢) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ١٤٠، و\"اللسان\" ٣/ ٥٩٣ (نجا).\n(٣) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ١٣٧.\n(٤) انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ٢٩.\n(٥) انظر: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٠٧، ولم ينسبه لقائل. ومن عبارة البغوي يتضح السقط هنا، ولعل العبارة: ما من شيء تناجي به صاحبيك إلا هو رابعهم. والله أعلم.","vol":"21","page":341},{"text":"وقوله: ﴿إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ أي: إلا هو عالم به، وعلمه معهم لا يخفى عليه ذلك كما قال: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ﴾ [التوبة: ٧<span data-type=\"title\" id=toc-4511>٨]</span>، وكقوله: ﴿فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ (١) والمعنى: أن نجواهم معلومة عنده، كما تكون معلومة عند الرابع الذي يكون معهم.\n٨ - قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى﴾ قال المفسرون: إن المنافقين واليهود كانوا يتناجون فيما بينهم، ويوهمون المؤمنين أنهم يتناجون فيما يسوءهم فيحزنون لذلك، فلما طال ذلك وكثر، شكوا إلى رسول الله -ﷺ- فأمرهم أن لا يتناجوا دون المسلمين ولم ينتهوا عن ذلك وعادوا إلى مناجاتهم، فأنزل الله هذه الآية (٢).\nقوله تعالى: ﴿وَيَتَنَاجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ يحتمل وجهين:\nأحدهما: أن الإثم والعدوان مخالفتهم الرسول في النهي عن النجوى، فلما عادوا إلى ما نهاهم عنه لزمهم الإثم والعدوان وصاروا آثمين ظالمين.\nوالثاني: أن الإثم والعدوان ذلك السر الذي يجري بينهم، لأنه إما مكر وكيد بالمسلمين، أو شيء يسؤهم فهو إثم وعدوان (٣).\n_________\n(١) من آية (٧) من سورة طه. قال ابن كثير -﵀-؛ (ولهذا حكى غير واحد الإجماع على أن المراد بهذه الآية معية علمه تعالى، ولا شك في إرادة ذلك، ولكن سمعه أيضًا مع علمه محيط بهم، وبصره نافد فيهم، فهو -﷿- مطلع على خلقه لا يغيب عنه من أمورهم شيء)، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٣٢٢.\n(٢) انظر: \"الكشف والبيان\" ١٢/ ٧٨ ب، عن ابن عباس، و\"أسباب النزول\" للواحدي ص ٤٧٤ عن ابن عباس، و\"الجامع\" ١٧/ ٢٩١.\n(٣) انظر: \"التفسير الكبير\" ٢٩/ ٢٦٦.","vol":"21","page":342},{"text":"وقراءة العامة ﴿وَيَتَنَاجَوْنَ﴾ من التفاعل لقوله: ﴿وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ﴾ وقوله: ﴿إِذَا تَنَاجَيْتُمْ﴾، وقرأ حمزة (وينتجون) (١)، وانتجى، وتناجى بمعنى واحد، ويفتعلون ويتفاعلون يجريان مجرى واحدًا نحو اختصموا وتخاصموا، واقتتلوا وتقاتلوا. ولا يكون في قوله: ﴿تَنَاجَيْتُمْ * وَتَنَاجَوْا﴾ ردٌّ لقراءة حمزة، لأن الانتجاء في مساغه وجوازه مثل التناجي (٢).\nقوله تعالى: ﴿وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ﴾ قال المقاتلان: وذلك أن الرسول -ﷺ- كان قد نهاهم عن النجوى فعصوه (٣). وقال أبو إسحاق: يوصي بعضهم بعضًا بمعصية الرسول (٤). والقولان هاهنا كما ذكرنا في الإثم والعدوان.\nقوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ﴾. قال المفسرون: يعني اليهود كانوا يأتون النبي -ﷺ- فيقولون: السام عليك والسام الموت (٥). وهم يوهمونه أنهم يقولون: السلام عليكم، فأخبر الله نبيه بذلك في قوله: ﴿حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ﴾ (٦) وذكر معنى التحية في سورة النساء (٧).\n_________\n(١) قرأ حمزة، ورويس (ينتجُون) بالنون، وضم الجيم من غير ألف على (يفتعلون). وقرأ الباقون (يتناجون) بتاء ونون مفتوحتين وألف وفتح الجيم. انظر: \"حجة القراءات\" ص ٧٠٤، و\"النشر\" ٢/ ٣٨٥، و\"إتحاف فضلاء البشر\" ص ٤١٢.\n(٢) انظر: \"الحجة\" لأبي علي ٦/ ٢٧٩ - ٢٨٥، و\"حجة القراءات\": ٧٥٤.\n(٣) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٤٥ أ، و\"الكشف والبيان\" ١٢/ ٧٩ أ، وأخرجه ابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان، و\"الدر\" ٦/ ١٨٤.\n(٤) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ١٣٧.\n(٥) انظر: \"اللسان\" ٢/ ٢٤٦ (سوم).\n(٦) أخرج الإمام أحمد في \"المسند\" ٢/ ٤٥٥ والبيهقي في \"شعب الإيمان\" بسند جيد، و\"الدر\" ٦/ ١٨٤، و\"أسباب النزول\" للواحدي ص ٤٧٤ وأخرجه ابن أبي حاتم عن عائشة، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٣٢٣.\n(٧) عند تفسيره الآية (٨٦) سورة النساء.","vol":"21","page":343},{"text":"قوله: ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ﴾ قال المقاتلان: قالت اليهود: إن كان هؤلاء لا يعلمون ما نقول لهم فإن الله يعلم ما نقول فلو كان نبيًا لعذبنا الله بما نقول، فهلا يعذبنا الله بما نقول لمحمد إن كان نبيًّا، فأنزل الله ﴿حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4512>٩ </span>- ثم نهى المنافقين عن التناجي فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ قال ابن عباس: يريد آمنوا بزعمهم (٢).\nوقال مقاتل: يعني المنافقين (٣).\nوقوله: ﴿فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ﴾ تقدم تفسيره.\nقوله: ﴿وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ قال مقاتل: بالطاعة وترك المعصية (٤).\nثم خوفهم نقال: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ فيجزيكم بأعمالكم. وذكر بعض المفسرين أن هذه الآية خطاب للمؤمنين، وأنهم نهوا أن يفعلوا كفعل المنافقين واليهود، وهو اختيار أبي إسحاق. قال: يقول ولا تكونوا كاليهود والمنافقين (٥) والأول الوجه.\n_________\n(١) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٤٥ أ، و\"الكشف\" ٧٩/ ١٢ أ، ب، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٠٨.\n(٢) انظر: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٠٨، ونسبه لعطاء، و\"الجامع\" ١٧/ ٢٩٤، ولم ينسبه لقائل.\n(٣) انظر: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٠٨، و\"التفسير الكبير\" ٢٩/ ٢٦٧، قلت: والمعنى الظاهر أن الخطاب للمؤمنين على الحقيقة من الصحابة رضوان الله عليهم، وهذا ما اعتمده ابن جرير، وابن كثير، ولم يذكرا غيره.\nانظر: \"جامع البيان\" ٢٨/ ١٢، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٣٢٣.\n(٤) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٤٥ ب.\n(٥) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ١٣٨، وهو اختيار ابن جرير، وابن كثير، كما تقدم ذكره، وانظر: \"روح المعاني\" ٢٨/ ٢٧.","vol":"21","page":344},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4513>١٠ </span>- ثم ذكر أن ما يفعله اليهود والمنافقون من جهة الشيطان، وأن ذلك لا يضر المؤمنين، فقال: ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ﴾ قال مقاتل: من تزيين الشيطان (١) ﴿لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي: إنما يزين لهم ذلك ليحزن الذين آمنوا، وذلك أن المؤمنين إذا رأوهم متناجين قالوا: ما نراهم إلا وقد بلغهم عن أقربائنا وإخواننا الذين خرجوا في السرايا قتل أو موت أو هزيمة، فيقع ذلك في قلوبهم ويحزنون له (٢).\nقال الله تعالى: ﴿وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا﴾ أي وليس النجوى بضارهم. قال أبو إسحاق: أي ليس يضر التناجي المؤمنين شيئًا، ويجوز أن يكون المعنى: وليس بضارهم الشيطان شيئًا، ﴿إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ أي إلا ما أراد الله -﷿- (٣).\nقال مقاتل: يقول إلا بإذن الله في الضر (٤).\nقوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ أي يكلون أمورهم إلى الله، ويستعيذون به من الشيطان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4514>١٢ </span>- قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ﴾ (٥)\n_________\n(١) انظر: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٠٨، و\"الجامع\" ١٧/ ٢٩٥، ولم أجده في \"تفسير مقاتل\".\n(٢) وهو سبب نزول الآية كما قال قتادة -﵀- وأخرجه الأئمة عنه باختصار. انظر: \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٢٧٩، و\"جامع البيان\" ٢٨/ ١٢، و\"إعراب القرآن\" للنحاس ٣/ ٣٧٨، وقال: أصح ما قيل فيه قول قتادة ..، و\"التفسير الكبير\" ٢٩/ ٢٦٧.\n(٣) انظر: \"معاني الزجاج\" ٥/ ١٣٨.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ١٤٥ ب.\n(٥) كذا كتبها المؤلف (المجلس) على الإفراد. وهي قراءة الجمهور. وقرأ عاصم (المجالس) على الجمع. انظر: \"حجة القراءات\" ص ٧٠٤، و\"النشر\" ٣/ ٣٨٥.","vol":"21","page":345},{"text":"الآية. قال مقاتل بن حيان: كان النبي -ﷺ- في الصفة وفي المكان ضيق وذلك يوم الجمعة، وكان يكرم أهل بدر من المهاجرين والأنصار، فجاء أناس من أهل بدر وقد سبقوا إلى المجلس فقاموا حيال النبي -ﷺ- ينتظرون أن يوسع لهم فعرف ما يحملهم على القيام فلم يفسح لهم، وشق ذلك على النبي -ﷺ- فقال لمن حوله من غير أهل بدر: قم يا فلان، قم يا فلان، وأنت يا فلان. فلم يزل يقيم بعدة النفر الذين هم قيام بين يديه، وشق ذلك على من أقيم من مجلسه وعرف الكراهية في وجوههم وطعن في ذلك المنافقون، وقالوا: والله ما عدل على هؤلاء، إن قومًا أخذوا مجالسهم وأحبوا القرب من نبيهم فأقامهم وأجلس من أبطأ عنه، فأنزلت هذه الآية يوم الجمعة (١).\nقوله: ﴿تَفَسَّحُوا﴾ قال أبو عبيدة: توسعوا (٢).\nوقال الليث: الرجل يفسح لأخيه في المجلس فسحًا إذا وسع له، والقوم يتفسحون إذا مَكَّنُوا، والفساحة السعة. يقال: بلد فسيح ومفازة فسيحة، ولك فيه فسحة، أي: سعة، هذا كلامه (٣).\nوالمستعمل من هذا الحرف أربعة أوجه. فسح يفسح فسحًا إذا وسع في المجلس. يقال: أفسح لي، أي: وسّع، وفسح يفسح فساحة إذا صار واسعًا، ومكان فسيح وتفسح إذا توسع، ومثله تفاسح (٤) وبه قرأ الحسن.\n_________\n(١) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٤٥ ب، و\"الكشف والبيان\" ١٢/ ٨٠ أ، ونسبه للمقاتلين، و\"أسباب النزول\" للواحدي ٤٧٥.\n(٢) انظر: \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٢٥.\n(٣) انظر: \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٢٧ (فسح).\n(٤) انظر: \"اللسان\" ٢/ ١٠٩٤ (فسح). وقد قرأ الحسن؛ وقتادة، وعيسى وداود بن أبي هند (تَّفَاسَحُوا) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ١٤١، و\"الجامع\" ١٧/ ٢٩٧، و\"البحر المحيط\" ٨/ ٢٣٦.","vol":"21","page":346},{"text":"قال الفراء: وهو مثل تعهدته وتعاهدته (١).\nومعنى ﴿تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ﴾ هو أن القوم إذا جلسوا حول النبي -ﷺ- متضايقين منضمين إليه لم يجد غيرهم ممن يأتي بعدهم مجلسًا عند النبي -ﷺ- فإذا تنحوا عنه في الجلوس وتوسعوا وجد غيرهم مكانًا يجلس فيه في فلك الحلقة (٢)، فأمر الله تعالى المؤمنين بالتواضع، وأن يفسحوا في المجلس لمن أراد النبي -ﷺ- ليتساوى الناس في الأخذ بالحظ منه (٣).\nوقرئ ﴿فِي الْمَجَالِسِ﴾ (٤) والوجه التوحيد؛ لأنه يعني به مجلس النبي -ﷺ- وغيره فهو على إرادة العموم مثل قولهم: كثر الدرهم والدينار. ووجه الجمع أن تجعل لكل جالس مجلسًا. أي موضع جلوس (٥).\nقال المبرد: تفسحوا ينبيء عن أن لكل واحد مجلسًا، لأنه لا يجوز أن يكون اثنان يشغلان مكانًا واحدًا، وإنما معناه ليفسح كل رجل في\n_________\n(١) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ١٤١.\n(٢) وممن قال بأن المراد بالمجلس مجلس رسول الله -ﷺ- قتادة، ومجاهد، والضحاك، وابن زيد. انظر: \"تفسير مجاهد\" ٢/ ٦٦٠، و\"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٢٧٩، و\"جامع البيان\" ٢٨/ ١٣، و\"إعراب القرآن\" للنحاس ٣/ ٣٧٨.\n(٣) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ١٣٩.\n(٤) تقدم تخريجها وهي قراءة عاصم، ومعن السُّلَمي وزِرّ بن حُبيش.\n(٥) في (ك): (حلس). وذكر المفسرون في المراد بالمجلس ثلاثة أقوال: مجالس القتال، مجلس رسول الله -ﷺ-، المجالس والمجامع على عمومها، وقد رجح ابن جرير اطلاقها على مجالس القتال، ومجلس رسول الله -ﷺ- إذ لم يخصص مجلسًا دون آخر. \"جامع البيان\" ٢٨/ ١٣.\nوقال القرطبي: (الصيح في الآية أنها عامة في كل مجلس اجتمع المسلمون فيه للخير والأجر، سواء كان مجلس حرب، أو ذكر، أو مجلس يوم الجمعة ...) \"الجامع\" ١٧/ ٢٩٧.","vol":"21","page":347},{"text":"مجلسه (١).\nقوله تعالى: ﴿فَافْسَحُوا﴾ أي: أوسعوا ﴿يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ﴾ يوسع الله لكم الجنة والمجالس فيها.\nوذكر في التفسير أنهم أمروا بأن يتوسعوا ويجلسوا متوسعين، ويوسعوا لغيرهم فلم يفعلوا وضن كل واحد بمجلسه فأمروا بالطاعة في التفسح والفسح، ووعدوا على ذلك أن يفسح لهم في الجنة (٢).\nقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا﴾ قال ابن عباس، ومقاتل: إذا قيل لكم ارتفعوا فارتفعوا (٣)، ومعناه قوموا، وفيه قراءتان: كسر الشين وضمها وهما لغتان (٤) مثل يعكفون، ويعكفون و(ويعرشون) (٥).\n_________\n(١) لم أجده منسوبًا. وانظر: \"اللسان\" ٢/ ١٠٩٤ (فسح).\n(٢) انظر: \"جامع البيان\" ٢٨/ ١٣، عن ابن زيد، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٠٩، و\"الدر\" ٦/ ١٨٤، عن قتادة.\n(٣) وهو قول أكثر المفسرين. انظر: \"تنوير المقباس\" ٦/ ١٨، و\"جامع البيان\" ٢٨/ ١٣، و\"الكشف\" ١٣/ ٨١ أ، قال (إذا قيل لكم قوموا وتحركوا وارتفعوا وتوسعوا لإخوانكم فافعلوا. وقال أكثر المفسرين معناه: وإذا قيل لكم انهضوا إلى الصلاة والجهاد والذكر وعمل الخيرات. أي حق كان فانشزوا ولا تقصروا ...). وانظر: \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٣٢٦، والنشز: هو المتن المرتفع من الأرض، وإنشاز عظام الميت رفعها إلى مواضعها وتركيب بعضها على بعض. \"اللسان\" ٣/ ٦٣٧ (نشز).\n(٤) قرأ نافع وأبو جعفر وابن عامر وحفص، وأبو بكر من رواية الجمهور (انشُزُوا فانشُزُوا) بضم الشين فيهما. وقرأ الباقون بكسر الشين. انظر: \"حجة القراءات\" ص ٧٠٥، و\"النشر\" ٢/ ٣٨٥، و\"الإتحاف\" ص ٤١٢.\n(٥) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ١٤١.\nوفي قوله تعالى: ﴿فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٣٨] قرأ =","vol":"21","page":348},{"text":"ومعنى القيام هاهنا أنهم أمروا أن يطيعوا النبي -ﷺ- إذا أمرهم بالقيام من المجلس ولا يكرهوا ذلك، ووعدهم على هذه الطاعة رفع الدرجات فقال: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ قال ابن عباس: يني المهاجرين والأنصار (١).\nوقال مقاتل: الذين أوتوا العلم، يعني الذين قرأوا القرآن يرفع الله لهم درجات في الجنة على سواهم ممن لم يقرأ القرآن، قال: وإذا انتهى المؤمنون إلى باب الجنة، يقال للمؤمن الذي ليس بعالم: ادخل الجنة، ويقال للعالم: أقم على باب الجنة، فيشفع للناس، هذا الذي ذكرنا في هذه الآية معنى قول قتادة، والكلبي، والمقاتلين (٢).\nوقال عطاء: هذه الآية نزلت في مجالس الحرب ومقاعد القتال، وذلك أن الناس كانوا يقعدون صفوفًا في القتال فربما قعد الرجل في موضع ليس هو بأهل، ويكون من هو أشجع منه وأنجد خلفه ويستحي رسول الله\n_________\n= حمزة، والكسائي، والوراق عن خلف، والمطوعي، وابن مقسم، والقطيعي عن إدريس (يعكفون) بكسر الكاف، وقرأ الباقون بضمها. وفي قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٧].\nوفي قوله تعالى: ﴿أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ﴾ [النحل: ٦٨] قرأ ابن عامر، وأبو بكر (يعرُشون) بضم الراء فيهما. وقرأ الباقون بكسرها فيهما. انظر: \"حجة القراءات\" ص ٢٩٤، ٣٩٢، و\"النشر\" ٢/ ٢٧١، و\"الإتحاف\" ص ٢٢٩.\n(١) لم أجده عن ابن عباس، ولا عن غيره، ودخول المهاجرين والأنصار في هذه الآية أولى من غيرهم -رضوان الله عليهم-.\n(٢) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٤٥ ب، ١٤٦ أ، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٠٩، و\"الجامع\" ١٧/ ٢٩٩ - ٣٠٠.","vol":"21","page":349},{"text":"-ﷺ- أن يقيم ذلك ويقعد هذا، فنزلت الآية (١).\nوقال الحسن: إنهم تشاحوا على الصف الأول رغبة منهم في الجهاد والشهادة، وكان الرجل منهم يجيء إلى الصف الأول، ويقول: توسعوا لي فلا يوسعون له (٢). وهذا قول أبي العالية، والقرظي، ورواية العوفي عن ابن عباس (٣).\nوقوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا﴾ قال الحسن: في القتال في الصف (٤).\nوقال مجاهد: إلى كل خير، قتال عدو، أو أمر معروف أو حق ما كان (٥).\nوقال قتادة: يقول: إذا دعيتم إلى خير فأجيبوا (٦).\nوقال عكرمة، والضحاك: إن رجالًا تثاقلوا عن الصلاة فأمروا بالقيام لها إذا نودي (٧).\nوقال ابن زيد: كانوا إذا دخلوا بيت النبي -ﷺ- لا يقومون، وكان كل واحد يحب أن يكون آخر القوم عهدًا برسول الله -ﷺ- فقال الله: ﴿وَإِذَا قِيلَ\n_________\n(١) لم أجده عن عطاء، وهو في معنى قول الحسن والقرظي وغيرهما.\n(٢) انظر: \"الكشف والبيان\" ١٢/ ٨١ أ، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٠٩.\n(٣) انظر: \"الكشف والبيان\" ١٢/ ٨٠ ب، ٨١ أ، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٠٩، و\"التفسير الكبير\" ٢٩/ ٢٦٩.\n(٤) انظر: \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٢٨٠، و\"الكشف والبيان\" ١٢/ ٨١ أ.\n(٥) انظر: \"تفسير مجاهد\" ٢/ ٦٦٠، و\"جامع البيان\" ٢٨/ ١٣.\n(٦) انظر: \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٢٧٩، و\"الدر\" ٦/ ١٨٥، وزاد نسبه إخراج لعبد بن حميد.\n(٧) انظر: \"جامع البيان\" ٢٨/ ١٣ عن الضحاك، و\"الكشف والبيان\" ١٢/ ٨١ أ.","vol":"21","page":350},{"text":"انْشُزُوا﴾ عن النبي -ﷺ- أي انهضوا فانهضوا (١). واختاره الزجاج فقال: أي إذا قيل انهضوا -قوموا-: فانهضوا وهذا كما قال: ﴿وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ﴾ [الأحزاب: ٥٣]-ﷺ- (٢)\nقوله تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾، أي: إذا عملوا بما أمروا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4515>١٢ </span>- قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾ قال ابن عباس في رواية الوالبي: إن المسلمين أكثروا المسائل على رسول الله -ﷺ- حتى شقوا عليه، وأراد أن يخفف عن نبيه، فلما نزلت هذه الآية ضن كثير من الناس فكفوا عن المسألة (٣).\nوقال مقاتل بن حيان: إن الأغنياء غلبوا الفقراء على مجلس النبي -ﷺ- وأكثروا مناجاته حتى كره النبي -ﷺ- طول جلوسهم ومناجاتهم، فأمر الله بالصدقة عند المناجاة، فأما أهل الميسرة فمنع بعضهم ماله وحبس نفسه، وأما أهل العسرة فلم يجدوا شيئًا، واشتاقوا إلى مجلس النبي -ﷺ- وحديثه فلم يقدروا على ذلك حتى نسخ هذا (٤).\nوقال مقاتل بن سليمان: لما نزلت هذه الآية انتهى الأغنياء وقدرت\n_________\n(١) انظر: \"جامع البيان\" ٢٨/ ١٤، و\"الكشف والبيان\" ١٢/ ٨١ أ، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ٢٩٩.\n(٢) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ١٣٩.\n(٣) انظر: \"جامع البيان\" ٢٨/ ١٥، و\"الدر\" ٦/ ١٨٥، وزاد نسبة تخريجه لابن المنذر، وابن أبي حاتم.\n(٤) انظر: \"الكشف والبيان\" ١٢/ ٨٢ أ، و\"أسباب النزول\" للواحدي ص ٤٧٦، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٣١.","vol":"21","page":351},{"text":"الفقراء على كلام النبي -ﷺ- ومجالسته فلم يقدم أحد من أهل الميسرة بصدقة غير علي بن أبي طالب قدم دينارًا، وكلم النبي -ﷺ- في عشر كلمات فلم يلبث إلا يسيرًا حتى أنزل الله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4516>١٣ </span>- ﴿أَأَشْفَقْتُمْ﴾ الآية (١).\nوروى ليث عن مجاهد قال: قال علي بن أبي طالب ﵁: إن في كتاب الله لآية ما عمل بها أحد قبلي (٢) ولا يعمل بها أحد بعدي: آية النجوى، كان عندي دينار فبعته بعشرة دراهم، فناجيت النبي -ﷺ- فكنت كلما ناجيت النبي -ﷺ- قدمت بين يدي نجواي درهمًا، ثم نسخت فلم يعمل بها أحد (٣).\nونحو هذا قال ابن جريج، والكلبي، وعطاء عن ابن عباس أنهم نهوا عن المناجاة حتى يتصدقوا فلم يناجه أحد إلا علي تصدق بدينار، ثم نزلت الرخصة (٤)، قالوا: وما كانت إلا ساعة من النهار حتى نسخت. وهو قول الكلبي (٥).\nوقال مقاتل بن حيان: إنما كان ذلك عشر ليال ثم نسخ (٦)، ولم تقدر\n_________\n(١) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٤٦ أ، و\"الكشف والبيان\" ١٢/ ٨٢ أ، و\"لوسيط\" ٤/ ٢٦٦.\n(٢) (قبلي) ساقطة من (ك).\n(٣) انظر: \"تفسير مجاهد\" ٢/ ٦٦٠، و\"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٢٨٠، و\"جامع البيان\" ٢٨/ ١٥، \"المستدرك\" ٢/ ٤٨٢، و\"أسباب النزول\" للواحدي ص ٤٧٦.\n(٤) انظر: \"معالم التزيل\" ٤/ ٣١٠، و\"نواسخ القرآن\" لابن الجوزي ص ٢٣٦، و\"التفسير الكبير\" ٢٩/ ٢٧١.\n(٥) انظر: \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٢٨٠ وزاد نسبته لقتادة، و\"أحكام القرآن\" للجصاص ٣/ ٤٢٨، و\"الكشف والبيان\" ١٣/ ٨٢ ب.\n(٦) انظر: \"الكشف والبيان\" ١٣/ ٨٢ ب، وفي \"جامع القرطبي\" ١٧/ ٣٠٣، نسبه لابن عباس وعلي بن أبي طالب، و\"نواسخ القرآن\" ص ٢٣٦، و\"التفسير الكبير\" ٢٩/ ٢٧١، و\"الدر\" ٦/ ١٨٥، ونسب تخريجه لابن أبي حاتم.","vol":"21","page":352},{"text":"هذه الصدقة بشيء. وشاور النبي -ﷺ- في تقديرها عليًّا؟ قال: قال لي: كم ترى؟ دينارًا. قلت: لا يطيقونه. قال: كم؟ قلت: حبة أو شعيرة، قال: إنك لزهيد، فنزلت آية النسخ (١).\nقوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ يعني للفقراء، وهذا يدل علي أن من لم يجد ما يتصدق به كان معفوًّا عنه.\nوأجمعوا على أن هذه الآية منسوخة الحكم بقوله: ﴿أَأَشْفَقْتُمْ﴾ قال ابن عباس: أبخلتم (٢)، وقال مقاتل: أشق عليكم (٣)، والمعنى: أخفتم العيلة أن قدمتم بين يدي نجواكم صدقات، وهذا خطاب للأغنياء، لأن من لم يجد لا يقال له هذا.\nونسخت الزكاة الصدقة التي كانت عند المناجاة، وهو قوله تعالى: ﴿فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ (٤).\n_________\n(١) أخرجه الترمذي في \"سننه\"، كتاب: التفسير، سورة المجادلة، وحسنه، و\"جامع البيان\" ٢٨/ ١٥، و\"نواسخ القرآن\" ص ٢٣٥.\n(٢) انظر: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٣١١، و\"الجامع\" ١٧/ ٣٣.\n(٣) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٤٦ أ، و\"تفسير مجاهد\" ٢/ ٦٦٠، و\"جامع البيان\" ٢٨/ ١٦، و\"إعراب القرآن\" للنحاس ٣/ ٣٨٠، ونسبوه لمجاهد.\n(٤) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٤٦ أ، و\"نواسخ القرآن\" ص ٢٣٦، ونسبه لابن عباس، و\"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ١٤٢.\nقلت: مراد المؤلف -﵀- من نسخ صدقة المناجاة بالزكاة أي أن قوله تعالى: ﴿أَأَشْفَقْتُمْ﴾ الآية بكاملها نسخت الآية السابقة عليها، فعاد المسلمون إلى مناجاة النبي -ﷺ- من غير تقديم شيء، وهو المجمع عليه من المفسرين -﵀- والله أعلم.","vol":"21","page":353},{"text":"واحتج قوم من الأصوليين بهذه الآية على جواز النسخ قبل الفعل (١)، ولأصحابنا فيه قولان، والصحيح أنه يجوز، ومن احتج بهذه الآية ضعف ما روي أن عليًا عمل بهذا الحكم قبل النسخ، واحتج بقوله: ﴿فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾ قال: وهذا دليل أن أحدًا منهم لم يتصدق بشيء (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4517>١٤ </span>- قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ قال المفسرون: يعني المنافقين، تولوا اليهود ونقلوا إليهم أسرار المسلمين. واليهود هم المذكورون بالغضب عليهم في مواضع من القرآن.\nقوله: ﴿مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَا مِنْهُمْ﴾ أي: ليسوا مؤمنين فليسوا منكم في الدين والولاية، ولا من اليهود، كما قال تعالى: ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ [النساء: ١٤٣] الآية.\nقوله تعالى: ﴿وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ وذلك أن النبي -ﷺ- قال لعبد الله بن نبتل المنافق: \"على ماذا تشتمني أنت وأصحابك؟ \" فجاء بهم فحلفوا أنهم لم يفعلوا -ولم يوالوا اليهود- وأنهم له ناصحون، فذلك قوله: ﴿وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (٣) أنهم كذبة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4518>١٦ </span>- قوله: ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً﴾ يعني أيمانهم الكاذبة جنة يستخفون بها من القتل ﴿فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي: فصدوا المؤمنين بأيمانهم عن\n_________\n(١) انظر: \"البرهان في علوم القرآن\" ٣/ ٣٢٠، و\"المستصفى\" ص ٤٢٥.\n(٢) انظر: \"نواسخ القرآن\" لمكي بن أبي طالب ص ٣٢٥.\n(٣) قال السدي، ومقاتل: وهو معنى ما روي عن ابن عباس ﵄.\nانظر: \"تفسير مقاتل\" ١٤٦ أ، و\"جامع البيان\" ٢٨/ ١٧، و\"الكشف والبيان\" ١٣/ ٨٣ أ، و\"أسباب النزول\" للواحدي ص ٤٧٦.","vol":"21","page":354},{"text":"إمضاء حكم الله فيهم من القتل للكافر وأخذ الجزية من أهل الكتاب (١).\nوقال مقاتل: فصدوا الناس عن دين الله الإسلام (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4519>١٧ </span>- قوله: ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ﴾ الآية. قال مقاتل: إن المنافقين قالوا إن محمدًا يزعم أنه ينصر يوم القيامة فقد شقينا إذًا، فوالله لننصرن يوم القيامة بأنفسنا (٣) وأموالنا وأولادنا إن كانت قيامة فأنزل الله هذه الآية (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-4520>١٨ </span>- قوله تعالى: ﴿فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ﴾ قال مقاتل: إذا سئلوا يوم القيامة عن أعمالهم الخبيثة استعانوا بالكذب كعادتهم في الدنيا، ويحلفون لله في الآخرة أنهم كانوا مؤمنين كما يحلفون لكم في الدنيا (٥).\nوقال قتادة: إن المنافق يحلف لله (٦) يوم القيامة كما حلف لأوليائه في الدنيا (٧).\nقال ابن عباس: أما الأول فكقوله: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣]، وأما الثاني فهو قوله: ﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ﴾ (٨).\n_________\n(١) انظر: \"جامع البيان\" ٢٨/ ١٧، وهو المعتمد عنده، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٣١.\n(٢) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٤٦ أ، و\"الجامع\" ١٧/ ٣٠٤، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٣٢٨.\n(٣) (ك): (أنفسنا).\n(٤) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٤٦ أ، و\"التفسير الكبير\" ٢٩/ ٢٧٤، و\"الجامع\" ١٧/ ٣٠٥.\n(٥) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٤٦ ب.\n(٦) (لله) ساقطة من (ك).\n(٧) انظر: \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٢٨١، و\"جامع البيان\" ٢٨/ ١٧، و\"الكشف والبيان\" ١٢/ ٨٣ أ.\n(٨) من الآية (٥٦) من سورة التوبة. وانظر: \"التفسير الكبير\" ٢٩/ ٢٧٤، و\"الجامع\" ١٧/ ٣٠٥.","vol":"21","page":355},{"text":"وقال ابن زيد: كان الحلف جنة لهم في الدنيا فظنوا أنها تنفع في الآخرة (١).\nقوله تعالى: ﴿وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ﴾ قال مقاتل: على شيء من الدين (٢).\nوقال غيره: ويحسبون أنهم على شيء من أيمانهم الكاذبة (٣).\n﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ في قولهم وأيمانهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4521>١٩ </span>- قوله تعالى: ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ﴾ قال المفسرون: غلب واستولى.\nقال أبو إسحاق: معنى استحوذ في اللغة استولى، يقال: حذت الإبل وحزتها إذا استوليت عليها وجمعتها (٤).\nوقال المبرد: استحوذ على الشيء: حواه وأحاط به (٥)، ومعناه استدار عليهم الشيطان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4522>٢٠ </span>- قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ﴾ قال ابن عباس: يريد الذل في الدنيا والخزي في الآخرة (٦).\nوقال مقاتل: في الهالكين (٧)، وقال الزجاج: أي في المغلوبين (٨).\n_________\n(١) انظر: \"الجامع\" ١٧/ ٣٠٥.\n(٢) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٤٦ ب.\n(٣) انظر: \"جامع البيان\" ٢٨/ ١٧، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٣١٢.\n(٤) انظر: \"معاني الزجاج\" ٥/ ١٤.\n(٥) انظر: \"التفسير الكبير\" ٢٩/ ٢٧٥.\n(٦) لم أجده.\n(٧) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٤٦ ب.\n(٨) انظر: \"معاني الزجاج\" ٥/ ١٤١.","vol":"21","page":356},{"text":"قوله: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ أي قضى الله ذلك قضاءً ثابتًا.\nقال أبو إسحاق: ومعنى غلبة الرسل على نوعين: من بعث منهم بالحرب غالب في الحرب، ومن بعث منهم بغير حرب فهو غالب بالحجة (١).\nوقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ أي مانع حزبه من أن يذل.\nوقال مقاتل: إن المسلمين قالوا: إنا لنرجو أن يظهرنا الله على فارس والروم، فقال عبد الله بن أُبي: أتظنون أن فارس والروم كبعض القرى التي غلبتموهم؟ كلا والله لهم أكثر جمعًا وعدة، فأنزل الله هذه الآية (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4523>٢٢ </span>- قوله تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ الأكثرون على أن هذه الآية نزلت في حاطب بن أبي بلتعة وإخباره أهل مكة بمسير النبي -ﷺ- إليهم لما أراد فتح مكة، وتلك القصة معروفة (٣)، وهذا قول مقاتل واختيار الفراء (٤)، والزجاج. قال: أعلم الله ﷿ أن إيمان المؤمنين يفسد بمودة الكفار، وأن من كان مؤمنًا لا يوالي من كفر، وإن كان أباه أو ابنه أو أحدًا من عشيرته (٥).\nوروى عطاء عن ابن عباس أن هذه الآية نزلت في أبي عبيدة (٦)، قتل\n_________\n(١) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ١٤١.\n(٢) انظر: \"الكشف والبيان\" ١٣/ ٨٣ ب، و\"التفسير الكبير\" ٢٩/ ٢٧٦، و\"الجامع\" ١٧/ ٣٠٦.\n(٣) انظر: \"الكشف والبيان\" ١٣/ ٨٤ أ، و\"التفسير الكبير\" ٢٩/ ٢٧٧.\n(٤) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٤٦ ب، و\"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ١٤٢.\n(٥) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ١٤١.\n(٦) هو أبو عبيدة عامر بن عبد الله بن الجراح، أمين هذه الأمة، وأحد المبشرين =","vol":"21","page":357},{"text":"أباه يوم أحد عبد الله بن الجراح، وعمر بن الخطاب قتل خاله العاص بن هشام بن المغيرة يوم بدر، وأبي بكر -﵁- دعا ابنه يوم بدر إلى البراز، فقال رسول الله -ﷺ-: \"متعنا بنفسك يا أبا بكر\"، ومصعب بن عمير قتل أخاه عبيد بن عمير، وعلي بن أبي طالب، وحمزة، وعبيدة قتلوا عتبة، وشيبة، والوليد بن عتبه يوم بدر، أخبر الله تعالى أن هؤلاء لم يوادوا أقاربهم وعشائرهم غضبًا لله ولدينه (١).\nقوله: ﴿أُولَئِكَ﴾ قال الزجاج: يعني الذين لا يوادون من حاد الله (٢).\nقوله: ﴿كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ قال السدي ومقاتل: جعل في قلوبهم التصديق (٣).\nوقال الربيع: أثبت (٤).\nوقال أبو علي الفارسي: معناه جمع، والكتيبة: الجمع من الجيش. والتقدير: أولئك الذين جمع الله في قلوبهم الإيمان، أي استكملوه واستوعبوه فلم يكونوا ممن يقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض (٥).\n_________\n= بالجنة. مات سنة (١٨ هـ) وله ثمان وخمسون سنة. انظر: \"طبقات ابن سعد\" ٣/ ٤٠٩، و\"سير أعلام النبلاء\" ١/ ٥، و\"العبر\" ١/ ١٦، و\"الإصابة\" ٣/ ٣٧٩.\n(١) انظر: \"التفسير الكبير\" ٢٩/ ٢٧٦، عن ابن عباس.\nوذكره غيره عن مقاتل بن حيان، عن مرة الهمداني، عن ابن مسعود. انظر: \"الكشف والبيان\" ١٢/ ٨٤ أ، و\"أسباب النزول\" للواحدي ص ٤٧٨، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٣١٢.\n(٢) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ١٤٢.\n(٣) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٤٦ ب.\n(٤) انظر: \"الكشف والبيان\" ١٢/ ٨٤ ب، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ٣٠٨.\n(٥) انظر: \"التفسير الكبير\" ٢٩/ ٢٧٧.","vol":"21","page":358},{"text":"﴿وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ قال ابن عباس: قواهم بنصر منه في الدنيا علي عدوهم (١)، وهو قول الحسن، وسمى نصره إياهم روحًا لأن به يحيا أمرهم (٢).\nوقال المقاتلان: برحمة منه (٣)، وهذا يعود إلى الأول، لأن رحمته إنعامه عليهم بالنصر في الدنيا.\nوقال الربيع، والسدي: يعني بالإيمان والقرآن (٤). يدل عليه قوله: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى: ٥٢] الآية.\nثم أعلم الله -﷿- أن ذلك يوصلهم إلى الجنة فقال: ﴿وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ﴾ إلى آخر الآية. والله أعلم بالصواب.\n_________\n(١) انظر: \"غرائب القرآن\" ٢٨/ ٢٩.\n(٢) انظر: \"الكشف والبيان\" ١٣/ ٨٤ ب، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٣١٣.\n(٣) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٤٦ ب، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٢١٣، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ٣٠٩.\n(٤) انظر: \"الكشف والبيان\" ١٣/ ٨٤ ب، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٣١٣، و\"التفسير الكبير\" ٢٩/ ٢٧٧.","vol":"21","page":359},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4524>سورة الحشر</span>","vol":"21","page":361},{"text":"تفسير سورة الحشر\nبسم الله الرحمن الرحيم\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4525>١ </span>- ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ﴾ الآية تفسيرها قد تقدم في مواضع.\n<span data-type=\"title\" id=toc-4526>٢ </span>- ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ أجمعوا على أن هذا في بني النضير، وهم قوم من اليهود كانوا بالمدينة، غدروا بالنبي -ﷺ- بعد أن عاهدوا وصاروا عليه مع المشركين يدًا واحدة، فحاصرهم رسول الله -ﷺ- حتى رضوا بالجلاء وذلك بعد وقعة بدر بستة أشهر، قاله الزهري (١).\nوقال محمد بن إسحاق: كان إجلاء بني النضير مرجع النبي -ﷺ- من أحد (٢)، وقد ذكر الله ذلك القصة في هذه السورة وهي تأتي على التوالي في تفسير الآيات.\nقوله: ﴿لِأَوَّلِ الْحَشْرِ﴾ ذكر المفسرون فيه ثلاثة أقوال:\nأحدها: أن جلاءهم ذلك كان أول حشر في الدنيا إلى الشام، قاله\n_________\n(١) في (ك): (الأزهري). وانظر: \"صحيح البخاري\"، كتاب: المغازي، باب: حديث بني النضير ٥/ ١١٢، و\"فتح الباري\" ٧/ ٣٣٠ - ٣٣٢، و\"أسباب النزول\" للواحدي ص ٤٧٩، و\"البداية والنهاية\" ٣/ ٧٤.\n(٢) انظر: \"تاريخ الأمم والملوك\" ٢/ ٨٣، و\"البداية والنهاية\" ٤/ ٧٤، و\"جامع البيان\" ٢٨/ ١٩ عن قتادة. وقال ابن حجر عن قول الزهري السابق: فهذا أقوى مما ذكر ابن إسحاق من أن سبب غزوة بني النضير طلبه -ﷺ- أن يعينوه في دية الرجلين، لكن وافق ابن إسحاق جل أهل المغازي، فالله اعلم. \"فتح الباري\" ٧/ ٣٣.","vol":"21","page":363},{"text":"الزهري (١)، وعروة، وقال عكرمة: من شك أن المحشر بالشام فليقرأ هذه الآية، وذلك أن النبي -ﷺ- قال لهم يومئذ: \"اخرجوا\". فقالوا: إلى أين؟ قال: \"إلى أرض المحشر\" (٢).\nوالمعنى على هذا القول: أنهم أجلوا إلى الشام فكان ذلك أول حشر حشروا إلى الشام يوم يحشر الخلق يوم القيامة إلى الشام.\nالقول الثاني: أنهم أول من أجلي من أهل الذمة من جزيرة العرب، ثم أجلى آخرهم عمر بن الخطاب، وكان ذلك أول حشر من المدينة والحشر الثاني كان من خيبر وجزيرة العرب، وهذا قول المقاتلين، ومرة الهمداني، عن ابن عباس (٣).\nالقول الثالث: ما قال قتادة: كان ذلك أول الحشر، والحشر الثاني نارُ تحشر الناس من المشرق إلى المغرب تبيت معهم حيث باتوا، وتقيل معهم حيث قالوا، وهو قول عبد الله بن عمرو (٤)، وذكر أن تلك النار تُرى\n_________\n(١) هذا القول عن الزهري أخرجه عبد الرزاق، وابن جرير، والحاكم، وأخرجه عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن أبي حاتم، والبيهقي عن عروة مرسلًا. قال البيهقي: وهو المحفوظ. انظر: \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٢٨٢، و\"جامع البيان\" ٢٨/ ٢٠، و\"الدر\" ٦/ ١٨٧.\n(٢) أخرجه البزار، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي في البعث، عن عكرمة، عن ابن عباس، انظر: \"الكشف والبيان\" ١٣/ ٨٧ أ، وانظر: \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٣٣٢.\n(٣) انظر: \"الكشف والبيان\" ١٣/ ٨٧ أ، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٣١٤، و\"زاد المسير\" ٨/ ٢٠٥.\n(٤) انظر: \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٢٨٢، و\"الكشف والبيان\" ١٣/ ٨٧ أ، و\"زاد المسير\" ٨/ ٢٠٤، و\"التفسير الكبير\" ٢٩/ ٢٧٩، ولم أجده عن غير قتادة.","vol":"21","page":364},{"text":"بالليل ولا ترى بالنهار (١).\nقوله: ﴿مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا﴾ قال ابن عباس: كان أمرهم في صدور المسلمين عظيمًا (٢)، والمعنى أن المسلمين ظنوا أنهم لعزتهم ومنعتهم لا يحتاجون إلى أن يخرجوا من ديارهم، وظن بنو النضير أن حصونهم تمنعهم من الله، وهو قوله: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ﴾.\n_________\n(١) انظر: \"التفسير الكبير\" ٢٩/ ٢٧٩.\nومراد قتادة ﵀ بالنار التي تحشر الناس ما أخرجه مسلم في كتاب الفتن، من حديث حذيفة بن أسيد الغفاري وفيه (.. وآخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم)، وفي الحديث المتفق عليه عن أبي هريرة (... وتحشر بقيتهم النار تبيت معهم حيث باتوا وتقيل معهم حيث قالوا، وتصبح معهم حيث أصبحوا، وتمسي معهم حيث أمسوا). انظر: \"صحيح البخاري\" كتاب: الرقاق، باب: الحشر. انظر: \"صحيح مسلم\"، كتاب: الجنة، باب: (٥٩)، وعند الحاكم، عن عبد الله بن عمرو رفعه: \"تبعث نار على أهل المشرق فتحشرهم إلى المغرب تبيت معهم حيث باتوا، وتقيل معهم حيث قالوا، ويكون لها ما سقط منهم وتخلّف، تسوقهم سوق الجمل الكبير\". قال ابن حجر: وقد أشكل الجمع بين هذه الأخبار. وظهر لي في وجه الجمع أن كونها تخرج من قعر عدن لا ينافي حشرها الناس من المشرق إلى المغرب وذلك أن ابتداء خروجها من قعر عدن فإذا خرجت انتشرت في الأرض كلها. والمراد بقوله: \"تحشر الناس من المشرق إلى المغرب\" إرادة تعميم الحشر لا خصوص المشرق والمغرب، أو أنها بعد الانتشار أول ما تحشر أهل المشرق .. وأما جعل الغاية إلى المغرب فلأن الشام بالنسبة إلى المشرق مغرب. \"فتح الباري\" ١١/ ٣٧٨ - ٣٧٩ وهذه الأقوال ذكرها الآلوسي، ثم ضعف ما روي عن عكرمة، وضعف ما روي عن قتادة أيضًا، واختار أن يكون المراد بأول الحشر أن أول حشرهم إلى الشام، أو على أنهم أول محشورين من أهل الكتاب من جزية العرب إلى الشام. \"روح المعاني\" ٢٨/ ٣٩.\n(٢) انظر: \"التفسير الكبير\" ٢٩/ ٢٧٩.","vol":"21","page":365},{"text":"قال ابن عباس: ظنوا أن حصونهم مانعة من سلطان الله، وكانوا أهل حلقة (١) وحصون منيعة، فلم يمنعهم شيء منها (٢)، وهو قوله تعالى: ﴿فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا﴾ أي: أمر الله وعذابه، وهو أنه أمر النبي -ﷺ- بقتالهم ومحاصرتهم، فكانوا لا يظنون أن ذلك يكون ولا يحتسبون ﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾ قالوا يعني بقتل سيدهم كعب بن الأشرف.\nقوله تعالى: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ ذكر المفسرون في تخريبهم منازلهم ثلاثة أسباب:\nأحدها: لما أيقنوا بالجلاء وحسدوا المسلمين أن يسكنوا منازلهم فجعلوا يخربونها من داخل والمسلمون من خارج، وهذا قول عكرمة، وقتادة (٣).\nوقال مقاتل (٤): إن المنافقين دسوا إليهم أن لا يخرجوا ودربُوا (٥) على الأزقة وحصنُوها، فنقضوا بيوتهم يبنون بها على أفواه الأزقة ليحصنوها، وكان المسلمون إذا ظهروا على درب من دروبهم تأخر اليهود إلى وراء بيوتهم فنقبوها من أدبارها وخرب المسلمون ما ظهر عليهم من ديارهم ليتسع مجالهم للحرب، فذلك قوله: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ أنهم عَرضوا لذلك.\n_________\n(١) قال أبو عبيد: الحلقة: اسم يجمع السلاح والدروع وما أشبهها. انظر: \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٦٤، و\"اللسان\" ١/ ٧٠١ (حلق) ونسبه لابن سيده.\n(٢) لم أجده عن ابن عباس، ولا عن غيره.\n(٣) انظر: \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٢٨٣، و\"جامع البيان\" ٢٨/ ٢٠ عن قتادة.\n(٤) في (ك): (قتادة).\n(٥) ولعلها (وردموا).","vol":"21","page":366},{"text":"وهذا قول مقاتل عن ابن عباس. قال: كلما ظهر المسلمون على دار من دورهم هدموها ليتسع لهم للقتال، وجعل أعداء الله ينقبون دورهم من أدبارها فيخرجون إلى التي بعدها فيتحصنون فيها ويرمون بالتي خرجوا منها أصحاب رسول الله -ﷺ- (١).\nوقال محمد بن إسحاق: ذلك هدمهم عن نحف (٢) أبوابهم، وهو أنهم لما صالحوا على أن يحتملوا من أموالهم ما استقلت به الإبل كان منهم من يهدم بيته عن نجاف بابه فيضعه على ظهر بعيره (٣). وهذا قول الزهري. قال: كانوا ينظرون إلى الخشبة في منازلهم مما يستحسنونه، أو الباب فيهدمون بيوتهم وينتزعونها ويحملونها على الإبل (٤).\nوقراءة العامة ﴿يُخْرِبُونَ﴾ من الإخراب، وقرأ أبو عمرو مشددًا من التخريب (٥)، وكان يقول: الإخراب أن تترك الشيء خرابًا، والتخريب الهدم، وبنو النضير خربوا وما أخربوا (٦)، وقال المبرد: ولا أعلم لهذا\n_________\n(١) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٤٧ أ، و\"الكشف والبيان\" ١٣/ ٨٧ ب، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٣١٥، و\"التفسير الكبير\" ٢٩/ ٢٨.\n(٢) النجف: هو العتبة، وهو الذي يستقبل الباب من أعلى العتبة. انظر: \"تهذيب اللغة\" ١١/ ١١٤، و\"اللسان\" ٣/ ٥٨٨ (نجف).\n(٣) انظر: \"جامع البيان\" ٢٨/ ٢١، و\"البداية والنهاية\" ٤/ ٨.\n(٤) انظر: \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٢٨٢، و\"جامع البيان\" ٢٨/ ٢١، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٣١٥.\n(٥) قرأ الجمهور (يُخْربون) بالتخفيف. وقرأ أبو عمرو (يُخَرِّبون) بالتشديد، ووافقه من غير العشرة الحسن، واليزيدي. انظر: \"النشر\" ٢/ ٣٨٦، و\"إتحاف فضلاء البشر\" ص ٤١٣.\n(٦) انظر: \"الحجة للقراء السبعة\" ٦/ ٢٨٣، و\"حجة القراءات\" ص ٧٠٥، و\"الكشف والبيان\" ١٣/ ٨٧ ب.","vol":"21","page":367},{"text":"وجهًا، يخربون من التخريب، فإنما هوالأصل على خرب المنزل، وأخربه صاحبه كقولك: علم وأعلمه، وقام وأقامه، وإذا قلت يخربون من التخريب فإنما هو تكثير، لأنه ذكر بيوتًا تصلح للقليل والكثير (١)، وزعم سيبويه أنها تتعاقبان في بعض الكلام فيجري كل واحد مجرى الآخر نحو فرحته وأفرحته، وأحسنه الله وحسنه، وقال الأعشى:\nوأخربت من أرض قومي ديارًا (٢)\nوقال الفراء: (يخرِّبون) بالتشديد، يهدمون، وبالتخفيف يخرجون منها ويتركونها، ألا ترى أنهم كانوا ينقبون الدار فيعطلونها، فهذا معنى يخربون (٣).\nقوله تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ قال ابن عباس: يريد يا أهل اللب والعقل والبصائر (٤)، وقال مقاتل: يعني يا أهل البصيرة في أمر الله (٥).\nقال الفراء: ويقال يا أولي الأبصار: يا من عاين ذلك بعينه (٦).\nومعنى الاعتبار: النظر في أوائل الأمور وأواخرها وتدبرها ليعرف بالنظر فيها شيئًا آخر من جنسها (٧)، والمعنى: تدبروا وانظروا فيما نزل بهم\n_________\n(١) انظر: \"التفسير الكبير\" ٢٩/ ٢٨.\n(٢) \"ديوان الأعشى\" ص ٨٤، و\"الخزانة\" ٥/ ٧٢، وصدره:\nأقللْتَ قوْمًا وأعمرتهم\n(٣) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ١٤٣.\n(٤) انظر: \"التفسير الكبير\" ٢٩، ٢٨٢.\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ١٤٧ أ.\n(٦) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ١٤٣.\n(٧) انظر: \"التفسير الكبير\" ٢٩/ ٢٨٢.","vol":"21","page":368},{"text":"فاتعظوا بذلك. وقد سبق الكلام في أصل معنى الاعتبار فيما تقدم (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4527>٣ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ﴾ معنى الجلاء في اللغة: الخروج من الوطن والتحول منه، يقال منه: جلا القوم عن منازلهم. وتقول: أجليناهم عن بلادهم فجلوا (٢) كما قال الشاعر:\nوأجلوا عن مساكن فارقوها ... كما جلت الفراخ من العشاش (٣)\nيقول: لولا أن الله قضى عليهم أنهم يخرجون عن أوطانهم بالمدينة إلى الشام وخيبر.\n\nقوله تعالى: ﴿لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا﴾ بالقتل والسبي، ولسلطكم عليهم كما فعل بقريظة (٤)، والمعنى: أنه رفع العذاب عنهم في الدنيا بالقتل وجعل عذابهم في الدنيا الجلاء ﴿وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ﴾ مع ما أحل بهم في الدنيا، وهذا معنى قول عامة المفسرين <span data-type=\"title\" id=toc-4528>(٥)</span>.\n٥ - قوله تعالى: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ﴾ قال أبو عبيدة: اللينة: النخلة، ما لم تكن عجوة أو برنية، وأنشد لذي الرمة:\nكأن قُتودي فوقَها عُشُّ طائر ... علي لينةٍ فرواء تهفو جنوبها (٦)\n_________\n(١) انظر: \"مفردات الراغب\" ص ٣٢٠، و\"اللسان\" ٢/ ٦٦٨ (عبر).\n(٢) انظر: \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٥٦، و\"غريب القرآن\" لليزيدي ص ٣٧٣، و\"تهذيب اللغة\" ١/ ٤٨٨، و\"اللسان\" ١/ ٤٨٨ (جلل).\n(٣) انظر: \"الخزانة\" ٩/ ٢٧١.\n(٤) وهي الغزوة التي حكم فيها سعد بن معاذ بأن تقتل مقاتلتهم وأن تسبى ذراريهم، وأن تقسم أموالهم، وكانت بعد غزوة الأحزاب، وذلك لنقضهم العهد الذي بينهم وبين محمد -ﷺ-، انظر: \"تاريخ الطبري\" ٢/ ٩٣ - ٩٨.\n(٥) انظر: \"جامع البيان\" ٢٨/ ٢٢، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٣٣٢.\n(٦) والبيت في \"الديوان\" ٢/ ٦٩٩، و\"تهذيب اللغة\" ٤/ ١٢١، ورواية الديوان: على=","vol":"21","page":369},{"text":"قال: وأصل لينة لِوْنَةَ، فذهب الواو لكسر اللام، وجمعها الألوان وهي النخل كل ما خلا البرني والعجوة (١).\nقال المبرد: أصل الياء في لينة الواو، بمنزلة ريح، فإذا قلت ألوان رجعت الواو لذهاب الكسرة كما تقول ريح وأرواح (٢)، قال ذو الرمة:\nطراق الخوافي واقع فوق لينة ... ندى ليله في ريشة يترفرف (٣)\nويجمع اللينة أيضًا ليان، قال امرؤ القيس يصف عنق فرس:\nوسالفه كسحون الليان ... أضرم فيه الغوىَّ السعر (٤)\nونحو هذا قال المفسرون في تفسير اللينة، الزهري، وقتادة، وجماعة قالوا: هي النخل ليس بالعجوة (٥)، والباقون قالوا: هي النخلة من غير استثناء، وهو قول مجاهد، وعطية، وابن زيد (٦).\n_________\n= لينة سوقاء تهفو جنوبها\nوالقتودي عيدان الرحل: أي أن الناقة طويلة يصغر الرحل عليها، وسوقاء: طويلة الساق، وتهفو: تضطرب.\n(١) وهذا القول قول الزجاج. انظر:\"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ١٤٤، و\"تهذيب اللغة\" ١٥/ ٤٧٠، و\"اللسان\" ٣/ ٤٢٤ (لين). وانظر: \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٥٦.\n(٢) \"التفسير الكبير\" ٢٩/ ٢٨٢.\n(٣) \"ديوان ذي الرمة\" ص ٧٩، و\"الكتاب\" ٧/ ١١٢، و\"الخزانة\" ٤/ ٢١.\n(٤) انظر: \"الديوان\" ص ٣١٥.\n(٥) انظر: \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٢٨٣، و\"جامع البيان\" ٢٨/ ٢٢، و\"إعراب القرآن\" للنحاس ٣/ ٣٩١، و\"فتح الباري\" ٨/ ٦٢٩، وهو قول سعيد بن جبير، ويزيد بن رومان، وعكرمة، وابن عباس.\n(٦) انظر: \"تفسير مجاهد\" ٢/ ٦٦٣، و\"جامع البيان\" ٢٨/ ٢٢، و\"الكشف والبيان\" ١٣/ ٨٨ ب قال النحاس: وهذه الأقوال صحيحة، لأن الأصمعي حكى مثل القول الأول فيكون لجميع النخل، ويكون ما قطعوا منها مخصوصًا فتتفق الأقوال. \"إعراب القرآن\" ٣/ ٣٩٢.","vol":"21","page":370},{"text":"وقال المقاتلان: هي ضرب من النخل ثمره أجود الثمر يرى نواه من ظاهره، النخلة منها أحب إليهم من وصيف (١).\nقال المفسرون: لما حصر رسول الله -ﷺ- بني النضير وتحصنوا بحصونهم، أمر بقطع نخيلهم وإحراقها، فشق ذلك على اليهود، وجزعوا، وأكثروا القول، وقالوا: أين وجدت فيما أنزل عليك الفساد في الأرض وأخذ المسلمون من ذلك دمامة (٢)، فأنزل الله هذه الآية (٣).\nوروي عن ابن عباس قال: أمروا بقطع النخل فحك في صدورهم، فقال المسلمون: قطعنا بعضًا وتركنا بعضًا ولنسألن رسول الله -ﷺ- هل لنا فيما قطعناه من أجر؟ وهل علينا فيما تركنا من وزر، فأنزل الله هذه الآية (٤).\nقال أبو إسحاق: فأعلم الله أن ذلك بإذنه، وإليه القطع والترك جميعًا (٥).\nوقال قتادة: نزلت الآية لاختلاف كان بين المسلمين في قطعها وتركها.\nقال مجاهد: نهى بعض المسلمين بعضًا عن قطع النخل، وقالوا:\n_________\n(١) انظر: \"الكشف والبيان\" ١٣/ ٨٨ ب، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٣١٦، و\"زاد المسير\" ٨/ ٢٠٨.\n(٢) أي: غضب مما فعلوا. \"اللسان\" ١/ ١٠١٥ (دمم).\n(٣) انظر: \"جامع البيان\" ٢٨/ ٢٣، و\"أسباب النزول\" للواحدي ص ٤٨١، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٣١٥.\n(٤) أخرجه الترمذي (٣٣٠٣) كتاب: التفسير: تفسير سورة الحشر، وقال: هذا حديث حسن غريب، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والنسائي ٦/ ٤٨٣ كتاب: التفسير، و\"الدر\" ٦/ ١٨٧.\n(٥) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ١٤٥.","vol":"21","page":371},{"text":"إنما هي مغانم المسلمين فنزل القرآن بتصديق من نهى، وتحليل من قطع (١).\nقوله: ﴿وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾ يعني اليهود، قال مقاتل: كان قطع النخل ذلًا لهم وهوانًا (٢).\nوقال ابن حيان: كان ذلك خزيًا لبني النضير (٣).\nوقال الزجاج ﴿وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾ أن يريهم بأموالهم يتحكم فيها المؤمنون كيف أحبوا (٤)، والتقدير: وليخزي الفاسقين أذن في ذلك، ودل على المحذوف قوله: ﴿فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾ (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4529>٦ </span>- قوله: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ﴾ قال المبرد: يقال فاء يفيء إذا رجع، وأفاءه الله إذا رده (٦).\nوقال الأزهري: الفيء ما رد الله على أهل دينه من أموال من خالف أهل دينه بلا قتال، إما بأن يجلوا عن أوطانهم ويخلوها للمسلمين، وإما أن يصالحوا على جزية يؤدونها عن رؤوسهم، أو مال غير الجزية يفتدون به من سفك دمائهم (٧) كما فعله بنو النضير حين صالحوا رسول الله -ﷺ- على أن لكل ثلاثة منهم ما وسق (٨) بعير مما شاءوا سوى السلاح ويتركوا الباقي.\n_________\n(١) انظر: \"تفسير مجاهد\" ٢/ ٦٦٣، و\"جامع البيان\" ٢٨/ ٢٣.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ١٤٧ ب.\n(٣) لم أجده، في الأصل (يريهم).\n(٤) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ١٤٥.\n(٥) انظر: \"زاد المسير\" ٨/ ٢٠٨.\n(٦) انظر: \"التفسير الكبير\" ٢٩/ ٢٨٤.\n(٧) انظر: \"تهذيب اللغة\" ١٥/ ٥٧٨ (فاء).\n(٨) الأصل في الوسق: الحمل، وكل شيء وسقته فقد حملته. \"اللسان\" ٣/ ٩٢٦ (وسق).","vol":"21","page":372},{"text":"فهذا المال هو الفيء، وهذا مما أفاء الله على المسلمين، أي: رده ورجعه من الكفار على المسلمين.\nوقوله: ﴿مِنْهُمْ﴾ أي من يهود بني النضير.\nقوله: ﴿فَمَا أَوْجَفْتُمْ﴾ يقال وجف الفرس والبعير يجف وجفًا ووجيفًا ووجفانًا (١). قال العجاج:\nناج طواه الأين مما وجفا (٢)\nوهو سرعة السير، وأوجفه صاحبه إذا حمله على السير السريع، وهما مثال الإيضاع (٣).\nوقوله: ﴿عَلَيْهِ﴾ أي على ما أفاء الله.\nقوله: ﴿وَلَا رِكَابٍ﴾ الركاب الإبل، واحدتها راحلة، ولا واحد لها في لفظها (٤).\nقال الفراء: الركاب الإبل التي تحمل القوم، وهي ركاب القوم إذا حملت وأريد العمل عليها، وهو اسم جماعة لا يفرد (٥).\nقال المفسرون: إن بني النضير لما جلوا عن أوطانهم وتركوا رباعهم وأموالهم طلب المسلمون من رسول الله أن يخمسها كما فعل بغنائم بدر،\n_________\n(١) انظر: \"تهذيب اللغة\" ١١/ ٢١٣.\n(٢) انظر: \"ملحقات ديوان العجاج\" ص ٨٤، و\"الكتاب مع شواهده\" للأعلم ١/ ١٨٠، و\"تهذيب اللغة\" ٤/ ٧٨.\n(٣) انظر: \"اللسان\" ٣/ ٨٨٢، و\"تفسير غريب القرآن\" ص ٤٦٠.\n(٤) \"اللسان\" ١/ ١٢١٣ (ركب).\n(٥) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ١٤٤، و\"تهذيب اللغة\" ١٠/ ٢١٩ (ركب)، ونسبه لليث.","vol":"21","page":373},{"text":"فأنزل الله هذه الآية والتي بعدها (١) بيّن أن بني النضير فيء لم يوجف المسلمون عليه خيلًا ولا ركابًا، ولم يقطعوا إليها مسافة، وإنما كانوا علي ميلين من المدينة فمشوا إليهم مشيًا، ولم يركب إلا رسول الله -ﷺ- كان راكب جمل (٢)، وكل (٣) مال حصل للمسلمين بهذه الصفة كان فيئًا ولم يكن غنيمة، والفرق بينهما أن الغنيمة ما أخذ بإيجاف خيل وركاب وقتال، والفيء ما أخذ بغيرها (٤).\nفإن قيل: أموال النضير أخذت بعد القتال، لأنهم حوصروا أيامًا وقاتلوا وقتلوا ثم صالحوا على الجلاء، قيل: إن الله تعالى خص نبيه بفيء بني النضير وجعل أموالهم له فيئًا فهو مخصوص بهذا (٥)، وأما سائر الأئمة فليس لهم أن يحكموا في مال بحكم الفيئ إلا إذا حصل بلا إيجاف خيل ولا ركاب وبلا قتال.\n_________\n(١) انظر: \"جامع البيان\" ٢٨/ ٢٤، و\"الكشف والبيان\" ١٢/ ٨٩ أ، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٣١٦، و\"زاد المسير\" ٨/ ٢٠٩\n(٢) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٤٧ ب، و\"جامع البيان\" ٢٨/ ٢٤.\n(٣) في (ك): (وكان).\n(٤) انظر: \"تهذيب اللغة\" ٨/ ١٤٩ (غنم)، ١٥/ ٥٧٨ (فاء)، و\"المغني\" ٩/ ٢٨٣.\n(٥) قال السهيلي: ولم يختلفوا في أن أموال بني النضير كانت خاصة برسول الله -ﷺ- وأن المسلمين لم يوجفوا عليهم بخيل ولا ركاب، وأنه لم يقع بينهم قتال أصلًا. \"فتح الباري\" ٧/ ٣٣. قلت: وتخصيص الرسول -ﷺ- بأموال بني النضير هو الثابت عن عمر ابن الخطاب؟ وعمن حضر مجلسه من كبار الصحابة رضوان الله عليهم. انظر: \"صحيح البخاري\"، كتاب: المغازي، باب: حديث بني النضير ٥/ ١١٣، و\"فتح الباري\" ٤/ ٣٣٧ - ٣٣٥، و\"صحيح مسلم بشرح النووي\" ١٢/ ٧١، والحديث مخرج في الكتب الستة، وغيرها.","vol":"21","page":374},{"text":"قال صاحب النظم: قوله: ﴿فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾ ليس بعلة لصرف الفيئ عنهم، وإنما هو تعزية لهم عما صرف عنهم لئلا يأسفوا عليه بما أعلمهم أنهم لم ينفقوا فيه شيئًا، ولا لزمهم نصب ولا تعب كما يكون في الوقائع.\nثم وكد ذلك بقول ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾ فكان في ذلك زيادة شرح لإحراز جميع الفيئ لرسوله دون أصحابه (١).\nقال المفسرون: فجعل الله أموال بني النضير لرسوله -ﷺ- خاصة يفعل فيها ما يشاء، فقسمها رسول الله -ﷺ- بين المهاجرين ولم يعط الأنصار منها شيئًا إلا ثلاثة نفر كانت بهم حاجة وهم أبو دجانة (٢)، وسهل بن حنيف (٣)، والحرث (٤) بن الصمة (٥).\n_________\n(١) لم أقف عليه.\n(٢) أبو دجانة سماك بن أوس، بن خرشة الأنصاري الخزرجي، شهد بدرًا، وأحدًا، واليمامة وقتل بها. وهو قاتل مسيلمة الكذاب مع وحشي بن حرب ﵄. انظر: \"المعارف\" ص ٢٧١، و\"البداية والنهاية\" ٦/ ٣٣٧.\n(٣) سهل بن حنيف الأوسي، حضر المشاهد كلها مع رسول الله -ﷺ- وشهد مع علي بن أبي طالب مشاهده كلها غير الجمل، فإنه كان قد استخلفه على المدينة، توفي سنة (٣٨ هـ) بالكوفة، وصلى عليه علي ﵄. انظر: \"المعارف\" ص ٢٩١، و\"البداية والنهاية\" ٧/ ٣١٨.\n(٤) الحارث بن الصمة، أبو سعد: آخى رسول الله -ﷺ- بينه وبين صهيب بن سنان، شهد أحدًا وثبت مع الرسول -ﷺ- وشهد يوم بئر معونه، وقتل يومئذ شهيدًا في صفر على رأس ستة وثلاثين شهرًا من الهجرة. انظر: \"طبقات ابن سعد\" ٣/ ٥٠٨.\n(٥) انظر: \"الكشف والبيان\" ١٣/ ٨٩ ب، ذكره بغير سند، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٣١٦، و\"زاد المسير\" ٨/ ٢٠٩.\nوهو المنقول عن السهيلي، واقتصر ابن إسحاق، وابن هشام، وابن سيد الناس، =","vol":"21","page":375},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4530>٧ </span>- ثم ذكر حكم الفيء فقال: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ أي من أموال كفار أهل القرى كما رد عليه وأفاء من أموال بني النضير وقريظة (١)، وأهل القرى قرى خيبر (٢)، وعرينة، وينبع، وهذه كلها كانت قرى أفاء الله أموال أهلها على رسول الله، ثم بين لمن هي فقال ﴿لِلَّهِ﴾. أي: أن الحكم فيها لله، له أن يأمركم فيه بما أحب ﴿وَلِرَسُولِهِ﴾ بتمليك الله إياه.\n﴿وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ يعني بني هاشم، وبني المطلب لأنهم قد منعوا الصدقة فجعل لهم حق في الفي.\n﴿وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ قال العلماء من أصحابنا في بيان حكم هذه الآية: كان الفيء في زمان رسول الله مقسومًا على خمسة أسهم،\n_________\n= وغيرهم على ذكر أبي دجانة، وسهيل بن حنيف. انظر: \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٢٨٣، عن الزهري، وأهمل اسم الرجلين، و\"تاريخ الأمم والملوك\" ٢/ ٨١، ٨٥، و\"البداية والنهاية\" ٤/ ٧٦، و\"روح المعاني\" ٢٨/ ٤٥.\nومن هذا ما رواه الحاكم في الإكليل، من حديث أم العلاء، قالت: قال النبي -ﷺ- للأنصار لما فتح النضير: \"إن أحببتم قسمت بينكم ما أفاء الله علي، وكان المهاجرون على ما هم عليه من السكنى في منازلكم وأموالكم وإن أحببتم أعيكتهم وفرجوا عنكم\"، فاختاروا الثاني. \"فتح الباري\" ٧/ ٣٣٣.\n(١) قريظة: حي من اليهود، كانوا يسكنون المدينة، وكان بينهم وبين رسول الله -ﷺ- عهد فنقضوه، وحاصرهم -ﷺ- خمسًا وعشرين ليلة ثم نزلوا على حكمه. \"سيرة ابن هشام\" ٣/ ٢٤٧.\n(٢) خيبر: الموضع المذكور في غزاة النبي -ﷺ- بينها وبين المدينة المنورة ثمانية برد على طريق الشام، ويطلق هذا الاسم على الولاية، وتشتمل على سبعة حصون ومزارع ونخل كثير.\nانظر: \"معجم البلدان\" ٢/ ٤٠٩.","vol":"21","page":376},{"text":"أربعة منها لرسول الله -ﷺ- خاصة، وكان الخمس الباقي يقسم على خمسة أسهم: سهم منها لرسول الله أيضًا (١)، والأسهم الأربعة لذي القربى واليتامى، كما ذكر الله في هذه الآية، وأما بعد وفاته فللشافعي فيما كان من الفيء لرسول الله -ﷺ- قولان:\nأحدهما: أنه للمجاهدين المرصدين (٢) للقتال في الثغور، لأنهم قاموا مقام رسول الله في رباط الثغور.\nالقول الثاني: أنه يصرف إلى مصالح المسلمين من سد الثغور، وحفر الأنهار، وبناء القناطر يبدأ بالأهم فالأهم، هذا في الأربعة الأخماس التي كانت لرسول الله -ﷺ-، وأما السهم الذي كان له في خمس الفيء فإنه لمصالح المسلمين بلا خلاف (٣).\nقوله تعالى: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ أي ما أفاء الله لهؤلاء الذين ذكرهم كي لا يكون دولة، وهي اسم الشيء يتداوله القوم بينهم يكون لذا مرة ولذا مرة.\nوالدَّوْلة بالفتح: انتقال حال سارة إلى قوم عن قوم، والدُّولى بالضم:\n_________\n(١) (أيضًا) ساقطة من (ك).\n(٢) في (ك): (المترصدين).\n(٣) انظر: \"المغني\" ٩/ ٢٩٩ وقد احتج الجمهور بقول عمر بن الخطاب ﵁ في الحديث الصحيح: \" ... فكانت هذه خالصة لرسول الله -ﷺ- ثم والله ما احتازها دونكم ولا استأثرها عليكم ... \" الحديث. ولم يوجبوا الخمس في الفيء، بل قالوا: مصرف الفيء كله إلى رسول الله -ﷺ-.\nوقال ابن المنذر: \"لا نعلم أحدًا قبل الشافعي قال بالخمس في الفيء، وقد تأول -﵀- قول عمر المذكور بأنه يريد الأخماس الأربعة. انظر: \"مسلم بشرح النووي\" ١٢/ ٦٩، و\"فتح الباري\" ٦/ ٢٠٨.","vol":"21","page":377},{"text":"اسم لما يتداول، وبالفتح مصدر من هذا، وسشعمل في الحالة السارة التي تنوب الإنسان فيقول: هذه دولة فلان، أي: قد أديل بالدولة، فالدَّولةَ اسم لما يتداول من المال، فالدُّولة: اسم لما ينتقل من الحال، هذا كلام المبرد، وهو معنى جميع أهل اللغة (١).\nقال الفراء: المعنى: كيلا يكون الفيء دولة بين الرؤساء منكم يعمل فيه كما كان يعمل في الجاهلية (٢)، قال مقاتل: يعني يغلب الأغنياء الفقراء فيقسمونه بينهم (٣)، وقال الفراء: ونزل في الرؤساء ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٤).\nقال ابن عباس: يقول ما أعطاكم الرسول من الفيء فخذوه فهو لكم حلال، وما نهاكم عنه فانتهوا (٥)، ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ في أمر الفيء ﴿إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ على ما نهاكم عنه الرسول، وهذا نازل في أمر الفيء فهو عام في كل ما أمر به، ونهى عنه رسول الله -ﷺ-. وكثر من الصحابة احتجوا على أن أوامر النبي -ﷺ- وزواجره كلها من القرآن (٦)، أن الله تعالى قال: ما أعطاكم وأباح لكم فخذوه، وما منعكم عنه فاتركوه، وكل ما يفعله بأمر رسول الله -ﷺ- فإنما يفعله بأمر الله، وهو أمرنا بذلك أمرًا مطلقًا، وكذلك\n_________\n(١) انظر: \"معاني الأخفش\" ٢/ ٧٠٦، و\"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ١٤٦، و\"تهذيب اللغة\" ١٤/ ١٧٥ (دوبل)، و\"اللسان\" ١/ ١٠٣٤ (دول)، و\"التفسير الكبير\" ٢٩/ ٢٨٥.\n(٢) \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ١٤٥.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ١٤٨ أ.\n(٤) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ١٤٥.\n(٥) انظر: \"تنوير المقياس\" ٦/ ٣٢، و\"الكشف والبيان\" ١٣/ ٩٣ أ، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٣١٨، ولم ينسبوه لقائل.\n(٦) في (ك): (القرآن كلها).","vol":"21","page":378},{"text":"فيما ينهى عنه بأمره (١).\nقال مقاتل: ثم ذكر أن الفيء للفقراء المهاجرين (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4531>٨ </span>- قال أبو إسحاق: بين المساكين الذين لهم الحق بقوله: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ﴾ (٣) يعني أن قوله: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ﴾ بدل من قوله للمساكين في الآية الأولى، وأنه عني بالمساكين هؤلاء ﴿الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ﴾، يعني أن كفار مكة أحوجوهم (٤) إلى الخروج، فهم الذين أخرجوهم.\nقوله تعالى: ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ﴾ قال مقاتل: يعني رزقًا في الجنة ﴿وَرِضْوَانًا﴾ رضا ربهم (٥).\nقال ابن عباس: ابتغوا فضل الله واختاروا رضوان الله على الدور والأموال فقبل الله ذلك منهم، وشكر سعيهم وسماهم الصادقين في قوله:\n_________\n(١) وممن قال بذلك ابن مسعود، وابن عباس، وعمر بن الخطاب، وأبو هريرة، والشافعي.\nانظر: \"صحيح البخاري\"، كتاب: التفسير، باب: وما آتاكم الرسول فخذوه، ٦/ ١٨٤، و\"إعراب القرآن\" للنحاس ٣/ ٣٩٦، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٣٣٦، و\"روح المعاني\" ٢٨/ ٥٠.\nوقال الشوكاني: والحق أن هذه الآية عامة في كل شيء يأتي به رسول الله -ﷺ- من أمر أو نهي أو ترك أو فعل، وإن كان السبب خاصًا، فالاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وكل شيء أتانا به من الشرع فقد أعطانا إياه وأوصلنا إليه ... وما أنفع هذه الآية وأكثر فائدتها. \"فتح القدير\" ٥/ ٢٧٨.\n(٢) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٤٨ أ.\n(٣) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ١٤٥.\n(٤) (ك): (أحوجهم).\n(٥) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٤٨ أ.","vol":"21","page":379},{"text":"﴿أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4532>٩ </span>- قال مقاتل: ثم ذكر الأنصار وأثنى عليهم حين طابت أنفسهم عن الفيء إذ جعله للمهاجرين دونهم فقال: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ يعني المدينة، وهي دار الهجرة تبوأها الأنصار قبل المهاجرين، وتقدير الآية: والذين تبوؤا الدار من قبلهم والإيمان، لأن الأنصار لم يؤمنوا قبل المهاجرين، وهذا قول مقاتل (٢). وعطف الإيمان على الدار، ولا يحسن إعمال الفعل الذي نصب الدار في الإيمان، ولكن المعنى، وآثروا الإيمان، هو من باب علفتها تبنًا وماء باردًا، وأكلت الخبز واللبن، وقد مر في مواضع.\nوقال أبو علي الفارسي: ومعنى الآية: تبوأوا الدار واعتقدوا الإيمان، لأن الإيمان ليس بمكان فيتبوأ فيكون كقوله: ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ﴾ [يونس: ٧١] على معنى: وأعدوا شركاءكم، ويجوز أن يكون تبوأوا الإيمان على طريق المثل كما تقول: تبوأ من بني فلان الصميم، وعلى ذلك قول الشاعر:\nوبُؤّئت في صميم معشرها ... فتم في قومها مبوؤها (٣)\nقال: كل هذه الوجوه ممكن (٤).\nقوله تعالى: ﴿وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا﴾ قال\n_________\n(١) لم أجده.\n(٢) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٤٨ أ.\n(٣) البيت لابن هرمة. انظر: \"اللسان\" ١/ ٢٨٤ (بوأ) ولم ينسبه لقائل، و\"مجاز القرآن\" ١/ ٢١٨، و\"شواهد المعنى\" ص ٢٧٩.\n(٤) انظر: \"البحر المحيط\" ٨/ ٢٤٧.","vol":"21","page":380},{"text":"المفسرون: حسدًا وحزازة وغيظًا مما أوتي المهاجرون دونهم (١)، وكل ما يجده الإنسان في صدره مما يحتاج إلى إزالته وشق عليه وجوده فهو حاجة.\nقوله تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ يقال: آثرتك إيثارًا، أي: فضلتك، وآثره بكذا إذا خصه به وفضله من بين الناس (٢)، ومفعول الإيثار محذوف والتقدير: ويؤثرونهم على أنفسهم، قال المفسرون: أي بأموالهم ومنازلهم، وذلك أنهم أشركوا المهاجرين في رباعهم وأموالهم وواسوهم بها (٣).\nوقال الكلبي، عن ابن عباس: هو أن النبي -ﷺ- قال للأنصار: \"إن شئتم قسمتم لهم من دوركم وأموالكم، وقسمت لكم من الفيء كما قسمت لهم، وإن شئتم كان لهم القسم ولكم دياركم وأموالكم\". فقالوا: لا. بل نقسم لهم من ديارنا وأموالنا ولا نشاركهم في القسم، فأنزل الله ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ (٤)، فبين أن هذا الإيثار ليس عن غنى من المال، ولكنه عن حاجة وخصاصة، وهي الفقر، وذو الخصاصة ذو الخلة، وأصلها من الخصاص، وهي الفرج، وكل خلل أو خرق يكون في\n_________\n(١) انظر: \"جامع البيان\" ٢٨/ ٢٨، و\"الكشف والبيان\" ١٣/ ٩٤ أ، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٣١٩، و\"زاد المسير\" ٨/ ٢١٢.\n(٢) انظر: \"تهذيب اللغة\"، ١٥/ ١٢٢ (أثر)، و\"اللسان\" ١/ ٢٠ (أثر).\n(٣) انظر: \"الكشف والبيان\" ١٣/ ٩٤ أ، و\"معالم التزيل\" ٤/ ٣١٩.\n(٤) ذكره الثعلبي بغير سند. انظر: \"الكشف والبيان\" ١٣/ ٩٥ ب، و\"معالم التزيل\" ٤/ ٤٢٠، و\"التفسير الكبير\" ٢٩/ ٢٨٧، ورواه الواقدي عن معمر، عن الزهري، عن خارجة بن زيج، عن أم العلاء قالت: وذكر نحوه. \"تخريجات الكشاف\" ص ١٦، ١٦٧.","vol":"21","page":381},{"text":"منخل أو باب أو سحاب أو برقع فهي خصاصة، الواحد خصاصة، ومنه قول الراجز:\nينظرن من خصاص ... بأعين شواصى (١)\nوذكر المفسرون أنواعًا من إيثار الأنصار للضيف بالطعام وتعللهم عه حتى شبع الضيف، ثم ذكروا أن الآية نزلت في ذلك الإيثار (٢). والصحيح أن الآية نزلت بسبب إيثارهم المهاجرين بالفيء ثم يجوز أن يتضمن قوله: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ ما رووه من أنواع الإيثار (٣).\nقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ﴾ ذكرنا تفسير الشح في قوله: ﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾ (٤) قال سعيد بن جبير: هو أخذ الحرام ومنع الزكاة (٥).\n_________\n(١) انظر: \"تهذيب اللغة\" ٦/ ٥٥١ (خصص)، و\"اللسان\" ٨٤١/ ١ (خصصه). والرجز لحضرمي بن عامر، وكان له تسعة إخوة فماتوا وورثهم. انظر: \"اللسان\" ٢/ ٣١٣ (مشصا)، و\"تهذيب اللغة\" ٨/ ٣٦٧ (قرص) ولم ينسبه لقائل.\n(٢) انظر: \"جامع البيان\" ٢٨/ ٢٩، و\"الكشف والبيان\" ١٣/ ٩٤ أ، ب، و\"أسباب النزول\" للواحدي ص ٤٨٣.\n(٣) وهكذا فسر مقاتل هذه الآية بإيثار الأنصار للمهاجرين بالفيء، ولعل الصواب في هذا أن الآية نزلت في رجل من الأنصار وامرأته حين ضيفا ضيف رسول الله -ﷺ-، ولا يمنع من تضمن الآية لإيثارهم المهاجرين بالفيء وغيره، والله أعلم. انظر: \"صحيح البخاري\"، كتاب: التفسير، باب: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾، و\"فتح الباري\" ٨/ ٦٣١.\n(٤) عند تفسيره الآية (١٢٨) من سورة النبأ. والشح: بخل مع الحرص، وذلك فيما كان عادة. \"اللسان\" ٢/ ٢٧٦ (شح)، و\"مفردات الراغب\" ص ٢٥٦ (شح).\n(٥) انظر: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٢٠، و\"الدر المنثور\" ٦/ ١٩٦، ونسب تخريجه لعبد بن حميد، وابن المنذر.","vol":"21","page":382},{"text":"وقال مقاتل: حرص نفسه (١)، وقال ابن زيد: من لم يأخذ شيئًا نهاه الله عنه ولم يمنع شيئًا أمره الله بأدائه فقد وُقي شح نفسه (٢).\nقال المفسرون: يعني أن الأنصار ممن وقي شح نفسه حين طابت أنفسهم عن الفيء (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4533>١٠ </span>- قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ يعني التابعين وهم الذين يجيئون بعد المهاجرين والأنصار إلى يوم القيامة.\nثم ذكر أنهم يدعون لأنفسهم بالمغفرة ولمن سبقهم بالإيمان بقوله: ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي غشًا وحسدًا وبغضًا (٤)، فكل من لم يترحم على جميع أصحاب محمد -ﷺ- وكان في قلبه غل على أحد منهم فإنه ليس ممن عناه بهذه الآية، ولهذا قال المتقدمون من العلماء: رتب الله تعالى المؤمنين على ثلاثة منازل: المهاجرين والأنصار والتابعين الموصوفين بما ذكر فمن لم يكن من التابعين بهذه الصفة كان خارجًا من أقسام المؤمنين.\nهذا الذي ذكرناه في هذه الآية من أنها نزلت في التابعين قول جماعة المفسرين (٥).\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\": ١٤٨ أ.\n(٢) انظر: \"جامع البيان\" ٢٨/ ٣٠، و\"الكشف والبيان\" ١٣/ ٩٦ أ، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٢.\n(٣) وهو المذكور في سبب النزول، عن ابن عباس، وتقدم.\n(٤) الغِلُّ والغَليِلُ: الغِشُّ والعَداوة والضَّعْنُ والحقْد والحسد. \"اللسان\" ٢/ ١٠٠٨ (غلل).\n(٥) انظر: \"الكشف والبيان\" ١٣/ ٩٦ - ٩٧، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٢٠، و\"زاد المسير\" ٨/ ٢١٦، و\"البحر المحيط\" ٨/ ٢٤٧، ونسبه للجمهور.","vol":"21","page":383},{"text":"وقال الكلبي: نزلت في المهاجرين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4534>١٠ </span>- قوله: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ أي أتوا المدينة بعد الأنصار، فإنهم نزلوها بعدهم يقولون: ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين تبوؤوا الدار والإيمان من قبل وألف بين قلوبنا ولا تجعل فيها غمرًا (١) للذين آمنوا، أي: حسدًا للأنصار، وذكره الفراء (٢)، والصحيح ما عليه الناس لقوله: ﴿سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ والأنصار لم يسبقوا المهاجرين بالإيمان (٣). والأكثرون أيضًا على أن قوله: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ﴾ وقوله: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا﴾ عطف على قوله: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ﴾ (٤) ويؤكد هذا ما روى مالك بن أوس بن الحدثان (٥) أن عمر بن الخطاب ذكر الفيء ثم قرأ ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ حتى بلغ ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ﴾\n_________\n(١) الغِمْرُ والغَمَرُ: الحقد والغل، والجمع غُمور. وقد غَمِرَ صدرهُ عليّ بالكسر يَغْمُر غِمْرًا وغَمَرًا. \"اللسان\" ٢/ ١٠١٥ (غمر).\n(٢) \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ١٤٥، و\"جامع البيان\" ٢٨/ ٣١، ذكراه دون نسبة لقائل.\n(٣) قال ابن كثير في تفسير هذه الآية: هؤلاء هم القسم الثالث ممن يستحق فقراؤهم من مال الفيء وهم المهاجرون ثم الأنصار ثم التابعون لهم بإحسان كما قال في آية براءة ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾. \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٣٣٩.\n(٤) قال النحاس: وعلى هذا كلام أهل التفسير والفقهاء، و\"إعراب القرآن\" للنحاس ٣/ ٣٩٩.\n(٥) مالك بن أوس بن الحدثان. قديم أدرك الجاهلية، ولكنه تأخر إسلامه، رأى أبا بكر، وروى عن عمر وعثمان. مات بالمدينة سنة (٧٢ هـ).\nانظر: \"طبقات ابن سعد\" ٥/ ٥٦، و\"سير أعلام النبلاء\" ٤/ ١٧٠، و\"المعارف\" ص ٤٢٧، و\"التقريب\" ٢/ ٢٢٣.","vol":"21","page":384},{"text":"فقرأها ثم قرأ ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ﴾ ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ ثم قال: استوعبت هذه الآية المسلمين عامة، فليس أحد إلا له فيها حق (١).\nوروى عن مالك بن أنس أنه قال: من تنقص أحدًا من أصحاب رسول الله -ﷺ-، أو كان في قلبه عليه غل فليس له حق في فيء المسلمين، ثم تلا هذه الآيات. قال: وهذا نص في الكتاب بين (٢).\nوقال المقاتلان: قوله: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ﴾ ابتدأ كلام في الثناء على الأنصار ثم حين طالت أنفسهم عن الفيء جعل للمهاجرين دونهم، وعلى قولهما: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُو﴾ ابتداء، وخبره ﴿يُحِبُّونَ﴾ وكذلك ما بعده (٣). والأكثرون على القول الأول، وهو أن الله تعالى جعل الفيء لجميع أقسام المسلمين الثلاثة، وهو مما ذكرنا أن الفيء بعد زمان رسول الله يصرف إلى مصالح المسلمين عامة.\nثم أنزل فيما دس المنافقون إلى اليهود أنا معكم في النصر والخروج.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4535>١١ </span>- قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا﴾ (٤) قال المقاتلان: يعني عبد الله بن أبي، وعبد الله بن نبتل، ورفاعة بن زيد، كانوا من الأنصار\n_________\n(١) مسلم في كتاب: الجهاد، باب: حكم الفيء، الترمذي رقم (١٦٠٩) والنسائي ٧/ ١٣٦ في قسم الفيء \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٢٨٣، وانظر: \"موسوعة فقه عمر بن الخطاب\" لمحمد رواس قلعه جي ص ٥٣٢ - ٥٣٣.\n(٢) انظر: \"إعراب القرآن\" للنحاس ٣/ ٣٩٩، و\"الكشف والبيان\" ١٣/ ٩٨ ب، ٩٨ أ، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٢١، و\"زاد المسير\" ٨/ ٢١٦.\n(٣) انظر: \"البحر المحيط\" ٨/ ٢٤٧.\n(٤) أخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال: قد أسلم ناس من أهل قريظة والنضير، وكان فيهم منافقون، وكانوا يقولون لأهل النضير: لئن أخرجتم لنخرجن معكم، فنزلت فيهم هذه الآية ... \"الدر\" ٦/ ١٩٩.","vol":"21","page":385},{"text":"ولكنهم نافقوا وباطنوا اليهود (١) فقالوا لإخوانهم أي في الدين، إنهم كفار مثلهم يعني اليهود ﴿لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ﴾ أي من المدينة ﴿لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ﴾ أي في خذلانكم وإسلامكم ﴿أَحَدًا أَبَدًا﴾ ووعدوهم (٢) النصر أرضًا بقولهم (٣): ﴿وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ﴾ ثم كذبهم الله تعالى في ذلك فقال ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾.\nثم ذكر أنهم يخلفونهم ما وعدوهم من الخروج والنصر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4536>١٢ </span>- قوله تعالى: ﴿لَئِنْ أُخْرِجُوا﴾ الآية، علم الله تعالى ما هو كائن، وما كان، وما ليس بكائن، إذا كان كيف يكون عز ربنا وجل - وقال أبو إسحاق: وقد بَانَ صدق ما قاله الله في أمر بني النضير الذين عاقدهم المنافقون وقوتلوا فلم ينصروهم. فأظهر الله ﷿ كذبهم (٤).\nقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ﴾ بعد قوله: ﴿لَا يَنْصُرُونَهُمْ﴾ معناه: وإن قدر وجود نصرهم، لأن ما نفاه الله تعالى لا يجوز وجوده، ولكن يجوز أن يقال لو قدر وجوده.\nقال الزجاج: معناه أنهم لو تعاطوا نصرهم، يعني أن المنافقين إن قصدوا نصر اليهود لولوا الأدبار منهزمين (٥) عن محمد -ﷺ- وأصحابه، ﴿ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ﴾ يعني بني النضير لا يصيرون منصورين على محمد وأصحابه إذا انهزم ناصرهم الذين راموا نصرهم.\n_________\n(١) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٤٨ ب، و\"التفسير الكبير\" ٢٩/ ٢٨٨.\n(٢) (ك): (ووعدهم).\n(٣) (ك): (بقوله).\n(٤) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ١٤٧.\n(٥) انظر: المرجع السابق ٥/ ١٤٧.","vol":"21","page":386},{"text":"وقوله: ﴿وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ﴾ بعد قوله: ﴿لَا يَنْصُرُونَهُمْ﴾ كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ﴾ (١) وقد مر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4537>١٣ </span>- ثم ذكر أن المنافقين خوفهم من المؤمنين أشد من خوفهم من الله فقال ﴿لَأَنْتُمْ﴾ أيها المؤمنون ﴿أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ﴾ قال ابن عباس: يريد هم منكم من أجل أنهم قوم لا يفقهون عظمة الله (٢)، وقال الفراء: هذا من صفة اليهود. يقول إنهم أهيب في صدورهم من عذاب الله عندهم، وذلك أن أهل النضير كانوا ذوي بأس شديد، فقذف الله الرعب في قلوبهم من المسلمين (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-4538>١٤ </span>- ثم أخبر عن اليهود فقال ﴿لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ﴾ قال أبو إسحاق: أعلم الله ﷿ أنهم إذا اجتمعوا على قتال المؤمنين لم يبرزوا لحربهم، إنما يقاتلون متحصنين بالقرى والجدران (٤).\nقوله: ﴿أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ﴾ أي لا يصحرون (٥) لكم ولا يقاتلون حتى يكون بينكم وبينهم حاجز من حصن أو سور.\nوقراءة العامة ﴿جُدُرٍ﴾ على الجمع إذ ليس المعنى أنهم يقاتلونكم من وراء حجاب واحد، ولكن من وراء جدر، ولا يقاتلونكم إلا في قرى محصنة، وكما أن القرى جماعة كذلك الجدر ينبغي أن تكون جمعًا، ومن\n_________\n(١) عند تفسيره الآية رقم (٣٢) من سورة الأنفال.\n(٢) لم أجد هذا الأثر.\n(٣) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ١٤٦.\n(٤) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ١٤٨.\n(٥) أصحر القوم إذا برزوا إلى فضاء لا يواريهم شيء. انظر: \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٢٣٥، و\"اللسان\" ٢/ ٤١١ (صحر).","vol":"21","page":387},{"text":"قرأ (جدار) (١) فالمراد في الإفراد الجمع أيضًا، لأنه يعلم أنهم لا يقاتلونهم من وراء جدار واحد (٢).\nقوله تعالى: ﴿بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ﴾ قال ابن عباس: بعضهم فظ (٣) على بعض، والمعنى أن بعضهم عدو لبعض (٤).\nوقال مجاهد ﴿بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ﴾ قال: بالوعيد، يقولون لنفعلن كذا وكذا (٥)، والمعنى على هذا أنهم يهددون المؤمنين ببإس شديد من وراء الحيطان والحصون، ثم يجبنون عن البروز للقتال، فبأسهم شديد فيما بينهم لا فيما بينهم وبين المؤمنين، فكان القول الأول أظهر.\nقال أبو إسحاق: أي أنهم مختلفون لا تستوي قلوبهم ولا يتعاونون بنيات مجتمعة؛ لأن الله ﷿ ناصر حزبه، خاذل أعدائه (٦)، وهذا معنى قول قتادة: أهل الباطل مختلفة أهوائهم، وهم مجتمعون في عداوة أهل الحق (٧).\n_________\n(١) قرأ ابن كثير، وأبو عمرو (جِدَار) بكسر الجيم وفتح الدال وألف بعدها على الأفراد. وقرأ الباقون (جُدُر) بضم الجيم والدال من غير ألف على الجمع.\nانظر: \"حجة القراءات\" ص ٧٠٥، و\"النشر\" ٢/ ٣٨٦، و\"الإتحاف\" ص ٤١٣.\n(٢) انظر: \"الحجة للقراء السبعة\" ٦/ ٣٨٣ - ٣٨٤.\n(٣) الفظُّ: الخَشِنُ الكلام، وقيل: الفظ الغليظ، والفَظَظُ: خشونة في الكلام. ورجل فَظُّ: ذو فظاظةٍ جافٍ غليظُ، في مَنطئِه غِلَظٌ وخشونةٌ. \"اللسان\" ٢/ ١١١١ (فظظ).\n(٤) انظر: \"الكشف والبيان\" ١٣/ ٩٨ ب، و\"التفسير الكبير\" ٢٩/ ٢٩٠، و\"غرائب القرآن\" ٢٩/ ٤٤.\n(٥) انظر: \"التفسير الكبير\" ٢٩/ ٢٩.\n(٦) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ١٤٨.\n(٧) انظر: \"جامع البيان\" ٢٨/ ٣٢، و\"الكشف والبيان\" ١٣/ ٩٨ ب، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٢٢.","vol":"21","page":388},{"text":"وذهب المقاتلان، ومجاهد في رواية خصيف إلى أن هذا من صفة المنافقين واليهود، قالوا في قوله: ﴿بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ﴾ يعني المنافقين واليهود (١) ﴿جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ﴾ مختلفة.\nثم بين سبب ذلك الاختلاف فقال ﴿ذَلِكَ﴾ أي ذلك التشتت ﴿بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ﴾ ما فيه الحظ لهم، ثم ضرب لليهود مثلًا:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4539>١٥ </span>- قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيبًا﴾ والمعنى: مثلهم كمثل الذين من قبلهم، فحذف أحد المثلين، والمراد بالذين من قبلهم كفار مكة الذين قتلوا ببدر (٢)، وكان ذلك قبل غزوة بني النضير بستة أشهر (٣). وهو قوله: ﴿قَرِيبًا﴾، والمعنى: تقدموا قريبًا، لأن قوله: ﴿مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ يدل على التقدم وعلى هذا تم الكلام (٤).\nثم قال ﴿ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ﴾ قال مقاتل: يعني جزاء ذنبهم، وهو القتل ببدر (٥)، ويجوز أن يكون معنى القرب إلى ذوق العذاب فيكون تمام الكلام عند قوله: ﴿وَبَالَ أَمْرِهِمْ﴾ قوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ يعني في الآخرة.\n_________\n(١) انظر: \"تفسير مجاهد\" ٢/ ٦٦٥، و\"تفسير مقاتل\" ١٤٨ ب، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٢٢.\n(٢) قال مجاهد ومقاتل: وقال ابن عباس: هم بنو قينقاع، وقيل: مثل قريظة كمثل بني النضير. انظر: \"تفسير مجاهد\" ٢/ ٦٦٥، و\"تفسير مقاتل\" ١٤٥ أ، و\"جامع البيان\" ٢٨/ ٣٢، و\"الكشف والبيان\" ١٣/ ٩٨ ب. قال النحاس: اختلف أهل التأويل في الذين من قبلهم، هاهنا، فقال ابن عباس: هم بنو قينقاع، وقال مجاهد: هم أهل بدر، والصواب أن يقال في هذا: إن الآية عامة، وهؤلاء جميعًا ممن كان قبلهم. \"إعراب القرآن\" ٣/ ٤٠٢.\n(٣) وهو قول الزهري ﵀.\n(٤) وبه قال الأخفش، انظر: \"القطع والارتفاق\" ص ٧١٨، و\"المكتفى\" ص ٥٦٢.\n(٥) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٤٨ ب.","vol":"21","page":389},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4540>١٦ </span>- ثم ضرب لليهود والمنافقين مثلًا فقال قولى تعالى: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ﴾ أي مثل المنافقين الذين غروا بني النضير بقولهم: ﴿لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ﴾ الآية، ثم خذلوهم ولم يفوا لهم ما وعدوهم ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ﴾ وهو عابد في بني إسرائيل كان يداوي من الجنون، فداوى امرأة فأعجبته فأغواه الشيطان حتى وقع بها، ثم قتلها، ثم صار آخر أمره أن كفر، فلما كفر تبرأ منه الشيطان (١)، وتلك القصة معروفة سنذكرها في \"مسند التفسير\" إن شاء الله، فضرب تلك القصة مثلًا للمنافقين حين غروا اليهود ثم تبرؤا منهم عند الشدة وأسلموهم. وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾ [الأنفال: ٤٨] الآية.\nقوله تعالى: ﴿إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ ذكرنا تفسيره في سورة الأنفال في قوله: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4541>١٧ </span>- ثم ذكر أنهما صارا إلى النار بقوله: ﴿فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا﴾ أي عاقبة الشيطان والإنسان حين صارا إلى النار.\nقوله تعالى: ﴿خَالِدَيْنِ فِيهَا﴾ قال الفراء: نصبه على الحال (٢). ﴿وَذَلِكَ\n_________\n(١) أخرجه عبد الرزاق، وابن جرير، والحاكم، وصححه، عن علي بن أبي طالب، وابن عباس. انظر: \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٢٨٥، و\"جامع البيان\" ٢٨/ ٣٣، و\"المستدرك\" ٢/ ٤٨٤، وقال هذا حديث صحح الإسناد، ولم يخرجاه وسكت عنه الذهبي، و\"تفسير مقاتل\" ١٤٨ ب، ١٤٩ أ.\nوقال ابن كثير: وكذا روي عن ابن عباس، وطاووس ومقاتل بن حيان، نحو ذلك، واشتهر عند كثير من الناس أن هذا العابد هو برصيصا، فالله أعلم. \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٣٤١.\n(٢) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ١٤٦.","vol":"21","page":390},{"text":"جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾ قال ابن عباس: يريد المكذبين (١).\nثم رجع إلى موعظة المؤمنين فقال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4542>١٨ </span>- قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ قال ابن عباس: يريد الأعمال التي فيها الثواب والعقاب، والمعنى: لينظر أحدكم أي شيء قدم لنفسه (٢) أعملًا صالحًا أم سيئًا يوبقه (٣).\nقال ابن إسحاق ﴿لِغَدٍ﴾ أي ليوم القيامة، وقرب على الناس كأنه يأتي غدًا (٤)، ومعنى الكلام في غد (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4543>١٩ </span>- قوله: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ﴾ قال ابن عباس والمقاتلان، وغيرهم: تركوا أمر الله وذكره ﴿فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾ فأنساهم حظوظ أنفسهم حتى لم يعملوا لله بطاعته ولم يقدموا خيرًا، هذا معنى قول جماعة المفسرين (٦).\nقال ابن عباس: يريد قريظة، والنضير، وبني قينقاع (٧) وهو قوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾.\n_________\n(١) لم أجده.\n(٢) (ك): (إيش الذي قدم نفسه).\n(٣) انظر: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٢٦، ولم ينسبه لقائل.\n(٤) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ١٤٩.\n(٥) عند تفسيره الآية (١٢) من سورة يونس. والغدْووُ: أصلُ الغّدِ، وهو اليومُ الذي يأتي بعد يومك فحُذفت لامه ولم يستعمل تامًّا إلا في الشعر، .. وربما كُني به عن الزمن الأخير كقوله تعالى: ﴿سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ﴾ وقوله: ﴿وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾. انظر: \"تهذيب اللغة\" ٨/ ١٧٠، و\"اللسان\" ٢/ ٩٦٣ (غدا).\n(٦) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٤٩ ب، و\"جامع البيان\" ٢٨/ ٣٥، و\"إعراب القرآن\" للنحاس ٣/ ٤٠٤، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٢٦، و\"التفسير الكبير\" ٢٩/ ٢٩١.\n(٧) انظر: \"زاد التفسير\" ٨/ ٢٢٤.","vol":"21","page":391},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4544>٢١ </span>- قوله تعالى: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ﴾ الآية. قال أبو إسحاق: أعلم الله ﷿ أن من شأن القرآن وعظمته وبيانه أنه لو جعل في الجبل تمييز كما جعل فيكم وأنزل عليه القرآن لخشع، أي: تطأطأ وخضع وتشقق من خشية الله، هذا كلامه (١).\nوالمعنى أن الجبل على قساوته وصلابته يتشقق من خشية الله وحذرًا من أن لا يؤدي حق الله في تعظيم القرآن، والكافر مستخف بحقه معرض عما فيه من العبر والذكر كأن لم يسمعها، فهو غافل عما تضمنه القرآن من تمييز الحق من الباطل، والواجب مما لا يجب، والجائز مما لا يجوز، والأولى مما ليس بأولى بأحسن البيان وأوضح البرهان، ومن وقف على هذا أوجب ذلك له الخشوع والخشية.\nقال مقاتل: يقول: فالذين هم أضعف من الجبل أولى أن يأخذوا القرآن بالخشية والمخافة (٢)، وهذا كأنه وصف للكافر بالقسوة حيث لم يلن قلبه لمواعظ القرآن الذي لو نزل على جبل لخشع، كما قال في آية أخرى: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ﴾ [البقرة: ٧٤] الآية. وهذه الآية تمثيل، لأن الجبل لا يتصور منه الخشوع إلا أن يخلق الله له تمييزًا يدل على أنه تمثيل ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ قال مقاتل: ضرب الله ذلك مثلًا (٣)، وكذلك قال غيره (٤).\n_________\n(١) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ١٥٠.\n(٢) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٤٩ ب.\n(٣) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٤٩ ب.\n(٤) وروى نحوه عن ابن عباس، وقتادة. انظر: \"جامع البيان\" ٢٨/ ٣٥، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٣٤٣.","vol":"21","page":392},{"text":"ثم أخبر بربوبيته وعظمته فقال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4545>٢٢ </span>- ﴿هُوَ اللَّهُ﴾ وهو ظاهر التفسير ماض فيما سبق (١) إلى قوله: ﴿الْقُدُّوسُ﴾ قال المفسرون: هو الطاهر من كل عيب، المنزه مما لا يليق به (٢)، ومضى الكلام فيه عند قوله: ﴿وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ [البقرة: ٣٠] وروى عطاء عن ابن عباس في قوله: ﴿الْقُدُّوسُ﴾ الذي منه البركات (٣)، وهو قول قتادة، قال: ويقال أرض مقدسة، أي مباركة (٤)، وقوله: ﴿السَّلَامُ﴾ ذكروا فيه قولين:\nأحدهما: أنه الذي سلم من النقص والعيب (٥).\nوالآخر: أنه الذي سلم خلقه من ظلمه (٦).\nوكلا القولين قد تقدم بيانه عند قوله: ﴿لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ﴾ (٧)، وقوله: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ﴾ (٨).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4546>٢٣ </span>- قوله تعالي: ﴿الْمُؤْمِنُ﴾ ذكره (٩) المفسرون وأهل اللغة فيه قولين:\n_________\n(١) انظر: \"تفسير غريب القرآن\" ص ٦، ١٩، و\"الأسماء والصفات\" للبيهقي ص ٥٧.\n(٢) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٥٠ أ، و\"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٠٢ ب، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٢٦.\n(٣) وفي \"التفسير الكبير\" ٢٩/ ٢٩٣، قال الحسن: إنه الذي كثرت بركاته.\n(٤) انظر: \"جامع البيان\" ٢٨/ ٣٦، الكشف والبيان\" ١٠٢ ب، ولفظه (المبارك).\n(٥) انظر:\"تفسير غريب القرآن\" ص ٦، و\"الأسماء والصفات\" للبيهقي ١/ ١٠١، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٢٦، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٣٤٣، وهو المعتمد عنده، حيث قال: ﴿السَّلَامُ﴾ أي من جميع العيوب، والنقائض لكماله في ذاته وصفاته وأفعاله.\n(٦) قاله قتادة، ومقاتل: انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٥٠ أ، و\"جامع البيان\" ٢٨/ ٣٦، و\"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ١٥٠، و\"الأسماء والصفات\" للبيهقي ١/ ١٠٢.\n(٧) عند تفسيره الآية (١٢٧) من سورة الأنعام.\n(٨) عند تفسيره الآية (٢٥) من سورة يونس.\n(٩) في (ك): (ذكره).","vol":"21","page":393},{"text":"أحدهما: أن المؤمن في صفة الله تعالى معناه الذي آمن أولياءه عذابه (١)، يقال: آمنه يؤمنه فهو مؤمن، ومنه قوله:\nوالمؤمنِ العائذاتِ الطَّيرَ يَمْسَحُها ... رُكْبانُ مكة بين الغيل والسَّند (٢)\nحلف بالله الذي آمن طير مكة فلا ينفر عن أن يمسحها الركبان، وهذا من الإيمان الذي هو ضد التخويف.\nقال الكلبي: المؤمن الذي لا يخاف ظلمه (٣).\nوقال مقاتل: هو الذي يؤمن أولياءه (٤).\nالقول الثاني: أن معنى المؤمن في صفته تعالى: المصدق (٥) على معنى أنه يصدق أنبياءه بإظهار المعجزة لهم، ويصدق المؤمنين إذا وحدوه. وهذا قول ابن عباس في رواية عطاء (٦). وذكرنا الإيمان بمعنى التصديق في مواضع.\nقال ابن الأنباري: سمعت أحمد بن يحيى يقول: المؤمن عند العرب المصدق (٧)، فذهب إلى أن الله تعالى مصدق عباده المسلمين يوم القيامة،\n_________\n(١) وهو المروي عن ابن عباس، وابن جريج، وزيد بن علي. انظر: \"تنوير المقباس\" ٦/ ٤٧، و\"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٠٢ ب، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٣٤٣.\n(٢) البيت للنابغة الذبياني. انظر: \"ديوانه\" ٢٥، و\"الخزانة\" ٢/ ٣١٥، و\"شرح المفصل\" ٣/ ١١، ومعنى العائذات: التي عاذت بالحرم، والغيل، الشجر الملتف، ورواية \"الديوان\" (نسعد) بدل \"السند\"، و\"الأسماء والصفات\" للبيهقي ١/ ١٦٥ - ١٦٦.\n(٣) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ١٥٠، ذكر نحوه ولم ينسبه.\n(٤) انظر: \"تفسير مقاتل\": ١٥٠ أ.\n(٥) (ك): (المتصدق).\n(٦) ذكره المفسرون عن الضحاك، وابن زيد. وانظر: \"جامع البيان\" ٢٨/ ٣٦، و\"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٠٢ ب، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٣٤٣.\n(٧) في (ك): (المتصدق). وانظر: \"إعراب القرآن\" للنحاس\" ٣/ ٤٠٧، و\"اللسان\" ١/ ١٠٨ (أمن).","vol":"21","page":394},{"text":"وذلك أن المفسرين قالوا: إذا كان يوم القيامة سأل الله تعالى الأمم عن تبليغ الرسل فيقولون (١): يا ربنا ما جاءنا رسول ولا نذير فيكذبون أنبياءهم، ويؤتى بأمة محمد -ﷺ- فيسئلون عن ذلك فيصدقون نبيهم والأنبياء الماضين، فيصدقهم الله تعالى عند ذلك (٢)، فالمؤمن المصدق لعباده كما قال تعالي ﴿يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ٦١] معناه: يصدق الله ويصدق المؤمنين (٣).\nقوله تعالى: ﴿الْمُهَيْمِنُ﴾ قال ابن عباس: الشاهد الذي لا يغيب عنه شيء، وهو قول قتادة، ومجاهد، قالوا: معناه الشهيد على عباده بأعمالهم (٤)، وعلى هذا أصله من قولهم: هيمن يهيمن فهو مهيمن إذا كان رقيبًا على الشيء (٥). وهو قول الخليل، وأبي عبيد.\nوذهب كثير من المفسرين وأهل المعاني على أن المهيمن مؤيمن على الأصل من أمن يؤمن، فيكون بمعنى المؤمن (٦)، وقد ذكرنا استقصاء هذا عند قوله: ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤٨] قال ابن الأنباري: المهيمن القائم على خلقه برزقه وأنشد:\n_________\n(١) في (ك): (فيقول).\n(٢) انظر: \"إعراب القرآن\" للنحاس ٣/ ٤٠٧، و\"اللسان\" ١/ ١٠٩ (أمن).\n(٣) انظر: \"اللسان\" ١/ ١٠٩ (أمن).\n(٤) انظر: \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٢٨٥، و\"جامع البيان\" ٢٨/ ٣٦، و\"إعراب القرآن\" للنحاس ٣/ ٤٠٧، و\"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٠٣ أ.\n(٥) انظر: \"تهذيب اللغة\" ٦/ ٣٣٤ (همن)، و\"إعراب القرآن\" للنحاس ٣/ ٤٠٧، و\"زاد المسير\" ٨/ ٢٢٦، و\"روح المعاني\" ٦/ ١٥٢.\n(٦) انظر: تفسير \"غريب القرآن \" ص ١١ - ١٢، و\"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ١٥٠، و\"إعراب القرآن\" للنحاس ٣/ ٤٠٧.","vol":"21","page":395},{"text":"ألا إن خير الناس بعد نبيه ... مهيمنه التاليه في العرف والنكر\nقال معناه: القائم على الناس بعده (١). وقال ابن كيسان في المهيمن: الله أعلم بتأويله (٢).\nقوله تعالى: ﴿الْجَبَّارُ﴾ له معان في صفة الله تعالى، قال ابن عباس: هو العظيم، وجبروت الله عظمته (٣)، وعلى هذا القول: الجبار الملك. والجبابرة الملوك ومنه الحديث \"جلد الكافر في النار كثافته أربعون ذراعًا بذراع الجبار\"، وهذا كما يقال: كذا ذراعًا بذراع الملك، والجبر في كلام العرب الملك ومنه قول الشاعر:\nوانعم صباحًا أيها الجبر (٤)\nأراد: أيها الملك. والعرب تسمي الجوزاء الجبار، تشبيهًا لها بالملك، لأنها في صورة رجل على كرسي وعليه تاج، ويجوز أن يكون الجبار في صفة الله تعالى من جبر إذا أغنى الفقير، وأصلح الكسير.\nقال الأزهري: وهو لعمري جابر (٥) كسير وفقير، وهو جابر دينه\n_________\n(١) انظر: \"تهذيب اللغة\" ٦/ ٣٣٤، و\"اللسان\" ٣/ ٨٣٣ (همن)، و\"التفسير الكبير\" ٢٩/ ٢٩٣.\n(٢) انظر: \"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٠٣ أ، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٢٧.\n(٣) انظر: \"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٠٣ أ، و\"زاد المسير\" ٨/ ٢٢٧، و\"التفسير الكبير\" ٢٩/ ٢٩٤.\n(٤) وصدره:\nأسْلَمْ براووُقٍ حُييتَ به\nوالبيت لعمرو بن أحمر، وقد ورد منسوبًا في \"الخصائص\" ٢/ ٢١، \"المحتسب\" ١/ ٩٧، و\"تهذيب اللغة\" ١١/ ٥٩، و\"اللسان\" ١/ ٣٩٥ (جبر).\n(٥) (ك): (على).","vol":"21","page":396},{"text":"الذي ارتضاه كما قال العجاج:\nقد جبر الدين الإله فجبر (١)\nقال اللحياني: يقال جبرت اليتيم والفقير أجْبُرُه جَبْرًا وجُبُورًا، فَجَبَرَ يجْبُرُ جُبُورًا، وانْجَبَرَ، واجْتَبَرَ بمعنى واحد (٢).\nويجوز أن يكون الجبار من جبره على كذا إذا أكرهه على ما أراد. قال السدي: هو الذي يقهر الناس ويجبرهم على ما أراد (٣). ونحو ذلك قال مقاتل (٤)، وهو من جبرته على الأمر أجبره جبرًا وجبورًا (٥).\nوكان الشافعي -﵀- يقول: جبره السلطان على كذا بغير ألف (٦).\nوجعل الفراء الجبار بهذا المعنى من أجبر، وهي اللغة المعروفة في الإكراه، فقال: لم أسمع فعالًا من أفعل إلا في حرفين، وهما جبار من أجبر، ودراك من أدرك (٧). وعلى هذا القول الجبار معناه: القهار الذي يجبر على ما يريد.\nقال القرظي: إنما سمي الجبار، لأنه جبر الخلق على ما أراد.\n_________\n(١) \"ديوان العجاج\" ص ١٥، وصدره:\nوعور الرحن من ولى العور\nو\"الخصائص\" ٢/ ٢٦٣، و\"اللسان\" ١/ ٣٩٦ (جبر)، و\"شرح الأشموني لألفية ابن مالك\" ٤/ ٢٤١.\n(٢) انظر: \"تهذيب اللغة\" ١١/ ٦٠ (جبر).\n(٣) انظر: \" الكشف والبيان\" ١٢/ ١٠٣ أ، و\"التفسير الكبير\" ٢٩/ ٢٩٣.\n(٤) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٥٠ أ، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٢٧.\n(٥) انظر: \"اللسان\" ١/ ٣٩٦ (جبر).\n(٦) انظر: \" اللسان\" ١/ ٣٩٦، وقال ابن منظور. وهو حجازي وفصيح.\n(٧) انظر: \"التفسير الكبير\" ٢٩/ ٢٩٣ - ٢٩٤، و\"البحر المحيط\" ٨/ ٢٥١.","vol":"21","page":397},{"text":"والخلق أرق شأنا من أن يعصوا ربهم طرفة عين إلا بما أراد (١) وهذا القول هو اختيار الزجاج، لأنه قال: تأويله الذي جبر الخلق على ما أراد (٢).\nوقال ابن الأنباري: الجبار في صفة الله: الذي لا ينال، ومنه قيل للنخلة التي فاتت يد المتناول: جبارة (٣).\nهذا الذي ذكرنا معاني الجبار في صفة الله تعالى، وللجبار معان في صفة الخلق:\nأحدهما: المسلط كقوله: ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ﴾ [ق: ٤٥].\nوالثاني: القوي العظيم الجسم، كقوله: ﴿إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ﴾ [المائدة: ٢٢].\nوقوله: ﴿إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا﴾ [القصص: ١٩].\nوالثالث: التكبر على عبادة الله، كقوله: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا﴾ [مريم: ٣٢].\nوالرابع: القتال كقوله: ﴿بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ﴾ [الشعراء: ١٣٠].\nوقوله: ﴿إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ﴾، ذكر ذلك ابن الأنباري (٤). ومضى الكلام على كل واحد في موضعه.\nقوله: ﴿الْمُتَكَبِّرُ﴾ قال ابن عباس: الذي تكبر بربوبيته فلا شيء مثله (٥).\n_________\n(١) انظر: \"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٠٣ أ، و\"الدر\" ٦/ ٢٠٢.\n(٢) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ١٥١.\n(٣) انظر: \"تهذيب اللغة\" ١١/ ٥٨ (جبر)، و\"اللسان\" ١/ ٣٩٥ (جبر)، و\"التفسير الكبير\" ٢٩/ ٢٩٤.\n(٤) انظر: \"تهذيب اللغة\" ١١/ ٥١، و\"اللسان\" ١/ ٣٩٥ (جبر)، وقد نسباه للحياني.\n(٥) انظر: \"التفسير الكبير\" ٢٩/ ٢٩٤.","vol":"21","page":398},{"text":"وقال مقاتل: المتعظم عن كل سوء (١)، وهو قول قتادة: الذي تكبر عن كل سوء (٢).\nوقال أبو إسحاق: الذي تكبر عن ظلم عباده (٣).\nقال ابن الأنباري: المتكبر ذو الكبرياء، والكبرياء عند العرب: الملك، ومنه قوله: ﴿وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ﴾ (٤).\nوقال أهل المعاني: المتكبر في صفة الله تعالى معناه الكبرياء فإنه أجل من أن يتكلف كبرًا، والعرب تضع يفعل في موضع فعل، يقولون: تظلم بمعنى ظلم، ومنه قول الجعدي:\nوما يشعر الرُّمْحُ الأصم كُعوبُه ... بثروة رهط الا ثلج المتظلمِ (٥)\nويقولون لشتم الرجل إذا شتم، قال الشاعر:\nفقل لزهيرٍ إن شَتَمْتَ سَرَاتَنا ... فلسنا بشَتَّامين للمُتَشَتِّم (٦)\n_________\n(١) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٥٠ أ، ولفظه: (المتعظم على كل شيء).\n(٢) انظر: \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٢٨٥، و\"جامع البيان\" ٢٨/ ٣٧.\n(٣) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ١٥١.\n(٤) من آية (٧٨) من سورة يونس. وانظر: \"تهذيب اللغة\"، و\"اللسان\" (كبر) عن ابن الأنباري.\n(٥) \"ديوان النابغة\" ص ١٤٤، و\"كتاب سيبويه في شرح شواهده\" للأعلم ١/ ٢٣٧، و\"الأغاني\" ٤/ ١٣٩، و\"السبع الطوال\" ص ٣٤٧، و\"شروح سقط الزند\" صس ٥٩٢، و\"اللسان\" (ظلم).\n(٦) والبيت لمعبد بن علقمة. انظر: \"الحماسة\" لأبي تمام ١/ ٣٦٢.","vol":"21","page":399},{"text":"سورة الممتحنة","vol":"21","page":401},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4547>سورة الامتحان </span><span data-type=\"title\" id=toc-4548>(١)</span>\n﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾\n\n١ - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ قال جماعة أهل التفسير: نزلت في حاطب بن أبي بلتعة حين كتب إلى مشركي قريش يخبرهم بمسير النبي -ﷺ- إليهم لما قصد فتح مكة، فأنزل الله ينهاه عن موالاة الكفار (٢).\nقوله تعالى: ﴿تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾ قال صاحب النظم: هو وصف للنكرة التي هي أولياء (٣) -وهو قول الفراء. قال: وهو كقولك: لا تتخذنه رجلًا تلقي إليه كل ما عندك- (٤) قال: ويجوز أن تجعله ابتدأ كلام فلا يكون صلة لأولياء (٥).\n_________\n(١) وبهذه التسمية قال مقاتل، وتسمى سورة المودة أيضًا، والمشهور في تسميتها \"سورة الممتحنة\" بفتح الحاء، وقد تكسر فعلى الأول هي صفة المرأة، وعلى الثاني صفة السورة. انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٥٠ ب، و\"فتح الباري\" ٨/ ٦٣٣، و\"روح المعاني\" ٢٨/ ٦٥.\n(٢) أخرجه عامة المفسرين وأصحاب كتب السنة. انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٥٠ ب، و\"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٢٨٦، و\"جامع البيان\" ٢٨/ ٣٨، و\"أسباب النزول\" للواحدي ص ٤٨٥، و\"فتح الباري\" ٨/ ٦٣٣ - ٦٣٤، \"صحيح مسلم\"، فضائل الصحابة، \"سنن الترمذي\"، كتاب التفسير، و\"الدر\" ٦/ ٣٠٢\n(٣) انظر: \"مشكل إعراب القرآن\" ٢/ ٧٢٨، و\"التفسير الكبير\" ٢٩/ ٢٩٧.\n(٤) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ١٤٩.\n(٥) انظر: \"الكشاف\" ٤/ ٨٦، و\"التفسير الكبير\" ٢٩/ ٢٩٧.","vol":"21","page":403},{"text":"قال الفراء، وأبو عبيدة، والكسائي: الباء في ﴿بِالْمَوَدَّةِ﴾ زيادة كهي في قوله: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ﴾ (١) وأنشد أبو عبيدة قوله:\nهُنَّ الحرائرُ لا رَبَّاتُ أَخْمِرَةٍ ... سُودُ المحاجِر لا يقرَأْنَ بالسَّوَرِ (٢)\nقال: الباء فصل، والمعنى: لا يقرأن السور.\nوقال الكسائي: يقال: رميت إليه بما في قلبي، وما في نفسي وألقيت إليك ما في نفسي وبما في نفسي كلام عربي (٣).\nوقال أبو إسحاق: المعنى يلقون إليهم أخبار النبي -ﷺ- وسره بالمودة التي بينكم وبينهم، ودليل هذا القول قوله: ﴿تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾ (٤).\nقوله تعالى: ﴿وَقَدْ كَفَرُوا﴾ الواو (٥) للحال، لأن المعنى: وحالهم أنهم كفروا (٦).\n﴿بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ﴾ قال مقاتل: يعني القرآن (٧).\n_________\n(١) من الآية (٢٥) من سورة الحج. وانظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ١٤٧، و\"تهذيب اللغة\" ٤/ ٤٢٢ (لحد) ونسبه لبعض أهل اللغة.\n(٢) والحرائر: جمع حرة، والربات: رَبّة بمعنى الصاحبة. والأحمرة: جمع حمار، وروى: أخمرة. وسود المحاجر: الإماء السود، والمحاجر: جمع محجر وهو من الوجه حيث يقع عليه النقاب. ولم أجد البيت عند أبي عبيدة. وفي اللسان (لحد) نسبه لحميد الأرقط. وهو في \"ديوان الراعي\" ص ١١٠ وانظر: \"مجالس ثعلب\" ص ٣٦٥، و\"جمهرة اللغة\" ٣/ ٤١٤، ونسبه للقتال الكلابي، وهو في \"ديوانه\" ص ٥٣، وفي \"معجم البلدان\" ٤/ ٢٣٧، ونسبه للقتال.\n(٣) انظر: \"إيضاح الشعر\" للفارسي ص ٤٨١، و\"اللسان\" ٣/ ٤٢ (قرأ).\n(٤) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ١٥٥.\n(٥) في (ك): (والواو).\n(٦) انظر: \"الكشاف\" ٤/ ٨٦.\n(٧) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٥١ أ.","vol":"21","page":404},{"text":"﴿يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ﴾ يعني من مكة ﴿أَنْ تُؤْمِنُوا﴾ أي لأن تؤمنوا (١) كأنه قال: يفعلون ذلك لإيمانكم بالله ربكم.\nقوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ﴾ قال الزجاج: هو شرط جوابه متقدم، وهو قوله: ﴿لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾. (٢)\nقوله: ﴿جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي﴾ منصوبان لأنهما مفعولان لهما (٣).\nوقوله: ﴿تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾ قال مقاتل: بالنصيحة (٤). والكلام في الباء هاهنا كما ذكرنا (٥).\nثم ذكر أنه لا يخفى عليه من أحوالهم شيء، فقال: ﴿وَأَنَا أَعْلَمُ﴾ أي: من كل أحد ﴿بِمَا أَخْفَيْتُمْ﴾ من المودة للكفار ﴿وَمَا أَعْلَنْتُمْ﴾ أي أظهرتم بألسنتكم منها، ويجوز أن يكون عامًا في كل ما يخفى ويعلن.\n﴿وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ﴾ يجوز رجوع الكناية إلى الإسرار وإلى الإلقاء، وإلى اتخاذ الكفار أولياء، لأن هذه الأفعال قد ذكرت وهي تدل على المصادر (٦).\nوقوله تعالى: ﴿فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ قال ابن عباس: قصد\n_________\n(١) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ١٤٩، و\"إعراب القرآن\" للنحاس ٣/ ٤١٢.\n(٢) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ١٥٦.\n(٣) انظر: \"إعراب القرآن\" للنحاس ٣/ ٤١٢، و\"مشكل إعراب القرآن\" ٢/ ٧٢٨.\n(٤) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٥١ أ، و\"التفسير الكبير\" ٢٩/ ٢٩٨.\n(٥) انظر: \"تفسير غريب القرآن\" ص ٤٦١.\n(٦) انظر: \"إعراب القرآن\" للنحاس ٣/ ٤١٢، و\"الكشاف\" ٤/ ٨٦، و\"زاد المسير\" ٨/ ٢٣٣، و\"التفسير الكبير\" ٢٩/ ٢٩٨.","vol":"21","page":405},{"text":"الإيمان (١). وقال مقاتل: فقد أخطأ قصد الطريق <span data-type=\"title\" id=toc-4549>(٢)</span>.\n٢ - ثم أخبر المؤمنين بعداوة كفار مكة إياهم فقال: ﴿إِنْ يَثْقَفُوكُمْ﴾ قال ابن عباس: إن يظفروا بكم <span data-type=\"title\" id=toc-4550>(٣)</span>.\nوقال مقاتل: إن يظهروا عليكم (٤)، والمعنى إن يصادفوكم ويلقوكم ﴿يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ﴾ بالضرب (٥) ﴿وَأَلْسِنَتَهُمْ﴾ بالشتم ﴿وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ﴾ كما كفروا وأن (٦) ترجعوا إلى دينهم. والمعنى: أن أعداء الله لا يخلصون المودة لأولياء الله لما بينهم من الخلاف الذي يوجب المباينة (٧) فلا ينفعكم التقرب إليهم بنقل أخبار النبي -ﷺ-.\n\n٣ - قوله: ﴿لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ﴾ لما عوتب حاطب على ما فعل اعتقد بأن له أرحامًا وأولادًا فيما بينهم وليس له (٨) هناك من يمنع عشيرته، فأراد أن يتخذ عندهم يدًا ليحسنوا إلى من خلفهم بمكة من عشيرته، فقال الله تعالى: ﴿لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُم﴾ (٩) التي بمكة، أعلم الله أن أهلهم\n_________\n(١) لم أجده بهذا اللفظ، وانظر: \"تنوير المقباس\" ٦/ ٥١.\n(٢) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٥١ أ.\n(٣) انظر: \"التفسير الكبير\" ٢٩/ ٢٩٩، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٣٠، ولم ينسبه لقائل.\n(٤) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٥١ أ، و\"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٠٦ ب، و\"التفسير الكبير\" ٢٩/ ٢٩٩.\n(٥) وقال غيره بالقتل والضرب. ولعله الأقرب إلى معني الآية. انظر: \"جامع البيان\" ٢٨/ ٤٠، و\"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٠٦ ب، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٣٠.\n(٦) في (ك): (واس).\n(٧) في (ك): (السلفة).\n(٨) في (ك): (وأن له).\n(٩) انظر: \"التفسير الكبير\" ٢٩/ ٢٩٩.","vol":"21","page":406},{"text":"وأولادهم لا ينفعونهم شيئًا، والمعنى على هذا (ذوو أرحامكم) يعني القرابات.\nقال المفسرون: يقول لا يدعونكم قراباتكم وأولادكم التي بمكة إلى خيانة رسول الله -ﷺ- والمؤمنين فلن ينفعكم أولئك الذين عصيتم الله لأجلهم ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ﴾ الله ﴿بَيْنَكُمْ﴾ فيدخل أهل طاعته والإيمان به الجنة، وأهل معصيته والكفر به النار.\nوقوله: ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ يجوز أن يكون ظرفًا لقوله: ﴿لَنْ تَنْفَعَكُمْ﴾ ويجوز أن يكون ظرفًا ليفصل في قوله: ﴿يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ﴾ (١) أي الله تعالى. ودل على اسم الله قوله: ﴿وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ﴾، وهذه قراءة عاصم. وقرأ ابن كثير (يُفصَل) بضم الياء وفتح الصاد مخففة، والمعنى راجع إلى الله تعالى، لأنه وإن لم يسم فاعله معروف أنه يفصل، وهو خير الفاصلين، كما أن قوله: ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: ٣٧] معناه: خلق الله الإنسان وقرئ (٢) من التفصيل بالوجهين اللذين ذكرناهما في الفصل وهو يقتضي تكثير هذا الفعل (٣).\nقوله: ﴿بَيْنَكُمْ﴾ ظرف على معنى الذي بينكم كقوله: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ\n_________\n(١) انظر: \"إعراب القرآن\" للنحاس ٣/ ٤١٢ - ٤١٣، و\"مشكل إعراب القرآن\" ٢/ ٧٢٨\n(٢) في (ك): (وقرئ من) والصواب: وقرئ (يُفَصّل).\n(٣) قرأ عاصم، ويعقوب (يَفْصِلُ) بفتح الياء وكسر الصاد مخففة مع إسكان الفاء. وقرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وأبو جعفر (يُفْصَلُ) بضم الياء وفتح الصاد مع إسكان الفاء وقرأ حمزة، والكسائي، وخلف (يُفَصَّلُ) بضم الياء وفتح الفاء وكسر الصاد وتشديدها. وقرأ ابن عامر (يُفَصَّلُ) بضم الياء وفتح الصاد مع التشديد. انظر: \"حجة القراءات\" ص ٧٠٦، و\"الحجة للقراء السبعة\" ٦/ ٢٨٥ - ٢٨٦، \"النشر\" ٢/ ٣٨٧، \"الإتحاف\" ص ٤١٤.","vol":"21","page":407},{"text":"بَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: ٥<span data-type=\"title\" id=toc-4551>٤] </span>في قراءة من نصب، ومن لم يسند الفعل إلى الله وقرأه على غير تسمية الفاعل فقوله: ﴿بَيْنَكُمْ﴾ يجوز أن يكون ظرفًا كما ذكرنا.\nقال أبو علي: وكان أبو الحسن يذهب في هذا النحو إلى أن الظرف أقيم مقام الفاعل، وترك على الفتح الذي كان يجري عليه في الكلام يجريه في أكثر الكلام منصوبًا، فاللفظ على هذا القول مفتوح، والموضع رفع كما كان اللفظ في قوله: ﴿كَفَى بِاللَّهِ﴾ [العنكبوت: ٥٢] وما جائني من رجل، مجرورًا، والموضع موضع رفع (١).\nقال ابن عباس في هذه الآية: لا يجمع بين كافر ومؤمن (٢).\n﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ يعني بما عمل حاطب من مكاتبة أهل مكة، (بصير) حين أخبر نبيه -ﷺ- بذلك (٣).\n\n٤ - ثم ضرب لهم إبراهيم -صلى الله عليه- مثلًا حين تبرأ من قومه ونابذهم وباغضهم وهو قوله: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ والأسوة: ما يؤتسى (٤) به مثل القدوة، والقدوة لما يقتدى به. ويقال: ائتسِ به، أي: اقتد به، وكن مثله. ويقال هو أسوتك، أي: أنت مثله وهو مثلك، وتجمع الأسوة والإسوة أسي. فالأسوة اسم لكل ما يقتدى به. ومن يقتدى به أسوة أيضًا. يقال: فلان أسوة في هذا الأمر. وقدوة: أي يؤتسى (٥) ويقتدى به\n_________\n(١) انظر: \"لحجة للقراء السبعة\" ٦/ ٢٨٥.\n(٢) انظر: \"تنوير المقباس\" ٦/ ٥١، ولفظه (يفرق بينكم وبين المؤمنين يوم القيامة).\n(٣) رواه عبد بن حميد، عن مجاهد. \"الدر\" ٦/ ٢٠٥.\n(٤) في (ك): (يأتس).\n(٥) انظر: \"تهذيب اللغة\" ١٣/ ١٣٩ (أسى)، و\"اللسان\" ١/ ٦٣ (أسا)، و\"المفردات\" ص ١٨ (أسا).","vol":"21","page":408},{"text":"ولك به أسوة. أي: ائتساء، وفي فلان أسوة، أي: يتأسى به (١).\nقال المفسرون: أعلم الله ﷿ أن إبراهيم وأصحابه تبرأوا من قومهم وعادوهم وقالوا لهم ﴿إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ﴾ وأمر أصحاب رسول الله -ﷺ- أن يتأسوا بهم وبقولهم. قال الفراء: يقول أفلا تأسيت يا حاطب بإبراهيم فتتبرأ من أهلك كما برئ إبراهيم -ﷺ- (٢).\nقوله تعالى: ﴿إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾ قال ابن عباس: كان لهم أسوة حسنة في صنع إبراهيم كله إلا في استغفاره لأبيه وهو مشرك (٣).\nوقال مجاهد: نهوا أن يتأسوا باستغفار إبراهيم لأبيه فيستغفروا للمشركين. وقال قتادة: يقول ائتسوا بأمره (٤) كله إلا في استغفاره لأبيه فلا تأتسوا به في ذلك، لأنه كان عن موعدة منه، فلما تبين له إقامته على الكفر تبرأ منه (٥).\nوقال مقاتل: يقول الله: تبرأوا من كفار قومكم، فإن لكم أسوة حسنة في إبراهيم ومن معه من المؤمنين في البراءة من قومهم المشركين، وليس\n_________\n(١) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ١٤٩.\n(٢) أخرجه ابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم، وصححه من طريق سعيد بن جبير. \"الدر\" ٦/ ٢٠٥.\n(٣) أخرجه ابن جرير، وعبد بن حميد، وابن المنذر، والحاكم، وصححه عن ابن عباس. انظر: \"جامع البيان\" ٢٨/ ٤١، و\"الدر\" ٦/ ٢٠٥، و\"تفسير مجاهد\" ٢/ ٦٦٧.\n(٤) في (ك): (يإبراهيم).\n(٥) انظر: \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٢٨٧، و\"جامع البيان\" ٢٨/ ٤١، و\"تفسير غريب القرآن\" ص ٤٦١، و\"البحر المحيط\" ١/ ٢٥٤، ونسبه لقتادة، ومجاهد، وعطاء الخراساني.","vol":"21","page":409},{"text":"لكم أسوة في إبراهيم في الاستغفار لأبيه فتقتدوا به في الاستغفار للمشركين (١) (٢)، هذا الذي ذكرنا هو قول جماعة المفسرين.\nوقال ابن قتيبة: يريد أن إبراهيم عاداهم وهجرهم في كل شيء إلا في قوله لأبيه لأستغفرن له (٣)، قال ابن الأنباري: ليس الأمر على ما ذكره، بل المعنى: قد كان لكم أسوة حسنة في كل شيء فعله إبراهيم إلا في قوله لأبيه ﴿لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾ فإن هذا مما لا يجب أن تتأسوا به فيه (٤).\n\nقوله تعالى: ﴿وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ هذا من قول إبراهيم لأبيه، يقول: ما أغني عنك شيئًا وما أدفع عنك عذاب الله إن أشركت به وعصيته، فوعده <span data-type=\"title\" id=toc-4552>(٥) </span>الاستغفار رجاء إسلامه، وأن ينقله الله بالاستغفار من الكفر إلى الإيمان، وذكر أنه لا يغني عنه شيئًا سوى أن يستغفر له على رجاء أن يسلم. وهذه القصة مشروحة في آخر سورة براءة (٦).\n٥ - قال ابن عباس: وكان من دعاء إبراهيم وأصحابه قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٤) رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (٧) قال مجاهد: لا تعذبنا بأيديهم، ولا بعذاب من عندك فيقولوا (٨): لو كان\n_________\n(١) في (ك): (استغفار المشركين).\n(٢) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٥٧ ب.\n(٣) انظر: \"تأويل المشكل\" ص ٢٧٧.\n(٤) انظر: \"التفسير الكبير\" ٢٩/ ٣٠٠.\n(٥) في (ك): (بوعده).\n(٦) عند تفسيره الآية (١١٤) من سورة براءة.\n(٧) انظر: \"التفسير الكبير\" ٢٩/ ٣٠١.\n(٨) (ك): (فيقولون).","vol":"21","page":410},{"text":"هؤلاء على الحق ما أصابهم هذا (١).\nقال أبو إسحاق: معناه لا تظهرهم علينا فيظنوا أنهم على حق فيفتتنوا بذلك (٢).\nوقال الفراء: يقول لا تظهر علينا الكفار فيروا أنهم على حق وإنا على باطل (٣).\nوقال مقاتل: لا تقتر علينا الرزق وتبسط لهم فيكون ذلك فتنة لهم (٤). ونحو هذا قال الكلبي في أحد قوليه، وقال الذي القول الثاني: الذين كفروا أهل مكة أي لا تذللنا لمشركين ولا تسلطهم علينا يفتنوننا عن ديننا ويعذبوننا. وهذا قول ابن عباس في رواية عطاء (٥)، وعلى هذا ليست الآية من قول إبراهيم وأصحابه، وكأنه قيل لأصحاب النبي -ﷺ- قوله: ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فأضمر القول.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4553>٦ </span>- ثم أعاد ذكر الأسوة تأكيدًا للكلام فقال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ﴾ أي في إبراهيم والذين معه من المؤمنين ﴿أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ قال ابن عباس: كانوا يبغضون من خالف الله ويبغضون أعمالهم ويحبون من أحب الله (٦).\n_________\n(١) انظر: \"تفسير مجاهد\" ٢/ ٦٦٧، و\"جامع البيان\" ٢٨/ ٤٢، و\"الدر\" ٦/ ٢٠٥.\n(٢) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ١٥٧، وهو قول قتادة كما ذكره الطبري في جامعه ٢٨/ ٤٢.\n(٣) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ١٥٠.\n(٤) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٥١ ب، ولفظه: (لا تقتر علينا بالرزق وتبسط لهم في الرزق فيحتاج إليهم فيكون ذلك فتنة لنا).\n(٥) انظر: \"تنوير المقباس\" ٦/ ٥٢، و\"التفسير الكبير\" ٢٩/ ٣٠٢، وصدر هذه الأقوال بقيل دون نسبة لقائل.\n(٦) انظر: \"التفسير الكبير\" ٢٩/ ٣٠٢.","vol":"21","page":411},{"text":"قوله تعالى: ﴿لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ بدل من قوله: ﴿لَكُمْ﴾ (١)، وبيانه أن هذه الأسوة لمن يخاف الله ويخاف عقاب الآخرة، ويخشى اليوم الذي (٢) فيه جزاء الأعمال ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ﴾ أي: يعرض عن الائتساء بهم ويميل إلى موالاة الكفار ﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ﴾ عن خلقه ﴿الْحَمِيدُ﴾ إلى أوليائه وأهل طاعته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4554>٧ </span>- قال مقاتل: فلما أمر الله المؤمنين بعداوة الكفار والبراءة منهم، عادوا أقرباءهم وأرحامهم، وأظهروا لهم العداوة، وعلم الله شدة وجد المؤمنين في ذلك فأنزل قوله: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً﴾ أي من كفار مكة مودة، وفعل ذلك بأن أسلم كثير منهم وخالطوا المسلمين وناكحوهم وتزوج رسول الله -ﷺ- أم حبيبة بنت أبي سفيان فلان لهم أبو سفيان (٣).\nوقال ابن عباس في قوله: ﴿وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً﴾ يريد نفرًا من قريش آمنوا بعد فتح مكة منهم أبو سفيان بن حرب، وأبو سفيان بن الحارث (٤)،\n_________\n(١) انظر: \"الكشاف\" ٤/ ٨٧.\n(٢) قوله (الذي) قلادة يقتضيها السياق.\n(٣) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٥١ ب، \"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٠٧ ب، و\"التفسير الكبير\" ٢٩/ ٣٠٢.\n(٤) أبو سفيان بن الحارث، كان أخا رسول الله -ﷺ- من الرضاعة، وكان يحب الرسول -ﷺ- قبل البعثة، ثم انقلبت محبته إلى عداوة، وكان شاعرًا يهجو الرسول وأصحابه أسلم عام الفتح وأبلى في حنين -﵁- مات سنة (٢٠ هـ) وقيل: بعد استخلاف عمر بسنة وسبعة أشهر. انظر: \"صفة الصفوة\" ١/ ٥١٩: و\"سير أعلام النبلاء\" ١/ ٢٠٢.","vol":"21","page":412},{"text":"والحارث بن هشام (١)، وسهيل بن عمرو (٢)، وحكيم بن حزام.\n﴿وَاللَّهُ قَدِيرٌ﴾ على جعل المودة ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ بهم إذا تأبوا وأسلموا ورجعوا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4555>٨ </span>- قوله تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾ اختلفوا في المراد بقوله: ﴿الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾ فالأكثرون على أنهم أهل العهد الذين عاهدوا رسول الله -ﷺ- على ترك القتال والمظاهرة في العداوة وهم خزاعة. وكانوا عاقدوا النبي -ﷺ- أن لا يقاتلوه ولا يخرجوه، فأمر النبي -ﷺ- بالبر والوفاء لهم إلى مدة أجلهم. وهذا قول المقاتلين (٣).\nوروى مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير (٤) عن أبيه أنه قال:\n_________\n(١) الحارث بن هشام، أخو أبي جهل، شهد بدرًا مع المشركين فانهزم، وأسلم يوم فتح مكة، وخرج في زمن عمر إلى الشام، ولم يزل مجاهدًا حتى مات في طاعون عمواس سنة ثمان عشرة. انظر: \"المعارف\" ٢٨٢، و\"سير أعلام النبلاء\" ٤/ ٤١٩، و\"الإصابة\" ١/ ٢٩٣، و\"الاستيعاب\" ١/ ٣٠٧، و\"تهذيب ابن عساكر\" ٤/ ٨.\n(٢) سهيل بن عمرو، أسلم بالجعرانة، بعد غزوة حنين، وخرج إلى الشام في خلافة عمر فمات بها في طاعون عمواس، وهو نائب قريش في صلح الحديبية مع رسول الله -ﷺ- انظر: \"المعارف\" ص ٢٨٤، و\"سير أعلام النبلاء\" ١/ ١٩٢، و\"أسد الغابة\" ٢/ ٣٧١، و\"الإصابة\" ٢/ ٩٣، و\"الأعلام\" ٣/ ١٤٤.\n(٣) انظر: \"التفسير الكبير\" ٢٩/ ٣٠٣، ولم ينسبه لقائل، وانظر: \"تفسير مقاتل\" ١٥٢ أ، الإيضاح لناسخ القرآن لمكي: ٤٣٢، ونسبه للحسن، و\"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٠٨ أ، ونسبه لابن عباس، وكذا البغوي في تفسيره ٤/ ٣٣١، و\"التفسير الكبير\" ٢٩/ ٣٠٤، ونسبه لابن عباس، والمقاتلين، والكلبي.\n(٤) هو مصعب بن ثابت عبد الله بن الزبير. روى عن أبيه، وعطاء، وطائفة، ضعفه ابن معين. وقال ابن حجر: كان لين الحديث عابدًا، توفي سنة (١٥٧ هـ). انظر: =","vol":"21","page":413},{"text":"قدمت قتيلة بنت عبد العزى (١) (٢) على ابنتها أسماء بنت أبي بكر -﵂- على ابنتها أسماء بهدايا وهي كافرة فأبت أسماء أن تقبل منها وتدخلها منزلها، وأرسلت إلى عائشة لتسأل لها رسول الله -ﷺ- أن تقبل هداياها وتدخلها منزلها فأنزل الله هذه الآية (٣)، وعلى هذا القول المراد بقوله: ﴿الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ﴾ النساء والصبيان.\nوقال ابن عباس: يريد قومًا من بني هاشم منهم العباس أخرجوا يوم بدر كرهًا، وهذا قول مرة، وعطية (٤).\nقوله تعالى: ﴿أَنْ تَبَرُّوهُمْ﴾ قال أبو إسحاق: أن في موضع خفض بدل من الذين، المعنى لا ينهاكم الله عن أن تبروا الذين لم يقاتلوكم في الدين. وهذا يدل على أن المراد لا ينهاكم الله عن بر الذين لم يقاتلوكم (٥).\n_________\n= \"تهذيب التهذيب\" ١٠/ ١٥٨، \"الجرح والتعديل\" ٨/ ٣٠٤، و\"شذرات الذهب\" ١/ ٢٤٣، \"سير أعلام النبلاء\" ٧/ ٢٩، \"تقريب التهذيب\" ٢/ ٢٥٠.\n(١) هي قتيلة بنت عبد العزى، كانت امرأة لأبي بكر -﵁- فطلقها في الجاهلية. انظر: \"البحر المحيط\" ٨/ ٢٥٥.\n(٢) في (ك): (قدمت قتيلة بنت أسماء).\n(٣) أخرجه الحاكم في \"المستدرك\" ٢/ ٤٨٥، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي. وفي \"مجمع الزوائد\" ٧/ ١٢٣، من رواية أحمد، والطبراني، والبزار. وقال: وفيه مصعب بن ثابت، وثقه ابن حبان، وضعفه جماعة، وبقية رجاله رجال الصحيح. وفي \"تخريجات الكشاف\" ص ١٦٨، قال ابن حجر: (وحديث أسماء في الصحيحين عن عروة بغير هذا السياق). وانظر: \"أسباب النزول\" للواحدي ص ٤٨٨، و\"الدر\" ٦/ ٢٠٥.\n(٤) انظر: \"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٠٨ أ، و\"زاد المسير\" ٨/ ٢٣٧، و\"روح المعاني\" ٢٨/ ٧٥.\n(٥) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ١٥٧","vol":"21","page":414},{"text":"قال أهل التأويل: وهذه الآية تدل على أن (١) جواز البر بين المسلمين والمشركين، وإن كانت المودة منقطعة فإن الله تعالى أباح ذلك في هذه الآية (٢).\nقوله تعالى: ﴿وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ﴾ قال ابن عباس: يريد بالصلة وغير ذلك (٣) ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ يريد أهل البر والتواصل.\nوقال المقاتلان: أن توفوا لهم بعهدهم وتعدلوا (٤).\nقال أبو إسحاق: أي وتعدلوا فيما بينكم وبينهم من الوفاء بالعهد (٥).\nوقال المبرد: يقال: أقسطت إلى الرجل إذا عاملته بالعدل.\nوقال مجاهد: هذه الآية نزلت في الذين آمنوا بمكة ولم يهاجروا (٦) وهذا قول الربيع في الآية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4556>٩ </span>- ثم ذكر من الذين ينهاهم عن صلتهم فقال قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾ إلا قوله: ﴿أَنْ تَوَلَّوْهُمْ﴾ أن في موضع\n_________\n(١) في (ك): (على أن) والصواب حذفها.\n(٢) والآية محكمة في قول مجاهد، والحسن، وهو المعتمد عند ابن جرير، وغيره. انظر: \"جامع البيان\" ٢٨/ ٤٣، \"الإيضاح لناسخ القرآن لمكي\" ص ٤٣١، نواسخ القرآن لابن الجوزي: ٢٣٩، وقال النحاس: (وليس لقول من قال إنها منسوخة معنى، لأن البر في اللغة إنما هو لين الكلام والمواساة وليس هذا محظورًا أن ينقله أحد بكافر ...). \"إعراب القرآن\" ٣/ ٤١٦.\n(٣) انظر: \"تنوير المقباس\" ٦/ ٥٤، و\"التفسير الكبير\" ٢٩/ ٣٠٤.\n(٤) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٥٢ أ، و\"التفسير الكبير\" ٢٩/ ٢٠٤.\n(٥) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ١٥٨.\n(٦) انظر: \"تفسير مجاهد\" ٢/ ٦٦٨، و\"جامع البيان\" ٢٨/ ٤٣، و\"الدر\" ٦/ ٣٠٥.","vol":"21","page":415},{"text":"خفض على البدل كما ذكرنا في الآية الأولى (١)، والمعنى: إنما ينهاكم الله عن أن تتولوا هؤلاء الذين قاتلوكم. قال أبو إسحاق: أي أن مكاتبتهم بإظهار ما أسره النبي -ﷺ- موالاة (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4557>١٠ </span>- قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ﴾ الآية. وقال جماعة المفسرين لما قاضى رسول الله -ﷺ- عام الحديبية المشركين على أن يرد إليهم من جاء من المسلمين منهم ولا يردون من جاءهم من المسلمين وكتبوا بذلك العهد جاءت سبيعة بنت الحارث الأسلمية (٣) مؤمنة إلى المسلمين وزوجها مسافر المخزومي -وقال المقاتلان- زوجها صيفى بن الراهب (٤).\nوقال الزهري: جاءت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، وهي عاتق (٥) فجاء أهلها يسألون رسول الله -ﷺ- أن يرجعها إليهم. وهذا قول ابن عباس. إلا أنه قال: هربت من زوجها عمرو بن العاص ومعها أخواها\n_________\n(١) انظر: \"مشكل إعراب القرآن\" ٢/ ٧٢٩.\n(٢) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ١٥٨.\n(٣) سبيعة بنت الحارث الأسلمية، أسلمت بعد صلح الحديبية، ويؤيد هذا أن هبة الله في \"الناسخ والمنسوخ\" ذكر أن النبي -ﷺ- لما انصرف من الحديبية لحقت به سبيعة بنت الحارث، امرأة من قريش فبان أنها غير الأسلمية التي تروي عدة المرأة التي مات عنها زوجها، وهذا قول العقيلي، ومنهم من قال بأنها هي، والله أعلم. \"الإصابة\" ٤/ ٣٢٤ - ٣٢٥. انظر: \"تهذيب التهذيب\" ١٢/ ٤٢٤، و\"الكاشف\" ٣/ ٤٧٢.\n(٤) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٥٢ أ، و\"الكشف\" ١٣/ ١٠٨ ب، و\"أسباب النزول\" للواحدي ص ٤٨٩، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٣٢.\n(٥) العاتق: الشابة أول ما تُدرك، وقيل: هي التي لم تبن من والديها ولم تتزوج، وقد أدركت وشبت. اللسان ٢/ ٦٧٨ (عتق).","vol":"21","page":416},{"text":"عمارة والوليد، فرد رسول الله -ﷺ- أخويها وحبسها، فقالوا للنبي -ﷺ- ردها علينا فإن شرطنا عليك أن من أتاك من عندنا أن ترده علينا، فقال النبي -ﷺ- \"لوكان الشرط في الرجال ولم يكن في النساء\" (١) فأنزل الله هذه الآية ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ﴾ (٢) سماهن مؤمنات ولم يعرفن بالإيمان. وقبل أن يصلوا إلى النبي -ﷺ- لإظهارهن الإيمان وكلمة التصديق.\nقوله: ﴿فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾ قال المفسرون: ذلك أن يستخلف المهاجرة ما هاجرت لبغض زوجها ولا لحدث أحدثته ولا خرجت عشقًا لرجل من المسلمين، وما خرجت إلا رغبة في الإسلام (٣)، فهذا هو معنى الامتحان المأمور به.\n_________\n(١) قال ابن حجر: وهذا لو ثبت كان قاطعًا للنزاع، لكن يؤيد الأول والثالث ما تقدم في أول الشروط وهو حديث أم كلثوم الآتي - وقوله الأول والثالث هو قول من قال بأن حكم النساء نسخ بهذه الآية، أو هو عام أريد به الخصوص وبين ذلك عند نزول الآية. \"فتح الباري\" ٩/ ٤١٩، وانظر: \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٣٥.\n(٢) انظر: \"صحيح البخاري\"، كتاب المغازي، باب غزوة الحديبية (٣١) ٥/ ١٦٢، وفيه (فجاء أهلها) وفي حديث عبد الله بن أبي أحمد بن جحش \" .. فخرج أخواها الوليد وعمارة ابنا عقبة بن أبي معيط حتى قدما المدينة فكلما رسول الله -ﷺ- أن يردها إليهم ... \" الحديث. انظر: \"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٠٨ ب، \"فتح الباري\" ٧/ ٤٥٤، \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٣٥٠، \"مجمع الزوائد\" ٧/ ١٢٣، و\"زاد المسير\" ٨/ ٢٣٨، قلت: وهم المؤلف -﵀- في قوله (ومعها أخواها عمارة والوليد) لأن الوليد -﵁- لم يسلم إلا عام الفتح، ولما ثبت في الصحيح من أنهما جاءا لطلبها، والله أعلم.\n(٣) ذكر المفسرون نحو هذا عن ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، وعكرمة، وغيرهم. انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٥٢ أ، و\"تفسير مجاهد\" ٢/ ٦٦٨، و\"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٢٨٨، و\"جامع البيان\" ٢٨/ ٤٤، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٣٥٠.","vol":"21","page":417},{"text":"قوله تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ﴾ أي: إن هذا الامتحان لكم والله عالم بإيمانهن؛ لأنه يتولى السرائر، وأما أنتم فإنما تعرفون الظواهر وهو قوله: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ﴾ أي بما يظهرون من الإيمان.\nوقال مقاتل: فإن علمتموهن مؤمنات قبل المحنة (١)، وجملة الكلام في هذا أن المرأة إذا هاجرت الكفار إلى المسلمين وأظهرت الإيمان لم يجز ردها إلى الكفار، وإن كان بيننا وبينهم عهد بأن نرد إليهم من جاءنا من عندهم مسلمًا، والأمر بالامتحان أمر استحباب وهو غير واجب (٢)، فإذا عرفناها مؤمنة لم يجز ردها إليهم بحال، وإنما يعرف ذلك بإقرارها وذلك قوله تعالى: ﴿فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ واختلفوا في أن ذلك العهد الذي جرى بينهم بالحديبية هل يتناول النساء أم لا؟\nقال عروة بن الزبير: إن الله نقض العهد في النساء ومنعهن أن يردون وحكم فيهن بالذي حكم، وهذا يدل على أن العهد كان عامًا في الرجال والنساء. ثم أمضى الله ذلك في الرجال ومنع في النساء (٣).\nوقال المقاتلان: إن النبي -ﷺ- كان عالمًا بأن الشرط ممنوع في النساء ولكن أوهم المشركين بإطلاق العهد أنهن مردودات.\nالقول الثاني: أنه لم يعلم أن الشرط في النساء باطل، حتى أعلمه الله\n_________\n(١) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٥٢ أ.\n(٢) أخرجه ابن إسحاق، وابن سعد، وابن المنذر، وابن جير، وغيرهم انظر: \"جامع البيان\" ٢٨/ ٤٥، \"السنن الكبرى\" للبيهقي ٧/ ١٧٠، و\"الدر\" ٦/ ٢٠٦.\n(٣) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق مقاتل بن حيان، وهو قول مقاتل بن سليمان أيضًا. انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٥٢ أ، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٣٥٠.","vol":"21","page":418},{"text":"أنهن غير مردودات ولا داخلات في العهد.\nقوله تعالى: ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ قال ابن عباس: لم يحل الله مؤمنة لكافر، ولا نكاح مؤمن لمشركة (١).\nوقوله: ﴿وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا﴾ يعني أزواجهن الكفار ما أنفقوا عليهن من المهر. قال أصحابنا: إنما أمرنا أن نغرم مهرهن؛ لأنهن كن داخلات في الشرط الذي شرط رسول الله -ﷺ- برد من جاءه منهن على أحد القولين، فلزم العزم لأنهن دخلن في العقد ثم منعناهن، وإذا قلنا لم يدخلن في العقد فالعزم إنما كان لإيهام رسول الله -ﷺ- إياهم أنهن داخلات في الشرط ثم لم يلزم غرم المهر إلا إذا طالب الزوج الكافر بذلك وحضر لطلبه، فإذا حضر وهي باقية عندنا منعناها وغرمنا له صداقها، وإن كانت ماتت قبل حضور الزوج ما (٢) نغرم المهر؛ لأن المنع لم يتحقق، وإنما نغرم الصداق المسمى في أصل العقد لا مهر المثل؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا﴾ وهذا يتناول المسمى في العقد، فإن كان المسمى خمرًا أو خنزيرًا لم نغرم شيئًا، لأن ذلك ليس بمال، وان كان المسمى مالًا ولكنه لم يسلمه إليها لم نغرم له شيئًا؛ لأنه ما أنفق شيئًا. وكذلك لو كانت أبرأته.\nوقال مقاتل: يرد المهر الذي يتزوجها من المسلمين، فإن لم يتزوجها من المسلمين أحد فليس لزوجها الكافر شيء (٣).\nقوله: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ أباح الله نكاحهن بشرط المهر؛ لأن الإسلام فرق بينها وبين زوجها الكافر. وهذا\n_________\n(١) انظر: \"تنوير المقباس\" ٦/ ٥٥.\n(٢) كذا في (ك)، ولعل صوابها: (لم).\n(٣) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٥٢ أ.","vol":"21","page":419},{"text":"مختلف بالمرأة فإن إسلامها إن كان قبل المسيس بانت منه بنفس الإسلام ولا عدة لها، ولها أن تنكح مسلمًا في الحال، وإن كان بعد المسيس كان النكاح موقوفًا على انقضاء العدة، فإن أسلم الزوج قبل انقضاء العدة فهما على النكاح الأول، وإن انقضت عدتها قبل إسلام الزوج علمنا أنها بانت منه يوم أسلمت (١).\nقوله: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ قراءة أبي عمرو من التمسيك يقال: مسك يمسك، مثل أمسك يمسك، وحجته قوله: ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ﴾ [الأعراف: ١٧٠] وقراءة الباقين بالتخفيف من الإمساك (٢). والعصم جمع العصمة وهي كل ما عصمك واعتصمت به. قال أبو عبيدة: أصل العصمة: الحمل والسبب (٣).\nقال ابن عباس: العصمة النكاح فيما بيننا (٤).\nقال مقاتل: يعني بعقد الكوافر، يقول: لا تعقد بامرأتك الكافرة فإنها ليست لك بامرأة (٥)، وقال المفسرون: من كانت له امرأة كافرة بمكة فلا يعتدن بها فقد انقطعت عصمته منها ولا عصمة بين المشركة والمؤمن فإذا أسلم الزوج وامرأته الوثنية بقيت على الكفر حتى انقطعت عدتها فقد\n_________\n(١) انظر: \"زاد المسير\" ٨/ ٢٤٢، ونسبه الأوزاعي والليث ومالك والشافعي.\n(٢) قرأ أبو عمرو ويعقوب: (ولا تُمسَّكُوا) بالتشديد. وقرأ الباقون: (ولا تُمْسِكوا) بالتخفيف. انظر: \"حجة القراءات\" ص ٧٠٧، و\"الحجة للقراء السبعة\" ٦/ ٢٨٦، \"النشر\" ٢/ ٣٨٧.\n(٣) انظر: \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٥٧، و\"تهذيب اللغة\" ٢/ ٥٣ (عصم).\n(٤) كذا في (ك)، ولم أجده.\n(٥) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٥٢ أ.","vol":"21","page":420},{"text":"انقطعت بينهما بانقضاء العدة وانبت عقدة النكاح (١).\nقوله تعالى: ﴿وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ﴾ أي إن لحقت امرأة منكم بأهل العهد من الكفار مرتدة فاسئلوهم ما أنفقتم من المهر، هذا إذا منعوها ولم يدفعوها إلينا فعليهم أن يغرموا لنا صداقها كما يغرم لهم (٢) وهو قوله تعالى: ﴿وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ يعني ما ذكر في هذه الآية من الحكم، فإن رضوا بهذا الحكم وردوا المهر على المسلم أخذه وإن لم يردوا طائعين أو كانوا أهل حرب ولم يكونوا أهل عهد، فالحكم ما ذكره في قوله: ﴿وَإِنْ فَاتَكُمْ﴾ الآية.\nقال الزهري: لما نزل قوله: ﴿إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ﴾ الآية. أقر المؤمنون بحكم الله وأدوا ما أمروا به من نفقات المشركين وأبى المشركون أن يقروا بحكم الله فيما أمر من أداء نفقات المسلمين، فأنزل الله ﴿وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾ (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4558>١١ </span>- قال الفراء: وفي قراءة عبد الله ﴿وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾ وأحد يصلح في موضع شيء وشيء في موضع أحد في الناس. يقول إن أعجزتك امرأة ذهبت مريدة فلحقت بأهل مكة كافرة (٤). قال الحسن\n_________\n(١) انظر: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٣٣، و\"زاد المسير\" ٨/ ٢٤٢.\n(٢) انظر: \"زاد المسير\" ٨/ ٢٤٢، و\"التفسير الكبير\" ٢٩/ ٣٠٦.\n(٣) أخرجه ابن جرير، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وعبد الرزاق. انظر: \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٢٨٨، و\"جامع البيان\" ٢٨/ ٤٨، و\"الدر\" ٦/ ٢٠٨\n(٤) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ١٥١، وفيه: (بأهل مكة كافرة، وليس بينكم وبينهم عهد فعاقبتم، يقول: فغنمتم، فأعطوا زوجها مهرها من الغنيمة قبل الخمس) وعليه فالعبارة قد سقطت عند المؤلف ﵀.","vol":"21","page":421},{"text":"ومقاتل: نزلت في أم الحكم بنت أبي سفيان. ارتدت وتركت زوجها عياض ابن غنم القرشي (١) -ولم ترتد امرأة من قريش غيرها- ثم عادت إلى الإسلام (٢).\nقوله: ﴿فَعَاقَبْتُمْ﴾ أي فغتمتم (٣). قاله ابن عباس، ومسروق، وإبراهيم.\nقال أبو عبيدة: ﴿عَاقَبْتُمْ﴾ أصبتم منهن عقبة (٤).\nوقال المبرد: ﴿فَعَاقَبْتُمْ﴾ فعلتم ما فعل بكم -أي ظفرتم وهو من قولك: العقبى لفلان، أي: العاقبة بعد الأولى، وتأويل العاقبة الكرة الآخرة (٥).\nوقال ابن قتيبة: ﴿فَعَاقَبْتُمْ﴾ أي: أصبتم عقبى، أي: غنيمة من غزوٍ، ومعنى ﴿عَاقَبْتُمْ﴾ غزوتم معاقبين غزوًا بعد غزو (٦).\nوقال أبو إسحاق: تأويله في اللغة: فكانت العقبى لكم، أي: كانت الغلبة لكم حتى غنمتم. قال: ومعنى ﴿فَعَاقَبْتُمْ﴾ أصبتموهم في القتال بعقوبة حتى غنمتم (٧)، ومعنى الآية: فغنمتم من العدو شيئًا فإن صارت العاقبة في\n_________\n(١) عياض بن غنم القرشي، أسلم قبل الحديبية، وشهدها مع رسول الله -ﷺ- ولما حضرت أبا عبيدة الوفاة ولاه على الشام فأقره عمر. مات سنة عشرين وهو ابن ستين سنة -﵁-. انظر: \"صفة الصفوة\" ١/ ٦٦٨، \"سير أعلام النبلاء\" ٢/ ٣٥٤.\n(٢) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٥٢ ب، و\"التفسير الكبير\" ٢٩/ ٣٠٧، و\"الدر\" ٦/ ٢٠٨. عن الحسن، وفي \"تنوير المقباس\" ٦/ ٥٧، وعند الثعلبي في تفسيره ١٣/ ١١٠ ب، ست نسوة رجعن عن الإسلام ولحقن بالمشركين.\n(٣) انظر: \"جامع البيان\" ٢٨/ ٥٠، و\"التفسير الكبير\" ٢٩/ ٣٥٧، و\"الدر\" ٦/ ٢٠٧. عن ابن عباس والنخعي.\n(٤) انظر: \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٥٧.\n(٥) انظر: \"التفسير الكبير\" ٢٩/ ٣٠٧.\n(٦) انظر: \"تفسير غريب القرآن\" ص ٤٦٢.\n(٧) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ١٦٠.","vol":"21","page":422},{"text":"الظفر لكم فأعطوا الأزواج من رأس الغنيمة ما أنفقوا عليهن من المهر. وهو قوله: ﴿فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4559>١٢ </span>- قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ﴾ قال الكلبي: لما فتح رسول الله -ﷺ- مكة غرم من الغنيمة للذين ذهبت أزواجهم إلى الكفار مهور نسائهم، جاءته نساء أهل مكة يبايعنه فأنزل الله هذه الآية (١). وشرط في مبايعة النساء أن يأخذ عليهن هذا الشرط الذي (٢) ذكره في هذه الآية وهو قوله: ﴿عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾ وقال المفسرون: يعني بالأولاد الذي كان يفعله الجاهلية، ثم هو عام في كل نوع من قتل الولد (٣).\nقوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ﴾ قال ابن عباس: يريد لا تلحق بزوجها ولدًا ليس منه (٤)، وقال الكلبي: هو أن تجيء بالصبي من غير زوجها فتقول لزوجها: هو منك وأنا ولدته، وهذا\n_________\n(١) يظهر لي -والله أعلم- أن في العبارة خلطًا واستقامتها: وهو قوله ﴿فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا﴾ فغرم من الغنيمة للذين ذهبت أزواجهم إلى الكفار مهور نسائهم.\nقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ﴾ قال الكلبي: لما فتح رسول الله -ﷺ- مكة جاءته نساء)، وانظر: \"زاد المسير\" ٨/ ٢٤٤، ونسبه للمفسرين.\n(٢) في (ك): (التي).\n(٣) انظر: \"زاد المسير\" ٨/ ٢٤٦، و\"روح المعاني\" ٢٨/ ٨٠.\n(٤) أخرج ابن جرير، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي هاشم، وابن مردويه. انظر: \"جامع البيان\" ٢٨/ ٥١، و\"الدر\" ٦/ ٢١٠، و\"تنوير المقباس\" ٦/ ٥٨، و\"تفسير مقاتل\" ١٥٣ أ، و\"التفسير الكبير\" ٢٩/ ٣٠٨، \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٣٥٤.","vol":"21","page":423},{"text":"قول جماعة المفسرين (١).\nقال الفراء: كانت المرأة تلتقط المولود فتقول لزوجها: هذا ولدى منك. فذلك البهتان المفترى (٢).\nوقال أبو إسحاق: أي لا يأتين بولد ينسبنه إلى الزوج، فإن ذلك بهتان وفرية (٣).\nومعنى ﴿بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ﴾ أي مفترينه. أي أنفسهن بأن يقلن: نحن ولدنا، وإنما قيل ﴿بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ﴾ لأن الولد إذا وضعته الأم سَقَطَ بين يديها ورِجليها، وليس المعنى على هذا (٤) نهيهن من أن يأتين بولد من الزنا فينسبنه إلى الأزواج؛ لأن النهي عن الزنا (٥) قد تقدم، ولأنها إذا كانت ذات زوج وزنت كان الولد لاحقًا بالزوج بحق الفراش.\nقوله تعالى: ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾ قال الكلبي: في معروف مما تأمرهن به وتنهاهن عنه كالنوح، وتمزيق الثياب، وجز الشعر، وشق الجيب، وأن تخلو بغير ذي محرم، وأن تسافر سفرًا مع (٦) غير ذي محرم. ونحو هذا قال المقاتلان (٧).\n_________\n(١) انظر: \"تنوير المقباس\" ٦/ ٥٨، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٣٥، و\"زاد المسير\" ٨/ ٢٤٦، ولم ينسب لقائل.\n(٢) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ١٥٢.\n(٣) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ١٦٠.\n(٤) (هذا) ساقطة من (ك).\n(٥) (ك): (لأن الشرط بنهي الزنا).\n(٦) (مع) ساقطة من (ك).\n(٧) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٥٣ أ، و\"الكشف والبيان\" ١٣/ ١١١ ب، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٣٥، و\"التفسير الكبير\" ٢٩/ ٣٠٨.","vol":"21","page":424},{"text":"وهو معنى قول ابن زيد: لا ينشرن شعرًا ولا يخمشن وجهًا، ولا يدعون ويلًا.\nوكثير من المفسرين خصوا هذا المعروف بالنهي عن النوح. وهو قول سالم بن أبي الجعد (١)، وعكرمة، وجماعة. قالوا: لا تنحن نوح الجاهلية (٢).\nقالت أم عطية: كان فيما اشترط علينا في البيعة أن لا ننوح (٣).\nوقالت أم سلمة (٤): قالت امرأة: يا رسول الله: ما هذا المعروف الذي لا ينبغي لنا أن نعصيك فيه؟ قال: لا تنحن (٥).\n_________\n= وأخرج ابن جرير ٢٨/ ٢٥، وعبد الرزاق ٢/ ٢٨٩ عن قتادة بسند صحيح قوله: (هو النوح أخذ عليهن لا ينحن ولا يخلون بحديث الرجال إلا مع ذي محرم. قال فقال عبد الرحمن بن عوف: إنا نغيب ويكون لنا أضياف، قال: ليس أولئك عنيت. \"فتح الباري\" ٨/ ٦٤٠. وإسناده إلى قتادة صحيح، ولكنه مرسل حيث سقط منه اسم الصحابي الذي رواه انظر: \"تفسير ابن عباس ومروياته في التفسير من كتب السنة\" ٢/ ٨٧٦.\n(١) (أبي) ساقطة من (ك).\n(٢) انظر: \"جامع البيان\" ٢٨/ ٥١، و\"الدر\" ٦/ ٢١٠.\n(٣) وهو حديث صحيح، أخرجه البخاري في كتاب التفسير، باب: إذا جاءك المؤمنات يبايعنك ٦/ ١٨٧، ولفظه: قالت: بايعنا رسول الله -ﷺ- فقرأ: (أن لا يشركن بالله شيئًا) ونهانا عن النياحة.\n(٤) أم سلمة هي هند بنت أمية بن المغيرة المخزومية، آخر أمهات المؤمنين وفاة، توفيت سنة إحدى وستين، وقيل تسع وخمسين، وقبرت بالبقيع، وهي ابنة أربع وثمانين سنة -﵂- انظر: \"الإصابة\" ١٣/ ١٦١، \"صفة الصفوة\" ٢/ ٤٠، \"العبر\" ١/ ٤٨، و\"البداية والنهاية\" ٨/ ٢١٤.\n(٥) أخرجه أحمد في \"المسند\"، وابن ماجه في سننه، والترمذي في سننه.","vol":"21","page":425},{"text":"وروى الربيع عن أبي العالية في قوله: ﴿فِي مَعْرُوفٍ﴾ قال: في كل أمر وافق طاعة الله فلم يرضي الله لنبيه أن يطاع في معصية الله (١). وقال عطاء عن ابن عباس ﴿فِي مَعْرُوفٍ﴾ في كل بر وتقوى. ويريد فرائض الله (٢). وقال أبو إسحاق: والجملة أن المعنى لا يعصينك في جميع ما تأمرهن (٣) به بالمعروف (٤).\nقوله تعالى: ﴿فَبَايِعْهُنَّ﴾ جواب لـ ﴿إِذَا﴾ في أول الآية. أي إذا بايعنك على هذا الشرط فبايعهن. واختلفوا في كيفية بيعة النبي -ﷺ- مع النساء. فروى سالم بن أبي الجعد، عن أبي فليح قال: كان رسول الله -ﷺ- يبايع النساء على الصفا، وجلس معه عمر فجعل يشترط على النساء للبيعة، وعمر يصافحهن.\nوروى الزهري عن عروة، عن عائشة قالت: كان رسول الله -ﷺ- يبايع النساء بالكلام بهذه الآية وما مست (٥) يد رسول الله -ﷺ- النساء للبيعة. فقلت: ألا تحسر لنا عن يديك؟ قال: إني لست أصافح النساء ولكن أخذ عليهم (٦).\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي شيبة انظر: \"المصنف\" لابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، و\"الدر\" ٦/ ٢١٠.\n(٢) انظر: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٣٥، و\"التفسير الكبير\" ٢٩/ ٣٠٨، ذكرا نحوه دون نسبة لقائل.\n(٣) في (ك): (تأمر).\n(٤) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ١٦٠، وأخرجه الثعلبي عن الكلبي من غير سند. \"الكشف والبيان\" ١١١ ب.\n(٥) في (ك): (مس).\n(٦) مما يظهر من سياق المؤلف ﵀ خلطه بين حديثين أحدهما حديث عائشة =","vol":"21","page":426},{"text":"وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده (أن النبي -ﷺ- كان إذا بايع النساء دعا بقدح من ماء فغمس يده ثم غمسن أيديهن فيه) (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4560>١٣ </span>- قوله تعالي: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ قال ابن عباس: يريد حاطب بن أبي بلتعة يقول: لا تتولوا اليهود والمشركين (٢).\nوقال المقاتلان: يقول للمؤمنين: لا تتولوا اليهود، وذلك أن ناسًا من فقراء المسلمين كانوا يخبرون اليهود أخبار المسلمين يتواصلون إليهم بذلك فيصيبون من ثمارهم، فنهى الله عن ذلك (٣).\n_________\n= ﵂- وفيه (ولا والله ما مست يده يد امرأة قط في المبايعة، ما يبايعهن إلا بقوله (قد بايعتك على ذلك) رواه البخاري في كتاب التفسير، باب: إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات ٦/ ١٨٧، وفي كتاب الطلاق باب إذا أسلمت المشركة أو النصرانية تحت الذمي أو الحربي ٧/ ٦٤، وروى الحديث الآخر هو حديث أميمة بنت رقيقة، وفيه: فقلن: يا رسول الله. ابسط يدك نصافحك؛ قال: \"أني لا أصافح النساء، ولكن سآخذ عليكن .. \" الحديث. رواه أحمد في المسند، وقال ابن كثير: إسناده صحيح، ورواه الترمذي، والنسائي، وابن ماجه، كلهم عن محمد بن المنكدر، عن أميمة.\n(١) قال ابن حجر: (أخرجه ابن سعد عن الواقدي، عن أسامة بن زيد، عن عمرو بن شعيب، نحوه. وله شاهد في الطبراني، عن عروة بن مسعود، وآخر في تاريخ أصبهان لأبي نعيم في حرف الحاء من حديث أسماء بنت يريد) \"تخريجات الكشاف\" ص ١٦٩.\n(٢) انظر: \"التفسير الكبير\" ٢٩/ ٣٠٩.\n(٣) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٥٣ أ، و\"الكشف والبيان\" ١٣/ ١١٢ ب، و\"أسباب النزول\" للواحدي ص ٤٩٠، وفي \"الدر\" ٦/ ٢١١ قال: أخرج أبو إسحاق وأبي المنذر، عن ابن عباس -﵄- قال: كان عبد الله بن عمر، وزيد بن الحارث يوادون رجالًا من يهود، فأنزل الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾.","vol":"21","page":427},{"text":"قوله تعالى: ﴿قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ﴾ يعني أن اليهود كذبت محمدًا -ﷺ- وهم (١) يعرفون أنه رسول صادق، وأنهم قد أفسدوا عليهم آخرتهم بتكذيبهم إياه فهم آيسون من أن يكون لهم في الآخرة خير.\nقوله تعالى: ﴿كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ﴾ أي: كما يئس الكفار الذين ماتوا وصاروا في القبور وتبينوا أن لا حظ لهم في الآخرة.\nوهذا قول الكلبي، والمقاتلان، وعكرمة، وعطاء، عن ابن عباس. قالوا: يعني الكفار الذين ماتوا فيئسوا من الجنة، ومن أن يكون لهم في الآخرة خير (٢).\nوقال الحسن: يعني الكفار الأحياء يئسوا من الأموات (٣).\nقال أبو إسحاق: يقول يئس اليهود الذين عاندوا النبي -ﷺ- من أن يكون لهم في الآخرة حظ، كما يئس الكفار الذين لا يوقنون بالغيب من موتاهم أن يبعثوا (٤).\n_________\n(١) (ك): (وهم) ساقطة.\n(٢) أخرجه ابن جرير، عن مجاهد، والكلبي، وابن زيد، وعكرمة، ومنصور، وأخرجه ابن المنذر عن سعيد بن جبير، وأخرجه سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة. انظر: \"المصنف\" لابن أبي شيبة، عن مجاهد، وعكرمة، وأخرجه عبد الرزاق عن الكلبي. وهو قول مقاتل. انظر: \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٢٨٩، و\"تفسير مقاتل\" ١٥٣ أ، و\"جامع البيان\" ٢٨/ ٥٤، و\"الكشف والبيان\" ١٣/ ١١٣ أ.\n(٣) انظر: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٣٦، و\"التفسير الكبير\" ٢٩/ ٣٠٩.\n(٤) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ١٦١.","vol":"21","page":428},{"text":"سورة الصف","vol":"21","page":429},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4561>تفسير سورة الصف</span>\nبسم الله الرحمن الرحيم\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4562>١، ٢ </span>- ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ قال أكثر المفسرين: إن المؤمنين قالوا: وددنا أن الله يخبرنا بأحب الأعمال إليه حتى نعمله ولو ذهبت فيه أموالنا وأنفسنا؛ فأنزل الله تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ﴾ الآية. وأنزل قوله: ﴿أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ﴾ الآية. فكرهوا الموت وأحبوا الحياة، وتولوا يوم أحد، فأنزل الله ﴿لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ وهذا قول مقاتل ومجاهد، وعطاء، عن ابن عباس (١).\nوقال قتادة، والضحاك: كان الرجل يقول: قاتلت ولم يقاتل، وطعنت ولم يطعن، وفعلت، ولم يفعل، فنزلت هذه الآية (٢).\nقال الحسن: نزلت في المنافقين. كانوا يقولون مالا يعتقدون ويعدون المؤمنين النصر فيكذبون (٣). ثم ذم القول إذا لم يسعفه الفعل فقال:\n_________\n(١) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٥٢ ب، و\"جامع البيان\" ٢٨/ ٥٥، و\"الكشف والبيان\" ١٣/ ١١٣ ب، و\"أسباب النزول\" للواحدي ص ٤٩١ - ٤٩٢.\n(٢) انظر: \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٢٩٠، و\"الكشف والبيان\" ١٣/ ١١٤ أ، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٣٧، و\"الدر\" ٦/ ٢١٣.\n(٣) انظر: \"الكشف والبيان\" ١٣/ ١١٤ أ، و\"زاد المسير\" ٨/ ٢٥٠، وهو المروي عن ابن زيد ايضًا. \"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٣٧.","vol":"21","page":431},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4563>٣ </span>- ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ قال الزجاج: ﴿أَن﴾ في موضع رفع، و﴿مَقْتًا﴾ منصوب على التمييز، المعنى: كبر قولكم أن لا تفعلوا مقتًا عند الله (١). وهذا كقوله: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً﴾، وقد مر (٢)\n<span data-type=\"title\" id=toc-4564>٤ </span>- قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا﴾ أي يصفون صفًا. والمعنى: يصفون أنفسهم عند القتال صفًا ﴿كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ قال الفراء: مرصوص بالرصاص (٣).\nقال المبرد: يقال: رصفت البناء إذا لاءمت (٤) بينه وقاربت حتى يصير كقطعة واحدة (٥).\nوقال الليث: رصصت البناء رصًا، إذا ضممت بعضه إلى بعض (٦)، من الرصيص انضمام الأسنان بعضها إلى بعض، والتراص: التلاصق (٧). ومنه الحديث: \"تراصوا في الصف\" (٨).\nقال ابن عباس: يرفع الحجر على الحجر ثم يرص بحجارة صغار،\n_________\n(١) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ١٦٣.\n(٢) عند تفسيره الآية (٥) من سورة الكهف.\n(٣) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ١٥٣.\n(٤) في (ك): (لامت).\n(٥) انظر: \"التفسير الكبير\" ٢٩/ ٣١١، ٣١٢، و\"روح المعاني\" ٢٨/ ٨٤.\n(٦) (بعضه إلى بعض) ساقطة من (ك).\n(٧) انظر تهذيب اللغة ١٢/ ١١١ (رص)، اللسان ١/ ١١٧٣ (رصص).\n(٨) هذه رواية بالمعنى، وفي معناه أحاديث صحيحة منها ما رواه أبو داود بإسناد على شرط مسلم، والنسائي بإسناد صحيح والحاكم في \"المستدرك\" ١/ ٢١٧، ووافقه الذهبي عنه -ﷺ-: \"رصوا صفوفكم، وقاربوا بينها، وحاذوا بالأعناق، فوالذي نفسي بيده إني لأرى الشيطان يدخل من خلل الصف كأنها الحذف\".","vol":"21","page":432},{"text":"ثم يوضع اللبن علبه، تسميه أهل مكة: المرصوص (١).\nوقال مقاتل: ملتزق بعضه ببعض (٢).\nقال أبو إسحاق: أعلم الله أنه يحب من يثبت في الجهاد في سبيله ويلزم مكانه كثبوت البناء المرصوص. قال: ويجوز على أن تستوي نياتهم في حرب عدو حتى يكونوا في اجتماع الكلمة وموالاة بعضهم بعضًا كالبنيان المرصوص (٣)، فالأول على التشبيه به في رأي العين، والثاني على التشبيه من حيث التظافر كالبنيان يشد بعضه بعضًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4565>٥ </span>- قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى﴾ أي: واذكر لقومك هذه القصة، قوله تعالى: ﴿لِمَ تُؤْذُونَنِي﴾ قال الكلبي، ومقاتل: كان إيذاؤهم له أنهم رموه بالأدرة (٤) وقد ذكرنا ذلك في آخر سورة الأحزاب (٥).\n_________\n(١) انظر: \"التفسير الكبير\" ٢٩/ ٣١٢.\n(٢) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٥٣ ب، وفي \"صحيح البخاري\"، كتاب: التفسير سورة الصف. قال (وقال ابن عباس: ملصق بعضه إلى بعض) ونسبه ابن الجوزي للأكثرين. \"زاد المسير\" ١/ ٢٥١، وقال ابن حجر: وصله ابن أبي حاتم من طريق ابن جريج، عن ابن عباس ...) \"فتح الباري\" ٨/ ٦٤١.\n(٣) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ١٦٤.\n(٤) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٥٣ ب، و\"جامع البيان\" ٢٢/ ٣٦.\n(٥) عند تفسيره الآية (٦٤) من سورة الأحزاب. والأدْرَة: نفخة في الخصية وقيل: هو الذي يصيبه فتق في إحدى الخصيتين. اللسان: (أدر). وقد رمى موسى -عليه وعلى جميع الأنبياء الصلاة والسلام- بالأدرة، وبقتل هارون فأرتهموه الملائكة ميتًا، وبقذفه بالبغي أنه فجر بها، وبأنه ساحر مجنون. واختار ابن جرير ٢٢/ ٣٧، العموم. وقال ابن كثير: يحتمل أن يكون الكل مرادًا، وأن يكون معه غيره والله أعلم)، تفسير القرآن العظيم ٣/ ٥٢١، وقال ابن حجر: بعد ذكره للروايات في رميه بالأدرة، لكن لا مانع أن يكون للشيء سببًا فأكثر. \"فتح الباري\" ٨/ ٥٣٥.","vol":"21","page":433},{"text":"قوله تعالى: ﴿وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ﴾ إنكارًا عليهم إيذاؤه بعد ما علموا أنه رسول الله، ورسول الله يحترم ويعظم، ولا يؤذى.\nقوله: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا﴾ قال ابن عباس: مالوا إلى غير الحق (١).\nوقال مقاتل: عدلوا عن الحق، ﴿أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ أمالها عن الحق (٢). والمعنى أنهم لما تركوا الحق بإيذاء نبيهم أمال الله قلوبهم وأظلهم وصرفهم عن الدين جزاء لما ارتكبوا، ويدل عليه قوله: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ قال أبو إسحاق: لا يهدي من سبق في علمه أنه فاسق (٣)، وفي هذا تنبيه على عظم إيذاء الرسول حتى أنه يؤدي إلى الكفر ويزيغ القلب عن الهدى.\nقوله تعالى: ﴿يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ هاتان جملتان في موقع جر، لأنهما صفتان للنكرة التي هي قوله: ﴿بِرَسُولٍ﴾، وفي قوله: ﴿مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ قراءتان: تحريك الياء بالفتح على الأصل، وهو الاختيار في كل موضع تذهب فيه الياء لالتقاء الساكنين (٤)، فإن كان موضع يظهر فيه التحريك والإسكان حسنًا كقوله: ﴿وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون: ٦] ﴿وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا﴾ (٥) فمن فتح فعلى الأصل، ومن أسكن فجائز، ومن أسكن\n_________\n(١) \"تنوير المقباس\" ٦/ ٦١.\n(٢) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٥٣ ب، و\"التفسير الكبير\" ٢٩/ ٣١٢.\n(٣) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ١٦٤.\n(٤) وهو الاختيار عند الخليل، وسيبويه، وأبي عبيد، قال النحاس: والقول هذا عند أهل العربية أن هذه ياء النفس فمن العرب من يفتحها ومنهم من يسكنها. \"إعراب القرآن\" ٣/ ٤٢٢.\n(٥) من الآية (٢٨) من سورة نوح.","vol":"21","page":434},{"text":"في قوله: ﴿مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ حذف الياء من اللفظ لالتقاء الساكنين (١): الياء من ﴿بَعْدِي﴾ والسين من ﴿اسْمُهُ﴾ وهمزة الوصل تسقط في الإدراج، وهذا قول المبرد، وأبي علي (٢).\nقال المبرد: لا معنى لاختيار أبي عبيد الفتح، إذا كان بعد الياء ألف وصل مفتوحًا نحو ﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ [الأنبياء: ٨٣] و﴿أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ﴾ [الملك: ٢٨]، وترك الفتح إذا كان ألف الوصل مكسورًا نحو ﴿بَعْدِي اسْمُهُ﴾ والأصل والاختيار ما ذكرنا، وهذا لا معنى له. قال أبو عبيد: إنك إذا ابتدأت بقولك: (الله)، (الضر). كان بالفتح وإذا ابتدأت بقولك اسمه كان بالكسر، فلهذا آثرنا الإرسال هاهنا. وهذا لا يوجب ما ذكر من الاختيار.\nقوله تعالى: ﴿أَحْمَدُ﴾ يحتمل معنيين:\nأحدهما: أن يجعله مبالغة من الفاعل، فيكون معناه: إنه أكثر حمدًا لله من غيره.\nوثانيهما: أنه يحمد بما فيه (٣) من الأخلاق والمحاسن أكثر مما يحمده غيره (٤). وعلى هذا دل كلام الكلبي فإنه قال: أحمد الذي لا يذم (٥)، وهو رسول الله -ﷺ- خاتم النبيين، وأحمد معروف في أسماء نبينا\n_________\n(١) قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وعاصم في رواية أبي بكر، وأبو جعفر، ويعقوب (من بَعْدِيَ اسْمُهُ أَحْمَدُ) بفتح الياء من (بعدي). وقرأ عاصم في رواية حفص، وابن عامر، وحمزة، والكسائي، وخلف (من بعدِيْ اسمُهُ أحمدُ) بتسكين الياء. انظر: \"النشر\" ٢/ ٣٨٧، و\"الإتحاف\" ص ٤١٥.\n(٢) في (ك): (تقسط). انظر: \"الحجة للقراء السبعة\" ٦/ ٢٨٨.\n(٣) (غيره. وثانيهما أنه يحمد بما فيه) ساقطة من (ك).\n(٤) انظر: \"الكشف والبيان\" ١٣/ ١١٥، و\"التفسير الكبير\" ٢٩/ ٣١٣.\n(٥) انظر: \"تنوير المقباس\" ٦/ ٦٢، و\"الكشف والبيان\" ١٣/ ١١٥ ب.","vol":"21","page":435},{"text":"صلوات الله عليه (١).\nقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ﴾ قال ابن عباس: يظهر دينه (٢). والأصل التنوين، لأنه لما لم يقع، ومن أضاف نوى التنوين والانفصال أيضًا (٣) كما ذكرنا في قوله: ﴿عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ (٤) و﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ (٥)، و﴿كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ﴾ [الزمر: ٣٨] وهذه الآية والتي بعدها مفسرات في سورة براءة (٦)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4566>١٢ </span>- قوله تعالى: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ قال أبو إسحاق: هذا جواب ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ﴾ لأن معناه معنى الأمر، المعنى: آمنوا بالله ورسوله وجاهدوا في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم يغفر (٧) لكم، والدليل على ذلك أن في قراءة ابن مسعود. ﴿آمَنُوا بِاللَّهِ﴾ (٨).\n_________\n(١) أخرج البخاري في كتاب: التفسير، سورة الصف ٦/ ١٨٨، ومسلم في الفضائل باب في أسمائه -ﷺ-، وغيرها عن جبر بن مطعم. سمى لنا رسول الله -ﷺ- نفسه أسماء فقال: \"أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يمحو الله بن الكفر .. \" الحديث.\n(٢) انظر: \"تنوير المقباس\" ٦/ ٦٢.\n(٣) قرأ ابن كثير، وحمزة، والكسائي، وخلف، وحفص (متمُ) بغير تنوين (نورِه) بالخفض.\nوقرأ نافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وأبو بكر، وأبو جعفر، ويعقوب (مُتِمٌ) بالتنوين (نورَه) بالنصب. انظر: \"حجة القراءات\" ص ٧٠٧، و\"النشر\" ٢/ ٣٨٧، و\"الإتحاف\" ص ٤١٥.\n(٤) من الآية (٢٤) من سورة الأحقاف، وانظر: \"الحجة\" للقراء ٦/ ٢٨٩.\n(٥) قوله تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ من الآية ٩٥ من سورة المائدة.\n(٦) عند تفسيره لآية (٣٢ - ٣٣) من سورة براءة.\n(٧) (في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم) ساقطة من (ك).\n(٨) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاح ٥/ ١٦٦.","vol":"21","page":436},{"text":"وقال الفراء: جزم ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ﴾ بهل، وتأويل ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ﴾ أمر كقولك: هل أنت ساكت، معناه: اسكت (١).\nقال أبو إسحاق: وهذا غلط بين، ليس إذا دلهم النبي -ﷺ- على ما ينفعهم غفر الله لهم، إنما يغفر الله لهم إذا آمنوا وجاهدوا، وهو جواب ﴿تُؤْمِنُونَ﴾ و﴿وَتُجَاهِدُونَ﴾ (٢) على ما ذكرنا في سورة براءة.\nوإدغام الراء في اللام في ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ﴾ وغيره غير جائز عند النحويين لقوة الراء (٣)، والأضعف يدغم في الأقوى لا الأقوى في الأضعف، والدليل على قراءة الراء أنه حرف متكرر، ولذلك غلب المطبق والمستعلي، وهو أنه لا يقال ما في أوله الصاد والضاد والطاء والظاء، نحو صالح، وضابط، وطالب، وظالم، ويُقال نحو ضارب وصارم وطارد مكان الراء. وجاز ذلك لأن الكسر كأنه تكرر في الكلمة، وكذلك لا يمال نحو خالد. ويُقال نحو خارج وحارب لما ذكرنا (٤).\n_________\n(١) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ١٥٤.\n(٢) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ١٦٦، وقد وجُه قول الفراء بأن يحمل على المعنى. قال المهروي: وهو أن يكون (تؤمنون) و(تجاهدون) عطف بيان على قوله (هل أدلكم) كأن التجارة لم يدر ما هي فبينت بالإيمان والجهاد، فهي هما في المعنى، فكأنه قال: هل تؤمنون وتجاهدون، قال: فإن لم تقدر هذا التقدير لم يصح. لأنه يصير إن دللتم يغفر لكم، والغفران إنما يجب بالقبول والإيمان لا بالدلالة. انظر: \"البحر المحيط\" ٨/ ٢٦٣، وبنحوه قال الزمخشري و\"الكشاف\" ٤/ ٩٤، قال الألوسي: والإنصاف أن تخريج الفراء لا يخلو عن بعد. \"روح المعاني\" ٢٨/ ٨٩.\n(٣) قرأ أبو عمرو (يغفر لكم) بإدغام الراء في اللام. \"النشر\" ٢/ ١٣،١٢.\n(٤) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ١٦٧، ومما قال عن أبي عمرو، وهو إمام =","vol":"21","page":437},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4567>١٣ </span>- قوله تعالى: ﴿وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾ يجوز عند الزجاج أن يكون المعنى: وتجارة أخرى عطفًا على قوله: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ﴾ (١) ثم قال: وتجارة أخرى، ويجوز أن يكون المعنى: ولكم تجارة أخرى وهي نصر من الله (٢).\nوعند الفراء معنى الآية وخصلة أخرى تحبونها في العاجل مع ثواب الآخرة، ثم ذكرها فقال: ﴿نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ﴾، وهو مفسر للأخرى (٣). وهذا هو القول (٤)، لأنه لا يحسن أن يكون نصر من الله تفسيرًا للتجارة إذ ليس نصر الله تجارة لنا كما يكون الإيمان والجهاد، بل هو ربح للتجارة (٥)، والله تعالى ذكر ثواب الآخرة جزاء لما دل عليه من التجارة وهو قوله: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ﴾ إلى آخر الآية.\nثم ذكر ما يعطينا أيضًا في العاجل مما نحبه جزاء أيضًا لتلك التجارة، وهو النصر والفتح.\n_________\n= عظيم، ولا أحسبه قرأها إلا وقد سمعها من العرب. قلت: بل إمامته -﵀- في العلم والقراءة تستلزم أنه لم يقرأ بهذه القراءة إلا وقد سمعها ممن نقلها عن النبي -ﷺ- بسند صحيح، ولا عبرة بقول المخالف إذا ثبتت عن المصطفى -ﷺ- مهما بلغ علمه وجلالة قدره، والله أعلم.\n(١) وهو قول الأخفش، انظر: \"معاني القرآن\" ٢/ ٧٠٨.\n(٢) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ١٦٦.\n(٣) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ١٥٤.\n(٤) انظر: \"إعراب القرآن\" للنحاس ٣/ ٤٢٤.\n(٥) انظر: \"التفسير الكبير\" ٢٩/ ٣١٨.","vol":"21","page":438},{"text":"قال ابن عباس: يريد فتح فارس والروم (١).\nوقال الكلبي: يعني النصر على كفار قريش وفتح مكة (٢).\nقوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قال مقاتل: وبشر يا محمد المؤمنين بالنصر في الدنيا، والجنة في الآخرة (٣). وقد ذكرهما في قوله: ﴿وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي﴾ وقوله: ﴿نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ﴾.\nثم خص المؤمنين على نصرة دينه، فقال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4568>١٤ </span>- ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ﴾ بهذا أمر إدامة النصرة والثبات عليه. أي: دوموا على ما أنتم عليه من النصرة، يدل على هذا أن في حرف عبد الله (يا أيها الذين آمنوا أنتم أنصار الله) (٤) بغير تنوين (٥) كقوله: ﴿نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ﴾ ولم يقل أنصار لله، والمعني في ﴿أَنْصَارُ اللَّهِ﴾ أنصار دين\n_________\n(١) لم أجده عن ابن عباس. وفي \"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٣٨، و\"زاد المسير\" ٨/ ٢٥٥، نسب لعطاء ونسبه الزمخشري، والرازي للحسن، و\"الكشاف\" ٤/ ٩٥، و\"التفسير الكبير\" ٢٩/ ٣١٨.\n(٢) وهو المنسوب لابن عباس. انظر: \"تنوير المقباس\" ٦/ ٦٤، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٣٨، و\"زاد المسير\" ٨/ ٢٥٥.\n(٣) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٥٤ أ، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٣٨.\n(٤) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ١٥٥، و\"الحجة للقراء السبعة\" ٦/ ٢٩٠، و\"الكشاف\" ٤/ ٩٥.\n(٥) في قوله (أنصار الله) قرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو (أنصارا لله) منونًا وحجتهم في ذلك إجماع الجميع على الإضافة في قوله (فمن أنصار الله) وقرأ ابن عامر، ويعقوب، وحمزة، والكسائي، وعاصم (أنصار الله) غير منون مضافا إلى لفظ الجلالة. انظر: \"حجة القراءات\" ص ٧٠٨، و\"النشر\" ٢/ ٣٨٧، و\"الإتحاف\" ص ٤١٦، وقال ابن جرير: والصواب من القول في ذلك عندي أنهما قراءتان صحيحتان المعنى فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب. \"جامع البيان\" ٢٨/ ٥٩.","vol":"21","page":439},{"text":"الله (١). فترك ذكر الدين لتشريف النصر لدين الله.\n﴿كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ﴾ أي: انصروا دين الله مثل نصرة الحواريين لما قال لهم عيسى ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ قال مقاتل: يعني من يمنعنى مع الله (٢).\nوقال عطاء: يريد من ينصرني وينصر دين الله (٣).\nوقال مقاتل: أمر الله المؤمنين أن ينصروا محمدًا كما نصر الحواريون عيسى (٤).\nوكان الله قد أوحى إلى عيسى: إذا أنت دخلت القرية فأت النهر الذي عليه القصارون فسلهم النصر، فأتاهم عيسى فقال لهم ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ يقول: من ينصرني مع الله، فقالوا: نحن ننصرك. فاتبعوه وصدقوه ونصروه.\nقال مقاتل: مرَ بهم ببيت المقدس وهم يقصرون الثيات فقال لهم هذا (٥).\nومضى الكلام في ﴿إِلَى﴾ بمعنى مع عند قوله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ (٦).\nقوله تعالى: ﴿فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ﴾ قال سعيد بن\n_________\n(١) انظر: \"التفسير الكبير\" ٢٩/ ٣١٨.\n(٢) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٥٤ ب، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٣٨.\n(٣) لم أجده.\n(٤) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٥٤ أ.\n(٥) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٥٤ أ.\n(٦) عند تفسيره الآية (٢) من سورة النساء. وانظر: \"معاني الحروف\" للرماني ص ١١٥.","vol":"21","page":440},{"text":"جبير عن ابن عباس: يعني الطائفة التي كفرت في زمن عيسى، والتي آمنت في زمان عيسي، وذلك أن عيسى ﵇ لما رفع إلى السماء تفرقوا ثلاث فرق:\nفرقة قالوا: كان الله فارتفع.\nوفرقة قالوا: كان ابن الله فرفعه الله إليه.\nوفرقة قالوا: كان عبد الله ورسوله فرفعه إليه، وهو المسلمون.\nواتبع كل فرقة منهم طائفة من الناس، واجتمعت الطائفتان الكافرتان على الطائفة المسلمة فقتلوهم وطردوهم وظهر أمرهم فلم يزالوا كذلك حتى بعث الله محمدا -ﷺ- فاقتتلوا، فظهرت المؤمنة على الكافرة، فذلك قوله تعالى: ﴿فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾ (١).\nقال مجاهد: ﴿فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾ يعني من أَتبع عيسى (٢). ونحو هذا قال المقاتلان (٣).\nوعلى هذا القول معنى الآية أن من آمن بعيسى ظهروا على من كفر به، وأصبحوا عالين على أهل الأديان.\nوقال إبراهيم: أصبحت حجة من آمن بعيسى ظاهرة بتصديق محمد -ﷺ- عيسى كلمة الله وروحه (٤).\n_________\n(١) أخرجه ابن جرير ٢٨/ ٦٠، ولم يذكر قتالهم بعد بعثة محمد -ﷺ- بل قال: فأصبحوا ظاهرين في إظهار محمد دينهم على دين الكفار .. وانظر: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٣٩، و\"التفسير الكبير\" ٢٩/ ٣١٩، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٣٦٢.\n(٢) انظر: \"تفسير مجاهد\" ٢/ ٦٧٢، و\"جامع البيان\" ٢٨/ ٦٠ و\"الدر\" ٦/ ٢١٤.\n(٣) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٥٤ ب، و\"التفسير الكبير\" ٢٩/ ١٣٩.\n(٤) انظر: \"جامع البيان\" ٢٨/ ٦٠، و\"زاد المسير\" ٨/ ٢٥٦.","vol":"21","page":441},{"text":"وهذا قول الكلبي: ظاهرين بالحجة (١).\n_________\n(١) انظر: \"تنوير المقباس\" ٦/ ٦٥، و\"التفسير الكبير\" ٢٩/ ٣١٩، وهو قول زيد بن علي، و\"الكشاف\" ٤/ ٩٥.","vol":"21","page":442},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4569>سورة الجمعة</span>","vol":"21","page":443},{"text":"تفسير سورة الجمعة\nبسم الله الرحمن الرحيم\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4570>١ </span>- ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ قال أهل المعاني: إنما أعيد ذكر التسبيح في هذه السورة لاستفتاح السورة بتعظيم الله من جهة ما سبح له كما يستفتح ببسم الله الرحمن الرحيم، وإذا جل المعنى في تعظيم الله حسن الاستفتاح به. والفائدة فيه تعظيم ما ينبغي أن يستفتح به على جهة التعظيم لله والتيمن بذكره. ومضى تفسير القدوس في آخر سورة الحشر.\n<span data-type=\"title\" id=toc-4571>٢ </span>- قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ يعني العرب، قال المفسرون: كانت العرب أمة لا كتاب لهم، ولا يقرأون كتابًا ولا يكتبون (١).\nقال ابن عباس: يريد الذين ليس لهم كتاب ولا بعث فيهم نبي (٢).\nقال أبو إسحاق: الأميون الذين هم على ما خلقت عليه الأمة قبل تعلم الكتاب (٣)، وهذا مما سبق تفسيره (٤).\n_________\n(١) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٥٤ ب، و\"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٢٩١، و\"جامع البيان\" ٢٨/ ٦١.\n(٢) انظر: \"التفسير الكبير\" ٣٠/ ٣.\n(٣) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ١٦٩.\n(٤) عند تفسيره الآية (٧٨) من سورة البقرة. وانظر. \"تهذيب اللغة\" ١٥/ ٦٦٣ (أم)، و\"اللسان\" ١/ ١٠١ (أمم).","vol":"21","page":445},{"text":"وقوله: ﴿رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ قال ابن عباس: يريد محمد -ﷺ- نسبه نسبهم وهو من جنسهم (١) كما قال: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨].\nقال أهل المعاني: وكان هو -ﷺ- أميًا مثل أولئك الأمة الذين بعث فيهم، وكانت البشارة به قد تقدمت بأنه النبي الأمي، وكونه بهذه الصفة أبعد من توهم الاستعانة على ما أتى به من الحكمة بالكتابة، وكانت حاله مشاكلة لحال الذين بعث فيهم، وذلك أقرب إلى صدقه (٢).\n\nقوله تعالى: ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ مفسر في سورة البقرة <span data-type=\"title\" id=toc-4572>(٣)</span>.\nقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ أي: ما كانوا من قبل بعثه فيهم إلا في ضلال بيِّن، وهو الشرك، كانوا يعبدون الأوثان من الحجارة.\n\n٣ - قوله تعالى: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ﴾ نسق على قوله: ﴿فِي الْأُمِّيِّينَ﴾ المعنى: وبعث في آخرين منهم ﴿لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ قال المفسرون: يعني الأعاجم، وكل من دخل في الإسلام وصدق النبي من العجم. هذا قول ابن عباس، ومجاهد (٤).\n_________\n(١) انظر: \"تنوير المقباس\" ٦/ ٦٨، و\"التفسير الكبير\" ٣/ ٣٠.\n(٢) انظر: \"التفسير الكبير\" ٣/ ٣٠.\n(٣) عند تفسيره الآية (١٢٩) من سورة البقرة.\n(٤) أخرجه ابن جرير، وعبد بن حميد، وسعيد بن منصور، وغيرهم عن مجاهد. انظر: \"جامع البيان\" ٢٨/ ٦٢، و\"الدر\" ٦/ ٢١٥، وفي \"صحيح البخاري\" وغيره عن أبي هريرة ﵁ قال: كنا جلوسًا عند النبي -ﷺ- فأنزلت عليه سورة الجمعة =","vol":"21","page":446},{"text":"وقال مقاتل: يعني التابعين من هذه الأمة الذين لم يلحقوا بأوائلهم (١)، وجميع الأقوال في هذا معناها أن المراد بالآخرين كل من دخل في الإسلام بعد النبي -ﷺ- إلى يوم القيامة.\nوقول المفسرين: هم الأعاجم، يعنون بالأعاجم من ليس من العرب، والعرب تسمي من لا يتكلم بلغتهم عجميًا، من أي جنس كان، ومنه قول الشاعر:\nسَلُّومُ لو أصبحتِ وسط الأعجمِ ... بالروم أو بالترك أو بالديلم (٢)\nفعبر عن الأعجم بهؤلاء الأجناس فالأميين هم العرب، ﴿وَآخَرِينَ﴾ سواهم من الأمم غير العرب، فالنبي -ﷺ- مبعوث إلى من شاهده وإلى كل من كان بعدهم من العجم والعرب.\nوقوله: ﴿مِنْهُمْ﴾ أي من الأميين، وجعلهم منهم؛ لأنهم إذا أسلموا ودانوا بدينهم صاروا منهم، فالمسلمون كلهم يد واحدة وأمة واحدة وإن اختلفت أجناسهم، قال الله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾\n_________\n= ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِم﴾ قالوا من هم يا رسول الله؟ فلم يراجعهم حتى سئل ثلاثًا، وفينا سلمان الفارسي فوضع رسول الله -ﷺ- يده على سلمان الفارسي ثم قال: \"لو كان الإيمان عند الثريا لناله رجال أو رجل من هؤلاء\". \"صحيح البخاري\"، كتاب: التفسير، باب: قوله: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِم﴾ ٦/ ١٨٨، قال ابن كثير: نفى هذا الحديث دليل على أن هذه السورة مدنية وعلى عموم بعثه -ﷺ- إلى جميع الناس لأنه فسر قوله تعالى: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُم﴾ بفارسي، ولهذا كتب كتبه إلى فارس، والروم، وغيرهم من الأمم يدعوهم إلى الله ﷿، وإلى اتباع ما جاء به. \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٣٦٣.\n(١) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٥٤ ب، و\"التفسير الكبير\" ٣٠/ ٤.\n(٢) ورد غير منسوب في اللسان (عجم)، وعجزه:\nفي الروم أو فارس أو في الديلم","vol":"21","page":447},{"text":"[التوبة: ٧١]، وقال أيضًا في صفة المؤمنين ﴿بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ [آل عمران: ١٩٥] فأما من لم يؤمن بالنبي -ﷺ- ولم يدخل في دينه فإنهم ليسوا ممن عناهم الله بقوله: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ﴾ وإن كان -ﷺ- مبعوثا إليهم بالدعوة، لأن الله تعالى قال في الآية الأولى: ﴿وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ ومن لم يؤمن فليس ممن زكاه النبي -ﷺ- من الكفر وعلمه القرآن والسنة.\n\nوذكر أبو إسحاق وجهًا آخر في إعراب ﴿وَآخَرِينَ﴾ وهو النصب بالعطف على الضمير في ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ﴾ على معنى: ويعلم (١) آخرين منهم (٢). وهذا كالسعيد (٣)؛ لأن الذين لم يلحقوا من شاهد النبي -ﷺ- كيف يعلمهم النبي -ﷺ- ولم يدركوه، إلا أن يحمل على أنهم إذا تعلموا ما أتى به فهو علمهم وإن لم يشاهدوه، وكل ما نعلمه من الدين فهو مما علمنا نبينا -ﷺ-. <span data-type=\"title\" id=toc-4573>(٤)</span>\n٤ - قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ قال ابن عباس: يريد حيث ألحق العجم وأبناءهم بقريش والعرب (٥). يعني أنهم إذا آمنوا ألحقوا\n_________\n(١) في (ك): (ويعلمهم).\n(٢) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ١٧٠، وانظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ١٥٥. و\"إعراب القرآن\" للنحاس ٣/ ٤١٧.\n(٣) كذا في (ك)، ولعل صوابها: (وهذا بعيد).\n(٤) ذكر العلماء هذا الوجه للدلالة على جوازه مع تقديمهم لغيره وتعليلهم للجواز بنحو ما ذكر المؤلف. قال الزمخشري: ويجوز أن ينتصب عطفًا على المنصوب في ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ﴾ أي: يعلمهم ويعلم آخرين، أن التعليم إذا تناسق إلى آخر الزمان كان كله مستندًا إلى أوله فكأنه هو الذي تولى كل ما وجد منه). \"الكشاف\" ٤/ ٩٦.\n(٥) انظر: \"التفسير الكبير\" ٣٠/ ٤.","vol":"21","page":448},{"text":"في درجة الفضل بمن (١) شاهد رسول الله -ﷺ- وشاركوهم في ذلك الفضل.\nوقال مقاتل: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ﴾ يعني الإسلام (٢) ﴿يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾.\nوقال مقاتل بن حيان (٣): يعني النبوة فضل الله يؤتيه من يشاء. فاختص بها محمدًا -ﷺ- (٤).\n﴿وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ ذو المن العظيم على جميع خلقه.\nثم ضرب لليهود الذين تركوا العمل بالتوراة والإيمان بالنبي -ﷺ- مثلًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4574>٥ </span>- فقال قوله: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ﴾ قال المفسرون: حملوا العمل بما فيها وكلفوا القيام بها (٥).\nوقال صاحب النظم: ليس هو من العمل على الظهور، وإنما من الحمالة بمعنى الكفالة والضمان، ومنه قيل للكفيل الحميل. والمعنى: ضمنوا أحكام التوراة ثم لم يضمنوها ولم يعملوا بما فيها (٦). قال الأصمعي: الحميل الكفيل، وقال الكسائي: حملت به حمالة: كلفت به (٧).\nقوله: ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ جمع سفر، وهو الكتاب\n_________\n(١) في (ك): (من).\n(٢) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٥٤ ب.\n(٣) في (ك): (وقال مقاتل).\n(٤) انظر: \"التفسير الكبير\" ٣٠/ ٤.\n(٥) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٥٤ ب، و\"جامع البيان\" ٢٨/ ٦٣، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٣٦٤.\n(٦) انظر: \"التفسير الكبير\" ٣/ ٥.\n(٧) انظر: \"تهذيب اللغة\" ٥/ ٩٢، و\"اللسان\" ١/ ٧٢٤ (حمل).","vol":"21","page":449},{"text":"الكبير، لأنه سفر عن المعنى إذا قرئ، ومثله شبر وأشبار (١). شبه اليهود إذا لم ينتفعوا بما في التوراة وهي دالة على الإيمان بمحمد -ﷺ- بالحمار يحمل كتب العلم ولا يدري ما فيها.\nقال ميمون بن مهران: الحمار لا يدري أسفر على ظهره أم زبل.\nوقال أهل المعاني: وهذا المثل يلحق من لم يفهم معاني القرآن ولم يعمل به وأعرض عنه إعراض من لا يحتاج إليه، ولهذا قال ميمون بن مهران: يا أهل القرآن: اتبعوا القرآن قبل أن يتبعكم. ثم تلا هذه الآية (٢).\n﴿لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ﴾ لم يؤدوا حقها ولم يحملوها حق حملها على ما فسرنا فشبههم والتوراة في أيديهم وهم لا يعملون (٣) بها بالحمار يحمل كتبًا وليس له من ذلك إلا نقل الحمل من غير انتفاع بمعاني ما حمل، كذلك اليهود ليس لهم من كتابهم إلا وبال الحجة عليهم. ثم ذم هذا المثل والمراد به ذمهم فقال قوله تعالي: ﴿بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ أي: بئس مثل القوم مثل الذين كذبوا كما قال: ﴿سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ [الأعراف: ١٧٧] أي: مثل القوم الذين، فيكون المضاف محذوفًا، ويكون موضع ﴿الَّذِينَ﴾ رفعًا، ويجوز أن يكون موضع ﴿الَّذِينَ﴾ جرًا والمقصود بالذم محذوف (٤) كما كان محذوفًا من قوله تعالى: ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: ٤٤] ولم يذكر أيوب لتقدم ذكره،\n_________\n(١) انظر: \"تهذيب اللغة\" (سفر)، و\"اللسان\" (سفر).\n(٢) انظر: \"التفسير الكبير\" ٣٠/ ٥.\n(٣) في (ك): (يعلمون).\n(٤) انظر: \"إعراب القرآن\" للنحاس ٣/ ٤٢٨، و\"الكشاف\" ٤/ ٩٦، و\"البحر المحيط\" ٨/ ٢٦٧.","vol":"21","page":450},{"text":"وذكر الوجهين أبو علي في كتاب \"الإيضاح\" (١).\nوالمراد بآيات الله هاهنا قال ابن عباس، ومقاتل: بمحمد وما أتى به من القرآن (٢)، ويحتمل أن يكون المراد بالآيات التوراة؛ لأنهم كذبوا بها حين تركوا الإيمان بمحمد -ﷺ- (٣) وهذا القول أشبه هنا (٤).\nقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ قال عطاء: يريد الذين ظلموا أنفسهم بتكذيب الأنبياء (٥).\n\nقال أبو إسحاق: معناه لا يهدي من سبق في علمه أنه يكون ظالمًا <span data-type=\"title\" id=toc-4575>(٦)</span>.\n٦ - قوله: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا﴾ الآية. والتي بعدها سبق تفسيرهما في سورة البقرة عند قوله: ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ﴾ الآيتان (٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4576>٨ </span>- قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ﴾ قال أبو إسحاق: دخلت الفاء في خبر إن، ولا يجوز إن زيدًا فمنطلق، لأن ﴿الَّذِي﴾ فيه معنى الشرط والجزاء (٨).\nوقال الفراء: العرب تدخل الفاء في كل خبر كان اسمه مما يوصل، مثل من والذي وإلقاؤها جائز وهي في قراءة عبد الله (تفرون منه ملاقيكم)\n_________\n(١) انظر: \"إيضاح الشعر\".\n(٢) انظر: \"تفسير ابن عباس\" ٦/ ٩٦، و\"تفسير مقاتل\" ١٥٤ ب، ولفظه: (يعني القرآن).\n(٣) انظر: \"التفسير الكبير\" ٣٠/ ٥.\n(٤) (ك): (هاهنا).\n(٥) انظر: \"التفسير الكبير\" ٣٠/ ٥.\n(٦) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ١٧١.\n(٧) عند تفسيره الآية (٩٤، ٩٥) من سورة البقرة.\n(٨) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ١٧١.","vol":"21","page":451},{"text":"بغير فاء (١). وهذه المسألة شرحناها في مواضع من هذا الكتاب عند قوله: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ﴾ ثم قال: ﴿فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ﴾ (٢) وفي آي سواها، قال عثمان بن جني: ليست الفاء في (فإنه) زائدة، ولكنها لما دخلت لما في الكلام، معنى الشرط كأنه والله أعلم، قال: إن فررتم منه لاقاكم- فإن قال قائل: الموت ملاقيكم على كل حال فروا منه أو لم يفروا فما معنى الشرط والجواب هنا؟ وهل يصح الجواب بما هو واقع لا محالة؟ قيل: إن هذا على وجه الرد عليهم إذ ظنوا أن الفرار ينجيهم. وقد صرح هذا وأفصح عنه بالشرط الحقيقي زهير (٣) في قوله:\nومن هاب أسباب المنايا ينلنه ... ولو رام أسباب السماء بسلم (٤)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4577>٩ </span>- قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ قال مقاتل: يعني النداء إذا جلس الإمام على المنبر يوم الجمعة، وهو كما قال، لأنه لم يكن على عهد رسول الله -ﷺ- نداء سواه كان إذا جلس على المنبر أذن بلال على باب المسجد، وكذا كان على عهد أبي بكر، وعمر ﵄ (٥).\n_________\n(١) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٣/ ١٥٦.\n(٢) عند تفسيره الآية (٢٧٤) من سورة البقرة.\n(٣) انظر: \"سر صناعة الإعراب\" ١/ ٢٦٧، والبيت لزهير بن أبي سلمى، وهو في \"ديوانه\" بشرح ثعلب ص ٣٠، و\"شرح القصائد العشر\" ص ١٩٤، و\"الخصائص\" ٣/ ٣٢٤.\n(٤) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٥٥ أ، وهو قول مجاهد، والضحاك، والسائب بن يزيد.\nانظر: \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٢٩١، و\"جامع البيان\" ٢٨/ ٦٦، و\"زاد المسير\" ٨/ ٢٦١.\n(٥) روى البخاري في كتاب: الجمعة، باب: المؤذن الواحد يوم الجمعة ٢/ ١٠، =","vol":"21","page":452},{"text":"وقوله: ﴿الْجُمُعَةِ﴾ يعني لوقت الصلاة (١). يدل عليه قوله: ﴿مِنْ يَوْمِ﴾ والصلاة لا تكون من اليوم وإما يكون وقتها من اليوم، وأما الجمعة فقال الليث: الجمعة يوم خُصَّ به لاجتماع الناس في ذلك اليوم ويجمع على الجُمعان والجُمَع، والفعل جمَّع الناسُ: أي شهدوا الجمعة (٢).\nوروي عن سلمان قال: قال رسول الله -ﷺ-: \"سميت الجمعة لأن آدم ﵇ جمع خلقه\" (٣).\nوقال بعضهم: سميت بهذا الاسم؛ لأن الله تعالى فرغ فيه من خلق الأشياء فاجتمعت فيه المخلوقات (٤).\nقال الفراء: وفيها ثلاث لغات (٥)، التخفيف، وهي قراءة الأعمش،\n_________\n= عن السائب بن يزيد: كان النداء إذا صعد الإمام على المنبر على عهد رسول الله -ﷺ- وأبي بكر، وعمر، فلما كان عثمان كثر الناس فزاد النداء الثالث على الزوراء.\n(١) انظر: \"معاني الأخفش\" ٢/ ٧٠٨.\n(٢) \"تهذيب اللغة\" ١/ ٣٩٨.\n(٣) أخرجه سعيد بن منصور، وأحمد، والنسائي، وابن أبي حاتم، والطبراني، وابن مردويه، عن سلمان. قال: قال رسول الله -ﷺ- أتدري ما يوم الجمعة؟ قال الله ورسوله أعلم، قالها ثلاث مرات. ثم قال في الثالثة: هو اليوم الذي جُمع فيه أبوكم آدم .. الحديث. ولم يحلل تسميتها الجمعة بهذه العلة التي ذكرها المؤلف. وقال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" ٢/ ١٧٤، رواه الطبراني في \"الكبير\"، وإسناده حسن، قال: وروى النسائي بعضه.\n(٤) قال ابن كثير: إنما سميت الجمعة جمعة لأنها مشتقة من الجمع فإن أهل الإسلام يجتمعون فيه في كل أسبوع مرة بالمعابد الكبار، وفيه كمل جميع الخلائق، فإنه اليوم السادس من السنة التي خلق الله فيها السموات والأرض وفيه خلق آدم وفيه أدخل الجنة. \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٣٦٥، وانظر: \"اللسان\" ١/ ٥٠٠ (جمع).\n(٥) (لغات) ساقطة من (ك).","vol":"21","page":453},{"text":"والتثقيل قراءة العامة (١)، ولغة لبني عقيل (٢) يقولون: الجمعة (٣) كأنهم ذهبوا بها إلى صفة اليوم أنه يجمع الناس كما يقال ضحكة للذي يكثر الضحك (٤)\nقوله تعالى: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ قال ابن عباس: فامضوا (٥).\nوقال مقاتل: فامشوا (٦). وعلى هذا معنى السعي والذهاب في معنى واحد، لأنك تقول: فلان يسعى في الأرض يبتغي الرزق وليس هذا باشتداد، ويدل على هذا قراءة عمر، وابن مسعود (فامضوا إلى ذكر الله) (٧).\nوقال ابن جريج: قلت لعطاء ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ قال: الذهاب والمشي (٨)، يقال: سعى إلى بني فلان وإنما هي مشي.\n_________\n(١) قرأ الجمهور (الجمعة) بضم الجيم والميم، وقرأ الأعمش، والسلمي، والزهري، وغيرهم (الجمعة) بضم الجيم وإسكان الميم. انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ١٥٦، و\"إعراب القرآن\" للنحاس ٣/ ٤٢٩، و\"البحر المحيط\" ٨/ ٢٦٧.\n(٢) بنو عقيل.\n(٣) لغة بني عقيل: (الجُمَعة) بفتح الميم. انظر: معاني الفراء ٣/ ١٥٦، و\"إعراب القرآن\" للنحاس ٣/ ١٥٦، و\"الكشف\" ١٣/ ١١٨ ب، ١١٩ أ.\n(٤) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ١٥٦، و\"الكشاف\" ٤/ ٩٧.\n(٥) \"تنوير المقباس\" ٦/ ٧١.\n(٦) لم أجده عن مقاتل، وإنما ذكره المفسرون لبيان المعنى دون نسبة لقائل، والذي في \"تفسير مقاتل\" ١٥٥ أ، قال: (يقول فامضوا إلى الصلاة). وانظر: \"التفسير الكبير\" ٣/ ٨.\n(٧) انظر: \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٢٩١، و\"جامع البيان\" ٢٨/ ٦٥، و\"مجمع الزوائد\" ٧/ ١٢٤، و\"أحكام القرآن\" للجصاص ٣/ ٤٤٢، قال أبو حيان: وقرأ كبراء من الصحابة والتابعين (فامضوا) بدل ﴿فَاسْعَوْا﴾ وينبغي أن يحمل على التفسير من حيث أنه لا يراد بالسعي هنا الإسراع في المشي، ففسروه بالمضي، ولا يكون قرآنًا لمخالفته سواد ما أجمع عليه المسلمون. \"البحر المحيط\" ٨/ ٢٦٨.\n(٨) أخرجه عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن المنذر. \"الدر\" ٦/ ٢١٩.","vol":"21","page":454},{"text":"وقال الزجاج: معناه: فاقصدوا، وليس معناه العدو (١)، وهذا معنى قول الحسن. قال: والله ما هو سعي على الأقدام، ولكنه سعي بالقلوب، وسي بالنية، وسعي بالرغبة (٢)، ونحو هذا، قال قتادة: السعي أن تسعى بقلبك وعملك، وهو المشي إليها (٣).\nوحمل قوم السعي هاهنا على العمل، قال محمد بن كعب: السعي العمل (٤) وهو مذهب مالك والشافعي، قال مالك: السعي في كتاب الله العمل والفعل، واحتج بقوله: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٠٥]، وقوله: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾ [الليل: ٤] قال: فليس السعي الذي ذكر الله في كتابه بالسعي على الأقدام ولا بالاشتداد وإنما ذلك الفعل والعمل.\nأخبرنا أحمد بن الحسن الحرشي (٥)، حدثنا محمد بن يعقوب (٦) أخبرنا الربيع قال: قال الشافعي: السعي في هذا الموضع هو العمل، وتلا قوله: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾ ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩]. ويكون\n_________\n(١) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ١٧١.\n(٢) انظر: \"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٢١ ب، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٤١، و\"الدر\" ٦/ ٢١٩.\n(٣) أخرجه عبد بن حميد، والبيهقي في شعب الإيمان. \"الدر\" ٦/ ٢١٩، وانظر: \"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٢١ ب.\n(٤) انظر: \"الدر\" ٦/ ٢١٩، ونسب تخريجه لابن المنذر وابن أبي شيبة. انظر: \"المصنف\" لابن أبي شيبة.\n(٥) هو أحمد بن الحسن الحرشي. كان رئيسًا محتشمًا. انتهى إليه علم الإسناد، فروى عن أبي الميداني، والأصم وطبقتهما، ولي قضاء نيسابور، وقد صم بآخره، حتى بقي إلا يسمع شيئًا، ووافق شيخه الأصم في الأصول والحديث. توفي سنة (٤٢١ هـ) وله ست وتسعون سنة. انطر: \"شذرات الذهب\" ٣/ ٢١٧، و\"الكامل في التاريح\" ٧/ ٣٥٢، و\"العبر\" ٢/ ٢٤٣.\n(٦) هو أبو العباس الأصم.","vol":"21","page":455},{"text":"المعنى على هذا: فاعملوا على المضي إلى ذكر الله من التفرغ له، والاشتغال بأسبابه من الطهارة والغسل والتوجه إليه بالقصد والنية. وذهب قوم إلى السعي الذي هو سرعة المشي، وروي ذلك عن عبد الله بن الصامت (١) أنه بينما هو يمشي إلى الجمعة سمع المؤذن يؤذن فرفع في مشيه لقول الله ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ (٢).\nوروى عمران بن الخياط (٣) أن إبراهيم كان يسعى يوم الجمعة، وهذا كأنه ليس بالوجه لما روي أن النبي -ﷺ- قال: \"إذا أتيتم الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون، ولكن آتوها وعليكم السكينة\" (٤) فنهى عن السعي في الإتيان إلى الصلاة، فدل أن السعي المأمور به في الآية غير هذا الذي نهى عنه النبي -ﷺ-. غير أنه يحتمل أن يقال: صلاة الجمعة مخصوصة بجواز السعي إليها للآية، وغيرها من الصلاة تؤتى بالسكينة (٥)، والوجه الأقوال\n_________\n(١) هو عبد الله بن الصامت الغفاري البصري، ثقة وهو ابن أخي أبي ذر، ويكنى أبا نصر. انظر: \"المعارف\" ص ٢٥٣، و\"التقريب\" ١/ ٤٢٣.\n(٢) أخرجه البيهقي في \"سننه\" وفيه: (خرجت إلى المسجد يوم الجمعة فلقيت أبا ذر ... فجذبني جذبة فقال: أولسنا في سعي) \"الدر\" ٦/ ٢١٩، واقتصر المؤلف -﵀- على ما ذكر لبيان من فسر السعي بالسرعة وإن عارضه غيره. والله أعلم.\n(٣) هو عمران بن حطان بن ظبيان، يكنى أبا شهاب، تابعي مشهور، وكان من رؤوس الخوارج من الصفرية، ولما طال عمره وضعف عن الحرب اقتصر على التحريض والدعوة بشعره وبيانه، وكان شاعرًا مغلقًا مكثرًا. مات سنة (٨٤ هـ). انظر: \"الإصابة\" ٣/ ١٧٨، و\"ميزان الاعتدال\" ٣/ ٢٣٥، و\"الأعلام\" ٥/ ٧٠.\n(٤) الحديث رواه البخاري في الأذان، باب لا يسعى إلى الصلاة وليأت بالسكينة والوقار ١/ ١٦٤، ومسلم في المساجد، باب استحباب إتيان الصلاة بوقار وسكينة ١/ ٢٣٩ (٦٠٣)، وأحمد ٢/ ٥٣٢.\n(٥) انظر: \"روح المعاني\" ٢٨/ ١٠٢.","vol":"21","page":456},{"text":"المتقدمة (١).\nوروى أبو العباس عن ابن الأعرابي: سعى إذا مشى، وسعى إذا غدا، وسعى إذا عمل، وسعى إذا قصد. قال: وقول الله تعالى: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ أي اقصدوا (٢).\nومعنى ﴿ذِكْرِ اللَّهِ﴾ هاهنا الصلاة المفروضة في قول أكثر المفسرين (٣).\nقوله تعالى: ﴿وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ قال الحسن: إذا أذن المؤذن يوم الجمعة لم يحل البيع والشراء (٤).\nقال أصحابنا: إذا جلس الإمام على المنبر يترك البيع لقوله: ﴿وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ فمن باع في تلك الساعة فقد خالف الأمر وبيعه منعقد، لأن النهي عن البيع تنزيه لقوله: ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ فدل ذلك على الترغيب في ترك البيع في ذلك الوقت (٥)، ولا يحتاج إلى ذكر الشراء، لأنه بيع أيضًا، ولأنه\n_________\n(١) انظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص ٣/ ٤٤٥، وقال بعد ذكره للحديث المتقدم: (ولم يفرق بين الجمعة وغيرها، واتفق فقهاء الأمصار على أنه يمشي إلى الجمعة على هينته).\n(٢) انظر: \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٩١ (سعى).\n(٣) ومراد المؤلف -﵀- أن الذكر يشمل الصلاة والخطبة معًا، إذ خص بعض العلماء الذكر بالصلاة، والأكثرون فسروه بالخطبة فقط فجمع المؤلف بين القولين. انظر: \"جامع البيان\" ٢٨/ ٦٥، و\"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٢١ ب، و\"زاد المسير\" ٨/ ٢٦٥، و\"المغني\" ٣/ ١٧١/ ١٧٥، و\"أحكام القرآن\" للجصاص ٣/ ٤٤٦.\n(٤) انظر: \"التفسير الكبير\" ٣٠/ ٨، وهذا هو قول مجاهد، والزهري، وأحمد. انظر: \"المغني\" ٣/ ١٦٣، و\"أحكام القرآن\" للجصاص ٣/ ٤٤٨.\n(٥) انظر: \"الأم\" ١/ ١٧٣، و\"زاد المحتاج بشرح المنهاج\" ١/ ٣٣٧ - ٣٣٨، و\"المجموع\" ٤/ ٥٠٠، ويرى مالك أن يفسخ البيع، و\"المدونة\" ١/ ١٤٣.","vol":"21","page":457},{"text":"لا يوجد شراء من غير بيع، فإذا منع البيع فقد منع الشراء، قوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي ما هو خير لكم وأصلح.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4578>١٠ </span>- قوله: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ قال ابن عباس: إذا صليتم الفريضة (١).\nوقال مقاتل: فرغتم من الصلاة يوم الجمعة فانتشروا في الأرض هذا أمر إباحته للانتشار بعد الأمر بالاجتماع للصلاة بالسعي إليها (٢).\nقال ابن عباس: فإن شئت فأخرج وان شئت فصل العصر، وإن شئت فاقعد (٣) يعني إن هذا ليس بأمر حتم، كذلك قوله: ﴿وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ﴾ إباحة لطلب الرزق بالتجارة بعد المنع بقوله: ﴿وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾.\nقال مقاتل: أحل لهم ابتغاء الرزق بعد الصلاة فمن شاء خرج إلى تجارته ومن شاء لم يفعل (٤).\nوقال مجاهد: إن شاء فعل وإن شاء لم يفعل (٥).\nوقال الضحاك: هو إذن من الله إذا فرع إن شاء خرج وإن شاء قعد في المسجد (٦).\nوالأحسن في الابتغاء من فضل الله أنه طلب الرزق وذكر أوجه من طلب الولد، وطلب العلم، وعيادة المريض وحضور الجنازة، والظاهر هو\n_________\n(١) انظر: \"تنوير المقباس\" ٦/ ٧٤، بلفظ: (إذا فرغ الإمام من صلاة الجمعة).\n(٢) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٥٥ أ.\n(٣) انظر: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٤٥، و\"التفسير الكبير\" ٣٠/ ٩.\n(٤) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٥٥/ أ، و\"التفسير الكبير\" ٣٠/ ٩.\n(٥) أخرجه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" ٢/ ١٥٧ عن مجاهد وعطاء. وانظر: \"الدر المنثور\" ٦/ ٢٢.\n(٦) انظر: \"جامع البيان\" ٢٨/ ٦٦، و\"الدر\" ٦/ ٢٢.","vol":"21","page":458},{"text":"الأول، لأن إباحة ما منع هو البيع (١).\nوروى أن عراك بن مالك (٢) كان إذا صلى الجمعة انصرف فوقف على باب المسجد وقال: \"اللهم إني (٣) أجبت دعوتك، وصليت فريضتك، وانتشرت كما أمرتني فارزقني من فضلك وأنت خير الرازقين\" (٤).\nوأجمع المفسرون على أن الأمر بالانتشار والابتغاء أمر إباحة كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢] وليس على كل من حل من إحرامه أن يصطاد، قال أبو إسحاق: هذا مثل قولك في الكلام: إذا حضرتني فلا تنطق (٥)، وإذا غبت عني فتكلم بما شئت، إنما معناه الإباحة (٦).\nقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ قال مقاتل: باللسان (٧)، وقال سعيد: واذكروا الله كثيرًا بالطاعة (٨).\nوقال مجاهد: لا يكون من الذاكرين كثيرًا حتى يذكره قائمًا وقاعدًا ومضطجعًا (٩).\n_________\n(١) قال النحاس: وظاهر الآية يدل على إباحة الانتشار في الأرض لطلب رزق في الدنيا أو ثواب في الآخرة. \"إعراب القرآن\" ٣/ ٤٣٠.\n(٢) هو عِرَاكُ بن مالك الغفاري، الكناني، المدني، ثقة فاضل. مات في خلافة يزيد بن عبد الملك بعد المائة. انظر: \"العبر\" ١/ ٩٢، و\"التقريب\" ٢/ ١٧.\n(٣) (إني) ساقطة من (ك).\n(٤) أخرج ابن أبي حاتم عنه، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٣٦٧.\n(٥) في (ك): (تنطلق).\n(٦) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ١٧٢.\n(٧) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٥٥ أ، و\"التفسير الكبير\" ٣/ ٩.\n(٨) انظر: \"التفسير الكبير\" ٣/ ٩.\n(٩) انظر: \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٣٦٧.","vol":"21","page":459},{"text":"قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً﴾ الآية. قال مقاتل: إن دحية الكلبي أقبل بتجارة من الشام قبل أن يسلم وكان يحمل معه من أنواع التجارة، وكان يتلقاه أهل المدينة بالطبل والصفق، ووافق قدومه يوم الجمعة، والنبي -ﷺ- قائم على المنبر يخطب فخرج إليه الناس وتركوا النبي -ﷺ- ولم يبق إلا اثنا عشر رجلًا. فقال النبي -ﷺ-: \"لولا هؤلاء لقد سومت لهم الحجارة\". وأنزل الله هذه الآية (١)، وهذا قول جماعة في سبب نزول هذه الآية. قال جابر بن عبد الله: وكان في الاثنى عشر رجلًا الذين بقوا معه أبو بكر وعمر (٢).\nوقال الحسن: أصاب أهل المدينة جوع، وغلا سعرهم، فقدمت عير ورسول الله -ﷺ- يخطب يوم الجمعة، فسمعوا بها وخرجوا إليها، والنبي -ﷺ- قائم كما هو فقال: \"لو اتبع آخرهم أولهم لالتهب عليهم الوادي نارًا\" (٣).\n_________\n(١) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٥٥ ب، وفيه: (اثنا عشر رجلًا وامرأة ..).\n(٢) أخرجه مسلم في رواية هشيم. \"فتح الباري\" ٢/ ٤٢٤، والإمام أحمد في \"المسند\"، وروى العقيلي: أن منهم الخلفاء الأربعة وابن مسعود، وأناسًا من الأنصار، وعنده بسند متصل أن الاثني عشر هم العشرة المبشرة، وبلال، وابن مسعود. \"فتح الباري\" ٢/ ٤٢٤.\n(٣) انظر: \"أسباب النزول\" للواحدي ص ٤٩٤، ونسبه للمفسرين، و\"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٢٩٢، عن الحسن، و\"جامع البيان\" ٢٨/ ٦٧، عن الحسن. وقوله: (لو اتبع آخرهم أولهم لالتهب علبهم الوادي نارًا) قال ابن حجر -﵀- (فائدة: ذكر الحميد في الجمع أن أبا مسعود الدمشقي ذكر في آخر هذا الحديث أنه -ﷺ- قال: (...)، ولم أر هذه الزيادة في الأطراف لابن مسعود، ولا هي في شيء من طرق حديث جابر المذكورة، وإنما وقعت في مرسلي الحسن وقتادة) \"فتح البارى\" ٢/ ٤٢٤ - ٤٢٥.","vol":"21","page":460},{"text":"وقال قتادة: فعلوا ذلك ثلاث مرات لعير تقدم (١).\nقوله تعالى: ﴿أَوْ لَهْوًا﴾ المفسرون على أنه الطبل الذي كان يضرب لقدوم الغير. وقال جابر: كان النبي -ﷺ- يخطب يوم الجمعة قائمًا على المنبر، وكانوا إذا نكحوا الجواري يضربون المزامير والكبر (٢)، فتركوا رسول الله -ﷺ- قائمًا على المنبر (٣).\nقوله تعالى: ﴿انْفَضُّوا إِلَيْهَا﴾ أي تفرقوا عنك، كقوله: ﴿لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٥٩] قال المبرد: انفضوا إليها، الضمير للتجارة (٤).\nوقال الزجاج، والمبرد: ولو كان انفضوا إليه وإليهما جاز كما جاز انفضوا إليها (٥)، لأن الشيئين إذا عطف أحدهما على الآخر ومعناهما واحد فاردد الخبر إليهما أو إلى أحدهما، أيهما شئت فإن الآخر داخل معه (٦).\n_________\n(١) انظر: \"جامع البيان\" ٢٨/ ٦٧، و\"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٢٧ أ.\n(٢) الكّبَر: طبل له وجه واحد. \"تهذيب اللغة\" ١٠/ ٢١٣، و\"اللسان\" ٣/ ٢١٢ (كبر).\n(٣) وقع عند الشافعي من طريق جعفر بن محمد، عن أبيه مرسلًا، ووصله أبو عوانه في \"صحيحه\"، والطبري. وانظر: \"جامع البيان\" ٢٨/ ٦٨، و\"إعراب القرآن\" للنحاس ٣/ ٤٣ .. قلت: ما صح عن جابر ﵁ في سبب النزول وما ذكره المفسرون في المراد باللهو لا تعارض بينهما إذ تفسير جابر للمراد باللهو بأنه ضرب الطبل في النكاح لم يصرح فيه على ما رواه ابن جرير وغيره بأن ذلك كان في يوم الجمعة فلعله كان أثناء خطبته -ﷺ- في غير الجمعة فحملت الآية على العموم، وربما تكررت الحادثة كما ذكر قتادة، والله أعلم. \"فتح الباري\" ٢/ ٤٢٤، وقال: ولا بعد في أن تنزل في الأمرين معًا وأكثر ٢/ ٤٢٤.\n(٤) انظر: \"التفسير الكبير\" ٣٠/ ١١.\n(٥) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ١٧٢.\n(٦) انظر: \"الكشاف\" ٤/ ٩٩.","vol":"21","page":461},{"text":"وهذا من كلام العرب المستقيم أن يذكروا الشيئين اللذين يرجعان إلى معنى مما يطلب فيهما فيردوا الخبر إلى أحدهما استغناء واختصارًا، كقوله: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ﴾ [البقرة: ٤٥]، ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا﴾ [التوبة: ٣٤]. ونحو هذا قال الفراء، وزاد فقال: وأجود من (١) ذلك أن تجعل الراجع من الذكر للآخر من الاسمين وإنما اختير هاهنا الرجوع إلى التجارة لأنها كانت أهم إليهم، وهم بها أسر منهم بضرب الطبل، لأن الطبل إنما دل عليها، فالمعنى كله لها (٢).\nقوله تعالى: ﴿وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ أجمعوا على أن هذا القيام كان في الخطبة، وهذا دليل على أن من (٣) أجاز القعود في الخطبة للجمعة.\nقال جابر بن سمرة: ما رأيت رسول الله -ﷺ- خطب إلا وهو قائم فمن حدثك أنه خطب وهو جالس فكذبه (٤)، وسئل عبد الله: أكان النبي -ﷺ- يخطب قائمًا أو قاعدًا؟ فقرأ (وتركوك قائمًا) (٥)، ولذلك سئل ابن سيرين، وعلقمة، فقرأ هذه الآية (٦).\n_________\n(١) (من) ساقطة من (ك).\n(٢) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ١٥٧.\n(٣) لعل الصواب: (وهذا دليل على من) بدون (أن).\n(٤) أخرجه مسلم في كتاب: الجمعة، باب: ذكر الخطبتين قبل الصلاة، وما فيهما من الجلسة، وأبو داود في باب: الخطبة قائمًا، من كتاب: الصلاة، وأحمد في \"المسند\" ٥/ ٨٧، والنسائي في باب: السكوت في القعدة بين الخطبتين، كتاب: الجمعة.\n(٥) أخرجه ابن مردويه، وابن أبي شيبة، انظر: \"المصنف\" لابن أبي شيبة، وابن ماجه، والطبراني. \"الدر\" ٦/ ٢٢١، وذكره الثعلبي في \"تفسيره\" ١٣/ ١٢٧ ب.\n(٦) انظر: \"المصنف\" لابن أبي شيبة، عن ابن سيرين. \"الدر\" ٦/ ٢٢٢، وذكره البغوي فقال: (وقال علقمة: سئل عبد الله بن عمر ..)، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٤٦.","vol":"21","page":462},{"text":"وروي أن كعب بن عجرة دخل المسجد وعبد الرحمن (١) يخطب قاعدًا فقال: انظروا إلى هذا الخبيث يخطب قاعدًا، وقال الله: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا﴾ وتلا الآية (٢).\nوقال الشعبي: أول من خطب قاعدًا معاوية (٣).\nقوله: ﴿قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ﴾ قال مقاتل: يعني من الطبل والصفق ﴿وَمِنَ التِّجَارَةِ﴾ التي جاء بها دحية (٤).\nقوله: ﴿وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ المخلوق مرزوق فإذا غضب قطع رزقه، والله ﷿ يسخط ولا يقطع وهو أحكم الحاكمين.\n_________\n(١) هو عبد الرحمن بن أبي الحكم.\n(٢) أخرجه مسلم في كتاب الجمعة ٢/ ٥٩٠، وابن أبي شيبة ٢/ ١١٢.\n(٣) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ١١٢ من طريق الشعبي، أن معاوية إنما خطب قاعدًا لما كثر شحم بطنه ولحمه. وأخرج عن طاووس .. وأول من جلس على المنبر معاوية. وروى سعيد بن منصور عن الحسن: .. وأول من خطب جالسًا معاوية.\nوانظر: \"فتح الباري\" ٢/ ٤٠١، و\"الدر\" ٦/ ٢٢٢\n(٤) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٥٥ ب.","vol":"21","page":463},{"text":"(٦٣) تفسير سورة المنافقون","vol":"21","page":465},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4579>تفسير سورة المنافقون</span>\nبسم الله الرحمن الرحيم\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4580>١ </span>- ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾ يعني عبد الله بن أبي وأصحابه ﴿نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ وتم الخبر عنهم، ثم ابتدأ فقال ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ﴾ أي أنه أرسلك فهو يعلم أنك رسوله، ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ (١).\nقال الفراء: جعلهم كاذبين لأنهم أضمروا غير ما أظهروا (٢). يعني أنهم لما أضمروا خلاف ما شهدوا به سماهم كاذبين، فدل هذا على أن حقيقة الإيمان بالقلب وكذلك حقيقة كل كلام. ومن قال شيئًا واعتقد خلافه فهو كاذب، ألا ترى أنهم كانوا يقولون بألسنتهم ﴿نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ وسماهم الله كاذبين، لأنه قلوبهم كانت تخالف ألسنتهم فيما يقولون. وقال قوم: لم يكذبهم الله في قوله: ﴿نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ وإنما أكذبهم بغير هذا مما وجد منهم من الكذب الذي أخبر الله عنهم عنهم في قوله: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا﴾ [التوبة: ٧٤] الآية، وقوله: ﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ﴾ (٣) والقول هو الأول.\n_________\n(١) انظر: \"التفسير الكبير\" ٣٠/ ١٢.\n(٢) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ١٥٨.\n(٣) من آية (٥٦) من سورة التوبة. وهذا هو رأي الزجاج حيث قال: (أكذبهم فيما تعتقده قلوبهم وفي أنهم يحلفون بالله إنهم لمنكم، ويحلفون بالله ما قالوا، ولقد قالوا كلمة الكفر). \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ١٧٥. قلت: ولعل هذا هو الصواب لأن حمل الآية على العموم أولى، وشهادتهم تدخل ضمن هذا المعنى، والله أعلم.","vol":"21","page":467},{"text":"وجواب (إذا) قوله: (نشهد) أي أنهم إذا أتوك شهدوا لك بالرسالة وهو كاذبون في تلك الشهادة، لأنهم يقولونها عن غير اعتقاد ومواطأة قلب مع اللسان - وكل قول خالف اللسان فيه القلب فهو كذب، ألا ترى أن شاهدًا لو شهد على حق من غير علم كان كاذبًا، لأنه شهد ولم يعلم، كذلك المنافقون شهدوا ولم تكن شهادتهم مستندة إلى عقيدة وعلم بالقلب فكانوا كاذبين.\nقوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ مذهب أهل العراق أن (١) من قال أشهد بالله لقد كان كذا، أو قال أشهد، ولم يقل بالله ونوى يمينًا كان ذلك يمينًا بالنية، واحتجوا بهذه الآية وهو أن الله تعالى لم يذكر منهم إلا الشهادة، ثم قال ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً﴾ فسمى شهاداتهم أيمانًا (٢)، وعند الشافعي لا يكون أشهد بالله يمينًا وإن نوى ذلك (٣).\nومعنى ﴿أَيْمَانَهُمْ﴾ ما أخبر الله عن حلفهم الباطل في آيات من سورة الحشر (٤).\nقال الضحاك (أيمانهم) حلفهم إنهم لمنكم (٥)، وتفسير هذه الآية قد تقدم في سورة المجادلة.\n_________\n(١) (أن) ساقطة من (ك).\n(٢) انظر: \"شرح فتح القدير\" لابن الهمام ٤/ ١٢.\n(٣) انظر: \"المجموع\" للنووي ١٨/ ٣٦، و\"فتح الباري\" ١١/ ٥٤٤، وفي \"الأم\" ٧/ ٥٦، قال: وإذا قال: أشهد بالله فإن نوى اليمين فهو يمين، وإن لم ينو يمينا فليس بيمين؛ لأن قوله أشهد بالله يحتمل أشهد بأمر الله، وإذا قال: أشهد، لم يكن يمينا، وإن نوى يمينا فلا شيء عليه.\n(٤) وذلك عند قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا﴾ الآيات.\n(٥) انظر: \"جامع البيان\" ٢٨/ ٦٩.","vol":"21","page":468},{"text":"قوله: ﴿ذلك﴾ قال مقاتل: ذلك الكذب بأنهم آمنوا باللسان، ثم كفروا في السر، وجحدوا بقلوبهم (١) وهذا تأكيد لما فسرناه في قوله: ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾.\nقوله: ﴿فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ قال ابن عباس: ختم الله على قلوبهم (٢).\nوقال مقاتل: طبع على قلوبهم بالكفر (٣) ﴿فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ﴾ لا يفهمون الإيمان والقرآن وصدق محمد -ﷺ-، والمعنى أن الله جازاهم بصنعهم الطبع على قلوبهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4581>٤ </span>- قوله: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾ قال الكلبي: يعني عبد الله بن أبي ومعتب بن قشير كانت لهم أجسام ومنظر (٤).\nقال زيد بن أرقم: كانوا رجالًا أجمل شيء (٥).\nوقال ابن عباس: يريد أن لهم أجسامًا ومناظر (٦).\nوقال مقاتل: كان عبد الله بن أبي جسيمًا صحيحًا فصيحًا ذلق اللسان، فإذا قال سمع النبي -ﷺ- قوله (٧) وذلك قوله ﷿: ﴿وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾.\nوقال الكلبي: وإن يقولوا إنك لرسول الله تسمع لقولهم فتحسب أنه\n_________\n(١) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٥٥ ب، و\"التفسير الكبير\" ٣٠/ ١٣.\n(٢) انظر: \"تنوير المقباس\" ٦/ ٧٦، و\"التفسير الكبير\" ٣٠/ ١٣.\n(٣) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٥٥ ب، و\"التفسير الكبير\" ٣٠/ ١٣.\n(٤) انظر: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٤٨، و\"التفسير الكبير\" ٣٠/ ١٤، ولم ينسباه لأحد.\n(٥) \"صحيح البخاري\"، كتاب: التفسير، باب: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ﴾ ٦/ ١٩١، و\"فتح الباري\" ٨/ ٦٤٧.\n(٦) انظر. \"تنوير المقباس\" ٦/ ٧٦، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٤٨.\n(٧) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٥٥ ب، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٤٨، و\"زاد المسير\" ٨/ ٢٧٤.","vol":"21","page":469},{"text":"حق وصدق منهم (١).\nثم شبههم فقال ﴿كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ﴾ والاختيار في ﴿خُشُبٌ﴾ التخفيف (٢) نحو بَدَنةٍ وبُدْنٍ، وفي المذكر أَسَدٌ وأُسْدٌ، وَوَثَنٌ وَوُثْنٌ.\nقال الأخفش: ولغة أهل الحجاز التثقيل في ﴿خُشُبٌ﴾ وذلك نحو ثمرَ وثُمرُ، وقالوا: أسَدٌ بالتثقيل فيجمع أُسْدٌ. أنشد المبرد:\nيقدم أقداما عليل كالأسد (٣)\nقال المفسرون: الخشب لا أرواح فيها فلا تعقل ولا تفهم، كذلك المنافقون لا يسمعون الإيمان ولا يعقلون وليس في أجوافهم إيمان لذلك شبههم بالخشب. (٤)\n_________\n(١) انظر: \"زاد المسير\" ٨/ ٢٧٥.\n(٢) قرأ أبو عمرو، والكسائي، وقنبل في رواية ابن مجاهد: (خُشْب) بضم الخاء وإسكان الشين، وقرأ الباقون ﴿خُشُبٌ﴾ بضم الخاء والشين. انظر: \"حجة القراءات\" ص ٧٠٩، و\"النشر\" ٢/ ٢١٦، و\"الإتحاف\" ص ٤١٦.\nوقال ابن جرير -﵀- بعد تصويب القراءتين: وتسكين الأوسط فيما جاء من الجامع لأحكام القرآن فعلة على فعل في الأسماء على ألسن العرب أكثر وذلك كجمعهم البدنة بدنا، والآجمة أجما. \"جامع البيان\" ٢٨/ ٧٠، قلت: إذا كان العرب في كلامهم على ما ذكر ابن جرير وأكثر القراء على خلاف ذلك فهذا مما يقوي قراءه الجمهور ويؤكد على صحتها عن رسول الله -ﷺ- وإذا كان للترجيح مجال هنا فترجيح ما تعددت طرقه عن الرسول -ﷺ- أولى. والله أعلم.\n(٣) انظر: \"الحجة للقراء السبعة\" ٦/ ٢٩١ - ٢٩٢، و\"اللسان\" ١/ ٨٣٢ (خشب). ولم أجد البيت منسوبًا لقائل.\n(٤) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٥٥ سب، و\"جامع البيان\" ٢٨/ ٦٩، و\"روح المعاني\" ٢٨/ ١١١.","vol":"21","page":470},{"text":"قال أبو إسحاق: وصفهم بتمام الصور وحسن الإبانة، ثم أعلم (١) أنهم في تركهم (٢) التفهم والاستبصار بمنزلة الخشب (٣).\nقوله: ﴿مُسَنَّدَةٌ﴾ يقال: أسندت الشيء. أي: أملته فاستند كالخشب يسند إلى الجدار، و﴿مُسَنَّدَةٌ﴾ للتكثير (٤)، لأنها صفة خشب وهي جمع أشجار (٥)، وصفها بالتسنيد إرادة أنها ليست بأشجار قائمة تنمو وتزيد وتنبت الورق والثمر ويحسن منظرها، بل هي خشب ملقاة بعضها على بعض مسندة إلى حائط، كذلك هم لا يسمعون النداء ولا يقبلون، فشبههم بالخشب في أخس أحوالها ليست بأشجار فتثمر، ولا منحوته عمل منها شيء فينتفع به. وهذا معنى قول الكلبي (٦).\nثم عابهم بالجبن فقال ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ﴾ قال المفسرون: من الفرق والجبن لا يسمعون صوتًا إلا ظنوا أن قد أوتوا.\nقال مقاتل: إن نادى مناد في العسكر أو انفلتت دابة أو نشدت ضالة ظنوا أنهم يرادون بذلك مما في قلوبهم من الرعب (٧)، قالوا: وسبب ذلك أنهم على وجل من أن يهتك الله أستارهم ويكشف أسرارهم فهم يتوقعون\n_________\n(١) في (ك): (أعلمهم).\n(٢) في (ك): (ترك).\n(٣) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ١٧٦.\n(٤) انظر: \"اللسان\" ٢/ ٢١٥ (سند).\n(٥) في (ك): (أثمار).\n(٦) انظر: \"التفسير الكبير\" ٣٠/ ١٥، ولم ينسبه لقائل.\n(٧) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٥٥/ ب، و\"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٢٨/ أ، و\"التفسير الكبير\" ٣٠/ ١٥، و\"البحر المحيط\" ٨/ ٢٧٢.","vol":"21","page":471},{"text":"الإيقاع بهم ساعة فساعة (١).\nوقال أبو إسحاق: ويجوز أن يكون المعنى: يحسبون أن كل من خاطب النبي -ﷺ- فإنما يخاطبه في أمرهم بكشف نفاقهم (٢).\nثم أعلم رسوله بعداوتهم فقال: ﴿هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ﴾ أىِ هم وإن كانوا معك يظهرون تصديقك أعداء لك فاحذرهم أن تأمنهم على سرك، لأنهم عيون لأعدائك من الكفار يلقون (٣) إليهم أسرارك.\nقوله: ﴿قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ مفسر في سورة براءة (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4582>٥ </span>- قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ﴾ قال الكلبي: لما نزل القرآن على رسول الله بصفة المنافقين مشى إليه عشائرهم من المؤمنين وقالوا لهم: ويلكم افتضحتم بالنفاق وأهلكتم أنفسكم فأتوا رسول الله -ﷺ-، وتوبوا إليه من النفاق، وسلوه أن يستغفر لكم، فأبوا ذلك وزهدوا في الاستغفار فأنزل الله فيهم هذه الآية (٥).\nقال عطاء عن ابن عباس: لما رجع عبد الله بن أبي من أحد بكثير من الناس مقته المسلمون وعنفوه، فقال له بنو أبيه: لو أتيت رسول الله -ﷺ- حتى يستغفر لك ويرضى عنك. قال: لا أذهب إليه، ولا أريد أن يستغفر لي (٦).\n_________\n(١) في (ك): (ساعة). وانظر: \"جامع البيان\" ٢٨/ ٦٩، و\"التفسير الكبير\" ٣٠/ ١٥.\n(٢) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ١٧٦.\n(٣) في (ك): (يتلقون).\n(٤) عند \"تفسيره\" لآية (٣٠) من سورة التوبة.\n(٥) انظر: \"التفسير الكبير\" ٣٠/ ١٥.\n(٦) أخرجه البيهقي في \"الدلائل\" عن الزهري، نحو هذا بسياق أطول. \"الدر\" ٦/ ٢٢٤. وذكره الرازي عن ابن عباس من غير سند. \"التفسير الكبير\" ٣٠/ ١٥.","vol":"21","page":472},{"text":"قال قتادة: قال قوم عبد الله بن أبي: لو أتيت رسول الله -ﷺ- فاستغفر لك. فجعل يلوي رأسه، فنزلت هذه الآية (١).\nوقال أكثر المفسرين: إنما دعي إلى الاستغفار؛ لأنه كان قد قال: ﴿لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾، وقال: ﴿لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ﴾، فقيل له: تعال يستغفر لكم رسول الله فلوى رأسه وقال: ماذا قلت؟. فذلك قوله: ﴿لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ﴾ (٢) قال مقاتل: عطفوا رؤسهم رغبة عن الاستغفار (٣).\nوقرئ (لووا) بالتخفيف من الليّ، وهو يصلح للقليل والكثير، ويشهد لهذه القراءة قوله: ﴿لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ﴾ (٤) و(لَوَوْا) من الليّ. وقُرئ بالتشديد (٥)، وهو يختص بالكثرة، والفعل هاهنا لجماعة فهو كقوله: ﴿مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ﴾ [ص: ٥٠] على أنه قد جاء:\n_________\n(١) أخرجه ابن جرير، وابن المنذر، وعبد الرزاق في \"التفسير\"، وعبد بن حميد. انظر: \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٢٩٤، و\"جامع البيان\" ٢٨/ ٧١، و\"الدر\" ٦/ ٢٢٤، وقال ابن حجر: ووقع في مرسل الحسن، وأخرجه عبد بن حميد من طريق قتادة، ومن طريق مجاهد، ومن طريق عكرمة \"فتح الباري\" ٨/ ٦٤٨.\n(٢) وهو المروي عن أكثر أهل التفسير والسير. انظر: \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٢٩٤، و\"جامع البيان\" ٢٨/ ٧٠، و\"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٢٨/ أ، و\"أسباب النزول\" ٤٩٦.\n(٣) انظر \"تفسير مقاتل\" ١٥٦/ أ، و\"زاد المسير\" ٨/ ٢٧٦.\n(٤) قال تعالى ﴿وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ﴾ [النساء: ٤٦].\n(٥) قرأ نافع، ويعقوب من طريق روح، والمفضل، عن عاصم: ﴿لَوَّوْا﴾ بالتخفيف. وقرأ الباقون: ﴿لَوَّوْا﴾ بالتشديد. انظر: \"حجة القراءات\" ٧٠٩، و\"النشر\" ٢/ ٣٨٨، و\"الإتحاف\" ٤١٦، \"معاني الأخفش\" ٢/ ٧٠٩.","vol":"21","page":473},{"text":"تَلْوِية الخاتِنِ زُبَّ المُعْذَرِ (١)\nواختار أبو عبيد بالتشديد. قال: لأنهم كثير (٢).\nقال المبرد: لا أعلم الرواية اختلفت في أن هذه الآية نزلت في عبد الله بن أبي وهو القائل: ﴿لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ﴾ الآية (٣)، فالعرب قد تكنى فتجعل الكناية جمعًا، والمفعول واحد. قال جرير:\nلا بارك الله فيمن كان يحسبكم ... إلا على العهد حتى كان ما كانا (٤)\nوإنما يخاطب بهذه امرأة، وهذا كثير في أشعارهم وكلامهم، يقول الرجل الواحد: نحن فعلنا، يعني نفسه، ويقول لرجل الواحد يخاطبه: أنتم فعلتم، يعني المخاطب وحده.\nوقوله: ﴿وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ﴾ أي عن الاستغفار ﴿وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾ عن استغفار رسول الله -ﷺ-.\nثم ذكر أن استغفاره لا ينفعهم فقال ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ﴾ قال قتادة، ومقاتل: نزلت هذه الآية بعد قوله: ﴿أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠] الآية، وذلك أنها لما نزلت قال نبي الله -ﷺ- خيرني ربي\n_________\n(١) أنشده أبو زيد، وورد في \"اللسان\" غير منسوب لقائل. انظر: \"الحجة\" للقراء السبعة ٦/ ٢٩٣، و\"اللسان\" ٢/ ٧١٩ (عذر).\n(٢) انظر: \"زاد المسر\" ٨/ ٢٧٦، وهو اختيار ابن جرير أيضًا. \"جامع البيان\" ٢٨/ ٧٠. قلت: واختيارهم هذا لا يعني الطعن في قراءة التخفيف لثبوتها عن النبي -ﷺ-.\n(٣) قلت: الروايات تظافرت على هذا، وإنما وقع الخلاف في الغزوة التي نزلت فيها هذه الآيات، والصواب أنها نزلت في غزوة بني المصطلق، كما ذكر ابن كثير ﵀. انظر: \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٣٦٨، و\"فتح الباري\" ٨/ ٦٤٨ - ٦٤٩.\n(٤) \"ديوان جرير\" ١/ ١٦٢.","vol":"21","page":474},{"text":"فلأزيدنهم على السبعين فأنزل الله هذه الآية (١).\n﴿لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ قال ابن عباس: يريد المنافقين (٢)، والمعنى لا يجعل جزاءهم على النفاق أن يهديهم، أو لا يهدي من سبق في علمه وقضائه أنه فاسق منافق.\nثم أخبر بشنيع مقالتهم فقال: ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا﴾ قال المفسرون: اقتتل أجير لعمر مع أجير لعبد الله بن أبي في بعض الغزوات، وأسمع أجير عمر لعبد عبد الله بن أبي المكروه، واشتد عليه لسانه فغضب عبد الله وعنده وهي من قومه فقال: أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل -يعني بالأعز نفسه وبالأذل رسول الله -ﷺ- ثم أقبل على قومه فقال: لو أمسكتم النفقة عن هؤلاء -يعني المهاجرين- لأوشكوا أن يتحولوا عن بلادكم فلا تنفقوا عليهم حتى ينفضوا من حول محمد، فأنزل الله فيه هذه الآية (٣).\n_________\n(١) أخرجه البخاري من حديث ابن عمر، وفيه (فقال رسول الله -ﷺ-: \"إنما خيرني الله فقال: استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة﴾. وسأزيده على السبعين\") \"صحيح البخاري\". كتاب: التفسير، باب: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾، وباب: ولا تصل على أحد منهم مات أبدًا ولا تقم على قبره. وانظر: \"التفسير الكبير\" ٣٠/ ١٥، قال ابن حجر: وروى عبد الرزاق عن معمر، عن قتادة قال: لما نزلت ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ قال النبي -ﷺ-: \"لأزيدن على السبعين\"، فأنزل الله تعالى ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ ورجاله ثقات مع إرساله، ويحتمل أن تكون الآيتان معًا نزلتا في ذلك. \"فتح الباري\" ٨/ ٣٣٦.\n(٢) انظر: \"تنوير المقباس\" ٦/ ٧٧، و\"التفسير الكبير\" ٣٠/ ١٥.\n(٣) انظر: \"أسباب النزول\" للواحدي ٤٩٦، و\"زاد المسير\" ٨/ ٢٧١، و\"التفسير الكبير\" ٣٠/ ١٧.","vol":"21","page":475},{"text":"قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ قال مقاتل: يعني مفاتيح الرزق والمطر والنبات (١). والمعنى أن الله هو الرزاق للخلق كلهم، ولهؤلاء المهاجرين لا هم، لأن خزائن الرزق من السموات والأرض لله تعالى كما قال: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [يونس: ٣١].\nوقال أهل المعاني: خزائن الله مقدوراته؛ لأن فيها كل ما شاء مما يريد إخراجه (٢).\nقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ﴾ قال ابن عباس: لا يفقهون أن أمره إذا أراد شيئًا أن يقول له كن فيكون (٣).\nقوله: ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ﴾ من تلك الغزوة التي كانوا فيها -وهي غزوة بني المصطلق- إلى المدينة ﴿لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ﴾ يعني عبد الله بن أبي بالأعز نفسه وبالأذل (٤) رسول الله، فرد عليه فقال ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ﴾ قال ابن عباس: المنعة (٥) ﴿وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ بإعزاز الله ونصره إياهم وإظهار دينهم على سائر الأديان.\nوقال أبو إسحاق: أعلم الله أنه مظهر (٦) دينه على الدين كله ومعز رسوله ومن معه من المؤمنين (٧).\n_________\n(١) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٥٦ ب، و\"التفمير الكبير\" ٣٠/ ١٧.\n(٢) انظر: \"مفردات الراغب\" (خزن)، و\"التفسير الكبير\" ٣٠/ ١٧.\n(٣) انظر: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٥٠، و\"التفسير الكبير\" ٣٠/ ١٧، ولم ينسباه لقائل.\n(٤) (ك): (بالأذل) بدون الواو.\n(٥) انظر: \"تنوير المقباس\" ٦/ ٧٨.\n(٦) (ك): (يظهر).\n(٧) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ١٧٧.","vol":"21","page":476},{"text":"قوله: ﴿وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ ذلك، ولو علموا ما قالوا مقالتهم هذه.\nقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ قال عطاء: عن فرائض الله الحج والزكاة (١).\nوقال الضحاك: الصلوات الخمس (٢).\nوقال مقاتل: عن الصلاة المكتوبة. وعنده أن هذه الآية والتي بعدها خطاب للمنافقين الذين أقروا بالإيمان (٣).\nقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ أي من ألهاه ماله وولده عن ذكر الله، فعبر عن هذا بفعله، لأنه ما لم يله بماله لم يلهه المال، ومن لم يغتر بشيء لم يغره، وهذا معنى قول صاحب النظم (٤).\n﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ قال ابن عباس: يريد زكاة الأموال (٥).\n﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ فيسأل الرجعة إلى الدنيا، وهو قوله: ﴿فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ قال أبو إسحاق: حضهم على إدامة الذكر، وأن لا يضنوا بالأموال من قبل أن يعاين ما يعلم معه أنه ميت (٦)، فيقول: ﴿لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ هلا أمهلتني وأخرت أجلي إلى أجل قريب، يعني استزاده في أجله حتى يتصدق ويزكي، وهو قوله تعالى:\n_________\n(١) لم أجده، منسوبًا لقائل. وقد ذكره الرازي في \"تفسيره\" ٣٠/ ١٨.\n(٢) أخرجه ابن جرير وابن المنذر وغيرهما. \"جامع البيان\" ٢٨/ ٧٦، و\"الدر\" ٦/ ٢٢٦.\n(٣) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٥٧/ أ، و\"التفسير الكبير\" ٣٠/ ١٨.\n(٤) انظر: \"التفسير الكبير\" ٣٠/ ١٨\n(٥) انظر: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٥١، و\"التفسير الكبير\" ٣٠/ ١٨.\n(٦) انظر: \"معانى القرآن\" للزجاج ٥/ ١٧٧.","vol":"21","page":477},{"text":"﴿فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ قال عطاء، عن ابن عباس: هذا دليل على أن القوم لم يكونوا مؤمنين، وذلك أن المؤمن لا يسأل الرجعة، إنما يسأل الكافر (١).\nوقال الضحاك: لم ينزل بأحد الموت لم يحج ولم يؤد الزكاة إلا سأل الرجعة. وقرأ (٢) هذه الآية.\nوقال في قوله: ﴿وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ يعني الحج (٣)، ونحو هذا روي عن ابن عباس أنه قال ذلك، فقيل له: اتق الله فإن الكافر يسأل الرجعة. فقال: أنا أقرأ عليكم به قرآنا، ثم قرأ هذه الآية إلى قوله: ﴿وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ قال: أحج (٤).\nقال أبو إسحاق: معناه: هلا أخرتني.\nوجزم ﴿وَأَكُنْ﴾ على موضع ﴿فَأَصَّدَّقَ﴾ لأنه على معنى: إن أخرتني أصدق وأكن من الصالحين، ومن قرأ (وأكونَ): فهو على لفظ فأصدق وأكون (٥). قال المبرد: من قرأ (وأكون) فعلة ما قبله لأن ﴿فَأَصَّدَّقَ﴾\n_________\n(١) انظر: \"التفسير الكبير\" ٣٠/ ١٩.\n(٢) في (ك): (وقال).\n(٣) أخرجه ابن جرير عنه. \"جامع البيان\" ٢٨/ ٧٧، و\"التفسير الكبير\" ٣٠/ ١٩.\n(٤) أخرجه ابن جرير، والترمذي، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، من طريق أبي حناب، وهو ضعيف، وفيه انقطاع بين الضحاك وابن عباس. انظر: \"جامع البيان\" ٢٨/ ٧٦، و\"سنن الترمذي\" كتاب تفسير القرآن ٥/ ٣٩٠، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٣٧٣.\n(٥) \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ١٧٨، وفي قوله تعالى: ﴿وَأَكُنْ﴾ قرأ الجمهور. (وأكن) بجزم النون من غير واو، وقرأ أبو عمرو (وأكونَ) بالواو ونصب النون. انظر: \"حجة القراءات\" ٧١٠، و\"النشر\" ٢/ ٣٨٨، و\"الإتحاف\" ٤١٧.","vol":"21","page":478},{"text":"جواب للاستفهام الذي فيه التمني، وهو قوله: ﴿لَوْلَا أَخَّرْتَنِي﴾ أي: هلا أخرتني، والجزم على موضع الفاء لأن الفاء دخلت على شيء لو لم يكن فيه لكان مجزومًا ولم يتغير المعنى فكأنه لولا أخرقني إلى أجل قريب أصدق وأكن. وأنشد سيبويه أبياتًا كثيرة في العمل على الموضع منها قوله:\nفلسنا بالجبال ولا الحديدا (١).\nومنه قول لبيد:\nفإن لم نجد من دون عدنان والدًا ... ودون معدا فلترعك العوازل (٢)\nفنصب دون معد على الموضع، لأن من زائدة، وزاد أبو علي شرحًا وبيانًا فقال: ﴿وَأَكُنْ﴾ عطفًا على موضع قوله: ﴿فَأَصَّدَّقَ﴾ لأنه في موضع فعل مجزوم، ألا ترى أنك إذا قلت: أخرني أصدق، كان جزمًا بأنه جواب الجزاء، وقد أغنى السؤال عن ذكر الشرط، والتقدير: أخرني فإن تؤخرني أصدق، فلما كان الفعل المنتصب بعد الفاء في موضع فعل مجزوم بأنه جزاء الشرط حمل قوله: ﴿وَأَكُنْ﴾ هو عليه، وأنشد الأئمة في وجه هذه القراءة قول الشاعر:\nفَأَبْلُونيِ بَلَّيُكُمْ لَعَلِّي ... أصالحِكُمْ وأستدرجْ نَوَتَّا (٣)\n_________\n(١) انظر: \"التفسير الكبير\" ٣٠/ ١٩.\nوالبيت لعقيبة بن هبيرة الأسدي. انظر: \"شرح الشواهد\" ١/ ٣٤، و\"الخزانة\" ١/ ٣٤٣، و\"شرح المفصل\" ٢/ ١٠٩، وينسب أيضًا لعبد الله ابن الزبير الأسدي.\n(٢) \"ديوان لبيد\" ص ٢٥٥، و\"الكتاب\" ١/ ٣٤، و\"الخزانة\" ٢/ ٢٥٢، و\"سر صناعة الإعراب\" ١/ ١٣٠.\n(٣) البيت لأبي دؤاد، كما في \"ديوانه\" ص ٣٥٠، و\"الخصائص\" ١/ ١٧٦، و\"شواهد شرح أبيات المغني\" ٦/ ٢٩٢، و\"اللسان\" (علل)، أمالي ابن الشجري ١/ ٢٨٠، و\"مغني اللبيب\" ص ٤٢٣، و\"النقائض\" ص ٤٠٨، والنوى الوجه الذي يقصد، =","vol":"21","page":479},{"text":"حمل وأستدرج على موضع الفاء المحذوفة وما بعدها من لعلّي (١). وأما قراءة أبي عمرو (وأكونَ) فإنه حمله على اللفظ دون المعنى، وكان الحمل على اللفظ أولى لظهوره في اللفظ وقربه (٢).\nثم أخبر الله تعالى أنه لا يؤخر من انقضت مدته وحضر أجله فقال: ﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا﴾ أي عند الموت ﴿إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ قال عطاء: أي لو رد إلى الدنيا ما زكى ولا حج (٣)، ويكون هذا كقوله: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ (٤) والمفسرون على أن هذا خطاب شائع لكل عامل عمل خيرًا أو شرًّا.\nوروي عن عاصم أنه قرأ (يعملون) بالياء (٥) على قوله: ﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا﴾ لأن النفس وان كان واحدًا في اللفظ فالمراد به الكثرة، فحمل على المعنى (٦)، والله تعالى أعلم.\n_________\n= وأستدرج أرجع أدراجي.\n(١) في (ك): (على موضع لعلّي وما بعدها) والتصحيح من \"الحجة\".\n(٢) انظر: \"الحجة\" للقراء السبعة ٦/ ٢٩٣ - ٢٩٤.\n(٣) \"التفسير الكبير\" ٣٠/ ١٩، ولم ينسبه لقائل.\n(٤) قال تعالى: ﴿بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الأنعام: ٢٨].\n(٥) قرأ أبو بكر، عن عاصم ﴿يَعْمَلُونَ﴾ خبر غائبين، وقرأ الباقون (تعملون) بالتاء على الخطاب. انظر: \"حجة القراءات\": ٧١١، و\"النشر\" ٢/ ٣٨٨.\n(٦) \"الحجة\" للقراء السبعة ٦/ ٢٩٤.","vol":"21","page":480},{"text":"(٦٤) تفسير سورة التغابن","vol":"21","page":481},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4583>تفسير سورة التغابن</span>\nبسم الله الرحمن الرحيم\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4584>١ </span>- ﴿يُسَبِّحُ﴾ هذه الآية قد تقدم تفسيرها (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-4585>٢ </span>- قوله: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ قال الوالبي عن ابن عباس: إن الله خلق بني آدم مؤمنًا وكافرًا، ثم يعيدهم يوم القيامة كما خلقهم (٢) مؤمنًا وكافرا (٣)، وقال عطية عنه: يريد فمنكم مصدق ومنكم جاحد (٤).\nوقال أبو إسحاق: خلقكم في بطون أمهاتكم كفارًا ومؤمنين (٥).\nوجاء في التفسير أن يحيى بن زكريا خلق في بطن أمه مؤمنًا، وخلق فرعون في بطن أمه كافرًا (٦). ودليل صحة هذا قوله: ﴿أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى\n_________\n(١) في أول سورة الحشر، والجمعة.\n(٢) في (ك): (خلقكم).\n(٣) انظر: \"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٣٣ ب، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٥٢، و\"زاد المسير\" ٨/ ٢٧٩، وقال (والأحاديث تعضد هذا القول ..).\n(٤) \"التفسير الكبير\" ٣٠/ ٢١، ونسبه لعطية.\n(٥) \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ١٧٩.\n(٦) قال -ﷺ-: \"خلق الله يحيى بن زكريا في بطن أمه مؤمنًا، وخلق فرعون بطن أمه كافرًا\". انظر: \"سلسلة الأحاديث الصحيحة\" (١٨٣١)، و\"صحيح الجامع\" ٣/ ١١٣.","vol":"21","page":483},{"text":"مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٣<span data-type=\"title\" id=toc-4588>٩]</span>. فأعلم أنه مخلوق كذلك.\nوروى أبو سعيد الخدري خطبنا رسول الله -ﷺ- عشية فذكر شيئًا مما يكون، ثم قال في خطبته: \"يُولد الناسُ على أطباقٍ شتى، يولد الرجل مؤمنًا ويعيش مؤمنًا ويموت مؤمنًا، ويولد الرجل كافرًا ويعيش كافرًا ويموت كافرًا، ويولد الرجل مؤمنًا ويعيش مؤمنًا ويموت كافرا، ويولد الرجل كافرًا ويعيش كافرًا ويموت مؤمنا\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4586>٥ </span>- قوله: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ﴾ يخاطب أهل مكة ﴿نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ﴾ يعني الأمم الكافرة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-4587>٦ </span>- قوله تعالى: ﴿وَاسْتَغْنَى اللَّهُ﴾ أي عن إيمانهم وعبادتهم.\n٩ - قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ﴾ قال الزجاج: ﴿يَوْمُ﴾ منصوب بقوله: ﴿لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ﴾ (٢).\nقوله: ﴿لِيَوْمِ الْجَمْعِ﴾ قال ابن عباس، ومقاتل: يريد يوم القيامة يجمع فيه أهل السموات وأهل الأرض (٣).\nقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ﴾ التغابن تفاعل من الغبن، والغبن في الشراء والبيع، يقال: غبنه يغبنه إذا أخذ الشيء عنه بدون قيمته (٤).\nقال ابن عباس: إن قومًا في النار يعذبون وقومًا في الجنة يتنعمون (٥)\n_________\n(١) ذكر الثعلبي نحو عن أبي سعيد الخدري بدون سند، ودون رفع للنبيﷺ- وكذا البغوي. انظر: \"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٣٤ أ - ب، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٥٢.\n(٢) \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ١٨٠.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ١٥٧ ب، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٥٣، و\"التفسير الكبير\" ٣٠/ ٢٤.\n(٤) \"تهذيب اللغة\" ١/ ١٤٨ (غبن)، و\"مفردات الراغب\" (غبن).\n(٥) \"التفسير الكبير\" ٣٠/ ٢٤.","vol":"21","page":484},{"text":"وقال المقاتلان: هو يوم يغبن فيه أهل الحق أهل الباطل، وأهل الهدى أهل الضلالة، وأهل الإيمان أهل الكفر، فلا غبن أبين منه، هؤلاء يدخلون الجنة، وهؤلاء يدخلون النار (١)، وهذا معنى قول جماعة المفسرين (٢).\nقال: ويرى الكافر مقعده وأزواجه من الجنة لو آمن ليزداد حسرة، وإذا لم يؤمن ويرثه المؤمنون، فالمغبون من غبن أهله ومنازله في الجنة (٣). وحقيقة المعنى أنا قد ذكرنا أن أهل الغبن والتغابن في البيع والشراء، وقد ذكر الله تعالى أن الكافرين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة (٤)، واشتروا الضلالة بالهدى، ثم ذكر أنهم ما ربحوا في هذه التجارة، فقال ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾ (٥) ودل المؤمنين على تجارة رابحة بقوله: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ﴾\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ١٥٧ ب، و\"التفسير الكبير\" ٣٠/ ٢٤، و\"تفسير ابن كثير\" ٤/ ٣٧٥.\n(٢) وروى نحوه عن ابن عباس، ومجاهد، وقتادة.\nانظر: \"تفسير مجاهد\" ٢/ ٦٧٩، و\"جامع البيان\" ٢٨/ ٧٩، و\"زاد المسير\" ٨/ ٢٨٢.\n(٣) ويشهد لهذا المعنى الحديث الصحيح عن أبي هريرة، قال: قال النبي -ﷺ-: \"لا يدخل أحد الجنة إلا أُري مقعده من النار لو أساء، ليزداد شكرًا، ولا يدخل النار أحد إلا أُري مقعده من الجنة لو أحسن لبكون عليه حسرة\" \"صحيح البخاري\"، كتاب الرقاق، باب صفة الجنة والنار ٨/ ١٤٦.\nقال ابن حجر: ووقع عند ابن ماجه أيضًا، وأحمد بسند صحيح عن أبي هريرة بلفظ \"ما منكم من أحد إلا وله منزلان، منزل في الجنة، ومنزل في النار. فإذا مات ودخل النار ورث أهل الجنة منزله\" وذلك قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ﴾ \"فتح الباري\" ١١/ ٤٤٢.\n(٤) وذلك في قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ سورة البقرة، آية: ٨٦.\n(٥) قال تعالى ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِين﴾ [سورة البقرة، آية: ١٦].","vol":"21","page":485},{"text":"[الصف: ١٠] الآية (١). فكل من آمن وجاهد بنفسه وماله فقد ربحت تجارته، وذكر أنهم باعوا أنفسهم من الله بالجنة بقوله: ﴿إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ﴾ [التوبة:<span data-type=\"title\" id=toc-4589> ١١</span>١] الآية فخسرت صفقة الكفار وربحت صفقة المؤمنين، غير أن هذا التغابن إنما يظهر في القيامة إذا صار المؤمنون إلى الجنة فربحوا الجنة ومنازلها بتجارتهم، وخسرها الكفار وصارت عاقبتهم النار، فذلك اليوم يوم التغابن علي معنى يوم ظهور التغابن.\n١١ - قوله: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ﴾. قال ابن عباس: بعلمه وقضائه (٢).\n﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ قال مقاتل: يهد قلبه عند المصيبة فيعلم أنها من الله فيسلم لقضاء الله ويستريح، فذلك قوله: ﴿يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ أي للتسليم والاسترجاع عند المصيبة، وذلك معنى قوله: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ﴾ إلى قوله: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ (٣) قال أهل المعاني: يهد قلبه للشكر عند الرخاء والصبر عند النبلاء (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4590>١٤ </span>- ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ﴾ قال عكرمة: سأل رجل عن هذه الآية ابن عباس فقال: هؤلاء رجال من أهل مكة أسلموا وأرادوا أن يأتوا المدينة فلم يدعهم أزواجهم وأولادهم، فهو\n_________\n(١) قوله: (على تجارة رابحة بقوله ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ﴾) مكررة.\n(٢) \"تنوير المقباس\" ٦/ ٨٥، و\"زاد المسير\" ٨/ ٢٨٣، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٣٧٥.\n(٣) سورة البقرة: ١٥٦ - ١٥٧، وانظر: \"تفسير مقاتل\" ١٥٧ ب.\n(٤) \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ١٦١، و\"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٣٦ أ، ذكرها عن أبي بكر الوراق، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٣٧٥، وقد استشهد لهذا القول بقول الرسول -ﷺ -: \"عجبًا للمؤمن لا يقضي الله له قضاء إلا كان خيرًا له .. \" الحديث.","vol":"21","page":486},{"text":"قوله: ﴿عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾ أن تطيعوا وتقبلوا منهم وتدعوا الهجرة.\n﴿وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا﴾ قال: إن الرجل من هؤلاء إذا هاجر ورأى الناس قد سبقوه بالهجرة وفقهوا في الدين هم أن يعاقب زوجه وولده الذين ثبطوه عن الهجرة، وإن لحقوا به في دار الهجرة لم ينفق عليهم، ولم يصبهم بخير، فأنزل الله ﴿وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١).\nقال قتادة: قوله: ﴿إنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ﴾ قال: ينهون عن الإسلام ويبطئون عنه وهم من الكفار (٢).\n﴿فَاحْذَرُوهُمْ﴾ فظهر أن هذه العداوة إنما هي للكفر والنهي عن الإيمان، وهذا لا يكون بين المؤمنين فأزواجهم (٣) وأولادهم المؤمنون لا يكونون عدوا لكم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4591>١٥ </span>- وفي هؤلاء الأولاد والأزواج الذين ثبطوا عن الهجرة نزل قوله: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ قال ابن عباس: أي لا تطيعوهم في معصية الله (٤).\nقال مقاتل: ﴿فِتنَة﴾ أي بلاء وشغل عن الآخرة (٥).\nوقال أبو إسحاق: أعلم الله أن الأموال والأولاد مما يفتنون به. (٦)\n_________\n(١) \"أسباب النزول\" للواحدي ص ٥٠٠، و\"سنن الترمذي\" ٥/ ٣٩١، وقال: (هذا حديث حسن صحيح)، و\"المستدرك\" ٢/ ٤٩٠، وقال: (هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه)، و\"جامع البيان\" ٢٨/ ٨٠.\n(٢) \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٢٩٥، و\"جامع البيان\" ٢٨/ ٨١.\n(٣) في (ك): (وأزواجهم، ولا يكونون، في هؤلاء)، والتصويب من \"التفسير الكبير\"، وبه تستقيم العبارة.\n(٤) \"التفسير الكبير\" ٣٠/ ٢٧.\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ١٥٨ أ، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٥٤.\n(٦) \"معاني القرآن\" للزجاج، ٥/ ٢٨٢.","vol":"21","page":487},{"text":"وهذا عام في جميع الأولاد، فإن الإنسان مفتون بولده؛ لأنه ربما عصى الله بسببه وتناول الحرام لأجله، ووقع في العظائم إلا من عصمه الله، ويشهد لهذا ما روي أن النبي -ﷺ- كان يخطب فجاء الحسن والحسين وعليهما قميصان أحمران يعثران فنزل النبي -ﷺ - إليهما، فأخذهما فوضعهما في حجره على المنبر وقال: \"صدق الله ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ رأيت هذين الصبيين فلم أصبر عنهما\". ثم أخذ في خطبته. (١)\nوروى المسعودي عن القاسم قال: لا يقولن أحدكم: اللهم إني أعوذ بك من الفتنة، فإنه ليس منكم أحد إلا وهو مشتمل على فتنة، فأيكم استعاذ فليستعذ بالله من مضلات الفتن (٢).\nقوله: ﴿وَاللهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ قال ابن عباس: ثواب جزيل وهو الجنة (٣). والمعنى لا تعصوه بسبب أولادكم ولا تؤثرونهم على ما عند الله من الأجر العظيم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4592>١٦ </span>- قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ قال مقاتل: ما أطقتم (٤).\nوقال ابن حيان: هو أن يجتهد المؤمن في تقوى الله ما استطاع (٥).\n_________\n(١) أخرجه الإمام أحمد في \"المسند\" ٥/ ٣٥٤، وقال ابن حجر: أخرجه أصحاب السنن، وابن حبان، والحاكم، وأحمد، وإسحاق، وابن أبي شيبة، وأبو يعلي، والبزار، من رواية حسين بن واقد، عن ابن بريدة، عن أبيه. قال البزار: لا نعلم له طريقًا إلا هذا. \"تخريجات الكشاف\" ص ١٧٣، والحسين بن واقد ثقة، له أوهام. \"التقريب\" ١/ ١٨٠.\n(٢) ذكره الثعلبي، والبغوي من كلام عبد الله بن مسعود. \"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٣٧ أ، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٥٤.\n(٣) \"زاد المسير\" ٨/ ٢٨٥.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ١٥٨ أ.\n(٥) \"التفسير الكبير\" ٣٠/ ٢٧، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٣٧٧، ولم ينسباه لقائل.","vol":"21","page":488},{"text":"قال قتادة: نسخت هذه الآية ﴿اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ (١) وقد تقدم الكلام في تلك الآية.\nقوله: ﴿وَاسْمَعُوا﴾ أي لله ولرسوله ولكتابه ﴿وَأَطِيعُوا﴾ الله فيما يأمركم ﴿وَأَنْفِقُوا﴾ من أموالكم في حق الله ﴿خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ﴾ منصوب بما دل عليه ﴿وَأَنْفِقُوا﴾ كانه قيل: وقدموا خيرًا لأنفسكم وهو كقوله: ﴿فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾ (٢) وقد مر ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ﴾ حتى يعطي حق الله.\nقوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ وقد مر هذا في سورة الحشر (٣) وباقي السورة مفسر فيما سبق.\nوالله تعالى أعلم.\n_________\n(١) قوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. وانظر: \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٢٩٥، و\"جامع البيان\"٢٨/ ٨٢، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٣٧٧، ذكره عن سعيد بن جبير، ومما قال: (وروي عن أبي العالية، وزيد بن أسلم، وقتادة، والربيع بن أنس، والسدي، ومقاتل بن حيان نحو ذلك). وقال مكي بن أبي طالب: (وأكثر العلماء على أنه محكم لا نسخ فيه، لأن الأمر بتقوى الله لا ينسخ، والآيتان ترجعان إلى معنى واحد. وهذا القول حسن؛ لأن معنى ﴿اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ اتقوه بغاية الطاقة، فهو قوله: ﴿فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ إذ لا جائز أن يكلف الله أحدًا ما لا يطيق ..) \"الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه\"، ص ٢٠٣ - ٢٠٤.\n(٢) من آية (١٧٠) من سورة النساء وانظر: \"الكتاب\" ١/ ١٤٣، و\"إعراب القرآن\" للنحاس ٣/ ٤٤٨، و\"مشكل إعراب القرآن\" ٢/ ٧٣٨.\n(٣) آية رقم (٩) من سورة الحشر.","vol":"21","page":489},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4593>سورة الطلاق</span>","vol":"21","page":491},{"text":"تفسير سورة الطلاق\nبسم الله الرحمن الرحيم\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4594>١ </span>- ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ الآية. روى قتادة عن أنس أن رسول الله -ﷺ- طلق حفصة فأتت أهلها، فأنزل الله هذه الآية. وقيل له راجعها فإنها صوامة قوامة (١).\nوعلى هذا إنما نزلت بسبب خروجها إلى أهلها لما طلقها النبي -ﷺ- فأنزل الله في هذه الآية: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾، ونحو هذا ذكر الكلبي في سبب نزول هذه الآية، قال: غضب رسول الله -ﷺ- على حفصة لما أسر إليها حديثًا فأظهرته (٢) لعائشة، فطلقها تطليقة، فنزلت هذه الآية (٣).\nقال السدي: نزلت في عبد الله بن عمر لما طلق امرأته حائضًا (٤).\nوالقصة في ذلك مشهورة (٥)، وذكر المقاتلان أن رجالًا فعلوا مثل ما\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي حاتم، وابن جرير، انظر: \"جامع البيان\" ٢٨/ ٨٥، و\"أسباب النزول\" للواحدي ص ٥٠١، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٣٧٧، وفي \"مجمع الزوائد\" ٩/ ٢٤٥، قال: أخرجه الطبراني ورجاله رجال الصحيح.\n(٢) في (س): (فأظهرت).\n(٣) انظر: \"التفسير الكبير\" ٣٠/ ٢٩.\n(٤) انظر: \"الكشف والبيان\" ١٢/ ١٣٨ ب، و\"أسباب النزول\" للواحدي ص ٥٠١.\n(٥) قصة تطليق ابن عمر ﵄ لامرأته وهي حائض مشهورة، رواها البخاري في \"صحيحه\"، كتاب: الطلاق ٧/ ٥٢، ومسلم في كتاب: الطلاق، باب: تحريم طلاق الحائض بغير رضاها ٢/ ١٠٩٣، وأبو داود في \"سننه\"، كتاب: الطلاق، باب: في طلاق السنة ٢/ ٤١١، وغيرهم.","vol":"21","page":493},{"text":"فعل ابن عمر، منهم عبد الله بن عمرو، وعمرو بن سعيد بن العاص (١)، وعتبة بن غزوان (٢) فنزلت الآية فيهم (٣).\nوفي قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ﴾ وجهان:\nأحدهما: أنه نادى النبي -ﷺ- ثم خاطب أمته؛ لأنه السيد المقدم، فإذا نودي وخوطب خطاب الجمع كانت أمته داخلة في ذلك الخطاب.\nقال أبو إسحاق: هذا خطاب النبي -ﷺ-، والمؤمنون داخلون معه في الخطاب (٤).\nالوجه الثاني: أن المعنى يا أيها النبي قل لهم: إذا طلقتم النساء. فأضمر القول (٥)، وإضمار القول كثير في القرآن.\n_________\n(١) عمرو بن سعيد بن العاص، المعروف بالأشدق، تابعي، ولى إمرة المدينة لمعاوية، ولابنه، قتله عبد الملك سنة سبعين صبرًا.\nانظر: \"العبر\" ١/ ٥٧، و\"تقريب التهذيب\" ٢/ ٧٠، و\"طبقات ابن سعد\" ٥/ ٢٣٧، و\"تاريخ الإسلام\" ٤/ ٢٠٢، و\"سير أعلام النبلاء\" ٣/ ٤٤٩.\n(٢) عتبة بن غزوان المازني، أحد السابقين الأولين، يقال أسلم سابع سبعة، وهو الذي اختط البصرة، توفي سنة سبع عشرة في طريقه إلى البصرة، وهو ابن سبع وخمسين ﵁.\nانظر: \"صفة الصفوة\" ١/ ٣٨٧، و\"سير أعلام النبلاء\" ١/ ٣٠٤، و\"طبقات ابن سعد\" ٣/ ٩٨، و\"الإصابة\" ٦/ ٣٧٩، و\"تاريخ الإسلام\" ٢/ ١٥٢.\n(٣) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٥٨ أ، و\"التفسير الكبير\" ٣٠/ ٢٩، و\"روح المعاني\" ٢٨/ ١٣٢.\nقال ابن العربي: والأصح فيه أنه بيان لشرع مبتدأ. انظر: \"أحكام القرآن\" ٤/ ١٨١١، و\"البحر المحيط\" ٨/ ٢٨١. وقال القرطبي: إن الأصح أنها نزلت ابتداء لبيان حكم شرعي، وكل ما ذكر من أسباب النزول لها لم يصح، و\"الجامع\" ١٨/ ١٤٨.\n(٤) انظر: \"معاني القرآن\" ٥/ ١٨٣.\n(٥) انظر: \"التفسير الكبير\" ٣٠/ ٢٩، و\"فتح الباري\" ٩/ ٣٤٦.","vol":"21","page":494},{"text":"وقوله: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ﴾ معناه: إذا أردتم التطليق، كقوله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ [المائدة: ٦] و﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ﴾ [الإسراء: ٤٥]، وقد مر.\nقوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ قال عبد الله: إذا أراد الرجل أن يطلق امرأته فليطلقها طاهرًا من غير جماع (١). وهذا قول مجاهد، وعكرمة، والضحاك، والحسن، وابن سيرين، ومقاتل، والجميع (٢). قالوا: أمر الله تعالى الزوج أن يطلق امرأته إذا شاء الطلاق في طهر لم يجامعها فيه (٣)، وهو قوله: ﴿لِعِدَّتِهِنَّ﴾ أي: لزمان عدتهن وهو الطهر بإجماع من الأمة (٤)، وذلك أن الطلاق سنين وبدعي، فالسني أن يقع في طهر لم يجامع فيه فذلك هو الطلاق للعدة؛ لأنها تعتد بذلك الطهر من عدتها ويحصل في العدة عقيب الطلاق، فلا يطول عليها زمان العدة. فالآية دلت على إيقاع الطلاق (٥) في الطهر، ودلت السنة على أن ذلك الطهر يجب أن يكون غير مجامع فيه حتى يكون الطلاق سنيًّا. وهو ما روي في\n_________\n(١) أخرجه ابن جرير في \"جامعه\" ٢٨/ ٨٣، والنسائي في \"سننه\" كتاب: الطلاق، باب: طلاق السنة ٢/ ٧١٥، وابن ماجه في الطلاق، باب طلاق السنة ١/ ٦٥١.\n(٢) (س): قوله (والضحاك) و(ابن سيرين، ومقاتل، والجميع) زيادة.\n(٣) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٥٨ أ، و\"جامع البيان\" ٢٨/ ٨٤، و\"تفسير ابن كثير\" ٤/ ٣٧٨.\n(٤) انظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص ٣/ ٤٥٢، و\"المغني\" ١٠/ ٣٢٥، حيث قال: ولا خلاف في أنه إذا طلقها في طهر لم يصبها فيه، ثم تركها حتى تنقي عدتها أنه مصيب للسنة.\n(٥) قوله: (فالآية دلت على إيقاع الطلاق) في (س) بدلًا منها (دلت على ذلك الآيتين) والصواب ما أثبته.","vol":"21","page":495},{"text":"حديث ابن عمر أن النبي -ﷺ - قال لعمر: \"مره فليراجعها، ثم ليطلقها طاهرًا من غير جماع\" (١).\nوذكرنا أيضًا عن جماعة المفسرين أنهم قالوا: الطلاق للعدة أن يطلقها طاهرًا من غير جماع.\nوروي عن الشعبي أنه قال: إذا طلقها وهي طاهرة فقد طلقها للسنة، وإن كان قد جامعها (٢)، والقول هو الأول، وهو مذهب الفقهاء (٣).\nوالمعنى فيه أنه إذا جامعها لم يؤمن أن تكون قد حملت من هذا الجماع، فإذا طلقها وبانت حاملًا ربما يندم الزوج على الطلاق لمكان الولد. وهذا كله إنما يتصور في البالغة المدخول بها غير الآيسة ولا الحامل، فأما الصغيرة، وغير (٤) المدخول بها، والآيسة، والحامل، فلا سنة في (٥) طلاقهن ولا بدعة، ولا عدة على غير المدخول بها، والآيسة\n_________\n(١) أخرجه البخاري في \"صحيحه\" كتاب: التفسير، باب: تفسير سورة الطلاق ٦/ ١٩٣، ومسلم في كتاب: الطلاق، باب: تحريم طلاق الحائض ٢/ ١٠٩٥، وأبو داود في باب: طلاق السنة ٢/ ٤١٠، وأحمد في \"المسند\" ٢/ ٤٦، ٥٨.\n(٢) قال الجصاص: وهذا القول خلاف السنة الثابتة عن النبي -ﷺ- وخلاف إجماع الأمة، إلا أنه قد روي عنه ما يدل على أنه أراد الحامل، وهو ما رواه يحيى بن آدم عن الحسن بن صالح عن بيان عن الشعبي قال: إذا طلقها حاملًا فقد طلقها للسنة، وإن كان قد جامعها، فيشبه أن يكون هذا أصل الحديث، وأغفل بعض الرواة ذكر الحامل. \"أحكام القرآن\" ٣/ ٤٥٢.\n(٣) انظر: \"المغني\" ١٠/ ٣٢٦، و\"الحاوي الكبير\" ١٠/ ١١٤.\n(٤) (غير) ساقطة من (ك).\n(٥) قوله: (ولا الحامل، فأما الصغيرة وغير المدخول بها والآيسة والحامل فلا سنة في) ساقطة من (س) وذكر بدلًا منها قوله: (والآيسة كالصغيرة وغير المدخول بها، والآيسة وغيرها في ذلك).","vol":"21","page":496},{"text":"والصغيرة الحامل لا يعتدون بالأقراء (١)، وأما الطلاق البدعي فهو أن يقع (٢) في حال الحيض، وفي طهر قد جومع فيه، فهذا طلاق على غير السنة، وهو واقع وصاحبه آثم (٣).\nوروي عن علي﵁- أنه قال: \"لا يطلق رجل طلاق السنة فيندم\" (٤). هذا الذي ذكرنا في وقت الطلاق، وليس في عدد الطلاق سنة وبدعة على مذهب الشافعي -﵁-، حتى أنه لو (٥) طلقها ثلاثًا في طهر صحيح لم يكن قد ابتدع (٦)، بخلاف ما ذهب إليه أهل العراق، فإنهم قالوا: السنة في عدد الطلاق أن يواقع كل طلقة في طهر صحيح، فلو طلق ثلاثًا في طهر واحد\n_________\n(١) انظر: \"المغني\" ١١/ ١٩٤، و\"المحلى\" ١٠/ ٢٥٦، و\"مجموع الفتاوى\" ٣٣/ ٧، و\"المجموع شرح المهذب\" ١٧/ ١٥٤، ١٥٦.\n(٢) في (ك): (فهو أربع).\n(٣) وهو قول عامة أهل العلم. قال ابن المنذر، وابن عبد البر: لم يخالف في ذلك إلا أهل البدع والضلال. \"المغني\" ١٠/ ٣٢٧.\nقلت: وما ذكراه وهم منهما رحمهما الله، فقد خالف في ذلك طاوس، وعكرمة، وخلاس وعمر، ومحمد بن إسحاق، وحجاج بن أرطأة، وأهل الظاهر، كداود، وأصحابه، وطائفة من أصحاب أبي حنيفة، ومالك، وأحمد. وهو المرجح عند ابن تيمية.\nانظر: \"مجموع الفتاوى\" ٣٣/ ٧٢، ١٠١، و\"المحلى\" ١٠/ ١٦١.\n(٤) أخرجه البيهقي في \"السنن الكبرى\" كتاب الخلع والطلاق، باب ما جاء في طلاق السنة وطلاق البدعة ٧/ ٣٢٣، وابن أبي شيبة في \"المصنف\"، كتاب: الطلاق، باب: ما قالوا في طلاق السنة ومتى يطلق ٥/ ٢.\n(٥) في (س): قوله (لو) زيادة.\n(٦) في (س): (ابدع)، وانظر: \"الأم\" ٥/ ١٦٢، و\"الحاوي الكبير\" ١٠/ ١١٧، و\"المغني\" ١٠/ ٣٣٠.","vol":"21","page":497},{"text":"كان مبتدعًا (١)، والآية تدل على مذهب الشافعي، وهو قوله: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ﴾ وهذا اللفظ للأمر (٢) بالواحدة فما زاد.\nقال صاحب النظم: قوله: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ صفة للطلاق كيف يكون، وهذه اللام تجيء لمعانٍ مختلفة:\nللإضافة وهي أصلها، ولبيان السبب والعلة كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللهِ﴾ [الإنسان: ٩]، وكقوله: قمت لأضرب زيدًا. ثبتت اللام بسبب الإطعام والضرب. وإذا كانت اللام بهذا المعنى سميت لام أجل.\nوتكون بمنزلة عند مثل قوله: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨] أي: عنده، وتكون بمنزلة في مثل قوله: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ﴾ [الحشر: ٢] أي: في أول الحشر. وهي في هذه الآية بهذا المعنى؛ لأن المعنى ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ (٣) أي: في الزمان الذي يصلح لعدتهن (٤)، ومنه قول الشاعر (٥):\nوهم كتموني سرهم حين أزمعوا ... وقالوا أتعدنا للرواح وبكروا\nوالمعنى: أتعدنا للسير في الرواح، قال: وفي قوله: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ وفي إجماع الناس في (٦) الطلاق في الحيض مكروه ممنوع منه،\n_________\n(١) انظر: \"شرح فتح القدير\" ٣/ ٤٦٦ - ٤٦٧، و\"الحاوي الكبير\" ١٠/ ١١٨، و\"المغني\" ١١/ ٣٣٦.\n(٢) في (س): (للأمر) زيادة.\n(٣) في (س): (في عدتهن).\n(٤) انظر: \"التفسير الكبير\" ٣٠/ ٣٠.\n(٥) لم أجده.\n(٦) قال ابن قدامة: (أجمع العلماء في جميع الأمصار وكل الأعصار على تحريمه، ويسمى طلاق الدعة ...) \"المغني\" ١٠/ ٣٢٤.","vol":"21","page":498},{"text":"وفي الطهر مأذون فيه، وفي تسميته ﷿ الوقت الذي أذن فيه في الطلاق عدة وهي الطهر دليل على أن القرء هو الطهر إذ سمى العدة أقراء في سورة البقرة (١)، ثم جعلها طهرًا في هذه السورة (٢)، فإن قيل: على هذا قوله: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ معناه لقُبُل عدتهن وهي (٣) قراءة النبي -ﷺ- وابن عباس (٤).\n_________\n(١) في قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [سورة البقرة: ٢٢٨].\n(٢) وهو قول أهل الحجاز، وعائشة، وابن عمر، زيد بن ثابت، والزهري، والشافعي، وقال أهل الكوفة وعمر، وعلي، وابن مسعود وغيرهم، الأقراء: الحيض. انظر: \"المغني\" ١١/ ١٩٩ - ٢٠٠، و\"أحكام القرآن\" للجصاص ١/ ٣٦٤، و\"أحكام القرآن\" لابن العربي ١/ ١٨٤، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٣/ ١١٣.\n(٣) في (س): (وهو).\n(٤) ذكر هذه القراءة ابن جرير، وعبد الرزاق، ونسبت لابن عباس، ونسبها الزمخشري للنبيﷺ- ونسبها أبو حيان لجماعة من الصحابة والتابعين.\nانظر: \"تقسير عبد الرزاق\" ٢/ ٣٣٦، و\"جامع البيان\" ٢٨/ ٨٤، و\"الكشاف\" ٤/ ١٠٧، و\"البحر المحيط\" ٨/ ٢٨١، وقال أبو حيان: هو على سبيل التفسير لا على أنه قرآن، لخلافه لسواد المصحف الذي أجمع عليه المسلمون شرقًا وغربًا. وقال النووي: هذه قراءة ابن عباس، وابن عمر. وهي شاذة لا تثبت قرآنًا بالإجماع ولا يكون لها حكم خبر الواحد عندنا، وعند محققي الأصوليين، والله أعلم. \"شرح النووي على صحيح مسلم\" ١٠/ ٦٩.\nقلت: ونسبة هذه القراءة للنبيﷺ- كما ذكر المؤلف والزمخشري تجاوز وعدم تحقيق، إذ القراءات جميعها لا تثبت إلا عن طريقه -ﷺ- فنسبتها إليه يخرج غيرها وهذا مخالف للعقل والنقل، فنسبتها إلى غيره من الصحابة والتابعين هو الصواب، ثم ينظر في ثبوتها من عدمه، والله أعلم.\nوقال ابن حزم: وهذا مما قرئ ثم رفعت لفظة (في قُبُلِ) وأنزل الله تعالى: ﴿لِعِدَّتِهِنَّ﴾ وهكذا رويناه من طريق الدبري ... وهذا إسناد في غاية الصحة لا يحتمل التوجيهات. \"المحلى\" ١٠/ ١٦٦.","vol":"21","page":499},{"text":"وقبل عدتهن آخر الطهر، إقبال الحيض الذي هو زمان العدة، قيل: هذا لا يصح؛ لأنه لو كان الأمر على هذا لزم أن يقال: إن من طلق في أول الطهر لا يكون مطلقًا للعدة ولا لقبل العدة؛ لأن الحيض لم يقبل بعد لإقبال الطهر في هذا الوقت، ويستحيل أن يكون الطهر والحيض مقبلين معًا في وقت واحد؛ لأن الشيء إذا كان له إقبال وإدبار وإذا انقضى إقباله ودخل إدباره لا يكون ضده مقبلًا في إدباره إلا بعد إنقضاء آخر إدباره، ولو جاز أن يكون إقبال شيء في إدبار غيره الذي هو ضده لكان الصائم مفطرًا قبل مغيب الشمس، إذ الليل عنده مقبل في إدبار النهار وقبل انقضاء إدبار النهار. وهذا ما لا يقوله أحد، وقولهﷺ-: \"إذا أقبل الليل من هاهنا وأدبر النهار من هاهنا .. \" (١) يريد إدبار النهار بتمامه، وإقبال الليل بعد تمام إدبار النهار، وليس قوله ﷿ فطلقوهن لقبل عدتهن تحديًا، لئلا يكون الطلاق إلا فيه دون ما بعده من الوقت؛ لأن أول الطهر وآخره كله وقت الطلاق إذ لم يذكر في الكتاب منع الطلاق في شيء منه. وقد قال النبي -ﷺ-: \"صوموا لرؤيته .. \" (٢)، يعني الهلال، والصوم لا يكون بعده إلا بساعات مديدة.\n_________\n(١) حديث متفق عليه، رواه البخاري في كتاب: الصوم، باب: يفطر بما تيسر من الماء أو غيره ٣/ ٤٧ ومسلم في كتاب: الصيام، باب: وقت انقضاء الصوم وخروج النهار ٢/ ٧٧٢.\n(٢) متفق عليه، رواه البخاري في كتاب: الصوم، باب: قول النبي -ﷺ-: \"إذا رأيتم الهلال فصوموا\" ٣/ ٣٤، ومسلم في كتاب: الصوم، باب: وجوب صوم رمضان لرؤية الهلال ٢/ ٧٥٩، وأخرجه الترمذي في أبواب الصوم، باب ما جاء: لا تقدموا الشهر بصوم ٣/ ٦٨، والنسائي في كتاب: الصيام، باب: ذكر الاختلاف على الزهري في هذا الحديث ٢/ ٤٥٩.","vol":"21","page":500},{"text":"فإن قيل: إذا طلق في آخره (١) واعتد بذلك الطهر قرءًا واحدًا وربما كان يومًا أو ساعة فقد جعلتم العدة دون ثلاثة أقراء إذ لم يكن الطهر فيه قرءًا تامًا. قيل: يجوز أن يسمي بعض الطهر قرءًا تامًا لقوله ﷿: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧] يعني شوالًا وذا القعدة وبعض ذي الحجة، وكذلك قوله: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ في يَوْمَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٠٣] وهو ينفر في بعض اليوم (٢) الثاني، فسمى الله ﷿ يومًا واحدًا وبعض آخر يومين (٣).\nقوله تعالى ﴿وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ﴾، قال أصحابنا إنما أمرنا بإحصاء العدة لفوائد منها: أن يوزع الطلاق على الأقراء إذا أراد أن يطلق ثلاثًا وهو أحسن من جمعها في قرء واحد؛ لأنه ربما يندم، وإذا فرق أمكنه المراجعة قبل إيقاع الثلاث، ومنها أيضًا مراعاة النفقة والسكنى والعلم ببقاء زمان المراجعة وانقضائه وغير ذلك.\nقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللهَ رَبَّكُمْ﴾. قال مقاتل: اخشوا الله فلا تعصوه فيما أمركم (٤).\nقوله تعالى: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾ لا يجوز للزوج أن يخرج المطلقة المعتدة من مسكنه الذي يساكنها فيه قبل الطلاق، إن كان ملكًا له أو بكراء في يديه، وإن كان عارية فارتجعت كان على الزوج أن يكتري لها\n_________\n(١) في (س): (آخر النهار) والصواب ما أثبته.\n(٢) في (س): (اليوم) زيادة.\n(٣) انتهى كلام الجرجاني، ولم أجد من ذكره بكامله عنه غير المؤلف وهو كلام نفيس ظاهر الدلالة والمعنى. انظر: \"التفسير الكبير\" ٣٠/ ٣٠.\n(٤) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٥٨ أ، و\"التفسير الكبير\" ٣٠/ ٣٢.","vol":"21","page":501},{"text":"منزلًا، وعلى المرأة حق لله ألا تخرج (١) في عدتها إلا لضرورة ظاهرة، فإن خرجت أثمت سواء خرجت ليلًا أو نهارًا، ولا تنقطع العدة (٢).\nقوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء: هو أن تزني فتخرج لإقامة الحد عليها (٣)، وهو قول الضحاك، وسعيد بن المسيب، وعكرمة، والشعبي، ومجاهد (٤) والأكثرين، فالفاحشة على هذا القول الزنا.\nوقال ابن عمر: الفاحشة خروجها قبل انقضاء العدة (٥)، وهو قول السدي، والكلبي، وروي ذلك عن الشعبي (٦).\nوقال مقاتل: الفاحشة المبينة هي العصيان البين، وهو النشوز (٧). وهو قول الضحاك، وقتادة، ورواية عكرمة عن ابن عباس قال إلا أن تبذو\n_________\n(١) قوله: (المرأة حق الله ألا تخرج) في (س): (المرأة أيضًا لحق الله أن لا تخرج).\n(٢) انظر: \"المجموع\" ١٨/ ١٧٥.\n(٣) أخرج عبد الرزاق، وابن المنذر، عن عطاء الخراساني قال: كان ذلك قبل أن تنزل الحدود، وكانت المرأة إذا أتت بفاحشة أخرجت ولم يذكرا ابن عباس في هذا الأثر. انظر: \"الدر\" ٦/ ٢٣١.\n(٤) في (س): (وعكرمة والشعبي ومجاهد) زيادة.\nوانظر: \"الكشف والبيان\" ١٢/ ١٣٩ ب، و\"زاد المسير\" ٨/ ٢٨٩، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٣٧٨.\n(٥) انظر: \"جامع البيان\" ٢٨/ ٨٧، و\"الكشف والبيان\" ١٢/ ١٣٩ ب، و\"المستدرك \" ٢/ ٤٩١.\n(٦) في (س): (وروى ذلك عن الشعبي) زيادة. وانظر: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٥٧، و\"زاد المسير\" ٨/ ٢٨٩، وهو مروي عن ابن عباس أيضًا. والمراد بأهلها، أي: أهل زوجها؛ لأنها أصبحت منهم. وانظر: \"تنوير المقباس\" ٦/ ٨٨.\n(٧) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٥٨ أ، و\"التفسير الكبير\" ٣٠/ ٣٢.","vol":"21","page":502},{"text":"على أهلها (١). ونحو ذلك روي عن جابر بن زيد قال: هي النشوز وسوء الخلق إذا نشزت وساء خلقها أخرجها (٢).\nوقال مقسم: أي إذا عصتك أو آذتك، فهي إذا زنت أو نشزت أو خرجت في عدتها كان للزوج إخراجها من البيت وانقطعت سكناها (٣).\nقوله: ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللهِ﴾ يعني ما ذكر من طلاق السنة وما بعده من الأحكام (٤).\nقال مقاتل والضحاك: وتلك طاعة الله وسنته وأمره (٥).\n_________\n(١) انظر: \"جامع البيان\" ٢٨/ ٨٦، و\"الكشف والبيان\" ١٢/ ١٤٠ أ، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٥٧.\nقال ابن قدامة: وهي أن تطيل لسانها على أحمائها وتؤذيهم بالسب ونحوه. روى ذلك عن ابن عباس، وهو قول الأكثرين.\nقلت: نسب الثعلبي والواحدي القول بأن الفاحشة المبينة هي الزنا للأكثرين، ونسب ابن قدامة القول بأنها إيذاء القرابة بـ\"اللسان\" للأكثرين أيضًا، ونسب القول الأول لابن مسعود، والحسن، قم قال: ولنا أن الآية تقتضي الإخراج عن السكنى، وهذا لا يتحقق فيما قالاه. انظر: \"المغني\" ١١/ ٢٩٣.\nقلت: ولعل مراده بالأكثرين من الفقهاء، ومراد غيره الأكثرين من المفسرين، والله أعلم.\nوذكر ابن كثير: شمول الآية للمعنيين، وهو الظاهر، إلا أن خروجها للزنا الذي صدر عنها إنما هو إخراج لإقامة الحد، ولا تنقضي به العدة فحسب، بل تنقضي به الحياة. انظر: \"تفسير ابن كثير\" ٤/ ٣٧٨.\n(٢) لم أجده، وهو داخل في الأقوال السابقة.\n(٣) لم أجده، ولعله لا يخرج عن الأقوال السابقة.\n(٤) وهو اختيار ابن جرير والجصاص وغيرهما. انظر: \"جامع البيان\" ٢٨/ ٨٧، و\"أحكام القرآن\" للجصاص ٣/ ٤٥٤.\n(٥) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٥٨ أ، و\"جامع البيان\" ٢٨/ ٨٧.","vol":"21","page":503},{"text":"﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ﴾ قال أبو إسحاق: هذا تشديد فيمن تعدى طلاق السنة (١)، وقال مقاتل: ومن يطلق لغير العدة (٢).\n﴿فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾. قال ابن عباس: أثم (٣).\nوقوله: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ قال ابن عباس: يريد الندم على طلاقها والمحبة لرجعتها (٤).\nوقال مقاتل: ﴿بَعْدَ ذَلِكَ﴾ بعد التطليقة والتطليقتين (٥)، ﴿أَمْرًا﴾ يعني: المراجعة. وقال الشعبي: لا تدري لعلك تندم فيكون لك سبيل إلى المراجعة (٦).\nوقال الضحاك: لعله أن يراجعها في العدة (٧)، وهذا دليل على أن المستحب في التطليق أن يوقع متفرقًا ولا يجمع بين الثلاث لقوله: ﴿لَعَلَّ اللهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ وهو الندم على الطلاق، وإرادة المراجعة، وذلك إنما ينفع إذا لم يجمع الطلقات.\nقال أبو إسحاق: وإذا طلقها ثلاثًا (٨) في وقت واحد فلا معنى في\n_________\n(١) انظر: \"معاني القرآن\" ٥/ ١٨٤.\n(٢) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٥٨ أ، و\"التفسير الكبير\" ٣٠/ ٣٣.\n(٣) والذي ذكر عنه قوله (ضر نفسه). انظر: \"تنوير المقباس\" ٦/ ٨٩، و\"التفسير الكبير\" ٣٠/ ٣٣.\n(٤) انظر: \"تنوير المقباس\" ٦/ ٨٩، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٥٧.\n(٥) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٥٨ أ، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٥٧.\n(٦) انظر: \"الدر\" ٦/ ٢٣٢، وزاد نسبة إخراجه لعبد بن حميد عن الضحاك والشعبي.\n(٧) انظر: \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٤٩٨، و\"جامع البيان\" ٢٨/ ٨٧، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٣٧٨، وهو المروي عن عطاء، وقتادة، ومقاتل بن حيان، والثوري.\n(٨) في (س): (ثلاثًا) زيادة.","vol":"21","page":504},{"text":"قوله: ﴿لَعَلَّ اللهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4595>٢ </span>- وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾، قال: أي قارين انقضاء العدة، وليس يريد إنقضاء أجلهن، فالمراد ببلوغ الأجل هاهنا مقاربة البلوغ، وهذا كقوله: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣١] يريد مقاربة البلوغ هناك وهاهنا لقوله: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ وهذا مفسر في الآية التي ذكرناها في سورة البقرة (٢).\nقوله: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ قال المفسرون: أمروا أن يشهدوا عند الطلاق وعند الرجعة ذوي عدل (٣).\nوللشافعي -﵀- في الإشهاد على الرجعة قولان:\nأحدهما: أنها لا تصح إلا بالإشهاد للآية.\nوالآخر: أنها تصح من غير إشهاد كما تصح من غير ولي ومن غير رضاها (٤)، وهو مذهب مالك وأبي حنيفة (٥)، ولأنها في حكم الزوجات\n_________\n(١) انظر: \"معاني القرآن\" ٥/ ١٨٣.\n(٢) وذلك عند تفسيره الآية (٢٣١) من سورة البقرة.\nوالإمساك بالمعروف هو ما تعارف عليه الناس بينهم مما تقبله النفوس، ولا تنكره العقول، وهو القيام بما يجب لها من حق على زوجها من نفقة وغير ذلك. وقيل: هو أن يحسن في أمرها إذا طلقها، ولم يبق من العدة إلا اليسير فإما أن يشهد على الرجعة، وينوي حسن العشرة، وإما أن يتركها من غير شقاق ولا مخاصمة.\nوانظر: \"جامع البيان\" ٢/ ٢٩٣، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٣/ ١٥٦.\n(٣) وبه قال ابن عباس، وعمران بن حصين، وابن جريج، والسدي.\nانظر: \"تنوير المقباس\" ٦/ ٩٠، و\"جامع البيان\" ٢٨/ ٨٨، و\"ابن كثير\" ٤/ ٣٧٩.\n(٤) انظر: \"الأم\" ٥/ ٢٢٦ - ٢٢٧، و\"المجموع\" ١٧/ ٢٦٩.\n(٥) انظر: \"بدائع الصنائع\" ٤/ ١٩٧٥.","vol":"21","page":505},{"text":"بدليل ثبوت التوارث ولحوق الطلاق والظهار (١)، والإيلاء والانتقال إلى عدة الوفاة إذا مات الزوج، والإشهاد إنما أمر به للاحتياط مخافة أن تنكر المرأة الرجعة فتنقضي العدة فتنكح زوجًا آخر (٢).\nثم خاطب الشهداء فقال: ﴿وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾ وهو مفسر في سورة البقرة (٣) إلى قوله (٤): ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجً﴾، قال الشعبي: من يطلق للعدة يجعل الله له سبيلًا إلى الرجعة (٥).\nوقال الربيع بن خيثم: يجعل له مخرجًا من كل أمر ضاق على الناس (٦)، وهو معنى قول ابن عباس: ومن يخف الله يجعل له مخرجًا من كل ضيق (٧).\nوقال الكلبي: ومن يصبر على المصيبة، يجعل الله له مخرجًا من النار\n_________\n(١) في (س): (والظهار) زيادة.\n(٢) انظر: \"المغني\" ١٠/ ٥٥٩.\n(٣) عند تفسيره الآية (٢٨٢) من سورة البقرة. ومما قال: وقد ذكر الله الكتاب لأن الكتاب يذكر الشهود فتكون الشهادة أقوم من أن لو شهدوا على ظن ومخيلة. ومعنى أقوم أبلغ في الاستقامة التي هي ضد الاعوجاج، وذلك أن المنتصب القائم يكون ضد المنحني المعوج.\n(٤) في (ك): (إلى قوله قوله).\n(٥) انظر: \"الكشف والبيان\" ١٢/ ١٤١ أ، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٥٧، و\"التفسير الكبير\" ٣٠/ ٣٤، وزادوا نسبته لعكرمة والضحاك.\n(٦) انظر: \"جامع البيان\" ٢٨/ ٨٩، و\"الكشف والبيان\" ١٢/ ١٤١ ب، و\"الدر\" ٦/ ٢٣٢.\n(٧) انظر: \"جامع البيان\" ٢٨/ ٨٩، و\"الدر\" ٦/ ٢٣٢، ولفظه (ينجيه من كل كرب في الدنيا والآخرة).","vol":"21","page":506},{"text":"إلى الجنة (١).\nوقال أكثر المفسرين: نزل هذا وما بعده في عوف بن مالك الأشجعي، أسر العدو ابنًا له فأتى النبي -ﷺ - فذكر له ذلك وشكا إليه الفاقة، فقال له: اتق الله واصبر وأكثر من قول لا حول ولا قوة إلا بالله (٢): ففعل ذلك. فبينا هو في بيته إذا أتاه ابنه وقد غفل عنه العدو فأصاب إبلًا وجاء بها إلى أبيه، فذلك قوله تعالى: ﴿وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ وهو قول المقاتلين، وسالم ابن أبي الجعد والكلبي (٣).\nقال أبو إسحاق: وجائز أن يكون المعنى أنه اتقى وآثر الحلال والصبر على أهله ففتح الله عليه إن كان ذا ضيقة، ورزقه من حيث لا يحتسب، قال: وجائز أن يكون إذا اتقى الله في طلاقه وجرى في ذلك على السنة يرزقه الله أهلًا بدل أهله (٤).\n_________\n(١) انظر: \"تنوير المقباس\" ٦/ ٩٠، و\"التفسير الكبير\" ٣٠/ ٣٤.\n(٢) في الحديث الصحيح عن النبي -ﷺ- قال: \"أكثروا من قول لا حول ولا قوة إلا بالله، فإنها من كنوز الجنة\". وانظر: \"صحيح الجامع\" ١/ ٣٨٨ (١٢٢٥)، و\"سلسلة الأحاديث الصحيحة\" ٤/ ٣٣ (١٥٢٨).\n(٣) في (س): (والكلبي) زيادة.\nوانظر: \"تفسير مقاتل\" ١٥٨ ب، و\"تنوير المقباس\" ٦/ ٩١، و\"جامع البيان\" ٢٨٧/ ٨٩، و\"أسباب النزول\" للواحدي ٥٠٢.\n(٤) انظر: \"معاني القرآن\" ٥/ ١٨٤.\nوقال النحاس: أهل التفسير على أن المعنى أنه إن اتقى الله جل وعز وطلق واحدة فله مخرج إن أراد أن يتزوج تزوج دن لم يتق الله جل وعز وطلق ثلاثًا فلا مخرج له. وهذا قول صحيح عن علي بن أبي طالب ﵁، وابن عباس بالأسانيد التي لا تدفع. \"إعراب القرآن\" ٣/ ٤٥٢.\nقلت: حمل الآية على العموم أولى، وما ورد عن السلف ﵏ هو من باب =","vol":"21","page":507},{"text":"قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ أي: ومن وثق به فيما نابه كفاه الله ما أهمه، ولذلك قال رسول الله -ﷺ -: \"من أحب أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله\" (١).\nقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ بَالِغُ أَمْرِهِ﴾ قال ابن عباس: يريد في جميع خلقه (٢)، والمعنى: سيبلغ الله أمره فيما يريد منكم، ومن أضاف حذف التنوين استخفافًا (٣) وهو مراد كما ذكرنا، في قوله: ﴿إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ﴾ (٤) [القمر: ٢٧]، و﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥].\nقال مسروق: إن الله واقع قدره على من يتوكل أو لم يتوكل، إلا أن (٥) من يتوكل عليه يجعل له من أمره مخرجًا ويرزقه من حيث لا يحتسب (٦).\n﴿قد جَعَلَ الله لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ قال الكلبي ومقاتل: لكل شيء من الشدة والرخاء أجلًا ينتهي إليه قدر الله، ذلك كله لا يقدم ولا يؤخر (٧).\n_________\n= التمثيل لا الحصر، وليس بين تلك الأقوال تعارض، والله أعلم.\n(١) لم أقف عليه.\n(٢) انظر: \"التفسير الكبير\" ٣٠/ ٣٤.\n(٣) قرأ حفص ﴿إِنَّ اللهَ بَالِغُ أَمْرِهِ﴾ مضافًا. وقرأ الباقون ﴿بَالِغُ أَمْرِهِ﴾ بالتنوين.\nانظر: \"الحجة للقراء السبعة\" ٦/ ٣٠٠، و\"حجة القراءات\" ص ٧١٢، و\"النشر\" ٢/ ٣٨٨، و\"الإتحاف\" ص ٤١٨.\n(٤) تقدم بيان القراءة فيها.\n(٥) (س): (أن) زيادة.\n(٦) انظر: \"جامع البيان\" ٢٨/ ٩٠، و\"الكشف والبيان\" ١٢/ ١٤٢/ ب، و\"معالم التنزيل\" ٣/ ٣٥٨.\n(٧) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٥٨ أ، و\"التفسير الكبير\" ٣٠/ ٣٤.","vol":"21","page":508},{"text":"وقال ابن عباس: يريد قدرت ما خلقت بمشيئتي (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4596>٤ </span>- قوله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ ذكر الله تعالى في سورة البقرة عدة ذات الأقراء، والمتوفى عنها زوجها (٢)، وذكر عدة سائر النسوة اللائي لم يذكرن هناك في هذه السورة (٣).\nويروى أن معاذ بن جبل قال: يا رسول الله: قد عرفنا عدة التي تحيض، فما عدة الكبيرة التي يئست فنزل قوله: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ (٤) يعني القواعد من النساء اللاتي قعدن من المحيض.\nقوله تعالى: ﴿إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾ إن شككتم، فلم تدروا ما عدتها. وهذا قول الأكثرين واختيار الفراء (٥).\nوقال أبو إسحاق: معناه إن ارتبتم في حيضتها وقد إنقطع عنها الحيض وكانت ممن يحيض مثلها فعدتهن ثلاثة أشهر (٦).\n_________\n(١) انظر: \"التفسير الكبير\" ٣٠/ ٣٤.\n(٢) وذلك في قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨].\nوقوله: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [٢٣٤].\n(٣) وهن الكبيرات اللاتي انقطع عنهن الحيض، والصغيرات اللاتي يحضن، وأولات الأحمال.\n(٤) انظر: \"تنوير المقباس\" ٦/ ٩١، و\"التفسير الكبير\" ٣٠/ ٣٥.\nوذكره أكثر المفسرين عن أبي بن كعب. انظر: \"جامع البيان\" ٢٨/ ٩٣، و\"الكشف والبيان\" ١٢/ ٢٤٣ أ، و\"أسباب النزول\" للواحدي ص ٥٠٣.\n(٥) في (س): (واختيار الفراء) زيادة. وانظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ١٦٣، و\"جامع البيان\" ٢٨/ ٩١، و\"فتح الباري\" ٩/ ٤٧٠.\nقال ابن كثير: وهذا مروي عن سعيد بن جبير، وهو اختيار ابن جرير، وهو أظهر في المعنى. \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٣٨١.\n(٦) انظر: \"معاني القرآن\" ٥/ ١٨٥.","vol":"21","page":509},{"text":"وللشافعي ﵀ في كيفية اعتبار اليأس قولان:\nأحدهما: أن (١) يعتبر غالب عادة نسائها ومن في مثل حالها، فإذا مضت عليها تلك المدة ولم تحض علمنا أنها يئست (٢).\nفمعنى الارتياب على القول الأول: الجهالة بحكم العدة. أي إن جهلتم عدة الكبيرة وشككتم في عدتها فلم تدروا كم هي ثلاثة أشهر. وعلى القول الثاني معنى الارتياب الشك في حالة المرأة أهي آيسة أم ذات حيض ويستأنى بها إحدى العادتين اللتين ذكرناهما. فلما نزل قوله: ﴿فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ﴾ قام رجل فقال: يا رسول الله: فما عدة الصغيرة التي لم تحض؟ فنزل: ﴿وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ -أي: هن بمنزلة الكبيرة التي قد يئست عدتها ثلاثة أشهر. فقام آخر فقال: فالحامل (٣) يا رسول الله ما عدتهن؟ فنزل: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ (٤). معناه: أجلهن في انقطاع ما بينهن وبين\n_________\n(١) في (س): (أن) زيادة.\n(٢) في (س): (آيسة). وانظر: \"المجموع\" ١٨/ ١٤٤، و\"المغني\" ١١/ ٢١١.\n(٣) في (س): (فالحوامل).\n(٤) ذكر مقاتل نحوه وذكر اسم السائل وهو خلاد بن النعمان بن قيس الأنصاري، ونقله الثعلبي عن مقاتل. انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٥٨/ ب، و\"الكشف والبيان\" ١٢/ ١٤٣ أ - ب، و\"أسباب النزول\" للواحدي ص ٥٠٣.\nقلت: ذكر الثعلبي عند سبب النزول أن الآية نزلت بكاملها، ثم أورد قول مقاتل. وهذه دلالة على ترجيحه لغير ما قاله مقاتل. وهو الصواب إن شاء الله إذ القرآن لا يليق به غير هذا، وتقطيع الآية بهذه الصورة يفكك النظم بين مفردات الآية الواحدة. ويشهد لهذا ما أخرجه ابن جرير وإسحاق بن راهوية والحاكم وغيرهم لما نزلت عدة النساء في سورة البقرة .. قال أبي بن كعب: يا رسول الله إن ناسًا يقولون: قد بقي من النساء من لم يذكر فيهن الصغار وذوات الحمل. فنزلت: =","vol":"21","page":510},{"text":"الأزواج وضع العمل. وهذا عام في كل حامل، قال عبد الله: من شاء قاسمته لنزلت: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ بعد: ﴿أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ وكان عبد الله يقول: أجل كل حامل أن تضع ما في بطنها (١)، وكان علي يقول آخر الأجلين (٢)، والمأخوذ به قول عبد الله حتى إن المتوفى عنها زوجها (٣) لو وضعت حملها قبل دفن الميت حلت للأزواج (٤).\n_________\n= ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ﴾ الآية. قال السيوطي في \"اللباب\": صحيح الإسناد. وقال الحاكم في \"المستدرك\" ٢/ ٤٩٣: صحيح الإسناد ولم يخرجاه.\n(١) أخرج البخاري في التفسير، باب ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ﴾ ٦/ ١٩٤ عن ابن مسعود وفيه: لنزلت سورة النساء القصرى بعد الطولى ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾. وانظر: \"جامع البيان\" ٢٨/ ٩٢، و\"تفسير ابن كثير\" ٤/ ٣٨٢، و\"فتح الباري\" ٨/ ٦٥٦.\n(٢) أخرجه ابن جرير وعبد الرزاق وغيرهما، وأخرجه عبد بن حميد، وسعيد بن منصور، عنه بسند صحيح، وأخرجه البخاري في \"صحيحه\"، كتاب: التفسير، سورة الطلاق ٦/ ١٩٣ عن ابن عباس، ومسلم في كتاب: الطلاق، باب: انقضاء عدة المتوفى عنها زوجها ٢/ ١١٢٢ عن ابن عباس.\nوانظر: \"جامع البيان\" ٢٨/ ٩٣، و\"فتح الباري\" ٩/ ٤٧٤.\nقلت: ما ورد في \"الصحيح\" وما رواه ابن جرير في \"تفسيره\" ٢/ ٥١٢ عن ابن عباس بإسناد حسن من طريق علي بن أبي طلحة يدل على رجوعه عن القول السابق بعد أن بلغه حديث سبيعة الأسلمية.\nانظر: \"تفسير ابن عباس ومروياته\" للحميدي ٢/ ٨٩٤.\n(٣) (زوجها) ساقطة من (س).\n(٤) قال ابن حجر: (وقد قال جمهور العلماء من السلف وأئمة الفتوى في الأمصار: إن الحامل إذا مات عنها زوجها تحل بوضع العمل وتنقضي عدة الوفاة). \"فتح الباري\" ٩/ ٤٧٤.\nونقل ابن قدامة الإجماع على ذلك ورجوع ابن عباس عن قوله. \"المغني\" ١١/ ٢٢٧.","vol":"21","page":511},{"text":"يدل على ذلك حديث سبيعة بنت الحارث وهي أنها وضعت حملها قبل أربعة أشهر وعشر من وفاة زوجها فقال النبي -ﷺ-: \"قد حللت حين وضعت حملك\" وأمرها أن تتزوج (١).\n﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ﴾ في جميع ما أمره بطاعته فيه ﴿يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ ييسر الله عليه في أمره ويوفقه للعمل الصالح. قال ذلك المقاتلان (٢).\nوقال عطاء: يسهل الله عليه أمر الدنيا والآخرة (٣).\n﴿ذَلِكَ﴾ يعني الذي ذكر من الأحكام ﴿أَمْرُ اللهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ﴾ بطاعته فيعمل بما جاء به محمد -ﷺ -.\n﴿يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ﴾ من الصلاة إلى الصلاة، ومن الجمعة إلى الجمعة ﴿وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا﴾ قاله ابن عباس (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4597>٦ </span>- قوله تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ قال الكسائي: ﴿مِّن﴾ صلة، والمعنى: أسكنوهن حيث (٥) سكنتم من وجدكم (٦).\nقال أبو عبيدة: من سعتكم من الجدة (٧).\n_________\n(١) حديث متفق عليه، رواه البخاري في كتاب: المغازي، باب حدثني عبد الله بن محمد الجعفي ٥/ ١٠٢ ومسلم في كتاب: الطلاق، باب: انقضاء عدة المتوفى عنها زوجها وغيرها بوضع العمل ٢/ ١١٢٢.\n(٢) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٥٨ ب.\n(٣) انظر: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٥٨، و\"التفسير الكبير\" ٣٠/ ٣٦.\n(٤) انظر: \"التفسير الكبير\" ٣٠/ ٣٦.\n(٥) في (س): (من حيث).\n(٦) انظر: \"الكشف والبيان\" ١٢/ ١٤٤ أ، وعند الزمخشري أنها للتبعيض، والمعنى: أي بعض مكان سكناكم، و\"الكشاف\" ٤/ ١١٠.\n(٧) انظر: \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٦٠.","vol":"21","page":512},{"text":"وقال الفراء: يقول: على قدر طاقتكم، على قدر (١) ما يجد، فإن كان موسعًا وسع عليها في المسكن والنفقة، وإن كان فقيرًا مقترًا (٢) فعلى قدر ذلك (٣).\nوقال أبو إسحاق: يقال: وجدت في المال وجدًا -أي صرت ذا مال- ووجدًا وجدةً (٤). وقال الأخفش: الوجدُ المقدرة، أي: من حيث سكنتم مما تقدرون عليه (٥).\nقال المقاتلان: يعني من سعتكم في المسكن والنفقة (٦).\nوقال الضحاك: أنفقوا عليهن بقدر ما عندكم من السعة. وقال السدي: ﴿مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ أي من ملككم (٧).\nقال قتادة: إن لم تجد إلا ناحية بيتك فأسكنها فيه (٨).\nقال أصحابنا (٩): السكنى تكون في مسكن النكاح، ولا يجوز للزوج أن يخرجها منه، ولا لها أن تخرج.\n_________\n(١) في (س): (قدر) زيادة.\n(٢) في (س): (مقترًا) زيادة.\n(٣) انظر: \"معاني القرآن\" ٣/ ١٦٣.\n(٤) في (ك): (ووجدة). وانظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ١٨٦.\n(٥) انظر: \"معاني القرآن\" ٢/ ٧١٠.\n(٦) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٥٩ أ، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٥٩.\n(٧) لم أجدها. وعند ابن جرير عن السدي: (المرأة يطلقها فعليه أن يسكنها وينفق عليها)، و\"جامع البيان\" ٢٨/ ٩٤، وما ذكره المؤلف عنهما لا يخرج عن أقوال المفسرين المذكورة.\n(٨) انظر: \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٣٨٣، و\"الدر\" ٦/ ٢٣٧.\n(٩) أي الشافعية. وانظر: \"المجموع\" ١٨/ ١٦٢، و\"الحاوي الكبير\" ١١/ ٢٤٩.","vol":"21","page":513},{"text":"جاء رجل إلى ابن مسعود فقال: يا أبا عبد الرحمن: ما ترى في امرأة طلقت ثم أصبحت غادية إلى أهلها؟ فقال عبد الله: ما أحب أن لي دينها بتمرة.\nفإن كان للزوج المطلق مسكن واحد ودار واحدة؛ لم يجز للمرأة أن تساكنه فيها ساعة إلا مع محرم بالغ من محارمها، ولكن على الزوج أن يخرج منها لتخلو الدار لها، وإن كانت الدار واسعة مشتملة على مرافق فإن أمكنها أن تنفرد في بعض مرافق الدار جاز أن تساكنه (١)، وكل مطلقة مستحقة للسكنى (٢).\nوفي المتوفى عنها قولان:\nأحدهما: أنها تستحق السكنى.\nوالثاني: أنها لا تستحق وليس لها نفقة العدة بحال (٣).\nقوله تعالى: ﴿وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ نهى الله عن مضارتهن\n_________\n(١) في (س): من قوله (فيها ساعة) إلى (تساكنه) زيادة. وانظر: \"المجموع\" ١٨/ ١٦٢، و\"المغني\" ١١/ ٣٠٢.\n(٢) وهو قول ابن مسعود، وابن عمر، وعائشة، وسعيد بن المسيب، والشافعي، وأصحاب الرأي، وغيرهم.\nانظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص ٣/ ٤٥٩، و\"المغني\" ١١/ ٣٠٠.\n(٣) في (س): (بحال) زيادة.\nوانظر: \"المغني\" ١١/ ٢٩٢، وقال: (قال أصحابنا: ولا سكنى للمتوفى عنها إذا كانت حائلًا، رواية واحدة، دن كانت حاملًا فعلى روايتين، وللشافعي في سكنى المتوفى عنها قولان ...).\nوقال الجصاص: قد اتفق الجميع على أن لا نفقة للمتوفى عنها زوجها غير الحامل. \"أحكام القرآن\" ٣/ ٤٦٢.","vol":"21","page":514},{"text":"بالتضييق عليهن في المسكن والنفقة.\nقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ وهذا بيان حكم المطلقة البائنة؛ لأن الرجعية تستحق النفقة وإن لم تكن حاملًا، وان كانت مطلقة ثلاثًا، أو مختلعة فلا نفقة لها إلا أن تكون حاملًا فتستحق النفقة (١).\nقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ يعني حق الرضاع وأجرته، وللزوج أن يستأجر امرأته لإرضاع الولد كما يستأجر أجنبية، وبيان هذا قد تقدم في سورة البقرة (٢).\nقوله تعالى: ﴿وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ﴾ قال عطاء: يريد بفضل معروف منك (٣).\nوقال مقاتل بن حيان: يتراضى الأب والأم على أجل مسمى (٤).\nوقال السدي: يعني اصنعوا المعروف فيما بينكم (٥).\nوقال المبرد: ليأمر بعضكم بعضًا بالمعروف. والخطاب للأزواج من\n_________\n(١) انظر: \"الأم\" ٥/ ٩٧، و\"أحكام القرآن\" للجصاص ٣/ ٤٥٩، و\"المغني\" ١١/ ٣٠١، و\"شرح النووي على مسلم\" ١٠/ ٩٥، و\"المحلى\" ١٠/ ٢٨٨، و\"فتح الباري\" ٩/ ٤٨٠، وهو قول الجمهور. وقال الأحناف والثوري والحسن بن صالح: لكل مطلقة السكنى والمنفقة ما دامت في العدة حاملًا كانت أو غير حامل.\nانظر: \"بدائع الصنائع\" ٤/ ٢٠٣٨، و\"شرح فتح القدر\" ٣/ ٣٣٩، و\"الحاوي الكبير\" ١١/ ٢٤٦.\n(٢) عند تفسيره الآية (٢٣٣) من سورة البقرة.\n(٣) انظر: \"التفسير الكبير\" ٣٠/ ٣٧.\n(٤) انظر: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٦٠.\n(٥) انظر: \"جامع البيان\" ٢٨/ ٩٦.","vol":"21","page":515},{"text":"الرجال والنساء يأمرهم أن يأتوا المعروف وما هو الأحسن ولا يقصدوا التعاسر والضرر (١).\nقال أبو إسحاق: المعروف هاهنا -والله أعلم- أن لا يقصر الرجل في نفقة المرأة التي ترضع ولده إذا كانت هي والدته؛ لأن الوالدة أرأف بولدها من غيرها، ولا تقصر هي في إرضاع ولدها، والقيام بشأنه، فحق على كل واحد منهما أن يأتمر في الولد بمعروف (٢). وذكرنا تفسير الائتمار عند قوله: ﴿يَأْتَمِرُونَ بِكَ﴾ (٣) [القصص: ٢٠].\n﴿وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ﴾ أي (٤) في الأجرة ولم يتفق بين الوالدة والولد ما يتراضيان به ﴿فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾ معناه: فليسترضع له (٥) الوالد غير (٦) والدة الصبي.\nومعنى ﴿تَعَاسَرْتُمْ﴾ لم تتفقوا على أمر.\nثم بين قدر الإنفاق فقال: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ أمر أهل التوسعة أن يوسعوا على نسائهم المرضعات أولادهن على قدر سعتهن ومن\n_________\n(١) انظر: \"التفسير الكبير\" ٣٠/ ٣٧.\n(٢) انظر: \"معاني القرآن\" ٥/ ١٨٦.\n(٣) قال: الائتمار: المشاروة، وهو أن يأمر بعضهم بعضًا.\nقال شمر: يقول ائتمرت فلانًا في ذلك الأمر إذا شاورته، وائتمر القوم إذا شاوروا ثم الائتمار يكون مرة مع ذوي العقل والرأي من الناس وهو المحمود المسنون ومرة يكون مع النفس والهوى، وهو المذموم.\n(٤) في (س): (أي) زيادة.\n(٥) (له) ساقطة من (س).\n(٦) في (ك): (غيره).","vol":"21","page":516},{"text":"كان رزقه بمقدار القوت فلينفق على قدر ذلك. وهذا كقوله (١) ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ [البقرة: ٢٣٦].\nقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ الله نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ أي: ما أعطاها من الرزق، قال السدي: لا يكلف الفقير مثل ما يكلف الغني (٢). وذلك أنه لو كلف الفقير أن يوسع فقد كلفه ما لم يؤته، وإذا كلف الغني ذلك لم يكلفه إلا ما آتاه.\nقوله: ﴿سَيَجْعَلُ الله بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ أي من بعد ضيق وشدة غنى وسعة ورخاء.\nقال أبو إسحاق: كان الغالب على أكثرهم في ذلك الوقت الفقر والفاقة فأعلمهم الله ﷿ أنه سيوسر المسلمون، ففتح عليهم بعد ذلك وجعل يسرًا بعد عسر (٣)، والمؤمنون وإن كانوا في حال ضيقة فهم على رجاء اليسر من الله تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4598>٨ </span>- قوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ﴾ الكلام في كأين والاختلاف فيها قد تقدم ذكره في سورة آل عمران (٤).\n_________\n(١) في (ك): (كله).\n(٢) انظر: \"جامع البيان\" ٢٨/ ٩٧، و\"إعراب القرآن\" للنحاس ٣/ ٤٥٦.\n(٣) انظر: \"معاني القرآن\" ٥/ ١٨٧.\n(٤) عند تفسيره الآية (١٤٦) من سورة آل عمران.\nقال أبو الهيثم: كأيّ بمعنى كم، وكم بمعنى الكثرة. والكاف في (كأين) كاف التشبيه دخلت على (أيِّ)، التي هي الاستفهام كما دخلت على (ذا) في (كذا) و(أن في (كأن) ولا معني للتشبيه فيه ... وكثر استعمال هذه الكلمة فصارت ككلمة واحدة موضوعة للتكثير، وفي كأين ثلاث لغات: كأين بوزن كعين، وكائن بوزن كاعِن، وكاين بوزن ماين. وانظر: \"اللسان\" ٣/ ٣٢٣ (كين). =","vol":"21","page":517},{"text":"﴿وَكَأَيِّنْ﴾ في هذه الآية مبتدأة في اللفظ فاعل في المعنى كما أن كم رجل قد قام كذلك (١). وقد تكون مفعولة كقوله: ﴿فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾ [الحج: ٤٥] فهذه مفعولة بها في المعنى ومبتدأة في اللفظ، وأنث على المعنى كما جعل على المعنى في قوله: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ في السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ﴾ [النجم: ٢٦] والكلام خرج على لفظ القرية في قوله: ﴿عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا﴾ والمراد أهلها. قال ابن عباس: عتوا على الله وعلى أنبيائهم (٢).\nوقال مقاتل: خالفت أمر ربها وخالفت رسله (٣).\nوقال الضحاك: يعني من أهلك من الأمم بتكذيبهم رسل الله وجحودهم بآياته.\nقوله تعالى: ﴿فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا﴾ قال مقاتل: فحاسبها الله بعملها في الدنيا فجازاها بالعذاب (٤) وهو قوله: ﴿وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا﴾ (٥). ففسر المحاسبة بالتعذيب، ونحو هذا قال الضحاك: ﴿فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا﴾ (٦)\n_________\n= وفي قوله تعالى (وكأين) خلاف بين القراء، حيث قرأ ابن كثير وأبو جعفر بألف ممدودة بعد الكاف وبعدها همزة مكسورة. وقرأ الباقون بهمزة مفتوحة بعد الكاف وبعدها ياء مكسورة مثل مشددة\nانظر: \"حجة القراءات\" ص ١٧٤، و\"النشر\" ٢/ ٢٤٢، و\"الإتحاف\" ص ٤١٨.\n(١) انظر: \"الحجة للقراء السبعة\" ٦/ ٢٩٧.\n(٢) لم أجده، والآية ظاهرة المعنى.\n(٣) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٥٩أ، و\"التفسير الكبير\" ٣٠/ ٣٨.\n(٤) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٥٩/ أ، و\"التفسير الكبير\" ٣٠/ ٣٨.\n(٥) في (س): (شديدا).\n(٦) من قوله (قال مقاتل) إلى (شديدا) ساقطة من (ك).","vol":"21","page":518},{"text":"يقول في الدنيا وهو أن الله تعالى لم يتجاوز عنهم وأخذناهم بالعذاب جزاء لما فعلوا من التكذيب (١)، فجعل المجازاة بالعذاب محاسبة؛ وذلك لأنهم لما (٢) استحقوا العذاب بالتكذيب صار كأنه حاسبهم فعذبهم.\nوقال الكلبي: هذا على التقديم والتأخير، والمعنى: فعذبناها في الدنيا وحسابناها في الآخرة حسابًا شديدًا (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4599>٩ </span>- ﴿فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا﴾ أي: ثقل عاقبة أمرها، قال ابن عباس: يريد عاقبة كفرها (٤) ﴿وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا﴾ يقول: كان عاقبة أمرها (٥) الخسران في الدنيا والآخرة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-4600>١٠ </span>- وهو قوله: ﴿أَعَدَّ الله لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ قال يخوف كفار مكة أن لا يكذبوا محمدًا فينزل بهم ما نزل بالأمم قبلهم.\nثم قال للذين آمنوا ﴿فَاتَّقُوا اللهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾.\nثم نعتهم فقال قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنْزَلَ الله إِلَيْكُمْ ذِكْرًا (١٠) رَسُولًا﴾ قال أبو إسحاق: رسولًا منصوب على ثلاثة أوجه، أجودها أن يكون قوله: ﴿قَدْ أَنْزَلَ الله إِلَيْكُمْ ذِكْرًا﴾ دليلًا (٦) على إضمار أرسل رسولًا (٧)، والمعنى\n_________\n(١) لم أجده.\n(٢) (لما) ساقطة من (ك).\n(٣) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ١٦٤، و\"الكشف والبيان\" ١٢/ ١٤٥ أ، و\"زاد المسير\" ٨/ ٢٩٨ ونسبه لابن عباس، و\"التفسير الكبير\" ٣٠/ ٣٨.\n(٤) انظر: \"جامع البيان\" ٢٨/ ٩٢، و\"التفسير الكبير\" ٣٠/ ٣٨.\n(٥) في (ك): (عاقبته).\n(٦) في (س): (دليل).\n(٧) انظر: \"معاني القرآن\" ٥/ ١٨٨.","vol":"21","page":519},{"text":"على هذا: أنزل عليكم (١) قرآنًا -والذكر هو القرآن- وأرسل رسولًا، وإنزال الذكر يدل على إرسال الرسول؛ لأن الذكر ينزل على الرسول، وهذا الوجه هو قول الكسائي (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4601>١١ </span>- قال أبو إسحاق: ويكون ﴿رَسُولًا﴾ منصوبًا بقول: ﴿ذِكْرًا﴾ ويكون المعنى: قد أنزل إليكم أن ذكر رسولًا يعني به النبي -ﷺ-.\nقال أبو علي: هذا الوجه ﴿رَسُولًا﴾ (٣) معمول المصدر والتقدير أن ذكر رسولًا (٤) لأن يتبعوه فيهتدوا بالاقتداء به، ومثل ذلك من إعمال المصدر قوله: ﴿مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا﴾ [النحل: ٧٣] فشيء مفعول المصدر (٥).\nالوجه الثالث: قال أبو إسحاق: ويكون المعنى قد أنزل الله إليكم ذكرًا رسولًا. بدلًا من: ﴿ذِكْرًا﴾ (٦)، قال أبو علي: هذا يكون على تقدير حذف المضاف إلى الذكر، والذكر على هذا القول يحتمل تأويلين:\nأحدهما: ذا شرف وصيت (٧) كما قال: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف: ٤٤].\n_________\n(١) في (س): (إليكم).\n(٢) قال أبو حيان: ونحا إلى هذا السدي، واختاره ابن عطيه. انظر: \"البحر المحيط\" ٨/ ٢٨٦.\n(٣) في (س): (رسولًا) زيادة.\n(٤) في (ك): (يكون رسول).\n(٥) في (س): (المصدر) زيادة.\n(٦) انظر: \"معاني القرآن\" ٥/ ١٨٨.\n(٧) في (ك): (وصلب).","vol":"21","page":520},{"text":"الآخر: ذا قرآن كقوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ﴾ [النحل: ٤٤] والإنزال على هذا القول يكون بمعنى الإنشاء والإحداث، كما ذكرنا في قوله: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ [الزمر: ٦]. وقوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ﴾ [الحديد: ٢٥].\nقال أبو إسحاق: ويكون يعني به جبريل يريد أن المعنى في قوله: فأنزل الله إليكم ذا ذكر رسولًا، وهو جبريل (١)؛ لأنه أنزل مع القرآن رسولًا إلى النبي -ﷺ -، وهذا محتمل وأن يكون النبي -ﷺ - أولى لقوله بعده: ﴿يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللهِ مُبَيِّنَاتٍ﴾.\nوذكر أبو جعفر (٢) النحاس وجهين آخرين في نصب ﴿رَسُولًا﴾ (٣) لا يصح واحد منهما.\nأحدهما: أنه قال: ﴿رَسُولًا﴾ بدل من ﴿ذِكْرًا﴾ بمعنى رسالة (٤). وهذا لا يجوز لقوله: ﴿يَتْلُو عَلَيْكُمْ ...﴾ إلى آخر الآية. وهو من صفة الرسول لا الرسالة (٥).\nالثاني: أنه قال: ﴿رَسُولًا﴾ أي مع رسول فيكون مفعولًا معه (٦). وهذا أيضًا غير جائز؛ لأن المفعول معه لا يكون إلا مع الواو كما تقول: استوى الماء والخشبة، ولا يجوز بغير الواو (٧).\n_________\n(١) انظر: \"معاني القرآن\" ٥/ ١٨٨.\n(٢) في (س): (أبو جعفر) زيادة.\n(٣) انظر: \"القطع والائتناف\" ص٧٣١.\n(٤) انظر: \"إعراب القرآن\" للنحاس ٣/ ٤٥٨.\n(٥) انظر: \"البحر المحيط\" ٨/ ٢٨٦، و\"روح المعاني\" ٢٨/ ١٤١.\n(٦) انظر: \"الكشف والبيان\" ١٢/ ١٤٥ ب.\n(٧) انظر: \"النحو الوافي\" لعباس حسن ٢/ ٣١٠.","vol":"21","page":521},{"text":"قوله تعالى: ﴿قَدْ أَحْسَنَ الله لَهُ رِزْقًا﴾ قال الزجاج (١): أي رزقه الجنة التي لا ينقطع نعيمها ولا يزول (٢).\nثم ذكر ﷿ ما يدل على توحيده فقال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4602>١٢ </span>- قوله تعالى: ﴿الله الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ قال الكلبي: بعضها فوق بعض مثل القبة (٣).\n﴿وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ قال مقاتل: وخلق من الأرض مثل عدد السموات (٤) ﴿يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾ قال عطاء: يريد الوحي بينهن إلى خلقه في كل أرض وفي كل سماء (٥).\nوقال الكلبي: يعني الوحي، وفي كل أرض منهن خلق وماء (٦).\nوقال مقاتل: يعني الوحي (٧) من السماء العليا إلى الأرض السفلى (٨).\n_________\n(١) (ك): (الزجال).\n(٢) انظر: \"معاني القرآن\" ٥/ ١٨٨.\n(٣) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٥٩ ب، وهو قول الجمهور.\nانظر: \"البداية والنهاية\" ١/ ٢١، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٣٨٥، و\"روح المعاني\" ٢٨/ ١٤٢.\nوقال ابن حجر عند شرحه لحديث البخاري في كتاب: المظالم، باب: إثم من ظلم شيئًا من الأرض ٣/ ١٧٠: وفيه أن الأرضين السبع طباق كالسموات، وهو ظاهر قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ خلافًا لمن قال: إن المراد بقوله سبع أرضين سبعة أقاليم؛ لأنه لو كان كذلك لم يطوق الغاصب شبرًا من إقليم آخر. \"فتح الباري\" ٥/ ١٠٥.\n(٤) انظر: \"التفسير الكبير\" ٣٠/ ٤٠.\n(٥) انظر: \"تنوير المقباس\" ٦/ ٩٥، ولفظه: ﴿وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ سبعًا ولكنها منبسطة.\n(٦) في (ك): (ومرض).\n(٧) من قوله (وفي كل أرض) إلى (يعني الوحي) ساقطة من (ك).\n(٨) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٥٩ ب.","vol":"21","page":522},{"text":"وقال مجاهد: يتنزل الأمر بينهن بحياة بعض وموت (١) بعض، وغنى واحد (٢) وفقر آخر، وسلامة هذا وهلاك ذاك (٣). قال: وهذه الأرض إلى التي تحتها مثل فسطاط بأرض فلاة، وهذه السماء إلى التي فوقها مثل حلقة في فلاة (٤).\nوقال قتادة: في كل سماء من سمائه، وأرض من أرضه خلق من خلقه وأمر من أمره، وقضاء من قضائه (٥).\nوروى ابن أبي نجيح عن مجاهد ﴿يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾ قال: بين الأرض السابعة إلى السماء السابعة (٦).\nوروى مجاهد عن ابن عباس في تفسير هذه الآية قال: لو حدثتكم بتفسيرها لكفرتم، وكفركم تكذيبكم بها (٧).\nوروى أبو الضحى (٨) عنه قال: في كل أرض نبي كنبيكم، وآدم كآدم، ونوح كنوح، وإبراهيم كإبراهيم، وعيسى كعيسى، ونحو ما على الأرض من الخلق) (٩).\n_________\n(١) في (ك): (ومرض).\n(٢) في (ك): (بعض واحد).\n(٣) انظر: \"التفسير الكبير\" ٣٠/ ٤٠.\n(٤) انظر: \"جامع البيان\" ٢٨/ ٩٩.\n(٥) انظر: \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٢٩٩، و\"جامع البيان\" ٢٨/ ٩٩، و\"الدر\" ٦/ ٢٣٨.\n(٦) انظر: \"تفسير مجاهد\" ٢/ ٦٨٢، و\"جامع البيان\" ٢٨/ ١٠٠.\n(٧) أخرجه ابن جرير، وعبد بن حميد، وابن الضريس. انظر: \"جامع البيان\" ٢٨/ ٩٩، و\"الدر\" ٦/ ٢٣٨.\n(٨) هو مسلم بن صبيح الهمداني، العطار، ثقة، فاضل، مشهور بكنيته. وقد تقدم.\n(٩) أخرجه ابن جرير في \"تفسيره\" ٢٨/ ٩٩، والحاكم في \"المستدرك\" ٢/ ٤٩٣، =","vol":"21","page":523},{"text":"قوله تعالى: ﴿لِتَعْلَمُوا﴾ قال الزجاج: معناه أعلمكم ذلك لتعلموا قدرته على كل شيء وعلمه وهو قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ اللهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ وهو منصوب على المصدر؛ لأن قوله: ﴿أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ معناه: علم كل شيء (١) والله تعالى أعلم.\n_________\n= وقال: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، والبيهقي في \"الأسماء والصفات\" ٢/ ٢٦٧، وقال: إسناد هذا عن ابن عباس صحيح، وهو شاذ بمرة لا أعلم لأبي الضحى عليه متابعًا، والله أعلم.\nوقال الحافظ ابن كثير في \"البداية والنهاية\" ١/ ٢١، وهو محمول إن صح نقله عنه على أنه أخذه ابن عباس -﵁- عن الإسرائيليات، والله أعلم.\nوانظر: \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٣٨٥.\nوقال أبو حيان: وعن ابن عباس من رواية الواقدي الكذاب .. ثم ذكر الحديث وقال: وهذا حديث لا شك في وضعه. انظر: \"البحر المحيط\" ٨/ ٢٨٧.\n(١) انظر: \"معاني القرآن\" ٥/ ١٨٩.","vol":"21","page":524},{"text":"المملكة العربيّة السعودية\nوزارة التعليم العالي\nجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية\nعمادة البحث العلمي\nسلسلة الرسائل الجامعية\n-١١٤، ١١٥ -\nالتَّفْسِيُر البَسِيْط\nلأبي الحسن علي بن أحمد بن محمد الواحدي\n(ت ٤٦٨ هـ)\nمن سورة التحريم إلى سورة القلم\nتحقيق\nد. فاضل بن صالح بن عبد الله الشهري\nمن سورة الحاقة إلى سورة القيامة\nتحقيق\nد. نورة بنت عبد الله بن عبد العزيز الورثان\nأشرف على طباعته وإخراجه\nد. عبد العزيز بن سطام آل سعود ... أ. د. تركي بن سهو العتيبي\nالجزء الثاني والعشرون","vol":"22","page":1},{"text":"المملكة العربيّة السعودية\nوزارة التعليم العالي\nجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية\nعمادة البحث العلمي\nسلسلة الرسائل الجامعية\n-١١٤، ١١٥ -\nالتَّفْسِيُر البَسِيْط\nلأبي الحسن علي بن أحمد بن محمد الواحدي\n(ت ٤٦٨ هـ)\nمن سورة التحريم إلى سورة القلم\nتحقيق\nد. فاضل بن صالح بن عبد الله الشهري\nمن سورة الحاقة إلى سورة القيامة\nتحقيق\nد. نورة بنت عبد الله بن عبد العزيز الورثان\nأشرف على طباعته وإخراجه\nد. عبد العزيز بن سطام آل سعود ... أ. د. تركي بن سهو العتيبي\nالجزء الثاني والعشرون","vol":"22","page":2},{"text":"جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ١٤٣٠ هـ\nفهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية أثناء النشر\nالواحدي، علي بن أحمد\nالتفسير البسيط لأبي الحسن علي بن أحمد بن محمد\nالواحدي (ت ٤٦٨ هـ)./ فاضل بن صالح بن عبد الله الشهري،\nالرياض ١٤٣٠ هـ.\n٢٥ مج. (سلسلة الرسائل الجامعية)\nردمك: ٤ - ٨٥٧ - ٠٤ - ٩٩٦٠ - ٩٨٧ (مجموعة)\n٦ - ٨٧٩ - ٠٤ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (ج ٢٢)\n١ - القرآن تفسير ... ٢ - الواحدي، علي بن أحمد\nأ- العنوان ... ب- السلسلة\nديوي ٢٢٧.٣ ... ٨٦٨/ ١٤٣٠\nرقم الإيداع: ٨٦٨/ ١٤٣٠ هـ\nردمك: ٤ - ٨٥٧ - ٠٤ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (مجموعة)\n٦ - ٨٧٩ - ٠٤ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (ج ٢٢)","vol":"22","page":3},{"text":"التَّفْسِيُر البَسِيْط\nلأبي الحسن علي بن أحمد بن محمد الواحدي\n(ت ٤٦٨ هـ)\n[٢٢]","vol":"22","page":4},{"text":"بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ","vol":"22","page":5},{"text":"التَّفْسِيُر البَسِيْط\nلأبي الحسن علي بن أحمد بن محمد الواحدي\n(ت ٤٦٨ هـ)\nمن سورة التحريم إلى سورة القلم\nتحقيق\nد. فاضل بن صالح بن عبد الله الشهري","vol":"22","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4603>تفسير سورة التحريم</span>\nبسم الله الرحمن الرحيم\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4604>١ </span>- ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ اختلفوا في الذي حرمه النبي -ﷺ- على (١) نفسه، فروى هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: كان رسول الله -ﷺ- إذا صلى الصبح دخل على أزواجه امرأة امرأة يسلم عليهن، وكانت حفصة قد أهدي لها عسل، وكان النبي -ﷺ- إذا دخل عليها تحبسه عندها وتسقيه منه، فيجلس النبي -ﷺ- عندها، وفطنت عائشة بذلك فجمعت أزواج النبي -ﷺوقالت لكل واحدة منهن، إذا دخل عليك (٢) النبي -ﷺ- فقولي (٣): ما هذا الريح نجدها منك؟ أكلت مغافير (٤)؟ فإنه يقول: لا. سقتني حفصة عسلًا. فقولي: جرست نحلة العرفط (٥). فدخل النبي -ﷺ- على\n_________\n(١) في (ك)، (س): (عن).\n(٢) في (ك): (عليك) زيادة.\n(٣) في (ك): (عليك فتقول).\n(٤) المغافير: صمغ يسيل من شجر العرفط حلو غير أن رائحته ليست بطيبة. \"اللسان\" ٢/ ٧٤٩ (عرفط).\n(٥) جرست النحلة أي أكل ورعت، وهو لحسها إياه ثم تعسله، ولا يقال جرس بمعنى رعى إلا للنحل.\nوالعرفط (بضم العين والفاء وتسكين الراء): شجر خبيث الريح، وهو من أخبث =","vol":"22","page":5},{"text":"امرأة امرأة وهن يقلن له ذلك، ثم دخل على عائشة فقالت له ذلك أيضًا. فلما كان من الغد دخل على حفصة فسقته فأبى أن يشربه وحرمه على نفسه، وكان يكره أن يوجد منه ريح منتنة، لأنه يأتيه الملك، فأنزل الله هذه الآية (١).\nوهذا قول ابن أبي مليكة، وعبد الله بن عتبة.\nوروى عبيد بن عمير عن عائشة أن النبي -ﷺ- كان يمكث عند زينب بنت جحش، ويشرب عندها عسلًا ثم ذكر القصة (٢)، ونحو هذا ذكر أبو إسحاق (٣). وفي تفسير عطاء الخراساني أن التي كانت تسقي رسول الله العسل أم سلمة (٤).\nوقال المقاتلان: ... رسول الله -ﷺ- في بيت حفصة، فزارت أباها فلما رجعت أبصرت مارية ... النبي -ﷺ- فلم تدخل حتى خرجت مارية، ثم دخلت وقالت: إني رأيت مارية معك في البيت، وكان ذلك في يوم عائشة،\n_________\n= المراعي، وقيل: هو شجر الطلح، وله صمغ كريه الرائحة، فهذا أكلته النحل حصل في عسلها من ريحه وهو المغافير. \"اللسان\" ١/ ٤٤٠ (جرس) ٢/ ٧٤٩ (عرفط).\n(١) حديث متفق عليه، وهو هنا بألفاظ قريبة مما في الصحيح.\nوانظر: \"صحيح البخاري\"، كتاب: الطلاق، باب: لم تحرم ما أحل الله لك ٧/ ٥٦٠ ومسلم، كتاب: الطلاق، باب وجوب الكفارة على من حرم امرأته ولم ينو الطلاق ٢/ ١١٠١، \"سنن أبي داود\" كتاب: الأشربة، باب: في شراب العسل ٢/ ٧٠٨، و\"سنن النسائي\"، كتاب: الطلاق، باب: تأويل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ ٢/ ٧٢١، و\"جامع البيان\" ٢٨/ ١٠٢.\n(٢) متفق عليه. رواه البخاري، في التفسير، سورة التحريم ٦/ ١٩٤. ومسلم كتاب: الطلاق، باب وجوب الكفارة على من حرم امرأته ولم ينو الطلاق ٢/ ١١٠٠.\n(٣) انظر: \"معاني القرآن\" ٥/ ١٩١.\n(٤) أخرجه ابن سعد، عن عبد الله بن رافع. \"الدر\" ٦/ ٢٣٩.","vol":"22","page":6},{"text":"فلما رأى النبي -ﷺ- في وجه ... والكآبة قال لها: لا تخبري ولك عليّ أن لا أقربها أبدًا. فأخبرت حفصة عائشة -وكانتا مصافيتين- فغضبت عائشة ولم تزل بالنبي -ﷺ- حتى حلف أن لا يصيبها (١)، فأنزل الله هذه الآية (٢).\nوروى عطاء عن ابن عباس أن هذه القصة وقعت في بيت (٣) عائشة -وعائشة كانت عند أمها- وعلمت حفصة بذلك، فأخبرت عائشة (٤) ... عائشة: في بيتي، وفي يومي؟ فأرضا رسول الله -ﷺ- بأن حلف لها أن لا يصيبها (٥). وهذا قول الحسن، ومجاهد، وقتادة، والشعبي، ومسروق، ورواية ثابت عن أنس (٦).\n_________\n(١) في (س): (والكلبي) زيادة.\n(٢) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٩ ب، و\"تنوير المقباس\" ٦/ ٩٦، و\"الكشف والبيان\" ١٢/ ١٤٧ أ.\n(٣) (بيت) ساقطة من (ك).\n(٤) انظر: \"جامع البيان\" ٢٨/ ١٠١، و\"الدر\" ٦/ ٢٣٩.\n(٥) في (س): (والشعبي) زيادة.\n(٦) أخرجه الحاكم ٢/ ٤٩٣ وصححه. قال ابن حجر: وقد أخرج النسائي بسند صحيح عن أنس ... وهذا أصح طريق هذا السبب، وله شاهد مرسل أخرجه الطبري بسند صحيح عن زيد بن أسلم التابعي الشهير قال ... وذكره بأطول مما هنا. \"فتح الباري\" ٩/ ٣٧٦، وفي \"تفسير ابن كثير\" ٤/ ٣٨٦ قال: وقال الهيثم بن كليب في \"مسنده\": .. وذكر ما يدل على تعلق القصة بمارية. ثم قال: وهذا إسناد صحيح ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة، وقد اختاره الضياء المقدسي في كتابه المستخرج. ورجح النووي، وابن كثير نزول الآية في قصة العسل، وهو قول القاضي عياض. انظر: \"شرح النووي على مسلم\" ١٠/ ٧٧، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٣٨٦. ورجح الجصاص، وابن حجر، وغيرهما نزولها في شأن مارية القبطية.\nانظر: \"أحكام القرآن\" ٣/ ٤٦٤، و\"فتح الباري\" ٩/ ٢٩٠، و\"فتح القدير\" ٥/ ٢٥٢. وقال ابن حجر أيضًا: فيحتمل أن تكون الآية نزلت في السببين معًا. \"الفتح\" ٨/ ٦٥٧.=","vol":"22","page":7},{"text":"قال مسروق: حرم رسول الله -ﷺ- أم ولده وحلف أن لا يقربها فأنزل الله هذه الآية. فقيل له: أما الحرام فحلال، وأما اليمين التي حلفت عليها فقد فرض الله لكم تحلة أيمانكم (١).\nوقال الشعبي: كان مع الحرام يمين فعوتب في الحرام وأمر أن يكفر اليمين، فذلك قوله: قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم (٢).\nقال صاحب النظم: قوله: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ﴾ استفهام فيه إنكار، والإنكار من الله ﷿ نهي، وتحريم الحلال (٣) مكروه، ولا يحرم الحلال إلا بتحريم الله ﷿ (٤).\nقال سعيد بن جبير: جاء رجل إلى ابن عباس فقال: جعلت امرأتي عليّ حرام قال: كذبت، ليس عليك حرام، ثم تلا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ الآية، عليك أغلظ الكفارات رقبة (٥). قوله تعالى: ﴿تَبْتَغِي\n_________\n= وقال: وطريق الجمع بين هذا الاختلاف العمل على التعدد، فلا يمتنع تعدد السبب للأمر الواحد. \"فتح الباري\" ٩/ ٣٧٦.\nوعموم الآية للسببين وغيرهما هو اختيار ابن جرير وغيره. انظر: \"جامع البيان\" ٢٨/ ١٠٢، و\"روح المعاني\" ٢٨/ ١٥١.\n(١) أخرجه ابن جرير وابن سعد. انظر: \"جامع البيان\" ٢٨/ ١٠٠، و\"الدر\" ٦/ ٢٤٠. وقال ابن حجر: ووقع عند سعيد بن منصور بإسناد صحيح إلى مسروق قال: ... وذكر نحوه. \"فتح الباري\" ٨/ ٦٥٧.\n(٢) انظر: \"جامع البيان\" ٢٨/ ١٠٠.\nوقال ابن حجر: قال البيهقي: (.. أخرجه الترمذي، وابن ماجه بسند رجاله ثقات من طريق داود بن أبي هند، عن الشعبي، عن مسروق.) \"فتح الباري\" ٩/ ٣٧٣.\n(٣) في (ك): (الحرام).\n(٤) انظر: \"التفسير الكبير\" ٣٠/ ٤٢.\n(٥) أخرجه النسائي، والحاكم في \"المستدرك\" ٢/ ٤٩٣ ولم يذكر قوله: عليك أغلظ =","vol":"22","page":8},{"text":"مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ﴾ قال صاحب النظم: ﴿تَبْتَغِي﴾ حال خرجت مخرج المضارع. والمعنى: لم تحرم ما أحل الله لك مبتغيًا مرضاة أزواجك (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4605>٢ </span>- قوله تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ قال مقاتل: يعني قد بين الله، كما قال: ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا﴾ [النور: ١] (٢). وقال غيره: قد أوجب، وهو اختيار ابن قتيبة (٣).\nوذكر صاحب النظم القولين، وقال: إذا وصل بعلى لم يحتمل غير الإيجاب كقوله: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ﴾ [سورة الأحزاب: ٥٠]، وإذا وصل باللام احتمل الوجهين، فإن حمل على الإيجاب كان اللام بمعنى على كقوله: ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء: ٧] وقوله: ﴿تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ أي تحليلها بالكفارة.\nو﴿تَحِلَّةَ﴾ على وزن تفعلة، وأصله تحللة فأدغمت (٤)، وتفعلة من مصادر تفعل كالتوصية، والتسمية. ومن المضاعف التعزة والتغرة. وتحلة القسم تكون بمعنيين:\nأحدهما: تحليله بالكفارة كالذي في هذه الآية.\nوالآخر: يستعمل بمعنى الشيء القليل. وهذا هو الأكثر في\n_________\n= وقال ابن حجر: وكأنه أشار عليه بالرقبة لأنه عرف أنه موسر، فأراد أن يكفر بالأغلظ من كفارة اليمين لا أنه تعين عليه عتق رقبة. \"فتح الباري\" ٩/ ٣٧٦.\n(١) انظر: \"التفسير الكبير\" ٣٠/ ٤٢.\n(٢) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٥٩ ب، و\"التفسير الكبير\" ٣٠/ ٤٣.\n(٣) انظر: \"تفسير غريب القرآن\" ص ٤٧٢.\n(٤) \"سر صناعة الإعراب\" ٢/ ٧٦٢: حيث أدغمت اللام في اللام.","vol":"22","page":9},{"text":"الاستعمال (١)، كما روي في الحديث: \"لن يلج النار إلا تحلة القسم\" (٢)، يعني زمانًا يسيرًا. وذلك أن القسم يتحلل بما يقع عليه الاسم كمن حلف أنه لا يأكل الخبز، يخرج عن يمينه بأدنى ما يقع عليه الاسم، وكذلك في كل شيء، ومنه قول الشاعر (٣):\nأرى إبلي عاقت جدود فلم تذق ... بها قطرةً إلا تحلَّة مقسم\nوذكرنا عن جماعة من المفسرين أن النبي -ﷺ- حلف أن لا يطأ جاريته فذكر الله تعالى له ما أوجب من كفارة اليمين.\nقال مقاتل: قد بين الله كفارة أيمانكم في المائدة [: ٨٩]. والذين رووا من المفسرين أنه حلف قالوا: تلزم الكفارة في تحريمه الجارية على نفسه، كما تلزم في اليمين (٤).\nروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: الحرام يمين (٥). والحكم في\n_________\n(١) انظر: \"التفسير الكبير\" ٣٠/ ٤٣.\n(٢) متفق عليه، و\"صحح البخاري\"، كتاب: الأيمان، باب قوله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ ٨/ ١٦٧، و\"صحيح مسلم\"، كتاب: الأدب، باب: فضل من يموت له ولد فيحتسبه ٤/ ٢٠٢٨، ولفظه: \"يموت لأحد من المسلمين ثلاثة من الولد فتمسه النار إلا تحلة القسم\".\n(٣) ورد البيت في \"اللسان\" ١/ ٧٠٥ (حلل) ولم ينسبه.\n(٤) وهو قول قتادة، ومسروق، والشعبي، وزيد بن أسلم، والضحاك، وغيرهم. انظر: \"جامع البيان\" ٢٨/ ١٠٠، و\"زاد المسير\" ٨/ ٣٠٧، و\"الدر\" ٦/ ٢٤٠.\n(٥) أخرجه البخاري في مواضع، ولفظه: (إذا حرم امرأته ليس بشيء). وقال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ كتاب الطلاق، باب: لم تحرم ما أحل الله لك ٧/ ٥٦، وفي كتاب التفسير، باب: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ﴾، ولفظه: (في الحرام يكفر) ٦/ ١٩٤. =","vol":"22","page":10},{"text":"هذا أن الرجل إذا قال لامرأته: أنت علي حرام ولم ينو طلاقًا ولا ظهارًا كان هذا اللفظ موجبًا لكفارة اليمين، وكذلك لو قال لأمته وجب كفارة يمين (١)، وكذلك لو قال لنسائه وجواريه: أنتن عليّ حرام. كفته كفارة واحدة. نص عليه الشافعي -﵀- (٢). فأما إذا حرم على نفسه طعامًا أو شيئًا آخر سوى الفرج لم يلزمه بذلك كفارة (٣)، والآية محمولة على تحريم الجارية، أو على تحريم العسل مع اليمين، لأنه قد روي أنه مع ذلك التحريم حلف (٤)، ولو حرم على نفسه ركوب دابة أو لبس ثوب لم يجب\n_________\n= قال ابن حجر في \"الفتح\" ٩/ ٣٧٦، وأخرجه الإسماعيلي من طريق محمد بن المبارك الصوري عن معاوية بن سلام بإسناد حديث الباب بلفظ: (إذا حرم الرجل امرأته فإنما هي يمين يكفرها)، فعرف أن المراد بقوله: (ليس بشيء)، أي: ليس بطلاق.\nوأخرجه مسلم في كتاب: الطلاق، باب: وجوب الكفارة على من حرم امرأته ولم ينو الطلاق ٢/ ١١٠٠.\n(١) وبه قال عامة أهل العلم. انظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص ٣/ ٤٦٥، و\"المغني\" ١٠/ ٦١، و\"فتح الباري\" ٩/ ٣٧١.\n(٢) قال النووي: فيه قولان للشافعي أصحهما يلزمه كفارة يمين. \"شرح النووي على مسلم\" ١٠/ ٧٣، وقال ابن قدامة في \"المغني\" ١٠/ ٣٩٦: إذا قال لزوجته: أنت علي حرام وأطلق فهو ظهار. وقال الشافعي: لا شيء عليه. وله قول آخر عليه كفارة يمين، وليس بيمين.\n(٣) وهو مذهب الشافعي، ومالك، والجمهور، وفي المسألة أربعة عشر مذهبًا كما حكاه القاضي عياض، وبلغت عند القرطبي ثمانية عشر، وزاد غيره عليها.\nانظر: \"شرح النووي على مسلم\" ١٠/ ٧٤، و\"فتح الباري\" ٩/ ٣٧٢. وقال الألوسي: وهي في هذه المسألة كثيرة جدًّا، وفي نقل الأقوال عن أصحابها اختلاف كثير أيضًا. \"روح المعاني\" ٢٨/ ١٤٩.\n(٤) ورد في رواية البخاري في بلفظ: (وقد حلفت، لا تخبري بذلك أحدًا). قال ابن=","vol":"22","page":11},{"text":"عليه كفارة إذا لم يحلف.\nقال المقاتلان: أمر الله نبيه -ﷺ- أن يكفر يمينه ويراجع وليدته، فأعتق رقبة (١).\nقال أبو إسحاق: وعلى التفسيرين ليس لأحد أن يحرم ما أحل الله، ولم يجعل الله لنبيه أن يحرم إلا ما حرم الله (٢).\nقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ﴾، أي: وليكم وناصركم، ﴿وَهُوَ الْعَلِيمُ﴾ بخلقه، ﴿الْحَكِيمُ﴾ فيما فرض من حكمه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4606>٣ </span>- قوله: ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا﴾ قال أبو إسحاق: موضع (إذ) نصب كأنه قال: واذكر إذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثًا (٣)، يعني ما أسر إلى حفصة في تحريمه الجارية على نفسه واستكتمها ذلك (٤)، وقال جماعة من المفسرين: إن النبي -ﷺ- لما رأى المغيرة والكراهية في وجه حفصة أراد أن يترضاها فأسر إليها بشيئين. تحريم الأمة على نفسه، وبشرها بأن الخلافة بعده في أبي بكر وأبيها عمر. وهذا قول\n_________\n= حجر: واستدل القرطبي وغيره بقوله: (حلفت) على أن الكفارة التي أشير إليها في قوله تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ هي عن اليمين التي أشار إليها بقوله: (حلفت)، فتكون الكفارة لأجل اليمين لا لمجرد التحريم. وهو استدلال قوي لمن يقول إن التحريم لغو لا كفارة فيه بمجرده. \"فتح الباري\" ٩/ ٣٧٨.\n(١) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٦٠ أ، وهو قول زيد بن أسلم وغيره. انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٨/ ١٨٥.\n(٢) انظر: \"معاني القرآن\" ٥/ ١٩٢.\n(٣) (حديثًا) ساقطة من (س).\n(٤) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ١٩١.","vol":"22","page":12},{"text":"ابن عباس في رواية عطاء، والكلبي، وسعيد بن جبير (١) ومقاتل (٢).\nقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ﴾ قال ابن عباس: أخبرت به عائشة (٣) ﴿وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ أطلع الله نبيه على قول حفصة لعائشة، فأخبر (٤) النبي -ﷺ- حفصة عند ذلك ببعض (٥) ما قالت، وهو قوله: ﴿عَرَّفَ بَعْضَهُ﴾ قال ابن عباس: عرف حفصة بعض ما أخبرت به عائشة: ﴿وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ﴾، فلم يعرفه إياها على وجه التكريم والإغضاء (٦).\nوقال مقاتل: ﴿وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ﴾ لم يخبرها أنك أخبرت عائشة أن أبا بكر وعمر يملكان (٧). فالذي أعرض عنه ذكر خلافة أبي بكر وعمر. ونحو هذا ذكر الزجاج (٨).\n_________\n(١) في (س): (والكلبي وسعيد بن جبير) زيادة.\n(٢) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٦٠ أ، و\"الكشف والبيان\" ١٢/ ١٤٧ ب، وفي \"مجمع الزوائد\" ٧/ ١٢٦، ذكر الخبر عن أبي هريرة ثم قال: رواه الطبراني في \"الأوسط\"، من طريق موسى بن جعفر بن أبي كثير، عن عمه. قال الذهبي: مجهول وخبره ساقط. وذكر ابن كثير في \"تفسيره\" ٤/ ٣٩٠ تخريج الطبراني لذكر الخلافة عن ابن عباس. ثم قال: إسناده فيه نظر. واعتمد ما ورد في الصحيح.\nوانظر: \"تخريجات الكشاف\" ص ١٧٦.\n(٣) انظر: \"تنوير المقباس\" ٦/ ٩٦.\n(٤) في (ك): (فأخبر الله) والصواب ما أثبته.\n(٥) (ما) ساقطة من (س).\n(٦) انظر: \"التفسير الكبير\" ٣٠/ ٤٣.\n(٧) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٦٠ أ، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٦٤.\n(٨) انظر: \"معاني القرآن\" ٥/ ١٩٢، والذي فيه أنه عرف حفصة بعض ما أفضت به من الخبر دون التصريح بما عرفها به.","vol":"22","page":13},{"text":"وروى أبو بكر ابن عيالش الكلبي (١) قال: كره أن ينشر في الناس. يعني ذكر الخلافة. وروى عن الكلبي بخلاف هذا قال: عرفها بعض حديثها لعائشة من شأن أبي بكر وعمر، ﴿وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ﴾ وهو تحريم الجارية؛ لأنه لم يبال ما أظهرت من ذلك. يعني أنه -ﷺ- أنكر عليها إفشاء الخلافة وأعرض عن إفشاء التحريم لقلة مبالاته بذلك (٢).\nوقرئ (عرَفَ) مخففًا (٣)، ومعناه جازى عليه، ولا يجوز أن يكون (عرف) من العلم؛ لأن النبي -ﷺ- إذا أظهره الله على ما كانت أفشته علم جميع ذلك، ولم يجز أن يعلم من ذلك مع إظهار الله إياه بعضه، ولكن يعلم جميعه، فإذا لم يجز حمله على هذا الوجه علمت أنه بمعنى المجازاة،\n_________\n(١) كذا في في (ك): وصوابها (عن الكلبي) ولم أجد هذه الرواية.\n(٢) انظر: \"زاد المسير\" ٨/ ٣٠٩، و\"الكشاف\" ٤/ ١١٥، من طريق أبي صالح عن ابن عباس. والقولان في \"تفسير ابن عباس\" ٦/ ٩٧.\nقال ابن حجر: قوله: (وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثًا لقوله: بل شربت عسلًا) هذا القدر بقية الحديث .. وكأن المعنى: وأما المراد بقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا﴾ فهو لأجل قوله: (بل شربت عسلًا)، والنكتة فيه أن هذه الآية داخلة في الآيات الماضية، لأنها قبل قوله: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ﴾.\nقلت: وما ذكر من أمر الخلافة لا وجه له إذ يستبعد جمع أمر خاص به -ﷺ- مع خلافة المسلمين العامة، ثم ما الذي منع عائشة وحفصة -﵄- من ذكر هذا الأمر بعد موته -ﷺ- وما حصل أو كاد أن يحصل بين المهاجرين والأنصار، وهل كان الصديق أو الفاروق يحرص على تولي أمر المسلمين، وهل كانت عائشة أو حفصة كذلك، وعائشة هي التي كانت تشير عليه -ﷺ- بأمر عمر بالصلاة دون أبيها، لو كانت علمت ذلك من قبل هل كانت ستشير بهذا؟\n(٣) قرأ الكسائي ﴿عَرَّفَ﴾ بتخفيف الراء، وقرأ الباقون بتشديدها.\nانظر: \"حجة القراءات\" ص ٧١٣، و\"النشر\" ٢/ ٣٨٨، و\"الإتحاف\" ص ٤١٩.","vol":"22","page":14},{"text":"وهذا كما تقول لمن يسيء أو يحسن: أنا أعرف لأهل الإحسان وأعرف لأهل الإساءة، أي: لا يخفى عليّ ذلك وأغضي عن بعض، وهذا كقوله: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ﴾ [البقرة: ١٩٧] وقوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [النساء: ٦٣]، أي: يجازيهم، وهو أعلم (١) بما في قلوب الخلق أجمعين. ومثله قوله: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧]، أي: يرى جزاءه، وليس المعنى يرى ما عمل. وكان مما جازى حفصة تطليقه إياها؛ هذا كلام أبي علي (٢). وهو كله قول الفراء والزجاج (٣) واختيار أبي عبيد قراءة العامة لقوله: ﴿وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ﴾ يعني لم يعرفها إياه، ولو كان عرف مخففًا لكان ضده وأنكر بعضًا (٤).\n_________\n(١) في (س): (يعلم).\n(٢) من قوله: (جازى عليه ...) إلى هنا كلامه، وفيه تصرف من الواحدي. وانظر: \"الحجة للقراء السبعة\" ٦/ ٣٠١ - ٣٠٢.\n(٣) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ١٦٦، و\"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ١٩٢، و\"زاد المسير\" ٨/ ٣٠٨.\nقلت: تطليق حفصة ﵂ يرده ما في الصحيح، وفيه عن عمر قال: فقلت: أطلقت يا رسول الله -ﷺ- نساءك؟ فرفع رأسه إليّ وقال: لا. فقلت: الله أكبر. وفي رواية (أطلقتهن؟ فقال: لا. فقمت على باب المسجد فناديت بأعلى صوتي: لم يطلق نساءه) وفرحه -﵁- لما علم بأنه لم يطلق حفصة، ولو كانت طلقت لحزن؛ إذ في إمساكها دليل على فضل آل الخطاب وخيريتهم، وفي \"تفسير مقاتل\" ١٦٠ أأنه لم يطلقها وأنها من نسائه في الجنة.\nوانظر: \"صحيح مسلم\"، كتاب: الطلاق، باب: بيان أن تخيير المرأة لا يكون طلاقًا إلا بالنية ٢/ ١١٠٣، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٣٨٩.\n(٤) انظر: \"إعراب القرآن\" للنحاس ٣/ ٤٦٢، ومما قال: وقراءة الكسائي: ﴿عَرَّفَ بَعْضَهُ﴾ وردها أبو عبيد ردًّا شنيعًا .. قال أبو جعفر: وهذا الرد لا يلزم، والقراءة معروفة عن جماعة منهم أبو عبد الرحمن السلمي.","vol":"22","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4607>٤ </span>- ثم خاطب عائشة وحفصة فقال قوله: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ﴾ أي من التعاون على النبي -ﷺ- بالإيذاء: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ قال المفسرون: عدلت ومالت (١) عن الحق، وهما أنهما أحبا ما ذكره النبي -ﷺ- من اجتناب جاريته فلذلك صغو قلبيهما (٢)، وجواب الشرط محذوف للعلم به على تقدير: كان خيرًا لكما (٣).\nوالمراد بالجمع في قوله: ﴿قُلُوبُكُمَا﴾ التثنية. قال الفراء: وإنما اختير الجمع على التثنية؛ لأن أكثر ما تكون عليه الجوارح اثنين اثنين في الإنسان، كاليدين والرجلين والعينين، فلما جرى أكثره على هذا ذهب بالواحد منه إذا أضيف إلى الاثنين مذهب الاثنين (٤). وقد ذكرنا شرح هذا عند قوله: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]، وتفسير الصغو قد تقدم أيضًا عند قوله: ﴿وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ﴾ (٥) [الأنعام: ١١٣].\n_________\n(١) انظر: \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٣٠٢، و\"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٦١، و\"جامع البيان\" ٢٨/ ١٠٤.\n(٢) في (س): (قلبهما) وهو قول ابن زيد. انظر: \"جامع البيان\" ٢٨/ ١٠٤، و\"الكشف والبيان\" ١٢/ ١٤٨ ب.\nقال الألوسي: وإنما لم يفسروا: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ بمالت إلى الواجب، أو الحق، أو الخير، حتى يصح جعله جوابًا من غير احتياج إلى نحو ما تقدم؛ لأن صيغة الماضي، وقد، وقراءة ابن مسعود: (فقد زاغت قلوبكما) وتكثير المعنى مع تقليل اللفظ تقتضي ما سلف. انظر: \"روح المعاني\" ٢٨/ ١٥٢.\n(٣) انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٨/ ١٨٩.\n(٤) انظر: \"التفسير الكبير\" ٣٠/ ٤٤.\n(٥) والصغا: ميل في الحنك أو إحدى الشفتين، وأصغيت الإناء إذا أملته. انظر: \"تهذيب اللغة\" ٨/ ١٥٩، و\"اللسان\" ٢/ ٤٤٥ (صغا).","vol":"22","page":16},{"text":"قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ﴾، أي: يتظاهرا ويتعاونا على النبي -ﷺ- بالمعصية (١) والإيذاء ﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ﴾، أي: لم يضره ذلك التظاهر منكما فإن الله هو مولاه. قال ابن عباس: موال له على من عاداه، وناصر له (٢). وقال مقاتل: ولي له في العون (٣)، يعني يتولى نصرته. ﴿وَجِبْرِيلُ﴾ وليه، ﴿وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قال ابن عباس: يريد أبا بكر وعمر مواليين (٤) للنبي -ﷺ- على من عاداه، وناصرين له. وهو قول المقاتلين وعكرمة (٥).\nوروى ذلك عن عبد الله مرفوعًا أن النبي -ﷺ- قال: \"إن صالح المؤمنين أبو بكر وعمر\" (٦).\nوقال المسيب بن شريك (٧): هو أبو بكر (٨).\nوقال سعيد بن جبير: هو عمر (٩).\n_________\n(١) في (ك): (والمعصية).\n(٢) انظر: \"تنوير المقباس\" ٦/ ٩٨، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٦٦، و\"زاد المسير\" ٨/ ٣١٠.\n(٣) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٦٠ أ.\n(٤) في (ك): (والنبيين).\n(٥) انظر: \"التفسير الكبير\" ٣٠/ ٤٤، و\"البحر المحيط\" ٨/ ٢٩١.\n(٦) قال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" ٧/ ١٢٧: رواه الطبراني وفيه عبد الرحيم بن زيد العمي، وهو متروك.\n(٧) مسيب بن شريك. أبو سعيد التميمي. سكتوا عنه، مات سنة ١٨٦ هـ انظر: \"التاريخ الكبير\" ٧/ ٤٠٨.\n(٨) انظر: \"الكشف والبيان\" ١٢/ ١٥٩ ب، و\"زاد المسير\" ٨/ ٣١٠، عن مكحول عن أبي أمامة.\n(٩) انظر: \"الكشف والبيان\" ١٢/ ١٥٩ ب، و\"الدر\" ٦/ ٢٤٤، ونسب إخراجه لسعيد ابن منصور وابن سعد وابن المنذر.","vol":"22","page":17},{"text":"وقال الضحاك: يعني به خيار المؤمنين (١). ولفظ الآية على ما قال. ونحو ذلك قال الكلبي: هم المخلصون الذين ليسوا بمنافقين (٢).\nقال الفراء: وصالح المؤمنين مثل أبي بكر وعمر، الذين ليس فيهم نفاق، وهو موحد في مذهب جمع كما تقول: لا يأتيني إلا سائس الحرب، فمن كان ذا سيسة للحرب فقد أمر بالمجيء واحدًا كان أو أكثر (٣).\nوقال الزجاج: وصالح المؤمنين هاهنا ينوب عن الجميع كما تقول: يفعل هذا الخيرُ من الناس؛ تريد كل خيّر (٤)، هذا كلامهما. وقد حصل أن قوله: ﴿وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ يجوز أن يراد به الواحد والجماعة، ثم الكلام في التعيين والتفصيل يكون إلى المفسرين على ما حكينا عنهم.\nوقال قتادة وسفيان: صالح المؤمنين هم الأنبياء (٥). وعلى هذا معنى الآية: أن الأنبياء يوالونه وهم له أولياء، كما أن الله تعالى وليه وجبريل وليه. أي فلا يضره معاداة من عاداه.\nوأظهر هذه الأقوال قول من قال: إن المراد بصالح المؤمنين أبو بكر وعمر؛ لأن الخطاب في هذه الآية لابنتيهما عائشة وحفصة، وكأنه قيل لهمما: إن تعاونتما على إيذاء النبي -ﷺ- فإن أبويكما لا يوافقانكما ولا\n_________\n(١) انظر: \"جامع البيان\" ٢٨/ ١٠٥، و\"التفسير الكبير\" ٣٠/ ٤٤.\n(٢) انظر: \"الكشف والبيان\" ١٢/ ١٥١ أ، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٦٦.\n(٣) انظر: \"معاني القرآن\" ٣/ ١٦٧.\n(٤) انظر: \"معاني القرآن\" ٥/ ١٩٣.\n(٥) انظر:\"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٣٠٢، و\"جامع البيان\" ٢٨/ ١٠٥.\nقلت: وهذا المعنى بعيد عن ظاهر الآية، وأي فائدة في موالاة الأنبياء ﵈ لنبينا -ﷺ- في هذه القصة، والله أعلم.","vol":"22","page":18},{"text":"يتظاهران معكما، فإنهما وليا رسول الله (١).\nقوله تعالى: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ﴾ قال مقاتل: بعد الله وجبريل وصالح المؤمنين: ﴿ظَهِيرٌ﴾ قال يعني: أعوان النبي -ﷺ- (٢).\nقال أبو عبيدة، والفراء، والزجاج: وظهير في معنى ظهراء، وهذا من الواحد الذي يؤدي عن الجمع (٣) كقوله: ﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩]، وقد ذكرنا هذا في مواضع. قال الفراء: والملائكة بعد نصرة هؤلاء ظهير (٤). قال أبو علي: وقد جاء فعيل مفردًا يراد به الكثرة، كقوله: ﴿وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا (١٠) يُبَصَّرُونَهُمْ﴾ [المعارج:١٠ - ١١]، فدل عود الذكر\n_________\n(١) قال الآلوسي: (... وهما وزيراه وظهيراه في تدبير أمور الرسالة وتمشية أحكامها الظاهرة مع أن بيان مظاهرتهما له ﵇ أشد تأثيرًا في قلوب بنتيهما وتوهينًا لأمرهما). انظر: \"روح المعاني\" ٢٨٧/ ١٥٤.\nقلت: وممن قال بعموم اللفظ ابن جرير والنحاس وغيرهما.\nانظر: \"جامع البيان\" ٢٨/ ١٠٨، و\"روح المعاني\" ٢٨/ ١٥٤.\nوقال النحاس: فمن أصح ما قيل فيه أنه لكل صالح من المؤمنين، ولا يخص به واحد إلا بتوقيف. \"إعراب القرآن\" ٣/ ٤٦٢، وفي \"تنوير المقباس\" ٦/ ٩٨ قال: (جملة المؤمنين المخلصين أعوان له عليكما مثل أبي بكر وعمر وعثمان وعلي -﵃- ومن دونهم ...).\nوعلى هذا فحمل الآية على عمومها أولى وآكد والصديق والفاروق أولى الناس بنصرة النبي وموالاته، ولو فرض -وهو محال- أنهما نصرا ابنتيهما فبقية المؤمنين في نصرة النبي ومؤازرته -ﷺ-. وهذا أبلغ في حق عائشة وحفصة -﵄-.\n(٢) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٦٠ أ، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٦٦.\n(٣) انظر: \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٦١، و\"معاني القرآن\" ٣/ ١٦٧، و\"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ١٩٣.\n(٤) انظر: \"معاني القرآن\" ٣/ ١٦٧.","vol":"22","page":19},{"text":"مجموعًا إلى القبيلين على أنه أريد بهما الكثرة (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4608>٥ </span>- ثم خوف نساءه بقوله: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ﴾ الآية. قال الضحاك: كل عسى في القرآن فهو واجب. والمفسرون يقولون: عسى من الله واجب (٢). والمعنى: واجب من الله إن طلقكن رسوله أن يبدله أزواجًا خيرًا منكن، والله تعالى كان عالمًا أنه لا يطلقهن، ولكن أخبر عن قدرته أنه إن طلقهن أبدل خيرًا منهن؛ تخويفًا لهن؛ وهذا كقوله: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨]، والأكثر في قوله: ﴿طَلَّقَكُنَّ﴾ الإظهار، وروي عن أبي عمرو الإدغام (٣).\nولإدغام القاف في الكاف حسن، لأنهما من حروف الفم، وأصل الإدغام أن يكون فيما دون حرف الطرفين الحلق والشفة، فإن ترك الإدغام فيهما حسن، لأنهما من أول مخارج الحرف فأشبها حرف الحلق لقربهما منها كما أن الخاء والغين لما كانتا من أول مخارج الحلق وأقربهما إلى الفم أجريا مجرى حروف الفم في أن لم تبين النون معهما في بعض اللغات. وهو رواية أبي نشيط (٤) عن قالون، وقراءة أبي جعفر، وكذلك\n_________\n(١) انظر: \"التفسير الكبير\" ٣٠/ ٤٥، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٨/ ١٩٢.\n(٢) انظر: \"جامع البيان\" ٥/ ١١٧، و\"المحرر الوجيز\" ٢/ ١٥٩، و\"تهذيب اللغة\" ٣/ ٨٥، و\"اللسان\" ٢/ ٧٨١ (عسى).\n(٣) انظر: \"النشر\" ١/ ٢٨٦، و\"الإتحاف\" ٢٢ - ٢٣.\n(٤) هو محمد بن هارون، مقرئ جليل ضابط مشهور. قال ابن أبي حاتم: صدوق، سمعت مه مع أبي ببغداد، قلت: وسمع منه أبوه -وأثنى عليه- ومحمد بن مؤمل الناقد وجماعة. وكان ثقةً. توفي سنة ٢٥٨ هـ ووهم من قال غير ذلك. انظر: \"غاية النهاية\" ٢/ ٢٧٢، و\"سير النبلاء\" ١٢/ ٣٢٤، و\"تاريخ بغداد\" ٣/ ٣٥٢، و\"تهذيب التهذيب\" ٩/ ٤٩٣.","vol":"22","page":20},{"text":"القاف والكاف يكونان لقربهما من الحلق في حكم حروفه. والإدغام في حروف الحلق ليس بكثير، وكذلك فيما أشبههن (١).\nثم نعت تلك الأزواج التي كان يبدله لو طلق نساءه، فقال: ﴿مُسْلِمَاتٍ﴾ أي: خاضعات لله بالطاعة، ﴿مُؤْمِنَاتٍ﴾ مصدقات بتوحيد الله، ﴿قَانِتَاتٍ﴾ طائعات، ﴿سَائِحَاتٍ﴾ قال المفسرون: صائمات. وذكرنا تفسير الكلام فيه عند قوله: ﴿السَّائِحُونَ﴾ (٢) [التوبة: ١١٢]. قوله: ﴿ثَيِّبَاتٍ﴾ جمع ثيب. قال الليث: وهي المرأة التي قد تزوجت فبانت بأي وجه (٣) كان، فعادت كما كانت غير ذات زوج قبل التزوج، أو تزوجت بعد ذلك (٤)، ولا يوصف به الرجل إلا أن يقال: ولد الثيبين كما يقال: ولد البكرين. وجاء في الخبر: \"الثيبان يرجمان\" (٥).\nقال الأزهري: كأنه قيل لها ثيب؛ لأنها عادت إلى حالتها الأولى قبل\n_________\n(١) من قوله (وإدغام القاف في الكاف حسن) إلى هنا، من كلام أبي علي الفارسي وفيه تصرف. انظر: \"الحجة\" ٦/ ٣٠٣.\n(٢) وممن فسرها بالصائمات ابن عباس، والحسن، وابن جبير، وقتادة.\nانظر: \"جامع البيان\" ٢٨/ ١٠٦، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٨/ ١٩٣. ونسبه الزجاج لأهل التفسير وأهل اللغة. \"معاني القرآن\" ٥/ ١٩٤، و\"اللسان\" ٣/ ٣٢٣ (سيح). وقال الفراء: ونرى أن الصائم إنما سمي سائحًا أن السائح لا زاد معه، وإنما يأكل حيث يجد، فكأنه أخذ من ذلك. \"معاني القرآن\" ٣/ ١٦٧.\n(٣) في (ك): (بوجه ما) بدلًا من (بأي وجه)، والصواب ما أثبته.\n(٤) في (س): (قبل التزوج، أو تزوجت بعد ذلك) زيادة وبعدها عبارة مطموسة.\n(٥) أخرجه ابن أبي شيبة من طريق الشعبي عن مسروق عن أبي بن كعب (البكران يجلدان وينفيان، والثيبان يجلدان ويرجمان)، وأخرج عبد الرزاق عن الثوري عن الأعمش عن مسروق: (البكران يجلدان وينفيان، والثيبان يرجمان ولا يجلدان، والشيخان يجلدان ثم يرجمان) ورجاله رجال الصحيح. \"فتح الباري\" ١٢/ ١٥٧.","vol":"22","page":21},{"text":"أن تزوج، وكل شيء عاد بعد ذهابه فقد ثاب يثوب ثؤوبًا، ويقال: تثيب المرأة تثيبًا إذا صارت ثيبًا (١).\nقوله تعالى: ﴿وَأَبْكَارًا﴾ يريد عذارى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4609>٦ </span>- قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ (٢) قال ابن عباس: أي بالانتهاء عما نهاكم الله عنه، والعمل بطاعته (٣)، ﴿وَأَهْلِيكُمْ﴾ قال عمر: يا رسول الله: هذا نقي أنفسنا فكيف لنا بأهلينا؟ قال: \"تنهونهم عما نهاكم الله، وتأمرونهم بما أمركم الله به\" (٤). ونحو هذا قال جماعة المفسرين.\nقال مقاتل بن حيان: يعني أن يؤدب الرجل المسلم نفسه وأهله فيعلمهم الخير وينهاهم عن الشر، فذلك حق على المسلم أن يفعل بنفسه وأهله وعبيده وإمائه في تأديبهم وتعليمهم (٥).\nوقال علي -﵁- (٦) في هذه الآية: علموهم وأدبوهم (٧).\n_________\n(١) انظر: \"تهذيب اللغة\" ١٥/ ١٥٢ (ثاب)، و\"اللسان\" ١/ ٣٨٨ (ثيب).\n(٢) في (ك): (أنفسكم وأهليكم).\n(٣) انظر: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٦٧، وأخرج ابن جرير وغيره عنه قال: (اعملوا بطاعة الله، واتقوا معاصي الله، وأمروا أهليكم بالذكر، ينجيكم الله من النار). انظر: \"جامع البيان\" ٢٨/ ١٠٧، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٣٩١، و\"الدر\" ٦/ ٢٤٤.\n(٤) ذكره أبو حيان في \"البحر المحيط\" ٨/ ٢٩٢، بدون سند. ونحوه روى ابن مردويه عن زيد بن أسلم قال: تلا رسول الله -ﷺ- هذه الآية ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ فقالوا: يا رسول الله: كيف نقي أهلنا نارًا. قال: (تأمرونهم بما يحبه الله وتنهونهم عما يكره الله) \"الدر\" ٦/ ٢٤٤.\n(٥) انظر: \"التفسير الكبير\" ٣٠/ ٤٦، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٣٩١.\n(٦) في (ك): (﵀).\n(٧) أخرجه عبد الرزاق وابن جرير والحاكم، وصححه ولفظه (علموا أهليكم خيرًا). انظر: \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٣٠٣، و\"جامع البيان\" ٢٨/ ١٠٧، و\"المستدرك\" =","vol":"22","page":22},{"text":"وقال الحسن: تأمرهم بطاعة الله وتنهاهم عن معصيته (١). وقال قتادة: مروهم بطاعة الله، وانهوهم عن معصية الله (٢).\nقال ابن عمر لرجل: أدب ابنك فإنك مسؤول عن ولدك (٣)، كيف أدبته؟ وماذا علمته؟ وهو مسؤول عن برك وطاعتك (٤).\nوقال أبو ذر: أوصاني رسول الله -ﷺ- فقال: \"أخف أهلك ولا ترفع عنهم عطاءك\" (٥).\nوقال أبو إسحاق: المعنى: خذوا أنفسكم وأهليكم بما يقرب من الله، وجنبوا أنفسكم وأهليكم المعاصي (٦).\nوقال مقاتل: قوا أنفسكم وأهليكم المعاصي بالأدب الصالح النار في الآخرة (٧). وهو قوله: ﴿نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾، وقد سبق تفسيره في سورة البقرة (٨).\n_________\n= ٢/ ٤٩٤، و\"فتح الباري\" ٨/ ٦٥٩ وقال: وروى الحاكم .... ورواته ثقات، و\"الاستذكار\" ٥/ ٢١٦ وقال: قال أهل العلم بتأويل القرآن ومعانيه: أدبوهم وعلموهم.\n(١) أخرج سعيد بن منصور نحوه عن الحسين. انظر: \"فتح الباري\" ٨/ ٢٥٩.\n(٢) انظر: \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٣٠٣، و\"جامع البيان\" ٢٨/ ١٠٧، و\"الدر\" ٦/ ٢٤٤.\n(٣) في (ك): (كيف).\n(٤) و(٥) لم أجده.\n(٦) انظر: \"معاني القرآن\" ٥/ ١٩٤.\n(٧) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٦٠ أ.\n(٨) عند تفسيره الآية (٢٤) من سورة البقرة قال: ﴿فَاتَّقُوا النَّارَ﴾، أي: فاحذروا أن تصلوا النار بتكذيبكم، وإنما قيل لهم هذا بعد أن ثبتت الحجة عليهم في التوحيد وصدق محمد ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ﴾ قال ابن السكيت: الوُقود بالضم المصدر. يقال: وقدت النار تقد وقودًا. ويقال: ما أجود هذا الوقود للحطب. ﴿وَالْحِجَارَةُ﴾ جمع =","vol":"22","page":23},{"text":"قوله تعالى: ﴿عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ﴾ قال ابن عباس: يريد خزنة النار تسعة عشر ملكًا (١)، ﴿غِلَاظٌ﴾ أي على أهل النار كقوله: ﴿وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ٧٣، التحريم: ٩]، ويجوز أن يكون معنى الغلظ هاهنا ضخامة أجسامهم. قال (٢) ابن عباس: ما بين منكبيه مسيرة سنة. ونحوه قال مقاتل (٣).\nوقوله: ﴿شِدَادٌ﴾ أي أقوياء. قالا: وقوة الواحد منهم أن يضرب بالمقمع فيدفع بتلك الضربة سبعين ألف إنسان في قعر جهنم (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4610>٨ </span>- قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ قال أبو إسحاق: معناه توبة بالغة في (٥) النصح (٦).\nوقال الفراء: ﴿نَصُوحًا﴾ من صفة التوبة، ومعناه يحدث نفسه إذا تاب\n_________\n= حجر، وليس بقياس، ولكنهم قالوه كما قالوا: جمل وجمالة، وذكر وذكارة، وجاء في التفسير أن الحجارة هاهنا حجارة الكبريت. وقوله: ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ﴾ لا يدل على أنها غير مخلوقة بأن الناس لم يدخلوها بعد لأنها متقدة بغير الناس فإذا دخلها الناس صاروا وقودها.\n(١) انظر: \"الكشف والبيان\" ١٢/ ١٥١ ب، و\"البحر المحيط\" ٨/ ٢٩٢، و\"روح المعاني\" ٢٨/ ١٥٧، ولم ينسب لقائل.\n(٢) في (ك): (فقال) زيادة.\n(٣) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٦٠ ب، و\"الدر\" ٦/ ٢٤٤، وذكر تخريج ابن جريج له عن كعب بلفظ: (ما بين منكب الخازن من خزنتها مسيرة سنة ...)، وهذا مما نقل عن أهل الكتاب، والله أعلم.\n(٤) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٦٠ ب، و\"زاد المسير\" ٨/ ٣١٣، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٨/ ١٩٦.\n(٥) في (ك): (من).\n(٦) انظر: \"معاني القرآن\" ٥/ ١٩٤.","vol":"22","page":24},{"text":"من ذلك الذنب ألا يعود إليه أبدًا. هذا كلامه (١). والمعنى: توبة تنصح صاحبها بترك العود إلى ما تاب منه. وهذا معنى قول قتادة وسعيد بن المسيب قالا (٢): هي الصادقة الناصحة، ينصحون بها أنفسهم (٣).\nوروي عن عاصم (نصوحًا) بضم النون (٤). قال الفراء: أراد المصدر مثل القعود. ونحو ذلك قال المبرد (٥) والزجاج. يقال: نصحت لهم نصحًا ونصاحة ونصوحًا (٦)، ويحتمل المصدر هاهنا معنيين:\nأحدهما: أنه أراد توبة ناصحة، يسمى الفاعل باسم المصدر.\nويجوز أن يريد به توبة ذات نصوح. وقال أبو زيد نصحته: صدقته، وتوبة نصوح: صادقة (٧). وأما قول المفسرين فإنهم كلهم على أن التوبة النصوح هي التي لا يعاود صاحبها بعدها الذنب.\nقال عمر بن الخطاب -﵁-: التوبة النصوح أن يجتنب الرجل عمل السوء ثم لا يعود إليه أبدًا (٨).\n_________\n(١) انظر: \"معاني القرآن\" ٣/ ١٦٨.\n(٢) في (س): (هذا قالا).\n(٣) انظر: \"جامع البيان\" ٢٨/ ١٠٨، و\"الكشف والبيان\" ١٢/ ١٥١ أ، و\"الدر\" ٦/ ٢٤٥.\n(٤) قرأ عاصم ﴿نُصُوحًا﴾ بضم النون، وقرأ الباقون ﴿نَّصُوحًا﴾ بفتحها. انظر: \"حجة القراءات\" ص ٧١٤، و\"النشر\" ٢/ ٣٨٨، و\"الاتحاف\" ص ٤١٩.\n(٥) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ١٦٨، و\"الحجة للقراء السبعة\" ٦/ ٣٠٣، و\"الكشف والبيان\" ١٢/ ١٥١ أ.\n(٦) انظر: \"معاني القرآن\" ٥/ ١٩٤.\n(٧) انظر: \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٢٥٠، و\"اللسان\" ٣/ ٦٤٦ (نصح).\n(٨) أخرجه ابن جرير ٢٨/ ١٠٨، وابن أبي حاتم، والحاكم ٢/ ٤٩٥، وصححه، وعبد الرزاق. انظر: \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٣٠٣، و\"الدر\" ٦/ ٢٤٥.","vol":"22","page":25},{"text":"وقال مقاتل بن حيان (١): التوبة النصوح أن يتوب العبد من ذنبه صادقًا في ذلك لا يريد مراجعته ولا يعود فيه (٢). ووعدهم إذا فعلوا ذلك أن يكفر عنهم سيئاتهم ويدخلهم الله الجنة (٣)، وهو قوله: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾: لا يعذبهم الله بدخول النار، قاله مقاتل (٤). وذكرنا تفسير الإخزاء عند قوله: ﴿فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ [آل عمران: ١٩٢] (٥).\nوقوله: ﴿نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾ مفسر في سورة الحديد.\nقوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا﴾ إذا رأى المؤمنون نور المنافقين يطفأ سألوا الله أن يتم لهم نورهم ويبلغهم به الجنة. وهذا معنى قول ابن عباس: لا تطفئه كما أطفأت نور المنافقين (٦).\n_________\n(١) في (س): (بن حيان) زيادة.\n(٢) انظر: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٦٧، عن عمر، وأبي، ومعاذ.\nوهو المعنى الذي ذكره مقاتل بن سليمان في \"تفسيره\" ١٦٠/ ب، وأخرجه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" عن مجاهد ١٣/ ٥٦٨.\n(٣) (الجنة) ساقطة من (س).\n(٤) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٦٠ ب.\n(٥) قال: الإخزاء يرد على معان يقرب بعضها من بعض. قال الزجاج: أخزى الله العدو أي أبعده. وقال غيره: الخزي: الهوان، وأخزاه الله، أي: أهانه. وقال شمر: أخزيته: فضحته، وفي القرآن: ﴿وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي﴾. وقال ابن الأنباري: معنى الخزي في اللغة الهلاك بتلف أو انقطاع حجة، أو بوقوع في بلاء.\nوانظر: \"تهذيب اللغة\" ٧/ ٤٩٠، و\"اللسان\" ١/ ٨٢٩، و\"المفردات\" (١٤٧) (خزي).\n(٦) وهو قول مجاهد، والضحاك، والحسن. انظر: \"تنوير المقباس\" ٦/ ١٠٠، و\"تفسير مجاهد\" ٢/ ٦٨٤، و\"جامع البيان\" ٢٨/ ١٠٨، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٣٩٢، و\"المستدرك\" ٢/ ٤٩٦.","vol":"22","page":26},{"text":"قوله: ﴿إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ قال: يريد: من إطفاء نور المنافقين وإثبات نور المؤمنين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4611>٩ </span>- ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ مفسر في سورة براءة (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-4612>١٠ </span>- قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ﴾ قال صاحب النظم: نظمه: ضرب الله امرأة نوحٍ وامرأة لوط للذين كفروا مثلًا. ثم بين حالهما فقال: ﴿كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ﴾ يعني نوحًا ولوطًا.\nوقوله: ﴿فَخَانَتَاهُمَا﴾ قال عطاء عن ابن عباس: كانت امرأة نوح تقول للناس إنه مجنون، وكانت امرأة لوط إذا نزل به الضيف بالليل أوقدت النار حتى يعلم قومه أنه قد نزل به ضيف، وإذا نزل به بالنهار (٢) دخنت (٣).\nوروى الضحاك عنه قال: ما بغت امرأة نبي قط، إنما كانت خيانتهما\n_________\n(١) عند تفسيره الآية (٧٣) من سورة التوبة قال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ قال ابن عباس في رواية علي بن أبي طلحة: أمره الله بجهاد الكفار بالسيف والمنافقين باللسان. وزاد عطاء عنه بيانًا فقال: يريد جاهد الكفار بالسيوف والرماح والنبل، والمنافقين باللسان وشدة الانتهار وترك الرفق.\n﴿وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ يقال: غلظ الشيء يغلط غلظًا في الخلقة، ثم يقال: رجل غليظ إذا كان فظًّا، وغلظ له القول وأغلظ إذا لم يرفق به .. والغلظة قوة في القلب على إحلال الألم بصاحبه، كما أن الرفق ضعف القلب عن ذلك. قال ابن عباس: يريد شدة الانتهار والنظر بالبغضة والمقت. وقال ابن مسعود: هو أن يكفهر في وجوههم.\n(٢) في (ك): (النهار) والصواب ما أثبته.\n(٣) انظر: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٦٨، و\"زاد المسير\" ٨/ ٣١٥، وأخرجه الحاكم وصححه، وابن جرير، وعبد الرزاق نحوه.\nانظر: \"جامع البيان\" ٢٨/ ١٠٩، و\"المستدرك\" ٢/ ٤٩٦، و\"الدر\" ٦/ ٢٤٥.","vol":"22","page":27},{"text":"في الدين (١). وقال عكرمة: فخانتاهما في الدين (٢).\nوروى أن ابن عباس سئل عن قوله ﴿فَخَانَتَاهُمَا﴾ قال: ليس بالزنا، ولكن كانت امرأة نوح تخبر الناس أنه مجنون، وكانت امرأة لوط تدل على الأضياف (٣).\nوقال مقاتل: كانتا مخالفتين لدينهما (٤).\nوقال الكلبي: أسرتا النفاق وأظهرتا الإيمان (٥).\nهذا ما ذكره المفسرون في تفسير خيانة امرأة نوح وامرأة لوط، وقد حصل من هذا أن خيانتهما لم تكن في بغاء، لأن الأنبياء ﵈ لا يبتليهم الله في نسائهم بفساد، وإنما كانت في الدين (٦).\nقوله تعالى: ﴿فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ أي: لم يدفعا عنهما عذاب الله مع كفرهما. وقال مقاتل والكلبي (٧): يخون عائشة وحفصة في تظاهرهما على الرسول. أي إن عصيا ربهما لم يغن محمد عنهما من الله شيئًا (٨).\n_________\n(١) انظر: \"تنوير المقباس\" ٦/ ١٠١، و\"جامع البيان\" ٢٨/ ١٠٩، و\"الكشف والبيان\" ١٢/ ١٥٢ ب، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٣٩٣.\n(٢) انظر: \"جامع البيان\" ٢٨/ ١٠٩، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٣٩٣.\n(٣) أخرجه ابن جرير، وذكره الثعلبي بألفاظ مقاربة لما هنا.\nانظر: \"جامع البيان\" ٢٨/ ١٠٩، و\"الكشف والبيان\" ١٢/ ١٥٢ ب.\n(٤) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٦٠ ب.\n(٥) انظر: \"تنوير المقباس\" ٦/ ١٠١، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٨٦، و\"زاد المسير\" ٨/ ٣١٥.\n(٦) قال القرطبي: وهذا إجماع من المفسرين فيما ذكره القشيري. انظر: \"الجامع\" ١٨/ ٢٠٢، و\"أضواء البيان\" ٨/ ٣٨١.\n(٧) في (س): (وقوله وقال الكلبي ومقاتل).\n(٨) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٦٠ ب، و\"إعراب القرآن\" للنحاس ٣/ ٤٦٧، و\"الكشف والبيان\" ١٢/ ١٥٢ ب.","vol":"22","page":28},{"text":"وقال صاحب النظم: أي أن من كان كافرًا وكان زوجه ووليه مؤمنًا لم ينفع الكافر إيمان وليه ولا (١) زوجه، ولا الصالح صلاح غيره (٢).\nقال أبو إسحاق: أعلم الله أن الأنبياء لا يغنون عمن عمل بالمعاصي شيئًا (٣). وقال المفسرون: قطع الله بهذه الآية طمع من ركب المعصية ورجا أن ينفعه صلاح غيره (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4613>١١ </span>- ثم أخبر أن معصية الغير لا تضره إذا كان مطيعًا (٥)، وهو قوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ﴾، وهي آسية بنت مزاحم، كانت قد آمنت بموسى، وسألت الله بيتًا في الجنة.\nفقالت: ﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ﴾ ومعنى عندك أي لا يتصرف فيه إلا بإذنك، وهو الجنة (٦). قال المفسرون: كانت تعذب في الله لأجل إيمانها، فسألت الله بيتًا في الجنة، فاستجاب الله لها، فنظرت إلى\n_________\n(١) (ولا) ساقطة من (س).\n(٢) انظر: \" التفسير الكبير\" ٣٠/ ٥١، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٣٩٣، و\"البحر المحيط\" ٨/ ٢٩٤.\n(٣) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ١٩٥.\n(٤) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ١٦٩، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٦٨.\n(٥) انظر: \"الكشف والبيان\" ١٢/ ١٥٣/ أ.\n(٦) قال العلماء: اختارت الجار قبل الدار. انظر: \"البحر المحيط\" ٨/ ١٩٤، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٣٩٤.\nقلت: لعل مراد المؤلف -﵀- قرب المنزل من الله تعالى، وأنها أرادت ارتفاع الدرجة في الجنة، فتكون في الجنان القريبة من العرش، أما إذا كان مراده تأويل معنى ﴿عِنْدَكَ﴾ بنفي العلو عن الله تعالى، فهو قول ترده آيات كتاب الله وسنة رسوله -ﷺ-، وهو مخالف لما عليه سلف الأمة. والله أعلم.","vol":"22","page":29},{"text":"بيتها في الجنة قبل موتها (١).\nقوله: ﴿وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ﴾ قال مقاتل: وعمله الشرك (٢). وروى أبو صالح (٣) عن ابن عباس: ﴿وَعَمَلِهِ﴾ قال: جماعه (٤). ﴿وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ قال الكلبي ومقاتل: المشركين أهل مصر (٥).\nقال صاحب النظم: وتأويل الآية أن من كان مؤمنًا وعمل صالحًا لم يضره كفر حميمه ووليه وفساده (٦).\nقال قتادة: كان فرعون أعتى أهل الأرض على الله وأبعدهم من الله. فوالله ما ضر امرأته كفر زوجها حين أطاعت ربها لتعلموا، أن الله حكم عدل لا يؤاخذ عبدًا إلا بذنبه (٧).\nوقال مقاتل: يقول لعائشة وحفصة: لا تكونا بمنزلة امرأة نوح وامرأة لوط في المعصية. وكونا بمنزلة امرأة فرعون ومريم (٨).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4614>١٢ </span>- قوله تعالى: ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾ وقد تقدم\n_________\n(١) انظر: \"جامع البيان\" ٢٨/ ١١٠، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٣٩٤، وأخرج أبو يعلى، والبيهقي بسند صحيح عن أبي هريرة نحوه، و\"الدر\" ٦/ ٢٤٥.\n(٢) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٦٠ ب، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٦٨.\n(٣) في (س): (أبو صالح) زيادة.\n(٤) انظر: \"الكشف والبيان\" ١٢/ ١٥٣ أ، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٨/ ٢٠٣.\n(٥) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٦٠ ب، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٨/ ٢٠٣.\n(٦) لم أجده، وهو ما ذكره غيره من المفسرين. انظر: \"جامع البيان\" ٢٨/ ١١٠.\n(٧) انظر: \"جامع البيان\" ٢٨/ ١٠٩، و\"الدر\" ٦/ ٢٤٥، ونسب إخراجه لعبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن المنذر.\n(٨) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٦٠ ب، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٨/ ٢٠٢، عن يحيي ابن سلام.","vol":"22","page":30},{"text":"تفسيره في سورة الأنبياء (١).\nقال مقاتل: أحصنت فرجها عن الفواحش، وإنما ذكرت بذلك لأنها قذفت بالزنا (٢). وقال الكلبي: يعني فرجها ثوبها (٣).\nقال الزجاج: والعرب تقول للعفيف: هو نقي الثوب وهو طيب الحُجْزة. تريد أنه عفيف، وأنشد للنابغة (٤):\nرقاق النعال طيب حجزاتهم ... يحيون بالريحان يوم السباسب\nونحو هذا قال الفراء، وهو مستقصى فيما تقدم (٥)، والدليل على القول الثاني قوله: ﴿فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا﴾ أي في فرج ثوبها (٦).\nقال مقاتل: يعني في الجيب، وذلك أن جبريل مد حبيب درعها بإصبعه ثم نفخ في جيبها، فحملت (٧). وهذا قول جماعة المفسرين (٨). ومن حمل الفرج على حقيقته في هذه الآية جعل الكناية في قوله: (فيه) من غير\n_________\n(١) عند تفسيره الآية (٩١) من سورة الأنبياء.\n(٢) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٦١ أ، و\"التفسير الكبير\" ٣٠/ ٥٠.\n(٣) انظر: \"تنوير المقباس\" ٦/ ١٠٣، و\"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ١٦٩، ونسبه للمفسرين.\n(٤) \"ديوان النابغة الذبياني\" ص ٤٩، و\"تهذيب اللغة\" ٤/ ١٢٤، و\"اللسان\" ١/ ٥٧٤ (حجز)، و\"الخزانة\" ٤/ ٣٩٣.\nوالسباسب والبسابس: القفار، واحدها: سبسب وبسبس، ومنه قيل للأباطيل: الترهات البسابس. \"تهذيب اللغة\" ١٢/ ٣١٥ (سب).\n(٥) في (س): (ونحو هذا قال الفراء وهو مستقصي فيما تقدم) زيادة، وانظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ١٦٩.\n(٦) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ١٩٦.\n(٧) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٦١ أ.\n(٨) انظر: \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٣٠٣، و\"جامع البيان\" ٢٨/ ١١٠، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٣٩٤.","vol":"22","page":31},{"text":"مذكور، وهو حبيب الدرع (١).\nقوله تعالى: ﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا﴾ قال مقاتل: يعني بعيسى أنه نبي الله (٢)، ويدل على هذا قراءة الحسن (بكلمةِ ربها) على الواحد (٣). وعيسى سمي كلمة الله في مواضع من القرآن (٤)، وجمعت تلك الكلمة هاهنا فذكرت باسم الجمع.\nوقال أبو علي الفارسي: الكلمات تكون الشرائع التي شرع لها دون القول، لأن ذلك قد استغرقه.\nقوله تعالى: ﴿وَكُتُبِهِ﴾ وكأن المعنى: صدقت بالشرائع التي ابتلي بها إبراهيم فأخذت بها وصدقت الكتاب فلم تكذب بها، وإنما سميت الشرائع كلمات كما سميت الشرائع (٥) التي ابتلي بها إبراهيم كلمات في قوله: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ [البقرة: ١٢٤] وقد مر. وهذا الذي ذكرناه قول أبي علي (٦). وهو معنى قول ابن عباس بكلمات ربها التي جاء بها جبريل. وقوله: ﴿وَكُتُبِهِ﴾ قال: التي أنزل على إبراهيم وموسى وداود وعيسى (٧).\n_________\n(١) انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٨/ ٢٠٣.\n(٢) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٦١ أ، و\"التفسير الكبير\" ٣٠/ ٥٥.\n(٣) قرأ بها الحسن، وأبو العالية، وأبو مجلز، وعاصم الجحدري، وغيرهم. انظر: \"زاد المسير\" ٨/ ٣١٦، و\"البحر المحيط\" ٨/ ٢٩٥.\n(٤) وردت بهذا المعنى في الآيتين (٣٩، ٤٥) من سورة آل عمران، (١٧١) من سورة النساء.\n(٥) (س): (كلمات كما سميت الشرائع) زيادة.\n(٦) انظر: \"التفسير الكبير\" ٣٠/ ٥٠.\n(٧) انظر: \"تنوير المقباس\" ٦/ ١٠٣، و\"الوسيط\" ٤/ ٣٢٤.","vol":"22","page":32},{"text":"وقرئ، (وكتابِهِ) على الواحد (١).\nوالمراد به الكثرة (٢) والشياع أيضًا. وقد يجيء ذلك في الأسماء المضافة كما جاء في المفردة التي بالألف واللام، كقوله: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم: ٣٤]، فكما أن المراد بنعمة الله الكثرة، كذلك في قوله: (وكتابه) (٣).\nقوله تعالى: ﴿وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ قال ابن عباس: من الطائعين لله ﷿ (٤).\nقال مقاتل: من المطيعين لربها (٥). وقال عطاء: من المصلين (٦).\nقيل: كانت تصلي بين المغرب والعشاء.\nوقال قتادة: كانت من القوم المطيعين (٧). ولهذا قال: ﴿مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ دون القانتات: لأنه أراد القوم، وهو عام، كقوله: ﴿وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [آل عمران: ٤٣]، ومعنى من القوم القانتين أي من الذين (٨) هم مقيمون على طاعة الله. ويجوز أن يراد قومها، وذلك أن رهطها الذين كانت منهم\n_________\n(١) قرأ أبوعمرو وحفص ويعقوب ﴿وَكُتُبِهِ﴾ بالجمع، وقرأ الباقون (وكتابه) بالانفراد. انظر: \"حجة القراءات\" ص ٧١٥، و\"النشر\" ٢/ ٣٨٩، و\"الإتحاف\" ص ٤١٩.\n(٢) في (ك): (الكثير).\n(٣) انظر: \"الحجة للقراء السبعة\" ٦/ ٣٠٤.\n(٤) انظر: \"تنوير المقباس\" ٦/ ١٠٤، و\"التفسير الكبير\" ٣٠/ ٥٠.\n(٥) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٦١ أ، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٦٨.\n(٦) انظر: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٦٨، و\"التفسير الكبير\" ٣٠/ ٥٥.\n(٧) انظر: \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٣٠٣، \"جامع البيان\" ٢٨/ ١١٠.\n(٨) (س): (أي من الذين) زيادة.","vol":"22","page":33},{"text":"مريم مطيعون، وكانوا أهل بيت من الله بمكان (١)\n_________\n(١) انظر: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٦٨.","vol":"22","page":34},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4615>سورة الملك</span>","vol":"22","page":35},{"text":"تفسير سورة الملك\nبسم الله الرحمن الرحيم\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4616>٢ </span>- اختلفوا في معنى ﴿الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ﴾ هاهنا. فروى الكلبي بإسناده عن ابن عباس أن الله تعالى خلق الموت في صورة كبش أملح، لا يمر بشي إلا مات، ولا يجد رائحته شيء إلا مات، وخلق الحياة في صورة فرس بلقاء (١) فوق الحمار ودون البغل، لا يمر بشيء ولا يجد رائحتها شيء إلا حيّ (٢).\nوقال مقاتل: يعني بالموت نطفة وعلقة ومضغة، والحياة (٣) نفخ الروح (٤).\nوقال قتادة: يعني موت الإنسان أذل الله به ابن آدم، والحياة حياته في الدنيا (٥).\nوروى عطاء عن ابن عباس قال: يريد الموت في الدنيا والحياة في\n_________\n(١) بَلَقُ الدابة سواد وبياض. وهو مصدر، الأبلق: ارتفاع التحجيل إلى الفخذين. \"اللسان\" ١/ ٢٥٩ (بلق).\n(٢) انظر: \"تنوير المقباس\" ٦/ ١٠٤، و\"معاني القرآن\" للزجاج ٩/ ١٩٧، و\"الكشف والبيان\" ١٢/ ١٥٤ ب. قال الألوسي: وهو أشبه شيء بكلام الصوفية لا يعقل ظاهره. \"روح المعاني\" ٢٩/ ٤.\n(٣) في (ك): (في الحياة).\n(٤) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٦١ أ، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٨/ ٢٠٧.\n(٥) انظر: \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٣٠٤، و\"جامع البيان\" ١٢/ ٢٩/ ٢.","vol":"22","page":37},{"text":"الآخرة دار الحيوان (١).\nقوله تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ مضى الكلام في معنى ابتلاء الله في مواضع (٢).\nوالمعنى: لنعاملكم معاملة المختبر، فيرى من يعتبر بهما، فيعلم قدرة الله الذي قدر على خلق ضدين الحياة والموت، فيحذر مجيء الموت الذي ينقطع به استدراك ما فات، وشمتوي فيه الفقير والغني والملوك والسوقة، ويعلم أن خلفهما قاهر الجميع (٣).\nوهذا المعنى في ليبلوكم على قول الكلبي، وأما على قول قتادة (٤) فقال أبو إسحاق: ﴿خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ﴾ (٥): خلق الحياة ليختبركم فيها، وخلق الموت ليبعثكم ويجازيكم بأعمالكم (٦). وعلى هذا المعنى: خلق الموت ليبعثكم (٧) للجزاء، وخلق الحياة للابتلاء. واللام في ﴿لِيَبْلُوَكُمْ﴾ تتعلق بخلق الحياة دون خلق الموت؛ لأن الابتلاء بها وفيها، وحذف ما\n_________\n(١) انظر: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٦٩، و\"التفسير الكبير\" ٣٠/ ٥٥.\n(٢) الابتلاء: بمعنى الامتحان والاختبار، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ﴾ سورة محمد: ٣١.\nويكون في الخير والشر معًا، ومنه قوله تعالى ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء: ٣٥].\nانظر: \"اللسان\" ١/ ٢٦٤، (بلا)، و\"المفردات\" ص ٦١ (بلى).\n(٣) انظر: \"التفسير الكبير\" ٣٠/ ٥٦.\n(٤) في (س): (وأما على قول قتادة) زيادة.\n(٥) (خلق الموت والحياة) ساقطة من (س).\n(٦) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ١٩٧.\n(٧) في (س): (ويجازيكم بأعمالكم. وعلى هذا المعني: خلق الموت ليبعثكم) زيادة.","vol":"22","page":38},{"text":"خلق الموت (١) له، هذا معنى ما ذكره أبو إسحاق.\nوأما على قول مقاتل فالمعنى: ليبلوكم فيما بين كونكم مواتًا نطفًا وعلقًا، وبين منتهى الحياة، والمعنى: خلقكم أمواتًا أولًا ثم خلق لكم الحياة ليرى أعمالكم الذي تستحقون به الجزاء (٢).\nقال صاحب النظم: معنى ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾؛ ليكون ما قدر عليكم من الخير والشر فتجازون به؛ لأن (٣) الجزاء بما (٤) كان وما يكون من الخلق. وسمي وقوع ذلك الذي قدر علينا بلوى منه؛ تحذيرًا وتخويفًا. وعلى ما رواه عطاء في تفسير الموت والحياة يتعلق قوله: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ﴾ بخلق الموت والحياة على الوجه الذي ذكرنا في تفسير الكلبي.\nقال الفراء والزجاج: المتعلق بأيكم مضمر، لأن المعنى والتقدير: ليبلوكم فيعلم أو فينظر أيكم أحسن عملًا، وارتفعت (أي) بالابتداء ولا (٥) يعمل فيها ما قبلها؛ لأنها على أصل الاستفهام، وذلك أنك إذا قلت: لأعلم أيكم أفضل. كان المعنى: لأعلم أزيد أفضل أم عمرو. وأعلم لا يعمل فيما بعد الألف، وكذلك لا يعمل في أي، لأن المعنى واحد (٦)، وهذا مما سبق الكلام فيه. ومثل هذا قوله: ﴿سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِيمٌ﴾ [القلم: ٤٠] يريد: سلهم ثم انظر أيهم يكفل بذلك. والكلام في إعراب أي فيما\n_________\n(١) في (س): (لأن الابتلاء بها وفيها، وحذف ما خلق الموت) زيادة.\n(٢) انظر: \"تفسير غرائب القرآن\" ٢٩/ ٥.\n(٣) (س): (لأن، بما) زيادة.\n(٤) (س): من (المتعلق بأيكم) إلى (بالابتداء ولا) زيادة.\n(٥) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ١٦٩، و\"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ١٩٧.\n(٦) انظر: \"معانى القرآن\" للفراء ٣/ ١٦٩.","vol":"22","page":39},{"text":"ذكرنا (١).\nومعنى قوله: ﴿أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ قال أبو قتادة (٢): سألت رسول الله -ﷺ- عنه فقال: \"يقول: أيكم أحسن عقلًا (٣). ثم قال: أتمكم عقلًا، أشدكم لله خوفًا، وأحسنكم فيما أمر الله به ونهى عنه نظرًا\" (٤). ونحو هذا قال قتادة: أتم عقلًا، وأورع عن محارم الله، وأسرع في طاعة الله (٥).\n_________\n(١) وأبو قتادة الحارث بن ربعي ﵁، شهد أحدًا وما بعدها من المشاهد، دعا له رسول الله -ﷺ-. توفي وهو ابن سبعين سنة، وذلك سنة أربع وخمسين بالمدينة المنورة.\nانظر: \"طبقات ابن سعد\" ٦/ ١٥، و\"التاريخ الكبير\" ٢/ ٢٥٨، و\"صفة الصفوة\" ١/ ٦٤٧، و\"سير أعلام النبلاء\" ٢/ ٤٤٩، و\"البداية والنهاية\" ٨/ ٦٨.\n(٢) في (ك): (اتقوا أيكم أحسن عملًا).\n(٣) أخرجه الطبري ١٥/ ٢٥٠، وفيه مرة، وهو ضعيف.\nوأخرجه داود بن المجبر في كتاب العقل، والحارث في مسنده عنه، والطبري، وابن مردويه من طريقه عن عبد الواحد بن قلد، عن كليب بن وائل، عن ابن عمر، وداود ساقط. وأخرجه ابن مردويه أيضًا من طريق آخر، وإسناده أسقط من الأول، وأخرجه الثعلبي في \"الكشف والبيان\" ١٢/ ١٥٤/ ب وفي سنده داود بن المجبر أيضًا. وانظر: \"تخريجات الكشاف\" ص ٨٦.\n(٤) انظر: \"زاد المسير\" ٤/ ٧٩، وأخرجه الثعلبي عن ابن عمر عن النبي -ﷺ- بالسند الأول. وذكره البغوي في \"تفسيره\" دون سند. انظر: \"الكشف والبيان\" ٢/ ١٥٤ ب، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٦٩.\n(٥) انظر: \"التفسير الكبير\" ٣٠/ ٥٦.\nقلت: وتفسير المؤلف للآية بناه على الحديث المذكور، وهو حديث ضعيف. والأفضل والأصح من هذا ما ذكره ابن كثير -﵀- عند تفسيره لآية سورة هود ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ قال: (ولا يكون العمل حسنًا حتى يكون خالصًا لله ﷿، على شريعة رسول الله -ﷺ-، فمتي فقد العمل واحدًا من هذين الشرطين حبط وبطل). وانظر: \"زاد المسير\" ٤/ ٧٩.","vol":"22","page":40},{"text":"وإنما جاز أن يفسر حسن العمل بتمام العقل؛ لأنه يترتب على العقل، فمن كان أتم عقلًا كان أحسن عملًا على ما ذكره النبي -ﷺ- في حديث أبي قتادة (١).\nوروي عن الحسن: أيكم أزهد في الدنيا وأترك لها (٢). قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ أي في انتقامه ممن عصاه فلم يعتبر بما خلق ولم يستدل على توحيده وقدرته ﴿الْغَفُورُ﴾ لمن تاب إليه، واستدل بصنيعه على توحيده. ثم أخبر عن صنعه الذي يدل على توحيده فقال: ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا﴾ قال ابن عباس والمفسرون: بعضها فوق بعض.\nوقال الكلبي: كل سماء مقببة على الأخرى يلتصق بها أطرافها، وسماء الدنيا موضوعة على الأرض مثل القبة (٣).\nقال الزجاج: و﴿طِبَاقًا﴾ مصدر، أي: طوبقت طباقًا (٤).\nقوله تعالى: ﴿مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ﴾ قال مقاتل: ما ترى يا ابن آدم في خلق السموات من عيب (٥).\nوقال قتادة: ما ترى خللًا واختلافًا (٦).\nوقال السدي: ﴿مِنْ تَفَاوُتٍ﴾ أي من اختلاف وعيب (٧)، يقول الناظر:\n_________\n(١) انظر: \"الكشف والبيان\" ١٢/ ١٥٥ أ، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٦.\n(٢) انظر: \"جامع البيان\" ٢٩/ ٣، و\"الكشاف\" ٤/ ١٢٠، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٨/ ٢٠٨.\n(٣) انظر: \"تنويرالمقباس\" ٦/ ١٠٥، و\"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ١٩٨.\n(٤) انظر: \"معاني القرآن\" ٥/ ١٩٨.\n(٥) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٦١ أ، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٨/ ٢٠٨.\n(٦) انظر: \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٣٠٤، و\"جامع البيان\" ١٢/ ٢٩/ ٣.\n(٧) (س): (وعيب) زيادة.","vol":"22","page":41},{"text":"لو كان كذا كان أحسن (١).\nقال الكلبي: هو الذي يفوت بعضه بعضًا (٢). وتقرأ (تُفوُّت) (٣) قال الفراء: وهما بمنزلة واحدة مثل (تصعر، تصاعر) (٤) وتعهدته، وتعاهدته. قال: والتفاوت: الاختلاف، يريد: هل ترى في خلقه من اختلاف؛ ونحو هذا قال الزجاج سواء (٥).\nقال ابن قتيبة: ﴿مِنْ تَفَاوُتٍ﴾ أي: اضطراب واختلاف، وأصله من الفوت، وهو أن يفوت شيء شيئًا، فيقع الخلل فيهن، ولكنه متصل بعضه ببعض (٦).\nقال أبو الحسن الأخفش: تفاوت أجود، لأنهم يقولون: تفاوت\n_________\n(١) انظر: \"التفسير الكبير\" ٣٠/ ٥٧، و\"اللسان\" ٢/ ١١٤١ (فوت).\n(٢) انظر: \" التفسير الكبير\" ٣٠/ ٥٧، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٨/ ٢٠٨.\nقلت: هذه الأقوال اختلفت في الألفاظ، واتحدت في المعنى، ولذا ذكر بعض المفسرين بعضًا منها، وذكر غيرهم غيرها. واقتصر بعضهم على معنى واحد. انظر: \"الكشف والبيان\" ٢/ ١٥٥ أ، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٣٩٦.\n(٣) قرأ حمزة والكسائي: (تفوت) بضم الواو مشددة من غير ألف. وقرأ الباقون ﴿تَفَاوُتٍ﴾ بألف والتخفيف.\nانظر: \"حجة القراءات\" ص ٧١٥، و\"النشر\" ٢/ ٣٨٩، و\"الإتحاف\" ص ٤٢٠.\n(٤) قوله تعالى: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾ [لقمان: ١٨].\nقرأ ابن كثير، وعاصم، وابن عامر، وأبو جعفر، ويعقوب ﴿تُصَعِّرْ﴾ بتشديد العين من غير ألف، وقرأ الباقون (تصاعر) بتخفيف العين وألف قبلها.\nانظر: \"حجة القراءات\" ص ٥٦٥، و\"النشر\" ٢/ ٣٤٦، و\"الإتحاف\" ص ٣٥٠.\n(٥) (س): (ونحو هذا قال الزجاج سواء) زيادة. وانظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ١٧٠، و\"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ١٩٨.\n(٦) انظر: \"تفسير غريب القرآن\" ص ٤٧٤.","vol":"22","page":42},{"text":"الأمر، ولا يكادون يقولون: تَفَوَّت الأمر (١). واختار أبو عبيد (٢): (تفوت)، قال: يقال: تفوت الشيء إذا فات. واحتج بما روي في الحديث (أن رجلًا تفوت على أبيه في ماله) (٣).\nقوله تعالى: ﴿فَارْجِعِ الْبَصَرَ﴾ قال مقاتل (٤): اردد البصر. وهذا معنى قول الفراء. قال إنما قال: ﴿فَارْجِعِ الْبَصَرَ﴾ لأنه قال: ﴿مَّا تَرَى﴾ (٥).\nقوله: ﴿هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ﴾ قال المفسرون: من فروج وصدوع وشقوق وفتوق وخروق. كل هذا من ألفاظهم (٦).\nومنه التفطر والانفطار، وقد مر (٧).\n_________\n(١) (تفوت الأمر) ساقطة من (س). وانظر: \"الحجة للقراء السبعة\" ٦/ ٣٠٥.\n(٢) في (ك): (عبيدة).\n(٣) نقله المؤلف عن الأزهري من \"التهذيب\" ١٤/ ٣٣١ (فوت)، ولفظه: (أن رجلًا تفوت على أبيه في ماله فأتى أبوه النبي -ﷺ- فذكر ذلك له فقال: (اردد على ابنك فإنما هو سهم من كنانتك).\nقال الطبري: والصواب من القول في ذلك أنهما قراءتان معروفتان بمعنى واحد. انظر: \"جامع البيان\" ١٢/ ٢٩/ ٣، وهذا هو اختيار الفراء والنحاس. وهو قول سيبويه. والقراءة بأيهما ثابتة عن الرسول -ﷺ- فلا عبرة بقول مخالف مهما بلغ علمه وفضله، والعصمة لمن عصمه الله.\nانظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ١٧٠، و\"إعراب القرآن\" للنحاس ٣/ ٤٧٠، و\"الحجة للقراء\" ٦/ ٣٠٥.\n(٤) في (س): (قال مقاتل) زيادة. وانظر: \"تفسير مقاتل\" ١٦١ أولفظه (أعد).\n(٥) انظر: \"معاني القرآن\" ٣/ ١٧٠.\n(٦) انظر: \"جامع البيان\" ١٢/ ٢٩/ ٣، و\"الكشف والبيان\" ١٢/ ١٥٦ أ، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٣٩٦.\n(٧) عند تفسيره الآية (١٤) سورة الأنعام. قال: ﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، أي: خالقهما ابتداء على غير مثال سبق ... والفطر: ابتداء الخلق. قال ابن عباس: كنت ما أدري ما =","vol":"22","page":43},{"text":"قوله تعالى: ﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ قال ابن عباس: يريد مرة بعد مرة (١). ﴿يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا﴾ قال مقاتل: صاغرًا (٢)؛ وهو قول الفراء والزجاج (٣).\nوقال ابن قتيبة: مبعدًا من قولك: خسأت الكلب إذا باعدته (٤).\nوقال المبرد: الخاسئ: المبعد المصغر -والله أعلم- كالذي قصد ففزع (٥) عجزًا وصغرًا. وقد أفصح ابن عباس هذا فقال: الخاسئ: الذي لم ير ما يهوى (٦). ومضى تفسير الخاسئ في سورة البقرة (٧).\nقوله تعالى: ﴿وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ قال ابن عباس ومقاتل: وهو كليل قال منقطع لا يرى عيبًا ولا فطورًا (٨).\nوقال الكلبي: الحسير: المعي (٩). قال الليث: الحسر والحسور: الإعياء. تقول: حسرت الدابة والعين، وحسرها بعد الشيء إذا حدقت\n_________\n= فاطر السموات حتى احتكم إليَّ أعرابيان في بئر فقال أحدهما: أنا فطرتها، وأنا ابتدأت حفرها ... وقال ابن الأنباري: أصل الفطر شق الشيء عند ابتدائه.\n(١) انظر: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٧٠.\n(٢) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٦١ ب.\n(٣) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ١٧٠، و\"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ١٩٨.\n(٤) انظر: \"تفسير غريب القرآن\" ص ٤٧٤.\n(٥) في (س): (قصدٍ) زيادة. وانظر: \"التفسير الكبير\" ٣٠/ ٥٨.\n(٦) انظر: \"تنوير المقباس\" ٦/ ١٠٥، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٧٠.\n(٧) عند تفسيره الآية (٦٥) من سورة البقرة. قال: الخسأ: الطرد والإبعاد. يقال: خسأته خسأً فخسأ وانخسأ، فهو واقع ومطاوع. ويقال للكلب عند الزجر والإبعاد: اخسأ.\n(٨) انظر: \"تنوير المقباس\" ٦/ ١٠٥، و\"تفسير مقاتل\" ١٦١ ب، و\"الكشف والبيان\" ٢/ ١٥٦ أ.\n(٩) انظر: \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٣٠٥.","vol":"22","page":44},{"text":"نحوه. قال رؤبة (١):\nيحسر طرف عينه فضاؤه\nفحاصل (٢) هذا أن الحسير يجوز أن يكون مفعولًا من حسره بعد الشيء كما ذكر رؤبة، ويجوز أن يكون فاعلًا من الحسور الذي هو الإعياء؛ وهو قول الفراء: وهو كليل كما يحسر الإبل إذا قومت عن هزال وكلال، فهي (٣) الحسرى واحدها حسير (٤).\nقال أبو إسحاق: أي وقد أعيا من قبل أن يرى في السماء خللا (٥). والمعنى أنه وإن كرر النظر وأعاد بصره في السماء حتى يكل ويعيا لم ير فيها فطورًا ولا تفاوتًا.\nقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾ قال المفسرون: هي الأدنى إلى الأرض، وهي التي يراها الناس ﴿بِمَصَابِيحَ﴾ واحدها مصباح وهو السراج. وذكرنا ذلك في قوله: ﴿فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ [النور: ٣٥]، وهو السراج. ثم يسمى الكوكب أيضًا مصباحًا لإضاءته. قال الليث: والمصابيح من النجوم أعلام الكواكب (٦).\nقال ابن عباس: بنجوم لها نور (٧).\n_________\n(١) \"ديوان رؤبة\" ص ٣، و\"تهذيب اللغة\" ٤/ ٢٨٦، و\"اللسان\" ١/ ٦٣٢ (حسر).\n(٢) في (ك): (مجاز).\n(٣) في (س): (فهن).\n(٤) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ١٧٠، و\"التفسير الكبير\" ٣٠/ ٥٩.\n(٥) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ١٩٨.\n(٦) انظر: \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٢٦٧، و\"اللسان\" ٢/ ٤٠٣ (صبح).\n(٧) انظر: \"تنوير المقباس\" ٦/ ١٠٥، ولفظه (بالنجوم).","vol":"22","page":45},{"text":"وقال قتادة: خلق الله النجوم لثلاث: زينة للسماء، وعلامات يهتدى بها، ورجومًا للشياطين (١)؛ فذلك قوله: ﴿وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ﴾ قال ابن عباس: يرجم بها الشياطين الذين يسترقون السمع (٢).\nقال أبو علي: فإن قيل: كيف يجوز أن تكون المصابيح زينة مع قوله: ﴿وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ﴾، فالقول إنها إذا جعلت رجومًا (٣) لهم لم تزل فتزول الزينة بزوالها، ولكن يجوز أن ينفصل منها نور يكون رجمًا للشياطين كما ينفصل من السرج وسائر ذوات الأنوار ما لا يزول بانفصالها منها صورتها (٤). وهذا كما قال بعض أهل المعاني: ينفصل من الكوكب شهاب نار (٥)، وهذا كقوله: ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا﴾ الآية [الحجر: ١٦]، وقوله: ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا ...﴾ الآية [الصافات: ٦].\nقوله تعالى: ﴿وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ﴾، أي: في الآخرة ﴿عَذَابَ السَّعِيرِ﴾ قال المبرد: سعرت النار فهي مسعورة وسعير، كقوله: مفتولة وفتيل (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4617>٧ </span>- قوله: ﴿إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا﴾ قال مقاتل: صوتًا مثل أول\n_________\n(١) أخرجه ابن جرير، وابن أبي حاتم، وفيه زيادة قوله: (فمن يتأول منها غير ذلك فقد قال برأيه، وأخطأ حظه، وأضاع نصيبه، وتكلف ما لا علم له به). انظر: \"جامع البيان\" ١٢/ ٢٩/ ٣، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٣٩٦.\n(٢) انظر: \"الكشف والبيان\" ٢/ ١٥٦ ب، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٧٠، ولم ينسب لقائل، وهو ظاهر.\n(٣) في (س): (رجومًا) زيادة.\n(٤) انظر: \"التفسير الكبير\" ٣٠/ ٥٩، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٨/ ٢١١.\n(٥) انظر: \"روح المعاني\" ٢٩/ ٩.\n(٦) انظر: \"التفسير الكبير\" ٣٠/ ٦٢.","vol":"22","page":46},{"text":"صوت الحمار (١). وقال عطاء: يريد: سمعوا لأهلها شهيقًا (٢)، فجعل (٣) الشهيق لأهل جهنم دونها. والقول هو الأول (٤).\nوقا الزجاج: يسمع الكفار للنار شهيقًا، وهو أقبح الأصوات، وهو كصوت الحمير (٥).\nوقال المبرد: هو -والله أعلم- تنفس كتنفس المتغيظ (٦). وتفسير الشهيق قد سبق (٧).\nقوله ﴿وَهِيَ تَفُورُ﴾ قال الليث: كل شيء جاش فقد فار، وهو فور القدر، والدخان، والغضب، والماء من العين (٨).\n_________\n(١) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٦١ ب.\n(٢) انظر: \" التفسير الكبير\" ٣٠/ ٦٣.\n(٣) في (ك): (فجعلها).\n(٤) ومنه قوله تعالى: ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾ [الفرقان: ١٢] قال ابن المنير: لا حاجة إلى حمله على المجاز فإن رؤية جهنم جائزة وقدرة الله تعالى صالحة، وقد تضافرت الظواهر على وقوع هذا الجائز، وعلى أن الله تعالى يخلق لها إدراكًا حسيًّا وعقليًّا. ألا ترى إلى قوله: ﴿سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا﴾ وإلى محاجتها مع الجنة، وإلى قولها: ﴿هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ وإلى اشتكائها إلى ربها فأذن لها في نفسين، إلى غير ذلك من الظواهر التي لا سبيل إلى تأويلها .. \"حاشية الكشاف\" ٣/ ٩٠.\n(٥) انظر: \"معاني الزجاج\" ٥/ ١٩٩.\n(٦) انظر: \"التفسير الكبير\" ٣٠/ ٦٣.\n(٧) عند تفسيره الآية (١٠٦) من سورة هود. الشهيق ردُّ النَّفس. يقال: شَهَقَ يشهَق ويشهِق ويشهُق شهيقًا، وبعضهم يقول: شهوقًا. ونحو هذا روى أبو عبيد عن أبي زيد. وهو قول جميع أهل اللغة. والشهيق آخر صوت الحمار إذا نهق. وقيل: الشهق في الصدر. وعن ابن عباس: الزفير الصوت الشديد، والشهيق: الصوت الضعيف.\n(٨) انظر: \"تهذيب اللغة\" ١٥/ ٢٤٧ (فاز)، و\"اللسان\" ٢/ ١١٤٣ (فور).","vol":"22","page":47},{"text":"قال ابن عباس: تغلي بهم كغلي المرجل (١).\nوقال مجاهد: تفور بهم كما يفور الماء الكثير بالحب القليل (٢). ويجوز أن يكون هذا من فور الغضب.\nقال المبرد: يقال: تركت فلانًا يفور غضبًا (٣). يدل على هذا المعنى قوله: ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ﴾ أي: تنقطع من غيظها عليهم فيماز بعضها من بعض كما يتميز الشيء، أي يفرق هذا المعنى (٤) قول المفسرين، وأهل المعاني: قال ابن قتيبة: تكاد تنشق غيظًا على الكفار (٥).\nوقال المبرد: ويقال للغضبان: تركته يتميز عليك غيظًا (٦). ولفظ المفسرين في تفسير: ﴿تَمَيَّزُ﴾: تفرق (٧).\nقوله تعالى: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ﴾ الفوج: الجماعة من الناس. والأفواج: الجماعات في تفرقة (٨)؛ ومنه قوله: ﴿فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا﴾ [النبأ: ١٨].\nوقوله: ﴿سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا﴾ وهو سؤال توبيخ. قال أبو إسحاق: وهذا\n_________\n(١) انظر: \"الكشف والبيان\" ١٢/ ١٥٦ ب، و\"التفسير الكبير\" ٣٠/ ٦٣.\n(٢) انظر: \"الكشف والبيان\" ١٢/ ١٥٦ ب، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٨/ ٢١٢، و\"الدر\" ٦/ ٢٤٨.\n(٣) في (ك): (غيضًا) وانظر: \"التفسير الكبير\" ٣٠/ ٦٣.\n(٤) في (س): (المعنى) زيادة.\n(٥) انظر: \"تفسير غريب القرآن\" ص ٤٧٤.\n(٦) انظر: \"التفسير الكبير\" ٣٠/ ٦٣.\n(٧) وهو قول ابن عباس، والضحاك، وابن زيد، ومقاتل.\nانظر: \"تنوير المقباس\" ٦/ ١٠٧، و\"تفسير مقاتل\" ١٦١ ب، و\"جامع البيان\" ١٢/ ٢٩/ ٤، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٣٩٧.\n(٨) انظر: \"تهذيب اللغة\" ١١/ ٢١٢، و\"اللسان\" ٢/ ١١٤٢ (فوج).","vol":"22","page":48},{"text":"التوبيخ زيادة لهم في العذاب (١).\n﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ﴾ قال ابن عباس في رواية الكلبي (٢) وعطاء: لو كنا نسمع الهدى أو نعقله (٣). وهذا يدل على أن الله تعالى لم يخلق لهم سمع الهدى ولا معرفته، لأنهم كانوا ذوي أسماع وعقول صحيحة ولم يريدوا بقولهم: ﴿لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ﴾ أنهم صم الأسماع مجانين، ولكن أرادوا أنهم كانوا صمًّا عن الخير، غافلي القلوب عن الهدى.\nوقال أبو إسحاق: أي لو كنا نسمع سمع من يعي ويفكر أو نعقل عقل من يميز وينظر ما كنا من أهل النار (٤).\nقال الله تعالى: ﴿فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ﴾ قال مقاتل: يعني بتكذيبهم الرسل (٥)، وهو قولهم: ﴿فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ والذنب هاهنا في معنى الجمع؛ لأن فيه معنى الفعل كما يقال: خرج عطاء الناس، أي: أعطياتهم؛ هذا قول الفراء (٦). ويجوز أن يراد بالواحد المضاف الشياع، كقوله: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ﴾ [إبراهيم: ٣٤، النحل: ١٨]، وقد مر في مواضع.\n_________\n(١) انظر: \"معاني القرآن\" ٥/ ١٩٩.\n(٢) في (س): (الكلبي و) زيادة.\n(٣) انظر: \"تنوير المقباس\" ٦/ ١٠٧، و\"الكشف والبيان\" ١٢/ ١٥٦ ب، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٧١.\n(٤) انظر: \"معاني القرآن\" ٥/ ١٩٩.\n(٥) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٦١ ب.\n(٦) انظر: \"معاني القرآن\" ٣/ ١٧١.","vol":"22","page":49},{"text":"وقوله (١): ﴿فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ قال المفسرون: فبعدًا لهم (٢). والسحق: البعد، وفيه لغتان: التخفيف والتثقيل (٣) كما تقول في العُنق والطنب (٤)؛ وذكرنا الكلام فيه عند قوله: ﴿فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج: ٣١]. قال أبو إسحاق: (سحقًا) منصوب على المصدر. المعنى: أسحقهم الله سحقًا، أي: باعدهم من رحمته مباعدة (٥).\nقال أبو علي: وكان القياس: إسحاقًا، فجاء المصدر على الحذف كقولهم: عمرك الله، وكما قال:\nوإن أهلك فذلك كان قدري (٦)\nأي: تقديري (٧).\nثم أخبر عن المؤمنين وعما أعد لهم في الآخرة فقال: ﴿وإِنَّ اَلَّذِينَ\n_________\n(١) في (س): (وقوله) زيادة.\n(٢) انظر: \"التفسير الكبير\" ٣٠/ ٦٥. وقال ابن جبير فيما أخرجه ابن أبي شيبة ١٣/ ٥٣٩: وادٍ في جهنم.\n(٣) قرأ الكسائي ﴿فَسُحْقًا﴾ بضم الحاء، وقرأ الباقون ﴿فَسُحْقًا﴾ بتخفيفها.\nانظر: \"حجة القراءات\" ص ٧١٦، و\"النشر\" ٢/ ٢١٧، و\"الإتحاف\" ص ٤٢٠، و\"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ١٧١.\n(٤) تقول العنق والعنق، والطنب والطنب، والطنب هو حبل الخباء والسرادق ونحوهما. \"اللسان\" ٢/ ٦١٧ (طنب).\n(٥) انظر: \"معاني القرآن\" ٥/ ١٩٩.\n(٦) للشاعر يزيد بن سنان: وهو بتمامه:\nفإن يبرأ فلم أنفث عليه ... وإن يهلك فذلك كان قدري\nانظر: \"أمالي ابن الشجري\" ٢/ ١١٠، و\"المخصص\" ٩/ ٩٢، و\"المفضليات\" ص ٧١، و\"الحجة\" ٢/ ١٢٨.\n(٧) انظر: \"الحجة للقراء السبعة\" ٦/ ٣٠٧.","vol":"22","page":50},{"text":"يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [الملك: ١٢].\n﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ﴾ قال ابن عباس ومقاتل: يخافون عذاب ربهم ولم يروه فيؤمنون به خوفًا من عذابه (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4618>١٣ </span>- ثم رجع إلى خطاب الكفار فقال: ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ﴾ قال مقاتل والكلبي: أسروا قولكم في محمد أو اجهروا له بالعداوة وتكلموا علانية (٢): ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ بما في القلوب.\nقال ابن عباس: كانوا ينالون من رسول الله فيخبره جبريل، فقال بعضهم لبعض: أسروا قولكم كيلا يسمع إله محمد. فأنزل الله هذه الآية (٣).\nثم احتج على ذلك بقوله: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾، والظاهر أن من خلق هو الله تعالى. والمعنى: ألا يعلم ما في الصدور من خلقها وخلق القول. أي خالق الصدور (٤) والأقوال عالم بها وبما فيها؛ وهذا معنى قول مقاتل (٥). وقد حذف مفعول (خَلَقَ) لأن ما قبله من ذكر القول والصدر يدل\n_________\n(١) انظر: \"تنوير المقباس\" ٦/ ١٠٨، و\"تفسير مقاتل\" ١٦١ ب.\n(٢) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٦١ ب، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٨/ ٢١٣.\n(٣) انظر: \"الكشف والبيان\" ١٢/ ١٥٧ أ، و\"أسباب النزول\" للواحدي ص ٥٠٨، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٧١.\nقلت: وفي الآية وجه آخر، وهو حملها على العموم، والمراد أن قولكم وعملكم لا يخفى على من يعلم السر وأخفى، فاحذروا من المعاصي. ويدخل في هذا ما يسره المشركون في أمر النبي -ﷺ-، وهذا المعنى هو المعتمد عند ابن جرير، وابن كثير. انظر: \"جامع البيان\" ١٢/ ٢٩/ ٥، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٣٩٧.\n(٤) في (س): (من خلقها وخلق القول. أي خالق: الصدور) زيادة.\n(٥) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٦١ ب، ونسبه الثعلبي لأهل المعاني. \"الكشف والبيان\" ١٢/ ١٥٧ أ، وهذا هو المعتمد عند ابن جرير. انظر: \"جامع البيان\" ١٢/ ٢٩/ ٥.","vol":"22","page":51},{"text":"عليه. ويجوز أن يكون (خَلَقَ) بمعنى المخلوق. فيكون المعنى: ألا يعلم الله من خلقه. أي مخلوقه (١)، وحذف العائد إلى الموصول.\nقوله: ﴿وَهُوَ اَللًطِيفُ﴾ قال مقاتل: لطف علمه بما في القلوب، ﴿الْخَبِيرُ﴾ بما فيها من السر والوسوسة (٢).\nوتكلم صاحب النظم في هذه الآية فقال: قوله: ﴿أَلَا يَعْلَمُ﴾ استفهام إنكار لما يذهب إليه الكفار والجهال من أنه تخفى عليه الضمائر. واختلف في قوله (مَنْ)، فزعم بعضهم أنه هو الله جل وعز على تأويل: ألا يعلم الخالق الذي خلق الخلق، فيكون (مَنْ) في موضع رفع. وزعم غيره أن (مَنْ) في موضع نصب (٣)، وقوله: (يعلم) واقع عليه على تأويل: ألا يعلم الله من خلقه؛ بمعنى يعلم ما كان ويكون منه سرًا وجهرًا وإضمارًا، وزاد وجهًا آخر فقال: وزعم بعضهم أن (مَنْ) بمثابة (ما)، كما تكون (ما) بمثابة (من) في قوله: ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا﴾ [الشمس: ٥]، وإذا كان بمعنى (ما) كان اسمًا لما يسر الخلق ويجهرونه ويضمرونه في صدورهم، فيكون قد جعل أفعال العباد مخلوقة على تأويل: ألا يعلم الله ما هو خلقه من أفعالهم، وإن كان سرًّا أو إضمارًا فيكون ذلك حجة لمن أثبت القدر، لأنه جعله\n_________\n(١) انظر: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٧١، و\"الكشاف\" ٤/ ١٢٣.\n(٢) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٦١ ب، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٧١.\n(٣) وهذا التأويل مردود عند مكي؛ لأنه يخرج الكلام عن عمومه ويدفع عموم الخلق عن الله ﷿.\nانظر: \"مشكل إعراب القرآن\" ٢/ ٧٤٦. قلت: وما ذهب إليه مكي أولى في تفسير كلام الله تعالى، وحيث وجد وجه آخر لتفسير الآية فلا حاجة إلى مثل هذا التأويل، والله أعلم.","vol":"22","page":52},{"text":"مخلوقًا (١).\nقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا﴾، الذلول من كل شيء: المنقاد الذي يذل لك. ومصدره الذل، وهو الانقياد واللين، ومنه يقال: دابة ذلول (٢)؛ وفي وصف الأرض بالذلول قولان:\nأحدهما: قال ابن عباس: سهل لكم الأرض (٣). والمعنى على (٤) هذا أنه لم يجعلها بحيث يمتنع المشيء فيها بالحزونة (٥) والغلظ.\nوقال مقاتل: أثبتها بالجبال لئلا تزول بأهلها (٦). وهو قول الكلبي (٧). وعلى هذا القول معناه أنه سخرها لنا بأن أثبتها، ولو كانت تتكفأ متمايلة لم تكن منقادة لنا.\nقوله: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا﴾ أمر إباحة. ومعناه البيان عن كونها ذلولًا. وفي المناكب قولان:\n_________\n(١) انظر: \"مشكل إعراب القرآن\" ٢/ ٧٤٦. قلت: والعلماء من أهل السنة يرون القول الأول، وهو أن يكون (من) فاعلًا مرادًا به الخالق ومفعول العلم محذوف، وكذا مفعول الخلق. والتقدير: ألا يعلم السر والجهر من خلقهما.\nانظر: \"إعراب القرآن\" للنحاس ٣/ ٤٧٣، و\"دقائق التفسير\" ٥/ ١٣، و\"الانتصاف بهامش الكشاف\" ٤/ ١٢٣.\n(٢) انظر: \"تهذيب اللغة\" ١٥/ ١٢، و\"مفردات الشراب\" (١٨٠) (ذل).\n(٣) انظر: \"الكشف والبيان\" ١٢/ ١٥٧ ب، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٧١.\n(٤) في (ك): (على) زيادة.\n(٥) الحزونة: الخشونة، \"اللسان\" ١/ ٦٢٧ (حزن).\n(٦) وهو القول الثاني. انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٦١ ب، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٨/ ٢١٥.\n(٧) في (س): (وهو قول الكلبي) زيادة.","vol":"22","page":53},{"text":"أحدهما: أنها الجبال، وهو قول قتادة والضحاك وابن عباس. قالوا: جبالها وآكامها (١). وسميت الجبال مناكب، لأنها مشبهة بمناكب الإنسان وهو الجيد الشاخص من طرفيه (٢). والجبال شاخصة عن الأرض.\nالقول (٣) الثاني: أنها النواحي والطرق والفجاج والأطراف والجوانب. وهو قول مجاهد والكلبي ومقاتل والحسن، ورواية عطاء عن ابن عباس، واختيار الفراء وابن قتيبة (٤) قال: ﴿مَنَاكِبِهَا﴾: جوانبها، ومنكبا الرجل جانباه (٥).\nوذكر أبو إسحاق القولين واختار القول الأول وقال: أشبه التفسير من قال في جبالها؛ لأن قوله: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا﴾ معناه سهل لكم السلوك فيها، فإذا أمكنكم السلوك في جبالها فهو أبلغ في التذلل (٦).\nقوله تعالى: ﴿وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾ أي مما خلقه رزقًا لكم في الأرض.\n_________\n(١) انظر: \"تنوير المقباس\" ٦/ ١٠٨، و\"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٣٠٥، و\"جامع البيان\" ١٢/ ٢٩/ ٥، و\"غرائب القرآن\" ٢٩/ ٩.\n(٢) في (ك): (طرافته).\n(٣) في (ك): (قوله القول).\n(٤) (س): (والكلبي، والحسن ورواية عطاء عن ابن عباس، وابن قتية) زيادة.\nوانظر: \"تنوير المقباس\" ٦/ ١٠٨، و\"تفسير مجاهد\" ٢/ ٦٨٥، و\"تفسير مقاتل\" ١٦١ ب، و\"الكشف والبيان\" ١٢/ ١٥٧ ب، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٧١.\n(٥) انظر: \"معاني القرآن\" ٣/ ١٧١، و\"تفسير غريب القرآن\" ص ٤٧٥.\n(٦) انظر: \"معاني القرآن\" ٥/ ١٩٩، و\"تهذيب اللغة\" ١٠/ ٢٨٦، و\"اللسان\" ٣/ ٧١٣ (نكب)، وقد وهم ابن منظور -﵀- بنسبة هذا القول للأزهري مع أن الأزهري نص على نسبته لأبي إسحاق.","vol":"22","page":54},{"text":"وقال ابن عباس: يريد ما أنبت لكم في السهل والجبل (١).\n﴿وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ قال مقاتل: وإلى الله تبعثون من قبوركم (٢).\nقال أبو إسحاق: والمعنى أن الذي خلق السموات بلا تفاوت وذلل الأرض قادر أن ينشركم ويبعثكم (٣).\nثم خوف أهل مكة فقال: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ قال المفسرون: يعني عقوبة من في السماء وعذاب من في السماء (٤). والمعنى: من في السماء سلطانه وملكه وقدرته، إلا أنه أخرج مخرج ما في السماء تفخيمًا لشأن سلطانه كما قال: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾ [الأنعام: ٣] ما يجري فيهما بإذنه وإرادته لا يخفى عليه شيء منه. لابد أن يكون هذا لاستحالة أن يكون الله تعالى في مكان أو موصوفًا بجهة. وذهب بعض أهل المعاني إلى أن (٥) ﴿مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ هو الملك (٦) الموكل بالعذاب وهو جبريل. والمعنى: أن يخسف بكم الأرض بأمره (٧).\n_________\n(١) انظر: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٧١.\n(٢) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٦١ ب، و\"زاد المسير\" ٨/ ٣٢٢.\n(٣) انظر: \"معاني القرآن\" ٥/ ٢٠٠.\n(٤) انظر: \"تنوير المقباس\" ٦/ ١٠٩، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٧١.\n(٥) (س): (أن) زيادة.\n(٦) (س): (الملك) زيادة.\n(٧) نقل البيهقي عن أحمد بن إسحاق عند هذه الآية قوله: قوله ﴿فِي السَّمَاءِ﴾، أي: على العرش فوق السماء كما صحت الأخبار عن النبي -ﷺ-. انظر: \"الأسماء والصفات\" ٢/ ٣٢٤.\nوفي ٢/ ٣٣٠ قال: ومعنى قوله في هذه الأخبار ﴿مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾، أي: فوق السماء على العرش، كما نطق به الكتاب والسنة ..\nقلت: وما ذكره الواحدي هنا -غفر الله له- مخالف لما عليه سلف الأمة من إثبات =","vol":"22","page":55},{"text":"﴿فَإِذَا هِيَ تَمُورُ﴾ قال ابن عباس: يريد كما تمور السفينة حتى تغرق (١).\nوقال مقاتل: تدور بكم إلى الأرض السفلى (٢). وقال الحسن: تحرك بكم (٣). والمعنى على هذا التفسير أن الله تعالى يحرك الأرض عند الخسف بهم حتى تضطرب وتتحرك، فتعلو عليهم وهم يخسفون فيها فيذهبون، والأرض تمور فتقلبهم إلى أسفل؛ هذا معنى قوله: ﴿فَإِذَا هِيَ تَمُورُ﴾ وذكرنا تفسير المور فيما تقدم (٤).\nثم زاد في التخويف فقال: ﴿أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا﴾ قال ابن عباس: كما أرسل على قوم لوط (٥) فقال: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا\n_________\n= صفة العلو لله تعالى كما دلت عليه أدلة الكتاب والسنة. وقد أورد الذهبي -﵀- في كتابه \"العلو\" أكثر من تسعين حديثًا، وآثارًا كثيرة عن السلف -﵏-. والكتاب كله في إثبات هذه الصفة، وجمع ما ورد فيها عن الرسول -ﷺ- وما قاله علماء الصحابة ومن بعدهم في هذه الصفة.\nوانظر: \"الصواعق المرسلة\" ٤/ ١٢٤٤، ١٢٩٥، ١٢٩٧، ١٤١٧، و\"روح المعاني\" ٢٩/ ١٥، و\"أضواء البيان\" ١٢/ ٨/ ٤٠٧.\n(١) لم أجده.\n(٢) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٤٦٢ أ، و\"تنوير المقباس\" ٦/ ١٠٩.\n(٣) في (ك): (تحوط بكم). وانظر: \"الكشف والبيان\" ١٢/ ١٥٨ ب، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٧١.\n(٤) المور: التحرك والاضطراب. مار الشيء يمور مورًا: أي تحرك وجاء وذهب كما تتكفأ النخلة العيدانة. وهي أطول ما يكون من النخل، ولا تكون عيدانة حتى يسقط كربها كله، ويصير جذعها أجرد من أعلاه إلى أسفله.\nانظر: \"تهذيب اللغة\" ١٥/ ٢٩٧، و\"اللسان\" ٣/ ٥٤٨ (مور)، ٢/ ٩٣٩ (عيد).\n(٥) انظر: \"تنوير المقباس\" ٦/ ١٠٩، و\"التفسير الكبير\" ٣٠/ ٧٠.","vol":"22","page":56},{"text":"عَلَيْهِمْ حَاصِبًا﴾ [القمر:٣٤] ثم هدد وأوعد فقال: ﴿فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ قيل في النذير هاهنا: أنه المنذر، يعني محمدًا -ﷺ-. وهو قول عطاء عن ابن عباس والضحاك (١). وقيل: إنه بمعنى الإنذار، والمعنى: فستعلمون رسولي وصدقه حين (٢) لا ينفعكم ذلك، أو: فستعلمون عاقبة إنذاري إياكم بالكتاب والرسول، وهو العذاب (٣).\nو(كيف) في قوله: ﴿كَيْفَ نَذِيرِ﴾ ينبئ عما ذكرنا من صدق الرسول أو عقوبة الإنذار. ثم أخبر عن غيرهم من الكفار بقوله: ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ قال ابن عباس: يريد عادًا وثمودًا، وكفار الأمم (٤).\n﴿فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ قال مقاتل: تغييري وإنكاري أليس وجدوا العذاب حقًّا (٥).\nثم وعظهم ليعتبروا فقال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ﴾، قال المفسرون: تصف أجنحتها في الهواء. ﴿وَيَقْبِضْنَ﴾، أي: يقبضنها إلى أنفسها بعد الصف.\nقال ابن قتيبة: يضربن بها جنوبهن (٦) وقال المبرد: وهذا معنى الطيران، وهو بسط الجناح وقبضها بعد البسط. وأنشد هو وأبو عبيدة قول\n_________\n(١) في (س): (والضحاك) زيادة. وانظر: \"التفسير الكبير\" ٣٠/ ٧٠، و\"غرائب القرآن\" ٢٩/ ٩.\n(٢) في (ك): (وصدقه إلى حين)، والصواب ما أثبته.\n(٣) انظر: \"جامع البيان\" ١٢/ ٢٩/ ٦، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٣٩٨.\n(٤) انظر: \"تنوير المقباس\" ٦/ ١٠٩، و\"زاد المسير\" ٨/ ٣٢٢، و\"التفسير الكبير\" ٣٠/ ٧١.\n(٥) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٦٢ أ.\n(٦) انظر: \"تفسير غريب القرآن\" ص ٤٧٥.","vol":"22","page":57},{"text":"أبي خراش (١):\nكَأَنَّهُمُ يُشَبَّثُونَ بِطَائِرٍ ... خَفِيفِ المُشَاشِ عَظْمُهُ غَيْرُ ذي نُحْضِ\nيُبَادِرُ جُنْحَ اللَّيْلِ فَهْوُ مُهَابِذٌ ... يَحُثُّ الجَنَاحَ بالتَّبَسُّطِ والقَبْضِ (٢)\nوعطف قوله: ﴿وَيَقْبِضْنَ﴾ على ﴿صَافَّاتٍ﴾ لأن معناه: وقابضات، وهذا بيان عما يوجبه حال الطير في قبضها وبسطها متصرفة في الهواء من الاعتبار، بتمكينها حتى أمسكت على ثقلها وضخم أبدانها، من الذي أمسكها وسخر لها الهواء؟ وهو معنى قوله: ﴿مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ﴾، أي: في الحالتين، جميعًا. في حال الصف والقبض، وفي ذلك أكبر الآية، وأوضح العبرة. وهذا كقوله: ﴿أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ﴾ الآية [النحل: ٧٩].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4619>٢٠ </span>- ولما كان الكفار يمتنعون عن الإيمان وينكرون التوحيد مع وضوح الأدلة صاروا كأنهم يمتنعون من عذاب الله بجند، وأشبهت حالهم من يملك دفع العذاب إن أتاه، فقال الله تعالى منكرا عليهم أن (٣) يكون لهم\n_________\n(١) في (س): (قول أبي خراش) زيادة.\n(٢) انظر: \"ديوان الهذليين\" ٢/ ١٥٩ و\"الحماسه\" لأبي تمام ١/ ٣٨٦، و\"الإنصاف\" لابن الأنباري ص ٣٩٠، و\"تهذيب اللغة\" ٦/ ٢٧٦، و\"اللسان\" ٣/ ٧٦١ (هبذ)، و\"الخزانة\" ٥/ ٤١٩.\nوالنحض: اللحم، والقطعة الضخمة منه تسمى نحضة، والمنحوض والنحيض: الذي ذهب لحمه.\nوالمهابذة: الإسراع. وهابذ: أسرع في مشيته أو طيرانه، والمشاش: رؤوس العظام مثل الركبتين والمرفقين. انظر: \"اللسان\" ٣/ ٤٨٨، ٥٩٧، ٧٦١ (مشش، نحض، هبذ).\n(٣) في (س): (أن) زيادة.","vol":"22","page":58},{"text":"امتناع من عذابه (١) ﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُم﴾، وهذا نسق على قوله: ﴿أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾، ﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ﴾، ولفظ الجند يوحد، ولذلك قال (٢) ﴿هَذَا الَّذِي هُوَ﴾ وهو استفهام إنكار. أي: لا جند لكم ﴿يَنْصُرُكُمْ﴾ يمنعكم من عذاب الله. قال ابن عباس ينصركم مني إن أردت عذابكم (٣).\nثم ذكر أن ما هم فيه غرور فقال: ﴿إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ﴾، أي: من الشيطان يغرهم بأن العذاب لا ينزل بهم، ﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ﴾، أي: من الذي يرزقكم من آلهتكم المطر إن أمسكه الله عنكم، قاله مقاتل (٤).\nثم قال: ﴿بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ﴾ أي: ليسوا يعتبرون ولا يتفكرون، لجوا في طغيانهم وتماديهم وتباعدهم عن الإيمان (٥).\nثم ضرب مثلًا فقال: ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى﴾ (٦)،\n_________\n(١) (ك): (عذابه قوله تعالى).\n(٢) (س): (قيل).\n(٣) انظر: \"تنوير المقباس\" ٦/ ١١٠، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٧٢، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٨/ ٢١٨.\n(٤) (س): (قاله مقاتل) زيادة وانظر: \"تفسير مقاتل\" ١٦٢ أ.\nقلت: حمل الآية على عموم الرزق من إعطاء ومنع وخلق ورزق ونصر وغير ذلك أولى، وما ذكره مقاتل من باب التمثيل أخذًا من قوله تعالى: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ [الذاريات: ٢٢]، والله أعلم.\n(٥) لج: اللجاج: التمادي والعناد في تعاطي الفعل. \"المفردات\" (٤٤٧) (لج).\n(٦) (أهدى) ساقطة من (س).","vol":"22","page":59},{"text":"والإكباب مطاوع الكب (١)، وذكرنا تفسيره عند قوله: ﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهُم﴾ [النمل: ٩٠]، ويقال للسادر والهائم (٢) على وجهه في ضلاله: مكب على وجهه، فضرب المكب على وجهه مثلًا للكفار؛ لأنه أكب على وجهه في الغي والكفر يمشي ضالًا أعمى القلب. فهذا أهدى، ﴿أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا﴾ معتدلًا يبصر الطريق ﴿عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وهو الإسلام، وهذا قول ابن عباس في رواية الكلبي، وقول مقاتل، ومجاهد، والضحاك (٣).\nوقال الكلبي: راكبًا رأسه في الكفر والضلالة كما تركب البهيمة رأسها (٤). وقال مقاتل: يعني أبا جهل والنبي -ﷺ- (٥).\nوقال عطاء عن ابن عباس: يريد أبا جهل وحمزة بن عبد المطلب (٦).\n_________\n(١) انظر: \"التفسير الكبير\" ٣٠/ ٧٢، و\"البحر المحيط\" ٨/ ٣٠٣، و\"روح المعاني\" ٢٩/ ٢٠، وذكر جواز الوجهين وقول بعض الأئمة بتسوية المطاوعة والصيرورة. ورد الزمخشري هذا حيث قال: (أكب من باب أنفض وألام، ومعناه دخل في الكب، وصار ذا كب، ومطاوع كب وقشع وانكب وانقشع) \"الكشاف\" ٤/ ١٢٤. قال النيسابوري: ولا يخفى أن هذا نزاع لفظي، و\"غرائب القرآن\" ٢٩/ ١١.\nومعنى المطاوعة: الموافقة، والنحويون ربما سموا الفعل اللازم مطاوعًا. \"اللسان\" ٢/ ٦١٥ (طوع).\n(٢) السادر: هو الذي لا يهتم لشيء ولا يبالي ما صنع.\nوالهائم: الحائر. يقال: هام في الأمر يهيم إذا تحير فيه. \"اللسان\" ٢/ ١١٩ (سدر) ٣/ ٨٥٧ (هيم).\n(٣) في (س): (وهذا قول ابن عباس) إلى (الضحاك) زيادة.\nوانظر: \"تنوير المقباس\" ٦/ ١١٠، ١١١، و\"تفسير مقاتل\" ١٦٢ أ، و\"جامع البيان\" ١٢/ ٢٩/ ٧، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٨/ ٢١٩.\n(٤) انظر: \"الكشف والبيان\" ١٢/ ١٥٨ ب، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٧٢.\n(٥) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٦٢ أ، و\"غرائب القرآن\" ٢٩/ ١١.\n(٦) انظر: \"غرائب القرآن\" ٢٩/ ١١.","vol":"22","page":60},{"text":"وقال عكرمة (١): هو أبو جهل وعمار بن ياسر.\nوقال قتادة: هذا في الآخرة يحشر الله الكافر مكبًّا على وجهه يوم القيامة، كما قال: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ﴾ [الإسراء: ٩٧]، والمؤمن يمشي سويًّا (٢).\nقوله: ﴿قَلِيلًا مَا تَشْكُرُون﴾ قال ابن عباس: يريد أنكم لله غير طائعين (٣).\nوقال مقاتل: يعني بالقليل أنهم لا يشكرون رب هذه النعم فيوحدونه (٤).\nوذكر الله تعالى أنهم يستعجلون وعد العذاب بقوله: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْد﴾، ثم ذكر حالهم عند معاينة العذاب فقال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4620>٢٧ </span>- ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ﴾ يعني العذاب، ﴿زُلْفَةً﴾ يعني قريبًا. قاله المفسرون وأصحاب العربية. قال ابن عباس: يريد: فلما قرب منهم العذاب (٥).\nوقال مقاتل: لما رأوا العذاب في الآخرة قريبًا (٦). وذكرنا الكلام في الزلف والزلفى والزلفة، وهي بمنزلة القربى (٧). وقال الحسن: رأوه\n_________\n(١) انظر: \"التفسير الكبير\" ٣٠/ ٧٣، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٨/ ٢١٩.\n(٢) انظر: \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٣٠٥، و\"جامع البيان\" ١٢/ ٢٩/ ٧.\n(٣) لم أجده.\n(٤) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٦٢ أ، و\"زاد المسير\" ٨/ ٣٢٤.\n(٥) انظر: \"تنوير المقباس\" ٦/ ١١٢، ولفظه ﴿زُلْفَةً﴾ قريبًا، ويقال: معاينة.\n(٦) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٦٢ أ - ب.\n(٧) عند تفسيره الآية (٦٤) من سورة الشعراء. قال: الزلفى في كلام العرب القربى، وقال أبو عبيدة: أزلفنا: جمعنا، قال: ومن ذلك سميت مزدلفة جمعًا.","vol":"22","page":61},{"text":"معاينة (١). وهو معنى وليس بتفسير، وذلك أن ما قرب من الإنسان رآه معاينة (٢).\nوقوله تعالى: ﴿سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قال ابن عباس وغيره: اسودت وعلتها الكآبة والقترة (٣).\nوقال أبو إسحاق: تبين فيها السوء (٤). وأصل السوء القبح. والسيئة ضد الحسنة. والسواء: المرأة القبيحة وذكرنا هذا قديمًا (٥)، ويقال: ساء الشيء يسوء فهو سيئ إذا قبح، وسيء يساء إذا قبح. وهو فعل لازم ومجاوز (٦). فمعنى: ﴿سِيئَتْ وُجُوهُ﴾، أي: قبحت بالسواد وأثر الكآبة كما ذكر المفسرون (٧).\nوقوله: ﴿وَقِيلَ﴾ أي: وقالت لهم الخزنة: ﴿هَذَا﴾ العذاب ﴿الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ﴾ قال الكلبي: تسألون في الدنيا (٨).\nوقال مقاتل: تمنون في الدنيا (٩). قال الفراء: تدعون (١٠). وهما واحد\n_________\n(١) انظر: \"جامع البيان\" ١٢/ ٢٩/ ٨، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٨/ ٢٢٠.\n(٢) في (س): من قوله (وهو معنى) إلى (معاينة) زيادة.\n(٣) انظر: \"الكشف والبيان\" ١٢/ ١٥٩ أ، و\"التفسير الكبير\" ٣٠/ ٧٥، و\"غرائب القرآن\" ٢٩/ ١١.\n(٤) انظر: \"معاني القرآن\" ٥/ ٢٠١.\n(٥) في (س): (وذكرنا هذا قديمًا) زيادة.\n(٦) انظر: \"اللسان\" ٢/ ٢٣١ (سوأ).\n(٧) في (س): (كما ذكر المفسرون) زيادة.\n(٨) انظر \"الكشف والبيان\" ١٢/ ١٥٩ ب، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٨/ ٢٢٠، وهو قول أكثر المفسرين.\n(٩) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٦٢ ب، ولفظه: يعني تمترون في الدنيا.\n(١٠) أشار الفراء بهذا إلى قراءة التخفيف (تدعون) وهي قراءه شاذة نسبت للحسن، =","vol":"22","page":62},{"text":"مثل (تذكرون) و(تذكرون) و﴿تَدَّخِرُونَ﴾ ﴿وتدخرون﴾ (١) وقال المبرد: معناه تستعجلون. تقول: دعوت بكذا إذا طلبته، وادَّعيتُ به افتعلت، من هذا. وقال عطاء عن ابن عباس: يريد تكذبون (٢).\nقال أبو إسحاق: تأويله في اللغة: هذا الذي كنتم من أجله تدعون الأباطيل والأكاذيب، أي: تدعون أنكم إذا متم وكنتم ترابًا أنكم لا تخرجون (٣)؛ ونحو هذا قال أبو عبيدة: تكذبون وتردون (٤). ومعناه ما ذكره أبو إسحاق.\nوقال غيره (٥): معناه هذا الذي كنتم ببطلانه تدعون. أي تدعون أنه باطل لا يأتيكم (٦)، وكأن هذا أقرب من قول أبي إسحاق.\nوالقول هو الأول بدليل قراءة من قرأ ﴿تَدَّعُونَ﴾ من الدعاء. وهذا لا يحتمل التكذيب، ومعناه: كنتم به تستعجلون وتدعون الله بتعجيله (٧).\n_________\n= والضحاك وغيرهما، وقراءة الجمهور ﴿تَدَّعُونَ﴾ بتشديد الدال. انظر: \"معاني القرآن\" للأخفش ٢/ ٧١٢، و\"المحتسب\" ٢/ ٣٢٥، و\"البحر المحيط\" ٨/ ٢٠٤.\n(١) (تذكرون) حيث وقع إذا كان بالتاء فقط خطابًا فقرأ حمزة والكسائي وخلف وحفص (تذْكُرون) بتخفيف الذال، وقرأ الباقون (تَذَّكرون) بالتشديد. و﴿تَدَّخِرُون﴾ من سورة آل عمران: ٤٩، فالجمهور بتشديد الدال وفي قراءة شاذة بتخفيفها. انظر: \"النشر\" ٢/ ٢٦٦، و\"الإتحاف\" ص ٢٢٠، و\"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ١٧١، و\"الكشاف\" ١/ ١٩١، و\"روح المعاني\" ٣/ ١٧٠.\n(٢) في (س): من (وقال المبرد) إلى هنا زيادة. ولم أجد قول ابن عباس ولا المبرد.\n(٣) انظر: \"معاني القرآن\" ٥/ ٢٠١.\n(٤) انظر: \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٦٢.\n(٥) في (ك): (وقيل).\n(٦) انظر: \"التفسير الكبير\" ٣٠/ ٧٥.\n(٧) وهو اختيار الفراء وابن جرير والنحاس ورواية الكلبي عن ابن عباس. =","vol":"22","page":63},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4621>٢٨ </span>- قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ﴾ بعذابه ﴿وَمَنْ مَعِيَ﴾ من المؤمنين ﴿أَوْ رَحِمَنَا﴾ فلم يعذبنا، ﴿فَمَنْ يُجِيرُ الْكَافِرِينَ﴾، أي: يمنعهم ويؤمنهم ﴿مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾، والمعنى: إنا مع إيماننا بين الخوف والرجاء نرجو رحمته ونخاف عذابه، فمن يجيركم مع كفركم من العذاب، أي: إنه نازل بكم لا محالة ولا رجاء لكم كما للمؤمنين. هذا معنى قول المفسرين (١).\nوقال أهل المعاني (٢): إن الكفار كانوا يتمنون موت النبي -ﷺ- وأصحابه، فقال الله تعالى: قل لهم: ﴿إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَنْ مَعِيَ﴾ بالإماتة ﴿أَوْ رَحِمَنَا﴾ بتأخير آجالنا، فأي راحة لكم في ذلك؟ وأي أمان لكم من العذاب؟ وما الذي ينفعكم ذلك؟ أي: إن أهلكنا لا يرد عنكم العذاب، ولا بقاؤنا. وكلاهما عندنا (٣) سواء.\nثم قال: ﴿قُلْ﴾ لهم في إنكارك عليهم وتوبيخك لهم ﴿قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا فَسَتَعْلَمُونَ﴾ من الضال منا: أنحن (٤) أم أنتم، أي: ستعلمون ذلك عند معاينة العذاب؛ وهذا تهديد لهم. وقراءة العامة على المخاطبة.\nوقرأ الكسائي بالياء (٥) لقوله: ﴿فَمَنْ يُجِيرُ الْكَافِرِينَ﴾ (٦).\n_________\n= انظر: \"تنوير المقباس\" ٦/ ١١٢، و\"معاني القرآن\" ٣/ ١٧١، و\"جامع البيان\" ١٢/ ٢٩/ ٨، و\"إعراب القرآن\" للنحاس ٣/ ٤٧٦.\n(١) في (س): (هذا معنى قول المفسرين) زيادة.\n(٢) انظر: \"جامع البيان\" ١٢/ ٢٩/ ٨، و\"الكشف والبيان\" ١٢/ ١٥٩ ب، و\"التفسير الكبير\" ٣٠/ ٧٦.\n(٣) في (ك): (وكلاكم)، وفي (س): (عندكم).\n(٤) في (س): (أنحن) زيادة.\n(٥) انظر: \"حجة القراءات\" ص ٧١٦، و\"النشر\" ٢/ ٣٨٩، و\"الإتحاف\" ص٤٢١.\n(٦) انظر: \"الحجة\" ٦/ ٣٠٨.","vol":"22","page":64},{"text":"ثم احتج عليهم بقوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا﴾ قال أبو علي: ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ معناه هاهنا انتبهوا؛ كأنه (١) قال: انتبهوا ﴿فَمَنْ يَأْتِيكُمْ﴾ كقوله: ﴿قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ﴾ [الكهف: ٦٣] ولا يكون جواب الجزاء (٢) الذي هو ﴿إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا﴾، ولكن جوابه ما دل عليه ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ الذي (٣) هو بمعنى انتبهوا، كما أن الفاء في قوله: ﴿فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ [الواقعة: ٩١] ليس بجواب (إن)، إنما هو جواب (وأما) (٤)، قال عطاء والكلبي عن ابن عباس، ومقاتل: يعني: ماء زمزم (٥).\nقوله: ﴿غَوْرًا﴾ أي: ذاهبًا في الأرض؛ يقال: غار الماء يغور غورًا، إذا نضب وذهب في الأرض. والغور هاهنا بمعنى الغائر (٦) سمي بالمصدر. يقال: رجل ضيف وعدل وزور (٧).\nوقوله تعالى ﴿فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ﴾ أي: ظاهر تراه وتناله الدلاء. قاله\n_________\n(١) في (س): (كأنه) زيادة.\n(٢) في (ك): (جزاء الجواب).\n(٣) في (ك): (الذي الذي).\n(٤) انظر: \"المسائل الحلبيات\" للفارسي ص ٧٨.\n(٥) انظر: \"تنوير المقباس\" ٦/ ١١٣، و\"الكشف والبيان\" ١٢/ ١٦٠ أ، و\"فتح الباري\" ٨/ ٦٦١.\nقال الألوسي: وإيًّا ما كان فليس المراد بالماء ماء معينًا، وإن كانت الآية كما روى ابن المنذر والفاكهي عن الكلبي نازلة في بئر زمزم وبئر ميمون الحضرمي. \"روح المعاني\" ٢٩/ ٢٢.\n(٦) في (س): (الغائب).\n(٧) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ١٧٢؛ و\"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ٢٠١.","vol":"22","page":65},{"text":"المفسرون (١). وقال مجاهد: المعين: الجاري (٢). وقد ذكرنا القولين عند قوله: ﴿ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾ (٣) والاختلاف وما هو الاختيار.\n_________\n(١) انظر: \"تنوير المقباس\" ٦/ ١١٣، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٨/ ٢٢٢.\n(٢) انظر: \"تفسير مجاهد\" ٢/ ٦٨٦، و\"جامع البيان\" ١٢/ ٢٩/ ٩، و\"الكشف والبيان\" ١٢/ ١٦٠ أ.\n(٣) عند تفسيره الآية (٥٠) من سورة المؤمنون.","vol":"22","page":66},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4622>سورة القلم</span>","vol":"22","page":67},{"text":"تفسير سورة القلم\nبسم الله الرحمن الرحيم\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4623>١ </span>- ﴿ن﴾ اختلفوا في تفسيره. فروي عن ابن عباس بطرق أن المراد به الحوت الذي على ظهره الأرض، وأنه من أول ما خلق الله تعالى فكبس الأرض على ظهره؛ وهو رواية أبي الضحى، وأبي ظبيان، والكلبي، وأبي صالح عن ابن عباس (١). وقول مجاهد ومقاتل والسدي (٢)، قالوا: هو الحوت الذي يحمل الأرض وهو في بحر تحت الأرض السفلى (٣).\nوالنون في اللغة السمكة (٤). ومنه قوله تعالى في ذكر يونس ﵇: ﴿وَذَا النُّونِ﴾، وقد مر (٥).\n_________\n(١) أخرجه ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، والحاكم، وصححه، والضياء في المختارة وغيرهم. انظر: \"تنوير المقباس\" ٣/ ١١٦، و\"جامع البيان\" ٢٩/ ٩، و\"المستدرك\" ٢/ ٤٩٨، و\"العظمة\" ٤/ ١٤٠٣ و\"تفسير الماوردي\" ٤/ ٢٧٧، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٤٠٠.\nقلت: إن صح هذا عنه فهو من الإسرائيليات التي ملئت بها كتب التفسير، وابتليت بها الأمة، وكشف زيفها وكذبها وبعدها عن الحقيقة والواقع.\n(٢) في (س): (والسدي) زيادة.\n(٣) انظر: \"جامع البيان\" ٢٩/ ١٠، و\"الكشف والبيان\" ١٢/ ١٦٠ أ، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٨٤.\n(٤) انظر: \"اللسان\" ٣/ ٧٥٠ (نون).\n(٥) عند تفسيره الآية (٨٧) من سورة الأنبياء.","vol":"22","page":69},{"text":"وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: (ن) الدواة (١)، ونحو هذا روى الضحاك (٢)؛ وهو قول الحسن وقتادة (٣). والنون في اللغة الدواة، ومنه قول الشاعر (٤):\nإذا ما الشوق برح بي إليهم ... ألفت النون بالدمع السجوم\nوروى عكرمة (٥) عن ابن عباس أن نون هاهنا آخر حروف الرحمن. قال: (الر) و(حم) و(ن) حروف الرحمن مقطعة (٦).\nوروى معاوية بن قرة (٧) مرفوعًا أن نون هاهنا لوح من نور (٨).\n_________\n(١) انظر: \"تفسير مجاهد\" ٢/ ٦٧٨، و\"جامع البيان\" ٢٩/ ١٠.\n(٢) في (س): (ونحو هذا روى الضحاك) زيادة.\n(٣) انظر: \"الكشف والبيان\" ١٢/ ١٦١ أ، و\"زاد المسير\" ٨/ ٣٢٦، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٨/ ٢٢٣.\n(٤) لم أجده. وفي \"تهذيب اللغة\" ١٥/ ٥٦٠، قال: ... ﴿ن وَالْقَلَمِ﴾ لا يجوز فيه غير الهجاء، ألا ترى أن كتاب المصحف كتبوه ﴿ن﴾ ولو أريد به الدواة أو الحوت كتب نون. وانظر: \"المحرر الوجيز\" ١٦/ ٧٣.\n(٥) (س): (عكرمة) زيادة.\n(٦) انظر: \"جامع البيان\" ٢٩/ ١٠، و\"الأسماء والصفات\" للبيهقي ١/ ٢٣٠ - ٢٣٣. بسندين أحدهما ضعيف والآخر حسن، و\"الكشف والبيان\" ١٢/ ١٦١ أ.\n(٧) معاوية بن قرة المدني البصري، ثقة عالم، مات سنة ١١٣ هـ عن ثمانين سنة، وكان يقول: لقيت ثلاثين صحابيًّا. انظر: \"سير أعلام النبلاء\" ٥/ ١٥٣، و\"طبقات ابن سعد\" ٧/ ٢٢١ و\"التقريب\" ٢/ ٢٦١، و\"التاريخ الكبير\" ٤/ ٣٣٠.\n(٨) أخرجه ابن جرير عن معاوية عن أبيه. \"جامع البيان\" ٢٩/ ١٠. قال ابن كثير: وهذا مرسل غريب. \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٤٠١. وقال أبو حيان: لعله لا يصح شيء من ذلك، و\"البحر المحيط\" ٨/ ٣٠٧. وقال ابن حجر: والمشهور في ﴿ن﴾ أن حكمها حكم أوائل السور في الحروف المقطعة، وبه جزم الفراء.\n\"فتح الباري\" ٨/ ٦٦١، وانظر: \"التفسير الكبير\" ٣٠/ ٧٧، و\"روح المعاني\" ٢٩/ ٢٣.","vol":"22","page":70},{"text":"وقال أبو عبيدة وابن كيسان (١): نون فاتحة السورة كسائر الفواتح (٢).\nوقال المبرد: (ن) اسم الحرف المعروف من حروف الهجاء نحو (ق) و(م). وهذا هو الأشبه؛ لأنه لو كان للسمكة لكان معربًا غير ساكن الآخر (٣)؛ لأنه اسم لمسمى (٤)، وحروف المعجم إنما هي موضوعة على الوقف، ولذلك يلتقي في أواخرها ساكنان؛ هذا كلامه. وقد اختار قول من قال: إنه من حروف المعجم لافتتاح السورة، والمراد به آخر حروف الرحمن لبنائه على السكون. والقول ما قال (٥).\n_________\n(١) في (س): (وابن كيسان) زيادة.\n(٢) انظر: \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٦٤.\n(٣) في (ك): (الأخير).\n(٤) في (ك): (المسمى).\n(٥) انظر: \"التفسير الكبير\" ٣٠/ ٧٧، وفي \"العظمة\" ٢/ ٥٣٢ قال المحقق: ولم يصح في ذلك شيء مرفوع عن النبي -ﷺ-، وإنما روى بعض الصحابة ومن بعدهم.\nقلت: ورد في الحروف المقطعة نقول لا تسلم سندًا، وآراء لا تسلم اجتهادًا. والأسلم فيها السكوت عن التعرض لمعناها من غير مستند شرعي، وتفويض أمرها إلى الله، والقول بكل تواضع: الله أعلم. وبهذا قال كثير من سلف الأمة ﵏ جميعًا.\nوقال الشوكاني -﵀- بعد التحقيق في هذه المسألة، والذي أراه لنفسي ولكل من أحب السلامة، واقتدى بسلف الأمة أن لا يتكلم بشيء من ذلك، مع الاعتراف بأن في إنزالها حكمة لله -﷿- لا تبلغها عقولنا، ولا تهتدي إليه أفهامنا، وإذا انتهت إلى السلامة في مدارك فلا تجاوزه. انظر: \"فتح القدير\" ١/ ٣٥.\nوانظر: \"لباب التأويل\" ١/ ١٩، و\"روح المعاني\" ١/ ٣٥، و\"الإسرائيليات\" لأبي شهبة ٣٠٥ - ٣٠٦.","vol":"22","page":71},{"text":"والقراء مختلفون في إظهار النون وإخفائه من قوله ﴿ن * وَالْقَلَمِ﴾ (١)، فمن أظهرها فلأنه ينوي بها الوقف بدلالة اجتماع الساكنين فيها، وإذا كانت موقوفة كانت في تقدير الانفصال مما قبلها، وإذا انفصل مما قبلها وجب التبيين، لأنها إنما تخفى في حروف الفم عند الاتصال. ووجه الإخفاء أن همزة الوصل لم تقطع مع هذه الحروف في نحو ﴿الم﴾، وقولهم في العدد: واحد، اثنان. فمن حيث لم تقطع الهمزة معها علمت أنه في تقدير الوصل، وإذا وصلتها أخفيت (٢) النون (٣). وقد ذكرنا هذا في قوله: ﴿ص * وَالْقُرْآنِ﴾ [ص: ١] و﴿يس (١) وَالْقُرْآنِ﴾ [يس: ١ - ٢] قال الفراء: وإظهارها أعجب إلي، لأنها هجاء، والهجاء كالوقوف وإن اتصل (٤).\nقوله تعالى: ﴿وَالْقَلَمِ﴾ قال ابن عباس: أول ما خلق الله القلم ثم قال له: اكتب ما هو كائن إلى أن تقوم الساعة، فجرى بما هو كائن من ذلك اليوم إلى أن تقوم الساعة (٥) قال: وهو قلم من نور طوله كما بين السماء\n_________\n(١) قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وحمزة، وحفص ﴿ن وَالْقَلَمِ﴾ بإظهار النون. وقرأ الباقون بإخفائها. انظر: \"حجة القراءات\" ص ٧١٧، و\"الإتحاف\" ص ٤٢١، و\"زاد المسير\" ٨/ ٣٢٦.\n(٢) في (ك): (خفيت).\n(٣) انظر: \"الحجة للقراء السبعة\" ٦/ ٣٠٩ - ٣١٠.\n(٤) انظر: \"معاني القرآن\" ٣/ ١٧٢.\nقلت: واختيار الفراء للإظهار لا يعني الطعن أو الرد لما صح عن رسول الله -ﷺ-، وهو اختيار ابن جرير أيضًا. حيث قال: والصواب من القول في ذلك عندنا أنهما قراءتان فصيحتان بأيتهما قرأ القارئ أصاب، غير أن إظهار النون أفصح وأشهر، فهو أعجب إليّ. \"جامع البيان\" ٢٩/ ١١.\n(٥) أخرجه ابن جرير في \"جامعه\" ٢٩/ ١٠، وابن أبي حاتم، وأحمد في \"المسند\" ٥/ ٣١٧، والترمذي في \"سننه\"، كتاب: القدر ٤/ ٣٩٧ (٢١٥٥) وقال: هذا =","vol":"22","page":72},{"text":"والأرض. وهذا قوله في رواية أبي الضحى، وأبي ظبيان، وأبي صالح، ومقسم (١).\nوروى مجاهد عنه قال: كان أول (٢) ما خلق الله القلم فقال له: اكتب القدر. قال: فكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة، وإنما يجري الناس على أمر قد فرغ منه (٣).\nوهذا قول جميع المفسرين. قالوا: هو القلم الذي كتب به اللوح المحفوظ (٤). قوله: ﴿وَمَا يَسْطُرُونَ﴾. قالوا: يعني وما تكتب الملائكة\n_________\n= حديث غريب من هذا الوجه. وفي \"الأسماء والصفات\" للبيهقي ٢/ ٢٣٩، قال محققه: صحيح إلى ابن عباس، ثم ذكر طرقه عن ابن عباس. ثم عقب بذكر الحديث مرفوعًا من حديث عبادة بن الصامت وقال: وبالجملة فالحديث بهذه الطرق صحيح لغيره.\nوهو حديث صحيح كما في \"تحقيق شرح الطحاوية\" ٢/ ٣٤٤.\n(١) في (س): (وأبي ظبيان، وأبي صالح، ومقسم) زيادة. وانظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٨/ ٢٢٥.\n(٢) في (س): (كان أول) زيادة.\n(٣) انظر: \"جامع البيان\" ٢٩/ ١١، وهو معنى حديث سراقة بن مالك، الذي رواه مسلم في \"صحيحه\"، كتاب: القدر، باب: كيفية الخلق الآدمي ٤/ ٢٠٤٠، وأحمد في \"مسنده\" ٣/ ٢٩٢، وغيرهما.\n(٤) قول المؤلف -﵀-: وهذا قول جميع المفسرين؛ صوابه: بعض المفسرين. والأكثرون على أنه جنس أقسم الله سبحانه بكل قلم يكتب به في السماء وفي الأرض. انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٨/ ٢٢٥، و\"غرائب القرآن\" ٢٩/ ١٥. وقال ابن كثير: والظاهر أنه جنس القلم الذي يكتب به كقوله: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾، فهو قسم منه تعالى وتنبيه لخلقه على ما أنهم به عليهم من تعليم الكتابة التي بها تنال العلوم. \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٤٠١.","vol":"22","page":73},{"text":"الحفظة من أعمال بني آدم (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4624>٢ </span>- قوله تعالى: ﴿مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ قال أبو إسحاق: ﴿أَنْتَ﴾ هو اسم ﴿مَآ﴾ و﴿بِمَجْنُونٍ﴾ الخبر، و﴿بِنِعْمَةِ رَبِّك﴾ موصولة بمعنى النفي. انتفى عنك الجنون بنعمة ربك كما تقول: أنت بنعمة الله (٢) فَهِمٌ، وما أنت بنعمة الله بجاهل. وتأويله: فارقك الجهل بنعمة ربك <span data-type=\"title\" id=toc-4625>(٣)</span>. وهذا جواب لقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحجر: ٦].\nقال مقاتل: وذلك حين قال كفار مكة: إن محمدًا مجنون، فأقسم الله بالحوت وبالقلم وبأعمال بني آدم، فقال: ﴿مَآ أنَتَ﴾ يا محمد ﴿بِنِعْمَتِ رَبِّك﴾، يعني برحمة ربك ﴿بِمَجنُونٍ﴾ (٤)، وقال عطاء عن (٥) ابن عباس: يريد بنعمة ربك عليك بالإيمان والنبوة (٦).\n\n٣ - قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ أكثر المفسرين وأهل المعاني يقولون: غير منقوض ولا مقطوع، يقال: منَّهُ السير، أي أضعفه. والمنين: الضعيف، ومنَّ الشيء إذا قطعه (٧)، ومنه قول لبيد (٨):\n_________\n(١) انظر: \"زاد المسير\" ٨/ ٣٢٨، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٨/ ٢٢٥، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٤٠١، وهو منسوب لابن عباس، ومقاتل، والسدي.\n(٢) في (ك): (ربك).\n(٣) انظر: \"معاني القرآن\" ٥/ ٢٠٤.\n(٤) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٦٢ ب، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٨/ ٢٢٥.\n(٥) في (س): (عطاء عن) زيادة.\n(٦) انظر: \"التفسير الكبير\" ٣٠/ ٧٩، و\"غرائب القرآن\" ٢٩/ ١٥.\n(٧) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ١٧٣، و\"جامع البيان\" ٢٩/ ١٢، و\"اللسان\" ٣/ ٥٣٥ (منن).\n(٨) \"ديوان لبيد\" ص١٧١، و\"شرح المعلقات السبع\" للزوزني ٨٣، و\"الخصائص\" ١/ ٢٩٦.","vol":"22","page":74},{"text":"غبس كواسبُ ما يمنُّ طعامها\nيصف كلابًا ضارية. وقال مجاهد: غير محسوب (١). وهو المن الذي يريد به الاعتداد. وهو معنى قول مقاتل: لا يمن به عليك (٢).\nوقال الكلبي: غير مكدر عليك في الجنة (٣). والقول هو الأول. والمعنى: إن لك لأجرًا يصبرك على بهتهم وافترآتهم عليك، وقولهم: إنك مجنون: غير ممنون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4626>٤ </span>- ثم مدحه مع وعد الأجر بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء (٤): يريد دين عظيم، لم أخلق من الأديان أحب ولا أرضى عندي منهن اختصصتك به واصطفيته (٥) لك ولأمتك. ونحو هذا قال الكلبي: على دين عظيم. وهو قول مقاتل، ومجاهد، والسدي، وأبي\n_________\n= \"تهذيب اللغة\" ٥/ ٣٩٤، و\"اللسان\" ٣/ ١٨٠ (قهد)، وصدر البيت:\nلمعفر فهد تنازع شلوه\nوالعفر: الإلقاء على العفر، وهو أديم الأرض، والفهد: الأبيض. والشلو: العضو.\nوالغبس: الذئاب أو الكلاب.\nوالمعنى: أن طعام الذئاب لا يفتر لكثرة الاصطياد أو طعام الذئاب لا يقطعه أصحابها.\n(١) انظر: \"جامع البيان\" ٢٩/ ١٢، و\"البحر المحيط\" ٨/ ٣٠٨.\n(٢) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٦٢ ب، و\"إعراب القرآن\" للنحاس ٣/ ٤٨١، و\"التفسير الكبير\" ٣٠/ ٨٠.\n(٣) انظر: \"تنوير المقباس\" ٦/ ١١٦، و\"التفسير الكبير\" ٣٠/ ٨٠، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٨/ ٢٢٦.\n(٤) في (س): (في رواية عطاء) زيادة.\n(٥) في (ك): (واصصفيتك).","vol":"22","page":75},{"text":"مالك، وابن زيد بن أسلم (١) وجماعة (٢)؛ قالوا: يعني الإسلام والدين (٣).\nوروى عكرمة عن ابن عباس قال: يعني القرآن؛ وهو قول الحسن والعوفي قالا (٤): يعني أدب القرآن (٥).\nويدل على هذا ما روي أن عائشة سئلت عن خلق رسول الله -ﷺ- فقالت: كان خلقه القرآن (٦).\nوفسره قتادة فقال: ما كان يأتمر به من أمر الله وينتهي عنه من نهي الله (٧). واختاره الزجاج فقال: المعنى إنك على الخلق الذي أمرك (٨) الله به في القرآن (٩). ومعنى الخلق في اللغة: العادة (١٠). ذكرنا (١١) ذلك في قوله:\n_________\n(١) في (س): (والسدي، وأبي مالك، وابن زيد بن أسلم) زيادة.\n(٢) (وجماعة) ساقطة من (س).\n(٣) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٦٢ ب، و\"جامع البيان\" ٢٩/ ١٢، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٧٥، و\"زاد المسير\" ٨/ ٣٢٨.\n(٤) في (ك): (قال).\n(٥) انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٨/ ٢٢٧، ورجحه، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٤٠٢، و\"الدر\" ٦/ ٢٥١.\n(٦) الحديث رواه مسلم في كتاب: صلاة المسافرين وقصرها باب: جامع صلاة الليل ١/ ٥١٣، وأبو داود في كتاب: التطوع ٢/ ٩٩، والنسائي في كتاب: قيام الليل ٢/ ١٩٩.\n(٧) انظر: \"الكشف والبيان\" ١٢/ ١٦٣ أ، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٧٥، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٨/ ٢٢٧.\n(٨) في (ك): (أمر).\n(٩) انظر: \"معاني القرآن\" ٥/ ٢٠٤.\n(١٠) انظر: \"مفردات الراغب\" ص ١٥٧ (خلق).\n(١١) في (ك): (ذكر).","vol":"22","page":76},{"text":"﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٧].\nوقال ابن الأعرابي: الخلق: الدين، وسمي خلق رسول الله -ﷺ- عظيمًا لعظم قدره وجلالة محله عند الله تعالى (١).\nقوله (٢): ﴿فَسَتُبْصِرُ﴾ أي: فسترى يا محمد، ﴿وَيُبْصِرُون﴾ يعني المشركين، ﴿بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ﴾ اختلفوا في الباء هاهنا، فأكثر المفسرين وأهل المعاني على أنها صلة زائدة (٣). والمعنى: أيكم المفتون وهو الذي فتن بالجنون. قال أبو عبيدة: مجازه أيكم، وأنشد:\nيَضرِبُ بالسيفِ ويرجُو بالفَرَجْ (٤)\nونحوه قال الأخفش وابن قتيبة (٥).\nوقال مقاتل: هذا وعيد العذاب ببدر (٦). يعني: سترى ويرى أهل مكة إذا نزل بهم العذاب ببدر أيكم المفتون. ونحو هذا قال قتادة (٧)، وابن عباس\n_________\n(١) انظر: \"تهذيب اللغة\" ٧/ ٢٩ (خلق).\n(٢) في (س): (قوله) زيادة.\n(٣) انظر: \"معاني القرآن\" للأخفش ٧١٢، و\"إعراب القرآن\" للنحاس ٣/ ٤٨٢، و\"البحر المحيط\" ٨/ ٣٠٩.\n(٤) البيت للنابغة الجعدي، وصدره:\nنحن بنو جعدة أصحاب الفلج\nانظر: \"ديوانه\" ص ٢١٦، و\"الخزانة\" ٩/ ٥٢٠، و\"مغني اللبيب\" ص ١٠٨ و\"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٦٤، و\"تفسير القرآن\" ص ٤٧٨، و\"الإنصاف\" ص ٢٨٤.\n(٥) (س): (ونحوه قال الأخفش وابن قتيبة) زيادة. انظر: \"معاني القرآن\" ٢/ ٧١٢، و\"تفسير غريب القرآن\" ٤٧٧ - ٤٧٨.\n(٦) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٦٢ ب، و\"التفسير الكبير\" ٣٠/ ٨٢.\n(٧) انظر: \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٣٠٨، و\"جامع البيان\" ٢٩/ ١٤.","vol":"22","page":77},{"text":"في رواية عطاء يقول: بأيكم المجنون (١). وهذا محمول على زيادة الباء.\nوقال أبو إسحاق: لا يجوز أن يكون الباء هاهنا لغوًا في قول أحد من أهل العربية (٢)، وفيه قولان للنحويين:\nأحدهما: قالوا: المفتون هاهنا بمعنى الفتون (٣). والمصادر تجيء على المفعول نحو المعقول والميسور. ويقال: ليس له معقود رأي. أي عقد رأي. والمفتون هاهنا بمعنى الفتون (٤)، أي: الجنون. وهذا قول الحسن والضحاك (٥) ورواية عطية عن ابن عباس. قالوا: بأيكم الجنون (٦).\nوالقول الثاني: أن الباء بمعنى في (٧). ومعنى الآية: ستبصر ويبصرون في أي الفريقين المجنون. أي: فرقة الإسلام أم في (٨) فرقة الكفار (٩). والقولان للفراء (١٠) فشرحهما أبو إسحاق.\nوقال في البيت الذي أنشده أبو عبيدة: معناه: نرجو كشف ما نحن\n_________\n(١) انظر: \"تنوير المقباس\" ٦/ ١١٧ برواية الكلبي، و\"الكشف والبيان\" ١٢/ ١٦٤ ب، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٧٧، ذكره برواية العوفي.\n(٢) مراد الزجاج من قوله هذا: أن من قال بزيادتها لم يستند على نقل صحيح عن أهل اللغة، وإنما هو اجتهاد منه.\n(٣) في (ك): (المفتون).\n(٤) انظر: \"معاني القرآن\" ٥/ ٢٠٥.\n(٥) في (س): (والضحاك) زيادة.\n(٦) انظر: \"جامع البيان\" ٢٩/ ١٣، و\"التفسير الكبير\" ٣٠/ ٨٢.\n(٧) في (ك): (في معنى).\n(٨) في (س): (في) زيادة.\n(٩) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ٢٠٥.\n(١٠) انظر: \"معاني القرآن\" ٣/ ١٧٣.","vol":"22","page":78},{"text":"فيه بالفرج، أو نرجو النصر بالفرج (١). وهذا القول وإن أنكره غير مردود، لأن زيادة الباء كثير في الكلام وفي التنزيل، ذكرنا ذلك في عدة مواضع (٢). واختار المبرد أن يكون ﴿اَلمَفْتُونُ﴾ مصدرًا معنى الفتنة (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4627>٨، ٩ </span>- قوله تعالى: ﴿فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ﴾ يعني رؤساء أهل مكة، وذلك أنهم دعوه إلى دين فنهاه الله أن يطيعهم، ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ قال الليث: الإدهان: اللين والمصانعة. وقال أبو الهيثم: الإدهان: المقاربة في الكلام والتليين في القول (٤).\nوقال المبرد: أدهن الرجل في دينه، وداهن في أمره، إذا خان وأظهر خلاف ما يضمر (٥). وذكرنا هذا عند قوله: ﴿أَنْتُمْ مُدْهِنُون﴾ [الواقعة: ٨١].\n_________\n(١) انظر: \"معاني القرآن\" ٥/ ٢٠٥.\n(٢) اختلف العلماء في وقوع الزائد في القرآن، فالمبرد، وثعلب، وابن السراج وغيرهم قالوا: لا صلة في القرآن والجمهور على إثبات الصلات في القرآن. ومراد من أثبت الحروف الزائدة في القرآن ما أتي به لغرض التقوية والتوكيد، وليس المراد إهمال اللفظ ولا كونه لغوًا فتحتاج إلى التنكب عن التعبير بها إلى غيرها. انظر: \"البسيط في شرح جمل الزجاجي\" ٢/ ٨٥٦ و\"البرهان في علوم القرآن\" ٣/ ٧٢.\n(٣) انظر: \"التفسير الكبير\" ٣٠/ ٨٢.\nوقال ابن تيمية -﵀- عند هذه الآية: هذه تفسير آيات أشكلت حتى لا يوجد في طائفة من كتب التفسير إلا ما هو خطأ فيها. منها قوله: ﴿بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ﴾ حار فيها كثير، والصواب المأثور عن السلف؛ ثم ذكر ما روي عن مجاهد والحسن وغيرهما، إلى أن قال: والذين لم يفهموا هذا قالوا: الباء زائدة. قاله ابن قتيبة وغيره. وهذا كثير ..، و\"دقائق التفسير\" ٥/ ١٩ - ٢٠.\n(٤) انظر: \"تهذيب اللغة\" ٦/ ٢٠٥، و\"اللسان\" ١/ ١٠٢٩ (دهن).\n(٥) انظر: \"التفسير الكبير\" ٣٠/ ٨٣.","vol":"22","page":79},{"text":"قال الكلبي: لو (١) تصانعهم في الدين فيصانعونك (٢). والمعنى: تترك بعض ما أنت عليه مما لا يرضونه مصانعة لهم فيفعلوا مثل ذلك ويتركوا بعض ما لا ترضى فتلين لهم ويلينون. وهذا قول مجاهد: تركن إليهم وتترك ما أنت عليه من الحق فيمالئونك (٣). وهذا قول أكثر المفسرين (٤). ومعنى رواية الوالبي عن ابن عباس (٥).\nوقال ابن قتيبة: كانوا أرادوه على أن يعبدوا آلهتهم مدة ويعبدوا الله مدة (٦).\nوروى عنه عطاء: لو تكفر (٧) يكفرون. وهذا قول مقاتل، وعطية، والضحاك (٨). وهذا كالأول؛ لأنه يكفر بمداهنتهم لو فعل، وهم يكفرون باتباعه فيتبعونه على الكفر (٩).\n_________\n(١) في (س): (لو) زيادة.\n(٢) في (ك): (فيصانعوك).\nوانظر: \"تنوير المقباس\" ٦/ ١١٧، ونسب أيضًا للحسن كما في \"الكشف والبيان\" ١٢/ ١٦٤ ب، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٧٧، و\"زاد المسير\" ٨/ ٣٣٠، وذكروا عن الكلبي قوله: ودوا لو تلين لهم فيلينون لك.\n(٣) انظر: \"جامع البيان\" ٢٩/ ١٤، و\"الدر\" ٦/ ٢٥١.\n(٤) انظر: \"غرائب القرآن\" ٢٩/ ١٧.\n(٥) انظر: \"جامع البيان\" ٢٩/ ١٤، و\"إعراب القرآن\" للنحاس ٣/ ٤٨٣، و\"الكشف والبيان\" ١٢/ ١٦٤ ب.\n(٦) انظر: \"تفسير غريب القرآن\" ص ٤٧٨.\n(٧) (ك): (تكفرون).\n(٨) (س): (والضحاك) زيادة. انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٦٣ أ، و\"الكشف والبيان\" ١٢/ ١٦٤ ب، و\"زاد المسير\" ٨/ ٣٣١.\n(٩) قال ابن العربي: ذكر المفسرون فيها نحو عشرة أقوال ... أمثلها قولهم: ودوا لو =","vol":"22","page":80},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4628>١٠ </span>- قوله: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ﴾: كثير الحلف بالباطل، ﴿مَهِينٌ﴾ قال مجاهد ومقاتل: ضعيف القلب (١).\nقال الزجاج: هو فعيل من المهانة وهي القلة، ومعناه هاهنا القلة في الرأي والتمييز (٢). وهذا معنى قول المفسرين: ضعيف القلب.\nوقال الحسن وقتادة: المهين: المكثار من الشر (٣). ومعناه أنه الوضيع بإكثاره من القبيح. وقيل: هو القبيح. وقيل: الحقير؛ لأنه عرف أنه يحلف على الكذب (٤).\nوقال ابن عباس في رواية عطاء (٥): يعني: الأخنس بن شريق؛ وهو قول السدي والكلبي (٦).\nوقال مقاتل: نزلت في الوليد بن المغيرة حين عرض على النبي -ﷺ-\n_________\n= تكذب فيكذبون، ودوا لو تكفر فيكفرون. \"أحكام القرآن\" ٤/ ١٨٤٣.\nوقال القرطبي -تعقيبًا على ابن العربي-: (كلها إن شاء الله تعالى صحيحة على مقتضى اللغة والمعنى ...) \"الجامع\" ١٨/ ٢٣١.\n(١) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٦٣ أ، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٨/ ٢٣١، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٤٠٣.\n(٢) انظر: \"معاني القرآن\" ٥/ ٢٠٥.\n(٣) انظر: \"جامع البيان\" ٢٩/ ١٥، و\"الكشف والبيان\" ١٢/ ١٦٥ أ.\n(٤) انظر: \"التفسير الكبير\" ٣٠/ ٨٣، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٨/ ٢٣١.\n(٥) في (س): (في رواية عطاء) زيادة.\n(٦) في (س): (والكلبي) زيادة.\nانظر: \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٣٠٨، و\"جامع البيان\" ٢٩/ ١٥، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٧٧، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٨/ ٢٣١، ذكروا هذا القول دون نسبة لابن عباس، وإنما قصروه على عطاء والكلبي والسدي.","vol":"22","page":81},{"text":"المال ليرجع عن دينه (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4629>١١ </span>- قوله تعالى: ﴿هَمَّازٍ﴾ قال المبرد: هو الذي يهمز الناس بالمكروه، وأكثر ذلك بظهر الغيب (٢).\nوقال الزجاج: مغتاب للناس (٣).\nوقال ابن عباس: طعان للناس (٤). وقال مقاتل: مغتاب (٥).\n﴿مَشَّاءٍ بِنَمِيم﴾ يمشي بالنميمة بين الناس ليفسد بينهم. ويقال: نمَّ يَنُمُّ وَينِمُّ نمّا ونميمًا ونميمة. ﴿مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ﴾ قال عطاء والكلبي (٦) عن ابن عباس، ومقاتل، معنى الخير هاهنا الإيمان والإسلام، كان له عشرة بنين، وكان يقول لهم وللحمته من قرابته: لئن تبع دين محمد منكم أحد (٧) لا أنفعه بشيء أبدًا (٨)؛ فمنعهم الإسلام وهو الخير الذي منعهم. وعلى هذا معناه: مناع للإيمان والإسلام؛ أي يمنعهما الناس. ويجوز أن يكون المعنى (٩): مناع رفده ونفعه لأجل الخير وهو الإسلام.\nوقال الآخرون: معناه: بخيل بالمال. فالخير على هذا القول المال،\n_________\n(١) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٦٣ أ، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٧٧.\n(٢) انظر: \"التفسير الكبير\" ٣٠/ ٨٤.\n(٣) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ٢٠٥.\n(٤) انظر: \"تنوير المقباس\" ٦/ ١١٧.\n(٥) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٦٣ أ، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٨/ ٢٣٢.\n(٦) في (س): (والكلبي) زيادة.\n(٧) في (س): (أحد) زيادة.\n(٨) انظر: \"تنوير المقباس\" ٦/ ١١٧، و\"تفسير مقاتل\" ١٦٣ أ، و\"الكشف والبيان\" ١٢/ ١٦٥ أ، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٧٨.\n(٩) في (س): من (مناع للإيمان) إلى هنا زيادة.","vol":"22","page":82},{"text":"وهو اختيار ابن قتيبة (١).\nقوله تعالى: ﴿مُعْتَدٍ﴾ قال مقاتل: يعني في الغشم والظلم (٢). والمعنى أنه ظلوم يعتدي الحق ويتجاوزه فيأتي بالظلم. وهو معنى قول الكلبي: معتد للحق (٣). ومعناه أنه صاحب الباطل. ﴿أَثِيم﴾ أثم بغشمه وظلمه، وصار ذا إثم.\nوقال عطاء (٤): أثيم في جميع أفعاله.\nوقال الكلبي: يعني فاجرًا (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4630>١٣ </span>- قوله تعالى: ﴿عُتُلٍّ﴾ قال الفراء: العتل في هذا الموضع: الشديد الخصومة بالباطل (٦)؛ وهو قول الكلبي (٧).\nوقال أبو عبيدة: هو الفظ الكافر، وهو الشديد في كل شيء (٨).\nوقال المبرد: العتل عند العرب: الجافي الخلق. ونحسبه -والله أعلم- في هذا الموضع المتجافي عن الحق.\nوقال الزجاج: هو في اللغة: الغليظ الجافي (٩).\n_________\n(١) انظر: \"تفسير غريب القرآن\" ص ٤٧٨، و\"جامع البيان\" ٢٩/ ١٥، و\"زاد المسير\" ٨/ ٣٣٢.\n(٢) انظر: \"التفسير الكبير\" ٣٠/ ٨٤.\n(٣) انظر: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٧٨، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٨/ ٢٣٢.\n(٤) في (س): من (أثم بغشمه) إلى هنا زيادة.\n(٥) في (س): (وقال الكلبي: يعني فاجرًا) زيادة. وانظر: \"تنوير المقباس\" ٦/ ١١٨.\n(٦) انظر: \"معاني القرآن\" ٣/ ١٧٣.\n(٧) في (س): (وهو قول الكلبي) زيادة. وانظر: \"تنوير المقباس\" ٦/ ١١٨.\n(٨) انظر: \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٦٤.\n(٩) انظر: \"معاني القرآن\" ٥/ ٢٠٦.","vol":"22","page":83},{"text":"وقال الليث: هو الأكول المنوع (١).\nهذا قول أهل اللغة في تفسير العُتل (٢)، وأصله في العتل، وهو السوق الشديد والقود العنيف من قوله: ﴿فَاَعْتِلُوهُ﴾ وقد مر (٣). فالعُتل: الجافي الغليظ الشديد الخصومة والفظ العنيف.\nوقال الفراء في كتاب \"المصادر\": إنه لعُتُل بَيِّنُ العُتُلَّة، بضم العين والتاء وتشديد اللام. قال: والعرب تقول: إنك لَعَتِلٌ شديد إلى الشر -بفتح العين وكسر التاء مخففة- بيَّن العتل (٤). معناه: إنك لسريع إلى الشر. وقوله المفسرين في هذا على قسمين:\nأحدهما: أنه ذم في الخَلْق.\nوالثاني: أنه ذم في الخُلُق.\nقال ابن عباس في رواية عطاء: يريد قوي ضخم (٥).\nوقال مقاتل: رحيب الجوف وثيق الخلق (٦).\nوقال أبو رزين: العتل: الصحيح (٧).\n_________\n(١) انظر: \"اللسان\" ٢/ ٦٨١ (عتل)، و\"زاد المسير\" ٨/ ٣٣٢.\n(٢) في (س): (هذا قول أهل اللغة في تفسير العتل) زيادة.\n(٣) عند تفسيره الآية (٤٧) من سورة الدخان. قال: العتل أن تأخذ بتلابيب الرجل فتعتله، أي: تجره إليك وتذهب به إلى حبس أو بلية وأخذ فلان بزمام الناقة فعتلها، وذلك إذا قبض على أصل الزمام عند الرأس وقادها قودًا عنيفًا. وقال ابن السكيت: عتلته إلى السجن وعتنته فأنا أعتله وأعتنه، إذا دفعته دفعًا عنيفًا.\n(٤) انظر: \"اللسان\" ٢/ ٦٨١٤ (عتل)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٨/ ٢٣٢، عن ابن السكيت.\n(٥) انظر: \"التفسير الكبير\" ٣٠/ ٨٤.\n(٦) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٦٣ أ، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٨/ ٢٣٣.\n(٧) انظر: \"جامع البيان\" ٢٩/ ١٦.","vol":"22","page":84},{"text":"وقال مجاهد: هو الشديد الأشر (١).\nوقال عبيد بن عمير (٢): هو الأكول الشروب القوي الشديد يوزن فلا يزن شعيرة (٣)، يدفع الملك من أولئك سبعين ألفًا دفعة واحدة في جهنم (٤).\nوقال الحسن: هو الفاحش الخُلق، اللئيم الضريبة (٥).\nقوله تعالى: ﴿بَعْدَ ذَلكَ﴾ قال صاحب النظم: (بعد) هاهنا بمنزلة مع على تأويل عتل مع ما وصفناه به (٦). وهذا معنى قول مقاتل (٧). يعني مع هذا النعت. ﴿زَنِيم﴾ الزنيم في اللغة: الدعي.\nقال أبو عبيدة (٨): الملصق بالقوم وليس منهم، وأنشد لحسان بن ثابت (٩):\nوأنت زنيم نيط في آل هاشم ... كما نيط خلف الراكب القدح الفرد.\n_________\n(١) انظر: \"جامع البيان\" ٢٩/ ١٦، و\"زاد المسير\" ٨/ ٣٣٢.\n(٢) في (ك): (شعرة).\n(٣) انظر: \"التفسير الكبير\" ٣٠/ ٨٤.\n(٤) انظر: \"المصنف\" لابن أبي شيبة ١٣/ ٤٤٠، و\"الكشف والبيان\" ١٢/ ١٦٥ أ، و\"حلية الأولياء\" ٣/ ٢٧٠، و\"زاد المسير\" ٨/ ٣٣٢.\n(٥) انظر: \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٣٠٨، و\"جامع البيان\" ٢٩/ ١٦، و\"الدر\" ٦/ ٢٥١. والضريبة: الطبيعة أي: اللئيم بطبعه.\n(٦) انظر: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٧٨، و\"زاد المسير\" ٨/ ٣٣٢.\n(٧) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٦٣ أ.\n(٨) (أبو عبيدة) ساقطة من (ك).\n(٩) \"ديوان حسان\" ص ٨٩، و\"اللسان\" ٢/ ٥٣ (زنم)، و\"مشاهد الإنصاف على شواهد الكشاف\" ص ٣٨، ونيطَ آخر. والمعنى: أنت زنيم مؤخر في آل هاشم كما يؤخر الراكب القدح خلفه.","vol":"22","page":85},{"text":"قال: ويقال للتيس: زنيم له زنمتان (١).\nقال المبرد: وإنما أخذ فيما ذكر أبو عبيدة من زنمت (٢) الشاة إذا شقت أذنها فاسترخت هدبته (٣) ويبست كالشيء المعلق. والزنمة من كل شيء الزيادة (٤).\nوقال ابن عباس في رواية عطاء (٥): يريد مع هذا هو دعي في قريش وليس منهم (٦). ونحو هذا روى ثابت بن أبي صفية عن رجل يكنى أبا عبد الرحمن عن ابن عباس قال: هو اللئيم الملزق (٧) ثم أنشأ يقول:\nزنيم تداعاه الرجال زيادة ... كما زيد في عرض الأديم الأكارع (٨)\nوهذا قول مجاهد، وسعيد بن المسيب، وعكرمة (٩). قالوا: هو ولد\n_________\n(١) في (ك): (زمتان) وانظر: \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٦٥.\n(٢) في (ك): (زمت).\n(٣) في (س): (هُنية).\n(٤) انظر: \"الكامل\" ٣/ ٢٢٣ - ٢٢٤.\n(٥) في (س): (في رواية عطاء) زيادة.\n(٦) انظر: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٧٨، و\"تنوير المقباس\" ٦/ ١١٨، وهي من طريق الكلبي.\n(٧) في (ك): (المزلق).\n(٨) في (س): (الكوارع) والبيت لحسان بن ثابت كما في \"ديوانه\" ص ٤٩١، وفي \"اللسان\" ٢/ ٥٣ (زنم) نسبه للخطيم التميمي.\n(٩) أخرج ابن أبي حاتم نحوه عن عكرمة عن ابن عباس، ورواه أبو عبيد، والمبرد وغيرهما.\nانظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٨/ ٢٣٤، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٤٠٤، وعند ابن جرير من طريق العوفي: الزنيم: الدعي. وعنده بسند صحيح عن ابن عباس أنه قال في الزنيم: الذي يعرف بأبنة. \"جامع البيان\" ٢٩/ ١٧، و\"تفسير ابن عباس\" مروياته للحميدي ٢/ ٨٩٧. =","vol":"22","page":86},{"text":"الزنا الملحق بالقوم في النسب وليس منهم (١). وتمثل عكرمة فيه ببيت شعر فقال:\nزنيم ليس يعرف من أبوه ... بغي الأم ذو حسب لئيم (٢)\nويؤكد هذا التفسير ما قال مرة الهمداني (٣): إنما ادعاه أبوه بعد ثمان عشرة سنة (٤). وفيه قول آخر:\nقال الشعبي: هو الرجل الذي يعرف بالشر، كما تعرف الشاة بزنمتها (٥).\nوقال سعيد بن جبير: هو الرجل السوء يعرف بالشر، يمر على القوم فيقولون: هذا رجل سوء (٦). ونحو هذا روى خصيف (٧) عن عكرمة قال: الزنيم: الذي يعرف باللؤم كما تعرف الشاة بزنمتها (٨).\n_________\n= والأبنةُ: العيب في الخشب والعود، يقال: ليس في حسب فلان أبنة، كقولك:\nليس فيه وصمة \"اللسان\" ١/ ٩ (أبن).\n(١) انظر: \"جامع البيان\" ٢٩/ ١٧، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٨/ ٢٣٤، و\"البحر المحيط\" ٨/ ٣١٠.\n(٢) لم أجد للبيت قائلَّا: وانظر المراجع السابقة.\n(٣) في (ك): (الهمداني مرة).\n(٤) انظر: \"الكشف والبيان\" ١٢/ ١٦٥ أ، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٧٨.\n(٥) انظر: \"الكشف والبيان\" ١٢/ ١٦٥ ب، وأخرجه الحاكم في \"المستدرك\" ٢/ ٤٩٩ عن ابن عباس وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ووافقه الذهبي.\n(٦) انظر: \"تفسير مجاهد\" ٢/ ٦٨٨، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٧٨، و\"الدر\" ٦/ ٢٥٣، عن ابن عباس ونسب تخريجه لابن أبي حاتم.\n(٧) في (س): (ونحو هذا روى خصيف عن) زيادة.\n(٨) انظر: \"جامع البيان\" ٢٩/ ١٨، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٧٨، عن ابن عباس.","vol":"22","page":87},{"text":"قال ابن قتيبة: معنى هذا القول أنه قد لحقه (١) سبة في الدِّعوة (٢) عرف بها مزنمة الشاة (٣). وفي الزنيم قول ثالث روى عكرمة (٤) عن ابن عباس: نعت فلم يعرف فقيل: ﴿زَنيِمٍ﴾ قال: وكانت له زنمة في عنقه يعرف بها (٥). وهذا قول مقاتل: كان في أصل أذنه مثل زنمة الشاة (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4631>١٤ </span>- ﴿أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ﴾ قال الفراء: وقرئ (أأن كان) بهمزتين (٧). قال: والمعنى: ولا تطع كل حلاف مهين أن كان، أي: لأن كان يريد لا تطعه لماله وبنيه. ومن قال: (أأن كان) فإنه وبخه؛ والمعنى: ألان كان ذا مال وبنين تطعه. وإن شئت قلت (٨): ألأن كان ذا مال وبنين إذا تتلى عليه\n_________\n(١) في (ك): (لحقته).\n(٢) الدِّعوة: بكسر الدال: ادعاء الولد الدَّعيَّ غيرَ أبيه. وقال ابيت شميل: الدَّعوة في الطعام والدِّعوة في النسب. \"اللسان\" ١/ ٩٨٧ (دعا).\n(٣) انظر: \"تأويل المشكل\" ص ١٥٩.\n(٤) في (س): (عكرمة) زيادة.\n(٥) أخرجه ابن جرير بسند صحيح. \"جامع البيان\" ٢٩/ ١٧، و\"تفسير ابن عباس\" ومروياته للحميدي ٢/ ٨٩٧، وفي البخاري ٦/ ١٩٨ عن ابن عباس قال: رجل من قريش له زنمة مثل زنمة الشاة.\n(٦) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٦٣ أ، و\"التفسير الكبير\" ٣٠/ ٨٥، وقال ابن كثير في \"تفسيره\" ٤/ ٤٠٥، والأقوال في هذا كثيرة، وترجع إلى ما قلناه، وهو أن الزنيم هو المشهور بالشر، الذي يعرف به من بين الناس، وغالبًا يكون دعيا ولد زنا، فإنه في الغالب يتسلط الشيطان عليه ما لا يتسلط على غيره.\n(٧) قرأ ابن عامر (آن كان) بهمزة مطولة، وقرأ حمزة وأبو بكر (أأنْ) بهمزتين مخففتين على الاستفهام. وقرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، والكسائي، وحفص عن عاصم (أن كان) على الخبر.\nانظر: \"حجة القراءات\" ص ٧١٧، و\"الإتحاف\" ص ٤٢١، و\"زاد المسير\" ٨/ ٣٣٣.\n(٨) (قلت) زيادة من \"معاني القرآن\" للفراء.","vol":"22","page":88},{"text":"آياتنا قال: أساطير الأولين. وكان حسن (١).\nواختار أبو إسحاق القول الثاني، وقال: (أنْ) نصب بمعنى قال ذلك؛ لأن كان ذا مال وبنين. أي: جعل مجازاة النعم التي خُولها من المال والبنين الكفر بآياتنا.\nقال: قال: وإذا جاءت ألف الاستفهام ومعناها التوبيخ فهذا هو القول، ولا يصلح غيره. وإذ (٢) بغير استفهام جاز أن يكون المعنى: ولا تطع كل حلاف مهين أن كان ذا مال وبنين. أي: لا تطعه ليَسَاره وعدده (٣).\nوقد اتفقا (٤) على جواز أن يكون قال في قوله: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ﴾ عاملًا في (أنْ) في (٥) قوله: ﴿أَن كاَنَ﴾ قال أبو علي: لا يخلو من أن يكون العامل فيه ﴿تُتْلَى﴾ أو ﴿قَال﴾ أو شيء ثالث، ولا يجوز أن يعمل واحد منهما فيه. ألا ترى أن تتلى من قوله: ﴿تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا﴾ قد أضيفت إذا إليه، والمضاف إليه لا يعمل فيما قبله، ألا ترى أنك لا تقول: القتال زيدًا حين يأتي زيد. ولا يجوز أن يعمل فيه (قال) أيضًا؛ لأن (قال) جواب (إذا)، وحكم الجواب أن يكون بعد ما هو جواب له ولا يتقدم عليه. وإذا لم يجز أن يعمل في (أنْ) واحد من هذين الفعلين علمت أنه محمول (٦) على شيء آخر مما دل في الكلام عليه.\n_________\n(١) انظر: \"معاني القرآن\" ٣/ ١٧٣ - ١٧٤.\n(٢) بياض في المخطوطتين، ولعلها (وإذا قرئ).\n(٣) انظر: \"معاني القرآن\" ٥/ ٢٠٦.\n(٤) أي الفراء والزجاج.\n(٥) في (س): (في) زيادة.\n(٦) في (ك): (مجنون).","vol":"22","page":89},{"text":"والذي يدل عليه هذا الكلام من المعنى هو يجحد أو يكفر أو يمسك عن قبول الحق، ونحو ذلك. إنما جاز أن يعمل المعنى فيه وإن كان متقدمًا عليه لشبهه بالظرف، والظرف قد تعمل فيه المعاني وإن تقدم عليها ويدلك على مشابهته للظرف تقدير اللام معه.\nوإن من النحويين من يقول: إنه في موضع جر كما أنه لو كانت اللام ظاهرة معه كان كذلك، فإذا صار كالظرف (١) من حيث قلنا لم يمتنع المعنى من أن يعمل فيه كما لم يمتنع من أن يعمل في نحو قوله: ﴿يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [سبأ: ٧] لما كان ظرفا، والعامل فيه بعثتم، الدال عليه قوله: ﴿إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيد﴾، وكذلك ﴿أَن كاَنَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ﴾، كأنه جحد بآياتنا لأن كان ذا مال وبنين، أو كفر بآياتنا لأن كان ذا مال وبنين (٢). وعلى هذا المعنى يكون محمولًا فيمن استفهم فقال: أن كان ذا مال وبنين؛ لأنه (٣) توبيخ وتقرير، فهو بمنزلة الخبر. ومثل ذلك قولك: ألأن أنعمت عليك جحدت نعمتي، إذا وبخته بذلك. فعلى هذا تقدير الآية (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4632>١٦ </span>- قوله تعالى: ﴿سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ﴾ الوسم: أثر كية. يقال: وسمته فهو موسوم بسمة يعرف بها، إما بكية، وإما قطع في أذن علامة\n_________\n(١) في (ك): (فالظرف).\n(٢) في (س): (أو كفر بآياتنا لأن كان ذا مال وبنين) زيادة.\n(٣) في (س): (لأنه) زيادة.\n(٤) من قوله (قال أبو علي) إلى هنا كلام أبي علي، وفيه تصرف من المؤلف.\nانظر: \"الحجة\" ٦/ ٣١٠ - ٣١١، و\"البيان في غريب إعراب القرآن\" ٢/ ٤٥٣، و\"الكشاف\" ٤/ ١٢٧، و\"التفسير الكبير\" ٣٠/ ٨٥.","vol":"22","page":90},{"text":"له (١). قال أبو عبيد: الخرطوم الأنف. وأنشد قول ذي الرمة (٢):\nتنجو إذا جعلت تدمى أخشتها ... وأعتم بالزبد الجعد الخراطيمُ\nونحو هذا قال أبو عبيد (٣).\nوقال أبو زيد: الخرطوم والخطم: الأنف. وقال المبرد: الخرطوم هاهنا الأنف، وهو من السباع في مواضع الشفاه من (٤) الناس، والجحافل (٥) من ذوات الحوافر، والمرمات والمقمات (٦) من ذوات الأظلاف، والمشافر من الإبل، وهو من الليل موضع الأنف (٧). واختلفوا في معنى هذا الوسم، فالأكثرون على أنه وعيد (٨) له بذلك في الآخرة.\nقال مقاتل: سنسمه بالسواد على الأنف، وذلك أنه يسود وجهه قبل دخول النار (٩). ونحو هذا قال أبو العالية: يسود وجهه فيجعل له علمًا في\n_________\n(١) انظر: \"اللسان\" ٣/ ٩٢٨ (وسم).\n(٢) انظر: \"ديوان ذي الرمة\" ١/ ٤٠٥، و\"تهذيب اللغة\" ١/ ١٢١، و\"اللسان\" ٢/ ٨٨٩ (عمَّ)، وتنجو: تسرع السير، وأخشتها: جمع خشاش، وهي حلقة تكون في أنف البعير، والزبد: الجعد المتراكم على خطم البعير.\n(٣) في (س): (ونحو هذا قال أبو عبيد) زيادة\n(٤) في (ك): (وقال أبو زيد: الخرطوم) زيادة. والصواب حذفها.\n(٥) جحافل الخيل: أفواهها. وجحفلة الدابة: ما تناول به العلف، بمنزلة الشفة في الإنسان. \"اللسان\" ١/ ٤٠٧ (جحف).\n(٦) المرمة (بالكسر): شفة البقرة، وكل ذات ظلف، والمِقَمَّة والمَقَمَّة، الشَّفة. وهي من ذوات الظِّلف خاصة، سميت بذلك؛ لأنها تقتم به ما تأكله أي تطلبه، و\"اللسان\" ١/ ٩٢٢ (رمم)، ٣/ ١٦٦ (قمم).\n(٧) انظر: \"اللسان\" ١/ ٨١٥ (خرطم).\n(٨) في (ك): (وعد).\n(٩) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٦٣ أ، و\"التفسير الكبير\" ٣٠/ ٨٦.","vol":"22","page":91},{"text":"الآخرة ويعرف بسواد وجهه (١)، وهذا القول اختيار الفراء والزجاج (٢).\nقال الفراء: سنسمه سمة أهل النار؛ أي: سنسود وجهه، والخرطوم (٣) وإن كان قد خص بالسمة؛ لأن في مذهب الوجه، لأن بعض الوجه يؤدي عن بعض (٤).\nوقال الزجاج: معنى ﴿سَنَسِمُهُ﴾ سنجعل له في الآخرة العلم (٥) الذي يعرف به أهل النار من اسوداد وجوههم، وجائز -والله أعلم- أن ينفرد بسمة؛ لتعاليه في عداوة النبي -ﷺ- فيخص من التشويه بما يتبين به من غيره كما كانت عداوته لرسول الله -ﷺ- عداوة يتبين بها من غيره (٦)، فهؤلاء جعلوا هذه السمة على الخرطوم سواد وجهه في الآخرة. وجعل الضحاك هذه السمة كيًّا على وجهه يعرف بها في الآخرة: وهو معنى قول ابن عباس في رواية عطاء (٧). كما توسم الغنم؛ واختاره الكسائي (٨). وهذا قريب من قول أبي إسحاق الثاني. هذا كله قول من قال: إن هذا (٩) الوعيد يلحقه في الآخرة.\nوذهب بعضهم إلى أن هذه التسمية لحقته في الدنيا. وهو قول الكلبي\n_________\n(١) انظر: \"الكشف والبيان\" ١٢/ ١٦٧ أ، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٧٩.\n(٢) في (س): (وهذا القول اختيار الفراء والزجاج) زيادة.\n(٣) في (ك): (قبل دخول النار. أي سنسود وجهه. والخرطوم) زيادة، والصواب ما أثبته.\n(٤) انظر: \"معاني القرآن\" ٣/ ١٧٤.\n(٥) في (ك)، (س): (علمًا الحلم)، والتصحيح من معاني الزجاج.\n(٦) انظر: \"معاني القرآن\" ٥/ ٢٠٧.\n(٧) في (س): (في رواية عطاء) زيادة.\n(٨) انظر: \"الكشف والبيان\" ١٢/ ١٦٧ أ، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٧٩.\n(٩) في (س): (هذا) زيادة.","vol":"22","page":92},{"text":"عن ابن عباس قال: سنخطمه بالسيف فنجعل ذلك علامة باقية على أنفه ما عاش، فقاتل يوم بدر فخطم بالسيف في القتال (١). وذهب آخرون إلى أن معني هذا الوسم أنه يُشهر بالقبيح والذكر السوء؛ وهو قول قتادة، واختيار ابن جرير وابن قتيبة (٢).\nقال قتادة: سنلحق به شيئًا لا يفارقه (٣).\nوقال ابن جرير (٤): سنبين أمره بيانًا واضحًا حتى تعرفوه فلا يخفى كما لا تخفى السمة على الخراطيم (٥).\nوشرح ابن قتيبة هذا المعنى. فقال: للعرب (٦) في مثل هذا اللفظ مذهب تخبر به. تقول العرب للرجل يسب الرجل سبة قبيحة (٧) باقية، أو\n_________\n(١) انظر: \"جامع البيان\" ٢٩/ ١٨، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٧٩، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٨/ ٢٣٦.\nقلت: ذكر المفسرون -﵏- أن الآية نزلت في الوليد بن المغيرة أو الأسود ابن عبد يغوث، أو الأخنس بن شريق، وكل هؤلاء لا يصدق فيهم ما رواه الكلبي هنا عن ابن عباس، فالوليد لم يحضر غزوة بدر، وكذا الأخنس، والأسود أول من قتل من المشركين، فكيف يجعل خطمه بالسيف علامة باقية ما عاش. ولهذا وغيره فالظاهر أن الآية وما قبلها نزلت في غير معين وأنه من عرف بالشر واشتهر به.\nوانظر: \"دقائق التفسير\" ٥/ ١٧، والله تعالى أعلم.\n(٢) في (س): (وهو قول قتادة واختيار ابن جرير، وابن قتيبة) زيادة.\n(٣) انظر: \"جامع البيان\" ٢٩/ ١٨، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٤٠٥.\n(٤) في (س): (قال ابن جرير) زيادة.\n(٥) انظر: \"جامع البيان\" ٢٩/ ١٨ - ١٩.\n(٦) في (س): (فقال للعرب) زيادة.\n(٧) في (س): (قبيحة) زيادة.","vol":"22","page":93},{"text":"تبينوا عليه فاحشة: قد وسمه بميسم (١) بسوء. يريدون ألصق به عارًا لا يفارقه كما أن السمة لا تنمحي ولا يعفو (٢) أثرها. قال جرير (٣):\nلما وضعت على الفرزدق ميسمي ... وعلى البعيث (٤) جدعت أنف الأخطل\nيريد أنه وسم الفرزدق وجدع أنف الأخطل بالهجاء. أي: أبقى به عليه عارًا كالجدع والوسم. وقال أيضًا (٥):\nرفع المطيُّ بما وسمت مجاشعًا ... والزنبري يعوم ذو الأجلال\nيريد أن هجاءه قد سارت في المطي وغني به في البر والبحر (٦). وهذه الآية نزلت في الوليد بن المغيرة (٧) ولا يعلم أن الله -﷿- وصف أحدًا وصفه له ولا بلغ من ذكر عيوبه ما بلغه من ذكرها عنه؛ لأنه وصف بالحلف، والمهانة، والغيب للناس، والمشي بالنمائم، والبخل، والظلم، والإثم،\n_________\n(١) في (س): (يسم).\n(٢) في (ك): (ولا يمحوا).\n(٣) انظر: \"ديوان جرير\" ٢/ ٩٤٠.\n(٤) البَعِيث: خداش بن بشر، كنيته أبو زيد، أو أبو مالك. أحد بني مجاشع، كان شاعرًا، وخطيبًا مفوهًا. عاش في البصرة أو بالقرب منها، وقف إلى جانب غسان، السليطي ضد جرير. فدخل في معركة النقائض بين جرير والفرزدق.\nانظر: \"طبقات فحول الشعراء\" ص ٣٢٦، و\"المؤتلف والمختلف\" ص ٥٦، ١٠٨، و\"الأغاني\" ٨/ ١٦، و\"تاريخ التراث العربي\" ٢/ ٧٩، و\"الخزانة\" ٢/ ٢٧٩.\n(٥) \"ديوان جرير\" ٢/ ٩٥٥، والزنبري هو السفن الثقيلة.\n(٦) انظر: \"تأويل المشكل\" ص ١٥٦.\n(٧) وهو قول ابن عباس، ومقاتل. انظر: \"تنوير المقباس\" ٦/ ١١٧، و\"تفسير مقاتل\" ١٦٣ أ، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٧٧.","vol":"22","page":94},{"text":"والدِّعوة؛ فألحق به عارًا لا يفارقه في الدنيا ولا في الآخرة. كالوسم على الخرطوم وأبين ما يكون في الوجه. ومما يشهد لهذا المذهب قول من قال في قوله: ﴿زَنِيمٍ﴾ أنه يعرف بالشر كما تعرف الشاة بزنمتها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4633>١٧ </span>- قوله تعالى: ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا﴾ (١) الآية. قال المفسرون: بلونا أهل مكة بالجوع والقحط كما ابتلينا أصحاب الجنة بالجوع حين هلكت جنانهم. وهم قوم من ثقيف، كانوا باليمن (٢) مسلمين ورثوا من أبيهم ضيعة فيها جنان وزروع ونخيل. وكان أبوهم يجعل مما فيها للمساكين من كل شيء حظًّا عند الصرام وعند الحصاد والدياسة والرفاع (٣). فقالت بنوه: العيال كثير، والمال قليل، ولا يسعنا أن نعطي المساكين كما كان يفعل أبونا. وعزموا على حرمان المساكين فصارت عاقبتهم إلى الهلاك وإلى ما قص الله في كتابه من قصتهم (٤).\nقال مقاتل: وهذا مثل ضربه الله لكفار مكة ليعتبروا فيرجعوا، وهو قوله: ﴿كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّة﴾ (٥) قال المفسرون: وهي تسمى (٦): الضروان\n_________\n(١) (كما بلونا) ساقطة من (س).\n(٢) اليمن: تشرف على البحر الأحمر والمحيط الهندي، ويطلق عليها بلاد العرب السعيد أو الخضراء، وسميت اليمن لتيامنهم إليها، قال ابن عباس: تفرقت العرب، فمن تيامن منهم سميت اليمن وهي أيمن الأرض فسميت اليمن.\nانظر: \"معجم البلدان\" ٥/ ٤٤٧، و\"دراسات تاريخية: العرب وظهور الإسلام\" ص ٥.\n(٣) (س): (والرفاع) زيادة. والمراد به رفع المحصول في المخازن.\n(٤) انظر: \"الكشف والبيان\" ١٢/ ١٦٧ ب، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٧٩، من رواية الكلبي عن ابن عباس.\n(٥) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٦٣ أ، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٨/ ٢٣٩.\n(٦) في (س): (تسمى) زيادة.","vol":"22","page":95},{"text":"بقرب صنعاء (١).\nقال سعيد بن جبير: على اثني عشر ميلًا منها (٢). وقال الكلبي: كان بينهم وبين صنعاء فرسخان ابتلاهم الله بأن أحرق جنتهم بالنار (٣).\nقوله: ﴿إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ﴾ حلفوا ليقطعن ثمر نخلهم إذا أصبحوا بسُدفة (٤) من الليل. قال مقاتل: قالوا: اغدوا سرًا إلى جنتكم فاصرموها ولا تؤذنوا المساكين وكان آباؤهم يخبرون المساكين (٥) فيجتمعون عند صرام جنتهم (٦).\nويقال: قد صرم العذق عن النخلة وأرم النخل إذا حان وقت صرامه (٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4634>١٨ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلَا يَسْتَثْنُونَ﴾ يقولون: إن شاء الله. هذا قول جماعة\n_________\n(١) صنعاء: نسبة إلى جودة الصنعة في ذاتها. كان اسمها أزال، فلما وافتها الحبشة قالوا: هذه صنعة، ومعناه: حصينة، فسميت صنعاء بذلك. وبينها وبين عدن ثمانية وستون ميلًا، وهي شبيهة بدمشق في كثرة المياه والفواكه. \"معجم البلدان\" ٣/ ٤٢٥.\n(٢) أخرج ابن جرير، وعبد الرزاق وغيرهما بلفظ: (هي أرض باليمن يقال لها: ضروان، بينها وبين صنعاء ستة أميال). انظر: \"جامع البيان\" ٢٩/ ٢٠، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٤٠٦، و\"فتح الباري\" ٨/ ٦٦٢.\n(٣) انظر: \"الكشف والبيان\" ١٢/ ١٦٧ ب، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٧٩، والفرسخ السكون. ثلاثة أميال أو ستة، سمي بذلك لأن صاحبه إذا مشى قعد واستراح من ذلك كأنه سكن.\n(٤) السُّدفة: ظلمة فيها ضوء من أول الليل وآخره، ما بين الظلمة إلى الشفق، وما بين الفجر إلى الصلاة. \"اللسان\" ٢/ ١٢١ (سدف).\n(٥) في (س): (وكان آبائهم يخبرون المساكين) زيادة.\n(٦) في (ك): (جنتكم)، وانظر: \"تفسير مقاتل\" ١٦٣ أ.\n(٧) انظر: \"اللسان\" ٢/ ٤٣٤ (صرم).","vol":"22","page":96},{"text":"المفسرين (١). ويقال: حلف فلان يمينًا ليس فيها ثنيا ولا ثنوى ولا ثنية ولا مثنوية ولا استثناء، كله واحد، وأصل هذا كله من الثني وهو الكف والرد (٢)، وذلك أن الحالف إذا قال: والله لأفعلن كذا إلا أن يشاء الله غيره فقد رد ما قاله بمشيئة الله غيره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4635>١٩ </span>- قوله تعالى: ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ﴾ (٣) قال ابن عباس: أحاطت بها النار فاحترقت (٤).\nوقال الكلبي: ﴿عَلَيْهَا﴾ على الجنة، أرسل عليها نارًا من السماء فاحترقت، فذلك قوله: ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ﴾، والطائف لا يكون إلا ليلًا (٥).\nوروى (٦) أبو ظبيان (٧) عن ابن عباس قال: هو أمر من أمر ربك (٨).\nوقال قتادة: طرقها طارق من أمر الله، والطائف: الطارق ليلًا (٩).\n_________\n(١) في (س): (هذا قول جماعة المفسرين) زيادة.\n(٢) انظر: \"اللسان\" ١/ ٣٨٢ (ثنى).\n(٣) (وهم نائمون) ساقطة من (س).\n(٤) انظر: \"زاد المسير\" ٨/ ٣٣٦.\n(٥) انظر: \"الكشف والبيان\" ١٢/ ١٦٨ أ، و\"التفسير الكبير\" ٣٠/ ٨٨، و\"غرائب القرآن\" ٢٩/ ١٩.\n(٦) في (ك): (وقال).\n(٧) في (س): (روى أبو ظبيان عن) زيادة.\n(٨) انظر: \"جامع البيان\" ٢٩/ ١٩، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٨/ ٢٤١.\n(٩) أخرجه عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة قال: (أتاها أمر الله ليلًا فأصبحت كالصريم. قال: كالليل المظلم).\nوما ذكره المؤلف هنا هو قول ابن جرير -﵀-، والمعنى متقارب.\nانظر: \"جامع البيان\" ٢٩/ ١٩، و\"الدر\" ٦/ ٢٥٣.","vol":"22","page":97},{"text":"وحقيقة المعنى ما ذكره ابن عباس من قوله: أحاطت بها النار (١).\nوقال مقاتل: بعث نارًا بالليل على جنتهم فأحرقتها حتى صارت سوداء، فذلك قوله: ﴿وَهُمْ نَائِمُونَ (١٩) فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ﴾ قال: يعني أصبحت الجنة سوداء كالليل. وهو قول ابن عباس في رواية عطاء؛ يعني كالليل المظلم (٢)، شبه سوادها بسواد الليل الدامس، وهو آخر ليالي الشهر، وهو أشد ما يكون ظلمة. وهذا القول في الصريم هو قول الفراء والزجاج (٣).\nقال شمر: الصريم: الليل، والصريم: النهار (٤)، ينصرم الليل من النهار والنهار من الليل. وعلى هذا الصريم بمعنى المصارم (٥).\nوقال غيره: سمي الليل صريمًا لأنه يقطع بظلمته عن التصرف. وعلى هذا هو فعيل بمعنى فاعل، وهو يبطل بالنهار. سمي صريمًا ولا يصرم (٦) عن التصرف (٧).\nوقال قتادة: ﴿كَالصَّرِيمِ﴾ كأنها صرمت (٨). وعلى هذا الصريم بمعنى\n_________\n(١) انظر: \"جامع البيان\" ٢٩/ ٢٠، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٨/ ٢٤٢.\n(٢) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٦٣ ب، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٤٠٦ و\"الدر\" ٦/ ٢٥٤.\n(٣) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ١٧٥، و\"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ٢٠٨.\n(٤) (النهار) ساقطة من (ك)، (س)، والصواب إثباتها. وانظر: \"الأضداد\" للأصمعي والسجستاني وابن السكيت ص ٤١، ١٠٥، ١٩٥، ٥٣٩.\n(٥) انظر: \"تهذيب اللغة\" ١٢/ ١٨٥، و\"اللسان\" ٢/ ٤٣٥ (صرم).\n(٦) في (ك): (ولا يصرف).\n(٧) انظر: \"التفسير الكبير\" ٣٠/ ٨٨، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٨/ ٢٤٢.\n(٨) انظر: \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٤٠٦، و\"تهذيب اللغة\" ١٢/ ١٨٥، و\"اللسان\" ٢/ ٤٣٥ (صرم).","vol":"22","page":98},{"text":"المصروم، أي: المقطوع ما فيه. وأبى عطاء هذا القول فروى عن ابن عباس: وليس يعني المصرومة، وذلك أن النار تحرق الأشجار فلا تشبه ما في ثمره وإن احترقت الثمار دون الأشجار، وهو بعيد أشبه المقطوع ثمره (١).\nوقال الحسن: أي: صرم عنها الخير فليس فيها شيء (٢). والصريم على هذا مفعول أيضًا. وقال المؤرج: كالرملة (٣) انصرمت من معظم الرمل (٤).\nوقال الأصمعي: الصريم من الرمل: قطعة ضخمة تنصرم عن سائر الرمل، وتجمع (٥) الصرائم (٦). وعلى هذا شبهت الجنة وهي محترقة لا ثمر فيها ولا خير بالرملة المنقطعة عن الرمال، وهي لا تنبت شيئًا ينتفع به. وقال الأخفش: كالصبح انصرم من الليل (٧). وقد ذكرنا أن النهار يسمى صريمًا.\nقال المبرد: قيل: كالنهار لا شيء فيها، كما يقال: لك سواد الأرض وبياضها. فالسواد العامر، والبياض الغامر، وعلى (٨) هذا شبهه\n_________\n(١) في (س): من قوله (وأبى عطاء) إلى هنا زيادة. وانظر: \"غرائب القرآن\" ٢٩/ ١٩.\n(٢) انظر: \"الكشف والبيان\" ١٢/ ١٦٨ أ، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٧٩.\n(٣) في (ك): (كالرمث).\n(٤) انظر: \"الكشف والبيان\" ١٢/ ١٦٨ أ، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٨/ ٢٤٢.\n(٥) في (ك): (وجمعه).\n(٦) انظر: \"تهذيب اللغة\" ١٢/ ١٨٥، و\"اللسان\" ٢/ ٤٣٥ (صرم).\n(٧) انظر: \"الكشف والبيان\" ١٢/ ١٦٨ أ، و\"البحر المحيط\" ٨/ ٣١٢.\n(٨) في (ك): (سوى).","vol":"22","page":99},{"text":"بالنهار لخرابها وخلوها من الثمار والأشجار، وهذا على المقابلة، وذلك أن العامر لما سمي سوادًا سمي الخراب بياضًا لا على معنى اللون (١) ولكن على معنى المضادة (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4636>٢١ </span>- قوله تعالى: ﴿فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ (٢١)﴾ قال مقاتل: لما أصبحوا قال بعضهم لبعض: ﴿اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ﴾ قال يعني بالحرث الثمار والزرع والأعناب (٣)، ولذلك قال: (صارمين)؛ لأنهم أرادوا قطع ثمار النخيل والأعناب.\nوقال أبو إسحاق: إن كنتم عازمين (٤) على صرم (٥) النخل.\nوقال الكلبي: على حرثكم. يعني: ما كان في جنتهم من شجر وزرع (٦) ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ﴾ يعني (٧): جاذين للنخل والحصاد، ولم يرد الجمع بين النخل والزرع في الحصاد؛ لأن الحصاد والقطاف لا يجتمعان في وقت واحد، ولكنهم غدوا إلى جنتهم لحصاد الزرع وللمقام بها إلى آخر القطاف.\nو(أن) في قوله: ﴿أَنِ اغْدُوا﴾ بمعنى أي، كما قال تعالى ذكره: ﴿أَنِ\n_________\n(١) (ك): (الليل).\n(٢) لم أجد هذا القول، وغيره من أقوال المبرد نقلها المؤلف، وليست في مؤلفاته المعروفة، ولعلها -والله أعلم- نقلت من كتابه \"إعراب القرآن\" وهو كتاب مفقود.\n(٣) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٦٣/ ب، و\"التفسير الكبير\" ٣٠/ ٨٨، و\"غرائب القرآن\" ٢٩/ ١٩.\n(٤) (ك)، (س): (عازمين) ساقطة.\n(٥) (ك)، (س): (الصرام) وانظر: \"معاني القرآن\" ٥/ ٢٠٨.\n(٦) انظر: \"جامع البيان\" ٢٩/ ٢٠، و\"زاد المسير\" ٨/ ٣٣٦، ولم ينسب لقائل.\n(٧) (س): (قال يعني).","vol":"22","page":100},{"text":"﴿امْشُواْ﴾، وقد مر (١).\nقوله تعالى: ﴿فَاَنطَلَقُواْ﴾ أي ذهبوا إلى جنتهم ﴿وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ﴾ يسرون الكلام بينهم بـ ﴿أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ (٢٤)﴾، ومضى تفسير التخافت عند قوله: ﴿وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ (٢) قال ابن عباس: غدوا إليها بسدفة يسر بعضهم إلى بعض الكلام لئلا يعلم أحد من الفقراء والمساكين (٣).\nوقال قتادة: كانت الجنة لشيخ، وكان يتصدق، وكان يمسك قوته ويتصدق بالفضل، وكان بنوه ينهونه عن الصدقة، فلما مات غدوا عليها وقالوا: لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين (٤)، ﴿وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ﴾.\nوقال أبو إسحاق: لما كان الوقت الذي اعتدوا فيه في أول الصبح بسدفة غدوا إلى جنتهم ليصرموها (٥). ﴿وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ﴾ واختلفوا في تفسير الحرد. والحرد (٦) في اللغة يكون على معان. الحرد: المنع، من قولهم: حاردت السنة إذا قل مطرها ومنعت ريعها. وحاردت الناقة إذا منعت لبنها وقيل اللبن (٧). ومنه قول الأعشى:\n_________\n(١) عند تفسيره الآية (٦) من سورة ص.\n(٢) عند تفسيره الآية (١١٠) من سورة الإسراء. قال: المخافتة: الإخفاء، يقال: خفت صوته يخفت وخفاتًا إذا ضعف وسكن. وصوت خفيت أي خفيض. ومن هذا يقال للرجل إذا مات: قد خفت، أي: انقطع كلامه؛ وخفت الزرع إذا ذبل ولان.\n(٣) انظر: \"التفسير الكبير\" ٣٠/ ٨٩.\n(٤) انظر: \"جامع البيان\" ٢٩/ ١٩، و\"الدر\" ٦/ ٢٥٣.\n(٥) انظر: \"معاني القرآن\" ٥/ ٢٠٧.\n(٦) (س): (والحرد) زيادة.\n(٧) انظر: \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٤١٥، و\"اللسان\" ١/ ٦٠٢ (حرد).","vol":"22","page":101},{"text":"فإذا ما بكؤت أو حاردتْ ... فك عن حاجب أخرى طينها (١)\nوالحرد: القصد؛ ومنه قول الهذلي (٢):\nأقبل سيلٌ كان من (٣) أمرِ الله ... يحرِد حَرْد الجنَّة المُغَلَّهْ\nوأنشد أبو عبيدة (٤):\nأما إذا أحردت حردي فمجرية ... ضبطاء تمنع غيلًا غير مقروب\nوالحرد: الغضب. وهما لغتان الحَرْدُ (٥)، والحَرَدُ؛ والتحريك أكثر. وأنشد أبو عبيدة (٦):\nأسود شرًى لاقت أسود خفية ... تساقوا (٧) على حرد وماء الأساود\n_________\n(١) انظر: \"ديوان الأعشى\" (١٥١)، و\"اللسان\" ١/ ٦٠٢ (حرد)، وفي ألفاظه اختلاف وتقديم وتأخير. والشاعر يصف باطنة -وهي إناء عظيمة- إذا قل ما فيها من لبن أو شرب أو انقطع فتحت أخرى.\n(٢) انظر: \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٦٦، و\"الخزانة\" ١٠/ ٣٥٦، ونسبه لقرب بن المستفيد، و\"شواهد الكشاف\" (٢٥٤)، وود أيضًا في \"زيادات ديوان حسان\" (٥٢٢)، و\"إصلاح المنطق\" (٤٧).\n(٣) (س): (في).\n(٤) البيت لمنقد الأسدي الملقب بالجميح، وهو تشبيه للمرأة باللبؤة الضبطاء نزقًا وخفة والذي أنشده هو ابن قتيبة وليس بأبي عبيدة انظر: \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٦٥، و\"تفسير غريب القرآن\" (٤٨٠)، و\"تهذيب اللغة\" ١١/ ٤٩٣ (ضبط).\n(٥) (ك): (والحرد).\n(٦) (س): (أبو عبيدة) زيادة. والبيت للأشهب بن رُميلة كما في \"اللسان\" ١/ ٦٠٢، و\"جامع البيان\" ٢٩/ ٢١، و\"تفسير غريب القرآن\" (٤٨٠)، و\"الخزانة\" ٦/ ٢٧، والشَّرى موضع تُنسب إليه الأسد. يقال للشجعان: ما هم إلا أسود الشرى. وقيل: هو شرى الفرات وناحيته وبه غياض وآجام ومأسدةٌ. \"اللسان\" ٢/ ٣١٠ (شري).\n(٧) (ك)، (س): (تساء).","vol":"22","page":102},{"text":"هذا الذي ذكرنا هو قول جميع أهل اللغة في تفسير الحرد (١). وأقوال المفسرين غير خارجة عن هذه المعاني. قال قتادة: على جد من أمرهم (٢).\nوقال مقاتل: جد في أنفسهم (٣).\nوقال الكلبي: غدوا جادين. وهو قول أبي العالية والحسن ومجاهد (٤) في رواية أبي بشر. وهذا من معنى القصد، وذلك أن المقاصد إلى الشيء جاد بخلاف من لا يكون له قصد في أمر، على أن الليث قد قال في كتابه: على جد من أمرهم. فقال الأزهري: الصواب على حد. أي على منع، كما قال الفراء. ثم ذكر بإسناده عن الفراء بالحاء (٥).\nويدل على صحة معنى هذا القول أن أبا عبيدة والمبرد والقتيبي (٦) قالوا في معنى الحرد هاهنا: إنه المنع (٧). أي: غدوا من بيتهم إلى جنتهم على منع المساكين ما كانوا يعطونه.\nوقال مجاهد وعكرمة: على أمر أسسوه بينهم (٨). وهذا من معنى القصد أيضًا.\n_________\n(١) انظر: \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٦٥، و\"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ١٧٦، و\"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ٢٠٧.\n(٢) انظر: \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٣٠٩، و\"جامع البيان\" ٢٩/ ٢٠.\n(٣) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٦٣/ ب، و\"زاد المسير\" ٨/ ٣٣٦.\n(٤) انظر: \"جامع البيان\" ٢٩/ ٢٠، و\"الكشف والبيان\" ١٢/ ١٦٨/ أ، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٨٠.\n(٥) انظر: \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٤١٤، و\"اللسان\" ١/ ٦٠٤ (حرد).\n(٦) (س): (والقتيبي) زيادة.\n(٧) انظر: \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٦٥، و\"تفسير غريب القرآن\" (٤٧٩)، و\"فتح القدير\" ٥/ ٢٧٢.\n(٨) انظر: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٨٠ و\"زاد المسير\" ٨/ ٣٣٦.","vol":"22","page":103},{"text":"وقال الشعبي: على حرد على المساكين، وهو قول (١) سفيان (٢)؛ قال (٣): على حنق وغضب.\nوروى (٤) معمر عن (٥) الحسن: على فاقة (٦)؛ ومعناه من القلة، من قولهم: حاردت الناقة، والمعنى أنهم غدوا على قلة مالهم عند أنفسهم فقالوا: المال قليل لا يسع المساكين. وقال السدي: الحرد اسم الجنة. وذكر الأزهري هذا القول فقال (٧): وقيل في بعض (٨) التفسير: إن حرد كانت قريتهم (٩).\nقوله تعالى: ﴿قَادرِينَ﴾ قال ابن عباس: يريد قادرين على جنتهم في أنفسهم (١٠)؛ وهو قول مقاتل وجميع المفسرين (١١).\n_________\n(١) (س): (وقال الشعبي: على حرد على المساكين وهو قول) زيادة.\n(٢) (ك): (وقال سفيان).\n(٣) (س): (وقال) انظر: \"جامع البيان\" ٢٩/ ٢١، و\"الكشف والبيان\" ١٢/ ١٦٨/ أ، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٨٠.\n(٤) (ك): (وقال).\n(٥) (س): (معمر عن) زيادة.\n(٦) انظر: \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٣٠٩، و\"جامع البيان\" ٢٩/ ٢١.\n(٧) (س): (وذكر الأزهري هذا القول فقال) زيادة.\n(٨) (س): (بعض) زيادة.\n(٩) انظر: \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٤١٤ (حرد).\nقال ابن كثير: وقال السدي: ﴿عَلَى حَرْدٍ﴾ أي كان اسم قريتهم حرد. فأبعد السدي في قوله هذا. \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٤٠٦، وقال الآلوسي -عن تفسير السدي هذا-: ولا أظن ذلك مرادًا) \"روح المعاني\" ٢٩/ ٣١.\n(١٠) انظر: \"الكشف والبيان\" ١٢/ ١٦٨/ أ، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٨/ ٢٤٢.\n(١١) (س): (وهو قول مقاتل وجميع المفسرين) زيادة، وقال النحاس: أصح ما قيل =","vol":"22","page":104},{"text":"قال أبو إسحاق: أي قادرين عند أنفسهم على قصد جنتهم لا يحول بينهم وبينها آفة (١). وقال ابن قتيبة: يقول: منعوا وهم قادرون، أي: واجدون (٢). فالقدرة على هذا القول بمعنى الجدة والقدرة على المال. وفي القول الأول معناه القدرة على الجنة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4637>٢٦ </span>- قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ (٢٦)﴾ قال الفراء: غدوا على مالهم ليصرموه فلم يروا إلا سوادًا فقالوا: إنا لضالون ما (٣) هذا بمالنا الذي نعرف. ثم قال بعضهم: بل هو مالنا حرمنا بما صنعنا بالأرامل والمساكين (٤).\nوقال أبو إسحاق: لما رأوها محترقة قالوا: إنا قد ضللنا طريق جنتنا، أي ليست هذه، ثم علموا أنها عقوبة فقالوا:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4638>٢٧ </span>- ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (٢٧)﴾، أي: حرمنا ثمر جنتنا بمنعنا المساكين (٥). هذا معنى قول المفسرين. قال ابن عباس: قالوا: إنا أخطأنا الطريق (٦). وذلك أنهم أنكروها لأنها احترقت.\nثم نظروا إلى أعلام فيها فعرفوا أنها جنتهم فقالوا: ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ\n_________\n= في معناه على قصد كما قال مجاهد، قد أسسوا ذلك بينهم، أي عملوه على قصد وتأسيس ومؤامرة بينهم قادرين عليه عند أنفسهم. \"إعراب القرآن\" ٣/ ٤٨٧، وهو اختيار ابن جرير أيضًا. \"جامع البيان\" ٢٩/ ٢١.\n(١) لم أجده عنه، وهو معنى ما قاله المفسرون وأهل اللغة.\n(٢) انظر: \"تفسير غريب القرآن\" (٤٨٠).\n(٣) (س): (ما) زيادة.\n(٤) انظر: \"معاني القرآن\" ٣/ ١٧٥.\n(٥) انظر: \"معاني القرآن\" ٥/ ٢٠٨.\n(٦) انظر: \"تنوير المقباس\" ٦/ ١٢٢، و\"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٣٠٩، عن قتادة. وكذا في \"جامع البيان\" ٢٩/ ٢١، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٤٠٦.","vol":"22","page":105},{"text":"(٢٧) قَالَ أَوْسَطُهُمْ﴾ هو يعني أعدلهم في قول جميع المفسرين. قال ابن عباس: هو كقوله: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ﴾ [المائدة: ٨٩]، وكقوله: ﴿أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣]. ﴿لَوْلَا تُسَبِّحُونَ﴾ قالوا: هلا تستثنون فتقولون: إن شاء الله. وهو قول ابن عباس (١) ومقاتل والكلبي ومجاهد (٢).\nقال أبو إسحاق: ومعنى التسبيح هاهنا الاستثناء، وهو أن يقولوا: إن شاء الله. فإن قيل: التسبيح أن تقول: سبحان الله. والجواب في ذلك أن كل ما عظمت الله به فهو تسبيح، لأن التسبيح تنزيه الله عن السوء، والاستثناء تعظيم الله والإقرار بأنه لا يقدر أحد أن يفعل فعلًا إلا بمشيئة الله ﷿ (٣).\nوقال أبو صالح: كان استثناؤهم سبحان الله (٤). وإنما أنكر أوسطهم عليهم ترك الاستثناء (٥) في قوله: ﴿إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ﴾ فحلفوا على صرام جنتهم من غير استثناء فلم يصرموا فأنكر عليهم الأوسط ترك الاستثناء في اليمين (٦).\n﴿قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا﴾ نزهوه عن أن يكون ظالمًا فيما صنع، وأقروا على أنفسهم بالظلم، فقالوا: ﴿إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ بمعصيتنا ومنعنا المساكين.\n_________\n(١) (س): (ابن عباس) و(الكلبي) زيادة.\n(٢) انظر: \"تنوير المقباس\" ٦/ ١٢٢، و\"تفسير مقاتل\" ١٦٣/ ب، و\"زاد المسير\" ٨/ ٣٣٨، ونسبه لابن جريج والجمهور.\n(٣) انظر: \"معاني القرآن\" ٥/ ٢٠٩.\n(٤) انظر: \"الكشف والبيان\" ١٢/ ١٦٨/ ب، و\"زاد المسير\" ٨/ ٣٣٨، و\"البحر المحيط\" ٨/ ٣١٣.\n(٥) (ك)، (س): (الاستتاء عليهم في ذكر الله عنهم). وانظر: \"الوسيط\" ٤/ ٣٣٨.\n(٦) انظر: \"جامع البيان\" ٢٩/ ٢٢، و\"التفسير الكبير\" ٣٠/ ٩٠.","vol":"22","page":106},{"text":"وقال الكلبي: ﴿قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا﴾ يقولون: نستغفر ربنا مما صنعنا (١)، ثم لام بعضهم بعضًا فيما فعلوا من العزم على منع المساكين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4639>٣٠ </span>- وقوله: ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ (٣٠)﴾ يقول (٢) هذا لهذا: أنت أشرت علينا بهذا الرأي. ويقول هذا لهذا: أنت (٣) منعتنا أن ندخلها المساكين. فكان هذا هو التلاوم بينهم، قاله عطاء والكلبي (٤).\nوقال مقاتل: يلوم بعضهم بعضًا في منع حقوق المساكين (٥).\nثم نادوا على أنفسهم بالويل فقالوا: ﴿يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ﴾ قال ابن عباس: يريد طغينا فيما أعطانا الله ولم نأخذه بالشكر كما صنعت الآباء. فدعوا الله وتضرعوا (٦). ثم اجتمع (٧) القوم وتعاقدوا إن أبدلنا الله (٨) بها خيرًا منها لنصنعن كما صنعت الآباء. فدعوا الله وتضرعوا إليه وسألوه ذلك، وعرف الله منهم الصدق فأبدلهم الله بها خيرًا منها جنة يقال لها: الحيوان، فيها عنب ليس يحمل البغل منها إلا عنقودًا، فذلك قوله تعالى:\n_________\n(١) انظر: \"تنوير المقباس\" ٦/ ١٢٢، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٨/ ٢٤٤.\n(٢) (ك): (يقولون).\n(٣) (ك): (أن).\n(٤) (س): (قاله عطاء والكلبي) زيادة. وانظر: \"تنوير المقباس\" ٦/ ١٢٣، و\"التفسير الكبير\" ٣٠/ ٩٠.\n(٥) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٦٣/ ب، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٨٠.\n(٦) انظر: \"الكشف والبيان\" ١٢/ ١٦٩/ أ، و\"الوسيط\" ٤/ ٣٣٨، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٨٠، ومن نسبه منهم عزاه لابن كيسان.\n(٧) (ك): (احتج).\n(٨) (ك)، (س): (الله أبدلنا).","vol":"22","page":107},{"text":"﴿عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ (٣٢)﴾ (١)، وفي هذا إشارة إلى أنهم لما بلوا بذهاب ما لهم تذكروا فرجعوا إلى الله تعالى بالرغبة. وهو وعظ لأهل مكة بالتذكير والرجوع إلى الله تعالى. فلما بلاهم بالجدب حين دعا عليهم الرسول -ﷺ- فقال: \"اللهم اشدد وطأتك على مضر (٢)، واجعلها سنين كسنى يوسف\" (٣).\nوقال عطاء عن ابن عباس: هذا مثل لأهل مكة حين خرجوا إلى بدر وحلفوا ليقتلن محمدًا وأصحابه وليرجعن إلى مكة حتى يطوفوا بالبيت ويشربوا الخمر ويضرب القيان على رؤوسهم، فأخلف الله ظنهم، وقطع رجاهم فقتلوا وأسروا وانهزموا (٤) كأهل هذه الجنة لما انطلقوا إليها عازمين على الصرام وإحراز المال دون المساكين فلما انتهوا إليها وجدوها سوداء محترقة، فخاب ظنهم وأخلف رجاؤهم، فذلك قوله: ﴿كَذَلِكَ الْعَذَابُ﴾\n_________\n(١) أخرجه الثعلبي وغيره عن ابن مسعود -﵁-.\nانظر: \"الكشف والبيان\" ١٢/ ١٦٩/ أ، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٨١، و\"غرائب القرآن\" ٢٩/ ٢١.\n(٢) (ك): (أهل مضر).\n(٣) متفق عليه. أخرجه البخاري في مواضع من \"صحيحه\"، كتاب: الجهاد، باب: الدعاء على المشركين ٤/ ٥٢، وكتاب: التفسير، سورة النساء ٦/ ٦١، ومسلم في كتاب: المساجد، باب: استحباب القنوت في جميع الصلاة ١/ ٤٦٦، وأحمد في \"المسند\" ٩/ ٢٣٩.\nولفظ البخاري. \"اللهم أنج سلمة بن هشام، الله أنج الوليد بن الوليد، اللهم أنج عياش بن أبي ربيعة، اللهم أنج المستضعفين من المؤمنين، اللهم اشدد وطأتك على مضر، اللهم سنين كسني يوسف\".\n(٤) (س): (وانهزموا) زيادة.","vol":"22","page":108},{"text":"يعني (١) كما ذكر من إحراقها بالنار (٢). وتم الكلام هاهنا لتمام قصة أصحاب الجنة (٣).\nثم ذكر عذاب الآخرة فقال: ﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ يعني المشركين. قال ابن عباس: يريد أن عذاب الآخرة أكبر من عذاب الدنيا وأعظم (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4640>٣٤ - ٣٨ </span>- ثم أخبر بما عنده للمتقين فقال: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٣٤)﴾ قال مقاتل: لما نزلت هذه الآية قال كفار مكة للمسلمين: إنا نعطى في الآخرة أفضل مما تعطون. فأنزل الله تعالى: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (٣٥)﴾ (٥) ثم وبخهم فقال: ﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (٣٦)﴾ إذ حكمتم أن لكم من الخير ما للمسلمين ﴿أَمْ لَكُمْ﴾ بل ألكم ﴿كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ﴾ تقرؤون ﴿إِنَّ لَكُمْ﴾ في ذلك الكتاب ﴿لَمَا تَخَيَّرُونَ﴾ تختارون وتشتهون. أي: أعندكم كتاب من الله بهذا و﴿إِنَّ لَكُمْ﴾ في موضع نصب بـ ﴿تَدْرُسُونَ﴾ وكسر إن لمكان اللام في (لَمَا) (٦).\n<span data-type=\"title\" id=toc-4641>٣٩ </span>- ﴿أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ﴾ قال مقاتل: يقول: ألكم عهود على الله\n_________\n(١) (س): (يعني) زيادة.\n(٢) انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٨/ ٢٤٦، و\"البحر المحيط\" ٨/ ٣١٣.\n(٣) انظر: \"المكتفى في الوقف والابتداء\" (٥٨٢).\n(٤) انظر: \"تنوير المقباس\" ٦/ ١٢٣.\n(٥) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٦٣/ ب، و\"التفسير الكبير\" ٣٠/ ٩١، و\"غرائب القرآن\" ٢٩/ ٢١.\n(٦) انظر \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ١٧٦، و\"إعراب القرآن\" للنحاس ٣/ ٤٨٩.","vol":"22","page":109},{"text":"بالغة ﴿إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ استوثقتم بها منه فلا تنقطع. أعهدكم (١) إلى يوم القيامة بأن لكم الذي تقضون لأنفسكم من الخير (٢).\nوقال عطاء: يريد ألكم عهد مني ألا أصيبكم بعذاب ولا عقوبة (٣).\nومعنى ﴿بَالِغَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ أي: متناهية في التأكيد تنتهي إلى يوم القيامة. فتكون (إلى) من صلة (بالغة). هذا قول الكسائي (٤). ويجوز أن يكون (إلى) من صلة الأيمان، أي: أيمان إلى يوم القيامة. ويكون معنى (بالغة) مؤكدة، كما تقول جيد بالغ وكل شيء متناه في (٥) الصحة والجودة فهو بالغ (٦). ويدل على هذا المعنى قراءة الحسن (بالغةً) بالنصب (٧) على معنى حقًّا. كأنه قيل: أيمان علينا حقًّا بلغت حقيقة التأكيد، هذا كله معنى قول الفراء (٨). وقال أبو إسحاق: أي حلف لكم على ما تدعون في حكمكم (٩).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4642>٤٠ </span>- ثم قال لرسوله -ﷺ-: ﴿سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِيمٌ (٤٠)﴾ أيهم كفيل لهم بأن لهم في الآخرة ما للمسلمين. وذكرنا معنى الزعيم عند قوله: ﴿وَأَنَا بِهِ\n_________\n(١) (س): (عهدكم).\n(٢) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٦٣/ ب.\n(٣) لم أجده.\n(٤) انظر: \"التفسير الكبير\" ٣٥/ ٩٣.\n(٥) (ك): (فهو في)، والتصحيح من \"الوسيط\".\n(٦) انظر: \"الوسيط\" ٤/ ٣٣٨، و\"التفسير الكبير\" ٣٠/ ٩٣، و\"زاد المسير\" ٨/ ٣٣٩.\n(٧) قرأ الجمهور ﴿بَالِغَةٌ﴾. وقرأ الحسن، وزيد بن علي (بالغة) بالنصب على الحال. انظر: \"معانى الفراء\" ٣/ ١٧٦، و\"البحر المحيط\" ٨/ ٣١٥، و\"الإتحاف\" (٤٢١).\n(٨) (س): (هذا كله معنى قول الفراء) زيادة. وانظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ١٧٦.\n(٩) انظر: \"معاني القرآن\" ٥/ ٢٠٩.","vol":"22","page":110},{"text":"زَعِيمٌ﴾ (١).\nقوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ﴾ يعني بل ألهم شركاء. يعني ما كانوا يجعلونهم شركاء لله، وهذا كقوله: ﴿هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الروم: ٤٠]، فأضاف الشركاء إليهم لأنهم جعلوها شركاء لله فأضافها إليهم بفعلهم. والتأويل: أم عندهم لله شركاء فليأتوا بهؤلاء الشركاء ﴿إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾ في أنها شركاء لله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4643>٤٢ </span>- قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ ظرف لهذا الأمر. أي: فليأتوا بها في ذلك اليوم (٢). وذلك أنها تبطل وتزهق فلا تنفعهم بشيء. يقول الله: ﴿إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾ في أنها شركاء فليأتوا بها يوم القيامة لتنفعهم وتشفع لهم. وهذا الذي ذكرنا معنى ما ذكره صاحب النظم (٣).\nوأما معنى قوله: ﴿يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ فروى عكرمة عن ابن عباس قال: عن شدة. ألم تسمع إلى قول الشاعر (٤):\nوقامتِ الحربُ بنا على ساقْ\nقال: وسئل ابن عباس عن هذه الآية فقال: إذا خفي عليكم شيء من القرآن فابتغوه في الشعر فإنه ديوان العرب. أما سمعتم قول الشاعر:\nسن لنا قومك ضرب الأعناق ... وقامت الحربُ بنا على ساق\n_________\n(١) من آية (٧٢) من سورة يوسف. وانظر: \"تفسير غريب القرآن\" (٤٨٠)، و\"مفردات الراغب\" (٢١٣) (زعم).\n(٢) انظر: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٨١، و\"غرائب القرآن\" ٢٩/ ٢٢.\n(٣) انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٨/ ٢٤٨.\n(٤) أخرجه الطستي في مسائل عن ابن عباس. انظر: \"الدر\" ٦/ ٢٥٥، وهو مندرج في الأثر الآتي. ولم أجد للبيت قائلًا.","vol":"22","page":111},{"text":"ثم قال (١): هو يوم كرب وشدة (٢).\nوروى عطاء عنه قال: يريد شدة في الآخرة.\nوروى إبراهيم عنه أيضًا: عن شدة الأمر (٣).\nقال (٤): وقال ابن عباس يكشف عن أمر عظيم (٥).\nوروى مجاهد عنه قال: هو أشد ساعة في القيامة. فهذا ما روي عن عباس في هذه الآية (٦). ونحو هذا (٧) قال سعيد بن جبير ومجاهد (٨) وقتادة. قالوا: عن شدة الأمر وبلاء عظيم (٩). وهذا قول جميع أصحاب\n_________\n(١) (ك): (قال) زيادة.\n(٢) أخرجه الحاكم في \"المستدرك\" ٢/ ٤٩٩، وابن جرير في \"جامعه\" ٢٩/ ٢٤، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد، وفي \"الدر\" ٦/ ٢٥٤ نسبه أيضًا لعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم. وحسن إسناده الحافظ في \"فتح الباري\" ١٣/ ٤٢٨، وانظر: \"الأسماء والصفات\" للبيهقي وما ذكره محققه وقد بين ضعف إسناده. فليراجع ٢/ ١٨٣.\n(٣) (س): من قوله (وروى عطاء) إلى هنا زيادة. وانظر: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٨١ عن سعيد بن جبير.\n(٤) (ك): (وقال ابن عباس: يريد شدة في الآخرة. قال).\n(٥) انظر: \"جامع البيان\" ٢٩/ ٢٤، و\"الدر\" ٦/ ٢٥٤، ونسب تخريجه للفريابي، والبيهقي في \"الأسماء والصفات\"، وابن منده، وسعيد بن منصور من طريق إبراهيم النخعي، ولم أجده عند البيهقي.\n(٦) (س): (فهذا ما روي عن ابن عباس في هذه الآية) زيادة. وقال البيهقي بعد ذكره الروايات: هذا ما روينا عن ابن عباس في المعنى يتقاربان، وقد روي عن ابن عباس بهذا اللفظ، وروي بمعناه. \"الأسماء والصفات\" ٢/ ١٨٤.\n(٧) (ك): (ونحوه).\n(٨) س: (ومجاهد) زيادة.\n(٩) انظر: \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٣١٠، و\"جامع البيان\" ٢٩/ ٢٤، و\"الدر\" ٦/ ٢٥٥.","vol":"22","page":112},{"text":"اللغة (١).\nقال أبو عبيدة: إذا اشتد الأمر والحرب قيل: قد كشف الأمر عن ساقه، وأنشد لقيس بن زهير (٢) فقال:\nفإذ شمرت (٣) لك عن ساقها ... فويهًا ربيع ولا تسأم (٤)\nوروى الفراء بإسناده (٥) عن ابن عباس (٦) أنه قال: يريد يوم القيامة والساعة لشدتها. قال الفراء أنشدني بعض العرب لجد (٧) طرفة (٨):\nكشفت لهم عن ساقها ... وبدا من الشرِّ الصراح (٩)\n_________\n(١) (س): (وهذا قول جميع أصحاب اللغة) زيادة.\n(٢) (س): (القيس بن زهير) زيادة. وهو قيس بن زهير بن جذيمة، يكنى أبا هند، شاعر وفارس جاهلي، كان سيد عبس، وله أخبار مشهورة يوم داحس والغبراء. انظر: \"الأغاني\" ١٧/ ١٨٧، و\"المؤتلف والمختلف\" (٢٥٥)، و\"الخزانة\" ٣/ ٥٣٦، و\"شرح شواهد المغني\" (١١٣)، و\"معجم الشعراء الجاهليين والمخضرمين\" (٢٨٧).\n(٣) (ك): (شمر).\n(٤) انظر: \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٦٦، وورد البيت منسوبًا في \"اللسان\" ٣/ ٩٩٨ (ويه) وقوله فويها أصلها (ويه) من أدوات الإغراء فَنَوَّنَها فقال: فويهًا.\n(٥) (س): (والفراء بإسناده) زيادة.\n(٦) أخرجه البيهقي في \"الأسماء والصفات\" ٢/ ١٨٥، بإسناد صحيح. وصححه الحافظ في \"الفتح\" ٤٢٨/ ١٣.\n(٧) (ك): (وأنشد الفراء لجد).\n(٨) (ك)، (س): (أبي طرفة)، والصواب ما أثبته. وهو سعد بن مالك، جد طرفة بن العبد. شاعر جاهلي، واحد سادات بكر بن وائل وفرسانها.\nانظر: \"طبقات فحول الشعراء\" (٤٩)، و\"المؤتلف والمختلف\" (١٩٨)، و\"شرح الحماسة\" للتبريزى ٧٣/ ٢، و\"الحماسة\" لأبي تمام ١/ ٢٦٥، و\"معجم الشعراء الجاهليين والمخضرمين\" (١٤٨).\n(٩) والبيت ورد في \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ١٧٧، و\"الخصائص\" ٣/ ٢٥٢، و\"اللسان\" =","vol":"22","page":113},{"text":"وقال أبو إسحاق: معنى ﴿يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ كشف عن الأمر الشديد. وأنشد:\nقد شمرت عن ساقها فشدوا (١) ... وجدت الحربُ بكم (٢) فجدوا\nوالقوس فيها وتر عردُّ (٣)\nوقال ابن قتيبة: أصل هذا أن الرجل إذا وقع (٤) في أمر عظيم يحتاج إلى معاناته والجد (٥) شمر عن ساقه. فاستعيرت الساق والكشف عنها في موضع الشدة (٦). قال دريد يرثي رجلًا:\nكميش الإزار خارج نصف ساقهِ ... جسور على الجلاء طلاع أنجد (٧)\n_________\n= ٢/ ٢٤٣ (سوق)، و\"الحماسة\" لأبي تمام ١/ ٢٦٦، و\"المحتسب\" ٢/ ٣٢٦. والصراح والصراح: الخالص من كل شيء.\n(١) (ك): (وشدوا).\n(٢) (ك): (الحرب بكم) ساقطة.\n(٣) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ٢١٠.\nوالبيت ورد في خطبة الحجاج أول ما قدم أميرًا على العراق. والأبيات لحنظلة بن ثعلبة. انظر: \"الكامل\" ١/ ٢٢٤، و\"اللسان\" ٢/ ٨٢٧ (عرد)، و\"العقد الفريد\" ٤/ ١٢١، و\"شرح شواهد الشافية\" (٣٠٠).\nوالعُرُدُّ: هو الشديد في كل شيء. يقال: إنه لقوي شديد عرد. \"اللسان\" ٢/ ٧٢٨ (عرد).\n(٤) (ك): (وقع) ساقطة.\n(٥) (س): (والجد) زيادة.\n(٦) انظر: \"تأويل المشكل\" (١٣٧).\n(٧) البيت من قصيدة قالها في أخيه عارضة بن الصمة. ويروى:\nبعيد عن الآفات طلاع أنجد\nانظر: \"ديوانه\" (٤٩)، و\"الحماسة\" لأبي تمام ١/ ٣٩٨، و\"الأصمعيات\" (١٠٨)، و\"جمهرة أشعار العرب\" (٢٢٣)، و\"تهذيب اللغة\" ٩/ ٢٣١ (سوق)، و\"الخزانة\" ١/ ٢٦٠. =","vol":"22","page":114},{"text":"وقال الهذلي:\nوكنت إذا جاري دعا لمضوفةٍ ... أشمر حتى ينصف الساق مئزري (١)\nوأنشد أيضًا فقال (٢):\nفي سنةٍ قدكشفت عن ساقها ... حمراء تبرى اللحم عن عراقها\nوزاد غيره بيانًا فقال: تأويل الآية: يوم يشتد الأمر كما يشتد ما يحتاج فيه إلى أن يكشف عن ساق. وقد كثر هذا في كلام العرب حتى صار كالمثل في شدة الأمر (٣).\n_________\n= وقوله: (طلاع أنجد) أي: أنه يعلو الأمور فيقهرها بمعرفته وتجاربه. والأنجد: جمع النجد، وهو الطريق في الجبل وكذلك الثية. \"اللسان\" ٢/ ٦٠٥ (طلع)، و\"القاموس المحيط\" (كمش، طلع).\n(١) انظر: \"ديوان الهذليين\" ٣/ ٩٢، و\"المحتسب\" ١/ ٢١٤، و\"الخزانة\" ٧/ ٤١٧، و\"اللسان\" ٢/ ٥٦١ (ضيف).\n(٢) ورد في البيت غير منسوب في \"تفسير غريب القرآن\" (٤٨١)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٨/ ٢٤٨، و\"البحر المحيط\" ٨/ ٣١٦، و\"الدر المصون\" ١/ ٤١٧.\n(٣) قال ابن القيم -﵀-: والصحابة متنازعون في تفسير الآية، هل المراد الكشف عن الشدة، أو المراد بها أن الرب تعالى يكشف عن ساقه ولا يحفظ عن الصحابة والتابعين نزاع فيما يذكر من الصفات أم لا في غير هذا الموضع، وليس في ظاهر القرآن ما يدل على أن ذلك صفة الله؛ لأنه سبحانه لم يضف الساق إليه، وإنما ذكره مجردًا عن الإضافة منكرًا، والذين أثبتوا ذلك صفة كاليدين والإصبع لم يأخذوا ذلك من ظاهر القرآن، وإنما أثبتوه بحديث أبي سعيد الخدري المتفق على صحته. وهو حديث الشفاعة الطويل وفيه: فيكشف الرب عن ساقه فيخرون له سجدًا: ومن حمل الآية على ذلك قال قوله تعالى ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ﴾ مطابق لقوله -ﷺ- ... نكيره للتعظيم والتفخيم كأنه قال: يكشف عن ساق عظيمة جلت عظمتها وتعالى شأنها .... وحمل الآية على الشدة لا يصح بوجه، فإن لغة القوم في مثل =","vol":"22","page":115},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ قال مقاتل: وذلك أنه تدمج أصلاب الكفار يومئذ فيكون عظمًا واحدًا مثل صياصي (١) البقر، لأنهم لم يسجدوا لله في الدنيا.\nوهذا قول جميع المفسرين (٢). قالوا: إذا كان ذلك سجد (٣) الخلق كلهم لله سجدة واحدة. ويبقى الكفار والمنافقون يريدون أن يسجدوا (٤) فلا يستطيعون؛ لأن أصلابهم أيبس فلا تلين للسجود.\nقال ابن مسعود: وأما المؤمنون فيخرون سجدًا، وأما المنافقون فتكون ظهورهم طبقًا كأن فيها السفافيد (٥).\n_________\n= ذلك أن يقال: كشفت الشدة من القوم لا كشف عنها كما قاله الله تعالى: ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ (٥٠)﴾ .. فالعذاب، والشدة هو المكشوف لا المكشوف عنه. \"الصواعق المرسلة\" ١/ ٢٥٢ - ٢٥٣. وانظر: \"سلسلة الأحاديث الصحيحة\" ٢/ ١٢٧، و\"الأسماء والصفات\" للبيهقي ٢/ ١٨١، ١٨٣.\n(١) صياصي البقر: أي قرونها واحدتها صيصية بالتخفيف. انظر: \"النهاية\" ٣/ ٩ (صيص).\n(٢) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٦٤/ أ، و\"جامع البيان\" ٢٩/ ٢٤، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٨٢، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٤٠٨.\n(٣) (ك)، (س): (سجدوا).\n(٤) (ك): (يسجد).\n(٥) أخرجه ابن جرير وعبد بن حميد وابن أبي الدنيا. وقال القرطبي: قلت: معنى حديث أبي موسى وابن مسعود ثابت في \"صحيح مسلم\" من حديث أبي سعيد الخدري وغيره. انظر: \"صحيح مسلم\" كتاب: الإيمان، باب: معرفة طريق الرؤية ١/ ١٦٨ - ١٦٩.\nقلت: ورواه البخاري في كتاب: التفسير، سورة القلم ٦/ ١٩٨ من حديث أبي سعيد أيضًا. =","vol":"22","page":116},{"text":"قوله: ﴿خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ﴾ قال ابن عباس ومقاتل: يعني حين أيقنوا بالعذاب وعاينوا النار (١). وهي حال من قوله: ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾. ﴿تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ﴾ قال ابن عباس: يلحقهم ذل الندامة والحسرة (٢).\nقوله: ﴿وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ﴾ يعني في الدنيا حين كانوا يدعون إلى الصلاة المكتوبة ويؤمرون بها وهم معافون (٣) ليس في أصلابهم مثل سفافيد الحديد. ومعنى قوله: ﴿يُدْعَوْنَ﴾ أي بالأذان والإقامة. وهذا الذي ذكرنا قول ابن عباس ومقاتل وإبراهيم التيمي (٤). قال سعيد بن جبير: كانوا يسمعون حيّ على الفلاح فلا يجيبون. وفي هذا وعيد لمن قعد عن الجماعة ولم يجب الأذان إلى إقامة الصلاة في الجماعة (٥).\nقوله تعالى: ﴿فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ﴾ يريد القرآن. قاله ابن عباس. وقال مقاتل: يقول لمحمد: خل بيني وبين من يكذب بهذا القرآن فأنا أنفرد بهلكتهم (٦).\n_________\n= انظر: \"جامع البيان\" ٢٩/ ٢٥، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٨/ ٢٥٠.\nوالسفافيد: جمع سفود. وهو حديدة ذات شُعب معقفة، معروفة، يشوى بها اللحم. \"اللسان\" (سفد).\n(١) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٦٤/ أ، و\"جامع البيان\" ٢٩/ ٢٧.\n(٢) انظر: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٨٣.\n(٣) (ك): (معاقبون).\n(٤) (س): (إبراهيم التيمي) زيادة. وانظر: \"تفسير مقاتل\" ١٦٤/ أ، و\"جامع البيان\" ٢٩/ ٢٧، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٨٣.\n(٥) انظر: \"جامع البيان\" ٢٩/ ٢٧، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٨٣، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٨/ ٢٥١.\n(٦) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٦٤/ أ، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٨/ ٢٥١، و\"البحر المحيط\" ٨/ ٣١٧.","vol":"22","page":117},{"text":"قال أبو إسحاق: معناه لا تشغل قلبك به، كله إليّ فإني أكفيك أمره (١).\nقوله تعالى: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أي: نأخذهم قليلًا قليلًا فلا نباغتهم. قال ابن عباس: أمكر بهم من حيث لا يعلمون (٢). وهذا مفسر في سورة الأعراف مع الآية التي بعدها (٣).\nقوله تعالى: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ﴾ مع الآية التي بعدها مفسر في سورة الطور (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4644>٤٨ </span>- قوله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ قال مقاتل: اصبر على الأذى لقضاء ربك الذي هو آت (٥). ﴿وَلَا تَكُنْ﴾ في الضجر والعجلة ﴿كَصَاحِبِ الْحُوتِ﴾ يعني يونس بن متى. قال الكلبي ومقاتل: يقول: لا تضجر كما ضجر، ولا تعجل كما عجل، ولا تغضب كما غضب (٦). ثم أخبر عن عقوبة يونس حين لم يصبر وعجل بقوله: ﴿إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾، والعامل في (إذ) معنى قوله: ﴿كَصَاحِبِ الْحُوتِ﴾ (٧) يريد: لا تكن كمن صحب الحوت إذ نادى، وليس العامل فيه (تكن) لأنه ليس المعنى: لا تكن مثله إذ\n_________\n(١) انظر: \"معاني القرآن\" ٥/ ٢١١.\n(٢) انظر: \"الجامع لاحكام القرآن\" ١٨/ ٢٥١.\n(٣) عند تفسيره الآية (١٨٢ - ١٨٣) من سورة الأعراف.\n(٤) عند تفسيره الآية (٤٠ - ٤١) من سورة الطور.\n(٥) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٦٤/ أ، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٨٤، و\"التفسير الكبير\" ٣٠/ ٩٨.\n(٦) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٦٤/ أ، و\"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٣١٠، و\"جامع البيان\" ٢٩/ ٢٩.\n(٧) انظر: \"البحر المحيط\" ٨/ ٣١٧.","vol":"22","page":118},{"text":"نادى ربه من بطن الحوت بقوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧]. وقوله ﴿وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾ أي مملوء غمًّا وكربًا (١). ومثله ﴿كَظِيمٌ﴾، وقد مر (٢).\nقوله تعالى: ﴿لَوْلَا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ قال ابن عباس ومقاتل: رحمة من ربه (٣)، وهو أن رحمه وتاب عليه (٤) ﴿لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ﴾ لألقي من بطن الحوت على وجه الأرض. وذكرنا تفسير هذا عند قوله: ﴿فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ﴾ (٥)، وقوله: ﴿وَهُوَ مَذْمُومٌ﴾ قال ابن عباس والحسن (٦): مذنب (٧).\nوقال الكلبي: (مذموم) ملوم مبعد من كل خير (٨).\n_________\n(١) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج ٥/ ٢١١.\n(٢) عند تفسيره الآية (٨٤) من سورة يوسف. قال: الكظيم: الساكت على غيظه، يقال: ما يكظم فلان على حرة إذا كان لا يحتمل شيئًا وفلان كظيم ومكظوم إذا كان ممتلئًا حزنًا ممسكًا عليه.\nوانظر: \"اللسان\" ٣/ ٢٦٥، و\"المفردات\" (٤٣٢) (كظم).\n(٣) (ك): (ربك).\n(٤) انظر: \"تنوير المقباس\" ٦/ ١٢٦، و\"تفسير مقاتل\" ١٦٤/ ب، و\"جامع البيان\" ٢٩/ ٢٩، و\"الكشف والبيان\" ١٢/ ١٧٣/ أ.\n(٥) عند تفسيره الآية (١٤٥) سورة الصافات. قال: العراء: المكان الخالي. قال أبو عبيدة: وإنما قيل له: عراء، لأنه لا شجر فيه ولا شيء يغطيه. وقال الليث: العراء: الأرض الفضاء التي لا تستر بشيء.\n(٦) (س): (والحسن) زيادة.\n(٧) انظر: \"تنوير المقباس\" ٦/ ١٢٦، وذكر ابن كثير في \"تفسيره\" ٤/ ٤٠٨ عن ابن عباس ومجاهد والسدي قوله: (وهو مغموم).\n(٨) انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٨/ ٢٥٤.","vol":"22","page":119},{"text":"وقال مقاتل: يذم ويلام (١). ولكن ربه منَّ عليه فنبذ بالعراء وهو سقيم، وليس بمذموم للنعمة التي تداركه.\nقال أبو إسحاق: المعنى أنه قد نبذ بالعراء وهو غير مذموم؛ لأن النعمة قد شملته (٢). ويدل على ذلك قوله: ﴿فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ﴾ قال ابن عباس: فاستخلصه واصطفاه الله (٣)، ﴿فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ قال ابن عباس: رد إليه الوحي وشفعه في قومه وفي نفسه (٤).\nقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قال الأخفش: (إن) مخففة من الثقيلة كما تقول: إن كان عبدُ الله لظريفًا. فمعناه (٥): إن عبد الله لظريف قبل اليوم (٦).\nوقوله: ﴿لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ﴾ من أزلقه عن موضعه إذا رماه ونحاه، وهذه (٧) قراءة العامة. وقرأ نافع بفتح الياء (٨). يقال: زلق هو وزلقته. مثل:\n_________\n(١) انظر: \"تفسير مقاتل\" ١٦٤/ ب، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٨٤.\n(٢) انظر: \"معاني القرآن\" ٥/ ٢١١.\n(٣) انظر: \"تنوير المقباس\" ٦/ ١٢٦، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٨٤، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٨/ ٢٥٤.\n(٤) انظر: \"زاد المسير\" ٨/ ٣٤٣، و\"التفسير الكبير\" ٣٠/ ٩٩.\n(٥) (ك): (معناه).\n(٦) انظر: \"معاني القرآن\" ٢/ ٧١٢.\n(٧) (ك): (بهذه).\n(٨) قرأ الجمهور ﴿لَيُزْلِقُونَكَ﴾ بضم الياء، وقرأ نافع وأبو جعفر ﴿لَيُزْلِقُونَكَ﴾ بفتح الياء. وهما لغتان، يقال: أزلق يزلق، وزلق يزلق، والمعنى واحد.\nانظر: \"حجة القراءات\" (٧١٨)، و\"النشر\" ٢/ ٣٨٩، و\"الإتحاف\" (٤٢٢).","vol":"22","page":120},{"text":"شترت عينه وشترتها أنا (١) وحزن وحزنته (٢)، والأول أكثر وأوسع؛ لأنه يقال: زلق من موضعه وأزلقته أنا فينقل الفعل بالهمزة. والمفسرون بعضهم علي أن هذه الآية نزلت في قصد الكفار أن يصيبوا رسول الله -ﷺ- بالعين، وكانوا ينظرون إليه نظرًا شديدًا ويقولون (٣): ما رأينا مثله ولا مثل حججه، يريدون أن يصيبوه (٤) بالعين. وهذا قول الكلبي ومن تابعه (٥).\nقالوا: ذكر الله شدة نظرهم إليه للإصابة بالعين. وأما أهل التحقيق من المفسرين وأصحاب العربية فإنهم ذهبوا إلى غير هذا. قال الفراء: إن كادوا ليزلقونك. أي ليرمونك ويزيلونك (٦) عن موضعك بأبصارهم، كما يقال: كاد يصرعني لشدة نظره إليّ. وهو بين من كلام العرب كثير (٧).\nوقال المبرد: أي يحدون النظر إليك حتى يكاد يزلقك نظرهم. وهذا كلام معروف عند العرب.\nوقال أبو إسحاق: مذهب أهل اللغة والتأويل أنهم من شدة إبغاضهم\n_________\n(١) الشتر: انقلاب في جفن العين قلما يكون خلقة. والشتر مخففة: فعلك بها. \"اللسان\" ٢/ ٢٦٨ (شتر).\n(٢) لغتان: تقول: حزنني يحزنني حزنًا فأنا محزون. ويقولون: أحزنني فأنا محزن وهو محزن. \"اللسان\" ١/ ٦٢٧ (حزن).\n(٣) (ك): (قال ويقولون).\n(٤) (ك): (يصيبونه).\n(٥) وهو قول قتادة، والنضر بن شميل، والأخفش، والسدي، وغيرهم.\nانظر: \"جامع البيان\" ٢٩/ ٣٠، و\"الكشف والبيان\" ١٢/ ١٧٣/ ب، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٤٠٩، ورجحه.\n(٦) (ك): (ويزلقونك).\n(٧) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ١٧٩.","vol":"22","page":121},{"text":"وعداوتهم يكادون بنظرهم نظر البغضاء أن يصرعوك. وهذا مستعمل في الكلام. يقول القائل: نظر إلى فلان نظرًا يكاد يصرعني (١) ونظرًا يكاد يأكلني. وتأويله أنه نظر إليَّ نظرًا لو أمكنه معه (٢) أكلي، أو أن يصرعني لفعل. وهذا واضح (٣).\nوقال ابن قتيبة: ليس يريد الله ﷿ في هذا الموضع أنهم يصيبونك بأعينهم كما يصيب العائن بعينه ما يعجبه، وإنما أراد أنهم ينظرون إليك إذا قرأت القرآن نظرًا شديدًا بالعداوة والبغضاء، يكاد يزلقك أي يسقطك كما قال الشاعر (٤):\nيتقارضون إذا التقوا في موطن ... نظرًا يزيل مواطئ الأقدام\nوقال أبو علي: معنى ﴿لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ﴾ أنهم ينظرون إليك نظر البغضاء كما قال: ينظر الأعداء المنابذون، وأنشد البيت الذي أنشده ابن قتيبة (٥). والدليل على صحة ما ذهب إليه هؤلاء أن الله تعالى قرن هذا النظر بسماع القرآن. وهو قوله: ﴿لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ﴾، وهم كانوا يكرهون ذلك أشد\n_________\n(١) (س): من قوله (لشدة نظره إلى وهو بين) إلى هنا زيادة.\n(٢) (ك): (معه)، (س): (معي).\n(٣) انظر: \"معاني القرآن\" ٥/ ٢١٢.\n(٤) البيت ورد غير منسوب في \"تفسير غريب القرآن\" (٤٨٢)، و\"مشكل القرآن\" (١٧٠ - ١٧١)، و\"البيان والتبيين\" ١/ ١١، و\"الكشاف\" ٤/ ٤٧٨، و\"زاد المسير\" ٨/ ٣٤٤، و\"اللسان\" ٣/ ٦٠ (قرض)، و\"البحر المحيط\" ٨/ ٣١٧ ومعنى (يتقارضون) أي: ينظر بعضهم إلى بعض نظر عداوة وبغضاء.\n(٥) انظر: \"الحجة للقراء السبعة\" ٦/ ٣١٢ - ٣١٣، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٨/ ٢٥٦.","vol":"22","page":122},{"text":"الكراهية فيحدون إليه النظر بالبغضاء، والإصابة بالعين إنما تكون مع الإجاب والاستحسان، ولا تكن مع الكراهية والبغض، ويدل على ما ذكرناه قوله: ﴿وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ﴾ أي: ينسبونه إلى الجنون إذا سمعوه يقرأ القرآن (١)، فقال الله: ﴿وَمَا هُوَ﴾ يعني القرآن ﴿إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ قال ابن عباس: موعظة للمؤمنين (٢). والله تعالى أعلم.\n_________\n(١) نسبه الرازي إلى الجبائي ثم قال: واعلم أن هذا السؤال ضعيف؛ لأنهم وإن كانوا يبغضونه من حيث الدين لعلهم كانوا يستحسنون فصاحته وايراده للدلائل. انظر: \"التفسير الكبير\" ٣٠/ ١٠٠، ونسبه القرطبي في \"جامعه\" ١٨/ ٢٥٥ للقشيري.\nقلت: بل حال المشركين في مكة مع القرآن والنبي -ﷺ- يدل على غاية الاستحسان ونهاية التعجب ولم ينسبوه -ﷺ- إلى السحر والكهانة وغير ذلك إلا لشدة تأثيره على السامع، وقد بذلوا كل ما في وسعهم لصد القادمين إلى مكة من ملاقاة النبي -ﷺ- أو سماعه وما ذاك إلا خشية دخول الناس في هذا الدين وصدق الله إذ يقول: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: ١٤]، وليس في الآية ما يمنع الجمع بين نظر العداوة والبغضاء، ونظر الحسد والإصابة بالعين، والله أعلم.\n(٢) انظر: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٨٥.","vol":"22","page":123},{"text":"التَّفْسِيرُ البَسِيْط\nلأبى الحسن على بن أحمد بن محمد الواحدي\n(ت ٤٦٨ هـ)\nمن سورة الحاقة إلى سورة القيامة\nتحقيق\nد. نورة بنت عبد الله بن عبد العزيز الورثان","vol":"22","page":125},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4645>تفسير سورة الحاقة </span><span data-type=\"title\" id=toc-4646>(١)</span>\nبسم الله الرحمن الرحيم\n\n١ - ﴿الْحَاقَّةُ (١)﴾: أجمعوا (٢) على أن المراد بها القيامة.\n_________\n(١) مكية بالإجماع. قاله ابن عطية في \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٣٥٦، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٨/ ٧٨، والقرطبي في \"الجامع لأحكام القرآن\" م ١٨٩/ ٢٥٦، والشوكاني في \"فتح القدير\"، و\"الجامع بين في الرواية والدراية من علم التفسير\" عن القرطبي ٥/ ٢٧٨، وممن قال أيضًا إنها مكية الطبري في \"جامع البيان\" م ١٤جـ ٢٩/ ٤٧، والثعلبي في \"الكشف والبيان\" جـ ١٢، ١٧٤/ أ، والسمرقندي في \"بحر العلوم\" ٣/ ٣٩٧، والبغوي في \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٨٥.\n(٢) وهو قول ابن عباس، وعكرمة، وقتادة، والضحاك، وابن زيد، ومقاتل. انظر \"تفسير مقاتل\" ٢٠٦/ ب، و\"جامع البيان\" ١٤، ٢٩/ ٤٧، والسمرقندي في \"بحر العلوم\" ٣/ ٣٩٧، وممن نقل الإجماع الرازي في \"التفسير الكبير\" م ١٥ جـ ٣٠/ ١٠٢، والشوكاني في \"فتح القدير\" عن الواحدي ٥/ ٢٧٨، وإليه ذهب الطبري (المرجع السابق)، والثعلبي في \"الكسثف والبيان\" جـ١٢، ١٧٤/ أ، والبغوي في \"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٨٥، وابن عطية في \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٣٥٦، والزمخشري في \"الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل\" ٤/ ١٣٢، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٨/ ٧٨، والقرطبى في \"الجامع لأحكام القرآن\" م٩ جـ١٨/ ٣٨٥ نقلًا عن الطبري، وابن كثير في \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٤٤٠، والسعدي في \"تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان\" ٥/ ٢٩٥. كما ذهب إلى القول إنها القيامة، اليزيدي في \"غريب القرآن وتفسيره\" ٣٨٦، وابن قتيبة في \"تفسير غريب القرآن\" ٣٨٣، والسجستاني في \"نزهة القلوب في تفسير غريب القرآن العزيز\" ٢١٠، والراغب في \"المفردات في غريب القرآن\" ١٢٥، والخزرجي في \"نفس الصباح في غريب القرآن وناسخه ومنسوخه\" ٢/ ٧٣٠، وأنجو حيان في \"تحفة الأريب بما في القرآن من الغريب\" ١٠٧. وقد خالف الإجماع =","vol":"22","page":127},{"text":"واختلف (١) في معنى الحاقة، قال (٢) الفراء -وهو قول الكلبي-: سميت بذلك، لأن فيها الثواب وحَوَاقَّ الأمور (٣)، قال: والعرب تقول: لما عَرَّفت مني (٤) الحَقَّةَ هربت (٥)، والحَقَّة والحاقة كلاهما في معنى واحد (٦)، هذا كلامه.\nويحتاج فيه إلى شرح، وهو: أن ما ذكره يتضمن قولين في معنى الحاقة:\nأحدهما: أنها ذات الحواق من الأمور، وهي الصَّادقة الواجبة الصدق والثواب والعقاب، وجميع أحكام القيامة صادقة واجبة الوقوع\n_________\n= ابن بحر، فقد ذهب إلى أن معنى (الحاقة) أنه ما حق من الوعد والوعيد بحلوله. انظر: \"النكت والعيون\" للماوردي ٦/ ٧٥.\nوهذا القول المخالف للجمهور لم يذكره الواحدي، واعتمد قول الجمهور، واعتبره إجماعًا. وهذا منهج سلكه الإمام الواحدي في حكايته الإجماع، فما كان عليه الجمهور من المفسرين وموافقًا للغة هو الإجماع عنده. والله أعلم.\n(١) في (أ): اختلف بغير واو.\n(٢) في (ع): فقال.\n(٣) حواق الأمور، أي: صحاح الأمور. انظر: \"نزهة القلوب\" ٢١٠.\n(٤) في (أ): من.\n(٥) في (أ): (هويت)، والصواب ما جاء في (ع) لموافقته لنص الفراء في \"معاني القرآن\" ٣/ ٧٩. ومعنى القول -والله أعلم- أنك لما عرفت الحقيقة مني هربت، فالحَقَّة هي حقيقة الأمر. انظر: \"تفسير غريب القرآن\" لابن قتيبة ٣٨٣.\n(٦) \"معاني القرآن\" ٣/ ١٧٩ بتصرف، ولعل الواحدي نقله عنه عن \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٣٧٧ (حقَّ). ونص عبارته كما في المعاني قال: والحاقة القيامة؛ سميت بذلك لأن فيها الثواب والجزاء، والعرب تقول لمّا عرفت الحقة مني هربت، والحاقة، وهما في معنى واحد. وفي \"تهذيب اللغة\" نقل عن الفراء: الحقو والحاقة بمعنى واحد. ٣/ ٣٧٧ مادة (حقَّ).","vol":"22","page":128},{"text":"والوجود، فهي كلها حواقٌّ.\nالقول الثاني: أن الحاقة بمعنى الحق. قال الليث: الحاقة: النازلة التي حقت، فلا كاذبة لها (١).\nوهذا الذي ذكره معنى قوله: ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ (٢)﴾ [الواقعة: ٢]، وقال غيره: ﴿الْحَاقَّةُ﴾: الساعة التي يحق فيها الجزاء على كل ضلال وهدى، وهي القيامة (٢). وقال صاحب النظم: الحاقة تحق على القوم، أي: تقع بهم (٣) (٤).\nوقال المبرد: اشتقاقها (٥) من حقَّ الشيء، فهو حاق للواجب (٦) الذي لا شك فيه (٧).\n_________\n(١) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٢) بمعنى هذا القول ورد عن مقاتل في \"تفسيره\" ٢٠٦/ أ، قال: يعني الساعة التي فيها حقائق الأعمال، يقول تحق للمؤمنين عملهم، وتحق للكافرين عملهم. وقد ورد ما ذكره الواحدي عن الغير في \"التفسير الكبير\" للفخر الرازي م ١٥جـ ٣٠/ ١٠٢، وانظر \"لباب التأويل في معاني التنزيل\" للخازن ٤/ ٣٠٣ من غير عزو، في كلا المرجعين، وعن قتادة أنه قال: حقت لكل قوم أعمالهم، و\"تفسير عبد الرزاق\" ٣/ ٣١٢، و\"بحر العلوم\" ٣/ ٣٩٧، و\"الدر المنثور\" للسيوطي ٨/ ٢٦٤، وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، و\"المستدرك على الصحيحين\" للحاكم ٢/ ٥٠٠، كتاب التفسير، تفسير سورة الحاقة.\n(٣) بياض في (ع)\n(٤) وقد ورد معنى قول صاحب النظم في \"التفسير الكبير\" م ١٥، جـ ٣٠/ ١٠٢ من غير عزو. وانظر: \"لباب التأويل\" ٤/ ٣٠٣ من غير عزو.\n(٥) في (ع): اشتقاقًا.\n(٦) بياض في (ع).\n(٧) لم أعثر على مصدر لقوله.","vol":"22","page":129},{"text":"وقال الزجاج (١): لأنها تحق كل إنسان يعمله من خير وشر (٢).\nولا أدري ما معنى هذا القول، ولا أيش (٣) أراد بقوله: يحق كل إنسان يعمله (٤).\nقال الأزهري: والذي عندي في الحاقة: أنها سميت (٥) بذلك؛ لأنها تحق (٦) كل مُحاق في دين الله بالباطل (٧)، أي كل مخاصم، فتحُقُّه، أي: تغلبه. من قولك: حَاققته أُحَاقهُ حِقاقًا فحققته أحُقُّه، أي: غلبته، وفَلَجْتُ (٨) عليه (٩).\nقال أبو إسحاق: ﴿الْحَاقَّةُ (١)﴾ مرفوع بالابتداء، و(ما) في قوله:\n_________\n(١) بياض في (ع).\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢١٣، وعبارته \"وسميت الحاقة، لأنها تحق كل شيء يعمله إنسان من خير أو شر\"\n(٣) أيش كلمة منحوتة من أي شيء، وهي بمعناها للاستفهام. \"معجم متن اللغة\" أحمد رضا ١/ ٢٢٢.\n(٤) قوله كل إنسان يعمله بياض في (ع).\n(٥) بياض في (ع).\n(٦) في (أ): حق.\n(٧) قوله بالباطل أي كل مخاصم، بياض في (ع).\n(٨) فَلَجَ عليه: ظفر بما طلب، وفلج بحجته أثبتها، وأفلج الله حجته، بالألف: أظهرها. انظر \"المصباح المنير في غريب الشرح الكبير\" لأحمد بن محمد الفيومي ٢/ ٥٧٨.\n(٩) ورد هذا القول في \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٣٧٧ مادة (حق)، وليس هو من قول الأزهري، بل نسبه إلى الغير. قال: وقال غيرهما -يعني الزجاج والفراء-: سميت القيامة حاقة؛ لأنها تحق كل مُحاق في دين الله بالباطل ... إلخ. وانظر: \"التفسير الكبير\" م ١٥ جـ ٣٠/ ١٠٢.","vol":"22","page":130},{"text":"﴿مَا الْحَاقَّةُ (٢)﴾ (١)، رفع بالابتداء أيضًا، و﴿الْحَاقَّةُ﴾ الثانية خبرها، والعائد على ﴿الْحَاقَّةُ﴾ الأولى الثانية على تقدير: الحاقة ما هي.\nوالمعنى تفخيم شأنها، واللفظ لفظ الاستفهام، كما تقول: زيد مَا هُوَ؟ على تأويل التعظيم لشأنه في مدح كان أو (في) (٢) ذم (٣).\nوقال صاحب النظم: قوله: ﴿مَا الْحَاقَّةُ (٢)﴾ هو تفخيم وتهويل لها، (و) (٤) مثله قوله: ﴿الْقَارِعَةُ (١) مَا الْقَارِعَةُ (٢)﴾ [القارعة: ١، ٢]. قال امرؤ (٥) القيس:\nدَعْ (٦) عَنْكَ نَهْبًا صِيحَ في حُجُراتِه ... ولكِنْ حدِيث ما حديثُ الرَّواحِل (٧)\nقوله: ﴿مَا﴾ حديث تفخيم وتهويل (له) (٨)، ثم زاد في التهويل فقال: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ (٣)﴾ و﴿مَا﴾ مَوْضعها رفع، وإن كان بعد \"أدراك\" لأن ما كان في لفظ الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله، المعنى: ما\n_________\n(١) بياض في (ع).\n(٢) ساقطة من (أ).\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢١٣.\n(٤) ما بين القوسين ساقط من ع.\n(٥) في (أ): امرئ.\n(٦) في (ع): درع.\n(٧) قوله حديث .. إلى آخر البيت بياض في (ع). والبيت ورد في \"ديوانه\" ١٤٦ برواية \"حَجَراته ولكن حديثًا ما حديث\"، ومعنى النهب الغنيمة، الحجرات النواحي، يقول لخالد جاره: دع عنك نهبًا أغير عليه، وصِيح في نواحيه، وحدثنا حديثًا عن الرواحل كيف ذهب بها. وقد قال هذه القصيدة يوم أخذ بنو جذيلة إبله ورواحله، يهجو خالدًا السدوسي. \"ديوان امرى القيس\" المرجع السابق.\n(٨) ساقطة من (أ).","vol":"22","page":131},{"text":"أعلمك أي شيء الحاقة (١).\n\nوقال أهل المعاني: إنما قيل له: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ (٣)﴾ مع أنه يعلمها؛ لأنه إنما يعلمها بالصفة، فقيل تفخيمًا لشأنها: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ (٣)﴾، أي: كأنك (٢) لست تعلمها (٣) إذا <span data-type=\"title\" id=toc-4647>(٤) </span>لم تعاينها، ولم تر ما فيها من أهوالها (٥).\nقال مقاتل: ثم أخبر عنها فقال:\n\n٤ - ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ (٤)﴾ أي أنها: القارعة التي كذبت بها ثمود وعاد (٦). ونحو هذا قال صاحبُ النظم، فقال: ثم وصف ﷿ ﴿الْحَاقَّةُ﴾ مَا هي، فقال: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ (٤)﴾، وهذا وهم؛ لأن قوله: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ﴾ إخبار عن تكذيبهم بالساعة، وليس وصفًا للحاقة، ولا خبرًا عنها (٧).\nقال المبرد: قال الله: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ (٣)﴾، ثم لم يقع لها تفسير، وقد يقع البيان في التنزيل عما يستفهم (٨) عنه للتعظيم، وقد لا يقع، فما وقع عنه البيان: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ (٣) يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ﴾ [القارعة: ٣ - ٤] قوله: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ (١٠) نَارٌ حَامِيَةٌ (١١)﴾ [القارعة: ١٠ -\n_________\n(١) نقله الواحدي بنصه عن الزجاج في \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢١٣.\n(٢) في (أ): كانت.\n(٣) في (ع): بعلمها.\n(٤) في (ع): إذ.\n(٥) انظر قول أهل المعاني في \"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٨٥، و\"زاد المسير\" ٨/ ٧٨ - ٧٩.\n(٦) \"تفسير مقاتل\" ٢٠٦/ ب.\n(٧) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٨) في (أ): يستقيم.","vol":"22","page":132},{"text":"١١]، وما كف عن خبره فمجازه عند العرب تفخيم للأمر، يقولون: لو رأيت فُلانًا وفي يده السيف. وتأويل هذا تعظيم أمره (١). وقد ذكرنا (٢) هذا في مواضع (٣).\nومعنى \"القارعة\": التي تقرع قلوب العباد بالمخافة إلى أن يصير المؤمنون إلى الأمن بالجنة.\nقال أهل التأويل: وإنما حسن أن توضع \"القارعة\" موضع \"الحاقة\" لتذكر بهذه الصفة الهائلة بعد ذكرها بأنها \"الحاقة\" (٤).\nو\"القارعة\" يراد بها: القيامة في هذه الآية عند (قول جميع) (٥) المفسرين (٦)، وذكر في بعض التفسير (٧): أنها العذاب الذي نزل بهم،\n_________\n(١) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٢) بياض في (ع).\n(٣) نحو ما جاء في سورة المدثر ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (٢٦) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ (٢٧)﴾، والمرسلات: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ (١٤)﴾، والانفطار: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٧)﴾. وغير ذلك مما ماثله من الآيات.\n(٤) لم أعثر على من قال بذلك، وقد ورد معنى هذا القول عند الفخر من غير عزو. انظر: \"التفسير الكبير\" ٣٠/ ١٣٠.\n(٥) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٦) قال بذلك ابن عباس، والضحاك، وابن زيد، وقتادة، ومقاتل. انظر: \"جامع البيان\" ٢٩/ ٤٨، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٨٦، و\"زاد المسير\" ٨/ ٧٩. وقالا به أيضًا، ابن عطية في \"المحرر الوجيز\" ٣٥٦، والقرطبي ١٨/ ٢٥٧، وعزاه الخازن إلى ابن عباس \"لباب التنزيل\" ٤/ ٣٠٣، وابن كثير ٤/ ٤٤٠، وعزاه صاحب \"الدر المنثور\" إلى ابن عباس ٨/ ٢٦٤، والسجستاني في \"نزهة القلوب\" ٣٧١، وابن الملقن في \"تفسير غريب القرآن\" ٤٨٩، والخزرجي في \"نفس الصباح\" ٢/ ٧٣٠.\n(٧) قال المبرد. انظر: \"فتح القدير\" ٥/ ٢٧٩، وذكر هذا القول من غير عزو في \"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٨٦، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٨/ ٢٥٨.","vol":"22","page":133},{"text":"وكان نبيهم يخوفهم بذلك فيكذبونه.\nقوله: ﴿فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ﴾ أكثر أهل التفسير والعربية على أن \"الطاغية\" هاهنا بمعنى الطغيان. قال الكلبي: الطاغية: طغيانهم (١).\nوقال مقاتل: عذبوا بطغيانهم (٢)، وهذا قول ابن عباس (٣) (ومجاهد) (٤) (٥).\nوقال أبو عبيدة: بطغيانهم، وكفرهم (٦).\nقال أبو إسحاق: وفاعِلُه قد يأتي (٧) بمعنى المصادر نحو: (عَافية، وعَاقبة) (٨) (٩).\nوذهب آخرون إلى أن \"الطاغية\" نعت محذوفٍ على معنى: أهلكوا بالصيحة الطاغية، وهي التي جاوزت مقدار الصياح، وهو قول قتادة (١٠).\nوالطاغي من كل شيء: ما تجاوز القدر (١١).\n_________\n(١) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ٢٠٦/ ب، و\"زاد المسير\" ٨/ ٧٩.\n(٣) \"زاد المسير\" ٨/ ٧٩.\n(٤) ساقطة من (أ).\n(٥) قوله في: \"جامع البيان\" ٢٩/ ٤٨، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٨٦، و\"زاد المسير\" ٨/ ٧٩.\n(٦) \"مجاز القرآن\" ٢٦٧.\n(٧) في (أ): تأتي.\n(٨) في (ع): عاقبة وعافية.\n(٩) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢١٣ بنصه.\n(١٠) ورد قوله في \"جامع البيان\" م١٤، ٢٩/ ٤٩، و\"الكشف والبيان\" ١٢/ ١٧٥/ أ، و\"المحر. الوجيز\" ٥/ ٣٥٦، و\"القرطبي\" ١٨/ ٢٥٨، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٤٤٠.\n(١١) قال الليث: الطُّغيان، والطُّغوان لغة فيه، والفعل طغوت وطغيت، والاسم الطَّغوى، وكل شيء جاوز القدر فقد طغا كما طغا، الماء على قوم نوح، وكما =","vol":"22","page":134},{"text":"واختار أبو إسحاق هذا القول، فقال: (الذي يدل عليه معنى الآية أنهم أهلكوا بالرجفة الطاغية، كما قال: ﴿وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ﴾) (١) يعني: أنه لما ذكر ما أهلك به عاد، وهو الريح، كذلك \"الطاغية\" وجب أن تكون اسمًا لما أهلك به ثمود. وتفسير الريح الصرصر قد سبق في موضعين (٢).\nقوله: ﴿عَاتِيَةٍ﴾ قال الكلبي: عَاتية (٣): عتت على خُزَّانها يومئذ فلم يحفظوا كم خرج منها،ولم يخرج قبل ذلك ولا بعده منها شيء إلا بقدر معلوم (٤).\nوروي هذا مرفوعًا: أن رسول الله -ﷺ- قال: \"طغى الماء على خزانها يوم نوح، وعتت الريح على خَزَّانها يَوم عَاد، فلم يكن لهم عليها سبيل\" (٥).\n_________\n= غت الصيحة على ثمود، والريح على قوم عاد. \"تهذيب اللغة\" ٨/ ١٦٧ مادة (طغا)، و\"لسان العرب\" ١٥/ ٧ مادة (طغى). وفي \"الصحاح\" للجوهري ٦/ ٢٤١٢ طغَا يطغى، ويَطْغُو طُغيانًا، أي: جاوز الحد، وكلُّ مجاز حده في العصيان فهو طاغٍ.\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢١٣ - ٢١٤، بنصه.\n(٢) في سورة فصلت ١٦، وسورة القمر ١٩. ومما جاء في تفسير \"الصرصر\" أي باردة، وقيل: شديدة، وقيل: الصرصر الشديدة الصوت، وأكثر التفاسير: الشديدة البرد. وقيل: هي الباردة تحرق كما تحرق النار.\n(٣) في (ع): غالبة.\n(٤) \"معالم التنزيل\" ٤/ ١٨٦، و\"التفسير الكبير\" ٣/ ١٠٣. وهذا القول من الكلبي في الأمور التي ليست من قبيل الاجتهاد والفهم، وإنما هي من الأمور الغيبية التي تبنى على الأحاديث \"الصحيحة\" ولم أجد ما يعضده من صحيح القول، والكلبي معروف بالكذب. والله أعلم.\n(٥) أخرجه الطبري في \"جامع البيان\" ٢٩/ ٥٠ من طريق شهر بن حوشب، عن ابن =","vol":"22","page":135},{"text":"فعلى هذا القول هي عاتية على الخُزَّان، (وهو قول جماعة من المفسرين) (١) (٢).\n_________\n= عباس بمعناه، والثعلبي مرفوعًا إلى الرسول -ﷺ- من طريق ابن عباس، و\"الكشف والبيان\" جـ١٢، ١٧٥/ أ، والقرطبي ١٨/ ٢٥٩ من طريق علي، وأورده ابن حجر العسقلاني في \"الكافي الشاف في تخريج أحاديث الكشاف\" بمعناه، وعزاه إلى الثعلبي، وابن مردويه من رواية موسى بن أعين، عن الثوري، عن موسى بن المسيب، عن شهر بن حوشب، عن ابن عباس مرفوعًا، وأخرجه الطبري من طريق مهران بن أبي عمر، عن سفيان موقوفًا ٤/ ١٧٧ ح ٢١٤، ملحق بكتاب \"الكشاف\" للزمخشري، وأخرجه أيضًا أبو الشيخ في العظمة، والدارقطني في الأفراد، وابن مردويه، وابن عساكر، والفريابي، وعبد بن حميد، عن ابن عباس بمعناه. انظر: \"الدر المنثور\" ٨/ ٢٦٥، كما أورد البخاري في صحيحه بمعنى هذا القول بعبارة \"ويقال: طغت على الخزان كما طغى الماء على قوم نوح\" ٣/ ٣١٥، في \"كتاب التفسير\" باب ٦٩، سورة الحاقة.\nقال ابن حجر في فتح الباري عند بيان معنى هذا القول: \"لم يظهر لي فاعل طغت؛ لأن الآية في حق ثمود، وهم قد أهلكوا بالصيحة، ولو كانت عادًا لكان الفاعل الريح، وهي لها الخزان ... وأنها عتت على الخزان. وأما الصيحة، فلا خزان لها، فلعله انتقال من عتت إلى طغت، ثم قال: تنبيه لم يُذكر في تفسير الحاقة حديث مرفوع\" ٨/ ٦٦٥. يراد بالخزان، يقال: خَزَن الشيءَ يخْزنه خَزنًا، واختزنه: أحْرَزَه، وجعله في خِزانة، واختزنه لنفسه، والخِزانة اسم الموضع الذي يُخْزن فيه الشيء. \"لسان العرب\" ١٣/ ١٣٩، (خزن).\n(١) هو قول علي بن أبي طالب، وابن عباس. انظر: \"جامع البيان\" ٢٩/ ٥٥، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٢٦٤، وعزاه إلى الفريابي، وعبد بن حميد، وابن جرير. وورد معنى هذا القول عن قبيصة بن أبي ذؤيب في \"الدار\" ٨/ ٢٦٥، وعزاه إلى ابن عساكر. وذكر القول غير معزو في \"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٨٦، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٣٥٧، و\"زاد المسير\" ٨/ ٧٩، و\"القرطبي\" ١٨/ ٢٥٩، و\"البحر المحيط\" ٨/ ٣٢١.\n(٢) ما بين القوسين ساقط من (أ).","vol":"22","page":136},{"text":"وفيه قول آخر: قال عطاء عن ابن عباس: يريد عتت عليهم (١)، يعني: على عاد.\nوهو قول ابن زيد، قال: العاتية: القاهرة التي عتت عليهم، فقهرتهم بغير رأفة ولا رحمة (٢).\nوذكر صاحب النظم قولًا آخر (٣)، فقال: ليس هذا من العتو الذي هو عصيان، إنما هو بلوغ الشيء وانتهاؤه، ومنه قولهم: \"عتى (٤) البيت\"، أي: بلغ منتهاه وحق (٥).\nوقال ﷿: ﴿وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا﴾ (٦)، (وكل شيء انتهى (٧) فقد عتا يعتو (٨) عِتِيًا وعُتُوًّا) (٩).\nوعلى هذا القول معنى \"عاتية\": بالغة منتهاها في القول والشدة.\n_________\n(١) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٢) \"جامع البيان\" ٢٩/ ٥٠، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٨/ ٢٥٩ من غير نسبة.\n(٣) بياض في (ع).\n(٤) في (ع): عتا.\n(٥) غير مقروء في (ع)، وإلى قوله بلغ منتهاه وحق انتهى كلام صاحب النظم، ولم أعثر على مصدر لقوله.\n(٦) سورة مريم ٨، وقد استشهد الأزهري بهذه الآية في \"تهذيب اللغة\" ٣/ ١٤٣ (عتو).\n(٧) في (ع): انتها.\n(٨) في النسختين (أ)، (ع): (يعتو) ا.\n(٩) ما بين القوسين من قول الأزهري، وعزاه إلى أبي إسحاق. انظر: \"تهذيب اللغة\" ٣/ ١٤٣ (عتو)، وقد نقله الواحدي عن الأزهري بنصه، وررد معنى ذلك في \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢١٤.","vol":"22","page":137},{"text":"قوله: ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ﴾ قال مقاتل (١)، والكلبي (٢): سلطها عليهم.\nوقال غيرهما: أرسلها عليهم (٣).\nقال أبو إسحاق: أقامها عليهم كما شاء (٤).\nوقوله: ﴿حُسُومًا﴾ أكثر المفسرين قالوا: متتابعة، وهو قول: عبد الله (٥)، وعكرمة (٦)، ومجاهد (٧)، (وقتادة) (٨) (٩).\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ٢٠٦/ ب، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٨٦، وقد ورد هذا القول غير منسوب في \"زاد المسير\" ٨/ ٧٩، و\"القرطبي\" ١٨/ ٢٥٩، و\"ابن كثير\" ٤/ ٤٤٠.\n(٢) ورد هذا القول في المراجع السابقة من غير عزو، وعزاها -كما أسلفت- البغوي إلى مقاتل. انظر \"معالم التنزيل\".\n(٣) ورد هذا القول من غير نسبة في \"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٨٦، و\"زاد المسير\" ٨/ ٧٩، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٨/ ٢٥٩.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢١٤ نقله عنه الواحدي بنصه.\n(٥) وورد قوله هذا في تفسير القرآن للإمام عبد الرزاق الصنعاني ٢/ ٣١٢، و\"جامع البيان\" ٢٩/ ٥٠ - ٥١، و\"النكت والعيون\" ٦/ ٧٧، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٣٥٧، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٤٤٠، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٢٦٥، وعزاه إلى الفريابي، وسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن المنذر، والطبراني، و\"المستدرك\" للحاكم ٢/ ٥٠٠، وصححه ووافقه الذهبي.\n(٦) وقوله هذا ورد في \"جامع البيان\" ٢٩/ ٥١، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٣٥٧، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٤٤٠، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٢٦٦، وعزاه إلى عبد بن حميد.\n(٧) \"تفسير الإمام مجاهد\" ٦٧١، و\"النكت والعيون\" ٦/ ٧٧، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٨٦، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٣٥٧، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٤٤٠، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٢٦٥، وعزاه إلى أبي الشيخ في العظمة.\n(٨) ساقطة من (أ).\n(٩) وقول قتادة ورد في \"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٨٦، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٣٥٧، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٤٤٠. وممن قال بذلك أيضًا ابن عباس كما في =","vol":"22","page":138},{"text":"والمعنى: أن هذه الأيام تتابعت عليهم بالريح المُهلكة، فلم يكن فيها فتورٌ ولا انقطاع، ولهذا المعنى قال الكلبي (١)، (والضحاك) (٢)، ومقاتل (٣) في تفسير: \"حسومًا\": دائمة كاملة.\nوقال الفراء: (والحسوم: التتابع (٤)، إذا تتابع الشيء فلم ينقطع أوله عن (٥) آخره، قيل له: حسوم، وإنما أخذوا -والله أعلم- من حُسِمَ الداءُ، إذا كُوي صاحبُه؛ لأنه يكوى بالمكواة، ثم يتابع ذلك عليه) (٦).\nوقال عطية: شؤمًا (٧).\nقال اللَّيث: الحَسْم: الشُّؤْم، ويقال: هذه ليالي الحُسُوم تَحْسِم الخير عن أهلها، كما حُسِمَ عن عَاد (٨).\nوذكر [أبو عبيدة] (٩) القولين، فقال: \"حسومًا\" ولآء متتابعة، وقالوا: مشائيم (١٠).\n_________\n= \"النكت\" ٦/ ٧٧. قال النحاس ﴿حُسُومًا﴾ أصح ما قيل فيه مُتَتَابعة، لصحته عن ابن مسعود، وابن عباس \"إعراب القرآن\" ٢/ ٢٠.\n(١) بياض في (ع). ولم أعثر على مصدر قوله.\n(٢) ما بين القوسين ساقط من أ، وورد قوله في \"زاد المسير\" ٨/ ٧٩.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ٢٠٦/ ب.\n(٤) وفي (أ): أيضًا التتابع.\n(٥) في (أ): إلي.\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٨٠ بنصه.\n(٧) ورد هذا القول في \"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٨٦.\n(٨) \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٤٤ مادة (حسم) بنصه.\n(٩) في كلا النسختين: (أبو عبيد)، ولعله تصحيف؛ لأن الصواب (أبو عبيدة) كما أثبته.\n(١٠) كتبت في إلنسختين مشاآيم.\nوورد قول أبي عبيدة في \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٦٧، غير أنه ذكر قولًا واحدًا، وهو=","vol":"22","page":139},{"text":"ومعنى الحسم في اللغة: القطع (١) بالاستئصال، وسمي السيف حُسَامًا؛ لأنه يحسم العدو عما يريد من بلوغ عداوته، فالحسوم بمعنى الشؤم هي الحاسمة للخير، والحسوم مصدر سمي به (٢).\nوقال ابن زيد: حسمتهم (٣) فلم تبق منهم أحدًا (٤).\nوعلى هذا: الحسوم: القاطعة بعذاب (٥) الاستئصال، وهو معنى قول النضر بن شميل: حسمتهم (٦)، فقطعتهم (٧) وأهلكتهم (٨).\nوالحسوم من نعت (٩) قوله: ﴿سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ﴾، ونصب على القطع (١٠) والحال (١١).\n_________\n= التتابع. وممن قال: مشائيم: عكرمة، والربيع. انظر: \"النكت\" ٦/ ٧٧. وبالقولين قال اليزيدي في \"غريب القرآن وتفسيره\" ٣٨٦.\n(١) غير مقروءة في (ع).\n(٢) انظر المعنى اللغوي في \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٤٤ (حسم)، و\"معجم مقاييس اللغة\" لابن فارس ٢/ ٥٧ (حسم)، و\"لسان العرب\" ١٢/ ١٣٤ (حسم)، و\"القاموس المحيط\" للفيروزابادي ٤/ ٩٦ (حسم).\n(٣) غير مقروء في (ع).\n(٤) \"جامع البيان\" ٢٩/ ٥١، و\"النكت والعيون\" ٦/ ٧٨، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٣٥٧ بمعناه، و\"زاد المسير\" ٨/ ٨٠.\n(٥) في (أ): بعد.\n(٦) حسمتهم ساقطة من (أ).\n(٧) في (أ): قطعتهم.\n(٨) ورد قول النضر في \"الكشف والبيان\" ١٢/ ١٧٥/ ب.\n(٩) التعبير بـ\"النعت\" من اصطلاح الكوفيين، وربما قال به البصريون، والأكثر عندهم الوصف والصفة. انظر: \"نحو القراء الكوفيين\" لخديجة أحمد مفتي ٣٤٠.\n(١٠) يراد بالقطع الحال، وهذا من مصطلحات الكوفيين. المرجع السابق ٣٤٩.\n(١١) قال النحاس \"حسومًا\" نعت، ومن قال: معناه أتْباع جعله مصدرًا وقال أيضًا أنثت=","vol":"22","page":140},{"text":"وقال أبو إسحاق: الذي توجبه اللغة في معنى قوله: \"حسومًا\" (أي تَحْسِمُهُمْ حُسُومًا) (١) تُفْنِيهِم وتُذْهبُهُم (٢).\nوعلى هذا المعنى: الحسوم مصدر مؤكد (٣) دَلَّ على فعله ما تقدّم من قوله: ﴿فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ﴾، ويجوز أن يكون مفعولًا (له) (٤)، أي سخرها عليهم هذه المدة للحسوم، أي لقطعهم واستئصالهم (٥).\n﴿فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى﴾ أي في تلك الليالي والأيام.\n﴿صَرْعَى﴾: جمع صريع. قال الكلبي (٦)، ومقاتل (٧): يعني موتى يريد أنهم صرعوا بموتهم، فهم مصروعون (٨) صرع الموت.\n﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ (٩) تفسير هذا متقدم في قوله: ﴿أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ (١٠).\n_________\n= الهاء في \"ثمانية\"، وحُذفت من \"سبع\" فرقًا بين المذكر والمؤنث، فـ\"الليالي\" جمع مؤنث، والأيام جمع مذكر. \"إعراب القرآن\" ٢٠، وانظر البيان في غريب \"إعراب القرآن\" لابن الأنباري ٢/ ٤٥٧.\n(١) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢١٤ بتصرف يسير.\n(٣) يراد به المفعول المطلق.\n(٤) له ساقطة من ع. والمفعول له هو المفعول لأجله.\n(٥) من قوله \"مفعولًا له\" إلى قوله \"استئصالهم\" كتبت بهامش النسخة ع.\n(٦) لم أعثر على مصدر لقوله. وقد ورد مثله من غير عزو في \"القرطبي\" ١٨/ ٢٦١.\n(٧) \"تفسير مقاتل\" ٢٠٦/ ب.\n(٨) غير مقروءة في (ع).\n(٩) بياض في (ع).\n(١٠) سورة القمر ٢٠، قال تعالى: ﴿تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ (٢٠)﴾ وجاء في تفسيرها قال الواحدي: على تقدير فتتركهم كأنهم نخل، وذلك أنهم شبهوا أعجاز =","vol":"22","page":141},{"text":"وقوله: ﴿خَاوِيَةٍ﴾ على عروشها. قال الكلبي: شبه القوم بأسَافل النخل إذا سقطت (١).\nوقال مقاتل: يعني أصول نخل ساقطة، ليس لها رؤوس، بقيت أصولُها وذهب أعلاها (٢).\n﴿فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ (٨)﴾ قوله: ﴿بَاقِيَةٍ﴾ يجوز أن تكون معنى: البقاء، ويجوز أن تكون بمعنى: نفس باقية، أو فرقة باقية (٣). (والمفسرون على هذا القول) (٤).\nقال ابن عباس: يريد: لم أبقِ (٥) منهم أحدًا (٦).\n_________\n= النخل عند سقوطهم، لا عند نزعهم، قال الزجاج: \"كأنهم\" هاهنا في موضع الحال، والمعنى تنزع الناس مشبهين النخل المنقعر، وهو المقطوع من أصوله، وعلى ما ذكر، لا إضمار في الآية، و﴿أَعْجَازُ﴾ جمع عجز، وهو مؤخر الشيء، وشبههم بأعجاز النخل؛ لأن الريح قلعت رؤوسهم أولًا، ثم كبتهم لوجوههم. وقوله ﴿مُنْقَعِرٍ﴾ قال: قعرت النخلة إذا قلعتَها من أصلها حتى تسقط، وقد انقعرت هي، أي انقلعت وسقطت. قال المفسرون: شبههم لطول قاماتهم حين صرعتهم الريح وكبتهم على وجوههم بالنخيل الساقطة.\n(١) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ٢٠٦/ ب، وقد قال قتادة بنحو قوله. انظر: \"جامع البيان\" ٢٩/ ٥٢، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٢٦٦.\n(٣) بياض في (ع).\n(٤) ما بين القوسين ساقط من (أ). وقد ذكر الطبري القولين. انظر: \"جامع البيان\" ٢٩/ ٥٢. وذكر البغوي القول الثاني. انظر: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٨٦، وأورد ابن عطية في \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٣٥٧ القولين، وعزاهما لابن الأنباري. وأورد أبو عبيدة في \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٦٧ القول الثاني.\n(٥) بياض في (ع).\n(٦) ورد قوله في \"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٨٦ من غير عزو.","vol":"22","page":142},{"text":"وقال مقاتل (١): لم تبق منهم أحدًا (٢). (وذكر الفراء القولين (٣) (٤».\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4648>٨ </span>- قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ﴾ أي ومن كان قبله من الأمم الكافرة التي كفرت كما كفر هو (٥).\nو\"من\" لفظه عَام، ومعناه خاص في الكفار دون المؤمنين (٦). وقُرئ: ﴿وَمَنْ قَبْلَهُ﴾ بكسر (٧) القاف وفتح الباء (٨).\nقال سيبويه: (قِبَل) لِما وَلِيَ الشيءَ، تقول: \"ذهب قِبَلَ السوق\" و\"لي قِبَلَك حق\" أي فيما يَلِيك، واتَّسَع حتى صَار بمنزلة: \"لي عليك\" (٩).\nومعنى: ﴿وَمَنْ قَبْلَهُ﴾ أي من يتبعه، وَيحُفُّ به من جنوده وأتباعه،\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ٢٠٦/ ب.\n(٢) في كلا النسختين (أحد)، والصواب (أحدًا) لأنها مفعول به.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ١٨٠.\n(٤) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٥) بياض في (ع).\n(٦) هذا القول حجة لمن قرأ قَبْلَه بفتح القاف وسكون الباء، وهي قراءة ابن كثير، ونافع، وعاصم، وابن عامر، وحمزة، وخلف، وأبو جعفر. انظر: \"كتاب السبعة في القراءات\" لابن مجاهد ٦٤٨، و\"القراءات وعلل النحويين فيها\" للأزهري ٢/ ٧٠٩، و\"الحجة للقراء السبعة\" لأبي علي ٦/ ٣١٤، و\"إعراب القراءات\" لابن خالويه ٢/ ٣٨٥، و\"المبسوط في القراءات العشر\" للأصبهاني ٣٧٩، و\"التبصرة\" لمكي ٨٠٦، و\"الكشف عن وجوه القراءات\" لمكي بن أبي طالب ٢/ ٣٣٣.\n(٧) في (أ): انكسر.\n(٨) وممن قرأ بذلك أبو عمرو، والكسائي، ويعقوب، وأبان عن عاصم. انظر المراجع السابقة.\n(٩) \"كتاب سيبويه\"، لأبي بشر عَمْرو بن قنبر ٤/ ٢٣٢، نقله عنه أبو علي الفارسي بتصرف يسير. انظر: \"الحجة\" ٦/ ٣١٤.","vol":"22","page":143},{"text":"ويؤكد هذه القراءة مَا روي أن في حرف أُبَيٍّ: \"ومَن معه\". (١) وأكثر قول المفسرين على هذه القراءة (٢).\nقال ابن عباس: يريد جمعه وجنوده (٣).\nوقال الكلبي: يعني جنده (٤) (٥).\nوقال مقاتل: يعني ومن معه (٦).\nوقوله: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَاتُ﴾ قد تقدم تفسيرها (٧)، وهي -هَاهنا- يجوز أن تكون القُرى التي انقلبت بأهلها، فيكون على حذف المضاف.\n_________\n(١) من قوله أى ومن كان قبله من الأمم ... إلى هنا من \"الحجة\" ٦/ ٣١٤ بتصرف.\n(٢) ذكرت القراءتان عند الفراء، والطبري، والبغوى، وابن عطية، وابن الجوزي، والقرطبي من غير ترجيح بينهما. انظر: \"معاني القرآن\" ٣/ ١٨٠، و\"جامع البيان\" ٢٩/ ٥٢، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٨٦، المحرر والوجيز ٥/ ٣٥٧ - ٣٥٨، و\"زاد المسير\" ٨/ ٨٠، و\"القرطبي\" ١٨/ ٢٦١ - ٢٦٢.\n(٣) في (ع): وجنده. لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٤) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٥) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٦) \"تفسير مقاتل\" ٢٠٦/ ب.\n(٧) في سورة التوبة ٧٠ في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٧٠)﴾ ومما جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَاتُ﴾، قال المفسرون: يعني قريات قوم لوط، وهي جمع مؤتفكة، ومعنى الائتفاك في اللغة الانقلاب، وتلك القرى ائتفكت بأهلها، أي انقلبت فصار أعلاها أسفلها، والمؤتفكات معطوفة على مدين، يعني وأصحاب المؤتفكات. ويقال: أفكه فائتفك، أي: قلبه فانقلب.","vol":"22","page":144},{"text":"قال مقاتل: يعني قرى (قوم) (١) لوط (٢).\nويجوز أن تكون المؤتفكات الذين أهلكوا من قوم لوط؛ على معنى: والجماعات والأمم والفرق المؤتفكات (٣).\nقال ابن عباس: يريد قوم لوط (٤).\nقال الفراء: (هم الذين ائتفكوا بخطئهم) (٥). ونحو هذا قال أبو إسحاق (٦). فجعلوا المؤتفكات القوم الذين أهلكُوا.\nوقوله: ﴿بِالْخَاطِئَةِ﴾ قال عطاء: يريد الخطايا التي كانوا يفعلونها (٧).\n_________\n(١) ساقط من (ع).\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ٢٠٦/ ب. وقد ورد عن قتادة بمثل قوله في \"جامع البيان\" ٢٩/ ٥٣، كما ورد القول من غير نسبة في \"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٨٦، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٣٥٨، و\"زاد المسير\" ٨/ ٨٠.\n(٣) ومعنى لفظ ﴿وَالْمُؤْتَفِكَاتُ﴾ كما جاء عند ابن فارس، قال: الهمزة والفاء والكاف أصل واحد يدل على قلب الشيء وصَرْفه عن جهته ... والمؤتفكات الرياح التي تختلف مَهابُّها. \"معجم مقاييس اللغة\" ١/ ١١٨، مادة (أفك).\nوجاء في التهذيب واللسان الائتِفاك عند أهل العربية الانقلاب، كقريات قوم لوط التي ائتفكت بأهلها أي انقلبت. \"تهذيب اللغة\" ١/ ٣٩٦، مادة (أفك)، و\"لسان العرب\" ١/ ٣٩١ مادة: (أفك).\n(٤) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٥) \"معاني القرآن\" ٣/ ١٨٠ بنصه.\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢١٥. وعبارته \"الذين ائتفكوا بذنوبهم، أي أهلكوا بذنوبهم التي أعظمها الإفك .. ثم قال: وكذلك الذين ائتفكت بهم الأرض، أي خُسِفَ بهم، إنما معناه انقلبت بهم كما يقلب بهم الكذاب الحق إلى الباطل.\n(٧) لم أعثر على مصدر لقوله. وقد ورد عند الطبري، والقرطبي بمثل قول مجاهد. انظر: \"جامع البيان\" ٢٩/ ٥٣، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٨/ ٣٦٢.","vol":"22","page":145},{"text":"وقال الكلبي: يعني بالشرك (١).\nوقال مقاتل: يعني بالكفر (٢).\nقال الزجاج: (بالخطأ العظيم) (٣). وهو قول الفراء (٤)، والكسائي (٥). فالخاطئة: مصدر كالخطأ والخطيئة، وهي الكفر والتكذيب. يدل عليه قوله: ﴿فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ﴾. قال الكلبي: يعني موسى بن عمران (٦).\nوقال مقاتل: يعني لوطًا (٧).\nفذهب الكلبي بقوله: ﴿عَصَوْا﴾ إلى فرعون وقومه، وذهب مقاتل إلى المؤتفكات، والوجه أن يقال: المراد بـ\"الرسول\" كلاهما للخبر عن\n_________\n(١) لم أعثر على مصدر لقوله، وقد ورد بمثل قوله عند البغوي من غير عزو. انظر: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٨٦.\n(٢) لم أعثر على مصدر لقوله، وقد ورد بمثله عند الثعلبي من غير عزو. انظر: \"الكشف والبيان\" جـ١٢، ١٧٦/ أ.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢١٥ بنصه.\n(٤) لم أجد قوله في المعاني، وإنما وجدت معناه في التهذيب، والعبارة عنده قال الفراء يُصْرف عن الإيمان من صُرِف، كما قال: ﴿أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا﴾ [الأحقاف: ٣٢]، يقول: لتصرفنا وتصدنا. \"تهذيب اللغة\" ١٠/ ٣٩٥ مادة (أفك)، وانظر: \"لسان العرب\" ١/ ٣٩١ مادة (أفك).\n(٥) ورد معنى قوله في المرجعين السابقين، والعبارة عنه أبو عبيد عن الكسائي تقول العرب يالِلأفيكة، ويا لَلأفيكة، بكسر اللام وفتحها، فمن فتح اللام فهي لامُ الاستغاثة، ومن كسرها فهي تعجب، كأنه قال: يا أيها الرجل، اعجب لهذه الأفيكة، وهي الكِذبة العظيمة.\n(٦) ورد قوله في \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٣٥٨، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٨/ ٣٦٢.\n(٧) ورد القول في \"تفسير مقاتل\" ٢٠٦/ ب، وفي \"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٨٦ من غير عزو، وعزاه ابن عطية إلى بعضهم في \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٣٥٨.","vol":"22","page":146},{"text":"الأمتين بعد ذكرهما بقوله: ﴿فَعَصَوْا﴾ (١)، فيكون كقوله: ﴿إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٢).\nقوله تعالى: ﴿فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً﴾ قال المفسرون: نامية، عالية، (غالبة) (٣)، شديدة، زائدة على عذاب الأمم، كل هذا من ألفاظهم (٤) (٥).\n_________\n(١) بياض في (ع).\n(٢) سورة الشعراء ١٦. والآية بتمامها، قال تعالى: ﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦)﴾، وقد نقل الفخر عن الواحدي قوله. انظر: \"التفسير الكبير\" ٣٠/ ١٠٦. قال ابن عاشور: وضمير ﴿عَصَواْ﴾ يجوز أن يرجع إلى \"فرعون\" باعتباره رأس قومه، فالضمير عائد إليه وإلى قومه، ويكون المراد بـ ﴿رَسُولَ رَبِّهِمْ﴾ موسى ﵇، وتعريفه بالإضافة لما في لفظ المضاف إليه من الإشارة إلى تخطئتهم في عبادة فرعون. ويجوز أن يرجع ضمير ﴿عَصَوْا﴾ إلى ﴿فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكَاتُ﴾، و﴿رَسُولَ رَبِّهِمْ﴾ هو الرسول المرسل إلى كل قوم من هؤلاء، فإفراد \"رسول\" مراد به التوزيع على الجماعات، أي رسول الله لكل جماعة منهم، والقرينة ظاهرة، وهو أجمل نظمًا من أن يقال: فعصوا رسل ربهم، لما في إفراد \"رسول\" من التفنن في صيغ الكلم من جمع وإفراد؛ تفاديًا من تتابع ثلاثة جموع؛ لأن صيغ الجمع لا تخلو من ثقل لقلة استعمالها. \"تفسير التحرير والتنوير\" ٢٩/ ١٢١ - ١٢٢.\n(٣) غالبة ساقطة من (أ).\n(٤) بياض في (ع).\n(٥) قال ابن زيد: شديدة. وقال ابن عباس: أخذة شديدة.\nوقال ابن زيد، كما يكون في الخير رابية، كذلك يكون في الشر رابية، قال: ربا عليهم، زاد عليهم. انظر: \"جامع البيان\" ٢٩/ ٥٣.\nوقال الفراء: أخذة زائدة.\"معاني القرآن\" ٣/ ١٨١.\nوقال أبو عبيدة: نامية زائدة شديدة من الربا. \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٦٧.\nوقال اليزبدي: نامية زائدة من الربا. \"غريب القرآن وتفسيره\" ٣٨٧.\nوقال ابن قتيبة: عالية مذكورة. \"تفسير غريب القرآن\" ٤٨٤.\nوقال الثعلبي: نامية عالية غالبة. \"الكشف والبيان\" جـ١٢، ١٧٦/ أ.\nوعن السدي قال: مهلكة. \"النكت\" ٦/ ٧٩.","vol":"22","page":147},{"text":"قال المبرد: أي شديدة، وكبيرة، وأصله من الزيادة (١).\nوقال الزجاج: معنى رأبية: تزيد على الأحْداث (٢).\nوقال صاحب النظم: بالغة في الشدة، يقال: ربا الشيء يربُو: إذا زاد وتضاعف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4649>١١ </span>- قوله: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ﴾ قال الكلبي عن ابن عباس: يعني: زمن نوح طغى الماء على خزانه، وكثر عليهم، فلم يدروا كم خرج، وليس من السماء قطرة قبله ولا بعده إلا بكيل معلوم غير ذلك اليوم (٣).\nفذهب -هاهنا- كما ذكر في قوله: ﴿عَاتِيَةٍ﴾.\nوروي عن سعيد بن جبير أنه قال: غضب الماء لغضب (٤) الرب، وطغى على الخزان (٥).\nوسائر المفسرين قالوا في: ﴿طَغَى الْمَاءُ﴾ تجاوز حده، وخرج عن\n_________\n(١) لم أعثر على قوله.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢١٥ بنصه.\n(٣) ورد قوله في \"النكت والعيون\" ٦/ ٧٩، وأورده الفخر عن الكلبي في \"التفسير الكبير\" ٣٠/ ١٠٣.\n(٤) في (أ): بغضب.\n(٥) \"جامع البيان\" ٣٠/ ٥٤، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٢٦٧، وعزاه إلى ابن المنذر، وأبي الشيخ. وانظر: \"تفسير سعيد بن جبير\" تحقيق إبراهيم النجار ٣٥٢. والرواية عند الطبري على النحو الآتي عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ (١١)﴾ قال: لم تنزل من السماء قطرة إلا بعلم الخزَّان، إلا حيث طغى الماء، فإنه قد غضب لغضب الله فطغى على الخزان، خرج ما لا يعلمون ما هو.\nوالرواية عن سعبد بن جبير مرسلة ضعيفة السند لوجود ابن حميد، قال عنه الحافظ ابن حجر: ضعيف \"التقريب\" ٢/ ١٥٦ - ١٥٩.","vol":"22","page":148},{"text":"(الحد حتى علا كل شيء، وارتفع فوقه بخمسة عشر ذراعًا. (١) وهو قول: قتادة (٢)، ومقاتل (٣).\nوقوله: ﴿حَمَلْنَاكُمْ﴾ أي حملنا آباءكم) (٤) وأنتم في أصلابهم، والذين خوطبوا بهذا (٥) ولد الذين حملوا، وهذا كقوله: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [يس: ٤١] (٦) الآية (٧). وهذا معنى قول مقاتل (٨)، والكلبي (٩).\nوقوله: ﴿فِي الْجَارِيَةِ﴾ يعني في السفينة التي تجري في الماء، وهي سفينة نوح ﵇، و\"الجارية\" من أسماء السفينة (١٠)، ومنه قوله: ﴿وَلَهُ الْجَوَارِ﴾\n_________\n(١) الذراع: اليد من كل حيوان، لكنها في الإنسان من المرفق إلى أطراف الأصابع. \"المصباح المنير\" ١/ ٢٤٦، مادة (ذرع). وانظر \"مختار الصحاح\" ٢٢١ (ذرع).\n(٢) ورد قوله في \"تفسير مقاتل\" ٢٠٧/ أ، و\"تفسير القرآن\" لعبد الرزاق ٢/ ٣١٢، و\"جامع البيان\" ٢٩/ ٥٤، و\"الكشف والبيان\" ١٢/ ١٧٦/ أ، و\"القرطبي\" ١٨/ ٢٦٣، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٢٦٧، وعزاه إلى عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن المنذر.\n(٣) لم أعثر على مصدر لقوله، وقد ورد مثل قوله من غير نسبة في \"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٨٧، و\"زاد المسير\" ٨/ ٨١.\n(٤) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٥) في (ع): هذا.\n(٦) وردت في النسختين ذرياتهم.\n(٧) الآية ساقطة من (أ).\n(٨) \"تفسير مقاتل\" ٢٠٧/ أ.\n(٩) لم أعثر على مصدر لقوله.\nوقد ورد عند الطبري بنحو هذا القول من غير عزو؛ مذكور بصيغة التضعيف قيل. انظر: \"جامع البيان\" ٢٩/ ٥٥.\n(١٠) وهو قول ابن عباس، وابن زيد أيضًا. \"جامع البيان\" ٢٩/ ٥٤. قال ابن عاشور و\"الجارية\" صفة لمحذوف، وهو السفينة، وقد شاع هذا الوصف حتى صار بمنزلة الاسم. \"تفسير التحرير والتنوير\" ٢٩/ ١٢٣.","vol":"22","page":149},{"text":"[الرحمن: ٢٤]، وقد مر (١).\nقوله: ﴿لِنَجْعَلَهَا﴾ قال الفراء: النجعل السفينة لكم تذكرة وعظة) (٢)، وليس هذا بالوجه، والوجه ما قال أبو إسحاق: لنجعل تلك الفعلة من إغراق قوم نوح، ونجاة من آمن معه تذكرة لكم (٣)، أي عبرة وموعظة.\nويدل على صحة هذا الوجه قوله: ﴿وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾.\nقال ابن عباس: تحفظها، وتسمعها أذن حَافظةٌ لما جاء من عند الله (٤). والسفينة لا توصف بهذا.\n(ويقال لكل شيء حفظته في نفسك: قدْ وَعَيْتُهُ، ووعيت العِلمَ، وَوَعَيْتُ ما قلت، ويقال لكل ما حفظته في غير نفسك: أوْعَيْتُهُ، يقال: أوعيت المتاعَ في الوعاء (٥).\n_________\n(١) قوله تعالى: ﴿وَلَهُ الْجَوَارِ﴾ يعني السفن، واحدتها جارية، كقوله: ﴿حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾.\n(٢) \"معاني القرآن\" ٣/ ١٨١ بنصه.\n(٣) انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢١٥، نقله عنه الواحدي بتصرف.\n(٤) \"جامع البيان\" ٢٩/ ٥٥ بمعناه. قال: حافظف وانظر: \"النكت\" ٦/ ٨٠. وقال أيضًا سامعة، وذلك الإعلان.\nوعن قتادة بنحوه، قال أذن عقلت عن الله فانتفعت بما سمعت من كتاب الله. المرجع نفسه. وعن الضحاك أيضًا بمعناه، وعن ابن زيد. انظر المرجع نفسه. قال ابن عاشور: والوعي: العلم بالمسموعات، أي ولتعلم خبرها أذن موصوفة بالوعي، أي من شأنها أن تعي. وهذا تعريض بالمشركين إذ لم يتعظوا بخبر الطوفان، والسفينة التي نجا بها المؤمنون، فتلقوه كما يتلقون القصص الفكاهية. \"تفسير التحرير والتنوير\" ٢٩/ ١٢٣.\n(٥) انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢١٥ - ٢١٦ نقله الواحدي عن الزجاج بتصرف. وراجع مادة: (وعى) في \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٣٥٩ - ٣٦٠، و\"معجم مقاييس اللغة\" ٦/ ١٢٤، و\"لسان العرب\" ١٥/ ٣٩٦","vol":"22","page":150},{"text":"ومنه قول الشاعر (١):\nوَالشَّرُّ أخْبَثُ مَا أوْعَيْتَ مِنْ زَادِ (٢)\nوقال أبو عِمْران الجوني (٣): ﴿أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ أذن عقلت (٤) عن الله (٥).\nوقال قتادة: أذن سمعت، وعقلت ما سمعت (٦)، وأوعت (٧).\nقال الفراء: لتحفظها كل أذن (٨)، فتكون عظة لمن يأتي بَعْدُ (٩).\nوقال أبو إسحاق: (معناه: ليحفظ السَّامعُ ما يَسْمع، ويعمل به) (١٠).\nفمعنى واعية: سامعة حافظة قابلة لما يجعل فيها، وذلك بأن تعتبر،\n_________\n(١) هو: عَبِيدُ بن الأبْرَص بن جُشم بن عامر.\n(٢) وصد ره:\nالخَيْرُ يَبْقَى وإنْ طالَ الزَّمانُ بِهِ\nوقد ورد في \"ديوانه\" ١٥، دار صادر، كما ورد منسوبًا له في \"الصحاح\" للجوهري ٦/ ٢٥٢٥، (وعى)، و\"لسان العرب\" ١٥/ ٣٩٧، و\"تاج العروس\" للزبيدي ١٠/ ٣٩٣، وورد غير منسوب في \"معجم مقاييس اللغة\" ٦/ ١٢٤، و\"الكامل\" للمبرد ١/ ١٤٣، و\"معاني القرآن\" للأخفش ٢/ ٧١٣.\n(٣) في (أ): الحولاني.\n(٤) غير مقروءة في (ع).\n(٥) ورد قوله في \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٣٥٨.\n(٦) بياض في (ع).\n(٧) في (أ): وأودعت. وورد قوله هذا في \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٣١٣، و\"جامع البيان\" ٢٩/ ٥٥ بنحوه، و\"النكت\" ٦/ ٨٠، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٨٧ بنحوه، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٨/ ٣٦٣ - ٣٦٤ بمعناه، و\"البحر المحيط\" ٨/ ٣٢٢، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٢٦٨، وعزاه إلى عبد الرزاق، وعبد بن حميد.\n(٨) بياض في (ع).\n(٩) \"معاني القرآن\" ٣/ ١٨١ بنصه.\n(١٠) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢١٥ بنصه.","vol":"22","page":151},{"text":"وتعمل بالموعظة، والمعنى لصاحب الأذن.\nقال أهل المعاني: ووجه التذكير في هذا أن نجاة قوم نوح من الغرق بالسفينة، وتغريق مَنْ سواهم يقتضي مدبرًا (١) قادرًا على ما شاء (٢). وقراءة العامة: ﴿وَتَعِيَهَا﴾ بكسر العين (٣).\nوروي عن ابن كثير: (وتَعْيَها) ساكنة العين (٤)، كأن حرف المضارعة (٥) مع مَا بَعْدَهُ بمنزلة (فَخْذٍ) فأسْكن كما يُسكن (كتِف) ونحوه؛ لأن حروف المضارعة لا تنفصل من الفعل، فأشبه ما هو من نفس الكلمة، وصار كقول من قال: وَهْوَ، وَهْيَ. ومثل ذلك قوله: ﴿وَيَتَّقْهِ﴾ [النور: ٥٢] في قراءة من سكن القاف (٦)، وقد سبق الكلام في نحو هذا (٧).\n_________\n(١) في (أ): مدرًا.\n(٢) لم أعثر على مصدر لقولهم.\n(٣) وهم: نافع المدني، وابن كثير المكي، وأبو عمرو بن العلاء، وابن عامر الدمشقي، وعاصم بن أبي النجود الكوفي، وحمزة بن حبيب الزيات، وأبو الحسن علي بن حمزة الكسائي، وأبو جعفر يزيد بن القعقاع، ويعقوب الحضرمي، وخلف ابن هشام البزاز. انظر كتاب: \"السبعة\" لابن مجاهد: ٦٤٨، و\"الحجة\" ٦/ ٣١٦، و\"المبسوط في القراءات العشر\" للأصبهاني ٣٧٩، و\"تحبير التيسير في قراءة الأئمة العشرة\" لابن الجزري ١٩٢.\n(٤) وهي رواية القواس عن ابن كثير. انظر: \"الحجة\" ٦/ ١٣٥، كتاب السبعة ٦٤٨، و\"المبسوط\" ٣٧٩. وقال ابن الجزري في قراءة: ﴿وَتَعِيَهَا﴾ وجاء عن ابن كثير وعاصم وحمزة في ذلك ما لا يصح. قلت: وهذا رأي لابن الجزري لا يعارض بما أثبت في كتاب \"الحجة\" من صحة القراءة، والله أعلم. انظر: \"تحبير التيسير\" ١٩٢، و\"مختصر في شواذ القرآن\" لابن خالويه ١٦١.\n(٥) بياض في (ع).\n(٦) انظر: \"الحجة\": ٦/ ٣١٦ بتصرف، وانظر: \"التفسير الكبير\" ٣٠/ ١٠٧.\n(٧) ومما جاء في قراءة: ﴿وَيَتَّقْهِ﴾ بسكون القاف، وكسر الهاء مختلسة، وهي قراءة =","vol":"22","page":152},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4650>١٣ </span>- قوله تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣)﴾. قال عطاء عن ابن عباس: يريد النفخة الأولى (١). وقال الكلبي: هي النفخة الآخرة (٢). وهو قول مقاتل (٣)، وقال: (نفخة واحدة) يعني لا تُثَنَّى (٤).\nقال الأخفش: الفعل (٥) وقع على النفخة إذ لم يكن قبلها (٦) اسم مرفوع (٧)، قال: ويجوز (نفخة واحدة) على المصدرة حكي ذلك عن بعضهم ثم قال: فإما أن (٨) يكون أضمر، وإما أن يكون أخبر عن الفعل خاصة (٩) هذا كلامه. وبيان هذا أن (نفخة) رفع على ما لم يسم (١٠) فاعله. وقوله: إذ لم يكن قبلها اسم مرفوع يريد أن الفعل لم يقع على شيء يرفعه\n_________\n= حفص عن عاصم، ووجهه: أن تقه من يتقه بمنزلة: \"كتف\" فكما يسكن \"كتف\" كذلك سكن القاف من يقه. وقال ابن الأنباري: هذا على لغة من يسقط الياء، ويسكن الحرف الذي قبلها في باب الجزم، فيقول: لم أرَ زيدًا،ولم أشرِ طعامًا، ولم يتقِ زيدًا، وهو من التوهم، والتقدير: لما ذهبت الياء استوثقوا من الجزم بتسكين ما قبل الياء.\n(١) ورد منسوبًا إلى عطاء فقط في \"زاد المسير\" ٨/ ٨٢، و\"فتح القدير\" ٥/ ٢٨١. ومنسوبًا إلى ابن عباس من غير ذكر طريق عطاء في \"الجامع\" للقرطبي ١٨/ ٢٦٤.\n(٢) \"فتح القدير\" ٥/ ٢٨١.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ٢٠٧/ أ، و\"زاد المسير\" ٨/ ٨٢، و\"فتح القدير\" ٥/ ٢٨١.\n(٤) هذا القول من مقاتل قد ورد بمثله غير منسوب في \"القرطبي\" ١٨/ ٢٦٤.\n(٥) في (أ): القول.\n(٦) في (أ): فيها.\n(٧) \"معاني القرآن\" ٢/ ٧١٣ بنصه.\n(٨) غير مقروءة في (ع).\n(٩) لم أجد تتمة كلامه في كتابه \"المعاني\"، ولا في غيره من المصادر التي بين يدي.\n(١٠) عبارة: (ما لم يسم فاعله) من اصطلاحات الكوفيين، ويقابلها عند البصريين: (المبني للمجهول). انظر: \"نحو القراء الكوفيين\" ٣٤٦.","vol":"22","page":153},{"text":"في الظاهر، فوقع على النفخة.\nقوله: ﴿فِي الصُّورِ﴾ على لفظ الخفض (١)، فالتقدير: نفخ نفخة واحدة في الصور، وأما من قال: (نفخة) بالنصب أضمر مفعول (نفخ) ونصب (نفخة) على المصدر، أو اقتصر على الإخبار عن الفعل، كما تقول: (ضرب ضربًا) (٢) هذا معنى كلامه.\nوقال أبو إسحاق: النصب جائز على أن قولك: (في الصور) يقوم مقام ما لم يُسمَّ فاعله؛ لأن المعنى: نفخ الصور نفخة، وإنما ذكَّر نفخ، لأن تأنيث نفخة ليس بحقيقي، لأن النفخة والنفخ واحد (٣).\nقوله: ﴿وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ﴾ قال مقاتل: رفعت من أماكنها (٤)، ﴿فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً﴾: قال ابن عباس: فُتَّتَا فَتة (٥) واحدة (٦) (٧).\n_________\n(١) في (أ): الحافظ، ويراد بالخفض الجر، والخفض اصطلاح كوفي. انظر: \"نحو القراء\" ٣٤٨.\n(٢) لم أعثر على مصدر لهذا القول، ولا على قائله.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢١٦ باختصار.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ٢٠٧/ أ. وقد ورد بمثله من غير نسبة في \"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٨٧، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٨/ ٢٦٤، و\"فتح القدير\" ٥/ ٣٨١ بمعناه.\n(٥) قال الليث: الفَتُّ أن تأخذ الشيء بأصبعك فتصيره فُتاتًا، أي دقاقًا. \"تهذيب اللغة\" ١٤/ ٢٥٦، (فتت). وقال ابن فارس: الفاء والتاء كلمة تدل على تكسير شيء ورفْتِه. \"معجم مقاييس اللغة\" ٤/ ٤٣٦، (فت).\n(٦) بياض في (ع) ..\n(٧) لم أعثر على مصدر لقوله، وقد ورد بمثله من غير نسبة في \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٨/ ٢٦٤، و\"لباب التأويل\" ٤/ ٣٠٤.","vol":"22","page":154},{"text":"وقال مقاتل: كسرتا كسرة واحدة، لا شيء حتى يستوي ما عليها (١) من شئ مثل الأديم (٢) الممدود (٣). وذكرنا (٤) تفسير (الدك) عند قوله: ﴿جَعَلَهُ دكَآءَ﴾ [الكهف: ٩٨] ولا يجوز في (دكة) هاهنا إلا النصب؛ لارتفاع الضمير في (دكتا).\nقال الفراء: ولم يقل: فدككن؛ لأنه جعل الجبال كالواحد (٥)، والأرض كالواحدة، كما قال: ﴿أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا﴾ [الأنبياء: ٣٠]، ولم يقل: كُنَّ (٦).\nقوله تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (١٥)﴾. قال الكلبي: قامت القيامة (٧).\n﴿وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ﴾ لنزول من فيها من الملائكة؛ قاله مقاتل (٨).\n﴿فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ﴾ قال الليث: يقال: وَهَى الثوبُ والقِرْبةُ والْحَبْلُ ونحوه إذا تَفَزَّرَ واسترْخَى (٩).\n_________\n(١) بياض في (ع).\n(٢) الأديم: جمع الأَدَم، وأديم كل شيء: ظاهر جلده، وأدَمة الأرض: وجهها. وقال ابن منظور: الأديم: الجلد ما كان. وقيل: هو المدبوغ. والأدمة: باطن الجلد الذي يلي اللحم، والبشرة ظاهرها. انظر (أدم) في: \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٢١٥، و\"معجم مقاييس اللغة\" ١/ ٧٢، و\"الصحاح\" ٥/ ١٨٥٩، و\"لسان العرب\" ٩/ ١٢.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ٢٠٧/ أ. وقد ورد غير منسوب في \"زاد المسير\" ٨/ ٨٢.\n(٤) بياض في (ع).\n(٥) في (ع): (كالواحدة).\n(٦) انظر: \"معاني القرآن\" ٣/ ١٨١ نقله الواحدي عنه باختصار.\n(٧) لم أعثر على مصدر لقوله، وقد ورد بنحوه غير منسوب في \"الجامع\" ١٨/ ٣٦٥.\n(٨) لم أعثر على مصدر لقوله، وقد ورد بنحوه غير منسوب في المصدر السابق.\n(٩) \"تهذيب اللغة\" ٦/ ٤٨٨، مادة: (وهي) بتصرف.","vol":"22","page":155},{"text":"وقال الكسائي: وَهَى يَهي وَهْيًا ووهِيًّا (١).\nقال أبو إسحاق: (يقال لكل ما ضعف جدًا: قد وَهَى، فهو واهٍ) (٢). قال الفراء: (وَهْيُها: تشقُّقها) (٣).\nقوله تعالى: ﴿وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا﴾ معنى الأرجاء في اللغة: النواحي، يقال: رَجًا ورَجَوان، والجميع: أرجاء، ويقال ذلك لحرف (٤) البئر، وحرف القبر، وما أشبه ذلك (٥). وأنشد (أبو عبيد (٦) لعَبِيد) بن الأبرص (٧):\nرِيشُ الحَمَامِ على أرْجَائِهِ ... لِلْقَلْب مِنْ خَوْفِهِ وَجِيبُ (٨)\nوالمفسرون يقولون: على حَافَاتِها (٩) وأطرافها ونواحيها وأقطارها (١٠). كل هذا من ألفاظهم.\n_________\n(١) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢١٦ بنصه.\n(٣) \"معاني القرآن\" ٣/ ١٨١ بنصه.\n(٤) بياض في (ع).\n(٥) انظر المعنى اللغوي للأرجاء في \"تهذيب اللغة\" ١١/ ١٨٣، مادة: (رجا)، و\"معجم مقاييس اللغة\" ٢/ ٤٩٥، مادة (رجي)، و\"لسان العرب\" ١/ ٨٣، مادة: (رجا). ومن قوله: (ويقال ذلك لحرف البئر إلى: ما أشبه ذلك) ورد بنصه عند السجستاني في \"نزهة القلوب في تفسير القرآن العزيز\" ١٠٦.\n(٦) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٧) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٨) البيت في \"ديوانه\" ٢٧، طبعة دار صادر. والأرجاء: الواحد رجا: الناحية. الوجيب: الخفقان. \"ديوانه\" ٢٧.\n(٩) في (أ): (حافتها).\n(١٠) قال ابن عباس في معنى الآية: والملك على حافات السماء حين تشقق. وعن مجاهد قال: أطرافها. وعن سعيد بن جبير قال: على حافات السماء. وعن الضحاك أنه قال: حافاتها. ومثله قال قتادة، وعن قتادة أيضًا: أقطارها، وعنه =","vol":"22","page":156},{"text":"واختلفوا أن المراد بالأرجاء: أرجاء الأرض، أم السماء؟ فقال الكلبي: يقول: على حروفها وأطراف الأرض (١).\nوقال سعيد بن جبير: على أرجائها ما لم تنشق (٢) منها (٣).\nوروي عن ابن عباس: على ما لمْ يَهِ منها (٤). وهذا يدل على أن الملك على أرجاء السماء.\nوروى (جُوَيْبِر (٥) عن الضحاك قال: إذا كان يوم القيامة أمر الله السماء الدنيا فتشققت، وتكون الملائكة (٦) على أرجائها حين يأمرهم الرب، فينزلون إلى الأرض، فيحيطون بالأرض ومن عليها. وهذا جامع للقولين (٧).\n_________\n= أيضًا: نواحيها. وبهذا قال سفيان. وعن ابن المسيب: الأرجاء: حافات السماء. انظر أقوالهم في \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٣١٣، و\"جامع البيان\" ٢٩/ ٥٧ - ٥٨، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٨٧، و\"زاد المسير\" ٨/ ٨٢، و\"لباب التأويل\" ٤/ ٣٠٤، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٤٤١، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٢٦٩. وقال اليزيدي: جوانبها. \"غريب القرآن وتفسيره\" ٣٨٧. وعن ابن قتيبة: نواحيها. \"تفسير غريب القرآن\" ٤٨٤. وعن مكي بن أبي طالب: على جوانبها. \"تفسير المشكل من غريب القرآن\" ٣٥٢.\n(١) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٢) في (أ): تشق.\n(٣) \"جامع البيان\" ٢٩/ ٨٥ بمعناه، قال: \"على حافات السماء\"، وكذا في \"الدر المنثور\" ٨/ ٢٦٩. وعزاه إلى عبد بن حميد، وعنه: أرجاء الدنيا. \"النكت\" ٦/ ٨١، و\"زاد المسير\" ٨/ ٣٥٠، وانظر: \"تفسير\" سعيد ٣٥٣.\n(٤) \"جامع البيان\" ٢٩/ ٥٨ من طريق عطاء عن سعيد بن جبير عن ابن عباس. \"الدر المنثور\" ٨/ ٢٦٩، وعزاه إلى الفريابي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.\n(٥) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٦) في (أ): يكون الملك.\n(٧) \"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٨٧، من غير ذكر طريق جويبر.","vol":"22","page":157},{"text":"قوله تعالى: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ﴾. قال مقاتل: يعني فوق رؤوسهم (١)، كأنه يعني فوق رؤوس الحَمَلة.\nقوله: ﴿يَوْمئِذٍ﴾. يعني: يوم القيامة. ﴿ثَمَانِيَةٌ﴾ روي عن العباس ﵁ قال: (ثمانية أملاك على صور الأوعَال (٢» (٣).\nوروي أيضًا عنه في حديث مرفوع \"أن فوق السماء (٤) السابعة ثمانية أوعال، بين أظلافهن ورُكَبِهِنَّ مثل ما بين سماء إلى سماء، وفوق ظُهُورِهِنَّ\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ٢٠٧/ أ، و\"زاد المسير\" ٨/ ٨٢ بنحوه، وانظر: \"لباب التأويل\" ٤/ ٣٠٤.\n(٢) أوعال: جمع وعل، وهو العنز الوحشي، ويقال له: تيس شاه الجبل، والمراد ملائكة على صورة الأوعال. انظر: \"عون المعبود شرح سنن أبي داود\" للعظيم آبادي ١٣/ ٨ باب: الجهمية، كتاب: السنة، و\"تحفة الأحوذي\" للمُباركفوري: ٩/ ١٦٥: ح: ٣٥٤٠، و\"أبواب التفسير\"، سورة الحاقة.\n(٣) \"النكت\" ٦/ ٨١، وأخرجه عبد بن حميد، وعثمان بن سعيد الدارمي في \"الرد على الجهمية\"، وأبو يعلى، وابن المنذر، وابن خزيمة، وابن مردويه، والحاكم وصححه، والخطيب في \"تالي التلخيص\" عن العباس. انظر: \"الدر المنثور\" ٨/ ٢٦٩. قلت: وعزاه السيوطي إليه، فهو من المرفوع عنه. وانظر: \"المستدرك\" ٢/ ٥٠٠ في التفسير، باب تفسير سورة الحاقة، وزاد: \"بين أظلافهم إلى ركبهم مسيرة ثلاث وستين سنة\". قال الحاكم: صحيح، ووافقه الذهبي. وأخرجه الدارمي في \"الرد على الجهمية\" ٤٢ ح ٧٢، والآجري في \"الشريعة\" ٢٦٣، ٢٩٢ من طريقين: عن سماك، واللالكائي في \"شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة\" ٣/ ٣٨٩ - ٣٩٠ ح ٦٥٠ - ٦٥١، والبيهقي في \"الأسماء والصفات\" ٢/ ١٤٢، وابن عبد البر في \"التمهيد\" ٧/ ١٤٠، وابن قدامة في \"إثبات صفة العلو\" ٩٥. وانظر: \"شرح العقيدة الطحاوية\" لابن أبي العز، ٢٤٦.\n(٤) بياض في (ع).","vol":"22","page":158},{"text":"العرشُ\" (١).\nوقال عطاء عن ميسرة (٢):\n_________\n(١) أخرجه أبو داود ٢/ ٥٨٢، كتاب السنة: باب في الجهمية، أخرجه من ثلاث طرق عن سماك، عن عبد الله بن عميرة، عن الأحنف بن قيس، عن العباس بن عبد المطلب مرفوعًا بمعناه. ومما جاء فيه: (ثم فوق السابعة بحر بين أسفله وأعلاه مثل ما بين السماء إلى سماء، ثم فوق ذلك ثمانية أوعال بين أظلافهم ورُكَبِهِم مثل ما بين سماء إلى سماء، ثم على ظهورهم العرش). وأخرجه الترمذي أيضًا من حديث طويل ٥/ ٤٢٥ ح ٣٣٢٠، وقال عنه: حديث حسن غريب. وابن ماجه ١/ ٣٧ - ٣٨ ح ١٨١، باب: ١٣، المقدمة والإمام أحمد من طريقين عن العباس ١/ ٢٠٦ - ٢٠٧. وأخرجه ابن خزيمة في \"كتاب التوحيد\" ١٠٠ - ١٠٢، وابن أبي عاصم في \"السنة\" ٥٧٧، والذهبي في \"العلو\" ٥٧. وقد قوى المباركفوري طريقين من طرق الحديث. انظر: \"تحفة الأحوذي\" ٩/ ١٦٦. وضعف الشيخ الألباني طرق الحديث. انظر: \"ضعيف سنن أبي داود\": ٤٦٨ - ٤٦٩ ح ١٠١٤ - ١٠١٥ - ١٠١٦، باب: في الجهمية. \"ضعيف سنن الترمذي\" ٤٢٧ - ٤٢٨: ح: ٦٥٤، سورة الحاقة. \"ضعيف سنن ابن ماجه\" ١٤ ح ٣٤، باب: ١٣. \"ظلال الجنة في تخريج فقه السنة\" ح ٥٧٧. كما ضعفه محقق \"شرح أصول اعتقاد أهل السنة\" للالكائي ٣/ ٣٩١ هامش: ١، قال: مدار الحديث من جميع طرقه على عبد الله بن عميرة، قال فى البخاري: لا يعلم له سماع من الأحنف. [\"التاريخ الكبير\" ٥/ ١٠٩ ت: ٤٩٤]. وقال الذهبي: فيه جهالة. [\"ميزان الاعتدال\" ٢/ ٤٦٩: ت: ٤٤٩٢]، وأما ابن حبان فذكره في الثقات [٥/ ٤٢]. وقال محقق \"شرح الطحاوية\" ٢٤٧: وعبد الله بن عمير، وهو مجهول، لم يوثقه غير ابن حبان على عادته في توثيق المجاهيل.\nوأظلافهن: جمع: ظلف -بكسر الظاء المعجمة- للبقر والشاة والظبي بمنزلة الحافر للدابة، والخف للبعير. \"تحفة الأحوذي\" ٩/ ١٦٥.\n(٢) بياض في (ع). وميسرة: يراد به: ميسرة أبو صالح؛ مولى كِنْدة، كوفي، روى عنه عطاء بن السائب، ذكره ابن حبان في الثقات، وقال عنه ابن حجر: مقبول.\nأو يراد به ميسرة بن يعقوب، أبو جميلة، الطُّهوي، الكوفي، روى عنه عطاء بن السائب أيضًا، مقبول، وذكره ابن حبان فى الثقات، وقال عنه ابن حجر: مقبول من الثالثة. =","vol":"22","page":159},{"text":"(أرجلهم في تُخوم (١) الأرض السَّابعة يحملون العرش (٢)، ما منهم من أحد يرفع طرفه (٣). وقال عطاء (٤)، (والكلبي (٥) (٦): ثمانية أجزاء من عشرة أجزاء من الملائكة. ثم ذكر كثرة (٧) عدد الملائكة بما يطول ذكره. وقال مقاتل: ثمانية أجزاء من الكروبيين (٨)، لا يعلم كثرتهم (٩) إلا الله (١٠).\n_________\n= انظر: \"التاريخ الكبير\" ٧/ ٣٧٤ ت: ١٦٠٧ - ١٦٠٨، و\"الجرح والتعديل\" ٨/ ٢٥٢: ت: ١١٤٣، و١١٤٤، و\"تقريب التهذيب\" ٢/ ٢٩١: ت: ١٥٤٢ - ١٥٤٣.\n(١) تُخوم: مفرد تَخْم، وهو منتهى كل قرية أو أرض. \"لسان العرب\" ١٢/ ٦٤: (تخم).\n(٢) يراد بالعرش لغية: السرير الذي للمَلك، كما قال تعالى عن بلقيس: ﴿وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ [النمل: ٢٣]. انظر: \"شرح العقيدة الطحاوية\" لابن أبي العز: ٢٤٨، و\"العلو\" للذهبي ٥٧. والعرش من الأمور الغيبية التي يجب علينا الإيمان بها كما أخبر الله ورسوله. انظر: \"إثبات صفات العلو\" لابن قدامة، ٩٢ في الحاشية.\n(٣) \"جامع البيان\" ٢٩/ ٥٠ بنحوه، وفي إسناده ابن حميد، وهو ضعيف. وانظر: \"الدر المنثور\" ٨/ ٢٧٠ بنحوه، وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر. وانظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢١٦ من غير عزو.\n(٤) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٥) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٦) ما بين الفوسين ساقط من (أ).\n(٧) في (أ): كثرت.\n(٨) الكروبيون: هم المقربون، ويقال لكل حيوان وثيق المفاصل: إنه لمُكْرَب الخلق، إذا كان شديد القوى، والأول أشبه. انظر: \"النهاية في غريب الحديث والأثر\" لابن الأثير ١٦١، مادة: (كرب).\n(٩) بياض في (ع).\n(١٠) ورد قوله في \"تفسير مقاتل\" ٢٠٧/ أ، و\"زاد المسير\" ٨/ ٨٣، وبمعنى قوله عن ابن عباش. انظر: \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٤٤٢.","vol":"22","page":160},{"text":"وقال الكلبي أيضًا: وهو يروى عن ابن عباس (١)، قال: ثمانية صفوف من الملائكة (٢).\nوقال محمد بن إسحاق: بلغنا أن رسول الله -ﷺ- قال: \"هم اليوم أربعة، فإذا كان يوم القيامة أيدهم الله بأربعة أخرى (٣)، فكانوا ثمانية، وقد قال الله تعالى: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ \" (٤)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4651>١٨ </span>- قوله: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ﴾ قال مقاتل: تعرضون على الله لحسابكم، فلا يخفى منكم خافية (٥)، [وهو] (٦) معنى (٧) قول عطاء، عن ابن عباس: لا يخفى منكم على الله فعلة خافية، وخصلة خافية (٨)، ونحو ذلك ذكر الكلبي، فقال: يقول: لا تخفى على الله من أعمالكم شيء (٩)، ثم قال: ويقال: لا يخفى على الله أحد (١٠)، وهو معنى قول مقاتل: لا يخفى\n_________\n(١) بياض في (ع).\n(٢) \"جامع البيان\" ٢٩/ ٥٨، و\"الثعلبي\" ١٢/ ١٧٦ ب، و\"ابن كثير\" ٤/ ٤٤٢، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٢٦٩، وعزاه إلى ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم من طرق.\n(٣) في (أ): أجزاء.\n(٤) ورد الحديث في \"جامع البيان\" ٥٩/ ٢٩ من طريق ابن حميد، قال: حدثنا سلمة عن ابن إسحاق. قلت: وهي رواية ضعيفة السند لوجود ابن حميد، وهو حافظ ضعيف، قاله ابن حجر. انظر: \"تقريب التهذيب\" ٢/ ١٥٦ ت ١٥٩، واسمه: محمد بن حميد بن حيان. وفي \"الكشف والبيان\" ١٢/ ١٧٧/ أ، و\"النكت\" ٦/ ٨٢، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٨٧، و\"الجامع\" ١٨/ ٢٦٦، و\"لباب التأويل\" ٤/ ٣٠٤.\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ٢٠٧/ أ.\n(٦) ما بين المعقوين زيادة يقتضيها السياق لاستقامة المعنى.\n(٧) في (أ): يعني.\n(٨) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٩) \"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٨٨.\n(١٠) لم أعثر على مصدر هذه الزيادة من قول الكلبي.","vol":"22","page":161},{"text":"الصَّالح ولا الطالح (١) إذا عُرِضتم (٢)، وعلى هذا التقدير: لا يخفى منكم نفس خافية.\nوقراءة العامة: ﴿لَا تَخفَى﴾ بالتاء (٣)، واختار أبو عبيد الياء (٤)، وهو قراءة حمزة، والكسائي (٥)، قال (٦): لأن الياء تجوز للذكر (٧) والأنثى، والتاء لا تجوز إلا للأنثى، ومع هذا فقد حيل بين الاسم والفعل بقوله: ﴿مِنكُمْ﴾.\nقال المفسرون (٨): يعرض الناس يوم القيامة ثلاث عرضات، فأمَّا\n_________\n(١) بياض في (ع). والطالح هو: من الطلاح نقيض الصلاح، والفعل: طَلِحَ يَطْلَح طلاحًا، ويقال: رجل طالِحٌ، أي: فاسد الدين لا خير فيه. \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٨٤.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ٢٠٧/ أ.\n(٣) قرأ بذلك: نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، وعاصم، وأبو جعفر، ويعقوب. وقرأ بذلك أيضًا: ابن محيصن، والحسن. انظر كتاب \"السبعة\" ٦٤٨، و\"الحجة\": ٦/ ٣١٥، و\"الكشف عن وجوه القراءات السبعة\" ٢/ ٣٣٣، كتاب: \"التبصرة\" لمكي بن أبي طالب: ٧٠٧، و\"حجة القراءات\" لابن زنجلة: ٧١٨، و\"النشر في القراءات العشر\" لابن الجزري ٣٨٩، و\"إتحاف فضلاء البشر في القراءات الأربع عشر\" للبنا: ٤٢٢، و\"البدور الزاهرة\" لعبد الفتاح القاضي ٣٢٤.\n(٤) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٥) وقرأ بذلك أيضًا: خلف، ووافقهم الأعمش. انظر المراجع السابقة.\n(٦) أي: أبو عبيد، ولم أعثر على مصدر لقوله.\n(٧) بياض في (ع).\n(٨) قال بذلك: عبد الله بن مسعود، وأبو موسى الأشعري، وقتادة. انظر: \"تفسير\" عبد الرزاق ٢/ ٣١٤ عن قتادة، و\"جامع البيان\" ٢٩/ ٥٩، و\"بحر العلوم\" ٣/ ٣٩٩، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٤٤٢، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٢٧٠ - ٢٧١ وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، وعبد الرزاق، والبيهقي في البعث، وابن جرير. وروي هذا القول مرفوعًا إلى رسول الله -ﷺ-. انظر: \"سنن ابن ماجه\" ٢/ ٤٤٤: ح: =","vol":"22","page":162},{"text":"عرضتان فجدال ومعاذير (١)، وأمَّا العرضة الثالثة فعندَها تتطاير الصحف في الأيدي، فذلك قوله:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4652>١٩ </span>- ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ قال عطاء عن ابن عباس (٢)، (والكلبي (٣) (٤)، ومقاتل (٥) نزلت في أبي سلمة؛ عبد الله بن عبد الأسد\n_________\n= ٤٣٣١، و\"أبواب الزهد\" ٣٣، ذكر البعث؛ من طريق الحسن عن أبي موسى الأشعري مرفوعًا. والترمذي ٤/ ٦١٧ ح ٢٤٢٥، في صفة القيامة، باب ما جاء في العرض؛ من طريق الحسن عن أبي هريرة مرفوعًا، والإمام أحمد ٤/ ٤١٤، من طريق الحسن عن أبي موسى مرفوعًا. وقال أبو عيسى: ولا يصح هذا الحديث من قِبَل أن الحسن لم يسمع من أبي هريرة، وقد رواه بعضهم عن علي الرفاعي، عن الحسن، عن أبي موسى، عن النبي -ﷺ-، قال أبو عيسى: ولا يصح هذا الحديث من قبل أن الحسن لم يسمع من أبي موسى. قال البوصيري في \"الزوائد\": هذا إسناد رجاله ثقات؛ إلا أنه منقطع، الحسن لم يسمع من أبي موسى. ورواه ابن أبي شيبة في مسنده. قاله الأعظمي. انظر: \"سنن ابن ماجه\" (٢/ ٤٤٤) حاشية رقم ٤٣٣١. وانظر: تضعيف الألباني للحديث في \"ضعيف سنن ابن ماجه\" ٣٤٩ ح ٩٣٢، و\"ضعيف سنن الترمذي\" ٢٧٣ - ٢٧٤ ح: ٤٢٦، وقد ذكر تعليق الترمذي على الحديث. وضعفه أيضًا عند تعليقه على \"مشكاة المصابيح\" ٣/ ١٥٤٢؛ حاشية ٤، قال: وهو ضعيف من هذا الوجه لعنعنة الحسن البصري.\n(١) معاذير: جمع معذرة، والعُذر: الحجة التي يُعْتذر بها، والجمع: أعذار، يقال: اعتذر فلان اعتذارًا، وعِذرة، ومَعْذِرة، ولي في هذا الأمر عُذر، وعُذري، ومعذرة، أي: خروج من الذنب. \"لسان العرب\" ٤/ ٥٤٥، مادة: (عذر).\n(٢) \"بحر العلوم\" ٣/ ٣٩٩، وانظر: \"لوامع الأنوار البهية\" للسفاريني ٢/ ١٨٣ من غير عزو.\n(٣) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٤) ما بين القوسين ساقطة من (أ).\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ٢٠٧/ أ، و\"زاد المسير\" ٨/ ٨٣.","vol":"22","page":163},{"text":"المخزومي؛ زوج أم سلمة: يُعطى كتابًا بيمينه.\nقال الكلبي: فيقرأ سيئاته في باطنها، فيسوؤه ذلك، ويقرأ الناس حسناته في ظاهرها، فيقولون: نجا هذا، فإذ بلغ أسفل كتابه قيل له: إن الله قد غفر لك، فيبيض وجْهُهُ، ويشرق لونه، ثم تُقرأ حسناته في ظاهرها (١)، فيسره ذلك (٢)، ويقول: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾ يقول: تعالوا اقرؤوا حسَابيه (٣)، وبنحو هذا قال ابن زيد (٤) في تفسير (هاؤم): تعالوا (٥).\nوقال مقاتل: يعني هلمَّ (٦). (٧) وأما أهل اللغة، فإنهم يقولون في تفسيرها: هاؤم: خذوا (٨). ومنه حديث الربا: \"إلا هاء وهاء\" (٩)، وهو أن\n_________\n(١) في (أ): ظاهره.\n(٢) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٣) غير مقروء في (ع).\n(٤) ورد قوله في \"جامع البيان\" ٢٩/ ٦٠، وعبارته: \"تعالوا\"، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٨/ ٢٦٩، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٤٤٣.\n(٥) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٦) بياض في (ع).\n(٧) ورد قوله هذا في \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٨/ ٢٦٩، والذي ورد في \"تفسيره\" ٢٠٧/ أ: قوله: قال: هاكم.\n(٨) انظر مادة: (هوم) في \"تهذيب اللغة\" ٦/ ٤٧٨، و\"لسان العرب\" ١٢/ ٦٢٥، و\"تاج العروس\" ٩/ ١١١، وكتاب \"حروف المعاني\" للزجاجي ٧٣، و\"المسائل البصريات\" لأبي علي الفارسي ١/ ٤٣١.\n(٩) الحديث أخرجه: البخاري ٢/ ٩٨، ١٠٦، ١٠٧، ح ٢١٣٤، و٢١٧٠، و٢١٧٤، كتاب: البيوع باب: ٥٤، ٧٤، ٧٦، والحديث عن مالك بن أوس، سمع عمر بن الخطاب -﵁- يخبر عن رسول الله -ﷺ- قال: \"الذهب بالوَرِقِ ربًا إلا هاء وهاء، والبُرُّ بالبُرِّ ربًا إلا هاء وهاء، والتمر بالتمر ربًا إلا هاء وهاء، والشعير بالشعير ربًا إلا هاءَ وهاءَ\". وأخرجه مسلم ٣/ ١٢٠٩ - ١٢١٠ ح ٧٩، فى المساقاة، باب: ١٥، =","vol":"22","page":164},{"text":"يقول كل واحد من البيعين (١) لصاحبه: خذ، فيعطيه (٢) ما في يده.\nوقال (٣) ابن السِّكِّيت: يقال: هَاءِ يا رجلُ (٤)، [وهَاؤم] (٥) يا رجال، وهَاءِ (٦) يا امرأة، وهَاءِ -مكسورة بلا ياءٍ (٧) -، وهَائِيا (٨)، وهَاؤنَّ: يا نسوة، قال: ولغة أخرى: هَأ يا رجل، وللاثنين: هَاءا (٩) بمنزلة: هَاعا (١٠)، وللجميع: هَاؤوا وللمرأة هَائي (١١)، وللثنتين (١٢): هَائيا، وللجميع: هَأن\n_________\n= ومالك في \"الموطأ\" ٢/ ٤٩٤ (ح: ٣٨) في كتاب البيوع، باب: ١٧، والدارمي في \"سننه\" ٢/ ٧٠٩ (ح: ٢٤٨٠)، في البيوع، باب: ٤١، وابن ماجه ٢/ ٢٥ ح ٢٢٧٢، و\"أبواب التجارات\" ٤٨، والإمام أحمد ١/ ٢٤، ٣٥، ٤٥. ومعنى قوله: \"الورق بالذهب ربًا إلا هاء وهاء\"، قال النووي: \"فيه لغتان: المد، والقصر، والمد أفصح وأشهر، وأصله: هاك، فأبدلت المدة من الكاف، ومعناه: خذ هذا، ويقول صاحبه مثله\" \"شرح صحيح مسلم\" ١١/ ١٥ ..\n(١) غير مقروءة في (أ).\n(٢) بياض في (ع).\n(٣) وقال: مكررة في (ع).\n(٤) بياض في (ع).\n(٥) في (أ): هاء وهاء، وفي (ع): هاؤما وكلاهما، وما أثبته من \"إصلاح المنطق\" ٢٩١، وهو الصواب؛ لأن هاؤما للاثنين، وهاء للواحد.\n(٦) في (أ): هاه.\n(٧) بياض في (ع).\n(٨) في (أ): هأيا.\n(٩) في (أ): هأيا.\n(١٠) وردت في \"إصلاح المنطق\" ٢٩١ هكذا: هعا.\n(١١) بياض في (ع).\n(١٢) هذه لغة تميم، ولم ترد في القرآن الكريم، ولغة القرآن: اثنان واثنتان: ﴿فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾، تعليقًا من الدكتور عبد العزيز إسماعيل على الكلمة.","vol":"22","page":165},{"text":"يا نسوة بمنزلة هَعْن، ولغة أخرى: هَاءِ يا رجل بهمزة مكسورة، وللاثنين: هَائيا، وللجميع: هَاؤوا، وللمرأة: هائي، وهائيا (١)، وللجميع: هائين، قال وإذا قيل لك: هاءِ قلت: ما أهاءُ يا هذا، أي: ما آخذ، وما أُهاءُ، أي: ما أعطَى (٢). ونحو هذا قال [الكسائي] (٣) وأبو الهيثم (٤) (٥).\nوقال أبو زيد: (قالوا: هاءَ يا رجل بالفتح، وهاءِ يا رجلُ بالكسر، وللاثنين: هاءَيا بالفتح- في اللغتين جميعًا، ولم يكسروا في الاثنين، وهاؤوا في الجميع، وأنشد:\nقوموا فهاؤوا الحقَّ نَنْزِلْ عِندَه ... إذْ لم [يكن] (٦) لكمُ علينا مَفْخَرُ (٧)\nومن العرب من يقول: هاكَ هذا يا رجل، وهاكما، وهاكم، وهاك،\n_________\n(١) في (أ): هاهيا.\n(٢) انظر: \"إصلاح المنطق\" لابن السكيت: ٢٩٠ - ٢٩١ نقله عنه الواحدي باختصار، وانظر: \"سر صناعة الإعراب\" لابن جني: ١/ ٣١٩.\n(٣) بياض في (ع). قلت: ولعله الكسائي كما أثبته، فقد ورد عنه نحو ذلك في \"تهذيب اللغة\" ٦/ ٤٧٩ مادة: (هوم).\n(٤) لم أعثر على مصدر لقوله إلا ما ذكره الأزهري في التهذيب مختصرًا جدًّا في هذا الباب، قال: فإن أبا الهيثم قال: ها تنبيه تفتتح العرب بها الكلام بلا معنى سوى الافتتاح، تقول: ها ذاك أخوك، ها إنّ ذا أخوك. \"تهذيب اللغة\" ٦/ ٤٧٩.\n(٥) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٦) ما بين المعقوفين ساقط من النسختين، وأثبته من \"تهذيب اللغة\" ٦/ ٤٧٩ مادة: (هوم)، و\"اللسان\" ١٥/ ٤٨٢: مادة: (هوم).\n(٧) لم أعثر على قائله، كما أني لم أعتر عليه في النوادر لأبي زيد، ولا في كتابه الهمز، وهو مظنته، وقد ورد البيت في تهذيب اللغة. المرجع السابق. وناقل ابن منظور كلام أبي زيد مع البيت في اللسان، مادة: (ها).","vol":"22","page":166},{"text":"وهاكما، وهاكن (١).\nوقال أبو القاسم الزجاجي: أجود هذه اللغات ما حكاه سيبويه عن العرب، فقال: ومما يؤمر به من المبنيات قولهم: ها يا فتى، ومعناه: تناول. ويفتحون الهمزة، ويجعلون فتحها (٢) عَلَمَ المذكر، كما قالوا: هاكَ يا فتى، فيجعل فتحة الكاف علامة المذكر، ويقول للاثنين: هاؤما، وهاؤموا، وهاؤم (٣). والميم في هذا الموضع كالميم في أنتما، وأنتم، وهذه الضمة التي تولدت في همزة هاؤُمُ، وإنما هي لضمة (ميم) الجمع؛ لأن الأصل فيه: هاءه مُوا، وأنتمو، فأتبعوا الضمة، وحكموا للاثنين بحكم الجمع؛ لأن الاثنين عندهم في حكم الجمع في كثير من الأحكام، وكتبت واوًا لانضمامها (٤)، وهي الهمزة التي كانت في هآ، وها بمعنى تناول اسم الفعل بمنزلة (صه)، أي: اسكت (٥) (٦).\nواختلف (٧) أهل اللغة في الفعل بين الاثنين من هذه الكلمة (٨): فذكر بعضهم: هاءَ وأيهاوِيّ، مُهَاواة إذا أعطى (٩) كل واحد منهما صاحبه، وهذا\n_________\n(١) انظر: \"تهذيب اللغة\" ٦/ ٤٧٨ - ٤٧٩: مادة: (هوم) بتصرف يسير. وانظر: \"سر صناعة الإعراب\" لابن جني: ١/ ٣١٩ فيما جاء في هاءَ وهاءِ إلخ.\n(٢) في (ع): فتحتها.\n(٣) انظر كتاب: \"حروف المعاني\" للزجاجي: ٧٣، و\"شرح المفصل\" ٤/ ٤٢ - ٤٥.\n(٤) في (أ): لانضاهها.\n(٥) بياض في (ع).\n(٦) انظر: \"شرح المفصل\" ٤/ ٤٤.\n(٧) بياض في (ع).\n(٨) بياض في (ع).\n(٩) بياض في (ع).","vol":"22","page":167},{"text":"مأخوذ من هاءَ. ومنهم من يقول: هاوي، غير مهموز، ومهاواة. وهذا أكثر في استعمال الفقهاء (١)، وهو يحتمل وجهين: أحدهما: إبدال الهمزة ياء. والآخر: أن يكون بناء من (ها) غير مهموز.\nقوله: ﴿كِتَابِيَهْ﴾ (القراء مختلفون في إثبات هذه الهاء (٢)، وكذلك التي في ﴿مَالِيَهْ﴾، و﴿سُلْطَانِيَهْ﴾ فمنهم (٣): من يثبتها وصلًا ووقفًا. ومنهم (٤): من يحذف في الوصل، ويثبت في الوقف. ووجه إثباتها في\n_________\n(١) أى أن تكون \"ها\" بدون همز. قال الخطابي: \"أصحاب الحديث يروونه ها وها، ساكنة الألف، والصواب مدها وفتحها؛ لأن أصلها هاك، أي: خذ، فحذفت الكاف، وعوضت منها المدة والهمزة\" انظر: \"غريب الحديث\" ٣/ ٢٤١، و\"إصلاح غلط المحدثين\" للخطابي: ١٠٦.\nوغير الخطابي يجيز فيها السكون على حذف العوض، وتتنزل منزلة (ها) التي للتنبيه. نقلًا عن حاشية \"تهذيب اللغة\" ٦/ ٤٨٠.\n(٢) إن الاختلاف بين القراء فيما احتمله خط المصحف مرجعه إلى النقل واللغة العربية لتسويغ الشارع لهم القراءة بذلك؛ إذ ليس لأحد أن يقرأ قراءة بمجرد رأيه؛ بل القراءة سنة متبعة؛ قاله شيخ الإسلام ابن تيمية في \"مجموع الفتاوى\" ١٣/ ٣٩٩ وقال الشيخ الدكتور عبد العزيز إسماعيل -حول ما كُتب في اختلاف القراءة في إثبات الهاء في موضع دون آخر- قال: إثبات الهاء في موضع دون الآخر يعلل بأن القراءة سنة متبعة، يأخذها الآخر عن الأول، لا مجال فيها للرأي أو القياس. كتب تعليقه هذا عند عرضي عليه ما كنت حققته حول هذه الآية من سورة الحاقة.\n(٣) وهؤلاء هم: ابن عامر، وابن كثير، وعاصم، وأبو عمرو، ونافع، والكسائي، وخلف، وأبو جعفر. انظر: \"الحجة\" ٢/ ٣٧٤، و\"المبسوط\" ٣٧٩، و\"الكشف عن وجوه القراءات السبع\" ١/ ٣٠٧ - ٣٠٨ فقرة: ١٧١ - ١٧٢ من سورة البقرة، و\"النشر\" ٢/ ١٤٢، و\"إتحاف فضلاء الشر\" ٤٢٢ - ٤٢٣.\n(٤) قرأ حمزة، ويعقوب بحذف الهاء في الوصل في قوله: ﴿مَالِيَهْ﴾ و﴿سُلْطَانِيَهْ﴾ كله، أما في ﴿كِتَابِيَهْ﴾ فحذف يعقوب وحده الهاء إذا وصل. انظر المراجع السابقة.","vol":"22","page":168},{"text":"الوصل: أن ما كان (١) من ذلك فاصلة، أو مشبهًا للفاصلة (٢) في أنه كلام تام (٣)، يُشَبَّهُ بالقافية، فيُجْعَلُ في الوصل مثلَهُ في الوقف، كما يُفْعَلُ ذلك بالقافية.\nوقول حمزة في ذلك [أسدُّ] (٤)؛ لأنه يحذف هذه كلها في الوصل، وهو الوجه.\nوالكسائي أثبت البعض (٥)، وحذف البعض (٦)؛ لأنه شبه البعض بالقوافي، فأثبت الهاء فيه في الوصل، كما تثبت في القوافي، ولم يُشَبِّهِ البعض، وكلا (٧) الأمرين سائغ. وفي إجماعهم على الإثبات (٨) في ﴿كِتَابِيَهْ﴾، و﴿حِسَابِيَهْ﴾ دلالة على تشبيههم ذلك بالقوافي.\nولإثبات هذه (الهاءات) وجه في القياس، وذلك أن سيبويه حكى في العدد: أنهم يقولون: ثلاثة (رابعهم) (٩)، فقد أجروا الوصل في هذا مجرى\n_________\n(١) و(٢) و(٣) بياض في (ع).\n(٤) (أسدُّ): كذا في \"الحجة\" ٢/ ٣٧٦، وقد كتبت (أشدّ) في كلا النسختين، والصواب كما قال د. عبد العزيز إسماعيل: ولعل الصواب: (أسد) من السداد، وليس (أشد) من الشدة، واستشهد بقول الشاعر:\nأُعَلِّمُهُ الرمَايَةَ كُلَّ يَوْمٍ ... فلما استدَّ سَاعِدُه رماني\nوروي: اشتد، وقالوا: الصواب: استد بالسين. انظر مادة: (سد)، و(شد) في \"الصحاح\" ٢/ ٤٨٥. قال الأصمعي: اشتد بالشين ليس بشيء.\n(٥) أثبت الكسائي الهاء في قوله تعالى: ﴿مَالِيَهْ﴾، و﴿سُلْطَانِيَهْ﴾، و﴿كِتَابِيَهْ﴾.\n(٦) وحذف الكسائي الهاء في قوله تعالى: ﴿لَمْ يَتَسَنَّه﴾، و﴿أقْتَدِه﴾.\n(٧) في (ع): كلى.\n(٨) في (أ): الإيثار.\n(٩) في (ع): ثلثه ربعة، وعند سيبويه: ثلاثهَ أرْبَعَهْ، وهو الصواب. انظر: \"الكتاب\" =","vol":"22","page":169},{"text":"الوقف، ألا ترى أنهم ألقوا حركة الهمزة على (التاء) التي للتأنيث، وأبقوها (هاء) كما يكون في الوقف، ولم يقلبوها (تاء) كما يقولون في الوصل: هذه ثلاثتك بالتاء، فكذلك قوله: ﴿كِتَابِيَهْ﴾) (١). والكلام في هذه (الهاءات) قد تقدم في قوله: ﴿لَمَ يَتَسَنَّه﴾ [البقرة: ٢٥٩]، وقوله: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠].\n(قوله) (٢): ﴿إِنِّي ظَنَنْتُ﴾ قال المفسرون: علمت، وأيقنت في الدنيا (٣) ﴿أنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ﴾ في الآخرة، ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٢١)﴾ [الحاقة: ٢١] أي حاله من العيش، ﴿رَاضِيَةٍ﴾ رضاها (٤) في الجنة بأن لقي الثواب، وأمن العقاب؛ قاله مقاتل (٥)، وعطاء (٦).\nقال الفراء: (عيشة راضية) فيها الرضا، والعرب تقول: ليل نائم،\n_________\n= لسيبويه: ٣/ ٢٦٥، ونص كلامه فيه: \"وزعم من يوثق به أنه سمع من العرب من يقول: ثَلاثَهَ أرْبَعَهْ، طرح همزة أرْبَعَهْ على الهاء ففتحها، ولم يحولها تاءً؛ لأنه جعلها ساكنة، والساكن لا يتغير في الإدراج، تقول: اضْرِبْ، ثم تقول: اضْرِبْ زيدًا\". \"الكتاب\" لسيبويه ٢/ ٢٦٥.\n(١) ما بين القوسين نقله الإمام الواحدي عن أبي علي الفارسي باختصار عند تناوله الآية: ٢٥٩ من سورة البقرة ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾. انظر: \"الحجة\" ٢/ ٣٧٤ - ٣٧٨.\n(٢) ما بين القوسين ساقط من (ع).\n(٣) قال بذلك: قتادة، وابن عباس، والضحاك، ومجاهد، وابن زيد. انظر أقوالهم في \"تفسير\" الإمام مجاهد ٦٧٢، و\"تفسير\" عبد الرزاق ٢/ ٣١٥، و\"جامع البيان\" ٢٩/ ٦٠، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٨/ ٢٧٠، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٢٧٢.\n(٤) في (ع): برضاها.\n(٥) لم أعثر على مصدر لقوله، وقد ورد مثل هذا القول في \"لباب التأويل\" ٤/ ٣٠٤ من غير عزو.\n(٦) لم أعثر على مصدر لقوله.","vol":"22","page":170},{"text":"وسر كاتم، وماء دافق، فيجعلونه فاعلًا، وهو في الأصل مفعول، وذلك أنهم يقولون ذلك لا علي بناء الفعل، ولو كان فعلًا مصرحًا لم يُقل ذلك؛ لأنه لا يجوز أن يقال للمضروب (١): ضارب (٢).\nوقد أحكمنا هذه المسألة عند قوله: ﴿قَالَ لَا عَاصِمَ﴾ (٣) [هود: ٤٣].\nقوله تعالى: ﴿قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ (٢٣)﴾ قال المفسرون: ثمارها قريبة ممن\n_________\n(١) غير مقروء في (ع).\n(٢) انظر: \"معاني القرآن للفراء\" ٣/ ١٨٢ بتصرف يسير.\n(٣) والآية بتمامها: قال تعالى: ﴿قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ (٤٣)﴾. وقد جاء فى تفسيرها: \"يعصمني من الماء، يريد يمنعني من الماء، فلا أغرق. قال نوح: لا عاصم اليوم من أمر الله: لا مانع اليوم من عذاب الله، إلا من رحم، استثناء منقطع، المعنى: لكن من رحم الله فإنه معصوم. ولا يجوز هاهنا أن يكون المعصوم عاصمًا، هذا وجه في الاستثناء.\nقال أبو إسحاق: ويجوز أن يكون (عاصم) بمعنى معصوم، ويكون معنى: لا عاصم، لا ذا عصمة، كما قالوا: \"عيشة راضية\" على جهة النسب، أي: ذات رضا، ويكون (من) على هذا التفسير في موضع رفع، ويكون المعنى: لا معصوم إلا المرحوم. ونحو هذا قال الفراء: وقال: لا تنكثون أن يخرج المفعول على فاعل، ألا ترى قوله: ﴿خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ﴾ معناه مدفوق، وقوله: ﴿فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ معناها مرضية؟. فعلى قول الفراء: يجوز أن يكون الفاعل بمعنى المفعول على ما ذكر. وقال علماء البصرة: ماء دافق بمعنى مدفوق باطل في الكلام؛ لأن الفرق بين بناء الفاعل وبناء المفعول واجب، وهذا عند سيبويه وأصحابه يكون على طريق النسب من غير أن يعتبر فيه فعل، فهو فاعل نحو: رامح، ولابن، وتامر، وتارس، ومعناه: ذو رمح، وذو لبن، كذلك هاهنا: عاصم بمعنى ذي عصمة من قبل الله تعالى، ليس أنه عُصِمَ فهو عاصم بمعنى معموم على الإطلاق الذى ذكره الفراء.","vol":"22","page":171},{"text":"يتناولها، تدنو منه إذا أرادها (١)، فيتناول منها ما شاء (٢).\nوالقطف: ما يُقطف من الثمار، والقطف المصدر، والقِطاف بالكسر والفتح وقت القطف (٣).\nقوله: ﴿كُلُواْ﴾ أي: ويقال لهم: كلوا واشربوا هنيئًا، وإنما جمع الخطاب بعد قوله: ﴿فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾، لقوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ﴾، و(من) يتضمن [معنى] (٤) الجمع.\n_________\n(١) بياض في (ع).\n(٢) جاء هذا المعنى عن البراء بن عازب قال: يتناول الرجل من فواكهها وهو نائم، وعنه: قريبة. انظر قوله في \"جامع البيان\" ٢٩/ ٦١، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٢٧٢، وعزاه إلى ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر. وعن قتادة: دنت، فلا يرد أيديهم عنها بُعد ولا شوك. انظر قوله في المرجعين السابقين، وعزاه صاحب الدر إلى عبد بن حميد. وقال الضحاك في معنى الآية: ثمرها. \"الدر المنثور\" ٨/ ٢٧٢، وعزاه إلى ابن المنذر، وبهذا قال ابن قتيبة. \"تفسير غريب القرآن\" ٤٨٤.\nوقال السجستاني؛ ثمرثها قريبة المتناول، تُناول على كل حال من قيام وقعود ونيام، واحدها: قطف. \"نزهة القلوب\" ٣٧. وإلى معنى الأقوال السابقة ذهب: الثعلبي في \"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٧٨/ أ، والبغوي في \"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٨٨، والقرطبي في \"الجامع\" ١٨/ ٢٧٠، والخازن في \"لباب التأويل\" ٤/ ٣٠٥.\n(٣) عن الليث: القَطْف: قَطْعُك العنب وغيره، وكل شيء تقطعه فقد قَطَفْتَه، حتى الجراد تُقْطَفُ رؤوسُها، والقِطْف: اسم للثمار المقطوعة، وجمعها: قُطوف. \"تهذيب اللغة\" ١٦/ ٢٨١: (قطف). وعن ابن فارس أن القاف والطاء والفاء: أصل صحيح يدل على أخذ ثمرة من شجرة، ثم يستعار ذلك فتقول: قطفت الثمرة أقطفُها قَطْفًا. \"معجم مقاييس اللغة\" ٥/ ١٠٣ (قطف). وعن الجوهري: القِطْف بالكسر العنقود، وبجمعه جاء القرآن: ﴿قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ (٢٣)﴾، والقِطاف، والقَطاف: وقت القطف. \"الصحاح\" ٤/ ١٤١٧ (قطف).\n(٤) في كلا النسختين: مع، والصواب ما أثبته، وهو منقول من \"القرطبي\" ١٨/ ٢٧٠.","vol":"22","page":172},{"text":"قوله تعالى: ﴿بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ (١) أي قدمتم من أعمالكم الصالحة. ومعنى الأسلاف في اللغة: تقديم ما يرجو أن يعود (٢) خيرًا (٣)، فهو كالإقراض، ومن هذا يقال: أسلف في كذا: إذا قدم فيه ماله (٤).\nوالمعنى: بما عملتم من الأعمال الصالحة.\nوقال ابن عباس: بما قدمتم في الأيام الخالية، قال: يريد أيام الدنيا (٥). و﴿الْخَالِيَةِ﴾ الماضية، ومنه قوله: ﴿وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ﴾ [الأحقاف: ١٧]، و﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ﴾ [البقرة: ١٣٤، و١٤١].\nوقال الكلبي: ﴿بِمَا أَسْلَفْتُمْ﴾ يعني الصوم (٦)، وذلك أنهم لما أمروا بالأكل والشرب دل ذلك على أنه لمن امتنع في الدنيا عنهما بالصوم طاعة لله تعالى.\n_________\n(١) (الخالية) ساقطة من (ع).\n(٢) بياض في (ع).\n(٣) في (ع): بخير.\n(٤) عن الليث وغيره قالوا: السَّلَفُ: القَرْضُ، والفعل: أسْلَفْت، يقال: سَلَّفْتَه مالًا، أي: أقْرَضْتَه، وكل قال قدَّمته في ثمن سلعة مضمونة اشتريتها بصفة فهي سَلَف وللسلف معنيان آخران: أحدهما: أن كل شيء قدمه العبد من عمل صالح، أو ولد فَرَط تقدمه فهو سلَف، وقد سلف له عمل صالح. \"تهذب اللغة\" ١٢/ ٤٣١: مادة: (سلف). وقال ابن فارس: إن السين واللام والفاء أصل يدل على تقدُّم وسبق. \"معجم مقاييس اللغة\" ٣/ ٩٥ مادة: (سلف).\n(٥) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٦) لم أعثر على مصدر لقوله، وقد ورد بمثل قوله عن وكيع، وابن جبير، وعبد العزيز بن رفيع، ومجاهد. انظر: \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٣٦٠، و\"الدر\" ٨/ ٢٧٢، و\"فتح القدير\" ٥/ ٢٨٤.","vol":"22","page":173},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4653>٢٥ </span>- ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ﴾ قال عطاء (١)، ومقاتل (٢): نزلت (٣) في الأسود بن الأسد (٤) المخزومي، أخو الذي نزلت فيه: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ (٥) قتله حمزة ببدر.\nقال مقاتل: يعطيه مَلَكه الذي كتب عمله في الدنيا (٦)، فيتمنى أنه لم (٧) يؤت لما يرى فيه من مقابيح أعماله التي تسود لها وجهه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4654>٢٦ </span>- ﴿فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ (٢٥) وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ (٢٦)﴾ أي ولم أدر أي شيء (في) (٨) حسابي (٩)؛ لأنه لا حاصل له، ولا طائل في ذلك الحساب، وإنما كله عليه.\nقال الكلبي: إنه يقرؤه فيسوؤه ذلك، فيسودّ وجهه، وتزرق (١٠) عيناه (١١)، ثم يتمنى أنه لم يبعث، فقال: ﴿يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ (٢٧)﴾ قال\n_________\n(١) لم أعثر على مصدر قوله، وانظر: \"لوامع الأنوار البهية\" ٢/ ١٨٣ من غير نسبة.\n(٢) ورد قوله في \"تفسير مقاتل\" ٢٠٧/ أ، و\"زاد المسير\" ٨/ ٨٤، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٨/ ٢٧٠.\n(٣) غير مقروء في (ع).\n(٤) في (أ): الأسود.\n(٥) [الحاقة: ١٩] ويراد به أبو سلمة؛ عبد الله بن عبد الأسد.\n(٦) \"تفسير مقاتل\" ٢٠٧/ أ.\n(٧) بياض في (ع).\n(٨) ساقطة من (ع).\n(٩) في (أ): حسابيه.\n(١٠) في (ع): ويزرق.\n(١١) لم أعثر على مصدر لقوله.","vol":"22","page":174},{"text":"ابن عباس: يريد موتًا لا حياة بعده (١).\nوقال الفراء: (يقول: ليت الموتة الأولى التي منها لم أحي (٢) بعدها) (٣). والكناية في (ليتها) عن غير مذكور، ومعنى (القاضية) القاطعة عن الحياة (٤).\nوقال قتادة في هذه الآية: تمنى الموت، ولم يكن عنده في الدنيا شيء أكره من الموت (٥).\nمعنى هذا أنه تمنى دوام الموت، وأن الموت (٦) [الذى] (٧) نزل به بقي له حتى لم يبعث للحساب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4655>٢٨ </span>- وقوله تعالى: ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ (٢٨)﴾ أي لم يدفع عني من عذاب الله شيئًا.\n<span data-type=\"title\" id=toc-4656>٢٩ </span>- ﴿هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ (٢٩)﴾ قال عطاءعن ابن عباس (٨): ضلت عني حجتي التي كنت أحتج بها على محمد (٩).\n_________\n(١) لم أعثر على مصدر لقوله، وقد ورد معنى قوله منسوبًا إلى ابن زيد في \"جامع البيان\" ٢٩/ ٦٢، والضحاك في \"الدر المنثور\" ٨/ ٢٧٣.\n(٢) غير مقروء في (ع).\n(٣) \"معاني القرآن\" ٣/ ١٨٢ بنصه.\n(٤) عن ابن قتيبة أنه قال: القاضية، أي: المنية. انظر: \"تفسير غريب القرآن\" ٤٨٤.\n(٥) \"الكشف والبيان\" ١٢/ ١٧٨/ ب، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٨٩، و\"التفسير الكبير\" ٣/ ١١٣، و\"لباب التأويل\" ٤/ ٣٠٥، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٢٧٣، وعزاه إلى عبد بن حميد، و\"فتح القدير\" ٥/ ٢٨٤ - ٢٨٥.\n(٦) بياض في (ع).\n(٧) زيادة يقتضيها السياق لاستقامة المعنى.\n(٨) بياض في (ع).\n(٩) ورد بمعناه في \"جامع البيان\" ٢٩/ ٦٢، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٨/ ٢٧٢، =","vol":"22","page":175},{"text":"وقال مقاتل: ضلت عني حجتي، يعني: حين شهدت عليه الجوارح بالشرك (١).\nوقال الربيع: هلك عني سلطاني (٢) الذي كان لي في الدنيا -قال- وكان مُطاعًا في أصحابه (٣).\nونحو هذا قال ابن زيد: زال عني ملكي (٤).\nوالأكثرون على أن (٥) السلطان هو الحجة (٦)، (وهو قول مجاهد (٧)، والضحاك (٨» (٩).\nوقال الحسن: قد جعل لكل إنسان سلطانًا على نفسه ودينه\n_________\n= و\"التفسير الكبير\" ٣/ ١١٤، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٢٧٣، وعزاه إلى ابن جرير، وعبارته: ضلت عني كل بينة، فلم تغن عني شيئًا.\n(١) ورد قوله في \"تفسير مقاتل\" ٢٠٧/ أ، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٨٩، و\"التفسير الكبير\" ٣/ ١١٤، و\"فتح القدير\" ٥/ ٢٨٥.\n(٢) بياض في (ع).\n(٣) ورد قوله في \"النكت\" ٦/ ٨٥ بنحوه.\n(٤) ورد قوله في \"جامع البيان\" ٢٩/ ٦٣، و\"الكشف والبيان\" ١٢/ ١٧٨/ ب، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٨٩، و\"زاد المسير\" ٨/ ٨٤، و\"فتح القدير\" ٥/ ٢٨٥.\n(٥) بياض في (ع).\n(٦) ورد هذا القول عن عكرمة، والسدي أيضًا. انظر: \"النكت\" ٦/ ٨٥، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٨٩، و\"زاد المسير\" ٨/ ٨٤، و\"فتح القدير\" ٥/ ٢٨٥.\n(٧) ورد قوله في \"جامع البيان\" ٢٩/ ٦٣، و\"النكت\" ٦/ ٨٥، و\"زاد المسير\" ٨/ ٨٤، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٨/ ٢٧٢، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٢٧٣، وعزاه إلى عبد بن حميد.\n(٨) \"النكت\" ٦/ ٨٥، و\"زاد المسير\" ٨/ ٨٤، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٨/ ٢٨٢، و\"فتح القدير\" ٥/ ٢٨٥.\n(٩) ما بين القوسين ساقط من (أ).","vol":"22","page":176},{"text":"وعيشه (١).\nوعلى هذا معنى الآية: زال (٢) عني ملكي (٣)، فلا أملك لنفسي شيئًا، وذلك أنه ندم وعلم حين لم ينفعه ذلك، ولو كان ذلك في (٤) الدنيا حين كان سطانه باقيًا نفعه، وحينئذ يقول الله (﷿) (٥) لخزنة جهنم: ﴿خُذُوُه﴾ فيبتدرونه (٦) مائة ألف ملك، ثم يجمع يده إلى عنقه، فذلك قوله: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (٣٠) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (٣١)﴾ قال الكلبي: أدخلوه (٧).\nقال المبرد: يقال: أصليته النار، إذا أوردته إياها، وصلّيته أيضًا، كما يقال: أكرمته (٨) وكرّمته (٩).\nقوله تعالى: ﴿ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ﴾ وهي حلق (١٠) منتظمة، كل حلقة منها في حلقة، وكل شيء مستمر بعد شيء على الولاء والنظام (١١)، فهو مسلسل. وقوله (١٢): ﴿ذَرْعُهَا﴾ معنى الذرع في اللغة: التقدير بالذراع من اليد، يقال:\n_________\n(١) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٢) في (ع): زالت.\n(٣) في (ع): ملكتي.\n(٤) بياض في (أ)،\n(٥) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٦) في (ع): فيبتدروه.\n(٧) لم أعثر على مصدر لقوله، وورد غير منسوب في \"بحر العلوم\" ٣/ ٤٠٠.\n(٨) غير واضحة في (ع).\n(٩) لم أعثر على قوله فيما بين يدي من كتبه، وقد ورد قوله في \"التفسير الكبير\" ٣٠/ ١١٤.\n(١٠) في (ع): خلق.\n(١١) بياض في (ع).\n(١٢) في (أ): قوله، بغير واو.","vol":"22","page":177},{"text":"ذرع الثوب يذرعه ذرعًا، إذا قدره بذراعه، ويقال: كم ذرع هذا الثوب؟ أي كم يبلغ إذا ذرع (١)؟\nقوله: ﴿سَبْعُونَ ذِرَاعًا﴾ قال نوف: كل ذراع سبعون باعًا (٢)، كل باع أبعد ما بينك وبين مكة، وكان في رحبة (٣) الكوفة (٤).\n_________\n(١) قال الليث: الذراع: من طرف المرفق إلى طرف الأصبع. انظر مادة: (ذرع) في \"تهذيب اللغة\" ٢/ ٣١٤، و\"لسان العرب\" ٨/ ٩٢، و\"تاج العروس\" ٥/ ٣٣٣. وجاء عن ابن فارس: أن الذال، والراء والعين: أصل واحد يدل على امتداد وتحرك إلى قُدُم، ثم ترجع الفروع إلى هذا الأصل فالذراع ذراع الإنسان معروفة، والذّرع: مصدر ذرعتُ الثوب والحائط وغيره. \"معجم مقاييس اللغة\" ٢/ ٣٥٠.\n(٢) الباع: والبُوعُ، والبَوْع: مسافة ما بين الكفَّيْن إذا بسطتهما، والجمع: أبْواع. \"لسان العرب\" ٨/ ٢١: مادة: (بوع)، و\"المصباح المنير\" ١/ ٨٣: مادة: (بوع).\n(٣) في (أ): درحبة.\n(٤) رحبة الكوفة: يراد بالرحبة: الشيء الواسع، من الرَّحب، ورَحبة المسجد والدار: ساحتها ومتسعها، ويقال للصحراء بين أفنية القوم والمسجد: رحبة. \"لسان العرب\" ١/ ٤١٤ - ٤١٥. والكوفة: العصر المشهورة بأرض بابل من سواد العراق، سميت بذلك لاستدارتها، وقيل لاجتماع الناس فيها، من قولهم: قد تكوفت الرمل. مصّرها سعد بن أبي وقاص بأمر عمر بن الخطاب سنة ١٧ هـ، وتقع على الجانب الأيمن لنهر الكوفة؛ أحد فروع الفرات، وكانت مقر خلافة علي بن أبي طالب -﵁-، وبها مسجد الكوفة الشهير الذي قتل فيه الإمام علي. انظر: \"معجم ما استعجم من أسماء البلاد\" للبكري ٤/ ١١٤١، و\"معجم البلدان\" لياقوت الحموي ٤/ ٤٩٠، و\"مراصد الاطلاع\" للبغدادي ٣/ ١١٨٧، و\"الموسوعة العربية الميسرة\" ٢/ ١٥٠٥. وقد ورد قوله في \"تفسير\" عبد الرزاق ٢/ ٣١٥، و\"جامع البيان\" ٢/ ٦٣٩، و\"الكشف والبيان\" جـ: ١٢: ١٧٨/ ب، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٨٩، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٣٦١، و\"زاد المسير\" ٨/ ٨٥، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٨/ ٢٧٢ و\"لباب التأويل\" ٤/ ٣٠٦، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٣٧٣ - ٣٧٤، وعزاه إلى ابن المبارك، وهناد في الزهد، وعبد بن حميد، وابن المنذر، و\"فتح القدير\" =","vol":"22","page":178},{"text":"وقال مقاتل: الذراع منها بذراع الرجل الطويل من الخلق الأول، ولو أن حلقة منها وضعت على ذروة جبل لذاب كما يذوب الرصاص (١).\nوقال الحسن: الله أعلم بأي ذراع هو (٢).\nوقال كعب: إن حلقة من تلك السلسلة مثل جميع حديد الدنيا (٣).\nقوله: ﴿فَاسْلُكُوهُ﴾ قال مقاتل: يعني فاجعلوه فيها (٤).\nقال المبرد (٥): يقال: سلكته في الطريق، وفي القيد، وغير ذلك، وأسلكته، ومعناه: أدخلته، ولغة القرآن: سلكته، قال الله تعالى: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾ [المدثر: ٤٢]، وقال: ﴿سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ﴾ (٦). قال عبد مناف الهذلي:\n_________\n= ٥/ ٣٨٥. قال ابن عطية؛ معقبًا على رواية نوف: وهذا يحتاج إلى سند: ٥/ ٣٦١. قلت: وهذا التعقيب من ابن عطية لأن الرواية في الأمور الغيبية التي لا تدرك بالرأي والاجتهاد؛ بل من حديث مسند إلى رسول الله -ﷺ-.\n(١) \"تفسير مقاتل\" ٢٠٧/ ب، كما ورد أيضًا في \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٨/ ٢٧٢، و\"فتح القدير\" ٥/ ٢٨٥، ويقال في هذه الرواية ما قيل في سابقتها من رواية نوف.\n(٢) \"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٨٩، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٨/ ٢٧٢، و\"التفسير الكبير\" ٣٠/ ١١٤، و\"لباب التأويل\" ٤/ ٣٥٦، و\"فتح القدير\" ٥/ ٢٨٥.\n(٣) \"تفسير القرآن\" لعبد الرزاق ٢/ ٣١٢، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٨/ ٢٧٢، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٢٧٤، وعزاه إلى ابن المبارك، وعبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن المنذر.\n(٤) ورد بمعناه في \"تفسير مقاتل\" ٢٠٧/ ب، وقد ورد بمثله من غير نسبة في \"فتح القدير\" ٥/ ٣٨٥.\n(٥) ورد قوله في \"التفسير الكبير\" ٣/ ١١٤.\n(٦) [الشعراء: ٢٠٠]، والآية بتمامها: ﴿كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (٢٠٠)﴾.","vol":"22","page":179},{"text":"وحتى إذا أَسْلَكُوهُمْ في قُتائِدَةٍ (١)\nقال ابن عباس: يدخل في دُبره، ويخرج من حَلْقِه، ثم يجمع بين ناصيته وقدميه (٢).\nوقال الكلبي: كما يسلك الخيط في اللؤلؤ، ثم يجعل في عنقه سائرها (٣). وهذا يدل على أنه منفرد بتلك السلسلة.\nوقد قال سويد بن أبي نجيح (٤): بلغني أن جميع أهل النار (٥) في تلك السلسلة (٦) (٧).\n_________\n(١) غير واضحة في النسختين، وأورده ابن منظور في \"اللسان\" ١٠/ ٤٤٢: مادة: (سلك)، والتصحيح منه، والشطر الثاني للبيت:\nشلًا كما تطرد الجمَّالة الشُّرُدا\nكما ورد في \"المدخل\" ٢٤٤ رقم ٢٤٢ برواية: شلًا كما تطلب. معنى القتائدة: الطريق.\n(٢) \"جامع البيان\" ٢٩/ ٦٣ - ٦٤. قلت: وهي من طريق العوفي، وهو ضعيف، وهو أيضًا في \"الكشف والبيان\" ١٢/ ١٧٨/ أ، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٨٩، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٣٦١، و\"التفسير الكبير\" ٣٠/ ١١٤، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٨/ ٣٧٢ دون عزو، و\"لباب التأويل\" ٦/ ٣٠٤، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٤٤٤، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٢٧٤ وعزاه إلى ابن أبي حاتم، والبيهقي في \"البعث والنشور\" ٣٠٠، رقم: ٥٤١.\n(٣) \"التفسير الكبير\" ٣٠/ ١١٤، و\"فتح القدير\" ٥/ ٢٨٥.\n(٤) سويد بن نجيح؛ أبو قطبة، سمع عكرمة، والشعبي، قال عنه أحمد بن حنبل: لا أرى به بأسًا، وعن يحيى بن معين قال: إنه ثقة. انظر: \"الجرح والتعديل\" ٤/ ٢٣٦: ت: ١٠١٤، و\"الإكمال\" لعلي بن ماكولا: ٧/ ٩٤.\n(٥) بياض في (ع).\n(٦) انظر قوله في \"التفسير الكبير\" ٣٠/ ١١٤، و\"فتح القدير\" ٥/ ٢٨٥.\n(٧) ساقط من (أ).","vol":"22","page":180},{"text":"قال الفراء: المعنى: ثم اسلكوه (١) فيه (٢) السلسلة، ولكن تقول: أدخلت رأسي في القلنسوة (٣)، وأدخلتها في رأسي، ويقال: الخاتم لا يدخل في يدي، واليد هي التي تدخل في الخاتم، والخف يقال فيه أيضًا، استجازوا ذلك؛ لأن معناه (٤) معروف، ولا يُشكل ذلك على أحد، فأستخفوا من ذلك ما جرى على ألسنتهم (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4657>٣٣ </span>- فقال: ﴿إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (٣٣)﴾ لا يصدق بعظمة الله وتوحيده: ﴿وَلَا يَحُضُّ﴾ (٦) نفسه، ﴿عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ في الدنيا؛ قاله مقاتل (٧).\nوقال غيره: لا يأمر أهله بإطعام المسكين (٨). الطعام هاهنا: اسم أقيم مقام الإطعام، كما يوضع الطعام موضع الإعطاء.\nقال القُطَامِيُّ:\nوبعد عَطائِكَ المائةَ الرِّتَاعا (٩)\n_________\n(١) بياض في (ع).\n(٢) في (أ): فيها.\n(٣) القلنسوة: والقَلْسُوة، والقَلْساة، والقُلَنْسية: من ملابس الرؤوس معروف. \"لسان العرب\" ٦/ ١٨١: ماله: (قلس).\n(٤) بياض في (ع).\n(٥) \"معاني القرآن\" ٣/ ١٨٢ بتصرف يسير جدًّا، ومن قوله: \"الخف يقال فيه\" إلى آخره قد عزاه الفراء إلى محمد بن الجهم أبي عبد الله.\n(٦) تمام الآية: ﴿وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (٣٤)﴾.\n(٧) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٨) قال بذلك ابن جرير في \"جامع البيان\" ٢٩/ ٦٤.\n(٩) وصدر البيت:\nأكُفْرًا بعد رَدِّ الموتِ عني","vol":"22","page":181},{"text":"قال الحسن في هذه الآية: أدركت أقوامًا يعزمون على أهليهم (أن) (١) لا يردوا سائلًا (٢)، وأن أهل البيت ليبتلون بالسائل ما هو من الجن ولا الإنس (٣) ﴿فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا﴾ يعني في الآخرة، ﴿حَمِيمٌ﴾ قالوا: قريب ينفعه أو يشفع له (٤)، كما قال: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ [غافر: ١٨].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4658>٣٦ </span>- وقوله تعالى: ﴿وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ (٣٦)﴾ روى عكرمة عن ابن\n_________\n= هكذا في كتب التفسير، وورد عند الجمحي برواية: \"أكفرٌ بعد دفع الموت عني\". وعند الدينوري: \"أأكْفُرُ بعد رد الموت عني\"، ورواية: \"أكفرًا\" أجود الروايتين. قاله محمود شاكر محقق كتاب طبقات فحول الشعراء، وقد قال بيت القصيد يمدح زُفَرَ بن الحارث الكلابي، وأسماء بن خارجة. ومعناه: كفر النعمة: جحدها وسترها، وهو شر خلق، والرتاع: الإبل؛ ترتع في المرعى الخصب، تذهب وتجيء، واحدها: راتع. وهذا البيت استهلكه النحاة في الاستشهاد على أن العطاء هنا بمعنى: الإعطاء (وهو المصدر)، ولهذا عمل عمل فعله، فلذلك نصب به \"المائة\". انظر: \"طبقات فحول الشعراء\" ٢/ ٥٣٧، حاشية: ٥. وورد البيت في \"التفسير الكبير\" ٣٠/ ١١٥، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٨/ ٢٧٢، و\"فتح القدير\" ٥/ ٢٨٥، برواية: \"المال الرعابا\"، و\"طبقات فحول الشعراء\" ٢/ ٥٣٧: ت: ٧١٦، و\"الشعر والشعراء\" مرجع سابق.\n(١) ساقطة من (أ).\n(٢) ورد قوله في \"لباب التأويل\" ٤/ ٣٠٦، إلى: \"لا يردوا سائلًا\".\n(٣) من قوله: \"وإن أهل البيت إلى: ولا الإنس\" لم أجدها ضمن قول الحسن في \"لباب التأويل\".\n(٤) قال بنحوه ابن زيد في \"جامع البيان\" ٢٩/ ٦٥، وبه قال السمرقندي في \"بحر العلوم\" ٣/ ٤٠٠، والماوردي في \"النكت\" ٦/ ٨٥. وقال الثعلبي في معنى: \"حميم\": صديق ينفعه. \"الكشف والبيان\" ١٢/ ١٧٩/ ب.","vol":"22","page":182},{"text":"عباس قال: لا أدري ما الغسلين (١)؟.\nوروى عطاء عنه قال: قالوا: صديد أهل النار (٢).\nوقال الكلبي: هو ما يسيل من أهل النار من القيح، والدم، والصديد إذا عُذِبوا (٣).\nوقال أبو عبيدة: كل جرح غسلته فخرج منه شيء فهو غسلين، فِعْلين من الغسل (٤).\nوقال الأخفش: (الغسلين) [ما انغسل] (٥) من لحومهم ودمائهم، فزيد الياء والنون (٦).\n_________\n(١) \"التفسير الكبير\" ٣٠/ ١١٦، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٤٤٤ بزيادة \"ولكني أظنه الزقوم\"، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٢٧٥ وعزاه إلى ابن أبي حاتم، وأبي القاسم الزجاجي في أماليه من طريق مجاهد عن ابن عباس.\n(٢) \"جامع البيان\" ٢٩/ ٦٥، أخرجه من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس. وقد ورد عن ابن عباس من غير ذكر طريقه إليه في \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٣٦١، و\"زاد المسير\" ٨/ ٨٥، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٢٧٥ من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، وعزاه إلى ابن المنذر، وابن أبي حاتم، كما أورد بمعناه من طريق عكرمة عنه، وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وانظر كتاب: البعث والنشور للبيهقى: ٣٠٦: ت ٥٥٢ ت.\n(٣) \"التفسير الكبير\" ٣٠/ ١١٦.\n(٤) \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٦٨ بحذف \"من الجراح والوبر\".\n(٥) ما بين المعقوفين سقط من النسختين، وما أثبته فمن \"اللسان\" ١١/ ٤٩٥: مادة: (غسل). وبدونه لا يستقيم المعنى.\n(٦) لم أجد تفسيره في معانيه، ولكن وجدته بنصه في \"لسان العرب\" ١١/ ٤٩٥: مادة: (غسل)، والعبارة الواردة عن الأخفش في \"معاني القرآن\" قال: وجعله -والله أعلم- من الغَسْل، وزاد الياء والنون بمنزلة \"عُفرين\" و\"كُفْرِين\" ٢/ ٧١٣.","vol":"22","page":183},{"text":"وقال المبرد: هو فعلين، من غسالة أهل النار (سمي غسلينًا) (١) (٢).\nوقال الزجاج: واشتقاقه مما ينغسل مِنْ أبدانِهِم (٣).\nوقال أهل المعاني: (الغسلين: الصديد (٤) الذي يسيل من أهل النار (٥)، سمي غسلينًا لسيلانه من أبدانهم، كأنه ينغسل منهم (٦). والطعام ما هُيِّئ (٧) للأكل، فلما هُيِّئ الصديد ليأكله أهل النار (سمي غسلينًا) (٨) كان طعامًا لهم، ويجوز أن يكون المعنى: إن ذلك أقيم لهم مقام الطعام، فسمي طعامًا لما أقيم له (مقامه) (٩)، كما قالوا: تحيتك الضرب (١٠)، والتحية لا تكون ضربًا، ولكنه لما أقام الضرب مقامه جاز (١١) أن يسمّى به) (١٢). ثم\n_________\n(١) ورد قول المبرد في \"الكامل\" ٢/ ٦٣٥، وعزاه إلى أهل الفقه واللغة والنحو.\n(٢) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢١٨ بنصه، والعبارة عنه كاملة: \"معناه من صديد أهل النار، واشتقاقه مما ينغسل من أبدانهم\".\n(٤) بياض في (ع).\n(٥) بياض في (ع).\n(٦) قال ابن عاشور: \"الغِسْلِين -بكسر الغين-: ما يدخل في أفواه أهل النار من المواد السائلة من الأجسام، وماء النار، ونحو ذلك مما يعلمه الله، فهو عَلَم على ذلك، مثل: سِجّين، وسرقين، وعِرنين، فقيل: إنه فِعْلِين من الغَسل؛ لأنه سَال من الأبدان، فكأنه غُسل منها\". \"التحرير والتنوير\" ٢٩/ ١٤٠.\n(٧) في (ع): (ما هيئا)، وهو خطأ.\n(٨) ما بين القوسين ساقط من (ع).\n(٩) ساقط من (ع).\n(١٠) بياض في (ع).\n(١١) بياض في (ع).\n(١٢) ما بين القوسين من قول أهل المعاني، ولم أعثر على مصدره.","vol":"22","page":184},{"text":"ذكر أن الغسلين أكل من هو، فقال: ﴿لَا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ (٣٧)﴾، قال الكلبي: يعني من يخطأ بالشرك (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4659>٣٨ </span>- ﴿فَلَا (٢) أُقْسِمُ (٣)﴾ (٣) ذكرنا هذا في مواضع (٤)، أن (لا) هاهنا يجوز أن تكون صلة (٥) مؤكدة (٦)، ويجوز أن تكون ردًا لكلام من سبق، كأنه قيل: ليس الأمر كما (٧) يقول المشركون (٨).\nوقال بعض أهل المعاني: (لا) هاهنا نافية للقسم، على معنى أنه لا يحتاج إليه، لوضوح (٩) الحق في: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠)﴾\n_________\n(١) \"فتح القدير\" ٥/ ٢٨٥، وقال بذلك أيضًا ابن عباس. انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٨/ ٢٧٣. وتعريف \"الخاطئون\" للدلالة على الكمال في الوصف، أي المرتكبون أشدّ الخطأ، وهو الإشراك. قاله ابن عاشور \"التحرير والتنوير\" ٢٩/ ١٤٠.\n(٢) في (أ): لا أقسم.\n(٣) تمام الآية: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (٣٨)﴾.\n(٤) من المواضع التي ذكرت فيه: [الواقعة: ٧٥] قال تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (٧٥)﴾ [الواقعة: ٧٥] ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ (٤٠)﴾ [المعارج: ٤٠]، [القيامة ١ - ٢] ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (١) وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (٢)﴾. وغيرها من السور نحو: [التكوير:١٥]، [الانشقاق:١٦]، [البلد: ١].\n(٥) يقابله عند البصريين: حروف الزيادة، وسبب تسميتها بحروف الصلة لأنه يتوصل بها إلى زنة، أو إعراب لم يكن عند حذفها، انظر: \"نحو القراء الكوفيين\" ٣٤١.\n(٦) قال بذلك النحاس في إعراب القرآن: ٥/ ٢٤، وانظر كتاب: حروف المعاني للزجاجي ٨.\n(٧) بياض في (ع).\n(٨) انظر كتاب: \"حروف المعاني\" للزجاجي ٨، و\"النكت\" ٦/ ٨٦، و\"زاد المسير\" ٨/ ٨٦، و\"التفسير الكبير\" ٣٠/ ١١٦، و\"لباب التأويل\" ٤/ ٣٠٦.\n(٩) بياض في (ع).","vol":"22","page":185},{"text":"[الحاقة: ٤٠]؛ قال: وفي هذا الوجه يقع جوابه كجواب غيره من القسم (١).\nقوله: ﴿بِمَا تُبْصِرُونَ (٣٨) وَمَا لَا تُبْصِرُونَ (٣٩)﴾. قال عطاء عن ابن عباس: بما تبصرون اليوم، وما لا تبصرون من الهدى الذي جاء به محمد -ﷺ- (٢)\nوقال الكلبي: بما تبصرون من الخلق من شيء، وبما لا تبصرون من شيء (٣).\nوقال مقاتل: بما تبصرون من الخلق، وبما لا تبصرون من الخلق (٤).\nوقال قتادة: أقسم بالأشياء كلها، ما (٥) يبصر منها، وما لا يُبْصَرُ (٦).\nوالمعنى في هذا: جميع المكونات، والموجودات، فيدخل في هذا: الدنيا والآخرة.\n﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠)﴾. يعني القرآن. والرسول الكريم هو: جبريل، في قول الكلبي (٧)، ومقاتل (٨). ويكون المعنى: إنه لرسالة رسول كريم، فسمى رسالته: قولًا.\n_________\n(١) لم أعثر على مصدر القول، وورد عند الفخر في \"التفسير الكبير\" ٣٠/ ١١٦ من غير عزو، وانظر: \"الدر المصون\" ٦/ ٣٦٨.\n(٢) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٣) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ٢٠٧/ ب.\n(٥) في (أ): بما.\n(٦) \"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٩٠، و\"فتح القدير\" ٥/ ٢٨٥.\n(٧) \"النكت\" ٦/ ٨٦٥، و\"زاد المسير\" ٨/ ٨٦، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٨/ ٢٧٤، و\"فتح القدير\" ٥/ ٢٨٦.\n(٨) \"تفسير مقاتل\" ٢٠٧/ ب. وانظر المراجع السابقة.","vol":"22","page":186},{"text":"وقال الحسن: هو محمد -ﷺ- (١). وعلى هذا معناه: إنه لتلاوة رسول كريم، وتلاوته: قوله. وهذا هو الأظهر (٢) لقوله: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ﴾ وهم إنما نسبوا محمدًا -ﷺ- إلى أنه شاعر، لا جبريل. وقوله تعالى: ﴿قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ﴾. (ما) لغو، وهي مؤكدة (٣).\nقال مقاتل: يعني بالقليل أنهم لا يصدقون بأن القرآن من الله (٤).\nوالمعنى: لا يؤمنون أصلًا، والعرب تقول: قلما تأتينا، يريدون: لا يأتينا أصلًا.\nوقال الكلبي: القليل ما إيمانهم أنهم: إذا سئلوا من خلقهم؟ (ليقولن الله (٥) (٦) وهذا مشروح في مواضع (٧).\n_________\n(١) لم أعثر على مصدر لقوله. وورد بمثله عن الكلبي في \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٨/ ٢٧٥.\n(٢) وهو الذي عليه الأكثرون من المفسرين، انظر: \"جامع البيان\" ٢٩/ ٦٦، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٩٥، و\"زاد المسير\" ٨/ ٨٦، و\"لباب التأويل\" ٤/ ٣٠٦.\n(٣) انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢١٨.\n(٤) \"التفسير الكبير\" ٣٠/ ١١٧.\n(٥) [الزخرف: ٨٧] ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (٨٧)﴾.\n(٦) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٧) نحو ما جاء في [البقرة: ٨٨] قال تعالى: ﴿بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ﴾. ومما جاء في معنى القليل الوارد في الآية: يريد فما يؤمنون قليلًا ولا كثيرًا، والعرب قد تستعمل لفظ القلة في موضع النفي، فيقول: قلّ ما رأيت من الرجال مثله، وقيل ما تزورنا، يريدون النفي لا إثبات القليل، وقال أبو عبيدة: معناه: لا يؤمنون إلا بقليل مما في أيديهم، ويكفرون بأكثره، وقال قتادة: معناه: لا يؤمن منهم إلا القليل، كما ذكرت أول أخرى في: أحدها: يؤمنون إيمانًا قليلًا، وذلك أنهم يؤمنون بالله خالقهم ورازقهم، ويكفرون بمحمد والقرآن. الثاني: يؤمنون =","vol":"22","page":187},{"text":"(وقُرئ: (تؤمنون) و﴿قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ (١) بالتاء (٢)، على خطاب المشركين (٣)، وبالياء على أنه خطاب لمحمد -ﷺ-، وإخبار عن المشركين (٤)، كأنه قال: قليلًا ما يؤمنون يا محمد) (٥).\nثم بين أن القرآن مع أنه قول رسول كريم؛ تنزيل من الله، فقال: ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٣)﴾ أي: هو تنزيل ﴿وَلَوْ تَقَوَلَ عَلَينَا﴾ محمد ما لم نقله، أي: تكلف، أي: تقول من قبل نفسه [ما] (٦) لم يوح إليه.\nقال المفسرون (٧): لو تقول علينا محمد شيئًا (٨) من تلقاء نفسه لم نقله ﴿لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥)﴾ ذكروا في هذا قولين: أحدهما: أن اليمين هَاهنا\n_________\n= قليلًا من الزمان، ويكفرون أكثره. الثالث: أن تكون \"ما\" مع الفعل مصدرًا، ويرتفع بقليل، وهو مقدم، ومعناه: فقليلًا إيمانهم.\n(١) في (أ): (يذكرون)، وهو خطأ.\n(٢) في (أ): (بالتاء)، وهو خطأ.\n(٣) قرأ بذلك: نافع، وأبو عمرو بن العلاء، وعاصم، وحمزة، والكسائي، وخلف، وأبو جعفر. انظر: \"إعراب القراءات السبع وعللها\" ٢/ ٣٨٦، كتاب: السبعة ٦٤٨ - ٦٤٩، و\"الحجة\" ٦/ ٣١٥، و\"المبسوط\" ٣٨٠، و\"حجة القراءات\" ٧٢٠، و\"الكشف\" ٢/ ٣٣٣.\n(٤) وقرأ بذلك: ابن كثير، وابن عامر، ويعقوب فيها بالياء. انظر المراجع السابقة.\n(٥) ما بين القوسين نقله الواحدي عن \"الحجة\" بتصرف: ٦/ ٣١٥.\n(٦) زيادة أثبتها تقتضيها استقامة المعنى.\n(٧) ممن قال بذلك: الفراء في \"معاني القرآن\" ٣/ ١٨٣، الطبري في \"جامع البيان\" ٢٩/ ٦٦، السمرقندي في \"بحر العلوم\" ٣/ ٤٠٠، البغوي في \"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٩٠، ابن عطية في \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٣٦٢، ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٨/ ٨٦، القرطبي في \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٨/ ٢٧٥.\n(٨) بياض في (ع).","vol":"22","page":188},{"text":"بمعنى القوة والقدرة، وهو قول الفراء (١)، والمبرد (٢)، (والزجاج) (٣) (٤). وأنشدوا قول الشماخ:\nإذَا ما رَايَةٌ رُفِعَتْ لِمَجْدٍ ... تَلَقَّاهَا عَرَابَةُ بالْيَمِينِ (٥)\nوعلى هذا القول: (من) صلة (٦) في قوله: ﴿لَأَخَذْنَا مِنْهُ﴾ قال الفراء: لأخذناه (٧).\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" ٣/ ١٨٣، ولم يستشهد ببيت الشماخ.\n(٢) \"الكامل\" ١/ ١٦٧.\n(٣) ورد قول الزجاج في \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢١٨.\n(٤) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٥) ورد البيت منسوبًا للشماخ في \"ديوانه\" ٣٣٦، و\"لسان العرب\" ١/ ٥٩٣: (عرب)، الأمالي للقالي: ١/ ٢٧٤، و\"الكامل\" للمبرد ١/ ١٦٧، و٢/ ٨٢٥، و\"تأويل مشكل القرآن\" لابن قتيبة: ٢٤٢، و\"الكشف والبيان\" ١٢/ ١٨٠/ أ، و\"النكت\" ٦/ ٨٦، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٩٠، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٨/ ٢٧٥، و\"التفسير الكبير\" ٣٠/ ١١٧، و\"البحر المحيط\" ١/ ١٦٠، و\"فتح القدير\" ٥/ ٢٨٦. وورد منسوبًا للحطيئة في \"الصحاح\" ١/ ١٨٠ مادة: (عرب)، و\"تاج العروس\" ١/ ٣٧٦ مادة: (عرب). وقد جاء في هامش \"اللسان\" \"البيت ليس للحطيئة كما زعم الأزهري، أفاده الصاغاني\"، ولم أعثر عليه في ديوانه. وقد ورد غير منسوب في الخصائص لابن جني: ٣/ ٢٤٩. ومعنى البيت: راية: أصل الراية العلم، ومنه: راية الحرب التي تجعل القوم يقاتلون ما دامت واقفة، وهي هنا استعارة، أي: إذا حدث أمر يقتضي فعل مكرمة، ويفتقر فيه إلى أن يطلع به رب فضيلة وشرب، نهض له الممدوح. تلقاها: استقبلها، وأخذها، وتلقفها، وهو هنا مجاز عن انعقاد المجد له، وحوزه إياه. باليمين: القوة والقدرة. \"ديوانه\" ٣٣٨.\n(٦) يراد بقوله: \"صلة\"، أى: حرف زيادة، وهذا مصطلح أهل البصرة. انظر: \"نحو القراء الكوفيين\" ٣٤١.\n(٧) في (أ): (لأخذنا). ولم أعثر على مصدر لقوله.","vol":"22","page":189},{"text":"وقال ابن قتيبة: (اليمين هاهنا القوة، وإنما أقام اليمين مُقام القوة؛ لأن قوة كل شيء في ميامنه؛ وهذا قول ابن عباس في اليمين (١).\nقال (٢): ولأهل اللغة في هذا مذهب آخر، وهو: أن هذا الكلام ورد على ما اعتاده الناس من الأخذ بيد من تعاقب، وهو قولهم إذا أرادوا عقوبة رجل: خذوا بيده، وأكثر ما يقوله (٣) السلطانُ والحاكم بعد وجوب الحكم: خذ بيده، (واسفع (٤) بيده) (٥).\nفكأنه قال: لو كذب علينا في شيء مما يلقيه إليكم عنَّا، لأمَرْنَا بالأخذ بيده، ثم عاقبناه بقطع الوتين. وإلى هذا المعنى ذهب الحسن (٦). (٧)\nوقال مقاتل: لأخذنا منه باليمين، يعني انتقمنا منه بالحق (٨).\n_________\n(١) وقول ابن عباس الواقع بين معترضتين ليس من قول ابن قتيبة، وقد ورد قوله في \"الكشف والبيان\" ١٢/ ١٧٩/ ب، والعبارة عنه: \"لأخذناه بالقوة والقدرة\"، واستشهد بقول الشماخ الآنف الذكر، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٩٠، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٣٦٣ بمعناه، و\"القرطبي\" ١٨/ ٢٧٥، و\"لباب التأويل\" ٤/ ٣٠٧، و\"البحر المحيط\" ٨/ ٣٢٩، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٢٧٦، وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.\n(٢) أي ابن قتيبة.\n(٣) في (أ): يقول بغير هاء.\n(٤) السفع: جاء في \"اللسان\" ٨/ ١٥٨ \"سفع بناصيته ورجله، يسْفَع سفْعًا: جذب، وأخذ، وقبض. وحكى ابن الأعرابي: اسْفَعْ بيده، أي خذ بيده\".\n(٥) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٦) ورد قوله في \"النكت\" ٦/ ٨٦، والعبارة عنه: \"لقطعنا يده اليمنى\"، \"والتفسير الكبير\" ٣٠/ ١١٨، وعنه: لقطعنا وتينه، و\"البحر المحيط\" ٨/ ٣٢٩، وعنه: قطعناه عبرة ونكالًا.\n(٧) نقله الواحدي من قول ابن قتيبة مختصرًا من \"تأويل مشكل القرآن\" ١٥٤ - ١٥٥.\n(٨) \"تفسير مقاتل\" ٢٠٧/ ب، و\"التفسير الكبير\" ٣٠/ ١١٨.","vol":"22","page":190},{"text":"واليمين على هذا القول بمعنى الحق، كقوله تعالى: ﴿قَالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ﴾ [الصافات: ٢٨]، أي: من قبل الحق، وكذلك قوله: ﴿وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ﴾ [الأعراف: ١٧]، وقد مر مستقصى (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4660>٤٦ </span>- قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦)﴾ الوتين: نياط القلب، وهو عرق يجري في الظهر حتى يتصل بالقلب، فإذا انقطع بطلت القوى، ومات صاحبه. وهذا قول جميع أهل اللغة (٢)، وأنشدوا (للشماخ) (٣):\n_________\n(١) ومما جاء في تفسير الآية: ٨٢ من سورة الصافات: أن معنى \"تأتوننا عن اليمين\": أي من قبل الحق. وقالوا: من قبل الدين، وطاعة الله، بمعنى: تزينون الدين، وهو الكفر الذي كانوا عليه. وقيل: أي كنتم تمنعوننا بإضلالكم عن الدين الذي هو الحق. وقال ابن قتيبة: يقول المشركون لقرنائهم من الشياطين: إنكم كنتم تأتوننا عن أيماننا؛ لأن إبليس قال: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾ [الأعراف: ١٧]، فشياطينه تأتيهم من كل جهة من هذه الجهات، بمعنى من [الكيد] والإضلال. قالوا: أجود ما قيل في هذا إنه من قول العرب: فلان عندي باليمين، أي: بالمنزلة الحسنة، وفلان عندي بالشمال، أي: بالمنزلة الخسيسة الدنية، فقال هؤلاء الكفار لأئمتهم الذين أضلوهم: إنكم كنتم تخدعوننا، وترونا أننا عندكم بمنزلة اليمين، أي بالمنزلة الحسنة، فوثقنا بكم من ذلك الجانب. وقال بعضهم -وهو قول قوي-: إن أئمة المشركين كانوا قد أخافوا لهؤلاء المستضعفين أن ما يدعون إليه هو الحق، فوثقوا بأيمانهم، وتمسكوا بعهودهم، فمعنى: ﴿كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ﴾ أي من ناحية المواثيق والأيمان التي قدمتموها لنا.\n(٢) انظر هذا القول بمعناه في مادة: (وتن) في \"تهذيب اللغة\" ١٤/ ٣٢٤، و\"معجم مقاييس اللغة\" ٦/ ٨٤، و\"الصحاح\" ٦/ ٢٢١١، و\"لسان العرب\" ١٣/ ٤٤١، و\"تاج العروس\" ٩/ ٣٥٨. وممن قال بذلك أيضًا: أبو عبيدة في \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٦٨، الزجاج في \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢١٨.\n(٣) لم أجد فيما ذكرته كتب اللغة من استشهد ببيت الشماخ غير أبي عبيدة في مجازه، وقد ورد عند المبرد في كتابه \"الكامل\" ١/ ١٦٧، و٢/ ٨٢٥ \"ديوانه\" تحقيق: =","vol":"22","page":191},{"text":"إذا بَلَّغْتِنِي وحَمَلْتِ رَحْلي ... عَرَابَةَ فاشْرَقي بِدَمِ الوَتِينِ (١)\nقال أبو زيد: وجمعه: الوُتُن، وثلاثة (٢) أوتنة، الموتون: الذي قطع وتينه (٣)، (وابن عباس) (٤)، وأكثر المفسرين (٥) قالوا: إنه نياط القلب، وحبل القلب.\n_________\n= صلاح الدين الهادي: ٣٢٣ برواية: (وحططت) بدلًا من: (حملت). كما ورد في كتب: التفسير، منها \"جامع البيان\" ٢٩/ ١٦٧، و\"النكت\" ٦/ ٨٧، و\"المحور الوجيز\" ٥/ ٣٢٦، و\"زاد المسير\" ٨/ ٨٧، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٨/ ٢٧٦، و\"البحر المحيط\" ٨/ ٣١٩، و\"فتح القدير\" ٥/ ٢٨٦.\nوكلمة (للشماخ) ساقطة من (أ).\n(١) ورد البيت في \"ديوانه\" ٣٢٣. ومعنى: اشرقي: من الشرَق، وهو الغصة، أي غُصي. الوتين: عرق به القلب إذا انقطع مات صاحبه. يقول: إذا بلغتني هذا الممدوح، فلن أبالي بهلكتك. \"ديوانه\" ٣٢٣، هامش: ٨.\n(٢) في (ع): وثلثة.\n(٣) \"تهذيب اللغة\" ١٤/ ٣٢٤ مادة: (وتن) بتصرف، وانظر: \"التفسير الكبير\" ٣٠/ ١١٩.\n(٤) ساقطة من (أ). وقد ورد قوله في \"جامع البيان\" ٢٩/ ٦٧، و\"الكشف والبيان\" جـ: ١٢: ١٨٠/ أ، و\"النكت\" ٦/ ٨٧، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٩١، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٣٦٢، و\"زاد المسير\" ٨/ ٨١، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٨/ ٢٧٦، و\"لباب التأويل\" ٤/ ٣٠٧، و\"البحر المحيط\" ٨/ ٣٢٩، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٤٤٥، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٢٧٦، وعزاه إلى الفريابي، وسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم، وصححه؛ \"المستدرك\" ٢/ ٥٠١، في التفسير، تفسير سورة الحاقة، قال الحاكم: صحيح، ووافقه الذهبي، وقد رواه الحاكم من طريق عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، وإسناده قوي؛ لأنه من رواية الثوري عن عطاء، وسمعه منه قبل الاختلاط. قاله الحافظ ابن حجر في \"فتح الباري\" ٨/ ٦٦٤، وزاد نسبته إلى الفريابي، والأشجعي. وانظر حاشية \"النكت\" ٦/ ٨٧.\n(٥) وممن قال ذلك: مجاهد، وقتادة، وابن زيد. انظر المراجع السابقة نفسها في =","vol":"22","page":192},{"text":"قال ابن قتيبة (١): (ولم يُرد أنا نقطعه بعينه فيما يرى أهل النظر (٢)، ولكنه أراد: لو كذب لأمَتْنَاه، أو قتلناه، فكان كمن قُطِع وتينُه، قال: ومثله قوله -ﷺ-: \"ما زالت أكلة (٣) خيبر (٤) تعاودني، فهذا أوانَ قطعَتْ أبْهَري\" (٥).\n_________\n= التفسير، و\"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٣١٥ عزاه إلى قتادة، وسعيد بن جبير، والحكم، والضحاك، ومسلم البطين، وأبي صخر حميد بن زياد، وعكرمة. انظر: \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٤٤٥، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٢٧٦ وعزاه إلى: عبد بن حميد، وابن المنذر.\n(١) بياض في (ع).\n(٢) بياض في (ع).\n(٣) في (أ): أكلت.\n(٤) خيبر: مدينة أثرية قديمة، تبعد عن المدينة المنورة شمالًا ١٧٣ كيلو مترًا على الطريق الرئيسي المعبد، تقع فيها \"مدائن صالح\". وخيبر عبارة عن عدة قرى واقعة في عدة أودية، ويوجد فيها مسجد لرسول الله -ﷺ-، ومقبرة الشهداء لبعض الصحابة الذين استشهدوا في غزوة خيبر، وهي مدينة حصينة، تحيط بها الحرة من جميع الجهات. حاصر فيه الرسول -ﷺ- اليهود بضع عشرة ليلة. انظر: \"الآثار في شمال الحجاز\" لحمود بن ضاوي القثامي ١/ ١٧٨، و\"القاموس الإسلامي\" لأحمد عطية ٢/ ٣٠٨. وانظر: \"معجم ما استعجم من أسماء البلاد والمواضع\" لعبد الله البكري ٢/ ٥٢١، و\"الموسوعة الميسرة\" ١/ ٧٧٠.\n(٥) أخرجه البخاري ٣/ ١٨١ ح: ٤٤٢٨، كتاب المغازي، باب مرض النبي -ﷺ-، ونصه: قال عروة، قالت عائشة -﵂-: كان النبي -ﷺ- يقول في مرضه الذي مات فيه: \"يا عائشة، ما أزال أجِدُ الطعام الذي أكلت بخيبر، فهذا أوان وجدت انقطاع أبهري من ذلك السم\"، وفي ٢/ ٢٤١: ح ٢٦١٧، في الهبة، باب قبول الهدية من المشركين. وأخرجه أبو داود في \"السنن\" ٢/ ٥٢٧، كتاب: الديات باب فيمن سقى رجلًا سمًّا، أو أطعمه فمات، أيقاد منه؟. وأخرجه الدارمي في \"سننه\" ١/ ٣٦: ح ٦٧ - ٦٨، المقدمة: باب ما أكرم الله النبي -ﷺ- من كلام الموتى. والإمام أحمد ٦/ ١٨. وأورده أبو عبيد في \"غريب الحديث\" ١/ ٢٠٣.","vol":"22","page":193},{"text":"والأبْهَرُ: عِرق يتصل بالقلب، فإذا انقطع مات صاحبه، فكأنه قال: هذا أوان قتلني السم، فكنت كمن (١) انقطع أبْهَرُهُ (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4661>٤٧ </span>- قوله تعالى: ﴿فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ (٤٧)﴾. قال مقاتل (٣)، (والكلبي (٤) (٥): ليس منكم أحد يحجزنا عنه، وعن ذلك.\nوقال عطاء: يقول: لا يحجزه مني أحد (٦).\nوقال أبو عبيدة (٧)، والفراء (٨)، والزجاج (٩): إنما قال: (حاجزين) في صفة (أحد)؛ لأنه يقع على الجمع، المعنى: فما منكم قوم يحجزون (١٠) عنه. وقد ذكرنا هذا عند قوله: ﴿بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ (١١).\n_________\n(١) في (ع) زيادة كلمة: قطعه، وهي زيادة لا معنى لها.\n(٢) ما بين القوسين من قول ابن قتيبة في \"تأويل مشكل القرآن\" ١٥٥ - ١٥٦ بنصه.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ٢٠٧/ ب، و\"التفسير الكبير\" ٣٠/ ١١٩.\n(٤) ساقطة من (أ).\n(٥) ورد قوله في المرجع السابق.\n(٦) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٧) \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٨٦ بمعناه، وعبارته: \"خرج صفته على صفة الجميع؛ لأن أحدًا يقع على الواحد، وعلى الاثنين، والجميع من الذكر والأنثى\".\n(٨) \"معاني القرآن\" ٣/ ١٨٣، وعبارته: \"أحد يكون للجميع والواحد\".\n(٩) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢١٨، والعبارة نقلها عنه الواحدي بتصرف يسير.\n(١٠) بياض في (ع).\n(١١) [البقرة: ٢٨٥] ومما جاء في ذلك: وإنما جاز هع أحد وهو واحد في اللفظ؛ لأن أحدًا يجوز أن يؤدي عن الجميع، قال تعالى: ﴿فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ (٤٧)﴾، وإنما كان كذلك؛ لأن أحدًا ليس كرجل يثنئ ويجمع. وقولك: ما يفعل هذا أحد. تريد ما يفعله الناس كلهم، قلما كان لفظ أحد يؤدي عن الجميع جاز أن يستعمل معه \"بين\"، وإن كان لا يجوز أن يقول: لا نفرق بين رجل منهم.","vol":"22","page":194},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4662>٤٨ </span>- ثم ذكر أن القرآن ما هُوَ فقال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (٤٨)﴾ قال الكلبي: (وإنه) لعظة للمتقين الشرك والفواحش، والمتقين عقاب الله بطاعته (١).\nقوله: ﴿وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ (٥٠)﴾ قال ابن عباس: القرآن حسرة على الكافرين يوم القيامة (٢)، يعني ندامة إذ لم يؤمنوا به. والكناية (٣) في: (وإنه) على هذا القول للتكذيب (٤). ودل عليه قوله: ﴿أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ﴾ [الحاقة: ٤٩]\nقوله: ﴿وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ (٥١)﴾. قال عطاء: يعني القرآن مني بدأ، وأنا\n_________\n(١) لم أعثر على مصدر قوله. وورد مثله مختصرًا من غير عزو في \"بحر العلوم\" ٣/ ٤٠١.\n(٢) لم أعثر على مصدر قوله. وقد ورد مثله من غير عزو في \"جامع البيان\" ٢٩/ ٦٨، و\"الكشف والبيان\" ١٢/ ١٨٠/ أ، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٩١، و\"زاد المسير\" ٨/ ٨٧، و\"لباب التأويل\" ٤/ ٣٥٧. ومعنى الحسرة لغة: قال الأزهري: \"والحسرة أشد الندم حتى يبقى النادم كالحسير من الدواب الذي لا منفعة فيه\". \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٢٨٨ (حسر). وقال ابن فارس: الحاء والسين والراء: أصل واحد، وهو كشف الشيء، ومن الباب: الحسرة: التلهف على الشيء الفائت\". \"معجم مقاييس اللغة\" ٢/ ٦١ - ٦٢: (حسر). قال ابن عاشور: \"والحسرة: الندم الشديد المتكرر على شيء فائت مرغوب فيه، ويقال لها: التلهف، اشتقت من الحَسْر، وهو \"الكشف\"؛ لأن سببها ينكشف لصاحبها بعد فوات إدراكه، ولا يزال يعاوده\". \"التحرير والتنوير\" ٢٩/ ١٤٩. وما ذكر عن ابن عباس هو أحد الوجهين في عود الضمير على \"من\"، فابن عباس حملة على القرآن.\n(٣) لفظ الكناية من المصطلحات الكوفية، ولقابلها: المضمر أو الضمير عند البصريين. انظر: \"نحو القراء الكوفيين\" ٦٨.\n(٤) وهذا الوجه الثاني في عودة الضمير على التكديب، وهو قول مقاتل. قال: وإن تكذيبهم بالقرآن لحسرة عليهم.","vol":"22","page":195},{"text":"أرسلته إليكم (١). وقال مقاتل: ﴿لَحَقُّ الْيَقِينِ﴾ إنه من الله (٢).\nقال الزجاج: المعنى أنَّ القرآن لليقين (٣) حق اليقين. هذا الذي ذكرنا قول المفسرين.\nوقال الكلبي: حقًا يقينًا ليكون ذلك عليهم حسرة (٤).\nوعلى هذا الكناية في قوله: ﴿وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ﴾ وهي مصدر بمعنى التحسر، فيجوز تذكيره. ثم أمر بتنزيهه عن السوء، فقال: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٥٢)﴾.\nوقال عطاء: فصل لربك الذي عصمك من كل ما رَمَوْك به (٥) (٦).\n_________\n(١) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ٢٠٧/ ب.\n(٣) في (أ): للمتقين.\n(٤) \"النكت\" ٦/ ٨٨، والعبارة عنه: \"أي حقًّا يقينًا ليكونن الكفر حسرة على الكافرين يوم القيامة\".\n(٥) غير واضحة في (ع).\n(٦) لم أعثر على مصدر لقوله.","vol":"22","page":196},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4663>سورة المعارج</span>","vol":"22","page":197},{"text":"تفسير سورة المعارج <span data-type=\"title\" id=toc-4664>(١)</span>\nبسم الله الرحمن الرحيم\n\n١ - ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ (١)﴾ قال المفسرون: نزلت في النضر بن الحرث حين قال: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ﴾ (٢) هذه (٣) الآية، وهو قول عطاء (٤)، (والكلبي) (٥)، ومقاتل (٦)، (وسعيد بن جبير) (٧)، عن ابن عباس (٨)، [وابن\n_________\n(١) تسمى بسورة المعارج، والواقع. انظر: \"زاد المسير\" ٨/ ٨٨، و\"الإتفان\" للسيوطي: ١/ ١٥٩، وعند ابن خالويه: سورة الدافع، و\"إعراب القراءات السبع\" ٢/ ٣٨٩. وهي مكية بلا خلاف. انظر: \"جامع البيان\" ٦٩/ ٢٩، و\"الكشف والبيان\" ١٢/ ١٨٠/ أ، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٩١، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٣٦٤.\n(٢) الأنفال: ٣٢.\n(٣) في (أ): هذا.\n(٤) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٥) ساقطة من: (أ). ولم أعثر على مصدر لقوله.\n(٦) \"تفسير مقاتل\" ٢٠٨/ ب.\n(٧) ساقطة من: أ.\n(٨) أخرجه النسائي من طريق المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في \"تفسيره\" ٢/ ٤٦٣. كما أخرجه الحاكم من طريق الأعمش، عن سعيد بن جير ٢/ ٥٠٢، في التفسير: تفسير سورة \"سأل سائل\"، وقال: هذا حديث صحيح، ووافقه الذهبي في أنه على شرط البخاري. وقال محققا تفسير النسائي: إسناده حسن موقوفًا. وانظر: \"أسباب النزول\" للواحدى ٤٤٥. وقد وردت الرواية عن ابن عباس في: \"لباب النقول\" للسيوطي ٢١٩، و\"والكشف والبيان\" ١٢/ ١٨١/ أ، و\"النكت\" =","vol":"22","page":199},{"text":"أبي نجيح، عن (١) مجاهد (٢)، قال: دعا داع على نفسه، وذلك أن قولهم: ﴿اللَّهُمَّ (٣) إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ﴾ [الأنفال:٣٢] الآية، دعاء منه، وسؤال للعذاب.\nقال ابن الأنباري: (على هذا القول تقدير (الباء) الإسقاط، وتأويل الآية: سأل سائل عذابًا واقعًا، فأكد بـ (الباء)، كقوله -﷿-: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ [مريم: ٢٥]) (٤).\nومعنى قوله: (واقع) أي: كائن، يعني (٥) أن العذاب كائن للكفار، فاستعجله النضر وسأله؛ (هذا قول الأكثرين في هذه الآية) (٦).\n_________\n= ٦/ ٨٩، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٩٢، و\"زاد المسير\" ٨/ ٨٩، و\"الجامع\" للقرطبي ١٨/ ٢٧٨، و\"لباب التأويل\" ٤/ ٣٠٨، و\"ابن كثير\" ٤/ ٤٤٦، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٢٧٧، وعزاه إلى الفريابي، وعبد بن حميد، وابن أبي حاتم، كما وردت عن مجاهد، والسدي أيضًا. انظر المراجع السابقة، وعن ابن جريج في \"الدر\" ٨/ ٢٧٧.\n(١) في (أ): ومجاهد، وما أثبته من: ع، وهو الصواب لموافقته لما جاء في الطبري.\n(٢) وردت الرواية عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في: \"جامع البيان\" ٦٩/ ٢٩، وذكرت من غير ذكر الطريق إلى مجاهد في \"بحر العلوم\" ٣/ ٤٠٢، و\"النكت\" ٦/ ٨٩، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٤٤٦، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٢٧٨، وعزاه إلى سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن المنذر.\n(٣) ساقطة من: (أ).\n(٤) ما بين القوسين من قول ابن الأنباري. انظر: \"التفسير الكبير\" ٣٠/ ١٢١.\n(٥) غير واضحة في: (ع).\n(٦) ما بين القوسين ساقط من: (أ). قلت: وقد مضى قولهم هذا عند ورود سب نزول صدر السورة، وقد رجحه الفخر في \"التفسير الكبير\" ٣٠/ ١٢٢.","vol":"22","page":200},{"text":"وقال (١) الحسن (٢)، وقتادة (٣): لما بعث الله محمدًا، وخوف المشكرين بالعذاب، قال المشركون بعضهم لبعض: [سلوا] (٤) محمدًا لمن هذا العذاب، وبمن يقع؟ فأخبر الله عنهم بقوله: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ (١)﴾.\nقال ابن الأنباري: (والتأويل على هذا القول: سأل سائل عن عذاب واقع، (الباء) بتأويل (عن) كقول علقمة:\nفَإنْ تسألوني بالنِّسَاءِ فإنني ... بصيرٌ بأدْواءِ النسَاءِ طبيبُ (٥)\nأي عن النساء) (٦). وكما قال الأخطل:\nدعِ المُعَمَّرَ لا تسْألْ بمصرعِهِ ... واسْألْ بمصْقَلَةَ البَكْريِّ ما فَعَلا (٧)\n_________\n(١) في (أ): قال من غير واو.\n(٢) \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٣٦٤ بمعناه، و\"التفسير الكبير\" ٣٠/ ١٢١.\n(٣) المرجعان السابقان، كما ورد غير منسوب بمعناه في: \"النكت\" ٦/ ٩٠.\n(٤) وردت في النسختين: سألوا. والتصحيح من الفخر في: \"التفسير الكبير\" ٣٠/ ١٢١.\n(٥) ورد البيت في \"ديوانه\" ٣٥، و\"الزاهر في معاني كلمات الناس\" لابن الأنباري: ١/ ٣٣١، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٣٦٤، و\"الدر المصون\" للسمين الحلبي: ٦/ ٣٧٢، و\"الشعر والشعراء\" ١٢٦، و\"علقمة بن عبدة حياته وشعره\" ٨٥، و\"الكشف والبيان\" ١٢/ ١٨٠/ أ.\n(٦) ما بين القوسين قول ابن الأنباري. انظر: \"التفسير الكبير\" ٣٠/ ١٢١، وورد بمعناه في: \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٣٦٤، و\"زاد المسير\" ٨/ ٨٩.\n(٧) ورد البيت في \"شعر الأخطل\" للسكري: ١/ ١٥٧، و\"إعراب القراءات السبع\" لابن خالويه: ٢/ ١١٩، و٣٨٩. معنى البيت: المعمر: القعقاع الهذلي، مصقلة: هو الممدوح، يتخذ من هذا البيت وسيلة للتخلص إلى المدح، ويقول مخاطبًا امرءًا موهومًا: دع المعمر، ولا تُعْنَ بمصرعه، واهتم بأمر مصقلة الهذلي تذيعت في الناس فعاله.\n\"ديوان الأخطل\" لإيليا الحاوي: ٣٤٩.","vol":"22","page":201},{"text":"أراد: عن مصرعه. قال الله تعالى: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٩]، وهذا قول الأخفش، قال: أي سأل (١) عن عذاب الله، يقال: خرجنا نسأل (٢) عن فلان وبفلان (٣)، ونحو ذلك قال الزجاج (٤).\nوقال أبو علي الفارسي: (سأل سائل النبي -ﷺ-، أو المسلمين بعذاب واقع، فلم يذكر المفعول الأول لـ: \"سأل\" -هذا ما ذكره المفسرون (٥)، وأهل المعاني (٦) في هذه الآية-، وهو كله على قراءة من قرأ: (سأل) بالهمز (٧)، فاما من قرأ (سأل) بغير همز (٨)، فله وجهان:\nأحدهما: أنه أراد سأل بالهمز، فخفف وقلب (٩)، كما قال:\n_________\n(١) في (أ): سل.\n(٢) في (أ): نسئل.\n(٣) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٤) انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢١٩.\n(٥) سبق ذكره عند قوله تعالى: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ﴾ من هذه السورة، آية: ١.\n(٦) انظر قول الفراء في \"معاني القرآن\" ٣/ ١٨٣، والزجاج في \"معاني القرآن\" ٥/ ٢١٩.\n(٧) قرأ بذلك: ابن كثير، وعاصم، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي، ويعقوب، وخلف. انظر: \"الحجة\" لأبي علي ١٧/ ٣٦، و\"الكشف\" لمكي ٢/ ٣٣٤، و\"النشر\" ٢/ ٣٩٠، و\"الوافي في شرح الشاطبية\" لعبد الفتاح القاضي ٣٧٢، و\"البدور الزاهرة\" للمؤلف السابق ٣٢٥. قال مكي: \"وحجة من قرأ بالهمز أنه جعله من السؤال، فأتى به على أصله -وهو الاختيار- لأن الأكثر عليه، والمعنى به أمكن، وأكثر التفسير عليه؛ لأن الكفار سألوا تعجيل العذاب، وقالوا: متى هو\". \"الكشف\" ٢/ ٣٣٥.\n(٨) قرأ بذلك: نافع، وابن عامر، وأبو جعفر. انظر: المراجع السابقة.\n(٩) قال عبد الفتاح القاضي: \"وهذه الألف -يعني في \"سأل\"-: يحتمل أن تكون مبدلة من الواو، والأصل سول، تحركت الواو، وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفًا. ويحتمل أن تكون مبدلة من الهمزة؛ بمعنى أن الهمزة المفتوحة خففت على غير قياس. ويحتمل أن تكون مبدلة من الياء\". \"الوافي في شرح الشاطبية\" ٣٧٢ - ٣٧٣.","vol":"22","page":202},{"text":"فارْعَي فزارةُ لا هناكِ المَرْتَعُ (١)\nوحكى أبو عثمان عن أبي زيد أنه سمع من يقول: هُما يتساولان، فيجوز أن يكون (سال) بغير همز من هذه اللغة، وهو قول الشاعر:\nسَالَتْ هُذَيْلُ رسولَ الله فاحشةً ... ضَلَّتْ هُذيْلٌ بما سألَت ولم تُصِبِ (٢)\nيجوز فيه الأمران.\nالوجه الثاني: ما ذكره المفسرون: روى (٣) عطاء عن ابن عباس من قرأ بلا همز فإنه يريدُ واديًا في جهنم (٤) (سال) (٥).\nوهو قول زيد بن ثابت (٦)، وعبد الرحمن بن زيد، قالا (٧): سال واد من أودية جهنم بعذاب واقع (٨» (٩).\n_________\n(١) البيت للفرزدق، وصدر البيت كما في \"ديوان الفرزدق\" ٤٠٨:\nومضت لمسلمةَ الرِّكابُ مُوَدَّعًا\n(٢) البيت في: \"ديوان حسان بن ثابت\" ٣٤ ط. دار صادر برواية: \"بما جاءت ولم تصب\"، و\"التفسير الكبير\" ٣٠/ ١٢٢، و\"الدر المصون\" ٦/ ٣٧٣. ومعنى البيت: سألت: مسهل سألت، يعيّر هذيلًا بأنها طلبت إلى النبي -ﷺ- حين أرادت الإسلام أن يحلل لها الزنا، فلم تصب مرادها. موضع الشاهد: قوله: \"سألت\" أراد سألت، فخفف الهمزة. وقد يقال: سال يقال، بغير همز، وهي لغة. \"شرح ديوان حسان بن ثابت\" لعبد الرحمن البرقوقي ١٢٥. وانظر: \"ديوانه\" المرجع السابق.\n(٣) في (أ): وروى.\n(٤) في (أ): بجهنم.\n(٥) \"القرطبي\" ١٨/ ٢٧٩، و\"الدر\" ٨/ ٢٧٨، وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.\n(٦) \"الكشف والبيان\" ١٢/ ٢٨١/ ب، و\"زاد المسير\" ٩/ ٨٩، و\"فتح القدير\" ٥/ ٢٨٨.\n(٧) في (أ): قال.\n(٨) \"جامع البيان\" ٢٩/ ٧٠، و\"زاد المسير\" ٨/ ٨٩، وهذا القول ضعيف، بعيد عن المراد، والصحيح الأول لدلالة السياق عليه، قاله ابن كثير ٤/ ٤٤٦.\n(٩) ما بين القوسين نقله الواحدي عن أبي علي من \"الحجة\" بتصرف ٦/ ٣١٧ - ٣١٨.","vol":"22","page":203},{"text":"والمعنى على هذا: أن ذلك الوادي يسيل بعذابهم، فذلك الوادي عذاب لهم على ما أراد الله تعالى وقدره.\n(ولم يختلفوا في همزة (سائل)، ولا يجوز فيه غير الهمز؛ لأنه إن كان من: (سال) المهموز، فهو بالهمز، وإن لم يكن من المهموز فهو بالهمز أيضًا، نحو: قليل، وخائف، وذلك أن العين اعتل في الفعل، فاعتل في اسم الفاعل أيضًا، وإعلالها لا يكون بالحذف للالتباس؛ فإذا لم يكن بالحذف كان بالقلب إلى الهمز، إلا أنك إن شئت خففت الهمز، فجعلتها بين بين (١» (٢). وهذا ما أحكمنا بيانه في (قوله) (٣): ﴿مَعَايِشَ﴾ (٤).\nقوله تعالى: ﴿لِلْكَافِرِينَ﴾ قال الفراء: التقدير في الآية: بعذاب للكافرين واقع، فـ: \"الواقع\" من نعت (٥) العذاب (٦)، واللام دخلت للعذاب لا للواقع.\nوالمعنى: إن هذا العذاب الذي سأل النضر في الدنيا هو للكافرين في الآخرة، فلا يدفعه (٧) عنهم أحد. قاله مقاتل (٨)، وهو قوله: ﴿لَيْسَ لَهُ\n_________\n(١) معنى بين بين: أي هي ضعيفة ليس لها تمكن المحققة، ولا خلوص الحرف الذي منه حركتها. انظر: \"سر صناعة الإعراب\" لابن جني ١/ ٤٩.\n(٢) ما بين القوسين من قول أبي علي، نقله عنه الواحدي بتصرف. \"الحجة\" ٦/ ٣١٨.\n(٣) ساقطة من: (أ).\n(٤) انظر تحقيق المسألة في \"سر صناعة الإعراب\" ١/ ٤٨ - ٤٩.\n(٥) يراد به الوصف والصفة، والتعبير بـ: \"نعت\" من اصطلاح الكوفيين. انظر: \"نحو القراء الكوفيين\" ٣٤٠.\n(٦) بياض في: (ع).\n(٧) \"معاني القرآن\" ٣/ ١٨٢ بنصه.\n(٨) \"تفسير مقاتل\" ٢٠٨/ ب.","vol":"22","page":204},{"text":"دَافِعٌ﴾. وهذا القول الأول في الآية الأولى.\nوعلى القول الثاني: قال قتادة: سأل سائل عن عذاب الله بِمَن ينزل؟، أو على من يقع (١)؟ فقال الله ﷿: ﴿لِلْكَافِرِينَ﴾، وعلى هذا قوله: ﴿لِلْكَافِرِينَ﴾ جواب لهم وبيان عما سألوا (٢) أن العذاب لمن.\nقوله تعالى: ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ يعني بعذاب من الله. ﴿ذِي الْمَعَارِجِ﴾ وهي الدرجات، ومنه قوله: ﴿وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ﴾ [الزخرف: ٣٣].\nقال ابن عباس في رواية الكلبي: ذي السماوات، وسَمَاهَا معارج؛ لأن الملائكة تعرج فيها (٣)، وهذا معنى قول (٤) سعيد بن جبير: وذي الدرجات (٥).\nوقول مجاهد: (معارج) الملائكة، وهي مواضع عروجهم (٦).\n_________\n(١) \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٣١٦، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٨/ ٢٧٩، و\"زاد المسير\" ٨/ ٨٩ من غير عزو.\n(٢) بياض في: (ع).\n(٣) \"الكشف والبيان\" ١٢/ ١٨١/ ب من غير ذكر طريق الكلبي إليه، و\"التفسير الكبير\" ٣٠/ ١٢٢، و\"لباب التأويل\" ٤/ ٣٠٨.\n(٤) ساقطة من: (أ).\n(٥) \"جامع البيان\" ٢٩/ ٧٠، و\"الكشف والبيان\" ١٢/ ١٨١/ ب، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٩٢ - ٣٩٣. وانظر: تفسير سعيد بن جبير: ٣٥٤.\n(٦) \"الكشف والبيان\" ١٢/ ١٨١/ ب، وبمعناه في: \"جامع البيان\" ٢٩/ ٧٠، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٤٤٦، وعبارته فيهما: \"معارج السماء\".\nقال ابن قتيبة: \"وأصل المعارج: الدَّرج، وهو من: عَرَجَ: إذا صعد\". غريب القرآن: وقال الراغب: \"العُرُوج: ذهاب في صعود، والمعارج: المصاعِد\". \"المفردات\" ٣٢٩ (عرج).\nوفي اللغة: عَرَج في السُّلَّم: ارتقى. والمعارج: المصاعد. \"مختار الصحاح\" ٤٢٢.","vol":"22","page":205},{"text":"وقال قتادة: ذي الفواضل والنِّعم (١).\nومعنى هذا: أن لإنعامه وفواضله مراتب، وهي تقع بالناس على درجات مختلفة، فالمعارج: مراتب العامة على الخلق.\nوذكر في التفسير أيضًا أن المعارج: معالي الدرجات التي يعطيها أولياءه في الجنة (٢).\nقوله تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ الظاهر أنه إلى الله (٣).\nوالمعنى: إلى الموضع الذي أمرهم الله بالعُروج إليه (٤)، كقوله\n_________\n(١) \"جامع البيان\" ٢٩/ ٧٠، و\"الكشف والبيان\" ١٢/ ١٨١/ ب، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٩٢، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٣٦٥، و\"زاد المسير\" ٨/ ٩٠، و\"التفسير الكبير\" ٣٠/ ١٢٢، الجامع لأحكام القرآن ١٨/ ٢٨١، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٤٤٦، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٢٧٨ وعزاه إلى عبد بن حميد.\n(٢) ذكر معنى ذلك عن ابن عباس، قال: العلو والفواضل. \"جامع البيان\" ٣٠/ ٧٠، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٤٤٦، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٢٧٨ وعزاه إلى ابن المنذر، وابن أبي حاتم، والقرظي. انظر: \"الكشف والبيان\" ١٢/ ١٨١/ ب، وعبارته: \"ذي الفضائل العالية\". وورد هذا القول من غير عزو في \"التفسير الكبير\" ٣٠/ ١٢٢.\n(٣) بمعنى أن \"الهاء\" في: \"إليه\" عائدة إلى الله، وهذا قول المفسرين.\nانظر: \"جامع البيان\" ٢٩/ ٧٠، و\"الكشف والبيان\" ١٢/ ١٨٢/ أ، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٩٢، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٣٦٥، و\"زاد المسير\" ٨/ ٩٠، و\"لباب التأويل\" ٤/ ٣٠٨، و\"تفسير ابن كثير\" ٤/ ٤٤٦.\n(٤) وقوله: \"إلى الموضع\" يعني -والله أعلم- أن \"الهاء\" في قوله تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ عائدة إلى المكان والموضع لا إلى جهة الله ﷾، وعلوه على خلقه. وهذا القول فيه من المخالفة للمذهب الصحيح، والعقيدة الحقة التي عليها سلف الأمة من أهل السنة والجماعة من إثبات علو الله سبحانه على خلقه. وقد دلت الأدلة على ثبوت صفة العلو لله -سبحانه-، منها آية المعارج هذه: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (٤)﴾. =","vol":"22","page":206},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= قال أسامة القصاص: \" ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ﴾ أي تصعد، فالعروج هو الصعود لم يخالف في ذلك أحد من أهل التفسير، ثم قال: \"إليه\" يعني إلى الله -﷿-، قال الإمام الطبري ﵀: يقول تعالى ذكره: تصعد الملائكة والروح، وهو جبريل -﵇- إليه يعني إلى الله -جل وعز-، والهاء في قوله: \"إليه\" عائدة على اسم الله. [\"جامع البيان\" ٢٩/ ٧٠]. فإذا كانت هذه الملائكة التي هي في السموات تصعد إلى ما هو أعلى منها، ألا يدل هذا على تحتية من هم فوقنا بالنسبة لربهم؟ لا سيما أن هذا العروج يستغرق خمسين ألف سنة، وهو يوم بالنسبة للملائكة، وقال بعضهم -كابن عباس وغيره-: إن ذلك اليوم هو القيامة يجعله الله على الكافرين خمسين ألف سنة لشدته وهوله، وأن الملائكة والروح يعرجون إلى الله في يوم هذا مقداره على الكافرين يوم القيامة. قال محمد بن إسحاق بن خزيمة: مفهوم عندهم -أي العرب- أن المعارج: المصاعد، قال تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾، وإنما يعرج الشيء من أسفل إلى أعلى وفوق، لا من أعلى إلى دون وأسفل، فتفهموا لغة العرب لا تغالطوا\". \"إثبات علو الله على خلقه\" ١/ ١٣٠ - ١٣١ باختصار.\nقال الإمام السعدي في تفسير الآية: ﴿ذِي الْمَعَارِجِ (٣) تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾: \"أي ذي العلو والجلال والعظمة والتدبير لسائر الخلق، الذي تعرج إليه الملائكة بما جعلها على تدبيره، وتعرج إليه الروح\". \"تفسير الكريم الرحمن\" ٥/ ٣٠٣. ومن الأحاديث ما أورده الإمام ابن قدامة في كتابه: \"إثبات صفة العلو\": ٨٣، وابن كثير في تفسيره من حديث طويل في قبض الروح الطيبة، عن أبي هريرة -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: \"إن الميت تحضره الملائكة فلا يزال يقال لها ذلك حتى ينتهى بها إلى السماء التي فيها الله ﷿\". أخرجه ابن ماجه ٢/ ٤٤٠ ح ٤٣١٦، في الزهد، باب ذكر الموت والاستعداد له. وصححه الألباني في \"صحيح سنن ابن ماجه\" ٢/ ٤٢٠ ح ٣٤٣٧. وقال ابن كثير ٤/ ٤٤٦: وهذا إسناد رجاله على شرط الجماعة.\nومن الأحاديث الصريحة أيضًا: قصة معاوية وضربه لجاريته عندما أكل الذئب الشاة له، فقال لها رسول الله -ﷺ-: أين الله؟ قالت: في السماء، قال: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله، قال رسول الله -ﷺ-: \"أعتقها فإنها مؤمنة\". أخرجه مسلم ١/ ٣٨٢: ح ٥٣٧، في المساجد، وانظر: إثبات صفة العلو: ٦٩. والأدلة =","vol":"22","page":207},{"text":"تعالى: ﴿إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي﴾ [الصافات: ٩٩] وأمرني بالذهاب إليه.\nوقوله: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ الأكثرون على أن قوله: (في يوم) من: صلة تعرج (١).\nوقال مقاتل: هذا على التقديم (٢). (التقدير) (٣): بعذاب واقع في يوم (٤).\nواختلفوا في هذا اليوم المقدر (٥) بخمسين ألف سنة. فقال [ابن عباس] (٦): أيام سماها الله هو أعلم بها كيف تكون، وأكره أن أقول فيها ما لا (٧) أعلم (٨). وروى عكرمة عنه قال: هو يوم القيامة (٩).\n_________\n= كثيرة، فليراجع فيها كتاب \"إثبات علو الله على خلقه والرد على المخالفين\" للقصاص، و\"إثبات صفة العلو\" لابن قدامة.\n(١) ومعناه: إن مقدار صعود الملائكة في ذلك اليوم خمسون ألف سنة. وهو قول: مجاهد، وعكرمة، وقتادة، وابن عباس، وابن الزبير. انظر: \"جامع البيان\" ٢٩/ ٧١، و\"التفسير الكبير\" ٣٠/ ١٢٣.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ٢٠٨/ ب.\n(٣) ما بين القوسين ساقط من: (أ).\n(٤) ومعنى قول مقاتل: أي أن الآية في يوم صلة قوله: \"بعذاب\". انظر: \"التفسير الكبير\" ٣٠/ ١٢٣.\n(٥) بياض في: (ع).\n(٦) ما بين القوسين ساقط من النسختين، وورد قوله منسوبًا إليه بنصه في: \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٤٤٧.\n(٧) بياض في: (ع).\n(٨) \"التفسير الكبير\" ٣٠/ ١٢٤، و\"القرطبي\" ١٨/ ٢٨٣، و\"تفسير ابن كثير\" ٤/ ٤٤٧.\n(٩) \"جامع البيان\" ٢٩/ ٧١، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٩٢، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٨/ ٢٨٢، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٤٤٧، وقال: إسناده صحيح.\nوهذا القول له دلالته من حديث أبي هريرة، قال: قال رسول الله -ﷺ-: \"ما من =","vol":"22","page":208},{"text":"وهو (١) قول الحسن، قال: (وليس يعني مقدار (٢) طوله هذا دون غيره، ولو كان كذلك (٣) لكانت له غاية تفنى فيها الجنة والنار، ولكنه [يطول] (٤) موقفهم (٥) للحساب حتى يفصل الناس خمسين (٦) ألف سنة من سني الدنيا، وذلك أن ليوم القيامة (٧) أولًا وليس له آخر؛ لأنه يوم ممدود (٨» (٩).\nوعلى هذا تقدير الآية: كان مقدارَ المحاسبة فيه خمسون ألف سنة.\nوروى عطاء عن ابن عباس قال: يريد يوم القيامة (١٠)، يقول: لو حكم\n_________\n= صاحب كنز لا يؤدي زكاته إلا أحمر عليه في نار جهنم، فيُجعل صفائح، فيكوى بها جنباه وجبينه، حتى يحكم الله بين عباده في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، ثم يرى سبيله إما إلى الجنة، وإما إلى النار\".\nأخرجه مسلم ٢/ ٦٨٢ ح: ٢٦، كتاب الزكاة، باب إثم مانع الزكاة.\n(١) في (أ): هو بغير واو.\n(٢) (وليس يعني مقدار): بياض في: (ع).\n(٣) بياض في: (ع).\n(٤) ورد في النسختين، وكذا عند الثعلبي (يقول)، ولعل الصواب ما أثبته إذ به يتضح المعنى. والله أعلم.\n(٥) بياض في: (ع).\n(٦) في (ع): خمسون.\n(٧) بياض في: (ع).\n(٨) بياض في: (ع).\n(٩) ما بين القوسين من قول الحسن. انظر: \"الكشف والبيان\" ١٢/ ١٨٢/ أ، و\"التفسير الكبير\" ٣٠/ ١٢٣، و\"لباب التأويل\" ٤/ ٣٠٨.\n(١٠) \"جامع البيان\" ٢٩/ ٧١، \"الكشف والبيان\" ١٢/ ١٨٢/ ب، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٩٢، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٣٦٥، و\"زاد المسير\" ٩/ ٩٠، و\"ابن كثير\" ٤/ ٤٤٧.","vol":"22","page":209},{"text":"فيه أعقل خلقي، وأعرفهم بالحكم والقضاء، لأقام خمسين ألف سنة، وإذا أخذ الله في عرضهم يفرغ في مقدار نصف يوم من أيام الدنيا (١).\nوعلى هذا القول يكون تقدير الآية: في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة لو ولي الحساب غير الله. وذكر الكلبي قولًا آخر فقال: تقول تصعد الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره على غيرهم خمسين ألف سنة (٢). وهذا قول وهب، ومحمد بن إسحاق.\nقال وهب: ما بين أسفل الأرض إلى العرش مسيرة خمسين ألف سنة (٣).\nوقال [ابن] (٤) إسحاق: لو سار بنو آدم من الأرض إلى العرش لساروا خمسين ألف سنة (٥).\nوالتقدير على هذا القول: في يوم كان مقداره من عُروج غيرهم خمسين ألف سنة. وهذا قول مجاهد.\nوجمع (٦) بين هذه الآية، وقوله: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [السجدة: ٥]، فقال: يسار خمسين ألف سنة من أسفل الأرضين السبع إلى العرش، ومن السماء الدنيا إلى الأرض ألف سنة للنزول والصعود:\n_________\n(١) \"لباب التأويل\" ٤/ ٣٠٨، وعزاه إلى ابن عباس.\n(٢) \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٨/ ٢٨١، و\"فتح القدير\" ٥/ ٢٨٨.\n(٣) السابق.\n(٤) ورد في كلا النسختين: (أبو)، وهو خطأ ظاهر، والصواب ما أثبته، وقد ورد التصريح باسمه وبقوله في: الكشف.\n(٥) غير واضحة في: (ع).\n(٦) أي مجاهد.","vol":"22","page":210},{"text":"خمسمائة نزولًا، وخمسمائة صعودًا (١).\nوروي عن الحكم (٢)، وعكرمة (٣) أنهما قالا: الدنيا من أولها إلى آخرها يوم مقداره خمسون ألف سنة، لا يدري أحدٌ كم مضى، ولا كم بقي إلا الله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4665>٥ </span>- قوله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا (٥)﴾ قال مقاتل: فاصبر يا محمد على تكذيبهم إياك بأن العذاب غير كائن، صبرًا لا جزع فيه (٤).\nقال الكلبي: هذا قبل أن يؤمر (٥) بالقتال (٦).\n_________\n(١) \"جامع البيان\" ٢٩/ ٧١، و\"الكشف والبيان\" ١٢/ ١٨٢/ أ، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٨/ ٢٨٢، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٤٤٧.\n(٢) \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٨/ ٢٨٢، وعزا ابن كثير الراوية إلى الحكم بن أبان عن عكرمة، فأورد الرواية من طريقه: \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٤٤٧.\n(٣) ورد قوله في: غرائب التفسير وعجائب التأويل: للكرماني: ٢/ ١٢٥١، وقد اعتبره الكرماني من عجيب القول، انظر: البرهان في توجيه متشابه القرآن للمؤلف السابق: ١٥٤، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٨/ ٢٨٢، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٤٤٧.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ٢٠٨/ ب، و\"فتح القدير\" ٥/ ٢٨٩ مختصرًا.\n(٥) بياض في: (ع).\n(٦) ورد قوله في: \"التفسير الكبير\" ٣/ ١٢٥. وأبطل ابن الجوزي دعوى النسخ فقال: \"وزعم قوم، منهم ابن زيد، أن هذا كان قبل الأمر بالقتال، ثم نسخ بآية السيف. نواسخ القرآن: ٢٤٥، المصفَّى بأكف أهل الرسوخ من علم الناسخ والمنسوخ: ٥٨، وكلاهما لابن الجوزي. وممن قال بالنسخ: هبة الله بن سلامة في \"الناسخ والمنسوخ\" ١٨٤، وابن البارزي في \"ناسخ القرآن العزيز ومنسوخه\" ٥٤. والصحيح -والله أعلم- أن الآية ليس فيها ما يدل على دعوى النسخ، إذ الأمر بالصبر على الأذى ليس فيه ما يتعارض مع القتال.","vol":"22","page":211},{"text":"﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ﴾ يرون العذاب. ﴿بَعِيدًا﴾. غير كائن. ﴿وَنَرَاهُ قَرِيبًا (٧)﴾ كائنًا؛ لأن ما هو آت قريب.\nثم أخبر متى يقع بهم العذاب فقال: ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ (٨)﴾ ذكرنا تفسير (المهل) عند قوله: ﴿بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ﴾ (١).\nقال ابن عباس: كدُرْديِّ (٢) الزيت (٣).\nوروى عنه عكرمة: كعكر (٤) القطران (٥).\n_________\n(١) سورة الكهف: ٢٩، ومما جاء في تفسير المهل: قال أبو عبيد: المهل: كل فِلِّز أذيب. وروي في حديث أبي بكر -﵁- أنه أوصى في موضعه فقال: ادفنوني في ثوبي هذين، فإنما هما للمهل والتراب. قال أبو عمرو: المهل في شيئين، هو في حديث أبي بكر: القيح والصديد، وفي غيره درديّ الزيت. وقال الليث: المهل: ضرب من القَطِران. وعن شمر: قال: المهل: الملة إذا حميت جدًّا رأيتها تموج. وعن سعيد بن جبير مرفوعًا: أنه كعكر الزيت. وعن ابن عباس: كدردي الزيت، وعنه أيضًا: هو عكر القطران. وعن مجاهد: القيح والدم. وعن ابن مسعود: أنه سئل عن المهل، فدعا بذهب وفضة، فخالطهما فأذيبا حتى إذا أزبدا وامّاعا قال: هذا أشبه شيء في الدنيا بالمهل الذي هو شراب أهل النار. وإلى هذا القول ذهب من قال: المهل هو الذي قد انتهى حرُّه. وهو اختيار الزجاج، قال: يعني أنهم يغاثون بماء كالرصاص المذاب، أو الصفر، أو الفضة.\n(٢) دردي الزيت: هو ما يبقى في أسفله، وأصله ما يركد في أسفل كل مائع كالأشربة والأدهان. \"لسان العرب\" ٣/ ١٦٦، (درد)، وانظر: \"الصحاح\" ٢/ ٤٧٠.\n(٣) \"زاد المسير\" ٨/ ٩٥، و\"التفسير الكبير\" ٣٠/ ١٢٥، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٨/ ٢٨٤، و١٠/ ٣٩٤ عند تناوله الآية ٢٩ من سورة الكهف، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٤٤٨، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٢٨٢، وعزاه إلى الطستي، وانظر أيضًا: ٥/ ٣٨٥ وعزاه في هذا الموضع إلى ابن المنذر، وابن أبي حاتم.\n(٤) العكر: آخر الشيء وخاثره من شراب وماء ودُهن. انظر: \"الصحاح\" ٢/ ٧٥٦ (عكر)، و\"المصباح المنير\" ٢/ ٥٠٦ (عكر).\n(٥) لم أعثر على مصدر لقوله.","vol":"22","page":212},{"text":"وقال الحسن: مثل الفضة إذا أذيبت (١)، وهو قول عبد الله (٢).\n﴿وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ (٩)﴾ معنى العهن في اللغة: الصوف المصبوغ، والقطعة (٣): عهنة، والجميع: العُهُون.\nوقال الليث: يقال لكل صوف عِهِن (٤).\nوالمفسرون يقولون: كالصوف المنفوش (٥).\nوبعضهم (٦) يقول: كالصوف الأحمر؛ وذلك أن الجبال (٧) تصير رملًا مهيلًا، ثم تصير كالعهن المنفوش في خفتها وسيرها، ثم تصير هباءً منثورًا.\nقوله: ﴿وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا (١٠)﴾ قال ابن عباس: الحميم: القريب الذي تغضب له ويغضب لك (٨).\n_________\n(١) \"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٩٣، و\"التفسير الكبير\" ٣٠/ ١٢٥، و\"لباب التأويل\" ٤/ ٣٠٩.\n(٢) أي عبد الله بن مسعود. انظر قوله في: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٩٣، و\"التفسير الكبير\" ٣٠/ ١٢٥، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٨/ ٢٨٤.\n(٣) في (أ): القطعنة.\n(٤) ورد قوله في \"تهذيب اللغة\" ١/ ١٤٥ مادة: (عهن). وانظر مادة (عهن) في: تهذيب اللغة، المرجع السابق، \"الصحاح\" ٦/ ٢١٦٩، و\"لسان العرب\" ١٣/ ٢٩٦، و\"تاج العروس\" ٩/ ٢٧٦.\n(٥) وهو قول: مجاهد، وقتادة كما في: \"جامع البيان\" ٢٩/ ٧٣، وقول مقاتل كما في: \"الكشف والبيان\" ١٢/ ١٨٣/ أ، وقول السدي كما في: \"ابن كثير\" ٤/ ٤٤٨، وانظر: تفسير السدي الكبير ٤٦١. وإليه ذهب الزجاج في \"معاني القرآن\" ٥/ ٢٢٠.\n(٦) كالحسن، انظر: \"الكشف والبيان\" ١٢/ ١٨٣/ أ، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٩٣، وهو في \"لباب التأويل\" ٤/ ٣٠٩ من غير عزو، وقوله من \"كالصوف الأحمر\" إلى: \"هباء منثورًا\".\n(٧) بياض في: (ع).\n(٨) \"التفسير الكبير\" ٣٠/ ١٢٥.","vol":"22","page":213},{"text":"يقول: لا يُسأل قرابة عن قرابته (١) إشغالًا بنفسه عنهم.\nوقال مقاتل: يقول لا يسأل الرجل قرابته من شدة الأهوال (٢).\n(والمعنى: لا يسأل الحميم عن حميمه في ذلك اليوم؛ لأنه يذهل عن ذلك ويشتغل عنه بشأنه، ألا ترى قوله: ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ﴾ [الحج: ٢]، وقوله: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤)﴾ [عبس: ٣٤]، وقوله: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (٣٧)﴾ [عبس: ٣٧].\nفقوله: ﴿وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا (١٠)﴾ (٣) (٤) من قولك: سألت زيدًا، أي: سألته عن حاله وأمره.\nويجوز أن يكون المعنى: لا يَسْأل عن حميمه، فيُحذف الجار، ويوصل الفعل (٥).\nوروي عن ابن كثير: ﴿وَلَا يُسْأَلُ﴾ بضم الياء (٦)، والمعنى: لا يُسأل\n_________\n(١) هذه العبارة من قول الزجاج في: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٢٠ بيانًا منه لمعنى قراءة الضم في: \"يُسأل\".\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ٢٠٩/ أ، و\"زاد المسير\" ٨/ ٩١.\n(٣) في (أ): عن حميم.\n(٤) في (أ): زيادة: (ليعرف شأنه من جهته حميمًا)، وهي زيادة لم ترد في الحجة، ولا فائدة من إثباتها.\n(٥) من قوله: \"والمعنى: لا يَسْأل الحميم عن حميمه في ذلك اليوم\" إلى: \"ويوصل الفعل\". في بيان معنى من قرأ: \"يَسأل\" بفتح الياء. وقد قرأ بذلك: نافع، وابن عامر، وعاصم، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي، ويعقوب، وخلف. انظر: \"كتاب السبعة في القراءات\" ٦٥، و\"الحجة\" ٦/ ٣٢٠، و\"حجة القراءات\" ٧٢٢، و\"تحبير التيسير\" ١٩٢، و\"النشر\" لابن الجزري ٢/ ٣٩٠، و\"إتحاف فضلاء البشر\" للبنا: ٤٢٣، و\"البدور الزاهرة\" لعبد الفتاح القاضي ٣٢٤.\n(٦) انظر مواضع قراءته في المراجع السابقة.","vol":"22","page":214},{"text":"حميم عن حميمه ليعرف شأنه من جهته، كما يتعرف خبر الصديق من جهة صديقه، والقريب عن قريبه، وهذا أيضًا على حذف الجار) (١).\nوقال الفراء: أي لا يقال لحميم: أين حميمك؟ قال: ولست أشتهي ضم الياء؛ لأنه مخالف للتفسير، ولما أجمع عليه القراء (٢).\nقوله: ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾ (يقال: بصرت به أبصر، قال الله تعالى: ﴿بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ﴾ [طه: ٩٦].\nوتقول: بصَّرني زيدٌ كذا، فإذا بنيت الفعل للمفعول به، وقد حذفت الجار قلت: بُصِّرتُ [زيدٌ] (٣)، فعلى هذا ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾، وإنما جمع فقيل: (يبصَّرونهم) لأن الحميم (٤)، وإنس كان مفردًا في اللفظ، فالمراد به الكثرة والجمع، يدلك على (٥) ذلك قوله: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (١٠٠) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ (١٠١)﴾ [الشعراء: ١٠٠ - ١٠١].\nومعنى: (يبصرونهم): يعرفونهم، ويرونهم، أي: يعرف الحميم الحميم حتى يعرفه (٦)، ومع ذلك لا يسأله عن شأنه لشغله بنفسه (هذا معنى\n_________\n(١) ما بين القوسين نقله الإمام الواحدي عن الفارسي باختصار. انظر: \"الحجة\" ٦/ ٣٢٠ - ٣٢١.\n(٢) \"معاني القرآن\" ٣/ ١٨٤ نقله عنه الواحدي بتصرف يسير.\n(٣) في النسختين: زيدًا، وأثبت ما جاء في الحجة لصوابه.\n(٤) بياض في: (ع).\n(٥) ما بين القوسين نقله الواحدي عن الفارسي بتصرف. \"الحجة\" ٦/ ٣٢٠. وهذا القول في بيان صحة جواز حذف الجار، ثم وصل الفعل بالاسم الذي كان مجرورًا قبل حذف الجار، فينتصب لأنه مفعول الاسم الذي أسند إليه الفعل الممني للمفعول به.\n(٦) بياض في: (ع).","vol":"22","page":215},{"text":"قول المفسرين) (١).\nقال مقاتل: يعني يعرفونهم فلا يكلمونهم (٢).\nقالوا (٣): (وليس في القيامة مخلوق إلا وهو نصب عين صَاحبه من الجن والإنس، فيبصر الرجل أباه وأخاه وقرابته وعشيرته، ولا يسأله، ويبصر الرجل حميمه فلا يكلمه لاشتغالهم بأنفسهم) (٤).\nوتمام الكلام الأول عند قوله: ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾ (٥)، وهذا يدل على صحة قراءة العامة، ومعنى القراءة الثانية لا تتصل بقوله: ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾.\nقوله تعالى: ﴿يَوَدُّ الْمُجْرِمُ﴾ قال المفسرون: يعني المشرك الكافر (٦).\n_________\n(١) ما بين القوسين ساقط من (أ). وممن قال بذلك: قتادة، وابن عباس. انظر: \"جامع البيان\" ٢٩/ ٧٣ - ٧٤، وعزاه فقط إلى ابن عباس في: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٩٣، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٣٦٦، و\"زاد المسير\" ٨/ ٩١.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ٢٠٩/ أ.\n(٣) لعله عني بذلك الثعلبي، لأن ما ساقه ورد بنصه عنه كما في: \"الكشف والبيان\" ١٢/ ١٨٣/ أ، وانظر: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٩٣، و\"لباب التأويل\" ٤/ ٣٠٩.\n(٤) ما بين القوسين أورده الثعلبي بنصه في: الكشف والبيان. انظر: الحاشية السابقة.\n(٥) وهو أيضًا تام عند أبي حاتم، وحسن عند الأشموني. انظر: \"القطع والائتناف\" للنحاس: ٢/ ٧٦٠، و\"المكتفى في الوقف والابتداء\" للداني: ٥٨٦، و\"منار الهدى في بيان الوقف والابتداء\" للأشموني: ٤٠٤.\n(٦) قال بذلك: ابن جرير، والثعلبي، والبغوي، وقال ابن عطية: المراد في هذه الآية الكافر؛ بدليل شدة الوعد، وابن الجوزي، والفخر، والقرطبي، والخازن. وذكر الفخر قولًا آخر، وهو: أن الآية تتناول كل مذنب. انظر: \"جامع البيان\" ٢٩/ ٧٥، و\"الكشف والبيان\" ١٢/ ١٨٣/ أ، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٩٣، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٣٦٧، و\"زاد المسير\" ٨/ ٩١، و\"التفسير الكبير\" ٣٠/ ١٢٦، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٨/ ٢٨٦، و\"لباب التأويل\" ٤/ ٣٠٩.","vol":"22","page":216},{"text":"قوله: ﴿وَفَصِيلَتِهِ﴾ فصيلة الرجل: رَهْطُه الأدْنَوْن (١)، وكان يقال للعباس: فصيلة النبي -ﷺ-. قاله أبو عبيد (٢).\nوقال الليث: الفصيلة: فَخِذ الرجل (٣) من قومه الذي هو منهم (٤).\nوقال أبو عبيدة، (٥) والمبرد (٦): الفصيلة دون القبيلة في النسب، أي أقرب وأخص من القبيلة. وقال رؤبة:\nوالناسُ إن فَصَّلْتُهُمْ فصائلا (٧)\nكلٌّ إلينا يَبْتَغي الوَسائِلا\nوقال أبو العباس: الفصيلة: القِطْعة من أعضاء الجسد (٨)، وهي دون القبيلة (٩). وعشيرة الرجل سميت فصيلة تشبيهًا بالبعض منه.\nقال ابن عباس: يريد عشيرته وأقاربه التي ينتهي إليه (١٠).\nوقال مقاتل: يعني فخذه الأدنى يأوي إليهم (١١).\n_________\n(١) بياض في: (ع).\n(٢) \"تهذيب اللغة\" ١٢/ ١٩٢ فصل، وانظر قوله أيضًا في: \"التفسير الكبير\" ٣/ ١٢٧.\n(٣) بياض في: (ع).\n(٤) المرجع السابق.\n(٥) \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٦٩، وعبارته فيه: \"دون القبيلة، الشعوب أكثر من القبائل، ثم الفصيلة فخذ الرجل التي تؤويه\".\n(٦) الجامع لأحكام القرآن بمعناه: ١٨/ ٢٨٦.\n(٧) ورد البيت في: \"ديوانه\" ١٢٢، وفي \"الكامل\" ٣/ ١٠٩٢.\n(٨) في (ع). الرجل، وكتبت في الهامش: (الجسد) من النسخة نفسها.\n(٩) \"تهذيب اللغة\" ١٢/ ١٩٢ مادة: (فصل).\n(١٠) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(١١) \"تفسير مقاتل\" ٢٠٩/ أ.","vol":"22","page":217},{"text":"يقول الله تعالى: ﴿يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي﴾ بهذه الأشياء ﴿ثُمَّ يُنْجِيهِ﴾ ذلك الفداء. ﴿كَلَّا﴾ لا ينجيه ذلك، ولو افتدى به كله. ثم استأنف فقال: ﴿إِنَّهَا لَظَى﴾ (ولظى من أسماء النار نعوذ بالله منها، وهي معرفة لا تنصرف؛ فلذلك لا تنون. وقال الليث: اللظى: اللهب الخالص (١)، ويقال: لَظيت النارُ، تلظى لظًى (٢)، وتلظت (٣) تلظيًا، ومنه قوله تعالى: ﴿نَارًا تَلَظَّى﴾ [الليل: ١٤]) (٤).\nوقوله: ﴿نَزَّاعَةً﴾ مرفوعة (٥) على وجوه:\nأحدها: أن تجعل (الهاء) في (إنها) عمادًا (٦)، وتجعل (لظى) اسم (إن)، و(نزاعة (٧» خبر (إن)، كأنه قيل: إن لظى نزاعة.\nوالآخر: أن تجعل (٨) (الهاء) ضميرًا للقصة، وهو الذي يسميه الكوفيون: المجهول، وتكون \"لظى\"، و(نزاعة) خبرًا لـ (إن)، كما تقول:\n_________\n(١) تهذيب اللغة: ١٤/ ٣٩٥، (لظى)، وانظر: \"لسان العرب\" ١٥/ ٢٤٨، (لظى).\n(٢) في (ع): لظًا.\n(٣) في (أ): تلظيت.\n(٤) ما بين القوسين نقله الواحدي عن الأزهري في \"تهذيب اللغة\" بتصرف يسير.\n(٥) قرأ بالرفع في: ﴿نَزَّاعَةً﴾ عامة القراء: نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، وأبو بكر عن عاصم، وحمزة، والكسائي، وجعفر، ويعقوب، وخلف. انظر: \"الحجة\" ٦/ ٣١٩، و\"المبسوط\" ٣٨١، و\"التبصرة\" لمكي ٧٠٨، و\"إتحاف فضلاء البشر\" ٤٢٤.\n(٦) أي: ضميرًا منفصلًا، ولفظ \"العماد\" من اصطلاحات الكوفيين، وسموه بذلك لأنه يعتمد عليه في الفائدة، إذ به يتبين أن الثاني خبر لا تابع، وبعض الكوفيين يسميه: دعامة؛ لأنه يدعم به الكلام، أي: يُقَوَّى ويُؤَكَّدُ. انظر: \"نحو القراء الكوفيين\" ٣٤١.\n(٧) بياض في: (ع).\n(٨) في (أ): يجعل.","vol":"22","page":218},{"text":"حُلْوٌ حامِضٌ تريد أنه قد جمع الطعمين. والمعنى: أن القصة والخبر لظى نزاعة (١) للشوى.\nوالوجه الثالث: أن يرفع على الذم بإضمار (هي) على معنى: هي نزاعة (٢). وهذا قول الأخفش (٣)، والفراء (٤)، والزجاج (٥).\nومن قرأ (نزاعةً) بالنصب (٦)، قال أبو إسحاق: أما نصب (نَزَّاعة) فعلى أنها حال مؤكدة، كما قال: ﴿وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا﴾ [البقرة: ٩١]، وكما تقول: أنا زيدٌ معروفًا؛ قال (٧): ويجوز أن يُنصب على معنى: أنها تتلظى نزاعة للشوى (٨).\nقال أبو علي: (حمله على الحال يبعد، وذلك لأنه ليس في الكلام ما يَعمل في الحال، فإن قلت: في قوله: (لظى) معنى (على) (٩) التلظي، والتلهب، فإن ذلك لا يستقيم؛ لأن لظى معرفة لا تنتصب عنها الأحوال، ألا ترى أن ما استعمل استعمال الأسماء من اسم فاعل، أو مصدر لم يعمل\n_________\n(١) من قوله: \"وهو الذي يسميه الكوفيون\" إلى: \"والخبر لظى\" مكرر في نسخة: (ع، و) أحدهما في غير موضعه الصحيح، وهو خطأ من الناسخ.\n(٢) بياض في: (ع).\n(٣) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٤) \"معاني القرآن\" ٣/ ١٨٥، نقله الواحدي بالمعنى، ولم يذكر الفراء إلا وجهين فقط.\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٢١، ونقل الإمام الواحدي أغلب النص عنه.\n(٦) ممن قرأ بالنصب في: \"نزاعة\": حفص عن عاصم. انظر: الحجة: ٦/ ٣١٩، كتاب التبصرة: ٧٠٨، و\"إتحاف فضلاء البشر\": ٤٢٤.\n(٧) أي: أبو إسحاق الزجاج.\n(٨) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٢١ بنصه.\n(٩) ساقط من: (ع).","vol":"22","page":219},{"text":"عمل الفعل نحو: صاحب، ودَرٍّ (١) في قولك: لله دَرُّك، فإن لم يعمل هذا النحو الذي هو اسمُ فاعل، أو مصدر عمل الفعل من حيث جرى مجرى الأسماء، فأن لا يعمل الاسم المعرفة عمله أولى. ويدلك على تعرف هذا الاسم وكونه علمًا أن التنوين لم تلحقه، فإذا كان كذلك لم تنتصب الحال عنه، فإن جعلتها مع تعريفها قد صارت معروفة بشدة التلظي، جاز أن تنصبه بهذا المعنى الحادثِ في العَلَم، وإن علّقت (نزاعة) بفعل مضمر نحو: أعنيها نزاعة للشوى لم يمتنع) (٢).\nوالشوى: الأطراف، وهي: اليدان (٣)، والرجلان، ومنه قول امرئ القيس:\nسليم الشظى (٤) عَبْلِ الشَّوَى شَنِجِ النَّسا (٥) (٦)\n_________\n(١) الدر: العمل من خير وشر، ومنه قولهم: لله دَرُّك، يكون مدحًا، ويكون ذمًّا. انظر \"تهذيب اللغة\" ١٤/ ٦١، مادة: (درر).\n(٢) ما بين القوسين من قول أبي علي؛ نقله عنه باختصار. \"الحجة\" ٦/ ٣١٩ - ٣٢٠.\n(٣) بياض في: (ع).\n(٤) في (ع): (الشظا).\n(٥) في (ع): (شيخ النسا وعبل الشوى) تقديم وتأخير.\n(٦) هذا صدر بيت، وعجزه:\nلَه حَجَبَاتٌ مُشرِفاتٌ على الفالي\nوقد ورد البيت في: \"ديوانه\" ١٤٣، دار صادر، و\"الأضداد\" لابن الأنباري: ٢٣٠، و\"الكشف والبيان\" ١٢: ١٨٤/ أ، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٨/ ٢٨٩. ومعناه: الشظى: عظم لاصق بالذراع. الشوى: اليدان والرجلان، الشنج: الصلب، النسا: عرق في الفخذ، الحجبات: رؤوس عظام الوركين. الفالي: اللحم الذي على الورك، وأصله الفائل. كما ورد الشطر الأول من البيت منسوبًا لدريد بن الصمة في شعر يرثي به عبد الله أخاه، وقد قتلته بنو عبس، قال: =","vol":"22","page":220},{"text":"ومن هذا يقال للرامي إذا لم يصب القتل: أشوى، أي أصاب الشوى، والشوى ليس بمقتل، والشوى أيضًا جلد الرأس، واحدتها شواة.\nومنه قول الأعشى:\nقالتْ قُتَيْلَةُ ما لَه ... قدجُلِّلَتْ شَيْبًا شَواتُه (١)\n(هذا قول جميع أهل اللغة (٢» (٣).\nقال مقاتل: تنزع النار الهامة (٤) والأطراف، فلا تترك لحمًا ولا جلدًا إلا أحرقته (٥).\n_________\n= سَليم الشَّظَى عَبْلِ الشَّوى شنجِ النسا ... طويلِ القَرا نهْدٍ أسيلِ المُقَلَّدِ\nانظر: \"ديوان دريد بن الصمة\": ٥١.\n(١) ورد البيت في \"ديوانه\" ١٣٨، وانظر: مادة: (شوى) من غير نسبة في \"تهذيب اللغة\" ١١/ ٤٤٢، و\"الصحاح\" ٦/ ٢٣٩٩، و\"لسان العرب\" ١٤/ ٤٤٧، و\"تاج العروس\" ١٠/ ٢٠٤، كتاب \"الأضداد\" لابن الأنباري ٢٣٠، و\"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٦٨، و\"جامع البيان\" ٢٩/ ٧٦، و\"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣٢٠، و\"النكت والعيون\" ٦/ ٩٣، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٣٦٥، و\"التفسير الكبير\" ٣٠/ ١٢٨، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٨/ ٢٨٨، و\"إعراب القراءات السبع\" لابن خالويه ٢/ ٣٩٠، و\"البحر المحيط\" ٨/ ٣٣٠، و\"الدر المصون\" ٦/ ٣٧٧، و\"فتح القدير\" ٥/ ٢٩٠، و\"روح المعاني\" ٢٩/ ٦٠.\n(٢) انظر: الفراء في \"معاني القرآن\" ٣/ ١٨٥، أبو عبيدة في: \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٦٨، الزجاج في: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٢١، وانظر أيضًا: كتاب حروف الممدود والمقصور: لابن السكيت؛ تح د. حسن فرهود: ١١٧، و\"تهذيب اللغة\"، و\"الصحاح\"، و\"لسان العرب\"، و\"تاج العروس\" مراجع سابقة.\n(٣) ما بين القوسين ساقط من: (ع).\n(٤) بياض في: (ع).\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ٢٠٩/ أ، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٩٤، و\"بحر العلوم\" ٣/ ٤٠٤.","vol":"22","page":221},{"text":"وأكثر المفسرين (١) على أنها: الأطراف، (وهو قول مجاهد (٢) (٣».\nوقال سعيد بن جبير: للعصب والعقب (٤).\nوقال أبو إسحاق: لحم (٥) الساقين (٦).\nوقال ثابت البناني: لمكارم وجه بني آدم (٧).\nقوله تعالى: ﴿تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى (١٧)﴾ قال ابن عباس: تدعو (٨) من أدبر عن الإسلام، ودعاؤها أن تقول: إليَّ يا مشرك، إليَّ يا كافر، إليَّ يا منافق، إليَّ يا فاسق، إليَّ يا ظالم (٩).\n_________\n(١) قال بذلك: قتادة، وأبو صالح. انظر: \"بحر العلوم\" ٣/ ٤٠٣، و\"النكت\" ٦/ ٩٣، و\"القرطبي\" ٨/ ٢٨٩، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٢٨٢، وعزاه إلى ابن المنذر عن أبي صالح، و\"فتح القدير\" ٥/ ٢٩٠. وبه قال الفراء في \"معاني القرآن\" ٣/ ١٨٥، والزجاج في \"معاني القرآن\" ٥/ ٢٢١، وأبو عبيدة في \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٦٨، وإليه ذهب الطبري في \"جامع البيان\" ٢٩/ ٧٦، والبغوي في \"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٩٤.\n(٢) \"الدر المنثور\" ٨/ ٢٨٢، وعزاه إلى ابن أبي شيبة.\n(٣) ما بين القوسين ساقط من: (أ).\n(٤) \"الكشف والبيان\" ١٢/ ١٨٣/ ب، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٩٤، و\"زاد المسير\" ٨/ ٩٢، و\"التفسير الكبير\" ٣٠/ ١٢٨. ومعنى العَصَب -بفتحتين-: أطناب المفاصل التي تُلائم بينها وتشدها. انظر: \"لسان العرب\" ١/ ٦٠٢ (عصب)، و\"المصباح المنير\" ٢/ ٤٩٢. والعقب -أيضًا بفتحتين-: أطناب المفاصل، وبكسر القاف: مؤخر القدم، والمراد هنا المعنى الأول. انظر: \"المصباح المنير\" ٢/ ٥٠٠، (عقب).\n(٥) في (ع): للحم.\n(٦) بياض في (ع). ولم أعثر على مصدر لقول أبي إسحاق.\n(٧) \"الكشف والبيان\" ١٢/ ١٨٣/ ب، و\"التفسير الكبير\" ٣/ ١٢٨، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٢٨٢، وعزاه إلى ابن المنذر، و\"فتح القدير\" ٥/ ٢٩٠.\n(٨) في كلا النسختين: تدعوا.\n(٩) لم أعثر على مصدر لقوله، وقد ورد من غير عزو في \"فتح القدير\" ٥/ ٢٩٠.","vol":"22","page":222},{"text":"وقال مقاتل: تدعو (١) النار يوم القيامة: إليَّ أهلي، إليَّ أهلي (٢).\nفهذا دعاؤها، وهذا قول المفسرين؛ قالوا: تدعُو من أدبر عن الحق باسمه (٣).\nوقال المبرد: تدعو معناه بعذاب (٤).\nروى عمرو عن أبيه: الداعي المعذب دعاه الله، أي: عذبه (٥).\n(قوله تعالى) (٦): ﴿وَجَمَعَ فَأَوْعَى (١٨)﴾ قالوا: جمع المال، فأمسكه ولم ينفقه في طاعة الله (٧).\n_________\n(١) بياض في: (ع).\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ٢٠٩/ أ.\n(٣) وهو قول ابن عباس. انظر: \"الكشف والبيان\" ١٢/ ١٨٤/ أ، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٩٤، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٣٦٥، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٨/ ٢٨٩، و\"لباب التأويل\" ٤/ ٣٠٩. وقال به الفراء في: \"معاني القرآن\" ٣/ ١٨٥، والزجاج في: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٢١ - ٢٢٢.\n(٤) و(٥) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٦) ما بين القوسين ساقط من: (ع).\n(٧) عني بقوله: قالوا: أي أهل التفسير، وممن قال بذلك: مجاهد كما في: \"جامع البيان\" ٢٩/ ٧٨، وعبارته: \"جمع المال\". وقال بذلك أيضًا: الثعلبي في: \"الكشف\" ١٢: ١٨٤/ أ، والماوردي في \"النكت والعيون\" ٦/ ٩٤، وانظر: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٩٤، وبمعناه قال الفخر في: \"التفسير الكبير\" ٣٠/ ١٣٨، وقد حكاه القرطبي في: \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٨/ ٢٨٩، وابن كثير في: \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٤٤٩. ومعنى أوعى لغة: يقال: أوعيت الزاد والمتاع: إذا جعلته في الوعاء. انظر: \"الصحاح\" ٦/ ٢٥٢٥ مادة: (وعى). وقال ابن فارس: \"الواو والعين والياء: كلمة تدل على ضم الشيء\". \"معجم مقاييس اللغة\": ٦/ ١٢٤ مادة: (وعى).","vol":"22","page":223},{"text":"ومعنى أوعى: جعله في وعاء، فلم يؤد منه زكاة، ولم يصل منه رحما.\n(قوله تعالى) (١): ﴿الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (١٩)﴾ يقال: هلع الرجل، يهْلَع هَلَعًا وهلاعًا، فهو هالِع وهلُوع، وهو شدة الحرْص، وقلة الصبر، يقال: جَاعَ فهلع، وأصيب فهلع، أي قلّ صبرُه.\nقال عمرو بن مَعْديكرب:\nما إن جزِعْتُ ولا هَلَعْـ ... ـتُ ولا يرد بكاي (٢) زَنْدا (٣)\nهذا قول جماعة (٤) أهل اللغة (٥).\nوقال الفراء: الهلوع: الضجور (٦) (٧).\nوقال المبرد: الهلع، والجزع: يقال (٨): نعوذ بالله من الهَلَع عند\n_________\n(١) ما بين القوسين ساقط من: (ع).\n(٢) في (أ): بكا.\n(٣) ورد البيت في: \"شعر عمرو بن معدي كرب الزبيدي\"، جمع مطاع الطرابيشي: ٦٥. ومعنى البيت: الهلع: أفحش أنواع الجزع؛ لأنه جزع مع قلة الصبر، فكأنه قال: ما جزعت عليه حزنًا هينًا ولا فظيعًا، وهذا نفي للحزن رأسًا. وقوله: ولا يرد بكاي زندا: يستعملون الزَّنْد في معنى القلة، كما يستعملون الفُوف والنقير والقطمير. انظر: شعر عمرو بن معدي كرب: المرجع السابق (الحاشية).\n(٤) في (ع): جميع.\n(٥) انظر مادة (هلع) في \"تهذيب اللغة\" ١/ ١٤٤، و\"الصحاح\" ٣/ ١٣٠٨، و\"لسان العرب\" ٨/ ٣٧٤ - ٣٧٥، و\"تاج العروس\" ٥/ ٥٦٠.\n(٦) غير واضحة في (ع).\n(٧) ورد قول الفراء في: \"معاني القرآن\" ٣/ ١٨٥ بنصه.\n(٨) في (أ): تقول.","vol":"22","page":224},{"text":"منازلة الأقران (١) (٢).\nوأكثر المفسرين (٣) وأهل اللغة (٤) قالوا: تفسير الهلوع:\n(قوله تعالى) (٥): ﴿إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (٢٠) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (٢١)﴾، وهو الحريص الجازع.\nوألفاظ المفسرين في هذه قريبة المعنى؛ بعضها من بعض، قالوا: هو الجزع، الضجور، الشره، في ألفاظ كثيرة تعود إلى هذا المعنى (٦).\n_________\n(١) غير واضحة في: (ع).\n(٢) ورد قول المبرد في: \"الكامل\" ٣/ ١٠٩٢، ونقله الواحدي عنه بتصرف. ويراد بالأقران، ومفرده القِرْن -بالكسر-: الكُفْءُ، والنظير. انظر: \"لسان العرب\" ١٣/ ٣٣٧، (قرن).\n(٣) وهو قول ابن عباس، انظر: \"جامع البيان\" ٢٩/ ٧٨، و\"النكت والعيون\" ٦/ ٩٤، و\"زاد المسير\" ٨/ ٩٢، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٢٨٣، وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وبه قال أيضًا: ابن كثير ٤/ ٤٤٩.\n(٤) وبه قال الفراء، وأبو عبيدة، والزجاج. انظر: \"معاني القرآن\" ٣/ ١٨٥، و\"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٧٠، و\"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٢٢.\n(٥) ما بين القوسين ساقط من: (ع).\n(٦) والأقوال التي جاءت في تفسير: \"الهلوع\" عدها الماوردي سبعة أوجه: منها ما جاء عن ابن عباس. انظر: الحاشية السابقة. والآخر: الحريص على ما لا يحل له. وهو قول ابن عباس أيضًا. انظر: \"الكشف والبيان\" ١٢: ١٨٤/ أ، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٩٤، و\"زاد المسير\" ٨/ ٩٣، و\"لباب التأويل\" ٤/ ٣٠٩. والثالث: الجزوع. قاله ابن زيد، وقتادة. انظر: \"تفسير القرآن\": لعبد الرزاق: ٢/ ٣١٧ معزوًا إلى قتادة فقط، جامع البيان، و\"الكشف والبيان\" مرجعان سابقان، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٢٨٤، وعزاه إلى ابن المنذر، وعبد الرزاق عن قتادة، وإليه ذهب اليزيدي، ومكي بن أبي طالب. انظر: \"غريب القرآن وتفسيره\" ٣٨٩، و\"تفسير المشكل من غريب القرآن العظيم\": ٣٥٦. والرابع: البخيل. قاله الحسن، =","vol":"22","page":225},{"text":"ثم نعته فقال: ﴿إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (٢٠)﴾. يعني البؤس والفقر. ﴿جَزُوعًا﴾ لا يصبر، ولا يحتسب.\n﴿وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ﴾ إذا أصاب المال. (منوعا) يمنعه من حقوق الله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4666>٢٢ </span>- ﴿إِلَّا الْمُصَلِّينَ (٢٢)﴾ وذلك أن الإنسان اسم الجنس، فهو في معنى الناس (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-4667>٢٣ </span>- وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ (٢٣)﴾ قال عبد الله (٢) (٣)، وابن عباس (٤): يعني على مواقيتها يقيمونها في أوقاتها.\n_________\n= والضحاك. انظر: \"زاد المسير\" ٨/ ٩٣. والخامس: الشره. قاله مجاهد، وابن عباس. المرجع السابق، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٢٨٤، وعزاه إلى ابن المنذر عن ابن عباس. والسادس: الضجور: قاله عكرمة، وقتادة، ومقاتل. انظر المرجع السابق، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٨/ ٢٩٠، وإليه ذهب السجستاني في \"نزهة القلوب في تفسير غريب القرآن العظيم\" ٤٧٧. والسابع: الشحيح الجزوع. قاله سعيد بن جبير. انظر: \"الكشف والبيان\" ١٢: ١٨٤/ ب، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٢٨٣، وعزاه إلى ابن المنذر.\n(١) لعله قول الزجاج نقله عنه الواحدي بتصرف. انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٢٢، وعبارة الزجاج: الإنسان هاهنا في معنى الناس، فاستثنى الله -﷿- المؤمنين المصلين، فقال: ﴿إِلَّا الْمُصَلِّينَ (٢٢) الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ (٢٣)﴾. انظر: \"الدر المصون\" ٦/ ٣٧٨.\n(٢) بياض في: (ع).\n(٣) عبد الله هو: عبد الله بن مسعود، وقد ورد قوله هذا في: أحكام القرآن للجصاص: ٣/ ٤٨٦، و\"النكت والعيون\" ٦/ ٩٥، و\"زاد المسير\" ٨/ ٩٤، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٨/ ٣٩١، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٤٥٠، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٢٨٤، وعزاه إلى ابن أبي شيبة في \"المصنف\".\n(٤) لم أعثر على مصدر لقوله.","vol":"22","page":226},{"text":"قال إبراهيم: هي المكتوبة (١).\nوقال مقاتل: لا يدعونها بالليل والنهار (٢).\nوروي عن عمران بن حُصَين (٣)، وعقبة بن عامر (٤) -رضي (٥) الله عنهما- أنهما قالا: هم الذين إذا صلوا لم يلتفتوا يمينًا ولا شمالًا.\nقال أبو إسحاق: (أي أنهم لا يزيلون وجوههم عن سمْت (٦) القبلة، واشتقاقه من الدائم، وهو الساكن (٧)، ومنه الحديث في النهي عن البول في الماء الدائم) (٨) (٩).\n_________\n(١) \"جامع البيان\" ٢٩/ ٧٩، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٢٨٤، وعزاه إلى عبد بن حميد.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ٢٠٩/ أ.\n(٣) ورد قوله هذا في: \"أحكام القرآن\": للجصاص: ٣/ ٤٦٨، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٢٨٤، وعزاه إلى ابن أبي شيبة، وابن المنذر.\n(٤) ورد قوله هذا في: \"جامع البيان\" ٢٩/ ٨٠، و\"الكشف والبيان\" ١٢/ ١٨٥/ أ، و\"النكت والعيون\" ٦/ ٩٥، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٩٥، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٣٦٨، و\"زاد المسير\" ٨/ ٩٤، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٨/ ٢٩١، و\"لباب التأويل\" ٤/ ٣١٠، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٢٨٤ وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه.\n(٥) بياض في: (ع).\n(٦) غير مقروءة في (ع). ويراد بالسمت: الطريقة، والقصد. انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير: ٢/ ٣٩٧. وقال ابن منظور: السمت: حسن النحو في مذهب الدين. \"لسان العرب\" ٢/ ٤٦، (سمت).\n(٧) بياض في: (ع).\n(٨) ما بين القوسين ناقله الواحدي عن الزجاج -أبي إسحاق- بتصرف يسير: ٥/ ٢٢٢.\n(٩) بياض في (ع). والحديت أخرجه مسلم ١/ ٢٣٥ ح: ٩٤ - ٩٧، في الطهارة، باب النهي عن البول في الماء الراكد، من طرق، منها عن أبي هريرة -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: لا يبولن أحدكم في الماء الدائم، ثم يغتسل منه. ورواه أيضًا بألفاظ أخرى. =","vol":"22","page":227},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4668>٢٤ </span>- قوله تعالى (١): ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤)﴾ قال الحسن (٢)، والكلبي (٣)، وابن سيرين: يعني الزكاة المفروضة (٤).\nروى عكرمة عن ابن عباس (٥) قال: من أدى زكاة ماله فلا جناح عليه (٦) أن لا يتصدق (٧).\nوقال آخرون: هذا الحق سوى الزكاة (٨)، وهو قول: عامر (٩)، ومجاهد (١٠)، وعطاء (١١) (وإبراهيم (١٢)، ورواية هشام (١٣) عن\n_________\n= كما أخرجه الدرامي ١/ ١٩٧ ح ٧٣١، كتاب الطهارة، وأحمد في المسند ٢/ ٢٨٨، و٤٦٤، و٥٣٢، وابن ماجه ١/ ٦٨ح ٣٥١ - ٣٥٣، والترمذي ١/ ١٠٠ ح: ٦٨ وقال عنه: (هذا حديث حسن صحيح)، والنسائي ١/ ٥٢ ح: ٥٧ - ٥٨.\n(١) (تعالى) ساقطة من: (ع).\n(٢) \"التفسير الكبير\" ٣٠/ ١٣٠.\n(٣) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٤) ورد قوله في: \"التفسير الكبير\" ٣٠/ ١٣٠، و\"زاد المسير\" ٧/ ٢٠٧: آية ١٩ من سورة الذاريات، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ٣٨، آية ١٩ من سورة الذاريات، و\"فتح القدير\" ٥/ ٢٩٢ - ٢٩٣.\n(٥) بياض في: (ع).\n(٦) بياض في: (ع).\n(٧) ورد قوله هذا في: \"التفسير الكبير\" ٣٠/ ١٣٠.\n(٨) في (ع): الزكوة.\n(٩) ورد قوله في: \"جامع البيان\" ٢٩/ ٨١، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٣٦٨.\n(١٠) \"جامع البيان\" ٢٩/ ٨١، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٣٦٨، و\"التفسير الكبير\" ٣٠/ ١٣٠، و\"فتح القدير\" ٥/ ٢٩٣.\n(١١) \"التفسير الكبير\" ٣٠/ ١٣٠.\n(١٢) ورد قوله في: \"جامع البيان\" ٣٠/ ٨١، و\"التفسير الكبير\" ٣٠/ ١٣٠.\n(١٣) هو: هشام بن حسان الأزدي القْرْدُوسيُّ، أبو عبد الله البصري، روى عن الحسن =","vol":"22","page":228},{"text":"الحسن (١» (٢)، وقول ابن عمر (٣)، قالوا: في المال حق سوى الزكاة (٤)، وهذا يكون على طريق الندب والاستحباب (٥).\nقوله: ﴿لِلسَّائِلِ﴾ يعني الذي يسأل. ﴿وَالْمَحْرُومِ﴾ (٦) قال ابن عباس: هو\n_________\n= البصري، وهو من أثبت الناس في ابن سيرين، وفي روايته عن الحسن، وعطاء مقال؛ لأنه قيل: كان يرسل عنهما. مات أول يوم من صفر سنة ١٤٨ هـ. روى له الجماعة. انظر: \"العلل\" لابن المديني ٦٣ - ٦٤ ت: ٨٣ - ٨٤، و\"حلية الأولياء\" ٦/ ٢٦٩ ت ٣٧٥، و\"طبقات المدلسين\" ٤٧ ت ١١٠، و\"تقريب التهذيب\" ٢/ ٣١٨.\n(١) \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٦٨٣.\n(٢) ما بين القوسين ساقط من (أ)، وقد ذكرت عبارة: (وغيرهم)، بدلًا مما بين القوسين.\n(٣) \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٣٦٨، قال ابن عطية -فيما قاله ابن عمر-: وهذا هو الأصح في هذه الآية؛ لأن السورة مكية، وفرض الزكاة وبيانها إنما كان بالمدينة.\n(٤) بياض في (ع). ومن قوله: \"وهو قول عامر\" إلى: \"في المال حق سوى الزكاة\" مكرر في نسخة أ.\n(٥) قال ابن العربي عند تفسير الآية ١٩ من سورة الذاريات: \"والأقوى في هذه الآية أنه الزكاة؛ لقوله تعالى في سورة سأل سائل: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾، والحق المعلوم هو الزكاة التي بين الشرع قدرها وجنسها ووقتها، فأما غيرها لمن يقول به فليس بمعلوم؛ لأنه غير مقدر، ولا مجنس، ولا موقت\". أحكام القرآن: ٤/ ١٧٣٠. وإلي هذا ذهب القرطبي. انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٨/ ٢٩١. وقال الشوكاني: \"والظاهر أنه الزكاة لوصفه لكونه معلومًا، ولجعله قرينًا للصلاة\". \"فتح القدير\" ٥/ ٢٩٣. كما بين الشيخ الشنقيطي أن الآية في الزكاة المفروضة، قال: \"لأن الحق المعلوم لا يكون إلا في المفروض، وهو قول أكثر المفسرين، ولا يمنع أن السورة مكية، فقد يكون أصل المشروعية فيه بمكة، ويأتي التفصيل بالمدينة، وهو السنة الثانية من الهجرة\". أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن: ٨/ ٤٦٢.\n(٦) في (أ): (المحروم) بغير واو.","vol":"22","page":229},{"text":"الذي أصيب زرعه أو تجارته، وهو لا يسأل (١).\nوقال أبو قلابة: كان رجل من أهل اليمامة (٢) له مال، فجاءه سيل (٣)، فذهب بماله، فقال رجل من أصحاب محمد -ﷺ-: هذا المحروم فاقسموا له (٤).\nوقال أبو إسحاق: هو الذي حرم المكاسب وهو لا يسأل (٥).\nوقد فسرنا هذا (٦) في سورة الذاريات (٧)، وما بعد هذا (٨) مفسر في\n_________\n(١) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٢) اليمامة: واحدة اليمام، وهو طائر. وهو بلد كبير فيه قرى وحصون وعيون ونخل. وهي معدودة من نجد، وقاعدتها حجر، وكان اسمها أولًا جوًّا، والعروض.\nانظر: \"معجم البلدان\" لياقوت الحموي ٥/ ٤٤١، \"مراصد الاطلاع\" للبغدادي: ٣/ ١٤٨٣.\n(٣) في (أ): سائل.\n(٤) \"جامع البيان\" ٢٩/ ٨٣؛ \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٧/ ٣٩، سورة الذاريات: الآية: ١٩؛ \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٢٥١ سورة الذاريات: ١٩.\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٢٢ بشيء من التصرف.\n(٦) أي من الآيات ٢٦ - ٣٣.\n(٧) عند الآية ١٩ من الذاريات، ومما جاء في تفسيرها:\n\"معنى المحروم في اللغة: الذي حرم الخير حرمانًا. واختلفوا في المحروم من هو، فقال ابن عباس وغيره: هو المحارف. المحارف هو الذي ليس له في الغنيمة شيء، ولا في الإسلام سهم، ولا يجري عليه من الفيء شيء. وقال قتادة وغيره: المحروم المتعفف الذي لا يسأل. وقال عكرمة: هو الذي لا ينمو له مال. وقال ابن زيد: هو المصاب ثمره، أو زرعه، أو سل ماشيته. وقال ابن سيرين وغيره: هو الزكاة، أي إذا حصدوا أعفوا الزكاة. وعن ابن أبي نجيح: حق سوى الزكاة\".\n(٨) أي من الآيات ٥ - ٨، وتفسير الآيات كما هو في المشار إليه: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥)﴾: =","vol":"22","page":230},{"text":"سورة المؤمنين إلى قوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ (٣٣)﴾ [المعارج: ٣٣].\n(وقرئ ﴿بشهادتهم﴾ (١)، والإفراد أولى (٢)؛ لأنه مصدر، فيفرد كما\n_________\n= قال الليث: الفرج اسم يجمع سوءات الرجال والنساء، فالقبلان هما وما حولهما كله فرج، وكذلك من الدواب. وفي اللغة: الفرجة بين الشيئين، ولهذا سمي ما بين قوائم الدابة الفروج. ومعنى الآية: قال الكلبي: يعفّون عما لا يحل لهم.\nوقال الزجاج: يحفظون فروجهم عن المعاصي. قوله ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ﴾، أي: إلا من أزواجهم، فـ\"على\" بمعنى \"من\". وقال مقاتل: يعني: حلائلهم والولائد، فإنهم لا يلامون على الحلال. وقال أهل المعاني: هذه الآية مخصوصة بالحالة التي تصح فيها، وعلى الزوجة والأمة، وهي أن لا تكون حائضًا، ولا مظاهرًا عنها، فلا تكون الأمة مزوجة، ولا في عدة زوج. قوله ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٧)﴾، أي: فمن ابتغى الفواحش بعد الأزواج والولائد. وقوله: ﴿فَأُولَئِكَ﴾ يعني المبتغين. ﴿هُمُ الْعَادُونَ﴾، أي: الجائرون الظالمون.\nقولى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (٨)﴾ فيه قولان: أحدهما: أنها أمانات الناس التي ائتمنوا عليها.\nوالثاني: أنها أمانات بين الله وبين عبده مما لا يطلع عليه إلا الله، كالوضوء، والغسل من الجنابة، والصيام وغير ذلك. وقرأ ابن كثير [لأمانتهم] واحدة. والأمانة تختلف، ولها ضروب نحو: الأمانة التي بين الله وبين عبده.\nوالأمانة التي بين العباد في حقوقهم. ومعنى ﴿رَاعُونَ﴾ حافظون. وأصل الرعي في اللغة: القيام على إصلاح ما يتولاه من كل شيء. قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (٣٤)﴾. قال إبراهيم: عن الصلوات المكتوبة. وقوله ﴿يُحَافِظُونَ﴾ قال ابن عباس، وأكثر المفسرين: على مواقيتها.\n(١) قرأ ﴿بشهادتهم﴾ جماعة، روى عباس عن أبي عمرو، والحلواني عن أبي معمر، وعبد الوارث عن أبي عمرو، وحفص عن عاصم أيضا جماعة. انظر: كتاب السبعة: ٦٥١، الحجة: ٦/ ٣٢٢؛ المبسوط: ٣٨١؛ حجة القراءات: ٧٢٤؛ النشر: ٢/ ٣٩١، و\"البدور الزاهرة\" ٣٢٦.\n(٢) بياض في (ع)، وقد قرأ بذلك -أي بالإفراد-: ابن كثير، ونافع، وعاصم في رواية أبي بكر، وأبو عمرو، وحمزة والكسائي. انظر: المراجع السابقة.","vol":"22","page":231},{"text":"تفرد المصادر وإن أضيف إلى الجمع، كما قال: ﴿لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ [لقمان: ١٩]، ومن جمع ذهب إلى اختلاف الشهادات (١)، وكثرة ضروبها، فحسن (٢) الجمع من جهة الاختلاف) (٣).\nوأكثر المفسرين (٤) قالوا: يعني الشهادات عند الحكام يقومون بها بالحق ولا يكتمونها.\nروى عطاء عن ابن عباس قال: يريد الشهادة بأن الله واحد لا شريك له (٥).\nوالمعنى: أنهم يحفظون ما شهدوا به من هذه الشهادة، فلا يشركون بالله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4669>٣٦ </span>- (قوله تعالى) (٦): ﴿فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ (٣٦)﴾ نزلت هذه الآيات (٧) في جماعة المستهزئين، جلسوا حول النبي -ﷺ- حلقًا يستهزئون\n_________\n(١) بياض في: (ع).\n(٢) في (أ): يحسن.\n(٣) ما بين القوسين نقله الإمام الواحدي عن أبي على الفارسي بتصرف. انظر: الحجة: ٦/ ٣٢١ - ٣٢٢.\n(٤) قال بذلك السمرقندي في: \"بحر العلوم\" ٣/ ٤٠٤، والفخر في: \"التفسير الكبير\" ٣٠/ ١٣٠، وعزاه إلى أكثر المفسرين؛ والقرطبي في: الجامع الأحكام القرآن: ١٨/ ٢٩٢، وأورد القول من غير تخصيص -عند الحكام- عند الطبري في: \"جامع البيان\" ٢٩/ ٨٤، والثعلبي في: \"الكشف والبيان\" ١٢: ٨٥/ أ، والبغوي في \"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٩٥، وابن عطية في: \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٣٦٩؛ وعزاه إلى جماعة المفسرين.\n(٥) \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٣٦٩؛ و\"التفسير الكبير\" ٣٠/ ١٣١.\n(٦) ساقط من ع.\n(٧) في (ع) زيادة كلمة: (نزلت)، وهي زيادة لا فائدة فيها.","vol":"22","page":232},{"text":"بالقرآن، ويكذبون به. يقول الله تعالى: ما لهم في النظر نحوك، والجلوس عندك، وهم لا ينتفعون بما يسمعون؛ وذلك أن نظرهم إليه كأنه نظر عداوة، وجلوسهم عند الاستهزاء (١).\nقال ابن عباس: يريد: نحوك مقبلين (٢) (٣).\nوقال الكلبي: ناظرين إليك تعجبًا (٤).\nوقد تقدم تفسير \"المهطع\" (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4670>٣٧ </span>- وقوله تعالى: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ (٣٧)﴾، وذلك أنهم كانوا عن يمينه وعن شماله مجتمعين (٦). ومعنى ﴿عِزِينَ﴾ جماعات في تفرقة، واحدها عِزَة، وهي: العصبة من الناس، وهو من المنقوص الذي جاز جمعه بالواو والنون عوضًا من المحذوف، وأصلها عِزوة (٧).\n_________\n(١) \"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٩٥؛ \"زاد المسير\" ٨/ ٩٤؛ \"التفسير الكبير\" ٣٠/ ١٣١، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٨/ ٢٩٣؛ \"لباب التأويل\" ٤/ ٣١٠.\n(٢) غير مقروءة في (ع).\n(٣) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٤) \"النكت والعيون\" ٦/ ٩٦، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٨/ ٢٩٣، و\"فتح القدير\" ٥/ ٢٩٣.\n(٥) قال تعالى: ﴿مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ (٤٣)﴾ إبراهيم: ٤٣، وقال تعالى: ﴿مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ (٨)﴾ سورة القمر: ٨. وخلاصة المعنى في قوله ﴿مُهْطِعِينَ﴾ أنها تتناول معنيين: أحدهما: مسرعين، والآخر: ناظرين مديمي النظر، قال الواحدي: والجامع لهذه الأقوال قول من قال: الإهطاع: إسراع مع إدامة نظر.\n(٦) لعله من قول الزجاج، فقد ورد عنه: \"فكانوا عن يمينه وشماله مجتمعين\". \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٢٣.\n(٧) لعل الواحدي نقله بتصرف عن تهذيب اللغة عن الليث: ٣/ ٩٨، مادة: (عزا)، =","vol":"22","page":233},{"text":"والكلام في هذا كالكلام في (عضين (١»، وقد مرَّ.\nوقال الأزهري: وأصلها من قولهم: عزا فلان نفسه إلى بني فلان، يعزوها عزوًا: إذا انتمى (٢) إليهم، والاسم: العَزوة، وكأن العزوة كل جماعة اعتزاؤها واحد (٣).\nقال المفسرون (٤):\n_________\n= وعبارته: \"قال الليث: العِزة: عُصبة من الناس فوق الحَلْقة، والجماعة: عِزون، ونقصانها واو. وانظر أيضًا ما جاء عن الواحدي في مادة: (عزا) في المصادر التالية: \"الصحاح\" ٦/ ٢٤٢٥، و\"لسان العرب\" ١٥/ ٥٣.\n(١) سورة الحجر: ٩١، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ (٩١)﴾.\nوقد جاء في تفسيرها: ذكر أهل اللغة في واحد ﴿عِضِينَ﴾ قولين: أحدهما: إن واحدها: عضة، وأصلها عضوة، من عضيت الشيء إذا فرقته، وكل قطعة عِضَة، وهي مما نقص منها واو، وهي لام الفعل، والتعضية: التجزئة والتفريق.\nقال ابن عباس في قوله: ﴿جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾: يريد جزؤوه أجزاء، فقالوا: سحر، وقالوا: أساطير الأولين، وقالوا: مفترى.\nالقول الثاني: إنها عضة، وأصلها عضهة، فاستثقلوا الجمع بين هاءين، فقالوا: عضة. وهي من العضة بمعنى الكذب.\nوقال ابن السكيت: العضية أن تعضه الإنسان وتقول فيه ما ليس فيه، قال عكرمة: العضهْ: السحر بلسان قريش، وهم يقولون للساحر عاضه. وذكر الفراء القولين جميعًا في المصادر والمعاني، وعلى هذا القول معنى قوله: ﴿جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾ جعلوه سحرًا مفترى، وجمعت العضة جمع ما يعقل لما لحقها من الحذف، فجعل الجمع بالواو والنون عوضًا مما لحقها من الحذف.\n(٢) في (أ): انتهى.\n(٣) انظر: \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٩٨، مادة. (عزا)، ونقله الأزهري عن أبي زيد، وليس من قول الأزهري -كما ذكر الواحدي-، وقد نقله الواحدي عنه بتصرف واختصار.\n(٤) ممن قال بذلك: الزجاج في: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٢٣، والثعلبي في: \"الكشف والبيان\" ١٢: ١٨٥/ ب، ١٨٦/ أ، وقال به أيضًا: ابن عطية في: =","vol":"22","page":234},{"text":"كانوا يقولون: إن كان أصحاب (١) محمد يدخلون الجنة، فإنا ندخلها (٢) قبلهم، وإن أعطوا فيها شيئًا أعطينا أكثر منه، فقال الله ﷿: ﴿أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ (٣٨)﴾، والنعيم: ضد البؤس.\nقال (ابن) (٣) عباس: يقول: أيطمع كل رجل منهم أن يدخل جنتي كما يدخلها المسلمون، ويتنعم فيها، وقد كذب بنبيي (٤)؟.\n﴿كَلَّا﴾ لا يكون ذلك، ثم استأنف كلامًا يدل على (٥) البعث (٦) فقال:\n﴿إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ﴾ أي من نطفة، ثم من علقة، ثم من مضغة. هذا معنى قول مقاتل (٧)، وعلى هذا لا تعلق لهذا الكلام بما قبله.\nوقال غيره (٨): هذا يتعلق بما قبله؛ على معنى: أنهم يعلمون مما\n_________\n= \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٣٧٠، وابن الجوزي في: \"زاد المسير\" ٨/ ٩٤، والقرطبي في: \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٨/ ٢٩٤.\n(١) غير واضحة في: (ع).\n(٢) قوله: (الجنة فإنا ندخلها) بياض في. (ع).\n(٣) ساقطة من: (أ).\n(٤) \"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٩٥، و\"لباب التأويل\" ٤/ ٣١١.\n(٥) بياض في: (ع).\n(٦) في (أ): النعت.\n(٧) \"تفسير مقاتل\" ٢٠٩/ ب.\n(٨) وهو قول: قتادة، وأبي بكر. انظر: تفسير عبد الرزاق: ٢/ ٣١٨، وعزاه إلى قتادة، وكذا \"جامع البيان\" ٢٩،/٨٧، و\"الكشف والبيان\" ١٢: ١٨٦/ أ، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٣٧٠، وإلى قتادة فقط في: \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٨/ ٢٩٤، ومعنى قوليهما: إلى قوله: من المقاذير والأنجاس.","vol":"22","page":235},{"text":"خلقوا من المقاذر (١) والأنجاس، فمتى يدخلون الجنة ولم يؤمنوا بربهم، ولم يصدقوا (٢) رسوله (٣)!\nنبه الله تعالى بهذا (٤) على أن الناس متساوون (كلهم) (٥) من (٦) أصل واحد وشيء واحد، فتضمن هذا أنهم متساوون في أصل الخلقة، وإنما يتفاضلون بالإيمان والطاعة، هذا معنى قول أكثرهم (٧).\nواختاره الزجاج، فقال: المعنى: فأي شيء لهم يدخلون به الجنة (٨) (٩).\nوذُكر فيه قول آخر وهو أن المستهزئين (١٠) قالوا يحتقرون المؤمنين ويزرؤون بفقرائهم، فذكر الله أنهم مخلقون مما خلقوا.\nوهذا معنى قول الفراء: ولمَ يحتقرونهم، وقد خلقناهم جميعًا من تراب (١١)؟!.\n_________\n(١) بياض في: (ع).\n(٢) قوله: (بربهم ولم يصدقوا) غير واضح في: (ع).\n(٣) في (أ): رسله.\n(٤) في (أ): هذا.\n(٥) ساقطة من: (أ).\n(٦) في (أ): في.\n(٧) وهذا معنى قول: ابن جرير في: \"جامع البيان\" ٢٩/ ٨٧، وقال به أيضًا: ابن عطية في \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٣٧٠، وأورده ابن الجوزي في: \"زاد المسير\" ٨/ ٩٥، والقرطبي في: \"الجامع\" ١٨/ ٢٩٤، والخازن في: \"لباب التأويل\" ٤/ ٣١١.\n(٨) يدخلون به الجن: بياض في: (ع).\n(٩) النص في: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٢٣.\n(١٠) بياض في: (ع).\n(١١) \"معاني القرآن\" ٣/ ١٨٦ باختصار يسير.","vol":"22","page":236},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4671>٤٠ </span>- قوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ﴾ معناه: وأقسم، وقد مر هذا في مواضع (١).\nوقوله: ﴿بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ﴾ يعني مشرق كل (٢) يوم من السنة، ومغربه.\n﴿إِنَّا لَقَادِرُونَ﴾ على أن نهلكهم حين عصوا.\n﴿أَنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنْهُمْ﴾ من يطيعني. وقال مقاتل: لقادرون على أن نخلق أمثل منهم، وأطوع لله (٣).\n﴿وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ مفسر في قوله: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (٦٠) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ﴾ (٤).\nوقوله: ﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا﴾ مفسر في آخر سورة الطور (٥).\nقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ (٤٣)﴾، أي: ينسلون بسرعة، فكأنهم إلى عَلَمٍ نُصِبَ لهم يستبقون، وهذا كقوله: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ﴾، و﴿إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ [يس: ٥١]، وكقوله:\n_________\n(١) منها ما جاء في سورة الواقعة: ٧٥، وسورة القلم: ١٧، وسورة الحاقة: ٣٨. وانظر ما جاء فيها من تفسير سورة الحاقة: ٣٨.\n(٢) بياض في: (ع).\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ٢٠٩/ ب.\n(٤) سورة الواقعة: ٦٠. ومما جاء في تفسير: قوله تعالى: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾: يريد: لا يفوتني شيء أريده، ولا يمتنع مني أحد، وقال المفسرون: على أن نأتي بخلق مثلكم بدلًا منكم، وقال أبو إسحق: أي إن أردنا أن نخلق خلقًا غيركم لم يسبقنا سابق، ولا يفوتنا.\n(٥) سورة الطور: ٤٥. ومما جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ (٤٥)﴾: يقول: فخل عنهم، يعني لا يهتم بهم حتى يعاينوا يوم موتهم، وهذا تهديد لهم. ومعنى: ﴿يُصْعَقُونَ﴾ يموتون.","vol":"22","page":237},{"text":"﴿خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ﴾ (١) الآيات.\nوالنصب: كل شيء نُصب. قال ابن عباس: إلى غاية (٢)، أو علم يسرعون (٣). وهو [قول] (٤) أكثر المفسرين (٥).\nوقال الحسن: يعني إلى أنصابهم أيهم يستلم أولًا (٦)، يعني الأوثان.\nقال أبو إسحاق: وهذا على قراءة من قرأ: ﴿نَصَبٌ﴾ بضمتين (٧)، كقوله: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ قال: ومعناه: أصنام لهم (٨).\n_________\n(١) لعله عني الآية التي في سورة القمر: ٧، فخلط الناسخ بينها وبين آية سورة المعارج، وتمامها: ﴿خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ (٧)﴾.\n(٢) سورة القمر: ٧، وقد سبق ذكرها.\n(٣) انظر: \"الكشف والبيان\" ١٢: ١٨٦/ ب، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٨/ ٢٩٧. ووردت عنه بهذه الرواية في: \"الكشف والبيان\" ١٢: ١٨٧/ أ، وبنحوها في: \"جامع البيان\" ٢٩/ ٨٩ بعبارة: إلى علم يسعون، وكذا في: \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٤٥٢، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٢٨٧ وعزاه إلى ابن جرير.\n(٤) في كلا النسختين: أقوال، وما أثبته هو الصواب.\n(٥) وهو قول: أبي العالية، وقتادة، ويحيى بن أبي كثير، والضحاك، وسفيان، وابن زيد، ومجاهد. انظر: \"جامع البيان\" ٢٩/ ٨٩ - ٩٠، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٣٧١، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٤٥٢، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٢٨٧، وبه قال الزجاج في: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٢٤.\n(٦) \"جامع البيان\" ٢٩/ ٩٠، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٩٦.\n(٧) وممن قرأ بذلك: ابن عامر، وحفص عن عاصم بضمتين، وقرأ يعقوب: ﴿نَصَبٌ﴾ بفتح النون والصاد. وقرأ الباقون: ﴿إِلَى نُصُبٍ﴾ بفتح النون وسكون الصاد. انظر: \"السبعة\" ٦٥١، و\"القراءات وعلل النحويين\" ٢/ ٧١٤، و\"الحجة\" ٦/ ٣٢٢ - ٣٢٣، و\"المبسوط في القراءات العشر\" ٣٨٢، و\"الكشف والبيان\" ١٢/ ٣٣٦/ ب، و\"النشر\" ٢/ ٣٩١.\n(٨) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٢٤ نقله عنه بالمعنى.","vol":"22","page":238},{"text":"قال أبو علي: (النُصْب) يجوز أن يكون جمع نَصْب مثل: سَقْفٍ، وسُقْفٍ، ووَرْدٍ، ووُرْدٍ، فيجوز فيه التخفيف والتثقيل (١)، مثل: أَسدٍ في جمع أُسَدٍ، قال ويجوز أن يكون النَّصْبُ والنُّصْبُ لغتين مثل: الضَّعْف، والضُّعف، ويكون التثقيل كَشُغْل، وشُغُل، وطُنْب، وطُنُب (٢).\nوالكلام في النصب والأنصاب قد تقدم (٣).\nوقوله: ﴿يُوفِضُونَ﴾ قال [أبو عبيدة] (٤): يسرعون (٥).\n_________\n(١) بياض في: (ع).\n(٢) الحجة: ٦/ ٣٢٣ نقله عنه الإمام الواحدي بتصرف يسير. قال ابن فارس: \"النون والصاد والباء أصل صحيح يدل على إقامة شيء وإهداف في استواء، والنَّصب: حجر كان يُنصب فيُعبد، ويقال: هو النُّصُب، وهو حجر يُنْصب بين يدي الصنم تصب عليه دماء الذبائح للأصنام\". ٦/ ٤٣٤ (نصب). وجاء في \"الصحاح\" \"النَّصْب: ما نُصب فعبد من دون الله تعالى، وكذلك النُّصْب (بالضم، وقد يحرك\"). ١/ ٢٢٥ (نصب). وفي \"لسان العرب\" \"النَّصْب، والنُّصُب: العلم المنصوب، وقيل: النَّصْب: الغاية، والأول أصح\". ١/ ٧٥٩ (نصب).\n(٣) في سورة المائدة: ٣، والآية: ٩٠، قال تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾. \"النصب جمع نصاب، وجائز أن يكون واحدًا وجمعه أنصاب، ويراد به -كما قال ابن عباس-: الأصنام التي تنصب وتعبد من دون الله. وقال الكلبي: النصب حجارة كانت يعبدونها. وقال الفراء: النصب: الآلهة التي كانت تعبد من حجارة، وقال الزجاج: النصب: حجارة كانت لهم يعبدونها، وهي الأوثان. وقال الآخرون: كانت حول الكعبة أحجار كان أهل الجاهلية يذبحون عليها، ويشرحون اللحم عليها، وكانوا يعظمون هذه الحجارة ويعبدونها، قالوا: وليست هي بأصنام، إنما الصنم ما يصور وينقش\".\n(٤) في كلا النسختين: (أبي) عبيد، وأثبت ما رأيت أنه صواب لمماثلة القول لقول أبي عبيدة، وكثيرًا ما يخلط الناسخ بينهما. والله أعلم.\n(٥) \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٧٠.","vol":"22","page":239},{"text":"ونحو ذلك قال الزجاج (١)، والفراء (٢).\nوأنشدوا:\nلأنْعَتَنْ (٣) نَعامَةً مِيفاضا ... خَرْجاءَ ظلت تطلُبُ الأضاضا (٤)\nقال الزجاج: الميفاض: السريعة، والأضاض: الموضع الذي يُلْجأ إليه، [يقال] (٥): أضَّتْني إليك حاجةً أضاضا (٦).\nوقال المبرد: الإيفاض (٧): ضرب من السير (٨).\nوجميع ألفاظ المفسرين دالة على الإسراع.\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٢٤.\n(٢) \"معاني القرآن\" ٣/ ١٨٦.\n(٣) في (أ): لا نعيق.\n(٤) عند الزجاج برواية: \"تعدو\" بدلًا من \"ظلت\". وقد ورد البيت عند الزجاج والفراء (مرجعان سابقان) من غير نسبة، وكذا في: شرح أبيات معاني القرآن للفراء ومواضع الاحتجاج بها. د. ناصر حسين علي: ١٩٦ شاهد: ٤٤٠ - ٤٤١، و\"لسان العرب\" ٧/ ١١٥، و٢٥٠ مادة: (أضض)، و(فض) برواية: \"تغدو\"، و\"الإضاضا\"، و\"تاج العروس\" ٥/ ٦، مادة: (أضَّ)، و\"جامع البيان\" ٢٩/ ٨٩ برواية: \"تغدو\" الإضاضا\"، و\"الدر المصون\" ٦/ ٣٨١. وموضع الشاهد: \"ميفاضا\" من الإيفاض، وهو الإسراع. والمعنى: الخَرْج: اللون، فإذا رُقِّع القميص الأبيض برقعة حمراء، فهو أخرج، و: \"تطلب الإضاضا\"، أي: تطلب موضعًا تدخل فيه وتلجأ إليه. انظر: شرح أبيات معاني القرآن، مرجع سابق.\n(٥) ساقط من النسخين، ومثبت من معاني القرآن وإعرابه، وبه يستقيم المعنى.\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٢٤ باختصار.\n(٧) في (أ): الإيضاض.\n(٨) لم أعثر على مصدر لقوله.","vol":"22","page":240},{"text":"قال ابن عباس (١)، وقتادة (٢)، ومقاتل (٣): يسعون.\nوقال أبو (العالية) (٤)، ومجاهد (٥): يستبقون (٦).\nوقال الحسن: يبتدرون (٧).\nوقال محمد بن كعب: يشتدون (٨).\nوقال الليث: الإبل تَفِضُ وَفْضًا، وتَسْتَوْفِض، وأوفَضَها صاحبها.\nوعلى هذا الإيفاض واقع، وهو في الآية مطاوع (٩)، ويقال: وفض واستوفض بمعنى واحد (١٠).\n_________\n(١) راجع الحاشية رقم: ١١ صفحة: ١٥٣.\n(٢) \"جامع البيان\" ٢٩/ ٨٩، و\"الكشف والبيان\" ١٢: ١٨٧/ أ.\n(٣) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٤) غير واضحة لبياض في (ع)، وورد قوله هذا في: \"جامع البيان\" ٢٩/ ٨٩، و\"الكشف والبيان\" ١٨٧/ أ، و\"النكت والعيون\" ٦/ ٩٧، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٣٧١، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٢٨٧، وعزاه إلى عبد بن حميد.\n(٥) المراجع السابقة في مصادر قول أبي العالية عدا المحرر الوجيز.\n(٦) في (أ): يستمعون.\n(٧) \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٨/ ٢٩٧ مطولًا، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٢٨٧، وعزاه إلى عبد بن حميد، كما ورد مطولًا أيضًا في \"فتح القدير\" ٥/ ٢٩٥.\n(٨) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٩) المطاوعة هي: قبول فاعل فعل أثر فاعل آخر يلاقيه اشتقاقًا، وهو حصول الأثر الأول للثاني مع التلاقي اشتقاقًا. انظر: معجم المصطلحات النحوية والصرفية: د. محمد اللبدي: ١٤١.\n(١٠) \"تهذيب اللغة\" ١٢/ ٨٢ مادة: (وفض)، نقله الواحدي عن الأزهري باختصار. وانظر مادة: (وفض) في: مختار \"الصحاح\" ٧٣٠، و\"تاج العروس\" ٥/ ٩٧، و\"تفسير غريب القرآن\" لابن قتيبة: ٤٨٦، المفردات في غريب القرآن: للراغب الأصفهاني: ٥٢٨، و\"نفس الصباح\": ٧٧٤، و\"تحفة الأريب\" لأبي حيان: ٣١٩.","vol":"22","page":241},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4672>سورة نوح</span>","vol":"22","page":243},{"text":"تفسير سورة نوح <span data-type=\"title\" id=toc-4673>(١)</span>\nبسم الله الرحمن الرحيم\n\n١ - ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ﴾ قال الفراء (٢)، والزجاج (٣): (أنْ) في موضع (٤) نصب؛ لأنك أسقطت منه الخافض، لأن الأصل بأن أنْذِرْ قَوْمَكَ، فلما سقطت الباء أفضى الفعل إلى (أن) فنصبها.\nقال أبو إسحاق: ويجوز أن يكون [أنْ] (٥) تفسيرًا لما أرسل به، فيكون المعنى (٦): إنا أرسلنا نوحًا إلى قومه أن أنذر قومك (٧).\nوقوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ قال الكلبي (٨)، ومقاتل (٩):\n_________\n(١) مكية كلها بالإجماع. انظر: \"جامع البيان\" ٢٩/ ٩٠، و\"بحر العلوم\" ٣/ ٤٠٦، و\"معالم التنزيل\" ٤: ٣٩٧، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٣٧٢، و\"زاد المسير\" ٨/ ٩٦.\n(٢) \"معاني القرآن\" ٣/ ١٨٧ نقله عنه الإمام الواحدي بالمعنى.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٢٧ نقله عنه بتصرف.\n(٤) بياض في: (ع).\n(٥) ساقطة من النسختين، والمثبت من \"معاني القرآن وإعرابه\" للزجاج: ٥/ ٢٢٧.\n(٦) بياض في: (ع).\n(٧) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٢٤ بنصه.\n(٨) \"النكت والعيون\" ٦/ ٩٨، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٨/ ٢٩٨، و\"فتح القدير\" ٥/ ٢٩٦.\n(٩) \"التفسير الكبير\" ٣٠/ ١٣٤.","vol":"22","page":245},{"text":"يعني الغرق بالطوفان (١).\n\nقوله: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ (أن) في محل نصب بقوله: [مبين]، أي: أبين لكم. قال مقاتل (٢) (٣)، والكلبي <span data-type=\"title\" id=toc-4674>(٤): </span>وحدوا الله.\n﴿وَأَطِيعُونِ﴾ في التوحيد (٥).\n\n٤ - وقوله (٦): ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ قال أبو إسحاق: دخلت (من) تختص الذنوب من سائر الأشياء لم تدخل (٧) لتبعيض الذنوب كقوله: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ (٨) [الحج: ٣٠].\nوقال غيره (٩): (من) بمعنى: (عن)، والمعنى: يصفح لكم عن\n_________\n(١) غير واضحة لبياض في (ع). والطوفان -بالضم-: المطر الغالب، والماء الغالب، يغشى كل شيء، والموت الذريع الجارف، والقتل الذريع، والسيل المغرق، ومن كل شيء ما كان كثيرًا مُطيفًا بالجماعة بهاء. انظر: \"القاموس المحيط\": للفيروزآبادي: ٣/ ١٧٠. وقال الراغب: والطوفان كل حادثة تحيط بالإنسان، وصار معارفًا في الماء المتناهي في الكثرة لأجل أن الحادثة التي نالت قوم نوح كانت ماء. انظر: المفردات في غريب القرآن: ٣١٢.\n(٢) غير مقروء في: (ع).\n(٣) قول مقاتل في: \"تفسير مقاتل\" ٢١٠/ أ.\n(٤) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٥) بياض في: (ع).\n(٦) في (أ): قوله: من غير واو.\n(٧) في (أ): يدخل.\n(٨) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٢٨ بتصرف، وقد رد ابن عطية هذا المعنى فقال: \"وهذا ضعيف؛ لأنه ليس هنا جنس يبين\". \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٣٧٢.\n(٩) قاله الفراء في \"معاني القرآن\" ٣/ ١٨٧، وقد رد هذا أيضًا ابن عطية فقال: \"وهذا غير معروف في أحكام \"من\". المرجع السابق.","vol":"22","page":246},{"text":"ذنوبكم (١).\nويجوز أن يريد: يغفر لكم السالفة من ذنوبكم، وهي بعض الذنوب التي تضاف إليهم، ولما كانت ذنوبهم التي يستأنفونها لا يجوز الوعد بغفرانها على الإطلاق قيدت بهذا التقييد (٢).\nقال مقاتل: (من) هاهنا صلة، يعني: يغفر لكم ذنوبكم (٣). (ونحوه قال الكلبي (٤» (٥).\nوقوله تعالى: ﴿وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾، قال الفراء: يريد إلى أجل تعرفونه لا يميتكم غرقًا، ولا حرقًا (٦)، ولا قتلًا.\nوليس في هذا حجة لأهل القدر (٧) (٨)؛ لأنه إنما أراد: مسمى عندكم -قال-، ومثله قوله: ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧]، أي: عندكم في\n_________\n(١) غير واضحة لبياض في: (ع).\n(٢) وقد اعتبر ابن عطية هذا القول من أبين الأقوال عنده. مرجع سابق.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ٢١٠/ أ، وقد رد السمرقندي قول مقاتل في \"بحر العلوم\" ٣٠/ ٣٥٦.\n(٤) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٥) ساقطة من: (أ).\n(٦) في (أ): خوفًا.\n(٧) أهل القدر: هم المعتزلة، ومن مذهبهم في ذلك أن العباد الخالقون لأفعالهم، والمستقلون في أعمالهم، بدون سبق قدر؛ وقد تقدم الكلام عنهم.\n(٨) حيث تعلق بقوله: ﴿وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾، المعتزلة في قولهم: إن للإنسان أجلين، وذلك أنهم قالوا: لو كان واحدًا محدودًا لما صح التأخير إن كان الحد قد بلغ، ولا المعاجلة إن كان الحد لم يبلغ. قاله ابن عطية، انظر: \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٣٧٣. ولهذا فعندهم أن المقتول مات بالقتل، وليس بأجله، ولو لم يقتل لعاش. انظر: \"شرح العقيدة الطحاوية\" ١٤٩.","vol":"22","page":247},{"text":"معرفتكم (١).\nقال الزجاج: أي يؤخركم عن العذاب، فتموتوا غير ميتة المُستأصَلين بالعذاب (٢). هذا كلامهما.\n(وليس فيه ما يَدفع قول أهل (٣) القدر؛ لأن ظاهر قوله: ﴿وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ أنهم إذا آمنوا (٤) بقوا إلى أجلهم المسمى، وإذا لم يؤمنوا عوجلوا بالعذاب قبل الأجل، والصحيح في هذا ما روى عطاء عن ابن عباس قال: ينسى في أعماركم (٥)؛ وذلك أن الله كان قد قضى قبل أن خلقهم، أنهم إن آمنوا بارك الله في أعمارهم (٦)، وإن لم يؤمنوا عوجلوا بالعذاب المهلك، فبأي الأجلين (٧) هلكوا كان ذلك بقضاء من الله وقدر.\nهذا معنى قول ابن عباس: (ينسى في أعماركم (٨» (٩).\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" ٣/ ١٨٧ بتصرف يسير.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٢٨ بنصه.\n(٣) في (أ): هذا.\n(٤) غير واضحة لبياض في: (ع).\n(٥) \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٨/ ٢٩٩.\n(٦) بارك الله في أعمارهم: غير واضح في: (ع).\n(٧) بالعذاب المهلك فبأي الأجلين: غير واضح في: (ع).\n(٨) غير واضح لبياض في: (ع).\n(٩) ما ورد بين القوسين من كلام الواحدي، وهو يدل على أمرين: أحدهما: ترجيح الإمام الواحدي إلى ما ذهبت إليه المعتزلة من إثبات أن للإنسان أجلين، وهذا ما يُفهم من قوله: \"وليس فيه ما يدفع قول أهل القدر إلى قوله: وإذا لم يؤمنوا عوجلوا بالعذاب قبل الأجل\". فتضعيفه لقولي الإمامين أراد به تقوية جانب الاستدلال بظاهر الآية إلى ما تزعمه المعتزلة من أن للإنسان أجلين. هذا وإن كان ما ذهب إليه الإمامان من رد على القدرية، فوجهه ضعيف؛ لأن ما ذكراه من معنى صحيح في =","vol":"22","page":248},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= الجملة، لأن الآية دلت على ما ذكراه من أنهم إذا آمنوا فإن الله لا يُعجِّل لهم العذاب بغرق، أو قتل، أو حرق، أو نحو ذلك. ولكن هذا لا يردُّ مباشرة على دعوى المعتزلة من أن لهؤلاء القوم أجلين: حال الكفر والتكذيب بتعجيل العذاب الذي يستأصلهم، وحال الإيمان بتأخيرهم إلى أجل آخر. وإنما قلنا إنه ردٌّ ضعيف؛ لأن فيه وجهًا من الرد عليهم، بناء على أن الأجل المسمى منصبٌّ على نوع سبب الوفاة بالعذاب، أو الوفاة في الأحوال العادية، لا على الوفاة نفسها التي حدد أجلها، ولا يتغير.\nالثاني: موافقته إلى ما ذهبت إليه المعتزلة، يفهم ذلك من قوله: \"والصحيح في هذا ما روى عطاء عن ابن عباس إلى قوله: وإن لم يؤمنوا عوجلوا بالعذاب المهلك، فبأي الأجلين أهلكوا كان ذلك بقضاء من الله وقدر\" حيث أقر -بقوله هذا- أن للإنسان أجلين، وهو ما تقول به المعتزلة. هذا وقد اختار الطحاوي هذا القول في مشكل الآثار: ٤/ ١٧٠. وقد اختلفت أقوال العلماء في تفسير الآية، وما شاكلها من أحاديث، كنحو ما جاء عن ابن عباس -﵁-، وحديث أنس بن مالك -﵁-: \"من سره أن يبسط عليه رزقه، أو ينسأ في أثره، فليصل رحمه\". صحيح مسلم: ٤/ ١٩٨٢: ح: ٢٥٥٧، كتاب البر والصلة والآداب، باب صلة الرحم. ولتفصيل هذه المسألة انظر: القضاء والقدر في ضوء الكتاب والسنة: لعبد الرحمن صالح المحمود -رسالة ماجستير-: ٣٢٧. والراجح من الأقوال في مسألة الآجال، وهل تتغير أم هي محددة؟ قول من ذهب إلى أن القدر لا يتغير، وأن التغيير والتبديل لا يكون أبدًا؛ لأن الذي سبق في علم الله كائن لا يتغير، وعلم الله كامل، أحاط بكل شيء، ومنه ما هو كائن، وأن الذي يجوز عليه التغيير والتبديل ما يبدو للناس من عمل العامل، أو ما في علم الحفظة والموكلين بالآدمي، فيقع المحو والإثبات، بمعنى أن ما في اللوح المحفوظ لا يتغير، وما سواه من صحف الملائكة الموكلين بالآدمي قد يدخله التغيير؛ لأن الملائكة لا يعلمون إلا ما علمهم الله، والله يعلم الأشياء قبل كونها. وهذا القول هو الذي عليه المحققون، كابن تيمية في: \"مجموع الفتاوى\" ٤/ ٤٩٠ - ٤٩٢، وابن حجر في \"فتح الباري\" ١١/ ٤٤٨، والشيخ السعدي في \"تيسير الكريم الرحمن\" ٢/ ٤٧٦.\nوأما قول ابن عباس: \"وينسى لكم في أعماركم\" إلا يعارض القول الراجح، =","vol":"22","page":249},{"text":"وقال مقاتل: يؤخركم إلى منتهى أجلكم (١) في عافية، فلا يعاقبكم بالسنين ولا بغيره (٢).\nوالمعنى على هذا القول: يؤخركم من العقوبات والشدائد إلى آجالكم، لا من المهلكات.\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ﴾ يعني أجل الموت، وأجل العذاب، وكل أجل مسمى عند الله لشيء إذا جاء لم يؤخر.\nوالمعنى: آمنوا قبل الموت تسلموا من العقوبات، فإن أجل الموت إذا حل لم يؤخر، فلا يمكنكم الإيمان إذا جاء الأجل.\n_________\n= ويكون معناه: إن آمنتم كان ذلك سببًا في تأخير آجالكم، وكل ذلك بقدر؛ لأن الله علم هل هؤلاء سيؤمنون، أو لا يؤمنون؟ وهم ونوح معهم، لا يعلمون ما الذي في اللوح المحفوظ من قدر الله، ولما كان الإيمان مطلوبًا، مأمورًا به كالدعاء، والصدقة، وصلة الرحم، ونحوها، أُمِر به هؤلاء، وبين لهم نوح ﵇ أن إيمانهم سبب لخيرات كثيرة، منها: أن يؤخر عنكم العذاب.\nوعليه، فليس في الآية ولا في أحاديث الدعاء وصلة الرحم ما يدل على قول المعتزلة من أن للإنسان أجلين، إن آمن أو لم يؤمن، أو وصل رحمه أو لم يصل رحمه، بل أجل واحد محدود، لا يتقدم ولا يتأخر، وهذه الأمور المذكورة من جملة الأسباب المأمور بها، وهي ومسبَّبُها بقدر. قال ابن عطية: وليس في الآية تعلق، لأن المعنى أن نوحًا ﵇ لم يعلم هل هم ممن يؤخر أو ممن يعاجل، ولا قال لهم: إنكم تؤخرون عن أجل قد حان لكم، لكن سبق في الأزل أنهم إما ممن قضي لهم بالإيمان والتأخير، وإما ممن قضي عليه بالكفر والمعاجلة، ثم تشدد هذا المعنى ولاح لقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ﴾ \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٣٧٣. وكل ما ذكرته من تحقيق لقول الواحدي قد نقلته عن د. عبد الرحمن بن صالح المحمود بشيء من التصرف، من الكتابة الخطية له، والمحررة ليلة السبت ١١/ ١/ ١٤١٨ هـ.\n(١) غير واضح لبياض في: (ع).\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ٢١٠/ أ، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٨/ ٢٩٩، و\"فتح القدير\" ٥/ ٢٩٧.","vol":"22","page":250},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4675>٦ </span>- قوله: ﴿فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا (٦)﴾ قال مقاتل: يعني تباعدًا من الإيمان (١).\nوقال قتادة: هو أنه كان الرجل يذهب بابنه إلى نوح فيقول: احذر لا يغرك، فإن أبي قد ذهب بي إليه وأنا مثلك، فحذرني كما حذرتك (٢).\nوقوله: ﴿وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ﴾ قال صاحب النظم: ظاهر هذا أن المغفرة جزاء لدعائهم، وهو في الباطن جزاء.\nالمعنى: هو سبب ادعائهم، وهذا مقتضى من قوله: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢) أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ (٣) يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ فالتأويل: وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم؛ لأمرهم بعبادة الله واتقائه وطاعته لتغفر لهم.\nوقوله: ﴿وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ﴾ قال ابن عباس: جعلوا ثيابهم على رؤوسهم لئلا يسمعوا كلامي (٣).\nوقال مقاتل: غطوا رؤوسهم لئلا يسمعوا دعائي (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4676>٨ </span>- قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا (٨)﴾ قال ابن عباس:\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ٢١٠/ أ، و\"النكت والعيون\" ٦/ ١٠٠، و\"فتح القدير\" ٥/ ٢٩٧.\n(٢) \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٣١٩، و\"جامع البيان\" ٢٩/ ٩٢، و\"النكت والعيون\" ٦/ ١٠٠، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٣٧٣، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٢٨٩، وعزاه أيضا إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.\n(٣) \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٨/ ٣٠٠، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٢٨٩ وعزاه إلى سعيد بن منصور وابن المنذر.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ٢١٠/ أ.","vol":"22","page":251},{"text":"بأعلى (١) صوتي (٢).\nوقال أبو إسحاق: أي دعوتهم مظهرًا لهم الدعوة، و﴿جَهَارًا﴾ منصوب مصدر موضوع موضع الحال (٣) (٤). المعنى: دعوتهم مجاهرًا لهم بالدعاء إلى توحيد الله وتقواه (٥).\n﴿ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ﴾ قال مجاهد (٦)، (ومقاتل) (٧): صحْت بهم (٨).\n﴿وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا﴾ فيما بيني وبينهم.\nقال ابن عباس: يريد الرجل بعد الرجل، أكلمه سرًا فيما بيني وبينه (٩)، أدعوه إلى عبادتك، وتوحيدك. (١٠)\nوقال الزجاج: إني خلطت دُعاءهم بالعلانية بدعاء السر (١١).\n_________\n(١) في (ع): بأعلا.\n(٢) \"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٩٧، و\"زاد المسير\" ٨/ ٩٨، و\"لباب التأويل\" ٤/ ٣١٢.\n(٣) بياض في: (ع).\n(٤) يجوز أن يكون مصدرًا من المعنى؛ لأن الدعاء يكون جهارًا وغيره، فهو من باب قعد القرفصاء، وأن يكون المراد بدعوتهم: جاهرتهم، وأن يكون نعت مصدر محذوف، أي دعاء جهارًا. انظر: \"الدر المصون\" ٦/ ٣٨٣.\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٢٨ - ٢٢٩ بنصه.\n(٦) \"جامع البيان\" ٢٩/ ٩٣، و\"النكت والعيون\" ٦/ ١٠١، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٨/ ٣٠١، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٢٩٠، وعزاه إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(٧) ساقطة من: (أ).\n(٨) \"تفسير مقاتل\" ٢١٠/ أ.\n(٩) قاله مجاهد: انظر: \"جامع البيان\" ٢٩/ ٩٣.\n(١٠) \"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٩٨، و\"زاد المسير\" ٨/ ٩٨، و\"لباب التأويل\" ٤/ ٣١٢.\n(١١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٢٩ بنصه.","vol":"22","page":252},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4677>١٠ </span>- قوله تعالى: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾ قال مقاتل: إن قوم نوح لما كذبوه زمانًا طويلًا، جس الله عنهم المطر، وأعقم أرحامَهم أربعين سنة، فهلكت جناتهم، ومواشيهم، فصاحوا إلى نوح، فقال لهم نوح: استغفروا ربكم من الشرك (١).\nوالمعنى: استدعوا مغفرة ربكم بالتوحيد، وترك الشرك.\n﴿يُرْسِلِ السَّمَاءَ﴾، أي: ماء السماء، ويجوز أن يكون المراد بالسماء المطر لقوله: ﴿مِدْرَارًا﴾، وهو الكثير الدرّ، والدر تخلّب (٢) الشيء حالًا بعد حال، يقال: درت الناقة، ودر اللبن، يدرّ ويدُرّ دَرًّا ودُرُورًا، ودَرت السحاب، ودرّ المطر (٣).\nقال مقاتل: (مدرارًا (٤»: متتابعًا (٥).\n﴿وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ﴾ قال عطاء: يكثر أموالكم، وأولادكم (٦).\n﴿وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ﴾ يعني البساتين (٧).\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ٢١٠/ أ، و\"التفسير الكبير\" ٣٠/ ١٣٧، و\"القرطبي\" ١٨/ ٣٠٢.\n(٢) الخُلَّب: السحاب يُومِضُ بَرْقُه حتى يُرْجَى مطرُه، ثم يُخْلِف، ويقلع، وينقشع، وكأنه من الخِلابة، وهي الخداع بالقول اللطيف. انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير: ٢/ ٥٨.\n(٣) انظر مادة: (درّ) في \"تهذيب اللغة\" ١٤/ ٦٠، و\"الصحاح\" ٢/ ٦٥٦، و\"لسان العرب\" ٤/ ٢٨٠. وانظر أيضًا: المفردات: للراغب الأصفهاني: ١٦٦ - ١٦٧.\n(٤) بياض في: (ع).\n(٥) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٦) \"فتح القدير\" ٥/ ٢٩٨.\n(٧) قال بذلك الطبري في: \"جامع البيان\" ٢٩/ ٩٤، والزجاج في: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٢٩، والسمرقندي في: \"بحر العلوم\" ٣/ ٤٠٧، والثعلبي في: \"الكشف والبيان\" ١٢: ١٨٨/ أ.","vol":"22","page":253},{"text":"﴿وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾ قال مقاتل: كانوا [يسخطون] (١) الله فأهلك كل شيء لهم، ودفنت أنهارهم، فدعاهم نوح إلى توحيد الله، وقال: إنكم إذا وحدتم تصيبوا الدنيا والآخرة (٢).\nوقال أبو إسحاق (٣): أعلمهم أن إيمانهم بالله يجمع لهم من الحظ الوافر في الآخرة، والخِصْب والغنى في الدنيا (٤).\nقوله تعالى: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا (١٣)﴾ الرجاء هاهنا بمعنى الخوف -ذكرنا ذلك فيما تقدم (٥) -\nومنه قول الهذلي (٦):\nإذا لَسَعَتْهُ النَّحْلُ لمْ يَرْجُ لسْعَها (٧)\n_________\n(١) في (أ): يسخطو، وغير مقروءة في: (ع).\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ٢١٠/ أ.\n(٣) بياض في: (ع).\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٢٩ بنصه.\n(٥) منها في سورة يونس: ١٥: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ (٧)﴾ فجاء أيضًا أن الرجاء: الخوف. والآية: ١٥ من السورة نفسها: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥)﴾. جاءت في تفسير الرجاء أنه الخوف. انظر: تفسير البسيط: ٣: ٥/ أ. وكذا سورة الفرقان: ٢١: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا (٢١)﴾ وأيضًا جاء تفسير الرجاء: الخوف. المرجع السابق: ٤/ ٦٣/ ب.\n(٦) الهذلي: هو أبو ذؤيب؛ خويلد بن خالد بن محرث بن زبيد بن مخزوم بن هزيل، تقدم.\n(٧) هذا صدر بيت، وعجزه: =","vol":"22","page":254},{"text":"و(الوقار): العظمة، والتوقير: التعظيم، ومنه قوله تعالى: ﴿وَتُوَقِّرُوهُ﴾ [الفتح: ٩] (١)\nيعني مالكم لا تخافون لله عظمة، وهو قول أبي عبيدة (٢)، والفراء (٣)، والزجاج (٤)، (وابن قتيبة (٥)، والكلبي (٦» (٧).\n_________\n= وخالَفَها في بيت نُوبٍ عوَاسل\nوعند الفراء برواية: \"الدبر\" بدلًا من \"النحل\"، و\"حالفها\" بدلًا من \"خالفها\"، و\"عوامل\" بدلًا من \"عواسل\". وموضع الشاهد: \"لم يرْجُ\"، ومعناه: لم يخف، ولا يكون هذا إلا مع النفي. ومعنى \"النوب\": ذكر النحل. انظر: شرح أبيات \"معاني القرآن\" ٢٩٦: ش: ٦٦٣. وقد ورد البيت منسوبًا في كتب اللغة، مادة: (رجا). انظر: \"تهذيب اللغة\" ١١/ ١٨٢، برواية: \"لسعتها\"، و\"معجم مقاييس اللغة\": ٢/ ٤٩٥، و\"الصحاح\" ٦/ ٢٣٥٢، و\"لسان العرب\" ١٤/ ٣١٠، و\"تاج العروس\" ١٠/ ١٤٥، ديوان الهذليين: ١/ ١٤٣. وأيضًا: أبو ذؤيب الهذلي: حياته وشعره: ٩٩، كتاب \"الأضداد\" لابن الأنباري: ١٠، و\"معاني القرآن\" للفراء: ١/ ٢٨٦، و٢/ ٢٦٥، وفي: ج ٢ غير منسوب، كتاب \"الأضداد\" للسجستاني: ٨١، كتاب \"الأضداد\" لابن السكيت: ١٧٩. وأيضًا في: \"جامع البيان\" ٢٩/ ٩٥، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٣٧٤، و\"التفسير الكبير\" ٣٠/ ١٣٨، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٢٩١، و\"فتح القدير\" ٥/ ٢٩٨، و\"روح المعاني\" ٢٩/ ٧٣. وورد غير منسوب في: \"معاني القرآن\" للأخفش: ٢/ ٧١٥.\n(١) انظر: مادة: (وقر) في \"تهذيب اللغة\" ٩/ ٢٨٠، و\"الصحاح\" ٢/ ٩٤٩.\n(٢) \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٧١.\n(٣) \"معاني القرآن\" ٣/ ١٨٨.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٢٩.\n(٥) تفسير غريب القرآن: ٤٨٧.\n(٦) \"الكشف والبيان\" ١٢: ١٨٨ /ب.\n(٧) ساقطة من: (أ).","vol":"22","page":255},{"text":"وجميع ما قال المفسرون يعود إلى هذا المعنى، روى سعيد بن جبير عن ابن عباس: ما لكم لا تعلمون حق عظمة الله (١) (٢).\nوقال الحسن: ما لكم لا تعرفون لله حقًا، ولا تشكرونه (٣).\nوقال مجاهد: لا تُبالون عظمة ربكم (٤).\nوقال قتادة: لا ترجون لله عاقبة (٥).\nوقال ابن زيد (٦): لا ترون لله طاعة (٧).\nومعنى هذه الأقوال واحد (٨)، وهو أنهم لو عظموا الله، وعرفوا حق\n_________\n(١) ورد قوله في: \"جامع البيان\" ٢٩/ ٩٥، و\"الكشف والبيان\" ١٢: ١٨٨/ ب، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٢٩٠، وعزاه إلى سعيد بن منصور، وعبد بن حميد. انظر: \"شعب الإيمان\" ١/ ٤٦٤: ح: ٧٢٨ برواية علي بن أبي طلحة عن ابن عباس.\n(٢) قوله: حق عظمة الله غير واضح في: (ع).\n(٣) \"الكشف والبيان\" ١٢: ١٨٨/ أ، و\"النكت والعيون\" ٦/ ١٠١، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٨٩، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٨/ ٣٠٣، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٢٩١، و\"فتح القدير\" ٥/ ٢٩٨، شعب الإيمان: ١/ ٤٦٥: ح: ٧٣٢.\n(٤) المراجع السابقة عدا: معالم التنزيل، والقرطبي، وقد عزاه صاحب الدر إلى سعيد ابن منصور، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وانظر: \"فتح الباري\" ٨/ ٦٦٧، و\"شعب الإيمان\" ١/ ٤٦٥: ح: ٧٣٠.\n(٥) \"جامع البيان\" ٢٩/ ٩٥، و\"الكشف والبيان\" مرجع سابق، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٨/ ٣٠٣، و\"فتح القدير\" ٥/ ٢٩٨.\n(٦) في (أ): ابن دريد، وهو تصحيف، فابن دريد عالم في اللغة.\n(٧) ورد قول ابن زيد في: \"جامع البيان\" ٢٩/ ٩٥، و\"الكشف والبيان\" ١٢: ١٨٨/ أ، و\"النكت والعيون\" ٦/ ١٠١، و\"زاد المسير\" ٨/ ٩٨، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٨/ ٣٠٣، و\"فتح القدير\" ٥/ ٢٩٨.\n(٨) بياض في: (ع).","vol":"22","page":256},{"text":"عظمته، وحدوه، وأطاعوه، وشكروه (١).\nوهذا معنى قول مقاتل: فمن (٢) لم يوحده لم يعظمه (٣).\n(والمعنى: لمَ لا تعظمونه فتوحدونه، وقد جعل في أنفسكم (٤) آية تدل على توحيده: من خلقه إياكم، ومن خلق السموات والأرضين) (٥)، فقال ﷿: ﴿وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا (١٤)﴾\nقال المفسرون: يعني نطفة، ثم علقة، ثم شيئًا بعد شيء (٦)، إلى آخر الخلق، وطورًا (٧) بعد طور ينقلكم من حال إلى حال (٨) (٩).\nقال الليث: الطور: التارة، تقول: طَوْرًا بعد طَوْرٍ: أي تارة بعد تارة، والناس أطوار، أي: أخياف (١٠) على حالات شتى (١١).\n_________\n(١) بياض في: (ع).\n(٢) غير واضحة لبياض في: (ع).\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ٢١٠/ أ.\n(٤) بياض في: (ع).\n(٥) ما بين القوسين نقله الإمام الواحدي عن الزجاج بشيء من التصرف: ٥/ ٢٢٩.\n(٦) غير واضحة لبياض في: (ع).\n(٧) غير واضحة لبياض في: (ع).\n(٨) بياض في: (ع).\n(٩) وممن قال بذلك من المفسرين: ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، والضحاك، وابن زيد. انظر: \"جامع البيان\" ٢٩/ ٩٥ - ٩٦، وعن يحيى بن رافع، وعكرمة، والسدي. انظر: \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٤٥٣، وتفسير السدي الكبير: ٤٦٢، وعن مطر؛ انظر: الدر: ٨/ ٢٩١. وذهب إلى هذا القول: الفراء ٣/ ١٨٨، والزجاج ٥/ ٢٢٩، والثعلبي ١٢/ ١٨٨ ب، والبغوي ٤/ ٣٩٨، وابن الجوزي ٨/ ٩٨، والقرطبي، وعزاه إلى ابن عباس.\n(١٠) أخياف: أي يسْتوون. \"تهذيب اللغة\" ٧/ ٥٩١ (خيف).\n(١١) ورد قول الليث في تهذيب اللغة، نقله بنصه: ١٤/ ١١٠ (وطر). وانظر: \"الصحاح\" ٢/ ٧٢٧: (طور).","vol":"22","page":257},{"text":"وقال ابن الأنباري: الطور الحال، وجمعه أطوار، وتلا هذه الآية، قال: ومعناها: ضروبًا، وأحوالًا مختلفة (١).\n(ثم) (٢) وعظهم ليعتبروا في صنعه فقال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4678>١٥ </span>- ﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ الله سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا (١٥)﴾ قال ابن عباس: بعضها (٣) فوق بعض (٤)، وهذا مفسر في أول سورة الملك (٥).\n(قوله) (٦): ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا﴾، قال عطاء: في السموات (٧). واختلفوا في هذا؛ لأن القمر في السماء الدنيا، والله تعالى يقول: (فيهن)، فروى ميمون بن مهران، عن ابن عباس قال: وجهه في السموات، وقفاه في الأرض (٨).\n_________\n(١) قوله هذا في: \"زاد المسير\" ٨/ ٩٨، و\"التفسير الكبير\" ٣٠/ ١٣٩، و\"فتح القدير\" ٥/ ٢٩٨.\n(٢) ساقطة من: (أ).\n(٣) في (أ): بعضًا.\n(٤) \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٨/ ٣٠٤.\n(٥) سورة الملك: ٣، وقد جاء في تفسيرها: \"قال ابن عباس والمفسرون: بعضها فوق بعض، وقال الكلبي: كل سماء مقبية على الأخرى، يلتصق بها أطرافها، وسماء الدنيا موضوعة على الأرض مثل القبة، قال الزجاج: وطباقًا مصدر، أي طوبقت طباقًا\".\n(٦) ساقط من: (ع).\n(٧) \"النكت والعيون\" ٦/ ١٠٢، و\"الدر المنثور\" بمعناه: ٨/ ٢٩٢ وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، وأبي الشيخ في العظمة.\n(٨) \"النكت والعيون\" ٦/ ١٠٢، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٨٩، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٣٧٥، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٨/ ٣٠٥، و\"لباب التأويل\" ٤/ ٣١٣، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٢٩٢، وعزاه إلى عبد بن حميد، وأبي الشيخ في العظمة، =","vol":"22","page":258},{"text":"وهذا قول عبد الله بن عمرو (١).\nوقال قتادة: إن الشمس والقمر وجوههما قبل السموات، وأقفيتهما قبل الأرض، وأنا أقر بذلك أنه من كتاب الله، وتلا هذه الآية (٢).\nوقال الكلبي: (فيهن) يعني معهن (٣).\nوالمعنى: خلق السموات والأرض والقمر مع خلق السموات، فجعل القمر نورًا بالليل، وجعل الشمس سراجًا ضياء لأهل الأرض.\nوهذا قول مقاتل (٤).\nوعلى قولهما: (في) بمعنى: (مع) (٥)، هذا قول المفسرين، وأما أهل العربية، فقال الأخفش: هذا على المجاز، كما تقول: أتَيْتُ بني تميم، وإنما أتيت بعضهم (٦)؛ لأنه إنما جعل نورًا في السماء ...........\n_________\n= والحاكم وصححه في \"المستدرك\": ٢/ ٥٠٢ كتاب التفسير، تفسير سورة نوح، وقال: حديث صحيح، ووافقه الذهبي.\n(١) ورد قوله في: تفسير القرآن: لعبد الرزاق: ٢/ ٣١٩، و\"جامع البيان\" ٢٩/ ٩٧، و\"الكشف والبيان\" ١٢: ١٨٨/ ب، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٩٨، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٣٧٥، و\"زاد المسير\" ٨/ ٩٩، و\"لباب التأويل\" ٤/ ٣١٣، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٢٩١وعزاه إلى عبد بن حميد، و\"فتح القدير\" ٥/ ٢٩٩.\n(٢) \"جامع البيان\" ٢٩/ ٩٧.\n(٣) \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٨/ ٣٠٤.\n(٤) \"الكشف والبيان\" ١٢: ١٨٨/ ب، بمعناه، والعبارة عنه: \"وجعل القمر معهن نورًا لأهل الأرض\".\n(٥) \"في\": هي من الحروف العوامل، وعملها الجر، ومعناها: الوعاء، وتأتي بمعنى: \"على\"، وهذا عند الكوفيين، وتأتي بمعنى: \"مع\" عند البصريين، وتكون على بابها. انظر: معاني الحروف للرُّماني: ٩٦.\n(٦) \"معاني القرآن\" ٢/ ٧١٥ نقله عنه بتصرف.","vol":"22","page":259},{"text":"الدنيا (١)، وهذا قول الحسن (٢)، وعلى هذا أقيم (٣) البعض مقام الكل (٤)، كما يقال: خرج إلى البصرة على (٥) البغال، وركب إلى بغداد في السفن (٦)، وتوارى في دور بني فلان (٧).\nوإنما جاز إقامة البعض دون الكل (٨)؛ لأنهن كالشىء الواحد. قاله الزجاح (٩).\nوقال بعضهم (١٠): هذا مما حذف منه (١١) المضاف، والتقدير: وجعل القمر في بعضهن، أو في إحداهن (١٢).\nقوله تعالى: ﴿وَاللهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا (١٧)﴾: قال ابن عباس: يريد: مبتدأ خلق آدم (١٣) (١٤)، وقال الكلبي: لأن آدم خلق من الأرض،\n_________\n(١) انظر: \"معاني القرآن\" للأخفش: ٢/ ٧١٥. كما ورد قوله في: \"جامع البيان\" ٢٩/ ٩٧، من غير عزو، و\"الكشف والبيان\" ١٢: ١٨٨/ ب، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٧١٥.\n(٢) ولم أعثر على مصدر لقوله.\n(٣) وعلى هذا أقيم: بياض في: (ع).\n(٤) بياض في: (ع).\n(٥) بياض في: (ع).\n(٦) في السفن: بياض في: (ع).\n(٧) بياض في: (ع).\n(٨) بياض في: (ع).\n(٩) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٣٠ نقله عنه بتصرف.\n(١٠) بياض في: (ع).\n(١١) في (أ). منها.\n(١٢) لم أعثر على من قال بذلك فيما بين يدي من كتب النحو والإعراب.\n(١٣) بياض في: (ع).\n(١٤) لم أعثر على مصدر لقوله، وقد ورد بمثله في الوسيط من غير عزو: ٤/ ٣٥٨.","vol":"22","page":260},{"text":"والناس ولده (١)، وقال مقاتل: يعني أول خلقكم من تراب (٢) الأرض (٣)، قال الأخفش في قوله: (نباتًا) جعل الاسم في موضع المصدر (٤)، والمصدر: الإنبات؛ لأن هذا يدلك على ذلك المعنى (٥).\nوقال أبو إسحاق: (نباتًا) محمول على المصدر في المعنى؛ لأن معنى أنبتكم: جعلكم تنبتون نباتًا، فنباتكم (٦) أبلغ في المعنى (٧).\nوقوله: ﴿سُبُلًا فِجَاجًا﴾، أي: طرقًا واسعة، واحدها: فج، وهو مفسر فيما تقدم (٨).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4679>٢١ </span>- ﴿قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا﴾ الآية.\nقال الكلبي، ومقاتل: اتبع الفقراء والسفلة الرؤساء (٩) والكبراء الذين لم يزدهم كثرة المال إلا ضلالًا في الدنيا، وعقوبة في الآخرة، وهو قوله:\n_________\n(١) لم أعثر على مصدر لقوله، وقد ورد بمثله من غير عزو في الوسيط: ٤/ ٣٥٨.\n(٢) بياض في: (ع).\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ٢١٠/ ب.\n(٤) بياض في: (ع).\n(٥) ورد قوله في \"معاني القرآن\" ٢/ ٧١٥ بتصرف يسير.\n(٦) في (ع): فنباتًا.\n(٧) ورد قوله في \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٣٠ باختصار يسير.\n(٨) سورة الأنبياء: ٣١: ﴿وَجَعَلْنَا في الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٣١)﴾، وجاء في تفسيرها: \"قال الليث: الفج: الطريق الواسع بين جبلين، وقال أبو الهيثم: الفج: طريق في الجبل واسع، يقال: فج، وأفج، وفجاج، والفج في كلام العرب: تفريجك بين الشيئين، ومنه قيل: الطريق بين جبلين فج؛ لأنه فرج بين الجبلين. وعن ابن عباس قال: وجعلنا من الجبال طرقًا حتى اهتدوا إلى مقاصدهم في الأسفار والتجارات\". تفسير البسيط: بتصرف.\n(٩) \"تفسير مقاتل\" ٢١٠/ ب.","vol":"22","page":261},{"text":"﴿مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا﴾، وقرئ: (ووُلدُهُ) -بضم الواو (١) -، وقد ذكرنا في آخر سورة مريم (٢): (أن الوُلد بالضم لغة في الولد، ويجوز أن يكون جمعًا، إما جمع وَلَدٍ، وإما جمع وُلْدٍ كالفُلْك، وهاهنا يجوز أن يكون واحدًا وجمعًا) (٣).\nقوله تعالى: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا (٢٢)﴾ يعني الرؤساء قتلوا السفلة (٤) عن الإيمان شرح، وقالوا لهم: (لا تذرنَّ) الآية. وهذا كان مكرهم (٥). قاله مقاتل، قال: والمعنى: قالوا قولًا عظيمًا، وقولهم العظيم أنهم قالوا: لا تذرنَّ عبادة ودّ (٦) (٧).\n_________\n(١) قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي، ويعقوب، وخلف بضم الواو الثانية، وإسكان اللام: \"ووُلْدُهُ\"، والباقون بفتح الواو واللام: \"ووَلَدُهُ\". انظر: \"القراءات وعلل النحويين\" ٢/ ٧١٧، و\"الحجة\" ٦/ ٣٢٥، و\"المبسوط\" ٣٨٥، و\"البدور الزاهرة\" ٣٢٦، و\"المهذب في القراءات\" لعبد الفتاح القاضي ٢/ ٣٠٦.\n(٢) سورة مريم: ٧٧: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا (٧٧)﴾.\n(٣) ما بين القوسين نقله عن أبي علي بتصرف: الحجة: ٦/ ٣٢٥ - ٣٢٦.\n(٤) السُّفْل، والسِّفْلُ، والسُّفُول، والسَّفال، والسَّفالة بالضم: نقيض العُلْوِ، والعِلْوِ، والعُلُوِّ، والعَلاءِ، والعَلاوَةِ. والسَّفِلة: السُّقاط من الناس، ويقال: السِّفْلة. انظر: \"الصحاح\" ٥/ ١٧٣٠، مادة: (سفل)، وتهذيب اللغة: ١٢/ ٤٣٠، (سفل).\n(٥) المكر له خمسة أوجه: فوجه منها: المكر: تكذيب الأنبياء، الثاني: المكر: فعل الشرك، الثالث: المكر بالقول، الرابع: المكر: إرادة القول، الخامس: المكر: الحيلة. انظر: قاموس القرآن أو إصلاح الوجوه والنظائر في القرآن الكريم: للدامغاني: ٤٣٩ - ٤٤٠.\n(٦) ودّ: صنم كان لقوم نوح ﵇، ثم صار لكلاب. \"الصحاح\" ٢/ ٥٤٩ (ود). وفي الموسوعة الميسرة: ٢/ ١٩٤٦: \"ود: اسم إله القمر في الديانة المعينية القديمة في اليمن، ومعناه: الحب، وورد اسمه في النقوش المعينية، والسبئية، وقد أقيمت باسمه بعض المعابد في بلاد الجوف باليمن\".\n(٧) ورد معنى قوله في: \"تفسير مقاتل\" ٢١٠/ ب، و\"النكت والعيون\" ٦/ ١٠٤، =","vol":"22","page":262},{"text":"ونحو هذا قال الكلبي (١) وغيره (٢)، إلا أنهم جعلوا ذلك القول (٣) العظيم الافتراء على الله، وتكذيب رسوله.\n(والكُبَّار (٤): مبالغة من الكبير (٥)، يقال: كبير (٦)، وكُبَارٌ، وكُبَّارٌ، وجميل، وجَمال، وجُمَّالٌ، وعظيم، وعَظام، وعِظَّام في أشباه (٧) كثيرة (٨) \" (٩)، لهذا تم ذكر ما قالت الكبراء للسفلة، وهو قوله:\n﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ﴾ أي عبادتها.\n_________\n= و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٨/ ٣٠٧، و\"فتح القدير\" ٥/ ٣٠٠، والعبارة عنه في جميعهم: هو قول كبرائهم لأتباعهم: \"وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودًّا ولا سواعًا\" الآية.\n(١) ورد معنى قوله في: \"النكت والعيون\" ٦/ ١٠٣، و\"القرطبي\" ١٨/ ٣٠٧، و\"فتح القدير\" ٥/ ٣٠٠، والعبارة عنه في كليهما: \"هو ما جعلوه لله من الصاحب والولد\".\n(٢) وهو قول الضحاك، قال: افتروا على الله وكذبوا، وكذبوا رسوله.\nوبمعنى هذا قال ابن عباس: قالوا قولًا عظيمًا، وكذا الحسن، قال: مكروا في دين الله وأهله مكرًا عظيمًا. انظر: \"الكشف والبيان\" ١٢/ ١٨٩/ ب، و\"البغوي\" ٤/ ٣٩٩.\n(٣) في (أ): الفوز.\n(٤) قال ابن فارس: \"كبر: الكاف والباء والراء أصل صحيح يدل على خِلاف الصِّغَر، يقال: هو كبير، وكُبار، وكُبَّار، والكِبْر: مُعْظم الأمر\". \"معجم مقاييس اللغة\": ٥/ ١٥٣ (كبر). وفي \"الصحاح\" \"كَبُرَ -بالضم- يَكْبُر أي عَظُم فهو كبير، وكُبَار، فإذا أفرط قيل: كُبَّار -بالتشديد- \". ٢/ ٨٠١ (كبر).\n(٥) في (أ): الكبر.\n(٦) في (أ): كبر.\n(٧) غير مقروءة في: (ع).\n(٨) وأشباهه نحو: كثير وكُثَّار، وقليل وقُلّال، وجسيم وجُسَّام، وزحير وزُحَّار، وأنين وأنان. انظر: \"إصلاح المنطق\" ١٠٩.\n(٩) ما بين القوسين نقله الواحدي عن الفراء بتصرف. انظر: \"معاني القرآن\" ٣/ ١٨٩.","vol":"22","page":263},{"text":"(ولا تذرن وَدًا (ولا سواعًا) (١) \" إلى قوله: ﴿وَنَسْرًا﴾ (روى السُّدِّيُّ عن) (٢) أبي مالك قال: هذه أسماء آلهتهم (٣). وهو قول مقاتل (٤)، والجميع (٥).\nقال قتادة: ثم عبدتها العرب بعد ذلك (٦)، وكان (ودٌّ) لكلب (٧) بدومة الجنْدَل (٨)،\n_________\n(١) ساقطة من: (ع).\n(٢) ما بين القوسين ساقط من: (أ).\n(٣) لم أعثر على مصدر لقول السدي.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ٢١٠/ ب.\n(٥) وهو قول: قتادة، وابن عباس، والضحاك، وابن زيد، وعكرمة، وابن إسحاق، وأبي عثمان. انظر: \"جامع البيان\" ٢٩/ ٩٩، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٤٥٥، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٢٩٣ وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن جرير، وابن مردويه، وابن المنذر. وبه قال الزجاج في: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٣٠، والثعلبي في: \"الكشف والبيان\" ١٢: ١٩٠/ ب، وابن عطية في: \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٣٧٥، وابن كثير في: \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٤٥٤.\n(٦) بياض في: (ع).\n(٧) كلب بن وبرة: بطن من قُضاعة، من القحطانية، وهم: بنو كلب بن وبرة، وكانوا ينزلون دُومة الجندل وتبوك وأطراف الشام، ونزل خلق عظيم منهم على خليج القسطنطينية، ومن أمكنتهم: عُقدة الجوف، الشرية، ومن أوديتهم: قُراقر، ومن مياههم: عُراعر، وقد اتخذوا في الجاهلية بدومة الجندل صنمًا يدعى: \"ودًّا\"، ودخلوا في دين النصرانية، ثم في الإسلام. انظر: \"معجم قبائل العرب القديمة والحديثة\" لعمر رضا كحالة: ٣/ ٩٩١، و\"نهاية الأرب\" للقلقشندي: ٣٦٥: ت: ١٤٩١.\n(٨) دُومَة الجندل -بضم أوله وفتحه-: وسميت دومة الجندل لأن حصنها مبني بالجندل، ودومة الجندل: حصن وقرى بين الشام والمدينة، قرب جبل طيئ، كانت به بنو كتانة من كلب. افتتحها خالد بن الوليد -﵁- سنة ٩ هـ، وقال الشيخ =","vol":"22","page":264},{"text":"وكان \"سُواعٌ (١) \") لهُذَيْل (٢)، وكان \"يغُوثُ (٣) \" لبني غُطَيْف (٤) من مراد (٥).\nوكان (يعوق (٦» لهمدان (٧)،\n_________\n= حمد الجاسر: \"هي مدينة كانت قاعدة إمارة الجوف، ثم نقلت القاعدة إلى سكاكة\". انظر: \"معجم البلدان\" ٢/ ٤٨٧، و\"معجم ما استعجم\" للبكري: ٢/ ٥٤٦، و\"المعجم الجغرافي للبلاد العربية السعودية\" لحمد الجاسر: ١/ ٥٨٨.\n(١) سواع: اسم صنم عُبد زمن نوح ﵇ فغرقه الله أيام الطوفان ودفنه، فاستثاره إبليس لأهل الجاهلية، فعبدوه. تهذيب اللغة: ٣/ ٨٩، مادة: (سوع).\n(٢) هذيل: هم بنو هذيل بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان، كانت ديارهم بالسروات، وسراتهم متصلة بجبل غزوان المتصل بالطائف، وكان لهم أماكن ومياه في أسفلها من جهات نجد، وتهامة بين مكة والمدينة، ثم تفرقوا بعد الإسلام، وهم بطنان: سعد بن هذيل، ولحيان بن هذيل. من منازلهم وديارهم: عُرنة، عَرفة، بطن نُعمان. ومن جبالهم: مَكان المشعر، فَحل، عَماية. ومن أوديتهم: نخاة، الشامية، سعيا، حَلبة. ومن مياههم: المجاز، الرجيع، بئر معونة. ومن أيامهم: يوم خشاش، ووقعة الجُرف. وكانوا يعبدون مَناة بين مكة والمدينة، وصنم سعد، وصنمًا كان برهاط يحجون إليه، وقد هدمه عمرو بن العاص ﵁ سنة ٥٨. انظر: معجم قبائل العرب القديمة والحديثة: لعمر رضا كحالة: ٣/ ١٢١٣، وانظر: نهاية الأرب: ٣٨٧: ت: ١٦١١.\n(٣) يغوث: صنم كان لمَذْحِج. \"لسان العرب\" ٢/ ١٧٥، مادة: (غوث).\n(٤) بياض في: (ع).\n(٥) بنو غطيف: بطن من مراد من كهلان القحطانية، وهم بنو غطيف بن عبد الله بن ناجية بن مراد. قال أبو عبيد: ويقال: إنهم من الأزد، ومنهم فروة بن مسيك، وقد على النبي -ﷺ-. انظر: نهاية الأرب في معرفة أنساب العرب: ٣٤٨: ت: ١٤٢٣، معجم قبائل العرب القديمة والحديثة: لكحالة: ٣/ ٨٨٩.\n(٦) يعوق: صنم كان لقوم نوح ﵇. \"الصحاح\" ٤/ ١٥٣٤، مادة: (عوق).\n(٧) همْدان: بطن من كهلان، من القحطانية، وهم: بنو همدان بن مالك بن زيد بن =","vol":"22","page":265},{"text":"وكان (نَسْر (١» لذي الكلاع (٢) من حمير (٣) (٤).\nوهذا قول ابن عباس (٥)\n_________\n= أوسلة بن ربيعة بن الخيار بن مالك بن زيد بن كهلان، لهم أفخاذ متسعة، منهم: المحايل، سبع، يام، موهبة، أرحب، وبنو الزريع. ديارهم: كانت ديارهم باليمن من شرقيه، ولما جاء الإسلام تفرق قوم منهم، وبقي قوم منهم باليمن، فنزلوا الكوفة، ومصر، فمن بلادهم باليمن: نجران، غُرق، شروم، الخنق. ومن قصورهم: ناعط. تاريخهم: من أيامهم يوم الرَّزْم، كان لهمْدان على مُراد قبيل الإسلام، وأغار عليهم توبة بن الحمير في محل يدعى الجرف. أصنامهم: سُواع، ويعوق. انظر: معجم قبائل العرب: ٣/ ١٢٢٥.\n(١) نَسْر: صنم كان لذي الكلاع بأرض حمير. \"لسان العرب\" ٥/ ٢٠٦، مادة: (نسر).\n(٢) بياض في (ع). وذو الكلاع: بطن يعرف بذي الكلاع من حمير القحطانية، وهم بنو شرحبيل بن حمير، كانوا يقطنون بمخلاف السَّحول بن سوادة. انظر: معجم قبائل العرب: ٣/ ٩٩٠.\n(٣) ورد قول قتادة في: \"جامع البيان\" ٢٩/ ٩٩، و\"الكشف والبيان\" ١٢: ١٩٠/ ب، فتح الباري: ٨/ ٦٦٨ بمعناه.\n(٤) حِمْيَر: بطن عظيم من القحطانية، ينتسب إلى حمير بن سبأ بن يَشْجُب بن يعرب بن فحطان، وسام حمير: العَرَنج، وحمير في قحطان ثلاثة: الأكبر، والأصغر، والأدنى. ومن بلاد حمير في اليمن: شِبام، وذمار، ورمغ. ومن حصونها: مُدَع. وسكن قسم من حمير الحيرة، ومن أيام حمير: يوم البيداء، وهو من أقدم أيام العرب، وكان بين حمير وكلب. وأما أديان حمير: فانتشرت اليهودية فيهم، وكانوا يعبدون الشمس، وكان لحمير بيت بصنعاء يقال له: رئام يعظمونه، ويتقربون عنده بالذبائح. انظر: معجم قبائل العرب: ١/ ٣٠٦.\n(٥) ورد قوله في: \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٣٢٠، و\"جامع البيان\" ٢٩/ ٩٩، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٣٧٦، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٨/ ٣٠٧، و\"لباب التأويل\" ٤/ ٣١٤، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٤٥٤، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٢٩٣ وعزاه إلى البخاري، وابن المنذر، وابن مردويه، و\"فتح القدير\" ٥/ ٣٠٠. وأخرجه البخاري ٣/ ٣١٦، =","vol":"22","page":266},{"text":"في رواية عطاء (الخراساني) (١)، وروى عنه الكلبي أن هذه الأصنام دفنها الطوفان أيام الغرق، وطمها التراب، فلم تزل مدفونة حتى أخرجها الشيطان لمشركي العرب (٢) (٣).\nوقال محمد بن كعب: هذه أسماء قوم صالحين بين آدم ونوح (٤)، فنشأ قوم بعدهم، (فأخذوا بأخذهم في العبادة، فقال إبليس: لو صورتم صورهم كان أشوق لكم إلى العبادة، ففعلوا، ثم نشأ قوم بعدهم) (٥)، فجاء\n_________\n= ح: ٤٩٢٠، كتاب التفسير، باب: ٧١، سورة نوح بمعنى رواية قتادة إلا أنه ذكر أن يغوث كانت لمراد، ثم لبني غطيف بالجرف عند سبأ، وتتمة الرواية عند ابن عباس: \"أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصابًا، وسموها بأسمائهم، ففعلوا، فلم تعبد حتى هلك أولئك، ولنسخ العلم عُبدت\". وأخرجه ابن الأثير في: جامع الأصول: ٢/ ٤١٣، ح: ٨٦٠ قلت: وما أخرجه البخاري من رواية عطاء الخراساني عن ابن عباس، وقع فيه كلام من المزي مقتضاه أن عطاء الخراساني لم يسمع من ابن عباس، وعليه فالحديث منقطع، ولهذا كان مأخذًا على البخاري؛ إلا أن ابن حجر كان له توجيه، وهو أنه احتمال أن العطائين: ابن رباح، والخراساني، قد رويا الحديث، ولذا أخرجه البخاري. والكلام في هذا الأمر تفصيله في فتح الباري: ٨/ ٦٦٧، و\"تهذيب الكمال\" ٢٠/ ١١٥.\n(١) ساقطة من: (أ).\n(٢) بياض في: (ع).\n(٣) ورد قول ابن عباس من غير ذكر طريق الكلبي إليه في: \"الكشف والبيان\" ١٢: ١٩٠/ أ، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٠٠، وورد معنى قوله عن مقاتل في \"زاد المسير\" ٨/ ١٠٠.\n(٤) بياض في: (ع).\n(٥) ما بين القوسين ساقط من: (أ).","vol":"22","page":267},{"text":"إليهم إبليس فقال: إن الذين من قبلكم كانوا يعبدونهم فعبدوهم (١).هذا كلامه (٢).\nوابتداء عبادة (٣) الأوثان من ذلك الوقت، وسميت تلك الأصنام (٤) بهذه الأسماء؛ لأنهم صوَّروها على صورة أولئك القوم المسمين بهذه الأسماء (٥).\n(وفي (ود) قراءتان: فتح الواو (٦)، وضمها (٧)، والفتح أعرف في اسم صنم قوم نوح. حكاه (أبو عبيدة) (٨) بالفتح، وقول الشاعر (٩):\nفَحَيَّاكِ وَدٌّ مَنْ هَدَاكِ لفِتْيَةٍ ... وخُوصٍ بأعلى ذي نُضالَةَ هُجَّدِ (١٠)\n_________\n(١) ورد معنى قوله في: \"الكشف والبيان\" ١٢/ ١٨٩/ ب، وما بعدها، وبنصه في: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٩٩، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٨/ ٣٠٨، و\"لباب التأويل\" ٤/ ٣١٤، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٢٩٤ وعزاه إلى عبد بن حميد، وفي معناه عزاه إلى أبي الشيخ في العظمة، و\"فتح القدير\" ٥/ ٣٠٠.\n(٢) في (أ): كلامهم.\n(٣) غير مقروء لبياض في: (ع).\n(٤) بياض في: (ع).\n(٥) قال بذلك أيضًا ابن حجر في فتح الباري: ٨/ ٦٦٩.\n(٦) قرأ عامة القراء بفتح الواو (وَدًّا) عدا نافع. انظر: \"السبعة\" ٦٥٣، و\"القراءات وعلل النحويين فيها\" ٢/ ٧١٦، و\"الحجة\" ٦/ ٣٢٧، و\"التبصرة\" ٧٠٩، و\"تحبير التيسير\" ١٩٣، و\"الوافي\" ٣٧٣.\n(٧) قرأ نافع وحده: \"وُدًّا\" بضم الواو. انظر: المراجع السابقة.\n(٨) في كلا النسختين: (أبو عبيد)، ولعل الصواب، (أبو عبيدة) كما جاء في الحجة: ٦/ ٣٢٧؛ إذ النص منقول عن الحجة. وانظر أيضًا: \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٧١.\n(٩) الشاعر هو الحطيئة: جرول بن أوس من بني قُطيفة بن عبس.\n(١٠) مواضع ورود البيت منسوبًا للحطيئة: \"ديوانه\" ٤٧ المؤسسة العربية للطباعة والنشر، بيروت، لبنان، وانظر مادة: (هجد) في \"تهذب اللغة\" ٦/ ٣٦، و\"لسان =","vol":"22","page":268},{"text":"ينشد بالفتح. قال الأخفش: وعسى أن يكون (الضم) لغة في اسم الصنم، قال: وسمعت هذا البيت:\nحَيّاك وُدٌّ فإنّا لا يَحِلُّ لَنا ... لَهْوُ النّساءِ وإنَّ الدِّينَ قد عَزَما (١)\nبضم الواو) (٢).\nوقال الليث: الوَد كان لقوم نوح، وكان لقريش صنم يدعونه وُدًا، وبه سمي عمرو بن عبد وُدٍّ (٣).\nوعلى هذا فلعل من قرأ بالضم غلط، فظن صنم قوم نوح صنم قريش، وأبو عبيد يختار الفتح، وإنما يقال: (ود) اسم صنم، ألا تراهم كانوا يتسمون بـ: (عبد ود) (٤)؟.\nقوله: ﴿وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا﴾، من المفسرين من يجعل الإضلال من فعل كبرائهم، وهو الظاهر لقوله: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا (٢٢) وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ﴾.\nقال مقاتل: أضل كبراؤهم كثيرًا من الناس (٥).\n_________\n= العرب\" ٣/ ٤٣١، و\"تاج العروس\" ٢/ ٥٤٣، وجميعها برواية: \"ذي طوالة\". وانظر أيضًا: \"الغريب المصنف\" لأبي عبيد: ٢/ ٤٠٠ برواية: \"وهداك\"، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٣٧٦ برواية: \"فضالة\"، و\"الحجة\": ٦/ ٣٢٨.\n(١) البيت للشاعر النابغة الذبياني، وقد ورد البيت في: \"ديوانه\" ١٠١ ط دار بيروت برواية: \"حياك ربي\"، كما ورد غير منسوب في: \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٣٧٦، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٨/ ٣٠٩، و\"البحر المحيط\" ٨/ ٣٤٢، و\"فتح القدير\" ٥/ ٣٠١، برواية: \"غربًا\" بدلًا، من: \"عزمًا\"، و\"الدر المصون\" ٦/ ٣٨٥. الدين هنا: الحج، عزم: أي عزمنا عليه، وهو من باب القلب. انظر: \"ديوانه\".\n(٢) ما بين القوسين نقله الواحدي عن أبي علي من الحجة: ٦/ ٣٢٧ - ٣٢٨ بتصرف.\n(٣) تهذيب اللغة: ١٤/ ٢٣٥ بتصرف يسير جدًا.\n(٤) لم أعثر على مصدر قول أبي عبيد.\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ٢١٠/ ب، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٠٠.","vol":"22","page":269},{"text":"ومنهم من يجعل الإضلال للأصنام، ويكون المعنى: قد أضل (١) بسببها كثيرًا من الناس، كقوله تعالى: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ (النَّاسِ) (٢)﴾ [إبراهيم: ٣٦]، وأجرى الأصنام في هذه الآية على هذا القول مجرى الآدميين كقوله: ﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ﴾ [الأعراف: ١٩٥] الآية، وقد تقدم الكلام في ذلك (٣).\nوهذا القول حكاه الفراء (٤)، ولعله قول الكلبي.\n﴿وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ﴾ قال الكلبي (٥)، ومقاتل (٦): يعني المشركين بعبادتهم الأوثان.\n﴿إِلَّا ضَلَالًا﴾ إلا خسرانًا. وهذا دعاء عليهم بعد أن أعلمه الله أنهم لا يؤمنون، كما قال تعالى: ﴿أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾ (٧).\nقوله تعالى: ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ﴾ «ما) صلة كقوله ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ﴾ (٨)،\n_________\n(١) في (ع): ضل.\n(٢) ساقطة من: (أ).\n(٣) في سورة إبراهيم: ٣٦: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾ قال أبو إسحاق وغيره: أي ضُلِّلُوا بسببها؛ لأن الأصنام لا تعقل، ولا تفعل شيئًا، كما تقول: قد فتنتني هذه الدار، أي أحببتها، واستحسنتها، وافتتنت بسببها. فلما ضل الناس بسببها صارت كأنها أضلتهم، فنسب الفعل إليهم. انظر: \"تفسير البسيط\" بتصرف.\n(٤) \"معاني القرآن\" ٣/ ١٨٩.\n(٥) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٦) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٧) سورة هود: ٣٦: ﴿وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٣٦)﴾ [هود: ٣٦]\n(٨) سورة النساء: ١٥٥: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ الله عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (١٥٥)﴾.","vol":"22","page":270},{"text":"﴿فبَمَا رَحْمَةٍ﴾ (١)، والمعنى: من خطيئاتهم، أي من أجلها وسببها، وهو معنى قول ابن عباس (٢)، ومقاتل (٣)، يعني: فبخطيئاتهم.\nوقرئ: (خطاياهم) (٤)، وكلاهما جمع خطيئة؛ أحدهما (٥) على التكثير، والآخر جمع الصحيح.\nوقد تقدم الكلام فيها عند قوله: ﴿نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ﴾ (٦)، وفي\n_________\n(١) سورة آل عمران: ١٥٩: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ في الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩)﴾.\n(٢) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ٢١٠/ ب، قال: يعني فخطيئاتهم.\n(٤) قرأ أبو عمر وحده: \"مِمَّا خَطَاياهُم\" بفتح الطاء، والياء، وألف بعدها من غير همز، وقرأ الباقون: \"خطيئاتهم\" بكسر الطاء، وياء ساكنة بعدها، وبعد الياء همزة مفتوحة، وألف وتاء مكسورة. انظر: كتاب السبعة: ٦٥٣، القراءات وعلل النحويين فيها: ٢/ ٧١٦، و\"الحجة\": ٦/ ٣٢٨، و\"الكشف\" ٢/ ٣٣٧، و\"حجة القراءات\": ٧٢٦ - ٧٢٧، و\"النشر\": ٢/ ٣٩١، و\"البدور الزاهرة\" ٣٢٧.\n(٥) في (ع): أحدها.\n(٦) سورة البقرة: ٥٨، ومما جاء فيها من الكلام: \"أن الأصل في \"خطايا\" كان \"خطايو\" لأنها جمع خطيئة قد أبدل من هذه الياء همزة، فصارت \"خطائي\"، وإنما أبدلت هذه الياء همزة لأن هذه الياء إذا وقعت في الجمع صارت همزة، وعلة ذلك لاجتماع همزتين، فقلبت الثانية \"ياء\" فصارت: \"خطائي\" ثم قلبت الياء والكسرة إلى الفتحة والألف، فصارت \"خطاءا\"، فأبدلت الهمزة ياءً لوقوعها بين ألفين، وإنما أُبدلت الهمزة حين وقعت بين ألفين؛ لأن الهمزة مجانسة للألفات، فاجتمعت ثلاثة أحرف من جنس واحد، فأبدلت الهمزة ياء فصارت: \"خطايا\". نقلًا -باختصار يسير- من تفسير البسيط.","vol":"22","page":271},{"text":"الأعراف: (خطيئاتكم (١» (٢)\nوقوله تعالي: ﴿أُغْرِقُوا﴾، أي: بالطوفان.\n﴿فَأُدْخِلُوا نَارًا﴾ قال مقاتل: فأدخلوا في الآخرة نارًا (٣).\nوقال الكلبي: يقول: سيدخلون في الآخرة نارًا (٤).\nوعلى هذا معنى لفظ الماضي في قوله: (فأدخلوا) للاستقبال، وذكر على لفظ الماضي لصحة كونه، وصدق الوعد به، كقوله: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ﴾ [الأعراف: ٤٤].\nوقال الضحاك: إنهم أغرقوا بالماء ثم أُحرقوا بالنار، وكانوا يغرقون من جانب، ويحرقون من جانب (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4680>٢٦ </span>- قوله تعالى: ﴿وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (٢٦)﴾ (٦) قال جماعة من المفسرين (٧): ما دَعَا نوح بهذا إلا بعد ما أوحى الله\n_________\n(١) الأعراف: ١٦١: ﴿وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (١٦١)﴾\n(٢) ما بين القوسين نقله الإمام الواحدي عن صاحب الحجة بتصرف، وبإضافة قولي ابن عباس ومقاتل. انظر: الحجة: ٦/ ٣٢٨.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ٢١٠/ ب، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٠٠، و\"التفسير الكبير\" ٣٠/ ١٤٥.\n(٤) \"التفسير الكبير\" ٣٠/ ١٤٥.\n(٥) انظر: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٠٠، و\"زاد المسير\" ٨/ ١٠١، و\"فتح القدير\" ٥/ ٣٠١.\n(٦) الآية ساقطة من: (ع).\n(٧) قال بذلك: قتادة، انظر قوله في: تفسير عبد الرزاق: ٢/ ٣٢٠، و\"جامع البيان\" ٢٩/ ١٠١، و\"النكت والعيون\" ٦/ ١٠٥، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٣٧٧، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٨/ ٣١٢، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٢٩٥، وعزاه إلى عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن المنذر، و\"فتح القدير\" ٥/ ٣٠١، وإليه ذهب ابن الجوزي ٨/ ١٠٢.","vol":"22","page":272},{"text":"إليه: (﴿أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾) (١) [هود: ٣٦].\nوقوله: ﴿دَيَّارًا﴾ قال أهل العربية: هو فَيْعال من الدوران، أصله: ديْوَار، فقلبت الياء واوًا، وأُدغمت إحداهما في الأخرى. قاله الفراء (٢)، والزجاج (٣)، (وغيرهما (٤» (٥)، وهو في معنى واحد، يقال: مَا بالدار ديار، أي ما بها أحد.\nقال المفسرون: لا تدع أحدًا حتى تهلكهم (٦).\nوقال ابن قتيبة: يقال: ما بها ديار، أي نازل دار (٧).\nوقال المبرد: ديار اسم حقه النفي، يقال: ما بها ديار، ولذلك لا يقع في الواجب، قال: وهو فيعال من دار يدور (٨)، مثل القيام، من قام\n_________\n(١) ما بين القوسين لم يذكر في: (ع).\n(٢) \"معاني القرآن\" ٣/ ١٩٠.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٣١.\n(٤) كابن جرير في: \"جامع البيان\" ٢٩/ ١٠٠، والثعلبي في: \"الكشف والبيان\" ١٢/ ١٩١/ أ، وابن عطية في: \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٣٧٧، والقرطبي ١٨/ ٣١٣، وإليه ذهب أيضًا الشوكاني في: \"فتح القدير\" ٥/ ٣٠١، وقد أورد الفخر قول أهل العربية وعزاه إليهم في: \"التفسير الكبير\" ٣٠/ ١٤٦.\n(٥) ما بين القوسين ساقط من: (أ).\n(٦) بمعنى هذا قال الضحاك: \"ديارًا\": أحدًا. انظر قوله في: \"النكت والعيون\" ٦/ ١٠٥، وممن قال بذلك أيضًا ابن جرير في: \"جامع البيان\" ٢٩/ ١٠٠، والثعلبي في: \"الكشف والبيان\" ١٢: ١٩١/ أ، وابن عطية في: \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٣٧٧، والقرطبي في: \"الجامع لأحكام القرآن\" ٨/ ٣١٢، والشوكاني في: \"فتح القدير\" ٥/ ٣٠١.\n(٧) تفسير غريب القرآن: ٤٨٨.\n(٨) في (أ): تدور.","vol":"22","page":273},{"text":"يقوم (١).\nقوله: ﴿إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ﴾ قال الكلبي (٢)، ومقاتل (٣): هو أن الرجل منهم كان ينطلق بابنه إلى نوح يحذره تصديقه، والإيمان به، وقد ذكرنا ذلك (٤)، فهو معنى قوله: ﴿يُضِلُّوا عِبَادَكَ﴾.\nوقوله تعالى (٥): ﴿وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ قال محمد بن كعب (٦)، (والربيع، وابن زيد (٧» (٨): وهذا بعد ما أخبر الله تعالى نوحًا أنهم لا يلدوا مؤمنًا.\nثم دعا للمؤمنين عامًا بعد دعائه على الكفار فقال:\n﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ﴾ لملك بن متوشلح، وسخا بنت أنوش (٩).\nقال المفسرون: وكانا مؤمنين (١٠).\n_________\n(١) \"التفسير الكبير\" ٣٠/ ١٤٦.\n(٢) الوسيط: ٤/ ٣٦٠.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ٢١٠/ ب.\n(٤) راجع ذلك عند تفسير قوله تعالى: ﴿فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا (٦)﴾ من هذه السورة.\n(٥) ساقطة من: (ع).\n(٦) \"الكشف والبيان\" ١٢: ١٩١/ ب، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٣٧٧، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٨/ ٣١٢، و\"فتح القدير\" ٥/ ٣٠١.\n(٧) المراجع السابقة.\n(٨) ما بين القوسين كتب في نسخة: أبدلًا منه: وغيره. وكذلك ممن قال بمثل قول القرظي، والربيع، وابن زيد: مقاتل، وعطية. انظر: المراجع السابقة.\n(٩) لعله نقله عن الثعلبي. انظر: \"الكشف والبيان\" ١٢/ ١٩١/ ب.\n(١٠) قال بذلك الحسن. انظر: \"النكت والعيون\" ٦/ ١٠٦، و\"زاد المسير\" ٨/ ١٠٢، وذهب الثعلبي ١٢/ ١٩١ب، والبغوي ٤/ ٤٠٠، والفخر الرازي ٣٠/ ١٤٦، والقرطبي ١٨/ ٣١٣، والخازن في: \"لباب التأويل\" ٤/ ٣١٥.","vol":"22","page":274},{"text":"قال عطاء: لم يكن بين نوح وآدم -﵉- من آبائه كافر (١).\nوقال الكلبي: كان بينه وبين آدم عشرة آباء كلهم مؤمن (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا﴾ قال الضحاك (٣)، والكلبي (٤): مسجدي.\nروى عطاء عن ابن عباس: يريد من دخل بيتي، أي في ديني مؤمنًا (٥).\nوهو معني؛ لأن من دخل مسجده مؤمنًا، فقد دخل في دينه.\nوقوله (٦): ﴿وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ عام في كل من آمن بالله وصدق الرسل.\nوقال عطاء عنه (٧): يريد أمة محمد -ﷺ- عامة (٨).\n_________\n(١) \"التفسير الكبير\" ٣٠/ ١٤٦.\n(٢) \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٨/ ٣١٤.\n(٣) \"جامع البيان\" ٢٩/ ١٠١، و\"الكشف والبيان\" ١٢: ١٩١/ ب، و\"النكت والعيون\" ٦/ ١٠٦، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٠٠، و\"زاد المسير\" ٨/ ١٠٢، و\"القرطبي\" ١٨/ ٣١٤، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٢٩٥، وعزاه إلي ابن المنذر، و\"فتح القدير\" ٥/ ٣٠٢.\n(٤) \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٠٠، و\"فتح القدير\" ٥/ ٣٠٢.\n(٥) \"زاد المسير\" ٨/ ١٠٢ بعبارة: \"منزله\"، كما ورد بمعنى قوله في: \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٨/ ٣١٤، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٣٧٧.\n(٦) في (أ): قوله.\n(٧) أي عن ابن عباس.\n(٨) لم أعثر على مصدر لقوله، وورد بمثله عن الكلبي في: \"الكشف والبيان\" ١٢/ ١٩١/ ب، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٨/ ٣١٤.","vol":"22","page":275},{"text":"قوله تعالى (١): ﴿وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا﴾ أي هلاكًا ودمارًا (٢)، فاستجاب الله دعاءه، فأهلكهم، (والتبار: الهلاك، وكل شيء أهلك فقد تبر) (٣)، ومنه قوله: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ﴾ (٤)، وقوله: ﴿وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾ (٥).\n_________\n(١) ساقطة من (ع).\n(٢) قاله الثعلبي في \"الكشف\" ١٢/ ١٩١/ ب.\n(٣) ما بين القوسين نقله الإمام الواحدي عن الزجاج بنصه. انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٣١.\n(٤) سورة الأعراف: ١٣٩: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٣٩)﴾.\n(٥) سورة الإسراء: ٧. والتبار لغة: الهلاك، وتبَّرَه تتبيرًا أي كسَّره وأهلكه. \"الصحاح\" ٢/ ٦٠٠، (تبر)، وانظر: \"القاموس المحيط\": ١/ ٣٧٩، (تبر).","vol":"22","page":276},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4681>سورة الجن</span>","vol":"22","page":277},{"text":"تفسير سورة الجن <span data-type=\"title\" id=toc-4682>(١)</span>\nبسم الله الرحمن الرحيم\n\n١ - ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ﴾ الآية، قال ابن (٢) عباس (٣): كان رسول الله -ﷺ-\n_________\n(١) مكية بإجماعهم. وقد نقل الإجماع في ذلك ابن عطية في: \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٣٧٨، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٨/ ١٠٣، والقرطبي في \"الجامع لأحكام القرآن\" ١١/ ١٩، والشوكاني عن القرطبي في: \"فتح القدير\" ٥/ ٣٠٢.\n(٢) بياض في (ع).\n(٣) جاءت هذه الرواية مطولة من طريق أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في: \"البخاري\" ١/ ٢٥٠ ح ٧٧٣، كتاب الأذان، باب الجهر بقراءة صلاة الفجر، و٣/ ٣١٦: ح ٤٩٢١ في التفسير، باب سورة \"قل أوحي إلي\". و\"مسلم\" ١/ ٣٣٠ ح ١٤٩، في الصلاة، باب الجهر بالقراءة في الصبح، والقراءة على الجن. و\"الترمذي\" ٥/ ٤٢٦: ح ٣٣٢٣، كتاب التفسير، باب ومن سورة الجن، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. و\"تفسير النسائي\" ٢/ ٤٦٧ ح ٦٤٤. و\"المستدرك\" ٢/ ٥٠٣، كتاب التفسير، تفسير سورة الجن، وصححه، ووافقه الذهبي، والرواية كما هي عند البخاري والترمذي: عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: انطلق رسول الله -ﷺ- في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عُكاظ، وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء، وأرسلت عليهم الشهب، فرجعت الشياطين، فقالوا: ما لكم؟ فقالوا: حيل بيننا وبين خبر السماء، وأرسلت علينا الشُّهب. قال: ما حال بينكم وبين خبر السماء إلا ما حدث، فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها فانظروا ما هذا الأمر الذي حدث، فانطلقوا فضربوا مشارق الأرض ومغاربها ينظرون ما هذا الأمر الذي حال بينهم وبين خبر السماء؟ قال: فانطلق الذين توجهوا نحو تهامة إلى رسول الله -ﷺ- بنخلة، وهو عامد إلى سوق عكاظ، وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر، فلما سمعوا القرآن تسمعوا له، فقالوا: =","vol":"22","page":279},{"text":"يصلي من الليل، ويقرأ القرآن، مر به نفر (١) من الجن، فاستمعوا إليه، وإلى قراءته، ودنا (٢) بعضهم من بعض حبًّا للقرآن، حتى كادوا أن يركبوا رسول الله -ﷺ- (٣)، وآمنوا به ثم رجعوا إلى قومهم، وقالوا: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا﴾، يعني: بليغًا.\nوذكرنا سبب إتيان (٤) الجن إياه عند قوله: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ﴾ [الأحقاف: ٢٩] الآية (٥).\n_________\n= هذا الذي حال بينكم وبين خبر السماء، فهنالك رجعوا إلى قومهم، فقالوا: يا قومنا إنا سمعنا قرآنًا عجبًا، يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدًا، وأنزل الله ﷿ على نبيه -ﷺ-: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ﴾، وإنما أوحي إليه قول الجن.\nكما أوردها ابن جرير في \"جامع البيان\" ٢٩/ ١٠٢ - ١٠٣، وانظر: \"لباب النقول في أسباب النزول\" للسيوطي: ٢٢٠، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ١ - ٢، و\"لباب التأويل\" ٤/ ٣١٥، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٢٩٦ - ٢٩٧، وعزاه إلى أحمد، وعبد بن حميد، وابن المنذر، والطبراني ١٢/ ٥٢، رقم (١٢٤٤٩)، وابن مردويه، وأبو نعيم، والبيهقي معًا في الدلائل عن ابن عباس ٢/ ٢٢٥ من طريق أبي عوانة.\n(١) غير مقروء في: (ع).\n(٢) دنا: يقال: دنا منه، ودنا إليه، يدنو دنوًّا: قرب، فهو دانٍ.\n\"المصباح المنير\" ١/ ٢٣٩، مادة: (دنا)، وانظر: \"النهاية في غريب الحديث والأثر\" لابن الأثير ٢/ ١٣٧.\n(٣) قاله ابن عباس. انظر: \"الوسيط\" ٤/ ٣٦٣.\n(٤) في (أ): الإتيان.\n(٥) ومما جاء في تفسيرها: \"قال المفسرون: لما أيس رسول الله -ﷺ- من قومه -أهل مكة- أن يجيبوه، خرج إلى الطائف ليدعوهم إلى الإسلام، فلما انصرف إلى مكة فكان ببطن نخلة، قام يقرأ القرآن في صلاة الفجر، مر به نفر من أشراف حسن نصيبين، كان إبليس بعثهم ليعرف السبب الذي أوجب حراسة السماء بالرجم، =","vol":"22","page":280},{"text":"وقال مقاتل: ﴿قُرْآنًا عَجَبًا﴾ يعني عزيزًا لا يُوجد مثله (١).\nوالمحعنى: قرآنًا ذا عجيب، يعجب منه لبلاغته وعدم مثله، ثم وصفوا ذلك القرآن، وهو قوله:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4683>٢ </span>- ﴿يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ﴾.\nقال عطاء: إلى الإيمان بالله (٢)، وقال الكلبي: يدعو إلى الصواب من الأمن من لا إله إلا الله (٣)، وقال (٤) مقاتل: يدعو إلى التوحيد (٥).\n﴿وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا﴾ قال الكلبي: بطاعة ربنا أحدًا، يعنون إبليس، وذلك أنه بعثهم ليعرف سبب حراسة السماء بالنجوم، فخرجوا يضربون في الأرض، فمروا (٦) برسول الله -ﷺ- (٧)، وهو يقرأ القرآن، فاستمعوا إليه، وآمنوا، ولم يرجعوا إلى إبليس (٨).\nقوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا﴾ قرئ: (وأنه)، وكذلك ما بعده\n_________\n= فدفعوا إلى النبي -ﷺ-، وهو يصلي، فاستمعوا لقرآنه.\nوقال آخر ون: بل أمر رسول الله -ﷺ- أن ينذر الجَنَّة، ويدعوهم إلى الله، ويقرأ عليهم القرآن، فصرف إليه نفر من الجن ليستمعوا منه، وينذروا قومهم\".\n(١) \"تفسير مقاتل\" ٢١١/ ب، وورد بمثله في \"بحر العلوم\" ٣/ ٤١٠ من غير عزو.\n(٢) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٣) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٤) في (أ): قال.\n(٥) الذي ورد في \"تفسيره\" ٢١١/ ب: \"قال: يدعو إلى الهدى\"، وقد ورد بنحوه من غير عزو في: \"بحر العلوم\" ٣/ ٤١٠.\n(٦) غير واضحة في: (ع).\n(٧) ساقطة من: (أ).\n(٨) لم أعثر على مصدر لقوله.","vol":"22","page":281},{"text":"بالكسر، والفتح (١)، والاختيار الكسر؛ لأنه من قول الجن لقومهم، فهو معطوف على قوله: ﴿فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا﴾، وقالوا: ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى (٢) جَدُّ رَبِّنَا﴾، وأما من فتح، فقال الفراء: أما الذين فتحوا فإنهم ردوا (أن) في كل السورة على قوله: (فآمنا به)، وآمنا بكل ذلك، ففتحوا (أن) بوقوع (٣) الإيمان عليها، وأنت مع ذلك تجد الإيمان (٤) يحسن في بعض ما فتح، ويقبح في بعض، ولا (٥) يمنعك ذلك من إمضائهنَّ على الفتح، فإن الذي يقبح من ظهور الإيمان قد يحسن فيه فعل مضارعٌ للإيمان (٦) يوجب فتح (أن) نحو: (صدقنا)، و(شهدنا) (٧).\n_________\n(١) قرأ ابن عامر، وحمزة، والكسائي، وخلف، وحفص بفتح الهمزة فيهن، ووافقهم أبو جعفر في ثلاث: ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى﴾، ﴿وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ﴾، ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ﴾. وقرأ الباقون بكسرها في الجميع، واتفقوا على فتح ﴿أَنَّهُ اسْتَمَعَ﴾، ﴿وَأَنً اَلْمَسَجِدَ﴾. قال ابن الجزري: (لأنه لا يصح أن يكون من قولهم، بل هو مما أوحي إليه -ﷺ-، بخلاف الباقي، فإنه يصح أن يكون من قولهم، ومما أوحي، والله أعلم). \"النشر في القراءات العشر\" ٢/ ٩١ - ٣٩٢.\nوانظر مراجع قراءة الفتح والكسر: كتاب \"السبعة\" ٦٥٦، و\"القراءات وعلل النحويين فيها\" ٢/ ٧١٩، و\"الحجة\" ٦/ ٣٣، و\"المبسوط\" ٣٨٣، و\"حجة القراءات\" ٧٢٧، و\"الكشف عن وجوه القراءات السبع\" ٢/ ٣٢٩.\n(٢) في (أ): على.\n(٣) وردت في \"معاني الفراء\" لوقوع.\n(٤) في (أ): الإنسان.\n(٥) في (ع): فلا.\n(٦) في (أ): الإيمان.\n(٧) إلى هنا انتهى قول الفراء في \"معاني القرآن\" ٣/ ٣٩١ - ٣٩٢، وقد نقله عنه الإمام الواحدي بتصرف.","vol":"22","page":282},{"text":"وقال أبو إسحاق: من حمل (١): ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا﴾ على قوله: ﴿فَآمَنَّا بِهِ﴾ يقول: فآمنا به، وبأنه تعالى جد ربنا، وكذلك ما بعدَه، وهو ردئ في القياس، لا يُعطف على (الهاء) المخفوض إلا بإظهار الخافض، ولكن وجهه أن يُحمل على معنى: (آمنا به)، لا على لفظ: (آمنا به)، ومعنى (٢) آمنا به: صدقناهُ، وعلمناه، ويكون المعنى: وصدقنا أنه تعالى جد ربنا (٣).\nوقال أبو علي: من قرأ بالفتح، فإنه على العمل على (أوحي) (٤)، وهذا ضعيف جدًّا (٥)؛ لأن المعنى على الإخبار على الجن (٦) أنهم قالوا: \"وأنه تعالى جد ربنا\"، \"وأنه كان يقول\"، وليس المعنى على أوحي إلى \"أنه تعالى جد ربنا\"، \"وأنه كان يقول سفيهنا\"، إلا أن بعض ما فتح من \"أن\" في هذه السورة يحسن حملها على \"أوحي\" (٧)، ونذكر ذلك في\n_________\n(١) في (أ): جعل.\n(٢) في: (أ): معنا.\n(٣) إلى هنا انتهى قول الزجاج في \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٣٤، وقد نقله عنه بتصرف.\n(٤) \"الحجة\" ٦/ ٣٣٢.\n(٥) لأنه ينقص المعنى ويغيره. إذا حملت سائر الآيات في الثلاثة عشر موضعًا من هذه السورة، والتي من قول: ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى﴾ إلى قوله: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ﴾ على ما قبلها من قوله: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ﴾، وذلك لأنه لا يحسن أن يقال: وأوحي إلى أنه لما قام عبد الله، ولا يحسن وأوحي إلى أنه كان يقول سفيهنا على الله شططًا. قاله مكي بن أبي طالب في الكشف: ٢/ ٣٤١.\n(٦) في: (أ): الحق.\n(٧) قال مكي: وحجة من فتح الثلاثة عشر أنه عطف على \"قل أوحي إلى أنه\"، فلما عطف على ما عمل فيه الفعل فتحه كله. الكشف: مرجع سابق.","vol":"22","page":283},{"text":"موضعه (١)، ولكن ليس يطرد حمل فتح ما اختلف فيه على الوحي (٢) (٣).\nواختلفوا في معنى قوله: \"جد ربنا\": فالأكثرون على أن المعنى: جلال ربنا وعظمته، وهو قول مجاهد (٤)، ومقاتل (٥)، (وعكرمة (٦)، وقتادة (٧)، والمبرد (٨)، والزجاج (٩» (١٠)، وجميع أصحاب العربية (١١).\nوالجد معناه في اللغة: العظمة، يقال: جد فلان، أي: عظم (١٢)، ومنه الحديث: \"كان الرجل إذا قرأ سورة البقرة جد فينا (١٣)، أي: جل قدره\n_________\n(١) عند الآية: (٦) من هذه السورة.\n(٢) لأن المعنى في فتح \"أن\" على العطف على \"الهاء\" أتم وأبين منه إذا عطفت على \"أوحي إلى أنه\". مرجع سابق.\n(٣) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٤) \"جامع البيان\" ٢٩/ ١٥٤، و\"الكشف والبيان\" جـ: ١٢: ١٩٢/ ب، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٠١، و\"زاد المسير\" ٨/ ١٠٥، و\"الجامع\" ٨/ ١٩، و\"تفسير ابن كثير\" ٤/ ٤٥٧.\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ٢١١/ ب، بنحوه، و\"زاد المسير\" ٨/ ١٠٥.\n(٦) \"جامع البيان\" ٢٩/ ١٠٤، و\"الكشف والبيان\" جـ: ١٢: ١٩٢/ ب، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٠١، و\"زاد المسير\" ٨/ ١٠٥، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٨/ ١٩، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٤٥٧.\n(٧) \"تفسير غريب القرآن\" لابن قتيبة: ٤٨٩، و\"النكت والعيون\" ٦/ ١١٠، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٠١، و\"الجامع\" للقرطبي ١٩/ ٨، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٤٥٧.\n(٨) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٩) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٣٤.\n(١٠) ما بين القوسين ساقط من: (أ).\n(١١) حكاه الفراء عن مجاهد. انظر: \"معاني القرآن\" ٣/ ١٩٢.\n(١٢) انظر: مادة: (جد) في معجم \"مقاييس اللغة\" ١/ ٤٠٦، و\"تهذيب اللغة\" ١٠/ ٤٥٥، و\"الصحاح\" ٢/ ٤٥٢، و\"إصلاح المنطق\" ٢.\n(١٣) أخرجه الإمام أحمد ٣/ ١٢٠ - ١٢١، من طريق أنس -﵁- مطولًا، ونص الشاهد: (وكان الرجل إذا قرأ البقرة وآل عمران جد فينا، يعني عظم).","vol":"22","page":284},{"text":"وعظم\" (١).\nوقال الحسن \"جد ربنا\" أغناه (٢)، والجد يكون بمعنى الغنى، ومنه الحديث: \"لا ينفع ذا الجد منك الجد\" (٣)، وكذلك الحديث الآخر: \"قمت\n_________\n(١) ما بين القوسين ساقط من: (أ).\n(٢) \"الكشف والبيان\" ج ١٢: ١٩٢/ ب، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٠٠، و\"زاد المسير\" ٨/ ١٠٥، و\"القرطبي\" ٨/ ١٩، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٢٩٨ وعزاه إلى عبد بن حميد.\n(٣) أخرجه البخاري ١/ ٢٧١ ح ٨٤٤، كتاب الأذان، باب الذكر بعد الصلاة، وكتاب القدر: باب لا مانع لما أعطى الله: ٤/ ٢١٢: ح ٦٦١٥، وكتاب الاعتصام: باب ما يكره من كثرة السؤال: ٤/ ٣٦٢، ح ٧٢٩٢، ومسلم ١/ ٣٤٣: ح ١٩٤: كتاب الصلاة: باب اعتدال أركان الصلاة، وباب ما يقول إذا رفع رأسه من الركوع: ح ٢٠٥ - ٢٠٦، كتاب المساجد: باب استحباب الذكر بعد الصلاة (ح) ١٣٧ - ١٣٨، وأبو داود ١/ ٣٧٧ - ٣٧٨: كتاب الصلاة: باب ما يقول الرجل إذا سلم من الصلاة.\nومالك في \"الموطأ\" ٧/ ٦٨٧ كتاب القدر: باب ما جاء في أهل القدر، والدارمي في \"سننه\" ٧١ - ٨٨، والترمذي ٢/ ٩٧: ح ٢٩٩: كتاب الصلاة: باب ما يقول إذا سلم من الصلاة، والنسائي ٢/ ٥٤٤ - ٥٤٥: ح ١٠٦٧، كتاب التطبيق، باب ما يقول في قيامه ذلك، وكتاب السهو: باب نوع آخر من القول عند إنقضاء الصلاة: ٣/ ٧٩ - ٨٠: ح ١٣٤٠ - ١٣٤١، وباب نوع آخر من الدعاء عند الانصراف من الصلاة: ٣/ ٨٢: ح ١٣٤٥، والإمام أحمد في \"المسند\" ٣/ ٨٧، و٤/ ٩٣، و٩٧، و١٠١، و٢٤٥، و٢٤٧، ٢٥٠، و٢٥٤، و٢٨٥.\nقال النووي: (والصحيح المشهور: الجد -بالفتح- وهو الحظ، والغنى، والعظمة، والسلطان، أي لا ينفع ذا الحظ في الدنيا بالمال والولد والعظمة والسلطان منك حظه، أي لا ينجيه حظه منك، وإنما ينفعه وينجيه العمل الصالح، كقوله تعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [الكهف: ٤٦]، والله تعالى أعلم. \"شرح صحيح مسلم\" ٤/ ٤٤١، وانظر قوله في: \"عون المعبود، شرح سنن أبي داود\" للآبادي: ٤/ ٣٧٢.","vol":"22","page":285},{"text":"على باب الجنة فإذا عامة من يدخلها الفقراء، وإذا أصحاب الجد (١) محبوسون\" (يعني) (٢) ذوي الحظ (٣) في الدنيا (٤) (٥).\nوالمعنى: وجميع ما ذكر من الأقوال يعود إلى معنى: القولين اللذين ذكرنا. (روي عن قتادة: تعالى أمره) (٦) (٧).\nقال أبو (٨) عبيدة: ملكه وسُلطانه (٩).\nوعن القرظي: آلاؤه ونعمه (١٠).\n_________\n(١) في: (أ): الجنة.\n(٢) ساقطة من: (أ).\n(٣) في: (أ): الخطة.\n(٤) الحديث أخرجه البخاري في \"الجامع الصحيح\" ٣/ ٣٨٨ ح ٥١٩٦، من طريق أبي عثمان عن أسامة عن النبي -ﷺ- قال: \"قمت على باب الجنة، فكان عامة من دخلها المساكين، وأصحاب الجَدِّ محبوسون، غير أن أصحاب النار قد أمر بهم إلى النار، وقمت على باب النار، فهذا عامة من دخلها النساء\".\n(٥) ما بين القوسين تناول المعنى اللغوي لـ: \"الجد\" انظر مادة: (جد) في: معجم \"مقاييس اللغة\" ١/ ٤٠٦، و\"تهذيب اللغة\" ١٠/ ٤٥٥، و\"الصحاح\" ٢/ ٤٥٢، و\"لسان العرب\" ٣/ ١٠٨، وانظر: \"إصلاح المنطق\" ٢٢.\n(٦) \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٣٢١، وعبارته: \"تعالى أمر ربنا، تعالت عظمته\"، و\"جامع البيان\" ٢٩/ ١٠٤، و\"النكت والعيون\" ٦/ ١١٠، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٤٥٧، و\"الدر\" ٨/ ٢٩٨ وعزاه إلى عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وفي جميعها بنحو ما ورد في \"تفسير عبد الرزاق\".\n(٧) ما بين القوسين ساقط من: (أ).\n(٨) في (أ): أبوا.\n(٩) \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٧٢، نقله عنه بتصرف، وعبارته: \"علا ملكُ ربِّنا وسلطانه\".\n(١٠) \"الكشف والبيان\" ١٢/ ١٩٢/ ب، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٠١، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٨، و\"فتح القدير\" ٥/ ٣٠٤.","vol":"22","page":286},{"text":"وعن مجاهد: ذكره (١).\nوكل هذا معناه يعود إلى جلاله، وعظمته، وغناه، وقول من قال: إن الجن قالت (هذه) (٢) بالجهالة (٣) لا يصح (٤)؛ لأنهم لو قالوه بالجهل لأنكر عليهم (ولَمَا) (٥) أخبر الله بذلك عنهم في القرآن.\nفأما ما روي عن ابن عباس أنه قال: لو علمت الجن أن في الإنس جدًّا (٦) ما قالت: \"تعالى جد ربنا\" (٧)، فهذا محمول على أن هذا اللفظ مُوهم، وكان (٨) الأولى بهم أن يجتنبوا إطلاقه في وصف الله، وإن (كان) (٩) بمعنى جائز في وصفه.\n_________\n(١) \"جامع البيان\" ٢٩/ ١٠٥، و\"الكشف والبيان\" ١٢/ ١٩٢/ ب، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٣٧٩، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٨، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٤٥٧، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٢٩٨، وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.\n(٢) ساقطة من (أ).\n(٣) في (أ): بجهالة.\n(٤) وممن قال بهذا القول: علي بن الحسين؛ أبو جعفر الباقر، وابنه جعفر، والربيع بن أنس. انظر: \"جامع البيان\" ٢٩/ ١٠٤، \"الكشف والبيان\" ١٢/ ١٩٢/ ب، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٣٧٩، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٨ وقد وصف الكرمانى هذا القول بأنه عجيب وضعيف وبعيد. انظر: \"غرائب التفسير وعجائب التأويل\" ٢/ ١٢٦٠، وقال ابن عطية ٥/ ٣٧٩: قال كثير من المفسرين: هذا قول ضعيف.\n(٥) ساقطة من (أ).\n(٦) في (أ): أحدًا.\n(٧) \"الكشف والبيان\" ١٢/ ١٩٢/ ب، و\"غرائب التفسير\"، وقد وصفه بما وصف سابقه من القول بالجهالة، و\"تفسير ابن كثير\" ٤/ ٤٥٧، وقال ابن كثير: \"إسناد جيد لكن لست أفهم ما معنى هذا الكلام، ولعله قد سقط شيء، والله أعلم\".\n(٨) في (ع): فكان.\n(٩) ساقطة من: (أ).","vol":"22","page":287},{"text":"وقال أبو إسحاق: تعالى جد ربنا وعظمته (١) عن أن يتخذ صاحبة وولدًا (٢) (٣)، وهو قوله ﴿وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا﴾ قال ابن عباس: يريد المشركين من الجن (٤)، وهو قول مقاتل: يعني كفارهم (٥).\nوقال مجاهد (٦)، (وقتادة) (٧) (٨): هو إبليس.\nوقوله تعالى: ﴿عَلَى اللهِ شَطَطًا﴾ أي كذبًا، وجورًا، وهو و(٩) صفه\n_________\n(١) في (أ): وعظمت.\n(٢) وردت في (ع): وولدًا وصاحبة.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٤٣ بنصه.\n(٤) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٥) \"زاد المسير\" ٨/ ١٠٥، ومعنى السفه في اللغة: الخفة، انظر: معجم \"مقاييس اللغة\" ٣/ ٧٩، و\"تهذيب اللغة\" ٦/ ١٣١.\nوقال الراغب: السفه: خِفة في البدن، ومنه قيل: زمام سفيه: كثير الاضطراب، وثوب سفيه: رديء النسيج، واستعمل في خفة النفس لنقصان العقل، وفي الأمور الدنيوية، والأخروية، فقيل: سَفِه نفسه، وأصله: سفه نفسه، فصرف عنه الفعل نحو: بطر معيشته، وقال في الأخروي: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللهِ شَطَطًا (٤)﴾ فهذا من السفه في الدين\". \"المفردات\" ٢٣٤ - ٢٣٥.\n(٦) \"جامع البيان\" ٢٩/ ١٠٧، و\"الكشف والبيان\" ١٢/ ١٩٢/ ب، و\"النكت والعيون\" ٦/ ١١٠، و\"الجامع\" للقرطبي ٩/ ١٩، و\"تفسير ابن كثير\" ٤/ ٤٥٧، وأورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ٨/ ٢٩٨ وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وانظر: \"فتح القدير\" ٥/ ٣٠٤.\n(٧) المراجع السابقة، ورواه صاحب \"الدر\" بمعناه عنه وعزاه إلى عبد بن حميد.\n(٨) ساقطة من: (أ).\n(٩) الواو ساقطة من النسختين، وأثبتها لاستقامة المعنى، وهكذا وردت أيضًا في \"الوسيط\" ٤/ ٣٦٣، و\"زاد المسير\" ٨/ ١٠٥.","vol":"22","page":288},{"text":"بالشريك، والصاحبة، والولد. قاله المفسرون (١). وتفسير \"الشطط\" قد تقدم عند قوله: ﴿لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا﴾ (٢) [الكهف: ١٤].\nقوله تعالى: ﴿وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللهِ كَذِبًا (٥)﴾ (٣): أن الإنس والجن كانوا لا يكذبون على الله بأن له شريكًا وصاحبة وولدًا، أي كنا نظنهم صادقين حتى سمعنا القرآن. هذا قول المفسرين (٤).\n_________\n(١) ممن قال بمعنى ذلك: ابن قتيبة، قال: أي غلوًّا في الكذب والجور. \"تأويل مشكل القرآن\" ٤٢٧، وعن ابن زيد قال: ظلمًا. \"جامع البيان\" ٢٩/ ١٠٧.\nوعن الكلبي: كذبًا، وعن أبي مالك: جورًا. انظر: \"النكت والعيون\" ٦/ ١١٠. وممن قال من المفسرين أيضًا بذلك: البغوي، وابن الجوزي، والخازن، وابن كثير. انظر: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٠١، و\"زاد المسير\" ٨/ ١٠٥، و\"لباب التأويل\" ٤/ ٣١٦، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٤٥٧.\n(٢) وجاء في تفسيرها كما في \"البسيط\" ﴿لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا﴾ أي كذبًا وجورًا، قاله المفسرون، ومعنى الشطط في اللغة: مجاوزة القدر.\nقال الفراء: يقال: أشط في اللوم إذا جاوز القدر، ولم أسمع إلا أشطّ يشط أشطاطًا وشططًا. وحكى الزجاج وغيره: شط الرجل وأشط، إذا جاوز، ومنه: ﴿وَلَا تُشْطِطْ﴾، ومثله: أشط، وأصل هذا من قولهم: شطت الدار إذا بعدت، فالشطط في القول بعد عن الحق.\nوانظر المعنى اللغوي، وهو مجاوزة المحدود، والتباعد عن الحق، مادة: (شطط) في كل من: \"الصحاح\" ٣/ ١١٣٧، و\"اللسان\" ٧/ ٣٣٤، و\"تاج العروس\" ٥/ ٦٩١.\n(٣) وردت في (ع): \"إنا ظننا\" الآية.\n(٤) وهو قول الثعلبي نقله عنه بنصه. انظر: \"الكشف والبيان\" ١٢/ ١٩٢/ ب، وممن ذهب من المفسرين إلى هذا القول: الطبري، والسمرقندي، والبغوي، وابن الجوزي، والقرطبي، والخازن، وابن كثير. انظر: \"جامع البيان\" ٢٩/ ١٠٧ - ١٠٨، و\"بحر العلوم\" ٣/ ٤١١، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٠٢، و\"زاد المسير\" ٨/ ١٠٥، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ١٩، و\"لباب التأويل\" ٤/ ٣١٦، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٤٥٧.","vol":"22","page":289},{"text":"قال ابن قتيبة: يقول: كنا نتوهم أن أحدًا لا يقول على الله باطلًا، يريدون أنا كنا نصدقهم، ونحن نظن أن أحدًا لا يكذب على الله، وانقطع هاهنا قول الجن (١).\nقال الله جل وعز: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ﴾ (فمن فتح \"وأنه\" حملها على \"أوحي\"، ومن كسر جعلها مبتدأة (٢) من الله تعالى) (٣).\nقوله تعالى: ﴿يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ﴾ قال جماعة المفسرين: كان الرجل في الجاهلية إذا سافر فأمسى في قفر (٤) من الأرض قال: أعوذ بسيد هذا الوادي، أو بعزيز هذا المكان، من شر سفهاء قومه، فيبيت في جوار منهم حتى يصبح (٥).\n_________\n(١) \"تأويل مشكل القرآن\" ٤٢٧ بنصه.\n(٢) لأن حقّها إذا دخلت على الابتداء أن تكسر؛ لأنها حرف مبتدأ به للتأكيد. قاله مكي. انظر: \"الكشف عن وجوه القراءات السبع\" ٢/ ٣٤١.\n(٣) ما بين القوسين نقلًا عن \"الحجة\" بتصرف واختصار: ٦/ ٣٣٢.\n(٤) القفر في اللغة: المكان الخلاء من الناس. وفي اللسان: الخلاء من الأرض. انظر (قفر) في: \"تهذيب اللغة\" ٩/ ١٢٠، و\"لسان العرب\" ٥/ ١١٠. وقال الجوهري: القَفْر: مفازة لا ماء فيها، ولا نبات، والجمع: قفار. \"الصحاح\" ٢/ ٧٩٧ مادة: (قفر).\n(٥) قال بمعنى ذلك: ابن عباس، والحسن، وإبراهيم، ومجاهد، وابن زيد. انظر: \"جامع البيان\" ٢٩/ ١٠٨، و\"النكت والعيون\" ٦/ ١١١، وعزاه إلى ابن زيد فقط. وقال به: ابن قتيبة في \"تأويل مشكل القرآن\" ٤٢٨، والسمرقندي، والثعلبي، والبغوي، وحكاه ابن عطية عن جمهور المفسرين، وابن الجوزي، والفخر الرازي عن جمهور المفسرين، والخازن.\nانظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٣٤، و\"بحر العلوم\" ٣/ ٤١١، و\"الكشف والبيان\" ١٢: ١٩٣/ أ، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٠٢، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٣٨٠، و\"زاد المسير\" ٨/ ١٠٥، و\"التفسير الكبير\" ٣٠/ ١٥٦، و\"لباب التأويل\" ٤/ ٣١٦.","vol":"22","page":290},{"text":"وقوله: ﴿فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ قال أبو عبيدة: سفهًا وطغيانًا وظلمًا (١).\nوقال الليث (٢)، وغيره (٣) (٤): الرهق: جهل في الإنسان، وخِفَّةٌ في عقله. والرَّهَق: غشيان الشيء، وفي فلان رهقٌ يغشى المحارمَ، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ﴾ [يونس: ٢٦]-وقد مر (٥) -، ورجل مُرَهَّقٌ: يغشاه السُّؤال والضيفان، ومنه قول زهير:\nومُرَهَّق النِّيرانِ يُحْمَدُ في ... اللأْواءِ غيرُ مُلَعَّنِ القِدْرِ (٦) (٧)\nويقال: رهقتنا الشمس إذا قربت (٨).\nومعنى قول المفسرين يعود إلى هذا، وهو أنهم قالوا في قوله:\n_________\n(١) \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٧٢، بزيادة: (وظلمًا).\n(٢) \"تهذيب اللغة\" ٥/ ٣٩٧ - ٣٩٨، نقله عنه باختصار.\n(٣) يراد به الأصمعي. انظر: \"تهذيب اللغة\"؛ مرجع سابق.\n(٤) ساقطة من: (أ).\n(٥) جاء في تفسير الآية السابقة من الحاشية ١٠: (ولا يرهق وجوههم: أي لا يغشاها، يقال: رهقه ما يكره، أي: غشيه، قال ابن عباس: يريد ولا يصيب وجوههم.\n(٦) ورد البيت منسوبًا له في ديوانه: ٢٨ ط دار صادر. وأيضًا في مادة: (رهق): \"الصحاح\" ٤/ ١٤٨٧، و\"لسان العرب\" ١٠/ ١٣٠، و\"تاج العروس\" ٦/ ٣٦٥.\nومعنى البيت: مرهق النيران: تُغشى نيرانه، اللأواء: الشدة والجهد والضيق، غير ملعن القدر: لا تُسبُّ قِدره لأنه يُطعِم.\nانظر: \"شرح شعر زهير\" لأبي العباس ثعلب، تحقيق د. فخر الدين قباوة: ٨٠.\n(٧) ما بين القوسين انظر له: \"تهذيب اللغة\" ٥/ ٣٩٧ - ٣٩٨: مادة: (رهق).\n(٨) جاء في \"الصحاح\" ويقال: طلبت فلانًا حتى رَهِقْتُةُ رَهَقًا: أي دنوت منه، فربما أخذه، وربما لم يأخذه. ٤/ ١٤٨٧. وفي \"اللسان\" وأرهقنا الليل: دنا منا، وأرهقنا الصلاة: آخرناها حتى دنا وقت الأخرى. ١٠/ ١٣٠، مادة: (رهق).","vol":"22","page":291},{"text":"(فزادوهم رهقًا) أي إثمًا (١)، وجراءة (٢)، وطغيانًا (٣)، وخطيئة (٤)، وغيًّا (٥)، وشرًا (٦)، كل هذا من ألفاظهم، والمعنى: أنهم يزدادون بهذا التعوذ طغيانًا، وإثمًا، فيقولون: [سدنا] (٧) الجن والإنس.\nويجوز أن يكون المعنى: زادت الجن والإنس رهقًا، أي ظلمًا، يعني لما تعوذوا (بهم) (٨) استذلوهم، واجترؤوا عليهم، فزادوهم ظلمًا، وهذا\n_________\n(١) قاله ابن عباس. انظر: \"جامع البيان\" ٢٩/ ١٥٩، و\"الكشف والبيان\" ١٢/ ١٩٣/ أ، و\"النكت والعيون\" ٦/ ١١١، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٠٢، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ١٠، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٤٥٧.\n(٢) قاله قتادة. انظر: \"جامع البيان\" ٢٩/ ١٠٩، و\"الكشف البيان\" ١٢/ ١٩٣/ أ، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٤٥٧.\n(٣) قاله مجاهد. انظر: المراجع السابقة. إضافة إلى: \"النكت والعيون\" ٦/ ١١١، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٠٢.\n(٤) قاله قتادة أيضًا. انظر: \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ١٣٢، و\"الكشف والبيان\" ١٢/ ١٩٣/ أ، و\"القرطبي\" ١٠/ ١٩، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٣١٠، وعزاه إلى عبد بن حميد.\n(٥) قاله مقاتل. انظر: \"الكشف والبيان\" جـ: ١٢: ١٩٣/ أ، و\"النكت والعيون\" ٦/ ١١١، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٠٢.\n(٦) قاله الحسن. انظر: \"الكشف والبيان\" جـ: ١٢: ١٩٣/ أ.\nومن ألفاظهم أيضًا: خوفًا؛ قاله ابن زيد، وأبو العالية، والربيع. انظر: \"الكشف والبيان\" ١٢/ ١٩٣/ أ، و\"النكت والعيون\" ٦/ ١١١، و\"القرطبي\" ١٠/ ١٩.\nوعظمة: قاله إبراهيم. انظر: \"الكشف والبيان\"، و\"معالم التنزيل\"؛ مرجعان سابقان. وكفر. قاله سعيد. انظر: \"النكت والعيون\"؛ مرجع سابق.\nوأذًى. قاله السدي. انظر: المرجع السابق. سفهًا. قاله ابن عيسى. مرجع سابق. وقال الزجاج. ذلة وضعفًا. \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٣٤.\n(٧) في كلا النسختين: سيدنا، وأثبت ما تستقيبم به العبارة.\n(٨) ساقطة من: (أ).","vol":"22","page":292},{"text":"معنى قول عطاء: خبطوهم (١)، وخنقوهم (٢).\nفعلى القول الأول: زادوا من فعل الإنس.\nوعلى القول الثاني: زادوا من فعل الجن.\nقوله: ﴿وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا﴾ هذا أيضًا من قول الله ﷿، والكلام في فتح \"أن\" وكسرها -كما ذكرنا في الآية التي قبلها (٣) - والمعنى أن الله ﵎ يقول: (ظن الجن كما ظننتم أيها الإنس أن لا تبعث يوم القيامة (٤)، أي: كانوا لا يؤمنون بالبعث، كما أنكم لا تؤمنون به، وهذا خطاب من الله للكفار.\nوانقطع هاهنا قول الله ﷿ فقالت الجن) (٥):\n﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ﴾ قال ابن عباس: يريد مسسنا السماء (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4684>٨ </span>- وقال الكلبي: يقول: أتينا السماء (٧).\n_________\n(١) خبطوهم: خبطه، يخبطه: ضَرَبه شديدًا.\nانظر: \"القاموس المحيط\" ٢/ ٣٥٦، مادة: (خبط).\n(٢) الخنق: خنقه يخنقه، من باب قتل، خنقًا، والمخنقة: القلادة، سميت بذلك لأنها تطيف بالعنق، وهو موضع الخنق.\nانظر مادة: (خنق) في: \"معجم مقاييس اللغة\" ٢/ ٢٢٤، و\"الصحاح\" ٤/ ١٤٧٢، و\"المصباح المنير\" ١/ ٢١٩.\n(٣) يراجع فيها آية ٣ من هذه السورة.\n(٤) بمعناه قال السمرقندي في \"بحر العلوم\" ٣/ ٤١١، والثعلبي في \"الكشف والبيان\" ١٢/ ١٩٣/ ب.\n(٥) ما بين القوسين نقله الواحدي عن ابن قتية بنصه. انظر: \"تأويل مشكل القرآن\" ٤٢٨ - ٤٢٩.\n(٦) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٧) \"الوسيط\" ٤/ ٣٦٥.","vol":"22","page":293},{"text":"قال أبو علي: تأويله عالجنا غيب السماء، ورمنا استراقه فنلقيه إلى الكهنة (١)، وليس من اللمس بالجارحة في شيء (٢). وهذا معنى قول الكلبي (٣).\nوقوله تعالى: ﴿فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا﴾ (٤) قال ابن عباس (٥)، ومقاتل (٦): يعني الملائكة.\nوالحرس: جمع حارس. و﴿شَدِيدًا﴾ يراد به الكثرة، وذكرنا في مواضع أن فعيلًا قد يكون للكثير (٧).\nوقوله: ﴿وَشُهُبًا﴾ قال ابن عباس: يريد النار التي يرجم بها من استرق السمع (٨).\nوقال الكلبي: ورُمينا بالنجوم (٩)، وهذا كقوله: ﴿فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾ [الصافات: ١٥]، وقد مر، وذكرنا الكلام في هذا عند قوله: ﴿رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ﴾ (١٠)، ...\n_________\n(١) الكهنة: جمع كاهن، وهو الذي يتعاطى الخبر عن الكائنات في مستقبل الزمان، ويدّعي معرفة الأسرار. \"لسان العرب\" ١٣/ ٣٦٣، مادة: (كهن)، و\"النهاية في غريب الحديث والأثر\" ٤/ ٢١٤.\n(٢) و(٣) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٤) كلمة (شهبا) ساقطة من: (ع).\n(٥) \"الدر المنثور\" ٨/ ٣٠٣ وعزاه إلى ابن مردويه.\n(٦) \"تفسير مقاتل\" ٢١١/ ب.\n(٧) نحو ما جاء في قوله: ﴿لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨]، وقوله ﴿وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٥].\n(٨) و(٩) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(١٠) سورة الملك: ٥: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ (٥)﴾. وقد جاء في تفسيرها: قال ابن عباس: يرجم بها الشياطين =","vol":"22","page":294},{"text":"وفي آيات غيرها (١).\nقال الكلبي: ولم تكن تحرس السماء في الفترة بين عيسى ومحمد -﵉- خمسمائة عام، فلمَّا بعث محمد -ﷺ- مُنعوا من السموات كلها، وحرست بالملائكة والشهب، فعند ذلك قالوا: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ﴾\n_________\n= الذين يسترقون السمع. قال أبو علي: فإن قيل: كيف يجوز أن تكون المصابيح زينة مع قوله: (وجعلناها رجومًا للشياطين فالقول إنها جعلت لهم لم تزل فتزول الزينة بزوالها، ولكن يجوز أن ينفصل منها نور يكون رجمًا للشياطين، كما ينفصل من السرج، وسائر ذوات الأنوار ما لا يزول بانفصالها منها صورتها. وهذا كما قال بعض أهل العربية: ينفصل من الكوكب شهاب نار، وهذا كقوله: \"ولقد جعلنا في السماء بروجًا\" الآية.\nومعنى لفظ الشهاب: الشُّعلة الساطعة من النار الموقدة، ومن العارض في الجو، نحو: \"فأتبعه شهاب ثاقب\". \"المفردات في غريب القرآن\" ٤٦٧.\nوقال أبو حيان: \"شهاب\": كوكب متوقد مضيء. \"تحفة الأريب\" ١٨٢.\nوقال ابن فارس: \"شهب\" الشين والهاء والباء أصل واحد يدل على بياض في شيء من سواد لا تكون الشهة خالصة بياضًا ..، ومن الباب الشهاب، وهو شُعلة نار ساطعة \"معجم مقاييس اللغة\" ٣/ ٢٢٠، مادة: (شهب)، وانظر: \"لسان العرب\" ١/ ٥٠٨ مادة (شهب).\n(١) نحو ما جاء في سورة الحجر: ١٨ عند قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ (١٨)﴾. جاء في تفسير الشهاب: \"قال الواحدي: والشهاب: شعلة نار ساطع، ثم يسمى الكوكب شهابًا، والسنان شهابًا لبريقهما يشبهان النار\".\nوقال ابن عباس في قوله: (بشهاب مبين): يريد نارًا تنير لأهل الأرض.\nقال المفسرون: إن الشهاب لا تخطئه أبدًا، وإنهم ليرمون فإذا توارى عنكم فقد أدركه. وقال أصحاب المعاني: إن الله تعالى سمى ما ترجم به الشياطين شهابًا، وهو في اللغة النار الساطعة، ونحن في رأي الحين نرى كأنهم يرمون بالنجوم، فيجوز أن ذلك كما نرى، ثم يصير نارًا إذا أدرك الشيطان، ويجوز أنهم يرمون بشعلة نار من الهواء، ولكن لبعده عما يخيل إلينا أنه نجم. والله أعلم بحقيقة ذلك.","vol":"22","page":295},{"text":"[الجن: ١٤] (١) الآية.\nوذكر المفسرون (٢): أن الانقضاض الذي رُميت به الشياطين حدث بعد مبعث النبي، وهو أحد آياته، ويدل على هذا قوله: ﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا﴾ [الجن: ٩] الآية، أي كنا نسمع، فالآن حين حاولنا الاستماع رُمينا بالشهب. وهو قوله: ﴿يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا﴾.\nقال مقاتل: يعني رميًا من الكواكب، ورصدًا من الملائكة (٣).\nقال أبو إسحاق: أي حفظة تمنع من الاستماع (٤).\nوعلى هذا يجب أن يكون التقدير: شهابًا، ورصدًا؛ لأن الرصد غير الشهاب، وهو جمع راصد (٥).\n_________\n(١) ورد بنحوه في \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ١١.\n(٢) قال بذلك قتادة، وابن زيد، وابن عباس، وأبي بن كعب، وعبد الله بن عمر، انظر: \"جامع البيان\" ٢٩/ ١١١، و\"التفسير الكبير\" ٣٠/ ١٥٨، و\"القرطبي\" ١٩/ ١٢، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٣٠٢ وعزاه إلى عبد بن حميد عن ابن عباس، ويؤيد هذا القول الحديث عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: كان الجن يصعدون إلى السماء يسمعون الوحي، فإذا سمعوا الكلمة زادوا فيها تسعًا، فأمَّا الكلمة فتكون حقًّا، وأمَّا ما زاد فيكون باطلًا، فلما بعث رسول الله -ﷺ- مُنِعوا مقاعدهم، فذكروا ذلك لإبليس، ولم تكن النجوم يُرمى بها قبل ذلك، فقال لهم إبليس: ما هذا إلا من أمر قد حدث في أرض، فبعث جنوده فوجدوا رسول الله -ﷺ- قائمًا يصلي بين جبلين، أراه قال: بمكة، فأتوه فأخبروه، فقال: هذا الذي حدث بالأرض.\nأخرجه الترمذي في سننه وقال: هذا حديث حسن صحيح، ٥/ ٤٢٧ - ٤٢٨ ح ٣٣٢٤، كتاب التفسير: باب ومن سورة الجن: ٧٠.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ٢١١/ ب.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٣٤ بنصه.\n(٥) الرصد في اللغة: قال ابن فارس: الراء والصاد والدال أصل واحد، وهو التهيؤ لِرقبة شيء على مَسْلَكِه، ثم يحمل عليه ما يشاكله. \"معجم مقاييس اللغة\" ٢/ ٤٠٠، مادة =","vol":"22","page":296},{"text":"وقال الفراء (١)، وابن قتيبة (٢): أي شهابًا قد أرصد له ليرجم به.\nوعلى هذا الرصد من نعت الشهاب، وهو فَعَل بمعنى مفعول، كالنَّفَضِ والخيط.\nروى عبد الرزاق عن مَعمر قال: قلت للزهري: أكان يُرمى بالنجوم في الجاهلية، قال: نعم، قلت: أفرأيت قوله: ﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ﴾ الآية، فقال: غلظت، وشدد أمرهَا حين بُعث النبي -ﷺ- (٣).\nوروي أيضًا مرفوعًا ما يدل على هذا، وهو ما روي عن ابن عباس أنَّه قال: بينا رسول الله -ﷺ- جالس في نفر من الأنصار إذ رمي بنجم، فقال: \"ما كنتم تقولون في مثل هذا في الجاهلية؟ \" فقالوا (٤): كنا نقول يموت عظيم، أو يولد (٥) عظيم (٦) الحديث.\n_________\n= (رصد). وفي \"الصحاح\" الراصد للشيء: المراقب له، والرَّصَدُ: القوم يَرصدون كالحرس. ٢/ ٤٧٤ مادة: (رصد).\n(١) \"معاني القرآن\" ٣/ ١٩٣ بنصه.\n(٢) \"تفسير غريب القرآن\" ٤٨٩.\n(٣) \"تأويل مشكل القرآن\" ٤٢٩، و\"بحر العلوم\" ٣/ ٤١٢، و\"الكشاف\" ٤/ ١٤٧، و\"الجامع\" للقرطبي ١٢/ ١٩، و\"فتح القدير\" ٥/ ٣٠٥ - ٣٠٦، و\"الكشاف\" ٢٩/ ٨٧.\n(٤) في (أ): فقال.\n(٥) غير واضحة في: (أ).\n(٦) الحديث أخرجه مسلم في \"صحيحه\" ٤/ ١٧٥٠: ح ١٢٤، كتاب السلام: باب ٣٥، تحريم الكهانة وإتيان الكهان، ونص الحديث كما هو عنده: \"عن ابن شهاب حدثني علي بن حسين أن عبد الله بن عباس قال: أخبرني رجل من أصحاب النبي -ﷺ- من الأنصار أنهم بينما هم جلوس ليلة مع رسول الله -ﷺ- رمي بنجم فاستنار، فقال لهم رسول الله -ﷺ-: \"ماذا كنتم تقولون في الجاهلية إذا رُمي بمثل هذا؟ \" قالوا: الله ورسوله اعلم، كنا نقول. وُلِدَ الليلة رجل عظيم، ومات رجل عظيم. فقال =","vol":"22","page":297},{"text":"قال ابن قتيبة: وهذا يدل (١) على أن الرجم قد كان قبل مَبْعثه ولكنه لم يكن مثله في شدة الحراسة بعد مبعثه، وكانت تسترق في بعض الأحوال، فلما بُعث منعت من ذلك أصلًا. وعلى هذا وجدنا الشعر القديم، قال بِشر ابن أبي خازم، وهو جاهلي:\nوالعَيْرُ يُرْهِقُها الغُبِارُ وجَحْشُها ... يَنْقَضُّ خَلْفَها انْقِضَاضَ الكَوْكَبِ (٢)\nوقال أوس بن حجر، جاهلي:\nفانْقَضَّ (٣) كالدُّرِّي يَتْبَعُه ... نَقْعٌ يَثُورُ تَخَالُهُ طُنُبا (٤) (٥)\n_________\n= رسول الله -ﷺ- \"فإنها لا يُرمى بها لموت أحد ولا لحياته، ولكن ربنا ﵎ اسمه إذا قضى أمرًا سبح حملة العرش\" .. الحديث.\nكما أخرجه الترمذي في \"سننه\" ٥/ ٣٦٢: ح ٣٢٢٤، كتاب التفسير، ومن سورة سبأ: ٣٥، قال أبو عيسى: (هذا حديث حسن صحيح).\nوما أورده الإمام الواحدي فنقلًا عن \"تأويل مشكل القرآن\" لابن قتيبة: ٤٣٠.\n(١) وردت في \"تأويل مشكل القرآن\" المطبوع بلفظ: (لِنَدُلَّ).\n(٢) ورد البيت في \"ديوانه\" ٣٧، و\"كتاب المعاني الكبير\" ٢/ ٧٣٩، و\"الحيوان\": لأبي عثمان الجاحظ: ٦/ ٢٧٣، برواية (الخبار) بدلًا من (الغبار)، و(خلفهما) بدلًا من (خلفها)، و\"الكشاف\" ٢٩/ ٨٧ برواية: (خلفهما).\nمعنى البيت: الخبار: أرض لينة رخوة تسوخ فيها القوائم. شبه الجحش بالكوكب المنقضّ في سرعته وبياضه. \"ديوانه\": ٣٧. حاشية.\n(٣) وانقض: هكذا وردت عند ابن قتيبة في التأويل.\n(٤) ورد البيت في ديوانه: ٣، برواية: (وانقض)، و\"الحيوان\" ٦/ ٢٧٤، \"كتاب المعاني الكبير\" ٢/ ٧٣٩، و\"النكت والعيون\" ٦/ ١١٢، و\"التفسير الكبير\" ٣/ ١٥٧، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٣٨١، وعزاه إلى عوف بن الجزع، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٢/ ١٩، و\"الكشاف\" ٢٩/ ٨٧ (وانقض).\nويراد بالنقع: الغبار الساطع. الدريّ: الكوكب المنقض يدرأ على الشيطان. تخاله طنبًا: يريد تخاله فسطاطًا مضروبًا. ديوانه: ٣ حاشية.\n(٥) ما بين القوسين من قول ابن قتيبة؛ نقله عنه الواحدي بتصرف يسير جدًّا. انظر: =","vol":"22","page":298},{"text":"ثم قالوا: ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ في الْأَرْضِ﴾، أي: بحدوث الرجم بالكواكب، وحراسة السماء من استراق السمع، أريد شرًّا (١) بأهل الأرض أم صلاح. وهو قوله: ﴿أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾.\n(هذا معنى أكثر المفسرين (٢)، وأهل التأويل (٣» (٤).\nقال مقاتل: ﴿أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ في الْأَرْضِ﴾ يعني بإرسال محمد -ﷺ- إليهم فيكذبوه، فيهلكوا كما هلك من كذب من الأمم الخالية، أراد أن يؤمنوا فيهتدوا (٥).\nوالمراد بـ: \"الشر\"، و\"الرشد\" على هذا القول: الكفر والإيمان (٦).\nوقال ابن زيد: قالوا: لا ندري أعذاب أراد الله أن ينزله بأهل الأرض\n_________\n= \"تأويل مشكل القرآن\" ص ٤٣٠.\n(١) وردت مكررة في النسخة: أ.\n(٢) قال بذلك: ابن زيد، انظر قوله في \"جامع البيان\" ٢٩/ ١١١، و\"النكت والعيون\" ٦/ ١١٢، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ١٣.\nكما قال به ابن قتيبة في \"تأويل مشكل القرآن\" ٤٣١، ورجحه الطبري في \"جامع البيان\" مرجع سابق، وقاله أيضًا السمرقندي في \"بحر العلوم\" ٣/ ٤١٢، وإليه ذهب البغوي في \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٠٣، وعزاه القرطبي إلى الأكثرين من المفسرين. وهذا القول أحد القولين للآية، وهو القول الأول.\n(٣) قاله الفراء في \"معاني القرآن\" ٣/ ١٩٣، والزجاج ٥/ ٢٣٤.\n(٤) ما بين القوسين ساقط من: (أ).\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ٢١١/ ب، و\"زاد المسير\" ٨/ ١٠٦، وإلى هذا القول ذهب الكلبي أيضًا، وعزاه الماوردي إلى السدي، وابن جريج، وحكاه ابن عطية في تفسيره. ويعد هذا القول الثاني من القولين في معنى الآية. انظر: \"جامع البيان\"، و\"النكت والعيون\" مرجعان سابقان، و\"المحررالوجيز\" ٥/ ٣٨١\n(٦) بمعنى أن هذا القول منفصل عن معنى الآية السابقة له.","vol":"22","page":299},{"text":"فمُنَعنا، أم أراد بهم الهدى بأن يبعث فيهم رسولًا. وهذا معنى القول الأول (١).\nثم أخبر عن أحوالهم فقال: ﴿وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ﴾، أي: المؤمنون المخلصون. ﴿وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ﴾: دون الصالحين، يعنون الكفّار في قول مقاتل (٢)، والكلبي (٣)، ومجاهد (٤).\n(وهو اختيار الفراء (٥)، والزجاج (٦».\nوقال ابن قتيبة: ﴿وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ﴾ بعد استماع القرآن، ﴿وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ﴾ أي منا بررة أتقياء، ومنا دون البررة، وهم مسلمون (٧)، فجعل الفريقين جميعًا مسلمين، ولكن بعضهم دون بعض؛ وهذا قول السدي عن ابن عباس (٨). هذا كله معنى قوله:\n﴿كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا﴾، أي: أصنافًا، وضروبًا مختلفة، إمَّا مؤمنون، وكافرون، على القول الأول، وإمَّا مخلصون بررة ودونهم.\n_________\n(١) ورد قوله بمعناه في \"جامع البيان\" ٢٩/ ١١١، و\"الجامع\" للقرطبي ١٣/ ١٩.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ٢١١/ ب، بنحوه.\n(٣) كلمة (والكلبي) ساقطة من (أ)، ولم أعثر على مصدر لقوله.\n(٤) \"جامع البيان\" ٢٩/ ١١٢، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٠٣، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٤٥٩، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٣٠٤ وعزاه إلى عبد بن حميد.\n(٥) \"معاني القرآن\" ٣/ ١٩٣، وعبارته سابقة لهذه الآية، وذلك عندما تناول تفسير قوله تعالى: ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ في الْأَرْضِ﴾.\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٣٥. والكلام ما بين القوسين ساقط من: (أ).\n(٧) \"تأويل مشكل القرآن\" ٤٣١ نقله عنه الواحدي بنصه.\n(٨) لم أعثر على مصدر لقوله.","vol":"22","page":300},{"text":"قال السدي: الجنُّ أمثالكم، فيهم قدرية، ومرجئة (١)، ورافضة (٢)،\n_________\n(١) المرجئة: الإرجاء معناه التأخير، والآخر: إعطاء الرجاء، وإطلاق اسم المرجئة على الجماعة بالمعنى الأول؛ لأنهم كانوا يؤخرون العمل عن النية والعقد، وإما بالمعنى الثاني فظاهر أنهم كانوا يقولون: لا تضر مع الإيمان معصية، كما لا تنفع مع الكفر طاعة. وأول من قال بالقدر والإرجاء: غيلان الدمشقي، ثم الجهم بن صفوان. والمرجئة أربعة أصناف: مرجئة الخوارج، ومرجئة القدر، ومرجئة الجبر، والمرجئة الخالصة. انظر: \"شرح أصول الاعتقاد\" لللالكائي ١/ ٢٥، و\"الفرق بين الفرق\" للأسفراييني ٢٥، و\"الملل والنحل\" للشهرستاني ١٣٩، \"مختصر لوامع الأنوار البهية\" لابن سلوم ٧٦.\n(٢) الرافضة والروافض من فرق الشيعة الباطلة الهدامة المعاندة للأمة الإسلامية، والرافضة لقب أطلقه زيد بن علي بن الحسين على الذين تفرقوا عنه ممن بايعه بالكوفة؛ لإنكاره عليهم الطعن علي أبي بكر وعمر، فرفضه جماعته من الشيعة بسبب ثنائه عليهما، فسموا رافضة.\nومن أهل السنة من يطلق الوصف على الشيعة عمومًا باستثناء الزيدية.\nومن فرق الرافضة من أظهر بدعته في زمن علي ﵁ فقال لـ: \"علي\" أنت الإله، فأحرق علي ﵁ قومًا منهم، ونفى بعضهم. وهذه الفرقة من الروافض ومن شاكلهم يجمعهم إنكارهم للقرآن، والاعتقاد بتحريفه وتغيره، وإنكار السنة النبوية مكفرين أصحاب رسول الله -ﷺ-، وخاصة الخلفاء الراشدين: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وغير ذلك من الأمور المنكرة الشنيعة التي ما أرادوا بها إلا إسقاط كلمة تكليف الشريعة عن أنفسهم حتى يتوسعوا في استحلال المحرمات الشرعية، ويعتذروا عند العوام بما يعدونه من تحريف الشريعة، وتغيير القرآن من عند الصحابة، فإنهم ليسوا من الأمة الإسلامية أصلًا.\nانظر: \"الفرق بين الفرق\" للأسفراييني ٢١، و\"القاموس الإسلامي\" لأحمد عطية ٢/ ٤٧٤، و\"الشيعة والتشيع فرق وتاريخ\" لإحسان إلهي ظهير ٤٥ و٤٧، و\"الموسوعة الميسرة\" ٨٥٤.","vol":"22","page":301},{"text":"وشيعة (١) (٢)\nوقال أبو عبيدة: في قوله: ﴿طَرَائِقَ قِدَدًا﴾، (أي) (٣): ضروبًا،\n_________\n(١) الشيعة: من الفرق الضالة عن الإسلام، ومنهم من لا يمت إلى الإسلام بشيء، قال الشهرستاني عنهم: \"هم الذين شايعوا عليًّا ﵁ على الخصوص، وقالوا بإمامته وخلافته نصًّا، ووصيه إما جليًّا أو خفيًّا، واعتقدوا أن الإمامة لا تخرج من أولاده، وإن خرجت فبظلم يكون من غيره، أو بتقية من عنده، وقالوا: ليست الإمامة قضية مصلحية تناط باختيار العامة، وينتصب الإمام بنصبهم؛ بل هي قضية أصولية، وهي ركن الدين، لا يجوز للرسل -﵈- إغفاله وإهماله، ولا تفويضه إلى العامة وإرساله، ويجمعهم القول بوجوب التعيين والتنصيص، وثبوت عصمة الأنبياء والأئمة وجوبًا عن الكبائر والصغائر، والقول بالتولي والتبري قولًا، وفعلًا وعقدًا إلا في حال التقية.\nوهم خمس فرق: كيسانية، وزيدية، وإمامية، وغلاة، واسماعيلية. وبعضهم يميل في الأصول إلى الاعتزال، وبعضهم إلى السنة، وبعضهم إلى التشبيه.\nوقد تعددت الآراء حول بداية التشيع مذهبًا وحركة، فالشيعة أنفسهم يرجعون بمذهبهم إلى بدايات الإسلام، وآخرون يرجعون إلى الفترة التي تلت وفاة الرسول -ﷺ- مباشرة، واختلاف الناس حول خلافته، ومنهم من يرجع ذلك إلى عهد علي، ومعركة صفين بصفة خاصة. إلخ.\nانظر: \"الملل والنحل\" للشهرستاني: ١٤٦ - ١٤٧، و\"القاموس الإسلامي\" ٣/ ٢١٧، وانظر: \"شرح اعتقاد أهل السنة والجماعة\" ١/ ٢٢ - ٢٣، و\"الموسوعة العربية العالمية\" ١٤/ ٢٩٨ - ٢٩٩.\n(٢) ورد قول السدي هذا في \"الكشف والبيان\" ١٢/ ١٩٥/ ب، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٠٣، و\"زاد المسير\" ٨/ ١٠٦، و\"التفسير الكبير\" ٣٠/ ١٥٩، و\"الجامع\" للقرطبي ١٩/ ١٤، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٤٥٩، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٣٠٤، وعزاه إلى أبي الشيخ في العظمة، و\"فتح القدير\" ٥/ ٣٠٦، وانظر: \"تفسير السدي\" ٤٦٤.\n(٣) ساقطة من: (ع).","vol":"22","page":302},{"text":"وأجناسًا، ومللًا (١) (٢)، وأنشد الكميت:\nجمعت بالري منهم كل رافضة ... إذ هم طرائق في أهوائهم قددُ (٣) (٤)\nوقال أبو إسحاق: وكنا جماعات متفرقين (٥).\nوقال الفراء: كنا فرقًا مختلفة [أهواؤنا] (٦).\nوقال ابن قتيبة: كنا أصنافًا وفرقًا (٧).\nوذكرنا معنى الطريقة عند (٨) قوله: ﴿وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾ (٩).\n_________\n(١) في (أ): ميلًا.\n(٢) النص في: \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٧٢، ولم يذكر: مللًا.\n(٣) في (أ): قددًا.\n(٤) وورد البيت في: \"الدر المصون\" ٦/ ٣٩٤، ولم أعثر عليه في ديوانه.\nوورد غير منسوب في \"البحر المحيط\" ٨/ ٣٤٤ برواية: (الرأي).\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٣٥ بنصه.\n(٦) وردت في النسختين (أ)، (ع): أهوانا، وما أثبتناه من \"معاني القرآن\" ٣/ ١٩٣ فالكلام فيه بنصه، وهو الصواب.\n(٧) \"تأويل مشكل القرآن\" ٤٣١ بنحوه، وانظر أيضًا: \"تفسير غريب القرآن\" ٤٩٠.\n(٨) في (أ): في.\n(٩) سورة طه: ٦٣: ﴿قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى (٦٣)﴾.\nومما جاء في تفسيرها: قال عكرمة: يذهبا بخياركم، وقال الحسن وأبو صالح بأشرافكم، وعن مجاهد: أولو العقل والشرف والأسنان، وهذه الأقوال معناها واحد، وهو معنى قول ابن عباس في رواية الوالبي: أمثلكم. قال الزجاج: معناه: جماعتكم الأشراف. قال: والعرب تقول للرجل الفاضل: هذا طريقة قومه ..\nوتأويله: هذا الفتى ينبغي أن يجعله قومه قدوة، ويسلكوا طريقته، وينظروا إليه، ويتبعوه.\nوقال الفراء: العرب تقول للقوم: هؤلاء طريقة قومهم، وطرائق قومهم، لأشرافهم؛ ويقولون للواحد أيضًا: هذا طريقة قومه، ويقولون للجمع بالتوحيد =","vol":"22","page":303},{"text":"والقدة: القطعة من الشيء، وصَار القوم قددًا إذا تفرقت أحوالهم (١) وأهواؤهم (٢).\nوقال المبرد (٣): \"الطرائق\": الأجناس المتفقة، والمختلفة، وهو مأخوذ من الطريق، وهو تأكيد له -هاهنا- ويقال: القوم طرائق، أي على مذاهب شتى، والقدد نحو الطرائق، وهو تأكيد لها -هاهنا- يقال: لكل طريقة قدة. وأصله من قد السّيور (٤)، يقال: صار الأديم قددًا.\nثم قالوا: ﴿وَأَنَّا ظَنَنَّا﴾ هو قال ابن عباس (٥)، والمفسرون (٦): عَلِمْنا وأيقنا.\n﴿أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللهَ في الْأَرْضِ﴾، أي: لن نفوته إن أراد بنا أمرًا، ولن نسبقه.\n﴿وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا﴾ إن طلبنا، أي أنَّه يدركنا (حيث كنَّا) (٧) ثم قال:\nقوله تعالى: ﴿وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى﴾ قال ابن عباس: الذي جاء به\n_________\n= والجميع، يعني: طريقة، وطرائق، قال: ومن ذلك قولى: ﴿طَرَائِقَ قِدَدًا﴾.\nوالطريقة اسم للأفاضل، على معنى أنهم الذين يقتدى بهم، ويتبع آثارهم، كما يسلك الطريقة.\n(١) في (ع): حالاتهم.\n(٢) انظر: مادة (قدد) في \"تهذيب اللغة\" ٨/ ٢٦٨، و\"الصحاح\" ٢/ ٥٢٢، و\"تاج العروس\" ٢/ ٤٦٠.\n(٣) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٤) قال الليث: والقِدُّ: سير يُقَدُّ من جلد غير مدبوغ. \"تهذيب اللغة\" ٨/ ٢٦٨ (قدد).\n(٥) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٦) ممن قال بذلك: الفراء ٣/ ١٩٣، والثعلبي ١٢/ ١٩٤/ أ، والبغوي ٤/ ٤٠٣، وابن عطية ٥/ ٣٨٢، وابن الجوزي ٨/ ١٠٦، والفخر الرازي ٣٠/ ١٥٨، والقرطبي ١٩/ ١٥، والخازن ٤/ ٣١٧، وابن كثير ٤/ ٤٥٨، والشوكاني ٥/ ٣٠٦.\n(٧) ما بين القوسين ساقطة من: (أ).","vol":"22","page":304},{"text":"محمد -ﷺ- كله هدى (١). وقال مقاتل: يعني القرآن (٢).\n﴿آمَنَّا بِهِ﴾ صدقنا أنَّهُ من عند الله.\n﴿فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ﴾ يصدق بتوحيد الله.\n﴿فَلَا يَخَافُ بَخْسًا﴾ نقصًا من عمله وثوابه (٣).\n﴿وَلَا رَهَقًا﴾ ظلمًا، بأن يذهب عمله كله (٤)؛ قاله الكلبي (٥) ومقاتل (٦» (٧)، وقال عطاء (٨): ﴿رَهَقًا﴾: عذابًا.\nقال المبرد: البخس (٩) الظلم، والرهق (١٠): ما يغشاه من المكروه (١١)، فيدخل فيه العذاب، ونقصان الحسنات، والثواب.\n_________\n(١) لم أعثر على مصدر لقوله\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ٢١٢/ أ.\n(٣) عن ابن عباس بمعناه في: \"جامع البيان\" ٢٩/ ١١٢، قال: \"لا يخاف نقصًا من حسناته، ولا زيادة في سيئاته، وعنه: ولا يخاف أن يبخس من عمله شيء\".\n(٤) بمعناه قال ابن زيد. المرجع السابق. قال: فيظلم ولا يعطي شيئًا.\n(٥) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٦) \"تفسير مقاتل\" ٢١٢/ أ.\n(٧) ما بين القوسين ساقط من: (أ).\n(٨) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٩) البَخْس: الناقص، وقد بخسه حقَّه يبْخَسُهُ بَخْسًا إذا نقصه. انظر: مادة: (بخس) في \"الصحاح\" ٣/ ٩٠٧، و\"لسان العرب\" ٦/ ٢٤، و\"القاموس المحيط\" ٢/ ١٩٩.\n(١٠) الراء والهاء والقاف: أصلان متقاربان، فأحدهما غشيان الشيءِ الشيءَ، والآخر: العجلة والتأخير. والرَّهق: العجلة والظلم. قال تعالى: ﴿فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا﴾، انظر: مادة: (رهق) في: \"معجم مقاييس اللغة\" ٢/ ٤٥١، و\"الصحاح\" ٤/ ١٤٨٧، و\"لسان العرب\" ١٠/ ١٣١.\n(١١) لم أعثر على مصدر لقوله.","vol":"22","page":305},{"text":"وقالوا: ﴿وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ﴾ هم الذين آمنوا بالنبي -ﷺ-؛ قاله (١) ابن عباس (٢) والمفسرون (٣).\n﴿وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ﴾ وهم الجائرون (٤) الظالمون (٥) الكافرون (٦).\nقال ابن عباس: وهم الذين جعلوا لله نِدًّا، وعدلوا به مخلوقًا (٧).\nوذكرنا معنى \"قسط\" و\"أقسط\" في أول سورة النساء (٨).\nثم مدحوا الإيمان وقالوا: ﴿فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا﴾، أي: قصدوا طريقا الحق (٩).\nوقال أبو عبيدة: (تحروا توخوا وتعمدوا، وأنشد:\n_________\n(١) في (أ): قال.\n(٢) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٣) لم أعثر على مصدر لقولهم.\n(٤) قال بذلك قتادة، وابن زيد. انظر: \"جامع البيان\" ٢٩/ ١١٣.\nوإليه ذهب الطبري في: \"جامع البيان\" المرجع السابق، والزجاج في: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٣٥، والثعلبي في: \"الكشف والبيان\" ١٢/ ١٩٤/ أ.\n(٥) قال به مجاهد. انظر: \"تفسير الإمام مجاهد\" ٦٧٧، و\"جامع البيان\" ٢٩/ ١١٣.\n(٦) قال به ابن قتيبة في: \"تأويل مشكل القرآن\" ٤٣١.\n(٧) \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٠٣، ولم يذكر عنه: وعدلوا به مخلوقًا.\n(٨) عند قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾.\nومما جاء في تفسير القسط فيها ما يلي: \"الإقساط: العدْل، يقال: أقسط الرجل إذا عدل، والقسط: العدل، والنصفة. قال الزجاجي: وأصل قسط وأقسط جمعيًا من القسط، وهو النصيب، فإذا قالوا: قسط بمعنى جار أرادوا أنه ظلم صاحبه في قسطه الذي يصيبه ... وإذا قالوا: أقسط، فالمراد به أنه صار ذا قِسط وعَدل، فبني علي بناء أنصف إذا أتى بالنصف والعدل في قوله وفعله وقسمه.\n(٩) التحري لغة: قصد الأولى والأحق. انظر: مادة: (حرى) في: \"تهذيب اللغة\" ٥/ ٢١٣، و\"لسان العرب\" ١٤/ ١٧٤.","vol":"22","page":306},{"text":"دِيمةٌ هَطلا (١) فيها وَطَفٌ ... طَبَقُ الأرض تحري وتَدِرْ (٢» (٣)\nوقال الليث: (يُقال) (٤): هو يتحرى بكلامه وأمره الصَّواب، وكذلك يتحرى مسرة فلان (٥).\nوقال الفراء: ﴿تَحَرَّوْا رَشَدًا﴾ الهدى (٦).\nقال المبرد: وأصل التحري من قولهم: ذلك أحرى، أي أحق وأقرب.\nوالحري (٧) أن يفعل كذا، أي يجب عليك، كما تقول: يحق عليك أن تفعل (٨)، ويقال: لا تَطُرْ حَرانا أي القرب الذي تحر أحق به (٩).\nثم ذموا الكافرين فقالوا: ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ﴾. الآية. أي الذين كفروا وعدلوا بربهم كانوا وقودًا للنار في الآخرة يصلونها (١٠).\n_________\n(١) في (أ): هطلاه.\n(٢) البيت لامرئ القيس، ورد البيت ديوانه: ١٠٥، وانظر مادة (هطل) في: \"تهذيب اللغة\" ٦/ ٧٧، و\"الصحاح\" ٥/ ١٨٥٠، و\"لسان العرب\" ١٤/ ١٧٤، ٣/ ٦٩٩، و\"تاج العروس\" ٨/ ١٦٩ مادة (حرى).\nومعنى البيت: الديمة: المطر الدائم يومًا وليلة، الوطفاء: الدانية من الأرض، طبق الأرض: عمها، تحرى: تقصد حراهم وهو الغناء، قدر: تعتمد المكان وتثبت فيه.\n(٣) ما بين القوسين من قول أبي عبيدة في \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٧٢.\n(٤) ساقط من: (أ).\n(٥) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٦) \"معاني القرآن\" ٣/ ١٩٣، مختصرًا وعبارته: أمّوا الهدى واتبعوه.\n(٧) في (ع): بالحرى.\n(٨) \"التفسير الكبير\" ٣٠/ ١٦٠.\n(٩) انظر: \"لسان العرب\" ١٤/ ١٧٢، مادة: (حري)، والعبارة عنه قال: تَطُرْ حرانا، أي: لا تقرب ما حولنا.\n(١٠) في (أ): بطونها.","vol":"22","page":307},{"text":"وانقطع -هاهنا- كلام (١) الجن (٢).\nقال مقاتل: ثم رجع إلى كفار مكة (٣)، قوله تعالى: ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ﴾ (٤) \"أن\" مخففة من الثقيلة، وفصل (لو) (٥) بينها وبين الفعل (٦) كفصل (٧) السين (٨) و\"لا\" في قوله: ﴿أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا﴾ [طه: ٨٩]، و﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ﴾ [المزمل: ٢٠]، وهو محمول على الوحي، كأنَّهُ أوحي إلى أن لو استقاموا على الطريقة) (٩).\nقال ابن عباس: يريد طريقة الإسلام (١٠).\nوهو قول مقاتل (١١)، (وإبراهيم (١٢» (١٣)، ومجاهد (١٤)،\n_________\n(١) في (أ): الكلام.\n(٢) ورد ذلك عن ابن قتيبة، ولعل الإمام الواحدي نقله عنه بتصرف، وعبارة ابن قتيبة: (الكافرون. الآية، وانقطع كلام الجن) \"تأويل مشكل القرآن\" ٤٣١.\n(٣) \"زاد المسير\" ٨/ ١٠٧.\n(٤) ورد في النسختين: وأن لو استقاموا على أصل معنى الآية.\n(٥) ساقطة من: (أ).\n(٦) في (ع): كفصل، وهو لفظ مكرر زائد.\n(٧) كررت كلمة: كفصل مرتين في (ع).\n(٨) في النسختين وردت: الشين، والصواب هو: السين\n(٩) ما بين القوسين نقلًا عن \"الحجة\" بتصرف: ٦/ ٣٣٠.\n(١٠) \"النكت والعيون\" ٦/ ١١٦، و\"زاد المسير\" ٨/ ١٥٧، و\"ابن كثير\" ٤/ ٤٥٩ بمعناه.\n(١١) \"تفسير مقاتل\" ٢١٢/ أ، قال: يعني طريقة الهدى.\n(١٢) لم أعثر على مصدر قوله.\n(١٣) ساقط من: (أ).\n(١٤) \"جامع البيان\" ٢٩/ ١١٤، و\"النكت والعيون\" ٦/ ١١٦ بمعناه، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٣٨٢ بمعناه، و\"زاد المسير\" ٧/ ١٠٨، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٩/ ٤٥٤، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٣٠٥ وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.","vol":"22","page":308},{"text":"وقتادة (١)، قالوا: معناه لو آمنوا واستقاموا على الهدى ﴿لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا﴾، أي: كثيرًا.\nقال عطاء: يريد لأغدقت لهم في النعيم والمعيشة (٢).\nوقال مقاتل: يعني ماءً كثيرًا من السماء، وذلك بعد (٣) ما رفع عنهم المطر سبع سنين (٤). وقال سعيد بن جبير: هو المال (٥).\nوقال مجاهد: مالًا كثيرًا (٦). وقال (٧) السدي: الماء الكثير (٨).\nوهذا معنى ما روي عن عمر (٩) (﵁) (١٠) قال: حيث كان الماء كان المال، وحيث كان المال كانت الفتنة (١١).\nوقال ابن قتيبة (أي: لو آمنوا جميعًا لوسعنا عليهم في الدنيا، وضرب الماء الغدق -وهو الكثير- لذلك مثلًا؛ لأن الخير كله والرزق بالمطر\n_________\n(١) \"النكت والعيون\" ٦/ ١١١٦، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٣٨٢ بمعناه، و\"زاد المسير\" ٨/ ١٠٧.\n(٢) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٣) بياض في: (ع).\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ٢١٢/ أ، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٠٣، و\"فتح القدير\" ٥/ ٣٠٨. وانظر: \"لباب النقول في أسباب النزول\" للسيوطي: ٢٢٢.\n(٥) \"جامع البيان\" ٢٩/ ١١٥.\n(٦) المرجع السابق، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٣٠٥ وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.\n(٧) غير واضحة في: (ع).\n(٨) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٩) هو عمر بن الخطاب -﵁-.\n(١٠) في (أ): ﵀، بدلًا من: ﵁.\n(١١) \"جامع البيان\" ٢٩/ ١١٥، و\"الكشف والبيان\" ١٢/ ١٩٤/ ب، و\"القرطبي\" ١٩/ ١٧.","vol":"22","page":309},{"text":"(يكون) (١)، فأقيم مقامه إذ كان سببه) (٢).\n(ودليل هذا التأويل قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا﴾ (٣) الآية [الأعراف: ٩٦]) (٤).\nوتفسير الغدق عند أهل اللغة: الماء الكثير، يقال غَدِقَتْ العين -بالكسر- فهي غَدِقة، والغدق: (الماء الكثير) (٥) (٦). قال المبرد: روضة مغدقة إذا كانت ريًّا من الماء (٧)، ومن هذا يقال: مطر مغدوق، وغيداق، وغيدق إذا كان كثير الماء (٨).\nهذا الذي ذكرنا في (تفسير) (٩) الآية هو قول أكثر المفسرين: سعيد ابن المُسَيِّب (١٠)، وعطاء، وعطية، (والضحاك، والحسن (١١» (١٢).\n_________\n(١) ساقطة من: (أ).\n(٢) ما بين القوسين من قول ابن قتيبة، نقله عنه الإمام الواحدي بنصه: \"تأويل مشكل القرآن\" ٤٣٢.\n(٣) في: (أ)، و(ع): (الكتاب) بدلا من (القرى)، وهو خطأ واضح.\n(٤) ما بين القوسين نقلًا عن الزجاج. انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٣٥.\n(٥) بياض في: (ع).\n(٦) انظر مادة: (غدق) في: \"تهذيب اللغة\" ١٦، و\"المستدرك\" ١٢٩، و\"معجم مقاييس اللغة\" ٤/ ٤١٥، و\"الصحاح\" ٤/ ١٥٣٦، و\"لسان العرب\" ١٠/ ٢٨٢، و\"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٣٦.\n(٧) قوله: إذا كانت ريًا من الماء: بياض في (ع).\n(٨) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٩) ساقطة من: (أ).\n(١٠) بياض في: (ع).\n(١١) لم أعثر على مصدر لقولهم.\n(١٢) ما بين القوسين ساقط من: (أ).","vol":"22","page":310},{"text":"وقال الكلبي: وأن لو استقاموا على الطريقة يعني على طريقة الكفر، وكانوا كفارًا كلهم (١). وهذا قول الربيع (٢)، وزيد بن أسلم (٣)، والثمالي (٤)، (وأبي مجلز) (٥) (٦)، واختيار الفراء (٧)، وابن كيسان (٨)، قالوا: وأن لو استقاموا جميعًا على طريقة الكفر لوسعنا عليهم، وجعلنا ذلك فتنة عليهم، ودليل هذا التأويل قوله: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ الآية.\nقال أبو إسحاق: والذي يختار أن يكون: يعني بالطريقة طريقة الهدى؛ لأن الطريقة مُعَرَّفَة بالألف واللام، فالأوجب أن يكون طريقة الهدى، والله أعلم (٩).\n_________\n(١) \"الكشف والبيان\" ١٢/ ١٩٥/ أ، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٠٤، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٩١/ ١٨، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٤٦٠.\n(٢) المراجع السابقة عدا \"الجامع لأحكام القرآن\"، وانظر أيضًا: \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٣٨٢، و\"زاد المسير\" ٨/ ١٠٧، و\"فتح القدير\" ٥/ ٣٠٨.\n(٣) المراجع السابقة عدا \"زاد المسير\". وانظر أيضًا: \"الجامع\" للقرطبي ١٩/ ١٨.\n(٤) انظر قوله في: \"الكشف والبيان\"، و\"الجامع لأحكام القرآن\" مرجعان سابقان، و\"فتح القدير\" ٥/ ٣٠٨.\n(٥) ما بين القوسين ساقط من: (أ).\n(٦) ورد قوله في \"الكشف والبيان\" ١٢/ ١٩٥/ أ، و\"النكت والعيون\" ٦/ ١١٦، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ١٨، و\"فتح القدير\" ٥/ ٣٠٨.\n(٧) \"معاني القرآن\" ٣/ ١٩٣.\n(٨) انظر قوله في: \"الكشف والبيان\" ١٢/ ١٩٥/ أ، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٠٤، و\"زاد المسير\" ٨/ ١٠٧، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ١٨، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٤٦٠، و\"فتح القدير\" ٥/ ٣٠٨.\n(٩) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٣٦ بيسير من التصرف.","vol":"22","page":311},{"text":"وتمام هذا الكلام عند قوله: ﴿لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾ (١) (أي لنختبرهم فنعلم كيف شكرهم) (٢). هذا على القول الأول. (وعلى القول الثاني: نقول لو كانوا كفارًا كلهم وثبتوا على طريقة الكفر لوسعنا عليهم؛ فتنةً لهم، واستدراجًا) (٣).\nقال الفراء: نفعل ذلك بهم ليكون فتنةً عليهم في الدنيا وزيادةً في عذاب الآخرة (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4685>١٧ </span>- (وقوله تعالى) (٥) ﴿لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ (يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا) (٦)﴾ يعني القرآن، وما جاء به محمد -ﷺ- من الموعظة؛ قاله ابن عباس (٧) ومقاتل (٨).\n﴿نسلكه (عذابًا) (٩)﴾ قال مقاتل: يدخله عذابًا (١٠).\n_________\n(١) قال بذلك النحاس، وأبو عمرو، والسجاوندي، والأشموني. انظر: \"القطع والائتناف\" ٢/ ٧٦٦ - ٧٦٧، و\"المكتفى في الوقف والابتدا\" ٥٨٩، و\"علل الوقوف\" ٣/ ١٠٥٦، و\"منار الهدى\" ٤٠٦، وتمام الآية: ﴿لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا (١٧)﴾.\n(٢) ما بين القوسين من قول ابن قتيبة بنصه من \"تأويل مشكل القرآن\" ٤٣٢.\n(٣) ما بين القوسين أيضًا من قول ابن قتيبة، نقله الإمام الواحدي، ولكن بتصرف. انظر: المرجع السابق.\n(٤) \"معاني القرآن\" ٣/ ١٩٣ بنصه.\n(٥) ساقطة من: (أ).\n(٦) ما بين القوسين ساقط من: (ع).\n(٧) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٨) \"تفسير مقاتل\" ٢١٢/ أ.\n(٩) ما بين القوسين ساقط من: (ع).\n(١٠) ما ورد في \"تفسير مقاتل\" ٢١٢/ أهو: \"شدة العذاب\".","vol":"22","page":312},{"text":"﴿صَعَدًا﴾ قال مجاهد (١)، ومقاتل (٢): شدَّة، ومشقة من العذاب.\nوقال قتادة: صعودًا من عذاب الله، لا راحة فيه (٣).\nقال عكرمة عن ابن عباس: هو جبل في جهنم (٤).\nقال أبو سعيد الخدري: جبل في النار (٥).\nوقال الكلبي: يكلف أن يصعد جبلًا في النار (وقال) (٦) من صخرة ملساء تجذب من أمامه بسلاسل، ومن خلفه بمقامع (٧) حتى يبلغ أعلاها، ولا يبلغ في أربعين سنة، فإذا بلغ أعلاها أحدر إلى أسفلها، ثم يكلف\n_________\n(١) \"جامع البيان\" ٢٩/ ١١٦، و\"النكت والعيون\" ٦/ ١١٩، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٤٦٠، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٣٠٦ وعزاه إلى عبد بن حميد.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ٢١٢/ أ.\n(٣) \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٣٢٢، و\"جامع البيان\" ٢٩/ ١١٦، و\"الكشف والبيان\" ١٢/ ١٩٥/ أ، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٠٤، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٣٠٦، وعزاه إلى عبد الرزاق، وعبد بن حميد.\n(٤) \"جامع البيان\" ٢٩/ ١١٦، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٣٨٣، و\"التفسير الكبير\" ٣٠/ ١٦٢ \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ١٨، و\"البحر المحيط\" ٨/ ٣٥٢، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٤٦٠، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٣٠٦ وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر. وانظر: \"المستدرك\" ٢/ ٥٠٤، كتاب التفسير: باب تفسير سورة نوح، وقال: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي.\n(٥) ورد قوله في: \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٣٨٣، و\"البحر المحيط\" ٨/ ٣٥٢.\n(٦) ساقطة من: (ع).\n(٧) المقامع: جمع مِقْمَع، وهو ما يضرب به ويُذَلَّل، ولذلك يقال: قمعته فانقمع، أي: كففته فكف.\n\"المفردات في غريب القرآن\": ٤١٣.","vol":"22","page":313},{"text":"أيضًا صعودها، فذلك في دأبه (١) أبدًا (٢).\nنزلت في الولِد بن المغيرة (٣)، ونظيرها قوله: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا (١٧)﴾ [المدثر: ١٧]، قال أبو إسحاق: ومعنى ﴿صَعَدًا﴾ في اللغة طريق شاقَّة من العذاب (٤).\nقال المبرد (٥)، وابن قتيبة (٦): ﴿صَعَدًا﴾ شاقًا. يقال: تَصَعَّدَهُ الأمر إذا شقَّ عليه (٧).\nوقال أبو عبيدة: الصعد مصدر، والمعنى عذابًا ذا صعد (٨)؛ وذلك أنه\n_________\n(١) دأبه: الدَّأب: العادة والشأن. انظر مادة: (دأب) في: \"الصحاح\" ١/ ١٢٣، و\"القاموس المحيط\" ١/ ٦٤.\n(٢) ورد قول الكلبي في: \"الكشف والبيان\" ١٢/ ١٩٥/ ب، كما ورد عند الفراء من غير نسبة، وإنما ذكروا أن الصعد: صخرة ملساء .. إلخ. \"معاني القرآن\" ٣/ ١٩٤.\n(٣) قاله الفراء في \"معاني القرآن\" ٣/ ١٩٤، والثعلبي في \"تفسيره\" ١/ ١٩٥/ ب.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٣٦ بنصه.\nوالصعد في اللغة يدل على ارتفاع ومشقة من ذلك الصعود خلاف الحدور، ويقال: صَعِد يَصْعَد، والإصعاد مقابله الحدور من مكان أرفع، والصعود: العقبة الكؤود، والمشقة من الأَّمر. \"معجم مقاييس اللغة\" ٣/ ٢٨٧ مادة: (صعد).\nوجاء في المفردات: ٢٨٠: (الصعود: الذهاب في المكان العالي، والصَّعود والحدور لمكان الصُّعُود والانحدار، وهما بالذات واحد، وإنما يختلفان بحسب اعتبار من يمر فيهما، فمتى كان المار صاعدًا يقال لمكانه: صَعودٌ، وإذا كان منحدرًا يقال لمكانه: حدور، والصَّعَدُ، والصَّعيدُ، والصعُود في الأصل واحد، لكن الصَّعود، والصَّعَد يقال للعقبة، ويستعار لكل شاق).\n(٥) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٦) \"تفسير غريب القرآن\" ٤٩١، و\"تأويل مشكل القرآن\" ٤٣٢.\n(٧) بياض في: (ع).\n(٨) \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٧٢، والعبارة عنه: ﴿عَذَابًا صَعَدًا﴾ مصدر صعود، وهو أشد العذاب.","vol":"22","page":314},{"text":"يصعد ذلك الجبل فيشق عليه، والمشي في الصعود يشق على الإنسان، فسمى المشقة صعدًا.\nوسنزيد بيانًا عند قوله: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا (١٧)﴾ [المدثر: ١٧] إن شاء الله.\nقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾ زعم سيبويه أن المفسرين حملوه على \"أوحي\" كأنه أوحي إليَّ أن المساجد لله، ومذهب الخليل: أنه على معنى: ولأن المساجد لله فلا تدعو (١)، كما أن قوله: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ﴾ [الأنبياء: ٩٢]، على معنى: ولأن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون، (أي لهذا فاعبدون) (٢) (٣).\nواختلفوا في معنى المساجد، فالأكثرون (٤) على أنها المواضع التي بنيت للصلاة وذكر الله.\nقال مقاتل: يعني الكنائس، والبيع، ومساجد المسلمين (٥).\n﴿فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللهِ﴾ فلا تعبدوا مع الله أحدًا، وذلك أن أهل الكتاب يشركون في صلاتهم في البيع، والكنائس، فأمر الله المؤمنين. ونحو هذا قال قتادة: كانت اليهود والنصارى، إذا دخلوا كنائسهم، وبيعهم أشركوا،\n_________\n(١) في كلا النسختين: تدعوا.\n(٢) ما بين القوسين ساقط من: (أ).\n(٣) ورد قول سيبويه في \"الحجة\"، نقله الواحدي عن أبي علي الفارسي بتصرف يسير. \"الحجة\" ٦/ ٣٣١ - ٣٣٢، وانظر: \"كتاب سيبويه\" ٣/ ١٢٧.\n(٤) حكاه الفخر أيضًا عن أكثر المفسرين، انظر: \"التفسير الكبير\" ٣٠/ ١٦٢، وبه قال: عكرمة وابن عباس وقتادة. انظر: \"جامع البيان\" ٢٩/ ١١٧، و\"النكت والعيون\" ٦/ ١١٩، و\"زاد المسير\" ٨/ ١٠٨.\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ٢١٢/ أ.","vol":"22","page":315},{"text":"فأمر الله أن يُخلص الدعوة إذا دخل المسجد (١). وهذا قول ابن عباس في رواية عكرمة قال: المساجد كلها (٢).\nوعلى هذا القول واحدها يجوز أن يكون مسجَدًا -بفتح الجيم-، وهو موضع السجود من الأرض، ويجوز أن يكون مسجِدًا -بكسر الجيم-، وهو اسم جامع للموضع الذي يسجد عليه. وفيه بُعد أن (٣) يكون اتخذ لذلك.\nوقال سعيد بن جبير: المساجد: الأعضاء التي يسجد عليها العبد، وهي سبعة: القدمان، والركبتان، واليدان، والوجه (٤).\nوهذا القول اختيار ابن الأنباري (٥)، قال: يقول: إن هذه الأعضاء التي يقع السجود عليها مخلوقة لله، هو ابتدأها، وفطرها؛ فلا ينبغي أن تسجدوا عليها لغيره فتكونوا إذا فعلتم ذلك جاحدين لنعمته.\n_________\n(١) \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٣٢٣، و\"جامع البيان\" ٢٩/ ١١٧، و\"الكشف والبيان\" جـ: ١٢: ١٩٥/ ب، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٠٤، و\"زاد المسير\" ٨/ ١٠٨، و\"لباب التأويل\" ٤/ ٣١٨، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٤٦٠، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٣٠٦ وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.\n(٢) ورد بمعنى هذه الرواية في: \"النكت والعيون\" ٦/ ١١٩، و\"زاد المسير\" ٨/ ١٠٨ ونص العبارة عنه: (أنها المساجد التي هي بيوت الله للصلوات)، وقد وردت رواية ابن عباس بهذا اللفظ عن عكرمة. انظر: \"جامع البيان\" ٢٩/ ١١٧، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٤٦٠.\n(٣) أن: جاءت مكررة في: (ع).\n(٤) ورد بمعنى هذه الرواية في: \"النكت والعيون\" ٦/ ١١٩، و\"زاد المسير\" ٨/ ١٠٨ ونص العبارة عنه: (أنها المساجد التي هي بيوت الله للصلوات)، وقد وردت رواية ابن عباس بهذا اللفظ عن عكرمة. انظر: \"جامع البيان\" ٢٩/ ١١٧، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٤٦٠.\n(٥) \"زاد المسير\" ٨/ ١٠٨، و\"التفسير الكبير\" ٣٠/ ١٦٣، وانظر: \"الوسيط\" ٤/ ٣٦٧.","vol":"22","page":316},{"text":"وعلى هذا القول معنى المساجد: مواضع السجود من الجسد، واحد ها مسجَد -بالفتح-، (وذكر الكلبي (١)، والفراء (٢) القولين اللذين ذكرناهما) (٣).\nوروي عن الحسن أنه قال: أراد البقاع كلها (٤). يعني أن الأرض كلها مواضع للسجود (٥) يمكن أن يسْجد عليها، وهي كلها جعلت مسجدًا لهذه الأمة، يقول: الأرض كلها مخلوقة لله، فلا يسجدوا عليها لغير خالقها (٦).\nوروي عنه أيضًا أنه قال: المساجد هي الصلوات (٧).\nقال ابن قتيبة: يريد أن السجود لله، جمع \"مَسْجَد\" كما تقول: ضربت في الأرض مَضْرَبًا بعيدًا (٨)، (٩): المسجد -على هذا القول- مصدر بمعنى السجود. وقال عطاء عن ابن عباس: يريد مكة التي القبلة إليها (١٠).\nوعلى هذا القول \"المساجد\"، خاصة في مكة، وسميت بذلك؛ لأن كل أحد يسجد إليها.\n_________\n(١) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٢) \"معاني القرآن\" ٣/ ١٩٤.\n(٣) ما بين القوسين ساقط من: (أ).\n(٤) \"الكشف والبيان\" ١٢/ ١٩٥/ ب، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٠٤، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٣٨٣، و\"زاد المسير\" ٨/ ١٠٨، و\"التفسير الكبير\" ٣٠/ ١٦٢، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ١٩، و\"فتح القدير\" ٥/ ٣٠٩.\n(٥) في (أ): السجود.\n(٦) انظر: \"التفسير الكبير\" ٣٠/ ١٦٢.\n(٧) \"الكشف والبيان\" ١٢/ ١٩٦/ أ، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٢٠.\n(٨) \"تأويل مشكل القرآن\" ٤٣٣ بتصرف يسير، وانظر: \"تفسير غريب القرآن\" ٤٩١.\n(٩) في (أ): المصدر، وهي كلمة زائدة في معنى الكلام أثبتت سهوًا.\n(١٠) \"التفسير الكبير\" ٣٠/ ١٦٣، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٢٠.","vol":"22","page":317},{"text":"وواحد المساجد -على الأقوال كلها- مَسْجَد -بفتح الجيم-، إلا قول من يقول إنها المواضع التي بنيت للصلاة، فإن واحدَها مسجِد -بكسر الجيم-؛ لأن المواضع، والمصادر من هذا الباب بفتح العين، إلا في أحرف معدودة، وهي: المسْجِد، والمَطْلِع، والمَنسِك، والمَنْبِت، والمَفْرِق، والمَسْقِط، والمَجْزِر، والمَحْشِر، والمَشْرِق، والمَغْرِب. وقد جاء في بعضها الفتح، وهو: المنسك، والمسكن، والمفرق، والمطلع. وهو جائز في كلها، وإن لم تسمع (١).\nثم رجع إلى الخبر عن مؤمني الجن:\nقوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللهِ يَدْعُوهُ﴾ (٢) (يجوز فيه (٣): \"وأنه\" الفتح بالحمل على أوحي إليَّ\"، والكسر بالقطع من قوله: \"أوحي\" والاستئناف) (٤).\nوقوله: ﴿عَبْدُ اللهِ﴾ يعني النبي -ﷺ- في قول الجميع (٥)، قالوا ذلك\n_________\n(١) ما بين القوسين انظر فيه: كتاب \"الجمل في النحو\" للزجاجي: ٣٨٨: باب اشتقاق اسم المكان والمصدر.\n(٢) كلمة (يدعوه) ساقطة من: (ع).\n(٣) في (ع): في.\n(٤) ما بين القوسين نقله الإمام الواحدي عن \"الحجة\" ٦/ ٣٣٢ بتصرف.\n(٥) وهو قول ابن عباس، والزبير بن العوام، والضحاك، وقتادة، والحسن.\nانظر: \"جامع البيان\" ٢٩/ ١١٨ - ١١٩، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٣٠٧ - ٣٠٨ من غير ذكر الضحاك، وعزاه إلى ابن جرير، وابن مردويه، وابن أبي حاتم، وابن المنذر، وعبد بن حميد.\nوممن قال بذلك أيضًا من المفسرين: ابن قتيبة في: \"تأويل مشكل القرآن\" ٤٣٣، والفراء في \"معاني القرآن\" ٣/ ١٩٤، والزجاج في: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣٣٧، والثعلبي في: \"الكشف والبيان\" ١٢/ ١٩٦/ ب، والماوردي في: =","vol":"22","page":318},{"text":"حين كان يصلي ببطن مكة (١) ويقرأ القرآن (٢).\nوقوله: ﴿يَدْعُوهُ﴾ أي يعبدوه.\n﴿كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ كادوا يركبونَهُ حرصًا على القرآن، وحبًّا لاستماعه. قاله الكلبي (٣)، (ومقاتل (٤» (٥).\nواختار الفراء: كادوا يركبون النبي -ﷺ- رغبة في القرآن وشهوة له (٦).\nوقال الزجاج: كادوا الجن الذين سمعوا القرآن، وتعجبوا منه أن يسقطوا على النبي -ﷺ- (٧).\nوقال ابن قتيبة: يعني الجن كانوا (٨) يتراكبون رغبة فيما سمعوا (٩).\n_________\n= \"النكت والعيون\" ٦/ ١٢٠.\nوانظر أيضًا: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٠٤، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٣٨٣، و\"زاد المسير\" ٨/ ١٠٨، و\"التفسير الكبير\" ٣٠/ ١٦٣، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٢٢، و\"لباب التأويل\" ٤/ ٣١٨، و\"البحر المحيط\" ٨/ ٣٥٢.\n(١) في (ع): نخلة.\nوبطن نخلة: قرية قريبة من المدينة على طريق البصرة. \"معجم البلدان\" ١/ ٤٤٩.\n(٢) انظر في: \"الكشف والبيان\" ١٢/ ١٩٦/ ب، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٠٤، و\"لباب التأويل\" ٤/ ٣١٨.\n(٣) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ٢١٢/ أ.\n(٥) ساقط من: (ع).\n(٦) \"معاني القرآن\" ٣/ ١٩٤ بنصه.\n(٧) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣٣٧ بتصرف يسير جدًّا.\n(٨) غير واضحة في: (ع).\n(٩) \"تأويل مشكل القرآن\" ٢٣٣ بتصرف يسير، وانظر: \"تفسير غريب القرآن\" ١٩١.","vol":"22","page":319},{"text":"ومعنى قوله ﴿لِبَدًا﴾ قال أبو عبيدة: (أي جماعات، واحدها (١) \"لبدة\". قال: وكذلك يقال للجراد الكثير، وأنشد لعبد مناف بن ربع (الهذلي) (٢):\nصابوا (٣) بستةِ أبْياتٍ وأرْبَعَةٍ ... حق كأنَّ عَلَيْهِم جَابيًا لِبَدَا (٤)\nقال: الجابي: الجراد؛ لأنه يجبي (٥) كل شيء يأكله) (٦).\nقال أبو إسحاق: (معنى ﴿لِبَدًا﴾ يعني (٧): يركب بعضهم بعضًا، وكل شيء ألصقته بشيء إلصاقًا شديدًا فقد لبّدته، ومن هذا اشتقاق هذه اللبود التي تفرش، وهو جمع \"لِبْدَة\"، ومن ضم اللام (٨) فهو جمع \"لُبْدَة\"،\n_________\n(١) في (أ): واحدتها.\n(٢) ساقط من: (أ).\n(٣) في (أ): كانوا.\n(٤) ورد البيت منسوبًا في: \"ديوان الهذليين\" ٢/ ٤٠، ومادة: (جبي) من كتب اللغة: \"لسان العرب\" ١٤/ ١٣١، و\"تاج العروس\" ١٠/ ٦٦، وانظر أيضًا: \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة: ٢/ ٢٧٢، و\"جامع البيان\" ٢٩/ ١١٣، المحرر: ٥/ ٣٨٤، و\"البحر المحيط\" ٨/ ٣٥٣، و\"الكشاف\" ٢٩/ ٩٣.\nومعنى البيت: صابوا: أي وقعوا، وقوله: حتى كأن عليهم جابيًا لبدًا. يقال: إن الجابي الجراد نفسه، واللّبد: المتركب بعضه على بعض. ديوان الهذليين: المرجع السابق.\n(٥) غير واضحة في: (ع).\n(٦) ما بين القوسين من قول أبي عبيدة. انظر: \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٧٢، ولعل الواحدي نقله عن \"الحجة\" ٦/ ٣٣٣.\n(٧) ساقط من: (ع).\n(٨) قرأ هشام بن عمار عن ابن عامر: ﴿لِبَدًا﴾ بضم اللام، وقرأ ابن ذكوان عن ابن عامر: \"لِبدا\" بكسر اللام، وكذلك الباقون. =","vol":"22","page":320},{"text":"و\"لِبْدَة\" (١)، و\"لُبْدَة\" في معني واحد) (٢)\nونحو هذا قال الفراء في اللُّبد، واللِّبد (٣).\nوقال الكسائي: لبدًا: ركامًا، جمعُ لبدة (٤).\nوقال أبو علي الفارسي: (اللُّبَدُ -بضم اللام- الكثير من قوله: ﴿أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا﴾ [البلد: ٦]، وكأنه قيل له: \"لُبَد\" (٥) لركوب بعضه على بعض لكثرته، ولُصوق بعضه ببعض، وكأنه أراد: كادوا (٦) يَلْصقون به من شدة دنوهم للإصغاء، والاستماع مع كثرتهم، وهذا قريب المعنى من القراءة الأولى؛ إلا أن \"لِبَدًا\" -بكسر اللام- أعرف لهذا المعنى وأكثر) (٧).\nوقال المبرد: اللُّبَد: الجماعات، واحدها: \"لبدة\"، وأصله ما وقع بعضه على بعض (٨)، ولقال للأسد: ذو لِبدة لما يتلبد من الشعر بين\n_________\n= انظر: \"كتاب السبعة\" ٦٥٦، و\"القراءات وعلل النحويين فيها\" ٢/ ٧٢١، و\"الحجة\" ٦/ ٣٣٣، و\"حجة القراءات\" ٧٢٩، و\"الكشف عن وجوه القراءات السبع\" ٢/ ٣٤٢، و\"النشر\" ٣٩٢.\n(١) ساقطة من: (أ).\n(٢) ما بين القوسين من قول أبي إسحاق في: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٣٧ بتصرف.\n(٣) \"معاني القرآن\" ٣/ ١٩٤، وعبارته: \" .. وقرأ بعضهم: \"لُبُدا\"، والمعنى فيهما -والله أعلم- واحد، يقال: لُبَدة، ولِبدَةٌ\".\n(٤) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٥) وردت في \"الحجة\" ٦/ ٣٣٤: \"لُبَّدًا\".\n(٦) في (أ): كانوا.\n(٧) ما بين القوسين من قول أبي علي الفارسي نقله الإمام الواحدي عنه بتصرف يسير من \"الحجة\" ٦/ ٣٣٤.\n(٨) اللام والباء والدال أصل كلمة صحيحة تدل على تكرُّس الشيء بعضه فوق بعض، من ذلك: اللِّبْد، وهو معروف، وتَلَبَّدت الأرضُ، ولبَّدها المطر، وصار الناس =","vol":"22","page":321},{"text":"كتفيه (١). ومنه قول زهير:\nله لِبَدٌ أظْفَارُهُ لم تُقَلَّمِ (٢)\nقال (٣): وقال: \"لُبَدٌ\" كثير، و\"لُبَدٌ\" واحد ليس جمعًا لشيء، كقوله: رجلٌ حُطَمٌ (٤).\nوفي الآية قولان آخران، أحدهما: (إن هذا من قول الجن لما رَجَعوا إلى قومهم، أخبروهم بما رأوا من طاعة أصحاب رسول الله -ﷺ- وائتمامهم به في الركوع والسجود، واقتدائهم به في الصلاة.\n_________\n= عليه لُبَدًا إذا تجمعوا عليه. قاله ابن فارس. انظر: \"معجم مقاييس اللغة\" ٥/ ٢٢٨ - ٢٢٩: مادة: (لبد).\nوجاء في اللسان: لَبَد بالمكان يَلْبُدُ لُبودًا، ولَبَدَ لَبَدًا وألبد: أقام به ولزق، فهو مُلبِدٌ به، ولَبَدَ الشيءُ بالشيء يَلْبُدُ إذا ركب بعضه بعضًا، ومال لُبَد: كثير لا يخاف فناؤه، كأنه التبد بعضه على بعض، واللِّبدة واللُّبدة: الجماعة من الناس يقيمون، وسائرهم يظعنون كأنهم بتجمعهم تلبدوا. ٣/ ٣٨٥ - ٣٨٧، مادة: (لبد). وانظر: \"تاج العروس\" ٢/ ٤٩١، مادة: (لبد).\n(١) \"الكامل\" ١/ ٣٤ أو العبارة عنه قال: لِبْدَة الأسد: ما يتطارق مع شعره بين كتفيه، ويقال: أسد ذو لِبْدَة، وذو لَبد، وقد أورد الثعلبي بمعناه من غير عزو في \"الكثسف والبيان\" ١٢/ ١٩٦/ ب.\n(٢) \"ديوانه\" ٨٤: دار بيروت، والبيت كاملًا:\nلدى أسد شاكي السلاح مُقذَّفٍ ... له لبد أظافره لم تقلم\nومعناه: شاكي السلاح، أَي: سلاحه ذو شوكة. المقذف: الغليظ اللحم.\nاللِّبَد: الشعر المتراكب على زبرة الأسد. أظافره لم تقلم: أي هو تام السلاح. حديده: يريد الجيش. \"شرح شعر زهير بن أبي سلمى\" لأبي العباس ثعلب، تحقيق: فخر الدين قباوة: ٣٠.\n(٣) أي المبرد.\n(٤) \"الكامل\" ٣/ ١٢٣٠ بنحوه، وكذا في \"المقتضب\" ٣/ ٣٢٣.","vol":"22","page":322},{"text":"وهو قول سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: لما رأوه يصلي وأصحابه يصلون بصلاته، ويسجدون بسجوده، تعجبوا من طواعية أصحابه له -ﷺ-، فقالوا لقومهم: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللهِ﴾ الآية (١).\nالثاني: قول قتادة، قال: لما قام عبد الله بالدعوة تلبدت (٢) الإنس والجن، وتظاهروا عليه ليبطلوا الحق الذي جاء به، ويطفئوا نور الله، فأبى الله إلا أن ينصره (٣) ويظهره على من ناوأه (٤) (٥)، (وهذا قول الحسن (٦)،\n_________\n(١) ورد قوله في: \"جامع البيان\" ٢٩/ ١١٨، و\"الكشف والبيان\" جـ: ١٢: ١٩٦/ ب، و\"النكت والعيون\" ٦/ ١٢٠، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٠٤، و\"زاد المسير\" ٨/ ١٠٩، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٢٢، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٤٦١، و\"الدر\" ٨/ ٣٠٧ وعزاه إلى عبد بن حميد، والترمذي، والحاكم، وصححاه، وابن جرير، وابن مردويه، والضياء في المختارة، و\"فتح القدير\" ٥/ ٣١٤.\nانظر: \"سنن الترمذي\" ٥/ ٤٢٧: ح ٣٣٢٣، كتاب التفسير: باب ومن سورة الجن، وقال عنه: حديث حسن صحيح، و\"المستدرك\" ٢/ ٥٠٤، كتاب تفسير سورة الجن، وصححه، ووافقه الذهبي.\n(٢) في (أ): لبدت.\n(٣) غير واضحة في: (ع).\n(٤) ناوأه: النَّوْء، والمناوأة: المعاداة، وناوأت الرَّجُلَ مناوأةً ونِواءً: فاخرْتُه، وعادَيْتُهُ. \"لسان العرب\" ١/ ١٧٨، مادة: (نوأ).\n(٥) انظر قوله في: \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٣٢٣، و\"جامع البيان\" ٢٩/ ١١٨ بنحوه، و\"الكشف والبيان\" ١٢/ ١٩٦/ ب، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٠٤، و\"زاد المسير\" ٨/ ١٠٩، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٢٢، و\"البحر المحيط\" ٨/ ٣٥٢، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٤٦١، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٨٣٠ وعزاه إلى عبد بن حميد وابن المنذر، و\"فتح القدير\" ٥/ ٣٠٩، وانظر: \"الحجة\" ٦/ ٣٣٤.\n(٦) المراجع السابقة.","vol":"22","page":323},{"text":"وابن زيد (١» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4686>٢٠ </span>- قوله تعالى: ﴿قُلْ (٣) إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي﴾ (٤) قال محمد -ﷺ-: إنما أدعو ربي، وقراءة العامة: (قال) (٥) إنما أدعو ربي (٦).\nوقرأ عاصم، وحمزة: ﴿قُلْ﴾ على الأمر (٧)؛ لقوله بعده: ﴿قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا﴾ (٨).\n(﴿قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي﴾ قال مقاتل: إن كفار مكة قالوا للنبي -ﷺ-: إنك جئت بأمر عظيم لم نسمع مثله، وقد عاد الناس كلهم، فأرجع عن هذا. فأنزل الله: \"قل إنما أدعو ربى\" (٩)، وهذا حجة لعاصم وحمزة. ومن قرأ:\n_________\n(١) المراجع السابقة عدا \"تفسير عبد الرزاق\".\n(٢) ما بين القوسين نقله الإمام الواحدي عن ابن جرير ٢٩/ ١١٨ - ١١٩ مختصرًا.\n(٣) وردت في النسختين: (أ) و(ع): قال.\n(٤) قوله: (إنما أدعو ربي) ساقط من: (أ).\n(٥) قال: سقطت من النسختين، وأثبت ما دلت عليه كتب القراءات المتواترة.\n(٦) وهم نافع، وابن كثير، وابن عامر، وأبو عمرو، والكسائي، ويعقوب. انظر: \"كتاب السبعة\" ٦٥٧، و\"القراءات وعلل النحويين\" ٢/ ٧٢١، و\"الحجة\" ٦/ ٣٣٣، و\"كتاب التبصرة\" ٧١٢، و\"تحبير التيسير في قراءات الأئمة العشرة\" ١٩٣، \"البدور الزاهرة\" ٣٢٨، \"الوافي في شرح الشاطبية\" ٣٧٤.\n(٧) \"القراءات وعلل النحويين فيها\" ٢/ ٧٢١، و\"الحجة\" ٦/ ٣٣٣، و\"كتاب التبصرة\" ٧١٢، و\"تحبير التيسير\" ١٩٣، و\"البدور الزاهرة\" ٣٢٨، و\"الوافي في شرح الشاطبية\" ٣٧٤، ولعل الواحدي نقل القراءتين من \"الحجة\" ٦/ ٣٣٣.\n(٨) انظر: \"الحجة\"، و\"حجة القراءات\" مرجعان سابقان، وانظر: \"الكشف والبيان\" ١٢/ ٢٤١/ ب، وقوله (لكم ضرا) ساقط من (ع).\n(٩) \"تفسير مقاتل\" ٢١٢/ أ، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٠٥ بنحوه، و\"زاد المسير\" ٨/ ١١٩ بنحوه، و\"التفسير الكبير\" ٣٠/ ٦٤، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٩/ ٢٣ - ٢٤.","vol":"22","page":324},{"text":"\"قال\" حمل هذا على أن النبي -ﷺ- أجابهم هذا لما قالوا له: جئت بأمر عظيم، قال: إنما أدعو ربي) (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4687>٢١ </span>- (قوله: ﴿قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا (٢١)﴾ قال مقاتل: وذلك حين استعجلوا العذاب، يقول: \"إني لا أملك لكم ضرًا\") (٢): لا أقدر أن أدفع عنكم ضرًّا، ولا أسوق إليكم رشدًا، أي خيرًا، والله يملك ذلك (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-4688>٢٢ </span>- (قوله تعالى) (٤): ﴿قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللهِ أَحَدٌ﴾ قال ابن عباس: يريد: إن عصيته لم يمنعني منه أحد (٥) (٦).\n(قال مقاتل (٧» (٨): وذلك أنهم قالوا: اترك ما تدعو إليه، ونحن نجيرك (٩).\nوقوله: ﴿وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ قال ابن عباس: يريد أحد ألجأ إليه (١٠). وقال قتادة: ملجأ وحرزًا (١١).\n_________\n(١) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٢) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ٢١٢/ ب.\n(٤) ما بين القوسين ساقط من: (أ).\n(٥) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٦) ما بين القوسين ساقط من: (أ).\n(٧) ورد بمثله من غير عزو في \"الوسيط\" ٤/ ٣٦٨.\n(٨) ساقط من: (أ).\n(٩) \"تفسير مقاتل\" ٢١٢/ أ، و\"التفسير الكبير\" ٣٠/ ١٦٤.\n(١٠) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(١١) \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٣٢٣، و\"جامع البيان\" ٢٩/ ١٢٠ بمعناه، و\"النكت والعيون\" ٦/ ١٢١، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٤٦١ بنحوه.","vol":"22","page":325},{"text":"وقال الكلبي: الملتحد: المدخل في الأرض مثل السرب (١) الذاهب في الأرض (٢).\nقال أبو إسحاق: اشتقاق الملتحد من اللحد، والملتحد من جنس (الأرض) (٣): المدخل (٤). وقال الفراء: أي ملجأ ولا سربًا (٥).\nوقال ابن قتيبة: أي معدلًا ومميلًا (٦).\nوقال المبرد: ملتحدًا: مثل قولك: منعرجًا، والتحد معناه في اللغة: مال (٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4689>٢٣ </span>- وقوله: ﴿إِلَّا بَلَاغًا﴾ قال أبو إسحاق: نصب على البدل من\n_________\n(١) السَّرَب -بفتحتين-: بيت في الأرض لا منفذ له، وهو الوكر.\nانظر: مادة: (سرب) في: مختار \"الصحاح\" ١٩٣، و\"المصباح المنير\" ١/ ٣٢٢.\n(٢) \"الكشف والبيان\" ١٢/ ١٩٧/ أ، وعبارة: (الذاهب في الأرض) لعلها من تفسير الواحدي لمعنى السرب، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٠٥، و\"التفسير الكبير\" ٣٠/ ١٦٤، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٢٤، و\"فتح القدير\" ٥/ ٣١٠.\n(٣) ما بين القوسين ساقط من: (أ).\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٣٧ بتصرف.\n(٥) \"معاني القرآن\" ٣/ ١٩٥ مختصرًا.\n(٦) \"تفسير غريب القرآن\" ٤٩٢، وقد ورد عنه: (موئلًا) بدلًا من: (حميلًا).\n(٧) جاء بهذا المعنى عن المبرد في حاشية كتابه: \"الكامل\" ٣/ ١٢٢٤ رقم: ٦ نقلًا عن نسخة: أ، والعبارة عنه: ابن شاذان: ألحَدَ الرجل إلْحادًا: إذا مال، فهو مُلْحِدٌ: إذا مال عن القصد. وانظر قوله أيضًا في \"التفسير الكبير\" ٣٠/ ١٦٤.\nومعنى \"ملتحدًا\" لغة: الملجأ؛ لأن اللاجئ يميل إليه. انظر: مادة (لحد) في \"الصحاح\" ٢/ ٥٣٥، و\"القاموس المحيط\" ١/ ٣٣٥.\nوقال ابن عاشور: الملتحد: اسم مكان الالتحاد، والالتحاد: المبالغة في اللحد، وهو العدول إلى مكان غير الذي هو فيه، والأكثر أن يطلق ذلك اللجأ، أي العياذ بمكان يعصمه. \"تفسير التحرير والتنوير\" ٢٩/ ٢٤٤.","vol":"22","page":326},{"text":"قوله: \"ملتحدًا\". المعنى: ولن أجد من دونه منجًا \"إلا بلاغًا\"، أي: لا ينجيني إلا أن أبلغ عن الله ﷿ ما أرسلت به (١).\nوقال الفراء: \"إلا بلاغًا\"، يكون استثناء من قوله: لا أملك لكم ضرًّا ولا رشدًا إلا أن أبلغكم ما أرسلت به (٢).\nوالقولان (٣) يبنيان على قول المفسرين.\nقال مقاتل: ثم استثنى: \"إلا بلاغًا من الله ورسالاته\" فذلك الذي يُجيرني من عذابه، أي: التبليغ (٤).\nوقال قتادة: \"إلا بلاغًا من الله\" فذلك الذي أملكه بعون الله وتوفيقه، وأما الكفر والإيمان، فلا أملكهما (٥).\nوقوله (٦): ﴿وَرِسَالَاتِهِ﴾ عطف على قوله: ﴿بَلَاغًا﴾ (٧).\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٣٧ بتصرف يسير جدًا.\n(٢) \"معاني القرآن\" ٣/ ١٩٥ بنصه.\n(٣) هناك أوجه أخرى لإعراب: \"إلا بلاغًا\" انظر: \"الدر المصون\" ٦/ ٣٩٧.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ٢١٢/ ب، و\"النكت والعيون\" ٦/ ١٢١ بمعناه، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٠٥، و\"زاد المسير\" ٨/ ١١٠، و\"فتح القدير\" ٥/ ٣١٠.\n(٥) \"جامع البيان\" ٢٩/ ١٢١ بمعناه، و\"الكشف والبيان\" ١٢/ ١٩٧/ أ، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٠٥، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٣٨٤، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٢٥، و\"البحر المحيط\" ٨/ ٣٥٤، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٣٠٨، وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، و\"فتح القدير\" ٥/ ٣١٠.\n(٦) في (أ): قوله.\n(٧) قال الزمخشري: \"رسالاته\" عطف على (بلاغًا) كأنه قيل: لا أملك لكم إلا التبليغ. \"الكشاف\" ٤/ ١٤٩. وذكر السمين الحلبي أيضًا وجهًا آخر، قال: \"والثاني: أنها مجرورة نسقًا على الجلالة، أي إلا بلاغًا عن الله وعن رسالاته\". \"الدر المصون\" ٦/ ٣٩٨.","vol":"22","page":327},{"text":"وقوله: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ قال الكلبي (١)، ومقاتل (٢): في التوحيد، فلا يؤمن به.\nوقوله (٣): ﴿فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ﴾ (فإن) مكسورة الهمزة؛ لأن ما بعد (فاء -الجزاء موضع الابتداء، ولذلك حمل سيبويه قوله: ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ الله مِنْهُ﴾ [المائدة: ٩٥]، ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ﴾ [البقرة: ١٢٦] ﴿فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ﴾ على أن المبتدأ فيها مضمر (٤).\nوانقطع هذا الكلام عند قوله: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ ثم قال: ﴿حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ﴾ \"حتى\" هاهنا مبتدأة كقوله:\nوحَتَّى الجِيادُ مَا يُقدْنَ بأرْسَانِ (٥)\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ٢١٢/ ب، وقد ورد في \"الوسيط\" من غير عزو: ٤/ ٣٨٦.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ٢١٢/ ب، وقد ورد في \"الوسيط\" من غير عزو: ٤/ ٣٨٦.\n(٣) في (أ): قواه.\n(٤) انظر: \"كتاب سيبويه\" ٣/ ٦٩.\n(٥) هذا عجز بيت لامرئ القيس، والبيت كاملًا:\nمَطَوْتُ بهم حَتَّى تَكِلّ مَطِيُّهُمْ ... وحَتَّى الجِيادُ ما يُقَدْنَ بأرْسَانِ\nوقد ورد البيت منسوبًا له في \"ديوانه\" ١٧٥ ط دار صادر، و\"كتاب سيبويه\" ٣/ ٢٧، ٦٢٦، و\"كتاب شرح أبيات سيبويه\" للنحاس: ١٥٨ ش ٥٦٦، و\"المقتضب\" ٢/ ٤٠. وورد غير منسوب في \"المخصص\" ١٤/ ٦١.\nومعنى البيت: أي هو يسري بأصحابه غازيًا إلى أن تأكل مطاياهم، وأما الخيل فإنها تجهد وتنقطع، فلا يجدي فيها أن تقاد بالأرسان، وكانوا يركبون المطي ويقودون الخيل.\nوالأرسان: جمع رَسَن -بالتحريك-، وهو الحبل والزمام يجعل على الأنف. والشاهد فيه: أن \"حتى\" الأولى عاملة، والثانية غير عاملة لأنها استئنافية. انظر: حاشية ٣ \"كتاب سيبويه\" ٣/ ٢٧، وانظر الشاهد في: \"كتاب سيبويه\".","vol":"22","page":328},{"text":"وذكرنا ذلك عند قوله: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ﴾ (١)، وهو كثير في القرآن (٢).\nقال ابن عباس: يريد يوم القيامة (٣).\nوقال مقاتل: ما يوعدون من عذاب الآخرة، أو ما يوعدون من العذاب في الدنيا، يعني القتل ببدر، فسيعلمون عند نزول العذاب (٤).\n﴿مَنْ أَضْعَفُ نَاصِرًا﴾ أهم، أم المؤمنون؟\n﴿وَأَقَلُّ عَدَدًا﴾ قال (٥): يعني جندًا، ونظير هذه الآية قوله في مريم: ﴿حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ﴾ [مريم: ٧٥] الآية.\nوقال عطاء في قوله: (وأقل عددًا): هو أن الله تعالى (يجعل) (٦)\n_________\n(١) سورة يوسف: ١١٠، والآية بتمامها: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (١١٠)﴾.\nومما جاء في تفسيره: قال الواحدي: (فـ (حتى) هاهنا حرف من حروف الابتداء يستأنف بعدها، كما يستأنف بعد (أما)، و(إذا)، وذلك أن (حتى) لها ثلاثة أحوال: إما أن تكون جارة، أو عاطفة، وحيث تنصب الفعل إنما تنصبه بإضمار (إن)، ومما جاء فيه (حتى) حرف مبتدأ قوله:\nوحتى الجياد ما يقدن بأرسان\nألا ترى أنها ليست عاطفة لدخول حرف العطف عليها! ولا جارة لارتفاع الاسم بعدها).\n(٢) نحو ما جاء في سورة الأعراف الآية: ٣٧ قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ﴾ الآية. وأيضًا الآية: ٣٨ من سورة الأعراف قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا﴾ الآية. والآية ١٨ من سورة النمل قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ﴾ الآية.\n(٣) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ٢١٢/ ب.\n(٥) ساقط من: (أ).\n(٦) ما بين القوسين ساقط من: (أ).","vol":"22","page":329},{"text":"لأوليائه من الأزواج الآدميات، والحور العين أُلُوفًا، ومن الولدان المخلدين ألوفًا، ومن القهارمة (١) ألوفًا، فعند ذلك عدد المؤمن الواحد أكثر من عدد كثير من أهل مدائن الدنيا، والكافر لا عدد له إلا قرناء الشياطين (٢).\nقال مقاتل: فلما سمعوا هذا قال النضر بن الحارث وغيره: متى هذا الذي توعد؟ فأنزل الله: ﴿قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَا تُوعَدُونَ﴾ (٣) من العذاب في الدنيا.\nوقال عطاء: يريد أنه لا يعرف يوم القيامة إلا الله وحده (٤).\n﴿أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا﴾، أي: غاية وبعدًا. قاله أبو عبيدة (٥)، والزجاج (٦).\nوقال مقاتل: يعني أجلًا بعيدًا (٧)، وهذا كقوله: ﴿قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَا تُوعَدُونَ﴾ [الجن: ٢٥].\n_________\n(١) القهارمة: قال الليث: القَهْرَمان: هو المسيطر الحفيظ على ما تحت يديه. \"تهذيب اللغة\" ٦/ ٥٠٢، مادة: (قهرم).\nوالقهرمان: لفظة فارسية معناه: الوكيل، أو أمين الدخل والخرج، جمعه: قهارمة. انظر: \"الوافي\"، و\"معجم وسيط للغة العربية\" لعبد الله البستاني: ٥٢٣.\n(٢) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ٢١٢/ ب، و\"التفسير الكبير\" ٣٠/ ١٦٧.\n(٤) \"الوسيط\" ٤/ ٣٦٩.\n(٥) لم أعثر على قوله هذا في \"مجاز القرآن\".\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٣٧، قال: أي بُعْدًا، كما قال: ﴿قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَا تُوعَدُونَ﴾ [الجن: ٢٥].\n(٧) \"تفسير مقاتل\" ٢١٢/ ب.","vol":"22","page":330},{"text":"ثم ذكر أن علم وقت العذاب غيب، والغيب لا يعلمه إلا الله، وهو قوله: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ﴾، أي: ما غاب عن العباد ﴿فَلَا يُظْهِرُ﴾ فلا (١) يطلع ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ﴾، أي: على الغيب الذي يعلمه هو، وينفرد بعلمه، أحدًا من الناس.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4690>٢٧ </span>- ثم استثنى فقال: ﴿إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ قال أبو إسحاق: معناه: أنه لا يظهر على غيبه إلا الرُّسُلَ؛ لأن الرسل يستدل على نبوتهم بالآية المعجزة، وبأن (٢) يخبر (٣) بالغيب، فيعلم بذلك أنهم قد خالفوا غير الأنبياء (٤).\nوقال مقاتل: ﴿إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾، أي: ارتضاه للنبوة (٥) والرسالة، فإنه (٦) يطلعه على ما يشاء من غيبه (٧).\nوفي هذا دليل على أن من ادعى أن النجوم تدله على [ما يكون من حادث فقد كفر بما في القرآن، ثم ذكر أنه يحفظ] (٨) ذلك الذي يطلع عليه الرسول.\n_________\n(١) في (أ): ولا.\n(٢) في (أ): أن.\n(٣) بياض في: (ع).\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٣٧ بتصرف يسير جدًّا.\n(٥) قوله: ارتضاه للنبوة: بياض في: (ع).\n(٦) في (أ): وإنه يسلك ..\n(٧) لم أعثر على مصدر لقوله: وقد ورد من غير عزو في: \"الوسيط\" ٤/ ٣٦٩.\n(٨) ما بين المعقوفين ساقط من النسختين، وأثبت ما ورد من \"الوسيط\" ٤/ ٣٦٩ لاستقامة المعنى به وانتظامه.","vol":"22","page":331},{"text":"﴿فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا﴾ (١) (أي يجعل بين يديه وخلفه رصدًا من الملائكة يحوطون الوحْيَ من أن تَسْتَرِقه الشياطين، فتُلْقِيَه إلى الكَهَنَة، حتى (٢) تخبر به الكهنة إخبار الأنبياء، فيساووا (٣) الأنبياء، ولا يكون بينهم وبين الأنبياء فرق) (٤).\nفالرصد من الملائكة يدفعون الجن أن يستمع ما ينزل من الوحي. ذكره الزجاج (٥)، وابن قتيبة (٦)، (وهو معنى قول المفسرين) (٧).\nقال الكلبي: يجعل من بين يديه حرسًا من الملائكة يدحرون الشياطين عنه فلا يقربونه (٨).\nوقال الفراء: ذكروا أن جبريل كان إذا نزل بالوحي نزلت معه الملائكة من كل سماء يحفظونه من استماع الجن يسترقونه فيلقونه (٩) إلى كهنتهم، فيسبقوا به الرسل (١٠).\n_________\n(١) في (أ): بأنه.\n(٢) قوله إلى الكهنة: بياض في: (ع).\n(٣) في (أ): فيساوا.\n(٤) ما بين القوسين من قول ابن قتيبة، نقله عنه الواحدي بتصرف يسير، وبزيادة عبارة: فيساووا الأنبياء، وحذف: ولا يكون للأنبياء دلالة. انظر: \"تأويل مشكل القرآن\" ٤٣٤.\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٣٨ بمعناه.\n(٦) \"تفسير غريب القرآن\" ٤٩٢، وانظر: \"تأويل مشكل القرآن\" ٤٣٤.\n(٧) ساقط من: (أ).\n(٨) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٩) في (ع): فيلقونه.\n(١٠) \"معاني القرآن\" ٣/ ١٩٦ نقله عنه بالمعنى.","vol":"22","page":332},{"text":"ومعنى: (يسلك) هاهنا: يدخلهم الأرض فنجعلهم بين يدي الرسول ومن خلفه (١).\nوذهب مقاتل (٢)، والضحاك (٣) إلى أن الرَّصد لكي يحرسوا الرسول من الشياطين أن يتشبهوا له في صورة المَلَك، ويحفظوه (٤) منهم، وإن أتاه شيطان في صورة ملك أخبروه، والقول هو الأول (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4691>٢٨ </span>- قوله تعالى (٦): ﴿لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ﴾ (٧) الآية.\nاختلفوا في قوله: \"ليعلم\" فقال قتادة (٨)، ...\n_________\n(١) ومعنى (سلك) لغة: السلك: الخيوط التي تخاط بها الثياب، الواحدة: سِلكة، والجميع: السُّلُوك، والسَّلْك: إدخال الشيء يسلكه فيه كما يطعن الطاعن فيسلك الرمح فيه إذا طعنه تلقاء وجهه.\n\"تهذيب اللغة\" ١٠/ ٦٢ مادة: (سلك)، وانظر: \"تأويل مشكل القرآن\" ٤٣٢.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ٢١٢/ ب، و\"الكشف والبيان\" جـ: ١٢: ١٩٧/ ب، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٠٦.\n(٣) \"جامع البيان\" ٢٩/ ١٢٢، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٢٨، و\"البحر المحيط\" ٨/ ٣٥٥، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٣٠٩ - ٣١٠ وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن جرير.\n(٤) في (أ): يحفظونه.\n(٥) القول الأول هو قول الأكثرية من المفسرين، والآيات السابقة من هذه السورة تدل على ذلك، ولكن ما ذكره الضحاك ومقاتل أرى أنه يدخل في مفهوم الآية، فهو من باب حفظ الوحي، وذلك عن طريق حفظ الرسول من أن يتشبه بهما أحد. والله أعلم.\n(٦) بياض في: (ع).\n(٧) قوله (رسالات ربهم) ساقط من: (ع).\n(٨) \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٣٢٣، و\"جامع البيان\" ٢٩/ ١٢٣، و\"النكت والعيون\" ٦/ ١٢٣، و\"زاد المسير\" ٨/ ١١٠، و\"التفسير الكبير\" ٣٠/ ١٧٠، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٢٩، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٣١٠ وعزاه إلى عبد بن حميد.","vol":"22","page":333},{"text":"ومقاتل (١): ليعلم محمد أن الرسل قبله قد أبلغوا الرسالة كما بلغ هو الرسالة، وعلى هذا \"اللام\" في قوله: \"ليعلم\" يتعلق بمحذوف يدل عليه الكلام؛ كأنه قيل: أخبرناه بحفظنا الوحي؛ ليعلم أن الرسل قبله كانوا على مثل حالته من التبليغ بالحق والصدق.\nويجوز أن يكون المعنى: ليعلم الرسول أن قد بلغوا، إلى جبريل، والملائكة الذين يبعثون إلى الرسل، أبلغوا رسالات ربهم، فلا يشك فيها، ويعلم أنها حق من الله (٢).\nوالمعنى: حفظنا الرسول من الشياطين ليعلم أن الذين أتوه أبلغوا رسالات ربهم، وهذا تأكيد لقول الضحاك ومقاتل في الآية الأولى.\nويجوز أن يكون المعنى: ليعلم الرسل أنهم بلغوا رسالات ربهم على التحقيق من غير شك فيها؛ إذ كانوا محروسين عن الشياطين، فالذي يبلغونه (٣) الخلق هو رسالات ربهم لا غير، وهي واصلة إليهم، ولم تصل إلى غيرهم.\nوعلى هذا إنما قال: \"أبلغوا\". لأن المراد بقوله: ﴿إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ (٤) رَسُولٍ﴾ الجمع، ويدخل فيه كل رسول ارتضاه الله.\nويجوز أن يكون المعنى: ليعلم الله أن قد أبلغوا يعني الرسل. وهذا\n_________\n(١) \"التفسير الكبير\" ٣٠/ ١٧٠، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٢٩.\n(٢) وهو معنى قول ابن عباس، وابن جبير. انظر: \"جامع البيان\" ٢٩/ ٢٣، و\"النكت والعيون\" ٦/ ١٢٣. وقال به ابن قتيبة في: \"تفسير غريب القرآن\" ٤٩٢، والفراء في: \"معاني القرآن\" ٣/ ١٩٦.\n(٣) غير واضحة في: (ع).\n(٤) قوله: إلا من ارتضى: بياض في: (ع).","vol":"22","page":334},{"text":"القول اختيار (١) ابن قتيبة (٢)، والزجاج (٣)، وصاحب النظم.\nقال ابن قتيبة: أي ليبلّغوا رسالات ربهم (العلم) هاهنا، مثله قوله: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ الله الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ﴾ [آل عمران: ١٤٢]، أي: ولما تجاهدوا وتصبروا (٤)، فيعلم الله ذلك ظاهرًا موجودًا -يجب فيه ثوابكم- على ما بينا في غير هذا الموضع (٥).\nوقال أبو إسحاق: وما بعد قوله: (ليعلم) يدل على صحة هذا (٦)، وهو قوله: (أحاط) (٧)، و(أحصى) (٨)، والضمير فيهما لله ﷿ لا\n_________\n(١) بياض في: (ع).\n(٢) \"تفسير غريب القرآن\" ٤٩٢ وعبارته: \"ليعلم محمد أن الرسل قد بلغت عن الله، وأن الله حفظها، ودفع عنها، وأحاط بها\".\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٣٨ وعبارته: (ليعلم الله أن قد أبلغوا رسالاته).\n(٤) في (أ): تصابروا.\n(٥) إلى قوله على ما بينا في غير هذا الموضع ينتهي قول ابن قتيبة. انظر: \"تأويل مشكل القرآن\" ٤٣٤، ويعني بغير هذا الموضع أي الموضع الذي بين فيه علم الله تعالى، وأنه نوعان:\nأحدهما: علم ما يكون من إيمان المؤمنين وكفر الكافرين، وذنوب العاصين، وطاعات المطيعين قبل أن تكون. قال: وهذا علم لا تجب به حجة، ولا تقع عليه مثوبة ولا عقوبة.\nوالآخر: علم هذه الأمور ظاهرة موجودة، فيحق القول، ويقع بوقوعها الجزاء، فأراد جل وعز: ما سلطناه عليهم إلا لنعلم إيمان المؤمنين ظاهرًا موجودًا، وكفر الكافرين ظاهرًا موجودًا، وكذلك قوله سبحانه: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾ الآية: آل عمران: ١٤٢. \"تأويل مشكل القرآن\" ٣١١ - ٣١٢.\n(٦) بياض في: (ع).\n(٧) قوله تعالى: ﴿وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ﴾.\n(٨) ﴿وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾.","vol":"22","page":335},{"text":"لغيره، فكذلك (١) في \"ليعلم\" (٢).\nوهذه الأقوال ذكرها أهل المعاني والتفسير، وذكرت أقوال بعيدة لم أحكها (٣).\nومعنى: ﴿وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ﴾ علم الله ما عند الرسل، فلم يَخف عليه شيء.\n(قوله تعالى) (٤): ﴿وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾ قال ابن عباس: أحصى ما خلق، وعرف عدد ما خلق، لم يفته علم شيء، ولم يعزب (٥) عنه عدد ما خلق؛ حتى مثاقيل (٦) الذَّرِّ (٧) .......\n_________\n(١) في (أ): كذلك.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٣٨ بتصرف.\n(٣) في (أ): أحكمها.\nومن هذه الأقوال التي أشار إليها: ليعلم من كذب الرسل أنهم قد أبلغوا رسالات ربهم. قاله مجاهد.\nانظر: \"جامع البيان\" ٢٩/ ١٢٣، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٣٨٥، و\"زاد المسير\" ٨/ ١١٠.\nوأيضا: ليعلم الجن أن الرسل قد بلغوا ما أنزل الله عليهم ولم يكونوا هم المبلغين باستراق السمع عليهم. \"النكت والعيون\" ٦/ ١٢٣.\nوأيضًا ليعلم إبليس أن الرسل قد أبلغوا رسالات ربهم سليمة من تخليصه، واستراق أصحابه. \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٢٩\n(٤) ساقط من: (ع).\n(٥) يعزب: يراد به البعد. انظر: مادة: (عزب) في: \"لسان العرب\" ١/ ٥٩٧، \"القاموس المحيط\" ١/ ١٠٤.\n(٦) مثاقيل: جمع مثقال، أي وزن. \"المصباح المنير\" ١/ ١٠٢ - ١٠٣ مادة: (ثقل).\n(٧) الذر: هو النمل الأحمر الصغير، واحدتها ذرة. \"النهاية في غريب الحديث\" ٢/ ١٥٧، و\"المصباح المنير\" ١/ ٢٤٦، مادة: (ذر).","vol":"22","page":336},{"text":"والخردل (١) (٢).\nقال أبو إسحاق: و(نصب \"عددًا\" على ضربين: أحدهما: على معنى: وأحصى كل شيء في حال العَدَد، فلم تخف عليه سقوط ورقة، ولا حبَّة في ظلمات الأرض، ولا رطب، ولا يابس. قال: ويجوز أن يكون (عددًا) في موضع المصدر المحمول على معنى: أحصى؛ لأن معنى وأحصى: وعد كل شيء عددًا) (٣).\n(والله أعلم بالصواب) (٤).\n_________\n(١) الخردل: حب شجر مسخن مُلطف جاذب، قالع للبلغم، ملين، هاضم، والخردل الفارسي: نبات بمصر يُعرف بحشيشة السلطان. \"القاموس المحيط\" ٣/ ٣٦٧، مادة: (خردل).\n(٢) \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٠٦، و\"لباب التأويل\" ٤/ ٣٢٠.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٣٨ نقله عنه بنصه.\n(٤) ما بين القوسين ساقط من: (ع).","vol":"22","page":337},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4692>سورة المزمل</span>","vol":"22","page":339},{"text":"تفسير سورة المزمل <span data-type=\"title\" id=toc-4693>(١)</span>\nبِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n١ - ﴿يَا أَيُّهَا (٢) الْمُزَّمِّلُ﴾ [المزمل: ١] أجمعوا (٣) على أن المراد بالمزمل النبي -ﷺ-، وأن الخطاب له.\nوأصله المتزمل بـ (التاء) في قول جميع أهل اللغة (٤)، فأدغم (التاء)\n_________\n(١) مكية بقول أكثر المفسرين، وممن قال بذلك: الحسن، وعكرمة، وعطاء، وجابر، ومقاتل.\nانظر: \"تفسير مقاتل\" ٢١٣/ أ، و\"جامع البيان\" ٢٩/ ١٢٤، و\"الكشف والبيان\" ١٢/ ١٩٧/ ب، و\"النكت والعيون\" ٦/ ١٢٤، ورجح القرطبي القول إنها مدنية. انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٣٠.\n(٢) في (أ): يايها.\n(٣) أجمع المفسرون على ذلك، وقد ذكر ابن جرير هذا القول من غير ذكر الخلاف له. انظر: \"جامع البيان\" ٢٩/ ١٢٤، وحكى الإجماع الفخر في \"التفسير الكبير\" ٣٠/ ١٧١، وعزاه البغوي إلى الحكماء \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٠١. وممن ذهب إلى هذا القول أنه النبي -ﷺ-: الزجاج في \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٣٩، وابن عطية في \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٣٨٦، والخازن في \"لباب التأويل\" ٤/ ٣٢٠، وابن كثير في \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٤٦٣، والشوكاني في \"فتح القدير\" ٥/ ٣٠٤.\n(٤) حكى الإجماع الفراء عن القراء في \"معاني القرآن\" ٣/ ١٩٦. وممن قال بذلك من أهل اللغة: الأخفش في \"معاني القرآن\" ٢/ ٧١٦، والزجاج في \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٣٩، والنحاس في \"إعراب القرآن\" ٥/ ٥٥، وابن قتيبة في \"تأويل مشكل القرآن\" ٢٦٤. وحكاه الأزهري عن أبي إسحاق في \"تهذيب اللغة\" ١٣/ ٢٢٢، مادة: (زمل)، وكذا صاحب اللسان: ١١/ ٣١١ مادة: (زمل). كما قال به أصحاب التفسسير، انظر المراجع السابقة في الحاشية: ٥، إضافة إلى السمرقندي =","vol":"22","page":341},{"text":"في (الزاي) (١) (٢).\nواختلفوا في: لِمَ تزمل بثوبه.\nفقال ابن عباس: كان يفرق (٣) من جبريل (﵇) (٤)، ويتزمل بالثياب في أول ما جاء حتى رآه وكلمه فأنس به (٥).\nوقال الكلبي: إنما تزمل النبي -ﷺ- بثيابه وتهيأ (٦) للصلاة (٧). وهو اختيار الفراء، قال: المزمل الذي قد تزمل بثيابه (٨)، وتهيأ للصلاة، وهو النبي -ﷺ-. (٩)\nوقال السدي: أراد: يا أيها (١٠) النائم (١١)، وعلى هذا إنما تزمل\n_________\n= في \"بحر العلوم\" ٣/ ٤١٥. وانظر أيضًا \"البيان في غريب إعراب القرآن\" لأبي البركات بن الأنباري ٢/ ٤٦٩، و\"إملاء ما من به الرحمن من وجوه الإعراب والقراءات في جميع القرآن\" لأبي البقاء العكبري ٢/ ٢٧١.\n(١) في (ع): الزاء.\n(٢) قال الزجاج: التاء تدغم في الزاي لقربها منها، يقال: تَزَمَّل فلان إذا تلفف بثيابه، وكل شيء لفف فقد زُمِّل. \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٣٩.\n(٣) الفَرَق بالتحريك: الخوف والفزع، يقال: يفرق فرقًا. انظر: \"النهاية في غريب الحديث والأثر\" ٣/ ١٩٦.\n(٤) ساقط من (أ).\n(٥) \"التفسير الكبير\" ٣٠/ ١٧١ بمعناه.\n(٦) ليتهب (أ) هكذا وردت في نسخة (ع)، ولا تستقيم العبارة إلا لو كان المراد به (أ) تأهب، وسها الناسخ عن ذلك.\n(٧) \"التفسير الكبير\" ٣٠/ ١٧١.\n(٨) قوله: تزمل في ثيابه: بياض في (ع).\n(٩) \"معاني القرآن\" ٣/ ١٩٦ برواية: رسول الله بدلًا من النبي.\n(١٠) في (أ): يايها.\n(١١) \"الكشف والبيان\" جـ: ١٢: ١٩٨/ أ، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٠٦، و\"زاد المسير\" ٨/ ١١٢، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٤٦٣.","vol":"22","page":342},{"text":"للنوم (١).\nومعنى التزمل: التلفف (٢) في الثوب، واللباس، يقال: تزمل الرجل، وزمل غيره (٣)، ومنه قول امرئ القيس (٤):\nكبيرُ أناسٍ في بِجَادٍ (٥) مُزَمَّلِ (٦)\n_________\n(١) بياض في (ع).\n(٢) بياض في (ع).\n(٣) انظر مادة: (زمل) في كل من \"الصحاح\" ٤/ ١٧١٨، و\"لسان العرب\" ١١/ ٣١١، و\"القاموس المحيط\" ٣/ ٢٩٠، \"تاج العروس\" ٧/ ٣٦٠.\n(٤) بياض في (ع).\n(٥) غير واضحة في (ع).\n(٦) هذا عجز بيت، وصدره:\nكأنَّ ثَبيرًا في عَرَانينِ بلِهِ\nهكذا ورد في \"شرح المعلقات السبع\"، و\"معاني القرآن وإعرابه\"، وفي \"ديوانه\" ٦٢: وَبْلِهِ، وكذا في النكت والعيون، وورد بألفاظ أخرى نحو:\nكأنَّ أبانًا في أفانين وَدْقِهِ\nهكذا ورد عند المبرد في الكامل، وابن عطية، وفي اللسان. ومعنى البيت كما في شرح المعلقات: ثبير: جبل بعينه، العرنين: الأنف، وقال جمهور الأئمة: هو معظم الأنف، والجمع العرانين، ثم استعار العرانين لأوائل المطر، لأن الأنوف تتقدم الوجوه. البجاد: كساء مخطط، والجمع البجد. التزميل: التلفيف بالثياب، وقد زملته بثيابه فتزمل بها أي لففته بها، وجر مزملًا على جوار بجاد، وإلا فالقياس يقتضي رفعه لأنه وصف كبير أناس. والمعنى: يقول: كأن ثبيرًا في أوائل مطر هذا السحاب سيد أناس قد تلفف بكساء مخطط، شبه تغطيته بالغثاء بتغطي هذا الرجل بالكساء. انظر: \"شرح المعلقات السبع\" لأبي عبد الله الزوزني: ٥٤. مواضع ورود البيت: \"ديوانه\" ٦٢ ط دار صادر، و\"لسان العرب\" ١١/ ٣١١ مادة: (زمل)، و\"الكامل\" ٢/ ٩٩٣، و\"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٣٩، و\"الكشف والبيان\" جـ: ١٢: ١٩٨/ أ، و\"النكت والعيون\" ٦/ ١٢٥، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٣٨٦، و\"زاد =","vol":"22","page":343},{"text":"والقول في تزَمُّلِهِ ﵇ (١) ما ذكره ابن عباس، فقد روى في حديث المبعث (٢) أنه كان يأتي أهله فيقول: \"زملوني زملوني\" (٣).\nقالوا (٤): وخوطب بهذا (٥) الخطاب؛ لأنه في أول ما بدئ بالوحي\n_________\n= المسير\" ٨/ ١١٢، حاشية ٣ ورد بيت الشعر في النسخة الأزهرية، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٣٠، و\"الدر المصون\" ٦/ ٤٠١.\n(١) في (ع): -ﷺ-.\n(٢) بياض في (ع).\n(٣) الحديث أخرجه البخاري في \"الجامع الصحيح\" ١/ ١٤، ح: ٣، كتاب: الوحي باب: ١٣، وجـ: ٣/ ٣٢٧، ح: ٤٩٥٣ - ٤٩٥٤، كتاب: التفسير باب: ٩٦، ٤/ ٢٩٥، ح: ٢٩٨٢، كتاب: التعبير باب أول ما بدئ به رسول الله -ﷺ- من الوحي الرؤيا الصادقة، من طريق عائشة أم المؤمنين أنها قالت: أول ما بُدئ به رسول الله -ﷺ- من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء، وكان يخلو بغار حراء، فيتحنث فيه وهو التعبد الليالي ذوات العدد، قبل أن ينزع إلى أهله، ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة، فيتزود لمثلها، حتى جاء الحق، وهو في غار حراء، فجاءه الملك فقال: اقرأ، قال: ما أنا بقارئ، قال: فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني، فقال: اقرأ، قلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني، فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثالثة، ثم أرسلني فقال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣)﴾، فرجع بها رسول الله -ﷺ- يرجف فؤاده، فدخل على خديجة بنت خويلد -﵂- فقال: زمِّلوني، زمِّلوني ... \" الحديث. كما أخرجه مسلم ١/ ١٣٩، ١٤٣، ح: ٢٥٢، ٢٥٥، كتاب الإيمان: باب بدء الوحي إلى رسول الله -ﷺ-، والإمام أحمد في \"المسند\" ٣/ ٣٢٥، ٣٧٧، ٦/ ٢٢٣ بمعناه، ٢٣٣.\n(٤) أي الحكماء كما ذكر الثعلبي في \"الكشف والبيان\" جـ: ١٢: ١٩٨/ أ - ب، والبغوي في \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٠٦، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٨/ ١١٢، والقرطبي في \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٣١.\n(٥) بياض في (ع).","vol":"22","page":344},{"text":"ولم يكن قد بلغ (١) شيئًا، ولا قام بالدعوة، (وأمر بالرسالة) (٢) بعد، ثم خوطب بعد ذلك بالنبي والرسول.\nقوله تعالى: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢)﴾، أي: للصلاة.\nقال ابن عباس: إن قيام الليل (٣) كان فريضة على رسول الله -ﷺ- وعلى النبيين [قبله] (٤)، كقوله: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ﴾ [الإسراء: ٧٩] الآية (٥).\nوقوله: ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ قال الكلبي: يعني بالقليل الثلث الأخير (٦).\nقال ابن قتيبة: أي صلِّ الليل إلا شيئًا يسيرًا (٧) تنام فيه، وهو الثلث (٨).\nثم قال: ﴿نِصْفَهُ﴾ قال أبو إسحاق: (نصفه) بدل من (الليل) كما تقول: ضربت زيدًا رأسه، فإنما ذكر زيدًا لتوكيد الكلام، وهو أوكد من قولك: ضربت رأس زيد (٩).\nفالمعنى: قم نصف الليل إلا قليلًا، وقوله: ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ هو قوله: ﴿أَوِ\n_________\n(١) بياض في (ع).\n(٢) قوله: وأمر بالرسالة بياض في (ع).\n(٣) قوله: إن قيام الليل: بياض في (ع).\n(٤) في (ع): قوله، ولعل الصواب قبله إذ بها تصلح العبارة، والله أعلم.\n(٥) \"التفسير الكبير\" ٣٠/ ١٧١، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٣٣.\n(٦) في (ع): الآخر. وانظر قول ابن عباس في \"النكت والعيون\" ٦/ ١٢٦، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٣٣، و\"الدر المصون\" ٦/ ٤٠٢، و\"فتح القدير\" ٥/ ٣١٥.\n(٧) في (أ): قليلًا.\n(٨) \"تأويل مشكل القرآن\" ٢٦٤ بنصه.\n(٩) زيدا هكذا وردت منصوبة في معاني القرآن وإعرابه.","vol":"22","page":345},{"text":"انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا﴾، أي من النصف، ولكنه (١) ذكر ثانيًا مع الزيادة، وهو قوله: ﴿أَوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾. فالمعنى: قم نصف الليل، أو انقص من نصف الليل، أو زد على نصف الليل) (٢).\nقال المفسرون (٣): أو انقص من النصف قليلًا إلى الثلث، أو زِدْ على النصف (٤) إلى الثلثين، جعل له سعة في مدة قيامه في (٥) الليل، وخيره في هذه الساعات للقيام، وكان النبي -ﷺ- وطائفة من المؤمنين معه [يقومون] (٦)\n_________\n(١) غير مقروءة في (ع).\n(٢) ما بين القوسين من قول الزجاج \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٣٩ بيسير من التصرف. وذكر أبو البقاء العكبري وجهًا آخر، قال: \" (نصفه) بدل من (قليلًا)، وهو أشبه بظاهر الآية؛ لأنه قال: (أو انقص منه أو زد عليه) والهاء فيهما للنصف\". انظر: \"التبيان في إعراب القرآن\" ٢/ ١٢٤٦، إملاء ما من به الرحمن: ٢/ ٢٧١. وإلى هذا ذهب ابن عطية في \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٣٨٧، والزمخشري في \"الكشاف\" ٤/ ١٥٢. قال الزمخشري: والمعنى: التخيير بين أمرين: بين أن يقوم أقل من نصف الليل على البت، وبين أن يختار أحد الأمرين، وهما: النقصان من النصف، والزيادة عليه. \"الكشاف\" مرجع سابق. وهناك أقوال أخرى في تقدير الآية، فليراجع في ذلك: \"الدر المصون\" ٦/ ٤٠٢ - ٤٠٣، و\"الكشاف\" مرجع سابق، و\"البحر المحيط\" ٨/ ٣٦١ - ٣٦٢. وما نقله الإمام الواحدي عن المفسرين وجدته عند ابن قتيبة في \"تأويل مشكل القرآن\" ٢٦٤ بنحوه، ولعله نقله عنه.\n(٣) وممن حكى قولهم شيء من الاختصار، وعزاه إليهم: ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٨/ ١١٣، وكتابه أيضًا \"نواسخ القرآن\" ٢٤٦، والشوكاني في \"فتح القدير\" ٥/ ٣١٦، كما ذكره ابن جرير الطبري بمعناه في \"جامع البيان\" ٢٩/ ١٢٤، والبغوي في \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٠٧، والقرطبي في \"الجامع\" ١٩/ ٣٤.\n(٤) و(٥) بياض في (ع).\n(٦) يقولون: هكذا وردت في النسختين: (أ)، ع، والصواب ما أثبتناه، وانظر: \"الوسيط\" ٤/ ٣٧١.","vol":"22","page":346},{"text":"علي هذه المقادير (١)، وشق ذلك عليهم، وكان الرجل لا يدري كم صلى، وكم بقي من الليل، وكان يقوم الليل كله مخافة أن لا يحفظ القدر الواجب، حتى خفف الله عنهم، ونسخ ذلك بقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ﴾ الآية، وهي آخر هذه السورة.\nقال (سماك الحنفي (٢) سمعت) (٣) ابن عباس (يقول) (٤): لما أنزل الله أول المزمل كانوا يقومون (٥) مثل (٦) قيامكم في رمضان حتى نزل آخرها، وكان بين أولها وآخرها (٧) سنة) (٨).\n_________\n(١) بياض في (ع).\n(٢) سِماك بن الوليد الحَنفي، أبو زُمَيْل اليمامي، سكن الكوفة، روى عن ابن عباس، وثقه أحمد، وابن معين، وقال أبو حاتم وغيره: صدوق لا بأس به، روى له البخاري في الأدب، والباقون. انظر: \"الإكمال\" لابن ماكولا ٤/ ٩٣، و\"تهذيب الكمال\" ١٢/ ١٢٥، ت: ٢٥٨٢، و\"سير أعلام النبلاء\" ٥/ ٢٤٩، ت: ١١١، و\"الكاشف\" ١/ ٣٢٢، ت: ٢١٦٥.\n(٣) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٤) ساقط من (ع).\n(٥) بياض في (ع).\n(٦) في (أ): قبل.\n(٧) غير واضحة في (ع).\n(٨) الأثر أخرجه أبو داود في \"سننه\" ١/ ٣٢٩، أبواب قيام الليل. والحاكم في \"المستدرك\" ٢/ ٥٥، كتاب التفسير: سورة المزمل، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي في التلخيص، وأخرجه البيهقي في \"السنن الكبرى\" ٢/ ٧٠٤، ح: ٤٦٤٠، كتاب الصلاة، باب في قيام الليل. ومخرج أيضًا في \"الصحيح المسند من أسباب النزول\" لأبي عبد الرحمن الوادعي: ٢٢٢، وقال: الحديث رجاله رجال الصحيح إلا أحمد بن محمد المروزي، أبا الحسن بن شبويه، وهو ثقة، وأخرب ابن جرير، ورجاله رجال الصحيح، وأخرجه ابن أبي حاتم كما =","vol":"22","page":347},{"text":"وكان في رواية الوالبي: لما نزلت هذه الآية شق ذلك على المؤمنين (١)، فخفف الله عنهم، وأنزل عليهم: ﴿أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى﴾ (٢).\nوقال في رواية عطاء (الخراساني) (٣) كان هذا بمكة، فلمَّا قدم النبي -ﷺ- المدينة نسختها: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ﴾ إلى آخر السورة (٤).\nوروى (قيس بن وهب (٥)، عن أبي عبد الرحمن السُّلَميّ (٦)،\n_________\n= في تفسير ابن كثير، ورجاله رجال الصحيح. كما ورد في \"الناسخ والمنسوخ\" لأبي عبيد: ٢٥٧، رقم: ٤٦٩، و\"الناسخ والمنسوخ\" لأبي جعفر النحاس ٢٩١، و\"نفس الصباح\" ٢/ ٧٥٨، \"جامع البيان\" ٢٩/ ١٢٤ - ١٢٥، و\"أحكام القرآن\" للجصاص: ٣/ ٤٦٨، و\"الكشف والبيان\" ١٢/ ١٨٩/ ب، و\"النكت والعيون\" ٦/ ١٢٥، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٣٣، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٤٦٥، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٣١٢ وعزاه إلى ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن أبي حاتم، ومحمد بن نصر، والطبراني في \"المعجم الكبير\" ١٢/ ١٩٦: ح: ١٢٨٧٧.\n(١) بياض في (ع).\n(٢) \"جامع البيان\" ٢٩/ ١٢٥، و\"الناسخ والمنسوخ\" لأبي عبيد ٢٥٦ رقمه: ٤٦٨.\n(٣) ساقط من (أ).\n(٤) وردت رواية عطاء عن ابن عباس في \"الناسخ والمنسوخ\" لأبي جعفر النحاس: ٢٩١، و\"نواسخ القرآن\" لابن الجوزي ٢٤٧.\n(٥) قيس بن وَهْب الهمداني الكوفي، روى عن أبي عبد الرحمن السُّلَمي، ووثقه أحمد ابن حنبل، وابن معين، والعِجليُّ، وذكره ابن حبان في الثقات، روى له: مسلم، وأبو داود، وابن ماجه.\nانظر: \"الجرح والتعديل\" ٧/ ١٠٤، ت: ٥٩٤، و\"الثقات\" لابن أبي حاتم ٥/ ٣١٤، و\"تهذيب الكمال\" ٢٤/ ٨٦، ت: ٤٩٢٦.\n(٦) أبو عبد الرحمن السلمي مقرئ الكوفة، عبد الله بن حبيب بن ربيعة، ولأبيه صحبة، وولد هو في حياة النبي -ﷺ-، وقرأ القرآن وجوده، وبرع في حفظه، وعرض على عثمان، وعلي، وابن مسعود وغيرهم، وكان ثقة كبير القدر، وحديثه في الكتب الستة. توفي سنة ٧٤ هـ، وقيل غير ذلك. انظر: \"تاريخ بغداد\" ٩/ ٤٣٠، ت: =","vol":"22","page":348},{"text":"وقال) (١): (إنه) (٢) لما نزلت: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ﴾ قاموا حولًا حتى ورمت أقدامهم وسوقهم، فنزلت: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ﴾ فاستراح (٣) الناس (٤).\nوقال مقاتل: كان هذا بمكة قبل أن (تفرض الصلوات) (٥) الخمس (٦).\n_________\n= ٥٠٨٤، و\"معرفة القراء الكبار على الطبقات والأعصار\" ١/ ٥٢، ت: ١٥، و\"طبقات الحفاظ\" للسيوطي ٢٧/ ت: ٤١.\n(١) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٢) ساقط من (ع).\n(٣) غير واضحة في (ع).\n(٤) وردت الرواية عن أبي عبد الرحمن السلمي في \"جامع البيان\" ٢٩/ ١٢٦، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٣٥، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٤٦٥ - ٤٦٦، و\"الدر\" ٨/ ٣١٢ وعزاها إلى عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن نصر. وانظر أيضًا \"الناسخ والمنسوخ\" للأزهري: ٣٤. ما مضى من الأقوال يبين أن الله سبحانه قد فرض في أول الإسلام قيام الليل على رسوله -ﷺ- وعلى المسلمين، فقام رسول الله -ﷺ- وأصحابه حوالي سنة حتى انتفخت أقدامهم، ثم خفف الله بعد ذلك، ونسخ فرضية قيام الليل بقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾. إلى آخر سورة المزمل: ٢٠، فأصبح قيام الليل تطوعًا بعد أن كان فريضة. وممن ذهب إلى القول إلى أن أول المزمل منسوخ بآخرها قتادة السدوسي في \"الناسخ والمنسوخ\" ٢٩١، وهبة الله بن سلامة في \"الناسخ والمنسوخ\" ١٨٨، و\"المصفى بأكف أهل الرسوخ من علم الناسخ والمنسوخ\" ٥٨.\n(٥) ما بين القوسين ساقط من (ع).\n(٦) \"بحر العلوم\" ٣/ ٤١٦، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٠٧، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٣٥، و\"فتح القدير\" ٥/ ٣١٦. وهذا القول من مقاتل أن قيام الليل منسوخ بالصلوات الخمس، يرده الأقوال الماضية المتعاضدة في أن قيام الليل الوارد في أول المزمل منسوخ بآخر ما جاء في سورة المزمل. والله أعلم.","vol":"22","page":349},{"text":"قوله تعالى: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ قال عطاء عن ابن عباس: بينة بيانًا (١).\nوروى الكلبي عنه: على هَيْنَتِك (٢) ترتيلًا (٣).\nوقال الضحاك: انْبِذْه حرفًا (٤) حرفًا (٥).\nوعن مجاهد قال: بعضه في أثر بعض (٦) (٧).\nوقال قتادة في هذه الآية: بلغنا أن عامة قراءة النبي -ﷺ- (٨) كانت بالمد (٩).\n_________\n(١) \"جامع البيان\" ٢٩/ ١٢٧، من طريق مقسم عن ابن عباس، كما ورد من غير ذكر طريق عطاء في \"النكت والعيون\" ٦/ ١٢٦، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٠٧، و\"لباب التأويل\" ٤/ ٣٢١، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٣١٣ وعزاه إلى ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن منيع في مسنده، ومحمد بن نصر، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.\n(٢) هينتك: الهَوْن: مصدر الهيِّن في معنى السكينة والوقار، تقول: تكلَّم على هِينَتِك. \"تهذيب اللغة\" ٦/ ٤٤٠ - ٤٤١، مادة: (هون).\n(٣) بمعناه في \"الكشف والبيان\" ١/ ١٩٩/ ب، كما ورد قوله من ذكر طريق الكلبي في \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٠٧، و\"لباب التأويل\" ٤/ ٣٢٢.\n(٤) بياض في (ع).\n(٥) \"لسان العرب\" ١١/ ٢٦٥ مادة: (رتل).\n(٦) قوله: في إثر بعض: بياض في (ع).\n(٧) انظر قوله في \"جامع البيان\" ٢٩/ ١٢٦، و\"الكشف والبيان\" ١٢/ ١٩٩/ أ، و\"أحكام القرآن\" لابن العربي ٤/ ١٨٧٥، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٣١٤ وعزاه إلى البيهقي في \"شعب الإيمان\" ٢/ ٣٩٢، ت: ٢١٦١.\n(٨) قوله: قراءة النبي صلى: بياض في (ع).\n(٩) ورد قوله في \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٣٢٤، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٠٧، و\"الدر المنثور\" مرجع سابق، وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن نصر، وابن المنذر، كما رواه البخاري ٣/ ٣٥٠، ح: ٥٠٤٥ - ٥٠٤٦، كتاب فضائل القرآن، باب مد القراءة من طريق قتادة عن أنس، وأيضًا بهذا الطريق في \"مسند الإمام أحمد\" ٣/ ١٢٧.","vol":"22","page":350},{"text":"قال أبو إسحاق: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ بيِّنه تبيينًا، والتبيين لا يتم (١) بأن يعجل في القرآن، إنما يتم (٢) بأن تبين جميع الحروف، وتُوفّى حقَّها من الإشباع (٣).\nوقال المبرد: معنى الترتيل: التوقف، والتمهل، والإفهام، وأصله من قولهم: ثغر رتل (٤) إذا كان بين الثنايا افتراق ليس بالكبير (٥).\nوقال ابن الأعرابي: ما أعلم الترتيل إلا التحقيق والتبيين (٦).\n(وقال) (٧) الليث: (الرتل: تنسيق الشيء، وثغر (٨) رتل (٩) حسن التنضيد، ورتلت الكلام (١٠) ترتيلًا إذا تمهلت فيه، وأحسنت تأليفه، وهو يترتل في كلامه) (١١).\n_________\n(١) غير مقروءة في (ع).\n(٢) قوله: إنما يتم: غير مقروءة في (ع).\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٤٠ برواية: \"في الإشباع\" بدلًا من: \"من الإشباع\".\n(٤) قوله: ثغر رتل: غير مقروء في (ع).\n(٥) \"التفسير الكبير\" ٣/ ١٧٣ مختصرًا.\n(٦) قلت: لعل الإمام الواحدي نقله عن أبي العباس كما في \"تهذيب اللغة\" ١٤/ ٢٦٨ مادة: (رتل)، وليس عن ابن الأعرابي. وانظر: \"لسان العرب\" ١١/ ٢٦٥ مادة: (رتل).\n(٧) ساقط من (أ).\n(٨) الثَّغر: ما تقدم من الأسنان. \"الصحاح\" ٢/ ٦٠٥ مادة: (ثغر).\n(٩) في (أ): ريك.\n(١٠) بياض في (ع).\n(١١) ما بين القوسين قول الليث، نقله عنه الواحدي من \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٢٦٨ مادة: (رتل). وقد جاء في المفردات: رتل: الرَّتَلُ: اتساق الشيء وانتظامه على استقامة، والترتيل: إرسال الكلمة من الفم بسهولة واستقامة.: ١٨٧ مادة: (رتل).","vol":"22","page":351},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4694>٥ </span>- قوله تعالى (١): ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (٥)﴾ (قال الكلبي: سننزل عليك من السماء قولًا ثقيلًا) (٢). (٣) ليس على ثقل الحفظ له، واعتياصه (٤)، ولكن ما قال الحسن أنهم ليهذونه هذًّا (٥)، ولكن العمل به ثقيل (٦)، وهذا قول أكثر المفسرين أن ثقله يعود إلى العمل به.\nقال قتادة: تثقل والله فرائضه وحدوده (٧).\nوقال مقاتل: يثقل لما فيه من الأمر والنهي (٨) والحدود (٩).\n_________\n(١) ساقط من (ع).\n(٢) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٣) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٤) غير مقروء في النسختين\n(٥) الهذُّ: سرعة القطع، تقول: تهذ القرآن هذًّا، فتسرع فيه كما تسرع في قراءة الشعر. انظر: \"النهاية في غريب الحديث والأثر\" ٥/ ٥٢٥، وانظر: \"معجم مقاييس اللغة\" ٦/ ٨ مادة: (هذَّ)، و\"المصباح المنير\" ١/ ٧٨٣ مادة: (هذَّ).\n(٦) ورد قول الحسن في \"جامع البيان\" ٢٩/ ١٢٧ بنحوه، و\"الكشف والبيان\" جـ: ١٢: ١٩٩/ ب بنحوه، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٠٨، و\"أحكام القرآن\" لابن العربي: ٤/ ١٨٧٦، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٣٨٧ بمعناه، و\"زاد المسير\" ٨/ ١١٣، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٣٢ بمعناه، و\"البحر المحيط\" ٨/ ٣٦٢، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٤٦٤، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٣١٥ وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن نصر، وابن المنذر، و\"فتح القدير\" ٥/ ٣١٦.\n(٧) \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٣٢٤، و\"جامع البيان\" ٢٩/ ١٢٧، و\"بحر العلوم\" ٣/ ٤١٦، و\"الكشف والبيان\" حـ: ١٢: ١٩٩/ أ، و\"النكت والعيون\" ٦/ ١٢٦، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٠٨، و\"زاد المسير\" ٨/ ١١٣ بمعناه، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٣٧، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٤٦٤، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٣١٥ وعزاه إلى عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن نصر، و\"فتح القدير\" ٥/ ٣١٦.\n(٨) بياض في (ع).\n(٩) \"تفسير مقاتل\" ٢١٣/ أ، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٠٨.","vol":"22","page":352},{"text":"(وعلى هذا القول سمي ثقيلًا؛ لأن الحلال والحرام، والصلاة، والصيام، وجميع ما أمر الله أن يعمل به، ونهى عنه، لا يؤديه أحد إلا بتكلف (ما يثقل) (١) [عليه] (٢» (٣).\nوروي عن الحسن (أيضًا) (٤) أنه قال: معناه: إنه ثقيل في الميزان يوم القيامة (٥).\nونحو هذا قال ابن زيد: هو والله ثقيل مبارك كما ثقل في الدنيا، ثقل في الموازين يوم القيامة (٦).\nوذهب قوم من المفسرين (٧) إلى أن المراد بثقله: أنه ثقيل المحمل، واحتجوا بما روي أن النبي -ﷺ- كان يثقل عليه الوحي عند نزوله، حتى روي (أن الوحي نزل عليه وهو على ناقته فثقل عليها حتى وضعت جرانها (٨) فلم\n_________\n(١) ساقطة من (أ).\n(٢) ساقطة من النسختين، وما أثبته من \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٤٠، وبها يستقيم المعنى، والله أعلم.\n(٣) ما بين القوسين من قول الزجاج، نقله عنه الإمام الواحدي بتصرف: ٥/ ٢٤٠.\n(٤) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٥) \"التفسير الكبير\" ٣٠/ ١٧٤، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٣١٥ وعزاه إلى ابن نصر، وابن المنذر.\n(٦) \"جامع البيان\" ٢٩/ ١٢٧، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٠٨، و\"زاد المسير\" ٨/ ١١٣، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٣٧، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٤٦٤.\n(٧) منهم: هشام بن عروة عن أبيه، وابن زيد، وعائشة، وابن الزبير. انظر أقوالهم في \"جامع البيان\" ٢٩/ ١٢٧، و\"الكشف والبيان\" جـ: ١٢: ٢٠٠/ أ، و\"النكت والعيون\" ٦/ ١٢٦، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٠٨، و\"زاد المسير\" ٨/ ١١٣، و\"لباب التأويل\" ٤/ ٣٢٢، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٤٦٤.\n(٨) الجران: مقدم عنق البعير من مذبحه إلى منحره. \"المصباح المنير\" ١/ ١١٩.","vol":"22","page":353},{"text":"تستطع أن تتحرك) (١).\nوقال الفراء: ﴿قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ أي ليس بالخفيف، ولا السَّفْساف (٢)؛ لأنه كلام ربنا تعالى وجلّ ذكره (٣).\nوذكر الزجاج هذا القول فقال: ويجوز على مذهب أهل اللغة أن يكون معناه: أنه قول له وزْنٌ في صِحَّتِه، وبيانه، ونفعه، كما تقول: هذا كلام رصينٌ (٤)، وهذا قول لذو وزن إذا كنت تستجيده، وتعلم أنه قد وقع موقع الحكمة والبيان (٥).\nوقال غيرهما (٦): جعله ثقيلًا من جهة عظم قدره، وجلالة خطره،\n_________\n(١) الحديث أخرجه الحاكم في \"المستدرك\" ٢/ ٥٠٥، كتاب التفسير: تفسير سورة المزمل، من طريق هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة -﵂- أن النبي -ﷺ- كان إذا أوحي إليه، وهو على ناقته، وضعت جرانها، فلم تستطع أن تتحرك. وتلت قول الله ﷿: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (٥)﴾ قال عنه: حديث صحيح، ووافقه الذهبي في التلخيص. كما أخرجه الإمام أحمد في \"المسند\" ٦/ ١١٨ مختصرًا. ورواه ابن جرير الطبري عن هشام بن عروة عن أبيه أن النبي -ﷺ- الحديث. \"جامع البيان\" ٢٩/ ١٢٧، قال عنه ابن كثير: وهو مرسل. \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٤٦٤. وانظر: \"الدر المنثور\" ٨/ ٣١٦ وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن نصر.\n(٢) السَّفْساف: الرديء من كل شيء، والأمر الحقير، وكل عمل دون الأحكام سفساف، وأصله ما يطير من غبار الدقيق إذا نخل، والتراب إذا أثير. \"لسان العرب\" ٩/ ١٥٥ مادة: (سفف).\n(٣) في (ع): ﵎، بدلًا من: تعالى وجل ذكره.\n(٤) الرصين: المحكم الثابت. \"لسان العرب\" ١٣/ ١٨١ مادة: (رصن).\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٤٠ برواية: \"له وزن\" بدلًا من: \"لذو وزن\".\n(٦) أي الأزهري، وانظر قوله في \"تهذيب اللغة\" ٩/ ٧٩ مادة: (ثقل)، وينتهي قوله بـ: \"فهو ثقل وثقيل\". وفي \"التفسير الكبير\" ٣/ ١٧٤ أورد قول الأزهري بغير عزو.","vol":"22","page":354},{"text":"وكل شيء نفيس عِلْق خطير (١)، فهو ثقل وثقيل. وتأويل هذا معنى قول ابن عباس في رواية عطاء: (قولًا ثقيلًا) يعني: كلامًا عظيمًا (٢).\nقال أبو علي الفارسي: ويجوز أن يكون المراد به ثقيل على من (عانده) (٣) فرده ولم ينفذ له (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4695>٦ </span>- قوله تعالى: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ﴾ قال أبو عبيدة: ناشئة الليل: ساعات الليل، وآناء الليل ناشئة بعد ناشئة (٥).\n(وروى عمرو (٦) عن أبيه: نشأ الليل: ارتفع (٧» (٨).\nوقال ابن قتيبة: هي آناء الليل، وساعاته هي مأخوذة من نَشَأَتْ تنشَأ نَشْأ، أي ابتدأت، وأقبلت شيئًا بعد شيء، وأنشأها الله فنشأت.\nوالمعنى: إن ساعات الليل الناشئة، فاكتفى بالوصف عن الاسم (٩).\n(ونحو هذا قال المبرد (١٠)، وصاحب النظم في: (ناشئة الليل)، وهو قول أكثر المفسرين) (١١).\n_________\n(١) في (أ): خضير.\n(٢) \"التفسير الكبير\" ٣٠/ ١٧٤، و\"البحر المحيط\" ٨/ ٣٦٢.\n(٣) ساقطة من (ع).\n(٤) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٥) \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٧٣ بنصه.\n(٦) هو: عمرو بن أبي عمرو الشيباني إسحاق بن مرار.\n(٧) وانظر قول أبي عمرو في \"تهذيب اللغة\" ١١/ ٤١٩ مادة: (نشأ).\n(٨) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٩) \"تأويل مشكل القرآن\" ٣٦٥ بشيء يسير من التصرف.\n(١٠) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(١١) ما بين القوسين ساقط من (أ).","vol":"22","page":355},{"text":"قال الحسن: كل شيء بعد العشاء فهو ناشئة (١).\nوهو قول عكرمة (٢)، وأبي مجلز (٣)، ومجاهد (٤)، والسدي (٥) (٦)، قالوا: الليل كله ناشئة.\nوهذا قول ابن عباس (٧)، وابن الزبير (٨). (٩) في رواية ابن أبي مُلَيْكة،\n_________\n(١) \"تفسير\" الإمام مجاهد ٦٧٩، و\"أحكام القرآن\" للجصاص: ٣/ ٤٦٨، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٠٨ بنحوه، و\"زاد المسير\" ٨/ ١١٤، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٣٩، و\"البحر المحيط\" ٨/ ٣٦٣، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٣١٦ وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن نصر، و\"السنن الكبرى\" للبيهقي: ٣/ ٢٩، ح: ٤٧٥٤، كتاب: الصلاة باب من فتر عن قيام الليل فصلى ما بين المغرب والعشاء.\n(٢) \"جامع البيان\" ٢٩/ ١٢٨.\n(٣) ورد قوله في \"جامع البيان\" ٢٩/ ١٢٩، و\"الكشف والبيان\" ١٢: ٢٠٠/ ب، و\"زاد المسير\" ٨/ ١١٤، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٣١٧ وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن نصر، و\"السنن الكبرى\" ٣/ ٣٠، ح: ٤٧٥٥، كتاب الصلاة: باب من فتر عن قيام الليل.\n(٤) تفسير الإمام مجاهد ٦٧٩، و\"جامع البيان\" ٢٩/ ١٢٨ - ١٢٩، و\"أحكام القرآن\" للجصاص ٣/ ٤٨٦، و\"زاد المسير\" ٨/ ١١٤، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٣٩، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٤٦٤.\n(٥) ورد قوله في \"تهذيب اللغة\" ١١/ ٤١٩ مادة: (نشأ).\n(٦) (والسدي) ساقط من (أ).\n(٧) \"جامع البيان\" ٢٩/ ١٢٨ - ١٢٩، و\"أحكام القرآن\" للجصاص: ٣/ ٤٦٨، و\"الكشف والبيان\" جـ: ١٢: ٢٠٠/ ب، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٠٨، و\"أحكام القرآن\" لابن العربي: ٤/ ١٨٧٧، و\"زاد المسير\" ٨/ ١١٤، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٣٩، و\"لباب التأويل\" ٤/ ٣٢٢، و\"البحر المحيط\" ٨/ ٣٦٣، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٣٢٦ وعزاه إلى ابن أبي حاتم، و\"السنن الكبرى\" ٣/ ٢٩، ح: ٤٧٥١، كتاب الصلاة: باب من فتر عن قيام الليل.\n(٨) المراجع السابقة عدا \"زاد المسير\"، و\"الجامع لأحكام القرآن\".\n(٩) وردت في النسخة (أ) هكذا: ابن الزبير وابن عباس.","vol":"22","page":356},{"text":"عنهما (١) جميعًا، قال: سألتهما عن ناشئة الليل، فقالا: الليس كله ناشئة. وقال آخرون: (ناشئة الليل) قيام الليل، وهو قول الكلبي (٢)، و(٣) مقاتل (٤)، (ومعاوية بن قرة) (٥) (٦)، وابن مسعود (٧)، وسعيد بن جبير (إلا أنهما قالا) (٨): هي بالحبشية.\nقال سعيد بن جبير: هي بلسان الحبشية نشأ: قام (٩).\n_________\n(١) في (أ): عنها.\n(٢) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٣) (الكلبي و) ساقط من (أ).\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ٢١٣/ أ.\n(٥) ورد قوله هذا في \"تهذيب اللغة\" ١١/ ٤١٩ مادة: (نشأ).\n(٦) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٧) أخرجه الحاكم في \"المستدرك\" ٢/ ٥٠٥، كتاب التفسير: تفسير سورة المزمل، وصححه، ووافقه الذهبي في التلخيص. \"الوسيط\" ٤/ ٣٧٣ وعبارته: \"هي بالحبشية قيام الليل\".\n(٨) العبارة الواردة بين القوسين الصغيرين: \"إلا أنهما قالا\" لا تعود على ابن مسعود وسعيد بن جبير، وإنما تعود على سعيد بن جبير وابن زيد، والسبب في ذلك أني لم أعثر إلا على قولي سعيد بن جبير وابن زيد مشتركين في هذا المعنى، ومصحوبين أثناء العزو إليهما كما في \"الكشف والبيان\" جـ: ١٢: جـ: ٢٠٠/ ب،: قال: وقال سعيد بن جير وابن زيد: أي ساعة قام من الليل فقد نشأ، وهو بلسان الحبشة: نشأ إذا قام. وانظر أيضًا \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٠٨، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٣٨٧، و\"زاد المسير\" ٨/ ١١٤.\n(٩) انظر مواضع ورود قول سعيد بن جبير في \"جامع البيان\" ٢٩/ ١٢٨ من طريقه إلى ابن عباس، و\"الكشف والبيان\" ١٢/ ٢٠٠/ ب، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٠٨، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٣٨٧، و\"السنن الكبرى\" ٣/ ٣٠، ح ٤٧٥٧، كتاب الصلاة، باب من فتر عن قيام الليل عن سعيد بن جبير. وانظر تفسير سعيد بن جبير: ٣٥٩.","vol":"22","page":357},{"text":"قال صاحب النظم: الناشئة على هذا القول مصدر من قولك: نشأ الشيء، وقد تضع العرب الفاعلة مواضع المصادر، كما قلنا في الخاطئة، وفي الجاثية، والكاذبة، واللاغية.\nوفي ناشئة الليل قول آخر، وهو قول علي بن الحسين (١) (﵁) (٢) قال: هو ما بين المغرب إلى العشاء (٣). وهو قول أنس.\nروى ثابت أنه كان يصلي ما بين المغرب والعشاء، ويقول: هي: (ناشئة الليل) (٤).\nونحو ذلك روي عن سعيد بن جبير (٥)، (وهو قول الضحاك (٦)،\n_________\n(١) علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵁، أبو الحسن، المعروف بزين العابدين، ويقال له: علي الأصغر، وليس للحسين ﵁ عقب إلا من ولد زين العابدين، وهو أحد الأئمة الاثني عشر، ومن سادات التابعين، وأمه أم ولد اسمها غزالة، وقيل: سلافة، كان كثير البر بأمه، ومناقبه كثيرة، ولد سنة ٣٨ هـ، وتوفي سنة ٩٤ هـ، وقيل غير ذلك، ودفن بالبقيع. انظر: \"صفة الصفوة\" ٢/ ٦٦، ت: ١٦٥، و\"وفيات الأعيان\" ٣/ ٢٦٦، ت: ٤٢٢، و\"العبر\" ١/ ٨٣.\n(٢) ساقطة من (أ).\n(٣) ورد قوله في تفسير الإمام مجاهد ٦٧٩، و\"الكشف والبيان\" جـ: ١٢: ٢٠٠/ ب، و\"الكشاف\" ٤/ ١٥٣، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٣٩، و\"لباب التأويل\" ٤/ ٣٢٢، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٣١٧ وعزاه إلى ابن نصر، وابن المنذر، و\"السنن الكبرى\" ٣/ ٣٠، ح: ٤٧٥٦، كتاب الصلاة: باب من فتر عن قيام الليل.\n(٤) ذكر رواية أنس من غير طريق ثابت في \"النكت والعيون\" ٦/ ١٢٧، و\"زاد المسير\" ٨/ ١١٤، وذكرت من طريق ثابت عن أنس في \"السنن الكبرى\" ٣/ ٢٩، كتاب الصلاة: باب من فتر عن قيام الليل.\n(٥) تفسير الإمام مجاهد ٦٧٩، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٣١٧ وعزاد إلى ابن أبي شيبة.\n(٦) \"تهذيب اللغة\" ١١/ ٤١٩ مادة: (نشأ).","vol":"22","page":358},{"text":"والحكم (١)، واختيار الكسائي (٢» (٣) قالوا: ﴿نَاشِئَةَ اللَّيْلِ﴾ أوله، (وهي رواية عطاء عن) (٤) ابن عباس قال: يريد أول ما ينشأ (٥).\nوروي عن عائشة (﵂) (٦) أنها قالت: الناشئة القيام بعد النوم (٧).\nوهو قول ابن الأعرابي، قال: إذا نمت من أول الليلة نومة، ثم قمت، فتلك النشأة، ومنه: (ناشئة الليل) (٨).\nوقوله تعالى: ﴿هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا﴾. قال ابن عباس: هى أشد على المصلي (٩).\nوقال قتادة: يقول أثبت في الخير (١٠).\n(وقال الكلبي: يقول أشد نشاطًا للرجل إذا كان محتسبًا\n_________\n(١) ورد قوله في \"تهذيب اللغة\" ١١/ ٤١٩ مادة: (نشأ).\n(٢) المرجع السابق، و\"البحر المحيط\" ٨/ ٢٦٣.\n(٣) ما بين القوسين أسقطه ناسخ النسخة: أ، واكتفى بقوله: وغيره بدلًا من تعدادهم.\n(٤) ساقطة من (أ).\n(٥) \"زاد المسير\" ٨/ ١١٤، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٣٩، و\"لباب التأويل\" ٤/ ٣٢٢، و\"البحر المحيط\" ٨/ ٣٦٣، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٣١٦، و\"السنن الكبرى\" ٣/ ٣٠، كتاب: الصلاة باب من فتر عن قيام الليل.\n(٦) ساقط من (أ).\n(٧) \"الكشف والبيان\" جـ: ١٢: ٢٠٠/ ب، و\"الكشاف\" ٤/ ١٥٣، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٣٩، و\"البحر المحيط\" ٨/ ٣٦٢.\n(٨) \"زاد المسير\" ٨/ ١١٤، و\"فتح القدير\" ٥/ ٣١٧.\n(٩) لم أعثر على مصدر لقوله، وقد ذكر في \"الوسيط\" ٤/ ٣٧٣ من غير عزو.\n(١٠) \"جامع البيان\" ٢٩/ ١٢٩، و\"الكشف والبيان\" جـ: ١٢: ٢٠١/ أ، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٠٩.","vol":"22","page":359},{"text":"للصلاة (١» (٢).\nوقال الفراء: (يقول) (٣): أثبت قيامًا؛ لأن النهار يضطرب (فيه) (٤) الناس، ويتقلبون فيه للمعاش، قال: وقال بعضهم: هي أشد على المصلي من صلاة النهار؛ لأن الليل للنوم (٥).\nوذكر أبو إسحاق المعنيين جميعًا فقال: معناه: وهي أبلغ في القيام وأغلظ على الإنسان من القيام بالنهار؛ لأن الليل جعل ليسكن فيه (٦).\nوقال ابن قتيبة: ﴿أَشَدُّ وَطْئًا﴾ أثقل على المصلي من ساعات النهار. وقال وهو من قولك: اشتدت على القوم وَطْأةُ سُلْطانِهم، إذا ثقل عليهم ما يُلزمهم ويأخذهم به، فأعلم الله نبيه أن الثواب في قيام الليل على (قدر) (٧) شدة الوطأة وثقلها (٨).\nوقال أبو علي: المعنى: (إن صلاة ناشئة الليل أشق على الإنسان من القيام بالنهار؛ لأن الليل للدعة (٩) والسكون، وجاء في الحديث: (اللهم\n_________\n(١) ورد قوله في \"النكت والعيون\" ٦/ ١٢٧ مختصرًا جدًا، وكذا في \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٤٠.\n(٢) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٣) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٤) ساقط من (أ).\n(٥) انظر قول الفراء في \"معاني القرآن\" ٣/ ١٩٧ بتصرف يسير.\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٤٠ مختصرًا.\n(٧) ساقط من (أ).\n(٨) ورد قول ابن قتيبة في \"تأويل مشكل القرآن\" ٢٦٥ بنصه، وانظر: \"تفسير غريب القرآن\" ٤٩٣ مختصرًا.\n(٩) الدَّعة: الخفض في العيش والراحة، والهاء عوض من الواو. \"لسان العرب\" ٨/ ٣٨١ مادة: (ودع)، وانظر: \"الصحاح\" ٣/ ١٢٩٥ مادة: (ودع).","vol":"22","page":360},{"text":"اشدد وطأتك (١) على مضر) (٢).\nهذا الذي ذكرنا على قراءة من قرأ (وَطْأةً) بفتح الواو مقصورًا (٣).\nومن قرأ (وِطاءً) بكسر الواو والمد (٤)، فقال مجاهد: أجدر أن\n_________\n(١) معنى \"وطأتك\" أي أخذهم أخذًا شديدًا. \"النهاية\" ٥/ ٢٠٠. وقال النووي: الوطأة بفتح الواو وإسكان الطاء، وبعدها همزة: وهي العباس. \"شرح صحيح مسلم\" ٥/ ١٨٦.\n(٢) الحديث: أخرجه البخاري ١/ ٢٦٠، ح: ٨٠٤، كتاب: الأذان، باب يهوي بالتكبير حين يسجد، من طريق أبي هريرة في حديث طويل، وفي ١/ ٣١٧، ح: ١٠٠٦، كتاب الاستسقاء: باب دعاء النبي -ﷺ-، وفي كتاب الجهاد، باب الدعاء على المشركين بالهزيمة والذلة: ٢/ ٢٤٠، ح، ٢٩٣٢، وفي كتاب الأنبياء: باب قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ (٧)﴾ ٢/ ٤٧٠، ح: ٣٣٨٦، وكتاب التفسير، باب ٣ سورة آل عمران: ٩ \"ليس لك من الأمر شيء\" ٣/ ٢١١، ح: ٤٥٦٠، وكتاب التفسير ٤ سورة النساء ٢١ باب \"فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم\" ٣/ ٢٢٠، ح: ٤٥٩٨، وكتاب الأدب، باب تسمية الوليد: ٤/ ١٢٨، ح: ٦٢٠٠، وكتاب الإكراه: ٤/ ٢٨٤، ح: ٦٩٤٠. كما أخرجه مسلم في ١/ ٤٦٧، ح: ٢٩٤ - ٢٩٥، كتاب المساجد، باب استحباب القنوت في جميع الصلاة إذا نزلت بالمسلمين نازلة. وأبو داود في \"سننه\" ١/ ٣٦٤، كتاب الصلاة: باب القنوت في الصلاة وابن ماجه في \"سننه\" ١/ ٢٢٦، ح: ١٢٣٥، كتاب إقامة الصلاة: باب ما جاء في القنوت في صلاة الفجر. والنسائي في \"سننه\" (المجتبى): ٢/ ٥٤٧، ح: ١٠٧٢ - ١٠٧٣، كتاب التطبيق: باب القنوت في صلاة الصبح. والإمام أحمد في \"المسند\" ٢/ ٢٣٩، ٢٥٥، ٢٧١، ٤١٨، ٥٠٢، ٥٢١.\n(٣) قرأ بذلك: نافع، وابن كثير، وعاصم، وحمزة، والكسائي، ويعقوب، وخلف، وأبو جعفر. انظر: \"السبعة\" ٦٥٨، و\"القراءات وعلل النحويين فيها\" ٢/ ٧٢٣، و\"الحجة\" ٦/ ٣٣٥، و\"المبسوط\" ٣٨٦، و\"الكشف عن وجوه القراءات السبع\" ٢/ ٣٤٤، و\"حجة القراءات\" ٧٣٠، و\"النشر\" ٢/ ٣٩٣، و\"الوافي\" ٣٧٤.\n(٤) قرأ بذلك: أبو عمرو، وابن عامر. انظر المراجع السابقة.","vol":"22","page":361},{"text":"يواطئ (١) سمعه وبصره (٢» (٣). (وهو قول مقاتل (٤)، وروي ذلك عن ابن عباس قالوا: يواطئ السمع والقلب (٥» (٦).\nقال ابن قتيبة: من قرأ: (وِطاءً) على تقدير: (فعال) فهو مصدر لِوَاطأت فلانًا على كذا مُواطأة ووِطاءً. وأراد أن القراءة في الليل يتواطأ فيها قلب المصلي (٧)، ولسانه، وسمعه، (وبصره) (٨) على التفهم والأداء، والاستماع بأكثر مما يتواطأ عليه بالنهار (٩).\n(وروى ابن سلام عن يونس: (أشد وِطاءً) قال: ملاءمة ومُوافقة، ومن ذلك قوله: ﴿لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ﴾ [التوبة: ٣٧]، أي: ليوافقوا.\nقال أبو علي: وكأن المعنى إن صلاة ناشئة الليل يواطئ السمع القلب فيها أكثر مما يواطئ (في ساعات (١٠» النهار؛ لأن البال أفرغ للانقطاع عن كثير مما يشتغل بالنهار) (١١).\n_________\n(١) غير واضحة في (ع).\n(٢) ورد قوله في \"جامع البيان\" ٢٩/ ١٣٠، وعبارته: \"قال: تُواطئ قلبك وسمعك وبصرك\"، وفي رواية أخرى عنه: \"أجدر أن تواطئ سمعك وقلبك\"، و\"النكت والعيون\" ٦/ ١٢٧ بمعناه، وانظر: \"الحجة\" ٦/ ٣٣٥.\n(٣) ما بين القوسين نقله الإمام الواحدي عن \"الحجة\" ٦/ ٣٣٥ باختصار.\n(٤) الذي ورد عنه في تفسيره: ٢١٣/ (أ) \"قال: يعني مواطأة بعضه لبعض\".\n(٥) تفسير الإمام مجاهد: ٦٧٩ بمعناه، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٣٩.\n(٦) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٧) في (أ): الإنسان، وأثبت ما جاء في نسخة (ع) لموافقته النص الحقيقي.\n(٨) ساقط من (ع).\n(٩) \"تأويل مشكل القرآن\" ٣٦٥ - ٣٦٦، بإضافة: وبصره عند الواحدي.\n(١٠) ما بين القوسين ساقط من (ع).\n(١١) ما بين القوسين نقله الواحدي عن \"الحجة\" لأبي علي: ٦/ ٣٣٥ بتصرف يسير.","vol":"22","page":362},{"text":"واختار أبو عبيدة هذه القراءة (١)، قال: لأن التفسير يصدقها، إنما هي مواطأة السمع والبصر إياه إذا قام يصلي في ظلمة الليل (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾ (٣) قال عطاء عن ابن عباس: يريد أحسن لفظًا (٤).\nوقال الكلبي: وأبين قولًا بالقرآن (٥).\nقال ابن قتيبة: أي أخلص للقول، وأسمع له؛ لأن الليل تهدأ عنه الأصوات، وتنقطع فيه الحركات، ويخلص القول، ولا يكون دون تسَمُّعِهِ وتَفَهُّمِهِ حائل (٦).\nوقال أبو عدي: أي أشد استقامة وصوابًا لفراغ البال، وانقطاع ما يشغل، وأنشد (٧) (فقال) (٨):\nله ولها وقعٌ بكلِّ قرارة ... ووقع بمستن الفضاء قويم (٩)\n_________\n(١) في (أ): بهذه الأقراء.\n(٢) لم أعثر على قوله في \"مجاز القرآن\"، ووجدت معنى قوله في \"التفسير الكبير\" ٣٠/ ١٧٦. والوطء في اللغة كلمة تدل على تمهيد شيء وتسهيله، ووطأت له المكان، والوِطاء: ما توطأت به من فرش، ووَطِئته برجلي أطؤه، والمواطأة: الموافقة على أمر يواطئه كل واحد لصاحبه. انظر: \"معجم مقاييس اللغة\" ٦/ ١٢٠ - ١٢١ (وطأ).\n(٣) قوله تعالى: ﴿وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾ غير مقروءة في (أ).\n(٤) \"التفسير الكبير\" ٣٠/ ١٧٦.\n(٥) \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٠٩، و\"فتح القدير\" ٥/ ٣١٧.\n(٦) \"تأويل مشكل القرآن\" ٣٦٦ برواية: \"فيخلص\" بدلًا من \"ويخلص\".\n(٧) لم أعثر على قائله.\n(٨) ساقطة من (ع).\n(٩) لم أعثر على مواضع وروده.","vol":"22","page":363},{"text":"أي مستقيم) (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4696>٧ </span>- قوله تعالى: ﴿إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا (٧)﴾. قال جماعة من المفسرين (٢): فراغًا طويلًا، وسعة لتصرفك، وقضاء حوائجك.\nوالمعنى: إن لك في النهار فراغًا للنوم، والتصرف في الحوائج فضل من الليل.\nهذا قول أهل التفسير. قال أبو عبيدة: ﴿سَبْحًا طَوِيلًا﴾: منقلبًا طويلًا (٣).\nوقال المبرد: تقلبًا فيما تحب، قال: وبهذا سمي السابح لتقلبه بيديه ورجليه (٤).\nوقال ابن قتيبة: أي تصرفًا، وإقبالًا، وإدبارًا في حوائجك وأشغالك (٥).\n(ونحو هذا قال الفراء (٦)، والزجاج (٧» (٨).\nقال (٩) ابن الأعرابي: معناه اضطرابًا ومعاشًا (١٠).\n_________\n(١) ما بين القوسين من قول أبي علي الفارسي في \"الحجة\" ٦/ ٣٣٥ - ٣٣٦ بنصه.\n(٢) قال بذلك: ابن عباس، وقتادة، وابن زيد، وعطاء. انظر: \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٣٢٤، و\"جامع البيان\" ٢٩/ ١٣١، و\"النكت والعيون\" ٦/ ١٢٧، و\"زاد المسير\" ٨/ ١١٥، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٤١.\n(٣) \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٧٣ نقله عنه بنصه.\n(٤) \"التفسير الكبير\" ٣٠/ ١٧٧.\n(٥) \"تأويل مشكل القرآن\" ٣٦٦ بنصه، وانظر: \"تفسير غريب القرآن\" ٤٩٤.\n(٦) \"معاني القرآن\" ٣/ ١٩٧.\n(٧) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٤٠.\n(٨) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٩) في (ع): وقال.\n(١٠) \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٢٧.","vol":"22","page":364},{"text":"وقال الليث: (فراغًا للقمر (١» (٢).\n(ومعنى ذكر هذا الفراغ، والتصرف هاهنا ما ذكرنا أنه يفرغ في النهار للنوم، والتصرف في الحوائج فيكون ليلهُ للصلاة) (٣).\n(وقال) (٤) أبو إسحاق: أي (إن) (٥) فاتك من الليل شيء، ذلك في النهار فراغ (٦) قال: وهو معنى قوله: ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ﴾.\nقال مقاتل: بالتوحيد (٧).\nقوله تعالى (٨): ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ قال ابن عباس: أخلص إليه إخلاصًا (٩)، (وهو قول مقاتل (١٠)، والكلبي (١١)، ومجاهد (١٢)،\n_________\n(١) ورد معنى قوله في \"تهذيب اللغة\"، المرجع السابق بلفظ: فراغًا للنوم.\n(٢) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٣) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٤) ساقط من (أ).\n(٥) ساقط من (ع).\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٤٠ بنصه. وإضافة إلى ما ذكره الواحدي، فـ\"السبح\" في اللغة: الفراغ. انظر مادة: (بتل) في \"الصحاح\" ١/ ٣٧٢، و\"لسان العرب\" ٢/ ٤٧٠.\n(٧) \"تفسير مقاتل\" ٢١٣/ أ.\n(٨) (قوله تعالى) ساقط من (ع).\n(٩) \"جامع البيان\" ٢٩/ ١٣٢، و\"الكشف والبيان\" جـ: ١٢: ٢٠١/ ب، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٠٩، و\"لباب التأويل\" ٤/ ٣٢٢.\n(١٠) \"تفسير مقاتل\" ٢١٣/ أ.\n(١١) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(١٢) \"تفسير الإمام مجاهد\" ٦٨٠، و\"جامع البيان\" ٢٩/ ١٣٢، و\"أحكام القرآن\" للجصاص: ٣/ ٤٦٩، و\"بحر العلوم\" ٣/ ٤١٧، و\"النكت والعيون\" ٦/ ١٢٨،=","vol":"22","page":365},{"text":"والضحاك (١».\nوقال قتادة: أخلص لله العبادة والدعوة (٢).\nوجميع المفسرين فسروا التبتل بالإخلاص (٣).\nوأصل معنى التبتل في اللغة: القطع (٤)، (وقيل لمريم: البتول؛ لأنها انقطعت إلى الله في العبادة، وصدقة بَتْلة: مُنْقطعة من مال صاحبها) (٥).\n_________\n= و\"زاد المسير\" ٨/ ١١٥، و\"الجامع لأحكام القرآن بمعناه\" ١٩/ ٤٣، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٣١٨ وعزاه أيضًا إلى الفريابي، وعبد بن حميد، وابن نصر، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في \"شعب الإيمان\" ٥/ ٣٤٣، ح: ٦٨٦٢.\n(١) \"جامع البيان\" ٢٩/ ١٣٣. وما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٢) \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٣٢٥، و\"أحكام القرآن\" للجصاص ٣/ ٣٦٩، و\"بحر العلوم بمعناه\" ٣/ ٤١٧، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٣١٨ وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن نصر، وابن المنذر.\n(٣) وقد نقل الإجماع عن المفسرين: الفخر الرازي، انظر: \"التفسير الكبير\" ٣٠/ ١٧٨، كما عزا القول بالإخلاص إلى المفسرين: اليزيدي، انظر: \"غريب القرآن\" ٣٩٦، وقال الطبري: \"بنحو الذي قلنا قال أهل التأويل\" وساق عبارات المفسرين في معنى \"التبتل\" الإخلاص. \"جامع البيان\" ٢٩/ ١٣٢. وقد تنوعت ألفاظ المفسرين في التبتل، وكلها تحمل معنى واحدًا، فمنهم من قال: الإخلاص، ومنهم من قال: الانقطاع، ومنهم من قال: بالتفرغ للعبادة، ومنهم من قال: التوكل على الله توكيلًا، وآخرون قالوا: تضرع إليه تضرعًا، وقد ذكر الإمام الواحدي ذلك. وإضافة إلى ما عزاه إلى المفسرين، انظر: \"نزهة القلوب في تفسير غريب القرآن\" ١٧٤، و\"تفسير المشكل\" لمكي بن أبي طالب: ٣٦٢، و\"النكت والعيون\" ٦/ ١٢٨، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٠٩، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٣٨٨، و\"زاد المسير\" ٨/ ١١٥، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٤٦٦.\n(٤) انظر هذا المعنى اللغوي في مادة (بتل) في \"تهذيب اللغة\" ١٤/ ٢٩١، و\"الصحاح\" ٤/ ١٦٣، و\"لسان العرب\" ١١/ ٤٢، وانظر: \"غريب الحديث\" لأبي عبيد ٢/ ١٧١.\n(٥) ما بين القوسين نقله الإمام الواحدي عن الزجاج. انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" =","vol":"22","page":366},{"text":"وقال اللبث: البتْل: تمييز الشيء من الشىِء، والبَتول: كل امرأة تنقبض [عن] (١) الرجال لا شهوة لها، ولا حاجة فيهم، ومنه التَّبتُّل: وهو ترك النكاح، والزهد فيه.\nوقال (ربيعة) (٢) بن مَقْرُوم (٣):\nلو أنها عَرَضت لأشْمَطَ راهب ... عبدَ الإلهَ صرورةً متبتِّلِ (٤» (٥)\nهذا معنى الحرف في اللغة، وأما في الآية، فقال أبو إسحاق: انقطع إليه في العبادة (٦).\nوقال الفراء: يقال للعابد إذا ترك كل شيء، وأقبل على العبادة: قد\n_________\n= ٥/ ٢٤١، وانظر: \"تهذيب اللغة\" ١٤/ ٢٩١.\n(١) في (أ)، و(ع) من، والمثبت من \"تهذيب اللغة\".\n(٢) ساقط من (أ).\n(٣) ربيعة بن مقروم بن قيس ببن جابر بن خالد بن إلياس بن مضر بن نزار، شاعر مخضرم، أدرك الجاهلية والإسلام، عاش في الإسلام زمانًا، شهد القادسية، وجلولاء، وهو من شعراء مضر المعدودين. انظر: \"الشعر والشعراء\" ١٩٨، و\"خزانة الأدب\" ٨/ ٤٣٨، و\"المفضليات\" لأبي العباس المفضل الضبي: ٣٥٥، و\"الأغاني\" ١٩/ ٩٠.\n(٤) في (أ): متعبد. وورد البيت منسوبا في \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٢٩١ مادة: (بتل)، و\"لسان العرب\" ١١/ ٤٣ مادة: (بتل)، و\"غريب الحديث\" لأبي عبيد: ٢/ ١٧١، و\"الأغاني\" ١٩/ ٩٢، وقد وجدت البيت للنابغة في \"ديوانه\" ٤١ ط المؤسسة العربية برواية \"متعبد\" بدلًا من \"متبتل\"، وكذلك نسبه أبو عبيد في \"غريب الحديث\" للنابغة أيضًا ١/ ٤٢١، ومعنى البيت: الراهب: العابد، الأشمط: الذي خالطه الشيب، الصرورة: الذي لم يتزوج. \"ديوان النابغة\" ٤١.\n(٥) ما بين القوسين نقله الإمام الواحدي عن \"تهذيب اللغة\" ١٤/ ٢٩١ مادة: (بتل).\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٤١ بنصه.","vol":"22","page":367},{"text":"تبتل، أي قطع كل شيء إلا أمر الله وطاعته (١).\nوهذا يؤدي معنى الإخلاص الذي ذكر أهل التفسير.\nوقال زيد بن أسلم: التبتل: رفض الدنيا (٢) وما فيها، والتماس (٣) ما عند الله (٤).\nوقال ابنه: (تبتل إليه): تفرغ لعبادته (٥).\nوهذا كله يرجع: (٦) إلى معنى الانقطاع إليه عما سواه.\nوقال الأخفش في قوله: ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ لم يجيء بمصدره، ومصدره (٧) التبتل (٨).\nوقال غيره (٩): جاء تبتيلًا على بَتِّلْ نفسك إليه تبتيلًا، فوقع المصدر موقع مقاربه في المعنى، ويكون التقدير: وتبتل مبتلًا نفسك إليه تبتيلًا، كما قال: ﴿أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا﴾ [نوح: ١٧]، وهذا معنى قول أبي إسحاق: تبتل محمول على معنى بَتَّل إليه تبتيلًا (١٠).\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" ٣/ ١٩٨بنصه.\n(٢) بياض في (ع).\n(٣) بياض في (ع).\n(٤) ورد قوله في \"الكشف والبيان\" جـ: ١٢: ٢٠١/ ب، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٠٩، و\"المحرر والوجيز\" ٥/ ٣٨٨، و\"التفسير الكبير\" ٣٠/ ١٣٨.\n(٥) \"جامع البيان\" ٢٩/ ١٣٣، وهو عبد الرحمن بن زيد.\n(٦) بياض في (ع).\n(٧) في (أ): مصدره.\n(٨) \"معاني القرآن\" ٢/ ٧١٧ نقله عنه بنصه.\n(٩) ممن قال بذلك: سيبويه. انظر: \"الكتاب\" ٤/ ٨١.\n(١٠) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٤١. وقوله (إليه) سقط من (أ).","vol":"22","page":368},{"text":"قوله تعالى (١): ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾.\n(الرفع (٢) في قوله: (رب المشرق) (٣) يحتمل أمرين:\nأحدهما: القطع من قوله: ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ على تقدير: هو رب المشرق، فيكون خبر ابتداء (٤) محذوف، كقوله: ﴿بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ النَّارُ﴾ [الحج: ٧٢]، وقوله: ﴿مَتَعٌ قَلِيلٌ﴾ [آل عمران: ١٩٧]، أي: فعليهم متاع قليل.\nوالثاني: أن يرفعه بالابتداء، وخبره الجملة التي: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾، والعائد إليه الضمير المنفصل، والخفض (٥) على اتباع قوله: ﴿اسْمَ رَبِّكَ﴾) (٦).\nقوله: ﴿فَأتًخِذهُ وكيلًا﴾ قال الكلبي: يقول: اتخذه يا محمد كفيلًا على ما قال لك إنه سيفعله بك (٧).\n_________\n(١) ساقطة من (ع).\n(٢) قرأ بالرفع: \"رب المشرق\" ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وحفص عن عاصم. انظر كتاب: السبعة ٦٥٨، و\"القراءات وعلل النحويين\": ٢/ ٧٢٤، و\"الحجة\" ٦/ ٣٣٦، و\"الكشف\" ٢/ ٢٤٥، و\"إتحاف فضلاء البشر\" ٤٣٦.\n(٣) ساقط من (أ).\n(٤) بياض في (ع).\n(٥) قرأ ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ﴾ بالخفض: عاصم في رواية أبي بكر، وحمزة، والكسائي، وابن عامر، ويعقوب، وخلف، ووافقهم الأعمش وابن محيصن. انظر كتاب: السبعة ٦٥٨، و\"القراءات وعلل النحويين فيها\" ٢/ ٧٢٤، و\"الكشف\" ٢/ ٢٤٥، و\"إتحاف فضلاء البشر\" ٤٣٦.\n(٦) ما بين القوسين نقله الإمام الواحدي عن \"الحجة\" لأبي علي الفارسي ٦/ ٣٣٦ بتصرف يسر.\n(٧) لم أعثر على مصدر لقوله.","vol":"22","page":369},{"text":"وهذا المعنى أراد الزجاج (١) بقوله: اتخذه كفيلًا بما وعدك (٢).\nوهو قول الفراء (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4697>١٠ </span>- ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾. لك من التكذيب والأذى.\n﴿وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا﴾ واعتزلهم اعتزالًا حسنًا، لا جزع فيه.\nقال الكلبي (٤)، ومقاتل (٥): قالوا هذا قبل أن (٦) أمر بالقتال (٧).\n_________\n(١) قوله: أراد الزجاج: بياض في (ع).\n(٢) ورد قوله في \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٤١ بنصه.\n(٣) \"معاني القرآن\" ٣/ ١٩٨.\n(٤) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ٢١٣/ ب.\n(٦) بياض في (ع).\n(٧) قال أبو جعفر النحاس في قوله: ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا (١٠)﴾: \"كان هذا قبل أن يؤمر بالقتال وقتلهم، فنسخت آية القتال ما كان قبلها من الترك\". \"الناسخ والمنسوخ\" ٢٩٢.\nوبهذا قال أيضًا هبة الله بن سلامة في \"الناسخ والمنسوخ\" ١٨٧، والخزرجي في \"نفس الصباح\" ٢/ ٧٥٨، وابن الجوزي في \"المصفى بأكف أهل الرسوخ من علم الناسخ والمنسوخ\" ٥٨، وابن البارزي في \"ناسخ القرآن العزيز ومنسوخه\" ٥٥. وقال بذلك أيضًا قتادة في \"جامع البيان\" ٢٩/ ١٣٢، والزجاج في \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٤١، والماوردي في \"النكت والعيون\" ٦/ ١٢٩، والبغوي في \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٠٩. قلت: ليس في الآية ما يدعو إلى القول بالنسخ، فالصبر على الأذى، وهجر الكفر وأهله ليس فيه ما يعارض الجهاد في سبيل الله، \"بل الهجر من باب العقوبات الشرعية، فهو من جنس الجهاد في سبيل الله، وهذا يفعل لأن تكون كلمة الله هي العليا، ويكون الدين كله لله\"، وقد ذهب أئمة إلى عدم القول بالنسخ في هذه الآية، ولهذا لم يوردوها في \"الناسخ والمنسوخ\"، نحو الزهري في كتابه: \"الناسخ والمنسوخ\"، والبغدادي أيضًا في كتابه: \"الناسخ والمنسوخ\"، =","vol":"22","page":370},{"text":"(قوله تعالى) (١): ﴿وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ﴾ قال ابن عباس: يريد دعني ومن كذبك، وهذا كقوله: ﴿فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ﴾ [القلم: ٤٤] (٢).\nقال الزجاج: العرب إذا أرادت أن تأمر إنسانًا [فإن] (٣) له هَمَّة بأمر أو خصم له تقول: دعني وذاك، ودعني وفلانًا، ليس أنه حال بينه وبين ذلك الأمر، أو ذلك الإنسان، ولكن تأويله: لا تهتم به، فإني أكفيكه (٤).\nوقوله تعالى: ﴿أُولِي النَّعْمَةِ﴾ قال ابن عباس (٥)، (ومقاتل (٦» (٧): أولي الغنى، وكثرة الأموال.\nوذكرنا تفسير النعمة فيما تقدم (٨).\n_________\n= وكذلك الطبري، وابن كثير لم يروا فيها نسخًا. انظر: \"جامع البيان\" ٢٩/ ١٣٠، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٤٦٦. ما بين علامتي التنصيص نقلًا عن \"مجموع الفتاوى\" ٢٨/ ٢٠٨.\n(١) ما بين القوسين ساقط من (ع).\n(٢) لم أعثر على مصدر لقول ابن عباس.\n(٣) فإنا هكذا وردت في كلا النسختين، وأثبت ما جاء في مصدر القول.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٤١.\n(٥) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٦) لم أعثر على مصدر لقوله، ولعله فسر الغنى في غير هذا الموطن. والله أعلم.\n(٧) ساقط من (أ).\n(٨) نحو ما جاء في سورة الدخان: ٢٧ ﴿وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ (٢٧)﴾، وقد جاء في تفسيرها \" (ونَعْمة) قال علماء اللغة: نَعْمة العيش -بفتح النون- حُسْنُهُ، وغَضَارَتُهُ، ونعمة الله: مَنُّه وعطاؤه، قال المفسرون: وعيش لين رغد كانوا متنعمين\". ونحو ما جاء في سورة الزمر: ٨ قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾، وقد جاء في تفسير ﴿إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ﴾ \"قال ابن عباس: يريد: غناه، وأنعم الله عليه بالصحة، وقال مقاتل: أعطاه الله الخير\".","vol":"22","page":371},{"text":"﴿وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا﴾ قال ابن عباس: حياتهم حتى (يأتي الوعد (١» (٢).\nوقال الكلبي: نزلت في المُطْعِمِين ببدر، وهم عشرة من قريش، قتلهم الله ببدر (٣).\nوقال مقاتل: يعني بني المغيرة، أهلكهم الله ببدر (٤).\nثم ذكر ما لهؤلاء عنده، فقال: ﴿إِنَّ لَدَيْنَا (أَنْكَالًا) (٥)﴾ (٦)\nقال المفسرون: إن عندنا في الآخرة أنكالًا، واحدها: نِكْل، وهو القيد في قول جميع المفسرين (٧)، ............\n_________\n(١) لم أعثر على مصدر قول ابن عباس.\n(٢) ما بين القوسين بياض في (ع).\n(٣) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ٢١٣/ ب، و\"زاد المسير\" ٨/ ١٦٦، وقد ورد قول مقاتل عند تفسير الآية: ﴿وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ﴾ [المزمل: ١١].\n(٥) ساقط من (ع).\n(٦) ﴿إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا وَجَحِيمًا (١٢)﴾.\n(٧) قال بذلك: ابن عباس، وعكرمة، وطاووس، ومحمد بن كعب، وعبد الله بن بريدة، وأبو مجلز، والضحاك، وقتادة، والسدي، والثوري، ومجاهد، وحماد ابن أبي سليمان، والحسن، وسليمان التيمي. انظر أقوالهم في تفسير الإمام مجاهد: ٦٨٠، و\"جامع البيان\" ٢٩/ ١٣٤ - ١٣٥، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٤٥، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٤٦٦ - ٤٦٧، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٣١٩، وانظر: \"صحيح البخاري\" ٣/ ٣١٦، كتاب التفسير: باب سورة المزمل (٧٣)، وقال بذلك ابن قتيبة في \"تفسير غريب القرآن\" ٤٩٤، وفسرها الطبري بذلك، وقال: \"وبمثل الذي قلنا قال أهل التأويل\" في \"جامع البيان\" ٢٩/ ١٣٤، وبه قال أيضًا السمرقندي في \"بحر العلوم\" ٣/ ٤١٧، والزجاج في \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٤١، والثعلبي في \"الكشف والبيان\" ١٢: ٢٠٢/ أ، والبغوي في \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٢٠، والزمخشري في \"الكشاف\" ٤/ ١٥٤، وابن الجوزي في \"زاد =","vol":"22","page":372},{"text":"(وأهل اللغة (١» (٢). وقال الكلبي: أغلالًا من حديد (٣).\nوقال أبو عمران الجوني: هي قيود لا تحل أبدًا (٤).\nوقوله تعالى: ﴿وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ﴾ لا يسوغ في الحلق، والغصة: ما يغص به الإنسان (٥).\n_________\n= المسير\" ٨/ ١١٦، والفخر الرازي في \"التفسير الكبير\" ٣٠/ ١٨١. ومن أهل الغريب قال به: اليزيدي في \"غريب القرآن\" ٣٩٧، والسجستاني في \"نزهة القلوب\" ١٠٨، ومكي بن أبي طالب في \"تفسير المشكل\" ٣٦٢، والخزرجي في \"نفس الصباح\" ٧٤١، وابن الملقن في \"تفسير غريب القرآن\" ٥٠٥، ولم أجد من خالف ما قاله الواحدي غير أنه ذكر ابن الملقن معنى مصاحبًا للقيود وهو: العقوبات والقيود من العقوبات، وعليه لا يكون هناك من خالف الإجماع،\nوالله أعلم. وأما ما ذكره الشيخ السعدي من أن ﴿أَنكاَلًا﴾ أي عذابا شديدًا في تيسير الكريم الرحمن: ٥/ ٣٢٧. قلت: قول الشيخ السعدي، وإن كان في لفظه مخالفًا، فهو موافق في معناه، عام في دلالته؛ إذ القيود من أنواع العذاب الشديد، وعليه لا يكون مخالفًا لجمهور المفسرين.\n(١) قال بذلك الزجاج في \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٤١، والأخفش، انظر: \"النكت والعيون\" ٦/ ١٣٠، وهو قول الأزهري، والجوهري، والزبيدي. انظر مادة: (نكل) في \"تهذيب اللغة\" ١٠/ ٢٤٥، و\"الصحاح\" ٥/ ١٨٣٥، و\"القاموس المحيط\" ٤/ ٦٠.\n(٢) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٣) ورد قوله من غير ذكر لفظ الحديد في كل من \"النكت والعيون\" ٦/ ١٣٠، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٤١٠، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٤٥، و\"البحر المحيط\" ٨/ ٣٦٤، و\"فتح القدير\" ٥/ ٣١٨.\n(٤) \"الدر المنثور\" ٨/ ٣١٩ بمعناه، وعزاه إلى عبد بن حميد، و\"فتح القدير\" ٥/ ٣١٨.\n(٥) قال ابن فارس: \"غص\": الغين والصاد ليس فيه إلا الغَصَص بالطعام. \"معجم مقاييس اللغة\" ٤/ ٣٨٣.","vol":"22","page":373},{"text":"وقال ابن عباس (١)، والمفسرون (٢): يعني الزقوم. وهو قول مجاهد (٣)، (ومقاتل (٤» (٥)، وعكرمة (٦).\nوقال أبو إسحاق: أي طعامهم الضريع، كما قال ﷿: ﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ (٦)﴾ [الغاشية: ٦]، وهو شوك كالعَوْسَج (٧) (٨).\nوهذا معنى قول ابن عباس [في رواية عكرمة]، قال: شوك يأخذ بالحلق لا يدخل ولا يخرج (٩).\n_________\n(١) \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٤٥، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٣١٩، وعزاه إلى الحاكم، ولم أجده في \"المستدرك\".\n(٢) قال بذلك: الثعلبي في \"الكشف والبيان\" جـ: ١٢: ٢٠٢/ ب، والبغوي في \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤١٠.\n(٣) \"جامع البيان\" ٢٩/ ١٣٥، و\"النكت والعيون\" ٦/ ١٣٠، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٣٨٩، و\"البحر المحيط\" ٨/ ٣٦٤، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٣١٩ وعزاه إلى عبد بن حميد، و\"فتح القدير\" ٥/ ٣١٨.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ٢١٣/ ب، و\"زاد المسير\" ٨/ ١١٦.\n(٥) ساقط من (أ).\n(٦) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٧) العوسج: هو شجر من شجر الشَّوك، وله ثمر أحمر مُدَوَّرٌ كأنه خرز العقيق. انظر \"لسان العرب\" ٢/ ٣٢٤ مادة: (عسج). وفي \"تهذيب اللغة\": \"العوسج: شجر كثير الشوك، وهي ضروب، منها ما يثمر ثمرًا أحمر يقال له: المُصع\". ١: ٣٣٨ مادة: (عسج).\n(٨) ورد قول أبي إسحاق في \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٤٢ بنصه.\n(٩) بياض في الحرف الأخير من الكلمة في (ع). وورد قوله في \"جامع البيان\" ٢٩/ ١٣٥، و\"النكت والعيون\" ٦/ ١٣٠، و\"زاد المسير\" ٨/ ١١٦، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٤٥، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٤٦٧، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٣١٩ وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن أبي الدنيا في صفة النار، وعبد الله بن =","vol":"22","page":374},{"text":"ثم أخبر متى يكون ذلك فقال:\n(قوله تعالى) (١): ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ﴾ قال الزجاج: (يوم) منصوب معلق بقوله: ﴿إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا وَجَحِيمًا (١٢)﴾ [المزمل: ١٢]\nأي ينكل بالكافرين ويعذبهم يوم ترجف الأرض والجبال، أي تزلزل وتحرك أغلظ حركة (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلًا﴾ قال (أبو زيد (٣)، و) (٤) الأصمعي (٥): الكثيب: القطعة من الرمل تنقاد (٦) مُحْدَوْدِبة (٧).\n_________\n= أحمد في \"زوائد الزهد\"، وابن المنذر، والبيهقي في البعث: ٣٠٥ - ٣٠٦: ح: ٥٥١، و\"المستدرك\" ٢/ ٥٠٥ - ٥٠٦، كتاب: التفسير تفسير سورة المزمل، وصححه، وضعفه الذهبي في التلخيص وقال: شبيب ضعفوه.\n(١) ما بين القوسين ساقط من (ع).\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٤٢. ولـ \"يوم\" أوجه أخرى في نصبها، فليراجع في ذلك \"التبيان في إعراب القرآن\" للعكبري: ٢/ ١٢٤٧، و\"الدر المصون\" ٦/ ٤٠٧.\n(٣) لم أعثر على مصدر لقوله، وقد ورد له معنًى يقارب ما قاله الليث، وعبارته: قال: \"كَثَب الطعام أكثبه كثبًا ونثرته نثرًا، وهما واحد\". \"تهذيب اللغة\" ١٠/ ١٨٥ مادة: (كثب).\n(٤) ساقط من (أ).\n(٥) ورد قوله في \"تهذيب اللغة\" ١٠/ ١٨٥ مادة: (كثب).\n(٦) تنقاد: قال ابن منظور: \"كل شيء من جبل أو مُسنَّاة كان مستطيلًا على وجه الأرض فهو قائد، وظهر من الأرض يقول وينقاد ويتقاود كذا وكذا ميلًا. القوداء: الطويلة، ومنه: رمل منقاد، أي: مستطيل\". \"لسان العرب\" ٣/ ٣٧١ مادة: (قود).\n(٧) مُحْدَوْدِبة: الحديث: حدور في صبب، كحدب الرِّيح والرَّمل. \"لسان العرب\" ١/ ٣٠١ مادة: (حدب). وقال ابن فارس: \"الحاء والدال والباء: أصل واحد، وهو ارتفاع الشيء، فالحَدَب ما ارتفع من الأرض\". \"معجم مقاييس اللغة\" ٢/ ٣٦ مادة: (حدب). وانظر: \"المصباح المنير\" ١/ ١٤٨ مادة: (حدب).","vol":"22","page":375},{"text":"وقال الليث: الكثيب: نثر التراب، (أو الشيء) (١) يرمي به (٢) (٣).\nوالفعل اللازم الكثيب ينكثب انكثابًا، وسمي الكثيب كثيبًا؛ لأن ترابه دقاق، كأنه مكثوب منثور بعضه على بعض لرخاوته.\nوقال أبو إسحاق: الكثيب: جمعه الكثبان، وهي القطع العظام من الرمل، ومعنى \"مهيلًا\" سائلًا قد سيّلَ، يقال: تراب مهيل، ومهيول، أي مَصْبُوبٌ مُسيّل، والأكثرون في اللغة: المهيل، وهو مثل قولك: مكيل، ومكيول، ومدين، ومديون، وذلك أن (الياء) تحذف منه الضمة، فتسكن هي و(الواو) فتحذف (الواو) لالتقاء الساكنين (٤). (ذكره الفراء (٥)، والزجاج (٦» (٧).\nقال أبو عبيدة (٨): يقال لكل شيء أرسلته إرسالًا من رمل، أو تراب، أو طعام، ونحوه: قد هِلْتُه أهيله هيلًا، إذا أرسلته مجرى، وهو طعام مهيل (٩).\nقال مقاتل في قوله: ﴿كَثِيبًا مَهِيلًا﴾ هو الرمل إذا حركته من تحته يتبع\n_________\n(١) ساقطة من (أ).\n(٢) قوله: يرمي به: بياض في (ع).\n(٣) وانظر قول الليث في \"تهذيب اللغة\" ١٠/ ١٨٥ (كثب)، و\"لسان العرب\" ١/ ٧٠٢.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٤٢ بيسير من التصرف.\n(٥) \"معاني القرآن\" ٣/ ١٩٨.\n(٦) كرر اسمه، انظر الهامش السابق رقم: ١.\n(٧) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٨) في (ع): أبو عبيد.\n(٩) \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٧٣، وقد ورد قوله مختصرًا في المجاز، وعبارته قال: \"كثيبًا مهيلًا من هِلته تهيله\".","vol":"22","page":376},{"text":"بعضه بعضًا (١).\nوقال الكلبي: هو الرمل الذي إذا أخذت منه شيئًا (٢) تبعك آخره (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4698>١٥ </span>- قوله: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ﴾ يعني أهل مكة. ﴿رَسُولًا﴾ يعني محمدًا -ﷺ- ﴿شَاهِدًا عَلَيْكُمْ﴾ بالتبليغ وإيمان من آمن وأجاب، وامتناع من امتنع وعصى.\n﴿كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا﴾ وهو موسى ﵇.\nقال مقاتل: إنما ذكر فرعون، وموسى دونَ سائر الأمم (٤) والرسل؛ لأن أهل مكة ازدرؤوا محمدًا (٥) -ﷺ-، واستخفوا (٦) به؛ لأنه ولد فيهم، كما أن فرعون ازدرأ (٧) موسى؛ لأنه رباه، وولد فيما بينهم، وهو قوله: ﴿قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا﴾ [الشعراء: ١٨]. (٨)\nقوله تعالى: ﴿فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا﴾ الوبيل: الثقيل الغليظ جدًّا، ومنه قولهم: صار هذا عليه وبالًا، أي أفضى به إلى غاية المكروه، ومن هذا قيل للمطر (٩) العظيم: وابل، وكلأ مُستوبل (١٠)، إذا أن عاقبته إلى مكروه.\n_________\n(١) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٢) قوله: (منه شيئًا بياض في (ع).\n(٣) ورد معنى قوله عند الماوردي في \"النكت والعيون\" ٦/ ١٣٠، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٤١٠، وبمعناه أيضًا في \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٤٦.\n(٤) بياض في (ع).\n(٥) قوله: (ازدرؤوا محمدًا) بياض في (ع).\n(٦) بياض في (ع).\n(٧) بياض في (ع).\n(٨) ورد قول مقاتل في \"تفسير مقاتل\" ٢١٣/ ب، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٤٧.\n(٩) بياض في (ع).\n(١٠) غير مقروء في كلا النسختين.","vol":"22","page":377},{"text":"(قاله المبرد (١)، والزجاج (٢» (٣).\nوقال أبو زيد: الوبيل: الذي لا يُسْتَمْرأ (٤)، (وماء وبيل، ووخيم: إذا كان غير مري) (٥). وقال المفسرون (٦): أخذًا وبيلًا: شديدًا، يعني: الغرق. قاله الكلبي (٧)، وقتادة (٨)، ومقاتل (٩).\nيخوف أهل مكة بالعذاب، ثم خوفهم يوم القيامة:\nقوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ﴾. (وفي الآية تقديم وتأخير (١٠)، على تقدير: فكيف تتقون يومًا يجعل (١١) الولدان شيبًا إن كفرتم، والمعنى على تقدير المضاف (١٢): أي عذاب يوم، أي: بأي شيء تتحصنون من\n_________\n(١) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٤٢، وعبارته: \"الوبيل: الثقيل الغليظ جدًّا، ومن هذا قيل للمطر الغليظ العظيم: وابل\".\n(٣) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٤) \"تهذيب اللغة\" ١٥/ ٣٨٦ مادة: (وبل)، وانظر: \"لسان العرب\" ١١/ ٧٢٠.\n(٥) ما بين القوسين من قول الأزهري، نقله عنه الواحدي من \"تهذيب اللغة\".\n(٦) بياض في (ع). ومن المفسرين الذين قالوا بذلك: ابن عباس، ومجاهد، والسدي، والثوري. انظر: \"جامع البيان\" ٢٩/ ٣٧، و\"النكت والعيون\" ٦/ ١٣٠، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٤٧، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٤٦٧، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٣٢٠. وإلى هذا القول أيضًا ذهب السمرقندي في \"بحر العلوم\" ٣/ ٣١٧، والثعلبي في \"الكشف والبيان\" ١٢/ ٢٠٣/ أ، والبغوي في \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤١٠، وابن عطية في \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٣٨٩، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٨/ ١١٧.\n(٧) \"التفسير الكبير\" ٣/ ١٨٣.\n(٨) المرجع السابق، وانظر: \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٣٢٥، و\"جامع البيان\" ٢٩/ ١٣٧، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٤٧، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٤٦٧.\n(٩) \"تفسير مقاتل\" ٢١٣ ب، و\"التفسير الكبير\" ٣/ ١٨٣، قوله: (ومقاتل) ساقط من (أ).\n(١٠) و(١١) و(١٢) بياض في (ع).","vol":"22","page":378},{"text":"عذاب ذلك اليوم) (١)\n﴿إِنْ كَفَرْتُمْ﴾ قال قتادة: والله لا يتقي من كفر بالله ذلك اليوم (٢).\nقوله تعالى: ﴿يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا﴾. وصف لهول ذلك اليوم الشديد، وهذا كما يقال: قد حدث أمر تشيب فيه النواصي، وشيب الصغير، مَثل للشدة العظيمة (٣).\nقال المفسرون (٤):\n_________\n(١) ما بين القوسين نقله الإمام الواحدي عن الزجاج بتصرف. انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٤٢. قال ابن جرير عن معنى التقديم والتأخير: \"ذكر ذلك كذلك في قراءة عبد الله بن مسعود\". \"جامع البيان\" ٢٩/ ١٢٧ وقال ابن كثير عند تفسير الآية: يحتمل أن يكون (يومًا) معمولًا لتتقون، كما حكاه ابن جرير عن قراءة ابن مسعود: فكيف تخافون أيها الناس يوم يجعل الولدان شيبًا إن كفرتم، ولم تصدقوا به. ويحتمل أن يكون معمولًا لكفرتم، فعلى الأول: كيف يحصل لكم أمان من يوم هذا الفزع العظيم، إن كفرتم، وعلى الثاني: كيف يحصل لكم تقوى إن كفرتم يوم القيامة، وجحدتموه، وكلاهما معنى حسن، ولكن الأول أولى، والله أعلم. \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٤٦٧.\n(٢) \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٣٢٥، و\"جامع البيان\" ٢٩/ ١٢٧، و\"الجامع\" للقرطبي ١٩/ ٤٨، وبمعناه في \"الدر المنثور\" ٨/ ٣٢٠ وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.\n(٣) قال ابن جرير: \"وقوله: ﴿يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا﴾ يعني يوم القيامة، وإنما تشيب الولدان من شدة هوله وكربه\". \"جامع البيان\" ٢٩/ ١٣٧. إذا شيب الولدان ليس بمثل على هوله، وإنما حقيقة حكايته هول ذلك اليوم الذي يشيب له الصغير، فهو وصف حقيقة، وليس بمثل للشدة العظيمة. والله أعلم.\n(٤) قال بذلك: ابن مسعود، وخيثمة بن عبد الرحمن، وابن عباس.\nانظر: \"جامع البيان\" ٢٩/ ١٣٧، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٣٢١ وعزاه إلى ابن المنذر، والطبراني، وابن مردويه. وقال بذلك أيضا الثعلبي في \"الكشف والبيان\" جـ: ١٢: ٢٠٣/ أ، والبغوي في \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤١٠، والقرطبي في \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٤٩، وابن كثير في \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٤٦٧.","vol":"22","page":379},{"text":"وذلك حين يقال لآدم: (قم فأبعث بعث النار) (١)\nوذكرنا ذلك عند قوله: ﴿يَوْمَ تَرَوُنَهَا﴾ (٢).\n_________\n(١) الحديث أخرجه البخاري ٤/ ١٩٦٧، ح ٦٥٣٠، في الرقاق، باب قوله ﷿: ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾، من طريق أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله -ﷺ-: \"يقول الله: يا آدم، فيقول: لبَّيْك وسعديك والخير في يديك، قال: يقول: أخرج بعث النار، قال: وما بعث النار؟ قال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين، فذلك حين يشيب الصغير، وتضع كل ذات حمل حملها، وترى الناس سكارى وما هم بسكارى، ولكن عذاب الله شديد ... \" الحديث. كما أخرجه البخاري: ٢/ ٤٥٨ ح: ٣٣٤٨ كتاب الأنبياء، باب: ٧. ومسلم ١/ ٢٠١ ح ٣٧٩، كتاب الإيمان، باب ٩٦. والترمذي في \"سننه\" ٤/ ٢٢٥٨ ح: ٢٩٤٠، كتاب الفتن: باب ٢٣، ٥/ ٣٢٢ ح: ٣١٦٨، كتاب التفسير، باب ٢٣، من طريق يعقوب بن عاصم بن عروة بن مسعود قال عبد الله بن عمرو. والنسائي في \"تفسيره\" ٢/ ٤٧٤ ح: ٦٤٩، من طريق الترمذي.\n(٢) سورة الحج: ٢: ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ (٢)﴾، وقد جاء في تفسيرها \" ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا﴾: ترون تلك الزلزلة، ﴿تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ﴾، أي: في ذلك اليوم، ﴿عَمَّا أَرْضَعَتْ﴾ تنسى وتترك كل والدة ولدها، يقال: ذهل عن كذا يذهل ذهولًا إذا تركه أو شغله عنه شاغل، قال الحسن: تذهل المرضعة عن ولدها لغير فطام، وتضع الحامل ما في بطنها لغير تمام، وهو قوله: ﴿وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا﴾ يعني من هول ذلك اليوم، وهذا يدل على أن هذه الزلزلة تكون في الدنيا؛ لأن بعد البعث لا يكون حبلى، وعند شدة الفزع تلقي المرأة جنينها، ﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى﴾ من شدة الخوف، ﴿وَمَا هُمْ بِسُكَارَى﴾ من الشراب. هذا قول جميع المفسرين. والمعنى: ترى الناس كأنهم سكارى من ذهول عقولهم لشدة ما يمر بهم يضطربون اضطراب السكران من الشراب، يدل على صحة هذا قراءة من قرأ \"وتُرى الناس\" بضم التاء، أي تظنهم، ولكن عذاب الله شديد\" دليل على أن سكرهم من خوف العذاب\". نقلت المختصر من الوسيط في تفسير القرآن العزيز: ٣/ ٢٥٧ - ٢٥٨، وما جاء فيه قد احتواه \"البسيط\" جـ: ٤: ٢/ أ - ب.","vol":"22","page":380},{"text":"ثم وصف من هول ذلك اليوم، فقال: ﴿السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾.\nأي بذلك اليوم، يعني فيه. قاله الفراء (١)، وأبو حاتم (٢)، وهذا كما قال: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ (١)﴾ ومعنى منفطر: منشق (٣)، (قال أبو عبيدة) (٤) قال أبو عمرو بن العلاء: السماء منفطر، ولم يقل: منفطرة؛ لأن مجازها مجاز السقف، تقول: هذا سماء البيت (٥).\nوقال الفراء: (السماء تؤنث وتذكر، وهي -هاهنا- في وجوه التذكير، وأنشد (٦):\nفلو رَفَع السماءُ إليه قومًا ... لَحِقْنا بالنجومِ مع السحاب (٧»\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" ٣/ ١٩٩.\n(٢) لم أعثر على مصدر لقول أبي حاتم.\n(٣) انظر مادة: (فطر) في \"تهذيب اللغة\" ١٣/ ٣٢٥، و\"الصحاح\" ٢/ ٧٨١، و\"لسان العرب\" ٥/ ٥٥، و\"تاج العروس\" ٣/ ٤٧٠.\n(٤) ساقطة من (ع).\n(٥) ورد قول أبي عبيدة في \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٧٤ بنصه، وانظر قضايا المذكر والمؤنث في مجاز القرآن. د. السيد أحمد علي: ١٥٢.\n(٦) البيت لامرأة من العرب. انظر شرح أبيات \"معاني القرآن\" ٥٧، ش: ١١١.\n(٧) ورد البيت في \"معاني القرآن\" ٣/ ١٩٩، شرح أبيات \"معاني القرآن\" المرجع السابق، و\"المذكر والمؤنث\" للفراء ١٠٢ برواية: (بالسماء) بدلًا من (بالنجوم)، و\"المذكر والمؤنث\" لابن الأنباري: ٣٦٧ رقم ٣٨٣ برواية (بالسماء) بدلًا من (بالنجوم)، و\"لسان العرب\" ٢٤/ ٣٩٨، (سما)، و\"تاج العروس\" ١٠/ ١٨٢ (سما)، و\"المذكر والمؤنث\" لأبي عبيد: ١٥٣، إعراب ثلاثين سورة من القرآن الكريم: لابن خالويه: ٩٨، المخصص: لابن سيده: ١٧/ ٢٢. وانظر أيضًا \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٣٨٩، و\"التفسير الكبير\" ٣٠/ ١٨٥، و\"الجامع لأحكام القرآن \" ١٩/ ٥٠، و\"الدر المصون\" ٦/ ٤٥٩، و\"البحر المحيط\" ٨/ ٣٦٥، و\"روح المعاني\" ٢٩/ ١١٠. موضع الشاهد: \"السماء\" زعموا أنه أراد الجمع، فذكر، =","vol":"22","page":381},{"text":"قال أبو علي الفارسي: (﴿مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾) (١) ليس البخاري على الفعل، ولكن الذي للنسب، ويجوز أن تكون السماء جميعًا، فتكون من باب (الجراد المنتشر (٢»، و(الشجر الأخضر (٣»، و(أعجاز نخل منقعر (٤» (ذكر ذلك في المسائل الحلبية (٥» (٦).\nوقوله: ﴿كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا﴾\nقال مقاتل: يقول وعده بالبعث كائن (٧) لابد (٨).\n_________\n= وهو جمع: \"سماءة\" أو \"سماوة\"، وقال قوم: هي بمنزلة \"العين\" لا علامة تأنيث بها فجاز تذكيرها. انظر شرح أبيات \"معاني القرآن\" مرجع سابق. وأيضًا من وجوه أنها لم تؤنث الصفة: أنها على النسبة أي ذات انفطار، كمرضع وحائض. انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٤٣. وهناك أوجه أخرى، انظر: \"الدر المصون\" ٦/ ٤٠٩ للاستزادة. وما بين القوسين من قول الفراء في \"معاني القرآن\" ٣/ ١٩٩ بنصه. وانظر: \"المذكر والمؤنث\" للفراء ١٠٢.\n(١) (منطوبة) في كلا النسختين.\n(٢) [القمر: ٧] ﴿يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ (٧)﴾.\n(٣) [يس: ٨٠] ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (٨٠)﴾.\n(٤) [القمر: ٢٠] ﴿تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ (٢٠)﴾.\n(٥) لم أعثر على قول الفارسي في المسائل الحلبية، ولكن وجدت نحو قوله في كتابه: \"التكملة\" ٣٥٤، قال: \"وعلى النسب تأول الخليل قول الله -﷿-: ﴿السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ كأنه قال: ذات انفطار، ولم يرد أن يُجريه على الفعل. ثم قال: وهذه التاء إذا دخلت على هذه الصفات الجارية على أفعالها لم يتغير بناؤها عما كانت عليه قبل، وذلك نحو: قائم، وقائمة، وضارب، وضاربة\". وقد ورد قول أبي علي المذكور في المتن في \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٥٠.\n(٦) ما بين قوسين ساقط من (أ).\n(٧) غير واضحة في (ع).\n(٨) \"تفسير مقاتل\" ٢١٣/ ب.","vol":"22","page":382},{"text":"قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ﴾\nقال مقاتل: يعني آيات القرآن (١). ﴿تَذْكِرَةٌ﴾ تذكير وموعظة. ﴿فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾، أي: بالطاعة والتصديق (٢).\nقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ﴾ (٣) قال ابن عباس (٤)، ومقاتل (٥): أقلّ، كقوله: ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾ (٦) [البقرة: ٦١] (٧)، وقد مَرَّ.\nقوله تعالى: ﴿وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ﴾ (عطف على قوله: (أدنى (٨» و(أدنى) في موضع نصب (٩)، والتقدير: تقوم أدنى من ثلثي الليل (١٠)، وتقوم نصفه وثلثه.\n_________\n(١) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٢) بياض في (ع).\n(٣) قوله تعالى: (أدنى من ثلثي الليل) مطموس في (ع).\n(٤) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ٢١٣/ ب.\n(٦) (بالذي هو خير) ساقط من (ع).\n(٧) قال الواحدي في تفسير \"أدنى\" البقرة: ٩٠: \"يحتمل أن تكون \"أدنى\" أفعل من الدنو، ومعناه: أتستبدلون الذي هو أقرب وأسهل متناولًا يشارككم في وجدانه كل أحد بالرفيع الجليل الذي خصكم الله، وبين الأثرة لكم به على جميع الناس\".\n(٨) بياض في (ع).\n(٩) قرأ بالنصب في \"ونصفَه وثلثَه\" عاصم، وحمزة، والكسائي، وابن كثير. انظر: \"السبعة\" ٦٥٨، و\"القراءات وعلل النحويين فيها\" ٢/ ٧٢٤، و\"الحجة\" ٦/ ٣٣٦، و\"الكشف عن وجوه القراءات السبع\" ٢/ ٣٥٤، و\"التبصرة\" ٧١٣، و\"تحبير التيسير\" ١٩٤، و\"البدور الزاهرة\" ٣٢٨.\n(١٠) قرأ بجر \"ونصفِه\" أبو عمرو، ونافع، وابن عامر. انظر المراجع السابقة.","vol":"22","page":383},{"text":"ومن قرأ بالجر (١) حمله على الحال في قوله: ﴿مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ﴾ والمعنى: أدنى من ثلثي الليل، ومن نصفه، وثلثه) (٢)، والوجه القراءة الأولى (٣).\nقال ابن عباس: يريد: وتقوم نصفه وثلثه (٤).\n(وقال أبو الحسن: الذي افترض الثلث، وأكثر من الثلث (٥)، والذين جروا كأن المعنى على قولهم: إنكم (لم) (٦) تؤدوا ما افترض عليكم، فقمتم أدنى من ثلثي الليل، ومن نصفه، ومن ثلثه، وليس المعنى على هذا) (٧).\nوقال صاحب النظم: الأقل الذي افترض عليهم: الربع، لم ينقصوا\n_________\n(١) ما بين القوسين من الحجة لأبي علي من غير عزو: ٦/ ٣٣٦ - ٣٣٧ بتصرف.\n(٢) بياض في (ع).\n(٣) قال الفراء في قراءة النصب: وهو أشبه بالصواب. \"معاني القرآن\" ٣/ ١٩٩. وقال الطبري: والصواب من القول في ذلك أنهما قراءتان معروفتان صحيحتا المعنى، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب. \"جامع البيان\" ٢٩/ ١٤٠.\n(٤) لم أعثر على مصدر لقوله؛ غير أن لابن عباس ما يعضد أثره الحديث: أن ابن عباس بات ليلة عند ميمونة أم المؤمنين -وهي خالته- قال: فاضطجعت في عرض الوسادة، واضطجع رسول الله -ﷺ- وأهلُه في طولها، فنام رسول الله -ﷺ- حتى إذا انتصف الليل، أو قبله بقليل، أو بعده بقليل، استيقظ رسول الله -ﷺ- فجلس يمسح النوم عن وجهه بيده، ثم قرأ العشر الآيات الخواتم من سورة آل عمران، ثم قام إلى شنٍّ معلقة، فتوضأ منها فأحسن وضوءه ثم قام يصلي ... \" الحديث. صحيح مسلم: ١/ ٥٢٦ - ٥٢٧ ح: ١٨٢، صلاة المسافرين: باب ٢٥. ورواه أبو داود في \"سننه\" ١/ ٣٤٤، باب في صلاة الليل.\n(٥) ومعنى قوله: الذي افترض الثلث وأكثر من الثلث تفسير لمعنى أدنى من نصفه، وأدنى من ثلثه، وهو معنى من قرأ بالنصب.\n(٦) ساقط من (أ).\n(٧) ما بين القوسين نقله الواحدي عن أبي علي الفارسي من \"الحجة\" ٦/ ٣٣٧ بتصرف.","vol":"22","page":384},{"text":"من الربع على قول من قرأ بالجر (١).\nوقوله: ﴿وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ﴾ قال ابن عباس (٢)، ومقاتل (٣): يعني أصحابه الذين آمنوا به، كانوا يقومون معه ثلثًا ونصفًا.\n﴿وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ (فيعلم مقدار ثلثه (٤)، ونصفه، وثلثيه (٥)، وسائر أجزائه ومواقيته) (٦).\nويعلم أنكم: ﴿لَنْ تُحْصُوهُ﴾ (أي لن تطيقوا معرفة حقائق ذلك، والقيام فيه) (٧).\nقال مقاتل: كان الرجل يصلي الليل كله مخافة أن لا يصيب ما أمر الله به من قيام ما فرض عليه، فقال الله تعالى (٨): ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ﴾ (٩) و(أن) مخففة من الثقيلة على تقدير: أنكم لن تحصوه (١٠). ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ فعاد عليكم بالعفو والتخفيف.\nقال ابن عباس: فعفا عنكم ما لم تحيطوا بعلمه (١١).\n_________\n(١) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٢) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ٢١٣/ ب.\n(٤) بياض في (ع).\n(٥) في (أ): وثلثه.\n(٦) و(٧) ما بين القوسين نقله الواحدي عن ابن قتيبة من \"تأويل مشكل القرآن\" ٢٦٤.\n(٨) بياض في (ع).\n(٩) ورد قوله في \"تفسير مقاتل\" ٢١٣/ ب، ٢١٤/ أ، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٤١١ مختصرًا، و\"التفسير الكبير\" ٣٠/ ١٨٦، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٥١ - ٥٢.\n(١٠) انظر: \"التبيان في إعراب القرآن\" للعكبري ٢/ ١٢٤٨، و\"البيان في غريب إعراب القرآن\" لابن الأنباري ٢/ ٤٧٢.\n(١١) لم أعثر على مصدر لقوله.","vol":"22","page":385},{"text":"وقال مقاتل: فتجاوز عنكم بالتخفيف (١).\n﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ قال ابن عباس: يريد غير النبي -ﷺ-، فسقط عن أصحاب النبي -ﷺ- قيام الليل، وصار تطوعًا، وبقي ذلك فرضًا على رسول الله (٢) (ﷺ) (٣).\nوقال مقاتل: فاقرؤوا ما تيسر عليكم في الصلاة من القرآن من غير أن يوقت شيئًا (٤).\nقال الحسن: يعني في صلاة المغرب والعشاء (٥).\nوقالت عائشة (﵂) (٦) في هذه الآية: صار قيام الليل تطوعًا بعد أن كان فرضًا (٧).\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ٢١٤/ أ.\n(٢) ورد قوله في \"التفسير الكبير\" ٣٠/ ١٨٧.\n(٣) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ٢١٤/ أ.\n(٥) \"الكشف والبيان\" ١٢/ ٢٠٣/ ب، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٤١١، و\"زاد المسير\" ٨/ ١١٨، و\"التفسير الكبير\" ٣٠/ ١٨٧، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٥٢، و\"لباب التأويل\" ٤/ ٣٢٥.\n(٦) ساقط من (أ).\n(٧) رواية عائشة ﵂ مخرجة في صحيح مسلم: ١/ ٥١٣ ح: ١٣٩ (٧٤٦)، كتاب صلاة المسافرين: باب ١٨ من حديث طويل الشاهد فيه: أنبئيني عن قيام رسول الله -ﷺ- فقالت: ألست تقرأ: يا أيها المزمل؟ قلت: بلى. قالت: فإن الله -﷿- افترض قيام الليل في أول هذه السورة، فقام نبي الله -ﷺ- وأصحابه حولًا وأمسك الله خاتمتها اثني عشر شهرًا في السماء حتى أنزل الله في آخر هذه السورة التخفيف فصار قيام الليل تطوعًا بعد فريضة\" الحديث. وأبو داود في \"سننه\" ١/ ٣٣٧، باب في صلاة الليل. والنسائي في \"سننه\" ٣/ ٢٢١ - ٢٢٢ ح: ١٦٠٠، =","vol":"22","page":386},{"text":"وروي عن الحسن (١) (والسدي (٢» (٣) في تفسير: ﴿مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ أنه مائة آية. ثم عذرهم، وذكر عذرهم، فقال: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى﴾ يعني فلا يطيقون قيام الليل. ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ (٤) يعني المسافرين للتجارة يطلبون من رزق الله، فلا يطيقون قيام الليل. ﴿وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ يعني المجاهدين لا يطيقون قيام الليل.\n﴿وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ﴾ (٥) عليكم. ﴿مِنْهُ﴾ أي من القرآن.\nوقال (عبد الله بن مسلم) (٦) بن قتيبة: رخّص لهم أن يقوموا ما أمكن وخفّ لغير مدة معلومة، ولا مقدار، وكان هذا في صدر الإسلام، ثم نسخ بالصلوات الخمس.\n_________\n= كتاب الصلاة، باب ٢. وأيضًا النسائي في \"تفسيره\" ٢/ ٤٧٠ ج: ٦٤٧ مختصرًا. والحاكم في \"المستدرك\" ٢/ ٥٠٤ مختصرًا جدًا وصححه، ووافقه الذهبي في التلخيص. والبيهقي في \"سننه\" ٢/ ٧٠٣ ح: ٤٦٣٨، كتاب الصلاة، باب ٥٩٣، و٣/ ٤٣ ح: ٤٨٠ كتاب الصلاة، باب ٦٤٣. وأحمد في \"المسند\" ٦/ ٥٣ - ٥٤.\n(١) \"جامع البيان\" ٢٩/ ١٤١، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٣٩١، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٥٢ بمعناه.\n(٢) \"جامع البيان\" ٢٩/ ١٤١، و\"الكشف والبيان\" جـ: ١٢: ٢٠٣/ ب، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٥٢، و\"فتح القدير\" ٥/ ٣٢١، وانظر: \"تفسير السدي\" ٤٦٥.\n(٣) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٤) قوله (من فضل الله) ساقط من (أ).\n(٥) قوله (وآخرون يقاتلون في سبيل الله) ساقط من (ع).\n(٦) ما بين القوسين ساقط من (أ).","vol":"22","page":387},{"text":"(كذلك قال المفسرون (١» (٢).\nوقوله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾. قال مقاتل: يعني وأتموها لوقتها، فنسخ قيام الليل عن المؤمنين، وثبت على النبي (٣) -ﷺ- خاصة (٤).\nوقال ابن عباس في قوله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ يريد هذه فريضة عليكم في محلها، وفي أوقاتها (٥).\n﴿وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾. قال ابن عباس: يريد سوى الزكاة من صلة الرحم، وقرى الضيف (٦).\nوقال مقاتل: يعني الزكاة (٧) يعطيها طيبة بها نفسه، وهو معنى قوله: (حسنًا) (٨).\n﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ﴾ قال (٩): يعني من صدقة فريضة كانت أو تطوع (١٠).\n_________\n(١) \"تأويل مشكل القرآن\" ٢٦٤ - ٢٦٥ بنصه نقله الإمام الواحدي. وقد عني بقوله: كذلك قال المفسرون: مقاتلًا؛ لأنه هو الذي قال: إن أول السورة نسختها الصلوات الخمس، وقد ذكر الرد على ذلك في موضعه فليراجع.\n(٢) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٣) في (ع): ثبت على المؤمنين خاصة. ولا يستقيم الكلام بها في هذا الموضع، فلعلها سهو من الناسخ، والله أعلم.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ٢١٤/ أ.\n(٥) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٦) \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤١٢، و\"زاد المسير\" ٨/ ١١٨، و\"لباب التأويل\" ٤/ ٣٢٥.\n(٧) بياض في (ع).\n(٨) \"تفسير مقاتل\" ٢١٤/ أ.\n(٩) يعني به مقاتلًا.\n(١٠) لم أعثر على مصدر قوله.","vol":"22","page":388},{"text":"﴿تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا﴾ قال (١): تجدوا ثوابه في الآخرة أفضل مما أعطيتم (٢).\nوقال ابن عباس: تجدوه عند الله هو خيرًا وأعظم أجرًا من الذي تؤخر إلى وصيتك عند الموت (٣).\nوقال أبو إسحاق: وما تقدموا لأنفسكم من طاعة تجدوه خيرًا عند الله لكم من متاع الدنيا (٤)، (والقول ما قال ابن عباس (٥».\nقوله تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٦)، أي: لذنوبكم، إن الله غفور الذنوب للمؤمنين، رحيم بهم. (قاله مقاتل (٧» (٨).\nوقال ابن عباس: غفور رحيم لمن لم يصر على ذنب (٩).\n_________\n(١) يعني به مقاتلًا.\n(٢) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٣) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٤٤ نقله عنه بتصرف.\n(٥) قلت: الآية عامة في كل ما يقدمه العبد من خير في الدنيا أنه أعظم أجرًا، وما يؤخره من وصية عند الموت، فهو من الخير الذي يقدمه لآخرته. قال الإمام الطبري في تفسير الآية: \"وما تقدموا أيها المؤمنون لأنفسكم من نفقة في وجوه الخير، أو عمل بطاعة الله من صلاة أو صيام أو حج أو غير ذلك من أعمال الخير في طلب ما عند الله تجدوه عند الله يوم القيامة في معادكم هو خيرًا لكم بما قدمتم في الدنيا، وثوابه أعظم من ذلك الذي قدمتموه لو لم تكونوا قدمتموه\". \"جامع البيان\" ١٩/ ١٤٢.\n(٦) قوله: (إن الله غفور رحيم) ساقط من (أ).\n(٧) \"تفسير مقاتل\" ٢١٤/ أ، و\"التفسير الكبير\" ٣٠/ ١٨٨.\n(٨) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٩) لم أعثر على مصدر لقوله.","vol":"22","page":389},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4699>سورة المدثر</span>","vol":"22","page":391},{"text":"تفسير سورة المدثر <span data-type=\"title\" id=toc-4700>(١)</span>\nبسم الله الرحمن الرحيم\n١ - أصله المُتَدَثِّر، وهو الذي يتدثر ثيابه، لينام أو ليستدفئ، يقال: تدثر بثوبه، والدِّثار: اسم لما يتدثر به، ثم أدغمت التاء في الدال، لتقارب [مخرجيهما] (٢) (٣)\nقال ابن عباس: يريد (٤) النبي -ﷺ- كان يتدثر فرقًا (٥) من جبريل (٦) -﵇- (٧).\nقال المفسرون (٨): هذا من أوائل ما نزل من القرآن، ولما بدئ رسول\n_________\n(١) مكية بقول المفسرين: انظر: \"جامع البيان\" ٢٩/ ١٤٢، و\"الكشف والبيان\" جـ: ١٢: ٢٠٤/ ب، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٤١٢.\n(٢) في (أ): مخرجيها: وغير واضحة في (ع)، ولعل الصواب ما أثبته.\n(٣) انظر: مادة: دثر في: \"تهذيب اللغة\" ١٤/ ٨٨، ولعله نقله عن الأزهري بتصرف، وانظر أيضًا: \"الصحاح\" ٢/ ٦٥٥، و\"لسان العرب\" ٤/ ٢٧٦، و\"المصباح المنير\" ١/ ٢٢٥.\n(٤) في (ع): بياض.\n(٥) فرقًا: خوفًا وفزعًا، وسبق بيان ذلك في أول سورة المزمل.\n(٦) قوله: من جبريل: بياض في (ع).\n(٧) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٨) ممن ساق هذه الرواية من المفسرين: عبد الرزاق في تفسيره: ٢/ ٣٢٧، والثعلبي، وعزاها إلى جابر بن عبد الله، و\"الكشف والبيان\" ١٢/ ٢٤/ ب، و٢٠٥/ أ. وانظر رواية جابر في: \"صحيح البخاري\" ٣/ ٣٢٨، ح ٤٩٥٤ التفسير: باب ٩٦، ومسلم: ١/ ١٤٤ ح ٢٥٧: كتاب الإيمان، باب بدء الوحي، والنسائي في =","vol":"22","page":393},{"text":"الله -ﷺ- بالوحي أتاه (١) جبريل، فرآه رسول الله -ﷺ- على سرير بين السماء والأرض (٢) كالنور المتلألئ، ففزع ووقع مغشيًّا (٣) عليه، فلما أفاق دخل على خديجة، ودعا بماء فصبه عليه، وقال: دثروني (دثروني) (٤)، فدثروه بقطيفة (٥)، فأتاه جبريل وهو متقنع (٦) بالقطيفة فقال: يا أيها المدثر، قم فأنذر كفار مكة العذاب إن لم يوحدوا ربك.\nقال ابن عباس: قم نذيرًا للبشر (٧).\n_________\n= \"المجتبى\" ٥/ ٤٢٨ ح ٣٣٢٥، وفي التفسير ٢/ ٤٧٦ ح ٦٥١، و\"مسند الإمام أحمد\" ٣/ ٣٠٦، ونص الرواية عن جابر كما جاء في الصحيح: عن يحيى بن أبي كثير، سألت أبا سلمة بن عبد الرحمن عن أول ما نزل من القرآن قال: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾، قلت: يقولون: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١)﴾. فقال أبو سلمة: سألت جابر بن عبد الله ﵄ عن ذلك، وقلت له مثل الذي قلت، فقال جابر: لا أحدثك إلا ما حدثنا رسول الله -ﷺ- قال: جاورت بحراء، فلما قضيت جواري هبطت، فنوديت، فنظرت عن يميني فلم أر شيئًا، ونظرت عن شمالي فلم أر شيئًا، ونظرت أمامي فلم أر شيئًا، ونظرت خلفي فلم أر شيئًا، فرفعت رأسي فرأيت شيئًا، فأتيت خديجة فقلت: دثروني وصُبُّوا علي ماء باردًا، قال: فدثروني وصبوا علي ماء باردًا، قال: فنزلت: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣)﴾. و\"زاد المسير\" ٨/ ١٢٠، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٣٩٢، وانظر: \"أسباب النزول\" ٣٣٠.\n(١) بياض في (ع).\n(٢) بياض في (ع).\n(٣) مغشيًّا: غشي عليه غَشية وغشيا وغشيانًا: أغمي، فهو مَغْشي عليه. \"لسان العرب\" ١٥/ ١٢٧، مادة: (غشا).\n(٤) ساقطة من: (أ).\n(٥) القطيفة: دثار مُخمل، والجمع قَطائف وقُطف.\nانظر: مادة: (قطف): \"الصحاح\" ٤/ ١٤١٧، و\"المصباح المنير\" ٢/ ٦١٥.\n(٦) متقنع: المقنع: المغطي رأسه. \"لسان العرب\" ٨/ ٣٠١، مادة: (قنع).\n(٧) \"التفسير الكبير\" ٣٠/ ١٩٠.","vol":"22","page":394},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4701>٣ </span>- قوله تعالى: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣)﴾ قال الكلبي: فعظم مما تقول له عبدة الأوثان (١).\nوقال مقاتل: وربك فعظم، فقال النبي -ﷺ-: \"الله أكبر كبيرًا\"، فكبرت خديجة (﵂) (٢)، وفرحت (٣)، وعلمت أنه أوحي (٤) إليه (٥).\nوقال أبو إسحاق: وربك فكبر، أي: صفْهُ بالتعظيم. قال: ودخلت الفاء على معنى جواب [الجزاء] (٦)، كما دخلت في (فأنذر)، والمعنى: قم فكبر ربك (٧)، وكذلك ما بعده على هذا التأويل.\nوقال أبو الفتح (الموصلي) (٨): يقال: زيدًا فاضرب، وعمرًا فاشكر، [وبمحمد امرر] (٩)، وتقديره: زيدًا اضرب، وعمرًا اشكر، وبمحمد فامرر، وعلى هذا قوله (١٠): ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ [المدثر:٣ - ٥] ﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ [المدثر: ٧] على تقدير حذف \"الفاء\" من كلها (١١). فعنده أن \"الفاء\" زائدة.\n_________\n(١) المرجع السابق.\n(٢) ساقط من: (ع).\n(٣) في (ع): خديجة، وهي زيادة في الكلام.\n(٤) في (ع): الوحي.\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ٢١٤/ ب برواية خرجت بدلًا من فرحت، و\"التفسير الكبير\" ٣٠/ ١٩.\n(٦) الخبر في كلا النسختين، والمثبت من \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٤٥.\n(٧) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٤٥ بتصرف.\n(٨) ما بين القوسين ساقط من: (أ).\n(٩) وبمحمد فامرر. هكذا وردت في النسختين، وأثبت ما جاء في \"سر صناعة الإعراب\" لصوابه: ١/ ٢٦٠.\n(١٠) في (أ): قولك.\n(١١) \"سر صناعة الإعراب\" ١/ ٢٦٠ نقله عنه الإمام الواحدي بتصرف يسير.","vol":"22","page":395},{"text":"قوله: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ اختلف المفسرون في معناه، فروى عطاء عن ابن عباس قال: يعني من الإثم (١)، ومما كانت الجاهلية تجيزه. وهذا قول قتادة (٢)، ومجاهد (٣)، قالا: نفسك فطهر من الذنب.\n(ونحو هذا قال الشعبي (٤)، وإبراهيم (٥)، والضحاك (٦)، والزهري (٧» (٨).\nوعلى هذا القول: الثياب عبارة عن النفس: (والعرب تكني بالثياب عن النفس، ومنه قول الشماخ) (٩):\nرموها بأثواب خفاف فلا ... ترى لها شبهًا إلا النعام المنفرا (١٠)\n_________\n(١) \"جامع البيان\" ٢٩/ ١٢٥، و\"النكت والعيون\" ٦/ ٣٦، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٤٧٠، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٩/ ٦٢، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٣٢٦، وعزا تخريجه إلى: عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.\nوانظر: \"المستدرك\" ٢/ ٥٠٦: كتاب التفسير: تفسير سورة المدثر، وصححه، ووافقه الذهبي.\n(٢) تفسير عبد الرزاق: ٢/ ٣٢٧، و\"معالم التزيل\" ٤/ ٤١٣، و\"زاد المسير\" ٨/ ١٢٠، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٣٢٦ وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.\n(٣) \"النكت والعيون\" ٦/ ١٣٦، و\"زاد المسير\" ٨/ ١٢٠، و\"معالم التزيل\" ٤/ ٤١٣.\n(٤) \"الكشف والبيان\" ١٢: ٢٠٥/ ب، بنحوه، و\"معالم التزيل\" ٤/ ٤١٣.\n(٥) المرجعان السابقان، وانظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص ٣/ ٤٧٠.\n(٦) \"الكشف والبيان\" ١٢/ ٢٠٥/ ب، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٤١٣.\n(٧) المرجعان السابقان\n(٨) ما بين القوسين ساقط من: (أ).\n(٩) ساقط من: أ، وذكر بدلًا من ذلك \"قال\"، والصواب ما جاء في نسخة: ع.\n(١٠) ورد البيت منسوبًا للشماخ -ولم أجده في ديوانه- في مادة: (ثوب) في: \"تهذيب اللغة\" ١٥/ ١٥٤، و\"لسان العرب\" ١/ ٢٤٦ ونسبه إلى امرئ القيس، ولم أجده في ديوانه، ونسب إلى ليلى الأخيلية وهو في ديوانها: ٧٠، وفي: \"تأويل مشكل =","vol":"22","page":396},{"text":"يعي الركاب بأبدانهم) (١).\n(وقال عنترة:\nفَشَكَكْتُ بالرُّمْحِ الأصَمِّ ثِيَابَهُ (٢)\nيعني: نفسه، يدل عليه قوله في باقي البيت:\nلَيْسَ الكريمُ على القنا بِمُحَرَّمِ\n_________\n= القرآن\" ١٤٢، و\"المعاني الكبير\" ١/ ٤٨٦، و\"سمط اللآلي\" ٢/ ٩٢٢، و\"زاد المسير\" ٨/ ١٢٠، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٦٢، و\"البحر المحيط\" ٨/ ٣٧١، و\"روح المعاني\" ٢٩/ ١١٧. ورواية كتب اللغة: (ولا ترى) بدلًا من (فلا ترى).\nمعنى البيت: عنت بالأثواب هنا الأبدان. ورموها: تعني الركاب بأبدانهم، وهي هنا تصف إبلًا. انظر: ديوانها: ٧٠.\n(١) ما بين القوسين نقله الإمام الواحدي عن الأزهري، انظر: \"تهذيب اللغة\" ١٥/ ١٥٤، مادة: (ثوب)، وانظر أيضًا \"لسان العرب\"، و\"تاج العروس\". مرجعان سابقان.\n(٢) ورد البيت في: ديوان عنترة: ٢١٠ تح: محمد سعيد مولوي برواية: كَمَّشت بالرمح الطويل ثيابه، وهو في شرح المعلقات السبع: للزوزني: ١٢٤، و\"أشعار الشعراء الستة الجاهليين\" ٢/ ١٢٥، و\"الكشف والبيان\" ١٢: ٢٠٥/ ب، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٩/ ٦٢. برواية: الطويل ثيابه، بدلا من الأصم ثيابه، و\"روح المعاني\" ٢٩/ ١١٧، و\"المدخل لعلم تفسير كتاب الله تعالى\" للسمرقندي: ٢٢٤ رقم ٢١٠. ومعنى البيت: الشك: الانتظام، الأصم: الصلب، يقول: فانتظمت برمحي الصلب ثيابه، أي طعنته طعنة أنفذت الرمح في جسمه وثيابه كلها. ثم قال: ليس الكريم محرمًا على الرماح، يريد أن الرماح مولعة بالكرام لحرصهم على الإقدام، وقيل: بل معناه أن كرهه لا يخلصه من القتل المقدر له. \"شرح المعلقات السبع\" ١٤٩.","vol":"22","page":397},{"text":"(وقال (١) (في رواية الكلبي) (٢) يعني: لا تغدر فتكون غادرًا (٣) دنس الثياب (٤).\nقال سعيد بن جبير: كان الرجل إذا كان غادرًا قيل: دنس الثياب، وإنه لخبيث الثياب (٥) (٦).\nوقال عكرمة: لا تلبس ثوبك على معصية (٧) ولا على غدرة، ولا على فجرة (٨)، وروي ذلك عن ابن عباس (٩)، قال (١٠): واحتج بقول\n_________\n(١) لعله أراد بقوله: \"قال\" أي الثعلبي على أنه لم ترد رواية الكلبي عنده في \"الكشف والبيان\"، أو لعله عني بقوله: \"قال\" الفراء، فقد وردت بنحو من هذه الرواية عنده من غير عزو في: \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٠٠.\n(٢) ما بين القوسين ساقط من: (أ).\n(٣) بياض في (ع).\n(٤) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٥) بياض في (ع).\n(٦) ورد قوله في \"الدر المنثور\" ٨/ ٣٢٦ بعبارة أوجز، وعزا تخريجه إلى ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وانظر: تفسير سعيد بن جبير: ٣٦٠.\n(٧) قوله: ثوبك على معصية: بياض في (ع).\n(٨) ورد قوله في: \"جامع البيان\" ٢٩/ ١٤٥، و\"أحكام القرآن\" للجصاص ٣/ ٤٧٠ بمعناه.\n(٩) \"جامع البيان\" ٢٩/ ١٤٤ - ١٤٥، و\"الكشف والبيان\" ١٢/ ٢٠٥/ ب، و\"النكت والعيون\" ٦/ ١٣٦، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٤١٣، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٣٩٣، ولم يذكر بيت الشعر، و\"زاد المسير\" ٨/ ١٢٠، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٦٢، و\"لباب التأويل\" ٤/ ٣٢٧. \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٤٧٠، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٣٢٦. وعزا تخريجه إلى سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن الأنباري، وابن مردويه.\n(١٠) أي الأزهري في التهذيب: ١٥/ ١٥٤، مادة: (ثوب)؛ لأن رواية ابن عباس بهذا النص وردت في التهذيب.","vol":"22","page":398},{"text":"الشاعر (١):\nفإني بِحَمْدِ الله لا ثوبَ فاجرٍ (٢) ... لَبِسْتُ ولا من خَزْيةٍ أتَقَنَّعُ (٣)\nوهذا المعنى أراد من قال في هذه الآية (٤): وعملك فأصلح، (وهو قول أبي (٥) رزين (٦)، ورواية منصور عن مجاهد (٧)، وأبي روق (٨» (٩).\n_________\n(١) الشاعر هو: غيلان بن سلمة الثقفي.\n(٢) في (ع): غادر.\n(٣) ورد البيت منسوبًا إليه في: \"المدخل\" لعلم تفسير كتاب الله تعالى: ٢٢٤ رقم ٢٠٩، و\"جامع البيان\": ٢٩/ ١٤٥ برواية (إني)، و\"الكشف والبيان\" ١٢: ٢٥٥/ ب، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٣٩٢، و\"زاد المسير\" ٨/ ١٢١، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٦٢، و\"البحر المحيط\" ٨/ ٢٧١، برواية (إني)، و\"غادر\" بدلًا من \"فاجر\"، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٤٧٠، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٣٢٦، و\"روح المعاني\" ٢٩/ ١١٧ \"فإني\"، وورد غير منسوب في مادة (ثوب): انظر: \"تهذيب اللغة\" ١٥/ ١٥٤، و\"لسان العرب\" ١/ ٢٤٥، و\"تاج العروس\" ١/ ١٧٠، وكلها برواية \"إني\" و\"غادر\" بدلًا من فاجر، و\"تفسير غريب القرآن\" ٤٩٥ برواية \"إني\" و\"غادر\"، و\"النكت والعيون\" ٦/ ١٣٦، و\"فتح القدير\" ٥/ ٣٢٤.\n(٤) بياض في (ع).\n(٥) في (ع): ابن، والصواب ما أثبته.\n(٦) ورد قوله في: \"جامع البيان\" ٢٩/ ١٤٦، و\"أحكام القرآن\" للجصاص: ٣/ ٤٧٠، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٦١، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٤٧٠، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٣٢٦، وعزا تخريجه إلى ابن أبي شيبة، وعبد ابن حميد، وابن المنذر.\n(٧) \"جامع البيان\" ٢٩/ ١٤٦، و\"الكشف والبيان\" ١٢/ ٢٠٥/ ب، و\"النكت والعيون\" ٦/ ١٣٦، و\"الجامع لأحكام القرآن\": ١٩/ ٦١، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٣٢٦ وعزاه إلى سعيد بن منصور، وعبد بن حميد.\n(٨) ورد قوله في: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤١٣، برواية أبي روق عن الضحاك.\n(٩) ما بين القوسين ساقط من: (أ).","vol":"22","page":399},{"text":"وقال السدي: يقال للرجل إذا كان (١) صالحًا: إنه (٢) لطاهر الثياب، وإذا كان فاجرًا: إنه لخبيث الثياب (٣)\nقال الشاعر (٤):\nلاهُمَّ إنّ عامِرَ بنَ جَهْمَ ... أوْذَمَ حَجًّا في ثِيابٍ دُسْمِ (٥)\nيعني أنه متدنس بالخطايا.\nو(٦) كما وصفوا الغادر الفاجر بدنس الثوب، وصفوا الصالح بطهارة الثوب (٧). قال امرؤ (٨) القيس:\nثياب بني عوف طهارى نقية (٩)\n_________\n(١) بياض في: أ.\n(٢) بياض في: أ.\n(٣) \"الكشف والبيان\" ج: ١٢: ٢٠٥/ ب، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٤١٣، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٩/ ٦١، و\"البحر المحيط\" ٨/ ٣٧١.\n(٤) لم أعثر على قائله.\n(٥) ورد غير منسوب في مادة: (ذم): \"الصحاح\" ٥/ ٢٠٥٠، و\"لسان العرب\" ١٢/ ١٩٩، و(دسم): ١٢/ ٦٣٢، و(ثوب) في \"تاج العروس\" ١/ ١٧٠، و\"غريب الحديث\" لأبي عبيد: ٢/ ٢٥٤، و\"تأويل مشكل القرآن\" ١٤٢، كتاب \"المعاني الكبير\" ١/ ٤٨٠، و\"الكشف والبيان\" ج: ١٢: ٢٠٥/ ب، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٣٩٢، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٦١، و\"البحر المحيط\" ٨/ ٣٧١.\nومعنى البيت: أي أنه حج وهو متدنس بالذنوب، وأوذم الحج: أوجبه. وتدسيم الشيء: جعل الدسم عليه. وثياب دُسْم: وسخة. \"لسان العرب\" مادة: (دسم).\n(٦) في (أ): أو.\n(٧) بياض في (ع).\n(٨) في (أ): امرئ.\n(٩) شطره الثاني: وأوْجهُهُمْ عندَ المشاهد غُزَّان.\nانظر: ديوانه: ١٦٩، دار صادر. وورد البيت في مادة: (ثوب) انظر: \"تهذيب =","vol":"22","page":400},{"text":"يريدون لا يغدرون بل يوفون) (١).\nوقال الحسن: وخلقك فحسنه (٢)، وهذا قول القرظي (٣).\nوعلى هذا: الثياب عبارة عن الخلق؛ لأنه خلق الإنسان يشتمل على أحواله اشتمال (٤) الثياب على نفسه.\n(وروي (٥) عن) (٦) ابن عباس في هذه الآية: لا تكن ثيابك التي تلبس من تكسب غير طيب (٧) (٨).\n_________\n= اللغة\" ١٥/ ١٥٤، و\"لسان العرب\" ١/ ٢٤٦، و\"تاج العروس\" ١/ ١٧٠ برواية \"بيض المشافر\"، و\"الكشف والبيان\" ج: ١٢: ٢٠٥/ ب، و\"النكت والعيون\" ٦/ ١٣٧ برواية \"عند المشاهد غران\"، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٩١/ ٦٣٠، و\"البحر المحيط\" ٨/ ٣٧١، وسائر المراجع \"عند المسافر\".\nومعنى البيت: الثياب: هنا القلوب. غران: الواحد الأغر الأبيض، ومعناه أن ثياب بني عوف طاهرة، وهنا الشاعر يمدح عويمر بن شجنة من بني تميم، ويمدح بني عوف رهطه. ديوانه. المرجع السابق.\n(١) ما بين القوسين لعله نقله عن الثعلبي باختصار. \"الكشف والبيان\" ١٢/ ٢٠٥ ب.\n(٢) \"الكشف والبيان\" ١٢: ٢٠٦/ أ، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٤١٣، و\"زاد المسير\" ٨/ ١٢١، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٦٣، و\"البحر المحيط\" ٨/ ٣٧١، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٤٧٠.\n(٣) المراجع السابقة.\n(٤) بياض في حرفه الأخير.\n(٥) بياض في (ع).\n(٦) ما بين القوسين ساقط في: أ.\n(٧) في (ع): طابات.\n(٨) ورد قوله في: \"جامع البيان\" ٢٩/ ١٤٦، و\"الكشف والبيان\" ج: ١٢: ٢٠٦/ أ، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٣٩٣، و\"زاد المسير\" ٨/ ١٢١، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٦٤، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٤٧٠.","vol":"22","page":401},{"text":"والمعنى: طهرها من أن تكون مغصوبة، أو من وجه لا يحل (١) اتخاذها من ذلك الوجه.\nوروي عن سعيد بن جبير: وقلبك ونيتك فطهر (٢).\n(قال أبو العباس: الثياب: اللباس، ويقال: القلب (٣). وعلى هذا ينشد (٤):\nفَسُلِّي ثيابي مِن ثِيابِكِ تَنْسُلِ (٥» (٦)\nوذهب بعضهم في تفسير هذه الآية إلى ظاهرها، وقال: إنه أمر بتطهير ثيابه من النجاسات التي لا تجوز معها الصلاة، (وهو قول ابن سيرين (٧)،\n_________\n(١) غير مقروء في (ع).\n(٢) \"الكشف والبيان\" ج: ١٢: ٢٠٥/ ب، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٤١٣، و\"زاد المسير\" ٨/ ١٢١، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٤٧٠، وانظر: تفسير سعيد بن جبير: ٣٦٠.\n(٣) ورد قوله في \"تهذيب اللغة\" ١٥/ ١٥٤ مادة: (ثوب).\n(٤) لامرئ القيس.\n(٥) وصدر البيت: وإن تَكُ سَاءَتْكِ مني خَلِيقَةٌ\nوقد ورد البيت في: ديوانه: ٣٧ ط دار صادر، شرح المعلقات السبع: للزوزني: ١٩، وانظر مادة: (ثوب) في: \"تهذيب اللغة\" ١/ ١٥٤، و\"لسان العرب\" ١/ ٢٤٦، و\"تاج العروس\" ١/ ١٧٠، و\"النكت والعيون\" ٦/ ١٣٦، و\"المدخل\" ٢٢٥ رقم: ٢١٣، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٦٢.\nومعنى البيت: أراد الشاعر بالثياب: القلب، فالمعنى على هذا القول: إن ساءك خلق من أخلاقي، وكرهت خصلة من خصالي، فردي علي قلبي أفارقك، أي استخرجي قلبي من قلبك يفارقه. ديوانه: المرجع السابق.\n(٦) ما بين القوسين نقله الواحدي عن الأزهري من \"تهذيب اللغة\" ١٥/ ١٥٤ (ثوب).\n(٧) ورد قوله في: \"جامع البيان\" ٢٩/ ١٤٦، و\"الكشف والبيان\" ج: ١٢: ٢٠٦/ أ، و\"النكت والعيون\" ٦/ ١٣٦، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٤١٣، و\"زاد المسير\" ٨/ ١٢١، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٦٤.","vol":"22","page":402},{"text":"وابن زيد (١» (٢).\nوذكر أبو إسحاق: وثيابك فقصر، قال: لأن تقصير الثوب أبعَدُ مِنَ النجاسة، فإنه إذا انجرّ على الأرض لم يؤمَن أن يُصيبَه ما ينجسه (٣)، وهذا قول طاوس) (٤).\n(وأخبرنا أبو الحسين الفسوي أن حمد بن محمد) (٥) أخبرني بعض أصحابنا (٦) عن (إبراهيم بن) محمد بن عرفة (النحوي) (٧) قال: معناه نساءك طهرهن (٨).\nوقد يكنى عن النساء بالثياب واللباس، قال الله ﷿: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧] (٩» (١٠).\nويكنى عنهن بالإزار (١١)، ومنه قول الشاعر (١٢):\n_________\n(١) \"جامع البيان\" ٢٩/ ١٤٧، و\"الكشف والبيان\" ١٢: ٢٠٦/ ب بمعناه، و\"النكت والعيون\" ٦/ ١٣٦، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٤١٣، و\"زاد المسير\" ٨/ ١٢١، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٦٤.\n(٢) ما بين القوسين ساقط من: (أ).\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٤٥ بيسير من التصرف.\n(٤) ما بين القوسين ساقط من: (أ).\n(٥) ما بين القوسين ساقط من: (أ).\n(٦) لم أعرف من هو.\n(٧) ما بين القوسين ساقط من: (أ).\n(٨) ورد قوله في \"التفسير الكبير\" ٣٠/ ١٩٣.\n(٩) ما بين القوسين بياض في (ع).\n(١٠) انظر هذا القول في \"الإيضاح\" ١/ ١٨٣، و\"الكشف والبيان\" ١٢: ٢٠٦/ أ.\n(١١) المرجعان السابقان.\n(١٢) لأبي المنهال نفيلة الأكبر الأشجعي، كما نص عليه صاحبا التهذيب واللسان.","vol":"22","page":403},{"text":"ألا أبلغ أبا حفص رسولًا فدى (١) ... لك من أخي ثقة إزاري (٢)\nأي أهلي، ومنه قول البراء بن معرور (٣) للنبي -ﷺ- ليلة العقبة (٤): \"لنَمْنَعَنَّكَ مما نمنع منه (٥) أُزُرَنا\" أي نساءنا (٦).\nقوله: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ قال جماعة المفسرين (٧): يريد عبادة الأصنام\n_________\n(١) في (أ): فدا.\n(٢) ورد البيت في: \"تهذيب اللغة\" ٨/ ٣٦٩: مادة (قصل)، و\"لسان العرب\" ٤/ ١٧ مادة: (أزر)، و\"الإيضاح\" لأبي على ١/ ١٨٤، و\"المدخل\" ٢٢٥ رقم ٢١٥.\n(٣) البراء بن مَعْرُور بن صخر بن خنساء بن سنان الخزرجي الأنصاري السلمي، أبو بشر، أمه الرباب بنت النعمان بن امرئ القيس، وهو أول من استقبل الكعبة للصلاة، وأول من أوصى بثلث ماله، وأول من بايع البيعة الأولى. مات قبل الهجرة، وصلى النبي -ﷺ- على قبره وكبر أربعًا. انظر: \"الاستيعاب\" ١/ ١٥١: ت: ١٧٠، و\"الإصابة\" ١/ ١٤٩: ت: ٦١٩، سيرة النبي -ﷺ- لابن هشام ٢/ ٤٧ وما بعدها، و\"المعجم الكبير\" للطبراني ٢/ ٢٨: ت: ١٠٢.\n(٤) بيعة العقبة: هي البيعة الثانية الكبرى التي اجتمع فيها ثلاثة وسبعون رجلًا من الأنصار، وامرأتان، في شعب العقبة، فبايعهم رسول الله -ﷺ- وقال: \"تبايعوني على السمع والطاعة في النشاط والكسل، والنفقة في العسر واليسر، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن تقولوا في الله لا تخافوا في الله لومة لائم، وعلى أن تنصروني فتمنعوني إذا قدمت عليكم مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم، ولكم الجنة\". فقاموا إليه وبايعوه على ذلك. انظر: قصة البيعة في سيرة النبي -ﷺ-: لابن هشام: ٢/ ٤٧ وما بعدها، و\"السيرة النبوية\" لابن كثير: تح مصطفى عبد الواحد ٢/ ١٩٢، و\"البداية والنهاية\" لابن كثير ٣/ ١٥٦.\n(٥) قوله: مما نمنع منه: غير واضح في (ع).\n(٦) \"سيرة النبي\" لابن هشام ٢/ ٥٠، و\"السيرة النبوية\" لابن كثير ٢/ ١٩٨.\n(٧) في (أ): قال المفسرون بغير ذكر: جماعة.","vol":"22","page":404},{"text":"والأوثان. (وهو قول ابن عباس (١)، وجابر (٢)، ومجاهد (٣)، وعكرمة (٤)، وقتادة (٥)، والزهري (٦)، وابن زيد (٧» (٨).\nقال قتادة (٩)، ومقاتل (١٠): يعني أساف، ونائلة؛ صنمان عند البيت يمسح وجوههما من مر بهما من المشركين، أمر الله نبيه -ﷺ- أن يجتنبهما.\n(وروى السدي عن أبي مالك قال: الشيطان والأوثان (١١» (١٢).\n_________\n(١) \"جامع البيان\" ٢٩/ ١٤٧ بمعناه، و\"الكشف والبيان\" ١٢: ٢٠٦/ أبمعناه، و\"النكت والعيون\" ٦/ ١٣٧، و\"زاد المسير\" ٨/: ١٢٢، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٦٥، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٤٧٠.\n(٢) \"النكت والعيون\" ٦/ ١٣٧، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٣٩٣، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٣٢٧ وعزا تخريجه إلى ابن مردويه، والحاكم، ولم أجده عند الحاكم، بل وجدته في \"البخاري\" ٣/ ٣١٧: ح: ٤٩٢٧: كتاب التفسير: باب ٤: وثيابك فطهر.\n(٣) \"جامع البيان\" ٢٩/ ١٤٧، و\"الكشف والبيان\" ج: ١٢: ٢٠٦/ أبمعناه، و\"معالم التنزيل\" ٤/: ٤١٣، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٣٩٣، و\"زاد المسير\" ٨/ ١٢٢، و\"الجامع\" للقرطبي ١٩/ ٦٥، و\"البحر المحيط\" ٨/ ٣٧١، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٤٧٠.\n(٤) \"الكشف والبيان\" ١٢: ٢٠٦/ أ، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٤١٣، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٣٩٣، و\"زاد المسير\" ٨/ ١٢٢، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٦٥، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٤٧٠، و\"فتح القدير\" ٥/ ٣٢٤.\n(٥) المراجع السابقة، وانظر أيضًا: \"جامع البيان\" ٢٩/ ١٤٧.\n(٦) المراجع السابقة عدا \"جامع البيان\"، وانظر: تفسير عبد الرزاق: ٢/ ٣٢٨.\n(٧) المراجع السابقة عدا تفسير عبد الرزاق.\n(٨) ما بين القوسين ساقط من: (أ).\n(٩) \"جامع البيان\" ٢٩/ ١٤٧، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٦٥، وانظر: \"الحجة\" للفارسي: ٦/ ٣٣٨.\n(١٠) \"تفسير مقاتل\" ٢١٤/ ب.\n(١١) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(١٢) ما بين القوسين ساقط من: (أ).","vol":"22","page":405},{"text":"وقال (١) الكلبي: يقول: المأثم فاترك، ولا تقربه (٢).\n\"والرجز\" معناه في اللغة: العذاب (٣)، ذكرنا ذلك في قوله: ﴿لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ﴾ [الأعراف: ١٣٤]، وغيره من الآيات (٤).\n(ويكون التقدير: وذا الرجز فاهجر، أي ذا العذاب، يعني: ما يؤدي إلى العذاب) (٥) من الإثم، (والشيطان) (٦)، والأوثان، (والشرك، وهو قول الضحاك (٧» (٨).\n_________\n(١) في (ع): قال.\n(٢) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٣) انظر مادة (رجز) في: \"تهذيب اللغة\" ١٠/ ٦١٠، معجم \"مقاييس اللغة\" لابن فارس: ٢/ ٤٨٩، و\"لسان العرب\" ٥/ ٣٤٩، و\"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٤٥.\n(٤) سورة البقرة: ٥٩: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (٥٩)﴾.\n\"قال أهل اللغة: وأصل الرجز في اللغة: تتابع الحركات، ومن ذلك قولهم: \"ناقة رجزاء\" إذا كانت قوائمها ترتعد عند قيامها، ومن هذا: رجز الشعر؛ لأنه أقصر أبيات الشعر، فالانتقال من بيت إلى بيت سريع، أو لأن الرجز في الشعر متحرك، وساكن، ثم متحرك وساكن في كل أجزائه، فهو كالرعدة في رحل الناقة تتحرك ثم تسكن وتستمر على ذلك، فحقيقة معنى الرجز: أنه العذاب المقلقل لشدته قلقلة شديدة متتابعة.\nومن الآيات التي ورد فيها لفظ \"الرجز\" قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ (١٣٥)﴾ [الأعراف: ١٣٥].\nوقوله تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ﴾ [الأنفال: ١١].\n(٥) ما بين القوسين نقله الواحدي بتصرف عن أبي علي. انظر: \"الحجة\" ٦/ ٣٣٨.\n(٦) ساقط من: (أ).\n(٧) \"الكشف والبيان\" ١٢/ ٢٠٦/ ب، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٤١٣، و\"زاد المسير\" ٨/ ١٢٢.\n(٨) ما بين القوسين ساقط من: أ.","vol":"22","page":406},{"text":"ومن جعل الرجز -هاهنا- نفس العذاب لم يحتج إلى تقدير المضاف، وهو قول الفراء، قال: فسر الكلبي الرجز: العذاب (١).\nوقرئ بضم الراء، وهما لغتان (٢)، والمعنى فيهما واحدة مثل الذَّكر والذكر. قاله الفراء (٣)، والزجاج (٤)، وأبو علي (٥).\nقوله: ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ قال ابن عباس: لا تعطى الناس شيئًا من مالك لتأخذ أكثر منه (٦).\nوهذا قول مقاتل، ومجاهد (٧)، (وإبراهيم) (٨)، وقتادة (٩)،\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٠١.\n(٢) أي قراءة الكسر، وكذا الضم، وقرأ عاصم في رواية حفص: والرُّجز بضم الراء، والمفضل مثله. وقرأ الباقون، وأبو بكر عن عاصم: \"والرِّجز\" بكسر الراء.\nانظر: \"السبعة\" ٦٥٩، و\"الحجة\" ٦/ ٣٣٨، كتاب \"التبصرة\" ٧١٢، و\"الوافي\" ٣٧٤.\n(٣) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٠٠ - ٢٠١.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٤٥.\n(٥) \"الحجة للقراء السبعة\" ٦/ ٣٣٨.\n(٦) \"تفسير مقاتل\" ٢١٤/ ب، و\"جامع البيان\" ٢٩/ ١٤٨ بمعناه، و\"النكت والعيون\" ٦/ ١٣٨، و\"زاد المسير\" ٨/ ١٢٢، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٦٦، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٤٧٠، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٣٢٧ وعزا تخريجه إلى الطبراني، وهو في \"المعجم الكبير\" ١٢/ ١٢٨: ح ١٢٦٧٢.\nقال الهيثمي: رجال المسند رجال الصحيح، وفي إسناد الطبراني عطية العوفي، وهو ضعيف. انظر: \"مجمع الزوائد\" ٧/ ١٣١.\n(٧) \"جامع البيان\" ٢٩/ ١٤٩، و\"بحر العلوم\" ٣/ ٤٢١، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٤٧٠.\n(٨) المراجع السابقة عدا \"بحر العلوم\". وكلمة (إبراهيم) ساقطة من: (أ).\n(٩) \"النكت والعيون\" ٦/ ١٣٨، و\"زاد المسير\" ٨/ ١٢٢، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٦٦، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٤٧٠، و\"فتح القدير\" ٥/ ٣٢٥.","vol":"22","page":407},{"text":"(وطاوس (١)، وابن أبي بزهَ (٢)، والضحاك (٣» (٤) قالوا: لا تعط مالك مصانعة رجاء أفضل منه في الدنيا، لتعطي أكثر منه.\nومعنى: \"لا تمنن\": لا تعطِ، كقوله: ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ﴾ [ص: ٣٩]، و\"تستكثرُ\" بالرفع حال [متوقعة] (٥) أي: لا تعط شيئًا مقدرًا أن تأخذ بدله ما هو أكثر منه) (٦).\nوقال أبو علي: هو مثل قولك: مررت (٧) برجل معه صقر صائدًا به غدًا، أي مقدر الصَّيد، فكذلك يكون -هاهنا- مقدرًا الاستكثار. قال: ويجوز أن يحكى به حالًا آتيه، وليس في الجزم اتجاه في \"تستكثر\"، ألا ترى (٨) أن المعنى ليس على أن لا تمنن تستكثر، إنما المعنى على ما تقدم (٩).\nقال الضحاك (١٠)، ومجاهد (١١): كان هذا للنبي -ﷺ- خاصة.\n_________\n(١) \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٤٧٠.\n(٢) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٣) \"جامع البيان\" ٢٩/ ١٤٨ بمعناه، و\"بحر العلوم\" ٣/ ٤٢١ بمعناه، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٤٧٠، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٣٢٧ وعزاه إلى عبد بن حميد.\n(٤) ما بين القوسين ساقط من: (أ).\n(٥) مستوقعة: في كلا النسختين، والمثبت من \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٤٦.\n(٦) ما بين القوسين نقله الإمام الواحدي عن الزجاج ٥/ ٢٤٥ - ٢٤٦ بتصرف يسير.\n(٧) في (ع): مرت.\n(٨) في (أ): ترا.\n(٩) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(١٠) \"جامع البيان\" ٢٩/ ١٤٩، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٤١٤، و\"البحر المحيط\" ٦/ ٣١٢، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٣٢٧ وعزاه إلى عبد بن حميد.\n(١١) \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤١٤.","vol":"22","page":408},{"text":"قال أبو إسحاق: وليس على الإنسان (١) إثم أن يُهدي هدية يرجو بها ما هو أكثر منها، والنبي -ﷺ- أدبه الله بأشرف الآداب وأجل الأخلاق (٢) -هذا كلامه-.\nومعناه: أن الإنسان قد يعطي ليثاب بأكثر من ذلك، فلا يكون له في ذلك مِنة ولا أجر. لأنه قصد بذلك الاستكثار وطلب الزيادة، فنهى الله عن ذلك (٣)، وأمره أن يقصد بما يعطي وجه الله (٤).\n(قول الكلبي: أرِدْ به وجه الله (٥» (٦). ونحو هذا قال ابن أسلم: إذا أعطيت عطية فأعطها لربك (٧).\n(هذا الذي ذكرنا قول جماعة أهل التأويل) (٨) -وذكرت أقوال سوى ما ذكرنا:\nأحدها: لا تضعف أن تستكثر (٩) من الخير.\nوروى عمرو عن أبيه: المنين من الرجال: الضعيف (١٠)، ويدل على\n_________\n(١) قوله: على الإنسان: بياض في (ع).\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٤٦ بنصه.\n(٣) بياض في (ع).\n(٤) قوله: وجه الله: بياض في (ع).\n(٥) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٦) ما بين القوسين ساقط من: (أ).\n(٧) ورد قوله في: \"الكشف والبيان\" ج: ١٢: ٢٠٧/ أ، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٩/ ٦٦، و\"فتح القدير\" ٥/ ٣٢٥.\n(٨) ما بين القوسين ساقط من: (أ).\n(٩) قوله: لا تستكثر: بياض في (ع).\n(١٠) ورد قوله في: \"تهذيب اللغة\" ١٥/ ٤٧١: مادة: (منن).","vol":"22","page":409},{"text":"صحة هذا التأويل قراءة عبد الله \"لا تمنن أن تستكثر\" (١)، (وهذا قول مجاهد (٢) في رواية خُصيف) (٣).\nالقول الثاني: لا تمنن على الناس بنبوتك (٤)، فتأخذ (عليها) (٥) منهم أجرًا تستكثر به، وهو قول ابن زبد (٦).\nالقول الثالث (٧): لا تمنن على ربك بعملك فتستكثره، وهو قول الحسن (٨). وحكى الأزهري: لا تعط مستكثرًا ما أعطيت (٩).\n_________\n(١) وردت قراءته في: \"جامع البيان\" ٢٩/ ١٥٠، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٤١٤، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٣٩٣، و\"البحر المحيط\" ٨/ ٣٧٢.\nوهذه قراءة من باب التفسير، وليست من القراءة القرآنية المتواترة، فهي قراءة شاذة لعدم صحة السند، ولعدم ورودها في الكتب المتواترة. والله أعلم.\n(٢) ورد قوله في: \"جامع البيان\" ٢٩/ ١٤٩، و\"النكت والعيون\" ٦/ ١٣٨، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٤١٤، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٣٩٣، و\"زاد المسير\" ٨/ ١٢٢، و\"البحر المحيط\" ٨/ ٣٧٢، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٣٧٠.\n(٣) ما بين القوسين ساقط من: (أ).\n(٤) بياض في (ع).\n(٥) ساقطة من: (أ).\n(٦) \"جامع البيان\" ٢٩/ ١٤٩، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٤١٤، و\"زاد المسير\" ٨/ ١٢٢، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٤٧١.\n(٧) في (أ): الثاني، وهو خطأ.\n(٨) المراجع السابقة، وانظر أيضًا: \"النكت والعيون\" ٦/ ١٣٨، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٦٦، وهو الراجح عند الطبري.\n(٩) \"تهذيب اللغة\" ١٥/ ٤٧١، مادة: (منن)، وعبارته الواردة عنه في التهذيب: \"أي لا تعط شيئًا مقدرًا لتأخذ به ما هو أكثر منه\".\nوجاء في \"الصحاح\" المُنَّة: بالضم: القوة، والمنين: الحبل الضعيف، والمن: القطع: ٦/ ٢٢٠٧، مادة: (منن).","vol":"22","page":410},{"text":"قوله تعالى: ﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾:\nقال عطاء عن ابن عباس: يريد على فرائض ربك (١).\nوقال الكلبي: فاصبر نفسك على عبادة ربك وطاعته (٢).\nوقال مقاتل: يعني على الأذى والتكذيب (٣)، وهو قول مجاهد (٤).\nوقال ابن زيد: أي: على ما حملت من محاربة العرب والعجم (٥).\nوعند زيد (٦) بن أسلم، وإبراهيم (٧): إن هذه الآية متصلة المعنى بالأولى.\nقال زيد: إذا أعطيت عطية فأعطها لربك، واصبر حتى يكون هو يثيبك عليها (٨).\nوقال (إبراهيم) (٩): اصبر لعطية ربك (١٠).\n_________\n(١) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٢) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ٢١٤/ ب، و\"فتح القدير\" ٥/ ٣٢٥.\n(٤) \"الكشف والبيان\" ج: ١٢: ٢٠٧/ أ، و\"النكت والعيون\" ٦/ ١٣٨، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٤١٤، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٦٨، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٤٧١، و\"فتح القدير\" ٥/ ٣٢٥.\n(٥) المراجع السابقة.\n(٦) في (أ): ابن زيد.\n(٧) بياض في (ع).\n(٨) \"الكشف والبيان\" ج: ١٢: ٢٠٧/ أ.\n(٩) إبرهيم: هكذا وردت في كلا النسختين.\n(١٠) ورد قوله في \"النكت والعيون\" ٦/ ١٣٨، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٤٧٠.","vol":"22","page":411},{"text":"(الناقور) (١): الصور في قول جميع أهل اللغة (٢) والتفسير (٣).\nوهو فاعول، من النقر (٤) ينقر فيه للتصويت كالهاضوم من الهضم، والحاطوم من الحطم، والنقر: التصويت باللسان.\n_________\n(١) بين القوسين ساقط من: (أ).\n(٢) انظر: مادة: (نقر) في كل من: \"تهذيب اللغة\" ٩/ ٩٧، و\"الصحاح\" ٢/ ٨٣٦، و\"معاني القرآن\" للفراء: ٣/ ٢٠١، و\"معاني القرآن وإعرابه\" للزجاج: ٥/ ٢٤٦.\n(٣) قال بذلك: ابن عباس، والحسن، والشعبي، وقتادة، والضحاك، والربيع، والسدي، وابن زيد. انظر: \"جامع البيان\" ٢٩/ ١٥١ - ١٥٢، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٤٧١.\nوقد قال بذلك من أهل التفسير: الطبري في: \"جامع البيان\" ٢٩/ ١٥٠، والثعلبي في: الكشف والبيان ١٢/ ٢٠٧/ أ، وانظر أيضًا: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤١٤، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٣٩٣، و\"زاد المسير\" ٨/ ١٢٣، و\"تيسير الكريم الرحمن\" ٥/ ٣٣٢، و\"فتح القدير\" ٥/ ٣٢٥.\nومن أهل الغريب: اليزيدي في: \"غريب القرآن وتفسيره\" ٣٩٩، ومكي بن أبي طالب في: \"تفسير المشكل\" ٣٦٣، والخزرجي في: \"نفس الصباح\" ٧٤٤.\nوقد أورد الماوردي قولين آخرين لمعنى الناقور:\nأحدهما: أن الناقور القلب. قال: يجزع إذا دعي الإنسان للحساب؛ وعزاه إلى ابن كامل، وعزاه أيضًا ابن منظور إلى ابن الأعرابي.\nوالثاني: أن الناقور صحف الأعمال إذا نشرت للعرض.\nانظر: \"النكت والعيون\" ٦/ ١٣٨، و\"لسان العرب\" ٥/ ٢٣١، مادة: (نقر). قال محقق الماوردي: والصواب الذي عليه أكثر المفسرين.\nقلت: وهو الصحيح، فقول الإمام الواحدي بالإجماع نهج سلكه في تحقيق الإجماع، فما كان مخالفًا لأكثر المفسرين، وليس له وجه في اللغة، ولم يقل به أصحاب العربية فلا يراه شيئًا، ولذا يحكي بالإجماع دون اعتبار لذلك القول المخالف، والله أعلم.\n(٤) بياض في (ع).","vol":"22","page":412},{"text":"قال ابن عباس: الناقور: الصُّورُ (١)، وهو قرن (٢).\nوقال مجاهد: شيء كهيئة البوق (٣) (٤).\nقال مقاتل: يعني إذا انفخ في الصور، وهو القرن الذي ينفخ فيه إسرافيل (٥) (٦). يعني: النفخة الثانية (٧).\n_________\n(١) في (أ): الصوت.\n(٢) ورد قوله في: \"جامع البيان\" ٢٩/ ١٥١، و\"النكت والعيون\" ٦/ ١٣٨، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٣٩٣، وانظر: \"صحيح البخاري\" ٤/ ١٩٤: كتاب الرقاق. باب ٤٣.\n(٣) البوق الذي ينفخ فيه وُيزمر، مُلْتَوي الخَرْق ينفخ فيه الطحان، فيعلو صوته فيعلم المراد به. \"لسان العرب\" ١٠/ ٣١: مادة: (بوق).\n(٤) ورد قوله في \"جامع البيان\" ٢٩/ ١٥١، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٦٨، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٤٧١، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٣٢٨، وعزاه إلى عبد بن حميد. وانظر: \"صحيح البخاري\" ٤/ ١٩٤: كتاب الرقاق: باب ٤٣.\n(٥) إسرافيل: قال ابن حجر اشتهر أن صاحب الصور \"إسرافيل\" ﵇. ونقل فيه الحليمي الإجماع، ووقع التصريح به في حديث وهب بن منبه، وفي حديث أبي سعيد البيهقي، وفي حديث أبي هريرة عند ابن مردويه، وكذا في حديث الصور الطويل. فتح الباري: ١١/ ٣٦٨.\n(٦) \"تفسير مقاتل\" ٢١٤/ ب.\n(٧) الذي يظهر أن إسرافيل ينفخ في الصور مرتين. الأولى: يحصل بها الصعق، والثانية: يحصل بها البعث. قال تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ (٦٨)﴾ [الزمر: ٦٨]. والنفخة الثانية: هي النفخ بالصور كما قال تعالى: ﴿مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ (٤٩) فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ (٥٠) وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ (٥١)﴾ [يس:٤٩ - ٥١].\nانظر: \"تفسير ابن كثير\" ٣/ ٥٨١، و\"اليوم الآخر: القيامة الكبرى\" د. عمر الأشقر ٣٩.","vol":"22","page":413},{"text":"(وهو قول الكلبي (١» (٢). وقوله: ﴿فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾\n(يوم النفخ في الصور، وهو قوله: \"يومئذ\"، وهو في محل الرفع، إلا أنه بني مع \"إذ\" ويجوز أن كون نصبا على معنى فذلك يوم عسير في يوم ينفخ في الصور) (٣).\nوقال أبو علي: \"ذلك\" إشارة إلى النقر، كأنه قال: فذلك النقر يومئذ يوم عسير، أي انقر (٤) يوم عسير.\nوقوله (٥): \"يومئذ\" على هذا متعلق بـ\"ذلك\"؛ لأنه مصدر، وفيه معنى الفعل فلا يمتنع أن يعمل في الظرف (٦).\nقال (٧): ويجوز أن يكون \"يومئذ\" ظرفًا لقوله: \"يوم\"، ويكون \"يومئذ\" بمنزلة حينئذ، ولا يكون \"اليوم\"، الذي يعني به (٨) وضح النهار، ويكون اليوم الموصوف بأنه عسير خلاف (٩) الليلة، فيكون التقدير: فذلك اليوم يوم عسير حينئذ (١٠).\n_________\n(١) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٢) ما بين القوسين ساقط من: (أ).\n(٣) ما بين القوسين من قول الزجاج نقله عنه الواحدي بتصرف. انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٤٦.\n(٤) في (ع): نقر.\n(٥) في (أ): قوله.\n(٦) \"الدر المصون\" ٦/ ٤١٤، فقد ذكر أوجهًا أخرى لـ\"يومئذ\" فليراجع.\n(٧) أي: أبو علي الفارسي.\n(٨) قوله: الذي يعني به: بياض في (ع).\n(٩) قوله: عسير خلاف: بياض في (ع).\n(١٠) وهذا القول: من قوله: (ويجوز أن يكون \"يومئذ\" ظرفًا) إلى (يوم عسير حينئذ) هو ما ذهب إليه الزمخشري في الكشاف: ٤/ ١٥٧.","vol":"22","page":414},{"text":"فأما \"إذا\" في قوله: \"إذا نقر\" فالعامل فيه المعنى الذي دل عليه قوله: \"يوم عسير\" تقديره: إذا نقر في الناقور عسر الأمر وصعب (١). كما أن ﴿لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ﴾ (٢) يدل على محزونون) (٣).\nقال مقاتل: ثم أخبر عن عسرته فقال: ﴿عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ (١٠)﴾\nيقول: غير هين، ويهون على المؤمنين (٤)، ونحو هذا قال ابن عباس؛ قال: يريد أن ذلك اليوم على المؤمنين سهل (٥). وهذا يدل على صحة القول بفحوى الخطاب، حيث فهم ابن عباس، ومقاتل من عسرته على الكافر سهولته ولينه على المؤمن (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4702>١١ </span>- قوله: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (١١)﴾.\nذكرنا معنى هذا عند قوله: ﴿وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ﴾ (٧).\nقال مقاتل: يعني: خلِّ يا محمد بيني وبينه، فأنا أنفرد بهلكته (٨). والعائد إلى الموصول محذوف على تقدير: خَلَقْتُه.\n_________\n(١) ومن قوله: \"فأما إذا\" في قوله: \"إذا نقر\" إلى قوله: عسر الأمر وصحب: أحد أوجه العامل في \"إذا\". انظر: الدر المصون: ٤/ ٤١٣، و\"البيان في إعراب القرآن\" لأبي البقاء العكبري: ٢/ ١٢٤٩.\n(٢) سورة الفرقان: ٢٢: ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ﴾.\n(٣) ما بين القوسين من قول أبي علي الفارسي لم أعثر على مصدره\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ٢١٤/ ب.\n(٥) \"التفسير الكبير\" ٣٠/ ١٩٨ بمعناه.\n(٦) في (أ): المؤمنين.\n(٧) سورة المزمل: ١١.\n(٨) \"تفسير مقاتل\" ٢١٥/ ب، و\"فتح القدير\" ٥/ ٣٢٦.","vol":"22","page":415},{"text":"وأجمعوا على أن هذه الآيات نزلت في الوليد بن المغيرة (١).\n_________\n(١) قال بذلك: ابن عباس، ومجاهد، وابن زيد، والضحاك، ومقاتل، انظر: \"تفسير مقاتل\" ٢١٥/ ب، و\"جامع البيان\" ٢٩/ ١٥٢. كما ذكر ابن جرير أنه ذكر أنه عني بالآية الوليد بن المغيرة. \"جامع البيان\" المرجع السابق.\nكما ذكر ابن عطية أنة لا خلاف بين المفسرين في أن هذه الآية نزلت في الوليد بن المغيرة المخزومي. انظر: \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٣٩٤، وحكى الإجماع الفخر الرازي في: \"التفسير الكبير\" ٣٠/ ١٩٨.\nوعزا القول إلى المفسرين كل من: الماوردي، والقرطبي. انظر: \"النكت والعيون\" ٦/ ١٣٩، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٦٩، وإلى هذا القول ذهب عبد الرزاق، والسمرقندي، والثعلبي، والبغوي. انظر: تفسير عبد الرزاق: ٢/ ٣٢٨، و\"بحر العلوم\" ٣/ ٤٢١، و\"الكشف والبيان\" ١٢/ ٢٠٧/ ب، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٤١٤. والرواية كما وردت في \"أسباب النزول\" عن عكرمة عن ابن عباس: أن الوليد بن المغيرة جاء إلى النبي -ﷺ- فقرأ عليه القرآن، وكأنه رق له، فبلغ ذلك أبا جهل فقال له: \"يا عم، إن قومك يريدون أن يجمعوا لك مالًا\" قال: لم؟ قال: ليعطوكه، فإنك أتيت محمدًا تتعرض لما قبله، فقال: قد علمت قريش أني من أكثرها مالًا. قال: فقل فيه قولًا يبلغ قومك أنك منكر له وكاره، قال: وماذا أقول؟ فوالله ما فيكم رجل أعلم بالأشعار مني، ولا أعلم برجزها وبقصيدها مني، والله ما يشبه الذي يقول شيئًا من هذا، والله إن لقوله الذي يقول حلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنه لمثمر أعلاه، مغدق أسفله، وإنه ليعلو وما يعلى، قال: لا يرضى عنك قومك حتى تقول فيه؟ قال: فدعني حتى أفكر فيه، فقال: هذا سحر يؤثر يأثره عن غيره، فنزلت ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (١١)﴾ الآيات كلها.\nانظر: \"أسباب النزول\" ٣٨١ - ٣٨٢ تح: أيمن صالح، و\"لباب النقول في أسباب النزول\" للسيوطي ٢٢٣، و\"الصحيح المسند من أسباب النزول\" للوادعي ٢٢٥. وقال ابن خليفة عليوي في \"جامع النقول في أسباب النزول وشرح آياتها\" ٢/ ٣٢٣: إسناد صحيح على شرط البخاري، وأخرجه الحاكم في \"المستدرك\" ٢/ ٥٠٧ التفسير: باب تفسير سورة المدثر وصححه ووافقه الذهبي، والبيهقي في: دلائل النبوة: ٢/ ١٩٩. =","vol":"22","page":416},{"text":"وقوله: ﴿وَحِيدًا﴾ قال أكثر المفسرين، وأهل المعاني (١): خلقته وحده لا مال له، ولا ولد، ولا زوجة، خلقته وحيدًا في بطن أمه. وهو قول (الكلبي (٢)، و) (٣) مجاهد (٤)، و(مقاتل (٥» (٦) وقتادة (٧)، والجمهور (٨).\n(و) (٩) على هذا: الوحيد من صفة المخلوق.\n_________\n= قال الدكتور عصام الحميدان: أخرجه الحاكم والبيهقي في الدلائل. من طريق عبد الرزاق به، وإسناده صحيح، انظر: \"أسباب النزول\" للواحدي: تحقيقه ٤٤٦.\nوقال الوادعي في المسند الصحيح ٢٢٥: رواه البيهقي عن الحاكم أبي عبد الله عن محمد بن علي الصنعاني بمكة عن إسحاق به، وقد رواه حماد بن زيد عن أيوب عن عكرمة مرسلًا. قال أبو عبد الرحمن: والظاهر ترجيح المرسل؛ لأن حماد بن زيد أثبت الناس في أيوب، وأيضًا معمر قد اختلف عليه فيه كما في دلائل النبوة، فالحديث ضعيف. والله أعلم.\n(١) \"معاني القرآن\" الفراء: ٣/ ٢٠١، و\"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٤٦، و\"الكشف والبيان\" ١٢/ ٢٠٧/ ب.\n(٢) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٣) ساقطة من: (أ).\n(٤) \"جامع البيان\" ٢٩/ ١٥٢، و\"النكت والعيون\" ٦/ ١٣٩، و\"زاد المسير\" ٨/ ١٢٣، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٦٩.\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ٢١٥/ ب.\n(٦) ساقط من: (أ).\n(٧) تفسير عبد الرزاق: ٢/ ٣٢٩، و\"جامع البيان\" ٢٩/ ١٥٢، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٣٢٩ وعزاه إلى عبد بن حميد.\n(٨) وقال به ابن قتيبة في: \"تفسير غريب القرآن\" ٤٩٦ وابن جرير في: \"جامع البيان\" ٢٩/ ١٥٢، والسمرقندي في: \"بحر العلوم\" ٣/ ٤٢١. كما ذهب إليه البغوي، وابن عطية، والخازن. انظر: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤١٤، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٣٩٤، لباب التأويل: ٤/ ٣٢٨.\n(٩) ساقطة من: (أ).","vol":"22","page":417},{"text":"وذكر الفراء (١)، والكسائي (٢) (٣)، (والزجاج (٤» (٥) وجهًا آخر وهو: أن يكون الوحيد من صفة الله -﷿- على معنى: ذرني ومن خلقته وحدي لم (٦) يشركني في خلقه أحد، أي فأنا أعلم به، وأقدر عليه.\nوروى عطاء عن ابن عباس في قوله: \"وحيدًا\"، قال: يريد الوليد بن المغيرة، وكان يقول: أنا الوحيد بن الوحيد، ليس (لي) (٧) في العرب نظير، ولا لأبي المغيرة نظير، وكان يسمى الوحيد في قومه (٨)، وهذا غير صحيح أنه لا يجوز أن يكون تفسيرًا لقوله: \"خلقت وحيدًا\"؛ لأن الله تعالى لا يصدقه في دعواه أنه وحيد، لا نظير له، فيقول: خلقته وحيدًا (٩).\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٠١.\n(٢) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٣) في (ع) ورد هكذا: الكسائي والفراء.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٤٦.\n(٥) ما بين القوسين ساقط من: (أ).\n(٦) في (أ): لا.\n(٧) ساقط من: (أ).\n(٨) ورد قوله في \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٦٩.\n(٩) قوله: \"وحيدًا\" جاء على سبيل التهكم والسخرية؛ لا أن الله صدّقه بأنه وحيد. قال بذلك القرطبي في \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٦٩.\nوقال الزمخشري: ولعله لقب بذلك -يعني وحيدًا- بعد نزول الآية، فإن كان ملقبًا به قبل، فهو تهكم به وبلقبه، وتغيير له عن الغرض الذي كانوا يؤمونه من مدحه والثناء عليه بأنه وحيد قومه لرياسته ويساره، وتقدمه في الدنيا إلى وجه الذم والعيب، وهو أنه خلق وحيدًا لا مال له ولا ولد، فآتاه الله ذلك، فكفر بنعمة الله وأشرك واستهزأ بدينه. \"الكشاف\" ٤/ ١٥٧.","vol":"22","page":418},{"text":"ثم ذكر أنه (١) رزقه المال والولد (٢)، وبسط عليه فقال: ﴿وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا﴾ قال ابن عباس (في رواية أبي صالح) (٣): كثيرٌ في (٤) كل شيء من المال (٥)، وفسره في رواية عطاء فقال: \"مالًا ممدودًا\" ما بين مكة إلى الطائف الإبل المؤبلة (٦)، والخيل المسومة (٧)، والنعم المُرَحَّلَة (٨)، وأجنة بالطائف، ومال عين كثير، وعبيد، وجوار (٩).\nوقال مقاتل: يعني بستانه الذي بالطائف، كان لا ينقطع خيره، شتاء ولا صيفًا، كقوله: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ [الواقعة: ٣٠] (١٠) يعني لا ينقطع.\nومن المفسرين من عين قدر ذلك المال، فروي عن مجاهد (١١)،\n_________\n(١) و(٢) بياض في (ع).\n(٣) ما بين القوسين ساقط من: (أ).\n(٤) في (ع): من.\n(٥) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٦) المؤبلة: إذا كانت الإبل مهملة قيل: إبل أُبل، فإذا كانت للقُنية قيل: إبل مؤبَّلَة، أراد أنها كانت لكثرتها مجتمعة حيث لا يتعرض إليها. \"النهاية في غريب الحديث والأثر\" لابن الأثير: ١/ ١٦.\n(٧) والخيل المسومة: هي التي عليها السِّيما، والسُّومة والسِّمة: العلامة، وقيل: الخيل المسومة: أي المرسلة وعليها ركبانها. انظر: المرجع السابق: ٢/ ٤٢٥، و\"لسان العرب\" ١٢/ ٣١٢ مادة: (سوم).\n(٨) النعم المرحلة: أي عليها رِحالُها، والرَّحْل جمعه أرْحُل ورِحَالٌ، وهو مركب للبعير والناقة. \"لسان العرب\" ١١/ ٢٧٤ و٢٧٧ مادة: (رحل).\n(٩) \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤١٤، و\"التفسير الكبير\" ٣٠/ ١٩٨ - ١٩٩، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٧٠، و\"لباب التأويل\" ٤/ ٣٢٨.\n(١٠) \"تفسير مقاتل\" ٢١٥/ ب، و\"الكشف والبيان\" ١٢/ ٢٠٧/ ب، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٤١٤، و\"زاد المسير\" ٨/ ١٢٤، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٧٠.\n(١١) المراجع السابقة، وانظر أيضًا: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ٢٠١، و\"المحرر=","vol":"22","page":419},{"text":"وسعيد بن جبير (١)، أنهما قالا: ألف دينار.\nوعن قتادة: بأربعة آلاف دينار (٢).\nوعن الثوري: ألف ألف دينار (٣).\nوالأولى في الممدود أن يكون ما يمد بالزيادة والنماء، كالزرع، والضرع (٤)، والتجارة. قال أبو إسحاق: تفسيره غير منقطع عنه (٥). دليله ما روي عن عمر أنه قال في تفسيره: هو غلة شهر بشهر (٦).\nوقال أهل المعاني: وصفه بأنه ممدود يقتضي هذا المعنى، وهو أن يكون له مدد يأتي شيئًا بعد شيء (٧).\nقوله تعالى: ﴿وَبَنِينَ شُهُودًا﴾ قال ابن عباس: كان له عشرة أولاد\n_________\n= الوجيز\" ٥/ ٣٩٤، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٣٢٩ وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.\n(١) ورد قوله في: المراجع السابقة عدا \"الدر المنثور\".\n(٢) \"الكشف والبيان\" ١٢/ ٢٠٧/ ب، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٤١٤، و\"زاد المسير\" ٨/ ١٢٤، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٧٠.\n(٣) ورد قوله في: \"الكشف والبيان\" ١٢/ ٢٠٧/ ب، و\"النكت والعيون\" ٦/ ١٣٩، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٤١٤، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٧٠، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٣٢٩ وعزاه إلى عبد ابن حميد.\n(٤) الضرع: هو ما يملكه الإنسان من الإبل والغنم، قال في اللسان: وما له زرع ولا ضرع: يعني بالضرع الشاة والناقة. انظر: \"لسان العرب\" ٨/ ٢٢٣: (ضرع).\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٤٦ بنصه.\n(٦) ورد قوله في: \"الكشف والبيان\" ١٢/ ٢٠٧/ ب، و\"النكت والعيون\" ٦/ ١٣٩، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٣٩٤، و\"زاد المسير\" ٨/ ١٢٤، و\"الجامع\" للقرطبي ١٩/ ٧٠، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٣٣٠ وعزاه إلى ابن أبي حاتم، وابن مردويه.\n(٧) لم أعثر على مصدر لقولهم.","vol":"22","page":420},{"text":"حضور بمكة، لا يسافرون (١)\n(وهو قول الكلبي (٢)، ومجاهد، وقتادة (٣» (٤).\nوقال سعيد بن جبير: كانوا ثلاثة عشر (٥).\nوقال مقاتل: كانوا سبعة (٦).\n(قال أبو إسحاق: أي شهود معه لا يحتاجون أن يتصرفوا ويغيبوا عنه (٧» (٨).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4703>١٤ </span>- قوله تعالى: ﴿وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا﴾ قال مجاهد: في المال والولد (٩).\n_________\n(١) \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٤٧١ وعبارته: كانوا عشرة\n(٢) \"بحر العلوم\" ٣/ ٤٢١.\n(٣) عزاه لمجاهد وقتادة: \"الكشف والبيان\" ١٢/ ٢٠٧/ ب، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٤١٤، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٣٩٤، و\"زاد المسير\" ٨/ ١٢٤، و\"القرطبي\" ١٩/ ٧٠، و\"ابن كثير\" ٤/ ٤٧١. وعزاه لمجاهد: \"الطبري\" ٢٩/ ١٥٤، و\"الرازي\" ٣٠/ ١٩٩.\n(٤) ما بين القوسين ساقط من: (أ).\n(٥) \"الكشف والبيان\" ١٢/ ٢٠٧/ ب، و\"النكت والعيون\" ٦/ ١٤٠، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٣٩٤، و\"زاد المسير\" ٨/ ١٢٤، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٧٠، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٣٢٩. وعزاه إلى سعيد بن منصور، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وانظر: تفسير سعيد بن جبير: تح إبراهيم النجار: ٣٦٠.\n(٦) \"تفسير مقاتل\" ٢١٥/ ب. وانظر: المراجع السابقة عدا النكت، والمحرر، والدر. وانظر: أيضًا: \"بحر العلوم\" ٣٠/ ٤٢١.\n(٧) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٤٦ بنصه.\n(٨) ما بين القوسين ساقط من: (ع).\n(٩) \"جامع البيان\" ٢٩/ ١٥٤، و\"النكت والعيون\" ٦/ ١٤٠، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٣٢٩ وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.","vol":"22","page":421},{"text":"وقال مقاتل: بسطت له في المال والولد بسطًا (١).\nوقال الكلبي: مهدت له في المال الممدود (٢).\nومعنى التمهيد: تسهيل التصرف في الأمور، و[يدعو] (٣) بهذا فيقال: أدام الله تمهيده، أي: بسطته وتصرفه في الأمور (٤).\nومن المفسرين (٥): من جعل هذا التمهيد البسط في العيش وطول العمر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4704>١٥ </span>- قوله: ﴿ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ﴾.\nقال صاحب النظم: \"ثم\": هاهنا - معناه للتعجب، كما تقول لصاحبك: أنزلتك (٦) داري، وأطعمتك، وسقيتك، ثم أنت تشتمني، وهذا كقوله ﷿: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ (٧) ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا (٨)﴾ [الأنعام: ١] الآية، فمعنى ثم -\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ٢١٥/ ب.\n(٢) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٣) في كلا النسختين: (أ)، و(ع): يدعا.\n(٤) أجل المهد: التَّوثير، يقال: مَهَدت لنفسي، ومَهِدت: أي جعلت له مكانًا وطيئًا سهلًا، ... وتمهيد الأمور: تسويتها وإصلاحها. انظر: مادة: (مهد) في: \"تهذيب اللغة\" ٦/ ٢٢٩، و\"الصحاح\" ٢/ ٢٤١، و\"لسان العرب\" ٣/ ٤١٠ - ٤١١.\n(٥) وهو قول الطبري في \"جامع البيان\" ٢٩/ ١٥٤، والثعلبي في \"الكشف\" ١٢/ ٢٠٧/ ب، والعبارة عنهما: بسطت له في العيش بسطًا، كما ذهب البغوي بمثل ما ذكر الواحدي. انظر: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤١٤، وابن الجوزي في: \"زاد المسير\" ٨/ ١٢٤، والقرطبي في \"الجامع\" ١٩/ ٧٠، والخازن في: \"لباب التأويل\" ٤/ ٣٢٨.\n(٦) في (أ): أنزلك.\n(٧) بياض في (ع).\n(٨) لم أعثر على مصدر لقوله.","vol":"22","page":422},{"text":"هاهنا- الإنكار والتعجيب (١)\nقال (الكلبي، و) (٢) مقاتل (٣): ثم يرجو (٤) أن أزيد في ماله وولده وقد كفر بي. وهو قوله: ﴿كلاَّ﴾:\nقال ابن عباس: لا أفعل (٥)، وقال مقاتل: لا أزيده (٦).\nقال المفسرون (٧): لم يزل الوليد في نقصان بعد قوله: \"كلا\".\n(قال مقاتل) (٨): حتى افتقر ومات فقيرًا (٩).\nقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا﴾ قال ابن عباس: معاند لكل ما جاء به محمد -ﷺ- (١٠).\nوقال مقاتل: كان مجانبًا للقرآن لا يؤمن به (١١)\n_________\n(١) \"التفسير الكبير\" ٣٠/ ١٩٩.\n(٢) ساقط من: (أ).\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ٢١٥/ ب. المرجع السابق.\n(٤) يرجوا: هكذا في النسختين.\n(٥) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٦) \"تفسير مقاتل\" ٢١٥/ ب.\n(٧) وممن ذهب إلى هذا القول من المفسرين: ابن عباس في: \"النكت والعيون\" ١٦/ ١٤٠، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وأبو مالك في \"الدر المنثور\" ٨/ ٣٢٩، وانظر: \"تفسير سعيد بن جبير\" ٣٦٥. وقال به أيضًا السمرقندي في \"بحر العلوم\" ٣/ ٤٢١ - ٤٢٢، والبغوي في \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤١٥، وعزاه الرازي إلى المفسرين، و\"التفسير الكبير\" ٣٠/ ١٩٩. وقال به أيضًا الخازن، و\"لباب التأويل\" ٤/ ٣٢٨.\n(٨) ساقط من: (أ).\n(٩) \"تفسير مقاتل\" ٢١٥/ ب، و\"البحر المحيط\" ٨/ ٣٧٣.\n(١٠) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(١١) \"تفسير مقاتل\" ٢١٥/ ب، و\"البحر المحيط\" ٨/ ٣٧٣.","vol":"22","page":423},{"text":"وقال المبرد: عاند فهو عنيد، مثل: جالس فهو جليس، وضاجع فهو ضجيع (١)\nوذكرنا تفسير \"العنيد\" فيما سلف (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4705>١٧ </span>- قوله تعالى: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾:\nقال الكلبي: سأكلفه صعودًا، وهو جبل من صخرة ملساء في النار، يكلف أن يصعدها حتى إذا بلغ أعلاها أحدر (٣) إلى أسفلها، ثم يكلف أيضًا أن يصعدها، فذلك دأبه أبدًا، يجذب من أمامه بسلاسل الحديد، ويضرب من خلفه بمقامع (٤) الحديد، فيصعدها في أربعين سنة (٥).\n_________\n(١) الذي ورد عنه في \"الكامل\" بحاشية نسخة: أ: \"يقال: رجل عنيد: إذا خالف الحق، وعاند الرجلُ الرجلَ معاندة وعنادًا إذا خالفه. والعند: ميلك عن الشيء، عند عنودًا، وطريق عاند: مائل، وناقة عَنُود، والجمع عُنُد وعُنَّد: إذا تنكبت الطريق من نشاطها. فَصَلُوا بين العنيد والعنود\". الكامل: ٣/ ١١٧٣ - ١١٧٤ حاشية.\n(٢) ورد في سورة هود: ٥٩، وسورة إبراهيم: ١٥، وسورة ق: ٢٤، ومما جاء في تفسير: \"العنيد\" الوارد في قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (٥٩)﴾ [هود: ٥٩]. \"قال: والعنيد: الذي لا يقبل الحق، ولا يذعن له، من قولهم: عند الرجل يعند عنودًا، وعاند معاندة إذا أبى أن يقبل الشيء وإن عرفه.\n(٣) أحدر: الحدر من كل شيء تحدره من علو إلى سفل. \"لسان العرب\" ٤/ ١٧٢ (حدر).\n(٤) مقامع: سبق بيانها.\n(٥) انظر: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤١٥، و\"زاد المسير\" ٨/ ١٢٥، و\"لباب التأويل\" ٤/ ٣٢٨، وانظر: الوسيط: ٤/ ٣٨٢.","vol":"22","page":424},{"text":"(ونحو هذا روى عطاء عن ابن عباس (١» (٢)، وهو قول أبي سعيد الخدري (٣)، ومقاتل (٤).\nوقال أهل المعاني: سأحمله على مشقة من العذاب (٥) مثل قوله: ﴿يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا﴾ [الجن: ١٧]، و\"صعودًا\" من قولهم: عقبة صعود وكؤود (٦)، أي شاقة المصعد (٧). وهذا وعيد له، وإخبار عما يصنع الله به في الآخرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4706>١٨ </span>- قوله: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ﴾ يقال: فكر في الأمر، وتفكر، إذا نظر فيه وتدبر (٨)، ومثله: \"قدر\".\nوذلك أن الوليد مر برسول الله -ﷺ- وهو يقرأ قوله: ﴿حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ إلى قوله: ﴿إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ [غافر: ١ - ٣]، فسمعها الوليد، فلما رجع إلى قومه قال لهم: والله لقد سمعت من محمد\n_________\n(١) لم أعثر على مصدر لما ذكره.\n(٢) ما بين القوسين ساقط من: (أ).\n(٣) ورد قوله في: \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٧٢. كما روي عنه مرفوعًا إلى النبي -ﷺ- بمعناه، رواه عنه الحاكم في \"المستدرك\" ٢/ ٥٠٧. في التفسير: باب سورة المدثر، وصححه، ووافقه الذهبي، والإمام أحمد ٣/ ٧٥، ورواه الطبراني في الأوسط، وفيه عطية، وهو ضعيف انظر. \"مجمع الزوائد\" ٧/ ١٣١.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ٢١٦/ أ.\n(٥) وهو قول الزجاج، انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٤٦، وقال به أيضًا الليث، انظر مادة: (صعد) في \"تهذيب اللغة\" ٢/ ٩.\n(٦) في (أ): كؤود وصعود.\n(٧) انظر مادة: (صعد) في: \"تهذيب اللغة\" ٦/ ٩، و\"لسان العرب\" ٣/ ٢٥١.\n(٨) انظر: \"تهذيب اللغة\" ١٠/ ٢٠٤ مادة: (فكر).","vol":"22","page":425},{"text":"آنفًا كلامًا ما هو من كلام الإنس، ولا من كلام (١) الجن، إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة (٢)، وإنه ليعلو (٣)، وما يعلى. فقالت قريش: صبأ (٤) الوليد، والله لتصبون قريش كلها، فقال أبو جهل -لعنه الله-: أنا أكفيكموه، فانطلق حتى دخل عليه. هذا قول مقاتل (٥)، وعكرمة (٦).\nوقال الكلبي: كان الوليد بن المغيرة قال لرؤساء مكة: إن الناس مجتمعون بالموسم غدًا، وقد فشا أمر هذا الرجل (٧) في الناس، وهم سائلوكم عنه، فماذا أنتم قائلون؟ قالوا نقول: إنه مجنون، قال لهم: إذًا\n_________\n(١) قوله: ولا من كلام: بياض في (ع).\n(٢) الطَّلاَوَة: الحسن والقبول، يقال: ما عليه طلاَوَة. \"الصحاح\" ٦/ ٢٤١٤ مادة: (طلا).\n(٣) ليعلوا: هكذا وردت في النسختين.\n(٤) صبأ: أي خرج من دين إلى دين، وهذا القول كان يقال للرجل إذا أسلم في زمن النبي -ﷺ-: قد صبأ. أي خرج من دين إلى دين. \"تهذيب اللغة\" ١٢/ ٢٥٧ (صبأ).\n(٥) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٦) تفسير عبد الرزاق: ٢/ ٣٢٨، \"جامع البيان\" ٢٩/ ١٥٦ بمعناه، و\"ابن كثير\" ٤/ ٤٧٢، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٣٣٠ وعزاه إلى أبي نعيم في \"الحلية\" وابن المنذر.\nكما وردت رواية عكرمة من طريقه إلى ابن عباس في \"المستدرك\" ٢/ ٥٥٦، في التفسير باب تفسير سورة المدثر، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي، وانظر رواية عكرمة عن ابن عباس أيضًا في: \"أسباب النزول\" للواحدي: تح أيمن شعبان: ٣٨١، و\"لباب النقول\" للسيوطي: ٢٢٣، و\"جامع البيان\" ٢٩/ ١٥٦.\nوعن مجاهد في: \"جامع النقول في أسباب النزول\" ٢/ ٣٢٣.\nورواه الطبراني مختصرًا، وفيه إبراهيم بن يزيد الخوزي، وهو متروك. انظر: \"مجمع الزوائد\" ٧/ ١٣١، وانظر: \"لباب النقول\" مرجع السابق.\n(٧) بياض في (ع).","vol":"22","page":426},{"text":"يخاطبونه فيعلمون أنه غير مجنون، قالوا (١): فنقول: إنه شاعر. قال: هم العرب يعلمون الشعر، ويعلمون أن ما أتى به ليس بشعر. قالوا: فنقول: إنه كاهن. قال: إنهم قد لقوا الكهان، فإذا سمعوا قوله لم يجدوه يشبه الكهانة فيكذبونكم، ثم انصرف إلى منزله، فقالوا: صبأ الوليد، فقال ابن أخيه أبو جهل بن هشام بن المغيرة: أنا أكفيكموه، فانطلق حتى دخل عليه محزونًا، فقال: مالك يا ابن أخي؟ فقال: إنك قد صبوت لتصيب من طعام محمد وأصحابه، وهذه (٢) قريش تجمع لك مالًا لتكون عوضًا فيما تقدر أن تأخذ من أصحاب محمد، فقال: والله ما يسمعوني (٣)، فكيف أقدر أن أخذ منهم مالًا؟ ولكني أكثرت حديث النفس في أمر هذا الرجل، وتفكرت في شأنه، فقوله قول ساحر، والذي يأتي به سحر (٤). فذلك قوله: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ﴾، قال ابن عباس: يريد في القرآن (٥).\nوقال مقاتل: في محمد، وقدر مع نفسه ماذا يقول له (٦). فأنزل الله تعالى: ﴿فَقُتِلَ﴾ قال ابن عباس (٧)، (ومقاتل (٨» (٩)، والمفسرون (١٠):\n_________\n(١) في (أ): قال.\n(٢) في (أ): وهذا.\n(٣) في (ع): ما يشبهون.\n(٤) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٥) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٦) \"تفسير مقاتل\" ٢١٦/ أ، وقد ورد مثل قوله من غير عزو في \"بحر العلوم\" ٣/ ٤٢٢.\n(٧) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٨) \"تفسير مقاتل\" ٢١٥/ ب، ٢١٦/ أ.\n(٩) ساقط من: (أ).\n(١٠) قال بذلك: الزجاج في: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٤٦، والسمرقندي في: =","vol":"22","page":427},{"text":"لُعن؛ وذكرنا ذلك عند قوله: ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ﴾ (١) و﴿قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [التوبة: ٣٠].\nقوله تعالى: ﴿كَيْفَ قَدَّرَ﴾ قال صاحب النظم: يجوز أن يكون هذا منتظمًا بما قبله على معنى: فلعن علي أي حال قدر ما قدر، كما يقال في الكلام: لأقتلنه كيف صنع، أي على أي حال كانت فيه.\nويجوز أن يكون منقطعًا بما قبله مستأنفًا؛ لأنه لما قال: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (١٨) فَقُتِلَ﴾، كان هذا تمامًا، ثم قال على الإنكار، والتعجب (٢): ﴿كَيْفَ قَدَّرَ﴾، كما تقول (٣) للرجل إذا أتى منكرًا: كيف فعلت هذا (٤).\nوقوله: ﴿ثُمَّ قُتِلَ﴾، أي عوقب بعقاب آخر.\n﴿كَيْفَ قَدَّرَ﴾ في إبطال الحق، تقديرًا آخر. ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾، أي في طلب ما يدفع به القرآن ويرده. قال الكلبي (٥)، ومقاتل (٦): خلا، فنظر، وتفكر فيما\n_________\n= \"بحر العلوم\" ٣/ ٤٢٢، والثعلبي في: \"الكشف والبيان\" ١٢: ٢٠٩/ أ، والبغوي في: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤١٦، وابن الجوزي في: \"زاد المسير\" ٨/ ١٢٥، والقرطبي في: \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٧٣.\n(١) سورة الذاريات: ١٠، ومما جاء في تفسيرها: قال الواحدي: \"قال جماعة المفسرين، وأهل المعاني: لعن الكذابون. قال ابن الأنباري: هذا تعليم لنا الدعاء عليهم، معناه قولوا: إذا دعيتم عليهم: ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ (١٠)﴾ قال: والقتل إذا أخبر عنه الله به كان بمعنى اللعنة.\n(٢) في (ع): التعجيب.\n(٣) في (ع): يقال.\n(٤) ورد قول صاحب النظم في الوسيط: ٤/ ٣٨٣ إلى قوله: على أي حال كانت فيه.\n(٥) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٦) \"تفسير مقاتل\" ٢١٦/ أ، و\"النكت والعيون\" بمعناه: ٦/ ١٤٢، والعبارة عنه: \"إنه نظر إلى الوحي المنزل من القرآن\".","vol":"22","page":428},{"text":"يقول لمحمد -ﷺ- والقرآن.\n﴿ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ﴾ قال مقاتل: كلح (١) وتغير لونه (٢).\nوقال أبو عبيدة: كره وجهه، وأنشد (قول) (٣) توبة (٤)\nوقَدْ رَابَني مِنها صُدُودٌ (٥) رَأيْتُهُ ... وإعْراضُها عَنْ حَاجَتي وبُسُورُها (٦) (٧)\nوقال (٨) أبو إسحاق: نظر بكراهة شديدة (٩).\nقال الليث: (عَبَس يَعْبِسُ فهو عَابس، إذ قطَّب ما بين عينيه، فإن أبدى (١٠) عن أسنانه في عبوسته، قيل: كلح (١١» (١٢)، فإن اهتم لذلك\n_________\n(١) الكلُوح: العبوس، يقال: كَلَحَ الرجل، وأكْلَحَهُ الهمُّ. النهاية في \"غريب الحديث\" ٤/ ١٩٦.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ٢١٦/ أ.\n(٣) ساقطة من: (أ).\n(٤) توبة هو: توبة بن الحمير، من بني عُقَيْل بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، وكان شاعرًا لصًّا، واحد عشاق العرب المشهورين. انظر: \"الشعر والشعراء\" ٢٨٩.\n(٥) صدودًا: في كلا النسختين.\n(٦) في (أ): نشورها.\n(٧) ورد البيت في \"جامع البيان\" ٢٩/ ١٥٦، و\"النكت والعيون\" ٦/ ١٤٢، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٧٤ برواية \"صدود\"، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٤٧٢، و\"فتح القدير\" ٥/ ٣٢٧، و\"الجامع\" و\"فتح القدير\" لم ينسباه.\nوكلام أبي عبيدة في: \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٧٥.\n(٨) في (أ): قال.\n(٩) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٤٧ بنصه.\n(١٠) في (أ): أبدأ.\n(١١) بياض في (ع).\n(١٢) ما بين القوسين من كلام الليث. انظر: \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١١٥: (عبس) بتصرف.","vol":"22","page":429},{"text":"وفكر فيه، قيل (١): بسر (٢)، فإن غضب مع (٣) ذلك قيل: بسل (٤).\nوقال (٥) الكلبي: مر الوليد على (٦) أصحاب رسول الله -ﷺ- وهم جلوس (٧)، فقالوا: هل لك إلى خير الإسلام؟ فعبس في وجوههم وبسر، ثم ولى مستكبرًا وقال: ما يقول صاحبكم إلا (٨) سحرًا (٩)، فذلك قوله:\n﴿ثُمَّ أَدْبَرَ﴾ (إلى أهله مكذبًا) (١٠). ﴿وَاسْتَكْبَرَ﴾ تعظم عن الإيمان.\nوقال مقاتل: أدبر عن الإيمان (١١)، وتكبر حين دعي إليه (١٢).\n﴿فَقَالَ إِنْ هَذَا﴾، ما هذا القرآن (١٣) ﴿إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾، يأثره محمد عن مسيلمة (١٤).\n_________\n(١) بياض في (ع).\n(٢) البَسْرُ: القهر، وبسر يبسر بسرًا وبُسُورًا: عبس. وبسر الرجل وجهه بسورًا، أي: كلح. \"لسان العرب\" ٤/ ٥٨: مادة: (بسر).\n(٣) بياض في (ع).\n(٤) البسل: الكريه الوجه. انظر: معجم \"مقاييس اللغة\" ١/ ٢٤٩: مادة: (بسل).\n(٥) في (أ): قال.\n(٦) قوله: مر الوليد على: بياض في (ع).\n(٧) بياض في (ع).\n(٨) في (أ): ألا.\n(٩) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(١٠) ما بين القوسين ساقط من: (أ).\n(١١) قوله: أدبر عن الإيمان: غير واضحة في (ع).\n(١٢) \"تفسير مقاتل\" ٢١٥/ ب. قال: أعرض عن الإيمان.\n(١٣) بياض في (ع).\n(١٤) روى هذا القول الثعلبي بصيغة \"قيل\" انظر: \"الكشف والبيان\" ١٢/ ٢٠٩/ أ.","vol":"22","page":430},{"text":"وقال الكلبي: يأثره عن أهل بابل (١) (٢).\nقالا (٣): قال الوليد لقومه لما سألوه عن قوله في محمد بعد ما تفكر ونظر: إن محمدًا ساحر، والذي يقوله سحر، ألا ترونه كيف فرق بين فلان وأهله، وبين فلان وابنه وأخيه؟ فذلك قوله: ﴿إنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ وهو من قولهم: أثرت الحديث أثرًا، إذا حدثت به عن قوم في آثارهم، أي: بعد ما ماتوا. هذا هو الأصل، ثم صار بمعنى الرواية عمن كان، والإخبار، ومنه حديث عمر -﵁-: \"فما حلفت بها ذاكرًا ولا آثرًا\" (٤).\n_________\n(١) لم أعثر على مصدر لقوله. وقد أورده الثعلبي بصيغة \"قيل\" من غير عزو.\n(٢) بابل: مدينة قديمة بأرض الرافدين، كانت قاعدة إمبراطورية بابل، وتقع على الفرات إلى الشمال من المدن التي ازدهرت في جنوب أرض الرافدين منذ الألف الثالثة ق. م. وعند ياقوت الحموي أن بابل اسم ناحية منها: الكوفة، والحِلة؛ ينسب إليها السحر. وقيل: بابل العراق، وقيل غير ذلك.\nانظر: \"معجم البلدان\" ١/ ٣٠٩، و\"الموسوعة العربية الميسرة\" ١/ ١٩٦.\n(٣) لعله أراد مقاتلًا والكلبي.\n(٤) ورد قوله في \"غريب الحديث\" لأبي عبيد ٣/ ٤٢٧ رقم ٥١١، و\"غريب الحديث\" لابن الجوزي ١/ ١٠، و\"الفائق\" للزمخشري ١/ ٢٣، و\"مسند الإمام أحمد\" ١، ٣٦، ج: ١٢/ ٧ - ٨، و\"البخاري\" ٣/ ٢١٨ ح: ٦٦٤٧: \"كتاب الأيمان\" باب ٤، و\"صحيح مسلم\" ١٢٦٦/ ٣ ح: ٢: \"كتاب الأيمان\" باب ١.\nونص الحديث كما هو عند البخاري: \"قال ابن عمر: سمعت عمر يقول: قال لي رسول الله -ﷺ-: إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، قال عمر: فوالله ما حلفت بها منذ سمعت النبي -ﷺ- ذاكرًا ولا آثرًا\".\nومعنى قوله: \"ذاكرًا\" أراد متكلمًا به -وليس من الذكر بعد النسيان- وقوله: \"ولا آثرًا\" يريد مخبرًا عن غيري أنه حلف بقول: لا أقول إن فلانًا قال: وأبي لا أفعل كذا وكذا.\nانظر (أثر) في: \"تهذيب اللغة\" ١٥/ ١٢، و\"معجم مقاييس اللغة\" ١/ ٥٣ - ٥٤.","vol":"22","page":431},{"text":"وقال عطاء عن ابن عباس: يؤثر على جميع السحر (١). وعلى هذا هو من الإيثار.\nقوله تعالى: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾، يعني مسيلمة، أو أهل بابل في قول الكلبي.\nوقال مقاتل: يعني يسارًا أبا فكيهة، قال: هو الذي يأتيه به من مسيلمة (٢).\nوقال عطاء: يريد آية (٣) الشعر (٤)، أو المعنى: أنه كلام الإنس، وليس من الله.\nقال الله تعالى: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ (أي سأدخله النار، وسقر: اسم من أسماء جهنم. لا ينصرف للتعريف والتأنيث) (٥).\nقال ابن عباس: وهي الطبق السادس من جهنم (٦).\nثم ذكر عظم (٧) شأن سقر فقال: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ﴾ (تأويله: وما أعلمك أي شيء سقر) (٨).\nثم أخبر عنها تعظيمًا لشدتها فقال: ﴿لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ﴾\n_________\n(١) لم أعثر على مصدر لما ذكره.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ٢١٥/ ب.\n(٣) في (أ): أيمة. لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٤) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٥) ما بين القوسين نقله الزجاج من \"معاني القرآن وإعرابه\" بتصرف: ٥/ ٢٤٧.\n(٦) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٧) في (ع): عظيم.\n(٨) ما بين القوسين نقله بنصه عن الزجاج من: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٤٧.","vol":"22","page":432},{"text":"قال عطاء عن ابن عباس: لا تبقيه حتى تصير فحمًا، ثم تعاد خلقًا جديدًا، فلا تذره حتى يعود عليه بأشد مما كانت -هكذا- أبدًا (١).\nوقال الكلبي: لا تبقي له لحمًا إلا أكلته، ولا تذرهم (٢) إذا أعيدوا خلقًا جديدًا (٣).\nوقال مقاتل: لا تبقي النار عليهم إذا واقعتهم حتى تأكلهم، ولا تذرهم إذا بدلت جلودهم حتى تواقعهم (٤).\nوقال الضحاك (٥): إذا أخذت فيهم لم تبق منهم (٦) شيئًا (٧)، وإذا أعيدوا لم تذرهم حتى تفنيهم (٨).\nوقال السدي: لا تبقي لهم لحمًا، ولا تذر (٩) لهم عظمًا (١٠).\nقوله تعالى (١١): ﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾\nقال الليث: (لاحه العطش ولوَّحه إذا غيره، والتاح إذا عطش (١٢)،\n_________\n(١) بمعناه في: \"التفسير الكبير\" ٣٠/ ٢٠٢.\n(٢) قوله: إلا أكلته ولا تذرهم: بياض في (ع).\n(٣) لم أعثر على مصدر لقوله، وقد أورده الواحدي في الوسيط من غير عزو: ٤/ ٣٨٤.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ٢١٦/ أ.\n(٥) بياض في (ع).\n(٦) في (أ): فيهم.\n(٧) بياض في: ع.\n(٨) ورد قوله في \"الكشف والبيان\" ج: ١٢: ٢٠٩/ أ، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٤١٦.\n(٩) بياض في (ع).\n(١٠) \"الكشف والبيان\" ج: ١٢: ٢٠٩، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٤١٦.\n(١١) ساقطة من: (ع).\n(١٢) إذا عطش بياض في (ع).","vol":"22","page":433},{"text":"ولاحه البرد، والسُّقم، والحزن، وأنشد غيره (١):\nولم يَلُحْها حزنٌ على ابنمٍ ... ولا أخ ولا أبٍ (٢) فَتَسْهُمِ (٣» (٤)\nقال أبو عبيدة: ﴿لَوَّاحَهٌ﴾ مغيِّرَةٌ، وأنشد (٥):\n(يا بنت عمِّي لاحَني الهواجر (٦» (٧)\nوالبشر: جمع بشرة، وهي الجلد (٨).\nقال الكلبي: يعني تسود بشرة من يطرح فيها (٩).\nوقال [أبو رزين] (١٠): يلفح الجلد لفحة فتدعه أشد سوادًا من\n_________\n(١) بياض في (ع).\n(٢) ولا أب ولا أخ: هكذا وردت في (ع).\n(٣) البيت غير منسوب. وقد ورد تحت مادة: (لوح) في: \"تهذيب اللغة\" ٥/ ٢٤٨، و\"لسان العرب\" ٢/ ٥٨٥، و\"تاج العروس\" ٢/ ٢١٩ غير منسوبة في جميعها.\n(٤) ما بين القوسين نقلًا عن \"تهذيب اللغة\" ٥/ ٢٤٨ (لوح).\n(٥) غير منسوب.\n(٦) والبيت كما هو عند القرطبي:\nتقول ما لاحك يا مسافر ... يا ابنة عمي لاحني الهواجر\n\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٧٦، و\"الكشف والبيان\" ١٢/ ٢٩/ أبرواية (السمائم) بدلا من (الهواجر)، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٣٩٦، و\"زاد المسير\" ٨/ ١٢٦، و\"روح المعاني\" ٢٩/ ١٢٥ برواية: يا ابنة، وكلها من غير نسبة.\n(٧) ما بين القوسين من قول أبي عبيدة في: \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٧٥ بيسير من التصرف.\n(٨) انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٤٧.\n(٩) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(١٠) أبو زيد: في كلا النسختين. قلت: ولعله تصحيف من الناسخ، وأثبت ما رأيت صحته، وذلك لورود نص القول عن أبي رزين في: الوسيط: المقبوض، والبسيط: تح رأفت عفيفي، و\"جامع البيان\"، والله أعلم.","vol":"22","page":434},{"text":"الليل (١).\nوقال مقاتل: يعني حراقة (٢) الجلد (٣).\nوقال غيره: محرقة للجلد (٤) -وهو معنى، وليس بتفسير-، أي أنها خرق الجلد فتغيره حتى يسود.\nوقال عطاء عن ابن عباس: يلوح لأهلها من مسيرة خمسمائة عام (٥).\n(وهذا قول الحسن (٦)، وابن كيسان (٧» (٨).\nولواحة على هذا القول: من لاح الشيء يلوح إذا لمع نحو (٩) البرق (١٠).\nو﴿البَشَرِ﴾ ليس المراد بها الجلود، وإنما معناها الناس.\nقوله: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَر﴾ قال المفسرون: يقول على النار تسعة عشر\n_________\n(١) لم أعثر على مصدر قول أبي زيد، وقد ورد القول بنصه عن أبي رزين في \"جامع البيان\" ٢٩/ ١٥٩، وانظر: \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٤٧٣. وروي أيضًا عن مجاهد في: \"الكشف والبيان\" ١٢/ ٢٠٩/ أ.\n(٢) بياض في بعض الحروف في (ع).\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ٢١٦/ أ.\n(٤) وهو قول ابن عباس وزيد بن أسلم والضحاك، انظر: \"جامع البيان\" ٢٩/ ١٥٩، و\"الكشف والبيان\" ١٢/ ٢٠٩/ أ - ب، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٣٩٥.\n(٥) \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٧٦.\n(٦) بهذا المعنى جاء في \"الكشف والبيان\" ١٢/ ٢٠٩/ ب، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٤١٦، كما ورد قوله في: \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٣٩٦، و\"الجامع\" للقرطبي ١٩/ ٩٦.\n(٧) المراجع السابقة.\n(٨) ما بين القوسين ساقط من: (أ).\n(٩) بياض في (ع).\n(١٠) انظر: \"تهذيب اللغة\" ٥/ ٢٤٨: مادة، (لوح).","vol":"22","page":435},{"text":"من الملائكة هم خزنتها، مالك ومعه ثمانية عشر ملكًا (١)، أعينهم كالبرق (٢)، وأنيابهم كالصياصي (٣)، وأشعارهم تمس (أقدامهم) (٤) يخرج لهب النار من أفواههم، ما بين منكبي أحدهم مسيرة سنة، يسع كف أحدهم مثل ربيعة (٥)، ومضر، نزعت منهم الرأفة والرحمة، يدفع أحدهم سبعين ألفا، فيرميهم حيث أراد من جهنم (٦).\nقالوا (٧): ولما نزلت هذه الآية، قال اللعين أبو جهل: أما لمحمد\n_________\n(١) حكاه الثعلبي عن أكثر المفسرين: \"الكشف والبيان\" ج: ١٢: ٢٠٩/ ب، كما قال بذلك أيضًا البغوي في: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤١٧، والخازن ٤/ ٣٢٩.\n(٢) البرق: لمعان السحاب، يقال برق، وأبرق، وبرق، يقال في كل ما يلمع نحو: سيف بارق وبَرِق وبَرَق. المفردات: ٤٣: مادة: (برق).\n(٣) الصياصي: أي قرون البقر، واحدتها صيصة -بالتخفيف-، والصيصة أيضًا: الوتد الذي يقلع به التمر، والصِّنَّارة التي يغزل بها وينسج. \"النهاية في غريب الحديث والأثر\": ٣/ ٦٧.\n(٤) ساقط من: (أ).\n(٥) ربيعة: حي من مضر من العدنانية، وهم بنو ربيعة بن نزار بن مضر، وتعرف بربيعة الحمراء، وديارهم ما بين اليمامة والبحرين والعراق. انظر: \"نهاية الأرب\" للقلقشندي: ٢٤٢، و\"جمهرة أنساب العرب\" لابن حزم: ٢٩٢.\n(٦) أورد هذه الرواية مقاتل في تفسيره: ٢١٦/ أ. كما وردت الرواية من طريق ابن جريح مرفوعة وذلك عند الثعلبي في \"الكشف والبيان\" ج: ١٢: ٢٠٩/ ب، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٧٧، كما رويت بالمعنى في: \"بحر العلوم\" ٣/ ٤٢٢، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٤١٧، الكشاف: ٤/ ١٥٩، و\"زاد المسير\" ٨/ ١٢٦، وساق رواية الواحدي الفخر في: \"التفسير الكبير\" ٣٥/ ٢٠٣، و\"لباب التأويل\" ٤/ ٣٢٩.\n(٧) أي المفسرون، وممن قال بذلك: ابن عباس، وقتادة، والضحاك، انظر: \"جامع البيان\" ٢٩/ ١٥٩، و\"الكشف والبيان\" ج: ١٢: ٢٠٩/ ب، و\"النكت والعيون\" ٦/ ١٤٥، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٤١٧، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٧٩، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٣٣٣.","vol":"22","page":436},{"text":"من الأعوان إلا تسعة عشر، يخوفكم بتسعة عشر، وأنتم الدهم (١)، أفتعجز كل مائة منكم أن يبطشوا بواحد (٢) منهم، ثم يخرجون من النار؟ فقال أبو الأشدين (٣) -وهو رجل من بني جمح (٤) -: يا معشر قريش، إذا كان يوم القيامة فأنا أمشي بين أيديكم على الصراط فأدفع عنكم عشرة بمنكبي الأيمن، وتسعة بمنكبي الأيسر (٥)، ونمضي فندخل (٦) الجنة، فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً﴾\nقال (أبو بكر) (٧) بن الأنباري: لما أنزل الله تعالى قوله: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ قال أبو جهل (٨) وأبو الأشدين ما قالا، قال المسلمون: عس (٩) الملائكة إلى الحدادين (١٠).\n_________\n(١) الدهم: العدد الكثير. النهاية: ٢/ ١٤٥\n(٢) بياض في (ع).\n(٣) ورد عند الثعلبي: أبو الأسد بن كلدة بن خلف بن أسد الجمحي. \"الكشف والبيان\" ج: ٢٠٩: ١٢/ ب، وكذا في \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤١٧، وعند الماوردي: أبو الأشد بن الجمحي، و\"النكت والعيون\": ٦/ ١٤٥، وعند ابن عطية: أبو الأشدي الجمحي. المحرر: ٥/ ٣٩٦، وعند ابن كثير: أبو الأشدين كلدة بن أسيد بن خلف. \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٤٧٤.\n(٤) بنو جمح: هم بطن من العدنانية، وهم بنو جمح بن عمرو بن هُصيص بن كعب بن لؤي. انظر: \"صبح الأعشى في صناعة الإنشا\" للقلقشندي: ١/ ٤٠٧، و\"معجم قبائل العرب\" ٢/ ٢٠٢.\n(٥) غير مقروء في (ع).\n(٦) غير مقروء في (ع).\n(٧) ساقط من: (أ).\n(٨) بياض في (ع).\n(٩) غير مقروء في النسختين.\n(١٠) لم أعثر على مصدر لقوله.","vol":"22","page":437},{"text":"والمعنى: عس (١) الملائكة إلى السجَّانين من النار، والحداد: السجان الذي يحبس الناس، فأنزل الله: ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً﴾، يعني خزانها.\n\"إلا ملائكة\" أي: فمن يطيق الملائكة، ومن يغلبهم.\n﴿وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ﴾، أي: عددهم في القلة، وقال مقاتل: قلتهم (٢).\n﴿إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾، قال ابن عباس: يريد ضلاله لهم حتى قالوا ما قالوا (٣).\nوقال أبو إسحاق: أي محنة؛ لأن بعضهم قال: أنا أكفي هؤلاء (٤).\nوالمعنى: جعلنا هذه العدة محنة لهم؟ ليظهروا ما عندهم من التكذيب (٥).\nقوله (٦): ﴿لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾. قال ابن الأنباري (٧)، والزجاج (٨)؛ لأن عدد الخزنة في كتابهم (٩)، فيستيقنوا صدق محمد -ﷺ-، موافقًا (١٠) لما في كتابهم؛ لأنه إذا أخبر بذلك على وفق (١١) ما عندهم\n_________\n(١) غير مقروءة في النسختين.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ٢١٦/ ب، وقد ورد عن الفراء مثله. انظر: \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٠٤.\n(٣) \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٧٩ بنحوه.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٤٨ بيسير من التصرف.\n(٥) قوله: من التكذيب: بياض في (ع).\n(٦) في (ع): فقال.\n(٧) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٨) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣٤٦، نقله عنه بالمعنى.\n(٩) بياض في (ع).\n(١٠) في (ع): موافق.\n(١١) قوله: على \"وفق\" بياض في (ع).","vol":"22","page":438},{"text":"من غير أن [يقرأ] (١)، كتابًا دل ذلك على صدقه، واللام في قوله: ﴿لِيَسْتَيْقِنَ﴾ تتعلق بقوله: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ (٢).\nقال الكلبي: كان ذلك في كتب أهل الكتاب: تسعة عشر، كما نزل على رسول الله -ﷺ- (٣).\nوقال الفراء: ﴿لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ يقينًا إلى يقينهم؛ لأن عدد الخزنة في كتابهم تسعة عشر (٤).\nقال ابن عباس: يعني الذين آمنوا منهم (٥).\nقوله تعالى: ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ قال الفراء: لأنهما (٦) في كتاب أهل الكتاب كذلك (٧).\nوعلى هذا معناه ليزداد مؤمنو أهل الكتاب تصديقًا لمحمد -ﷺ- إذا وجدوا ما يخبرهم به من عدد الخزنة موافقا لما في كتابهم (٨)، فيعلمون أنه صادق. وقال أبو إسحاق: لأنهم كلما صدقوا بما يأتي في كتاب الله زاد إيمانهم (٩). والمعنى على هذا: ويزداد المؤمنون إيمانًا بتصديقهم محمدًا في\n_________\n(١) في النسختين: قرأ، والصواب ما أثبته لاستقامة المعنى به والله أعلم.\n(٢) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٣) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٤) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٠٤، برواية: (عدد) بدلًا من: (عدة).\n(٥) ورد قوله في: \"جامع البيان\" ٢٩/ ١٦١، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٣٩٦، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٨٠.\n(٦) في (أ): لأنهما.\n(٧) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٠٤ بنصه.\n(٨) في (أ): لكتابهم: بدلًا، من: لما في كتابهم.\n(٩) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٤٨ بنصه.","vol":"22","page":439},{"text":"عدد خزنة النار.\nقوله تعالى: ﴿وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾، أي لكيلا (١) يشك هؤلاء في أن خزنة جهنم تسعة عشر.\nقوله: ﴿وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾، أي: شك ونفاق من منافقي المدينة (٢)، (هذا قول ... (٣)، والكلبي (٤)، ومقاتل (٥» (٦).\nوذكر عن الحسين بن الفضل أنه (٧) قال: هذه السورة مكية، ولم يكن بمكة نفاق. فالمرض في هذه الآية لا يكون بمعنى النفاق (٨).\nوقول المفسرين صحيح وإن أنكره؛ لأنه كان في معلوم الله تعالى (ذكره) (٩) أن النفاق سيحدث، فأخبر عما يكون.\nقوله تعالى: ﴿وَالْكَافِرُونَ﴾، قال مقاتل: يعني مشركي العرب (١٠).\n_________\n(١) في (أ): لكي لا.\n(٢) قال بذلك: قتادة في \"جامع البيان\" ٢٩/ ١٦١، وحكاه الثعلبي، وابن الجوزي والفخر عن أكثر المفسرين، انظر: \"الكشف والبيان\" ١/ ٢١٠/ أ، و\"زاد المسير\" ٨/ ١٢٧، و\"التفسير الكبير\" ٣٠/ ٢٠٧، وإلى هذا ذهب البغوي ٤/ ٤١٧.\n(٣) غير مقروء في (ع).\n(٤) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ٢٠٦/ ب، وروايته قال: يعني الشك، وهم اليهود من أهل المدينة.\n(٦) ما بين القوسين ساقط من: (أ).\n(٧) قوله: الفضل أنه: بياض في (ع).\n(٨) ورد قوله في: \"الكشف والبيان\" ١٢/ ٢١٠/ أ، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٣٩٦، و\"زاد المسير\" ٨/ ١٢٧، و\"التفسير الكبير\" ٣٠/ ٢٠٧، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٨٠، و\"البحر المحيط\" ٨/ ٣٧٩، و\"فتح القدير\" ٥/ ٣٣٠.\n(٩) ساقط من: (أ).\n(١٠) \"تفسير مقاتل\" ٢١٦/ ب.","vol":"22","page":440},{"text":"وقال عطاء (١)، (والكلبي (٢» (٣): يعني الكفار من اليهود، والنصارى. والقول قول مقاتل (٤)؛ لأن اليهود والنصارى يؤمنون بما (٥) في كتابهم، فلا ينكرون عدد خزنة النار (٦).\nقوله تعالى: ﴿مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا﴾، مبين في سورة البقرة (٧) إلا أن معنى المثل هناك قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا﴾ [البقرة: ٢٦]، ولم يذكر في هذه \"مثل\" حتى تنكره (٨) الكفار فيقولوا ماذا أراد الله بهذا مثلًا، ومعنى (٩) المثل -هاهنا- الحديث نفسه.\nومنه قوله: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾ [الرعد: ٣٥]، أي: حديثها، والخبر عنها وكذلك قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ﴾ [الفتح: ٢٩]، أي حديثهم والخبر عنه وقصتهم (١٠).\n_________\n(١) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٢) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٣) ساقط من: (أ).\n(٤) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٥) قوله: والنصارى يؤمنون بما: بياض في (ع).\n(٦) قوله: خزنة النار: بياض في (ع).\n(٧) الآية: ٢٦ من سورة البقرة: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾.\n(٨) غير واضحة في (ع).\n(٩) في (أ): وهنا.\n(١٠) لفظ المثل ورد على أربعة أوجه، هي: السنن أو السير، والعبرة، والصفة، والعذاب، وما جاء في الآيتين من سورة الرعد والفتح فالمثل فيها على معنى الصفة أو الشبه. انظر: قاموس القرآن: الدامغاني: ٤٢٨، والوجوه والنظائر في القرآن: القرعاوي: ٥٨٨.\nقال ابن كثير في معنى قوله تعالى: ﴿وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا﴾ أي يقولون: ما =","vol":"22","page":441},{"text":"وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ﴾، أي كما أضل من أنكر عدد الخزنة، ولم يؤمن به، وهدى من صدق ذلك وآمن به.\n﴿يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾.\nوأنزل في قول أبي جهل: أما لمحمد من الجنود إلا تسعة عشر: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾، قال مقاتل: أي من الكثرة (١).\nوذلك أنهم استقلوا ذلك العدد، فأخبر الله تعالى عن كثرة جنوده، بأن أعيانهم وعددهم لا يعلمها إلا هو.\nوقال عطاء: \"جنود ربك\" يعني: من الملائكة الذين خلقهم، يعذبون أهل النار، لا يعلم عدتهم إلا الله (٢).\nوعلى هذا \"تسعة عشر\" هم خزنة النار، ولهم الأعوان والجنود من الملائكة ما لا يعلمه إلا الله.\nثم رجع إلى ذكر سقر فقال: ﴿وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ﴾.\nقال ابن عباس (٣)، (ومقاتل (٤» (٥)، أي: موعظة وتذكرة للعالم.\nوقال أبو إسحاق: جاء في التفسير أن النار في الدنيا تذكر النار في\n_________\n= الحكمة في ذكر هذا هاهنا، قال الله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾، أي: من مثل هذا وأشباهه بتأكيد الإيمان في قلوب أقوام، ويتزلزل عند آخرين، وله الحكمة البالغة والحجة الدامغة. \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٤٧٤.\n(١) \"تفسير مقاتل\" ٢١٦/ ب.\n(٢) \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤١٧.\n(٣) لم أعثر على مصدر لقوله، وقد ورد في الوسيط: ٤/ ٣٨٥ من غير عزو.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ٢١٦/ ب.\n(٥) ما بين القوسين ساقط من: (أ).","vol":"22","page":442},{"text":"الآخرة (١).\nثم أخبر عن عظم شأنها فأقسم على ذلك فقال:\n﴿كَلَّا﴾؛ أي ليس، القول كما يقول من زعم أنه يكفي أصحابه خزنة [النار] (٢)، ﴿وَالْقَمَرِ﴾، قسم، وكذلك.\n﴿وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ﴾، قال ابن عباس: إذا ولى (٣). وقال الكلبي (٤)، ومقاتل (٥): إذا ذهب (٦).\nودبر وأدبر بمعنى واحد. قاله الفراء (٧)، والزجاج (٨). قالا: ومثله: قبل وأقبل، يقال: دبر الليل وأدبر (٩)، إذا ولى ذاهبًا، يدل على هذا قراءة من قرأ (١٠): \"إذا أدبر\" بالألف (١١).\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٨٤ بنصه.\n(٢) النار: لا توجد في النسختين، وأثبتها بدلالة السياق عليها، ولعلها تركت سهوًا من الناسخ، أو تكون العبارة \"الخزنة\" بالألف واللام، وتركت الألف واللام سهوًا.\n(٣) \"النكت والعيون\" ٦/ ١٤٦.\n(٤) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٥) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٦) بياض في (ع).\n(٧) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٠٤.\n(٨) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٦/ ٢٤٨.\n(٩) بياض في (ع).\n(١٠) قوله: قراءة من قرأ: بياض في (ع).\n(١١) قرأ بذلك عبد الله بن مسعود، وأبي، والحسن، وابن السميفع، انظر: \"معاني القرآن\" للفراء: ٣/ ٢٠٤. و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٨٢. وهي قراءة شاذة لعدم صحة سندها، ولعدم ذكرها في كتب التواتر، ولقراءة الحسن وابن السميفع بها، وهم من الشواذ؛ وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وأبو بكر عن عاصم، وابن =","vol":"22","page":443},{"text":"روي أن مجاهدًا سأل ابن عباس عن قوله: \"دبر\" فسكت حتى إذا أدبر الليل قال: يا مجاهد هذا حين دبر الليل (١).\nوروى أبو الضحى أن ابن عباس كان يعيب هذه القراءة (٢)، ويقول: إنما يدبر ظهر البعير (٣).\nوالقرآن عند أهل اللغة سواء على ما ذكرنا - وأنشد (أبو علي) (٤):\nوأبي الذي تَرَكَ المُلُوك وجَمْعَهُم ... بِصُهابَ هَامِدةً كأَمْسِ الدَّابِرِ (٥)\nقال (٦) وقد قالوا أيضًا: كأمس المدبر، والوجهان (في القرآن) (٧) حسنان جميعًا (٨).\n_________\n= عامر، والكسائي: \"إذا أدبر\" بفتح الدال. وقرأ نافع، وعاصم في رواية حفص وحمزة: \"إذا أدبر\" بتسكين الدال. انظر: كتاب السبعة: ٦٥٩، \"الحجة\" ٦/ ٣٣٨، و\"الكشف\" ٢/ ٣٤٧، و\"النشر\" ٢/ ٣٩٣.\n(١) الحجة: ٦/ ٣٣٩، وانظر: \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٣٩٧، و\"التفسير الكبير\" ٣٠/ ٢٠٨، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٨٢، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٣٣٥ وعزاه إلى مسدد في مسنده، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.\n(٢) أي قراءة: \"إذ دبر\".\n(٣) انظر: \"معاني القرآن\" الفراء: ٣/ ٢٠٤، و\"الكشف والبيان\" ج: ١٢: ٢١٠/ ب، و\"التفسير الكبير\" ٣٠/ ٢٠٨، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٨٣.\n(٤) ساقط من: (أ).\n(٥) البيت ورد في \"الحجة\" ٦/ ١٧٥ و٣٣٩، وأنشده، الأصمعي ولم ينسبه، وانظر: \"الخصائص\" لابن جني ٢/ ٢٦٧، و\"لسان العرب\" ١/ ٥٣٣: (صهب).\nومعنى صهب كما في اللسان: \"بين البصرة والبحرين عين تعرف بعين الأصهب\"، كما ورد البيت في \"المحرر\" ٥/ ٢٩٧ برواية: يهضاب، و\"التفسير الكبير\" ٣٠/ ٢٠٨.\n(٦) أي: أبو علي.\n(٧) ما بين القوسين ساقط من: (أ).\n(٨) انظر قوله في \"الحجة\" ٦/ ٣٣٩.","vol":"22","page":444},{"text":"(وقال أبو عبيدة (١)، وابن قتيبة (٢): دبر، أي: جاء بعد النهار) (٣)، يقال: دبرني، أي جاء خلفي، ودبر الليل (٤)، أي: جاء بعد النهار.\nقال قطرب: فعلى هذا معنى \"إذا دبر\" إذا أقبل بعد مضي النهار (٥).\nقوله تعالى: ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ﴾ أي (أضاء، وتبين، ومنه: الحديث \"أسفروا بالفجر\" (٦)، يقول: صلاة الفجر بعد ما تبين ويظهر حتى لا يشك فيه، ومن هذا قوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ﴾ (٧)، أي: مضيئة) (٨).\nثم ذكر المقسم عليه فقال: ﴿إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ﴾.\nيعني (أن) (٩) سقر -التي جرى ذكرها- لإحدى الكبر.\n_________\n(١) \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٧٥ - ٢٧٦.\n(٢) \"تفسير غريب القرآن\" ٤٩٧.\n(٣) ما بين القوسين ساقط من: (أ).\n(٤) في (أ): إذ: وهي زيادة لا معنى لها.\n(٥) \"الكشف والبيان\" ١٢/ ٢١٠/ ب بمعناه، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٤١٨ بمعناه، و\"التفسير الكبير\" ٣٠/ ٢٠٩، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٨٢ بمعناه\n(٦) الحديث -عن رافع بن خديج قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: \"أسْفِروا بالفجر، فإنه أعظم للأجر\". أخرجه الترمذي ١/ ٢٨٩ ح ١٥٤: أبواب الصلاة: باب ما جاء في الإسفار بالفجر. وقال: حديث حسن صحيح، والنسائي في \"سننه\" ١/ ٢٤٩ ح ٥٤٧ - ٥٤٨ المواقيت، باب الإسفار، والإمام أحمد ٥/ ٤٢٩، قال الحافظ ابن حجر: رواه أصحاب السنن وصححه غير واحد: \"فتح الباري\" ٢/ ٥٥.\nجاء في \"النهاية\": ٢/ ٣٧٢: أسفر الصبح إذا انكشف وأضاء.\n(٧) سورة عبس: ٣٨.\n(٨) ما بين القوسين نقله الواحدي عن الأزهري مختصرًا، و\"التهذيب\" ١٢/ ٤٠٠ - ٤٠١.\n(٩) ساقطة من: (أ).","vol":"22","page":445},{"text":"قال مقاتل (١)، (والكلبي (٢» (٣): أراد بـ\"الكبر\" دركات جهنم، وأبوابها، وهي سبعة: جهنم، ولظى (٤)، والحطمة، والسعير، وسقر، والجحيم، والهاوية. أعاذنا الله منها.\nو\"الكبر\" جمع الكبرى (٥)، مثل الصُّغْرى (٦)، والصُّغَر.\nقال المبرد (٧)، وابن قتيبة (٨): إنها لإحدى العظائم، والعُظَم كما يقال: إحدى الدواهي، و\"إحدى\" اسم بني ابتداء [للتأنيث] (٩)، وليس بمعنى (١٠) على المذكر، نحو عصا، وأخرى (١١) -ولعل هذا مما سبق الكلام فيه- (١٢).\nوألف \"إحدى\" مقطوع لا يذهب في الوصل.\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ٢١٦/ ب، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٤١٨، و\"القرطبي\" ١٩/ ٨٣ بمعناه.\n(٢) \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤١٨.\n(٣) ساقط من: (أ).\n(٤) في (أ): لظا.\n(٥) في (أ): الكبرا.\n(٦) في (أ): الصغرى.\n(٧) انظر: \"المقتضب\" ٢/ ٢١٧.\n(٨) \"تفسير غريب القرآن\" ٤٧٩.\n(٩) في: أ، وع: التأنيث، والصواب ما أثبته.\n(١٠) في (ع): مبني.\n(١١) في (أ): أخرا.\n(١٢) عند قوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ البقرة: ١٨٤، و﴿هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ آل عمران: ٧، و﴿أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا﴾ الأنعام: ١٢٣، و﴿هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا﴾ الكهف: ١٠٣، و﴿وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ﴾ الشعراء: ١١١، وغيرها.","vol":"22","page":446},{"text":"(وروي عن ابن كثير أنه قرأ ﴿إنها لَحْدى (١) الكبر﴾ موصولًا حذف الهمزة حذفًا. كما يقال: وَيْلُمِّهِ (٢)، وقد جاء ذلك في الشعر، قال أبو الأسود:\nيا با (٣) المغيرةِ رُبَّ أمرٍ مُعْضلٍ ... قَرَّبْتَه بالنُكر مني والدَّها (٤)\nوأنشد أحمد بن يحيى:\nإن لم أقاتلْ فالبِسوني بُرْقعًا وفَتَحـ ... ـات في اليَدَيْن أربعا (٥)\nوقال الفرزدق:\nفعليَّ إثمُ عطيَّة بن الخَيْطـ ... ـفي وإثمُ التي زجرتْكَ إن لم تَجْهَدِ (٦) (٧)\n_________\n(١) في (أ): لاحدى، وهو خطأ.\n(٢) أي: ويل أمه، فلما حذفت الهمزة صارت: ويلمه، وشاهده قول امرئ القيس:\nوَيْلُمِّها في هواء الجو طالبة ... ولا كهذا الذي في الأرض مطلوبُ\nانظر: الحجة: ٦/ ٣٤٠.\n(٣) في (أ): يا أبا.\n(٤) ورد البيت في ديوانه: ١٧٠: تح محمد آل ياسين برواية: \"مبهم\" بدلًا من \"معضل\"، و\"بالحزم\" بدلًا من \"بالنكر\"، وفي الحجة: ٦/ ٣٤٠ برواية \"فرجته\" بدلًا من \"قربته\"، وانظر: ٣/ ٢١١ و٣٠٧.\nكما ورد منسوبًا إلى أبي الأسود في: \"الأمالي الشجري\" لابن الشجري: ٢/ ١٦، برواية \"فرجته\". \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٣٩٧.\n(٥) غير منسوب، وقد ورد في الحجة: ٣/ ٢١١ و٣٠٦، ٦/ ٣٤٠، ولم ينشد أحمد ابن يحيى هذا البيت، إنما أورد بيتًا آخر، و\"الخصائص\" ٣/ ١٥١، و\"المحتسب\" ١/ ١٢٠، و\"المحرر\" ٥/ ٣٩٨، والشاهد فيه: أنه حذف الهمزة حذفًا ولم يخفف على القياس في \"فالبسوني\".\n(٦) قوله: إن لم تجهد: في مقروء في (ع).\n(٧) لم أعثر عليه في ديوانه، وقد ذكر محقق الحجة أيضًا أنه لم يعثر عليه في ديوانه. انظر: الحجة: ٦/ ٣٤١.","vol":"22","page":447},{"text":"وهذا مثل قراءة ابن كثير، ألا ترى أن \"لإح\" من قوله \"لإحدى\" مثل واث، من قوله \"وإثم التي\". وليس هذا الحذف (١) بقياس، والقياس التخفيف، وهو أن يجعل بين بين، ولكنه وجد الهمزة تحذف حذفًا في بعض المواضع فجرى (٢) عليه، وفي (٣) حذفه الهمزة من \"لإحدى\" ضعف؛ لأنه إذا حذفتها (٤) بقي بعدها حرف ساكن يكون أول الكلمة بعد الحذف [ولهذا] (٥) لم تخفف الهمزة أولًا؛ لأن التخفيف تقريب من الساكن، فإن لا يكون ما يلزم له إلا الابتداء بالساكن أجدر؛ ووجهه على ضعفه: أن اللام اللاحقة أول الكلمة لما لم تفرد صار بمنزلة ما هو من نفس الكلمة، فصار حذف الهمزة كأنه حذف في تضاعيف الكلمة، ومن ثم قالوا: \"لهو\" (٦) فخففوه كما خففوا \"عضْدًا\"، ونحوه مما هو كلمة واحدة) (٧).\nقوله تعالى: ﴿نَذِيرًا لِلْبَشَرِ﴾ قال عطاء عن ابن عباس: يريد قم نذيرًا للبشر (٨).\nوذكر النحويون هذا القول في نصب \"نذيرًا\" ذكره الكسائي (٩)،\n_________\n(١) بياض في (ع).\n(٢) في (أ): فجرا.\n(٣) في (أ): في.\n(٤) في (أ): حذفها.\n(٥) في (أ): إذا، وفي (ع): وإذا، والمثبت من الحجة، وبه يستقيم المعنى.\n(٦) الحج: ٥٨ ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾.\n(٧) ما بين القوسين نقله الإمام الواحدي عن أبي على الفارسي بتصرف. انظر: \"الحجة\" ٦/ ٣٣٩ - ٣٤١.\n(٨) \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٨٤.\n(٩) \"الوسيط\" ٤/ ٣٨٥.","vol":"22","page":448},{"text":"والزجاج (١).\nوقال (٢) الفراء: وليس ذلك بشيء (٣) -والله أعلم-؛ لأن الكلام قد حدث بينهما شيء كثير، ونصبها بالقطع من المعرفة؛ لأن (إحدى الكبر) معرفة، فقطعت منه. قال: ويجوز أن يكون النذير بمعنى الإنذار.، والمعنى: أنذر إنذارًا للبشر. ودل قوله: ﴿لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ (٢٨) لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ على أنذر بها (٤).\nوذكر أبو إسحاق: القول الأول فقال: نصب \"نذيرًا\" على الحال. وقال: وذكِّر [نذيرًا] (٥)؛ لأن معناه معنى العذاب، أو أراد ذات إنذار، كقولهم: امرأة طاهر وطالق (٦).\nقال أبو علي الفارسي في قوله: ﴿نَذِيرًا لِلْبَشَرِ﴾ قولان:\nأحدهما: أن يكون حالًا من \"قم\" المذكورة (٧) في أول (٨) السورة (٩).\nوالآخر: أن يكون حالًا من قوله: ﴿لَإِحْدَى الْكُبَرِ﴾، وليس يخلو\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٤٩، وعبارته قال: \"ويجوز أن يكون (نذيرًا) منصوبًا مُعلقًا بأول السورة على معنى: \"قم نذيرًا للبشر\".\n(٢) في (ع). قال: بغير واو.\n(٣) يعني القول بنصب \"نذيرًا\" على معنى: قم نذيرًا للبشر.\n(٤) \"معاني القرآن\" بيسير من التصرف.\n(٥) ساقط من النسختين، وما أثبتاه من \"معاني القرآن وإعرابه\" للزجاج، ولا يستقيم المعنى إلا بإثباتها.\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٤٩ بتصرف.\n(٧) في (أ): المذكور.\n(٨) سقط حرف اللام من أول النسخة: أ.\n(٩) ورد هذا القول في \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٨٤.","vol":"22","page":449},{"text":"الحال من أن يكون المضاف، أو من المضاف إليه، فإن كان من المضاف إليه، كان القائل فيه \"ما في\" \"إحدى\" من معنى التفرد، وإن كان المضاف إليه كان العامل فيه ما في \"الكُبر\" من معنى الفعل، وفي كلا (١) الوجهين ينبغي أن يكون \"نذيرًا\" مصدرًا؛ لأن المضاف مؤنث، والمضاف إليه مؤنث مجموع، والمصدر قد يكون حالًا من الجميع، كما يكون حالًا من المفرد تقول: جاء وأركض (٢)، كما تقول: جاء ركضًا (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4707>٣٧ </span>- قوله: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ﴾، \"لمن \" بدل من قوله: \"للبشر\" (٤)، وهو كقوله: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ﴾ (٥).\nقوله: \"أن يتقدم\"، أي: في الخير والإيمان.\n\"أو يتأخر\" عنه. والمعنى: قد حصل الإنذار لكل أحد لمن آمن وصدق، ولمن عصى وكفر، وهذا تهديد وإعلام أن من تقدم إلى الطاعة، وإلى ما أمر به جوزي بالثواب، وقد سبق له الوعد بذلك، ومن تأخر عما أمر به عوقب، وقد سبق له الإنذار والوعيد. وهذا معنى قول ابن عباس (٦)،\n_________\n(١) في النسختين: كلى.\n(٢) في (ع): وأركضا.\n(٣) لم أعثر على مصدر لقول أبي علي الفارسي. ولقد ذكرت أوجه أخرى كثيرة في قوله: \"نذيرًا\".\nانظر ذلك في: الدر المصون: ٦/ ٤١٩ - ٤٢٠.\n(٤) انظر: إعراب القرآن للنحاس: ٥/ ٧٢، و\"البحر المحيط\" ٨/ ٣٧٩.\n(٥) سورة آل عمران: ٩٧.\n(٦) \"جامع البيان\" ٢٩/ ١٦٤، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٨٤، وعبارته: من شاء أَتبع طاعة الله، ومن شاء تأخر عنها.","vol":"22","page":450},{"text":"(والكلبي (١» (٢)، ومقاتل (٣)، والمفسرين (٤).\nومعنى إضافة المشيئة إلى المخاطبين (٥): التهديد (٦)، كقوله: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩].\nوذكر صاحب النظم، وغيره (٧): أن (هذه) (٨) المشيئة لله -تعالى-\n_________\n(١) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٢) ساقط من: (أ).\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ٢١٧ / أ.\n(٤) ممن قال بذلك: قتادة، والحسن، وابن جريج، ويحيى بن سلام، والسدي. انظر: \"جامع البيان\" ٢٩/ ١٦٤، و\"الكشف والبيان\" ج: ١٢: ٢١١/ أ، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٣٩٨، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٨٤، و\"زاد المسير\" ٨/ ١٢٨. كما ذهب إلى هذا القول السمرقندي في: \"بحر العلوم\" ٣/ ٤٢٣ - ٤٢٤، والبغوي في: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤١٨.\n(٥) في (ع): المخاطبون. وهو خطأ.\n(٦) في قوله: (ومعنى إضافة المشيئة إلى المخاطبين: التهديد) ما يفيد أن الإمام الواحدي قائل بقول الأشاعرة في مسألة فعل العبد حيث ينكرون أن تكون له قدرة مؤثرة، وقد سموا فعله: كسبا. قال د: عبد الرحمن المحمود معلقًا على ذلك: \"والمؤلف ربما زاد على شيوخه حين نفى المشيئة التي للعبد، وأول ظاهر الآية إلى أن المقصود بها التهديد. والذي عليه أهل السنة والجماعة أن للعبد مشيئة بها يختار هذا وهذا. ولكنها خاضعة وداخلة تحت مشيئة الله تعالى، كما قال تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٩)﴾. فللعبد مشيئة حقيقية تليق به، ولله تعالى مشيئة تليق بجلاله وكماله، ولا تنافي بينهما\" انظر: شرح العقيدة الطحاوية: ٩٥، وكتابه محرر بتاريخ ١٨/ ٨/١٨ هـ. من د: عبد الرحمن المحمود.\n(٧) قد أورده الفخرى: \"التفسير الكبير\" ٣٠/ ٢١٠.\n(٨) ساقط من: (أ).","vol":"22","page":451},{"text":"على معنى: لمن شاء (الله) (١) منكم أن يتقدم أو يتأخر (٢).\nقوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾، أي مأحْوذة بحملها.\nقال ابن عباس: مرتهنة في جهنم (٣).\nوقال مقاتل: كل نفس كافرة مرتهنة بذنوبه في النار (٤).\nومن (٥) المفسرين (٦)، وأهل المعاني (٧): من يحمل هذا على العموم، وإلا فيما استثنى فتقول: كل أحد مأخوذ بعمله محاسب به إلى أن يتخلص من يتخلص بفضل الله.\nقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ (٣٩)﴾ من قال إن المرتهنة هي الكافرة، قال: أصحاب اليمين هم المؤمنون. وهو قول عطاء عن ابن عباس (٨)،\n_________\n(١) ساقط من: (أ).\n(٢) وقول صاحب النظم أيضًا فيه نفي المشيئة للعبد، والتعليق عليه بمثل ما جاء في الحاشية السابقة رقم: ٧.\n(٣) بمعناه في \"جامع البيان\" ٢٩/ ١٦٥ والعبارة عنه قال: \"إن كان أحدهم سبقت له كلمة العذاب جعل منزله في النار يكون منها رهنًا، وليس يرتهن أحد من أهل الجنة هم في جنات يتساءلون\".\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ٢١٧/ أ.\n(٥) في: أ: وفي.\n(٦) منهم: قتادة، والحسن، ويحيى بن سلام، والسدي. انظر: \"جامع البيان\" ٢٩/ ١٦٤، و\"الكشف والبيان\" ج: ١٢: ٢١١/ أ، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٣٩٨، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٨٤، و\"زاد المسير\" ٨/ ١٢٨.\nوإلى هذا القول ذهب السمرقندي في: \"بحر العلوم\" ٣/ ٤٢٣ - ٤٢٤، والبغوي في: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤١٨.\n(٧) لم أعثر على مصدر لقولهم.\n(٨) لم أعثر على مصدر لقوله.","vol":"22","page":452},{"text":"(والكلبي (١» (٢)، ومقاتل (٣). قال عطاء: هم المؤمنون (٤).\nوقال الكلبي: هم الذين قال الله فيهم: \"هؤلاء في الجنة ولا أبالي، وهم الذين كانوا على يمين آدم\" (٥).\nقال (٦) مقاتل: هم الذين أعطوا كتبهم بأيمانهم، لا يرتهنون بذنوبهم في النار (٧).\nوروى أبو ظَبْيان عن ابن عباس قال: هم المسلمون (٨). وهذا قول الحسن (٩) (وابن كيسان (١٠» (١١).\nومعنى قول قتادة: (غلق) (١٢) الناس (١٣) كلهم إلا أصحاب\n_________\n(١) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٢) ساقطة من: (أ).\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ٢١٧/ أبمعناه.\n(٤) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٥) الوسيط: ٤/ ٣٨٦.\n(٦) في (ع): وقال.\n(٧) \"تفسير مقاتل\" ٢١٧/ أ، و\"التفسير الكبير\" ٣٠/ ٢١٠.\n(٨) \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٨٥، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٣٣٦ وعزاه إلى ابن المنذر.\n(٩) \"الكشف والبيان\" ج: ١٢: ٢١١/ أ، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٣٩٨، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٨٥، و\"البحر المحيط\" ٨/ ٣٧٩.\n(١٠) المراجع السابقة عدا \"الكشف والبيان\".\n(١١) ساقطة من: (أ).\n(١٢) في كلا النسختين: خلق، وما أثبته نقلًا عن \"جامع البيان\" ٢٩/ ١٦٥، و\"الكشف والبيان\" ج: ١٢: ٢١١/ ب، وذكر في \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤١٨ علق، وكذا \"الدر المنثور\" ٨/ ٣٣٦.\n(١٣) في (أ): الإنسان.","vol":"22","page":453},{"text":"اليمين (١).\nأي بقوا مرتهنين لا يفك رهانهم. وهذا من صفة الكفر.\nومن أجاز أن يكون المسلمون من جملة من عني بقوله \"كل نفس بما كسبت\" قال في أصحاب اليمين: هم أطفال المسلمين. وهو قول: علي (٢)، وابن عمر (٣) (﵄) (٤)، ومجاهد (٥)، (واختيار الفراء (٦)، والزجاج (٧» (٨).\n_________\n(١) المراجع السابقة.\n(٢) هو علي بن أبي طالب، وقد ورد قوله في: تفسير الإمام مجاهد: ٥/ ٦٨٥، و\"معاني القرآن\" للفراء: ٣/ ٢٠٥، و\"جامع البيان\" ٢٩/ ١٦٥، و\"بحر العلوم\" ٣/ ٤٢٤، و\"النكت والعيون\" ٦/ ١٤٨، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٤١٨، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٣٩٨، و\"زاد المسير\" ٨/ ١٢٩، و\"التفسير الكبير\" ٣٠/ ٢١٠، و\"الجامع للأحكام القرآن\" ١٩/ ٨٥، و\"البحر المحيط\" ٨/ ٣٧٩، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٣٣٦، وعزاه إلى عبد الرزاق -ولم أجده في تفسيره- والفريابي، وسعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وانظر: \"المستدرك\" ٢/ ٥٠٧: كتاب التفسير: تفسير سورة المدثر: وصححه الحاكم ووفقه الذهبي. و\"الدر المنثور\" ٨/ ٣٣٦ وعزاه إلى سعيد بن منصور وابن أبي شيبة، وابن المنذر.\n(٣) \"الدر المنثور\" ٨/ ٣٣٦، وعزاه إلى سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وابن المنذر.\n(٤) ساقطة من: (ع).\n(٥) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٦) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٠٥.\n(٧) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٤٩.\n(٨) ما بين القوسين ساقط من: (أ).","vol":"22","page":454},{"text":"قال الفراء: وهو شبيه بالصواب؛ لأن الوِلْدان [لم] (١) يكتسبوا (٢) إثمًا يرتهنون به؛ لأن في قوله: ﴿يَتَسَاءَلُونَ (٤٠) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (٤١) مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢)﴾ ما يقوي أنهم الولدان؛ (لأنهم) (٣) لم يعرفوا الذنوب، فسألوا: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَر (٤٢)﴾ (٤):\nقال الكلبي: ما أدخلكم (٥).\nوقال مقاتل: ما جعلكم في سقر. مال: وذلك لما أخرج الله أهل التوحيد من النار، قال المؤمنون: أصحاب اليمين لمن بقي في النار من الكفار: \"ما سلككم في سقر\" يقولون: ما حبسكم في النار (٦)؟ فأجابوهم عن أنفسهم، فقالوا:\n﴿لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ لله في الدنيا، أي من الموحدين. قاله عطاء (٧).\nوقال الكلبي: يعني من المسلمين (٨).\n﴿وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ﴾، أي: لم نك نتصدق على المساكين، ولا نطعمهم في الله. (قاله عطاء، والكلبي (٩)، ومقاتل (١٠».\n_________\n(١) لم: ساقطة من النسختين، وما أثبته من \"معاني القرآن\" للفراء: ٣/ ٢٠٥، وهو الصواب لاستقامة المعنى به.\n(٢) في: (أ، ع): يكتسبون، وهو خطأ عند إثبات لم.\n(٣) ساقطة من: (أ).\n(٤) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٠٥ بيسير من التصرف.\n(٥) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٦) \"تفسير مقاتل\" ٢١٦/ أ، و\"زاد المسير\" ٨/ ١٢٩.\n(٧) لم أعثر على مصدر لقوله. وعبارة: (قوله عطاء) ساقط من: (أ).\n(٨) و(٩) لم أعثر على مصدر لقولهم.\n(١٠) \"تفسير مقاتل\" ٢١٧/ أبمعناه. وما بين القوسين ساقط من: (أ).","vol":"22","page":455},{"text":"﴿وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ﴾، قال ابن عباس: نكذب مع المكذبين (١).\nوقال الكلبي (٢)، ومقاتل (٣): نخوض مع أهل الباطل في الباطل والتكذيب.\nوقال قتادة: أي كلما غوى غاوٍ غوينا (٤) معه (٥).\nقال أبو إسحاق: أي نتبع الغاوين (٦).\n﴿وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾، أي: بيوم الجزاء، والثواب، والعقاب.\n﴿حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ﴾، أي: الموت. قاله ابن عباس (٧) والمفسرون (٨)، وهذا كقوله: ﴿حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ (٩).\nوالمعنى (١٠): كنا نقول إن يوم القيامة غير كائن، وبقينا على ذلك حتى الموت ومتنا عليه.\n_________\n(١) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٢) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ٢١٧/ أبمعناه.\n(٤) في (أ): وغوينا.\n(٥) \"جامع البيان\" ٢٩/ ١٦٦، و\"النكت والعيون\" ٦/ ١٤٨، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٣٩٩، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٨٦، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٤٧٦.\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٤٩ بنصه.\n(٧) \"الدر المنثور\" ٨/ ٣٣٧، وعزاه إلى ابن أبي حاتم.\n(٨) قال بذلك السدي. انظر: \"النكت والعيون\" ٦/ ١٤٨، وممن قال به أيضًا: ابن جرير، والسمرقندي، والثعلبي: \"جامع البيان\" ٢٩/ ١٦٦، و\"بحر العلوم\" ٣/ ٤٢٤، و\"الكشف والبيان\" ج: ١٢: ٢١١/ أ، كما ذهب إليه: البغوي، وابن عطية. انظر: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤١٩، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٣٩٩.\n(٩) سورة الحجر: ٩٩: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾.\n(١٠) في: (أ): معنا.","vol":"22","page":456},{"text":"قال الله -تعالى-: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾، قال عطاء عن ابن عباس: يريد شفاعة الملائكة والنبيين، كما نفعت الموحدين (١).\nوقال مقاتل: لا تنالهم شفاعة الملائكة والنبيين (٢).\nوقال الحسن: حل عليهم غضب الله، فلم تنفعهم شفاعة ملك، ولا شهيد، ولا مؤمن (٣).\nوقال عمران بن حصين: الشفاعة نافعة لكل أحد دون هؤلاء الذين تسمعون (٤).\nوقال كعب: لا تزال الشفاعة تجوز حتى تبلغ أهل هذه الآيات: ﴿لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ إلى آخرها (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4708>٤٩ </span>- قوله تعالى: ﴿فَمَا لَهُمْ﴾، يعني كفار قريش حين نفروا عن القرآن.\n﴿عَنِ التَّذْكِرَةِ﴾، أي عن التذكرة بمواعظ القرآن.\n﴿مُعْرِضِينَ﴾، نصب على الحال (٦)، أي: أي شيء لهم، وهم معرضون عن التذكرة. والمعنى: لا شيء لهم في الآخرة إذ أعرضوا عن القرآن فلم يؤمنوا به.\nثم شبههم في نفورهم عن القرآن بحمر نافرة (فقال:\n_________\n(١) الوسيط: ٤/ ٣٨٧، و\"فتح القدير\" ٥/ ٣٣٣ من غير عزو.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ٢١٧/ أ.\n(٣) الوسيط: ٤/ ٣٨٧.\n(٤) \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤١٩.\n(٥) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٦) انظر: \"الكشف والبيان\" ١٢: ٢١١/ ب.","vol":"22","page":457},{"text":"﴿كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ﴾) (١) (قال ابن عباس (٢)، وغيره (٣): يريد الحمر الوحشية) (٤). (﴿مُسْتَنْفِرَةٌ﴾، أي: نافرة) (٥) (يقال: نفر، واستنفر، مثل: سخِر، واستسخَر، وعَجِبَ واسْتَعْجَبَ) (٦).\nأنشد أبو عبيدة (٧) (٨)، (وابن الأعرابي (٩)، والفراء (١٠)، والزجاج (١١» (١٢):\nارْبِط حِمارَكَ إنَهُ مُسْتَنْفَرٌ ... في إثْرِ أحْمِرَةٍ عَمَدْنَ لِغُرَّبِ (١٣)\n_________\n(١) ما بين القوسين ساقط من: (أ).\n(٢) \"زاد المسير\" ٨/ ١٣٠، و\"التفسير الكبير\" ٣٠/ ٢١٢، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٨٧، و\"البحر المحيط\" ٨/ ٣٨٠.\n(٣) عكرمة. \"الدر المنثور\" ٨/ ٣٣٩، وعزاه إلى عبد بن حميد.\n(٤) ما بين القوسين ساقط من: (أ).\n(٥) ما بين القوسين ساقط من: (أ).\n(٦) ما بين القوسين نقله الإمام الواحدي عن الحجة: ٦/ ٣٤١.\n(٧) لم أجده في \"مجاز القرآن\".\n(٨) في (أ): فقال، وهي تعتبر لفظة زائدة عند وجود ما أثبته من نسخة: ع، وهو: ابن الأعرابي، والفراء، والزجاج.\n(٩) \"تهذيب اللغة\" ١٥/ ٢١٠، مادة: (نفر) برواية: \"اضرب\" بدلًا من \"اربط\".\n(١٠) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٠٦، برواية: \"أمسك\" بدلًا من: \"اربط\".\n(١١) معاني القرآن وإعرابه: ٥/ ٢٥٠ برواية: \"أمسك\".\n(١٢) ما بين القوسين ساقط من: (أ).\n(١٣) البيت لنافع بن لقيط الفقعسي، وقد ورد في: في: كتاب \"المعاني الكبير\" ٢/ ٧٩٣، و\"لسان العرب\" ١/ ٦٤٨: (غريب) ج: ٥/ ٢٤: مادة: (نفر)، و\"جامع البيان\" ٢٩/ ١٦٨، و\"النكت والعيون\" ٦/ ١٤٨، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٩/ ٨٧، وكلها برواية: \"أمسك\" بدلًا من: \"اربط\"، و\"البحر المحيط\" ٨/ ٣٨٠ برواية: \"عهدن لعرب\"، القراءات وعلل النحويين فيها: ٢/ ٧٢٧. =","vol":"22","page":458},{"text":"(وقرئ \"مُسْتَنْفَرَة\" بفتح الفاء (١). وهي بمعنى مذعورة. يقال: استنفر الوحش وأنفرتها ونفرتها بمعنى واحد) (٢)، واختاره (٣) أبو عبيد قال: لأن أكثر ما تكلم به العرب إذا جعلت الفعل للحمر أن تقول: أنفرت، ولا يكادون يقولون: استنفرت، إذا كانت هي الفاعلة، يقولون: استنفرت، إذا فعل ذلك بها، فهي مستنفرة (٤).\nوقال أبو علي الفارسي: (الكسر في \"مُستنفِرة\" أولى، ألا ترى أنه: قال \"فرت من قسورة\"، وهذا يدل على أنها هي استنفرت) (٥).\nويدل على صحة ما قال أبو علي (أن محمد بن سلام قال: سألت أبا\n_________\n= وموضع الشاهد: \"مستنفر\"، وهو عند أهل الحجاز \"مستنفَر\" بفتح الفاء، وهما جميعًا كثيران في كلام العرب.\nوالمعنى: كف نفسك عن أذى قومك، ولا تطمحن إليهم بالأذى، فإنك قد عرت في شتمهم كما يعير الحمار عند مربط أهله يتبع حمرًا.\nانظر: \"شرح أبيات معاني القرآن للفراء ومواضع الاحتجاج بها\" د. ناصر حسين علي: ٦٠: ش ١١٥.\n(١) قرأ أبو جعفر، ونافع، وابن عامر: مُسْتَنْفَرَة -بفتح الراء، ونصب الفاء-، والمفضل عن عاصم مثله.\nوقرأ ابن كثير، وعاصم، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي: مُستَنْفِرة -بكسر الفاء-.\nانظر: كتاب السبعة: ٦٦٠، و\"الحجة\": ٦/ ٣٤١، و\"المبسوط\": ٣٨٦، و\"كتاب التبصرة\": ٧١٤، و\"تحبير التيسير\": ١٩٤.\n(٢) ما بين القوسين نقله عن الأزهري. انظر: \"تهذيب اللغة\" ١٥/ ٢١٠، مادة: (نفر).\n(٣) أي اختار قراءة فتح الفاء.\n(٤) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٥) ما بين القوسين هو من قول أبي الحسن نقله عنه أبو علي في الحجة: ٦/ ٣٤١ بنصه.","vol":"22","page":459},{"text":"سوار الغنوي (١)، وكان أعرابيًّا فصيحًا، فقلت: كأنهم حمر ماذا؟ قال: مستنفرة طردها قسورة، قلت: إنما هو: فرت من قسورة، قال: أفرَّت؟، قلت: نعم، قال: فمستنفرة إذًا) (٢).\nقوله تعالى: ﴿فَرَّت﴾: يعني الحمر.\n﴿مِنْ قَسْوَرة﴾: اختلفوا في تفسير القسورة: فروى عن ابن عباس فيها أقوالًا، قال في رواية عطاء (٣)، (والكلبي (٤» (٥): إنها الأسد؛ وهو قول: أبي هريرة (٦)، قال هي: الأسد الأسود (٧).\nقال أبو عبيدة (٨)، وابن الأعرابي (٩)، .......\n_________\n(١) أبو سوار الغنوي: روى عن أبيه، عن عمر بن عبد العزيز، روى عنه أبو سلمة موسى بن إسماعيل. انظر: كتاب \"الجرح والتعديل\" ٩/ ٣٤٢: ت: ١٨٢٧.\n(٢) ما بين القوسين عند أبي علي في الحجة: ٦/ ٣٤٢ نقله عنه الإمام الواحدي بنصه.\n(٣) \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤١٩، كما ذكرت الرواية عن ابن عباس من غير ذكر الطريق إلى ابن عباس في: \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٣٩٩، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٨٧، و\"البحر المحيط\" ٨/ ٣٨٠، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٤٧٦.\n(٤) المراجع السابقة، وانظر: الوسيط بين المقبوض والبسيط: ٢/ ٦٢١، وانظر: مادة: (قسر) في: \"تهذيب اللغة\" ٨/ ٣٩٩، و\"لسان العرب\" ٥/ ٩٢.\n(٥) ساقط من: (أ).\n(٦) بياض في (ع).\n(٧) \"جامع البيان\" ٢٩/ ١٧٠، و\"الكشف والبيان\" ١٢: ٢١٣/ أمن غير ذكر الأسود، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٤١٩، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٨٧، و\"لباب التأويل\" ٤/ ٣٣٢، و\"البحر المحيط\" ٨/ ٣٨٠، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٤٧٦، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٣٣٩ وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، وانظر: مجمع الزوائد: ٧/ ١٣٢: تفسير سورة المدثر. وقال الهيثمي: رواه البزار، ورجاله ثقات.\n(٨) \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٧٦.\n(٩) \"لسان العرب\" ٥/ ٩٢: مادة: (قسر).","vol":"22","page":460},{"text":"(والمبرد (١» (٢): القسورة الأسد، مأخوذ من: القسر، وهو: القهر على الكره، سمي بذلك؛ لأنه يقهر السباع.\nقال ابن عباس: الحمر الوحشية إذا عاينت الأسد هربت منه، كذلك هؤلاء المشركون إذا رأوا محمدًا -ﷺ-، أو سمعوه يقرأ، هربوا منه كما تهرب الحمير من الأسد (٣).\nوقال في رواية سليمان (بن قتة) (٤) هي: الأسد بلسان الحبشة (٥) (٦)، وخالف عكرمة فقال: الأسد بلسان الحبشة: عنبسة (٧).\nوقال (٨) في رواية سليم .......\n_________\n(١) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٢) ساقط من: (أ).\n(٣) \"زاد المسير\" ٨/ ١٣٠، و\"التفسير الكبير\" ٣٠/ ٧٩١.\n(٤) ما بين القوسين ساقط من: (أ).\n(٥) الحبشة ويراد به حاليًا أثيوبيا تقع في الجناح الشمالي الشرقي من قارة إفريقيا، أو ما يعرف الآن بالقرن الأفريقي، وأثيوبيا كلمة إغريقية معناها بلاد الأثيوبيين، أي بلاد المحروقة وجوههم، عاصمتها: أديس أبابا، واللغة الرسمية: الأمهرية، تتميز بغزارة أمطارها صيفًا التي تذهب أكثرها إلى بحيرة تانا في الشمال الشرقي. تحوي صادراتها: الحبوب، والبن، والعسل، والجلود، والذهب.\nالعملة الرسمية لها: البِرّ، كانت تدين بالوثنية ثم اعتنقت النصرانية، ودخلتها اليهودية من اليمن ثم دخلها الإسلام في القرن ٧ م.\nانظر: الموسوعة العالمية: ١/ ٨٣ - ٨٧، و\"الموسوعة العربية الميسرة\" ١/ ٥٣.\n(٦) ورد قوله في: \"الكشف والبيان\" ١٢: ٢١٣/ أ، و\"التفسير الكبير\" ٣٠/ ٢١٢ من غير ذكر الطريق إلى ابن عباس.\n(٧) \"جامع البيان\" ٢٩/ ١٦٩، و\"التفسير الكبير\" ٣٠/ ٢١٢.\n(٨) أي ابن عباس.","vol":"22","page":461},{"text":"(بن عبد (١» (٢): هم الرماة (٣). (وهو قول مجاهد (٤)، وأبي موسى الأشعري (٥)، والضحاك (٦)، ومقاتل (٧)، وابن كيسان (٨)، وعكرمة (٩» (١٠).\nوهذا معنى قول من قال في \"القسورة\": إنهم القناص (١١). (وهو رواية\n_________\n(١) سليم بن عبد: لعله: سليم بن عبد السلولي الكناني، كوفي، روى عن حذيفة، روى عنه أبو إسحاق السبيعي.\nانظر: كتاب \"الجرح والتعديل\" ٤/ ٢١٢: ت: ٩١٥.\nأو لعله يراد به: سليمان بن عبد الله السلولي، فقد وردت بمثل هذه الرواية من طريقه عن ابن عباس في: \"جامع البيان\" ٢٩/ ١٦٩، ولم أعثر على ترجمة له.\n(٢) ما بين القوسين ساقط من: أ، وغير مستكمل في: ع بسبب بياض في آخر الكلام.\n(٣) \"جامع البيان\" ٢٩/ ١٦٩.\n(٤) \"جامع البيان\" ٢٩/ ١٦٨، و\"الكشف والبيان\" ج: ١٢: ٢١٢/ ب، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٤١٩، و\"زاد المسير\" ٨/ ١٣٠، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٨٧، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٣٣٩ وعزاه إلى عبد بن حميد، وسعيد بن منصور، وابن المنذر.\n(٥) ورد قوله في: \"جامع البيان\" ٢٩/ ١٦٨، و\"زاد المسير\" ٨/ ١٣٠، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٨٧، الدر: ٨/ ٣٣٩ وعزاه إلى ابن أبي حاتم، وانظر: \"المستدرك\" ٢/ ٥٠٨: كتاب التفسير: تفسير سورة المدثر، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي.\n(٦) \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤١٩، و\"زاد المسير\" ٨/ ١٣٠، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٨٧، و\"الكشف والبيان\" ج: ١٢: ٢١٢/ ب.\n(٧) \"تفسير مقاتل\" ٢١٧/ أ، و\"زاد المسير\" ٨/ ١٣٠.\n(٨) \"زاد المسير\" ٨/ ١٣٠، و\"الكشف والبيان\" ج: ١٢: ٢١٢/ ب، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٨٧.\n(٩) \"جامع البيان\" ٢٩/ ١٦٩، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٨٧.\n(١٠) ما بين القوسين ساقط من: (أ).\n(١١) القانص: الصائد، والقوانص جمع قانصة من القنص: الصيد. النهاية في \"غريب الحديث\" والأثر: ٤/ ١١٢.","vol":"22","page":462},{"text":"عطية عن ابن عباس (١» (٢)، وقول سعيد (بن جبير (٣)، والحسن (٤) \" (٥)؛ يدل على هذا أن الحجاج روى (عن عطاء عن ابن عباس) في \"القسورة\": الرماة، رجال القنص (٦)، فجمع بين اللفظين.\n(روى أبو العباس عن) (٧) ابن الأعرابي في تفسير (القسورة (٨»: وفيها أقوال (لم تروَ عنه) (٩)، قال عكرمة: \"من قسورة\": من ظلمة الليل (١٠).\nقال ابن الأعرابي: القسورة: أول الليل (١١).\nوقال قتادة: القسورة: النَّبْل (١٢).\nوقال (زيد) (١٣) بن أسلم: القسورة: الرجال الأقوياء (١٤).\n_________\n(١) \"جامع البيان\" ٢٩/ ١٦٩، و\"الكشف والبيان\" ج: ١٢: ٢١٢/ ب.\n(٢) ما بين القوسين ساقط من: (أ).\n(٣) المرجعان السابقان، وانظر: \"الدر المنثور\" ٨/ ٣٣٩ وعزاه إلى عبد بن حميد.\n(٤) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٥) ما بين القوسين ساقط من: (أ).\n(٦) \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٣٩٩ من غير ذكر الطريق، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٣٣٩ وعزاه إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم.\n(٧) ما بين القوسين ساقط من: أ، وقد ذكر بدلًا منه لفظ: \"قال\" في نسخة: أ.\n(٨) في (أ): قسورة\n(٩) ما بين القوسين ساقط من: (أ).\n(١٠) \"الكشف والبيان\" ج: ١٢: ٢١٣/ ب، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٤١٩، و\"زاد المسير\" ٨/ ١٣١، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٨٨، و\"فتح القدير\" ٥/ ٣٣٣.\n(١١) \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٨٨، و\"البحر المحيط\" ٨/ ٣٨١.\n(١٢) تفسير عبد الرزاق: ٢/ ٣٣٢، و\"النكت والعيون\" ٦/ ١٤٩، و\"زاد المسير\" ٨/ ١٣١.\n(١٣) ساقط من: (أ).\n(١٤) ورد قوله في: \"الكشف والبيان\" ج: ١٢: ٢١٣/ ب، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٤١٩، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٨٨.","vol":"22","page":463},{"text":"قوله تعالى: ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾ قال المفسرون (١): وذلك أن كفار قريش قالوا لمحمد -ﷺ- ليصبح عند رأس كل منا كتاب منشور من الله: أن آلهتنا باطلة، وأن إلهك حق، وأنك رسوله، نؤمر فيه باتباعك كقوله: ﴿حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ﴾ (٢)، وهذا قول مجاهد (٣)، ومقاتل (٤)، (وقتادة (٥)، والحسن (٦» (٧). قالوا: أرادوا كتبًا تنزل من السماء إلى فلان، وإلى فلان: أن آمنوا بمحمد.\nوقال الكلبي: إنهم قالوا: كنا نحدث أن الرجل من بني إسرائيل إذا أذنب ذنبًا أصبح وعند رأسه صحيفة مكتوبة فيها ذنبه وتوبته: أذنبت كذا وكذا، وكفارتك كذا؛ فإن فعلت بها ذلك آمنا بك (٨). (وهو اختيار\n_________\n(١) ورد قول المفسرين في: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤١٩، و\"زاد المسير\" ٨/ ١٣١، و\"التفسير الكبير\" ٣٠/ ٢١٢، و\"لباب التأويل\" ٤/ ٢٣٢، و\"البحر المحيط\" ٨/ ٣٨١، و\"فتح القدير\" ٥/ ٣٣٣.\n(٢) الإسراء: ٩٣: ﴿وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ﴾.\n(٣) بمعناه في \"جامع البيان\" ٢٩/ ١٧١، و\"النكت والعيون\" ٦/ ١٤٩ مختصرًا، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٨٨، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٣٤٠، وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ٢١٧/ أ.\n(٥) \"جامع البيان\" ٢٩/ ١٧١، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٣٤٠، وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.\n(٦) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٧) ما بين القوسين ساقط من: (أ).\n(٨) \"الكشف والبيان\" ج: ١٢: ٢١٣/ ب، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٢٠، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٨٨.","vol":"22","page":464},{"text":"الفراء (١)، والزجاج (٢» (٣)؛ ويدل على صحته (٤) قوله: ﴿صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾ بلفظ الجمع لكل امرئ منهم، والصحف: الكتب، واحدتها (٥) صحيفة.\nقال الليث: ومن النوادر أن تجمع فعيلة على فُعُل، مثل سفينة وسُفُن، وكان قياسهما: صحائف وسفائن (٦).\nو﴿مُّنَشَّرَةً﴾ معناها منشورة، والتفعيل (٧) للكثرة في الجمع.\nقال الله: ﴿كَلَّا﴾، قال مقاتل: لا يؤتون (٨) الصحف (٩).\n﴿بَلْ لَا يَخَافُونَ الْآخِرَةَ﴾ قال عطاء: أي النار والعقاب (١٠).\nوالمعنى: أنهم لو (١١) خافوا الآخرة لما اقترحوا الآيات بعد قيام الدلالة ووضوح المعجزة، واشتغالهم بالاقتراحات دليل على أنهم لا يخافون النار.\n﴿كَلَّا﴾ أي: حقًّا، ﴿إِنَّهُ﴾، يعني: القرآن، ﴿تَذْكِرَةٌ﴾، تذكير وموعظة، ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ﴾ قال ابن عباس: (اتعظ) (١٢) (١٣).\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٠٦.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٥٠.\n(٣) ما بين القوسين ساقط من: (أ).\n(٤) في (أ): صحة.\n(٥) في (أ): واحدها.\n(٦) \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٢٥٤ مادة: (صحف)، نقله عنه بنصه.\n(٧) في (أ): الفعيل.\n(٨) في (ع): تؤتون.\n(٩) \"تفسير مقاتل\" ٢١٧/ أ، قال: \"لا يؤمنون بالصحف\".\n(١٠) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(١١) زاد في (أ): أنهم، ولم تذكر في (ع)، وهو الصواب، لاستقامة المعنى بدونها.\n(١٢) لم أعثر على مصدر لقوله، وورد من غير نسبة في الوسيط: ٤/ ٣٨٨.\n(١٣) ما بين القوسين ساقط من: (أ).","vol":"22","page":465},{"text":"(﴿وَمَا يَذْكُرُونَ﴾ (١»، قال (٢): يريد يتعظون (٣).\n﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾، قال مقاتل: إلا أن يشاء الله لهم الهدى (٤)؛ فرد المشيئة إلى نفسه (٥).\nقوله تعالى: ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ روى أنس أن رسول الله -ﷺ- قال في هذه الآية: \"قال ربكم -﷿-: أنا أهل أن أتَّقَى فلا يُشْرَك بي غيري، وأنا أهل لِمَنِ اتَّقَى أن يشرك بي غيري أن أغْفِرَ له\" (٦).\n_________\n(١) ما بين القوسين ساقط من: (أ).\n(٢) أي ابن عباس.\n(٣) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٤) \"فتح القدير\" ٥/ ٣٣٤، وبمعناه في \"تفسير مقاتل\" ٢١٧/ ب.\n(٥) قال السعدي في معنى قوله: ﴿وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾: \"فإن مشيئة الله نافذة عامة، لا يخرج عنها حادث قليل ولا كثير، ففيها رد على القدرية، الذين لا يدخلون أفعال العباد تحت مشيئة الله، والجبرية: الذين يزعمون أنه ليس للعبد مشيئة، ولا فعل حقيقة، وإنما هو مجبور على أفعاله، فأثبت تعالى للعباد مشيئة حقيقية وفعلًا، وجعل ذلك تابعًا لمشيئته\". تفسير الكريم الرحمن: ٥/ ٣٣٨.\n(٦) الحديث أخرجه: الدارمي في سننه: ٢/ ٧٥٨: ح: ٢٦٢٤: كتاب الرقاق. باب ١٦ في تقوى الله، والإمام أحمد في مسنده: ٣/ ١٤٢.\nوابن ماجه ٢/ ٤٤٧: ح ٤٣٥٤ بنحوه في الزهد: باب ما يرجى من رحمة الله يوم القيامة.\nوالترمذي ٥/ ٤٣٠: ح ٣٣٢٨: كتاب التفسير: تفسير سورة المدثر \"٧١\" وقال: هذا حديث غريب، و\"سُهَيْل\" ليس بالقوي، قد تفرد بهذا الحديث عن ثابت.\nوالحاكم في \"المستدرك\" ٢/ ٥٠٨: بمعناه في التفسير: تفسير سورة المدثر، وصححه ووافقه الذهبي.\nوالحديث في سنده ضعف. انظر: \"ضعيف سنن ابن ماجه\" ٣٥٠: ح: ٩٣٦ - ٤٢٩٩، وضعيف سنن الترمذي: ٤٣٢: ح: ٦٥٩ - ٣٥٦٣، وقال السيد بن عبد المقصود: وفي سنده ضعف، فهو من رواية سهيل بن أبي حزم القطعي، عن =","vol":"22","page":466},{"text":"وقال (١) ابن عباس: يريد أهل أن يتقى، وأهل أن يغفر لمن اتقى (٢).\n(ونحو هذا قال مقاتل: أهل أن يتقى فلا يعصى، وأهل المغفرة ذنوب أهل التقوى (٣» (٤).\nوقال قتادة: أهل أن تتقى محارمه، وأهل أن يغفر الذنوب (٥).\nوقال أبو إسحاق: أهل أن يُتَّقَى عِقَابُه، وأهل أن يُعمل بما يؤدي إلى مغفرته (٦).\nوالمعنى أنه إذا كان أهلًا للمغفرة يجب أن يتعرض لمغفرته بما يؤدي إليه (٧) من الطاعة والتوبة والاستغفار.\n_________\n= ثابت، عن أنس، وسهيل ضعيف كما في التقريب (١: ٣٣٨: ت: ٥٧٦)، وقد قال عنه الترمذي: غريب، وسهيل ليس بالقوي في الحديث، وقد تفرد به عن ثابت -ثم قال- قلت: وعلى هذا فتصحيح الحاكم للحديث فيه نظر. انظر -حاشية- \"النكت والعيون\" ٦/ ١٤٩ تحقيق السيد بن عبد المقصود.\n(١) في (أ): قال.\n(٢) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ٢١٣/ ب.\n(٤) ما بين القوسين ساقط من: (أ).\n(٥) \"جامع البيان\" ٢٩/ ١٧٢، و\"النكت والعيون\" ٦/ ١٤٩، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٠٠.\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٥٠ بنصه.\n(٧) في (ع): إليها.","vol":"22","page":467},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4709>سورة القيامة</span>","vol":"22","page":469},{"text":"تفسير سورة القيامة <span data-type=\"title\" id=toc-4710>(١)</span>\nبسم الله الرحمن الرحيم\n\n١ - ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (١)﴾ لا اختلاف بين المفسرين (٢) وأهل المعاني\n_________\n(١) مكية كلها. انظر: \"تفسير مقاتل\" ٢١٧/ ب، و\"جامع البيان\" ٢٩/ ١٧٢، و\"الكشف والبيان\" ١٣: ٣/ أ، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٢٠، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٠١، و\"زاد المسير\" ٨/ ١٣٢، و\"التفسير الكبير\" ٣٠/ ٢١٤، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٨٩، و\"لباب التأويل\" ٤/ ٣٣٢.\n(٢) حكى الإجماع كل من السمرقندي في \"بحر العلوم\" ٣/ ٤٢٥، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٨/ ١٣٢، والقرطبي في \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٩٠، والخازن في \"لباب التأويل\" ٤/ ٣٣٢. كما نقل الإجماع الشوكاني في \"فتح القدير\" ٥/ ٣٣٥، وذكر الطبري في \"تفسيره\" ٢٩/ ١٧٤ إجماع \"الحجة\" على أن معنى الآية: أقسم. وهناك من خالف الإجماع بالقول إن (لا) لنفي القسم، وهذا قول أبي مسلم، ورجحه الفخر الرازي في \"التفسير الكبير\" ٣٠/ ٢١٥، والزمخشري في \"الكشاف\" ٤/ ١٦٣، والألوسي في \"روح المعاني\" ٢٩/ ١٣٥. وقد استبعد الواحدي هذا القول، ولم يلق له اعتبارًا لضعفه، ولمخالفته للحجة من جمهور المفسرين. كما رده أيضًا أبو حيان في \"البحر المحيط\" ٨/ ٣٧٥، واستبعده الشنقيطي في كتابه: \"دفع إيهام الاضطراب\" ٣٢٥، و\"الملحق بأضواء البيان\" ١٠. كما أن للضحاك أيضًا قولًا في معنى: (لا أقسم) قال: إن الله لا يقسم بشيء من خلقه، ولكنه استفتاح يستفتح به كلامه. وقد ضعف ابن كثير هذا القول الذي لا يقوم على دليل، ولا ينهض بحجة. انظر: \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٣١٩ في تفسير سورة الواقعة، الآية: ٧٥. وبذكر المخالف للإجماع يتبين منهج الإمام الواحدي في حكاية الإجماع كما بينته وقررته سابقًا في سورة الحاقة. وقد قال د. محمد الخضيري في =","vol":"22","page":471},{"text":"أن المراد: أقسم بيوم القيامة. وكذلك ما بعده، وقد ذكرنا فيما تقدم (١) من مثل هذا وجهين:\nأحدهما: أن (لا) صلة (٢). والثاني: أن تكون ردًّا لكلام قد سبق. وكلا الوجهين هاهنا جائز، وإن وقع (لا) في أول السورة؛ لأن القرآن قوله كالسورة الواحدة، لاتصال بعضه ببعض، فمجازه مجاز الكلام الواحد، والذي يدل عليه: ذلك أنه قد يذكر الشيء في سورة، فيجيء جوابه في سورة أخرى، كقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ (٦)﴾ [الحجر: ٦]، جاء جوابه في سورة أخرى، وهو قوله: ﴿مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (٢)﴾ [القلم: ٢].\nوإذا كان الأمر على هذا جاز أن تكون (لا) صلة لقوله: ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ﴾ [الحديد: ٢٩]، و﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٩]. هذا قول أبى إسحاق (٣) وأبى علي (٤).\n_________\n= رسالته للماجستير: \"الإجماع في التفسير\" ٥٠١: القول بالإجماع في هذه الآية، وإن كان له حظ من النظر، للأدلة، أمر يصعب الجزم به، لوجود المخالف. نقلته بتصرف قلت: وهذا القول منه عن حكايته الإجماع، وهل هو إجماع أو لا، وذلك على اعتبارات وضوابط ذكرها، وليس إلى المنهج الذي سار عليه الإمام الواحدي في حكايته للإجماع، والله أعلم.\nوأما أهل المعاني فقال بذلك أبو عبيدة في \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٧٧، والزجاج في \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٥١.\n(١) كما جاء في سورة الواقعة: ٧٥، وسورة القلم: ١٧، وسورة الحاقة: ٣٨.\n(٢) أي: حرف زائد، والقول بأن (لا) صلة من اصطلاح الكوفيين. انظر. \"نحو القراء الكوفيين\" ٣٤١.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٥١، نقل عنه الواحدي بتصرف، وأكثر تفصيلًا.\n(٤) \"الحجة\" ٦/ ٣٤٣، ٣٤٤ بتصرف.","vol":"22","page":472},{"text":"وقال الفراء: ولا يبتدأ بجحد (١)، ثم يجعله صلة (٢) يراد به الطرح، ولو جاز هذا لما عرف خبر فيه جحد من خبر لا جحد فيه، ولكن القرآن جاء بالرد على الذين أنكروا البعث، والجنة، والنار، فجاء الإقسام عليهم فالرد في كثير من الكلام المبتدأ منه، وغير المبتدأ، كقولك في الكلام: لا والله لا أفعل ذلك، جعلوا (لا)، وإن رأيتها مبتدأة ردًّا لكلام قد سبق كان مضى، فلو ألقيت (لا) مما ينوى به الجواب لم يكن بين [اليمين التي تكون جوابًا و] (٣) اليمين التي تستأنف فرق، ألا ترى أنك تقول مبتدئًا: والله إن الرسول لحق، فإذا قلت: لا والله إن الرسول لحق، فكأنك أكذبت قومًا أنكروا، فهذا وجه (لا) مع الإقسام في كل موضع ترى فيه (لا) مبتدأ بها، وهو كثير في الكلام (٤) (٥).\nويدل على أن المعنى إثبات القسم قراءة من قرأ: (لأقسم) يجعلها (لامًا) دخلت على: (أقسم) [وهي] (٦) قراءة الحسن (٧).\n_________\n(١) يراد به النفي، ولفظ الجحد من مصطلحات الكوفيين. \"نحو القراء الكوفيين\" ٣٤٥.\n(٢) حرف زائد.\n(٣) ما بين المعقوفين ساقط من النسختين، وما أثبته فمن \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ٢٠٧، ولا يستقيم الكلام بدونه.\n(٤) نحو ما جاء في سور: الواقعة ٧٥، والقلم: ١٧، والحاقة: ٣٨.\n(٥) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٠٧ بيسير من التصرف.\n(٦) في كلا النسختين: هو.\n(٧) انظر: \"الحجة\" ٦/ ٣٤٥، و\"المحتسب\" ٢/ ٣٤١، و\"المبسوط\" ٣٨٨، و\"حجة القراءات\" ٧٣٥، و\"الكشف\" ٢/ ٣٤٩، و\"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ٢٠٧.\nوقراءة: (لأقسم) قراءة سبعية صحيحة قرأ بها ابن كثير بخلف عن البزي، كما قرأ بها قنبل.\nانظر المراجع السابقة عدا \"المحتسب\"، وانظر: كتاب السبعة: ٦٦١، و\"البدور =","vol":"22","page":473},{"text":"والثانية: متفقة على: (لا أقسم) (١). قال الحسن: أقسم بالأولى، ولم يقسم بالثانية (٢).\nواختار أبو عبيد قراءة العامة، قال: لأنها لو كانت على قسم (٣) مستأنفة للزم أن تلحق النون، فتكون (لأقسمن)؛ لأن العرب لا تقول: لأفعل كذا إذا أرادوا الإيجاب في المستقبل، وإنما يقولون: لأفعلن (٤). وهذا الذي قاله أبو عبيد (هو في أكثر الأمر يكون على ما ذكر، ويجوز إدخال اللام من غير النون. حكى ذلك سيبويه، وأجازه (٥).\nوكما لم تلحق (النون) مع (اللام) في هذه القراءة، كذلك يجوز أن لا تلحق (اللام) مع (النون) كما قال الشاعر (٦):\n_________\n= الزاهرة\" ٣٢٩. وقرأ الباقون: (لا أقسم). انظر: المراجع السابقة\n(١) لا خلاف بين القراء في إثبات الألف في الموضع الثاني، وهو: (ولا أقسم بالنفس).\nانظر المراجع السابقة.\n(٢) لم أعثر على نصه فيما بين يدي من كنبه، وقد ورد في \"جامع البيان\" ٢٩/ ١٧٣، و\"النكت والعيون\" ٦/ ١٥١، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٠٢، و\"زاد المسير\" ٨/ ١٣٣، و\"البحر المحيط\" ٨/ ٣٨٤، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٤٧٧، و\"فتح القدير\" ٥/ ٣٣٥. وانظر: \"تفسير الحسن البصري\"، تح: د. محمد عبد الرحيم: ٢: ٣٧٧.\n(٣) في (ع): قسيم.\n(٤) لم أعثر على مصدر لقوله، وانظر: \"الأمالي الشجرية\" ١/ ٣٦٩.\n(٥) انظر: \"كتاب سيبويه\" ٣: ١٠٤/ ١٠٥\n(٦) هو: عامر بن الطفيل، وهو من أشهر فرسان العرب بأسًا وشدة ونجدة.","vol":"22","page":474},{"text":"وَقتيلِ مُرَّةَ اثْأَرَنَّ فَإنَّهُ ... فِرْغٌ وإنَّ أَخاهُمُ لَمْ يقصد (١» <span data-type=\"title\" id=toc-4711>(٢)</span>\nوقال الفراء في هذه القراءة: هو صواب؛ لأن العرب تقول: لأحلف بالله ليكونن كذا، يجعلونها (لامًا)، بغير معنى (لا) (٣).\nقال ابن عباس: يريد أقسم بالقيامة (٤). وهو قول الجميع (٥).\nقال الكلبي: كان أهل الجاهلية إذا أراد أحدهم أن يقسم قال: (لا أقسم) (٦).\n\n٢ - قوله تعالى: ﴿وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (٢)﴾ هذا على قول الحسن: نفي. كما ذكرنا عنه، وعلى قول الآخرين معناه: أقسم، واختلفوا في النفس اللوامة، فقال ابن عباس في رواية عطاء: إن كل نفس تلومها نفسها يوم القيامة، يلوم المحسن نفسه أن لا يكون ازداد إحسانا، ويلوم المسيء\n_________\n(١) ورد البيت في \"ديوانه\" ٥٦: دار بيروت. وفي \"مغني اللبيب\" ٢/ ٣٨٧ برواية: (وإن أخاكم لم يُثأرِ) منسوبًا، و\"الحجة\" ٦/ ٣٤٤ برواية: (وإن أخاهم لم يثأر). انظر: \"الأمالي الشجرية\" لابن الشجري ١/ ٣٦٩ بمثل رواية المغني: ٢/ ٢٢١ برواية: (وإن أخاهم لم يثأر)، و\"الكشف عن وجوه القراءات السبع\" ٢/ ٣٤٩ (لم يثأر)، و\"الدر المصون\" ٦/ ٤٢٥ برواية: (وإن أخاكم لم يثأر). ومعناه: يقول: إنه سيثأر بقتيل مرة، ويريد به أخاه حنظلة الذي قتله المريون، وفرغ: أي هدر لم يثأر له، ولم يقصد: لم يقتل. انظر: \"ديوانه\" ٥٦، و\"الأمالي الشجرية\" ١/ ٣٦٩.\n(٢) ما بين القوسين نقله الواحدي عن أبي علي في \"الحجة\" ٦/ ٣٤٤ بتصرف يسير.\n(٣) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٠٧ بنصه.\n(٤) \"النكت والعيون\" ٦/ ١٠٥.\n(٥) قال بذلك سعيد بن جبير كما في \"جامع البيان\" ٢٩/ ١٧٣، و\"تفسير سعيد بن جبير\" ٣٦١.\n(٦) لم أعثر على مصدر لقوله.","vol":"22","page":475},{"text":"نفسه أن لا يكون رجع من إساءته (١). وهو اختيار الفراء، قال: ليس من نفس برة، ولا فاجرة، إلا وهي تلوم نفسها، من كانت عملت خيرًا قالت: هل ازددت، وإن كانت عملت سوءًا (٢) قالت: ليتني لم أفعل (٣).\nوقال الحسن: هي النفس المؤمنة (٤)، وإن المؤمن والله ما تراه إلا يلوم نفسه على كل حالاته (٥)، يستقصرها في كل ما يفعل، فيندم ويلوم نفسه (٦)، وإن الفاجر يمضي قدمًا لا يعاتب نفسه (٧) (٨).\nوقال مقاتل (٩)، وقتادة (١٠) (١١) هي: النفس الكافرة تلوم نفسها في الآخرة على ما فرطت في أمر الله.\nوأما معنى القسم بالنفس اللوامة، فروى سعيد بن جبير عن ابن\n_________\n(١) ورد معنى قوله في \"بحر العلوم\" ٣/ ٤٢٥، و\"التفسير الكبير\" ٣٠/ ٢١٥.\n(٢) في كلا النسختين: سوء.\n(٣) \"معاني القرآن الكريم\" ٣/ ٢٠٨ بنصه.\n(٤) قوله النفس المؤمنة: بياض في (ع).\n(٥) قوله: إلا يلوم إلى حالاته: بياض (ع).\n(٦) قوله: فيندم ويلوم نفسه: بياض (ع).\n(٧) قوله: لا يعاتب نفسه: بياض (ع).\n(٨) ورد معنى قوله في \"الكشف والبيان\" ١٣: ٣/ ب، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٢١، و\"زاد المسير\" ٨/ ١٣٣، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٤٧٧، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٣٤٣ وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن أبي الدنيا في محاسبة النفس. وانظر: \"تفسير الحسن البصري\" تح: د. محمد عبد الرحيم: ٢/ ٣٧٧.\n(٩) \"الكشف والبيان\" ١٣: ٣/ ب، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٢١، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٩١، و\"لباب التأويل\" ٤/ ٣٣٣، و\"فتح القدير\" ٥/ ٣٣٥.\n(١٠) بمعناه في \"البحر المحيط\" ٨/ ٣٨٤.\n(١١) في (أ): قتادة ومقاتل.","vol":"22","page":476},{"text":"عباس، قال: يقسم ربك بما شاء من خلقه (١).\nوجواب القسم في قوله: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ﴾ إلى قوله: ﴿قَادِرِينَ﴾.\nوقال (٢) أبو جعفر النحاس: جواب القسم محذوف، على تقدير: (لتبعثن) (٣).\nيدل عليه: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ (٣) بَلَى﴾. (قال) (٤) ابن عباس يريد: أبا جهل، أيحسب (٥) أن لن يبعث (٦). وقال مقاتل: يعني عدي ابن ربيعة الثقفي، كفر بالبعث (٧).\nقال الله تعالى: ﴿بَلَى﴾ (٨) أي: بلى نجمعها قادرين. فقوله: (قادرين) حال، والعامل فيها مضمر، يدل عليه: (أن لن نجمع عظامه بلى) على تقدير: بلى نجمعها، ونقوى عليها قادرين. وهذا قول جميع النحويين (٩).\nقال الفراء: وقول الناس: بلى نقدر، فلما صرف (١٠) إلى (قادرين)\n_________\n(١) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٢) في (أ): قال.\n(٣) \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٩١.\n(٤) ساقطة من (أ).\n(٥) بياض في (ع).\n(٦) \"تفسير مقاتل\" ٢١٧/ ب، و\"الوسيط\" ٤/ ٣٩١.\n(٧) \"الكشف والبيان\" ١٣: ٤/ أ، و\"زاد المسير\" ٨/ ١٣٤، وهو عدي بن ربيعة بن أبي سلمة حليف بني زهرة ختن الأخنس بن شريق الثقفي. ذكر ذلك ابن الجوزي من النسخة الأزهرية. انظر: \"زاد المسير\" المرجع السابق.\n(٨) ﴿بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ (٤)﴾.\n(٩) انظر: \"كتاب سيبويه\" ١/ ٣٤٦، و\"معاني القرآن\" للأخفش ٢/ ٢٧٠، و\"معاني القرآن وإعرابه\" الزجاج ٥/ ٢٥١.\n(١٠) في (أ): قصرت.","vol":"22","page":477},{"text":"نصب خطأ؛ لأن الفعل لا ينصب بتحويله من يفعل إلى فاعل، ألا ترى أنك تقول: أتقوم إلينا، فإن حولتها إلى فاعل قلت: أقائم أنت إلينا، وكان خطأ أن تقول: (قائمًا)، فأما قول الفرزدق:\nعلي قَسم لا أشْتِمُ الدهْرَ مُسْلِمًا ... ولا خارجًا من فِيَّ زُورُ كلامِ (١)\nفإنما نصبت (خارجًا) لأنه أراد: عاهدت ربي لا شاتمًا أحدًا، ولا خارجًا من فيّ زور كلام، فقوله: (لا أشتم) في موضع نصب (٢).\nقوله تعالى: ﴿عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾ قال ابن عباس: أن نجعل يده كخف البعير، أو كظلف الخنزير (٣).\nوقال مقاتل (٤)، والكلبي (٥): أن نجعل أصابعه ملتزقة مثل الكف، فيكون كخف البعير لا ينتفع به ما كان حيًّا. وهذا قول قتادة (٦)\n_________\n(١) ورد قوله في \"ديوانه\" ٣/ ٢١٢: دار صادر، و\"كتاب سيبويه\" ١/ ٣٤٦، كتاب: \"شرح أبيات سيبويه\" للنحاس ١/ ٣٤٦، و\"الكامل\" ١/ ١٥٥ و٤٦٤، و\"الخزانة\" ١/ ١٠٨، ٢/ ٢٧٠، و\"إيضاح الوقف والابتداء\" لابن الأنباري ٢/ ٩٥٧ جميعها برواية: عليّ حِلْفَةٍ (بدلًا من عليّ قسم) عدا الإيضاح.\n(٢) ورد قوله في \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٠٨ بيسير من التصرف.\n(٣) \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٣٣٣، و\"جامع البيان\" ٢٩/ ١٧٥ من غير ذكر أو كظلف خنزير، وبمعناه في \"بحر العلوم\" ٣/ ٤٢٥.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ٢١٧/ ب.\n(٥) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٦) \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٣٣٣ مختصرًا، و\"جامع البيان\" ٢٩/ ١٧٦، و\"النكت والعيون\" ٦/ ١٥٢ وعبارته فيهما: (بلى قادرين على أن نجعل كفه التي يأكل بها ويعمل، حافر حمار أو خف بعير. فلا يأكل إلا بفيه ولا يعمل بيده شيئًا).","vol":"22","page":478},{"text":"(وعكرمة) (١) (٢)، والحسن (٣)، قالوا: نجعلها كحافر الدابة (فهذا قول أهل التفسير) (٤).\nوشرحه أبو علي (الفارسي) (٥) فقال: بلى قادرين على أن نسوي بنانه أي نجعلها مع كفه كصفيحة مستوية، لا شقوق فيها، كخف البعير فيعدم الارتفاق بالأعمال اللطيفة كالكتابة، والخياطة (والْخَرْز) (٦) (٧) ونحو ذلك من لطيف الأعمال التي يستعان عليها بالأصابع (٨).\nقال أحمد بن يحيى: ومن أيمانهم: لا والذي شقهن خمسًا من واحدة (٩)؛ يريدون الأصابع من الكف.\nوقال المبرد: أي يجعلها على هيئة واحدة، فيكون على خلاف ما تقول العرب:\n_________\n(١) بمعناه في \"جامع البيان\" ٢٩/ ١٧٥، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٣٤٣، وعزاه إلى عبد بن حميد.\n(٢) ساقط من (أ).\n(٣) بمعناه في \"جامع البيان\" ٢٩/ ١٧٥، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٩٢ - ٩٣،\nوانظر: \"تفسير الحسن البصري\" تح: محمد عبد الرحيم ٢/ ٣٧٨.\n(٤) ساقطة من (أ).\n(٥) ساقطة من (أ).\n(٦) الخرز: خياطة الأدَم. وكلُّ كُتْبَةٍ من الأدم: خُرْزَة -على التشبيه بذلك- يعني كل ثقبة وخيطها. والخراز صانع ذلك، وحرفته الْخِرازة. \"لسان العرب\" ٥/ ٣٤٤ (خرز).\n(٧) ساقط من (أ).\n(٨) لم أعثر علي مصدر لقوله، وقد ورد من غير عزو في \"التفسير الكبير\" ٣٠/ ٢١٨.\n(٩) لم أعثر على مصدر لقوله.","vol":"22","page":479},{"text":"وما يستوي في الراحتين الأصابع (١)\nولأهل المعاني قول آخر، قال أبو إسحاق: والذي هو أشكل بجمع العظام. بلى نجمعها، قادرين على تسوية بنانه على ما كانت، وإن قل عظامها وصغرت وبلغ منها البلى (٢).\nوذكر أبو علي هذا القول، فقال: أي: يردها كما كانت (٣).\n\nوشرح ابن قتيبة هذا القول فقال: هذا رد من الله عليهم، وذلك أنهم ظنوا أن الله لا ينشر الموتى، ولا يقدر على جمع العظام البالية فقال: (بلى) فاعلموا أنا نقدر على أن نعيد السُّلاميات على صغرها ونؤلف بينها حتى يستوي البنان، ومن قدر على هذا فهو على جمع الكبار (العظام) (٤) أقدر <span data-type=\"title\" id=toc-4712>(٥)</span>.\n٥ - قوله تعالى: ﴿بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ﴾ يعني الكافر. ﴿لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ﴾ قال ابن عباس في رواية سعيد بن جبير: سوف أتوب (٦).\n_________\n(١) لم أعثر على مصدر لقوله.\nوقد ورد عن الأحوص بنحو ذلك قال:\nوقد ثبتت في الصدر منها مودة ... كما ثبتت بالراحتين الأصابع\n\"شعر الأحوص بن محمد الأنصاري\" تح: د. إبراهيم السامرائي: ١١٧.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٥١ بنصه.\n(٣) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٤) ساقطة من (أ)\n(٥) \"تأويل مشكل القرآن\" ٣٤٦ بيسير من التصرف.\n(٦) تفسير الإمام مجاهد: ٦٨٦، و\"جامع البيان\" ٢٩/ ١٧٧ بمعناه، و\"بحر العلوم\" ٣/ ٤٢٥، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٣٤٤ وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإيمان، وانظر: \"المستدرك\" ٢/ ٥٠٩: كتاب:=","vol":"22","page":480},{"text":"وقال في رواية عطاء (١) (والكلبي) (٢) (٣) يقدم الذنب، ويؤخر التوبة، ونحوه قال مقاتل (٤)\nوقال مجاهد: راكبًا رأسه إلى المعاصي (٥).\nوقال قتادة (٦) (وعكرمة (٧» (٨): قدمًا (قدمًا) (٩) في معاصي الله، لا ينزع عن فجوره.\nوهذه الأقوال معناها واحد، أي (يسوف التوبة، ويقدم الأعمال السيئة) (١٠).\n_________\n= التفسير تفسير سورة القيامة، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي، وقد وردت هذه الرواية: أيضًا عن سعيد بن جبير في \"تأويل مشكل القرآن\" ٣٤٦، و\"جامع البيان\". مرجع سابق، و\"الكشف والبيان\" ١٣: ٤/ ب، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٢١، و\"زاد المسير\" ٨/ ١٣٤، و\"التفسير الكبير\" ٣٠/ ٢١٨، و\"الجامع لأحكام لقرآن\" ١٩/ ٩٣، و\"لباب التأويل\" ٤/ ٣٣٤.\n(١) لم أعثر على مصدر لقوله\n(٢) \"تأويل مشكل القرآن\" ٣٤٦، و\"بحر العلوم\" ٣/ ٤٢٥.\n(٣) ساقطة من (أ).\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ٢١٧/ ب.\n(٥) \"جامع البيان\" ٢٩/ ١٧٧، و\"الكشف والبيان\" ج ١٣: ٤/ ب، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٢١، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٠٢.\n(٦) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٧) \"جامع البيان\" ٢٩/ ١٧٧، و\"الكشف والبيان\" ١٣: ٤/ ب، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٢١، و\"المحرر الوجيز\" ٥/: ٤٠٢.\n(٨) ساقطة من (أ).\n(٩) ساقطة من (أ).\n(١٠) ما بين القوسين نقله عن الزجاج بنصه من \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٥٢. وسبب التسويف وتقديم عمل السوء لأنه مال عن الحق. قاله ابن قتيبة: \"تأويل مشكل القرآن\" ٣٤٧.","vol":"22","page":481},{"text":"ومعنى (يفجر): يعصي ويخالف. ومنه الدعاء: (ونَتْرُكُ من يَفْجرك) (١).\nو(أمامه)، أي: فيما يستقبل. والمعنى: يريد أن يعصي ويكفر أبدًا ما عاش. قال الأنباري: يريد أن يفجر ما امتد عمره، وليس في نيته أن يرتد عن ذنب يرتكبه (٢). (وهذا معنى ما ذكره المفسرون) (٣).\nوقال المؤرج: فجر: إذا ركب رأسه غير مكترث (٤).\nومعنى ﴿لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ﴾ ليمضي أمامه راكب رأسه.\nوفي الآية قول آخر: يكذب بما (٥) أمامه من البعث والحساب. وهو قول ابن زيد (٦)، واختيار أبي إسحاق (٧)، وابن قتيبة (٨).\n_________\n(١) أورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ٨/ ٦٩٥ في آخره بعد سورة الناس، وهو في فضائل ابن الضريس، وقيام الليل لابن نصر، و\"غريب الحديث\" لابن الجرزي ٢/ ١٧٧، و\"الفائق\" ٣/ ٩٠ (فجر)، و\"النهاية في غريب الحديث والأثر\" ١/ ٣. ومعناه: أي يعطيك ويخالفك. \"النهاية في غريب الحديث والأثر\" ١/ ٣، ١٤٤.\n(٢) \"الوسيط\" ٤/ ٣٩١، و\"فتح القدير\" ٥/ ٣٣٦.\n(٣) ساقطة من (أ).\n(٤) انظر قوله في (فجر): \"تهذيب اللغة\" ١١/ ٥٠، و\"لسان العرب\" ٥/ ٤٧.\n(٥) في (أ): بها.\n(٦) \"جامع البيان\" ٢٩/ ١٧٨، و\"الكشف والبيان\" ١٣/ ٤/ ب، و\"النكت والعيون\" ٦/ ١٥٢ بمعناه، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٢٢، و\"القرطبي\" ١٩/ ٩٣، و\"ابن كثير\" ٤/ ٤٧٨.\n(٧) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٥٢.\n(٨) \"تأويل مشكل القرآن\" ٣٤٧.","vol":"22","page":482},{"text":"قال أبو إسحاق: ﴿لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ﴾ ليكفر، ويكذب بما قدامه (من البعث، قال) (١): ودليل ذلك قوله: ﴿يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ (٦)﴾ (٢).\nوقال ابن قتيبة: والفجور هاهنا بمعنى التكذيب بيوم القيامة، ومن كذب بحق فقد كذب، والكاذب المكذب، والفاسق فاجر؛ لأنه مائل عن الحق، قال: وهذا وجه حسن؛ لأن الفجور اعتراض بين كلامين من أسباب يوم القيامة، أولهما: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ (٣)﴾، والآخر: ﴿يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ (٦)﴾. وكأنه قال: أيحسب الإنسان أن لن نجمع عظامه يوم القيامة، بلى نقدر على أن نجمع ما صغر منها، ونؤلف بينه، ﴿بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ (٥)﴾، أي: ليكذب (٣) بيوم القيامة، أي (متى) (٤) يكون ذلك تكذيبًا به (٥).\nقال الله تعالى: ﴿فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ (٧)﴾ وقرئ: (برَق) بفتح الراء (٦).\nوقال الفراء: (برق) بفتح الراء من البريق، أي شخص، ومن قرأ (برَق) فمعناه (٧): فزع، وتحير، وأنشد قول طَرَفة:\n_________\n(١) ساقطة من (أ).\n(٢) قوله في \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٥٢ بتصرف.\n(٣) في (أ): يكذب.\n(٤) ساقطة من (أ).\n(٥) \"تأويل مشكل القرآن\" ٣٤٧ بتصرف.\n(٦) قرأ بذلك: نافع، وأبو جعفر، وعاصم في رواية أبان، وقرأ الباقون: (بَرِق) بكسر الراء. انظر: \"القراءات وعلل النحويين\" ٢/ ٧٣٠، و\"الحجة\" ٦/ ٣٤٥، و\"إتحاف القراءات\" ٧٣٦، و\"كتاب التبصرة\" ٧١٥، و\"تحبير التيسير\" ١٩٤، و\"إتحاف فضلاء البشر\" ٤٢٨.\n(٧) في (أ): ومعناه.","vol":"22","page":483},{"text":"فنفسك فَانْعَ ولا تَنْعَني ... وداو (١) الكُلُومَ ولا تَبْرَق) (٢)\nيقول: لا تفزع من هذه الجراح التي بي (٣). ونحوه قال الزجاج (٤)، وقال أبو عمرو بن العلاء (٥): برق إذا حار.\nوقال أبو الحسن الأخفش: المكسور أكثر في كلامهم، والمفتوحة لغة (٦)، وأنشد (أبو عبيدة) (٧) (٨):\nلما أتاني ابن (٩) صبيح راغبًا ... أعطيته عيسًا منها فبرق (١٠)\n_________\n(١) في كلا النسختين: وداوي.\n(٢) \"ديوانه\" ٧٠، و\"جامع البيان\" ٢٩/ ١٧٨، و\"النكت والعيون\" ٦/ ١٥٣، و\"زاد المسير\" ٨/ ١٣٥ \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٩٤، وشرح أبيات \"معاني القرآن\" ٢٥٢ ش: ٥٦٦. موضع الشاهد: (تبرق) (برق) بفتح الراء: فزع. ومضى البيت يقول: لا تفزع من هول الجراح التي بك، (برق): فتح عينيه من الفزع، وبرق بصره أيضًا كذلك، أما برق فمعناه تحير. شرح \"معاني القرآن\" مرجع سابق.\n(٣) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٠٩ بيسير من التصرف.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٥٢.\n(٥) ورد قوله في \"جامع البيان\" ٢٩/ ١٧٨، و\"الكشف والبيان\" ١٣/ ٥/ أ، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٩٤، و\"فتح القدير\" ٥/ ٣٣٦.\n(٦) لم أعثر على نص قوله في المعاني، وإنما ورد في \"الحجة\" ٦/ ٣٤٥، و\"التفسير الكبير\" ٣٠/ ٢١٩.\n(٧) \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٧٧.\n(٨) ساقطة من (أ).\n(٩) في (أ): أبو.\n(١٠) البيت للكلابي، وقد ورد عند أبي عبيدة على النحو الآتي:\nلما أتاني ابن صبيح راغبًا ... أعطيته عيسًا صهابًا فبرق\nكما ورد في \"جامع البيان\" ٢٩/ ١٧٩، و\"الكشف والبيان\" ١٣/ ٥ / ب، و\"النكت والعيون\" ٦/ ١٥٣، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٩٤.","vol":"22","page":484},{"text":"وقال الزجاجي: (برق) بصر فلان، يبرق برقًا (إذا) (١) تحير، والأصل فيه أن يكثر الإنسان من النظر إلى لمعان البرق، فيؤثر ذلك في ناظره، ثم يستعمل ذلك في كل حيرة، وإن لم يكن هناك نظر إلى البرق كما يقال: قمر بصره، إذا فسد من النظر إلى القمر، ثم استعير في الحيرة، وكذلك يفكر الرجل في أمره، أي تحير ودهش. وأصله من قولهم: بعلت المرأة، إذا فاجأها زوجها فنظرت إليه وتحيرت، وكذلك: ذهب إذا نظر إلى الذاهب الكثير، فجاز، كل ذلك بين في معنى الحيرة، والأصل لغيرها (٢).\nقال قتادة: برق البصر: شخص البصر (٣).\nوقول مقاتل: وذلك لما يرى من العجائب التي يكذب بها فيبرق بصره، ولا يكاد يطرق (٤).\nوقال عطاء: يريد عند الموت (٥).\nوقال الكلبي: ذلك عند رؤية جهنم تبرق أبصار الكفار (٦).\n_________\n(١) ساقطة من (أ).\n(٢) \"التفسير الكبير\" ٣٠/ ٢١٩، ونسبه إلى الزجاج، غير أني لم أجده عند الزجاج، فلعله تصحيف، والمراد به الزجاجي، كما هو في الأصل عند الواحدي، ولم أعثر على مصدر قول الزجاجي فيما بين يدي من مراجعه.\n(٣) \"جامع البيان\" ٢٩/ ١٨٠، و\"الكشف والبيان\" ١٣: ٥/ أ، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٢٢، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٣٤٤ وعزاه إلى عبد الرزاق -ولم أجده عنده-، وعبد ابن حميد، وابن المنذر.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ٢١٧/ ب، و\"الكشف والبيان\" ١٣/ ٥/ أ، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٢٢.\n(٥) انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٩٤، و\"فتح القدير\" ٥/ ٣٣٧ وهو مروي عن مجاهد وغيره في كلا المرجعين.\n(٦) \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٢٢.","vol":"22","page":485},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4713>٨ </span>- قوله تعالى: ﴿وَخَسَفَ الْقَمَرُ (٨)﴾. أي ذهب ضوءه. قاله ابن عباس (١)، والجماعة (٢).\n﴿وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ (٩)﴾ كالبعيرين القرينين. قاله مقاتل (٣).\nوقال الكلبي: كالثورين العقيرين (٤) (٥).\nوقال الفراء (٦)، والزجاج (٧): أي جُمِعَا في ذهاب نُورِهما.\nوقال الفراء: وإنما قال (جُمع) ولم يقل: جمعت لهذا؛ لأن المعنى:\n_________\n(١) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٢) وهو قول: قتادة، والحسن. انظر: \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٣٣٣، و\"جامع البيان\" ٢٩/ ١٨٠، و\"تفسير الحسن البصري\" ٣٧٩.\nوإلى هذا القول ذهب: أبو عبيدة، والفراء، والسمرقندي، والزجاج، والماوردي. وانظر: \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٧٧، و\"معاني القرآن\" ٣/ ٢٠٩، و\"بحر العلوم\" ٣/ ٤٢٦، و\"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٥٢. \"النكت والعيون\" ٦/ ١٥٣.\nوإليه ذهب البغوي، والقرطبي، والخازن، وابن كثير.\nانظر: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٢٢، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٩٥، و\"لباب التأويل\" ٤/ ٣٣٤، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٤٧٨. والخسف في اللغة: أجل يدل على غموض وغُؤُور، وإليه يرجع فروع الكلام. \"معجم مقاييس اللغة\" ٢/ ١٨٠ (خسف).\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ٢١٨/ أبمعناه، وعبارته: كالبقرتين المقرونتين.\n(٤) العقيرين: العقر عند العرب: كَسْف عرقوب البعير، ثم جعل النحر عقرًا؛ لأن العَقْر سبب لنحره \"تهذيب اللغة\" ١/ ٢١٥: مادة: (عقر)، وقد ورد في \"بحر العلوم\" كالثورين المقرنين - من غير عزو: ٣/ ٤٢٦.\n(٥) لم أعثر على مصدر لقوله، وبنحوه قال ابن مسعود، قال: جمعا كالبعيرين القرينين. \"زاد المسير\" ٨/ ١٣٥.\n(٦) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٠٩.\n(٧) \"معانى القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٥٢","vol":"22","page":486},{"text":"جمع بينهما (١).\nوقال الكلبي (٢): المعنى: جُمع النوران، أو الضياءان (٣).\nوقال أبو عبيدة: لتذكير القمر (٤). يعني أن القمر شارك الشمس في المجمع\" فلما شاركها مذكر، كان القول فيه جُمَع.\nولم يرتض الفراء هذا القول، وقال: قيل لمن قال هذا: كيف تقولون: الشمس جُمَع والقمر؟ فقالوا: جُمِعت، ورجعوا عن ذلك القول (٥).\nقوله: ﴿يَقُولُ الْإِنْسَانُ﴾، يعني: المكذب بيوم القيامة.\n﴿أَيْنَ الْمَفَرُّ﴾ أي الفرار. قال الأخفش (٦)، (وأبو إسحاق (٧) (٨): عند جميع أهل العربية أن المصدر من فعل، يفعل، مفتوح العين، وقراءة العامة: (الْمَفَر) بفتح الفاء (٩)، فيكون معناه الفرار.\nوالمفسرون يقولون في تفسيره: المهرب، والملجأ (١٠)، فيكون ذلك\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٥٢ بنصه.\n(٢) بياض في (ع).\n(٣) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٤) \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٧٧ بنصه.\n(٥) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢١٠ بيسير من التصرف.\n(٦) \"معاني القرآن\" ٢/ ٧٢٠ - ٧٢١ نقله عنه بالمعنى.\n(٧) \"معاني القرآن\" ٥/ ٢٥٢ نقله عنه بالمعنى.\n(٨) ساقطة من (أ).\n(٩) لم أجد قراءة العامة في الكتب التي تعني بذكر القراءات المتواترة. وإنما وجدتها في كتب التفسير: \"جامع البيان\" ٢٩/ ١٨٠، و\"بحر العلوم\" ٣/ ٤٢٦، و\"الكشف والبيان\" ١٣: ٥/ ب، و\"زاد المسير\" ٨/ ١٣٥، و\"البحر المحيط\" ٨/ ٣٨٦.\n(١٠) وهو قول الثعلبي في \"الكشف والبيان\" ١٣/ ٥/ ب، وزاد الواحدي لفظة: (الملجأ)، والمارودي في \"النكت والعيون\" ٦/ ١٥٣.","vol":"22","page":487},{"text":"على قراءة من قرأ: (المفِر) بكسر الفاء (١)؛ لأن المكسور العين من هذا الباب معناه: الموضع.\nقال الفراء - (فيما حكى عنه ابن السكيت) (٢) -: ما كان على (فعل)، (يفعل)، فالْمَفْعَل منه إذا أردت الاسم مكسورًا، وإذا أردت المصدر فهو (المفعل) بفتح العين، المدِبُّ، والمدَبُّ، والمفِر، والمفَر.\n(وقال في المعاني: هما لغتان: المفِر، والمفَرُّ) (٣)، وما كان (يفعِل) منه مكسور العين مثل: يفِر، ويدِب، ويصِحُّ، فالعرب تقول: مَفِر، ومَفَر، (ومَدَب، ومَدِب، ومَصَح، ومَصِح، فعلى هذا: المفِر، والمفَر) (٤) كلاهما للموضع (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4714>١١ </span>- قال الله تعالى: ﴿كَلَّا لَا وَزَرَ (١١)﴾ قال الليث: الوزر: جبل حصين يلجأ إليه القوم فيمنعهم يقال: مَا حصن ولا وزر (٦). قال العجاج:\n_________\n(١) قرأ بذلك: ابن عباس، وعكرمة، وأيوب السختياني، والحسن، وآخرون.\nانظر: \"المحتسب\" لابن جني: ٢/ ٣٤١، و\"إتحاف فضلاء البشر\" للبنا: ٤٢٨، و\"بحر العلوم\" ٣/ ٤٢٦.\nوهذه القراءة شاذة، لعدم صحة سندها، ولعدم ذكرها في كتب القراءات، ووجودها ضمن الشواذ في كتب الشواذ، ولقراءة الحسن البصري، وهو مما اشتهر عنه الشاذ، والله أعلم.\n(٢) ما بين القوسين ساقطة من (أ).\n(٣) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٤) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٥) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢١٠ بتصرف.\n(٦) لم أعثر على مصدر لقوله، وقد جاء في \"الصحاح\" الوَزَر: الملجأ، وأصل الوزر: الجبل المنيع، وكل معقل وزر: ٢/ ٨٤٥: مادة: (وزر)، وانظر: \"لسان العرب\" ٥/ ٢٨٢: مادة: (وزر).","vol":"22","page":488},{"text":"وَعَهْدَ عُثمانَ وعَهْدَ عُمَر ... وعَهْدَ إخوانٍ هُمُ كانُوا وَزَر (١)\nوقال أبو عبيدة: (الوزر) الجبل، (لا وزر) لا جبل، وأنشد (٢):\nلَعَمْرُكَ ما لِلْفَتَى مِنْ وَزَرْ ... مِنَ الموتِ يلحقه والْكِبَرْ (٣) (٤)\nقال المبرد (٥) والزجاج (٦): أجل الوزر: الجبل المنيع، يقال لكل ما التجأت إليه وتحصنت به: وزر، وأنشد (المبرد) (٧) (٨) لكعب (٩) بن مالك، في النبي (١٠) -ﷺ- (١١):\nالناس ألْبٌ علَيْنا فيكَ لَيْسَ لَنا ... إلا السُّيوفَ وَأطْرافَ القَنَا وَزَرُ (١٢)\nوالمعنى: لا شيء يعتصم به من أمر الله. قال عطاء عن ابن عباس: لا\n_________\n(١) \"ديوانه\" ٦ تح: عزة حسن، برواية: وعهدًا من عمر. ومعنى الوزر: الملجأ.\n(٢) البيت لابن الذئبة.\n(٣) وقد ورد في \"المجاز\" (ينجيه) بدلًا من: (يلحقه) ٢/ ٢٧٧.\n(٤) ما بين القوسين من قول أبي عبيدة في \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٧٧ بتصرف يسير.\n(٥) \"التفسير الكبير\" ٣٠/ ٢٢١.\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٥٢.\n(٧) انظر: \"الكامل\" ٢/ ٦١٤، و\"المقتضب\" ٤/ ٣٩٧.\n(٨) ساقطة من (أ).\n(٩) في (ع): قول كعب.\n(١٠) في (ع): للنبي.\n(١١) في (أ): قوله تعالى، وهو خطأ.\n(١٢) وقد ورد البيت أيضًا غير منسوب في: \"كتاب سيبويه\" ٢/ ٣٣٦، و\"شرح أبيات سيبويه\" للنحاس ١٤٨: ش: ٥٢٤، و\"الإنصاف\" ٢/ ٢٧٦ ش: ١٦٤، و\"المفصل\" ٢/ ٧٩ منسوب، و\"التفسير الكبير\" ٣٠/ ٢٢١ برواية (ألت) بدلا من (ألب).\nومعنى البيت: ألب: أي مجتمعون متألبون قد تضافروا على خصومتنا، وإرادة النيل منا، الوزر: بفتع الواو والزاي جميعًا: الحصن والملجأ، وأصل معناه: الجبل - حاشية \"الإنصاف\" ١/ ٢٧٦.","vol":"22","page":489},{"text":"جبل يوم القيامة يستندون إليه (١).\nوقال الكلبي: لا جبل، ولا [شجر] (٢) يواريه من النار (٣).\nوجميع المفسرين يقولون: لا جبل، ولا حصن، ولا ملجأ من الله (٤).\nقال الحسن: كانت العرب تغير بعضها على بعض، فكان الرجلان يكونان في ماشيتهما، ولا يشعران حتى يأتيهما الخيل، فيقول الرجل لصاحبه: الوزر، الوزر، الجبل، الجبل (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4715>١٢ </span>- قوله تعالى: ﴿إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ (١٢)﴾ قال ابن عباس: يريد\n_________\n(١) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٢) في كلا النسختين: حمر، ولا معنى له، وقد ورد لفظة الشجر في \"بحر العلوم\" ٣/ ٤٢٦ من غير عزو.\n(٣) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٤) قال بذلك: ابن عباس، ومُطرف بن الشخير، والحسن، ومجاهد، وأبو قلابة، وقتادة، وسعيد بن جبير، والضحاك، وابن زيد، والسدي. وابن مسعود ومقاتل. انظر: \"تفسير مقاتل\" ٢١٨/ أ، و\"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٣٣٣، و\"جامع البيان\" ٢٩/ ١٨١ - ٢٨٢، و\"بحر العلوم\" ٣/ ٤٢٦، و\"الكشف والبيان\" ١٣: ٥/ ب، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٢٢، و\"النكت والعيون\" ٦/ ١٥٤. وممن قال بذلك أيضًا: أبو عبيدة في \"غريب القرآن\" ١٤٢، واليزيدي في \"غريب القرآن\" ٤٠١، وابن قتيبة في \"تفسير غريب القرآن\" ٤٩٩، والسجستاني في \"نزهة القلوب\" ٤٦٨، مكي بن أبي طالب في \"العمدة في غريب القرآن\" ٣٢٥، والخزرجي في \"نص الصباح\" ٢/ ٧٤٨ كما ذهب إليه الطبري: \"جامع البيان\" ٢٩/ ١٨١، والسمرقندي في \"بحر العلوم\" ٣/ ٤٢٦، والماوردي في \"النكت والعيون\" ٦/ ١٥٤، وقد رواه البخاري معلقًا: ٣/ ٣١٨: كتاب التفسير ٧٥، ولم أجد من خالف هذا القول من جميع المفسرين.\n(٥) \"جامع البيان\" ٢٩/ ١٨٢، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٣٤٥، وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر. وانظر: \"تفسير الحسن البصري\" ٢/ ٣٧٩.","vol":"22","page":490},{"text":"المصير (١).\nيعني أن كل أحد يرجع إليه، وأمره يصير إليه، كما قال: ﴿إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى (٨)﴾ [العلق: ٨]، ﴿وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (٢٨)﴾ [آل عمران: ٢٨]، وقال: ﴿أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ (٥٣)﴾ [الشورى: ٥٣]، وقال مقاتل: يقول: ﴿إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ (١٢)﴾ [القيامة: ١٢] (٢) لا يجد عنها مرحلًا (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4716>١٣ </span>- قوله تعالى: ﴿يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ (١٣)﴾ اختلفوا في معنى هذا التقديم والتأخير، فذهب قوم إلى أن التقديم هو لما عمله في حياته، أيَّ عمل كان من طاعة أو معصية، والتأخير لما آخره بعد موته من سنة صالحة أو سيئة يقتدى بها بعده. وهو قول ابن عباس (٤)، وابن مسعود (٥)، ومقاتل (٦)، والكلبي.\nوقال زيد بن أسلم: بما قدَّم من أحواله لنفسه، وما تأخر خلفه للورثة (٧).\n_________\n(١) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٢) في كلا النسختين: المنتهى، وهو خطأ.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ٢١٨/ أ، و\"الكشف والبيان\" ١٣: ٦/ أ.\n(٤) \"جامع البيان\" ٢٩/ ١٨٣ بمعناه، و\"الكشف والبيان\" ١٣: ٦/ أ، و\"النكت والعيون\" ٦/ ١٥٤، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٢٢، و\"زاد المسير\" ٨/ ١٣٦، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٩٧، و\"التفسير الكبير\" ٣٠/ ٢٢٢، و\"لباب التأويل\" ٤/ ٣٣٤.\n(٥) المراجع السابقة عدا \"لباب التأويل\".\n(٦) \"تفسير مقاتل\" ٢١٨/ أ.\n(٧) \"الكشاف والبيان\" ١٣/ ٦/ أ، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٢٢، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٠٤، و\"زاد المسير\" ٨/ ١٣٦، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٩٧، و\"البحر المحيط\" ٨/ ٣٨٦.","vol":"22","page":491},{"text":"ومنهم من جعلهما جميعًا في حال حياته. وهو قول إبراهيم (١)، ومجاهد (٢) قالا: ﴿بِما قَدَّم﴾ أي بأقل عمله في أول عمره، وبما أخر، بما عمل في آخر عمله. وهو قول عطاء، ونحو هذا قال قتادة (٣) في التقديم والتأخير، إلا أنه قال: (ما قدم) من عمل من طاعة الله، (وما أخر) ما ضيع من حق الله، وقصر فيه فلم يعمله.\nوقال ابن زيد: بما قدم من عمل من خير أو شر، وما أخر من طاعة فلم يعمل بها (٤). ونظير هذه الآية قوله: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ (٥)﴾ [الانفطار: ٥].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4717>١٤ </span>- وقوله تعالى: ﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (١٤)﴾ أي شاهد. يعني: أن جوارحه تشهد عليه بما عمل، فهو شاهد على نفسه شهادة جوارحه. وهذا قول ابن عباس (٥)، وعطاء (٦)، والكلبي (٧)، ومقاتل (٨)، وسعيد بن\n_________\n(١) \"جامع البيان\" ٢٩/ ١٨٤، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٣٤٦، وعزاه إلى ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد.\n(٢) \"جامع البيان\" ٢٩/ ١٨٤، و\"الكشف والبيان\" ١٣/ ٦/ أ، و\"النكت والعيون\" ٦/ ١٥٤، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٢٢، و\"زاد المسير\" ٨/ ١٣٦، و\"التفسير الكبير\" ٣٠/ ٢٢١، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٩٧، و\"البحر المحيط\" ٨/ ٣٨٦.\n(٣) \"الكشف والبيان\" ١٣/ ٦/ أ، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٢٢.\n(٤) المرجعان السابقان، و\"جامع البيان\" ٢٩/ ١٨٤، و\"النكت والعيون\" ٦/ ١٥٤.\n(٥) \"جامع البيان\" ٢٩/ ٢٨٤.\n(٦) \"جامع البيان\" ٢٩/ ١٨٥، و\"الكشف والبيان\" ١٣: ٦/ ب، و\"النكت والعيون\" ٦/ ١٥٤، و\"لباب التأويل\" ٤/ ٣٣٤، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٣٤٧ وعزاه إلى ابن المنذر، وابن أبي حاتم.\n(٧) \"الكشف والبيان\" ١٣/ ٦/ ب، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٢٣.\n(٨) المرجعان السابقان.","vol":"22","page":492},{"text":"جبير (١)، ومجاهد (٢)، وقتادة (٣)، والجميع (٤)، (وهذا كقوله: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ﴾ [النور: ٢٤]، وقوله: ﴿وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ﴾ [يس: ٦٥]، وقوله: ﴿عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ﴾ [فصلت: ٢٠]. فأعلم الله أن هذه الجوارح شواهد على الإنسان) (٥).\nقال الفراء: يقول على الإنسان من نفسه بصيرة -يعني- رقباء يشهدون عليه بعمله: اليدان، والرجلان، والعينان، والذكر (٦).\nفأمَّا تأنيث (البصيرة) فيجوز أن يكون؛ لأن المراد بالإنسان -هاهنا -\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ٢١٨/ أ، وانظر السابق، وانظر: \"التفسير الكبير\" ٣٠/ ٢٢٢.\n(٢) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٣) لم أعثر على مصدر لقوله. وانظر: \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٣٣٤، و\"جامع البيان\" ٢٩/ ١٨٥، و\"ابن كثير\" ٤/ ٤٧٨.\n(٤) وإلي هذا ذهب أيضا ابن قتيبة. انظر: \"تفسير غريب القرآن\" ٥٠٠، وذكر الطبري وغيره قولًا آخر في معنى: (بصيرة) قال: معناه بصير بعيوب الناس غافل عن عيب نفسه فيما يستحقه لها وعليها من ثواب وعقاب. وهذا قول الحسن، وقتادة. انظر: \"جامع البيان\" ٢٩/ ١٨٥، و\"النكت والعيون\" ٦/ ١٥٤، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٩٩. كما ذكر القرطبي قولًا ثالثًا، قال: وقيل: المراد بالبصيرة: الكاتبان اللذان يكتبان ما يكون فيه من خير وشر. قاله ابن عباس. \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٩٨، وانظر: \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٠٤، وبهذين القولين يتبين أن ليس الجميع قال بما ذكره الواحدي، وإن كان القول الثالث يدخل ضمن شهادة الجوارح والنفس عليه، وهذا من منهج الواحدي في تقريره للإجماع أو العزو إلى المفسرين أو الجميع، فما خالف الجمع فإنه لا يعتبره مخالفًا بل قول منفرد لا يؤثر على الإجماع، والله أعلم.\n(٥) ما بين القوسين نقله بتصرف عن الزجاج، انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٥٢ - ٢٥٣.\n(٦) \"معاني القرآن\" ٣/ ٣١١ بنصه.","vol":"22","page":493},{"text":"الجوارح؛ لأنها شاهدة على نفس الإنسان، كأنه قيل: بل الجوارح على نفس الإنسان بصيرة.\nوقال أبو عبيدة: جاءت هذه الهاء في صفة الذكر، كما جاءت: رجل راوية، وعلامة، وطاغية (١).\nوقال الأخفش: جعله هو البصيرة، كما تقول للرجل: أنْتَ حُجَّةٌ عَلى نَفْسِكَ (٢) (٣).\nوقد أخبر الله -تعالى- في الآية الأولى أن الإنسان يخبر يوم القيامة بأعماله، ثم ذكر في هذه الآية أنه شاهد على نفسه بما عمل، ويكون هذا من صفة الكفار، فإنهم ينكرون ما عملوا، فيختم الله على أفواههم، وتنطق جوارحهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4718>١٥ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ (١٥)﴾ جمع معذرة، يقال: معذرة، ومعاذر، ومعاذير.\nقال المفسرون: يعني لو اعتذر. وهو قول ابن عباس (٤)، وقتادة (٥)،\n_________\n(١) \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٧٧ بزيادة: رجل.\n(٢) بياض في (ع).\n(٣) \"معاني القرآن\" ٢/ ٧٢١ بنصه.\n(٤) \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٣٣٤، و\"جامع البيان\" ٢٩/ ١٨٥، و\"زاد المسير\" ٨/ ١٣٦ حكاه عن الأكثرون، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٣٤٧ وعزاه إلى ابن المنذر.\n(٥) \"جامع البيان\" ٢٩/ ١٨٦، و\"النكت والعيون\" ٦/ ١٥٥ بمعناه، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٢٣، و\"زاد المسير\" ٨/ ١٣٦ حكاه عن الأكثرين، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٩٩، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٤٧٨ بمعناه، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٣٤٧ وعزاه إلى عبد الرزاق -ولم أجد عنده-، وعبد حميد، وابن المنذر، و\"فتح القدير\" ٥/ ٣٣٨.","vol":"22","page":494},{"text":"ومجاهد (١)، ومقاتل (٢) وسعيد بن جبير (٣) قالوا: لو اعتذر وجادل عنها، فعليه من يكذب عذره، وأدلى بعذر وحجة لم ينفعه ذلك؛ لأن جسده عليه شاهد.\nقال الفراء: أي وإن اعتذر فعليه من يكذب عذره (٤).\nوقال الزجاج: ولو أدلى بكل حجة عنده (٥).\nوقال (الضحاك) (٦) (٧)، والسدي (٨): يعني لو أرخى الستور.\nوذكر الفراء والزجاج والمبرد (٩) هذا القول، قال الفراء: جاء في التفسير: ولو أرخى ستوره (١٠).\nوقال الزجاج: المَعاذير: السُّتُور، واحِدُها: مِعْذار (١١).\n_________\n(١) المراجع السابقة عدا النكت، والدر. انظر كشف البيان: ١٣: ٧/ أ.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ٢١٨/ أ، و\"الكشف والبيان\" ١٣: ٧/ أبمعناه، و\"زاد المسير\" ٨/ ١٣٦ حكاه عن الأكثرين، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٩٩، و\"فتح القدير\" ٥/ ٣٣٨.\n(٣) المراجع السابقة، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٣٤٧ وعزاه إلى ابن أبي شيبة، وانظر: \"تفسير سعيد بن جبير\" ٣٦٢.\n(٤) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢١١ بنصه.\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٥٣ بنصه.\n(٦) \"جامع البيان\" ٢٩/ ١٨٦، و\"الكشف والبيان\" ١٣: ٧/ أ، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٠٤ بمعناه، و\"زاد المسير\" ٨/ ١٣٦، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٩٩.\n(٧) ساقطة من (أ).\n(٨) \"الكشف والبيان\" ١٣: ٧/ أ، بمعناه، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٠٤، و\"زاد المسير\" ٨/ ١٣٦، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٩٩، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٤٧٨، وانظر: \"تفسير السدي\" ٤٦٨.\n(٩) في (أ): بهذا.\n(١٠) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢١١ بنصه.\n(١١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٥٣ بنصه","vol":"22","page":495},{"text":"وقال المبرد هي: لغة يمانية (١).\nوالمعنى على هذا القول: أنه وإن أُسبل الستر لتخفى ما يعمل فإن نفسه شاهد عليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4719>١٦ </span>- قوله: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦)﴾.\nقال سعيد بن جبير عن ابن عباس: كان رسول الله -ﷺ- يعالج من التنزيل شدة (٢)، وكان يشتد عليه حفظه، وكان إذا نزل عليه الوحي يحرك لسانه وشفتيه قبل فراغ جبريل من قراءة الوحي، مخافة ألا يحفظه (٣)، فأنزل الله: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ﴾ يعني بالقراءة (٤).\n_________\n(١) لم أعثر عليه في \"الكامل\" ولا \"المقتضب\"، وقد ورد عنه منسوبًا إليه في \"التفسير الكبير\" ٣٠/ ٢٢٢، و\"فتح القدير\" ٥/ ٣٣٨.\n(٢) قوله: التنزيل شدة: بياض في (ع).\n(٣) في (ع): يحفظ.\n(٤) أخرج هذا الأثر البخاري في \"الجامع الصحيح\" ٣/ ٣١٨: ح: ٤٩٢٧، ٤٩٢٨، ٤٩٢٩ بمعناه كتاب: التفسير: باب (٧٥) سورة القيامة، ومسلم في \"صحيحه\" ١/ ٣٣٠: ح: ١٤٧، ١٤٨: كتاب: الصلاة باب: الاستماع للقراءة، وأبو داود الطيالسي في \"مسنده\" ١٠/ ٣٤٢: ح ٢٦٢٨، والإمام أحمد في \"المسند\" ١/ ٣٤٣، والترمذي في \"سننه\" ٥/ ٤٣٠: ح ٣٣٢٩: كتاب: تفسير القرآن باب ٧٢١ ومن سورة القيامة. وقال: هذا حديث حسن صحيح، والنسائي في \"سننه\" ٢/ ٤٨٧: ح ٩٣٤: كتاب الافتتاح باب ٣٧ جامع ما جاء في القرآن، والطبراني في \"المعجم الكبير\" ١١/ ٤٥٨: ح: ١٢٢٩٧، كما ورد في الأثر عن ابن عباس في \"جامع البيان\" ٢٩/ ١٨٧ بمعناه، و\"النكت والعيون\" ٦/ ١٥٥، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٢٣، و\"زاد المسير\" ٨/ ١٣٧، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ١٠٤، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٤٧٩، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٣٤٨ وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن الأنباري في المصاحف، والطبراني وابن مردويه، وأبي نعيم، و\"لباب القول\" للسيوطي ٢٢٥، وانظر: \"دلائل النبوة\" للبيهقي ٧/ ٥٦.","vol":"22","page":496},{"text":"﴿لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ أي بالقرآن، كما قال: ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾ [طه: ١١٤]. والمعنى لتعجل بأخذه. ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ﴾، أي نجمعه في صدرك، وقراءته (١) عليك؛ (قاله الكلبي) (٢) (٣).\nوقال عطاء: (أي) (٤) إن جبريل يستعيده عليك (٥).\nوقال مقاتل (وقرآنه): يعني: ونقرئكه حتى تحفظه (٦).\nقال الزجاج: إن علينا أن نقرئكه فلا تنسى (٧). كما قال: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (٦)﴾ [الأعلى: ٦]. وعلى هذا معنى قوله: (قرآنه) أي وقراءتك إياه بأن نقرئكه، والقارئ هو النبي -ﷺ-، وعلى القول الأول: القارئ هو جبريل. وهذا الذي ذكرنا في قوله: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ﴾ هو قول مقاتل (٨)، (ومجاهد (٩)، وقتادة (١٠)، وعطاء (١١» (١٢)، والجميع (١٣).\n_________\n(١) بياض في (ع).\n(٢) قراءته: كررت في نسخة: (ع).\n(٣) لم أعثر على مصدر لقوله، وقد ورد مثله في \"الوسيط\" غير منسوب ٤/ ٣٩٢.\n(٤) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٥) ساقطة من (أ).\n(٦) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٧) \"تفسير مقاتل\" ٢١٨/ أ.\n(٨) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٥٣ برواية: (نقريك) بدلًا من: (نقريكه).\n(٩) \"تفسير مقاتل\" ٢١٨/ أ.\n(١٠) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(١١) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(١٢) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(١٣) قال بذلك أيضًا سيد بن جبير، والشعبى، وابن زيد، والضحاك. انظر: \"جامع البيان\" ٢٩/ ١٨٧ - ١٨٨. وبه قال الفراء، والزجاج، وعزاه ابن عطية إلى كثير من =","vol":"22","page":497},{"text":"قال قتادة في قوله: (جمعه وقرآنه) حفظه (١)، وعلى هذا معنى القرآن: الجمع؛ من قولهم: ما قرأت الناقة سلا (٢) قط، أي: ما جمعت.\n(وقد ذكرنا ذلك عند تفسير القُرء (٣» (٤).\nقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ﴾. قال ابن عباس: فإذا قرأه جبريل (٥) ومقاتل: فإذا تلوناه عليك بجبريل (٦). ﴿فَاتَّبِعْ (٧) قُرْآنَهُ﴾. قال: يعني: فاتبع\n_________\n= المفسرين، وقال به أيضًا ابن كثير. انظر: \"معاني القرآن\" ٣/ ٢١١، و\"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٥٣، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٠٤، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٤٧٩. وقال آخرون: بل السبب الذي من أجله قيل له ذلك: أنه كان يكثر تلاوة القرآن مخافة نسيانه، فقيل له: لا تحرك به لسانك لتعجل به، إن علينا أن نجمعه لك، ونقرئكه، فلا تنسى. وهو قول ابن عباس، ومجاهد، والحسن، وقتادة، والضحاك. انظر: \"جامع البيان\" ٢٩/ ١٨٨، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٠٤.\nوقال آخرون -وهو قول الشعبي- كان رسول الله -ﷺ- لحرصه على أداء الرسالة والاجتهاد في ذات الله تعالى، ربما أراد النطق ببعض ما أوحى إليه قبل كمال إيراد الوحي، فأمر ألا يعجل بالقرآن من قبل أن يقضي إليه وحيه. انظر: \"المحرر\" ٥/ ٤٠٤.\n(١) غير مقروءة في نسخة: (ع).\n(٢) السلا: الجلدة الرقيقة التي يكون فيها الولد، يكون ذلك في الدواب والإبل وفي الناس: المشيمة، والمعنى ما حملت ملقوحًا. \"النهاية في غريب الحديث والأثر\" ٢/ ٣٩٦.\n(٣) [البقرة: ٢٢٨] وما جاء في معنى (القروء) جمع قرء، وجمعه القليل أقرؤ، وأقراء، والكثير: قروء، وهذا الحرف من الأضداد؛ لأن أصل القرء اسم للوقت، والقروء الأوقات، واحدها قرء. وقال قوم: أصل القرء: الجمع، يقال: ما قرأت الناقة سلا قط، أي ما جمعت في رحمها ولدًا قط.\n(٤) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٥) \"الوسيط\" ٤/ ٣٩٣.\n(٦) \"تفسير مقاتل\" ٢١٨/ أ.\n(٧) بياض في (ع).","vol":"22","page":498},{"text":"ما فيه كما نقرئكه (١). ونحو هذا قال قتادة: يقول: فاتبع حلاله وحرامه (٢). وأجود من هذا أن يكون المعنى: فاتبع قرآنه، أي: اقرأه إذا فرغ جبريل من قراءته. وهذا أولى؛ لأنه أمر أن يدع القراءة (٣)، ويستمع من جبريل، حتى إذا فرغ جبريل قرأه، وليس هذا موضع الأمر باتباع ما فيه من الحلال والحرام.\nوهذا معنى قول ابن عباس في رواية سعيد بن جبير قال: يقول: إنا أنزلناه فاتبع له، فكان النبي -ﷺ- إذا نزل عليه جبريل بعد هذا أطرق، فإذا ذهب فرأه كما وعده الله (٤). وقال (٥) أيضًا: فاتبع قرآنه، واستمع له، وأنصت، قال: فإذا أتاه جبريل استمع، فإذا انطلق جبريل قرأه (٦). وعلى هذا أتبع قراءة (٧) جبريل بالاتباع (٨). وعلى القول الأول: أتبع قراءته بقراءتك.\nوذكر أبو علي في \"المسائل الحلبية\" هذه الآية فقال: (قوله تعالى:\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ٢١٨/ أ، وقد ورد بمعناه في \"الوسيط\" ع: ٣٩٣ من غير عزو.\n(٢) \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٣٣٤، و\"جامع البيان\" ٢٩/ ١٩٠، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٠٥، و\"زاد المسير\" ٨/ ١٣٧، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٣٤٨ وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.\n(٣) بياض في (ع).\n(٤) الأثر أخرجه البخاري ٣/ ٣١٨: ح: ٤٩٢٩ كتاب: التفسير باب ٧٥ سورة القيامة، ومسلم ١/ ٣٣٠: ح: ١٤٧ - ١٤٨: \"كتاب الصلاة\" باب الاستماع للقراءة، كما أخرجه أبو داود الطيالسي في \"مسنده\" ١٠/ ٣٤٢: ح ٢٦٢٨، والنسائي في \"سننه\" ٢/ ٤٨٧: ح: ٩٣٤: كتاب: الافتتاح باب: ٣٧ جامع ما جاء في القرآن.\n(٥) أي ابن عباس.\n(٦) سبق تخريجه.\n(٧) في (أ): قرة.\n(٨) قوله: جبريل بالاتباع: بياض في (ع).","vol":"22","page":499},{"text":"﴿لَا تُحَرك بِهِ لِسَانَكَ﴾، إنا سنحفظه عليك. وهذا في المعنى مثل قوله: ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾ [طه: ١١٤]، وليس المراد بقوله: ﴿جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ القرآن الذي هو اسم التنزيل، وإنما أضمر [في قوله: ﴿لَا تُحَرِك بِهِ لِسَانَكَ﴾، وإن لم يجر له ذكر لدلالة الحال عليه، كما أضمر] (١) في قوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١)﴾ [القدر: ١]، وإن كان أول سورة، ولم يجر له ذكر، وإذا كان الذكر المضاف إليه المصدر في قوله: (وقرآنه) راجعًا إلى التنزيل ثبت أن المصدر ليس عبارة عنه؛ لأن الشيء لا يضاف إلى نفسه، ألا ترى أنك لا تقول: رجلُ زيدٍ، وأنت تعني بـ: (رجل) زيدًا (٢) نفسه، وإنما أضيف المصدر إلى المفعول هاهنا: المعنى: جمعنا إياه، وقراءتنا إياه. وكذلك التقدير في قوله: ﴿فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾، ومجاز الآية على قول أبي عبيدة: جمعه وتأليف بعضه إلى بعض (٣)، من قوله: (ما قرأت هذه الناقة سلا قط، أي (٤) إني لم تضم، ولم تجمع. وبيت عمرو بن كلثوم:\nلم تَقْرَأ جَنِينا (٥)\n_________\n(١) ساقط من النسختين، وأثبته من المسائل الحلبية لاكتمال واتضاح المعنى بوجوده.\n(٢) في كلا النسختين: زيد.\n(٣) \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٧٨، وذكر بيت عمرو بن كلثوم.\n(٤) في (أ): أن.\n(٥) البيت كاملًا:\nذِراعَيْ عَيْطَلٍ أدْماءَ بِكْرٍ ... هِجانِ اللَّوْنِ لم تَقْرأْ جَنِينا\nورد البيت في \"شعر عمرو بن كلثوم\" إعداد: طلال حرب: ٢٥، \"شرح المعلقات السبع\" للزوزني ١٦٩، و\"شرح المعلقات العشر\" للشنقيطي ١٣٩، و\"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٧٨، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٠٤، و\"روح المعاني\" ٢٩/ ١٤٢. =","vol":"22","page":500},{"text":"وإنما حسن ذكر الجمع والقرآن؛ لأن المجى عام، والقرآن أخص منه، فإنك تقول: جمعت الناس والمال. ولا تقول: قرأت الناس، بمعنى جمعت، فإذا دخل القرآن الاختصاص الذي ليس في الجمع حسن التكرير، كما أنك لو قلت: أعلمت زيدا وأنذرته، حسن؛ لاختصاص الإنذار بمعنى التخويف المتعري منه: (أعْلَمْت) وإذا استجيز استعمال لفظين مختلفين بمعنى واحد، نحو (أقوى) و(أفقر)، فهذا النحو الذي يختص فيه إحدى الكلمتين، بمعنى ليس في الأخرى (١) أجدر أن يستحسن) (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4720>١٩ </span>- قوله: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (١٩)﴾، قال عطاء عن ابن عباس: ثم إن علينا تفسير ذلك (٣)، وقال مقاتل: علينا أن نبين لك حلاله وحرامه (٤). وأجود من هذا، ما روي عن ابن عباس ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (١٩)﴾: بلسانك (٥).\n_________\n= ومعنى البيت: العيطل: الطويلة العنق من النوق. الأدماء: البيضاء منها، والأدمة البياض في الإبل. البكر: الناقة التي حملت بطنًا واحدًا، الهجان: الأبيض الخالص البياض. لم تقرأ جنينًا، أي: لم تضم في رحمها ولدًا. شرح المعلقات السبع. مرجع سابق، انظر: \"ديوانه\" ٢٥ والذي ورد في ديوانه برواية:\nذِرَاعَا عِيْطَلٍ أدْمَاءَ بكرٍ ... تَرَبَّعَتِ الأجَارعَ والْمُتُونَا\nأما ما روي عنه في شرح المعلقات وغيرها ووضح ذلك في ديوانه، فهي رواية:\nذراعي عيطل أدماء بكر ... هجان اللون لم تقرأ جنينا\n(١) في (أ): الأخرا.\n(٢) ما بين القوسين من \"المسائل الحلبية\" باختصار: ٢٩٠ - ٢٩٣.\n(٣) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ٢١٨/ أ.\n(٥) \"جامع البيان\" ٢٩/ ١٩١، و\"النكت والعيون\" ٦/ ١٥٦، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٢٣، و\"زاد المسير\" ٨/ ١٣٧، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٣٤٨.","vol":"22","page":501},{"text":"أي علينا أن [نحفظه] عليك حتى تبين للناس بتلاوتك وقراءتك عليهم.\nوهذا أولى من بيان الحلال والحرام؛ لأن بيان ذلك (كان) (١) يحصل للنبي -ﷺ- عند قراءة جبريل، واستماعه منه، وما كان يتأخر البيان عن ذلك الوقت. وقد ذكر الكلبي المراد بهذا البيان، بيان ما أُجملَ (٢) في القرآن من الصلاة والزكاة (٣)، فقال: ثم نزل عدد الصلوات الخمس قبل خروج النبي -ﷺ- من مكة إلى المدينة بسنة للظهر أربعًا، وكذلك العصر والعشاء، والمغرب ثلاثًا (٤)، والفجر ركعتين، وذكر أيضًا تفصيل الزكاة من المواشي والنقود.\nوالبيان (٥) يجوز أن يكون مطاوعًا من أن الشيء بين إذا ظهر، ويجوز أن يكون اسمًا من التبيين، فقام مقام المصدر كالأداء والسراج.\nوذكر أبو إسحاق معنى آخر فقال: أي (٦) علينا أن ننزله قرآنًا عربيًّا غير ذي عوج، فيه بيان للناس (٧).\nقوله: ﴿كَلَّا﴾ قال عطاء عن ابن عباس: أي: لا يؤمن أبو جهل بتفسير ذلك (٨)، يعني بتفسير القرآن وبيانه.\n_________\n(١) في كلا النسختين: نحفظ، وما أثبته من \"الوسيط\"، وبه تستقيم العبارة\n(٢) ساقطة من (أ).\n(٣) في (أ): احتمل.\n(٤) بياض في (ع).\n(٥) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٦) في (أ): أن.\n(٧) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٣٥ بنصه.\n(٨) \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ١٠٥.","vol":"22","page":502},{"text":"وقال مقاتل: كلا لا يصلون، ولا يزكون (١).\n﴿بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ (٢٠) (وَتَذَرُونَ) الْآخِرَةَ (٢)﴾ (يعني كفار مكة يحبون الدنيا ويعملون بها ويذرون العمل للآخرة فيؤثرون الدنيا عليها. ونحو هذا قال الكلبي قال: (وتذرون الآخرة) أي الجنة (٣) (٤).\n(وقرئ: تحبون وتذرون) (٥)، بالياء والتاء (٦).\nقال الفراء: والقرآن يأتي على أن يخاطب المنزل عليهم أحيانًا، وحينًا يُجعلون كالغيب، كقوله: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ [يونس: ٢٢] (٧).\nوقال أبو علي: الياء على ما تقدم من ذكر الإنسان. والمراد بالإنسان الكثرة، وليس المراد به واحدًا، إنما المراد الكثرة والعموم؛ لقوله: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (١٩)﴾ [المعارج: ١٩] ثم قال: ﴿إِلَّا الْمُصَلِّينَ (٢٢)﴾ [المعارج: ٢٢]، فـ (الياء) حسن لتقدم (٨) ذكر الإنسان: والمعنى: هم يحبون ويذرون، والتاء على: قُلْ لهم: بل تحبون وتذرون (٩).\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ٢١٨/ أ.\n(٢) ساقطة من (ع).\n(٣) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٤) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٥) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٦) قرأ ابن كثير، وابن عامر، وأبو عمرو، ويعقوب، (بل تحبون)، (وتذرون) بالتاء جميعًا. وقرأ الباقون بالياء جميعًا. انظر: \"الحجة\" ٦/ ٣٤٥ - ٣٤٦، و\"المبسوط\" ٣٨٨، و\"حجة القراءات\" ٧٣٦، و\"البدور الزاهرة\" ٣٣٠.\n(٧) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢١١ - ٢١٢ بنصه.\n(٨) في (ع): للتقدم.\n(٩) \"الحجة\" ٦/ ٣٤٦ بتصرف يسير.","vol":"22","page":503},{"text":"وذكرنا تفسير: (العاجلة) عند قوله: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ﴾ (١).\nقوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ﴾ يعني: يوم القيامة، وقد سبق ذكره في مواطن (٢) من هذه السورة (٣).\n(وقوله) (٤): ﴿نَّاضِرَةٌ﴾ قال الليث: نَضَر اللوْنُ، والشجر، والورق، يَنْضُر نَضْرة (٥).\nوالنضرة: النعمة، والناضر (٦): الناعم الغض؛ الحسن من كل شيء، ومنه يقال: اللون (٧) إذا كان مشرقًا ناضرًا (٨)، فيقال: أخضر ناضر (٩)، وكذلك في جميع الألوان. ومعناه الذي له بريق من صفائه، وكذلك يقال: شجر ناضر، وروض ناضر (١٠).\n(وأنشد أبو عبيدة (١١) لجرير) (١٢) قال:\n_________\n(١) [الإسراء: ١٨] وقد جاء في تفسير الآية: (قال المفسرون: أي الدنيا، والعاجلة نقيض الآجلة، وهي الدنيا عجلت، وكانت قبل الآخرة).\n(٢) في (ع): مواضع.\n(٣) انظر الآيتين: ١٠، ١٢ من هذه السورة.\n(٤) ساقطة من (أ).\n(٥) \"تهذيب اللغة\" ١٢/ ٩: مادة: (نضر).\n(٦) في (ع): الناظر.\n(٧) في (أ): للون.\n(٨) في (ع): ناظر.\n(٩) في (ع): ناظر.\n(١٠) انظر مادة: (نضر) في \"لسان العرب\" ٥/ ٢١٢، و\"القاموس المحيط\" للفيروزأبادي: ٢/ ١٤٣.\n(١١) لم أجده في \"المجاز\".\n(١٢) ما بين القوسين ساقط من (أ).","vol":"22","page":504},{"text":"طَرِب الحمام بذي الأراك وهاجني ... [لازلت] (١) في غَلَلٍ وأَيْك ناضرٍ (٢) (٣)\n(قال شَمِر: سمعت) (٤) ابن الأعرابي يقول: (نَضره اللهُ، فَنَضَرَ يَنْضُر، ونَضِر ينْضُر، ومنه قوله -ﷺ-: \"نَضَّرَ الله امرأ (٥) سمع مقالتي\" (٦) الحديث. أكثر الرواة رووا بالتخفيف (٧)، وروي عن الأصمعي فيه التشديد. وأنشد شمر قوله جرير في لغة من روى بالتخفيف:\n_________\n(١) في (أ): لا راك، وبياض في (ع)، وأثبت الصواب من ديوان جرير.\n(٢) في (ع): ناظر.\n(٣) \"ديوانه\" ٢٣٦: دار بيروت برواية: (فهاجني)، و(لا زِلتَ).\nالغَلَلُ: ما تَغَلَّل من الماء الجاري بين الشجر. والأيك: الشجر الملتف. انظر شرح \"ديوانه\" ٣٠٤: دار الأندلس.\n(٤) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٥) في (ع): عبدًا.\n(٦) الحديث أخرجه: أبو داود في \"سننه\" ٢/ ٣١٥: باب فضل نشر العلم، ونص الحديث كما هو عنده: (نضر الله امرأً سمع منا حديثًا فحفظه حتى يبلغه. فرب حامل حقه إلى من هو أفقه منه، ورب حامل فقه ليس بفقيه)، والدارمي ١/ ٨٠ ح: ٢٣٣، ٢٣٤: المقدمة، والإمام أحمد ١/ ٤٣٧، ٣/ ٢٢٥، ٤/ ٨٠، ٨٢، وابن ماجه ١/ ٤٩ ح: ٢٤٣ - ٢٤٤ - ٢٤٦: المقدمة: باب من بلغ علمًا ٢١، ٢/ ١٨٨ ح: ٣٠٩١ - ٣٠٩٢: في المناسك: باب الخطبة يوم النحر، والترمذي ٥/ ٣٣ - ٣٤ ح: ٢٦٥٦ كتاب العلم باب ما جاء في الحديث عن تبليغ السماع ٧، وقال عنه: حديث حسن، وانظر: \"مجمع الزوائد\" للهيثمي: ١/ ١٣٧ - ١٣٨: باب في سماع الحديث وتبليغه: وقال: رواه الطبراني في \"الكبير\" ٢/ ١٢٧: ح: ١٥٤٣ - ١٥٤٤، ورجاله موثقون إلا أني لم أر من ذكر محمد بن نصر شيخ الطبراني في الأوسط والحديث صحيح عند الألباني، انظر: \"صحيح ابن ماجه\" ١/ ٤٤ - ٤٥ ح ١٨٧: باب ١٨، و\"سلسلة الأحاديث الصحيحة\" ١/ ١٤٥ ح ٤٠٤.\n(٧) وجدت في المراجع السابقة عن مراجع الحديث رواية (نَضَّر) بالتشديد، أما \"المسند\"، و(سنن الدارمي)، و(الزوائد) فإنه لم تشكل فيها الأحاديث.","vol":"22","page":505},{"text":"والْوَجْهُ لا حَسَنًا ولا مَنْضُورا (١) (٢)\nومنضور (لا) (٣) يكون إلا من نضره بالتخفيف. (روى ثعلب عن) (٤) ابن الأعرابي: (نَضَر وجْهُه ونَضِر، ونَضُر، وأنْضَر، ونَضَرَهُ) (٥): نضره الله بالتخفيف، (وأنضره، ونضره) (٦) (٧) قال ابن عباس: ناضرة (٨): ناعمة (٩)\n(وقال الكلبي: حسنة، بهجة، يعرف فيها النعمة (١٠) (١١).\nوقال مقاتل: يعني الحسن والبياض ويعلوها (١٢) النور (١٣).\nوألفاظهم مختلفة في تفسير (الناضرة)، ومعناها واحد.\n_________\n(١) في (ع): منظورً.\n(٢) تمام البيت:\nوكأنما بَصقَ الْجَرَادُ بِليتِهَا ... فالوجه لا حسنًا ولا منضورا\nوقد ورد في \"ديوانه\" ٢٢٥: ط: دار بيروت؛ وفي مادة: (نضر) في \"تهذيب اللغة\" ١٢/ ٨ - ٩، و\"لسان العرب\" ٥/ ٢١٣. ومعنى ليتها: صفحة عنقها. \"ديوانه\".\n(٣) ساقطة من (أ).\n(٤) ما بين القوسين ساقطة من (أ).\n(٥) ما بين القوسين ساقط من (أ)، وكتبت في نسخة: (ع) كلها بالظاء.\n(٦) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٧) ما بين القوسين المزدوجين نقله الإمام الواحدي عن الأزهري بتصرف. انظر مادة: (نضر) \"تهذيب اللغة\" ١٢/ ٨ - ٩، و\"لسان العرب\" ٥/ ٢١٣.\n(٨) في (أ): ناضر.\n(٩) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(١٠) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(١١) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(١٢) في (أ): يعلوها.\n(١٣) \"تفسير مقاتل\" ٢١٨/ ب، و\"الكشف والبيان\" ١٣: ٧/ ب، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٢٤.","vol":"22","page":506},{"text":"قالوا (١): مسرورة، ناعمة، مضيئة، مشرقة، (مسفرة) (٢)، بهجة؛ (كل هذا من ألفاظهم) (٣).\n(وقال أبو إسحاق: نُضِّرَت بنعيم الجنة، كما قال: ﴿تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ (٢٤)﴾ [المطففين: ٢٤] (٤) (٥)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4721>٢٣ </span>- قوله: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾. ذكرنا معاني النظر في سورة البقرة (٦).\nقال ابن عباس في رواية عطاء: يريد إلى الله ناظرة (٧).\nوقال الكلبي: تنظر إلى الله يومئذ لا تحجب عنه (٨).\nوقال مقاتل: تنظر إلى ربها معاينة (٩).\n(وقال: عكرمة (١٠)، وإسماعيل بن أبي خالد: تنظر إلى ربها\n_________\n(١) أي المفسرون، وممن قال بذلك: ابن زيد، ومجاهد، والسدي، وابن عباس، وعكرمة. انظر: \"جامع البيان\" ٢٩/ ١٩١، و\"الكشف والبيان\" ١٣: ٧/ ب، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٢٤، و\"النكت والعيون\" ٦/ ١٥٦، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٣٤٩.\n(٢) ساقط من (أ).\n(٣) ساقط من (أ).\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٥٣ مختصرًا.\n(٥) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٦) سورة البقرة: ٥٥.\n(٧) \"الكشف والبيان\" ١٣: ٧/ ب، و\"زاد المسير\" ٨/ ١٣٨، و\"لباب التأويل\" ٤/ ٣٣٥، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٣٥٠ بمعناه وعزاه إلى ابن مردويه، وانظر: \"شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة\" للالكائي ٣/ ٤٦٣.\n(٨) \"الوسيط\" ٤/ ٣٩٤.\n(٩) \"تفسير مقاتل\" ٢١٨/ أ.\n(١٠) \"جامع البيان\" ٢٩/ ١٩٢، و\"الكشف والبيان\" ١٣: ٧/ ب، و\"زاد المسير\" ٨/ ١٣٨، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ١٠٦، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٣٤٩ وعزاه =","vol":"22","page":507},{"text":"نظرًا (١) (٢). وقال الحسن: تنظر إلى الخالق، وحُقَّ لها أن تنظر، (وهي تنظر إلى الخالق) (٣) (٤). (وقال أبو إسحاق: نُضِّرت بنعيم الجنة، والنظر إلى ربها) (٥) (٦).\nوروي عن مجاهد، وأبي صالح (٧) أنهما فسرا النظر في هذه الآية بالانتظار (٨).\n_________\n= إلى ابن المنذر، والآجري، واللالكائي، والبيهقي. \"شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة\" لللالكائي ٣/ ٤٦٤.\n(١) ورد قوله في \"جامع البيان\" ٢٩/ ١٩٢، و\"الكشف والبيان\" ١٣: ٧/ ب.\n(٢) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٣) ورد قوله في المرجعين السابقين، و\"تفسير الإمام مجاهد\" ٦٨٧، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٢٤، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٠٥، و\"زاد المسير\" ٨/ ١٣٨، و\"لباب التأويل\" ٤/ ٣٣٥، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٤٨٠، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٣٥٠، وانظر: \"تفسير الحسن البصري\" ٢/ ٣٨١.\n(٤) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٥) ورد قوله في \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٥٣.\n(٦) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٧) أبو صالح: هو: باذام، ويقال: باذان أبو صالح الكلبي، مولى أم هانئ بنت أبي طالب، روى عن ابن عباس، وعكرمة، وهو تابعي، وعامة ما يرويه تفسير ضعيف يدلس. انظر كتاب: الضعفاء والمتروكين للنسائي ٦١: ت: ٧٤، كتاب: المجروحين لابن حبان ١/ ١٨٥، و\"تهذيب الكمال\" ٤/ ٦: ت: ٦٣٦، و\"تقريب التهذيب\" ١/ ٩٣: ت: ٢.\n(٨) قال ابن كثير: ومن تأول ذلك -أي الرؤية إلى الله- بأن المراد بـ: (إلى) مفرد الآلاء وهي النعم، كما قال مجاهد: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ قال: تنتظر الثواب من ربها، وكذا قال أبو صالح، فقد أبعد هذا الناظر النجعة، وأبطل فيما ذهب إليه، وأين هو من قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥)﴾، قال الشافعي -﵀-: ما حجب الفجار إلا وقد علم أن الأبرار يرونه ﷿ ثم قد تواترت الأخبار عن =","vol":"22","page":508},{"text":"قال مجاهد: تنتظر من ربها ما أمر لها به (١).\nوقال أبو صالح: تنتظر الثواب من ربها (٢).\nقال الأزهري -وهو الحكم في اللغة-: من قال: إن معنى قوله: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ من الانتظار، فقد أخطأ؛ لأن العرب لا تقول: نظرت إلى الشيء بمعنى (٣): انتظرته، إنما تقول: نظرت فلانًا، أي انتظرته (كما) (٤) قال الحطيئة:\nوقد نظرتكم أبناء صادرة (٥)\nفإذا قلت: نظرتُ إلى الشيء، فلا يكون إلا بالعين، وإذا قلت: نظرتُ في أمر كذا احتمل أن يكون تفكرًا فيه، وتدبرًا بالقلب (٦). هذا كلامه.\n_________\n= رسول الله -ﷺ- بما دل عليه سياق الآية الكريمة، وهي قوله تعالى: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾. \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٤٨٠.\nكما بين ابن الجوزي عند عرضه أنواع التأويل الباطل من أنه يستحيل تأويل النظر في قوله تعالى: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ بانتظار الثواب، قال: فإنه أضاف النظر إلى الوجوه بالنظرة التي لا يحصل إلا مع حضور ما يتنعم به، لا مع التنغيص بانتظاره، ويستحيل مع هذا التركيب تأويل النظر بغير الرؤيا، وإن كان النظر بمعنى الانتظار في قوله تعالى: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ [الحديد: ١٣]، وقوله: ﴿فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ [النمل: ٣٥]. \"مختصر الصواعق المرسلة\" ١/ ١٤ - ١٥.\n(١) \"جامع البيان\" ٢٩/ ١٩٢، و\"الكشف والبيان\" ١٣: ٨/ أ، و\"النكت والعيون\" ٦/ ١٥٦، و\"لباب التأويل\" ٤/ ٣٣٥، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٣٨٠.\n(٢) المراجع السابقة عدا \"الكشف والبيان\"، و\"النكت والعيون\".\n(٣) في (أ): معنى.\n(٤) ساقطة من (أ).\n(٥) \"ديوانه\" ١٠٦: دار صادر، برواية:\nوقد نظرتكم عشاء صادرة ... للخمس طال حبسي وتنساسي\n(٦) \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٧١ بتصرف يسير.","vol":"22","page":509},{"text":"ويشهد لصحة أن (النظر) (١) الوارد في التنزيل بمعنى الانتظار كثير، ولم يوصل في موضع بـ (إلى) كقوله: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ [الحديد: ١٣]، وقوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ﴾ [الأعراف: ٥٣] (هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله (والملائكة) (٢)﴾ [الأنعام: ١٥٨].\n(والوجه) إذا وصف بالنظر، وعدي بـ (إلى) (٣) لم يحتمل غير الرؤية (٤)، وإن شق على من أنكر ذلك، والنظر يكون بمعنى نظر القلب، كما يقال: انظر إلى الله ثم إليك. على معنى: إنما أتوقع فضل الله. ثم فضلك، وإنما يجوز هذا إذا لم يسند إلى الوجه، فإذا أسند إلى الوجه لم يحتمل نظر القلب، ولا الانتظار، وإذا بطل المعنيان في هذه الآية لم يبق لنفاة الرؤية عليها كلام، والسنة الصحيحة في الأخبار المأثورة يعضد قول من فسر النظر في هذه الآية بالرؤية (٥).\n_________\n(١) غير مقروء في (ع).\n(٢) ما بين القوسين ساقط من (ع).\n(٣) في (أ): عدي إلى.\n(٤) قال شارح الطحاوية: وإضافة النظر إلى الوجه الذي هو محله في هذه الآية وتعديته بأداة (إلى) الصريحة في نظر العين، وإخلاء الكلام من قرينة تدل على خلافه حقيقة موضوعة صريحة في أن الله أراد بذلك نظر العين التي في الوجه إلى الرب -ﷻ-. انتهى كلامه. كما عد هذه الآية ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ من أظهر الأدلة على رؤية الله ﷾. انظر: \"شرح العقيدة الطحاوية\" ١٤٦ - ١٤٨.\n(٥) ومن الأحاديث في ذلك: ما أخرجه مسلم في \"صحيحه\" ١/ ١٦٣: ح ٢٩٧: كتاب الإيمان: باب إثبات رؤية المؤمنين في الآخرة ربهم ﷾، والحديث عن صهيب عن النبي -ﷺ- قال: (إذا دخل أهل الجنة، قال: يقول الله ﵎: تريدون شيئًا أزيدكم، فيقولون: ألم تبيض وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة وتنجنا من النار؟ قال: فيكشف الحجاب، فما أعطوا شيئًا أحب إليهم من النظر إلى ربهم ﷿\". وانظر: =","vol":"22","page":510},{"text":"وسنذكرها في مسند التفسير (١) إن شاء الله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4722>٢٤ </span>- قوله تعالى: ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ (٢٤)﴾ (قال ابن عباس (٢) و) المفسرون (٣): كالحة، عابسة، (كاشفة)، كئيبة، مصفرة، (متغيرة) (٤) اللون، كريهة، مقطبة (٥)؛ كل هذا من ألفاظهم.\n_________\n= \"سنن الترمذي\" ١/ ٦٨٧: ح: ٢٥٥٢: كتاب صفة الجنة: باب ١٦، ومن الأحاديث: عن جرير قال: كنا جلوسًا عند النبي -ﷺ- إذ نظر إلى القمر ليلة البدر، قال: سترون ربكم كم ترون هذا القمر، لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم ألا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس، وصلاة قبل غروب الشمس فافعلوا). أخرجه البخاري في \"الجامع الصحيح\" ٤/ ٣٩٠: ح: ٧٤٣٤: كتاب التوحيد: باب قول الله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾. ومن الأحاديث أيضًا انظر: \"الجامع الصحيح\" للبخاري، المرجع السابق، و\"صحيح مسلم\" ١/ ٦٤ - ١٦٦ كتاب الإيمان: باب معرفة طريق الرؤية، و\"سنن أبي داود\" ٢/ ٥٨٤: كتاب السنة باب في الرؤية، و\"المسند\" للإمام أحمد ٢/ ٢٧٥ - ٢٩٣ - ٣٦٨، و\"سنن الترمذي\" ٤/ ٦٨٨ - ٦٨٩: ح: ٢٥٥٤: كتاب صفة الجنة: باب ١٧، وغيرها من الأحاديث، ولولا خشية الإطالة لأوردنا الأحاديث بطرقها وألفاظها من الصحاح، والحسان، والمسانيد، والسنن، وهذا بحمد الله مجمع عليه بين الصحابة والتابعين، وسلف هذه الأمة، كما هو متفق عليه بين أئمة الإسلام، وهداة الأنام. قاله في \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٤٨٠.\n(١) وهو أحد مؤلفاته في التفسير، وقد نص عليه الإمام الواحدي مع كتب أخرى في هذا المجال في مقدمة \"تفسير الوسيط\". مقدمة \"الوسيط\" ١/ ٦، ومقدمة هذا التفسير.\n(٢) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٣) منهم الحسن، وقتادة، وابن زيد، والسدي، والكلبي. انظر: \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٣٣٤، و\"جامع البيان\" ٢٩/ ١٩٣، و\"النكت والعيون\" ٦/ ١٥٧.\n(٤) الكلمات بين الأقواس ساقطة من (أ).\n(٥) مقطبة: قطب بين عينيه جمع، وقطب وجهه تقطيبًا: عبس. \"مختار الصحاح\" للرازي: ٥٤١. قطب.","vol":"22","page":511},{"text":"وذكرنا تفسير البسور عند قوله: ﴿عَبَسَ وَبَسَرَ﴾، وإنما كانت بهذه الصفة لأنها قد أيقنت أن العذاب نازل (١) بها، (وهو) (٢) قوله تعالى: ﴿تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ (٢٥)﴾ قال (أبو عبيدة) (٣): الفاقرة: الداهية، وهو الوسم الذي يفقر به على الأنف (٤).\nقال الأصمعي: (الفقر، أي: يُحَزُّ أنف العبير حتى يخلص إلى العظم أو قريب منه، ثم يُكوى عليه جرير (٥) يُذَلَّل بذلك الصعب، ومنه قيل: عملت به الفاقرة (٦) (٧). وقال الليث: الفاقرة: داهية تكسر الظهر (٨).\nقال المبرد: وترى أن أصلها من الفقرة، والفقارة، وهما واحدها، وجمعها فقار، وفقر، وكأن فاقرة داهية تقطع الظهر (٩).\n_________\n(١) في (أ): نائل.\n(٢) ساقط من (أ).\n(٣) في كلا النسختين: أبو عبيد، ولعله سهو عن التاء المربوطة، إذ القول ورد عن أبي عبيدة في \"المجاز\"، ووجدت أيضًا نسبة القول إلى عبيدة في \"الكشف والبيان\" ١٣/ ٨/ ب، و\"التفسير الكبير\" ٣٠/ ٢٣٠، و\"البحر المحيط\" ٨/ ٣٨٩، و\"تهذيب اللغة\" ٩/ ١١٦ مادة: (فقر).\n(٤) \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٧٨ ولم يذكر (به)، وقد ورد المعنى عنه، كما هو عند الواحدي في \"تهذيب اللغة\". المرجع السابق.\n(٥) جرير: الجَرير: حَبْل من أدم نحو الزمام، ويطلق على غيره من الحبال المضفورة. انظر: \"النهاية في غريب الحديث\" ١/ ٢٥٩.\n(٦) انظر: \"مجمع الأمثال\" للميداني: ٢/ ٣٧٢ رقم: ٢٥٤٠، ويراد به: أي عَمِلَ به عملًا كسر فقاره\n(٧) ما بين القوسين نقله الواحدي عن الأزهري في \"تهذيب اللغة\" ٩/ ١١٦ مادة: (فقر)، وانظر (اللسان) ٥/ ٦٢: مادة: (فقر).\n(٨) \"تهذيب اللغة\": الموضع السابق.\n(٩) \"التفسير الكبير\" ٣٠/ ٢٣٠.","vol":"22","page":512},{"text":"وقال ابن قتيبة: يقال: فَقَرْتُ الرجل (١)، كما يقال: رأستُه (٢)، وَبَطنته (٣)، فهو مفقور، وفَقِرٌ، وفقير (٤).\nقال ابن عباس: تستيقن أن يفعل بها عظيم (٥).\nوقال مجاهد: داهية (٦). وقال مقاتل: تعلم الوجوه المتغيرة أن يفعل بها شر (٧). وهو قول قتادة في تفسير الفاقرة، قال: الشر (٨). (٩) وفسر ابن زيد (١٠) ذلك بدخول النار، فقال: تعلم أنها ستدخل النار (١١). وفسرها الكلبيُّ بالحجاب، فقال: تعلم أن يفعل بها منكرة من العذاب، وهي أن\n_________\n(١) يقال ذلك إذا كسرت فقاره \"تفسير غريب القرآن\" لابن قتيبة: ٥٠٠.\n(٢) وذلك إذا ضربت رأسه. المرجع السابق.\n(٣) أي إذا ضربت بطنه. المرجع السابق.\n(٤) \"تفسير غريب القرآن\" ٥٠٠.\n(٥) لم أعثر على مصدر لقوله، وقد ورد بمثله من غير عزو في \"الوسيط\" ٤/ ٣٩٤.\n(٦) \"جامع البيان\" ٢٩/ ١٩٤، و\"الكشف والبيان\" ١٣: ٨/ ب، و\"النكت والعيون\" ٦/ ١٥٧، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٤٨٠.\n(٧) \"تفسير مقاتل\" ٢١٨/ ب.\n(٨) \"جامع البيان\" ٢٩/ ١٩٤، و\"الكشف والبيان\" ١٣: ٨/ ب، و\"النكت والعيون\" ٦/ ١٥٧، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ١٠٨، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٤٨٠، و\"فتح القدير\" ٥/ ٣٣٩.\n(٩) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(١٠) في (أ): (ابن قتيبة) بدلًا من (ابن زيد)، والصحيح ما جاء في نسخة: ع، إذ لم يرد القول عن ابن قتيبة، وإنما ورد عن ابن زيد كما دلت عليه المراجع، ولم أجده عند ابن قتيبة لا في الغريب، ولا في المشكل.\n(١١) \"جامع البيان\" ٢٩/ ١٩٤، و\"الكشف والبيان\" ١٣: ٧/ ب، و\"النكت والعيون\" ٦/ ١٥٧، و\"زاد المسير\" ٨/ ١٣٨، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ١٠٨، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٤٨٠، و\"فتح القدير\" ٥/ ٣٣٩.","vol":"22","page":513},{"text":"تحجب عن رؤية ربها فلا تنظر إليه (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4723>٢٦ </span>- قال الله تعالى: ﴿كَلَّا﴾ قال أبو إسحاق: هو ردع وتنبيه (٢).\nوقال مقاتل: (كلا) أي لا يؤمن الكافر بما ذكر من أمر القيامة (٣). ثم استأنف فقال: ﴿إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ﴾، وهي جمع ترقوة، يعني: بلغت النفس أو الروح، أخبر عما لم يجر له ذكر لعلم المخاطب بذلك، كقوله تعالى: ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ [ص: ٣٢]، (قاله المبرد (٤)، وغيره (٥) (٦)، وكلهم (٧) قالوا: بلغت النفس التراقي. وهي جمع ترقوة، مثل عرقوة.\nقال الليث: وهي عظم وصل بين ثغرة النحر والعاتق من الجانبين (٨)، ويكنى ببلوغ النفس التراقي عن الإشفاء على الموت، ومنه قول دُرَيْدِ بنِ الصِّمَّة:\n_________\n(١) ورد مختصرًا عنه في \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٢٤، و\"زاد المسير\" ٨/ ١٣٨، و\"التفسير الكبير\" ٣٠/ ٢٣٠.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٥٤.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ٢١٨/ ب، و\"الرازي\" ٣٠/ ٢٣٠، وانظر: \"زاد المسير\" ٨/ ١٣٩.\n(٤) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٥) قال بذلك: الثعلبي في \"لكشف والبيان\" ١٣: ٨/ ب، وإليه ذهب البغوي في \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٢٤، والزمخشري في \"الكشاف\" ٤/ ١٦٦، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٨/ ١٣٩، والفخر الرازي في \"التفسير الكبير\" ٣٠/ ٢٣٠، والقرطبي في \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ١٠٩، والخازن في \"لباب التأويل\" ٤/ ٣٣٦.\n(٦) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٧) قال بذلك: الفراء في \"معاني القرآن\" ٣/ ٢١٢، والزجاج في \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٥٤، والطبري، وعزاه إلى ابن زيد في \"جامع البيان\" ٢٩/ ١٩٤، والثعلبي في \"الكشف والبيان\" ١٣: ٨/ ب، وانظر أيضًا المراجع السابقة.\n(٨) \"تهذيب اللغة\" ٩/ ٥٤: مادة: (ترق).","vol":"22","page":514},{"text":"ورب عظيمة دافعت عنها ... وقد بلغت نفوسهم التراقي (١)\nقال مقاتل: يعني بلغت النفس الحلقوم (٢).\n(وقال الزجاج: ذكرهم الله صُعُوبة أول أيام الآخرة عند بلوغ النفس التَّرْقوة (٣» (٤).\nوقال الفراء: يقول إذا بلغت نفس الرجل عند الموت تراقيه، وقال من حوله: (من راق) (٥)، وهو قوله: ﴿وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ (٢٧)﴾، (راق) (٦): يجوز أن يكون من الرقية، يقال: رقاه يرقيه (رقية (٧» (٨) إذا عوذه (٩) بما يشفيه كما يقال: (بسم الله أرقيك) (١٠).\n_________\n(١) ورد البيت في \"الكشف والبيان\" ١٣: ٨/ ب، و\"التفسير الكبير\" ٣٠/ ٢٣٠، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ١٠٩، و\"البحر المحيط\" ٨/ ٣٨٢، و\"روح المعاني\" ٢٩/ ١٤٦، ولم أعثر عليه في ديوانه.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ٢١٨/ ب.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٥٤ بنصه، وفيه: (بصعوبة) بدلًا من: (صعوبة).\n(٤) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٥) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢١٢ بنصه.\n(٦) ساقطة من (أ).\n(٧) الرُّقْيَة: العُوذة التي يُرْقَى بها صاحب الآفة كالحمى، والصرع، وغير ذلك من الآفات. \"النهاية في غريب الحديث والأثر\" ٢/ ٢٥٤: مادة: (رقى).\n(٨) ساقط من (أ).\n(٩) في (ع): عوذة.\n(١٠) نص الحديث كما في \"صحيح مسلم\" أن جبريل أتى النبي -ﷺ- فقال: يا محمد اشتكيت؟ فقال: \"نعم\"، قال: باسم الله أرقيك، من كل شيء يؤذيك، من شر كل نفس، أو عين حاسد الله يشفيك باسم الله أرقيك. ٤/ ١٧١٨ - ١٧١٩: ح: ٤٠: كتاب السلام: باب الطب والمرض والرقى كما أخرج: الإمام أحمد في \"المسند\" ٣/ ٢٨ - ٥٦ - ٥٨ - ٧٥ - ١٥١، ٦/ ٣٣٢، وابن ماجه في \"سننه\" ٢/ ٢٨٤: =","vol":"22","page":515},{"text":"ويجوز أن يكون من رقى يرقي رقيًّا (١)، ومنه قوله: ﴿وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ﴾ [الإسراء: ٩٣]، وكلا القولين قد ذكر في التفسير. قال أبو قلابة: هل من طبيب شاف (٢)؟.\nوقال الكلبي: هل من طبيب يرقي (٣)؟ (وهو قول الضحاك (٤)، وعكرمة (٥» (٦).\nوقائل هذا القول من حول ذلك الإنسان أشفى (٧) على الموت، ومعنى هذا الاستفهام: يجوز أن يكون استفهامًا عن الذي يُرقى؛ كأنهم طلبوا له الرقية والشفاء. وهو معنى قول قتادة: التسموا له الأطباء، فلم\n_________\n= ح: ٣٥٦٨ - ٣٥٧٣: أبواب الطب: باب ٣٧، و٣٦، والترمذي في \"سننه\" ٣/ ٢٩٤: ح: ٩٧٢: كتاب الجنائز: باب ٤.\n(١) الرقي: الصعود والارتفاع، يقال: رَقِيَ يَرْقَى رُقِيًّا، ورقَّى: شُدِّدَ للتعدية إلى المفعول. \"النهاية في غريب الحديث والأثر\" ٢/ ٢٥٦: مادة: (رقى).\n(٢) \"جامع البيان\" ٢٩/ ١٩٤، و\"النكت والعيون\" ٦/ ١٥٧، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٠٦، و\"زاد المسير\" ٨/ ١٣٩ بمعناه، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ١٠٩، و\"البحر المحيط\" ٨/ ٣٨٩، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٣٦١ وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.\n(٣) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٤) \"جامع البيان\" ٢٩/ ١٩٥، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٠٦، و\"زاد المسير\" ٨/ ١٣٩، و\"البحر المحيط\" ٨/ ٣٨٩، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٤٨١، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٣٦١ وعزاه إلى سعيد بن منصور، وابن المنذر.\n(٥) ورد بمعناه في \"جامع البيان\" ٢٩/ ١٩٤، و\"زاد المسير\" ٨/ ١٣٩، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ١٠٩، و\"البحر المحيط\" ٨/ ٣٨٩، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٣٦١.\n(٦) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٧) في (أ): أشفا.","vol":"22","page":516},{"text":"يغنوا عنه من قضاء الله شيئًا (١). ويجوز أن يكون معناه الإنكار؛ لأن يكون له راقٍ يرقيه. قال أبو إسحاق: أي من يشفي من هذه الحالة، يقوله القائل عند البأس، أي من يقدر أن يَرْقِيَ من الموت (٢). القول الثاني: قال ابن عباس في رواية عطاء: يريد: وقال ملك الموت: من يرقي هذه النفس الكافرة، كرهتها الملائكة أن يصعدوا بها إلى السماء، حتى يقول ملك الموت: يا فلان: اصعد بها (٣).\nقال الكلبي: يحضر العبد عند الموت سبعة أملاك من ملائكة الرحمة، وسبعة أملاك من ملائكة العذاب مع ملك الموت، فإذا بلغت نفس العبد التراقي نظر بعضهم إلى بعض أيهم يرقى بروحه إلى السماء فهو قوله: (وقيل من راق) (٤).\nوهذا قول مقاتل (٥)، وسليمان التيمي (٦)، (ورواية أبي الجوزاء عن ابن عباس) (٧).\n_________\n(١) \"جامع البيان\" ٢٩/ ١٩٥، و\"الكشف والبيان\" ١٣: ٨/ ب، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٢٤، و\"فتح القدير\" ٥/ ٣٤١.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٥٤ بنحوه.\n(٣) \"التفسير الكبير\" ٣٠/ ٢٣١.\n(٤) المرجع السابق.\n(٥) \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٢٤، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٠٦، و\"زاد المسير\" ٨/ ١٣٩، ولم أعثر على قوله في \"تفسيره\".\n(٦) انظر قوله في \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٢٤، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٠٦، و\"البحر المحيط\" ٨/ ٣٨٩.\n(٧) ما بين القوسين ساقط من (أ). وانظر هذه الرواية في: \"جامع البيان\" ٢٩/ ١٩٥، و\"الكشف والبيان\" ١٣: ٩/ أ، و\"النكت والعيون\" ٦/ ١٥٨، و\"زاد المسير\" =","vol":"22","page":517},{"text":"وذكرنا قديمًا (١): أن إظهار (النون) عند حروف (٢) الفم (٣) لحن غير جائز، فلا يجوز إظهار نون (من) في قوله: (مَنْ راقٍ).\nوروى حفص عن عاصم: إظهار (النون)، و(٤) (اللام) في قوله: (من راق)، و(بل ران (٥» (٦).\nقال أبو علي الفارسي: ولا أعرف وجه ذلك (٧).\nوسمعت شيخنا أبا الحسن الضرير النحوي -﵀- يقول: إنما أظهر النون؛ لأنه خاف الالتباس تتابع المرق؛ لأنه يقال له: مراق، وأظهر اللام؛ لأنه خاف الالتباس بتثنية (بر) بمعنى الأرض الفضاء، وهذا\n_________\n= ٨/ ١٣٩، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ١١٠، و\"البحر المحيط\" ٨/ ٣٨٩، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٤٨١، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٣٦١ وعزاه إلى ابن أبي الدنيا في ذكر الموت، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.\n(١) لم أتوصل إلى موضعه من \"التفسير البسيط\".\n(٢) في (أ): حرف.\n(٣) حروف الفم المراد بها: اثنا عشر حرفًا: التاء، والثاء، والدال، والظاء، والذال، والطاء، والصاد، والضاد، والسين، والزاي، والراء، واللام. انظر: \"المدخل\" ٥٠٠.\n(٤) في (أ): (في) بدلًا من الواو.\n(٥) \"الحجة\" ٦/ ٣٤٦، وانظر كتاب (السبعة) ٦٦١، و\"حجة القراءات\" ٧٣٧، و\"الكشف عن وجوه القراءات السبع\" ٢/ ٥٥ - ٥٦ من سورة الكهف، و\"المبسوط\" ٩٧. وقرأ الباقون بالإدغام؛ لقرب النون من الراء. المراجع السابقة.\n(٦) وكان حفص يقف على النون واللام وقفة خفيفة في وصله، ليبين إظهار اللام والنون؛ لأنهما ينقلبان في الوصل راء، فتصير مدغمة في الراء بعدها، ويذهب لفظ اللام والنون. انظر: \"الكشف\" ٢/ ٥٥، و\"المبسوط\" ٩٧.\n(٧) \"الحجة\" ٦/ ٣٤٦.","vol":"22","page":518},{"text":"ضعيف؛ لأن كسرة القاف في (من راق)، وفتحة النون في (بل ران) مع الإدغام يمنعان هذا الالتباس عند الوصل، والوجه أن يقال: قصد الوقف على (من)، و(بل) فأظهرهما، ثم ابتدأ بما بعدهما، وهذا غير مرضي من القراء) (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4724>٢٨ </span>- وقوله: ﴿وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ (٢٨)﴾. قال (ابن عباس (٢) و) (٣) المفسرون (٤): علم، وأيقن الميت الذي بلغت روحه تراقيه (٥)، أن الفراق من الدنيا.\nوقال مجاهد: أيقن أنه في آخر يوم من الدنيا، وأول يوم من الآخرة (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4725>٢٩ </span>- ﴿وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ (٢٩)﴾. قال ابن عباس (في رواية عطاء) (٧): يريد شدة الموت، بشدة الآخرة (٨).\n_________\n(١) قراءة القطع، وكذا قراءة بلا وقف بينهما، كلاهما قراءة صحيحة، وهي سنة متبعة، فلا عبرة لما ذكره أبو الحسن الضرير.\n(٢) \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٠٦ مختصرًا.\n(٣) ما بين القوسين: ساقط من (أ).\n(٤) وإليه ذهب الثعلبي في \"الكشف والبيان\" ١٣: ٩/ أ، قال: (وظن، وأيقن)، وبه قال الماوردي في \"النكت والعيون\" ٦/ ١٥٨، والبغوي في \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٢٤، وابن عطية في \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٠٦، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٨/ ١٣٩، وحكاه الفخر عن المفسرين في \"التفسير الكبير\" ٣٠/ ٢٣١، والقرطبي في \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ١١٠، والخازن في \"لباب التأويل\" ٤/ ٣٣٧.\n(٥) في (أ): التراقي.\n(٦) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٧) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٨) ورد بمعناه، وبطرق غير طريق عطاء في \"جامع البيان\" ٢٩/ ١٩٥ - ١٩٦، =","vol":"22","page":519},{"text":"وهو قول الكلبي (١)، ومقاتل (٢)، (وقتادة (٣» (٤)، وسعيد بن جبير (٥)، (والسدي (٦) (٧) قالوا: معناه: تتابعت عليه الشدائد: شدة بعد مفارقة الوطن من الدنيا والأهل، وشدة القدوم على ربه، فالتقت آخر شدة الدنيا بأول شدة الآخرة (٨» (٩).\n(قال أهل اللغة: قيل للأمر الشديد: ساق؛ لأن الإنسان إذا دهمته شدة شمر لها عن) (١٠) ساقيه، ثم قيل للأمر الشديد: ساق. ومنه قول (١١) دريد:\n_________\n= و\"الكشف والبيان\" ١٣: ٩/ ب، و\"النكت والعيون\" ٦/ ١٥٨، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٢٤، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٠٦، و\"زاد المسير\" ٨/ ١٣٩، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ١١٠، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٤٨١.\n(١) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ٢١٨/ ب، و\"زاد المسير\" ٨/ ١٢٩.\n(٣) ورد مختصرًا في \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٣٣٤، و\"جامع البيان\" ٢٩/ ١٩٦، وبمعناه في \"الكشف والبيان\" ١٣/ ٥/ ب، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٢٤، و\"زاد المسير\" ٨/ ١٤٠.\n(٤) ساقطة من (أ).\n(٥) بمعناه في \"الكشف والبيان\" ١٣: ٩/ ب، ومختصرًا في \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٢٤.\n(٦) بمعناه في \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٢٤.\n(٧) ساقطة من (أ).\n(٨) وهذا المعنى من المفسرين جاء من لفظ: الْمُسَاوَقَة، أي: المتابعة، كأن بعضها يسوق بعضًا. انظر: \"المجموع المغيث في غريبي القرآن والحديث\" لأبي موسى الأصفهاني ٢/ ١٥٢.\n(٩) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(١٠) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(١١) في (أ): قوله. ولم يذكر دريدًا.","vol":"22","page":520},{"text":"كَمِيشُ الإزار خارجٌ نِصفُ ساقِهِ (١)\nأراد: أنه: مشمر جاد، ولم يرد خروج الساق بعينها) (٢).\nوهذا القول اختيار المبرد (٣)، وأبي عبيدة (٤).\nقال المبرد في هذه الآية أي: الشدة بالشدة، تقول العرب: قامت الحرب على ساق (٥). أي اشتدت، وأنشد للجعدي:\nأخُو الْحَرْبِ إنْ عَضَّتِ الْحَرْبُ عَضَّها ... وَإنْ شَمَّرَتْ عنْ سَاقِها الْحَرْبُ شَمَّرا (٦) (٧)\n_________\n(١) وعجزه:\nصَبُورٌ على العَزَّاءِ طَلاع أنْجُدٍ\nوقد ورد أيضًا في ديوان دريد بن الصمة: ٤٩ يرثي عبد الله أخاه وقتله بنو عبس، و\"لسان العرب\" ١٠/ ١٦٨، و\"الأصمعيات\" ١٠٨. ومعناه: الكميش: الماضي العزوم السريع في أموره. العزاء: الشدة. طلاع أنجد: ركاب لصعاب الأمور، أو هو السامي لمعالي الأمور. الأنجد: جمع نجد، وهو ما ارتفع وغلظ من الأرض، أو الطريق في الجبل. انظر: \"الأصمعيات\" ١٠٨، و\"ديوانه\" ٤٩، حاشية.\n(٢) ما بين القوسين نقله الواحدي عن الأزهري بنصه من \"تهذيب اللغة\" ٩/ ٢٣٣: سوق، وانظر مادة: (سوق) في \"لسان العرب\" ١٠/ ١٦٨، و\"المخصص\" لابن سيده: ١/ ٢/ ٥٣: مادة (الساق)، و\"النهاية في غريب الحديث والأثر\" ٢/ ٤٢٢.\n(٣) \"الكامل\" ٣/ ١١٤٧.\n(٤) \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٧٨.\n(٥) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٦) ورد في ديوان حاتم الطائي: ٨٢، و\"الكامل\" ٣/ ١١٤٧: منسوبًا إلى حاتم الطائي، ولم أجده في ديوان الجعدي، كما ورد الشطر الثاني في ديوان جرير: ١٨٥: دار بيروت: أما شطره الأول فهو:\nألا رُبَّ سامي الطرف من آل زمان\n(٧) ما بين القوسين نقلًا عن \"الكامل\" ٣/ ١١٤٧ بيسير من التصرف.","vol":"22","page":521},{"text":"وقال الشعبي: هما ساقاه عند الموت (١). ونحو ذلك روى شعبة عن قتادة قال: أما رأيته إذا حضر يضرب برجله على الأخرى (٢).\nوروى السدي عن أبي مالك قال: ساقاه التفتا عند الموت (٣).\nوفي الآية قول ثالث:\nقال الحسن: هما ساقاه إذا لُفَّتا (٤) في الكفن (٥): وهو قول سعيد بن المسيب (٦).\nوقال زيد بن أسلم: يعني ساق الكفن بساق الميت (٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4726>٣٠ </span>- قوله تعالى: ﴿إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ (٣٠)﴾. قال ابن عباس: مرجع العباد (٨).\n_________\n(١) \"جامع البيان\" ٢٩/ ١٩٧، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٢٥، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٠٦، و\"زاد المسير\" ٨/ ١٤٠، و\"الجامع\" ١٩/ ١١٠، و\"البحر المحيط\" ٨/ ٣٩٠.\n(٢) \"جامع البيان\" ٢٩/ ١٩٨، و\"الكشف والبيان\" ١٣: ٩/ ب؛ بمعناه في \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٠٦، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ١١٠، و\"البحر المحيط\" ٨/ ٣٩٠، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٣٦٢ وعزاه إلى ابن المنذر.\n(٣) \"جامع البيان\" ٢٩/ ١٩٧، بمعناه في \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٠٦، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٤٨١، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٣٦٢ وعزاه إلى عبد بن حميد.\n(٤) في (أ): ألقيا.\n(٥) \"جامع البيان\" ٢٩/ ١٩٧، و\"الكشف والبيان\" ١٣/ ٩/ ب، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٢٥، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٠٦، و\"التفسير الكبير\" ٣٠/ ٢٣٢، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٤٨١، وفي \"الدر\" ٨/ ٣٦٢ معزوًّا إلى ابن المنذر، وانظر: \"تفسير الحسن البصري\" ٢/ ٣٨٢.\n(٦) ورد قوله في \"الكشف والبيان\" ١٣: ٩/ ب، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٠٦، و\"زاد المسير\" ٨/ ١٣٩، و\"التفسير الكبير\" ٣٠/ ٣٣٢.\n(٧) \"الكشف والبيان\" ١٣: ٩/ ب، وذكر أنه يزيد بن أسلم، وهو تصحيف.\n(٨) لم أعثر على مصدر لقوله، وقد ورد بمثله في \"الوسيط\" من غير عزو: ٤/ ٣٩٥.","vol":"22","page":522},{"text":"وقال مقاتل: إلى الله المنتهى يساقون إليه ليس عنه مرحل (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4727>٣١ </span>- قوله: ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى (٣١)﴾ قال ابن عباس (٢) والمفسرون (٣): يعني: أبو جهل.\nقال الكلبي: يقول: لم [يصدق] (٤) أبو جهل بالرسالة، ﴿وَلَا صَلَّى﴾ يعني: ولم يسلم (٥).\nقال مقاتل: [لم يصدق] (٦) بالقرآن، ولا (صلَّى) لله صلاة (٧).\nقال أبو عبيدة (٨)، والمبرد (٩): أي لم يصدق، ولم يصل. كقوله: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (١١)﴾ [البلد: ١١]، أي: فلم يقتحم.\nوكذلك ما روي في الحديث: (أرأيت من لا أكل ولا شرب ولا اسْتَهَلَّ) (١٠). والأصل في هذا أن (لا) حرف نفي، ينفي الماضي، كما ينفي\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ٢١٨/ ب.\n(٢) \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ١١١.\n(٣) قال بذلك: مقاتل في \"تفسيره\" ٢١٨/ ب، والزجاج في \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٥٤، والسمرقندي في \"بحر العلوم\" ٣/ ٣٤٧، والثعلبي في \"الكشف والبيان\" ١٠: ١٣/ أ، والماوردي في \"النكت والعيون\" ٦/ ١٥٨، والبغوي في \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٢٥، كما حكاه ابن الجوزي عن المفسرين في \"زاد المسير\" ٨/ ١٤٠، والقرطبي في \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ١١١.\n(٤) في كلا النسختين: أصدق، ولا تستقيم العبارة بذلك، فأثبت ما يقيم المعنى.\n(٥) \"النكت والعيون\" ٦/ ١٥٨ بمعناه\n(٦) وردت في كلا النسختين: صدق، وأثبت لم، وبإضافة الياء لتستقيم العبارة.\n(٧) \"تفسير مقاتل\" ٢١٨/ ب.\n(٨) \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٧٨ بنحوه.\n(٩) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(١٠) الحديث أخرجه مسلم ٣/ ١٣١٠ ح: ٣٦ - ٣٧ - ٣٨: كتاب القسامة: باب صحة =","vol":"22","page":523},{"text":"المستقبل، أنشد أبو عبيدة لطرفة:\nوأيُّ خَمِيسٍ لا أَفَأْنَا نِهَابَه (١)\nبمعنى: لَمْ نُفَأْ، وذكرنا الكلام في هذا في قوله: ﴿مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ﴾\n_________\n= الإقرار بالقتل، وتمكين ولي القتيل من القصاص، ونص الحديث: أن أبا هريرة قال: اقتتلت امرأتان من هذيل فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها، فاختصموا إلى رسول الله -ﷺ-، فقضى رسول الله -ﷺ- أن دية جنينها غرة عبد، أو وليدة، وقضى بدية المرأة على عاقلتها. وورثها ولدها ومن معهم فقال: حمل ابن النابغة الهذلي: يا رسول الله: كيف أغرم من لا شرب، ولا أكل، ولا نطق، ولا استهلّ، فمثل ذلك يُطَل؟، فقال رسول الله -ﷺ-: \"إنما هذا من إخوان الكهان\"، من أجل سجعه الذي سجع. ومعنى (استهلّ)، أي: ولا صاح عند الولادة ليعرف به أنه مات بعد أن كان، ومعنى (يطل) أي يهدر، ولا يطالب بديته حيًّا.\nكما أخرجه: أبو داود في \"سننه\" ٢/ ٥٤٢ - ٥٤٣: كتاب الديات: باب دية الجنين، والدارمي ٢/ ٦٤١ ح: ٢٢٩٣، والإمام أحمد في \"المسند\" ٢/ ٢٧٤، ٤٣٨، ٤٩٨، ٥٣٥، ٤/ ٢٤٥، ٢٤٦، ٢٤٩، ٥/ ٣٢٧، وابن ماجه في \"سننه\" ٢/ ١٠٣: ح: ٢٦٧١: أبواب الديات: باب دية الجنين، والترمذي في \"سننه\" ٤/ ٢٣ - ٢٤: ح: ١٤١: كتاب الديات: باب ١٥ ما جاء في دية الجنين، والنسائي في \"سننه\" ٨/ ٤١٨ - ٤١٩: ح: ٤٨٣٣: كتاب القسامة: باب ٣٩ - ٤٠.\n(١) لم أعثر عليه في ديوانه، وقد ورد في \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٧٨ برواية: (خيس) بدلًا من (خميس)، وعجز البيت:\nوأسيافُنا يَقْطِرنَ مِنْ كَبْشِهِ دَمَا\nكما ورد غير منسوب في: \"تأويل مشكل القرآن\" ٥٤٨، و\"أمالي ابن الشجري\" ٢/ ٢٢٨، و\"البحر المحيط\" ٨/ ٣٩٠ برواية (جميس) غير منسوب، و\"الكامل\" ٢/ ١٠٤٤ منسوب. الخميس الجيش. أفأنا: رددنا. انظر: \"تأويل مشكل القرآن\"، و\"الكامل\"؛ مرجعان سابقان.","vol":"22","page":524},{"text":"[البقرة: ١٠٢] عند حكاية كلام أبي بكر بن السَّرَّاج (١) (٢).\nقوله: ﴿وَلَكِنْ كَذَّبَ﴾، أي: بالقرآن. ﴿وَتَوَلَّى﴾ عن الإيمان. ﴿ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ﴾ رجع إليهم. ﴿يَتَمَطَّى﴾: يتبختر ويختال في مشيته، (قاله ابن عباس (٣) والمفسرون (٤) (٥).\nوقال مقاتل (٦)، وزيد بن أسلم (٧): هو مشية بني مخزوم (٨).\nوفي (يتمطى) قولان: أحدهما: أنه (من المَطْو، وهو المد. ومنه\n_________\n(١) ابن السراج: بياض في (أ).\n(٢) ومما جاء في كلامه الذي بين فيه أن (لا) حرف نفي، ينفي المستقبل؛ قال: (الأفعال جنس واحد، فكان يجب أن يكون على بناء واحد، لكنها غيرت بتغيير الأزمنة، وقسمت بتقاسيمها، لما كان ذلك في الإيضاح أبلغ، فخص كل قسم من ذلك بمثال، لا يقع واحد منها في موضع الآخر إلا أن يضم إليه حرف يكون دليلًا على ما أريد به، فيصير الحرف كأنه يقوم مقام البناء المراد، إذا كان يدل عليه كما يدل البناء نحو: والله لا فعلت، فقولك: فعلت، فعل ماض وقع في موضع مستقبل، فلما كانت قبلها (لا) علم أنه يراد به الاستقبال؛ لأن (لا) إنما يكون نفيًا لما يستقبل، فلما كانت نفيًا للمستقبل، ووقع بعدها ماض، علمت أنه يراد به الاستقبال.\n(٣) \"النكت والعيون\" ٦/ ١٥٩ بنحوه، و\"تفسيرالقرآن العظيم\" ٤/ ٤٨١، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٣٦٣ عزاه إلى بن أبي حاتم.\n(٤) قال بذلك: قتادة، وزيد بن أسلم، ومجاهد. انظر: \"تفسير عبد الرزاق\" ٣/ ٣٣٤ - ٣٣٥، و\"جامع البيان\" ٢٩/ ١٩٩، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٣٦٣.\n(٥) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٦) \"تفسير مقاتل\" ٢١٨/ ب.\n(٧) \"جامع البيان\" ٢٩/ ١٩٩، و\"النكت والعيون\" ٦/ ١٥٩، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٠٧.\n(٨) بنو مخزوم: بطن من لؤي بن غالب بن قريش، ينتسب إليهم خالد بن الوليد، وأبو جهل -عدو رسول الله -ﷺ-، وسعيد بن المسيب. انظر: \"نهاية الأرب\" ٣٧١.","vol":"22","page":525},{"text":"حديث أبي بكر -﵁- أنه مرَّ ببلال، وقد مُطِىَ في الشمس) (١)، أي: مد. وكل شيء مددته فقد مَطَوْتَه، ويتمطى معناه يتمدد) (٢). وقال الفراء (٣)، والزجاج (٤): هو من الْمَطَا، وهو الظهر، فيلوي ظهره تبخترًا.\nالقول [الثاني] (٥): أنه من المط، وهو المد أيضًا، والْمُطَيْطَاء (٦): التبختر ومد اليدين في المشي، والْمَطِيطَة: الماء الخاثر في أصل الحوض؛ لأنه يتمطط، أي: يتمدد. وهذا قول أبي عبيدة (٧)، وابن قتيبة (٨) في هذه الآية.\nقال ابن قتيبة: وأصله (يتمطط) فقلبت (التاء) فيه (ياء) كما قيل: يَتَظَنَّى، ويَتَقَصَّى، قال: وأصل (الطاء) في هذا كله (قال) يقال: مططت ومددت (٩).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4728>٣٤ </span>- قوله تعالى: ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٤)﴾ قال جماعة المفسرين (١٠):\n_________\n(١) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٢) ما بين القوسين نقله الواحدي عن \"تهذيب اللغة\" ١٤/ ٤٣ (مطو)، وانظر (مطا): \"الصحاح\" ٦/ ٢٤٩٤، و\"لسان العرب\" ١٥/ ٢٨٤.\n(٣) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢١٢ واللفظ له.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٥٤.\n(٥) في النسختين: الثالث، ولعله سهو.\n(٦) في (ع): المطيطيا.\n(٧) \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٧٨، وعبارته: جاء يمشي الْمُطيطا، وهو أن يلقي بيديه ويتكفأ.\n(٨) \"تفسير غريب القرآن\" ٥٠١.\n(٩) المرجع السابق بتصرف.\n(١٠) قال بذلك مقاتل في \"تفسيره\" ٢١٨/ ب، وقتادة في: \"تفسير عبد الرزاق\" ٣/ ٣٣٥، و\"جامع البيان\" ٢٩/ ٢٠٠، وإليه ذهب: ابن قتيبة في \"تفسير غريب القرآن\" ٥٠١،=","vol":"22","page":526},{"text":"هذا تهديد من الله لأبي جهل، ووعيد. وقد ذكرنا تفسير هذه الكلمة بمعنى: الوعيد، في سورة محمد -ﷺ-. (١) والمعنى: (وَلِيَك المكروه يا أبا جهل) (٢).\nقال قتادة (٣)، (والكلبي (٤) (٥)، ومقاتل (٦): أخذ رسول الله بيد أبي جهل، ثم قال: أولى لك فأولى، ثم أولى لك فأولى، فقال أبو جهل: بأي شيء تهددني (٧)؟ لا تستطيع أنت وربك أن تفعلا بي شيئًا، وإني لأعز أهل الوادي، ثم انسل ذاهبًا، فأنزل الله كما قال له رسول الله -ﷺ-. ونحو ذلك قال سعيد بن جبير عن ابن عباس: أن رسول الله -ﷺ- قالها لأبي جهل، ثم أنزلها الله (٨).\n_________\n= والثعلبي في \"الكشف والبيان\" ١٣: ١٠/ ب، وانظر: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٢٥، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ١١٢، و\"لباب التأويل\" ٤/ ٣٣٧.\n(١) سورة محمد: ٢، ومما جاء في تفسيرها: قال الواحدي: (ومعنى: أولى، أي وعيد لهم، من قولهم في التهديد: أولى لك وليك وقاربك ما يكره. وقال آخرون: أي وليهم المكروه. وقال غيرهم: أولى يقولها الرجل لآخر يحسره على ما فاته، ويقول له: يا محروم أي شيء فاتك. وقال صاحب النظم: أولى مأخوذ من الويل).\n(٢) نقله عن الزجاج بنص العبارة. انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٥٤.\n(٣) ورد معنى قوله في \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٣٣٥، و\"جامع البيان\" ٢٩/ ٢٠٠، و\"الكشف والبيان\" ١٣: ١١/ أ، وانظر أيضًا قوله: في \"معالم التزيل\" ٤/ ٤٢٥، و\"التفسير الكبير\" ٣٠/ ٢٣٣، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ١١٣، و\"لباب التأويل\" ٤/ ٣٣٧، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٤٨٢.\n(٤) \"النكت والعيون\" ٦/ ١٥٩ بمعناه، و\"التفسير الكبير\" ٣٠/ ٢٣٣.\n(٥) ساقطة من (أ).\n(٦) \"تفسير مقاتل\" ٢١٨/ ب، المرجعان السابقان.\n(٧) في (أ): توعدني.\n(٨) \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٤٨٢، وانظر: \"مجمع الزوائد\" ٧/ ١٣٢، وقال: رواه الطبراني: [١١/ ٤٥٨: ح: ١٢٢٩٨]، ورجاله ثقات.","vol":"22","page":527},{"text":"قوله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ﴾ (١) قالوا (٢): يعني أبا جهل. ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (٣)﴾ هملًا، مهملًا، لا يؤمر، ولا ينهى، ولا يوعظ في الدنيا، ولا يحاسب بعمله في الآخرة. (والسدى معناه في اللغة: المهمل، يقال: أسدَيْت إبلي إسداءً أهملتها، والاسم: السُّدَى .. ذكر ذلك (أبو عبيد) (٤)، (عن أبي زيد) (٥)، والأشبه بالمعنى في ﴿سُدًى﴾، أي: مهملًا لا يبعث. يدل عليه قوله في الدلالة على البعث: ﴿أَلَمْ يَكُ﴾، أي: هذا الإنسان. ﴿نُطْفَةً﴾، أي: ماءً قليلًا، يعني في ابتداء خلقه. ﴿مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى﴾ أي تصب في الرحم، وذكر الكلام في ﴿مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى﴾ عند قوله: ﴿مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى (٤٦)﴾ [النجم: ٤٦]، وقوله (٦): ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ (٥٨)﴾ [الواقعة: ٥٨]. وفي (يُمنى) قراءتان (٧): التاء، والياء، (فالتاء للنطفة على تقدير: ألم\n_________\n(١) لم أعثر على من قال بذلك، ولعله عني بهم جماعة المفسرين السابق ذكرهم في الآية السابقة. وانظر السمرقندي في \"بحر العلوم\" ٣/ ٣٩٦، وقال القرطبي: إن الخطاب لابن آدم: \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ١١٤.\n(٢) في (أ): سدا.\n(٣) أبو عبيدة، هكذا ورد في كلا النسختين، والصواب أنه أبو عبيد كما في \"التهذيب\".\n(٤) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٥) ما بين القوسين نقله الواحدي عن الأزهري. \"تهذيب اللغة\" ١٣/ ٤٠ (سدا).\n(٦) بياض في (ع).\n(٧) قرأ ابن كثير، ونافع، وعاصم في رواية أبي بكر، وحمزة، والكسائي: (مِنْ مني تمنى) على أن الضمير: للنطفة. وقرأ حفص، ويعقوب، وهشام بخلف عنه: بالياء (من مني يمنى) جعل الضمير عائدا على (مني) انظر كتاب السبعة: ٦٦٢، و\"الحجة\" ٦/ ٣٤٦، و\"الكشف عن وجوه القراءات السبع\" ٢/ ٣٥١، و\"حجة القراءات\" ٧٣٧، و\"المبسوط\" ٣٨٨، (المهذب) ٢/ ٣١٤.","vol":"22","page":528},{"text":"تك نطفة، يمنى من المني. والياء) (١) للمني، كأنه: من مني يمنى، أي يقدر خلق الإنسان منه.\n﴿ثُمَّ كَانَ﴾ الإنسان ﴿عَلَقَةً﴾ بعد النطفة. ﴿فَخَلَقَ﴾ يعني: فنفخ فيه الروح، وسوّى خلقه. قاله ابن عباس (٢)، ومقاتل (٣). ﴿فَجَعَلَ مِنْهُ﴾ من الإنسان بعد ما سواه خلقًا سويًّا، خلق من مائه أولادًا (له) (٤)؛ ذكورًا، وإناثًا. وهو قوله: ﴿الزَّوْجَيْنِ﴾ يعني: الصنفين. ثم فسرهما فقال: ﴿الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾.\n(قوله) (٥): ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ﴾ الذي فعل هذا. ﴿بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾، وهذا تقدير لهم أن (٦) من قدر على الابتداء قدر على البعث بعد الموت، وذلك إشارة إلى الفاعل المضمر في قوله: ﴿فَخَلَقَ فَسَوَّى﴾ وهو الله تعالى، وكان النبي -ﷺ- إذا قرأ هذه الآية قال: \"سبحانك اللهم فبلى\" (٧).\n_________\n(١) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٢) \"التفسير الكبير\" ٣٠/ ٢٣٤.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ٢١٨/ ب، وانظر المرجع السابق.\n(٤) ساقطة من (ع).\n(٥) ساقطة من (ع).\n(٦) في (أ): أي.\n(٧) الحديث أخرجه: أبو داود ١/ ٢٢٥ - ٢٢٦: كتاب الصلاة: باب الدعاء في الصلاة، وباب مقدار الركوع والسجود من طريق أبي هريرة -﵁- وغيره، والإمام أحمد في \"المسند\" ٢/ ٢٤٩، والحاكم ٢/ ٥١٠ في التفسير، سورة القيامة، وقال عنه: هذا حديث صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي؛ وأورده الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" ٧/ ١٣٢، وقال: رواه أبو داود وغيره، ورواه أحمد وفيه رجلان لم أعرفهما. قال ابن حجر: رواية عن إسماعيل عند الحاكم يزيد بن عياض متروك، ولكن أخرجه أحمد، وأبو داود، والترمذي من طريق سفيان بن عيينة عن إسماعيل، عن رجل، عن أبي هريرة، واختلف فيه على إسماعيل على أوجه =","vol":"22","page":529},{"text":"وقال ابن عباس: إذا قرأت هذه السورة (فقلت) (١): ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى (٤٠)﴾ [فقل] (٢): اللهم ربنا فبلى (٣). (والله أعلم بالصواب) (٤).\n_________\n= أخرى ذكرتها في حاشية الأطراف. انظر: \"الكاف الشاف في تخريج أحاديث الكشاف\" ١٨٠، ملحق بـ\"الكشاف\" ٤. والحديث ضعفه الألباني. انظر: \"ضعيف سنن أبي داود\" ٨٦ - ٨٧: ح: ١٨٨ - ٨٨٧، و\"ضعيف الجامع الصغير وزيادته\" ١/ ٢٣٨: ح: ٥٧٩٦.\n(١) ساقطة من (أ).\n(٢) في كلا النسختين: فقال، ولا يستقيم المعنى بهما.\n(٣) أخرجه الثعلبي في \"الكشف والبيان\" ١٢: ١١/ ب، وابن كثير في \"تفسيره\"، وساق إسناده: ٤/ ٤٨٢، وعزاه إلى ابن أبي حاتم، وزاد السيوطي في \"الدر المنثور\" ٨/ ٣٦٤: ابن المنذر.\n(٤) ما بين القوسين ساقط من (ع).","vol":"22","page":530},{"text":"المملكة العربية السعودية\nوزارة التعليم العالي\nجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية\nعمادة البحث العلمي\nسلسلة الرسائل الجامعية\n-١١٥ -\nالتَّفْسيرُ البَسِيْط\nلأبي الحسن علي بن أحمد بن محمد الواحدي\n(ت ٤٦٨ هـ)\nمن سورة الإنسان إلى سورة الفجر\nتحقيق\nد. نورة بنت عبد الله بن عبد العزيز الورثان\nأشرف على طباعته وإخراجه\nد. عبد العزيز بن سطام آل سعود ... أ. د. تركى بن سهو العتيبي\nالجزء الثالث والعشرون","vol":"23","page":1},{"text":"المملكة العربية السعودية\nوزارة التعليم العالي\nجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية\nعمادة البحث العلمي\nسلسلة الرسائل الجامعية\n-١١٥ -\nالتَّفْسيرُ البَسِيْط\nلأبي الحسن علي بن أحمد بن محمد الواحدي\n(ت ٤٦٨ هـ)\nمن سورة الإنسان إلى سورة الفجر\nتحقيق\nد. نورة بنت عبد الله بن عبد العزيز الورثان\nأشرف على طباعته وإخراجه\nد. عبد العزيز بن سطام آل سعود ... أ. د. تركى بن سهو العتيبي\nالجزء الثالث والعشرون","vol":"23","page":2},{"text":"جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ١٤٣٠ هـ\nفهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية أثناء النشر\nالواحدي، على بن أحمد\nالتفسير البسيط لأبي الحسن على بن أحمد بن محمد\nالواحدي (ت ٤٦٨ هـ)./ نورة بنت عبد الله بن عبد العزيز الورثان،\nالرياض١٤٣٠ هـ.\n٢٥مج. (سلسلة الرسائل الجامعية)\nردمك: ٤ - ٨٥٧ - ٠٤ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (مجموعة)\n٢ - ٨٨٠ - ٠٤ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (ج ٢٣)\n١ - القرآن تفسير ... ٢ - الواحدي، على بن أحمد\nأ- العنوان ... ب- السلسة\nديوي ٢٢٧.٣ ... ٨٦٨/ ١٤٣٠\nرقم الإيداع: ٨٦٨/ ١٤٣٠ هـ\nردمك: ٤ - ٨٥٧ - ٠٤ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (مجموعة)\n٢ - ٨٨٠ - ٠٤ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (ج ٢٣)","vol":"23","page":3},{"text":"بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ","vol":"23","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4729>تفسير سورة الإنسان </span><span data-type=\"title\" id=toc-4730>(١)</span>\nبسم الله الرحمن الرحيم\n﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ [الإنسان: ١].\n\n١ - ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾ (٢) قال ابن عباس (٣)، (ومقاتل) (٤) (٥)، والمفسرون (٦): قد أتى، وهو قول أهل المعاني (٧) أيضًا.\n_________\n(١) فيها ثلاثة أقوال: أحدها: أنها مدنية كلها، قاله الجمهور؛ منهم: مجاهد، وقتادة.\nوالثاني: أنها مكية، قاله عطاء بن يسار، ومقاتل، والكلبي، وابن عباس.\nوالثالث: أن فيها مكيًا ومدنيًا. انظر: \"النكت والعيون\" ٦/ ١٦١، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٢٦، \"زاد المسير\" ٨/ ١٤١، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ١١٦.\n(٢) كلمة (الإنسان) ساقط من (ع).\n(٣) \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٠٨.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ٢١٨/ ب.\n(٥) ساقط من (أ).\n(٦) قال بذلك: ابن قتيبة في \"تأويل مشكل القرآن\" ٥٣٨، وابن الأنباري في: كتابه \"إيضاح الوقف والابتداء\" ٢/ ٩٥٩، الطبري في \"جامع البيان\" ٢٩/ ٢٠٢، والسمرقندي في \"بحر العلوم\" ٣/ ٤٢٩. وإليه ذهب البغوي في \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٢٦، وابن عطية في \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٠٨. وحكى الفخر ألفاظ المفسرين على هذا القول: ٣٠/ ٢٣٥، وساق الشوكاني قول الواحدي عن المفسرين في (فتح القدير) ٥/ ٣٤٤.\n(٧) قال بذلك: الفراء في: (معاني القرآن) ٣/ ٢١٣، وأبو عبيدة في \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٧٩، والزجاج في \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٥٧، والثعلبي في \"الكشف والبيان\" ١٣: ١٢/ أ.","vol":"23","page":5},{"text":"قال الأخفش: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾، و﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ أي قد أتاك، كما تقول: هل رأيت صنيع فلان، وقد علمت أنه قد رآه (١).\nوقال المبرد: (هل) معناه في هذا الموضع: (قد) (٢)، وكذلك قوله: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ﴾ [ص: ٢١]، وحُكي عن سيبويه: أن (هل) قد تكون لغير الاستفهام (٣).\nوقال الكسائي: (هل) تأتي استفهامًا، وهو بابها، وتأتي جحدًا (٤)، (وتأتي بمعنى: قد) (٥) (٦).\n(وقال الفراء: معناه: قد أتى، قال (وهل): قد تكون جحدًا) (٧)، وتكون خبرًا، فهذا من الخبر؛ لأنك تقول: هل وعظتك، هل أعطيتك، تقرره بأنك قد أعطيته، ووعظته، قال: والجحد أن تقول: وهل يقدر أحد على مثل هذا (٨).\nوقال أبو إسحاق: (هل) ليست باستفهام (٩). ويحقق ذلك قول أبي\n_________\n(١) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٢) \"المقتضب\" ١/ ٢٩٨.\n(٣) انظر: \"كتاب سيبويه\" ٣/ ١٨٩، وانظر أيضًا \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٠٨، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ١١٦، (فتح القدير) ٥/ ٣٤٤.\n(٤) أي: نفيًا.\n(٥) ورد قوله في \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ١١٦.\n(٦) ما بين القوسين ساقطة من (أ).\n(٧) ما بين القوسين ساقطة من (أ).\n(٨) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢١٣ بتصرف يسير.\n(٩) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٥٧، لم يرد عن أبي إسحاق ما ذكره الواحدي، وإنما ورد خلافه، وعبارته كالآتي. قال: ومعنى: \"هل أتى\" قد أتى على الإنسان، أي ألم يأت على الإنسان حين من الدهر\".","vol":"23","page":6},{"text":"بكر الصديق -أرضاه الله- قال لما سمع هذه الآية: [ليت] (١) المدة التي أتت على آدم، ولم يكن شيئًا مذكورًا، تمت على ذلك، وكان لا يلد، ولا يُبتلى أولاده (٢).\nوهذا الذي ذكره عن الصديق يروى ذلك عن عمر (٣)، وابن مسعود (٤)، (ومراده) (٥) أن (هل) لو كان استفهامًا ما قال من قال: ليت ذلك تم؛ لأن الاستفهام إنما يجاب بـ (لا) أو (نعم)، وهذا الكلام، إنما يحسن إذا كان المراد بـ (هل) الخبر لا الاستفهام (٦).\nوقوله: ﴿عَلَى الْإِنْسَانِ﴾ قال جماعة من المفسرين (٧): يريد آدم ﵇.\n_________\n(١) في كلا النسختين: ليست، ولا تستقيم العبارة بهذا اللفظ، ولعله خطأ من الناسخ، أو تصحيف.\n(٢) \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ١١٨.\n(٣) \"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٢/ أ، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ١١٨، \"الدر المنثور\" ٨/ ٣٦٦ وعزاه إلى ابن المبارك، وأبي عبيد في فضائله، وعبد بن حميد، وابن المنذر.\n(٤) \"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٢/ أ، \"الدر المنثور\" ٨/ ٣٦٦ وعزاه إلى ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر.\n(٥) ساقطة من (أ).\n(٦) (هل): من الحروف الهوامل؛ لأنها لا تختص بأحد القبيلين، ولها موضعان: أحدهما: أن تكون استفهامًا عن حقيقة الخبر، وجوابها: نعم، أو لا، قال تعالى: ﴿فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ﴾ [الأعراف: ٤٤]. والثاني: أن تكون بمعنى: (قد)، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾ [الإنسان: ١]، كتاب معاني الحروف للرُّمَاني: ١٠٢.\n(٧) قال بذلك: قتادة، وسفيان الثوري، والسدي، وعكرمة، ومقاتل. انظر: \"تفسير مقاتل\" ٢١٨/ ب، \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٣٣٦، \"جامع البيان\" ٢٩/ ٢٠٢، \"النكت والعيون\" ٦/ ١٦١، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ١١٧. وبه قال =","vol":"23","page":7},{"text":"﴿حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾ يعني أربعين سنة كان ملقى قبل أن ينفخ فيه الروح. هذا قول الكلبي (١).\nوقال عطاء، عن ابن عباس: يريد بـ (الحين) أن آدم أقام حين خلق من طين أربعين سنة (٢) من صلصال، وأربعين سنة من حمأ (٣) مسنون (٤)، فتم خلقه بعد عشرين ومائة سنة (٥). وزاد ابن مسعود فقال: أقام من تراب أربعين سنة، ثم ذكر مثل قول ابن عباس، فقال: فتم خلقه بعد ستين ومائة سنة (٦).\n_________\n= السمرقندي في \"بحر العلوم\" ٣/ ٤٢٩، والثعلبي في \"الكشف والبيان\" ١٣: ١٢/ أ، وعزاه الماوردي إلى (جميع المفسرين) ٦/ ١٦٢، وإليه أيضًا ذهب البغوي في \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٢٦، وحكاه ابن الجوزي عن الجمهور في \"زاد المسير\" ٨/ ١٤٢.\nقال ابن تيمية: وقوله: \"الإنسان\" هو اسم جنس يتناول جميع الناس، ولم يدخل فيه آدم الذي خلق من طين، فإن المقصود بهذه الآية بيان الدليل على الخالق تعالى، والاستدلال إنما يكون بمقدمات يعلمها المستدل، والمقصود بيان دلالة الناس وهدايتهم، وهم كلهم يعلمون أن الناس يخلقون من العلق\".\n(مجموع فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيمية) ١٦/ ٢٦٠ - ٢٦١.\n(١) لم أعثر على مصدر لقوله. وقد ورد بنحوه في (الوسيط) ٤/ ٣٩٨.\n(٢) قوله: أربعين سنة: مكرر في (ع).\n(٣) حمأ: طين أسود منتن. المفردات في غريب القرآن ١٣٣.\n(٤) مسنون: أي: مَصْبوب، يقال: سننت الشيء سنًا إذا صببتَهُ صبًا سهلًا، ويقال: \"مسنون\" أي: متغير الرائحة.\n\"نزهة القلوب\" للسجستاني: ٤٠٣.\n(٥) \"النكت والعيون\" ٦/ ١٦٢، \"التفسير الكبير\" ٣٠/ ٢٣٥، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ١١٧.\n(٦) \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ١١٧.","vol":"23","page":8},{"text":"وقوله: ﴿لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ قال ابن عباس: لا في السماء، ولا في الأرض (١).\nقال الفراء: يريد كان شيئًا، ولم يكن مذكورًا، وذلك من حين أن خلقه الله إلى أن نفخ فيه الروح (٢). ونحو هذا قال الزجاج، قال: ويجوز أن يعني به جميع الناس (٣).\nوالمعنى: أنهم كانوا نطفًا (٤)، ثم علقًا (٥)، ثم مضغًا (٦)، إلى أن صاروا شيئًا مذكورًا.\nقوله تعالى: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ يعني ولد آدم من نطفة. ﴿أَمْشَاجٍ﴾ يعني المشج في اللغة: \"الخلط، يقال: مشج (يمشج) (٧) مشجًا إذا خلط، والأمشاج: الأخلاط.\nقال ابن الأعرابي: واحدها: مَشْج، ومَشَج، وأنشد (قول الشماخ) (٨):\n_________\n(١) المرجع السابق.\n(٢) (معاني القرآن للفراء) ٣/ ٢١٣ بنصه.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٥٧ بنصه.\n(٤) النُّطْفة: الماء الصافي قلّ أو كثُر. انظر مادة: (نطف) في (مقاييس اللغة) لابن فارس: ٥/ ٤٤٠، (مختار الصحاح) ٦٦٦.\n(٥) العَلَق: الدم الجامد، وفي الصحاح: الدم الغليظ. انظر مادة: (علق) في (مقاييس اللغة) ٤/ ١٢٥، (مختار الصحاح) ٤٥٠.\n(٦) مضغ: الميم، والضاد، والغين: أجل صحيح، وهو المضغ للطعام، والمضغة: قطعة لحم؛ لأنها كالقطعة التي تؤخذ فتمضغ. انظر مادة: (مضغ) في (مقاييس اللغة) ٥/ ٣٣٠، مختار الصحاح: ٦٢٦.\n(٧) ساقط من (أ).\n(٨) ساقط من (أ).","vol":"23","page":9},{"text":"طَوَتْ أحْشاءَ مُرْتِجَةٍ لِوَقْتٍ ... على مَشَجٍ سُلالتُه مَهِينُ (١)\nوأنشد أيضًا:\nفَهُنَّ يَقْذِفْنَ مِنَ الأمْشاجِ ... مِثْلَ بُرُودِ اليُمْنَةِ الحجاج (٢)\nقال: والمشج: شيئان مخلوطان (٣).\nوقال [أبو عبيدة (٤)] (٥)، والفراء (٦): الأمشاج: الأخلاط، ويقال للشيء إذا خُلط: مَشيج، كقولك: خليط، وممشوج (كقولك) (٧) مخلوط، وأنشد (٨) للهذلي (٩) (١٠)، فقال:\n_________\n(١) ديوانه: ٣٢٨. وانظر (مشج) في: \"لسان العرب\" ٢/ ٣٦٧، \"الكامل\" ٢/ ١٠١٧، \"البحر المحيط\" ٨/ ٣٩٢. ومعناه: طوت: ضمت، أحشاء: أراد رحمها، مرتجة: حامل، لوقت: أي لوقت الولادة، مشج: أخلاط، والمراد هنا: النطفة التي اختلط فيها ماء الحمار بماء الأتان. سلالته: ماؤه، مهين: ضعيف. والمعنى: أطبقت هذه الأتان رحمها إلى وقت الولادة على النطفة، فلا تمكن الحمار منها، فهي تهرب منه أشد ما يكون، فناقة الشماخ تشبه هذه الأتان في: الإسراء للتوجه إلى الممدوح. ديوانه: ٣٢٨.\n(٢) ورد البيت غير منسوب في: \"لسان العرب\" ٢/ ٣٦٧، برواية: \"نزول\" بدلًا من: \"برود\".\n(٣) ما بين القوسين نقله عن الأزهري من \"تهذيب اللغة\" ١٠/ ٥٥١ (مشج). وانظر المعنى اللغوي لـ (مشج) في: \"اللسان\" ٢/ ٣٦٧، \"تاج العروس\" ٢/ ١٠٠ - ١٠١.\n(٤) \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٧٩.\n(٥) في (أ) أبو عبيد، وبياض في (ع)، والصواب \"أبو عبيدة\" فقوله في \"مجاز القرآن\".\n(٦) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢١٤.\n(٧) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٨) أي أبو عبيدة، إذ لم يرد عن الفراء ذكر بيت القصيد.\n(٩) في (ع): وأنشد قول الهذلي.\n(١٠) البيت عند أبي عبيدة منسوب لأبي ذؤيب الهذلي: \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٧٩، وكذا =","vol":"23","page":10},{"text":"كأنّ الرِّيش والفُوقَيْن منه ... خِلاف النَّصْل سِيطَ به مَشِيجُ (١)\nيصف السهم: بأنه قد نفذ في الرمية، فالتطخ ريشه وفوقاه بدم يسير، ووصف (النطفة) وهي واحدة بالأمشاج، وهي جمع، كوصف: البُرمة (٢) بالأعشار في قولهم: بُرمة أعشارٌ، أي قطع متكسرة، وثوب أخلاق، وأرض سباسب (٣) (٤).\nومعنى أمشاج: أخلاط في قول جميع أهل اللغة (٥)،\n_________\n= عند الطبري في: \"جامع البيان\" ٢٩/ ٢٠٣، ونسب إلى الشماخ في: \"الكامل\" ٢/ ١٠١٦، والصواب أنه لـ: زهير بن حرام الهذلي من قصيدته في: \"ديوان الهذليين\" ٣/ ١٠٤، \"شرح أشعار الهذليين\" ٢/ ٦١٩، وقد بين ذلك محقق ديوان الشماخ: ٤٣٤.\n(١) وورد البيت أيضًا في: \"الصحاح\" ١/ ٣٤١ (مشج)، \"اللسان\" ٢/ ٣٦٨، \"الدر المنثور\" ٨/ ٣٦٧ برواية:\nكأن النصل والفوقين منها ... خلال الريش سِيطَ به مَشيج\nوفي \"البحر المحيط\" ٨/ ٣٩٢ برواية: كأن النّصل خلاف الريش. وفي \"الكامل\" ٢/ ١٠١٦ برواية:\nكأنَّ الْمَتْنَ والشرخين منه ... خلاف النّصل سَيط به مَشيج\nكما ورد في: ديوان الشماخ: كأن المتن والشرخين منه: ٤٣٤.\n(٢) البرمة: هي الحجارة التي توضع تحت القدر، ويقال لها الأثافي أيضًا. \"غريب الحديث\" لابن الجوزي: ١/ ١١.\n(٣) سباسب: أي القفار، واحدها سَبْسَبٌ، والسَّبْسب: الأرض القَفْر البعيدة، مستوية وغير مستوية، وغليظة وغير غليظة، لا ماء بها، ولا أنيس. \"لسان العرب\" ١/ ٤٦٠ مادة: (سبسب).\n(٤) عد الكرماني هذا القول من غرائب التفسير ٢/ ٢٨٦. وانظر: \"فتح القدير\" ٥/ ٣٤٥.\n(٥) انظر (مشج) في: \"تهذيب اللغة\" ١٠/ ٥٥١، \"مقاييس اللغة\" ٥/ ٣٢٦، \"الصحاح\" =","vol":"23","page":11},{"text":"(والمفسرين) (١) (٢).\nواختلفوا في كيفية اختلاط نطفة الرجل، ومعنى ذلك الاختلاط.\nفالأكثرون (على) (٣) أنه اختلاط نطفة الرجل بنطفة المرأة، وهو قول ابن عباس (٤) في رواية عطاء، (والكلبي) (٥) (٦)، ومقاتل (٧)،\n_________\n= ١/ ٣٤١، \"لسان العرب\" ٢/ ٣٦٧، \"تاج العروس\" ٢/ ١٠١، \"المعجم الوسيط\" ١/ ٢٠٧.\n(١) وهو قول عكرمة، وابن عباس، والربيع بن أنس، ومجاهد، والحسن، ومقاتل. انظر: \"تفسير مقاتل\" ٢١٩/ أ، \"جامع البيان\" ٢٩/ ٢٠٣ - ٢٠٤، \"الكشف والبيان\" ١٣: ١٢/ أ - ب، \"النكت والعيون\" ٦/ ١٦٢، معالم التنزيل: ٤/ ٤٢٦، \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٠٨، \"زاد المسير\" ٨/ ١٤٢ حاشية: ٢ من النسخة الأزهرية، \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٤٨٣. وقال به اليزيدي في: \"غريب القرآن\" ٤٠٤، وابن قتيبة في: تفسير \"غريب القرآن\" ٥٠٢، ومكي بن أبي طالب في: العمدة في: \"غريب القرآن\" ٣٢٧، و\"تفسير المشكل\" لمكي بن أبي طالب: ٣٦٧، الخزرجي في: نفس \"الصباح\" ٢/ ٦٥١، أبو حيان في: \"تحفة الأريب\" ٢٨٠. وقال بذلك أيضًا: الطبري، والسمرقندي، والثعلبي. انظر: \"جامع البيان\" ٢٩/ ٢٠٣، \"بحر العلوم\" ٣/ ٤٣٠، \"الكشف والبيان\" ١٣: ١٢/ أ.\n(٢) ساقط من (أ).\n(٣) ساقطة من (أ).\n(٤) \"الكشف والبيان\" ١٣: ١٢/ أ، معالم التنزيل: ٤/ ٤٢٦، \"زاد المسير\" ٨/ ١٤٢ حاشية: ٢، \"التفسير الكبير\" ٣٠/ ٢٣٦، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ١١٩، \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٤٨٣.\n(٥) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٦) ساقط من (أ).\n(٧) \"تفسير مقاتل\" ٢١٩/ أ.","vol":"23","page":12},{"text":"(وعكرمة) (١) (٢). قالوا: هو اختلاط ماء الرجل، وهو أبيض غليظ، بماء المرأة، وهو أصفر رقيق، فيختلطان، ويخلق الولد منهما، فما كان من عَصب، وعظم، وقوة، فمن نطفة الرجل، وما كان من لحم ودم وشعر، فمن مَاءِ المرأة.\nوقال مجاهد: هي ألوان النطفة، نطفة الرجل بيضاء، وحمراء، ونطفة المرأة خضراء، وحمراء (٣)، وهو قول الكلبي (٤)، (ورواية الوالبي عن ابن عباس (٥» (٦).\nوقال عبد الله: أمشاجها عروقها (٧). يعني: العروق التي تكون في النطفة. وقال الحسن: يعني من نطفة مشجت بدم، وهو دم الحيضة،\n_________\n(١) \"جامع البيان\" ٢٩/ ٢٠٣، \"زاد المسير\" ٨/ ١٤٢ حاشية: ٢، \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٤٨٣.\n(٢) ساقط من (أ). وزاد في نسخة (أ) وغيرهما، ويعني: الكلبي، وعكرمة، فإن نسخة ع لم تذكرهما. وممن قال بذلك أيضًا: الحسن، ومجاهد، والربيع ..\n(٣) \"جامع البيان\" ٢٩/ ٢٠٥، \"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٢/ ب، \"التفسير الكبير\" ٣٠/ ٢٣٦، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ١١٩، \"الدر المنثور\" ٨/ ٣٦٨ وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.\n(٤) \"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٢/ ب، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٢٧، \"زاد المسير\" ٨/ ١٤٢.\n(٥) المراجع السابقة إضافة إلى \"جامع البيان\" ٢٩/ ٢٠٤، وصحيفة علي بن طلحة، عن ابن عباس في: \"تفسير القرآن الكريم\"؛ تحقيق راشد الرجال: ٥١٠.\n(٦) ما بين القوسين ساقطة من (أ).\n(٧) المراجع السابقة، عدا الكشف والبيان، وصحيفة ابن عباس. وانظر: \"جامع البيان\" ٢٩/ ٢٠٥، \"التفسير الكبير\" ٣٠/ ٢٣٦، \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٤٨٣، \"الدر المنثور\" ٨/ ٣٦٧ وعزاه إلى سعيد بن منصور، وابن أبي حاتم.","vol":"23","page":13},{"text":"وذلك (١) أن المرأة إذا تلقت ماء الرجل، وحبلت أمسك حيضها، فاختلطت النطفة بالدم (٢).\nوقال قتادة: الأمشاج إذا اختلط الماء والدم، ثم كان علقة، ثم كان مضغة (٣).\nونحو هذا روى (سماك) (٤) عن عكرمة (٥)، واختاره الزجاج فقال: أمشاج: أخلاط من مني ودم، ثم ينقل من حال إلى حال (٦).\nوقال أهل المعاني: إن الله جعل في النطفة أخلاطًا من الطبائع التي تكون في الإنسان من الحرارة، والبرودة، واليبوسة، والرطوبة، ثم عدلها (٧).\nوالتقدير: من نطفة ذات أمشاج، فحذف المضاف، وتم الكلام (٨).\n_________\n(١) في (أ): ولذلك.\n(٢) \"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٢ ب، \"التفسير الكبير\" ٣٠/ ٢٦٣، \"الدر المنثور\" ٨/ ٣٦٨، وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر. وانظر: \"تفسير الحسن البصري\" ٢/ ٣٨٣.\n(٣) \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٣٣٦، \"جامع البيان\" ٢٩/ ٢٠٤، \"الدر المنثور\" ٨/ ٣٦٨ وعزاه إلى ابن المنذر.\n(٤) ساقطة من (أ).\n(٥) \"جامع البيان\" ٢٩/ ٢٠٤، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٢٧.\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٥٧ بنصه.\n(٧) انظر: \"لسان العرب\" ٢/ ٣٦٧ (مشج)، وعزاه الكرماني إلى ابن عيسى، واعتبر هذا القول من عجائب التأويل. انظر: \"غرائب التفسير\" ٢/ ١٢٨٦.\n(٨) وعند بعضهم حسن. قاله الأشموني. انظر: \"منار الهدى\" ٤١١، وقد علل السجاوندي الوقف على \"أمشاج\" بقوله: لأنه منكر. ثم قال: ولو وصل صار \"نبتليه\" صفة له، وإنما هو حال الضمير المنصوب في: \"جعلناه\" تقديره: فجعلناه سميعًا بصيرًا مبتلين له. فيوقف على \"أمشاج\" لتبين هذا المعنى. \"علل الوقوف\" ٣/ ١٠٧٠.","vol":"23","page":14},{"text":"ثم قال: (قوله تعالى) (١): ﴿نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾\nقال مقاتل: فجعلناه بعد النطفة سميعًا بصيرًا لنبتليه بالعمل (٢).\nوقال الفراء: المعنى: جعلناه سميعًا بصيرًا لنبتليه، فهي مقدمة معناها التأخير، المعنى: خلقناه، وجعلناه سميعًا بصيرًا لنبتليه (٣). (ونحو هذا قال الزجاج (٤)، وابن قتيبة (٥) (٦).\nوقال آخرون: (نبتليه) متصل المعنى بما قبله، كأنه قيل: خلقناه من نطفة أمشاج لنبتليه، لنختبره في الاعتبار بهذه الأحوال في خلقه، فيكون (نبتليه) في موضع الحال، أي خلقناه مبتلين إياه (٧).\nثم ذكر أنه أعطاه ما يصح معه الابتلاء، وهو السمع والبصر، فقال: فجعلناه سميعًا بصيرًا. (وهذا قول صاحب النظم) (٨) (٩).\n_________\n(١) ساقطة من (ع).\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ٢١٩/ أ، \"بحر العلوم\" ٣/ ٤٣٠، \"النكت والعيون\" ٦/ ١٦٣.\n(٣) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢١٤ بيسير من التصرف. وقد رد هذا المعنى ابن جرير فقال: \"ولا وجه عندي لما قال يصح، وذلك أن الابتلاء إنما هو بصحة الآلات، وسلامة العقل من الآفات، وإن عدم السمع والبصر\". \"جامع البيان\" ٢٩/ ٢٠٦، كما رده النحاس بمعنى ما ذكره ابن جرير. انظر: \"القطع والائتناف\" ٢/ ٧٧٥.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٥٧.\n(٥) تفسير غريب القرآن: ٥٠٢.\n(٦) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٧) وهو قول ابن أبي حاتم، وإليه ذهب أيضًا النحاس. انظر: \"القطع والإتناف\" ٢/ ٧٧٥، و\"منار الهدى\" للأشموني ٤١٢.\n(٨) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٩) ما بين القوسين ساقط من (أ).","vol":"23","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4731>٣ </span>- قوله تعالى: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ﴾ قال ابن عباس: يريد بيّنا له سبل الهدى (١).\nوقال الفراء: هديناه السبيل، وإلى السبيل، كل ذلك جائز، يقول عرفناه السبيل (٢).\nوقوله تعالى: ﴿إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ قال ابن عباس: يريد إما موحّدًا طائعًا لله، و(إمّا) مشركًا بالله (٣) في علم الله (٤).\nقال الفراء: و(إمَّا) هاهنا تكون جزاء، أي إن شكروا (٥) أو كفروا (٦).\nومعنى الآية: إن الله تعالى ذكر أنه بين سبيل التوحيد، ودل عليه بنصب الأدلة، وبعث الرسل، شكر الإنسان فآمن، أو كفر فجحد.\nومعنى: (هدينا) هاهنا: بيَّنَّا، وليس معناه خلقنا الهداية، ألا ترى (٧) أنه ذكر السبيل فقال: ﴿هديناه السبيل (٨) (أي: أريناه ذلك، ثم إن وفقه للسلوك سلك فآمن، وإن خذله كفر (٩).\n_________\n(١) لم أعثر على مصدر لقوله، وقد ورد بمثله عن عطاء في الوسيط: ٤/ ٣٩٨.\n(٢) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢١٤ بيسير من التصرف.\n(٣) غير واضحة في (ع).\n(٤) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٥) في (ع). اشكروا.\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢١٤ بيسير من التصرف.\n(٧) في (أ): ترا.\n(٨) في (ع). للسبيل.\n(٩) وهذا المعنى للهداية هو المرتبة الثانية من مراتب الهدى الأربعة، والتي أولها: الهدى العام، وثانيها: هدى البيان والدلالة -وهو ما جاء بيانه-، وثالثها: هداية =","vol":"23","page":16},{"text":"وفي الآية قول آخر: قال مقاتل: يعني بينا له سبيل الهدي، وسبيل الضلالة، إما أن يكون موحدًا فيما بيّن له، أو كافرًا فلا يوحده (١).\nوقال مجاهد: (إنا هديناه السبيل) قال: الشقاء والسعادة (٢).\nوالمعنى على هذا: بينا له سبيل الحق، والباطل، وعرفناه طريق الخير والشر، كقوله: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ (٣)\nقال الفراء: و(إما) (أنْ) (٤) تكون على: (إما) التي في قوله: ﴿إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ﴾ (٥) فكأنه قال: خلقناه شقيًا، أو سعيدًا (٦).\n_________\n= التوفيق والإلهام، ورابعها: الهداية إلى الجنة والنار يوم القيامة. انظرت \"شفاء العليل\" لابن قيم الجوزية: ١١٧.\n(١) \"تفسير مقاتل\" ٢١٩/ ب.\n(٢) \"جامع البيان\" ٢٩/ ٢٠٦، \"النكت والعيون\" ٦/ ١٦٤، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ١٢٠. وانظر مجموع \"فتاوى ابن تيمية\" ١٦/ ١٤٣، وعزاه إلى ابن أبي حاتم. والهداية بقول مجاهد -هي هداية التوفيق والإلهام، وهي المرتبة الثالثة من مراتب الهدى، وهذه المرتبة تستلزم أمرين:\nأحدهما: فعل الرب، وهو الهدى. والثاني: فعل العبد، وهو الاهتداء، وهو أثر فعله الله تعالى، فهو الهادي، والعبد المهتدي. قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ﴾ [الإسراء: ٩٧]، ولا سبيل إلى وجود الأثر إلا بمؤثره التام، فإن لم يحصل فعله لم يحصل فعل العبد، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ﴾ [النحل: ٣٧]. \"شفاء العليل\" ١٤١.\n(٣) سورة البلد: ١٠.\n(٤) ساقط من (ع).\n(٥) سورة التوبة: ١٠٦. قال تعالى: ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾.\n(٦) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢١٤ بنصه.","vol":"23","page":17},{"text":"وقال الزجاج: معناه: هديناه الطريق إما الشِقْوة، وإما السَّعادة (١).\nوالآية حجة على القدرية (٢)؛ لأن الله تعالى ذكر أنه هدى الإنسان (إلى) (٣) طرق السعادة، والشقاوة، وانتصب شاكرًا أو كفورًا على القول الأول بإضمار على التقدير (٤): إما (كان) (٥) شاكرًا، وإما جعلناه (٦) كفورًا، ودل عليه قوله: هديناه السبيل على هذا المضمر.\nويجوز أن ينتصب على الجار بتقدير: هديناه السبيل شاكرًا أو كفورًا\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٥٧.\n(٢) القائلة بأن العبد يخلق فعله، وأن الله لا يخلق أفعال العباد، ورتبوا عليها مسألة الهدى والضلالة، فقالت المعتزلة: الهدى من الله بيان طريق الصواب، والإضلال: تسمية العبد ضالًا، وحكمه تعالى على العبد بالضلال عند خلق العبد الضلال في نفسه، -وهذا مبني على أصلهم الفاسد، أن أفعال العباد مخلوقة لهم-. والصحيح: أن الله ﷾ يهدي من يشاء، ويعصم ويعافي فضلًا، ويُضل من يشاء، ويخذل ويبتلي عدلًا، ودليله قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص: ٥٦]. ولو كان الهدى بيان الطريق لما صح هذا النفي عن نبيه؛ لأنه -ﷺ- بين الطريق لمن أحب وأبغض. وقال تعالى: ﴿يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ ولو كان الهدى من الله البيان، وهو عاصم في كل نفس لما صح التقييد بالمشيئة. انظر: \"شرح العقيدة الطحاوية\" ٩٨. وللاستزادة والتفصيل يراجع كتاب: \"المعتزلة في أصولهم الخمسة ورأي أهل السنة فيها\"، رسالة ماجستير، إعداد: عبد الله المعتق: ٢٠٩ - ٢٢٩.\n(٣) ما بين القوسين ساقط من (ع).\n(٤) في (ع): تقدير.\n(٥) ساقطة من (أ).\n(٦) في (أ): جعلاه.","vol":"23","page":18},{"text":"كأنك لم تذكر (إما) وهو قول الأخفش (١).\nثم بين ما أعد للكافرين، فقال: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ﴾\nقال ابن عباس (٢)، ومقاتل (٣): يريد في جهنم طولها سبعون ذراعًا كقوله: ﴿ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا﴾ [الحاقة: ٣٢] الآية. وتقرأ: (سلاسلًا) بالتنوين (٤)، وكذلك: (قواريرًا قواريرًا) (٥).\nومنهم من يصل بغير تنوين، ويقف بالألف (٦).\nولمن نون وصرف وجهان:\n_________\n(١) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٢) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ٢١٩/ ب.\n(٤) قرأ نافع، وأبو بكر عن عاصم، والكسائي، وأبو جعفر: \"سلاسلًا\" منونة.\nوقرأ الباقون: \"سلاسل\" بغير تنوين. انظر كتاب \"السبعة\" ٦٦٤، \"القراءات وعلل النحويين \" فيها: ٢/ ٧٣٣، الحجة: ٦/ ٣٤٨ - ٣٤٩، \"المبسوط\" ٣٨٩، \"حجة القراءات\" ٧٣٨ - ٧٣٩، \"الكشف عن وجوه القراءات السبع\" ٢/ ٣٥٢ - ٣٥٤، \"إتحاف فضلاء البشر\" ٤٢٨ - ٤٢٩.\n(٥) سورة الإنسان: ١٥ - ١٦.\n(٦) قرأ نافع، وأبو بكر، والكسائي، وأبو جعفر: \"قواريرًا قواريرًا\" منونًا كلاهما، وإذا وقفوا وقفوا عليهما بألف.\nوقرأ ابن كثير، وخلف: \"قواريرًا\" منونًا، والوقف بغير ألف، و\"قواريرا من فضة\" بغير تنوين، والوقف عليه بالألف. وقرأ أبو عمرو، وابن عامر، وحمزة، وحفص: \"قواريرَ قواريرَ\" بغير تنوين، ووقفوا على الأولى بالألف؛ لأنها رأس آية، ووقفوا على الثانية بغير ألف لأنها ليست برأس آية. ووقف حمزة، ويعقوب: \"قوارير\" بغير تنوين في جميعها، والوقف بغير ألف عليهما. [المرجع]","vol":"23","page":19},{"text":"أحدهما: أن أبا الحسن الأخفش قال: قد سمعنا من العرب (١) من يصرف هذا الجنس، ويصرف جميع ما لا ينصرف، وقال: هذا لغة الشعراء؛ (لأنهم اضطروا إليه في الشعر) (٢) (٣)، فصرفوه، فجرت ألسنتهم على ذلك.\nوالوجه الثاني: أن هذه الجموع أشبهت الآحاد؛ لأنهم قد قالوا: (صواحبات يوسف) (٤)، فلما جمعوه جمع الآحاد المنصرفة، جعلوها في حكمها (٥)، فصرفوها، وكثير من العرب يقولون: (موالياتٌ) يريدون:\n_________\n(١) وهم بنو أسد. انظر: \"الإتحاف\" ٤٢٩.\n(٢) انظر شواهد ذلك من الشعر في: \"الحجة\" ٦/ ٣٤٨ - ٣٤٩، \"حجة القراءات\" ٧٣٨ - ٧٣٩.\n(٣) ساقطة من (أ).\n(٤) نص الحديث كما في الصحيح: ما رواه أبو موسى، قال: مرض النبي -ﷺ- فاشتد مرضه، فقال: مُروا أبا بكر فليُصَلِّ بالناس. فقالت عائشة: إنه رجل رقيق، إذا قام مقامك لم يستطع أن يُصلِّيَ بالناس، قال: مُروا أبا بكر فليُصلِّ بالناس، فعادت. فقال: مُري أبا بكر فليُصل بالناس، فإنكن صواحب يوسف. فأتاه الرسول، فصلى بالناس في حياة النبي -ﷺ-\" الحديث. الجامع الصحيح للبخاري: ١/ ٢٢٤ - ٢٢٥: ح: ٦٧٨، ٦٧٩، ٦٨٢، كتاب الأذان، باب: ٤٦. كما أخرجه مالك في: \"الموطأ\" ١/ ١٥٥ - ١٥٦: ح: ٨٣، كتاب فضل الصلاة في السفر، باب: ٢٤. والإمام أحمد في \"المسند\" ٦/ ٢١٠، ٢٢٤، ٢٢٩، ٢٧٠. ومعنى: \"إنكن صواحب يوسف\" جمع صاحبة، والمراد: أنهن مثلهن في إظهار خلاف ما في الباطن، والخطاب -وإن كان بلفظ الجمع- فالمراد به عائشة فقط. انظر: \"الموطأ\" ١٥٥ - ١٥٦ حاشية (أ).\n(٥) في (أ): حكها.","vol":"23","page":20},{"text":"الموالي، ومن ترك الصرف فإنه جعله كقوله تعالى: ﴿لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ﴾ [الحج: ٤٠].\nوأما إلحاق (الألف) في الوقف فهو كإلحاقها في قوله (١): (الظنونا) (٢)، و(الرسولا) (٣)، و(السبيلا) (٤) أشبه (٥) ذلك بالإطلاق في القوافي (٦) (٧).\nوقوله تعالى: ﴿وَأَغْلَالًا﴾ يعني في أيديهم تغل (٨) أعناقهم ﴿وَسَعِيرًا﴾ وقودًا لا تُوصف شدته، قاله ابن عباس (٩)، ومقاتل (١٠).\nثم ذكر ما أعد (١١) للشاكرين الموحدين فقال: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ﴾ قال\n_________\n(١) غير مقروءة لسواد في النسخة (أ).\n(٢) الأحزاب: ١٠.\n(٣) الأحزاب: ٦٦.\n(٤) الأحزاب: ٦٧.\n(٥) في (ع): شبه.\n(٦) والشبه من حيث كانت مثلها في أنها كلام تام نحو: * أقلي اللوم عاذِلَ والعتابا * انظر الحجة: ٦/ ٣٥١.\n(٧) ما ذكره المؤلف هنا من القراءات وتوجيهها نقله عن أبي علي من الحجة باختصار شديد: ٦/ ٣٤٨ - ٣٥١.\n(٨) الغُلُّ: مختص بما يقيد به، فيجعل الأعضاء وسطه، وجمعه أغلال، وغُل فلان: قُيد به. انظر المفردات في غريب القرآن: ٣٦٣.\n(٩) أعثر على مصدر لقوله، وقد ورد بنحوه في: الوسيط من غير عزو: ٤/ ٣٩٩.\n(١٠) لم أعثر على مصدر لقوله، والذي ورد عنه في تفسيره: ٢١٩/ ب، قال: \"وقودًا لا يطفأ\".\n(١١) في (أ): وأما.","vol":"23","page":21},{"text":"عطاء: هم الذين بروا الآباء، والأمهات، والأبناء، مع اليقين والمعرفة بالله (١).\nوقال مقاتل: يعني المطيعين (لله) (٢) في التوحيد (٣).\nوقوله تعالى: ﴿يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ﴾ يعني: (من إناء فيه الشراب) (٤)، ولهذا قال ابن عباس: يريد الخمرة (٥). وقال مقاتل: يعني الخمر (٦). ﴿كَانَ مِزَاجُهَا﴾ ما يمازجها، ومنه: مزاج البدن، وهو ما يمازجه من الصفراء، والسوداء، والحرارة، والبرودة (٧).\nوقوله: ﴿كَافُورًا﴾ قال عطاء (٨)، والكلبي (٩) عن ابن عباس: هو\n_________\n(١) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٢) ساقطة من (أ).\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ٢١٩/ ب، \"النكت والعيون\" ٦/ ١٦٤ مختصرًا. قال الخازن: الأبرار: واحدهم: بار، وبر، وأصله التوسع، فمعنى البر: المتوسع في الطاعة. لباب التأويل: ٤/ ٣٣٨ - ٣٣٩. وعن ابن عاشور: الأبرار جمع: بَر -بفتح الباء-، وجمع بار أيضًا، والبار، أو البَرّ: المكثر من البِر- بكسر الباء- وهو فعل الخير. التحرير والتنوير: ٢٩/ ٣٧٩.\n(٤) ما بين القوسين نقله عن الزجاج. انظر معاني القرآن وإعرابه: ٥/ ٢٥٨.\n(٥) \"التفسير الكبير\" ٣٠/ ٢٤٠، الجامع لأحكام القرآن: ١٩/ ١٢٣.\n(٦) \"تفسير مقاتل\" ٢١٩/ ب، \"التفسير الكبير\" ٣٠/ ٢٤٠.\n(٧) مَزَج الشَّراب: خلطه بغيره، ومِزاج الشراب: ما يُمزج به، ومِزاج البدن ما رُكب عليه من الطبائع. انظر: \"الصحاح\" ١/ ٣٤١: مادة: (مزج).\n(٨) ورد عن عطاء من قوله: معالم التنزيل: ٤/ ٤٢٧، \"زاد المسير\" ٨/ ١٤٤. عن ابن عباس من غير ذكر الطريق إليه في: \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ١٢٣، و\"لباب التأويل\" ٤/ ٢٣٩.\n(٩) ورد عن الكلبي من قوله: معالم التنزيل: ٤/ ٤٢٧، \"زاد المسير\" ٨/ ١٤٤، \"البحر المحيط\" ٨/ ٣٩٥.","vol":"23","page":22},{"text":"اسم عين ماءٍ في الجنة يقال: هو عين الكافور (١).\nوالمعنى: أن ذلك الشراب يمازجه ماء هذه العين التي تسمى كافورًا.\nوقال آخرون: يعني الكافور الذي له رائحة طيبة. وهو قول مقاتل (٢)، ومجاهد (٣).\nوعلى هذا له معنيان:\nأحدهما: أن يمازجه ريح الكافور، فيكون طيب الريح.\nوالآخر: أن يمازجه عين الكافور، ولا يكون في ذلك ضرر لأهل الجنة، لا يمسهم الضرر فيما يأكلون ويشربون. (ذكرهما الزجاج) (٤) (٥).\nوقال مقاتل: ليس ككافور الدنيا؛ ولكن الله سمى ما عنده بما عندكم حتى يهدي له القلوب (٦).\nويدل على صحة القول الأول قوله: (عينًا).\nقال الفراء: إن شئت جعلتها متابعة للكافور كالمفسرة، وإن شئت نصبتها على القطع (٧) من (الهاء) في: (مزاجها) (٨) (٩).\n_________\n(١) في (أ): الكافون. ومعنى الكافور: هو أخلاط تجمع من الطيب تُركب من كافور الطلع. انظر: \"لسان العرب\" ٥/ ١٤٩ مادة: (كفر).\n(٢) ورد بمعناه في: معالم التنزيل: ٤/ ٤٢٧، ولم أعثر عليه في تفسيره.\n(٣) المصدر السابق.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٥٨ بتصرف.\n(٥) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٦) \"تفسير مقاتل\" ٢١٩/ ب، وبمعناه في: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٢٧، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ١٢٤، \"فتح القدير\" ٥/ ٣٤٦.\n(٧) يعبر عن الحال بالقطع عند الكوفيين. انظر: \"نحو القراء الكوفيين\" ٣٤٩.\n(٨) غير واضحة في (ع).\n(٩) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢١٥ بنصه.","vol":"23","page":23},{"text":"وهذا على أن يجعل (العين) حالًا للكأس؛ لأن ضميرها معرفة، ويكون التقدير: كان مزاج الكأس، وهي (١) عين كافورًا، وهذا يوجب أن تكون العين الكأس، وليس المعنى على هذا.\nوقال الأخفش: وإن شئت نصبت على وجه المدح، كما يذكر لك الرجل، فتقول: العاقل اللبيب، أي ذكرتم العاقل اللبيب، فتجعل النصب هاهنا على أعْني: [عينًا] (٢).\nوقال أبو إسحاق: الأجود أن يكون المعنى من عين (٣).\nوقوله تعالى: ﴿يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ قال الفراء: (يشرب بها) وَيشْرَبها سواء، المعنى: كأن (٤) يشرب بها، يريد ينقع بها، ويروى بها (٥).\nقال ابن عباس: يشرب بها أولياء الله (٦).\nوقال مقاتل: يشربها المقربون، وهم الصديقون، والشهداء صِرفًا، وتمزج لسائر أهل الجنة الخمر، واللبن، والعسل (٧).\nوقوله تعالى: ﴿يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا﴾ قال الكلبي: يقول: يفجرون تلك العيون الكافور في الجنة حيث يريدون؛ كما يفجر الرجل النهر يكون له في\n_________\n(١) في (أ): هي.\n(٢) في كلا النسختين: هاهنا، والمثبت من كتاب الأخفش: \"معاني القرآن\" ٢/ ٧٢٢.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٥٨ بنصه.\n(٤) في (ع): وكان.\n(٥) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢١٥ بيسير من التصرف.\n(٦) معالم التنزيل: ٤/ ٤٢٨، \"لباب التأويل\" ٤/ ٣٣٩.\n(٧) \"النكت والعيون\" ٦/ ١٦٥ بنحوه، والذي ورد عنه في تفسيره: ٢١٩/ ب قال: \"عباد الله يعني أولياء الله، يمزجون ذلك الخمر مزجًا\".","vol":"23","page":24},{"text":"الدنيا -هاهنا- وهاهنا حيث يريد (١).\nوذكرنا معنى التفجير عند قوله: ﴿فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ﴾ (٢) الآية.\nثم نعتهم فقال: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ قال صاحب النظم: (كان) في قوله: ﴿كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا﴾ زائدة لا يحتاج إليها، والعرب تزيدها في أضعاف الكلام، ولا معنى لها، كما قال:\nوَجِيرانٍ لنا كانوا كرامِ (٣)\nقال: وكما يزيدون [كان] (٤) وليس لها معنى، يحذفونها من مواضع يحتاجون إليها كقوله: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ (والمعنى: كانوا يوفون بالنذر) (٥)، لأن هذا إخبار عما كانوا عليه في الدنيا (٦).\nوهذا قول الفراء، قال: هذه من صفاتهم في الدنيا كأن فيها إضمار\n_________\n(١) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٢) سورة الإسراء: ٩١، وعند تعرضه للآية أحال إلى سورة البقرة في بيان معنى التفجير، [البقرة: ٦٠]، ومما جاء في تفسيرها: قال: \"وأصل الفجر في اللغة: الشق، وسمي فجر النهار لانصداعه، أو لشقه ظلمة الليل، ويقال: انفجر الصبح إذا سال ضوؤه في سواد الليل كانفجار الماء في النهر، ويقال: فَجَرَ وأفجَرَ ينبوعًا من ماء، أي: شقه وأخرجه، قال الليث: والمَفْجَر: الموضع الذي يُفْجَر منه\".\n(٣) البيت للفرزدق من قصيدة يمدح فيها هشام بن عبد الملك، وصدر البيت:\nفَكَيْفَ إذا رأيت ديارَ قوْمي\nورد البيت في ديوانه: ٢/ ٢٩٠ ط دار صادر.\n(٤) ساقطة من النسختين، وأثبت ما يستقيم به المعنى.\n(٥) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٦) لم أعثر على مصدر لقوله، وقد قال بقوله أبو علي في: \"المسائل البصريات\" ٢/ ٨٧٥.","vol":"23","page":25},{"text":"(كانوا) (١).\nونحو هذا قال مقاتل، فقال: كانوا في الدنيا يوفون بالنذر (٢).\nومعنى ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ قال قتادة: بطاعة الله، والصلاة (٣)، والحج (٤).\nوعلى هذا معنى النذر: ما أوجبه الله [عليهم] (٥). النذر معناه: الإيجاب (٦).\nوقال الكلبي: يتممون العهود (٧).\nوقال مجاهد (٨)، وعكرمة (٩): يعني: إذا نذروا في طاعة الله وثوابه.\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" ٣/ ٣١٦ بيسير من التصرف.\n(٢) بمعناه في: \"تفسير مقاتل\" ٢١٩/ ب، وعبارته \"قال: يعني من نذر لله نذرا فقضى الله حاجته، فيوفي لله بما قد نذره\".\n(٣) في (ع): الصلوات.\n(٤) \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٣٣٦، \"جامع البيان\" ٢٩/ ٢٠٨، وبنحوه في: \"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٤/ أ، \"زاد المسير\" ٨/ ١٤٥ بمعناه، \"القرطبي\" ١٩/ ١٢٥.\n(٥) في كلا النسختين: عنهم، ولا تستقيم العبارة بذلك، والأوفق للسياق لفظ: عليهم. والله أعلم.\n(٦) قال الليث: النَّذْر: النَّحْب، وهو ما ينذره الإنسان فيجعله على نفسه نحبًا واجبًا، ومنه قولك: نذرت على نفسي، أي أوجبت. انظر مادة: (نذر) في: تهذيب اللغة: ١٤/ ٤٢٠،\"لسان العرب\" ٥/ ٢٠٠، وأيضًا \"مقاييس اللغة\" ٥/ ٤١٤.\n(٧) \"النكت والعيون\" ٦/ ١٦٦ بمعناه، \"التفسير الكبير\" ٣/ ٢٤٢، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ١٢٥، \"فتح القدير\" ٥/ ٣٤٧.\n(٨) \"الكشف والبيان\" ١٣: ١٤/ أ، \"زاد المسير\" ٨/ ١٤٥، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ١٢٥ بنحوه.\n(٩) المراجع السابقة.","vol":"23","page":26},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ قال أبو عبيدة (١)، وغيره (٢): فاشيًا منتشرًا.\nوقال الزجاج: بالغًا أقصى المبالغ (٣).\nوقال الفراء: ممتدًا قال: والعرب تقول: استطار الصَّدع في القارورة، واستطال، ولا يقال في الحائط (٤).\nوقال ابن قتيبة: يقال: استطار الحريق إذا انتشر، واستطار الصبح إذا انتشر ضوؤه (٥).\nوأنشدوا (٦) للأعشى:\nفَبَانَتْ وقَدْ أَسْأرتْ في الفؤاد ... صَدْعًا على نأيها مسْتطيرا (٧)\n_________\n(١) مجاز القرآن: ٢/ ٢٧٩، وعبارته: \"فاشيًا\".\n(٢) قال بذلك: ابن عباس، ومقاتل، وإليه ذهب الأخفش. انظر: \"تفسير مقاتل\" ٢١٩/ ب، \"النكت والعيون\" ٦/ ١٦٦، معالم التنزيل: ٤/ ٤٢٨، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ١٢٦.\n(٣) معاني القرآن وإعرابه: ٥/ ٢٥٨ بنحوه\n(٤) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢١٦ بإضافة عبارة: \"ولا يقال في الحائط\".\n(٥) \"تفسير غريب القرآن\" ٥٠٢ بيسير من التصرف.\n(٦) وممن أنشد قول الأعشى: \"جامع البيان\" ٢٩/ ٢٠٩، \"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٤/ أ، \"النكت والعيون\" ٦/ ١٦٦. وبه قال أيضا: \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤١٠، \"زاد المسير\" ٨/ ١٤٥، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ١٢٦، \"ابن كثير\" ٤/ ٤٨٤.\n(٧) ديوانه: ٨٩ برواية: (وقد أورثت) بدلًا من: (أسأرت)، و(يخالط عثَّارها) بدلًا من: (على نأيها مستطيرا)، وليس فيه موطن الشاهد، وله في شعر يمدح فيه هوذة بن علي الحنفي، وليس فيه موضع شاهد أيضًا:\nبانَتْ وقدْ أسْأرَتْ في النَّفْسِ حاجَتَها ... بَعْدَ ائتلاف وخَيْرُ الوُدِّ ما نَفَعا","vol":"23","page":27},{"text":"قال الكلبي: قد علن شره، وفشا، وعم (١).\nوقال عطاء: استطار خوفه في أهل السموات وأهل الأرض في أولياء الله، وفي أعدائه (٢).\nوقال مقاتل: يعني كان شره فاشيًا في السموات، فانشقت وتناثرت الكواكب، وفزعت الملائكة، وكورت الشمس، والقمر في الأرض، فنسفت الجبال، وغارت المياه، وتكسر كل شىء على (وجه) (٣) الأرض من جبل، وبناء، ففشا شر يوم القيامة فيهما (٤).\nقال ابن عباس في هذه الآية: نزلت في علي بن أبي طالب، وفاطمة ﵄ كانا نذرا نذرًا في مرض الحسين، فوفوا لله ﷿ بما نذروا له (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4732>٨ </span>- قوله تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾\nقال الكلبي: على شهوته. وقال مقاتل: على حب الطعام (٦).\nقال الزجاج: هذه (الهاء) تعود على الطعام، المعنى: يطعمون الطعام أشد ما يكون حاجتهم إليه، وصفهم الله بالأثرة على أنفسهم (٧).\n_________\n(١) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٢) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٣) ساقط من (ع).\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ٢١٩/ ب، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٢٨، \"زاد المسير\" ٨/ ١٤٥، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ١٢٦، \"فتح القدير\" ٥/ ٣٤٧.\n(٥) \"التفسير الكبير\" ٣٠/ ٢٤٣ - ٢٤٤.\n(٦) \"النكت والعيون\" ٦/ ١٦٦.\n(٧) \"تفسير مقاتل\" ٢١٩/ ب، المرجع السابق، \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٤٨٥.","vol":"23","page":28},{"text":"وقوله: ﴿وَأَسِيرًا﴾ قال الحسن: الأسير (١) من أهل الشرك (٢).\nوهو قول ابن عباس (٣)، وقتادة، قال: كان أسيرهم يومئذ مشركًا، فأخوك المسلم، أخوك أحق أن تطعمه (٤).\nونحو هذا قال مقاتل (٥) في الأسير: إنه من المشركين؛ إلا أنه قام ثم نسخ طعام الأسير (٦).\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٥٩ بنحوه.\n(٢) الأسير في اللغة: من الأسر، أصل واحد، وقياس مطرد، وهو: الحبس، وهو الإمساك، من ذلك: الأسير، وكانوا يشدونه بالقِدِّ، وهو الإسار. انظر: \"مقاييس اللغة\" ١/ ١٠٧ (أسر).\n(٣) بمعناه في: \"جامع البيان\" ٢٩/ ٢١٠، و\"النكت والعيون\" ٦/ ١٦٦، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤١٠، و\"زاد المسير\" ٨/ ١٤٦، و\"التفسير الكبير\" ٣٠/ ٢٤٥، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٣٧١ وعزاه إلى: سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن مردويه. وانظر: \"تفسير الحسن البصري\" ٣٨٤.\n(٤) \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٣٧٧، \"التفسير الكبير\" ٣٠/ ٢٤٥، \"القرطبي\" ١٩/ ١٢٧، \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٤٨٥، \"الدر المنثور\" ٨/ ٣٧١ وعزاه إلى ابن المنذر.\n(٥) \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٣٣٦، \"جامع البيان\" ٢٩/ ٢١٠، \"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٤/ ب، معالم التنزيل: ٤/ ٤٢٨، \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤١٠، \"زاد المسير\" ٨/ ١٤٦، \"التفسير الكبير\" ٣٠/ ٢٤٥، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ١٢٧.\n(٦) وممن قال بنسخ إطعام الأسير من المشركين بآية السيف: هبة الله بن سلامة؛ قال: \"ويطعمون الطعام على حبه مسكينًا ويتيمًا\" هذا محكم في أهل القبلة، \"وأسيرًا\" \"هذا منسوخ بآية السيف، وهو من غير أهل القبلة، وهم المشركون\". الناسخ والمنسوخ: ١٩١. وقد وضح محقق كتاب الناسخ والمنسوخ: لهبة الله أن مراد المؤلف بالمنسوخ في الآية هو عدم قتل الأسير الكافر، أما إطعامه فلا خلاف في أنه محكم. وممن قال بنسخ الآية أيضًا بآية السيف: ابن البارزي في: ناسخ القرآن ومنسوخه: ٥٦. وقد رد دعوى النسخ ابن الجزري في \"نواسخ القرآن\" ٢٥٠، =","vol":"23","page":29},{"text":"قال أهل العلم (١): هذه الآية تدل على أن إطعام الأسرى (٢)، وإن كانوا من غير أهل ملتنا حسن يرجى ثوابه، فأما فريضة الكفارات، (والزكوات) (٣)، فلا يجوز وضعها في فقراء المشركين، وأسراهم.\nوفي الأسير قولان (آخران) (٤):\nأحدهما: أن المسجون من أهل القبلة، وهو قول مجاهد (٥)، وعطاء (٦)، وسعيد بن جبير (٧)، وروي ذلك مرفوعًا من طريق أبي (سعيد) (٨) الخدري أن النبي -ﷺ- قال في قوله: ﴿مِسْكِينًا﴾: فقيرًا،\n_________\n= وبين أن الأسير يقتل، ولا يفادى، وأما إطعامه فقال: ففيه ثواب بالإجماع والآية محمولة على التطوع بالإطعام، فأما القرض فلا يجوز صرفه إلى الكفار.\n(١) قال بذلك الجصاص في: \"أحكام القرآن\" ٣/ ٤٧١، وابن العربي في: \"أحكام القرآن\" ٤/ ١٨٩٨، والقرطبي في: \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ١٢٧. قال الإمام النووي في \"المجموع\": \"ولا يجوز دفع شيء من الزكوات إلى كافرة سواء زكاة فطر وزكاة المال، وهذا لا خلاف فيه عندنا\" ٦/ ٢٢٨.\n(٢) في (ع): الأسارى\n(٣) ساقطة من (أ).\n(٤) ساقطة من (أ).\n(٥) \"جامع البيان\" ١٩/ ٢١٠، \"الكشف والبيان\" ١٣: ١٤/ ب، \"النكت والعيون\" ٦/ ١٦٦، معالم التنزيل: ٤/ ٤٢٨، \" المحرر الوجيز\" ٥/ ٤١٠، \"زاد المسير\" ٨/ ١٤٦، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ١٢٧.\n(٦) المراجع السابقة عدا: \"النكت والعيون\"، وانظر أيضًا: \"الدر المنثور\" ٨/ ٣٧١ وعزاه إلى ابن أبي شيبة.\n(٧) المراجع السابقة.\n(٨) ساقط من (ع).","vol":"23","page":30},{"text":"﴿وَيَتِيمًا﴾ لا أب له، ﴿وَأَسِيرًا﴾ قال: المملوك والمسجون (١).\nالقول الثاني: أن المراد بالأسير: المرأة، وهن أسرى (٢) عند الأزواج، يدل عليه الحديث: \"اتقوا الله في النساء فإنهن عندكم عوان\" (٣)، وهو قول الثمالي (٤).\nقال ابن عباس في رواية عطاء: وذلك أن عليًا ﵁ أجر نفسه يسقي نخلًا بشيء من شعير ليلة حتى أصبح، فلما أصبح (٥) وقبض الشعير طحن ثلاثة، فجعلوا منه شيئًا ليأكلوه، يقال له: الخَزيرَة (٦)، فلما تم\n_________\n(١) ورد الحديث في: \"حلية الأولياء\" ٥/ ١٠٥، وقال عنه أبو نعيم: غريب من حديث عمرو، تفرد به عباد عن عمه. كما ورد في: \"التفسير الكبير\" ٣/ ٢٤٥، \"الدر المنثور\" ٨/ ٣٧١ وعزاه إلى ابن مردويه، وأبو نعيم.\n(٢) في (أ): أسروا.\n(٣) الحديث أخرجه ابن ماجه ١/ ٣٤١ ح ١٨٥٦ من طريق سليمان بن عمرو بن الأحوص عن أبيه: أبواب النكاح: حق المرأة على الزواج. كما أخرجه الترمذي ٣/ ٤٥٨، ح: ١١٦٣، كتاب الرضاع: باب ١١، وقال عنه أيضًا: حديث حسن صحيح، كما أخرجه أيضًا في كتاب التفسير: ٥/ ٢٧٤: ح: ٣٠٨٧: باب ١٠، وقال عنه أيضًا: حديث حسن صحيح. وقد حسنه الألباني. انظر: \"صحيح سنن ابن ماجه\" ١/ ٣١١، ح: ١٥٠١، باب ٣.\nعوان: جمع عانية، والعاني: الأسير. انظر: \"تحفة الأحوذي\" المباركفوري: ٤/ ٢٧٣: كتاب الرضاع: باب ١١.\n(٤) \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤١١، \"زاد المسير\" ٨/ ١٤٦، \"الجامع\" للقرطبي ١٩/ ١٢٧.\n(٥) في (أ): الصبح.\n(٦) الخزيرة: لحم يقطع صغارًا، ويصب عليه ماء كثير، فإذا نضج ذُرَّ عليه الدقيق، فإن لم يكن فيها لحم فهي عصيدة، وقيل: هي حسًا من دقيق ودَسم، وقيل: إذا كان من دقيق فهي حَريرة، وإذا كان من نُخالة فهو خزيرة. انظر: \"النهاية في غريب الحديث والأثر\" ٢/ ٢٨ باب الخاء مع الزاي.","vol":"23","page":31},{"text":"نضاجه (١) أتى مسكين، فأخرجوا إليه الطعام، ثم عملا الثلث الثاني، فلما تم نضاجه أتى يتيم، (فسأل، فأطعموه) (٢)، (فأخرجوا له الطعام) (٣)، ثم عملا الثلث الباقي، فلما تم نضاجه (٤) أتى أسير من المشركين، فسأله، فأطعموه، وطووا يومهم ذلك (٥).\n_________\n(١) في (ع): إنضاجه. وكذا التي في السطر التالي.\n(٢) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٣) ما بين القوسين ساقط من (ع).\n(٤) في (ع): إنضاجه.\n(٥) وردت الرواية مطولة في: \"الكشف والبيان\" ١٣: من ورقة: ١٦ إلى ورقة ١٩ عند تفسيره لقوله: \"يوفون بالنذر ويخافون يومًا كان شره مستطيرًا\"، وانظر معالم التنزيل: ٤/ ٤٢٨، وذكرت أيضًا مطولة بمعناها في: الكشاف: ٥/ ١٦٩، وفي \"التفسير الكبير\" ٣٠/ ٢٤٤، وفي الجامع لأحكام القرآن: ١٩/ ١٣١ - ١٣٢. وقد رد القرطبي هذه الرواية وأمثالها مما روي عن علي وفاطمة -﵄-، ووصفها بأنها من أحاديث السجون التي يعمد أصحابها إلى السهر بكتابة مثل هذه الروايات، وهم في سجونهم، كما بين أن الروايات المطولة بزيادات وأشعار عن علي وفاطمة -﵄- فيها ما يبين كذبها وبطلانها. وقد ذكرت أيضًا في: أسباب النزول: ٣٧٨، وقد أوردها الماوردي عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿جَنَّةً وَحَرِيرًا﴾. \"النكت والعيون\" ٦/ ١٦٨. وقال ابن حجر: رواه الثعلبي من رواية القاسم بن بهرام، عن ليث بن أبي سليم، عن مجاهد، عن ابن عباس، ومن رواية الكلبي عن أبي صالح، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ الآية. فذكر تمامه، وزاد في أثنائه أشعارًا لعلي وفاطمة. قال الحكيم الترمذي: ومن الأحاديث التي تنكرها القلوب، حديث رووه عن مجاهد، عن ابن عباس، فذكره بشعره، ثم قال: هذا حديث مزوق مفتعل، لا يروج إلا على أحمق جاهل. ورواه ابن الجوزي في: الموضوعات من طريق أبي عبد الله السمرقندي، عن محمد بن كثير، عن الأصبغ بن نباتة، ثم قال: وهذا لا شك في وضعه. انظر: \"الكافي الشاف\" ١٨٠. كما فند هذه الرواية بالحجة والبرهان محققا \"الوسيط\" ٤/ ٤٠١.","vol":"23","page":32},{"text":"قول تعالي: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ﴾ قال مجاهد: أما إنهم لم يتكلموا به، ولكن علمه الله من قلوبهم، فأثنى به عليهم ليرغب فيه راغب (١).\nوقال الكلبي: لم يتكلم أهل هذه الصدقة، ولكن عرف (الله) (٢) نياتهم، فأظهر فعالهم (٣).\nوقال عطاء عن ابن عباس: إن الله تعالى أثنى عليهم بما علم من نياتهم، فذكر ما أتوا به؛ ولأن اليتيم والمسكين (٤) والأسير لم يكن عندهم جزاء، ولا مكافأة، ولا شكر، ولكن الله تعالى قبل اليسير الذي فعلوه، وشكره، وعلم من نياتهم أنهم فعلوا ذلك خوفًا من الله ﷿، ورجاء ثوابه (٥).\nوقال الأخفش في قوله: (شكورًا): إن شئت جعلته (جماعة الشُّكْر، مثل: برد وبرود، وإن شئت جعلته) (٦) مصدرًا واحدًا في معنى جمع (٧)، مثل: القعود (٨)، والخروج (٩)، (ونحو هذا قال في: (الكفور) في قوله:\n_________\n(١) \"جامع البيان\" ٢٩/ ٢١١، \"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٤/ ب، \"النكت والعيون\" ٦/ ١٦٧، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٢٨، \"زاد المسير\" ٨/ ١٤٦، \"البحر المحيط\" ٨/ ٣٩٥.\n(٢) ساقطة من (أ).\n(٣) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٤) في (ع) اليتيم والمسكين.\n(٥) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٦) ما بين القوسين ساقطة من (أ).\n(٧) في (ع): جميع.\n(٨) في (ع): العقود.\n(٩) \"معاني القرآن\" ٢/ ٧٢٢ بتصرف.","vol":"23","page":33},{"text":"﴿فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلَّا كُفُورًا﴾ [الإسراء: ٩٩]) (١).\nقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا﴾ قال الكلبي (٢)، ومقاتل (٣): تعبس (٤) الوجوه من هول ذلك اليوم وشدته، فلا تنبسط.\nقال ابن قتيبة: جعل (عبوسًا) من صفة ذلك اليوم، والمعنى: أن الوجوه تعبس في ذلك اليوم، كما يقال: يوم عاصف، أي ذو عصوف (٥). كذلك المعنى -هاهنا- ذو (٦) عبوس (٧) فيه.\nوقوله: ﴿قَمْطَرِيرًا﴾ قال مجاهد: تقبض الوجوه بالشرور (٨). ونحو هذا قال مقاتل (٩)، وقتادة (١٠): تقبض الجباه، وما بين العينين من شدته، (وهو\n_________\n(١) ما بين القوسين لم يرد عند الأخفش في معانيه. المرجع السابق.\n(٢) بمعناه في: \"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٥/ أ، ومعالم التنزيل: ٤/ ٤٢٩.\n(٣) بمعناه في: \"تفسير مقاتل\" ٢٢٠/ أ، \"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٥/ أ.\n(٤) في (أ): تعبيس.\n(٥) \"تفسير غريب القرآن\" ٥٠٢ بيسير من التصرف.\n(٦) في (أ): ذوا.\n(٧) قال ابن منظور: عَبَس يَعْبِس عَبْسًا، وعَبس: قطب ما بين عينيه، ويوم عابس وعَبُوس: شديد. انظر: \"لسان العرب\" ٦/ ١٢٨: مادة: (عبس). وقال ابن فارس: عبس: أصل يدل على تكرُّه في شيء، وأصل العَبَس: ما يبس على هُلْب الذنب من بَعر وغيره، وهو من الإبل كالوَذج من الشاء، ثم اشتق من هذا: اليوم العَبوس، وهو الشديد الكريه، واشتق منه عبس الرجل يعبس عبوسًا، وهو عابس الوجه: غضبان. انظر: \"مقاييس اللغة\" ٤/ ٢١٠ - ٢١٢ مادة: (عبس).\n(٨) \"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٥/ أ.\n(٩) بمعناه في \"تفسير مقاتل\" ٢٢٠/ أ، \"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٥/ أ، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٢٩، \"زاد المسير\" ٨/ ١٤٦.\n(١٠) المراجع السابقة عدا \"زاد المسير\"، وانظر: \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٣٣٧.","vol":"23","page":34},{"text":"قول ابن عباس (١) في رواية عَنْتَرَة) (٢).\nقال أبو إسحاق: جاء في التفسير أن (قمطريرًا) معناه: تُعَبّسُ الوجوه، فيجمع ما بين العينين، قال: وهذا سائغ في اللغة، يقال: اقمطرت الناقة إذا رفعتْ ذنبها، وجَمَعَتْ قَطْريها، ورَمَت بأنْفها (٣)، يعني أن معنى اقمطر في اللغة: جمع (٤).\nوقال أبو عبيد: رجل قمطرير: منقبض ما بين العينين، وقد اقمطرّ (٥).\nوقال الكلبي: قمطريرًا يعني: شديدًا (٦).\n\nوهو قول (الفراء (٧)، وأبي عبيدة (٨)، والمبرد (٩)، وابن قتيبة) (١٠) <span data-type=\"title\" id=toc-4733>(١١)</span>، قالوا: يوم قمطرير، وقماطر، إذا كان صعبًا شديدًا أشد ما يكون من الأيام، وأطوله في النبلاء. وهذا معنى، والتفسير هو الأول.\n١١ - قوله تعالى: ﴿فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا﴾\n_________\n(١) \"جامع البيان\" ٢٩/ ٢١١ - ٢١٢.\n(٢) ما بين القوسين ساقطة من (أ).\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٥٩ بنصه.\n(٤) ورد عن أبي عبيدة بنحو من ذلك، فقد جاء عنه في: \"الصحاح\" المُقْمَطِرُّ: المجتمع. ٢/ ٧٩٧: (قمطر).\n(٥) \"تهذيب اللغة\" ٩/ ٤٠٨: (قمطر).\n(٦) \"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٥/ أ، \"البغوي\" ٤/ ٤٢٩، \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤١١.\n(٧) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢١٦.\n(٨) \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٧٩.\n(٩) \"التفسر الكبير\" ٣/ ٢٤٧.\n(١٠) \"تفسير غريب القرآن\" ٥٠٢.\n(١١) ما بين القوسين ورد بدلًا عنه في نسخة (أ) وهو قول جماعة.","vol":"23","page":35},{"text":"قال مقاتل: يعني الْحُسن، والبياض، والنور في الوجوه، وسرورًا لا انقطاع له، ولا يصفه واصف (١).\nقاله الكلبي (٢). ومعنى (النضرة) قد مر عند قوله: ﴿ناضرة﴾ [القيامة: ٢٢].\n﴿وَلَقَّاهُمْ﴾ من قوله: ﴿وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً﴾ (٣) وقد مر.\n﴿وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا﴾ أي في الدنيا على طاعة الله واجتناب معاصيه، ومقاساة الشدائد. ﴿جَنَّةً﴾ فيها قصور الدر والياقوت.\n﴿وَحَرِيرًا﴾ يعني لباس أهل الجنة الذي لا يصفه الواصفون. (قاله ابن عباس) (٤) (٥).\nقوله تعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا﴾ قال الأخفش (٦)، والزجاج (٧): نصب\n_________\n(١) بمعناه في: \"تفسير مقاتل\" ٢٢٠/ أ، وقد ورد بمثله مختصرًا في: \"الوسيط\" ٤/ ٤٠٢ من غير عزو.\n(٢) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٣) سورة الفرقان: ٧٥. وقد جاء في تفسيرها: \"وقوله: ﴿وَيُلَقَّوْنَ﴾ قرئ بالتشديد والتخفيف، فمن شدد فحجته قوله: ﴿وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً﴾، ومن خفف فحجته قوله: ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ وقال الفراء: التخفيف أعجب إلى؛ لأن القراءة لو كانت على التشديد كانت بـ\"الياء\"؛ لأنك تقول: فلان يُتلقّى بالسّلام والخير. وهذا الذي قاله ينتقض بقوله: \"ولقاهم نضرة\" لأنه يعتبر الباء على أنه قال: وكل صواب يُلقَّوْنه، وُيلَقَّوْن به\".\n(٤) لم أعثر على مصدر لقوله، وورد بمثله مختصرًا في \"الوسيط\" من غير عزو ٤/ ٤٠٢.\n(٥) ما بين القوسين ساقط من ع.\n(٦) \"معاني القرآن\" ٢/ ٧٢٣.\n(٧) معاني القرآن وإعرابه: ٥/ ٢٥٩.","vol":"23","page":36},{"text":"متكئين على الحال، المعنى: وجزاهم [جنة] (١) في حال اتكائهم، كما تقول: جزاهم ذلك قيامًا.\nقال الأخفش: وقد يكون على المدح (٢).\nو﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ﴾ مفسر في سورة الكهف (٣).\nوقوله تعالى: ﴿لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا﴾ قال ابن عباس: لا يجدون الحر والبرد (٤).\nوقال الكلبي: لا يرون شمسًا كشمس أهل الدنيا؛ ولا بردًا يحرق كما يحرق النار (٥).\nقال مقاتل: يعني (شمسًا) (٦) يؤذيهم حرها، ولا زمهريرًا يؤذيهم\n_________\n(١) ساقطة من نسخة: أ، وفراغ في نسخة: ع، والمثبت من معاني القرآن وإعرابه للزجاج، ومن معاني القرآن للأخفش. المرجعان السابقان ..\n(٢) \"معاني القرآن\" ٢/ ٧٢٣.\n(٣) سورة الكهف: ٣١. قال الإمام الواحدي عند تفسير قوله تعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ﴾ الاتكاء: التحامل على الشيء نحو: التوكؤ، ومنه قوله تعالى: ﴿هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا﴾ [طه: ١٨] والأرائك: جمع أريكة، وهو سرير حجلة قال ابن عباس، ومجاهد: الأرائك: السرر في الحجال، وهي من ذهب مكللة بالدر والياقوت\".\nوالحِجال: هي الحَجَلة، والجمع: حَجَل، وحِجال: هو بيت كالقُبة يستر بالثياب. انظر: \"لسان العرب\" ١١/ ١٤٤: مادة: (حجل).\n(٤) لم أعثر على مصدر لقوله، وقد ورد مثل قوله في: \"الوسيط\" من غير عزو: ٤/ ٤٠٢.\n(٥) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٦) ساقطة من (أ).","vol":"23","page":37},{"text":"برده، لأنهما يؤذيان في الدنيا (١). وهو قول ابن مسعود (٢)، ومجاهد (٣)، (ومقاتل بن حيان) (٤) (٥)، وقتادة (٦)، والجميع (٧) قالوا: الزمهرير: البرد\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ٢٢٠/ ب، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٢٩.\n(٢) \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ١٣٦.\n(٣) \"جامع البيان\" ٢٩/ ٢١٤، \"الدر المنثور\" ٨/ ٣٧٣ وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.\n(٤) لم أعثر على مصدر لقوله، وبمعناه ورد في: \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ١٣٦. وهو: مقاتل بن حيان بن النبطيِّ، أبو بِسْطام البَلْخي الخراز؛ مولى بكر بن وائل، روى عن الحسن البصري، والربيع بن أنس، وروى عنه إبراهيم بن أدهم، صدوق، فاضل، مات قبل الخمسين بأرض الهند، روى له الجماعة سوى البخاري. انظر: \"الطبقات الكبرى\" ٧/ ٣٧٤، \"تهذيب الكمال\" ٢٨/ ٤٣٠: ت: ٦١٦٠، \"تقريب التهذيب\" ٢/ ٢٧٢: ت: ١٣٤٦.\n(٥) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٦) \"جامع البيان\" ٢٩/ ٢١٤ بنحوه، \"الدر المنثور\" ٨/ ٣٧٢ - ٣٧٣ وعزاه إلى عبد بن حميد.\n(٧) وممن قال بذلك: عكرمة، انظر: \"النكت والعيون\" ٦/ ١٦٩، \"الدر المنثور\" ٨/ ٣٧٣ وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر. وبه قال أيضًا: الطبري في: \"جامع البيان\" ٢٩/ ٢١٣، السجستاني في: \"نزهة القلوب\" ٢٥٧، مكي بن أبي طالب في: العمدة في \"غريب القرآن\" ٣٢٧. وإليه ذهب أصحاب الكتب الآتية: معالم التنزيل: ٤/ ٤٢٩، \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤١١، زاد المسير: ٨/ ١٤٧، \"لباب التأويل\" ٤/ ٣٤٠. وذكر قولًا آخر مخالفًا -وهو بعيد-، قيل: إن الزمهرير اسم القمر بالنبطية، قاله ثعلب، وقيل: هي بلغة حميرية انظر: \"النكت والعيون\" ٦/ ١٦٩، \"زاد المسير\" ٨/ ١٤٧، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ١٣٦، \"نفس الصباح\" ٢/ ٧٥٢. وجاء تفصيل معنى الزمهرير بالقمر: \"هو كناية عن الفناء؛ لأن الفناء لا يوجد إلا مع تعاقب الشمس والقمر، واختلاف ليلهما ونهارهما، وفي حسابهما علامة على انقضاء الآجال، ونفاذ الأعمار، فوصف تعالى حالهم في =","vol":"23","page":38},{"text":"الشديد. (ونحو ذلك قال أهل العربية) (١)، قال الليث: الزمهرير: شِدة البرد، قد ازمهر البرد ازمهرارًا، فهو مزمهر (٢).\nوقال المبرد: (هو إفراط البرد، وأنشد (٣) للأعشى (٤):\nمُبتَلَّةُ الخَلْق مثلُ المهاة ... لم تَرَ شمسًا ولا زَمْهَريرا (٥) (٦)\nقوله تعالى: ﴿وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا﴾ ذكر الأخفش (٧)، والفراء (٨)، والكسائي (٩)، (والزجاج) (١٠) (١١) في نصب (ودانية) وجهين:\nأحدهما: الحال بالعطف على قوله (متكئين) كما تقول: في الدارة عبيد الله متكئًا. ومرسله عليه الحجال؛ لأنه حين قال عليهم رجع إلى\n_________\n= الحياة الباقية في الجنة أنهم لا يرون فيها فناء، وكنى عن الفناء بالشمس والقمر لما تقدم آنفًا\". نفس الصباح: ٢/ ٧٥٢. من هذا: يتبين لي أن ما قرره الإمام الواحدي من أن الجميع ذهب إلى القول إن زمهريرًا شدة البرد هو الصواب، وما وجد من مخالف، فقوله ضعيف، وبعيد، لا يعتد به.\n(١) ما بين القوسين ساقطة من (أ).\n(٢) تهذيب اللغة: ٦/ ٥٢٤: مادة: (زمهر؛ بزيادة: مزمهر).\n(٣) في (ع). أنشدوا.\n(٤) في (ع). لأعشى.\n(٥) ديوانه: ٨٦ ط دار صادر، تهذيب اللغة: ١٤/ ٢٩٢: مادة: (زمهر)، \"لسان العرب\" ٤/ ٣٣٠: مادة: (زمهر) \"تاج العروس\" ٣/ ٣٤٣: مادة: (زمهر)، وجاء في: اللسان والتاج رواية: من القاصرات سُجُوفَ الحِجال.\n(٦) لم أعثر على مصدر لقول المبرد.\n(٧) \"معاني القرآن\" ٢/ ٧٢٣.\n(٨) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢١٦.\n(٩) \"التفسير الكبير\" ٣٠/ ٢٤٨.\n(١٠) معاني القرآن وإعرابه: ٥/ ٢٥٩.\n(١١) ساقطة من (أ).","vol":"23","page":39},{"text":"ذكرهم. الوجه الثاني: أن تكون (دانية) نعتًا للجنة.\nالمعنى: وجزاهم جنة دانية، وعلى هذا هي صفة لموصوف محذوف، كأنه قيل: وجزاهم بما صبروا جنة وحريرًا، وجنة دانية عليهم ظلالها.\nقال أبو الفتح: الوجه أن يكون قوله: (ودانية) منصوبة على الحال، معطوفة على قوله: (متكئين)، وهذا هو القول الذي لا ضرورة فيه (١).\nقال (مقاتل) (٢): يعني: شجرها قربت منهم، فإن كان الرجل قائمًا تطاولت الشجرة، وإن كان جالسًا، أو متكئًا انخفضت ولانت لهم (٣)، فذلك قوله: ﴿وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا﴾. قال ابن عباس: إذا همّ أن يتناول (٤) من ثمارها تذللت إليه حتى يتناول منها ما يريد (٥).\nوقال البراء بن عازب: ذللت لهم فيها يتناولون فيها كيف شاؤوا (٦).\nوقال مجاهد: من أكل قائمًا لم يؤذه، ومن أكل جالسًا لم يؤذه، ومن أكل مضطجعًا لم يؤذه (٧).\n_________\n(١) \"سر صناعة الإعراب\" ١/ ١٨٤ بيسير من التصرف.\n(٢) ما بين القوسين جاء بدلًا منه في (أ): يقال.\n(٣) بمعناه في: \"تفسير مقاتل\" ٢٢٠/ ب.\n(٤) بياض في (ع).\n(٥) \"زاد المسير\" ٨/ ١٤٧، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ١٣٧.\n(٦) \"التفسير الكبير\" ٣٠/ ٢٤٨، \"الدر المنثور\" ٨/ ٣٧٤ وعزاه إلى الفريابي، وسعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وهناد بن السري، وعبد بن حميد، وعبد الله بن أحمد في \"زوائد الزهد\"، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي في \"البعث\". وانظر: \"المستدرك\" ٢/ ٥١١، كتاب التفسير: تفسير سورة المدثر، وصححه، وسكت عنه الذهبي.\n(٧) بمعناه في: \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤١٢، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ١٣٧.","vol":"23","page":40},{"text":"والمعنى: قريب منهم مذللة (١) لهم، كيف شاؤوا كقوله تعالى: ﴿قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ﴾، ومعنى تذليل القطوف تسهيل تناوله، (وأهل المدينة يقولون: ذُلَّل النخلُ أي: [سوى] (٢) عذوقُه) (٣)، وأخرجها من السعف حتى يسهل تناوله (٤). وقال ابن قتيبة: معنى (وذللت) أدنيت منهم، من قوله: حائط ذليل إذا كانت قصير السَّمْك (٥).\nقوله تعالى: ﴿قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ﴾ (٦) قال ابن عباس: يريد أن فضة الجنة يُرى ظاهرها من باطنها (٧).\nوقال الكلبي: (إن) (٨) الله تعالى جعل قوارير أهل الجنة من فضة، فاجتمع لها بياض الفضة، وصفاء القوارير (٩).\n(وقال الشعبي: صفاؤها صفاء القوارير، وهي من فضة (١٠)، ونحو\n_________\n(١) في (أ): مدا لله.\n(٢) في كلا النسختين: سو، والمثبت من \"تفسير غريب القرآن\" ٥٠٣.\n(٣) ما بين القوسين نقله عن ابن قتيبة. المرجع السابق.\n(٤) من قوله: ومعنى تذليل القطوف، إلى: حتى يسهل تناوله. انظر: \"لسان العرب\" ١١/ ٢٥٨ (ذلل).\n(٥) \"تفسير غريب القرآن\" ٥٠٣ بنصه.\n(٦) في كلا النسختين: قوارير.\n(٧) ورد بمعناه في: \"الكشف والبيان\" ١٢: ٢٠/ أ، \"الدر المنثور\" ٨/ ٣٧٥ وعزاه إلى ابن المنذر، وسعيد بن منصور، وعبد الرزاق، ولم أجده في تفسيره، وانظر كتاب \"البعث والنشور\" للبيهقي: ٢٠١، رقم: ٣١٢.\n(٨) ساقطة من (أ).\n(٩) لم أعثر على مصدر لقوله، وقد ورد مثله من غير عزو في: \"الوسيط\" ٤/ ٤٠٣.\n(١٠) \"النكت والعيون\" ٦/ ١٧٠، \"الدر المنثور\" ٨/ ٣٧٥ وعزاه إلى عبد بن حميد.","vol":"23","page":41},{"text":"هذا قال مجاهد (١)، ومقاتل (٢)، وقتادة (٣)، والجميع) (٤) (٥).\nقال أبو إسحاق: القوارير التي في الدنيا من الرمل، فأعلم الله (﷿) (٦) أن فضل تلك القوارير أن أصلها من فضة؛ يُرى من خارجها ما في باطنها (٧).\nقال ابن قتيبة: (إن كل ما في الجنة من آلاتها، وسرُرها (٨) وفُرُشها، وأكوابها مخالف لما في الدنيا من صنعة العباد.\nقال ابن عباس: ليس في الدنيا شيء مما في الجنة إلا الأسماء، والأكواب في الدنيا قد تكون من فضة، وتكون من قوارير، فأعلمنا الله أن هناك أكوابًا لها بياض الفضة، وصفاء القوارير (٩).\nقال (١٠) وهذا على التشبيه، أراد قوارير كأنها من فضة كما تقول:\n_________\n(١) \"جامع البيان\" ٢٩/ ٢١٥، ٢١٧.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ٢٢٢/ أ.\n(٣) \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٣٣٧، \"جامع البيان\" ٢٩/ ٢١٥، وبمعناه في: \"الدر المنثور\" ٨/ ٣٧٥ وعزاه إلى ابن المنذر.\n(٤) قال به الحسن، انظر: \"جامع البيان\" ٢٩/ ٢١٥ - ٢١٦، وعزاه صاحب \"كشف البيان\" إلى المفسرين: ١٣: ٢٠/ أ، وحكاه أيضًا عن المفسرين البغوي في: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٣٠، وبه قال أيضًا الفراء في \"معاني القرآن\" ٣/ ٢١٧.\n(٥) ما بين القوسين ساقطة من (أ).\n(٦) ساقطة من (ع).\n(٧) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٦٠ بيسير من التصرف.\n(٨) في (أ): سرورها.\n(٩) جاء عنه مختصرًا في: \"جامع البيان\" ٢٩/ ٢١٥، \"بحر العلوم\" ٣/ ٤٣٢، \"زاد المسير\" ٨/ ١٤٨.\n(١٠) أي ابن قتيبة.","vol":"23","page":42},{"text":"أتانا بشراب من نور، أي كأنه (١) نور، وهذا كقوله: ﴿كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ﴾ [الرحمن: ٥٨]، أي لهن لون المرجان في صفاء الياقوت (٢) (٣).\nوهذا الذي ذكره ابن قتيبة غير ما ذكره المفسرون؛ لأنهم جعلوها من فضة صافية، وهو يقول. هي قوارير كأنها من فضة (صافية) (٤) لصفاء نورها (٥).\nوقوله: ﴿قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا﴾ على قدْرِ رِيِّهِم، لا يزيد ولا ينقص من الري، ليكون ألذَّ لشربهم (٦). (هذا معنى قول جماعة من المفسرين (٧) (٨).\nوقال الفراء: يقول قدروها على رِي أحدهم لا فضل فيه، ولا عجز عن ريه، وهو ألذ الشراب (٩).\nوقال الزجاج: جعلوا الإناء على قدر ما يحتاجون إليه وُيرِيدُونَه (١٠).\nوقال أبو عبيدة: يكون التقدير: الذين يسقونهم يقدرونها، ثم\n_________\n(١) في (ع) من، وهي زيادة على النص الأصلي لابن قتيبة، ولا يصلح الكلام بإثباتها.\n(٢) من قوله: وهذا كقوله: كأنهن الياقوت إلى آخر الكلام نسبه ابن قتيبة في: تأويل مشكل القرآن: ٨١ إلى قتادة.\n(٣) ما بين القوسين من قول ابن قتيبة في \"تأويل مشكل القرآن\" ٨٠ - ٨١ بتصرف يسير.\n(٤) ما بين القوسين ساقطة من (ع).\n(٥) في (ع): لونها.\n(٦) في (أ): من شربهم.\n(٧) منهم: الحسن، وسعيد، ومجاهد، وقتادة، وابن زيد، والكلبي، ومقاتل. انظر: \"تفسير مقاتل\" ٢٢٢/ أ، \"جامع البيان\" ٢٩/ ٢١٧، \"النكت والعيون\" ٦/ ١٧٠.\n(٨) ما بين القوسين ساقطة من (أ).\n(٩) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢١٧.\n(١٠) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٦٠ بتصرف يسير.","vol":"23","page":43},{"text":"يسقون (١)، يعني: (أن الضمير في [(قدروها)] (٢) للملائكة، وللخدم، وللخُزَّان.\nومن قرأ (قُدِّرُوها) (٣) بضم القاف (٤)، اجتمع في قراءته: القلب، والحذف، أما القلب، فإنه أراد: قدرت الأكواب التي يسقى بها، فقلب التقدير إلى الذين يسقون كما قال:\nلا تحسبَنَّ دراهمًا سَرِقْتَها ... تمحو مخازيك التي بعُمانِ (٥)\nوإنما سرقته الدراهم، لا هو يسرقها، وقد قال: سرقتها، ومثله ما حكاه أبو زيد: إذا طلعت الجَوْزاء [انتصب] (٦) في العود الحِرْباء (٧) (٨).\n_________\n(١) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٢) في كلا النسختين: قدروا، والمثبت من \"الحجة\" ٦/ ٣٥٣.\n(٣) في (ع): قدروهم.\n(٤) قرأ بذلك: الشعبي، وقتادة، وابن أبزى، وعلي، والجحدري، وابن عباس، وعبيد بن عمير، وابن سيرين، وأبو عبد الرحمن. انظر: \"جامع البيان\" ٢٩/ ٢١٧، \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤١٢، \"زاد المسير\" ٨/ ١٤٨، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ١٣٩، \"البحر المحيط\" ٨/ ٣٩٧. وهي قراءة شاذة لعدم صحة سندها؛ ولعدم ذكرها في كتب المتواتر من القراءات، كما حكم عليها الشوكاني بأنها شاذة في: \"فتح القدير\" ٥/ ٣٥٠.\n(٥) البيت للفرزدق من أبيات يهجو بها جديلة بن سعيد بن قبيصة الأزدي. انظر: ديوانه: ٢/ ٨٦٨. ورد البيت في: ديوانه برواية: \"دراهمًا أعطيتها\"، وانظر: \"لسان العرب\" ١٠/ ١٥٦: مادة: (سرق).\n(٦) ما بين المعقوفين ساقط من النسختين، والمثبت من مصدر القول.\n(٧) كتاب \"النوادر في اللغة\" لأبي زيد: ٤٠٩.\n(٨) الحِرباء: قيل هي دُويبة نحو العظاءة، أو أكبر، يستقبل الشمس برأسه، ويكون معها كيف دارت، يقال إنما يفعل ذلك ليقي جسده برأسه، ويتلون ألوانًا بحر الشمس. =","vol":"23","page":44},{"text":"والقلب كثير في الكلام، وأما الحذف فإن المعنى يكون: قُدِّروا عليها، فلما حذف الحرف وصل الفعل) (١)، والكناية للأكواب، وتقدير اللفظ: قدر المُسقيُّون على الأكواب.\nوالمعنى: قدرت الأكواب عليهم، أي على ريهم، فحذف وقلب، (وهذه قراءة الشعبي) (٢) (٣).\nوقال القرظي في قوله: (قدروها تقديرًا) كانت كما يشتهون (٤).\nوهذا يحتمل أنه أراد: كانت الأكواب كما يشتهون في أنها تسع لريهم (كما ذكر المفسرون) (٥).\nويحتمل أنه أراد: أنها كانت قدر (٦) مُلء (٧) الكف، لم تعظم فيثقل حملها، فكانت كما يشتهون. وهذا قول الربيع (٨).\n﴿كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا﴾ قال أبو إسحاق: والعرب تصف لهم طعم\n_________\n= انظر: \"لسان العرب\" ١/ ٣٠٧: مادة: (حرب)، وذكر هذا المثل في: \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤١٢.\n(١) ما بين القوسين نقله الواحدي عن أبي علي من الحجة: ٦/ ٣٥٣ - ٣٥٤ بتصرف.\n(٢) ورد قوله في: \"جامع البيان\" ٢٩/ ٢١٧، \"الكشف والبيان\" ١٣: ١٢٠/ أ، \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤١٢، \"الدر المنثور\" ٨/ ٣٧٤ وعزاه إلى عبد بن حميد.\n(٣) ما بين القوسين ساقطة من (أ).\n(٤) لم أعثر على مصدر لقوله، وقد ورد بمثله في: \"الوسيط\" ٤/ ٤٠٣ معزوًا إلى القرطبي، ولعله تصحيف، والمراد به القرظي، والله أعلم.\n(٥) ما بين القوسين ساقطة من (أ).\n(٦) في (أ): قد.\n(٧) في (أ): ميل.\n(٨) بمعناه في: \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤١٢، \"التفسير الكبير\" ٣٠/ ٢٥٠، \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٤٨٦.","vol":"23","page":45},{"text":"الزنجبيل، وهو مستطاب عندهم (جدًا) (١).\nوأنشد للأعشى:\nكأنَّ القَرُنْفُلَ والزنجبيل ... بَاتا بفيْهَا وأرْيًا مَشُورا (٢) (٣)\nقال ابن عباس: وكل ما ذكر الله في القرآن مما في الجنة وسماه، ليس له مثل في الدنيا، ولكن الله تعالى سماه بالاسم الذي يُعرف (٤).\nقال مقاتل: لا يُشبه زنجبيل الدنيا (٥). (وتفسير هذا كتفسير قوله: ﴿كان مزاجها كافورًا﴾) (٦).\nقوله تعالى: ﴿عَيْنًا﴾ يجوز أن يكون بدلًا من قوله: (زنجبيلًا).\nوالمعنى: كان مزاجها: (عينًا)، وتلك العين لها طعم الزنجبيل.\nويجوز أن يكون المعنى: ويسقون عينًا. (ذكر ذلك الفراء (٧)، و) (٨) الزجاج (٩).\n_________\n(١) ساقطة من (أ).\n(٢) ورد البيت في: ديوانه: ٨٥ ط. دار صادر برواية: كأن جنيًا من الزنجبيل خالط فاها\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٦٠ بيسير من التصرف.\n(٤) معالم التنزيل: ٤/ ٤٣٠، \"التفسير الكبير\" ٣٠/ ٢٥٠.\n(٥) معالم التنزيل: ٤/ ٤٣٠، فتح القدير: ٥/ ٣٥١، وبمعناه في: \"تفسير مقاتل\" ٢٢٢/ أ، قال: يعني كأنما قد مزج فيه الزنجبيل.\n(٦) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٧) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢١٧، وعبارته: \"ذكر أن الزنجبيل هو العنب، وأن الزنجبيل اسم لها\".\n(٨) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٩) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٦٠ - ٢٦١.","vol":"23","page":46},{"text":"وقوله: ﴿تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا﴾. قال عكرمة (١)، (والكلبي) (٢) (٣): يعني يمزج الخمر بالزنجبيل، والزنجبيل من عين، تسمى تلك العين: سلسبيلًا.\nوعلى هذا: (سلسبيل: اسم تلك العين، وصرف لأنها رأس آية) (٤)، وصار كقوله: (الظنونا) (٥)، و(السبيلا) (٦)، وقد مر في هذه السورة (٧).\nقال ابن الأعرابي: لم أسمع السلسبيل إلا في القرآن (٨)، فعلى هذا لا يعرف له اشتقاق.\nوقال قتادة في قوله: (سلسبيلا) سلسة (٩) لهم، يصرفونها حيث شاؤوا (١٠).\nوقال مجاهد: سلسة السلسبيل: حديدة الجرية (١١)، وهو معنى قول\n_________\n(١) \"النكت والعيون\" ٦/ ١٧١، وعبارته: \"أنه اسم لها، قاله عكرمة\"، وبمعناه في: \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٤٨٧.\n(٢) لم أعثر على مصدر لقوله، وقد ورد بمثله في: \"الوسيط\" ٤/ ٤٠٣ من غير عزو.\n(٣) ساقطة من (أ).\n(٤) ما بين القوسين نقله عن الزجاج في: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٦١.\n(٥) سورة الأحزاب: ١٥.\n(٦) سورة الأحزاب: ٦٧.\n(٧) انظر الآية ٤ من هذه السورة\n(٨) انظر مادة (سلسل) في: تهذيب اللغة: ١٣/ ١٥٦، \"لسان العرب\" ١١/ ٣٤٤.\n(٩) في (أ): سلسلة.\n(١٠) \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٣٣٨، \"جامع البيان\" ٢٩/ ٢١٨، \"النكت والعيون\" ٦/ ١٧١، معالم التنزيل: ٤/ ٤٣٠، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ١٤١ بنحوه. وبمعناه في: \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٤٨٧، \"الدر المنثور\" ٨/ ٣٧٦ برواية: سلسلة، وعزاه إلى عبد بن حميد.\n(١١) المراجع السابقة \"عدا النكت والعيون\"، وانظر: \"زاد المسير\" ٨/ ١٤٩.","vol":"23","page":47},{"text":"أبي العالية (١)، والمقاتلين (٢)، قالوا: إنها تسيل عليهم في الطريق، وفي منازلهم (٣).\nوقال يمان: معنى سلسبيل: طيبة الطعم والمذاق (٤).\nقال أبو إسحاق: سلسبيل صفة لما كان (٥) في غاية السلاسة، فكأن العين والله أعلم سميت بصفتها (٦). فهذه ثلاثة أقوال:\nأحدها: أن سلسبيل اسم العين، ولا اشتقاق له، وكان الأصل لا يجري للتأنيث، والتعريف، ولكن أجري (٧) للتوفيق بين رؤوس الآي؛ ولأن أصل السماء كلها الإجراء، (وقد ذكرنا هذا) (٨).\nالثاني: أن معناه سلسلة السبيل.\nوالثالث: أنها سلسلة يتسلسل في الحلق.\n_________\n(١) \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٣٠، زاد المسير: ٨/ ١٤٩ \"حاشية، الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ١٤١. وانظر تفسير أبي العالية من أول سورة الإسراء إلى آخر القرآن: \"نورة الورثان\" ٢/ ٦٢١، رسالة ماجستير غير منشورة\n(٢) في (أ): المقاتلان.\n(٣) ورد بمعناه في: \"تفسير مقاتل بن سليمان\": ٢٢٢/ ب، قال: \"لأنه تسيل من جنة عدن، فتمر على كل جنة، ثم ترجع لهم الجنة كلها\". وانظر: \"بحر العلوم\" ٣/ ٤٣٢ عن أحدهما، \"النكت والعيون\" ٦/ ١٧١ عن أحدهما دون تعيين، معالم التنزيل: ٤/ ٤٣٠ عن ابن حيان، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ١٤١ عن ابن حيان.\n(٤) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٥) في (أ): لملَّكان.\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٦١ بنصه.\n(٧) غير مقروء في (ع).\n(٨) ما بين القوسين ساقط من (أ).","vol":"23","page":48},{"text":"وعلى هذين القولين: سلسبيل صفة سميت بها العين، واختار ابن الأنباري القول الثالث، وقال: الصواب في سلسبيل أنه صفة للماء لسلسه (١) وسهولة مدخله في الحلق، يقال: شراب سَلْس، وسِلْسَال، وسَلْسَبيل، إذا كان كذلك؛ إلا أنه قال: سلسبيل صفة للماء، وليس باسم العين، فقال: وغير منكر أن يقول تسمى، ثم يذكر الوصف يؤدي عن الاسم، واحتج على هذا بإجراء (٢) سلسبيل قال وإنما أجري؛ لأنه وصف للماء، ولو كان اسمًا للعين لكان الغالب عليه ألا يجري (٣) (٤).\nوذكر ابن عباس في قوله: (سلسبيلا) قال: تنسل في حلوقهم انسلالًا (٥).\nقوله تعالى: ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ تقدم تفسيره في سورة الواقعة (٦).\nقوله تعالى: ﴿لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا﴾ قال عطاء: يريد في بياض اللؤلؤ، وحسنه،\n_________\n(١) في (أ): السلسة.\n(٢) بياض في (ع).\n(٣) في (أ): ألا تجرا.\n(٤) \"زاد المسير\" ٨/ ١٤٩ نقله عنه باختصار، وكلامه ينتهي -عنده- إلى قوله: سلسال وسلسبيل.\n(٥) \"النكت والعيون\" ٦/ ١٧١.\n(٦) سورة الواقعة: ١٧، وجاء في تفسيرها: \"قال أبو عبيدة: لا يهرمون، ولا يتغيرون. وقال ابن عباس: لا يموتون. وعلى هذا هو من الخلود الذي هو البقاء بلا موت. وقال بعضهم: لا يكبرون، ولا يهرمون، ولا يتغيرون. والمراد بالولد: أن الغلمان، وهم وإن لم يولدوا، ولم يحصلوا عن ولادة، أطلق عليهم هذا الاسم لأن العرب تسمي الغلمان ولدانًا\".","vol":"23","page":49},{"text":"واللؤلؤ: إذا نثر من الخيط على البساط كان أحسن منه (١) منظومًا (٢).\nوقال الكلبي: أبيض ما يكون اللؤلؤ إذا انتثر (٣). هذا قولهما.\nوالأحسن في تشبيههم باللؤلؤ المنثور أن يقال: إنما شبهوا باللؤلؤ المنثور لانتشارهم في الخدمة، فلو كانوا صفًا لشبهوا باللؤلؤ المنظوم، ألا ترى أن الله ﷿ قال: ﴿وَيَطُوفُ عَلَيهِم﴾، فإذا كانوا يطوفون كانوا نثرًا.\n(وهذا الذي ذكرنا معنى قول قتادة (٤)، وسفيان (٥)، قالا: من كثرتهم وحسنهم) (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4734>٢٠ </span>- قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا﴾ ذكر الفراء فيه قولين: أحدهما: أن المعنى: وإذا رأيت ما ثَمَّ، وصلح إضمار (ما) كما قال: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: ٩٤] يريد ما بينكم.\nوالثاني: يريد إذا نظرت ثم، أي: إذا رميت ببصرك (هاهنا) (٧) (٨)\nقال أبو إسحاق: لا يجوز إضمار (ما)؛ لأن (ما) موصولة بقوله: (ثم)، ولا يجوز إسقاط الموصول، وترك الصلة، ولكن (رأيت) تتعدى في\n_________\n(١) بياض في: ع.\n(٢) \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٣٠، فتح القدير: ٥/ ٣٥١.\n(٣) لم أعثر على مصدر لقوله، وقد ورد بمعناه من غير عزو في: الوسيط: ٤/ ٤٠٤.\n(٤) \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٣٣٨،\"جامع البيان\" ٢٩/ ٢٢١، \"بحر العلوم\" ٣/ ٤٣٢، وبمعناه في: \"النكت والعيون\" ٦/ ١٧١، \"الدر المنثور\" ٨/ ٣٧٦ مختصرًا عنه، وعزاه إلى عبد بن حميد.\n(٥) ورد معنى قوله في: \"جامع البيان\" ٢٩/ ٢٢١، و\"النكت والعيون\" ٦/ ١٧١.\n(٦) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٧) ساقطة مز: (أ).\n(٨) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢١٨ مختصرًا.","vol":"23","page":50},{"text":"المعنى إلى (ثم)؛ لأن المعنى: إذا رميت ببصرك ثَمَّ (١). ومعنى: (ثم) هناك، يعني في الجنة.\n﴿رَأَيْتَ نَعِيمًا﴾ لا يوصف.\n﴿وَمُلْكًا كَبِيرًا﴾ قال ابن عباس: لا يقدر واصف يصف حسنه، ولا طيبه (٢).\nوقال الكلبي: هو أن يأتي الرسول من عند الله بكرامة من الكسوة، والطعام (٣)، والشراب، والتحف إلى ولي الله، وهو في منازله، فيستأذن عليه، فذلك الملك العظيم (٤).\nوقال مقاتل: لا يدخل عليه رسول رب العزة من الملائكة المقربين المطهرين إلا بإذنه (٥). وهو قول مجاهد (٦)، وسفيان (٧)، (والسدي) (٨) (٩). قالوا: هو استئذان الملائكة عليهم. وروى عكرمة عن ابن عباس أنه ذكر\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٦١ بتصرف.\n(٢) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٣) بياض في (ع).\n(٤) بمعناه في: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٣٠،\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ١٤٢.\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ٢٢١/ ب، وقد ورد قوله في: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٣٠، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ١٤٢.\n(٦) \"الدر المنثور\" ٨: ٧٦ وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن جرير، والبيهقي، والذي ورد عنه عند الطبري (قال: تسليم الملائكة) \"جامع البيان\" ٢٩/ ٢٢١.\n(٧) ورد قوله في: \"جامع البيان\" ٢٩/ ٢٢١، \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤١٣، \"الدر المنثور\" ٨/ ٣٧٦ وعزاه إلى ابن جرير.\n(٨) \"فتح القدير\" ٥/ ٣٥١.\n(٩) ساقطة من (أ).","vol":"23","page":51},{"text":"مركبهم، ثم تلا (١): ﴿وَمُلْكًا كَبِيرًا﴾. (٢)\nقوله تعالى: ﴿عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ﴾ قال الفراء: من نصب (عاليهم) (٣) جعله كالصفة، نحو: فوقهم (٤)، والعرب تقول: قومك داخل الدار فينصبون داخل؛ لأنه محل (٥)، فـ (عاليهم) من ذلك (٦).\nوقال أبو إسحاق: وهذا لا نعرفه في الظروف (٧)، ولو كان ظرفًا لم يجز إسكان (الياء)، ولكن نصبه على الحال من شيئين: أحدهما: على (الهاء)، و(الميم) في: (عاليهم)، المعنى: يطوف على الأبرار ولدان مخلدون عاليًا الأبرارَ ثياب سندس؛ لأنه قد وصف أحوالهم في الجنة، فيكون المعنى: يطوف عليهم في هذه الحال هؤلاء، ويجوز أن يكون حالًا من (الولدان). المعنى: إذا رأيتهم حسبتهم لؤلؤًا منثورًا في حال علو الثياب إياهم (٨).\n_________\n(١) في (أ): تلى.\n(٢) \"الدر المنثور\" ٨/ ٣٧٦ وعزاه إلى البيهقي في \"البعث\" ٢٣٧: رقم ٤٠١. وانظر: \"المستدرك\" ٢/ ٥١١ التفسير: سورة هل أتى، وقال عنه: صحيح، ووافقه الذهبي.\n(٣) قرأ بفتح الياء في \"عالِيَهم\" على أنه حال: ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، وعاصم، والكسائي. انظر: \"الحجة\" ٦/ ٣٥٤، \"حجة القراءات\" ٧٤٠، \"الكشف عن وجوه القراءات السبع\" ٢/ ٣٥٤، \"النشر\" ٢/ ٣٩٦.\n(٤) بمعنى: فوقهم ثياب سندس. انظر: \"معاني القرآن\" ٣/ ٢١٨.\n(٥) محل: مصطلح كوفي يقابله عند البصريين: الظرف. انظر: \"نحو القراء الكوفيين\" ٣٤٧.\n(٦) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢١٨ - ٢١٩ بتصرف يسير.\n(٧) أي أن نصب (عاليهم) على الظرف، وهو مما لا يعرف في الظروف. انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٦٢.\n(٨) \"معاني القرآن وإعرابه\" ونقل الواحدي العبارة بنصها من كلام طويل.","vol":"23","page":52},{"text":"وقال أبو علي الفارسي: من نصب ﴿عَالِيَهُمْ﴾ احتمل النصب أمرين: أحدهما: أن يكون حالًا، والعامل فيه أحد شيئين: إما: (لَقَّاهُمْ) من قوله: ﴿وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً﴾، وإما ﴿وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا﴾، ومثل قوله: ﴿عَالِيهُم﴾ في كونه حالًا قوله: ﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا﴾، و﴿ثِيَابُ سُنْدُسٍ﴾ مرتفعة باسم الفاعل قال: وقد أجيز أن يكون ظرفًا؛ لأنه لما كان (عالِ) بمعنى فوق (١) أجري مجراه في هذا، وهذا الوجه أبين، وهو أن (عال) صفة جُعل ظرفًا، كما كان قوله: ﴿وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾ (٢) كذلك، وكما قالوا: هو ناحيةً من الدار.\nومن قرأ: (عَالِيهِم) فأسكن الياء (٣) في موضع رفع الابتداء، و﴿ثِيَابُ سُنْدُسٍ﴾ خبره، ويكون اسمه في وضع الجماعة، كما أن الخبر جماعة، وفاعل قد يراد (به) (٤) الكثرة كما قال:\nألا إنَّ جيراني العشيّةَ رائِح ... دَعَتْهُم دواع من هوًى ومنادِحُ (٥)\nوفي التنزيل: ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٧]، ﴿وقطع دابر القوم﴾ (٦) كأنه أفرد حيث جعل بمنزلة المصدر، وقد قالوا: الجامِل\n_________\n(١) في (ع): كان، وهي زيادة من الناسخ لا داعي لها.\n(٢) سورة الأنفال: ٤٢.\n(٣) قرأ بذلك: نافع، وحمزة، وأبو جعفر. انظر: \"الحجة\" ٦/ ٣٥٤، \"حجة القراءات\" ٧٣٩، \"الكشف عن وجوه القراءات السبع\" ٢/ ٣٥٤، \"النشر\" ٢/ ٣٩٦، \"إتحاف فضلاء البشر\" ٤٢٩.\n(٤) ساقطة من (أ).\n(٥) البيت غير منسوب في: \"المحتسب\" ٢/ ١٥٤، \"الهمع\" ٢/ ١٨٢ ط. دار المعرفة، وأصل منادح: مناديح؛ لأنه جمع مندوحة.\n(٦) في (أ): ويقطع. سورة الأنعام: ٤٥.","vol":"23","page":53},{"text":"والباقر (١)، يراد بهما الكثرة قال: ويجوز في قياس قول أبي الحسن في إعمال اسم الفاعل عمل الفعل، وإن لم يعتمد على شيء أن يكون (ثياب سندس) مرتفعة بعالِيَهُم ارتفاع الفاعل، وأفْرَدت عاليًا؛ لأنه فعل متقدم، قال أبو علي: (عالِيَهُم) وإن كان مضافًا إلى الضمير، فهو في تقدير الانفصال والتنوين؛ لأنه مما لم يمض، فهو بمنزلة: زيدٌ ضاربُ أخيك غدًا، فهذا ابتداءُ بالنكرة؛ إلا أنه قد اختص (٢) بالإضافة، وإن كانت الإضافة في تقدير الانفصال (٣).\nقوله تعالى: (خضر) (قرئ خفضًا ورفعًا (٤). (٥)، فمن رفع فلأنها صفة مجموعة لموصوف مجموع، وهو قوله: ﴿ثِيَابُ سُنْدُسٍ﴾ فأتبع الخضر الذي هو جمع مرفوع، الجمع المرفوع الذي هو ثياب، ومن خفض أجرى الخضر، وهو جمع على السندس؛ لأنه يراد به الجنس، وأجاز أبو الحسن جمع وصف ما يراد به الجنس بالجمع فقال: يقول: أهلك الناسَ الدينارُ\n_________\n(١) الجامل: اسم للجمع، كالباقر والكالب، ورجل جامِل: ذو جمل. انظر: \"لسان العرب\" ١١/ ١٢٥ (جمل). وقال الأزهري: \"الباقر: جماعة البقر مع راعيها، وكذلك الجامل: جماعة الجمال مع راعيها\" تهذيب اللغة: ٩/ ١٣٧ (بقر).\n(٢) بياض في (ع).\n(٣) \"الحجة\" ٦/ ٣٥٤ - ٣٥٦ نقله الإمام الواحدي عن أبي علي باختصار.\n(٤) قرأ بالكسر: ابن كثير، وعاصم في رواية أبي بكر، وحمزة، والكسائي. وقرأ بالرفع: أبو جعفر، وأبو عمرو، وابن عامر، ويعقوب. انظر كتاب \"السبعة\" ٦٦٤، \"القراءات وعلل النحويين فيها\" ٢/ ٧٣٤، \"الحجة\" ٦/ ٣٥٦، \"حجة القراءات\" ٧٤٠، \"الكشف\" ٢/ ٣٥٥، \"المبسوط\" ٣٩٠.\n(٥) في (ع): رفعًا وخفضًا.","vol":"23","page":54},{"text":"الصّفر، والدرهم البيض (١)، على استقباح له، ومما يدل على فتحه أن العرب تجيء الجمع الذي هو في لفظ الواحد، فيجرونه مجرى (٢) الواحد، وذلك قولهم: حصى أبيض، وفي التنزيل: ﴿مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ﴾ [يس: ٨٠]، و﴿أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ [القمر: ٢٠]، فإذا كانوا قد أفردوا صفات هذه الضرب من الجمع، فالواحد الذي في معنى الجمع أولى أن تفرد صفته) (٣).\nوقوله تعالى: ﴿وَإِسْتَبْرَقٌ﴾ فيه الجر والرفع (٤) أيضًا، فالجر من حيث كان جنسًا أضيف إليه الثياب، (كما أضيف إلى سندس، فكأن المعني ثيابهم، فأضاف الثياب) (٥) إلى الجنس، كما تقول: ثياب خزٍّ (٦) وكتانٍ (٧)، فتضيفهما إلى الجنسين، ودل على ذلك قوله: ﴿وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ﴾ [الكهف: ٣١]، (ومن رفع إستبرق) (٨) أراد العطف على الثياب،\n_________\n(١) في (أ): الأبيض.\n(٢) بياض في (ع).\n(٣) ما بين القوسين نقله عن أبي علي في: \"الحجة\" ٦/ ٣٥٦ - ٣٥٧ مختصرًا.\n(٤) قرأ بالجر في: \"إستبرق\" أبو جعفر، وأبو عمرو، وابن عامر، ويعقوب، وحمزة، والكسائي، وخلف. وقرأ بالرفع: ابن كثير، وأبو بكر عن عاصم، ونافع، وحفص عن عاصم. انظر كتاب \"السبعة\" ٦٦٥، القراءات وعلل النحويين فيها: ٢/ ٧٣٤، الحجة: ٦/ ٣٥٦، \"حجة القراءات\" ٧٤٠، \"الكشف\" ٢/ ٣٥٥، \"المبسوط\" ٣٩٠.\n(٥) ما بين القوسين ساقطة من (أ).\n(٦) الخَزُّ: ويراد به ثياب تنسج من صوف وإبريسم. انظر: \"لسان العرب\" ٥/ ٣٤٥ (خزز).\n(٧) الكَتان: بالفتح: معروف، عربي سمي بذلك لأنه يُخَيَّس ويلقى بعضه على بعض حتى يكتن. \"لسان العرب\" ١٣/ ٣٥٥ (كتن).\n(٨) ما بين القوسين ساقطة من (أ).","vol":"23","page":55},{"text":"كأنه ثياب سندس، وثياب إستبرق، فحذف المضاف (١).\nوهذه الآية مفسرة في سورة الكهف (٢) إلى قوله: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾. قال الكلبي: شراب أهل الجنة طاهر كله (٣).\nقال الفراء: يقول هو طهور ليس بنجس كما [كان] (٤) في الدنيا [مذكورًا] (٥) بالنجاسة (٦)، وعلى هذا: الطهور مبالغة من الطاهر.\nوالمعنى: أن ذلك الشراب طاهر ليس كخمر الدنيا.\nوقال مقاتل: هو عين ماء على باب الجنة تنبع (٧) من ساق العرش من شجرة، من شرب منها نزع الله ما كان في قلبه من غش، وغل، وحسد، وما كان في جوفه من (٨) قذر، وأذى (٩).\n_________\n(١) \"الحجة\" ٦/ ٣٥٦ - ٣٥٩ مختصرًا.\n(٢) سورة الكهف: ٣١: ومما جاء في تفسيرها: قال الواحدي: \"قوله: \"يحلون فيها من أساور من ذهب\" أساور جمع أسورة، وأسورة جمع سوار، يقال: سوار في اليد بالكسر، وقال أبو زيد: هو: سِوار المرأة، وسَوار المرأة، وأسورة لجماعتها، وهما قلبان يكونان في يدها. \"من سندس واستبرق\" هما نوعان من الحرير. وقال بعضهم: السندس ما دقَّ من الديباج، والإستبرق: ما غلظ منه\" ا. هـ\n(٣) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٤) في كلا النسختين: كانت، وهكذا ذكرت أيضًا في حاشية معاني القرآن، وقال المحقق: \"إنه تحريف\"، وأثبت كان.\n(٥) في كلا النسختين: \"مذكورة\" والمثبت من معاني القرآن.\n(٦) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢١٩ بنصه.\n(٧) بياض في (ع).\n(٨) قوله: (وما كان في جوفه من) بياض في (ع).\n(٩) \"تفسير مقاتل\" ٢٢٢/ أ، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٣١، \"التفسير الكبير\" ٣٠/ ٢٥٤، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ١٤٥، \"فتح القدير\" ٥/ ٣٥٢.","vol":"23","page":56},{"text":"وقال أبو قلابة (١)، وإبراهيم (٢): يؤتون بالطعام والشراب، فإذا كان في آخر ذلك، أوتوا بالشراب الطاهر، فيشربون، فتضمر بذلك بطونهم، ويفيض عرق من جلودهم مثل ريح المسك. وعلى قول هؤلاء: المراد بالطهور المطهر؛ لأنه يطهرهم مما ذكروا.\nفقال: .. (٣) ﴿إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً﴾ أن يقال لهم: إن هذا، يعني (٤) ما وصف من نعيم الجنة، كان لكم جزاء بأعمالكم.\n﴿وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا﴾ قال ابن عباس: يريد أني قبلت اليسير من أعمالكم (٥)، وشكرتكم عليه، وأثبتكم أفضل الثواب وأعظمه (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4735>٢٣ </span>- قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا (٢٣)﴾ قال الكلبي: السورة، والآية، والآيتين لم تنزل جملة واحدة كما نزل سائر الكتب (٧)، وهذا معنى قول مقاتل (٨).\n_________\n(١) \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٣٣٨ بنحوه، \"جامع البيان\" ٢٩/ ٢٢٣ بنحوه، وبمعناه في: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٣٠ - ٤٣١، \"والمحرر الوجيز\" ٥/ ٤١٤، \"زاد المسير\" ٨/ ١٥٠، \"التفسير الكبير\" ٣/ ٢٥٤، وبمعناه في: \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ١٤٥، \"الدر المنثور\" ٨/ ٣٧٧ وعزاه إلى ابن المنذر، و\"فتح القدير\" ٥/ ٣٥٢.\n(٢) ورد معنى قوله في: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٣٠ - ٤٣١، \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤١٤، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ١٤٥، \"فتح القدير\" ٥/ ٣٥٢.\n(٣) بياض في (ع)، ولا يوجد له ذكر في (أ).\n(٤) قوله: إن هذا يعني: بياض في (ع).\n(٥) قول: اليسير من أعمالكم: بياض في (ع).\n(٦) بياض في (ع). وانظر بمعناه في: \"التفسير الكبير\" ٣٠/ ٢٥٥.\n(٧) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٨) \"تفسير مقاتل\" ٢٢٢/ ب، ولقد ورد عن ابن عباس معنى ذلك، قال: أنزل القرآن متفرقًا؛ آية بعد آية، ولم ينزل جملة واحدة. \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٣١.","vol":"23","page":57},{"text":"﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ (١) مفسر في مواضع (٢).\n﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ﴾ يعني: من مشركي مكة.\n﴿آثِمًا﴾ يعني: عتبة بن ربيعة، قال للنبي -ﷺ-: ارجع عن هذا (٣) الأمر، وأزوجك ولدي، فإني من أجمل قريش ولدًا (٤).\nوقوله: ﴿أَوْ كَفُورًا﴾ يعني الوليد بن المغيرة، قال: وأنا (٥) أعطيك من المال حتى ترضى، فإني من أكثرهم (٦) مالًا، (قاله الكلبي (٧)، ومقاتل) (٨) (٩).\nقال الفراء: (أو) هاهنا بمنزلة (لا)، وأنشد (١٠)، فقال:\n_________\n(١) قوله تعالى: لحكم ربك: بياض في (ع).\n(٢) من هذه المواضع: سورة الطور: ٤٨، سورة القلم: ٤٨. ومما جاء في تفسير قوله: \"فاصبر لحكم ربك\" من سورة القلم: ٤٨: \"أي اصبر على الأذى لقضاء ربك الذي هو آت\".\n(٣) في (أ): هذه.\n(٤) قال بذلك مقاتل، انظر: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٣١، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ١٤٧، \"الوسيط\" ٤/ ٤٠٦ مختصرًا جدًا.\n(٥) في (أ): فأنا.\n(٦) في (أ): أكثريهم.\n(٧) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٨) \"تفسير مقاتل\" ٢٢٢/ ب، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٣١، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ١٤٧، ورد عنه مختصرًا في كليهما.\n(٩) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(١٠) البيت لمالك بن عمرو القُضاعي، أو مالك بن حُريم، أو ابن رعك الغساني، أو الخنساء. انظر شرح أبيات \"معاني القرآن\" ٢٢١، وعزاه المبرد إلى مالك بن عمرو في: \"الكامل\" ٢/ ٨٦، والأمالي لأبي علي القالي: ٢/ ١٢٣ وعزاه إلى مالك بن حريم في مقتل أخيه سماك، ولم أجده في ديوان الخنساء.","vol":"23","page":58},{"text":"لا وَجْدُ ثَكْلى كما وَجِدْتُ ولا ... وَجْدُ عَجُوز أضلها رُبَعُ\nأوْ وَجْدُ شيخ أضَلَّ ناقَتَه ... يَوْمَ توافي الحَجيجُ فاندفعوا (١)\nأراد ولا وجد شيخ (أضل ناقته) (٢) قال (٣) وقد يجوز في العربية: لا تطيعن (٤) منهم من أثم، أو كفر، فيكون المعنى في: (أو) قريبًا من معنى (الواو) كقولك للرجل: لأعطينك سألت، أو سكتَّ، معناه: لأعطينك على كل حال (٥). هذا كلامه، وعلى هذا يتجه قول قتادة: إن أبا جهل قال: لئن رأيت محمدًا يصلي لأطأن على عنقه، فأنزل الله: ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ (٦) يعني أبا جهل.\nوقال الزجاج: (أو) هاهنا أوكد من (الواو)؛ لأنك إذا قلت: لا تطع\n_________\n(١) ورد البيتان في: شرح أبيات \"معاني الفراء\" ٢٢١، \"الكامل\" ٢/ ٨٦، \"جامع البيان\" ٢٩/ ٢٢٤، \"الكشف والبيان\" ١٣/ ٢١/ ب، الأضداد: لابن الأنباري: ٢٨٢، \"المذكر والمؤنث\" لابن الأنباري: ٢/ ٧٩، وورد البيت الأول منسوبًا إلى ابن رعلاء الغساني، ط/ ٢، \"إيضاح الوقف والابتداء\" ١/ ٤٤٢، الأمالي: ٢/ ١٢٣، وكلها برواية \"عجول\" بدلًا من: \"عجوز\". موضع الشاهد: \"أو وجد شيخ\"، أراد: ولا وجد شيخ، فقد ذكر بعض النحويين أن \"أو\" تأتي بمعنى: \"لا\". انظر شرح أبيات \"معاني القرآن\" ٢٢١.\n(٢) ما بين القوسين ساقط من (ع).\n(٣) أي الفراء.\n(٤) في (أ): يطعن.\n(٥) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢١٩ - ٢٢٠ بتصرف.\n(٦) \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٣٣٩، \"جامع البيان\" ٢٩/ ٢٢٤، \"الكشف والبيان\" ١٣: ٢١/ ب، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٣١، \"الدر المنثور\" ٨/ ٣٧٨ وعزاه إلى عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر.","vol":"23","page":59},{"text":"زيدًا وعمرًا (١)، فأطاع أحدهما كان غير عاصٍ؛ لأنه أمره (٢) أن لا يطيع الاثنين، فإذا قال: ولا تطع آثمًا أو كفورًا (٣)، دلت (أو) على كل واحد منهما أهل أن يعصى، كما أنك (٤) إذا قلت: لا تخالف الحسن أو ابن سيرين، فقد قلت: هذان (٥) أهل أن يُتَّبَعا، وكل واحد منهما أهل أن يتبع، وقد ذكرنا (٦) هذا مستقصى عند قوله: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ﴾ [البقرة: ١٩] (٧).\nقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ أي اذكره بالتوحيد في الصلاة.\n﴿بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ يعني صلاة الفجر، والظهر، والعصر. قاله\n_________\n(١) في (ع): عمروًا.\n(٢) بياض في (ع).\n(٣) بياض في (ع).\n(٤) بياض في (ع).\n(٥) قوله: فقد قلت هذان: بياض في (ع).\n(٦) بياض في (ع).\n(٧) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٦٣. وقد خالف البصريون ما ذهب إليه الكوفيون كالفراء والزجاج من أن \"أو\" لا تكون بمعنى الواو، ولا بمعنى: \"بل\" بخلاف الكوفيين الذين استدلوا على صحة معنى \"أو\" \"واو\"، أو بمعنى: \"بل\" بهذه الآية، \"أو كفورًا\"، وقد رد البصريون هذا الاستدلال بقولهم: وأما قول الله تعالى: \"ولا تطع منهم آثمًا أو كفورًا\" فلا حجة لهم فيه؛ لأن \"أو\" فيها للإباحة، أي قد أبحتك كل واحد منهما كيف شئت، كما تقول في الأمر: جالس الحسن وابن سيرين، أي قد أبحتك مجالسة كل واحد منهما كيف شئت، والمنع بمنزلة الإباحة، فكما أنه لا يمتنع من شيء أبحته له، فكذلك لا يُقدم على شيء نهيته عنه. انظر: \"الإنصاف\" في مسائل الخلاف بين النحويين البصريين والكوفيين: لأبي البركات الأنباري: ٢/ ٤٧٩ - ٤٨٣. وانظر كتاب \"حروف المعاني\" للزجاجي: ٥٠ - ٥١. من هذا التحقيق يتبين أن الإمام الواحدي لا يعتنق مذهبًا كوفيًا أو بصريًا؛ بل إنه يؤيد ما يراه صوابًا من أحد المذهبين، والله أعلم.","vol":"23","page":60},{"text":"عطاء (١)، (والكلبي) (٢) (٣)، ومقاتل (٤).\n﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ﴾ يعني فصلِّ له المغرب، والعشاء.\n﴿وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا﴾ قال مقاتل: يعني التطوع، يقول: وصل لله طويلًا (٥)، يعني التطوع بعد المكتوبة، (وهو قول الكلبي (٦» (٧).\nوقال عطاء: يريد أن صلاة الليل فريضة عليك يا محمد (٨).\nوالقول هو الأول؛ لأنه كان لا يجب عليه أن يصلي جميع الليل.\nثم ذكر كفار مكة، فقال: (قوله تعالى) (٩): ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا (٢٧)﴾.\nقال ابن عباس (١٠)، (والكلبي (١١) (١٢)، ومقاتل (١٣): أمامهم،\n_________\n(١) لم أعثر على مصدر لقوله، وقد ورد في: \"الوسيط\" بنحوه من غير عزو: ٤/ ٤٠٦.\n(٢) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٣) ما بين القوسين ساقطة من (أ).\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ٢٢٢/ ب، قال: إذا صليت صلاة الغداة، وهو بكرة وأصيلًا إذا أمسيت وصليت صلاة المغرب.\n(٥) بمعناه في: \"تفسير مقاتل\" ٢٢٢/ ب، وفي \"الوسيط\" من غير عزو: ٤/ ٤٠٦.\n(٦) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٧) ما بين القوسين ساقط من (ع).\n(٨) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٩) ما بين القوسين ساقط من (ع).\n(١٠) لم أعثر على مصدر لقوله. وقد ورد بمثله في: \"الوسيط\" ٤/ ٤٠٦ من غير عزو.\n(١١) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(١٢) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(١٣) \"تفسير مقاتل\" ٢٢٢/ ب.","vol":"23","page":61},{"text":"كقوله: ﴿مِنْ وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ﴾ [الجاثية: ١٠] ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ﴾ [الكهف: ٧٩].\n﴿يَوْمًا ثَقِيلًا﴾ عسيرًا، شديدًا، كما قال: ﴿ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ١٨٧].\n(ومعنى) (١): ﴿وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ﴾ أي يتركونه، فلا يؤمنون به، ولا يعلمون، ولا يهتمون لوقوعه، فقد تركوه من كل وجه.\nثم ذكر دلالة قدرته، فقال: ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ﴾ قال ابن عباس: خلقهم (٢)، وهو قول مقاتل (٣)، ومجاهد (٤)، (وقتادة (٥)، والفراء (٦)، والزجاج (٧» (٨).\nقال الفراء: الأسر: الخَلْق، يقال: لقد أسِر هذا الرجل أحسنَ\n_________\n(١) ساقطة من (أ).\n(٢) \"جامع البيان\" ٢٩/ ٢٢٦، \"الكشف والبيان\" ١٣: ٢٢/ أ، \"النكت والعيون\" ٦/ ١٧٣، \"زاد المسير\" ٨/ ١٥١، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ١٤٩، \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٤٨٨، \"الدر المنثور\" ٨/ ٣٧٨.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ٢٢٣/ أ، المراجع السابقة عدا جامع البيان، والنكت والعيون، وانظر: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٣١.\n(٤) المراجع السابقة جميعها.\n(٥) المراجع السابقة إضافة إلى \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٣٣٩، \"الدر المنثور\" ٨/ ٣٧٩ وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.\n(٦) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٢٠.\n(٧) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٦٣ بمثله، وأضاف قائلًا: جاء في التفسير أيضًا: مفاصِلُهُم.\n(٨) ما بين القوسين ساقط من (أ).","vol":"23","page":62},{"text":"الأسر، كقوله: أحسن الخلق (١).\nوقال أبو عبيدة: أسرهم: شدة الخَلْق، يقال: فرس شديد الأسر، وأنشد لبشر (بن أبي خازم) (٢)، (فقال) (٣):\nشديد الأسر يحمل أريحيًا ... أخا ثقة إذا الحدثان نابا (٤)\nقال: وكل شيء شددته من غَبيطٍ (٥)، أو قتبٍ (٦)، فهو مأسور (٧).\nوقال المبرد: (الأسر: القوى كلها، وأصله عند العرب: القِدُّ (٨) الذي يشد به الأقتاب، ويقال للقتب: المأسور، ومنه قول الشاعر:\nواسْتَدْفَأ الكَلْبُ بالمأسُورِ ذِي الذِّئْبِ (٩» (١٠)\nيقول من شدة البرد استدفأ الكلب بالقتب.\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٢٠ بيسير من التصرف.\n(٢) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٣) ساقط من (ع).\n(٤) ورد البيت في: \"منتهى الطلب من أشعار العرب\" لابن ميمون: ١/ ١٥٦.\n(٥) غبيط: هو المركب، قال الأزهري: ويقبب بشجار ويكون للحرائر. انظر: \"تهذيب اللغة\" ٨/ ٦٢ (غبط)، \"لسان العرب\" ٧/ ٣٦١ (غبط).\n(٦) القِتْب: والقَتَب: إكاف البعير، والقِتْب: بالكسر: جميع أداة السانية من أعلافها، وحبالها، والجمع أقتاب انظر: \"لسان العرب\" ١/ ٦٦٠ - ٦٦١: مادة: (قتب).\n(٧) \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٨٠ إلا أنه لم يذكر بيت الشعر.\n(٨) القِدُّ: السير الذي يُقّدُّ من الجلد غير مدبوغ. انظر مادة: (قد) في: \"معجم مقاييس اللغة\" ٥/ ٦، \"لسان العرب\" ٣/ ٣٤٤.\n(٩) الشطر الأول منه:\nفَأيُّ حَيٍّ إذا هَبَّتْ شَآميَّةً\nوقد ورد في الكامل ٢/ ٩٦٤ غير منسوب. ومعنى المأسور: القتب.\n(١٠) ما بين القوسين من قول المبرد، نقله عنه الإمام الواحدي بتصرف.","vol":"23","page":63},{"text":"وقال الليث: الأسر: قوة المفاصل، والأوصال، وشد الله أسره (فلان) (١) أي قوة (٢) (فلان) (٣)، وكل شيئين جمع طرفاهما (٤)، فشد (٥) أحدهما بالآخر فقد أسر (٦).\n(وذكرنا هذا مستقيم عند ذكر الأسارى (٧» (٨).\nوقال الحسن (في هذه الآية) (٩) يعني: أوصالهم بعضها إلى بعض بالعروق والعصب (١٠) (١١).\nوهو (معنى) (١٢) قول من قال: هي المفاصل (١٣).\n_________\n(١) ساقطة من (أ).\n(٢) في (أ): قوته.\n(٣) ساقطة من (أ).\n(٤) في (ع). صرفاهما.\n(٥) بياض في (ع).\n(٦) لم أعثر على قول الليث في: \"التهذيب\".\n(٧) راجع تفسير سورة البقرة: ٨٥.\n(٨) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٩) ما بين القوسين بياض في (أ).\n(١٠) العَصَب: عصب الإنسان والدابة، والأعصاب: أطناب المفاصل تلائم بينها وتشدها. \"لسان العرب\" ١/ ٦٠٢: مادة: (عصب).\n(١١) \"الكشف والبيان\" ١٣/ ٢٢/ أ، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٣١، \"زاد المسير\" ٨/ ١٥١، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ١٤٩.\n(١٢) ساقطة من (أ).\n(١٣) وهو قول أبي هريرة كما في: \"جامع البيان\" ٢٩/ ٢٢٦، والحسن والربيع أيضًا. انظر: \"الكشف والبيان\" ١٣/ ٢٢/ أ، \"الدر المنثور\" ٨/ ٣٧٨ وعزاه إلى عبد بن حميد. وانظر: \"تفسير الحسن\" ٢/ ٣٨٦.","vol":"23","page":64},{"text":"وروي عن مجاهد: أنه قال في تفسير الأسر: الشَّرَج (١): (يعني موضعي مَصَرَّتَي البول والغائط، إذا خرج الأذى تقَبَّضَتا (٢» (٣).\nوقوله تعالى: ﴿وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلًا﴾ أي إذا شئنا أهلكناهم، وأتينا بأشباههم، فجعلناهم بدلًا منهم (٤).\nوهذا كقوله: ﴿عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ﴾. [الواقعة: ٦١]\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ﴾ مفسرة في سورة المزمل (٥).\n﴿وَمَا تَشَاءُونَ﴾ أي الطاعة، والاستقامة اتخاذ السبيل المذكور في قوله: ﴿فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ [الإنسان: ٢٩].\n﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ قال ابن عباس: يريد شيئًا من الخير إلا أن يشاء الله ذلك (٦) لكم (٧).\nوقال أبو إسحاق: أي لستم تشاؤون إلا بمشيئة الله (٨).\nقوله (تعالى) (٩): ﴿يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ﴾ (قال عطاء) (١٠): يعني\n_________\n(١) \"الكشف والبيان\" ١٣/ ٢٢/ أ، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٣١، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ١٤٩.\n(٢) بياض في (ع).\n(٣) ما بين القوسين من قول ابن الأعرابي بنصه. انظر مادة: (أسر) في: \"تهذيب اللغة\" ١٣/ ٦١، \"لسان العرب\" ٤/ ١٩.\n(٤) قوله: بدلًا منهم. بياض في (ع).\n(٥) سورة المزمل: ١٩.\n(٦) بياض في (ع).\n(٧) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٨) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٦٤ بنصه.\n(٩) ساقطة من (ع).\n(١٠) ساقطة من (أ).","vol":"23","page":65},{"text":"من صدّق نبيه أدخله جنته (١).\nوقال مقاتل: يعني في دينه الإسلام (٢).\n﴿وَالظَّالِمِينَ﴾ يعني المشركين من كفار مكة.\nقال أبو إسحاق: نصب (الظالمين)؛ لأن قبله منصوبًا. المعنى: يدخل من يشاء في رحمته، ويعذبُ الظالمين، ويكون (أعدَّ لهم عذابًا أليمًا)، تفسيرًا لهذا المضمر قال: والاختيار في الظالمين: النصب (٣)، وإن كان الرفع جائزًا (٤)؛ لأن الاختيار عند النحويين أن تقول: أعطيت زيدًا، وعمرًا (٥) أعددت له بِرًا، فيختارون النصب على معنى: وبَرَرْتُ عمرًا (٦)، (أو أبَرُّ عمرًا) (٧).\nوأما قوله في: ﴿حم عسق﴾ ﴿يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمُونَ﴾ (٨)\n_________\n(١) \"الوسيط\" ٤/ ٤٠٦.\n(٢) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٣) وهي قراءة عامة القراء. انظر: \"بحر العلوم\" ٣/ ٤٣٣.\n(٤) وقرأ: عبد الله بن الزبير، وأبان بن عثمان، وأبو العالية، وأبو الجوزاء، وابن أبي عبلة: بالوا، أي: \"والظالمون أعد\". انظر: \"المحتسب\" لابن جني: ٢/ ٢٤٤، \"الكشف والبيان\" ١٣: ٢٢/ ب، \"زاد المسير\" ٨/ ١٥١. وهي قراءة شاذة لعدم صحة سندها؛ ولعدم ذكرها في كتب القراءات المتواترة، ولقراءة من اشتهر بقراءة الشواذ كـ: أبان بن عثمان، وابن أبي عبلة. وعليه لا تكون القراءة بالرفع جائزة، وإن كانت جائزة في العربية عند النحويين.\n(٥) في (ع): عمروًا.\n(٦) في (ع): عمروا.\n(٧) ما بين القوسين ساقط من (أ)، وقد ورد في (ع): عمروًا، فأثبت عمرًا ليوافق ما قبله من الأمثلة\n(٨) في (أ): الظالمين، وغير مقروءة في (ع).","vol":"23","page":66},{"text":"[الشورى:٨] فإنما (١) ارتفع؛ لأنه لم يذكر بعده فعل يقع عليه، فينصبه في المعنى، ولم يجز أن يعطف على المنصوب قبله، وارتفع بالابتداء، وهاهنا قوله: ﴿أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا﴾ يدل على: ويعذب، فجاز أن ينتصب (٢).\n_________\n(١) في (أ): فإنها.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٦٤ بتصرف.","vol":"23","page":67},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4736>سورة المرسلات</span>","vol":"23","page":69},{"text":"تفسير سورة المرسلات <span data-type=\"title\" id=toc-4737>(١)</span>\nبسم الله الرحمن الرحيم\n\n١ - ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا (١)﴾ ذكر في هذه الآية ثلاثة أقوال:\nأحدها: أن المراد بـ\"المرسلات\" الرياح، وهو قول مجاهد (٢)، وقتادة (٣)، (وابن مسعود (٤)، وابن عباس (٥) في رواية العوفي) (٦)، ويدل (٧)\n_________\n(١) هي سورة مكية، حكاه ابن عطية، وابن الجوزي عن جمهور المفسرين.\nانظر: \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤١٦، و\"زاد المسير\" ٨/ ١٥٢، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ١٥١.\n(٢) \"تفسير الإمام مجاهد\" ٦٩١، \"جامع البيان\" ٢٩/ ٢٢٩، \"الكشف والبيان\" ج ١٣/ ٢٢/ ب، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٣٢ بمعناه، \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤١٦، \"زاد المسير\" ٨/ ١٥٣، \"تفسير القرآن العظيم\" ٤٨٩، \"الدر المنثور\" ٨/ ٣٨٢.\n(٣) \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٣٤٠. وانظر المراجع السابقة. وعزا صاحب الدر قول قتادة إلى عبد بن حميد.\n(٤) المراجع السابقة عدا \"تفسير عبد الرزاق\". وانظر: \"بحر العلوم\" ٣/ ٤٣٤، وعزا تخريج قوله -أيضًا- صاحب \"الدر المنثور\" إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.\n(٥) المراجع السابقة.\n(٦) ما بين القوسين ساقط من: (أ).\n(٧) في (ع): يدل من غير واو.","vol":"23","page":71},{"text":"على صحة هذا القول: قوله: ﴿ويرسل الرياح﴾ [الأعراف: ٥٧]، ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ﴾ [الحجر: ٢٢]، فالله يرسلها، وهي مرسلات.\nالقول الثاني: إن معنى \"المرسلات\" هاهنا الملائكة، وهو قول مقاتل (١)، (ومسروق (٢)، وأبي صالح) (٣) عن أبي هريرة (٤)، وابن عباس (٥) في رواية الكلبي.\nالقول الثالث: قال ابن عباس (٦): (في رواية عطاء) (٧): يريد الأنبياء.\nوقوله: ﴿عُرْفًا﴾ هو ذكر فيه قولان:\nأحدهما: متتابعة، وهو قول من قال في \"المرسلات\" إنها الرياح (٨).\nقال الزجاج: أرسلت كعرف الفرس (٩).\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ٢٢٣/ أ، \"بحر العلوم\" ٣/ ٤٣٤، \"الكشف والبيان\" ١٣/ ٢٢/ ب، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٣٢، \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤١٦، \"زاد المسير\" ٨/ ١٥٣.\n(٢) ورد قوله في \"جامع البيان\" ٢٩/ ٢٢٩، \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٤٨٩، \"الدر المنثور\" ٨/ ٣٨٢.\n(٣) ما بين القوسين ساقط من: (أ).\n(٤) \"النكت والعيون\" ٦/ ١٧٥، \"زاد المسير\" ٨/ ١٥٣، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ١٥٢، \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٤٨٩، \"الدر المنثور\" ٨/ ٣٨١ وعزا تخريجه لابن أبي حاتم. وانظر: \"المستدرك\" ٢/ ٥١١: كتاب التفسير: تفسير سورة المرسلات. وقال الحاكم: حديث صحيح من طريق أبي صالح، ووافقه الذهبي.\n(٥) \"الدر المنثور\" ٨/ ٣٨٢، وعزا تخريجه إلى ابن المنذر.\n(٦) \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ١٥٢، \"البحر المحيط\" ٨/ ٤٠٣.\n(٧) ما بين القوسين ساقط من: (أ).\n(٨) وذهب إليه أيضًا بريدة. \"جامع البيان\" ٢٩/ ٢٢٩.\n(٩) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٦٥ بنصه.","vol":"23","page":72},{"text":"وقال الفراء: تتابعت كعرف الفرس، والعرب تقول: تركت الناس إلى فلان عرفًا واحدًا، إذا توجهوا إليه فأكثروا (١).\nوالعرف على هذا اسم أقيم مقام الحال؛ لأن المعنى: والرياح التي أرسلت (٢) متتابعة.\nويجوز أن يكون بمعنى المصدر. وهو قول المبرد، قال: عرفًا (٣) اتباعًا (٤).-والمعنى فيهما واحد-.\nالقول الثاني: و\"العرف\" أنه بمعنى المعروف، كقوله: ﴿وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ (٥) [الأعراف: ١٩٩] وقد مر، وهو قول من قال في \"المرسلات \" إنها الملائكة.\nقال مقاتل (٦) (والكلبي (٧» (٨): أرسلوا بالمعروف (٩) من أمر الله ونهيه.\nوقال عطاء عن ابن عباس: يريد (١٠) الأنبياء أرسلوا بلا إله إلا الله (١١).\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٢١ بنصه.\n(٢) بياض في (ع).\n(٣) في (أ): عرفنا.\n(٤) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٥) في (أ): بالمعروف.\n(٦) \"تفسير مقاتل\" ٢٢٣/ أ.\n(٧) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٨) ما بين القوسين ساقط من: (أ).\n(٩) بياض في (ع).\n(١٠) بياض في (ع).\n(١١) لم أعثر على مصدر لقوله. وقد ذكر قوله في سورة الأعراف آية: ١٩٩ كما مر.","vol":"23","page":73},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4738>٢ </span>- قوله تعالى: ﴿فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا﴾ قال المفسرون (١): يعني الرياح الشديدة الهبوب. وقال مسروق: يعني الملائكة (٢).\nقال أبو إسحاق: من قال: الملائكة، فالمعنى: أنها تعصف بروح الكافر (٣).\nيقال: عصف بالشيء: إذا أباده وأهلكه، ومنه قول الأعشى:\nتُعْصِف بالدَّارعِ (٤) والحاسِرِ (٥) (٦)\nقوله (تعالى) (٧): ﴿وَالنَّاشِرَاتِ﴾ استئناف قسم آخر، لذلك كانت بـ\n_________\n(١) قال بذلك: علي بن أبي طالب، وابن مسعود، ومجاهد، وأبو صالح، وقتادة انظر: \"جامع البيان\" ٢٩/ ٢٣٠، \"الكشف والبيان\" ج ١٣/ ٢٢/ ب، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٣٢. وحكاه ابن الجوزي عن المفسرين في \"زاد المسير\" ٨/ ١٥٤، وبين القرطبي في أنه لا اختلاف في أنها الرياح \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ١٥٣، كما عزاه الخازن إلى المفسرين في \"لباب التأويل\" ٤/ ٣٤٤.\nوانظر: \"الدر المنثور\" ٨/ ٣٨١ - ٣٨٢ وعزا تخريجه إلى ابن المنذر، وعبد بن حميد، والبيهقي في الشعب. وانظر: \"المستدرك\" أخرجه عن علي ٢/ ٥١١ كتاب التفسير: تفسير سورة المرسلات، وصححه، ووافقه الذهبي.\n(٢) \"الدر المنثور\" ٨/ ٣٨٢ وعزا تخريجه إلى ابن جرير، ولم أجده عنده.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٦٥ بنحوه.\n(٤) في (أ): الدارع.\n(٥) صدر البيت:\nيَجْمَعُ خَضْراءَ لها سَوْرَةٌ\nوقد ورد البيت في \"ديوانه\" ٩٦ من قصيدة يهجو بها علقمة بن علاثة، ويمدح عامر ابن الطفيل.\nوالمراد بـ\"خضراء\" كتيبة سوداء لما عليها من الحديد. \"ديوانه\" ٩٦ في الحاشية.\n(٦) انظر: \"تهذيب اللغة\" ٢/ ٤٢ (عصف).\n(٧) ساقط من: ع.","vol":"23","page":74},{"text":"\"الواو\"، وقد ذكرنا هذا في أول سورة ﴿وَالصَّافَّاتِ﴾ [الصافات: ١].\nومعنى الناشرات: الرياح التي تأتي بالمطر. وهو قول الحسن (١)، وابن مسعود (٢)، (ومجاهد) (٣) (٤)، وقتادة (٥).\nيدل على هذا قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ [الأعراف: ٥٧]. يعني أنها تنشر السحاب نشرًا، وهو ضد الطي.\nوقال مقاتل: يعني الملائكة ينشرون كتب بني آدم، وصحائف أعمالهم (٦)، (وهو قول مسروق (٧)،\n_________\n= ومما جاء في تفسيرها: .. وذكر أهل المعاني في القَسَم وجهين:\nأحدهما: أن القسم بالله ﷿ على تقدير: ورب الصافات، كقوله: ﴿والعَصْرِ﴾، ﴿وَالشَّمْسَ﴾، ﴿وَالَّليْلِ﴾، إلا أنه حذف لما في العلم من أن التعظيم بالقسم بالله.\nوالثاني: أن هذا على ظاهر ما أقسم به؛ لأنه ينبئ عن تعظيمه بما فيه من العبرة الدالة على ربه\".\n(١) \"الكشف والبيان\" ١٣/ ٢٣/ أ، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٣٢، \"البحر المحيط\" ٨/ ٤٠٤.\n(٢) \"جامع البيان\" ٢٩/ ٢٣١، \"النكت والعيون\" ٦/ ١٧٦ بنحوه، \"زاد المسير\" ٨/ ١٥٤. وعزاه ابن الجوزي إلى جمهور المفسرين، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ١٥٣، \"البحر المحيط\" ٨/ ٤٠٤، \"الدر المنثور\" ٨/ ٣٨١.\n(٣) \"تفسير الإمام مجاهد\" ٦٩١، \"جامع البيان\" ٢٩/ ٢٣١، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ١٥٣، \"البحر المحيط\" ٨/ ٤٠٤، \"الدر المنثور\" ٨/ ٣٨٢.\n(٤) ما بين القوسين ساقط من: (أ).\n(٥) \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٣٤٠.\n(٦) بمعناه في \"تفسير مقاتل\" ٢٢٣/ أ، و\"الكشف والبيان\" ١٣/ ٢٣/ أ، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٣٢.\n(٧) لم أعثر على مصدر لقوله.","vol":"23","page":75},{"text":"وعطاء، عن ابن عباس (١» (٢).\nوقال أبو صالح: يعني المطر (٣).\nوعلى هذا القول: النشر بمعنى الإحياء من قولهم: نشر الله الميت بمعنى أنشره، والمطر (٤) يحيى الأرض، فالأمطار ناشرة وناشرات (٥).\nقوله: ﴿فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا﴾ الأكثرون (٦) على أنها الملائكة تأتي بما، يفرق\n_________\n(١) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٢) ما بين القوسين ساقط من: (أ).\n(٣) \"جامع البيان\" ٢٩/ ٢٣١، \"النكت والعيون\" ٦/ ١٧٦، \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤١٧، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ١٥٣، \"الدر المنثور\" ٨/ ٣٨٢، وعزا تخريجه إلى عبد بن حميد، وأبي الشيخ في \"العظمة\"، وابن المنذر.\n(٤) بياض في (ع).\n(٥) النشر لغة: الرائحة الطيبة، والنَّشْر أيضًا: الكلام إذا يبس، ثم أصابه مطر في دُبر الصيف فاخضر، وقد نَشَرت الأرض، فهي ناشرة إذا أنبتت ذلك.\nوالنَّشَر -بالتحريك-: المُنتشر، ونَشَرَ الميت، يَنْشُرُ نُشُورًا أي عاش بعد الموت، وأنشرهم الله أي أحياهم، واكتسى البازي ريشًا نَشَرًا أي منتشرًا واسعًا طويلًا. ونشرت الكتاب خلاف طويته.\nانظر: مادة (نشر) في \"مقاييس اللغة\" ٥/ ٤٣٠، \"تهذيب اللغة\" ١١/ ٣٣٨، \"الصحاح\" ٢/ ٨٢٧، \"تاج العروس\" ٣/ ٥٦٥.\n(٦) ممن قال بذلك: ابن عباس، وأبو صالح، ومجاهد، والضحاك، وابن مسعود. انظر: \"جامع البيان\" ٢٩/ ٢٣٢، \"الكشف والبيان\" ج ١٣/ ٢٣/ أ، \"النكت والعيون\" ٦/ ١٧٦، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٣٢، \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤١٧، وحكاه ابن الجوزي عن الأكثرين في \"زاد المسير\" ٨/ ١٥٤، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ١٥٣.","vol":"23","page":76},{"text":"بين الحق والباطل، والحلال والحرام، وهو قول مقاتل (١)، (والكلبي (٢» (٣).\nوقال مجاهد: هي الريح، وعلى هذا \"فالفارقات\" الرياح التي تفرق بين السحاب فتبدده (٤).\n\nوقال قتادة: هي آيُ القرآن فرقت بين الحق والباطل، والحلال والحرام <span data-type=\"title\" id=toc-4739>(٥)</span>، (وهو قول الحسن (٦» (٧)، (وقال أبو إسحاق: يجوز أن يعني به الرسل (٨» (٩).\n٥ - قوله تعالى: ﴿فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا﴾ هي الملائكة في قول الجميع (١٠).\n_________\n(١) الذي ورد عنه في \"تفسيره\": القرآن فرق بين الحق والباطل ٢٢٣/ أ، وورد بمثله في \"الوسيط\" من غير عزو.\n(٢) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٣) ساقط من: (أ).\n(٤) \"النكت والعيون\" ٦/ ١٧٦، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٣٢، \"زاد المسير\" ٨/ ١٥٤، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ١٥٣، \"البحر المحيط\": ٨/ ٤٠٤.\n(٥) \"جامع البيان\" ٢٩/ ٢٣٢، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٣٢، \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤١٧، \"زاد المسير\" ٨/ ١٥٤، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ١٥٣، \"البحر المحيط\" ٨/ ٤٠٤، \"الدر المنثور\" ٨/ ٣٨٢ وعزا تخريجه إلى عبد ابن حميد، وابن المنذر.\n(٦) المراجع السابقة عدا \"الدر المنثور\" وانظر أيضًا: \"الكشف والبيان\" ١٣/ ٢٣/ أ، \"تفسير الحسن البصري\" ٢/ ٣٨٦.\n(٧) ما بين القوسين ساقط من: (أ).\n(٨) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٦٥ بتصرف.\n(٩) ما بين القوسين ساقط من: (أ).\n(١٠) قال بذلك: ابن عباس، وقتادة، وسفيان الثوري، وابن مسعود، ومسروق، والربيع بن أنس، والسدي. =","vol":"23","page":77},{"text":"قال مقاتل: تلقي بالروح (١).\nوقال قتادة: تلقي بالقرآن (٢).\nوقال الكلبي: تلقي الذكر إلى الأنبياء (٣).\nوبعض المفسرين يخص الآية بجبريل (٤)، وعلى هذا يجوز أن يسمى باسم الجماعة. وذكرنا ذلك في قوله: ﴿فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا﴾ (٥) [الصافات: ٣].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4740>٦ </span>- قوله تعالى: ﴿عُذْرًا أَوْ نُذْرًا﴾ قال قتادة: عذرًا من الله، ونذرًا منه\n_________\n= انظر: \"جامع البيان\" ٢٩/ ٢٣٢، \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٤٨٩، وعزاه الماوردي إلى الكلبي في \"النكت والعيون\" ٦/ ١٧٧، وبه قال السمرقندي في \"بحر العلوم\" ٣/ ٤٣٤، والثعلبي في \"الكشف والبيان\" ج ١٣/ ٢٣/ أ.\nوحكي عن جمهور المفسرين في \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤١٧، \"زاد المسير\" ٨/ ١٥٤، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ١٥٤، \"البحر المحيط\" ٨/ ٤٠٤.\nوهناك قولان آخران مخالفان لما ذكر الجمهور:\nأحدهما: المراد: الرسل يلقون إلى أممهم مما أنزل إليهم. قاله قطرب.\nوالآخر: أنها النفوس تلقي في الأجساد ما تريد من الأعمال.\nانظر: \"النكت والعيون\" ٦/ ١٧٧، \"البحر المحيط\" ٨/ ٤٠٤.\nقلت: ما ذكر من القولين المخالفين للجمهور لم يعتد بهما الإمام الواحدي، ولم ينظر إليهما، واعتبر قول الجمهور والغالبية هو قول بالإجماع، وهذا ما قررناه سالفًا، والله أعلم.\n(١) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٢) \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٣٤٠، \"جامع البيان\" ٢٩/ ٢٣٢.\n(٣) \"النكت والعيون\" ٦/ ١٧٧ بمعناه.\n(٤) منهم مقاتل في رواية له. انظر: \"تفسير مقاتل\" ٢٢٣/ أ، \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤١٧.\n(٥) ومما جاء في سبب تسمية جبريل ﵇ بالجمع: قال الواحدي: \"وذكر بلفظ الجمع إشارة إلى أنه كبير الملائكة، وهو لا يخلو من أعوان وجنود له من الملائكة يعرجون بعروجه، وينزلون بنزوله\".","vol":"23","page":78},{"text":"إلى خلقه (١)، ونحو هذا قالت الجماعة (٢).\nوفيهما القراءتان: التثقيل، والتخفيف (٣).\nقال الفراء: وهو مصدر مثقلًا كان أو مخففًا، والمعنى: إعذارًا، وإنذارًا (٤).\nواختار أبو عبيد التخفيف، وقال: لأنهما في موضع المصدرين إنما هما: الإعذار، والإنذار، وليسا بجمع فيثقلا (٥).\nوقال أبو إسحاق: معناهما: المصدر -والتثقيل (٦)، والتخفيف (٧) بمعنى واحد-، ونصبه على ضربين:\nأحدهما: مفعول على البدل من قوله: ﴿ذِكْرًا﴾ [المرسلات: ٥].\nوالثاني: على المفعول له، فيكون \"الملقيات ذكرًا\" للإعذار\n_________\n(١) \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٣٤٠، \"جامع البيان\" ٢٩/ ٢٣٣، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ١٥٤، \"الدر المنثور\" ٨/ ٣٨٢ وعزا تخريجه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.\n(٢) منهم الفراء: \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٢٢، والطبري \"جامع البيان\" ٢٩/ ٢٣٢، والسمرقندي \"بحر العلوم\" ٣/ ٤٣٤، والماوردي \"النكت والعيون\" ٦/ ١٧٧.\n(٣) قرأ ابن كثير، ونافع، وعاصم في رواية أبي بكر، وابن عامر، وأبو جعفر، ويعقوب \"عُذْرًا\" خفيفة، \"أو نُذُرًا\" مثقلة.\nوقرأ: أبو عمرو، وحمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم، وخلف: \"عُذْرًا أو نُذْرًا\" بالتخفيف جميعًا.\nانظر: \"كتاب السبعة\" (٦٦٦)، \"القراءات وعلل النحويين فيها\" ٢/ ٧٣٧، \"الحجة\" ٦/ ٣٦٢، \"الكشف\" ٢/ ٣٥٧، \"المبسوط\" (٣٩١)، \"البدور الزاهرة\" (٣٣٢).\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣/ ٢٢٢ بتصرف.\n(٥) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٦) أي: \"عُذُرًا أو نُذُرًا\".\n(٧) أي: \"عُذْرًا أو نُذرًا\".","vol":"23","page":79},{"text":"والإنذار (١).\nوقال (أبو الحسن) (٢) الأخفش: \"عذرًا أو نذرًا\" أي إعذارًا أو إنذارًا، وقد خففتا (٣) جميعًا، وهما لغتان (٤).\nقال أبو علي الفارسي: العذر، والعذير (٥)، والنذر، والنذير، مثل: النكر والنكير، وهما جميعًا مصدران، ويجوز التخفيف فيهما على حد التخفيف (٦) في العُنق، والأُذُن -قال-: ويجوز في قولهم من [ضَمَّ] (٧) أن يكون \"عُذُرًا\" جمع عاذر، كشارف وشُرُف، وكذلك \"النُّذُر\" يجوز أن يكون جمع نذير، كقوله تعالى: ﴿هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى﴾ [النجم: ٥٦]، ويكون \"عذرًا أو نذرًا\" على هذا القول حالًا من الإلقاء، كأنهم يُلْقُون الذكر في حال العذر، والنذر.\nوذكر أيضًا وجهًا آخر في انتصاب \"عذرًا أو نذرًا\" وهو أن يكون مفعول الذكر كأنه قيل: فالملقيات أن يذكر عُذْرًا أو نُذْرًا (٨)، وهو غير ما ذكر أبو إسحاق، فقد حصل أربعة أقوال: وجهان لأبي إسحاق، ووجهان لأبي علي، واختار المبرد أن يكون انتصابه على الحال؛ لأنه قال: هما\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٦٦ بتصرف يسير.\n(٢) ساقط من: (أ).\n(٣) في (أ): خففتا.\n(٤) نقلًا عن \"الحجة\" ٦/ ٣٦٣.\n(٥) بياض في (ع).\n(٦) بياض في (ع).\n(٧) في كلا النسختين: يقل، ولا تستقيم العبارة بها، والصواب ما أثبته من مصدره، وهو \"الحجة\" ٦/ ٣٦٣.\n(٨) \"الحجة\" ٦/ ٣٦٢ - ٣٦٣ باختصار.","vol":"23","page":80},{"text":"جمعان، الواحد: عذيرًا ونذيرًا (١)، (وأنشد (٢) [لحاتم الطائي] (٣):\nأماويَّ قَدْ طالَ التَّجَنُّبُ والهَجْرُ ... وقدْ عَذَرَتْني في طِلابكُمُ العُذْرُ (٤)\nفالعذر في هذا البيت جماعة لمكان لحاق علامة التأنيث) (٥).\nومن أول السورة إلى هاهنا أقسام ذكرها الله تعالى على قوله: ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ﴾ وهذا جواب القسم.\nقال مقاتل: إنما توعدون من أمر الساعة لكائن (٦).\nوقال الكلبي: إنما توعدون من الخير والشر لواقع بكم (٧).\nثم ذكر متى يقع فقال: ﴿فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ﴾ قال ابن عباس: يريد ذهاب ضوئها (٨).\nوقال مقاتل: حولت من الضوء إلى السواد (٩). وقال المبرد: أي مُحي ضوؤها (١٠).\n_________\n(١) انظر: \"فتح القدير\" ٥/ ٣٥٦.\n(٢) أي: أبو علي الفارسي.\n(٣) بياض في (أ)، وعند أبي علي في \"الحجة\" لحاتم فأثبته، وهو حاتم بن عبد الله بن سعد بن الحشرج الطائي القحطاني. انظر: ديوانه: ٦.\n(٤) ديوان حاتم الطائي: ٤٢ برواية: \"من\" بدلًا من: \"في\".\n(٥) ما بين القوسين نقلًا عن \"الحجة\" ٦/ ٣٦٣.\n(٦) \"تفسير مقاتل\" ٢٢٣/ أ.\n(٧) \"التفسير الكبير\" ٣٠/ ٢٦٩ بنحوه.\n(٨) أعثر على مصدر لقوله.\n(٩) \"تفسير مقاتل\" ٢٢٣/ أ.\n(١٠) لم أعثر على مصدر لقوله.","vol":"23","page":81},{"text":"وقد ذكرنا تفسير الطمس عند قوله: ﴿اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ﴾ (١) [يونس: ٨٨].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4741>٩ </span>- ﴿وَإِذَا السَّمَاءُ فُرِجَتْ﴾ قال أبو إسحاق: معناه: شقت (٢).\nوالفرج: الشق، يقال: فرجه الله فانفرج، وكل مشقوق فرج (٣).\nوقال ابن قتيبة: فتحت (٤)، ويدل على هذا قوله: ﴿وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ﴾ [النبأ: ١٩].\n﴿وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ﴾ قلعت من مكانها فذهبت عن وجه الأرض، كقوله: ﴿يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا﴾ [طه: ١٠٥].\nقال الزجاج: إذا [ذهبت] (٥) بها كلها بسرعة (٦).\nوقال المبرد: \"نسفت\" قلعت من مواضعها، وأنشد [للمُمَزَّق العَبْدي (٧)] (٨):\n_________\n(١) وقد أحال الإمام الواحدي إلى سورة النساء: ٤٧ لتناوله معنى الطمس. وهي ساقطة من النسخ التي بين يدي.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٦٦ بنصه.\n(٣) انظر المعنى اللغوي تحت مادة (فرج) في كل من \"مقاييس اللغة\" ٤/ ٤٩٨، \"تهذيب اللغة\" ١١/ ٤٤، وراجع أيضًا: \"المجموع المغيث في غريبي القرآن والحديث\" لعبد الكريم الغرباوي ٢/ ٦٠٢، و\"المفردات في غريب القرآن\" (٣٧٥).\n(٤) \"تفسير غريب القرآن\" (٥٠٥).\n(٥) في (أ): هبت، والمثبت من \"معاني القرآن وإعرابه\".\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٦٦ بنحوه.\n(٧) الممزَّق العبدي: هو من نكرة، واسمه شاس بن نَهار بن أسود، وهو جاهلي قديم من شعراء البحرين.\n\"طبقات فحول الشعراء\" ١/ ٢٧٤، \"الشعر والشعراء\" (٢٥٢).\n(٨) ورد في نسخة: أ: وأنشد لذي الرمة، والصواب ما أثبتناه، فقد نسب في الصمعيات للمزق العبدي، وكذا في اللسان.","vol":"23","page":82},{"text":"وقد تَخِذَتْ رِجْلي إلى جَنْتِ غَرْزِها ... نَسِيفًا كأفْحُوصِ القَطَاةِ المطَرَّقِ (١)\nقال: يعني: ما سعت برجليه من وبرها (٢).\nقوله تعالى: ﴿وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾، قال الفراء (٣)، والزجاج (٤)، وأبو علي (٥): الهمزة في \"أقتت\" بدل من الواو، وكل \"واو\" انضمت، وكانت ضمتها لازمة، فإنها تبدل على الاطراد همزة أولًا [ثانية] (٦) من ذلك: أن تقول: صَلّي القومُ أُحدانا، وهذا [أُجوه] (٧) حسان، وأدْؤر في جمع دار، والهمزة أصلها واو، وذلك لأن ضمة الواو ثقيلة (٨)، كما كان كسر الياء ثقيلًا، وأما قوله: ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧] فلا يجوز فيه البدل؛ لأن الضمة لا تلزم (٩)، ألا ترى أنه لا يسوغ في نحو قولك: هذا\n_________\n(١) ورد البيت في \"الأصمعيات\" ١٦٥ برواية: \"لدى\" بدلًا من: \"إلى\". \"تهذيب اللغة\" ١٣/ ٦ (نسف) برواية: \"لدي\" بدلًا من: \"إلى\"، \"لسان العرب\" ٧/ ٦٣ (فحص) ٩/ ٣٢٩ (نسف) ١٠/ ٢٢٣ (طرق)، وانظر: \"التكملة\" للفارسي (٣٤٦).\n(٢) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٣) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٢٢ - ٢٢٣.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٦٦.\n(٥) \"الحجة\" ٦/ ٣٦٤.\n(٦) في (أ): ثالثة، والمثبت من \"الحجة\".\n(٧) في (أ): أوجه، والمثبت من \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ٢٢٣، وانظر: \"الوسيط\" ٤/ ٤٠٨.\n(٨) فكأنما اجتمعت فيه واوان، فقلبت إحداهما همزة تخفيفًا. \"التبصرة والتذكرة\" ٢/ ٨١٣.\n(٩) لأن ضمة التقاء الساكنين لا تثبت ولا يعتد بها. انظر: \"التبصرة والتذكرة\" لأبي محمد الصيمري ٢/ ٨١٤","vol":"23","page":83},{"text":"عدوٌّ أن تبدل، والدليل على أن همزة \"أقتت\" مبدلة، وأن [أصل] (١) الكلمة من الوقت، ويدل عليه قراءة أبي عمرو: \"وُقِّتَتْ\" بالواو على الأصل (٢)\nقال مجاهد في قوله: \"أقتت\": وعدت وأجلت (٣). قال أبو إسحاق: أي جعل لها وقتًا (٤).\nوفيه قول آخر، قال الكلبي (٥)، ومقاتل (٦): جمعت ليشهدوا على أممهم بالبلاغ إليهم. وهو اختيار الفراء (٧)، وابن قتيبة. قال: جمعت لوقتها يوم القيامة (٨).\nوهذا القول أليق بظاهر التفسير؛ (وذلك أن جواب \"إذا\" في هذه الآية محذوف على تقدير: فإذا النجوم طمست، وإذا، وإذا، وإذا، كان كذا وكذا، والذي يليق بهذا أن يكون المعنى: وإذا الرسل (٩) جعل لها وقت؛ لأن ذلك التوقيت قد سبق من الله، وجمع ما ذكر من الطمس،\n_________\n(١) في (أ): أصله، ولا تستقيم العبارة بالضمير.\n(٢) انظر: \"الحجة\" ٦/ ٣٦٤، \"كتاب التبصرة\" ٧١٨، \" البدور الزاهرة\" ٣٣٢. والباقون: أُقتت بألف.\n(٣) \"جامع البيان\" ٢٩/ ٢٣٣، \"النكت والعيون\" ٦/ ١٧٧، \"الدر المنثور\" ٨/ ٣٨٣، وعزا تخريجه إلى عبد بن حميد.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٦٦ بنصه.\n(٥) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٦) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٧) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٢٣.\n(٨) \"تفسير غريب القرآن\" ٥٠٦، والعبارة عبارة الفراء، أما ابن قتيبة فقد قال: \"جمعت لوقت، وهو يوم القيامة\".\n(٩) في أ: الرجل، والصواب ما أثبتناه لاستقامة المعنى به.","vol":"23","page":84},{"text":"والفرج، والنسف، إنما يقع في القيامة، فلذلك هذا التوقيت وجب أن يكون واقعًا فيه؛ وقد جمعهم للميقات المعلوم، وما ذكرنا من إضمار الجواب هو قول الأخفش) (١).\nثم ذكر أن الرسل كانوا قد ضرب لهم الأجل لجمعهم فقال: ﴿لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ (١٢)﴾\nأي أخرت (٢). قال الفراء: يعجب العباد من ذلك اليوم (٣).\nثم بين فقال: ﴿لِيَوْمِ الْفَصْلِ (١٣)﴾\nقال ابن عباس: يوم يفصل الرحمن بين العباد (٤)، وهذا كقوله: ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ (٤٠)﴾ [الدخان: ٤٠].\nثم عظم ذلك اليوم، وهوّل منه، فقال: قوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ (١٤)﴾.\nقال مقاتل: هذا تعظيم لشدته (٥).\nوقال الكلبي: يقول: وما علمك بيوم الفصل (٦).\nثم ذكر حال المكذبين الذين كذبوا بذلك اليوم فقال: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ\n_________\n(١) لم أعثر على مصدر لقوله، وما بين القوسين هو من قول الأخفش.\n(٢) التأجل لغة: الأجل: مدة الشيء، والآجل والآجلَةُ: ضد العاجلة \"الصحاح\" ٤/ ١٦٢١، (أجل).\n(٣) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٢٣ بنصه.\n(٤) \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٣٣، \"التفسير الكبير\" ٣٠/ ٢٧٠، \"لباب التأويل\" ٤/ ٣٤٤\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ٢٢٣/ ب.\n(٦) لم أعثر على مصدر لقوله.","vol":"23","page":85},{"text":"لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ (١)\nثم أخبر بما فعل بالكفار من الأمم الخالية فقال: ﴿أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ (١٦)﴾\nقال مقاتل: يعني بالعذاب في الدنيا حين كذبوا رسلهم (٢).\nقوله تعالى: ﴿ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ﴾ -قال (٣) -: يعني كفار مكة حين كذبوا محمدًا -ﷺ-. (٤)\nقال الفراء (٥)، والزجاج (٦): هو رفع على الاستئناف، على معنى: سنفعل ذلك، ويتبع الأول الآخر، ويدل على الاستئناف قراءة عبد الله: \"سنتبعهم\" (٧) فهذا تحقيق للرفع.\nوقال أبو علي: الجزم في: \"نُتْبِعْهُم\" (٨) على الإشراك في \"ألم\" ليس\n_________\n(١) الويل: ذكر بعض المفسرين أن ويل واد في جهنم فيه ألوان العذاب. انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ١٥٦.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ٢٢٣/ ب بمعناه، انظر: \"الوسيط\" ٤/ ٤٠٨.\n(٣) أي: مقاتل.\n(٤) لم أعثر على مصدر لقوله، وقد ورد بمثله في \"الوسيط\" ٤/ ٤٠٨ من غير عزو.\n(٥) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٢٣.\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٦٧.\n(٧) وردت قراءة ابن مسعود في \"الكشف والبيان\" ١٣/ ٢٣/ ب، \"زاد المسير\" ٨/ ١٥٦، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ١٥٧، وهي قراءة شاذة لعدم صحة سندها، ولعدم ورودها في كتب التواتر، وهي من باب التفسير والله أعلم.\n(٨) قرأ بذلك: الأعرج، وهي قراءة شاذة لعدم صحة سندها، ولوردها في \"المحتسب\" لابن جني ٢/ ٣٤٦، قال أبو الفتح بن جني: يحتمل جزمه أمرين:\nأحدهما: أن يكون أراد معنى قراءة الجماعة: \"نتبِعُهُمْ\" بالرفع، فأسكن العين استثقالا لتوالي الحركات. =","vol":"23","page":86},{"text":"بالوجه، ألا ترى أن الإهلاك فيما مضى، والإتباع للآخرين لم يقع مع الأول، فإذا كان كذلك لم يحسن الإشراك في الجزم، ولكن على الاستئناف (١) [أو] (٢) على [أن] (٣) يجعل خبر مبتدأ محذوف -قال- ويجوز الإسكان فيه للتخفيف لا للجزم (٤)، كما روي في بيت امرئ القيس:\nفاليوم أشرب غيرَ مُسْتَحْقِبٍ (٥)\nوقد تقدم القول فيه (٦).\nثم زاد تخويفًا لأهل مكة فقال: قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ﴾.\nأي: (مثل ما فعلنا بمن تقدم من الأمم، وموضع الكاف: نصب) (٧).\nثم ذكر بدو خلقهم لئلا يكذبوا بالبعث فقال:\n_________\n= والأخر: أن يكون جزمًا فيعطفه على قوله: \"نهلك\" فيجري مجرى قولك: ألم تزرني ثم أعطك؟ كقولك: فأعطاك ألم أحسن إليك ثم أُوال ذلك عليك.\n(١) وهو ما تحمله قراءة الجمهور.\n(٢) في (أ): أبو، والمثبت من مصدر الكلام، وهو \"الحجة\" ٦/ ٣٦٤.\n(٣) أن ساقطة من: أ، والمثبت من \"الحجة\"، وبه يستقيم المعنى، وينتظم الكلام.\n(٤) \"الحجة\" ٦/ ٣٦٤ بتصرف.\n(٥) عجز البيت: إثمًا من الله ولا واغِلِ\nوالبيت في \"ديوانه\" (١٤٩)، ط. دار صادر برواية: فاليوم أُسقى غير مستحقب. والمستحقب: المكتسب للإثم الحامل له، الواغل: الذي يدخل على القوم وهم يشربون من غير أن يدعى. (ديوانه).\n(٦) لم أستطع التوصل إلى الموضع المشار إليه.\n(٧) ما بين القوسين نقله عن الزجاج بتقديم وتأخير في الكلام. انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٦٧.","vol":"23","page":87},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4742>٢٠ </span>- قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (٢٠)﴾ وهذا كقوله: ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (٨)﴾ ﴿فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (٢١)﴾ (١) [السجدة: ٨]، وهذا مذكور في سورة المؤمنين (٢).\n﴿إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢٢)﴾ يعني مدة الحامل، ومنتهى الحمل.\n﴿فَقَدَرْنَا﴾ قال الكلبي: يعني خلقه، كيف يكون قصيرًا، وطويلًا، وذكرًا، وأنثى (٣).\nوفيه قراءتان: التخفيف، والتشديد (٤).\nقال الفراء: والمعنى فيهما واحد؛ لأن العرب تقول: قُدِر عليه الموت، والرزق، وقدِّر بالتشديد، وجه من احتج للتخفيف بقوله: ﴿فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ﴾ [المرسلات: ٢٣] لا يلزم؛ لأن العرب تجمع بين اللغتين، قال الله تعالى: ﴿فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ﴾ [الطارق: ١٧]، وقال الأعشى:\n_________\n(١) ومما جاء في \"تفسير من ماء مهين\": \"أي ماء ضعيف، وهو النطفة\".\n(٢) سورة المؤمنون: ١٢ - ١٣/ ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ﴾ ومما جاء في تفسير قوله: ﴿فِي قَرَارٍ مَكِينٍ﴾: \"القرار: يعني مستقر، مكين: أي مطمئن غير مضطرب، يقال: مكين بيّن المكانة. قال ابن عباس، والمفسرون في قوله: \"مكين\": يريد الرحم، مكن فيه بأن هيئ لاستقراره فيه، إلى بلوغ أمده الذي جعل له\".\n(٣) \"الوسيط\" ٤/ ٤٠٨.\n(٤) قرأ: أبو جعفر، ونافع، والكسائي: \"فقدَّرنا\" بالتشديد، وقرأ الباقون: \"فقَدَرْنا\" بالتخفيف.\nانظر: \"كتاب السبعة\" ٦٦٦، \"الحجة\" ٦/ ٣٦٥، \"حجة القراءات\" ٧٤٣، \"المبسوط\" ٣٩١، \"الكشف\" ٢/ ٣٥٨، \"النشر في القراءات العشر\" ٢/ ٣٩٧.","vol":"23","page":88},{"text":"وأنْكَرَتنْي وما كانَ الذي نَكِرَتْ (١) (٢)\nقال أبو علي: ويجوز أن يكون: \"نعم المقدرون\" فجاء على حذف الزوائد، نحو: دلو الدالي (٣)، وأجواز ليل غاضْ (٤) (٥). وذكرنا ذلك في قوله: ﴿الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾ (٦) [الحجر:٢٢].\n_________\n(١) عجز البيت: مِنَ الحوادثِ إلا الشَّيْبَ والصَّلَعا ..\nوموضع الشاهد: يقال: أنكرت الرجل إذا كنت من معرفته في شك، ونكرته إذا لم تعرفه. وقال معمر بن المثنى: نَكِرْته وأنْكَرْته بمعنى واحد.\nانظر: \"ديوانه\" ١٠٥ ط. دار صادر، \"مجالس العلماء\" للزجاجي ٢٣٥، \"الخصائص\" ٣/ ٣١، \"المحتسب\" ٢/ ٢٨٩، شرح أبيات \"معاني القرآن\" ٢٠٧؛ ش: ٤٦٧.\n(٢) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٢٣ - ٢٢٤ بتصرف يسير.\n(٣) هو من بيت للعجاج، وقد ورد في ديوانه: ٥٩: تح عزة حسن، \"لسان العرب\" ١٤/ ٢٦٥ (دلا) من قوله:\nيَجْفِلُ عن جَمَّاتِهِ دَلْوَ الدَّال ... غَيَايةً غَثراء مِنْ أجْنٍ طال\nيريد المُدلي، والطالي: الذي عليه الطلاوة تعلوه فتستره.\n(٤) أي: مغضٍ، وهذا من بيت لرؤبة:\nيخرجن من أجْواز ليل غاضِ ... نَضْوَ قداحِ النابلِ النواضي\nكأنما ينضحن بالخضخاض\nوالخضخاض: القطران، يريد أنها عرقت من شدة السير فاسودت جلودها، وليلة غاضية: شديدة الظلمة، ونار غاضية: عظيمة مُضيئة. انظر: \"لسان العرب\" ١٥/ ١٢٨، (غضا).\n(٥) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٦) ومما جاء في تفسير الآية:\n\"فإن قيل: كيف قال: لواقح وهي ملقحة؟ والجواب: ما ذهب إليه أبو عبيدة: أن لواقح هاهنا بمعنى ملاقح، جمع ملقحة، فحذفت الميم منه، ورُدت إلى الأصل =","vol":"23","page":89},{"text":"ثم بين لهم صنعه ليعتبروا فيوحدوه، فقال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4743>٢٥ </span>- قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا﴾ معنى الكفت في اللغة: الضم، والجمع، يقال: كَفَتُّ الشيء: أي ضممته فانكفت، أي انضم، ومنه قول أوس:\nكِرامٌ حين تَنْكَفِتُ الأفاعي ... إلى أجحارهنَّ من الصَّقيعِ (١)\nأي ينضم، قال أبو عبيدة: كفاتًا: أوعية، يقال للنِّحْي: كِفْتٌ، كِفت، وكفيت (٢)؛ لأنه يحوي اللبن ويضمه، ويقال أيضًا: جِرابٌ كَفِيتٌ وكِفتٌ إذا كان لا يضيِّع شيئًا مما يجعل فيه، ويقال للقدر أيضًا: كِفْتٌ، ومنه المثل: كِفْتٌ إلى وئيَّةٍ (٣).\n_________\n= نحو: قول رؤبة: * يخرجن من أزواج ليل غاض * يريد: مغض، وقد قال العرب: أبقل النبت، فهو بأقل، يجعلون بأقل بدلًا من مبقل، ففي هذا دليل على تعيين لا قح عن ملقح، وإلى قريب من هذا ذهب الفراء، فقال: إنه يجوز فاعل لمفعل، كما جاز لمفعول، نحو: ماء دافق، وسر كاتم، وليل نائم، وكما قيل المبروز بمعنى المبرز في قوله: الناطق المبروز والمختوم\nبمعنى أن هذه الأشياء لم يرد البناء على الفعل، واختار أبو علي -أيضًا- قول أبي عبيدة، فقال: لواقح بمعنى ملاقح على حذف الزيادة.\n(١) ورد البيت في كتاب \"سيبويه\" ٣/ ٥٧٧، وقد استشهد به على جواز جمع جحر على أجحار جمع قلة، أما الجحرة فهي جمع كثرة له، ولم ينسبه، \"المقتضب\" ٢/ ١٩٧، \"المخصص\" ٨/ ٨٥ المجلد الثاني، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ١٥٩ غير منسوب، ولم أعثر عليه في ديوانه.\nومعنى البيت: انكفت القوم إلى منازلهم: انقلبوا، وهي هنا بمعنى تنقبض، الصقيع: الذي يسقط من السماء بالثلج، ويعني: أنهم كرام إذا أجدب الزمان، واشتد البرد. \"المقتضب\" ٢/ ١٩٧ (حاشية).\n(٢) \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٨١ بتصرف يسير.\n(٣) \"مجمع الأمثال\": للميداني: ٣/ ٣٧، الكِفْتُ: القِدْر الصغيرة، والوئِيَّة: الكبيرة، =","vol":"23","page":90},{"text":"وقال: كفت وكفت إذا ضم شيئًا إلى شيء، ومنه الحديث: \" [و] (١) اكفتوا صبيانكم\" (٢)، وانْكَفَت الثوب إذا انضم وتقلص (٣).\nقال ابن عباس: يريد مساكن وقبورًا (٤).\nوقال مقاتل: تكفت الأحياء فيسكنون ظهرها، وتكفت الأموات في بطنها (٥).\nوقال مجاهد: تكفت الميت، فلا يرى منه شيء، والحي إذا أوى إلى بيته (٦).\n_________\n= والكفت من الكفت وهو الضم، سمي به؛ لأنه يكفت ما يلقى فيه، والوئيَّة من الوَأي، وهو الضخم، يقال: فرس وأي إذا كان ضخمًا، والأنثى وأية وآة.\nيضرب للرجل يحملك البَلِيَّة ... ثم يزيدك إليها أخرى صغيرة\n(١) في (أ): أو، والمثبت مثل ما جاء في الأحاديث.\n(٢) الحديث أخرجه:\nأبو داود في \"سننه\" ٢/ ٣٣٣ باب في إيكاء الآنية، عن جابر بن عبيد الله -رفعه- قال: \"واكفتوا صبيانكم عند العشاء\"، وقال مسدد: عند المساء، فإن للجن انتشارًا وخَطْفة.\nوالإمام أحمد في \"المسند\" ٣/ ٣٨٨.\nوقد أورد البخاري بمعنى هذا الحديث؛ قال: \"وأكفئوا صبيانكم\"، \"الجامع الصحيح\" ٢/ ٤٤٦ ح ٣٣١٦: كتاب بدء الخلق: باب إذا وقع الذباب في شراب أحدكم ... وخمس من الدواب فواسق .. ١٦.\n(٣) انظر (كفت) في \"تهذيب اللغة\" ١٠/ ١٤٦، \"مقاييس اللغة\" ٥/ ١٩٠، \"الصحاح\" ١/ ٢٦٣، \"لسان العرب\" ٢/ ٧٩، وجميعها لم تذكر بيت أويس.\n(٤) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ٢٢٣/ ب بمعناه.\n(٦) \"الدر المنثور\" ٨/ ٣٨٤ وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.","vol":"23","page":91},{"text":"وقال قتادة: تكفتهم أحياء فوقها على ظهرها، و\"أمواتًا\" إذا قبروا فيها (١). وهذا قول جماعة المفسرين (٢).\nقال الفراء: تكفتهم أحياء على ظهرها في دورهم ومنازلهم، وتكفتهم أمواتًا إذا قبروا فيها، في بطنها، أي تحفظهم وتحوزهم (٣)، -قال-: ونصبك (٤) الأحياء والأموات بوقوع الكفات عليه، كأنك قلت: ألم نجعل الأرض كفاتَ أحياءٍ وأمواتٍ، فإذا نونت نصبت، كما يقرأ: ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيمًا﴾. [البلد: ١٤، ١٥] (٥).\nوقال أبو علي: (إن كان الكفات مصدر الكفت، كما أن الكتاب مصدر الكتب، فقد انتصب (أحياء) به، كما انتصب بقوله: (أو إطعام) (يتيمًا) -قال-: وقد قيل: إن الكفات جمع الكافتة، فأحياء على هذا منتصب بالجمع كقوله: غُفُرٌ ذَنْبُهُمُ غَيرُ فُجُرْ (٦» (٧) وقال الكلبي: يريد على\n_________\n(١) \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٢٤٠، \"جامع البيان\" ٢٩/ ٢٣٧ بنحوه، \"النكت والعيون\" ٦/ ١٧٩ بنحوه.\n(٢) منهم: الشعبي أيضًا. انظر: \"جامع البيان\" ٢٩/ ٢٣٧، \"بحر العلوم\" ٣/ ٤٣٦، \"النكت والعيون\" ٦/ ١٧٩. وبه قال الزجاج في \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٦٧.\n(٣) في \"معاني القرآن\" تحرزهم ٣/ ٢٢٤.\n(٤) في (أ): صمك.\n(٥) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٢٤ بتصرف، وما ذهب إليه الفراء رجحه الطبري في \"جامع البيان\" ٢٩/ ٢٣٨.\n(٦) البيت لطرفة بن العبد، وصدره: ثم زادوا أنّهُمْ في قومهم.\nومعناه: غفر ذنبهم: أي يغفرون ذنب المذنب. غير فجر: أي ولا يفتخرون لرصانتهم. \"ديوانه\" ٥٥.\n(٧) ما بين القوسين من قول أبي علي، ولم أعثر على مصدر لقوله.","vol":"23","page":92},{"text":"ظهرها منازلهم، وعيشهم، وفي بطنها قبورهم (١).\nقوله تعالى ﴿شَامِخَاتٍ﴾ أي عاليات، وكل عال فهو شامخ، شمخ يشمخ شموخًا، ويقال للمتكبر: شمخ بأنفه، وجبل شامخ، وجبال شامخة، وشامخات، وشوامخ، أي طوال عالية في السماء مرتفعات، وكل هذا من ألفاظ المفسرين (٢)، وأهل المعاني (٣).\nقوله تعالى: ﴿وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا﴾ تقدم تفسيره عند قوله: ﴿فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ﴾ (٤).\nوقوله: ﴿هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ﴾ (٥) [الفرقان: ٥٣].\n_________\n(١) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٢) قال قتادة: يعني جبال، وعن ابن عباس: جبالًا مشرفات. انظر: \"جامع البيان\" ٢٩/ ٢٣٨، وإلى القول: عاليات مرتفعات ذهب البغوي: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٣٤، وابن عطية: \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤١٩، وابن الجوزي: \"زاد المسير\" ٨/ ١٥٧، والفخر الرازي: \"التفسير الكبير\" ٣/ ٢٧٤، والقرطبي: \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ١٦٠، والخازن \"لباب التأويل\" ٤/ ٣٤٤.\n(٣) ذهب إليه: الزجاج في \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٦٧.\nقال ابن فارس: شمخ: أجل صحيح يدل على تعظم وارتفاع، يقال: جبل شامخ: أي عالٍ، وشمخ فلان بأنفه: إذا تعظم في نفسه. انظر: (شمخ) في \"مقاييس اللغة\" ٣/ ٢١٢، \"تهذيب اللغة\" ٧/ ٩٦، \"لسان العرب\" ٣/ ٣٠.\n(٤) في (أ): وردت: أسقيناكم، والآية من سورة الحجر: ٢٢، ومما جاء في تفسيرها: \"ومعنى: \"فأسقيناكموه\": العرب تقول لكل ما كان من بطون الأنعام، أو من السماء، أو نهر يجري: أسقيت، أي جعلته شربًا له، وجعلت له منها مسْقى، فإذا كانت السقيا لشفته قالوا: سقاه، ولم يقولوا: أسقاه، وقال أبو علي: يقول: سَقَيْتُه حتى رُوي، وأسقيته نهرًا جعلته شِرْبًا له، وقوله: \"فأسقيناكموه\" أي جعلناه سقيًا لكم\".\n(٥) ومعنى قوله: \"فراتًا\": الفرات: أعذب المياه، وقد فرت الماء يفرت فروتة: إذا =","vol":"23","page":93},{"text":"قال مقاتل: وهذا كله أعجب من البعث (١). قال الله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ أي بالبعث.\nثم ذكر ما يقال لهم في الآخرة، فقال: ﴿انْطَلِقُوا إِلَى مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾.\nقال الكلبي: يقول لهم الخزنة: انطلقوا إلى ما كنتم به تكذبون في الدنيا (٢).\nثم ذكر ما أمروا بالانطلاق إليه، فقال: قوله تعالى: ﴿انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ﴾\nقال المفسرون (٣): (إن الشمس تدنو (٤) يوم القيامة من رؤوس (٥) الخلائق، وليس عليهم يومئذ لباس، ولا لهم كنان (٦)، فتلفحهم الشمس، وتسْفَعُهُم، وتأخذ بأنفاسهم، [ومد] (٧) ذلك اليوم وكربه، ثم ينجي الله برحمته من يشاء إلى ظل من ظلِّه، وهناك يقولون: ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ﴾ [الطور: ٢٧]، ويقول للمكذبين: ﴿انْطَلِقُوا إِلَى مَا كُنْتُمْ بِهِ\n_________\n= عذب، فهو فرات.\nوالفرات لغة: الماء العذْب، يقال: ماء فُرات، ومياه فُرات. انظر: \"مختار الصحاح\" ٤٩٤، \"المصباح المنير\" ٢/ ٥٥٨.\n(١) \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٣٤، ولم أعثر في تفسيره على هذا القول، أو نحوه.\n(٢) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٣) يعني به ابن قتيبة.\n(٤) في (أ): تدنوا.\n(٥) في (أ): روش.\n(٦) كنان: أي الغطاء، والجمع: أكنة، مثل: اغطية. \"المصباح المنير\" ٢/ ٦٥٧.\n(٧) في (أ): ود، وما أثبته من المصدر الأصلي للقول، وهو \"تأويل مشكل القرآن\" لابن قتيبة ٣١٩ لاستقامة المعنى، إذ لا يتحقق للمعنى فهم لو أثبت: ود.","vol":"23","page":94},{"text":"تُكَذِّبُونَ﴾ [المرسلات: ٢٩] من عذاب الله وعقابه، انطلقوا من ذلك إلى ظل من دخان نار جهنم قد سطع، ثم افترق ثلاث فرق، وكذلك شأن الدخان العظيم إذا ارتفع أن يتشعب، فيكونون (١) فيه إلى أن يفرغ من الحساب، كما يكون أولياء الله في ظل عرشه) (٢).\nثم وصف ذلك الظل فقال:\n﴿لَا ظَلِيلٍ﴾ (٣) (أي لا يظلُّكم من حَرِّ هذا اليوم؛ بل يدنيكم من لهب النار إلى ما هو أشد عليكم من حر الشمس) (٤).\n\"ولا يغني\" عنكم \"من اللهب\" أي لا يدفع عنكم من حره شيئًا (٥)؛\n_________\n(١) في (أ): فيكونوا، وما أثبته من \"تأويل مشكل القرآن\".\n(٢) ما بين القوسين نقله عن ابن قتيبة من \"تأويل مشكل القرآن\" ٣١٩ - ٣٢٠ بشيء من الاختصار، وحكاه الفخر عن المفسرين: \"التفسير الكبير\" ٣٠/ ٢٧٥.\nوعن قتادة في معنى الآية: قال: هو كقوله: ﴿نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾، والسرادق: دخان النار، فأحاط بهم سرادقها، ثم تفرق فكان ثلاث شعب، فقال: انطلقوا إلى ظل ذي ثلاث شعب: شعبة هاهنا، وشعبة هاهنا، وشعبة هاهنا. \"جامع البيان\" ٢٩/ ٢٣٩.\nوعن مجاهد قال: إن الشعبة تكون فوقه، والشعبة عن يمينه، والشعبة عن شماله، فتحيط به. \"النكت والعيون\" ٦/ ١٧٩.\nوعن الضحاك: أن الشعب الثلاث: الضريع، والزقوم، والغسلين. المرجع السابق، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ١٦١.\nوعن الماوردي: أن الثلاث الشعب: اللهب، والشرر، والدخان. \"النكت والعيون\" ٦/ ١٧٩.\n(٣) ﴿لَا ظَلِيلٍ وَلَا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ﴾.\n(٤) ما بين القوسين نقله بنصه من \"تأويل مشكل القرآن\" ٣١٩ - ٣٢٠.\n(٥) في (أ): كما يدفع عنكم حره شيئًا، والكلام مكرر لا فائدة فيه.","vol":"23","page":95},{"text":"كما يدفع الظل الحر.\nقال الكلبي: يريد: لا يرد لهب جهنم عنكم (١).\n(والمعنى: أنهم إذا استظلوا بذلك الظل لم يدفع عنهم حر اللهب، وهذا مثل قوله: ﴿وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ (٤٣) لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ﴾) (٢) [الواقعة: ٤٣ - ٤٤].\nثم وصف النار فقال: ﴿إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ﴾ (يقال: شررة، وشرر، وشرار، وهو: ما تطاير من النار متبددًا في كلِّ جهة، وأصله من: شررت الثوب إذا أظهرته، وبسطته للشمس، والشر ينبسط متبددًا، وأنشد (٣):\nتنزو إذا شجها المزاج ... كما طار شرار يطيره اللهب (٤)\nأو كَشَرارِ العَلاةِ يضربها ... القَيْنُ على كلِّ وِجهَةٍ تَثِبُ) (٥)\nيصف الشرر. في قوله: ﴿كَالْقَصْرِ﴾ قولان:\nأحدهما: أنه القصر من البناء.\nقال عطاء عن ابن عباس: يريد القصور العظام (٦).\n_________\n(١) \"الوسيط\" ٤/ ٤٠٩.\n(٢) ما بين القوسين نقله بتصرف عن ابن قتيبة \"تأويل مشكل القرآن\" ٣١٩ - ٣٢٠.\n(٣) لم ينسب البيت في \"التهذيب\" ١١/ ٢٧٢ (الشر)، ولا في \"اللسان\" ٤/ ٤٠١ (الشر).\n(٤) لم يذكر في المرجعين السابقين.\n(٥) ما بين القوسين نقله عن الأزهري. انظر: \"تهذيب اللغة\" ١١/ ٢٧٢ (الشر). وأيضًا انظر مادة الشر في كل من: \"مقاييس اللغة\" ٣/ ١٨٠، \"الصحاح\" ٢/ ٦٩٥، \"لسان العرب\" ٤/ ٤٠١.\n(٦) \"التفسير الكبير\" ٣٠/ ٢٧٦.","vol":"23","page":96},{"text":"وقال الكلبي: شبه الشرار من النار بالقصر من قصور الأعراب التي تكون على المياه (١).\nقال ابن عباس: يعني الحصون والمدائن (٢)، ونحو هذا روي عن ابن عباس، قال: كالقصر العظيم (٣)، وهو اختيار الفراء (٤)، وابن قتيبة (٥). وذكرنا تفسير القصر عند قوله: ﴿وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا﴾ [الفرقان: ١٠] (٦)\nالقول الثاني: في \"القصر\" أنها جمع قصْرة -ساكنة الصاد- مثل: جمْرة، وجمْر، وتمْرة، وتمْر (٧).\nقال المبرد: يقال للواحدة من جزل الحطب الغليظ: قصرة، والجمع: قصر (٨).\n_________\n(١) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٢) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٣) \"جامع البيان\" ٢٩/ ٢٣٩، \"الكشف والبيان\" ١٣/ ٢٤/ ب، \"الدر المنثور\" ٨/ ٣٨٤ وعزاه إلى ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وجميعها من طريق علي بن أبي صالح الوالبي.\n(٤) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٢٤، قال: يريد القصر من قصور مياه العرب.\n(٥) \"تفسير غريب القرآن\" ٥٠٧، وانظر أيضًا: \"تأويل مشكل القرآن\" ٣٢٠.\n(٦) ومما جاء في تفسير قوله: ﴿وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا﴾ أي بيوتًا مبنية مشيدة، ومعنى القصر في اللغة: الحبس، وسمي هذا المبنى قصرًا؛ لأن من فيه مقصور عن أن يوصل إليه، وكل شيء محوط على شيء فهو قصر.\n(٧) قرأ: الحسن بسكون الصاد. انظر: \"المحتسب\" ٢/ ٣٤٦، وهي قراءة شاذة لعدم صحة سندها، ولعدم ذكرها في كتب القراءات المتواترة، ورويت عن الحسن، وهو ممن اشتهر عنه بالقراءة الشاذة، وقد وردت هذه القراءة في كتب الشواذ.\n(٨) لم أعثر على مصدر لقوله.","vol":"23","page":97},{"text":"قال الحسن: هو الجزل من الخشب (١).\nوقال عبد الرحمن بن [عابس (٢)] (٣): سألت ابن عباس عن \"القصر\" فقال: خشب كنا ندخره للشتاء نقطعه، كنا نسميه القصر (٤).\nوهو قول سعيد بن جبير (٥)، ومقاتل (٦)، إلا أنهم قالوا: هي أصول النخل، والشجر العظام.\n_________\n(١) \"جامع البيان\" ٢٩/ ٢٤٠، \"الدر المنثور\" ٤/ ٣٨٦، وانظر: \"تفسير الحسن البصري\" ٢/ ٣٨٧.\n(٢) في (أ): عباس، والصواب: عابس، وهو ما ورد في \"جامع البيان\" ٢٩/ ٢٤٠، و\"الجامع الصحيح\" للبخاري ٣/ ٣١٩: ح ٤٩٣٢، وقد ورد في \"معالم التنزيل\" عبد الرحمن بن عباس، وهو تصحيف كما أسلفت بيانه.\n(٣) عبد الرحمن بن عابس بن ربيعة النخعي الكوفي، روى عن عبد الله بن عباس، ثقة، روى له الجماعة سوى الترمذي.\nانظر: \"التاريخ الكبير\" ٥/ ٣٢٧ ت ١٠٣٨، \"الإكمال\" ٦/ ١٧، \"تهذيب التهذيب\" ٦/ ٢٠١.\n(٤) ورد قوله بمعناه في \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٣٤١، \"جامع البيان\" ٢٩/ ٢٤٠، \"الكشف والبيان\" ١٣/ ٢٤/ ب، \"النكت والعيون\" ٦/ ١٨٠، \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٢٠، \"التفسير الكبير\" ٣٠/ ٢٧٦، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ١٦١، \"لباب التأويل\" ٤/ ٣٤٥، \"الدر المنثور\" ٨/ ٣٨٥.\nوانظر: \"الجامع الصحيح\" للبخاري ٣/ ٣١٩ - ٣٢٠ ح ٤٩٣٢ - ٤٩٣٣: \"كتاب التفسير\" باب: ٢، ٣.\nوقال القرطبي عن قول ابن عباس بأنه أصح ما قيل في تفسير الآية. \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ١٦٣.\n(٥) \"الكشف والبيان\" ١٣/ ٢٤/ ب، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٣٤، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ١٦١ - ١٦٢. وانظر: \"تفسير سعيد بن جبير\" ٣٦٥.\n(٦) لم أعثر على مصدر لقوله.","vol":"23","page":98},{"text":"ولعل هذا التفسير على قراءة من قرأ بفتح \"الصاد\" (١) على أن الزجاج قال في \"التسكين\" القصر: جمع قصرة، وهو الغليظ من الشجر (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4744>٣٣ </span>- قوله ﷿: ﴿كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ﴾ يعني: كان ذلك الشرر.\nقال ابن قتيبة: ووقع تشبيه الشرر بـ[القصر] (٣) في مقاديره، ثم شبهه في لونه بالجمالات الصُّفر (٤).\n(والجمالات: جمع جِمَال كما يقال: رجالٌ ورجالات، وبُيُوتٌ، وبيوتاتٌ، ومن قرأ \"جمالة\" (٥)، فهي جمع: جَمَل، كما قالوا: حجر، وحجارة، وَذَكر وذِكارة) (٦).\n_________\n(١) وقد قرأ بذلك: ابن عباس، وسعيد بن جبير: \"كالقِصَر\" بكسر القاف، وفتح الصاد، وعنهما أيضًا: \"كالقَصَر\" القاف والصاد مفتوحتان. انظر: \"المحتسب\" ٢/ ٣٤٦.\nوهي قراءة شاذة لعدم صحة السند، ويقال فيها ما قيل بقراءة تسكين الصاد.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٦٨.\nوالذي يرجحه الطبري أنه القصر من القصور؛ لدلالة قوله: \"كأنه جمالات صفر\" على صحته، والعرب تشبه الإبل بالقصور المبنية. \"جامع البيان\" ٢٩/ ٢٤١.\n(٣) في (١): بالصقر، وأثبت ما جاء في مصدر القول، وهو \"تفسير غريب القرآن\" ٣٢٠.\n(٤) \"تفسير غريب القرآن\" ٣٢٠.\n(٥) قرأ على التوحيد: حمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم، وخلف: وذلك بكسر الجيم، وحذف الألف التي بعد اللام.\nوقرأ الباقون، وهم: ابن كثير، ونافع، وأبو بكر عن عاصم، وأبو عمر، وابن عامر، ويعقوب، وأبو جعفر: \"جِمالات\" بألف، وكسر الجيم.\nانظر: \"الحجة\" ٦/ ٣٦٥، \"الكشف\" ٢/ ٣٥٨، كتاب \"التبصرة\" ٧١٨، \"تحبير التيسير\" ١٩٦، \"المهذب\" ٢/ ٣١٨.\n(٦) ما بين القوسين نقله عن الزجاج باختصار، انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٦٨.","vol":"23","page":99},{"text":"هذا قول الفراء (١)، والمبرد (٢)، وزاد أبو علي فقال: \"جمال\": جمع بالألف، والتاء، على صحيح البناء، كما جمع على تكسيره في قولهم: \"جمائل\"، وأما جمالة، فإن التاء لحقت جمالًا لتأنيث الجمع، كما لحقت في: فحْل وفِحالة، وذَكر وذِكارة، ومثل لحاق \"الهاء\" في فِعالة لحاقها في [فُعوله] (٣) نحو: عمومة، وخيوطة (٤) (٥).\nوقوله: ﴿صُفْرٌ﴾\nقال ابن عباس: يريد الإبل السود، يقال له: أورق، وأصفر (٦).\nقال الكلبي: الصفر: السود (٧)، (٨)، وهو قول مقاتل (٩)، وقتادة (١٠).\nقال الفراء: الصفر: سُود الإبل، ألا ترى أسوَدَ من الإبل إلا وهو مشربٌ صفرة، لذلك سمت العرب سودَ الإبل: صفرًا، كما سمّوا أبيض\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٢٥ بتصرف.\n(٢) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٣) في (أ): فعول، والمثبت ما جاء في مصدر القول، وهو \"الحجة\".\n(٤) خيوطه: خيط مثل فحولة، زادوا الهاء لتأنيث الجمع. \"لسان العرب\" ٧/ ٢٩٨ (خيط).\n(٥) \"الحجة\" ٦/ ٣٦٥ - ٣٦٦ نقله عنه باختصار.\n(٦) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٧) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٨) قوله: ويقال: له أورق، وأصفر، قال الكلبي: الصفر السود. وهو كلام مكرر من الناسخ.\n(٩) \"تفسير مقاتل\" ٢٢٤/ أ.\n(١٠) \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٣٤١، \"جامع البيان\" ٢٩/ ٢٤١، والعبارة عنده فيها: نوق سود.","vol":"23","page":100},{"text":"الظباء أُدْمًا لما يعلوها من الكدرة في بياضها (١).\nونحو هذا قال الزجاج (٢)، وغيره (٣)، وأنشدوا (٤):\nتِلْكَ خَيْلي منها وتِلْكَ ركابي\nهُنَّ صُفْرٌ أولادُها كَالزَّبيبِ (٥)\nأي: سود.\nقال ابن قتيبة: والشرر إذا تطاير فسقط وفيه بقية من لون النار أشْبه شيء بالإبل السود لما يشوبها من الصفرة (٦).\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٢٥ بتصرف يسير.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٦٨.\n(٣) كأبي عبيدة في \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٨١، وابن قتيبة في \"تفسير غريب القرآن\" ٥٠٧، وابن الأنباري في كتاب \"الأضداد\" (١٦٠).\nوإليه ذهب البغوي في \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٣٥، وابن عطية في \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٢٠، وساق ابن الجوزي قول الفراء في \"زاد المسير\" ٨/ ١٥٩، والقرطبي في \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ١٦٢.\n(٤) البيت للاعشى.\n(٥) ورد البيت في \"ديوانه\" ٢٧ ط دار صادر، برواية: \"منها\" بدلًا من: \"منه\"، وفي (صفر) في \"تهذيب اللغة\" ١٢/ ١٧٠، \"الصحاح\" ٢/ ٧١٤، \"لسان العرب\" ٤/ ٤٦٠.\nوورد في \"تفسير غريب القرآن\" (٥٠٧)، \"الكشف والبيان\" ١٣/ ٢٥/ ب، \"النكت والعيون\" ٦/ ١٨، \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٢٠، وسائر المراجع السابقة، وكلها برواية: \"خيلي منه\" بدلًا من \"منها\".\nويراد: \"صفر\" أي: سود. ديوانه.\n(٦) \"تأويل مشكل القرآن\" (٣٢١) بنصه.","vol":"23","page":101},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4745>٣٥ </span>- قال: ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ﴾، قال الكلبي: هذا في بعض مواطن يوم القيامة لا يتكلمون، ويتكلمون في ساعة أخرى (١) (٢).\nوروى قتادة أن رجلًا جاء إلى عكرمة، فقال: أرأيت قول الله: ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ﴾، ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ [الزمر: ٣١]، فقال: إنها مواقف، فأما موقف منها فتكلموا، واختصموا، ثم ختم الله على أفواههم فتكلمت أيديهم، وأرجلهم، فحينئذ لا ينطقون (٣).\nوقال مقاتل: هذا في بعض المواطن حين يختم الله على أفواههم مقدار أربعين سنة (٤)، ونحو هذا ذكر الفراء (٥)، والزجاج (٦).\nقال الفراء: وأراد بقوله: \"يوم لا ينطقون\" تلك الساعة، وذلك القدر من الوقت الذي لا ينطقون فيه، كما تقول: أتيتك يوم يقدمُ فلان، والمعنى: ساعة يقدم، وليس باليوم كله؛ لأن القدوم إنما يكون في ساعة يسيرة، ولو كان يومًا كله، لما جاز إضافته إلى الفعل لسرعة انقضاء القدوم، فإنه لا يمتد يومًا كله، وإنما استجازت العرب ذلك لأنهم يريدون: آتيك إذا قدم فلان، وإذا يقدم [فإذًا] (٧) يطلبان الفعل، فلما كان اليوم\n_________\n(١) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٢) يقصد بذلك قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ﴾ الآية: ٦٥ من سورة يس.\n(٣) بمعناه في \"زاد المسير\" ٨/ ١٥٩.\n(٤) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٥) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٢٦ بمعناه.\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٦٨، وعبارته: \"يوم القيامة له مواطن ومواقيت، فهذا من المواقيت التي لا يتكلمون فيها\".\n(٧) في (أ): وإذًا مكرر، والصواب: أيضًا، فإذًا كما هو في \"معاني القرآن\".","vol":"23","page":102},{"text":"والليل، وجميع المواقيت في معناهما أضيفت إلى فعل، ويفعَل (١).\nوقال أهل المعاني: معنى قوله: \"لا ينطقون\" أي بما فيه لهم حجة، ومن نطق بما لا يفيد، فكأنه لم ينطق، وهذا كما تقول لمن تكلم بما لا يفيد: تكلمت ولم تتكلم (٢). يدل على صحة هذا المعنى ما روي عن بعضهم (٣): أنه قال: وأي حجة لهم يقيمونها، أم بأي عذر يعتذرون، وقد أعرضوا عن [مُنعمهم] (٤)، وجحدوا ربوبيته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4746>٣٦ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ قال الفراء: [رويت] (٥): بالفاء أن يكون نسقًا على ما قبلها، واختير ذلك؛ لأن الآيات بالنون، ولو قيل: فيعتذروا لم يوافق الآيات، وقد قال الله: ﴿لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا﴾ [فاطر: ٣٦] بالنصب، وكلٌّ صواب، ومثله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ﴾ [البقرة: ٢٤٥، الحديد ١١] بالنصب، والرفع (٦).\nوالعرب تستحب وفاق الفواصل كما تستحب وفاق القوافي، والقرآن نزل على ما تستحب العرب (٧) من موافقة المقاطع، ألا ترى أنه قال: ﴿إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ﴾ [القمر: ٦]، فثقل في \"اقتربت\" لأن آياتها مثقلة.\nوقال في موضع آخر: ﴿وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا﴾ [الطلاق: ٨]، فاجتمع\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٢٦ نقله عنه بتصرف.\n(٢) انظر: \"التفسير الكبير\" ٣٠/ ٢٧٩، ورد بمعنى هذا القول عنده من غير عزو.\n(٣) بهذا المعنى روي عن الحسن. انظر: المرجع السابق.\n(٤) غير واضحة في (أ)، وقد رسمت هكذا منعهم.\n(٥) في (أ): ويت، والمثبت من \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ٢٢٦.\n(٦) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٢٦ بتصرف يسير.\n(٧) في (أ): العرب، وهي لفظ مكرر لا معنى لزيادتها.","vol":"23","page":103},{"text":"القراء (١) على تثقيل الأول، وتخفيف الثاني ليوافق كل منهما ما قبله. وقال: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾ [الرحمن: ٥] وقال في موضع آخر: ﴿عَطَاءً حِسَابًا﴾ [النبأ: ٣٦]، وهو كثير.\nوأما رفع يعتذرون بالعطف على \"يؤذن\" أي ليس يؤذن، ولا يعتذرون، هذا لم يؤذن لهم لم يعتذروا.\nقوله تعالى: ﴿هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ﴾ أي القضاء والفصل بين أهل الجنة والنار، وأهل الحق والباطل.\n﴿جَمَعْنَاكُمْ﴾ يعني مكذبي هذه الأمة.\n﴿وَالْأَوَّلِينَ﴾ يعني الذين كذبوا سائر النبيين.\nقوله: ﴿فَإِنْ كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ﴾ قال عطاء: يريد: كنتم في الدنيا\n_________\n(١) لم يجتمع القراء -على ما ذكره-، وإنما كان هناك اختلاف، قال أبو علي: (اختلفوا في التخفيف والتثقيل من قوله: \"نكرًا\" [الكهف: ٧٤]، فقرأ ابن كثير، وحمزة، وأبو عمرو، والكسائي: \"نُكْرًا\" خفيفة في كل القرآن إلا قوله: ﴿إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ﴾ [القمر: ٦]، وخفف ابن كثير أيضًا: \"إلى شيء نكْر\".\nوقرأ ابن عامر، وعاصم في رواية أبي بكر في كل القرآن: \"نُكْرًا\".\nو\"نُكُر\" مثقل.\nحفص عن عاصم: \"نُكْرًا\" خفيفة.\nواختلف عن نافع، فروى إسماعيل بن جعفر: \"نُكْرًا\"، خفيفًا في كل القرآن إلا قوله: \"إلى شيء نُكُر\" فإنه مثقل.\nوروى ابن جماز، وقالون، والمسيبي، وأبو بكر بن أبي أويس، وورش عن نافع: \"نُكْرًا\" مثقل في كل القرآن.\nنصر، عن الأصمعي، عن نافع: \"نُكُرًا\" مثقل).\nثم بين أن ذلك كله جائز. \"الحجة\" ٥/ ١٥٩.","vol":"23","page":104},{"text":"تحاربون محمدًا -ﷺ-، وتحاربونني، فاليوم حَاربون (١).\nوقال الكلبي: يقول: إن استطعتم أن تصنعوا شيئًا فاصنعوا (٢).\nوقال مقاتل: يقول: فإن كان لكم حيلة فاحتالوا لأنفسكم (٣).\nثم ذكر المؤمنين فقال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4747>٤١ </span>- ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ﴾ قال عطاء: يريد المهاجرين والأنصار، والتابعين بإحسان (٤).\nوقال الكلبي (٥)، ومقاتل (٦): إن المتقين للشرك بالله.\n﴿فِي ظِلَالٍ﴾ يعني: ظلال الشجر، وظلال [أكنان (٧)] (٨) القصور.\nثم قال لكفار مكة:\n﴿كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا﴾ يريد في الدنيا إلى منتهى آجالهم.\n﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ﴾ إذا أمروا بالصلوات الخمس لا يصلون مع محمد -ﷺ-. (٩)\n_________\n(١) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٢) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٣) بمعناه في \"تفسير مقاتل\" ٢٢٤/ أ، قال: \"إن كان لكم مكر فامكروا\"، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٣٥، \"فتح القدير\" ٥/ ٣٦٠.\n(٤) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٥) \"التفسير الكبير\" ٣٠/ ٢٨٢ بنحوه.\n(٦) المرجع السابق، وورد بمعناه في \"تفسير مقاتل\" ٢٢٤/ أ، قال: يعني به الموحدين.\n(٧) غير مقروءة في (أ)، وما أثبته من \"الوسيط\" ٤/ ٤١٠.\n(٨) أكنان: الكِنُّ، والكِنَّةُ، والكنانُ: وقاء كل شيء وستره، والكِنُّ: البيت أيضًا، والجمع: أكنان، وأكِنَّةٌ، الكِن: ما يرد الحر والبرد من الأبنية والمساكن.\nانظر: \"لسان العرب\" ١٣/ ٣٦٠ (كنن)، المفردات في \"غريب القرآن\" ٤٤٢.\n(٩) قال ابن الجوزي -في هذا المعنى-: \"هو الأصح\". \"زاد المسير\" ٨/ ١٥٩.","vol":"23","page":105},{"text":"قوله تعالى: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾.\nقال مقاتل (١)، وغيره (٢): يقول: إن لم يصدقوا بهذا القرآن، فبأي كتاب بعد هذا القرآن يصدقون، ولا كتاب بعد القرآن كقوله: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ [الجاثية: ٦].\nوقال أبو إسحاق: أي بأي حديث يؤمنون بعد القرآن الذي أتاهم فيه البيان، وهو معجز دليل على الإسلام (٣)؟\n_________\n= وهناك من قال: إنهم يدعون إلى السجود يوم القيامة. المرجع السابق.\n(١) \"تفسير مقاتل\" ٢٢٤/ أمختصرًا.\n(٢) قال بذلك: السمرقندي في \"بحر العلوم\" ٣/ ٤٣٧.\nوإليه ذهب ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٨/ ١٥٩، والقرطبي في \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ١٦٧.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٦٩ بتصرف.","vol":"23","page":106},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4748>سورة النَّبأ</span>","vol":"23","page":107},{"text":"تفسير سورة النبأ <span data-type=\"title\" id=toc-4749>(١)</span>\nبسم الله الرحمن الرحيم\n\n١ - ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾ قال أبو إسحاق: أصله: (عَنْ ما)، وأدغمت النون في الميم؛ لأن الميم تشرك [النون في] (٢) الغُنَّة (٣) في الأنف (٤).\nوقال صاحب النظم: أصله: (عما)، وهم إذا وضعوا (ما) في الاستفهام حذفوا ألفها تفرقة بينها وبين أن يكون اسمًا مثل قولهم: (فيم)، و(بم)، و(لم)، و(علام)، و(حتام) (٥).\nوقال غيره: حذفت الألف لاتصالها بحرف الجر حتى صار كجزء منه\n_________\n(١) يقال لها: النَّبأ، والتساؤل، والمعصرات. انظر: \"الإتقان\" ١/ ١٥٩. وهي مكية بقول الجميع. انظر: \"جامع البيان\" ٣٠/ ١، \"الكشف والبيان\" ج: ١٣/ ٢٥/ أ، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٣٦، \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٢٣، \"زاد السير\" ٨/ ١٦٠، \"التفسير الكبير\" ٣/ ٣١، وغيرها من كتب التفسير.\n(٢) ساقطة من النسخة، والمثبت من مصدر القول، وبه تستقيم العبارة.\n(٣) الغنة: صوت هوائي يخرج من الخيشوم، لا عمل للسان فيه، والغنة: صفة مركبة في جسم حرف النون، وجسم حرف الميم مطلقًا. \"حق التلاوة لحسني شيخ عثمان\": ١٠٧.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٧١ بتصرف يسير.\n(٥) \"التفسير الكبير\" ٣١/ ٣، وعزاه الفخر إلى الجرجاني، ويراد به صاحب النظم، وانظر: \"كتاب سيبويه\" ٤/ ١٦٤.","vol":"23","page":109},{"text":"لتنبئ عن شدة الاتصال مع تخفيف الكلام بحذف حرف الاعتلال (١).\nقال مقاتل: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾ استفهام (٢)، وذلك أن كفار مكة قالوا: ما يخبركم هذا الرجل، وما جاء به، فأنزل الله: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾.\nوقال الحسن: لما بعث النبي -ﷺ- جعلوا يتساءلون بينهم، فنزلت: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾ (٣).\nقال المفسرون (٤): إنهم اختلفوا واختصموا في أمر محمد -ﷺ-، ولما جاء به، فجعلوا يتساءلون عما جاء به، فأنزل الله تعالى: (عم يتساءلون عن النبأ العظيم).\nقال أبو إسحاق: اللفظ [لفظ] (٥) الاستفهام، والمعنى تفخيم القصة، كما تقول: أي شيء زيدٌ (٦).\nثم بين فقال: ﴿عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ﴾ المعنى: يتساءلون عن النبأ العظيم، وفي انتظام الاثنين وجوه:\nأحدها: (أن الكلام تم عند قوله: (يتساءلون) ثم قال: (عن النبأ\n_________\n(١) لم أعثر على مصدر القول، ولا على قائله، وانظر: \"مغني اللبيب\" لابن هشام ٢/ ١٣٥.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ٢٢٤/ أ.\n(٣) \"جامع البيان\" ٣٠/ ١، \"الدر المنثور\" ٨/ ٣٩٠ وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن مردويه. وانظر: \"تفسير الحسن البصري\" ٢/ ٣٨٧، \"لباب النقول في أسباب النزول\" للسيوطى ٢٢٦.\n(٤) حكاه ابن الجوزي عن المفسرين \"زاد المسير\" ٨/ ١٦١، ونقل الشوكاني عن الواحدي قول المفسرين في \"فتح القدير\" ٥/ ٣٦٢ - ٣٦٣.\n(٥) في (أ): لفظه، والمثبت من مصدر القول: \"معانى القرآن وإعرابه\".\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٧١ بنصه.","vol":"23","page":110},{"text":"العظيم)، ويكون التقدير: يتساءلون عن النبأ العظيم إلا أنه حذف يتساءلون لدلالة يتساءلون في الآية الأولى عليه. وهذا قول البصريين، واختيار أبي حاتم (١).\n\nوعند الكوفيين: أن الآية الثانية متصلة بالأولى على تقدير: لأي شيء يتساءلون عن النبأ العظيم، و(عم) كأنها في المعنى: لأي شيء) <span data-type=\"title\" id=toc-4750>(٢)</span>، وهذا قول الفراء (٣).\nوقال صاحب النظم: قوله: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾ استفهام وسؤال يقتضي جوابًا من غير السائل المستفهم.\n\n٢ - ثم قال: ﴿عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ﴾ فكان الجواب والسؤال من وجهة واحدة -قال- ويحتمل أيضًا أن يكون معنى قوله: ﴿عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ﴾ استفهامًا على تأويل: عن النبأ العظيم الذي هم فيه مختلفون؛ إلا أنه اقتصر على ما قبله من الاستفهام إذ هو متصل به، وكالترجمة والبيان كما ترى في قوله: ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٢]، بكسر الألف من غير استفهام، وهو موضع الاستفهام؛ لأن، إنكارهم بما كان للبعث، ولكنه لما ظهر الاستفهام في أول الكلام اقتصر عليه (٤).\nومعنى: (النبأ العظيم) القرآن في قول جميع المفسرين، وهو قول\n_________\n(١) تقدمت ترجمته في سورة النساء.\n(٢) ما بين القوسين نقله الإمام الواحدي عن النحاس من كتابه \"القطع والائتناف\" ٢/ ٧٨٠ بتصرف.\n(٣) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٢٧.\n(٤) لم أعثر على مصدر لقوله.","vol":"23","page":111},{"text":"الكلبي (١)، ومقاتل (٢)، ومجاهد <span data-type=\"title\" id=toc-4751>(٣)</span>، وقتادة (٤)، وسفيان (٥).\nوقال أهل المعاني: النبأ العظيم: الخبر العظيم الشأن؛ وذلك أنه ينبئ عن التوحيد، وصفة الإله، وتصديق رسوله، والخبر عما يجوز، وعما لا يجوز، وعن البعث، والنشور، والنفخ في الصور، وقيام الناس من القبور (٦).\nوروي عن قتادة (٧)، وابن زيد (٨) في (النبأ العظيم) أنه البعث، وهذا كقوله: ﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾ [ص: ٦٧] الآية.\n\n٣ - قوله تعالى: ﴿الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ﴾ فمن مصدق به ومكذب (٩)،\n_________\n(١) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ٢٢٤/ ب.\n(٣) \"تفسير الإمام مجاهد\" ٦٩٤، \"جامع البيان\" ٣٠/ ٢، \" الكشف والبيان\" ج: ١٣/ ٢٥/ أ، \"النكت والعيون\" ٦/ ١٨٢، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٣٦ وعزاه إلى مجاهد والأكثرين من المفسرين، \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٢٣، \"زاد المسير\" ٨/ ١٦١، \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٤٩٢، \"الدر المنثور\" ٨/ ٣٩٠ وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، وعبد الرزاق، ولم أجده عنده.\n(٤) \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٣٤٢، \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٢٣، \"زاد المسير\" ٨/ ١٦١.\n(٥) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٦) لم أعثر على مصدر لقوله\n(٧) \"جامع البيان\" ٣٠/ ٢، \"النكت والعيون\" ٦/ ١٨٢، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٣٦، \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٢٣، \"زاد المسير\" ٨/ ١٦١، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ١٦٨، \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٤٩٢.\n(٨) بمعناه في \"جامع البيان\" ٣٠/ ٢، \"النكت والعيون\" ٦/ ١٨٢، وبمثله في \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٤٩٢.\n(٩) وهو قول قتادة، ومجاهد. انظر: \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٣٤٢، \"جامع البيان\" ٣٠/ ٢، \"الدر المنثور\" ٨/ ٣٩٠.","vol":"23","page":112},{"text":"وعلى هذا يجب أن يكون هذا الاختلاف بين الكافرين والمؤمنين؛ لأن المؤمنين صدقوا، والكافرين كذبوا.\nوإن كان الاختلاف بين الكافرين في القرآن، فيكون معناه: أن بعضهم جعله سحرًا، وبعضهم قالوا: إنه أساطير (١) الأولين، وبعضهم جعله. كَهانة (٢)، على ما ذكرنا في قوله: ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾ (٣) [الحجر: ٩١].\nقال مقاتل: (فأوعد الله من كذب بالقرآن، فقال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4752>٤ - ٥ </span>- قوله تعالى: ﴿كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (٤) ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ﴾ وعيد على أثر وعيد) (٤)، ونحو هذا قال عطاء (٥)، والكلبي (٦)، أن الآيتين وعيد للمشركين\n_________\n(١) الأساطير: هي الأباطيل، والأساطير: أحاديث لا نظام لها، واحدتها: إسطار، وإسطارة بالكسر، وأُسطير، وأُسطيرة، وأُسطور، وأسطورة. \"لسان العرب\" ٤/ ٦٣: (سطر).\n(٢) الكهانة: الكاهن: الذي يتعاطى الخبر عن الكائنات في مستقبل الزمان، ويدعي معرفة الأسرار، وحرفته: الكهانة. \"لسان العرب\" ١٣/ ٣٦٢ (كهن).\n(٣) ومما جاء في تفسيرها: (ذكر أهل اللغة في واحد عضين قولين: أحدهما: أن واحدها عضه، وأصلها عضوه من عضيت الشيء إذا مزقته، وكل قطعة عِضة، والتعضية التجزئة والتفريق. قال ابن عباس في قوله: (جعلوا القرآن عضين) يريد جزؤوه أجزاء، فقالوا: سحر، وقالوا: أساطير الأولين، وقالوا: مفترى.\nالقول الثاني: إنها عضه، وأصلها: عضهه، فاستثقلوا الجمع بين هاتين، فقالوا: عضه، وهي من العضه بمعنى الكذب\".\n(٤) ما بين القوسين من قول مقاتل. \"تفسير مقاتل\" ٢٢٤/ ب.\n(٥) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٦) لم أعثر على مصدر لقوله.","vol":"23","page":113},{"text":"على معنى: سيعلمون عاقبة تكذيبهم حين تنكشف الأمور.\n(والقراء على (الياء) في (سيعلمون) في الآيتين (١).\nوروي بالتاء عن ابن عامر (٢)، والوجه (بالياء)؛ لأن ما تقدم من قولهم: (هم فيه مختلفون) على لفظ الغيبة، و(التاء) على قل لهم ستعلمون) (٣).\nوقال الضحاك: الآية الأولى للكفار، والثانية للمؤمنين (٤).\nأي سيعلم الكفار عاقبة تكذيبهم، وسيعلم المؤمنون عاقبة تصديقهم، والقول هو الأول؛ لأن المراد بالتكرير تأكيد التهديد.\nومعنى (كلا) للنفي؛ لاختلافهم، لا اختلاف فيه.\nقال الكلبي: هو رد على الذين كذبوا (٥).\nوقال عطاء: يريد الذين لا يؤمنون (٦).\n_________\n(١) قرأ بذلك: نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وعاصم، وحمزة، والكسائي. انظر: \"الحجة\" ٦/ ٣٦٧، \"القراءات وعلل النحويين فيها\" ٢/ ٧٤١. وانظر: \"بحر العلوم\" ٣/ ٤٣٨،\"الكشف والبيان\" ج: ١٣/ ٢٦/ أ، \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٢٣، \"تفسير أبي العالية\" ٢/ ٦٢٤، تح الورثان.\n(٢) قرأ ابن عامر وحده بالتاء في الآيتين. انظر: \"الحجة\" ٦/ ٣٦٧، \"القراءات وعلل النحويين فيها\" ٢/ ٧٤١. وانظر: \"زاد المسير\" ٨/ ١٦٢، \"فتح القدير\" ٥/ ٣٦٣.\n(٣) ما بين القوسين نقله عن أبي علي في \"الحجة\" ٦/ ٣٦٧ بتصرف.\n(٤) \"جامع البيان\" ٣٠/ ٣، \"الكشف والبيان\" ج: ١٣/ ٢٦/ أ، \"للنكت والعيون\" ٦/ ١٨٣، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٣٦، \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٢٣ - ٤٢٤، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ١٦٩، \"الدر المنثور\" ٨/ ٣٩٠، وانظر: \"القطع والائتناف\" ٢/ ٧٨٠.\n(٥) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٦) لم أعثر على مصدر لقوله.","vol":"23","page":114},{"text":"ثم ذكر صنعه ليعرفوا توحيده، فقال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4753>٦ </span>- قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا﴾ أي فراشًا، وبساطًا، ووطاء (١).\n(والمعنى: ذللناها للخلق حتى سكنوها، وساروا في مناكبها) (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4754>٧ </span>- ﴿وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا﴾ أي للأرض حتى لا تميد بأهلها.\n<span data-type=\"title\" id=toc-4755>٨ </span>- ﴿وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا﴾ (أصنافًا: ذكرانًا وإناثًا، وقيل: ألوانًا) (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-4756>٩ </span>- ﴿وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا﴾ قال الليث: السبات: النوم، شبهُ غَشْية، يقال: سُبّت المريض، فهو مَسبوت (٤).\nقال مقاتل: سباتًا لكل ذي عين، والنائم مسبوت لا يعقل، كأنه ميت (٥)، وهذا قول أبي عبيدة (٦)، والمبرد (٧)، جعلا في معنى السبات الغشية التي تغشى الإنسان شبه الموت، وليس بموت؛ لأنه لم تفارقه الروح.\nقال المبرد: أي جعلنا نومكم يَخرجون منه إلى انتباه، تقول العرب: رجل مسبوت، إذا كان النوم يغالبه، وهو يدافعه، ولا يزال النوم يغلبه\n_________\n(١) وطأ: وطئ الأرض، ونحوها، يطأ، ووطُؤ الموضع، صار وطيئًا. انظر: مختار \"الصحاح\" ٧٢٧ (وطأ). وطئته برجلي، أطؤه وطأ: علوته. انظر: \"المصباح المنير\" ٢/ ٨٢٩ (وطئ).\n(٢) ما بين القوسين نقله عن الزجاج. انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٧٢.\n(٣) ما بين القوسين نقله عن الزجاج. المرجع السابق. وقد أورد الثعلبي بنحوه، قال: \"أصنافًا: ذكورًا وإناثًا\". \"الكشف\" ج: ١٣/ ٢٦/ أ.\n(٤) \"تهذيب اللغة\" ٢/ ٣٨٧ (سبت). وانظر: \"التفسير الكبير\" ٣١/ ٧.\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ٢٢٤/ ب.\n(٦) \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٨٢، وعبارته: (ليس بمرت رجل مسبوت فيه روح).\n(٧) لم أعثر على مصدر لقوله.","vol":"23","page":115},{"text":"وينتبه (١).\nوقال ابن الأعرابي: في قوله: (سباتًا) أي قطعًا، والسَّبت: القطع، كأنه إذا نام فقد إنقطع عن الناس (٢).\nوقال أبو إسحاق: السُّباتُ: أن ينقطع عن الحركة، والروح في بدنه، أي جعلنا نومكم راحة لكم (٣).\nواختار هذا القول ابن قتيبة، قال: معناه: جعلنا النوم راحة لأبدانكم، ومنه قيل: يوم السبت يوم الراحة، قيل لبني إسرائيل: استريحوا في هذا اليوم، فلا تعملوا شيئًا (٤).\nوأنكر ذلك ابن الأنباري، وقال: لا يقال للراحة سبات، ولا يقال: سبت بمعنى استراح، ومعنى الآية: وجعلنا نومكم قطعًا لأعماركم؛ لأن أصل السبت القطع (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4757>١٠ </span>- ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا﴾ قال عطاء: يريد لتسكنوا فيه، وتأووا\n_________\n(١) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٢) \"تهذيب اللغة\" ١٢/ ٣٨٦ (سبت)، وانظر: \"لسان العرب\" ٢/ ٣٧ (سبت).\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٧٢ بنصه.\n(٤) \"تأويل مشكل القرآن\" ٧٩ - ٨٠ نقله عنه مختصرًا، وانظر: \"تفسير غريب القرآن\" ٥٠٨.\n(٥) \"تهذيب اللغة\" ١٢/ ٣٨٦ - ٣٨٧ (سبت)، وانظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ١٦٩.\nوما مضى من الأقوال تتناول المعنى اللغوي، فالسبت لغة يطلق على: السبت: من الأيام، وأيضًا برهة من الدهر، والسبت: القطع، والسُّبات: من النوم شبه الغشية، والمسبوت: الميت، والمغشي عليه، والسُّبات: النوم، وأصله الراحة. انظر: \"تهذيب اللغة\" المرجع السابق، \"لسان العرب\" ٢/ ٣٧ - ٣٩ (سبت).","vol":"23","page":116},{"text":"إليه (١)، ونحو هذا قال مقاتل: يعني سكن، كقوله: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧] (٢).\nقال أبو إسحاق: أي يسكنون فيه، وهو مشتمل [عليكم] (٣).\nوقال أهل المعاني: إنما سمي الليل لباسًا لأنه يلبس كل شيء بظلمته (٤).\nستر اللباس من الثوب، ومنه قول ذي الرمة:\nفلمَّا لبسْن الليلَ أو حينَ نصَّبتْ ... له مِنْ خذا آذانها وَهْوَ جانِحُ (٥)\nفجعل الليل يلبس، وإذا لبس فهو لباس، واللباس ساتر، وكذا الليل ساتر بظلمته كل شيء (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4758>١١ </span>- ﴿وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا﴾ يقال: عاش يعيش عيشًا، ومعاشًا، ومعيشة، وعيشة، ومعنى المعاش: المطعم والمشرب، وما يكون به\n_________\n(١) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٢) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٣) في (أ): عليه والمثبت من المعاني.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٧٢ بتصرف يسير.\n(٥) ورد البيت في \"ديوانه\" ٢/ ٨٩٧، \"جامع البيان\" ٣٠/ ٣.\nومعناه: لبسن الليل: أي دخلن فيه، وقوله: أو حين نصبت له من خذا آذانها: يريد نصبت آذانها لبرد الليل، كانت قد خفضتها، كانت منكبات الرؤوس، ثم رفعت رؤوسها، ونصبت آذانها في ذا الوقت. حين جنح الليل، أي: دنا، والخذا الاسترخاء. \"ديوانه\" ٨٩٧ - ٨٩٨.\n(٦) لم أعثر على مصدر لقولهم، وقد أورد الطبري معنى قول أهل المعاني. انظر: \"جامع البيان\" ٣٠/ ٣.","vol":"23","page":117},{"text":"الحياة، وكل شيء يعاش به فهو معاش (١).\nومعنى المعاش -هاهنا- المنصرف للعيش، ولهذا قال سفيان: مبتغى (٢).\nوقال عطاء: يريد يبتغون فيه من فضل الله ربكم، وما قسم لكم فيه من رزقه (٣).\nوقال مقاتل: يعني لطلب المعيشة (٤).\nوالمعنى: مكناكم في النهار للتصرف في المعاش، ولابد من تقدير حذف المضاف؛ لأن المعنى: وجعلنا النهار مبتغى معاش، أو طلب معاش.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4759>١٢ </span>- ﴿وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا﴾ يريد سبع سموات غلظ كل واحدة مسيرة خمس مائة عام.\n<span data-type=\"title\" id=toc-4760>١٣ </span>- قوله تعالى: ﴿سِرَاجًا وَهَّاجًا﴾ قال أبو عبيدة (٥)، والمبرد (٦): الوهاج: الوقاد، وهو الذي له وهج، يعني بها الشمس، ويقال لحر الشمس والنار: وهج (٧).\n_________\n(١) \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٥٩ (عيش)، وانظر: \"لسان العرب\" ٦/ ٣٢١ (عيش).\n(٢) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٣) لم أعثر على مصدر لقوله. وقد وردت في \"الوسيط\" برواية عطاء عن ابن عباس:\n(٤) ورد بمعناه في \"تفسير مقاتل\" ٢٢٤/ ب.\n(٥) \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٨٢.\n(٦) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٧) قال الليث: الوَهج: حر النار والشمس من بعيد، وقد توهجت النار ووهجت. \"تهذيب اللغة\" ٦/ ٣٥٤ (وهج)، وانظر: \"لسان العرب\" ٢/ ٤٠١ (وهج).","vol":"23","page":118},{"text":"قال الفراء: وهجت تهج وهجًا، ووهجًا، ووهجانًا (١).\nقال ابن عباس: وقادًا (٢).\nوقال الكلبي عنه: مضيئًا (٣).\nوجمع بينهما مقاتل فقال: جعل فيهما نورًا وحرًا (٤).\nوقال مجاهد (٥)، وقتادة (٦): متلألئًا.\n(والوهج: يجمع النور والحر، ويقال للجَوْهر إذا تلألأ: توَهَّج) (٧) ومنه قول الشاعر يصف النَّوْر:\nنوارها متباهج يتوهج (٨)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4761>١٤ </span>- قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا﴾ قال مجاهد (٩)،\n_________\n(١) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٢) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٣) \"جامع البيان\" ٣٠/ ٤، \"زاد المسير\" ٨/ ١٦٢.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ٢٢٤/ ب بمعناه، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٣٧، \"فتح القدير\" ٥/ ٣٦٤.\n(٥) \"تفسير الإمام مجاهد\" ٦٩٤، \"جامع البيان\" ٣٠/ ٤ بنحوه، \"النكت والعيون\" ٦/ ١٨٤، \"الدر المنثور\" ٨/ ٣٩١ وعزاه إلى الفريابي، وعبد بن حميد، وابن المنذر.\n(٦) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٧) ما بين القوسين نقله عن \"تهذيب اللغة\" ٦/ ٣٥٤ (وهج)، وانظر: \"لسان العرب\" ٢/ ٤٠١ (وهج).\n(٨) لم أجد من نسب البيت لقائل معين فيما اطلعت عليه من المصادر، وقد ورد تحت (بهج) في \"تهذيب اللغة\" ٦/ ٦٤، \"لسان العرب\" ٢/ ٢١٦، \"تاج العروس\" ٢/ ١٠، وجممعها برواية \"نواره\" بدلًا من \"نوارها\". وانظر: \"التفسير الكبير\" ٣١/ ٩.\n(٩) \"تفسير الإمام مجاهد\" ٦٩٤، \"جامع البيان\" ٣٠/ ٥، \"الكشف والبيان\" =","vol":"23","page":119},{"text":"ومقاتل (١)، وقتادة (٢): يعني الرياح.\nقال الأزهري: سميت الرياح مُعْصِرات: إذا كانت ذوات أعاصير، واحدها: إعصار (٣).\nو(من) على هذا القول قامت مقام (الباء) كأنه قال: وأنزلناها بالمعصرات (٤).\n[وقال] (٥) عطاء (٦)، ومقاتل (٧):\nإن (تلك) (٨) ريح تجلب المطر.\n_________\n= ١٣/ ٢٦٠ أ، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٣٧، \"زاد المسير\" ٨/ ١٦٣، \"التفسير الكبير\" ٩/ ٣١، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ١٧٠، \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٤٩٣، \"الدر المنثور\" ٨/ ٣٩١ وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، والفريابي، \"فتح القدير\" ٥/ ٣٦٤.\n(١) \"تفسير مقاتل\" ٢٢٥/ ب، وانظر: المراجع السابقة عدا تفسير مجاهد، و\"جامع البيان\"، و\"الجامع لأحكام القرآن\".\n(٢) المراجع السابقة جميعها، وانظر: \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٣٤٢، وعزاه صاحب الدر للخرائطي في مكارم الأخلاق.\n(٣) \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٥ (عصر)، نقله عنه بتصرف.\n(٤) وبه قال الثعلبي في \"الكشف والبيان\" ١٣/ ٢٦ أ. وضعف هذا القول ابن منظور في \"لسان العرب\" ٤/ ٥٧٨: (عصر).\n(٥) في (أ): وقاله.\n(٦) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٧) ورد معنى قوله في \"تفسير مقاتل\" ٢٢٥/ أ، كما ورد قوله في \"الكشف والبيان\" ١٣/ ٢٦/ أ، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٣٧، \"زاد المسير\" ٨/ ١٦٣، \"التفسير الكبير\" ٣١/ ٩، \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٤٩٣، \"فتح القدير\" ٥/ ٣٦٤.\n(٨) في (أ): ذلك.","vol":"23","page":120},{"text":"وقال أبو العالية (١)، والربيع (٢): هي السحاب.\nواختلفوا في معنى تسمية السحاب، ووصفها بالمعصرات.\nقال الفراء: السحابة المعصر التي تتحلب بالمطر، ولما تجتمع، مثل الجارية المعصر، قد كادت تحيض، ولما تَحِضْ (٣).\nقال الأزهري: وأهل اللغة في الجارية المعصر على خلاف ما [ذكره الفراء] (٤).\nقال أبو عبيد عن أصحابه: إذا أدركت الجارية فهي معصر، وأنشد (٥):\nقَدْ أعْصَرَتْ أوْ قَدْ دَنا إعْصَارُها (٦)\n_________\n(١) المراجع السابقة بالإضافة إلى \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٢٤، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ١٧٠، \"البحر المحيط\" ٨/ ٤١١، \"تفسير أبي العالية\" ٢/ ٦٢٥؛ رسالة ماجستير غير منشورة، تح: الورثان.\n(٢) المراجع السابقة بالإضافة إلى: \"جامع البيان\" ٣٠/ ٥، \"النكت والعيون\" ٦/ ١٨٤.\n(٣) لم أعثر على قوله في \"معاني القرآن\"، ولكن وجدته في \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٦: (عصر)، و\"لسان العرب\" ٤/ ٥٧٨ (عصر).\n(٤) ما بين المعقوفين ساقط من: أ، وأثبت ما رأيته أنه يستقيم به المعنى وينتظم الكلام، وقد بين الأزهري في \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٧، (عصر) أن أهل اللغة على خلاف، وما قاله الفراء في معنى \"المعصر\" ففهم أن الساقط من الكلام ما أثبته. والله أعلم.\n(٥) الرجز لمنظور بن مرثد الأسدي، ونسبه في \"الدر\" لأبي النجم العجلي ٦/ ٤٦٢، ولم أجده في ديوان أبي النجم.\n(٦) تمام الرجز:\nجارية بسفوان دارها\nتمشي الهوينى مائلًا خمارها\nمعصرة أو قد دنا إعصارها\nوقد ورد في \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٧ (عصر)، \"لسان العرب\" ٤/ ٥٧٦.","vol":"23","page":121},{"text":"وقال الكسائي: المعصر التي قد راهقت العشرين (١).\nوقال ابن الأعرابي: المعْصِر: ساعةَ تطمُث؛ لأنها تُحبس في البيت يجعل لها عَصرًا، قال: وكل حِصن يتحصَن به فهو عَصَر (٢).\nوقال غير الفراء: إنما قيل للسحابة معصر تشبيهًا بالجارية المعصر لانعصار دم حيضتها، ونزول ماء تريبتها للجماع، يقال: اعتصرت الجارية إذا بلغت هذه الحالة (٣).\nوقال أبو إسحاق: المعصرات: السحائب؛ لأنها تعصر الماء.\nوقيل: معصرات كما يقال: أجزَّ (٤) الزرع أي صار إلى أن يجز، وكذلك صار المطر إلى أن يمطر فيعصر (٥).\nوقال المبرد: من قال في المعصرات إنها السحاب فمعناه: أنها ممسكات الماء من العصر، وهو الملجأ الذي يمنع اللاجئ إليه، وكذلك العصر، والمعتصر (٦).\nوقال المازني (٧): أعصرت السحابة إذا ارتفع لها غبار شديد، وهو\n_________\n(١) \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٧، (عصر) ..\n(٢) المرجع السابق.\n(٣) المرجع السابق.\n(٤) أجز، وجزَّ الزرع: حان أن يزرع. \"لسان العرب\" ٥/ ٣٢١ (جز).\nوفي مختار \"الصحاح\" جَزَّ البُرَّ، والنَّخْل، والصوف من باب ردَّ، و\"المجز\": بالكسر ما يجز به، وهذا زمن \"الجزاز\" بفتح الجيم وكسره، أي زمن الحصاد، وصرام النخل، و\"أجز\" البُرُّ، والنَّخل، والغنم: حان له أن يُجَزَّ. ١٠٢ - ١٠٣.\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٧٢ بتصرف يسير.\n(٦) بمعناه في \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ١٧١.\n(٧) تقدمت ترجمته في سورة البقرة.","vol":"23","page":122},{"text":"الإعصار (١).\nوعلى هذا: يجوز أن تكون المعصرات ذوات الأعاصير من السحاب.\nواختار الأزهري أن تكون المعصرات في هذه الآية بمعنى السحاب. قال: وهو أشبه بما أراد الله ﷿؛ لأن الأعاصير من الرياح ليست من رياح المطر، وقد وصف الله المعصرات بالماء الثجاج (٢).\nوقال البعيثُ (٣) في المعصرات، فجعلها سحائب ذوات مطر:\nوذي أُشُر كأقحوان تشوفُه ... ذهابُ الصبا والمعصرات الدوالح (٤)\nوالدوالح: من نعت السحاب، لا من نعت الرياح، وهي التي أثقلها الماء (٥» (٦).\nوقوله: ﴿ثَجَّاجًا﴾ الثج: شدة الانصباب، يقال: مطر ثجاج، ودم ثجاج أي: صباب (٧).\nقال الأزهري: يقال: ثججته الماء، وأثججته فثج يثج، وقد ثججته\n_________\n(١) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٢) \"تهذيب اللغة\" ٣/ ١٦ (عصر) نقله عنه بتصرف يسير، وانظر: \"لسان العرب\" ٤/ ٥٧٨ (عصر).\n(٣) تقدمت ترجمته في سورة القلم.\n(٤) ورد البيت في (عصر) في \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٦، \"لسان العرب\" ٤/ ٥٧٨.\n(٥) هذا البيان لمعنى البيت من قول الأزهري، وتتمته: (قال: وهي التي أثقلها الماء، فهي تَدْلَح أي تمشي مشي المثقل، والذهاب: الأمطار. \"تهذيب اللغة\" ٣/ ١٦ - ١٧.\n(٦) ما بين القوسين نقله عن \"تهذيب اللغة\". المرجع السابق.\n(٧) انظر: مادة (ثج) في \"مقاييس اللغة\" ١/ ٣٦٧، \"لسان العرب\" ٢/ ٢٢١.","vol":"23","page":123},{"text":"أثج، وثَجَّ الماء ثجًا، ومطر ثجوج إذا انصب، وماء ثجاج شديد الانصباب، وقد ثبت أن الثج يكون لازمًا بمعنى الانصباب، ويكون واقعًا بمعنى انصب (١).\nوالثجاج في هذه الآية: المتدفق المنصب. قاله قتادة (٢)، ومقاتل (٣).\nوقال أبو إسحاق: معنى ثجاج: صَبَّاب (٤)، وعلى هذا هو من الثج الواقع، كأنه يثج نفسه، أي يصب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4762>١٥ </span>- قوله تعالى: ﴿لِنُخْرِجَ بِهِ﴾، بذلك الماء.\n﴿حَبًّا﴾، يعني: ما يأكله الناس من الحبوب.\n﴿وَنَبَاتًا﴾، مما تنبته الأرض مما يأكله الأنعام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4763>١٦ </span>- ﴿وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا﴾، قال أبو عبيدة: ملتفة من الشجر، ليس بينها خلال (٥).\nقال الأخفش (٦)، والكسائي (٧): واحدها: (لِفٌّ) بالكسر، وزاد الكسائي: (لُفٌ) بالضم.\n_________\n(١) \"تهذيب اللغة\" ١٠/ ٤٧٢ (ثج).\n(٢) \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٣٤٢، \"جامع البيان\" ٣٠/ ٦، \"زاد المسير\" ٨/ ١٦٣ هامش النسخة الأزهرية، وبمعناه في \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٣٧، \"التفسير الكبير\" ٣١/ ١٠، \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٤٩٣.\n(٣) \"التفسير الكبير\" ٣١/ ١٠، \"زاد المسير\" ٨/ ١٦٣.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٧٢ بنصه\n(٥) \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٨٢ بنصه.\n(٦) \"معاني القرآن\" ٢/ ٧٢٧، قال: وواحدها: اللُّفُّ.\n(٧) \"التفسير الكبير\" ٣١/ ١٠، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ١٧٢، \"فتح القدير\" ٥/ ٣٦٥.","vol":"23","page":124},{"text":"وأنكر أبو العباس الكسر، وقال: لم يسمع شجرة (لَفٌّ)، ولكن واحدها: (لَفَّاء)، وجمعها (لُفٌّ)، وجمع (لُفّ) (أَلْفاف) (١).\nقال المفسرون: يعني: بساتين ملتفة النبات والشجر (٢).\nقال أبو إسحاق: أعلم الله ﷿ بما خلق أنه قادر على البعث فقال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4764>١٧ </span>- قوله تعالى: ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا﴾ (٣) يعني يوم القضاء بين الخلق كان ميقاتًا.\nقال عطاء: يريد ميقاتًا للأنبياء والمرسلين (٤).\nوقال غيره: يعني لما وعد من الثواب والعقاب (٥).\n_________\n(١) \"تهذيب اللغة\" ١٥/ ٣٣٣ (لف).\nوالصواب في واحد (الألفاف) أن الألفاف جمع لَفّ، أو لفيف، وذلك أن أهل التأويل مجمعون على أن معناه: ملتفة، واللفاء هي الغليظة، وليس الالتفاف من الغلظ في شيء إلا أن يوجه إلى أنه غلظ الالتفاف، فيكون ذلك حينذ وجهًا. قاله الطبري: \"جامع البيان\" ٣٠/ ٧.\n(٢) وإلى معنى هذا القول ذهب: ابن عباس، وقتادة، وسفيان الثوري، وابن زيد، قالوا: ملتفة بعضها ببعض. انظر: \"جامع البيان\" ٣٠/ ٧. وبه قال: الزجاج في \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٧٢، والبغوي في \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٣٧، وابن عطية في \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٢٥، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٨/ ١٦٣، والقرطبي في \"الجامع لأحكام القرآن\": ١٩/ ١٧٢.\n(٣) إلى الآية ينتهي قول أبي إسحاق \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٧٢.\n(٤) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٥) قال بذلك: الماوردي في \"النكت والعيون\" ٦/ ١٨٥ في أحد الوجهين.\nوانظر هذا القول في \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٣٧، \"زاد المسير\" ٨/ ١٦٣، \"التفسير الكبير\" ٣١/ ١١، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ١٧٣.","vol":"23","page":125},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4765>١٨ </span>- قوله تعالى: ﴿فَتَأْتُونَ أَفْوَاجً﴾ قال مجاهد (١)، ومقاتل (٢): زمرًا زمرًا من كل مكان للحساب.\nوقال عطاء: كل نبي يأتي معه أمَّته (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4766>١٩ </span>- ﴿وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ﴾: لنزول الملائكة.\n﴿فَكَانَتْ أَبْوَابًا﴾: والآية من باب حذف المضاف؛ لأن التقدير: وكانت ذات أبواب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4767>٢٠ </span>- ﴿وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ﴾: عن أماكنها.\n﴿فَكَانَتْ سَرَابًا﴾: أي هباء منبثًا لعين الناظر، كالسراب بعد شدتها وصلابتها (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4768>٢١ </span>- قوله تعالى: ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا﴾ قال الأزهري: المرصاد: المكان الذي يرصد الراصد فيه العدو نحو (المضمار) الموضع الذي يضمر فيه الخيل (٥).\n_________\n(١) بمعناه في \"تفسير الإمام مجاهد\" ٦٩٤، \"جامع البيان\" ٣٠/ ٨.\n(٢) لم أعثر على مصدر لقوله، وقد ورد في \"الوسيط\" ٤/ ٤١٣ بمثل قوله من غير عزو.\n(٣) ورد قوله في \"التفسير الكبير\" ٣١/ ١١.\n(٤) جاء بنحوه عن الطبري في \"جامع البيان\" ٣٠/ ٨.\n(٥) \"تهذيب اللغة\" ١٢/ ١٣٧ (رصد).\nوقال ابن فارس: (رصد: أصل واحد، وهو التهيُّؤ لِرقبة شيء على مَسْلكه، ثم يحمل على ما يشاكله، يقال: أرصدت له كذا، أي هيأته له، كأنك جعلته على مَرصده، رصدته، أرصده، أي ترقبته، وأرصدت له، أي أعددت، والمرصد: موقع الرَّصد، والرَّصد: القوم يرصدون، والرصد: الفِعل).\n\"مقاييس اللغة\" ٢/ ٤٠٠ (رصد).","vol":"23","page":126},{"text":"وقال المبرد: مَرصادًا محلًا يرصد، أي هو معد لهم (١).\nوالمرصاد -على هذا- المكان والمحل الذي يرصد به، أي هو معد لهم، وجهنم مرصاد يرصد به خزنتها الكفار.\nقال أبو إسحاق: يَرْصُدُ أهل الكفر، ومن حق عليه العذاب (٢)، وهو قول الحسن قال: يرصدهم والله (٣).\nوعلى هذا يجوز أن يكون المرصاد مفعالًا من الرصد، وهو الترقب.\nبمعنى: ذلك يكثر منه، والمفعال من أبنية المبالغة، كالمعطار، والمعمار، وهو لمن دام منه الفعل) (٤).\nثم بين أنها مرصاد لمن، فقال: ﴿لِلطَّاغِينَ﴾ قال ابن عباس (٥)، ومقاتل (٦): يريد للمشركين الضالين.\nوقوله: ﴿مَآبًا﴾ بدل من قوله: (مرصادًا).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4769>٢٣ </span>- قوله تعالى: ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾\nوقرأ حمزة (لبثين فيها) (٧)، .......\n_________\n(١) بمعناه ورد في \"زاد المسير\" ٨/ ١٦٤.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٧٣ بنصه.\n(٣) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٤) ما بين القوسين انظر فيه: كتاب ما تلحن فيه العامة لأبي الحسن علي بن حمزة الكسائي: ١٢٤.\n(٥) \"زاد المسير\" ٨/ ١٦٤.\n(٦) بمعناه في \"تفسير مقاتل\" ٢٢٥/ ب، \"الكشف والبيان\" ج: ١٣/ ٢٧/ ب.\n(٧) وقرأ الباقون: (لابثين) بألف، وحجتهم: مجيء المصدر على (اللُّبْث) يدل على أنه من باب: شرب يشرب، ولقِم يلقَم، فهو: شارب، ولا قم. وليس من باب: فرق يفرق، ولو كان منه لكان المصدر مفتوح العين، فلما سكّن وقيل: اللُّبْث.","vol":"23","page":127},{"text":"وهما بمعنى واحد (١)، يقال: لابث، ولبث، مثل: طامِع، وطَمِعَ، وفارَه، وفره، وهو كثير. قاله الفراء (٢)، والزجاج (٣).\nوقوله: ﴿أَحْقَابًا﴾ (واحدها: حُقُب، وهو ثمانون سنة -عند أهل اللغة-، والحقب: السنون، واحدها: حِقْبة، وهي زمان من الدهر لا وقت له) (٤)، ومنه قول متمم (٥):\nوكنَّا كَنَدْمانَيْ جّذِيمَةَ حِقْبَةً ... من الدَّهْرِ حتَّى قيلَ أنْ يَتَصّدَّعا (٦).\nوذكرنا تفسير الحقب عند قوله: ﴿أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا﴾ [الكهف: ٦٠].\nقال عطاء عن ابن عباس (٧)، ومقاتل في قوله: (حقبًا): الحقب\n_________\n= وجب أن يكون اسم الفاعل (فاعلًا) لما كان اللُّبْث كاللقم.\nانظر: \"الحجة\" ٦/ ٣٦٩، \"حجة القراءات\" ٧٤٦، \"الكشف\" ٢/ ٣٥٩، \"تحبير التيسير\" ١٩٦، \"المهذب\" ٢/ ٣٢.\n(١) لبث: أصل يدل على تَمكُّث، يقال: لَبِثَ بالمكان أقام، واللَّبْث واللباث: الْمُكْثُ. وقد لَبِث يَلْبثُ لَبْثًا -على غير قياس-، فهو لابِثٌ، ولَبِثٌ. انظر (لبث) في \"مقاييس اللغة\" ٥/ ٢٢٨، \"الصحاح\" ١/ ٢٩١.\n(٢) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٢٨.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٧٣، وعبارته: (وَلَبثين: يقال: لبث الرجل، فهو لابث، ويقال: هو لبث بمكان كذا، أي صار اللبث شأنه).\n(٤) ما بين القوسين نقله عن الأزهري من \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٧٣ (حقب)، وقد تضمن قولي الليث والكسائي. وانظر أيضًا المعنى اللغوي في (حقب) في \"مقاييس اللغة\" ٢/ ٨٩، \"الصحاح\" ١/ ١١٤، \"لسان العرب\" ١/ ٣٢٦.\n(٥) تقدمت ترجمته في سورة يوسف.\n(٦) ورد البيت في \"المفضليات\": تح: شاكر: ٥٣٥ برواية: (لن يتصدعا)، ديوان \"المفضليات\" للضبي (٥٣٥) برواية: (لن يتصدعا)، \"جامع البيان\" ٣٠/ ١٠.\n(٧) \"جامع البيان\" ٣٠/ ١١ مختصرًا جدًا، \"التفسير الكبير\" ٣١/ ١٤، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ١٧٦، \"الدر المنثور\" ٨/ ٣٩٥ مختصرًا.","vol":"23","page":128},{"text":"الواحد بضع وثمانون سنة، والسنة: ثلاث مائة يوم وستون يومًا، اليوم: ألف سنة من أيام الدنيا (١).\nوروي عن علي أنه سأل هلالًا الهجري: ما تعدون الحقب فيكم؟ قال: نجده في كتاب الله مائة سنة، والسنة: اثنا عشر شهرًا، والشهر: ثلاثون يومًا، واليوم: ألف سنة (٢).\nوقال قتادة: الحقب ثمانون سنة من سني الآخرة (٣).\nوقال الحسن: الأحقاب لا يدري أحد ما هي، ولكن الحقب الواحد سبعون ألف سنة، اليوم منها كألف سنة مما تعدون (٤).\n_________\n(١) \"التفسير الكبير\" ٣١/ ١٤.\n(٢) \"زوائد الزهد\" لابن المبارك ٩٠ ح: ٣١٨، \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٣٤٢ بنحوه، وبرواية: ثمانون بدلًا من مائة، \"جامع البيان\" ٣٠/ ١١، بمثل رواية \"تفسير عبد الرزاق\"، \"الكشف والبيان\" ١٣/ ٢٨/ أ، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٣٨ مختصرًا، \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٢٦، \"التفسير الكبير\" ٣١/ ١٤، \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٤٩٤ برواية: ثمانون سنة، وكذا في \"الدر المنثور\" ٨/ ٣٩٥ وعزاه إلى الفريابي، وهناد، وعبد بن حميد، وابن المنذر، و\"فتح القدير\" ٥/ ٣٦٧.\n(٣) \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٣٤٢، \"جامع البيان\" ٣٠/ ١١، \"الدر المنثور\" ٨/ ٣٩٤ وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.\n(٤) \"الكشف والبيان\" ج ١٣/ ٢٨/ ب، \"جامع البيان\" ٣٠/ ١١ - ١٢، \"النكت والعيون\" ٦/ ١٨٦ مختصرًا، \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٢٦ مختصرًا، \"التفسير الكبير\" ٣١/ ١٤، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ١٧٦، \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٤٩٤ مختصرًا، \"الدر المنثور\" ٨/ ٣٩٤ وعزاه إلى عبد حميد، وانظر: \"تفسير الحسن البصري\" ٢/ ٣٨٩.","vol":"23","page":129},{"text":"ونحو هذا قال الفراء (١)، والزجاج (٢) في الحقب: (أنه ثمانون سنة، كل يوم منها مقدار ألف سنة من سني الدنيا.\nفإن قيل: الأحقاب وإن طالت، فإنها إلى انتهاء، وقد أخبر الله تعالى أنهم خالدون في النار؟ قيل: ليس في الأحقاب ما يدل على غاية، وإنما يدل على الغاية التوقيت، كقولك: خمسة أحقاب، أو عشرة أحقاب، فالمعنى: أنهم يلبثون فيها أحقابًا، كلما مضى حقب تبعه حقب آخر) (٣).\nوهذا معنى قول الحسن: لم يجعل الله لأهل النار مدة؛ بل قال: (أحقابًا)، فوالله ما هو إلا أنه إذا مضى حقب دخل آخر، كذلك إلى الأبد (٤).\nوقال أبو إسحاق: المعنى أنهم يلبثون أحقابًا لا يذوقون في الأحقاب بردًا، ولا شرابًا، وهم خالدون فيها أبدًا، كما قال الله تعالى (٥) (٦).\nوعلى هذا: الأحقاب توقيت لنوع من العذاب، وهو [مدمهم] (٧)\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٢٨ مختصرًا.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٧٣.\n(٣) ما بين القوسين: من قول الفراء، وقد ذكره الأزهري في \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٧٣، وذكر أيضًا في حاشية \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٢٨، وانظر أيضًا \"لسان العرب\" ١/ ٣٢٦ (حقب).\n(٤) \"الكشف والبيان\" ج ١٣/ ٢٨/ أ - ب.\n(٥) أي في قوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [التوبة: ٦٨]، وقد استشهد الزجاج بهذه الآية على قوله.\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٧٣.\n(٧) غير مقروءة في (أ)، ولعلها [منهم].","vol":"23","page":130},{"text":"البرد، والشراب، لا لمقدار اللبث (١).\nوقال الأزهري: والقول ما قاله الزجاج، وهو بين لا ثواب فيه (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4770>٢٤ </span>- قوله تعالى: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا (٢٤)﴾ يجوز أن يكون الضمير في قوله: (فيها) لجهنم (٣).\nويجوز أن يكون للأحقاب (٤) على ما قاله أبو إسحاق (٥).\nوأما (البرد) فقال عطاء عن ابن عباس: يريد النوم، و(لا شرابًا) يريد الماء (٦).\nوقال مقاتل: لا يذوقون في جهنم بردًا ينفعهم من حرها، ولا شرابًا ينفعهم من عطشها (٧).\n_________\n(١) قال القرطبي -بعد عرضه للأقوال في معنى الأحقاب وتحديده- \"هذه الأقوال متعارضة، والتحديد في الآية للخلود يحتاج إلى توقيف يقطع العذر، وليس ذلك بثابت عن النبي -ﷺ-، وإنما المعنى -والله أعلم- أي لابثين فيها أزمانًا ودهورًا كلما مضى زمن يعقبه زمن، ودهر يعقبه دهر، هكذا أبد الآبدين من غير انقطاع\" \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ١٧٧. وهذا معنى قول الحسن. كما ذهب الشوكاني أيضًا إلى أن المقصود بالآية التأبيد لا التقييد. \"فتح القدير\" ٥/ ٣٦٦.\n(٢) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٣) وعليه يكون الكلام مستأنفًا مبتدأ. انظر: \"التفسير الكبير\" ٣١/ ١٥.\n(٤) عن الكرماني: عود الضمير إلى الأحقاب من غريب التفسير. \"غرائب التفسير\" ٢/ ١٢٩٧.\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٧٣.\n(٦) \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٨٣ مختصرًا، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ١٧٨.\n(٧) وبمعناه في \"تفسير مقاتل\" ٢٢٥/ ب، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٣٨، \"زاد المسير\" ٨/ ١٦٥.","vol":"23","page":131},{"text":"وذكر الكلبي القولين في البرد (١).\nقال الفراء: وإن النوم ليبرد صاحبه، وإن العطشان لينام فيبرد بالنوم (٢)، وهو قول أبي عبيدة (٣)، والمبرد (٤) في البرد: إنه النوم في هذه الآية، وأنشد (٥):\nبردت مَراشِفُها عليَّ فصدني ... عنها وعن رشفاتها البرد (٦)\nيعني النوم.\nقال المبرد: ومن أمثال العرب: يمنع البرد البرد (٧)، أي أصابني من البرد ما يمنعني النوم (٨)، وأنشد للعَرْجي (٩):\n_________\n(١) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٢) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٢٨ بنصه.\n(٣) \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٨٢.\n(٤) \"التفسير الكبير\" ٣١/ ١٥.\n(٥) امرؤ القيس.\n(٦) ورد البيت في \"النكت والعيون\" ٦/ ١٨٧ برواية: تقبيلها بدلًا من: رشفاتها. \"التفسير الكبير\" ٣١/ ١٥، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ١٨٧ برواية تقبيلها بدلًا من: رشفاتها. ولم أعثر عليه في ديوانه.\n(٧) انظر: \"الكشف والبيان\" ج: ١٣/ ٢٩/ أ.\n(٨) \"التفسير الكبير\" ٣١/ ١٥.\n(٩) العَرْجي هو: عبد الله بن عمر بن عمرو بن عثمان بن عفان، وكان ينزل بموضع قِبل الطائف يقال له: العرج، فنسب إليه، وهو أشعر بني أمية، حبسه محمد بن هشام، فمات في حبسه. انظر: \"ديوانه\" (٧)، \"خزانة الأدب\" ١/ ٩٨، \"الشعر والشعراء\" ٣٨١، العرجي وشعر الغزل في العصر الأموي: لوليم نقولا (١٠٣)، \"الأغاني\" ١/ ١٤٧.","vol":"23","page":132},{"text":"فإن شِئْتِ حرَّمْتُ النِّساءَ سواكُمُ ... وإنْ شِئْتِ لم نطعمْ نُقاحًا ولا بَرْدا (١)\nقال (٢): النقاخ: الماء العذب، والبرد: النوم (٣).\nوجعل أبو إسحاق البرد برد كل شيء له راحة، فقال: لا يذوقون فيها برد ريح، ولا ظل، ولا نوم (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4771>٢٥ </span>- قوله تعالى: ﴿إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا﴾ معنى تفسيره في سورة ص (٥)، والاستثناء من غير الجنس (٦).\n_________\n(١) ورد البيت في \"ديوانه\" ١٠٩ برواية: أحرمت، وأطعم. وانظر: \"تهذيب اللغة\" ١٤، ١٥ (برد)، \"لسان العرب\" ٣/ ٨٥.\n(٢) أي الزهري.\n(٣) \"تهذيب اللغة\" المرجع السابق.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٧٣ بتصرف يسير.\nوالقول: إن البرد هو النوم قد رده النحاس، قال: لأن البرد ليس باسم من أسماء النوم، وإنما يحتال فيه، فيقال للنوم برد؛ لأنه يهدئ العطش، ثم قال: والواجب أن يحمل تفسير كتاب الله ﷿ على الظاهر والمعروف من المعاني، إلا أن يقع دليل على غير ذلك. ثم قال في معنى الآية: أي لا يذوقون فيها بردًا يبرد عنهم السعير. \"إعراب القرآن\" ٥/ ١٣١ - ١٣٢.\n(٥) سورة ص: ٥٧، قال تعالى: ﴿هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ﴾. ومما جاء في تفسير الحميم، والغساق -من هذه السورة-: (قال مقاتل: حميم: يعني الحار الذي قد انتهى حره، و\"غساقًا\" يعني البارد الذي قد انتهى برده، ينطلق بهم من الحر إلى البرد، فتتقطع جلودهم، ويحرق البارد كما يحرق الحار. وقال مجاهد: هو الذي لا يستطيعونه من برده. وقال ابن عباس: هو الزمهرير برده، يحرق كما يحرق النار. وقال الفراء: الغساق هو بارد يحرق حراق الحميم، وقال الزجاج نحوًا منه. وذكر الأزهري أن الغاسق: البارد. وهناك تفسير ثانٍ لمعنى (غساق)، وهو أنه المنتن. قال به ابن بريدة، والليث. وقول ثالث في (الغساق) أنه ما سال من جلود أهل النار، والموافق للغة، يقال: غسقت عينه إذا انصبت، الغساق: الإنصاب).\n(٦) أي أنه استثناء منقطع، وهذا في قول من جعل البرد: النوم. انظر: \"البيان في =","vol":"23","page":133},{"text":"قوله تعالى: ﴿جَزَاءً وِفَاقًا﴾ قال مقاتل: يقول وافق عذاب النار الشرك؛ لأنهما عظيمان، فلا ذنب أعظم من الشرك، ولا عذاب أعظم من النار (١). وهذا معنى قول مجاهد: وافق الجزاء العمل (٢).\nقال الزجاج: أي جُوزوا جزاء وفق أعمالهم (٣).\nقال الأخفش: يقول: وافق أعمالهم وفاقًا، كما تقول: قاتل قتالًا (٤).\nوعلى هذا: (وفاقًا) ينتصب انتصابًا (٥)، ويجوز أن يكون نعتًا لقوله: (جزاء)، ويكون معنى (وفاقًا) موافقًا.\nثم أخبر عنهم فقال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4772>٢٧ </span>- ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا﴾ لا يخافون أن يحاسبوا. قاله مقاتل (٦)، والمفسرون (٧).\n_________\n= غريب إعراب القرآن\" لابن الأنباري ٢/ ٤٩٠.\n(١) ورد معنى قوله في \"تفسير مقاتل\" ٢٢٥/ ب، \"الكشف والبيان\" ١٣/ ٢٩/ أ، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٣٩، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ١٧٩.\n(٢) تفسير الإمام مجاهد ٦٩٥، \"جامع البيان\" ٣٠/ ١٥.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٧٤ نقله عنه بإضافة (جزاء).\n(٤) \"معاني القرآن\" ٢/ ٧٢٧ بمعناه.\n(٥) أي أن (وفاقًا) مصدر فعله مضمر، أي فوافق عملهم وفاقًا. انظر: \"غرائب التفسير\" ٢/ ١٢٩٧.\n(٦) \"تفسير مقاتل\" ٢٢٥/ ب، \"التفسير الكبير\" ٣١/ ١٧.\n(٧) قال بذلك: قتادة، ومجاهد. انظر: \"جامع البيان\" ٣٠/ ١٦، \"النكت والعيون\" ٦/ ١٨٧، \"الدر المنثور\" ٨/ ٣٩٧. وحكى القول عن المفسرين ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٨/ ١٦٥. وبه قال الثعلبي في \"الكشف والبيان\" ج ١٣/ ٢٩/ أ، والبغوي في \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٣٩، وعزاه ابن عطية إلى أبي عبيدة في \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٢٧.","vol":"23","page":134},{"text":"وقال الزجاج: معناه لا يؤمنون بالبعث، ولا بأنهم محاسبون فيرجون ثواب حسناتهم (١).\n﴿وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ قال ابن عباس: بما جاءت به الأنبياء (٢).\n﴿كِذَّابًا﴾ (تكذيبًا، وفعال من مصادر التفعيل، وأنشد الزجاج:\nلقد طال ما ريَّثْتِني عن صحابتي ... وعن حِوج قَضَّاؤُها من شِفائيا (٣)\nمن قضيت قضاء) (٤).\nوقال الفراء: هي لغة فصيحة يمانية (٥)، وكل فعَّلتُ فمصدره في لغتهم: فِعَّال، نحو: خرَّقت القميص خِرَّاقًا، وقال لي أعرابي منهم (٦): على المروة (٧) يستفتيني الحلق أحب [إليك] (٨) أم القصَّار (٩).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4773>٢٩ </span>- قوله: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ﴾ قال أبو إسحاق: (كل) منصوب بفعل\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٧٤ بيسير جدًا من التصرف.\n(٢) لم أعثر على مصدر لقوله. وقد ورد في \"الوسيط\" بمثله من غير عزو ٤/ ٤١٥.\n(٣) البيت لبعض بني كلاب. وقد ورد تحت مادة (قضى) في \"لسان العرب\" ١٥/ ١٨٨، و\"تاج العروس\" ١٩/ ٢٩٩، وكلاهما برواية (ما لبثتني). وفي \"جامع البيان\" ٣٠/ ١٦، \"الكشف والبيان\" ج ١٣/ ٢٩/ أ، \"البحر المحيط\" ٨/ ٤١٤، \"روح المعاني\" ٣٠/ ١٦، وجميعها برواية (ما ثبطتني).\n(٤) ما بين القوسين من قول الزجاج. انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٧٤ بتصرف.\n(٥) يعني قراءة: (كذابًا) بالتشديد، وقد أجمع القراء على قراءة (كِذَّابًا) بتشديد الذال. انظر: \"القراءات وعلل النحويين فيها\" ٢/ ٧٤٢، \"جامع البيان\" ٣٠/ ١٦.\n(٦) أي من اليمن.\n(٧) المروة: جبل بمكة مائل إلى الحمرة. \"معجم البلدان\" ٥/ ١١٦.\n(٨) في (أ): إلى، والمثبت من \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٢٩.\n(٩) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٢٩ بنصه.","vol":"23","page":135},{"text":"مضمرٍ تفسيره: (أحصيناه)، المعنى: وأحصيناه كل شيء (١).\nقوله: ﴿كِتَابًا﴾ (توكيد ل: (أحصيناه)؛ لأن معنى أحصيناه، وكتبناه واحد فيما يحصل ويثبت، فالمعنى: كتبناه كتابًا) (٢).\nقال المفسرون (٣): وكل شيء من الأعمال بيناه في اللوح المحفوظ، كقوله: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [يس: ١٢].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4774>٣٠ </span>- قوله: ﴿فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا﴾، أي فيقال لهم: ذوقوا جزاء ما كنتم تعملون، فلن نزيدكم إلا عذابًا.\nقال الضحاك: هي أشد آية سمعها أهل النار، كلما استغاثوا من نوع العذاب أغيثوا بأشد منه (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4775>٣١ </span>- قوله تعالى: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا﴾ قال ابن عباس: يعني: الذين لم يجعلوا لله شريكًا (٥)، والمفاز: مصدر كالفوز، والمعنى: أن لهم فوزًا بالنجاة، ونجاة من النار، وهو معنى قول المفسرين (٦).\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٧٤ نقله عنه باختصار.\n(٢) ما بين القوسين من قول الزجاج نقله الواحدي بنصه انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٧٤ أي أنه منصوب على المصدر في قوله: (أحصيناه) مصدر أثبتناه وكتبناه، كأنه قيل: وكل شيء كتبنا كتابًا.\nانظر: \"جامع البيان\" ٣٠/ ١٧. وقيل: إنه منتصب على الحال؛ أي مكتوبًا. انظر: \"فتح القدير\" ٥/ ٣٦٧، \"روح المعاني\" ٣٠/ ١٧.\n(٣) حكاه من المفسرين أيضًا: ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٨/ ١٦٦، وإليه ذهب البغوي في \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٣٩.\n(٤) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٥) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٦) قال بذلك: قتادة، ومجاهد. انظر: \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٣٤٣، \"جامع البيان\" ٣٠/ ١٧، \"النكت والعيون\" ٦/ ١٨٨، \"زاد المسير\" ٨/ ١٦٦، \"تفسير القرآن =","vol":"23","page":136},{"text":"ثم فسر ذلك الفوز فقال: ﴿حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا﴾ يعني أشجار الجنة وثمارها. ﴿وَكَوَاعِبَ﴾ جمع كاعب (١)، وهي النواهد (٢).\nقال مجاهد (٣)، ومقاتل (٤): يعني: النواهد.\nوقال الكلبي: المفلكات (٥)، وهن اللواتي تكعبت ثديهن، وتفلكت (٦).\nومعنى تفسير الأتراب في سورة ص (٧).\n_________\n= العظيم\" ٤/ ٤٩٥، \"الدر المنثور\" ٨/ ٣٩٨، \"تفسير الإمام مجاهد\" ٦٩٦، وبه قال الطبري في \"جامع البيان\" ٣٠/ ١٧. وإلى هذا القول ذهب أيضًا: القرطبي في \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ١٨١، الخازن في \"لباب التأويل\" ٤/ ٣٤٨. وأصل الفاء، والواو، والزاي: كلمتان متضادتان، فالأولى: النجاة، والآخرة: الهلكة. انظر: \"مقاييس اللغة\" ٤/ ٤٥٩.\n(١) الكاعب هي: الجارية التي كَعَب ثدياها، وكعَّب بالتشديد، والتخفيف، والجمع: الكواعب. انظر (كعب) في \"تهذيب اللغة\" ١/ ٣٢٥، \"لسان العرب\" ١/ ٧١٩.\n(٢) الناهد: نهد الثدي ينهد نُهودًا -بالضم-: إذا كعب وارتفع، يقال: نهد الثدي إذا ارتفع عن الصدر، وصار له حجم. \"تاج العروس\" ٢/ ٥١٩ (نهد).\n(٣) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٤) لم أعثر على مصدر لقوله. وقد قال بمثله ابن عباس كما في \"جامع البيان\" ٣٠/ ١٨.\n(٥) فَلَّك ثديُ الجارية تفليكًا، وتفلَّك: استدار. انظر: (ذلك) في \"الصحاح\" ٤/ ١٦٠٤، \"لسان العرب\" ١٠/ ٤٧٨.\n(٦) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٧) سورة -ﷺ- ٥٢. قال تعالى: (وعندهم قاصرات الطرف أتراب) ومما جاء في تفسير أتراب قوله: (أتراب: جمع ترب، وهو اللِّدة. قال أبو عبيدة: أتراب: أسنانهن واحدة، قال ابن عباس، والمفسرون: (أتراب): مستويات على سن واحد، وميلاد واحد، بنات ثلاث وثلاثين. وقال مجاهد: أتراب: أمثال. وقال النحويون: أي هن في غاية الشباب والحسن).","vol":"23","page":137},{"text":"﴿وَكَأْسًا دِهَاقًا﴾ قال الليث: أدهقت الكأس إذا ملأتها جدًا (١)، وكأس دهاق: ممتلئة (٢).\nوكذلك قال الكسائي (٣)، والمبرد (٤)، قالوا: هي الملأى تطفح، وليس فيها فضل مخلى، وأنشد المبرد قوله:\nألا اسقني صرفًا سقاك الساقي ... من مائها بكأسة ماء الدهاق (٥)\n[وقال] (٦) ابن عباس: الدهاق: الملأى المترعة التي إذا زدتها فاضت (٧).\n_________\n(١) ذكر الأزهري معنى هذا القول من غير نسبة قال: (وقال غيره: أدهقت الكأس إلى أضبارها، أي ملأتها إلى أعاليها. وعبارة الليث: أدهقتها: شددت ملأها، قال: والدَّهْدقة: دوران البضع الكثير في القدر إذا غلت، تراها تعلو مرة وتسفل أخرى). \"تهذيب اللغة\" ٥/ ٣٩٤ (دهق).\n(٢) \"تهذيب اللغة\" المرجع السابق. وقال ابن فارس: (الدال، والهاء، والقاف: يدل على امتلاء في مجيء وذهاب، واضطراب، يقال: أدهقت الكأس ملأتُها). \"مقاييس اللغة\": ٢/ ٣٠٧ (دهق). وانظر: \"النهاية في غريب الحديث والأثر\" ٢/ ١٤٥ (دهق).\n(٣) بمعناه في \"التفسير الكبير\" ٣١/ ٢١، وعبارته: ممتلئة.\n(٤) المرجع السابق، وبنفس العبارة أيضًا.\n(٥) ورد البيت غير منسوب في \"فتح القدير\" ٥/ ٣٦٩. ولم أعثر على مصدر لقول المبرد فيما بين يدي من كتبه.\n(٦) ساقطة من: أ، وقد أثبت ما رأيت فيه استقامة المعنى.\n(٧) ورد قوله مختصرًا في \"جامع البيان\" ٣٠/ ١٩، \"زاد المسير\" ٨/ ١٦٦، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ١٨١، \"لباب التأويل\" ٤/ ٣٤٨، \"الدر المنثور\" ٨/ ٣٩٨، \"روح المعاني\" ٣٠/ ١٨. وانظر: \"صحيح البخاري\" ٢/ ٤٣١، كتاب بدء الخلق: باب: ٨، و\"تفسير ابن عباس\" للحميدي: ٢/ ٩٦٣. وانظر: \"كتاب البعث\" ٢٠٧، رقم: ٣٢٢.","vol":"23","page":138},{"text":"قال (١) مسلم (٢): دعا ابن عباس غلامًا له، فقال: اسقنا دهاقًا، قال: فجاء الغلام بها ملأى، فقال ابن عباس: هذا الدهاق (٣).\nقال عكرمة: وربما سمعت ابن عباس يقول: اسقنا، وأدهق لنا (٤). وقال آخرون (٥): هي المتتابعة.\nوأهل اللغة على القول الأول، وأصل القول الثاني من قول العرب: (ادَّهقت الحجارة ادِّهاقًا، وهو شدةٌ تلازمها، ودخول بعضها في بعض) (٦). والمتتابع كالمتداخل.\nعكرمة في قوله: (وكأسًا دهاقًا) قال: هي الصافية (٧).\n_________\n(١) في (أ): ابن، والصواب حذفها؛ لأن الرواية وردت بنصها عند الطبري: ٣٠/ ١٨ عن مسلم، وليس ابن مسلم، وكذا في \"الوسيط\" ٤/ ٤١٥.\n(٢) هو: مسلم بن نَسْطاس، روى عن عبيدة السلماني، وأبي البختري، وروى عنه يحيى بن ميسرة، نا عبد الرحمن، قال: سمعت أبي يقول: أرى أنهما واحد، وكان البخاري قد فرقهما. انظر: كتاب \"الجرح والتعديل\" ٨/ ١٩٧ ت ٨٦١، كتاب \" التاريخ الكبير\" ٧/ ٢٧٤: ت: ١١٥٩.\n(٣) \"جامع البيان\" ٣٠/ ١٨، \"التفسير الكبير\" ٣١/ ٢١، \"البعث\" ٢٠٧ ح ٣٢٣.\n(٤) \"التفسير الكبير\" ٣١/ ٢١، \"تفسير ابن عباس\" ٢/ ٩٦٤. وانظر: \"المستدرك\" ٢/ ٥١٢ \"كتاب التفسير\". وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي.\n(٥) منهم سعيد بن جبير، وابن عباس، ومجاهد، وعطية، والعباس بن عبد المطلب، وإبراهيم النخعي، وأبو هريرة، وعكرمة، والضحاك. انظر: \"جامع البيان\" ٣٠/ ١٩، \"بحر العلوم\" ٣/ ٤٤٠، \"الكشف والبيان\" ج ٢٩١٣/ ب، \"زاد المسير\" ٨/ ١٦٦، \"التفسير الكبير\" ٣١/ ٢١، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ١٨١، \"الدر المنثور\" ٨/ ٣٩٨.\n(٦) ما بين القوسين نقله عن \"تهذيب اللغة\" ٥/ ٣٩٤ (دهق)، وهو من قول الليث، وانظر: \"لسان العرب\" ١٠/ ١٠٦ - ١٠٧ (دهق).\n(٧) \"جامع البيان\" ٣٠/ ١٩، \"التفسير الكبير\" ٣١/ ٢١، \"تفسير القرآن العظيم\" =","vol":"23","page":139},{"text":"والدهاق على هذا القول يجوز أن يكون جمع (دَهَقٍ، وهو خشبتان يغمز بها ويعصر) (١).\nوالمراد بـ (الكأس) الخمر.\nقال الضحاك: كل كأس في القرآن فهو خمر (٢)، ويكون التقدير: وخمرًا ذات دهاق، أي عصرت وصفيت بها فقال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4776>٣٥ </span>- قوله تعالى: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا كِذَّابًا﴾ قال مقاتل: يعني في الجنة إذا شربوها (٣).\n﴿لَغْوًا﴾ باطلًا من الكلام (٤).\n﴿وَلَا كِذَّابًا﴾ لا يكذب بعضهم بعضًا (٥).\nقال ابن عباس: وذلك أن أهل الدنيا إذا شربوا الخمر تكلموا بالباطل، وأهل الجنة إذا شربوا لم يتغير عقلهم، ولم يتكلموا عليها بشيء يكرهه (٦).\nوذكرنا آنفًا تفسير (الكذاب) (٧).\n_________\n= ٤/ ٤٩٦، \"الدر المنثور\" ٨/ ٣٩٩، \"روح المعاني\" ٣٠/ ١٨.\n(١) نقله عن \"تهذيب اللغة\" ٥/ ٣٩٤ (دهق)، وهو قول الليث، والعبارة عنه: قال: الدّهق: خشبان يُغْمزُ بهما الساق. وانظر: \"لسان العرب\" ١٠/ ١٠٦ (دهق).\n(٢) \"التفسير الكبير\" ٣١/ ١٨.\n(٣) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٤) قال بذلك: قتادة. انظر: \"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٠، \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٢٤٣.\n(٥) قال بذلك: سعيد بن جبير. انظر: \"النكت والعيون\" ٦/ ١٨٩.\n(٦) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٧) راجع آية: ٢٨ من هذه السورة.","vol":"23","page":140},{"text":"وروي عن الكسائي التخفيف في هذه الآية (١).\nقال الفراء: لأن (كذابًا) في هذه الآية ليس بمقيد بفعل يوجب تشديده، كما في قوله: ﴿وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا﴾ [النبأ: ٢٨]، وكذبوا يقيد الكذاب بالمصدر، والتخفيف -هاهنا- حسن، والمعنى: لا يكذب بعضهم بعضًا (٢).\nونحو هذا قال أبو عبيدة (٣) في الكذاب، مخفف أنه مصدر المكاذبة، وأنشد للأعشى:\nفصَدَّقْتُها وكَذَّبْتُها والمرء ينفعُه كِذابُهْ (٤)\nوهو قول الأخفش، قال: هو مثل قولك: قاتل قِتالًا (٥).\n_________\n(١) انظر: \"السبعة في القراءات\" لابن مجاهد ٦٦٩، \"القراءات وعلل النحويين فيها\" ٢/ ٧٤٢، \"الحجة\" ٦/ ٣٦٩، \"المبسوط\" ٣٩٣، \"حجة القراءات\" ٧٤٦، \"كتاب التبصرة\" ٧١٩. وقرأ الباقون بالتشديد. انظر المراجع السابقة.\n(٢) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٢٩ بتصرف.\n(٣) في (أ): أبو عبيد، والأظهر أنه أبو عبيدة، وقد ورد قوله في المجاز بنحو مما أورده الواحدي. انظر: \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٨٣.\n(٤) لم أعثر عليه في ديوانه، وقد ورد البيت بالإضافة إلى المجاز في \"المخصص\" ١٤/ ١٢٨، \"لسان العرب\" ١٠/ ١٩٣ (صدق)، \"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٠، \"الكشف والبيان\" ج ١٣/ ٣٠/ أ، \"النكت والعيون\" ٦/ ١٨٨، \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٢٨، \"زاد المسير\" ٨/ ١٦٦، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ١٧٩، \"البحر المحيط\" ٨/ ٤١٤، \"إعراب القرآن\" للنحاس ٥/ ١٣٣، \"الكامل\" ٢/ ٧٤٧، \"الدر المصون\" ٦/ ٤٦٦، \"شرح المفصل\" لابن يعيش ٦/ ٤٤، \"روح المعاني\" ٣٠/ ١٦، \"القراءات وعلل النحويين فيها\" ٢/ ٧٤٣، \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ١٧٤.\n(٥) \"معاني القرآن\" ٢/ ٧٢٧، وعبارته: وعلى هذا القياس تقول: قاتل قيتالًا، وهو من كلام العرب.","vol":"23","page":141},{"text":"وقال أبو علي الفارسي: (كِذّابًا) مصدر كذب، كالكتاب في مصدر كتب (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4777>٣٦ </span>- قوله تعالى: ﴿جَزَاءً مِنْ رَبِّك﴾ قال الزجاج: المعنى: جازاهم بذلك جزاء، وكذلك (عطاء)؛ لأن معنى جازاهم وأعطاهم واحد (٢).\nقوله تعالى: ﴿حِسَابًا﴾ قال أبو عبيدة: كافيًا، يقال: أعطاني ما أحسبني، أي ما كفاني (٣).\nقال ابن قتيبة: (عطاء حِسابًا) أي كثيرًا، وأحسبت فلانًا، أي أكثرت له. قال الشاعر:\nونُقْفي وليدَ الحيِّ إن كان جائعًا ... ونُحْسِبُه إن كان ليس بجائع (٤)\nقال: ونرى أن أصل هذا أن تقول: حسبي، حسبي (٥).\nوقال الزجاج: (حِسابًا) معناه: ما يكفيهم، أي فيه كل ما يشتهون،\n_________\n(١) \"الحجة\" ٦/ ٣٧٠ بتصرف يسير.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٧٥ بتصرف يسير.\n(٣) \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٨٣ بنصه.\n(٤) ورد البيت منسوبًا إلى امرأة من بني قشير في شعراء بني قشير في الجاهلية والإِسلام: القسم الثاني (٢٥٤) رقم (١٩٢)، و\"مقاييس اللغة\" ٢/ ٦٠ (حسب)، \"تفسير غريب القرآن\" ١٧، \"سمط اللآلي\" ٨٩٩. وورد غير منسوب في \"الصحاح\" ١/ ١١٠ (حسب)، \"لسان العرب\" ١/ ٣١٢ (حسب)، و١٥/ ١٩٧ (قفا)، \"الأمالي\" للقالي: ٢/ ٢٦٢، \"التفسير الكبير\" ٣١/ ٢٣، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ١٨٢، \"فتح القدير\" ٥/ ٣٦٩. ومعنى البيت: أي نعطيه حتى يقول حسبي، وقولها: نُقفيه: أي نؤثره بالقفيَّة، ويقال لها: القفاوة أيضًا، وهي ما يؤثر به الضيف والصَّبيّ. انظر: \"شعراء بني قشير\" المرجع السابق.\n(٥) \"تفسير غريب القرآن\" ٥١٠ بتصرف يسير.","vol":"23","page":142},{"text":"فقال: أحْسَبَني كذا وكذا، بمعنى كفاني (١).\nوهذا معنى قول قتادة: (عطاء حسابًا) عطاء كبيرًا (٢).\nوقال الكلبي: يعني حاسبتهم بالحسنة واحدة، وجزاؤها كبير (٣).\nوقال مجاهد: حسابًا بأعمالهم (٤). ونحو هذا قال مقاتل (٥).\nوعلى قول هؤلاء هو من الحساب الذي بمعنى العد.\nقال صاحب النظم: قد اختُلف في قوله: (حسابًا) على وجهين:\nأحدهما: أن يكون بمعنى كافيًا مأخوذ من قولهم: أحسبني الشيء، أي كفاني، وحسبي هو، ومنه قوله:\nفما حللت به ضمني قائـ ... ـلًا جميلًا وأعطى حسابا (٦)\nأي أعطاني ما كفاني.\nوالوجه الآخر: أن يكون قوله: (حسابًا) مأخوذًا من حسبت الشيء إذا عددته، وقدرته، فيكون بمعنى: (عطاء حسابًا)، أي بقدر ما وجب لك فيما وعده من الإضعاف؛ لأنه ﷿ قدر الجزاء على ثلاثة أوجه: وجه\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٧٥ بتصرف يسير.\n(٢) \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٣٤٣، \"جامع البيان\" ٣٠/ ٢١، \"الدر المنثور\" ٨/ ٣٩٩ وعزاه إلى ابن المنذر، وعبد بن حميد.\n(٣) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٤) \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٣٤٣، \"جامع البيان\" ٣٠/ ٢١، بمعناه في \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ١٨٣، \"فتح القدير\" ٥/ ٣٦٩، \"الدر المنثور\" ٣٩٩ بمعناه، وعزاه إلى الفريابي، وعبد بن حميد، وابن المنذر.\n(٥) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٦) غير مقروء في (أ)، ولم أعثر على مصدر له أو لقائله.","vol":"23","page":143},{"text":"منها على عشرة أضعاف (١)، ووجه على سبع مائة ضعف (٢)، ووجه على ما لا مقدار له، كما قال: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠] (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4778>٣٧ </span>- قوله تعالى: ﴿رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَنِ﴾ فيه ثلاثة أوجه من القراءة: (الرفع في: (ربّ السموات)، و(الرحمن) (٤)، والخفض فيهما (٥)، والخفض في الأول، والرفع في الثاني (٦)، فمن رفع قطع الأول من الخبر الذي قبله في قولك: (من ربك) فابتدأه، وجعل: (الرحمن) خبره، ثم استأنف: (لا يملكون منه).\nومن خفضهما أتبع الاسمين الجر الذي قبلهما، ومن خفض الأول دون الثاني أتبع الأول الجر الذي قبله، واستأنف بقوله: ﴿الرَّحْمَنِ﴾، وجعل قوله: ﴿لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ﴾ في موضع خبر، فقال: ﴿الرَّحْمَنِ﴾ (٧).\n_________\n(١) نحو ما جاء في قوله تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠].\n(٢) نحو ما جاء في قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٦١].\n(٣) \"التفسير الكبير\" ٢٣/ ٣١ من غير نسبة. وقد جاء في \"مقاييس اللغة\" أن الحاء، والسين، والباء: أصول أربعة: فالأول: العد، والثاني: الكفاية، والثالث: الحسبان، وهو جمع حُسبانة، وهي الوسادة الصغيرة، والأصل الرابع: الأحسب: الذي ابيضت جِلدته من داء، ففسدت شعرته كانه أبرص. ٢/ ٥٩ - ٦١ (حسب). وانظر أيضًا: \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٢٨، \"لسان العرب\" ١/ ٣١٠ (حسب).\n(٤) قرأ بذلك ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو. انظر: \"الحجة\" ٦/ ٣٧٠،\"حجة القراءات\" ٧٤٧، \"كتاب التبصرة\" ٧١٩، \" إتحاف فضلاء البشر\" ٤٣١.\n(٥) قرأ بذلك: ابن عامر، وعاصم. انظر: المراجع السابقة.\n(٦) قرأ بذلك: حمزة، والكسائي. انظر: المراجع السابقة.\n(٧) ما بين القوسين نقله عن أبي علي الفارسي في \"الحجة\" ٦/ ٣٧٠.","vol":"23","page":144},{"text":"ومعني: ﴿لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا﴾ قال مقاتل: يقول: لا يقدر الخلق على أن يكلموا الرب إلا بإذنه (١).\nوهذا كقوله: ﴿لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [هود: ١٠٥]. وهذا كقوله: عام في كل أحد إلا من استثني في قوله: ﴿لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [هود: ١٠٥]) (٢).\nوقال عطاء عن ابن عباس: يريد: لا يخاطب المشركون، والمؤمنون يشفعون ويخاطبون، فيقبل الله ذلك منهم (٣)، وهذا يوجب أن قوله: (لا يملكون منه خطابًا) للكفار (٤).\nومعنى: (لا يملكون) من الله أن يخاطبوه؛ لأنه لم يأذن لهم، يدل على هذا قوله:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4779>٣٨ </span>- قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾\n_________\n(١) ورد معناه في \"تفسير مقاتل\" ٢٢٦/ ب، كما ورد قوله في \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٤٠، \"زاد المسير\" ٨/ ١٦٧.\n(٢) ما بين القوسين نقله بمعناه عن أبي علي الفارسي. انظر: \"الحجة\" ٦/ ٣٧٠.\n(٣) \"التفسير الكبير\" ٣١/ ٢٣، \"البحر المحيط\" ٨/ ٤١٥.\n(٤) والقول: إن الذين لا يملكون منه خطابًا أنهم الكفار، قد خطأه ابن تيمية؛ بل اعتبره قول مبتدع، قال: (إنه قول مبتدع، وهو خطأ محض؛ لأنه لم يذكر في قوله: (لا يملكون منه خطابًا) استثناء، فإن أحدًا لا يملك من الله خطابًا مطلقًا؛ إذ المخلوق لا يملك شيئًا يشارك فيه الخالق، ولكن الله إذا أذن لهم شفعوا من غير أن يكون ذلك مملوكًا لهم، وكذلك قوله: (لا يملكون منه خطابًا)، وهذا قول السلف، وجمهور المفسرين، وهو الصحيح). وذكر أيضًا جوابًا آخر، فليراجع في ذلك كله: \"مجموع الفتاوى\" ١٤/ ٣٩٧ - ٣٩٨.","vol":"23","page":145},{"text":"وانتصب قوله: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ﴾ بالظرف، والعامل فيه قوله: (يملكون) (١).\nاختلفوا في الروح المذكور -هاهنا-، فروى مجاهد عن ابن عباس: أن النبي -ﷺ- قال: \"هو جند من جند الله؛ ليسوا بملائكة، لهم رؤوس وأيد، وأرجل، يأكلون الطعام، ثم قرأ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا﴾ فقال: هؤلاء جند، وهؤلاء جند\" (٢).\nوهذا قول مجاهد (٣)، وأبي صالح (٤)، وقتادة، قال: هم خلق على صور بني آدم، كالناس، وليسوا بالناس (٥).\n_________\n(١) انظر: \"الدر المصون\" ٦/ ٤٦٨.\n(٢) وردت هذه الرواية في \"الكشف والبيان\" ١٣/ ٣٠/ ب، \"زاد المسير\" ٨/ ١٦٧ مختصرًا، \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٤٩٦ بمعناه، \"الدر المنثور\" ٨/ ٣٩٩ وعزاه إلى ابن أبي حاتم، وأبي الشيخ في العظمة، وابن مردويه، \"روح المعاني\" ٣٠/ ٢٠، وقد أوردها الماوردي عند تفسيره لآية سورة القدر ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا﴾ ٦/ ٣١٣.\n(٣) \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٣٤٤، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ١٨٥، \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٤٩٦، \"الدر المنثور\" ٨/ ٣٩٩ وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، وأبي الشيخ في العظمة، \"روح المعاني\" ٣٠/ ٢٠.\n(٤) المراجع السابقة عدا \"تفسير عبد الرزاق\". وانظر: \"الأسماء والصفات\" للبيهقي ٢/ ١٠٥ باب ما جاء في تفسير الروح، كتاب \"الزهد والرقائق\" لابن المبارك (٤٦٤) ح ١٣١٦.\n(٥) بمعناه ورد في \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٣٤٣، \"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٣، \"بحر العلوم\" ٣/ ٤٤١، \"النكت والعيون\" ٦/ ١٩٠، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٤٠، \"فتح القدير\" ٥/ ٣٧٠. وذهب أيضًا مجاهد، وأبو صالح إلى هذا القول. انظر المراجع السابقة عدا \"النكت والعيون\". وانظر: \"الكشف والبيان\" ٣١١٣/ أ، \"زاد المسير\" ٨/ ١٦٧.","vol":"23","page":146},{"text":"وقال عطاء عن ابن عباس: الروح ملك من الملائكة، ما خلق الله مخلوقًا بعد العرش أعظم منه، فإذا كان يوم القيامة قام هو وحده صفًا، وقامت الملائكة كلهم صفًا واحدًا، فيكون عظم خلقه مثل صفوفهم (١).\nقال الشعبي: هو جبريل ﵇ (٢).\nوقال الحسن: الروح: بنو آدم (٣). وعلى هذا معناه ذوو الروح.\nوقوله: ﴿صَفًّا﴾ يجوز أن يكون المعنى: أن الروح على الاختلاف الذي ذكرنا، وجميع الملائكة يقومون صفًا واحدًا.\nوالصف في الأول مصدر، فينبني عن الواحد، والجمع كالعدل والزور، وظاهر قول المفسرين (٤) أنهم يقومون صفين: الروح صف، والملائكة صف.\nوقال ابن قتيبة: صفوفًا، ويقال ليوم العيد: يوم الصف (٥).\n_________\n(١) \"النكت والعيون\" ٦/ ١٩٠ مختصرًا، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٤٠، \"زاد المسير\" ٨/ ١٦٨، \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٤٩٦ مختصرًا.\n(٢) \"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٢، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٤٠، \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٤٩٦.\n(٣) المراجع السابقة بالإضافة إلى \"زاد المسير\" ٨/ ١٦٨، وانظر: \"تفسير الحسن البصري\" ٢/ ٣٩٢.\nقال ابن كثير: (وتوقف ابن جرير، فلم يقطع بواحد من هذه الأقوال كلها، والأشبه عنده -والله أعلم- أنهم بنو آدم\". \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٤٩٧، وانظر: \"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٣ - ٢٤.\n(٤) قال بذلك الحسن، والشعبي. انظر: \"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٤، \"النكت والعيون\" ٦/ ١٩٠، \"زاد المسير\" ٨/ ١٦٨.\n(٥) \"تفسير غريب القرآن\" ٥١١ بنصه.","vol":"23","page":147},{"text":"وقوله: ﴿لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾ الظاهر أن هذا من صفة الملائكة الذين يقومون صفًا.\nوالمعنى: أنهم لا يتكلمون إلا بإذن الله، فمن أذن له الرحمن وقال: ﴿صَوَابًا﴾ تكلم.\nومعنى الصواب: شهادة أن لا إله إلا الله في قول ابن عباس (١).\nوالمفسرون قالوا: هو التوحيد، ونفي الشرك، وتنزيه الله ﷿ عن كل فرية (٢).\nوالصواب هو السداد من الفعل والقول (٣)، يقال: فعل صوابًا، وقال صوابًا، وهو اسم من أصاب يصيب إصابة، كالجواب من أجاب يجيب إجابة (٤).\nويجوز أن يكون الاستثناء من جميع الخلق على قول من قال: لا يملكون منه خطابًا للخلق كلهم، فاستثنى من ملك منهم الخطاب، وهو الذي يتكلم بإذنه، وقال في الدنيا صوابًا، أي شهد بالتوحيد، وهم المؤمنون.\n_________\n(١) \"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٤، \"النكت والعيون\" ٦/ ١٩٠، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ١٨٥، \"الدر المنثور\" ٨/ ٤٠١، \"الأسماء والصفات\" ١/ ١٨٦.\n(٢) حكى هذا القول ابن الجوزي عن أكثر المفسرين. انظر: \"زاد المسير\" ٨/ ١٦٨.\n(٣) وعن ابن فارس: (الصواب أجل صحيح يدل على نزول شيء واستقراره قراره، من ذلك الصواب في القول والفعل، كأنه أمر نازل مستقر قراره، وهو خلاف الخطأ). \"مقاييس اللغة\" ٣/ ٣١٧ (صوب).\n(٤) ورد من قوله: والصواب إلى: يجيب إجابة: في \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ١٨٦ من غير عزو.","vol":"23","page":148},{"text":"وقال مقاتل: لا يتكلمون بالشفاعة، يعني الملائكة (١).\n﴿إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا﴾ أي حقًا، وهو التوحيد، وهذا معنى قول ابن عباس، يريد: يشفعون لمن قال: لا إله إلا الله، وهذا قول بعيد، واللفظ لا يدل على هذا المعنى إلا باستكراه.\nقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ﴾ أي الكائن الواقع، يعني يوم القيامة.\nويجوز أن يكون المعنى أن الشكوك زائلة في ذلك اليوم، وكل من يرتاب فيه عرف باطله، وأن ذلك اليوم الحق، فهو اليوم الحق عند كل أحد، وهذا معنى قول عطاء (٢).\nثم حض العباد على الطاعة:\nقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآبًا﴾ أي مرجعًا بالطاعة، أي فمن شاء رجع إلى الله بطاعته قبل ذلك اليوم، والظاهر أن فعل المشيئة مسند إلى (من).\nوقال عطاء عن ابن عباس: فمن شاء الله أن يهديه ﴿اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآبًا﴾ (٣)\nثم خوف كفار مكة فقال:\nقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا﴾ يعني العذاب في الآخرة، وكل ما هو آت فهو قريب، ويدل على أن المراد عذاب الآخرة فقال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4780>٤٠ </span>- قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾ يجوز أن يكون:\n_________\n(١) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٢) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٣) بنحوه في \"التفسير الكبير\" ٣١/ ٢٦.","vol":"23","page":149},{"text":"ينظر إلى ما قدمت، فحذف (إلى). قاله الأخفش (١).\nوالظاهر أن (المرء) عام في كل أحد؛ لأن كل أحد يرى ذلك اليوم ما كسب، وقدم وأخر من خير وشر مثبتًا عليه في صحيفته.\nوقال عطاء: هو أبي بن خلف، وعقبة بن أبي معيط (٢).\nوقال الحسن: هو المرء المؤمن (٣). يرى عمله، فيرجو ثواب الله على صالح عمله، ويخاف العقاب على سوء عمله، وأما الكافر فإنه يقول: ﴿يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا﴾.\nقال جماعة المفسرين (٤): وذلك أن الله تعالى يحشر الدواب، والبهائم، والوحش، فيقتص لبعضها من بعض، ثم يقال لها: كوني ترابًا، فيتمنى الكافر عند ذلك أنه كان ترابًا، وكان واحدًا من الوحش: خنزيرًا، أو ما كان فلا يحاسب بعمله، ويصير ترابًا.\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" ٢/ ٧٢٧ بنصه، وقد حكاه الأخفش عن بعضهم.\n(٢) ذكر في \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ١٨٦ من غير نسبة، وكذا في \"فتح القدير\" ٥/ ٣٧٠.\n(٣) \"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٥، \"التفسير الكبير\" ٣١/ ٢٧، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ١٨٦، \"الدر المنثور\" ٨/ ٤٠١ وعزاه إلى ابن المنذر، \"القطع والائتناف\" ٢/ ٧٨٥، \"فتح القدير\" ٥/ ٣٧٠، \"روح المعاني\" ٣٠/ ٢٢. وانظر: \"تفسير الحسن البصري\" ٢/ ٣٩٢.\n(٤) ممن قال بمعنى هذه الرواية من غير تمنيه أن يكون خنزيرًا: أبو هريرة، وعبد الله بن عمرو، ومجاهد، والحسن، وعن أحد المقاتلين. انظر: \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٣٤٤، \"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٦، \"الكشف والبيان\" ج ١٣، ٣١/ ب، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٤٠، \"فتح القدير\" ٥/ ٣٧١، \"تفسير الحسن البصري\" ٢/ ٣٩٢، \"روح المعاني\" ٣٠/ ٢٢. وبنحوه هذه الرواية وردت عن أحد المقاتلين في \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٤٠.","vol":"23","page":150},{"text":"قال أبو إسحاق: وقيل إن معنى: (يا ليتني كنت ترابًا): أي ليتني لم أبعث (١).\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٧٦ بنصه.","vol":"23","page":151},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4781>سورة النَّازعات</span>","vol":"23","page":153},{"text":"تفسير سورة النازعات <span data-type=\"title\" id=toc-4782>(١)</span>\nبسم الله الرحمن الرحيم\n\n١ - ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا﴾ أكثر المفسرين على أن هذا قسم بملك الموت، وأعوانه من الملائكة الذين ينزعون أرواح الكفار عن أبدانهم (٢)، وهو قول علي (٣) ﵁، (ومسروق (٤)، ومقاتل (٥)، وأبي صالح (٦)، وعطية\n_________\n(١) مكية كلها.\nانظر: \"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٧، \"الكشف والبيان\" ح ١٣: ٣٣/ ب، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٤١، \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٣٠، \"روح المعاني\" ٣٠/ ٢٢، وغيرها من كتب التفسير.\n(٢) ورجحه ابن كثير: \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٤٩٧.\n(٣) ورد قوله مختصرًا في \"الكشف والبيان\" ج ١٣: ٣٣/ ب، \"زاد المسير\" ٨/ ١٦٩، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ١٨٨، \"الدر المنثور\" ٨/ ٤٠٣ وعزاه إلى سعيد بن منصور، وابن المنذر.\n(٤) ورد معنى قوله في المراجع السابقة، بالإضافة إلى: \"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٧، \"النكت والعيون\" ٦/ ١٩٢، \"التفسير الكبير\" ٣١/ ١٦٩،\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٤٩٧.\n(٥) ورد معنى قوله في \"بحر العلوم\" ٣/ ٤٤٣، \"النكت والعيون\" ٦/ ١٩٢، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٤١.\n(٦) \"الكشف والبيان\" ج ١٣: ٣٣/ ب، \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٤٩٧، \"الدر المنثور\" ٨/ ٤٠٤.","vol":"23","page":155},{"text":"عن ابن عباس (١» (٢).\nقال الفراء: ذكر (٣) أنها الملائكة، وأن النَّزعَ نزعُ الأنفس من صُدور (٤) الكفار، وهو كقولك: والنازعاتِ إغراقًا، كما يغرق النازعُ في القوس (٥)، هذا كلامه.\nومعنى إغراق النازع: أن ينتزع في القوس، فيبلغ بها غاية (٦) المد حتى ينتهي إلى النصل (٧).\nقال الأزهري: والغَرْقُ اسم أقيم مُقام المصدر الحقيقي من أغْرَقْت (٨).\n_________\n(١) المراجع السابقة عدا \"الدر المنثور\"، كما ورد معنى قوله أيضًا في \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٣٠، \"زاد المسير\" ٨/ ١٦٩، \"التفسير الكبير\" ٣١/ ٢٨، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ١٨٨.\nقال ابن تيمية أيضًا: \"وأما (النازعات غرقًا) فهي الملائكة القابضة للأرواح\". \"مجموع الفتاوى\" ١٣/ ٣٢٠.\n(٢) ما بين القوسين ساقط من: أ، وقد كتب بدلًا منه لفظ: وغيره.\n(٣) في (أ): وذكر.\n(٤) بياض في (ع).\n(٥) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٣٠ بنصه.\n(٦) بياض في (ع).\n(٧) انظر مادة: (غرق) في \"تهذيب اللغة\" ١٦ \"المستدرك\" ١٣٣، \"مقاييس اللغة\" ٤/ ٤١٨، \"لسان العرب\" ١٠/ ٢٨٤.\n(٨) \"تهذيب اللغة\" ١٦: \"المستدرك\" ١٣٥ مادة: (غرق)، والغرق في الأصل: دخول الماء في سمّي الأنف حتى تمتلئ منافذه، فيهلك. المراجع السابقة.","vol":"23","page":156},{"text":"(قال ابن مسعود: هي النفس (١)، و) (٢) قال [بهذا] (٣) قتادة (٤)، والسدي (٥)، (وعطية عن ابن عباس (٦» (٧).\nوالنازعات على هذا القول من قول (فلان ينزع نزعا إذا كان في سياق الموت) (٨)، والأنفس نازعات عند السياق.\nومعنى \"غرقًا\" على هذا: أي نزعًا شديدًا أبلغ ما يكون، وأشده من اغراق النازع في القوس.\nوقال الحسن: يريد النجوم تنزع -هاهنا،- وتغرق -هاهنا- (٩). (وهو قول الأخفش (١٠)،\n_________\n(١) ورد قوله مطولًا في \"الكشف والبيان\" ج ١٣: ٣٣/ ب.\n(٢) ما بين القوسين ساقط من: (أ).\n(٣) ما بين المعقوفين ساقط من النسختين، وأثبته لاستقامة المعنى به، والله أعلم.\n(٤) \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٣٤٥.\n(٥) ورد معنى قوله في \"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٨، \"الكشف والبيان\" ج ١٣: ٣٣/ ب، \"النكت والعيون\" ٦/ ١٩٢، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٤١، \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٣٠، \"زاد المسير\" ٨/ ١٦٩، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ١٨٨، \"الدر المنثور\" ٨/ ٤٠٤.\n(٦) ورد معنى قوله في \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٤٩٧.\n(٧) ما بين القوسين ساقط من: (أ).\n(٨) ما بين القوسين نقله عن \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٤٢ مادة: (نزع).\n(٩) \"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٨، وبمعناه في \"النكت والعيون\" ٦/ ١٩٢، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٤١، \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٣٠، \"زاد المسير\" ٨/ ١٦٩، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ١٨٨، \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٤٩٧، \"تفسير الحسن البصري\" ٢/ ٣٩٣.\n(١٠) بمعناه في \"الكشف والبيان\" ج ١٣: ٣٣/ ب، \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٣٠، \"زاد المسير\" ٨/ ١٦٩، \"الجامع لأحكام القرآن\" ٩/ ١٨٩.","vol":"23","page":157},{"text":"وأبي عبيدة (١» (٢).\nومعنى النازعات على هذا القول: أنها النجوم تنزع من أفق علي أفق، أي تذهب، من قولهم: (نزع إليه، أي ذهب نزوعًا، ويجوز أن يكون من قولهم) (٣): نزعت الخيل، إذا جرت.\nقال الليث: يقال (٤) للخيل إذا جرت (٥): لقد نزعت سننًا، وأنشد:\nوالخيلُ تنزع قُبَّا في أعِنَّتِها ... كالطير تَنْجُو (٦) مِنَ الشُّؤْبُوبِ (٧) ذي البَرَدِ (٨)\nومعنى الغرق: أنها تغرق فتغيب، وهي تطلع من أفق فتجري حتى تغيب في أفق آخر، ولعل الغرق في لغة الفرق، فإن فعلًا يأتي في مصادر\n_________\n(١) \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٨٤، وعبارته: \"النجوم تنزع: تطلع ثم تغيب فيه\".\n(٢) ما بين القوسين ساقط من: (أ).\n(٣) ما بين القوسين ساقط من: (أ).\n(٤) في (أ): عا.\n(٥) قال الليث في (أ) وهو كلام مكرر.\n(٦) في (أ): تنجوا.\n(٧) في (أ): الشربوب.\n(٨) البيت من قصيدة للنابغة التي أولها:\nيا دار مية بالعلياء فالسند ... أقوت وطال عليها سالف الأمد\nديوانه: ٣٤، دار بيروت، برواية: تمزع غربًا.\nومعنى البيت: تمزع: تمر مرًا سريعًا. غربًا: حدة ونشاط. الشؤبوب: الرقعة من المطر. يقول: ويهب الخيل التي هي في سرعتها كالطير التي تخاف أذى البرد فهي شديدة الطيران. انظر: ديوانه: ٣٤.","vol":"23","page":158},{"text":"هذا الباب في اللازم، نحو: لبث، وحبط عمله حبطًا (١).\n\nوقال <span data-type=\"title\" id=toc-4783>(٢) </span>عطاء (٣)، وعكرمة (٤): هي القِسِيّ. على هذا القول: النازعات: ذوات النزع فيها، وهي التي تنزع أوتارها، ويكون هذا من اللابن، والتامر. وغرقًا بمعنى إغراقًا، أي تنزع فتغرق فيها إغراقًا.\nوقال مجاهد: هي الموت، يعني شدائده (٥) التي تنزع الأرواح نزعًا شديدًا (٦).\n\n٢ - قوله: ﴿وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا﴾\nقال ابن عباس (٧)، ومقاتل (٨): هم الملائكة ينشطون (٩) روح الكافر\n_________\n(١) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٢) في (أ): قال.\n(٣) \"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٨، \"الكشف والبيان\" ج ١٣: ٣٣/ ب، \"النكت والعيون\" ٦/ ١٩٢، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٤١، \"زاد المسير\" ٨/ ١٧٠، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ١٨٩، \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٤٩٧، \"فتح القدير\" ٥/ ٣٧٢.\n(٤) \"الكشف والبيان\" ج ١٣: ٣٣/ ب، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٤١، \"زاد المسير\" ٨/ ١٧٠، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ١٨٩، \"فتح القدير\" ٥/ ٣٧٢.\n(٥) في (أ): شدائد.\n(٦) المراجع السابقة عدا \"الكشف والبيان\"، وانظر أيضًا: \"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٧، \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٤٩٧، \"الدر المنثور\" ٨/ ٤٠٥، \"فتح القدير\" ٥/ ٣٧٢، والعبارة عنه في جميع المراجع السابقة: \"الموت ينزع النفوس\".\nوما مضى من الأقوال رأى ابن جرير أن الآية تعمها جميعها. \"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٧.\n(٧) بمعناه في \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ١٨٩.\n(٨) بمعناه في \"زاد المسير\" ٨/ ١٧٠.\n(٩) في (أ): ينطشون.","vol":"23","page":159},{"text":"من قدميه إلى حلقه نشطًا بالكرب، والغم، كما تنشط الصوف من سفود (١) الحديد.\n(وهذا النشط، وهو الجذب، يقال: نَشَطْتُ الدّلوَ أنشِطُها، وأنشُطها نَشْطًا: نزعتها) (٢).\n[وهذا قول الل] (٣).\nوروي عن ابن عباس (أيضًا) (٤) أنه قال: الناشطات الملائكة (٥) تنشط نفس المؤمن فتقبضها (٦).\nواختاره الفراء، فقال: هي الملائكة تنشط نفس المؤمن فتقبضها، وتنزع نفس الكافر (٧).\nوإنما اختار ذلك لما بين النشط والنزع من الفرق في الشدة واللين،\n_________\n(١) السَّفُّود، والسُّفُّود بالتشديد: حديدة ذات شُعَبٍ معقَّفة: معروف يشوى به اللحم، وجمعه: سفافيد.\nانظر: \"لسان العرب\" ٣/ ٢١٨ مادة: (سفد).\n(٢) ما بين القوسين نقله عن \"تهذيب اللغة\" ١١/ ٣١٤ مادة: (نشط)، وهو قول الأزهري.\n(٣) ما بين المعقوفين ساقط من: أ، وغير مقروء في ع، ولعلها: وهذا قول الليث.\n(٤) ساقط من: (أ).\n(٥) بياض في (ع).\n(٦) \"الكشف والبيان\" ج ١٣: ٣٢/ أ، \"النكت والعيون\" ٦/ ١٩٣ بنحوه، وبمعناه في \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٤١، \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٣١، \"زاد المسير\" ٨/ ١٧٠، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ١٨٩.\n(٧) \"معاني القرآن\" ٣/ ١٣٠ نقله عنه بالمعنى، وعبارته: \"أنها تقبض نفس المؤمن كما ينشط العقال من البعير\".","vol":"23","page":160},{"text":"فالنزع: جذب بشدة، والنشط برفق ولين (١).\nقال أبو زيد: نشطت الدلو من البئر نشطًا، وهو جَذْبُكَ الدَّلْوَ من البئر بغير قامة (٢).\n(فالناشطات: الملائكة تنشط أرواح المؤمنين، كما تنشط الدلو من البئر) (٣).\nوقال مجاهد: هي الموت، يعني شدائده (٤)، كما ذكرنا في الآية الأولى.\nوقال الحسن: هي النجوم (٥)، وهو اختيار أبي عبيدة (٦).\n(والمعنى أنها تنشط من أفق إلى أفق، أي تذهب، يقال: حمار ناشط\n_________\n(١) والذي يشهد له السياق أن كلا من النازعات، والناشطات هم الملائكة، ودلالة السياق هو أنهما وصفان متقابلان، الأول: نزع بشدة، والآخر: نشاط بخفة، فيكون النزع غرقًا لأرواح الكفار، والنشط بخفة لأرواح المؤمنين.\nنقلًا باختصار عن: \"أضواء البيان\" للشنقيطي: ٩/ ٢٢ - ٢٣.\n(٢) \"تهذيب اللغة\" ١١/ ٣١٥ مادة: (نشط) بنحوه.\n(٣) ما بين القوسين نقله بنحوه عن الأزهري في \"تهذيب اللغة\"، وهو من قول أبي إسحاق كما هو مذكور، ولم أجده عنه في معانيه. انظر: \"تهذيب اللغة\" ١١/ ٣١٥ مادة: (نشط).\n(٤) \"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٨، \"الكشف والبيان\" ج ١٣/ ٣٤ أ، هو الموت ينشط نفس الإنسان، \"النكت والعيون\" ٦/ ١٩٣، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٤٢، \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٣٠ بمعناه، \"زاد المسير\" ٨/ ١٧٠، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ١٩٠، \"الدر المنثور\" ٨/ ٤٠٥ وعزاه إلى عبد بن حميد، وأبي الشيخ في العظمة، \"فتح القدير\" ٥/ ٣٧٢.\n(٥) \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٢٤٥، \"فتح القدير\" ٥/ ٣٧٢.\n(٦) \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٨٤.","vol":"23","page":161},{"text":"من بلد إلى بلد، والهموم تنشط بصاحبها.\nقال [أبو عبيدة: الهميان] (١) بن قحافة (٢):\nأمست هُمومي تَنشِطُ المناشِطا ... الشَّامَ بي طوْرًا وطورًا واسِطا (٣)\nأي تذهب بي) (٤).\nوقال عكرمة (٥)، وعطاء (٦): هي الأوهاق (٧)، وعلى هذا هي من النشط الذي هو الجذب.\n_________\n(١) ما بين المعقوفين ساقط من: (أ).\n(٢) هو: أبو عبيدة، الهميان بن قحافة. من بني عوافة بن سعد بن زيد مناة من تميم، راجز إسلامي، عاش بالدولة الأموية. انظر: \"المؤتلف والمختلف في أسماء الشعراء\" للآمدي (١٩٧).\n(٣) ورد البيت في \"تهذيب اللغة\" ١١/ ٣١٤ مادة: (نشط)، \"لسان العرب\" مادة: (نشط)، \"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٩، \"الكشف والبيان\" ج ١٣: ٣٤/ أ، \"النكت والعيون\" ٦/ ١٩٣، \"زاد المسير\" ٨/ ١٧٠، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ١٩٠، \"روح المعاني\" ٣٠/ ٢٤٠.\n(٤) ما بين القوسين من قول أبي عبيدة، نقله عنه الواحدي بتصرف. انظر: \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٨٤.\n(٥) \"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٩، \"الكشف والبيان\" ج ١٣: ٣٤/ أ، \"النكت والعيون\" ٦/ ١٩٣، \"فتح القدير\" ٥/ ٣٧٢.\n(٦) \"فتح القدير\" ٥/ ٣٧٢.\n(٧) الأوهاق: جمع وَهَق، وقد يسكن، وهو حبل كالطَّوَل تُشَدُّ به الإبل والخيل لئلا تّنِدّ \"النهاية في غريب الحديث والأثر\" ٥/ ٢٣٣.\nوقال الليث: الوَهَق: ألحبل المُغار يُرمى في أنشوطة، فيؤخذ به الدابة، والإنسان. \"تهذيب اللغة\" ٦/ ٣٤٤ مادة: (وهق).","vol":"23","page":162},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4784>٣ </span>- قوله: ﴿وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا﴾، قال علي (١)، ومقاتل (٢)، (ومسروق (٣» (٤)، وابن عباس (٥) (في رواية الكلبي) (٦): هم الذين يقبضون أرواح المؤمنين؛ يسلونها سلًا رفيقًا، ثم يدعونها حتى تستريح رويدًا (٧).\nوالمعنى على هذا: والسابحات بالأرواح سبحًا، أي يجعلونها (٨) على السَّبح (٩) تنزعها، والسابح بالشيء في الماء يرفق به لئلا يغرق ذلك الشيء، ولئلا يتعب هو في سبحه، فجعل الملائكة الذين يقبضون روح المؤمن برفق سابحات بها.\n_________\n(١) \"زاد المسير\" ٨/ ١٧١ بمعناه، وعبارته: \"أنها الملائكة تسبح بأرواح المؤمنين\"، ومثله ورد في \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ١٩١.\n(٢) بمعناه في \"تفسير مقاتل\" ٢٢٦/ ب.\n(٣) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٤) ما بين القوسين ساقط من: (أ).\n(٥) لم أعثر على مصدر لقوله. وقد ورد بمعنى هذه الرواية عن الكلبي في \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ١٩١.\n(٦) ما بين القوسين ساقط من: (أ).\n(٧) من قوله: هم الذين يقبضون إلى حتى يستريح رويدًا وردت في \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٤٢ من غير نسبة لأحد.\n(٨) في (ع): يجلونها.\n(٩) السَّبْح: المَرُّ السريع في الماء، وفي الهواء، يقال: سَبَح سَبْحًا وسِباحة، واستعير لِمرِّ النجوم في الفلك، ولجري الفرس، ولسرعة الذهاب في العمل. انظر: \"المفردات في غريب القرآن\" ٢٢١.","vol":"23","page":163},{"text":"قال (أبو صالح (١)، و) (٢) مجاهد (٣): هم الملائكة ينزلون من السماء مسرعين.\nوهو اختيار الفراء، قال: جعل نزولها من السماء كالسباحة، والعرب تقول للفرس الجواد: إنه لسابح (٤)، ومنه قول امرئ القيس:\nمِسَحٍّ إذا ما السّابحاتُ على الونى ... أثَرْنَ الغُبارَ بالكديدِ المُرَكَّلِ (٥)\nوقال الحسن (٦)، وأبو عبيدة (٧) هي: النجوم تسبح في الفلك كما قال\n_________\n(١) \"الكشف والبيان\" ج ١٣: ٣٤/ ب، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٤٢، \"زاد المسير\" ٨/ ١٧١، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ١٩١، \"الدر المنثور\" ٨/ ٤٠٤ وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.\n(٢) ما بين القوسين ساقط من: (أ).\n(٣) المراجع السابقة. وانظر أيضًا: \"جامع البيان\" ٣٠/ ٣٠، \"فتح القدير\" ٥/ ٣٧٢ - ٣٧٣، وعزاه صاحب الدر إلى أبي الشيخ.\n(٤) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٣٠، وقد زاد الفراء في معانيه عبارة: مرَّ يتمطّى. ذكر ذلك تفسيرًا لقول العرب للفرس الجواد: إنه لسابح.\nومعنى: مطَّه: أي مده، أي مد في السير. مختار \"الصحاح\" ٦٢٧ مادة: (مطي).\n(٥) ديوانه: ٥٣، ط. دار صادر.\nومعنى البيت: سح يسح: قد يكون بمعنى صب يصب، وقد يكون بمعنى انصب ينصب، فالمعنى أنه يصب الجري والعدو صبًا بعد صب. السابح من الخيل: الذي يمد يديه في عده شبه بالسابح في الماء، الونى: الفتور .. والفعل ونى يني ونيًا وونى. الكديد: الأرض الصلبة المطمئنة. المركل: من الركل، وهو الدفع بالرجل، والضرب بها.\nومعنى البيت: أن الخيل يجيء يجري بعد جري إذا قلت الخيل السوابح، وأعيت وأثارت الغبار في مثل هذا الموضع. \"ديوانه\" ٥٣ - ٥٤.\n(٦) \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ١٩١، \"الدر المنثور\" ٨: ٤٠٥ وعزاه إلى ابن المنذر، \"فتح القدير\" ٥: ٣٧٣، \"تفسير الحسن البصري\" ٢: ٣٩٣.\n(٧) \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٨٤.","vol":"23","page":164},{"text":"تعالى: ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس:<span data-type=\"title\" id=toc-4785> ٤</span>٠]. قال عطاء هي: السفن تسبح في الماء (١).\nوروى عن ابن عباس: أن السابحات أرواح المؤمنين تسبح شوقًا إلى لقاء الله، وشوقًا إلى رحمته حين تخرج (٢)، وقد عاينوا السرور فهي تسبح مستعجلة.\n\n٤ - قوله تعالى: ﴿فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا﴾ قال مسروق (٣)، (ومقاتل (٤)، والكلبي (٥» (٦): هم الملائكة.\nقال مجاهد (٧) (وأبو روق (٨» (٩): سبقت ابن آدم بالخير، والعمل\n_________\n(١) \"جامع البيان\" ٣٠/ ٣٠، \"الكشف والبيان\" ج ١٣: ٣٤/ ب، \"النكت والعيون\" ٦/ ١٩٣، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٤٢، \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٣١، \"زاد المسير\" ٨/ ١٧١، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ١٩١.\n(٢) ورد معنى قوله في \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ١٩١، \"الدر المنثور\" ٨/ ٤٠٤ وعزاه إلى جويبر في تفسيره.\n(٣) \"الكشف والبيان\" ج ١٣: ٣٤/ ب، \"النكت والعيون\" ٦/ ١٩٣، \"زاد المسير\" ٨/ ١٧١، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ١٩١، \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٤٩٧، \"فتح القدير\" ٥/ ٣٧٣.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ٢٢٦/ ب، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٤٢، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ١٩١، \"فتح القدير\" ٥/ ٣٧٣.\n(٥) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٦) ما بين القوسين ساقط من: أ\n(٧) ورد قوله في \"الكشف والبيان\" ج ١٣: ٣٤/ ب، ومعناه في \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٤٢، \"التفسير الكبير\" ٣١/ ٢٩، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ١٩١، \"فتح القدير\" ٥/ ٣٧٣.\n(٨) المراجع السابقة، وانظر أيضًا: \"زاد المسير\" ٨/ ١٧١.\n(٩) ما بين القوسين ساقط من: (أ).","vol":"23","page":165},{"text":"الصالح، والإيمان، والتصديق.\nقال مجاهد (١)، [و] (٢) (مقاتل بن حيان (٣» (٤) تسبق بأرواح المؤمنين إلى الجنة.\nقال الفراء (٥)، والزجاج (٦): الملائكة تسبق الشياطين بالوحي إلى الأنبياء [إذ] (٧) كانت الشياطين تسترق السمع.\n(وقال الحسن (٨)، وأبو عبيدة (٩): هي النجوم تسبق بعضها بعضًا في السير) (١٠).\nوقال ابن مسعود (١١)، وابن عباس (١٢) (في رواية عطاء) (١٣): نفس\n_________\n(١) \"زاد المسير\" ٨/ ١٧١.\n(٢) زيادة يقتضيها السياق.\n(٣) \"الكشف والبيان\" ج ١٣: ٣٤/ ب، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٤٢، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ١٩١، \"فتح القدير\" ٥/ ٣٧٣.\n(٤) ما بين القوسين ساقط من: (أ).\n(٥) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٣٠ والعبارة للفراء.\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٧٨.\n(٧) في كلا النسختين: إذا، والمثبت ما جاء في \"معاني\" الفراء ٣/ ٣٣٠.\n(٨) \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ١٩١، \"فتح القدير\" ٥/ ٣٧٣، \"تفسير الحسن البصري\" ٢/ ٣٩٤.\n(٩) \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٨٤.\n(١٠) ما بين القوسين ساقط من: (أ).\n(١١) \"الكشف والبيان\" ج ١٣: ٣٤/ ب، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٤٢، \"زاد المسير\" ٨/ ١٧١، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ١٩١.\n(١٢) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(١٣) ما بين القوسين ساقط من: (أ).","vol":"23","page":166},{"text":"المؤمن تسبق إلى الملائكة الذين يقبضونها (١)، تبادر الخروج شوقًا إلى كرامة الله. (وقال عطاء هي: الخيل (٢» (٣).\n\nوذكر صاحب النظم: أن هذه الآية ذكرت بـ: \"الفاء\"، والتي قبلها بـ: \"الواو\"؛ لأنها أقسام مستأنفة، وهذه مسببة من التي قبلها، كأنه قيل: واللاتي سبحن فسبقن، كما تقول: قام فذهب، [أوجبت] (٤) الفاء أن القيام كان سببًا للذهاب، ولو قلت: قام وذهب لم يجعل القيام سببًا للذهاب <span data-type=\"title\" id=toc-4786>(٥)</span>.\n٥ - قوله تعالى: ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا (٥)﴾ أجمعوا على أنهم الملائكة (٦).\n_________\n(١) في (أ): يقبضون.\n(٢) \"جامع البيان\" ٣٠/ ٣٠، \"الكشف والبيان\" ج ١٣: ٣٥/ ب، \"النكت والعيون\" ٦/ ١٩٤، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٤٢، \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٣١، \"زاد المسير\" ٨/ ١٧١، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ١٩١، \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٤٩٨، \"الدر المنثور\" ٨/ ٤٠٥ وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.\n(٣) ما بين القوسين ساقط من: (أ).\n(٤) في (أ): أو ألفا، وفي نسخة ع: أوجب، ولعلها أوجبت. وعند الشوكاني: فهذا يوجب أن يكون القيام سببًا للذهاب.\n(٥) ورد نحو ذلك في \"فتح القدير\" ٥/ ٣٧٣.\n(٦) قال بذلك: قتادة، وابن عباس، وعبد الرحمن بن سابط، وعطاء، وعلي، ومجاهد، وأبو صالح، والحسن، والربيع ابن أنس، والسدي. انظر: \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٣٤٥، \"جامع البيان\" ٣/ ٣١، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٤٢، \"زاد المسير\" ٨/ ١٧١، \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٤٩٨.\nوحكى الماوردي هذا القول عن جمهور المفسرين: \"النكت والعيون\" ٦/ ١٩٤، وقال ابن عطية: \"فلا أحفظ خلافا أنها الملائكة\". \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٣١، وحكى الإجماع الفخر الرازي في \"التفسير الكبير\" ٣١/ ٢٩، ونقل القرطبي عن القشيري الإجماع، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ١٩٢.\nوقد ذكر الفخر الرازي رأيًا له -بعيدًا-، وهو أنها الأرواح، وأنها قد تدبر أمر =","vol":"23","page":167},{"text":"قال مقاتل: يعني جبريل، وميكال، وإسرافيل، وملك الموت يدبرون أمر الله في الأرض، وهم المقسمات أمرًا (١)، (٢). (أو نحو هذا) (٣).\nوقال (٤) عبد الرحمن بن سابط (٥) -وزاد بيانًا- فقال: أما جبريل فوكل (٦) بالرياح، والجنود، وأما ميكائل فوكل (٧) بالقطر والنبات، وأما ملك الموت فوكل (٨) بقبض الأنفس، وأما إسرافيل فهو يتنزل بالأمر عليهم (٩).\n_________\n= الإنسان في المنامات، وهو قول لا يعول عليه -كما ترى-، والذي يشهد له النص أنها الملائكة: قوله تعالى: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (٤)﴾، ووصف الله سبحانه الملائكة بقوله: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾. نقلًا عن \"أضواء البيان\" ٩/ ٢٤.\nوعليه فحكاية الإجماع صحيحة من الواحدي، ونقرر بذلك ما أسلفنا ذكره من منهجه في حكايته الإجماع. والله أعلم\n(١) بياض في (ع).\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ٢٢٧/ أ، \"التفسير الكبير\" ٣١/ ٢٩.\n(٣) ما بين القوسين ساقط من: (أ).\n(٤) في (ع): قال.\n(٥) عبد الرحمن بن سابط الجمحي؛ تابعي، ذو مراسيل عن أبي بكر، وعمر، فقيه، ثقة. مات سنة ١١٧ هـ.\nانظر: كتاب الثقات: ٥/ ٩٢، \"تهذيب الكمال\" ١٧/ ١٢٣: ت: ٣٨٢٢، \"الكاشف\" ٢/ ١٤٦ ت: ٣٢٣٩.\n(٦) في (أ): موكل.\n(٧) في (أ): موكل.\n(٨) في (أ): موكل.\n(٩) بمعناه في \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٤٢، \"زاد المسير\" ٨/ ١٧١ - ١٧٢، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ١٩٢، \"الدر المنثور\" ٨/ ٤٠٥ وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في شعب الإيمان، \"فتح القدير\" ٥/ ٣٧٣.","vol":"23","page":168},{"text":"وقال عطاء عن ابن عباس: يريد الملائكة وكلوا بأمور عرفهم الله العمل بها، والوقوف عليها، بعضهم لبني آدم يحفظون، ويكتبون، وبعضهم وكلوا بالأمطار والنبات والخسف، والمسخ، والرياح والسحاب (١).\nوقول صاحب النظم غير مطرد في هذه الآية؛ لأنه يبعد أن يجعل السبق سببًا للتدبير؛ مع أن السابقات ليست الملائكة في قول كثير من المفسرين.\nوقد أحكمنا الكلام في هذا في أول سورة الصافات (٢).\n_________\n(١) ورد قريب من معنى هذه الرواية، من طريق أبي المتوكل الناجي، عن ابن عباس في \"الدر المنثور\" ٨/ ٤٠٥ وعزاه إلى ابن أبي الدنيا في ذكر الموت، وبمثله في \"التفسير الكبير\" ٣١/ ٢٩ من غير نسبة. وانظر روايته مختصرة في \"الوسيط\" ٤/ ٤١٨.\n(٢) سورة الصافات: ١ - ٣: ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا (١) فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا (٢) فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا﴾. ومما جاء في تفسيرها، قال الواحدي: \"وأما هذه الشفاعات هاهنا - وفي سورة الذاريات، والمرسلات، فـ\"الفاء\" في العطف تؤذن أن الثاني بعد الأول؛ بخلاف الواو، فإنه لا يدل على المبدوء به، و\"الفاء\" يدل كقولك: دخلت الكوفة فالبصرة.\nفـ\"الفاء\" -هاهنا- تؤذن أن دخول الكوفة كان قبل دخول البصرة، وفي هذه الآية يدل على أن الله -تعالى- ذكر القسم أولًا بـ: \"الصافات\"، ثم بـ: \"الزاجرات\"، ثم بـ: \"التاليات\".\nوذكر صاحب النظم أن \"الفاء\" -هاهنا- وما قبله سبب له، كما تقول: قام فمر، واضطجع فنام. فالقيام سبب للمرور، والاضطجاع سبب للنوم.\nوتأويل الآية: والتي تصف صفًا، فتزجر زجرًا، فالصف سبب الزجر، والزجر سبب التلاوة. =","vol":"23","page":169},{"text":"وقال أهل المعاني: إنما أقسم الله بهذه الأشياء للتنبيه على موقع العبرة؛ إذ القسم يدل على عظم شأن المقسم به (١).\nوأما جواب هذه الأقسام، فقال الفراء: هي مما ترك جوابه لمعرفة السامعين (٢)، وكأنه لو ظهر كان: لتبعثُنَّ، ولتحاسبُنَّ، ويدلك على ذلك قولهم: ﴿أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً﴾ [النازعات: ١١]، أي: أنبعث إذا صرنا عظامًا (نخرة) (٣)، (٤).\nونحو هذا قال الزجاج سواء (٥).\nوقال مقاتل: أقسم الله بهؤلاء الملائكة أن النفختين كائنتان، بينهما أربعون سنة (٦)، فذلك قوله: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (٦)﴾.\n_________\n= قال: ويدل على هذا قوله: \"والمرسلات عرفًا فالعاصفات عصفًا\"، ثم استأنف قسما آخر منقطعًا مما قبله غير منسوق عليه بالواو، فقال: \"والناشرات نشرًا\". وهذه الواو واو قسم\".\n(١) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٢) أي أن جواب القسم مضمر محذوف.\n(٣) ما بين القوسين ساقط من: (أ).\n(٤) \"معاني القرآن\" ٣/ ٣٣١.\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٧٨.\nوهذا القول اختاره أيضًا أبو حيان في \"البحر المحيط\" ٨/ ٤٢٠، وضعف ما سواه من الأقوال في جواب القسم، ومن أراد الاستزادة في ذلك فليراجع ذلك في مواضعه من النكت العيون، \"الجامع لأحكام القرآن\"، \"معاني القرآن\" للأخفش، وغيرهم.\n(٦) ورد بمعناه في \"تفسير مقاتل\" ٢٢٧/ أ، ويعتبر قوله قولًا آخر لجواب القسم، ويعني به أن اللام التي تلقى بها القسم محذوفة من قوله: \"يوم ترجف الراجفة\" أي ليوم كذا تتبعها الرادفة، ولم تدخل نون التوكيد؛ لأنه قد فصل بين اللام المقدرة والفعل. قاله أبو حيان في \"البحر المحيط\" ٨/ ٤٢٠.","vol":"23","page":170},{"text":"(وهذا قول الأخفش (١» (٢)، ويكون التقدير على هذا (٣): النفختين في الصور نفختين، ودل على هذا المحذوف ذكر \"الراجفة\" و\"الرادفة\"، (وهما) (٤) النفختان.\nقال ابن عباس (في رواية عطاء (٥)، والكلبي (٦)، ومقاتل (٧» (٨) هي النفخة الأولى التي يموت فيها جميع الخلائق.\nقال مقاتل: وإنما سميت الراجفة؛ لأنها تميت الخلق كلهم. كقوله: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ [الأعراف: ٧٨]، يعني الموت (٩) -هذا كلامه-.\nوذكرنا في مواضع (١٠) أن الرجفة معناه الحركة، كقوله: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ﴾ [المزمل: ١٤].\nوالراجفة -هَاهنا- ليست من الحركة فقط، ولكنها من قولهم: رَجَفَ\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" ٣/ ٧٢٨.\n(٢) ما بين القوسين ساقط من: (أ).\n(٣) في (ع): لهذا.\n(٤) ما بين القوسين ساقط من: (أ).\n(٥) لم أعثر على مصدر لقوله. وقد ورد بمثله في \"الوسيط\" ٤/ ٤١٩ من غير عزو.\n(٦) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٧) \"تفسير مقاتل\" ٢٢٧/ أ.\n(٨) ما بين القوسين ساقط من: (أ).\n(٩) \"تفسير مقاتل\" ٢٢٧/ أ.\n(١٠) نحو ما جاء في سورة الأعراف: ٧٨، ٩١، ١٥٥، وسورة العنكبوت: ٣٧، وسورة المزمل: ١٤، وقد جاء في تفسير قوله: \"يوم ترجف الأرض والجبال\" المزمل: ١٤: أي تزلزل وتتحرك أغلظ حركة. راجع سورة المزمل: ١٤.","vol":"23","page":171},{"text":"الرعد يَرجُفُ رَجْفًا ورَجِيفًا، وذلك تَرَددُ (١) هدهدَتِهِ (٢) في السحاب (٣). ذكره الليث (٤).\nفالراجفة (٥): صيحة عظيمة فيها تردد، واضطراب كالرعد إذا تمحص.\nأنشد ابن السكيت (قول الشاعر (٦) يصف الغيث) (٧):\nإذا رجَفَتْ فيها رحى (٨) مُرْجَحَنَّةٌ ... تَبَعَّجَ ثجّاجًا غزير الحَوَافلِ (٩)\n_________\n(١) في (ع): ترد.\n(٢) هدهدته: الهدَّة: صوت شديد تسمعه من سقوط ركن، وناحية جبل، والهادُّ: صوت يسمعه أهل السواحل يأتيهم من قبل البحر له دويّ في الأرض، وربما كانت له الزلزلة، ودويُّه هَدِيدُه.\nانظر: \"تهذيب اللغة\" ٥/ ٣٥٣ مادة: (هدد)، \"الصحاح\" ٢/ ٥٥٥ - ٥٥٦ مادة: (هدد).\n\"تقول العرب: رعدت السماء، فإذا زاد صوتها قيل: ارتجست، فإذا زاد قيل: أرْزمت ودوَّت، فإذا زاد واشتد قيل: قصفت وقعقعت، فإذا بلغ النهاية قيل: جلجلت وهَدْهَدت\". \"فقه اللغة\" للثعالبي: ٢٩٨.\n(٣) في (ع): الساب.\n(٤) \"تهذيب اللغة\" ١١/ ٤٣ مادة: (رجف). وقد ذكره الأزهري من غير أن يعزوه إلى الليث.\nوانظر: \"لسان العرب\" ٩/ ١١٣.\n(٥) في (ع): فالرجفة.\n(٦) هو النابغة الذبياني.\n(٧) ما بين القوسين ساقط من: (أ).\n(٨) في أ، وع: رحا.\n(٩) ديوان النابغة الذبياني: ٩٢، ط المؤسسة العربية للنشر، وهو برواية: \"تبعق ثجاج غريرُ\".","vol":"23","page":172},{"text":"قال: الرجف: الرعد، والرحى (١): معظم (٢) السحاب (٣).\nوقال (٤) مجاهد: يعني: تتزلزل الأرض والجبال (٥).\nوانتصب \"يومًا\" بإضمار اذكر (٦).\n\nوقال أبو إسحاق: \"يوم\" منصوب على معنى قوله: يومئذ واجفة يوم ترجف الراجفة، يعني أن التقدير: تجف القلوب <span data-type=\"title\" id=toc-4787>(٧) </span>يوم ترجف الراجفة (٨).\n٧ - وقوله تعالى: ﴿تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ﴾ قالوا (٩): يعني: النفخة الثانية (١٠) التي فيها البعث، ردفت (١١) النفخة الأولى.\n_________\n(١) في أ، وع: رحا.\n(٢) في (ع): المعظم.\n(٣) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٤) في (أ): وقول.\n(٥) بمعناه ورد في \"جامع البيان\" ٣٠/ ٣٢، \"الكشف والبيان\" ج ١٣: ٣٥/ أ، \"النكت والعيون\" ٦/ ١٩٥، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٤٢، \"الدر المنثور\" ٨/ ٤٠٦ وعزاه إلى عبد بن حميد، والبيهقي في البعث.\n(٦) ويجوز أن يكون ظرفًا لما دلَّ عليه راجفة أو خاشعة، أي يخاف يوم ترجف. انظر: إملاء ما من به الرحمن: ٢/ ٢٨٠، التبيان في \"إعراب القرآن\" للعكبري السابق: ٢/ ١٢٦٩.\n(٧) في (أ): القلب.\n(٨) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٧٨ بتصرف.\n(٩) منهم: ابن عباس، والحسن، والضحاك. وحكاه الشوكاني عن جمهور المفسرين.\nانظر: \"جامع البيان\" ٣٠/ ٣١ - ٣٢، \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٤٩٨، \"فتح القدير\" ٥/ ٣٧٣.\n(١٠) بياض في (ع).\n(١١) رَدِفَه -بالكسر-: أي تبعه، يقال: كان نزل بهم أمر فرَدِف لهم آخر أعظم منه، وأرِدَفَه أمر: لغة في رَدفَه، مثل: تبعه وأتبعه.","vol":"23","page":173},{"text":"قال أبو عبيدة (١)، والمبرد (٢): والرادفة: كل شيء جاء بعد شيء، يقال: أردفه، أي جاء بعده.\nوقال مجاهد: أراد بالرادفة انشقاق (٣) السماء يأتي بعد الزلزلة (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4788>٨ </span>- (قوله) (٥): ﴿قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ﴾ (أي مضطربة خافقة، يقال: وَجَف قلبُه يجِف وجِيفًا إذا اضطرب، ومنه: إيجاف الدابة، وهو حملها على السير الشديد) (٦).\nوللمفسرين عبارات كثيرة في تفسير الراجفة، ومعناها واحد. قالوا: خائفة (٧)، وجلة (٨)، زائلة عن أماكنها (٩)، .......\n_________\n= انظر: \"الصحاح\" ٤/ ٣٦٤ مادة: (ردف).\nوقال أبو البقاء أيوب: الرَّدْف كل شيء تبع شيئًا فهو ردفه.\n\"الكليات\" ٢/ ٣٦٧: فصل الراء.\n(١) \"مجاز القرآن\" ٢/ ٨٤، وعبارته: كل شيء بعد شيء يردفه فهو الرادفة، الصيحة الثانية.\n(٢) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٣) في (أ): اشتقاق.\n(٤) ورد بمعناه في \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٤٢، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ١٩٣.\n(٥) ما بين القوسين ساقط من: (ع).\n(٦) ما بين القوسين هو المعنى اللغوي للفظ واجفة. انظر فيه مادة: (وجف) في \"تهذيب اللغة\" ١١/ ٢١٣، \"الصحاح\" ٤/ ١٤٣٧، \"تاج العروس\" ٦/ ٢٦٤.\n(٧) قاله: ابن عباس، وقتادة، وابن زيد. انظر: \"جامع البيان\" ٣٠/ ٣٣، وعزاه القرطبي إلى عامة المفسرين: \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ١٩٤.\n(٨) قال بذلك: مجاهد، وابن عباس. انظر: \"الكشف والبيان\" ج ١٣: ٣٥/ ب، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٤٣، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ١٩٤.\n(٩) قال بذلك: الضحاك، والسدي. انظر: المراجع السابقة، وانظر أيضًا: \"ررح المعاني\" ٣٠/ ٢٦.","vol":"23","page":174},{"text":"قلقة (١)، مستوفزة، مرتكضة (٢)، شديدة الاضطراب (٣) (٤)، غير ساكنة؛ وذلك لما عاينت من أهوال القيامة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4789>٩ </span>- (قوله) (٥): ﴿أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ﴾. أي ذليلة. قاله الكلبي (٦)، ومقاتل (٧)، وذلك عند معاينة النار كقوله: ﴿خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ [الشورى: ٤٥]. والمعنى: أبصار أصحابها، فحذف المضاف لأنه لم يرد إبصار القلوب.\nقال ابن عباس: يريد أبصار من مات على غير الإسلام (٨)، ويدل على ما قال ابن عباس أنه قال (٩) ﴿قُلُوبٌ﴾ [النازعات:٨]، ولم يقل القلوب، ويدل على هذا أيضًا أنه ذكر منكري البعث.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4790>١٠ </span>- قوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ﴾ قال الكلبي: يعنون في الخلق الجديد إلى الدنيا بعد الموت (١٠).\n_________\n(١) قاله المؤرج في \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ١٩٤.\n(٢) قاله قطرب في \"الكشف والبيان\" ج ١٣: ٣٥/ ب.\n(٣) بياض في (ع).\n(٤) قال بذلك الزجاج في \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٧٨.\n(٥) ما بين القوسين ساقط من: (ع).\n(٦) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٧) \"تفسير مقاتل\" ٢٢٧/ أ.\n(٨) لم أعثر على مصدر لقوله. وورد عن عطاء بمثل روايته. انظر: \"زاد المسير\" ٨/ ١٧٢.\n(٩) أي الله ﷾.\n(١٠) لم أعثر على مصدر لقوله.","vol":"23","page":175},{"text":"والمعنى: أنرد إلى أول خلقنا وابتداء أمرنا فنصير أحياء كما كنا؟ وهذا قول جميع أهل اللغة (١) والمعاني.\nقال أبو إسحاق (٢)، (وأبو عبيدة (٣» (٤)، والفراء (٥)، والزجاج (٦): يقال: رجع فإن في حافرته، وعلى حافرته، أي: رجع من حيث جاء، وأتيت فلانًا ثم رجعت على حافرتي، أي رجعت من حيث جئت.\nوالحافرة عند العرب: اسم أول (٧) الشيء، وابتداء الأمر (٨).\n(قال ابن السكيت: يقال: التقى القوم فاقتتلوا عند الحافرة، أي عند أول ما التقوا.\nقال الله تعالى: ﴿أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ﴾ أي في أول أمرنا، -قال- وأنشدني ابن الأعرابي:\nأحافرةً على صَلَعٍ وشَيْبِ ... معَاذَ اللهِ مِنْ سَفَهٍ وعَارِ (٩)\n_________\n(١) قال الليث: الحافرة: العودة في الشيء حتى يُردَّ آخره على أوله.\n\"تهذيب اللغة\" ٥/ ١٨ مادة: (حفر)، وانظر: \"مقاييس اللغة\" ٢/ ٨٥، \"الصحاح\" ٢/ ٦٣٥، \"لسان العرب\" ٤/ ٢٠٥، وجميعها في مادة: (حفر).\n(٢) لعله يريد به الثعلبي، فقد ورد بنحو هذا القول عنه في \"الكشف والبيان\" ج ١٣: ٣٦/ ب.\n(٣) \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٨٤.\n(٤) ما بين القوسين ساقط من: (ع).\n(٥) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٣٢.\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٧٨.\n(٧) بياض في (ع).\n(٨) بياض في (ع).\n(٩) ورد البيت غير منسوب في \"إصلاح المنطق\" لابن السكيت: ٢٩٥.\nوانظر مادة: (حفر) في \"تهذيب اللغة\" ٥/ ١٨، \"الصحاح\" ٢/ ٦٣٥، \"لسان","vol":"23","page":176},{"text":"كأنه قال: أأرجع في صباي، وأمري الأول بعد أن صلعت وشبت (١)؟\nوفي الحديث: (أن هذا الأمر لا يترك على حاله حتى يرد على حافرته) (٢)، أي على أول تأسيسه. وأصل هذا من قول العرب: النقد عند الحافرة (٣).\nقال أبو العباس: هذه كلمة كانوا يتكلمون بها عند السَّبْق. والحافرة: الأرض المحفورة. يقال (٤): أول (٥) ما يقع حافر الفرس عند السبق على الحافرة فقد وَجَبَ النَّقدُ. -يعني في الرهبان- أي كما يَسْبقُ تقولُ هاتِ النَّقدَ) (٦).\nهذا هو الأصل، ثم صار مثلًا لابتداء الشيء، وأوله، وأصله ابتداء السبق -كما ذكرنا- وللمفسرين قول آخر في الحافرة:\n_________\n= العرب\" ٢/ ٢٠٥، وفي \"جامع البيان\" ٣٠/ ٣٣، \"الكشف والبيان\" ج ١٣: ٣٦/ أ، \"النكت والعيون\" ٦/ ١٩٥ برواية: معاذ الله من جهل وطيش، \"زاد المسير\" ٨/ ١٧٣، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ١٩٥.\n(١) إلى قوله: بعد أن صلعت وشبت ينتهي قول ابن السكيت. انظر: \"إصلاح المنطق\" ٢٩٥.\n(٢) ورد الأثر في \"النهاية في غريب الحديث والأثر\" ١/ ٤٠٦، كما ورد تحت مادة: (حفر) في \"تهذيب اللغة\" ٥/ ١٨، \"لسان العرب\" ٢/ ٢٠٥.\n(٣) انظر أيضًا هذا المعنى في \"النهاية في غريب الحديث والأثر\" ١/ ٤٠٦.\n(٤) في (ع): يقول.\n(٥) أقل: هكذا وردت في \"تهذيب اللغة\" ٥/ ١٨ مادة: (حفر).\n(٦) ما بين القوسين أي من قوله: قال ابن السكيت .. إلى: كما يسبق تقول هات النقد نقله الإمام الواحدي عن الأزهري من \"تهذيب اللغة\" ٥/ ١٧ - ١٨ مادة: (حفر).","vol":"23","page":177},{"text":"قال ابن عباس في رواية عطاء: يريد الأرض (١). وهو قول مقاتل، قال: يقولون أننا لراجعون نمشي على أقدامنا بعد الموت (٢)!.\nوالمعنى: أنرد إلى ظهر الأرض أحياءً نمشي عليها؟\n(والحافرة، على هذا القول، من الأرض، سميت حافرة يعني محفورة؛ لأن قبورهم تحفر فيها. (قاله الفراء) (٣). قال: وهذا كقوله: ﴿مَاءٍ دَافِقٍ﴾ أي مدفوق (٤» (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4791>١١ </span>- (وقوله) (٦): ﴿أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً﴾، (وقرئ: ناخرة (٧)، (٨)، يقال: نخر العظم يَنْخَر فهو نخِر، مثل: عَفِنَ يعْفَنُ فهو عَفِن، وذلك إذا\n_________\n(١) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٢) لم أعثر على مصدر لقوله وقد ورد عن مجاهد بمثل قوليهما. انظر: \"جامع البيان\" ٣٠/ ٣٤، وكذا ابن عيسى في \"النكت والعيون\" ٦/ ١٩٥.\n(٣) ما بين القوسين ساقط من: (أ).\n(٤) في (أ): مدوق.\n(٥) ما بين القوسين نقله عن الفراء بتصرف. انظر: \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٣٢، وقد حكاه الفراء عن بعضهم.\n(٦) ما بين القوسين ساقط من: (أ).\n(٧) في (ع): نخرة.\n(٨) قرأ بذلك حمزة، والكسائي، وأبو بكر، وحجتهم في ذلك رؤوس الآيات بالألف؛ نحو: الحاضرة، والرادفة، والراجفة، والساهرة، فالألف أشبه بمجيء التنزيل، وبرؤوس الآيات.\nوقرأ الباقون: \"عظامًا نخرة\" بغير ألف، وحجتهم: أن ما كان صفة منتظر لم يكن فهو بالألف، وما كان وقع فهو بغير ألف.\nنقلًا عن: \"حجة القراءات\" ٧٤٨. وانظر أيضًا: \"كتاب السبعة\" ٦٧٠، \"الحجة\" ٦/ ٣٧١، \"الكشف\" عن وجوه القراءات: ٢/ ٣٦١، الوافي ٣٧٧.","vol":"23","page":178},{"text":"بلي) (١).\nويقال نخرت الخشبة نَخَرًا، إذا بليت فاسترخت، وإذا مسستها تفتّت، وكذلك العظم الناخر النخر، قال ذلك الليث (٢).\n(وقال أبو عبيدة: ناخرة ونخرة: بالية (٣» (٤). وقال الأخفش: هما جميعًا لغتان أيهما قرأت فحسن (٥).\nقال الفراء: الناخر (٦)، والنخرة، سواء في المعنى بمنزلة الطامع، والطمع، والباخل والبخل (٧).\nواختار [أبو عبيد] (٨) نخرة، [قال] (٩): ونظرنا في الآثار التي فيها ذكر العظام التي قد نخرت، وجدناها كلها العظام النخرة، ولم يسمع في شيء منها الناخرة، -قال-: وكان أبو عمرو يقول: إنما يكون الناخرة التي\n_________\n(١) ما بين القوسين لعله نقله عن الزجاج بتصرف. انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٧٨ - ٢٧٩.\n(٢) \"تهذيب اللغة\" ٧/ ٣٤٦ بيسير من التصرف.\n(٣) \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٨٤ بمعناه.\n(٤) ما بين القوسين ساقط من: (أ).\n(٥) ورد قوله في \"زاد المسير\" ٨/ ١٧٣، \"التفسير الكبير\" ٣١/ ٣٧.\n(٦) في (ع): الناخرة.\n(٧) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٣١ - ٢٣٢ مختصرًا.\n(٨) في كلا النسختين: أبو عبيدة، وأثبت اسم أبي عبيد؛ لأنه قد ورد في نص العبارة المذكورة في \"التفسير الكبير\" ٣١/ ٣٧، وفي \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ١٩٦، عن أبي عبيد، وهو الصواب، ولم أجد في المجاز لأبي عبيدة هذا القول.\n(٩) ساقطة من النسختين، والمثبت من \"التفسير الكبير\"، فقد نقله الفخر بنصه عن الواحدي، وأثبته لاستقامة المعنى به: ٣١/ ٣٧.","vol":"23","page":179},{"text":"تنخر بعد ولم (١) تفعل (٢).\nوقال الفراء (٣)، والزجاج (٤): ناخرة أجود (٥) الوجهين لشبه أواخر الآي بعضها ببعض، نحو الحافرة، والساهرة -قالا (٦) -: والناخرة تأويل آخر، وهي العظام الفارغة التي يصير فيها من هبوب الريح كالنخير (٧)، (٨).\nوعلى هذا: الناخرة من النخير بمعنى: الصوت كنخير النائم، والمخنوق، لا من النخر الذي هو البلى (٩).\nوأكثر المفسرين (١٠) على القول الأول، قالوا: يعني بالنية، (وهو قول الضحاك (١١)، ومقاتل (١٢» (١٣).\n_________\n(١) في (أ): لم.\n(٢) المراجع السابقة، وقد ورد قول أبي عمرو بن العلاء أيضًا في \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٣٢، \"فتح القدير\" ٥/ ٣٧٥.\n(٣) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٣١.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٧٩.\n(٥) بياض في (ع).\n(٦) أي الفراء والزجاج.\n(٧) في (أ): كالنخر.\n(٨) المرجعان السابقان.\n(٩) الناخرة: العظام المجوفة التي تمرُّ فيه الرياح فتنخر.\nمادة نخر في \"تهذيب اللغة\" ٧/ ٣٤٥، وانظر أيضًا: \"الصحاح\" ٢/ ٨٢٥، \"لسان العرب\" ٥/ ١٩٩.\n(١٠) قال بذلك ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، والسدي، وحكاه ابن عطية عن أكثر المفسرين. انظر: \"جامع البيان\" ٣٠/ ٣٥، \"النكت والعيون\" ٦/ ١٩٥، \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٣٢، \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٤٩٨.\n(١١) \"الدر المنثور\" ٨/ ٤٠٨ وعزاه إلى عبد بن حميد.\n(١٢) \"تفسير مقاتل\" ٢٢٧/ أ.\n(١٣) ما بين القوسين ساقط من: (أ).","vol":"23","page":180},{"text":"وذكر الكلبي القولين جميعًا (١)، [فقال] (٢): (نخرة) بالية تتحات. بلي، وناخرة: صيته، وذلك أن الريح (كالنخير، وعلى هذا: الناخرة من النخير، بمعنى) (٣) إذا دخل العظم الذي قد نخر طرفاه سمعت لها نخيرًا.\nومعنى الآيتين: أنهم أنكروا البعث فقالوا: أنرد أحياءً إذا متنا وبليت عظامنا؟.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4792>١٢ </span>- وقالوا: ﴿قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ﴾. قال القرظي: قالوا: إن رددنا بعد الموت لنخسرن (٤).\nوقال مقاتل: قالوا: إن بعثنا بعد الموت أحياء أصابنا من الخسران ما يقول محمد (٥).\nقال أبو إسحاق: والمعنى أهلها خاسرون (٦). يعني أن الخاسرة جرت صفة للنكرة، والمعنى لأهلها، كما تقول: تجارة رابحة، أي يربح فيها صاحبها، وكرة خاسرة: يخسر فيها صاحبها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4793>١٣ </span>- (ثم أعلم الله تعالى سهولة البعث عليه فقال) (٧): ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ﴾\n_________\n(١) أحد القولين له في \"النكت والعيون\" ٦/ ١٩٥، قال: \"خالية: مجوفة تدخلها الرياح فتنخر\". وهو بمعنى القول الثاني.\n(٢) في كلا النسختين: فقالوا. ولا يستقيم المعنى إلا بما أثبت. والله أعلم.\n(٣) ما بين القوسين ساقط من: (ع).\n(٤) ورد قوله في \"النكت والعيون\" ٦/ ١٩٦، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ١٩٦، \"لباب النقول في أسباب النزول\" للسيوطي (٢٢٦) وعزاه إلى سعيد بن منصور.\n(٥) بمعناه في \"تفسير مقاتل\" ٢٢٧/ أ.\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٧٩.\n(٧) ما بين القوسين نقله عن الزجاج، انظر: المرجع السابق.","vol":"23","page":181},{"text":"قال المفسرون (١): يعني النفخة الأخيرة، صيحة واحدة من إسرافيل يسمعونها وهم في بطون الأرض أموات فيحيون، فذلك قوله: ﴿فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾.\nيعني وجه الأرض، وظهرها. في قول جميع أهل اللغة، (وأكثر المفسرين) (٢).\nقال أبو عبيدة (٣)، والليث (٤)، (وغيرهما من أهل اللغة (٥» (٦): الساهرة وجه الأرض، وأنشدوا (٧):\nيَرْتَدّون ساهِرةً كأنَّ جميمها ... وعميمها أشداق ليل مظلم (٨)\n_________\n(١) قال بذلك: مجاهد، وابن زيد، والربيع بن أنس، وابن عباس.\nانظر: \"جامع البيان\" ٣٠/ ٣٥، \"النكت والعيون\" ٦/ ١٩٦، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ١٩٦. وحكى هذا القول عن المفسرين الفخر في \"التفسير الكبير\" ٣١/ ٣٨، كما ذهب إلى هذا القول: البغوي في \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٤٣، وابن عطية في \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٣٢، الخازن في \"لباب التأويل\" ٤/ ٣٥١.\n(٢) ما بين القوسين ساقط من: (أ).\n(٣) \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٨٥، وعبارته: \"الساهرة: الفلاة ووجه الأرض\".\n(٤) \"تهذيب اللغة\" ٦/ ١٢١ مادة: (سهر)، قال: \"الساهرة: وجه الأرض العريضة \"البسيط\". وانظر: \"لسان العرب\" ٤/ ٣٨٣ مادة: (سهر).\n(٥) قال بذلك الزجاج في \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٧٩، وهو قول ابن قتيبة أيضًا في \"تفسير غريب القرآن\" ٥١٣.\n(٦) ما بين القوسين ساقط من: (أ).\n(٧) لم ينشدوا البيت جميعهم، وإنما الذي ذكره هو الليث في \"تهذيب اللغة\" ٩/ ١٤٦ مادة: (سدف). والبيت لأبي كبير الهذلي.\n(٨) ورد البيت في \"تهذيب اللغة\" ٦/ ١٢ مادة: (سهر)، \"الصحاح\" ٢/ ٦٩١ مادة: (سهر)، \"لسان العرب\" ٤/ ٣٨٣ مادة: (سهر)، و٩: ١٤٦ مادة: (سدف)، \"البحر المحيط\" ٨/ ٤١٧، وجميعها برواية: \"يرْتَدْن\"، و\"أسداف\"، وفي التهذيب: =","vol":"23","page":182},{"text":"وهو قول ابن عباس (١)، ومقاتل (٢)، (والشعبي (٣» (٤)، وسعيد (بن جبير (٥)، وعكرمة (٦)، والحسن (٧)، وأبي صالح (٨» (٩)، وأنشد (ابن عباس قول أمية) (١٠):\nوفيهما لحمُ ساهرةٍ وبَحْرٍ ... وما (١١) فاهوا به لَهُمُ مقيمُ (١٢)\n_________\n= \"جحيمها\".\nومعنى جميمها: الجميم: النبت الكثير، وكا ما اجتمع وكثر عميم.\n\"لسان العرب\" ١٢/ ١٠٧ مادة: (جمم).\nالعميم: الطويل من الرجال والنبات. المرجع السابق: ١٢/ ٤٢٥ مادة: (عمم). السدف: ظلمة الليل، وقيل: هو بَعْدَ الجنح، والجمع: أسداف. المرجع السابق: ٩/ ١٤٦ مادة: (سدف).\n(١) ورد قوله في \"جامع البيان\" ٣/ ٣٦، \"الكشف والبيان\" ج ١٣: ٣٩/ ب، \"النكت والعيون\" ٦/ ١٩٦، \"زاد المسير\" ٨/ ١٧٣، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ١٩٧. وانظر قوله في \"لسان العرب\" ٤/ ٣٨٣ مادة: (سهر).\n(٢) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٣) \"الدر المنثور\" ٨/ ٤٠٨ وعزاه إلى عبد بن حميد.\n(٤) ما بين القوسين ساقط من: (أ).\n(٥) \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٤٩٨، \"الدر المنثور\" ٨/ ٤٠٨.\n(٦) المرجعان السابقان، بالإضافة إلى \"جامع البيان\" ٣٠/ ٣٧، \"النكت والعيون\" ٦/ ١٩٦، \"زاد المسير\" ٨/ ١٧٣.\n(٧) \"جامع البيان\" ٣٠/ ٣٧، \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٤٩٨، \"الدر المنثور\" ٨/ ٤٠٨ وعزاه إلى عبد بن حميد بمعناه، وانظر: تفسير الحسن البصري: ٢/ ٣٩٥.\n(٨) \"تفسير القرآن العظيم \" ٤/ ٤٩٨.\n(٩) ما بين القوسين ساقط من: (أ).\n(١٠) ما بين القوسين ساقط من: (أ).\n(١١) في (ع): مما.\n(١٢) ورد البيت في شرح ديوانه: ٦٨.","vol":"23","page":183},{"text":"قالوا جميعًا: أراد بالساهرة: الأرض، وفوق الأرض، وظهر الأرض، ووجه الأرض. كل هذا من ألفاظهم (١).\nقال الفراء: كأنها سميت بذلك؛ لأن فيها نوم الحيوان وسهرهم (٢).\nوقال غيره (٣) (من أهل المعاني (٤» (٥): العرب تسمى وجه الأرض من الفلاة ساهرة، أي ذات سهر؛ لأنه يسهر فيها خوفًا منها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4794>١٥ </span>- قال تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى﴾.\n_________\n= \"لسان العرب\" ٤/ ٣٨٣ مادة: (سهر)، \"جامع البيان\" ٣٠/ ٣٦، \"النكت والعيون\" ٦/ ١٩٦، \"الكشف والبيان\" ج ١٣: ٣٦/ أ، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ١٩٨، \"معاني القرآن\" للفراء: ٣/ ٢٣١، \"البحر المحيط\" ٨/ ٤١٧، \"الدر المنثور\" ٨/ ٤٠٨ وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.\nوانظر: فضائل القرآن ومعالمه وآدابه: لأبي عيد القاسم بن سلام: ٢/ ١٧٣ برواية: \"وفيها لحم\"، \"روح المعاني\" ٣٠/ ٢٨، \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة: ٢/ ٢٨٥، كتاب \"إيضاح الوقف والابتداء\" ١/ ٦٩، الساهرة: الأرض، ومقيم: ثابت. انظر: شرح ديوانه.\n(١) وهناك أقوال أخرى لمعنى الساهرة، ذكرها الطبري في \"جامع البيان\" ٣٠/ ٣٧ - ٣٨، والماوردي في \"النكت والعيون\" ٦/ ١٩٦ - ١٩٧، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٨/ ١٧٣ - ١٧٤، وابن كثير في \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٤٩٨، وقال\nعنها ابن كثير: وهذه الأقوال كلها غريبة، والصحيح أنها الأرض، ووجهها الأعلى. \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٤٩٨.\n(٢) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٣٢ بيسير من التصرف.\n(٣) في (أ): غيرهم.\n(٤) منهم الزجاج في \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٧٩، وهو أيضًا قول أبي عبيدة في \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٨٥، كما ذكره القرطبي معزوًا إلى العرب بمثل ما أورده الواحدي. انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ١٩٧.\n(٥) ما بين القوسين ساقط من: (أ).","vol":"23","page":184},{"text":"قال مقاتل: قد جاءك يا محمد حديث موسى. (١) هذا كقوله: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾ [الإنسان: ١]، وقد مر (٢).\nوقال الكلبي: ولم يكن أتاه حديث موسى بعد في القرآن ثم أتاه إذ ناداه ربه (٣).\nقال ابن عباس: كلمه ربه (٤) -وباقي الآية (٥) مفسر في [أول] (٦) سورة طه (٧) -.\nوقال مقاتل: دعاه ربه فقال: يا موسى اذهب إلى فرعون إنه طغى (٨). قال مقاتل (٩)، ومجاهد (١٠): عصى الله.\n_________\n(١) لم أعثر على مصدر لقوله. وعنى بقوله هذا أن \"هل\" بمعنى: \"قد\".\n(٢) راجع سورة الدهر: ١.\n(٣) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٤) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٥) وهو قوله تعالى: ﴿إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾.\n(٦) ساقط من: (أ).\n(٧) سورة طه: ١٢، ٤٣. ومما جاء في تفسيرها: \"قال: وقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ﴾ أي المطهر، المقدس: المبارك، وقوله: \"طوى\" هو اسم الوادي، وهو قول جميع المفسرين.\nوقوله تعالى: ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾ أي جاوز القدر في العصيان، وذلك أنه خرج من معصيته إلى فاحش تجاوز به معاصي الناس.\nوقال أهل المعاني: وفي الآية محذوف؛ لأن المعنى: اذهب إلى فرعون فادعه إلى توحيد الله إنه طغى؛ لأنه أمِر بالذهاب إليه، وأن يدعوه إلى التوحيد\".\n(٨) \"تفسير مقاتل\" ٢٢٧/ ب بمعناه\n(٩) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(١٠) لم أعثر على مصدر لقوله.","vol":"23","page":185},{"text":"وقال عطاء: عصى على بني إسرائيل (١). وقال (٢) الكلبي: علا، وتكبر، وكفر بالله (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4795>١٨ </span>- فقال: ﴿فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى﴾.\nأي تتطهر من الشرك، ومنه قوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ [الشمس: ٩] (٤)، وقوله: ﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً﴾ (٥) [الكهف: ٧٤].\nوالمبتدأ محذوف [في] (٦) اللفظ مراد في المعنى. التقدير: هل لك إلى ذلك حاجة أو إربة (٧).\nقال:\nفَهَلْ لكُمُ فيها إليَّ فإنني ... بصيرٌ بما أعيى (٨) النِّطاسي حِذْيَما (٩)\n_________\n(١) لم أعثر على مصدر لقوله. وقد ورد بمثله في \"التفسير الكبير\" من غير عزو ٣١/ ٤٠.\n(٢) في (أ): فقال.\n(٣) لم أعثر على مصدر لقوله. وقد ورد بمثله من غير عزو في \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٤٤.\n(٤) في (ع): زكيها.\n(٥) في (أ): زاكية.\n(٦) ساقط من: أ.\n(٧) إربة: الإربة: الحاجة، والجمع: المآرب. انظر مادة: (أرب) في مختار \"الصحاح\" ١٣، \"المصباح المنير\" ١/ ١٦.\n(٨) في (أ): أعي.\n(٩) ورد البيت في ديوانه: ١١١ ط دار صادر برواية: \"طبيب بما أعيى\"، \"الخصائص\" لابن جني: ٢/ ٤٥٣، \"المفصل\" ٣/ ٢٥، \"الخزانة\" ٢/ ٢٣٢. ومعنى قوله: \"فهل لكم فيما إلى: هل لكم علم وبصيرة فيما يرجع نفعه وفائدته إلى، ثم أعرض عن مشاورتهم وقال: إنني أعلم وأعرف بحالي منكم، فإنني بصير بما يعيي النطاسي ابن حذيم -وهو رجل من تيم الرباب- وكان متطببًا عالمًا. \"ديوانه\" (١١١).","vol":"23","page":186},{"text":"وفيه قراءتان: التشديد (١) على إدغام \"تاء\" الفعل (في الزاي لتقاربهما. والتخفيف (٢) على حذف \"تاء\" الفعل) (٣). قال ابن عباس في قوله: \"تزكى\": تشهد أن لا إله إلا الله (٤).\nوقال مقاتل: توحد الله (٥). وقال الكلبي: تعمل خيرًا (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4796>١٩ </span>- ﴿وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ﴾ (٧).\nقال ابن عباس (٨)، ومقاتل (٩): وأدعوك إلى عبادة ربك.\n﴿فَتَخْشَى﴾ فتسلم من خشية الله، وتوحد الله.\nوقال أهل المعاني: فتخشى عقابه، ويكون المعنى: تؤدي ما\n_________\n(١) قرأ بذلك: أبو جعفر، وابن كثير، ونافع، ويعقوب: \"إلى أن تزَّكَّى\" مشددة الزاي. انظر: \"القراءات وعلل النحويين فيها\" ٢/ ٧٤٥، \"الحجة\" ٦/ ٣٧٤، \"المبسوط\" ٣٩٥، \"حجة القراءات\" (٧٤٩)، \"كتاب التبصرة\" (٧٢٠).\n(٢) قرأ عاصم، وأبو عمرو، وابن عامر، وحمزة، والكسائي: \"تزكى\" خفيفة. انظر: المراجع السابقة.\n(٣) ما بين القوسين ساقط من: (أ).\n(٤) \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٤٤، \"الدر المنثور\" ٨/ ٤١٠، وانظر: \"الأسماء والصفات\" ١/ ١٨٣.\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ٢٢٧/ ب.\n(٦) \"النكت والعيون\" ٦/ ١٩٧.\n(٧) فائدة: دلت الآية على أن معرفة الله مقدمة على طاعته؛ لأنه ذكر الهداية، وجعل الخشية مؤخرة عنها، ومفرعة عليها. قاله الفخر في \"التفسير الكبير\" ٣١/ ٤١.\n(٨) لم أعثر على مصدر لقوله. وقد ورد بنحو من قوله من غير عزو في \"زاد المسير\" ٨/ ١٧٤، \"لباب التأويل\" ٤/ ٣٥١.\n(٩) بمعناه في \"تفسير مقاتل\" ٢٢٧/ ب.","vol":"23","page":187},{"text":"يلزمك (١) من فرضه خشية عقابه (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4797>٢٠ </span>- ﴿فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى (٢٠)﴾ قال عطاء: يعني العصا (٣).\nوقال الكلبي (٤)، ومقاتل (٥): هي اليد، وكانت أعظم، وأعجب آية من العصا.\nوقال مجاهد: هي اليد، والعصا (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4798>٢١ </span>- ﴿فَكَذَّبَ﴾ بالآية أنها من الله. ﴿وَعَصَى﴾ الله، ونبيه فلم يطعهما.\n<span data-type=\"title\" id=toc-4799>٢٢ </span>- ﴿ثُمَّ أَدْبَرَ﴾ أعرض عن الحق، والإيمان (٧). ﴿يَسْعَى﴾ يعمل بالفساد في الأرض (٨). وهو قوله تعالى: ﴿فَحَشَرَ فَنَادَى﴾ فجمع قومه، وجنوده فنادى\n<span data-type=\"title\" id=toc-4800>٢٤ </span>- قال مقاتل: (لما اجتمعوا قام عدو الله فرعون على سريره. ﴿فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ أي لا رب فوقكم) (٩).\n_________\n(١) بياض في (ع).\n(٢) لم أعثر على مصدر لقولهم، وقد قال بنحوه الطبري في \"جامع البيان\" ٣٠/ ٣٩.\n(٣) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٤) \"التفسير الكبير\" ٣١/ ٤٢.\n(٥) المرجع السابق، \"تفسير مقاتل\" ٢٢٧/ ب.\n(٦) \"تفسير الإمام مجاهد\" (٧٠٣)، \"جامع البيان\" ٣٠/ ٤٠، \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٣٣، وحكاه ابن الجوزي عن جمهور المفسرين في \"زاد المسير\" ٨/ ١٧٤، \"الدر المنثور\" ٨/ ٤٠٩ وعزاه إلى الفريابي، وعبد بن حميد، وابن المنذر.\n(٧) وهذا قول مجاهد. انظر: \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٣٣.\n(٨) وهو قول مجاهد. انظر: تفسير الإمام مجاهد: ٧٠٣، وإليه ذهب الطبري في \"جامع البيان\" ٣٠/ ٤٠، والثعلبي في \"الكشف والبيان\" ج ١٣: ٣٧ / ب.\n(٩) ما بين القوسين من قول مقاتل، وقد ورد بمعناه في \"تفسير مقاتل\" ٢٢٧/ ب.","vol":"23","page":188},{"text":"وقال عطاء: كان قد صنع لهم أصنامًا صغارًا، فقال لهم: اعبدوها وأنا ربكم ورب أصنامكم (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4801>٢٥ </span>- قوله تعالى: ﴿فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى﴾ قال أبو إسحاق: \"نكال\" مصدر مؤكدة لأن معنى (٢) \"أخذه الله\": نكَّلَ الله به نكال الآخرة (٣). (ونحو هذا) (٤) قال المبرد: أخذه في موضع نكله (٥).\nوكما قال: ﴿إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: ١٠٢] إنما هو الإهلاك والتنكيل، كما تقول: ادعه تركًا شديدًا؛ لأن أدعه وأترك سواء.\nوأنشد (٦):\nوقد تَطَوَّيْتُ انطواء الحِضبِ (٧) (٨)\nلأن تطويت وانطويت سواء.\nوقال الفراء: يريد أخذه الله أخذًا نكالًا للآخرة والأولى (٩).\n_________\n(١) \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٢٠٠.\n(٢) في (أ): معناه.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٨٠ بنصه.\n(٤) في النسخة: أ: ورد لفظ: \"كما\" بدلًا من: ونحو هذا، ويستقيم المعنى بإثبات أحدهما.\n(٥) \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٣٤، والعبارة عنه: \"قال: نكال: نصب على المصدر، والعامل فيه على رأي أبي العباس المبرد فعل مضمر من لفظ \"نكال\". وانظر أيضًا قوله في \"البحر المحيط\" ٨/ ٢٢٢، وانظر: \"التفسير الكبير\" ٣١/ ٤٣ من غير عزو.\n(٦) نسب إنشاده لسيبويه ابن منظور في \"لسان العرب\" ١٥/ ١٨ مادة: (طوى).\n(٧) في (أ): الحطب.\n(٨) ورد البيت غير منسوب في \"لسان العرب\" ١٥/ ١٨ مادة: (طوى). ويراد بالحضب ضرب من الحيات. المرجع السابق.\n(٩) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٣٣ بيسير من التصرف.","vol":"23","page":189},{"text":"وذكر المفسرون في هذه الآية قولين:\nأحدهما: أن الآخرة، والأولى صفة لكلمتي فرعون، أحدهما قوله: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: ٣٨]، والآخرة (١) قوله: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات: ٢٤]-قالوا-: وكان بينهما أربعون سنة.\nوهذا قول (مجاهد (٢)، والشعبي (٣)، وسعيد بن جبير (٤)، ومقاتل (٥)، ورواية عطاء والكلبي عن ابن عباس (٦» (٧). وقال الحسن (٨)،\n_________\n(١) في (ع): الآخر.\n(٢) \"تفسير الإمام مجاهد\" (٧٠٣)، \"جامع البيان\" ٣٠/ ٤١ - ٤٢، \"زاد المسير\" ٨/ ١٧٥، \"الدر المنثور\" ٨/ ٤٠٩ وعزاه إلى الفريابي، وعبد بن حميد، وابن المنذر.\n(٣) المراجع السابقة عدا تفسير مجاهد، وانظر: أيضًا: \"التفسير الكبير\" ٣١/ ٤٤، \"روح المعاني\" ٣٠/ ٣٠.\n(٤) \"التفسير الكبير\" ٣١/ ٤٤.\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ٢٢٧/ ب، \"زاد المسير\" ٨/ ١٧٥،\"التفسير الكبير\" ٣١/ ٤٤.\n(٦) وردت الرواية عنه من غير ذكر الطريق في \"كنز العمال\" ٢/ ١٢: ح: ٢٩٣٦، \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٣٤، \"زاد المسير\" ٨/ ١٧٥، \"الدر المنثور\" ٨/ ٤١٠، وبالطريقين في \"التفسير الكبير\" ٣١/ ٤٤، ومن طريق أبي الضحى عن ابن عباس في \"تفسير الإمام مجاهد\" (٧٠٣).\n(٧) ما بين القوسين من: ع، وقد كتب في نسخة: أبدلًا منه: وهذا قول جماعة. وممن قال بذلك أيضًا: الضحاك، وابن زيد، وخيثمة، وعكرمة.\nانظر: \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٣٤٦، \"جامع البيان\" ٣٠/ ٤٢، \"النكت والعيون\" ٦/ ١٩٨، \"زاد المسير\" ٨/ ١٧٥، \"الدر المنثور\" ٨/ ٤١٠.\n(٨) \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٤٤ بمعناه، \"التفسير الكبير\" ٣١/ ٤٤، \"زاد المسير\" ٨/ ١٧٥، \"الدر المنثور\" ٨/ ٤٠٩ وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر. وانظر: \"تفسير الحسن البصري\" ٢/ ٣٩٥.","vol":"23","page":190},{"text":"وقتادة (١): (نكال (٢) الآخرة والأولى): أغرقه (٣) في الدنيا، وعذبه في الآخرة.\nوتفسير نكال قد تقدم في سورة البقرة (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4802>٢٦ </span>- ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ الذي فعل (٥) فرعون حين كذب، وعصى. ﴿لَعِبْرَةً﴾ يريد فكرة، وعظة. ﴿لِمَنْ يَخْشَى﴾ الله.\nثم خاطب منكري البعث فقال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4803>٢٧ </span>- ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ﴾ قال مقاتل: يعني بعثًا بعد الموت (٦).\nوالمعنى: أخَلْقُكُم بعد الموت أشد أم السماء؟ أي عندكم وفي تقديركم، وهما عند الله واحد، والذي قدر على خلق السماء قادر على بعثكم بعد الموت وإعادتكم. كما قال: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [يس: ٨١]. الآية.\nوكقوله -أيضًا-: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ [غافر: ٥٧].\n_________\n(١) المراجع السابقة. وانظر أيضًا: \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٣٤٧.\n(٢) في (أ): تلك.\n(٣) في (أ): غرقه.\n(٤) سورة البقرة: ٦٦. قال تعالى: ﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾\nومما جاء في تفسير \"نكالًا\" قال: \"والنكال اسم لما جعلته نكالًا لغيره إذا رآه خاف أن يعمل عمله، وأصل هذا من قولهم: نكل عن الأمر ينكل نكولًا إذا جبن عنه، يقال: نكَّلت بفلان إذا عاقبته في شيء أتاه عقوبة تُنَكِّل غيره عن ارتكاب مثله، أي: تمنع وترد. والنَّكْل: القيد؛ لأنه يمنع الجري، والنِّكْل: حديث اللجام\".\n(٥) في (أ): يعمل.\n(٦) لم أعثر على مصدر لقوله.","vol":"23","page":191},{"text":"وليس معنى الآية: أنتم أحكم صنعة أم السماء!، وهذا قول الكلبي (١)، وهو بعيد، وتم الكلام عند قوله: \"السماء\" على قول الكسائي، والفراء، والزجاج.\nقال الكسائي: \"أأنتم أشد خلقًا أم السماء\"، ثم قال بعد: \"بناها (٢) \" (٣).\nقال الفراء (٤): أأنتم يا أهل مكة أشد خلقًا أم السماء، ثم وصف السماء، فقال: بناها. (٥).\nوقال الزجاج: أأنتم أشد خلقًا، أم السماء أشد خلقًا، ثم بين كيف خلقها، فقال: بناها (٦) \"رفع سمكها\" (٧).\n(وعند أبي حاتم الوقف على قوله: \"بناها\" (٨)؛ لأنه قال: من صلة السماء. المعنى التي بناها) (٩).\n_________\n(١) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٢) في (ع): بنيها.\n(٣) ورد معنى قوله في \"التفسير الكبير\" ٣١/ ٤٥، \"فتح القدير\" ٥/ ٣٧٨.\n(٤) في (ع): الزجاج، وهي كلمة وضعت سهوًا في غير موضعها.\n(٥) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٣٣ بتصرف.\n(٦) في (ع): بنيها.\n(٧) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٨٠ بنحوه.\n(٨) \"الإيضاح\" لابن الأنباري: ٢/ ٩٦٥، \"القطع والائتناف\" للنحاس: ٢/ ٧٨٧.\nوانظر: \"المكتفى في الوقف والابتداء\" للداني (٦٠٧).\nوالسبب في الوقف على قوله: \"بناها\" لإتباع خبر خبرًا بلا عطف.\nانظر: \"علل الوقوف\" للسجاوندي: ٣/ ١٠٩٠.\n(٩) ما بين القوسين نقله بنحوه عن الزجاج. انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٨٠.","vol":"23","page":192},{"text":"والقول هو الأول، والسماء ليس مِمَّا يوصل (١).\nومعنى ﴿سَمْكَهَا﴾ قال المفسرون: سقفها (٢). ﴿فَسَوَّاهَا﴾ بلا شقوق (٣)، ولا فطور.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4804>٢٩ </span>- ﴿وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا﴾ قال المفسرون: أظلم (٤).\n_________\n(١) فيكون المعنى على ذلك: أأنتم أشد خلقًا أم السماء أشد خلقًا. انظر: \"زاد المسير\" ٨/ ١٧٥.\n(٢) وممن ذهب إلى هذا القول: البغوي في \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٤٤، والقرطبي في \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٢٠١.\nوقد اختلفت ألفاظ المفسرين في معنى \"سمكها\"، قال قتادة في قوله: \"رفع سمكها فسواها\" رفع بناءها، فسواها، وعن مجاهد: رفع بناءها بغير عمد، وعن ابن عباس: يقول بنيانها. انظر في ذلك كله: \"جامع البيان\" ٣٠/ ٤٣.\nوقال الليث: والسَّمَاك: ما سمعت به حائطًا أو سقفًا، والسقف يسمى سَمْكًا، والسماء مسموكة، أي مرفوعة كالسَّمْك.\n\"تهذيب اللغة\" ١٠/ ٨٤ مادة: (سمك).\nوما مضى من الأقوال يتبين من خلالها معنى واحد لـ\"سمكها\"، وهو البناء المرفوع، وهو السقف. والله أعلم.\n(٣) في (ع): سقوف.\n(٤) قال بذلك قتادة، وابن عباس، ومجاهد، وابن زيد، والضحاك، وعكرمة.\nانظر: \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٣٤٧، \"جامع البيان\" ٣٠/ ٤٤، وقاله أبو عبيدة في \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٨٥، وابن قتيبة في \"تفسير غريب القرآن\" ٥١٣، واليزيدي في \"غريب القرآن\" (٤١٢)، والطبري في \"جامع البيان\" ٣٠/ ٤٣، ومكي بن أبي طالب في \"العمدة في غريب القرآن\": ٣٣٤، والماوردي في \"النكت والعيون\" ٦/ ١٩٨. وإليه ذهب البغوي في \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٤٥، وابن عطية في \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٣٤، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٨/ ١٧٥، والقرطبي في \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٢٠٢، والخازن في \"لباب التأويل\" ٤/ ٤٥١، وابن كثير في \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٠٠.","vol":"23","page":193},{"text":"(أي جعله (١) مظلمًا، يقال أغطش الليل، وأغطشه الله، والغطش الظلمة، والأغطش شبه الأعمش) (٢).\n﴿وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا﴾ قالوا: وأبرز نهارها، وضوءها، وشمسها (٣).\nوأضاف الليل، والضحى إلى السماء الآن) (٤) الظلمة، والنور كلاهما ينزل من السماء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4805>٣٠ </span>- ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾، (أي: أبسطها، يقال دحوت أدحو دحوًا، ودَحَيْت أدحي دحيَّا (٥)، وفي حديث علي -﵁-: اللهم داحي المدحيات (٦)، يعني باسط الأرضين السبع وموسعها، وهي\n_________\n(١) بياض في (ع).\n(٢) ما بين القوسين بيان للمعنى اللغوي لقوله: \"أغطش\". انظر في ذلك مادة: (غطش) في \"تهذيب اللغة\" ١٦، \"المستدرك\" ١٦١، \"لسان العرب\" ٦/ ٣٢٤.\n(٣) هذه من ألفاظ المفسرين، قال قتادة: أنور ضحاها. \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٣٤٧. وعن مجاهد: نورها، وعن الضحاك: نهارها، وعن ابن زيد: ضوء النهار. انظر: \"جامع البيان\" ٣٠/ ٤٤.\nوعن ابن عباس: أن أخرج ضحاها: الشمس. \"النكت والعيون\" ٦/ ١٩٩.\nوانظر أيضًا في ذلك: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٤٥، \"زاد المسير\" ٨/ ١٧٦، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٢٠٣.\n(٤) ما بين القوسين ساقط من: (أ).\n(٥) الدحو: البسْطُ، دَحا الأرض يَدْحوها دَحْوًا: بسطها. \"لسان العرب\" ١٤/ ٢٥١ مادة: (دحا).\nوفي \"النهاية\" الدَّحْو: البسط، والمَدْحوات: الأرضون، يقال: دَحا يدْحو، ويَدْحى: أي بسط ووسع ٢/ ١٠١.\n(٦) \"النهاية في غريب الحديث والأثر\" ٢/ ١٠١، \"التفسير الكبير\" ٣١/ ٤٨، \"الدر المنثور\" ٨/ ٤١٢ وعزاه إلى أبي الشيخ في \"العظمة\"، مرفوعًا من طريق علي بمعنى رواية الواحدي.","vol":"23","page":194},{"text":"المدحوات -بالواو- أيضًا) (١).\nوذكرنا الكلام في رتبة (٢) خلق السماء والأرض عند قوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾ [فصلت: ١١] في أول حم السجدة (٣).\n_________\n= والذي وجدته عند أبي الشيخ من طريق البزار مرفوعًا من حديث علي: تبارك رافعها ومدبرها، ثم رمى ببصره -ﷺ- إلى الأرض، فقال: تبارك داحيها وخالقها). العظمة: ١٩٥: ح: ٥٦٢.\nوأورد هذه الرواية الهيثمي من طريق عليًا مرفوعة أيضًا مطولة، وقال: رواه البزار، وفيه من لم أعرفهم. \"مجمع الزوائد\" ٧/ ٣٢٨.\nوقد ضعف محقق العظمة هذه الرواية بناء على كلام الهيثمي ﵀.\n(١) ما بين القوسين نقله الواحدي عن \"تهذيب اللغة\" ٥/ ١٩٠ مادة: (دحا) بتصرف. وانظر: \"لسان العرب\" ١٤/ ٢٥١ مادة: (دحا).\n(٢) في الأصل: تربة وهو تصحيف.\n(٣) ومما جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (١١)﴾: الإشكال بينها وبين آية النازعات.\nقال: وقع عد البعض إشكال بين قوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾، وبين قوله: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ فقالوا: هذه الآية تدل على أنه خلق الأرض قبل السماء؛ لأنه ذكر خلق الأرض، ثم قال بعد ما فرغ من ذكر خلق الأرض: \"ثم استوى إلى السماء\"، وقال في موضع آخر: ﴿أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (٢٧) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا﴾ ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾\nفدلت هذه الآية على أنه خلق الأرض بعد السماء، فادعوا التناقض.\nثم رد عليهم بأجوبة، منها:\n١ - أن الله تعالى قال: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ ولم يقل خلقها، وابتدأها، أو أنشأها، فابتداء خلق الأرض كان قبل خلق السموات، ثم خلق السموات، ثم دحا بعد ذلك الأرض، أي بسطها ومدها، فقد كانت ربوة مجتمعة. وهذا قول ابن قتيبة.\n٢ - أن خلق الله -على ما ذكر الله في سورة فصلت، وقوله: \"والأرض بعد ذلك\" =","vol":"23","page":195},{"text":"وقال أبو عبيدة: (دحاها)، و(طحاها): بسطها، يقال: دحوت، ودحيت (١).\nوأنشد قول زيد بن عمرو (٢) بن نفيل:\nدحاها فلما رآها استوت ... على الماء أرسى عليها الجبال (٣)\n_________\n= معناه: والأرض مع ذلك، وهذا جار في كلام العرب، وإقامة بعض الصفات مقام بعضها الآخر سائر مشهور.\n٣ - أنه يجوز أن يكون تأويل قوله: \"بعد ذلك\" بمعنى قبل، ويجري مجرى حروف الأضداد، وشاهده قوله: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ﴾ قال بعضهم: معناه: من قبل الذكر؛ لأن الذكر هو القرآن.\nثم ينهي الواحدي القول في هذه المسألة بقول ابن عباس: أولًا هو خلق السماء قبل أن يخلق الأرض، ثم دحا الأرض بعد ما خلق السماء.\nثم يقول ابن الأنباري: الذي أختاره هو: أن خلق الأرض قبل خلق السماء؛ لأن ظاهر القرآن عليه أدل عليه، والحجج له أوضح.\nثم ذكر قول السدي في بيان كيف أنشأ السبع السموات -قال-: قال السدي: في قوله: \"ثم استوى إلى السماء وهي دخان\" قبل ذلك الدخان من نفس الماء حين تنفس، خلقها سماء واحدة، ثم فتقها، فجعلها سبعًا في يومين: في الخميس والجمعة.\nانظر: \"الوسيط\" ج ٤: ٢٣٨/ ب، ٢٣٩/ أ.\n(١) \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٨٥ بيسير من التصرف، ولم ينشد أبو عبيدة بيت الشعر الذي عزاه إليه الواحدي.\n(٢) في (أ): عمر.\n(٣) ورد البيت في \"التفسير الكبير\" ٣١/ ٤٨، \"النكت والعيون\" ٦/ ١٩٩، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٢٠٧، \"البحر المحيط\" ٨/ ٤١٨، \"روح المعاني\" ٣٠/ ٣٢، وكلها -عدا \"التفسير الكبير\"- برواية:\nدَحاها فلما استوت شدَّها ... بأيد وأرسى عليها الجبالا","vol":"23","page":196},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4806>٣١ </span>- قوله تعالى: ﴿أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا﴾ قال ابن عباس: يريد فجرّ البحار والأنهار، والعيون، وجميع الماء (١).\n﴿وَمَرْعَاهَا﴾ مما يأكل الناس والأنعام.\nقال عبد الله بن مسلم: انظر كيف دل بشيئين على جميع ما أخرجه من الأرض: قوتًا ومتاعًا للأنام من العُشب، والشجر، والحب، والثمر، والعصف (٢)، والحطب، واللباس، والنار، والملح؛ لأن النار من العيدان، والملح من الماء (٣). ينبئك أنه أراد ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4807>٣٤ </span>- قال تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى﴾\nقال ابن عباس: يريد النفخة الثانية (٤). -وهو قول مقاتل (٥) - التي فيها البعث.\nوقال الكلبي: الطامة: الساعة؛ طمت على كل شيء، فليس فوقها شيء (٦).\nقال المبرد: \"الطامة\" عند العرب: الداهية التي (٧) لا تستطاع،\n_________\n(١) \"الوسيط\" ٤/ ٤٢١.\n(٢) العَصْف، والعَصْفَة، والعَصِفة، والعُصافة: ما كان على ساق الزرع من الورق الذي يبس، فيتفتت.\nانظر: \"لسان العرب\" ٩/ ٢٤٧ مادة: (عصف).\n(٣) \"تأويل مشكل القرآن\" ٥ بنصه.\n(٤) \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٣٤، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٢٠٤، \"البحر المحيط\" ٨/ ٤٢٣.\n(٥) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٦) لم أعثر على مصدر لقوله. وورد بمثله من غير عزو في \"لباب التأويل\" ٤/ ٣٥٢.\n(٧) في (أ): الذي.","vol":"23","page":197},{"text":"أخذت -فيما أحسب- من قولهم: طمَّ الفرسُ طميمًا إذا استفرغ جهده في الجري، و\"طم الماء\" إذا ملأ النهر كله (١).\nقال الليث: الطَّمُّ: طَمُّ البئر بالتراب، وهو الكَبْس، وطم السيل الرَّكيَّة (٢): إذا دفنها حتى يسوِّيَها، ويقال للشيء الذي يكثر حتى يعلو: قد طم، والطامة: الحادثة التي تطم على ما سواها (٣)، ومن ثم قيل: فوق كل طامَّة طامَّة (٤).\nقال الفراء: هي القيامة تطم على ما سواها، ومن ثم يقال: تَطِمّ وتَطُمّ: لغتان (٥).\nقال الزجاج: هي الصيحة التي تطم كل شيء (٦).\nوقوله (٧): ﴿يَوْمَ يَتَذَكَّرُ﴾ أي جاءت الطامة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4808>٣٥ </span>- ﴿يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ مَا سَعَى﴾ أي ما عمل من خير وشر في الدنيا.\n_________\n(١) \"التفسير الكبير\" ٣١/ ٥٠، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٢٠٤، \"فتح القدير\" ٥/ ٣٧٩.\n(٢) الرَّكيَّة: البئر، والجمع: ركايا. \"المصباح المنير\" ١/ ٢٨٢ مادة: (ركا).\n(٣) قوله: والطامة: الحادثة التي تطم على ما سواها: لم يرد في \"تهذيب اللغة\".\n(٤) \"تهذيب اللغة\" ١٣/ ٣٠٦ مادة: (طم).\n(٥) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٤٣ بيسير من التصرف، وقد نقله الواحدي عن الأزهري من \"تهذيب اللغة\" ١٣/ ٣٠٦ مادة: (طم).\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٨١، وقد نقل قوله أيضًا عن \"تهذيب اللغة\". المرجع السابق. ونص عبارة الزجاج في معانيه: \"إذا جاءت الصيحة التي تطم كل شيء، الصيحة التي يقع معها البعث والحساب والعقاب والعذاب والرحمة\".\n(٧) في (أ): قوله.","vol":"23","page":198},{"text":"وقال (١) الكلبي: هو الكافر (٢). (وقال عطاء: يريد أبا جهل (٣» (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4809>٣٦ </span>- قوله تعالى: ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى﴾ قال مقاتل: تكشفت عنها الغطاء، فينظر إليها الخلق (٥).\nوقال الكلبي: يراها كل ذي بصر (٦).\nوذكر عن ابن عباس (في رواية عطاء) (٧) ما يدل على أن المراد بقوله: \"لمن يرى\" الكفار دون المسلمين (٨)، واللفظ يحتمل ذلك؛ لأنه قال: \"لمن يرى\" (٩) أي برزت لمن يراها من هو أهل لها، وجواب قوله: \"فإذا جاءت الطامة\" محذوف على تقدير: إذا جاءت الطامة دخل أهل النار النار، وأهل الجنة الجنة، ودل على هذا المحذوف ذكر مأوى (١٠) الفريقين من بعد، ولهذا كان يقول مالك بن مِغْول (١١) (١٢) في تفسير \"الطامة الكبرى\"\n_________\n(١) في (ع): قال.\n(٢) لم أعثر على مصدر لقوله. وورد بمثله من غير عزو في \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٢٠٥.\n(٣) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٤) ما بين القوسين ساقط من: (أ).\n(٥) ورد قوله بمعناه في تفسيره: ٢٢٨/ أ، كما ورد قوله في \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٤٥، \"زاد المسير\" ٨/ ١١٧.\n(٦) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٧) ما بين القوسين ساقط من: (أ).\n(٨) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٩) في (ع): يراها.\n(١٠) في (أ): روى.\n(١١) في (ع): مععول.\n(١٢) مالك بن مِغْوَل البَجَليُّ، أبو عبد الله الكوفي، ابن عاصم بن غَربة بن حُرثة بن =","vol":"23","page":199},{"text":"(قال) (١): إنها إذا سيق أهل الجنة إلى الجنة، وأهل النار إلى النار. وهو قول القاسم (٢) بن الوليد (٣) (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4810>٣٧، ٣٨ </span>- قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ طَغَى (٣٧) وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ يعني الكافر.\nقال مقاتل (٥)، والكلبي (٦): نزلت في النضر وأبيه الحرث.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4811>٣٩ </span>- ﴿فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ (أي المأوى (٧) تأويه) (٨)، (قال الكلبي هي: المأوى) (٩) لمن كان بهذه الصفة (١٠).\n_________\n= جريج بن بجيلة، روى عن نافع مولى ابن عمر، روى عنه سفيان الثوري وغيره، ثقة. مات سنة ١٥٧ هـ روى له الجماعة.\nانظر: \"التاريخ الكبير\" ٧/ ٣١٤: ت: ١٣٣٩، كتاب \"الثقات\" لابن حبان: ٧/ ٤٦٢، \"تهذيب الكمال\" ٢٧/ ١٥٨: ت: ٥٧٥٣.\n(١) ما بين القوسين ساقط من: (أ).\n(٢) في (ع): القاسم.\n(٣) القاسم بن الوليد الهمدانيُّ ثم الخِبْذعِيُّ، روى عن الشعبي، والباقر، وعنه ابنه الوليد، وأبو نعيم. ثقة. توفي سنة ١٤١ هـ.\nانظر: كتاب \"التاريخ الكبير\" ٧/ ١٦٧: ت: ٧٤٧، \"تهذيب الكمال\" ٢٣/ ٤٥٦ ت: ٤٨٣٣، \"الكاشف\" ٢/ ٣٣٩: ت: ٤٦٠٧.\n(٤) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ٢٢٨/ أ.\n(٦) لم أعثر على مصدر لقوله. وبمثل روايته ورد من غير عزو في \"التفسير الكبير\" ٣١/ ٥٢.\n(٧) المأوى: كل مكان يأوي إليه شيء ليلًا أو نهارًا، وقد أوى فلان إلى منزله، يأوي أويًا. \"الصحاح\" ٦/ ٢٢٧٤ مادة: (أوا)، وانظر: \"لسان العرب\" ١٤/ ٥٢ مادة: (أوا).\n(٨) ما بين القوسين ساقط من: (أ).\n(٩) ما بين القوسين ساقط من: (أ).\n(١٠) لم أعثر على مصدر لقوله.","vol":"23","page":200},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4812>٤٠ </span>- ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ﴾ تقدم تفسيره في سورة الرحمن (١).\n﴿وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى﴾ قال عطاء (٢)، والكلبي (٣)، (ومقاتل (٤» (٥): نزلت في مصعب بن عمير.\nوالمعنى نهى نفسه عن المحارم التي يشتهيها، وعما كان يهوى في الجاهلية.\nوقال مقاتل: هو أن الرجل يهم بالمعصية فيذكر مقامه على الله للحساب فيتركها (٦)، فذلك قوله: ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى أي مأواه ومصيره.\n_________\n(١) سورة الرحمن: ٤٦: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾.\nومما جاء في تفسيرها: أنه يجوز أن تكون مصدرًا، وموضعًا، فإن جعلته موضعًا كان المعنى: مقامه بين يدي ربه للحساب، أي المقام الذي يقفه فيه ربه.\nوإن جعلته مصدرًا جاز فيه وجهان:\nقيامه لربه، يدل عليه قوله: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين: ٦].\nوالآخر: قيام ربه عليه، أي إشرافه واطلاعه عليه بالعلم، ويدل عليه قوله: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ﴾ [الرعد: ٣٣] الآية.\nوالمفسرون على القول الأول في المقام، قال ابن عباس: يريد مقامه بين يدي ربه خاف ذلك المقام، فترك المعصية والشهوة. وقال مجاهد: إذا هم بمعصية فذكر مقام الله عليه في الدنيا فتركها، وعلى هذا المقام مصدر.\n(٢) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٣) لم أعثر على مصدر لقوله. وقد ورد بمثل قوله من غير عزو عند تفسير قوله: ﴿فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ في \"النكت والعيون\" ٦/ ٢٠٠، و\"التفسير الكبير\" ٣١/ ٣٥، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٢٠٦.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ٢٢٨/ أ.\n(٥) ما بين القوسين ساقط من: (أ).\n(٦) ورد بنحو قوله في \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٤٥، \"زاد المسير\" ٨/ ١٧٧.","vol":"23","page":201},{"text":"قال ابن عباس: يريد مأوى مصعب بن عمير نزلت فيه (١).\nثم هي لمن بعده ممن كان بهذه الصفة.\nقال الفراء: يريد مأوى من وصفناه بما وصفناه به من خوف ربه، ونهى نفسه عن هواها (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4813>٤٢ </span>- ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾، مفسر في آخر سورة الأعراف (٣) (٤) -أي متى وقوعها، وقيامها.\n<span data-type=\"title\" id=toc-4814>٤٣ </span>- ﴿فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا﴾ قال عطاء: يريد لم أطلعك على\n_________\n(١) ورد بمعنى هذه الرواية عن ابن عباس في \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٢٠٦، وذكر في أحدها عنه أنها نزلت في رجلين: أبي جهل بن هشام، ومصعب بن عمير العبدري. والأخرى من رواية طويلة أنها نزلت في مصعب بن عمير، وأخيه عامر بن عمير.\n(٢) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٣٤ بيسير من التصرف.\n(٣) في (أ): الأنعام، وهو خطأ.\n(٤) سورة الأعراف: ١٨٧: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾\nومما جاء في تفسيرها: \"يسألونك\" قال ابن عباس: إن قومًا من اليهود قالوا: يا محمد أخبرنا عن الساعة متى تكون إن كنت نبيًا؟ وقال الحسن وقتادة: هم قريش، قالت لمحمد -ﷺ-: متى الساعة؟\n\"عن الساعة\" قال ابن عباس: يريد التي لا بعدها ساعة.\nوقال الزجاج: هاهنا الساعة التي يموت فيها الخلق.\nوقوله: \"أيان\" معناها الاستفهام عن الوقت الذي لم يجيء، وهو سؤال عن السؤال على جهة الظرف للفعل.\nوقوله تعالى: \"مرساها\" المرسى: مفعل من الإرساء، وهو الإثبات، يقال: ولا الشيء يرسو إذا ثبت، وأرساه غيره، قال الله: \"والجبال أرساها\".\nومعنى: \"أيان مرساها\" متى يقع إثباتها، قال بعضهم: مرساها: قيامها، وهو معنى وليس بتفسير، وقال الزجاج: متى وقوعها، وقال ابن قتيبة: متى ثبوتها.","vol":"23","page":202},{"text":"علمها (١) (٢).\nوقال الكلبي: يقول ما أنت وذاك أن تذكرها (٣).\nوالمعنى لست في شيء من ذكرها (٤) وعلمها، أي لا تعلمها.\nو﴿فِيمَ﴾ استفهام بمعنى الجحد (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4815>٤٤ </span>- ﴿إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا﴾.\nقال أبو إسحاق: أي منتهى علمها (٦). (وهو معنى قول المفسرين (٧» (٨).\nقال ابن عباس: يريد علم ذلك عندي (٩).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4816>٤٥ </span>- ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا﴾، قال الزجاج: أي إنما أنت (١٠) في\n_________\n(١) بياض في (ع).\n(٢) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٣) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٤) في (أ): ذكراها؟\n(٥) أي النفي.\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٨١ بنصه.\n(٧) قاله ابن عباس. انظر: \"الدر المنثور\" ٨/ ٤١٣ وعزاه إلى ابن أبي حاتم، وابن مردويه بسند ضعيف.\nومن قال بمعنى ما قاله أبو إسحاق: الطبري في \"جامع البيان\" ٣٠/ ٤٩، والثعلبي في \"الكشف والبيان\" ج ١٣: ٣٩/ أ، والماوردي في \"النكت والعيون\" ٦/ ٢٠١، وانظر أيضًا: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٤٥، \"زاد المسير\" ٨/ ١٧٨، \"التفسير الكبير\" ٣١/ ٥٣، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٢٠٧، \"لباب التأويل\" ٤/ ٣٥٢.\n(٨) ما بين القوسين ساقط من: (أ).\n(٩) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(١٠) فقوله: إنما أنت: بياض في (ع).","vol":"23","page":203},{"text":"حال إنذار من يخشاها (١)، وتنذر أيضًا فيما يستقبل من يخشاها، ومفعل وفاعِلٌ إذا كان كل واحد منهما لما يستقبل، وللحال نونته؛ لأنه يكون بدلًا من الفعل، والفعل لا يكون إلا نكرة، وقد يجوز حذف التنوين علي الاستخفاف. والمعنى: معنى ثبوته (٢)، فإذا كان لما مضى فهو غير منون ألبتة تقول: أنت منذر زيدًا، أي أنت أنذرت زيدًا (٣).\nوقال الفراء: التنوين، وتركه كلٌ صواب، كقوله: ﴿بَالِغُ أَمْرِهِ﴾ [الطلاق: ٣]، (وبالغٌ أمره. ﴿مُوهِنُ كَيْدِ﴾ [الأنفال: ١٨]) (٤)، (ومُوهِنُ كيدِ) (٥).\nوقال أبو علي الفارسي: وجه التنوين، أن اسم الفاعل للحال، ويدل على ذلك قوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ﴾ [الأنبياء: ٤٥]، ومن أضاف استخف الحذف، فحذف التنوين، كقوله: ﴿عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ﴾ [الأحقاف: ٢٤]، ونحو ذلك بما جاء على لفظ الإضافة، والمراد به الانفصال، -قال- ويجوز أن تكون الإضافة للمضي، نحو: ضارب زيدًا أمس؛ لأنه قد فعل الإنذار (٦).\n_________\n(١) وهذا معنى لقراءة من قرأ: \"منذرٌ\" بالتنوين، وقد قرأ بذلك: أبو جعفر، وأبو عمرو على الأصل، وقرأ الباقون \"منذرُ\" من غير تنوين؛ لأجل التخفيف.\nانظر: \"القراءات وعلل النحوين فيها\" ٢/ ٧٤٦، \"الحجة\" ٦/ ٣٧٥، \"المبسوط\" ٣٩٥، \"النشر\" ٢/ ٣٩٨، \"إتحاف فضلاء البشر\" (٤٣٣)، \"المهذب\" ٢/ ٣٢٢.\n(٢) يعني ثبوت التنوين. \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٨٢.\n(٣) المرجع السابق بيسير من التصرف.\n(٤) ما بين القوسين ساقط من: (أ).\n(٥) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٤٣ بتصرف.\n(٦) \"الحجة\" ٦/ ٣٧٥ بتصرف.","vol":"23","page":204},{"text":"قال الكلبي: إنما أنت مخوف من يخاف قيامها (١).\nوالمعنى: إنما ينفع إنذارك من يخافها؛ لأنه كان منذرًا للكافة، ولكن لمن كان إنذاره من يخشاها لا ينفع، (٢) كأنه لم تنذره، وهذا كقوله: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ [فاطر: ١٨].\nقال مقاتل: \"إنما أنت منذر من يخشاها\" فصدق بها (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4817>٤٦ </span>- ﴿كَأَنَّهُمْ﴾ يعني كفار قريش.\n﴿يَوْمَ يَرَوْنَهَا﴾ يعاينون القيامة. ﴿لَمْ يَلْبَثُوا﴾ في الدنيا.\n﴿إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾ قال الكلبي: يقول لم يمكثوا في قبورهم، ولا في الدنيا إلا قدر آخر نهار أو أوله (٤).\nوهذا كقوله: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ﴾ [الأحقاف: ٣٥] (٥). (وقوله: ﴿أَوْ ضُحَاهَا﴾.\nقال عطاء عن ابن عباس: الهاء، والألف صلة للكلام، تريد: لم يلبثوا إلا عشية أو ضحى) (٦).\n-وقد مر بيانه (٧).\n_________\n(١) لم أعثر على مصدر لقوله. وورد بمثله من غير عزو في \"زاد المسير\" ٨/ ١٧٨.\n(٢) في (أ): زيادة: كان، وهي لفظة زائدة لا يستقيم الكلام بإثباتها.\n(٣) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٤) لم أعثر على مصدر لقوله. وقد ورد معنى قوله من غير نسبة في \"الوسيط\" ٤/ ٤٢١.\n(٥) في (أ): عشية أو ضحى.\n(٦) ما بين القوسين ساقط من: (أ). ولم أعثر على مصدر له.\n(٧) وقد جاء في تفسير آية الأحقاف: ٣٥: \"قوله: \"كأنهم يوم يرون ما يوعدون\" أي من العذاب في الآخرة، \"لم يلبثوا إلا ساعة من نهار\"، قال الكلبي: لم يمكثوا في القبور إلا ساعة، وقال مقاتل: لم يلبثوا في الدنيا إلا ساعة من نهار.","vol":"23","page":205},{"text":"وذكر الفراء (١)، والزجاج (٢)، كلامًا دل على أن المراد بإضافة الضحى إلى العشية إضافتها إلى يوم العشية؛ لأنه للعشية ضحى، وإنما يكون ليوم تلك العشية، كأنه قيل: إلا عشية أو ضحى يومها، والعرب تقول: آتيك العشية أو غداتها.-على ما ذكرنا-\nومعنى الآية: أن ما أنكروه سيرونه حتى كأنهم لم يزالوا فيه، وكأنهم لم يلبثوا في الدنيا (٣) إلا ساعة ثم مضت كأنها لم تكن.\n_________\n= والمعنى: أنهم إذا عاينوا العذاب صار طول لبثهم في الدنيا والبرزخ كأنه ساعة من النهار، وكأنه لم يكن لهول ما عاينوا؛ ولأن الشيء إذا مضى كأنه لم يكن وإن كان طويلًا.\n(١) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٤٣.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٨٢.\n(٣) بياض في (ع).","vol":"23","page":206},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4818>سورة عبس</span>","vol":"23","page":207},{"text":"تفسير سورة عبس (١)\nبسم الله الرحمن الرحيم\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4819>١، ٢ </span>- ﴿عَبَسَ﴾ يعني النبي -ﷺ- (٢) ﴿وَتَوَلَّى﴾ أعرض (٣) ﴿أَنْ جَاءَهُ﴾ قال أبو إسحاق: \"أن\" في موضع نصب (٤) مفعول له، المعنى: لأن جاءه الأعمى، وهو ابن مكتوم، أتى النبي -ﷺ- وعنده رهط (٥) من أشراف قريش، وهو مقبل عليهم يدعوهم إلى الله و(إلى) (٦) الإسلام، وفرح أن يجيبوه إلى\n_________\n(١) مكية في قول الجميع. انظر: \"جامع البيان\" ٣٠/ ٤٠، \"النكت والعيون\" ٦/ ٢٠٢، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٤٦، \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٣٦، \"زاد المسير\" ٨/ ١٧٩، وغير ذلك من كتب التفسير.\n(٢) أجمع المفسرون على أن الذي عبس وتولى هو الرسول ﵊. قاله الفخر في: \"التفسير الكبير\" ٣١/ ٥٦. ومعنى العبوس: تقطب الوجه واربداده عند كراهية أمر. انظر: \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٣٦.\n(٣) أعرض بوجهه. قاله ابن الجوزي: \"زاد المسير\" ٨/ ١٨٠، وقال الشيخ السعدي: تولى في بدنه. تيسير الكريم الرحمن: ٥/ ٣٧١.\n(٤) بياض في (ع).\n(٥) الرهط: ما دون العشرة من الرجال لا يكون فيهم امرأة. مختار \"الصحاح\" ٢٥٩: (رهط)، والمقصود بهم: عتبة بن ربيعة، وأبو جهل بن هشام، وعباس بن عبد المطلب، وأبي، وأمية ابنا خلف.\nانظر: \"أسباب النزول للواحدي\"، تح: أيمن صالح: ٣٨٥.\n(٦) ما بين القوسين ساقط من (أ).","vol":"23","page":209},{"text":"ذلك، إذا أتى ابن أم مكتوم الأعمى (١)، فجعل يناديه ويقول: يا رسول الله، علمني مما علمك الله، يعني القرآن والإسلام، ويكرر (٢) ذلك، ولا يدري أنه مشتغل عنه بغيره، فكلح (٣) النبي -ﷺ- وأعرض عنه، وظهرت في وجهه الكراهة، فأنزل الله ﷿ هذه الآيات (٤).\n_________\n(١) ابن أم مكتوم: هو عمرو بن أم مكتوم القرشي بن قيس بن زائدة بن الأصم، وقد اختلف في اسمه، واسم أمه أم مكتوم: عاتكة بنت عبد الله بن عنكثة بن عائذ بن مخزوم، أسلم قديمًا بمكة، وكان من المهاجرين الأولين، شهد القادسية، واستشهد هناك، روى عن النبي -ﷺ-، وحديثه في كتب السنن.\nانظر: \"الاستيعاب\" ٣/ ١١٩٨ ت ١٩٤٦، \"أسد الغابة\" ٤/ ٢٦٤، ت ٤٠٠٦، \"الإصابة\" ٤/ ٢٨٤ ت ٥٧٥٩.\n(٢) في (أ): فكرر.\n(٣) كلح: الكلوح: تكشر في عبوس. \"لسان العرب\" (كلح)، وسبق بيانها في سورة المدثر.\n(٤) وبمعنى هذه الرواية ورد في أسباب النزول: تح: أيمن صالح: ٣٨٥ من طريقين: أحداهما: لم يذكر إسناده، والآخر: من طريق هشام بن عروة، عن عائشة. وانظر أيضًا: \"لباب النقول\" للسيوطي: ٢٢٧، وعزاه إلى الترمذي، والحاكم عن عائشة، قال الترمذي عن رواية هشام بن عروة، عن عائشة: هذا حديث غريب. \"سنن الترمذي\" ٥/ ٤٣٢: ح ٣٣٣١ كتاب تفسير القرآن، باب ٧٣، قال: وقد روى بعضهم هذا الحديث عن هشام بن عروة عن أبيه، ولم يذكر فيه عائشة.\nقال الوادعي: الحديث، قال الحافظ العراقي في \"تخريج الإحياء\" ٤/ ٢٤٤: رجاله رجال الصحيح، وقد أخرجه ابن حبان كما في \"موارد الظمآن\" ٤٣٨ ح ١٧٦٩: كتاب التفسير: باب سورة عبس، وابن جرير \"جامع البيان\" ٣٠/ ٥٠، والحاكم ٢/ ٥١٤ التفسير: تفسير سورة عبس، وقال: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، فقد أرسله جماعة عن هشام. قال الذهبي: وهو الصواب.\nالحديث له شواهد أوردها الشوكاني في: \"فتح القدير\" ٥/ ٣٨٦ عزاه إلى \"تفسير =","vol":"23","page":210},{"text":"(وهذا قول جماعة المفسرين) (١) (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4820>٣ </span>- قوله (تعالى) (٣): ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى﴾ قال الكلبي: يصلح فيعمل خيرًا (٤)، قال الفراء: أي بما أراد أن يتعلمه من علمك (٥).\nوالمعنى: يتطهر من الذنوب بالعمل الصالح، والانتفاع بما يتعلم منك.\nوذهب بعض المفسرين إلى أن المعنى: يتطهر من الشرك بالإسلام.\n_________\n= عبد الرزاق\" ٢/ ٣٤٨، وعبد بن حميد من طريق أبي يعلى عن أنس، وذكر إسناد الرواية في \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٤٧٠، ثم قال: رجاله رجال الصحيح إلا شيخ أبي يعلى محمد بن مهدي، فلم يتيسر لي الوقوف على ترجمته، لكنني أظنه تصحيفًا من محمد بن مهران، فقد ذكروه من الرواة عن عبد الرزاق، فهو من رجال الصحيح، وعلى كل فلا يضر الحديث ما دام أنه قد رواه عن عبد الرزاق، فهو من رجال الصحيح. انتهى كلام الوادعي. انظر: \"الصحيح المسند من أسباب النزول\" ٢٣٠ - ٢٣١. نقلته باختصار.\n(١) وممن قال إنها نزلت في ابن أم مكتوم: قتادة، وعروة بن الزبير، ومجاهد، والضحاك، وابن زيد. انظر: \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٣٨٨، \"النكت والعيون\" ٦/ ٢٠٢، \"جامع البيان\" ٣٠/ ٥٠ - ٥١، وقال ابن العربي: لا خلاف أنها نزلت في ابن أم مكتوم الأعمى: \"أحكام القرآن\" ٤/ ١٩٠٥.\nوقد وردت الرواية في ابن أم مكتوم في: \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٣٦، \"زاد المسير\" ٨/ ١٧٩، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٢٠٩، \"لباب التأويل\" ٤/ ٣٥٣، \"الدر المنثور\" ٨/ ٤١٦.\n(٢) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٣) ما بين القوسين ساقط من: ع.\n(٤) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٥) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٣٥ بنصه.","vol":"23","page":211},{"text":"وهو قول: ابن زيد (١)، (ومعنى قول عطاء) (٢) (٣). والصحيح هو الأول؛ لأنه كان قد آمن (من) <span data-type=\"title\" id=toc-4821>(٤) </span>قبل هذه القصة قاله الكلبي (٥).\n٤ - قوله تعالى: ﴿أَوْ يَذَّكَّرُ﴾ أي يتذكر فيتعظ بما يعلمه من مواعظ القرآن. ﴿فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى﴾ الموعظة.\n(وقراءة العامة الرفع في: (فتنفعُه (٦» بالعطف على ما تقدم من المرفوع، ومن نصب (٧) فعلى جواب لعل (٨) كقوله: ﴿لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ * فَأَطَّلِعَ﴾ [غافر: ٣٦ - ٣٧] و\"أطلع\" (٩) (١٠) -وقد مر (١١).\n_________\n(١) \"جامع البيان\" ٣٠/ ٥٢، وعبارته: \"لعله يزكى\" يسلم. \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٤٦.\n(٢) النكت والعيون\" ٦/ ٢٠٢، وعبارته: يؤمن، وهو قول مقاتل. انظر أيضًا: \"زاد المسير\" ٨/ ١٨٠.\n(٣) ما بين القوسين ساقط من (ع).\n(٤) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٥) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٦) قرأ بذلك: ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي. انظر: \"كتاب السبعة\" ٦٧٢، \"القراءات وعلل النحويين فيها\" ٢/ ٧٤٧، \"الحجة\" ٦/ ٣٧٦، \"المبسوط\" ٣٩٦، \"حجة القراءات\" ٧٤٩، \"كتاب التبصرة\" ٧٢٠.\n(٧) قرأ بذلك: عاصم بالنصب: \"فتنفَعَه\". انظر: المراجع السابقة.\n(٨) في (أ): فعل.\n(٩) سورة مريم: ٧٨: ﴿أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (٧٨)﴾ ٧٨.\n(١٠) ما بين القوسين من كتاب \"الحجة\" لأبي علي الفارسي، نقله عنه الواحدي مختصرًا: ٦/ ٣٧٦.\n(١١) جاء في توجيه الفراء بمثل ما جاء في قراءة: \"فتنفعه\"، وإجماله:\nقوله: \"فأطلع إلى إله موسى\". قرئ: \"فأطلعَ\" نصبًا، قال الفراء: الرفع بالنسق على قوله: \"فأبلغ\"، ومن نصب جعله جوابًا للفعل بالفاء، وهو قول أبي عبيد، والكسائي، وذكر أبو علي المعنى في القراءتين، فقال: قراءة العامة: \"لعلي أبلغ\" =","vol":"23","page":212},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4822>٥ </span>- (قوله تعالى) (١): ﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى﴾ قال عطاء: يريد عن الإيمان (٢).\nوقال الكلبي (٣)، ومقاتل (٤): استغنى عن الله في نفسه، -وذكر أيضًا- \"استغنى\": أثرى (٥).\nوهو فاسد- هاهنا- لأن إقبال النبي -ﷺ- لم يكن لثروتهم ومالهم، حتى يقال له: أما من أثرى فأنت تقبل عليه؛ ولأنه قال: ﴿وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (٨) وَهُوَ يَخْشَى﴾، ولم يقل وهو فقير عديم.\n\nوأما من قال استغنى بماله <span data-type=\"title\" id=toc-4823>(٦)</span>، فهو صحيح؛ لأن المعنى أنه استغنى عن الإيمان والقرآن بماله من المال.\n٦ - وقوله (٧) تعالى: ﴿فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى﴾ قال مقاتل (٨)، والكلبي (٩): تقبل\n_________\n= و\"لعلي أطلع\" كقوله: \"لعله يزكى أو يذكر\" أي لعله يتزكى، ولعله يتذكر، ومن نصب جعله جوابًا بالفاء، والمعنى: أي إذا بلغت اطلعت، كما تقول: ألا تقع إلى الماء فتسبح، أي: ألا تقع، وألا تسبح، وإذا نصب كان المعنى أنك إذا وقعت سبحت.\n(١) ما بين القوسين ساقط من (ع).\n(٢) \"التفسير الكبير\" ٣١/ ٥٧.\n(٣) المرجع السابق، وعبارته: استغنى عن الله.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ٢٢٩/ أ.\n(٥) روى الفخر ذلك عن بعضهم: \"التفسير الكبير\" ٣١/ ٥٧.\n(٦) قاله ابن عباس. انظر: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٤٧، \"زاد المسير\" ٨/ ١٨٠، وبمعنى هذا القول ذهب مجاهد. انظر: \"جامع البيان\" ٣٠/ ٥٣، \"زاد المسير\".\n(٧) في (أ): قوله.\n(٨) \"تفسير مقاتل\" ٢٢٩/ أ. وقد ورد بمثله في \"بحر العلوم\" ٣/ ٤٤٦ من غير عزو.\n(٩) لم أعثر على مصدر لقوله.","vol":"23","page":213},{"text":"عليه بوجهك. (ونحو هذا قال الزجاج: أنت تقبل عليه (١) (٢).\nوقال أبو عبيدة: \"تصدى\" تعرض (٣).\nوقال أبو الهيثم: \"فأنت له تصدى\" معناه تتعرض له، وتميل إليه، وتقبل عليه، يقال: تصدى فلان لفلان يتصدّى، إذا تعرض له، وهو ما استقبلك فصار (٤) قُبَالَتَك (٥).\nوقد ذكرنا مثل هذا في قوله: ﴿إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾ (٦).\nوفيه قراءتان: التشديد على الإدغام (٧)، ............\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٨٣.\n(٢) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٣) \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٨٦، وعبارته: تعرض له.\n(٤) بياض في (ع).\n(٥) \"تهذيب اللغة\" ١٢/ ١٠٤: (صد). وانظر: \"لسان العرب\" ٣/ ٢٤٧: (صد).\n(٦) سورة الأنفال: ٣٥، قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾.\nومما جاء في تقسير التصدية: قال: .. وأما التصدية، فهو التصفيق، يقال: صدى، وتصدى تصدية، إذا صفق بيديه، وأصله من الصدى، وهو الصوت الذي يرد عليك الجبل، وقال أبو عبيدة: أصلها تصدده، فأبدلت الياء من الدال، قال: ومنه قوله: ﴿إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾.\nويمكن أن تكون التصدية مصدرًا من صدّ إذا منع، واختار الأزهري مذهب أبى عبيدة، فقال: صدى أصله: صدد، فكثرت الدالات فقلبت. كما قالوا: قضيت أظفاري، ومثل هذا قوله: ﴿فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (٦)﴾ أصله تصدد من الصدد، وهو ما استقبلك وصار قبالتك.\n(٧) قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو جعفر: \"تصَّدَى\" مشددة الصاد، وذلك بإدغام التاء في الصاد لقرب المخرجين.\nانظر: \"كتاب السبعة\" ٦٧٢، \"القراءات وعلل النحويين\" ٢/ ٧٤٨، \"الحجة\" =","vol":"23","page":214},{"text":"والتخفيف على الحذف (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4824>٧ </span>- وقوله: ﴿وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى﴾ قال ابن عباس: يريد ألا يهتدي، ولا يؤمن (٢).\nوالمعنى: أي شيء عليك في أن لا يسلم من تدعوه إلى الإسلام، فإنه ليس عليك إلا البلاغ، أي لا يبلغن بك الحرص على إسلامهم إلى أن تعرض عمن أسلم للاشتغال بدعوتهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4825>٨ </span>- قوله (تعالى) (٣): ﴿وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (وَهُوَ يَخْشَى) (٤)﴾ قال ابن عباس، والكلبي، ومقاتل (٥): يسعى في الطلب لرضاء الله، والعمل في الخير وما يرضي الله.\n<span data-type=\"title\" id=toc-4826>٩ </span>- ﴿وَهُوَ يَخْشَى﴾ الله ﷿ يعني ابن أم مكتوم.\n<span data-type=\"title\" id=toc-4827>١٠ </span>- (قوله تعالى) (٦): ﴿فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى﴾ قال مقاتل (٧)، والكلبي (٨):\n_________\n= ٦/ ٣٧٦ - ٣٧٧، \"حجة القراءات\" ٧٤٩، \"تحبير التيسير\" ١٩٧، \"المهذب\" ٢/ ٣٢٣.\n(١) قرأ الباقون -أي غير الذين ذكرنا في الحاشية السابقة-: \"تصَدَّى\" مخففة؛ وذلك بحذف التاء، ولم تدغم، وهو الأصل.\n(٢) لم أعثر على مصدر لقوله. وقد ورد بمثل روايته من غير عزو في: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٤٧.\n(٣) ما بين القوسين ساقط من: ع.\n(٤) ما بين القوسين ساقط من: ع.\n(٥) لم أعثر على مصدر لقولهم.\n(٦) ما بين القوسين ساقط من: ع.\n(٧) \"تفسير مقاتل\" ٢٢٩/ أ. وقد ورد بمثل قوله من غير نسبة في: \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٢١٣.\n(٨) لم أعثر على مصدر لقوله.","vol":"23","page":215},{"text":"تعرض عنه بوجهك.\nقل أبو إسحاق معناه: تتشاغل، يقال: لهيت عن الشيء، وألهى عنه إذا تشاغلت عنه (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4828>١١ </span>- ثم وعظ نبيه -ﷺ- فقال: ﴿كَلَّا﴾ هو، وهو ردع وزجر (٢).\nقال مقاتل: لا تقبل على من استغنى، وتعرض عمن يخشى (٣). ثم استأنف فقال:\n(قوله تعالى) (٤): ﴿إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ﴾ (لمن يخشى) (٥) قال مقاتل: يعني أنها آيات القرآن (٦).\nوقال الكلبي: يعني هذه السورة (٧). (وهو قول الأخفش (٨)، والفراء (٩» (١٠).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4829>١٢ </span>- قوله: ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ﴾ يعني الوحي، والقرآن (١١).\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٨٤ بنصه.\n(٢) بهذا قال الثعلبي في \"الكشف والبيان\" ج ١٣: ٣٣/ ب.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ٢٢٩/ أ.\n(٤) ما بين القوسين ساقط من: ع.\n(٥) ما بين القوسين ساقط من: ع.\n(٦) \"تفسير مقاتل\" ٢٢٩/ أ، \"الكشف والبيان\" ج١٣: ٣٣/ ب، \"النكت والعيون\" ٦/ ٢٠٣، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٤٧، \"زاد المسير\" ٨/ ١٨١، \"التفسير الكبير\" ٣١/ ٥٨.\n(٧) \"النكت والعيون\" ٦/ ٢٠٣، \"التفسير الكبير\" ٣١/ ٥٨.\n(٨) \"التفسير الكبير\" ٣١/ ٥٨.\n(٩) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٣٦ وعبارته: هذه السورة تذكرة.\n(١٠) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(١١) وبهذا قال الطبري في \"جامع البيان\" ٣٠/ ٥٣.","vol":"23","page":216},{"text":"وقال صاحب النظم: \"إنها تذكرة\" يعني به القرآن، والقرآن مُذَّكرٌ؛ إلا أنه لما جعل القرآن تذكرة، أخرجه على لفظ التَّذكِرة، ولو ذَكَّرَهُ لجاز، كما قال في موضع آخر: ﴿كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ﴾ [المدثر:٥٤] ويدل على (أن قوله) (١): \"إنها تذكرة\" يراد به: القرآن، قوله: ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ﴾ (٢).\nوالمعنى: القرآن موعظة وتذكير، فمن شاء ذكره.\nقال ابن عباس (٣)، ومقاتل (٤): فمن شاء ألهمه، وفهمه القرآن حتى يذكر ويتعظ به.\nثم أخبر ﷿ بجلالة الكتاب في اللوح المحفوظ عنده فقال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4830>١٣ </span>- ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ﴾ قال المفسرون (٥): يعني اللوح المحفوظ.\n_________\n(١) ما بين القوسين ساقط من: ع.\n(٢) \"التفسير الكبير\" ٣١/ ٥٨، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٢١٣.\n(٣) \"الوسيط\" ٤/ ٤٢٣.\n(٤) ورد بنحو قوله في: \"تفسير مقاتل\" ٢٢٩/ أ، \"النكت والعيون\" ٦/ ٢٠٣، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٤٧.\nفائدة: قال الشيخ الشنقيطي: \"هذا للتهديد لا للتخيير بدليل ما بعده: ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ (١٧)﴾ قتل الإنسان: دعاء عليه، والإنسان للجنس الكافر، وما أكفره: أي: ما أشد كفره بها بعد هذا كله من علو منزلتها\".\n\"أضواء اليبان\" ٩/ ٥٣.\n(٥) قاله مقاتل في تفسيره: ٢٢٩/ أ، \"زاد المسير\" ٨/ ١٨٢. وممن قال به أيضًا:\nالفراء في \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٣٦، والزجاج في: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٨٤، والطبري في: \"جامع البيان\" ٣٠/ ٥٣، والثعلبي في: \"الكشف والبيان\" ج ١٣/ ٣٩ ب.\nوانظر: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٤٧، \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٣٨، \"التفسير الكبير\" ٣١/ ٥٩، \"لباب التأويل\" ٤/ ٢٥٣.","vol":"23","page":217},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4831>١٤ </span>- ﴿مَرْفُوعَةٍ﴾ قالوا (١): في السماء السابعة.\n﴿مُطَهَّرَةٍ﴾ لا يمسها إلا المطهرون، وهم الملائكة (٢)، ويجوز أن يكون المعنى القرآن، أُثبت في صحف الملائكة يقرؤونها (٣)، فتلك الصحف هي: المكرمة، المرفوعة: الرفيعة القدر. يدل على هذا المعنى،\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4832>١٥ </span>- فقال: ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ﴾\nقال المفسرون: هم الكتبة من الملائكة، وهو قول ابن عباس (٤)،\n_________\n= وهناك قول آخر في الآية، وهو: أن الصحف هي كتب الأنبياء، أي أن هذه التذكرة مثبتة في صحف الأنبياء المتقدمين.\nانظر: \"الكشف والبيان\" ج ١٣: ٣٩/ ب، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٤٧، \"زاد المسير\" ٨/ ١٨٣، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٢١٤، \"التفسير الكبير\" ٣١/ ٥٩.\nوقيل أيضًا: هي مصاحف المسلمين. انظر: \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٣٨.\n(١) أي المفسرون، ومنهم: يحيى بن سلام، وعبارته: مرفوعة في السماء.\nانظر: \"النكت والعيون\" ٦/ ٢٠٣، كما ورد هذا القول في: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٤٧، \"التفسير الكبير\" ٣١/ ٥٩.\nوهناك قولان آخران لمعنى الآية:\nأحدهما: أنها مرفوعة القدر والذكر.\nوالآخر: مرفوعة عن الشبه والتناقض.\nانظر: \"النكت والعيون\" ٦/ ٢٠٣، \"التفسير الكبير\" ٣١/ ٥٩، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٢١٤.\nوعن مقاتل قال: إنها مرفوعة فوق الماء الرابعة: \"تفسير مقاتل\" ٢٢٩/ أ.\n(٢) وهو قول ابن زيد. \"النكت والعيون\" ٦/ ٢٠٤، وبه قال الفراء في: \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٣٦.\n(٣) غير مقروءة في (ع).\n(٤) ورد بنحو قوله في: \"جامع البيان\" ٣٠/ ٥٣، \"النكت والعيون\" ٦/ ٢٠٤، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٤٧، \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٣٨، \"زاد المسير\" ٨/ ٨٢، \"التفسير الكبير\" ٣١/ ٥٩، \"البحر المحيط\" ٨/ ٤٢٨، \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٠٢.","vol":"23","page":218},{"text":"(ومقاتل) (١) (٢)، ومجاهد (٣)، وقتادة (٤)\nقال أبو إسحاق: السفرة الكتبة، يعني بهم الملائكة، واحدهم: سافر، مثل كاتب، وكتبة، وإنما قيل [للكتاب] (٥) سِفر؛ لأن معناه أنه يبين الشيء ويوضحه، يقال: سفرت المرأة، إذا كشفت عن وجهها (٦).\nوجعل الفراء: السفرة -هاهنا- الملائكة الذين يَسفِرون بالوحي بين الله وبين رسله، فقال: واحد السفرة: سافر، والعرب تقول: سفرت بين القوم، إذا أصلحت بينهم، فجعلت الملائكة إذا نزلت بالوحي وتأديبه كالسفير الذي يصلح بين القوم، وأنشد (٧):\nوما أدعُ السِّفارةَ بينَ قومي ... وما أمْشي بِغِشٍّ إنْ مَشَيْتُ (٨)\n_________\n(١) \"التفسير الكبير\" ٣١/ ٥٩.\n(٢) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٣) \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٤٧، \"زاد المسير\" ٨/ ١٨٢، \"التفسير الكبير\" ٣١/ ٥٩، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٢١٤، \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٠٢، \"الدر المنثور\" ٨/ ٤١٨ وعزاه إلى عبد بن حميد.\n(٤) \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٣٤٨، \"جامع البيان\" ٣٠/ ٥٣، \"التفسير الكبير\" ٣١/ ٥٩، \"الدر المنثور\" ٨/ ٤١٨ وعزاه إلى عبد بن حميد.\n(٥) في كلا النسختين: الكاتب، وأثبت ما جاء في \"معاني القرآن وإعرابه\" لصوابه. وأصل العبارة الواردة: وإنما قيل للكتاب سَفَرة، وللكاتب سافر.\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٨٤ مختصرًا.\n(٧) لم أعثر على قائله.\n(٨) ورد البيت غير منسوب في: \"جامع البيان\" ٣٠/ ٥٤، \"النكت والعيون\" ٦/ ٢٠٤، \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٣٨، \"زاد المسير\" ٨/ ١٨٢، \"التفسير الكبير\" ٣١/ ٥٩، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٢١٤، \"البحر المحيط\" ٤٢٥، \"تفسير القرآن =","vol":"23","page":219},{"text":"وأصل السفارة من الكشف (١)، -أيضًا- قال الزجاج: سفرت بين القوم، أي كشفت ما في قلب هذا، وقلب هذا، لأصلح بينهم (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4833>١٦ </span>- ثم أثنى على السفرة: قوله تعالى: ﴿كِرَامٍ﴾ قال مقاتل: يعني مسلمين (٣). وقال الكلبي: كرام على ربهم (٤).\nوقال عطاء: يريد أنهم يتكرمون أن يكونوا مع بني آدم، إذا خلا مع زوجته للجماع، وعند الغائط (٥).\n﴿بَرَرَةٍ﴾ قال مقاتل: مطيعين (٦).\n(وبررة: جمع بار (٧)، -قال الفراء-: لأن العرب لا يقولون: فَعَلة يريدون به الجمع إلا والواحد منه فاعل، مثل: كافر، وكفرة، وفاجر،\n_________\nالعظيم\" ٤/ ٥٠٢، وفي \"الجامع لأحكام القرآن\"، والبحر برواية: \"فما\" بدلًا من \"وما أدع\"، و\"ما أسعى\" بدلًا من: \"ما أمشي\".\nوالنقل من \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٣٦ بيسير من التصرف.\n(١) قال ابن فارس: \"سفر\" أصل واحد يدل على الانكشاف والجلاء، من ذلك: السَّفَر؛ سمي بذلك لأن الناس ينكشفون عن أماكنهم وأسفر الصبح، وذلك لانكشاف الظلام. \"مقاييس اللغة\" ٣/ ٨٢: (سفر).\nوانظر: \"القاموس المحيط\" للفيروزآبادي ٢/ ٤٩: (سفر).\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٨٤ بيسير من التصرف.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ٢٢٩/ أ.\n(٤) \"النكت والعيون\" ٦/ ٢٥٤، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٤١٥.\n(٥) \"التفسير الكبير\" ٣١/ ٥٩. وبمثله قال الضحاك: \"النكت والعيون\" ٦/ ٢٠٤.\n(٦) \"تفسير مقاتل\" ٢٢٩/ أ، \"التفسير الكبير\" ٣١/ ٥٩.\n(٧) جاء في \"الصحاح\" جمع البَارِّ: البَرَرَة، وفلان يَبَرُّ خالقه، وَيتَبَرَّرُهُ أي يطيعه، والأم برَّة بولدها، وبَرَّ فلان في يمينه أي صّدّق. ٢/ ٥٨٨: (برر).","vol":"23","page":220},{"text":"وفجرة) (١).\nقال مقاتل: كان ينزل بالقرآن (٢) من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا ليلة القدر إلى الكتبة من الملائكة، ثم ينزل جبريل إلى محمد -ﷺ- (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4834>١٧ </span>- (قوله تعالى) (٤): ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ (مَا أَكْفَرَهُ) (٥)﴾ هو قال ابن عباس: لعن عتبة (٦).\nقال المفسرون: نزلت في (عتبة بن) (٧) أبي لهب (٨).\n﴿مَا أَكْفَرَهُ﴾ قال مقاتل (٩)، الكلبي (١٠): ما الذي أكفره.\nوقال (١١) الفراء: بهذا الوجه جاء التفسير (١٢)، ويجوز أن يكون\n_________\n(١) ما بين القوسين من قول الفراء. انظر: \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٣٧.\n(٢) في (ع): القرآن.\n(٣) \"الوسيط\" ٤/ ٤٢٣.\n(٤) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٥) ما بين القوسين ساقط من (ع).\n(٦) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٧) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٨) قال بذلك: الكلبي، ومقاتل، وابن جريج، والضحاك، وابن عباس، وعكرمة. انظر: \"بحر العلوم\" ٣/ ٤٤٨، \"الكشف والبيان\" ١٣/ ٣٩ ب، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٤٨، \"زاد المسير\" ٨/ ١٨٣، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٢١٥، \"الدر المنثور\" ٨/ ٤١٩.\nوحكاه الفخر عن المفسرين: \"التفسير الكبير\" ٣١/ ٦٠. وانظر هذا القول عنهم أيضًا في: \"لباب التأويل\" ٤/ ٣٥٤، \"البحر المحيط\" ٨/ ٢٨، \"فتح القدير\" ٥/ ٣٨٤، \"لباب النقول\" للسيوطي: ٢٢٧.\n(٩) \"تفسير مقاتل\" ٢٢٩/ أ، \"بحر العلوم\" ٣/ ٤٤٨، \"الكشف والبيان\" ١٣/ ٤٠ أ، \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٠٣.\n(١٠) المراجع السابقة.\n(١١) في (ع): قال.\n(١٢) يعني بذلك ما ذهب إليه مقاتل، والكلبي من قوليهما: ما الذي أكفره.","vol":"23","page":221},{"text":"تعجبًا (١).\nوشرح الزجاج القولين، فقال: يكون على جهة لفظ التَّعّجُّبِ، ومعنى التعجب [مما] (٢) يؤمر به الآدميون كقوله: ﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾ [البقرة: ١٧٥] أي اعْجَبوا أنتم من كفر الإنسان.\n(قال) (٣): ويجوز أن يكون على معنى التوبيخ (٤)، ولفظه لفظ الاستفهام، أي: أيُّ شيء أكفره؟ (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4835>١٨ </span>- (ثم بين من أمْره ما كان ينبغي أن يعلم معه أن الله خالقه، وأنه واحد، فقال: ﴿مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ لفظه استفهام، ومعناه التقرير) (٦).\n<span data-type=\"title\" id=toc-4836>١٩ </span>- ثم فسر فقال: ﴿مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾ قال ابن عباس (٧)،\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٣٧ بمعناه. وإلى جواز الوجهين في معنى الآية ذهب الطبري في \"جامع البيان\" ٣٠/ ٥٤.\nقال ابن عاشور: \"وجملة \"ما أكفره\" تعليل لإنشاء الدعاء عليه دعاء التحقير والتهديد، وهذا تعجيب من شدة كفر هذا الإنسان، ثم قال: وهذه الجملة بلغت نهاية الإيجاز، وأرفع الجزالة بأسلوب غليظ قال على السخط، بالغ حد المذمة، جامع للملامة، ولم يسمع مثلها قبلها، فهي من جوامع الكلم القرآنية\". التحرير والتنوير: ٣٠/ ١٢١.\n(٢) وردت في النسختين: ما، وقد أثبت ما جاء في معاني الزجاج لسلامته.\n(٣) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٤) قوله: على معنى التوبيخ: بياض في (ع).\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٨٤ - ٢٨٥ بيسير من الاختصار.\n(٦) ما بين القوسين من قول الزجاج نقله عنه الواحدي بنحوه انظر المرجع السابق.\n(٧) ورد معنى قوله في \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ١٦، \"البحر المحيط\" ٨/ ٤٢٨ والعبارة عنه: أي قدّر يديه، ورجليه، وعينيه، وسائر آرابه، وحسنًا، ودميمًا، وقصيرًا، وطويلًا، وشقيًا، وسعيدًا.","vol":"23","page":222},{"text":"ومقاتل (١): يقدره في بطن أمه.\nوهذا يحتمل معنيين: أحدهما: ما ذكره الفراء: وقدره أطوارًا: نطفة، علقة إلى آخر خلقه، ذكرًا، أو أنثى، شقيًا، أو سعيدًا (٢).\nوالثاني: ما ذكره الزجاج قال: المعنى: فقدره على الاستواء، كما قال: ﴿أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا﴾ [الكهف: ٣٧]. (٣)\nوهذا معنى قول الكلبي: (قدر خلقه، ورأسه، وعينيه، ويديه، ورجليه (٤) (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4837>٢٠ </span>- قوله: ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ (قال الحسن (٦)، ومجاهد (٧)، وعطاء (٨) (٩)،\n_________\n(١) ورد معنى قوله في: \"زاد المسير\" ٨/ ١٨٣، وعبارته: قدره أطوارًا: نطفة، ثم علقة، إلى آخر خلقه.\n(٢) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٣٧ بنحوه.\n(٣) الكهف: ٣٧.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٨٥.\n(٥) \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٤٨.\n(٦) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٧) \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٣٤٨، \"جامع البيان\" ٣٠/ ٥٥، \"الكشف والبيان\" ج ١٣: ٤٠/ أ، \"النكت والعيون\" ٦/ ٢٠٦، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٤٨، \"زاد المسير\" ٨/ ١٨٣، \"البحر المحيط\" ٨/ ٤٢٨، \"تفسير القرآن العظيم\" ٥٣/ ٥٤، \"تفسير الحسن البصري\" ٢/ ٣٩٦.\n(٨) المراجع السابقة إضافة إلى \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٣٨ - ٤٣٩، \"الدر المنثور\" ٨/ ٤١٩ وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.\n(٩) لم أعثر على مصدر لقوله. وما قاله المفسرون: الحسن، ومجاهد، وعطاء، قد رجحه ابن كثير ٤/ ٣٠٥، والشنقيطي، \"أضواء البيان\" ٩/ ٥٥.\nقال الشنقيطي: \"لأن تيسير الولادة أمر عام في كل حيوان، وهو مشاهد ملموس، فلا مزية للإنسان فيه على غيره، كما أن ما قبله قال عليه، أو على مدلوله، وهو القدرة في قوله تعالى: ﴿مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾، وأما تيسير سبيل الدين، فهو الخاص بالإنسان، وهو المطلوب التوجه إليه\".","vol":"23","page":223},{"text":"والكلبي (١) (٢): بين له سبيل الخير، والشر كقوله: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ﴾ [الإنسان: ٣٠] أي أعلمناه طريق الخير والشر.\nقال السدي (٣)، ومقاتل (٤): أي أخرجه من الرحم، وهداه للخروج من بطن أمه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4838>٢١ </span>- ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾ هو قال مقاتل (٥)، (والكلبي) (٦) (٧) أمر به فقبر.\nقال أبو عبيدة: [أمره] (٨) بأن يُقبر، [أي: جعل، له قبرًا -قال-\n_________\n(١) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٢) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٣) \"جامع البيان\" ٣٠/ ٥٥، \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٣٨، \"زاد المسير\" ٨/ ١٨٤، \"القرطبي\" ١٩/ ٢١٦، \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٠٣، \"فتح القدير\" ٥/ ٣٨٤.\n(٤) ورد بمعناه في \"تفسير مقاتل\" ٢٢٩/ ب، كما ورد قوله في: \"جامع البيان\" ٣٠/ ٥٥، \"زاد المسير\" ٨/ ١٨٤، \"فتح القدير\" ٥/ ٣٨٤.\nوهذا القول رجحه الطبري. قال: لأن الخبر من الله قبلها، وبعدها عن صفته، خلقه وتدبيره، جسمه، وتصريفه إياه في الأحوال، فالأولى أن يكون أوسط ذلك ما قبله وبعده \"جامع البيان\" ٣٠/ ٥٥.\n(٥) لم أعثر على مصدر لقوله. والذي ورد عنه في \"تفسيره\": أماته: ٢٢٩/ ب.\n(٦) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٧) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٨) أقبره، هكذا ورد في النسختين، وأثبت ما جاء في \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة لاستقامة المعنى به.","vol":"23","page":224},{"text":"وقالت بنو تميم: لعمر بن هبيرة (١) لما قتل صالح بن عبد الرحمن (٢): أقبرنا صالحًا، قال: دونكموه. والذي يدفن هو القابر (٣).\nوقال ابن السكيت: أقبرت فلانًا، أي صيرت له قبرًا يدفن فيه (٤).\n([أقبره] (٥) جعله مقبورًا، ولم يجعله ممن يُلقى للطير، والسباع، ولا ممن يلقى في النواويس (٦)، كأن القبر مما أكرم به المسلم.\nقال: ولم يقل: فقبره، لأن القابر هو الدافن بيده، والمقبر هو الله؛ لأنه صيره ذا قبر، وليس فعله كفعل الآدمي، والعرب تقول: بترت ذنب البعير، والله أبتره، وعضبت (٧) قرن الثور، والله أعضبه، وطردت فلانًا عني، والله أطرده: صيره طريدًا) (٨).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4839>٢٢ </span>- قوله: ﴿ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ﴾ (أي بعثه بعد موته، يقال: أنشر الله\n_________\n(١) عمر بن هبيرة بن معيّة بن سُكين بن خَديج بن بَغيض بن مالك الفزاري، ولي العراقين ليزيد بن عبد الملك، وله عقب بالبصرة.\nانظر: \"جمهرة أنساب العرب\" ٢٥٥.\n(٢) لم أتوصل لمعرفته.\n(٣) \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٨٦ بنحوه.\n(٤) إصلاح المنطق: ٢٣٥.\n(٥) في كلا النسختين: أمره.\n(٦) النواويس: جاء في \"لسان العرب\" النَّاووس: مقابر النصارى، إن كان عربيًا، فهو فاعول. ٦/ ٢٤٤: (نوس). وانظر: \"المصباح المنير\" ٧٧٤: (نوس).\n(٧) عضب القرن: أي يكسر القرن، وناقة عضباء أي مشقوقة الأذن، العَضباء، والعِضباء: الشاة المكسورة القرن الداخل، وهو المُشاش.\n\"النهاية في غريب الحديث والأثر\" ٣/ ٢٥١. \"الصحاح\" ١/ ١٨٣: (عضب).\n(٨) ما بين القوسين من قول الفراء في: \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٣٧ بنحوه.","vol":"23","page":225},{"text":"الميت فنشر) (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4840>٢٣ </span>- ﴿كَلَّا﴾ (٢) قال (عطاء عن) (٣) ابن عباس: يريد لا يؤمن الكافر أن الله يبعثه (٤). وقال الحسن: حقًا (٥).\n﴿لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ﴾ أي: ما عهد إليه من الميثاق الأول في التوحيد، وهو قول عطاء، عن ابن عباس (٦)، ومقاتل (٧).\nوقال الكلبي: ليس أحد قضى ما أمره الله به (٨).\nوعلى هذا هو على العموم؛ لأنه لم يقض أحد من الخلق كل ما أمر به (٩).\nولما ذكر خلق ابن آدم ذكر رزقه ليعتبر فقال:\n_________\n(١) ما بين القوسين من قول أبي العباس في: \"تهذيب اللغة\" ١١/ ٣٣٨.\nوجاء في اللسان: ونَشَر الله الميت يَنْشُرُه نشْرًا، ونُشورًا، وأنْشَرَه فنَشَر الميت لا غير: أحياه. ٥/ ٢٠٦: (نشر).\n(٢) ﴿كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ﴾.\n(٣) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٤) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٥) \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٤٨، \"زاد المسير\" ٨/ ١٨٤، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٢١٧، \"فتح القدير\" ٥/ ٣٨٤، \"تفسير الحسن البصري\" ٢/ ٣٩٧.\n(٦) \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٢١٧، وفي هذا القول أحاديث كثيرة، منها وما ورد في \"المسند\" ١/ ٢٧٢، \"المستدرك\" ٢/ ٣٢٥، وقد صححه الحاكم، ووافقه الذهبي، وقال الهيثمي عنه في \"مجمع الزوائد\" ٧/ ٢٥: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح. فليراجع ذلك الحديث في تلك المصادر.\n(٧) \"تفسير مقاتل\" ٢٢٩/ ب.\n(٨) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٩) وقد ذكر يحيى بن سلام أن المقصود بالآية الكافر أنه لم يفعل ما أمر به من الطاعة والإيمان. \"النكت والعيون\" ٦/ ٢٠٦، \"زاد المسير\" ٨/ ١٨٤، والصواب ما ذكره الإمام الواحدي.","vol":"23","page":226},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4841>٢٤ </span>- (قوله تعالى) (١): ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ﴾ (أي فلينظر كيف خلق الله طعامه الذي جعله سببًا لحياته) (٢).\n(والمعنى: إلى كونه وحدوثه وهو موضع الاعتبار) (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4842>٢٥ </span>- ثم بين فقال: ﴿أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا﴾ قال الفراء: يخبر عن صفة الطعام بالاستئناف (٤)، ومن فتح \"أنَّا\" فهو في موضع خفض (٥). أي: فلينظر إلى أنا صببنا الماء، وفعلنا، وفعلنا.\nقال: وكذلك قوله: ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ﴾ (٦) و\"إنا دمرناهم\" (٧).\nقال: قد يكون موقع \"أنا\" إذا فتحت في هذه السورة، رفعًا كأنه استئناف، فقال: طعامه صببنا الماء، وإنباتُنا كذا وكذا (٨).\n_________\n(١) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٢) ما بين القوسين نقله عن الزجاج مختصرًا. انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٨٦.\n(٣) ما بين القوسين نقله عن أبي علي الفارسي بنصه. انظر: \"الحجة\" ٦/ ٣٧٨.\n(٤) وهذا على اعتبار كسر همزة: \"إنا\"، وقد قرأ بذلك: نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، وأبو جعفر، ويعقوب.\nانظر: \"كتاب السبعة\" ٦٧٢، \"القراءات وعلل النحويين فيها\" ٢/ ٧٤٨، \"المبسوط\" ٣٩٦، \"الحجة\" ٦/ ٣٧٨، \"حجة القراءات\" ٧٥٠، \"الكشف\" ٢/ ٣٦٢، \"النشر\" ٣٩٨.\n(٥) قرأ بذلك: عاصم، وحمزة، والكسائي، وخلف انظر: المراجع السابقة.\n(٦) سورة النمل: ٥١، وقد قرأ بالفتح فيها: عاصم، وحمزة، والكسائي، ويعقوب، وخلف.\nانظر: \"المبسوط\" ٢٨٠، \"الكشف\" ٢/ ١٦٣.\n(٧) قرأ بالكسر فيها من قرأ بكسر: \"إنا صببنا\" عدا يعقوب. انظر المراجع السابقة.\n(٨) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٣٨ بتصرف.","vol":"23","page":227},{"text":"قال أبو إسحاق: من قرأ \"إنَا\" فعلى الابتداء والاستئناف، ومن فتح فعلى معنى البدل من الطعام، ويكون \"إنا\" في موضع خفض. المعنى: فلينظر الإنسان إلى (١) إنا صببنا الماء (٢).\nوقال أبو علي: من قال \"إنا صببنا\" بكسر \"إن\" كان ذلك تفسيرًا للنظر إلى طعامه، كما أن قوله \"مغفرة\" (٣) تفسيرًا للوعد، ومن فتح فعلى معنى البدل بدل الاشتمال؛ لأن هذه الأشياء تشتمل على كون الطعام وحدوثه، فهو من نحو ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢١٧]، و﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ (٤) النَّارِ﴾ [البروج: ٤ - ٥] (٤)، قال ابن عباس (٥)، والمفسرون (٦): أراد بصب الماء: المطر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4843>٢٦ </span>- ﴿ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا﴾ بالنبات (٧).\n_________\n(١) بياض في (ع).\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٨٦ باختصار.\n(٣) سورة المائدة: آية ٩: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾.\n(٤) \"الحجة\" ٦/ ٣٧٨ باختصار يسير.\n(٥) \"الدر المنثور\" ٨/ ٤٢١ وعزاه إلى ابن المنذر.\n(٦) حكاه ابن الجوزي عن المفسرين في: \"زاد المسير\" ٨/ ١٨٥، وقال به الطبري في: \"جامع البيان\" ٣٠/ ٥٧، والسمرقندي في: \"بحر العلوم\" ٣/ ٤٤٩، والثعلبي في: \"الكشف والبيان\" ١٣/ ٤١ أ، والماوردي في: \"النكت والعيون\" ٦/ ٢٠٧. وانظر أيضًا: \"معالم التزيل\" ٤/ ٤٤٨، \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٣٩، \"التفسير الكبير\" ٣١/ ٦٣، \"الجامع لآحكام القرآن\" ١٩/ ٢١٩، \"لباب التأويل\" ٤/ ٣٥٤.\n(٧) قال بذلك الطبري في: \"جامع البيان\" ٣٠/ ٥٧.","vol":"23","page":228},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4844>٢٧، ٢٨ </span>- ﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا﴾ يعني الحبوب كلها مما يتغذى به (١).\n﴿وَقَضْبًا﴾ أكثر أهل اللغة، والتفسير قالوا: القضب: الرَّطْبة، وهي الفِسْفِسة ما دامت خضراء، فإذا يبست فهو القت (٢)، وأهل مكة يسمونه القضب أيضًا، وأصله من القطع (٣)؛ (وذلك أنه يقطع ويُقضَب مرة بعد أخرى، وكذلك الفصيل (٤)؛ لأنه يفصل أي يقطع) (٥)، وهذا قول أبي عبيدة (٦)،\n_________\n(١) الحب: جمع حبة -بفتح الحاء-، وهو كل ما يتخذه الناس ويربونه كالقمح والشعير ونحوه، والحِبة -بكسر الحاء- كل ما ينبت من البزور ولا يحفل به، ولا هو بمتخذ. قاله ابن عطية: \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٣٩.\n(٢) جاء في \"تهذيب اللغة\" القَتُّ: الفِسْفِسة اليابسة، يكون رطبًا ويكون يابسًا. ٨/ ٢٧٢: (قتت).\nوفي اللسان: القت: الفِصْفِصة، وخص بعضهم به اليابسة منها، واحدته: قَتة، وهي الرطبة من علف الدواب. ٢/ ٧١: (قتت).\n(٣) قال الليث: والقضب من الشجر كل شجر سَبِطت أغصانه وطالت، والقضب قطعك القضيب ونحوه \"تهذيب اللغة\" ٨/ ٣٤٧: (قضب).\nوعن ابن فارس: القاف، والضاد، والباء: أصل صحيح يدل على على قطع الشيء، والقضيب الغصن، والقَضْب: الرَّطْبة سميت لأنها تُقْضَب.\n\"مقاييس اللغة\" ٥/ ١٠٠: (قضب).\n(٤) لعله يراد به: الفَصْلة، وهي النخلة المنقولة المحولة، وقد افتصلها عن موضعها، أو يراد به: الفصيل ولد الناقة إذا فصل عن أمه.\n\"لسان العرب\" ١١/ ٥٢٢ - ٥٢٣: (فصل).\n(٥) ما بين القوسين لعله نقله أيضًا عن ابن قتيبة. انظر: \"تفسير غريب القرآن\" ٥١٤.\n(٦) لم أجد قوله في المجاز، وإنما ورد عند ابن عطية في: \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٣٩: قال: أبوعبيدة: القضب: الرطبة. وأيضًا انظر: \"التفسير الكبير\" ٣١/ ٦٣.","vol":"23","page":229},{"text":"والفراء (١)، (والأصمعي (٢)، وابن عباس (٣)، والضحاك (٤)، ومقاتل) (٥) (٦).\nقال المبرد: القضب هو العلف بعينه، وأصله من أنه يقضب، أي يقطع (٧).\nوهو قول الحسن (٨) (٩).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4845>٣٠ </span>- قوله (تعالى) (١٠): ﴿غُلْبًا﴾ (١١) قال عطاء عن ابن عباس: يريد\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٣٨.\n(٢) ورد قوله في \"تهذيب اللغة\" ٨/ ٣٤٧، وعبارته: القَضب: الرَّطْبة\n(٣) \"جامع البيان\" ٣٠/ ٥٧، \"بحر العلوم\" ٣/ ٤٤٩، \"التفسير الكبير\" ٣١/ ٦٣، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٢١٩، \"البحر المحيط\" ٨/ ٤٢٩، \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٠٤، \"الدر المنثور\" ٨/ ٤٢١ أو عزاه إلى ابن أبي حاتم، وابن المنذر.\n(٤) \"جامع البيان\" ٣٠/ ٥٧، \"التفسير الكبير\" ٣١/ ٦٣، \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٠٤.\n(٥) \"التفسير الكبير\" ٣١/ ٦٣، \"البحر المحيط\" ٨/ ٤٢٩.\n(٦) ما بين القوسين ذكر بدلًا منه في نسخة: أ: وغيرهم. وممن ذهب إلى ما قاله اللغويون: الزجاج في: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٨٦.\n(٧) \"التفسير الكبير\" ٣١/ ٦٣.\n(٨) \"جامع البيان\" ٣٠/ ٥٧، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٤٩، \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٠٤، تفسير الحسن البصري: ٢/ ٣٩٧.\n(٩) قال ابن عطية في المعنى الذي ذهب إليه أهل التفسير واللغة: قال بعض اللغويين: في الفصافص، وهذا عندي ضعيف؛ لأن الفصافص هي للبهائم، فهي داخلة في: \"الأب\". ثم قال: والذي أقوله: إن \"القضب\" هنا هو كل ما يقضب ليأكله ابن آدم غضاَ من النبات، كالبقول والهِلْيون ونحوه، فإنه من المطعوم جزء عظيم، ولا ذكر له في الآية إلا في هذا اللفظ. انظر: \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٣٩.\n(١٠) ما بين القوسين ساقط من: ع.\n(١١) ﴿وَحَدَائِقَ غُلْبًا﴾.","vol":"23","page":230},{"text":"الشجر العظام (١).\nوقال الكلبي: غلاظًا طوالًا في السماء (٢).\nوقال عكرمة: غلاظ الرقاب، ألا ترى أن الرجل إذا كان غليظ الرقبة، قالوا: إنه لأغلب (٣).\nقال أبو عبيدة يقال: شجرة، ونخلة غلباء، إذا كانت غليظة (٤).\nقال الفراء: الغُلْب: ما غلُظ من النخل (٥).\nوقال ابن قتيبة: الغُلب: الغلاظ الأعناق؛ الواحد أغلب، يعني النخل (٦).\nوعلى هذا القول هو (من الغَلِب، وهو [غليظ] (٧) القَصَرة، يقال: أسدٌ أغلب.\nوفيه قول آخر: وهو قول مجاهد (٨)، ومقاتل (٩)، قالا: الغلب:\n_________\n(١) \"التفسير الكبير\" ٣١/ ٦٤.\n(٢) \"النكت والعيون\" ٦/ ٢٠٧، وعبارته: الغلب: الغلاظ.\n(٣) \"بحر العلوم\" ٣/ ٤٤٩، \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٠٤، وعزاه إلى ابن أبي حاتم، \"الدر المنثور\" ٨/ ٤٢١ وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.\n(٤) \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٨٦ بنصه مع تقديم وتأخير بين كلمتي: (نخلة، وشجرة)، هكذا وردت في المجاز.\n(٥) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٣٨ بنصه.\n(٦) \"تفسير غريب القرآن\" ٥١٥، نقله عنه بإضافة: الواحد: أغلب.\n(٧) غلظ: في كلا النسختين، وأثبت ما جاء في مصدر القول.\n(٨) \"معالم التنزيل\" ٨/ ٤٩٩، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٢٢٠، \"الدر المنثور\" ٨/ ٤٢ أو عزاه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.\n(٩) \"تفسير مقاتل\" ٢٢٩/ ب، \"معالم التنزيل\" ٨/ ٤٤٩.","vol":"23","page":231},{"text":"الملتفة الشجر بعضه في بعض، يقال: اغْلَوْلَبَ العُشْبُ، واغْلَوْلبت الأرض، إذا التفّ عُشبها) (١).\nوذكر أبو إسحاق القولين، فقال: معناه متكاثفة (٢) عظامًا (٣).\nقوله: (وفاكهة (وأبا) (٤». (قال الكلبي يعني: ألوان الفاكهة) (٥) (٦).\n(وأبا) (٧) قال ابن عباس: يريد ما أنبتت الأرض مما لم يزرعه الناس (٨).\nوقال الكلبي: يعني الكلأ (٩) كله (١٠). وقال مقاتل: يعني المرعى (١١)\nوقال عطاء: الفاكهة ما يأكلون، والأب: ما تأكل أنعامكم (١٢).\n_________\n(١) ما بين القوسين نقله عن \"تهذيب اللغة\" ٨/ ١٣٨: (غلب)، والعبارة التي من قوله: الغلب هو الغليظ إلى: أسدٌ غلب هي من قول الليث.\n(٢) في (أ): المتكاثفة.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٨٦.\n(٤) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٥) لم أعثر على مصدر لقوله. وقد ورد بمثله من غير عزو في: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٤٩، \"زاد المسير\" ٨/ ١٨٥، \"لباب التأويل\" ٤/ ٣٥٤.\n(٦) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٧) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٨) \"جامع البيان\" ٣٠/ ٦٠، وعبارته: ما أنبتت الأرض للأنعام، والرواية الثانية له: ما أنبتت الأرض مما لا يأكل الناس.\n(٩) الكلأ: هو العشب: رَطْبُه، ويبْسُه. \"تهذيب اللغة\" ١٠/ ٣٦٢: (كلأ).\n(١٠) لم أعثر على مصدر لقوله. وقد ورد عن ابن عباس بنحو قوله، قال: الأب: الكلأ، والمرعى كله. \"جامع البيان\" ٣٠/ ٦٠.\n(١١) \"تفسير مقاتل\" ٢٢٩/ ب، وبمثل قوله: قال الضحاك في \"جامع البيان\" ٣٠/ ٦٠.\n(١٢) لم أعثر على مصدر لقوله. وقال بمثله مجاهد. انظر: \"تهذيب اللغة\" ١٥/ ٥٩٩: (أب)، \"لسان العرب\" ١/ ٢٠٤: (أب).","vol":"23","page":232},{"text":"وقال أبو زيد: الأب: النبات (١). وقال الضحاك: الأب: التبن (٢).\nوقال الحسن: ما طاب واحلولى فلكم، والأب لأنعامكم (٣).\nوروى عاصم بن كُلَيب (٤) عن أبيه (٥) عن ابن عباس: فـ\"أبا\"، قال: ما أنبتت الأرض مما لا يأكل الناس (٦).\n_________\n(١) لم أعثر على مصدر لقوله. وقد قال بمثله أبو رزين في \"جامع البيان\" ٣٠/ ٦٠، \"الدر المنثور\" ٨/ ٤٢٢ وعزاه إلى عبد بن حميد.\nولعله قال: أبو رزين، وليس أبوزيد.\n(٢) \"الكشف والبيان\" ج ١٣: ٤١/ أ، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٢٢١، \"الدر المنثور\" ٨: ٤٢٢ وعزاه إلى عبد بن حميد، \"روح المعاني\" ٣/ ٤٧.\n(٣) \"الدر المنثور\" ٨/ ٤٢٢ وعزاه إلى عبد بن حميد، \"تفسير الحسن البصري\" ٢/ ٣٩٨.\n(٤) عاصم بن كُلَيب بن شهاب بن المجنون الجرمي الكوفي، روى عن أبيه كُلَيب، وعنه شعبة، وعلي ابن عاصم، كان من العباد الأولياء، لكنه مرجئ، وثقه ابن معين، وغيره، وقال ابن المديني: لا يحتج بما انفرد به، وقال أبو حاتم: صالح. يقال: توفي سنة ١٣٧ هـ.\nانظر: ذكر من تكلم فيه وهو موثق: للذهبي: ١٠٤: ت: ١٧٠، \"ميزان الاعتدال\" ٢/ ٣٥٦: ت: ٤٠٦٤، \"تهذيب الكمال\" ١٣/ ٥٣٧: ت: ٣٠٢٤.\n(٥) كُلَيب بن شهاب بن المجنون الجَرمي الكوفي، والد عاصم بن كليب، روى عن عبد الله بن عباس، وعنه ابن عاصم بن كليب، صدوق، ووهم من ذكره في الصحابة.\nانظر: \"تهذيب الكمال\" ٢٤/ ٢١١ ت: ٤٩٩١، تهذيب التهذيب: ٨/ ٤٤٥، \"تقريب التهذيب\" ٢/ ١٣٦: ت: ٦٥.\n(٦) \"جامع البيان\" ٣٠/ ٦٠، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٢٢٠، \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٠٤، تفسير ابن عباس: د. عبد العزيز الحميدي: ٢/ ٩٦٧، وقد ذكره الحافظ ابن حجر وقال. إسناده صحيح، انظر: \"فتح الباري\" ١٣/ ٢٧١، وج: ٦/ ٢٩٥.","vol":"23","page":233},{"text":"وروى عنه سعيد بن جبير: ما أنبتت الأرض مما يأكل الأنعام (١). وقال مجاهد: هو ما أكلت الأنعام (٢).\nهذا ما ذكره المفسرون في تفسير الأب (٣)، وأما أهل اللغة فقال أبو عبيدة: الأب: كل مرعى للهوام (٤). أي البهائم. وأنشد لذي الرمة:\nأنبت أبًا ناضرًا وأمرعا (٥)\nوقال الفراء: الأب: ما تأكله الأنعام (٦).\nقال أبو إسحاق: الأب [جميع] (٧) الكلأ الذي تأكله الماشية (٨).\nوأنشد (٩):\n_________\n(١) \"الكشف والبيان\" ج ١٣/ ٤١/ أ، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٤٩ بإضافة: والناس، \"الجامع الصحيح\" للبخاري: ٢/ ٤٢٠، كتاب \"بدء الخلق\"، باب: ٣.\n(٢) \"تفسير الإمام مجاهد\": ٧٠٦، \"جامع البيان\" ٣٠/ ٦٠.\n(٣) وهناك أقوال أخرى لمعنى الأب:\nقال الضحاك: إنه كل شيء ينبت على وجه الأرض، وعن الكلبي: إنه كل نبات سوى الفاكهة، وعن ابن أبي طلحة: إنه الثمار الرطبة، انظر: \"الكشف والبيان\" ج ١٣/ ٤١/ أ، \"النكت والعيون\" ٦/ ٢٠٨، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٢٢٠ - ٢٢١.\n(٤) \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٨٦، إلا أنه لم ينشد بين الشعر.\n(٥) لم أعثر عليه في ديوانه.\n(٦) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٣٨.\n(٧) في كلا النسختين: لحمع، وأثبت ما جاء في \"معاني القرآن وإعرابه\" لاستقامة المعنى به.\n(٨) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٨٦.\n(٩) لم ينشد الزجاج بيت القصيد.","vol":"23","page":234},{"text":"جِذْمُنا قيْسٌ (١) ونجدٌ أرضنا ... ولنا الأبُّ بها والمكرَعُ (٢)\n(وذكر الله تعالى (ما يدل) (٣) على وحدانيته (من إنشاء) (٤) ما يغذو (٥) به جميع الحيوان، وهو:\nقوله (تعالى) (٦): ﴿مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾ (٧) قال المفسرون (٨): يريد\n_________\n(١) وردت عبارة: \"ونجد جذمنا فليس\" في نسخة: أ، وهي زيادة من الناسخ؛ لا من أصل بيت الشعر.\n(٢) ورد البيت غير منسوب في:\n\"تهذيب اللغة\" ١٥/ ٥٩٩: (أب)، \"لسان العرب\" ١/ ٢٠٤: (أب).\nالكشاف: للزمخشري: ٤/ ١٨٦، \"التفسير الكبير\" ٣١/ ٦٤، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٢٢٠، \"روح المعاني\" ٣٠/ ٤٧، وجميعها برواية: \"ونجد دارنا ولنا الأب بها\" بدلًا من: \"ونجد أرضنا ولنا الأب بها\".\nومعنى البيت: الجِذم: -بالكسر وقد يفتح-: الأصل الذي يقتطع منه غيره، \"الأبّ\" بالفتح والتشديد: بمعنى المرعى؛ لأنه يؤب أي يقصد، والمكرع: المنهل.\nيقول: نحن من قبيلة قيس، ونجد هي: دارنا ولنا به: أي في نجد المرعى والمروى. وفيه تمدح بالشرف والشجاعة على غيره.\nانظر: \"مشاهد الإنصاف على شواهد الكشاف\" للمرزوقي: ٧٨ - ٨٧، مذيل بكتاب \"الكشاف\".\n(٣) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٤) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٥) في كلا النسختين: يغذوا.\n(٦) ما بين القوسين ساقط من: ع.\n(٧) ما بين القوسين نقلًا عن الزجاج. \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٨٦.\n(٨) قال بذلك الحسن: متاعًا لكم الفاكهة، ولأنعامكم العشب. \"جامع البيان\" ٣٠/ ٦١، \"تفسير الحسن\" ٢/ ٣٩٩.","vol":"23","page":235},{"text":"منافع لكم، ولأنعامكم.\nوقال الفراء: خلقناه منفعة لكم، ومتعة لكم ولأنعامكم (١).\nقال الزجاج: هو منصوب؛ لأنه مصدر مؤكد لقوله: \"فأنبتنا\" (٢) لأن إنباته الأشياء إمتاع لجميع الحيوان (٣) (٤).\nثم ذكر القيامة فقال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4846>٣٣ </span>- ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ﴾ قال المفسرون: يعني صيحة القيامة (٥)، وهي النفخة الأخيرة.\n_________\n= وقد ورد معنى المفسرين في: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٤٩، \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٣٩، \"زاد المسير\" ٨/ ١٧٦، \"لباب التأويل\" ٤/ ٣٥٤.\n(١) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٣٨ بتصرف.\n(٢) سورة عبس: ٢٧: ﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا﴾\n(٣) بياض في (ع).\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٨٦.\n(٥) قال بذلك الحسن. انظر: \"النكت والعيون\" ٦/ ٢٠٩، ومقاتل في تفسيره: ٢٢٩/ ب، وأيضًا ورد عن الزجاج في: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٨٧، والثعلبي في: \"الكشف والبيان\" ج ١٣: ٤١/ ب.\nوعزا ابن الجوزي هذا القول إلى المفسرين في: \"زاد المسير\" ٨/ ١٨٦، كما حكاه أيضًا عن المفسرين في \"لتفسير الكبير\" ٣١/ ٦٤، كما قال به أصحاب الكتب الآتية: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٤٩، الكشاف: ٤/ ١٨٧، \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٤٠، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٢٢٢، \"لباب التأويل\" ٤/ ٣٥٤، \"فتح القدير\" ٥/ ٣٨٥.\nوهناك قول آخر عن المفسرين أن الصاخة اسم ليوم القيامة، قال بذلك ابن عباس كما في: \"جامع البيان\" ٣٠/ ٦١.\nوقاله ابن قتيبة في: \"تفسير غريب القرآن\" ٥١٥، والفراء في \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٣٨، الماوردي في: \"النكت والعيون\" ٦/ ٢٠٩، وغيرهم من المفسرين.","vol":"23","page":236},{"text":"قال اللبث: الصاخة: صيحة تصُخُّ الآذان فَتُصِمُّها (١). وذكر نحو هذا الزجاج في تفسير الصاخة (٢). وأصل الصخ في اللغة: الطعن والصك (٣).\nقال المبرد: يقال: صخ رأسه بحجر، أي: شدخه (٤)، والغراب يصخ بمنقاره في دبر البعير أي يطعن (٥).\nفمعنى الصاخة: الصاكة لشدة صوتها للآذان (٦). ثم ذكر في أي وقت تجيء فقال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4847>٣٤ - ٣٦ </span>- ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ﴾، أي لا يلتفت إلى واحد من أدانيه (٧)؛ لعظم ما هو فيه.\nوقال أبو علي: ليس يراد بالفرار -هاهنا- الشراد، ولا النفار (٨)،\n_________\n(١) \"تهذيب اللغة\" ٦/ ٥٥٢: (صخ).\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٨٧.\n(٣) يقال: كأنما في أذنه صاخة، أي طعنة.\nانظر (صخ) في: \"تهذيب اللغة\" ٦/ ٥٥٢، \"لسان العرب\" ٣/ ٣٣، \"تاج العروس\" ٢/ ٢٦٦.\nقال ابن فارس: الصاد، والخاء: أصل يدل على صوت من الأصوات، من ذلك: الصاخة، يقال: إنها الصيحة تصم الآذان، ويقال: ضربت الصخرة بحجر فسمعت لها صخًا. \"مقاييس اللغة\" ٣/ ٢٨١ - ٢٧٢.\n(٤) لم أعثر على مصدر لقوله. وقد ورد بمثله من غير عزو في \"التفسير الكبير\" ٣١/ ٦٤.\n(٥) انظر (صخ) في: \"تهذيب اللغة\" ٦/ ٥٥٣، \"مقاييس اللغة\" ٣/ ٢٨١، \"لسان العرب\" ٣/ ٣٣، \"تاج العروس\" ٢/ ٢٦٦.\n(٦) انظر: \"التفسير الكبير\" ٣١/ ٦٤.\n(٧) أدانيه: أقاربه، والدَّاني: القريب. \"الصحاح\" ٦/ ٢٣٤١: (دنا).\n(٨) شرد البعير والدابة، يَشْرُدُ شردًا، وشِرادًا: وشرودًا: نفر، فهو شارد، والجميع: شُرُد، وشرود -في المذكر والمؤنث-، والجمع: شُرُد، والشريد الهارب، =","vol":"23","page":237},{"text":"ولكن المعنى: يوم يفر المرء من موالاة أخيه، أو من مساءلة (١) أخيه؛ لاهتمامه بشأنه، وأنت تقول لمن تكلم (٢): فررت مما ألزمك (٣)، لا تريد بذلك نفارًا في المحل (٤)، فأما الفرار من موالاته يدل عليه قوله: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾. [البقرة: ١٦٦]\nوأما الفرار من نصرته، [فيدل] (٥) عليه: ﴿يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ [الدخان: ٤١].\nوأما المساءلة يدل عليه قوله: ﴿وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾ [المعارج: ١٠] (٦)\nقوله (تعالى) (٧): ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ قال المفسرون (٨):\n_________\n= والاسم: الشراد. (شرد): \"لسان العرب\" ٣/ ٢٣٧، \"المصباح المنير\" ١/ ٣٦٥. والنَّفار: النَّفْرُ: التفرق، نَفَرَت الدابة تَنْفِرُ، وتَنْفُرُ نِفارًا، ونفورًا، يقال: في الدابة نِفار، والاسم: النفار، والإنفار عن الشيء، والتنفير، والاستنفار: كله بمعنى، ومنه: \"حمر مستنفرة\" أي مذعورة.\nانظر: (نفر) في: \"الصحاح\" ٢/ ٨٣٣، \"لسان العرب\" ٥/ ٢٢٤.\n(١) في (أ): مسألة.\n(٢) بياض في (ع).\n(٣) في (ع): لزمك.\n(٤) يراد به الظرف.\n(٥) في كلا النسختين: فيدخل، وأثبت ما يستقيم به المعنى. والله أعلم.\n(٦) لم أعثر على مصدر لقوله. وقد ورد بمثل قوله مختصرًا، ولكن من غير عزو في \"التفسير الكبير\" ٣١/ ٦٥.\n(٧) ما بين القوسين ساقط من: ع.\n(٨) قال بذلك: ابن زيد: شأن قد شغله عن صاحبه. \"جامع البيان\" ٣٠/ ٦٢.\nوبه قال أيضًا الفراء في: \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٣٨، والثعلبي في: \"الكشف والبيان\" =","vol":"23","page":238},{"text":"لكل إنسان منهم شأن (يغنيه) (١)، يشغله عن الأقرباء.\nقال ابن قتيبة: يغنيه: أي (٢) يصرفه، ويصده عن قرابته، وأنشد (٣):\nستغنيك حرب بني مالك ... عن الفحش والجهل في المحفل (٤)\nقال: أي: سيشغلك، ويقال: اغنِ عني وجهك، أي [اصرفه (٥)]. (٦)\nوقال أهل المعاني: معنى يغنيه: يكفيك (٧) عن زيادة عليه من الاهتمام لغيره.\nأي: ليس فيه فضل لغير ما هو فيه من الأمر الذي قد اكتنفه، وما\n_________\n= ج ١٣/ ٤٢/أ. وانظر هذا القول أيضًا في: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٤٩، \"زاد المسير\" ٨/ ١٨٦، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٢٢٢.\nوهذا القول دل عليه حديث عائشة -﵂- أن رسول الله -ﷺ- قال: \"يبعث الناس يوم القيامة حُفاة عُراة غُرلًا، فقالت عائشة: فكيف بالعورات؟ قال: \"لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه\".\n\"سنن النسائي\" ٤/ ٤٢١ ح: ٢٠٨٢: كتاب الجنائز: باب: ١٨، \"المستدرك\" ٢/ ٥١٥: ك التفسير: تفسير سورة عبس، وقال: حديث صحيح، ووافقه الذهبي.\n(١) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٢) في (أ): أن.\n(٣) لم ينشده ابن قتيبة، وهو منسوب إلى خفاف بن ندبة.\n(٤) ورد البيت منسوبًا إلى خفاف في: \"الكشف والبيان\" ج ١٣: ٤٢/ أ، \"التفسير الكبير\" ٣١/ ٦٥، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٢٢٣، ولم أجده في ديوان خفاف بن ندبة السلمي.\n(٥) وردت في النسختين: صرفه، وأثبت ما جاء عند ابن قتيبة لسلامة اللفظ.\n(٦) \"تفسير غريب القرآن\" ٥١٥ بنحوه.\n(٧) في (ع): يكفيكه.","vol":"23","page":239},{"text":"أصدره، فصار حاله كحال الغني عن الشيء في أن نفسه لا تنازع إليه (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4848>٣٨ </span>- ثم وصف أحوال المؤمنين والكفرين في ذلك اليوم، فقال: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ﴾ مشرقة مضيئة منكشفة الألوان، ناضرة (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-4849>٣٩ </span>- ﴿ضَاحِكَةٌ﴾ (٣) قال عطاء: مسرورة (٤).\nوقال الكلبي: يعني بالفراغ من الحساب مستبشرة فرحة بما نال من كرامة الله ورضاه (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4850>٤٠ </span>- (قوله تعالى) (٦): ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ﴾ قال الليث: الغَبَرَة: لَطْخُ غبار، والغُبْرَة: اغبِرار اللَّوْن يَغْبَرُّ لِلْهَمِّ (٧) (٨).\n_________\n(١) بمعنى هذا قال الزجاج في \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٨٧، وعبارته: أي شأن لا يهمه معه غيره، وكذلك يغنيه لا يقدر مع الاهتمام به على الاهتمام بغيره.\nقال الأزهري: وأما الغناء -بفتح الغين والمد- فهو الإجزاء والكفاية، يقال: رجل مُغْن أي مجزئ كاف، ومنه قوله: \"لكل امرئ منهم شأن يغنيه\"، يقول: يكفيه شغل نفسه عن شغل غيره.\n\"تهذيب اللغة\" ٨/ ٢٠١ - ٢٠٢: (غنا)، وانظر: \"لسان العرب\" ١٥/ ١٣٨: (غنا).\n(٢) إلى مثل هذا القول ذهب الطبري في: \"جامع البيان\" ٣٠/ ٦٢، والماوردي في \"النكت والعيون\" ٦/ ٢٠٩.\n(٣) ﴿ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾.\n(٤) لم أعثر على مصدر لقوله. وقد ورد بمثله من غير عزو في: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٥٠، \"زاد المسير\" ٨/ ١٨٦، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٢٢٣، \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٠٦.\n(٥) \"التفسير الكبير\" ٣١/ ٦٥.\n(٦) ما بين القوسين ساقط من: ع.\n(٧) في (ع): لهم.\n(٨) \"تهذيب اللغة\" ٨/ ١٢٢: (غير) بنصه. وانظر: \"لسان العرب\" ٥/ ٥: (غبر)، ونسبه إلى أبي علي.","vol":"23","page":240},{"text":"وقال المبرد: الغبرة ما يصيب الإنسان من الغبار المعفر على الألوان (١).\nوالمفسرون يقولون: سواد (٢)،\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4851>٤١ </span>- وهو قوله: ﴿تَرْهَقُهَا﴾ (٣) أي يغشاها ويعلوها. ﴿قَتَرَةٌ﴾ قال الكلبي (٤)، ومقاتل (٥) يعني: سواد وكسوف عند معاينة النار.\nوقال المبرد (٦)، والزجاج (٧): هي سواد كالدخان (٨)، وأصلها من\n_________\n(١) \"التفسير الكبير\" ٣١/ ٦٦.\n(٢) قال بذلك: مقاتل. انظر: \"زاد المسير\" ٨/ ١٨٦، وإليه ذهب البغوي في: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٥٠، والخازن في: \"لباب التأويل\" ٤/ ٣٥٥.\nوقال ابن عطية: هو العبوس والهم. \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٤٠، وهو معنى ما ذهب إليه مقاتل، وبمثل قول ابن عطية ذهب أبو حيان في \"البحر\" ٨/ ٤٣٠.\nوعلى هذا فقوله: \"عليها غبرة\" يحتمل وجهين:\nأحدهما: أنه غبار جعل شيئًا لهم ليتميزوا به فيعرفوا، وهو ما ذهب إليه الطبري في: \"جامع البيان\" ٣٠/ ٦٣، والثعلبي في: \"الكشف والبيان\" ج ١٣: ٤٢/ ب، والزمخشري في: \"الكشاف\" ٤/ ١٨٧، والقرطبي في: \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٢٢٤.\nوالثاني: أنه كناية عن كمد وجوههم بالحزن حتى صارت كالغبرة، وهو ما ذهب إليه المفسرون بقول الواحدي.\nوانظر: \"النكت والعيون\" ٦/ ٢٠٩.\n(٣) ﴿تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ﴾\n(٤) \"النكت والعيون\" ٦/ ٢١٠، وعبارته: كسوف الوجه.\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ٢٢٩/ ب، وانظر: المرجع السابق بنفس العبارة أيضًا.\n(٦) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٧) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٨٧.\n(٨) كالسواد من الدخان. هكذا وردت في نسخة (أ).","vol":"23","page":241},{"text":"القتار، وهو دخان الشواء، (١) وهو قول عطاء (عن ابن عباس) (٢)، قال: يريد قتار جهنم (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4852>٤٢ </span>- (ثم بين من أهل هذه الحال فقال: (قوله تعالى) (٤): ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ﴾ (٥).\n_________\n(١) قال الليث: القُتار: ريح الشِّواء إذا ضُهِّب على الحجر، والقترة: غبرة يعلوها سواد كالدخان.\n\"تهذيب اللغة\" ٩/ ٥١ - ٥٢: (قتر).\n(٢) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٣) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٤) ما بين القوسين ساقط من (ع).\n(٥) ما بين القوسين نقلًا عن الزجاج. انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٨٧.\nقال الطبري: (يقول تعالى ذكره: هؤلاء الذين هذه صفتهم يوم القيامة هم الكفرة بالله، كانوا في الدنيا الفجرة في دينهم لا يبالون ما أتوا به معاصي الله، وركبوا من محارمه، فجزاهم الله بسوء أعمالهم ما أخبر به عباده). \"جامع البيان\" ٣٠/ ٦٣.","vol":"23","page":242},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4853>سورة التكوير</span>","vol":"23","page":243},{"text":"تفسير سورة التكوير <span data-type=\"title\" id=toc-4854>(١)</span>\nبسم الله الرحمن الرحيم\n\n١ - ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ قال أبو عبيدة: كورت مثل تكوير العمامة، تلَفُّ فَتُمْحَى (٢)، وقال (٣) الزجاج: جمع ضوؤها، ولُفَّت (٤) كما تلف العمامة، يقال: كورت العمامة على رأسي أكورها كورًا، وكوَّرْتُها تكويرًا إذا لففتها (٥).\nهذا معنى التكوير في اللغة، وهو الكف والجمع، (ومن هذا سميت الكارة التي للقصَّار؛ لأنه يجمع ثيابه في ثوب واحد، ويكون بعضها على بعض، وللتكوير معنى آخر، يقال: كورت الحائط ودهورته: إذا طرحته حتى يسقط. أبو عبيد (٦) عن الأصمعي: طعنه فكوره إذا صرعه (٧).\n_________\n(١) مكية بالإجماع، حكى الإجماع: ابن عطية في: \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٤١، وابن الجوزي في: \"زاد المسير\" ٨/ ١٨٧، والقرطبي في: \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٢٢٤، والألوسي في: \"روح المعاني\" ٣٠/ ٤٩.\n(٢) \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٨٧.\n(٣) في (أ): فقال.\n(٤) في (أ): ولُف.\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٨٩ بيسير من التصرف.\n(٦) في (أ): أبو عبيدة.\n(٧) \"تهذيب اللغة\" ١٠/ ٣٤٦: (كار).","vol":"23","page":245},{"text":"قال أبو كبير (١):\nمُتَكَورينَ على المعَارى بينهم ... ضَرْبٌ كتعطاط الْمَزادِ الأثجلِ) (٢) (٣)\nوعبارات المفسرين مختلفة، ومعناها ترجع إلى أحد الأصلين (٤):\nقال قتادة (٥)، ومقاتل (٦)، (والكلبي) (٧) (٨) ذهب ضوؤها.\nوقال مجاهد (٩): اضمحلت وذهبت. وقال أبو صالح: طمست، وعنه أيضًا: انكسفت (١٠).\n_________\n(١) تقدمت ترجمته في سورة البقرة.\n(٢) ورد البيت في: \"تهذيب اللغة\" ١٠/ ٢٤٧: (كار).\n(٣) ما بين القوسين نقله عن \"تهذيب اللغة\" ١٠/ ٣٤٦ - ٣٤٧: (كار).\n(٤) بياض في (ع).\n(٥) \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٣٥٠، \"جامع البيان\" ٣٠/ ٦٤، \"الكشف والبيان\" ج ١٣: ٤٣/ أ، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٥١، \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٤١، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٢٢٥، \"البحر المحيط\" ٨/ ٤٣١، \"زاد المسير\" ٨/ ١٨٨، \"الدر المنثور\" ٨/ ٤٢٧ وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن أبي حاتم، \"فتح القدير\" ٥/ ٣٨٨.\n(٦) \"تفسير مقاتل\" ٢٣٠/ أ، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٥١، \"زاد المسير\" ٨/ ١٨٨، \"فتح القدير\" ٥/ ٣٨٨.\n(٧) المراجع السابقة عدا \"زاد المسير\".\n(٨) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٩) \"جامع البيان\" ٣٠/ ٦٤، \"النكت والعيون\" ٦/ ٢١١، \"الكشف والبيان\" ج ١٣: ٤٣/ أ، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٥١، \"زاد المسير\" ٨/ ١٨٨، \"البحر المحيط\" ٨/ ٤٣١، \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٠٧، \"الدر المنثور\" ٨/ ٤٢٧ وعزاه إلى عبد بن حميد، \"فتح القدير\" ٥/ ٣٨٨، \"روح المعاني\" ٣٠/ ٥٠.\n(١٠) لم أجد له إلا رواية: نُكِّست في: \"جامع البيان\" ٣٥/ ٥٠، \"الكشف والبيان\" ج ١٣: ٤٣/ أ، \"النكت والعيون\" ٦/ ٢١١، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٢٢٥، \"الدر المنثور\" ٨/ ٤٢٧ وعزاه إلى عبد بن حميد، \"روح المعاني\" ٣٠/ ٥٠.","vol":"23","page":246},{"text":"وقال أهل المعاني: التكوير: تلفيف على جهة الاستدارة، كتكوير العمامة، والشمس تكور: بأن يجمع نورها حتى يصير كالكارة الملقاة، فيذهب ضوؤه (١). هذا كله على قول من يقول إنه من اللف (٢).\nوقال إبراهيم (٣): كورت رُمي بها (٤)، وهو قول الربيع (٥) بن خثيم (٦). (٧)\n_________\n(١) قال أبو عبيد: الْحَوْر: النقصان، والكَوْر: الزيادة بعد الشدّ، وكلُّ هذا قريب بعضه من بعض.\nوقال الأخفش: تُلَفُّ فَتُمْحَى. \"تهذيب اللغة\" ١٠/ ٣٤٥: (كار).\n(٢) قال ابن تيمية: هذا وقد ثبت بالكتاب والسنة وإجماع علماء الأمة أن الأفلاك مستديرة، قال تعالى: ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ﴾، والتكوير هو التدوير، ومنه قيل: كار العمامة، وكوّرها إذا أدارها، ولهذا يقال للأفلاك كروية الشكل؛ لأن أصل الكرة كورة، تحركت الواو، وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفًا، وكورت الكارة إذا دورتها، ومنه الحديث: \"إن الشمس والقمر يكوران يوم القيامة كأنهما ثوران في نار جهنم\" [انظر: سلسلة الأحاديث الصحيحة بلفظ: الشمس والقمر ثوران مكوران في النار يوم القيامة: ١/ ٣٢: ح: ١٢٤، قال الألباني: صحيح على شرط البخاري، وقد أخرجه في صحيحه مختصرًا].\nثم قال: وأما إجماع العلماء وقال الإمام أبو الحسين أحمد بن جعفر: لا خلاف بين العلماء أن السماء مثل الكرة، وذكر عنه كلامًا طويلًا.\nمجموع فتاوى ابن تيمية: ٢٥/ ١٩٣ - ١٩٤.\n(٣) في كلا النسختين: ابرهم.\n(٤) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٥) تقدمت ترجمته في سورة الأحزاب.\n(٦) في (أ): خيثم.\n(٧) ورد قوله في: \"جامع البيان\" ٣٠/ ٦٤، \"الكشف والبيان\" ج١٣: ٤٣/ أ، \"النكت والعيون\" ٦/ ٢١١، \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٤١، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٢٢٥.","vol":"23","page":247},{"text":"وروي عن مجاهد: دهورت (١). وعن أبي صالح: أُلقيت (٢).\nقال المفسرون (٣): تجمع الشمس بعضها (٤) إلى بعض ثم تلف فيرمى بها.\nوأما ما روي عن ابن عباس في تفسير كورت، [ما رواه مُجَالِد] (٥) عن رجل من بجيلة (٦) (٧)، قال: يكور الله الشمس، والقمر، والنجوم يوم القيامة في البحر، ثم يبعث عليها ريحًا دبورًا (٨) فتضرمها (٩)\n_________\n(١) \"لسان العرب\" ٥/ ١٥٦.\n(٢) \"جامع البيان\" ٣٠/ ٦٤، \"الكشف والبيان\" ج١٣: ٤٣/ أ، \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٠٧.\n(٣) قاله الثعلبي في: \"الكشف والبيان\" ج١٣: ٤٣/ ب، وحكاه عن المفسرين: ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٨/ ١٨٨، والشوكاني في: \"فتح القدير\" ٥/ ٣٨٨.\nكما ذكر هذا القول في: \"لباب التأويل\" ٤/ ٣٥٥، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٥٠.\n(٤) بياض في (ع).\n(٥) في كلا النسختين: فروى مجاهد، وأثبت لفظ: ما رواه لاستقامة الكلام به، كما أثبت اسم مجالد لأن المصادر تذكر في رواية ابن عباس هذه مجالد، وليس مجاهدًا، ولعله تصحيف من النساخ، والله أعلم.\nتقدمت ترجمته في سورة يوسف.\n(٦) غير واضحة في (ع).\n(٧) بجيلة: هم قبيلة من أنمار بن أراش، من كهلان من القحطانية، وبجيلة أمهم غلب عليهم اسمها، وهي بجيلة بنت صعب بن سعد العشيرة.\nانظر: \"نهاية الأرب\" للقلقشندي: ١٦٣.\n(٨) دبورًا: ريح تأتي من دُبُر الكعبة مما يذهب نحو المشرق.\n\"لسان العرب\" ٤/ ٢٧١: (دبر)، وانظر: \"تهذيب اللغة\" ١٤/ ١١٣: (دبر)، \"النهاية في غريب الحديث والأثر\" ٢/ ٩٨.\n(٩) تضرمها: ضرم: ضرِمت النار ضرمًا: التهبت، وتضرمت، واضطرمت كذلك، =","vol":"23","page":248},{"text":"فتصير نارًا (١).\nفقوله: \"يكور الله الشمس\" يحتمل اللف، ويحتمل الرمي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4855>٢ </span>- قوله (تعالى) (٢): ﴿وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ﴾\nقال [أبو عبيدة] (٣): يقال: انكدر فلان أي: انصبَ، وأنشد قول العجّاج (٤):\n_________\n= وأضرمَها إضرامًا.\n\"المصباح المنير\" ٢/ ٤٢٦.\nوجاء في \"القاموس المحيط\" ٤/ ٤٢٦: والنار اشتعلت، وأضْرَمها وضَرَّمها، واستضرمها: أوقدها، فاضطرمت وتضرمت ..\n(١) ورد الأثر عن ابن عباس في: \"جامع البيان\" ٣٠/ ٦٨، والإسناد عنده كالآتي: قال: حدثني حوثرة بن محمد المنقري، قال: ثنا أبو أسامة، قال: ثنا مجالد، قال: أخبرني شيخ من بجيلة، عن ابن عباس: الأثر بنحوه، وعنه في \"بحر العلوم\" ٣/ ٤٥١ - ٤٥٢، كما ورد في \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٠٧ بالإسناد التالي: قال: قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، وعمرو بن عبد الله الأودي: حدثنا أبو أسامة، عن مجالد، عن شيخ من بجيلة عن ابن عباس الأثر بنحوه. ومدار هذه الرواية على مجالد بن سعيد، وهو كما قال الإمام أحمد: ليس بشيء، وقال ابن معين: لا يحتج به، وقال الدارقطني: ضعيف، وزاد الرواية ضعفًا أن مجالد رواه عن رجل مجهول لا يعرف اسمه ولا حاله، فالرواية لا تصلح للاحتجاج، ولا للاستشهاد. انظر: \"المغني\" في الضعفاء للذهبي: ٢/ ٥٤٢: ت: ٥١٨٣.\n(٢) ما بين القوسن ساقط من: ع.\n(٣) في كلا النسختين: أبو عبيد، والصواب أنه أبو عبيدة، فقد ورد قوله في \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٨٧ بنصه من غير تتمة الشطر الثاني للبيت، وذكر عند القرطبي في \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٢٢٥ بأنه أبو عبيدة، وساق قوله.\n(٤) تقدمت ترجمته في سورة النساء.","vol":"23","page":249},{"text":"أبْصَر خِرْبان فَضاء فانْكَدَرْ ... حتى (١) انقضّ من الهواء كالمنصب (٢)\n(ويقال: انكدر يّعْدو (٣) إذا أسرع) (٤). والمفسرون يقولون: تهافتت وتناثرت وتساقطت (٥).\nقال الكلبي: وتمطر السماء يومئذ نجومًا، فلا يبقى نجم في السماء إلا وقع على وجه الأرض (٦).\n_________\n(١) في (ع): يعني.\n(٢) ورد في ديوانه: ٢٩ تح: د. عزة حسن. كما ورد في:\n\"جامع البيان\" ٣٠/ ٦٥، \"الكشف والبيان\" ج ١٣: ٤٣/ ب، \"النكت والعيون\" ٦/ ٢١٢، \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٤١، برواية: \"فلاة\" بدلًا من \"فضاء\". وكذا عند القرطبي في \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٢٢٥، \"روح المعاني\" ٣٥/ ٥٠.\nأبصر خربان: والخربان: الحُباريات المذكور، واحد الخربان خرب، وهو ذكر الحبارى، والأنثى: حبارى، والفتية منها قلوص. ديوانه: ٢٩.\n(٣) في كلا النسختين: يغذوا.\n(٤) ما بين القوسين من قول أبي عبيد عن الفراء كما ذكر ذلك الأزهري في \"تهذيب اللغة\" ١٠/ ١٠٨.\n(٥) قال بذلك قتادة. انظر: تفسير عبد الزاق: ٢/ ٢٥٠، \"جامع البيان\" ٣٠/ ٦٥، \"الدر المنثور\" ٨/ ٤٢٧ وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن أبي حاتم، وإلى هذا ذهب الثعلبي، انظر: \"الكشف والبيان\" ج ١٣: ٤٣/ ب.\nوقال الربيع بن خثيم، ومجاهد: تناثرت. \"جامع البيان\" ٣٠/ ٦٥.\nوقال ابن زيد: رمى بها من السماء إلى الأرض. \"جامع البيان\" ٣٠/ ٦٥.\nوبمعناه ذهب ابن قتيبة في: \"تفسير غريب القرآن\" ٥١٦، والفراء في: \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٣٩، والزجاج في: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٨٥.\nوإلى هذا القول ذهب البغوي في: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٥١، وابن الجوزي في: \"زاد المسير\" ٨/ ١٨٨، وابن كثير في: \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٠٧.\n(٦) \"التفسير الكبير\" ٣١/ ٦٨، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٥١، \"لباب التأويل\" ٤/ ٣٥٥، \"فتح القدير\" ٥/ ٣٨٨.","vol":"23","page":250},{"text":"وقال عطاء: إنها في قناديل معلقة بين السماء والأرض من النور، وتلك السلاسل بأيدي ملائكة، فإذا مات من في السموات، ومن في الأرض تساقطت تلك السلاسل من أيدي الملائكة؛ لأنه مات من كان يمسكها (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4856>٣ </span>- قوله (تعالى) (٢): ﴿وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ﴾ قال ابن عباس: تقلعت (٣) من أصولها، فسارت وصارت كالهباء <span data-type=\"title\" id=toc-4857>(٤) </span>المنبث (٥)، كقوله: ﴿وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ [النمل: ٨٨]، وقوله: ﴿وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا﴾ [النبأ: ٢٠]، وقوله: ﴿نُسَيِّرُ الْجِبَالَ﴾ [الكهف: ٤٧].\n٤ - قوله (تعالى) (٦): ﴿وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ﴾ العشار: جمع العشراء، قال الليث: يقال: عَشَّرَتْ فهي عُشرَاء، والعدد عُشَرَاوات (٧)، والجميع (٨): عِشَار -قال-: ويقع اسمُ العشار على النُّوق التي نُتج بعضها، وبعضها مقاريب (٩) (١٠) -قال- (الأزهري) (١١): العرب يسمونها\n_________\n(١) \"التفسير الكبير\" ٣١/ ٦٨، وبمثله قال ابن عباس. انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٢٢٦.\n(٢) ما بين القوسين ساقط من: ع.\n(٣) في (أ): تعملت.\n(٤) بياض في (ع).\n(٥) \"الوسيط\" ٤/ ٤٢٨.\n(٦) ما بين القوسين ساقط من: ع.\n(٧) في (ع): عشروات.\n(٨) في (أ): الجمع.\n(٩) في (أ): تقاربت.\n(١٠) \"تهذيب اللغة\" ١/ ٤١٠: (عشر) بنصه.\n(١١) ما بين القوسين ساقط من (أ).","vol":"23","page":251},{"text":"عِشارًا بعد وضعها أولادها للزوم الاسم لها بعد الوضع، كما يسمونها لقاحًا (١).\nوقال الزجاج: العشار: النوق الحوامل التي في بطونها (٢) أولادها إذا أتت عليها عشرة أشهر، وأحسن ما تكون الإبل، وأنفسها عند أهلها: العشار (٣).\nوقال المبرد: وإنما سميت عشارًا؛ لأنها قد كملت (٤) عشرة أشهر، الواحدة منها عُشراء كقولك (٥): نفساء ونفاس (٦).\nوقوله: ﴿عُطِّلَتْ﴾ أي تركت هملًا بلا راع، وكل شيء ترك ضياعًا (٧) فهو معطل (٨).\nقال ابن عباس (٩)، والمفسرون (١٠): أهملها أهلها لما جاءهم من\n_________\n(١) \"تهذيب اللغة\" ١/ ٤١٠ بيسير من التصرف.\n(٢) في (ع): بطون.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٨٩ بتصرف.\n(٤) في (ع): كلت.\n(٥) في (أ): لقوله.\n(٦) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٧) في (أ): ضاعًا.\n(٨) ما انظر (عطل) في: \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٦٦، \"لسان العرب\" ١١: ٤٥٤.\n(٩) \"التفسير الكبير\" ٣١/ ٦٨، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٣٢٧.\n(١٠) وإلى معنى هذا القول ذهب: مجاهد، والحسن، والضحاك. انظر: \"جامع البيان\" ٣٠/ ٦٦. وبمعناه قال اليزيدي في \"غريب القرآن\": ٤١٥، وابن قتيبة في: \"تفسير غريب القرآن\" ٥١٦، والثعلبي في: \"الكشف والبيان\" ج١٣/ ٤٣/ ب. وانظر. \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٥١، \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٤١، \"زاد المسير\" ٨/ ١٨٩، \"القرطبي\" ١٩/ ٢٢٦ - ٢٢٧، \"لباب التأويل\" ٤/ ٣٥٥، \"ابن كثير\" ٤/ ٥٠٨.","vol":"23","page":252},{"text":"أهوال يوم القيامة وأفزاعها، وليس أحب إلى العرب من النوق الحوامل.\nوقال الربيع بن خثيم: تخلى منها أربابها فلم تحلب ولم تَصر (١) (٢).\nوقال أبو إسحاق: وليس يعطلها أهلها إلا في حال القيامة، وخوطب العرب بأمر العشار؛ لأن أكثر مالها وعيشها من الإبل (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4858>٥ </span>- قوله (تعالى) (٤): ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾ (كل شيء من دواب الأرض (٥) مما لا يستأنس فهو وَحْشٌ، والجمع وحوش) (٦) (٧).\nقال ابن عباس في رواية عطاء (٨)، (والكلبي) (٩) (١٠): يعني جمعت (١١) حتى يقتص بعضها من بعض، (وهو قول أكثر\n_________\n(١) غير واضحة في (ع).\nوتَصر الصَّرَّة: شدها، وصرَّ الناقة شدَّ عليها، والصِّرار -بالكسر- وهو خيط يشد فوق الخلف والتودية لئلا يرضعها ولدها.\nمختا ر \"الصحاح\" ٣٦٠: (صر).\n(٢) ورد قوله في: \"جامع البيان\" ٣٠/ ٦٦، \"الدر المنثور\" ٨/ ٢٢٨ وعزاه إلى سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن المنذر.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٨٩.\n(٤) ما بين القوسين ساقط من (ع).\n(٥) في (ع): البر.\n(٦) بياض في (ع).\n(٧) ما بين القوسين نقله عن \"تهذيب اللغة\" ٥/ ١٤٣: (وحش).\n(٨) لم أعثر على مصدر لقوله. وقد ورد بمثل هذا القول من غير عزو في \"الوسيط\" ٤/ ٤٢٨.\n(٩) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(١٠) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(١١) غير واضحة في (ع).","vol":"23","page":253},{"text":"المفسرين) (١) (٢).\nوروى (عكرمة) (٣) عن ابن عباس (٤) قال: حشر البهائم: موتها، وحَشْر كل شيء الموت غير الجن والإنس.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4859>٦ </span>- ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾ قال ابن عباس (٥) (في رواية عطاء) (٦): أوقدت فصارت نارًا تضطرم (٧)، وهو قول مجاهد (٨).\n_________\n(١) ورد بمعنى هذا القول عن قتادة، وابن عباس، والسدي، والربيع بن خثيم.\nانظر: \"جامع البيان\" ٣٠/ ٦٧، \"الكشف والبيان\" ج١٣: ٤٣/ ب، \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٤١، \"النكت والعيون\" ٦/ ٢١٢، \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٠٨، \"تفسير السدي\" ٤٧٢.\nوإليه ذهب الزجاج في: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٨٩.\n(٢) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٣) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٤) \"جامع البيان\" ٣٠/ ٦٧، \"الكشف والبيان\" ج ١٣: ٤٣/ ب، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٥١، \"زاد المسير\" ٨/ ١٨٩، \"التفسير الكبير\" ٣١/ ٦٩، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٢٢٧، \"لباب التأويل\" ٤/ ٣٥٥، \"البحر المحيط\" ٨/ ٤٣٢، \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٠٨، \"الدر المنثور\" ٨/ ٤٢٩ وعزاه إلى الفريابي، وسعيد ابن منصور، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن مردويه، \"المستدرك\" ٢/ ٥١٥: كتاب التفسير: تفسير سورة إذا الشمس كورت، وصححه، ووافقه الذهبي.\n(٥) \"النكت والعيون\" ٦/ ٢١٣، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٥١، \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٤٢، \"زاد المسير\" ٨/ ١٨٩، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٢٢٨، \"الدر المنثور\" ٨/ ٤٢٩ وعزاه إلى البيهقي في البعث.\n(٦) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٧) في (ع): تظطرم.\n(٨) \"تفسير الإمام مجاهد\": ٧٠٧ بعبارة: أوقدت.","vol":"23","page":254},{"text":"وقال الكلبي: تفتح بعضها إلى بعض، فصارت بحرًا واحدا فملئت، وكثر ماؤها (١).\nوهذا قول مقاتل (٢)، ومعناه: ملئت بأن أفضى بعضها إلى بعض. قاله الفراء (٣).\n\nوقال قتادة: غار ماؤها إلى الأرض فذهب (٤)، (وهو قول الحسن: يبست (٥). والضحاك: رد ماؤها إلى الأرض (٦) <span data-type=\"title\" id=toc-4860>(٧)</span>.\nوهذه الأقوال كلها مذكورة في قوله: ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ [الطور: ٦].\n\n٧ - (قوله تعالى) (٨): ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ قال عطاء عن ابن عباس: يريد زوجت نفوس المؤمنين بالحور العين، وقرنت نفوس الكافرين،\n_________\n(١) ورد قوله مختصرًا جدًا في \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٣٥٠، \"جامع البيان\" ٣٠/ ٦٨، بحر العلوم: ٣/ ٤٥٢، \"الكشف والبيان\" ج ١٣: ٤٤/ أ، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٥١، \"التفسير الكبير\" ٣١/ ٦٩.\n(٢) ورد معنى قوله في: \"الكشف والبيان\" ج ١٣: ٤٤/ أ، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٥١، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٢٢٨.\n(٣) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٣٩.\n(٤) \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٣٥٠، \"جامع البيان\" ٣٠/ ٦٨، \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٤١.\n(٥) المراجع السابقة عدا \"تفسير عبد الرزاق\"، وانظر أيضًا: \"الكشف والبيان\" ج ١٣: ٤٤/ أ، \"النكت والعيون\" ٦/ ٢١٣، \"زاد المسير\" ٨/ ١٨٩، تفسير الحسن البصري: ٢/ ٤٠٠.\n(٦) ورد قوله في: \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٤١، \"الدر المنثور\" ٨/ ٤٢٧ - ٤٢٩ وعزاه إلى عبد بن حميد.\n(٧) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٨) في (ع): فقال.","vol":"23","page":255},{"text":"والمنافقين بالشياطين (١) (٢)، وذلك قوله: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ (٣) (وهذا قول مقاتل (٤)، والكلبي) (٥) (٦).\nوروى (النعمان بن بشير) (٧) (٨) عن عمر -﵁- قال: يقترن الرجل الصالح مع الرجل الصالح في الجنة، ويقرن الرجل السوء مع الرجل السوء في النار، فذلك قوله: تزويج (٩).\nوهذا المعنى روي عنه بألفاظ مختلفة أحدها: ما ذكرنا، والآخر:\n_________\n(١) بياض في (ع).\n(٢) ورد قوله في: \" التفسير الكبير\" ٣١/ ٧٠، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٢٢٩، \"البحر المحيط\" ٨/ ٤٣٣.\n(٣) سورة الصافات: ٢٢.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ٢٣٠/ أ، \"بحر العلوم\" ٣/ ٤٥٢، \"الكشف والبيان\" ج ١٣: ٤٤/ ب، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٥٢، \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٤٢، \"زاد المسير\" ٨/ ١٩٠، \"البحر المحيط\" ٨/ ٤٣٣، \"روح المعاني\" ٣٠/ ٥٢.\n(٥) \"بحر العلوم\" ٣/ ٤٥٢، \"الكشف والبيان\" ج ١٣: ٤٤/ ب، \"الدر المنثور\" ٨/ ٤٣٠ وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.\n(٦) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٧) تقدمت ترجمته في سورة غافر.\n(٨) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٩) \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٣٥٠، \"جامع البيان\" ٣/ ٦٩، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٥٢، \"الباب التأويل\" ٤/ ٣٥٦، \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٠٨، \"الدر المنثور\" ٨/ ٤٢٩ وعزاه إلى ابن أبي شيبة، وسعيد بن منصور، والفريابي، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي في البعث، وأبي نعيم في الحلية، \"المستدرك\" ٢/ ٥١٦: كتاب التفسير: تفسير سورة إذا الشمس كورت، وصححه، ووافقه الذهبي.","vol":"23","page":256},{"text":"هما الرجلان يعملان العمل يدخلان (به) (١) الجنة أو النار (٢). ومنها أنه قال: (الفاجر) (٣) مع الفاجر، والصالح مع الصالح (٤).\nونحو هذا روى الفراء (بإسناده) (٥) (٦)، عن عكرمة، قال: يقرن الرجل بقرينه الصالح في الدنيا في الجنة، ويقرن الرجل الذي كان يعمل السيئ بصاحبه الذي كان يعينه على ذلك في النار، فذلك تزويج الأنفس (٧).\nقال (٨): وسمعت بعض العرب يقول: زوجت إبلي، وذلك أن يقرن البعير بالبعير، فيعتلفان معًا، ويرتحلان معًا (٩). وهذا معنى قول الربيع بن\n_________\n(١) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٢) انظر قوله في: \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٣٥٠، \"جامع البيان\" ٣٠/ ٦٩، \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٠٨، \"الدر المنثور\" ٨/ ٤٣٠ وعزاه إلى ابن مردويه، \"المستدرك\" ٢/ ٥١٦: كتاب التفسير: تفسير سورة إذا الشمس كورت، وصححه ووافقه الذهبي.\n(٣) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٤) ورد نحو قوله في: \"بحر العلوم\" ٣/ ٤٥٢، \"الكشف والبيان\" ج ١٣: ٤٤/ ب، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٥٢، \"زاد المسير\" ٨/ ١٨٩، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٢٢٩، \"الدر المنثور\" ٨/ ٤٣٠.\n(٥) والإسناد كما هو عند الفراء: قال: حدثنا أبو العباس، قال: حدثنا محمد، قال: حدثنا الفراء، قال: حدثني أبو الأحوص سلام بن سليم، عن سعيد بن مسروق، عن أبي سفيان، عن عكرمة.\n(٦) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٧) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٣٩ - ٢٤٠، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٥٢، وانظر: \"الدر المنثور\" ٨/ ٤٣٠.\n(٨) أي الفراء.\n(٩) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٣٩ - ٢٤٠.","vol":"23","page":257},{"text":"خثيم: يحشر المرء مع صاحب عمله (١) (٢).\n(وهذا معنى قول) (٣) مجاهد: أُلحق كل امرئ [بشيعته] (٤): اليهود باليهود، والنصارى بالنصارى (٥).\n(وروى) (٦) عكرمة (قولًا آخر) (٧) قال: زوجت الأرواح بالأجساد، يعني: ردت إليها (٨).\nوقال أبو إسحاق: قرنت كل [شيعة] (٩) بمن شايعت (١٠).\nوروي هذا مرفوعًا من طريق النعمان بن بشير عن النبي -ﷺ- أنه قال في\n_________\n(١) بياض في (ع).\n(٢) \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٣٥٠ - ٣٥١، \"جامع البيان\" ٣٠/ ٧٠، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٥٢.\n(٣) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٤) ساقط من النسختين، وأثبت ما رأيت فيه استقامة الكلام، لا سيما أنه ورد مثله عن الحسن، وقتادة انظر: \"جامع البيان\" ٣٠/ ٧٠، \"الكشف والبيان\" ج ١٣: ٤٤/ ب، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٥٢، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٢٣٠.\n(٥) ورد معنى قوله في: \"جامع البيان\" ٣٠/ ٧٠، وعبارته: الأمثال من الناس جمع بينهم.\n(٦) ما بين القوسين سافط من (أ).\n(٧) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٨) \"اجامع البيان\" ٣٠/ ٧٠، \"الكشف والبيان\" ج ١٣: ٤٤/ ب، \"النكت والعيون\" ٦/ ٢١٤، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٥٢، \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٤٢، \"زاد المسير\" ٨/ ١٩٠، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٢٣٠، \"البحر المحيط\" ٨/ ٤٣٣.\n(٩) في كلا النسختين: شيء، وأثبت ما جاء في معاني الزجاج لاستقامة المعنى به، ولأنه مصدر القول عن أبي إسحاق.\n(١٠) معاني القرآن وإعرابه ٥/ ٢٩٠.","vol":"23","page":258},{"text":"هذه الآية: \"الضُّرَباء كل رجل مع كل قوم كانوا يعملون عمله\" (١). (وهذا معنى قول مجاهد) (٢): (٣) الأمثال من الناس جمع بينهم (٤).\n(وحكى أبو إسحاق قولًا فقال) (٥): وقرنت النفوس بأعمالها (٦). قوله (تعالى) (٧): ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ﴾ هي مفعولة من الوأد، (وكانت العرب إذا ولدت لأحدهم بنت، دفنها حية مخافة العار، أو الحاجة، يقال وأد يئد وأدًا فهو وائد، والمفعول به موءود. قال الفرذدق (٨):\nومنا الذي مَنَع الوائدات ... فأحيا الوئيدَ فلم تُؤْد) (٩) (١٠)\n_________\n(١) وردت الرواية في: \"جامع البيان\" ٣٠/ ٦٩، \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٠٨.\n(٢) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٣) ورد في نسخة (أ) عبارة: وحكى أبو إسحاق قولًا وليس هنا بموضعه الصحيح. وورد في نسخة: ع نفس العبارة بانتظام وسلامة عبارة. انظر: رقم ٥ من المتن.\n(٤) ورد قوله في \"جامع البيان\" ٣٠/ ٧٠.\n(٥) ما بين القوسين ورد في نسخة: أفي غير هذا الموضع، وهو خطأ، وقد بينته. راجع حاشية: ٣ من هذه الصفحة.\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٩٠.\n(٧) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٨) تقدمت ترجمته في سورة النساء.\n(٩) ورد البيت في (وأد) في \"تهذيب اللغة\" ١٤/ ٢٤٣ برواية: \"وعمي\" بدلًا من: \"ومنا\"، و\"وأحيا\" بدلًا من: \"فأحيا\"، \"مقاييس اللغة\" ٦/ ٧٨، وذكر عجز البيت، \"الصحاح\" ٢/ ٥٤٦، وكلاهما برواية: \"وأحيا\" بدلًا من: \"فأحيا\"، \"لسان العرب\" ٣/ ٤٤٢ برواية: \"وجدي\" بدلًا من: \"ومنا\"، \"وأحيا\" بدلًا من: \"فأحيا\"، \"تاج العروس\" ٢/ ٥٢٠، برواية: \"وعمي\" بدلًا من: \"ومنا\".\nكما ورد في \"الكامل\" ٢/ ٥٩٦، و٦٠٤ برواية: \"وأحيا\"، ولم أعثر عليه في ديوانه.\n(١٠) ما بين القوسين نقله عن \"تهذيب اللغة\" ١٤/ ٢٤٣: (وأد).","vol":"23","page":259},{"text":"هذا قول جميع أهل اللغة (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4861>٩ </span>- وقوله: ﴿سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ قال (عطاء) (٢) عن ابن عباس (٣)، (ومقاتل (٤) (٥): تسأل (٦) قاتلها يوم القيامة بأي ذنب قتلها، وهي لم تذنب.\nقال الفراء: معنى \"سئلت\": سئل عنها الذين وأدوها، كأنك قلت: طلبت منهم، فقيل: أين أولادكم، فبأي ذنب قتلتموهم، وذكر وجهًا آخر، وهو: أن يكون المسؤول: \"هي\" على معنى: سئلت الموؤدة فقيل لها: \"بأي ذنب قتلت؟ \"، ثم يجوز قتلت، كما تقول: سألته بأي ذنب قتل، وبأي ذنب قتلت (٧).\nقال أبو إسحاق: ومعنى سؤالها تبكيت قاتلها في القيامة، لأنها تقول: قُتلت بغير ذنب، قال: ومثل هذا (٨) التبكيت قوله ﷿: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي﴾ .. الآية [المائدة: ١١٦] وسؤاله وجوابه تبكيت لمن ادعى له، ولأمه الإلهية (٩).\n_________\n(١) انظر: المرجع السابق، وأيضًا: \"مقاييس اللغة\" ٦/ ٧٨، \"الصحاح\" ٢/ ٥٤٦، \"لسان العرب\" ٣/ ٤٤٢، \"تاج العروس\" ٢/ ٥٢٠، وجميعها في (وأد)، \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٩٠ برواية: \"فأحيا البنات\".\n(٢) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٣) ورد معنى قوله في: \"النكت والعيون\" ٦/ ٢١٤.\n(٤) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٥) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٦) في النسختين: سئل.\n(٧) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٤١ بتصرف.\n(٨) قوله: ومثل هذا بياض في (ع).\n(٩) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٩٠ بتصرف.","vol":"23","page":260},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4862>١٠ </span>- ﴿وَإِذَا الصُّحُفُ﴾ (١) يعني صحائف بني آدم نشرت.\nقال مقاتل: إن المرء إذا مات طويت صحيفة (٢) أعماله، فإذا كان يوم القيامة نشرت، فتعطيهم الحفظة منشورة (٣)، ونحو هذا قال المفسرون (٤): نشرت للحساب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4863>١١ </span>- قوله (تعالى) (٥): ﴿وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ﴾ (معنى الكَشْطِ في اللغة: رَفْعُك شيئًا عن شيء قد غطاه وغَشِيَه، كما يُكْشَطُ (٦) الجلد عن السَّنام،\n_________\n(١) ﴿وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ﴾.\n(٢) في (ع): صحيفته.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ٢٣٠/ أ، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٢٣٢.\n(٤) بمعنى هذا قال قتادة كما جاء في: \"تفسير القرآن العظيم\"، وعبارته: \"قال يا ابن آدم، تملي فيه، ثم تطوى، ثم تنشر عليك يوم القيامة، فلينظر رجل ماذا يملي في صحيفته\".\nوابن جريج قال: إذا مات الإنسان طويت صحيفته، ثم تنشر يوم القيامة، فيحاسب بما فيها. \"الدر المنثور\" ٨/ ٤٣١ وعزاه إلى ابن المنذر.\nكما ورد معناه في: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٥٢،\"زاد المسير\" ٨/ ١٩٠، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٢٣٢، \"لباب التأويل\" ٤/ ٣٥٦، \"البحر المحيط\" ٨/ ٤٣٤، \"فتح القدير\" ٥/ ٣٨٩.\n(٥) ساقطة من: ع.\n(٦) ورد في التهذيب في المتن: يقشط بدلًا من يكشط، وقد ورد في حاشية التهذيب في النسخة: ل: يكشط. قال المحقق: وهو أنسب. \"تهذيب اللغة\" ١٠/ ٧: (كشط).\nقلت: وهما لغتان، والعرب تقول: القافور والكافور، والقَفّ والكَفّ. لما بينهما من تقارب الحرفين في المخرج تعاقبتا في اللغات كما يقال: جدف وحدث، تعاقبت القاف والثاء في كثير من الكلام. قاله الفراء في: \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٤١. وانظر: \"الكشف والبيان\" ج ١٣: ٤٦/ أ.","vol":"23","page":261},{"text":"وذلك الجلد يسمى كِشاطًا بعدما يُكْشَط) (١).\nقال ابن عباس: يريد: يكشط عمن (٢) فيها كما يكشط الجلد كن الكبش (٣).\nوقال مقاتل: تكشف عمن فيها (٤).\nوقال الفراء: نزعت فطويت (٥). وقال الزجاج: قُلِعَت كما يُقلع السقف (٦).\nوقال أهل المعاني: الكشط قلع عن شدة التزاق (٧)، وتقلع السماء عن مكانها على شدة وثاقتها (٨).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4864>١٢ </span>- ﴿وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ﴾ أوقدت لأعداء الله من الكفار (٩).\n<span data-type=\"title\" id=toc-4865>١٣ </span>- ﴿وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ﴾ قربت (١٠) لأولياء الله من المتقين، (قاله ابن\n_________\n(١) ما بين القوسين من قول الليث، انظر: \"تهذيب اللغة\" ١٠/ ٧: (كشط)، \"لسان العرب\" ٧/ ٣٨٧: (كشط).\n(٢) في (أ): عن من.\n(٣) لم أعثر على مصدر لقوله. وقد ورد بمثله من غير عزو في \"البحر المحيط\" ٨/ ٤٣٤.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ٢٣٠/ أ، والعبارة عنه: \"وإذا السماء كشطت عن من فيها لنزول الرب ﵎ والملائكة، ثم طويت\". وانظر: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٥٢، \"فتح القدير\" ٥/ ٣٨٩.\n(٥) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٤١، بتبديل الواو بدلًا من الفاء: فنزعت وطويت.\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٩١ بنصه.\n(٧) بياض في (ع).\n(٨) لم أعثر على مصدر لقولهم، وقد ورد مختصرًا في \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٢٣٣ من غير عزو.\n(٩) قال قتادة: وقدت. \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٣٥١، \"النكت والعيون\" ٦/ ٢١٥.\n(١٠) بياض في (ع).","vol":"23","page":262},{"text":"عباس (١)، ومقاتل) (٢) (٣)\nوجواب هذه الأشياء: قوله (تعالى) (٤): ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ (١٤)﴾ أي إذا كانت هذه الأشياء التي هي للقيامة علمت في ذلك الوقت كل نفس ما أحضرت من خير أو شر، فيجزى به (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4866>١٥ </span>- (ثم) (٦) أقسم فقال: ﴿فَلَا أُقْسِمُ﴾ (٧) والمعنى: فأقسم، وقد تقدم القول في \"لا\" و\"أقسم\" في مواضع (٨).\n<span data-type=\"title\" id=toc-4867>١٦ </span>- قوله (تعالى) (٩): ﴿بِالْخُنَّسِ (١٥) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ﴾ أكثر المفسرين على أن المراد بها النجوم، وهو قول علي (١٠) (﵁) (١١)، وابن عباس (١٢) في\n_________\n(ا) لم أعثر على مصدر لقوله. وقد ورد معناه من غير عزو في: \"بحر العلوم\" ٣/ ٤٥٢، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٥٢، \"زاد المسير\" ٨/ ١٩١، \"التفسير الكبير\" ٣١/ ٧١.\n(٢) لم أعثر على مصدر لقوله. انظر: \"الوسيط\" ٤/ ٤٣٠ من غير عزو.\n(٣) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٤) ساقط من (ع).\n(٥) قال بذلك السمرقندي في \"بحر العلوم\" ٣/ ٤٥٢ بإضافة: وهو كقوله: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا﴾ [آل عمران: ٣٠].\n(٦) ساقط من (ع).\n(٧) ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ﴾\n(٨) رجع ذلك في سورة القيامة، الآية: ١.\n(٩) ساقط من (ع).\n(١٠) ورد قوله في: \"جامع البيان\" ٣٠/ ٧٤، \"زاد المسير\" ٨/ ١٩١، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٢٣٥، \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥١٠، \"الدر المنثور\" ٨/ ٤٣١.\n(١١) ساقط من (أ).\n(١٢) \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٢٣٤، \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥١١، وكلاهما من غير ذكر الطريق إلى ابن عباس، \"الدر المنثور\" ٨/ ٤٣ وعزاه إلى ابن أبي حاتم، وأبي الشيخ في \"العظمة\".","vol":"23","page":263},{"text":"رواية عكرمة، ومقاتل (١)، وقتادة (٢)، (وابن زيد (٣)، ومجاهد (٤)، والحسن) (٥) (٦).\nوعلى هذا: الخنس: جمع خانس، (والخنوس: إلانقباض، والاستخفاء، تقول: خَنَس من بين القوم، وانْخَنَسَ من الحديث: \"الشيطان يوسوس (٧) إلى العبد، فإذا ذكر الله خنس\" (٨)، أي انقبض منه، ولذلك سمي الخناس) (٩).\n(والكُنَّس: جمع كانس، وكانسة، يقال: كنس إذا دخل الكِناس، وهو مولج الوحش، يقال: كَنَسَتِ الظباءُ في كنسها، وتكنست، ويقال:\n_________\n(١) \"زاد المسير\" ٨/ ١٩١.\n(٢) \"جامع البيان\" ٣٠/ ٧٥، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٥٣، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٢٣٤، \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥١١، \"فتح القدير\" ٥/ ٣٩٠.\n(٣) \"جامع البيان\" ٣٠/ ٧٥.\n(٤) \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥١١.\n(٥) \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٣٥٢، \"جامع البيان\" ٣٠/ ٧٥، \"زاد المسير\" ٨/ ١٩١، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٢٣٤، \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥١١، \"فتح القدير\" ٥/ ٣٩٠.\n(٦) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٧) في (ع): فوسوس.\n(٨) \"النهاية في غريب الحديث\": ٢/ ٨٣\nوقد ذكر الغزالي في الإحياء حديثًا بلفظ: \"إن الشيطان واضع خطمه على قلب ابن آدم، فإن هو ذكر الله تعالى خنس، وإن نسي الله تعالى التقم قلبه\". قال الزين العراقي في تخريجه لأحاديث الإحياء في المغني عن حمل الأسفار في الأسفار: \"أخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب مكايد الشيطان، وأبو يعلى الموصلي، وابن عدي في \"الكامل\"، وضعفه\". إحياء علوم الدين: ٣/ ٢٨.\n(٩) ما بين القوسين من قول الليث. انظر: \"تهذيب اللغة\" ٧/ ١٧٣: (خنس).","vol":"23","page":264},{"text":"تكنست المرأة إذا دخلت هودجها، تشبه بالظبي إذا دخل الكناس، ومنه قول لبيد:\nشاقَتْكَ ظُعْنُ الحيِّ يومَ تَحمَّلوا ... فَتَكنَّسوا قُطُنًا تَصِرُّ خِيامُها) (١) (٢)\nواختلفوا في خنوس النجم وكنوسها، فقال علي﵁-: النجوم (٣) تخنس بالنهار فتخفى، ولا ترى، وتكنس في وقت غروبها (٤).\nومعنى تخنس، على (٥) هذا القول، تتأخر عن البصر، فلا ترى.\nوقال الفراء: خنوسها أنها تخنس في مجراها وترجع (٦).\nقال الليث: الخنس: الكواكب الخمسة، تخنس الأحيان راجعة حتى\n_________\n(١) ورد البيت في: ديوانه، ط. دار صادر: ١٦٦ برواية: \"يوم\" بدلًا من: \"حين\". وانظر (كنس) في: \"تهذيب اللغة\" ١٠/ ٦٣، برواية: \"حين\" بدلًا من: \"يوم\"، \"لسان العرب\" ٦/ ١٩٨.\n(٢) ما بين القوسين نقله عن \"تهذيب اللغة\" ١٠/ ٦٣ - ٦٤: (كنس) بتصرف. وانظر \"لسان العرب\" ٦/ ١٩٨: (كنس).\nومعنى البيت: شاقتك: أثارت شوقك. الظعن: الإبل التي عليها الهوادج، أو هي النساء في الهوادج. تحملوا: ارتحلوا. تكنسوا: دخلوا في الكناس؛ أي اتخذوا الهوادج كنسًا. قُطُنًا: جمع قطين، وهم الجماعة، أو البطانة، أو الجيران، أو سكان الدار. تصر: تحدث صريرًا، وذلك لأن الإبل تعجل فتهز الخشب فتصر. ديوانه: ١٦٦.\n(٣) في (أ): النجم.\n(٤) ورد معنى قوله في: \"جامع البيان\" ٣٠/ ٧٥، \"الكشف والبيان\" ج ١٣: ٤٦/ ب، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٥٣، \"زاد المسير\" ٨/ ١٩١، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٢٣٥، \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥١٠.\n(٥) في (أ): وعلى.\n(٦) \"معانى القرآن\" ٣/ ٢٤٢ مختصرًا.","vol":"23","page":265},{"text":"تخفى تحت ضوء الشمس، فلا ترى (١).\nوجعل الزجاج خنوسها، وكنوسها: أن تغيب في مواضعها التي تغيب فيها إذا غابت (٢).\nوقال عبد الله: هي بقر الوحش (٣). (وهو قول إبراهيم) (٤) (٥). وقال سعيد بن جبير: هي الظباء (٦).\nوعلى هذا: الخنس من (الْخَنَسِ في الأنف، وهو تأخُّر الأرنبة، وقصر القصبة، والبقرة، والظباء أنوفهن خنس، والبقر خنساء (٧)، والظبي\n_________\n(١) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٩٢.\n(٣) \"جامع البيان\" ٣٠/ ٧٥، \"بحر العلوم\" ٣/ ٤٥٣، \"الكشف والبيان\" ج ١٣: ٤٦/ ب، \"النكت والعيون\" ٦/ ٢١٧، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٥٣، \"زاد المسير\" ٨/ ١٩٢، \"التفسير الكبير\" ٣١/ ٧٢، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٢٣٥، \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥١١، \"الدر المنثور\" ٨/ ٤٣١ - ٤٣٢ وعزاه إلى سعيد بن منصور، والفريابي، وابن سعد، وعبد بن حميد، وابن أبي حاتم، وابن المنذر، والطبراني: ٩/ ٢٤٩: ح: ٩٠٦٣، وانظر: \"المستدرك\" ٢/ ٥١٦، وقال: حديث صحيح، ووافقه الذهبي.\nوقد رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح، قاله الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" ٧/ ١٣٤.\n(٤) \"جامع البيان\" ٣٠/ ٧٦، \"التفسير الكبير\" ٣١/ ٧٢، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٢٣٥.\n(٥) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٦) \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٥٣، \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٤٣، \"زاد المسير\" ٨/ ١٩٢، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٢٣٥، \"البحر المحيط\" ٨/ ٤٣٤، \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥١١.\n(٧) في (أ): خنسها.","vol":"23","page":266},{"text":"أخنس) (١)، ومنه قول لبيد يذكر بقرة:\nخَنْساءُ ضَيَّعَتِ الفَريرَ فَلَمْ يَرِم ... عُرْضَ الشَّقائقِ طَوْفُها وبُغامُها (٢) (٣)\nوالكنس: جمع كانس، وهي التي تدخل الكِناس، والقول هو الأول (٤).\nوهو اختيار الفراء (٥)، والكسائي (٦)، (وأبي عبيدة (٧)، والمبرد (٨)،\n_________\n(١) ما بين القوسين نقله عن \"تهذيب اللغة\" ٧/ ١٧٥: (خنس).\n(٢) في (أ): بعاها.\n(٣) ورد البيت في:\nديوانه: ١٧١ ط. دار صادر.\nومعناه: خنساء: بقرة فيها خنس، وهو تأخر الأنف وقصره، الفرير: ولد البقرة، لم يرم: لم يبرح، عرض: ناحية وجانب، الشقائق: جمع شقيقة، وهي أرض غليظة بين رملتين، طوفها: دورانها. بغامها: صوتها.\nيعني أن تلك البقرة التي أكل السبع ولدها لم تبارح عرض الشقائق في البحث عن ابنها، فهي تدور وتصيح ظانة أنه مستتر عنها بين النبات. انظر: ديوانه: ١٧١.\n(٤) وإليه ذهب الشوكاني، وذكر سبب الترجيح أنه ذكر الليل والصبح بعد هذا. \"فتح القدير\" ٥/ ٣٩٠، على أن ابن جرير رجح عموم القول، فكل ما كانت صفته الخنوس أحيانًا والجري أخرى، والكنوس، فهو داخل في عموم الآية. \"جامع البيان\" ٣٠/ ٧٧.\nورجح ابن تيمية ما رجحه الإمام الواحدي، قال: قوله تعالى: \"فلا أقسم بالخنس * الجوار الكنس\" يعني الكواكب التي تكون في السماء خانسة، أي مختفية قبل طلوعها، فإذا ظهرت رآها الناس جارية في السماء، فإذا غربت ذهبت إلى كناسها الذي يحجبها. مجموع فتاوى ابن تيمية: ١١/ ٢٧٣.\n(٥) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٤٢.\n(٦) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٧) \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٨٧.\n(٨) \"الكامل\" ٢/ ٨٦٦.","vol":"23","page":267},{"text":"وابن قتيبة) (١) (٢)، وذلك أن الخُنَّسَ جمع خانس من الخنوس، وجمع خنساء، وأخنس من الخنس، خنْس بالسكون، والتخفيف، ولا يقال فيه الخنس بالتشديد، إلا أن يجعل الخنس في الوحشية أيضًا من الخنوس، وهو اختفاؤها في الكناس إذا غابت عن الأعين (٣).\nواحتج أبو إسحاق على أن المراد به النجوم، فقال: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾ وهذا أليق بذكر النجوم منه بذكر الوحش (٤).\nوأكثر المفسرين قالوا في: \"عسعس\" أنه: ولى، وذهب، وأدبر، وهو قول عطاء (٥)، (والكلبي) (٦) (٧) عن ابن عباس، (ومقاتل (٨)، ومجاهد (٩)،\n_________\n(١) \"تفسير غريب القرآن\" ٥١٧.\n(٢) ما بين القوسين ذكر بدلًا، من تعدادهم لفظ: وغيرهما في نسخة: أ.\n(٣) انظر في ذلك: \"تهذيب اللغة\" ٧/ ١٧٣: (خنس)، \"مقاييس اللغة\" ٢/ ٢٢٣: (خنس).\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٩١ بتصرف، والقول الذي احتوى هذا المعنى قال: والخنس هاهنا أكثر التفسير يعني بها النجوم؛ لأنها تخنس أي تغيب؛ لأن معناه: والليل إذا عسعس والصبح إذا تنفس.\n(٥) ورد قوله من غير بيان طريقها إليه في: \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٢٥٢، \"جامع البيان\" ٣٠/ ٧٨، \"النكت والعيون\" ٦/ ٢١٧، \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٤٤، \"زاد المسير\" ٨/ ١٩٢، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٢٣٦، \"الدر المنثور\" ٨/ ٤٣٣ وعزاه إلى ابن المنذر، وابن أبي حاتم.\n(٦) المراجع السابقة.\n(٧) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٨) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٩) \"جامع البيان\" ٣٠/ ٧٨، \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٤٤، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٢٣٦، \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥١١، \"الدر المنثور\" ٨/ ٤٣٣ وعزاه إلى عبد بن حميد.","vol":"23","page":268},{"text":"والضحال (١)، وابن زيد (٢)، وهو قول قتادة (٣)، وعلي (٤) (﵁) (٥).\nوقال الحسن: عسعس (الليل إذا) (٦) أقبل بظلامه (٧).\n(وروي ذلك عن مجاهد) (٨) (٩).\nوأهل اللغة ذكروا القولين أيضًا في عسعس، وذهبوا إلى أن الحرف من الأضداد، وهو قول أبي عبيدة (١٠)، وأبي حاتم (١١)، (وقطرب) (١٢) (١٣)،\n_________\n(١) \"جامع البيان\" ٣٠/ ٧٨، \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥١١.\n(٢) \"جامع البيان\" ٣٠/ ٧٨، \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥١١، وانظر أيضًا: \"النكت والعيون\" ٦/ ٢١٧.\n(٣) \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٢٥٢، \"جامع البيان\" ٣٠/ ٧٨، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٤٤، \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥١١، \"الدر المنثور\" ٨/ ٤٣٣ وعزاه إلى عبد الرزاق، وعبد بن حميد.\n(٤) \"جامع البيان\" ٣٠/ ٧٨، \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥١١، \"الدر المنثور\" ٨/ ٤٣٣ وعزاه إلى الطحاوي، والطبراني في: الأوسط، والبيهقي في: سننه، و\"المستدرك\" ٢/ ٥١٦، وصححه، ووافقه الذهبي.\n(٥) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٦) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٧) \"جامع البيان\" ٣٠/ ٧٨، \"الكشف والبيان\" ج ١٣: ٤٦/ ب، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٥٣، الجامع لأحكام القرآن: ١٩/ ٢٣٦، وبمعناه في: \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥١١، تفسير الحسن البصري: ٢/ ٤٠٢.\n(٨) \"جامع البيان\" ٣٠/ ٧٨، \"الدر المنثور\" ٨/ ٤٣٣ وعزاه إلى عبد بن جميد.\n(٩) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(١٠) \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٧٨.\n(١١) \"كتاب الأضداد\" لأبي حاتم السجستاني: ٩٧: ش ١٣١.\n(١٢) \"كتاب الأضداد\" لأبي علي محمد بن المستنير -قطرب-: ١٢٢.\n(١٣) ما بين القوسين ساقط من (أ).","vol":"23","page":269},{"text":"والفراء (١)، (والزجاج) (٢) (٣)، (قالو: عسعس الليل: إذا أقبل (٤)، وعسعس إذا أدبر، وأنشد أبو عبيدة:\nمُدَّرِعاتِ الليلِ لَمِّا عَسْعَسا (٥)\nأي أقبل.\nوقال الزِّبْرِقان (٦):\nوَرَدْتُ بِأفْراسٍ عِتاقٍ وَفِتْيَةٍ ... [فوارِطَ] (٧) في أعْجازِ ليلٍ مُعِسْعسِ (٨)\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٤٢.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٩٢.\n(٣) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٤) بياض في (ع).\n(٥) البيت لعلقة بن قرط التميمي، وله روايتان:\nإحداهما: قال:\nمدرعات الليل لما عسعسا ... وادَّرَعَتْ منه بهيمًا حِنْدِسا\nهكذا ورد عند السجستاني.\nوالأخرى يقول:\nقواربًا من عَيْرِ رحْلِ نُسَّاء ... مُدّرعات الليل لما عسعسا\nوقد ورد عند قطرب بهذه الرواية.\nوقد ورد البيت في: (عسعس) في:\n\"تهذيب اللغة\" ١/ ٧٨، \"لسان العرب\" ٦/ ١٣٩ وكلاهما غير منسوب، كتاب الأضداد: لقطرب: ١٢٢: ش ١٣١ ونسبه لعلقمة، كتاب الأضداد: للسجستاني: ٩٧: ش ١٣١، ونسبه إلى علقة بن قرط.\n(٦) تقدمت ترجمته في سورة البقرة.\n(٧) ما بين المعقوفين ساقط من النسختين.\n(٨) مواضع ورود البيت: انظر المراجع السابقة في بيت علقة بن قرط، وأيضًا: \"شعر الزبرقان بن بدر\" تح: د. سعود عبد الجابر: ٤٥، رقم: ١٦.","vol":"23","page":270},{"text":"أي مدبر مولي) (١).\n(وروى أبو العباس (٢)، عن) (٣) ابن الأعرابي: العَسْعسة: ظلمة الليل كله، ويقال: إقباله وإدباره، (قال أبو العباس: هذا هو الاختيار (٤) (٥)، ويدل على أن المراد: أدبر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4868>١٨ </span>- قوله: ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ﴾\nأي امتد ضوؤه.\nويقال: تنفس النهار؛ إذا امتد بطوله، ومعنى التنفس: (خروج النسيم من الجوف (٦).\nقال ابن عباس (٧)، والمفسرون (٨): يريد طلوع الفجر إذا أضاء ثم زاد واستعرض في السماء.\nقال الفراء: إذا ارتفع النهار فهو تنفس الصبح) (٩) (١٠).\n_________\n(١) ما بين القوسين: انظر: \"تهذيب اللغة\" ١/ ٧٨: (عسس).\n(٢) هو: أحمد بن يحيى ثعلب، أبو العباس، سبقت ترجمته.\n(٣) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٤) \"تهذيب اللغة\" ١/ ٧٩: (عسس).\n(٥) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٦) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٧) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٨) وبمعنى هذا القول ذهب قتادة، وعلي بن أبي طالب، وسعيد بن جبير، والضحاك. انظر: \"جامع البيان\" ٣٠/ ٧٩، \"النكت والعيون\" ٦/ ٢١٧، \"زاد المسير\" ٨/ ١٩٢. وإلى هذا ذهب السمرقندي في: \"بحر العلوم\" ٣/ ٤٥٣، والقرطبي في: \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٢٣٨.\n(٩) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٤٢ بنصه.\n(١٠) ما بين القوسين ساقط من (أ).","vol":"23","page":271},{"text":"(وقال الزجاج: تنفس) (١):إذا امتد حتى يصير نهارًا بينًا (٢). وأنشد (أبو عبيدة) (٣) لعلقمة بن قرط:\nحتى إذا الصبحُ لها تَنَفَّسا ... وانجاب عنها ليلُها فَعَسْعَسا (٤) (٥)\nوحكى الأزهري: إذا تنفس: إذا انشق وانفلق حتى يتبين، ومنه يقال: تنفَّست القوس: إذا تصدَّعَت (٦)، والنَّفْس (٧): الشَّقُّ في القِدح، والقَوْس، وما أشبهها. ذكره اللحياني (٨) (٩).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4869>١٩ </span>- ثم ذكر جواب القسم، وهو قوله: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ يعني جبريل ﵇ في قول الجميع (١٠).\n_________\n(١) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٩٢ بنصه.\n(٣) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٤) علقمة بن قرط: هو تحريف عن علقة، وهو راجز إسلامي من بني تميم من بني عبد مناف من الرباب. انظر: \"الاشتقاق\" لابن دريد: ١٨٦.\n(٥) ورد البيت في: \"جامع البيان\" ٣٠/ ٧٩، \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٤٤، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٢٣٦، \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥١١.\nكما ورد في: كتاب الأضداد: لقطرب: ١٢٢: ش ١٣١، كتاب الأضداد: للأصمعي: ٨: ش ٣، وجميعها برواية: \"وعسعسا\" بدلًا من: \"فعسعسا\"، وانظر أيضًا: كتاب الأضداد: لابن الأنباري: ٣٣.\n(٦) \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٨٧.\n(٧) في (أ): انصد عنه.\n(٨) غير واضحة في (ع).\n(٩) \"تهذيب اللغة\" ١٣/ ١٠: (نفس).\n(١٠) وهو قول: قتادة، والحسن، والضحاك، وابن عباس، والشعبي، وميمون بن مهران، والربيع بن أنس، ومقاتل. قال ابن كثير: وغيرهم.","vol":"23","page":272},{"text":"والمعنى: إن القرآن نزل به جبريل، وأخبر محمدًا به عن الله.\nوهذه الآية مفسرة في سورة الحاقة (١).\n_________\n= انظر: \"تفسير مقاتل\" ٢٣٠/ ب، \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٣٥٢، \"جامع البيان\" ٣٠/ ٨٠، \"النكت والعيون\" ٦/ ٢١٨، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٢٣٨، \"لباب التأويل\" ٤/ ٣٥٧، \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥١٢.\nقال ابن عطية: والرسول الكريم في قول الجمهور المتأولين: جبريل ﵇: ٥/ ٤٤٤.\nوقال الفخر الرازي: المشهود أن المراد أن القرآن نزل به جبريل. \"التفسير الكبير\" ٣١/ ٧٣.\nوإلى هذا القول في التفسير ذهب الزجاج في \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٩٢، والسمرقندي في \"بحر العلوم\" ٣/ ٤٥٣، والثعلبي في \"الكشف والبيان\" ج ١٣: ٤٧/ أ. وبه قال ابن تيمية في \"مجموع الفتاوى\" ٥/ ٣٣.\nوهناك قول آخر بأن المراد بالرسول الكريم النبي محمد -ﷺ- قاله ابن عيسى. انظر: \"النكت والعيون\" ٦/ ٢١٨، \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٤٤، ورجح ابن عطية الأول. قلت: حكايه الإجماع -كما أسلفنا ذكره- من قبل الإمام الواحدي لأنه لا يرى صحة القول الضعيف، ولا ينظر إليه، ولا يعتبره مخالفًا، بل لا وجود له، لذا يقرر الإجماع اعتمادًا على صحة القول، وشهرته، وكثرة قائليه، وعدم مخالفته اللغة، والله أعلم.\nفائدة:\nظاهر هذه الآية يتوهم منه الجاهل أن القرآن كلام جبريل مع أن الآيات القرآنية مصرحة بكثرة بأنه كلام الله، كقوله: ﴿فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة:٩]، والجواب واضح من نفس الآية، لأن الإيهام الحاصل من قوله: \"إنه لقول\" يدفعه ذكر الرسول؛ لأنه يدل على أن الكلام لغيره، لكنه أرسل تبليغه فمعنى قوله: \"لقول رسول\" أي تبليغه عمن أرسله من غير زيادة ولا نقص.\nقاله الإمام الشنقيطي: \"أضواء البيان\" ١٠/ ٣١٠.\n(١) يراجع في ذلك سورة الحاقة: آية: ٤٠","vol":"23","page":273},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4870>٢٠ </span>- ثم وصف جبريل فقال: ﴿ذِي قُوَّةٍ﴾ (١) أي فيما كلف وأمر به.\nوذكر ابن عباس من قوته: رفعه مدائن لوط بجناحيه من الأرض إلى السماء (٢).\nوذكر مقاتل من قوته: أن شيطانًا يقال له: الأبيض، صاحب الأنبياء، قصد أن يفتن النبي -ﷺ- فدفعه جبريل دفعة (هينة) (٣) [فوقع] (٤) بها من مكة إلى أقصى الهند (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4871><span data-type=\"title\" id=toc-4872>٢١ </span></span>- وقوله (٦) (﷿) (٧): ﴿عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ﴾\nقال الكلبي (٨)، ومقاتل (٩): يعني في المنزلة، يعني: هو وجيه عند الله.\nوقال الكسائي: يقال: قد مَكُن فلان عند فلان -بضم الكاف- مكنًا ومكانة (١٠).\n\n٢١ - ﴿مُطَاعٍ﴾ (١١) تطيعه الملائكة. ﴿ثَمَّ﴾ أي في السماء. وذكر ابن\n_________\n(١) ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (٢٠)﴾.\n(٢) ورد بنحو قوله في: \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٢٣٨، وقد وردت روايات بمثل قوله من غير عزو في: \"بحر العلوم\" ٣/ ٤٥٣، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٥٣، \"التفسير الكبير\" ٣١/ ٧٤، \"لباب التأويل\" ٤/ ٣٥٧.\n(٣) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٤) في كلا النسختين: وقع، وأثبت ما جاء في أصول القول لصحته.\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ٢٣٠/ ب، \"التفسير الكبير\" ٣١/ ٧٤.\n(٦) في (أ): قوله.\n(٧) ما بين القوسين ساقط من: ع.\n(٨) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٩) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(١٠) \"التفسير الكبير\" ٣١/ ٧٤، وانظر: \"تهذيب اللغة\" ١٠/ ٢٩٢: (مكن).\n(١١) ﴿مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (٢١)﴾.","vol":"23","page":274},{"text":"عباس (١)، والمفسرون (٢):\nمن طاعة (٣) الملائكة لجبريل أنه أمر خازن الجنة ليلة المعراج حتى فتح لمحمد -ﷺ- أبوابها فدخلها، [ورأى] (٤) ما فيها، وأمر خازن جهنم فقال له: افتح لمحمد -ﷺ- عن جهنم حتى ينظر إليها، فأطاعه مالك فذلك\n_________\n(١) ورد قوله في: \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٢٣٨.\n(٢) انظر: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٥٣، \"زاد المسير\" ٨/ ١٩٢، \"لباب التأويل\" ٤/ ٣٥٧. وقد ورد حيث المعراج في:\n\"الجامع الصحيح\" للبخاري: ٢/ ٤٨٥: ح: ٣٤٣٠: كتاب الأنبياء: باب: ٤٣، وج: ٣/ ٦٣: ح: ٣٨٨٧: كتاب مناقب الأنصار: باب المعراج.\nكما ورد في صحيح مسلم: ١/ ١٤٥: ح: ٢٥٩، ٢٦٤: كتاب الإيمان: باب الإسراء برسول الله -ﷺ- إلى السموات.\nومسند الإمام أحمد: ٣/ ١٤٨ - ١٤٩، ٤/ ٢٠٨ - ٢٠٩.\nوالشاهد من الحديث كما ورد عند البخاري عن مالك بن صعصعة أن النبي -ﷺ- حدثهم عن ليلة أسري به، ثم صعد حتى أتى السماء الثانية، فاستفتح، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم، فلما خلصتُ فإذا يحيى وعيسى، وهما ابنا خالة، قال: هذا يحيى وعيسى فسلم عليهما، فسلمت فردا ثم قالا: مرحبًا بالأخ الصالح، والنبي الصالح\".\nولم يذكر في المراجع السابقة حكايه جبريل مع خازن النار.\nولم أجد في الكتب المتقدمة على الواحدي من ذكر أمر إطاعة الملائكة لجبريل وإنما وجدت أقوالهم تذكر أن جبريل تطيعه الملائكة دون ذكر الحكاية السابقة. انظر: \"جامع البيان\" ٣٠/ ٨٠، \"بحر العلوم\" ٣/ ٤٥٣، \"الكشف والبيان\" ج ١٣: ٤٧/ أ، \"النكت والعيون\" ٦/ ٢١٨، \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥١٢.\n(٣) في كلا النسختين أثبت لفظ الجلالة: الله بعد كلمة: طاعة، ولا يحسن إثباتها هنا لفساد المعنى، وعدم استقامة الكلام.\n(٤) بياض في (ع)، وفي (أ): أو رأى، وأثبت ما جاء في \"الجامع لأحكام القرآن\" لصوابه.","vol":"23","page":275},{"text":"قوله: \"مطاع\".\n(ثم أمين) على وحي الله (﷿) (١) ورسالته وأنبيائه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4873>٢٢ </span>- ﴿وَمَا صَاحِبُكُمْ (بِمَجْنُونٍ) (٢)﴾ يعني محمدًا -ﷺ-، والخطاب لأهل مكة، وهذا أيضًا من جواب القسم، أقسم الله: أن القرآن نزل به جبريل، وأن محمدًا ليس كما تقوله أهل مكة، وذلك أنهم قالوا: إن محمدًا مجنون، وهذا الذي يأتي به تقوله من تلقاء نفسه، وقد ذكر الله ذلك عنهم في قوله: ﴿وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ﴾ [لحجر: ٦] الآية. وكذبهم الله فيما قالوا بقوله: ﴿ن وَالْقَلَمِ﴾ إلى قوله: ﴿بِمَجْنُونٍ﴾ [القلم: ١ - ٢]، وبقوله: ﴿وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ﴾.\n<span data-type=\"title\" id=toc-4874>٢٣ </span>- قوله تعالي (٣): ﴿وَلَقَدْ رَآهُ﴾ (٤) يعني رأى محمد (٥) جبريل (﵉) (٦) بالأفق المبين، يعني حيث تطلع الشمس في قول الجميع (٧)، وهذا\n_________\n(١) كلمة (تعالى) ساقطة من: ع.\n(٢) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٣) ما بين القوسين ساقط من: ع.\n(٤) ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ (٢٣)﴾.\n(٥) في كلا النسختين: محمدًا.\n(٦) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٧) وهذا قول قتادة، ومجاهد، وابن زيد، وسفيان، وأبو الأحوص، وعامر.\nانظر: \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٣٥٢، \"جامع البيان\" ٣/ ٨١، \"الكشف والبيان\" ج ١٣: ٤٧/ أ، \"النكت والعيون\" ٦/ ٢١٨، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٥٤، \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٤٤، \"البحر المحيط\" ٨/ ٤٣٥.\nوعزاه ابن الجوزي إلى المفسرين في: \"زاد المسير\" ٨/ ١٩٣، وكذلك الفخر الرازي في: \"التفسير الكبير\" ٣١/ ٧٥، وبه قال الطبري، وساق أقوال المفسرين، =","vol":"23","page":276},{"text":"مفسر في سورة \"والنجم\" (١).\nثم (أخبر) (٢) أن القرآن الذي يأتي به ليس من (٣) تلقاء نفسه، ولا هو بمتهم في ذلك، وهو قوله:\n_________\n= ولم يذكر مخالفًا لهم. \"جامع البيان\" ٣٠/ ٨١.\nوأكد ودلل على ذلك ابن كثير في \"تفسيره\" ٤/ ٥١٢، وإليه ذهب الخازن في \"لباب التأويل\" ٤/ ٣٥٧.\nوهناك قول آخر في أن الذي رآه النبي -ﷺ- هو ربه، وقد رآه بالأفق المبين، وهذا معنى قول ابن مسعود. انظر: \"النكت والعيون\" ٦/ ٢١٨، \"فتح القدير\" ٥/ ٣٩٢، وغيرهما من كتب التفسير.\nقلت: والذي عليه جمهور المفسرين، ورجحه الطبري وابن كثير أن الذي رآه النبي -ﷺ- هو جبريل، وعليه فما ذهب إليه الإمام الواحدي من تقريره الإجماع على هذا القول يؤكد ما ذهبنا إلى تقريره في حكاية الإجماع، وقد سبق ذكره في مواطن عدة.\n(١) سورة النجم: ١٣: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾.\nومما جاء في تفسير الآية: \"قال عطاء عن ابن عباس: رأى رسول الله -ﷺ- جبريل وهو بالأفق الأعلى في صورته له ستمائة جناح، ونحو هذا ذكر الكلبي، وقال مقاتل: وهو يعني جبريل بالأفق الأعلى يعني من قبل المطلع، وقال الكلبي: يعني مطلع الشمس، وهذا قول الجميع في الأفق الأعلى، يعني أفق المشرق قال المفسرون: إن جبريل كان يأتي رسول الله -ﷺ- في صورة الآدميين، فسأله رسول الله -ﷺ- أن يريه نفسه على صورته التي جبل عليها، فأراه نفسه مرتين: مرة في الأرض، ومرة في السماء، فأما في الأرض ففي الأفق الأعلى، وذلك أن محمدًا -ﷺكان بحراء، فطلع له جبريل من المشرق فسد الأفق إلى المغرب، فخر رسول الله -ﷺ- مغشيًا عليه، فنزل جبريل في صورة الآدميين وضمه إلى نفسه وأما في السماء فعند سدرة المنتهى ولم يره أحد من الدنيا على تلك الصورة إلا محمد -ﷺ-.\n(٢) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٣) في (أ): عن.","vol":"23","page":277},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4875>٢٤ </span>- ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ (١) معنى الغيب -هاهنا- القرآن، وما أنزل الله عليه، في قول الجميع، قالوا: هو الوحي وخبر السماء، وما اطلع عليه بعلم الغيب الذي (كان) (٢) غائبًا عن أهل مكة من الأنبياء والقصص (٣)\nوالعرب لم تكن تعرف ذلك؛ لأنهم لم يكونوا أهل الكتاب.\n(والظنين (٤): المتهم، يقال: ظننت زيدًا في معنى: اتهمت (٥)، ليس من الظن الذي يتعدى إلى مفعولين) (٦)، وأنشد (أبو عبيدة) (٧) (٨):\nأمَا وكتاب الله لا عن شناءة ... هجرت ولكنَّ الظنين ظنين (٩)\n_________\n(١) في (ع): بظنين.\n(٢) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٣) وهو قول: زر، وقتادة، وابن زيد، والضحاك. انظر: \"جامع البيان\" ٣٠/ ٨٢.\nوإليه ذهب الطبري في: \"جامع البيان\" ٣٠/ ٨٣، والسمرقندي في: \"بحر العلوم\" ٣/ ٤٥٣، والثعلبي في: \"الكشف والبيان\" ج ١٣: ٤٧/ ب.\nوانظر: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٥٤، \"زاد المسير\" ٨/ ١٩٣، \"التفسير الكبير\" ٣١/ ٧٥، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٢٤٠، \"لباب التأويل\" ٤/ ٣٥٧.\nولم أجد مخالفًا لهذا القول، فالقول ينطبق عليه ما قاله الواحدي من حكاية الإجماع. والله أعلم.\n(٤) في (أ): الضنين.\n(٥) في (ع): اتهمه\n(٦) ما بين القوسين نقله عن \"الحجة\" ٦/ ٣٨٠ - ٣٨١ بتصرف.\n(٧) لم أجد في \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة استشهاده ببيت الشعر، وإنما الذي ذكر عنه أنه قال: أي متهم، و\"ضنين\" يضن به ويضَن. ٢/ ٢٨٨.\n(٨) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٩) ورد اليت في: \"تهذيب اللغة\" ١٤/ ٣٦٤: (ظن) برواية:\n\"فلا ويمين الله ما عن جناية هجرت\"، ونسبه إلى عبد الرحمن بن حسان بن ثابت، و\"لسان العرب\" ١٣/ ٢٧٣: (ظن)، \"تاج العروس\" ٩/ ٢٧٢: (ظن)، وكلاهما =","vol":"23","page":278},{"text":"قال جماعة من المفسرين (١):\nما محمد على القرآن (بمتهم) (٢)، أي هو ثقة فيما يؤدي عن الله تعالي.\n(ومن قرأ: \"بضنين (٣) \" -بالضاد (٤) - فهو من البخل، يقال: ضننت به أضَنُّ، أي بخلت) (٥)، وأنشد (أبو عبيدة (٦) قول) جميل:\nأجودُ بمضنون التلاد وإنني ... بِسِرِّكِ عَمَّنْ سالني لَضَنينُ (٧)\n_________\n= نسبه إلى نهار بن توسعة.\nكما ورد في \"الكامل\" ١/ ٢٣ برواية: \"فلا ويمين الله ما عن جناية\" بدلًا من الشطر الأول، كما نسبه إلى عبد الرحمن بن حسان، وانظر: \"الكشف والبيان\"ج ١٣: ٤٧/ ب، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٢٤٠.\n(١) قال بذلك: زر، وابن عباس، والضحاك، وابن زيد، وابن جبير، وإبراهيم.\nوهذا معنى قراءة من قرأ: \"بظنين\" انظر: \"جامع البيان\" ٣٠/ ٨٢ - ٨٣.\nوقد قرأ: \"بظنين\" بالظاء: ابن كثير، وأبو عمرو، والكسائي.\nانظر: \"الحجة\" ٦/ ٣٨٠، \"حجة القراءات\" ٧٥٢، \"الكشف\" عن وجوه القراءات السبع: ٢/ ٣٦٤.\n(٢) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٣) ساقط من (ع).\n(٤) قرأ بذلك: نافع، وعاصم، وابن عامر، وحمزة، بالضاد: \"بضنين\". انظر: المراجع السابقة.\n(٥) ما بين القوسين نقلًا عن \"الحجة\" ٦/ ٣٨١.\n(٦) لم أجد في \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة في هذه الآية استشهاده بالشعر.\n(٧) ورد البيت عير منسوب في:\n\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٢٤٠ برواية: \"بمكنونة الحديث\" بدلًا من: \"بمضنون التلاد\".\nانظر: \"الكشف والبيان\" ج ١٣/ ٤٧/ ب، ولم أعثر عليه في ديوانه.","vol":"23","page":279},{"text":"قال ابن عباس: ليس ببخيل بما أنزل الله (١).\nوقال مجاهد: لا يضن عليهم بما يعلم (٢).\nوقال الفراء: يقول: يأتيه غيب السماء، وهو منفوس فيه (٣)، فلا يضن به عليكم (٤).\nوقال أبو إسحاق: أي هو يؤدي عن الله، ويُعَلِّم كتاب الله (٥).\nقال أبو علي الفارسي: المعنى أنه يخبر عن الغيب (٦) فيبينه، ولا يكتمه كما يكتم الكاهن (ذلك) (٧)، ويمتنع من إعلامه حتى يأخذ عليه حُلوانًا (٨). واختار أبو عبيد (٩) القراءة الأولى لمعنيين (١٠):\nأحدهما: أن الكفار لم يُبخّلوه، وإنما اتهموه، فنفي التهمة أولى من نفي البخل.\nوالآخر: قوله: \"على الغيب\" ولو كان المراد بالبخل لقال: بالغيب؛\n_________\n(١) \"الدر المنثور\" ٨/ ٤٣٥ وعزاه إلى سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، وابن جرير، ولم أجد هذه الرواية عند ابن جرير.\n(٢) تفسير الإمام مجاهد: ٧٠٩، \"جامع البيان\" ٣٠/ ٨٢، \"الدر المنثور\" وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.\n(٣) في (أ): قول فيه.\n(٤) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٤٢ بنصه.\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٩٣ بنصه.\n(٦) في (ع): بالغيب.\n(٧) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٨) \"الحجة\" ٦/ ٣٨١ بيسير من التصرف.\n(٩) في (أ): أبو عبيدة.\n(١٠) في (ع): المعينين.","vol":"23","page":280},{"text":"لأنه يقال: فلان ضنين بكذا، وقلّ ما يقال: على كذا (١) (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4876>٢٥ </span>- ثم ذكر أنه ليس من تعليم الشيطان فقال: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ﴾. قال الكلبي: يقول: إن القرآن ليس بشعر، ولا كهانة، ولا قول شيطان كما قالت (٣) قريش (٤).\nوقال عطاء: يريد الشيطان (٥) الأبيض الذي كان يأتي النبي -ﷺ- في صورة جبريل يريد أن يفتنه (٦).\nوقال مقاتل: إن كفار مكة قالوا: إنما يجيء به \"الري\" وهو شيطان، فيلقيه على لسان محمد -ﷺ-. (٧)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4877>٢٦ </span>- ثم بكتهم فقال: ﴿فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ﴾. قال الفراء: العرب تقول: إلى أين تذهب؟ وأين تذهب؟ ويقول: ذهبت الشام، وانطلقت السوق، وخرجت الشام، استجازوا في هذه الأحرف الثلاثة إلفاء (إلى) (٨) لكثرة (٩) استعمالهم إياها، وأنشد (١٠):\n_________\n(١) بياض في (ع).\n(٢) \"الكشف والبيان\" ج ١٣/ ٤٧/ ب.\n(٣) بياض في (ع).\n(٤) \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٥٤.\n(٥) في (ع): بالشيطان.\n(٦) \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٢٤١.\n(٧) \"تفسير مقاتل\" ٢٣١/ أ، \"زاد المسير\" ٨/ ١٩٣ بنحوه.\n(٨) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٩) في (ع): كثرة\n(١٠) البيت لعُتّي بن مالك العقيلي.","vol":"23","page":281},{"text":"تَصيحُ بِنا حَنيفةُ إذْ رأتْنا ... وأيَّ الأرضِ تذهبُ بالصِّياحِ (١)\nأراد إلى أي الأرض (٢).\nقال المفسرون: أين تعدلون؟ وأين تذهبون عن كتابي يا أهل مكة (٣)؟\n_________\n(١) ورد البيت في: شعراء بني عقيل وشعرهم: ٥٤ برواية: \"حين جئنا نذهب للصياح\"، بدلًا من: \"إذا رأتنا تذهب بالصياح\". كما ورد في:\n\"جامع البيان\" ٣٠/ ٨٣، \"الكشف والبيان\" ج ١٣: ٤٨/ أ، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٢٤١، والرواية عند الفراء في نهاية شطره الثاني: للصياح بدلًا من: بالصياح.\nموضع الشاهد: نصب: \"أي\" لنزع الخافض، يريد: إلى أي أرض، واستجازوا في هذه الكلمات حذف \"إلى\" لكثرة استعمالهم إياه. شرح أبيات \"معاني القرآن\" ٩١: ش: ١٨٠.\nقال النحاس: جعل الكوفيون: انطلق، وذهب، وخرج، هذه الأفعال الثلاثة يجوز معها حذف \"إلى\"، وأما سيبويه فحكى منها واحدًا، ولا يجيز غيره، وهو: ذهبت الشام، ولا يجيز: ذهبت مصر.\n\"إعراب القرآن\" للنحاس: ٢/ ١٦٤.\nوقد منع النحويون نصب اسم المكان على الظرفية إذا كان خالصًا (له صورة وحدوده محصورة)، وأوجبوا الجر فيه بحرف الجر، واستثنوا هذه الأحرف التي ذكرها الفراء إذ ورد السماع بها عن العرب بدون حرف الجر، وهو كما قال.\nانظر: حاشية \"جامع البيان\" ٣/ ٨٣.\n(٢) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٤١ مختصرًا.\n(٣) بنحو ذلك قال قتادة.\"جامع البيان\" ٣٠/ ٨٣، \"النكت والعيون\" ٦/ ٢١٩، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٢٤١.\nوإليه ذهب الثعلبي في: \"الكشف والبيان\" ج ١٣: ٤٨/ أ، وانظر: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٥٤، و\"لباب التأويل\" ٤/ ٣٥٧، \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥١٢.\nوحكى الماوردي قولًا، ثالثًا، وهو: فأين تذهبون عن عذابه وعقابه. \"النكت والعيون\" ٦/ ٢١٩.","vol":"23","page":282},{"text":"قال أبو إسحاق: معناه وأي طريق تسلكون أبين من هذه الطريقة التي قد بينت لكم (١).\nثم بين أن القرآن ما هو، فقال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4878>٢٧ </span>- ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ يقول: ما القرآن إلا موعظة للخلق كلهم أجمعين (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-4879>٢٨ </span>- وقوله (٣) (تعالى): ﴿لِمَنْ شَاءَ﴾ (٤) بدل من قوله: \"للعالمين\"\nوقوله (٥) (تعالى) (٦): ﴿أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ أي على الحق، والإيمان، والإسلام (٧).\nوالمعنى: إن القرآن إنما يتعظ به من استقام على الحق.\nقال المفسرون (٨): ثم رد (٩) المشيئة إلى نفسه فقال:\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٩٣ بنصه.\n(٢) وبهذا قال الطبري في: \"جامع البيان\" ٣٠/ ٨٤، والنحاس في: \"إعراب القرآن\" ٢/ ١٦٥، وانظر: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٥٤، \"زاد المسير\" ٨/ ١٩٤.\n(٣) في (أ): قوله.\n(٤) ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨)﴾.\n(٥) في (أ): قوله.\n(٦) ما بين القوسين ساقط من: ع.\n(٧) بنحوه قال مجاهد. انظر: تفسير الإمام مجاهد: ٧٠٩، \"جامع البيان\" ٣٠/ ٨٤، \"إعراب القرآن\" للنحاس: ٢/ ١٦٥.\nوإليه ذهب السمرقندي في: \"بحر العلوم\" ٣/ ٤٥٣، الثعلبي في: \"الكشف والبيان\" ج ١٣: ٤٨/ أ، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٥٤، \"زاد المسير\" ٨/ ١٩٤.\n(٨) ممن قال بذلك: الطبري في \"جامع البيان\" ٣٠/ ٨٤، والزجاج في: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٩٣، وانظر: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٥٤، \"التفسير الكبير\" ٣١/ ٧٦، \"لباب التأويل\" ٤/ ٣٥٧، \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥١٢.\n(٩) بياض في (ع).","vol":"23","page":283},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4880>٢٩ </span>- قوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ قال أبو هريرة: لما أنزل الله: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ قالوا: الأمر إلينا إن شئنا استقمنا (١)، وإن شئنا لم نستقم، فأنزل الله: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ﴾ الآية (٢).\nقال (٣) أبو إسحاق: أعلمهم أن المشيئة في التوفيق إليه، وأنهم لا يقدرون على ذلك إلا بمشيئة الله وتوفيقه (٤).\nوقوله: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ (وهذا إعلام أن (الإنسان) (٥) لا يعمل خيرًا إلا بتوفيق من الله، ولا شرًا إلا بخذلانه، وأن الخير والشر بقضائه وقدره، يضل من يشاء، ويهدي من يشاء) (٦).\n_________\n(١) بياض في (ع).\n(٢) وردت روايته في: لباب النقول في أسباب النزول: للسيوطي: ٢٢٧، كما وردت رواية عن سليمان بن موسى بطرق مختلفة، وبمثل ما رواه أبو هريرة.\nانظر: \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٣٥٣، \"جامع البيان\" ٣٠/ ٨٤، \"الدر المنثور\" ٨/ ٤٣٦، جامع النقول في أسباب النزول لابن خليفة: ٣٢٩.\nكما وردت أيضًا رواية عن القاسم بن مخيمرة بمثل ما رواه أبو هريرة، وسليمان بن موسى. انظر: \"الدر المنثور\" ٨/ ٤٣٦.\n(٣) في (ع): قوله.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٩٣.\n(٥) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٦) ما بين القوسين نقله عن الزجاح في: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٩٤.\nقال ابن تيمية في قوله: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾: \"أخبر أن =","vol":"23","page":284},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= مشيئتهم موقوفة على مشيئته، ومع هذا فلا يوجب ذلك وجود الفعل منهم إذ أكثر ما فيه أنه جعلهم شائين، ولا يقع الفعل منهم حتى يشاؤوا منهم كما في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (٥٥) وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [المدثر: ٥٦]، ومع هذا فلا بد من إرادة الفعل منهم حتى يريد من نفسه إعانتهم وتوفيقهم، فهنا أربع إرادات: إرادة البيان، وإرادة المشيئة، وإرادة الفعل، وإرادة الإعانة. والله أعلم\".\n\"دقائق التفسير\": ٥/ ٣٣ - ٣٤.\nوقال الشيخ السعدي في معنى الآية: أي فمشيئته نافذة لا يمكن أن تعارض أو تمانع، وفي هذه الآية وأمثالها رَدٌّ على فرقتي القدرية النفاة، والقدرية المجبرة، والله اعلم\".\n\"تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان\": ٥/ ٣٧٩.","vol":"23","page":285},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4881>سورة الانفطار</span>","vol":"23","page":287},{"text":"تفسير سورة الانفطار <span data-type=\"title\" id=toc-4882>(١)</span>\nبسم الله الرحمن الرحيم\n\n١ - ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ﴾، قال المفسرون (٢): انفطارهَا: انشقاقها (٣)، كقوله: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ﴾ [المزمل: ١٨]، وقوله: ﴿السَّمَاءُ\n_________\n(١) مكية بقول الجميع، وقد حكى الإجماع في ذلك الماوردي في \"النكت والعيون\" ٦/ ٢٢٠، وابن عطية في \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٤٦، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٨/ ١٩٥، والقرطبي في \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٢٤٢، والشوكاني في \"فتح القدير\" ٥/ ٣٩٤.\n(٢) قال بذلك اليزيدي في \"غريب القرآن\" ٤١٨، وابن قتيبه في: \"تفسير غريب القرآن\" ٥١٨، والفراء في \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٤٢، والطبري في \"جامع البيان\" ٣٠/ ٨٥، والزجاج في \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٩٥، والسجستاني في \"نزهة القلوب\" ١٣٥، والسمر قندي في \"بحر العلوم\" ٣/ ٤٥٤، والثعلبي في \"الكشف والبيان\" ج: ١٣: ٤٩/ أ.\nوانظر: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٥٥، \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٤٦، \"نفس الصباح\" ٢/ ٧٧٠، \"زاد المسير\" ٨/ ١٩٦، \"التفسير الكبير\" ٣١/ ٧٧، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٢٤٢، \"لباب التأويل\" ٤/ ٣٥٨، \"تفسير غريب القرآن\" ابن الملقن: ٥٣٤، \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٤١٣، \"الدر المنثور\" ٨/ ٤٣٨ عن السدي وعزاه إلى ابن المنذر، \"تفسير السدي\" ٤٧٣\nوذكر الماوردي وجهًا آخر وهو: سقطت. انظر: \"النكت والعيون\" ٦/ ٢٢٠، والصحيح الأول لأن معنى الفطر لغة الشق انظر \"الصحاح\" ٢/ ٧٨١.\n(٣) بياض في (ع).","vol":"23","page":289},{"text":"مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ [الفرقان: ٢٥]\nقال الخليل: ولم يأت هذا على الفعل، إنما هو كقوله: مُرْضِعٌ، وحَامل، وحائض، ولو كان على الفعل لكان: منفطرة، كما قال: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ﴾ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4883>٣ </span>- ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ﴾، فجرت بعضها في بعض، فصارت بحرًا واحدًا، واختلط العذب بالملح، (هذا قول جماعة المفسرين) (٢) (٣).\nوقال الحسن <span data-type=\"title\" id=toc-4884>(٤)</span>، والضحاك (٥): فجرت فذهب مَاؤها ويبست.\n٤ - ﴿وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ﴾، قال أبو عبيدة (٦)، (والمبرد) (٧) (٨): أثيرت\n_________\n(١) انظر: \"كتاب سيبويه\" ٢/ ٤٧، وانظر \"التفسير الكبير\" ٣١/ ٧٧.\n(٢) قال بذلك: ابن عباس، وقتادة. انظر \"جامع البيان\" ٣٠/ ٨٥، \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥١٣، كما قال به: ابن قتيبه في \"تفسير غرائب القرآن\" ٥١٨، والزجاج في \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٩٥، والسمرقندي في \"بحر العلوم\" ٣/ ٤٥٤، والثعلبي في \"الكشف والبيان\" ج ١٣: ٤٩/ أ، وانظر:\"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٥٥، \"زاد المسير\" ٨/ ١٩٦، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٢٤٢، \"لباب التأويل\" ٤/ ٣٥٨، \"الدر المنثور\" ٨/ ٤٣٨.\n(٣) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٤) ورد بنحو قوله في \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٣٥٥، \"جامع البيان\" ٣٠/ ٨٥، \"الكشف والبيان\" ج ١٣: ٤٩/ أ، \"النكت والعيون\" ٦/ ٢٢٠، \"زاد المسير\" ٨/ ١٩٦، \"التفسير الكبير\" ٣١/ ٧٨، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٢٤٢، \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥١٣، \"فتح القدير\" ٥/ ٣٩٥، \"تفسير الحسن البصري\" ٤٠٣.\n(٥) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٦) \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٨٨.\n(٧) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٨) ساقط من (أ).","vol":"23","page":290},{"text":"وقلب أسفلها أعلاها كقولك: بعثرت المتاع، إذا قلبته، والبحثرة، والبعثرة (١) (٢) إثارة الشيء بقلب باطنه إلى ظاهره.\nوقال الليث: بعثر يبعثر بعثرة إذا قلب التراب (٣).\n\nقال ابن عباس (٤)، والكلبي <span data-type=\"title\" id=toc-4885>(٥)</span>، ومقاتل (٦): يريد عند البعث بحثت عن الموتى فأخرجوا منها (٧).\nوقال أبو إسحاق: أي قلب ترابها وبُعث الموتى الذين فيها (٨).\n\n٥ - (قوله تعالى) (٩): ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾، قال عكرمة: ما أدت إلى الله مما أمَرها به، ومَا ضيعت (١٠) مما أمرت به (١١).\n_________\n(١) البعثرة، والبحثرة، لغتان، يقال: بعثروا متاعهم وبحثروه إذا قلبوه. انظر: (بعثر) في: \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٣٠٦، \"لسان العرب\" ٤/ ٧٢.\n(٢) في (ع): البعثرة والبحثرة.\n(٣) لم أعثر على مصدر لقوله، وقد ورد بمثله من غير عزو في \"فتح القدير\" ٥/ ٣٩٥، وجاء في \"لسان العرب\" ٤/ ٧٢، بعثر: بعثرت الشيء فرَقه، وبعثر التراب والمتاع: قلبه.\n(٤) ورد قوله مختصرًا في \"جامع البيان\" ٣٠/ ٨٥، \"البحر المحيط\" ٨/ ٤٣٦، \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥١٣.\n(٥) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٦) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٧) في (أ): عنها.\n(٨) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٩٥ بنصه.\n(٩) ساقط من: ع.\n(١٠) غير واضحة في (ع).\n(١١) ورد معنى قوله في \"جامع البيان\" ٣٠/ ٨٦، \"الكشف والبيان\" ج ١٣: ٤٩/ أ، \"الدر المنثور\" ٨/ ٨٣٨ وعزاه إلى سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن المنذر.","vol":"23","page":291},{"text":"وقال ابن مسعود: ما قدمت من خير ومَا أخرت من سُنة استن بها بعده (١).\n\nوهو قول (الكلبي (٢)، ومجاهد (٣)، وقتادة (٤)، وعطاء (٥)، والقرظي <span data-type=\"title\" id=toc-4886>(٦) </span>(٧).\nوهذه الآية مفسرة في قوله [[ينبؤ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر]] [القيامة: ١٣].\n\n٦ - (قوله) (٨): ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ﴾ (٩)، مخاطبة للكفار. لقوله: ﴿مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ (أي مَا خدعك، وسول إليك الباطل حتى أضعت ما وجب عليك) (١٠)\nوالمعنى: مَا الذي أمنك من عقابه، ويقال: غره بفلان، إذا أمنه المحذور من جهته وهو غير مأمون، وهذا كقوله ﴿وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [فاطر: ٥].\n_________\n(١) \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٤٦، \"الدر المنثور\" ٨/ ٤٣٨ وعزاه إلى ابن المبارك في: الزهد، وعبد بن حميد، وبن أبي حاتم.\n(٢) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٣) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٤) \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٣٥٤، \"جامع البيان\" ٣٠/ ٨٦.\n(٥) \"جامع البيان\" ٣٠/ ٨٦، \"الدر المنثور\" ٨/ ٤٣٩ وعزاه إلى عبد بن حميد.\n(٦) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٧) لم يذكر في (أ)، هؤلاء المفسرين ولكن ذكر بدلًا منهم كلمة مختصرة وهي: وهو قول جماعة.\n(٨) ساقط من (أ).\n(٩) ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾.\n(١٠) ما بين القوسين نقله عن الزجاج انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" (٥/ ٢٩٥ بنحوه.","vol":"23","page":292},{"text":"قال (عطاء عن) (١) ابن عباس: نزلت في الوليد بن المغيرة (٢).\nوقال الكلبي: نزلت في أبي الأشدين كَلَدة بن أسيد، وذلك أنه ضرب النبي -ﷺ- (٣)، فلم يعاقبه الله وأنزل هذه الآية (٤).\nيقول: مَا الذي غرك بربك الكريم المتجاوز عنك إذ لم يعاقبك عَاجلًا بكفرك.\nوذكر المفسرون: الذي غره، فقال قتادة: غره العدو المسلط عليه، يعني الشيطان (٥).\nوقال الربيع بن خيثم (٦): غره الجهل (٧)، وهو يروى مرفوعًا (٨).\n_________\n(١) ساقط من (أ).\n(٢) ورد قوله في \"التفسير الكبير\" ٣١/ ٨٠، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٢٤٣، وعن عطاء في \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٥٥، \"زاد المسير\" ٨/ ١٩٦.\n(٣) في (ع): النبي -ﷺ- ضرب.\n(٤) \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٥٥، \"التفسير الكبير\" ٣١/ ٨٠، \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥١٤. كما ورد بمعنى روايته عن مقاتل وابن عباس انظر: \"بحر العلوم\" ٣/ ٤٥٤، \"النكت والعيون\" ٤/ ٢٢١، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٣٤٣، وعن عكرمة أنه قال نزلت في أُبي بن خلف.\nانظر: \"لباب النقول\" ٢٢٧ وعزاه إلى ابن أبي حاتم، \"الدر المنثور\" ٨/ ٤٣٩ وعزاه إلى ابن المنذر.\n(٥) ورد معنى قوله في \"جامع البيان\" ٣٠/ ٨٧، \"الكشف والبيان\" ج ١٣: ٤٩/ ب، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٥٥، \"التفسير الكبير\" ٣١/ ٨١، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٢٤٣، \"البحر المحيط\" ٨/ ٤٣٦، \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥١٣، \"فتح القدير\" ٥/ ٣٩٥.\n(٦) في (ع): خثيم.\n(٧) \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥١٣، \"الدر المنثور\" ٨/ ٤٣٩ وعزاه إلى ابن أبي شيبة.\n(٨) ذكر الحديث مرفوعًا إلى النبي -ﷺ- في \"الكشف والبيان\" ج ١٣/ ٤٩/ ب،=","vol":"23","page":293},{"text":"وقال مقاتل: غره عفو الله عنه حين لم يعاقبه في أول أمره (١).\n﴿الَّذِي خَلَقَكَ﴾، قال (٢): أي من نطفة ولم تك شيئا، ثم سواك رجلًا تسمع وتبصر (٣).\nوقوله (٤) (تعالى) (٥): ﴿فَعَدَلَكَ﴾، قال الفراء: جعلك معتدلًا، معدل (٦) الخلق (٧).\nوقال أبو علي الفارسي: عَدّل خلقك فأخرجك في أحسن تقويم، وهيّأ فيك بلطفِ الخلقِة وتعديلها ما قَدَرْتَ به على مَا لم يقدرْ عليه غيرك (٨).\n_________\n= \"الكشاف\" ٤/ ١٩٢، كما أخرجه أبو عبيدة في: فضائل القرآن عن كثير بن هشام عن جعفر بن برقان عن صالح بن مسمار قال بلغني أن النبي تلا هذه الآية فذكره انظر: \"الكافي الشافي\" -مذيل بكتاب \"الكشاف\" ٤/ ١٨٢.\n(١) لم أعثر على قوله في تفسيره، وإنما الذي ورد عنه في معنى الآية غره الشيطان: ٢٣١/ أ، وأما قوله المذكور في المتن فقد ورد في \"الكشف والبيان\" ج ١٣: ٤٩/ ب، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٥٥، \"التفسير الكبير\" ٣١/ ٨١، \"فتح القدير\" ٥/ ٢٩٥.\n(٢) أي مقاتل.\n(٣) لم أعثر على مصدر لقوله، وقد ورد بمثله من غير عزو في \"زاد المسير\" ٨/ ١٩٧، \"فتح القدير\" ٥/ ٣٩٥.\n(٤) في (أ): قوله.\n(٥) ساقط من (ع).\n(٦) في (أ): معتدل.\n(٧) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٤٤ بنصه.\n(٨) \"الحجة\" ٦/ ٣٨٢، وقوله هذا تفسيرًا لقراءة التشديد في \"فَعدَّلك\"، وقد قرأ بها ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، ويعقوب -انظر: الحجة المرجع السابق، \"المبسوط\" ٣٩٩، \"النشر\" ٢/ ٣٩٩.","vol":"23","page":294},{"text":"قال عطاء عن ابن عباس: جعلك قائمًا معتدلًا حسن الصورة (١).\nوقال مقاتل: يريد (عدل) (٢) خلقك في العينين، والأذنين، واليدين، والرجلين، ولم يجعله كله واحدًا (٣).\nوعلى هذا المعنى عدل بين ما خلق لك من الأعضاء التي في الإنسان منها اثنان.\nوقرأ الكوفيون: \"فعدلك\" بالتخفيف (٤).\nقال الفراء: ووجهه فصرفك (٥) إلى أي صورة شاء، قال: والتشديد أحسن الوجهين؛ لأنك تقول: عدلك إلى كذا، كما تقول: عدلك إلى كذا، ولا يحسن عدلتك فيه (٦)، ففي القراءة الأولى جعل \"في\" من قوله، ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ﴾ صلة للتركيب، وهو حسن.\nوفي القراءة الثانية: جعل صلة لقوله: \"فعدلك\"، وهو ضعيف، هذا معنى كلامه (٧).\nونحو هذا ذكر أبو عبيد حجة لاختيار التشديد (٨).\n_________\n(١) \"التفسير الكبير\" ٣١/ ٨١، \"فتح القدير\" ٥/ ٣٩٥ معزو إلى عطاء.\n(٢) ساقط من (أ).\n(٣) ورد بنحو قوله في \"التفسير الكبير\" ٣١/ ٨١، \"فتح القدير\" ٥٠/ ٣٩٥، ولم أعثر على قوله في تفسيره والذي ورد عنه قوله: فقومك: ٢٣١/ أ.\n(٤) قرأ بذلك: أبو جعفر، وعاصم، وحمزة، والكسائي، وخلف، كتاب \"السبعة\" ٦٧٤، \"الحجة\" ٦/ ٣٨٢، \"المبسوط\" ٣٩٩، \"النشر\" ٢/ ٣٩٩.\n(٥) في (أ): فنصرفك.\n(٦) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٤٤ بتصرف.\n(٧) في (أ): قوله.\n(٨) لم أعثر على مصدر لقوله.","vol":"23","page":295},{"text":"وقال أبو علي (١): على معنى التخفيف عَدلَ بعضه ببعض فكنت معتدل الخلقة متناسبها، فلا تفاوت فيها (٢)، ولا يلزم على هذا ما لزم (٣) الفراء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4887>٨ </span>- وقوله (٤) (تعالى) (٥): ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾\nقال مجاهد: في صورة أب، أو خال، أو عم (٦)، ويدل على صحة هذا ما روى أن النبي -ﷺ- قال (٧): \"وإذا استقرت النطفة في الرحم أحضرها الله كل نسب بينها وبين آدم\" (٨).\n_________\n(١) في (أ): أبو عبيد.\n(٢) \"الحجة\" ٦/ ٣٨٢.\n(٣) في (ع): ما ألزم\n(٤) في (أ): قوله.\n(٥) ما بين القوسين ساقط من: ع.\n(٦) \"تفسير الإمام مجاهد\" ٧١٠، \"جامع البيان\" ٣٠/ ٨٧، \"الكشف والبيان\" ج ١٣: ٥٠/ ب، \"النكت والعيون\" ٦/ ٢٢٢، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٥٦، وبمعناه في \"زاد المسير\" ٨/ ١٩٧، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٢٤٥، \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥١٤، \"الدر المنثور\" ٨/ ٤٤٠ وعزاه إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(٧) ورد في نسخة (أ): \"لا في أي شبه من أب أو أم أو خال أو عم إلا وعنه أنه قال -ﷺ-\". وأرى أن هذه العبارات خلط من الناسخ لذا لم أثبتها.\n(٨) وردت الرواية كاملة عند الطبري بإسنادها قال: حدثني محمد بن سنان القزاز، قال: ثنا مطهر بن الهيثم قال: ثنا موسى بن علي بن أبي رباح اللَّخمي قال: ثني أبي عن جدي: أن النبي -ﷺ- قال له: (ما وُلد لك؟ قال: يا رسول الله ما عسى أن يولد لي إما غلامًا، وإما جارية، قال: فمن يُشبِه قال: يا رسول الله من عسى أن يشبه؟ إما أباه، وإما أمه، فقال النبي -ﷺ- عندها مَهْ، لا تقولن هكذا إن النُّطْفَةَ إذا استقرت في الرحم أحضر الله كل نسب بينها وبين آدم، أما قرأت هذه الآية في كتاب الله: ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾، قال: سلكك).","vol":"23","page":296},{"text":"وذكر الفراء (١)، والزجاج (٢) قولًا آخر: \"في أي صورة ما شاء ركبك\" إما طويلًا، وإما قصيرًا، وإما مستحسنًا، وإما غير ذلك، و\"ما\" في قوله: \"مَا شاء\" صلة مؤكدة.\nوقال (٣) أبو صالح (٤)، ومقاتل (٥): يقول إن شاء ركبك في غير صورة\n_________\n= كما أوردها الثعلبي في \"الكشف والبيان\" ج ١٣/ ٥٠/ ب، والبغوي في \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٥٦، وابن كثير في \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥١٤، والسيوطي في \"الدر المنثور\" ٨/ ٤٣٩ وعزاه إلى البخاري في: تاريخه، وابن جرير، وابن المنذر، وابن شاهين، وابن قانع، والطبراني، وابن مردويه.\nوسند الحديث ضعيف، لوجود المطهر بن الهيثم الراوي عن موسى بن علي، والمطهر متروك، وبه أعله الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" ٤/ ١٣٥، قال: رواه الطبراني وفيه مطهر بن الهيثم وهو متروك.\nوقال الحافظ ابن كثير: ٤/ ٥١٤: وهذا الحديث لو صح لكان فيصلًا في هذه الآية، ولكن إسناده ليس بالثابت؛ لأن مطهر بن الهيثم قال فيه أبو سعيد بن يونس: كان متروك الحديث، وقال ابن حبان عن موسى بن علي وغيره مالا يشبه حديث الأثبات. وانظر كتاب \"المجروحين\" لابن حبان: ٣/ ٢٦. نقلًا عن حاشية كتاب: \"النكت والعيون\" ٦/ ٢٢٢.\nوقال ابن حجر: مطهَّر بتشديد الهاء المفتوحة ابن الهيثم بن الحجاج الطائي البصري، متروك. \"تقريب التهذيب\" ٢/ ٢٥٤، ت ١١٧٩.\n(١) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٤٤.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٩٥ والنص للزجاج.\n(٣) في (أ): قال.\n(٤) ورد معنى قوله في \"جامع البيان\" ٣٠/ ٨٧، \"الكشف والبيان\" ج ١٣: ٥٠/ ب، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٥٦، \"التفسير الكبير\" ٣١/ ٨٢، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٢٤٥، \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥١٤، \"الدر المنثور\" ٨/ ٤٤٠ وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، والرامهرمزي في: الأمثال.\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ٢٣١/ أ، \"زاد الميسر\" ٨/ ١٩٧، \"التفسير الكبير\" ٣١/ ٨٢.","vol":"23","page":297},{"text":"الإنسان من صورة كلب، أو صورة حمار، أو صورة خنزير، أو قرد.\nوعلى هذا يكون \"مَا\" في معنى الشرط، والجزاء، فيكون المعنى: في أي صورة مَا شاء أن يركبك فيها ركبك. ذكره أبو إسحاق (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4888>٩ </span>- فقال: ﴿كَلَّا﴾ (٢)، قال مقاتل: أي لا يؤمن هذا الإنسان (٣).\nثم قال: ﴿بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ﴾، يعني بالجزاء والحساب فيزعمون أنه غير (٤) كائن (٥).\nثم أعلم أن أعمالهم محفوظة عليهم فقال: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ﴾، أي من الملائكة يحفظون عليكم أعمالكم (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4889>١١ </span>- ثم نعتهم فقال: ﴿كِرَامًا كَاتِبِينَ﴾، قال الكلبي: يعني على\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٩٦\nوقال الكرماني: وقول من قال \"ما\" شرط، و\"في\"، متصل بقوله: \"ركبك\" سهو، لأن ما يتعلق بالجزاء لا يتقدم على الشرط، وقول من قال: متصل بـ\"فعدلك\" سهو، لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله فصح أن ما صله و\"في\" متصل بـ \"ركبك\".انظر: غرائب التفسير: ٢/ ١٣١٦.\n(٢) ﴿كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ (٩)﴾\n(٣) لم أعثر على مصدر لقوله، وقد ورد بمثله من غير عزو في \"الوسيط\" ٤/ ٤٣٧، \"بحر العلوم\" ٣/ ٤٥٥.\n(٤) بياض في (ع).\n(٥) بنحو هذا القول، قال مجاهد، وقتادة، وابن عباس، انظر: \"جامع البيان\" ٣٠/ ٨٨، \"النكت والعيون\" ٦/ ٢٢٣.\n(٦) قال بذلك الطبري: \"جامع البيان\" ٣٠/ ٨٨، السمرقندي في \"بحر العلوم\" ٣/ ٤٥٥، والثعلبي في \"الكشف والبيان\" ج ١٣: ٥٠/ ب، وانظر \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٥٦، \"زاد المسير\" ٨/ ١٩٨.","vol":"23","page":298},{"text":"ربهم (١). وهو مفسر في قوله: ﴿كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس: ١٦]\n﴿كَاتِبِينَ﴾، يكتبون أعمال بني آدم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4890>١٢ </span>- ﴿يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾، من خير أو شر فيكتبونه عليكم (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-4891>١٣ </span>- ﴿إِنَّ الْأَبْرَار﴾ (٣)، قال عطاء (٤) (٥)، ومقاتل (٦): يريد أولياء الله المطيعين في الدنيا.\n﴿لَفِي نَعِيمٍ﴾ الجنة في الآخرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4892>١٤ </span>- ﴿وَإِنَّ الْفُجَّارَ﴾ يريد الذين كذبوا النبيﷺ-.\n﴿لَفِي جَحِيمٍ﴾ عظيم من النار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4893>١٥ </span>- ﴿يَصْلَوْنَهَا﴾ (٧) يلزمونها (٨) مقاسين وهجها (٩).\n﴿يَوْمَ الدِّينِ﴾ أي يوم الجزاء، وهو يوم القيامة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4894>١٧ </span>- ثم عظم ذلك اليوم فقال: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ﴾.\n_________\n(١) لم أعثر على مصدر لقوله، وقد ورد بمثل قوله من غير عزو في كلٍ من: \"بحر العلوم\" ٣/ ٤٥٥، \"الكشف والبيان\" ج ١٣/ ٥٠/ ب، \"معالم التنزيل\" ٤٠/ ٤٥٦، \"زاد المسير\" ٨/ ١٩٨.\n(٢) قد استدل شارح الطحاوية بهذه الآية على أن الملائكة تكتب القول والفعل والنية لأنها فعل القلب.\n(٣) ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾.\n(٤) غير واضحة في (ع).\n(٥) \"الوسيط\" ٤/ ٤٣٨.\n(٦) \"تفسير مقاتل\" ٢٣١/ ب.\n(٧) ﴿يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ﴾\n(٨) اللام والزاي والميم أصل واحد صحيح يدل على مصاحبة الشيء، يقال: لَزِمه الشيء يَلْزَمُه واللِّزَام: العذاب الملازم للكفار، \"مقاييس اللغة\" ٥/ ٢٤٥: (الزم).\n(٩) وَهَج: حَرّ النَّار، مختار \"الصحاح\" ٧٣٨: (وهج).","vol":"23","page":299},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4895>١٩ </span>- ثم أخبر عنه فقال: ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا﴾ (١)، قال أبو إسحاق: الرفع (٢) في \"يوم\" على الصفة لقوله: ﴿يَوْمُ الدِّينِ﴾ -قال- ويجوز أن يكون رفعًا بإضمار \"هو\" فيكون المعنى: هو يوم الدين يوم لا تملك، -قال- ويجوز أن يكون في موضع رفع، وهو مبني على الفتح لإضافته إلى قوله: \"يوم لا تملك\" ومَا أضيف إلى غير المتمكن (٣) قد يبنى على الفتح، وإن كان في موضع رفع أو جر كما قال:\nلم يَمْنَع الشُّرْبَ مِنَهم غَيْرَ أن نَطقَتَ ... حَمَامَةٌ في غصُون ذاتِ أوْ قَالِ (٤)\n_________\n(١) ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾.\n(٢) قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، ويعقوب: \"يومُ لا تملك\" بضم الميم، ووافقهم ابن محيصن واليزيدي، وقرأ الباقون: \"يومَ لا تملك\" بفتح الميم.\nانظر: \"الحجة\" ٦/ ٣٨٣، \"الكشف عن وجوه القراءات السبع\" ٢/ ٣٦٤، \"تحبير التيسير\" ١٩٨، \"إتحاف فضلاء البشر\" ٤٣٥.\n(٣) الغير المتمكن هو المبني وهو خلاف المعرب وهو وصف للكلمة التي تلازم حالة واحدة ولا يتغير آخرها بتغير العامل السابق لها، \"معجم المصطلحات النحوية والصرفية\" ٢٧.\n(٤) ورد البيت في: ديوان أبي قيس صيفي بن الأسلت الاوسي الجاهلي: ٨٥: تح: د. حسن جودة، و\"الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين\" ١/ ٢٨٧، واستشهد به سيبوبه في \"كتابه\": ٢/ ٣٢٩ وعزاه إلى الكناني، وقد شرحه البغدادي في \"الخزانة\" ٢/ ٤٥ وج ٣/ ١٤٤ - ١٥٢، ونسبه: لأبي قيس الأسلت، واستشهد به ابن هشام في \"مغني اللبيب\" ١/ ٢٦٨: ش ٢٦٠، و\"الأمالي\" لابن الشجري: ٤٦/ ١ وج ٢/ ٢٦٤، \"شرح المفصل\" لابن يعيش: ٣/ ٨٠ وج: ٨/ ١٣٥، \"الهمع\" ٣/ ٣٣٣: ش ٨٧٠، \"الأصول في النحو\" السراج: ١/ ٢٩٨ وانظر أيضًا: \"لسان العرب\" ١١/ ٧٣٤: (وقل)، \"كتاب شرح أبيات سيبويه للنحاس\": ١٤٧: ش ٥١٧، \"التفسير الكبير\" ٣١/ ٨٧، وفي جميعها برواية \"منها\" بدلًا من \"منهم\".","vol":"23","page":300},{"text":"فبنى (١) (\"غير\" على) (٢) الفتح لما أضيف (٣) إلى قوله نطقت -قال- وجائز أن يكون نصبه على معنى هذه الأشياء المذكورة فيكون (٤) يوم لا تملك نفس لنفس شيئا (٥).\nوذكر أبو علي وجهًا آخر للنصب وهو: أن اليوم لما جرى في أكثر الأمر ظرفًا ترك على مَا كان يكون عليه في أكثر أمره، والدليل على ذلك: ما اجتمع عليه القراء، والعرب في قولهم: ﴿مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ﴾ [الأعراف: ١٦٨]، ﴿وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ﴾ [الجن: ١١]، ولا يرفع ذلك أحد، ومما يقوى النصب قوله: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ (٣) يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ﴾ [القارعة: ٣ - ٤] وقوله: ﴿يَسْأَلُونَ (٦) أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ (١٢) يَوْمَ (٧) هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ﴾ [الذاريات: ١٢ - ١٣]، فالنصب في ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ﴾ مثل هذا.\n_________\n= ومعنى البيت: يقول الشاعر لم يمنعنا من التعريج على الماء إلا صوت حمامة ذكرتنا من نحب فهيجتنا وحثتنا على السير.\nوالشاهد في قوله غير أن نطقت فإن الرواية فيه بفتح غير مع أنها فاعل لقوله لم يمنع فدل ذلك على أنه بناها على الفتح. انظر: كتاب \"الإنصاف\" ١/ ٢٨٨ - حاشية-.\n(١) في (أ): فبنا.\n(٢) على غير: هكذا وردت في النسختين ولا تستقيم العبارة بذلك، فأثبت الترتيب الصحيح الذي به يفهم الكلام.\n(٣) في (ع): أضاف.\n(٤) في (ع): يكون\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣٩٦.\n(٦) في (أ): يسئل.\n(٧) في (ع): يومهم.","vol":"23","page":301},{"text":"قال أبو الحسن (١): ولو رفع ذلك كله كان جيدًا (٢)\nوالذي ذكر أبو إسحاق من البناء على الفتح إنما يجوز أن يكون ذلك عند الخليل، وسيبويه، إذا كانت الإضافة إلى الفعل الماضي نحو:\nعلى حين عاتبت (٣)\nومع الفعل المستقبل لا يجوز البناء عندهم ويجوز ذلك في قول الكوفيين (٤) -وقد ذكرنا هذه المسألة (٥) عند قوله: ﴿هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ\n_________\n(١) أي الأخفش.\n(٢) من قوله: إن اليوم لما جرى إلى كله كان جيدًا: من قول أبي علي، انظر: \"الحجة\" ٦/ ٣٨٣ - ٣٨٤ بيسير من التصرف.\n(٣) البيت للنابغة الذبياني، والبيت كاملًا:\nعلى حين عاتبتُ المشيبَ على الصِّبا ... وقلت ألَمَّا أصْحُّ والشيبُ وازعُ\nوقد ورد في:\n\"ديوانه\": ٧٩ ط. بيروت، \"الأمالي\" لأبي على القالي ١/ ٢٦، ج ٢/ ١٣٢ و٢٦٤، \"شرح المفصل\" ٣/ ١٦، ٨١ ج ٤/ ٨١، ج ٨/ ١٣٦، \"الإنصاف في مسائل الخلاف\" ١/ ٢٩٢، \"مغني اللبيب\" ١/ ٢٠٥ ش ٧٦٢، كتاب شرح أبيات سيبويه: ١٤٧، \"جامع البيان\" ٣٠/ ٩٠، \"شرح أبيات معاني القرآن\" ٢١٢/ ش ٤٧٧.\nموضع الشاهد: أنه فتح \"حِيْنَ\" وبناها على الفتح، وهي في موضع جر، لأنه أضافها إلى شيء غير متمكن، وهو الفعل الماضي: عاتبت.\nالمعنى: يريد أنه عرف الديار التي قد حل بها، وتذكر من كان يهواه، فبكى وعاوده وجده، فخاطب نفسه، فقال: ألمَّا تصْح! يوُبخ قلبه، أي: قد آن أن تصحو ويزول عنك ما كنت تجده بمن كنت تهواه، والشيب كاف عن أمثال هذا الفعل الذي تفعله. \"شرح أبيات معاني القرآن\" ٢١٣ وانظر الكلام في هذه المسألة: \"كتاب سيبويه\": ٢/ ٣٢٩ - ٣٣٠.\n(٤) انظر: \"الإنصاف في مسائل الخلاف\" ١/ ٢٨٧.\n(٥) بياض في (ع).","vol":"23","page":302},{"text":"الصَّادِقِينَ﴾ (١)، قال مقاتل: يعني لا تقدر نفس لنفس، يعني للكفار شيئا من المنفعة (٢).\nقوله تعالى (٣): ﴿وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾، قال: يقول: لا يملك الأمر غيره وحده، قال قتادة: ليس ثم أحد يقضي شيئًا (٤) أو يصنع شيئًا إلا الله رب العالمين (٥).\nوالمعنى: أن الله تعالى لم يُمَلِّك في ذلك اليوم أحدًا شيئًا من الأمور كما ملكهم في دار الدنيا.\n_________\n(١) سورة المائدة: ١١٩، قد وردت المسألة مطوله جدًا، واختصرت هنا في سورة الانفطار.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ٢٣١/ أ، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٥٧، \"زاد المسير\" ٨/ ١٩٨، \"البحر المحيط\" ٨/ ٤٣٧، قال ابن الجوزي: قال المفسرون: ومعنى الآية أنه لا يملك الأمر أحد إلا الله ولم يملك أحدًا من الخلق شيئًا كما ملكهم في الدنيا، وكان مقاتل يقول وساق قوله والقول على الإطلاق أصح؛ لأن مقاتلًا -فيما أحسب- خاف نفي شفاعة المؤمنيين، والشفاعة إنما تكون عن أمر الله وتمليكه، \"زاد المسير\" ٨/ ١٩٨.\n(٣) ساقط من: ع.\n(٤) بياض في (ع).\n(٥) \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٣٥٤، \"جامع البيان\" ٣٠/ ٩٨، \"الدر المنثور\" ٨/ ٤٤٠ وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.","vol":"23","page":303},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4896>سورة المطففين</span>","vol":"23","page":305},{"text":"تفسير سورة المطففين <span data-type=\"title\" id=toc-4897>(١)</span>\nبسم الله الرحمن الرحيم\n\n١ - ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾، قال أبو عبيدة (٢)، والمبرد (٣): المطفف الذي يبخس في الكيل، والوزن، ولا يوفي، والمطففون: الذين ينقصون المكيال والميزان.\nوقال أهل اللغة: يقال هذا طَفُّ المِكْيال أو طِفافُه إذا قارب ملأه ولما يمتلئ، ولهذا قيل للذي يُسيء الكيل ولا يُوَفِّيه مطفِّف، يعني: أنه إنما يبلغ (٤) الطِّفاف، وهذا إنما أخذ (٥) طَفّ الشيء وهو جانبه، يقال: طف الوادي، والإناء إذا بلغ ما فيه حَرفه ولم يمتلئ فهو طَفافه وطِفافه وطَفَفُهُ.\nوقال أبو إسحاق: إنما قيل الذي ينقص المكيال والميزان مطفف،\n_________\n(١) فيها ثلاثة أقوال:\nأحدها: أنها مكية في قول جماعة المفسرين.\nالثاني: أنها مدنية.\nالثالث: أنها نزلت بين مكة والمدينة.\nانظر: \" النكت والعيون\" ٦/ ٢٢٥، \"زاد المسير\" ٨/ ١٩٩.\n(٢) \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٨٩، وعبارته: المطفف الذي لايوفي على الناس من الناس.\n(٣) \"الوسيط\" ٤/ ٤٤٠.\n(٤) في (أ): بلغ.\n(٥) بياض في (ع). ولعلها (من).","vol":"23","page":307},{"text":"لأنه لا يكاد يسرق في المكيال، والميزان إلا الشيء اليسير الطفيف (١).\nقال الكلبي: قدم رسول الله -ﷺ- المدينة وهم يسيئون كيلهم ووزنهم لغيرهم، ويستوفون لأنفسهم فنزلت هذه الآية (٢).\nوقال أبو هريرة: نزلت في عمي أبي جهينة (٣): كان له صَاعان يأخذ\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٩٧ بتصرف.\n(٢) \"الوسيط\" ٤/ ٤٤٠، ولم أجدها عند غيره مما بين يدي من كتب، وقد وردت رواية من طريق عكرمة عن ابن عباس قال: لما قدم النبي -ﷺ- المدينة كانوا من أخبث الناس كيلًا، فأنزل الله: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ فأحسنوا الكيل.\nانظر: \"جامع البيان\" ٣٠/ ٩١، \"الكشف والبيان\" ج ١٣/ ٥٢/ أ، \"النكت والعيون\" ٦/ ٢٢٥، \"معالم التزيل\" ٤/ ٤٥٧، \"الكشاف\" ٤/ ١٩٤ من غير عزو، \"زاد المسير\" ٨/ ١٩٩، \"الجامع لأحكام القرآن\" ٩/ ٢٤٨، \"لباب التأويل\" ٤/ ٣٥٩، \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥١٦، \"الدر المنثور\" ٨/ ٤٤١ وعزاه إلى النسائي، وابن ماجه، وابن جرير، والطبراني، وابن مردويه، والبيهقي في \"شعب الإيمان\" بسند صحيح عن ابن عباس، وزاد الحافظ ابن حجر في: تخريج \"الكشاف\" ١٨٢، لابن حبان والحاكم، \"فتح القدير\" ٥/ ٣٩٨.\nالحديث أخرجه ابن ماجه في \"سننه\" ٢/ ٢٠: ح ٢٢٤٢: كتاب التجارات: باب ٣٥، قال الألباني: حسن. انظر: صحيح ابن ماجه: ٢/ ١٩: ح ١٨٠٨، والنسائي في: تفسيره: ٢/ ٥٠٢: ح: ٦٧٤، قال محققه: إسناده حسن، والطبراني في \"المعجم الكبير\" ١١/ ٣٧١: ح ١٢٠٤١، وابن حبان في \"موارد الظمآن\" ٤٣٨/ ح ١٧٧٠، والحاكم في \"المستدرك\" ٢/ ٣٣: كتاب البيوع، وصححه ووافقه الذهبي، والبيهقي في \"شعب الإيمان\" ٤/ ٣٢٧: ح: ٥٢٨٦ وانظر: \"لباب النقول\" للسيوطي: ٢٢٨ قال: أخرجه النسائي وابن ماجه بسند صحيح عن ابن عباس، وفي الصحيح المسند: للوادعي: ٢٣٢، وقد ذكر طرق الرواية كما جاءت في كتب السنة السابق ذكرها -وعلق عليها وبين ضعف بعض رجالاتها وخلص بقوله: ولكن مجموع هذه المتابعات تدل على ثبوت الحديث والله أعلم.\n(٣) في (أ): جهلينه.","vol":"23","page":308},{"text":"بواحد، ويعطي بالأخرى (١).\nثم بين أن المطففين من هم فقال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4898>٢ </span>- (قوله تعالى) (٢): ﴿الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ﴾\nالاكتيال: الأخذ بالكيل كالاتزان: الأخذ بالوزن (٣).\nقال الفراء: يريد اكتالوا من الناس. و\"على\"، و\"من\" في هذا الموضع تعتقبان، لأنه حق عليه فإذا قال: اكتلتُ عليك، فكأنه قال: أُخُذتُ مَا عليك، وإذا قال: اكتلتُ منك، فهو كقولك: استوفيت منكْ (٤).\nوقال أبو إسحاق: المعنى: إذا اكتالوا من الناس استوفوا عليهم الكيل، ولم يذكر اتَّزَنوُا؛ لأن الكيل والوَزن بهما (٥) الشراء والبيع،\n_________\n(١) \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٢٤٨، غير أن الرواية لم تذكر أن أبا جهينه عم لأبي هريرة، وقد وردت رواية مثلها عن السدي في \"الكشف والبيان\" ج ١٣: ٥٢/ أ، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٥٧، \"زاد المسير\" ٨/ ٢٠٠، و\"أسباب النزول\" تح: أيمن صالح: ٣٨٨، \"فتح القدير\" ٥/ ٣٩٨، وقد وردت في \"الدر المنثور\" عن أبي هريرة أن الرسول الله استعمل سباع بن عرفطة على المدينة لما خرج من خيبر فقرأ: \"ويلٌ للمطففين\"، فقلت: هلك فلان، له صاع يعطي به، وصاع يأخذ به.\nوعزاه إلى ابن سعد، والبزار، والبيهقي في \"دلائل النبوة\" ٨/ ٤٤٢: باب استخلافه على المدينة حين خرج إلى خيبر سباع عن عُرفُطة، \"كشف الأستار\" عن \"زوائد البزار\" ٣/ ٨٩: ح: ٢٢٨١، وقال البزار: لا نعلم رواه عن أبي هريرة إلا عِراك.\n(٢) ساقط من (ع).\n(٣) انظر: \"التفسير الكبير\" ٣١/ ٨٨\n(٤) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٤٦ بنصه، قال الزمخشري: لما كان اكتيالهم من الناس اكتيالًا يضرهم ويتحامل فيه عليهم أبدل على مكان \"من\" للدلالة على ذلك، \"الكشاف\" ٤/ ١٩٤.\n(٥) في (أ): بها.","vol":"23","page":309},{"text":"فأحدهما يدل على الآخر (١).\nقال المفسرون (٢): يعني الذين إذا اشتروا لأنفسهم استوفوا في الكيل والوزن، وإذا باعوا أو وزنوا لغيرهم نقصوا. وهو قوله:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4899>٣ </span>- ﴿وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾\nأي كَالُوا لهم أو وَزنوا لهم تقول: كلتني الطعام، كِلْتُك الطعام، تريد كِلتَ لي، وكلت لك (٣). قال الفراء: وهذا من كلام أهل الحجاز ومن جاورهم (٤).\nوأنشد (أبو عبيدة) (٥):\nيصيد قاصدًا والمخُّ رَارُ (٦)\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٩٧ بنحوه.\n(٢) قال بذلك الطبري في \"جامع البيان\" ٣٠/ ٩١، والسمرقندي في \"بحر العلوم\" ٣/ ٤٥٦، والماوردي في \"النكت والعيون\": ٦/ ٢٢٦، وانظر أيضا \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٥٧، \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٥٠، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٢٥٠، \"لباب التأويل\" ٤/ ٣٥٩، \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥١٦، ونقل الشوكاني قول الواحدي عن المفسرين: \"فتح القدير\" ٥/ ٣٩٨.\n(٣) قال بذلك ابن قتيبة في: \"تفسير غريب القرآن\" ٥١٩، و\"تأويل مشكل القرآن\" ٢٢٨، وهو أيضًا معنى قول الفراء في \"معانى القرآن\" ٣/ ٢٤٥ - ٢٤٦.\n(٤) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٤٥ - ٢٤٦\n(٥) ساقط من (أ).\n(٦) نسبه أبو عبيدة إلى خفاف، ونسبه المبرد إلى السليك قاله في رثاء فرسه وكان يقال له النَّخَّام.\nوقد ورد في \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٨٩، برواية \"قافلًا\" بدلًا من \"قاصدًا\".\nوالبيت كاملًا:\nويُحْضِرُ فوق جُهْدِ الحُضْرِ نَصًّا ... يصيدكَ قافلًا والمخُّ رَارُ","vol":"23","page":310},{"text":"أي يصيد لك، ومثله: نصحت لك، ونصحتك، وأَمَرْتُكَهُ وأمرتك به، ومنه أمرتك الخير.\nوقال الكسائي يقول: زني كذا، كلني كذا. كالوهم يكيلونهم (١)، ووزنوهم يزنونهم (٢). في موضع نصب (٣). ولا يجوز الوقف على كالوا حتى تصل بـ\"هم\" كما تقول: ضربهم. ذكر ذلك الفراء (٤)، والزجاج (٥)، وزاد الزجاج فقال: ومن الناس من يجعل \"هم\" توكيدًا لما في \"كالوا\" ويجيز الوقف، والاختيار الأول (٦)؛ لأنه لو كان بمعنى \"كالوا\" \"هم\" لكان\n_________\n= وقد ورد في \"الكامل\" ٢/ ٩٧٠، \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٨٩، ولم أعثر عليه في ديوان خفاف.\n(١) في (أ): يكيلوهم.\n(٢) ورد معنى قوله في \"بحر العلوم\" ٣/ ٤٥٦، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٢٥٥، ومعنى قوله: أنه يجعل قوله: \"وإذا كالوهم أو وزنوهم\" حرفًا واحدًا كالوهم أي كالوا لهم، وكذلك وزنوا لهم. \"بحر العلوم\" المرجع السابق.\n(٣) أي الهاء في \"كالوهم\" و\"وزنوهم\".\n(٤) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٤٥ - ٢٤٦.\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٩٧.\n(٦) وإلى هذا ذهب: الطبري: \"جامع البيان\" ٣٠/ ٩١، والماوردي في \"النكت والعيون\" ٦/ ٢٢٦، والزمخشري في \"الكشاف\" ٤/ ١٩٤، والأخفش في \"معاني القرآن\" ٢/ ٧٣٤ وإليه ذهب أبو عمرو بن العلاء، وهو مذهب أيضا سيبويه. \"إعراب القرآن\" للنحاس: ٥/ ١٧٤.\nقال الزمخشري: ولا يصح أن يكون ضميرًا مرفوعًا للمطففين، لأن الكلام يخرج به إلى نظم فاسد، وذلك أن المعنى إذا أخذوا من الناس استوفوا، وإذا أعطوهم أخسروا، وإن جعلت الضمير للمطففين انقلب إلى قولك إذا أخذوا من الناس استوفوا وإذا تولوا الكيل أو الوزن هم على الخصوص أخسروا وهو كلام، متنافر، لأن الحديث واقع في الفعل لا في المباشر. \"الكشاف\" ٤/ ١٩٤.","vol":"23","page":311},{"text":"في المصحف ألف مثبتة قبل \"هم\" (١).\nقوله: ﴿يُخْسِرُونَ﴾\nأي ينقصون كقوله: ﴿وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ﴾ وقد مر (٢).\nقال المفسرون (٣): يريد إذا باعوا وكَالوا لغيرهم، أو وزنوا نقصوا في الكيل والوزن. ثم خوفهم فقال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4900>٤ </span>- ﴿أَلَا يَظُنُّ﴾ (٤) أي ألا يعلم أولئك الذين يطففون.\n<span data-type=\"title\" id=toc-4901>٥ </span>- ﴿أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (٤) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ وهو يوم القيامة.\nقال ابن عباس: يريد ألا يستيقن المطفف في الكيل والوزن بالبعث يوم القيامة (٥).\nثم أخبر عن ذلك اليوم فقال:\n﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ﴾ (٦) قال الزجاج: يوم منصوب بقوله \"مبعوثون\"،\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٩٧.\n(٢) ومما جاء في تفسير قوله: ﴿وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ﴾ الرحمن: ٩، قال ابن عباس، والمفسرون: لا تنقصوا ولا تبخسوا وهذا كقوله تعالى ذكره: ﴿وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ أي ينقصون وروى أهل اللغة أخسرت الميزان وخسرته.\n(٣) والعبارة التي وردت عن بعض المفسرين في معنى يخسرون أي ينقصون، قال بذلك ابن قتية في: \"تفسير غريب القرآن\": ٥١٩، والطبري في \"جامع البيان\" ٣٠/ ٩١، والسمرقندي في \"بحر العلوم\" ٣/ ٤٥٦.\nوانظر: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٥٨، \"زاد المسير\" ٨/ ٢٠٠، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٢٥٠، \"لباب التأويل\" ٤/ ٣٥٩، \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥١٦.\n(٤) ﴿أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (٤)﴾.\n(٥) \"الوسيط\" ٤/ ٤٤١.\n(٦) ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.","vol":"23","page":312},{"text":"المعنى: ألا (١) يظنون أنهم يبعثون يوم القيامة (٢).\nوقال (٣) الفراء: وقد يكون في موضع خفض إلا أنه أضيف إلى (يفعلُ) فنصب (٤).\nوهذا كما ذكرنا في قوله: ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ﴾ [الانفطار: ١٩].\nوقوله: ﴿يَوْمَ يَقُومُ﴾ أي: من قبورهم (٥).\n﴿لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ أي لأمره ولجزائه وحسَابه، وروي مرفوعًا، وبه قال جماعة المفسرين أن المعنى يقومون في رشحهم إلى أنصاف آذانهم (٦).\n_________\n(١) في (أ): لا.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٩٨.\n(٣) في (أ): قال.\n(٤) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٤٦.\n(٥) قال بذلك سعيد بن جبير انظر: \"النكت والعيون\" ٦/ ٢٢٧، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٥٨ وعنه أنه قال أنه جبريل يقوم لرب العالمين، وبعضهم قال يقومون بين يديه للقضاء وقيل غير ذلك \"النكت والعيون\" المرجع السابق.\n(٦) الحديث أخرجه البخاري في: \"الجامع الصحيح\" ٣/ ٣٢١ - ٣٢٢: ح: ٤٩٣٨: كتاب التفسير: باب: ٨٣ والحديث: عن نافع عن عبد الله بن عمر - ﵄ أن النبي -ﷺ- قال: يوم يقوم الناس لرب العالمين حتى يغيب أحدهم في رشحه إلى أنصاف أذنيه، كما وردت بنفس المرجع: ٤/ ١٩٧: ح ٦٥٣١: كتاب الرقاق: باب: ٤٧ وأخرجه مسلم في \"صحيحه\" ٧/ ٢٠١: ح ٦٠: كتاب الجنة وصفة نعيمها: باب: ١٥ والترمذي في \"سننه\" ٥/ ٤٣٤: ح ٣٣٣٥ و٣٣٣٦، كتاب التفسير: باب: ٧٥، وقال هذا حديث حسن صحيح.\nكما ورد هذا الحديث من طريق أبي هريرة -﵁- أن رسول الله قال: يعَرق الناس يوم القيامة حتى يذهب عَرَقهم في الأرض سبعين ذِراعًا ويُلجمهم حتى يبلغ آذانهم، وحده الرواية قد أخرجها:\nالبخاري \"الجامع الصحيح\" ٤/ ١٩٧: ح ٦٥٣٢: كتاب الرقاق: باب: ٤٧.","vol":"23","page":313},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4902>٧ </span>- ﴿كَلَّا﴾ (ردع وتنبيه، أي ليس الأمر على مَا هم عليه، فليرتدعوا) (١) (٢).\nوتمام الكلام هَاهنا (٣). وعند أبي حاتم \"كلا\" ابتداء يتصل بما بعده (٤).\nعلى معنى حقًا إن كتاب الفجار لفي سجين. وهو قول الحسن (٥).\n_________\n= وبنحوه في: \"صحيح مسلم\" ١٧/ ٢٠٢: ح ٦١: باب: ١٥.، وعن المقداد بن الاْسود حديثا مرفوعًا بمعنى رواية أبي هريرة، انظر: \"صحيح مسلم\" ١٧/ ٢٠٢: ح ٦٢: باب: ١٥.، وانظر هذه الرواية والتي من طريق ابن عمر، والمقداد بن الأسود في \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٣٥٥، \"جامع البيان\" ٣٠/ ٩٢ - ٩٤، \"بحر العلوم\" ٣/ ٤٥٦، \"معالم التنزيل\" ٤٥٨/ ٤، \"زاد المسير\" ٨/ ٢٠١، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٢٥٤، \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥١٦ - ٥١٧. \"الدر المنثور\" ٨/ ٤٤٢ وعزاه أيضًا إلى مالك، وهناد، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن مردويه.\n(١) في (أ): فليس تدعوا.\n(٢) ما بين القوسين من قول الزجاج انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣٩٨.\n(٣) أي عند قوله: \"لرب العالمين كلا\" فالوقف عند كلا وهو ما ذهب إليه: نصير ومحمد بن جرير قاله النحاس.\nانظر: \"القطع والائتناف\" ٢/ ٧٩٥. وقال أبو عمرو: يوقف عليها ردًا وزجرًا لما كانوا عليه من التطفيف.\n\"منار الهدى في بيان الوقف والابتداء\" ٤٢١، كما عزاه ابن الجوزي هذا القول إلى كثير من العلماء: \"زاد المسير\" ٨/ ٢١١.\n(٤) بمعنى ألا التي للتنبيه يبتدأ بها الكلام، \"القطع والائتناف\" ٢/ ٧٩٥، \"منار الهدى\" ٤٢١، وانظر: \"علل الوقوف\" للسجاوندي: ٣/ ١١٠٥.\n(٥) \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٥٩، \"التفسير الكبير\" ٣١/ ٩٣، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٢٥٥، وانظر: \"النكت والعيون\" -من غير عزو- ٦/ ٢٢٧.","vol":"23","page":314},{"text":"واختلفوا في معنى: \"سجين\".\nفالأكثرون على أنه: الأرض السابعة السفلى، وهو قول قتادة (١)، ومقاتل (٢)، ومجاهد (٣)، والضحاك (٤)، وابن زيد (٥)، (ومُغِيث بن سُمَيّ (٦) (٧)، وعبد الله بن عمرو (٨)، وابن عباس (٩) في رواية عطاء) (١٠).\nوروي ذلك مرفوعًا من طريق البراء بن عازب أن النبي -ﷺ- قال:\n_________\n(١) \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٣٥٥، \"جامع البيان\" ٣٠/ ٩٥، \"بحر العلوم\" ٣٠/ ٤٥٧، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٥٨، \"زاد المسير\" ٨/ ٢٠٢، \"التفسير الكبير\" ٣١/ ٩٣، \"الدر المنثور\" ٨/ ٤٤٤، وعزاه إلى عبد بن حميد، وعبد الرزاق.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ٢٣٢/ أ، \"بحر العلوم\" ٣/ ٤٥٧، \"زاد المسير\" ٨/ ٢٠٢.\n(٣) \"جامع البيان\" ٣٠/ ٩٥، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٥٨، \"زاد المسير\" ٨/ ٢٠٢، \"التفسير الكبير\" ٣١/ ٩٣، \"الدر المنثور\" ٨/ ٤٤٤ وعزاه أيضًا إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.\n(٤) المراجع السابقة عدا \"الدر المنثور\".\n(٥) المراجع السابقة عدا \"معالم التنزيل\"، و\"الدر المنثور\".\n(٦) مُغِيِثْ بن سُمَيّ الأوزاعي، أبو أيوب الشامي، روى عن عبد الله بن الزبير، وعنه جَبَلَة بن سُحَيْم، ثقة، روى له ابن ماجه، من تابعي أهل الشام.\nانظر: \"كتاب الثقات\" لابن حبان: ٥/ ٤٤٧، \"حلية الأولياء\" ٦/ ٦٧: ت ٣٢٩، \"تهذيب الكمال\" ٢٨/ ٣٤٨: ت ٦١٢١.\n(٧) ورد قوله في \"جامع البيان\" ٣٠/ ٩٤.\n(٨) ورد قوله في \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٥٨، \"الدر المنثور\" ٨/ ٤٤٤ وعزاه إلى عبد بن حميد.\n(٩) \"التفسير الكبير\" ٣١/ ٩٣، \"الدر المنثور\" ٨/ ٤٤٤ وعزاه إلى ابن أبي حاتم.\n(١٠) ما بين القوسين ساقط من (أ).","vol":"23","page":315},{"text":"\"سجين أسفل سبع أرضين\" (١).\nقال عطاء الخراساني: وفيها إبليس وذريته (٢).\nوروى أبو هريرة أن النبي -ﷺ- قال: \"سجين جُب في جهنم\" (٣)\n_________\n(١) أخرجه الإمام أحمد في \"المسند\" ٤/ ٢٨٧ - ٢٨٨، من حديث طويل في صفة قبض الروح، والنسائي في: \"الكبرى\" والحاكم في \"المستدرك\" ١/ ٣٧ - ٣٨: كتاب الإيمان: ذكر فيه اكتبوا كتابه في سجين، وابن أبي شبة في: \"المصنف\" ٣/ ٥٤ - ٥٥: ح ١٢٠٥٩: في نفس المؤمن كيف تخرج ونفس الكافر، والرواية كما جاءت عنده: اكتبوا كتاب عبدي في سجين في الأرض السفلى وأعيدوه إلى الأرض، كما أخرجه البيهقي في: عذاب القبر وابن تيمية في: \"مجموع الفتاوى\" ٤/ ٢٩٠ - ٢٩٢، وقال هو حديث حسن ثابت. وأخرجه أيضًا الطبري في \"جامع البيان\" ٣٠/ ٩٦، \"الكشف والبيان\" ج ١٣: ٥٣/ أ، \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥١٧، وقال ابن كثير وفيه: اكتبوا كتابه من سجين من حديث البراء الطويل، وسجين هي صخرة تحت الأرض السابعة، \"الدر المنثور\" ٨/ ٤٤٤ عن عائشة عن النبي -ﷺ- وعزاه إلى ابن مردوية.\n(٢) \"الكشف والبيان\" ج ١٣: ٥٣/ ب، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٥٩، \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٥١ من غير عزو، \"التفسير الكبير\" ٣١/ ٩٣، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٢٥٥.\n(٣) ورد بنحوه في \"جامع البيان\" ٣٠/ ٩٥ - ٩٦، \"الكشف والبيان\" ج ١٣: ٥٣/ ب، \"النكت والعيون\" ٦/ ٢٢٨، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٥٩، \"التفسير الكبير\" ٣١/ ٩٣، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٢٥٦، \"لباب التأويل\" ٤/ ٣٦٠، \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥١٧، وقال ابن كثير عنه: وقد روى ابن جرير حديثًا غريبًا منكرًا لا يصح. ثم ساق الحديث المذكور، وفي الإسناد الذي ذكره الطبري مسعود بن موسى بن مسكان الواسطى قال عنه ابن حجر: قال العقيلي إسماعيل وهو من روى عنه لا يعرف ومسعود نحو منه: \"لسان الميزان\" ٦/ ٢٧. وفيه شعيب بن صفوان بن الربيع الثقفي قال عنه ابن حجر إنه مقبول. -قلت أي ضعيف-. وعن يحيى بن =","vol":"23","page":316},{"text":"وقال الكلبي: سجين صخرة تحت الأرض السَابعة (١). وهو قول مجاهد (٢) (في رواية ابن أبي نجيح) (٣).\nوقال عكرمة: (لفي سجين) لفي خسارة (٤).\nهذا مَا ذكره المفسرون في تفسير (سجين).\nوقال (٥) أبو عبيدة (٦)، والمبرد (٧) ﴿لَفِي سِجِّينٍ﴾ لفي حبس (٨).\nوهو فِعّيْل من السجن، كما تقول: فسِّيق من الفِسق.\nونحو هذا حكى الزجاج عن أهل اللغة (٩).\n_________\n= معين أنه قال شعيب بن صفوان: لا شيء. وعن أبي حاتم قال: شعيب بن صفوان يكتب حديثه ولا يحتج به.\nالخلاصة: أن سند الرواية ضعيف لوجود مسعود بن موسى وشعيب بن صفوان والله أعلم.\n(١) \"الكشف والبيان\" ج ١٣/ ٥٣/ ب، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٥٩.\n(٢) \"جامع البيان\" ٣٠/ ٩٦، \"بحر العلوم\" ٣/ ٤٥٧، \"الكشف والبيان\" ج ١٣: ٥٤/ أ، النكت والعيون: ٦/ ٢٢٨، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٥٩، \"التفسير الكبير\" ٣١/ ٩٣، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٢٥٥.\n(٣) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٤) \"بحر العلوم\" ٣/ ٤٥٧، \"الكشف والبيان\" ج ١٣: ٥٤/ أ، \"النكت والعيون\" ٦/ ٢٢٧، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٥٩، \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٥١، \"زاد المسير\" ٨/ ٢٠٢، \"التفسير الكبير\" ٣١/ ٩٣، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٢٥٦، \"البحر المحيط\" ٨/ ٤٤٠، \"الدر المنثور\" ٨/ ٤٤٥ وعزاه إلى ابن المنذر.\n(٥) في (أ): فقال.\n(٦) \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٨٩ بنصه، والنص لأبي عبيدة.\n(٧) \"التفسير الكبير\" ٣١/ ٩٣.\n(٨) في (أ): جهس.\n(٩) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٩٨.","vol":"23","page":317},{"text":"ولم يزد من تكلم في معاني القرآن من أهل اللغة على هذا (١). وليس هذا بكاف ولا مقنع؛ لأنه غير موافق لما ذكره المفسرون بوجه، ولأنه لو كان من السجن لكان معناه الذي يكثر منه السجن، كالفسيق، والشريب، وبابه كما قيل في بيت ابن مُقْبل (٢).\nضَرْبًا تواصتْ به الأبْطالُ سِجِّينا (٣)\n(هو فعيل من السجن كَأنه يلبث من وقع به فلا يبرح مكانه، وقال أبو عمرو: السجين في هذا البيت الشديد. وأما ابن الأعرابي فإنه رواه: سِخيِنًا، أي سُخْنًا) (٤) (٥)\nفإذًا ليس السجِّين المذكور في القرآن من كلام العرب، وما كانت تعرفه (٦)، وهو على ما قاله المفسرون، والمعنى: إن كتاب عملهم لا يُصَعد\n_________\n(١) قال الأخفش: لفي حبس ضيق شديد، وهو فعيل من السجن كما يقال: فسبق وشريب، وانظر: \"ما تلحن فيه العامة\" للكسائي: ١١٣، \"الكشف والبيان\" ج ١٣/ ٥٤/ أ.\n(٢) تقدم ترجمته في سورة البقرة.\n(٣) وصدر البيت كما في الديوان:\nوَرَجْلَةِ يَضْربونَ البيض عَن عُرُضٍ\nوقد ورد البيت في: ديوانه: ١٣٦: تح: د. تورك برواية: تَواصى به بدلًا تواصت به، مادة: (سجن): \"تهذيب اللغة\" ١٠/ ٥٩٥،\"الصحاح\" ٥/ ١٣٣، \"لسان العرب\" ٣/ ٢٠٣، \"تاج العروس\" ٩/ ٢٣١.\n(٤) سُخْنًا أي الضّرْبَ، \"تهذيب اللغة\" ١٠/ ٥٩٥: مادة: (سجن).\n(٥) ما بين القوسين نقلة عن \"تهذيب اللغة\" المرجع السابق.\n(٦) وقد جمع بعض من المفسرين بين المعنيين، أي بين القول أنها اسم للأرض السابعة السفلى، وبين القول أنها فعيل من السجن، من هؤلاء: ابن جرير الطبري، والماوردي، والزمخشري، وابن كثير، وابن تيميه.","vol":"23","page":318},{"text":"به إلى السماء كما يصعد بكتاب المؤمن وهو قوله: ﴿إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ [المطففين: ١٨]، وإنما يوضع تحت الأرض السابعة، وذلك علامة خسارهم ودليل على خساسة منزلتهم.\nوهذا معنى ما ذكره ابن عباس عن كعب لما سَأله عن تفسير سجين (١)، ومن قال إنه: صخرة تحت الأرض السَابعة قال: فقلت تلك الصخرة فيجعل كتاب الكفار إذا مَات تحتها. ذكره ابن أبي نجيح عن مجاهد (٢)، والكلبي (٣).\nوالدليل على أن سجين ليس مما كانت العرب تعرفه.\n_________\n= انظر: \"جامع البيان\" ٣٠/ ٩٤، \"النكت والعيون\" ٦/ ٢٢٨، \"الكشاف\" ٤/ ١٩٥، \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥١٧ - ٥١٨، \"مجموع الفتاوى\" ٢٥/ ١٩٦، ورد الإمام الشوكاني على ما ذكره الإمام الواحدي من أن سجين ليس بلفظ عربي قال: ويجاب عنه بأن رواية هؤلاء الأئمة تقوم بها الحجة وتدل على أنه من لغة العرب، واستشهد عليه ببيت ابن مقبل. \"فتح القدير\" ٥/ ٣٩٩.\n(١) \"جامع البيان\" ٣٠/ ٩٤، وكان جواب كعب، أما سجين فإنها الأرض السابعة السفلى وفيها أرواح الكفار تحت حد إبليس، وفي رواية أخرى: قال: إن روح الفاجر يُصعد بها إلى السماء فتأبى السماء تقبلها وُيهبط بها إلى الأرض فتأبى الأرض أن تقبلها فتهبط فتدخل تحت سبع أرضين حتى ينتهي بها إلى سجين وهو حد إبليس فيخرج لها من سجين من تحت حد إبليس رَقّ فيرقم ويختم يوضع تحت خد إبليس بمعرفتها الهلاك إلى يوم القيامة، وانظر أيضا: \"الكشف والبيان\": ج ١٣: ٥٣/ أ - ب، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٥٩، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٢٥٥، \"لباب التأويل\" ٤/ ٣٦٠، \"الدر المنثور\" ٨/ ٤٤٣، وعزاه إلى ابن المبارك في: الزهد، وعبد بن حميد، وابن المنذر.\n(٢) سبق ذكره في أول تفسير هذه الآية.\n(٣) سبق ذكره في أول تفسير هذه الآية.","vol":"23","page":319},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4903>٨ </span>- (قوله تعالى) (١): ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ (٨)﴾ (٢)، قال أبو إسحاق: أي ليس ذلك مما كنت تعلمه أنت ولا قومك (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-4904>٩ </span>- (وقوله) (٤): ﴿كِتَابٌ مَرْقُومٌ﴾، (٥) ذكر الكلبي (٦)، (ومقاتل (٧) (٨) أن هذا تفسير وبيان للسجين. قال الكلبي: ثم أخبره فقال: ﴿كِتَابٌ مَرْقُومٌ﴾ (٩).\nوهذا بعيد؛ لأنه لا يمكن أن يجعل الكتاب المرقوم تفسير لسجين وليس السجين من الكتاب المرقوم في شيء على ما حكينا عن المفسرين في تأويله (١٠).\nوالوجه أن نجعل هذا بيانًا للكتاب المذكور في قوله: ﴿إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي﴾ على تقدير: هو كتاب مرقوم، يعني كتاب الفجار.\n_________\n(١) ساقط من (ع).\n(٢) قال القرطبي: وليس في قوله: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ﴾ ما يدل على أن لفظ سجين ليس عربيًا، ونفى أن يكون في القرآن لفظ غير عربي. \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٨٥٦.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٩٨ بنصه.\n(٤) ساقط من (ع).\n(٥) ورد قول أبي إسحاق السابق ذكره في الآية: ٨، وهو مكرر، وليس هذا بموضعه، وإنما موضعه كما مر عند تفسير آية: ٨\n(٦) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٧) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٢٣٢/ أ.\n(٨) ساقط من (أ).\n(٩) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(١٠) قال ابن كثير عن القرظي وقوله تعالى: ﴿كِتَابٌ مَرْقُومٌ﴾ ليس تفسيرًا لقوله: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ﴾، وإنما هو تفسير لما كتب لهم من المصير إلى سجين، أي مرقوم مكتوب مفروغ منه لا يزاد فيه أحد ولا ينقص منه أحد.\n\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥١٨.","vol":"23","page":320},{"text":"وأما معنى المرقوم في اللغة: (فقال الليث: ﴿كِتَابٌ مَرْقُومٌ﴾ قد بينت حروفه بعلاماتها من التنقيط، والتاجر يَرْقُم ثَوبَه بِسَمته.\nوقال أبو العباس (١): ﴿كِتَابٌ مَرْقُومٌ﴾ أي مكتوب، وأنشد (٢):\nسأُرقُمُ في المَاءِ القُرَاحِ إليكُمُ ... على بُعدِكُم إن كان في الماء راقم (٣)\nأي سَأكتب) (٤).\nوأما التفسير، فقال قتادة: رُقِم لهم بشرٍّ (٥). ونحوه قال مقاتل (٦).\nوعلى هذا من الرقم. الذي هو العلامة، كأنه أعلم بعلامة يعرف بها أنه لكَافر. ويجوز أن يكون المعنى: مرقوم في سجين، على قول من يقول: إنها صخرة.\n_________\n(١) أي أحمد بن يحيى -ثعلب-.\n(٢) بيت الشعر لأوس بن حجر.\n(٣) ورد في البيت في ديوانه: ١١٦ برواية: \"بالماء\" بدلًا من: \"في الماء\"، و\"على نأيكم\" بدلًا من \"على بعدكم\"، و\"للماء\" بدلًا من \"في الماء\".\nمادة: (رقم) في: \"تهذيب اللغة\" ٩/ ١٤٣، \"مقاييس اللغة\" ٢/ ٤٢٥، \"لسان العرب\" ١٢/ ٢٤٨، وفي \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٢٥٦، \"فتح القدير\" ٥/ ٤٠٠، وكلها برواية \"للماء\" بدلًا من \"في الماء\"، وفي معجم المقاييس رواية \"على نأيِكُمْ\" بدلًا من \"على بعدكم\".\n(٤) ما بين القوسين نقله عن \"تهذيب اللغة\" ٩/ ١٤١ - ١٤٢: مادة (رقم)، وانظر أيضا \"لسان العرب\" ١٢/ ٢٤٨: مادة (رقم).\n(٥) \"جامع البيان\" ٣٠/ ٩٦، \"الكشف والبيان\" ج: ١٣: ٥٤/ أ، \"النكت والعيون\" ٦/ ٢٢٨، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٥٩، \"زاد المسير\" ٨/ ٢٠٢، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٢٥٦، \"البحر المحيط\" ٨/ ٤٤٠، \"الدر المنثور\" ٨/ ٤٤٤، وعزاه إلى عبد بن حميد، \"فتح القدير\" ٥/ ٣٩٩.\n(٦) ورد معنى قوله في \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٥٩، \"فتح القدير\" ٥/ ٣٩٩.","vol":"23","page":321},{"text":"والمعنى: إن عمل الكَافر، وما أُعد لَهُ من العقاب أثُبت ذكره في تلك الصخرة فهو مرقوم فيها.\nوهذا معنى قول الكلبي: مكتوب في صخرة تحت الأرضين (١).\nويدل على هذا ما روى عن البراء مرفوعًا قال: يقول الله اكتبوا كتابه في سجين (٢). وذكر أيضًا أن المرقوم معناه: -هَاهنا- المختوم (٣). وهو صحيح، لأن الختم علامة، فيجوز أن يسمى المختوم مرقومًا (٤)، و﴿سِجِّينٌ﴾ على قول من يقول إنه اسم لصخرة إنما صرف ذهَابًا إلى الحجر الذي فيه الكتاب، فلا يجتمع التأنيث، والعجمة. ذكره الفراء (٥).\nوذكر بعض المفسرين -أيضًا- أن معنى الكتاب مثبت عليهم، كالرقم في الثوب لا ينمحي (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4905>١٠ </span>- فقال: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾، ذكر صاحب النظم: أن هذا منتظم بقوله: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ﴾ وإن قوله: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ﴾ ما اتصل به، معترض بينهما:\n_________\n(١) سبق ذكره عند تفسير قوله \"سجين\".\n(٢) سبق تخريجه. عند تفسير قوله \"سجين\".\n(٣) وهو قول الضحاك قال: مرقوم، مختوم بلغة حمير. \"النكت والعيون\" ٦/ ٢٢٨، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٢٥٦.\n(٤) والرقم في اللغة الكتابة والختم. انظر: \"الصحاح\" ٥/ ١٩٣٥: مادة: (رقم).\n(٥) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٤٦، ونص قوله: ذكروا أنها الصخرة التي تحت الأرض ونرى أنها صفة من صفاتها، لأنه لو كان لها اسمًا لم يجر، وإن قلت: أجريته، لأني ذهبت بالصخرة إلى أنها الحجر الذي فيه الكتاب كان وجهًا.\n(٦) وهذا القول ورد في \"الكشف والبيان\" ج ١٣: ٥٤/ أ، وانظر أيضًا: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٥٩، \"زاد المسير\" ٨/ ٢٠٢، \"التفسير الكبير\" ٣١/ ٩٤.","vol":"23","page":322},{"text":"قال: ويحتمل أن ينتظم بما هو متصل به على كتاب مرقوم، يظهر يوم القيامة، ثم دل على هذا الإضمار بقوله: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٠)﴾ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4906>١١ </span>- ثم أخبر بهم فقال: ﴿الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ﴾ وهو ظاهر، إلى قوله: \"كلا\" قال مقاتل: أي لا يؤمن (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-4907>١٤ </span>- ثم استأنف: ﴿بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾\nقال أبو عبيدة: ران على قلوبهم غلب عليها، والخمر تريِن على قلب السكران، والموت يَرين على الميِّت فيذهب به، وأنشَد لأبي زُبيد (٣) فقال (٤):\nثمَّ لَمَّا رَآه رانتْ به الخمر ... وأن لا تَرِينَهُ باتِّقاءِ (٥) (٦)\nأي غلبت الخمر على قلبه وعقله (٧).\nوقال الليث: ران النعاس، والخمر في الرأس: إذا رسخ فيه، وهو\n_________\n(١) \"الوسيط\" ٤/ ٤٤٥، \"غرائب التفسير وعجائب التأويل\" ٢/ ١٣١٨ مختصرًا.\n(٢) \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٥٩.\n(٣) أبو زبيد هو المنذر بن حَرْملة من طيء وكان جاهليًا قديمًا وأدرك الإسلام إلا أنه لم يُسلم ومات نصرانيًا، وكان من المعمرين، يقال أنه عاش ١٥٠ سنة، وكان نديم الوليد بن عُقبة. ولم يصف أحد من الشعراء الأسد وصفه.\nانظر: \"الشعر والشعراء\" ١٨٥.\n(٤) ساقط من (ع).\n(٥) ورد البيت تحت مادة: (رين) في: \"تهذيب اللغة\" ١٥/ ٢٢٥، \"لسان العرب\" ١٣/ ١٩٣، \"تاج العروس\" ٩/ ٢٢٣، \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٨٩، \"الكشف والبيان\" ج ١٣/ ٥٤/ ب، \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٥١، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٢٥٨، \"الحجة\" ٦/ ٣٨٦، وكتب التفسير. برواية \"وألا\" بدلًا من \"أن\".\n(٦) \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٨٩.\n(٧) بيت الشعر وبيان معناه نقله عن \"تهذيب اللغة\" ١٥/ ٢٢٥: مادة: (رين).","vol":"23","page":323},{"text":"يَرين رَيْنًا ورُيُونا (١). ومن هذا حديث عمر -﵁- في اسَيفِع جُهَينة لما رَكِبه الدين أصبح قَدْ رينَ به (٢).\nقال أبو زيد: يقال رِين بالرَّجُل رَيْنًا، إذا وقَع فيما لا يَستطيع الخروج منه ولا قِبلَ له به (٣).\nوقال أبو عبيد (٤): كل ما غَلبك وعَلاك فقد ران بك، وران عليك، وأنشد بيت أبي زُبَيْد (٥).\nوقال أبو معَاذ النحوي: الرين، أن يسوَّد القلب من الذنوب، والطبع أن يطبع على القلب، وهو أشد من الرين، والإقفال أشد من الطبع وهو أن يقفل على القلب (٦).\nوقال الفراء: هو أنه كثرت المعاصي والذنوب فأحاطت بقلوبهم فذلك الرَّين عليها (٧).\nوقال أبو إسحاق: ران على قلوبهم بمعنى غطى على قلوبهم، يُقال\n_________\n(١) ورد قوله في \"التفسير الكبير\" ٣١/ ٩٥، وانظر: \"السان العرب\" ١٣/ ٩٣: مادة: (رين)، \"تاج العروس\" ٩/ ٢٢٣: مادة: (رين).\n(٢) ورد في: \"البداية والنهاية\" ٢/ ٢٩٠ - ٢٩١، كما ورد في كتب اللغة السابق ذكرها، وانظر أيضًا \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٢٥٨.\n(٣) \"تهذيب اللغة\" ١٥/ ٢٢٥: مادة: (رين)، \"الصحاح\" ٥/ ٢١٢٩: مادة: (رين)، \"لسان العرب\" ١٣/ ١٩٢: مادة: (رين).\n(٤) في (أ): أبو عبيدة.\n(٥) \"تهذيب اللغة\" ١٥/ ٢٢٥: مادة: (رين).\n(٦) ورد قوله في: \"تهذيب اللغة\" ١٥/ ٢٢٥: ممادة: (رين)، وانظر: \"لسان العرب\" ١٣/ ١٩٣: مادة: (رين)، \"تاج العروس\" ٩/ ٢٢٣: مادة: (رين)، \"فتح القدير\" ٥/ ٤٠٠.\n(٧) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٤٦ بيسير من التصرف.","vol":"23","page":324},{"text":"ران على قلبه يَرينُ رَيْنًا أي غشيه، والرَّيْن كالصدأ يغشى القلب، ومثله الغين (١) (٢).\nقال الحسن (٣)، ومجاهد (٤) هو: الذنب على الذنب حتى تحيط الذنوب بالقلب وتغشاه فيموت القلب، ونحو هذا قال مقاتل: غمر بها أعمالهم الخبيثة (٥)، ومن المفسرين من يجعل الرين: الطبع (٦)،\n_________\n(١) الغين: قال أبو عبيدة: يعني أنه يتغشى القلب ما يَلبِسُهُ، وكذلك كل شيء تغش شيئا حتى يُلبِسَه فقد غين عليه. \"تهذيب اللغة\" ٨/ ٢٠٠: مادة: (غين).\nوفي اللسان: وغين على قلبه غَيْنًا: تغشَّتْه الشهوة، وقيل غِين على قلبه غُطِّي عليه وأُلْبِسَ. ١٣/ ٣١٦: مادة: (غين).\nوعن ابن تيمية أنه قال: الغين ألطف من الرين، واستدل بحديث النبي -ﷺ-: إنه ليغان على قلبي وإني لاستغفر الله سبعين مرة. \"صحيح مسلم\" ٤/ ٢٠٧٥: كتاب الذكر: باب ١٢ \"مجموع الفتاوى\" ١٧/ ٥٢٣.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٩٩ بيسير من التصرف.\n(٣) ورد بنحو من قوله في \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٣٥٦، \"جامع البيان\" ٣٠/ ٩٨، \"الكشف والبيان\" ج ١٣/ ٥٤/ ب، \"النكت والعيون\" ٦/ ٢٢٩، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٦٠، \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٥٢، \"الكشاف\" ٤/ ١٩٦، \"زاد المسير\" ٨/ ٢٠٣، \"التفسير الكبير\" ٣١/ ٩٥، \"البحر المحيط\" ٨/ ٤٤١، \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥١٨، \"تفسير الحسن البصري\" ٢/ ٤٠٤، \"الدر المنثور\" ٨/ ٤٤٧، \"فتح القدير\" ٥/ ٤٠٠.\n(٤) ورد معنى قوله في: \"تفسير الإمام مجاهد\" ٧١١، \"جامع البيان\" ٣٠/ ٩٨، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٢٥٧، \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥١٨، \"التفسير الكبير\" ٣١/ ٩٥، \"الدر المنثور\" ٨/ ٤٤٧ وعزاه إلى عبد بن حميد.\n(٥) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٦) وهو قول ابن عباس في معنى: الران: قال: هو الطبع. انظر: \"جامع البيان\" ٣٠/ ٩٩، \"الكشف والبيان\" ج ١٣/ ٥٤/ ب، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٦٠، والكلبي في \"النكت والعيون\" ٦/ ٢٢٨.","vol":"23","page":325},{"text":"والصدأ (١) (٢)، وسواد القلب. وهو قول عبد الله، قال: كلما أذنب نكِت في قلبه نكته سوداء حتى يسود القلب كله (٣)، وروي نحو هذا مرفوعًا في حديث أبي هريرة (٤)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4908>١٥ </span>- قوله (تعالى (٥»: ﴿كَلَّا﴾ (٦) قال ابن عباس: يريد لا\n_________\n(١) الصدأ: صَدَأُ الحديد، وسخه. \"الصحاح\" ١/ ٥٩: مادة: (صدأ).\nوفي \"القاموس المحيط\" ١/ ٢٠ (صدأ): الصدأ: الحديد علاه الطبع والوسخ.\n(٢) في (أ): كالصدأ.\n(٣) ورد معنى قوله في \"الوسيط\" ٤/ ٤٤٥، \"التفسير الكبير\" ٣١/ ٩٥ وعزاه إلى آخرين.\n(٤) إسناده حسن، والحديث أخرجه: الإمام أحمد في \"المسند\" ٢/ ٢٩٧، ولفظه كما ورد عنده، عن أبي صالح عن أبي هريرة، قال، قال رسول الله -ﷺ-: إن المؤمن إذا أذنب كانت نكتة سوداء في قلبه فإن تاب ونزع واستغفر صقل قلبه وإن زاد زادت حتى يعلو قلبه ذاك الرين الذي ذكر الله -﷿- في القرآن: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾.\nوابن ماجه في: سننه ٢/ ٤٣٧: ح ٤٢٩٨: أبواب الزهد: باب: ٢٩، والترمذي في \"سننه\" ٥/ ٤٣٤: ح ٣٣٣٤: كتاب تفسير القرآن: باب ومن سورة ويلٌ للمطففين، وقال هذا حديث حسن صحيح. والنسائي في: تفسيره: ٢/ ٥٠٥: ح ٦٧٨ والحاكم في \"المستدرك\" ٢/ ٥١٧: كتاب التفسير: تفسير سورة المطففين، وقال عنه حديث صحيح، ووافقه الذهبي، وابن حبان في \"موارد الظمآن\" ٤٣٩/ ح ١٧٧١.\nوقال الألباني: حسن، انظر: صحيح سنن ابن ماجه: ٢/ ٤١٧: ح ٣٤٢٢. كما خرج له في كتب التفسير: أسوق منها: \"جامع البيان\" ٣٠/ ٩٨، \"الكشف والبيان\" ج ١٣: ٥٤/ ب، \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥١٨، وعزاه إلى الترمذي وقال حسن صحيح والنسائي وأحمد، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٤٤٥، وزاد السيوطي نسبته إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن مردويه، والبهيقي، \"شعب الإيمان\" ٥/ ٤٤٠: ح ٧٢٠٣: فصل في الطبع على القلب أو الرين.\n(٥) ساقط من (ع).\n(٦) ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾.","vol":"23","page":326},{"text":"يصدقون (١).\nثم استأنف: ﴿إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾\nقال مقاتل: يعني أنهم بعد العرض والحسَاب لا ينظرون إليه، وينظر المؤمنون إلى ربهم (٢).\nوقال الكلبي: يقول إنهم عن النظر إلى رؤية ربهم لمحجوبون، والمؤمن لا يحجب عن رؤيته (٣).\nوقال أبو علي البجلي (٤): كما حجبهم في الدنيا عن توحيده، حجبهم في الآخرة عن رؤيته (٥).\nوسئل مَالك بن أنس عن هذه الآية: لمَّا حجب أعداءه فلم يروه، تجلى (٦) لأوليائه حتى رأوه (٧).\nوروى مالك لنا عن الشافعي -﵀ (٨) - أنه أجاب في هذه الآية لمَّا حجب قومًا بالسُّخْطِ دل على أن قومًا يرونه بالرضا (٩).\n_________\n(١) \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٦٠، \"زاد المسير\" ٨/ ٢٠٣ من غير عزو.\n(٢) ورد بنحو قوله في \"التفسير الكبير\" ٣١/ ٩٧.\n(٣) المرجع السابق، وفي \"الوسيط\" ٤/ ٤٤٦ عزاه إلى الكلبي عن ابن عباس.\n(٤) أبو علي البجلي هو الحسين بن الفضل بن عمير البجلي -سبقت ترجمته.\n(٥) \"الكشف والبيان\" ج ١٣: ٥٥/ أ، \"معالم التنزيل\" ٥/ ٤٦٠، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٢٥٩، \"فتح القدير\" ٥/ ٤٠٠.\n(٦) غير واضحة في (ع).\n(٧) ورد قوله في \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٦٠، \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٥٢.\n(٨) في (ع): -﵁-.\n(٩) \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٥٢، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٢٥٩، \"لباب التأويل\" ٤/ ٣٦١، \"البحر المحيط\" ٨/ ٤٤١، \"روح المعاني\" ٣٠/ ٧٣.","vol":"23","page":327},{"text":"وقال أبو إسحاق الزجاج: في هذه الآية دليل على أن الله -﷿ (١) - يُرى في القيامة ولولا ذلك مَا كَان في هذه الآية فائدة، ولا خُسِسَتْ منزلة الكفار بأنهم يحجبون عن الله، ولمَّا أعلم الله أن المؤمنين ينظرون إليه في قوله: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٣] أعلم أن الكفار يحجبون عنه.\nوقوم ذهبوا إلى (أن) (٢) معنى أنهم محجوبون عن رحمة الله وما أعد لأوليائه من النعيم (٣).\n_________\n= والخلاصة في مسألة الرؤية:\nقال السفاريني: لم يمتنع سبحانه من أن يمكن عباده من رؤيته في دار القرار إلا عن الكافر بالله -تعالى- وبكل مكفر اتصف به فكل من حكم الشرع بكفره فهو محجوب عن رؤية ربه، قال علي بن المديني: سألت عبد الله بن المبارك عن رؤية الله تعالى، فقال ما حجب الله -﷿- أحدًا عنه إلا عذبه ثم قرأ: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ (١٦) ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (١٧)﴾ قال بالرؤية.\n\"لوامع الأنوار\" ٢/ ٢٤٥.\nوالرؤية حق لأهل الجنة بغير إحاطة ولا كيفية، كما نطق به كتاب ربنا: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ (القيامة: ٢٢ - ٢٣) وتفسيره على ما أراده الله تعالى وعلى كل ما جاء في ذلك من الحديث الصحيح عن الرسول -ﷺ- فهو كما قال، ومعناه على ما أراد، لا ندخل في ذلك متأولين بآرائنا ولا متوهمين بأهوائنا.\nقاله الطحاوي. انظر: \"شرح العقيدة الطحاوية\" ٢٦ - ٢٧.\n(١) ساقط من (ع).\n(٢) ساقط من (أ).\n(٣) قال بهذا القول: المعتزلة، ونفاة الرؤية. انظر: \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٥٢، \"التفسير الكبير\" ٣١/ ٩٧، \"رؤية الله تعالى\": د. آل حمد: ٢٢١.\nومن أمثلة قائليه من أصحاب هذه الفرقة: عبد الجبار قال في معنى قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ إنهم ممنوعون من -رحمة الله-؛ لأن الحجب هو المنع، ولذلك يقال فيمن يمنع الوصول إلى الأمير: إنه حاجب له، وإن كان الممنوع مشاهدًا له، وقال أهل الفرائض في الأخوة إنهم يحجبون الأم عن الثلث =","vol":"23","page":328},{"text":"وذلك عدول عن سنن الخطاب، وظاهر الكلام.\n_________\n= إذا منعوها وان لم يكن هناك ستر في الحقيقة، تبين بذلك أنه تعالى يمنعهم بذلك من رحمته وسعة فضله ليبعث السامع بذلك على التمسك بطاعة الله فيكون يوم القيامة من أهل الرحمة لا من المحجوبين عنها.\nرؤية الله تعالى د. آل حمد: ٢٢١، نقلًا عن \"متشابه القرآن\" لعبد الجبار: ٦٨٣، وانظر: تفسير الفخر: ٣١/ ٩٦، وقال الزمخشري أيضًا: كلا ردع عن الكسب الرائن على قلوبهم، وكونهم محجوبين عنه تمثيل للاستخفاف بهم واهانتهم لأنه لا يؤذن على الملوك إلا للوجهاء المكرمين لديهم، ولا يحجب عنهم إلا الأدنياء المهانون عندهم. \"الكشاف\" ٤/ ١٩٦.\nوقد ذهب بعض المفسرين كابن عباس إلى القول أنهم محجوبون عن رحمة الله وذهب إليه أيضًا قتادة، وابن أبي مليكة، ومجاهد، ولكن هذا القول منهم على خلاف ما ذكرت المعتزلة من نفي الرؤية إطلاقًا، إذ قوله: وإنهم عن ربهم يومئذٍ لمحجوبون تحمل معانٍ عدة وليس فيها دلالة ظاهرة ولا دليل يخصص عمومها. كغيرها من الآيات نحو ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾.\nومما يدل على أنهم يثبتون هؤلاء المفسرين من الصحابة والتابعين قول ابن عباس في معنى الآية قال: إنهم عن النظر إلى ربهم يومئذ لمحجوبون، والمؤمن لا يحجب عن رؤيته.\nوالخلاصة: قال ابن جرير: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال هم محجوبون عن رؤيته، وعن كرامته إذ كان الخبر عامًا لا دلالة على خصوصه. \"جامع البيان\" ٣٠/ ١٠٠ - ١٠١.\nولكن ثبت بالأخبار التي بلغت حد التواتر المعنوي عن المصطفى رؤية المؤمنين لربهم ﵎ في الدار الآخرة لهذا ذهب جمهور المفسرين إلى تفسير حجب الكفار عن ربهم في الآية بالمنع من رؤيته، فمفهوم الآية يدل على ما دل عليه صريح الآيات المثبتة لرؤية المؤمنين لربهم والأحاديث الصحيحة المتفق على صحتها بين علماء السنة والحديث كذلك فيها النص الصريح على رؤية المؤمنين لربهم في الآخرة. - (قلت: سبق ذكر الأدلة في سورة القيامة آية ٢٣) - انظر: \"رؤية الله تعالى\" د. آل حمد: ٢٢٢","vol":"23","page":329},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4909>١٦ </span>- (ثم أخبر أنهم بعد حجبهم عن الله يدخلون النار) (١) وهو قوله: ﴿ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ (١٦)﴾\n<span data-type=\"title\" id=toc-4910>١٧ </span>- ثم يقول لهم الخزنة: ﴿هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾.\n<span data-type=\"title\" id=toc-4911><span data-type=\"title\" id=toc-4912>١٨ </span></span>- ﴿كَلَّا﴾ (٢) قال مقاتل: لا يؤمن بالعذاب الذي يصلاه (٣).\n(ثم أعلم أين محل كتاب الأبرار، فرفع كتابهم على قدر مرتبتهم، كما خَسّسَ كتاب الفجار بقوله:\n\n١٨ - ﴿إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ﴾) (٤) قال مقاتل: يعني المطيعين لله (٥).\nواختلفوا في تفسير \"عليين\": فقال ابن عباس (في رواية الوالبي (٦»: هو الجنة (٧).\nوقال في رواية عطية: هي السماء (٨). (وقال في رواية عطاء: هي\n_________\n(١) نقلًا عن الزجاج: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٩٩.\n(٢) ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ﴾.\n(٣) \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٦٠، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٢٦٠، ولم أعثر على قوله في تفسيره.\n(٤) ما بين القوسين نقلًا عن \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٩٩.\n(٥) لم أعثر على مصدر لقوله، وقد ورد بمثله من غير عزو في \"الوسيط\" ٤/ ٤٤٧، \"فتح القدير\" ٥/ ٤٠٢، وقد سبق بيان معنى الأبرار في سورة الانفطار: ١٣.\n(٦) ساقط من (أ).\n(٧) \"جامع البيان\" ٣٠/ ١٠٢، \"النكت والعيون\" ٦/ ٢٢٩، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٦٠، عن عطاء عن ابن عباس، وكذا في \"زاد المسير\" ٨/ ٢٠٤، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٢٦٠، \"لباب التأويل\" ٤/ ٣٦١، \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥١٩.\n(٨) ورد معنى قوله في \"جامع البيان\" ٣٠/ ١٠٣، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٢٦٠، \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥١٩.","vol":"23","page":330},{"text":"السماء الرابعة (١» (٢)\nوقال قتادة (٣)، ومقاتل (٤): هي قائمة العرش اليمنى فوق السماء السابعة.\nوقال الضحاك: هي سدرة المنتهى (٥). وقال مجاهد: في السماء السَابعة (٦) (هذا قول المفسرين) (٧).\nوأما أهل اللغة والمعاني، فقال الفراء: يعني ارتفاعًا بعد ارتفاع لا غاية له (٨).\n_________\n(١) \"التفسير الكبير\" ٣١/ ٩٨، من غير ذكر الطريق إلى ابن عباس.\nوله رواية في أنها السماء السابعة. انظر: \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٥٢، \"التفسير الكبير\" ٣١/ ٩٨.\n(٢) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٣) \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٣٥٦، \"جامع البيان\" ٣٠/ ١٠٢، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٦٠ \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٥٢، \"زاد المسير\" ٨/ ٢٠٤، \"التفسير الكبير\" ٣١/ ٩٨، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٢٦٠، \"الدر المنثور\" ٨/ ٤٤٨، وعزاه أيضا إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ٢٣٢/ أ، \"زاد المسير\" ٨/ ٢٠٤، وعبارته فيهما: قال لفي ساق العرش، \"التفسير الكبير\" ٣١/ ٩٨.\n(٥) المرجعان السابقان عدا \"تفسير مقاتل\"، وانظر: \"جامع البيان\" ٣٠/ ١٠٢، \"النكت والعيون\" ٦/ ٢٢٩، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٦٠، \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٥٢، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٢٦٠، \"الدر المنثور\" ٨/ ٤٤٨، مطولًا وعزاه إلى عبد بن حميد، \"فتح القدير\" ٥/ ٤٠٢.\n(٦) \"تفسير الإمام مجاهد\" ٧١٢، \"جامع البيان\" ٣٥/ ١٠١، \"زاد المسير\" ٨/ ٢٠٤، \"الجامع الأحكام القرآن\" ١٩/ ٢٦٠.\n(٧) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٨) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٤٧، بنصه.","vol":"23","page":331},{"text":"وقال الزجاج: أعلى (١) الأمكنة (٢). وقال غيرهما: هي مراتب عالية بعضها فوق بعض محفوفة بالجلال قد عظمها الله بما يدل على عظم شأنها (٣).\nوأما إعراب ﴿عليين﴾ فقال الفراء: إذا جمعت جمعًا (٤) لا يذهبون فيه إلى أن له بناءً (٥) من واحد، واثنين -قالوا- في المؤنث، والمذكر بالنون، لأنه جمع لما لا يحد واحده نحو ثلاثون، وأربعون، وكذلك قول الشاعر:\nقد رَوِيتْ إلا دُّهَيْدهيْنا ... قُلَيِّصاتٍ وَأُبَيْكرِينْا (٦).\n_________\n(١) في (أ): أعلى.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٩٩.\n(٣) ورد بنحوه في \"التفسير الكبير\" ٣١/ ٩٨ وعزاه إلى آخرين، كما ورد معناه في \"لسان العرب\" ١٥/ ٩٤: مادة: (علا). قال: وقيل: أراد أعلى الأمكنة وأشرف المراتب وأقربها من الله في الدار الآخرة، وقال ابن كثير: \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥١٩ قال الطبري: والصواب أن يقال في ذلك كما قال جل ثنائُه: إن كتاب أعمال الأبرار لفي ارتفاع إلى حد قد علم الله جل وعز منتهاه، ولا علم عندنا بغايته غير أن ذلك لا يقصر عن السماء السابعة لإجماع الحجة من أهل التأويل على ذلك. انظر: \"جامع البيان\" ٣٠/ ١٠٣.\n(٤) وهذا قول العرب، قاله الفراء في: معانيه: ٣/ ٢٤٧.\n(٥) غير واضحة في: ع.\n(٦) ورد البيت في \"معاني القرآن\" الفراء: ٣/ ٢٤٧ برواية الدهيدهينا بدلًا من دهيدهينا، وانظر: مادة: (دهده) في: \"تهذيب اللغة\" ٥/ ٣٥٧، \"الصحاح\" ٦/ ٢٢٣٢، \"لسان العرب\" ٣/ ٤٩٠، \"المخصص\" لابن سيده: م ٢/ ٧: ٢٢ و٦١ وفيه، قد رويت غير الدهيدهبنا. \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣٠٠، برواية قد شربت الادهيدهبنا، \"جامع البيان\" ٣٠/ ١٠٣ برواية: الدهيدهبنا، كتاب سيبويه: ٣/ ٤٩٤.\nقال البغدادي في \"الخزانة\" ٣/ ٤١٠ وهذا الرجز مع كثرة الاستشهاد به لم يعرف قائله، وفي جميع المراجع السابقة لم ينسب.","vol":"23","page":332},{"text":"فجمع بالنون؛ لأنه جمع ليس واحده محدودًا معلوم (١) العدد (٢).\nوقال الزجاج: إعراب هذا الاسم، كإعراب الجمع؛ لأنه لفظ الجمع، كما نقول: هذه قِنَّسْرون، ورأيت قنّسرين (٣).\nوقال أبو الفتح الموصلي: \"عِلّيِيّنَ\" جمع \"عِلِّيّ\" وهوَ فِعِّيْل من العُلُوّ، وكأنه مما كان سبيله أن يكون عِلّيّة، فيُذهب بتأنيثه إلى الرِّفْعَة والنَّبَاوة كما قالوا: للغرفة: عِلّية (٤)؛ لأنها من العُلُوّ فلمَّا حذفت الهاء من \"علِّىّ\" عوضوا منها الجمع، بالواو، والنون، كما قلنا في أرضين (٥)، وقدم تقدم القول في هذا الكتاب (٦).\n\n٢٠ - وقوله (تعالى) (٧): ﴿كِتَابٌ مَرْقُومٌ﴾\n(ليس بتفسير \"عليين\" (٨)، والكلام كما ذكرنا فيما تقدم.\n_________\n= موضع الشاهد: دُهَيْدهينا فكأنه حَقَّر دهاوِر فردّه إلى الواحد وهو دَهْداده وأدخل الياء، والنون، فجمعه، لأنه أراد العدد الذي لا يُحَدُّ، على أَنَّ القياس: دُهَيْدِهات، وَأُبَيْكرات.\nالمعنى: الدَّهداه: حاشية الإبل. وقُلَيّصات، جمع قُلَيِّص، وهو تصغير قَلُوص وهي الناقة الشابة، وأبيكرين: جمع أبيكر، وهو تصغير أَبْكُر وهذا جمع بَكْرٍ، وهو في الإبل بمنزلة الشاب في الناس. شرح أبيات \"معاني القرآن\" ٣٦٤.\n(١) في (أ): وحدود لمعلوم.\n(٢) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٤٧.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣٠٠.\n(٤) في (أ): عليية.\n(٥) \"سر صناعة الإعراب\" ٢/ ٦٢٥ - ٦٢٧ نقله عنه باختصار.\n(٦) راجع في ذلك: المرجع السابق: ٢/ ٦١٣ - ٦١٦.\n(٧) ساقط من (ع).\n(٨) قال النحاس: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ (١٨)﴾ قطع كاف. \"القطع والائتناف\" ٢/ ٧٩٦، وانظر: \"منار الهدى\" الأشموني: ٤٢٢.","vol":"23","page":333},{"text":"قوله كتاب مرقوم (١» (٢) وهو يحتمل تأويلين:\nأحدهما: أن الكتاب المرقوم كتاب أعمالهم (٣).\nوالثاني: أنه كتابه في عليين كتب هناك مَا أعد الله لهم من الكرامة والثواب (٤).\nوهو معنى قول مقاتل: مكتوب (٥) لهم بالخير في سَاق العرش (٦).\nوروي عن ابن عباس أنه قال: هو مكتوب في لوح من زبرجده (٧) معلق تحت العرش (٨).\n_________\n(١) راجع آية: ٩ من هذه السورة.\n(٢) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٣) ورد هذا القول من غير عزو في \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٦٠، \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٥٣، \"التفسير الكبير\" ٣١/ ٩٨، وورد معناه عن عطية في \"الكشف والبيان\" ج ١٣/ ٥٥/ ب.\n(٤) ورد هذا القول من غير عزو في \"التفسير الكبير\" ٣١/ ٩٨. ونصه \"أنه كتاب موضوع في عليين كتب فيه ما أعد الله لهم من الكرامة والثواب\".\n(٥) مكتوب: كررت في نسخة: أ.\n(٦) ورد قوله في \"تفسير مقاتل\" ٢٣٢/ أ، \"الكشف والبيان\" ج ١٣/ ٥٥/ ب، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٦٠.\n(٧) زبرجده: الزَّبرجد: جوهر معروف -قاله الجوهري- \"الصحاح\" ٢/ ٤٨٠: مادة: (زبرجد)، انظر: \"القاموس المحيط\" ١/ ٢٩٦: مادة: (زبرجد). وفي اللسان: الزَّبرجد: الزُّمزُّد. ٣/ ١٩٤: مادة: (زبرجد).\nالزبرجد حجر يشبه الزمرد، وهو ألوان كثيرة، والمشهور منها الأخضر المصري، والأصفر القبرسي.\n\"الوافي\" للبستاني: ٢٥٤ - لم أجد تعريفًا جيدًا إلا عند الوافي- وبقية المراجع تذكر أنه حجر معروف.\n(٨) ورد بنحو قوله في \"الكشف والبيان\" ج ١٣/ ٥٥/ ب، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٦٠، =","vol":"23","page":334},{"text":"وقال أهل المعاني (١): هو كتاب مرقوم، بما يقر أعينهم، ويوجب سرورهم وذلك بالضد من رقم كتاب الفجار؛ لأنه بما يسؤهم، ويسحت أعينهم.\nويدل على هذا المعنى قوله:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4913>٢١ </span>- ﴿يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ يعني: الملائكة الذين هم في عليين يشهدون ويحضرون ذلك المكتوب (٢).\nومن قال إنه كتاب الأعمال قال: يشهد ذلك الكتاب إذا صعد به إلى عليين المقربون من الملائكة، كرامة للمؤمنين (٣).\nوقوله (٤) تعالى: ﴿يَنْظُرُونَ﴾ (٥) أي إلى ما أعطوا من النعيم والكرامة (٦).\n_________\n= \"التفسير الكبير\" ٣١/ ٩٨، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٢٦٠، \"لباب التأويل\" ٤/ ٣٦١، وقد ورد قوله في المصادر السابقة عند تفسير قوله: \"لفي عليين\" إلا في \"التفسير الكبير\".\n(١) ورد بنحوه في \"التفسير الكبير\" ٣١/ ٩٨ وقد عزاه إلى آخرين.\n(٢) ورد معنى هذا القول عن: ابن عباس، والضحاك، وابن زيد. انظر: \"جامع البيان\" ٣٠/ ١٠٤، \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٥٣، \"البحر المحيط\" ٨/ ٤٤٢، \"فتح القدير\" ٥/ ٤٠٢. وذهب إليه السمرقندي في \"بحر العلوم\" ٣/ ٤٥٨، والثعلبي في \"الكشف والبيان\" ج: ١٣/ ٥٦/ أ.\n(٣) قال بذلك عطية وعبارته: أعمالهم في كتاب الله عند الله في السماء. \"الكشف والبيان\" ج: ١٣/ ٥٥/ ب.\n(٤) في (أ): قوله.\n(٥) ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ﴾.\n(٦) وهو قول ابن عباس، وعكرمة، ومجاهد. انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٢٦٢، \"البحر المحيط\" ٨/ ٤٤٢، وول قال الثعلبي في \"الكشف والبيان\" ج: ١٣/ ٥٦/ أ.","vol":"23","page":335},{"text":"وقال مقاتل: ينظرون إلى عدوهم حين يعذبون (١).\n(قوله تعالى): ﴿تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ (٢٤)﴾ قال: إذا رأيتهم عرفت أنهم أهل نعمة مما ترى في وجوههم من النور والحسن والبياض (٢).\nقال عطاء: وذلك أن الله -تعالى- زاد في جمالهم، وفي ألوانهم ما لا يصفه واصف (٣).\nوتفسير النضرة قد سبق عند قوله: \"ناضرة\" (٤).\nقوله تعالى: ﴿يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ﴾ (٥) قال الليث: الرَّحِيق الخَمْر (٦)، وأنشد لحسان:\nبردى (٧) يُصَفّقُ، بالرَّحِيِق السَّلْسَلِ (٨)\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ٢٣٣/ أ، \"الكشف والبيان\" ج ١٣: ٥٦/ أ، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٦١، \"زاد المسير\" ٨/ ٢٠٥ \"التفسير الكبير\" ٣١/ ٩٩، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٢٦٢، \"البحر المحيط\" ٨/ ٤٤٢ وعبارته عند: إلى أهل النار.\n(٢) وبمثل قوله قال الطبري في \"جامع البيان\" ٣٠/ ١٠٥، والسمرقندي في \"بحر العلوم\" ٣/ ٤٥٨، وانظر: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٦١، \"زاد المسير\" ٨/ ٢٠٥، \"لباب التأويل\" ٤/ ٣٦١.\n(٣) \"التفسير الكبير\" ٣١/ ١٠٠.\n(٤) انظر: سورة القيامة: ٢٢.\n(٥) يسقون من رحيق مختوم.\n(٦) \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٧: مادة: (رحق)، ولم ينشد لحسان.\n(٧) في (أ): بردًا\n(٨) صدر البيت: * يَسْقونَ من وَرَدَ البَريص عليهم *\nوقد ورد البيت في: ديوانه: ١٨٠ دار صادر، \"لسان العرب\" ١٠/ ٢٠٢: مادة: (صفق)، \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣٠٠ برواية بردًا، \"جامع البيان\" ٣٠/ ١٠٥، =","vol":"23","page":336},{"text":"وقال أبو عبيدة (١)، والمبرد (٢)، (والزجاج (٣» (٤): الرحيق من الخمر مَالا غش فيه، ولا شيء يفسده.\nونحو هذا قال المفسرون في الرحيق أنه: الخمر (٥).\nقوله تعالى: ﴿مَخْتُومٍ﴾\nقال أبو عبيدة (٦)، والمبرد (٧)، (والزجاج (٨» (٩) يعني الذي له ختام،\n_________\n= \"النكت والعيون\" ٦/ ٢٣٠، \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٥٣، \"التفسير الكبير\" ٣١/ ١٠٠، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٢٦٣، \"روح المعاني\" ٣٠/ ٧٥.\nمعنى البيت: البريص: نهر بدمشق. وقوله بردى: أراد ماء بردى، وهو نهر في دمشق، ويروى بردًا أي ثلجًا أي باردًا، يصفق: يمزج، الرحيق: الخمر. السلسل: اللينة السهلة الدخول في الحلق. شرح ديوان حسان: وضعة عبد الرحمن البرقوقي: ٣٦٢.\n(١) \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٨٩.\n(٢) \"فتح القدير\" ٥/ ٤٠٢.\n(٣) \"معانى القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣٠٥.\n(٤) ساقط من (أ).\n(٥) قال بذلك: ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، وابن زيد، والحسن، ومقاتل، وابن مسعود.\nانظر: \"جامع البيان\" ٣٠/ ١٠٥ - ١٠٦، \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥١٩، وعزاه الماوردي إلى جمهور المفسرين: \"النكت والعيون\" ٦/ ٢٣٠، وكذلك ابن الجوزي: \"زاد المسير\" ٨/ ٢٠٥. وانظر: \"بحر العلوم\" ٣/ ٤٥٨، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٦١، وهناك قول آخر: قال الحسن: أنه عين في الجنة مشوبة بالمسك، \"النكت والعيون\" ٦/ ٢٣٠، \"زاد المسير\" ٨/ ٢٠٥.\n(٦) \"مجاز القرآن\" ٢/ ١٩٠، ونص له.\n(٧) \"التفسير الكبير\" ٣١/ ١٠٠.\n(٨) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣٠٠ - ٣٠١.\n(٩) ساقط من (أ).","vol":"23","page":337},{"text":"أي عاقبة، وأنشد أبو عبيدة:\nمَّمّا يِفَتّق في الحانوتِ ناطِفُها ... بالفُلفُل الجَوْنِ (١) والرُّمَّان مختومٌ (٢)\nأي عاقبة طعم هذا الشراب -ما ذكرنا-.\nوروى عن عبد الله في مختوم: ممزوج (٣)، وهو معنى وليس بتفسير، لأن الختم لا يكون تفسيره المزج ولكن لما كان له عاقبة بريح المسك، فسره بالممزوج، لما يوجد معه من ريح المسك، ولو لم يمازجه لم يعلق به ريحه.\nوقال مجاهد: مختوم: مطين (٤)، كأنه ذهب إلى معنى الختم بالطين ويكون المعنى على هذا: أنه ممنوع من أن تمسَّه يد إلى أن ينفك ختمه للأبرار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4914>٢٦ </span>- ثم فسر المختوم بقوله: ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾ (٥)\n_________\n(١) في (أ): الجوز.\n(٢) لم ينشد أبو عبيدة في مجازه بيت الشعر، وإنما أورد صاحب الحجة قول أبي عبيدة، ثم أتبعه بيت القصيد لابن مقبل، انظر: \"الحجة\" ٦/ ٣٨٧ وقد ورد البيت منسوبًا إلى ابن مقبل في: ديوان ابن مقبل: ٢٦٨ براوية \"في النَّاجُودِ نَاطِلُهَا\" بدلًا من \"الحانوت ناطِفها\"، \"الحجة\" ١/ ٢٩٢ - ٢٩٤ - ج ٦/ ٣٨٧، \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٥٣ برواية \"الجوز\" بدلا من \"الجون\"، \"النكت والعيون\" ٦/ ٢٣٠ غير منسوب، وذكرته تلك المراجع عند تفسير قوله ختامه مسك ومعناه:\nترقرف: أي تتلألأ. الناجود: رواق الخمر الذي تصفى وتعتق منه. الناطل: مكيال الخمر. الجون: بمعنى الأسود هاهنا. والمعنى: آخر ما تجد من طعم هذه الخمر هو طعم الفلفل والرمان، أي ختامها طعم الفلفل والرمان.\n(٣) \"النكت والعيون\" ٦/ ٢٣٠، \"زاد المسير\" ٨/ ٢٠٥، \"التفسير الكبير\" ٣١/ ١٠٠، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٢٦٣، \"الدر المنثور\" ٨/ ٤٥١، وعزاه إلى ابن المنذر.\n(٤) \"الكشف والبيان\" ج ١٣: ٥٦/ أ، \"فتح القدير\" ٥/ ٤٠٢.\n(٥) ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾.","vol":"23","page":338},{"text":"أي آخر طعمه ريح المسك، وهذا قول علقمة (١)، وأبي روق (٢)، (والضحاك (٣» (٤)، وسعيد بن جبير (٥)، (ومقاتل (٦» (٧)، وقتادة (٨)، (والحسن (٩» (١٠) قالوا: عاقبته ومقطعه، وريحه (وطعمه (١١» مسك إذا رفع الشارب فاه من أخر شرابه، وجد ريحه كريح المسك.\nوهذا اختيار جميع أهل المعاني (١٢)، قالوا: ختامه: عاقبته\n_________\n(١) ورد قوله في \"التفسير الكبير\" ٣١/ ١٠٠، كما ورد معناه أيضًا في \"معاني القرآن\" للفراء: ٣/ ٢٤٨، \"حجة القراءات\" ٧٥٥.\n(٢) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٣) \"جامع البيان\" ٣٠/ ١٠٦، \"التفسير الكبير\" ٣١/ ١٠٠، \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥١٩.\n(٤) ساقط من (أ).\n(٥) ورد معنى قوله في \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٥٣، \"التفسير الكبير\" ٣١/ ١٠٠، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٢٦٣، \"الدر المنثور\" ٨/ ٤٥١ وعزاه إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد، \"فتح القدير\" ٥/ ٤٠٢، \"تفسير سعيد بن جير\" ٣٦٩.\n(٦) \"التفسير الكبير\" ٣١/ ١٠٠.\n(٧) ساقط من (أ).\n(٨) ورد معنى قوله في \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٣٥٦، \"جامع البيان\" ٣٠/ ١٠٦، \"الكشف والبيان\" ج ١٣: ٥٦/ أ، \"التفسير الكبير\" ٣١/ ١٠٠، \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥١٩، \"الدر المنثور\" ٨/ ٤٥١ وعزاه إلى عبد الرزاق، وعبد بن حميد.\n(٩) \"جامع البيان\" ٣٥/ ١٠٧، \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٥٣، \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥١٩، \"تفسير الحسن البصري\" ٢/ ٤٠٦.\n(١٠) ساقط من (أ).\n(١١) ساقط من (أ).\n(١٢) ورد معنى هذا القول عن: الفراء في \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٤٨ قال: إن أحدهم إذا شرب وجد آخر كأسه ريح المسك. وعن أبي عبيدة قال: ختامه عاقبته.","vol":"23","page":339},{"text":"(وما) (١) يتختم به.\n(والمعنى: إنهم إذا شربوا هذا الرحيق ففنى (٢) ما في الكأس وانقطع الشرب انختم ذلك بطعم المسك ورائحته) (٣). (والمعنى لذاذة (٤) المقطع (٥)، وذكاء الرائحة وأرجها مع طيب الطعم) (٦).\nوالختام آخر كل شيء، ومنه يقال: ختمت القرآن، والأعمال بخواتيمها، ونحو ذلك الخاتَم والخاتِم، وهو قراءة علي -﵁- (٧)، (واختيار الكسائي (٨) فإنه يقرأ خَاتَمُهُ مِسكٌ أي آخره، كقوله: ﴿خاتم النبيين﴾ (٩).\nقال الفراء: وهما متقاربان في المعنى (١٠) إلا أن الخَاتِم الاسم،\n_________\n= \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٩٠، وعن الزجاج قال والمعنى أنهم إذا شربوا هذا الرحيق ففنى ما في الكأس وانقطع الرب انختم ذلك بطعم المسك ورائحته. \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣٠١.\n(١) ساقط من (أ).\n(٢) في (أ): بقى.\n(٣) ما بين القوسين قول الزجاج انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣٠٠ - ٣٠١.\n(٤) في (أ): ارادَه.\n(٥) في (أ): المطعم.\n(٦) ما بين القوسين من قول أبي علي من: \"الحجة\" ٦/ ٣٨٧.\n(٧) وردت قراءة علي -﵁- في \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٦١، \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٥٣، \"التفسير الكبير\" ٣١/ ١٠٠، \"البحر المحيط\" ٨/ ٤٤٢.\n(٨) قرأ الكسائي وحده بفتح الخاء والتاء والألف بينهما.\nوقرأ الباقون خِتَامُهُ مِسْك بكسر الخاء والألف بعد التاء. انظر: كتاب \"السبعة\" ٦٧٦، \"الحجة\" ٦/ ٣٨٦ - ٣٨٧، \"حجة القراءات\" ٧٥٥، \"الكشف عن وجوه القراءات\" ٢/ ٣٦٦، \"المهذب\" ٢/ ٣٢٧.\n(٩) ما بين القوسين نقله عن أبي علي، انظر: \"الحجة\" ٦/ ٣٨٧.\n(١٠) يعني القراءة بالخاتم والختام.","vol":"23","page":340},{"text":"والختام المصدر نحو قولهم هو: كريم الطباع والطابع (١).\nوقال عبد الله: خلطه مسك (٢).\nوقال مجاهد: طينه مسك (٣)، وهو قول ابن زيد، قال: ختامه عند الله مسك، وختامها اليوم في الدنيا طين (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4915>٢٦ </span>- ثم رغب فيه فقال: (قوله تعالى) (٥): ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾، يقال: نَفِسْت عليه الشيء أنفسه نفاسهَ إذا ضننت به ولم تحب أن يصير إليه (٦).\nوالتنافس: تفاعل منه كأن كل واحد من الشخصين يريد أن يستأثر به دون صَاحبه وهو تمني كل واحد من النفيسين أن يكون له (٧).\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٤٨ بتصرف.\n(٢) ورد معنى قوله في \"جامع البيان\" ٣٠/ ١٠٦، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٦١، \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٥٣، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٢٦٣، \"الدر المنثور\" ٨/ ٤٥١ وعزاه إلى الفريابي والطبراني والحاكم والبيهقي، \"المستدرك\" ٢/ ٥١٧، كتاب التفسير: تفسير سورة المطففين: وصححه ووافقه الذهبي.\n(٣) ورد قوله في: تفسير مجاهد: ٧١٢ وعنه برواية أخرى طيبه مسك، \"جامع البيان\" ٣٠/ ١٠٧، \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٥٣، \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٢٠ وعنه طيبه مسك.\n(٤) \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٦١، \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٥٣.\n(٥) ساقط من (ع).\n(٦) نقله عن \"تهذيب اللغة\" ١٣/ ٩: نفس وهو من قول الأصمعي، وانظر: \"لسان العرب\" ٦/ ٢٣٨.\n(٧) وهذا القول بمعنى ما ذكره الثعلبي في \"الكشف والبيان\" ج ١٣: ٥٧/ أ، قال، وأصله من الشيء النفيس الذي تحرص عليه نفوس الناس وتطلبه وتتمناه ويريده كل واحد منهم لنفسه، وينفس به على غيره أي يضن.","vol":"23","page":341},{"text":"(والمعنى: وفي ذلك فليرغب الراغبون بالمبادرة إلى طاعة الله) (١). وهذا معنى مَا ذكره المفسرون (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4916>٢٧ </span>- قوله تعالى: ﴿وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ﴾، أي مَا يمزج به ذلك الشراب من تسنيم، وهو اسم عين في الجنة. (قاله عبد الله (٣» (٤): وهو قول أكثر المفسرين (٥).\nوروى ميمون بن مهران أن ابن عباس سئل عن قوله: \"تسنيم\"، فقال: هذا مما يقول الله: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧] (٦).\n_________\n(١) ما بين القوسين من قول الثعلبي انظر: المرجع السابق: ج ١٣/ ٥٧/ ب.\n(٢) وممن قال بمعنى ذلك من المفسرين: المقاتلان، وعطاء، وزيد بن أسلم، ومجاهد، وأبو بكر بن عياش، والكلبي انظر: \"جامع البيان\" ٣٠/ ١٠٨، \"بحر العلوم\" ٣/ ٤٥٨، \"الكشف والبيان\" ج ١٣/ ٥٦/ ب، \"النكت والعيون\" ٦/ ٢٣١، \"زاد المسير\" ٨/ ٢٠٦، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٢٦٤، \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٢٠.\n(٣) \"جامع البيان\" ٣٠/ ١٠٨، \"النكت والعيون\" ٦/ ٢٣١، \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٥٣، \"زاد المسير\" ٨/ ٢٠٦، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٢٦٤، \"البحر المحيط\" ٨/ ٤٤٢، \"الدر المنثور\" ٨/ ٤٥٢، وعزاه إلى ابن أبي شيبة، وابن المبارك، وسعيد ابن منصور، وهناد، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.\n(٤) ساقط من (أ).\n(٥) منهم: مسروق، ومالك بن الحارث، وابن عباس، وقتادة، وابن زيد، وحذيفة بن اليمان، والحسن، وأبو صالح، وعطاء.\n\"جامع البيان\" ٣٠/ ١٠٩ - ١١٠، \"النكت والعيون\" ٦/ ٢٣١، \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٥٣، \"الدر المنثور\" ٨/ ٤٥٢ وعزاه إلى ابن المنذر، \"كتاب البعث\" للبيهقي: ٢٠٩: رقم ٣٣٠.\n(٦) ورد قوله في \"التفسير الكبير\" ٣١/ ١٠١، \"لباب التأويل\" ٤/ ٣٦٢، ووردت هذه =","vol":"23","page":342},{"text":"ونحو هذا قال الحسن: خصايا أخفاها الله لأهل الجنة (١).\nوعلى هذا لا يعرف له اشتقاق، وهو اسم معرفة كالتنعيم (٢) (٣).\nوذكر أهل المعاني، وجماعة من المفسرين اشتقاقه، قال مقاتل: هو مَا يتسنم (فينصب) (٤) عليهم انصبابًا من فوقهم (٥). (وهو قول مجاهد (٦» (٧).\nوقال أهل المعاني: ﴿مِنْ تَسْنِيمٍ﴾ (أي يتنزل عليهم من معَالٍ) (٨) و(تَتسنمُ (٩) عليهم من فوق الغرف) (١٠).\n_________\n= الرواية بنصها عن يوسف بن مهران بدلًا من ميمون بن مهران في \"الكشف والبيان\" ج ١٣/ ٥٧/ أ، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٦٢، \"الدر\" ٨/ ٤٥٢ وعزاه إلى عبد بن حميد وابن المنذر، وذكر في \"الوسيط\" ميمون بن مهران: ٤/ ٤٤٩.\n(١) \"جامع البيان\" ٣٠/ ١٠٩، \"التفسير الكبير\" ٣١/ ١٠١، \"الدر المنثور\" ٨/ ٤٥١، وعزاه إلى ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، \"تفسير الحسن البصري\" ٢/ ٤٠٦.\n(٢) التَّنْعِيْم: موضع بمكة في الحل، وهو بين مكة وسرِف، منه يحرم المكيون بالعمرة. \"معجم البلدان\" ٢/ ٤٩، \"معجم ما استعجم\" للبكري: ١/ ٣٢١.\n(٣) انظر: \"الكشف والبيان\" ج ١٣/ ٥٧/ أ.\n(٤) ساقط من (أ).\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ٢٣٢/ ب، \"زاد المسير\" ٨/ ٢٠٦، وبمثله قال الكلبي انظر: \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٣٣٩.\n(٦) \"تفسير الإمام مجاهد\" ٧١٣ وعبارته: التسنيم يعني تسنيم يعلو شراب أهل الجنة، \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٥٣.\n(٧) ساقط من (أ).\n(٨) ما بين القوسين قول الفراء: \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٤٩.\n(٩) تنسم، هكذا وردت عند الزجاج في افسخة المطبوعة، أما المخطوط فقد وردت بمثل ما أثبته وبمثل ما جاء عن الواحدي، راجع ذلك: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢٧/ أ.\n(١٠) ما بين القوسين قول الزجاج: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣٠١.","vol":"23","page":343},{"text":"يقال: سنمتهم العين تسنيمًا، إذا أجريتها عليهم من فوقهم.\nوموضوع هذه الحروف على هذا الترتيب (للعُلو، والارتفاع، ومنه سنام البعير. وتسنمت الحائط، إذا علوته) (١).\nوهذا معنى قول مجاهد في رواية ابن أبي نجيح: تسنيم يعلو عليهم من فوقها (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4917>٢٨ </span>- (وقوله (٣) تعالي) (٤): ﴿عَيْنًا﴾ (٥)\nفي انتصابه وجوه: إن جعلنا \"التسنيم\" اسمًا للماء، فـ\"عينًا\" تنتصب على وجهين، أحدهما: أعْني عينًا.\nوالثاني على الحال، والقطع؛ لأن \"تسنيم\" معرفة، وعينًا نكرة، وإن جعلنا التسنيم مشتقًا من السنام انتصب \"عينًا\" على أنه مفعول له، كما قال: ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيمًا﴾ [البلد: ١٤ - ١٥] ويجوز أن يكون منصوبًا بقوله \"يسقون عينًا\"، أي من عين. وهذا قول الفراء (٦) والزجاج (٧)، (والأخفش) (٨) (٩).\n_________\n(١) ما بين القوسين تناول المعنى اللغوي انظر: مادة: (سنم) في كل من: \"تهذيب اللغة\" ١٣/ ١١٥، \"مقاييس اللغة\" ٣/ ١٠٧، \"لسان العرب\" ١٢/ ٣٠٦.\n(٢) \"جامع البيان\" ٣٠/ ١٠٨ قال: تسنيم يعلو.\n(٣) في (أ): قوله.\n(٤) ما بين القوسين ساقط من (ع).\n(٥) ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ﴾.\n(٦) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٤٩.\n(٧) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣٠١.\n(٨) \"معاني القرآن\" ٢/ ٧٣٤ - ٧٣٥.\n(٩) ساقط من (أ).","vol":"23","page":344},{"text":"(قوله تعالى) (١): ﴿يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ﴾\n(كقوله ﴿يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ﴾ (٢) -وقد مر (٣).\nقال عبد الله: يشرب بها المقربون) (٤) صرفًا، ويمزج لأصحاب اليمين (٥).\nونحو ذلك قال مالك بن الحرث (٦) (٧)، ومقاتل (٨)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4918>٢٩ </span>- وقوله (تعالى) (٩) ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا﴾ (١٠)، يعني كفار\n_________\n(١) ساقط من (ع).\n(٢) سورة الدهر: آية ٦، الشاهد قوله تعالى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾.\n(٣) راجع سورة الدهر آية: ٦.\n(٤) ما بين القوسين ساقط من: أ.\n(٥) \"جامع البيان\" ٣٠/ ١٠٨ بنحوه، \"الكشف والبيان\" ج ١٣: ٥٧/ أ، \"النكت والعيون\" ٦/ ٢٣١، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٦٢، \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٥٣، \"زاد المسير\" ٨/ ٢٠٦، \"لباب التأويل\" ٤/ ٣٦٢، \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٢٠.\n(٦) مالك بن الحرث -الحارث- السُّلَمِيُّ الرَّقّيُّ، روى عنه أبيه الحارث السلمي وعنه منصور بن المعتمر، ثقة، مات سنة ٥٩٤.\nانظر: \"كتاب الثقات\" ٧/ ٤٦٤، \"جامع التحصيل\" ٣٣٤: ت ٧٢٤، \"تهذيب الكمال\" ٢٧/ ١٢٩: ت ٥٧٣٢.\nملاحظة تذكر مراجع ترجمة أن اسم أبيه الحارث وليس الحرث -ولعل ذلك راجع إلى الإملاء في كتابة الحرف نحو معوية، وسفين، أي معاوية وسفيان.\n(٧) ورد قوله في \"جامع البيان\" ٣٠/ ١٠٨.\n(٨) لم أعثر على مصدر لقوله، والذي ورد عنه في تفسيره، قال يشربون الخمر من ذلك الماء وهم أهل جنة عدن وهي أربعة جنان وهي قصبة الجنة ماء تسنيم يخرج من جنة عدن، والكوثر، والسلسبيل. \"تفسير مقاتل\" ٢٣٢/ ب.\n(٩) ساقط من (ع).\n(١٠) ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾.","vol":"23","page":345},{"text":"قريش (١). ﴿كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾، يعني أصحاب النبي -ﷺ- مثل: عَمَّار (٢)، وخَبَّاب (٣)، وبلال (٤) وغيرهم.\n﴿يَضْحَكُونَ﴾ على وجه السخرية (٥) منهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4919>٣٠ </span>- وقوله (٦): ﴿يَتَغَامَزُونَ﴾ (٧)\n(يتفاعلون من الغمز، وهي الإشارة بالجَفنِ، والحَاجبِ، ويكون الغمز بمعنى العيب، غمزه إذا عابه، وما في فلان غميزة، أي مَا يعاب به (٨». والمعنى أنهم يشيرون إليهم بالأعين استهزاء، ويعيبونهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4920>٣١ </span>- ﴿وَإِذَا انْقَلَبُوا﴾ (٩) يعني الكفار إلى أهلهم، ﴿انْقَلَبُوا فَكِهِينَ﴾ معجبين بما هم فيه، يتفكهون بذكرهم. قاله الفراء (١٠)، ومقاتل (١١)\n_________\n(١) قال بذلك الزجاج في \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣٠١، والثعلبي في \"الكشف والبيان\" ج ١٣: ٥٧/ ب.\n(٢) تقدم ترجمته في سورة النساء.\n(٣) تقدم ترجمته في سورة النحل.\n(٤) تقدم ترجمته في سورة النحل.\n(٥) وبنحو من هذا القول جاء في \"بحر العلوم\" ٣/ ٤٥٨، و\"الكشف والبيان\" ج ١٣/ ٥٧/ ب، وانظر: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٦٢، \"الكشاف\" ٤/ ١٩٧، \"زاد المسير\" ٨/ ٢٠٨، \"التفسير الكبير\" ٣١/ ١٠٢، \"لباب التأويل\" ٤/ ٣٦٢.\n(٦) في (أ): قوله.\n(٧) ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ﴾.\n(٨) ما بين القوسين نقله عن \"تهذيب اللغة\": ٨/ ٥٥ - ٥٦: مادة: (غمز)، وانظر: \"لسان العرب\" ٥/ ٣٨٨، ٣٩٠: مادة: (غمز).\n(٩) ﴿وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ﴾.\n(١٠) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٤٩ واللفظ للزجاج.\n(١١) لم أعثر على قوله.","vol":"23","page":346},{"text":"(والزجاج (١) (٢». وتفسير الفاكهة -قد تقدم (٣) -\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4921>٣٢ </span>- ﴿وَإِذَا رَأَوْهُمْ﴾ (٤) رأوا أصحاب النبي -ﷺ- ذاهبين إليه.\n﴿قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ﴾\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4922>٣٣ </span>- قال الله (تعالى (٥»: ﴿وَمَا أُرْسِلُوا﴾ (٦) يعني الكفار، ﴿عَلَيْهِمْ﴾ على الذين آمنوا ﴿حَافِظِينَ﴾ يحفظون عليهم (أعمالهم) (٧) ﴿فَالْيَوْمَ﴾ (٨) يعني في الآخرة. ﴿الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ﴾ قال المفسرون: إن أهل الجنة إذا أرادوا نظروا من منازلهم إلى أعدائهم وهم يعذبون في النار فضحكوا منهم، كما ضحكوا هم في الدنيا منهم (٩).\nقال كعب: إن بين أهل الجنة، وأهل النار كُوى (١٠)، لا يشاء رجل\n_________\n(١) \"معاني القرآن واعرابه\" ٥/ ٣٠١\n(٢) ساقط من (أ)\n(٣) وقد تقدم تفسيره عند قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ﴾ [يس: ٥٥] ومما جاء في تفسيرها: عن ابن عباس: ناعمون، وقال قتادة، ومقاتل: أي معجبون، ولكل منهما أصل في اللغة، فمن قال فاكهين: ناعمين، فأصله من الفكيهة، والفاكهة، وهي المزاج والكلام الطب. ومن قال الفاكهة المعجب: فإن العرب تقول: فكهنا من كذا، أي تعجبنا.\n(٤) ﴿وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ﴾.\n(٥) ساقط من (ع).\n(٦) ﴿وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ﴾.\n(٧) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٨) ﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ﴾.\n(٩) فمن قال بنحو ذلك: ابن عباس، وسفيان. انظر: \"جامع البيان\" ٣٠/ ١١١، \"إعراب القرآن للنحاس\" ٢/ ١٨٤.\n(١٠) الكَوّةُ: نقب البيت، والجمع كواء بالمد، وكِوى أيضًا مقصورًا، والكُوّه بالضم لغة، وتجمع على كوى، \"الصحاح\" ٦/ ٢٤٧٨: مادة: (كوى).","vol":"23","page":347},{"text":"من أهل الجنة النظر إلى عدوه من أهل النار إلا فعل (١)، وهو قول مقاتل (٢).\nوقال أبو صَالح: يقال لأهل النار وهم فيها أخرجوا، ويفتح لهم أبوابها فإذا رأوها قد فتحت اقبلوا إليها يريدون الخروج، والمؤمنون ينظرون إليهم على الأرائك، فإذا انتهوا إلى أبوابها غلقت دونهم، فذلك قوله: ﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ﴾ (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4923>٣٥ </span>- ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُو﴾ إلى عذاب عدوهم\n<span data-type=\"title\" id=toc-4924>٣٦ </span>- (قوله تعالى) (٤): ﴿هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ (أي هل جوزوا بسخرتهم (٥) بالمؤمنين في الدنيا) (٦).\nومعنى الاستفهام -هَاهنا- التقدير: و\"ثوب\" يعني أثيب، وهو فُعل\n_________\n(١) \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٣٥٧، \"جامع البيان\" ٣٠/ ١١١، \"الكشف والبيان\" ج ١٣: ٥٧/ ب، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٦٢، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٢٦٦، \"الدر المنثور\" ٨/ ٤٥٣ وعزاه إلى عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن المنذر.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ٢٣٣/ أ، \"زاد المسير\" ٨/ ٢٠٧ بمعنى ذلك، وقوله: لكل رجل من أهل الجنة ثلمة ينظرون إلى أعداء الله كيف يعذبون، فيحمدون الله على ما أكرمهم به، فهم يكلمون أهل النار، ويكلمونهم إلى أن تطبق النار على أهلها فتسد حينئذ الكوى.\n(٣) \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٦٢، \"زاد المسير\" ٨/ ٢٠٧، \"التفسير الكبير\" ٣١/ ١٠٣، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٢٦٦، \"لباب التأويل\" ٤/ ٣٦٢.\n(٤) ساقط من (ع)\n(٥) هكذا وردت في النسختين، بالإضافة إلى مصدر القول، وهو \"معاني القرآن وإعرابه\" المخطوط: ٢٧/ أ، أما المطبوع فكتبت: بسخريتهم، وورد بمثل ذلك في \"الوسيط\" ٤/ ٤٥٠.\n(٦) ما بين القوسين نقله عن الزجاج. انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣٠١ بنصه.","vol":"23","page":348},{"text":"من الثواب، وهو مَا يثوب، أي يرجح على فاعله من جزاء مَا عمله من خير أو شر، والثواب يستعمل في المكافأة بالشر (١).\nأنشد أبو عبيدة:\nألا أبلغ أبا حنش رسولًا ... فما لك لا تجيء إلى الثواب (٢)\nوذكر بعض أهل المعاني وجهًا آخر في قوله: \"هل ثوب\" فقال (٣): (هل) في موضع نصب بقوله \"ينظرون\" أي ينظرون أهل الجنة هل جوزي الكفار بفعلهم في الدنيا (٤).\n(وقُرِىءَ \"هل ثوب\" بالادغام، والاظهار (٥).\nوذكر سيبويه: إدغام (اللام) في (الثاء)، قال: وإدغامها حسن فيها؛ لأنه قد أدغم في الشين (٦)، فيما أنشده.\n_________\n(١) من قول المبرد انظر: \"التفسير الكبير\" - ٣١ - ١٠٣.\n(٢) ورد البيت غير منسوب في: \"الأغاني\" ١٢/ ٢٤٨ ط. دار الكتب العلمية، ونسبه إلى كرب أخي شرحيل، وقيل سلمة بن الحارث. وانظر أيضًا: \"التفسير الكبير\" - ٣١ - ١٠٣ غير منسوب.\n(٣) لا أعرف من القائل، ولم أعثر على مصدر لهذا القول.\n(٤) انظر: \"الدر المصون\" ٦/ ٤٩٥، البيان في غريب \"إعراب القرآن\" لابن الأنباري: ٢/ ٥٠٢.\n(٥) قرأ علي بن نصر بن هارون عن أبي عمرو: ﴿هَلْ ثُوِّبَ﴾ بإدغام اللام في الثاء، وكذلك يونس بن حبيب عن أبي عمرو، وحمزة، والكسائي. وقرأ الباقون بإظهار اللام.\nانظر: \"الحجة\" ٦/ ٢٨٩، \"المبسوط\" ٤٠٤، \"إتحاف فضلاء البشر\" ٤٣٥.\n(٦) \"كتاب سيبويه\" ٤/ ٤٥٧، نقله عنه بالمعنى وباختصار، فقد بين سيبويه أن لام المعرفة تدغم في ثلاثة عشر حرفًا، لا يجوز فيها معهن إلا الإدغام، وكثرة موافقتها لهذه الحروف، واللام من طرف اللسان، وهذه الحروف إحدى عشر حرفًا، منها =","vol":"23","page":349},{"text":"هل شيء يكفيك لائق (١)\nوالشين أشدُّ تراخيًا عن \"اللام\" من \"الثاء\"، وإنما أدغمت فيها؛ لأنها تتصل مخارجها لتفشيها، والإظهار لتفاوت المخرجين) (٢).\n(تمت) (٣)\n_________\n= حروف اللسان، وحرفان يخالطان طرف اللسان، فلما اجتمع فيها هذا وكثرتها في الكلام لم يجز إلا الإدغام، والأحرف هي: النون، والراء، والدال، والتاء، والصاد، والطاء، والزاي، والسين، والظاء، والثاء، والذال، واللذان يخالطاها: الضاد، والشين؛ لأن الضاد استطالت لرخاوتها.\n(١) البيت لطريف بن تميم العنبري. والبيت كاملًا:\nتقول إذا استهلكت مالًا للذة ... فُكيهَةُ هَشَّ يكَفَّيْك لائقُ\nيريد هل شيء، فأدغم اللام في الشين. فذكر \"هش\" بدلًا من هل شيء.\nومعنى البيت، استهلكت: أتلفت وأنفقت، وفكيهة: علم امرأة، واللائق: المحتبس الباقي، يقال: ما يليق بكفه درهم: أي ما يحتبس.\nوالشاهد فيه: إدغام لام \"هل\" في الشين لاتساع مخرج الشين وتفشيها واختلاطها بطرف اللسان، واللام من حروف طرف اللسان، فأدغمت فيها لذلك، وإظهارها جائز؛ لأنهما من كلمتين مع انفصالهما في المخرج. انظر حاشية (٥): \"كتاب سيبويه\" ٤/ ٤٥٨.\nكما ورد البيت في \"شرح المفصل\" لابن يعيش: ١٠/ ١٤١ من غير نسبة، \"لسان العرب\" ١٠/ ٣٣٤: مادة: (ليق) من غير عزو وبرواية: هل شيء.\n(٢) ما بين القوسين نقله من \"الحجة\" ٦/ ٣٨٩.\n(٣) ساقطة من (ع).","vol":"23","page":350},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4925>سورة الانشقاق</span>","vol":"23","page":351},{"text":"تفسير سورة انشقت <span data-type=\"title\" id=toc-4926>(١)</span>\nبسم الله الرحمن الرحيم\n\n١ - ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾، قال المفسرون: انشقاقها من علامات القيامة <span data-type=\"title\" id=toc-4927>(٢)</span>، وذكر ذلك في مواضع من القرآن (٣).\n٢ - ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾ قالوا: سمعت لربها وأطاعت في الانشقاق (٤). من الأذن، وهو الاستماع للشيء، والإصغاء إليه، وأنشد\n_________\n(١) مكية بقول الجميع. انظر: \"تفسير مقاتل\" ٢٣٣/ أ، \"جامع البيان\" ٣٠/ ١١٢، \"بحر العلوم\" ٣/ ٣٦٠، \"الكشف والبيان\" ج ١٣: ٨٥/ أ، \"زاد المسير\" ٨/ ٢٠٨، \"البحر المحيط\" ٨/ ٤٤٣، \"فتح القدير\" ٥/ ٤٠٥.\n(٢) عزاه ابن الجوزي إلى المفسرين في: \"زاد المسير\" ٨/ ٢٠٩، والقرطبي في: \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٢٦٧، وبه قال الماوردي في: \"النكت والعيون\" ٦/ ٢٣٣، وانظر: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٦٣، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٥٦، \"الكشاف\" ٤/ ١٩٧، \"زاد المسير\" ٨/ ٢٠٩، \"لباب التأويل\" ٤/ ٤٦٣، \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٢١.\n(٣) نحو ما جاء في سورة الحاقة عند قوله تعالى: ﴿وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ﴾ ١٦، وسورة الفرقان: ٢٥، وسورة الرحمن: ٣٧.\n(٤) قال بذلك: قتادة، وابن عباس، وسعيد، ومجاهد، والضحاك، والسدي.\nانظر: \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٣٥٨، \"جامع البيان\" ٣٠/ ١١٣، \"الدر المنثور\" ٨/ ٤٥٥.\nوقال به أيضًا: السمرقندي في \"بحر العلوم\" ٣/ ٤٦٠، والثعلبي في \"الكشف والبيان\" ج: ١٣/ ٥٨/ أ، والما وردي في: \"النكت والعيون\" ٦/ ٢٣٣. =","vol":"23","page":353},{"text":"أبو عبيدة (١) (٢)، و(المبرد <span data-type=\"title\" id=toc-4928>(٣)</span>، والزجاج (٤) (٥) قول قعنب:\nصُمُّ إذا سَمِعوا خيرًا ذُكِرْتُ به ... وإذا ذُكِرْتُ بُسوءٍ أَذِنوا (٦)\nوقوله: ﴿حَقَّت﴾ أي وحُقَّ لها أن تطيع ربها (٧) الذي خلقها (٨).\n\n٣ - (قوله) (٩): ﴿وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ﴾ قال ابن عباس: تمد مد\n_________\n= وانظر أيضًا: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٦٣، \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٥٦، \"زاد المسير\" ٨/ ٢٠٩، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٢٦٧، \"لباب التأويل\" ٤/ ٣٦٣، \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٢١.\n(١) في (أ): أبو عبيد.\n(٢) \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٩١ ونسب بيت الشعر إلى رؤبة.\n(٣) \"التفسير الكبير\" ٣١/ ١٠٤.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣٠٣\n(٥) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٦) ورد البيت أيضًا في: ديوان الحماسة (شرح التبريزي): ٢/ ١٨٧ منسوبًا إلى قعنب. \"لسان العرب\" ١٣/ ١٠: مادة: (أذن)، \"جامع البيان\" ٣٠/ ١١٢، \"النكت والعيون\" ٦/ ٢٣٤، \"زاد المسير\" ٨/ ٢٠٩،\"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٢٦٧، \"البحر المحيط\" ٨/ ٤٤٥، \"فتح القدير\" ٥/ ٤٠٦.\nمعناه: صم .. إلخ: أي: هم صم، وأذنوا .. إلى آخر البيت: بمعنى استمعوا، والمعنى أنهم يميلون إلى ما يصل إلى آذانهم من الهجو فيه، ويرتاحون إليه، وينحرفون عما يصل إليها من المدح له، وينفرون منه.\nشرح ديوان الحماسة للتبريزي: ٢/ ١٨٧ - ١٨٨.\n(٧) في (أ): فيها، بدلًا من: ربها.\n(٨) وهذا قول الضحاك، وقتادة، والسدي.\nانظر: \"النكت والعيون\" ٦/ ٢٣٤، \"البحر المحيط\" ٨/ ٤٤٥، \"الدر المنثور\" ٨/ ٤٥٥.\n(٩) ساقط من (ع).","vol":"23","page":354},{"text":"الأديم (١) ويزاد في سعتها كذا وكذا (٢). قال (٣) مقاتل: سويت كمد الأديم، فلا يبقى <span data-type=\"title\" id=toc-4929>(٤) </span>عليها بناء، ولا جبل، إلا دخل فيها (٥).\n٤ - ﴿وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا﴾ من الموتى، والكنوز (٦). ﴿وَتَخَلَّتْ﴾ منها.\nقال الفراء: وجواب ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ وما بعده كالمتروك؛ لأن المعنى معروف قد تردد في في القرآن معناه فعرف، وقد فسر جوابه فيما يقى الإنسان من ثواب أو عقاب، وكأن المعنى: إذا السماء انشقت يرى الإنسان الثواب والعقاب. وهو قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ﴾ (٧) الآية.\nونحو هذا قال الزجاج: وجواب ﴿إذا﴾ يدل عليه قوله ﷿:\n_________\n(١) الأديم: الجلد المدبوغ، والجمع أدم بفتحتين وبضمتين أيضًا، وهو القياس. \"المصباح المنير\" ١/ ١٥: مادة: (أدم).\n(٢) ومعنى هذا القول ورد في: \"الكشاف\" ٤/ ١٩٨، \"زاد المسير\" ٨/ ٢٠٩، \"التفسير الكبير\" ٣١ - ١٠٤ - ١٠٥، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٢٦٨ وعزاه أيضًا إلى ابن مسعود.\n(٣) قال: مكرر في (ع).\n(٤) في (أ): يبقا.\n(٥) \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٦١، \"زاد المسير\" ٨/ ٢٠٩، \"فتح القدير\" ٥/ ٤٠٦.\n(٦) وإلى هذا ذهب الزجاج في: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣٠٣.، والسمرقندي في: \"بحر العلوم\" ٣/ ٤٦٠، والثعلبي في: \"الكشف والبيان\" ج ١٣: ٥٨/ أ.\nوقد ضعف ابن عطية هذا القول بقوله: وهذا ضعيف؛ لأن ذلك يكون وقت خروج الدجال، وإنما تلقى يوم القيامة الموتى. \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٥٦.\nأما الألوسي فقال: والقول بأن \"يوم القيامة متسع يجوز أن يدخل فيه وقت خروج الدجال\" ينبغي أن يلغى، ولا يلتفت إليه. \"روح المعاني\" ٣٠/ ٧٩.\n(٧) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٥٠ بتصرف، وهو ما رجحه الطبري. انظر: \"جامع البيان\" ٣٠/ ١١٤، وهناك أقوال أخرى في جواب ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ فليراجع في ذلك: \"البيان في غريب إعراب القرآن\" لابن الأنباري: ٢/ ٥٠٣.","vol":"23","page":355},{"text":"﴿فَمُلَاقِيهِ﴾ (١).\nالمعنى: إذا كان يوم القيامة لقي الإنسان عمله (٢).\nوقوله: ﴿إِنَّكَ كَادِحٌ﴾ ([..] (٣) معنى الكدح في اللغة: السعي والدؤوب في العمل في باب الدنيا والآخرة) (٤).\nوقال الليث: الكدح عمل الإنسان من الخير والشَّر (٥). وقال أبو عبيدة: فلان يَكدَح في عيشه (٦) أي يجهد، وأنشد (٧) لابن مقبل:\nومَا الدهر إلا تارتان فمنهما أَمُوت ... وأخرى أبتغي العيش أكدح (٨)\nأي: وتارة أبتغي في طلب العيش وأدأب (٩). قال الكلبي (١٠)،\n_________\n(١) سورة الإنسان: ٦\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣٠٣.\n(٣) ورد في (أ): لفظ: معناه. وهي زيادِة في الكلام.\n(٤) ما بين القوسين من \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣٠٤.\n(٥) \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٩٤: مادة: (كدح) بنصه، وانظر: \"لسان العرب\" ٢/ ٥٦٩: مادة: (كدح).\n(٦) \"مجاز القرآن\" ٢/ ٣٩٢.\n(٧) أي الزجاج.\n(٨) ورد البيت في: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣٠٤ برواية \"فما الدهر\" بدلًا من \"ومَا الدهر\"، \" الكشف والبيان\" ج ١٣: ٥٨/ ب برواية: \"هل العيش\"، \"زاد المسير\" ٨/ ٢١٠، \"فتح القدير\" ٥/ ٤٠٦، \"روح المعاني\" ٣٠/ ٧٩، أضواء البيان: ٩/ ١١٤.\n(٩) من قول الزجاج في: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣٠٤.\n(١٠) \"بحر العلوم\" ٣/ ٤٦٠، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٦٣، \"فتح القدير\" ٥/ ٤٠٦.","vol":"23","page":356},{"text":"(والضحاك) (١) (٢): إنك عامل لربك عملًا. وقال مقاتل: سَاعٍ بعملك إلى ربك سعيًا (٣).\nوقوله (٤): ﴿فَمُلَاقِيهِ﴾ قال أبو إسحاق: فملاق ربك. وقيل: فملاق عملك (٥).\nوالمعنى: ثواب عملك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4930>٧، ٨ </span>- (قوله تعالى) (٦): ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (٨)﴾ قال مقاتل: (لأنه) (٧) يغفر ذنوبه، ولا يحاسب بها (٨). وروت عائشة -﵂- أن النبي -ﷺ- قال: \"من نوقش الحساب فقد هلك\"، قلت: يا رسول الله، ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (٨)﴾؟ قال: \"ذلك العرض، ولكن من نوقش الحسَاب عُذب\" (٩).\nفمعنى قوله: ﴿يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ أي تعرض عليه سيئاته، ثم يغفرها\n_________\n(١) المراجع السابقة عدا \"بحر العلوم\".\n(٢) ساقط من (أ).\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ٢٣٣/ أ، \"بحر العلوم\" ٣/ ٤٦٠، \"زاد المسير\" ٨/ ٢١٠.\n(٤) في (أ): قوله.\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣٠٤\n(٦) ساقط من (ع). وتكرر ذلك مرارا في السورة والتي بعدها.\n(٧) ساقط من (أ).\n(٨) تفسير \"الوسيط\" ٤/ ٤٥٢.\n(٩) أخرجه البخاري في: \"الجامع الصحيح\" ٣/ ٣٢٢ ح: ٤٩٣٩: كتاب التفسير: باب: ٨٤، ولفظ البخاري عن عائشة: ﵂: قالت: قال رسول الله -ﷺ-: \"ليس أحد يحاسب إلا هَلك\"، قالت: يا رسول الله -جعلني الله فِداءك- أليس يقول الله ﷿: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (٨)﴾؟ قال: \"ذاك العَرْض يُعْرضون، ومن نوقش الحساب هَلك\". =","vol":"23","page":357},{"text":"الله له، فهو الحساب اليسير (١). ﴿وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ﴾ في الجنة، يعني أزواجه من الحور العين، والآدميات، مغتبطًا قرير العين بما أوتي من الخير والكرامة. قاله ابن عباس (٢)، ومقاتل (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4931>١٠ </span>- ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ﴾ قال الكلبي: لأن يمينه مغلولة إلى\n_________\n= وانظر أيضًا: نفس المرجع: ٤/ ١٩٨: ح: ٦٥٣٩، ٦٥٣٧: كتاب الرقاق، باب: ٤٩.\nكما أخرجه مسلم في: صحيحه: ٤/ ٢٢٠٤: ح: ٢٨٧٦: كتاب الجنة وهف نعيمها وأهلها: باب: إثبات الحساب.\nكما أخرجه الإمام أحمد في: المسند: ٦/ ٤٧.\nسنن الترمذي: ٥/ ٤٣٤، ح: ٣٣٢٧: كتاب تفسير القرآن: باب ٧٦، وقال أبو عيسى: حديث حسن صحيح، نفس المرجع: ٤/ ٦١٧، ح: ٢٤٢٦، كتاب صفة القيامة: باب: ٥،\nوللجمع بين الآية وقوله -ﷺ-: (إنما ذلك العرض) قال الحافظ ابن حجر: وجه المعارضة أن لفظ الحديث عام في تعذيب كل من حوسب، ولفظ الآية دال على أن بعضهم لا يعذب، وطريق الجمع أن المراد بالحساب في الآية العرض، وهو إبراز الأعمال وإظهارها، فيعرف صاحبها بذنوبه ثم يتجاوز عنه.\nفتح الباري بشرح صحيح البخاري: لابن حجر: ١١/ ٤٠٢: كتاب الرقاق: باب ٤٩، وانظر تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي: للإمام محمد بن عبد الرحمن المباركفوري: ٧/ ٩٥ - ٩٦ ح: ٢٥٤٣: باب: ٥.\n(١) عزا الشوكاني هذا القول إلى المفسرين في: \"فتح القدير\" ٥/ ٤٠٦ - ٤٠٧، وقال به ابن زيد، ومقاتل، انظر: \"جامع البيان\" ٣٠/ ١١٦، \"بحر العلوم\" ٣/ ٤٦١.\n(٢) لم أعثر على مصدر لقوله، وقد ورد بمثله من غير عزو في: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٦٤، \"زاد المسير\" ٨/ ٢١٠، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٢٧٠، \"فتح القدير\" ٥/ ٤٠٧.\n(٣) لم أعثر على مصدر لقوله، وقد ورد بمثله من غير عزو في المراجع السابقة.","vol":"23","page":358},{"text":"عنقه، وتكون يده اليسرى خلف ظهره (١). وقال مجاهد: تجعل يده وراء ظهره (٢). وقال مقاتل: تخلع يده اليسرى فتكون وراء ظهره (٣) (٤).\n﴿فَسَوْفَ يَدْعُو﴾ إذا قرأ كتابه قال: (يا ويلاه (٥)، يا ثبوراه.) (٦) كقوله ﴿دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا﴾ [الفرقان: ١٣].\n﴿وَيَصْلَى سَعِيرًا﴾ (يقال صلى (٧) الكافر النار. قال الله تعالى: ﴿وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: ١٠]) (٨) وقرئ (٩): \"يُصلّى\" بضم الياء وتشديد اللام (١٠).\n_________\n(١) \"التفسير الكبير\" ٣١/ ١٠٧، \"فتح القدير\" ٥/ ٤٠٧، كما ورد من غير عزو في: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٦٤، الكشاف ٤/ ١٩٨.\n(٢) \"تفسير مجاهد\" ٧١٤، \"جامع البيان\" ٣٠/ ١١٧، \"الكشف والبيان\" ج ١٣: ٥٩/ ب، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٦٤، \"التفسير الكبير\" ٣١/ ١٠٧، \"الدر المنثور\" ٨/ ٤٥٧، وعزاه إلى ابن المنذر.\n(٣) التفسير \"الوسيط\" ٤/ ٤٥٣، أما الذي ورد عنه في تفسيره: ٢٣٤/ أقوله: يشق صدره حتى يخرج قلبه من وراء ظهره من بين كتفيه ..\n(٤) قول مقاتل قد كرر في: ع.\n(٥) في (أ): ياودله.\n(٦) ما بين القوسين قال به الزجاج في: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣٠٤.\n(٧) في (أ): أصلى.\n(٨) ما بين القوسين نقله عن الفارسي: \"الحجة\" ٦/ ٣٩٠ بيسير من التصرف.\n(٩) في (أ): قرء.\n(١٠) قرأ بذلك ابن كثير، ونافع، وابن عامر، والكسائي، ووافقهم ابن محيصن، والحسن وقرأ عاصم، وأبو عمرو، وحمزة، وخلف، ويعقوب، وأبو جعفر \"يَصْلَى\" بفتح الياء وسكون الصاد وتخفيف اللام من صلى.\nوقرأ عباس عن خارجة عن نافع: \"ويَصْلى\" خفيفة من أصليت.\nوقرأ عباس عن أبان عن عاصم مثله: ويُصْلَى بضم الياء خفيف. =","vol":"23","page":359},{"text":"وقوله: ﴿وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ [الواقعة: ٩٤] (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4932>١٣ </span>- (وقوله تعالى) (٢): ﴿إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ﴾ (٣) يعني في الدنيا (٤) ﴿مَسْرُورًا﴾ مستبشرًا باتباع هواه، وركوب ما منته نفسه من شهواته.\n<span data-type=\"title\" id=toc-4933>١٤ </span>- قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ﴾ لن (٥) يرجع إلى الآخرة (٦) أي: لن يبعث.\nقال ابن عباس (٧)، ومقاتل (٨): حسب لا (٩) يرجع إلى الله.\nوالحور: الرجوع، والمحار: المرجع والمصير (١٠). أنشد أبو\n_________\n= انظر: \"كتاب السبعة\" ٦٧٧، \"القراءات وعلل النحويين فيها\" ٢/ ٧٦١، \"الحجة\" ٦/ ٣٩٠، حجة القراءات: ٧٥٥ - ٧٥٦، \"الكشف\" ٢/ ٣٦٧، الإتحاف: ٤٣٦، تجبير التيسير: ١٩٨.\n(١) في (أ): تصلية جهنم.\n(٢) ساقط من (ع).\n(٣) ﴿إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا﴾.\n(٤) قاله قتادة. انظر: \"جامع البيان\" ٣٠/ ١١٨، وإليه ذهب الزجاج في: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣٠٤، والثعلبي في: \"الكشف والبيان\" ج: ١٣: ٥٩/ أ.\n(٥) في (أ): أن.\n(٦) وهو قول قتادة، وابن عباس، وسفيان، ابن زيد: \"جامع البيان\" ٣٠/ ١١٨، وبه قال القراء في: \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٥١، وابن قتيبة في: \"تفسير غريب القرآن\" ٥٢١.\n(٧) ورد معنى قوله في: \"الكشف والبيان\" ج: ١٣: ٥٩/ أ، \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٥٨، \"التفسير الكبير\" ٣١/ ١٠٨، \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٢٢، \"الدر المنثور\" ٨/ ٤٥٧، وعزاه إلى ابن حاتم.\n(٨) \"تفسير مقاتل\" ٢٣٤/ ب، \"بحر العلوم\" ٣١/ ١٠٨، \"التفسير الكبير\" ٣١/ ١٠٨.\n(٩) في (أ): ألا.\n(١٠) قال الليث: الحَوْر: الرجوع من الشيء إلى غيره، وكل شيء يتغير من حال إلى =","vol":"23","page":360},{"text":"عبيدة (١) للبيد:\nومَا المرءُ إلا كالشهاب وضوءه ... يحورُ رمَادًا بعد إذ هو سَاطِعُ (٢)\nوأنشد أيضًا للمُنَحّل اليَشكُريّ:\nإذا كنت عاذلتي (٣) فسيري ... نحو العراق ولا تَحُوري (٤)\nقال الله تعالى: ﴿بَلَى﴾ (٥) ليحورن، وليبعثن. قاله مقاتل (٦)،\n_________\n= حال فإنك تقول حار يحور، والمحاورة مراجعة الكلام في المخاطبة.\nوأصل التحوير في اللغة من: حار يحور، وهو الرجوع، والتحوير: الترجيع. \"تهذيب اللغة\" ٥/ ٢٢٧: مادة: (حور). وانظر: \"الصحاح\" ٢/ ٦٣٨، \"لسان العرب\" ٤/ ٢١٧، وكلاهما تحت مادة: (حور).\n(١) لم أجد في \"مجاز القرآن\" بيت لبيد المذكور، والمعزو إنشاده لأبي عبيدة.\n(٢) ورد البيت في: ديوانه: ٨٨، ط. دار صادر، كما ورد تحت مادة: (حور) في: \"تهذيب اللغة\" ٥/ ٢٢٧، \"لسان العرب\" ٤/ ٢١٧، وانظر أيضًا: \"الكشف والبيان\" ج ١٣: ٥٩/ أ، \"النكت والعيون\" ٦/ ٢٣٦، \"زاد المسير\" ٨/ ٢١١، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٢٧١، \"الدر المنثور\" ٨/ ٤٥٨: وكلها برواية \"وضوئه\" بدلًا من \"وضوءه\"، عدا \"زاد المسير\" براوية \"وضوؤه\"، وقد عزاه السيوطي في: الدر إلى ابن عباس، وانظر: \"روح المعاني\" ٣٠/ ٨١.\nومعنى البيت: الشهاب: النار، يحور: يصير، ساطع: مشتعل.\nيقول كل امرئ يخبو بعد توقد: حين تدركه المنية، كالنار تكون ساطعة الضوء ثم تصبح رمادا. ديوانه: ٨٨.\nانظر: \"الشعر والشعراء\" ٤٠٤ - ٤٠٥، \"معجم الشعراء الجاهليين والمخضرمين\" ٣٥١: ت ٦٤٤.\n(٣) في (أ): عاذلي.\n(٤) ورد البيت في: \"الأصمعيات\" تحقيق أحمد شاكر، وعبد السلام هارون: ٥٨.\n(٥) ﴿بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا﴾.\n(٦) لم أعثر على مصدر لقوله؛ سواء في تفسيره، أو غيره من كتب التفسير التي بين يدي، وقد ورد بمثله من غير عَزو في: \"الوسيط\" ٤/ ٤٥٤.","vol":"23","page":361},{"text":"(والفراء) (١) (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4934>١٥ </span>- ثم أستأنف (قوله تعالى): ﴿إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا﴾\nقال الكلبي: بصيرًا به من خلقه إلى أن بعثه (٣) (٤).\nوقال عطاء: بصيرًا بما سبق عليه في أم الكتاب من الشقاء والخزي (٥).\nقال (٦) مقاتل: بصيرًا متى يبعثه (٧).\nوقال أبو إسحاق: كان به بصيرًا قبل أن يخلقه، عالمًا بأن مرجعه إليه (٨).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4935>١٦ </span>- قوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ﴾ قال الكلبي: هي العمرة التي تكون في المغرب (٩).\nوقال مقاتل: الشفق الذي يكون بعد غروب الشمس في الأفق قبل الظلمة (١٠).\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٥١\n(٢) ساقط من (أ)\n(٣) في (أ): يبعثه.\n(٤) \"التفسير الكبير\" ٣١/ ١٠٨، وورد بمثل قوله من غير عزو في: \"الباب التأويل\" ٤/ ٣٦٣، ولم أعثر على قوله في تفسير.\n(٥) المرجع السابق\n(٦) في (ع): وقال.\n(٧) المرجع السابق\n(٨) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣٠٥ بنحوه.\n(٩) \"التفسير الكبير\" ٣٠/ ١٠٩.\n(١٠) لم أعثر على مصدر لقوله. وورد عند البغوي معزوًا إلى ابن عباس وأكثر المفسرين: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٦٤، ومن غير نسبة في: \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٨٥. =","vol":"23","page":362},{"text":"وقال عكرمة: مَا بقي من النهار (١).\nوقال مجاهد: هو النهار كُلَه (٢).\nهذا ما ذكر المفسرون في تفسير الشفق، وأهل اللغة على أن الحمرة من بعد غروب الشمس إلى وقت صلاة العشاء الآخرة (٣).\nوهو قول الليث (٤)، والفراء (٥)، والزجاج (٦)، (وعمرو عن أبيه) (٧) (٨) قالوا: الشفق الحمرة في السماء (٩).\n_________\n= والذي ورد عنه في تفسيره: ٢٣٤/ ب: قال: هو العمرة إلى أن تغيب. قلت: وهو معنى ما أورده الواحدي عنه.\n(١) \"الكشف والبيان\" ج ١٣: ٥٩/ ب، \"النكت والعيون\" ٦/ ٢٣٧، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٦٤، \"زاد المسير\" ٨/ ٢١٢.\n(٢) \"تفسير مجاهد\" ٧١٥، \"جامع البيان\" ٣٠/ ١١٩، \"بحر العلوم\" ٣/ ٤٦١، \"الكشف والبيان\" ج: ١٣: ٥٩/ ب، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٦٤، \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٥٨، \"زاد المسير\" ٨/ ٢١٢، \"التفسير الكبير\" ٣١/ ١٠٩، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٢٧٤، \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٢٢.\n(٣) في (أ): الأخيرة.\n(٤) \"تهذيب اللغة\" ٨/ ٣٣٢: مادة: (شفق)، قال: الشفق الحمرة التي في المغرب من الشمس.\n(٥) معاني القرآن: ٣/ ٢٥١، بنحو من قول الليث.\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣٠٥، بنحو من قول الفراء.\n(٧) \"تهذيب اللغة\" ٨/ ٣٣٢: مادة: (شفق)، والعبارة له التي نص عليها الإمام الواحدي.\n(٨) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٩) وقد حكي هذا القول: \"المراد بالشفق الحمرة التي تبقى في الأفق بعد غروب الشمس\"، عن عامة المفسرين من الصحابة والتابعين وأهل اللغة، وعزاه إليهم كل من (أ) لثعلبي في: \"الكشف والبيان\" ج: ١٣: ٥٩/ ب، وابن الجوزي في: \"زاد =","vol":"23","page":363},{"text":"وأصل موضوع هذه الحرف: لرقة الشيء، ومنه يقَال: شيء شفق لا تماسك له، لرقته؛ ولذلك يقال للرديء من الأشياء (١): شفق، وأشفق عليه إذا رق قلبه عليه، والشفقة رقة القلب (٢).\nوأهل اللغة إذا فسروا \"الشفق\" قالوا: بقية ضوء الشمس وحمرتها، فيذكرون الحمرة كأنهم حققوا أن تلك الرقة من ضوء الشمس، وأن الغالب عليها الحمرة، (وإنما جعل غيبوبة الشفق وقتًا للعشاء الآخرة (٣)، واعتبرت الحمرة فيه دون البياض؛ لأن البياض (٤) يمتد وقته، ويطول لبثه، والحمرة لما كانت بِقية ضوء الشمس، ثم بعدت (٥) الشمس عن الأفق ذهبت الحمرة).\n_________\n= المسير\" ٨/ ٢١٢، والفخر الرازي في: \"التفسير الكبير\" ١٣/ ١٠٩، والقرطبي في: \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٢٧٣، والخازن في: \"لباب التأويل\" ٤/ ٣٦٤.\nورجح هذا القول ابن قدامة في: المغنى: ١/ ٣٨٢، كما عزاه الإمام النووي إلى أكثر أهل العلم، وقال أيضًا: والذي ينبغي أن يعتمد أن المعروف عند العرب أن الشفق الحمرة، وذلك مشهور في شعرهم ونثرهم.\nالمجموع شرح المهذب: ٣/ ٣٥، ٣٦، ٤٢ - ٤٣.\n(١) في (أ): الشيء.\n(٢) انظر: مادة: (شفق) في: \"تهذيب اللغة\" ٨/ ٣٣٢، \"مقاييس اللغة\" ٣/ ١٩٧، \"الصحاح\" ٤/ ١٥٠١.\n(٣) في (أ): الأخيرة.\n(٤) والقول: إن الشفق هو البياض، إذ لا خلاف بين العلماء في دخول وقت العشاء بغيبوبة الشفق. قال به أبو حنيفة، والمزني، وزقر، وإليه ذهب أنس، وأبو هريرة، وبه قال الأوزاعي، وابن المنذر.\nانظر: \"حلية العلماء في معرفة مذاهب العلماء\" للقفال: ٢/ ٨، وانظر: \"المغنى\" ١/ ٣٨٢.\n(٥) في (أ): تغرب.","vol":"23","page":364},{"text":"قال (١): سمعت بعض العرب يقول: عليه ثوب مصبوغ، كأنه الشفق، وكان أحمر، فهذا شاهد للحمرة) (٢) هذا كلامه.\nقوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ﴾ أي: وما جمع، وضم، وحوى، ولفَّ. قاله مجاهد (٣)، ومسروق (٤)، والحسن (٥)، (وأبو صالح (٦) (٧»، وأبو العالية (٨)، (ورواية ابن أبي مليكة عن) (٩) ابن عباس قال: ما جمع (١٠).\nواختيار (١١) الفراء (١٢)، والزجاج (١٣)، (والمبرد (١٤» (١٥)،\n_________\n(١) أي الفراء.\n(٢) ما بين القوسين نقله الإمام الواحدي عن \"معاني القرآن\" للفراء: ٣/ ٢٥١ بتصرف.\n(٣) \"تفسير مجاهد\" ٧١٥، \"جامع البيان\" ٣٠/ ١٢٠ - ١٢١، \"النكت والعيون\" ٦/ ٢٣٧، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٦٥، \"البحر المحيط\" ٨/ ٤٤٧.\n(٤) \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٢٣.\n(٥) \"جامع البيان\" ٣٠/ ١٢٠، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٢٧٦، \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٢٣، \"فتح القدير\" ٥/ ٤٠٨.\n(٦) \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٢٣.\n(٧) ساقط من (أ).\n(٨) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٩) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(١٠) \"جامع البيان\" ٣٠/ ١١٩،\"التفسير الكبير\" ٣١/ ١١٠، \"الكامل\" ٣/ ١١٤٥.\n(١١) في (ع): اختار.\n(١٢) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٥١.\n(١٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣٠٥.\n(١٤) \"الكامل\" ٣/ ١١٤٥.\n(١٥) ساقط من (أ).","vol":"23","page":365},{"text":"وأنشدوا (١):\nمُسْتَوْسِقات لَوْ يَجِدْنَ سائقًا (٢)\nأي مجتمعات.\nومنه الوَسْق في الطعام؛ لأنه مكيلة معلومة (٣) تجمع قدرًا معلومًا (٤)، والمعنى: جمع، وضم ما كان منتشرًا بالنهار في تصرفه، وذلك أن الليل إذا أقبل أوى كل شيء إلى مأواه (٥).\nقال الليث: الوسق: ضمك الشيء بعضه إلى بعض، واستوسقت الإبل إذا اجتمعت، وانضمت، والراعي يسقها: أي يجمعها (٦).\n_________\n(١) البيت للعجاج، كذا جاء في حاشية كتاب \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣٠٥، أما \"لسان العرب\" فقد نسبه إلى طرفة: ١٠/ ٣٨٠، ديوان العجاج ملحقات مستقلة: ٢/ ٣٠٧، ولم أجده في ديوان طرفة، وصدره:\nإنَّ لنا قلائصًا حَقائقًِا\n(٢) ورد البيت في: مادة: (وسق) في: \"الصحاح\" ٤/ ١٥٦٦، و\"لسان العرب\" ١٠/ ٣٨٠، \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٩١، \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣٠٥، \"الكامل\" ٣/ ١١٤٥، \"جامع البيان\" ٣٠/ ١٢٠، \"الكشف والبيان\" ج: ١٣: ٦٠/ أ، \"النكت والعيون\" ٦/ ٢٣٧، \"زاد المسير\" ٨/ ٢١٢، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٣٧٥، وهو مما استشهد به ابن عباس في: \"الدر المنثور\" ٨/ ٤٥٨، \"روح المعاني\" ٣٠/ ٨١.\n(٣) وقدرها: ستون صاعًا بصاع النبي -ﷺ-، وهي خمسة أرطال وثلث. (وسق): في: \"تهذيب اللغة\" ٩/ ٢٣٦، \"لسان العرب\" ١٠/ ٣٧٨.\n(٤) انظر: \"تهذيب اللغة\" ٩/ ٢٣٦: مادة: (وسق).\n(٥) ومعنى هذا القول ورد عن ابن عباس، ومجاهد، ومقاتل، وغيرهم، وقال القرطبي: \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٢٧٤.\n(٦) لم أعثر على مصدر لقوله، وقد ورد بمثل قوله من غير عزو في: \"لسان العرب\" ١٠/ ٣٨٠: مادة: (وسق)، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٢٧٤ - ٢٧٥.","vol":"23","page":366},{"text":"وقال (١) الكلبي: ﴿وَمَا وَسَقَ﴾ يقول: ما ساق من شيء إلى حيث يأوي (٢).\nوالوسق على هذا القول معناه: الطرد، (ومنه يقال للطريدة (٣) من الإبل والغنم والحمر: وسقة) (٤).\nروى عطاء عن ابن عبَّاس: ﴿وَمَا وَسَقَ﴾ يريد وما حمل (٥).\nوالوسق: يكون بمعنى الحمل، وكل شيء حملته فقد وسقته، ومعنى حمل في الليل: يعني ضم وجمع، أي ما أتى عليه الليل، وحمله في ظلمته، وذلك أنه يجلل الأشجار والجبال، والبحار، والأرض كلها، فإذا جللها فقد وسقها (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4936>١٨ </span>- قوله تعالى: ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ﴾ قال أبو عبيدة: إذا تم (٧). وقال الزجاج: اجتمع واستوى (٨)، وقال الفراء: اتساقه: امتلاؤه واجتماعه، واستواؤه ليلة ثلاثة عشر، وأربعة عشر إلى ستة عشر، وهو افتعل من الوسق الذي هو الجمع (٩).\n_________\n(١) بياض في: ع.\n(٢) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٣) في (أ): للطريد.\n(٤) ما بين القوسين نقله عن \"تهذيب اللغة\" ٩/ ٢٣٤: مادة: (وسق). وانظر: مادة: (وسق) في: \"الصحاح\" ٤/ ١٥٦٦، \"لسان العرب\" ١٠/ ٣٨٠.\n(٥) \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٢٧٥.\n(٦) انظر: مادة: (وسق) في كل من: \"مقاييس اللغة\" ٦/ ١٠٩، \"الصحاح\" ٤/ ١٥٦٦، \"لسان العرب\" ١/ ٣٧٩ - ٣٨٠.\n(٧) \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٩١.\n(٨) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣٠٥.\n(٩) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٥١ بتصرف.","vol":"23","page":367},{"text":"قال (ابن عباس (١) و) (٢) المفسرون (٣): إذا استوى، واجتمع، وتكامل، وتم، واستدار. كل هذا من ألفاظهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4937>١٩ </span>- قوله تعالى: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ فيه قراءتان (٤): فتح \"الباء\"، وضمها، فمن فتح \"الباء\" قال: الخطاب لمحمد -ﷺ-.\nوالمراد بالطبق: السماء. وهو قول مسروق (٥)، (والشعبي) (٦) (٧)،\n_________\n(١) \"جامع البيان\" ٣٠/ ١٢١، \"الدار المنثور\" ٨/ ٤٥٨ وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن أبي حاتم.\n(٢) ساقط من (أ).\n(٣) وهو قول: قتادة، وابن زيد، وسعيد، وعكرمة، ومجاهد، والحسن، والضحاك، ومسروق، وأبي صالح. \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٣٥٨، \"جامع البيان\" ٣٠/ ١٢٢، \"اتفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٢٣.\nوبه قال اليزيدي في: غريب القرآن: ٤٢٢، وابن قتيبة في: \"تفسير غريب القرآن\" ٥٢١، والسجستاني في: نزهة القلوب: ١٣٥، وإليه ذهب الطبري في: \"جامع البيان\" ٣٠/ ١٢٢، والثعلبي في: \"الكشف والبيان\" ج: ١٣، ٦١/ أ، وانظر نفس الصباح: ٢/ ٧٧٤، و\"تفسير غريب القرآن\" لابن الملقن: ٥٤١.\n(٤) قرأ ابن كثير، وحمزة، والكسائي، وخلف: ﴿لَتَرْكَبُنَّ﴾ بفتح الباء، ووافقهم ابن محيصن والأعمش.\nوقرأ أبو جعفر، ونافع، وابن عامر، وعا صم، وأبو عمرو، ويعقوب: ﴿لَتَرْكَبُنَّ﴾ بضم الباء.\nانظر: \"كتاب السبعة\" ٦٧٧، \"القراءات وعلل النحويين فيها\" ٢/ ٧٦١، \"الحجة\" ٦/ ٣٩١، \"حجة القراءات\" ٧٥٦، \"الكشف\" عن وجوه القراءات: ٢/ ٣٦٧، \"كتاب التبصرة\" ٧٢٣، \"المبسوط\" ٤٠٠، النشر: ٢/ ٣٩٩.\n(٥) \"تفسير مجاهد\" ٧١٦، \"جامع البيان\" ٣٠/ ١٢٤.\n(٦) \"جامع البيان\" ٣٠/ ١٢٤، \"النكت والعيون\" ٦/ ٢٣٨، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٦٥، \"زاد المسير\" ٨/ ٢١٢، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٢٧٦، \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٢٣.\n(٧) ساقط من (أ).","vol":"23","page":368},{"text":"وابن عباس (١) في رواية مجاهد. والمعنى: لتركبن يا محمد سماء بعد سماء. قال الكلبي: يصعد فيها (٢).\nويجوز أن يريد درجة بعد درجة، ورتبة بعد رتبة في القربة من الله تعالى، ورفعة المنزلة (٣).\nويجوز أن يكون المعنى: لتركبن السماء حالًا بعد حَال من تغير حَالاتها التي وصفها الله من الانشقاق، والطي، وكونها مرة كالدهَان، ومرة كالمهل، وهو قول عبد الله (٤).\nوروى الفراء بإسناده عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس: لتركبن، بفتح (٥) \"الباء\"، وفسر: لتصيرن الأمور حَالًا بعد حَال (٦).\n_________\n(١) المراجع السابقة عدا النكت، و\"الجامع لأحكام القرآن\"، كما ورد أيضًا قوله في: \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٥٩، \"البحر المحيط\" ٨/ ٤٤٧، \"الجامع الصحيح\" للبخاري: ٣/ ٣٢٢: ح: ٤٩٤٠: كتاب التفسير: باب: ٢.\n(٢) \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٦٥.\n(٣) وهو قول عمر، وابن مسعود، وابن عباس، وأبي العالية، والشعبي. انظر: \"الكشف والبيان\" ج: ١٣: ٦٠/ أ، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٢٧٦.\n(٤) \"تفسير مجاهد\" ٧١٦، \"الحجة\" ٦/ ٣٩١، \"حجة القراءات\" ٧٥٦، \"جامع البيان\" ٣٠/ ١٢٤، \"الكشف\" عن وجوه القراءات السبع: ٣٦٧، \"النكت والعيون\" ٦/ ٢٣٨، \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٥٩، \"زاد المسير\" ٨/ ٢١٢، \"التفسير الكبير\" ٣١/ ١١١، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٢٧٦، \"البحر المحيط\" ٨/ ٤٤٧، \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٢٣، \"الدار المنثور\" ٨/ ٤٦٠،\nوعزاه إلى ابن المنذر، وعبد بن حميد، والبيهقي، وانظر: \"كشف الأستار عن زوائد البزار\" ٣/ ٨٩: ح: ٢٢٨٢.\n(٥) في (أ): بالفتح.\n(٦) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٥٢، كشمف الأستار عن زوائد البزار: ٣/ ٨٩.","vol":"23","page":369},{"text":"ويجوز أيضًا أن يكون الخطاب للإنسان المتقدم في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ﴾\nوالمعنى: لتركبن أيها الإنسان حَالًا بعد حَال من كونه نطفة، وعلقة، وَمُضغة، وحيًا، وميتًا، وحيًا بعد الموت، وغنيًا، وفقيرًا، وجميع الأحوال المختلفة على الإنسان في دنياهُ وآخرته. وهو قول مقاتل (١)، وعلى أيضًا قراءة من قرأ بضم \"الباء\" إلا أن الخطاب للجماعة، وهو اختيار أبي عبيد قال: لأن المعنى: بالناس أشبه منه بالنبي -ﷺ- لما ذُكر قبل الآية (من يؤتى كتابه بيمينه، ثم فسر هذه الآية) (٢): قوله تعالى: ﴿فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾، وذكر ركوبهم طبقًا بعد طبق (٣)، وهذا قول أكثر المفسرين؛ قالوا: لتركبن حَالًا بعد حَال، ومنزلًا بعد منزل، وأمرًا بعد أمر. وهذا قول الحسن (٤)، وقتادة (٥)، ومجاهد (٦)، (وعكرمة (٧)، وابن\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ٢٣٤/ ب، \"الكشف والبيان\" ج: ١٣: ٦١/ ب، معالم النزيل: ٤/ ٤٦٥، وبمعنى قوله ذهب عطاء، والحسن وعكرمة. انظر: \"النكت والعيون\" ٦/ ٢٣٨، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٦٥٠، \"زاد المسير\" ٨/ ٢١٣، \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٢٣.\n(٢) ما بين القوسين ساقط: أ.\n(٣) ورد بنحو قوله في: \"الكثسف والبيان\" ج ١٣: ٦٠/ أ. وفيه: ثم قال بعدها ﴿فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ وذكر ركوبهم طبقًا بعد طبق.\n(٤) \"جامع البيان\" ٣٠/ ١٢٣، \"النكت والعيون\" ٦/ ٢٣٨، \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٢٣، \"تفسير الحسن البصري\": ٢/ ٤٠٧.\n(٥) \"جامع البيان\" ٣٠/ ١٢٣.\n(٦) \"تفسير مجاهد\" ٧١٥، \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٢٣.\n(٧) \"جامع البيان\" ٢٣/ ١٢٣ - ١٢٤، \"النكت والعيون\" ٦/ ٢٣٨، \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٢٥٣.","vol":"23","page":370},{"text":"زيد (١)، وسعيد بن جبير (٢» (٣) [قالوا] (٤): لتكونن في الآخرة بعد الأولى، ولتصيرن أغنياء بعد الفقر، وفقراء بعد الغنى، يعني في الآخرة.\nقال (٥) عطاء: يريد شدة بعد شدة، يعني شدائد القيامة (٦).\nوقال أبو عبيدة: لَتَركَبُنَّ سنة الأولين، وسنة من كان قبلكم (٧). يعني في التكذيب والاختلاق على النبي -ﷺ-.\nوالطبق في اللغة: يكون بهذه المعاني التي ذكرهَا المفسرون.\nقال الليث: السموات طباق، وكل واحد من الطباق طبقة، وقد يُذَكر طبق -قال- والطبقة: [الحال] (٨)، يقال: كان فلان من الدنيا على طبقات شتى؛ أي حالات (٩).\nوقال ابن الأعرابي: الطبق [الحال] (١٠) على اختلافها (١١).\n_________\n(١) المراجع السابقة عدا تفسير ابن كثير، وانظر أيضًا: \"البحر المحيط\" ٨/ ٤٤٨.\n(٢) ورد معنى قوله في: \"النكت والعيون\" ٦/ ٢٣٨، \"زاد المسير\" ٨/ ٢١٣، تفسير سعيد بن جبير: ٣٧٠\n(٣) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٤) في كلا النسختين: قالا، وأثبت ما يستقيم الكلام به.\n(٥) في (أ): فقال.\n(٦) لم أعثر على مصدر لقوله، وقد ورد بمعنى قوله عن ابن عباس انظر: \"الكشف والبيان\" ح: ١٣: ٦١/ ب، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٦٥، \"زاد المسير\" ٨/ ٢١٣.\n(٧) \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٩٢ بنصه\n(٨) في كلا النسختين: الجبال، وأثبت ما جاء في: \"تهذيب اللغة\" ٩/ ١٠: مادة: (طبق) لصحته، ولأنه مصدر قول الليث.\n(٩) \"تهذيب اللغة\". مراجع السابقة مختصرًا، وانظر، \"لسان العرب\" ١٠/ ٢١٠ طبق.\n(١٠) ساقط من النسخين، ومثبت من مصدر قول ابن الأعرابي، وبه يستقيم الكلام.\nانظر: \"تهذيب اللغة\" ٩/ ١١: مادة: (طبق).\n(١١) \"تهذيب اللغة\" المرجع السابق","vol":"23","page":371},{"text":"وقد يكون الطبق بمعنى الشدة، قال الفراء: العرب تقول: وقع في بنات طبق (١) إذا وقع في الأمر الشديد (٢).\nوقال الأصمعي: يقال: جَاء بإحدى بنات طبق، وهي الداهية، وأصلها من الحيّات (٣). (يقال للحية: أم طبق لحسها (٤) لتَرحَيها (٥) وتحوَّيها (٦» (٧).\nوقوله: ﴿عَنْ طَبَقٍ﴾ \"عن\" بمعنى: بعد (٨).\nقال أبو علي: ومثل ما فسروا من \"أن\" بمعنى \"عن\" بمعنى \"بعد\" قول الأعشى:\nسادوا (٩) وألقَى رهَطه سَادةً ... وكَابرًا سادوك عن كَابِرِ (١٠)\n_________\n(١) بنات طبق: بياض في: ع.\nويراد ببنت طبق سُلحفاة تزعم العرب أنها تبيض تسعة وتسعين بيضة كلها سلاحف، وتبيض بيضة تنقف عن أسود. يُضرب للرجل يأتي بالأمر العظيم.\n\"مجمع الأمثال\" ١/ ٢٩٣، رقم: ٨٦٥.\n(٢) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٥٢ بنصه\n(٣) \"تهذيب اللغة\" ٩/ ٥.\n(٤) غير مقروءة في النسختين.\n(٥) في (أ): لتوحيها.\n(٦) تحويها: الحَوِيُّ استدارة كل شيء كحوى الحيَّة وكحوى بعض النجوم إذا رأيتها في نسق واحد مستدير.\n\"تهذيب اللغة\" ٥/ ٢٩٢: مادة: (حوى).\n(٧) ما بين القوسين نقل عن \"تهذيب اللغة\" ٩/ ٦: مادة: (طبق) بزيادة لحسها.\n(٨) انظر كتاب معاني الحروف: للرماني: ٩٥\n(٩) في (أ): ساد.\n(١٠) ورد البيت في \"ديوانه\" دار صادر: ٩٣، برواية: \"وألفى قومه\" بدلًا من: \"رهطه\".","vol":"23","page":372},{"text":"قال: والمعنى: كابرا بعد كابر.\nفـ\"عن\" متعلق بسادوك، ولا يكون متعلقًا بكابر، وقد تبين ذلك في قول النابغة:\nبَقِيَّةُ قِدْرٍ من قُدورٍ تُوُرِّثت ... لاَلِ الجلاحِ كَابِرًا بَعْدَ كابرِ (١)\nوقالوا عن الحمى أي عَرِقَ بعدها (٢).\nوتم الكلام عندها لتمام جواب القسم (٣).\nثم قال: ﴿فَمَا لَهُمْ﴾ يعني كفار مكة ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾ بمحمد، والقرآن.\nوالمعنى: أي شيء لهم غير مؤمنين، وهو استفهام (٤) إنكاري، أي: أي شيء لهم من النعيم والكرامة؛ إذ ألم يؤمنوا.\nويجوز أن يكون استفهامًا معناه التعجب، أي: اعجبوا منهم لم يؤمنوا بعد البيان ووضوح البرهان.\n(قوله (﷿) (٥): ﴿وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ﴾ قال عطاء (٦)، والكلبي (٧): لا يصلون لله ﷿.\n_________\n(١) ورد البيت في ديوانه: ٧٥، دار بيروت: ٧٥\n(٢) نقلًا عن \"الحجة\" ٦/ ٣٩١ - ٣٩٢. وفيه: وقالوا عرق الرجل عن الحمى أي بعدها.\n(٣) انظر: علل الوقوف: لابن طيفور: ٣/ ١١١٢، والوقف والابتداء: للنحاس: ٢/ ٧٩٧، المكتفى لأبي عمرو الداني: ٦١٤، منار الهدى: للأشموني: ٤٢٣\n(٤) في (أ): هذا.\n(٥) ما بين القوسين ساقط من (ع).\n(٦) \" الكشف والبيان\" ج: ١٣: ٦٢/ أ، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٦٥، \"زاد المسير\" ٨/ ٢١٣، \"التفسير الكبير\" ٣١/ ١١٢\n(٧) المراجع السابقة عدا زاد المسير.","vol":"23","page":373},{"text":"وقال غيرهم (١): لا يخضعون، ولا يستكينون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4938>٢٢ </span>- (وقوله) (٢): ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ﴾ بالبعث، والقرآن، والثواب، والعقاب.\n<span data-type=\"title\" id=toc-4939>٢٣ </span>- (قوله) (٣): ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ﴾\nفي صدورهم من التكذيب، ويضمرون في قلوبهم، ويكتمون. قاله ابن عباس (٤)، وقتادة (٥)، (ومقاتل (٦» (٧).\nوتفسير الإيعاء قد تقدم (٨).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4940>٢٤ </span>- قوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾\n(أي اجعل ذلك لهم بدل البشارة (٩) للمؤمنين بالرحمة) (١٠)، وقد\n_________\n(١) قال بذلك الطبري في: \"جامع البيان\"، والثعلبي في: \"الكشف والبيان\" ج: ١٣: ٦٢/ أ، وعزاه القرطبي إلى مالك في: \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٢٧٨ - ٢٧٩.\n(٢) ساقط من (ع).\n(٣) ساقط من (ع)\n(٤) ورد معنى قوله في: \"النكت والعيون\" ٦/ ٢٣٨، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٢٨، \"البحر المحيط\" ٨/ ٤٤٨.\n(٥) ورد معنى قوله في: \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٣٦٠، \"جامع البيان\" ٣٠/ ١٢٦، \"الكشف والبيان\" ج: ١٣: ٦٢/ ب، \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٢٤، \"الدر المنثور\" ٨/ ٤٦١.\n(٦) \"الوسيط\" ٤/ ٤٥٦، والذي ورد عنه في تفسيره قوله: \"أعلم بما يوعون\" يقول: بما يجمعون عليه من الإثم والفسوق: ٢٣٥/ أ.\n(٧) ساقط من (أ).\n(٨) راجع في ذلك سورة الحاقة: ١٢\n(٩) في (أ): الإشارة.\n(١٠) ما بين القوسين من قول الزجاج في: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣٠٦.","vol":"23","page":374},{"text":"قدم مثل هذا (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4941>٢٥ </span>- وقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (٢)\nقال مقاتل: استثنى مَن آمن مِن الكفار بقوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (٣).\nوقوله تعالى: ﴿غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ أي: غير منقوص ولا مقطوع؛ لأن نعيم الآخرة يزيد وينمو (٤)، ولا ينقطع. (قاله عطاء عن ابن عباس (٥» (٦).\nوفسرنا ﴿غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ وفي أول سورة القلم (٧). (والله تعالى أعلم) (٨)\n_________\n(١) على نحو ما جاء في سورة البقرة: ٢٥، وسورة آل عمران: ٢١، وسورة التوبة: ٣٤، ومما جاء في تفسير البشارة عند قوله ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ البقرة: ٢٥ \"والتبشير إيراد الخبر السار الذي يظهر السرور في بشرة المخبر، ثم كثر استعماله حتى صار بمنزلة الإخبار، واستعمل في نقيضه كقوله: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [آل عمران: ٢١، والانشقاق قال: ٢٤ وغيرها] إلا انه فيما يسر أكثر، وقال قوم: أصله فيما يسر ويغم سواء إذا كان قد يظهر في بشرة الوجه أثر الغم كما يظهر أثر السرور.\n(٢) ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾.\n(٣) لم أعثر على مصدر لقوله، سواء في تفسيره أو الكتب التي بين يدي.\n(٤) في كلا النسختين: ينموا.\n(٥) \"جامع البيان\" ٣٠/ ١٢٦، \"النكت والعيون\" ٦/ ٢٣٩.\n(٦) ما بين القوسين ساقط من (أ)\n(٧) سورة القلم: ﴿وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ جاء في تفسيرها: قال أكثر المفسرين، وأهل اللغة يقولون: غير منقوص ولا مقطوع، يقال: منه السير: أي أضعفه، والمنين: الضعيف، ومن الشيء إذا قطعه.\nوقال مجاهد: غير محسوب. وقال مقاتل: لا يمن به عليك، وقال الكلبي: غير مكدر عليك في الجنة. والقول هو الأول. والمعنى أن لك أجرًا يصبرك على بهتهم وافترائهم عليك.\n(٨) ما بين القوسين ساقط من (أ).","vol":"23","page":375},{"text":"(تمت) (١).\n_________\n(١) ساقط من (أ).","vol":"23","page":376},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4942>سورة البروج</span>","vol":"23","page":377},{"text":"تفسير سورة البروج <span data-type=\"title\" id=toc-4943>(١)</span>\nبسم الله الرحمن الرحيم\n\n١ - ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾، ذكرنا تفسير البروج كاملًا <span data-type=\"title\" id=toc-4944>(٢) </span>عند قوله: ﴿جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا﴾ (٣) وهي النجوم (٤)، أو منازلها.\n٢ - ﴿وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ﴾ قالوا جميعًا: يعني يوم القيامة (٥).\n_________\n(١) مكية بإجماع من المتأولين، قاله ابن عطية في: \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٦٠، وابن الجوزي في: \"زاد المسير\" ٨/ ٢١٥، \"روح المعاني\" ٣٠/ ٨٤، وانظر: \"تفسير مقاتل\" ٢٣٥/ أ، \"جامع البيان\" ٣٠/ ١٢٧، \"بحر العلوم\" ٣/ ٤٦٣، وغيرها من كتب التفسير.\n(٢) في كلا النسختين: كملاٍ.\n(٣) سورة الفرقان: ٦١ قال تعالى ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا﴾ وقد جاء في تفسيرها: قال أبو إسحاق: وإنما قيل للكواكب بروجًا لظهورها وبيانها وارتفاعها، والبرج تباعد ما بين الحاجبين، وكل ظاهر مرتفع فقد برج.\n(٤) قال بذلك مجاهد، وقتادة، وابن عباس، والضحاك، والحسن، والسدي: \"جامع البيان\" ٣٠/ ١٢٧، \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٢٥.\n(٥) وبه قال قتادة، وأبو هريرة، والحسن، وابن زيد، وابن عباس، وأبو مالك الأشعري، ومقاتل. انظر: \"تفسير مقاتل\" ٢٣٥/ أ، انظر: \"جامع البيان\" ٣٠/ ١٢٨، \"الكشف والبيان\" ج: ١٣/ ٦٣/ أ، كنز العمال: ٢/ ١٣ ح: ٢٩٣٩. وحكى الإجماع على ذلك: ابن عطية في: \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٦٠، وابن الجوزي في: \"زاد المسير\" ٨/ ٢١٦، والقرطبي في: \"الجامع لأحكام القرآن\" =","vol":"23","page":379},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4945>٣ </span>- ﴿وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾ واختلفوا فيه، (و) (١) الأكثرون على أن الشاهد يوم الجمعة، والمشهود يوم عرفة، وهو قول أبي هريرة (٢)، والحسن (٣)، وعلي بن أبي طالب (٤)، (وابن الزبير (٥)، وقتادة (٦)، ورواية يوسف المكي (٧)\n_________\n= ٩/ ٢٨١، وأبو حيان في: \"البحر المحيط\" ٨/ ٤٤٩، وابن كثير في: \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٢٥، والألوسي في: \"روح المعاني\" ٣٠/ ٨٦، وابن عاشور في: التحرير والتنوير: ٣٠/ ٢٣٨، وانظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٠٧، \"تفسير غريب القرآن\" ٥٢٢، \"معاني القرآن\" للفراء: ٣/ ٢٥٢، \"بحر العلوم\" ٣/ ٤٦٣، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٦٦، \"الكشاف\" ٤/ ١٩٩.\nقال د/ محمد الخضيري: وجميع المفسرين على القول به، لم يخالف في ذلك أحد منهم. \"الإجماع في التفسير\": ٥٢١\n(١) ساقط من (أ).\n(٢) \"كنز العمال\" ٢/ ١٣ح: ٢٩٤٠، \"جامع البيان\" ٣٠/ ١٢٨، \" المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٦٠، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٢٨١، \"الدر المنثور\" ٨/ ٤٦٤ وعزاه إلى عبد بن حميد.\n(٣) المراجع السابقة. وانظر: \"تفسير الحسن البصري\" ٢/ ٤٠٩.\n(٤) \"تفسير مجاهد\" ٧١٧، \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٣٦١، \"بحر العلوم\" ٣/ ٤٦٣، \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٦٠، \"جامع البيان\" ٣٠/ ١٢٩، \"زاد المسير\" ٨/ ٢١٦، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٢٨١.\n(٥) \"تفسير مجاهد\" ٧١٧، \"جامع البيان\" ٣٠/ ١٣٠، \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٢٥.\n(٦) ورد قوله في: \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٣٦١، \"جامع البيان\" ٣٠/ ١٢٩، \" المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٦٠، \"الدر المنثور\" ٨/ ٤٦٢ وعزاه إلى عبد الرزاق، وعبد بن حميد.\n(٧) يوسف المكي: هو يوسف بن ماهك بن بُهْزَام الفارسي المكْيُّ مولى قريش، روى عن عبد الله بن عباس، ثقة، روى له الجماعة، مات سنة ١٠٣ هـ وقيل ١١٣ هـ. انظر: \"الطبقات الكبرى\": ٥/ ٤٧٠، \"تهذيب التهذيب\": ١١/ ٤٢١، \"تهذيب الكمال\" ٣٢/ ٤٥١: ت: ٧١٥٠.","vol":"23","page":380},{"text":"عن ابن عباس (١» (٢)، وروي ذلك مرفوعًا إلى النبي -ﷺ- (٣) (رواه أبو هريرة) (٤) (٥)، وعلى هذا سمي يوم الجمعة شاهدًا؛ لأنه يشهد على كل عامل بما عمل فيه، وكذلك كل يوم، ويوم عرفة يوم مشهود؛ لأنه يشهد الناس فيه موسم الحج، وتشهده الملائكة.\n_________\n(١) ورد قوله في: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٦٦، \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٦٠، \"جامع البيان\" ٣٠/ ١٢٩، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٢٨١، \"الدر المنثور\" ٨/ ٤٦٣، وعزاه إلى ابن مردويه.\n(٢) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٣) الحديث أخرجه الترمذي في: سننه: ٥/ ٤٣٦: ح: ٣٣٣٩، باب تفسير القرآن ٧٧، ونصه كما هو عنده: عن عبد الله بن رافع، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله -ﷺ-: (اليوم الموعود يوم القيامة، واليوم المشهود يوم عرفة، والشاهد: يوم الجمعة وما طلعت الشمس ولا غربت على يوم أفضل منه، فيه ساعة لا يوافقها عبد مؤمن يدعو الله بخير إلا استجاب الله له، ولا يستعيذ من شر إلا أعاذه الله منه). قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث موسى بن عبيدة، وموسى بن عبيدة يُضَعَّفُ في الحديث، ضعفه يحيى بن سعيد وغيره.\nوقال ابن كثير: وهكذا روى هذا الحديث ابن خزيمة من طريق موسى بن عبيدة الربذي، وهو ضعيف الحديث، وقد روي موقوفًا على أبي هريرة، وهو أشبه. \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٢٥. كما أخرجه البيهقي في سننه: ٣/ ١٧٠، كتاب الجمعة.\nوالحديث حسنه الألباني، انظر: \"صحيح الجامع الصغير\" ٦/ ٣٦٩ ح: ٨٠٥٧، \"مشكاة المصابيح\" ١/ ٤٣٠ ح: ١٣٦٢، \"سلسلة الأحاديث الصحيحة\" ٤/ ٤ ح: ١٥٠٢، كما ورد أيضًا في: \"جامع البيان\" ٣٠/ ١٢٩، \"الكشف والبيان\" ج: ١٣: ٦٣/ ب.\n(٤) بياض في (ع).\n(٥) ما بين القوسين ساقط من (أ).","vol":"23","page":381},{"text":"وعلى الضد من هذا روى أبو هريرة أن النبي -ﷺ- قال: \"شاهد\" يوم عرفة، \"ومشهود\" يوم الجمعة) (١)، فإنه يوم مشهود تشهده الملائكة.\nوقال آخرون: الشاهد محمد -ﷺ-، والمشهود يوم القيامة، وهو (٢) قول الحسن بن علي (٣) -﵁-، ومحمد بن علي (٤)، وتلا الحسن بن علي -﵁- قوله ﷿: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا﴾ [الأحزاب: ٤٥]، وقوله: ﴿وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ [هود: ١٠٣]، وتلا محمد -﵁- قوله: ﴿وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ [النحل: ٨٩].\nوقال جماعة: الشاهد: ابن آدم، والمشهود يوم القيامة، (وهوقول مجاهد (٥)،\n_________\n(١) لم أعثر على مصدر الحديث، وقد ورد عند الطبري من رواية أبي الدرداء عن النبي -ﷺ-: \"جامع البيان\" ٣٠/ ١٣١.\n(٢) في (أ): هذا.\n(٣) ورد قوله في: \"تفسير مجاهد\" ٧١٧ وعزاه إلى الحسين بن علي، \"جامع البيان\" ٣٠/ ١٣٠، \"الكشف والبيان\" ج: ١٣: ٦٣/ ب، ٦٤/ أ، \"النكت والعيون\" ٦/ ٢٤١، \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٦٠، \"الدر المنثور\" ٨/ ٤٦٤، وعزاه إلى ابن جرير، وإلى ابن مردويه، وقال الهيثمي: رواه الطبراني في: الصغير والأوسط، وفيه كبير بن عبد الحميد الحماني، وهو ضعيف: ١/ ١٣٦، وقد عزاه إلى الحسين بن علي.\n(٤) لم أعثر على مصدر لقوله\nوقد ورد عن ابن عباس مثل هذه الرواية. انظر كشف الأستار عن زوائد البزار: ٣/ ٧٩ - ح ٢٢٨٣، وقال الهيثمي رواه البزار ورجاله ثقات: ٧/ ١٣٦.\n(٥) \"تفسير مجاهد\" ٧١٨، \"جامع البيان\" ٣٠/ ١٣٠، \"الكشف والبيان\" ح: ١٣: ٦٤/ أ، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٦٧، \"زاد المسير\" ٨/ ٢١٦، \"الدر المنثور\" ٨/ ٤٦٣، وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر.","vol":"23","page":382},{"text":"وعكرمة (١)، وابن عباس (٢)، في رواية مجاهد) (٣)، وقال (في رواية الوالبي <span data-type=\"title\" id=toc-4946>(٤» </span>(٥)، (قال ابن عباس) (٦): الشاهد الله، والمشهود: يوم القيامة.\n٤ - قوله تعالى: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ﴾، قال الأخفش: هو جواب القسم، وأضمر اللام (٧) كما قال ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ [الشمس: ١]، ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ [الشمس: ٩] يريد: لقد أفلح، قال: ولئن شئت على [التقديم] (٨)، كأنه قيل: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ﴾، ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾ (٩).\n_________\n(١) المراجع السابقة عدا \"تفسير مجاهد\"، ويراجع قوله أيضًا: \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٣٦١، \"بحر العلوم\" ٣/ ٤٦٣، وعزاه أيضًا صاحب الدر إلى سعيد بن منصور.\n(٢) \"بحر العلوم\" ٣/ ٤٦٣.\n(٣) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٤) \"جامع البيان\" ٣٠/ ١٣١، \"الكشف والبيان\" ح: ١٣: ٦٤/ أ، \"معالم التنزيل\" ٤٠/ ٤٦٧، زاد التفسير: ٨/ ٢١٦، \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٢٥، \"الدر المنثور\" ٨/ ٤٦٤، صحيفة علي بن أبي طلحة: تح: راشد عبد المنعم الرجال: ٥٢٦.\n(٥) ما بين القوسين ساقط من (أ)\nوهناك أقوال أخرى في معنى الشاهد والمشهود بلغت عند ابن الجوزي أربعة وعشرين قولًا. انظر: \"زاد المسير\" ٨/ ٢١٦ - ٢١٧، \"جامع البيان\" ٣٠/ ١٢٩ - ١٣١، \"الكشف والبيان\" ج: ١٣/ ٦٣/ ب إلى ٦٥/ ١ أ.\n(٦) ساقط من (ع).\n(٧) والأصل: لقتل، قال الحلبي: وإنما حسن حذفها للطول، الدر المصون: ٦/ ١٠٢، ورجحه أبو حيان في: \"البحر المحيط\" ٨/ ٤٥٠.\n(٨) التقدير في كلا النسختين، وأثبت ما جاء في مصدر قول الأخفش، وهو \"معاني القرآن\" ٢/ ٧٣٦، ولاستقامة الكلام به.\n(٩) \"معاني القرآن\" ٢/ ٧٣٦، القول بالتقديم والتأخير رده ابن الأنباري، قال: والقول بالتقديم والتأخير غلط، لأنه لا يجوز لقائل أن يقول: والله قام زيد، على معنى قام زيد والله. \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٢٨٤.","vol":"23","page":383},{"text":"وقال أبو إسحاق: جواب القسم: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ (١)، وهو قول ابن مسعود (٢) -﵁-، وقتادة (٣).\nوقال صاحب النظم: جواب القسم قوله ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا﴾ (٤).\n(وقال غيره (٥» (٦): كما تقول: والله إن زيدًا لقائم، وقد اعترض بين القسم وجوابه قوله: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ﴾ وما يتصل به إلى قوله ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا﴾، وقال غيره من أهل المعاني: جواب القسم محذوف بتقدير: الأمر حق في الجزاء على الأعمال (٧).\nو\"قتل (٨) \" معناه: لعن في قول جميع المفسرين (٩) كقوله تعالى: ﴿قُتِلَ\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣٠٧ وقال به المبرد. انظر الدر المصون: ٦/ ٥٠٢، وهذا القول رده القرطبي بقوله: وهذا قبيح -وعلل ذلك- لأن الكلام بينهما. \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٢٨٤.\n(٢) \"التفسير الكبير\" ٣١/ ١١٧.\n(٣) \"جامع البيان\" ٣٠/ ١٣٥، \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٦٢، \"زاد المسير\" ٨/ ٢١٧، \"التفسير الكبير\" ٣١/ ١١٧،\n(٤) ورد بمثل قوله من غير عزو في: \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٦٢، \"التفسير الكبير\" ٣١/ ١١٧، \"الجامع لأحكام القرآن\" ٨/ ٢١٧، \"زاد المسير\" ٨/ ٢١٧.\n(٥) لم أعثر على قائله غير أنه ورد القول من غير نسبة في: \"التفسير الكبير\" ٣١/ ١١٧.\n(٦) ما بين القوسين ساقط من (أ)\n(٧) لم أعثر على مصدر القول، ولا على قائله.\n(٨) في (أ): قيل.\n(٩) والقول إن \"قتل\" لعن، اختاره الطبري في: \"جامع البيان\" ٣٠/ ١٣١، والسمرقندي في: \"بحر العلوم\" ٣٠/ ٤٦٣، وقال ابن عباس كل شيء في القرآن \"قتل\" فهو لعن. \"الكشف والبيان\" ج: ١٣/ ٦٥/ ب، وانظر أيضًا \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٦٧، \"زاد المسير\" ٨/ ٢١٨، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٢٨٤، \"فتح القدير\" ٥/ ٤١٢ وهناك أقوال أخرى للمفسرين لمعنى \"قتل\". =","vol":"23","page":384},{"text":"الْخَرَّاصُونَ﴾ (١)، وقد مر.\nواختلفوا في أصحاب الأخدود من هم؟ فروي عن صهيب بطرق مختلفة أن النبي -ﷺ- ذكر مَلِكًا فيمن كان قبلنا أسلم في عهده قوم، فأمر بالأخدود في أفواه السكك فخدوها، وأضرم فيها النار، وقال: من لم يرجع عن دينه (٢) فأقحموه فيها ففعلوا.\nوهو حديث طويل (٣)\n_________\n= فمنهم من حمله على حقيقته، على معنى أن الآية خبر من الله عن النار أنها تقتلهم: \"جامع البيان\" ٣٠/ ١٣١، وانظر: \"البحر المحيط\" ٨/ ٤٥٠.\nوقيل: إن معنى \"قتل\" أهلك المؤمنون ذكره الماوردي في: \"النكت والعيون\" ٦/ ٢٤٢.\nقال د/الخضيري: ما قاله الواحدي لا يسلم له لوجود الخلاف في ذلك. \"الإجماع في التفسير\": ٥٢٤.\nأقول ما كررته سابقًا في حكايته الإجماع عند الواحدي: إن الذي عليه الجمهور وأكثر المفسرين هو الإجماع عنده. فليراجع تفصيلي لهذا في مواضعه السابقة.\n(١) سورة الذاريات: ١٠ وقد جاء في تفسيرها: \"قال جماعة المفسرين، وأهل المعاني: لعن الكذابون، قال ابن الأنباري هذا تعليم لنا الدعاء عليهم؛ معناها قولوا إذا دعيتم عليهم: قتل الخراصون، قال: والقتل إذا أخبر عن الله به كان بمعنى اللعنة لأن من لعنه الله فهو بمنزلة المقتول الهالك.\n(٢) بياض في (ع) في عدة مواضع.\n(٣) الحديث بطوله مذكور في: صحيح مسلم: ٤/ ٢٢٧٩: ح٧٣، كتاب الزهد والرقائق: باب ١٧، وأخرجه أيضًا أحمد في: المسند: ٦/ ١٦ - ١٨.\nوالترمذي في سننه: ٥/ ٤٣٧ - ٤٣٩: ح ٣٣٤٠: كتاب تفسير القرآن: باب ٧٧ قال عنه أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب، والنسائي في تفسيره ٢/ ٥٠٩: ح ٦٨١: سورة البروج، وعبد الرزاق في: \"المصنف\" ٥/ ٤٢٠ - ٤٢٣، وزاد الحافظ ابن حجر \"الكافي الشاف\" ١٨٣، إلى إسحاق، وأبي يعلى، والبزار. =","vol":"23","page":385},{"text":"نذكره في مسند (١) التفسير إن شاء الله.\nوقال مقاتل: إن قومًا باليمن عمدوا إلى أولياء الله فخدوا لهم أخدودًا، وأوقدوا فيها النار، ثم عرضوا على الشرك، فمن تابعهم خلوا عنه، ومن لم يتابعهم قذفوه في النار (٢)، وهو قول الحسن (٣).\nوقال الكلبي (٤)، ومجاهد (٥): هم قوم من نصارى \"نجران\" (٦) (٧) عذبوا بالنار قومًا من المؤمنين على التوحيد.\nوروى علي -﵁- أنهم كانوا قومًا من المجوس، وذلك أن ملكًا منهم\n_________\n=وانظر: \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٣٦٢ - ٣٦٤، \"جامع البيان\" ٣٠/ ١٣٣ - ١٣٤، \"بحر العلوم\" ٣/ ٤٦٤ - ٤٦٥، \"الكشف والبيان\"ج: ١٣: ٦٥/ أإلى ٦٦/ ب، \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٢٦ - ٥٢٧، وزاد صاحب \"الدر المنثور\" ٨/ ٤٦٧ إلى ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن مردويه.\n(١) في (أ): مستند.\n(٢) لم أعثر على مصدر لقوله، وقد ورد بمعناه في تفسيره: ٢٣٥/ أ - ب.\n(٣) \"تفسير مجاهد\" ٧١٨، \"النكت والعيون\" ٦/ ٢٤٢ مختصرًا، \"زاد المسير\" ٨/ ٢١٩، \"تفسير الحسن البصري\": ٢/ ٤٠٩\n(٤) \"الكشف والبيان\" ح: ١٣/ ٦٨/ ب.\n(٥) \"تفسير مجاهد\" ٧١٨ بمعناه، \"النكت والعيون\" ٦/ ٢٤١، \"زاد المسير\" ٨/ ٢١٩.\n(٦) غير واضحة في: ع\n(٧) نجران: منطقة نجران إحدى مناطق المملكة العربية السعودية، تقع في أقصى جنوب غربي المملكة، تتكون من سبعين قرية ومحافظاتها هي: شرورة: جونا: يدمة: ثار: الوديعة: الأخدود.\nأما مدينة نجران، فهي العاصمة، ومقر الإمارة، والمركز الإداري، تتميز بشبكة طرق جيده، ومطار يبعد عنها ٣٠ كم، واشتهرت المنطقة بسد وادي نجران الذي يعتبر أكبر السدود في المملكة، وأصحاب الأخدود لا يزال موقعهم الأثري قائمًا فيها إلى الآن. انظر: \"الموسوعة العربية العالمية\": ٢٥/ ١١٩ وما بعدها.","vol":"23","page":386},{"text":"واقع أخته على السكر، ثم أراد أن يجعل ذلك شرعًا في رعيته، فلم يقبلوه، فأوقد لهم النيران في الأخدود، وعرضهم عليها، فمن أبى (١) قبول ذلك قذفه في النار، ومن أجاب خلى (٢) سبيله (٣).\nوقال الضحاك: (أصحاب) (٤) كانوا من بني إسرائيل (٥).\n(والأخدود: الشق في الأرض يحفر مستطيلًا) (٦)، وجمعه: الأخاديد، ومصدره (٧): الخد، وهو الشق، يقال: خد في الأرض خدًا، وتخدد لحمه: إذا صار فيه طرائق كالشقوق (٨)، وانشد (المبرد (٩» (١٠) فقال:\nيا مَن لِشيخٍ قَدْ تَخَدَّدَ لَحْمُهُ ... أفْنَى ثلاث عَمَائمٍ ألْوَانًا\nسَوْداءَ حالِكةً وسَحْقَ مُفْوفٍ ... وأجَدَّ لوْنًا بَعْدَ ذَاكَ هِجْانًا (١١)\n_________\n(١) في (أ): أبا.\n(٢) في (أ): خلا.\n(٣) \"جامع البيان\" ٣٠/ ١٣٤، \"الكشف والبيان\" ج: ١٣: ٦٧/ أ - ب، \"زاد المسير\" ٨/ ٢١٨، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٢٨٨، \"الدر المنثور\" ٨٠/ ٤٦٧ وعزاه إلى عبد بن حميد.\n(٤) ساقط من (أ)\n(٥) ورد قوله مطولًا في: \"الكشف والبيان\" ج: ١٣: ٦٧/ ب، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٦٩، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٢٨٧\n(٦) ما بين القوسين نقلًا عن \"تفسير غريب القرآن\" لابن قتيبة: ٥٢٢.\n(٧) في (أ): مصدر.\n(٨) انظر في ذلك: مادة: (خد) في: \"تهذيب اللغة\" ٦/ ٥٦٠، \"معجم مقاييس اللغة\" ٢/ ١٤٩، \"الصحاح\" ٢/ ٤٦٨، \"لسان العرب\" ٣/ ١٦٠.\n(٩) \"الكامل\" ١/ ٢٦٤.\n(١٠) ساقط من (أ)\n(١١) بيتا القصيد يقال إنهما لشعبة بن الحجاج، وقيل لربيعة بن يزيد الرقي. ونسبه ابن =","vol":"23","page":387},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4947>٥ </span>- قوله: ﴿النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ﴾ قال أبو علي: هذا من بدل الاشتمال، كقوله: سلب زيد ثوبه، ومنه \"أصحاب الأخدود النار\"، فالأخدود يشتمل على النار (١).\nو﴿ذَاتِ الْوَقُودِ﴾ يعني ذات الحطب الذي جعل لها وقودًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4948>٦ </span>- ﴿إِذْ هُمْ﴾ العامل في \"إذ\" \"قتل\"، والمعنى: لعنوا في ذلك الوقت؛ إذ هم قعود عند الأخدود يعذبون المؤمنين.\n﴿وَهُمْ﴾ يعني أولئك: الملك وأصحابه الذين خدوا الأخدود.\nقوله تعالى: ﴿عَلَيْهَا قُعُودٌ﴾. قال ابن عباس: عندهَا جلوس (٢)\nقال مقاتل: يعني عند النار قعود يعرضونهم على الكفر (٣).\nقال مجاهد: كانوا قعودًا على الكراسي عند الأخدود (٤)، وهو قوله:\n_________\n= قتيبة في \"كتاب الزهد\" لأعرابي. نقلًا من \"الكامل\" ١/ ٢٤ حاشية، قال بذلك المبرد في نسخة هـ.\nانظر: عيون الأخبار: م ٢: ج ٦/ ٣٢٥، كتاب الزهد براوية: \"أنضى\" بدلًا من \"أفنى\" و\"داجية\" بدلًا من \"حالكة\" و\"أخرى\" بدلًا من \"لونا\"، العقد الفريد: ٢/ ٣٣٢ من غير نسبة.\n(١) \"التفسير الكبير\" ٣١/ ١١٩، وإليه ذهب ابن الأنباري في: البيان في غريب \"إعراب القرآن\" ٢/ ٥٠٥، والزمخشري في: \"الكشاف\" ٤/ ٢٠٠.\nقال الطبري: وقوله ﴿النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ﴾ فقوله: \"النار\" رد على الأخدود، ولذلك خفضت، وإنما جاز ردها عليه وهي غيره، لأنها كانت فيه، كأنها إذا كانت فيه هو، فجرى الكلام عليه لمعرفهَ المخاطبين به بمعناه، وكأنه قيل: قتل أصحاب النار ذات الوقود. \"جامع البيان\" ٣٠/ ١٣٥.\n(٢) تفسير \"الوسيط\" ٤/ ٤٦١\n(٣) \"فتح القدير\" ٥/ ٤١٢، وقد ورد معنى القول في تفسيره: ٢٣٥/ ب.\n(٤) \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٧٠، \"فتح القدير\" ٥/ ٤١٢.","vol":"23","page":388},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4949>٧ </span>- ﴿وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ (١) أي من عرض منهم على النار، وإرادتهم أن يرجعوا إلى دينهم.\n﴿شُهُودٌ﴾. حضور، قاله ابن عباس (٢).\nويكون \"على\" بمعنى \"مع\" كأنه قيل: وهم مع مَا يفعلون بالمؤمنين شهود حضروا ذلك التعذيب (٣).\nقال أبو إسحاق: أعلم الله قصة قوم بلغت بصيرتهم وحقيقة إيمانهم إلى أن صبروا على أن أحرقوا بالنار في الله (٤).\nقال الحسن: كان رسول الله -ﷺ- إذا ذكر أصحاب الأخدود تعوذ بالله من جهد البلاء (٥)\n_________\n(١) ﴿وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾.\n(٢) لم أعثر على مصدر لقوله، وبمثله قال قتادة: \"النكت والعيون\" ٦/ ٢٤٢.\n(٣) انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٢٩٢\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣٠٨ برواية \"يحرقوا\" بدلًا من أحرقوا.\n(٥) \"الدر المنثور\" ٨/ ٤٦٦، وعزاه إلى عبد بن حميد، وكذلك رواه عن طريق عوف مرفوعًا وعزاه إلى ابن أبي شيبة، وانظر: \"تفسير الحسن البصري\": ٢/ ٤٠٩ - ٤١٠، وقد ورد ذلك من حديث أبي هريرة قال: \"كان النبي -ﷺ- يتعوذ بالله من جهد البلاء ودرك الشقاء، وسوء القضاء، وشماتة الأعداء\". أخرج ذلك: البخاري في: \"الجامع الصحيح\" ٤/ ١٦٢ ح: ٦٣٤٧، كتاب الدعوات: باب: ٢٨، وكتاب القدر: باب: ١٣ ج: ٤/ ٢١٢: ح ٦٦١٦، ومسلم في: صحيحه: ٤/ ٢٠٨٠: ح: ٢٥٣١، كتاب الذكر باب التعوذ من سوء القضاء، والنسائي في: سننه: ٨/ ١٦٦٣: ح ٥٥٠٦ و٥٥٠٧، كتاب الاستعاذة باب ٣٤/ ٣٥.\nوالمراد بجهد البلاء قال ابن بطال وغيره: جهد البلاء: كل ما أصاب المرء من شدة مشقة، أو ما لا طاقة له بحمله، ولا يقدر على دفعه.\nوقيل: المراد بجهد البلاء: قلة المال، وكثرة العيال. كذا جاء عن ابن عمر. =","vol":"23","page":389},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4950>٨ </span>- قوله تعالى: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾.\nقال ابن عباس: ما كرهوا منهم إلا أنهم آمنوا (١).\nوقال مقاتل: مَا عَابوا منهم (٢).\nوقال أبو إسحاق: أي ما أنكروا عليهم ذنبًا إلا إيمانهم (٣)، وهذا كقوله: ﴿هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ [المائدة: ٥٩]، ﴿وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ﴾ [التوبة: ٧٤] وقد مر.\nقوله (﷿) (٤): ﴿وَاللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾ (٥)\nأي من فعلهم بالمؤمنين شهود، لم يخف عليه ما صنعوا.\nثم أعلم مَا أعد لأولئك فقال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4951>١٠ </span>- (وقوله تعالى) (٦): ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ (٧)، قال\n_________\n=قال ابن حجر: والحق أن ذلك فرد من أفراد جهد البلاء.\nوقيل هو ما يختار الموت عليه.\nفتح الباري: ١١/ ١٤٩: ح: ٦٣٤٧.\n(١) \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٧٠، \"لباب التأويل\" ٤/ ٣٦٧.\n(٢) \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٧٠، وقد ورد بمعناه في تفسيره: ٢٣٥/ ب، قال: أي ريبة رأوا منهم فأعذبهم.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣٠٨.\n(٤) ساقط من (ع).\n(٥) ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾.\n(٦) ساقط من (ع).\n(٧) ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾.","vol":"23","page":390},{"text":"ابن عباس (١)، (ومقاتل (٢» (٣): حرقوهم بالنار. وهو قول قتادة (٤).\n(قال الزجاج) (٥)،: يقال: [فتنت] (٦) الشيء: أحرقته، والفتين: حجارة سود كأنها محرقة (٧). ومنه قوله: ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ﴾ [الذاريات: ١٣].\nقولى تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا﴾ قال ابن عباس: يريد من فعلهم ذلك، ومن الشرك الذي كانوا عليه (٨).\n﴿فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ﴾. (بكفرهم. ﴿وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾ بما أحرقوا المؤمنين. قاله الزجاج) (٩): والحريق النار، ويكون عذاب جهنم نوعًا من التعذيب غير الإحراق للتفصيل في الذكر (١٠).\nوقال الربيع بن أنس: ﴿وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾ يعني في الدنيا، وذلك أن\n_________\n(١) \"جامع البيان\" ٣٠/ ١٣٧، التفسير الكبير\" ٣١/ ١٢٢، \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٢٩.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ٢٣٥/ ب، \"التفسير الكبير\" ٣١/ ١٢٢.\n(٣) ساقط من (أ).\n(٤) \"جامع البيان\" ٣/ ١٣٧، \"تفسير القرآن العظيم \" ٤/ ٥٢٩.\n(٥) ساقط من (أ).\n(٦) في كلا النسختين: افتنت، وأثبت ما جاء عند الزجاج.\n(٧) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣٠٨.\n(٨) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٩) ما بين القوسين من قول الزجاج في: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣٠٨.\n(١٠) قال القرطبي: والنار دركات وأنواع ولها أسماء، وكأنهم يعذبون بالزمهرير في جهنم ثم يعذبون بعذاب الحريق، فالأول عذاب ببردها، والثاني عذاب بحرها. \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٢٩٣.","vol":"23","page":391},{"text":"النار ارتفعت من الأخدود إلى الملك وأصحابه فأحرقتهم (١). وهو قول الكلبي (٢)، وذكره (٣) الفراء (٤).\nقال مقاتل: ثم ذكر مَا أعد للمؤمنين الذين أُحرقوا بالنار فقال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4952>١١ </span>- قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ (٥) الآية (٦)\n<span data-type=\"title\" id=toc-4953>١٢ </span>- ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ قال ابن عباس: إن أخذه بالعذاب إذا أخذ الظلمة، والجبابرة لشديد (٧)، كقوله: ﴿إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ (٨).\n<span data-type=\"title\" id=toc-4954>١٣ </span>- ﴿إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ﴾ الخلق يخلقهم أولًا في الدنيا، ويعيدهم أحياء بعد الموت. وهذا قول المفسرين جميعًا (٩).\n_________\n(١) \"جامع البيان\" ٣٠/ ١٣٧ مختصرًا، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٧٠ - ٤٧١، \"زاد المسير\" ٨/ ٢٢٠، \"لباب التأويل\" من غير عزو: ٤/ ٣٦٧، \"فتح القدير\" ٥/ ٤١٣، \"روح المعاني\" ٣٠/ ٩١.\n(٢) \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٧٠ - ٤٧١، \"فتح القدير\" ٥/ ٤١٣.\n(٣) في (أ): وذكر.\n(٤) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٥٣ معناه.\n(٥) ساقط من (ع)\n(٦) انظر: \"تفسير مقاتل\" ٢٣٥/ ب فقد ورد عنه بيان معنى الصالحات والنعيم الدائم في الجنة.\n(٧) \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٧١، \"زاد المسير\" ٨/ ٢٢١، \"الباب التأويل\" ٤/ ٣٦٧.\n(٨) سورة هود: ١٠٢\n(٩) وعزاه إلى الجمهور من المفسرين: ابن الجوزي في: \"زاد المسير\" ٨/ ٢٢١، والقرطبي في: \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٢٩٤، وقال به الضحاك، وابن زيد، وابن جريج، ويحيى بن سلام، انظر: \"جامع البيان\" ٣٠/ ١٣٨، \"النكت والعيون\" ٦/ ٢٤٣، \"الدر المنثور\" ٨/ ٤٧١.\nوبه قال الزجاج في: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣٠٨، والسمرقندي في: \"بحر =","vol":"23","page":392},{"text":"وذكر ابن عباس في رواية عطاء: هو أن أهل جهنم تأكلهم النار حتى يصيروا فحمًا، ثم يعيدهم خلقًا جيدًا (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4955>١٤ </span>- ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ﴾ (٢) قال ابن عباس (٣)، ومقاتل (٤): لذنوب المؤمنين من أوليائه وأهل طاعته.\n﴿الْوَدُودُ﴾ المحب لهم (وهذا قول أكثر المفسرين (٥» (٦).\n_________\n= العلوم\" ٣/ ٤٦٦، ولابن عباس قول خالف فيه الجمهور قال: يبدئ العذاب في الدنيا على الكفار ثم يعيده عليهم في الآخرة. وهذا القول اختاره الطبري ورجحه في: \"جامع البيان\" ٣٠/ ١٣٨. وعنه أيضًا أنه عام في جميع الأشياء، أي كل ما يبدأ، وكل ما يعاد. \"البحر المحيط\" ٨/ ٤٥١.\nوذكر الماوردي أيضًا قولًا آخر قال: هو يبدئ ما كلف من أوامره ونواهيه، ويعيد ما جزى عليه من ثواب وعقاب \"النكت والعيون\" ٦/ ٢٤٣.\nوعليه فمفهوم الإجماع عند الإمام الواحدي هو ما أجمعوا عليه إجماعًا لا خلاف فيه، أو ما كان عليه جمهور المفسرين.\n(١) ورد معناه في: \"جامع البيان\" ٣٠/ ١٣٨ من غير طريق عطاء، ورد بمثل قوله في: \"النكت والعيون\" ٦/ ٢٤٣، \"البحر المحيط\" ٨/ ٤٥١.\n(٢) ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ﴾.\n(٣) لم أعثر على مصدر لقوله، وقد ورد بمثله من غير عزو في: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٧١.\n(٤) لم أعثر على مصدر لقوله، والذي ورد عنه في تفسيره: ٢٣٥/ ب قوله: \"وهو الغفور للذنوب الكبائر لمن تاب منها\".\n(٥) حكاه الفخر عن أكثر المفسرين في: \" التفسير الكبير\" ٣١/ ١٢٣، وورد معناه عن ابن عباس في: \"جامع البيان\" ٣٠/ ١٣٨، \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٣٠، وبه قال الزجاج في: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣٠٨، وانظر: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٧١، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٢٩٤، \"لباب التأويل\" ٤/ ٣٦٧.\n(٦) ما بين القوسين ساقط من (أ).","vol":"23","page":393},{"text":"وقال الكلبي: الودود: المتودد إلى أوليائه بالمغفرة والجزاء (١).\nوالقول هو الأول.\nقال ابن الأنباري: الودود في السماء، الله المحبّ لعباده (٢).\nوذكرنا اللغات في الود عند قوله: ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ﴾ (٣)\nوقال (٤) الأزهري في تفسير أسماء الله (٥): قال بعض أهل اللغة: يجوز أن يكون \"ودود\" فعول بمعنى المفعول، كركوب، وحلوب، ومعناه أن عباده الصالحين (٦) يودونه ويحبونه لما عرفوا من فضله، ولما أسبغ عليهم من نعمائه، قال: وكلتا الصفتين مدح؛ لأنه جل ذكره إن أحب عباده (المؤمنين) (٧) المطيعين، فهو فضل منه، وإن أحبه عباده العارفون فلِما تقرر عندهم من كريم إحسانه (٨).\n_________\n(١) \"الكشف والبيان\" ج: ١٣/ ٧٢/ أ، \"التفسير الكبير\" ٣١/ ١٢٣، وقال بمثله ابن عباس: \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٢٩٤، وورد من غير نسبة في: \"لباب التأويل\" ٤/ ٣٦٧.\n(٢) ورد قوله في: \"زاد المسير\" ٤/ ١١٨، عند تفسيره آية ٩٠ من سورة هود، \"تهذيب اللغة\" ١٤/ ٢٣٦: مادة: (ودأ).\n(٣) سورة البقرة: ٩٦، قال تعالى: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ﴾ ومما جاء في تفسير في ﴿يَوَدُّ﴾: يقال وددتُ، أوَدّ والمقصود الوَدُّ، والوُدّ، الوِدّ، والوِداد، والوَدَاده ويقال أيضًا وَدَادًا بالفتح وِوِدَادا بالكسر.\n(٤) في (أ): قال بغير واو.\n(٥) لم أعثر على هذا الكتاب.\n(٦) بياض في: ع.\n(٧) ساقط من (ع).\n(٨) ورد في الأزهري في: \"التفسير الكبير\" ٣١/ ١٢٣ =","vol":"23","page":394},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4956>١٥ </span>- قوله تعالى: ﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ﴾ ﴿الْمَجِيدُ﴾ بالرفع مُتبعًا لقوله: ﴿ذُو﴾، وهو أكثر القراءة (١)، والتفسير (٢)، والاختيار؛ لأن الله تعالى هو المجيد الموصوف بالمجد؛ لأن لفظ المجيد لم يسمع في غير صفة الله خالى كما (٣) سمع الماجد.\nقال أبو علي: لم أعلم في صفة الأناسي \"مجيد\" كما جاء في وصفهم \"عليم\" \"وحفيظ\" نحو قوله: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ (٤) [يوسف: ٥٥]، وقد ذكرنا تفسير المجيد فيما تقدم (٥).\n_________\n= قال الشيخ السعدي: \"الودود\" الذي يجه أحبابه محبة لا يشبهها شيء، فكما أنه لا يشابهه شيء في صفات الجلال والجمال والمعاني والأفعال، فمحبته في قلوب خواص خلقه التابعة لذلك، لا يشبهها شيء من أنواع المحاب، ولهذا كانت محبته أصل العبودية، وهي المحبة التي تتقدم جميع المحاب، وتغلبها، وإن لم يكن غيرها تبعًا لها كانت عذابًا على أهلها، وهو تعالى الودود الوادُّ لأحبابه. تفسير الكريم الرحمن: ٥/ ٣٩٧.\n(١) قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وعاصم ﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ﴾ رفع. انظر: \"القراءات وعلل النحويين فيها\" ٢/ ٧٦٣، \"الحجة\" ٦/ ٣٩٣، \"حجة القراءات\" ٧٥٧، \"كتاب التبصرة\" ٧٢٣، \"تحبير التيسير\" ١٩٨، و\"البدور الزاهرة\" ٣٣٨.\n(٢) حكاه الفخر عن أكثر أهل التفسير: \"التفسير الكبير\" ٣١/ ١٢٤\n(٣) في كلا النسختين: وكما، وحذفت الواو لاستقامة المعنى بدونها.\n(٤) \"الحجة\" ٦/ ٣٩٥.\n(٥) سورة هود: ٧٣، قال تعالى: ﴿رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ ومما جاء في تفسير \"المجيد\" قال: المجيد الماجد، وهو ذو الشرف، والكرم، يقال: مجد الرجل تمجد مجدًا ومجادة، ومجد: يمجد لغتان. قال بعضهم: المجيد: الكريم، وقال آخرون: المجيد: الرفيع، وقال أهل المعاني: المجيد: \"الكامل\" الشرف والرفعة والكرم والصفات المحمودة، وأصله من قولهم: مجدت الدابة أذا أكثرت علفها.","vol":"23","page":395},{"text":"ومن كسر \"المجيد\" (١) جعله صفة العرش، ووصفه بالمجادة كما قال: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾ [البروج: ٢١] فوصف القرآن بالمجادة، هذا قول الفراء (٢)، (والزجاج (٣» (٤)، وأكثر النحويين (٥).\n(ومنهم من قال: أجعله صفة للرب في قوله: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ ولا أجعله وصفًا للعرش، حكى ذلك أبو علي؛ قال: والفصل والاعتراض بين الصفة والموصوف في هذا النحو لا يمتنع؛ لأن ذلك يجري مجرى الصفات) (٦)\nقال عطاء عن ابن عباس: قال: من قرأ بالخفض فإنما يريد العرش وحسنه (٧)، ويدل على صحة هذا أن العرش وصف بالكرم في قوله ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون: ٢٣]، فجاز أن يوصف بالمجد، لأن معناه الكمال، والعرش على ما ذكر أحسن شيء وأكمله، وأجمعه بصفات الحسن (٨).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4957>١٦ </span>- قوله تعالى: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ أي من الإبداء والإعادة، (قاله\n_________\n(١) قرأ بالخفض: حمزة، والكسائي، والمفضل عن عاصم، وخلف.\nانظر: \"القراءات وعلل النحويين فيها\" ٢/ ٧٦٣،\"الحجة\" ٦/ ٣٩٣، \"الكشف\" ٢/ ٣٦٩، \"تحبير التيسير\"، المهذب: ٢/ ٣٢٩.\n(٢) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٥٤.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣٠٨.\n(٤) ساقط من (ع)\n(٥) عزاه الفراء إلى يحيى وأصحابه: \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٥٤.\n(٦) ما بين القوسين نقلًا عن \"الحجة\" ٦/ ٣٩٥.\n(٧) \"الوسيط\" ٤/ ٤٦٢.\n(٨) بياض في: ع.","vol":"23","page":396},{"text":"مقاتل (١» (٢).\nوقال عطاء عن ابن عباس: يريد أنه لا يعجزه شيء يريده، ولا يمتنع منه شيء طلبه (٣) (٤). ثم ذكر خبر الجموع الكَافرة فقال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4958>١٧ </span>- قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ﴾ قال مقاتل: يريد قد أتاك (٥)؛ كقوله: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾ [الإنسان: ١] وقد مر (٦).\nقال عطاء: يعني الذين تجندوا على أنبياء الله وأصفيائه، يعزي نبيه بذلك (٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4959>١٨ </span>- ثم بين من هم فقال: ﴿فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ﴾.\nوالمعنى: أتاك حديث الجنود، وما كان منهم إلى أنبيائهم، أو اصبر كما صبر الرسل من قبلك، وهذا معنى قول ابن عباس: يريد تعزية النبي -ﷺ- (٨) وقيل معناه: تذكير الكفار من أهل مكة حديث الجنود قبلهم ليعتبروا ويتذكروا ما كان منهم إلى أنبيائهم، وما فعل الله بهم (٩)، ويدل على هذا\n_________\n(١) لم أعثر على مصدر لقوله، وقد ورد بمثله من غير نسبه في \"الوسيط\" ٤/ ٤٦٢.\n(٢) ما بين القوسين ساقط من (أ)\n(٣) بياض في (ع).\n(٤) لم أعثر على مصدر لقوله، وقد ورد عن عطاء في \"الوسيط\" ٤/ ٤٦٢، وغير منسوب في: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٧١، \"لباب التأويل\" ٤/ ٣٦٧.\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ٢٣٤/ أ، \"فتح القدير\" ٥/ ٤١٤.\n(٦) يراجع سورة الإنسان: ١.\n(٧) لم أعثر على مصدر لقوله، وقد ورد بمثله غير منسوب في: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٧١، \"زاد المسير\" ٢٢١٨، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٩/ ٢٨٩.\n(٨) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٩) لم أعثر على مصدر هذا القول.","vol":"23","page":397},{"text":"المعنى:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4960>١٩ </span>- قوله: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ﴾ بل أعرضوا عما يُوجبه الاعتبار بفرعون وثمود، وأقبلوا على ما يوجبه الكفر والتكذيب، فكذبوك، وكذبوا ما جئت به من القرآن.\n<span data-type=\"title\" id=toc-4961>٢٠ </span>- ﴿وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ يقدر أن ينزل بهم مَا أنزل بفرعون وثمود.\nقال أبو إسحاق: أي لا يعجزه منهم أحد، قدرته مشتملة عليهم (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4962>٢١ </span>- قوله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾ قال ابن عباس (٢)، (ومقاتل (٣» (٤): كريم لأنه كلام الرب ليس هو كما يقولون: شعر، وكهانة، وسحر (٥).\nوقال أهل المعاني: لما كان القرآن يعطي المعَاني الجليلة، والدلائل النفيسة، كان كريمًا، مجيد: كريم، كثير الخير بما يعطي من الحكم والمواعظ والحجج (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4963>٢٢ </span>- قوله تعالى: ﴿فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ عند الله، وهو أم الكتاب، منه نسخ الكتاب القرآن، والكتب، وهو الذي يعرف باللوح المحفوظ من الشياطين، ومن الزيادة فيه والنقصان (٧).\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣٠٩.\n(٢) \"الوسيط\" ٤/ ٤٦٣.\n(٣) المرجع السابق، ولم أعثر عليه في تفسيره.\n(٤) ساقط من (أ).\n(٥) انظر: \"زاد المسير\" ٨/ ٢٢١\n(٦) لم أعثر على مصدر لقولهم.\n(٧) واللوح: من الغيب الذي يجب الإيمان به، ولا يعرف حقيقته إلا الله. العقيدة الطحاوية بشرح الألباني: ٣٤.","vol":"23","page":398},{"text":"وهذا قول [ابن عباس (١)، ومقاتل (٢)، ومجاهد (٣)، والحسن (٤)] (٥).\n(وقرأ نافع (محفوظٌ) رفعًا (٦) على نعت القرآن، كأنه قيل: بل هو قرآن مجيد محفوظ في لوح، وذلك أن القرآن وصف بالحفظ في قوله ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]، فكما وصف بالحفظ في تلك (٧) الآية، كذلك وصف في هذه الآية بأنه محفوظ، ومعنى حفظ القرآن أنه يؤمن من تحريفه، وتبديله، وتغيره، فلا يلحقه من ذلك شيء، قال أبو الحسن: والأولى: هو الذي نعرف). (٨)\nوقال أبو عبيد: الوجه الخفض، لأن الآثار الواردة في اللوح\n_________\n(١) لم أعثر على مصدر لقوله، وإنما ورد بمثله من غير نسبة في: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٧٢، \"زاد المسير\" ٨/ ٢٢١.\n(٢) لم أعثر على مصدر لقوله في تفسيره، وقد ورد في: \"الكشف والبيان\" ١٣/ ٧٢/ أ.\n(٣) \"جامع البيان\" ٣٠/ ١٤٠.\n(٤) لم أعثر على مصدر لقوله، وإنما ورد بمثله من غير نسبة في: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٧٢، \"زاد المسير\" ٨/ ٢٢١.\n(٥) ما بين القوسين لم يذكر في نسخة: أ، وإنما ذكر بدلًا من تعدادهم لفظ: جماعة. وقد قال أيضًا الزجاج بمعنى ذلك: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣٠٩ قال: القرآن في اللوح المحفوظ، وهو أم الكتاب عند الله.\n(٦) قرأ نافع وحده بالرفع، وقرأ الباقون (محفوظ) بالخفض.\nانظر: \"كتاب السبعة\" ٦٧٨، \"الحجة\" ٦/ ٣٩٦، \"المبسوط\" ٤٠١، \"حجة القراءات\" ٧٥٧، \"الكشف\" ٢/ ٢٦٩، النشر: ٢/ ٣٩٩.\n(٧) في (أ): ذلك.\n(٨) ما بين القوسين نقلًا من \"الحجة\" ٦/ ٣٩٦ بتصرف.","vol":"23","page":399},{"text":"المحفوظ تصدق ذلك (١).\n_________\n(١) من الآثار الواردة في اللوح: ما أورد الواحدي في: \"الوسيط\" ٤/ ٤٦٣ من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: إن الله ﷿ خلق لوحًا محفوظًا من درة بيضاء، دفتاه ياقوتة حمراء، قلمه نور، وكتابه نور، عرضه كما بين السماء والأرض، ينظر فيه كل يوم ثلاثمائة وستين نظرة، يخلق بكل نظرة، ويحيي ويميت، ويعز ويذل، ويفعل ما يشاء.\nوالحديث أخرجه الحاكم في \"المستدرك\" ٢/ ٥١٩: كتاب التفسير: تفسير سورة البروج. وقال: هذا حديث صحيح الإسناد، فإن أبا حمزة الثمالي لم ينقم عليه إلا الغلو في مذهبه فقط.\nكما أخرجه الطبراني في الكبير، وفي سنده زياد بن عبد الله البكائي، وليث بن أبي سليم، وكلاهما ضعيف. ورواه من طريق آخر بنحوه موقوفًا على ابن عباس، وسنده حسن.\nنقلًا عن \"شرح العقيدة الطحاوية\" ت الأرنؤوط: ٢٣٣.\nكما أخرجه ابن كثير في: \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٣١.\nوانظر: \"الوسيط\" ٤/ ٤٦٣.","vol":"23","page":400},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4964>سورة الطارق</span>","vol":"23","page":401},{"text":"تفسير سورة الطارق <span data-type=\"title\" id=toc-4965>(١)</span>\nبسم الله الرحمن الرحيم\n\n١ - ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ﴾ قال المفسرون (٢): أقسم الله بالسماء، والطارق: يعني: الكواكب تطرق بالليل وتخفي بالنهار (٣).\nوقال الفراء ﴿الطَّارِقُ﴾ النجم؛ لأنه يطلع بالليل، وما أتاك ليلًا فهو طارق (٤) (ونحو هذا) (٥) قال (الزجاج (٦)، والمبرد (٧)، قال) (٨): ولا يكون\n_________\n(١) مكية كلها بإجماعهم، حكاه ابن عطية في \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٦٤، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٨/ ٢٢٢، وابن عاشور في \"التحرير التنوير\" ٣٠/ ٢٥٧، وانظر \"تفسير مقاتل\" ٢٣٦/أ، \"جامع البيان\" ٣٥/ ١٤١، \"البحر المحيط\" ٨/ ٤٥٣، وغيرها من كتب التفسير.\n(٢) وعزاه ابن عطية إلى جمهور المتأولين في \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٦٤، وعزاه أيضًا الشوكاني إلى المفسرين نقلًا عن الواحدي: ٥/ ٤١٨، وقال به الطبري في \"جامع البيان\" ٣٠/ ١٤١، والزجاج في \"معاني القرآن وإعربه\" ٥/ ٣١١، والماوردي في \"النكت والعيون\" ٦/ ٢٤٥، وانظر \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٧٢، \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ١، \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٣١، \"التحرير والتنوير\" ٣٠/ ٢٥٨.\n(٣) وهو قول ابن عباس في \"بحر العلوم\" ٣/ ٤٦٧، وبه قال قتادة في \"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٤١.\n(٤) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٥٤.\n(٥) ساقط من (أ).\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣١١.\n(٧) \"الوسيط\" ٤/ ٤٦٤.\n(٨) ما بين القوسين ساقط من (أ).","vol":"23","page":403},{"text":"الطارق نهارًا.\nوالعرب تستعمل الطروق في صفة الخيال كثيرًا، قال ذو الرمة:\nألا طَرَقَتْ مني هيومًا بذكرها ... وأيدي الثريا جنح في المغارب (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4966>٢ </span>- ثم (٢) قال لنبيه -ﷺ- (٣): ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ﴾\nوذلك أن هذا الاسم يقع على مَا طرق ليلًا، ولم يكن النبي -ﷺ- يدري ما المراد به لولا تبيينه بقوله: ﴿النَّجْمُ الثَّاقِبُ﴾، أي المضي (٤)، ولقد فسرناه عند قوله: ﴿شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾ (٥)، و﴿الطَّارِقُ﴾، و﴿النَّجْمُ الثَّاقِبُ﴾، اسم الجنس، وأُريد به العموم في قول أهل المعاني، وأكثر أهل التفسير، وهو قول (الكلبي (٦) (٧)، ومقاتل (٨)، (وقتادة (٩)، والحسن (١٠)، والفراء (١١)،\n_________\n(١) لم أعثر عليه في ديوانه\n(٢) في (أ): وقال.\n(٣) في (ع): ﵇.\n(٤) وهو قول قتادة، وابن عباس. \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٢٦٥، \"جامع البيان\" ٣٠/ ١٤١.\n(٥) سورة الصافات: ١٠ وما جاء في تفسيرها قوله ﴿شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾ قال ابن عباس وغيره: نار مضيئة محرقة، قال الحسن وقتادة ثاقب: مضيء قال الليث الثقوب مصدر النار مصدر الثاقبة، والكواكب الثاقب، يقال: ثقب يثقب ثقوبًا، وهو شدة ضوؤه وتلألؤه، والخشب الثاقب: الصوع النقي، وقال أبو عبيدة: الثاقب: النير المضيء، ويقال أثقب نارا أي أضاءها، والثقوب ما يذكى به النار.\n(٦) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٧) ساقط من (أ).\n(٨) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٩) ورد معنى قوله في \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٢٦٥، \"جامع البيان\" ٣٠/ ١٤٢.\n(١٠) \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٦٤.\n(١١) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٥٤.","vol":"23","page":404},{"text":"والزجاج (١) (٢)\nوقال ابن زيد (٣): أراد به الثريا، والعرب تسميه النجم (٤)، وقد ذكرنا ذلك عند قوله: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ (٥).\nوروى أبو الجوزاء عن ابن عباس أنه - زُحَل (٦). والقول هو الأول.\nوجواب القسم: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ أقسم الله -بما ذكر- أنه ما من نفس إلا عليها حافظ من الملائكة تحفظ عملها وقولها وفعلها، وتحصي ما تكسب من خير أو شر. (ذكر ذلك ابن عباس (٧)، والكلبي (٨)،\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣١١ بمعناه.\n(٢) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٣) في (أ): ابن دريد.\n(٤) ورد قوله في \"جامع البيان\" ٣٠/ ١٤٢، \"الكشف والبيان\" ج ١٣/ ٧٣/ ب، \"النكت والعيون\" ٦/ ٢٤٦، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٧٣، \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٦٤/ ٤٦٥، \"زاد المسير\" ٨/ ٢٢٣.\n(٥) سورة النجم: ١، ومما جاء في تفسير الآية: قال ابن عباس في رواية الكلبي: أقسم بالقرآن إذا نزل نجومًا على رسول الله -ﷺ-، والعرب تسمي التفريق تنجيمًا، والمفرق نجومًا، ومنه نجوم الدين، وأصل هذا أن العرب كانت تجعل مطالع منازل القمر ومساقطها مواقيت لحلول ديونها، فتقول إذا طلع النجم، وهو الثريا حل عليك مالي، وكذلك سائرها ثم جعل كل نجم تفريقًا، وان كان لم يكن موقتًا بطلوع نجم.\n(٦) \"الكشف والبيان\" ج ١٣/ ٧٣/ ٢، \"زاد المسير\" ٨/ ٢٢٣.\n(٧) المرجعان السابقان؛ إضافة إلى: \"جامع البيان\" ٣٠/ ١٤٣، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٧٣، \"لباب التأويل\" ٤/ ٣٦٨، تفسير ابن عباس: للحميدي: ٢/ ٩٧٥، \"الجامع الصحيح\" للبخاري: ٢/ ٤٠٤٩، كتاب الأنبياء الباب الأول خلق آدم وذريته.\n(٨) \"الكشف والبيان\" ج ١٣/ ٧٤/ أ، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٧٣.","vol":"23","page":405},{"text":"وقتادة (١)، ومقاتل) (٢) (٣).\nوفي قوله ﴿لَمَّا عَلَيْهَا﴾ (٤): التخفيف، والتشديد، فمن خلف كان لغوًا (٥)، والمعنى: لَعَلَيْها حافظ.\nومن شدد جعل ﴿لَمَّا﴾ بمعنى \"إلاَّ\"، وهي تستعمل بمعنى \"إلا\" في موضعين، هذا أحدهما، والآخر في باب القسم تقول: سألتك لمَّا فعلت. بمعنى: \"إلا فعلت\" (٦) هذا كلام أبي إسحاق.\nوقال أبو علي: (مَن خفف كانت \"إن\" عنده المخفّفة من الثقيلة، والسلام في \"لما\"، هي التي تدخل مع هذه المخففة لتخلصها من \"إن\" النافية، و\"ما\" صلة كالتي في قوله: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ﴾ (٧)، ﴿عَمَّا قَلِيلٍ﴾ (٨)، وتكون إن\n_________\n(١) ورد معنى قوله في \"تفسير مقاتل\" ٢٣٦/ أ - ب، \"تفسير عبد الرزاق\": ٢/ ٣٦٥، \"جامع البيان\" ٣٠/ ١٤٣، \"النكت والعيون\" ٦/ ٢٤٦، \"الكشف والبيان\" ج ١٣: ٧٤/ أ، \"زاد المسير\" ٨/ ٢٢٣، \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٣، \"الدر المنثور\" ٨/ ٤٧٤، وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.\n(٢) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٣) ما بين القوسين ذكر بدلًا من تعدادهم في نسخة: أ، لفظ: وغيره.\n(٤) قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، والكسائي، وأبو جعفر: \"لَمَا\" خفيفًا.\nوقرأ عاصم، وابن عامر، وحمزة \"لَمَّا\" مشددة.\nانظر: \"القراءات وعلل النحويين فيها\" ٢/ ٧٦٥، \"الحجة\" ٦/ ٣٩٧، \"المبسوط\" ٤٠٢، \"حجة القراءات\" ٧٥٨، \"إتحاف فضلاء البشر\" ٤٣٦.\n(٥) أي غير عاملة: صلة زائدة.\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣١١.\n(٧) سورة آل عمران: ١٥٩، قال تعالى ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾.\n(٨) سورة المؤمنون: ٤٠: قال تعالى ﴿قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ﴾.","vol":"23","page":406},{"text":"متلقية للقسم كما تتلقاه) (مثقلة) (١)، (ومن ثقل فقال: \"لمّا عَلَيْها\" كانت \"إن\" عنده النافية كالتي في قوله) (٢): ﴿فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ (٣)﴾، و\"مال\" في معنى \"إلا\".\nقال سيبويه عن الخليل في قولهم (٤): نشدتك الله لَمَّا فعلت -قال-: المعنى: إلا فعلت (٥).\nوقال أبو الحسن: الثقيلة في معنى \"إلا\"، والعرب لا تكاد تعرفه (٦)، وقال الكسائي: لا أعرف وجه التقيل) (٧).\nوقال أبو عبيد (٨): لا يوجد ذلك في كلام العرب يعني \"لمَّا\"، بمعنى \"إلا\" (٩)، وقد روي عن ابن سيرين أنه كره التشديد وأنكره (١٠).\nوالكلام في هذا قد سبق في آخر سورة هود (١١).\n_________\n(١) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٢) ساقط من النسختين، ومثبت من الحجة وبها تستقيم العبارة: ٦/ ٣٩٧.\n(٣) سورة الأحقاف: ٢٦، ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ﴾\n(٤) في (أ): قوله.\n(٥) انظر: كتاب \"حروف المعاني\" للزجاجي: ١١.\n(٦) الذي وجدته عن الأخفش في \"النكت والعيون\" ٦/ ٢٤٦، \"البحر المحيط\" ٨/ ٤٥٤: قال: إن \"ما\" التي بعد اللام صلة زائدة، وتقديره: إن كل نفس لعليها حافظ.\n(٧) ما بين القوسين نقلًا عن \"الحجة\" ٦/ ٣٩٧ بنصه.\n(٨) في (أ): أبو عبيدة.\n(٩) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(١٠) \"جامع البيان\" ٣٠/ ١٤٢، \"الكشف والبيان\" ج ١٣: ٧٤/ أ، \"التفسير الكبير\" ٣١/ ١٢٨.\n(١١) سورة هود: ١١، فقد استطرد الإمام الواحدي في بيان علة التخفيف والتشديد =","vol":"23","page":407},{"text":"ثم نبه على البعث بقوله:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4967>٥ </span>- ﴿فَلْيَنْظُرْ﴾ (١) قال مقاتل: يعني: (الذي يكون منه) (٢) المكذب بالبعث (٣).\n﴿مِمَّ خُلِقَ﴾. أي من أي شيء خلقه الله، والمعنى: فلينظر نظر التفكير\nوالاستدلال حتى يعرف أن الذي ابتدأه (٤) من نطفة قادر على إعادته.\nثم ذكر من أي شيء خلقه فقال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4968>٦ </span>- ﴿خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ﴾ قال ابن عباس (٥) ومقاتل (٦): يعني: المني الذي يكون منه الولد.\nقال الكلبي: من ماء مهراق في رحم المرأة (٧).\nوالدَّفْق صَبُّ الماء، يقال: دفقت الماء أي صببته، وهو مدفوق\n_________\n= مستندًا على أقوال أهل المعاني، وأهل النحو في ذلك، وقد أوجز القول في آية سورة الطارق مما أغنى عن تلخيص ما جاء في سورة هود، هذا وإن كان ما سطره من أقوال الذي بيان العلة في رد أو قبول أهل النحو لقراءة التخفيف أو التشديد، فانه لا يخرج القراءتين -قراءة التخفيف والتشديد- عن صحة سندها، فهما قراءتان صائبتان صحيحتا السند، متواترتان، وقد ذُكرتا في كتب القراءات المتواترة. والله أعلم.\n(١) ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ﴾.\n(٢) ما بين القوسين ساقط من: ع.\n(٣) \"فتح القدير\" ٥/ ٤١٩، ورد بمعناه في \"تفسير مقاتل\" ٢٣٦/ ب.\n(٤) في: أ: ابتدأ.\n(٥) \"الوسيط\" ٤/ ٤٦٥، وقد ورد بمثل قوله من غير نسبة في \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٧٣، \"البحر المحيط\" ٨/ ٤٥٥، \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٣٢.\n(٦) ورد بمعناه في \"تفسير مقاتل\" ٢٣٦/ ب.\n(٧) لم أعثر على مصدر لقوله.","vol":"23","page":408},{"text":"(ومندفق) (١) أي منصب (٢) و﴿دَافِقٍ﴾ هَاهنا معناه - مدفوق.\nقال الفراء: وأهل الحجاز أفعل لهذا من غيرهم، يجعلون الفاعل مفعولًا إذا كان في مذهب نعت كقولهم: سرُّ كاتم، وهمٌّ ناصب، وليلٌ نائم، قال: وأعان على ذلك أنها وافقت رؤوس الآي التي هي معهنّ (٣).\nوقال الزجاج: معناه من مَاءٍ ذي دَفْقٍ، وكذلك: سرٌّ كاتم، وهذا قول جميع النحويين (٤).\nوقد أحكمنا الكلام في هذه المسألة عند قوله: ﴿لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ﴾ (٥).\n_________\n(١) ساقط من (أ).\n(٢) انظر ذلك في: مادة: (دفق): \"تهذيب اللغة\" ٩/ ٣٩، \"الصحاح\" ٤/ ١٤٧٥، \"لسان العرب\" ١٠/ ٩٩.\n(٣) \"معاني القرآن\" ٣/ ٣٥٥ بتصرف.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣١١، قال: معناه مدفوق، ومذهب سيبويه وأصحابه أن معناه النسب إلى الاندفاق، المعنى: من ماء ذي اندفاق، ولعل الإمام الواحدي نقل قول الزجاج من \"تهذيب اللغة\" ٩/ ٣٩: مادة: (دفق)، فقد ورد فيه بمثل ما نقل الواحدي عن الزجاج.\n(٥) سورة هود: ٤٣، قال تعالى: ﴿قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ﴾: ٤٣، ومما جاء في تفسير ﴿لَا عَاصِمَ﴾: قال .. ولا يجوز -هاهنا- أن يكون المعصوم عاصمًا، هذا وجه في الاستثناء. قال أبو إسحق: ويجوز أن يكون عاصم في معنى مَعصُوم، ويكون معنى لا عاصم: لا ذا عصمة، كما قالوا: \"عيشة راضية\"، على جهة النسب، أي ذات رضًا، ويكون \"من\" على هذا التفسير في موضع رفع، ويكون المعنى: لا معصوم إلا المرحوم. وقد أجاز الفراء أن يكون الفاعل بمعنى المفعول نحو قوله: ﴿مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ﴾ معناه مدفوق. وقال علماء البصرة: ماء دافق بمعنى مدفوق باطل من الكلام، لأن الفرق بين الفاعل وبناء المفعول واجب، وهذا عند سيبويه وأصحابه يكون على طريق النسب من غير أن يعتبر فيه فعل، فهو فاعل نحو: رامح، ولابن، ومعناه: ذو =","vol":"23","page":409},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4969>٧ </span>- ثم وصف الماء فقال: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾، قال الليث: التريبة ما بين الثندوتين (١) إلى الترقوتين (٢) (٣).\nوبَعضهم يقول: كل عظم من ذلك تريبة، والجمع الترائب (٤).\nقال المبرد: هي ضلوع الصدر (٥).\nوقال أبو عبيدة: الترائب مُعَلَّق الحَلْي على الصدر (٦)، وهو قول جميع أهل اللغة (٧)، وأنشد (٨) (قول الْمُثقِب (٩):\n_________\n= رمح، وذو لبن، وكذلك -هاهنا-: عاصم بمعنى ذو عصمة من قبل الله تعالى؛ ليس أنه عُصِم فهو عاصم بمعنى معصوم على الإطلاق.\n(١) الثُّنْدُوَة: لحم الثدي، وقال ابن السكيت: هي الثَّنْدُوَة: اللحم الذي حول ثدي المرأة. \"تهذيب اللغة\" ١٤/ ٩٠، مادة: (ثند).\n(٢) التُّرْقُوتان: العظمان المشرفان في أعلى الصدر من رأس المنكبين إلى طرف ثغرة النحر، وباطن الترقوتين الهواء الذي يهوي في الجوف لو خُرق، ويقال له: القلتان، وهما الحافنتان أيضًا.\nانظر: \"تهذيب اللغة\" ١٤/ ٢٧٦ مادة: (ترب)، وانظر \"لسان العرب\" ١/ ٢٣٠ مادة: (ترب).\n(٣) لم أعثر على مصدر لقوله، وقد ورد بنحوه من غير نسبة في \"لسان العرب\" ١/ ٢٣٠: مادة: (ترب)، وقيل: ما بين التَّرْقوة إلى الثندوة.\n(٤) لم أجد من قال ذلك مما بين يدي من المصادر: وجاء في \"الصحاح\" ١٠/ ٩١: مادة: (ترب): والتريبة واحدة الترائب، وهي عظام الصدر ما بين الترقوة والثَّنْدَوة.\n(٥) لم أعثر على مصدر لقوله\n(٦) \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٩٤ بنصه.\n(٧) حكى الإجماع الأزهري، والجوهري، وابن منظور: انظر: مادة: (ترب) في: \"تهذيب اللغة\" ١٤/ ٢٧٦، \"الصحاح\" ١/ ٩١، \"لسان العرب\" ١/ ٢٣٠.\n(٨) أي أبو عبيدة.\n(٩) ما بين القوسين ساقط من (أ).","vol":"23","page":410},{"text":"ومِنْ ذَهَبٍ يَلُوحُ على تَريبٍ ... كَلَوْن العَاجِ لَيْس بذي غُصُونِ (١)\nوحكى الزجاج أن أهل اللغة [أجمعون (٢)] (٣) قالوا: الترائب موضع القلادة من الصدر، وأنشدوا (٤):\nترائبها مصقولة كالسَّجَنْجَلِ (٥) (٦)\n_________\n(١) ورد البيت في: ديوانه: ١٥٩.\n\"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٩٤ برواية: \"من ذهب يُشَنّ على تريب\"، \"جامع البيان\" ٣٠/ ١٤٥ برواية \"له\" بدلًا من \"بذي\"، \"الكشف والبيان\" ج ١٣: ٧٤/ ب، \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٦، \"فتح القدير\" ٥/ ٤١٩، برواية \"بنن\" بدلًا من \"يلوح\": وكذا \"روح المعاني\" ٣٠/ ٩٧.\nوورد غير منسوب في: \"تهذيب اللغة\" ١٤/ ٢٧٥: مادة: (ترب)، \"لسان العرب\" ١/ ٢٣٠: مادة: (ترب)، \"تاج العروس\" ١/ ١٨٥: مادة: (ترب) برواية \"له\" بدلًا من \"بذي\".\nوالتريب: جمع تريبة، وتجمع: ترائب، وهو عظام الصدر.\nانظر: \"ديوانه\" حاشية: ١٥٩.\n(٢) في (ع): الجمعين، وأثبت ما جاء في \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣١٢.\n(٣) ساقط من: ع.\n(٤) في (أ): أنشد.\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣١٢.\n(٦) البيت لامرئ القيس، ونسب له في المعاني وهو في ديوانه: ٤٢: دار صادر: وصدره: مُهَفْهَفَة بيضاء غيرُ مُفاضةٍ\nوقد ورد البيت غير منسوب في كتب اللغة: مادة: (ترب) في: \"تهذيب اللغة\" ١٤/ ٢٧٥، \"لسان العرب\" ١/ ٢٣٠.\nوورد منسوبًا في كتب التفسير نحو: \"بحر العلوم\" ٣/ ٤٦٨، \"زاد المسير\": ٨/ ٢٢٤، \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٥، \"فتح القدير\" ٥/ ٤١٩، \"روح المعاني\" ٣٠/ ٩٧.\nومعنى: المهفهفة: اللطيفة الخصر، الضامرة البطن، المفاضة: المرأة العظيمة =","vol":"23","page":411},{"text":"قال (عطاء عن) (١) ابن عباس (٢)، (والكلبي) (٣) (٤)، وسفيان (٥) (٦): يريد صلب الرجل، وترائب المرأة، وهي موضع قلادتها: الولد لا يكون إلا من المائين. وقال عكرمة (٧)، وسعيد (ابن جبير (٨)، وابن زيد (٩)، ومجاهد) (١٠) (١١): الترائب: الصدور.\n_________\n= البطن، المسترخية اللحم. الترائب: جمع تريبة: وهي موضع القلادة من الصدر. السقل والصقل: إزالة الصدأ والدنس وغيرهما. السجنجل: المرآة. وقيل هو قطع الذهب والفضة.\nيقول: هي امرأة دقيقة الخصر، ضامرة البطن، غير عظيمة البطن ولا مسترخية، وصدرها براق اللون متلألئ الصفاء كتلألؤ المرآة: ديوانه: ٤٢: حاشية.\n(١) ساقط من (أ).\n(٢) ورد معنى قوله في \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٣٢، \"الدر المنثور\" ٨/ ٤٧٥، وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.\n(٣) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٤) ساقط من (أ).\n(٥) سفين: في كلا النسختين.\n(٦) \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٣٦٦، \"جامع البيان\" ٣٠/ ١٤٤، \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٦٥، \"البحر المحيط\" ٨/ ٤٥٥.\n(٧) ورد معنى قوله في \"جامع البيان\" ٣٠/ ١٤٣، \"الكشف والبيان\" ج ١٣: ٧٤/ ب، \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٦، \"فتح القدير\" ٥/ ٤١٩، \"الدر المنثور\" ٨/ ٤٧٥، وعزاه إلى عبد بن حميد.\n(٨) \"جامع البيان\" ٣٠/ ١٤٣، \"الكشف والبيان\" ج ١٣/ ٧٤/ ب، \"تفسير سعيد بن جبير\" ٣٧١.\n(٩) المرجعان السابقان إضافة إلى: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٧٣.\n(١٠) ورد معنى قوله في \"جامع البيان\" ٣٠/ ١٤٤، \"النكت والعيون\" ٦/ ٢٤٧، \"الكشف والبيان\" ج ١٣/ ٧٤/ ب، \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٥، \"فتح القدير\" ٥/ ٤١٩.\n(١١) ما بين القوسين ساقط من: أ.","vol":"23","page":412},{"text":"وقال مقاتل الترائب: موضع القلادة (١) بين الترقوة والثدي.\nوقال الفراء: وقوله: ﴿مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾ يريد من الصلب والترائب، وهو جائز أن تقول للشيئين: ليخرجن من بين هذين خير كثير، ومن هذين خير كثير (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4970>٨ </span>- قوله (تعالى): ﴿إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ﴾، قال مجاهد: على أن يرد الماء في الإحليل (٣) (٤).\nوقال عكرمة (٥)، (والضحاك) (٦) (٧): على أن يرد الماء في الصلب.\nوروي (عن الضحاك (٨) (٩) أيضًا: على رد الإنسان ماءً كما كان قبل، لقادر.\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ٢٣٦/ ب.\n(٢) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٥٥ بتصرف.\n(٣) الإحليل: الذكر؛ ثقبه الذي يخرج منه البول، وجمعه الأحاليل. \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٤٤٢: مادة: (حل).\n(٤) ورد قوله في \"جامع البيان\" ٣٠/ ١٤٥، \"الكشف والبيان\" ج ١٣: ٧٤/ ب، \"النكت والعيون\" ٦/ ٢٤٧، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٧٣، \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٦٦، \"زاد المسير\" ٨/ ٢٢٥، \"التفسير الكبير\" ٣١/ ١٣١، \"البحر المحيط\" ٨/ ٤٥٥، \"الدر المنثور\" ٨/ ٤٧٦، وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، \"فتح القدير\" ٥/ ٤٢٠، \"معاني القرآن\" الفراء: ٣/ ٢٥٥.\n(٥) المراجع السابقة عدا \"البحر المحيط\"، ومعاني الفراء.\n(٦) \"جامع البيان\" ٣٠/ ١٤٦، \"الكشف والبيان\" ج ١٣: ٧٥/ أ، \"زاد المسير\" ٨/ ٢٢٥، \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٧، \"فتح القدير\" ٥/ ٤٢٠.\n(٧) ساقط من: أ.\n(٨) \"التفسير الكبير\" ٣١/ ١٣١، \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٧.\n(٩) ساقط من (أ).","vol":"23","page":413},{"text":"وقال مقاتل (بن حيان) (١): تقول: إن شئت رددته من الكبر إلى الشباب ومن الشباب إلى الصبا (٢)، ومن الصبا (٣) إلى النطفة (٤).\nوقال قتادة: إن الله [على] (٥) بعث الإنسان وإعادته لقادر (٦)، وهو قول الحسن (٧)، ومقاتل (ابن سليمان (٨)، وابن عباس (٩)، في رواية عطاء، واختيار أهل المعاني (١٠» (١١)، قال أبو إسحق: ويشهد له قوله: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾ [الطارق: ٩]. (أي) (١٢) إنه قادر على بعثه يوم القيامة (١٣).\n_________\n(١) ساقط من (أ).\n(٢) في (ع): الصبى.\n(٣) في (ع): الصبى.\n(٤) ورد قوله في \"الكشف والبيان\" ج ١٣/ ٧٥/ أ، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٧٣، \"التفسير الكبير\" ٣١/ ١٣١، \"فتح القدير\" ٥/ ٤٢٠.\n(٥) ساقط من النسختين، وأثبت ما جاء في \"الوسيط\" ٤/ ٤٦٥، وبه ينتظم الكلام.\n(٦) \"جامع البيان\": ٣٠/ ١٤٦، \"الكشف والبيان\": ج ١٣/ ٧٤/ ب، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٧٣، \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٦٦، \"زاد المسير\" ٨/ ٢٢٥، \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٧، \"البحر المحيط\" ٨/ ٤٥٥.\n(٧) \"زاد المسير\" ٨/ ٢٢٥، \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٧، \"الدر المنثور\" ٨/ ٤٧٦، وعزاه إلى ابن المنذر، \"تفسير الحسن البصري\" ٢/ ٤١١.\n(٨) \"تفسير مقاتل\" ٢٣٦/ ب.\n(٩) \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٦٦، \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٧، \"البحر المحيط\" ٨/ ٤٥٥.\n(١٠) \"معاني القرآن\" للفراء: ٣/ ٢٥٥.\n(١١) ما بين القوسين ساقط من أ.\n(١٢) ساقط من (أ).\n(١٣) \"معاني القرآن\" ٥/ ٣١٢ بنصه.","vol":"23","page":414},{"text":"ومعنى الرجع: رد الشيء إلى أول حَاله (١)، والله -تعالى- قادر على أن يرد الماء في الإحليل، أو في الصُلب، وأن يرد الإنسان صبيًا بعد كبره، وأن يرده حيًا بعد موته، وهذا هو الوجه المراد لانتصاب قوله: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾، وهو ظرف للرجع (٢).\nقال صاحب النظم: يريده أن يبعث فيرد، ويرجع في هذا اليوم (٣).\nومعنى ﴿تُبْلَى﴾ (٤) تختبر. قاله (ابن عباس (٥)، ومقاتل (٦)، وقتادة (٧» (٨).\nوقال (٩) الكلبي (١٠)، ومقاتل (١١): [بمعنى] (١٢) تظهر.\n_________\n(١) قال ابن فارس: \"الراء، الجيم، والعين أصل كبير مطرد ومنقاس، يدل على ردٍّ وتكرار، تقول: رجع يرجع رجوعًا، إذا عاد، وراجع الرجل امرأته، وهي الرِّجْعَة، والرَّجُعَة، والرُجْعَى، والرجوع\". ٢/ ٤٩٠: مادة: (رجع).، وأيضًا انظر: مادة: (رجع) في \"الصحاح\" ٣/ ١٢١٦، \"لسان العرب\" ٨/ ١١٤.\n(٢) وهو قول الطبري في \"جامع البيان\" ٣٠/ ١٤٦، وانظر \"الكشاف\" ٤/ ٢٠٢.\n(٣) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٤) ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾.\n(٥) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٦) \"تفسير مقاتل\" ٢٣٦/ ب، \"الكشف والبيان\" ج ١٣/ ٧٥/ ب، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٧٣.\n(٧) ورد معنى قوله في المرجعين السابقين، وانظر أيضًا في \"جامع البيان\" ٣٠/ ١٤٧.\n(٨) ما بين القوسين ذكر بدلًا منه في نسخة ألفظ: جماعة.\n(٩) في (ع): قال.\n(١٠) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(١١) \"الوسيط\" ٤/ ٤٦٥.\n(١٢) في كلا النسختين: ومعنى، ولا يستقيم المعنى بذلك، وأثبت ما رأيت به استقامة المعنى.","vol":"23","page":415},{"text":"و﴿السَّرَائِرُ﴾: أعمال بني آدم من الخير والشر، فرائضه التي أوجبت عليه، وهي سرائر بين الله والعبد، فتختبر تلك يوم القيامة حتى يظهر خيرها من شرها، ومؤديها عن مضيعها، وهذا معنى قول ابن عمر: \"يبدي الله يوم القيامة كل سر، فيكون زينًا في الوجوه، وشينًا في الوجوه\"، يعني من أداها كان وجهه مشرقًا، ومن ضيعها كان وجهه أغبر (١).\nوقال أهل المعاني (٢): معنى ﴿تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾ تختبر بإظهارها، وإظهارها موجبها، ففي الطاعة الحمد والثواب، وفي المعصية الذم والعقاب، وهذا كقوله: ﴿وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ [محمد: ٣١] أي نكشفها ونظهرها، وقد مر (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4971>١٠ </span>- قوله تعالى ﴿فَمَا لَهُ﴾ (٤) (أي لهذا الإنسان المنكر للبعث من قوة يمتنع بها من عذاب الله) (٥).\n﴿وَلَا نَاصِرٍ﴾. (ينصره من الله) (٦).\nومعنى نفي القوة والناصر هو العامل في قوله: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾ على\n_________\n(١) \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٧٤، \"التفسير الكبير\" ٣١/ ١٣٣.\n(٢) لم أعثر على مصدر لقولهم.\n(٣) ومما جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ محمد: ٣١: \"قال ابن عباس في رواية عطاء: يريد ليظهر ما تسرون، وقال في رواية الكلبي: يظهر نفاقكم للمؤمنين، ومعنى الآية: حتى نعلم المجاهدين، وحتى تكشف أخباركم وتظهر ويجوز أن يوضع البلو موضع الكشف؛ لأن القصد بالبلو: الكشف والإظهار، فجاز أن يفسر بما يؤول إليه\".\n(٤) ﴿فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ﴾\n(٥) ما بين القوسين في قول الثعلبي في \"الكشف والبيان\" ج: ١٣: ٧٥/ أ.\n(٦) ما بين القوسين من قول الثعلبي: المرجع السابق.","vol":"23","page":416},{"text":"قول من لا يجعل الرجع بمعنى البعث في قوله: ﴿إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ﴾ [الطارق: ٨] (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4972>١١ </span>- ثم ذكر قسمًا آخر فقال: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ﴾ قال أبو عبيدة: الرجع في كلام العرب: الماء، وأنشد للهذلي يصف السَّيف:\nأبْيَضُ كالرّجْع رَسُوبٌ إذا ما ... ثاخَ في مُحْتَفَلٍ يختلي (٢) (٣)\nقال الفراء: تبتدئ بالمطر، ثم ترجع به في كل عام (٤).\nوقال أبو إسحق: الرجع: المطر؛ لأنه يجيء ويرجع ويتكرر (٥) (٦). وهذا معنى قول ابن عباس في رواية عطاء، قال: يبتدي بالمطر، ثم يرجع به في كل عام (٧).\n_________\n(١) هذا القول قال عنه أبو حيان: إنه فاسد؛ لأن ما بعد الفاء لا يعمل فيما قبلها، وكذلك ما النافية، لا يعمل ما بعدها فيما قبلها على المشهور المنصور، انظر: \"البحر المحيط\" ٨/ ٤٥٥.\n(٢) ورد البيت في:\n\"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٩٤، \"ديوان الهذليين\" ٢/ ١٢، \"تهذيب اللغة\" ١/ ٣٦٤ مادة: (رجع)، \"لسان العرب\" ٨/ ١٢٠ مادة: (رجع)، و٣/ ١١ مادة: (ثوخ)، \"معاني القرآن وإعرابه\" للزجاج: ٥/ ٣١٢، \"جامع البيان\" ٣٠/ ١٤٧، \"الكشف والبيان\" ج ١٣/ ٧٥/ ب، \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٦٦، \"البحر المحيط\" ٨/ ٤٥٦، \"فتح القدير\" ٥/ ٤٢٠، و\"المحرر\" و\"البحر\" براوية: \"ما شاخ\" بدلًا من: \"ما ثاخ\".\n(٣) ومعنى البيت كما في: اللسان: أراد بالأبيض: السيف، والرَّجْع: الغدير. شبه السيف به في بياضه، والرَّسُوب: الذي يَرْسُب في اللحم، والمحتفل: أعظم موضع في الجسد، ويختلى: يقطع، وثاخ وساخ: ذهب في الأرض سُفلًا.\n(٤) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٥٥ بنصه.\n(٥) في (أ): يكرر.\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣١٢ بنحوه.\n(٧) ورد معنى قوله في \"جامع البيان\" ٣٠/ ١٤٨.","vol":"23","page":417},{"text":"وهو قول مقاتل (١)، وسعيد (بن جبير (٢)، وعكرمة عن ابن عباس (٣» (٤)، ومجاهد (٥) قالوا: ذات المطر تمطر، ثم تمطر، ثم ترجع تمطر بعد مطر.\nوقال أهل المعاني: رجع السماء إعطاء الخير الذي يكون من جهتها حالًا بعد حال على مرور الأزمان، ترجعه رجعة، أي تعطيه مرة بعد مرة (٦).\nوقال ابن زيد: هو أنها ترد وترجع شمسها وقمرها بعد مغيبهما (٧)، والقول هو الأول (٨).\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ٢٣٦/ ب، وعبارته: قال: ذات المطر.\n(٢) ورد معنى قوله في \"الدر المنثور\" ٨/ ٤٧٧، وعزاه إلى عبد بن حميد، \"تفسير سعيد بن جبير\" ٣٧١.\n(٣) ورد معنى قوله في \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٣٦٥، \"جامع البيان\" ٣٠/ ١٤٨ \"النكت والعيون\" ٨/ ٢٤٨، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٧٤، \"التفسير الكبير\" ٣١/ ١٣٣، \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٣٢، \"الدر المنثور\" ٨/ ٤٧٦، وعزاه إلى الفريابي، وعبد بن حميد، والبخاري في تاريخه، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، وانظر \"المستدرك\" ٢/ ٥٢٠، وقال: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي.\n(٤) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٥) \"تفسير الإمام مجاهد\" ٧٢٠، \"جامع البيان\" ٣٠/ ١٤٨، \"الدر المنثور\" ٨/ ٤٧٧، وعزاه إلى عبد بن حميد، وانظر \"الجامع الصحيح\" للبخاري: ٣/ ٣٢٢، كتاب التفسير باب ٨٦.\n(٦) لم أعثر على مصدر لقولهم، وورد بمثله من غير نسبة في \"التفسير الكبير\" ٣١/ ١٣٣.\n(٧) ورد معنى قوله في \"جامع البيان\" ٣٠/ ١٤٨، \"النكت والعيون\" ٦/ ٢٤٨، \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٦٦، \"التفسير الكبير\" ٣١/ ١٣٣، \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ١١، \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٣٢، \"فتح القدير\" ٥/ ٤٢٠.\n(٨) وهو الصحيح الذي عليه أكثر المفسرين وأهل اللغة، حكى ذلك القرطبي في \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ١٠، وأبو حيان في \"البحر المحيط\" ٨/ ٤٥٦.","vol":"23","page":418},{"text":"قوله تعالى: ﴿وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ﴾ وصدعها إنما يكون عن (١) المطر والماء، ومعنى الصدع (٢) في اللغة: الشق، يقال: صَدَعه إذا شقه فتصدع، ومنه قوله: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ [الروم: ٤٣] أي يتفرقون، والعرب تقول: صَدَعْتُ غنمي صِدْعَتَيْن، كقولك: فرقتها فرقتين، فالصدع مصدر، ثم يقال في الزّجاجة والحائط صَدْع، فيسمى به (٣)، والذي في الآية هو الاسم لا المصدر.\nقال أبو عبيدة (٤)، والفراء (٥)، والزجاج (٦): تتصدع بالنبات، وهو معنى قول ابن عباس (٧)، والمفسرين قالوا: تنشق عن النبات، والأشجار (٨).\n_________\n(١) في (أ): من.\n(٢) في (أ): الصداع.\n(٣) انظر: مادة: (شق): \"تهذيب اللغة\" ٢/ ٥، إصلاح المنطق: لابن السكيت: ٤٣، \"مقاييس اللغة\" ٣/ ٣٣٨، \"الصحاح\" ٣/ ١٢٤١، \"لسان العرب\" ٨/ ١٩٤.\n(٤) \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٩٤.\n(٥) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٥٥، واللفظ له.\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣١٣.\n(٧) \"جامع البيان\" ٣٠/ ١٤٩، \"التفسير الكبير\" ٣١/ ١٣٣، \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٣٢، \"الدر المنثور\" ٨/ ٥٢٠، \"فتح القدير\" ٥/ ٤٢١، وانظر \"المستدرك\" ٢/ ٥٢٠، قال: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي. كما قال بمثله: سعيد بن جبير، وعكرمة، وأبو مالك، والضحاك، والحسن، وقتادة، والسدي، وغير واحد: \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٣٢.\n(٨) وممن قال بمعنى ذلك: الحسن، وعكرمة، وقتادة، وابن زيد، والضحاك، \"جامع البيان\" ٣/ ١٤٩، وحكاه عن المفسرين: ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٨/ ٢٢٦، وأبو حيان في \"البحر المحيط\" ٨/ ٢٥٦، وبهذا القول: تنشق عن النبات والأشجار، قال السمرقندي في \"بحر العلوم\" ٣/ ٤٦٨.","vol":"23","page":419},{"text":"وقال مجاهد: هي [السدان (١)] بينهما طريق نافذ (٢) يعني -الجبلين بينهما شق.\nوقال الليث: الصدْع (٣) نبات الأرض؛ لأنه يصدع الأرض، فتتصدع به الأرض، وهذا قول مجاهد في رواية الليث (٤)، قال: ذات النبات (٥) وعلى هذا سمي النبات صدعًا؛ لأنه صادع للأرض.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4973>١٣ </span>- وجواب القسم قوله: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾ أي إن القرآن يفصل بين الحق والباطل بالبيان عن كل واحد منها (٦).\nوالمفسرون يقولون: جِدٌ حق (٧)، لقوله: ﴿وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ﴾\n_________\n(١) في كلا النسختين: الصدان، وأثبت ما جاء في \"الكشف والبيان\" ج ١٣: ٧٥/ ب.\n(٢) ورد معنى قوله في: \"تفسير الإمام مجاهد\" ٧٢١، \"جامع البيان\" ٣٠/ ١٤٩، \"بحر العلوم\" ٣/ ٤٦٨، \"الكشف والبيان\" ج ١٣: ٧٥/ ب، \"النكت والعيون\" ٦/ ٢٤٩، \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٦٦، \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ١١، \"الدر المنثور\" ٨/ ٤٧٧، وعزاه إلى عبد بن حميد.\n(٣) \"تهذيب اللغة\" ٢/ ٥: مادة: (صدع) بنصه.\n(٤) بياض في: ع.\n(٥) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٦) وهو قول الطبري في: \"جامع البيان\" ٣٠/ ١٤٩، والزجاج في \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣١٣، والثعلبي في \"الكشف والبيان\" ٧٥/ ب.\n(٧) قال بمعنى ذلك، ابن عباس، وقتادة، وسعيد بن جبير، والضحاك، انظر: \"جامع البيان\" ٣٠/ ١٤٩، \"النكت والعيون\": ٦/ ٢٤٩، \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٣٢، وأيضًا به قال السمرقندي في \"بحر العلوم\" ٣/ ٤٦٨، والثعلبي في: \"الكشف والبيان\": ج ١٣/ ٧٥/ ب.\nوقيل: المراد بالقول الفصل: ما تقدم من الوعيد في هذه السورة من قوله: ﴿إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ (٨) يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾. \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ١١.\nوقال أبو حيان: ويجوز أن يعود الضمير في أنه على الكلام الذي أخبر فيه ببعث =","vol":"23","page":420},{"text":"قالوا: باللعب (١)، والمعنى أن القرآن نزل للفصل بين الحق والباطل، ولم ينزل باللعب، وهو جد ليس بالهزل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4974>١٥ </span>- ثم أخبر عن مشركي مكهَ فقال: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا﴾. قال أبو إسحق: إنهم يخاتلون (٢) النبي -ﷺ- ويظهرون ما هم على خلافه (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-4975>١٦ </span>- ﴿وَأَكِيدُ كَيْدًا﴾ قال (٤): كيد الله استدراجهم من حيث لا يعلمون (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-4976>١٧ </span>- (قوله تعالى (٦» ﴿فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ﴾ (٧) قال ابن عباس (٨)،\n_________\n= الإنسان ويوم القيامة، وابتلاء سرائره، أي أن ذلك القول قول جزم مطابق للواقع لا هزل فيه، ويكون الضمير قد عاد على مذكور، وهو الكلام الذي تضمنه الإخبار عن البعث، وليس من الأخبار التي فيها هزل؛ بل هو جد كله. \"البحر المحيط\" ٨/ ٤٥٦.\n(١) قال بذلك ابن عباس، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وقتادة، انظر \"جامع البيان\" ٣٠/ ١٥، \"النكت والعيون\" ٦/ ٢٤٩، \"الدر المنثور\" ٨/ ٤٧٧، وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، والطستي، وابن أبي شيبة، كما قال به الزجاج في \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣١٣، والسمرقندي في \"بحر العلوم\" ٣/ ٤٦٨، والثعلبي في \"الكشف والبيان\" ج ١٣/ ٧٥/ ب.\nوعن السدي قال: بالكذب.\nوعن وكيع، والضحاك قالا: بالباطل. \"النكت والعيون\" ٦/ ٢٤٩.\n(٢) معنى يخاتلون أي يخادعون، جاء في: مختار \"الصحاح\" خاتله: خدعه، والتَّخَاتُل: التخادع. ١٦٩: مادة: (ختل).\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣١٣ بنصه.\n(٤) أي الزجاج.\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣١٣.\n(٦) ساقط من (ع).\n(٧) ﴿فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا﴾.\n(٨) \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٧٤، \"لباب التأويل\" ٤/ ٣٦٩، \"زاد المسير\" ٨/ ٢٢٦ من غير نسبة.","vol":"23","page":421},{"text":"ومقاتل (١): هو وعيد (٢) من الله تعالى لهم.\n(قوله تعالى (٣»: ﴿أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا﴾، قالا (٤): يريد قليلًا (٥)، حتى أهلكهم، ففعل ذلك ببدر، ونسخ الإمهال بآية السيف (٦)، ومعنى مهل وأمهل: أنظر ولا تعجل، ويقال: مَهْلًا يا فلان، أي رفقًا وسُكونًا لا\n_________\n(١) \"الوسيط\" ٤/ ٤٦٧.\n(٢) بياض في (ع).\n(٣) ساقط من (ع).\n(٤) أي ابن عباس، ومقاتل.\n(٥) ورد قول ابن عباس في \"جامع البيان\" ٣٠/ ١٥٠، \"الجامع لأحكام القرآن\": ٢٠/ ١٢، أما مقاتل فلم أعثر على مصدر لقوله، وإن كان ورد بمثل قوليهما من غير عزو في \"الوسيط\" ٤/ ٢٦٧، قال ابن عطية: ﴿رُوَيْدًا﴾ معناه قليلًا، قاله قتادة، وهذه حال هذه اللفظة إذا تقدمها شيء تصفه كقولك: رويدًا، وتقدمها فعل يعمل فيها كهذه الآية، وأما إذا ابتدأت بها فقلت: رويدًا يا فلان، فهي بمعنى الأمر بالتماهل، ويجري مجرى قولهم: صبرًا يا زيد، وقليلًا: يا عمرو.\nانظر: \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٦٧.\n(٦) ممن قال بأن الآية منسوخة بآية السيف: هبة الله بن سلامة في: \"الناسخ والمنسوخ\" ١٩٦، وابن البازي في كتابه: \"ناسخ القرآن العزيز ومنسوخه\" ٥٧، والبغوي في \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٧٤ والقرطبي في \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ١٢.\nورد ابن الجوزي في: \"نواسخ القرآن\" ٢٥١، القول بأنها منسوخة، والأكثرية عدها من المحكم، وعليه لم تذكر في كتبهم المعنية بـ\"الناسخ والمنسوخ\" نحو: كتاب \"الناسخ والمنسوخ\" في كتاب الله تعالى: لقتادة السدوسي، و\"الناسخ والمنسوخ\" للزهري، و\"الناسخ والمنسوخ\" في القرآن الكريم: لأبي جعفر النحاس، و\"الناسخ والمنسوخ\" لأبي منصور البغدادي، والاعتبار في \"الناسخ والمنسوخ\" لأبي بكر الهذاني، و\"المصفى بأكف أهل الرسوخ\" في علم \"الناسخ والمنسوخ\" لابن الجوزي.","vol":"23","page":422},{"text":"تَعْجَلْ (١).\nوأما ﴿رُوَيْدًا﴾ فروى أبو عبيد عن أصحابه أن تكبير ﴿رُوَيْدًا﴾ رُوْد، وأنشد (٢):\nيمشي ولا تَكْلِمُ البَطحاء مِشيتهُ ... كأنه ثَمِلٌ يمشي على رُودِ (٣) (٤)\nأي على مُهْلَة ورفق وتؤدة.\nوذكر أبو على في باب الأسماء التي سمي بها الأفعال: رُويدًا زيدًا، تريد: أرْوِدْ زيدًا، معناه: أمهله، وأرفق به (٥).\nقال النحويون: رويدًا في كلام العرب على ثلاثة أوجه:\nيكون اسمًا لفعل الأمر ينصب \"بها\"، لأنها جعلت بدلًا من اللفظ بالقول، كقولك: رويدًا زيدًا، تريد أرود زيدًا، أي خله ودعه، وارفق به (٦).\n_________\n(١) انظر: مادة: (مهل) في: \"تهذيب اللغة\" ٦/ ٣٢١، \"لسان العرب\" ١١/ ٣٦٦، \"تاج العروس\" ٨/ ١٢١.\n(٢) البيت للجموح الظفري.\n(٣) وقد ورد البيت في: \"تهذيب اللغة\" ١٤/ ١٦٢: مادة: (رود) غير منسوب براوية: \"فاتر\"؛ بدلًا من: \"ثمل\"، \"لسان العرب\" ٣/ ١٨٩: مادة: (رود) غير منسوب برواية: \"تكاد لا تَثْلِم البطحاء وطأتُها\"، كما ما ورد في حاشية \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ١٣، حاشية ٣: معزوًا، وبمثل ما جاء في اللسان، وورد في \"معجم شواهد العربية\" لعبد السلام هارون: ١٢١، ونسبه إلى الجموح الظفري، كتاب \"حروف المعاني\" للزجاجي: ٩: رقم: ٣٥.\n(٤) ورد قول أبي عبيدة في: \"تهذيب اللغة\" ١٤/ ١٦٢: مادة: (رود)، \"التفسير الكبير\" ٣١/ ١٣٤ إلا أنه عزاه إلى أبي عبيدة، \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ١٢، \"لسان العرب\" ٣/ ٨٩: مادة: (رود).\n(٥) الإيضاح العضُدي: لأبي علي الفارسي: ١٦٣، وانظر: \"التفسير الكبير\" ٣١/ ٣٤.\n(٦) انظر: \"شرح المفصل\" لابن يعيش ٤/ ٣٩ - ٤١، \"حروف المعاني\" للزجاجي: ٩.","vol":"23","page":423},{"text":"ومن هذا ما ذكره سيبوبه (سماعًا عن العرب: رويد الشعر يَغِبَّ، قال: يريدون: أرُوِدْ الشعر، كما تقول: دَع الشعر، وأنشد (١):\nرُوَيدًا عَلِيُّا جُدَّ ما ثَدْيُ أمِّهِم (٢) ... إلينا ولكن وُدُّهُم مُتَمايِنُ (٣) (٤)\nولا ينصرف \"رويد\" في هذا الوجه؛ لأنها غير متمكنة.\nالوجه الثاني: أن تكون بمنزلة سَائر المصادر، فتضاف (٥) إلى ما بعدها كما تضاف المصَادر، تقول: رويد زيد، كما تقول: ضرْب زيدٍ، قال الله ﷿: ﴿فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ [محمد: ٤].\nالوجه الثالث: أن يكون نعتًا منصوبًا كقولك: سَاروا سَيْرًا (٦) رويدًا\n_________\n(١) البيت للهذلي، كذا قال شارح المفصل.\n(٢) في (ع): لعهم.\n(٣) في (أ)، و(ع): متماني.\n(٤) ورد البيت في: \"ديوان الهذليين\" ٣/ ٤٦: برواية \"رويدَ\"، \"كتاب سيبويه\" ١/ ٢٤٣ برواية: \"ولكن بُغْضُهُم\" بدلًا من \"وُدُدهم\"، \"تهذيب اللغة\" ١٠/ ٤٦٠: مادة: (جد)، ج: ١٤/ ١٦٢: مادة (ورد)، ج: ١٥/ ٥٢٩: مادة (مين)، \"لسان العرب\" ٣/ ١١١: مادة: (جد)، برواية \"أمِّهِ\" بدلًا من: \"أمهم\"، و\"متنابز\" بدلًا من: \"متماين\"، وج: ١٣/ ٤٢٦: مادة: (مين).\nومعنى البيت: أن عليا قبيلة من كنانة، كأنها قال: رويدك عليًا أي أرْود بهم وارفق بهم. ثم قال: جُدَّ ثَدْىُ أُمهم إلينا، أي بيننا وبينهم خؤولة، ورَحم، وقرابة من قبل أُمِّهم، فهم منقطعون إلينا بها، وإن كان في ودهم مَيْنٌ: أي كذب، وملق. \"شرح المفصل\" ٤/ ٤٠.\nوالشاهد: نصب \"علي\" بـ\"رويد\"، لأن رويدًا بدل من قولك: أرود، ومعناه أمهل. \"شرح المفصل\" المرجع السابق.\n(٥) في (أ): (ومضاف).\n(٦) في (أ): يسيرًا.","vol":"23","page":424},{"text":"ويقولون \"أيضًا\" (١): سَاروا رُوَيْدًا. يحذفون المنعوت، ويقيمون \"رويدًا\" مقامه، كما يفعلون بسائر النعوت المتمكنة. (و) (٢) من ذلك قول العرب: ضَعْهُ رُوَيْدًا، أي وضعًا رُوَيْدًا. وتقول للرجل (٣) يعالج الشيء: رويدًا، إنما تريد أن تقول: علاجًا رُوَيْدًا، ويجوز في هذا الوجه أمران:\nأحدهما: أن يكون رويدًا حالًا.\nوالثاني: أن يكون نعتًا. (فإن أظهرت المنعوت لم يجز أن يكون للحال) (٤).\nوالذي في الآية (هو) (٥) ما ذكرنا في الوجه الثالث، لأنه يجوز أن يكون نعتًا للمصدر كأنه قيل: إمهالًا رويدًا، ويجوز أن يكون للحال، أي أمهلهم غير مستعجل مستأنيًا بهم (٦).\nفهذا بعض ما قيل في هذه الكلمة، وشرحها يطول.\n_________\n(١) ما بين القوسين المزدوجين ساقط من (أ).\n(٢) ما بين القوسين المزدوجين ساقط من (أ).\n(٣) في أ: (للأجل).\n(٤) ما بين القوسين أي من قوله: ومن هذا ما ذكره سيبويه إلى: لم يجز أن يكون للحال نقله عن سيبويه من كتابه: ١/ ٢٤٣ - ٢٤٥، باختصار، وانظر قول سيبويه أيضًا في: \"تهذيب اللغة\" ١٤/ ١٦٢: مادة: (رود).\n(٥) ساقط من (أ).\n(٦) غير مقروءة.","vol":"23","page":425},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4977>سورة الأعلى</span>","vol":"23","page":427},{"text":"تفسير سورة الأعلى <span data-type=\"title\" id=toc-4978>(١)</span>\nبسم الله الرحمن الرحيم\n\n١ - ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ قال الفراء: \"سبح اسم ربك\"، و\" [فسبح] باسم ربك (٢)، كل ذلك قد جاء، وهو كلام العرب (٣). هذا كلامه، وكأنة جعلهما (٤) بمعنى واحد، وبينهما فرق؛ لأن معنى \"سبح باسم ربك\" نزه الله بذكر اسمه المنزه المنبئ (٥) عن تنزيهه وعلوه عما يقول الظالمون.\nو\"سبح اسم ربك\" (نزهه من السوء، وقيل: سبحان ربي الأعلى) (٦)،\n_________\n(١) مكية بإجماعهم، حكاها ابن الجوزي في \"زاد المسير\": ٨/ ٢٢٧، وانظر \"جامع البيان\": ٣٠/ ١٥١، \"بحر العلوم\": ٣/ ٤٦٩، \"الكشف والبيان\": ج ١٣: ٧٥/ أ، وذكر ابن عطية قولًا ضعفه، وهو ما حكاه النقاش عن الضحاك أنها مدنية. انظر: \"المحرر الوجيز\": ٥/ ٤٦٨.\n(٢) سورة الواقعة: ٧٤: ٩٦. قال تعالى ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾.\n(٣) \"معاني القرآن\": ٣/ ٢٥٦.\n(٤) في: أ: جعلها.\n(٥) في: أ: المنهي.\n(٦) ما بين القوسين من قول الزجاج في \"معاني القرآن وإعرابه\": ٥/ ٣١٥.","vol":"23","page":429},{"text":"وهذا معنى قول المفسرين (١)، وقد روى عن علي (٢)، وابن عباس (٣)، وابن الزبير (٤) (٥) -﵃- أنهم قرؤوا (قوله (٦): ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ فقالوا: سبحان ربي الأعلى، فإذا قلت: سبح باسم ربك، كان المعنى: سبح (بذكر اسمه، وإذا قلت: سبحان اسم ربك، كان المعنى سبح) (٧) ربك، لأن الاسم هو المسمى.\nقال صاحب النظم: قد احتج بهذا الفصل من يقول: إن الاسم، والمسمى واحد؛ لأن أحدًا لا يقول: سبحان (اسم) (٨) الله، وسبحان اسم\n_________\n(١) قال بذلك إضافة إلى ما ذكره الواحدي: ابن عمر، وقتادة، \"جامع البيان\": ٣٠/ ١٥١، وقال به أيضًا: الثعلبي في \"الكشف والبيان\" ج ١٣: ٧٦/ ب، وعزاه البغوي إلى جماعة من الصحابة والتابعين في \"معالم التنزيل\": ٤/ ٤٧٥. وذهب آخرون إلى أن معنى الآية: نزه يا محمد اسم ربك الأعلى أن تسمى به شيئًا سواه نحو ما قال المشركون عن آلهتهم: اللات، والعزى.\nوقال غيرهم: بل معنى ذلك: نزه الله عما يقول فيه المشركون.\nوقال بعضهم: نزه تسميتك يا محمد ربك الأعلى، وذكرك إياه أن نذكره إلا وأنت له خاشع متذلل.\nوقالوا أيضًا: صل بذكر ربك يا محمد.\nراجع ذلك في \"جامع البيان\": ٣٠/ ١٥١ - ١٥٢.\n(٢) \"جامع البيان\": ٣٠/ ١٥١، \"النكت والعيون\": ٦/ ٢٥٢، \"المحرر الوجيز\": ٥/ ٤٦٨.\n(٣) المراجع السابقة عدا المحرر.\n(٤) في: ع: زبير.\n(٥) \"المحرر الوجيز\": ٥/ ٤٦٨.\n(٦) ساقط من: أ.\n(٧) ما بين القوسين ساقط من: أ.\n(٨) ساقط من: أ.","vol":"23","page":430},{"text":"ربنا، فمعنى \"سبح اسم ربك\": سبح ربك، والرب أيضًا اسم، فلو كان غير المسمى لم يجز أن يقع التسبيح عليه (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4979>٢ </span>- قوله: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى﴾ قال عطاء: أحسن مَا خلق (٢). وقال الكلبي: خلق كل ذي روح، فجمع خلقه وسواه: اليدين، والعينين، والرجلين (٣).\nوقال مقاتل: خلق لكل دَابة مَا يصلح لها من الخلق (٤).\nوقال أبو إسحق: خلق الإنسان مستويًا (٥). وعلى هذا معنى: \"سوى\"\n_________\n(١) ورد قوله في \"الوسيط\": ٤/ ٤٦٩، وقد بين ابن تيمية أنه أمره بتسبيح ربه في كلا الآيتين: الواقعة، والأعلى، ولكن ليس أمر بصيغة معينة، فإذا قال: سبحان الله وبحمده، وسبحانك اللهم وبحمدك، فقد سبح ربه الأعلى والعظيم، فالله هو الأعلى، وهو العظيم، واسمه \"الله\" يتناول سائر الأسماء بطريق التضمن، وان كان التصريح بالعلو والعظمة ليس هو فيه، ففي اسم \"الله\" التصريح بالإلهية، واسمه \"الله\" أعظم من اسمه \"الرب\".\n\"مجموع الفتاوى\": ١٦/ ١١٧.\n(٢) ورد قوله في: \"شفاء العليل\" في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل: لابن قيم الجوزية: ١١٧ - ١١٨، وإحسان خلقه يتضمن تسويته، وتناسب خلقه وأجزائه؛ بحيث لم يحصل فيها تفاوت يخل بالتناسب والاعتدال، فالخلق: الإيجاد، والتسوية: إتقانه وإحسان خلْقه، قاله ابن قيم الجوزية: \"شفاء العليل\": ١١٨.\n(٣) \"معالم التنزيل\": ٤/ ٤٧٥، بنحوه، \"روح المعاني\": ٣٠/ ١٠٤، \"شفاء العليل\": ١١٨ وورد غير معزو في \"لباب التأويل\": ٤/ ٣٦٩.\n(٤) لم أعثر على قوله في تفسيره، ولا غيره من كتب التفسير، وقد ورد في: \"شفاء العليل\": ١١٨.\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\": ٥/ ٣١٥، وهذا القول من الزجاج على سبيل التمثيل، وإلا فالخلق والتسوية شامل للإنسان وغيره، قال تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا﴾ =","vol":"23","page":431},{"text":"عَدّل قامته (١).\n﴿وَالَّذِي قَدَّرَ﴾ وقرئ بالتخفيف (٢)، وهما بمعنى واحد (٣)، وقد ذكرناه (٤) في مواضع (٥).\nقال عطاء: قدر من النسل مَا أراد (٦). وقال مقاتل: قدر خلق الذكر\n_________\n= [الشمس: ٧]، ﴿فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ البقرة: ٢٩]، فالتسوية شاملة لجميع مخلوقاته، ﴿مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ﴾ [الملك: ٣] وما يوجد من التفاوت، وعدم التسوية، فهو راجع إلى عدم إعطاء التسوية للمخلوق، فإن التسوية أمر وجودي تتعلق بالتأثير والإبداع، فما عُدم منها فالعدم بإرادة الخالق بالتسوية، وذلك أمر عَدَمي يكفي فيها عدم الإبداع والتأثير، ففي قوله: ﴿مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ﴾ التفاوت حاصل بسبب عدم مشيئة التسوية، كما أن الجهل، والصمم، والعمى، والخرس، والبكم يكفي فيها عدم مشيئة خلْقها وإيجادها، والمقصود أن كل مخلوق فقد سواه خلقه سبحانه في مرتبة خلقه، وإن فاتته التسوية من وجه آخر لم يخلق له. قاله ابن قيم الجوزية في: \"شفاء العليل\": ١١٨.\n(١) ما مضى من الأقوال داخله في المرتبة الأولى من مراتب الهداية، وهي الهداية العامة؛ هداية كل نفس إلى مصالح معاشها وما يقيمها، المتضمنة أربعة أمور عامة وهي: الخلق، التسوية، التقدير، الهداية: \"شفاء العليل\": ١١٧.\n(٢) قرأ بذلك: الكسائي وحده: \"قدَرَ\" خفيفًا، وقرأ الباقون: ﴿وَالَّذِي قَدَّرَ﴾ مشددة. انظر: كتاب \"السبعة\": ٦٨٠، \"القراءات وعلل النحويين فيها\": ٢/ ٧٦٧، و\"الحجة\": ٦/ ٣٩٨، \"المبسوط\": ٤٠٥، \"النشر\": ٢/ ٣٩٩، \"الوافي\": ٣٧٩.\n(٣) أي قَدَر، وقَدِّر. فكلا الوجهين حسن. قاله أبو علي: \"الحجة\": ٦/ ٣٩٨.\n(٤) في: ع: ذكرنا.\n(٥) المواضع التي ذكر فيها ﴿قُدِرَ﴾: سورة فصلت: ١٠: قال تعالى: ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾: سورة المدثر: ١٨ - ٢٠ قال تعالى: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (١٨) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (١٩) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾.\n(٦) \"شفاء العليل\": ١١٨، بإضافة: ثم هدى الذكر للأنثى.","vol":"23","page":432},{"text":"والأنثى من الدواب (١).\n﴿فَهَدَى﴾. الذكر، والأنثى كيف يأتيها، وهو قول ابن عباس (٢)، (والكلبي) (٣) (٤).\nقال عطاء: مثل قوله: ﴿أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ (٥) يريد الذكر والأنثى (٦).\nواختاره صاحب النظم، قال: معنى هذا (٧) هداية الذكر لإتيان الأنثى كيف يأتيها؛ لأن إتيان ذكران الحيوان مختلف لاختلاف الصور والخلق، والهيآت، فلولا أنه ﷿ جعل كل ذكر على معرفته (٨) كيف يأتي أنثى جنسه لما اهتدى لذلك (٩).\nوذكر مقاتل قولًا آخر فقال: هداه لمعيشته ومرعَاه (١٠). وقال مجاهد:\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\": ٢٣٧/ ب، \"شفاء العليل\": ١١٨، وانظر \"الوسيط\": ٣/ ٤٧٠ وعزاه إلى المفسرين.\n(٢) \"الجامع لأحكام القرآن\": ٢٠/ ١٥، \"شفاء العليل\": ١١٨.\n(٣) \"الكشف والبيان\": ج: ١٣: ٧٧/ أ، \"معالم التنزيل\": ٤/ ٤٧٥، \"المحرر الوجيز\": ٥/ ٤٦٩ بمعناه، \"الجامع لأحكام القرآن\": ٢٠/ ١٥، \"شفاء العليل\": ١١٨.\n(٤) ساقط من: أ.\n(٥) سورة طه: ٥٠.\n(٦) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٧) في: ع: هذي.\n(٨) في: ع: معرفة.\n(٩) \"الوسيط\": ٤/ ٤٧٠، \"شفاء العليل\": ١١٨.\n(١٠) \"شفاء العليل\": ١١٨، \"التفسير الكبير\": ٣١/ ١٤٠ من غير عزو، ولم أعثر على قوله في تفسيره.","vol":"23","page":433},{"text":"هدى الإنسان لسبيل الخير، والشر، والسعادة (١)، والشقاوة (٢). وقال السدي: قدر مُدة الجنين في الرحم، ثم هدى للخروج (٣).\nوقال الفراء: قدر فهدى وأضل، واكتفى من ذكر الضلال بالهدى (٤) لكثرة ما يكون معه (٥).\n_________\n(١) بياض في: ع.\n(٢) ورد معنى قوله في: \"تفسير الإمام مجاهد\": ٧٢٢، \"جامع البيان\": ٣٠/ ١٥٢، \"الكشف والبيان\" -ج: ١٣: ٧٧/ أ، \"النكت والعيون\": ٦/ ٢٥٢، وبمثل قوله ورد في \"معالم التنزيل\": ٤/ ٤٧٥، \"زاد المسير\": ٨/ ٢٢٨، \"التفسير الكبير\": ٣١/ ١٤٠ من غير عزو، \"الجامع لأحكام القرآن\": ٢٠/ ١٥ بنحوه، \"تفسير القرآن العظيم\": ٤/ ٥٣٤ بمعناه، \"الدر المنثور\": ٨/ ٤٨٢ وعزاه أيضًا إلى الفريابي، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وانظر \"شفاء العليل\": ١١٨.\n(٣) ورد معنى قوله في \"معالم التنزيل\": ٤/ ٤٧٥، \"زاد المسير\": ٨/ ٢٢٨، \"الجامع لأحكام القرآن\": ٢٠/ ٢٦، \"روح المعاني\": ٣٠/ ١٠٤، \"شفاء العليل\": ١١٨.\n(٤) في: أ: الهدا.\n(٥) \"معاني القرآن\": ٣/ ٢٥٦ بنصه.\nوالآية أعم من هذا كله، وأضعف الأقوال فيها قول الفراء، إذ المراد: هاهنا: الهداية العامة لمصالح الحيوان في معاشه، وليس المراد به الإيمان والضلال بمشيئة، وهو نظير قوله: ﴿رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ طه: ٥٠، فإعطاء الخلق إيجاده في الخارج، والهداية: التعليم، والدلالة على سبيل بقائه وما يحفظه ويقيمه، وما ذكر مجاهد فهو تمثيل منه لا تفسير مطابق للآية، فإن الآية شاملة لهداية الحيوان كله: ناطقه، وبهيمة، وطيره، ودوابه، فصيحه، وأعجمه، وكذلك قول من قال: إنه هداية الذكر لإتيان الأنثى تمثيل أيضًا، وهو فردٌ واحدٌ من أفراد الهداية إلى التقام الثدي عند خروجه من بطن أمه، والهداية إلى معرفته أمه دون غيرها حتى يتبعها أين ذهبت، والهداية إلى قصد ما ينفعه من المرعى دون ما يضره منه. قاله ابن قيم الجوزية \"شفاء العليل\": ١١٩.\nوقال الشيخ السعدي: وهذه هي الهداية العامة التي مضمونها أنه هدى كل مخلوق لمصلحته. تيسير الكريم الرحمن: ٥/ ٤٠٣.","vol":"23","page":434},{"text":"قوله (تعالى) (١): ﴿وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى﴾ أنبت العشب، وما ترعَاه السوائم. ﴿فَجَعَلَهُ﴾ (٢) بعد الخضرة. ﴿غُثَاءً﴾ هشيما جافًا كالغثاء الذي تراه فوق السيل. قال المبرد: الغثاء: مَا تحطم من يبس البقل يأتي به السيل فيقذفه على جانب الوادي (٣). قال الكلبي: غثاء يبيسًا (٤). وقال مقاتل: يابسًا (٥). وقوله (٦) (تعالي) (٧): ﴿أَحْوَى﴾.\nفيه وجهان أحدهما: أنه من نعت الغثاء، والمعنى فجعله يابسًا أسود بعد الخضرة.\nقال عطاء: يريد بعد الخضرة والحسن صَار متغيرًا إلى السواد (٨). وقال الكلبي: حال عليه الحول فاسودّ (٩). وقال مقاتل: يعني باليًا بعد الخضرة (١٠). هذا مذهب المفسرين (١١)، وذلك أن الرطب إذا جف يبس\n_________\n(١) بياض من: ع: ٥\n(٢) ﴿فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى﴾.\n(٣) لم أعثر على مصدر لقوله، والذي ورد عنه في الكامل، قال: فالغثاء ما يَبسَ من البقل حتى يصير حُطامًا، وينتهي في اليبس فيسودّ، فيقال له: غثاء، وهشيم، ودِنْدِن، وثن على قدر اختلاف أجناسه: ١/ ١١٣.\n(٤) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٥) \"تفسير مقاتل\": ٢٣٧/ ب.\n(٦) في: أ: قوله.\n(٧) ساقط من: ع.\n(٨) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٩) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(١٠) ورد معنى قوله في \"تفسير مقاتل\": ٢٣٧/ ب.\n(١١) وإلى معنى هذا ذهب قتادة، ومجاهد، وابن زيد، وابن عباس. \"تفسير عبد الرزاق\": ٢/ ٣٦٧ \"جامع البيان\": ٣٠/ ١٥٣. =","vol":"23","page":435},{"text":"واسودّ كما قال (١):\nربع الخمائل في الدرين الأسود (٢)\nوذكر أبو عبيدة (٣)، والفراء (٤)، (والمبرد (٥)، والزجاج) (٦) (٧)، وأبو علي (٨) وجهًا آخر، وهو أن ﴿أَحْوَى﴾ في موضع نصب حال من المرعى، المعنى: الذي أخرج المرعى أحوى، أي أخضر يضرب إلى الحوَّهَ ﴿فَجَعَلَهُ غُثَاءً﴾، وأحوى على هذا صفة للمرعى، والمعنى أسودّ من الري لشدة الخضرة كقوله: ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٦٤]، وقد مر (٩). والحوّة:\n_________\n= وإليه ذهب ابن قتيبة في: \"تفسير غريب القرآن\": ٥٢٤، وانظر: \"معالم التنزيل\": ٤/ ٤٧٦، \"الجامع لأحكام القرآن\": ٢٠/ ١٧، \"لباب التأويل\": ٤/ ٣٧٠.\nكما ذهب إلى ذلك الفراء في \"معاني القرآن\": ٣/ ٢٥٦، وأبو عبيدة في \"مجاز القرآن\": ٢/ ٢٩٥\n(١) لم أعثر على قائله.\n(٢) لم أعثر على مصادر له.\n(٣) \"مجاز القرآن\": ٢/ ٢٩٥، وقد ذكر الوجهين، قال: فجعله [[غثاء أحوى]] هيجه حتى يبس فجعله أسود من احتراقه غثاء هشيمًا، وهو في موضع آخر: من شدة خضرته، وكثرة مائه يقال له أحوى.\n(٤) \"معاني القرآن\": ٣/ ٢٥٦، وذكر الوجهين أيضًا، وقال: الأحوى الذي قد أسودّ عن العتق، ويكون أيضًا أخرج المرعى أحوى فجعلة غثاء، فيكون مؤخرًا معناه التقديم.\n(٥) \"الكامل\": ١/ ٣٠٥، واستدل في الآية لمن قال في السواد، ثم قال: وإنما سمي السواد سوادًا لعِمارتِهِ، وكل خضرة عند العرب سواد.\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه\": ٥/ ٣١٥.\n(٧) ما بين القوسين ساقط من: أ.\n(٨) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٩) ومما جاء في تفسير قوله: ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾: قال أبو عبيدة: في خضرتهما قد اسودتا =","vol":"23","page":436},{"text":"السواد، قال ذو الرمة:\nلَمياءُ في شَفَتَيْها حُوَّةٌ لَعَسٌ ... وفي اللثَّاتِ (١) وفي أنيابِها شَنَبُ (٢)\n(قوله تعالى) (٣):\n_________\n= من الري، قال أبو إسحق: وكل نبت أخضر فتمام خضرته وريه أن يضرب إلى السواد، ومعنى الدهمة في كلام العرب السواد. قال الليث: أدهام الزرع إذ علاه السواد ريًا.\nقال ابن عباس: شديد الخضرة إلى السواد. وقال الكلبي: خضراوان قد كلاهما سواد من شدة الخضرة والري، والأصل في ذلك أن الخضرة إذا اشتدت ضربت إلى السواد، سمت العرب الأخضر أسود، والأسود أخضر.\nوالوجه الثاني: رده الطبري، قال: وهذا القول، وإن كان غير مدفوع أن يكون ما اشتدت خضرته من النبات، قد تسميه العرب أسود، غير صواب عندي، بخلافه تأويل أهل التأويل في أن الحرف إنما يحتال لمعناه المخرج بالتقديم والتأخير إذ لم يكن له وجه مفهوم إلا بتقديمه عن موضعه، أو تأخيره، فأما وله في موضعه وجه صحيح فلا وجه لطلب الاحتيال لمعناه بالتقديم والتأخير. \"جامع البيان\" - ٣٠/ ١٥٣.\n(١) في: أ: الثات.\n(٢) ورد البيت في ديوانه: ١/ ٣٢، \"تهذيب اللغة\": ٥/ ٢٩٣: مادة: (حوى)، \"لسان العرب\": ١/ ٥٠٧: مادة: (شنب)، \"النكت والعيون\": ٦/ ٢٥٣، \"الجامع لأحكام القرآن\": ٢٠/ ١٧، وقد نسبه إلى الأعشى وهو خطأ، \"فتح القدير\": ٥/ ٤٢٣، \"روح المعاني\": ٣٠/ ١٠٤، \"البحر المحيط\": ٨/ ٤٥٧، ومعنى البيت قال الأزهري: والحوَّه في الشفاه شبيه باللمى واللمس، براوية \"لمس\" بدلًا من \"لعس\"، والشنب: اختلفوا فيه، قال بعضهم: هو تحزيز أطراف الأسنان، وقيل: هو صفاؤها ونقاؤها، وقيل: هو تفليجها، وقيل: هو طيب نكهتها.\nانظر \"تهذيب اللغة\": ٥/ ٢٩٣: مادة: (حوى)، \"لسان العرب\": ١/ ٥٠٧: مادة: (شنب).\n(٣) ساقط من: ع.","vol":"23","page":437},{"text":"﴿سَنُقْرِئُكَ﴾ (١) أي سنجعلك قارئًا بأن نلهمك القراءة.\n﴿فَلَا تَنْسَى﴾ ما تقرأه. والمعنى: نجعلك قارئًا للقرآن تقرأه فلا تنساه. قال أبو إسحق: أعلم الله أنه سيجعل للنبي -ﷺ- آية يتبين له بها الفَضْيلة (٢)، وهي أن ينزل عليه جبريل حتى يقريه، فيقرأ، ولا ينسى شيئًا من ذلك، وهو أمي لا يكتب كتابًا ولا يقرؤه (٣)، وهذا معنى قول قتادة (٤).\nوقال مجاهد (٥)، ومقاتل (٦)، (والكلبي) (٧) (٨) كان النبي -ﷺ- إذا نزل عليه القرآن أكثر تحريك لسَانه، مخافة أن ينسى، وكان لا يفرغ جبريل من\n_________\n(١) ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى﴾.\n(٢) الفضيلة: هكذا وردت في \"معاني القرآن وإعرابه\": مخطوط: ٢٩/ ب، ووردت في المطبوع الفضلية: ٥: ٣١٥، ولعله خطأ مطبعي.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\": ٥/ ٣١٥ - ٣١٦ بتصرف.\n(٤) وعن قتادة قال: كان الله ينسى نبيه -ﷺ- ما يشاء، وعنه أيضًا كان -ﷺ- لا ينسى شيئًا إلا ما شاء الله.\nانظر \"تفسير عبد الرزاق\": ٢/ ٣٦٧، \"جامع البيان\": ٣٠/ ١٥٤، \"الكشف والبيان\": ج ١٣: ٧٧/ أ، \"النكت والعيون\": ٦/ ٢٥٣، \"المحرر الوجيز\": ٥/ ٤٦٩، \"البحر المحيط\": ٨/ ٤٥٨.\n(٥) \"الكشف والبيان\": ج ١٣: ٧٧/ أ، \"معالم التنزيل\": ٤/ ٤٧٦، \"التفسير الكبير\". ٣١/ ١٤٢، \"الجامع لأحكام القرآن\": ٢٠/ ١٨، \"لباب التأويل\": ٤/ ٣٧٠ من غير عزو، \"فتح القدير\": ٥/ ٤٢٤.\n(٦) \"تفسير مقاتل\": ٢٣٧/ ب، \"التفسير الكبير\": ٣١/ ١٤٢، وورد بمثله من غير نسبة في \"لباب التأويل\": ٤/ ٣٧٠.\n(٧) المرجعان السابقان، بإضافة: الكشف ج: ١٣: ٧٧/ أ، \"معالم التنزيل\": ٤/ ٤٧٦، \"الجامع لأحكام القرآن\": ٢٠/ ١٨، \"فتح القدير\": ٥/ ٤٢٤.\n(٨) ساقط من: أ.","vol":"23","page":438},{"text":"آخر الوحي حتى يتكلم (١) هو بأوله مخافة النسيان، فقال الله تعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى﴾ أي سنعلمك فتحفظه، وهذا كقوله: ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى (٢) إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾ [طه: ١٦]، وقوله: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ (٣) [القيامة:١٦].\nقوله (تعالى) (٤): ﴿إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ (٥).\nقال عطاء عن ابن عباس: إلا مَا شاء الله أن ينسيَك (٦). ونحوه قال مقاتل: إلا مَا شاء الله أن تنسى منه (٧). وعلى هذا معنى الاستثناء يعود إلى مَا ينسيه الله بنسخه من رفع حكمه (٨) وتلاوته، كما قال ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦]، والإنساء (٩) نوع من النسخ، (وهذا معنى قول الحسن (١٠)، وقتادة) (١١) (١٢).\n_________\n(١) بياض في: ع.\n(٢) قوله أن يقضي: بياض في: ع.\n(٣) بياض في: ع.\n(٤) ساقط من: ع.\n(٥) ﴿إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى﴾.\n(٦) \"البحر المحيط\": ٨/ ٤٥٨ - ٤٥٩، \"الدر المنثور\": ٨/ ٤٨٣، وعزاه إلى ابن المنذر، وابن أبي حاتم.\n(٧) \"التفسير الكبير\": ٣١/ ١٤٣، والذي ورد عنه في تفسيره: ٢٣٧/ ب قال: يعني ما شاء الله فينسخها وباتي بخير منها.\n(٨) في: أ: حكمته.\n(٩) في: أ: الإنسان.\n(١٠) \"النكت والعيون\": ٦/ ٢٥٣، \"المحرر الوجيز\": ٥/ ٤٦٩، \"زاد المسير\": ٨/ ٢٢٩، \"البحر المحيط\": ٨/ ٤٥٨، وانظر \"تفسير الحسن البصري\": ٢/ ٤١٢.\n(١١) المراجع السابقة عدا تفسير الحسن.\n(١٢) ما بين القوسين ساقط من: أ.","vol":"23","page":439},{"text":"وقال الكلبي - ﴿إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ استثناء منه، وله الاستثناء في كل شيء، ولم ينس بعد نزول هذه الآية شيئا (١) واختاره الفراء، فقال: لم يشأ أن ينسى شيئًا (٢) وهو كقوله ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ (٣) ولا يشاء، وأنت قائل في الكلام لأعطينك كل مَا سَألت إلا مَا شئت، وإلا أن أشاء أن أمنعك، والنية أن لا تمنعه، وعلى هذا مجاري الأيمان يستثنى فيها ونية الحالف (٤)\nقال أبو إسحق: إلا مَا شاء الله، ثم يَذْكُره بعد (٥).\nيعني أنه قد ينسى مَا شاء الله، ثم يَذْكُر بعد ما قد نسيه، ولا ينسى نسيانًا كليًا.\nوقوله (٦) (تعالى) (٧): ﴿إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ﴾ أي من القول، والفعل (٨). ﴿وَمَا يَخْفَى﴾ منهما. والمعنى يعلم العلانية، والسر. وهذا يتصل بما قبله على معنى يعلم ما تجهر به يا محمد مما تقرؤه على جبريل، ويعلم ما تخفيه في نفسك من القراءة مخافة النسيان (٩).\n_________\n(١) ورد معنى قوله في \"التفسير الكبير\": ٣١/ ١٤٢.\n(٢) من قوله: واختار إلى شيئا: كرر في نسخه: أ.\n(٣) سورة هود: ١٠٧ - ١٠٨.\n(٤) \"معاني القرآن\": ٣/ ٢٥٦ بنحوه. وفيه الحالف التمام.\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\": ٥/ ٣١٦ مختصرًا.\n(٦) في: أ: قوله.\n(٧) ساقط من: ع.\n(٨) هذا من قول الثعلبي في \"الكشف والبيان\": ج ١٣: ٧٧/ ب.\n(٩) ورد هذا القول في \"الكشف والبيان\": ج ١٣: ٧٧/ ب.","vol":"23","page":440},{"text":"وكثير من المفسرين (١) قالوا: هذا ابتداء كلام آخر معترض بين قوله: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى﴾\nوقوله (٢) (تعالى) (٣): ﴿وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى﴾ قال عطاء: نيسرك يا محمد في جميع أمورك لليسرى (٤).\nوقال مقاتل: نهون عليك عمل الجنة (٥)، وهو معنى قول ابن عباس: نيسرك لأن تعمل خيرًا، واليسرى عمل الخير (٦).\nوروي عن ابن مسعود أنه قال: اليسرى الجنة (٧)، والمعنى على هذا: نيسرك للعمل المؤدي إليها.\nوذُكر قولان آخران: أحدهما: نهون عليك الوحي، وتحفظه، وتعمله (٨)، وتعمل به (٩). والآخر: نوفقك للشريعة اليسرى هى الحنيفة\n_________\n(١) منهم قتادة، قال: الوسوسة. \"تفسير عبد الرزاق\": ٢/ ٣٦٧، ولم أعثر على غيره ممن قال بذلك.\nوذهب إلى القول بعموم معنى الآية: الطبري في \"جامع البيان\": ٣٠/ ١٥٤، وسعيد بن جبير كما في \"الدر المنثور\": ٨/ ٤٨٤، والشوكاني في \"فتح القدير\": ٥/ ٤٢٤.\n(٢) في: أ: قوله.\n(٣) ساقط من: ع.\n(٤) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٥) \"معالم التنزيل\": ٤/ ٤٧٦، \"فتح القدير\": ٥/ ٤٢٤.\n(٦) \"النكت والعيون\": ٦/ ٢٥٤، \"معالم التنزيل\": ٤/ ٤٧٦، \"الجامع لأحكام القرآن\": ٢٠/ ١٩، \"الدر المنثور\": ٨/ ٤٨٤، وعزاه إلى ابن أبي حاتم.\n(٧) \"النكت والعيون\": ٦/ ٢٥٤، \"التفسير الكبير\": ٣١/ ١٤٤، \"الجامع لأحكام القرآن\": ٢٠/ ١٩.\n(٨) تعمله: كررت في نسخه: أ.\n(٩) \"فتح القدير\": ٥/ ٤٢٤، وبمثله من غير عزو ورد في \"معالم التنزيل\": ٤/ ٤٧٦، =","vol":"23","page":441},{"text":"السمحة (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4980>٩ </span>- (قوله تعالى) (٢): ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ أي: عظ يا محمد أهل مكة بالقرآن إن نفعت الموعظة والتذكير. قال صاحب النظم: وهذا الشرط غير معزوم عليه، ولا محتوم؛ لأن التذكير قد كان في بعض الأوقات غير نافع، والأمر به واقع في كل وقت؛ نفع أو لم ينفع، قال: وهذا كقوله: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٣٠]، فقوله: \"إن ظنا\" شرطًا لإطلاق المراجعة، ولو كان محتومًا (٣) لما جاز أن تراجع حتى يظن أن يقيم حدود الله (٤). هذا كلامه.\nومعنى الشرط -هاهنا-: إن الله تعالى علم أن التذكير نافع في بعض الأوقات، وهو تذكير من يتذكر ويتعظ، وعلم أنه لا ينفع المستكبر المصرّ، فنصّ على ذكر إحدى الحالتين، وهو مضمنة بالحالة الثانية، على معنى: إن نفعت الذكرى أو لم تنفع، لأن النبي -ﷺ- بُعث مبلغًا للإعذار (٥) والإنذار، فعليه التذكير في كل حَال؛ نفع أو لم ينفع، ولم تذكر الحَالة\n_________\n= \"التفسير الكبير\": ٣١/ ١٤٤، \"الجامع لأحكام القرآن\": ٢٠/ ١٩.\n(١) ورد هذا القول من غير عزو في المراجع السابقة، وقال الشوكاني: الأولى حمل الآية على العموم أي: نوفقك للطريقة اليسرى في الدين والدنيا في كل أمر من أمورهما التي تتوجه إليك. \"فتح القدير\": ٥/ ٤٢٤.\n(٢) ساقط من: ع.\n(٣) في: أ: حوا.\n(٤) لم أعثر على مصدر لقوله، وقد ورد مختصرًا جدًا في \"الجامع لأحكام القرآن\": ٢٠/ ٢٠، \"البحر المحيط\": ٨/ ٤٥٨، \"فتح القدير\": ٥/ ٤٢٤.\n(٥) في: أ: للاعتذار.","vol":"23","page":442},{"text":"الثانية كقوله: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ (١).\n(وله نظائر كثيرة في التنزيل (٢» (٣)، وكلام العرب (٤)، وقد نبه الله -تعالى- على تفصيل الحالتين-\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4981>١٠ </span>- قوله (٥): ﴿سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى﴾ سيتعظ بالقرآن من يخشى الله. قال عطاء: يريد (٦) عثمان (٧) بن عفان. وقال الفراء: أنزلت في ابن أم مكتوم (٨).\n_________\n(١) سورة النحل: ٨١، بمعنى أنه أراد الحر والبرد جميعًا.\n(٢) كقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ﴾ ق: ٤٥.\nوكقوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾: الأعلى: ٩.\nوقوله تعالى: ﴿وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ البقرة: ١٧٢.\nوقوله: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ﴾. النساء: ١٠١. فإن القصر جائز عند الخوف وعدمه.\nاستخراج بعض الآيات مستفاد من \"فتح القدير\": ٥/ ٤٢٤.\n(٣) ما بين القوسين ساقط من: أ.\n(٤) كقول الشاعر:\nلقد أسمعت لو ناديت حيًا ... ولكن لا حياة لمن تنادي\nوكما تقول لرجل: قل لفلان، وأعد له إن سمعك. إنما هو توبيخ المشار إليه، وإعلام أنه لم يسمع. انظر \"المحرر الوجيز\": ٥/ ٤٧٠، \"البحر المحيط\": ٨/ ٤٥٩.\n(٥) بياض في: ع\n(٦) في: أ: عثمن.\n(٧) لم أعثر على مصدر لقوله، وقد ورد بمثل قوله من غير عزو في \"التفسير الكبير\": ٣١/ ١٤٦.\n(٨) لم أعثر على مصدر لقوله، وقد ورد هذا القول عن أبي صالح عن ابن عباس قال: نزلت في ابن أم مكتوم، \"الجامع لأحكام القرآن\": ٢٠/ ٢٠.","vol":"23","page":443},{"text":"﴿وَيَتَجَنَّبُهَا﴾ (١) يعني: ويتجنب الذكرى، قاله الفراء (٢)، والزجاج (٣) (٤).\n(قوله تعالى) (٥): ﴿الأشقى﴾ يعني: ﴿الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى﴾ قال عطاء: يريد العظيمة، الفظيعة (٦) (٧). قال: مقاتل: لأنها أعظم وأشد حرًا من نار الدنيا (٨). وقال الكلبي: هي النار السفلى (٩). يعني أن نار تلك الطبقة التي هي الدرك الأسفل أعظم وأشد حرًا.\n﴿ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا﴾ (١٠) فيستريح. ﴿وَلَا يَحْيَى﴾ حياة تنفعه. قال مقاتل: قال: ونزلت هذه الآيات في: الوليد، وعتبة، وأمية (١١).\n(قوله تعالى) (١٢): ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ قال عطاء عن ابن عباس: يريد\n_________\n(١) ﴿وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى﴾.\n(٢) \"معاني القرآن\": ٣/ ٣٥٦.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\": ٥/ ٣١٦.\n(٤) في: ع: الزجاج والفراء.\n(٥) ما بين القوسين ساقط في: أ.\n(٦) في: أ: المطيعة.\n(٧) لم أعثر على مصدر لقوله، وقد ورد بمثله من غير عزو في \"معالم التنزيل\": ٤/ ٤٧٦، \"زاد المسير\": ٨/ ٢٣٠، \"لباب التأويل\": ٤/ ٣٧٠، \"فتح القدير\": ٥/ ٤٢٥.\n(٨) بمعناه في \"تفسير مقاتل\": ٢٣٧/ ب، وقد ورد بمثله من غير عزو، انظر: المراجع السابقة.\n(٩) لم أعثر على مصدر لقوله، وقد ورد بمثله من غير عزو في \"المحرر الوجيز\": ٥/ ٤٧٠، وقد ورد بمعناه عن الفراء في \"معاني القرآن\": ٣/ ٢٥٦.\n(١٠) ﴿ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى﴾.\n(١١) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(١٢) ساقط من: ع.","vol":"23","page":444},{"text":"عثمان بن عفان (١). ومعنى (﴿تَزَكَّى﴾ (٢).\nقال: لا إله إلا الله (٣). ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ﴾ (٤) قال: ذكر معاده، وموقفه بين يدي الله فصلى (٥).\nوالمعنى على هذا: قد أفلح من تطهير من الشرك، وذكر ربه بالخوف والخشية، فعبده وصلى (له) (٦)، يعني (٧): الصلوات الخمس (٨)، (ونحو هذا روى جابرًا مرفوعًا) (٩) (١٠).\n_________\n(١) لم أعثر على مصدر لقوله، غير أنه ورد بمثل قوله عن عطاء في \"الجامع لأحكام القرآن\": ٢٠/ ٢٢، وعن الضحاك: أنها نزلت في أبي بكر، انظر: \"النكت والعيون\": ٦/ ٢٥٥، و\"الجامع لأحكام القرآن\": ٢٠/ ٢٢.\n(٢) ساقط من: ع.\n(٣) قال بذلك ابن عباس عن طريق سعيد بن جبير في \"معالم التنزيل\": ٤/ ٤٨٦، و\"التفسير الكبير\" ٣١/ ١٤٨، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٢٢، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٤٨٤، وعزاه إلى البيهقي في \"الأسماء والصفات\"، وقد قال بذلك أيضًا عكرمة في \"جامع البيان\" ٣٠/ ١٥٦.\n(٤) ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾.\n(٥) قال بذلك ابن عباس من طريق عطاء. انظر قوله في \"الكشاف\": ٤/ ٢٠٥، \"البحر المحيط\" ٨/ ٤٦٠، \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٤٣٥، \"الدر المنثور\" ٨/ ٤٨٤، وعزاه إلى ابن المنذر، وابن جرير، وابن أبي حاتم.\n(٦) ساقط من: أ.\n(٧) في: أ: المعنى.\n(٨) وهو قول ابن عباس: \"جامع البيان\" ٣٠/ ١٥٧، \"النكت والعيون\" ٦/ ٢٥٥، \"زاد المسير\" ٨/ ٢٣٠.\n(٩) ما بين القوسين ساقط من: أ.\n(١٠) سلسلة الإسناد كما جاءت عن البزار كالآتي:\nوقال الحافظ أبو بكر البزار حدثنا عباد بن أحمد العرزمي، حدثنا عمي محمد بن عبد الرحمن عن أبيه عن عطاء بن السائب عن عبد الرحمن بن سابط عن جابر بن =","vol":"23","page":445},{"text":"وقال الحسن: أفلح من كان عمله زاكيًا (١)، وعمل صالحًا (٢)، وهو قول قتادة (٣)، قال أبو إسحاق: معنى تزكى تكثر بتقوى الله، ومعنى الزاكي: النامي (٤) الكثير (٥).\nوجماعة (من) (٦) المفسرين يحملون (٧) الآيتين على زكاة (٨) الفطر، وصلاة العيد.\n_________\n= عبد الله عن النبي -ﷺ- قال: \"قد أفلح من تزكى\" قال: من شهد أن لا إله إلا الله وخلع الأنداد، وشهد أني رسول الله، وذكر اسم ربه فصلى) قال: هي الصلوات الخمس، والمحافظة عليها، والاهتمام بها، ثم قال: لا يروى عن جابر إلا من هذا الوجه. انظر: \"كشف الأستار عن زوائد البزار على الكتب الستة\": للهيثمي: ٣/ ٨٠ ح: ٢٢٨٤.\nوأخرجه ابن كثير في \"تفسير القرآن العظيم\": ٤/ ٣٥، والسيوطي في \"الدر المنثور\" ٨/ ٤٨٤، وعزاه إلى البزار، وابن مردويه.\nوقال الهيثمي: وفيه عباد بن أحمد العرزمي قال عنه الدارقطني: متروك. (انظر ميزان الاعتدال: ٢/ ٣٦٥: ت ٤١٠٨)، وقد رواه البزار عن شيخه عباد بن أحمد العرزمي، وهو متروك، \"مجمع الزوائد\": ٧/ ١٣٧ سورة سبح.\n(١) بياض في: ع.\n(٢) ورد قوله في \"جامع البيان\": ٣٠/ ١٥٦، \"الكشف والبيان\": ج: ١٣: ٧٨/ أ، \"معالم التنزيل\": ٤/ ٤٧٦، \"الجامع لأحكام القرآن\": ٢٠/ ٢١، \"البحر المحيط\": ٨/ ٤٦٠، \"زاد المسير\": ٨/ ٢٣٠، \"تفسير الحسن البصري\": ٢/ ٤١٢.\n(٣) ورد معنى قوله في \"تفسير عبد الرزاق\": ٢/ ٣٦٧، \"الكشف والبيان\" ج ١٣: ٧٨/ أ، \"الدر المنثور\": ٨/ ٤٨٤، \"فتح القدير\": ٥/ ٤٢٥.\n(٤) بياض في: ع\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\": ٥/ ٣١٦ بنص العبارة.\n(٦) ساقط من: أ.\n(٧) بياض في: ع.\n(٨) زكوة: في كلا النسختين.","vol":"23","page":446},{"text":"قال الكلبي: أفلح (١) من تزكى قبل مروره إلى العيد، وصلى مع الإمام (٢). وهو قول (عكرمة (٣)، وأبى العالية (٤)، وابن سيرين (٥)، وابن) (٦) (عمر (٧» (٨)، وروي ذلك مرفوعًا إلى النبي -ﷺ- قال: \"قد أفلح من تزكى\": أخرج زكاة (٩) الفطر، \"وخرج إلى المصلى فصلى\" (١٠).\n_________\n(١) بياض في: ع.\n(٢) لم أعثر على مصدر لقوله، وقد ورد بمثله من غير عزو في \"التفسير الكبير\" ٣١/ ٤٨.\n(٣) ورد قوله في: \"أحكام القرآن\" لابن العربي ٤/ ١٩٢، \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٢١، \"التفسير الكبير\" ٣١/ ١٣٨، \"فتح القدير\" ٥/ ٤٢٥.\n(٤) أحكام القرآن: للجصاص: ٣/ ٤٧٢، \"الكشف والبيان\": ج: ١٣: ٧٨/ أ، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٧٧، أحكام القرآن لابن العربي ٤/ ١٩٢، \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٢١، \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٣٥، \"الدر المنثور\" ٨/ ٤٨٥، \"فتح القدير\" ٥/ ٤٢٥، \"تفسير أبي العالية\" تح: نورة الورثان: ٢/ ٦٣٨، \"السنن الكبرى\" للبيهقي: ٤/ ٢٦٨ ح: ٧٦٦٩.\n(٥) \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٧٧، \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٢١، \"الدر المنثور\" ٨/ ٤٨٦، \"السنن الكبرى\" للبيهقي: ٤/ ٢٦٨.\n(٦) ما بين القوسين لم يذكر في أ، وإنما ذكر بدلًا من تعدادهم عبارة مجملة، وهو قول \"جماعة\".\n(٧) \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٧٧، \"التفسير الكبير\" ٣١/ ١٤٨، \"السنن الكبرى\" للبيهقي ٤/ ٢٦٨.\n(٨) ما بين القوسين بياض في ع، وأثبت ما جاء في \"الوسيط\": ٤/ ٤٧١، وكذلك \"التفسير الكبير\": ٣١/ ٤٨، فقد سرد الأسماء السابقة لابن عمر كما هي عند الواحدي في البسيط والوسيط، وهو كثيرًا ما ينقل عنه بعزو وبغير عزو، فلهذا أثبت ما جاء عندهما، والله أعلم.\n(٩) زكوة: في كلا النسختين\n(١٠) الحديث أورده القرطبي عن كثير بن عبد الله، عن أبيه عن جده، عن النبي -ﷺ-، =","vol":"23","page":447},{"text":"قال أستاذنا أبو إسحاق الثعلبي ﵀ (١): ولا أدري ما وجه هذا التأويل، لأن هذه السورة مكية بالإجماع، ولم يكن بمكة عيد ولا زكاة، ولا فطر. والله أعلم (٢).\nقلت: يجوز أن يكون الله أنزل إلينا (٣) على من فعل ذلك إذ أنزله، وأمر به، وكان في معلومه أن ذلك سيكون، فأثنى (٤) على من فعل ذلك، وأثنى (٥) على من ائتمر به، وأطاعه فيما يأمر به (٦) من زكاة الفطر، وصلاة العيد، إذ أنزل الأمر بهما.\nوقال مقاتل: قد أفلح من تصدق (الفطر) (٧) من ماله، وذكر ربه\n_________\n= وذكر الحديث بمعناه في \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٢١، \"الدر المنثور\" ٨/ ٤٨٥، وعزاه إلى البزار، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم في الكنى، وابن مردويه، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" ٤/ ١٦٨: ح: ٧٦٦٨، قال السيوطي: أخرجه بسند ضعيف عن كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، عن أبيه عن جده عن النبي -ﷺ-.\nوروى مثله الطبراني في \"المعجم الكبير\" ٢٢/ ٩٨: ح: ٢٣٩، وفيه محمد بن أشقر، وهو ضعيف. انظر: \"مجمع الزوائد\" كتاب التفسير: (سورة سبح): ٨/ ١٣٦ - ١٣٧.\n(١) في: ع: -﵁-.\n(٢) \"الكشف والبيان\" ج: ١٣: ٧٨/ ب بنصه، وممن وافقه على ذلك ابن الجوزي في \"زاد المسير\": ٨/ ٢٣٠، القرطبي في \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٢٢، الخازن في \"لباب التأويل\": ٤/ ٣٧٠، والشوكاني في \"فتح القدير\": ٥/ ٤٢٥.\n(٣) بياض في: ع.\n(٤) في: أ: وأثنى.\n(٥) في: ع: فأثنى.\n(٦) في: أ: الله\n(٧) ساقط من: ع.","vol":"23","page":448},{"text":"بالتوحيد في الصلاة، فصلى له (١).\nوهذا يجوز أن يحمل على الزكاة (٢) والصلاة المفروضتين، وأن يحمل على التطوع بهما.\nقوله: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ (٣) الدُّنْيَا﴾ (قراءة العامة بـ\"التاء\" (٤) لما روي في حرف أبي: \"بل أنتم تؤثرون\" (٥). قال الكلبي: تؤثرون عمل الدنيا على عمل الآخرة (٦). وقال ابن مسعود: دار الدنيا أحضرت، وعجل لنا طعامها وشرابها، ونساؤها، ولذتها، وبهجتها، وأن الآخرة نعتت لنا، وزويت عنا، فأخذنا بالعاجل، وتركنا الآجل (٧).\nوقرأ أبو عمرو: ﴿يُؤْثِرُونَ﴾ بـ\"الياء\"، وقال: يعني: الأشْقَيْن (٨)\n_________\n(١) بمعناه في \"تفسير مقاتل\": ٢٣٧/ ب.\n(٢) الزكوة: في كلا النسختين.\n(٣) الحيوة: في كلا النسختين.\n(٤) وقرأ بذلك أيضًا: يعقوب.\nانظر: \"السبعة\" ٦٨٠، \"القراءات وعلل النحويين فيها\" ٢/ ٧٦٧، \"الحجة\" ٦/ ٣٩٩، \"المبسوط\" ٤٠٥، \"حجة القراءات\" ٧٥٩، \"التبصرة\" ٧٢٤، \"النشر\" ٢/ ٤٠٠.\n(٥) ما بين القوسين نقل عن \"الحجة\" ٦/ ٣٩٩.\n(٦) \"الوسيط\" ٤/ ٤٧٢.\n(٧) ورد معنى قوله في \"جامع البيان\" ٣٠/ ٥٧، \"الكشف والبيان\" ج ١٣/ ٧٩/ أ، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٧٧، \"التفسير الكبير\" ٣١/ ١٤٩، \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٢٣، \"لباب التأويل\" ٤/ ٣٧١، \"تفسير القرآن العظيم\": ٤/ ٥٣٥، \"الدر المنثور\": ٨/ ٤٨٧، وعزاه أيضًا إلى ابن المنذر، والطبراني، والبيهقي في \"شعب الإيمان\".\n(٨) وقرأ أيضًا يعقوب وقتيبة عن الكسائي بذلك.\nانظر: كتاب \"السبعة\" ٦٨٠، \"القراءات وعلل النحوين فيها\" ٢/ ٧٦٧، \"الحجة\" =","vol":"23","page":449},{"text":"الذين ذكروا في قوله: ﴿وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى﴾ ثم رغب في الآخرة فقال: ﴿وَالْآخِرَةُ﴾ أي والدار الآخرة يعني: الجنة. ﴿خَيْرٌ﴾ أفضل. ﴿وَأَبْقَى﴾ أدوم من الدنيا.\nقوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا﴾ يعني ما ذكر من عند ﴿قَدْ أَفْلَحَ﴾ أربع آيات. ﴿لَفِى﴾ الكتب الأولى التي قد أنزلت قبل القرآن، ذكر فيها فلاح المتزكي، والمصلي، وإيثار الخلق الآخرة على الدنيا، وأن الآخرة خير، وهذا قول (الكلبي (١» (٢)، ومقاتل (٣)، (والفراء (٤» (٥)، والزجاج (٦)، (وابن قتيبة) (٧) قال: ولم يُرد الألفاظ بعينها، وإنما أراد أن الفلاح لِمَن تزكى، وذكر الله فصلى في الصحف الأولى، كما هو في القرآن (٨).\n(وروى معمر عن قتادة قال: يعني هذه السورة (٩» (١٠)، وقال ابن\n_________\n= ٦/ ٣٩٩، \"المبسوط\" ٤٠٥، \"الكشف\" ٢/ ٤٧٠، \"حجة القراءات\" ٧٥٩، \"التبصرة\" ٧٢٤، \"النشر\" ٢/ ٤٠٠.\n(١) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٢) ساقط من: أ.\n(٣) \"تفسير مقاتل\": ٣٣٧/ ب بمعناه.\n(٤) \"معاني القرآن\": ٣/ ٢٥٧، بمعناه.\n(٥) ساقط من: أ.\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه\": ٥/ ٣١٦ بمعناه.\n(٧) ساقط من: أ.\n(٨) \"تفسير غريب القرآن\" ٥٢٤ بيسير من التصرف، وهذا القول ذهب إليه الطبري في \"جامع البيان\" ٣٠/ ١٥٨، وقال ابن عطية: وهذا هو الأرجح لقرب المشار إليه بهذا، \"المحرر الوجيز\" ٤/ ٤٧١.\nوقال ابن كثير ٤/ ٥٣٦: وهذا الذي اختاره يعني ابن جرير حسن قوي.\n(٩) \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٣٦٧، \"جامع البيان\" ٣٠/ ١٥٨.\n(١٠) ما بين القوسين ساقط من: أ.","vol":"23","page":450},{"text":"زيد: يعني قوله: ﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ (١) (٢)، فرد الإشارة في قوله: ﴿إِنَّ هَذَا﴾ إلى الأقرب إليه. (ونحو ذلك) (٣) روي (٤) عن قتادة أنه (٥) قال: تتابعت كتب الله كما تسمعون أن الآخرة خير وأبقى (٦).\nثم بين أن الصحف الأولى مَا هي، فقال: ﴿صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾ قال (عطاء عن) (٧) ابن عباس: يريد كتبًا أنزلت على إبراهيم، وكان نزل على موسى صحف قبل التوراة كما قال ﷿: ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى (٣٦) وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ (٨) [النجم: ٣٦] ويجوز أن يعني بصحف موسى التوراة.\n(تمت) (٩)\n_________\n(١) بياض في: ع.\n(٢) ورد معنى قوله في \"جامع البيان\" ٣٠/ ١٥٨، \"الكشف والبيان\" ج ١٣/ ٧٩/ أ، \"الجامع لأحكام القرآن\": ٢٠/ ٢٤، \"فتح القدير\": ٥/ ٤٢٥.\n(٣) ما بين القوسين ساقط من: أ.\n(٤) في: أ: وروى.\n(٥) في: ع: فقد.\n(٦) \"جامع البيان\" ٣٠/ ١٥٨، \"الكشف والبيان\" ج ١٣: ٧٩/ أ، \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٢٤، \"الدر المنثور\" ٨/ ٤٨٨، وعزاه إلى عبد الرزاق، وإلي ابن جرير، وابن المنذر. \"فتح القدير\": ٥/ ٤٢٥.\n(٧) ساقط من: أ.\n(٨) بياض في: ع.\n(٩) ساقط من: ع.","vol":"23","page":451},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4982>سورة الغاشية</span>","vol":"23","page":453},{"text":"تفسير سورة الغاشية <span data-type=\"title\" id=toc-4983>(١)</span>\nبسم الله الرحمن الرحيم\n\n١ - ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ (٢)، قال عطاء (٣)، ومقاتل (٤): يريد قد أتاك، وهذا كقوله هل ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾ [الدهر: ١].\nوقال (٥) (الكلبي عن) (٦) ابن عباس: لم يكن أتاه قبل ذلك (٧).\n_________\n(١) مكية لا خلاف على ذلك بين أهل التأويل، قال ذلك ابن عطية في \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٧٢، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٨/ ٢٣٢، والشوكاني في \"فتح القدير\" ٥/ ٤٢٧.\n(٢) ما بين المقوسين ساقط من (ع).\n(٣) لم أعثر على مصدر قوله، وقد ورد بمثله معزوًا إلى أكثر المفسرين في \"فتح القدير\" ٥/ ٤٢٨.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ٢٣٨ أ.\n(٥) في (أ): (قال).\n(٦) ساقط من (أ).\n(٧) لم أعثر على مصدر لقوله، ولكش وردت الرواية عن الكلبي في \"النكت والعيون\" ٦/ ٢٥٧، \"فتح القدير\" ٥/ ٤٢٨.","vol":"23","page":455},{"text":"وقوله (١) (تعالى) (٢): ﴿حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ قال عطاء: خبر القيامة (٣)، وهو قول الحسن (٤)، وقتادة (٥). وقال الكلبي: يعني النار (٦)، (وهو قول سعيد بن جبير (٧)، ومقاتل (٨)، وذلك أنها) (٩) تغشى وجوه الكفار، كما قال ﷿: ﴿وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾ [إبراهيم: ١٤]. قال (١٠) المبرد: الغاشية ما يغشى الناس من أمر الآخرة (١١). ومن قال: هي القيامة، أراد أنها تغشى الناس بأهوالها وشدائدها. ويدل على هذا القول:\n_________\n(١) في (أ): (قوله).\n(٢) ساقط من (ع).\n(٣) لم أعثر على مصدر لقوله، ولقد ورد بمثله معزوًا إلى أكثر المفسرين في \"الكشف والبيان\" ج ١٣: ٧٩ ب، \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٧٢، \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٢٥، وقد ورد بمثل قوله عن ابن عباس، وقتادة، وابن زيد في \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٣٦.\n(٤) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٥) \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٣٦.\n(٦) انظر \"تفسير مقاتل\" ٢٣٨ أ.\n(٧) \"جامع البيان\" ٣٠/ ١٥٩، \"الكشف\" ١٣/ ٧٩ ب، \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٧٢، \"زاد المسير\" ٨/ ٢٣٢، \"التفسير الكبير\" ٣١/ ١٥١، \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٢٥، \"البحر المحيط\" ٨/ ٤٦٢، \"فتح القدير\" ٥/ ٤٢٨، \"تفسير سعيد بن جبير\" ٣٧٢.\n(٨) \"زاد المسير\" ٨/ ٢٣٢، \"التفسير الكبير\" ٣١/ ١٥١، \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٢٥، \"البحر المحيط\" ٨/ ٤٦٢، \"فتح القدير\" ٥/ ٤٢٨.\n(٩) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(١٠) في (ع): (وقال).\n(١١) لم أعثر على مصدر لقوله.","vol":"23","page":456},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4984>٢ </span>- قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ﴾ (١) يعني يوم الغاشية. ﴿خَاشِعَةٌ﴾ ذليلة بالعذاب، (قاله الكلبي (٢) وغيره <span data-type=\"title\" id=toc-4985>(٣» </span>(٤). قال مقاتل: يعني الكفار، لأنها تكبرت في الدنيا عن عباد الله (٥). ومن قال: الغاشية النار قال: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ﴾ يعني يوم تغشى النار الوجوه، وهو يوم القيامة.\n٣ - ﴿عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ﴾ قال (٦) الكلبي: عاملة يعني تجر في النار، ناصبة في عذاب، ونصب من حرها (٧)، وهو قول مقاتل (٨)، (والحسن (٩» (١٠)،\n_________\n(١) ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ﴾.\n(٢) لم أعثر على مصدر لقوله، وقد ورد من غير عزو في \"الوسيط\" ٤/ ٤٧٣.\n(٣) قال بذلك: قتادة، وسفيان، ومقاتل انظر: \"تفسير مقاتل\" ٢٣٨ أ، \"جامع البيان\" ٣٠/ ١٦٠، \"إعراب القرآن للنحاس\" ٥/ ٢٠٩، \"النكت والعيون\" ٦/ ٢٥٨، \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٣٦، \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٢٦.\nوإلى هذا ذهب صاحب \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٧٨، \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٧٣، \"الكشاف\" ٤/ ٢٠٦، \"زاد المسير\" ٨/ ٢٣٣، \"البحر المحيط\" ٨/ ٤٦٢.\n(٤) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٥) \"فتح القدير\" ٥/ ٤٢٨، \"الوسيط\" ٤/ ٤٧٣.\n(٦) في (أ): (وقال).\n(٧) ورد معنى قوله في \"الكشف والبيان\" ١٣: ٧٩ ب، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٧٨، \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٢٧، \"فتح القدير\" ٥/ ٤٢٨.\n(٨) ورد معنى قوله في \"تفسير مقاتل\" ٢٣٨ أ، \"زاد المسير\" ٨/ ٢٣٣، وقوله: عاملة في النار تأكل من النار، ناصبة العذاب.\n(٩) ورد معنى قوله في \"جامع البيان\" ٣٠/ ١٦٠، وبنصه في \"الكشف والبيان\" ١٣/ ٧٩ ب، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٧٨، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٧٨، \"زاد المسير\" ٨/ ٢٣٣، \"البحر المحيط\" ٨/ ٤٦٢، \"فتح القدير\" ٥/ ٤٢٨، \"تفسير الحسن البصري\" ٢/ ٤١٣.\n(١٠) ساقط من (أ).","vol":"23","page":457},{"text":"وقتادة (١)، وابن عباس (٢) (في رواية عطية) (٣)، قالوا: لم تعمل لله (٤) تعالى فأعملها وأنصبها في النار، فهي تعالج السلاسل والأغلال. والمراد بالوجوه: أصحابها، ومعنى النصب (٥): الدؤوب في العمل بالتعب.\nوقال عطاء عن ابن عباس: يعني الذين عملوا ونصبوا (٦) في الدنيا على غير دين الإسلام من عبدة الأوثان، وكفار أهل الكتاب مثل الرهبان (٧)، وغيرهم لا يقبل الله منهم إلا ما كان لوجهه خالصًا لا يقبل\n_________\n(١) المراجع السابقة، وانظر أيضًا \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٣٣٨، \"النكت والعيون\" ٦/ ٢٥٨، \"الدر المنثور\" ٨/ ٤٩١، وعزاه أيضًا إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.\n(٢) \"جامع البيان\" ٣٠/ ١٦٠، \"الكشف والبيان\" ١٣/ ٧٩ ب، \"زاد المسير\" ٨/ ٢٣٣، \"البحر المحيط\" ٨/ ٤٦٢.\n(٣) ساقط من (أ).\n(٤) في (أ): (الله).\n(٥) النَّصَبُ: الإعياء من العناء، والفعل من نصِبَ يَنْصب، \"تهذيب اللغة\" ١٢/ ٢١٠ (نصب)، \"لسان العرب\" ١/ ٧٥٨ (نصب).\nوفي الغريب: النصب: التَّعب. انظر: \"المفردات في غريب القرآن\" ٤٩٤، تحفة الأريب: ٢٩٢.\nوعن ابن الملقن قال: ناصبة في النار، من النصب وهو التقلب، وعملها في النار الصعود والهبوط والصراخ، وقيل: عاملة في الدنيا بما تظن أن يقربها إلى الله، ناصبة أي في ذلك العمل.\n\"تفسير غريب القرآن\" ٥٤٩.\n(٦) غير واضحة في (ع)\n(٧) الرُهْبان جمع راهب ويراد به المتعبد في الصومعة. \"لسان العرب\" ١/ ٤٣٧ (رهب).","vol":"23","page":458},{"text":"اجتهادًا في بدعة وضلالة؛ لكنه يقبل رفقًا في سنة (١)، وهذا قول سعيد بن جبير (٢)، وزيد بن أسلم (٣)، (وأبي الضحى عن ابن عباس (٤» (٥)، قالوا هم: الرهبان، وأصحاب الصوامع (٦)، واختاره صاحب النظم فقال: قوله تعالى: ﴿عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ﴾ منتظم بقوله: ﴿وُجُوهٌ﴾ دون قوله: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ علي تأويل: وجوه عاملة ناصبة في الدنيا (٧).\n﴿يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ﴾ أي في الآخرة، والآخرة ليست دار عمل، وقوله: ﴿عَامِلَةٌ﴾ أي في الدنيا، وفصل آخرون بين العاملة والناصبة، فقالوا: عاملة في الدنيا، ناصبة في الآخرة؛ لأنها عملت في الدنيا في المعاصي، فصارت ناصبة (٨) في النار يوم القيامة، وهو قول\n_________\n(١) ورد قوله في \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٧٨، \"زاد المسير\" ٨/ ٢٣٣، \"الجامع لأحكام\nالقرآن\" ٢٠/ ٢٧، ولكن براوية الضحاك عن ابن عباس: \"لباب التأويل\" ٤/ ٤٧٣.\n(٢) \"الكشف والبيان\" ١٣/ ٨٠ أ، \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٧٢ بمعناه، \"زاد المسير\" ٨/ ٢٣٣، \"تفسير سعيد ابن جبير\": ٣٧٢\n(٣) المراجع السابقة.\n(٤) \"الكشف والبيان\" ١٣/ ٨٠ أ، \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٧٢ بمعناه، \"زاد المسير\" ٨/ ٢٣٣، \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٢٧.\n(٥) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٦) الصوامع جمع صومعة وزنها فَوْعلة، وهو بناء مرتفع حديد الأعلى، وهي منار الراهب، قال سيبويه (هو من الأصمع يعني المحَّدد الطرف المُنضَم وصومع بناءه: علاه مشتق من ذلك.\n\"لسان العرب\" ٨/ ٢٠٨ (صمع)، وانظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٢/ ٧١.\n(٧) لم أعثر على مصدر لقوله، وانظر: \"إعراب القرآن\" للنحاس ٥/ ٢٠٩.\n(٨) في (أ): (الناصبة).","vol":"23","page":459},{"text":"عكرمة (١)، (والسدي (٢» (٣).\n\nثم ذكر نصبها فقال: ﴿تَصْلَى نَارًا (٤) حَامِيَةً﴾ قال ابن عباس: قد حميت، فهي تتلظى على أعداء الله <span data-type=\"title\" id=toc-4986>(٥)</span>.\n(وقرأ أبو عمرو ﴿تُصْلَى﴾ من أصليته النار، وحجته قوله: ﴿ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾ [الحاقة: ٣١]، وصلوه مثل أصْلوهُ) (٦).\n\n٥ - ﴿تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ أي: (متناهية في شدة الحر؛ كقوله: ﴿يَطُوفُونَ\n_________\n(١) \"الكشف والبيان\" ١٣/ ٨٠ أ، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٧٨، \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٧٢، \"زاد المسير\" ٨/ ٢٣٣، \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٢٧، \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٣٧، \"الدر المنثور\" ٨/ ٤٩١، وعزاه إلى ابن أبي حاتم.\n(٢) المراجع السابقة عدا \"الدر المنثور\"، انظر أيضًا: \"تفسير السدي\" ٤٧٥.\n(٣) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٤) في (أ): (نار).\n(٥) \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٧٨، \"زاد المسير\" ٨/ ٢٣٣، \"التفسير الكبير\" ٣١/ ١٥٣، \"لباب التأويل\" ٤/ ٣٧٢، \"البحر المحيط\" ٨/ ٤٦٢، \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٣٧.\n(٦) ما بين القوسين نقله عن الحجة: ٦/ ٣٩٩، وانظر: \"إعراب القرآن\" للنحاس: ٥/ ٢١٠، وبمثل قراءة أبي عمرو قرأ عاصم في رواية أبي بكر، وقرأ ابن كثير، ونافع، وابن عامر، وحمزة، والكسائي تَصْلَى بفتح التاء، وكذلك حفص عن عاصم وحجتهم قوله ﴿سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ﴾ المسد: ٣، انظر كتاب \"السبعة في القراءات\" لابن مجاهد: ٦٨١، \"القراءات وعلل النحويين فيها\" ٢/ ٧٦٩، \"الحجة\" ٦/ ٣٩٩، \"المبسوط\" ٤٠٦، \"الكشف\" ٢/ ٣٧٠ - ٣٧١، \"حجة القراءات\" ٧٥٩، كتاب \"التبصرة\" ٧٢٤.\nقال أبو منصور: من قرأ \"تَصْلَى\" فمعناه تلزم حر نار حامية. ومن قرأ: \"تُصَلَى\" فمعناه تلقى في نار حامية حتى يصلى حرها أي يقاسي عذابها. \"القراءات وعلل النحويين فيها\" ٢/ ٧٦٩.","vol":"23","page":460},{"text":"بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ (١» (٢).\nقال المفسرون: حارة قد انتهى حرها (٣)، فلو وقعت منها نقطة على جبال الدنيا لذابت (٤) هذا شرابهم.\nثم ذكر طعامهم فقال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4987>٦ </span>- (قوله تعالى) (٥): ﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ﴾ قال أبو عبيدة (٦)، والليث (٧): الضريع: يبس الشِّبْرِق، وهو نوع من الشوك. وقال الفراء: (هو) (٨) نبت يقال له: الشِّبْرِق، وأهل الحجاز يسمونه الضريع إذا يبس،\n_________\n(١) سورة الرحمن: ١٤.\n(٢) ما بين القوسين نقل عن \"معاني القرآن وإعربه\" ٥/ ٣١٧.\n(٣) قال بذلك ابن عباس، والحسن، ومجاهد، وقتادة، والسدي، وعطاء، انظر تفسير مجاهد: ٧٢٤، \"جامع البيان\" ٣٠/ ١٦١، \"إعراب القرآن\" للنحاس ٥/ ٢١٠، \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٧٣، \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٢٩، \"البحر المحيط\" ٨/ ٤٦٢، \"الدر المنثور\" ٨/ ٤٩١، وعزاه البغوي إلى أكثر المفسرين: ٤/ ٤٧٨، كما قال بهذا القول أبو عبيد القاسم بن سلام في \"غريب القرآن\" ١٤٣ حاشية كتاب التيسير في علوم التفسير للديريني، ومكي في: \"العمدة في غريب القرآن\" ٣٤٤، والخزرجي في: \"نفس الصباح\" ٧٧٨، والراغب الأصفهاني في: \"المفردات في غريب القرآن\" ٢٩.\nكما ذهب إليه السمرقندي في \"بحر العلوم\" ٣/ ٤٧٣، وقال ابن زيد: آنية: حاضرة، \"جامع البيان\" ٣/ ١٦١، \"الدر المنثور\" ٨/ ٤٩٢، وعزاه إلى ابن أبي حاتم.\n(٤) بياض في (ع).\n(٥) ساقط من (ع).\n(٦) \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٩٦، وكلامه: الضريع عند العرب: الشَّبْرق شجر.\n(٧) لم أعثر على مصدر لقوله، وجاء نحو هذا القول عن الزجاج وكلامه: قال: الضريع الشبرق وهو جنس من الشوك إذا كان رطبًا فهو شبرق، فإذا يبس فهو الضريع. \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣١٧، وجاء في \"الصحاح\" الضريع: يبيس الشبْرق، وهو نبت ٣/ ١٢٤٩ (ضرع).\n(٨) ساقط من (أ).","vol":"23","page":461},{"text":"وهو سم (١) (٢). وقال أبو إسحاق: الشبرق جنس من الشوك، وإذا يبس فهو الضريع (٣). (ونحو هذا قال أكثر المفسرين) (٤)، وهو (قول الكلبي (٥)، ومقاتل (٦)، ومجاهد (٧)، وعكرمة (٨) قالوا (٩):\nهو نبت [ذو شوك] (١٠) يسمى الضريع) (١١) أخبث الطعام وأبشعه (١٢). قال مقاتل (١٣)، (والكلبي (١٤» (١٥): هي شجرة لا تقربها دابة\n_________\n(١) ورد في \"تهذيب اللغة\" اسم بدلًا من سم: ٤/ ٤٧١.\n(٢) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٥٧ بنصه.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣١٧ باختصار.\n(٤) ما بين القوسين ساقط من (أ) ..\n(٥) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٦) \"تفسير مقاتل\" ٢٣٨ أ.\n(٧) \"تفسير الإمام مجاهد\" ٧٢٤، \"جامع البيان\" ٣٠/ ١٦٢، \"الكشف والبيان\" ١٣/ ٨٠ أ، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٧٨، \"زاد المسير\" ٨/ ٢٣٤، \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٢٩، \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٣٧.\n(٨) ورد بمعنى قوله في المراجع السابقة عدا تفسير مجاهد والكشف، وانظر معنى قوله\nفي \"الدر المنثور\" ٨/ ٤٩٢، وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن أبي حاتم.\n(٩) وممن ذهب أيضًا إلى القول إنه الشبرق: قتادة، وابن عباس، وأبو الجوزاء، وشريك بن عبد الله، انظر: \"جامع البيان\" ٣٠/ ١٦٢، \"النكت والعيون\" ٦/ ٢٥٩، \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٧٣، \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٣٧.\nوممن عزاه إلى أكثر المفسرين: ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٨/ ٢٣٤، الفخر في \"التفسير الكبير\" ٣١/ ١٥٣، والقرطبي في \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٢٩.\n(١٠) بياض في: ع، ولعل الساقط ما أثبته لورود نحو منه عند المفسرين المذكورين والله أعلم.\n(١١) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(١٢) في (أ): (أشبعه).\n(١٣) \"تفسير مقاتل\" ٢٣٨ أ.\n(١٤) بنحوه ورد في \"الكشف والبيان\" ١٣/ ٨٠ أ، \"معالم التزيل\" ٤/ ٤٧٨.\n(١٥) ما بين القوسين ساقط من (أ).","vol":"23","page":462},{"text":"ولا ترعاها إذا يبست، (وصارت تسمى الضريع) (١).\n(وقال أبو الجوزاء) (٢): هي السُلاء (٣) (٤)، (وهذا قول ابن عباس (٥) في رواية العوفي) (٦)، فإن قيل: إن الله تعالى يقول في موضع آخر: ﴿فَلَيْسَ (لَهُ) الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ﴾ [الحاقة: ١٩]، وهاهنا يقول: ﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ﴾ [الغاشية: ٦].\nوالضريع غير الغسلين (٧)، فكيف نجمع بين الآيتين؟ قيل: إن النار دركات، والجنة درجات، وعلى قدر الذنوب والحسنات تقع العقوبات والمثوبات، فمن أهل النار مَنْ طَعَامُهُ الزَّقوم، ومنهم من طعامُه الغِسلين، ومنهم من طعامه الضريع، ومنهم من شرابه الحميم، ومنهم من شرابه\n_________\n(١) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٢) ما بين القوسين لم يذكر في نسخة: أ، وإنما ذكر بدلًا منه لفظة: قيل.\n(٣) السلاء مفرد سلأ، وهي شوكة النخله، والجمع سُلاء. \"النهاية في غريب الحديث والأثر\" ٢/ ٣٨٧\n(٤) ورد قوله في \"النكت والعيون\" ٦/ ٢٥٩، \"زاد المسير\" ٨/ ٢٣٤، \"التفسير الكبير\" ٣١/ ١٥٣، برواية السّلَم بدلًا من السلاء، والسلم شجر من العضاه، وورقها القَرَظ الذي يدبغ به الأديم.\nوقال شمر: السَّلمة شجرة ذات شوك يدبغ بورقها وقشرها ويسمى ورقها القَرَظ. \"لسان العرب\" ١٢/ ٢٩٦ (سلم).\n(٥) لم أعثر على مصدر لقوله، وقد ورد في \"الكشف والبيان\" ١٣/ ٨٠ أ، رواية العوفي عن ابن عباس بمثل رواية مجاهد وعكرمة.\n(٦) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٧) الغسلين: قال ابن قتيبة: غِسلين فِعْلين من غسلت كأنه الغسالة. قال بعض المفسرين هو ما يسيل من أجساد المعذبين. \"تأويل مشكل القرآن\" ٦٨.","vol":"23","page":463},{"text":"الصديد. وهذا قول عبد الله بن مسلم (١)، ومعنى قول الكلبي فإنه قال: الضريع في درجة ليس (لهم) (٢) فيها غيره، والزقوم في درجة أخرى (٣).\nفإن قيل: كيف يكون في النار نبات وشجر، والنار تأكلها؟!\nقال ابن قتيبة: لم يُرِد -والله أعلم- أن الضريع بعينه ينبت في النار، ولا أنهم يأكلونه، والضريح من أقوات الأنعام لا من أقوات الناس، وإذا وقعت فيه الإبل لم تشبع، وهلكت هزلًا، قال الهُذَلي يذكر إبلًا وسوء مرعاها:\nوحُبِسْنَ (في) (٤) هَزَمِ الضريعِ فكُلُّهَا ... حَدْبَاءُ دامية اليدين جَدودُ (٥)\n_________\n(١) \"تأويل مشكل القرآن\" ٦٨ بنصه، وإلى مثل هذا ذهب الزمخشري في \"الكشاف\" ٤/ ٢٠٦، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٨/ ٢٣٤، والفخر الرازي في \"التفسير الكبير\" في: ٣١/ ١٥٤، وأبو حيان في \"البحر المحيط\" ٨/ ٤٦٢، والقرطبي نقلًا عن ابن قتيبة، وانظر \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٣٠، والشنقيطي في: \"دفع إيهام الاضطراب\" عن آيات الكتاب ١٠/ ٣٠١، وهو ملحق بكتاب أضواء البيان.\n(٢) ساقط من (أ).\n(٣) \"الجامع لأحكام القرآن\": ٢٠/ ٣١.\n(٤) في كلا النسختين: من.\n(٥) ورد البيت في: شرح أشعار الهذليين: ٢/ ٥٩٨ براوية: بادية الضُلوع جدود، \"لسان العرب\" ٨/ ٢٢٤ (ضرع).\nوورد غير منسوب في \"مقاييس اللغة\" ٣/ ٣٩٦ (ضرع) براوية: تُرِكْن في هزم، وأيضًا في: \"المخصص\" ١/ ٢٠١، براوية: حدباء بادية الضلوع، كما ورد في \"الجامع لأحكام القرآن\"٢٠/ ٣٠، \"فتح القدير\" ٥/ ٤٢٩، برواية: قرناء دامية اليدين جرود، \"روح المعاني\" ٣٠/ ١١٣.\nمعناه الضريع يابس العشرق، هزمه ما تكسر منه ويبس، فإذا كان رطبًا فهو =","vol":"23","page":464},{"text":"فأراد الله تعالى أنهم يقتاتون ما لا يشبعهم، وضُرب الضريع لهم مثلًا، أو يعذبون بالجوع كما يعذب من قوته الضريع، وهذا وجه (١). وقد يكون الضريع، وشجرة الزقوم (نبتتين) (٢) من النار، أو من جوهر لا تأكله النار (٣)، وكذلك سلاسل النار، وأغلالها، وأنكالُها، وعقاربها، وحيَّاتها، ولو كانت على ما نعلم لم تبق على النار، وإنما دلنا الله على الغائب (٤) عنده بالحاضر عندنا، فالأسماء متفقة للدلالة، والمعاني\n_________\n= الحِلة، جدود، وجرود، وحرود التي لا لين لها. انظر: شرح أشعار الهذليين. المرجع السابق.\n(١) وبه أيضًا قال الشنقيطي في \"دفع إيهام الاضطراب\" ١٠/ ٣٠١، ورد هذا الوجه الترمذي الحكيم قال: وهذا نظر سقيم من أهله، وتأويل دنيء كأنه يدل على أنهم تحيروا في قدرة الله تعالى، وأن الذي أنبت في هذا التراب هذا الضريع قادر على أن ينبته في حريق النار، كما جعل لنا في الدنيا من الشجر الأخضر نارًا، فلا النار تحرق الشجر، ولا رطوبة الماء ني الشجر تطفئ النار، فقال تعالىٍ: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ﴾ [يس: ٨٠]، وكما قيل حين نزلت: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ﴾، قالوا يا رسول الله: كيف يمشون على وجوههم قال: الذي أمشاهم على أرجلهم قادر على أن يمشيهم على وجوههم، فلا يتحير في مثل هذا إلا ضعيف، أو ليس أخبرنا أنه ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾، وقال ﴿سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ﴾ فإنما يتلون عليهم العذاب بهذه الأشياء. \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٣١ - ٣٢.\nوأجاب القشيري أيضًا حول دفع الاضطراب عن هذه الآية قال:\nإن الذي يبقي الكافرين في النار ليدوم عليهم العذاب يبقي النبات وشجر الزقوم في النار ليُعَذب بها الكفار.\n\"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٣١ - ٣٢.\n(٢) ساقط من (أ).\n(٣) غير واضحة في (ع).\n(٤) في (أ): (المغايب).","vol":"23","page":465},{"text":"مختلفة، وما في الجنة من شجرها، وثمرها، وفرشها، وجميع آلاتها على مثل ذلك (١) هذا كلامه-.\nوقال الحسن: هو بعض ما أخفى الشر من العذاب (٢).\nوروى مرفوعًا: \"أن الضريع شيء يكون في النار شبيه الشوك أمرُّ من الصبر، وأنتنُ من الجيفة، وأشدُ حرًا من النار، سماها (٣) الله ضريعًا\" (٤)\nوذكر في التفسير (٥) أن المشركين قالوا:\nإن إبلنا لتسمن (٦) على الضريع، وكذبوا في ذلك، فإن الإبل لا ترعاه\n_________\n(١) نقلا من \"تأويل مشكل القرآن\" ٦٩ - ٧٠ بتصرف.\n(٢) \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٣٠، \"فتح القدير\" ٥/ ٤٢٩.\n(٣) غير واضحة في (ع).\n(٤) من حديث رفعه ابن عباس إلى النبي -ﷺ-، وقد رواه الديلمي في كتاب فردوس الأخبار: ٣/ ١٤: ح: ٣٧١٩.\nكما ورد في: \"الكشف والبيان\" ج: ١٣/ ٨٠ أ، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٧٩، \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٣٠، \"لباب التأويل\" ٤/ ٣٧٢، \"الدر المنثور\" ٨/ ٤٩٢ - ٤٩٣، وعزاه إلى ابن مردويه بسند واه وفي الوسيط بإسناده عن طريق الضحاك عن ابن عباس: ٤/ ٤٧٤، وقد ضعف د. رأفت رشاد إسناد الرواية لوجود نهشل بن سعيد البصري عن الضحاك بن مزاحم. انظر: المبسوط بين المقبوض والبسيط، تح: رأفت: ٢/ ٨١٦، وميزان الاعتدال: ٤/ ٢٧٥.\n(٥) وعزاه إلى المفسرين كل من صاحب: \"الكشف والبيان\" ١٣/ ٨٠ ب، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٧٩، \"الكشاف\" ٤/ ٢٠٦، \"زاد المسير\" ٨/ ٢٣٤، \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٣٢، \"لباب التأويل\" ٤/ ٣٧٢، كما أورده الفخر في \"التفسير الكبير\" ٣١/ ١٥٤، والشوكاني في \"فتح القدير\" ٥/ ٤٢٩، والألوسي في: \"روح المعاني\" ٣٠/ ١١٣.\n(٦) في (أ): (تسمن).","vol":"23","page":466},{"text":"-على ما ذكرنا- فقال الله (تعالى) (١): ﴿لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ﴾ ثم وصف أهل الجنة بقوله:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4988>٨ </span>- ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ﴾ قال مقاتل: في نعمة وكرامة (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-4989>٩ </span>- ﴿لِسَعْيِهَا﴾ (٣) في الدنيا. ﴿رَاضِيَةٌ﴾ حين أعطيت الجنة بعملها. ﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ﴾ مرتفعة. قال عطاء: والدرجة مثل ما بين السماء والأرض (٤). ﴿لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً﴾ (وقرئ بـ\"الياء\" (٥) أيضًا، وهذا الضرب من المؤنث إذا تقدم فعله حسن التذكير فيه؛ على أن المراد بـ\"اللاغية\" اللغو، فالتأنيث على اللفظ، والتذكير على المعنى، وبناء الفعل للمفعول به حسن؛ لأن الخطاب ليس بمصروف إلى واحد بعينه.\n_________\n(١) ساقط من (أ).\n(٢) \"الوسيط\" ٤/ ٤٧٥، وورد مثله من غير نسبة في \"الكشف والبيان\" ١٣/ ٨٠ ب، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٧٩، \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٣٢، \"لباب التأويل\" ٤/ ٣٧٢.\n(٣) ﴿لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ﴾.\n(٤) \"التفسير الكبير\" ٣١/ ١٥٥، وورد بمثله من غير عزو في \"لباب التأويل\" ٤/ ٣٧٢.\n(٥) قرأ بذلك أي \"لا يُسمع فيها لاغية\". بالياء مضمومة لاغية رفع، ابن كثير، وأبو عمرو، ويعقوب.\nوقرأ عبيد، وعباس، واليزيدي، وأبو زيد، وعبد الوارث، وعلي بن نصر عن أبي عمرو: \"ولا يُسْمَعُ\" بضم الياء، وروي عن هارون، والنضر بن شميل، عن هارون وعبد الوهاب عن أبي عمرو بالياء، والتاء جميعًا.\nانظر: كتاب \"السبعة في القراءات\" لابن مجاهد: ٦٨١، \"القراءات وعلل النحويين فيها\" ٢/ ٧٦٩، \"الحجة\" ٦/ ٣٩٩، \"المبسوط\" ٤٠٦، \"حجة القراءات\" ٧٦٠، \"إتحاف فضلاء البشر\" ٤٣٧.","vol":"23","page":467},{"text":"وقرأ حمزة والكسائي: \"لا تسمع\" بـ\"تاء\" مفتوحة، \"لاغية\" نصبًا (١)، وهذا علي بناء الفعل للفاعل، وهو حسن على الشياع في الخطاب، وإن كان لواحد. وعلى هذا: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ﴾ [الإنسان: ٢٠]، ﴿إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ﴾ [الإنسان: ١٩].\nويجوز أن يصرف الخطاب إلى النبي -ﷺ-، و\"اللاغية\" مصدر بمنزلة العَاقبة والعَافية.\nويجوز أن يكون صفة كأنك قلت: لا تسمع كلمة لاغية، والأول الوجه لقوله: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا﴾ [الواقعة: ٢٥]، وهو قول أبي عبيدة قال: \"لاغية\" (٢) لغوً (ا) (٣) (٤» (٥).\nقال ابن عباس: يريد كذبًا، ولا بهتانًا (٦)، ولا كفرًا بالله (٧). وقال قتادة: باطلًا (٨). وقال مجاهد: شتمًا (٩).\n_________\n(١) وقرأ أيضًا بذلك أبو جعفر، وابن عامر، وعاصم، وخلف.\nوقرأ نافع وحده: \"لا تُسْمَعُ\" بالتاء مضمومة \"لاغية\" رفع، وخارجة عن نافع \"لا تسمع\" بالتاء مفتوحة، \"فيها لاغية\" نصب، وعن ابن كثير: \"لا تُسمع\" بالتاء رفع. انظر: المراجع السابقة.\n(٢) بياض في (ع).\n(٣) ساقط من كلا النسختين والمثبت مثل ما جاء في المجاز، وكذا الحجة.\n(٤) ورد قوله في \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٩٦، وكلامه: لا تسمع فيها لغوًا.\n(٥) ما بين القوسين نقله من \"الحجة\" ٦/ ٣٩٩ - ٤٠٠ بتصرف.\n(٦) بياض في (ع).\n(٧) ورد قوله مختصرًا في \"النكت والعيون\" ٦/ ٢٦٠، \"التفسير الكبير\" ٣١/ ١٥٦، \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٣٣.\n(٨) \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٣٦٨، \"جامع البيان\"٣٠/ ١٦٣، \"الدر المنثور\" ٨/ ٤٩٣، وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن أبي حاتم.\n(٩) \"تفسير الإمام مجاهد\" ٧٢٤، \"جامع البيان\" ٣٠/ ١٦٣، \"النكت والعيون\" =","vol":"23","page":468},{"text":"وقال مقاتل: لا يسمع بعضهم من بعض الحلف عند الشراب، كما يحلف أهل الدنيا إذا شربوا الخمر (١).\nوقال أبو إسحاق: لا يتكلم أهل الجنة إلا بالحكمة، وحمد الله على ما رزقهم من النعيم الدائم (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4990>١٢ </span>- (قوله تعالى) (٣): ﴿فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ﴾ قال الكلبي: لا أدري بماء أو بغيره (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-4991>١٣ </span>- ﴿فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ﴾ قال ابن عباس: ألواحًا من ذهب، مكللة\n_________\n= ٢٠/ ٣٣، \"الدر المنثور\" ٨/ ٤٩٣، وعزاه إلى الفريابي، وعبد بن حميد، وابن المنذر، \"فتح القدير\" ٥/ ٤٣٠.\n(١) \"التفسير الكبير\" ٣١/ ١٥٦.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣١٨ وفيه: \"بنعيمه\" بدلًا من \"النعيم\"، وحسّن القرطبي هذا لعمومه.\nانظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٣٣، وقال الشوكاني: وهذا أرجح الأقوال؛ لأن النكرة في سياق النفي من صيغ العموم، ولا وجه للتخصيص هذا بنوع من اللغو خاص، إلا بمخصص يصلح للتخصيص. \"فتح القدير\" ٥/ ٤٣٠. واللغو على ثلاثة أوجه:\nأحدها: اللغو: اليمين الكاذبة، والثاني: اللغو: الباطل، والثالث: يعني الحلف عند شرب الخمر في الجنة كفعل أهل الدنيا إذا شربوا الخمر. وهذه المعاني تناولها المفسرون في معنى الآية.\nانظر قاموس القرآن: للحسين الدامغاني: ٤١٨ (لغو)، كشف السرائر في معنى الوجوه والأشباه، والنظائر: لابن العماد: ٢٢٨ رقم ٧٨ (لغو)، الوجوه والنظائر في القرآن الكريم د/ سليمان القرعاوي: ٥٧٣ رقم ١٢٨ (لغو).\n(٣) ساقط من (ع).\n(٤) \"التفسير الكبير\" ٣١/ ١٥٦، \"فتح القدير\" ٥/ ٤٣٠.","vol":"23","page":469},{"text":"بالزبرجد، والدُّرِّ (١)، والياقوت مرتفعة في السماء، ما لم يجيء أهلها، فإذا أراد أن يجلس عليها تواضعت له حتى يجلس عليها، ثم ترتفع إلى موضعها (٢).\n﴿وَنَمَارِقُ﴾ (٣) يعني الوسائد في قول الجميع (٤)، واحدها نُمْرُقة بضم النون، وزاد الفراء سماعًا من العرب نِمْرقة بكسر النون (٥)، وأنشد أبو\n_________\n(١) الدُّر: جمع مفرده: الدُّرة وهو اللؤلؤ. انظر: مختار \"الصحاح\" ٢٦٨ (درّ).\n(٢) \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٧٩، \"زاد المسير\" ٨/ ٢٣٥، \"التفسير الكبير\" ٣١/ ١٥٦، \"لباب التأويل\" ٤/ ٣٧٢.\n(٣) بياض في (ع).\n(٤) حكى الإجماع أيضًا الفخر الرازي في \"التفسير الكبير\" ٣١/ ١٥٦، وعزاه ابن كثير إلى ابن عباس، وعكرمة، والضحاك، والسدي، والثوري، وغيرهم في \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٣٧، ولم يذكر الطبري قولًا مخالفًا لهذا القول، غير أنه عدد معاني الآية من القول: إن النمارق هي: المجالس، والوسائد، والمرافق، وعزا ذلك إلى ابن عباس وقتادة، انظر: \"جامع البيان\" ٣٠/ ١٦٤، وقد ذهب أيضًا إلى القول إنها الوسائد أصحاب الكتب الآتية: \"بحر العلوم\" ٣/ ٤٧٣، \"الكشف والبيان\" ج ١٣/ ٨٠ ب، \"معالم النزيل\" ٤/ ٢٧٩، \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٧٤، \"الكشاف\" ٤/ ٢٠٣، \"زاد المسير\" ٨/ ٢٣٥، \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٣٤، \"الباب التأويل\" ٤/ ٣٧٢، \"البحر المحيط\" ٨/ ٤٦٣، \"فتح القدير\" ٥/ ٤٣٠.\nوبه قال أيضًا أبو عبيدة في \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٩٦، وأبو عبيد في \"غريب القرآن\" ١٤٣، بحاشية كتاب التيسير، وابن قتيبة في: \"تفسير غريب القرآن\" ٥٢٥، والسجستاني في \"نزهة القلوب\" ٤٥٥، ومكي في: \"العمدة في غريب القرآن\" ٣٤٥. وبه قال ابن منظور في \"لسان العرب\" ١٠/ ٣٦١ (نمرق).\nوقال د/ الخضيري في: الإجماع في التفسير: ٥٢٥، ما ذكره الوحدي من الإجماع صحيح لا خلاف فيه.\n(٥) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٥٨، وعنده بكسر النون، والراء رواه عن بعض قبيلة كلب.","vol":"23","page":470},{"text":"عبيدة (١) (لمحمد بن نمير الثقفي (٢» (٣):\nإذا ما بِساط اللَّهْو مُدّ ... وقرّبَتْ للذَّاتِه أنمْاطُهُ ونمارِقُهْ (٤)\nوأنشد للمبرد (٥):\nوإنا لتَجْري الكَأْسُ عن شُرُوبِنَا ... وبين أبى قابوس فوقَ النَمارِقِ (٦) (٧) (٨)\nقال الكلبي: وسائد مصفوفة بعضها إلى بعض (٩) (١٠)، وقال (١١):\n_________\n(١) لم أعثر على مصدر لقوله، وقد أنشد صاحب اللسان لأبي عبيد قول محمد بن عبد الله بن نمير الثقفي: ١٠/ ٣٦ (نمرق).\n(٢) هو محمد بن عبد الله نمير الثقفي النميري -يرد اسمه محمد بن نمير-، شاعر غزل، من شعراء العصر الأموي، مولده ومنشؤه ووفاته في الطائف، كان كثير التشبيب بزينب أخت الحجاج، وتهدده الحجاج، ثم عفا عنه ألا يعود إلى ما كان عليه. انظر: \"الأغاني\" ٦/ ٢٠١ ط. دار الكتب العلمية، \"الأعلام\" للزركلي: ٦/ ٢٢٠.\n(٣) ما بين القوسين ساقط من (أ) ..\n(٤) ورد البيت في: \"لسان العرب\" ١٠/ ٣٦١ (نمرق)، \"الكامل\" ٣/ ١٣٧٠ ونسبه إلى النُصَيْب، وأنشده أبو الفرج في: \"الأغاني\" ١٠/ ١٤٠.\n(٥) في: ع: المبرد.\n(٦) بياض في (ع).\n(٧) البيت للفرزدق انظر ديوانه: ٢/ ٥٤ برواية: \"الخمر\" بدلًا من: \"الكأس\"، و\"سراتنا\" بدلًا من: \"شروبنا\"، كما ورد في \"الكامل\" ٣/ ١٣٦٩، \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٣٤ براوية: \"لنجري\"، \"فتح القدير\" ٥/ ٤٣٠ بمثل رواية القرطبي.\n(٨) ورد قول المبرد في \"الكامل\" ٣/ ٣٦٩.\n(٩) إلى بعض: بياض في: ع\n(١٠) \"التفسير الكبير\" ٣١/ ١٥٦.\n(١١) أي المبرد، أظن ذلك، وكلامه كما جاء في الكامل المرجع السابق: والنَّمَارق واحدتها نُمْرْقة وهي الوسائد، ثم أنشد قول الفرزدق.","vol":"23","page":471},{"text":"يعني الوسائد\n﴿مَصْفُوفَةٌ﴾ على الطنافس (١).\n(قوله تعالى) (٢): ﴿وَزَرَابِيُّ﴾ (٣) يعني البسط، والطنافس واحدها \"زربية\"، وزربي (٤)، في قول جميع أهل اللغة (٥) والتفسير (٦).\n_________\n(١) وهي الطُنْفسة. وهي البساط الذي له خَمْل رَقيق وجمعه طنافس. النهاية في غريب الحديث والأثر: ٣/ ١٤٠، \"لسان العرب\" ٦/ ١٢٧ (طنفس).\n(٢) ساقط من: ع\n(٣) ﴿وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾.\n(٤) بياض في (ع).\n(٥) قال به الزجاج في \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣١٨، والفراء في \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٥٨، وأبو عبيدة في \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٩٦، وبه قال الرازي في: مختار \"الصحاح\" ٢٧٠، وابن منظور في \"لسان العرب\" ١/ ٤٤٧ (زرب).\nوقال الجوهري: الزرابي. النمارق. انظر \"الصحاح\" ١/ ١٤٣ (زرب).\nورده الرازي بقوله: النمارق: الوسائد، وهي مذكورة قبل آية الزرابي، فكيف يكون الزرابي النمارق، وإنما هي الطنافس المحملة والبسط. مختار \"الصحاح\" ٢٧٠، وحكاه الفخر عن أهل اللغة في \"التفسير الكبير\" ٣١/ ١٥٦.\n(٦) وقال بذلك ابن عباس، وقتادة، والضحاك، والحسن، وغير واحد، كما قال ابن كثير انظر: \"جامع البيان\" ٣٠/ ١٦٥، \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٣٧، \"الدر المنثور\" ٨/ ٤٩٣، وقد قال أيضًا بهذا القول الطبري في \"جامع البيان\" ٣٠/ ١٦٤، والسمرقندي في \"بحر العلوم\" ٣/ ٤٧٤، والثعلبي في \"الكشف والبيان\" ١٣/ ٨٠ أ.\nكما قال بذلك أصحاب غريب التفسير: كابن قتيبة في: \"تفسير غريب القرآن\" ٥٢٥، وأبي عبيد في \"غريب القرآن\" ١٤٣، والسجستاني في \"نزهة القلوب\" ٢٥٨، ومكي بن أبي طالب في: \"العمدة في غريب القرآن\" ٣٤٥، وانظر: \"نفس الصباح\" ٢/ ٧٧٩، \"تفسير غريب القرآن\" لابن الملقن: ٥٥٠، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٧٩، \"الكشاف\" ٤/ ٢٠٧، \"زاد المسير\" ٨/ ٢٣٥، \"لباب التأويل\" ٤/ ٣٧٣.","vol":"23","page":472},{"text":"(قوله تعالى) (١): ﴿مَبْثُوثَةٌ﴾ مبسوطة منشورة (٢). قال مقاتل: فكذب كفار مكة، ثم ذكرهم في هذه السورة فدل على صنعه ليعتبروا فلا يكذبوا بما في القرآن (٣) بقوله.\n(قوله تعالى) (٤): ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾\nقال مقاتل: إنما ذكر الإبل بمكة كثير، وليس بها فبلة فذكر لهم ما يرون صباحًا ومساءً (٥).\nوقال قتادة: ذكر الله تعالى ارتفاع سور الجنة وفرشها، فقالوا: كيف نصعدها فأنزل الله هذه الآية (٦).\n_________\n(١) ساقط من (ع).\n(٢) وهو قول قتادة في \"جامع البيان\" ٣٠/ ١٦٥، \"النكت والعيون\" ٦/ ٢٦١.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ٢٣٨ ب بمعناه، وقد عزي هذا القول إلى المفسرين، قال بذلك الثعلبي في \"الكشف والبيان\" ج ١٣/ ٨١ أ، والبغوي في \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٧٩، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٨/ ٢٣٥، والقرطبي في \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٣٤، والخازن في \"لباب التأويل\" ٤/ ٣٧٣، والرواية عن المفسرين في المراجع السابقة.\nقال الثعلبي: قال المفسرون: لما نعت الله تعالى ما في الجنة في هذه السورة عجيب من ذلك أهل الكفر والضلالة، وكذبوا بها فذكرهم الله تعالى صنعه فقال: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾.\n(٤) ساقط من (ع).\n(٥) انظر \"تفسير مقاتل\" ٢٣٨ ب.\n(٦) ورد معنى قوله في \"الكشف والبيان\" ج ١٣: ٨١ أ، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٨٠، \"زاد المسير\" ٨/ ٢٣٥، \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٣٥.\nكما وردت رواية قتادة في \"لباب النقول\" في \"أسباب النزول\" للسيوطي: ٢٢٨، وعزاه إلى ابن جرير، وابن أبي حاتم.","vol":"23","page":473},{"text":"قال أبو عمرو بن العلاء: لأنه من ذوات الأربع يبرك فيحمل عليه الحمولة، وغيره من ذوات الأربع لا يحمل عليه إلا وهو قائم (١).\nوقال أبو إسحاق: نبههم على عظيم من خلقه قد ذلَّلَه (٢) للصغير يقوده، وينيخه، وينهضه، ويحمل عليه الثقيل من الحمل، وهو بارك فينهض بثقل حمله، وليس ذلك في شيء من الحوامل غيره، فأراهم (٣) عظيمًا من خلقه، ليدل بذلك على توحيده (٤).\nثم قال: ﴿وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ﴾ يعني من الأرض لا ينالها شيء بغير عمد، (قاله الكلبي (٥)، ومقاتل (٦» (٧).\n(قوله) (٨): ﴿وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ﴾. (على الأرض مُرسَاهَ مثبتة لا تزول) (٩).\n_________\n(١) \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٣٥، وقد ورد بمثله من غير نسبة في \"زاد المسير\" ٨/ ٢٣٥، \"لباب التأويل\" ٤/ ٢٧٣.\n(٢) في (أ): (قدر الله).\n(٣) في (أ): (فأرارهم).\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣١٨ بيسير من التصرف.\n(٥) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٦) \"تفسير مقاتل\" ٢٣٨ ب.\nقال كيف رفعت فوقهم خمسمائة عام، وقد ورد بمثله من غير عزو في \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٨٠، \"زاد المسير\" ٨/ ٢٣٦، \"التفسير الكبير\" ٣١/ ١٥٨، \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٣٦، \"لباب التأويل\" ٤/ ٢٧٣.\n(٧) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٨) ساقط من (أ).\n(٩) ما بين القوسين من قول الزجاج في \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢١٨.","vol":"23","page":474},{"text":"(قوله) (١): ﴿وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ أي بسطت (٢)، والسطح بسط الشيء، ويقال لظهر البيت إذا كان مستويًا: سطح، وفعله (٣): التسطيح (٤).\nقال أبو عبيدة: (يقال) (٥) جبل مُسَطَّح (٦) إذا كان في أعلاه استواء (٧).\nقال (عطاء عن) (٨) ابن عباس: يقول: هل يقدر أحد أن يخلق مثل الإبل، أو يرفع مثل السماء، أو ينصب مثل الجبال، أو يسطح مثل الأرض غيري؟! وهل يفعل مثل هذا الفعل أحد سواي (٩)؟!\nقال مقاتل: فلم يعتبروا بما رأوا من صنعه وعجائبه (١٠).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4992>٢١ </span>- فقال: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ قال ابن عباس: فعظ إنما أنت واعظ (١١) (١٢)، ولم يؤمر إذ ذاك إلا بالتذكرة، ويدل عليه قوله:\n_________\n(١) ساقط من (أ).\n(٢) قاله ابن قتيبة في \"تفسير غريب القرآن\" ٥٢٥، والزجاج في \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣١٩، والسمرقندي في \"بحر العلوم\" ٣/ ٤٧٤، والثعلبي في \"الكشف والبيان\" ١٣/ ٨ أ.\n(٣) فعلله في (ع).\n(٤) سطح، انظر \"لسان العرب\" ٢/ ٢٨٤ (سطح).\n(٥) ساقط من (أ).\n(٦) قوله: جبل مسطح: بياض في (ع).\n(٧) \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٩٦.\n(٨) ساقط من (أ) ..\n(٩) \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٨٠، \"لباب التأويل\" ٤/ ٣٧٣.\n(١٠) لم أعثر على مصدر لقوله، والذي ورد عنه في \"تفسيره\" ٢٣٨ ب، ثم ذكر عجائبه فقال: أفلا ينظرون إلى الإبل الآية.\n(١١) بياض في (ع).\n(١٢) لم أعثر على مصدر لقوله، وقد ورد بمثل قوله من غير عزو في \"النكت والعيون\" ٦/ ٢٦٢، \"لباب التأويل\" ٤/ ٣٧٣.","vol":"23","page":475},{"text":"﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ أي بمسلط فتقتلهم، وتكرههم على الإيمان، ثم نسختها آية القتال.\n(هذا قول جميع المفسرين) (١) (٢)، والكلام في تفسير هذا الحرف قد تقدم عند قوله: ﴿أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ﴾ (٣)، ومثل هذه الآية قوله: ﴿وَمَا أَنْتَ\n_________\n(١) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٢) عزاه الفخر إلى جميع المفسرين في \"التفسير الكبير\" ٣١/ ١٦٠، وقال بالنسخ أيضًا ابن زيد في: \"الناسخ والمنسوخ\" لأبي جعفر: ٢٩٦، وهبة الله بن سلام في: \"الناسخ والمنسوخ\" ١٩٧، وابن البارزي في: \"ناسخ القرآن العزيز ومنسوخه\" ٥٨. وممن قال بنسخها الزجاج في \"معاني القرآن\" ٥/ ٣١٩، السمرقندي في \"بحر العلوم\" ٣/ ٤٧٤، الثعلبي في \"الكشف والبيان\" ١٣/ ٨١ ب.\nوانظر أيضًا: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٨٠، \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٧٥، \"زاد المسير\" ٨/ ٢٣٦، \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٣٧، \"لباب التأويل\" ٤/ ٣٧٣، \"فتح القدير\" ٥/ ٤٣١.\nوقال ابن الجوزي في قوله: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ قيل: نسخت بآية السيف، وقيل: معناها لست عليهم بمسلط فتكرههم على الإيمان، فعلى هذا لا نسخ. انظر: \"المصفى بأكف أهل الرسوخ\" ٥٩، و\"نواسخ القرآن\" ٢٥٢، وكلاهما لابن الجوزي.\nقلت: الآية ليس فيها ما يدل على التعارض المؤدي إلى نسخها، وحديث جابر بن عبد الله فيه دلالة على أن الآية ليست منسوخة، والحديث عن جابر بن عبد الله قال: قال: رسول الله -ﷺ-. أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوا لا إله إلا الله عصموا مني دمائهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله، ثم تلا رسول الله -ﷺ- ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾، والحديث أخرجه مسلم في \"صحيحه\" ١/ ٣٢٤: ح: ٣٥ كتاب الإيمان: باب ٨، والنسائي في \"سننه\" ٣/ ٥١٩ - ٥٢٠: ح: ٦٩٠، والترمذي في \"سننه\" ٥/ ٤٤١: ح: ٣٣٤١: كتاب تفسير القرآن: باب ٧٨، قال عنه حديث حسن صحيح.\n(٣) سورة الطور: ٣٧.","vol":"23","page":476},{"text":"عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ﴾ [ق: ٤٥] الآية.\nثم استثنى فقال: ﴿إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ﴾ ذكر الفراء في الاستثناء الوجهين: أحدهما: أن يكون مستثنى من الكلام الذي [كان] (١) التذكير يقع عليه، وإن لم يُذَكر كما تقول: اذهب، وعظ، وذكّر إلا من لا (تطمع) (٢) فيه، وعلى هذا معنى الكلام فذكر ﴿إِلَّا مَنْ تَوَلَّى﴾.\nالوجه الثاني: أن يكون منقطعًا عما قبله، كما تقول في الكلام: قعدنا نتذاكر الخير؛ إلا أن كثيرًا من الناس لا يرغب، فهذا المنقطع.\nوقال: وتعرف المنقطع من الاستثناء بحُسْن \"إن\" في المستثنى (فإذا كان الاستثناء) (٣) محضًا متصلًا لم يحسن فيه \"إن\"، ألا ترى أنك تقول: عندي مائتان إلا درهمًا، فلا تدخل (٤) \"إن\"، وهَاهنا يحسن \"إن\" بأن يقول: ﴿إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ (٢٣) فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ﴾ (٥)\nوذكر بعض النحويين (٦) أن هذا الاستثناء يجوز أن يكون عن الضمير\n_________\n= وقد ورد في تفسيرها قوله: \"أهم المسيطرون\" أي الأرباب المسلطون، ومصدره من التسطير، وقد قال المفسرون في تفسير هذا الحرف: المسلطون الجبارون، الأرباب القاهرون، كل هذا من ألفاظهم.\nوالمعنى: أم هم الأرباب، فلا يكونوا تحت أمر ونهي يفعلون ما شاءوا.\n(١) هو: في كلا النسختين، ولا يستقيم الكلام بها، وأثبت ما جاء في المعاني.\n(٢) تطعم: في كلا النسختين، وهو ظاهر الخطأ، وأثبت ما جاء في المعاني لاستقامة المعنى به.\n(٣) ما بين القوسين ساقط من النسختين، وأثبت ما جاء في المعاني.\n(٤) في (أ): إلا، وهو حرف زائد في السياق.\n(٥) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٥٩ بتصرف.\n(٦) قال ذلك النحاس في: \"إعراب القرآن\" ٥/ ٢١٥، وانظر أيضًا: البيان في \"إعراب القرآن\" لابن الأنباي: ٢/ ٥١٠، التبيان في \"إعراب القرآن\" ٢/ ١٢٨٤، \"الدر المصون\" ٦/ ٥١٤.","vol":"23","page":477},{"text":"في \"عليهم\" على تقدير: لست عليهم بمسيطر إلا على من تولى (وكفر) (١) وهذا ليس بالسهل؛ لأن النبي -ﷺ- ما كان حينئذ مأمورًا بالقتال، ولا مسلطًا على أحد.\nوالمعنى: إلا من أعرض عن الإيمان، وجحد ربوبيتي. قاله مقاتل (٢)، وعطاء (٣). ﴿فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ﴾ قال الكلبي: يدخله النار (٤).\nوقال مقاتل: لا عذاب أعظم من النار، وهو أكبر من الجوع الذي أصابهم، والقتل ببدر (٥).\nثم ذكر أن مرجعهم إليه فقال: ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ﴾ أي رجوعهم ومصيرهم بعد الموت، آب، يؤوب، إيابًا، وأوْبًا (٦) قال (٧):\nفرجِّي الخيرَ وانتظري إيابي ... إذا مالقارظ العَنزي آبَا (٨)\n_________\n(١) ساقط من (ع).\n(٢) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٣) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٤) لم أعثر على مصدر لقوله. وورد بمثله من غير نسبة في \"زاد المسير\" حاشية ٨/ ٢٣٦.\n(٥) لم أعثر على مصدر لقوله، وورد بمثله من غير عزو في \"الكشف والبيان\" ١٣/ ٨٢ أ، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٨٠، \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٧٥، \"زاد المسير\" ٨/ ٢٣٦، \"لباب التأويل\" ٤/ ٣٧٤.\n(٦) راجع ذلك في \"تهذيب اللغة\" ١٥/ ٦٠٧ (آب)، \"لسان العرب\" ١/ ٢١٧ - ٢١٨ (أوب).\n(٧) بشر بن أبي خازم يخاطب ابنته عميرة وهو يجود بنفسه لما أصابه سهم من غلام وائلة.\n(٨) انظر: (قرظ) في \"تهذيب اللغة\" ٩/ ٦٧، \"الصحاح\" ٣/ ١١٧٧، \"لسان العرب\" ٧/ ٤٥٥، \"تاج العروس\" ٥/ ٢٥٩.","vol":"23","page":478},{"text":"وأما \"إيابهم\" بتشديد \"الياء\"، فإنه شاذ (١)، ولم أر أحدًا أجازه غير الزجاج، فإنه قال: (يقال) (٢) أيّب إيّابًا على فَيْعَل فِيْعالًا، والأصل إيوابًا فأدغمت \"الياء\" في \"الواو\"، وانقلبت \"الواو\" إلى \"الياء\"؛ لأنها سبقت بسكون (٣). هذا كلامه.\nوقوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ قال عطاء: يريد جزاؤهم (٤).\nوقال مقاتل: يعني جزاءهم بعد المرجع على الله (٥) كقوله: ﴿إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي﴾ [الشعراء: ١١٣]. بمعنى جزاءهم.\nتمت\n_________\n(١) قرأ بذلك أبو جعفر يزيد، انظر \"المحتسب\" لابن جني ٢/ ٣٥٧، \"مختصر في شواذ القرآن\" لابن خالويه ١٧٢، \"النشر\" ٢/ ٤٠٠، \"الإتحاف\" ٤٣٨، \"التحبير\" ١٩٩، وقرأ الباقون بتخفيفها.\n\"النشر\" ٢/ ٤٠٠، \"الإتحاف\" ٤٣٨، \"التحبير\" ١٩٩.\n(٢) ساقط من (أ).\n(٣) \"معاني القرآن\" ٥/ ٣١٩ بنحوه.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ٢٣٨ ب.\n(٥) \"زاد المسير\" ٨/ ٢٣٦ مختصر جدًا.","vol":"23","page":479},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4993>سورة الفجر</span>","vol":"23","page":481},{"text":"تفسير سورة الفجر <span data-type=\"title\" id=toc-4994>(١)</span>\nبسم الله الرحمن الرحيم\n\n١ - ﴿وَالْفَجْرِ﴾، قال ابن عباس: فجر النهار. وهو رواية أبى نصر (٢) (٣)،\n_________\n(١) مكية عن ابن الجوزي بالإجماع: \"زاد المسير\" ٨/ ٢٣٧، والشوكاني في \"فتح القدير\" ٥/ ٤٣٢، وعند جمهور المفسرين بقول ابن عطية في \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٧٦، وحكي عن أبي عمرو الداني عن بعض العلماء أنه قال: هي مدنية. \"المحرر\" ٥/ ٤٧٦.\nوبالقول مكية ذهب صاحب \"جامع البيان\" ٣٠/ ١٦٨، و\"بحر العلوم\" ٣/ ٤٧٥، و\"الكشف والبيان\" ١٣/ ٨٢ أ، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٨١، وغيرها من كتب التفسير.\n(٢) أبو نصر الأسديّ، بَصْري، روى عن ابن عباس، وعنه خليفة بن حصين، وقد قال عنه كوفي ثقة وقال عنه المزي، وأبو نصر هذا لم يعرف سماعه من ابن عباس، وعن ابن حجر قال: أبو نصر الأسدي مجهول من الرابعة.\nكتاب الجرح والتعديل: ٩/ ٤٤٨ ت ٢٢٧٨، \"تهذيب الكمال\" ٣٤/ ٣٤٣ ت ٧٦٦٧، \"تقريب التهذيب\" ٢/ ٤٨٠ ت: ٧.\n(٣) \"تفسير الإمام مجاهد\" ٧٢٦، \"جامع البيان\" ٣/ ١٦٨، \"الكشف والبيان\" ١٣/ ٨٢ أ، \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٧٦، \"زاد المسير\" ٨/ ٢٣٨، \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٣٩، \"الدر المنثور\" ٨/ ٤٩٨، وعزاه إلى الفريابي، وابن أبي حاتم، كما ذكرت رواية ابن عباس من غير ذكر طريق أبي نصر في \"النكت والعيون\" ٦/ ٢٦٥، \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٣٨، \"لباب التأويل\" ٤/ ٣٧٤، وقال أحمد شاكر =","vol":"23","page":483},{"text":"وأبي صالح (١).\nوقول عكرمة (٢)، (وزيد بن أسلم (٣» (٤)، ومحمد بن كعب (٥)، (والأسود بن يزيد (٦) (٧)، قالوا: هو انفجار الصبح من كل يوم) (٨). وقال في رواية العوفي: صلاة الفجر (٩). وقال في رواية عثمان (١٠) بن مُحَيْصِن (١١) هو (١٢): فجر المحرم (١٣)، وهو قول قتادة قال: أقسم بأول يوم من المحرم.\n_________\n= عن هذه الرواية إنها صحيحة، انظر قوله في \"الكامل\" ٢/ ٦٧٢: حاشية ١١، وانظر أيضًا روايته في \"المستدرك\" ٢/ ٥٢٢، كتاب التفسير: تفسير سورة الفجر، وقال صحح الإسناد ووافقه الذهبي.\n(١) \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٨١، والرواية عنه قال: انفجار الصبح كل يوم، وكذا في \"زاد المسير\" ٨/ ٢٣٨.\n(٢) \"جامع البيان\" ٣٠/ ١٦٨، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٨١، \"زاد المسير\" ٨/ ٢٣٨.\n(٣) \"الكشف والبيان\" ١٣/ ٨٢ أ، \"زاد المسير\" ٨/ ٢٣٨.\n(٤) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٥) المرجعان السابقان.\n(٦) تقدمت ترجمته في سورة البقرة.\n(٧) ورد معنى قوله في \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ٢٥٩، وكلامه قال: هو فجركم هذا.\n(٨) ما بين القوسين: ساقط من (أ).\n(٩) \"جامع البيان\" ٣٠/ ١٦٨، \"الكشف والبيان\" ١٣/ ٨٢ أ، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٨١، \"زاد المسير\" ٨/ ٢٣٨، \"لباب التأويل\" ٤/ ٣٧٤، \"الدر المنثور\" ٨/ ٤٩٨.\n(١٠) (عثمن) في كلا النسختين\n(١١) عثمان بن محيصن. لم أعثر له على ترجمة.\n(١٢) في (أ): (وهو).\n(١٣) ورد قوله في \"الكشف والبيان\" ١٣/ ٨٢ أ، \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٧٤٦، من غير ذكر طريق ابن محيصن، \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٣٨.","vol":"23","page":484},{"text":"تنفجر من السنة (١).\nوقال في رواية عطاء: يريد صبيحة يوم النحر (٢). قال الضحاك: هو فجر ذي الحجة؛ لأن الله تعالى قرن الأيام بها (٣) فقال: (قوله) (٤): ﴿وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ وهو عشر ذي الحجة في قول جمهور المفسرين: عكرمة (٥)، ومقاتل (٦)، (والكلبي (٧)، ومسروق (٨)، والضحاك (٩» (١٠)، ومجاهد (١١)،\n_________\n(١) \"الكشف والبيان\" ١٣/ ٨٢ أ، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٨١، \"زاد المسير\" ٨/ ٢٣٨، \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٣٨، \"فتح القدير\" ٥/ ٤٣٢، \"روح المعاني\" ٣٠/ ١١٩ وفي جميع المراجع رواية \"منه\" بدلًا من: \"من\".\n(٢) \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٣٩.\n(٣) المرجع السابق، وانظر أيضًا: \"الكشف والبيان\" ١٣/ ٨٢ أ، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٨١، \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٧٦، \"زاد المسير\" ٨/ ٢٣٨، \"فتح القدير\" ٥/ ٤٣٢، \"روح المعاني\" ٣٠/ ١١٩.\n(٤) ساقط من (ع).\n(٥) \"جامع البيان\" ٣٠/ ١٦٩، \"الكشف والبيان\" ١٣/ ٨٢ أ.\n(٦) \"تفسير مقاتل\" ٢٣٨ ب، \"زاد المسير\" ٨/ ٢٣٨.\n(٧) \"الكشف والبيان\" ج ١٣: ٨٢ أ، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٨١، \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٣٩، \"البحر المحيط\" ٨/ ٤٦٨، \"فتح القدير\" ٥/ ٤٣٢.\n(٨) \"جامع البيان\" ٣٠/ ١٦٩.\n(٩) المرجع السابق، \"الكشف والبيان\"، \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٧٧، \"زاد المسير\".\n(١٠) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(١١) المراجع السابقة إضافة إلى \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٣٦٩، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٨١، \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٧٧، \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٣٩، \"البحر المحيط\" ٨/ ٤٦٨، \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٤٠.","vol":"23","page":485},{"text":"وقتادة (١)، (والسدي (٢» (٣)، واختيار الفراء (٤)، والزجاج (٥)، قالوا: هي عشر الأضحى.\nوهي رواية أبى نصر عن ابن عباس (٦)، وعطاء عنه (٧) قال: هي تسعة أيام وعشر ليال: عشر الأضحى.\nوروى قابوس (٨)، عن أبيه (٩)، عن ابن عباس قال: هي العشر الأواخر من رمضان (١٠).\n_________\n(١) \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٣٦٩، \"جامع البيان\" ٣٠/ ١٦٩، \"الكشف والبيان\" ج ١٣: ٨٢ ب، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٨١، \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٧٧، \"زاد المسير\" ٨/ ٢٣٨، \"البحر المحيط\" ٨/ ٤٦٨.\n(٢) المراجع السابقة عدا \"تفسير عبد الرزاق\"، و\"جامع البيان\"، وانظر أيضا في \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٣٩، \"فتح القدير\" ٥/ ٤٣٢، \"تفسير السدي\" ٤٧٦.\n(٣) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٤) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٥٩.\n(٥) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٦) \"جامع البيان\" ٣٠/ ١٦٩، \"النكت والعيون\" ٦/ ٢٦٥، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٨١، \"زاد المسير\" ٨/ ٢٣٨ برواية العوفي عنه، \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٣٩، ولم يذكر الطريق إلى ابن عباس، \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٤٠.\n(٧) \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٣٩، ولم يذكر طريق ابن عباس.\n(٨) تقدمت ترجمته في سورة الإسراء.\n(٩) أبوه هو: حُصَيْن بن جُنْدَب بن عَمرو بن الحارث بن أدد أبو ظبيان الجَنْبي الكوفي والد قابوس، روى عن أسامة بن زيد، وعنه إبراهيم النخعي، ثقة، مات ٨٩ هـ وقيل ٩٠ هـ.\nانظر: \"تاريخ الثقات\" للعجلي ١٢٢: ت: ٢٩٧، \"الكاشف\" ١/ ١٧٤: ت ١١٣١، \"تهذيب الكمال\" ٦/ ٥١٤: ت: ١٣٥٥.\n(١٠) ورد قوله من طريق أبي ظبيان في: =","vol":"23","page":486},{"text":"وقال يمان: العشر الأول من المحرم التي عاشرها يوم عاشوراء (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4995>٣ </span>- وقوله (٢) تعالى: ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾، قال [أبو عبيدة] (٣): الشفع (الزَّكا) (٤)، وهو الزوج، والوتر: الخَسَاء (٥)، وهو الفرد.\nوقال (٦) الليث: الشفع من العدد ما كان أزواجًا، تقول: كان وترًا فشفعته بآخر حتى صار شفعًا (٧)، والوتر: الفرد.\nقال ابن السكيت: (قال يونس) (٨): أهل العالية (٩) يقولون: الوَتْر في\n_________\n= \"الكشف والبيان\" ١٣/ ٨٢ ب، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٨١، \"زاد المسير\" ٨/ ٢٣٨، كما ورد عنه من غير ذكر الطريق إليه في:\n\"النكت والعيون\" ٦/ ٢٦٥، \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٧٧، \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٣٩، \"لباب التأويل\" ٤/ ٣٧٤، \"البحر المحيط\" ٨/ ٤٦٨، \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٤٠، \"الدر المنثور\" ٨/ ٥٠٢، وعزاه أيضًا إلى ابن المنذر، وابن أبي حاتم.\n(١) \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٣٩.\n(٢) في (أ): (قوله).\n(٣) في كلا النسختين: أبو عبيد، وأثبت \"أبو عبيدة\"؛ لأن النص المنقول هو لأبي عبيدة، انظر: \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٩٧، وكذلك ورد في الوسيط أنه أبو عبيدة: ٤/ ٤٨٠، وفي \"تفسير غريب القرآن\" أيضا: ٥٢٦، والله أعلم.\n(٤) في (أ): (الذكر وغير مقروء في (ع)، والصواب أنه الزكا، هكذا ورد في المجاز، ويراد بالزكا: زوج من الأعداد، \"تهذيب اللغة\" ٧/ ٤٨٤ (خسا)، وانظر: \"لسان العرب\" ١٤/ ٣٥٨ (زكا).\n(٥) الخسا: أفراد الشيء، أي فرد. \"تهذيب اللغة\" ٧/ ٤٨٤ (خسا).\n(٦) في (أ): (قال).\n(٧) \"تهذيب اللغة\" ١/ ٤٣٧ (شفع).\n(٨) ساقط من (أ).\n(٩) العالية: اسم لكل من جهة نجد من المدينة من قراها وعمايرها إلى تهامة في =","vol":"23","page":487},{"text":"العدد، والوِتر في الذَّحْل (١)، وتميم تقول: وتر في العدد (٢) والذَّحْل سواء (٣).\nوقال الفراء: الكسر (٤) قراءة الحسن، والأعمش، وابن عباس والفتح (٥) قراءة أهل المدينة، وهي لغة حجازية (٦).\nوقال الأصمعي: كل فردٍ وِتْرٌ، وأهل الحجاز يفتحون فيقولون: وَتْر في الفرد، ويكسرون في الذَّحْل، ومن تحتهم من قيس (٧)، وتميم\n_________\n= العالية، وما كان دون ذلك من جهة تهامة فهي السافلة، وقال قوم: العالية ما جاوز الرمة إلى مكة، وهم عكل وتيم، وطائفة من بني ضبة .. ومن أهل المجاز من هو ليس بنجدي ولاغوري، وهم الأنصار ومزينة ومن خالطهم من كنانة .. \"معجم البلدان\" ٤/ ٧١.\n(١) الذحل: جمعه ذُحُول وهو النَّرَة: \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٤٦٥ (ذحل).\nوفي اللسان: الذَّحل الثأر الوتر، وطلب المكافأة بجناية جنيت عليه من قتل أو جرح ونحو ذلك: ١١/ ٢٥٦ (ذحل).\n(٢) قوله وتر في العدد: بياض في (ع).\n(٣) ورد قوله في \"إصلاح المنطق\" ٣٠.\n(٤) قرأ بالكسر أيضًا حمزة، والكسائي، وخلف (بكسر الواو).\nانظر: كتاب \"السبعة في القراءات\" لابن مجاهد: ٦٨٣، \"القراءات وعلل النحويين فيها\" ٢/ ٧٧١، \"الحجة\" ٦/ ٤٠٢، \"المبسوط\" ٤٠٧، \"حجة القراءات\" ٧٦١، \"إتحاف فضلاء البشر\" ٤٣٨، \"المهذب\" ٢/ ٣٣٢.\n(٥) وقرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وعاصم، وابن عامر، ويعقوب، وأبو جعفر. انظر: كتاب \"السبعة في القراءات\" ٦٨٣، \"القراءات وعلل النحويين فيها\" ٢/ ٧٧١، \"الحجة\" ٦/ ٤٠٢، \"المبسوط\" ٤٠٧.\n(٦) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٦٠.\n(٧) قيس: هم بطون، بطن آل عامر بن صعصعة من العدنانية، وبطن من ذهل من شيبان من العدنانية، بطن من لخم من القحطانية.\n\"نهاية الأرب\" للقلقشندي: ٣٦١ - ٣٦٢.","vol":"23","page":488},{"text":"يُسَوُّونها (١) في الكسر، ويقال في الوتر الذي هو الفرد: أوترت فلانًا، أوتر إيتارًا، أي جعلته وِتْرًا (٢). ومنه الحديث الذي: (إذا استجمرت فأوتر) (٣).\nقال ابن السكيت: كان القوم وترًا فشفعتهم، وكانوا شفعًا فوترتهم (٤). ويقال في الرجل: وَتَرْتُه فأنا أتره وِتْرًا، وَتِرةً، إذا قتلت (٥)\n_________\n(١) في (أ): (يسونها).\n(٢) ورد قوله في \"الحجة\" ٦/ ٤٠٢\n(٣) أخرجه البخاري في: \"الجامع الصحيح\" ١/ ٧٣: ح: ١٦١ - ١٦٢، كتاب الوضوء: باب ٢٥ و٢٦ من طريق أبي هريرة، ومسلم في \"صحيحه\" ١/ ٢١٢: ح: ٢٢ - ٢٤ من كتاب الطهارة باب ٨، وأحمد في \"المسند\" ٤/ ٣١٣ - ٣١٤ - ٣٣٩ - ٣٤٠ عن طريق سلمة بن قيس، وابن ماجه في \"سننه\" ١/ ٧٩: ح: ٤٢٣، كتاب الطهارة: باب ٤٤١، والترمذي في \"سننه\" ١/ ٤٠ كتاب الطهارة: باب ٢١، والنسائي في \"سننه\" ١/ ٧١: ح: ٨٩ عن جابر بن عبد الله كتاب الطهارة باب ٧٢، واللفظ له. ونص الحديث: عن سلمة بن قيس: أن رسول الله قال: \"إذا توضأت فاستنثر وإذا استجمرت فأوتر\". وانظر أيضًا: صحيح سنن ابن ماجه: ١/ ٧٠، قال عنه الألباني صحيح، سلسلة الأحاديث الصحيحة: ٣/ ٢٩١ رقم: ١٣٠٥، وقال عنه: إسناده صحيح، رجاله كلهم ثقات، رجال مسلم غير الأشجعي، وهو صحابي غير معروف، \"مشكاة المصابيح\" ١/ ١١١: ح: ٣٤١: كتاب الطهارة، باب آداب الخلاء، قال متفق عليه.\nومعنى قوله: \" إذا استجمرت فأوتر\" معنى استجمرت: الاستجمار استفعال من استعمال الجمار، وهي الحصى الصغار، لأن الغالب أن التمسح يكون بها.\nفليوتر: الوتر ضد الشفع صادق بالواحد، والثالث، والخامس، والسابع، وهكذا في الأعداد كلها.\nشرح سنن النسائي: لمحمد الشنقيطي: ١/ ٢٧٢: الرخصة في الاستطابة بحجر واحد: ٣٩.\n(٤) لم أعثر على مصدر لقوله، وقد ورد في \"لسان العرب\" ٥/ ٢٧٣ (وتر) مثل قوله، ولكن غير منسوب.\n(٥) في (أ): (قتلت).","vol":"23","page":489},{"text":"له قتيلًا، وأخذت ماله (١)، ومنه الحديث: (فكأنما وُتِر أهله وماله) (٢).\nقال أبو بكر بن (٣) السراج (٤) قولهم (٥): وترته في الرجل؛ إنما هو أفردته من أهله وماله (٦): وعلى هذا أصل المعنيين من الأفراد.\nوأما التفسير: فجمهور المفسرين على أن الشفع يوم النحر، والوتر يوم عرفة، وهو قول عكرمة (٧)، (والضحاك (٨)، ورواية زُرارة بن أوفى (٩» (١٠)\n_________\n(١) \"لسان العرب\" ٥/ ٢٧٤ (وتر) وعزاه إلى الفراء.\n(٢) الحديث أخرجه البخاري في: \"الجامع الصحيح\" ١/ ١٩٠: ح: ٥٥٢: كتا ب المواقيت باب ١٤، ونص الحديث كما هو عنده: عن ابن عمر أن رسول الله قال: الذي تفوته صلاة العصر كأنما وُتِرَ أهله وَمَالَهُ.\nومسلم في \"صحيحه\" ٢/ ٤٣٥ - ٤٣٦: ح ٢٠١ - ٢٠٠: كتاب المساجد ومواضع الصلاة: باب التغليظ في تفويت صلاة العصر ج ٤/ ٢١٢ ح ١١ كتاب الفتن باب نزول الفتن كمواقع القطر، ومالك في \"الموطأ\" ١/ ٤٣ ح ٢١ كتاب وقوت الصلاة باب ٥. وانظر: صحيح ابن ماجه: ١/ ١١٣: ح: ٥٥٩ - ٦٨٥.\n(٣) ساقط من (ع).\n(٤) في: ع: أبو بكر السراج.\n(٥) في (أ): (قوله).\n(٦) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٧) \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٣٧٠، \"جامع البيان\" ٣٠/ ١٧٠، \"زاد المسير\" ٨/ ٢٣٨، \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٤٠، \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٤٠، \"الدر المنثور\" ٨/ ٥٠٤، وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن أبي حاتم.\n(٨) المراجع السابقة عدا \"تفسير عبد الرزاق\"، و\"الجامع لأحكام القرآن\".\n(٩) زُرارة بن أَوْفَى العامري الحَرشِيُّ، أبو حاجب البصري قاضي البصرة، روى عن ابن عباس ثقة، وله أحاديث، روى له الجماعة، مات فُجاءة سنة ٥٩٣.\nانظر: \"الطبقات الكبرى\" ٧/ ١٥٠، \"المراسيل\" لابن أبي حاتم: ٥٨: ت: ٩٤، \"تهذيب الكمال\" ٩/ ٣٣٩: ت: ١٩٧٧.\n(١٠) ما بين القوسين ساقط من (أ).","vol":"23","page":490},{"text":"عن ابن عباس (١)، وجابر بن عبد الله (٢) عن النبي -ﷺ- قالوا: الوتر يوم عرفة، والشفع يوم النحر (٣).\nواختاره الفراء (٤)، والزجاج (٥).\nوروى (مجاهد) (٦) عن ابن عباس قال: الوتر: آدم شفع بزوجته (٧)، وقال في رواية عطاء: الشفع: آدم، وحواء، والوتر هو: الله وحده لا شريك له (٨)، (وهذا قول مقاتل (٩» (١٠).\n_________\n(١) \"جامع البيان\" ٣٠/ ١٧٠، كما ورد عنه من غير ذكر الطريق إليه في \"بحر العلوم\" ٣/ ٣٧٥، \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٤٠، \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٤٠، كما ذكر عن طريق عكرمة عنه في \"زاد المسير\" ٨/ ٢٣٨.\n(٢) تقدمت ترجمته في سورة البقرة.\n(٣) أخرجه الإمام أحمد في \"المسند\" ٣/ ٣٢٧، أخرجه البزار في \"كشف الأستار\" ٣/ ٨٠ - ٨١: ح: ٢٢٨٦، وقال: لا نعلمه يروى عن جابر إلا بهذا الإسناد، وقال الهيثمي: رواه البزار وأحمد ورجالهما رجال الصحيح غير عياش بن عقبة، وهو ثقة: ٧/ ١٣٧، كما أورده صاحب: \"الكشف والبيان\" ١٣/ ٨٢ ب، \"النكت والعيون\" ٦/ ٢٦٦، \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٤٠.\n(٤) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٥٩\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣٢١\n(٦) ساقط من (أ).\n(٧) \"تفسير غريب القرآن\" ابن قتية: ٥٢٦، \"بحر العلوم\" ٣/ ٤٧٥، \"زاد المسير\" ٨/ ٢٣٩، \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٤٠.\n(٨) \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٤٠ من غير ذكر الطريق إلى ابن عباس، \"فتح القدير\" ٥/ ٤٣٣ منسوبًا إلى عطاء.\n(٩) \"تفسير مقاتل\" ٢٣٨ ب، \"الكشف والبيان\" ١٣/ ٨٣ ب \"زاد المسير\" ٨/ ٢٣٩.\n(١٠) ما بين القوسين ساقط من (أ).","vol":"23","page":491},{"text":"وقال في رواية الكلبي: الشفع: يوم النحر، والوتر: ثلاثة أيام بعده (١).\nوقال ابن الزبير: الشفع: يومان بعد يوم النحر، والوتر: اليوم الثالث، قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٢٠٣] (٢).\nوقال قتادة: الشفع والوتر: الصلاة منها شفع، ومنها الوتر (٣) (٤)، (وهو قول عمران بن حصين (٥)، ورواه مرفوعًا أيضًا عن النبي -ﷺ- سئل عن الشفع والوتر قال: الصلاة منها شفع، ومنها الوتر) (٦) (٧).\n_________\n(١) لم أعثر على مصدر لقوله. وقد ورد بمثله عن عطاء في \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٤٠.\n(٢) ورد قوله في \"الكشف والبيان\" ١٣/ ٨٣ أ، \"النكت والعيون\" ٦/ ٢٦٦، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٨١، \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٧٦، \"زاد المسير\" ٨/ ٢٣٩، \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٤٠، \"لباب التأويل\" ٤/ ٣٧٤، \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٤٠، كما ورد بمثله عن ابن زيد في \"جامع البيان\" ٣٠/ ١٧٠.\n(٣) \"جامع البيان\" ٣٠/ ١٧١، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٨١، \"زاد المسير\" ٨/ ٢٩٣، \"الدر المنثور\" ٨/ ٥٠٢، وعزاه إلى عبد بن حميد، \"فتح القدير\" ٥/ ٤٣٣.\n(٤) في: ع: أوتر.\n(٥) ورد قوله في: \"جامع الأصول\" ٢/ ٤٢٨: ح: ٨٧٧ \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٣٧٠، \"تفسير غريب القرآن\"، لابن قتيبة: ٥٢٦، \"جامع البيان\" ٣٠/ ١٧١، \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٤٠، \"الدر المنثور\" ٨/ ٥٠٢، وعزاه إلى عبد بن حميد.\n(٦) ما بين القوسين ساقط من: أ.\n(٧) وقد أخرجه الإمام أحمد في \"المسند\" ٤/ ٤٤٢، والترمذي في \"سننه\" ٥/ ٤٤٠، وقال: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث قتادة، كتاب تفسير القرآن: باب ٧٩، والحاكم في \"المستدرك\" ٢/ ٥٢٢، كتاب التفسير: باب تفسير سورة الفجر، قال الحاكم: حديث صحيح الإسناد ووافقه الذهبي. =","vol":"23","page":492},{"text":"وقال عطية العوفي: الشفع: الخلق، قال الله تعالى: ﴿وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا﴾ [عم: ٨] والوتر هو الله ﷿ (١)، وهذا قول الحكم (٢) (٣) قال: كل\n_________\n= قال محقق \"النكت والعيون\" وفيه نظر فإن الراوي عن عمران شيخ من أهل البصرة مجهول، ولم يوثقه إلا ابن حبان. ٦/ ٢٦٥. حاشية.\nقال ابن كثير: ورواه ابن أبي حاتم حدثنا أحمد بن سنان الواسطي: حدثنا يزيد بن هارون: أخبرنا همام بن قتادة عن عمران بن عصام الضبعي شيخ من أهل البصرة عن عمران بن حصين عن النبي فذكره هكذا رأيته في تفسيره، فجعل الشيخ البصري هو عمران بن عصام، وهكذا رواه ابن جرير: أخبرنا نصر ابن علي حدثني أبي حدثني خالد بن قيس عن قتادة عن عمران بن عصام عن عمران بن حصين عن النبي ثم ذكر الحديث، فأسقط ذكر الشيخ المبهم. وتفرد به عمران بن عصام الضبعي، أبو عمارة البصري إمام مسجد بني ضبيعة، وهو والد أبي جمرة نصر بن عمران الضبعي، روى عنه قتادة، وابنه أبو جمرة، والمثنى بن سعيد، وأبو التياح يزيد بن حميد، وذكر ابن حبان في كتاب الثقات (٥/ ٢٢١) وذكره خليفة بن خياط في التابعين من أهل البصرة (ص ٢٨٢)، وكان شريفًا نبيلًا حظيًا عند الحجاج بن يوسف، ثم قتله يوم الراوية سنة ٥٨٢ لخروجه مع ابن الأشعث، وليس له عند الترمذي سوى هذا الحديث الواحد ثم قال وعندي أن وقفة على عمران بن حصين أشبه والله أعلم. \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٤١، وقال الأرناؤوط في تخريج \"جامع الأصول\" ٢/ ٤٢٨: وفي إسناده عمران بن عصام لم يوثقه غير ابن حبان. كما أخرجه الطبري في \"جامع البيان\" ٣٠/ ١٧٢، والثعلبي في \"الكشف والبيان\" ١٣/ ٨٣ أ، والماوردي في \"النكت والعيون\" ٦/ ٢٦٥، وانظر أيضًا: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٨١، \"زاد المسير\" ٨/ ٢٣٩، \"التفسير الكبير\" ٣١/ ١٦٤، \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٣٩، \"لباب التأويل\" ٤/ ٣٧٤، \"البحر المحيط\" ٨/ ٤٦٨، \"الدر المنثور\" ٨/ ٥٠٢، وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن أبي حاتم، وابن مردويه.\n(١) \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٨١، \"فتح القدير\" ٥/ ٤٣٣.\n(٢) في (أ): (الحكيم).\n(٣) الحكم ولعله الحكم بن أبان، وقد سبقت ترجمته، والله أعلم.","vol":"23","page":493},{"text":"شيء شفع، والله وتر (١)، وأبي صالح قال: خلق الله من كل شيء زوجين اثنين، والله وتر واحد (٢).\nوقول مجاهد (٣)، ومسروق (٤)، ورواية أبى سعيد الخدري عن النبي -ﷺ- (٥).\nوقال الحسن: الشفع والوتر العدد كله، منه شفع، ومنه وتر (٦).\nوقال ابن زيد: الشفع والوتر الخلق كله، منه شفع، ومنه وتر (٧).\nوقال مقاتل بن حيان: الشفع: الأيام والليالي، والوتر: اليوم الذي لا ليلة بعده (٨).\n_________\n(١) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٢) \"جامع البيان\" ٣٠/ ١٧١، \"الكشف والبيان\" ١٣/ ٨٣ ب، \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٧٧، \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٤٠، \"الدر المنثور\" ٨/ ٥٠٣، وعزاه إلى عبد بن حميد في \"فتح القدير\" ٥/ ٤٣٣.\n(٣) \"جامع البيان\" ٣٠/ ١٧١، \"الكشف والبيان\" ج ١٣/ ٨٣ ب، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٨١.\n(٤) المراجع السابقة، عدا \"جامع البيان\"، وانظر أيضًا: \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٧٧، \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٤٠، \"فتح القدير\" ٥/ ٤٣٣.\n(٥) وردت الرواية موقوفة على أبي سعيد في \"الكشف والبيان\" ١٣/ ٨٢ ب، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٨١، \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٤٠.\n(٦) \"جامع البيان\" ٣٠/ ١٧٢، \"الكشف والبيان\" ١٣/ ٨٣ ب، \"النكت والعيون\" ٦/ ٢٦٦، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٨١، \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٧٧، \"زاد المسير\" ٨/ ٢٣٩، \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٤١، \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٤٠، \"الدر المنثور\" ٨/ ٥٠٢، وعزاه إلى عبد بن حميد، \"فتح القدير\" ٥/ ٤٣٣، وأنظر أيضًا: \"الحجة\" ٦/ ٤٠٢.\n(٧) \"الكشف والبيان\" ١٣: ٨٣ ب، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٨١، \"زاد المسير\" ٨/ ٢٣٩.\n(٨) المراجع السابقة؛ عدا \"معالم التزيل\"، وانظر أيضًا: \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٧٧، =","vol":"23","page":494},{"text":"فهذه عشرة أقوال (من أقوال) (١) المفسرين (٢) في الشفع والوتر (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4996>٤ </span>- قوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ﴾، أي إذا يمضي (٤) فيذهب، كما قال: ﴿وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ﴾ [المدثر: ٣٣]، أقسم الله (تعالى) (٥) بالليل يمضي حتى ينقضي بالضياء المبتدئ، أي: بالنهار، وفيه دليل على سيره على المقادير المرتبة، ثم جاء بالضياء عند تقضيه، والمراد به عند كل ليلة، وهذا قول الأكثرين (٦)؛ غير أن مقاتلًا (٧)، والكلبي (٨)، ومجاهدًا (٩)، وعكرمة (١٠)\n_________\n= \"الجامع\" للقرطبي ٢٠/ ٤٠، \"فتح القدير\" ٥/ ٤٣٣، \"التفسير الكبير\" ٣١/ ١٦٤.\n(١) ساقط من (أ).\n(٢) في (أ): (للمفسرين).\n(٣) وهناك أقوال أخرى غير العشرة، يراجع فيها \"الكشف والبيان\"، \"المحرر الوجيز\"، \"زاد المسير\"، المراجع السابقة.\n(٤) في (أ): (مضى).\n(٥) ساقط من (أ).\n(٦) وحكاه عن أكثر المفسرين: الثعلبي في \"الكشف والبيان\" ١٣/ ٨٢ ب، البغوي في \"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٤٠، والقرطبي في \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٤٢، والشوكاني في \"فتح القدير\" ٥/ ٤٣٤.\nوقال به قتادة، وابن الزبير، وابن عباس، ومجاهد، وأبو العالية، وابن زيد،\nانظر: \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٣٧٠، \"جامع البيان\" ٣٠/ ١٧٣.\nوبه قال الزجاج في \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣٢١.\n(٧) \"تفسير مقاتل\" ٢٣٨ ب، \"التفسير الكبير\" ٣١/ ١٦٥.\n(٨) \"بحر العلوم\" ٣/ ٤٧٥، \"الكشف والبيان\" ١٣/ ٨٤ ب، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٨٢، \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٧٧، \"القرطبي\" ٢٠/ ٤٢، \"فتح القدير\" ٥/ ٤٣٤.\n(٩) المراجع السابقة عدا \"بحر العلوم\"، وانظر: \"زاد المسير\" ٨/ ٢٤١.\n(١٠) المراجع السابقة، وانظر أيضًا: \"جامع البيان\" ٣٠/ ١٧٣، \"الدر المنثور\" ٨/ ٥٠٤، وعزاه إلى الفريابي، وعبد بن حميد، وابن أبي حاتم.","vol":"23","page":495},{"text":"قالوا: هي ليلة المزدلفة؛ ليلة جمع.\nوقال قتادة: إذا يسري (أي إذا جاء وأقبل) (١) (٢).\n(قال) (٣) (الزجاج) (٤): (وقرئت إذا يسري) (٥) بإثبات (الياء، وحذفها) (٦) أحب إلي؛ لأنها فاصلة، والفواصل تحذف منها الياءات، وتدل عليها الكسرات (٧).\nقال الفراء: (والعرب قد تحذف الياء، وتكتفي (بكسر) (٨) مَا قبلها، وأنشد:\n_________\n(١) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٢) ورد قوله في \"الكشف والبيان\" ١٣/ ٨٤ ب، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٨٢، \"زاد المسير\" ٨/ ٢٤٠، \"التفسير الكبير\" ٣١/ ١٦٥، \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٤٢، \"تفسير القرآن العظيم\" ٤٠/ ٥٤١، \"فتح القدير\" ٤/ ٤٣٤.\n(٣) ساقط من (أ).\n(٤) بياض في نسخة (ع)، وساقط من (أ)، وأثبت ما جاء في \"التفسير الكبير\" ٣١/ ١٦٥ إذ هو كثير ما ينقل عن الواحدي، بالإضافة إلى أن بنحوه ما جاء عن الزجاج في معانيه.\n(٥) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٦) قرأ ابن كثير، ويعقوب ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ﴾ بياء في الوصل وفي الوقف.\nوقرأ الباقون \"يَسْرٍ\" بغير ياء في الوصل والوقف.\nوقرأ: نافع، وأبو عمرو: \"يسري\" بياء في الوصل، والوقف بغير ياء.\nانظر: كتاب \"السبعة في القراءات\" ٦٨٣، \"القراءات وعلل النحوين فيها\" ٢/ ٧٧٢، \"الحجة\" ٦/ ٤٠٣.\n(٧) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣٢١ بنحوه.\n(٨) بكسرة: في كلا النسختين، وأثبت ما جاء في المعاني لصحته.","vol":"23","page":496},{"text":"كفَّاكَ كَفٌ ما تُليقُ دِرْهَمًا .. جودًا (١) وأُخْرى تُعْطِ بالسَّيْفِ الدِّمَا (٢»\n(وهذا في غير الفاصلة، وإذا كان في الفاصلة فهو أولى، فإن قيل: كيف كان الاختيار أن تحذف إذا كان في فاصلة أو قافية، والحرف من نفس الكلمة، فوجب أن يثبت كما يثبت في سائر الحروف، ولم تحذف؟!.\nقال أبو علي: فالقول في ذلك أن الفواصل، والقوافي في مواضع وقف، والوقف موضع تعيين (٣)، فلما كان الوقف تُغيّر فيه الحروف الصحيحة بالتضعيف، والإسكان، ورَوْم (٤) الحركة فيها، غيرت فيه هذه الحروف المشابهة للزيادة بالحذف) (٥).\nوأما من أثبت الياء في يسري في الوصل والوقف (٦)، فإنه يقول:\n_________\n(١) في (أ): (جودي).\n(٢) ورد بيت الشعر غير منسوب في: \"لسان العرب\" ١٠/ ٣٣٤ (ليق)، \"الأمالي\" الشجرية: ٢/ ٧٢، الخصائص: ٣/ ٩، ١٣٣، \"جامع البيان\" ٣٠/ ١٧٣ حاشية، \"التفسير الكبير\" ٣١/ ١٦٥، \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٤٢، \"الإنصاف\" ١/ ٣٨٧، شرح أبيات \"معاني القرآن\" ٣١٩: ش ٧١٩ - ٧٢٠.\nموضع الشاهد \"تُعْطِ\" حذف ياءه والأصل تُعْطي فاكتفى بالحركة من الحرف اختصارًا.\nوما بين القوسين من: \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٦٠.\n(٣) تقرير هكذا ورد في \"الحجة\" ٦/ ٤٠٥.\n(٤) الرَّوْم: هو إضعاف الصوت بالحركة (الضمة أو الكسرة) حتى يذهب معظم صوتها فيسمع لها صوت خفي يسمعه القريب المصغي دون البعيد؛ لأنها غير تامة أو هو الإتيان بثلثي الحركة (الضمة أو الكسرة) ولا يؤخذ الروم إلا بالمشافهة عن القراء البارعين. حق التلاوة: حسني شيخ عثمان: ٩٠.\n(٥) بين القوسين نقلا من \"الحجة\" ٦/ ٤٠٥.\n(٦) وهو ابن كثير ويعقوب.","vol":"23","page":497},{"text":"(الفعل لا يحذف منه في الوقف كما يحذف في الأسماء، نحو: قاضٍ، وغازٍ تقول: هو يقضي، وأنا أقضي، فتثبت الياء، ولا تحذف) (١).\nقوله: ﴿هَلْ فِي ذَلِكَ﴾ (٢) أي فيما ذكر.\n﴿قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ﴾ أي لذي عقل، وحجى (٣)، ونُهى (٤)، من الناس في أمر الله، وهذا قول المفسرين (٥)، وأهل اللغة (٦)، وأنشد (أبو عبيدة) (٧) لذي الرمة:\n_________\n(١) ما بين القوسين نقلًا عن \"الحجة\" ٦/ ٤٠٤، وبمعنى هذا قال سيبويه في كتابه: ٤/ ١٨٣.\n(٢) ﴿هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ﴾.\n(٣) حجى: الحجا وهو حَجِىٌّ بذاك، \"الصحاح\" ٦/ ٢٣٠٩ (حجا).\n(٤) في (أ): (لين).\n(٥) قال بذلك: قتادة، والحسن، وابن عباس، ومجاهد، وابن زيد، وعكرمة، والضحاك، انظر: \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٣٧٠، \"جامع البيان\" ٣٠/ ١٧٣، \"الدر المنثور\" ٨/ ٥٠٥، وعزاه إلى الفريابي، وابن أبي شيبة، وعبد ابن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في \"شعب الإيمان\" ٤/ ١٥٩: ح: ٤٦٥٢، وسعيد بن منصور ..\nوبه قال الثعلبي في \"الكشف والبيان\" ١٣/ ٨٥ أ، وانظر \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٨٢، \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٧٧، \"زاد المسير\" ٨/ ٢٤١، \"التفسير الكبير\" ٣١/ ١٦٥، \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٤٣، \"لباب التأويل\" ٤/ ٣٧٥، \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٤١.\n(٦) قال به: أبو عبيدة في \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٩٧، وابن قتيبة في: \"تفسير غريب القرآن\" ٥٢٦، الفراء في \"معاني القرآن\" ٣٠/ ٢٦٠، الزجاج في \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣٢١، وانظر في: \"تهذيب اللغة\" ٤/ ١٣١ (حجر)، \"الصحاح\" ٢/ ٦٢٣ مادة: (حجر)، \"لسان العرب\" ٤/ ١٣٠ مادة: (حجر).\n(٧) ما بين القوسين ساقط من (أ).","vol":"23","page":498},{"text":"وأخفيت مَا بي من رفيقي فإنه ... لذو حسب عالي رفيع وذو حِجرِ (١) (٢)\nقال الفراء: والعرب تقول: إنه لذو حجر إذا كان قاهرًا لنفسه، ضابطًا لها، كأنه أُخذ من قولهم: حجرت على الرجل (٣).\nوعلى هذا سمي العقل حَجَرًا؛ لأنه يمنع من القبيح، من الحَجْر، وهو المنع من الشيء بالتضييق فيه (٤).\nومعنى \"هل\" هَاهنا التأكيد (٥)، كما قال ابن عباس: يريد: إن في ذلك قسمًا لذي لب وعقل (٦).\nوالمعنى: إن من كان ذا لب عَلِم أن ما أقسم الله (به) (٧) من هذه الأشياء فيه عجائب ودلائل على صنع الله وقدرته وتوحيده، فهو حقيق بأن يقسم به لدلالته على خالقه ومدبره بالحكمة، وجواب القسم قوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ [الفجر: ١٤].\n_________\n(١) ورد البيت في: ديوانه: تح: عبد القدوس أبو صالح ١/ ٩٤٣ برواية. وأخفيت شوقي من رفيقي وإنه لذو نسب دان إلى وذو حِجْرِ\nمادة (حجر) في \"لسان العرب\" ٤/ ١٧، \"تاج العروس\" ٣/ ١٣٥. برواية: من صديقي: وإنه لذو نسب دان إلى وذو حجر.\n(٢) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٣) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٦٠.\n(٤) بمعناه جاء عن الثعلبي في \"الكشف والبيان\" ١٣/ ٨٥ أ.\n(٥) وبه قال الزجاج في \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣٢١.\n(٦) لم أعثر على مصدر لقوله، ومعنى قوله إن \"هل\" في موضع جواب القسم، وهذا القول باطل لأنه لا يصلح أن يكون مقسمًا عليه على تقدير تسليم أن التركيب هكذا. قاله السمين الحلبيفي: \"الدر المصون\" ٦/ ٥١٧.\n(٧) ساقطة من النسختين، وأثبت ما جاء في \"الوسيط\" ٤/ ٤٨١ إذ به يستقيم الكلام.","vol":"23","page":499},{"text":"واعترض بين القسم وجوابه قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ﴾ يخوف أهل مكة.\nقال مقاتل: يعني كيف أهلكهم، وهم كانوا أطول، وأشد قوة من أهل مكة (١).\nثم قال: ﴿إِرَمَ﴾ قال ابن إسحاق: هو جد عَاد، وهو عَاد بن عوص بن إرم بن سام بن (٢) نوح (٣).\nوقال قتادة: هم قبيلة من عَاد (٤)، (وهو قول مقاتل، قال: إرم قبيلة من قوم عَاد كان فيهم الملك، وهم من مهرة (٥) (٦» (٧).\n_________\n(١) لم أعثر على مصدر لقوله، وقد ورد بمثله من غير نسبة في \"معالم التنزيل\"\n٤/ ٤٨٢، \"لباب التأويل\" ٤/ ٣٧٥\n(٢) (ابن): في كلا النسختين\n(٣) نقله عن \"الكشف والبيان\" ١٣/ ٨٥ ب، وانظر: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٨٢، \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٧٧، \"زاد المسير\" ٨/ ٢٤١.\n(٤) \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٣٧٠، \"جامع البيان\" ٣٠/ ١٧٥، \"الكشف والبيان\" ١٣/ ٨٥ ب، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٨٢، \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٧٨، \"زاد المسير\" ٨/ ٢٤١، \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٤٥، \"الدر المنثور\" ٨/ ٥٠٥، وعزاه إلى عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن المنذر.\n(٥) مَهْرَة: قال ياقوت الحموي: مَهْرَة: بالفتح، ثم السكون، هكذا يرويه عامة الناس، والصحيح مَهَرَة بالتحريك -ثم قال- قال العمراني: مهرة بلاد تنسب إليها الإبل. قلت: هذا خطأ، إنما مهرة قبيلة، وهي مهرة بن حَيْدان بن عمرو بن الحاف بن قضاعة. انظر: \"معجم البلدان\" ٥/ ٢٣٤، وانظر: \"تاج العروس\" ٣/ ٥٥١ (مهر). ولعل مقاتلًا أراد بـ: مهرة الموضع، وليس القبيلة، كما بينه عنه الإمام البغوي في \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٨٢، قال: قال مقاتل: كان فيهم الملك، وكانوا بمهرة.\n(٦) \"تفسير مقاتل\" ٢٣٩ أ، \"النكت والعيون\" ٦/ ٢٦٨، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٨٢، \"المحررالوجيز\" ٥/ ٤٧٨، \"زاد المسير\" ٨/ ٢٤١، \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٤٥، \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٤١.\n(٧) ما بين القوسين ساقط من (أ).","vol":"23","page":500},{"text":"وقال الكلبي: إرم هو الذي يجتمع إليه نسب عَاد وثمود (١).\nوقال أبو عبيدة: هما عَادان: فالأولى هي إرم (٢)، وهي التي قال الله (﷿) (٣): ﴿أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى﴾ [النجم: ٥٠].\nقال ابن الرقيات:\nمَجْدًا تَلِيدًا بَنَاهُ أوَّلُهُ ... أدْرَكَ عَادًا وقَبْلَهَا إرَمَا (٤)\nقال أبو إسحاق: إرم لم تنصرف؛ لأنها جعلت اسمًا للقبيلة، ولذلك فتحت وهي في موضع خفض، قال: ويقال: إرم: اسم لبلدتهم التي كانوا فيها (٥).\nقوله: ﴿ذَاتِ الْعِمَادِ﴾ فيه قولان:\nأحدهما: أنهم كانوا أهل عُمُدٍ سَيَّارة في الربيع، فإذا هاج العود رجعوا (٦) إلى منازلهم.\nوهذا قول ابن عباس في رواية عطاء (٧)، (والكلبي (٨)، وقتادة (٩)،\n_________\n(١) \"الكشف والبيان\" ١٣/ ٨٥ أ، \"لباب التأويل\" ٤/ ٣٧٥.\n(٢) \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٩٧ نقله عنه بالمعنى.\n(٣) ساقط من (أ).\n(٤) ورد البيت في \"ديوانه\" ١٥٥، \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٧٧، \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٤٥، \"فتح القدير\" ٥/ ٢٣٤، \"روح المعاني\" ٣٠/ ١٢٢. ومعناه: عاد قبيلة معروفة يضرب بها المثل في القدم، وإرم مدينة قديمة، وهي بلدة عاد. وقيل أمهم، أو قبيلتهم. ديوانه.\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣٢٢ بتقديم وتأخير في الكلام.\n(٦) بياض في (ع).\n(٧) \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٨٢، \"زاد المسير\" ٨/ ٢٤٢، \"لباب التأويل\" من غير ذكر الطريق إلى ابن عباس.\n(٨) \"بحر العلوم\" ٣/ ٤٧٦، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٨٢، \"لباب التأويل\" ٤/ ٣٧٥.\n(٩) المراجع السابقة عدا \"بحر العلوم\"، وانظر أيضًا: \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٣٧٠، =","vol":"23","page":501},{"text":"ومقاتل (١» (٢)، ومجاهد (٣)، واختيار الفراء، قال: كانوا أهل عَمَد ينتقلون (٤) إلى الكلأ حيث ما كانوا (٥).\nقال الليث: يقال لأصحاب الأخبية (٦) الذين لا ينزلون غيرها: هم أهل عَمُود، وأهل عماد، والجمع منهما: العُمُد (٧).\nالقول الثاني: قال مقاتل: ذات العماد يعني طولهم اثنا (٨) عشر ذراعًا (٩) (١٠)، وهو قول أبى عبيدة (١١)، (والمبرد (١٢» (١٣)،\n_________\n= \"جامع البيان\" ٣٠/ ١٧٧، \"زاد المسير\" ٨/ ٢٤٢، \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٤٥، \"فتح القدير\" ٥/ ٤٣٥.\n(١) ورد معنى قوله في \"تفسير مقاتل\" ٢٣٩ أ، \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٧٨، معزوًا إلى جماعة، \"البحر المحيط\" ٨/ ٤٦٩.\n(٢) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٣) \"تفسير الإمام مجاهد\" ٧٢٧، \"جامع البيان\" ٣٠/ ١٧٧، \"زاد المسير\" ٨/ ٢٤٢، \"الدر المنثور\" ٨/ ٥٠٥، وعزاه إلى الفريابي، وعبد بن حميد، وابن المنذر.\n(٤) في (أ): (ينقلون).\n(٥) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٦٠ بتصرف يسير.\n(٦) الأخبية: جمع خباء، وهو ما يعمل من وبر أو صوف، وقد يكون من شعر، والجمع أخبية مثل كساء وأكسية، ويكون على عمودين أو ثلاثة وما فوق ذلك فهو بيت. \"المصباح المنير\" ١/ ١٦٩.\n(٧) \"تهذيب اللغة\" ٢/ ٢٥١ (عمد) بنصه، وانظر: \"لسان العرب\" ٣/ ٣٠٣ (عمد).\n(٨) في (أ): (إثني).\n(٩) \"تفسير مقاتل\" ٢٣٩ أ، \"بحر العلوم\" ٣/ ٤٧٦، \"الكشف والبيان\" ١٣/ ٨٦ أ، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٨٢، \"زاد المسير\" ٨/ ٢٤٢ بمعناه، \"لباب التأويل\" ٤/ ٣٧٥.\n(١٠) الذراع هو ما يذرع به، وذراع اليد يذكر ويؤنث. مختار \"الصحاح\" ٢٢١ (ذراع). وقال الفيروزابادي: الذراع بالكسر من طرف المرفق إلى طرف الإصبع الوسطى والساعد، وقد تذكر فيها. المعجم \"الوسيط\" ٣/ ٢٢ (ذرع).\n(١١) \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٩٧.\n(١٢) \"الكامل\" ٣/ ١٤١٤ - ١٤١٥.\n(١٣) ساقط من (أ).","vol":"23","page":502},{"text":"والزجاج (١) قالوا: رجل طويل العماد، أي القامة، ورجل معمد إذا كان طويلًا.\nقال أبو إسحاق: وقيل: \"ذات العماد\": ذات البناء الطويل الرفيع (٢).\nثم وصفهم فقال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4997>٨ </span>- (قوله) (٣): ﴿الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ﴾، قال ابن عباس (٤)، ومقاتل (٥): لم يخلق مثل تلك القبيلة في الطول، والقوة. وهم الذين قالوا: ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ [فصلت: ١٥].\nقال عطاء: كان الرجل منهم طوله خمس مائة ذراع، والقصير (منهم) (٦) ثلاث مائة ذراع بذراع نفسه (٧).\n(قوله تعالى) (٨): ﴿وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ﴾ أي نقبوها وقطعوها.\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٣٠/ ٣٢٢.\n(٢) المرجع السابق.\n(٣) ساقط من (ع).\n(٤) لم أعثر على مصدر لقوله، وقد ورد في \"الوسيط\" ٤/ ٤٨١ بمثله من غير نسبة.\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ٢٣٩ أ، وقد ورد بمثله في \"الوسيط\" ٤/ ٤٨١ من غير عزو، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٣٨٢ - ٤٨٣، وقد ورد عن الحسن بمثله انظر: \"النكت والعيون\" ٦/ ٢٦٨، \"زاد المسير\" ٨/ ٢٤٢، \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٤٦ عزاه إلى الحسن وغيره.\n(٦) ساقط من (أ).\n(٧) لم أعثر على مصدر لقوله، وقد ورد بمثله رواية عن عطاء عن ابن عباس في \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٤٥.\n(٨) ساقط من (أ).","vol":"23","page":503},{"text":"وقال الليث: الْجَوْبُ: قطعك الشيء كما يُجاب، جاب يجوب جوبًا (١)، وزاد الفراء: يجيب جيبًا، وأنشد (٢):\nباتت تجيب أَدْعَجَ الظلامِ ... جَيْبَ البَيَطْر مِدْرَعَ الهُمامِ (٣) (٤)\nقال ابن عباس: كانوا يجوبون الجبال، فيجعلون منها بيوتًا، وأحواضًا، وما أرادوا من الأبينة (٥)، كما قال الله ﷿: ﴿وَتَنْحِتُونَ (مِنَ) (٦) الْجِبَالِ بُيُوتًا﴾ [الشعراء: ١٤٩] وقال الفراء: خرقوا الصخر فاتخذوه بيوتًا (٧) وقوله: ﴿بِالْوَادِ﴾ قال مقاتل: بوادي القُرى (٨) (٩).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4998>١٠ </span>- قوله تعالى: ﴿وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ﴾ ذكرنا تفسير أوتاد في سورة:\n_________\n(١) \"تهذيب اللغة\" ١١/ ٢١٩ (جوب) بنحوه.\n(٢) اليبت غير منسوب، والذي أنشده شمر عن سلمة. انظر مادة: (جوب) في: \"تهذيب اللغة\" ١١/ ٢١٨، \"لسان العرب\" ١/ ٢٨٦.\n(٣) ورد البيت في المراجع السابقة.\n(٤) لم أجد قول الفراء في معانيه وإنما ذكر في \"التفسير الكبير\" ٣١/ ١٦٨.\n(٥) ورد معنى قوله في \"جامع البيان\" ٣٠/ ١٨٧ وكلامه فيه: ثمود قوم صالح كان ينحتون من الجبال بيوتًا، \"التفسير الكبير\" ٣١/ ١٦٨، \"الدر المنثور\" ٨/ ٥٠٦، وعزاه إلى ابن أبي حاتم، وابن المنذر، والطستي في مسائله.\n(٦) ساقط من (أ).\n(٧) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٦١ بنصه.\n(٨) في (أ): (القرا).\nووادي القرى: واد بين الشام والمدينة يمر بها حاج الشام، وهو بين تيماء وخيبر فيه قرى كثيرة وبها سمي وادي القرى لأن الوادي من أوله إلى آخره قرى منظومة: وكانت قديمًا منازل ثمود وعاد وبها أهلكهم الله. \"معجم البلدان\" ٤/ ٣٣٨.\n(٩) ورد قوله في \"التفسير الكبير\" ١٦٩/ ٣١، ورد معزو بمثله إلى الكلبي في \"بحر العلوم\" ٣/ ٤٧٦، وانظر: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٨٣ من غير عزو، ولم أعثر على قوله في تفسيره.","vol":"23","page":504},{"text":"ص (١).\n﴿الَّذِينَ﴾ يعني: عَاد (٢)، وثمود، وفرعون (٣).\n﴿طَغَوْا فِي الْبِلَادِ﴾ عملوا فيها بالمعَاصي، وتجبروا على أنبياء الله والمؤمنين. وقد فسر طغيانهم بقوله: ﴿فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ﴾\nقال الكلبي: يعني: القتل، والمعصية لله (٤).\nقال أبو إسحاق: (المعنى: ألم تر كيف أهلك ربك هذه الأمم التي كذبت رسلها، و(كيف) (٥) جعل عقوبتها أن جعل سوطه الذي ضربهم به العذاب؟ فقال: ﴿فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ﴾ (٦) قال مجاهد: يعني لما عذبوا (٧).\n_________\n(١) سورة ص: ٣، وقد جاء في تفسيرها: الأوتاد جمع وقد، ويقال: تِدِ الوَتِد، واتد، الوَاتِدُ، موتود، ويقال: وقد، واتدًا أي رأس منتصب، وكل شيء ثبت في الأرض كالجبل، والسارية وهو وقد، واختلفوا في معنى ﴿ذِي الْأَوْتَادِ﴾ فالأكثرون على أن فرعون وصف بهذه الآية، كانت له أوتاد يعذب الناس عليها وهو قول ابن عباس في رواية عطاء، ومقاتل، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وابن حيان.\nوقال مقاتل: سمي: ذي الأوتاد، لأنها كانت له مظال وملاعب، أوجبال وأوتاد تضرب، فيلعب له تحتها وعليها بين يديه.\nوقال القرظي: ذا البناء المحكم. وقال عطية: ذو الجنود، والجموع الكثيرة.\n(٢) في: ع: عادًا.\n(٣) قال بذلك الطبري ٣٠/ ١٨٠، والسمرقندي في \"بحر العلوم\" ٣/ ٤٧٦.\n(٤) \"الوسيط\" ٤/ ٤٨٢.\n(٥) ساقط من (أ).\n(٦) ما بين القوسين من قول أبي إسحاق في \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣٢٢.\n(٧) \"تفسير الإمام مجاهد\" ٧٢٧، \"جامع البيان\" ٣٠/ ١٨٠، \"الدر المنثور\" ٨/ ٥٠٦ وعزاه إلى الفريابي، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.","vol":"23","page":505},{"text":"وقال (١) عطاء: يريد أصناف العذاب (٢). وقال الكلبي: صب عليهم عذابًا دائمًا (٣). قال (٤) قتادة: يعني لونًا من العذاب (٥).\nقال الفراء: هذه كلمة تقولها العرب لكل نوع من العذاب تُدخل فيه السوط جرى به الكلام والمثل، ونرى السوط من عذابهم الذي يعذبون به، فجرى لكل عذاب إذ كان فيه عندهم غاية العذاب (٦).\nوأجاد أبو إسحاق في قوله: جعل سوطه الذي ضربهم به العذاب (٧)، وهذا هو القول. (ويقال سَاط دابته إذا ضربها بالسَّوط يَسُوطُه، ومنه قول الشماخ يصف فرسه:\nإذا سيط أحضرا) (٨) (٩)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4999>١٤ </span>- قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ ذكرنا تفسير المرصَاد عند قوله: ﴿كَانَتْ مِرْصَادًا﴾ [النبأ: ٢١].\n_________\n(١) في (أ): (قالوا).\n(٢) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٣) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٤) في (ع): (وقال).\n(٥) \"الكشف والبيان\" ١٣/ ٩٠ أ، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٨٤.\n(٦) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٦١ بنحوه، وانظر \"تهذيب اللغة\" ١٣/ ٢٤ (سوط)، ولعل الإمام الواحدي نقله عن الأزهري.\n(٧) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣٢٢.\n(٨) البيت كاملًا:\nفصَوَّبْتُه كأنه صَوْبُ غَيْبَهِ ... على الأمْعَر الضّاحى إذا سيط أحْضَرَا\nوقد ورد البيت في: \"تهذيب اللغة\" ١٣/ ٢٣ (سوط)، \"لسان العرب\" ٧/ ١٣٢٦ (سوط)، ولم أجده في ديوانه.\n(٩) ما بين القوسين نقله عن \"تهذيب اللغة\" ٢٣/ ١٣ (سوط).","vol":"23","page":506},{"text":"قال عبد الله: والفجر إن ربك لبالمرصاد (١) معنى أن هذا جواب القسم\nوقال الكلبي: ولهذا كان القسم، يقول عليه طريق العباد (٢).\nقال عطاء عن ابن عباس: يريد لا يفوته أحد، ولا يلجأ إلى غيره فينصره (٣).\nوقال الفراء: يقول إليه المصير (٤)، وهذا عام للمؤمنين والكافرين على ما ذكرنا.\nومن المفسرين من يجعل هذا خاصًا في الوعيد لأهل الظلم.\nقال الضحاك: بمرصد لأهل الظلم والمعَاصي (٥).\nوقال أبو إسحاق: يرصد من كفر به، وعبد [غيره] (٦) بالعذاب (٧).\nقال أهل المعاني: لبالمرصاد: لا يفوته شيء من أعمال العباد، كما\n_________\n(١) ورد معنى قوله في \"المستدرك\" ٢/ ٥٢٣، كتاب التفسير: تفسير سورة الفجر وقال صحيح ووافقه الذهبي، الأسماء والصفات: للبيهقي: ٢/ ١٧٦: باب ما جاء في قوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾، وانظر: \"الدر المنثور\" ٨/ ٥٠٨.\n(٢) \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٨٤ وبزيادة لا يفوته احد.\n(٣) لم أعثر على مصدر لقوله، وقد ورد بمثله عطاء بن أبي رباح في \"الكشف والبيان\" ١٣/ ٩٠ ب.\n(٤) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٦١ بنصه\n(٥) \"جامع البيان\" ٣٠/ ١٨١، \"الكشف والبيان\" ١٣/ ٩٠ ب، \"التفسير الكبير\" ٣١/ ١٧٠، \"الدر المنثور\" ٨/ ٥٠٨ وعزاه إلى ابن المنذر، وأبي نصر السجزي في الإبانة، كما ورد بمثله من غير عزو في \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٥٠، \"لباب التأويل\" ٤/ ٣٧٧.\n(٦) عنه في كلا النسختين، وأثبت ما جاء في المعاني لاستقامة الكلام به.\n(٧) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣٢٢.","vol":"23","page":507},{"text":"لا يفوت من بالمرصاد (١)، وهذا قول الحسن (٢)، وعكرمة (٣): يرصد أعمال بني آدم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5000>١٥ </span>- قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ﴾ قال عطاء عن ابن عباس: يريد عتبة بن ربيعة، وأبا حذيفة بن المغيرة (٤).\nوقال الكلبي: هو الكافر أبي بن خلف (٥).\nوقال مقاتل: نزلت في أمية بن خلف (٦).\nوقوله: ﴿إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ﴾ اختبره بالغنى (٧) واليسر (٨).\n﴿فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ﴾ رزقه وأنعم عليه.\n_________\n(١) ورد بمثله من غير عزو في \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٨٤، \"لباب التأويل\" ٤/ ٣٧٧.\n(٢) ورد بنحوه في \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٣٧١، \"جامع البيان\" ٣٠/ ١٨١، \"الكشف والبيان\" ١٣/ ٩٠ ب، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٨٤، \"التفسير الكبير\" ٣١/ ١٧٠، \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٥٠، \"الدر المنثور\" ٨/ ٥٠٨، وعزاه إلى ابن المنذر، وإلى ابن أبي حاتم، \"تفسير الحسن البصري\" ٢/ ٤١٦.\n(٣) \"الكشف والبيان\" ١٣/ ٩٠ ب، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٨٤، \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٥٠ بمعناه، ومن غير عزو، \"لباب التأويل\" ٤/ ٣٧٧.\n(٤) \"زاد المسير\" ٨/ ٢٤٦، \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٥١.\n(٥) \"زاد المسير\" ٨/ ٢٤٦، كما ورد بمثله من غير عزو في \"بحر العلوم\" ٣/ ٤٧٧، \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٥١.\n(٦) \"تفسير مقاتل\" ٢٣٩ ب، \"بحر العلوم\" ٣/ ٤٧٧، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٨٥ عند تفسير: \"ربي أهانن\"، \"زاد المسير\" ٨/ ٢٤٦.\n(٧) في (أ): (بالغنا).\n(٨) بنحوه قال أكثر المفسرين: انظر \"جامع البيان\" ٣٠/ ١٨١، \"معاني القرآن وإعرابه\" ٩١ أ، \"بحر العلوم\" ٣/ ٤٧٧، \"الكشف والبيان\" ١٣/ ٩٠ ب، وانظر: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٨٤، \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٥١، \"لباب التأويل\" ٤/ ٣٧٧.","vol":"23","page":508},{"text":"قال أهل المعاني: وليس هذا من الإكرام الذي هو (نقيض الهوان، ولكنه من الإكرام الذي هو) (١) إعطاء الخير، والمال، والحظ من الدنيا، والله تعالى يعطي الكافر الحظ من الدنيا، وليس بمكرم له (٢).\nوقوله: ﴿فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ﴾\nقال مقاتل: فضلني بما أعطاني؛ ظن أن ما أعطاه من الدنيا لكرامته عليه (٣).\nوهذا معنى قول ابن عباس قال: هذه كرامة من الله لي (٤).\n﴿وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ﴾ بالفقر.\n﴿فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ﴾ ضيق الله عليه بأن جعل على مقداره البلغة، قال: هذا هوان من الله لي.\nوهو قوله: ﴿فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ﴾ (أي أذلني بالفقر، ولم يشكر الله على ما وهب له من السلامة في جوارحه ورزقه من العافية) (٥)، وهذا معنى قول الكلبي: لا يشكره في الفقر كما يشكره في الغنى (٦) (٧).\nقال أبو إسحاق: وهذا يعني به الكافر الذي لا يؤمن بالبعث، إنما الكرامة عنده والهوان بكثرة الحظ في الدنيا وقلته، وصفة المؤمن أن\n_________\n(١) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٢) لم أعثر على مصدر لقولهم.\n(٣) ورد معنى قوله في \"تفسير مقاتل\" ٢٣٩ ب.\n(٤) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٥) ما بين القوسين نقله عن \"الكشف والبيان\" ١٣/ ٩١ أبيسير من التصرف.\n(٦) في (أ): (الغنا).\n(٧) لم أعثر على مصدر لقوله.","vol":"23","page":509},{"text":"الإكرام عند توفيق الله إياه إلى ما يؤديه إلى الآخرة (١)، ولهذا رد لله على الكافر فقال: (كلا) (٢) (أي ليس الأمر كما يظن) (٣)\nقال مقاتل: يقول الله: (كلا) لم أبتله بالغنى لكرامته علي، ولم أبتله لهوانه (٤)، أي لم يعلم هذا الإنسان أن الغنى والفقر من قضاء الله؛ ليس من الكرامة، ولا الهوان، فقوله: (كلا) رد لتوهم من ظن أن سعة الرزق إكرام الله، وأن الفقر إهانة، فإن الله يوسع على الكافر لا لكرامته عليه، ويقتر على المؤمن لا لهوانه (٥)، (وهذا معنى قول ابن عباس (٦)، وقتادة (٧» (٨).\nقال الفراء: معنى (كلا) لم يكن ينبغي أن يكون هكذا، ولكن يحمده على الغنى والفقر (٩).\nثم أخبر عن الكفار فقال: (قوله) (١٠): ﴿بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيم﴾.\n(قرأ أبو عمرو ﴿يكرمون﴾ ومَا بعدها (١١) بالياء (١٢)، وذلك أنه لما\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣٢٣ بيسير من التصرف.\n(٢) ﴿كَلَّا بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ﴾.\n(٣) ما بين القوسين نقلًا من: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣٢٣.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ٢٣٩ ب، \"زاد المسير\" ٨/ ٢٤٦، وورد بمثله معزوًا إلى قتادة في \"بحر العلوم\" ٣/ ٤٧٧، وغير معزو في \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٨٥.\n(٥) \"الكشف والبيان\"ج ١٣/ ٩١ أ، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٨٥، \"لباب التأويل\" ٤/ ٣٧٧.\n(٦) \"التفسير الكبير\" ٣١/ ١٧٢.\n(٧) \"جامع البيان\" ٣٠/ ١٨٢.\n(٨) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٩) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٦١ بنصه.\n(١٠) ساقط من (أ).\n(١١) أي قوله تعالى: ﴿تَحَاضُّونَ﴾ و﴿تَأْكُلُونَ﴾ و﴿تُحِبُّونَ﴾ سورة الفجر: ١٨ - ٢٠.\n(١٢) قرأ بذلك أيضًا يعقوب بياء الغيبة في الأربعة مع ضم الحاء في ﴿تَحَاضُّونَ﴾ =","vol":"23","page":510},{"text":"تقدم ذكر الإنسان، وكان يراد به الجنس، والكثرة، وهو على لفظ الغيبة حمل ﴿يكرمون﴾ و﴿يحبون﴾، و﴿يأكلون﴾ عليه، ولا يمتنع في هذه الأسماء الدالة على الكثرة (١) أن تحمل مرة على اللفظ، وأخرى على المعنى، كقوله: ﴿وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ﴾ (٢) [الأعراف: ٤]. ومن قرأ بالتاء (٣) (فعلى: قل لهم ذلك) (٤)\nقال مقاتل: كان قُدَامَة بن مظعون (٥) يتيمًا في حجر أمية بن خلف، وكان يدفعه عن حقه (٦).\n_________\n= وبغير ألف: \"يَحُضُّون\". انظر: \"السبعة في القراءات\" ٦٨٥، \"القراءات وعلل النحويين فيها\" ٢/ ٧٧٣، \"الحجة\" ٦/ ٤٠٩، \"المبسوط\" ٤٠٧، \"حجة القراءات\" ٧٦٢، \"الكشف\" ٢/ ٣٧٢، \"البدور الزاهرة\" ٣٤٠.\n(١) في (أ): (للكثر).\n(٢) في (أ): (وهم).\n(٣) قرأ بذلك نافع، وابن كثير، وابن عامر بتاء الخطاب في الأفعال الأربعة مع ضم الحاء في \"ولا تَحُضُّون\".\nوقرأ: عاصم، وحمزة، والكسائي، وخلف، وأبو جعفر، بتاء الخطاب في الأربعة مع فتح الحاء، وألف بعدها مع المد المشبع في \"ولا تحاضون\". قلت: والقراءة التي تخص موضعنا هي قراءة أبي عمرو كله بالياء في \"يكرمون\"، و\"يحاضون\"، و\"يأكلون\"، و\"يحبون\"، وقرأ الباقون كله بالتاء.\nوانظر: \"السبعة في القراءات\" ٦٨٥، \"القراءات في علل النحويين فيها\" ٢/ ٧٧٣، \"الحجة\" ٦/ ٤٠٩، \"المبسوط\" ٤٠٧.\n(٤) ما بين القوسين نقلًا عن \"الحجة\" ٦/ ٤٠٩ بتصرف.\n(٥) تقدمت ترجمته في سورة النساء.\n(٦) \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٨٥، \"التفسير الكبير\" ٣١/ ١٧٢، \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٥٢، \"لباب التأويل\" ٤/ ٣٧٧، والذي ورد عنه في تفسيره أن الأمر ليس كما قال أمية بن خلف بل يعني أنهم لا يكرمرن اليتيم ولا يحضون على طعام المسكين لأنهم لا يرجون بها الآخرة ٢٣٩ ب.","vol":"23","page":511},{"text":"قال الكلبي: لا يعرفون صلة اليتيم (١). وهذا يحتمل معنيين:\nأحدهما (٢): أنهم لا يبرونه، ولا يعطونه، ولا يحسنون إليه.\nوالثاني: أنهم لا يعطونه الميراث على ما جرت به عادتهم من حرمان اليتيم ما كان من الميراث، ويدل على هذا المعنى قوله: ﴿وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ﴾، ويدل على المعنى الأول: قوله:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5001>١٨ </span>- ﴿وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ قال مقاتل: ولا يطعمون مسكينًا (٣).\nوالمعنى: لا يأمرون بإطعامه كقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (٣٣) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ [الحاقة: ٣٣ - ٣٤].\nومن قرأ: \"يحاضون\" أراد تتحاضون، فحذف تاء تتفاعلون، والمعنى لا يحض بعضكم بعضًا.\n﴿وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ﴾ قال أبو إسحاق: التراث أصله الوُراث (٤)، ولكن التاء تبدل من الواو إذا كانت مضمومة، نحو تُجاه، أصله وُجَاه من واجهت (٥).\n_________\n(١) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٢) وهناك احتمالات أخرى ذكرها الفخر الرازي في \"التفسير الكبير\" ٣١/ ١٧٣.\n(٣) بمعناه في تفسيره: ٢٣٩ ب، \"التفسير الكبير\" ١٣/ ١٧٣.\n(٤) التراث: هو الميراث. قال بذلك الخزرجي في \"نفس الصباح\" ٧٨١. والمراد بالميراث ما ينقل إلى الغير من قُنْية ومن غير عقد، ولا يجري مجرى العقد وذلك بعد أن يموت مالكها، ولذلك يقال للقِنْية الموروثة ميراث وإرث وتراث أصله وُراث فقلبت الواو ألفًا وتاء. انظر: \"المفردات في غريب القرآن\" ٥١٨.\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣٢٣ بتصرف.","vol":"23","page":512},{"text":"وقوله: ﴿أَكْلًا لَمًّا﴾ قال أبو عبيدة: تقول: لممته أجْمع (١)، أتيت على (٢) آخره (٣).\nوقال الليث: اللمَّ: الجمع الشديد، تقول: كتيبة ملْموُمة (٤)، وحجر مَلْمُوم، والآكل يَلُم الثريد (٥) فيجمعه لقمًا، ثم يأكله \"أكلًا لمًا\" أي شديدًا (٦).\n(ويقال: لممت ما على الخوان (٧) ألمه لمًا، إذا أكلته أجمع) (٨).\nفمعنى اللمّ في اللغة: الجمع (٩).\nوالمفسرون (١٠)، وأهل المعاني (١١) يقولون في قوله: ﴿أَكْلًا لَمًّا﴾\n_________\n(١) في (ع): (جمع).\n(٢) (أثبت على) غير واضحة في (ع).\n(٣) \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٩٨ بنصه.\n(٤) في (أ): (مَملْمُومة).\n(٥) الثريد لا يكون إلا من لحم غالبًا قال بذلك ابن الأثير وأصل الثَّرد الهَشْم ومن قيل لما يُهشَم من الخبز ويُبَل بماء وغيره ثريد انظر: \"النهاية في غريب الحديث والأثر\" ١/ ٢٠٩، \"تهذيب اللغة\" ١٤/ ٨٨ (ثرد).\n(٦) \"تهذيب اللغة\" ١٥/ ٣٤٣ - ٣٤٤ (لمَّ) باختصار.\n(٧) الخوان هو ما يوضع عليه الطعام عند الآكل. \"النهاية\" ٢/ ٨٩.\n(٨) ما بين القوسين عزاه الثعلبي إلى أبي عبيدة في \"الكشف والبيان\" ١٣/ ٩١ ب، وكذلك ابن عطية عزاه إلى ابن عبيدة في \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٨٠.\n(٩) انظر: \"إصلاح المنطق\" ص٦١، \"تهذيب اللغة\" ١٥/ ٣٤٤، \"الصحاح\" ٥/ ٢٠٣١، \"لسان العرب\" ١٢/ ٥٤٨، \"تاج العروس\" ٩/ ٦٢ (لمم).\n(١٠) قال بذلك ابن عباس، وقتادة، والضحاك، والسدي. انظر: \"جامع البيان\" ٣٠/ ١٨٣ - ١٨٤، \"النكت والعيون\" ٦/ ٢٧٠، \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٥٣، \"الدر المنثور\" ٨/ ٥٠٩ - ٥١٠. وبه قال أيضًا: ابن قتيبة في: \"تفسير غريب القرآن\" ٥٣٧، السمرقندي ٣٠/ ٤٧٧، والثعلبي في \"الكشف والبيان\" ج ١٣/ ٩١ ب، وانظر: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٨٥، \"زاد المسير\" ٨/ ٢٤٧، \"التفسير الكبير\" ٣١/ ١٧٣، \"لباب التأويل\" ٤/ ٣٧٨.\n(١١) الفراء في \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٦٢، وأبو عبيدة في \"مجاز القرآن\" ٢/ ١٩٨.","vol":"23","page":513},{"text":"أي شديدًا. (وهو معنى، وليس بتفسير، وتفسيره أن اللمّ مَصدر جعل نعتًا للأكل، والمراد به الفاعل، أي آكلًا لامًا، أي جامعًا، كأنهم يستوعبونه بالأكل) (١).\nقال أبو إسحاق: كانوا يأكلون أموال اليتامى إسرافًا (٢) وبدارًا، فقال الله تعالى: ﴿وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا﴾ أي تراث اليتامى أن تلمون جميعه (٣).\nوهذا معنى قول الحسن: يأكل نصيبه، ونصيب صاحبه (٤).\nقال ابن زيد: وذلك أنهم كانوا لا يورثون النساء، ولا الصبيان (٥).\nقوله: ﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا﴾.\n(الجم: الكثير، يقال: جَمَّ الشيء يَجُمُّ جُمومًا، يقال ذلك في الماء وغيره، فهو شيء جم، وجام، قال أبو عمرو: يَجِمُّ وَيجُمُّ أي يكثر) (٦).\nقال أبو عبيدة (٧)، والفراء (٨)، والكسائي (٩)،\n_________\n(١) ما بين القوسين: انظر: \"التفسير الكبير\" ٣١/ ١٧٣.\n(٢) بدارًا: أي مبادرة بمعنى عاجلة. \"لسان العرب\" ٤٠/ ٤٨ (بدر).\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣٢٣ بيسير من التصرف\n(٤) \"جامع البيان\" ٣٠/ ١٨٣، \"الكشف والبيان\" ١٣/ ٩١/ ٢، \"التفسير الكبير\" ٣١/ ١٧٣، \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٥٣، \"الدر المنثور\" ٨/ ٥٠٩، وعزاه إلى عبد بن حميد، \"فتح القدير\" ٥/ ٤٣٩، \"تفسير الحسن البصري\" ٨/ ٤١٧.\n(٥) \"جامع البيان\" ٣٠/ ١٨٤ بمعناه، \"الكشف والبيان\" ١٣/ ٩١ ب، \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٥٣.\n(٦) ما بين القوسين نقلًا عن \"تهذيب اللغة\" ١٠/ ٥٢٠ (جم)، وانظر: \"لسان العرب\" ١٢/ ١٠٥ (جم).\n(٧) \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٩٨.\n(٨) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٦٢.\n(٩) لم أعثر على مصدر لقوله.","vol":"23","page":514},{"text":"(والزجاج (١» (٢) وأهل التفسير (٣): \"حبًا جمًا\": كثيرًا شديدًا. قال عطاء: يحبون جمع المال (٤).\nوالمعنى: إنهم يُولعون بجمع المال، فلا ينفقونه في خير، كما ذكر من صفتهم في قوله: ﴿لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (١٧) وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ [الفجر: ١٧ - ١٨].\nقال الله تعالى: ﴿كَلَّا﴾ (٥) وهو تنبيه وزجر لهم عما هم عليه.\nوقال مقاتل: أي لا يفعلون مَا أُمروا في اليتيم، والمسكين (٦). ثم خوفهم مستأنفًا بقوله:\nقوله (٧): ﴿كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا﴾.\nذكرنا معنى الدك عند قوله: ﴿جَعَلَهُ دَكًّا﴾ (٨).\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣٢٣.\n(٢) ساقط من (أ).\n(٣) قال بذلك أيضا ابن عباس، ومجاهد، وابن زيد. \"جامع البيان\" ٣٠/ ١٨٥، وإليه ذهب السمرقندي في \"بحر العلوم\" ٣/ ٤٧٧، والثعلبي في \"الكشف والبيان\" ١٣/ ٩١ ب، وانظر: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٨٥، \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٨٠، \"زاد المسير\" ٨/ ٢٤٧، \"التفسير الكبير\" ٣١/ ١٧٣، \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٥٤، \"لباب التأويل\" ٤/ ٤٧٨.\n(٤) لم أعثر على مصدر لقوله، وقد ورد بمثله من غير عزو في \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٨٥، \"لباب التأويل\" ٤/ ٣٧٨.\n(٥) ﴿كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا﴾.\n(٦) بمعناه في \"تفسيره\" ٢٣٩ ب، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٨٥، وقد ورد بمثله من غير عزو في \"لباب التأويل\" ٤/ ٣٧٨.\n(٧) في (أ): (قوله ولا ينتظم الكلام بإثباتها).\n(٨) سورة الكهف: ٩٨، ومما جاء في تفسيرها أي دكهُ دكا ويجوز أن يكون المعنى جعله ذا دك.","vol":"23","page":515},{"text":"قال مقاتل: يعني كسر كل شيء عليها من جبل، أو بناء، أو شجر زلزلت فلم يبق على ظهرها شيء (١).\nقال أبو إسحاق: إذا زلزلت فَدَكَّ بعضُها بَعْضًا (٢).\nقال ابن قتيبة: دُقَّت جبالها، وأنشازها (٣) حتى استوت (٤).\nوقال المبرد: (دكت) معناه ألصقت، وذهب ارتفاعها من قولهم: ناقة دكاء للاصقة السنام (٥).\nوقال صاحب النظم: معنى التكرير في قوله: ﴿دَكًّا دَكًّا﴾ أنه دفعات على تأويل دكت الأرض دكًا بعد دك، ولو كان غير مكرر لاشتبه أن يكون دفعة واحدة (٦).\nو(قد) (٧) قال الكلبي: دكًا دكًا زلزلة بعد زلزله (٨).\nوقال أهل المعاني: الدك: حط (٩) المرتفع بالبسط، [و] (١٠) اندك\n_________\n(١) بمعناه في تفسيره: ٢٣٩ ب، وقد ورد بمثله من غير نسبة في \"التفسير الكبير\" ٣١/ ١٧٤، \"لباب التأويل\" ٤/ ٣٧٨.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣٢٣ بنصه.\n(٣) أنشازها: مفرد نشز وهو ما ارتفع من الأرض، يقال: قعد على نشز من الأرض، وجمع نشز نشوز. إصلاح المنطق: ٩٥، وانظر: المصباح المنير: ٢/ ٧٤١.\n(٤) \"تفسير غريب القرآن\" ٥٢٧.\n(٥) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٦) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٧) ساقط من (أ).\n(٨) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٩) غير واضحة في كلا، النسختين.\n(١٠) ساقط من كلا النسختين، وأثبت ما ينتظم به الكلام.","vol":"23","page":516},{"text":"سنام البعير إذا انفرش في ظهره، وناقة دكاء إذا كانت كذلك، ومنه الدكان لاستوائه في الفرش، وكذلك الأرض إذا دكت استوت في الانفراش، فذهبت دورها، وقصورها، وسائر أبنيتها حتى تصير كالصخرة الملساء (١) (٢). وهذا معنى قول ابن عباس: تمد الأرض يوم القيامة مد الأديم (٣).\nوقوله: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ معنى هذا (٤) كمعنى قوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ [البقرة: ٢١٠] وقد مر (٥).\n_________\n(١) في (أ): (الملساة).\n(٢) \"التفسير الكبير\" ٣١/ ١٧٤.\nوالدك لغة قال الأزهري: الدك يطلق على الهدم، والدُّكك: الهضاب المفسخة، والدُّكك: النوق المنفضخة الأسمنة، والدك: كسر الحائط، والجبل، والدكاوات من الأرض الواحدة دكاء وهي رواب مشرفة من طين فيها شيء من غلط، \"تهذيب اللغة\" ٩/ ٤٣٦ - ٤٣٧، وانظر: \"لسان العرب\" ١٠/ ٤٢٤ وما بعدها وكلاهما تحت (دك).\nوفي الغريب: الدَّك الأرض اللينة والسهلة، وقد دكه دكا ثم قال وأرض دكاء مسواة والجمع الدُّك، وناقة دكاء لاسنام لها تشبيهًا بالأرض الدكاء. \"المفردات في غريب القرآن\" ١٧١، انظر: \"تحفة الأريب\" ١٢٤.\n(٣) \"جامع البيان\" ٣٠/ ١٨٥ من حديث طويل، \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٥٤.\n(٤) في (أ): (هداك).\n(٥) ومما جاء في تفسيرها: قال الواحدي في قوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾. وجهان:\nأحدهما: أن هذا من باب حذف المضاف: أن يأتيهم عذاب الله، أو أمر الله أو آيات الله فجعل الآيات والعذاب مجيئًا له تفخيمًا لشأن العذاب وتعظيمًا له.\nوالثاني: المعنى هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله بما وعدهم من العذاب والحساب فحذف ما يأتي به وتهويلًا عليهم إذ لو ذكر ما يأتي به كان أسهل عليهم في باب =","vol":"23","page":517},{"text":"على أن الحسن قد قال في هذه الآية: جاء أمر ربك وقضاء ربك (١)، فيكون هذا من باب حذف المضاف، ونحو هذا روي عن الكلبي: وجاء أمر ربك.\nوذكر أهل المعاني في هذا قولين:\nأحدهما: أن المعنى وجاء جلائل آياته، لأن هذا يكون يوم القيامة، وفي ذلك اليوم تظهر العظائم، وجلائل الآيات، فجعل مجيئها مجيئًا له تفخيمًا لشأنها.\nالثاني: أن المعنى: وجاء ظهوره بضرورة المعرفة، وضرورة المعرفة التي تقوم مقام ظهوره ورؤيته، ولما صارت المعارف في ذلك اليوم بالله تعالى ضرورة، صار ذلك كظهوره، وتجليه (٢) للخلق، فقيل: وجاء ربك، أي زالت الشبهة، وارتفعت الشكوك كما ترتفع (عند) (٣) مجيء الشيء الذي كان يشك فيه (٤).\n_________\n= الوعيد، وإذا لم يذكر كان أبلغ لأنفسنا وخواطرهم وذهاب ذكرهم في كل وجه. ومثله قوله: ﴿فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا﴾ أي أتاهم بخذلانه إياهم. في قوله: ﴿ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ وجهان أيضًا:\nأحدهما أن العذاب يأتي فيها ويكون أهول كقوله: ﴿عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ﴾.\nوالثاني: أن ما يأتيهم من العذاب يأتي في أهوال مفظعة فشبه الأهوال بالظلل من الغمام كقوله: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ﴾.\n(١) \"الكشف والبيان\" ١٣/ ٩١ ب، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٨٦، \"زاد المسير\" ٨/ ٢٤٧، \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٥٥.\n(٢) غير مقروءة في (أ).\n(٣) ساقط من (أ).\n(٤) \"الوسيط\" ٣/ ٤٨٥.","vol":"23","page":518},{"text":"وهذه أوجه في هذه الآية صحيحة (١).\n_________\n(١) قلت ما ذكره الإمام الواحدي من أوجه للآية واستحسانه لها هو من التأويل وصرف اللفظ عن معناه الحقيقي، وهو قول لايصح، ومخالف لأهل السنة والجماعة. وتفسير هذه الآية على النحو المذكور باطل من وجوه:\nأحدها: إنه إضمار ما لا يدل اللفظ عليه بمطابقة ولا تضمن ولا لزوم وادعاء حذف ما لا دليل عليه يرجع لوثوقه من الخطاب، ويطرق كل مبطل على ادعاء إضمار ما يصحح باطله.\nالثاني: إن صحة التركيب واستقامة اللفظ لا تتوقف على هذا المحذوف، بل الكلام مستقيم تام قائم المعنى بدون إضمار، فإضماره مجرد خلاف الأصل فلا يجوز.\nالثالث: إنه إذا لم يكن في اللفظ دليل على تعيين المحذوف كان تعيينه قولًا على المتكلم بلا علم، وإخبارًا عنه بإرادة ما لم يقم به دليل على إرادته وذلك كذب عليه.\nالرابع: إن في السياق ما يبطل هذا التقرير وهو قوله: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ﴾. فعطف، مجيء الملك على مجيئه سبحانه يدل على تغاير المجيئين، وأن مجيئه سبحانه حقيقة، كما أن مجيء الملك حقيقة، بل مجيء الرب سبحانه أولى أن يكون حقيقة من مجيء الملك.\nالخامس: إن ما ادعوه من الحذف والإضمار إما أن يكون في اللفظ ما يقتضيه ويدل عليه أولًا فإن كان الثاني لم يجز إدعاؤه، وإن كان الأول كان كالملفوظ به وعلى التقدير فلا يكون مجازًا فإن المدلول عليه يمتنع تقديره.\nوهناك ردود أخرى. انظر في ذلك \"مختصر الصواعق المرسلة\" لابن القيم ١٩٥، وعلى ذلك فالواجب حمل الآية على ظاهرها وحقيقتها، قال ابن تيمية: أما الإتيان المنسوب إلى الله فلا يختلف قول أئمة السلف أنه يمر كما جاء وكذلك ما شاكل ذلك فما جاء في القرآن أو وردت به السنة كأحاديث النزول ونحوها وهي طريقة السلامة، ومنهج أهل السنة والجماعة يؤمنون بظاهرها ويكلون علمها إلى الله ويعتقدون أن الله منزه عن سمات الحدث، على ذلك مضت الأئمة خلفًا بعد =","vol":"23","page":519},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ قال عطاء: يريد صفوف الملائكة (١).\nوقال الضحاك: إن الله تعالى يأمر السماء يوم القيامة فتنشق عمن فيها من الملائكة، فينزلون، فيحيطون بمن في الأرض، ثم يأمر السماء الثانية، حتى ذكر السَابعة، فيكون سبع صفوف بعضها خلف بعض (٢)، ونحو هذا قال مقاتل: وكل أهل سماء صف على حدة (٣)، فمن ثم قال: ﴿صَفًّا صَفًّا﴾، والمعنى: صفًا بعد صف -كما ذكرنا في قوله: ﴿دَكًّا دَكًّا﴾ (٤).\nوقوله: ﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾.\n_________\n= سلف كما قال تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾. ثم قال والأحسن في هذا الباب مراعاة ألفاظ النصوص فيثبت ما أثبت الله ورسوله باللفظ الذي أثبته، وينفي ما نفاه الله ورسوله كما نفاه وهو أن يثبت النزول والإتيان، والمجيء ويتقي المثل والسمي، الكفء، والند.\n\"مجموع الفتاوى\" ١٦/ ٤٠٩، ٤٢٣ - ٤٢٤.\nومعنى الآية على ذلك كما قال الإمام السعدي يجيء الله لفصل القضاء بين عباده في ظلل من الغمام وتجيء الملائكة الكرام أهل السموات كلهم صفًا بعد صف كل سماء يجيء ملائكتها صفًا يحيطون من دونهم من الخلق.\n\"تيسير الكريم الرحمن\" ٥/ ٤١٤.\n(١) \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٨٦، \"فتح القدير\" ٥/ ٤٤٠، وبمثل قوله ذهب قتادة: \"جامع البيان\" ٣٠/ ١٨٨.\n(٢) ورد معنى قوله في \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٨٦، \"زاد المسير\" ٨/ ٢٤٧، مختصرًا، وبمعناه في \"فتح القدير\" ٥/ ٤٤٠.\n(٣) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٤) سورة الفجر: ٢١ راجع ذلك في موضعه.","vol":"23","page":520},{"text":"قال جماعة المفسرين: جيء بها يوم القيامة مزمومة بسبعين ألف زمام، كل زمَام مع سبعين ألف ملك يجرونها، حتى تنتصب [يسار] (١) العرش (٢).\n﴿يَوْمَئِذٍ﴾ يعني: يوم يجاء (٣) بها.\n﴿يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ﴾ يتعظ ويتوب له الكافر.\n﴿وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى﴾ قال أبو إسحاق: يُظْهِر التربة، ومن (٤) أين له التوبة (٥)؟ وهذا كقوله: ﴿أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ﴾ [الدخان: ١٣]، وتفسير الذكرى قد سبق في مواضع (٦).\nثم فسر ذكراه بقوله: ﴿يَقُولُ﴾ (٧) يعني الإنسان.\n﴿يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾ أي: قدمت الخير والعمل الصَالح، فحذف للعلم به.\n_________\n(١) ما بين المعقوفين ساقط من (أ): وكتب في (ع): (ليسار).\n(٢) قال بذلك: قتادة، وابن مسعود، ومقاتل انظر: \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٣٧١، \"جامع البيان\" ٣٠/ ١٨٨، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٨٦، \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٥٥، وعزاه الفخر إلى جماعة المفسرين: \"التفسير الكبير\" ٣١/ ١٧٥.\nوهذا القول من المفسرين يصدقه الحديث الذي في \"صحيح مسلم\" ٤/ ٢١٨٤: ح: ٢٩ كتاب الجنة: باب ١٢ عن عبد الله، قال: قال رسول الله -ﷺ-: يؤتي بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها.\n(٣) في (أ): (جابها).\n(٤) في (أ): (من).\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣٢٤ بيسير من التصرف.\n(٦) في سورة الدخان: ١٣، سورة الأعلى: ٩ فليراجع ذلك في سورة الأعلى: ٩.\n(٧) ﴿يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾.","vol":"23","page":521},{"text":"وقوله: ﴿لِحَيَاتِي﴾ قال ابن عباس (١)، (ومقاتل (٢» (٣)، والمفسرون (٤): لآخرتى التي لا مَوت فيها، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾ (٥).\nقال الحسن: عَلم والله أنه صادق هناك حياة طويلة لا موت فيها (٦).\nقال الله تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ (٢٥) وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾ قراءة العَامة: \"يُعذِب\"، و\"يُوثِقُ\" بكسر العين فيهما (٧).\nقال مقاتل: فيومئذ لا يعذب عذاب الله أحد من الخلق، ولا يوثق وثاق الله أحد من الخلق (٨).\n_________\n(١) ورد معنى قوله في \"النكت والعيون\" ٦/ ٢٧١.\n(٢) بمعناه في تفسيره: ٢٤٠ أقال: يا ليتني قدمت في الدنيا لآخرتي.\n(٣) ساقط من (أ).\n(٤) قال بذلك: قتادة، ومجاهد.\nانظر: \"جامع البيان\" ٣٠/ ١٨٩، وبه قال الفراء: \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٦٢، والسمرقندي في \"بحر العلوم\" ٣/ ٤٧٨، وعزاه ابن عطية إلى جمهور المتأولين: \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٨١، وانظر: \"زاد المسير\" ٨/ ٤٨٤، \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٥٦، \"لباب التأويل\" ٤/ ٣٧٨، \"فتح القدير\" ٥/ ٤٤٠.\n(٥) سورة العنكبوت: ٦٤.\n(٦) \"جامع البيان\" ٣٠/ ١٨٩، \"الدر المنثور\" ٨/ ٥١٢، وعزاه إلى ابن أبي شيبة، \"فتح القدير\" ٥/ ٤٤٠، \"تفسير الحسن البصري\" ٢/ ٤١٨.\n(٧) أي بكسر الذال في ﴿يُعَذِّبُ﴾ والثاء في ﴿يُوثِقُ﴾ انظر: كتاب \"السبعة في القراءات\" ٦٨٥، \"القراءات وعلل النحويين فيها\" ٢/ ٧٧٤، \"الحجة\" ٦/ ٤١١، \"المبسوط\" ٤٠٨، \"حجة القراءات\" ٧٦٣، كتاب \"التبصرة\" ٧٢٦، \"النشر\" ٤٠٠، \"المهذب\" ٢/ ٣٣٣.\n(٨) بمعناه في \"تفسيره\" ٢٤٠ أ، \"التفسير الكبير\" ٣١/ ١٧٦.","vol":"23","page":522},{"text":"قال أبو عبيد: قد علم المسلمون أنه ليس يوم القيامة معذب سوى الله، (فكيف يكون) (١) لا يعذب أحد مثل عذابه (٢)؟. فزيف (٣) أبو عبيد هذا القول كما ترى (٤).\nوقال أبو إسحاق: المعنى لا يتولى يوم القيامة عذاب الله أحد، أي الأمر يومئذ أمره، ولا أمر لغيره (٥).\nوقال الحسن: لا يعذب عذابه في السماء أحد، ولا يوثق وثاقه في الدنيا أحد (٦)، وتقدير هذا القول: لا يعذب أحد في الدنيا عذاب الله الكافر يومئذ، ولا يوثق أحد في الدنيا وثاق الله الكَافر يومئذ، والمعنى: مثل عذابه ووثاقه في الشدة والمبالغة.\nوذكر الفراء (٧)، والزجاج (٨) هذا القول، (وقرأ الكسائي: \"لا\n_________\n(١) في (أ): (فيكون).\n(٢) \"التفسير الكبير\" ٣١/ ١٧٦، وعزاه إلى أبي عبيدة وهو تصحيف في الاسم.\n(٣) غير مقروءة في (أ).\n(٤) كما رد الإمام الطبري على أبي عبيدة في ما ذهب إليه في تفسيره من إنكاره لقراءة الكسر، فقال: وهذا من التأويل غلط، لأن أهل التأويل تأولوه بخلاف ذلك، مع إجماع الحجة من القراء على قراءته بالمعنى الذي جاء به تأويل أهل التأويل، وما أحسبه دعاه إلى قراءات ذلك أي بالفتح كذلك إلا ذهابه عن وجه صحته في التأويل.\"جامع البيان\" ٣٠/ ١٨٩ - ١٩٠.\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣٢٤، ويعتبر قول أبي إسحاق أحد الأوجه عند الفخر في الرد على أبي عبيدة. انظر \"التفسير الكبير\" ٣١/ ١٧٦.\n(٦) \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٢٧١ - ٢٧٢، \"جامع البيان\" ٣٠/ ١٨٩ وبمعناه في \"النكت والعيون\" ٦/ ٢٧١، \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٥٦، \"تفسير الحسن البصري\" ٢/ ٤١٨.\n(٧) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٦٢\n(٨) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣٤.","vol":"23","page":523},{"text":"يُعَذب\"، و\"لا يُوثَق\" بفتح العين فيهما (١).\nواختاره أبو عبيد (٢) لما روى خالد الحذاء عن أبي قلابة عمن سمع النبي -ﷺ- قرأهما (٣) بالفتح (٤).\nوالعذاب في القراءتين بمعنى التعذيب، كما قلنا في السراح (٥)، والأداء، وكما قال (٦):\nوبعد عطائك المائة الرتاعَا (٧) (٨)\nفجعله موضع الإعطاء، والوثاق أيضًا في موضع الإيثاق، كالعذاب في موضع التعذيب، وهما مضافان إلى الفاعل في قراءة العامة، وهو الله\n_________\n(١) كتاب \"السبعة في القراءات\" ٦٨٥، \"القراءات وعلل النحويين فيها\" ٢/ ٧٧٤، \"الحجة\" ٦/ ٤١١، \"المبسوط\" ٤٠٨.\n(٢) \"الكشف والبيان\" ١٣/ ٩٢ ب، \"التفسير الكبير\" ٣١/ ١٧٦، وعزاه إلى أبي عبيدة، وهو تصحيف، \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٥٧، \"فتح القدير\" ٥/ ٤٤٠.\n(٣) في (أ): (قراءها).\n(٤) الحديث أخرجه الحاكم في \"المستدرك\" ٢/ ٢٥٥، كتاب التفسير، قراءات النبي -ﷺ- وصححه، وقال: والصحابي الذي لم يسمه في إسناده قد سماه غيره: مالك بن الحويرث ووافقه الذهبي، أما ابن جرير فقد رد الحديث واعتبر إسناده واهيًا. \"جامع البيان\" ٣٠/ ١٨٩.\n(٥) في (أ): (للسراح).\n(٦) القطامي من قصيدة مدح بها زفر بن الحارث وقد سبق ذكرها في سورة الحاقة: ٣٤، وصدره:\nأكفرًا بعد رد الموت عني\n(٧) غير مقروء في (ع).\n(٨) ورد البيت أيضًا في \"التفسير الكبير\" ٣١/ ١٧٧، برواية: \"عدائك\" بدلًا من: \"عطائك\" \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٨١ برواية \"بعض\" بدلًا من: \"بعد\".","vol":"23","page":524},{"text":"تعالى.\nوفي قراءة الكسائي مضاف إلى المفعول به مثل: ﴿مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ﴾ [فصلت: ٤٩].\nوالمعنى: لا يعذب أحد تعذيب هذا الكافر، وهذا الصنف من الكفار.\nومن قال المراد بالإنسان كافر بعينه (١)، فهو ظاهر يقول: لا يعذب يومئذ أحد تعذيبه، ولا يوثق أحد إيثاقه) (٢)، وهذا قول الفراء (٣)، والزجاج (٤).\nوقال أبو عبيد: تفسير هذه القراءة: لا يعذَبُ عذاب الكَافر أحد (٥). فهذه ثلاثة أقوال:\nأحدهَا: لا يعذب أحد عذاب ذلك الصنف من الكفار، وهم الذين ذكرهم في قوله: ﴿لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ﴾ (٦) (الآيات) (٧).\n_________\n(١) والمراد بالإنسان الكافر بعينه هو أمية بن خلف الجمحي، قاله مقاتل: \"زاد المسير\" ٨/ ٢٤٨، وانظر: \"الكشف والبيان\" ١٣/ ٩٢ ب، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٨٦ وقيل: أبي بن خلف، وقيل: إبليس. انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٥٦، \"فتح القدير\" ٥/ ٤٤٠.\n(٢) ما بين القوسين نقله عن الحجة ٦/ ٤١١ - ٤١٢ بتصرف.\n(٣) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٦٢.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٤/ ٣٢٤.\n(٥) بمعناه ورد في \"التفسير الكبير\" ٣١/ ١٧٦، وورد بمثله من غير عزو في \"النكت والعيون\" ٦/ ٢٧١، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٨٦.\n(٦) سورة الفجر: ١٧ وما بعدها أي من آية ١٧ إلى آية ٢٠.\n(٧) ساقط من (أ).","vol":"23","page":525},{"text":"والثاني: لا يعذب أحد عذاب كافر بعينه، وهو أمية بن خلف (١)، أو غيره (٢) من [الكفار] (٣) على ما قد بينَّا.\nالثالث: لا يعذب أحد من الناس عذاب الكَافر. وهذا أولى الأقوال.\nوذكر أبو علي الفارسي قولًا آخر في قراءة العَامة، قال: المعنى فيؤمئذ لا يعذب أحدٌ، أحدًا، تعذيبًا مثل تعذيب هذا الكافر المتقدم ذكره؛ فأضيف المصدر إلى المفعول به، كما أُضيف إليه في قراءة الكسائي، ولم يذكر الفاعل، فكان (٤) المعنى في القراءتين سواء، والذي يُراد بأحدٍ الملائكة الذين يتولون تعذيب أهل النار (٥).\nقوله تعالى: ﴿يَا أَيَّتُهَا (٦) النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ) (٧)﴾ قال عطاء عن ابن عباس: بثواب الله (٨).\nوقال مقاتل: التي عملت على يقين بما ذكر الله في كتابه (٩).\nوقال أبو صَالح: المطمئنة بالإيمان (١٠) (١١).\n_________\n(١) بياض في (ع).\n(٢) في (أ): (غيره).\n(٣) في كلا النسختين: الكفر، وأثبت ما رأيت به استقامة المعنى.\n(٤) في (أ): (وكأن).\n(٥) \"الحجة\" ٦/ ٤١٢ بيسير من التصرف.\n(٦) يايتها: في كلا النسختين.\n(٧) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٨) \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٥٧ من غير ذكر طريق عطاء.\n(٩) لم أعثر على مصدر لقوله، وورد بمثله من غير نسبة في \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٥٧.\n(١٠) بياض في (ع).\n(١١) لم أعثر على مصدر لقوله، وقد ورد بمثله عن مقاتل في \"تفسيره\" ٢٤٠ أ.","vol":"23","page":526},{"text":"وقال مجاهد: المنيبة المخبتة التي أيقنت بأن الله (ربها) (١)، وضربت لأمره جأشًا (٢)، الراضية بقضاء الله (٣).\nوقال الحسن: المؤمنة الموقنة (٤).\nومعنى هذه الأقوال: المطمئنة إلى وعد الله، المصدقة بما قال.\nقال صَاحب النظم: المطمئنة الموقنة اعتبارا بقوله: ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ (٥) والطمأنينة: حقيقة الإيمان، فإذا لم تكن طمأنينة كانت وسوسة، وهذه الصفة ثابتة لنفس المؤمن في الدنيا؛ لأنه صَدَّق الله، واطمأن إلى ما ذكر في كتابه (٦).\nوقوله: ﴿ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ﴾ قال أبو صالح: هَذا عند خروجها من الدنيا\n_________\n(١) ساقط من (أ).\n(٢) جأشًا: أي قرَّت يقينًا، اطمأنت كما يضرب البعير بصدره الأرض إذا برك وسكن. \"تهذيب اللغة\" ١١/ ١٣٥ (جيش).\n(٣) ورد قوله في تفسير مجاهد: ٧٢٨ مختصرًا، \"جامع البيان\" ٣٠/ ١٩٠ بنحوه، \"الكشف والبيان\" ١٣/ ٩٢ ب، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٨٦، \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٥٧ بمعناه ولم يذكر الزيادة، \"الراضية بقضاء الله\". إلا برواية منفصلة عن مجاهد في \"الكشف\" ١٣/ ٩٣ أ، \"زاد المسير\" ٨/ ٢٤٨، \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٥٧ وبالنص كاملًا ورد عن عطية بمثله، انظر: \"الكشف والبيان\"، و\"معالم التنزيل\". مرجعين سابقين، \"الدر المنثور\" ٨/ ٥١٥ مختصرًا، وعزاه إلى الفريابي، وعبد بن حميد.\n(٤) \"الكشف والبيان\" ١٣/ ٩٣ أ، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٨٦، \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٥٧، \"فتح القدير\" ٥/ ٤٤٠، تفسير الحسن: ٢/ ٤١٨.\n(٥) سورة البقرة: ٢٦٠\n(٦) لم أعثر على مصدر لقوله.","vol":"23","page":527},{"text":"يقال لها: ارجعي إلى الله راضية بالثواب (١)، مرضية عنك (٢)، وهو قول مقاتل (٣) وغيره (٤).\nيدل على هذا ما روى أن رجلًا قرأ عند النبي -ﷺ- هذه الآيات فقال أبو بكر (﵁): ما أحسن هذا، فقال النبي -ﷺ-: أما إن الملك سيقولها لك (٥) (٦).\nوقوله (٧): ﴿فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ أي في جملة عبادي الصالحين المصطفين، وهذا يقال لها يوم القيامة.\nقال أبو صَالح: إذا كان يوم القيامة قيل ادخلي في عبادي وادخلي جنتي (٨).\n_________\n(١) بياض في (ع).\n(٢) ورد معنى قوله في \"جامع البيان\" ٣٠/ ١١٩، \"الكشف والبيان\" ١٣/ ٩٣ أ، \"النكت والعيون\" ٦/ ٢٧٢، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٨٧، \"زاد المسير\" ٨/ ٢٤٩ برواية أبي صالح عن ابن عباس،\"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٥٨، \"الدر المنثور\" ٨/ ٤١٤ - ٥١٥، وعزاه إلى ابن المنذر، وابن أبي حاتم.\n(٣) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٤) عزاه ابن الجوزي إلى الأكثرين: \"زاد المسير\" ٨/ ٢٤٨، وقال به الحسن البصري، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وابن زيد.\nانظر: \"الكشف والبيان\" ١٣/ ٩٣ ب، \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٨١، \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٥٨، \"البحر المحيط\" ٨/ ٤٧٢.\n(٥) بياض في (ع).\n(٦) ورد في \"جامع البيان\" ٣٠/ ١٩١ برواية سيقول لك عند الموت، \"الكشف والبيان\" ١٣/ ٩٤ أ، \"التفسير الكبير\" ٣١/ ١٧٩، \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٠/ ٥٨، \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٤٥، وقال عنه مرسل، \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٨١.\n(٧) في (أ): (قوله).\n(٨) \"جامع البيان\" ٣/ ١٩٢، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٨٧.","vol":"23","page":528},{"text":"قال صاحب النظم: قوله: ﴿ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ تكون عند الوفاة، وقبض الروح، ثم نظم به.\nقوله: ﴿فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾، وهذا لا يكون إلا في الآخرة، فنظم ﷿ خبرًا بخبر في وقت على ظاهره، وهما في وقتين في الباطن (١).\nومن المفسرين من يقول هذا كله، يقال للنفس المطمئنة في الآخرة (٢).\nومعنى \"المطمئنة\": الآمنة من العذاب (٣)؛ لأن الله أمنها من العذاب يدل هذا على ما ذكر في حرف أبي: (يا أيتها النفس الآمنة المطمئنة) (٤).\nوقوله: ﴿ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ﴾ أي إلى ثواب ربك وكرامته (قاله) (٥) الحسن (٦). قال الفراء: إلى ما أعد الله لك من الثواب (٧)، ثم ينتظم بقوله: ﴿فَادْخُلِي فِي عِبَادِي﴾.\n_________\n(١) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٢) قال بذلك أسامة بن زيد عن أبيه وكلامه قال: بُشرت بالجنة عند الموت ويوم الجمع وعند البعث.\n\"جامع البيان\" ٣٠/ ١٩١.\n(٣) قال بذلك الكلبي، ومقاتل. انظر: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٨٦، \"فتح القدير\" ٥/ ٤٤١.\n(٤) ورد قوله في \"مختصر في شواذ القرآن\" لابن خالوية: ١٧٣، \"جامع البيان\" ٣٠/ ١٩١، \"النكت والعيون\" ٦/ ٢٧٢، \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٨٢.\n(٥) في كلا النسختين: (قال).\n(٦) \"الكشف والبيان\" ١٣/ ٩٤ أب، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٨٧، \"زاد المسير\" ٨/ ٢٤٩، \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٥٨، \"تفسير الحسن البصري\" ٢/ ٤١٩.\n(٧) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٦٣ بنصه.","vol":"23","page":529},{"text":"ومن المفسرين من ذهب إلى أن هذا يقال للنفس المؤمنة عند البعث يقال لها: ﴿ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ﴾ أي إلى صاحبك الذي (١) خرجت منه، وهذا قول عكرمة (٢)، وعطاء (٣)، (والضحاك (٤» (٥).\nيدل على هذا ما روي عن ابن عباس أنه قرأ: فادخلي في عبدي، على التوحيد (٦).\n_________\n(١) بياض في (ع).\n(٢) \"جامع البيان\" ٣٠/ ١٩١، \"الكشف والبيان\" ١٣/ ٩٤ أ، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٨٧، \"زاد المسير\" ٨/ ٢٤٩، \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٥٨.\n(٣) المراجع السابقة عدا \"جامع البيان\".\n(٤) المراجع السابقة عدا \"جامع البيان\"، و\"الجامع لأحكام القرآن\".\n(٥) ساقط من (ع).\n(٦) \"المحتسب\" ٢/ ٣٦٠، \"مختصر في شواذ القرآن\" ١٧٣.","vol":"23","page":530},{"text":"المملكة العربية السعودية\nوزارة التعليم العالي\nجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية\nعمادة البحث العلمي\nسلسلة الرسائل الجامعية\n-١١٥ -\nالتَّفْسِيرُ البَسِيْط\nلأبي الحسن على بن أحمد بن محمد الواحدي\n(ت ٤٦٨ هـ)\nمن سورة البلد إلى آخر المصحف\nتحقيق\nد. نورة بنت عبد الله بن عبد العزير الورثان\nأشرف على طباعته وإخراجه\nد. عبد العزير بن سطام آل سعود ... أ. د. تركي بن سهو العتيبي\nالجزء الرابع والعشرون","vol":"24","page":1},{"text":"المملكة العربية السعودية\nوزارة التعليم العالي\nجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية\nعمادة البحث العلمي\nسلسلة الرسائل الجامعية\n-١١٥ -\nالتَّفْسِيرُ البَسِيْط\nلأبي الحسن على بن أحمد بن محمد الواحدي\n(ت ٤٦٨ هـ)\nمن سورة البلد إلى آخر المصحف\nتحقيق\nد. نورة بنت عبد الله بن عبد العزير الورثان\nأشرف على طباعته وإخراجه\nد. عبد العزير بن سطام آل سعود ... أ. د. تركي بن سهو العتيبي\nالجزء الرابع والعشرون","vol":"24","page":2},{"text":"جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ١٤٣٠ هـ\nفهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية أثناء النشر\nالواحدي، علي بن أحمد\nالتفسير البسيط لأبي الحسن علي بن أحمد بن محمد\nالواحدي (ت ٤٦٨)./ نورة بنت عبد الله بن عبد العزيز الورثان،\nالرياض ١٤٣٠ هـ.\n٢٥ مج. (سلسلة الرسائل الجامعية)\nردمك: ٤ - ٨٥٧ - ٠٤ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (مجموعة)\n٩ - ٨٨٠ - ٠٤ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (ج ٢٤)\n١ - القرآن تفسير ... ٢ - الواحدي، علي بن أحمد\nأ- العنوان ... ب-السلسلة\nديوي ٢٢٧.٣ ... ٨٦٨/ ١٤٣٠\nرقم الإيداع: ٨٦٨/ ١٤٣٠ هـ:\nردمك: ٤ - ٨٥٧ - ٠٤ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (مجموعة)\n٩ - ٨٨٠ - ٠٤ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (ج ٢٤)","vol":"24","page":3},{"text":"التَّفْسِيرُ البَسِيْط\nلأبي الحسن علي بن أحمد بن محمد الواحدي\n(ت ٤٦٨ هـ)\n[٢٤]","vol":"24","page":4},{"text":"بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ","vol":"24","page":5},{"text":"التَّفْسِيرُ البَسِيْط\nلأبي الحسن علي بن أحمد بن محمد الواحدي\n(ت ٤٦٨ هـ)","vol":"24","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5002>تفسير سورة البلد </span><span data-type=\"title\" id=toc-5003>(١)</span>\nبسم الله الرحمن الرحيم\n\n١ - ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ أجمع المفسرون على أن هذا قسم بالبلد الحرام (٢)، والسورة نازلة بها.\n_________\n(١) مكية بالإجماع قال بذلك: ابن الجوزي في: \"زاد المسير\" ٨/ ٢٥٠، والقرطبي في: \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٥٩. وقال أبو حيان: هذه السورة مكية في قول الجمهور. \"البحر المحيط\" ٨/ ٤٧٤. وقال الشوكاني: قيل: إنها مدنية \"فتح القدير\" ٥/ ٤٨٣.\n(٢) وممن حكى الإجماع على أن المراد بالبلد هي مكة: ابن عطية في: \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٨٣، والفخر في: \"التفسير الكبير\" ٣١/ ١٨٠، والقرطبي في: \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٦٠، والخازن في: \"لباب التأويل\" ٤/ ٣٧٩، والشوكاني في: \"فتح القدير\" ٥/ ٤٤٢. ولم يذكر الطبري في الآية اختلافًا. \"جامع البيان\" ٣٠/ ١٩٣. والمفسرون على أنه قسم بالبلد الحرام، قال بذلك: قتادة، وابن عباس، ومجاهد، وعطاء، وابن زيد، وسعيد بن جبير، وأبو صالح، وعطية. \"جامع البيان\" ٣٠/ ١٩٣، \"الدر المنثور\" ٨/ ٥١٨. وانظر أيضًا: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣٢٧، و\"بحر العلوم\" ٣/ ٤٧٩، و\"الكشف والبيان\" ١٣/ ٩٥ أ، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٨٨، و\"زاد المسير\" ٨/ ٢٥٠، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٤٦. وهناك من شذ فقال: إنها مدنية، وهو قول الواسطي، قال القرطبي: والأول أصح؛ لأن السورة نزلت بمكة باتفاق. \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٦٠، وقال الشوكاني: وهو مع كونه خلاف إجماع المفسرين، هو أيضًا مدفوع بكون =","vol":"24","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5004>٢ </span>- ﴿وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾، قال الليث: الحِلّ: الرجل الحلال الذي خرجَ من إحرامه ولم يحرم (١).\nقال أبو إسحاق: يقال رَجُلّ حِلّ وحَلاَل مُحِلُّ، وكذلك رجل حِرْمٌ، وحَرام ومُحْرِمّ (٢).\nوقال (٣) مجاهد: أحلت للنبي -ﷺ- أن يصنع فيها ما يشاء (٤).\nوقال قتادة: أنت به حل لست بآثم (٥) (٦).\nقال مقاتل: وأنت حل أن تقتل بمكة من شئت من الكفار (٧).\nقال المفسرون: أحل لنبيه ﷺ (٨) مكة يوم الفتح حتى\n_________\n= السورة مكية لا مدنية. \"فتح القدير\" ٥/ ٤٤٢. وعليه ما ذكر من الإجماع فصحيح، ولا عبرة فيمن شذ، وقد رد من الأئمة. والله أعلم. وقد ذكر الماوردي أن البلد الحرام مكة، وساق قولًا آخر، وهو أنه الحرم كله. الماوردي ٦/ ٢٧٤.\n(١) \"تهذيب اللغة\" ٣/ ٤٣٧ (حلل).\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣٢٧.\n(٣) في (أ): (قال).\n(٤) \"جامع البيان\" ٣٠/ ١٩٤، وورد بمعناه في: \"النكت والعيون\" ٦/ ٢٧٤، و\"زاد المسير\" ٨/ ٢٥٠، و\"فتح القدير\" ٥/ ٤٤٣.\n(٥) بياض في (ع).\n(٦) \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٣٧٣، \"جامع البيان\" ٣٠/ ١٩٥،\"التفسير الكبير\" ٣١/ ١٨٠، \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ١٩٥، \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٤٦، \"الدر المنثور\" ٨/ ٥١٨، وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، \"فتح القدير\" ٥/ ٤٤٣.\n(٧) بمعناه في \"تفسيره\" ٢٤٠ أقال: \"لا أقسم بهذا البلد\"، يعني مكة، \"وأنت حل بهذا البلد\"، يعني ما أحلها لأحد قبلك ولا بعدك، وإنما أحللتها لك ساعة في النهار.\n(٨) في (أ): (﵇).","vol":"24","page":8},{"text":"قاتل، وقتل، وقد قال -ﷺ-: \"لا تحل لأحد قبلي، ولا تحل لأحد بعدي، ولم تحل لي إلا ساعة من نهار\" (١).\nوهذا قول ابن عباس (٢)، وعطاء (٣)، (والكلبي (٤)، وابن زيد (٥)، والضحاك (٦» (٧).\nوالمعنى: إن الله تعالى لما ذكر القسم بمكة دل ذلك على عظم قدرها مع كونها حرامًا، فوعد نبيه -ﷺ- أن يحلها له حتى يقاتل فيها، وأن يفتحها\n_________\n(١) أخرجه البخاري في: \"الجامع الصحيح\" ١/ ٥٦: ح: ١١٢: كتاب العلم: باب ٣٩: من حديث أبي سلمة، عن أبي هريرة، ولفظ البخاري: \"إلا وإنها لم تحل لأحد قبلي، ولم تحل لأحد بعدي، ألا وإنها حلت لي ساعة من نهار\"، ج: ٤/ ٢٦٨: ح ٦٨٨٠: كتاب الديات: باب ٨، ومسلم في \"صحيحه\" ٢/ ٩٨٦، ٩٨٨، ٩٨٩: ح: ٤٤٥، ٤٤٧، ٤٤٨: كتاب الحج: باب ٨٢، وأحمد في: المسند: ١/ ٢٥٣، ٢٥٩، ٣١٦، وقال ابن حجر في الكافي: متفق عليه من حديث أبى سلمة، عن أبي هريرة، وله طرق وألفاظ: ٤/ ١٨٤.\n(٢) \"جامع البيان\" ٣٠/ ١٩٤، \"النكت والعيون\" ٦/ ٢٧٤، \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٨٣، \"زاد المسير\" ٨/ ٢٥٠، \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٦٠، \"البحر المحيط\" ٨/ ٤٧٤، \"الدر المنثور\" ٨/ ٥١٦، وعزاه إلى ابن مردويه، وابن أبي حاتم.\n(٣) \"جامع البيان\" ٣٠/ ١٩٥، \"بحر العلوم\" ٣/ ٤٧٩، \"الدر المنثور\" ٨/ ٥١٨، وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن أبي حاتم.\n(٤) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٥) \"جامع البيان\" ٣٠/ ١٩٥، \"الجامع لأحكام القرآن\" ٣٠/ ٦١، \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٤٦، \"الدر المنثور\" ٨/ ٥١٨.\n(٦) \"جامع البيان\" ٣٠/ ١٩٥، \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٤٦.\n(٧) ما بين القوسين ساقط من: (أ).","vol":"24","page":9},{"text":"على يده، وهذا وعد من الله بأن يحلها له، حتى تكون بها (١) حلًا (٢).\n\nوهذا اعتراض بين القسم وما نسق عليه، وهو قوله (تعالى) <span data-type=\"title\" id=toc-5005>(٣):</span>\n٣ - ﴿وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ﴾ (هذا الذي ذكرنا قول عامة أهل التفسير) (٤).\nقال الحسن: ﴿وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ أي أنت مقيم فيه (٥)، وهو محلك، ومعناه التنبيه على شرفه، بشرف من حل فيه من الرسول الداعي إلى توحيد الله، وإخلاص العبادة له؛ المبشر بالثواب، والمنذر بالعقاب.\nوذكر المبرد هذا القول، فقال: ويقال: حِل: تأويله حَال؛ أي سَاكن (٦).\nوذكر قولًا آخر: وهو أن المعنى أن الكفار من أهل مكة يحرمون أن يقتلوا بها صيدًا، أو (٧) يعضدوا بها شجرة، ويستحلون إخراجك وقتلك.\nوهذا يروى عن شُرَحْبيل بن سعد (٨).\n_________\n(١) في (أ): (ما).\n(٢) من قوله: (فوعد نبيه ..) إلى: (بها حلًا) عزاه ابن الجوزي إلى المفسرين في: \"زاد المسير\" ٨/ ٢٥٠ - ٢٥١، وانظر: \"فتح القدير\" ٥/ ٤٤٣.\n(٣) ساقط من: (ع).\n(٤) ما بين القوسين ساقط من: (أ).\n(٥) لم أعثر على مصدر لقوله، وقد ورد بمثله من غير عزو في: \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٦١، و\"لباب التأويل\" ٤/ ٢٧٩.\n(٦) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٧) في (أ): (و).\n(٨) ورد قوله في: \"الكشف والبيان\" ١٣/ ٩٥ ب، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٨٨، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٨٣، \"الكشاف\" ٥/ ٢١٢، و\"التفسير الكبير\" ٣١/ ١٨٠، =","vol":"24","page":10},{"text":"وأما قوله: ﴿وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ﴾ فهو عطف على القسم، والمراد بـ\"الوالد وما ولد\" أدم وذريته، وهو قول: مجاهد (١)، (ومقاتل (٢» (٣)، وقتادة (٤)، (والضحاك (٥)، والكلبي (٦)، وعطاء عن ابن عباس (٧)،\n_________\n= \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٦١، \"الدر المنثور\" ٨/ ٥١٨، وعزاه إلى سعيد بن منصور، وابن المنذر.\n(١) \"تفسير الإمام مجاهد\" ص ٧٢٩ بنحوه، \"جامع البيان\" ٣٠/ ١٩٥، \"الكشف والبيان\" ١٣/ ٩٥ ب، \"النكت والعيون\" ٦/ ٢٧٥، \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٨٣، \"زاد المسير\" ٨/ ٢٥١ حاشية، \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٦١، \"البحر المحيط\" ٨/ ٤٧٥، \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٤٧، \"الدر المنثور\" ٨/ ٥١٩ وعزاه إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، \"فتح القدير\" ٥/ ٤٤٣ وجميعها بلفظ: آدم وولده.\nوأخرجه البخاري معلقًا عليه في كتاب التفسير: سورة البلد: ٦/ ٨٣.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ٢٤٠ أ.\n(٣) ساقط من: (أ).\n(٤) \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٣٧٣، \"جامع البيان\" ٣٠/ ١٩٥، \"الكشف والبيان\" ١٣/ ٩٥ ب، \"النكت والعيون\" ٦/ ٢٧٥، \"زاد المسير\" ٨/ ٢٥١ حاشية \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٦١، \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٤٧، \"فتح القدير\" ٥/ ٤٤٣، وجميعها بعبارة: آدم وولده.\n(٥) المراجع السابقة عدا \"تفسير عبد الرزاق\".\nقال ابن كثير: والذي ذهب إليه مجاهد وأصحابه حسن قوي؛ لأنه تعالى لما أقسم بأم القرى، وهي أم المساكن، أقسم بعده بالساكن، وهو آدم أبو البشر وولده.\n\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٤٧.\n(٦) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٧) \"المستدرك\" ٢/ ٥٢٣، وصححه الحاكم عن ابن عباس.","vol":"24","page":11},{"text":"والحسن (١» (٢).\nقال الفراء: وصلحت \"ما\" للناس، كقوله: ﴿مَا طَابَ لَكُمْ﴾ [النساء:٣]، ومثله كثير (٣)، قال: ويجوز أن يجعل \"مَا\" مع الذي بعدها في معنى مصدر، كأنه قيل: ووالد وولادته، كقوله: ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا﴾ [الشمس: ٥] (٤).\nوروى عكرمة عن ابن عباس: الوالد: الذي يلد، \"وما ولد\": العاقر الذي لا يلد (٥).\nوعلى هذا \"ما\" تكون نفيًا؛ كأنه قيل: ووالد غير والد، ولا يصح هذا القول إلا بإضمار الموصول، كأنه قيل: ووالد والذي ما ولد، وذلك لا يجوز عند البصريين (٦) (٧).\n_________\n(١) \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٦١، \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٤٧، \"فتح القدير\" ٥/ ٤٤٣، \"تفسير الحسن البصري\" ٢/ ٤١٩.\n(٢) ما بين القوسين ذكر بدلًا من تعدادهم لفظ: وغيرهم في نسخة (أ).\n(٣) نحو ما جاء في سورة الليل (٣) وهو قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٣)﴾، وما جاء في سورة النساء: ٢٢ وهو قوله: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾.\n(٤) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٦٣ - ٢٦٤ بتصرف.\n(٥) \"جامع البيان\" ٣٠/ ١٩٥، \"الكشف والبيان\" ١٣/ ٩٥ ب، \"النكت والعيون\" ٦/ ٢٧٥، وبمعناه في:\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٨٣، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٦٢، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٤٧، و\"غرائب التفسير\" ٢/ ١٣٤٢، وقد عده الكرماني من العجيب في التأويل.\n(٦) انظر: \"الدر المصون\" ٣٠/ ٥٢٤، \"الكشف والبيان\" ج ١٣/ ٩٥ ب، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٦٢، و\"فتح القدير\" ٥/ ٤٤٣، و\"البحر المحيط\" ٨/ ٤٧٥.\n(٧) البصريون: هم أصحاب المدرسة النحوية بالبصرة، الذين نشأ النحو على أيديهم وتطور، وضعوا قواعدهم على الأعم الأغلب مما نقل عن العرب، من ذلك: التشدد في السماع، فلا يأخذون إلا من ثقات العربية، ولا يعتمدون الشاهد =","vol":"24","page":12},{"text":"وقال في رواية العوفي: الوالد وولده، يعني كل والد، وكل مولود (١).\nوروي عن أبي عمران الجَوْنِيّ أنه قال: يعني إبراهيم (٢) وولده (٣).\n\nقال مقاتل: أقسم الله تعالى بمكة، وبآدم وذريته <span data-type=\"title\" id=toc-5006>(٤)</span>. فقال:\n٤ - (قوله تعالى) (٥): ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ قال ابن عباس في رواية مِقْسَم: قائمًا على قدميه منتصبًا (٦).\nوهو قول أبي صالح (٧)، وإبراهيم (٨)،\n_________\n= النحوي مقياسًا إلا إذا جرى على ألسنة العرب، وكثر استعمالهم له، وغير ذلك من القواعد، وهم أسبق من أصحاب المدرسة الكوفية، وأكثر تشددًا منهم.\nومن علماء المذهب البصري: أبو عمرو بن العلاء، والخليل بن أحمد، وسيبويه، وقطرب، والأخفش الأوسط، والمازني، والمبرد، وغيرهم.\nانظر: \"المدارس النحوية\" لشوقي ضيف ص ١١ وما بعدها، و\"معجم المصطلحات النحوية والصرفية\" لمحمود اللبدي ص٢١، ٨٧.\n(١) \"الكشف والبيان\" ١٣/ ٩٥ ب، \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٦٢، وهو اختيار الطبري في: \"جامع البيان\" ٣٠/ ١٩٦.\n(٢) (إبرهم) في كلا النسختين.\n(٣) \"جامع البيان\" ٣٠/ ١٩٦، \"الكشف والبيان\" ١٣/ ٩٥ ب، \"النكت والعيون\" ٦/ ٢٧٥، \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٨٣، \"زاد المسير\" ٨/ ٢٥١، \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٦١، \"الدر المنثور\" ٨/ ٥١٩، وعزاه إلى ابن أبي حاتم.\n(٤) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٥) ساقط من: (ع).\n(٦) ورد معنى قوله من غير ذكر طريق مقسم في: \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٨٤، و\"لباب التأويل\" ٤/ ٣٨٠، و\"البحر المحيط\" ٨/ ٤٧٥، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٤٧، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٥١٩، وعزاه إلى الطبراني.\n(٧) ورد معنى قوله في: \"جامع البيان\" ٣٠/ ١٩٧، و\"الكشف والبيان\" ١٣/ ٩٦ أ، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٨٤، و\"البحر المحيط\" ٨/ ٤٧٥.\n(٨) ورد معنى قوله في \"تفسير الإمام مجاهد\" ٧٢٩، \"جامع البيان\" ٣٠/ ١٩٧، \"الكشف والبيان\" ١٣/ ٩٦ أ.","vol":"24","page":13},{"text":"والضحاك (١)، وعبد الله بن شداد (٢» (٣) (٤)، وعكرمة (٥) (ورواية عطاء عن ابن عباس (٦» (٧)، قالوا: معتدلًا، ومنتصبًا (٨)، وكل شيء خلق يمشي على أربع إلا الإنسان، فإنه خلق منتصبًا.\nقال المُنذري: سمعت أبا طالب يقول: الكبد: الاستواء والاستقامة (٩) (١٠).\n_________\n(١) ورد معنى قوله في: \"جامع البيان\" ٣٠/ ١٩٧، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٨٨، \"زاد المسير\" ٨/ ٢٥٢، و\"البحر المحيط\" ٨/ ٤٧٥، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٤٨، المحرر الوجيز ٥/ ٤٨٤.\n(٢) لعله يريد به: عبد الله بن شَدّاد المديني، أبو الحسن الأعرج، كان من تجار واسط، صدوق، روى له الجماعة. انظر: \"تهذيب الكمال\" ١٥/ ٨٥ ت: ٣٣٣١.\n(٣) ورد قوله في \"الكشف والبيان\" ١٣/ ٩٦ أ، \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٨٤، \"البحر المحيط\" ٨/ ٤٧٥.\n(٤) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٥) ورد معنى قوله في: \"جامع البيان\" ٣٠/ ١٩٧، \"الكشف والبيان\" ١٣/ ٩١ أ، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٨٨، و\"زاد المسير\" ٨/ ٢٥٢، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٤٧، \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٦٢.\n(٦) وردت روايته ولكن عن طريق مقسم عنه في: \"بحر العلوم\" ٣/ ٤٧٩، \" الكشف والبيان\" ١٣/ ٩٦ أ، و\"زاد المسير\" ٨/ ٢٥٢، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٥٢٠.\nومن غير ذكر طريق عطاء في: \"النكت والعيون\" ٦/ ٢٧٥، \"التفسير الكبير\" ٣١/ ١٨٣.\n(٧) ما بين القوسين ذكر بدلًا منه في (أ) بلفظ: (وغيرها).\n(٨) في (أ): (منتصبًا) من غير واو.\n(٩) في (أ): (الإقامة).\n(١٠) \"تهذيب اللغة\" ١٠/ ١٢٧ (كبد)، وانظر: \"لسان العرب\" ٣/ ٣٧٦.","vol":"24","page":14},{"text":"وقال الوالبي عن ابن عباس: (في نصب (١) (٢)، وهو قول مجاهد (٣)، وسعيد بن جبير (٤)، والحسن (٥)، قالوا: في شدة.\nقال الحسن: لم يخلق الله خلقًا يكابد ما يكابد ابن آدم (٦).\nقال أخوه سعيد (٧): يكابد مصائب الدنيا، وشدائد الآخرة (٨).\n_________\n(١) ساقط من: (أ).\n(٢) ورد قوله في: \"جامع البيان\" ٣٠/ ١٩٦، و\"الكشف والبيان\" ١٣/ ٩٥ ب، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٨٨، \"زاد المسير\" ٨/ ٢٥١، \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٦٢، و\"لباب التأويل\" ٤/ ٢٧٩، \"صحيفة علي بن أبي طلحة\" ص ٥٣٣.\n(٣) \"تفسير الإمام مجاهد\" ص ٧٢٩، \"زاد المسير\" ٨/ ٢٥١، \"الدر المنثور\" ٨/ ٥١٩، وعزاه إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(٤) المراجع السابقة عدا تفسير مجاهد، وانظر: \"الكشف والبيان\" ١٣/ ٩٥ ب، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٨٨، و\"زاد المسير\" ٨/ ٢٥١، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٤٧، وعزاه صاحب الدر إلى سعيد بن منصور، وعبد ابن حميد.\n(٥) \"جامع البيان\" ٣٠/ ١٩٦، \"زاد المسير\" ٨/ ٢٥١، \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٦٢، \"تفسير الحسن البصري\" ٢/ ٤٢٠.\n(٦) ورد قوله في: \"جامع البيان\" ٣٠/ ١٩٧، و\"بحر العلوم\" ٣/ ٤٨٠، \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٨٤، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٢٥٠، وعزاه إلى ابن المبارك في الزهد، وعبد بن حميد، وابن أبي حاتم، و\"فتح القدير\" ٥/ ٤٤٣، \"تفسير الحسن البصري\" ٢/ ٤٢٠.\n(٧) سعيد بن أبي الحسن، واسمه يَسار الأنصاري؛ مولاهم، البصري، أخو الحسن البصري، روى عن ابن عباس، وعنه أخوه الحسن البصري، ثقة، مات قبل الحسن سنة ١٠٠ هـ، روى له الجماعة.\nانظر: \"تاريخ الثقات\" ١٨٢ ت ٥٣٦، و\"التاريخ الكبير\" ٣/ ٤٦٢ ت ١٥٣٨، و\"الكاشف\" ١/ ٢٨٣ ت ١٨٨٥.\n(٨) \"الوسيط\" ٤/ ٤٨٩، وقد وردت الرواية من طريقه عن أخيه الحسن البصري في \"بحر العلوم\" ٣/ ٤٧٩، و\"الكشف والبيان\" ١٣/ ٩٥ ب، \"النكت والعيون\" ٦/ ٢٧٦، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٨٨، \"القرطبي\" ٢٠/ ٦٢، \"ابن كثير\" ٤/ ٥٤٧.","vol":"24","page":15},{"text":"ونحو هذا قال قتادة: يكابد أمر الدنيا والآخرة، فلا تلقاه إلا في مشقة (١).\nوروى عن ابن جُرَيْج، عن (عطاء، عن (٢) ابن عباس قال: يعني حمله، وولادته، ورضاعه، وفصاله، ونبت أسنانه، وختانه، ومعاشه، وموته، كل ذلك بشدة (٣).\nونحو هذا روى (القاسم (٤) بن أبي بزة (٥) (٦)، عن مجاهد قال: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا﴾ [الأحقاف:١٥]، ومعيشته في شدة، فهو يكابد ذلك (٧).\nوذكر الكلبي (٨)، والفراء (٩): القولين جميعًا.\n_________\n(١) \"تفسير عبد الرزاق\" ٣/ ٣٧٣، \"جامع البيان\" ٣٠/ ١٩٦، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٨٨، \"الدر المنثور\" ٨/ ٥١٩ وعزاه إلى عبد بن حميد.\n(٢) ساقط من: (أ).\n(٣) ورد بمعناه في: \"جامع البيان\" ٣٠/ ١٩٧، و\"بحر العلوم\" ٣/ ٤٨٠، و\"الكشف والبيان\" ١٣/ ٩٥ ب، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٨٨، و\"لباب التأويل\" ٤/ ٣٨٠، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٦٢، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٤٧، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٥١٩، وعزاه إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، وانظر: \"المستدرك\" ٢/ ٥٢٣، كتاب التفسير: تفسير سورة البلد، وصححه، ووافقه الذهبي.\n(٤) في (ع): (القسم).\n(٥) (بزة) غير واضحة في: (ع).\n(٦) ما بين القوسين ساقط من: (أ).\n(٧) \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٤٧ من غير ذكر طريق القاسم من أبي بزة، وبمثله ورد عن ابن جريج. \"النكت والعيون\" ٦/ ٢٧٦.\n(٨) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٩) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٦٤.","vol":"24","page":16},{"text":"وعلى هذا: (الكبد من مكابدة الأمر، وهي معاناة شدته (١)، ومشقته، والرجل يكابد الليل إذا قاسى هَوّلهُ وصعوبته (٢) (٣).\nوقال أهل المعاني: الكبد شدة الأمر، ومنه تكبد اللبن إذا غلظ واشتد، ومنه الكبد: كأنه دم (٤) يغلظ ويشتد، فالإنسان مخلوق في شدة مكونة (٥) في رحمه، ثم في القماط، والرباط، ثم على خطر (عظيم) (٦) عند بلوغه حال التكليف، ومكابدة المعيشة، والأمر والنهي، فينبغي [له] (٧) أن يعلم أن الدنيا دار مشقة وكد، وأن الجنة هي دار الراحة والنعمة (٨).\nومن المفسرين من يذهب (٩) بالكبد إلى شدة الخلق، والقوة، وهو قول الكلبي، قال: نزلت في رجل من بني جمح (١٠)، كان يكنى أبا الأشدين، وكان يجعل تحت قدميه الأديم (العكاظي) (١١)، ثم يأمر العشرة\n_________\n(١) قال به الأزهري في: \"تهذيب اللغة\" ١٠/ ١٢٧ (كبد) بتصرف، وانظر: \"لسان العرب\" ٣/ ٣٧٦ (كبد).\n(٢) ومن قوله: (الرجل يكابد ...) إلى: (وصعوبته) من قول الليث. المرجعان السابقان.\n(٣) ما بين القوسين نقله من التهذيب. المرجع السابق.\n(٤) في (أ): (ولم).\n(٥) في (أ): (ركمه).\n(٦) ساقط من: (أ).\n(٧) ساقط من: (أ).\n(٨) لم أعثر على مصدر لقولهم.\n(٩) في (أ): (ذهب).\n(١٠) بنو جمح: بطن بني هصيص من قريش من العدنانية، النسبة إليهم جمحي، \"نهاية الأرب\" للقلقشندي ص ٢٠٢، وانظر \"معجم قبائل العرب\" لمحمد رضا كحالة ١/ ٢٠٢، \"نهاية الأرب\" للنويري ٢/ ٣٥٦.\n(١١) ساقط من: (أ).","vol":"24","page":17},{"text":"فيجتذبونه من تحت قدميه، فيتمزق (الأديم) (١)، ولم تزل قدماه (٢). ونحو هذا قال مقاتل (٣).\nوعلى هذا: الكبد من الشدة التي هي بمعنى القوة، وغلظ القول (٤)، والخلق.\nقال المبرد: يقال فلان يكابد الأمر إذا كان يدافعه بشدة (٥)، وأنشد أبو عبيدة قول لبيد:\nعَيْنُ هَلّا بَكَيْتِ أرْبَدَ إذْ ... قُمْنَا وقَامَ الخُصومُ في كَبَدِ (٦) (٧)\nأي في شدة وعناء (٨)، ويجوز أن يكون في شدة وقوة للدفع، ويدل على هذا المعنى: قوله:\n_________\n(١) ساقط من (أ).\n(٢) \"التفسير الكبير\" ٣١/ ١٨٣، \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٦٣، \"لباب التأويل\" ٤/ ٣٨٠ من غير عزو.\n(٣) \"الكشف والبيان\" ١٣/ ٩٦ أ، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٨٨، وانظر: \"نهاية الأرب\" للقلقشندي ص ٢٠٢، ولم أعثر على قوله في تفسيره.\n(٤) في (ع): (القوة).\n(٥) جاء في حاشية \"الكامل\" ٣/ ١٣٩٤ قول المبرد قال: (والكبد: الشدة والمشقة).\n(٦) ورد البيت في: \"ديوانه\" ص ٥٠ ط. دار صادر. وانظر (كبد) في: \"تهذيب اللغة\" ١٠/ ١٢٧، و\"لسان العرب\" ٣/ ٣٧٦، وفي \"جامع البيان\" ٣٠/ ١٩٨، و\"الكشف والبيان\" ١٣/ ٩٦ أ، و\"النكت والعيون\" ٨/ ٢٧٦، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٨٤، \"الكشاف\" ٤/ ٢١٣، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٦٢، و\"روح المعاني\" ٣٠/ ١٣٥، و\"الكامل\" ٣/ ١٣٩٤، و\"الخصائص\" ٢/ ٢٠٥، ٣/ ٣١٨، \"الدر المنثور\" ٨/ ٥٢٠، و\"الإتقان\" ٢/ ٥٧، و\"جمهرة أشعار العرب\" لأبي زيد القرشي، تح: البجاوي ص ٢١.\n(٧) ورد قوله في: \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٩٩.\n(٨) \"تهذيب اللغة\" ١٠/ ١٢٧ (كبد).","vol":"24","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5007>٥ </span>- ﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ﴾\nقال الفراء: أيحسب بشدته أن لن يقدر عليه أحد، والله قادر عليه (١).\nوهو قول الكلبي، قال: أيظن من شدته أن لن يقدر عليه أحد، وأن لن يعاقبه الله (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5008>٦ </span>- ثم أخبر عن مقالة هذا الإنسان، فقال: ﴿يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا﴾.\nقال أبو عبيدة: لبدًا: فُعَلٌ من التلبُّد، وهو المال الكثير بعضه على بعض (٣).\nقال أبو إسحاق: وفُعَلٌ للكثرة، يقال: رجل حُطَم إذا كان كثير الحَطْمِ (٤).\nوقال الفراء: واحدتُهْ لُبْدة، ولُبَد جماع، وقال: وجعل بعضهم واحدًا على جههَ قُثَّم وحُطَم، وهي في الوجهين جميعًا الكثير (٥).\nقال الليث: قال: لبدّ لا يخاف فناءه من كثرته (٦)، وذكرنا تفسير هذا الحرف عند قوله: ﴿يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ [الجن: ١٩].\nوجميع المفسرين قالوا في \"اللبد\": إنه الكثير المجتمع (٧).\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٦٤.\n(٢) \"الوسيط\" ٤/ ٤٨٩.\n(٣) \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٩٩.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣٢٨.\n(٥) لم أعثر على قوله في معانيه، و\"تهذيب اللغة\" ١٤/ ١٢٩ (لبد)، \"التفسير الكبير\" ١/ ١٨٣، و\"لسان العرب\" ٣٠/ ٣٨٧، وقد سبق بيان قراءة (لبدًا) سورة الجن ١٩.\n(٦) لم أعثر على مصدر لقوله، وقد ورد بنحوه من غير عزو في: \"لسان العرب\" ٣٠/ ٣٨٧ (لبد).\n(٧) قال بذلك: قتادة، وابن عباس، ومجاهد، وابن زيد، والحسن، والسدي وغيرهم. \"جامع البيان\" ٣٠/ ١٩٨، \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٤٧. =","vol":"24","page":19},{"text":"قال الكلبي (١)، ومقاتل (٢): يقول أهلكت في عداوة محمد مالًا كثيرًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5009>٧ </span>- قال الله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ﴾. قال عطاء عن ابن عباس: أيحسب أن لم ير الله عمله (٣).\nونحو هذا قال مقاتل: أيحسب أن لم يطلع الله على مَا عمل (٤).\nومعنى هذا التهديد باطلاع الله على مَا عمل، كما قال قتادة: أيظن أن الله لم يره، ولا يسأله عن ماله من أين كسبه، وأين أنفقه (٥)؟.\n_________\n= وبه قال الزجاج في: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣٢٨، وابن قتيبة في: \"تفسير غريب القرآن\" ٥٢٨، والسجستاني في \"نزهة القلوب\" ص ٣٩٢، ولم يذكر الطبري قولًا مخالفًا، قال: وبنحو الذي قلنا قال أهل التأويل. \"جامع البيان\" ٣٠/ ١٩٨، وقال به أيضًا الثعلبي في: \"الكشف والبيان\" ١٣/ ٩٦ أ، وانظر أيضًا: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٨٩، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٦٤، و\"لباب التأويل\" ٤/ ٣٨٠، \"المفردات في غريب القرآن\" ص ٤٤٦، و\"نفس الصباح\" ٢/ ٧٨٢، و\"تحفة الأريب\" ص ٢٧٦.\nوذكر الماوردي قولًا محتملًا قال: ويحتمل أن يكون المعنى مالًا قديمًا لاشتقاقه من الأبد، أو للمبالغة في قدمه في عهد لَبِد؛ لأن العرب تضرب المثل في القدم بـ (لبد). وذكر قدمه لطول بقائه، وشدة ضنه به. \"النكت والعيون\" ٦/ ٢٧٧.\nقلت: وهذا الاحتمال بعيد عن مفهوم الآية، وهو ضعيف، وعليه لا يعتبره الإمام الواحدي قولًا مخالفًا؛ بل لا يعتبر أن له وجودًا، ولهذا حكى الإجماع.\n(١) \"زاد المسير\" ٨/ ٢٥٢، \"فتح القدير\" ٥/ ٤٤٣، وعنه القرطبي عن ابن عباس: \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٦٤.\n(٢) \"فتح القدير\" ٥/ ٤٤٣، وبمعناه ورد في: \"الكشف والبيان\" ١٣/ ٩٦ ب، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٨٤، و\"زاد المسير\" ٨/ ٢٥٢، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٦٤، والذي ورد عنه في تفسيره ٢٤٠ ب قال: لبدًا يعني مالًا كثيرًا.\n(٣) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٤) بمعناه في \"تفسيره\" ٢٤٠ ب.\n(٥) \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٣٧٣، \"جامع البيان\" ٣٠/ ١٩٩، \"الكشف والبيان\" ١٣/ =","vol":"24","page":20},{"text":"وقال الكلبي: كان كاذبًا، لم ينفق ما قال، فقال الله: أيظن ما رأى الله ذلك منه فعل أو لم يفعل، أنفق أو لم ينفق (١)!.\nواختاره الفراء فقال: ﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ﴾ في إنفاقه، يقول: أنفقت وهو كاذب (٢).\nقال مقاتل: (ثم ذكره النعم ليعتبر فقال (٣):\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5010>٨ </span>- ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ﴾) (٤) قال أبو إسحاق: (أي) (٥) ألم نفعل به ما يُستدل به على أن الله قادر على أن يبعثه، وأن يحصي عليه ما يعمله (٦).\n<span data-type=\"title\" id=toc-5011>٩ </span>- (قوله تعالى) (٧): ﴿وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ﴾. قال الليث: الشَّفة حُذِفَتْ منها \"الهاء\"، وتصغيرها: شُفيْهة، والجميع شِفاه، وإذا ثلثوا قالوا: شفهات (٨)، وشَفهوات، و\"الهاء\" أقيس، و\"الواو\" أعمّ، لأنهم شبهوه بالسنوات (٩)، ونقصانها حذف \"هَائها\" (١٠).\n_________\n= ٩٦ ب، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٨٩، \"التفسير الكبير\" ٣١/ ١٨٣ - ١٨٤، \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٤٧، \"فتح القدير\" ٥/ ٤٤٤.\n(١) \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٨٩، \"التفسير الكبير\" ٣١/ ١٨٤، \"فتح القدير\" ٥/ ٤٤٤.\n(٢) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٦٤ بتصرف.\n(٣) في (أ): (فقال قوله).\n(٤) ما بين القوسين من قول مقاتل، انظر: \"تفسيره\" ٢٤٠ ب.\n(٥) ساقط من: (أ).\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣٢٨ بنصه.\n(٧) ساقط من (ع).\n(٨) في (أ): (شفهات).\n(٩) في (أ): (بالسموات).\n(١٠) \"تهذيب اللغة\" ٦/ ٨٥، ٨٦، وانظر: \"لسان العرب\" ١٣/ ٥٠٦ (شفه).","vol":"24","page":21},{"text":"قال الأزهري: والعرب تقول: هذه شَفُةٌ في الوصَل، وشفهٌ أيضًا بـ\"الهاء\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5012>١٠ </span>- وقوله: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ النجد: معناه في اللغة: ما ارتفع من الأرض، وأشرف، ونجد هو ما ارتفع عن انخفاض تِهَامة، وكل عَال من الأرض نجد، والنجد الطريق في ارتفاع (٢).\nقال ابن عباس (٣)، والمفسرون: يريد بينا له طريق الخير، وطريق الشر.\nوهو قول عبد الله (٤)، (وعلي (٥» (٦)، ومجاهد (٧)، ومقاتل (٨)\n_________\n(١) المرجعان السابقان.\n(٢) المرجعان السابقان، وانظر أيضًا: \"الصحاح\" ٢/ ٥٤٢ (نجد)، و\"تاج العروس\" ٢/ ٥٠٨ - ٥٠٩ (نجد).\n(٣) \"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٠٠، \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٨٤، \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٦٥، \"البحر المحيط\" ٨/ ٤٧٦، \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٤٧.\n(٤) \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٣٧٤، \"جامع البيان\" ٣٠/ ١٩٩، \"بحر العلوم\" ٣/ ٤٨٠ بمعناه، \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٨٤، \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٦٥، \"البحر المحيط\" ٨/ ٤٧٦، \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٤٧، \"الدر المنثور\" ٨/ ٥٢١، وعزاه إلى الفريابي، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني: ٩/ ٢٧٥، وانظر: \"المستدرك\" ٢/ ٥٢٣: كتاب التفسير: تفسير سورة البلد، قال الهيثمي: رواه الطبراني بإسنادين، وفيه عاصم بن أبي النجود، وهو ثقة، وفيه ضعف، وبقية رجاله رجال الصحيح. \"مجمع الزوائد\" ٧/ ١٣٨.\n(٥) ورد قوله من طريقه عن ابن عباس في: \"جامع البيان\" ٣٠/ ١٩٩، ومن طريقه في \"الدر المنثور\" ٨/ ٥٢٢.\n(٦) ساقط من: (أ).\n(٧) \"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٠٠.\n(٨) \"تفسير مقاتل\" ٢٤٠ ب، \"بحر العلوم\" ٣/ ٤٨٠.","vol":"24","page":22},{"text":"(والكلبي (١» (٢)، قالوا: يعني سبيله الخير والشر والطاعة، والمعصية، كقوله: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (٣)﴾ (٣).\nقال أبو إسحاق: المعنى: ألم نُعرّفه طريق الخير والشر بَيّنَيْن كتبيين الطريقين العَاليين (٤)؟\nوروى عيسى بن عقال (٥)، عن أبيه (٦) عن ابن عباس في قوله: ﴿النَّجْدَيْنِ﴾ قال الثديين (٧). وهو قول سعيد بن المسيب (٨)، والضحاك (٩)،\n_________\n(١) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٢) ساقط من: (أ).\n(٣) سورة الدهر: ٣.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣٢٩ بنحوه.\n(٥) عيسى بن عقال البجلي، عن أبيه، روى عنه القاسم بن مالك في الكوفيين، سكت عنه البخاري في تاريخه، وكذا ابن أبي حاتم، وذكره ابن حبان في الثقات. انظر: كتاب \"الجرح والتعديل\" ٦/ ٢٨٣: ت: ١٥٦٩، و\"التاريخ الكبير\" ٦/ ٤٠٣: ت: ٢٧٨٦، و\"الثقات\" ٨/ ٤٩٠.\n(٦) عقال البجلي. لم أعثر له على ترجمة.\n(٧) ورد قوله في: \"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٠١، و\"الكشف والبيان\" ١٣/ ٩٧ ب، كما ورد من طريق محمد بن كعب، عن ابن عباس بمثله في: \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٣٧٤، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٨٩، وكما ورد قوله من غير ذكر الطريق في: \"زاد المسير\" ٨/ ٢٥٣، و\"التفسير الكبير\" ٣١/ ١٨٤، و\"لباب التأويل\" ٤/ ٣٨٠، و\"البحر المحيط\" ٨/ ٤٧٦، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٤٨، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٥٢٢، وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن أبي حاتم.\n(٨) \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٨٩، \"زاد المسير\" ٨/ ٢٥٣، \"التفسير الكبير\" ٣١/ ١٨٤، \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٦٥، \"البحر المحيط\" ٨/ ٤٧٦، \"فتح القدير\" ٥/ ٤٤٤.\n(٩) المراجع السابقة عدا \"التفسير الكبير\"، وانظر: \"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٠١، وقد اعتبره الكرماني من الغريب في \"التفسير\" ٢/ ١٣٤٣.","vol":"24","page":23},{"text":"والقول هو الأول (١)؛ لبعد أن يراد بالنجدين الثديان، ومن قال ذلك ذهب إلى أنهما (٢) كالطريقين لحياة الولد ورزقه، والله تعالى هدى الطفل الصغير حتى ارتضعهما، فهو قوله: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5013>١١ </span>- قوله: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾ قال (ابن قتيبة (٣) و) (٤) الأزهري (٥): أي فلا هو اقتحم يعني الإنسان المذكور (والاقتحام الدخول في الأمر الشديد، وهو المهالك، ويقال قَحمَ يَقْحَمُ قُحُومًا، واقتحم اقتحامًا، وتقحم تقحُمًّا، إذا ركب القحم، وهي المهالك، والأمور العِظام) (٦)، (والعقبة: طريق في الجبل وعر، والجميع: العقب والعقاب) (٧).\nقال عطاء: يريد عقبة جهنم (٨).\nوقال الكلبي: هي عقبة بين الجنة، والنار (٩).\n_________\n(١) وهو الذي رجحه أيضًا الطبري، وابن كثير، والشوكاني في تفاسيرهم:\"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٠١، و\"تفسيرالقرآن العظيم\" ٤/ ٥٤٨، و\"فتح القدير\" ٥/ ٤٤٤.\n(٢) في (أ): (أنها).\n(٣) \"تفسير غريب القرآن\" ٥٢٨، وكلامه: (قال: فلا هو اقتحم العقبة).\n(٤) ما بين القوسين ساقط من: (أ).\n(٥) \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٧٧ (قحم)، قال: (أي قل هو اقتحم العقبة).\n(٦) ما بين القوسين نقله عن \"تهذيب اللغة\". المرجع السابق، وانظر: \"لسان العرب\" ١٢/ ١٦٢ - ١٦٣ (قحم).\n(٧) ما بين القوسين تناول المعنى اللغوي للعقبة.\nانظر ذلك في: \"تهذيب اللغة\" ١/ ٢٨٢، \"لسان العرب\" ١/ ٦٢١ (عقب).\n(٨) \"التفسير الكبير\" ٣١/ ١٨٤.\n(٩) \"التفسير الكبير\" ٣١/ ١٨٤، وورد قوله في: \"الكشف والبيان\" ١٣/ ٩٧ أ، و\"زاد المسير\" ٨/ ٢٥٤، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٦٧، و\"فتح القدير\" ٥/ ٤٤٤.","vol":"24","page":24},{"text":"وقال ابن عمر -﵁-: هي جبل زلال (١) في جهنم (٢).\nوقال الضحاك (٣)، ومجاهد (٤): هي الصراط يضرب على جهنم، وهو معنى قول الكلبي: عقبة بين الجنة والنار.\nوقال قتادة: إنها قحمة شديدة، فاقتحموها بطاعة الله (٥).\nهذا كلام المفسرين في تفسير هذه العقبة المذكورة هاهنا (٦)\nقال المبرد (٧)، والفراء (٨)، وأبو عبيدة (٩)، (والزجاج (١٠» (١١):\n_________\n(١) زلال: لعله أراد انه سريع النزول منه، كما يقال: ماء زلال، وزليل: سريع النزول والمر في الحلق. والله أعلم.\n\"لسان العرب\" ١١/ ٣٠٧ (زلل).\n(٢) ورد قوله في: \"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٠١، و\"الكشف والبيان\" ١٣/ ٩٨ أ، و\"النكت والعيون\" ٦/ ٢٧٨، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٨٩، و\"زاد المسير\" ٨/ ٢٥٤، و\"التفسير الكبير\" ٣١/ ١٨٤، و\"لباب التأويل\" ٤/ ٣٨٠، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٥٢٢، وعزاه إلى ابن أبي شيبة، وابن أبي حاتم.\n(٣) ورد قوله في \"الكشف والبيان\"، و\"النكت والعيون\"، و\"معالم التنزيل\"، و\"زاد المسير\". مراجع سابقة. وانظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٦٧.\n(٤) المراجع السابقة عدا \"النكت والعيون\".\n(٥) \"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٠١، \"الكشف والبيان\" ١٣/ ٩٨ أ، \"الحجة\" ٦/ ٤١٤، \"فتح القدير\" ٥/ ٤٤٤.\n(٦) أيضًا من الأقوال في معنى العقبة: (قال كعب: هو سبعون درجة في جهنم). \"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٠٢.\n(٧) \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٦٦، \"فتح القدير\" ٥/ ٤٤٤.\n(٨) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٩) \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٩٩.\n(١٠) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣٢٩.\n(١١) ما بين القوسين ساقط من: (أ).","vol":"24","page":25},{"text":"معنى، ﴿فَلَا اقْتَحَمَ﴾ فلم يقتحم.\nقال الفراء (١)، والزجاج (٢): ولم يضم إلى قوله: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾ كلامًا آخر فيه \"لا\"، والعرب قل ما تتكلم في مثل هذا المكان (٣) إلا بـ\"لا\" مرتين أو أكثر، لا تكاد تقول: لا حييتنى، تريد مَا حييتنى، فإن قال: لا حييتنى، ولا بررتني صلح. كما قال الله تعالى: ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى﴾ [القيامة: ٣١] واكتفى هاهنا بواحدة، لأن المعنى يدل على التكرير، وهو قوله: (فك رقبة أو إطعام (٤»، ﴿ثُمَّ كَانَ﴾ كأنه قيل: فلا تفعل ذا ولاذا، ولا أمن.\nقال أبو علي الفارسي: معنى ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾ لم يقتحمها، وإذا كانت ﴿لَا﴾ بمعنى ﴿لَمْ﴾ لم يلزم تكريرها، كما لا يلزم التكرير مع ﴿لَمْ﴾، فإن تكررت في موضع نحو: ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى﴾ [القيامة: ٣١]، فهو كتكرير لم نحو: ﴿لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾ [الفرقان: ٦٧] (٥).\nويدل على صحة مَا ذكر أبو علي مَا أنشد أبو عبيدة، والمبرد (٦):\nوأيُّ خميس لا أفَأنَا (٧) نِهابَه ... وأسيافنا يَقْطُرْن من كَبْشِهِ دَمَا (٨)\nيعني: لم يفر، ولم يكرر لا.\nوأما مَا ذكرنا عن المفسرين في تفسير العقبة، فغير متوجه هاهنا\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٦٤ - ٢٦٥.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣٢٩.\n(٣) في (أ): (للمكان).\n(٤) في النسختين، ومعاني الفراء: (طعم).\n(٥) \"الحجة\" ٦/ ٤١٥ بنصه.\n(٦) \"الكامل\" ٢/ ١٠٤٤، ولم أجده في \"مجاز القرآن\".\n(٧) في (أ): (أفا).\n(٨) البيت لطرفة بن العبد، سبق ذكره، انظر: تفسير سورة القيامة؛ الآية: ٣١.","vol":"24","page":26},{"text":"لأنَّ (١) من المعلوم أن هذا الإنسان وغيره لم يقتحموا عقبة جهنم، ولا جاوزوها، فإذًا لا معنى لحملها على عقبة في الآخرة، ولكن الصحيح أن ذكر العقبة هَاهنا مثل ضربه الله (تعالى) (٢) لمجاهدة النفس والشيطان في أعمال البر، (وهذا مذهب الحسن، ومقاتل) (٣).\nقال الحسن: عقبة الله شديدة، ومجاهدة الإنسان نفسه وهواه، وعدوه والشيطان (٤).\nوقال مقاتل: هذا مثل ضربه الله؛ يريد أن المعتق رقبة، والمطعم تقاحم نفسه وشيطانه، مثل من يتكلف صعود العقبة، فشبه المعتق رقبة في شدته عليه بالمتكلف صعود العقبة (٥).\nوهذا مذهب أبي عبيدة، فقد قال: لم يقتحم العقبة في الدنيا (٦)، فبين أن هذه العقبة في الدنيا، وهي مَا ذكر الله من بعد فقال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5014>١٢ </span>- ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ﴾ قال ابن عباس: يريد اقتحام العقبة (٧).\n_________\n(١) في (أ): (إلا).\n(٢) ساقط من: (أ).\n(٣) ما بين القوسين ساقط من: (أ).\n(٤) \"النكت والعيون\" ٦/ ٢٧٨ بمعناه، \"الكشاف\" ٤/ ٢١٣، \"التفسير الكبير\" ٣١/ ١٨٥، \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٦٧.\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ٢٤٠ ب، \"التفسير الكبير\" ٣١/ ١٨٥، وقد رجح الفخر الرازي هذا القول في: \"التفسير الكبير\" ٣١/ ١٨٥، وقال الماوردي: وهو أشبه بالصواب، \"النكت والعيون\" ٦/ ٢٧٩، وكذا القرطبي في: \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٦٨.\n(٦) \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٩٩.\n(٧) لم أعثر على مصدر لقوله.","vol":"24","page":27},{"text":"قال أبو علي: لا بد من تقدير هذا المحذوف؛ لأنه لا يخلو (١) من أن تقدّر حذف هذا المضاف، أو لا تقدره، فإن لم [تقدره] (٢)، وتركت الكلام على ظاهره كان المعنى: العقبة: فك رقبة، ولا تكون العقبة الفك؛ لأنه عَيْنٌ، والفك حدث (٣)، والخبر ينبغي أن يكون المبتدأ في المعنى، وإذا لم يستقم (٤) هذا كَان المضاف مرادًا، فيكون المعني: اقتحام العقبة فكُّ رقبةٍ، أو اطعامُ، أي اقتحامها أحد هذين، أو هذا الضرب من فعل القُرَب، ومثل هذا قوله: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ (٥) نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ﴾\n[الهمزة:٥ - ٦] أي: الحطمة نار الله (٥).\nونحو هذا قال الزجاج (٦).\nالمعني: اقتحام العقبة فك رقبة، أو إطعام، فالمضاف محذوف من الآية الأولى، والمبتدأ محذوف من قوله: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ علي ما بيَّنَّا وشرحنا.\n(وفك الرقبة: تخليصها من إسار الرق، وفكُّ الرهن، وفكِاكه: تخليصه من غَلَق الرهن، وكل شيء أطلقته فقد فككته، ومنه فك الكتاب، وهو أن تأخذ السحانة (٧) فتلويها حتى ينفك ختامها (٨».\n_________\n(١) لا يخلوا: في كلا النسختين.\n(٢) في كلا النسختين: (تقدر)، والمثبت من مصدر القول، وهو: \"الحجة\".\n(٣) في (أ): (حديث).\n(٤) لم يستفهم: هكذا ورد في أصل الكلام، وهو \"الحجة\".\n(٥) انتهى كلام أبي علي الفارسي:\"الحجة\" ٦/ ٤١٤.\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣٢٩ بمعناه.\n(٧) لعله يراد بالسحانه: السَّحْن، وهو أن تدلك خشبة بمسحن حتى تلين من غير أن تأخذ من الخشبة شيئًا: \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣١٩ (سحن).\n(٨) ما بين القوسين نقلًا عن الأزهري من: \"تهذيب اللغة\" ٩/ ٤٥٩: مادة: (فك) =","vol":"24","page":28},{"text":"وقال أهل المعاني: الفك فرق يزيل المنع، كفك القيد والغل، وفك الرقبة، وفرق بينها وبين حَال الرق بإيجاب الحرية، أو إبطال العبودية (١).\nقال الفراء في المصادر: فكها يفكها فكاكًا، بفتح الفاء في المصدر، ولا تقل بكسرها (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5015>١٤ </span>- وقوله (٣): ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ قال أبو عبيدة: ذي مجاعة (٤)؛ (يقال سَغِبَ يَسْغَبُ سَغبًا: إذا جاع، فهو سَاغِبِ وسَغْبَان ذو مَسغَبةٍ) (٥).\nقال ابن عباس: يريد بالمسغبة الجوع (٦).\nقال مجاهد (٧)، وعكرمة (٨): ذو مجاعة.\nوقال الحسن: يوم محروص فيه على الطعام (٩).\nقال أبو علي: وجاز أن يوصف اليوم بهذا، كما جاز أن يقال: ليل\n_________\n= بنحوه، وانظر: \"لسان العرب\" ١٠/ ٤٧٥ (فك).\n(١) لم أعثر على مصدر لقولهم، غير أني وجدت بمثله من غير عزو في: \"التفسير الكبير\" ٣١/ ١٨٥.\n(٢) لم أعثر على مصدر قوله في معانيه، ولكن ورد في: \"التفسير الكبير\" ٣١/ ١٨٥.\n(٣) في (أ): قوله.\n(٤) \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٩٩.\n(٥) ما بين القوسين قول الليث نقله عن \"تهذيب اللغة\" ٨/ ٤١ بتصرف، وانظر: \"لسان العرب\" ١/: ٤٦٨ (سغب)، \"تاج العروس\" ١/ ٢٩٩ (سغب).\n(٦) \"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٠٣، \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٤٩، \"الدر المنثور\" ٨/ ٥٢٥، وعزاه إلى الفريابي، وعبد بن حميد، وابن أبي حاتم، وكلها برواية: يوم مجاعة.\n(٧) المراجع السابقة برواية: الجوع، و\"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٠٤.\n(٨) المراجع السابقة عدا \"الدر المنثور\".\n(٩) \"التفسير الكبير\" ٣١/ ١٨٦.","vol":"24","page":29},{"text":"نائمٌ، ونهار صَائمٌ، ونحو ذلك (١) (هذا) (٢) الذي ذكرنا قراءة العامة (٣).\nوقرأ أبو عمرو، والكسائي: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ بفتح الكَاف، (أو ﴿أطعم﴾ بغير ألف (٤» (٥).\n(قال الفراء) (٦): وهو أشبه الوجهين بصحيح العربية، لقوله: \"ثم كان\"، وهو أشكل بـ\"فك\" و\"أطعم\"، والفك، والإطعام، اسم فينبغي أن يرد على الاسم اسم مثله، فلو قيل: \"ثم إن كان\" كان أشكل للإطعام، لأنه حينئذ يكون بمعنى المصدر، وهذا وجه القراءة الأولى مع قوله: \"ثم كان\"، وهو أن يضمر \"أن\"، وتُلقى فيكون مثل قول الشاعر (٧):\nألا ايُهذا الزاجري احْضِرَ الْوَغَى ... وأَنْ أشْهَدَ اللذَّاتِ هَلْ أنت مُخْلِدِ (٨)\n_________\n(١) \"الحجة\" ٦/ ٤١٥ بنصه.\n(٢) ساقط من: (أ).\n(٣) قرأ بذلك: عاصم، وابن عامر، ونافع، وحمزة: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ إضافة ﴿أَوْ إِطْعَامٌ﴾ رفعًا.\nانظر: \"السبعة في القراءات\" ٦٨٦، \"القراءات وعلل النحويين فيها\" ٢/ ٧٧٧، \"الحجة\" ٦/ ٤١٣، و\"المبسوط\" ٤١٠، و\"حجة القراءات\" ٧٦٤، و\"الكشف\" ٢/ ٣٧٥، و\"التبصرة\" ص ٧٢٧، و\"إتحاف فضلاء البشر\" ص ٤٣٩.\n(٤) وقرأ بذلك أيضًا: ابن كثير. انظر: المراجع السابقة.\n(٥) ما بين القوسين ساقط من: (أ).\n(٦) ما بين القوسين ساقط من: (أ).\n(٧) البيت لطَرفَةُ بن العبد البكري من معلقته.\n(٨) ورد البيت أيضًا في: \"كتاب سيبويه\" ٣/ ٩٩ - ١٠٠، و\"شرح أبيات سيبويه\" ص ١٦٩ و\"المقتضب\" ٢/ ٨٥، و\"المدخل\" ٣٠١، رقم ٣١٥، و\"لسان العرب\" ١٣/ ٣٢ (أنن)، و\"مغني اللبيب\" ٢/ ١٧ رقم ٦١٦، و\"شرح ابن عقيل\" م ٢ ج ٤/ ٢٤ رقم ٣٣٣. وانظر أيضًا: \"شرح أبيات معاني القرآن\" للفراء ص ١١٥رقم ٢٤٠، ولم أجده في ديوانه.\nموضع الشاهد: \"أحْضِرَ\" حذف \"أن\" الناصبة، وانتصاب الفعل بعدها، وفي =","vol":"24","page":30},{"text":"ألا (ترى) (١) أن ظهور \"أن\" في آخر الكلام يدل على أنها معطوفة على أخرى مثلها في أول الكلام، وقد حذفها (٢).\nوقال أبو علي: من قرأ: ﴿فكّ رقبة أو أطعم﴾ فإنه يجوز أن يكون ما ذكر من الفعل تفسيرًا لاقتحام العقبة، وقد جاء: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ﴾ [آل عمران: ٥٩]، ثم فَسَّرَ المثل بقوله: ﴿خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ﴾ [آل عمران: ٥٩]، فكذلك قول من قال: \"فك رقبة * أو أطْعَم\".\nقال: ومن احتج لهذه القراءة بقوله: \"ثم كان\" فقال: [كأنه لما] (٣) كان فعلًا يجب أن يكون المعطوف عليه مثله، كان هذا وجهًا حسنًا.\n_________\n= حذفها ونصب الفعل بعد حذفها خلاف بين الكوفيين، والبصريين، فالكوفيون يُجيزون النصب قياسًا حينئذ، واستدلوا بهذا البيت، بدليل العطف: \"أن أشهد\" عليه، فدل على أنها تنصب مع الحذف.\n\"شرح أبيات معاني القرآن للفراء\" ص ١١٥ رقم ٢٤٠.\nومعنى البيت: هل أنت مبقي، يا من يلومني في حضور الحرب، لئلا أُقتل، وفي أن أنفق مالي في الفتوة، ولا أخلفه لغيري.\nالمرجع السابق، وانظر: \"المقتضب\" ٢/ ٨٥.\n(١) ساقط من: أ.\n(٢) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٦٥ بتصرف، ولتفصيل هذه المسألة النحوية راجع فيها المراجع السابقة الذكر مثل: كتاب سيبويه: ٣/ ٩٩، \"المقتضب\" ٢/ ٨٥، \"شرح ابن عقيل\" ٤/ ٢٤، وغيرها.\nوخلاصة القول فيها: ذهب الكوفيون إلى أنَّ \"أن\" الخفيفة تعمل في الفعل المضارع النصب مع الحذف من غير بَدَل، وذهب البصريون إلى أنها لا تعمل مع الحذف من غير بدل، وقد عرض كل واحد منهم بأدلته.\nراجع ذلك في \"الإنصاف\" ٢/ ٥٥٩، ٥٧٠.\n(٣) في النسختين: (لما كان كان)، وأثبت ما جاء في \"الحجة\" لانتظامه.","vol":"24","page":31},{"text":"وقد يجوز أن يكون قوله: \"ثم كان\" كالقطع من الأول، والاستئناف، كأنه أعلم أن فكَاك الرقبة من الرق من الذين آمنوا؛ لأنه بالإيمان يحوز ثواب ذلك ويجوزه، فاذ لم ينضم الإيمان إلى فعل القرب التي تقدم ذكرها لم ينفع ذلك (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5016>١٥ </span>- قوله تعالى: ﴿يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ﴾ قال أبو إسحاق: معناه ذا قرابة، تقول: زيد ذو قرأ بني، وذو مقربتي (٢)، (وزيدٌ قرابتي) (٣) قبيح، لأن القرابة المصدر، قال الشاعر (٤):\nيبكي الغريب عليه ليس يعرفه ... وذو قرابته في الحي مسرور (٥) (٦)\nقال مقاتل: يعني يتيمًا بينه وبينه قرابة (٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5017>١٦ </span>- وقوله: ﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾، قال أبو عبيدة (٨)، والمبرد (٩)،\n_________\n(١) \"الحجة\" ٦/ ٤١٥ - ٤١٦ بتصرف يسير.\n(٢) في (أ): (ذوا).\n(٣) ما بين القوسين ساقط من: (أ).\n(٤) قيل: هو ابن لبيد العذري، وقيل: هو الحارث بن جبلة، وقيل: هو عبيد بن شرية. انظر: \"الإصابة\" ٦/ ١٠٢ ت: ٦٣٩١، \"شواهد المغني\" ١١٨، ٢٤٥ ط بيروت، و\"أخبار النحويين البصريين\" ٣١، وعزاه إلى شيخ من أهل نجد كان أسنهم.\n(٥) ورد البيت في المراجع السابقة.\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٢٢٩ - ٣٣٠ بنصه.\n(٧) \"تفسير مقاتل\" ٢٤٠ ب، \"التفسير الكبير\" ٣١/ ١٨٧، وقد ورد بمثله من غير نسبة في: \"بحر العلوم\" ٣/ ٤٨١، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٩٠.\n(٨) \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٩٩، وكلامه: (قال: قد لزق بالتراب).\n(٩) لم أعثر على مصدر لقوله.","vol":"24","page":32},{"text":"(والزجاج (١» (٢): ﴿أَوْ مِسْكِينًا﴾ قد لصق بالتراب من فقره وضره. يقال: ترب الرجل إذا افتقر حتى يلصق بالتراب (٣).\nقال عطاء: يريد قد لصق بالتراب، فليس فوقه مَا يستره، ولا تحته ما يوطئه (٤).\nوروى مجاهد عن ابن عباس قال: هو المطروح في التراب لا يقيه شيء (٥).\nروى (٦) أبو صالح أن ابن عباس مر بمسكين لاصق التراب ذي حاجة، فقال: هذا الذي قال الله: ﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ (٧)، ونحو هذا قال جماعة المفسرين (٨).\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣٣٠، وكلامه: يعني أنه من فقره قد لصق بالتراب.\n(٢) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٣) انظر (ترب) في: \"تهذيب اللغة\" ١٤/ ٢٧٤، \"الصحاح\" ١/ ٩١، \"لسان العرب\" ١/ ٢٢٩.\n(٤) لم أعثر على مصدر لقوله، وقد ورد بمثل قوله من غير عزو في: \"التفسير الكبير\" ٣١/ ١٨٧.\n(٥) ورد بنحو من قوله في: \"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٠٤، و\"النكت والعيون\" ٦/ ٢٧٩، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٩٠، و\"زاد المسير\" ٨/ ٤٥٥، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٥/ ٧٥، و\"لباب التأويل\" ٤/ ٣٨١، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٤٩، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٥٢٥ وعزاه إلى الفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، و\"المستدرك\" ٢/ ٥٢٤، كتاب التفسير: تفسير سورة البلد، وقال عنه صحيح، ووافقه الذهبي.\n(٦) في (أ): (أنه) بدلًا من: (روي عن ابن عباس).\n(٧) ورد معنى قوله في: \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٦٦، و\"التفسير الكبير\" ٣١/ ١٨٧.\n(٨) وإلى معنى القول: (ذو اللصوق بالتراب) ذهب: مجاهد، وعكرمة انظر: \"تفسير =","vol":"24","page":33},{"text":"والمتربة: مصدر قولهم: تَرِبَ يترب تَرَبًا ومَتْرَبة، مثل مسغبة، إذا افتقر حتى لصق بالتراب ضرًا (١).\nثم بين أن هذه القرب إنما تنفع مع الإيمان فقال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5018>١٧ </span>- ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي كان مقتحم العقبة، وهو فاك الرقبة، والمطعم من الذين آمنوا، فإنه إن لم يكن منهم لم ينفعه قربة، لإحباط الكفر لها.\nفإن قيل: أليس من شرط صحة هذا القرب، ووقوعها من الله بمكان القبول: الإيمان؟ فهلا قدم الإيمان عليها، وثم للتراخي، فقدله: \"ثم كان\" يوجب الإيمان إذا تراخى عن هذا القرب صحت دونه؟!\nوالجواب عن هذا أن يقال: هذا التراخي في الذكر، لا في الوجود والترتيب (٢)؛ لأن المعنى أنه فعل هذه الأشياء وهو مؤمن معها.\nوكذا ذكر المفسرون (٣)، فقالوا: ثم كان مع ذلك من الذين آمنوا، وقد قال:\nإنَّ مَنْ سَادَ ثُمَّ سَادَ أَبُوُهُ ... ثُمَّ قَدْ سَادَ قَبْلَ ذَلِكَ جَدّهْ (٤)\n_________\n= الإمام مجاهد\" ص ٧٣١، و\"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٠٤ - ٢٠٥، و\"النكت والعيون\" ٦/ ٢٧٩، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٥٢٥، وبه قال ابن قتيبة في \"تفسير غريب القرآن\" ص ٥٢٩، والثعلبي في \"الكشف والبيان\" ١٣/ ٩٨ ب، والسمرقندي في \"بحر العلوم\" ٣/ ٤٨١، والسجستاني في \"نزهة القلوب\" ٤١٦، وانظر: \"المفردات\" ص ٧٣.\n(١) انظر: \"لسان العرب\" ١/ ٢٢٨ (ترب).\n(٢) انظر تفصيل القول في المسألة في \"مغنى اللبيب\" ١/ ١٩٧.\n(٣) قال بذلك الثعلبي في \"الكشف والبيان\" ١٣/ ٩٩ أ.\n(٤) البيت لأبي نواس الحسن بن هانئ، وهو في \"ديوانه\" ٤٩٣ برواية:\nقلْ لمنْ سادَ ثُم سَادَ أبوُه ... قَبْله ثم قبلَ ذلك جَدّه\nوورد البيت غير منسوب في: \"التفسير الكبير\" ٣١/ ١٨٧، و\"مغنى اللبيب\" =","vol":"24","page":34},{"text":"لم يرد بقوله: ثم ساد التأخير، وإنما المعنى: ثم اذكر أنه ساد أبوه، كذلك في الآية، على أنه يجوز أن يحمل على الظاهر بمعنى: ثم كان في عاقبة أمره من الذين آمنوا، وهو أن يموت مؤمنًا، فإن من كان موافاته على الإيمان نفعته القرب، ومن لا، فلا، ويجوز فيه وجه آخر، وهو أن من أتى هذه القرب تقربًا إلى الله، وابتغاء وجهه، وهو غير مؤمن بمحمد -﵇ - ثم آمن به (أجر) (١) على ما سلف له من الخير. يدل على صحة هذا ما روي أن حكيم بن حِزام بعد ما أسلم، قال لرسول الله: \"إنا كنا نتحنث (٢) بأعمال في الجاهلية، فهل لنا فيها شيء؟ \" فقال رسول الله -ﷺ-: \"أسلمت على ما قدمت من الخير\" (٣).\n_________\n= ١/ ١٩٧ ش ١٧٤، \"غرائب التفسير\" ١/ ٢٦٠.\n(١) ساقط من (ع).\n(٢) التَحَنَّث: أي تعبَّد واعتزل الأصنام. \"الصحاح\" ١/ ٢٨٠ (حنث)، وانظر: القاموس المحيط: ١/ ١٦٥ (حنث).\nوجاء في \"فتح الباري\": التحنث: \"الإحسان\" وعمل الخير من الحنث، وهو الإثم، يقال: تحنث أي ألقى عنه الإثم. ٣/ ٣٠٢.\n(٣) الحديث أخرجه البخاري ١/ ٤٤٣، ٤٤٤ ح ١٤٣٦ كتاب الزكاة، باب ٢٤، واللفظ كما هو عند البخاري: عن حكيم بن حزام ﵁ قال: قلت: يا رسول الله، أرأيت أشياء كنت أتحنَّثُ بها في الجاهلية؛ من صدقة، أو عَتاقة، ومن صلة رحم، فهل فيها من أجر؟ فقال النبي -ﷺ-: \"أسلمت على ما سلف من خير\". كما ورد أيضًا في المرجع السابق: ٢/ ١١٩ ح ٢٢٢٠: كتاب البيوع، باب ١٠٠، و٢/ ٢١٨ ح ٢٥٣٨: كتاب العتق، باب ١٢، و٤/ ٩٠ ح ٥٩٩٢: كتاب الأدب. قال المازني: ظاهره: أن الخير الذي أسلفه كتب له، والتقدير: أسلمت على قبول ما سلف لك من خير.\nوأخرجه مسلم ١/ ١١٣ - ١١٤: ح ١٩٤، ١٩٥ كتاب الإيمان، والإمام أحمد ٣/ ٤٠٢. =","vol":"24","page":35},{"text":"وقوله: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾.\nأي على فرائض الله وأمره. قاله ابن عباس (١)، ومقاتل (٢).\n(قوله) (٣): ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ﴾ فالأمر فيما بينهم، والتراحم لليتيم، والمسكين، والضعيف. وهذا من صفة أصحاب النبي -ﷺ- أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعبد الرحمن بن عوف، أي كان من الجملة الذين هذه صفتهم.\nثم ذكر أن هؤلاء منهم فقال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5019>١٨ </span>- ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ﴾.\nوتفسير أصحاب الميمنة قد سبق في سورة الواقعة (٤)، وكذلك تفسير أصحاب المشئمة الذين ذكروا هاهنا في قوله:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5020>١٩ </span>- ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ﴾ قد تقدم هناك (٥).\n_________\n= وانظر: \" التفسير الكبير\" ٣١/ ١٨٧، و\"البحر المحيط\" ٨/ ٤٧٦، و\"فتح القدير\" ٥/ ٤٤٥.\n(١) لم أعثر على مصدر لقوله، وقد ورد بمثله من غير عزو في: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٩١، و\"زاد المسير\" ٨/ ٢٥٥، و\"لباب التأويل\" ٤/ ٣٨١.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ٢٤١ أ، وقد ورد بمثله عن هشام بن حسام ذكره السيوطي في: \"الدر المنثور\" ٨/ ٥٢٦.\n(٣) ساقط من: (ع).\n(٤) سورة الواقعة: ٨، قال تعالى: ﴿فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ﴾.\n(٥) سورة الواقعة: ٩، قال تعالى: ﴿وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ﴾، ومما جاء في تفسير الآيتين السابقتين: يعني اليمين، وجمعها الميامن، وهي جوانب اليمين، وفي أصحاب الميمنة أربعة أقوال:\nقال عطاء عن ابن عباس: هم الذين يعطون كتابهم بأيمانهم.\nوعن ابن عباس أيضًا: هم الذين كانوا على يمين آدم حين أخرجت الذرية من صلبه.\nوقال الحسن، والربيع: هم الذين كانوا ميامين مباركين على أنفسهم، وكانت أعمارهم في طاعة الله ﷿. =","vol":"24","page":36},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5021>٢٠ </span>- وقوله: ﴿عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ﴾ قال جماعة المفسرين: مطبقة (١).\nوقال الفراء (٢)، وأبو عبيدة (٣)، والمبرد (٤)، (والزجاج (٥» (٦) يقال: أَصَدْتُ البَابَ وأوْصَدْتُهُ إذا أغلقته، وأطبقته، (فمن قرأ: ﴿مُؤْصَدَةٌ﴾ بالهمز (٧) (٨): أخذها من: أصدت (٩)، فهمز اسم المفعول،\n_________\n= القول الرابع: أنهم الذين يؤخذ بهم ذات اليمين إلى الجنة.\n\"المشئمة\" يعني أصحاب الشمال، والمشأمة: اليسرى، يقال: اليد اليمنى، واليد الشومى، ومن هذا أخذ اليُمن والشؤم، واليمن والشام، وفي أصحاب المشأمة أربعة أقوال تضاد الأقوال التي ذكرنا في أصحاب الميمنة.\n(١) قال بذلك ابن عباس، وقتادة، والضحاك بمعناه، وأبو هريرة، وعكرمة، وسعيد ابن جبير، ومجاهد، ومحمد ابن كعب، وعطية العوفي، والحسن، والسدي.\nانظر: \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٣٧٥، و\"جامع البيان\" ٣/ ٢٠٧، و\"النكت والعيون\" ٦/ ٢٨٠، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٥٠، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٥٢٦ وبه قال الطبري في \"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٠٧، و\"بحر العلوم\" ٣/ ٤٨١، و\"الكشف والبيان\" ١٣/ ٩٩ أ.\nوانظر: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٩١، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٨٦، و\"الكشاف \" ٤/ ٢١٤، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٨٢، و\"لباب التأويل\" ٤/ ٣٨١.\n(٢) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٦٦، قال: والموصدة تهمز ولا تهمز، وهي المطبقة.\n(٣) \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٩٩، قال: مطبقة، أصدتُ وأوصدت، وهو أطبقت.\n(٤) \"التفسير الكبير\" ٣١/ ١٨٨.\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣٣٠، واللفظ له.\n(٦) ساقط من: (أ).\n(٧) في (أ): (فالهمز).\n(٨) قرأ بذلك: أبوعمرو، وحمزة، وحفص بن عاصم، ويعقوب، وخلف.\nوقرأ الباقون: مُوْصَدَة بغير همز.\nانظر: \"السبعة في القراءات\" ٦٨٦، و\"القراءات وعلل النحويين فيها\" ٢/ ٧٧٧، و\"الحجة\" ٦/ ٤١٦، و\"المبسوط\" ٤١٠، و\"حجة القراءات\" ٧٦٦، و\"التبصرة\" ٧٢٦، \"الوافي\" ٣٨٠.\n(٩) في (أ): (أمررت).","vol":"24","page":37},{"text":"ويجوز أن يكون من أوصدت ولكنها همز على لغة من يهمز (الواو) إذا كان قبلها ضمة نحو: مُؤسى (١).\n(وكان أبو حيه النميري يفعل ذلك) (٢)، وقد ذكرنا ذلك فيما تقدم (٣)\nومن لم يهمز، احتمل أمرين:\nأحدهما: أن يكون من لغة من قال: أوصدتُ فلم يهمز اسم المفعول، كما يقال: من أوعدت موعود.\nوالآخر: أن يكون قد أصد مثل: آمن، ولكنه خفف، كما تقول في تخفيف جُؤْنَهٍ (٤)، وبُؤسٍ، ونُؤْيٍ: جونه، وبوس، ونوى، فيقلبها في التخفيف \"واوًا\" (٥).\nقال الفراء: ويقال: من هذا الأصيد، والوصيد، وهو الباب المطبق (٦).\n_________\n(١) من بيت لجرير، تمامه:\nلَحَبَّ الواقدان إلى مؤسى ... وجَعْدَةُ لَوْ أضاءهما الوقود\nوجعدة ابنته، ومؤسى ابنه، يمدح ولديه بالكرم والاشتهار به.\n\"ديوانه\" ١/ ٢٨٨، ط. دار المعارف، \"الخصائص\" ١/ ٥٦٧، \"شرح أبيات المغني\" ٨/ ٧٦: ش ٩١٨.\nوالمعنى أنه لما أضاء إيقاد النار موسى وجعدة، ورأيتهما ذوي ضياء ونور وبهجة صارا محبوبين.\n(٢) ما بين القوسين ساقط من: (أ).\n(٣) انظر: \"الحجة\"١/ ٢٣٩، وأيضًا جاء ذكر ذلك في سورة البقرة: ٣.\n(٤) جؤنة: سُلَيْلَةُ مستديرة مُغَشَّاة أدمًا، تكون مع العطارين، وجمعها جوَنٌ. \"تهذيب اللغة\" ١١/ ٢٠٤ (جون).\n(٥) ما بين القوسين نقلًا عن \"الحجة\" ٦/ ٤١٦ - ٤١٧ بتصرف.\n(٦) \"معاني القرآن\" ٣/ ٦٦.","vol":"24","page":38},{"text":"قال الليث: الإصاد، والوِصاد، والأُصِدة، (بمنزلة الطبق، يقال: أطبق عليهم الإصاد، والوِصاد، والأصدة (١» (٢).\nقال مقاتل: ﴿عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ﴾ يعني أبواب مطبقة، فلا يفتح لهم باب، ولا يخرج منها غم، ولا يدخل فيها روح آخر الأبد (٣).\n(والمؤصدة هي الأبواب، وقد جرت صفة للنار على تقدير: عليهم نار مؤصدة. الأبواب، فلما تركت الاضافة عاد التنوين لأنهما يتعاقبان) (٤).\n_________\n(١) ما بين القوسين ساقط من: (أ).\n(٢) \"تهذيب اللغة\" ١٢/ ٢٢٢ (وصد) بنصه، وانظر: \"لسان العرب\" ٣/ ٣٦٠ (وصد).\n(٣) \"التفسير الكبير\" ٣١/ ١٨٨، والذي ورد عنه في تفسيره: (قال: وهي جهنم).\n(٤) انظر المرجع السابق.","vol":"24","page":39},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5022>سورة الشمس</span>","vol":"24","page":41},{"text":"تفسير سورة الشمس <span data-type=\"title\" id=toc-5023>(١)</span>\nبسم الله الرحمن الرحيم\n\n١ - ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ هذه الآية، والتي بعدها أقسام كلها إلى قوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ﴾ وهو جواب القسم.\nقال الزجاج: المعنى لقد أفلح، ولكن اللام حذفت، لأن الكلام طال فصَار طوله عوضًا منها (٢).\nوأما تفسير: \"ضحاها\".\nفقال الليث: الضَحْو ارتفاع النهار، والضُّحَى فُوَيْقَ ذلك، والضُحَاءُ (٣)\n_________\n(١) مكية بقول الجميع.\nانظر: \"تفسير مقاتل\" ٢٤٠ أ، و\"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٠٧، و\"بحر العلوم\" ٣/ ٤٨٢، و\"الكشف والبيان\" ١٣/ ٩٩ ب، و\"الكشاف\" ٤/ ٢١٤، و\"زاد المسير\" ٨/ ٢٥٦، \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٧٢ وغيرها.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣٣١.\n(٣) في (أ): (الضحى).","vol":"24","page":43},{"text":"ممدود إذا امتد النهار، وكَرَبَ (١) أن ينتصف (٢).\nوقال أبو الهيثم: الضُحى: على فُعَل حين تطلع الشمس، فيصفو ضَوْؤهَا (٣).\nوذكر المفسرون في \"ضحاها\" ثلاثة أقوال: قال مجاهد: ضوؤها (٤)، (وهو قول الكلبي (٥» (٦)، وقال قتادة: هو النهار كله (٧)، وهو اختيار الفراء (٨)، وابن قتيبة (٩).\nوذكر أبو إسحاق القولين (١٠)، والقول الثالث مَا ذكره مقاتل قال:\n_________\n(١) كرب: أي كاد. مختار \"الصحاح\" ٥٦٦، مادة: (كرب).\n(٢) \"تهذيب اللغة\" ٥/ ١٥٠ (ضحا) بنصه.\n(٣) المرجع السابق ٥/ ١٥١، ١٥٢ (ضحا).\n(٤) \"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٠٨، \"الكشف والبيان\" ١٣/ ٩٩ ب، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٩١، \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٨٧ بمعناه، \"زاد المسير\" ٨/ ٢٥٦، \"التفسير الكبير\" ٣١/ ١٩٠، \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٧٢، \"البحر المحيط\" ٨/ ٤٧٨ بمعناه، \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٥٠، \"فتح القدير\" ٥/ ٤٤٨.\n(٥) \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٩١، \"التفسير الكبير\" ٣١/ ١٩٠، \"فتح القدير\" ٥/ ٤٢٨.\n(٦) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٧) \"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٠٧، \"الكشف والبيان\" ١٣/ ٩٩ ب، \"النكت والعيون\" ٦/ ٢٨١، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٩١، \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٨٧، \"زاد المسير\" ٨/ ٢٥٦، \"التفسير الكبير\" ٣١/ ١٩٠، \"البحر المحيط\" ٨/ ٤٧٨، \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٥٠.\n(٨) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٦٦.\n(٩) \"تفسير غريب القرآن\" ص ٥٢٩.\n(١٠) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣٣١.","vol":"24","page":44},{"text":"أقسم الله بالشمس وحرها (١)، وهو قول ابن عباس في رواية عطاء (٢).\nقال المبرد: أصله فيما يقول النحويون من الضح، هو نور الشمس، والألف مقلوبة عن الحاء الثانية، يقال (٣): ضحو وضحوات، وضحى (٤)، فعلي ما ذكر \"الواو\" في ضحوة مقلوبة عن الحاء الثانية، والألف مقلوبة عن \"الواو\".\nوقال (٥) أبو الهيثم: الضَّحُّ (٦) نقيض الظل، وهو نور الشمس على وجه الأرض، قال: وأصله الضّحْىُ فاستثقلوا \"الياء\" مع سكون الحاء فثقّلوها.\nوقالوا: ضحّ. ومثله العبد: القِن أصله من القِنية (٧)، وهذا ضد مَا\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ٢٤١ أ، \"الكشف والبيان\" ١٣/ ٩٩ ب، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٩١، \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٨٧، \"زاد المسير\" ٨/ ٢٥٦، \"التفسير الكبير\" ٣١/ ١٩٠، \"لباب التأويل\" ٤/ ٣٨١، \"البحر المحيط\" ٨/ ٤٧٨، \"روح المعاني\" ٣٠/ ١٤٠، وكلها برواية: حرها.\nوقد ضعف الفخر هذا القول بحرها \"التفسير الكبير\" ٣١/ ١٩٠.\n(٢) ورد معنى قوله من ذكر طريق عطاء في: \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٧٢.\n(٣) في (ع): (يقول).\n(٤) لم أعثر على نص المبرد فيما بين يدي من كتبه. وقد ورد قوله في: \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٧٣، و\"البحر المحيط\" ٨/ ٤٧٨، و\"الدر المصون\" للسمين الحلبي ٦/ ٥٢٨، وقال أبو حيان معقبًا على ما قاله المبرد: لعله مختلف عليه؛ لأن المبرد أجل من أن يذهب إلى هذا، وهذان مادتان مختلفتان، لا تشتق إحداهما من الأخرى. ٨/ ٤٧٨، وانظر: \"الدر المصون\" ٦/ ٥٢٨.\n(٥) في (ع): (قال).\n(٦) في (أ): (الصحيح).\n(٧) ورد قوله في \"تهذيب اللغة\" ٣٩٨/ ٣ (ضح)، وانظر أيضًا: \"التفسير الكبير\" ٣١/ ١٩٠، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٧٣.","vol":"24","page":45},{"text":"ذَكَره المبرد، وكيف ما كان الأمر سواء جعلت الضحى من الضح، أو الضح من الضحى، فالضحى في الأصل على ما ذكرا: ضوء الشمس ونورها، ثم سمي (به) (١) الوقت الذي تشرق فيه الشمس، فمن قال من المفسرين: وضحاها ضوؤها، فهو على الأصل.\nوكذلك من قال: النهار كله، لأن جميع النهار هو من نور الشمس وإشراقه، ألا ترى أنه إذا فقد نور الشمس [اسود النهار] (٢).\nومن قال في الضحى: إنه حر الشمس؛ فلأن نورها شيئان: ضياء، وحرارة، ولا ينفك أحدهما عن الآخر، وهذا أضعف الأقوال، وإن كان له وجه (٣).\nوالقراء مختلفون في فواصل هذه السورة، وما أشبهها نحو ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ [الليل: ١]، ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ [الضحى: ٢].\nفقرؤوا (٤) بالإماله (٥) والتفخيم (٦)\n_________\n(١) ساقط من (أ).\n(٢) يوجد سقط في الكلام. قلت ولعل ما أثبته هو المراد. والله أعلم.\n(٣) من قوله: (فمن قال من المفسرين ...) إلى: (وإن كان له وجه) نقله الفخر في: \"التفسير الكبير\" ٣١/ ١٩٠.\n(٤) في (أ): (فقرأوا).\n(٥) إن العلل التي توجب الإمالة، ثلاث، وهي: الكسرة، وما أميل ليدل على أصله، والإمالة للإمالة.\nولتفصيله يراجع ذلك في: \"المبسوط\" ١٠٣، ١١٠، و\"الكشف\" ١/ ١٧٠، ١٧٩، ج ٢/ ٣٧٨.\n(٦) قرأ حمزة: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ و﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ كسرًا، ويفتح: \"تلاها\" وطحاها. وفي سورة الضحى: (سجى)، وفي النازعات: ﴿دَحَاهَا﴾ هو ويكسر سائر ذلك. وقرأ نافع، وأبو عمرو ذلك كله بين الفتح والكسر. =","vol":"24","page":46},{"text":"وبعضها بالإمالة (١) وبعضها بالتفخيم (٢).\nقال الفراء: تكسر ضحاها (٣)، والآيات التي بعدها، وإن كان أصل بعضها \"الواو\".\nونحو: ﴿تَلَاهَا﴾، و﴿ضُحَاهَا﴾، و﴿دَحَاهَا﴾ (٤) [لنازعات: ٣٠]، لما ابتدئت السورة بحرف \"الياء\" أتبعها ما هو من \"الواو\"، ولو كان الابتداء \"للواو\"، لجاز فتح ذلك كله قال: وكان حمزة يفتح ما كان من \"الواو\"، ويكسر ما كان من \"الياء\"، وذلك من قلة البصر بمجاري الكلام، فإذا انفرد جنس \"الواو\" فتحته، وإذا انفرد جنس \"الياء\" فأنت فيه بالخيار: إن فتحت وإن كسرت فصواب (٥). انتهى كلامه.\nوقال أبو إسحاق: من كسر من هذه الحروف مَا كان من ذوات \"الياء\" أراد الدلالة على أنه من ذوات الياء، ومن فتح: \"تلاها\"، و\"طحاها\" فلأنه من ذوات \"الواو\"، ومن كسر، فلأن ذوات \"الواو\"، كلها إذا رُدَّ إلى مَا لم يُسَمَّ فاعِله (٦) انتقل إلى \"الياء\" نحو \"تُلِىَ\" و\"دُحِىَ\"، و\"طُحِىَ\" (٧).\n_________\n= انظر: \"كتاب السبعة في القراءات\" ص ٦٨٨، و\"القراءات وعلل النحويين فيها\" ٢/ ٧٧٩، و\"الحجة\" ٦/ ٤١٨.\n(١) قر الكسائي بالكسر في ذلك كله. المراجع السابقة.\n(٢) قرأ ابن كثير، وعاصم، وابن عامر بفتح أواخر آي هذه السورة، والليل، والضحى. المراجع السابقة.\n(٣) (وضحها) في كلا النسختين.\n(٤) في (أ): (دحيها).\n(٥) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٦٦ بيسير من التصرف.\n(٦) أي المبني للمجهول.\n(٧) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣٣١ بتصرف.","vol":"24","page":47},{"text":"وقال أبو علي الفارسي: وجه قول من ترك الإمالة في هذه الحروف أن كثيرًا من العرب لا يميلون هذه الألفات، ولا ينحون فيها نحو \"الياء\"، ويقوى ترك الإمَالة للألف أن \"الواو\" في \"مؤسى\" منقلبة عن \"الياء\"، و\"الياء\" في ميقات، وميزان منقلبة عن الواو، ولم يلزم شيئًا من ذلك ما يدل على ما انقلب عنه، فكذلك الألف (ينبغي أن تترك غير ممالة، ولا متنحى بها نحو\"الياء\"، وكذلك الألف) (١) في آدم وآخر منقلبة عن \"الهمزة\"، ولم يلزم ما يدل على أنه من الهمزة، وأما من أمَال فإنه نحا بها نحو الكسرة ليدل على ما انقلبت عنه، ويدلك على أنه لهذا المعنى أميلت أن ما لم يكن منقلبًا نحو الألفات في الحروف لم يمل، وأما فصل حمزة بين هذه الحروف بالإمالة في بعضها، وتركها في بعضها فحسن، وذلك أن الألف إنما (تمال نحو الياء لتدل على الياء إذا كان انقلابها [عن] (٢) الياء ولم يكن في \"تلاها\"، و\"طحاها\"، و\"دحاها\"، ألف منقلبة عن الياء؛ إنما) (٣) هي منقلبة عن \"الواو\" بدلالة \"تلوت\"، و\"دحوت\".\nوأما من لم يفصل بينهم؛ كأبي عمرو، والكسائي فإنما لم يفصلا؛ لأن الألف المنقلبة عن \"الواو\" قد توافق المنقلبة عن \"الياء\"، ألا ترى أن تلوت وطحوت ونحوها قد يجوز في أفعالها وهي على العدة التي هي عليها أن تنقلب إلى \"الياء\" نحو \"تلى\" إذ بني الفعل للمفعول، (فلما وافقت في هذا ما كان الياء استجازوا إمالته) (٤) كما استجازوا إمالة ما كان من \"الياء\"،\n_________\n(١) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٢) في كلا النسختين (على). وأثبت ما رأيته أنسب للمقال.\n(٣) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٤) ما بين القوسين ساقط من (أ).","vol":"24","page":48},{"text":"ومع ذلك فإن \"الياء\" تقلب عن (١) \"الواو\" (٢) ألا ترى أنها إذا كانت رابعة في الفعل لزم البدل بـ\"الياء\" نحو \"اغزيت\"، وكذلك إذا كان في اسم نحو \"المغزى\"، و\"المدعى\"، ثني (٣) بـ\"الياء\"، وكذلك في نحو \"مَسْنِي\"، و\"معدي\" تقلب إلى \"الياء\"، ولا تجد \"الياء\" تقلب إلى \"الواو\" في (٤) هذا (٥) النحو، فلما كانت هذه في حكم الانقلاب عن \"الياء\" أجْرَوُا الألف مجرى الألف المنقلبة عن الياء، ويدل على أنهم لهذا (المعنى) (٦) استجازوا الإمالة في باب \"دحا\"، و\"طحا\"، و\"تلا\"، و\"سجا\"، إن ما كان من الأسماء ألفُهُ منقلبة عن الواو، ونحو (٧) \"العصا، والقضاء (٨) لم يجيزوا فيه الإمالة لما لم تكن تنقلب واوها إلى \"الياء\" كما انقلبت إليها في الفعل.\nوأما من فتح \"تلا\" وأمال غيرها، كما رُوي عن نافع فقوله حسن، لأخذه بشيئين كل واحد منهما مسموع مأخوذٌ به، فأخذ بأحدهما مرة،\n_________\n(١) في (ع): (على).\n(٢) من قوله: لا يميلون هذه الألفات .. إلى قوله: بأن الياء تقلب عن الواو، لم أجده في \"الحجة\"، وقد ذكر في حاشية \"الحجة\" أن هناك سقطًا في الأصل الخطي وقع في تتابع الصفحات: ٦/ ٤١٩.\nقلت: ولعله يكون ما نص هنا ما بين القوسين هو من الساقط في الكلام، وذلك لأن الكلام الذي يسبق ما كان بين القوسين، والذي يليه ذكر في \"الحجة\"، والله أعلم.\n(٣) في (أ): (ثنا).\n(٤) في (أ): (وفي).\n(٥) ورد في نسخة الألف عبارة: (نحو المغزا والمدعا)، وهو مكرر في الكلام، وليس هنا موضعه.\n(٦) ساقط من (أ).\n(٧) في (أ): (نحو) بغير واو.\n(٨) في (ع): (العطا).","vol":"24","page":49},{"text":"وبالأخرى (١) أخرى <span data-type=\"title\" id=toc-5024>(٢)</span>.\n٢ - قوله: ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا﴾ قال المفسرون: تبعها (٣).\nقال الليث: تلا يَتْلُو (٤) إذا تبع شيئًا، فهو تالٍ، ولمَتَاِلي الأمهات إذا تلاهن أولادهن (٥) الواحدة مُتْلية (٦).\nويقال الذي مصدره: \"التُلُو\" بضم التاء واللام والتشديد، والتَلْو بفتح التاء وسكون اللام. ذكر ذلك الكسائي (٧).\nواختلفوا في معنى: تلو القمر الشمس، فقال عطاء عن ابن عباس: يريد إقبالها بعد مغيبها (٨).\nقال المفسرون (٩): وذلك في النصف الأول من الشهر إذا غربت\n_________\n(١) في (ع): (بالآخر).\n(٢) \"الحجة\" ٦/ ٤١٩ - ٤٢٠ بتصرف.\n(٣) قال بذلك ابن عباس، ومجاهد، وبمعناه: قتادة، وابن زيد، ومقاتل.\n\"تفسير مقاتل\" ٢٤١ أ، \"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٠٨، \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٥٠، وبه قال أيضًا الثعلبي في: \"الكشف والبيان\" ١٣/ ٩٩ ب، وانظر: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٩١، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٨٧، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٧٣، و\"لباب التأويل\" ٤/ ٣٨١، و\"فتح القدير\" ٥/ ٤٤٨.\n(٤) (يتلوا) في كلا النسختين.\n(٥) في (ع): (أولاد).\n(٦) \"تهذيب اللغة\" ١٤/ ٣١٦ (تلا) بشيء من الاختصار، وانظر: \"اللسان\" ١٤/ ١٠٣.\n(٧) ورد معنى قوله في: المرجع السابق ١٤/ ٣١٧ (تلا)، وكلامه: قال: (هي التُّلاوة أيضًا، وقد تتلَّيْتُ حقي عنده، أي تركت منه بقية، وتَلَّيت حَّقي تَتَبّعته حتى يسوفيه).\n(٨) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٩) قال بذلك ابن زيد، وابن عباس، انظر: \"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٠٩، و\"التفسير الكبير\" ٣١/ ١٩٠، وإليه ذهب الطبري في \"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٠٨، والثعلبي في =","vol":"24","page":50},{"text":"الشمس تلاها القمر في الإضاءة وخلفها في النور.\nوقال قتادة (١)، والكلبي (٢): تلاهَا القمر ليلة الهلال، لأن الشمس إذا غربت ظهر الهلال بعدها يتلوهَا في الغروب.\nوجعل الفراء معنى تلو القمر الشمس الأخذ من ضوئها، كما تقول في الكلام: اتبعت قول فلان، وأخذت بقول فلان، فاتباعه والأخذ منه سواء (٣). ويقال: فلان يتبع فلانًا في كذا أي يأخذ منه. ونور القمر من نور الشمس على مَا يقال إنه يأخذ النور من الشمس، وهو معروف عند الناس، ومنه قول من قال:\nكما تكسب منها نوره القمر (٤)\nوقال الزجاج: تلاها حين استدار كما يتلو الشمس في الضياء والنور (٥) يعني إذا كمل ضوؤه فصَار تابعًا للشمس في الإنارة، وذلك في الليالي البيض.\n_________\n= \"الكشف والبيان\" ١٣/ ٩٩ ب. وانظر: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٩١، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٨٧، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٧٣، و\"لباب التأويل\" ٤/ ٣٨١، و\"فتح القدير\" ٥/ ٤٤٨.\nوهناك أقوال أخرى في اتباعه لها، انظر: \"النكت والعيون\" ٦/ ٢٨٢.\n(١) \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٣٧٦، \"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٠٨، \"الرازي\" ٣١/ ١٩٠.\n(٢) \" التفسير الكبير\" ٣١/ ١٩٠.\n(٣) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٦٦ بتصرف.\n(٤) لم أتوصل إلى معرفة القائل، وقد ورد تحت (بهج) في \"تهذيب اللغة\" ٦/ ٦٤، و\"لسان العرب\" ٢/ ٢١٦، و\"تاج العروس\" ٢/ ١٠، وجميعها برواية: (نواره) بدلًا من (نوارها) والبيت للمتنبي في \"ديوانه\".\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣٣٢.","vol":"24","page":51},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5025>٣ </span>- قوله تعالى: ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا﴾ معنى التجلية: الإظهار والكشف، وذكرنا ذلك عند قوله: ﴿لا يجليها﴾ [الأعراف: ١٨٧].\nقال الكلبي: جلاها جلى الظلمة (١).\n\nقال الفراء: وجازت (٢) الكناية عن الظلمة، ولم تذكر؛ لأن المعنى معروف ألا ترى أنك تقول: أصبحت باردة، وأمست باردة، وهبت شمالًا، [فكنى] (٣) عن مؤنث لم يجر لها ذكر، لأن المعنى معروف <span data-type=\"title\" id=toc-5026>(٤)</span>.\nونحو هذا قال الزجاج، وزاد فيها وجهًا آخر فقال: وقيل: والنهار إذا [جلاها] (٥) إذ بين الشمس؛ لأنها تتبين إذا انبسط النهار (٦).\nوفاعل التجلية على القولين جميعًا النهار.\n\n٤ - وقوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا﴾ قال الكلبي: يعني الشمس فيذهب بضوئها، فتغيب وتظلم الآفاق (٧).\nوهذه الآية تقوي الآية الثانية في الآية التي قبلها، وذلك أنه لما جعل الليل يغشى الشمس فيذهب بضوئها حسن أن يقال: النهار ويجليها على ضد ما ذكر في الليل، وأيضًا فإن الضمير في \"يغشاها\" للشمس بلا خلاف، كذلك في \"جلاها\" يجب أن يكون للشمس، فيكون الضمير في الفواصل\n_________\n(١) ورد معنى قوله في: \"بحر العلوم\" ٣/ ٤٨٢.\n(٢) في (أ): (جازت).\n(٣) يعني: هكذا ورد في كلا النسختين، وأثبت ما جاء في أصل الكلام، وهو \"معاني القرآن\" لانتظام الكلام. والله أعلم.\n(٤) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٦٦.\n(٥) (جليها) في كلا النسختين، وأثبت ما جاء في مصدر أصل الكلام لانتظامه.\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣٣٢.\n(٧) ورد معنى قوله في: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٩١، و\"زاد المسير\" ٨/ ٢٥٧.","vol":"24","page":52},{"text":"من أول السورة إلى هنا للشمس (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5027>٥ </span>- قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا﴾ قال أبو عبيدة: ومن بناها (٢)، وهو مذهب المفسرين، قال عطاء: يريد والذي بناها (٣).\nقال (٤) الكلبي: من بناها؟! الله بناها (٥)، ونحو هذا قال مقاتل: والذي خلقها <span data-type=\"title\" id=toc-5028>(٦)</span>.\nوذكر الفراء (٧)، والزجاج (٨) وجهًا آخر، وهو أن تكون \"مَا\" بمعنى المصدر (٩) بتقدير: وبناها، ونحو هذا كثير (١٠).\n\n٦ - قوله تعالى: ﴿وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا﴾ في \"ما\" وجهين كما ذكرنا \"وطحاهَا\" قال أبو عبيدة: بسطها من كل جانب (١١).\nقال الليث: الطَّحْوُ كالدّحو، وهو البَسْطُ، وفيه لغتان: طحا\n_________\n(١) \"التفسير الكبير\" ٣١/ ١٩١.\n(٢) \"مجاز القرآن\" ٢/ ٣٠٠ مختصرًا.\n(٣) \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٩٢.\n(٤) في (ع): (وقال).\n(٥) المرجع السابق بمعناه.\n(٦) بمعناه في \"تفسيره\" ٢٤١ أقال: (وبالذي بناها، يعني الرب نفسه).\n(٧) \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٩٢.\n(٨) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣٣٢.\n(٩) في (أ): (المصد).\n(١٠) نحو قوله تعالى: ﴿بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي﴾ [يس: ٢٧].\nانظر: كتاب \"معاني الحروف\" للرُماني ص ٨٦، وما بعدها في معنى (ما)، ومتى تكون اسمًا، ومتى تكون حرفًا، وشروط ذلك، فليراجع في موضعه.\n(١١) \"مجاز القرآن\" ٢/ ٣٠٠ مختصرًا.","vol":"24","page":53},{"text":"يَطْحُو (١)، وطحَا يَطْحا (٢)، وقال شمر: طحاها، ودحَاهَا، واحد، فأبدل \"الطاء\" من الدال، والمعنى: وسَّعَها (٣).\nقال عطاء (٤)، (والكلبي (٥» (٦): بسطها على الماء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5029>٧ </span>- ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا﴾ المفسرون يقولون: والذي سواها، أي خلقها، وسوى أعضاهَا (٧)، وأهل المعاني يقولون: وتسويتها أي خلقها (٨). كما قال: ﴿الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ﴾ [الانفطار: ٧].\nقال عطاء عن ابن عباس (في رواية علي بن أبي طلحة) بين لها الخير والشر (٩). وهذا كقوله: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ١٠].\n_________\n(١) (يطحوا) في كلا النسختين.\n(٢) (يطحى) هكذا ورد في \"التهذيب\" ٥/ ١٨٢ (طحا).\n(٣) \"تهذيب اللغة\" ٥/ ١٨٢، وانظر: \"لسان العرب\" ١٥/ ٤ (طحا)، ونسبه إلى الأزهري.\n(٤) \"التفسير الكبير\" ٣١/ ١٩٢.\n(٥) المرجع السابق.\n(٦) ساقط من (أ).\n(٧) إلى هذا القول ذهب الطبري في \"جامع البيان\" ٣٠/ ٢١٠، والسمرقندي في \"بحر العلوم\" ٣/ ٣١٠، والثعلبي في \"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٠٠ أ، وانظر: \"الكشاف\" ٤/ ٢١٥.\n(٨) ذكر الزجاج في: \"معاني القرآن وإعرابه\" القولين في (ما) ٥/ ٣٣٢.\n(٩) ورد من طريق الوالبي في: \"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٠٠ أو\"صحيفة علي بن أبي طلحة\" ص ٥٣٤، ومن طريق عطية عند قوله: (فألهمها فجورها) في: \"جامع البيان\" ٣٠/ ٢١٠، كما وردت هذه الرواية عنه من غير ذكر طريق علي في: \"النكت والعيون\" ٦/ ٨٣، و\"معالم التنزيل\" ٤٠/ ٤٩٢، و\"زاد المسير\" ٨/ ٢٥٨ في حاشيته رقم: ١، و\"لباب التأويل\" ٤/ ٣٨٢، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٥٢٨.","vol":"24","page":54},{"text":"وقال الذي رواية عطية: علمها الطاعة والمعصية (١).\nوقال رواية أبي صالح: عَلَمها وعَرفها ما تأتي، وما تتقي (٢).\nوقال رواية عطاء: ألهم المؤمن المتقي تقواه، وألهم الفاجر فجوره (٣).\nوقال سعيد بن جبير: ألزمها فجورها وتقواها (٤).\nوقال ابن زيد: جعل فيها ذلك بتوفيقه إياه (٥) للتقوى، وخذلانه إياه للفجور (٦).\nواختار أبو إسحاق هذا الوجه، وحمل الإلهام فيهما على التوفيق والخذلان (٧).\nوقال مقاتل: عرفها الضلالة والهدى (٨).\nوالاختيار قول ابن زيد، وسعيد بن جبير، وهو الموافق لمعنى\n_________\n(١) \"جامع البيان\" ٣٠/ ٢١٠، \" الكشف والبيان\" ١٣/ ١٠٠ أ، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٩٢، \"زاد المسير\" ٨/ ٢٥٨ في حاشيته رقم ١، \"لباب التأويل\" ٤/ ٣٨٢، \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٥١، \"الدر المنثور\" ٨/ ٥٢٨.\n(٢) \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٩٢، \"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٠٠ أمعزوًا إلى الكلبي.\n(٣) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٤) \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٩٢، \"زاد المسير\" ٨/ ٢٥٨، \"التفسير الكبير\" ٣١/ ١٩٣، وبمعناه في: \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٥١، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٥٣٠، وعزاه إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم و\"تفسير سعيد بن جبير\" ص ٣٧٦.\n(٥) في (أ): (اياهما).\n(٦) \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٩٢، \"زاد المسير\" ٨/ ٢٥٨، \"التفسير الكبير\" ٣١/ ١٩٣، \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٥١. وانظر أيضًا: \"فتح القدير\" ٥/ ٤٤٩.\n(٧) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣٣٢.\n(٨) \"تفسير مقاتل\" ٢٤١ أ.","vol":"24","page":55},{"text":"الإلهام، فإن التبيين، والتعريف، والتعليم (١) دون الإلهام، والإلهام أن يوقع في قلبه، ويجعل فيه، كما ذكر ابن زيد: إذا أوقع الله في قلب عبده شيئًا فقد ألزمه إياه، وأصل معنى الإلهام من قولهم: لهم الشيء، والتهَمَهُ إذا ابتلعه، وألهمته ذلك الشيء إذا أبلغته. هذا هو الأصل (٢).\nثم استعمل ذلك فيما يقذفه الله في قلب العبد، لأنه كالإبلاغ، والتفسير الموافق لهذا الأصل قول ابن زيد: وهذا صريح في أن الله تعالى خلق في المؤمن تقواه، وفي الكافر فجوره (٣).\nوالذي يؤكد هذا ويبينه قوله:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5030>٩ </span>- ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ وقال ابن عباس (في رواية عطاء (٤)، والكلبي (٥» (٦): قد أفلحت نفس زكاها الله وأصلحها، وهو قول:\n_________\n(١) في (أ): (التعليم والتعريف).\n(٢) انظر: \"تهذيب اللغة\" ٦/ ٣٠٨ (لهم)، و\"مقاييس اللغة\" ٥/ ٢١٧، و\"الصحاح\" ٥/ ٢٠٣٦ - ٢٠٣٧.\n(٣) وهذا ما يؤيده الحديث الذي أخرجه مسلم عن أبي الأسود الدِّئِليِّ قال: قال لي عمران بن حصين: أرأيت ما يعمل الناس اليوم ويكدحون فيه، أشيء قضي عليهم، ومضى عليهم من قدر ما سبق، أو فيما يستقبلون به مما أتاهم به نبيهم وثبت \"الحجة\" عليهم ..؟ فقال: لا بل شيء قضي عليهم، ومضى فيهم، وتصديق ذلك في كتاب الله: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾. كتاب القدر: باب ١: ج ٤/ ٢٠٤١، ٤٠٤٢: ح ١٠، وانظر: \"مسند الإمام أحمد\" ٤/ ٤٣٨.\n(٤) ورد قوله من غير ذكر أحد الطريقين إليه في: \"زاد المسير\" ٨/ ٢٠٨، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٥٣١، وعزاه إلى حسين في الاستقامة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم. كما ورد معنى قوله في \"جامع البيان\" ٣٠/ ٢١١ من طريق علي الوالبي.\n(٥) المراجع السابقة.\n(٦) ما بين القوسين ساقط من (أ).","vol":"24","page":56},{"text":"مجاهد (١)، وعكرمة (٢) (وسعيد بن جبير (٣)، ومقاتل (٤» قالوا: سعدت وأفلحت نفس أصلحها وطهرها.\nوالمعني: وفقها للطاعة حتى عمل بها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5031>١٠ </span>- ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ (٥) قالوا (٦): خابت، وخسرت نفس أضلها الله، وأغواها، وأبطلها، وأهلكها، وأثمها، وأفجرها. هذه ألفاظهم في تفسير: \"دسَّاها\"، والأصل: دسّسَها من التدسيس، وهو إخفاء الشيء في الشيء، فأبدلت من إحدى السينات (٧) \"ياء\" كما قالوا: لبيت، والأصل: لببت، وملبي، والأصل: ملبب، وكذلك:\n* تَظَنَّيْت * (٨)\n_________\n(١) \"جامع البيان\" ٣٠/ ٢١١، قال: (من أصلحها).\n(٢) المرجع السابق بنفس العبارة.\n(٣) المرجع السابق، وانظر: \"النكت والعيون\" ٦/ ٢٨٤.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ٢٤١ أ، \"زاد المسير\" ٨/ ٢٥٨. وما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٥) في (أ): (دسيسها).\n(٦) أي المفسرين، عن قتادة قال: أي أثمها، وأفجرها.\n\"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٣٧٦، \"جامع البيان\" ٣٠/ ٢١٣.\nوعن ابن عباس قال: قد خاب من دس الله نفسه فأضله. وعنه أيضًا: تكذيبها. وعنه أيضًا: أبطلهًا وأهلكها. \"جامع البيان\" ٣٠/ ٢١٢، \"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٠٠ ب.\nعن مجاهد: أغواها، وعن سعيد: أضلها. المرجعان السابقان.\nوقال ابن زيد: قد خاب من دس الله نفسه. \"جامع البيان\" ٣٠/ ٢١٣.\nوعن عكرمة: خسرها، وعن ابن سلام: أشقاها، وعن الضحاك: جبنها في الخير، وعن ابن عيسى قال: أخفاها وأخملها بالبخل. \"النكت والعيون\" ٦/ ٢٨٥.\n(٧) في (أ): (الشينات).\n(٨) ظنيت، وإنما هو: تظننت. وهذا اللفظ من جزء جاء فيه: =","vol":"24","page":57},{"text":"و* تَقَضَّيَ البْازِىِ (١) *\nذكر ذلك الفراء (٢)، وأبو عبيدة (٣) (٤)، وجميع أهل المعاني (٥)، وذكر الفراء من نظائر هذا: الدينار (٦)، والقيراط (٧)، والديباج (٨)، والديوان (٩) (١٠).\nقال أبو إسحاق: معنى دسَاهَا: جعلها قليلة خسيسة (١١).\nوذكرنا معنى الدس عند قوله: ﴿أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ﴾ (١٢).\n_________\n= فإن شيطاني أمير الجن يأخذني في الشعر كل فن حتى يرد عني التظن انظر: كتاب \"الإبدال\": لابن السكيت ص ١٣٣.\n(١) أصله بيت شعر للعجَّاج، وقد أورده أبو عبيدة في \"مجازه\" ٢/ ٣٠٠، وابن السكيت في كتاب \"الإبدال\" ص ١٣٣، والزجاج في \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣٣٢، والطبري في: \"جامع البيان\" ٣٠/ ٢١٢.\nوقد سبق تخريجه. الشاهد: تقضى يتقضى، والأصل: تقضض. والعرب تقلب حروف المضاعف إلى ياء. \"الإبدال\" ص ١٣٣.\n(٢) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٦٧ والنص له.\n(٣) \"مجاز القرآن\" ٢/ ٣٠٠.\n(٤) في (أ): (أبو عبيد).\n(٥) لم أعثر على مصدر لقولهم، وقد ورد عن ابن قتيبة مثل ذلك في \"تأويل مشكل القرآن\" ٣٤٤، وانظر: \"تهذيب اللغة\" ١٢/ ٢٨١ (دس).\n(٦) الدينار: أصله من دِنّار، يدل على ذلك جمعهم إياه: دنانير. \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ٢٦٧.\n(٧) جمعه قراريط، كأنه كان قراطًا. المرجع السابق.\n(٨) جمعه ديابيج. المرجع السابق.\n(٩) ديوان كان أصله دِوان لجمعهم إياه: دواوين. المرجع السابق.\n(١٠) \"معاني القرآن\" ٣/ ١٦٧.\n(١١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣٣٢.\n(١٢) سورة النحل: ٥٩، ومما جاء في تفسير معنى الدس، قوله: ﴿أَمْ يَدُسُّهُ﴾: أى =","vol":"24","page":58},{"text":"والتدسيس تفعيل منه، ومعنى \"دَسَاها\" هاهنا: أخملها (١)، وخذلها، وأخفى محلها، ولم يشهر مكانًا بالطاعة والعمل الصالح.\nوهو معنى قول المفسرين: أضلها، وأغواها، وأبطلها كما ذكرنا.\nوقد أقسم الله تعالى بهذه الأشياء التي ذكرها من خلقه، لأنها تدل علي وحدانيته على فلاح من طهره، وخسارة من خذله، حتى لا يظن أحد أنه هو الذي يتولى تطهير نفسه، وإهلاكها بالمعصية من غير قدر، وقضاء سَابق، ويدل على هذه الجملة مَا روي عن (سعيد بن أبي هلال (٢) أن) (٣) النبي -ﷺ- كان إذا قرأ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ وقف، ثم قال: \"اللهم أئت نفسي تقوها، أنت وليها، ومولاها، وزكها، أنت خير من زكلاها\" (٤).\nيدل على صحة هذا ما أخبرنا الإمام أبو منصور عبد القاهر بن طاهر (التميمي ﵀) (٥) بقراءتي عليه، قلت (له) (٦): أخبركم أبو\n_________\n= يخفيه، والدس إخفاء الشيء، وهذا على ها كانوا يفعلونه من الوأد في الجاهلية.\n(١) أخملها: الخامل الساقط الذي لا نباهة له، وقد خَمَلَ يخْمُل خمولًا، وأخملته أنا.\n\"الصحاح\" ٤/ ١٦٩٠ (خمل).\n(٢) سعيد بن أبي هلال الليثي، أبو العلاء المصري، مولى عروة بن شيَيْم الليثي، روى عن أنس بن هالك يقال مرسل، وجابر بن عبد الله، لم يروِ عن النبي -ﷺ-، ولد بمصر سنة ٥٧٠، ونشأ بالمدينة، ثم رجع إلى مصر، مات سنة ١٣٥ هـ، وحُكي عن أحمد أنه اختلط، روى له الجماعة.\nانظر: كتاب \"المراسيل\" ص ٦٧ ت ١١٩، \"تهذيب الكمال\" ١١/ ٩٤ ت ٢٣٧٢، \"تقريب التهذيب\" ١/ ٣٠٧ ت ٢٧٤.\n(٣) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٤) وردت مثل هذه الرواية عن ابن عباس مرفوعة إلى النبي -ﷺ-، وقد رواه الطبراني، وإسناده حسن. قاله الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" ٧/ ١٣٨ سورة الشمس.\n(٥) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٦) ساقط من (ع).","vol":"24","page":59},{"text":"عمرو؛ محمد بن جعفر بن مطر (١)، أخبرنا (٢) جعفر بن محمد المستفاض (٣)، حدثنا (٤) سليمان بن عبد الرحمن (٥)، حدثنا (٦) راود بن الجراح (٧)، حدثنا (٨) نافع بن عمر (٩)، عن عبد الله بن أبي مليكة،\n_________\n(١) محمد بن جعفر بن محمد بن مطر النيسابوري؛ أبو عمرو، روى عن أبي عمرو، وأحمد المبارك المُستملي، ومحمد بن أيوب الرازي، وطبقتهما، كان متعففًا قانعًا، توفي في جمادى الآخرة وله ٩٥ سنة.\nانظر: \"المنتظم\" ١٤/ ٢٠٨ ت ٢٦٩٧، \"سير أعلام النبلاء\" ١٦/ ١٦٢ ت ١١٧، \"العبر في خبر عن غير\" ٢/ ١٠٦.\n(٢) في (ع): (اثنا).\n(٣) جعفر بن محمد بن الحسن بن المستفاض، أبو بكر الفريابي القاضي، تقدم.\n(٤) في (ع): (نا).\n(٥) سليمان بن عبد الرحمن بن عيسى بن ميمون بن عبد الله التميمي الدمشقي، وجده هو شرحبيل بن مسلم الخولاني، حدث عنه جعفر الفريابي، قال عنه ابن حجر: صدوق، يخطئ، مات سنة ٢٣٣ هـ.\nانظر: \"تهذيب الكمال\" ١٢/ ٢٦ ت ٢٥٤٤، و\"سير أعلام النبلاء\" ١١/ ١٣٦ ت ٥٠، و\"تقريب التهذيب\" ١/ ٣٢٧: ت ٤٦٧. وسلسلة الإسناد إلى سليمان بن عبد الرحمن متصلة، أما تحديث سليمان بن عبد الرحمن عن رواد فيه انقطاع؛ إذ إن روادًا ليس من شيوخه، ولا ابن بنت شرحبيل من تلاميذ رواد. والله أعلم.\n(٦) في (ع): (نا).\n(٧) راود بن الجراح الشامي؛ أبو عصام العسقلاني، والد عصام بن رواد، كان من أهل خراسان، قال ابن حجر عنه: اختلط بأخرة فترك، وفي حديثه عن الثوري ضعف شديد. انظر: \"تهذيب الكمال\" ٩/ ٢٢٧ ت ١٩٢٧، و\"تهذيب التهذيب\" ٣/ ٢٨٨، و\"تقريب التهذيب\" ١/ ٢٥٣ ت ١١٠، وتحديث رواد عن نافع فيه انقطاع، فنافع ليس من شيوخه، ورواد من التاسعة، ونافع من كبار السابعة.\n(٨) في (ع): (نا).\n(٩) نافع بن عمر بن عبد الله بن جميل بن عامر بن جمح القرشي، ثقة ثبت من كبار السابعة، مات سنة ١٦٩ هـ أمه أم ولد. =","vol":"24","page":60},{"text":"قال: قالت عائشة، رحمها الله (١): انتبهت ليلة، فوجدت رسوله الله -ﷺ- وهو يقول: \"رب أعط نفسي تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها\" (٢).\nوالضمير في قوله: ﴿زَكَّاهَا﴾ و﴿مولاها﴾ هو يعود إلى: ﴿مَن﴾، وهو بمعنى النفس.\nقال الفراء (٣)، والزجاج (٤): يقول قد أفلحت نفس زكاها الله، وقد خابت نفس دسَاهَا الله.\nوذُكر في الآيتين قول آخر، قال الحسن: قد أفلح من زكى (٥) نفسه فأصلحها، وحملها على طاعة الله، وقد خاب من أهلكها وحملها على\n_________\n= انظر: \"الطبقات الكبرى\" ٥/ ٤٩٤، \"تهذيب الكمال\" ٢٩/ ٢٨٧ ت ٦٣٦٧، \"تقريب التهذيب\" ٢/ ٢٩٦ ت ٢٤.\n(١) في (ع): (﵂).\n(٢) أخرجه الإمام أحمد في \"المسند\" ٦/ ٢٠٩ من طريق سعيد عن عائشة، وقد وردت رواية عن طريق زيد بن أرقم في \"صحيح مسلم\" ٤/ ٢٠٨٨: ح: ٧٣: باب ١٨، والحديث كما هو عنده عن زيد بن أرقم قال: \"لا أقول إلا كما كان رسول الله -ﷺ- يقول، كان يقول: (اللهم آت نفسي تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها ...).\nكما أخرجه النسائي ٨/ ٦٥٣ ح ٥٤٧٣، ٥٥٥٣، كتاب الاستعاذة، باب ١٣، ٦٥ من طريق زيد بن أرقم.\nوطريق زيد أخرجه الإمام أحمد في المسند: ٤/ ٣٧١.\n(٣) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٦٧ واللفظ له.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣٣٣.\n(٥) في (أ): (زكا).","vol":"24","page":61},{"text":"معصية الله (١)\nونحو هذا القول يروى عن قتادة (٢)، وذكره (٣) الفراء فقال: ويقال (٤): قد (٥) أفلح من زكى نفسه (٦) بالصدقة وبالطاعة، وقد خاب من دسى (٧) نفسه فأخملها بترك الصدقة والطاعة.\nوذكر وجهًا آخر على هذا القول في قوله: \"دسَاهَا\" فقال: إن البخيل يخفى منزله وماله، وإن المعطي يُبرز منزله، فينزل على الأشراف والروابي (٨)؛ [لئلا] (٩) يستتر عن الضِّيفان، ومن أراده (١٠).\nوشرحه ابن قتيبة فقال: يريد قد أفلح من زكى (١١) نفسه، أي أنماها، وأعلاها بالطاعة، والبرّ، والصدقة، واصطناع المعروف، وقد\n_________\n(١) \"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٠١ أ، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٩٣، \"الدر المنثور\" ٨/ ٥٣٠، وعزاه إلى عبد بن حميد، و\"تفسير الحسن البصري\" ٢/ ٤٢٤.\n(٢) \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٣٧٦، \"جامع البيان\" ٣٠/ ٢١٣، \"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٠٠ ب، \"النكت والعيون\" ٦/ ٢٨٤.\n(٣) في (ع): (ذكر).\n(٤) في (أ): (يقال).\n(٥) في (أ): (وقد).\n(٦) في (أ): (زكا).\n(٧) في (أ): (دسا).\n(٨) الروابي: ما أشرف من الرَّمل مثل الدّكدَاكة؛ غير أنها أشد منها إشرافًا. \"لسان العرب\" ١٤/ ٣٠٦ (ربا).\n(٩) في: النسختين (لأن لا)، وما أثبته من المعاني.\n(١٠) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٦٧.\n(١١) في (أ): (زكا).","vol":"24","page":62},{"text":"خاب من دساها، أي نقصها وأخفاها بترك عمل البر، وركوب المعَاصي، والفاجر أبدًا خَفىُّ المكان زَمِرُ (١) المروءة، غامض الشخص، ناكِسُ الرأس، وكأن النَّطِف (٢) بارتكاب الفواحش دسَّ نفسه وقُمَعَها، ومُصْطَنِع المعروف شهر نفسه ورفعها، وكانت أجواد العرب تنزل الرُبَى (٣)، وأيفاع (٤) الأرض لتشهر أماكنها للمُعْتفين، وتُوقد النيران في الليل للطارقين، وكانت اللئام تنزل الأولاج (٥)، والأطراف والأهضام (٦) لتخفي أماكنها على الطالبين، فأولئك أعلَوْا أنفسهم وزكوها، وهؤلاء أخفَوْ أنفسهم ودسوهَا، وأنشد (٧):\nوبَوَّأْتَ بيتَكَ في مَعْلَمٍ ... رَحِيبِ المَبَاءَةِ والمُسْرَح\nكَفَيْتَ العُفَاةَ طلابَ القِرى ... ونَبْحَ الكِلاب لِمُسْتَنْبح (٨) (٩)\n_________\n(١) زمِرُ المروءة: أي قليل المروءة. \"لسان العرب\" ٤/ ٣٢٨.\n(٢) النَّطِف: المتهم: \"لسان العرب\" ١١/ ٤٨ (نطف).\n(٣) الرُبى: مفرده الرَّبوة، وكل ما ارتفع عن الأرض ورَبا. \"لسان العرب\" ١٤/ ٣٠٦ (ربا).\n(٤) اليفاع: المُشْرف من الأرض والجبل. \"لسان العرب\" ٨/ ٤١٤ (يفع)، وفي \"الصحاح\" ما ارتفع من الأرض ٣/ ١٣١٠ (يفع).\n(٥) الأولاج جمع الوَلَجة بالتحريك: موضع أو كَهْفّ تستتر فيه المارة من مطر وغيره، والجمع: وَلَج وأولاج. \"الصحاح\" ١/ ٣٤٧ (ولج).\n(٦) الأهضام: مفرده الهُضْمُ، والهضْمَ، وهو المطمئن من الأرض، والجمع أهْضام، وهُضوم. \"لسان العرب\" ١٢/ ٦١٥ (هضم).\n(٧) غير منسوب في المعاني الكبير ١/ ٤٠٩، وذكر البيت الأول.\n(٨) \"الحيوان\" ١/ ٣٨١، ٥/ ١٣٤ - ١٣٥.\n(٩) \"تأويل مشكل القرآن\" ص ٣٤٤ - ٣٤٥. باختصار.","vol":"24","page":63},{"text":"وذكر وجهًا آخر في قوله: ﴿دَسَّاهَا﴾.\nقال أبو العباس: سألت ابن الأعرابي عن قوله:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5032>١٠ </span>- ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ فقال: معناه: من دس نفسه مع الصالحين، وليس هو منهم (١)، وهو منطوٍ على غير مَا ينطوي عليه الصَالحون (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-5033>١١ </span>- قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا﴾ قال الليث: الطغيان و[الطُغْوان] (٣) لغة فيه، والفعل طَغَيْتَ، وطَغَوْتَ (٤) والاسم: الطغوى (٥) (٦).\nقال الفراء: أراد بطغيانها، وهما مصدران إلا أن الطغوى أشكل برؤوس الآيات فاختير لذلك، وهو كالدعوى من الدعاء (٧) (٨).\nوقال أبو إسحاق: أصل طغواها طغياها، وفَعْلى إذا كانت من ذوات \"الياء\" أبدلت في الاسم \"واوًا\"، لتفصل بين الاسم والصفة، تقول: هي\n_________\n(١) ورد قوله في \"تهذيب اللغة\" ١٢/ ٢٨١ بنصه، وانظر: \"لسان العرب\" ٦/ ٧٢ (دس).\n(٢) في (ع): (الصالحين).\n(٣) الطغيان: هكذا ورد في النسختين، وأثبت ما جاء في أصل الكلام.\n(٤) في (أ): (طغوت وطغيت).\n(٥) في (أ): (للطغوى).\n(٦) \"تهذيب اللغة\" ٨/ ١٦٧ (طغو)، وانظر: \"لسان العرب\" ١٥/ ٦ (طغى).\n(٧) أي كقوله تعالى: ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ ومعناه: آخر دعائهم. \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ٢٦٧.\n(٨) المرجع السابق بتصرف.","vol":"24","page":64},{"text":"التقوى، [وإنما هي من أيقنت، وهي التقوى، وإنما هي من يقنت] (١)، والدعوى (٢)، وقالوا: امرأة خزي لأنه (٣) صفة (٤).\nقال المفسرون: كذبت ثمود بنبيهم بطَغيانهم، أي الطغيان حملهم على التكذيب به (٥).\n(هذا قول جماعتهم) (٦)، وقد روى عطاء (الخرساني) (٧) عن ابن عباس أن الطغوى اسم لعذابهم الذي أهلكوا به (٨).\n_________\n(١) ما بين القوسين ساقط من النسختين، وأثبت ما جاء في أصل الكلام لاستقامته وانتظام الكلام به.\n(٢) لم ترد عند الزجاج.\n(٣) امرأة خزيًا، هكذا روت عند أبي إسحاق في المعاني.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣٣٣.\n(٥) قال بذلك ابن زيد، قال: بطغيانهم وبمعصيتهم، وكذلك قال به مجاهد، وقتادة. انظر: \"جامع البيان\" ٣٠/ ٢١٣، \"النكت والعيون\" ٦/ ٢٨٥.\nكما عزاه ابن عطية إلى جمهور المتأولين في \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٨٨، وقال الفخر عنه: هذا هو القول المشهور. \"التفسير الكبير\" ٣١/ ١٩٥، كما قال ابن كثير عنه: وهو الأولى. \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٥٢، وإلى هذا القول ذهب: ابن قتيبة في: \"تفسير غريب القرآن\" ص ٥٣٠، والسجستاني في \"نزهة القلوب\" ص ٣١٥. وانظر أيضًا \"نفس الصباح\" ص ٧٨٤، و\"تحفة الأريب\" ص ٢١٤، و\"تفسير غريب القرآن\" لابن الملقن ص ٥٦٠، وقال به أيضًا السمرقندي في \"بحر العلوم\" ٣/ ٤٨٣، والثعلبي في: \"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٠١ أ، وانظر أيضًا: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٩٣، و\"زاد المسير\" ٨/ ٢٥٩، و\"لباب التأويل\" ٤/ ٣٨٢.\n(٦) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٧) ساقط من (أ).\n(٨) \"جامع البيان\" ٣٠/ ٢١٣، \"الكشف والبيان\" ج ١٣/ ١٠١/ أمختصرًا، \"النكت والعيون\" ٦/ ٢٨٥، \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٨٨، \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٧٨.=","vol":"24","page":65},{"text":"والمعنى: كذبت بعذابها، أي لم يصدقوا رسولهم فيما أنذرهم به من العذاب، وهذا لا يبعد، لأن معنى الطغيان في اللغة مجاوزة [القدر] (١) (٢).\nفيجوز أن يسمى ذلك العذاب الذي جاءهم طغوى؛ لأنه كان صيحة مجاوزة القدر المعتاد يؤكد هذا التأويل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5034>١٢ </span>- وقوله: ﴿إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا﴾ أي كذبوا بالعذاب (٣) لما انبعث الأشقى للعقر (٤) (٥)، والتكذيب بالعذاب حمله على ذلك. ويجوز أن يكون تكذيب صَالح حمله على ذلك، وهذا القول الأول في الطغوى.\nوانبعث مطاوع، يقال: بعثت فلانًا على الأمر فانبعث له، أي انتدب وقام (٦).\n_________\n= وقال الآخرون: بطغواها أي بأجمعها. وقال مجاهد: أي معصيتها. \"جامع البيان\" ٣٠/ ٢١٥.\n(١) انظر: \"تهذيب اللغة\" ٨/ ١٦٧، وهو قول الليث.\n(٢) (القدرة) في كلا النسختين.\n(٣) في (ع): (بالعذاب) مكرر.\n(٤) في (أ): (العقر).\n(٥) العَقْر: شبيه بالخز، عَقَرَ يَعْقِره عَقَرًا، وعَقَّره، والعَقير: المعقور، والجمع: عَقْرى الذكر والأنثى فيه سواء، وعَقَر الفرس والبعير بالسيف عَقَرًا: قطع قوائمه، \"لسان العرب\" ٤/ ٥٩٢ (عقر).\nوأصل العَقْر: ضرب قوائم البعير أو الشاة بالسيف وهو قائم. \"تاج العروس\" ٣/ ٤١٤ (عقر).\nوقال الأزهري: والعَقَر عند العرب كَسْف عرقوب البعير، ثم جُعِل النَّحر عقرًا، لان العَقر سبب لنحره، وناحِر البعير يعِقره ثم ينحره. \"تهذيب اللغة\" ١/ ٢١٥ (عقر).\n(٦) قال الليث: بعثت البعير فانبعث إذا حللت عقاله وأرسلته لو كان باركًا فأثرته قال بعثته من نومه فانبعث. =","vol":"24","page":66},{"text":"وأراد بالأشقى: عاقر الناقة، وهو أشقى الأولين على لسان نبينا -ﷺ- (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5035>١٣ </span>- ﴿فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ﴾ صالح.\n﴿نَاقَةَ اللَّهِ﴾ قال أبو إسحاق: ناقة الله منصوب على معنى ذروا ناقة الله، كما قال: ﴿هذه ناقة الله لكم آية فذروها﴾ [الأعراف: ٧٣] (٢).\n_________\n= وقال الأزهري: والبعث في كلام العرب على وجهين أحدهما: الإرسال والبعث: إثارة بارك أو قاعد. \"تهذيب اللغة\" ٢/ ٣٣٤ - ٣٣٥، وقال ابن قتيبة: ﴿إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا﴾ أي الشقي منها، أي نهض لعقر الناقة. \"تفسير غريب القرآن\" ٥٣٠.\n(١) عن عثمان بن صهيب عن أبيه عن النبي -ﷺ- أنه قال يومًا لعلي: (من أشقى الأولين؟ قال: الذي عقر الناقة يا رسول الله، قال: صدقت، قال فمن أشقى الآخرين؟ قال: لاعلم لي يا رسول الله، قال: الذي يضربك على هذه، وأشار النبي -ﷺ- إلى يافوخه). رواه الطبراني: ٨/ ٤٥: ح ٧٣١١، وأبو يعلى، وفيه رشدين بن سعد وقد وثق، وبقية رجاله ثقات. \"مجمع الزوائد\" ٩/ ٣٦، كتاب المناقب: باب وفاة سيدنا علي ﵁، \"كنز العمال\" ٢/ ١٤: ح: ٢٩٤٥.\nوجاءت رواية أخرى من طريق عمار بن ياسر: قال: كنت أنا وعلي رفيقين في غزوة ذات العشيرة. فيومئذ قال رسول الله -ﷺ- لعلي: يا أبا تراب لما يرى عليه من التراب قال: ألا أحدثكما بأشقى الناس رجلين، قلنا: بلى يا رسول الله، قال: أحيمر ثمود الذي عقر الناقة، والذي يضربك يا علي على هذه، يعني قرنه، حتى تبل منه هذه، يعني لحيته.\nقال الهيثمي: ورواه أحمد، والطبراني، والبزار باختصار، ورجال الجميع موثقون إلا أن التابعي لم يسمع من عمار. \"مجمع الزوائد\" ٩/ ١٣٦. \"مسند الإمام أحمد\" ٤/ ٢٦٣، وانظر: \"حلية الأولياء\" ١/ ١٤١، \"الدر المنثور\" ٨/ ٥٣ أو عزاه إلى ابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبغوي، وأبو نعيم في الدلائل. \"دلائل النبوة\" للبيهقي ٣/ ١٢ - ١٣، \"سيرة ابن هشام\" ٢/ ٢٣٦ - ٢٣٧.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣٣٣ بنصه.","vol":"24","page":67},{"text":"وقال الفراء: حذرهم إياها، وكل تحذير (١) فهو نصب (٢).\nوقوله: ﴿وَسُقْيَاهَا﴾ عطف على ناقة الله، وهو اسم من السقي، ﴿وَسُقْيَاهَا﴾ شربها من الماء وما يسقاها (٣).\nقال الكلبي (٤)، ومقاتل (٥): قال لهم صالح: ذروا ناقة الله، فلا تعقروها، وذروا أيضًا سقياها، وهي شربها من النهر، فلا تعرضوا للماء يوم شربها، فإنكم معذبون، فكذبوا صالحًا بالعذاب أنه غير كائن، وهو قوله:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5036>١٤ </span>- ﴿فَكَذَّبُوهُ﴾ أي بتحذيره إياهم العذاب بعقرها، وذلك أن قوله: ﴿نَاقَةَ اللَّهِ﴾ يدل انتصابه على التحذير، فعقروها وتفسير العقر قد تقدم في هذه القصة.\n﴿فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا﴾ قال عطاء عن ابن عباس: فدمر عليهم ربهم (٦) (٧)، ونحو هذا قال مقاتل (٨).\n_________\n(١) في (أ): (تحرير).\n(٢) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٦٨.\n(٣) في (أ): (وساقها).\n(٤) \"فتح القدير\" ٥/ ٤٥٠.\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ٢٤١ أ، \"فتح القدير\" ٥/ ٤٥٠، وانظر معنى هذا القول في: \"جامع البيان\" ٣٠/ ٢١٤، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٩٣، و\"لباب التأويل\" ٤/ ٣٨٣، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٥٢.\n(٦) ساقط من (ع).\n(٧) \"تفسير مقاتل\" ٢٤١ ب، كما ورد قوله من طريق الضحاك عنه في: \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٧٩، كما ورد منسوبًا إلى عطاء في: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٩٤.\n(٨) \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٩٤.","vol":"24","page":68},{"text":"وقال المؤرج: الدمدمة: إهلاك باستئصال (١).\nوقال ابن الأعرابي: دمدم: إذا عَذَّب عذابًا تامًا (٢).\nوذكر الزجاج: أصل هذا الحرف، فقال: معنى دمدم: أطبق عليهم العذاب،، يقال: دمدمته على الشيء إذا أطبقت عليه، وكذلك دمدمت عليه القبر وما أشبهه، ويقال: ناقة الله مَدْمُومة أي قد ألْبَسَها الشحم، فإذا كررت الأطباق قلت: دمدمت عليه (٣). هذا كلامه، ومعنى الدم في اللغة: اللطخ، يقال للشيء السمين كأنها دمَّ بالشحم دمًا (٤)، فجعل أبو إسحاق \"دمدم\" من هذا الحرف على التضعيف نحو: ﴿فَكُبْكِبُوا﴾ (٥) فيجوز أن يكون معنى \"فدمدم عليهم\" سوي عليهم الأرض (٦) بأن أهلكهم، فجعلهم تحت التراب، يدل على هذا قوله: \"فسواها\".\nقال عطاء عن ابن عباس: يريد فسوي عليهم الأرض (٧).\nويجوز أن يكون المعنى: ﴿فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ﴾ أطبق عليهم العذاب، وعمهم (٨) به كالشيء الذي يلطخ، فيعم ما يلطخ به، ويكون على هذا معنى\n_________\n(١) \"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٠١ ب، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٩٤ وعزاه إلى المؤرج، ولعله خطأ، \"زاد المسير\" ٨/ ٢٥٩، \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٧٩، \"فتح القدير\" ٥/ ٤٥٠.\n(٢) \"تهذيب اللغة\" ١٤/ ٨٣ (دمم).\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣٣٣ بنحوه.\n(٤) \"تهذيب اللغة\" ١٤/ ٨١ (دمم).\n(٥) سورة الشعراء: ٩٤، قال تعالى: ﴿فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ﴾.\n(٦) ويجوز أن يكون في (أ)، وهو مكرر، وفي غير موضعه.\n(٧) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٨) في (ع): (وعمقهم).","vol":"24","page":69},{"text":"﴿فَسَوَّاهَا﴾ فسوى الدمدمة عليهم، وعمهم بها، وذلك أن هلاكهم كان بصيحة جبريل، وتلك الصيحة أهلكتهم جميعًا فاستوت على صغيرهم، وكبيرهم، (قاله مقاتل (١» (٢).\nوقال ابن الأنباري: دمدم: غضب قال وتكون الدمدمة الكلام الذي يُزْعج الرجل. وأكثر (٣) (٤) المفسرين قالوا في: ﴿فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ﴾: أرجف الأرض بهم (٥). هذا كلامه.\nونحو ذلك روى ثعلب عن ابن الأعرابي في هذه الآية قال: دمدم: أرجف (٦)، (وهو قول الفراء: أرجف بهم (٧» (٨). (٩)\nوقوله: ﴿فَسَوَّاهَا﴾ قال الفراء: سوّى الأمة أنزل العذاب بصغيرها وكبيرهَا، بمعنى: سوَّى بينهم (١٠)، وهذا قول ثالث سوى القولين ذكرنا\n_________\n(١) ورد معنى قوله في \"تفسيره\" ٢٤١ ب، \"زاد المسير\" ٨/ ٢٥٩ - ٢٦٠.\n(٢) ساقط من (أ).\n(٣) في (أ): (أكثر) بغير واو.\n(٤) ممن قال بذلك: السجستاني في \"نزهة القلوب\" ص ٢٣٠، والفراء في \"معاني القرآن\" ٢/ ٢٦٩.\n(٥) لم أعثر على نصه فيما بين يدي من كتب، وقد ورد في \"تهذيب اللغة\" ١٤/ ٨١ حاشية من نسخة م، أما الذي ورد عنه في متن \"التهذيب\" قال: أطبق عليهم العذاب، وانظر: \"لسان العرب\" ١٢/ ٢٠٩ (دمم).\n(٦) \"التفسير الكبير\" ٣١/ ١٩٦.\n(٧) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٦٩.\n(٨) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٩) من قوله: (ومعنى الدم في اللغة ..) إلى: (أرجف لهم)، قد أورده الفخر في: \"التفسير الكبير\" ٣١/ ١٩٦ بنصه نقلًا عن الواحدي.\n(١٠) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٦٩.","vol":"24","page":70},{"text":"هما في قوله: ﴿فَسَوَّاهَا﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5037>١٥ </span>- قوله تعالى: ﴿وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا﴾ قال ابن عباس (في رواية الوالبي) (١): لا يخاف الله من أحد تَبِعَةً في إهلاكهم (٢)، وهو قول الحسن، قال: ذلك الرب صنع بهم، ولا يخاف تَبِعَةَ (٣).\n(وعلى هذا \"الواو\" في \"ولا يخاف\" في موضع حال.\nالمعنى: فسواها غير خائف عقباها، أي غير خائف أن يتعقب عليه في شيء مما فعله، وفاعل يخاف: الضمير العَائد إلى قولهم \"ربهم\") (٤)\nوقال مقاتل: يعني لا يخاف عَاقر الناقة العقوبة من الله في عقرها (٥)، وهو قول الضحاك (٦)، والسدي (٧)،\n_________\n(١) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٢) ورد قوله في \"جامع البيان\" ٣٠/ ٢١٥، \"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٠١ ب، وبمعناه في \"النكت والعيون\" ٦/ ٢٨٥، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٩٤، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٨٩، و\"زاد المسير\" ٨/ ٢٦٠، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٧٩، \"لباب التأويل\" ٤/ ٣٨٣، و\"البحر المحيط\" ٨/ ٤٨٢، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٥٣، و\"صحيفة علي بن أبي طلحة\" ص ٥٣٤.\n(٣) المراجع السابقة، انظر: \"الدر المنثور\" ٥٣١، وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، و\"تفسير الحسن البصري\" ٢/ ٤٢٤.\nقال ابن عطية: وفي هذا المعنى احتقار للقوم وتعقبه لأثرهم، كما رجح هذا القول ابن كثير، والشوكاني في \"فتح القدير\" ٥/ ٤٥٠.\n(٤) ما بين القوسين نقله الإمام الواحدي عن \"الحجة\" ٦/ ٤٢٠.\n(٥) ورد معنى قوله في \"تفسيره\" ٢٤١ ب، \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٨٩، \"البحر المحيط\" ٨/ ٤٨٢.\n(٦) ورد معنى قوله في المرجعين السابقين، وأيضًا \"جامع البيان\" ٣٠/ ٢١٥، و\"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٠١ ب، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٩٤، و\"زاد المسير\" ٨/ ٢٦٠، \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٨٠، \"البحر المحيط\" ٨/ ٤٨٢، \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٥٣، \"الدر المنثور\" ٨/ ٥٣١، \"فتح القدير\" ٥/ ٤٥٠.\n(٧) ورد معنى قوله في المراجع السابقة، وانظر: \"تفسير السدي\" ص ٤٧٨.","vol":"24","page":71},{"text":"(والكلبي (١» (٢).\n(وعلى هذا القول الآية منتظمة بقوله: \"إذا انبعث اشقاها * ولا يخاف عقباها\" أي لا يخاف من إقدامه على مَا أتاه مما نُهي عنه، ففاعل يخاف: العاقر) (٣).\nوالمعنى: عقبى عقرها، فحذف المضاف.\nقال الفراء: حتى عقرها، ولم يخف عَاقبه عقرها، وفي مصاحف الشام والحجاز: \"فلا يخاف\" بالفاء (٤).\nقال الفراء: وكلٌ صواب، قال و\"الفاء\" أجود في القول الأول، يعني أن يكون منتظمًا بقوله: ﴿فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ﴾ (٥).\n_________\n(١) ورد معنى قوله في \"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٠١ ب، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٩٤، و\"زاد المسير\" ٨/ ٢٦٠، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٨٠، و\"فتح القدير\" ٥/ ٤٥٠.\n(٢) ساقط من (أ).\n(٣) ما بين القوسين نقله عن \"الحجة\" ٦/ ٤٢٠ بيسير من التصرف، وانظر التعليل في: \"القراءات وعلل النحويين فيها\" ٢/ ٧٨٠.\n(٤) قرأ أبو جعفر، ونافع، وابن عامر: (فلا يخاف عُقباها) بالفاء، وكذلك في مصاحف أهل المدينة والشام، وقرأ الباقون: ﴿وَلَا يَخَافُ﴾ بالواو، وكذلك في مصاحفهم وهذا منتظم مع قول مقاتل، والضحاك، والسدي، والكلبي.\nانظر: \"كتاب السبعة في القراءات\" ص ٦٨٩، و\"القراءات وعلل النحويين فيها\" ٢/ ٧٨٠، و\"الحجة\" ٦/ ٤٢٠، و\"المبسوط\" ٤١١، \"حجة القراءات\" ص ٧٦٦.\n(٥) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٦٩ - ٢٧٠ بتصرف.","vol":"24","page":72},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5038>سورة الليل</span>","vol":"24","page":73},{"text":"تفسير سورة الليل <span data-type=\"title\" id=toc-5039>(١)</span>\nبسم الله الرحمن الرحيم\n\n١ - ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ قال ابن عباس <span data-type=\"title\" id=toc-5040>(٢)</span>، ومقاتل (٣): أقسم الله بالليل إذا يغشى بظلمته (٤) والنهار، ولم يذكر مفعول يغشى للعلم به.\nوقال أبو إسحاق: \"يغشى الليل\" الأفق، وجميع ما بين السماء والأرض، فيذهب ضوء النهار (٥).\n\n٢ - قوله تعالى (٦): ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾ (أي بَان وظهر) (٧) من بين الظلمة.\n_________\n(١) مكية بقول جمهور المفسرين، قال بذلك ابن عطية في \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٢٩٠، وحكى الإجماع ابن الجوزي في: \"زاد المسير\" ٨/ ٢٦١، وقال السيوطي: الأشهر أنها مكية \"الإتقان\" ١/ ٣٥، وقيل: إنها مدنية. انظر: \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٣٧٧ و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٨٠.\n(٢) ورد معنى قوله في: \"زاد المسير\" ٨/ ٢٦١.\n(٣) \"الوسيط\" ٤/ ١٠٥.\n(٤) في (أ): (والنهار).\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣٣٥ بتصرف.\n(٦) (قوله تعالى) ساقط من (أ).\n(٧) ما بين القوسين ناقلًا عن \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣٣٥.","vol":"24","page":75},{"text":"قال قتادة: هما آيتان عظيمتان يكررهما الله على الخلائق (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5041>٣ </span>- (قوله) (٢): ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾ قال الكلبي: والذي خلق (٣)، وهو قول الحسن (٤). و\"ما\" على هذا بمعنى \"مَنْ\".\nوقال مقاتل: يعني: وخلْق الذكر والأنثى (٥).\nوعلى هذا \"مَا\" للمصدر، -وقد فسرنا هذا في مواضع (٦) - والذكر والأنثى يجوز أن يعني بهما الجنس من الذكر والأنثى (٧)، وهو الظاهر (٨).\nوقال مقاتل (٩)، (والكلبي (١٠» (١١): يعني آدم وحواء.\n_________\n(١) ورد بنحوه في: \"جامع البيان\" ٣٠/ ٢١٧.\n(٢) ساقط من: (ع).\n(٣) \"فتح القدير\" ٥/ ٤٥٢.\n(٤) المرجع السابق، وانظر: \"جامع البيان\" ٣٠/ ٢١٨، و\"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٠٢ أ، و\"النكت والعيون\" ٦/ ٢٨٦، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٨٠ - ٨١، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٥٣٤ وعزاه إلى ابن أبي حاتم، و\"تفسير الحسن البصري\" ٢/ ٤٢٥.\n(٥) \"فتح القدير\" ٥/ ٤٥٢.\n(٦) يراجع في ذلك سورة الشمس: ٥، ٧، قوله: ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا (٥) وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا (٦) وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا﴾ وهو مذهب الزجاج، انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣٣٢. وانظر: كتاب \"معاني الحروف\" للزجاجي ص ٥٥.\n(٧) في (ع): (الذكور والإناث).\n(٨) والقول بالعموم من كل ذكر وأنثى قال به الماوردي في \"النكت والعيون\" ٦/ ٢٨٧، وأبو حيان في \"البحر المحيط\" ٨/ ٤٨٣، والشوكاني في \"فتح القدير\" ٥/ ٤٥٢.\n(٩) \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٩٤، و\"زاد المسير\" ٨/ ٢٦٢، و\"فتح القدير\" ٥/ ٤٥٢.\n(١٠) المراجع السابقة، وانظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٨٢، و\"البحر المحيط\" ٨/ ٤٨٣، و\"فتح القدير\" ٥/ ٤٥٢، وبه قال الحسن، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٩٠، وابن عباس في: \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٨٢.\n(١١) ساقط من (أ).","vol":"24","page":76},{"text":"وجواب القسم قوله تعالى:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5042>٤ </span>- ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾.\nقال ابن عباس: إن أعمالكم لمختلفة، عمل للجنة، وعمل للنار (١).\nوقال مقاتل: يعني أن أهل مكة تقول إن أعمالكم لمختلفة في الخير والشر (٢).\nوتفسير \"شتى\" قد سبق في قوله: ﴿مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى﴾ (٣).\n\nقال المفسرون: نزلت في أبي بكر الصديق -﵁- وفي أبي سفيان (٤). ثم فصل عملهما فبين <span data-type=\"title\" id=toc-5043>(٥) </span>فقال:\n٥ - (قوله) (٦): ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى﴾.\n_________\n(١) \"زاد المسير\" ٨/ ٢٦٢، وإلى هذا ذهب قتادة في: \"جامع البيان\" ٣٠/ ٢١٩.\n(٢) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٣) سورة طه: ٥٣ ومما جاء في تفسير قوله: \"شتى\" معناه مختلف متفرف، ولا واحد له من لفظه مثل فوض.\n(٤) قال بذلك ابن عباس كما في: \"الدر المنثور\" ٨/ ٥٣٦، وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن مردويه، وابن عساكر، وقاله ابن مسعود كما في: \"بحر العلوم\" ٣/ ٤٨٤، و\"زاد المسير\" ٨/ ٢٦٢، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٥٣٤ - ٥٣٥، وعبد الله بن أبي أوفى، وساقه ابن عطية عنه في: \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٩١ كما عزاه القرطبي والشوكاني إلى المفسرين. \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٨٢، و\"فتح القدير\" ٥/ ٤٥٢.\nكما وردت الرواية في \"أسباب النزول\" للواحدي ص ٣٨٥، وقال بها أيضًا في: \"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٠٣ أ، والماوردي في: \"النكت والعيون\" ٦/ ٢٨٧، وانظر: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٩٥.\nوقول آخر إنها نزلت في أبي بكر وأمية بن خلف. انظر: \"معاني القرآن\" للفراء: ٣/ ٢٧٠، و\"لباب التأويل\" ٤/ ٣٨٤.\n(٥) في (ع): (وبين).\n(٦) ساقط من (ع).","vol":"24","page":77},{"text":"قال الكلبي: تصدق من ماله، واتقى معصية ربه (١).\nوقال مقاتل: أعطى المال في حق الله، واتقى الله (ومعصيته (٢» (٣)، يعني الصديق -﵁-.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5044>٦ </span>- ﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾.\nقال عكرمة عن ابن عباس: بالخَلَف (٤)، وهو قول الكلبي (٥)، ومقاتل (٦)، وقتادة (٧)، (قالوا: يعيده) (٨) الله، وهو أن يخلفه في الآخرة الجنة.\nفـ\"الحسنى\" على هذا القول: الجنة، يجعلها الله خلفًا لأبي بكر مما أعطى.\n_________\n(١) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٢) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٣) ساقط من: (ع).\n(٤) \"تفسير الإمام مجاهد\" ص ٧٣٤، و\"جامع البيان\" ٣٠/ ٢١٩، ورجحه الطبري في \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٩٥، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٩١، و\"زاد المسير\" ٨/ ٢٦٣، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٨٣، و\"لباب التأويل\" ٤/ ٣٨٣، و\"البحر المحيط\" ٨/ ٤٨٣ من غير ذكر طريق عكرمة، وكذا في: \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٥٣، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٥٣٥، وعزاه إلى سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في \"شعب الإيمان\" ٧/ ٤٢٢ ح ١٠٨٢٥.\n(٥) ورد معنى قوله في: \"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٠٢ أ، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٩٥.\n(٦) ورد معنى قوله في المرجعين السابقين، و\"زاد المسير\" ٨/ ٢٦٣.\n(٧) ورد معنى قوله في المراجع السابقة، وانظر: \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٣٧٧، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٨٣، و\"فتح القدير\" ٥/ ٤٥٢.\n(٨) ما بين القوسين ساقط من (أ).","vol":"24","page":78},{"text":"وقال مجاهد (١)، وأبو عبد الرحمن (السلمي (٢» (٣)، والضحاك (٤)، قال: لا إله إلا الله.\nوقال عطاء عن ابن عباس: يريد الخلف من الله والثواب والجنة، وصدق بأن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5045>٧ </span>- (قوله تعالى) (٦): ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ فسنهيئه لعمل الخير، وهو معنى قول ابن عباس: نيسر له أعمال الخير (٧).\nوقال الكلبي، و(مقاتل (٨» (٩)، والفراء (١٠): نيسره للعودة للعمل الصالح.\n_________\n(١) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٢) \"جامع البيان\" ٣٠/ ٢١٠، و\"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٠٢ ب، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٩٥، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٩١، و\"زاد المسير\" ٨/ ٢٦٣، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٨٣، و\"البحر المحيط\" ٨/ ٤٨٣، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٥٣، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٥٣٥، وعزاه إلى الفريابي، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، و\"فتح القدير\" ٥/ ٤٥٢.\n(٣) ساقط من (أ).\n(٤) \"جامع البيان\" ٣٠/ ٢١٠، و\"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٠٢ ب، و\"النكت والعيون\" ٦/ ٢٨٧، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٩٥، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٨٣، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٥٣، و\"فتح القدير\" ٥/ ٤٥٢.\n(٥) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٦) ساقط من (أ).\n(٧) ورد معنى قوله في: \"النكت والعيون\" ٦/ ٢٨٨، و\"زاد المسير\" ٨/ ٢٦٣، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٥٤، و\"شعب الإيمان\" ٧/ ٤٢٢ ح: ١٠٨٢٥.\n(٨) لم أعثر على مصدر لقولهما.\n(٩) ساقط من (أ).\n(١٠) \"معاني القرآن\" ٣١/ ٢٧٠ بنصه.","vol":"24","page":79},{"text":"ومعنى اليسرى: الخلة اليسرى (١)، (وهي الأمر السهل الذي لا يقدر عليه أحد إلا المؤمنون) (٢)، يسر الله لهم العمل بمرضاته، فتيسر عليه الإنفاق في سبيل الخير، والعمل بالطاعة بتيسير الله ذلك لهم (٣).\nقال المفسرون: نزلت هذه الآيات في أبي بكر الصديق -﵁- (٤)، اشترى منه ستة نفر من المؤمنين كانوا في أيدي أهل مكة يعذبونهم في الله (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5046>٨ </span>- ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ﴾ أي بالنفقة في الخير والصدقة (٦)\n﴿وَاسْتَغْنَى﴾ عن ثواب الله فلم يرغب فيه (٧).\n_________\n(١) في (أ): (الخل اليسرا).\n(٢) ما بين القوسين من قول الزجاج في: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣٣٥.\n(٣) بمعنى هذا القول: ذهب الطبري في: \"جامع البيان\" ٣٠/ ٢١١، والثعلبي في: \"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٠٣ أ، والماوردي في:\"النكت والعيون\" ٦/ ٢٨٨.\n(٤) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٥) ورد معنى هذه الآية من طريق عامر بن عبد الله بن الزبير، عن بعض أهله عند الطبري في \"جامع البيان\" ٣٠/ ٢١١، وكذلك \"الدر المنثور\" ٨/ ٥٣٥ - ٥٣٦، وعزاه إلى ابن عساكر، وانظر أيضًا: \"أسباب النزول\" تح. أيمن صالح ص ٣٩١، وقال عنه: صحيح صححه الحاكم، وقال عصام الحميدان: وإسناده حسن بشواهده، أسباب النزول: ٤٥٦، وقد صرح ابن إسحاق بالتحديث عند الحاكم. وانظر شواهده في: \"لباب النقول\" ٢٣٠، و\"فتح القدير\" ٥/ ٤٥٤، كما خرجه الحاكم في \"المستدرك\" ٢/ ٥٢٥ - ٥٢٦، كتاب التفسير: تفسير سورة الليل: وقال صحيح، وسكت عنه الذهبي.\n(٦) بمعناه قال ابن عباس، وقتادة انظر: \"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٢١ - ٢٢٢، وبه قال السمرقندي في: \"بحر العلوم\" ٣/ ٤٨٥، والثعلبي في \"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٠٣ أ، وعزاه ابن الجوزي إلى المفسرين في \"زاد المسير\" ٨/ ٢٦٤.\n(٧) قال بنحوه الثعلبي في \"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٠٣ أ.","vol":"24","page":80},{"text":"قال مقاتل (١)، والكلبي (٢): يعني أبا سفيان، ثم عمت الكفار بعده.\nوقال عطاء: يريد أمية بن خلف (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5047>٩ </span>- ﴿وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى﴾ يعني بما صدق (به) (٤) أبو بكر وقد فسرنا (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-5048>١٠ </span>- ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ قال عطاء: يريد سوف أحول بينه وبين أن يؤمن بالله ويصدقق رسوله (٦). وهذا على (قول) (٧) من يقول: إنه أمية بن خلف.\nوقال مقاتل: يعسر عليه أن يعطي خيرًا (٨).\nوقال عكرمة عن ابن عباس: للعسرى (٩): للشر (١٠)، وهذا (١١) هو القول، وذلك أن الشر يؤدي إلى العذاب، فهو الخلة العسرى، والخير يؤدي إلى اليسرى والراحة في الجنة، فهو الخلة اليسرى، يقول: سنهيئه للشر بأن يجريه على يديه.\n_________\n(١) \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٩١ بمعناه.\n(٢) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٣) لم أعثر على مصدر لقوله. والذي وجدته بمثله من طريق الضحاك عن ابن عباس \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٨٤.\n(٤) ساقط من (أ).\n(٥) راجع تفسير قوله تعالى: ﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾ من هذه السورة.\n(٦) لم أعئر على مصدر لقوله. وقد ورد بمعنى قوله من طريق الضحاك عن ابن عباس. \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٨٤.\n(٧) ساقط من (أ).\n(٨) ورد بنحو من قوله في: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٩٥، و\"زاد المسير\" ٨/ ٢٦٤، و\"فتح القدير\" ٥/ ٤٥٢.\n(٩) في (أ): (للعسرا).\n(١٠) \"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٢٤.\n(١١) في (أ): (هذا بغير واو).","vol":"24","page":81},{"text":"قال الفراء: والعرب تقول: قد يسرت غنم فلان؛ إذا تهيأت للولادة (١).\nوكذلك إذا ولدت وكثر ألبانها، كأنها يسرت الأمر على أصحابها.\nثم ذكر أن ما أمسك من (٢) ماله عن الإنفاق لا ينفعه فقال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5049>١١ </span>- (قوله): ﴿وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى﴾ (٣) أي الذي بخل به عن الخير. ﴿إِذَا تَرَدَّى﴾ إذا مات.\nقال مجاهد (٤)، ومقاتل، (وأبو صالح (٥» (٦): قال أبو عبيدة (٧): \"تردى\" وردى إذا مات. قال المبرد: هو تَفَعَّل من الرَّدى، وهو الهلاك (٨).\nوقال ابن عباس (٩)، وقتادة (١٠): إذا تردى في جهنم، أي سقط\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٧١.\n(٢) في (أ): (عن).\n(٣) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٤) \"تفسير الإمام مجاهد\" ص ٧٣٤، و\"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٢٥، و\"الكشف والبيان \" ١٣/ ١٠٣ أ، و\"النكت والعيون\" ٦/ ٢٨٩، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٩٦، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٩١ بمعناه، و\"زاد المسير\" ٨/ ٢٦٤، و\"ابن كثير\" ٤/ ٥٥٦، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٥٣٦ - ٥٣٧ وعزاه إلى الفريابي، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.\n(٥) لم أعثر على مصدر لقولهما.\n(٦) ساقط من (أ).\n(٧) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٨) \"الكامل\" ١/ ١٢٠، ٤٠٣ - ٤٠٤ مختصرًا.\n(٩) \"الوسيط\" ٤/ ٥٠٤.\n(١٠) \"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٠٣ ب، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٩٦، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٩١، و\"زاد المسير\" ٨/ ٢٦٤، و\"البحر المحيط\" ٨/ ٤٨٤، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٥٣٦ وعزاه إلى عبد الرزاق، وعبد بن حميد، و\"فتح القدير\" ٥/ ٤٥٢ - ٤٥٣، و\"روح المعاني\" ٣٠/ ١٥٠.","vol":"24","page":82},{"text":"وهوى، وذكرنا هذا الحرف عند قوله: ﴿وَالْمُتَرَدِّيَةُ﴾ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5050>١٢ </span>- قال الله تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى﴾.\nوفي تفسيره ثلاثة أقوال (٢):\nقال مقاتل: يعني البيان (٣).\nقال أبو إسحاق: أي إن علينا أن نبين طريق الهدى من طريق الضلال (٤).\nوهو قول قتادة: أي على الله البيان: بيان حلاله، وحرامه، وطاعته، ومعصيته (٥).\n_________\n(١) سورة المائدة: ٣، ومما جاء في تفسيرها: \"المتردية من التردي في اللغة، التهور في مهواة، وقيل في قوله: ﴿وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى﴾ أي سقط في النار، وقال أبو زيد: ردى فلان في القليب تردى، وتردّى من الجبل تَردّيًا، فالترديهَ هي التي يقع من جبل، أو يطيح في بئر، أو يسقط من مكان مشرف، فيموت\".\n\"البسيط\" نسخة تشستربتي ٢/ ٤١ أ.\n(٢) وهذه الأقوال لا تخرج عن مراتب الهدى الأربعة، وهي: الهدى العام، وهو هداية كل نفس إلى مصالح معاشها، وما يقيها، وهذا أعم مراتبه.\nالمرتبة الثانية: الهدى بمعنى البيان والدلالة والتعليم .. إلى آخره، وقد سبق بيانها راجع سورة الإنسان ٣.\nوعليه فالمرتبة الثانية: هي التي قال بها قتادة، والرابعة: تضمنت قول أبي إسحاق.\n(٣) لم أعثر على مصدر لقوله، وقد ورد بمثله من غير عزو في: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٩٦، و\"الوسيط\" ٤/ ٥٠٥.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣٣٦ بنصه.\n(٥) \"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٢٦، و\"النكت والعيون\" ٦/ ٢٨٩، مختصرًا، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٩٦، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٨٦، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٥٦ مختصرًا، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٥٣٧، وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن =","vol":"24","page":83},{"text":"القول الثاني: إن المعنى يقول: من سلك الهدى فعلى الله سبيله، كقوله ﷿: ﴿وَعَلَى (١) اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ [النحل: ٥]، يقول علينا (٢) الهدى: أي أن الهدى يوصل صاحبه إلى الله، وإلى ثواب الله وجنته.\nذكر (٣) ذلك الفراء (٤)، وذكر قولًا آخر، فقال: ويقال: إن علينا للهدى والإضلال. فترك الإضلال كما قال: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: ٨١]، وهي تقي (٥) الحر والبرد (٦).\n_________\n= المنذر، وابن أبي حاتم، و\"فتح القدير\" ٥/ ٤٥٣، ومعنى قوله إنه البيان الذي أرسل الله به رسله، وأنزل به كتبه، فتبين به حلاله وحرامه، وطاعته ومعصيته. قاله ابن تيمية في مجموعه: ١٥/ ٢١٠.\n(١) في (أ): (فعلى).\n(٢) علمنا.\n(٣) في (أ): (وذكر).\n(٤) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٧١ بتصرف.\n(٥) في (أ): (في).\n(٦) وهذا القول من الأقوال المحدثة، والمخالفة التي لم يعرفه السلف، وهو القول معناه: بيدك الخير والشر، والنبي -ﷺ- يقول: (والخير بيدك، والشر ليس إليك). والله تعالى خالق كل شيء، لا يكون في ملكه إلا ما يشاء، والقدر حق، لكن فَهْم القرآن، وَوَضْع كل شيء موضعه، وبيان حكمة الرب، وعدله مع الإيمان بالقدر، هو طريق الصحابة والتابعين لهم بإحسان. نقلًا عن \"مجموع الفتاوى\" ١٥/ ٢١١. فالله سبحانه إنما نسب إلى نفسه الخير دون الشر، فقال تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: ٢٦].\nوأخطأ من قال: المعنى: بيدك الخير والشر لثلاثة أوجه:\nأحدها: أنه ليس في اللفظ ما يدل على إرادة هذا المحذوف، بل ترك ذكره قصدًا أو بيانًا أنه ليس بمراد. =","vol":"24","page":84},{"text":"وهذا معنى قول ابن عباس في رواية عطاء، قال: يريد أرشد أوليائي إلى العمل بطاعتي، وأحول بين أعدائي أن يعملوا بطاعتي (١). فذكر معنى الإضلال (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5051>١٣ </span>- قوله ﴿وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى﴾ يعني الدارين: الدنيا، والآخرة (٣).\nقال الكلبي: أي ثواب الدنيا والآخرة (٤)، (كقوله: ﴿فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [النساء: ١٣٤]) (٥).\n_________\n= الثاني: إن الذي بيد الله تعالى نوعان: فضل وعدل.\nالثالث: إن قول النبي -ﷺ-: \"لبيك وسعديِك، والخير في يديك، والشر ليس إليك\" كالتفسير للآية، ففرق بين الخير والشر، وجعل أحدهما في يدي الرب سبحانه، وقطع إضافة الآخر إليه مع إثبات عموم خلقه لكل شيء.\nانظر: \"شفاء العليل\" ٤٤٧.\nوهذا القول في الخير والشر ينطبق على ما جاء بالقول علينا الهدى والضلال، وذلك لأن الضلال من الشر.\nفالشر لا يُضاف إلى الرب تعالى لا وصفًا ولا فعلًا ولا يتسمى باسمه بوجه من الوجه وإنما يدخل في مفعولاته بطريق العموم. \"شفاء العليل\" ص ٤٤٧.\n(١) \"التفسير الكبير\" ٣١/ ٢٠٣.\n(٢) قد اتفقت رسل الله من أولهم إلى آخرهم، وكتبه المنزلة عليهم على أنه سبحانه يضل من يشاء، ويهدي من يشاء، وأنه من يهده الله فلا مُضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأن الهدى والإضلال بيده لا بيد العبد، وأن العبد هو الضال أو المهتدي، فالهداية والإضلال فِعلُه سبحانه وقدره، والاهتداء والضلال فعل العبد وكسبه. \"شفاء العليل\" ص ١١٧.\n(٣) بهذا قال الطبري في \"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٢٦، والسمرقندي في \"بحر العلوم\" ٣/ ٤٨٥.\n(٤) \"النكت والعيون\" ٦/ ٢٨٩.\n(٥) ما بين القوسين ساقط من (أ).","vol":"24","page":85},{"text":"وهو قول الفراء (١).\nوالمعنى: لنا ملك الدارين، نعطي منهما من نشاء، فليطلبا منا.\nويجوز أن يكون معنى الإخبار عن كونهما إيجاب التسليم (٢) لأمره، فإنهما (٣) له، يفعل فيهما مَا يشاء، فمن شاء أعطى من الدنيا، ومن شاء (حرمه، ومن شاء) (٤) أُدخل الجنة، ومن شاء أُدخل النار، لا راد لمشيئته، ولا ناقض لحكمه.\nولما ذكر هذا أخبر عن إبانته طريق الهدى بالإنذار على الكفر بالنار، فقال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5052>١٤ </span>- ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ﴾ قال مُقاتل: يريد أهل مكة (٥).\n﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى﴾ تتوقد وتتوهج وتتلهب، يقال: تلظت النار تتلظى تلظيًا. ومنه سميت جهنم لظى (٦)، وقد مر (٧) ثم بين أنها لمن هي بقوله:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5053>١٥ </span>- ﴿لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى﴾ يعني إلا من كان شقيًا في علم الله. قاله الفراء (٨).\nوقال ابن عباس: يريد أمية بن خلف، ونظراءه الذين كذبوا محمدًا -ﷺ- والأنبياء قبله (٩).\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٧١ قال: لثواب هذه، وثواب هذه.\n(٢) في (أ): (السليم).\n(٣) في (أ): (أنهما).\n(٤) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٥) لم أعثر على مصدر لقوله. وورد بمثله في \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٩٦.\n(٦) انظر: \"تهذيب اللغة\" ١٤/ ٣٩٥، و\"التفسير الكبير\" ٣١/ ٢٠٣. والقول: (تلظى) تتوقد، وتتوهج، قال به الزجاج في: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣٣٦.\n(٧) في سورة المعارج: ١٥.\n(٨) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٧٢ بنصه.\n(٩) \"التفسير الكبير\" ٣١/ ٢٠٣.","vol":"24","page":86},{"text":"وقال الحسن: يعني المشرك (١)، ويدل عليه قوله:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5054>١٦ </span>- ﴿الَّذِي كَذَّبَ﴾ أي كذب الرسول، والقرآن (٢). ﴿وَتَوَلَّى﴾ أعرض عن الإيمان (٣).\nفإن قيل: أليس غير المشرك يدخل النار، وهذه الآية تدل على أنه لا يدخلها إلا (المكذب الكافر؟ والجواب عنه من وجوه:\nأحدهما: أن هذا ورد في درك مخصوص من أدراك جهنم؛ لا يحله إلا) (٤) من كان بهذه الصفة، وهي: دركات، ولأهل النار منها منازل، (وهذا قول أبي إسحاق (٥» (٦).\nوالثاني: أن هذا على الاختصار بحذف ذكر العصاة من غير المشركين، بدليل الآي الآخر، على أن معنى قوله: ﴿لَا يَصْلَاهَا﴾ لا يلزمها في حقيقة اللغة، يقال: صلى الكَافر النار إذا لزمها مقاسيًا شدتها وحرهَا (٧)، لعل هذا الأصل مما سبق بيانه (٨)، ولا يلزم النار خالدًا فيها إلا المشرك المكذب.\n_________\n(١) \"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٢٦.\n(٢) بمعناه قال قتادة: كذب بكتاب الله، وتولى عن طاعة الله. \"النكت والعيون\" ٦/ ٢٩٠.\n(٣) وبه قال السمرقندي في: \"بحر العلوم\" ٣/ ٤٨٥، وانظر: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٩٦.\n(٤) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٥) ورد معنى قوله في: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣٣٦.\n(٦) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٧) انظر: \"تهذيب اللغة\" ١٢/ ٢٣٨ (صلى).\n(٨) نحو ما جاء في سورة الانفطار: ١٥ ﴿يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ﴾.","vol":"24","page":87},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5055>١٧ </span>- وقوله: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا﴾ أي سنبعدها، ويجعل منها على جانب، يقال: جنبته الشيء أي بعدته وتجنبه عنه (١).\n﴿الْأَتْقَى﴾ يعني أبا بكر -﵁- في قول الجميع (٢)، قالوا: يزحزح عن النار.\nقال مقاتل: الأتقى المخلص بالتوحيد.\n_________\n(١) انظر: \"النهاية\" لابن الأثير ١/ ٣٠٣، و\"المفردات في غريب القرآن\" ص ٩٩.\n(٢) نقل الإجماع على ذلك: ابن عطية في \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٩٢، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٨/ ٢٦٥، والفخر الرازي في \"التفسير الكبير\" ٣١/ ٢٠٥، والشوكاني في \"فتح القدير\" ٥/ ٤٥٥، نقل ذلك عن الواحدي، وابن عاشور في \"التحرير والتنوير\" ٣٠/ ٣٩١، وقال ابن كثير: وقد ذكر غير واحد من المفسرين أن هذه الآيات نزلت في أبي بكر الصديق ﵁. وحتى إن بعضهم حكى الإجماع عن المفسرين على ذلك: \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٥٦.\nقال د. الخضيري: وجميع المفسرين على القول بهذا من غير خلاف بينهم. \"الإجماع في التفسير\" ٥٢٨، وانظر: \"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٢٦، و\"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ٢٧٣، و\"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣٣٥.\nوقد ورد قول شاذ قالت به الرافضة، وهو أنها نزلت في علي بن أبي طالب، وقد ردّ قولهم بما هو شاف كاف. انظر: الرازي في \"التفسير الكبير\" ٣١/ ٢٠٥.\nقال د. الخضيري: بعد أن ذكر قول الرافضة المخالف لإجماع المفسرين، ولم أنقل رأيهم ليعترض به على إجماع المفسرين؛ بل ليعرف ويطلع عليه \"الإجماع في التفسير\" ٥٢٨.\nوعليه فما ذهب إليه الإمام الواحدي من قول بالإجماع صحيح، ويقرر منهجه في حكايته للإجماع، فالشاذ نحو هذا لا عبرة له عنده، والذي ينبغي التنبيه عليه هو أن الآية خاصة بنزولها، عامة بلفظها. قال ابن كثير: ولا شك أنه دخل فيها يعني أبا بكر- وأولى الأمة بعمومها، فإن لفظها لفظ العموم، ولكنه مقدم الأمة وسابقهم في جميع هذه الأوصاف، وسائر الأوصاف الحميدة.\n\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٥٦.","vol":"24","page":88},{"text":"ثم وصفه فقال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5056>١٨ </span>- (قوله): ﴿الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى﴾ قال أبو إسحاق: يطلب أن يكون عند الله زاكيًا لا يطلب بذلك رياء ولا سمعه (١) يدل عليه قوله:\n<span data-type=\"title\" id=toc-5057>١٩ </span>- ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى﴾ قال المفسرون (٢): لما اشترى أبو بكر ﵁ بلالًا من صاحبه عبد الله بن جدعَان، وكان قد سلح (٣) على الأصنام، فأسلمه مولاه إلى المشركين ليعذبوه بما فعل،\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣٣٦ بنصه.\n(٢) قال بذلك جمع من المفسرين، وعزاه القرطبي إلى الأكثرية من المفسرين: \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٩٠، والروايات عنهم منها ما كان مطولًا، ومنها ما كان مختصرًا، ولكن جميعها تدور على معنى واحد: على قصة إعتاق أبي بكر لبلال، ومقولة المشركين فيه، ونزول الآية في شأنه. انظر ذلك عن:\nما جاء عن عامر بن عبد الله بن الزبير عن أبيه مختصرًا \"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٢٨، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٥٣٨، وعزاه إلى البزار، وابن جرير، وابن المنذر، والطبراني، وابن عدي، وابن مردويه، وابن عساكر و\"أسباب النزول\" تح، أيمن صالح ص ٣٩٢، \"لباب النقول\" ص ٢٣٠، وقال الهيثمي: رواه البزار، وفيه مصعب بن ثابت وثقه ابن حبان، وضعفه جماعة، وشيخ البزار لم يسمه. \"مجمع الزوائد\" ٧/ ١٣٨ سورة الليل. كما ورد عن قتادة بمعناها مختصرًا في \"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٢٨.\nوعطاء عن ابن عباس مطولًا في: \"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٠٤ أ، و\"زاد المسير\" ٨/ ٢٦٥، أسباب النزول، تح أيمن صالح ص ٣٩٢.\nوعن مقاتل مختصرًا في: \"بحر العلوم\" ٣/ ٨٥.\nوعن عروة بن الزبير في:\"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٠٤ أبمعناه، انظر: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٩٦، \"لباب النقول\" ٢٣٠.\nوعن سعيد بن المسيب، وابن مسعود بمعناه، انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٨٩، و\"لباب التأويل\" ٤/ ٢٨٥، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٥٣٨.\nكما وردت الرواية في: \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٩٢، و\"التفسير الكبير\" ٣١/ ٢٠٦.\n(٣) سلح: من السلاح -بالضم-: النجو، وقد سلح كمنع، وأسلحه، وناقة سالح: =","vol":"24","page":89},{"text":"فكانوا يعذبونه في الرمضاء (١)، وقد وضعوا على صدره صخرة، فاشتراه أبو بكر وأعتقه، فقال المشركون: مَا فعل ذلك أبو بكر إلا ليد كانت عند بلال، أراد أن يجزيه بها، فقال الله تعالى: ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى﴾.\nقال ابن عباس: يريد مَا لبلال عند أبي بكر نعمة يجزيه بها (٢).\nوالمعنى: (لم يفعل ذلك مجازاة ليد أسديت إليه) (٣)، ولكنه ابتغى بذلك وجه الله، وهو قوله:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5058>٢٠ </span>- ﴿إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى﴾ (أي إلا طلب ثواب الله) (٤)\nقال أبو عبيدة: \"إلا ابتغاء\" (٥) استثناء من النعمة، كما يُستثنى الشيء وليس منه (٦).\nقال الفراء: وهذا على اختلاف ما قبل \"إلا\" ومَا بعدها، والعرب تقول: مَا في الدار أحد إلا أكلبًا وأحمرةً، وهذا كقوله: ﴿إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾ [النساء: ١٥٧]\nكقول (٧) النابغة:\n.. .. وما بالرَّبعِ من أحدِ\n_________\n= سلحت من البقل. انظر: \"القاموس المحيط\" ١/ ٢٢٩ (سلح). والنجو: ما يخرج من البطن. مختار \"الصحاح\" ٦٤٨ (نجو).\n(١) الرمضاء: الأرض الشديدة الحرارة \"القاموس المحيط\" ٢/ ٣٣٢ (رمض).\n(٢) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٣) ما بين القوسين من قول الزجاج في: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣٣٦.\n(٤) ما بين القوسين من قول الزجاج في: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣٣٧.\n(٥) في (أ): (ابتغاء)، وغير واضحة في (ع)، وأئبت ما غلب على ظني صحته. والله أعلم.\n(٦) \"مجاز القرآن\" ٢/ ٣٠ بنحوه.\n(٧) في (ع): (وكقول).","vol":"24","page":90},{"text":"إلا الأواريَّ (١)\nوهي لغة أهل الحجاز (٢).\nوذكر الفراء وجهًا آخر، وهو: أن يضمر الإنفاق على تقدير: ما ينفق إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى، وهذا كقوله: ﴿وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٧٢] (٣). وقد مر.\nومعنى ﴿الْأَعْلَى﴾: الأجل بصفاته التي لا يوارى فيها، فهو الأقدر،\n_________\n(١) لم يذكر الفراء قول النابعة بل استشهد بقول عامر بن ثابت جران العود:\nوبلدة ليس بها أنيس ... إلا اليعافير وإلا العيس\nواستشهد ببيت النابغة عند تفسيره الآية ١٤ من سورة النساء، وآية ٩٨ من سورة يونس: \"معاني القرآن\" ١/ ٢٨٨، ٤٨٠ من مطلع قصيدة يقول فيها:\nيا دارَ مَيَّةَ بالعلياءِ فالسَّنَدِ ... أقوتْ وطالَ عليها سَالفُ الأبَدِ\nثم يقول:\nوَقَفْتُ فيها أصَيْلانا أسائِلها ... عَيَّتْ جوابًا وما بالرَّبْع من أحَدِ\nإلا الأوَارِيّ لأيا ما أبينها ... والنُؤىُ كالحْوضِ بالمظلُومَة الجَلدِ\n\"ديوانه\" ص ٣٠، المؤسسة العربية. كما ورد في \"الأصول في النحو\" للسراج ١/ ٢٩٢.\nموضع الشاهد \"الأواري\" استثناه من \"الناس\" على البدل، وأصله من الاستثناء المنقطع، فأوجب نصبه على لغة الحجاز، وقد جمع فيها ثلاثة أحرف للنفي: إن، ولا، وما، ومعنى البيت: وصف أنه مَرَّ بالدار عشيًا قصيرًا، فوقف فيها وسألها عن أهلها، وأصيلان: تصغير أصيل، وهو بالعشي، وعيت جوابًا: أعيت بالجواب، فلم تجبني، والربع: منزل القوم، والأواري: محابس الخيل، والنؤْيُ: حاجز من تراب يوضع فوق الخباء لئلا يدخل السيل، والمظلومة: الأرض التي لم تمطر فجاءها السيل فملأها، والجَلَدٌ: الأرض الصلبة، واللأى البطء. \"شرح أبيات معاني القرآن\" ص ١١٧ ش ٢٤٥ - ٢٤٦.\n(٢) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٧٣ بتصرف.\n(٣) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٧٣ بتصرف.","vol":"24","page":91},{"text":"الأغلب الأظهر بالحجة والقوة (١).\nثم وعد أبا بكر أن يرضيه في الآخرة بثوابه، فقال:\n_________\n(١) هذا قصر من الواحدي للآية على بعض معانيها، وما ذكره حق، ولكنه أغفل بناء على مذهبه الأشعري ما دلت عليه الآية من إثبات العلو لله تعالى؛ أي علو الذات، كما دلت النصوص المتواترة على ذلك، فهو تعالى فوق خلقه على العرش استوى. والذي ينبغي عليه في الإيمان بأسماء الله وصفاته لتسلم عقيدته يلزمه أمران:\nأحدهما: إثبات تلك الصفات؛ لأنها وردت في الكتاب والسنة، فقد صار مصدرهما الوحي، لأن هذا الإثبات لها هو لازم الإيمان.\nوالثاني: هو الاعتقاد الجازم بأن الله تعالى ليس له شبيه ولا مثيل فيما يتصف به من تلك الصفات، وهذا أيضًا تحقيق لقول الله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، وأن الانطلاق من هاتين القاعدتين في باب الأسماء والصفات، هو المسلك الصحيح، والمنهج السليم، وبه يتحقق الاتباع الكامل، والانقياد الحق، والاستجابة الواعية لما قاله الله تعالى، أو نطق به النبي -ﷺ- وإن أي مساس بهاتين القاعدين يوصل إلى انحراف خطير في فهم أخطر قضية من قضايا الاعتقاد في باب أسماء الله وصفاته. نقلًا عن: علاقة الإثبات والتفويض بصفات رب العالمين د. رضا نعسان ص ١١. وعليه فتفسير الأعلى من هذه السورة على ضوء الكتاب والسنة على هذا النحو الآتي: قال تعالى: ﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة: ٢٥٤]، وقوله: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١]، وقوله تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾ [الرعد: ١٣]، وذلك دال على أن جميع معاني العلو ثابتة لله من كل وجه، فله علو الذات، فإنه فوق المخلوقات، وعلى العرش استوى، أي علا وارتفع، وله علو القدر، وهو علو صفاته وعظمتها، فلا يماثله صفة مخلوق؛ بل لا يقدر الخلائق كلهم أن يحيطوا ببعض معاني صفة واحدة من صفاته، قال تعالى: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾، وبذلك يعلم أنه ليس كمثله شيء في كل نعوته، وله علو القهر فإنه الواحد القهار الذي قهر بعزته وعلوه الخلق كلهم، وذلك لكمال اقتداره ونفوذ مشيئه، وشدة افتقار المخلوقات كلها له من كل وجه. =","vol":"24","page":92},{"text":"قوله تعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾ قال ابن عباس: يعطيه الله في الجنة حتى يرضى (١). وقال مقاتل: يرضى بثواب الله في الآخرة (٢). وقال أبو إسحاق أي: سيدخل الجنة كما قال: ﴿ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ [الفجر: ٢٩ - ٣٠] (٣).\n_________\n= \"شرح أسماء الله الحسنى في ضوء الكتاب والسنة\" ص ٧٨ - ٨٠.\nوانظر: \"الحق الواضح\" ص ٢٦، و\"شرح القصيدة النونية\" للهراس ٢/ ٦٨.\nمما سبق شرحه، وبالمقابلة مع قول الإمام الواحدي يدل على أن الواحدي أثبت علو القدر فقط، والذي ينبغي عليه إثبات العلو بأنواعه الثلاثة. والله أعلم.\n(١) لم أعثر على مصدر لقوله. وقد ورد بمثله من غير عزو في: \"معالم التنزيل \" ٤/ ٤٩٧، و\"لباب التأويل\" ٤/ ٣٨٥.\n(٢) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣٣٧.","vol":"24","page":93},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5059>سورة الضحى</span>","vol":"24","page":95},{"text":"تفسير سورة الضحى <span data-type=\"title\" id=toc-5060>(١)</span>\nبسم الله الرحمن الرحيم\n\n١ - ﴿وَالضُّحَى﴾.\n\nقد تقدم تفسيره عند قوله: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ [الشمس: ١]، وقوله: ﴿وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا﴾ [النازعات:<span data-type=\"title\" id=toc-5061> ٢</span>٩]، والوجه هاهنا أنه النهار كله (٢)، لقوله (في المقابلة) (٣):\n٢ - ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾.\nقال أبو عبيدة (٤)، والمبرد (٥)، و(الزجاج (٦» (٧): إذا سَكَن يقال: ليلة ساجية، وليلة ساكنة، وأنشدوا جميعًا:\n_________\n(١) مكية بلا خلاف في ذلك. انظر: \"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٢٩، و\"بحر العلوم\" ٣/ ٤٨٦، و\"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٠٥ ب.\nوانظر: \"البرهان في علوم القرآن\" للزركشي ١/ ١٩٣، و\"الإتقان\" للسيوطي ١/ ٢٥ - ٢٨.\n(٢) قال بذلك الفراء: في \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٧٣، وابن قتيبة في \"تفسير غريب القرآن\" ٥٢٩، والزجاج في \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣٣٩، وما ذكره الإمام الواحدي هو من قول الثعلبي في \"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٠٦ ب.\n(٣) ساقط من (أ).\n(٤) \"مجاز القرآن\" ٢/ ٣٠٢ والنص له.\n(٥) \"الكامل\" ١/ ٣٧١.\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣٣٩.\n(٧) ساقط من (أ).","vol":"24","page":97},{"text":"ياحَبَّذا القَمْراءُ واللَّيْلُ السَّاجي .... وَطُرُقٌ مِثْلُ مُلاءِ النسَاجي (١) (٢)\nونحو هذا قال الفراء: سجا: أظلم وركد في طوله (٣).\n(وروي ثعلب، عن) (٤) ابن الأعرابي: سجا: سكن، وسجا امتد ظلامه، وسجا أظلم (٥).\nوقال الأصمعي: سُجُوُّ الليل تغطيته النهار، مثل (٦) مَا يُسَجَّى الرجل بالثوب (٧).\nقال ابن الأعرابي: يقال سَجا يَسْجو (٨)، وسَجَّى يُسَجَّي، وأسْجى يُسجْى كله إذا غطى شيئًا (٩).\n_________\n(١) في (أ): (الساجي).\n(٢) والرواية (ب) نهاية الشطر الأول بـ: (السَّاج، والثاني النَّسّاج، هكذا وردت عند أبي عبيدة، والمبرد، والزجاج.\nكما ورد البيت منسوبًا إلى الحارث في: \"لسان العرب\" ١٤/ ٣٧١ (سجا)، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٩٣، وورد أيضًا لكنه غير منسوب في: \"تهذيب اللغة\" ١١/ ١٤٠ (سجا)، و\"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٣٠، و\"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٠٦ ب، و\"النكت والعيون\" ٦/ ٢٩٢، و\"زاد المسير\" ٨/ ٢٦٨، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٩١، و\"البحر المحيط\" ٨/ ٤٨٥، و\"أضواء البيان\" ٩/ ٢٧٤.\n(٣) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٧٣ بنصه.\n(٤) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٥) \"تهذيب اللغة\" ١١/ ١٤٠ (سجا) بنصه.\n(٦) في (ع): (ومثل).\n(٧) المرجع السابق. وانظر: \"لسان العرب\" ١٤/ ٣٧١ (سجا) بنصه.\n(٨) (يسجوا) هكذا في النسختين.\n(٩) العبارة كما في التهذيب: إذا غطى شيئًا ما: \"تهذيب اللغة\" ١١/ ١٤٠، وانظر أيضًا: \"لسان العرب\" ١٤/ ٣٧١ (سجا).","vol":"24","page":98},{"text":"وقال الليث: السجو: السكون، ويقال: ليلةُ سَاجِيَةٌ، وعين سَاجِيَةٌ، وسجا البحر سَكَنتْ أمواجه (١).\nهذا كلام أهل اللغة في تفسير: سجا، وقد حصل له ثلاثة معان: سكن، وأظلم، وغطى.\nوأقوال المفسرين غير خارجة من هذه المعاني.\nقال عطاء عن ابن عباس: إذا غطى بالظلمة (٢)، وهو قول الحسن: إذا ألبس الناس ظلامه (٣)، وهو قول سعيد بن جبير: إذا أقبل فغطى كل شيء (٤)، ونحو هذا قال مقاتل (٥)، (والضحاك (٦)، وهو رواية عطية عن ابن عباس (٧» (٨).\n_________\n(١) \"تهذيب اللغة\" المرجع السابق.\n(٢) ورد معنى قوله في: \"النكت والعيون\" ٦/ ٢٩١. ومن غير ذكر طريق عطاء ورد في: \"الرازي\" ٣١/ ٢٠٨، و\"القرطبي\" ٢٠/ ٩٢، و\"لباب التأويل\" ٤/ ٣٨٦.\n(٣) \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٣٧٩، بنحوه، و\"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٢٩، كما ورد معنى قوله في: \"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٠٦/ أ، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٩٨، و\"التفسير الكبير\" ٣١/ ٢٠٨، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٩٢، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٥٤١، و\"فتح القدير\" ٥/ ٤٥٧، و\"تفسير الحسن البصري\" ٢/ ٤٢٥.\n(٤) \"النكت والعيون\" ٦/ ٢٩١ مختصرًا، و\"التفسير الكبير\" ٣١/ ٢٠٨، و\"زاد المسير\" ٨/ ٢٦٧ مختصرًا، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٩٢ بمعناه، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٥٤١ وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، و\"فتح القدير\" ٥/ ٤٥٧ بمعناه، \"تفسير سعيد بن جبير\" ٣٧٧.\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ٢٤٣/ أ.\n(٦) \"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٠٦/ ب، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٩٨، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٩٢.\n(٧) المراجع السابقة عدا \"الجامع لأحكام القرآن\".\n(٨) ما بين القوسين ساقط من (أ).","vol":"24","page":99},{"text":"وقال قتادة: إذا سكن بالنائمين (١)، وهذا قول السدي (٢)، وابن زيد (٣) (ومجاهد (٤» (٥).\nولسكونه معنيان:\nأحدهما: سكون الناس، فنسب إليه، كما كان فيه، كما يقال: ليل نائم، ونهار صائم (٦)، ومثله كثير (٧).\nوالثاني: سكونه: استقرار ظلامه، واستواؤه، فلا يزداد بعد ذلك (٨) (٩).\nيدل على هذا أن ابن زيد قال: استقر ظلامه (١٠) وأن مجاهدًا قال:\n_________\n(١) ورد معنى قوله في: \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٣٧٩، و\"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٣٠، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٩٨، و\"التفسير الكبير\" ٣١/ ٢٠٨، و\"فتح القدير\" ٥/ ٤٥٧.\n(٢) \"التفسير الكبير\" ٣١/ ٢٠٨.\n(٣) المرجع السابق. وانظر أيضًا: \"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٣٠، و\"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٠٦ ب، و\"النكت والعيون\" ٦/ ٢٩٢، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٩٨، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٥٨، و\"فتح القدير\" ٥/ ٤٥٧.\n(٤) \"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٠٦ ب، و\"التفسير الكبير\" ٣١/ ٢٠٨، وبمعناه في \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٥٨، و\"فتح القدير\" ٥/ ٤٥٧.\n(٥) ساقط من (أ).\n(٦) في (أ): (هائم).\n(٧) نحو: بحر ساج، وسر كاتم، وليله قائم، وكما قال تعالى: ﴿نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾.\n(٨) وهذا المعنى هو الذي رجحه الطبري في: \"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٣٠، وابن عطية في: \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٩٣ وقال القرطبي: وهذا الأشهر في اللغة. \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٩٢، وقال الشوكاني: وهو الذي عليه جمهور المفسرين وأهل اللغة. \"فتح القدير\" ٥/ ٤٥٧.\n(٩) انظر: \"التفسير الكبير\" ٣١/ ٢٠٨ فقد نقله عن الواحدي بنصه.\n(١٠) \"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٠٦ أ، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٩٨.","vol":"24","page":100},{"text":"استوى (١)\nوقال الكلبي: \"إذا سجى\": اسودّ، وأظلم (٢).\n\nفهذه ثلاثة أقوال عند المفسرين على وفق <span data-type=\"title\" id=toc-5062>(٣) </span>ما حكينا عن أهل اللغة، وهذا القسم جوابه قوله:\n٣ - ﴿مَا وَدَّعَكَ (٤) رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾، قال المفسرون (٥): أبطأ جبريل\n_________\n(١) \"تفسير الإمام مجاهد\" ٧٣٥، و\"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٢٩، و\"النكت والعيون\" ٦/ ٢٩٧، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٩٨، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٩٢، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٥٤١ وعزاه إلى الفريابي، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، و\"فتح القدير\" ٥/ ٤٥٧.\n(٢) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٣) بياض في: ع.\n(٤) في (أ): (وما وعدك).\n(٥) قال ابن الجوزي: اتفق المفسرون على أن هذه السورة نزلت بعد إنقطاع الوحي مدة، و\"زاد المسير\" ٨/ ٢٦٦. وقد قال بذلك: سفيان البجلي، ومعمر، وسفيان بن عينية، وجندب بن عبد الله البجلي، وقتادة، والضحاك، وابن عباس، ومقاتل. انظر: \"تفسير مقاتل\" ٢٤٣ أ، و\"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٣٧٩، و\"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٣٠ - ٢٣١، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٥٤٠، و\"تفسير سفيان بن عينية\"، تح: المحايري: ٣٤٦.\nوالرواية الصحيحة السند هي ما أخرجه البخاري عن جندب: قال الأسود بن قيس، قال: سمعت جندب بن سفيان ﵁ قال: اشتكى رسول الله -ﷺ- فلم يقم ليلتين أو ثلاثًا، فجاءت امرأة فقالت: يا محمد إني لأرجو أن يكون شيطانك قد تركك، لم أره قربك منذ ليلتين أو ثلاثًا! فأنزل الله ﷿: ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ ٣/ ٣٢٦ ح ٤٩٥٠ و٤٩٥١: كتاب التفسير: باب ١ - ٢ وج: ٣/ ٣٣٧: ح: ٤٩٨٣ كتاب فضائل القرآن باب ١١/ ٣٥٠ - ٣٥١ ح ١١٢٤ و١١٢٥ كتاب التهجد باب ٤.\nكما أخرجه مسلم في صحيحه: ٣/ ١٤٢١: ح ١١٤، كتاب الجهاد والسير: باب ٣٩، والحميدي ٢/ ٣٤٢ ح ٧٧٧، والطيالسي ٤/ ١٢٦، والإمام أحمد =","vol":"24","page":101},{"text":"عن النبي -ﷺ- فقال المشركون: قد قلاه (١) الله وودعه (٢)، فأنزل الله هذا الآية.\nوقال السدي: أبطأ عليه أربعين ليلة، فشكا ذلك إلى خديجة، فقالت: لعل ربك نسيك أو قلاك، فأنزل الله هذه الآية (٣).\nواختلفوا في قدر مدة انقطاع الوحي، وهي أربعون ليلة على ما قال السدي، وهو قول مقاتل (٤): لم ينزل جبريل على النبي -ﷺ- بمكة أربعين يومًا (٥).\n_________\n= ٤/ ٣١٢، ٣١٣، والطبراني ٢/ ١٧٣، رقم: ١٧٠٩ - ١٧١٢، والبيهقي في \"الدلائل\" ٧/ ٥٨. وانظر: \"أسباب النزول\" تح أيمن صالح ص ٣٩٣، و\"لباب النقول\" ٢٣٠، و\"الصحيح المسند\" ص ٢٣٣.\n(١) قلاه: قلى: أبغض. قال ابن السكيت: ولا يكون في البغض إلا قليت. \"إصلاح المنطق\" ١٣٩، و\"تاج العروس\" ١٠/ ٣٠٢ (قلا).\n(٢) ودع: وَدَعْته، أَدَعْه وَدعًا: تركته.\nوقال ابن فارس: وَدَعَ: أصل واحد يدل على الترك والتخلية، وَدَعَه تركه، ومنه دَع. \"مقاييس اللغة\" ٦/ ٩٦ (ودع)، وانظر: \"الصحاح\" ٣/ ١٢٩٥ (ودع).\n(٣) \"بحر العلوم\" ٣/ ٤٨٦، و\"التفسير الكبير\" ٣١/ ٢١٠، وبمعنى هذه الرواية لكن من طريقين: طريق عبد بن شداد، وطريق هشام بن عروة عن أبيه. انظر: \"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٣١، وقال ابن حجر: وهذان طريقان مرسلان، ورواتهما ثقات. \"فتح الباري\" ٨/ ٧١١.\nقال ابن كيثر: إنه حديث مرسل من هذين الوجهين، ولعل ذكر خديجة ليس محفوظًا، أو قالته على وجه التأسف والتحزن. والله أعلم.\n\"تفسير القرآن العظيم\" ٤٤/ ٥٥٨، وانظر: \"لباب النقول\" ص ٢٣١.\n(٤) في (أ): (فإن)، وهو حرف زائد في الكلام لا يستقيم المعنى بإثباته.\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ٢٤٣ أ، انظر: \"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٠٦ أ، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٩٨، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٩٢.","vol":"24","page":102},{"text":"وقال الكلبي: أبطأ جبريل خمس عشرة ليلة (١).\nوقال ابن جريج: اثني عشر يومًا (٢).\nواختلفوا أيضًا في سبب احتباس (٣) جبريل، فذكر أكثر المفسرين (٤): أن اليهود سألت رسول الله -ﷺ- عن الروح وذي القرنين، وأصحاب الكهف فقال: سأخبركم، ولم يقل إن شاء الله، فاحتبس عنه الوحي، وهذه القصة ذكرناها قديمًا (٥).\nوقال ابن زيد: كان سبب ذلك كون جروٍ في بيته، فلما نزل جبريل\n_________\n(١) \"التفسير الكبير\" ٣١/ ٢١١.\n(٢) \"النكت والعيون\" ٦/ ٢٩٢، و\"التفسير الكبير\" ٣١/ ٢١١، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٩٢، قال محقق \"النكت والعيون\" وهذا من مراسيل ابن جريج.\n(٣) في (أ): (أحباس).\n(٤) حكاه عن أكثر المفسرين: البغوي في \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٩٧، ٤٩٨، والفخر الرازي في التفسير الكبير\" ٣١/ ٢١١، وانظر: \"بحر العلوم\" ٣/ ٤٨٦، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٩٣.\n(٥) في سورة الإسراء: ٨٥.\nوقال ابن حجر معلقًا على ما ذكر من سورة الضحى: كانت سبب نزول في إبطاء نزول الوحي على رسول الله -ﷺ- قال: ووقع في سيرة ابن إسحاق في سبب نزول \"والضحى\" شيء آخر، فانه ذكر أن المشركين سألوا النبي -ﷺعن ذي القرنين والروح وغير ذلك ووعدهم بالجواب ولم يستثنِ، فأبطأ عليه جبريل اثنتى عشرة ليلة أو أكثر، فضاق صدره، وتكلم المشركون، فنزل جبريل بسورة \"والضحى\"، وبجواب ما سألوا، وبقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾. انتهى، وذكر سورة الضحى هنا بعيد، لكن يجوز أن يكون الزمان في القصتين متقاربًا، فضم بعض الرواة إحدى القصتين إلى الآخرى، وكل منهما لم يكن في ابتداء البعث، وإنما كان بعد ذلك بمنة. والله أعلم.\n\"فتح الباري\" ٨/ ٧١٠.","vol":"24","page":103},{"text":"عاتبه رسول الله -ﷺ-: أما علمت أنا لا ندخل بيتًا فيه كلب ولا صورة (١)\nوقال جُنْدُب بن سفيان: رمي النبي -ﷺ- بحجر في أصبعه فقال:\nهل أنت إلا أصبع دميت ... وفي سبيل الله ما لقيت\nفأبطأ (٢) عنه الوحي حتى قالت له امرأة (٣): مَا أرى شيطانك إلا وقد تركك، فأنزل الله هذه السورة (٤).\n_________\n(١) ورد قوله في: \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٩٣، و\"التفسير الكبير\" ٣١/ ٢١١، وقد ورد بنحوه عن خولة خادم رسول الله -ﷺ-: ٢٠/ ٩٣، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٥٤١، وعزاه إلى ابن أبي شيبة في مسنده، والطبراني، وابن مردويه، انظر: \"أسباب النزول\" ٣٩٣ عن خولة، وأخرجه الطبراني في \"المعجم الكبير\" ٢٤/ ٢٤٩، ٦٣٦.\nقال الهيثمي: رواه الطبراني، وأم حفص لم أعرفها. \"مجمع الزوائد\" ٧/ ١٣٨. وقال السيوطي في \"لباب النقول\" ص٣٣٠، وأخرج الطبراني، وابن أبي شيبة في مسنده والواحدي، وغيرهم بسند فيه من لا يعرف، عن حفص، عن ميسرة، عن أمه، عن أمها خولة.\nوقال ابن عبد البر في \"الاستيعاب\" ٤/ ١٨٣٤، رقم: ٣٣٢٨، وليس إسناد حديثها في ذلك مما يحتج به. وانظر حاشية \"المعجم الكبير\" ٢٤/ ٢٤٩.\nوقال ابن حجر: وقصة إبطاء جبريل بسبب كون الكلب تحت سريره مشهورة، لكن كونها سبب نزول هذه الآية غريب، بل شاذ، ومردود بما في الصحيح. والله أعلم. \"فتح الباري\" ٨/ ٧١٠، كتاب التفسير: باب ١٠.\n(٢) في (أ): (فأبطى).\n(٣) المرأة على قول ابن حجر هي: أم جميل بنت حرب، امرأة أبي لهب، ثم قال: والذي يظهر أن كلًا من أم جميل، وخديجة قالت ذلك، لكن أم جميل عبرت لكونها كافرة بلفظ شيطانك، وخديجة عبرت لكونها مؤمنة بلفظ ربك، أو صاحبك، وقالت أم جميل شماتة، وخديجة توجعًا.\n\"فتح الباري\" ٨/ ٧١٠ - ٧١١.\n(٤) سبق تخريجه. كما ورد في: \"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٠٦ أ، و\"النكت والعيون\" ٦/ ٢٩٢، و\"التفسير الكبير\" ٣١/ ٢١١، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٩٢١، =","vol":"24","page":104},{"text":"ومعنى: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ ما تركك ربك، وما مقتك، وما أبغضك. قاله عطاء (١)، ومقاتل (٢).\nقال أبو عبيدة (٣)، والمبرد (٤): ودعك من التوديع كما ودع المفارق.\nوقال الزجاج: أي لم يقطع الوحي، ولا أبغضك (٥).\nقال الفراء: يريد وما قلاك (٦)، فأُلقِيَت الكاف اكتفاء بالكاف الأولى (٧) في \"ودعك\"، ولأن (٨) رؤوس الآيات بـ\"الياء\"، فأوجب اتفاق الفواصل حذف الكاف (٩).\nوالقلى: البغض، يقال: قَلاه يقليه قِلًا، ومقليًا إذا أبغضه (١٠).\nوقال ابن الأعرابي: القَليُ والقِلَى، والقَلاءة (١١): المقلية (١٢).\n_________\n= وقال ابن كثير ٤/ ٥٥٨: وقوله هذا الكلام الذي اتفق أنه موزون ثابت في الصحيحين، ولكن الغريب هاهنا جعله سببًا لتركه القيام، ونزول هذه السورة\n(١) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ٢٤٣ ب.\n(٣) \"مجاز القرآن\" ٢/ ٣٠٢، وكلامه: قال: ما ودعك من التوديع، ومَا ودعك مخففة من وَدعت تَدَعُه.\n(٤) \"التفسير الكبير\" ٣١/ ٢١٠.\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣٣٩ بنحوه.\n(٦) في (أ): (قلى).\n(٧) في (أ): (الأول).\n(٨) في (أ): (لأن) بغير واو.\n(٩) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٧٣ - ٢٧٤ بتصرف.\n(١٠) نقلًا من \"تهذيب اللغة\" ٩/ ٢٩٥ (قلا).\n(١١) القَلاءُ: هكذا وردت في \"تهذيب اللغة\" ٩/ ٢٩٥ (قلا)، وانظر أيضًا: \"لسان العرب\" ١٥/ ١٩٨ (قلا).\n(١٢) \"تهذيب اللغة\" ٩/ ٢٩٥ (قلا)، وهذا القول هو رواية ثعلب عن ابن الأعرابي.","vol":"24","page":105},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5063>٦ </span>- قوله (تعالى) (١): ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى﴾.\nقال عطاء (٢)، ومقاتل (٣): يريد والجنة (٤) خير لك من الدنيا.\nوقال علي بن عبد الله بن عباس: أري رسول الله -ﷺ- ما يفتح على أمته من بعده، فسره ذلك، فأنزل الله: ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى﴾ (٥).\n_________\n(١) ساقط من (ع).\n(٢) \"الوسيط\" ٤/ ٥٠٩.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ٢٤٣ ب، و\"الوسيط\" ٤/ ٥٠٩.\n(٤) في (أ): (الجنة) بغير واو.\n(٥) رواه الطبري عن طريقه إلى ابن عباس في: \"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٣٢، وفي: \"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٠٧ أمن طريق علي بن عبد الله بن عباس عن النبي -ﷺ-، وعزاه الماوردي إلى ابن عباس، و\"النكت والعيون\" ٦/ ٩٣، ورواه الطبراني عن علي بن عبد الله عن ابن عباس، و\"المعجم الكبير\" ١٠/ ٣٣٧ ح ١٠٦٥٠.\nقال حمدي السلفي -محقق الكبير- نقلًا عن \"مجمع الزوائد\" عن إحدى الروايتين الواردة في الأوسط: \"وفيه معاوية بن أبي العباس، ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات، وإسناد الكبير حسن. قلت [أي حمدي]: واحد إسنادي الأوسط هو نفس إسناد الكبير. وانظر: \"مجمع الزوائد\" ٩/ ١٣٨ - ١٣٩.\nكما رواه الحاكم من طريقه إلى ابن عباس في \"المستدرك\" ٢/ ٥٢٦: كتاب التفسير: تفسير سورة الضحى، وقال: حديث صحيح الإسناد، وقال الذهبي: تفرد به عصام بن رواد عن أبيه وقد ضعف.\nكما أورده القرطبي في: \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٩٥ من طريقه إلى ابن عباس، وقال ابن كثير: ورواه ابن جرير، وابن أبي حاتم من طريقه، وهذا إسناد صحيح إلى ابن عباس، ومثل هذا ما يقال إلا عن توقيف.\nوانظر: \"الدر المنثور\" عن ابن عباس ٨/ ٥٤٢، وعزاه أيضًا إلى البيهقي في \"الدلائل\" ٧/ ٦١.","vol":"24","page":106},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5064>٥ </span>- ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ قال (١): ألف قصر من لؤلؤ أبيض، ترابه المسك، وفيهن ما يصلح لهن (٢).\nوقال مقاتل: يعطيك ربك في الآخرة من الخير، فترضى بما يُعطى (٣).\nوذكر آخرون أن هذا في الشفاعة. وهو قول علي ﵁ (٤)، والحسن (٥)، وعطاء، عن ابن عباس (٦)، قالوا: هو الشفاعة في أمته حتى يرضى.\nفيروى أنه -ﷺ- قال لما نزلت هذه الآية: \"إذًا لا أرضى وواحد من أمتي في النار\" (٧).\n_________\n(١) أي علي بن عبد الله بن عباس.\n(٢) \"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٣٢، و\"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٠٧ أ، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٩٤ بمعناه، و\"الكشاف\" ٤/ ٢١٩، و\"القرطبي\" ٢٠/ ٩٥، و\"البحر المحيط\" ٨/ ٤٨٦، و\"ابن كثير\" ٤/ ٥٥٨ عن علي بن عبد الله عن أبيه، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٥٤٢، عن ابن عباس وعزاه إلى ابن أبي حاتم، وعبد ابن حميد، وابن جرير، والطبراني، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي وأبو نعيم كلاهما في الدلائل.\nوانظر: \"المستدرك\" ٢/ ٥٢٦: وقال صحيح، وضعفه الذهبي.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ٢٤٣ أ، و\"الوسيط\" ٤/ ٥٠٩.\n(٤) \"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٠٧أمرفوعًا، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٩٨، و\"التفسير الكبير\" ٣١/ ٢١٣، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٩٥ مرفوعًا.\n(٥) \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٩٨، و\"زاد المسير\" ٨/ ٢٦٨، و\"ابن كثير\" ٤/ ٥٥٩، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٥٤٣، وعزاه إلى ابن أبي حاتم، و\"تفسير الحسن البصري\" ٢/ ٤٢٦.\n(٦) \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٩٨، و\"التفسير الكبير\" ٣١/ ٢١٣، و\"لباب التأويل\" ٤/ ٣٨٦.\n(٧) وردت الرواية في: \"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٣٢ من طريق السدي عن ابن عباس، وذكرت مرفوعة في: \"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٠٧/ ب - ١٠٨ أ، وانظر أيضًا =","vol":"24","page":107},{"text":"ثم ذكر منته عليه وأخبره عما كان عليه قبل الوحي فقال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5065>٦ </span>- ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى﴾ روى سعيد بن جبير عن ابن عباس أن النبي -ﷺ- قال: \"سألت الله مسألة ووددت (١) أني لم أكن سألت، ذكرت رسل ربي فقلت سخرت لسليمان الريح، وكلمت بعضهم. فقال ﵎: ألم أجدك يتيمًا فأويتك، وضالًا فهديتك، وعائلًا فأغنيتك. فقلت نعم، فقال: ألم نشرح لك صدرك، ووضعت عنك وزرك، ورفعت لك ذكرك، قال قلت نعم\" (٢).\nقال عطاء عن ابن عباس: يريد فضمك إلى عمك أبي طالب حتى صرت رجلًا (٣)، وقال مقاتل: ضمك إلى عمك، وكفاك المؤنة (٤).\n_________\n= \"التفسير الكبير\" ٣١/ ٢١٣، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٩٦، و\"البحر المحيط\" ٨/ ٤٨٦، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٥٤٢، بنحوه عن ابن عباس وعزاه إلى الخطيب في \"تلخيص المتشابه\" من وجه آخر عن ابن عباس.\n(١) في (ع): ووجدت.\n(٢) وردت الرواية في: \"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٠٨ أبمعناه، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٩٩، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٥٤٤، وعزاه إلى ابن أبي حاتم، والطبراني، والحاكم وصححه، وأبو نعيم، والبيهقي كلاهما في الدلائل، وابن مردويه، وابن عساكر بمعناه، و\"فتح القدير\" ٥/ ٤٦٠، وانظر: \"المستدرك\" بالمعنى ٢/ ٥٢٦، كتاب التفسير: تفسير سورة الضحى ووافقه الذهبي.\nكما رواه الطبراني في \"الكبير\" ١١/ ٤٥٥: ح ١٢٢٨٩، والأوسط وفيه عطاء بن السائب وقد اختلط. قاله الهيثمي: \"مجمع الزوائد\" ٨/ ٢٥٤، كتاب علامات النبوة: باب عظم قدره -ﷺ-، وانظر: الديلمي في \"فردوس الأخبار\" ٢/ ٤٣٨ ح ٣٢١٨.\n(٣) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ٢/ ٢٤٣، و\"النكت والعيون\" ٦/ ٢٩٣، و\"زاد المسير\" ٨/ ٢٦٩.","vol":"24","page":108},{"text":"فقال (١) (٢): والمعنى ألم نجدك يتيمًا صغيرًا حين مات أبواك، ولم يخلفا لك مالًا، ولا مأوى، فضمك إلى عمك حتى أحسن تربيتك (٣).\nثم ذكر نعمة أخرى فقال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5066>٧ </span>- ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ قال ابن عباس (في رواية عطاء) (٤) ووجدك ضالًا عن النبوة فهداك بالنبوة إلى أرشد الأديان وأحبها إليه (٥).\nوقال الحسن (٦)، والضحاك (٧) (وشهر بن حوشب) (٨) (٩) ووجدك ضالَا عن معَالمِ النبوة وأحكام الشريعة غافلًا عنها فهداك إليها. دليله قوله ﴿وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [يوسف: ٣] وقوله: ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ﴾ [الشورى: ٥٢].\nوهذا مذهب أرباب الأصول، وعلماء أصحابنا (١٠) على أن رسول الله\n_________\n(١) في (ع): (وقال).\n(٢) أي الثعلبي.\n(٣) انظر: \"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٠٨ أباختصار يسير.\n(٤) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٥) ورد معنى قوله في: \"التفسير الكبير\" ٣١/ ٢١٦.\n(٦) \"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٠٩/ أ، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٩٩، بمعناه في: \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٩٤، و\"زاد المسير\" ٨/ ٢٦٩ وعزاه إلى الجمهور، و\"التفسير الكبير\" ٣١/ ٢١٦، و\"تفسير الحسن البصري\" ٢/ ٢٤٦.\n(٧) المراجع السابقة عدا تفسير الحسن، وانظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٩٦.\n(٨) \"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٠٩ أ، و\"التفسير الكبير\" ٣١/ ٢١٦، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٩٦.\n(٩) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(١٠) يعني بهم جهابذة متكلمي عصره من الأشاعرة؛ كشيخه أبي إسحاق الأسفرابيني. انظر: \"الواحدي ومنهجه في التفسير\" د. جودت المهدي ص ١٤٣.","vol":"24","page":109},{"text":"-ﷺ- ما كان كافرًا قط (١).\n_________\n(١) من أصحابه الذين قالوا بعصمتهم صلوات الله عليهم من الوقوع بالكفر:\nالباقلاني: إذ أن قد استدل على ذلك بأنه لم يذكر أهل التواريخ أنه كان مشركًا حين بعثه الله، وإنما بعث من كان تقيًا نقيًا زاكيًا أمينا مشهور النسب، حسن التربية. انظر: \"المسامرة في شرح المسايرة\" ١/ ٨١ وانظر: \"القرطبي\" م ٨/ ج ١٦ ص٦٠. وأبو منصور عبد القاهر بن طاهر البغدادي، وهو من علماء الأشاعرة.\nقال: أجمع أصحابنا على وجوب كون الأنبياء معصومين بعد النبوة عن الذنوب كلها، وأما السهو والخطأ فليس من الذنوب، فلذلك ساغ عليهم ... وأجازوا عليهم الذنوب قبل النبوة، وتأولوا على ذلك كل ما حكي في القرآن من ذنوبهم. إلخ. كتاب \"أصول الدين\" ص ١٦٧ - ١٦٨.\nوقال السفاريني: لم يكن النبي -ﷺعلى دين سوى الإسلام، ولا كان على دين قومه قط؛ بل ولد النبي -ﷺمؤمنًا صالحًا على ما كتبه الله وعلمه في حاله. \"لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية شرح الدرر المضية\" ص ٣٠٥.\nوقال القاضي عياض: والصواب أنهم معصومون قبل النبوة من الجهل بالله وصفاته، والتشكك في شيء من ذلك، وقد تعاضدت الأخبار والآثار عن الأنبياء بتنزيههم عن هذه النقيصة، منذ ولدوا، ونشأتهم على التوحيد والإيمان .. \"الشفاء بتعريف حقوق المصطفى\" للقاضي عياض ٢/ ٧١٩.\nوقال الحافظ من رجب: بل يستدل بحديث العرباص بن سارية على أنه -ﷺ- ولد نبيًا، فان نبوته وجبت له من حين أخذ الميثاق حيث استخرج من صلب آدم حينئذ؛ لكن كانت مدة خروجه إلى الدنيا متأخرة عن ذلك، وذلك لا يمنع كونه نبيًا قبل خروجه، كمن يولي ولاية، ويؤمر بالتصرف فيها زمن مستقبل، فحكم الولاية ثابت له من حين ولايته، وإن كان تصرفه متأخرًا إلى حين مجيء الوقت. \"لطائف المعارف\" ص ٨٣، وانظر: \"لوامع الأنوار\" ٣٠٦.\nكما ذهب إلى القوم بالعصمة الألوسي في: \"روح المعاني\" ٧/ ١٩٩، وأيضًا الإمام الشنقيطي في \"أضواء البيان\" ٢/ ٢٠١، وللاستزادة في هذه المسألة يراجع في ذلك: \"منهج السفاريني في أصول الدين\" إعداد: رجاء بنت عبد القادر الجويسر رسالة ماجستير غير منشورة إشراف الدكتور محمد السمهري ٢/ ٣٥٧ وما بعدها.","vol":"24","page":110},{"text":"واختار أبو إسحاق (أيضًا) (١) هذا القول فقال: معناه أنه لم يكن يدري القرآن، ولا الشرائع، فهداه الله إلى القرآن وشرائع الإسلام (٢).\nوذكرنا جملة من الكلام في هذا المعنى عند قوله: ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ﴾ (٣)\nوجرى بعض المفسرين على ظاهر الآية، فقال الكلبي: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا﴾. يعني كافرًا في قوم ضلال فهداك للتوحيد (٤).\nوقال السدي: كان على أمر قومه أربعين سنة (٥).\n_________\n(١) ساقط من: (أ).\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣٣٩ - ٣٤٠ بنصه.\n(٣) سورة الشورى: ٥٢، ومما جاء في تفسيرها: قال الإمام الواحدي: قوله تعالى: ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ﴾ قبل الوحي، ﴿وَلَا الْإِيمَانُ﴾ اختلفوا في هذا مع إجماع أرباب الأصول على أنه لا يجوز على الرسل قبل الوحي أن لا يكونوا مؤمنين، فذهب أكثر أهل العلم إلى أن المراد بـ: \"الإيمان\" هاهنا شرائعه ومعالمه. وهي كلمة يجوز أن تسمى إيمانًا، واختار إمام الأئمة محمد بن إسحاق بن خزيمة هذا القول، وخصه بالصلاة محتجًا من باب حذف المضاف، فجعل التقدير: ولا دعوة الإيمان، لأنه كان قبل الوحي ما كان يقدر ما الكتاب، ولا أفعال الإيمان، يعني من الذي يؤمن ومن الذي لا يؤمن.\nوجعل أبو العالية التقدير: ولا دعوة الإيمان، لأنه كان قبل الوحي ما كان يقدر أن يدعو إلى الإيمان بالله، وذهب بعض أهل المعاني إلى التخصيص بالوقت فقال: المعنى: ولا ما الإيمان قبل البلوغ.\n(٤) \"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٠٨ ب، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٩٤ بمعناه، و\"زاد المسير\" ٨/ ٢٦٩، و\"التفسير الكبير\" ١٣/ ٢١٦، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٩٧ بمعناه، و\"فتح القدير\" ٥/ ٤٥٨.\n(٥) ورد معنى قوله في المراجع السابقة. وانظر أيضًا: \"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٣٢، و\"النكت والعيون\" ٦/ ٢٩٤، \"تفسير السدي\" ٤٧٨.","vol":"24","page":111},{"text":"وقال مجاهد: ووجدك ضالًا. يعني عن الهدى، فهداك لدينه (١).\nقال أصحابنا (٢): وهذا مما يستدرك بالسماع، فأما العقل فجائز في المعقول أن يكون الشخص كافرًا فيرزقه الله الإيمان، ويكرمه بالنبوة، وجائز في العقل الخلع عن النبوة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5067>٨ </span>- قوله ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾ العائل الفقير ذو العَيلة ذكرنا ذلك عند\n_________\n(١) ورد بنحو من قوله في: \"التفسير الكبير\" ٣١/ ٢١٦.\nقلت: وهذه الأقوال من المفسرين ممن أجروا معناها على ظاهر الآية من الفريق الذي يجوزون الكفر على الأنبياء في وقت من الأوقات قبل البعثة، وقد أشار إلى مثل ذلك الإمام الطبري عند تفسيره قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ﴾ إلى آخر قوله: ﴿قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ﴾ [الأنعام: [٧٦ - ٧٧]. \"جامع البيان\" م: ٥/ ٧، ٢٥٠ - ٢٥١.\nكما أشار إلى ذلك أيضًا ابن تيمية -﵀- بقوله: والتائب من الكفر، والذنوب قد يكون أفضل ممن لم يقع بالكفر والذنوب وإذا كان فالأفضل أحق بالنبوة ممن ليس مثله في الفضيلة.\n\"مجموع الفتاوى\" ١٠/ ٣١٠، وانظر: \"منهج السفاريني في أصول الدين\": ٢/ ٣٥٩.\n(٢) وهو ما ذهب إليه القاضي أبو بكر الباقلاني، وبينه الكمال بن الهمام في شرحه للمسامرة.\nومما جاء في هذه المسألة في المسامرة ما يلي: قال ابن الهمام: \"أما موجب العقل، فهو التجويز والتوبة، فالعقل لا يمنع وقوعه ثم محو أثره بالتوبة قبل النبوة، فإن قيل: تجويز وقوعه منهم ينافي ما يقتضيه شريف منصبهم من وجوب تصديقهم، وتوقيرهم، وعدم اتصافهم بما ينفر منهم، وأي منفر أشد من الكفر؟ وكيف يوثق بطهارة الباطن من أثره؟ قلنا: قد أجاب القاضي عن ذلك بقوله: ثم إظهار المعجزة أي بعد وقوع التوبة عنه يدل على صدقهم، وعلى طهارة سريرتهم، أي نقاء قلوبهم من أدناس المعاصي، فيجب لذلك توقيرهم، ويندفع النفور عنهم. انظر: كتاب \"المسامرة للكمال بن أبي شريف في شرح المسايرة\": للكمال بن الهمام في علم الكلام ١/ ٨١ - ٨٢.","vol":"24","page":112},{"text":"قوله ﴿أَلَّا تَعْلُوا﴾ (١) [النساء: ٣]. ويدل على أن المراد بالعَائل الفقير، مَا روي أن في مصحف عبد الله: ووجدك عديمًا (٢).\nقال مقاتل: يعني فقيرًا فأغناك الله (٣).\nوقال عطاء: كنت عيال أبي طالب، فأغناك بخديجه (٤).\nوقال الكلبي: رضاك بما أعطاك من الرزق (٥).\nوقد حصل في أغناك ثلاثة أقوال:\nأحدهما: أغناك بالمال بعد الفقر، وكذا كان حَال رسول الله -ﷺ- كان فقيرًا لا مال له حتى فتح الله عليه الفتوح، وأعطاه المغانم.\nوالثاني: أغناك بخديجة عن مَال أبي طالب ومسكنه.\nوالثالث: أرضاك وقنعك.\n_________\n(١) في (أ): (تعلوا)؛ هكذا وردت في النسختين، وهو تصحيف.\n(٢) وردت القراءة في: \"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٢٣، و\"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ٢٧٤، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٥٤٥ وعزاه إلى ابن الأنباري في \"المصاحف\" عن الأعمش، وفي \"مختصر في شواذ القرآن\" لابن خالويه ص ١٧٥، (ووجدك غريمًا) بدلًا من (عديمًا)، قلت: وهذه القراءة من باب التفسير وليست من القراءة القرآنية، وذلك لشذوذها وضعفها، والله أعلم.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ٢٤٣ أ، وقد ورد عنه في \"البحر المحيط\" ٨/ ٤٨٦: فأغنى رضاك بما أعطاك من الرزق.\n(٤) \"زاد المسير\" ٨/ ٢٠٧، ولم يعزه إليه بعينه، وإنما عزاه إلى جمهور المفسرين، وانظر هذا القول من غير عزو في: \"الكشف والبيان\" ١٣/ ١١١/ أ، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٩٩، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٩٩، و\"فتح القدير\" ٥/ ٤٥٨.\n(٥) \"زاد المسير\" ٨/ ٢٧٠، و\"فتح القدير\" ٥/ ٤٥٨، وقد ورد بمثله عن مقاتل، انظر: \"الكشف والبيان\" ١٣/ ١١١/ أ، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٩٩، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٩٤، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٩٩، و\"البحر المحيط\" ٨/ ٤٨٦.","vol":"24","page":113},{"text":"قال الفراء: لم يكن غنى (١) عن كثرة، ولكن الله رضّاه بما أتاه (٢) وذلك حقيقة الغنى (٣).\nثم أوصاه باليتامى، والفقراء فقال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5068>٩ </span>- ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ﴾ قال ابن عباس: هذا أدب من الله لنبيه وللمؤمنين (٤).\nوقال مجاهد (٥)، ومقاتل (٦): لا تحقر اليتيم فقد كنت يتيمًا.\nوقال الفراء (٧)، والزجاج (٨): لا تقهره على ماله، فتذهب بحقه لضعفه، وكذا كانت العرب تفعل في أمر اليتامى تأخذ أموالهم، ويظلمونهم حقهم، فغلظ الله تعالى الخطاب لنبيه -ﷺ- في اليتيم، وكذلك (٩) من لا ناصر له يغلظ في أمره، وهو نهي لجميع المكلفين.\n_________\n(١) في (أ): (غناء).\n(٢) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٧٤، بنصه.\n(٣) في (أ): (المعنى).\n(٤) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٥) ورد معنى قوله في: \"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٣٣، و\"النكت والعيون\" ٦/ ٢٩٥، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٥٠٠، و\"زاد المسير\" ٨/ ٢٧٠، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ١٠٠، و\"البحر المحيط\" ٨/ ٤٨٦، و\"فتح القدير\" ٥/ ٤٥٨.\n(٦) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٧) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٧٤.\n(٨) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣٤٠.\n(٩) (في (أ): (فكذلك).","vol":"24","page":114},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5069>١٠ </span>- (وقوله) (١): ﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ﴾ (٢)، قال المفسرون: (يريد) (٣) والسائل على الباب يقول: لا تنهره إذا سألك، فقد كنت فقيرًا، فإما أن تطعمه، وأما أن ترده ردًا لينًا، وهذا قول الكلبي (٤)، ومقاتل (٥)، (والفراء (٦» (٧)، والزجاج (٨)، ونحو هذا قال قتادة في هذه الآية: لرد السائل برحمة ولين (٩).\nيقال: نهره وانتهره إذا استقبله بكلامه تزجره به (١٠).\nقال أهل المعَاني: وهو إيساع الأغلاط بالصَياح في الوجه (١١).\nوقد ذكرنا أن أصل تصير (١٢) هذه (١٣) الكلمة للسعة (١٤).\n_________\n(١) ساقط من: (ع).\n(٢) في (أ): (تقهر).\n(٣) ساقط من (أ).\n(٤) \"معالم التنزيل\" ٤/ ٥٠٠، ولم يعزه إليه، وإنما عزاه إلى المفسرين.\n(٥) بمعناه في تفسيره: ٢٤٣ ب.\n(٦) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٧٥.\n(٧) ساقط من (أ).\n(٨) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣٤٠.\n(٩) \"النكت والعيون\" ٦/ ٢٩٥، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٥٠٠، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٥٩، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٥٤٥، وعزاه إلى ابن المنذر، وابن أبي حاتم، و\"فتح القدير\" ٥/ ٤٥٩.\n(١٠) \"تهذيب اللغة\" ٦/ ٢٧٨ (نهر)، وانظر: \"لسان العرب\" ٥/ ٢٣٩ (نهر).\n(١١) لم أعثر على مصدر لقولهم.\n(١٢) (تصد): في كلا النسختين.\n(١٣) في (أ): (هذا).\n(١٤) نهرّ نَهِر: أي واسع. \"تهذيب اللغة\" ٦/ ٢٧٧ (نهر). وجاء في \"مقاييس اللغة\" ٥/ ٣٦٢: (نهر: أصل صحيح يدل على تفتح شيء، أو فتحه).","vol":"24","page":115},{"text":"وروي عن الحسن في هذه الآية (١) فقال: أما إنه ليس بالسائل الذي يأتيك؛ لكن طالب العلم (٢). (وهو قول يحيى بن آدم (٣)، قال: إذا جاءك طالب العلم) (٤) فلا تنهره (٥).\nوعلى هذا السَائل هاهنا: الذي يسأل عن علم ليتعلمه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5070>١١ </span>- قوله: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ قال مجاهد: بالقرآن (٦).\nوقال الكلبي: يعني فأظهرها، وكان القرآن أعظم مَا أنعم الله به عليه، فأمره أن يقريه (٧).\nقال الفراء: كان [يقرؤه و] (٨) يحدث به، وبغيره من نعم الله (٩). فعلى هذه النعمة هي القرآن، والتحديث (١٠) به أن يقرأه، ويقرئ غيره.\n_________\n(١) بياض في: (ع).\n(٢) \"الكشف والبيان\" ١٣/ ١١٢/ أ، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٥٠٠، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٩٥، و\"التفسير الكبير\" ٣١/ ٢٢٠ بمعناه، و\"البحر المحيط\" ٨/ ٤٨٧ بمعناه.\n(٣) تقدمت ترجمته في سورة التوبة.\n(٤) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٥) \"الكشف والبيان\" ١٣/ ١١٢/ ب، و\"زاد المسير\" ٨/ ٢٧٠.\n(٦) المرجعان السابقان، وانظر أيضًا: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٥٠٠، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٩٥، و\"التفسير الكبير\" ٣١/ ٢٢١، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ١٠٢، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٥٤٥ وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، و\"فتح القدير\" ٥/ ٥٤٩.\n(٧) ورد معنى قوله في: \"الكشف والبيان\" ١٣/ ١١٢ ب، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٥٠٠، و\"فتح القدير\" ٥/ ٤٥٩.\n(٨) (يقريه): هكذا وردت في النسختين، وكذلك بغير واو عاطفة، وأثبت ما جاء في مصدر القول لاستقامة الكلام به وصحته.\n(٩) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٧٥.\n(١٠) في (أ): (التحدث).","vol":"24","page":116},{"text":"وروى (أبو بشر) (١) عن مجاهد: قال: بالنبوة التي أعطاك ربك، وهي أصل النعم (٢).\nواختار الزجاج فقال: أي بلغ ما أرسلت به، وحدث بالنبوة التي أتاك، وهي (أجل (٣» النعم (٤).\nوقال مقاتل: يعني اشكر لما ذكر من النعمة عليك في هذه السورة: من الهدى بعد الضلال، وجبر اليتيم، والإغناء بعد العيلة، فاشكر هذه النعم (٥).\nيدل على صحة هذا مَا روي في الحديث أن النبي -ﷺ- قال: \"والتحدث بنعم الله شكر\" (٦).\n_________\n(١) ساقطة من (أ).\n(٢) ورد قوله في: \"جامع البيان\" ٣٠/ ٣٣٣، و\"الكشف والبيان\" ١٣/ ١١٢ ب، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٥٠٠، و\"زاد المسير\" ٨/ ٢٧٠، و\"التفسير الكبير\" ٣١/ ٢٢١، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ١٠٢، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٦٠، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٥٤٥ وعزاه إلى سعيد بن منصور، وابن المنذر، و\"فتح القدير\" ٥/ ٤٥٩.\n(٣) أصل: في كلا النسختين، وأثبت ما جاء في مصدر القول.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣٤٠.\n(٥) ورد معنى قوله في: \"تفسير مقاتل\" ٢٤٣/ ب، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٥٠٠، و\"زاد المسير\" ٨/ ٢٧٠، و\"فتح القدير\" ٥/ ٤٥٩.\n(٦) وردت الرواية عن النعمان بن بشير قال: قال النبي -ﷺ- على المنبر: (من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير، ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله، والتحدث بنعمة الله شكر، وتركها كفر، والجماعة رحمة، والفرقة عذاب).\nوقد رواه الإمام أحمد في: \"المسند\": ٤/ ٢٧٨، ٣٧٥، وقال الهيثمي: ورواه عبد الله بن أحمد، والبزار، والطبراني، ورجالهم ثقات: \"مجمع الزوائد\" ٥/ ٢١٧ - ٢١٨: باب لزوم الجماعة، وطاعة الأئمة، والنهي عن قتالهم.\nوقال ابن كثير: وإسناده ضعيف. \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٥٩. =","vol":"24","page":117},{"text":"وروي عن الحسن (١) بن علي في هذه الآية قال: إذا أصبت خيرًا فحدث إخوان ثقتك (٢).\n_________\n= وقال السيوطي: أخرج عبد الله بن أحمد في زوائد المسند، والبيهقي في \"شعب الإيمان\" ٦/ ٥١٦: ح: ٩١١٩، بسند ضعيف عن أنس بن بشير.\"الدر المنثور\" ٨/ ٥٤٥.\nكما ورد في: \"الكشف والبيان\" ١٣/ ١١٢/ ب، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٩٥، و\"لباب التأويل\" ٤/ ٣٨٨.\n(١) في (ع): (الحسين).\n(٢) ورد معنى قوله في: \"النكت والعيون\" ٦/ ٢٩٥، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ١٠٢، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٥٤٥ وعزاه إلى ابن أبي حاتم، وجميعها عن الحسن بن علي.","vol":"24","page":118},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5071>سورة الشرح</span>","vol":"24","page":119},{"text":"تفسير سورة ألم نشرح <span data-type=\"title\" id=toc-5072>(١)</span>\nبسم الله الرحمن الرحيم\n\n١ - ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ ذكرنا معنى الشرح عند قوله تعالى: ﴿يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ (٢)، وقوله: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ [الزمر: ٢٢].\nومعناه في اللغة: الفتح (٣) بإذهاب مَا يصد عن الإدرك، والله ﷿ قد فتح صدر نبيه -ﷺبإذهاب الشواغل التي تصد عن إدراك الحق.\nقال ابن عباس في هذه الآية: قالوا يا رسول: أينشرح الصدر، قال: \"نعم\". قالوا يا رسول الله: فلذلك علامة يعرف بها؟ قال: \"نعم: التجافي\n_________\n(١) مكية بالإجماع لا خلاف بينهم في ذلك.\n\"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٣٤، \"بحر العلوم\" ٣/ ٤٨٦، \"الكشف والبيان\" ج ١٣/ ١١٣ أ، \"النكت والعيون\" ٦/ ٢٩٦، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٤٠١، \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٩٦.\n(٢) سورة الأنعام: ١٢٥. ومما جاء في تفسيرها: \"قال الليث: شرح الله صدره فانشرح، أي وسع الله صدره لقبول الخير فتوسع.\nوقال غيره: شرح فلان أمره إذا أوضحه وأظهره، وشرح مسألة إذا كانت مشكلة فبينها.\nوقال ابن الأعرابي: الشرح الفتح، والشرح البيان ..\n(٣) انظر: \"تهذيب اللغة\" ٤/ ١٧٩ (شرح)، \"مقاييس اللغة\" ٣/ ٢٦٩ (شرح)، \"لسان العرب\" ٢/ ٤٩٧ (شرح).","vol":"24","page":121},{"text":"عن دَار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود، والإعداد للموت قبل نزوله\" (١).\nفأشار -ﷺ- إلى ذهاب الشواغل التي تصد عن حقيقة الإيمان، وذلك إن صدق الإيمان بالله ووعده، ووعيده يوجب للإنسان الزهد في الدنيا، والرغبة في الآخرة، والاستعداد للموت، فإنه باب الآخرة، وهذا معنى قول الحسن في هذه الآية: ملئ حكمًا وعلمًا (٢)؛ يعني أن معنى: من شرح صدره أي ملأه الله علمًا وحكمًا حتى علم حقيقة الأشياء، وحكم لها (٣) بحكمها على حقيقة الدنيا، وأنها فانية فتركها، وأن الآخرة باقية فرغب\n_________\n(١) الحديث أخرجه الطبري في \"جامع البيان\" م ٥: ج ٨/ ٢٧ بمعناه من طريق ابن مسعود، ومن طريق عبد الله ابن المسور.\nوأخرجه الدارقطني في: \"العلل\" ٥/ ١٨٨ - ١٨٩: رقم ٨١٢ بطرق مختلفة عن ابن مسعود، وقال: الصواب عن عمرو بن مرة، عن أبي جعفر عبد الله بن المسور مرسلًا عن النبي -ﷺكذلك قال الثوري، ثم قال: وعبد الله بن المسور بن عون بن جعفر بن أبي طالب هذا متروك.\nوأخرجه البيهقي في: \"الأسماء والصفات\" ١/ ٢٥٧ من طريق خالد بن أبي كريمة، عن عبد الله بن المسور، وقال عنه البيهقي: وهذا منقطع، كما أخرجه من طريق عمرو بن مرة عن أبي جعفر المدائني.\nوأورده ابن كثير في \"تفسيره\": ٢/ ١٨١ عند تفسير سورة الأنعام: ١٢٥ بطرق مختلفة، ثم قال: فهذه طرق لهذا الحديث مرسلة ومتصلة يشد بعضها بعضًا، والله أعلم.\nوأورده السيوطي في \"الدر المنثور\" ٣/ ٣٥٥: سورة الأنعام: ١٢٥ من طريق ابن مسعود، وعزاه إلى ابن شيبة، وابن أبي الدنيا، وابن جرير، وأبي الشيخ، وابن مردويه، والحاكم، والبيهقي في الشعب في طريق عن ابن مسعود وأورده الحاكم في \"المستدرك\" ٤/ ٣١١ كتاب الرقاق.\n(٢) \"النكت والعيون\" ٦/ ٢٩٦، \"الكشاف\" ٤/ ٢٢١، \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ١٠٤، \"الدر المنثور\" ٨/ ٥٤٧ وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، \"تفسير الحسن البصري\" ٢/ ٤٢٦.\n(٣) في (أ): (بها).","vol":"24","page":122},{"text":"فيها، وكذلك كل شيء.\nوقال الكلبي: يقول ألم يلين قلبك للإسلام؟ ثم ذكر أن جبريل غسل قلبه بماء زمزم، وأنقاه مما كَان فيه من المعاصي، وملأه علمًا وإيمانًا (١).\nوعلى هذا معنى شرح صدره: أنقاه مما كان فيه من حظ الشيطان، وخليصه للإيمان، والإسلام، والحق، والتوحيد، حتى لا يكون فيه للشيطان نصيب. وذكرنا في سورة الضحى سبب نزول هذه السورة.\n\nوقوله: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ﴾ استفهام معناه التقرير، أي قد فعلنا ذلك <span data-type=\"title\" id=toc-5073>(٢)</span>، يدل على هذا قوله في النسق عليه:\n٢ - ﴿وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾ قال المبرد: هذا محمول على معنى \"ألم نشرح\" لاعلى لفظه، لأنك لا تقول: ألم وضعنا، ولكن معنى: \"ألم نشرح\" قد شرحنا، فحمل الثاني على معنى الأول، لا على ظاهر اللفظ؛ لأنه لو كان معطوفًا على ظاهره لوجب أن يقال: ونضع عنك وزرك (٣)، و(نحو) (٤) هذا قال (٥) صاحب النظم.\n_________\n(١) ورد معنى قوله في: \"بحر العلوم\" ٣/ ٤٨٩، وقد ورد حديث صحيح في معنى قوله، راجع ذلك في: \"صحيح البخاري\" ٢/ ٤٢٢ - ٤٢٤: ح: ٣٢٠٧: كتاب بدء الخلق: باب ٦ ج ٣: ٦٣ ح ٣٨٨٧: كتاب مناقب الأنصار: باب ٤٢، و\"صحيح مسلم\" ١/ ١٤٩ - ١٥٠ ح: ٢٦٤: كتاب الإيمان: باب ٧٤، وغيرهما.\n(٢) قال السمين الحلبي: الاستفهام إذا دخل على النفي قرره، فصار المعنى: قد شرحنا، ولذلك عطف عليه الماضي. \"الدر المصون\": ٦/ ٥٤٠.\n(٣) \"التفسير الكبير\" ٣٢/ ٤، ونحو منه ذكر في: \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ١٠٥، و\"فتح القدير\" ٥/ ٤٦١.\n(٤) ساقط من: (أ).\n(٥) في (أ): (ذكر).","vol":"24","page":123},{"text":"ومعنى الوزر: ثقل الذنب (١)، وقد مر تفسيره عند قوله: ﴿وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ﴾ (٢).\nقال ابن عباس (٣) في رواية الكلبي، (والحسن (٤) (٥)، وقتادة (٦)، (والضحاك (٧)، ومقاتل (٨) (٩): حططنا (١٠) عنك إثمك الذي سلف منك في الجاهلية، وهذا كقوله: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ٢]، وقد مر الكلام فيه (١١).\n_________\n(١) قال بذلك قتادة، وابن زيد، والحسن، وجمهور المفسرين. انظر: \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٩٦.\n(٢) سورة الأنعام: ٣١، ومما جاء في تفسيرها: الأوزار: الأثقال، من الإثم، قال ابن عباس: يريد آثامهم وخطاياهم، وقال أهل اللغة: الوِزر: الثقل، وأصله من الحمل، يقال: وزرت الشيء أي حملته، أزِره وزرًا، ثم قيل للذنوب: أوزار، لأنها تثقل ظهر من يحملها وقال أبو عبيد: يقال للرجل إذا بسط ثوبه فجعل فيه المتاع: سأحمل وزرك، وأوزار العرب: أثقالها من السلاح، ووزير السلطان الذي يزر عنه أثقال ما يسند إليه من تدبير الولاية أي يحمل.\n(٣) \"زاد الميسر\" ٨/ ٢٧١ من غير ذكر طريق الكلبي.\n(٤) \"الكشف والبيان\" ١٣/ ١١٣ ب، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٥٠١، \"زاد المسير\" ٨/ ٢٧١، \"فتح القدير\" ٥/ ٤٦١، \"تفسير الحسن البصري\" ٢/ ٤٢٧.\n(٥) ساقط من (أ).\n(٦) \"الكشف والبيان\" ١٣/ ١١٣ ب، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٥٠١، \"زاد الميسر\" ٨/ ٢٧١، \"التفسير الكبير\" ٤/ ٣٢، \"فتح القدير\" ٥/ ٤٦١.\n(٧) المراجع السابقة عدا \"التفسير الكبير\"، وتفسير الحسن.\n(٨) \"فتح القدير\" ٥/ ٤٦١.\n(٩) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(١٠) في (أ): (حططت).\n(١١) ومما جاء في تفسير قوله: ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر\". قال أبو =","vol":"24","page":124},{"text":"ثم وصف ذلك الوزر فقال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5074>٣ </span>- ﴿الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾ قال المفسرون: أثقل ظهرك. وهو قول ابن عباس (١)، ومجاهد (٢)، وقتادة (٣)، (ومقاتل (٤) (٥).\nقال علماء اللغة: الأصل فيه أن الظهر إذا أثقله الحِمل سُمع له نقيض أي: صوت خفيٌّ، كما ينقض الرجل بحماره إذا ساقه، فأخبر الله (أنه غفر لنبيه -ﷺأوزاره التي كانت تراكمت على ظهره حتى أثقلته، وإنها لو كانت أحمالًا حملت على ظهره لسُمع لها نقيض (٦).\nقال أبو إسحاق: ﴿أَنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾ هو: أثقله حتى سمع له نقيض، أي صوت (٧).\nوهذا مثل، يعني أنه ممثل مما يثقل حتى يسمع نقيض الظهر.\n_________\n= العباس: وقوله: \"ما تقدم من ذنبك وما تأخر\" قال مقاتل: يعني ما كان في الجاهلية، وما تأخر بعد النبوة. وروي عن ابن عباس: أي ما كان عليك من إثم الجاهلية، وما تأخر مما يكون. وقال عطاء الخراساني: \"ما تقدم من ذنبك\" أي ذنب أبويك آدم، وحواء، ببركتك، \"وما تأخر\" يعني من ذنوب أمتك بدعوتك. وقال سفيان الثوري: مَا تقدم من ذنبك: ما عملت في الجاهلية، وما تأخر يعني ما لم تعمله.\n(١) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٢) \"تفسير مجاهد\" ص ٧٣٦.\n(٣) ورد معنى قوله في: \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٣٨٠، \"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٣٤.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ٢٤٤ أ.\n(٥) ساقط من: (أ).\n(٦) نقله عن \"تهذيب اللغة\" ٨/ ٣٤٤: (نقض) بتصرف يسير. وانظر: (نقض) في \"لسان العرب\" ٧/ ٢٤٤، و\"تاج العروس\" ٥/ ٩٤.\n(٧) لم أجد قوله في المعاني، وقد ورد في: \"الوسيط\" ٤/ ٥١٦.","vol":"24","page":125},{"text":"ويقال أيضًا: أُنقض الظهر أي صَار إلى هذه الحالة، قال الشاعر:\nوحُزن تُنْقِضُ الأضلاع منه ..... مُقيم في الجَوانح لن يزولا (١)\nويقال (٢): أنقضت المِحْجمة (٣): إذا سمع لها صوت، وأنقاض الفرخ من ذلك.\nيقال (٤): أنقض إنقاضًا، ومنه قول ذي الرمة:\nأنقاضُ الفَراريجِ (٥).\nقال قتادة في هذه الآية: كانت للنبي -ﷺ- ذنوب قد أثقلته فغفرها (٦) له (٧).\nهذا الذي ذكرنا في الآيتين على قول من يقول: كانت له ذنوب سلفت\n_________\n(١) ورد البيت غير منسوب في \"تهذيب اللغة\" ٨/ ٣٤٥ (نقض)، و\"لسان العرب\" ٧/ ٢٤٤ (نقض)، و\"تاج العروس\" ٥/ ٩٤ (نقض).\n(٢) وهذا القول قاله الليث كما في \"تهذيب اللغة\" ٨/ ٣٤٥ (نقض)، وقد نقله عنه، وانظر أيضًا \"لسان العرب\"، و\"تاج العروس\"، مرجعان سابقان.\n(٣) المحجمة: ما يحجم به، وهي القارورة. \"لسان العرب\" ٢/ ١١٧ (حجم).\n(٤) قال به أبو زيد وقد نقله عن \"تهذيب اللغة\". مرجع السابق.\n(٥) البيت كاملًا:\nكَأَنَّ أصْوتَ مِن إيغا لِهِنَّ بِنا .... أوخِر الْمَيْس أنقاض الفَراريجِ\nوقد ورد في \"ديوانه\" ٢/ ٩٩٦ وانظر مراجع اللغة السابقة.\nمعناه: الإيغال: المضي والإبعاد، الميس: الرَّحل. والمعنى: يريد أن رحالهم جديدة، وقد طال سيرهم، فبعض الرحل يحك بعضًا، فيحصل مثل أصوات الفراريج من اضطراب الرحال، ولشدة السير. \"ديوانه\" ٣/ ٩٩٦.\n(٦) في (أ): (يغفرها).\n(٧) \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٣٨٠، \"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٣٤، \"النكت والعيون\" ٦/ ٢٩٧، \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ١٠٥.","vol":"24","page":126},{"text":"منه في الجاهلية قبل النبوة (١).\nوذهب قوم إلى أن المراد بهذا: الصغائر، والخطأ، والسهو، وإنما وصف ذلك بإنقاض الظهر مع كونها مغفورة لشدة اغتمام (٢) النبي -ﷺ- بوقوعه منه، وتحسره مع ندمه عليه (٣).\nوقوم يذهبون إلى أن هذا تخفيف أعباء النبوة التي تثقل الظهر من القيام بأمرها، وحفظ موجباتها، والمحافظة على حقوقها، سهل الله ذلك عليه، (وحط عليه) (٤) ثقلها بأن يسرها عليه حتى تيسرت، وذكر مِنَتهُ عليه\n_________\n(١) سبق القول في مثل هذه المسألة عند تفسير قوله: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ [الضحى: ٧].\n(٢) في (أ): (اهتمام).\n(٣) ومن القائلين بذلك الحسين بن الفضل، انظر قوله في \"الكشف والبيان\" ١٣/ ١١٣ ب، \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ١٠٦ وهذا القول ضمن القائلين بعصمة الأنبياء بعد البعثة من الكفر والكبائر، وفي كل ما يتعلق بالتبليغ، أما صغائر الذنوب، والسهو، والنسيان، فتصدر منهم كما دل على ذلك ظاهر القرآن، والسنة؛ غير أنهم لا يُقُّرون على الخطأ، وإذا وقع منهم ذنوب فإنهم يتوبون، ويكونون أحسن حالًا بعد التوبة، وهذا هو قول جمهور أهل السنة والجماعة.\n\"منهاج السنة\" لابن تيمية ١/ ٤٧٠ - ٤٧٢، \"مجموع الفتاوى\" ١٠/ ٣٠٩ - ٣١٣. وانظر: \"منهج السفاريني في أصول الدين\" ٢/ ٣٦٤.\nوقال ابن تيمية: (فإن القول بأن الأنبياء معصومون عن الكبائر دون الصغائر، هو قول أكثر علماء الإسلام، وجميع الطوائف، حتى أنه قول أكثر أهل الكلام كما ذكر أبو الحسن الأمدي أن هذا قول أكثر الأشعرية، وهو أيضًا قول أكثر أهل التفسير، والحديث والفقهاء؛ بل هو لم ينقل عن السلف والأئمة والصحابة والتابعين وتابعيهم إلا ما يوافق هذا القول).\n\"مجموع الفتاوى\" ٤/ ٣١٩، وانظر \"منهج السفاريني\" ٢/ ٣٦٤.\n(٤) ساقط من: (أ).","vol":"24","page":127},{"text":"بذلك، (وهذا معنى قول الكسائي (١)، وجويبر عن الضحاك (٢) (٣) <span data-type=\"title\" id=toc-5075>(٤)</span>.\n٤ - قوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ هو قال جماعة المفسرين: لا ذُكِرتُ، إلا ذُكرتَ مَعَي (٥).\nوشرح ذلك ابن عباس فيما روى (عنه) (٦) عطاء، فقال: يريد الأذان، والإقامة، والتشهد، ويوم (٧) الجمعة، وعلى المنابر، ويوم الفطر، ويوم النحر، ويوم عرفة، وأيام التشريق، وعند الجمار، وعلى الصفا والمروة، وخطبة النكاح، وحول الكعبة، وفي كل موطن، وعلى الدنانير والدراهم، وكلمة الشهادة، ولو أن رجلًا عبدَ الله وصدقه في كل شيء، ولم يشهد أن محمدًا رسول الله لم ينتفع بشيء، وكان كافرًا (٨)، وإلى هذا أشار حسان بن\n_________\n(١) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٢) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٣) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٤) وممن قال بذلك أيضًا: عبد العزيز بن يحيى، وأبو عبيدة، ومحمد بن المكرم، انظر: \"الكشف والبيان\" ١٣/ ١١٣ ب، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٥٠٢، \"لسان العرب\" ٧/ ٢٤٤ (نقض).\n(٥) حكاه عن جمهور المفسرين ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٨/ ٢٧٢.\nوممن قال به: ابن عباس، وقتادة، ومجاهد، وأبو سعيد الخدري، والضحاك، ومحمد بن كعب، والحسن، وأنس مرفوعًا، وعدي بن حاتم مرفوعًا. انظر: \"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٣٥، و\"الكشف والبيان ١٣/ ١١٣ ب، و\" النكت والعيون\" ٦/ ٢٩٧، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٦١، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٥٤٨ - ٥٤٩.\n(٦) ساقط من (أ).\n(٧) في (أ): (يوم) بغير واو.\n(٨) ورد قوله ولكن برواية الضحاك عن ابن عباس في: \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ١٠٦ - ١٠٧.","vol":"24","page":128},{"text":"ثابت في قوله:\nوضَمَّ الإلهُ اسْمَ النِبّيّ إلى اسْمِهِ ..... إذا قالَ في الخَمسِ المُؤذنُ أشْهدُ (١)\nثم وعده اليسر، والرخاء بعد الشدة، وذلك أنه كان بمكة في شدة، وهو قوله:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5076>٥ </span>- ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ قال الكلبي: مَعَ الفقر سعة (٢).\nوقال مقاتل: يعني تتبع الشدة الرخاء (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5077>٦ </span>- ثم ذكر (بعد) (٤) ذلك فقال: ﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾\nقال ابن عباس في رواية عطاء: يقول الله تعالى: (خلقت عسرًا واحدًا، وخلقت يسرين، فلن (٥) يغلب عسر يسرين) (٦)، (ونحو هذا قال الكلبي (٧» (٨).\n_________\n(١) ورد البيت في \"ديوانه\" ٤٧ ط. دار صادر، كما ورد في \"معالم التنزيل\" ٤/ ٥٠٢، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ١٠٦ - ١٠٧، و\"لباب التأويل\" ٤/ ٣٨٩، و\"البحر المحيط\" ٨/ ٤٨٨، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٦١، و\"فتح القدير\" ٥/ ٤٦٢، \"روح المعاني\" ٣٠/ ١٦٩.\n(٢) \"الوسيط\" ٤/ ٥١٧.\n(٣) المرجع السابق.\n(٤) ساقط من: (ع).\n(٥) في (ع): (فأين).\n(٦) ورد قوله مختصرًا، ومن غير ذكر عطاء في: \"بحر العلوم\" ٣/ ٤٩٠، \"التفسير الكبير\" ٣٢/ ٦، و\"زاد المسير\" ٨/ ٢٧٢.\n(٧) لم أعثر على مصدر لقوله، وقد ورد بمثله من طريقه عن أبي صالح عن ابن عباس في \"معاني القرآن\" ٣/ ٣٧٥.\n(٨) ما بين القوسين ساقط من (أ).","vol":"24","page":129},{"text":"وقال مقاتل: قال النبي -ﷺ-: \"عند ذلك لن يغلب إن شاء الله عسر واحد يسرين\" (١). ونحو هذا قال الحسن، وذكر (٢) أن النبي -ﷺ- قال: \"لن يغلب عسر يسرين\"، وقرأ الآيتين (٣).\nويروى (٤) عن ابن مسعود مثل هذا (٥).\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ٢٤٤ أ، \"التفسير الكبير\" ٣٢/ ٦.\n(٢) في (أ): (ذكروا).\n(٣) رواه الحاكم في \"المستدرك\" ٢/ ٥٢٨: كتاب التفسير: باب سورة ألم نشرح، وقال عنه: إسناده مرسل، ووافقه الذهبي.\nوقال ابن حجر: أخرجه عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب، عن الحسن به مرسلًا، ومن طريقه أخرجه الحاكم، والبيهقي في الشعب، ورواه الطبري من طريق أبي ثور، عن معمر. وله طريق أخرى أخرجها ابن مردويه من رواية عطية عن جابر موصولًا، وإسناده ضعيف. الكافي الشاف: ٤/ ١٨٦.\nوانظر: \"شعب الإيمان\" ٧/ ٢٠٦ ح ١٠٠١٣، كما ورد في \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٣٨٠، و\"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٣٦، و\"بحر العلوم\" ٣/ ٤٩٠، و\"الكشف والبيان\" ١٣/ ١١٤ ب، و\"فتح الباري\" ٨/ ٧١٢، و\"أحكام القرآن\" للجصاص ٣/ ٤٧٣، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٥٠٢، و\"الكشاف\" ٤/ ٢٢٣، و\"القرطبي\" ٢٠/ ١٠٧، و\"لباب التأويل\" ٤/ ٣٨٩، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٦١ - ٥٦٢، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٥٥١.\n(٤) في (أ): (روى).\n(٥) ورد معنى قوله في \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٣٨١، \"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٣٦، \"بحر العلوم\" ٣/ ٤٩٠، \"الكشف والبيان\" ج ١٣: ١١٤/ ب، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٥٠٢، و\"زاد المسير\" ٨/ ٢٧٢، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ١٠٧، و\"النكت والعيون\" ٦/ ٢٩٨، و\"لباب التأويل\" ٤/ ٣٨٩، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٦١. وقال السيوطي: ورواه الطبراني، وابن مردويه بسند ضعيف عن ابن مسعود. انظر: \"الدر المنثور\" ٨/ ٥٥٠ - ٥٥١ وعزاه إلى سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن أبي الدنيا في الصبر، والبيهقي في شعب الإيمان.\nوقال ابن حجر: وأخرج سعيد بن منصور، وعبد الرزاق من حديث ابن مسعود =","vol":"24","page":130},{"text":"وكتب عمر بن الخطاب. -﵁إلى أبى عبيدة، وهو محصور أنه مهما تنزل بامرىءٍ شدة (١) يجعل الله بعدها فرجًا، فإنه لن يغلب عسر يسرين (٢).\nفهذا قول (٣) النبي -ﷺوالصحابة، والمفسرين. على أن العسر واحد،\n_________\n= قال: قال رسول الله -ﷺ- وذكر الحديث، ثم قال: إسناده ضعيف. وقال أيضًا: وأخرجه عبد بن حميد عن ابن مسعود بإسناد جيد من طريق قتادة قال: ذكر لنا أن رسول الله -ﷺ- بشر أصحابه بهذه الآية فقال: \"لن يغلب عسر يسرين إن شاء الله\". \"فتح الباري\" ٨/ ٧١٣. كما رواه الطبراني ١٠/ ٨٥ ح: ٩٩٧٧، وفيه إبراهيم النخعي، وهو ضعيف \"مجمع الزوائد\" ٧/ ١٣٩: كتاب التفسير: تفسير ألم نشرح.\n(١) في (ع): (شديد).\n(٢) أخرجه مالك في \"الموطأ\" ١/ ٣٥٧: كتاب الجهاد: باب: ١ موقوفًا على عمر، والحاكم في \"المستدرك\" ٢/ ٥٢٨: كتاب التفسير: تفسير سورة ألم نشرح. وقال: وقد صحت الرواية عن عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب: لن يغلب عسر يسرين، ووافقه الذهبي.\nوقال ابن حجر في \"الكافي\" ٤/ ١٨٦: وفي الباب عن عمر (ذكره مالك في الموطأ عن زيد بن أسلم عن أبيه، وذكر الأثر، ثم قال: ومن طريقه رواه الحاكم، وهذا أصح طرقه، كما قال في \"فتح الباري\" ٨/ ٧١٣، وأما الموقوف، فأخرجه مالك عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عمر أنه كتب إلى أبي عبيدة -الأثر-، ثم قال: وقال الحاكم: صح ذلك عن عمر، وعلي، وهو في الموطأ عن عمر؛ لكن من طريق منقطع، وأخرجه عبد بن حميد، عن ابن مسعود بإسناد جيد، وأخرجه الفراء بإسناد ضعيف عن ابن عباس.\nكما ورد الأثر في: \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٩٧ بمعناه، \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ١٠٧، \"الدر المنثور\" ٨/ ٥٥٠ ونسبه إلى ابن مردويه عن جابر بن عبد الله قال: بعئنا رسول الله -ﷺ- ونحن ثلاثمائة أو يزيدون؛ علينا أبو عبيدة بن الجراح ... ونزلت: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ فأرسل نبي الله إلى بعضنا فدعاه، فقال: (أبشروا فإن الله قد أوحى إلى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ ولن يغلب عسر يسرين).\n(٣) في (أ): (يقول).","vol":"24","page":131},{"text":"واليُسْرَ اثنان، وفي ظاهر التلاوة عسران، ويسران، إلا أن المراد عسر واحد؛ لأنه مذكرر بلفظ التعريف، واليسر مذكور بلفظ التنكير مرتين، فكان كل واحد منهما غير الآخر.\nأخبرنا ابن الفارسي، عن حمد بن محمد البُستي، قال: ذكر لنا أبو عمر، عن ثعلب، عن سلمة، عن الفراء قال: العرب إذا ذَكَرَتّ نَكِرَة، ثم أعادتها بنكرة مثلها صارتا اثنين، كقولك: إذا كسبت درهمًا فأنفق درهمًا، والثاني غير الأول، وإذا أعادتها معرفة فهي هي كقولك: إذا كسبت درهمًا فانفق الدرهم، فالثاني هو الأول (١).\nونحو هذا قال الزجاج: ذكر العسر مع اليسر مع الألف واللام، ثم ثنى [ذكره] (٢)، فصار المعنى: إن مع العسر يسرين (٣).\nوتكلم صاحب النظم في هذه السورة، وأنكر هذا التعليل الذي ذكره الفراء، والزجاج، وقال: (هذا قول مدخول، [لا] (٤) يجب على هذا التدريج إذا قال الرجل: إن مع الفارس سيفًا، إن مع الفارس سيفًا، أن يكون فارس واحد معه سيفان، ولا يجوز هذا في شيء من العربية، والصحيح في ذلك أن الله تعالى بعث نبيه -ﷺ-، وهو مقل، فكانت قريش\n_________\n(١) لم أجد قوله في المعاني، وإنما ورد معنى قوله في: \"التفسير الكبير\" ٣٢/ ٦، \"زاد المسير\" ٨/ ٢٧٢، كما ورد من غير عزو في: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٥٠٢ - ٥٠٣، وعزاه الثعلبي في \"الكشف والبيان\" ١٣/ ١١٤ ب، والخازن في \"لباب التأويل\" ٤/ ٣٨٩ إلى المفسرين.\n(٢) ذكر: في كلا النسختين، وأثبت ما جاء في الأصل لصحته.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣٤١.\n(٤) لأنه: في كلا النسختين، وأثبت ما جاء في \"الكشف والبيان\" ١٣/ ١١٤ ب لصحته.","vol":"24","page":132},{"text":"تعيره بذلك حتي قالوا له: إن كان بك من هذا القول الذي تدعيه طلب الغني (١) جمعنا لك مالًا حتى تكون كأيسر أهل مكة، فكرث (٢) النبي -ﷺ- ذلك، فظن أن قومه إنما يكذبونه لفقره، فعدد الله عليه منته في هذه السورة، ووعد الغنى، وأنزل: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ (٣) صَدْرَكَ (١) وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾. -أي ما كنت فيه من أمر الجاهلية؛ لأنه -ﷺ- كان في كثير من مذاهبه على مذاهب قومه، وإن لم يكن عبد صنمًا ولا وثنًا- (٤)، ثم ابتدأ فيما وعده من الغنى في الدنيا ليسليه عما خامره من قول (من) (٥) عيره بالفقر فقال: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾، والدليل على ذلك دخول الفاء في قوله: ﴿فَإِنَّ﴾ (٦)، ودل ذلك على أن التأويل: لا يحزنك ما يقولون، وما أنت فيه من الإقلال، فإن مع ذلك يسرًا في الدنيا عاجلًا، ثم أنجز ما وعده، فلم يمت حتى فتح عليه الحجاز، وما والاها من القرى العربية، وعامة بلاد اليمن، وحي أهل البوادي، وكان يعطي المئين من الإبل، ويهب الهبات [السنية] (٧)، ويعد لأهله قوت سنة.\n_________\n(١) في (أ): (الغناء).\n(٢) كرث: كَرَثه النَعم، يَكِرثه، وأكْرَثَه: أي اشتد عليه، وبلغ منه المشقة. \"النهاية في غريب الحديث والأثر\" ٤/ ١٦١.\n(٣) في (أ): (لك)، وهو ضمير زائد على بنية الكلام.\n(٤) ما بين شرطتي الاعتراض من قول الإمام الواحدي.\n(٥) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٦) وذلك لأن الفاء لا تدخل أبدًا إلا في عطف أو جواب. انظر: \"الكشف والبيان\" ١٣/ ١١٥ أ.\n(٧) غير مقروءة في النسختين.","vol":"24","page":133},{"text":"ثم ابتدأ فصل آخر فقال: ﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ والدليل على ابتدائه (١): تعريه (٢) من فاء، أو واو، أو غيرهما من حروف النسق، وهو وعد عام لجميع المؤمنين؛ لأنه يعني بذلك أن مع العسر في الدنيا للمؤمنين يسرًا في الآخرة لا محالة، وربما اجتمع له اليسران: يسر الدنيا، وهو ما ذكر في الآية الأولى، ويسر (في) (٣) الآخرة، وهو ما ذكر في الآية الثانية) (٤).\nوقوله -ﷺ-: \"لن يغلب عسر يسرين\" أي يسر الدنيا والآخرة (٥)، والمعنى: لن يجمعهما في الغلبة، إنما يغلب أحدهما إن غلب، وهو يسر الدنيا، فأما يسر الآخرة للمؤمنين فلا محالة كائن، ولا يغلبه شيء، والعسرة بين يسرين: إما (٦) فرح في الدنيا، وإما ثواب الآخرة (٧). وهذا هو الصحيح في معنى الآية.\nوهو أن اليسرين: أحدهما في الدنيا، والثاني في الآخرة، إما هذا، وإما ذاك، وربما اجتمعتا، ويدل على صحة هذا مَا ذكر محمد بن إسماعيل\n_________\n(١) في (أ): (ابتلائه).\n(٢) في (أ): (تعرية بواو).\n(٣) ما بين القوسين ساقط من: (ع).\n(٤) ما بين القوسين من قول الجرجاني، انظر: \"الكشف والبيان\" ١٣/ ١١٤ ب، ١١٥ أ، نقله الإمام الواحدي عن \"الكشف\" بتصرف، وانظر أيضًا بنحوه في \"زاد المسير\" ٨/ ٢٧٢، و\"التفسير الكبير\" ٣٢/ ٦، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ١٠٨، و\"لباب التأويل\" ٤/ ٣٨٩.\n(٥) سبق تخريجه.\n(٦) في (أ): (أنها).\n(٧) وهذا المعنى ورد بمعناه عن الثعلبي في \"الكشف والبيان\" ١٣/ ١١٥ أ، وانظر. و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٥٠٣، و\"زاد المسير\" ٨/ ٢٧٣.","vol":"24","page":134},{"text":"البخاري (١) فقال: قال ابن عُيَيْنة: إن مع كل عسر يسرًا، كقوله: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ [التوبة:٥٢] و\"لن يغلب عسر يسرين\" (٢) يعني أن أحد اليسرين يدرك صَاحب اليسر لا محَالة؛ إما يسر الدنيا، وإما يسر الآخرة، كما أن المجاهد في سبيل الله لن (٣) يفوته أحد الحسنيين.\nوذهب بعضهم (٤) في الآية إلى أنه من مظاهر (٥) القول الذي يراد به التأكيد، كقوله ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣) ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [التكاثر: ٣ - ٤]، ونحوه مما تكرر في القرآن (٦) وهو في الشعر والكلام أيضًا كثير، كقول الشاعر (٧):\n_________\n(١) محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بذدزبة البخاري؛ صاحب \"الصحيح\"، رحل في طلب الحديث إلى سائر محدثي الأمصار، توفي أبو عبد الله ليلة السبت ليلة الفطر سنة ٢٥٦ هـ وقبر في خرتنك.\nانظر: \"طبقات الحنابلة\" لابن أبي يعلى: ١/ ٢٧١: ت: ٣٨٧، و\"طبقات الشافعية الكبرى\" للسبكي ٢/ ٢، و\"تهذيب الكمال\" ٢٤/ ٤٣٠: ت: ٥٠٥٩.\n(٢) \"الجامع الصحيح\" ٣/ ٣٢٦، كتاب التفسير: باب: ٩٤ بيسير من التصرف، \"تفسير سفيان بن عيينة\" ٣٤٧.\n(٣) في (أ): (أن).\n(٤) كابن قتيبة في: \"تأويل مشكل القرآن\" ٢٣٦.\n(٥) في (أ): (ظاهر).\n(٦) نحو قوله تعالى: ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٤) ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾ سورة القيامة: ٣٤ - ٣٥. وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٧) ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ﴾ سورة الانفطار: ١٧ - ١٨\nمستفاد من \"تأويل مشكل القرآن\" ص ٢٣٦.\n(٧) البيت لعبيد بن الأبرص.","vol":"24","page":135},{"text":"هلا سَأَلْتَ جُمُوع كِنْدة ... يَوْمَ وَلوا أَيْنَ أَيْنَا (١)\nولما وعده اليسر في الدنيا والآخرة، أمره بالجهد في العبادة، فقال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5078>٧ </span>- ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ﴾.\nأي فاتعب، يقال (٢): نَصِبَ يَنْصَب (٣).\nقال قتادة (٤)، والضحاك (٥)، ومقاتل (٦)،\n(والكلبي (٧» (٨): إذا فرغت من الصلاة المكتوبة فانصب إلى ربك في الدعاء، وارغب إليه في المسألة (٩) يعطيك، ونحو هذا روى عبد الوهاب\n_________\n(١) ورد البيت في \"ديوانه\" ص ١٤٢، ط. دار صادر، \"تأويل مشكل القرآن\" ص ٢٣٦.\n(٢) في (أ): (فقال).\n(٣) انظر: \"تهذيب اللغة\" ١٢/ ٢١٠ (نصب)، و\"لسان العرب\" ١/ ٧٥٨ (نصب).\n(٤) ورد معنى قوله في \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٣٨١، و\"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٣٧، و\"أحكام القرآن\" للجصاص ٣/ ٤٧٣، و\"الكشف والبيان\" ١٣/ ١١٦ ب، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٥٠٣، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٩٧، و\"التفسير الكبير\" ٣٢/ ٧، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ١٠٨، و\"البحر المحيط\" ٨/ ٤٨٨، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٥٥٢، وعزاه إلى عبد بن حميد وابن المنذر \"فتح القدير\" ٥/ ٤٦٢.\n(٥) ورد قوله في \"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٣٦، \"الكشف والبيان\" ١٣/ ١١٦ ب، و\"النكت والعيون\" ٤/ ٥٠٣، و\"زاد الميسر\" ٨/ ٢٧٣، مختصرًا، و\"التفسير الكبير\" ٣٢/ ٧، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٥٥٢ وعزاه إلى عبد ابن حميد وابن نصر، و\"فتح القدير\" ٥/ ٤٦٢.\n(٦) \"تفسير مقاتل\" ٢٤٤ أ، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٥٠٣، \"زاد المسير\" ٨/ ٢٧٣، \"التفسير الكبير\" ٣٢/ ٧، \"فتح القدير\" ٥/ ٤٦٢.\n(٧) \"معالم التنزيل\" ٤/ ٥٠٣، \"فتح القدير\" ٥/ ٤٦٢، وإلى مثل هذا ذهب ابن عباس في \"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٣٧.\n(٨) ساقط من: (أ).\n(٩) في (أ): (المسلة).","vol":"24","page":136},{"text":"بن مجاهد، عن إليه قال: إذا صليت فاحتهد في الدعاء والمسَألة (١).\nوقال الشعبي: إذا فرغت من التشهد فادع لدنياك وآخرتك (٢).\nونحو هذا قال الزهري: إذا قضيت التشهد فادع بعد التشهد بكل حاجتك (٣).\nوروى منصور، عن مجاهد: إذا فرغت بعد أمر دنياك \"فانصب\" فصل (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5079>٨ </span>- (قوله تعالى) (٥): ﴿وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ اجعل رغبتك إلى ربك ونيتك له (٦).\nوقال عبد الله: إذا فرغت من الفرائض فانصب في قيام الليل (٧).\n_________\n(١) \"معالم التنزيل\" ٤/ ٥٠٣، \"الدر المنثور\" ٨/ ٥٥١ وعزاه إلى الفريابي، وعبد بن حميد، وابن أبي حاتم.\n(٢) \"معالم التنزيل\" ٤/ ٥٠٣، \"زاد المسير\" ٨/ ٢٧٣، \"التفسير الكبير\" ٣٢/ ٧.\n(٣) ورد معنى قوله في \"زاد المسير\" ٨/ ٢٧٣، و\"فتح القدير\" ٥/ ٤٦٢.\n(٤) \"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٣٧، \"الكشف والبيان\" ١٣/ ١١٦ ب، \"النكت والعيون\" ٦/ ٢٩٩، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٥٠٣، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٩٧ بمعناه، \"زاد المسير\" ٨/ ٢٧٣، و\"التفسير الكبير\" ٣٢/ ٧، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٢/ ١٠٩، و\"البحر المحيط\" ٨/ ٤٨٨، و\"فتح القدير\" ٥/ ٤٦٢، وإليه ذهب ابن كثير في \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٦٢.\n(٥) ما بين القوسين ساقط من: (أ).\n(٦) ورد معنى هذا القول عن مجاهد. انظر: \"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٣٧، \"النكت والعيون\" ٦/ ٢٩٩، وكذلك عن الثوري. \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٦٢.\n(٧) \"النكت والعيون\" ٦/ ٢٩٨، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٥٠٣، \"زاد المسير\" ٨/ ٢٧٣، \"التفسير الكبير\" ٣٢/ ٧، \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ١٠٨، \"لباب التأويل\" ٤/ ٣٩٠، \"الدر المنثور\" ٨/ ٥٥١، ونسبه إلى ابن المنذر، وإلى ابن أبي حاتم، \"فتح القدير\" ٥/ ٤٦٣.","vol":"24","page":137},{"text":"وسئل علي بن أبي طلحة عن هذه الآية فقال: القول فيه كبير، وقد سمعنا أنه يقال: إذا صححت فانصب، يعني: اجعل صحتك، وفراغك نصبًا في العبادة (١). وهو قول أبى عياض يدل على هذا ما روى أن شريحًا مر برجلين يصطرعان، فقال: ليس هذا أُمِرَ الفارغ، إنما قال الله: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ﴾ (٢).\nوقال الحسن (٣)، وزيد بن أسلم (٤): إذا فرغت من جهاد العدو فانصب في عبادة ربك، وإلى ربك فارغب.\nقال عطاء عن ابن عباس: يريد تضرع إليه راهبًا من النار، وراغبًا في\n_________\n(١) \"زاد المسير\" ٨/ ٢٧٣، \"التفسير الكبير\" ٣٢/ ٧.\n(٢) ورد قوله في: \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٧٦، \"الكشف والبيان\" ١٣/ ١١٦ ب، \"التفسير الكبير\" ٣٢/ ٧.\nقال ابن الأعرابي في \"أحكام القرآن\" ٤/ ١٩٥٠ بعد ذكره لقول شريح: وفيه نظر، فإن الحبش كانوا يلعبون بالدَّرَقِ والحراب في المسجد يوم العيد، والنبي ينظر. رواه مسلم في \"صحيحه\" ٢/ ٦٠٩: ح: ١٨ كتاب صلاة العيدين: باب ٤ ... وليس يلزم الدءوب على العمل؛ بل هو مكروه للخلق.\n(٣) ورد قوله في \"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٣٧، و\"أحكام القرآن\" للجصاص ٣/ ٤٧٣، و\"الكشف والبيان\" ١٣/ ١١٦ ب، و\"النكت والعيون\" ٦/ ٢٩٩، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٥٠٣، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٩٧، و\"الكشاف\" ٤/ ٢٢٢، و\"زاد المسير\" ٨/ ٢٧٣، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ١٠٩، و\"البحر المحيط\" ٨/ ٤٨٨، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٥٥٢، و\"فتح القدير\" ٥/ ٤٦٢، و\"تفسير الحسن البصري\" ٢/ ٤٢٨.\n(٤) ورد قوله في \"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٣٧، \"الكشف والبيان\" ١٣/ ١١٦ ب، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٥٠٣، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٦٢، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٥٥٢ وعزاه إلى ابن حاتم.","vol":"24","page":138},{"text":"الجنة (١).\nوقال أبو إسحاق: أي اجعل رغبتك إلى الله وحده (٢)\n_________\n(١) لم أعثر على مصدر لقوله، وقد ورد بمثله عن عطاء في: \"فتح القدير\" ٥/ ٤٦٢.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣٤١.\nقال الجصاص: وهذه المعاني كلها محتملة، والوجه حمل اللفظ عليها كلها، فيكون جميعها مرادًا، وإن كان الخطاب للنبي فإن المراد به جميع المكلفين. \"أحكام القرآن\" ٣/ ٤٧٣.","vol":"24","page":139},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5080>سورة التين</span>","vol":"24","page":141},{"text":"تفسير سورة التين <span data-type=\"title\" id=toc-5081>(١)</span>\nبسم الله الرحمن الرحيم\n\n١ - ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾ وقال ابن عباس (٢) (في رواية الكلبي) (٣): يعني تينكم وزيتونكم، وهو قول الحسن (٤)، ومجاهد (٥)،\n_________\n(١) مكية في قول الأكثرين، ومدنية في قول ابن عباس، وقتادة \"النكت والعيون\" ٦/ ٣٠٠، و\"زاد المسير\" ٨/ ٢٧٣، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ١١٠.\n(٢) ورد قوله في \"معاني القرآن\" للفرء: ٣/ ٢٧٦، و\"الكشف والبيان\" ١٣/ ١١٧/ ب من غير ذكر طريق الكلبي، و\"بحر العلوم\" ٣/ ٤٩١، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٥٠٤، وعزاه إلى ابن عباس، والكلبي، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٩٩، و\"زاد المسير\" ٨/ ٢٧٤ ولم يذكر طريق الكلبي، و\"التفسير الكبير\" ٣٢/ ٨ من غير ذكر الكلبي، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ١١٠ ونسبه إلى ابن عباس والكلبي، و\"لباب التأويل\" ٤/ ٣٩٠ من غير ذكر الكلبي.\n(٣) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٤) ورد بنحو من قوله في \"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٣٨، و\"الكشف والبيان\" ١٣/ ١١٧ ب، و\"النكت والعيون\" ٦/ ٣٠٠، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٥٠٤، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٩٩، و\"زاد المسير\" ٨/ ٢٧٤، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ١١٠، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٥٥٧ وعزاه إلى عبد بن حميد، و\"التحرير والتنوير\" ٣٠، ٤٢٠، و\"تفسير الحسن البصري\" ٢/ ٤٢٩.\n(٥) المراجع السابقة عدا \"جامع البيان\"، و\"النكت والعيون\"، و\"تفسير الحسن البصري\"، وانظر أيضًا \"تفسير الإمام مجاهد\" ص ٧٣٧.","vol":"24","page":143},{"text":"(وعكرمة (١)، وإبراهيم (٢» (٣)، ومقاتل (٤)، قالوا: هو تينكم الذي تأكلون، وزيتونكم الذي تعصرون منه الزيت.\nوعلى هذا إنما ذكر الله تعالى هذا القسم بالتين؛ لأنه فاكهة مخلصة من [شوائب] (٥) التنغيص (٦)، وفيه أعظم العبرة لدلالته على (٧) من هيأها على تلك الصفة، وخلصها لتكامل اللذة على مقدار اللقمة، فالله ﷿ المنعم به على عباده، والمنة على مَا فيه ليعتبروا ويشكروا.\nوقد روى أبو ذر ﵁ أن النبي -ﷺ- قال في التين: \"لو قلت إن فاكهة نزلت من الجنة، قلت هذه، لأن فاكهة الجنة بلا عجم (٨)، فكلوها، فإنها تقطع البواسير (٩)، وتنفع من النقرس (١٠) \".\n_________\n(١) ورد معنى قوله في \"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٣٨، و\"الكشف والبيان\" ١٣/ ١١٧ ب، و\"النكت والعيون\" ٦/ ٣٠٠، و\"زاد المسير\" ٨/ ٢٧٤، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ١١٠، و\"التحرير والتنوير\" ٣٠/ ٤٢٠.\n(٢) المراجع السابقة، وانظر: \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٩٩.\n(٣) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ٢٤٤ أ، و\"الكشف والبيان\" ١٣/ ١١٧ ب، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٥٠٤ \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٩٩، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ١١٠.\n(٥) (شايب) هكذا وردت في النسختين، وأثبت ما جاء في \"الوسيط\" ٤/ ٥٢٣ لسلامة السياق به.\n(٦) (التنغيص): أي كَدَّره. \"مختار الصحاح\" ص ٦٧٠ (نغص).\n(٧) في (ع): (عن).\n(٨) العَجَمُ: النَّوى، نوى التمر والنبق، و\"لسان العرب\" ١٢/ ٣٩١ (عجم).\n(٩) \"البواسير\" مفرده الباسور، وهي عِلَّة تحدث في المقعدة، وفي داخل الأنف أيضًا. \"الصحاح\" ٢/ ٥٨٩ (بسر)، وانظر: \"لسان العرب\" ٤/ ٥٩ (بسر).\n(١٠) النقرس: مرض مزمن يؤدي إلى أورام شديدة في المفاصل، ويأتي نتيجة فشل =","vol":"24","page":144},{"text":"وأما الزيتون فإنه يعتصر منه الزيت الذي يدور في أكثر الأطعمة مع [الاصطباغ] (١) به، والأدهان، واتخاذ الصابون، ثم ما في شجره من أنه مال يبقى على مرور الزمَان، ثم ما فيه من الطيب، وإصلاح الغذاء؛ إذا تُنوِلَ على الحالة الأولى قبل العصر.\nوقال قتادة: التين الجبل الذي عليه دمشق (٢)، والزيتون الجبل الذي\n_________\n= الجسم في أداء مهمته الطبيعية لتحليل أنواع معينة من البروتين مما ينتج عنه زيادة كبيرة في حمض اليوريك تتجمع في الدم، وداء المفاصل، ويعتبر الاستعداد للإصابة بالنقرس وراثيًا، وليس للنقرس علاج حتى الآن، إلا أن السيطرة عليه ممكنة باتباع التعليمات بشكل دائم مستمر، و\"الموسوعة العربية العالمية\" ٢٥/ ٣٥٦.\nووردت الرواية في \"الكشف والبيان\" ١٣/ ١١٨ أ، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٩٩، و\"الكثساف\" ٤/ ٢٢٢، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ١١٠، قال ابن حجر في \"الكافي\" ٤/ ١٨٦، الحديث أخرجه أبو نعيم في الطب، والثعلبي من حديث أبي ذر، وفي إسناده من لا يعرف.\n(١) في: (أ)، (ع) (الاصطباح)، هكذا وردت في النسختين، ولم أتوصل لمعرفة معناه، فأثبت ما جاء في النسخة المطبوعة \"للوسيط\" ٤/ ٥٢٣.\n(٢) دمشق: عاصمة الجمهورية العربية السورية، وأكبر مدينة في البلاد السورية على الإطلاق، وهي أكثر المدن السورية سكانًا بسبب الهجرة الكثيفة إليها من المناطق المجاورة، والمدن الأخرى، يخترقها نهر بردى، وتحيط بها بساتين الغوطة، وتشتهر دمشق القديمة بأسواقها المسقوفة، وأهمها سوق الحميدية، وسوق مدحت باشا، وسوق الحرير، أشهر مساجدها الجامع الأموي، ومسجد السنانية، ومن المساجد الحديثة: الجامع الأكرمي في حي المزة، وتعتبر الغوطة برمها منتزهًا لأهالي دمشق بالإضافة إلى حدائق وادي بردى. وقد قيل لقد سميت دمشق لأنهم دَمشَقوا في بنائها أي أسرعوا. انظر: \"للموسوعة العربية العالمية\" ١٠/ ٣٦٨ - ٣٧٢، وانظر: \"معجم البلدان\" ٢/ ٤٦٣.","vol":"24","page":145},{"text":"عليه بيت المقدس (١) (٢).\nونحو هذا قال ابن زيد؛ إلا أنه خص المسجدين فقال: التين مسجد دمشق، والزيتون (مسجد) (٣) بيت المقدس (٤).\nوروى (أبو مكين (٥» (٦) عن عكرمة قال: هما جبلان (٧).\n_________\n(١) بيت المقدس: هي مدينة مرتفعة على جبال يُصعد إليها من كل مكان يقصدها المقاصد من فلسطين، وبها المسجد الأقصى، وليس في بيت المقدس ماء جار سوى عيون لا ينتفع المزروع بها، وهي من أخصب بلاد فلسطين على مر الأوقات، وفي سورها موضع يعرف بمحراب داود النبي ﵇، وهو بنية مرتفعة ارتفاعها نحو خمسين ذراعًا من الحجارة، وبأعلى بناء كالحجرة، وهو المحراب. انظر: \"المسالك والممالك\" للأصطخري ص ٥٦، و\"صورة الأرض\" لابن حوقل ص ١٥٨.\n(٢) \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٣٨٢، و\"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٣٩، و\"بحر العلوم\" ٣/ ٤٩١، و\"الكشف والبيان\" ١٣/ ١١٨ أ، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٥٠٤، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ١١١، و\"البحر المحيط\" ٨/ ٤٨٩، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٥٤٥ ونسبه إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم وابن عساكر، و\"فتح القدير\" ٥/ ٤٦٤.\n(٣) ساقط من (أ).\n(٤) \"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٣٩، و\"النكت والعيون\" ٦/ ٣٠٠، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٥٠٤، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٩٩، و\"زاد المسير\" ٨/ ٢٧٥، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ١١١، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٦٣، و\"فتح القدير\" ٥/ ٥٦٤.\n(٥) أبو مكين: نوح بن ربيعة الأنصاري؛ مولاهم، روى عن عكرمة مولى ابن عباس، وعنه الحكم بن أبان. صدوق.\nانظر: \"التاريخ الكبير\" ٨/ ١١١: ت ٢٣٨٣، و\"تهذيب الكمال\" ٣/ ٥٠ ت ٦٤٩٢، و\"تقريب التهذيب\" ٢/ ٣٠٨: ت ١٦٦.\n(٦) ساقط من (أ).\n(٧) \"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٣٩ من طريق أبي بكر عن عكرمة، و\"الكشف والبيان\" ١٣/ ١١٨/ أ، و\"زاد المسير\" ٨/ ٢٧٥.","vol":"24","page":146},{"text":"وحكى الفراء قال: سمعت رجلًا (١) كان صَاحب تفسير قال: \"التين\" جبال ما بين [حلوان (٢)] (٣) إلى همذان (٤)،\nو\"الزيتون\" جبال الشام (٥) (٦).\nوعلى هذا سميت هذه الأمكنة بالزيتون والتين، لأنها تنبتهما، وهي\n_________\n(١) رجل من أهل الشام هكذا جاء في المعاني.\n(٢) حُلوان: لعله يراد به حلوان العراق، وهي بلدة تاريخية، تقع في شمال الجزيرة، قيل: كانت كبرى مدن العراق بعد بغداد، والكوفة، والبصرة، وواسط، وسامراء، استولى عليها جرير بن عبد الله عام ١٩ هـ، فهرب منها يزدجرد إلى أصبهان، أكثر ثمارها التين، وهي بقرب الجبل، وليس للعراق مدينة بقرب الجبل غيرها. \"القاموس الإسلامي\" أحمد عطية: ٢/ ١١٤. وانظر: \"معجم البلدان\" ٢/ ٢٩٠.\n(٣) ما بين المعقوفين غير مقروء في: (ع)، وفي (أ): (حوالي)، والمثبت من مصدر القول من معاني الفراء.\n(٤) هَمَذَان: من مدن فارس، وتعد أكبر المدن الجبلية فيها، عذب ماؤها، طيب هواؤها، فتحها المغيرة بن شعبة (في سنة ٢٤ هـ. انظر: \"معجم البلدان\" ٥/ ٤١٠ وما بعدها، و\"مراصد الاطلاع\" للبغدادي ٣/ ١٤٦٤.\n(٥) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٧٦ بيسير من التصرف.\n(٦) الشام: بفتح أوله، وسكون همزته أو فتحها، ولغة ثالثة بغير همز، وفي تسميتها بالشام أوجه منها: أنها مأخوذة من اليد الشؤمى، وهي اليسرى؛ لأنها عن يسار الكعبة، وقيل: الشام جمع شامة؛ سميت بذلك لكثرة قراها، وتداني بعضها من بعض، فشبهت بالشامات، وقيل غير ذلك، وبها من أمهات المدن: منبج، وحلب، وحماة، وحمص، ودمشق، وبيت المقدس.\nومن سواحلها: عكا، وصور، وعسقلان، وغير ذلك، وكانت تتكون فيما سبق من سوريا، ولبنان، وفلسطين، والأردن، ولكن منذ العرب العالمية الأولى انقسم هذا الإقليم إلى وحدات سياسية هي: سوريا، ولبنان، وفلسطين، وشرق الأردن.\nانظر: \"معجم البلدان\" ٣/ ٣١١، و\"مراصد الاطلاع\" ٣/ ٧٧٥، و\"صورة الأرض\" لابن حوقل ١٥٣، و\"مسالك الممالك\" للأصطخري ٥٥، و\"القاموس الإسلامي\" ٤/ ٢٢.","vol":"24","page":147},{"text":"منابت لها (١).\n\nفيجوز أن يكونْ على حذف المضاف، بتقدير: ومنابت التين والزيتون <span data-type=\"title\" id=toc-5082>(٢)</span>.\nويجوز أن يكون قد أطلق عليها اسم ما تنبته.\n\n٢ - قوله تعالى: ﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾ قال المفسرون: أراد الجبل الذي كُلم عليه موسى (٣).\nفاختلفوا في \"سنين\" فقال عكرمة هو: الحسن بلغه الحبشة (٤).\n_________\n(١) انظر ابن قتيبة في \"تفسير غريب القرآن\" ص ٥٣٢.\n(٢) قال القرطبي: وأصح هذه الأقوال: الأول، ويعني به من قال: تينكم وزيتونكم، ثم قال: لأنها الحقيقة، ولا يُعْدل عن الحقيقة إلى المجاز إلا بدليل، ثم بين أن من قال بخلاف ظاهر القرآن أنه قول لا دليل عليه. \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ١١١، وإلى هذا ذهب أيضًا الشوكاني في \"فتح القدير\" ٥/ ٤٦٥.\n(٣) قال ابن عطية: لم يختلف أنه جبل بالشام كلم الله عليه موسى، ومنه نودي، وفيه مسجد موسى، فهو الطور. \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٩٩، وعزاه إلى كعب الأحبار والأكثرية كل من الخازن في \"لباب التأويل\" ٤/ ٣٩١، وابن كثير في \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٦٣.\nكما قال به أيضًا: الحسن، وعكرمة. انظر: \"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٤٠، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ١١٢.\nوبه قال الثعلبي في \"الكشف والبيان\" ١٣/ ١١٨ ب.\nوقال آخرون: إن الطور هو الجبل من غير تخصيص بأنه الذي كلم عليه موسى. من هؤلاء: عكرمة، وعمر، ومجاهد، والكلبي، وقتادة، ومقاتل، وابن عباس. انظر: \"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٤٠ - ٢٤١، و\"الكشف والبيان\" ١٣/ ١١٨ ب.\nوقال به اليزيدي في \"غريب القرآن\" ص ٤٣٤، والسجستاني في \"نزهة القلوب\" ص ٣١٥.\n(٤) \"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٤٠، و\"الكشف والبيان\" ١٣/ ١١٨ ب، و\"النكت والعيون\" ٦/ ٣٠١، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٩٩.","vol":"24","page":148},{"text":"ورواه (عن) (١) ابن عباس قال: \"الطور\" الجبل، \"وسينين\" الحسن (٢). (ونحو ذلك روى عطاء عنه (٣» (٤).\nوقال مجاهد: \"سينين\" المبارك (٥).\nوقال قتادة: \"طور سينين\": جبل بالشام، مبارك، حسن (٦).\nوقال الكلبي: هو الجبل المشجر ذو الشجر (٧)، وهو قول مقاتل، قال: كل جبل فيه شجر مثمر فهو سينين (٨).\nوسيناء بلغة النبط (٩).\n_________\n(١) ساقط من (أ).\n(٢) \"التفسير الكبير\" ٣٢/ ١٠ برواية عكرمة عن ابن عباس، وكذلك في \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ١١٢، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٥٥٥ وعزاه إلى ابن أبي حاتم، و\"المستدرك\" ٢/ ٥٢٨: في تفسير سورة والتين. وقال صحيح ووافقه الذهبي.\n(٣) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٤) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٥) \"تفسير الإمام مجاهد\" ٧٣٧، و\"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٤١، و\"الكشف والبيان\" ١٣/ ١١٨ ب، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٩٩، و\"التفسير الكبير\" ٣٢/ ١٠، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ١١٢، و\"فتح القدير\" ٥/ ٤٦٥.\n(٦) \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٣٨٢، و\"الكشف والبيان\" ١٣/ ١١٨ ب، و\"النكت والعيون\" ٦/ ٣٠١ مختصرًا، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ١١٢ مختصرًا، و\"فتح القدير\" ٥/ ٤٦٥.\n(٧) \"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٤١، و\"الكشف والبيان\" ١٣/ ١١٨ ب، و\"التفسير الكبير\" ٣٢/ ١٠، وبمعناه في \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ١١٢، و\"فتح القدير\" ٥/ ٤٦٥.\n(٨) \"الكشف والبيان\" ١٣/ ١١٨ ب، و\"زاد المسير\" ٨/ ٢٧٥، و\"التفسير الكبير\" ٣٢/ ١٠، وبمعناه في \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ١١٢، و\"فتح القدير\" ٥/ ٤٦٥.\n(٩) النَبط، والنَبِيط: قوم ينزلون بالبطائح بين العراقين والجمع أنباط. \"الصحاح\" ٣/ ١٩٣ (نبط)، و\"لسان العرب\" ٧/ ٤١١ (نبط).","vol":"24","page":149},{"text":"(هذا قول المفسرين) (١) وسينين مثل سيناء، وقد مضى الكلام فيه (٢).\nوالأولى عند النحويين (٣)، أن يكون سينين وسيناء اسمًا للمكان الذي به الجبل، أضيف إلى ذلك المكان سمي: \"سينين\" و\"سيناء\" على مَا ذكره المفسرون لحسنه أو لبركته أو لنباته.\nولا يجوز أن يكون \"سينين\" نعتًا للطور لإضَافته إليه.\nقال أبو علي الفارسي: \"سينين\" فِعْليل كرِّرت اللام التي هي نون في زحليل (٤)، وكرديد (٥)، وخنذيذ (٦) (٧)، وإنما لم ينصرف \"سينين كما لم ينصرف سيناء لأنه جعل اسمًا للبقعة، أو أرض كما جعل سيناء كذلك، ولو جعل اسمًا للمكَان أو المنزل ونحو ذلك من الأسماء المذكورة لا نصرف؛ لأنك كنت سميت مذكرًا بمذكر (٨).\n_________\n(١) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٢) عند تفسير الآية: ﴿وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ﴾ [المؤمنون: ٢٠]، وقد فسرت بنحو مما جاء هنا: انظر: \"البسيط\" ٤/ ٢٥ ب.\n(٣) انظر: \"تهذيب اللغة\" ١٣/ ٧٩: (سان).\n(٤) الزَّحليل: السريع، وأيضًا المكان الضيق الزَّلِق من الصفاء وغيره.\"لسان العرب\" ١١/ ٣٠٣ (زحل).\n(٥) كرديد: الكِرْديِدة: القطعة العظيمة من التمر، وهي أيضًا جُلَّةْ التمر. \"لسان العرب\" ٣/ ٣٧٩ (كرد).\nوفي \"الصحاح\" ما يبقى في أسفل الجُلَّة من جانبيها من التمر: ٢/ ٥٣١ (كرد).\n(٦) الخنذيذ: الشاعر المجيد الْمُنَقّح المُفْلِقُ، وأيضًا: الشجاع البُهْمَة، وأيضًا: السخي التام السخاء: وأيضًا: الخطيب المُصقِع، وأيضًا: السيد الحليم. \"لسان العرب\" ٣/ ٢٨٩: (خنذ)، وانظر: \"تاج العروس\" ٢٠/ ٦١ (خنذ).\n(٧) في: (أ): (نزيد).\n(٨) نقلًا عن \"الحجة\" ٥/ ٢٩٠ باختصار شديد.","vol":"24","page":150},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5083>٣ </span>- قوله ﴿وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾ قال المفسرون \"يعني البلد الحرام مكة (١). يأمن فيه الخائف في الجاهلية والإسلام.\nقال الفراء: الأمين: الآمن، تقول: للآمن الأمين، وأنشد (٢):\nأَلَمْ تعلمى يَا اَسْمَ وَيْحَكِ أَنَّنى .... حَلَفْتُ يَمينًا لا أخونُ أميني (٣)\nقال: يريد آمنى (٤).\nوقال أبو علي: وصفه بالأمين فجرى الوصف على البلد في اللفظ\n_________\n(١) حكى الإجماع على ذلك: ابن عطية في \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٤٩٩، وابن كثير في \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٤٦٣.\nوممن قال بذلك ابن عباس، وكعب، والحسن، ومجاهد، وعكرمة، وقتادة، وإبراهيم، وابن زيد إلا أنه خصصه بالمسجد الحرام. انظر: \"جامع البيان\" ٣/ ٢٤٢، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٦٣، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٥٥٤ - ٥٥٦. وإلى هذا القول ذهب ابن قتيبة في \"تفسير غريب القرآن\" ص ٥٣٢، والزجاج في \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣٤٣، والسمرقندي في \"بحر العلوم\" ٣/ ٤٩١، والثعلبي في \"الكشف والبيان\" ١٣/ ١١٨ ب، والماوردي في \"النكت والعيون\" ٦/ ٣٠١.\nوانظر: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٥٠٤، \"الكشاف\" ٤/ ٢٢٢، و\"زاد المسير\" ٨/ ٢٧٦، و\"التفسير الكبير\" ٣٢/ ١٠، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ١١٣، و\"لباب التأويل\" ٤/ ٣٩١، و\"البحر المحيط\" ٨/ ٤٩٠، و\"فتح القدير\" ٥/ ٤٦٥.\n(٢) غير منسوب لأحد.\n(٣) ورد البيت أيضًا في \"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٤١، و\"الكشف والبيان\" ١٣/ ١١٨ ب، و\"زاد المسير\" ٨/ ٢٧٦، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ١١٣، و\"لسان العرب\" ١٣/ ٢١: (آمن)، و\"الأضداد\" للأصمعي ص ٥١، \"الأضداد\" لابن السكيت ٢٠٤.\nموضع الشاهد \"أميني\" والعرب تقول للآمِنِ: الأمين، والمعنى: كأنه أراد لا أخوان آمني. انظر: \"شرح أبيات معاني القران\" للفراء ٣٧١.\n(٤) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٧٦.","vol":"24","page":151},{"text":"والمعنى على من فيه من طارئ، وقاطن (١)، وهذا أمن في حكم الشرع لا يهاج فيه، ولا يفعل به مَا يكون غير آمن، وهذه كلها أقسام (٢).\nثم ذكر المقسم عليه فقال: قوله ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ﴾ يعني آدم، وذريته.\n﴿فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ معني التقويم: تصيير الشيء على مَا ينبغي أن يكون في التأليف، والتعديل يقال: قومته تقويمًا فاستقام وتقوم (٣).\nولهذا قال المفسرون (في قوله: ﴿فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾: في أحسن صورة (٤)، والمعني في أحسن تصوير، والتصوير: تقويم الصورة على ما ينبغي أن تكون في التأليف) (٥).\n_________\n(١) قاطن: قطَن بالمكان أقام به، وتوطنه فهو قاطِن. \"مختار الصحاح\" ص ٥٤٤ (قطن)،وانظر: \"المصباح المنير\" ٢/ ٦١٥ (قطن).\n(٢) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٣) جاء عن ابن فارس: قوم: أصلان صحيحان يدل أحدهما: على جماعة ناس، وربما أستعير في غيرهم، والآخر: على انتصاب أو عزم.\nفقولهم: قام قيامًا، والقَوْمة المرَّة الواحدة إذا انتصب، ويكون قام بمعنى العزيمة، كما يقال: قام بهذا الأمر إذا اعتنقه.\nومن الباب: قوَّمْتُ الشي تقويمًا، وأصل القِيمة: الواو، وأصلُه أنك تُقيم هذا مكان ذاك، قال: بلغنا أن أهل مكة يقولون: استقمت المتاع أي قَوَّمْتُه.\n\"مقاييس اللغة\" ٥/ ٤٣ (قوم)، وانظر:\"لسان العرب\" ١٢/ ٤٩٨ (قوم).\n(٤) قال بذلك: قتادة، والكلبي، وابن عباس بمعناه، وإبراهيم، وأبو العالية، ومجاهد. انظر: \"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٤٣، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٥٥٧.\nورجحه الطبري أيضًا، وقال به الزجاج في \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣٤٣، والسمرقندي في \"بحر العلوم\" ٣/ ٤٩١، وانظر: \"لباب التأويل\" ٤/ ٣٩١، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٦٣.\n(٥) ما بين القوسين ساقط من (أ).","vol":"24","page":152},{"text":"(قال المفسرون) (١): إن الله (تعالى) (٢) خلق كل ذي روح مُكبًا على وجهه إلا الإنسان خلقه مديد القامة؛ يتناول ما يأكله بيده (٣).\nوقال الكلبي: أقسم الله بما ذكر لقد أنعم على الإنسان بتقويم الخلق (٤).\n\nوقال الفراء: يقول إنا لنبلغ بالآدمي أحسن تقويمه، وهو اعتداله، واستواء شبابه، وهو أحسن مَا يكون، ثم رده إلى أرذل العمر <span data-type=\"title\" id=toc-5084>(٥)</span>، (وذلك\n٥ - قوله: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾) (٦)\n(قال ابن عباس في رواية عطاء، والكلبي: يريد أرذل العمر (٧» (٨)،\n_________\n(١) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٢) ساقط من (أ).\n(٣) قال بذلك ابن عباس في \"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٤٤، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٥٥٧، وبه قال السمرقندي في \"بحر العلوم\" ٣/ ٤٩١، والثعلبي في \"الكشف والبيان\" ١٣/ ١١٩ أ، وانظر: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٥٠٤، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ١١٤، و\"لباب التأويل\" ٤/ ٣٩١.\n(٤) \"الوسيط\" ٤/ ٥٢٤.\n(٥) \" معاني القرآن\" ٣/ ٢٧٦.\n(٦) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٧) ورد قوله من غير ذكر طريق عطاء، أو الكلبي في:\n\"الكشف والبيان\" ١٣/ ١١٩ أ، و\"التفسير الكبير\" ٣٢/ ١١، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٥٥٤ وعزاه إلى ابن أبي حاتم، وابن مردويه، وسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن المنذر.\nكما ورد قوله في \"تفسير الإمام مجاهد\" ص ٧٣٧ من طريق أبي رزين عنه، و\"زاد المسير\" ٨/ ٢٧٦ بروإية العوفي عنه، وورد بمثل بروايته لكن عن الكلبي في \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٣٨٣، و\"النكت والعيون\" ٦/ ٣٠٢.\n(٨) ما بين القوسين ساقط من (أ).","vol":"24","page":153},{"text":"وهو قول: إبراهيم (١)، وعكرمة (٢)، (ومقاتل (٣» (٤)، وقتاده (٥)، قالوا: إلى الهرم.\nقال ابن قتيبة: السَّافلون هم الضعفاء، والزَّمنى (٦) (٧)، والأطفال، ومن لا يستطيع حيلة، ولا يجد سبيلًا، يقال: سَفَل يَسْفُل فهو سَافِل، وهم سَافِلون، كما يقول: عَلا يعْلو، فهو عالٍ، وهم عَالون، وهو مثل قوله، ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ (٨)﴾ (٩)، وأراد أن (الخرف) (١٠) الهرم يَخْرَفُ ويُهْترُ وينقص خلْقه، ويضعف بصره وسمعه، وتقل حيلته، ويعجز عن عمل الصَالحات، فيكون أسفل هؤلاء جميعًا (١١).\nوقال الفراء: ولو كانت أسفل سَافل لكَان صوابًا؛ لأن لفظ الإنسان\n_________\n(١) ورد معنى قوله في \"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٤٤، و\"زاد المسير\" ٨/ ٢٧٦.\n(٢) ورد معنى قوله في المرجعين السابقين، وأيضًا: \"الكشف والبيان\" ١٣/ ١١٩ أ، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٥٠٠، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٥٥٨ وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن أبي حاتم.\n(٣) بمعناه في \"تفسيره\" ٢٤٤ أ.\n(٤) ساقط من (أ).\n(٥) \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٣٨٣، و\"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٤٤، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٥٥٠، و\"زاد المسير\" ٨/ ٢٧٦.\n(٦) (الزمنا) كلا النسختين.\n(٧) الزَّمني: واحدها زَّمانة وهي العاهة، ورجل زَمِن أي مُبتلىً بين الزَّمانة. \"لسان العرب\" ١٣/ ١٩٩ (زمن)، و\"الصحاح\" ٥/ ٢١٣١ (زمن).\n(٨) (ثم رددناه إلى أرذل العمر) هكذا جاء في النسختين، وهو تصحيف.\n(٩) سورة النحل: ١٦، وسورة الحج: ٥.\n(١٠) ساقط من (أ).\n(١١) \"تأويل مشكل القرآن\" ص ٣٤٢ بنصه.","vol":"24","page":154},{"text":"واحد فقيل: سَافلين عى الجمع؛ لأن الإنسان في معنى الجمع، وأنت يقول: هذا (أفضل) (١) قائم، ولا تقول: هذا (أفضل) (٢) قائمين؛ لأنك تضمر لواحد، فإذا كان الواحد غير (مقصود) (٣) له رجع اسمهُ بالتوحيد، وبالجمع. كقوله سبحانه: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [الزمر: ٣٣]، وقال: ﴿وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [الشورى: ٤٨]، [فرد الإنسان على جمع، ورد تصبهم على الإنسان] (٤) للذي أنبأتك به (٥) (٦).\nوفي الآية قول آخر، قال مجاهد: ثم رددناه إلى النار (٧)، وهو قول الحسن (٨)، وأبي العالية (٩).\n_________\n(١) فضل: هكذا جاء في النسختين، وأثبت ما جاء في \"المعاني\".\n(٢) فضل: هكذا وردت في النسختين، وأثبت ما جاء في \"المعاني\".\n(٣) جاء في النسختين (مصمود)، وأثبت ما جاء في المعاني لاستقامة المعنى به. وقد ذكر محقق \"معاني القرآن\" في الحاشية أنه في الأصل مكتوب: مصمود، وذكر أنه خطأ، وأثبت على ذلك ما جاء عند الطبري. انظر \"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٤٦.\n(٤) ما بين المعقوفين ساقط من النسختين، وأثبته من \"معاني القرآن\" لانتظام الكلام به.\n(٥) بياض في (ع).\n(٦) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٧٧.\n(٧) \"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٤٥، و\"الكشف والبيان\" ١٣/ ١١٩ ب، و\"النكت والعيون\" ٦/ ٣٠٢، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٥٠٤، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٥٠٠، و\"زاد المسير\" ٨/ ٢٧٧، و\"التفسير الكبير\" ٣٢/ ١١، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ١١٥، و\"البحر المحيط\" ٨/ ٤٩٠، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٦٣، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٥٥٥، وعزاه إلى الفريابي، وعبد بن حميد، وابن المنذر.\n(٨) المراجع السابقة عدا: \"النكت\"، وانظر أيضًا: \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٣٨٣، و\"تفسير الحسن البصري\" ٢/ ٤٣٠.\n(٩) المراجع السابقة عدا \"التفسير الكبير\"، و\"تفسير عبد الرزاق\"، والحسن، وانظر: \"تفسير أبي العالية\" تح: نورة الورثان ٢/ ٦٥٧.","vol":"24","page":155},{"text":"قال علي ﵁: أبواب جهنم بعضها أسفل بعض، فيبتدأ بالأسفل فيملأ، وهي أسفل سَافلين (١).\nوعلى هذا يكون التقدير: ثم رددناه إلى أسفل، أي في أسفل سَافلين، ويدل على هذا القول استثناؤه المؤمنين بقوله:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5085>٦ </span>- ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي إلا هؤلاء، فإنهم لا يردون إلى النار (٢).\nومن قال بالقول الأول قال: إن المؤمن لا يرد إلى أرذل العمر، (وإن عُمّر وامتد (٣) وطال عمره) (٤) لا يصير من الخرف إلى أرذل العمر (٥). وقد ذكرنا هذا في ابتداء سورة الحج (٦).\nقال إبراهيم: المؤمنون إذا بلغوا ذلك كتب لهم من الأجر ما كانوا يعملون في الصحة (٧).\n_________\n(١) \"التفسير الكبير\" ٣١/ ١١.\n(٢) قال بذلك الإمام الطبري في \"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٤٦.\n(٣) غير مقروءة في (ع).\n(٤) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٥) قال بذلك الإمام الطبري: \"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٤٦.\n(٦) سورة الحج: ٥ قال تعالى: ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ﴾، ومما جاء في تفسيرها: أي أخسه وأدونه، وهو الخرف، يخرف حتى لا يعقل، وبين ذلك بقوله ﴿لِكَيْ لَا يَعْلَمَ من بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا﴾، قال ابن عباس: يريد يبلغ من السن ما يتغير عقله حتى لا يعقل شيئًا، قال: وليس ذلك إلا في أهل الشرك. وقال عكرمة: من قرأ القرآن لم يصير في هذه الحالة، واحتج بقوله: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (٥) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ قال: إلا الذين قرؤوا القرآن.\n(٧) ورد بنحو قوله في \"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٤٧، و\"زاد الميسر\" ٨/ ٢٧٧، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٥٥٧ عزاه إلى الفريابي، وعبد بن حميد، وهو الذي رجحه الطبري.","vol":"24","page":156},{"text":"ونحو هذا قال قتادة (١)، والكلبي (٢): من أدركه الهرم وكان يعمل عملًا صالحًا كان له مثل أجره [إذا] (٣) كان يعمل.\nقال عكرمة: من قرأ القرآن لم يرد إلى أرذل العمر، فقوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ يريد إلا الذي قرأ القرآن (٤).\nوقال ابن عباس: يقول العبد إذا كان في شبابه كثير الطاعة، ثم كبر وضعف عما كَان يعمل أجرى (٥) الله له مثل ما كان يعمل في شبابه (٦).\nقوله تعالى: ﴿فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ ذكر المفسرون فيه قولين أحدهما: غير منقوص ولا مقطوع (٧). والآخر غير ممنون أي لا يمن به عليهم (٨)، وهو قول عكرمة (٩)، ومقاتل (١٠)، قال يجرى الله لعبده محاسنه التي كان\n_________\n(١) \"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٤٧.\n(٢) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٣) (إذ) في كلا النسختين، وأثبت ما جاء عن قتادة في \"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٤٧.\n(٤) ورد معنى قوله في \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ١٦، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٦٣، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٥٥٨ وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن أبي حاتم، وورد مثل قوله عن عكرمة عن ابن عباس في \"معالم التنزيل\" ٤/ ٥٠٥، و\"لباب التأويل\" ٤/ ٣٣٩.\n(٥) في (أ): (اجرا).\n(٦) \"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٤٦، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٥٥٨ وعزاه إلى ابن أبي حاتم.\n(٧) قال بذلك ابن عباس في \"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٤٨، وبه قال ابن قتيبة في \"تفسير غريب القرآن\" ص ٥٣٣، والسجستاني في \"نزهة القلوب\" ٤١٤، وانظر: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٥٠٥ وعزاه ابن عطية في \"المحرر\" ٥/ ٥٠٠ إلى كثير من المفسرين.\n(٨) قال بذلك أيضًا: الحسن كما في \"النكت والعيون\" ٦/ ٣٠٢، وبه قال أيضًا أبو عبيدة في \"مجاز القرآن\" ٢/ ٣٠٣، واليزيدي في \"غريب القرآن وتفسيره\" ص ٣٣٤.\n(٩) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(١٠) \"تفسير مقاتل\" ٢٤٤ ب بمعناه.","vol":"24","page":157},{"text":"يعلمها في شبابه وصحته لا يمن به عليه.\nقال الضحاك: وهو أجر بغير عمل (١). وذكرنا هذا في أوائل سورة حم السجدة (٢).\nواختار ابن قتيبة القول الأول، وقال: إلا الذين آمنوا وعملوا الصَالحات في وقت القُوَّة والقدرة، فإنهم في حال الكِبَر غير منقوصين، لانا نعلم لو لم نسلبهم القوة لم يكونوا ينقطعون عن عمل الصالحات، فنحن نجري لهم أجر ذلك ولا نَمُنّهُ، أي ولا نقطعه، ولا ننقصه (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5086>٧ </span>- ثم قال ﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ﴾ أيها الإنسان. ﴿بَعْدُ بِالدِّينِ﴾.\nأي مجازاتي إياك بعملك، وأنا أحكم الحاكمين (٤).\nقال مقاتل: يقول: فما يكذبك أيها الإنسان بعد بيان (٥) الصورة الحسنة، والشباب، ثم الهرم بعد ذلك بالحسَاب (٦) (٧).\n_________\n(١) \"الكشف والبيان\" ١٣/ ١١٩ ب، و\"النكت والعيون\" ٦/ ٣٠٣، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٥٠٥، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ١١٦، و\"لباب التأويل\" ٤/ ٣٩١.\n(٢) سورة فصلت: ٨، وتسمى أيضًا: السجدة، والمصابيح. انظر: \"الإتقان\" للسيوطي ١/ ١٥٧، ومما جاء في تفسيرها: قال ابن عباس: غير مقطوع. وقال مقاتل: غير منقوص. وقال مجاهد: غير محسوب قال المبرد: فيه قولان: أحدهما: غير مقطوع من قولك: مننت الحبل أي قطعته، ومنه قولهم: قد منّه السفر أي قطعه، ويكون غير ممنون: أي لا يمن به عليهم، وهذا معنى قول مجاهد. \"البسيط\" ٤/ ٢٣٨ ب.\n(٣) \"تأويل مشكل القرآن\" ٣٤٢.\n(٤) بياض في: (ع).\n(٥) بياض في: (ع).\n(٦) قوله: (الهرم بعد ذلك بالحساب) بياض في (ع).\n(٧) ورد قوله في \"تفسير مقاتل\" ٢٤٤ ب، و\"الوسيط\" ٤/ ٥٢٦.","vol":"24","page":158},{"text":"والمعنى: ألا يتفكر في صورته، وشبابه، وهرمه، فيعتبر، ويقول: إن الذي فعل ذلك قادر على أن يبعثني ويحاسبني (١).\nومعنى ﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ﴾ مَا يجعلك تكذب بالمجازاة بعد هذه الحجج؟.\nقال الكسَائي: يقول مَا صدقك بكذا، أو ما كذبك بكذا أي: مَا حملك على تكذيبه وتصديقه (٢) (٣).\nوعامة المفسرين على أن هذا خطاب للإنسان المكذب (٤) بالدين (٥).\nقال منصور: قلت لمجاهد: ﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ﴾ عني به محمد؟ فقال: معَاذ الله! إنما عني به الإنسان (٦) (٧).\nوقال قتادة: فمن يكذبك أيها الإنسان بعدها بالدين (٨) (٩). واختاره\n_________\n(١) بياض في (ع).\n(٢) بياض في (ع).\n(٣) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٤) بياض في (ع).\n(٥) قال بذلك الكلبي. انظر: \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٣٨٣، ومقاتل ٢٤٤/ ب، وعكرمة، وغيره قاله ابن كثير \"تفسيره\" ٤/ ٥٦٣، كما قال به: الطبري ٣٠/ ٢٤٩، والسمرقندي ٣/ ٤٩٢، والثعلبي ١٣/ ١١٩/ ب، وانظر: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٥٠٥، وعزاه ابن عطية إلى جمهور المفسرين، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٥٠٠، وبه قال أيضًا الأخفش في \"معاني القرآن\" ٢/ ٧٤٠.\nوذهب آخرون إلى إنما عني بذلك رسول الله -ﷺ- قاله قتادة، ورجحه الطبري في \"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٤٩، وابن عطية في \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٥٠٠، والشوكاني في \"فتح القدير\" ٥/ ٤٦٦.\n(٦) قوله: (إنما عني به الإنسان) بياض في (ع).\n(٧) \"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٤٩، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٥٠٠، و\"ابن كثير\" ٤/ ٥٦٣.\n(٨) بياض في (ع).\n(٩) قلت: ولعل العبارة عن قتادة: فمن يكذبك أيها الرسول بعد هذا البيان بالدين؟ فقد =","vol":"24","page":159},{"text":"الفراء، وقال: كأنه يقول: فمن يقدر على تكذيبك (١) بالثواب والعقاب بعد ما تبين له من خلقنا الإنسان على مَا وصفناه (٢)؟!. والخطاب على هذا القول للنبي -ﷺ-.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5087>٨ </span>- قوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ قال ابن عباس: بأعدل العَادلين (٣) (٤).\nوقال الكلبي: بأفضل الحاكمين (٥) (٦).\nوقال مقاتل: بأقضى القاضيين (٧). وهذا يحتمل تأويلين:\nأحدهما: أن هذا تحقيق لما ذكر من خلق الإنسان؛ ثم رددناه (٨) إلى أرذل العمر.\nيقول: أليس الله بأحكم الحاكمين الذي فعل ذلك صنعًا وتدبيرًا (٩).\n_________\n= جاء عنه ذلك في \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ١١٦، و\"البحر المحيط\" ٨/ ٤٩٠، ويؤيد ذلك اختيار الفراء بأن الخطاب للرسول -ﷺ-، وذلك أن الإمام الواحدي ذكر قول قتادة، ثم أعقبه بقوله: واختاره الفراء، والفراء اختار أنه خطاب للرسول كما دل عليه كلامه. والله أعلم. ولم أعثر على مصدر لقول قتادة الوارد في المتن.\n(١) بياض في (ع).\n(٢) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٧٧.\n(٣) بياض في (ع).\n(٤) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٥) في (ع): (بأفضل القاضين).\n(٦) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٧) بمعناه في \"تفسيره\" ٢٤٤ ب بأفصل الفاصلين، وقد ورد بمثله من غير عزو في \"معالم التنزيل\" ٤/ ٥٠٥، و\"زاد المسير\" ٨/ ٢٧٧.\n(٨) في (ع): (رده).\n(٩) قال بمعنى ذلك: ابن عيسى كما في \"النكت والعيون\" ٦/ ٣٠٣، وانظر: \"التفسير الكبير\" ٣٢/ ١٢ من غير عزو.","vol":"24","page":160},{"text":"وهذا معنى قول ابن عباس (في رواية عطاء) (١).\nالثاني: إن هذا تنبيِه على حكمه بين نبيه -ﷺ-، وبين من كذبه (٢)، وهو قول مقاتل، قال: يحكم بينك وبين أهل التكذيب يا محمد (٣). (والله أعلم) (٤).\n_________\n(١) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٢) انظر: \"التفسير الكبير\" ٣٢/ ١٢.\n(٣) \"معالم التنزيل\" ٤/ ٥٠٥، و\"زاد المسير\" ٨/ ٢٧٧.\n(٤) ما بين القوسين ساقط من (ع).","vol":"24","page":161},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5088>سورة العلق</span>","vol":"24","page":163},{"text":"تفسير سورة العلق <span data-type=\"title\" id=toc-5089>(١)</span>\nبسم الله الرحمن الرحيم\n\n١ - ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ أكثر المفسرين، وأهل التأويل على أن هذه السورة أول مَا نزل من القرآن، (وهي أول شيء نزل (٢)؛\n_________\n(١) مكية بالإجماع، حكى ذلك ابن عطية في \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٥٠١، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٨/ ٢٧٨، انظر: \"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٢٠ أ، و\"الكشاف\" ٤/ ٢٢٣.\n(٢) وهذا القول مروي عن: عائشة، وعبد الله بن عمر، وأبو رجاء العطاردي، قال الهيثمي عن هذه الرواية: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح: \"مجمع الزوائد\" ٧/ ١٣٩، ومجاهد، وأبي موسى الأشعري. انظر: \"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٥٢ - ٢٥٣، و\"فضائل القرآن\" لأبي عبيد ٢/ ١٩٨ - ١٩٩، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٥٦٠.\nوعزاه الثعلبي إلى أكثر المفسرين: \"الكشف والبيان\" ج ١٣/ ١٢٠ أ، وكذلك صاحب \"معالم التنزيل\" ٤/ ٥٠٦، و\"لباب التأويل\" ٤/ ٣٩٢، وابن حجر في \"فتح الباري\" ٨/ ٧١٤.\nوقال الزمخشري، والنسفي: وأكثر المفسرين على أن الفاتحة أول ما نزل ثم سورة القلم. وانظر: \"الكشاف\" ٤/ ٢٢٣، و\"مدارك التنزيل وحقائق التأويل\" للنسفي ٣/ ٧٠٨، وقد قال بهذا القول ابن عباس، وعزاه القرطبي إلى أبي موسى، وعائشة. ﵄ وغيرهم. انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" =","vol":"24","page":165},{"text":"أول) (١) يوم نزل جبريل على رسول الله -ﷺ-، وهو قائم في حِراء (٢) فعلّمه خمس آيات من هذه السورة (٣)\n_________\n= ٢٠/ ١١٧، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٥٦٠، و\"المستدرك\" ٢/ ٥٢٩ وصححه، ونفى ابن حجر أن يكون قال به الأكثر؛ بل قرر أن عدد أقل من القليل بالنسبة إلى القول الأول القائل: إن اقرأ أول ما نزل. انظر: \"فتح الباري\" ٨/ ٧١٤.\nوهناك قول ثالث: مروي عن جابر أن أول ما نزل من القرآن: يا أيها المدثر. وهناك أقوال أخرى: أشهرها ما ذكره الواحدي عن أكثر المفسرين.\nقال القاضي أبو بكر في الانتصار: وأثبت الأقاويل: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾، ويليه في القوة: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ وطرق الجمع بين الأقاويل أن أول ما نزل من الآيات: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾، وأول ما نزل من أوامر التبليغ: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾، وأول ما نزل من السور سورة الفاتحة. انظر \"البرهان في علوم القرآن\" للزركشي: ٢/ ٢٠٧ - ٢٠٨.\nوقال ابن تيمية: فسورة ﴿اقْرَأْ﴾ هي أول ما نزل من القرآن، ولهذا افتتحت بالأمر بالقراءة، وختمت بالأمر بالسجود، ووسطت بالصلاة التي أفضلها أقوالها، وأدلها بعد التحريم هو القراءة. ثم عزا القول \"إنها من أول ما نزل\" إلى جماهير العلماء. انظر: \"مجموع الفتاوى\" ١٦/ ٢٥٤ - ٢٥٥.\n(١) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٢) حراء: جبل، وهو صخري كثير الشعاب، صعب المرتقى، يقع في الشمال الشرقي لمكة، ويجاوره جبل ثبير، واشتهر جبل حراء بالغار الذي يعرف باسمه، كما يطلق عليه اسم جبل النور، لأن مهبط الوحي الأول على الرسول -ﷺ-. \"القاموس الإسلامي\" ٢/ ٥٩، وانظر: \"معجم ما استعجم\" ٢/ ٤٣٢، و\"معجم البلدان\" ٢/ ٢٣٣.\n(٣) لقد وردت أحاديث عدة من طرق مختلفة بهذا المعنى؛ منها ما هو موقوف، ومنها ما هو مرفوع، وأصحها ما جاء عن عائشة ﵂ قالت: كان أوَّلَ ما بدئ به رسول الله -ﷺ- الرؤيا الصادقة في النوم، فكان لا يُرى رُؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء، فكان يلحق بغار حراء، فيتحنث فيه. قال: والتحنث: التعبد الليالي ذوات العدد، قبل أن يرجع إلى أهله، ويتزود لذلك، ثم يرجى إلى خديجة، فيتزود بمثلها، حتى فجَأهْ الحق وهو في غار حراء، فجاءه =","vol":"24","page":166},{"text":"﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ مجازه: اسم ربك) (١)، أن الباء زائدة (٢) معناه: اقرأ اسم ربك، كما قال (الأخطل) (٣).\nهُنَّ (٤) الحرائِرُ لا رّبَّاتُ أحْمِرةٍ ... سُوُد المحاجِرِ لا يَقْرَأْنَ بالسُّوَرِ (٥).\n_________\n= الملك فقال: اقرأ، فقال رسول الله -ﷺ- ما أنا بقارئ قال: فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني، فقال: اقرأ. قلت: ما أنا بقارئ فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ قلت: ما أنا بقارئ فأخذني فغطني الثالثة حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني، فقال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ﴾ الآيات إلى قوله: ﴿عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ الحديث.\nأخرجه: البخاري في \"الجامع الصحيح\" ٣/ ٣٢٧: ح ٤٩٥٣: كتاب التفسير: باب ٩٦، ومسلم في صحيحه ٢/ ٥٥٦: ح ٢٥٢. كتاب الإيمان: باب بدء الوحي إلى رسول الله -ﷺوأحمد في \"المسند\" ٦/ ٢٣٢ - ٢٣٣.\n(١) ما بين القوسين من قول أبي عبيدة في \"مجاز القرآن\" ٢/ ٣٠٤.\n(٢) من أوجه مواضع زيادة \"الباء\" قال الزمخشري: أن تكون للحال، أي: اقرأ مفتتحًا باسم ربك؛ قل: بسم الله ثم اقرأ. \"الكشاف\" ٤/ ٣٢٣. أن تكون \"الباء\" للاستعانة، والمفعول محذوف، تقديره: اقرأ ما يوحي إليك مستعينًا باسم ربك. أنها بمعنى \"على\" أي اقرأ على اسم ربك. \"الدر المصون\" ٦/ ٥٤٥.\n(٣) ساقط من (أ).\n(٤) في (أ): (من).\n(٥) ورد البيت منسوبًا إلى الراعي النميري وهو في \"ديوان الراعي\" النميري ص ١٠١، و\"الدر المصون\" ٦/ ٥٤٥، و\"المقتضب\" ٣/ ٤٤ الحاشية وذكر محقق المقتضب أن للقتال الكلابي مثله.\nمعناه: الحرائر جمع حرة، وهي الكريمة الأصيلة، والربات جمع ربة بمعناه الصاحبة، والأحمرة جمع حمار، وخص الحمير لأنها رذال المال وشره، أراد بسود المحاجر: الإماء السود. لا يقرأن بالسور: جاهلات لا يقرأن القرآن. \"ديوان الراعي\" ص ١٠١.","vol":"24","page":167},{"text":"يعني: لا يقرأن السور، والباء زائدة.\nومعنى ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ اذكر اسمه كأنه أمران يبدأ (١) القراءة باسم (ربك، فالجالب) (٢) للباء معنى الابتداء، وفي هذا دلالة على أن تجب قراءة التسمية في ابتداء كل سورة، كما (٣) أنزل الله تعالى، وأمر به في هذه الآية ردًا على من لا يرى ذلك ولا يبتدئ بها (٤).\n_________\n(١) في (ع): (يبتدئ).\n(٢) ما بين القوسين ساقط من (ع).\n(٣) في (ع): (عما).\n(٤) هذه المسألة فيها خلاف: هل البسملة آية من سورة الفاتحة وحدها، أو من كل سورة، أو ليست آية لا من أم الكتاب ولا من كل سورة؟.\nفمنهم من رأى أنها آية من أم الكتاب، فأوجب قراءتها بوجوب قراءة أم الكتاب عنده في الصلاة.\nومن رأى أنها آية من كل سورة وجب عنده أن يقرأها مع السورة.\nفالحنفية ترى أن البسملة ليست آية من الفاتحة، ولا من غيرها من السور إلا جزءًا من آية سورة النمل، وهو مروي عن أحمد، وهي المنصورة عند أصحابه، ومالك، والأوزاعي، وعبد الله بن معبد الرماني.\nورواية عن أحمد أنها آية من الفاتحة، ومن كل سورة ذكرت في فاتحتها، وهو أيضًا قول عطاء، والزهري، وعبد الله بن المبارك، وكذلك قال الشافعي هي آية من الفاتحة، ومن كل سورة غير براءة.\nانظر تفصيل المسألة بأدلتها في: \"حلية العلماء في معرفة مذاهب الفقهاء\" للشاشي القفال ٢/ ١٠٢، و\"بداية المجتهد ونهاية المقتصد\" لابن رشد القرطبي ١/ ١٢٥، و\"المغنى\" لابن قدامة ١/ ٤٨٠، و\"المجموع شرح المهذب\" للنووي ٣/ ٣٣٣، و\"نيل الأوطار\" للشوكاني ٢/ ٢١٨، و\"حاشية الروض الربع شرح زاد المستقنع\" لعبد الرحمن بن محمد النجدي: ٢/ ٢٤ - ٢٥، و\"الفقه الإسلامي وأدلته\" د. وهبة الزحيلي ١/ ٦٤٦، ٦٥٠، ٦٥٤.","vol":"24","page":168},{"text":"وقوله (١) ﴿الَّذِي خَلَقَ﴾ وقال الكلبي: يعني الخلائق <span data-type=\"title\" id=toc-5090>(٢)</span>. ثم فسر ذلك فقال:\n٢ - ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ﴾ يعني ابن آدم.\n\n﴿مِنْ عَلَقٍ﴾ جمع علقه، وإنما ذكر العلق بلفظ الجمع، لأنه أراد بالإنسان الجمع، فذهب بالعلق إلى الجمع لمشاكلة رؤوس الآيات، قاله <span data-type=\"title\" id=toc-5091>(٣) </span>الفراء (٤).\n٣ - قوله: ﴿اقْرَأْ﴾ تقرير للتاكد. ثم استأنف فقال: (قوله تعالى) (٥) ﴿وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ﴾ قال الكلبي: يعني (الحكيم) (٦) الحليم عن جهل العباد، لا يعجل عليهم بالعقوبة (٧).\n_________\n(١) في (أ): (قوله).\n(٢) \"معالم التنزيل\" ٤/ ٥٠٧، و\"فتح القدير\" ٥/ ٤٦٨.\n(٣) في (أ): (قال).\n(٤) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٧٨ بتصرف.\n(٥) ما بين القوسين ساقط من (ع).\n(٦) ساقط من (ع).\n(٧) ورد قوله في: \"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٢١ أ، ب، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٥٠٧، و\"زاد المسير\" ٨/ ٢٧٩.\nوالقول: إن معنى الآية: أي الكريم هو الأشبه بالمعنى، لأنه لما ذكر ما تقدم من نعمه دل به على كرمه. \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ١١٩ - ١٢٠، و\"فتح القدير\" ٥/ ٤٦٨. وقال ابن تيمية: \"سمى ووصف نفسه بالكرم، وبأنه الإكرام بعد إخباره أنه خلق ليتبين أنه ينعم على المخلوقين، ويوصلهم إلى الغايات المحمودة ولفظ الكرم لفظ جامع للمحاسن والمحامد لا يراد به مجرد الإعطاء؛ بل الإعطاء من تمام معناه، فإن الإحسان إلى الغير تمام المحاسن، والكرم كثرة الخير ويسرته\".\n\"مجموع الفتاوى\" ١٦/ ٢٩٣، وانظر: \"شرح أسماء الله الحسنى\" القحطاني ص ١٥٢.","vol":"24","page":169},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5092>٤ </span>- قوله ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ﴾ قال الكلبي (١)، ومقاتل (٢): علم الكتاب بالقلم.\n(قال أبو إسحاق: أي علم الإنسان الكتابة بالقلم (٣).) (٤)\n\nوقال أهل المعاني: قد نوه الله تعالى بالقلم <span data-type=\"title\" id=toc-5093>(٥) </span>إذ ذكره في كتابه معتدًا به في نعمه على خلقه، لأنه لعظيم الشأن بما فيه من الانتفاع (٦).\n٥ - وقال صَاحب النظم: مفعول قوله: ﴿عَلَّمَ بِالْقَلَمِ﴾ محذوف، فلما ذكر قوله: ﴿عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ انتظم بقوله: ﴿عَلَّمَ بِالْقَلَمِ﴾ على تقدير الذي علم الإنسان بالقلم مَا لم يعلم؛ إلا أنه كرر ذكر ﴿عَلَّمَ﴾ توكيدًا (٧). وهذا معنى قول الكلبي؛ (لأنه قال) (٨): ﴿عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ من الكتاب بالقلم.\nومن المفسرين من يجعل هذه الآية منقطعة عن الأولى فيقول: معنى ﴿عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ علم آدم الأسماء كلها (٩).\n_________\n(١) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٢) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣٤٥ بتصرف.\n(٤) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٥) في (ع): (القلم).\n(٦) لم أعثر على مصدر لقولهم، وبمعناه قال قتادة: القلم نعمة من الله عظيمة، لولا القلم لم يقم دين، ولم يصلح عيش. \"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٢١ ب، و\"زاد المسير\" ٨/ ٢٧٩.\n(٧) لم أعثر على مصدر لقوله ..\n(٨) ساقط من (أ).\n(٩) قال بذلك كعب الأحبار كما في: \"النكت والعيون\" ٦/ ٣٠٥، وبه قال السمرقندي =","vol":"24","page":170},{"text":"ومنهم من يقول: علم محمدًا ما لم يعلم من الأحكام والشريعة، وقصص النبيين كما قال: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ [النساء: ١١٣] (١)، وهذا قول ابن عباس (٢)، وهو ضعيف؛ لأن هذا من أول مَا نزل، ولم يكن قد علم النبي -ﷺ- إذ ذاك كثير شيء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5094>٦ </span>- قوله (تعالى) (٣): ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى﴾.\nقالوا: نزلت هذه الآية وما بعدها إلى آخر السورة في أبي جهل (٤).\nومعنى: (كلا)\nقال عطاء: لا يصدق أبو جهل أن الله تعالى علم محمدًا هذا الذي جاء به من النبوة (٥).\nوقال مقاتل: كلا لا يعلم الإنسان إن الله علمه ما لم (يكن) (٦) يعلم (٧).\n_________\n=في \"بحر العلوم\" ٣/ ٤٩٤، والثعلبي في \"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٢١ ب، انظر: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٥٠٧، و\"زاد المسير\" ٨/ ٢٧٩، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ١١٢، و\"لباب التأويل\" ٤/ ٣٩٣.\n(١) في (أ): (من الأحكام الشرعية)، وهو مكرر ليس في موضعه، ولذلك أسقطته.\n(٢) لم أعثر على مصدر لقوله، وانظر: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٥٠٧.\n(٣) ساقط من (أ).\n(٤) عزاه الفخر إلى أكثر المفسرين: \"التفسير الكبير\" ٣٢/ ١٧، ورواه القرطبي عن ابن عباس في \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ١٢٣، وانظر: \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٥٠٢، و\"زاد المسير\" ٨/ ٢٧٩.\n(٥) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٦) ساقط من (أ).\n(٧) \"تفسير مقاتل\" ٢٤٥ أ، و\"زاد المسير\" ٨/ ٢٧٩، و\"التفسير الكبير\" ٣٢/ ١٨.","vol":"24","page":171},{"text":"وقال صاحب النظم: زعم بعضهم أن (كلا) هاهنا بمعنى حقًا؛ لأنه ليس قبله ولا بعده شيء تكون (كلا) ردًا له وهذا كما قالوه في قوله: ﴿كَلَّا وَالْقَمَرِ﴾ [المدثر: ٣٢]، فإنهم زعموا أنه بمعنى: إي والقمر، كما يقال: إي ولله (١).\n﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ﴾ يعني أبا جهل. [[ليطغى]] قال مقاتل: كلا إذا أصاب مالًا زاد في ثيابه، ومركبه، وطعامه، وشرابه، فذلك طغيانه (٢)، ونحو هذا قال الكلبي: يرتفع عن منزلة إلى منزلة في اللباس والطعام (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5095>٧ </span>- قوله: ﴿أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ قال الأخفش: معناه لأن رآه، فحذف اللام، كما يقال: إنكم لتطغون إن رأيتكم استغنيتم (٤). ومثله كثير (٥).\nقال الفراء: ولم يقل رأى الإنسان، فقال قتل نفسه لأن رأى من الأفعال التي تريد اسمًا وخبرًا؛ نحو الظن، والحسبان، وبابهما، ولا يقتصر في هذا الباب على مفعول واحد، والعرب تطرح النفس من هذا الجنس فتقول: رأيتني وظننتني، وحسبتني، ومتى تراك خارجًا، ومتى\n_________\n(١) \"التفسير الكبير\" ١٨/ ٣٢، و\"فتح القدير\" ٥/ ٤٦٨.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ٢٤٥ أ، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٥٠٧، كما ورد من غير عزو في: \"زاد المسير\" ٨/ ٢٧٩.\n(٣) \"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٢١ ب، وبمعناه في: \"النكت العيون\" ٦/ ٣٠٦، وبمثل قوله قال السدي في \"النكت\".\n(٤) \"التفسير الكبير\" ٣٢/ ١٩، وانظر: \"التحرير والتنوير\" ٣/ ٤٤٤.\n(٥) نحو ما جاء في قوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾ [الإسراء: ٦٢] وقوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ﴾ [الأنعام: ٤٠].","vol":"24","page":172},{"text":"تظنك خارجًا، وقوله: ﴿أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ (١) من ذلك (٢).\nقال مقاتل: إن رأى نفسه غنيا، وكان موسرًا فطغى فخوفه الله بالرجعة (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5096>٨ </span>- فقال: ﴿إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى﴾. قال أبو عبيدة: المرجع (٤).\nوقال الأخفش: الرجوع (٥).\nوكلاهما (٦) مصادر، يقال: رجع إليه يرجع رجوعًا ومرجعًا، ورجعى: مصدر على فُعْلَى (٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5097>٩، ١٠ </span>- (قوله تعالى) (٨): ﴿رَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (٩) عَبْدًا إِذَا صَلَّى﴾.\nيعني: أبا جهل (٩)، قال أبو هريرة: قال أبو جهل: لأن رأيت محمدًا\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٧٨ بتصرف.\n(٢) وقوله مكررة في (أ)، وليس هذا موضعها.\n(٣) \"الوسيط\" ٤/ ٥٢٩.\n(٤) \"مجاز القرآن\" ٢/ ٢٠٤، وإليه ذهب ابن قتيبة في: \"تفسير غريب القرآن\" ٥٣٣.\n(٥) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٦) في (ع): (ثلاثيها).\n(٧) انظر: \"تهذيب اللغة\" ٨/ ٣٦٥: (رجع)، و\"لسان العرب\" ٨/ ١١٤ (رجع).\n(٨) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٩) قال ابن عطية: ولم يختلف أحد من المفسرين في أن الناهي أبو جهل، وأن العبد المصلي: محمد -ﷺ-. \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٥٠٢.\nقال ابن حجر: وإنما شدد الأمر في حق أبي جهك دون غيره مما بلغ أذاه ما بلغه أبو جهل، وذلك لأن أبا جهل زاد في التهديد وبدعوى أهل طاعته، وبإرادة وطء العنق الشريف، وفي ذلك من المبالغة ما اقتضى تعجيل العقوبة لو فعل ذلك. \"فتح الباري\" ٨/ ٧٢٤.","vol":"24","page":173},{"text":"-ﷺ- يصلي لأطأن على رقبته، فأنزل الله هذه الآيات (١)\n_________\n(١) أخرجه سلم في صحيحه عن أبي هريرة قال: قال أبو جهل: هل يُعفَّرُ محمد وجهه بين أظهركم؟ قال: فقيل: نعم، فقال: واللات والعزى، لئن رأيته يفعل ذلك لأطأن على رقبته، ولأعفّرن وجهه في التراب، قال: فأتى رسول الله -ﷺ- وهو يصلي -زعم- ليطأ على رقبته، قال: فما فَجِئَهم منه إلا وهو ينكص على عقبيه، ويتقي بيديه، قال: فقيل له: ما لك؟ فقال: إن بيني وبينه لخندقًا من نار، وهولًا، وأجنحة بيديه، فقال رسول الله -ﷺ-: \"لودنا مني لاختطفته الملائكة عُضوًا عُضوًا\". قال: فأنزل الله ﷿لا تدري في حديث أبي هريرة أو شيء بلغه-: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (٧) إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى (٨) أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (٩) عَبْدًا إِذَا صَلَّى﴾ وذكر تمام السورة. ٤/ ٢١٥٤، ح: ٣٨: كتاب صفات المنافقين وأحكامهم: باب ٦.\nكما أخرجه الإمام أحمد في \"المسند\" ٢/ ٣٧٠، والنسائي في تفسيره: ٢/ ٥٣٤ - ٥٣٥، ح: ٧٠٣: سورة اقرأ باسم ربك. وعزاه المزي في \"تحفة الأشراف\" للنسائي الكبرى ١٠/ ٩٢ ح ١٣٤٣٦ كتاب الملائكة كلاهما بهذا الإسناد. \"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٥٣، و\"النكت والعيون\" ٦/ ٣٠٦، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٥٠٨، و\"زاد المسير\" ٨/ ٢٧٩، و\"التفسير الكبير\" ٣٢/ ٢٠، و\"لباب التأويل\" ٤/ ٢٩٤، و\"الصحيح المسند\" ٢٣٥، و\"لباب النقول في أسباب النزول\" للسيوطي ص ٢٣٢، و\"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٢٢ أ، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٥٦٥ وعزاه إلى ابن المنذر، وابن مردويه، وأبو نعيم، والبيهقي، و\"دلائل النبوة\" ١/ ١٨٩. وممن قال أنها نزلت في أبي جهل: مجاهد، وقتادة، وابن عباس. \"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٥٤، وعزاه الوادعي صاحب \"الصحيح المسند\" إلى ابن عباس بسند صحيح ٢٣٦ بنحوه.\nوفيه فأنزل الله: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى﴾ إلى قوله: ﴿كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾. قال ابن عاشور -بعد ما ذكر رواية أبي هريرة في نزول ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى﴾ -: ورواه ابن عباس في نزول ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى﴾ لأن كلاهما في أبي جهل.\nووجه الجمع بين الروايتين أن النازل في أبي جهل بعضه مقصود، وهو ما أوله: =","vol":"24","page":174},{"text":"ومعنى: أرأيت هاهنا تعجيب للمخاطب، وكرر هذه اللفظة للتأكيد في العجيب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5098>١١ </span>- وهو قوله تعالى: ﴿إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى﴾ يعني: العبد المسمى، وهو محمد -ﷺ- (١)\n<span data-type=\"title\" id=toc-5099>١٢ </span>- ﴿أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى﴾. قال عطاء: مخافة الله، والتناهي عن معاصي الله (٢).\nوقال مقاتل: يعني بالإخلاص والتوحيد (٣). ويكون المعنى على هذا باتقاء الشرك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5100>١٣ </span>- ﴿أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ﴾. أبو جهل (٤) ﴿وَتَوَلَّى﴾ عن الإسلام.\nونظم هذه الآية على تقدير: أريت الذي ينهى عبدًا إذا صلى، وهو على الهدى، أمر بالتقوى، والناهي مكذب متولٍ عن الإيمان، أي فما أعجب من ذا، ولكن لما كرر أرأيت بني على ما بعده على الاتصال به، وهذا معنى قول الفراء (٥)، والأخفش (٦).\n_________\n= ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى﴾ الخ وبعضه تمهيد وتوطئة، وهو ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى﴾ إلى (الرجعى). \"التحرير والتنوير\" ٥/ ٤٤٦ - ٤٤٧\n(١) قال بذلك الطبري في: \"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٥٤، والماوردي في: \"النكت والعيون\" ٦/ ٣٠٧.\n(٢) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ٢٤٥ ب، وورد بمثله من غير أعزو في: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٥٠٨، و\"لباب التأويل\" ٤/ ٣٩٤.\n(٤) قاله قتادة في \"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٥٥.\n(٥) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٧٨.\n(٦) لم أعثر على مصدر لقوله.","vol":"24","page":175},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5101>١٤ </span>- ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ﴾ الناهي: أبا جهل. ﴿بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ أي انه يرى ذلك فيجازيه (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-5102>١٥ </span>- ثم قال: ﴿كَلَّا﴾ قال مقاتل: كي لا يعلم ذلك (٢). ثم خوفه بقوله: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ﴾ (أي) (٣) عن تكذيب محمد وشتمه وإيذائه.\n﴿لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ﴾ قال أبو عبيدة: لنأخذن بالناصية، يقال: سفعت بيده أي: أخذت (٤) بيده، والرجل يُسْفَع برجل طَروقَتِه (٥).\nوقال المبرد: السفع الجذب بالإعنات، يقال: سفعه إذا اقتلعه من موضعه بجذب بعضه (٦).\nوقال الفراء: [لَنَهِصرنَّها (٧)] (٨)، ولنأخذن بها (٩).\n_________\n(١) وهذا جواب لجميع ما تقدم من قوله: ﴿أَرَأَيْتَ﴾ قاله السمرقندي في: \"بحر العلوم\" ٣/ ٤٩٤.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ٢٤٥ ب، و\"التفسير الكبير\" ٣٢/ ٢٣.\n(٣) ساقط من (أ).\n(٤) في (أ): (وأخذت بدلًا، أي أخذت).\n(٥) \"مجاز القرآن\" ٢/ ٣٠٤.\n(٦) \"معالم التنزيل\" ٤/ ٥٠٨\n(٧) في (أ): (لمعصريها)، في (ع): (لنعصرها)، وأثبت ما جاء في مصدر القول.\n(٨) لنهصرنَّها، معنى الهَصْر: الكسر، وقد هَصَرَهُ واهْتصره بمعنى، وهَصَرْتُ الغصن وبالغصن إذا أخذت برأسه فأملْتَه إليك. \"الصحاح\" ٢/ ٨٥٥ (هصر).\nوقال الفيروزابادي: الهَصْرُ: الجذب بالإمالة، والكسر، والدفع، والإدناء، وعطف شيء صلب كالغصن ونحوه، وكسره من غير بينونة. \"القاموس المحيط\" ٢/ ١٦١ (هصر).\n(٩) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٧٩ مختصرًا.","vol":"24","page":176},{"text":"وقال الزجاج: يقال سفعت بالشيء إذا أخذت عليه، وجذبته جذبًا شديدًا.\nوالمعنى: لنجرن بناصيته (١) إلى النار (٢).\nوأنشد الأزهري (٣):\nقَومٌ إذَا افزع الصَّرِيخَ رأيتهم ... مِن بَيْنِ مُلْجِمِ مُهْرِهِ أَوْ سَافِعِ (٤)\nأرادوا أخذ بناصيته (٥).\nقال ابن عباس: لنقبضن بناصيته (٦).\n_________\n(١) الناصية: شعر مقدم الرأس \"نزهة القلوب\" للسجستاني ص ٤٥٥.\nقال الماوردي: وقد يعبر بها من جملة الإنسان كما يقال: هذه ناصية مباركة إشارة إلى جميع الإنسان. \"النكت والعيون\" ٦/ ٣٠٨.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣٤٥.\n(٣) للشاعر حميد بن ثور الهلالي.\n(٤) ورد البيت في \"ديوانه\" ١١١، ط. الدار القومية: برواية: (إذا سمعوا)، و\"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٠٨ (سفع) برواية: (فزعوا)، وعزاه محققه إلى حميد بن ثور، كما ورد في \"تاج العروس\" ٥/ ٣٨١ برواية: (إذا سمعوا) بدلًا من (فزع) ولم ينسبه، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٥٠٣ برواية: (إذا سمعوا الصياح)، وعزاه إلى عمرو بن معدي كرب، و\"روح المعاني\" ٣٠/ ١٨٦: برواية: (إذا أكثر الصياح)، و\"تفسير ابن عباس\" للحميدي: ٢/ ٩٨٣.\nومعنى الصريخ: المستغيث، وهو الناصر أيضًا. ملجم: اسم فاعل من ألجمت الفرس. سافع: آخذ بناصية مهره ليلجمها. يقول: رأيتهم عند الصريخ هذه حالهم. \"ديوانه\" الحاشية ص ١١١.\n(٥) \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٠٨ (سفع).\n(٦) ورد معنى قوله في \"الدر المنثور\" ٨/ ٥٦٦ وعزاه إلى ابن المنذر، وروايته: (لنأخذن).","vol":"24","page":177},{"text":"وقال (١) مقاتل: لنأخذن بالناصية أخذًا شديدًا (٢).\nوقال الحسن: السفع الأخذ (٣). وهذا كقوله ﴿فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ﴾ [الرحمن: ٤١]. قال مقاتل: (ثم أخبر عنه أنه فاجر خاطئ فقال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5103>١٦ </span>- ﴿نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾) (٤)\nقال الكلبي: كاذبة على الله مشركة (٥).\nوقال أبو إسحاق: ناصية بدل من الناصية، المعنى: لنسفعًا بناصية (٦) كاذبة، وتأويله: صَاحبها كاذب خاطئ كما يقال: فلان نهاره صَائم، وليله قائم، المعنى: هو صَائم في نهاره، قائم في ليله (٧).\nقال ابن عباس: لما نهى أبو جهل رسول الله -ﷺ- (عن) (٨) الصلاة انتهره رسول الله -ﷺ- (٩) فقال أبو جهل: أتنتهرني يا محمد، فوالله لقد علمت مَا بها رجل أكثر ناديًا (١٠) مني، فأنزل الله قوله:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5104>١٧ </span>- ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾ (١١).\n_________\n(١) في (أ): (قال).\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ٢٤٥ ب.\n(٣) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٤) ما بين القوسين من قول مقاتل: \"فتح القدير\" ٥/ ٤٧٠.\n(٥) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٦) في (أ): (بناصيته).\n(٧) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣٤٥.\n(٨) في (ع): (من).\n(٩) ساقط من (ع).\n(١٠) في (أ): (أدبًا).\n(١١) الرواية عن ابن عباس وردت في \"سنن الترمذي\" ٥/ ٤٤٤، ح: ٢٣٤٩، وقال: هذا حديث حسن غريب صحيح، والرواية كما هي عند الترمذي: عن ابن عباس =","vol":"24","page":178},{"text":"أي أهل مجلسه. قاله (١) أبو عبيدة (٢).\n(٣) وذكرنا تفسير النادي عند قوله: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ﴾ (٤)، ونحو\n_________\n= قال: كان النبي -ﷺيصلي، فجاء أبو جهل فقال: ألم أنهك عن هذا! ألم أنهك عن هذا؟ فانصرف النبي -ﷺ- فزبره، فقال أبو جهل: إنك لتعلم ما بها ناد أكثر مني، فأنزل الله: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ (١٧) سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾ فقال ابن عباس: فوالله لو دعا ناديه لاْخذته زبانية الله وقد أخرجه أيضًا الإمام أحمد في: \"المسند\" ١/ ٢٥٦، ٣٢٩. وقال الهيثمي: في الصحيح بعضه، ورجال أحمد رجال الصحيح. \"مجمع الزوائد\" ٧/ ١٣٩: التفسير: باب سورة اقرأ.\nكما أخرجه النسائي في \"تفسيره\" ٢/ ٥٣٥، ح: ٧٠٤، وقال محققه: إسناده حسن، والطبراني في: \"المعجم الكبير\" ١٢/ ١٣٧، ح: ١٢٦٩٣، وقال محققه: وهو صحيح؛ ولكن من غير الطريق الذي ذكره عن ابن عباس، كما ورد في: \"أسباب النزول\" للواحدي: تح: أيمن صالح: ٣٩٦، قال محققه: حسن صحيح، وعزاه إلى الترمذي. وقال محقق أسباب النزول د. عصام الحميدان: وصححه الهيثمي، وهو كما قال ٤٦٠، و\"لباب النقول\" ص ٢٣٢، و\"الصحيح المسند\" ص ٢٣٦.\nكما ورد معناه في: \"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٥٩، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٥٠٨، و\"لباب التأويل\" ٤/ ٣٩٤، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٥٦٤، وعزاه إلى ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن مردويه، والبيهقي، وأبي نعيم.\nوعزاه الحافظ في \"الثاني\" ٤/ ١٨٦ للحاكم، والبزار، وقال: أصله في \"صحيح البخاري\".\nوانظر دراسة إسناد هذه الرواية في: \"تفسير ابن عباس\" للحميدي ٢/ ٩٧٩.\n(١) في (أ): (قال).\n(٢) \"مجاز القرآن\" ٢/ ٣٠٤ بنصه.\n(٣) في (ع): (ونجومًا)، وهي زيادة في الكلام، ووضعت في غير موضعها.\n(٤) سورة العنكبوت: ٢٩، وذكر في تفسيرها: المجلس، ثم جاء إلى سورة مريم: ٧٣ عند قوله: ﴿أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾، وقد جاء في تفسيرها وأحسن نديا: النَدىَّ فَعيل معنى الفاعل، وهو المجلس، وكذلك النادي، يقال: ندوت =","vol":"24","page":179},{"text":"ما (١) قال أبو عبيدة (٢) قال المبرد (٣)، (والزجاج (٤» (٥): فليدع أهل مجلسه، وكانوا عشيرته، أي: فليستنصر بهم (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5105>١٨ </span>- قوله تعالى: ﴿سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾ قال أبو عبيدة (٧)، (والمبرد (٨» (٩): واحد الزبانية: زبنية، وهو الشديد الأخذ، وأصله من زبِنْتُه إذا دفعته (١٠)، وهو كل متمرد من إنس أو جن، ومثله في المعنى والتقدير: عِفرِية، يقال (فلان) (١١) زِبْنية، وعِفرية، وجمعه عفارية.\nوقال الأخفش: قال بعضهم: واحدها الزَبانَي، وقال بعضهم: الزَابن، وقال بعضهم: الزَابْنِية، والعرب لا تكاد تعرف هذا، وتجعله من\n_________\n= القوم أندوهم ندوًا إذا جمعتهم، ويقال للموضع الذي يجتمعون فيه: النادي، والنَديّ لا يسمى ناديًا حتى يكون فيه أهله، وإذا تفرقوا لا يكون ناديًا، ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾ لذلك سميت دار الندوة بمكة كانوا إذا حزبهم أمر نَدوا إليها، فاجتمعوا للتشاور، وأناديك وأجالسك من النادي. \"البسيط\" ٣/ ٢١١ أ.\n(١) في (أ): (هذا).\n(٢) \"مجاز القرآن\" ٢/ ١٠ وقوله ورد عند تفسير سورة مريم: ٧٣ قال: ﴿وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾ أي مجلسًا، والنَّدي والنادي، والجميع منها أندية، واستشهد بأبيات من الشعر على ذلك.\n(٣) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣٤٦.\n(٥) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٦) في (أ): (فليستنصرهم).\n(٧) \"مجاز القرآن\" ٢/ ٣٠٤.\n(٨) ورد قوله في: \"التفسير الكبير\" ٣٢/ ٢٥.\n(٩) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(١٠) في (ع): (رفعته).\n(١١) ساقط من (أ).","vol":"24","page":180},{"text":"الجمع الذي لا واحد له مثَل: أبابيل، وعَباديد (١) (٢).\nقال ابن عباس: يريد الأعوان زبانية جهنم (٣). ووالله لو دَعا ناديه لأخذته زبانية الله (٤).\nوقال مقاتل: خزنة جهنم أرجلهم في الأرض، ورؤوسهم في السماء (٥).\n_________\n(١) في (أ): (عبابيد).\n(٢) \"معاني القرآن\" ٢/ ٢٤١ باختصار يسير.\n(٣) ورد قوله في: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٥٠٨، و\"لباب التأويل\" ٤/ ٣٩٤.\n(٤) قال الوادعي: واخرج ابن جرير: \"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٥٦ بسند صحيح عن ابن عباس نحوه، وفيه: فأنزل الله ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (٩) عَبْدًا إِذَا صَلَّى﴾ إلى قوله: ﴿كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾ فقال: لقد علم أني أكثر هذا الوادي ناديًا، فغضب النبي -ﷺ- فتكلم بشيء، قال داود -يعني أحد رجال السند-: ولم أحفظه.\nفأنزل الله: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ (١٧) سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾ فقال ابن عباس: فوالله لو فعل لأخذته الملائكة من مكانه.\nكما ورد قوله في \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٣٨٤، و\"بحر العلوم\" ٣/ ٤٩٥، و\"معالم التزيل\" ٤/ ٥٠٨، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ١٢٧، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٦٥، و\"جامع الأصول\" ٢/ ٤٣١، قال الأرناؤوط، وإسناده حسن.\nكما أخرجه الترمذي: ٥/ ٤٤٣، ح: ٣٣٤٨: كتاب تفسير القرآن: باب ٨٥، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب. كما أنه وردت هذه العبارة عن النبي -ﷺ- من رواية ابن عباس في \"الجامع الصحيح\" للبخاري ٣/ ٣٢٨: ح: ٤٩٥٨: كتاب التفسير: باب: ٤ عن ابن عباس قال أبو جهل: لئن رأيت محمدًا يُصلي عند الكعبة لأطأن عنقه، فبلغ النبي -ﷺ- فقال: (لو فعل لأخذته الملائكة). وانظر مرجع رواية ابن عباس في ص ٨٨٩، حاشية: ٢.\n(٥) \"التفسير الكبير\" ٣٢/ ٢٥، و\"زاد المسير\" ٨/ ٢٨١ مختصرًا.","vol":"24","page":181},{"text":"وقال قتادة: الزبانية الشُّرَط (١) (٢) في كلام العرب (٣).\nوقال الزجاج: هم الملائكة الغلاظ الشداد (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5106>١٩ </span>- ثم قال: ﴿كَلَّا﴾ (٥) أي ليس الأمر على ما عليه أبو جهل. ﴿لَا تُطِعْهُ﴾ في ترك الصلاة.\n﴿وَاسْجُدْ﴾ قال مقاتل: وصل لله واقترب إليه بالطاعة (٦).\nوقال عطاء: اقترب إلي، فإن العبد أقرب مَا يكون من الله إذا هو سجد (٧).\nونحو هذا قال مجاهد (٨).\n_________\n(١) في (أ): (القرط).\n(٢) الشُّرَط: سموا بذلك لأن شُرْطة كل شئ خياره، وهم نخبة السلطان من جُنده. \"تهذيب اللغة\" ١١/ ٣٠٩: (شرط).\n(٣) \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٣٨٤، و\"زاد المسير\" ٨/ ٢٨١، و\"التفسير الكبير\" ٣٢/ ٢٥، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ١٢٦، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٥٦٥ وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن جرير، ولم أجده عند ابن جرير.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣٤٦.\n(٥) في (أ): (تطيعه).\n(٦) لم أعثر على مصدر لقوله، وقد ورد معزوًا إلى الجمهور في: \"زاد المسير\" ٨/ ٢٨١.\n(٧) لم أعثر على مصدر لقوله، وقد ورد بمعناه من طريقه إلى أبي هريرة في: \"صحيح مسلم\" ١/ ٣٥٠، ح: ٢١٥ كتاب الصلاة: باب ٤٢، والحديث عن أبي هريرة -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: \"أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فأكثروا الدعاء\".\n(٨) \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٣٨٥، و\"بحر العلوم\" ٣/ ٤٩٥، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٥٠٣، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٥٦٦. وعزاه إلى سعيد بن منصور، وابن المنذر، و\"تفسير سفيان بن عيينة\" المحايري ص ٣٤٧.","vol":"24","page":182},{"text":"وقال أبو إسحاق: أي تقرب إلى ربك بطاعته (١)\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣٤٦ بنصه.","vol":"24","page":183},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5107>سورة القدر</span>","vol":"24","page":185},{"text":"تفسير سورة القدر <span data-type=\"title\" id=toc-5108>(١)</span>\nبسم الله الرحمن الرحيم\n\n١ - ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ﴾\nقالوا جميعًا يعني القرآن في ليلة القدر (٢)\n_________\n(١) فيها قولان: أحدهما: إنها مكية، والآخر إنها مدنية.\nانظر: \"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٢٢ أ، و\"النكت والعيون\" ٦/ ٣١١، و\"زاد المسير\" ٨/ ٢٨٢، و\"الإتقان\" ١/ ٣٦، و\"البرهان\" ١/ ١٩٣.\n(٢) حكى الإجماع الفخر في \"التفسير الكبير\" ٣٢/ ٢٧، وعزاه الألوسي إلى الجمهور. \"روح المعاني\" ٣٠/ ١٨٩. وممن قال به من المفسرين: ابن عباس برواية عكرمة، وسعيد بن جبير، وحكيم بن جبر، والشعبي.\nانظر: \"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٥٨، و\"بحر العلوم\" ٣/ ٤٩٦، و\"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٢٢ ب.\nكما ذهب إليه ابن قتيبة في \"تأويل مشكل القرآن\" ص ٢٢٦.\nوانظر أيضًا: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٥٠٩، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٥٠٤، و\"زاد المسير\" ٨/ ٢٨٢، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ١٢٩، و\"البيان في غريب إعراب القرآن\" ٢/ ٥٢٤، و\"لباب التأويل\" ٤/ ٣٩٥، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٦٦، و\"فتح الباري\" ٨/ ٧٢٥. وهناك وجه آخر في عود الضمير، قال بعضهم: يعني جبريل. انظر: \"النكت والعيون\" ٦/ ٣١١.\nوضعف الألوسي، والشنقيطي هذا القول. انظر: \"أضواء البيان\" ٩/ ٣٧٩، و\"روح المعاني\" ٣/ ١٨٩ وبهذا يتضح لنا كما سبق بيانه منهج الإمام الواحدي، من أن القول الضعيف، أو الشاذ مما خالف الجمهور، لا يعتد به، ولا يقيم له وزنًا، =","vol":"24","page":187},{"text":"قال ابن عباس (في رواية سعيد بن جبير) (١): أنزل القرآن في ليله القدر من السماء العليا إلى السماء الدنيا جملة واحدة، ثم فرق في السنين، وتلا هذه الآية: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ (٢) قال: نزل متفرقًا (٣).\nوقد ذكرنا هذا عند قوله: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ (٤)،\n_________\n= وحكاية الإجماع ما كان مجمعًا عليه حقيقة، أو ما كان من قول الجمهور. والله أعلم\n(١) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٢) الواقعة: ٧٥ وعنى باستشهاده بالآية أنه نزل على مثل مساقط النجوم؛ أي أنزل مفرقًا يتلو بعضه بعضًا، وهذا ما وضحه قوله: نزل متفرقًا .. \"الإتقان\" ١/ ١١٨.\n(٣) ورد قوله في \"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٥٨ برواية حكيم بن جبر، عن ابن عباس بمثله، كما ورد قوله برواية سعيد بن جير عنه بمعناه. \"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٥٩، و\"التفسير الكبير\" ٣٢/ ٢٧، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ١٣٠، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٦٦، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٥٦٧، وعزاه إلى ابن الضريس، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، و\"دلائل النبوة\" للبيهقي ٧/ ١٣١: باب ما جاء في نزول القرآن، و\"المستدرك\" ٢/ ٥٣٠، كتاب التفسير: تفسير سورة أنزلناه برواية حكيم عنه، وقال: هذا حديث صحيح، ووافقه الذهبي.\nوقال الهيثمي: رواه الطبراني في \"الأوسط\"، و\"الكبير\"، وفيه عمران القطان وثقه ابن حبان وغيره، وفيه ضعف، وبقية رجاله ثقات. \"مجمع الزوائد\" ٧/ ١٤٠ سورة أنزلناه، وانظر: \"الإتقان\" ١/ ١١٦ بمعناه.\n(٤) سورة البقرة: ١٨٥، ومما جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾: قال ابن عباس: أنزل القرآن جملة واحدة من اللوح المحفوظ في ليلة القدر من شهر رمضان، فوضع في بيت العزة في سماء الدنيا، ثم نزل به جبريل على محمد نجومًا عشرين سنة.\nوقال بعضهم: أنزل فيه القرآن: معناه: أنزل في فضله القرآن. نحو أن يقال: أنزل في الصديق كذا آية تريد في فضله. =","vol":"24","page":188},{"text":"(وهذا قول عامة المفسرين (١» (٢)\nوقال مقاتل (٣): أنزله الله من اللوح المحفوظ إلى السفرة، وهم الكتبة (٤) من الملائكة في السماء الدنيا، وكان ينزل ليلة القدر من الوحي على قدر مَا ينزل به جبريل على النبي -ﷺ- في السنة كلها إلى مثلها من القابل، حتى نزل القرآن كله في ليلة القدر، ونزل به جبريل على محمد -ﷺ- (٥) (٦) (في) عشرين سنة (٧).\n_________\n= وقال آخرون: أنزل في فرضه وإيجاب صومه على الخلق القرآن، كما يقال: أنزل الله في الزكاة كذا وكذا آية، تريد في فضله، وأنزل في الخمر كذا يراد به في تحريمها.\n(١) أي نزول القرآن جملة واحدة إلى سماء الدنيا، ثم مفرقًا في السنين، وهو قول ابن عباس، والشعبي في رواية، وابن جبير. \"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٥٨، وحكى القرطبي الإجماع على ذلك: \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٢، ج ٢: ص ٢٩٧.\nوقال السيوطي: وهذا القول هو الأصح والأشهر، وليه ذهب الأكثرون.\nوقال ابن حجر: هو الصحيح المعتمد.\n\"الإتقان\" ١/ ١١٦، ١١٨، وانظر \"البرهان\" الزركشي ١/ ٢٢٨.\n(٢) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٣) ذكر السيوطي في \"الإتقان\" ١/ ١١٨ أن هذا القول لمقاتل بن حيان، وقد وجدت النص عند مقاتل بن سليمان في تفسيره.\n(٤) في (أ): (الكرام).\n(٥) ساقط من (أ).\n(٦) في (ع): (﵇).\n(٧) \"تفسير مقاتل\" ٢٤٦ أ، و\" الجامع لأحكام القرآن\" ١٢: ج ٢: ٢٩٧، و\"البرهان\" ١/ ٢٢٨، و\"الإتقان\" ١/ ١١٨، وقول مقاتل هذا خلاف ما نقل من الإجماع أن القرآن أنزل جملة واحدة، قاله القرطبي في \"الجامع لأحكام القرآن\" مرجع سابق.","vol":"24","page":189},{"text":"فعلى قول ابن عباس أنزل القرآن جملة واحد في ليلة من ليالي القدر إلى السماء الدنيا.\nوعلى قول مقاتل: كان ينزل كل ليلة قدر مَا كان ينزل السنة إلى مثلها من القابل.\nوأما ليلة القدر:\nفالقدر في اللغة: بمعنى التقدير، وهو جعل الشيء على مساواة غيره من غير زيادة ولا نقصَان (١).\n(في ليلة القدر): ليله تقدير الأمور والأحكام (٢).\nقال عطاء عن ابن عباس: إن الله (تعالى) (٣) قدر ما يكون فيها إلى مثلها من قابل (٤).\nوقال مقاتل: قدر الله في ليلة القدر أمر السنة في عباده وبلاده إلى السنة المقبلة (٥).\n_________\n(١) جاء في التهذيب: القدر: القضاء الموفق، يقال قدر الله هذا تقديرًا، قال: وإذا وافق الشيء الشيء قلت: جاء قدرُه. ٩/ ١٨: (قدر).\nقال ابن فارس: والقدْرة قضاء الله تعالى الأشياء على مبالغها ونهاياتها التي أرادها لها، وهو القَدَر \"مقاييس اللغة\" ٥/ ٦٢ (قدر).\n(٢) هذا القول وما يليه أيضًا في سبب تسميتها بليله القدر.\n(٣) ساقط من (أ).\n(٤) \"التفسير الكبير\" ٣٢/ ٨٢ بتفصيل أكبر.\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ٢٤٦ أ، وورد بمثله من غير عزو في \"معالم التنزيل\" ٤/ ٥٠٩، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ١٣٠ أ، و\"فتح القدير\" ٥/ ٤٧١، وإلى هذا المعنى ذهب ابن عباس وقتادة. انظر المراجع السابقة.","vol":"24","page":190},{"text":"وهذا معنى قول (١) مجاهد: هي ليلة الحكم (٢).\nوقال عبد الرحمن السلمى: فقدر أمر السنة كلها في ليلة القدر (٣).\nوذكرنا بيان هذا عند قوله: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (٤)﴾ (٤).\nومعنى القدر في تلك الليلة بيان مَا يكون في السنة للملائكة، لا ابتداء التقدير؛ لأن الله تعالى قدر المقادير قبل أن يخلق السموات والأرض (٥).\nهذا الذي ذكرنا في معنى ليلة القدر قول عامه العلماء، (والمفسرين (٦» (٧).\n_________\n(١) في (أ): (من: قا) غير واضحة، وغير موجودة في (ع)، والكلام يستقيم بدونها.\n(٢) \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٣٨٦، و\"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٥٩، و\"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٢٢ أ، وعزاه إلى أكثرهم في \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ١٣٠، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٥٦٧ - ٥٦٩، وعزاه أيضًا إلى الفريابي، وعبد بن حميد، ومحمد بن نصر، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في شعب الإيمان ٣/ ٣٢١: باب في الصيام: فصل في ليلة القدر، وابن أبي شيبة في المصنف: \"فتح القدير\" ٥/ ٤٧١.\n(٣) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٤) الدخان: ٤، ومما جاء في تفسيرها: فيها: (أي في تلك الليلة المباركة، (يفرق) أي يفصل ويبين، و(الأمر) الحكم المحكم، يعني أمر السنة إلى مثلها من العام المقبل يقضي الله في تلك الليلة ما هو كائن في السنة من الخير والشدة والرخاء والأرزاق، والآجال ويمحو ويثبت ما يشاء) \"البسيط\" ٥/ ١٣ أمختصرًا.\n(٥) عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: \"كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، قال: وعرشه على الماء\". \"صحيح مسلم\" ٤/ ٢٠٤٤، ح ١٦: كتاب القدر: باب حجاج آدم وموسى ﵉.\n(٦) وهناك أقوال أخرى. راجع ذلك في \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٥٠٥، و\"زاد الميسر\" ٨/ ٢٨٣، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ١٣٠ - ١٣١\n(٧) ما بين القوسين ساقط من (أ).","vol":"24","page":191},{"text":"وذكر عن الزهري قال: ليلة القدر ليلة العظمة والشرف من قولهم: لفلان قدر عند فلان، أي منزلة وشرف (١)، والقول هو الأول.\nثم أخبر عن تعظيم هذه الليلة فقال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5109>٢ </span>- (قوله تعالى) (٢): ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ﴾ ثم ذكر فضلها فقال:\n<span data-type=\"title\" id=toc-5110>٣ </span>- (قوله تعالى) (٣): ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾.\nقال مجاهد: قيامها والعمل فيها خير من صيام ألف شهر، وقيامه ليس فيه ليلة القدر (٤). (وهذا قول مقاتل (٥)، وسفيان (٦)، وقتادة (٧)، واختاره الفراء (٨)، والزجاج (٩» (١٠).\n_________\n(١) \"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٢٣ أبنحوه، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٥٠٥ بمعناه، و\"زاد المسير\" ٨/ ٢٨٣، و\"فتح القدير\" ٥/ ٤٧٢.\n(٢) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٣) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٤) \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٣٨٦، و\"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٥٩، و\"النكت والعيون\" ٦/ ٣١٣، و\"زاد المسير\" ٨/ ٢٨٦، وعزاه إلى أكثر المفسرين كل من: \"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٣٠ أ، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ١٣١، و\"البحر المحيط\" ٨/ ٤٩٦، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٦٧.\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ٢٤٦ أ، و\"الوسيط\" ٤/ ٥٣٦.\n(٦) هي رواية سفيان الثوري عن مجاهد: \"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٥٩، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٦٧.\n(٧) \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٣٨٦، و\"النكت والعيون\" ٦/ ٣١٣، و\"زاد المسير\" ٨/ ٢٨٦، و\"ابن كثير\" ٤/ ٥٦٧، قال: وهو اختيار ابن جرير، وهو الصواب لا ما عداه، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٥٨٦ وعزاه إلى عبد بن حميد، محمد بن نصر، وابن المنذر.\n(٨) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٨٠.\n(٩) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣٤٧.\n(١٠) ما بين القوسين ساقط من (أ).","vol":"24","page":192},{"text":"وقال عطاء عن ابن عباس: ذكر لرسول الله -ﷺ- رجل من بني إسرائيل حمل السلاح على عَاتقه في سبيل الله ألف شهر، فعجب لذلك رسول الله -ﷺ- عجبًا شديدًا، وتمنى أن يكون ذلك في أمته، فقال: يا رب جعلت أمتي أقصر الأمم أعمارًا، وأقلها أعمالًا، فأعطاه الله ليلة القدر، فقال: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ (شَهْرٍ)﴾ (١) الذي حمل الإسرائيلي السلاح في سبيل الله لك، ولأمتك من بعدك إلى يوم القيامة في كل رمضان (٢».\nوقال مالك بن أنس: إن رسول الله -ﷺ- (أري [أعمار] (٣) الناس) (٤) فاستقصر أعمار أمته، وخاف أن لا يبلغوا من الأعمال مثل مَا بلغ غيرهم في طول العمر، فأعطاه الله ليلة القدر خير من ألف شهر (٥).\n_________\n(١) ساقط من: (ع).\n(٢) وردت الرواية عن ابن عباس في \"معالم التنزيل\" ٤/ ٥١٢، و\"زاد المسير\" ٨/ ٢٨٦، و\"لباب التأويل\" ٤/ ٣٩٧، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ١٣٢. كما جاءت عن طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد في \"تفسير مجاهد\" ٧٤٠، و\"أسباب النزول\" تح: أيمن صالح ص ٣٩٧، و\"لباب النقول\" ٢٣٣ وعزاه إلى ابن أبي حاتم، والواحدي، و\"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٥٩ - ٢٦٠، و\"النكت والعيون\" ٦/ ٣١٣، و\"التفسير الكبير\" ٣٢/ ٣٠، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٦٧، و\"السنن الكبرى\" للبيهقي ٤/ ٥٠٥ عن أبي نجيح عن مجاهد مختصرًا، وقال: وهذا مرسل، وقال ابن حجر في \"الكافي الشاف\" ورواه ابن أبي حاتم وغيره عن طريق ابن خالد، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد به مرسلًا ٤/ ١٨٦، و\"جامع النقول\" لابن خليفة ص٣٣٤. كما ذكرت الرواية من غير بيان طريقها في \"بحر العلوم\" ٣/ ٤٩٦، و\"البحر المحيط\" ٨/ ٤٩٧.\n(٣) ساقط من النسختين، وأثبت ما جاء في \"الموطأ\" ١/ ٣٦٣.\n(٤) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٥) الحديث أخرجه مالك في \"الموطأ\" ١/ ٢٦٣: ح: ٥، كتاب الاعتكاف: باب ٦، =","vol":"24","page":193},{"text":"وقال أهل المعَاني: إنما يفضل بعض الأوقات على بعض بما يكون فيه من الخير الجزيل، والنفع الكثير، فلما جعل الله تعالى الخير الكثير يقسم في ليلة القدر كانت خيرًا من ألف شهر (١)؛ لا يكون فيه من الخير والبركة مَا في هذه الليلة (٢). وهذا تحقيق القول الأول.\nثم أخبر بما يكون في تلك الليلة فقال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5111>٤ </span>- (قوله) (٣): ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا﴾.\nيعني جبريل في قول ابن عباس (٤)، (ومقاتل (٥» (٦)، والجمهور (٧).\n_________\n= والرواية عن مالك أنه سمع من يثق به من أهل العلم يقول: إن رسول الله -ﷺ- أري أعمار الناس قبله، أو ما شاء الله من ذلك، فكانه تقاصر أعمار أمته أن لا يبلغوا من العمل الذي بلغ غيرهم من طول العمر، فأعطاه الله ليلة القدر خير من ألف شهر.\nوانظر أيضًا: \"بحر العلوم\" ٣/ ٢٩٦، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ١٣٢ - ١٣٣، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٥٦٨، وعزاه إلى مالك في \"الموطأ\"، والبيهقي في \"شعب الإيمان\" ٣/ ٢٧٣، ح: ٣٦٦٧.\n(١) في (أ)، و(ع): (شهرًا).\n(٢) وتفضيلها بالخير على ألف شهر إنما هو بتضعيف فضل ما يحصل فيها من الأعمال الصالحة، واستجابة الدعاء، ووفرة ثواب الصدقات، والبركة للأمة فيها. قاله ابن عاشور في \"التحرير والتنوير\" ٣/ ٤٥٩.\n(٣) ساقط من (ع).\n(٤) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٥) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٦) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٧) حكاه عن أكثر المفسرين الثعلبي في \"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٣٠ أ، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٨/ ٢٨٧، والخازن في \"لباب التأويل\" ٤/ ٣٩٧، والشوكاني =","vol":"24","page":194},{"text":"وذكرنا ما قيل في تفسير الروح عند قوله: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ﴾ (١).\nوقوله: ﴿فِيهَا﴾. أي في ليلة القدر.\nقال المفسرون (٢): تنزل الملائكة، ومعهم جبريل في ليلة القدر بالرحمة من الله، والسلام على أوليائه، فيصلون ويسلمون علي كل عبد قائم، (أو قاعد) (٣) يذكر الله تعالى، (وهذا المعنى روي أيضًا مرفوعًا (٤» (٥)، وقال آخرون: إنهم ينزلون إلى السماء الدنيا بكل مَا\n_________\n= في \"فتح القدير\" ٥/ ٤٧٢، وقال به أيضًا سعيد بن جبير في \"النكت والعيون\" ٦/ ٣١٣. وإليه ذهب الطبري: \"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٦٠، السمرقندي في \"بحر العلوم\" ٣/ ٤٩٦، وانظر: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٥١٢، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٥٠٥، و\"الكشاف\" ٥/ ٢٢٥.\n(١) سورة النبأ: ٣٨.\n(٢) ممن قال بمعنى ذلك: ابن عباس، وعلي، وعكرمة. \"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٦٠، و\"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٣٠ ب، حمل هذا المعنى القراءة عنهم: (من كل امرئ) فتأولها الكلبي على أن جبريل ينزل فيها مع الملائكة، فيسلمون على كل امرئ مسلم. \"النكت والعيون\" ٦/ ٣١٤، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ١٣٤، و\"مجاز القرآن\" ٢/ ٣٠٥.\n(٣) ساقط من (أ).\n(٤) وهذا مروي عن انس قال: قال النبي -ﷺ-: (إذا كان ليلة القدر، نزل جبريل في كبكبة من الملائكة يصلون ويسلمون على كل عبد قائم أو قاعد يذكر الله تعالى). ذكر ذلك الثعلبي عن أنس في \"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٣٠ أ - ب، والقرطبي في \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ١٣٤، وانظر أيضًا: \"زاد المسير\" ٨/ ١٨٧ عن أنس، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٥٨٣ مفصلًا، وعزا تخريجه إلى البيهقي عن أنس. وقال ابن كثير: وروى البيهقي في كتاب: فضائل الأوقات عن علي أثرًا غريبًا في نزول الملائكة ومرورهم على المصلين ليلة القدر، وحصول البركة للمصلين. \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٦٨.\n(٥) ما بين القوسين ساقط من (أ).","vol":"24","page":195},{"text":"قضاه الله وقدره في السنة (١). يدل عليه قوله:\n﴿مِنْ كُلِّ أَمْرٍ﴾\nقال مقاتل: يعني بكل أمر قدره الله وقضاه فيما يكون في تلك السنة (٢).\nوهذا كقوله تعالى: ﴿يَحْفَظُونَهُ (مِنْ أَمْرِ) (٣) اللَّهِ﴾ [الرعد: ١١] أي بأمره. وقد مر (٤).\nوهذا القول اختيار الزجاج (٥)، ويدخل في هذا الرحمة والبركة، والخير؛ لأن كل ذلك من أمر الله، فهم ينزلون إلى السماء بكل قدر قضي في تلك السنة إلى الأرض بالخير والرحمة للمؤمنين.\nيدل على ذلك قوله (تعالى) (٦): ﴿مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (٤) سَلَامٌ﴾ (٧).\n_________\n(١) قال بنحو ذلك الثعلبي في \"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٣٠ ب.\n(٢) راجع حاشية: ٩ من ص ٨٩٤، وهذا القول قد حكاه عن أكثر المفسرين كل من: الطبري؛ \"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٦٠، ابن الجوزي؛ \"زاد المسير\" ٨/ ٢٨٧، الفخر؛ \"التفسير الكبير\" ٣٢/ ٣٦، القرطبي إلى ابن عباس في \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ١٣٣، و\"لباب التأويل\" ٤/ ٣٩٨ من غير عزو.\n(٣) (مر): بياض في (أ).\n(٤) ومما جاء في تفسير آية الرعد: (.. لها قولان:\nأحدهما: أنه على التقديم والتأخير، تقديره: له معقبات من أمر الله يحفظونه، وهو معنى ابن عباس قال: هم الملائكة، وهم من أمر الله.\nوالثاني: أن هذا على إضمار، أي ذلك الحفظ من أمر الله؛ أي مما أمر الله به.\nوهناك قول ثالث: وهو أن معنى الآية يحفظون بأمر الله).\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣٤٧.\n(٦) ساقط من (أ).\n(٧) ﴿سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾.","vol":"24","page":196},{"text":"قال ابن عباس (في رواية عطاء: سلام) (١) على أولياء الله، وأهل طاعته (٢).\n\nوقال (٣) الكلبي: كلما لقي الملائكة مؤمنًا أو مؤمنة في ليلة القدر سوا عليه من ربه (٤)، وهذا قول منصور بن زاذان <span data-type=\"title\" id=toc-5112>(٥) </span>(٦) (واختيار الفراء (٧» (٨). ويكون التقدير على هذا: ذات (٩) سلام هي، ثم حذف المضاف، ومعنى ذات سلام: أي فيها سلام الملائكة على المؤمنين.\n٥ - وفي قوله: ﴿سَلَامٌ﴾ قول آخر، قال مجاهد: هي سالمة من أن يحدث فيها داء أو غائلة (١٠) (١١).\n_________\n(١) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٢) لم أعثر على مصدر لقوله، وقد وردت رواية عن عطاء بمثله في \"معالم التنزيل\" ٤/ ٥١٢، و\"فتح القدير\" ٥/ ٤٧٢.\n(٣) في (أ): (قال).\n(٤) ورد قوله في \"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٦٠، و\"النكت والعيون\" ٦/ ٣١٤، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٥١٢، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ١٣٤، و\"فتح القدير\" ٥/ ٤٧٢.\n(٥) في (أ): (زيادان).\n(٦) ورد قوله في \"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٣١ أ، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٥٠٦، و\"البحر المحيط\" ٨/ ٤٩٧.\n(٧) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٨٠.\n(٨) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٩) في (أ): (آت).\n(١٠) غائله: أي الداهية، يقال أتى غُوْلًا غائلة؛ أي أمرًا منكرًا داهيًا، والغوائل: الدواهي، وقالوا أيضًا: الغائلة: أي الشر. \"لسان العرب\" ١١/ ٥٠٧، ٥١٢ (غول، غيل).\n(١١) \"تفسير الإمام مجاهد\" ٧٤٠ حاشية، وعزاه إلى سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، =","vol":"24","page":197},{"text":"ثم بين أن تلك الليلة بهذه الصفة إلى الصباح فقال:\n﴿هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾.\nقال ابن عباس (١)، والمفسرون (٢) (٣): إلى مطلع الفجر.\nوالمطلع: الطلوع يقول: طلع الفجر طُلُوعًا ومَطلعًا (٤)، ومن قرأ بكسر اللام (٥) فهو اسم لوقت الطلوع، وكذلك مكان الطلوع مطلع. قاله الزجاج (٦).\n_________\n= ومحمد بن نصر، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في \"شعب الإيمان\". وورد بمعناه في \"بحر العلوم\" ٣/ ٤٩٧، و\"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٣١ أ، و\"النكت والعيون\" ٦/ ٣١٤، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٥١٢، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٥٠٥، و\"زاد المسير\" ٨/ ٢٨٧، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ١٣٤، و\"البحر المحيط\" ٨/ ٤٩٧، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٦٨، و\"فتح القدير\" ٥/ ٤٧٢.\n(١) لم أعثر على مصدر لكتوله.\n(٢) في (أ): (وغيره)؛ بدلًا من: (المفسرين).\n(٣) قال بذلك قتادة، والكلبي، وابن زيد. \"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٦١، و\"النكت والعيون\" ٦/ ٣١٤، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٦٨، وبه قال الطبري: \"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٦١، والثعلبي: \"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٣١ أ.\nوانظر: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٥١٢، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ١٣٤، و\"لباب التأويل\" ٤/ ٣٩٨.\n(٤) وهذا معنى قراءه الفتح، وقد قرأ بها: ابن كثير، ونافع، وعاصم، وأبو عمرو، وابن عامر، وحمزة، ويعقوب.\nانظر: \"كتاب السبعة في القراءت\" ص ٦٩٣، و\"القراءات وعلل النحويين فيها\" ٢/ ٧٨٧، و\"المبسوط\" ٤١٢، و\"الحجة\" ٦/ ٤٢٧، و\"حجة القراءات\" ٧٦٨، و\"الكشف عن وجوه القراءات السبع\" ٢/ ٣٨٥، و\"تحبير التيسير\" ص ٢٠١، و\"إتحاف فضلاء البشر\" ٤٤٢.\n(٥) ممن قرأ بذلك: الكسائي، وروى عبيد عن أبي عمرو، وخلف، المراجع السابقة.\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣٤٨.","vol":"24","page":198},{"text":"وأما (١) أبو عبيدة (٢)، والفراء (٣)، وغيرهما (٤)، فإنهم اختاروا فتح اللام، لأنه بمعنى المصدر، وقالوا الكسر: اسم نحو المشرق، ولا معنى لاسم موضع الطلوع هاهنا، وإن حمل على ما ذكره الزجاج من اسم وقت الطلوع صح.\nوقال أبو علي: أما الكسر فإن المصَادر التي ينبغي أن يكون على المفعَل ما قد كسر منها كقولهم: قد علاه المكبر، والمعجز، وقوله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ (٥) عَنِ الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، فكذلك كَسْر المطِلعِ جاء شاذًا عما عليه (٦) بابه (٧).\n_________\n(١) في (أ): (أمام).\n(٢) \"التفسير الكبير\" ٣٢/ ٣٧.\n(٣) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٨٠ - ٢٨١، وقد بين أنه أقوى في العربية؛ لأن المطلع بالفتح هو الطلوع، والمطلع المشرق والموضع الذي تطلع منه؛ إلا أن العرب يقولون: طلعت الشمس مطلِعًا فيكسرون، وهم يريدون المصدر كما تقول: أكرمتك فتجتزئ بالاسم من المصدر.\n(٤) كأبي علي في \"الحجة\" ٦/ ٤٢٧، وابن جرير الطبري في \"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٦١.\n(٥) (يسلونك) في كلا النسختين.\n(٦) في (أ): (عليه).\n(٧) \"الحجة\" ٦/ ٤٢٨.","vol":"24","page":199},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5113>سورة البينة</span>","vol":"24","page":201},{"text":"تفسير سورة لم يكن <span data-type=\"title\" id=toc-5114>(١) </span>(٢)\nبسم الله الرحمن الرحيم\n\n١ - ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ يعني اليهود والنصارى.\n﴿وَالْمُشْرِكِينَ﴾. يعني مشركي العرب، وذلك أن الكفار كانوا جنسين:\nأحدهما: أهل الكتاب [الفرق] (٣) اليهود، والنصارى (٤) كانوا كفارًا (٥) بإحداثهم في دينهم مَا كفروا به كقولهم: ﴿عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠]، و﴿(٦) الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠].\n_________\n(١) تسمى بسورة أهل الكتاب، وسميت أيضًا: سورة البينة، وسورة القيامة، وسورة البرية، وسورة الانفكاك. انظر: \"الإتقان\" ١/ ١٥٩.\n(٢) فيها قولان: أحدهما: أنها مدنية. والآخر: أنها مكية.\n\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٥٠٧، \"زاد المسير\" ٨/ ٢٨٨، \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ١٣٨، \"لباب التأويل\" ٤/ ٤٩٨، \"روح المعاني\" ٣٠/ ٢٠٠.\n(٣) في النسختين (لفرق)، وأثبت ما جاء في \"التفسير الكبير\" ٣٢/ ٣٩ لاستقامة الكلام به.\n(٤) بياض في (ع).\n(٥) بياض في: (ع).\n(٦) في (أ): (هو).","vol":"24","page":203},{"text":"والثاني: المشركون، وأهل الأوثان الذين كَانوا لا ينتسبون إلى كتاب، فذكر الله تعالى الجنسين (١) بقوله: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ﴾ (٢).\nوقوله: ﴿مُنْفَكِّينَ﴾. قال أبو عبيدة (٣)، والأخفش (٤)، والمبرد (٥): زائلين.\nوأنشد أبو عبيدة (٦) لذي الرمة:\nحَراجِيجُ لا تنْفكُّ إلاَّ مُناخَةً على ... الخَسْفِ أو نرمي بها بَلَدًا قَفْرا (٧) (٨)\n_________\n(١) غير مقروء في: (ع).\n(٢) ما جاء في تفسير ﴿وَالْمُشْرِكِينَ﴾ قد نقله الفخر بنصه في \"التفسير الكبير\" ٣٢/ ٣٩، ٤٠.\n(٣) \"مجاز القرآن\" ٢/ ٣٠٦.\n(٤) \"تهذيب اللغة\" ٩/ ٤٥٨ (فك).\n(٥) لم أعثر على مصدر لفوله.\n(٦) لم أجده في: \"مجاز القرآن\"، وهو من شواهد الفراء في معانيه ٣/ ٢٨١.\n(٧) (أو نرمي به بلدًا قفرًا): غير مقروءة في: (ع).\n(٨) ورد البيت في: \"ديوانه\" ٣/ ١٤١٩، \"تهذيب اللغة\" ٩/ ٤٥٩ (فك)، \"لسان العرب\" ١٠/ ٤٧٧ (فك)، وكلاهما برواية: قلائص بدلًا من حراجيج، \"الصحاح\" ٤/ ١٦٠٣ (فكك) برواية (ما تنفك) بدلًا من (لا تنفك)، \"تاج العروس\" ٧/ ١٦٩ برواية (قلائص) بدلًا من (حراجيج). \"معاني القرآن\" الفراء ٣/ ٢٨١، \"كتاب سيبويه\" ٣/ ٤٨، \"مغنى اللبيب\" ١/ ١٣١ ش: ١٠٧، \"شرح المفصل\" ٧/ ١٠٦ (ما تنفك) بدلًا من (لا تنفك)، \"الهمع\" ١/ ١٢٠ ط. دار المعرفة، \"إعراب القرآن\" للنحاس: ٥/ ٢٧٢.\nمعنى البيت: حراججع: الطوال، جمع حرجوج: يقول: لا تفارق هذه الأبل السير إلا في حال إناختها. الخسف: الإذلال: وهو أيضًا المبيت على غير علف، كتاب =","vol":"24","page":204},{"text":"وأنشد أيضًا للكميت (١)\nولم تنفكك مما على من يكيده ... غبار (٢) أثارته السنابك أصهب (٣)\nومعنى انفك: (انفصل، يقال: فككت الشي فانفك) (٤)، ويستعمل بمعنيين، الأصل واحد:\nأحدهما: الانفكاك الذي هو الانفصَال والبينونة من الشيء بعد الملابسة والاجتماع، تقول: قد انفككت منك، وانفك الشيء من الشيء (٥).\n(والثاني بمعنى: ما زال (٦)، ولا يزال، يقول: مَا انفك يفعل كذا، ولا ينفك يفعل كذا، وإذا استعمل بهذا المعنى فلا بد من أن يكون معه جحد (٧)، يقول: ما انفككت (٨) أذكرك (٩). تريد: مَازلت أذكرك، وأصله هذا\n_________\n= سيبويه حاشية: ٣/ ٤٨.\nيقول ما ينفصل عن جهد ومشقة إلا في حال اناختها على الخسف، وَرَمْي البلد القفر بها، أي تنتقل من شدة إلى شدة شرح أبيات \"معاني القرآن\" ص ١٣٠.\n(١) في (ع): (بياض).\n(٢) في (أ): (غبارًا).\n(٣) لم أعثر عليه في ديوانه.\n(٤) ما بين القوسين من قول الليث؛ نقله عن الواحدي من: \"تهذيب اللغة\" ٩/ ٤٥٧ - ٤٥٨ (فكك).\nوانظر: \"الصحاح\" ٤/ ١٦٥٣ (فكك)، و\"لسان العرب\" ١٠/ ٤٧٥ (فكك).\n(٥) بياض في: ع.\n(٦) في (أ): (وأزال).\n(٧) أي: (نقي).\n(٨) في (أ): (انفككت).\n(٩) في (أ): (أذكر).","vol":"24","page":205},{"text":"أيضًا من الانفصال من ذكرك) (١).\nومن هذا قول طرفة:\nفآلَيَت (٢) لا يَنْفَك كَشْحي بِطانَةً ... لِعَضْبٍ رَقيِقِ الشَّفْرَتيِنِ مُهَنّدِ (٣)\nأي لا يزال.\nوكذلك قول الكميت الذي أنشدناه، فأما قول ذي الرمة: لا ينفك إلا مناخة. فجعله الفراء من الانفكاك الذي هو الانفصَال، قال: لأنك لا تقول: مَازلت إلا قائمًا، ودخول (إلا) في قوله: (إلا مناخة) يدل على قوله أنه لم يرد لا ينفك: لا يزال.\nوجعله غيره (٤) بمعنى: لا تَزال (٥)، وتكون (لا) صلة (٦) للضرورة، أو تحقيقًا لحالتيها من الإناخة على الخسف، أو السير عليها.\n_________\n(١) ما بين القوسين من قول الفراء نقله عنه بتصرف: \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٨١. وانظر: \"تهذيب اللغة\" ٩/ ٤٥٨ - ٤٥٩.\n(٢) في (أ): (ماليت).\n(٣) ورد البيت في: \"ديوانه\" ص ٣٧، ط. المؤسسة العربية، \"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٣٢/ أبرواية \"الرقيق\"، \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ١٤٠.\nمعنى البيت: لا ينفك: لا يزال. وما انفك: ما زال. البطانة: نقيض الظهارة. العضب: السيف القاطع. شفرتا السيف: حداه، والجمع: الشفرات والشفار. يقول: ولقد حلفت أن لا يزال كشحي لسيف قاطع رقيق الحدين طبعته الهند منزلة البطانة للظهارة. \"ديوانه\" ص ٣٧.\n(٤) كالمازني، وأبي جعفر. انظر: \"إعراب القرآن\" للنحاس ٥/ ٢٧٢، و\"شرح المفصل\" ٧/ ١٠٦ - ١٠٧.\n(٥) في (ع): (ما زال).\n(٦) أي: (زائدة).","vol":"24","page":206},{"text":"وأما الذي في الآية فهو من الانفصال، وليس بمعنى: لم يزالوا (١).\nقال عطاء (٢)، والكلبي (٣) عن ابن عباس: لم يكونوا منتهين عن كفرهم بالله وعبادتهم غير الله\n(وهو قول قتادة (٤)، ومقاتل (٥» (٦).\nقوله تعالى: ﴿حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ قال ابن عرفة: أي حتى أتتهم (٧)، لفظه لفظ المضارع، ومعناه الماضي (٨).\nوهذا كقوله: ﴿مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ﴾ [البقرة: ١٠٢] أي مَا تلت، وقد مر بيانه.\nوقوله: ﴿الْبَيِّنَةُ﴾ هو قال ابن عبا لهم س: يريد محمدًا -ﷺ- (٩)، وهو قول مقاتل؛ قال: يعني محمدًا مبين لهم ضلالتهم وشركهم (١٠).\nومعنى ﴿الْبَيِّنَةُ﴾: الحجة الظاهرة التي يتميز بها الحق من الباطل،\n_________\n(١) بياض في: (ع).\n(٢) \"الوسيط\" ٤/ ٥٣٩.\n(٣) المرجع السابق.\n(٤) \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٣٨٧، \"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٦٢، \"ابن كثير\" ٤/ ٥٧٤، \"الدر المنثور\" ٨/ ٥٨٨ وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ٢٤٦ أ.\n(٦) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٧) غير واضحة في: (ع).\n(٨) \"تهذيب اللغة\" ٩/ ٤٥٨ (فك)، وانظر: \"لسان العرب\" ١٠/ ٤٧٧ (فكك).\n(٩) \"الوسيط\" ٤/ ٥٣٩، \"مجموع الفتاوى\" ٥/ ٨٩، وقال بمثله قتادة في: \"بحر العلوم\" ٣/ ٤٩٨.\n(١٠) \"الوسيط\" المرجع السابق، وانظر: \"مجموع الفتاوى\" ١٥/ ٨٩ وعبارته: وإنها البيان.","vol":"24","page":207},{"text":"فالنبي -ﷺ- بينه (١)، وإقامة الشهادة العَادلة بينة، وكل برهان بينة.\nويقول زيد: بيني على هذا الأمر، إذا كان شهد لك في دعواك (٢).\nومعنى الآية: إخبار الله تعالى عن الكفار أنهم لم (٣) ينتهوا عن كفرهم وشركهم بالله حتى أتاهم محمد -ﷺ- (بالقرآن) (٤)، فبين لهم ضلالتهم (٥)، وجهالتهم، ودعَاهم إلى الإيمان\" فآمنوا، ولم يكونوا مؤمنين منفصلين عن كفرهم (٦) قبل بعثه (٧).\nوهذا بيان عن النعمة بمحمد -ﷺ- والإنقاذ (٨) به من الجهل والضلالة.\nوالآية فيمن آمن من الفريقين، وهذه الآية من أصعب (٩) ما في القرآن\n_________\n(١) بمعنى هذا القول جاء عن الثعلبي في: \"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٣٢ أ.\n(٢) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٣) في (أ): (لن).\n(٤) ساقط من (أ).\n(٥) بياض في: (ع).\n(٦) بياض في: (ع).\n(٧) وقد رجح الإمام الطبري هذا المعنى للآية الكريمة في: \"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٦٢، والثعلبي في: \"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٣٢/ أ، وذهب إلى ترجيحه أيضًا البغوي في: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٥١٣، وابن الجوزي في: \"زاد المسير\" ٨/ ٢٨٩، وقال ابن تيمية عن هذا القول: إنه الأشهر عند المفسرين. \"مجموع الفتاوى\" ١٦/ ٤٨٩، على أنه رجح قولًا آخر وهو: المراد أنهم لم يكونوا متروكين حتى يرسل إليهم رسول: ١٦/: ٤٩٤، وهناك أقوال أخرى ذكرت فيما ذكرت من مراجع في هذا الشأن، وقد فندها ابن تيمية في \"مجموعه\": ١٦/ ٤٨٠ وما بعدها، بالإضافة إلى ذكرها في: \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ٢٨١، و\"النكت والعيون\" ٦/ ٣١٥، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٥٠٧.\n(٨) في (أ): (الاعاد).\n(٩) في (أ): (أضعف).","vol":"24","page":208},{"text":"نظمًا وتفسيرًا، وقد تخبط فيها الكُبَار من العلماء، وسلكوا في تفسيرها طرقًا لا تفضي بهم إلى الصواب.\nوالوجه في تفسيرها: ما أخبرناك به، فأحمد الله إذ أتاك بيانها من غير لبس ولا إشكال (١) ويدل على هذا المراد بالبينة محمد -ﷺ- أنه أبدل منها فقال: ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ﴾.\nقال أبو إسحاق: رسول: رفع على البدل من البينة، والتفسير لها (٢).\n_________\n(١) قال الفخر تعليقًا على ما قاله الإمام الواحدي، وبعد ما ذكر قوله في معنى الآية: ثم إنه ﵀ لم يلخص كيفية الإشكال فيها. \"التفسير الكبير\" ٣٢/ ٣٨.\nثم قال: (وأنا أقول: وجه الإشكال أن تقدير الآية: لم يكن الذين كفروا منفكين حتى تأتيهم البينة، التي هي الرسول، ثم إنه تعالى لم يذكر أنهم منفكون عن ماذا؛ لكنه معلوم إذ المراد هو الكفر الذي كانوا عليه، فصار التقدير: لم يكن الذين كفروا منفكين عن كفرهم حتى تأتيهم البينة التي هي الرسول، ثم إن كلمة (حتى) لانتهاء الغاية، فهذه الآية تقتضي أنهم صاروا منفكين عن كفرهم عند إتيان الرسول، ثم قال بعد ذلك: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾، وهذا يقتضي أن كفرهم قد ازداد عند مجيء الرسول، (فحينئذ يحصل بين الآية الأولى، والآية الثانية مناقضة في الظاهر. هذا منتهى الإشكال فيما أظن. والجواب عنه من وجوه: أولها، وأهمها الوجه الذي لخصه صاحب الكشاف، وهو أن الكفار من الفريقين: أهل الكتاب، وعبدة الأوثان كانوا يقولون قبل مبعث محمد -ﷺ-: لا ننفك عما نحن عليه من ديننا، ولا نتركه حتى يبعث النبي الموعود الذي هو مكتوب في التوراة والإنجيل، وهو محمد ﷺ، فحكى الله تعالى ما كانوا يقولونه، ثم قال: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ يعني أنهم كانوا يعدون اجتماع الكلمة والاتفاق على الحق إذا جاءهم الرسول، ثم ما فرقهم عن الحق، ولا أفرهم على الكفر إلا مجيء الرسول). \"التفسير الكبير\" ٣٢/ ٣٨ - ٣٩، وانظر: \"الكشاف\" ٤/ ٢٢٦.\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣٤٩.","vol":"24","page":209},{"text":"وقال الفراء: \"رسول\" نكرة استؤنف على البينة، وهي معرفة كما قال: ﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ﴾ [البروج: ١٥] (١) فقال: قوله (٢) (تعالى) (٣): ﴿يَتْلُو صُحُفًا (مُطَهَّرَةً)﴾ (٤).\nهذا من نعت الرسول، والصحف جمع صحيفة، وهي ظرف للمكتوب.\nوالمعنى يتلو (٥) ما يتضمن الصحف من المكتوب فيها، يدل ذلك على أنه كان يتلو (٦) على ظهر قلبه، لا عن كتاب، لأنه كان أميًا لا يكتب (٧).\nوقوله: ﴿مُطَهَّرَةً﴾ وقال ابن عباس: يريد من الكذب، والزور، والشك، والنفاق، والضلال، والشبهات (٨). (وقال مقاتل: من الكفر، والشرك (٩» (١٠). وقال أبو إسحاق: أي هي مطهرة من الباطل (١١). يدل على\n_________\n(١) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٨٢ بنصه.\n(٢) في (ع): (وقوله).\n(٣) ساقط من (ع).\n(٤) ساقط من (ع).\n(٥) (يتلوا): هكذا في النسختين.\n(٦) في: (أ)، (ع): (يتلوا).\n(٧) نقله الفخر عن الواحدي: \"التفسير الكبير\" ٣٢/ ٤٢، والشوكاني: \"فتح القدير\" ٥/ ٤٧٥ وعزاه إلى الواحدي.\n(٨) \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ١٤٢ من غير ذكر الكذب والشبهات.\n(٩) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(١٠) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(١١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣٤٩.","vol":"24","page":210},{"text":"هذا قوله: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾ [فصلت: ٤٢]، وهذا كقوله: ﴿مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ﴾ [عبس: ١<span data-type=\"title\" id=toc-5115>٣]</span>، وهذا قول قتادة: مطهرة من الباطل، وهو القرآن يذكر بأحسن الذكر، ويثني عليه أحسن الثناء (١). و(المطهرة): جرت نعتًا للصحف في الظاهر، وهي نعت لما في الصحف من القرآن، ولكن لما كانت الصحف مذكوة دون مَا فيها أجرى النعت عليها، وهو لما فيها؛ كما أن المراد بالصحف مَا فيها. ويبين ما ذكرنا:\n٣ - قوله تعالى: ﴿فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾. قال عطاء: يريد مستقيمة (٢). وقال الكلبي: صَادقة (٣).\nوقال (٤) (مقاتل: كتب مستقيمة ليس فيها عوج ولا اختلاف، قال:) (٥) وإنما سميت كتبًا؛ لأن فيها أمورًا شتى كثيرة مِمَّا ذكر الله في القرآن (٦).\n(وقال أبو إسحاق: كتب مستقيمة غير ذات عوج؛ تبين الحق من الباطل على الاستواء (٧» (٨).\n_________\n(١) \"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٦٣، \"النكت والعيون\" ٦/ ٣١٦، \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ١٤٢ مختصرًا جدًا، \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٤٧، \"الدر المنثور\" ٨/ ٥٨٨ وعزاه إلى عبد الرزاق، -قلت: ولم أجده عند عبد الرزاق-، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، \"فتح القدير\" ٥/ ٤٧٥ مختصرًا جدًّا.\n(٢) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٣) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٤) في (أ): (قال) بغير واو.\n(٥) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٦) \"تفسير مقاتل\" ٢٤٦ ب، وانظر: \"زاد المسير\" ٨/ ٢٨٩ من غير عزو.\n(٧) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣٥٠ بيسير من التصرف.\n(٨) ما بين القوسين ساقط من (أ).","vol":"24","page":211},{"text":"وقال أبو عبيدة: القيامة القائمة العادلة (١).\nوذكرنا تفسير القيم عند قوله: ﴿دِينًا قِيَمًا﴾ (٢)، وهو من قام يقوم كالسيد والميت (٣).\nقال صاحب النظم: (قيمة) مستوية محكمة؛ من قام يقوم إذا استوى، وصح من قولهم: قام الدليل على كذا، إذا أُظهِر (٤) واستقام، ويجوز أن تكون (القيمة) بمعنى القائمة، ما (٥) يراد منها من الحجة (٦) من قولهم: قام فلان بالأمر يقوم به، إذا أجراه على وجهه، ومنه يقال: للقائم بأمر القوم: القيم.\nوفي الحديث: \"ما أفلح قوم قيمتهم امرأة\" (٧)، فيكون المعنى: كتب قيمة بالأحكام والحجج.\nوالقول الأول أظهر، وهو قول المفسرين (٨)؛ لأن هذا الثاني لا\n_________\n(١) \"مجاز القرآن\" ٢/ ٣٠٦ بنصه.\n(٢) سورة الأنعام: ١٦١، ومما جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿قِيَمًا﴾: \"قال ابن عباس: يريد مستقيمًا، ويجوز ذلك، قال الأخفش، والزجاج في القيم: وهو من باب الميت والصيب ونحوه\".\n(٣) بياض في (ع).\n(٤) في (ع): (قام).\n(٥) في (ع): (مما)\n(٦) بياض في (ع).\n(٧) أخرجه أحمد في \"المسند\" ٥/ ٥٠ بلفظ: (ما أفلح قوم يلي أمرهم امرأة\" من طريق عبد الرحمن بن أبي بكرة).\n(٨) قال به الطبري في \"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٦٣، والسمرقندي في \"بحر العلوم\" ٣/ ٤٩٩، والثعلبي في \"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٣٢ أ، وانظر: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٥١٢.","vol":"24","page":212},{"text":"يحتاج إلى تقدير محذوف.\nومعنى الكتب في قوله: ﴿كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ هو الآيات المكتوبة في الصحف.\nقال صَاحب النظم: وتكون كتب بمعنى حكم، كقوله تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ﴾ [المجادلة: ٢١] أي حَكَم الله.\nومنه حديث العسيف (١): \"لأقضين بينكما بكتاب الله\" (٢): أي بحكم\n_________\n(١) عسيفًا: أي أجيرًا، وجمعه عسفاء. \"شرح صحيح مسلم\" ١١/ ٢١٨.\n(٢) أخرجه البخاري في \"الجامع الصحيح\" ٢/ ٢٦٦ - ٢٦٧، ح ٢٩٦٥، ٢٦٩٦: كتاب الصلح: باب ٥، من طريق أبي هريرة، وزيد بن خالد الجهني ﵄ قالا: جاء أعرابي فقال: يا رسول الله اقضِ بيننا بكتاب الله، فقام خصمه فقال: صدق اقضِ بيننا بكتاب الله، فقال الأعرابي: إن ابني كان عسيفًا على هذا، فزنى بامرأته، فقالوا لي: على ابنك الرجم، ففديت ابني منه بمائة من الغنم ووليدة، ثم سألت أهل العلم فقالوا: إنما على ابنك جلد مائة وتغريب عام. فقال النبي -ﷺ-: \"لأقضين بينكم بكتاب الله، أما الوليدة والغنم فرد عليك، وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام. وأما أنت يا أنيس لِرجل فاغدُ على امرأة هذا فارجمها\"، فغدا عليها أنيس فرجمها.\nوفي البخاري أيضًا ٢/ ٢٧٦، ح ٢٧٢٤، ٢٧٢٥: كتاب الشروط: باب ٩، وفي ٤/ ٢٥٦، ح ٦٨٢٧، ٦٨٢٨: كتاب الحدود: باب ٣٠، وفي ٤/ ٢٥٩، ح ٦٨٣٥، ٦٨٣٦: كتاب الحدود: باب ٣٤، وفي ٤/ ٢٦١، ح ٦٨٤٢، ٦٨٤٢: كتاب الحدود: باب ٣٨، وفي ٤/ ٢٦٤، ح ٦٨٥٩، ٦٨٦٠: كتاب الحدود: باب ٤٦، وفي ٤/ ٣٤١، ح ٧١٩٣، ٧١٩٤: كتاب الأحكام: باب ٣٩، وفي ٤/ ٣٥٥، ح ٧٢٦٠: كتاب الآحاد: باب ١، وفي ٤/ ٣٥٥، ح ٧٢٦٠: كتاب الاعتصام: باب ٢، وفي ٤/ ٣٥٩، ح ٧٢٧٨، ٧٢٧٩: كتاب الاعتصام: باب ٢.\nومسلم في \"صحيحه\" ٣/ ١٣٢٤، ح ٢٥: كتاب الحدود: باب ٤.\nوأبو داود في \"السنن\" ٢/ ٥٠٥: كتاب الحدود: باب في المرأة التي أمر النبي -ﷺ- =","vol":"24","page":213},{"text":"الله (١). فيحتمل على هذا أن يكون ﴿كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ أحكامًا قيمة. ثم ذكر من لم يؤمن من أهل الكتاب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5116>٤ </span>- قوله تعالى: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾.\nقال المفسرون: لم يزل أهل الكتاب مجتمعين في تصديق محمد -ﷺ-، لأن نعته معهم، فلما بعثه الله تفرقوا في أمره، واختلفوا، فآمن به بعضهم، وكفر آخرون (٢).\nوهذا المعنى مذكور في مواضع من التنزيل كثير (٣).\n_________\n= برجمها من جهينة ومالك في \"الموطأ\" ٢/ ٦٢٧، ح ٦: كتاب الحدود، وأحمد في المسند: ٤/ ١١٥، ١١٦، والدرامي ٢/ ٦١٩، ح ٢٢٣١: كتاب الحدود: باب ١٢، وابن ماجه في \"سننه\" ٢/ ٨٥، ح ٢٥٧٧: كتاب الحدود: باب ٧، والترمذي في سننه: ٣٩، ح ١٤٣٣: كتاب الحدود: باب ٨، والنسائي في \"سننه\" ٨/ ٦٣٢ - ٦٣٣، ح ٥٤٢٥، ٥٤٢٦: كتاب آداب القضاء: باب ٢٢.\n(١) ورد قول صاحب النظم في \"فتح القدير\" ٥/ ٤٧٥، ومن غير عزو في \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ١٤٣.\n(٢) حكاه عن الأكثرين: البغوي في \"معالم التنزيل\" ٤/ ٥١٣، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٨/ ٢٨٩، والشوكاني في \"فتح القدير\" ٥/ ٤٧٥، وقال به الطبري في \"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٦٣، وانظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ١٤٣، و\"لباب التأويل\" ٤/ ٣٩٩.\n(٣) نحو قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٠٥]. وقوله تعالى: ﴿وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ [الشوري: ١٤].","vol":"24","page":214},{"text":"والمراد بالبينة النبي -ﷺ- (١) كما ذكرنا آنفًا (٢) وذكر الله تعالى فريقين (٣) من الكفار في أول السورة أسلموا لما آتاهم النبي -ﷺ-، وذكر هاهنا فرقة واحدة ثبتوا على الكفر، وهم من أهل الكتاب؛ ذلك لأن المشركين لم يقروا على دينهم، فمن آمن منهم صار مؤمنًا، ومن لم يؤمن قوتل وأريق دمه، بخلاف أهل الكتاب الذين تفرقوا على دينهم بأخذ الجزية (٤).\nثم ذكر بماذا كانوا أمروا في كتبهم فقال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5117>٥ </span>- (قوله) (٥): ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾.\nقال ابن عباس: يريد وما أمروا في التوراة والإنجيل (٦).\nوقال مقاتل: يقول: وما أمرهم محمد إلا ليعبدوا الله؛ يعني أنه لم\n_________\n(١) قال بذلك أيضًا: عكرمة، وابن جريج: \"الدر المنثور\" ٨/ ٥٨٨ وعزاه إلى ابن المنذر.\n(٢) آية: ١ من هذه السورة.\n(٣) من أول السورة إلى قوله: ﴿فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ حكمها فيمن آمن من أهل الكتاب والمشركين. ومن قوله: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ حكمه فيمن لم يؤمن من أهل الكتاب والمشركين بعد قيام الحجج. \"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٣٢ ب.\n(٤) المراد بالجزية: الخراج المضروب على رؤوس الكفار إذلالًا وصغارًا، واسمها مشتق من الجزاء، إما جزاء على كفرهم لأخذها منهم صغارًا، وإما جزاء على أماننا لهم لأخذها منهم رفقًا.\n\"أحكام أهل الذمة\" لابن قيم الجوزية ١/ ٢٢، \"الأحكام السلطانية والولايات الدينية\" للماوردي ١٨١. وقد أجمع الفقهاء على أن الجزية تؤخذ من أهل الكتاب ومن المجوس. \"أحكام أهل الذمة\" ١/ ١.\n(٥) ساقط من (ع).\n(٦) \"معالم التنزيل\" ٤/ ٥١٤، \"لباب التأويل\" ٤/ ٣٩٩، كما ورد بمثله من غير عزو في: \"التفسير الكبير\" ٣٢/ ٤٣، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ١٤٤.","vol":"24","page":215},{"text":"يأمرهم إلا بإخلاص العبادة له، فكان من حقهم أن يطيعوه (١).\nوقال الفراء في قوله: ﴿إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ﴾ العرب تجعل (اللام) في موضع (أن) في الأمر والإرادة كثيرًا (٢)، من ذلك قوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ [النساء: ٢٦]، ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا﴾ [الصف: ٨] قال في الأمر: ﴿وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ﴾ [الأنعام: ٧١]، وهي (٣) من قراءة عبد الله: وما أمروا إلا أن يعبدوا الله (٤) (٥).\nوقوله: ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ قال أبو إسحاق: أي يعبدونه موحدين له، لا يعبدون معه غيره (٦)، ويدل على هذا قوله: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا﴾ [التوبة: ٣١]\nوقوله: ﴿حُنَفَاءَ﴾ قال ابن عباس: على دين إبراهيم (٧).\nوذكرنا معنى الحنيف والحنفاء فيما تقدم (٨).\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ٢٤٦ ب بمعناه.\n(٢) في (أ): (كثير).\n(٣) في (أ): (وفي).\n(٤) قراءة عبد الله شاذة السند لعدم ورودها في كتب التواتر، وهي من باب البيان، وليست القراءة القرآنية.\n(٥) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٨٢.\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣٥٠ بنصه.\n(٧) \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ١٤٤، وورد بمثله عن مجاهد في: \"التفسير الكبير\" ٣٢/ ٤٦، كما ورد من غير عزو في: \"زاد المسير\" ٨/ ٢٩٠، و\"لباب التأويل\" ٤/ ٣٩٩.\n(٨) جاء ذلك في مواضع عدة منها: سورة البقرة: ١٥٣، سورة النساء: ١٣٥، سورة الأنعام: ٧٩، ومما جاء في تفسير آية ١٣٥ البقرة: ﴿قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ وأما معنى الحنيف قال ابن دريد: الحنيف العادل عن دين إلى دين، وبه سمي =","vol":"24","page":216},{"text":"قوله تعالى: ﴿وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾. يعني المكتوبات في أوقاتها.\n﴿وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ﴾ عند محلها.\nقال أبو إسحاق: المعنى أنهم أمروا مع التوحيد بالإيمان مع النبي -ﷺ-، وإقامة شرائعه (١).\nثم ذكر أن ذلك هو الإخلاص فقال (٢): ﴿وَذَلِك﴾ أي ذلك الذي أمروا.\n﴿دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ قال ابن عباس: يريد الدين المستقيم (٣).\nقال المبرد (٤)، (وأبو العباس (٥» (٦)، وأبو إسحاق: وذلك دين الملة\n_________\n= الإسلام الحنيفية؛ لأنها مالت عن اليهودية، والنصرانية قال أبو حاتم: قلت للأصمعي: من أين عرف في الجاهلية الحنيف؟ قال: لأن من عدل عن دين اليهود والنصارى فهو حنيف عندهم، وكان من حج البيت سمي حنيفًا، وكانوا في الجاهلية إذا أرادوا الحج قالوا: هلموا نتحنف، فالحنيف: المسلم؛ لأنه مال عن دين اليهود والنصارى إلى دين الإسلام، ومنه قيل للميل في القدم: حنف.\nوعن أبي زيد أنه قال: الحنيف: المستقيم. وهذا القول اختيار ابن قتيبة، والرياشي قالا: الحنيفية: الاستقامة على دين إبراهيم.\nوأما التفسير فروي عن ابن عباس أنه قال: الحنيف المائل عن الأديان كلها إلى دين الإسلام. وقال مجاهد: الحنيفية: اتباع الحق، وروي عنه أيضًا: الحنيفية اتباع إبراهيم فيما أتى به من الشريعة التي صار بها إمامًا للناس بعده من الحج. وقيل: الحنيفية: إخلاص الدين لله وحده \"البسيط\" ١/ ٩ أباختصار.\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣٥٠ بتصرف.\n(٢) في (أ): (يقال).\n(٣) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٤) \"التفسير الكبير\" ٣٢/ ٤٧.\n(٥) ويراد به أحمد بن يحيي ثعلب، وقد ورد قوله في \"مجالس ثعلب\" ١/ ٥٩، وعبارته: الأمة القيمة.\n(٦) ما بين القوسين ساقط من (أ).","vol":"24","page":217},{"text":"القيمة. (والقيمة) (١) نعت موصوف محذوف (٢).\nقال أبو إسحاق: يجوز أن يكون المعنى: ذلك دين الأمة القيمة بالحق (٣).\nوفي القيمة هاهنا قولان: ذكرناهما في قوله: ﴿كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾:\nأحدهما: دين الملة القيمة، أي المستقيمة، والآخر ما ذكره أبو إسحاق.\n\nوقال الفراء في قوله: ﴿دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ هو مما (٤) يضاف إلى نفسه لاختلاف لفظيه (٥) <span data-type=\"title\" id=toc-5118>(٦)</span>.\nوهذا لا يجوز عند البصريين (٧) على أنه لو كان على ما قال لقيل: دين القيم كما قال: ﴿ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ (٨).\nثم ذكر مَاَل الفريقين فقال:\n\n٦ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ إلى قوله: ﴿أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾.\n_________\n(١) في (ع): (فالقيمة).\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣٥٠.\n(٣) المرجع السابق.\n(٤) في (أ): (ما).\n(٥) في (أ): (لفظه).\n(٦) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٨٢.\n(٧) واحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا بأنه لا يجوز لأن الإضافة إنما يراد بها التعريف، والتخصيص، والشيء لا يتعرف بنفسه، لأنه لو كان فيه تعريف كان مستغنيًا عن الإضافة، وإن لم يكن له تعريف كان بإضافته إلى اسمه أبعد من التعريف؛ إذ يستحيل أن يصير شيئًا آخر بإضافتة الله إلى اسمه، فوجب أن لا يجوز؛ كما لو كان لفظهما مُتفقًا. \"الإنصاف\" ٢/ ٤٣٧ - ٤٣٨.\n(٨) سورة التوبة: ٣٦، سورة يوسف: ٤٠، سورة الروم: ٣٠.","vol":"24","page":218},{"text":"قال ابن عباس: يريد شر الخلائق (١).\nوقال مقاتل: يعني شر الخليقة من أهل الأرض (٢).\n(وقراءة البرية، بغير همز (٣)، وهو من برأ الله الخلق، والقياس فيها الهمز إلا أنه مما ترك همزه: كالنبيّ، والذرية، والخابية، والهمز فيه كالرد إلى الأصل المتروك في الاستعمال، كما أن من همز صَار النبيء كان كذلك، وترك الهمز فيه أجود، وإن كان الهمز الأصل، لأنه لما تُرك همزه صار همزه كردّه إلى الأصول المرفوضة مثل هَتَنُوا وما أشبهه (٤) من الأصول التي لا تستعمل، وهمزُ من هَمَزَ (البرية) يدل على فساد قول من قال إنه من البر الذي هو التراب، ألا ترى أنه لو كان كذلك (٥) لم يجز قول من همزه على حال إلا على وجه الغلط، كما حكوا استلأمْتُ (٦) الحجر، ونحو ذلك من الغلط الذي لا وجه له في الهمزة (٧» (٨).\n_________\n(١) لم أعثر على مصدر لقوله، وورد بمثله من غير عزو في \"لباب التأويل\" ٤/ ٤٠٠.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ٢٤٦ ب، وورد بمثله من غير عزو في: \"فتح القدير\" ٥/ ٤٧٦.\n(٣) قرأ: نافع، وابن عامر: (خير البريئة)، و(شر البريئة)، مهموزتين، وقرأ هشام بن عمار عن ابن عامر بغير همز.\nوقرأ الباقون: (شر البرية)، و(خير البرية) بلا همز مع تشديد اليائين.\nانظر: و\"السبعة في القراءات\" ٦٩٣، و\"القراءات وعلل النحويين فيها\" ٢/ ٧٨٩، و\"الحجة\" ٦/ ٤٢٨، و\"المبسوط\" ٤١٣، و\"حجة القراءات\" ٧٦٩، و\"المهذب\" ٢/ ٣٢٩.\n(٤) في (أ): (ما اسمه).\n(٥) في (أ): (ذلك).\n(٦) في (أ): (السلامة).\n(٧) في (أ): (بالهمزة).\n(٨) ما بين القوسين نقله بيسير من التصرف عن \"الحجة\" ٦/ ٤٢٨.","vol":"24","page":219},{"text":"ثم ذكر ما مستقر من صدق بالنبي -ﷺ- فقال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5119>٧ </span>- ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾.\nوهو ظاهر التفسير إلى قوله: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾.\nفي الدنيا وتناهى (١) عن معاصيه.\n_________\n(١) في (أ): (تناها).","vol":"24","page":220},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5120>سورة الزلزلة</span>","vol":"24","page":221},{"text":"تفسير سورة إذا زلزلت <span data-type=\"title\" id=toc-5121>(١)</span>\nبسم الله الرحمن الرحيم\n\n١ - ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾ أي إذا حركت حركة شديدة، وذكرنا (٢) تفسير الزلزال عند قوله: ﴿وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾ (٣)، وأضيف المصدر هَاهنا إلى المفعول، لموافقة رؤوس الآيات التي جاءت بعدها.\nقال المفسرون: وذلك عند قيام السَاعة تحرك الأرض فتضطرب حتى يكسر كل شيء عليها، ويخرج كل شيء أدخل فيها (٤).\n_________\n(١) فيها قولان: أحدهما: أنها مدنية، والآخر: أنها مكية. \"زاد المسير\" ٨/ ٢٩١، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ١٤٦، و\"البحر المحيط\" ٨/ ٥٠٠.\n(٢) في (أ): (ذكرنا بغير واو).\n(٣) سورة الأحزاب: ١١، ومما جاء في تفسيرها: قوله ﴿وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾ أي أزعجوا وحركوا، يقال: زل فلان عن مكانه وزلزله غيره، وقال مقاتل: جهدوا جهدًا شديدًا، وقال عبد الله بن مسلم: أي شدد عليهم وهول. والزلزال: الشدة، والزلزال: الشدائد وأصلها من التحريك.\n(٤) قال بذلك مقاتل في تفسيره: ٢٤٦ ب، الطبري في \"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٦٧، السمرقندي في \"بحر العلوم\" ٣/ ٥٠٠، الثعلبي في \"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٣٤ أ،=","vol":"24","page":223},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5122>٢ </span>- وهو (قوله) (١): ﴿وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا (٢)﴾ قال ابن عباس (٢» (٣)، والمفسرون (٤): أخرجت مَا فيها من الموتى.\nوقال الفراء (٥)، (والزجاج (٦» (٧): لفظت (٨) مَا فيها من كنوزها وموتاها).\n_________\n= الماوردي في \"النكت والعيون\" ٦/ ٣١٨. بمعناه. وانظر: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٥١٥، و\"زاد المسير\" ٨/ ٢٩١ وهذا بمعنى قول مقاتل.\nوقال ابن عطية قولًا آخر، فقال: وليست القيامة موطنًا لإخراج الكنوز، وإنما تخرج كنوزها وقت الدجال \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٥١٠، ويعني بقوله إنها من أشراط الساعة، وإنها تكون في الدنيا، وعزاه ابن الجوزي أيضًا إلى الأكثرية، وقال عن خارجه أنها زلزلة يوم القياهة، وعن آخرين. \"زاد المسير\" ٨/ ٢٩١، ٢٩٢.\n(١) ساقط من (أ).\n(٢) \"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٦٦، و\"زاد المسير\" ٨/ ٢٩٢، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ١٤٧، و\"البحر المحيط\" ٨/ ٥٠٠، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٥٩٢ وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، و\"فتح القدير\" ٥/ ٤٨٠.\n(٣) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٤) قال بمعناه مجاهد، وعطية، ومقاتل: \"تفسير مقاتل\" ٢٤٧/ ب، و\"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٦٦، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ١٤٧، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٥٩٢ وعزاه إلى الفريابي، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، و\"فتح القدير\" ٥/ ٤٧٩.\nوقال به أيضًا السمرقندي: \"بحر العلوم\" ٣/ ٥٠٠، والثعلبي: \"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٣٤ ب.\nوانظر: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٥١٥، وعزاه ابن كثير إلى غير واحد من السلف. \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٧٦.\n(٥) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٨٣ بمعناه.\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣٥١ بنحوه.\n(٧) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٨) في (أ): (ألفظت).","vol":"24","page":224},{"text":"وقال أبو عبيدة (١)، وغيره (٢): الأثقال جمع الثقل، والناس ثقل على الأرض إذا كانوا على ظهرها، فإذا مَاتوا وكانوا في بطنها كانوا ثقلًا لها. فذلك قوله: ﴿أَثْقَالَهَا﴾ وهي الأبدان إذا نشرت، ومنه قول الخنساء <span data-type=\"title\" id=toc-5123>(٣) </span>ترثي أخاها:\nأبعَدَ ابنِ عَمْرو من آلِ الشّريدِ ... حَلَّتْ بهِ الأرْضُ أثقالَها (٤)\nتقول: لما دفن صار حمله (٥) لأثقال الأرض، يعني (٦) موتاها. وذكرنا عند قوله: ﴿أَيُّهَ الثَّقَلَانِ﴾\nثم ذكر أن الكافر ينكر (٧) تلك الحالة فقال:\n\n٣ - قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا﴾ وهو الكافر (٨). الذي لم يؤمن بالبعث، يقول: لأي شئ زلزالها.\n_________\n(١) \"مجاز القرآن\" ٢/ ٣٠٦.\n(٢) وهو الأخفش، وقد ورد قوله في: \"التفسير الكبير\" ٣٢/ ٥٨، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٤٧، و\"فتح القدير\" ٥/ ٤٧٩.\n(٣) تقدمت ترجمتها في سورة التوبة.\n(٤) ورد البيت في \"ديوانها\" ص ١٢٠، ط. دار بيروت، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ١٤٧.\nومعناه: حلت: زَينت بها الأرض موتاها. وقيل: حلت من حللت الشيء. والمعنى: ألقت مراسيها، كأنه كان ثقلًا عليها. \"ديوانها\": ١٢٠.\n(٥) في (ع): (حيله).\n(٦) في) أ): (بعد).\n(٧) في (أ): (منكر).\n(٨) قال بذلك ابن عباس: \"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٦٦، و\"فتح القدير\" ٥/ ٤٨٠.\nقال الماوردي: ومن قال إنهم الكفار خاصة، وهذا قول من جعلها زلزلة القيامة؛ لأن المؤمن يعترف بها، فهو لا يسأل عنها، والكافر جاحد لها، فلذلك يسأل عنها.","vol":"24","page":225},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5124>٤ </span>- قال الله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا (٤)﴾ أي تخبر بما عُمل عليها. قال رسول الله -ﷺ-: \"إن الأرض لتخبر يوم القيامة بكل عمل عُمل على ظهرها، وتلا هذه الآية\" (١).\n_________\n= \"النكت والعيون\" ٦/ ٣١٩.\n(١) الحديث أخرجه أحمد في: المسند: ٢/ ٢٧٤ من طريق أبي هريرة ﵁. والترمذي في سننه: ٤/ ٦١٩ - ٦٢٠، ح ٢٤٢٩: كتاب صفة القيامة: باب ٧، والرواية عنده عن أبي هريرة (قال: قرأ رسول الله -ﷺ- ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ قال: أتدرون ما أخبارها؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: \"فإن أخبارها أن تشهد على كل عبد أو أمة بما عمل على ظهرها أن تقول: عمل كذا وكذا يوم كذا وكذا، قال: فهذه أخبارها\".\nقال أبو عيسى: هذه حديث حسن غريب، كما أخرجه عنه في موضع آخر: المرجع السابق: ٥/ ٤٤٦ - ٤٤٧، ح ٣٣٥٣: كتاب التفسير: باب ٨٨، وقال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.\nوأخرجه النسائي في \"التفسير\" ٢/ ٥٤٤، ح ٧١٣ سورة الزلزلة، والحاكم في \"المستدرك\" ٢/ ٥٣٢: كتاب التفسير: تفسير سورة الزلزلة: وقال: هذا حديث صحيح، وقال الذهبي: قلت: يحيى هذا منكر الحديث، قاله البخاري، والحديث ضعفه الألباني: \"ضعيف سنن الترمذي\" ٢٧٥/ ح: ٤٢٨ - ٢٥٥٩، و٦٤٦ - ٣٥٩١. وأيضًا ضعفه محقق تفسير النسائي: ٥٤٤ - ٥٤٥ حاشية: ٢ لوجود يحيى بن سليمان قال: قال عنه البخاري: منكر الحديث (ميزان الاعتدال: ٤/ ٣٨٣)، وقال أبو حاتم: مضطرب الحديث؛ ليس بالقوي، يكتب حديثه. (كتاب الجرح والتعديل: ٩/ ١٥٤ - ١٥٥ ت: ٦٤٠)، وذكره ابن حبان في الثقات: كتاب الثقات: ٧/ ٦٠٤). وقال الحافظ في تخريج الكشاف: وسعيد يحيى بن أبي أيوب ثقة، وخالفه رشيدين بن سعد، وهو ضعيف، فقال عن يحيى بن أبي سليمان بن أبي حازم يالسندين المذكورين عن أنس ابن مالك، وأخرجه ابن مردويه (الكافي الشاف: ٤/ ١٨٦ - ١٨٧، خ ٣٥٠).\nثم قال: وله شاهد أخرجه الطبراني في الكبير: ٥/ ٦٥ رقم: ٤٥٩٦ من حديث ابن لهيعه عن الحارث ابن يزيد سمع ربيعة الحرشي يقول وذكر الحديث مرفوعًا. =","vol":"24","page":226},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5125>٥ </span>- قوله: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾. قال الفراء: يقول تحدث أخبارها بوحي الله وإذنه لها (١).\nقال ابن عباس: يريد أذن لها لتخبر بما عُمِل عليها (٢).\nوقال أبو عبيدة (٣): ﴿أَوْحَى لَهَا﴾ أي أوحى إليها. وأنشد للعجاج:\nأَوْحَى لها القَرَارُ فاسْتَقَرَّتِ (٤)\n_________\n= قال: وربيعة الحرشي هذا مختلف في صحبته كما في \"التقريب\" ١/ ٢٤٧ ت: ٦٤. وقال الهيثمي في: \"مجمع الزوائد\" ١/ ٢٤١: باب المحافظة على الوضوء: كتاب الطهارة، وفيها ابن لهيعة وهو ضعيف.\nوأخرجه ابن حبان كما في \"موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان\" ٦٤١، ح ٢٥٨٦: باب ١١ كتاب البعث.\nكما ورد مرفوعًا عن طريق أبي هريرة كما في \"كنز العمال\" ٢/ ١٤، ح ٢٩٤٩، و\"النكت والعيون\" ٦/ ٣١٩، و\"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٣٥ أ، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٥١٦، و\"زاد المسير\" ٨/ ٢٩٢، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ١٤٨، و\"لباب التأويل\" ٤/ ٤٠١، و\"البحر المحيط\" ٨/ ٥٠٠، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٧٦، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٥٩٢ وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن مردويه، والبيهقي في: \"شعب الإيمان\" ٥/ ٤٦٤، ح ٧٢٩٨ و\"جامع الأصول\" ٢/ ٤٣٣، ح ٨٨٢ وقال الأرناؤوط في تخريج \"جامع الأصول\" نقول: وفي سنده يحيي بن أبي سليمان المدني ليّنه الحافظ في \"التقريب\" ٢/ ٣٤٨: ت: ٤٨ وباقي رجاله ثقات.\n(١) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٨٣ بنصه.\n(٢) \"زاد المسير\" ٨/ ٢٩٣ وورد بمئله من غير عزو في: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٥١٥، و\"لباب التأويل\" ٤/ ٤٠١.\n(٣) ورد قول أبي عبيدة في: \"مجاز القرآن\" ٢/ ٣٠٦ بتصرف.\n(٤) قال في أرجوزته:\nالحمد لله الذي استقلت ... بإذنه السماء واطمأنت\nبإذنه الأرض وماتعنت ... وحي لها القرار استقرت\nوشدها بالراسيات الثبت ... رب البلاد والعباد القُنت =","vol":"24","page":227},{"text":"قوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا﴾ قال المفسرون (١): يرجع الناس عن موقف الحساب بعد العرض متفرقين، أهل الإيمان على حدة وأهل كل دين على حدة، كقوله: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ (٢)، و﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ (٣)﴾ (٤)\nقوله: ﴿لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ﴾ قال ابن عباس: ليروا جزاء أعمالهم (٥) (٦). والمعنى أنهم يرجعون عن الموقف فرقًا ليروا منازلهم في الجنة أو النار (٧).\n_________\n= وقد وردت في \"ديوانه\": ٢٦٦: تح د. عزة حسن، و\"لسان العرب\"، و\"النكت والعيون\" ٦/ ٣٢٠، و\"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٣٥ أ، و\"زاد المسير\" ٨/ ٩٣ برواية: \"سدها\" بدلًا من: \"شدها\"، و\"التفسير الكبير\" ٣٢/ ٦٠، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٥١١، و\"البحر المحيط\" ٨/ ٥٠١، و\"فتح الباري\" ٨/ ٧٢٧، و\"الدر المصون\" ٦/ ٥٥٥.\nومعنى بيت الأرجوزة المذكور: أن أوحى إليها أن استقري فاستقرت. \"ديوانه\": ص ٢٦٦.\n(١) وممن قال بمعنى ذلك: يحيى بن سلام، وابن عباس، والسدي.\n\"النكت والعيون\" ٦/ ٣٢٠، و\"البحر المحيط \" ٨/ ٥٠١، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٥٩٣ وبه قال الطبري في: \"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٦٧، والسمرقندي في: \"بحر العلوم\" ٣/ ٥٠٠، والثعلبي في: \"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٣٥ ب، وانظر: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٥١٦، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٥١١، و\"زاد المسير\" ٨/ ٢٩٣.\n(٢) سورة الروم: ١٤، قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾.\n(٣) بياض في: (ع).\n(٤) سورة الروم: ٤٣، قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾\n(٥) (ليروا جزاء أعمالهم)، بياض في: (ع).\n(٦) \"معالم التنزيل\" ٤/ ٥١٦، و\"زاد المسير\" ٨/ ٢٩٣، و\"لباب التأويل\" ٤/ ٤٠١.\n(٧) بياض في: (ع).","vol":"24","page":228},{"text":"وقال الكلبي (١)، ومقاتل (٢): هذا على التقديم بتقدير: تحدث أخبارها بأن ربك أوحى لها ليروا أعمالهم، أي إنما أذن لها في الإخبار عن أعمال بني آدم (٣) ليروا إياها.\nقال الفراء: واعترَض بينهما: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ (٤) أَشْتَاتًا﴾ (٥)\nقوله: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾.\nقال أبو عبيدة: زنة (٦) ذرة (٧).\nوقال الكلبي: وزن نملة أصغر ما يكون من (٨) النمل (٩).\nوروى يزيد بن الأصم عن ابن عباس قال: إذا وضعت راحتك على الأرض ثم رفعتها فكل واحد مما لزق به من التراب مثقال ذرة (١٠)، وقال في معنى الآية: ليس من مؤمن ولا كافر عمل خيرًا أو شرًا في الدنيا إلا أراه الله إياه، فأما المؤمن فيغفر له سيئاته ويثيبه بحسناته، وأما الكافر فترد\n_________\n(١) لم أعثر على مصدر لقوله، وقد ورد معنى قوله من غير عزو في: \"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٦٧، و\"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٣٥ ب، و\"زاد المسير\" ٨/ ٢٩٣.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ٢٤٧ أ.\n(٣) بياض في: (ع).\n(٤) بياض في: (ع).\n(٥) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٨٣ قال: يقول: \"تحدث أخبارها\" بوحي الله ﵎ وإذنه لها، ثم قال: ﴿لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ﴾ فهي فيما جاء به التفسير متأخرة، وهذا موضعها اعترض بينهما: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا﴾ مقدم معناه التأخير.\n(٦) (أبو عبيدة زنة): بياض في: (ع).\n(٧) \"مجاز القرآن\"٢/ ٣٠٦ بنصه.\n(٨) (أصغر ما يكون من): بياض في: (ع).\n(٩) \"التفسير الكبير\" ٣٢/ ٦١، وورد بمثله من غير عزو في: \"معالم التنزيل\" ٦/ ٥١٤.\n(١٠) \"التفسير الكبير\" ٣٢/ ٦١.","vol":"24","page":229},{"text":"حسناته، ويعذبه بسيئاته (١).\nقال مقاتل: يعني: فمن يعمل مثقال ذرة خيرًا يره في القيامة في كتابه، فيفرح (٢) به، وكذلك من الشر في كتابه فيسوؤه ذلك (٣). قال: وكان أحدهم يستقل أن يعطي اليسير، ويقول: إنما نؤجر على مَا يعطى، ونحن نحبه، وليس اليسير مما نحب، ويتهاون بالذنب اليسير، ويقول: إنما وعد الله النار على الكبائر، فأنزل الله هذه الآية يرغبهم (٤) في القليل من الخير، ويحذرهم اليسير من الشر (٥).\nوقال محمد بن كعب: فمن يعمل مثقال ذرة خيرًا يره في الدنيا، وهو الكافر يرى ثواب ذلك في الدنيا في نفسه وأهله وماله حتى يلقى الآخرة وليس له فيها خير، ومن يعمل مثقال ذرة من شر يره، وهو المؤمن يرى عقوبة ذلك في الدنيا في نفسه وأهله وماله حتى يلقى الآخرة وليس له فيها شر (٦).\n_________\n(١) ورد قوله في: \"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٦٨، و\"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٣٥ ب، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٥١٦، و\"التفسير الكبير\" ٣٢/ ٦١، و\"لباب التأويل\" ٤/ ٤٠١، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٥٩٥ وعزاه إلى ابن المنذر، والبيهقي في: \"البعث\".\n(٢) في (أ): (مفرح).\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ٢٤٧ أ - ب، و\"فتح القدير\" ٥/ ٤٧٩.\n(٤) في (أ): (ترغيبهم).\n(٥) ورد معنى قوله في \"تفسير مقاتل\" ٢٤٧ ب، و\"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٣٦ أ، و\"النكت والعيون\" ٦/ ٣٢١، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٥١٦، و\"زاد المسير\" ٨/ ٢٩٣، و\"فتح القدير\" ٥/ ٤٨٠، و\"أسباب النزول\" تح أيمن صالح: ص ٣٩٨، كما وردت رواية بمثله عن سعيد بن جبير: \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٧٨، ووردت أيضًا من غير عزو في: \"لباب التأويل\" ٤/ ٤٠١.\n(٦) \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٢٨٨، و\"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٦٨، و\"بحر العلوم\" ٣/ ٥٠١، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٥١٦، و\"التفسير الكبير\" ٣٢/ ٦١ مختصرًا، و\"لباب التأويل\" =","vol":"24","page":230},{"text":"(ونحو هذا قال ابن عباس في رواية عطاء (١» (٢). ويدل على صحة هذا التأويل ما روى أن النبي -ﷺ- قال لأبي بكر -﵁- في هذه الآية: يا أبا بكر ما رأيت في الدنيا مما تكره فبمثاقيل ذرة الشر، ويدخر الله لك مثاقيل الخير حتى توفاها يوم القيامة (٣).\nوقال أهل المعَاني: يُري جزاؤه، ألا ترى أن ما (٤) عمله قد سلف لا يجوز له أن يراه، وهذا في حذف المضاف، كقوله: ﴿تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ﴾ [الشورى: ٢٢].\nفالمعنى على أن \"جزاؤه\" واقع بهم، لا ما كسبوا من أفعالهم التي قد مضت (٥) (٦).\n_________\n= ٤/ ٤٠١، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٥٩٥ وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، و\"فتح القدير\" ٥/ ٤٨٠.\n(١) \"التفسير الكبير\" ٣٢/ ٦١.\n(٢) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٣) وردت هذه الرواية في: \"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٦٨، و\"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٣٦ أ، و\"التفسير الكبير\" ٣٢/ ٦١، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٧٧ بطرق مختلفة، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٥٩٤ بطرق مختلفة وعزاه إلى ابن أبي حاتم، والطبراني في الأوسط، والحاكم في تاريخه، وابن مردويه، والبيهقي في شعب الإيمان. \"فتح القدير\" ٥/ ٤٨٠ بالطرق التي وردت في الدر، وأقربها لفظًا رواية أبي قلابة عن أنس.\n(٤) في (أ): (مما).\n(٥) بياض في: (ع).\n(٦) قول أهل المعاني لم أعثر له على مصدره.","vol":"24","page":231},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5126>سورة العاديات</span>","vol":"24","page":233},{"text":"تفسير سورة والعاديات <span data-type=\"title\" id=toc-5127>(١)</span>\nبسم الله الرحمن الرحيم\n\n١ - ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا﴾.\nقال ابن عباس: هي الخيل في الغزو (٢)، وهو قول عطاء (٣)،\n_________\n(١) فيها قولان:\nأحدهما: أنها مكية. في قول ابن مسعود، وجابر، والحسن، وعكرمة، وعطاء.\nوالآخر: أنها مدنية من قول ابن عباس، وأنس بن مالك، وقتادة.\nانظر: \"النكت والعيون\" ٦/ ٣٢٣، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٥١٣، و\"البحر المحيط\" ٨/ ٥٠٣، و\"فتح القدير\" ٥/ ٤٨\n(٢) \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٣٩٠، و\"معاني القرآن\" للفراء: ٣/ ٢٨٤، و\"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٧١، و\"بحر العلوم\" ٣/ ٥٠٢، و\"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٣٧ ب، و\"النكت والعيون\" ٦/ ٣٢٣، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٥١٧، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٥١٣، و\"زاد المسير\" ٨/ ٢٩٥، و\"التفسير الكبير\" ٣٢/ ٦٤، و\"لباب التأويل\" ٤/ ٤٠٢، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٧٩، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٦٠٠ وعزاه إلى عبد بن حميد، \"فتح الباري\": ٨/ ٧٢٨، و\"المستدرك\" ٢/ ٥٣٣ وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.\n(٣) \"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٧١، و\"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٣٧ ب، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٥١٧، و\"زاد المسير\" ٨/ ٢٩٥، \"التفسير الكبير\" ٣٢/ ٦٤، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٧٩.","vol":"24","page":235},{"text":"ومجاهد (١)، (وعكرمة (٢» (٣)، والحسن (٤)، (وأبي العالية (٥)، والربيع (٦)، وعُبيد بن عمير (٧) (٨» (٩) قالوا: أقسم الله بالخيل العادية لغزو الكفار، وهي تضبح، (واختاره الفراء (١٠)، والزجاج (١١» (١٢).\n_________\n(١) المراجع السابقة: بالإضافة إلى: \"تفسير الإمام مجاهد\" ٧٤٣، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٥١٣، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٦٠٢ وعزاه إلى الفريابي، وعبد بن حميد.\n(٢) \"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٧١، و\"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٣٧ ب، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٥١٧، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٥١٣، و\"زاد المسير\" ٨/ ٢٩٥، و\"التفسير الكبير\" ٣٢/ ٦٤، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٧٩.\n(٣) ساقط من (أ).\n(٤) \"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٣٧ ب، و\"النكت والعيون\" ٦/ ٣٢٣، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٥١٧، و\"زاد المسير\" ٨/ ٢٩٥، \"تفسير الحسن البصري\": ٢/ ٤٣٣.\n(٥) المراجع السابقة: عدا النكت وتفسير الحسن، وانظر أيضًا: \"تفسير أبي العالية\" تح: الورثان ٢/ ٢٦٢.\n(٦) \"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٣٧ ب، و\"زاد المسير\" ٨/ ٢٩٥.\n(٧) تقدمت ترجمته في سورة البقرة.\n(٨) لم أعثر على مصدر لقوله، والذي وجدته عنه الرواية أنها في الإبل، وانظر: \"تفسير عبد الرزاق\" ٣/ ٣٩٠، و\"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٣٨ ب، و\"زاد المسير\" ٨/ ٢٩٤، و\"البحر المحيط\" ٨/ ٥٠٣.\n(٩) ما بين القوسين ذكر بدلًا عنه في: (أ) لفظ: (غيرهم). ومما ذكر مثل قولهم أي أنها الخيل العادية لغزو الكفار: قتادة، ومسلم، والضحاك، والكلبي، والمقاتلان، وعطية بن كيسان، وأنس.\n\"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٧٢، و\"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٣٧ ب، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٥١٧، و\"زاد المسير\" ٨/ ٢٩٥، و\"التفسير الكبير\" ٣٢/ ٦٤.\n(١٠) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٨٤.\n(١١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣٥٣.\n(١٢) ما بين القوسين ساقط من (أ).","vol":"24","page":236},{"text":"قال ابن عباس: والضبح: أصوات أنفاس الخيل إذا عدون (١).\nوقال أبو إسحاق: معناه: والعَاديات تضبح ضبحًا، وهو صوت (أجوافها إذا عدت) (٢) (٣).\n(وقال الليث: الخيل العاديات تضبح في عدوها ضبحًا، وهو صوت) (٤) يسمعه من أفواهها؛ ليس بصَهِيل ولا حَمْحَمة، ولكنه صوت (نفس) (٥) يسمعه من أفواهها (٦).\nوعلى هذا القول القسم عَام بالخيل العَادية في سبيل الله وهي تضبح.\nوقال الكلبي: بعث رسول الله (-ﷺ-) (٧) سرية إلى أناس من كنانة (٨)، فمكث ما شاء الله أن يمكث لا يأتيه لها خبر، فتخوف عليها، فنزل جبريل يخبر بمسيرها وأثرها (٩).\n_________\n(١) ورد معنى قوله في: \"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٧٣، و\"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٣٨ أ، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٦٠٠ - ٦٠١.\n(٢) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٣) ورد قوله في: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣٥٣.\n(٤) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٥) ساقط من (أ).\n(٦) ورد قوله في: \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٢١٩ (ضبح)، والقول عن الليث عن بعضهم، وقد زاد الإمام الواحدي قوله: ولكنه صوت يسمعه من أفواهها.\n(٧) ساقط من (ع).\n(٨) كنانة: بطن من مضر من القحطانية. قال أبو عبيد: وهم في اليمن، قال في العبر: وديارهم بجهات مكة المشرفة.\n\"نهاية الأرب في معرفة أنساب العرب\" للقلقشندي ص ٣٦٦.\n(٩) \"التفسير الكبير\" ٣٢/ ٦٤.","vol":"24","page":237},{"text":"ونحو هذا قال مقاتل (١): وقالا (٢) في قوله: \"ضبحًا\" هو أنفاسها إذا علت.\nوعلى قولهما هذه الآيات خاصة في خيل تلك السرية.\nوقال علي -﵁-: ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا﴾ الإبل في الحج تعدو من عرفة إلى المزدلفة، ومن مزدلفة إلى مني (٣). (وهذا قول عبد الله (٤)، ومحمد بن كعب (٥)، وأبي صالح (٦» (٧).\nقال الأزهري: من جعلها الإبل جعل \"ضبحًا\" بمعنى ضَبْعًا،\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ٢٤٨ أ، و\"بحر العلوم\" ٣/ ٢٠٥، و\"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٣٧/ ب، و\"زاد المسير\" ٨/ ٢٩٥.\n(٢) أي مقاتل، والكلبي، وورد قول مقاتل في \"تفسيره\": ٢٤٨ ب، ولم أعثر على مصدر لقول الكلبي.\n(٣) \"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٧٣، و\"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٣٨ ب، و\"النكت والعيون\" ٦/ ٣٢٣، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٥١٧، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٥١٣، و\"زاد المسير\" ٨/ ٢٩٤، و\"التفسير الكبير\" ٣٢/ ٦٣، و\"لباب التأويل\" ٤/ ٤٠٢، و\"البحر المحيط\" ٨/ ٥٠٣، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٧٩.\n(٤) المراجع السابقة: عدا \"لباب التأويل\"، و\"تفسير القرآن العظيم\"، و\"المحرر الوجيز\".\n(٥) \"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٣٨ ب، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٥١٧، و\"زاد المسير\" ٨/ ٢٩٤، و\"التفسير الكبير\" ٣٢/ ٦٣، و\"البحر المحيط\" ٨/ ٥٠٣، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٦٠٣ وعزاه إلى عبد بن حميد، و\"فتح القدير\" ٥/ ٤٨٢.\n(٦) \"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٣٨ ب، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٥١٧، و\"زاد الميسر\" ٨/ ٢٩٤، و\"البحر المحيط\" ٨/ ٥٠٣، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٦٠٣ وعزاه إلى عبد بن حميد، و\"فتح القدير\" ٥/ ٤٨٢.\n(٧) ما بين القوسين ساقط من (أ).","vol":"24","page":238},{"text":"يقال: ضبعت الناقة في سيرها، وضبعت إذا مدت ضَبْعَيْها في السَّير (١)، وهو قول أبى عبيدة، قال: ضبحت، وضبعت واحد <span data-type=\"title\" id=toc-5128>(٢)</span>، وأنشد (٣):\nفكان لكم أحرى جميعًا وأضبحت ... بي النازل الوجنا في الآل تضبح (٤)\nوالضبح في (الخيل) (٥) أظهر عند أهل العلم.\nقال صاحب النظم: (كلا (٦) القولين قد جاء في التفسير؛ إلا أن ما بعده يدل على أنها الخيل، وهو قوله:\n\n٢ - ﴿فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا﴾، والإيراء لا يكون إلا للحافر لصلابته، وأما الخف ففيه لين واسترخاء) (٧) هذا كلامه.\nويقال: يَري (٨) الزند ورى (٩) وريًا وريَة، مثل: وَعَى تَعي وَعْيًا وعِيَة.\nويقال أيضًا: وروى يري مثل: ولى (١٠) يَلي، وورى تَوْرى مثل وحى\n_________\n(١) \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٢١٩ (ضبح)، وهذا القول ذكره الأزهري عن بعض أهل اللغة بنصه.\n(٢) \"مجاز القرآن\" ٢/ ٣٠٧، كما ورد قول أبي عبيدة في \"الإبدال\" لابن السكيت، ولم يذكر بيت الشعر ص ٨٦.\n(٣) لم أجد في المجاز أنه استشهد ببيت الشعر.\n(٤) لم أعثر على مصدر له.\n(٥) ساقط من (أ).\n(٦) في (ع): (كلى).\n(٧) ما بين القوسين من قول صاحب النظم، ولم أعثر على مصدر لقوله.\n(٨) في (أ): (ورى).\n(٩) في (ع): (يرِى).\n(١٠) (في (ع): (وإلى).","vol":"24","page":239},{"text":"يوحي، ثلاث (١) لغات، ذكر ذلك أبو عبيد (٢)، وأبو الهيثم (٣): وأوريت النار إيراء فورَت تَري، وورِيَتْ تَرِيْ، وتَورى (٤)، والقدحُ قدحَك بالزند، والمقدحة وهي الحديدة التي تقدح بها.\nقال ابن عباس: يريد ضرب الخيل بحوافرها الجبل، فأورت منه النار، مثل الزناد إذا قدح (٥).\nقال (٦) مقاتل: تقدحن بحوافرها في الحجارة نارًا كنار الحُباحب (٧).\n_________\n(١) في (ع): \"ثلث\".\n(٢) \"الغريب المصنف\" لأبي عبيد ١/ ١٥٦.\n(٣) \"تهذيب اللغة\" ١٥/ ٣٠٦ (ورى).\n(٤) من قوله: (وأوريت النار) إلى (تورى) ذكره أيضًا أبو هيثم في \"تهذيب اللغة\" ١٥/ ٣٠٦ - ٣٠٧ (وري)\n(٥) \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٥١٣ بمعناه، و\"التفسير الكبير\" ٣٢/ ٦٥، و\"الدر المنثور\" بطرق مختلفة عنه ٨/ ٥٩٩، وعزاه إلى البزار، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والدارقطني في الأفراد، وابن مردويه.\n(٦) في (ع): (قال).\n(٧) الجاحب يقصد بها: أبا حباحب كان شيخًا من مُضر في الجاهلية من أبخل الناس، وكان لا يوقد نارًا لخبز ولا غيره حتى ينام كل ذي عين، فإذا نام أصحابه أوقد نويرة تَقِدُ مرة وتخمد أخرى فإذا استيقظ بها أحد أطفأها كراهية أن ينتفع بها أحد، فشبهت العرب هذه النار بناره، أي لا ينتفع كما لا ينتفع بنار أبي حباحب. انظر: \"جمهرة الأمثال\" ١/ ٢٤٦ رقم: ١٩٩٢، و\"الزاهر\" ١/ ١٨٤، و\"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٣٩ أ، و\"التفسير الكبير\" ٣٢/ ٦٥، و\"معاني القرآن\" للفراء: ٣/ ٢٨٤.\nوقيل: نار الحباحب: طائر يطير بين المغرب والعشاء أحمر الريش، يخيل إلى الناظر إليه أن في جناحه نارًا. \"الزاهر\" ١/ ١٨٤.","vol":"24","page":240},{"text":"وقال أبو عبيدة: توري بسَنابِكِها (١) (٢).\nوقال الزجاج: إذا عدت الخيل بالليل [وأصابت] (٣) حوافرها الحجارة انقدح منها النيران (٤).\nو\"قدحًا\" نصب على معنى: فالموريات تقدح قدحًا، كما قلنا في ضبحًا، وهذا (٥) الذي ذكرنا قول (عكرمة (٦» (٧)، وعطاء (٨)، والضحاك (٩).\nو\"الموريات\" على هذا القول هي العَاديات.\nوروى (سعيد بن جبير) (١٠) عن ابن عباس قال: هم الذين يغزون فيورون بالليل نيرانهم لحاجتهم وطعامهم (١١).\n_________\n(١) في) أ): (سنابلها).\n(٢) \"مجاز القرآن\" ٢/ ٣٠٧، والسُّنْبُك: طرف الحافر وجانباه من قُدم، وجمعه سنابك. \"تهذيب اللغة\" ١٠/ ٤٢٨ (سنبك).\n(٣) في (أ): (قد أصاب)، وفي: (ع): (وأصاب)، وأثبت ما جاء في معاني الزجاج مصدر القول.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣٥٣ بنصه.\n(٥) في (ع): (وهو).\n(٦) \"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٧٣، و\"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٣٨ ب، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٥١٧، وكلامه في المراجع السابقة: قال: أورت وقدحت، وقال: توري النار بحوافرها إذا سارت في الحجارة والأرض المخصبة.\n(٧) ساقط من (ع).\n(٨) \"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٧٣ وعبارته قال: أورت النار بحوافرها، و\"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٣٨ ب، و\"النكت والعيون\" ٦/ ٣٢٤، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٥١٧.\n(٩) المراجع السابقة وعبارته قال توري الحجارة بحوافرها.\n(١٠) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(١١) ورد معنى قوله في المراجع السابقة وانظر أيضًا: \"زاد المسير\" ٨/ ٢٩٦، و\"التفسير الكبير\" ٣٢/ ٦٥، و\"البحر المحيط\" ٨/ ٥٠٤.","vol":"24","page":241},{"text":"والموريات على هذا القول الجماعات من الغزاة.\nوقال محمد بن كعب: فالموريات قدحًا ليلة المزدلفة، يعني الحاج إذا أوقدوا نيرانهم بها (١).\nوعلى هذا قول من قال بالعاديات، [أنها] (٢) الإبل.\nوقال قتادة: الموريات هي الخيل توري نار العداوة بين المقاتلين عليها (٣).\n(وقال عكرمة: هي الألسنة توري نار العداوة بعظيم ما تتكلم به) (٤) (٥).\nوقال مجاهد: هي أفكار الرجال توري نار المكر والخديعة (٦).\nوالعرب تقول: لأقدحن لك، ثم لأورين لك، أي لأهيجن عليك شرًا وحزنًا ومكرًا. (وهذا قول زيد بن أسلم) (٧) (٨).\n_________\n(١) \"النكت والعيون\" ٦/ ٣٢٤، و\"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٣٩ أ، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٥١٧، و\"زاد المسير\" ٨/ ٢٩٦.\n(٢) في كلا النسختين (لأنها)، وأثبت ما رأيت به استقامة الكلام.\n(٣) ورد معنى قوله في: المراجع السابقة عدا \"زاد المسير\"، ومن مصادر قوله أيضًا: \"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٧٤، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٥١٤.\n(٤) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٥) ورد معنى قوله في المراجع السابقة جميعها بالإضافة إلى: \"التفسير الكبير\" ٣٢/ ٦٥، و\"البحر المحيط\" ٨/ ٥٠٤.\n(٦) ورد معنى قوله مختصرًا في: \"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٧٤، و\"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٣٩ أ، و\"النكت والعيون\" ٦/ ٣٢٤، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٥١٧، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٥١٤، و\"زاد المسير\" ٨/ ٢٩٦، و\"البحر المحيط\" ٨/ ٥٠٤، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٧٩.\n(٧) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٨) \"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٣٩ أ، كما ورد معنى قوله في: \"معالم التنزيل\" =","vol":"24","page":242},{"text":"قال ابن جريج: معنى ﴿فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا (٢)﴾ فالمنجحات أمرًا (١)؛ يعني البالغين بحجتهم فيما قصدوا من الغزو والحج، والحرب تقول للمنْجح في حاجته وريت زنده (٢)، أوري زنده، وفي ضده تقول: صِلد <span data-type=\"title\" id=toc-5129>(٣) </span>زنده (٤)، إذا لم يظفر ببغيته.\n٣ - قوله: ﴿فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا (٣)﴾ قال ابن عباس (في رواية عطاء (٥)، والكلبي (٦» (٧) هي التي تغير على العدو عند الصباح.\n_________\n= ٤/ ٥١١، و\"زاد المسير\" ٨/ ١٩٦ \"البحر المحيط\" ٨/ ٥٠٤.\n(١) ورد قوله عن بعضهم في: \"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٣٩ أ.\n(٢) جاء في \"جمهرة الأمثال\": للعسكري: ٢/ ٢٨٦: قولهم وَرِيَتْ بك زِنادي، أي أنجح الله بك أمري، ويراد به الدعاء، يقال: وَرَت النار ترِى ورْيًا، وَوِريَتٌ الزّناد فهي وارية، وأورى القادح.\n(٣) الصلد: هو الحجر الأملس اليابس، يقال صَلَدَ الزند يصلد إذا صوت ولم يُخرج نارًا.\n\"تهذيب اللغة\" ١٢/ ١٤٢ (صلد).\n(٤) جاء في \"مجمع الأمثال\" للميداني ٢/ ٢٢١: رقم ٢١٠٣: صَلَدَتْ زِنَاده، إذا قدح فلم يؤد، يُضرب للبخيل يُسأل فلا يُعْطي.\nوعن الأصمعي قال: يقال: صَلَد الزند يَصْلُد إذا صوت ولم يخرج نارًا. \"الغريب المصنف\" ١/ ١٥٦.\n(٥) ورد معنى قوله من طريق عطاء في: \"الدر المنثور\" ٨/ ٦٠١، وعزاه إلى عبد الرزاق، ولم أجده عنده، وسعيد بن منصور، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.\nوفي: \"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٧٥ وردت روايته من طريق سعيد بن جبير، كما ورد قول ابن عباس من ذكر الطريق في: \"النكت والعيون\" ٦/ ٣٢٤، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٥١٤، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٧٩.\n(٦) المرجع السابق: عدا الدر.\n(٧) ما بين القوسين ساقط من (أ).","vol":"24","page":243},{"text":"وقال مقاتل: هي الخيل تضبح بالغارة (١). وهذا قول جماعة المفسرين (٢).\nوإنما (٣) خص الصبح بالإغارة عنده، لأن عَادة العرب كانت في إغارتهم أن يغيروا عند الصَباح، وذلك أغفل مَا يكون الناس؛ يقولون: صبحنا بني فلان (٤)، أي أتيناهم صباحًا للغارة، ومنه:\nنحن صبحنا عَامرًا في دارها (٥)\nيقولون: إذا بدروا بخيل أوغارة تحيتهم: يا صباحاه، ينذرون الحي بهذا النداء، أي الغارة فانتبهوا، واستعدوا للحرب.\nوقال (٦) محمد بن كعب: هي الإبل تدفع بركبانها يوم النحر جمع إلى مني، والسنة أن لا يغير حتى تصبح (٧). هذا كلامه.\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ٢٤٨ ب.\n(٢) وقد حكاه عن أكثر المفسرين الثعلبي في: \"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٣٩ أ، والبغوي في \"معالم التنزيل\" ٤/ ٥١٧، وابن عطية: \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٥١٤، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٨/ ٢٩٦.\nوقال قتادة، ومجاهد: \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٧٩.\n(٣) في (أ): (وإن ما).\n(٤) جاء \"مجمع الأمثال\" ٢/ ٣٤١، يقال: صَبَّحَ بني فلان زوير سوء، وإذا عَرَاهم في عقر دارهم، والزُّوير: زعيم القوم.\n(٥) عجز البيت:\nجُرْدًا تَعَادَى طرفَى نَهَارها\nوقد ورد البيت من غير نسبة في: \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٢٦٥: (صبح)، و\"لسان العرب\" ٢/ ٥٠٣ (صبح).\n(٦) في (أ): (قال).\n(٧) \"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٣٩ أ، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٥١٧.","vol":"24","page":244},{"text":"ومعنى الإغارة في اللغة (: الإسراع، ويقال أغار، إذا أسرع، وبذلك فسر الكسائي قول الأعشى:\nأغارَ لعَمْرِي في البلاد وأنجدا (١» (٢)\nوكانت العرب في الجاهلية تقول: أشرِقْ ثبير كيما نُغِيُر (٣). أي كي يسرع في الإفاضة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5130>٤ </span>- قوله (تعالى) (٤): ﴿فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا﴾.\n(يقال: ثار الغبارُ والدُّخان، إذا ارتفع، وثار القطا (٥) عن مفحصه (٦) (٧)، ويقال: ثاروا في وجوه القوم، وأثرته: أي هيجته وأثرت الغبار.) (٨)\n_________\n(١) ورد البيت غير منسوب في \"تهذيب اللغة\" ٨/ ١٨٣ (غار)، البيت للأعشى ميمون ابن قيس وهو في ديوانه.\n(٢) ما بين القوسين نقله عن \"تهذيب اللغة\" ٨/ ١٨٣ (غار).\n(٣) ورد المثل في \"مجمع الأمثال\" ٢/ ١٥٧ وهو مثل يضرب في الإسراع والعجلة، ومعنى أشرِقْ: أي ادخُلْ يا ثبيِر في الشُّرَوق كَي نُسرع للنَّحْر، يُقال: أغار على إغارة الثَعْلب، أي أسْرَع، قال عمر): إن المشركين كانوا يقولون: أشرق ثبير كما نُغير، وكانوا لا يفيُضون حتى تطلع الشمس.\n(٤) ساقط من (ع).\n(٥) القطا: هو طير، والواحدة: قطاة، سمي بذلك لثِقل مَشْيه. \"تهذيب اللغة\" ٩/ ٢٤٠ (قطا)، و\"لسان العرب\" ١٤/ ١٨٩ (قطا).\n(٦) (مجمثه): هكذا وردت في \"تهذيب اللغة\" بدلًا من: مفحصه.\n(٧) مفحص القطاة حيث تُفَرّخ فيها من الأرض، والدجاجة تفحص برجليها وجناحيها في التراب: تتخذ لنفسها أفحوصة تبيض أو تجثم فيه، وأفاحيص القطا التي تفرخ فيها.\n\"تهذيب اللغة\" ٤/ ٢٥٩ (فحص).\n(٨) ما بين القوسين نقله عن \"تهذيب اللغة\" ١٥/ ١١٢ (ثار)","vol":"24","page":245},{"text":"ومنه قول امرئ القيس:\nأثرْن الغُبارَ (١) بالكديد المُرَكَّلِ (٢)\n\"والنقع\" الغبار. قال جرير:\nلقومي أحمى في الحقيقة منكم ... وأضرب للجبار والنقع سَاطع (٣)\nقال المفسرون (٤): هي الخيل تثير الغبار بحوافرها، وأنشد (ابن عباس قول حسان) (٥):\nثكلت جيادنا إن لم تروها ... تُثيرُ النَّقْعَ من جبلي كداء (٦) (٧)\n_________\n(١) في (أ): (غبارًا).\n(٢) شطره الأول:\nمِسَحِّ إذا ما السابحاتُ على الوَنى\nوقد ورد في \"ديوانه\": ٥٣. دار صادر.\nومعناه: سح يسح: بمعنى صب يصب؛ أي أنه يصب الجري، والعدو صبًا بعد صب. السابح من الخيل: الذي يمد يديه في عدوه؛ شبه بالسابح في الماء. الواني: الفتور، الكديد: الأرض الصلبة المطمئنة. المركل: من الركل: وهو الدفع بالرجل، والضرب بها، والمركل الذي يركل مرة بعد أخرى. ديوانه: المرجع السابق.\n(٣) لم أجده في ديوانه.\n(٤) قال بذلك: مجاهد، وابن عباس، وعطاء، وابن زيد، وعكرمة، وقتادة، وعبد الله بن مسعود. \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٣٩٠، و\"جامع البيان\" ٣٠/ ١٧٦، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٦٠٣.\nوقال محمد بن كعب: النقع ما بين مزدلفة إلى مني. \"النكت والعيون\" ٦/ ٣٢٥.\n(٥) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٦) في (أ): (لداء).\n(٧) ورد البيت في \"ديوانه\" ص ٨، ط. دار صادر برواية:\nعَدِمْنَا خيلنا إن لم تَرَوهْاَ ... تُثير النقع موعدها كداء","vol":"24","page":246},{"text":"وقوله: ﴿بِهِ﴾\nقال الكلبي: بالمكَان الذي انتهى إليه (١).\nقال الفراء: ﴿بِهِ﴾ يريد الوادي، ولم يذكر قبل، وهو جائز إذا عرف اسم الشيء كنى عنه، صمن لم يَجْرِ له ذكر قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر: ١].\nيعني القرآن، وهو استئناف سورة (٢).\nوهذا على قول من يقول: إن هذه الآيات في ذكر إبل الحجاج (٣)، لأن ذلك الوادي الذي يسرع فيه الإبل معروف، وهو وادي (٤) مُحَسِّرُ.\nوقال أبو إسحاق: فأثرن بمكان عدوها (٥) نقعًا، ولم يتقدم ذكر المكان، ولكن في الكلام (٦) دليل عليه (٧).\n_________\n= \"النكت والعيون\" ٦/ ٣٢٥ برواية:\nعدمت بُنَيتيّ من كنفي كَداء\nو\"الدر المنثور\" ٨/ ٦٠٢ وعزاه إلى الطيالسي، وبرواية: (عدمنا موعدها كداء)، و\"روح المعاني\" ٣٠/ ٢١٦.\nالنقع: الغبار، وكداء الثنية العليا بمكة مما يلي المقابر، وهو المعلى.\nوقوله: (عدما خيلنا) هو كقولك: لا حملتني رجلي إن لم تسر إليك، ولا نفعني مالي إن لم أنفقه عليك \"شرح ديوان حسان\" ص ٥٨، تح: عبد الرحمن البرقوقي: ٥٧ بإيجاز.\n(١) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٢) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٨٥ مختصرًا.\n(٣) في (ع): الحاج.\n(٤) وادي مُحَسَّرُ: وهو موضع ما بين مكة وعرفة، وهو مَسيلٌ.\n\"معجم ما استعجم من أسماء البلاد والمواضع\" للبكري: ٤/ ١١٩٠ و\"معجم البلدان\" لياقوت الحموي ٥/ ٦٢.\n(٥) في مقروءة في: (أ).\n(٦) في (أ): (المكان).\n(٧) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣٥٣ بتصرف.","vol":"24","page":247},{"text":"وعطف ﴿فَأَثَرْنَ﴾ على معنى: فالمغيرات، ومعناهَا: فاللاتي أغرن صبحًا فأثرن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5131>٥ </span>- وقوله: ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾ قال الليث: وسطت النهر، والمفازة أسطها وَسْطًا وسِطَهَ: أي صوت في وسطها، وكذلك وسطها وتوسطها (١)، (ونحو هذا قال الفراء (٢)، وهو مما سبق الكلام فيه) (٣) (٤).\n_________\n(١) ورد قريب من هذا القول عنه في \"تهذيب اللغة\" ١٣/ ٢٨ (وسط)، والذي ورد عنه قال: فلان وَسِيطُ الدار والحسب في قومه، وقد وَسط وَساطة وسِطه ووسَّطه توسيطًا.\nوانظر: \"لسان العرب\" ٧/ ٤٢٩ من غير عزو.\n(٢) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٨٥ وكلامه، قال: اجتمعوا على تخفيف فوسطن، ولو قرئت \"فوسّطن\" كان صوابًا، لان العرب تقول: وسَطت الشي ووسّطته وتوسطته بمعنى واحد.\n(٣) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٤) سورة البقرة: ١٤٣، قال تعالى ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾، ومما جاء فيها من الكلام: \"وقوله: (وسطًا) الوسط: اسم لما بين طرفي الشي، قال: الفراء: الوسط المثقل اسم، كقولك: رأس، ووسط، وأسفل، ولا تقولن هاهنا: وسط بالتخفيف، واحتجم وسط رأسه، وربما خفف وليس بالوجه، وجلس وسط القوم، ولا يقول وسَط؛ لأنه في معنى بين القوم، وجلس وسط الدار، لأن بين لا تصلح في هذا الموضع، وربما خفف، قال الفراء: قال ابن يونس: سمعت: وسْط، ووسَط بمعنى.\nقال أحمد بن يحيى: ما اتحدت أجزاؤه فلم يتميز بعضه من بعض فهو وسَط بتحريك السين نحو: وسَط الدار، ووسَط الرأس، والكف، ومَا أشبهها، ومَا التفت أجزاؤه متجاورة بَعضها يتميز من بعض كالعقد، وحلقه الناس فهو وسط. وقال محمد بن يزيد: ما كان اسمًا فهو وسَط -محرك السين- نحو قولك: وسَط رأسه صلبٌ، ووسَط داره واسع، وما كان طرفًا فهو وسْط -مسكن السين- نحو =","vol":"24","page":248},{"text":"وقوله: ﴿بِهِ﴾ قال مقاتل: أي بالعدو (١)، وذلك أن العاديات تدل على العدو، فجازت الكتابة عنه.\nوقوله: ﴿جَمْعًا﴾ قال جماعة المفسرين يعني: جمع العدو (٢).\nوالمعنى: صرن بعدهن وسط جمع العدو.\nوقال القرظي: يعني جمع مني (٣) (٤).\nأقسم الله تعالى بهذه الأشياء فقال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5132>٦ </span>- قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾.\nقال (٥): \"الكنود\": الكفور للنعمة (٦). (كَند يكند، كنودًا) (٧).\n_________\n= قولك: وسْط رأسه دهن، ووسْط داره رجل، أي في وسط، وفي وسط رأسه. قال الفراء: ويقال: وسطت القوم سطةً ووسُوطًا إذا دخلت وسطهم. قال الله: ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾.\n\"البسيط\" ١/ ٩٢ أ.\n(١) \"تفسير مقاتل\" ٢٤٨ ب، و\"التفسير الكبير\" ٣٢/ ٦٦.\n(٢) حكاه عن المفسرين: ابن الجوزي: \"زاد المسير\" ٨/ ٢٩٦.\nوقال به: قتادة، وابن عباس، وعكرمة، وعطاء، ومجاهد، والضحاك، والحسن. \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٣٩٠، و\"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٧٧، و\"النكت والعيون\" ٦/ ٣٢٥، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٦٠٢.\n(٣) في (أ)، (ع): (منا).\n(٤) \"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٣٩ ب، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٥١٨، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٦٠٣ وعزاه إلى عبد بن حميد.\n(٥) قلت: لعله الكلبي، فقد ورد عنه هذا القول برواية الفراء له في \"تهذيب اللغة\" ١٠/ ١٢٢ (كند) لا سيما أن الكلام الذي بعده قد نقله عن التهذيب والله أعلم، وانظر: \"لسان العرب\" ٣/ ٣٨١ (كند).\n(٦) \"تهذيب اللغة\" ١٠/ ١٢٢ (كند).\n(٧) ما بين القوسين نقله عن \"تهذيب اللغة\" مرجع سابق وهو قول لليث.","vol":"24","page":249},{"text":"وقال أبو عبيدة: الكنود: الكفور، والأرض الكنود لا تنبت شيئًا، وأنشد (للأعشى) (١):\nأَحْدِثْ لها تُحدِثْ لِوصْلِكَ أنها ... كُنُدٌ لِوَصْلِ الزَّائِرِ المَعْتَادِ (٢) (٣)\nقال الأصمعي: امرأة كُنُدٌ: أي كفور للمواصلة (٤).\nوأصل الكنود مع الحق والخير، والكنود الذي يمنع مَا عليه. والمفسرون يقولون في تفسير الكنود: إنه الكفور، (وهو قول ابن عباس (٥)، وعكرمة (٦)، ومجاهد (٧)، والضحاك (٨)،\n_________\n(١) ساقط من (أ).\n(٢) ورد البيت أيضًا في: \"ديوانه\" ٥٠ ط/ دار صادر، و\"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٧٧، و\"النكت والعيون\" ٦/ ٣٢٥، و\"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٤٠ أ.\n(٣) \"مجاز القرآن\" ٣/ ٢٨٥.\n(٤) \"تهذيب اللغة\" ١٠/ ١٢٢: (كند)، أبو عبيد عن الأصمعي، وانظر: \"لسان العرب\" ٣/ ٣٨١: (كند) من غير عزو.\n(٥) \"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٧٧، و\"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٣٩ ب، و\"معالم التنزيل\" ٦/ ٥١٨، و\"زاد المسير\" ٦/ ٢٩٧، و\"التفسير الكبير\" ٣٢/ ٦٧، و\"لباب التأويل\" ٤/ ٤٠٢، و\"البحر المحيط\" ٨/ ٥٠٥، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٧٩، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٦٠٢ وعزاه إلى الطيالسي، وعبد بن حميد، وسعيد بن منصور، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه.\n(٦) \"التفسير الكبير\" ٣٢/ ٦٧.\n(٧) تفسير الإمام مجاهد: ٧٤٤، و\"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٧٧، و\"الكشف والبيان\" ١٣: ج ١٣٩ ب، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٥١٨، و\"زاد المسير\" ٨/ ٢٩٧، و\"التفسير الكبير\" ٣٢/ ٦٧، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٧٩.\n(٨) \"النكت والعيون\" ٦/ ٣٢٥، و\"زاد المسير\" ٨/ ٢٩٧، و\"التفسير الكبير\" ٣٢/ ٦٧، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٧٩.","vol":"24","page":250},{"text":"وقتادة (١) «٢).\nوقال الكلبي (٣)، (ومقاتل (٤): الكنود) (٥): هو العاصي لربه، وبلسان كندة (٦)، ومعد (٧): الكفور للنعم، وبلسان بني مالك (٨) (٩) (بن كنانة) (١٠):\n_________\n(١) \"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٧٨، و\"النكت والعيون\" ٦/ ٣٢٥، و\"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٣٩ ب، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٥١٨، و\"زاد المسير\" ٨/ ٢٩٧، و\"التفسير الكبير\" ٣٢/ ٦٧، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٧٩، شعب الإيمان: ٤/ ١٥٣: ح ٤٦٢٨. وإلى هذا القول ذهب أيضًا:\nالحسن، والربيع، وابن جبير، والنخعي، وأبو الجوزاء، وأبو العالية، ومحمد بن قيس، وعطاء. \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٣٩١، و\"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٧٨، و\"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٣٩ ب، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٦٠٣.\n(٢) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٣) \"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٣٩ ب، و\"النكت والعيون\" ٦/ ٣٢٥ بنحوه، و\"معالم التنزيل\" ٨/ ٥١٤ مختصرًا، و\"التفسير الكبير\" ٣٢/ ٦٧ مختصرًا، شعب الإيمان: ٤/ ١٥٣، ح ٤٦٢٨.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ٢٤٨ ب، و\"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٣٩ ب.\n(٥) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٦) كنده قبيلة من كهلان، وكندة هذا أبوهم، واسمه ثور، وإنما سمي كندة لأنه كند أباه؛ أي كفر نعمه، وبلاد كندة باليمن، وكان لكندة هؤلاء ملك بالحجاز واليمن، ومنهم امرؤ القيس بن عابس الكندي الصحابي. \"نهاية الأرب\" ص ٣٦٦.\n(٧) معد: بنو معد بطن من بني عدنان، وهو بطن متسع، ومنهم تناسل جميع بني عدنان \"نهاية الأرب\" ص ٣٧٨.\n(٨) في (أ) ش (ملك)، وغير مقروءة في: (ع)، وأثبت ما جاء في مصادر القول.\n(٩) بنو مالك: هم من ولد كنانة، وكنانة بطن من مضر من القحطانية، وهو في اليمن. نهاية الأرب: ٣٦٦.\n(١٠) ساقط من (أ).","vol":"24","page":251},{"text":"البخيل الذي يمنع رفده (١)، ويجيع عبده، ولا يعطي قومه في النائبة (٢) (٣)، (وقد روى مثل هذا المعنى عن أبي أمامة (٤) موقوفًا عليه (٥)، ومرفوعًا أيضًا أنه: الكفور الذي يمنع رفده، ويأكل وحده، ويضرب عبده) (٦) (٧).\n_________\n(١) رفده: الرَّافدة: فاعلة من الرَّفد، وهو الإعانة، يقال: رفَدته أرفِده إذا أعنته. \"النهاية في غريب الحديث والأثر\" ٢/ ٢٤.\n(٢) النائبة: هي ما ينوب الإنسان؛ أي ينزل به من المهمات والحوادث. \"النهاية\" ٥/ ١٢٣.\n(٣) قال به عطاء. انظر: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٥١٨، و\"البحر المحيط\" ٨/ ٥٠٥.\n(٤) تقدمت ترجمته في سورة النساء.\n(٥) \"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٧٨، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٧٩ - ٥٨٠، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٦٠٣ وعزاه إلى عبد ابن حميد، والبخاري في الأدب، والحكيم الترمذي، وابن مردويه.\nوأخرجه الطبراني في \"الكبير\" ٨/ ٢٢١، ٢٩٢: ح ٧٧٧٨، ٧٩٥٨.\n(٦) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٧) وردت الرواية عند الطبري في: \"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٧٨ من طريق جعفر بن الزبير عن القاسم عن أبي أمامة مرفوعًا بنحوه، كما وردت في: \"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٤٠ أ، و\"النكت والعيون\" ٦/ ٣٢٥، وقال محقق \"النكت\" رواه ابن جرير، وسنده ضعيف؛ لأن فيه جعفر بن الزبير، وهو متروك، وقال الهثيمي في \"مجمع الزوائد\" ٧/ ١٤٢: رواه الطبراني بإسنادين في أحدهما جعفر بن الزبير، وهو ضعيف، وفي الآخر من لم أعرفه، \"المعجم الكبير\" ٨/ ٢٢١، ٢٩٢، ح ٧٧٧٨ - ٧٩٥٨، ثم قال: قلت: وضعفه السيوطي في \"الدر\" ٨/ ٦٠٣، وزاد نسبته لابن عسكر والبيهقي، وابن مردويه.\nوقال ابن كثير: ورواه ابن أبي حاتم من طريق جعفر بن الزبير، وهو متروك، فهذا إسناد ضعيف، وقد رواه ابن جرير أيضًا مرفوعًا. \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٧٩ - ٥٨٠.","vol":"24","page":252},{"text":"(وقال الحسن: الكنود لوّام لرب يعدُّ المصيبات، وينسى النعم (١» (٢).\nقال (عطاء عن) (٣) ابن عباس: نزلت في قرط بن أبي قرط، (يريد أنه لربه لكفور (٤» (٥).\n\n(قال مقاتل: هو قرط) (٦) بن عبد الله بن عمرو بن نوفل القرشي <span data-type=\"title\" id=toc-5133>(٧)</span>.\nثم قال:\n\n٧ - وقوله: ﴿وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ﴾\nقال ابن عباس: يريد: وإن الله على كفره لشهيد (٨).\n_________\n= كما وردت الرواية في: \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٥١٤، و\"زاد المسير\" ٨/ ٢٩٦، و\"التفسير الكبير\" ٣٢/ ٦٧.\nقال ابن حجر: جعفر بن الزبير الحنفي: متروك الحديث، وكان صالحًا في نفسه. \"تقريب التهذيب\" ١/ ١٣٠: ت: ٨٠.\n(١) \"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٧٨، و\"بحر العلوم\" ٣/ ٥٠٣، و\"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٣٩ ب، و\"النكت والعيون\" ٦/ ٣٢٥، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٥١٨ بنحوه، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٥١٤، و\"تفسير الحسن البصري\" ٢/ ٤٣٤، و\"شعب الإيمان\" ٤/ ١٥٣، ح ٤٦٢٩.\n(٢) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٣) ساقط من (أ).\n(٤) ورد قوله في: \"التفسير الكبير\" ٣٢/ ٦٧.\n(٥) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٦) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٧) \"تفسير مقاتل\" ٢٤٨ ب، و\"بحر العلوم\" ٣/ ٥٠٣، و\"زاد المسير\" ٨/ ٢٩٦.\n(٨) ورد معنى قوله في: \"زاد المسير\" ٨/ ٢٩٧، و\"البحر المحيط\" ٨/ ٥٠٥، وبمثله ورد عن ابن جريج في: \"النكت والعيون\" ٦/ ٣٢٦، وعزاه البغوي إلى أكثر المفسرين في: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٥١٨.","vol":"24","page":253},{"text":"ثم أخبر عنه فقال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5134>٨ </span>- (قوله) (١): ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾\nالخير: المال هَاهنا في قول الجميع (٢)، والله تعالى. سمى المال خيرًا في مواضع من التنزيل كقوله: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ (٣) ونحوه (٤). وعلى هذا عَادة الناس، لأن الناس يعدونه فيما بينهم خيرًا، وهذا كما أنه سمي ما ينال المجاهد من الجراح وأذى الحرب (٥) سوءًا في قوله: ﴿لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ﴾ [آل عمران: ١٧٤] على ما يتعارفه الناس بينهم، لا على أنه سوء في العاقبة. ذكر ذلك ابن زيد (٦).\n﴿الشَّدِيدِ﴾ والبخيل. قال أبو عبيدة، (والزجاج) (٧): يقال للبخيل: شديد ومتشدد، وأنشد لطرفة:\n_________\n(١) ساقط من (أ).\n(٢) قال بذلك من المفسرين: قتادة، وابن زيد، وابن عباس، ومجاهد:\n\"تفسير عبد الرزاق\" ٢٠/ ٣٩١، و\"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٧٩، و\"النكت والعيون\" ٦/ ٣٢٦.\nوقال به السمرقندي في: \"بحر العلوم\" ٣/ ٥٠٣، وابن قتيبة في: \"تفسير غريب القرآن\" ٥٣٦، والزجاج في: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣٥٤، وانظر: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٥١٨، و\"زاد المسير\" ٨/ ٢٩٧، و\"لباب التأويل\" ٤/ ٤٠٢، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٨٠ ولم أجد من قال بغير ذلك\n(٣) سورة البقرة: ١٨٠.\n(٤) قال تعالى: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٢٧].\nوقال تعالى: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ [البقرة ٢٧٣].\n(٥) في (أ): (الحربي).\n(٦) ورد معني قوله في: \"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٧٩، و\"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٤٠ ب.\n(٧) ما بين القوسين ساقط من (أ).","vol":"24","page":254},{"text":"أرى الموت يعتام الكرام ويصطفي ... عقيلة مال الفاحش المتشدِّدِ (١) (٢)\nالمعنى: فإن (٣) الإنسان من أجل حب المال لبخيل، (وهذا معنى قول المفسرين) (٤).\nوقال ابن قتيبة: معناه: وإن حُبَّهُ للخير شديد، فأخر الحب وقدم الهاء، ذكره في باب المقلوب (٥) (٦).\n_________\n(١) ورد البيت في: \"ديوانه\" ص ٣٤، ط. المؤسسة العربية، و\"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٧٩: برواية: (النفوس) بدلًا من (الكرام)، و(الباطل) بدلًا من: (الفاحش)، و\"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣٥٤، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٥١٥، و\"الكشاف\" ٤/ ٢٢٩، و\"زاد المسير\" ٨/ ٢٩٧ برواية: (الباطل) بدلًا من: (الفاحش)، و\"الدر المصون\" ٦/ ٥٦١.\n(٢) \"مجاز القرآن\" ٢/ ٣٠٧ - ٣٠٨.\n(٣) في (ع): (وإن) وقال بذلك ابن قتيبة في: \"تفسير غريب القرآن\" ص ٥٣٦، والزجاج في: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣٥٤.\nوعزاه الطبري إلى نحوبي البصرة في: \"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٧٩، وانظر: \"بحر العلوم\" ٣/ ٥٠٣ - ٥٠٤، و\"زاد المسير\" ٨/ ٢٧٩، وذكر الماوردي قولًا آخر، وهو: لشديد الحب للخير، وشدة الحب قوته وتزايده. \"النكت والعيون\" ٦/ ٣٢٦، وقد قال به ابن زيد، وقتادة، ونحويو الكوفة، والحسن. انظر: \"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٧٩، و\"النكت والعيون\" ٦/ ٣٢٦، و\"زاد المسير\" ٨/ ٢٩٧، وقد قال به أيضًا الثعلبي في: \"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٤ ب، وابن عطية في: \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٥١٥. وانظر: \"لباب التأويل\" ٤/ ٤٠٢، و\"البحر المحيط\" ٨/ ٥٠٥، وقال به الكلبي في \"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ٢٨٥، وذكر ابن كثير المعنيين: \"لشديد\" البخل والقوة، وقال: كلاهما صحيح. \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٨٠.\n(٤) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٥) في (أ): (القلوب).\n(٦) ورد قوله في: \"تأويل مشكل القرآن\" ص ٢٠٠: باب المقلوب.","vol":"24","page":255},{"text":"قال ابن الأنباري: ولا يجوز أن يحمل هذا على القلب؛ لأنه لا ضرورة تحوج إلى ذلك، وهو صحيح المعنى من غير قلب اللفظ، ومعناه: إن الإنسإن من أجل حب المال لبخيل، و\"اللام\" في الحب بتأويل: من أجل (١).\nقال الفراء: ويجوز أن يكون المعنى: وانه لحب الخير لشديد الحب، فاكتفى بالحب الأول من الثاني، كما قال: ﴿اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ﴾ [إبراهيم: ١٨] أراد في يوم عاصف الريح، فاكتفى بالأول من الثانية (٢).\nثم خوفه فقال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5135>٩ </span>- ﴿أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ﴾ يقول (٣): أفلا يعلم هذا الإنسان إذا بعث الموتى.\n(وذكرنا تفسير \"بعثر\" عند قوله: ﴿وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ﴾ [الانفطار: ٤] (٤)، ومعنى: ﴿بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ﴾: أثير وأخرج) (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5136>١٠ </span>- ﴿وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ﴾ قال أبو عبيدة: (مُيَّز (٦» (٧).\nقال الليث (٨): حصل (يحصل) (٩) الشيء حصولًا، والحاصل من كل\n_________\n(١) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٢) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٨٥ - ٢٨٦ بتصرف تام.\n(٣) لا أدري من هو المعنى بقوله: (يقول)، ولم أستطع التوصل لمعرفته، أو هل يعني أن القول عائد إلى الله سبحانه؟. وقد ورد عن مقاتل بنحوه في \"تفسيره\" ٢٤٨ ب.\n(٤) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٥) ما بين القوسين من قول أبي عبيدة في: \"مجاز القرآن\" ٢/ ٣٠٨.\n(٦) ساقط من (أ).\n(٧) \"مجاز القرآن\" ٢/ ٣٠٨.\n(٨) ساقط من (أ).\n(٩) ساقط من (أ).","vol":"24","page":256},{"text":"شيء ما بقي وثبت وذهب ما سواه، والتحصيل: تمييز ما يحصل، والاسم الحصيلة، قال لبيد:\nوكل امرئٍ يِوْمًا سيعلم سَعْيه ... إذا حصلَتْ عندَ الإلَهِ الحصائِلُ (١) (٢» (٣)\nقال ابن عباس (٤)، ومقاتل (٥): ميز ما في القلوب من الخير والشر.\nوقال الكلبي: بين (٦). والمعنى: جمع، وأبرز.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5137>١١ </span>- قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّهُمْ﴾ مفعول العلم، وكسرت \"إن\" لمكان \"اللام\" في خبرها.\nوتأويل هذه الآية ما ذكره الزجاج قال: الله خبير بهم في ذلك اليوم وغيره، ولكن المعنى: أن الله يجازيهم على كفرهم في ذلك اليوم، وليس يجازيهم (٧) إلا بأعمالهم، ومثل: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [النساء: ٦٣] معناه: أولئك الذين لا يترك الله مجازاتهم (٨).\n_________\n(١) غير مقروءة في: (ع).\n(٢) ورد في \"ديوانه\" ص ١٣٢ برواية: (كشفت) بدلًا من (حصلت)، و(المحاصل) بدلًا من (الحصائل)، والحصائل هي الحسنات والسيآت معًا.\nكما ورد في: \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٢٤١ (حصل)، و\"التفسير الكبير\" ٣٢/ ٦٨.\n(٣) ما بين القوسين نقله عن \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٢٤١ (حصل) بتصرف.\n(٤) ورد معنى قوله في: \"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٨٠، و\"زاد المسير\" ٨/ ٢٩٧، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٨٠، وروايته: أبرز ما فيها، وقال أيضًا: أبرز وأظهر.\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ٢٤٨ ب.\n(٦) ورد معنى قوله في: \"النكت والعيون\" ٦/ ٣٢٦ وعبارته: ميز ما فيها.\n(٧) في (أ): (يجزي).\n(٨) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣٥٤.","vol":"24","page":257},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5138>سورة القارعة</span>","vol":"24","page":259},{"text":"تفسير سورة القارعة <span data-type=\"title\" id=toc-5139>(١)</span>\nبسم الله الرحمن الرحيم\n\n١ - ﴿الْقَارِعَةُ﴾ اسم من أسماء القيامة في قول الجميع (٢)\nقال الكلبي: سميت قارعة، لأنها قرعت قلوبهم. (٣)\nوقال مقاتل: لأنها تقرع أعداء الله بالعذاب (٤).\n_________\n(١) مكية بقول الأكثرية، وقيل: إنها مدنية.\n(٢) \"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٨٠، و\"بحر العلوم\" ٣٢/ ٧٠، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٥١٩. حكى الإجماع الفخر في \"المسير الكبير\" ٣٢/ ٧٠، وعزاه ابن عطية إلى جمهور المفسرين في \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٥١٦، وكذلك ابن حيان في \"البحر المحيط\" ٨/ ٥٠٦، وقد قال بذلك ابن عباس، ووكيع. انظر: \"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٨١، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٦٠٥. وقد قال به أيضًا ابن قتيبة في \"تفسير غريب القرآن\" ٥٣٧، والزجاج في: \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣٥٥، والسمرقندي في: \"بحر العلوم\" ٣/ ٥٠٥، وانظر: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٥١٩، و\"لباب التأويل\" ٤/ ٤٠٣، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٨٠، و\"فتح القدير\" ٥/ ٤٨٥، وهناك من خالف هذا القول وقال: هي النار ذات التغيظ والزفير، قاله الضحاك كما في \"البحر المحيط\" ٨/ ٥٠٦.\nقال الكرماني: الجمهور على أنها القيامة، وقيل الصيحة، والغريب هي النار. \"غرائب التفسير وعجائب التأويل\": ٢/ ١٣٨١.\n(٣) ورد معنى قوله مفصلًا في: \"التفسير الكبير\" ٣٢/ ٧٠.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ٢٤٨ ب، و\"التفسير الكبير\" ٣٢/ ٧٠، وعلق الفخر عليه بقوله: وهذا أولى من قول الكلبي لقوله تعالى: ﴿وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾.","vol":"24","page":261},{"text":"وقال أبو إسحاق: القارعة التي تقرع بالأهوال (١).\nوقال أهل المعاني: القارعة (البلية) (٢) التي تقرع القلوب بشدة المخافة والفزع بضرب (٣) بشدة اعتماد (٤).\nقوله تعالى: ﴿مَا الْقَارِعَةُ﴾ تهويل وتعظيم.\nثم عجيب نبيه -ﷺ- منها فقال: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ﴾ تعظيمًا لشدتها.\nثم بين أنها متى تكون (فقال): (٥) ﴿يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ﴾ (٦) (أي) (٧) القارعة (تقرع) (٨).\n(قوله) (٩): ﴿يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ﴾ قال الكلبي: شبههم يومئذ بالفراش الذي يطير بين السماء والأرض، فيجول بعضه في (١٠) بعض (١١).\nوقال مقاتل: يعني يجول بعضهم في بعض إذا خرجوا من القبور شبههم في الجولان بالفراش المبثوث، وشبههم في الكثرة بالجراد (١٢).\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣٥٥.\n(٢) ساقط من (أ).\n(٣) في (ع): (الضرب).\n(٤) لم أعثر على مصدر لقولهم.\n(٥) ساقط من (أ).\n(٦) ساقط من (أ).\n(٧) ساقط من (أ).\n(٨) ساقط من (أ).\n(٩) ساقط من (ع).\n(١٠) في (أ): (على).\n(١١) ورد قوله مختصرًا في: \"النكت والعيون\" ٦/ ٣٢٨.\n(١٢) \"تفسير مقاتل\" ٢٤٩/ أ.","vol":"24","page":262},{"text":"وهو قوله: ﴿كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ﴾ (١).\nوقال الفراء: كغوغاء (٢) الجراد يركب بعضه بعضًا، كذلك الناس يومئذ يجول بعضهم في بعض (٣).\nوقال أبو إسحاق: الفراش ما تراه كصغار البَق (٤) يتهافت (٥) في النار، وشبّه الناس في وقت البعث بالجراد المنتشر، وبالفراش المبثوث، لأنهم لما بُعثُوا يموج بعضهم في بعض كالجراد والفراش (٦).\nوقال أبو عبيدة: الفراش طائر لا بعوض ولا ذباب (٧).\nوقال المبرد: وهو يوصف بالجهل لتهافته في النار.\nوأنشد جرير:\nوقد كان أقوام رددت حلومهم ... عليهم وكانوا كالفراش من الجهل (٨) (٩)\n_________\n(١) سورة القمر: ٧.\n(٢) غوغاء الجراد: إذا أحمر وانسلخ من الألوان كلها، وبدت أجنحته بعد الدِّبي. وقال أبو عبيدة: الجراد أول ما يكون سَرْوة، فإذا تحرك فهو دبي قبل أن تنبت أجنحته، ثم يكون غوغاء، وبه سمي الغوغاء، والغوغاء: الصوت والجلبة.\n\"لسان العرب\" ١٥/ ١٤٢ (غوى).\n(٣) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٨٦ بنصه.\n(٤) البق: البعوض والجمع البقّ. \"مختار الصحاح\" ص ٦٠ (بق).\n(٥) تهافت: أي يتساقط، من الهَفْت، وهو السقوط.\nانظر: \"لسان العرب\" ٢/ ١٠٤ (هفت).\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣٥٥.\n(٧) \"مجاز القرآن\" ٢/ ٣٠٩ بنحوه.\n(٨) لم أعثر عليه في ديوانه وقد ورد في \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ١٦٥ برواية: (رددت قلوبهم إليهم)، و\"فتح القدير\" ٥/ ٤٨٦.\n(٩) لم أعثر على مصدر لقول المبرد.","vol":"24","page":263},{"text":"وقال الليث: الفراش الذي يطير (١)، وأنشد:\nأودى بجهلهم الفياش فجهلهم (٢) ... حلم الفراش غشين نار المصطلى (٣) (٤)\n\nوقال صاحب النظم: إنما شبههم بالفراش؛ لأن الفراش إذا ثار لم يتجه لجهة واحدة، فدل هذا على أنهم إذا بعثوا فزعوا، واختلفوا في المقاصد على جهات مختلفة، و\"المبثوث\": المفرق، يقال: بثه إذا مزقه <span data-type=\"title\" id=toc-5140>(٥)</span>\n٥ - قوله: ﴿وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ﴾.\n(العهن: الصوف ذو الألوان) (٦)، وقد مر عند قوله: ﴿وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ﴾ [المعارج: ٩].\n(والنفش: مدك الصوف حتى ينتفش بعضه عن بعض) (٧)، وهو أهون ما يكون من الصوف.\nوالمعنى: أنها تصير خفيفة في السير، كالصوف الذي نفش باليد.\n_________\n(١) (الفراش الذي يطير): غير مقروء في (ع).\n(٢) في (ع): (بحملهم الغياش محملهم) بدلا من (بجهلهم الفياش مجهلهم).\n(٣) ورد البيت غير منسوب في: \"تهذيب اللغة\" ١١/ ٣٤٦: (فرش) برواية: بحِلْمِهم الفياش فحِلْمهم.\n(٤) \"تهذيب اللغة\" ١١/ ٣٤٦ (فرش) بنصه.\n(٥) ورد بمثله من غير عزو في: \"التفسير الكبير\" ٣٢/ ٧٢، ولم أعثر على مصدر لقوله.\n(٦) ما بين القوسين قول أبي عبيدة نقله عنه من: \"مجاز القرآن\" ٢/ ٣٠٩، وقال بمعناه الأزهري: \"تهذيب اللغة\" ١/ ١٤٥ (عهن).\n(٧) ما بين القوسين من قول الليث نقله عنه بنصه من \"تهذيب اللغة\" ١١/ ٣٧٦ (نفش).","vol":"24","page":264},{"text":"ثم ذكر أحوال الناس بقوله:\nقوله (١) (تعالى) (٢): ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (٦)﴾\nقال مقاتل (٣)، (والكلبي (٤) (٥): رجحت حسناته.\n﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ قال أبو إسحاق: أي ذات رضًى يرضاها صاحبها (٦)، وهي كقولهم: لابن، ونابل، وتامر.\n(قال أبو بكر) (٧): بمعنى ذو لبن، ونبل، وتمر (٨)، ولهذا قال المفسرون في تفسيرها: \"مرضية\" (٩) على معنى يرضاها صاحبها.\n_________\n(١) في (ع): (بقوله).\n(٢) ساقط من (ع).\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ٢٤٩/ أ.\n(٤) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٥) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣٥٥ بنحوه.\n(٧) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٨) انظر: \"الأصول في النحو\" لأبي بكر السراج ٣/ ٨٣\n(٩) عزاه الفخر إلى المفسرين: \"التفسير الكبير\" ٣٢/ ٧٣، وقال بمعنى ذلك قتادة، وقال: هي الجنة، وفسرها الماوردي فقال: يعني في عيشة مرضية. وقد ورد قول قتادة أيضًا في: \"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٨٢، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٦٠٥ وعزاه إلى عبد ابن حميد، وعن مجاهد قال: في عيشة قد رضيها في الجنة. \"جامع البيان\" المرجع السابق.\nوقد ذهب إلى القول: مرضية: السمرقندي في \"بحر العلوم\" ٣/ ٥٠٥، والثعلبي في: \"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٤١/ أ. وانظر أيضًا: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٥١٩، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ١٦٦، و\"فتح القدير\" ٥/ ٤٨٦، وقد ذكر الماوردي وجهًا آخر في الآية: وهو نعيم دائم، ونسبه إلى الضحاك، ثم قال: فيكون على الوجه الأول من المعاش، وعلى الوجه الثاني من العيش. \"النكت والعيون\" ٦/ ٣٢٩.","vol":"24","page":265},{"text":"﴿وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ﴾ أي رجحت سيئاته على حسناته.\nقال أبو بكر: إنما ثقلت موازينهم باتباعهم الحق، وثقلت (١) عليهم. وحق لميزان لا يوضع فيه إلا الحق أن يكون ثقيلًا، وإنما خفت موازين من خفت باتباعهم الباطل في الدنيا، وخفتهم عليهم (وحق) (٢) لميزان يوضع فيه الباطل أن يكون خفيفًا (٣). ونحو هذا ذكر مقاتل، وقال: لأن الحق ثقيل، والباطل خفيف (٤).\n(وقوله) (٥): ﴿فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ﴾ قال الليث: الهاوية اسم من أسماء جهنم (٦)، (والهاوية كل مَهوَاة لا يُدرك قعرها) (٧).\nوالمعنى: فمسكنه جهنم. (وهذا معنى قول عطاء (٨)، والكلبي (٩)، وأكثر المفسرين) (١٠). (١١).\n_________\n(١) في (ع): (ثقله).\n(٢) ساقط من (أ).\n(٣) \"التفسير الكبير\" ٣٢/ ٧٣، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ١٦٧ بنحوه.\n(٤) بمعناه في \"تفسيره\": ٢٤٩/ أ، و\"التفسير الكبير\" ٣٢/ ٧٣.\n(٥) ساقط من (ع).\n(٦) هذا من قول ابن المظفر، وليس الليث. انظر: \"تهذيب اللغة\" ٦/ ٤٩٠ (هوى).\n(٧) ما بين القوسين من قول الأزهري نقله عنه بنصه من: \"تهذيب اللغة\" المرجع السابق.\n(٨) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٩) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(١٠) ممن قال بذلك: ابن عباس، وقتادة، وابن زيد، انظر: \"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٨٣، و\"النكت والعيون\" ٦/ ٣٢٩، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٥٠٥ - ٥٠٦ وعزاه ابن عطية إلى أكثر المفسرين: ٤/ ٥٨١، وقال به: أيضًا ابن قتيبة في: \"تفسير غريب القرآن\" ٥٣٧، و\"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٤١/ أ - ب وانظر: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٥١٩ و\"البحر المحيط\" ٨/ ٥٠٧.\n(١١) ما بين القوسين ساقط من (أ).","vol":"24","page":266},{"text":"قال أبو إسحاق: وقيل لمسكنه \"أمُّه\"؛ لأن الأصل في السكون إلى الأمهات، فقيل الذي له بدل ما يسكن إليه: \"نار حامية\" (١).\nوهذا معنى (قول) (٢) الفراء: صارت هاوية مأواه، كما (تؤوي) (٣) المرأة ابنها (٤)، فجعلها إذًا لا مأوى له غيرها أمًا له (٥).\nوقال مقاتل: يقول يؤم الناس (٦) الهاوية (٧)، وهذا إنما كان يحتمل لو قريء \"فأمَّه\" بفتح الهمزة، ولم يرو ذلك عن أحد.\nوذكر أهل المعاني قولين آخرين:\nأحدهما: إن المعنى خسرت نفسه وهلكت، والعرب تقول: هوت أمه، إذا هلك وعطب (٨)، وهذا قول الأخفش، والمبرد (٩)، وصاحب النظم، وأنشدوا لكعب بن سعد الغنوي يرثي أخاه (فقال) (١٠):\n_________\n(١) معاني القرن وإعرابه ٥/ ٣٥٦، بتصرف: (فقيل الذي له بدل ما يسكن إليه نار حامية) فيها ركاكة، والعبارة كما هي عند الزجاج على النحو الآتي: (فأبدل فيما يسكن إليه نار حامية)، (فأبدل فيما) بدلًا من: (فقيل الذي له بدل).\n(٢) ساقط من (أ).\n(٣) في (أ)، (ع): (تردي)، وأثبت ما جاء في مصدر القول.\n(٤) في (أ): (منها).\n(٥) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٨٧.\n(٦) النار: (ع).\n(٧) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٨) في (أ): (عصب).\n(٩) لم أعثر على مصدر لقولهما.\n(١٠) ساقط من (ع).","vol":"24","page":267},{"text":"هَوَتْ أُمه ما يبعث الصبحُ غاديًا ... وماذا (١) يؤدي الليل (٢) حين يؤوب (٣)\nوأنشد المبرد (٤) قول الكندية (٥):\nهَوَتْ أُمهم ماذا بهم يوم صُرِّعوا ... بجيشان من أسباب مجد تَصَرما (٦)\nالقول الثاني:\n(فأم (٧) رأسه هاوية في النار. ذكره الأخفش (٨)، والكلبي، فقال: ويقال: أمه هاوية لأم الرأس (٩). وإلي هذا ذهب قتادة فقال: إنهم يهوون في النار على رؤوسهم (١٠).\n_________\n(١) في (أ): (وما).\n(٢) في (أ): (الل).\n(٣) ورد البيت في \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ١٦٧.\n\"البحر المحيط\" ٨/ ٥٠٧، برواية: (ما ينعبث) بدلًا من (من يبعث)، و(وماذا يرد الليل حين يؤون) بدلًا من (ماذا يؤدي الليل حين يؤوب)، و\"روح المعاني\" ٣٠/ ٢٢٢.\n(٤) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٥) الكندية: هي أم صريح، شاعرة جاهلية قالت البيت ضمن قصيدة ترثي قومها وقد ماتوا يوم جيشان. \"معجم البلدان\" ٢/ ٢٠٠، \"ديوان الحماسة\" ١/ ٤٥٩.\n(٦) \"معجم البلدان\" ٢/ ٢٠٠، و\"ديوان الحماسة\" ١/ ٤٥٩، و\"تهذيب اللغة\" ١٥/ ٤٨٩ (ناب) برواية: (... ما ذامهم بنيسان من أنياب مجد تصرما).\n(٧) ساقط من (أ).\n(٨) \"التفسير الكبير\" ٣٢/ ٧٤، ورد معناه في \"القرطبي\" ٢٠/ ١٦٧ بعبارة فمستقر، ثم قال القرطبي: والمعنى متقارب، يعني مع من قال يهوي فيها على أم رأسه.\n(٩) \"التفسير الكبير\" ٣٢/ ٧٤، وقد ورد بمثل قوله عن أبي صالح، و\"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٨٢، و\"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٤١ ب، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٥١٩، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٥١٧.\n(١٠) \"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٨٣، و\"الكشف والبيان\" ج ١٣/ ١٤١ ب، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٥١٩ \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٨٠.","vol":"24","page":268},{"text":"وروى معمر عنه قال: هذه كلمة عربية يقال: إذا وقع في أمر شديد هوت أمه (١). وهذا معنى القول الأول من قولي أهل المعاني، ويدل على صحة القول الأول (وهو الذي عليه المفسرون) (٢) ما روي في الحديث أن المؤمن إذا مات ذهب بروحه إلى أرواح المؤمنين فيسألونه (٣) ويقولون: ما فعل فلان، وفلان؟ حتى إذا سألوه عمن لم يأتهم ممن قد مات (فيقول: قد مات) (٤) أما جاءكم؟ فيقولون: لا، ذهب به إلى أمه الهاوية (٥).\nويدل أيضًا على صحته أن الله تعالى قد أخبر عنها فقال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5141>١٠ </span>- (قوله) (٦): ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ﴾\n_________\n(١) \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٣٩٢، و\"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٨٢ - ٢٨، و\"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٤١ ب، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٥١٩، و\"زاد المسير\" ٨/ ٢٩٩، و\"التفسير الكبير\" ٣٢/ ٧٤، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٦٠٦ وعزاه إلى ابن المنذر.\n(٢) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٣) في (أ)، (ع): (فيسلونه).\n(٤) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٥) أخرج النسائي بمعناه مطولًا، وقد إنفرد به من طريق أبي هريرة ﵁ مرفوعًا ٤/ ٣٠٦ ح ١٨٣٢ في الجنائز، والحاكم ٢/ ٥٣٣ عن الحسن مرفوعًا في التفسير، سورة القارعة، وقال: هذا حديث مرسل صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي. كما ورد عند عبد الرزاق في \"تفسيره\" ٢/ ٣٩٢ من طريق معمر، عن أشعث بن عبد الله الأعمى.\nوبنفس الطريق عند الطبري في \"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٨٢، كما ورد عند القرطبي في \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ١٦٧ من طريق أبي هريرة، وإسناد عبد الرزاق في \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٨٠، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٦٠٦ بطرق مختلفة، وفي \"زاد المسير\" ٨/ ٢٩٩ من غير ذكر الإسناد.\n(٦) ساقط من (ع).","vol":"24","page":269},{"text":"يعني الهاوية، و\"الهاء\" في \"ما هيه\" للوقف، فإذا وصل جاز حذفها (١)، والاختيار الوقف بـ\"الهاء\"، لاتباع المصحف، و\"الهاء\" ثابتة (٢) فيه (٣).\nوذكرنا الكلام في هذه \"الهاء\" عند قوله: ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ [البقرة: ٢٥٩]، و﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠]، ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ﴾ (٤).\nثم فسرها الله تعالى وأخبر عنها فقال:\n﴿نَارٌ حَامِيَةٌ﴾ أي هي نار حامية، قال الكلبي (٥) ومقاتل (٦): حارة\n_________\n(١) قرأ حمزة ويعقوب: \"وما أدراك ماهية\" بحذف الهاء في الوصل، وقرأ الباقون بإثبات الهاء في الوصل.\n\"المبسوط\" ص ٤١٤، و\"حجة القراءات\" ص ٧٧٠.\n(٢) في (أ): (باقية).\n(٣) ممن قال بالوقف: النحاس في \"القطع والائتناف\" ٢/ ٨١٦، والداني في \"المكتفي في الوقف والابتداء\" ص ٦٢٧.\nانظر: \"علل الوقوف\" للسجاوندي ٣/ ١١٥٣، والأشموني في: \"منار الهدى في بيان الوقف والابتداء\" ص ٤٣٣، وأبي يحيى زكريا الأنصاري في: \"المقصد لتلخيص ما في المرشد في الوقف والابتداء\" ص ٤٣٣، وهو مذيل بكتاب الأشموني.\nوقال النحاس: ويستحب الوقف على \"هيه\"، لأنه إن وصل بغير هاء خالف السواد، وإن وصل بالهاء لحن، فالوقف عليها أسلم، الوقف في الابتداء: ٢/ ٨١٦.\nوعن السجاوندي -في بيان علة الوقف- قال لتمام الجملة. انظر \"علل الوقوف\" ٣/ ١١٥٣.\n(٤) سورة الحاقة: ٢٨. وفي الكلام عن \"الهاء\" يراجع سورة الحاقة: ٢٨.\n(٥) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٦) \"تفسير مقاتل\" ٢٤٩/ أ.","vol":"24","page":270},{"text":"قد انتهى حرها. كقوله: ﴿تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً﴾ [الغاشية: ٤].","vol":"24","page":271},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5142>سورة التكاثر</span>","vol":"24","page":273},{"text":"تفسير سورة التكاثر <span data-type=\"title\" id=toc-5143>(١)</span>\nبسم الله الرحمن الرحيم\n\n١ - ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ تقول (٢): ألهاني فلان عن كذا، أي أنساني، وشَغلني، ولَهيتُ عنه ألهى لهيّا، ومنه الحديث: (أن ابن الزبير كان إذا سمع صوت الرعد لَهِيَ من حديثه (٣) أي تركه وأعرض عنه، وكل شيء تركته فقد لهيت عنه) (٤).\nوالتكاثر: التباهي بكثرة المال والعدد، والتفاخر بكثرة المناقب، يقال: تكاثر القوم تكاثرًا إذا تعادوا ما لهم من كثرة المناقب.\n_________\n(١) مكية، وحكى الإجماع على ذلك ابن عطية في \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٥١٨، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" ٨/ ٢٩٩، والقرطبي في \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ١٦٨، وأبو حيان في \"البحر المحيط\" ٨/ ٥٠٧، والشوكاني في \"فتح القدير\" ٥/ ٤٨٧ وقيل: إنها مدنية. انظر: \"فتح القدير\" ٥/ ٤٨٧.\n(٢) في (ع): (يقال).\n(٣) \"غريب الحديث\" لأبي عبيد ٤/ ٣٠٢ - ٣٠٣ وتتمته: قال: (سبحان من يسج الرعد بحمده والملائكة من خيفته). الفائق ٣/ ٣٣٦، ط. دار المعرفة، وقد ورد في \"التفسير الكبير\" ٣٢/ ٧٥.\n(٤) ما بين القوسين نقله عن \"تهذيب اللغة\" ٦/ ٤٢٧ - ٤٢٨ (كثر)، وهو من قول الليث، وانظر: \"لسان العرب\" ١٥/ ٢٥٩ - ٢٦٠ (كثر).","vol":"24","page":275},{"text":"وذكر في تفسير هذا قولان (١):\n\nأحدهما: أن المعنى: شغلكم (التكاثر) <span data-type=\"title\" id=toc-5144>(٢) </span>بالأموال والأولاد عن طاعة الله.\n٢ - ﴿حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ أي حتى أدرككم الموت على تلك الحال (٣)، وهذا قول قتادة، قال: نزلت في اليهود قالوا نحن أكثر من بني فلان، وبنو فلان أكثر من بني فلان (٤)، ألهاكم ذلك عن الإيمان حتى ماتوا ضلالًا (٥).\nثم يدخل في هذا كل من اشتغل بالتكاثر والتفاخر عن طاعة الله حتى يأتيه الموت وهو على ذلك. يدل على هذا ما روي أن النبي -ﷺ- قرأ هذه الآية: \"ألهاكم التكاثر\" ثم قال: \"يقول ابن آدم مالي مالي، وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأبليت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت\" (٦).\n_________\n(١) القول الثاني أورده عند تفسيره للآية: ٢.\n(٢) ساقط من (أ).\n(٣) وقال بهذا المعنى أيضًا ابن عباس والحسن. \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ١٦٨.\n(٤) في (أ)، (ع): (بنوا).\n(٥) ورد بنحو قوله في \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٣٩٣، ولم يذكر أنها نزلت في اليهود، وكذا \"جامع البيان\" بنحوه مما ذكر عبد الرزاق: ٣٠/ ٢٨٣، و\"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٤٢ أبمثله، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٥٢٠ \"زاد المسير\" ٨/ ٣٠٠، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ١٦٨، و\"البحر المحيط\" ٨/ ٥٠٧، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٨٢، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٦١٠ وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، و\"فتح القدير\" ٥/ ٤٨٨، و\"أسباب النزول\" تح: أيمن صالح ص ٤٠٠.\n(٦) أخرجه مسلم ٤/ ٢٢٧٣ ح: ٣ كتاب الزهد: باب ٥٣ ولفظه كما هو عنده: =","vol":"24","page":276},{"text":"قال صاحب النظم في هذا القول: (أي) (١) لا تزالون تتكاثرون، وتتفاخرون إلى أن تموتوا (٢).\nويقال لمن مات: زار رَمسه (٣)، وزار قبره. قال جرير للأخطل:\nزَارَ القُبُورَ أبو (٤) مالكٍ ... فأصبحَ ألأمَ زُوَّارِها (٥)\nفجعل زيارة القبور بالموت (٦).\nالقول الثاني: إن هذه الآية نزلت في حيين من قريش، وهما (بنو) (٧)\n_________\n= حدثنا قتادة عن مطرف عن أبيه قال أتيت النبي -ﷺ- وهو يقرأ في \"ألهاكم التكاثر\" قال في \"يقول ابن آدم: مالي مالي (قال): وهل لك يا ابن آم من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت\"، وأحمد ٤/ ٢٤، ٢٦.\nوالترمذي ٤/ ٥٧٢: ح ٢٣٤٢: كتاب الزهد: باب ٣، وقال حديث حسن صحيح، وفي ٥/ ٤٤٧٠: ح ٢٣٥٤: كتاب تفسير القرآن: باب ٨٩، والنسائي ٦/ ٥٤٨ ح ٣٦١٥: كتاب الوصايا: باب ١، وابن المبارك في \"الزهد\" ١٧٠ ح ٤٩٨.\n(١) ساقط من (أ).\n(٢) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٣) الرَّمْس: التراب، ورمس: القبر ما حثي عليه، وقد رمسناه بالتراب، والرَّمس: تراب تحمله الريح فترمس به الآثار أي تعفوها، والرياح الروامس، وكل شيء نُثر عليه التراب فهو مرموس، والقبر يسمى: رَمْسًا. \"تهذيب اللغة\" ١٢/ ٤٢٣ (رمس).\n(٤) في (أ): (أبا).\n(٥) ورد البيت في \"ديوانه\" ٢٣٥ ط. دار بيروت، برواية في \"فكان كألأم\"، و\"تهذيب اللغة\" ١٠/ ١٧٧ (كثر)، و\"لسان العرب\" ٥/ ١٣٣ (كثر)، و\"التفسير الكبير\" ٣٢/ ٧٧، و\"روح المعاني\" ٣٠/ ٢٢٤.\n(٦) \"تهذيب اللغة\" ١٠/ ١٧٧ (كثر).\n(٧) ساقط من (أ).","vol":"24","page":277},{"text":"عبد مناف (١)، وبنو سهم (٢)، تفاخروا أيهم أكثر عددًا، ففخرت (٣) بنو عبد\nمناف بني سهم بالمكارم والمساعي (٤)، ثم ترقوا إلى ذكر الأموات (٥) حتى أتوا المقابر، فعدوها فكثرتهم بنو (٦) سهم،؛ لأنهم كانوا أكثر عددًا في الجاهلية. (وهذا قول الكلبي (٧)، ومقاتل (٨)، وابن عباس (٩) في روارية عطاء) (١٠).\n_________\n(١) بنو عبد مناف: بطن من قريش من العدنانية، وهم بنو عبد مناف بن قصي، وكان قصي قد جعل لابنه عبد الدار في مقابلة شرف عبد مناف: الحجابة، واللواء، والندوة، والرفادة، والسقاية، فبقوا على ذلك إلى أن انتزع بنو عبد مناف منهم السقاية والرفادة في حلف أحليين، واستقرت لبني عبد الدار الحجابة واللواء والندوة. \"نهاية الأرب\" القلقثشدي ٣١٢.\n(٢) بنو سهم: بطن من هصص من قريش من العدنانية، وهم بنو عمرو بن هصص.\n\"نهاية الأرب\" ص ٢٧٤.\n(٣) في (أ): (ففخرت).\n(٤) المساعي: العرب تَسمى مآثر أهل الشرف والفضل مساعى، واحدتها مسعاة؛ لسعيهم فيها كأنها مكاسبهم، وأعمالهم التي أعنوا فيه أنفسهم. \"لسان العرب\" ١٤/ ٣٨٦: (سعا).\n(٥) في (أ): (الأسواف).\n(٦) في (أ): (بنوا).\n(٧) \"أسباب النزول\" ٤٠٠، \"لباب النقول\" ص ٢٣٤ بمعناه، وعزاه إلى ابن أبي حاتم عن ابن بريدة، كما ورد بمعناه في \"بحر العلوم\" ٣/ ٥٠٦، و\"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٤٢ أ، و\"النكت والعيون\" ٦/ ٣٣١، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٥٢٠، و\"زاد المسير\" ٨/ ٣٠٠، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ١٦٨، و\"البحر المحيط\" ٨/ ٥٠٧، وورد من غير عزو في \"معاني القرآن\" الفراء ٣/ ٢٨٧، \"جامع النقول\" ابن خليفة ٣٣٦.\n(٨) \"تفسير مقاتل\" ٢٤٩ ب، وانظر: المراجع السابقة عدا \"بحر العلوم\".\n(٩) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(١٠) ما بين القوسين ساقط من (أ).","vol":"24","page":278},{"text":"وقال ابن بُرَيْدَةَ: نزلت في فخذ من الأنصار، قناخروا بآبائهم، فقالوا: هذا قبر فلان، وهذا قبر فلان (١).\nومعنى \"حتى زرتم المقابر\" على هذا القول: حتى أتيتموها، وذكرتم أهلها في مفاخرتكم، ثم رد الله عليهم فقال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5145>٣ </span>- ﴿كَلَّا﴾ (٢) قال أبو إسحاق: هو ردع وتنبيه، المعنى: ليس الأمر الذي ينبغي أن يكونوا عليه التكاثر، والذي ينبغي أن يكونوا عليه طاعة الله والإيمان (٣).\nوقال صاحب النظم: أي (أن) <span data-type=\"title\" id=toc-5146>(٤) </span>هنا لا ينفع شيئًا، أو ليس له طائل (٥).\nثم أوعدهم فقال: ﴿سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾\n\n٤ - ثم وكد ذلك، وكرر فقال: ﴿ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾.\nقال الفراء: الكلمة قد تكررها على التغليظ والتخويف، وهذا من ذلك (٦).\nقال الحسن (٧)، ومقاتل (٨): هو وعيد بعد وعيد.\n_________\n(١) \"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٤٢ أمختصرًا، وبمثله قال ابن زيد كما في \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ١٦٨.\n(٢) ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣٥٧.\n(٤) ساقط من (أ).\n(٥) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٦) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٨٧ بنصه.\n(٧) \"معالم التنزيل\" ٤/ ٥٢٠، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٨٣، و\"فتح القدير\" ٥/ ٤٨٨.\n(٨) \"تفسير مقاتل\" ٢٤٩ ب، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٥٢.","vol":"24","page":279},{"text":"والمعنى: سوف تعلمون عاقبة تكاثركم، وتفاخركم إذا نزل بكم الموت، ثم كلا سوف تعلمون ذلك في القبر، وهذا قول مقاتل (١)، وابن عباس (٢) في رواية عطاء، وعلى هذا ليس التكرير للتأكيد، والتكرير للحالتين، ومن جعلهما (٣) للتأكيد لم يذكر الحالتين، ويقول: هو كقوله: ﴿كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (٤) ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ﴾ [النبأ: ٤ -<span data-type=\"title\" id=toc-5147> ٥]</span>، ودليل القول الثاني: ما روى زر بن حبيش عن علي بن أبي طالب -﵁- (٤) قال: كنا نشك في عذاب القبر، حتى نزلت هذه السورة (٥).\nيعني أن معنى قوله: \"ثم كلا سوف تعلمون\" أي في القبور.\n\n٥ - قوله: ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ﴾ هذا استئناف خبر وكلام آخر تقول: لو تعلمون (٦) الأمر علمًا يقينًا. وإضافة العلم إلى اليقين كقوله: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ﴾ [الواقعة: ٩٥]، وقد مر (٧).\n_________\n(١) بمعناه في \"تفسير مقاتل\" ٢٤٩ ب.\n(٢) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٣) في (أ): (جعله).\n(٤) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٥) أخرجه الترمذي في سننه: ٥/ ٤٤٧: كتاب تفسير القرآن: باب ٨٩، وقال: هذا حديث غريب، كما أورده السيوطي في لباب النقول: ٢٣٤ وعزاه إلى ابن جرير عن علي، وانظر أيضًا \"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٨٤، و\"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٤٢ ب، و\"التفسير الكبير\" ٣٢/ ٧٨، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ١٧٢، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٦١٠ وعزاه إلى حنيش بن أصرم في الاستقامة، وابن المنذر، وابن مردويه.\n(٦) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٧) ومما جاء في تفسير آية الواقعة: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ﴾ في \"قال الإمام الواحدي: ومعنى حق اليقين حق الأمر اليقين عند الأخفش، والبصريين، وعند =","vol":"24","page":280},{"text":"قال قتادة: كنا نحدث أن علم اليقين: أن يعلم (أن) (١) الله باعثه بعد الموت (٢).\nوقال عطاء: لو تعلمون يوم القيامة علم اليقين (٣).\nقال صاحب النظم: اليقين -هاهنا- هو الموت أو البعث، لأنهما إذا وقعا جاء اليقين، وزال (٤) الشك.\nوالمعنى على ما ذكروه (٥): لو تعلمون الأمر علمًا يقينًا، كما تعلمونه بعد الموت والبعث.\nوجواب \"لو\" محذوف على تقدير: لشغلكم ما تعلمون عن التكاثر والتفاخر (٦).\n_________\n= الكوفيين هو من باب إضافة الشيء إلى نفسه، وقال أبو إسحاق: هذا كما تقول: إن زيدًا لعالم، وإنه للعالم حق العلم، إذا بالغت في التوكيد\".\n\"البسيط\" ٥/ ٩٣ أ.\n(١) ساقط من (أ).\n(٢) \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٣٩٣ مختصرًا، و\"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٨٥، كما ورد بمعناه في \"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٤٢ ب، و\"النكت والعيون\" ٦/ ٣٣١، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٥٢١، و\"البحر المحيط\" ٨/ ٥٠٨، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٦١١ وعزاه إلى الفريابي، وابن أبي شيبة، وابن أبي حاتم، وعبد بن حميد، وابن المنذر، و\"فتح القدير\" ٥/ ٤٨٩.\n(٣) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٤) في (أ): (زوال).\n(٥) في (أ): (ما ذكروا).\n(٦) انظر: \"الدر المصون\" ٦/ ٥٦٥، وقدر الكلام بقوله: أي لفعلتم ما لا يوصف، البيان في غريب \"إعراب القرآن\" ٢/ ٥٣١.","vol":"24","page":281},{"text":"وتلخيص هذا المعنى ما ذكره أبو إسحاق: لو علمتم (١) الشيء حق علمه لارتدعتم عما أنتم عليه من التكاثر (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5148>٦ </span>- ثم أوعدهم وعيدًا آخر فقال: ﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ﴾.\nوهذا على إضمار القسم.\n(والمعنى: سترون الجحيم في الآخرة كقوله: \"وإن منكم إلا واردها\" (٣)، وقراءة العامة بفتح \"التاء\" (٤). وقد قرئ بضمها (٥)، من أريته الشيء. والمعنى: أنهم يحشرون إليها، فيرونها في حشرهم إليها (فيرونها) (٦). وهذه القراءة تروى عن ابن عامر، والكسائي، كأنهما أرادا (٧) لَتُرَوُنَّها، فتَرَوَنْها، ولذلك قرأ الثانية: ﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا﴾ بالفتح، وفي هذه الثانية دليل على أنهم إذا أروها [رأوها] (٨)، وفي قراءة العامة الثانية تكرير للتأكيد، والمعنى: لترون الجحيم بأبصاركم على البعد منكم.\n_________\n(١) في (أ): (علمه).\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣٥٧ بتصرف.\n(٣) سورة مريم: ٧١.\n(٤) راجع ذلك في \"السبعة في القراءات\" ٦٩٥، و\"القراءات وعلل النحويين فيها\" ٢/ ٧٩٥، و\"المبسوط\" ٤١٦، و\"الحجة\" ٦/ ٤٣٤، و\"حجة القراءات\" ٧٧١، و\"البدور الزاهرة\" ص ٣٤٥.\n(٥) \"السبعة في القراءات\" ص ٦٩٥، و\"القراءات وعلل النحويين فيها\" ٢/ ٧٩٥، و\"المبسوط\" ٤١٦، و\"الحجة\" ٦/ ٤٣٤، و\"حجة القراءات\" ص ٧٧١، و\"البدور الزاهرة\" ص ٣٤٥.\n(٦) ساقط من (أ).\n(٧) في (أ): (أرادوا).\n(٨) (أروها) في كلا النسختين، وأثبتت ما جاء في مصدر القول.","vol":"24","page":282},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5149>٧ </span>- ﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ﴾ أي مشاهدة، وانتصب قوله: \"عين اليقين\" انتصاب المصدر كما تقول: رأيته حقًا يقينًا، وتبينته يقينًا.\nومعنى هذه الرؤية: الرؤية التي هي مشاهدة) (١). هذا كله كلام أبي علي الفارسي (وتفسيره) (٢).\nوقال الفراء: قراءة العامة أشبه بكلام العرب، لأنه تغليظ، فلا ينبغي أن يختلف لفظه (٣).\nوقال أبو علي: (والمعنى في \"لتَرُون الجحيم\" لترون عذاب الجحيم، ألا ترى (٤) أن الجحيم يراها المؤمنون أيضًا، بدلالة قوله ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١]، وإذا كان كذلك، فالمعنى: والوعيد في رؤية عذابها لا في رؤيتها نفسها، يدل على هذا قوله: ﴿إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ﴾ [البقرة: ١٦٥]؛ (ذكر العذاب في هذه يدل على أن المعنى في الآخرة العذاب) (٥) أيضًا، وبناء الفعل في قوله: \"إذ يرون العذاب\"، وفي قوله: ﴿وَإِذَا رَأَى (٦) الَّذِينَ ظَلَمُوا الْعَذَابَ﴾ [النحل: ٨٥] للفاعل يدل على أن \"لَتَرَوُنَّ الجحيمَ\"، أرجح (من لَتُرَوْن (٧» (٨). انتهى كلامه.\n_________\n(١) ما بين القوسين نقله كما بينه الإمام الواحدي عن \"الحجة\" ٦/ ٤٣٤ - ٤٣٥ بتصرف.\n(٢) ساقط من (أ).\n(٣) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٨٨ بيسير من التصرف.\n(٤) (ترا) كلا النسختين.\n(٥) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٦) في (أ): (وإذ يرى).\n(٧) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٨) \"الحجة\" ٦/ ٤٣٦ - ٤٣٧ بيسير من التصرف.","vol":"24","page":283},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5150>٨ </span>- قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ قال مقاتل: يعني كفار مكة كانوا في الدنيا في الخير والنعمة، فيسألون (١) يوم القيامة عن شكرها، وما كانوا فيه، ولم يشكروا رب النعم؛ فذلك قوله: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ يوم القيامة (٢).\nوقال الكلبي: الكفار مسؤولون (٣) عن كل نعمة (٤).\nقال (٥): وقال أبو بكر ﵁: لما نزلت هذه الآية: يا رسول الله، أرأيت أكلة أكلتها معك في بيت أبي الهيثم بن التَّيَّهان (٦) من خبز شعير، ولحم، وبسر (٧) قد ذنب (٨)، وماء عذب، أتخاف علينا أن يكون\n_________\n(١) في (أ): (فسسلون).\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ٢٤٩ ب، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٥٢١.\n(٣) في (أ): (يسلون).\n(٤) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٥) أي الكلبي.\n(٦) أبو الهيثم مالك بن التيهان، واسمه مالك بن عتيك بن عمرو الأنصاري الأوسي، شهد بدرًا، واحد نقباء بيعة العقبة، شهد المشاهد كلها، مات سنة ٢٠ هـ. انظر: \"الاستيعاب\" ٤/ ١٧٧٣، ت: ٣٢١٣، و\"أسد الغابة\" ٦/ ٣٢٣: ت: ٦٣٢٤، و\"الإصابة\" ٧/ ٢٠٩: ت: ١١٨٨.\n(٧) البسر: هو التمر قبل أن يرطب لفضاضته، واحدته: بسرة. \"لسان العرب\" ٤/ ٥٨ (بسر).\n(٨) ذنب: التذنوب: البُسر الذي قد بدأ فيه الأرطاب من قبل ذنبه، وذنب البُسرة وغيرها من التمر مُؤَخَّرُها، وذنبت البسرة فهي مذنبة، وكنت من قبل ذنبها، وقال الأصمعي: إذا بدت نُكت من الأرطاب في البسر من قبل ذنبها قيل: قد ذنبت. \"لسان العرب\" ١/ ٣٩٠ (ذنب).","vol":"24","page":284},{"text":"هذا من النعيم الذي نسأل عنه؟ فقال رسول الله -ﷺ-: إنما ذلك للكفار، ثم قرأ: ﴿وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ (١)﴾ (٢) [سبأ: ١٧].\nوالظاهر يشهد لهذا القول وهو: أن الكفار لم (٣) يؤدوا حق النعمة حيث أشركوا به وعبدوا غيره، واستحقوا أن يسألوا عما أنعم عليهم توبيخًا لهم؛ هل قاموا بالواجب فيه، أم ضيعوا حق النعمة؟ ثم يعذبون على ترك الشكل بتوحيد المنعم (٤). وهذا معنى ما ذكره مقاتل، وهو قول الحسن.\n_________\n(١) بياض في (ع).\n(٢) وردت الرواية بمعناها عن الكلبي في \"الدر المنثور\" ٨/ ٦١٨ وعزاه إلى ابن مرويه، كما وردت من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس في \"بحر العلوم\" ٣/ ٥٠٧، ووردت من غير ذكر الطريق في \"التفسير الكبير\" ٣٢/ ٨١، ولأبي بكر رواية خلاف رواية الكلبي من طريق أبي هريرة، ذكرها الطبري في \"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٨٧ وهي في \"صحيح مسلم\" ٣/ ١٦٠٩: ح: ١٤٠: كتاب الأشربة: باب ٢٠، والشاهد منها: عن أبي هريرة قال: خرج رسول الله -ﷺ- ذات يوم أو ليلة، فإذا هو بأبي بكر وعمر، فقال: ما أخرجكما من بيوتكما هذه الساعة؟ قالا الجوع يا رسول الله، قال: وأنا .. لأخرجني الذي أخرجكما .. إذ جاء الأنصاري، فنظر إلى رسول الله -ﷺفانطلق فجاءهم بعذق فيه بسر وتمر ورطب، فقال: كلوا من هذه .. فذبح لهم، فأكلوا من الشاة، ومن ذلك العذق، وشربوا، فلما أن شبعوا ورروا قال رسول الله -ﷺلأبي بكر وعمر \"والذي نفسي بيده لتسألن عن هذا النعيم يوم القيامة\".\nكما أخرجها البيهقي في \"شعب الإيمان\" ٤/ ١٤٤: ح: ٤٦٠٢ - ٤٦٠٥، ٤٦٠٦ من طريق أبي هريرة وطرق أخرى.\n(٣) في (أ): (لو).\n(٤) قال القاضي عياض: المراد: السؤال عن القيام بحق شكره، والذي نعتقده أن السؤال هنا سؤال تعداد النعم، وإعلام بالامتنان بها، وإظهار الكرامة بإسباغها؛ =","vol":"24","page":285},{"text":"وقال: لا يسأل عن النعيم إلا أهل النار (١).\nواختلفوا في معنى هذا النعيم.\nقال ابن مسعود -﵁- الأمن، والصحة (٢) وهو قول الشعبي (٣)، وقتادة (٤)، وسعيد بن جبير (٥).\nوقال مجاهد: كل لذة من لذات الدنيا (٦).\n_________\n= لا سؤال توبيخ وتقريع ومحاسبة. والله أعلم. \"شرح صحيح مسلم\" ١٣/ ٢٢٧ - ٢٢٨.\n(١) ورد معنى قوله في \"زاد المسير\" ٨/ ٣٠٢، وقد وضحه ابن الجوزي فقال: إنه أراد بذلك أنه خاص بالكفار. وانظر أيضًا قوله في \"التفسير الكبير\" ٣٢/ ٨٠، و\"فتح القدير\" ٥/ ٤٨٩، و\"تفسير الحسن البصري\" ٢/ ٤٣٧.\n(٢) جامع البيان\" ٣٠/ ٢٨٥، و\"بحر العلوم\" ٣/ ٥٠٧، و\"النكت والعيون\" ٦/ ٣٣٢، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٥٢١، و\"زاد المسير\" ٨/ ٣٠٢، و\"البحر المحيط\" ٨/ ٥٠٨، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٦١٢: وعزاه إلى هناد، وعبد بن حميد، وابن المنذر، والبيهقي في شعب الإيمان.\nوورد عنه مرفوعًا في \"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٤٤ أ، و\"زاد المسير\" ٨/ ٣٠٢، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٨٤.\n(٣) \"زاد المسير\" ٣٠/ ٣٠٢، و\"البحر المحيط\" ٨/ ٥٠٨ كما وردت من طريق الشعبي عن ابن مسعود في \"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٨٥.\n(٤) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٥) \"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٨٥، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٥٢٢ بمعناه، و\"تفسير سعيد بن جبير\" ٣٨٠.\n(٦) \"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٨٥، و\"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٤٥ ب، و\"زاد المسير\" ٨/ ٣٠٢، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٨٤ قال ابن كثير وهذا أشمل هذه الأقوال، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٦١٢ وعزاه إلى الفريابي، وعبد بن حميد، وابن المنذر.","vol":"24","page":286},{"text":"وروى (معمر) (١) عن قتادة قال: إن الله تعالى سائل كل ذي نعمة عما أنعم عليه (٢). وعلى هذا ورد أكثر الأخبار.\nقال محمود بن لبيد (٣): لمّا نزلت هذه السورة علي رسول الله -ﷺ- قالوا: يا رسول الله، أي: نعيم نسأل؟ إنما هو الماء، والتمر، وسيوفنا علي عواتقنا، والعدو حاضر، فعن أي نعيم نسأل!، قال: \"إن ذلك سيكون\" (٤).\n_________\n(١) ساقط من (أ).\n(٢) \"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٨٩، و\"زاد المسير\" ٨/ ٣٠٢ بمعناه، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٦١٢ وعزاه إلى عبد الرزاق -ولم أجده عنده- وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.\n(٣) محمود بن لبيد بن رافع بن امرئ القيس بن زيد الأنصاري الأشهلي من بني عبد الأشهل، ولد على عهد النبي -ﷺ-، وحدث عنه أحاديث، وكان أحد العلماء، وروى عن ابن عباس، ومات سنة ٩٦ هـ.\nانظر: \"الاستيعاب\" ٣/ ١٣٧٨ ت: ٢٣٤٧، و\"أسد الغابة\" ٥/ ١١٧ ت: ٤٧٧٣.\n(٤) أخرجه الإمام أحمد في \"المسند\" ٥/ ٤٢٩، وقال الهيثمي ٧/ ١٤٢: رواه أحمد وفيه محمد بن عمر بن علقمة، وحديثه حسن، وفيه ضعف لسوء حفظه، وبقية رجاله رجال الصحيح.\nوأخرجه \"الترمذي\" ٥/ ٤٤٨: ح: ٣٣٥٦ - ٣٣٥٧ من طريقين: الأول: إلى الزبير ابن العوام عن أبيه، وحسن هذا الطريق. والثاني: إلى أبي هريرة، وقال: وحديث ابن عيينة عن محمد بن عمرو عندي أصح من هذا، سفيان بن عيينة أحفظ، وأصح حديثًا من أبي بكر بن عياش.\nكما ورد في \"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٨٨، و\"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٤٤ ب، و\"التفسير الكبير\" ٣٢/ ٨١، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٦١٣ وعزاه إلى ابن أبي شيبة، وهناد، وابن مردويه، والبيهقي في \"شعب الإيمان\" ٤/ ١٤٢: ح ٤٥٩٨، و\"فتح القدير\" ٥/ ٤٩٠.","vol":"24","page":287},{"text":"وروى (عطاء) (١) عن ابن عباس أن عمر -﵁- قال: \"وأي نعيم نسأل عنه يا رسول الله، وقد أخرجنا من ديارنا وأموالنا! فقال رسول الله -ﷺ- (٢): \"ظلال المساكن، وظلال الشجر، والأخبية (٣) (٤) التي تقيكم من الحر، والماء البارد في اليوم الحار والصحة\" (٥).\nوروى أبو هريرة أن النبي -ﷺ- قال: \"أول ما يسأل الله العبد يوم القيامة أن يقول له: ألم أصح جسمك، وأروك من الماء البارد؟ \" (٦).\nوروى ابن عباس أن النبي -ﷺ- قال: \"ما فوق الإزار،\n_________\n(١) ساقط من (أ).\n(٢) ساقط من (أ).\n(٣) الأخبية: الخباء من الأبنية واحد الأخبية، وهو ما كان من وبر أو صوف، ولا يكون من شعر، وهو على عمودين أو ثلاثة، وما فوق ذلك فهو بيت. \"لسان العرب\" ١٤/ ٢٢٢ (خبأ)\n(٤) غير واضحة في (ع).\n(٥) \"التفسير الكبير\" ٣٢/ ٨١.\n(٦) أخرجه الترمذي في \"السنن\" ٥/ ٤٤٨: ح: ٣٣٥٨ كتاب التفسير القرآن: باب ٨٩ بنحوه، قال أبو عيسى: هذا حديث غريب، قال شعيب الأرناؤوط في \"تخريج جامع الأصول\" ٢/ ٤٣٥ وإسناده قوي، وصححه ابن حبان كما في \"موارد الظمآن\" ٦٤٠: ح: ٢٥٨٥ كتاب البعث: باب ١٠، وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" ٨/ ٦١٣ - ٦١٤ وزاد نسبته لأحمد في \"زوائد الزهد\"، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن مردويه، والبيهقي في \"شعب الإيمان\" ٤/ ١٤٧ ح: ٤٦٠٧.\nكما ورد في \"معالم التنزيل\" ٤/ ٥٢١، و\"التفسير الكبير\" ٣٢/ ٨١، و\"لباب التأويل\" ٤/ ٤٠٤، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٦١٣ - ٦١٤ وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن مردويه، و\"فتح القدير\" ٥/ ٤٩٠.","vol":"24","page":288},{"text":"وجلف (١) الخبز، وظل الحائط، وجرة الماء، فضل يحاسب به، ويسأل عنه العبد يوم القيامة\" (٢).\nوروى أبو قلابة: أن النبي -ﷺ- قال في هذه الآية: \"ناس من أمتي يعقدون السمن، والعسل بالنقي فيأكلونه\" (٣).\nومن قال بهذا القول، وهو أن كل أحد يسأل عز النعيم، كان المعنى عنده: أن الكافر يسأل توبيخًا ثم يعذب لتركه الشكر -كما ذكرنا-، والمؤمن يسأل عن ذلك إظهارًا للمنة عليه، وإذا كان قد قام بشكره فلا عتب عليه (٤)، فقد روي أن النبي -ﷺ- أكل هو ونفر من أصحابه تمرًا،\n_________\n(١) الجلف: الخبز اليابس الغليظ بلا أُدم ولا لبن كالخشب، ويروى بفتح اللام، جمع جِلْفة، وهي الكسرة من الخبز. \"لسان العرب\" ٩/ ٣١ (جلف).\n(٢) ورد في \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٨٥ من طريق يزيد بن الأصم عن ابن عباس، وفيه جر الماء بدلًا من جرة الماء، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٦١٩ وعزاه إلى البزار.\n(٣) الكشف والبيان\" ١٣/ ١٤٥ أمن طريق يوسف ابن أخت ابن سيرين عن أبي قلابة مرفوعًا، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٨٤ موقوفًا، ورواية الموقوف وضحت المراد بالنفي، قال أبو قلابة: من النعيم أكل السمن والعسل بالخبز النقي. والنقي المراد به النظيف من الشيء. انظر: \"لسان العرب\" ١٥/ ٣٣٨: (نقا).، و\"فتح القدير\" ٥/ ٤٩٠ وقال: هذا مرسل، وعزاه إلى أحمد في الزهد، وابن مردويه.\n(٤) قال الزمخشري: فإن قلت: ما النعيم الذي يُسأل عنه الإنسان، ويعاتب عليه، فما من أحد إلا وله نعيم؟ قلت: هو نعيم عن عكف همته على استيفاء اللذات، ولم يعش إلا ليأكل الطيب، ويلبس اللين، ويقطع أوقاته باللهو والطرب، لا يعبأ بالعلم والعمل، ولا يحمل نفسه مشاقه، فأما من تمتع بنعمة الله وأرزاقه التي لم يخلقها إلا لعباده، وتقوى لها على دراسة العلم والقيام بالعمل، وكان ناهضًا بالشكر، فهو من ذاك بمعزل. \"الكشاف\" ٤/ ٢٣١.","vol":"24","page":289},{"text":"وشربوا عليه الماء، وقالوا: يا رسول الله ما شكر هذا النعيم؟ قال: \"تقولوا الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وجعلنا مسلمين\" (١). والنعيم نقيض البؤس.\nتمت.\n_________\n(١) أخرجه مسلم في \"صحيحه\" ٤/ ٢٠٨٥: ح: ٦٤: كتاب الذكر والدعاء: باب ١٧، و\"أبي داوود في سننه\" ٢/ ٣٥٩: كتاب الأطعمة: باب ما يقول الرجل إذا طعم، والرواية عنده من طريق أبي سعيد الخدري ومن غير ذكر القصة.\nومالك في \"الموطأ\" ٢/ ٧١٢: ح ٣٤: كتاب صفة النبي -ﷺ-: باب ما جاء في الطعام والشراب.\nوالإمام أحمد في \"المسند\" ١/ ١٥٣، ج ٥/ ٣٢، ٩٨، ١٥٣، ١٦٧، ٢٥٣، وابن ماجه في \"سننه\" ٢٣٧٠٢: ح: ٣٣٢٦ كتاب الأطعمة: باب ١٦ والترمذي في \"سننه\" ٥/ ٤٧٠: ح: ٣٣٩٦: كتاب الدعوات: باب ١٦.","vol":"24","page":290},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5151>سورة العصر</span>","vol":"24","page":291},{"text":"(تفسير) <span data-type=\"title\" id=toc-5152>(١) </span>سورة والعصر (٢) (٣)\nبسم الله الرحمن الرحيم\n\n١ - ﴿وَالْعَصْرِ﴾ قال ابن عباس: يريد والدهر (٤). قال الفراء: هو (٥) الدهر أقسم الله به (٦)، قال (٧) قتادة: أراد آخر ساعة من ساعات النهار (٨)، وهو رواية مجاهد عن ابن عباس قال: العصر ما يلي المغرب\n_________\n(١) ساقط من (ع).\n(٢) وفيها قولان: أحدهما: أنها مكية، قاله ابن عباس، وابن الزبير والجمهور.\nوالآخر: أنها مدنية، قاله مجاهد، وقتادة، ومقاتل.\n\"زاد المسير\" ٨/ ٣٠٣، \"النكت والعيون\" ٦/ ٣٣٣، \"البحر المحيط\" ص ٥٠٩.\n(٣) في (أ): (العصر)؛ بغير واو.\n(٤) \"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٤٦ ب، \"النكت والعيون\" ٦/ ٣٣٣، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٥٢٢، \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٥٢٠، \"زاد المسير\" ٨/ ٣٠٣، \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ١٧٨، \"لباب التأويل\" ٤/ ٤٠٥، \"البحر المحيط\" ٨/ ٥٠٩.\n(٥) في (ع): (وهو).\n(٦) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٨٩ نجصه.\n(٧) مكررة في (أ).\n(٨) \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٣٩٤، \"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٤٦ ب، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٥٢٢، \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ١٧٩، \"الدر المنثور\" ٨/ ٦٢٢ وعزاه إلى ابن المنذر، وابن أبي حاتم، و\"فتح القدير\" ٥/ ٤٩١، و\"فتح الباري\" ٨/ ٧٢٩ بنحوه.","vol":"24","page":293},{"text":"من النهار (١).\nقال (٢) ابن كيسان: هو الليل والنهار (٣). وهذا قول المفسرين (٤).\nوالعصر بهذه (٥) المعاني صحيح في اللغة؛ (يقال للدهر: العَصْرُ، والعِصْرُ، (والعُصْرُ) (٦)، أنشد ابن السكيت (٧):\nثم اتَّقَى وأيَّ عصرٍ يتَّقِى ... بِعُلْبَةٍ وقَلْعِهِ المُعَلَّقِ (٨) (٩)\nويقال لليوم، والليلة، والغداة، والعشي: العصر.\nقال حميد بن ثور:\nولن يلبثَ العَصْرانِ يومٌ وليلةٌ ... إذا طَلَبا أن يُدرِكا ما تَيَمَّما (١٠)\n_________\n(١) \"بحر العلوم\" ٣/ ٥٠٨، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٥٢٢، \"الدر المنثور\" ٨/ ٦٢٢ بمعناه، وعزاه إلى ابن المنذر، \"تهذيب اللغة\" ٢٠/ ١٣.\n(٢) في (ع): (وقال).\n(٣) \"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٤٦ ب.\n(٤) قال بذلك ابن عباس في \"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٨٩.\n(٥) في (ع): (هذه).\n(٦) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٧) نسبة صاحب اللسان إلى أبي محمد الفقعسي، ٨/ ٢٩١ (قلع).\n(٨) ورد البيت في: \"إصلاح المنطق\" ٣١، \"لسان العرب\" ٨/ ٢٩١ (قلع).\nومعنى البيت كما في اللسان: \"أي\" وأي زمان يتقى، وجمعه قِلعه وقِلاع، وهو الكِنْف يكون فيه زاد الراعي وقناعه.\n(٩) ما بين القوسين نقلًا عن \"إصلاح المنطق\" ٣١.\n(١٠) ورد البيت في ديوانه، \"إصلاح المنطق\" ٣٩٤، \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٣ (عصر) غير منسوب، و\"الصحاح\" ٢/ ٧٤٨ (عصر)، و\"لسان العرب\" ٤/ ٥٧٦ (عصر)، و\"تاج العروس\" ٣/ ٤٠٤ (عصر)، \"البحر المحيط\" ٨/ ٥٠٢، \"فتح القدير\" ٥/ ٤٩١، و\"روح المعاني\" ٣٠/ ٢٢٨، \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣٥٩ من غير نسبة، و\"الحجة\" ٦/ ٤٤.","vol":"24","page":294},{"text":"(فإبداله اليوم، والليلة من \"العصران\" يدل على أنهما العصران) (١)، أنشد (٢) ابن السكيت:\nوأمطُلُهُ العَصْرَيْنِ حتَّى يملَّنِي ... ويرضى بنِصفِ الدّينِ والأنفُ رَاغِمُ (٣) (٤)\nقال: العصران: الغداة والعشي (٥).\nقال الليث: والعصر العشي، وأنشد:\nتروَّحْ بنا يا عمر ... وقد قَصُرَ العَصْر (٦)\nقال: وبه سميت صلاة (العصر) (٧) (٨).\nوقال أهل المعاني في \"العصر\" بجميع هذه المعاني عبرة للناظرة من جهة مرور الليل والنهار؛ على تقدير الأدوار من جهة أخذ (٩) النهار في\n_________\n(١) ما بين القوسين نقله عن \"الحجة\" ٦/ ٤٤٠.\n(٢) في (ع): (وأنشد).\n(٣) في (ع): (راعم).\n(٤) ورد البيت غير منسوب في \"إصلاح المنطق\" ٣٩٥، و\"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٣ (عصر)، و\"الصحاح\" ٢/ ٧٤٩ (عصر)، و\"لسان العرب\" ٤/ ٥٧٦ (عصر)، و\"تاج العروس\" ٣/ ٤٠٤ (عصر)، وقال: قال الصاغاني: والصواب في الرواية: ويرضى بنصف الدين في غير نائل. ونسبه لعبد الله بن الزبير الأسدي.\n(٥) \" إصلاح المنطق\" ص ٣٩٤ بنصه.\n(٦) عجز البيت:\nوفي الرَّوحة الأولى الغنيمة والأجر\nوقد ورد غير منسوب في \"تهذيب اللغة\" ٢/ ٤ (عصر)، و\"لسان العرب\" ٤/ ٥٧٦ (عصر)، \"تاج العروس\" ٣/ ٤٠٤ (عصر)، \"النكت والعيون\" ٦/ ٣٣٣.\n(٧) ساقط من (ع).\n(٨) \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٣ - ١٤ (عصر).\n(٩) في (أ): (جهد).","vol":"24","page":295},{"text":"التقضي، والليل في المجيء (١).\n\nوقال أبو إسحاق: وقال بعضهم معناه <span data-type=\"title\" id=toc-5153>(٢): </span>ورب العصر، كما قال: (فورب السماء والأرض) (٣) (٤).\nوقال مقاتل: يعني صلاة العصر أقسم الله بصلاة العصر، وهي الصلاة الوسطى (٥)، فقال:\n\n٢ - ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ﴾.\nوقال أبو عبيدة (٦)، والزجاج (٧)، وغيرهما (٨): \"الإنسان\" هاهنا في معنى الناس، وهو اسم الجنس يقع على الجميع كقولهم: كثر الدرهم في أيدي الناس.\nقوله تعالى: ﴿لَفِي خُسْر﴾.\n_________\n(١) لم أعثر على مصدر لقوله، وقد ورد بمثله من غير نسبة في: \"الوسيط\" ٤/ ٥٥.\n(٢) بياض في (ع).\n(٣) سورة الذاريات: ٢٣.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣٦٠.\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ٢٥٠ أ، \"الكثسف والبيان\" ١٣/ ١٤٦ ب، \"النكت والعيون\"، ٦/ ٣٣٣، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٥٢٢ - ٥٢٣، \"زاد المسير\" ٨/ ٣٠٣، \"التفسير الكبير\" ٣٢/ ٨٥، \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٧٩ و\"فتح القدير\" ٥/ ٤٩١، \"روح المعاني\" ٣٠/ ٢٢٧، ورجحه الزمخشري في \"الكشاف\" ٤/ ٣٢٣.\n(٦) \"مجاز القرآن\" ٢/ ٣١٠.\n(٧) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣٥٩.\n(٨) وقال به محمد بن كعب القرظي، قال: يعني الناس كلهم، \"بحر العلوم\" ٣/ ٥٠٨، وذهب إليه الطبري في \"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٩٠، والماوردي في \"النكت والعيون\" ٦/ ٣٣٣، ورجحه الشوكاني في \"فتح القدير\" ٥/ ٥١٥.","vol":"24","page":296},{"text":"الخسر: كالخسران، وهو النقصان، وذهاب رأس المال (١).\nوذكر في تفسير الخسر -هاهنا- قولان:\nأحدهما: إن هذا الخسر في الدنيا، وهو الضلال.\nوالمعنى: أن كل إنسان؛ يعني الكافر لاستثنائه المؤمنين في الآية الثانية، لفي ضلال حتى يموت فيه، فيدخل الناس. وهذا قول مقاتل (٢).\n\nوقال الفراء: لفي عقوبة بذنوبه، وأن يخسر أهله، ومنزله، وماله في الجنة <span data-type=\"title\" id=toc-5154>(٣)</span>.\n-وهذا الخسر إنما هو في الآخرة- وقال أهل المعاني: الخسر هلاك رأس المال، والإنسان في هلاك نفسه وعمره وهما أكثر رأس المال؛ إلا المؤمن العامل بطاعة ربه (٤)، وهو قوله:\n\n٣ - ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وذكر المفسرون في الإنسان التعيين والتخصيص، فقال: عطاء عن ابن عباس: يريد جماعة من المشركين: الوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل، والأسود بن عبد المطلب (٥).\nوقال مقاتل: نزلت في أبي لهب (٦).\n_________\n(١) قال بنحو ذلك ابن قتيبة في \"تأويل مشكل القرآن\" ص ٣٤٢، وانظر \"تفسير غريب القرآن\" له أيضًا ص ٥٣٨، قال: الخسران: النقصان، كذلك ابن شجرة في: \"النكت والعيون\" ٦/ ٣٣٤، والثعلبي في \"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٤٦ ب.\n(٢) لم أعثر على مصدر لقوله، وقد ورد بمثله من غير عزو في \"التفسير الكبير\" ٣٢/ ٨٧.\n(٣) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٨٩ بنحوه.\n(٤) لم أعثر على مصدر لقولهم، وقد ورد بنص عبارتهم من غير عزو في \"الوسيط\" ٤/ ٥٥١، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٥٢٣، و\"زاد المسير\" ٨/ ٣٠٤.\n(٥) \"التفسير الكبير\" ٣٢/ ٨٦، وورد من غير عزو في \"فتح القدير\" ٥/ ٤٩١.\n(٦) \"تفسير مقاتل\" ٢٥٠ أ، \"التفسير الكبير\" ٣٢/ ٨٦.","vol":"24","page":297},{"text":"وروي مرفوعًا أنه أبو جهل (١).\nوهذا يحمل على أن هؤلاء ممن عني بلفظ الإنسان؛ لأن اللفظ اختص بهم لمكان استثناء المؤمنين من الإنسان.\nوالمعنى: إلا الذين صدقوا الله ورسوله وعملوا بطاعته.\n﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ﴾\nأوصى بعضهم بعضًا بالقرآن، (قاله الكلبي (٢)، والحسن (٣» (٤).\nوقال مقاتل: بتوحيد الله (٥). وهو اختيار أبي إسحاق، قال: تواصوا بالإقامة على توحيد الله، والإيمان بنبيه -ﷺ- (٦).\n(وقوله) (٧): ﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾.\nقال ابن عباس: بالصبر عن (٨) معاصي الله، وعلى فرائض الله (٩).\nوروي مرفوعًا: أن المراد بـ: \"الذين آمنوا\": أبو بكر، و\"عملوا\n_________\n(١) \"التفسير الكبير\" ٣٢/ ٨٦، \"الدر المنثور\" ٨/ ٦٢٢ موقوفًا على ابن عباس، وعزاه إلى ابن مردويه.\n(٢) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٣) ورد بمعنى قوله في \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٣٩٤، \"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٩، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٥٢٣.\n(٤) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ٢٥٠ أ، \"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٤٧ أ، \"معالم التنزيل\" ٤/ ٥٢٣، \"زاد المسير\" ٨/ ٣٠٤ - هامش عن النسخة الأزهرية.\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣٥٩ بنصه.\n(٧) ساقط من (أ).\n(٨) في (أ): (على).\n(٩) لم أعثر على مصدر لقوله، وقد ورد من غير عزو في \"فتح القدير\" ٥/ ٣٥٩.","vol":"24","page":298},{"text":"الصالحات\" عمر \"وتواصوا (بالحق) عثمان، و(تواصوا) (١) بالصبر\" علي ﵃. (٢)\nوقال أبو حاتم: قرأ أبو عمرو بالصَّبر \"بشمم الباء شيئًا (من الجر) (٣) ولا يُشبع (٤).\nقال أبو علي: (وهما مما لا يجوز في الوقف، ولا يكون في الوصل إلا على إجراء الوصل مُجرى الوقف، وهذا لا يكاد يكون في القراءة، وعلى هذا قول الشاعر (٥):\n_________\n(١) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٢) وقد ورد في: \"بحر العلوم\" ٣/ ٥٠٨ - ٥٠٩، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ١٨٠ موقوفًا على ابن عباس، وذكره ابن جماعة في \"غرر البيان\" ٥٤٨، ولم ينسبه للنبي -ﷺ- وذكره نحوه ابن تيمية في \"مقدمته في أصول التفسير\" ص ٨٨، وعدّه -وأمثاله- من الخرافات التي تتضمن تفسير اللفظ بما لا يدل عليه بحال. وانظر \"الوجيز في تفسير الكتاب العزيز\"؛ تح: صفوان داوودي ص ١٢٣١.\n(٣) ساقط من (أ).\n(٤) وهو من باب الوقف بالنقل؛ حيث يقف على الصبر، وينقل حركة الراء إلى الساكن قبلها، وهي لغة سائغة.\nانظر: \"الكتاب\" لسيبويه ٤/ ١٧٣، و\"البحر المحيط\" ٨/ ٥٠٩، و\"علل النحويين\" ٢/ ٧٩٥ ويراد بالإشمام هو: ضم الثسفتين وبعيد التسكين (إشارة إلى الضم) مع بعض انفراج بينهما ليخرج منه النفس، ولا يدرك لغير البصير، أي أنه يرى رؤية، ولا يسمع له صوت. \"حق التلاوة\" لحسني الشيخ عثمان ص ٩٠.\nوقال أبو منصور: كان هذا من اختلاس أبي عمرو، ولم يرو هذا لأبي عمرو، والقراءة بسكون الباء. \"القراءات وعلل النحويين فيها\" ٢/ ٧٩٥.\n(٥) هو أبو النجم العجلي الراجز، هو الفضل بن قدامة بن عبيد الله .. بن عِجل بن لجيم. انظر: \"جمهرة أنساب العرب\" ص ٣١٤ وقد تقدمت ترجمته في سورة النساء.","vol":"24","page":299},{"text":"فقرَّبْنَ هذا وهذا أزحِلُهْ (١)\nوأنشد سيبوية: (٢)\nأنا ابن ماوية إذ جد النقر (٣)\n_________\n(١) عجز البيت:\nولا يقول رأيت البكر\nورد البيت في: \"كتاب سيبويه\" ٤/ ١٨٠، \"المفصل\" ٩/ ٧١ برواية زُحِلُّة، و\"الكامل\" ٢/ ٦٩٣، والشاهد: نقل حركة الهاء إلى الساكن قبلها. \"المفصل\" ٢/ ٧٢.\nقال شارح المفصل: اعلم أنه يجوز في الوقف الجمع بين ساكنين، لأن الوقف يمكن الحرف ويستوفى صوته، ويوفره على الحرف الموقوف عليه فيجري ذلك مجرى الحركة لقوة الصوت واستيعابه، كما جرى المد في حروف المد مجرى الحركة، وليس كذلك الوصل، لأن الآخذ في متحرك بعد الساكن يمنع من امتداد الصوت لصرفه إلى ذلك المتحرك ... ثم قال: ومن الناس من يكره اجتماع الساكنين في الوقف؛ كما يكره ذلك في الوصل فيأخذ في تحريك الأول؛ لأنه هو المانع من الوصل إلى الثاني، فحركوه بالحركة التي كانت له في حال الوصل، فإن كان مرفوعًا حولوا الضمة إلى الساكن قبله، ويكون في ذلك تنبيه على أنه كان مرفوعًا وخروج عن عهدة الساكنين ... إلخ. \"المفصل\" ٩/ ٧١.\n(٢) لبعض السعديين كما هو عند سيبويه فدكى بن أعبد بن أسعد بن منقر كما في جمهرة ابن حزم. ومراجع أخرى نسبته إلى عبيد الله بن ماوية الطائي، أو عبيد بن معاوية الطائي، كما في اللسان، وعجزه:\nوجاءت الخيل أثافيَّ زُمَرْ\n(٣) وقد ورد البيت في: \"جمهرة ابن حزم\" ص ٢١٧، و\"كتاب سيبوية\" ٤/ ١٧٣، و\"الإنصاف\" ٢/ ٧٣٢ ش ٤٥٠، و\"المغني\" ٢/ ٩٠ س ٦٨٠، و\"الدر اللوامع\" ٢/ ٢٣٤، و\"الكامل\" ٢/ ٦٩٣، و\"التكملة\" للفارسي ص ٩.\nوالنَّقْر: أصله -بفتح النون وسكون القاف- قال ابن سيده: ومعناه، أن تلزق =","vol":"24","page":300},{"text":"(وكذلك) (١) أنشد (٢):\nعجبتُ والدهرُ كثيرٌ عجَبُهْ (٣) ... من عَنَزيِّ سبني لم أضرِبه (٤)\nفعلى هذه الأشياء قوله: \"وتواصوا بالصبر\"، وعلى هذا ما يروى عن سلام أبي (٥) المنذر أنه قرأ: \"والعصِر\" بكسر الصاد، ولعله وقف لانقطاع نفس أو عارض منعه من إدراج القراءة.\nوعلى هذا يحمل على إجراء (٦) الوصل مجرى الوقف، وعلى هذا ما روي عن الكسائي أنه كان يستحب أن يقف على \"مِنْه\"، و\"عَنْه\" بإشمام النون الضمة، فيقول: \"مِنْهُ\" و\"عَنهُ\" وهو مثل ما ذكرنا من قول الشاعر:\n_________\n= طرف لسانك بحنكك وتفتح ثم تصوت، وقيل: هو اضطراب اللسان في الفم إلى فوق وإلى أسفل، وقد نقر بالدابة نقرًا إذا صوت. هامش الإنصاف. والشاهد فيه: إلقاء حركة الراء على القاف للوقف. نقلًا عن الكتاب والإنصاف.\n(١) ساقط من (ع).\n(٢) لزياد الأعجم نسبه له سيبويه في كتابه، وابن منظور.\n(٣) في (ع): (عجيبة).\n(٤) ورد في البيت في: \"الكتاب\" ٤/ ١٨٠، \"المحتسب\" ١/ ١٩٦،\"الدر اللوامع\" ٢/ ٢٣٤ \"الهمع\" ٢/ ٢٠٨ دار المعرفة \"لسان العرب\" ١٢/ ٥٥٤: (لمم) برواية: يا عجبًا والدهر جم عجبه، قال: والمشهور في البيت الأول: عجبت والدهر كثير عجبه، و\"المفصل\" ٩/ ٧٠، و\"شرح أبيات سيبويه\" للنحاس ٣٦ ش ٢٥، \"الكامل\" ٢/ ٦٩٣.\nالشاهد: قال النحاس: فرفع يلم، وكان حقه أن يقول: لم أضربه بسكون الباء، لأن \"لم\" عامله الجزم، ولكن لما كانت القافية موقوفة حول الضمة التي في الهاء من أضربه إلى الباء لئلا يجتمع ساكنان: \"شرح أبيات سيبوية\" ٣٦: ش ٢٥.\n(٥) في (أ): (أبن).\n(٦) في (أ): (أجري).","vol":"24","page":301},{"text":"من عَنَزيٍّ سبَّني لم أضرِبُه\nوأنشد ابن مجاهد (١) على هذه القراءة:\nأيت ثيائا على جشة ... فقلت هشامٌ ولم أخبَرُه (٢) (٣)\n(-تمت-)\n_________\n(١) لم أعثر على قائله، وقال محقق \"الحجة\" لم نقف على قائله.\n(٢) ما بين القوسين من كلام طويل هو لأبي على -كما نص عليه الإمام الواحدي- نقله عن \"الحجة\" ٦/ ٤٣٨ - ٤٤٠ باختصار.\n(٣) ساقط من (ع).","vol":"24","page":302},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5155>سورة الهمزة</span>","vol":"24","page":303},{"text":"تفسير سورة الهمزة <span data-type=\"title\" id=toc-5156>(١)</span>\nبسم الله الرحمن الرحيم\n\n١ - ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ قال أبو عبيدة (٢)، والزجاج (٣): الهمزة اللمزة الذي يغتاب الناس، (ويغُضُّهُم (٤) (٥)، وأنشد قول الأعجم (٦):\nتُدلي الودَّ إن لاقيتني كَذِبًا ... وإن تغيبتُ كنت الهامزَ اللُّمَزَة (٧)\n_________\n(١) مكية بالإجماع حكاه ابن عطية في \"المحرر\" ٥/ ٥٢١، وانظر \"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٩١، و\"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٤٧ ب، و\"زاد المسير\" ٨/ ٣٠٥.\n(٢) \"مجاز القرآن\" ٢/ ٣١١، برواية: تدلي بودي، وإن أُغيب فأنت ... \"\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣٦١، برواية \"إذا لقيك عن كره تكاشرني\".\n(٤) وردت في المعاني بقوله: يَعَضُّهم، ومعنى يغُضُّهم: يغض بالضم إذا وضع ونقص من قدره \"الصحاح\" ٣/ ١٠٩٥ (غضض).\n(٥) ساقط من (أ).\n(٦) الأعجم: لعله: زياد بن سُليم العبدي، ويقال: زياد بن جابر بن عمرو بن عامر من عبد القيس الأعجم، وكان هجاءً قليل المدح للملوك والوفادة إليهم، ولم تكن له همة تدعوه، وكانت همته ومركزه بخراسان وما يليها، وكان صاحب بديهة وقدرة في الشعر، وعده ابن سلام من طبقة فحول الإسلام، وكانت فيه لكنه فلذلك قيل له الأعجم.\nانظر: \"طبقات فحول الشعراء\" ٢/ ٦٨١: رقم ٨٥٠، و\"الشعر والشعراء\" ص ٢٧٩.\n(٧) وقد ورد البيت في: \"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٩١ برواية بمثل ما عند أبي عبيدة، ومما =","vol":"24","page":305},{"text":"قال سعيد بن جبير (١)، ومجاهد (٢)، و(قتادة (٣» (٤): \"الهمزة\": الطعان، و\"اللمزة\" (٥) الذي يأكل لحوم الناس ويغتابهم.\nقال المبرد: الهمز باللسان، واليد، واللمز أن يغتاب بلسانه، وينظر النظرة المنكرة بعينه (٦). وهذا مما سبق فيه الكلام عند قوله \"يلمزك في الصدقات\" (٧).\n_________\n= ذكر أيضًا بمثل رواية أبي عبيدة صاحب: \"النكت والعيون\" ٦/ ٣٣٥، و\"البحر المحيط\" ٨/ ٥١٠، و\"إصلاح المنطق\" ٤٢٨.\nوبمثل رواية الزجاج عند: \"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٤٨ أ، و\"لسان العرب\" ٥/ ٤٢٦ (كشر)، و\"زاد المسير\" ٨/ ٢٠٦، و\"لباب التأويل\" ٤/ ٤٠٦، وذكر بالروايتين في: \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ١٨٢، و\"فتح القدير\" ٥/ ٤٩٣، وقد وردت بمثل ما ذكرها الواحد في: \"الكشاف\" ٤/ ٢٣٢، و\"مشاهد الإنصاف على شواهد الكشاف\" ص ١٤٠.\n(١) \"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٤٨ أ، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٥٢٣.\n(٢) \"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٩٢، و\"بحر العلوم\" ٣/ ٥١٠، و\"الكشف والبيان\" ج ١٣/ ١٤٨ أ، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٥٢١، و\"زاد المسير\" ٨/ ٣٠٦ بمعناه، و\"الدر المنثور\" ٨: ٦٢٤ وعزاه إلى الفريابي، وعبد بن حميد، وابن أبي الدنيا في الغيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في \"شعب الإيمان\" ٥/ ٣١٠: ح ٦٧٥٣.\n(٣) \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٣٩٥ - ذكر فقط معنى اللمزة، و\"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٩٢ \"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٤٨ أ، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٥٢٣، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٨٦، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٦٢٤ وعزاه إلى عبد بن حميد.\n(٤) ساقط من (أ).\n(٥) في (أ): (الهمزة).\n(٦) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٧) سورة التوبة: ٥٨ ومما جاء في تفسيرها: قال الليث اللمز كالغمز في الوجه، رجل لمزة يعيبك في وجهك ورجل همزة يعيبك بالغيب، وقال الزجاج: يقال لمزه الرجل بكسر الميم، واللمزة بضم الميم إذا عبته، وكذلك همزته أهمزه إذا عبته، =","vol":"24","page":306},{"text":"وقوله \"هماز مشاء\" (١).\nقال عطاء (٢) (والكلبي (٣» (٤): نزلت في الأخنس بن شريق، كان يلمز الناس، ويغتابهم.\nوقال مقاتل: الهمزة المغتاب على الغيبة، واللمزة: الطعان في الوجه، نزلت في الوليد ابن المغيرة: كان يغتاب النبي -ﷺ- من ورائه، ويطعن عليه في وجهه (٥).\nوقال محمد ابن إسحاق: ما زلنا (٦) نسمع هذه السورة نزلت في أمية ابن خلف (٧).\nقال الفراء: إنها نزلت في رجل واحد، وهو جائز في العربية، أن تذكر الشيء العام وأنت تريد به الواحد، وتقصد قصد الواحد، هذا من\n_________\n= والهمزة اللمزة الذي يغتاب الناس ويغضهم، وقال الأزهري: وأصل الهمز واللمز الدَّفْعُ ... وفي رواية عطاء يلمزك: يغتابك، وقال قتادة: يطعن عليك.\n(١) سورة القلم: ١١، ومما جاء في تفسيرها: \"هماز\" قال المبرد: وهو الذي يهمز الناس بالمكروه، وأكثر ذلك بظهر الغيب، قال الزجاج يغتاب للناس، وقال ابن عباس طعان للناس وقال مقاتل: مغتاب.\n(٢) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٣) \"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٤٨ ب، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٥٢٣، و\"زاد المسير\" ٨/ ٣٠٥.\n(٤) ساقط من (أ).\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ٢٥٠ أ، و\"بحر العلوم\" ٣/ ٥١٠، و\"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٤٨ ب، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٥٢٤، و\"زاد المسير\" ٨/ ٣٠٥.\n(٦) في (أ): (ملنزلنا).\n(٧) \"معالم التنزيل\" ٤/ ٥٢٣، و\"زاد المسير\" ٨/ ٣٠٥، و\"لباب التأويل\" ٤/ ٤٠٦، و\"لباب النقول\" ص ٢٣٤ - ٢٣٥.","vol":"24","page":307},{"text":"ذلك، وأنت قائل في الكلام عند قول الرجل: لا أزورك (١) أبدًا، فتقول أنت: كل من لم يزرني فلست بزائره، وأنت تقصد قصده.\n\nويدل على أن المراد به الواحد بعينه: أنها في قراءة عبد الله \"ويل لِلْهُمَزَةِ اللُّمَزَةِ\" <span data-type=\"title\" id=toc-5157>(٢)</span>\n٢ - ثم وصفه فقال: ﴿الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ﴾ (وقرئ \"جَمَّعِ\" بالتشديد (٣)، قال أبو الحسن (٤): المثقلة أكثر في الكلام، وفي القراءة تقول: فلان يُجَمِّعُ الأموال. أي يجمعها من هنا، وهنا، قال: وقال أبو عمرو: \"جَمَعَ\" بالتخفيف إذا كثر، ومن ثقل فإنما هو شيء بعد شيء هو -هاهنا- ثقيل، لأنه جمع شيئًا بعد شيء.\nقال أبو علي: ويجوز أن يكون جمع بالتخفيف لما يُجمَعُ شيء بعد شيء، كما قال (الأعشى) (٥):\n_________\n(١) في (أ): (لزورك).\n(٢) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٨٩ بتصرف.\nقال الزمخشري: ويجوز أن يكون السبب خاصًا، والوعيد عامًا لتناول كل من باشر ذلك القبيح، وليكون جاريًا مجرى التعريض بالوارد فيه، فإن ذلك أزجر له وأنكى فيه. \"الكشاف\" ٤/ ٢٣٢، والذي عليه الأكثرية عموم اللفظ لكل همز ولمز انظر: \"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٩٣، و\"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٤٨ ب، و\"النكت والعيون\" ٦/ ٣٣٦، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٢/ ١٨٣.\n(٣) قرأ ابن عامر، وحمزة، والكسائي، وخلف، وأبو جعفر، وروح، ووافقهم الأعمش: \"جَمَّعَ\" بالتشديد. \"كتاب السبعة\" ٦٩٧، و\"الحجة\" ٦/ ٤٤١، و\"القراءات وعلل النحويين فيها\" ٢/ ٧٩٧، و\"المبسوط\" ص ٤١٧، و\"كتاب التبصرة\" ص ٧٣٢، و\"إتحاف فضلاء البشر\" ص ٤٤٣.\n(٤) أي الأخفش.\n(٥) ساقط من (أ).","vol":"24","page":308},{"text":"لامرئ يجمع الأداة ... لرَيْب الدهر لا مسنَد ولا زمَّالِ (١)\nوالأشبه أن إرادة العرب لا تجمع في وقت واحد، إنما هو شيء بعد شيء، وقال:\nولها بالماطرون إذا ... أكل النمل الذي جمعا (٢)\nوالنمل لا يجمع ما يدّخره في وقت واحد، إنما يجمع شيئًا بعد شيء، فيجوز على هذا في قول من خفف أن يكون جمع شيئًا بعد شيء، كما يكون ذلك في قول من ثقل) (٣).\nوقوله (٤): ﴿وَعَدَّدَهُ﴾ قال الفراء: وأحصاه (٥).\nوقال الزجاج: \"وعدده\" للدهر (٦)، وهو معنى قول مقاتل: واستعد\n_________\n(١) \"ديوانه\" ١٨٣ برواية: \"يجعل\" بدلًا من: (يجمع)، ومعنى: مسند: المتهم في نسبه. زمال: الضعيف. \"ديوانه\".\n(٢) البيت مختلف في نسبته لقائله، فمنهم من ينسبه إلى الأحوص وهو في \"شعره\" ص ١٤١، وبعضهم إلى يزيد بن معاوية وبعضهم إلى دهبل، وقال: أبو الحسن: الصحيح أنه ليزيد يصف جارية.\nانظر: \"الكامل\" ٢/ ٤٩٨، و\"سر صناعة الإعراب\" ٢/ ٦٢٦، و\"الممتع\" لابن عصفور ١/ ١٥٨، و\"لسان العرب\" ١٣/ ٤٠٩ (مطرن)، ونسبه إلى الأخطل، ولم أعثر عليه في \"ديوان الأخطل\".\nوجاء في حاشية كتاب: \"الكامل\" والأبيات في \"شعر الأحوص\" وهي كلمة رواها أبو عمر الشيباني لأبي دهبل الجمحي -وتكلم وحقق ومال في النهاية إلى توثيق نسبته لأبي دهبل- ٢/ ٤٩٨، شعر الأحوص: تح: السامرائي ص ١٤١.\n(٣) ما بين القوسين نقله عن \"الحجة\" ٦/ ٤٤١ - ٤٤٢ بتصرف.\n(٤) قوله: من (أ).\n(٥) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٩٠.\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣٦١.","vol":"24","page":309},{"text":"مالًا (١).\nقال صاحب النظم: مأخوذ من العدّة، وهو الذخيرة، يقال: أعدد الشيء لكذا وأعددته (٢)، وعددته أيضًا إذا أمسكته (٣) (٤).\nوقال (صاحب النظم) (٥): وقيل معنى \"وعدده\" كثره، كما يقال: هذا مال له عدد (٦).\nوالعدد، والعديد في بني فلان: أي الكثرة فيهم (٧).\nثم ذكر طول أمله فقال:\n(قوله) (٨): ﴿يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ﴾ قال أبو إسحاق: أي يعمل عمل من لا يظن مع يساره أنه يموت (٩).\n﴿كَلَّا﴾ لا يخلده (ماله) (١٠)، ولا يبقى له.\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ٢٥٠ أورد معنى قوله في \"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٤٨ ب، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٥٢٤، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٥٢١.\n(٢) في (ع): (واعتدته).\n(٣) في (ع): (أمسكه له).\n(٤) لم أعثر على مصدر لقوله، وقد ورد بمثله في \"التفسير الكبير\" ٣٢/ ٩٣ من غير عزو.\n(٥) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٦) في (أ): (عدة).\n(٧) لم أعثر على مصدر لقول، وقد ورد قبله في \"التفسير الكبير\" ٣٢/ ٩٣، وجاء في \"التهذيب\" ١/ ٩٠ (عد). العديد: الكثرة، يقال ما أكثر عديد بني فلان وبنو فلان عديد الحص، إذا كانوا لا يحصون كثرة، كما لا يحصى الحص، ويقال هذه الدراهم عديد هذه الدراهم إذا كانت بعددها.\n(٨) ساقط من (ع).\n(٩) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣٦٢ بنصه.\n(١٠) ساقط من (أ).","vol":"24","page":310},{"text":"قوله: ﴿لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ﴾ ليلقين في جهنم، وليطرحن فيها.\nقال الكلبي: الحطمة اسم من أسماء النار، وهي الدرجة الثانية من درج النار (١).\nوقال المبرد: الحطمة النار التي تحطم كل من وقع فيها، ورجل حطمة أي: شديد الأكل يأتي على زاد القوم، وكذلك يقال في السير: سواق حطم، وأنشد:\nقد لفَّها الليلُ بسوّاقٍ (٢) حُطَم (٣)\n_________\n(١) لم أعثر على مصدر لقوله، وقد ورد بمثله من غير عزو في: \"التفسير الكبير\" ٣٢/ ٩٤، و\"تهذيب اللغة\" ٤/ ٤٠٠ (حطم)، وقد ورد عنه أنه الباب السادس راجع في ذلك \"النكت والعيون\" ٦/ ٣٣٣، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ١٨٤.\n(٢) في (ع): (بسوق).\n(٣) في \"الحماسة البصرية\":\nبات يقاسيها غلام كالزلم ... خدلج الساقين خفاق القدم\nقد لفها الليل بسواق حطم ... ليس براعي إبل ولا غنم\nوورد البيت في: \"الكامل\" ٢/ ٤٩٨، ٣/ ١٢٣٠، ونسبه للحُطم القيسي، كما في \"سمط اللآلي\" ٧٢٩، و\"لسان العرب\" ١٢/ ١٣٨ - ١٣٩ (حطم)، وقال آخرون: هي للرُشيد بن رُميض العنزي قالها في الحطم، وقد نعته بهذا البيت بالحطم، فلقب يومئذ لقول رشيد هذا فيه. انظر \"الأغاني\" ١٥/ ٢٥٥ تح عبد السلام هارون، و\"ديوان الحماسة\" للتبريزي ١/ ١٣٢، و\"الحماسة البصرية\" لأبي الفرج بن الحسين البصري ١/ ١٠٣.\nكما ورد غير منسوب في \"مقاييس اللغة\" ٢٠/ ٧٨ (حطم)، و\"الصحاح\" ٥/ ١٩٠١ (حطم)، وقال محقق \"الكامل\" ويقع بعضها في رجز أبي زغبة الخزرجي، والأخنس بن شهاب التغلبي، وجابر بن حني التغلبي، والأغلب العجلي. انظر \"شرح أبيات سيبويه\" ٢/ ٢٨٦.\nومعنى قوله: \"قد لفها الليل\" جعل الفعل لليل على المجاز، وأصل الحطم الكسر، والمعنى جمع الليل هذه الساق برجل متناهي القوة؛ عنيف السوق لا يرفق بوسائقه رفق الرعاة، ولا رفق الجزاع. \"ديوان الحماسة\" للتبريزي: ١/ ١٣٢ - ١٣٣.","vol":"24","page":311},{"text":"وأصل الحطمة في اللغة: الكسير (١) (ذكرنا ذلك في تفسِر \"الحُطام) \" (٢) (٣)، ويقال: \"شرُّ الرِّعَاءِ الحُطَمة\" (٤)، يقال: راع حطمة، وحُطم بغيرها، كأنه يَحْطِم الماشيةَ أي: يكسرها عند سوقها لعنفه) (٥).\nقال مقاتل: هي تحطم العظام، وتأكل اللحوم حتى تهجم علي القلوب (٦). وذلك قوله:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5158>٦، ٧ </span>- ﴿نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ (٦) الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ﴾ قال (٧): تخلص\n_________\n(١) في (أ): (الكثير. انظر: (حطم) في \"إصلاح المنطق\" ص ٤٢٩، و\"تهذيب اللغة\" ٤/ ٤٠٠، و\"مقاييس اللغة\" ٢/ ٧٨، و\"الصحاح\" ٥/ ١٩٠١، و\"لسان العرب\" ١٢/ ١٣٨.\n(٢) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٣) وقد جاء تفسير الحطام الوارد في سورة الزمر: ٢١، قال أبو عبيدة: الحطام والرفات والدرين واحد في كلام العرب وهو: ما يبس من النبات وغيره، وقال مقاتل: يعني هالكًا بعد الخضرة.\n(٤) هذا المثل أصله حديث أخرجه مسلم في \"صحيحه\" ٣/ ١٤٦١: ح: ٢٣: كتاب الإمارة: باب ٥، من طريق عائذ بن عمرو، وكان من أصحاب رسول الله -ﷺ-: دخل على عبيد بن زياد، فقال: أي بني إني سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: \"إن شر الرعاءِ الحطمة، فإياك أن تكون منهم\".\nكما أخرجه الإمام أحمد في \"المسند\" ٥/ ٦٤، وانظر: \"مجمع الأمثال\" ٢/ ١٥٩ رقم ١٩٤٦ وقال الميداني: يضرب لمن يلي شيئًا ثم لا يُحسن ولايته، و\"تاج العروس\" ٨/ ٢٥١ (حطم).\nكما ورد في \"المستقصي في أمثال العرب\" للزمخشري ٢/ ١٢٩ رقم: ٤٤٢.\n(٥) ما بين القوسين نقله عن \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٤٠٠ (حطم).\n(٦) \"تفسير مقاتل\" ٢٥٠ ب، و\"التفسير الكبير\" ٣٢/ ٩٤.\n(٧) أي مقاتل.","vol":"24","page":312},{"text":"حرها إلى القلوب، ثم يكسى لحمًا جديدًا، ثم يقبل عليه، فتأكله فهذا دأبه (١). ونحو هذا قال الفراء (٢)، (والزجاج (٣» (٤): يبلغ ألمها وإحراقها إلى الأفئدة.\n\nقال ابن قتيبة: \"تطلع على الأفئدة\" تُوفي عليها وتُشْرِف، (ويقال: طلع الجبلَ واطَّلع عليه إذا [علا] (٥) فوقه) (٦)، وخصّ الأفئدة، لأن الألم إذا صار إلى الفؤاد مات صاحبه، فأخبر أنهم في حال من يموت وهم لا يموتون، كما قال: \"فإن له جهنم لا يموت فيها ولا يحيي\" (٧) يريد أنه في حال من يموت (وهو) <span data-type=\"title\" id=toc-5159>(٨) </span>لا يموت (٩).\nثم وصفهم فقال:\n\n٨ - ﴿إنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ﴾ قال المفسرون: مطبقة (١٠)، وهو كقوله:\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ٢٥٠ ب.\n(٢) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٩٠.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣٦٢ واللفظ له.\n(٤) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٥) (علاه) هكذا ورد في النسختين وأثبت ما جاء في مصدر القول -لانتظام الكلام به.\n(٦) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٧) سورة طه: ٧٤.\n(٨) ساقط من (أ).\n(٩) \"تأويل شكل القرآن\" ص ٤١٩ بنصه.\n(١٠) قال بذلك: ابن عباس، وعطية، وسعيد بن جبير، والحسن، والضحاك، وقتادة، وابن زيد، و\"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٩٥، و\"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٣٩٥، و\"النكت والعيون\" ٦/ ٣٣٧ وقال به السجستاني في \"نزهة القلوب\"، واليزيدي في \"غريب القرآن وتفسيره\" ص ٤٤١، والسمرقندي في \"بحر العلوم\" ٣/ ٥١٠، والزجاج في \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣٦٢، والثعلبي في \"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٤٩، =","vol":"24","page":313},{"text":"﴿عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ﴾ [البلد: ٢٠]\n(وقد مر وذكرنا الكلام في تفسير \"المؤصدة\" هناك (١» (٢).\nوقوله: (في عمد (ممددة) (٣» وقرئ: \"في عُمُد (٤) \".\nقال الفراء: وهما (٥) جمعان (٦) للعمود، مثل: الأديم (٧)، والأُدُم، والإهاب (٨)، والأَهَب، الأُهُب، والقضِيم (٩)، والقَضَم، والقُضُم (١٠)،\n_________\n= ١٤٩ أ، وانظر: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٥٢٤، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٥٢٢، وقال آخرون: مغلقة، وقال غيرهم مسدودة. انظر: \"النكت والعيون\" ٦/ ٣٣٧ وكلها تحمل معنًى واحدًا.\n(١) راجع: سورة البلد: ٢٠.\n(٢) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٣) ساقط من (أ).\n(٤) قرأ بذلك: عاصم في رواية أبي بكر، وحمزة، والكسائي، وخلف، ووافقهم الحسن، والأعمش، وقرأ الباقون: \"عَمَد\" بفتحتين.\n\"كتاب السبعة\" ٦٩٧، و\"القراءات وعلل النحويين فيها\" ٢٠/ ٧٩٧، و\"المبسوط\" ٤١٧، و\"الحجة\" ٦/ ٤٤٢، و\"حجة القراءات\" ص ٧٧٢، و\"إتحاف فضلاء البشر\" ص ٤٤٣.\n(٥) أي: العُمُد، والعَمَد.\n(٦) بياض في (ع).\n(٧) الأدم: اشتقاقه من أديم الأرض، لأنه خلق من تراب، وكذلك الأُدْمَةُ إنما هي مشبهة بلون التراب، وقال الليث: الأدم: جمع الأديم، وأديم كل شيء ظاهر جلده، وأدمه الأرض والإدام والأدم ما يؤدم تدم به مع الخبز.\n\"تهذيب اللغة\" ١٤/ ٢١٥ (أدم).\n(٨) الإهاب: يقال للجلد إهاب والجمع أهُبُ وأَهب. المرجع السابق.\n(٩) القضيم: الجلد الأبيض، يكتب عليه، والجمع أقضمه وقُضُم وقَضَم. \"تهذيب اللغة\" ٨/ ٣٥١، و\"لسان العرب\" ١٢/ ٤٨٨ (قضم).\n(١٠) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٩١.","vol":"24","page":314},{"text":"(ونحو هذا قال الأخفش: كلاهما جمع عمود (١» (٢).\nوقال (المبرد (٣)، و) (٤) أبو علي: العُمُد عَمُود على غير قياس، واحد والجمع على واحد \"عُمُد\" مثل: زبُور، وزُبُر، ورسُول، ورُسُل.\nومن قال: \"عَمَدٌ\" فهو اسم من أسماء الجمع من غير مسمى، يقال ذلك في جمع: فعول، وفعيل، وفعال، نحو أَدَم، وأَهَب، وحَرَس، وغيب (٥).\nوقال أبو عبيدة: كلاهما جمع: العِماد (٦).\nوالعمود كل مستطيل من خشب أو حديد (٧)، وهو أصل للبناء، مثل العماد، يقال: عمود البيت، للذي (٨) يقوم به البيت. (٩)\nواختلفوا في المراد بالعمد -هاهنا- مأخوذ بالأعرف والذي عليه الأكثر: أنها أوتاد الأطباق التي تطبق على أهل النار.\n_________\n(١) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٢) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٣) \"التفسير الكبير\" ٣٢/ ٩٥.\n(٤) ساقط من (أ).\n(٥) \"الحجة\" ٦/ ٤٤٣ بتصرف.\n(٦) \"مجاز القرآن\" ٢/ ٣١١ بنصه.\n(٧) وعبارة العمود كل مستطيل من خشب أو حديد عزاها القرطبي إلى أبي عبيدة في: \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ١٨٦، وكذا الشوكاني: \"فتح القدير\" ٥/ ٤٩٤ ولم أجدها عند أبي عبيدة في المجاز.\n(٨) في (أ): (الذي).\n(٩) انظر: (عمد) في \"مقاييس اللغة\" ٤/ ١٣٧، و\"الصحاح\" ٢/ ٥١١، و\"لسان العرب\" ٣/ ٣٠٣.","vol":"24","page":315},{"text":"قال مقاتل: أطبقت الأبواب عليهم، ثم شددت بأوتاد (١) من حديد من نار حتى يرجع عليهم غمها وحرها، فلا يفتح عنهم باب. (ولا يدخل عليهم رَوّح (٢). وهو قول الكلبي قال: طبقتها في عمد، والعمد كعمد أهل الدنيا غير أنها من النار (٣» (٤) وقول ابن مسعود (أيضًا (٥» وهي في قراءته \"بِعَمَدٍ\" (٦) يعني أنها مطبقة عليهم بعمد وهي أوتاد تلك (٧) الأطباق التي تطبق عليهم (وهي أبوابها) (٨) و\"ممددة\" من صفة العمد، أي ممدودة مطولة، وهي أرسخ وأثبت من الطويلة.\nوقال قتادة: بلغنا أنها عمد يعذبون بها في النار (٩).\n_________\n(١) في (أ): (باوتداد).\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ٢٥٠ ب، و\"زاد المسير\" ٨/ ٣٠٧، و\"فتح القدير\" ٥/ ٤٩٤، وقد ورد بمثله من غير عزو في: \"بحر العلوم\" ٣/ ٥١١، و\"لباب التأويل\" ٤/ ٤٠٧.\n(٣) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٤) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٥) ساقط من (أ).\n(٦) وردت قراءته في: \"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٩٥، و\"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٤٩ ب، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٥٢٤، و\"زاد المسير\" ٨/ ٣٠٧، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ١٨٥.\nوهي قراءة تفسيرية، وليست قراءة قرآنية لشذوذها وضعف سندها.\n(٧) في (أ): (ذلك.\n(٨) ما بين القوسين ساقطة من (أ).\n(٩) \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٣٩٥، و\"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٩٦، و\"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٤٩ ب \"معالم التنزيل\" ٤/ ٥٢٤، و\"زاد المسير\" ٨/ ٣٠٧، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ١٨٦، و\"لباب التأويل\" ٤/ ٤٠٧، و\"البحر المحيط\" ٨/ ٥١١، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٨٦، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٦٢٥ وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، و\"فتح القدير\" ٥/ ٤٩٤.","vol":"24","page":316},{"text":"وعلى هذا معنى الآية: هم عمد ممددة، أي في عذابها وإيلامها يضربون بها.\n(تمت) (١).\n_________\n(١) ساقط من (ع).","vol":"24","page":317},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5160>سورة الفيل</span>","vol":"24","page":319},{"text":"تفسير سورة الفيل <span data-type=\"title\" id=toc-5161>(١)</span>\nبسم الله الرحمن الرحيم\n\n١ - ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ (٢) (قال ابن عباس: يريد ألم تسمع يا محمد (٣» (٤).\n(قال الفراء: يريد ألم تُخبر (٥).\nوقال الزجاج: معنى \"ألم تر\" ألم) (٦) تعلم (٧).\nوقال صاحب النظم: هي كلمة وضعت لمعنى (التعجب (٨» (٩).\n(وقوله: ﴿كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ﴾ قال أبو إسحاق: كيف في موضع\n_________\n(١) مكية بإجماعهم حكى ذلك ابن عطية في: \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٥٢٣، وابن الجوزي: \"زاد المسير\" ٨/ ٣٠٨، وانظر: \"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٩٦، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٥٢٥.\n(٢) ساقط من (أ).\n(٣) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٤) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٥) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٩١.\n(٦) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٧) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣٦٣.\n(٨) \"الوسيط\" ٤/ ٥٥٤.\n(٩) ما بين القوسين ساقط من (أ).","vol":"24","page":321},{"text":"نصب) (١) بـ: \"فعل\" لا بقوله \"ألم تر\"، لأن \"كيف\" من حروف الاستفهام (٢).\nوقوله: ﴿بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾ يعني الذين غزوا البيت، وقصدوا تخريب الكعبة من الحبشة، والفيل معروف، ويجمع على الفيلة، والأفيال، وسايسه (٣) الفيال، والعرب تعظم شأنه، وتعجب من صورته، وخلقته (وقوته وكثافة أركانه) (٤) قال لبيد:\nلو يَقُومُ الفِيلُ أو فَيّاله ... زَلَّ عَنْ مِثْلِ مَقَامي وزَحَلْ (٥).\nوأكثر أهل التاريخ على أنهم لم يكن معهم غير فيل واحد، وكان (فيلًا كبيرًا) للنجاشي، لم ير مثله في الأرض عظمًا (وجسمًا وقوة) (٦) واسم الفيل: محمود (٧).\nوقال الضحاك: كانت الفيلة ثمانية (٨).\n_________\n(١) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣٦٣ بنصه.\n(٣) السايس: القائم على الشيء بما يصلحه، والسياسة فعل السائس. \"لسان العرب\" ٦/ ١٠٨ (سوس).\n(٤) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٥) \"ديوانه\" ص ١٤٧، ط. دار صادر، زحل: زل عن مكانه. الفيال: صاحب الفيل، توهم لبيد أنه لا بد أن يكون قويًا ليقدر على تصرف الفيل، وقد عاب العلماء هذا البيت على لبيد. ديوانه.\n(٦) ما بين الأقواس ساقط من (أ).\n(٧) وممن ذكر أنه قيل واحد: الطبري في \"تاريخه\" ٢/ ١٥٤، وابن هشام \"السيرة\" ١/ ٤٦، وابن الأثير في \"الكامل في التاريخ\" ١/ ٢٦٠، وابن كثير في \"البداية والنهاية\" م ١ ج ٢/ ١٥٨.\n(٨) \"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٥٧/ أ، و\"البحر المحيط\" ٨/ ٥١٢.","vol":"24","page":322},{"text":"وعلى هذا: الفيل: اسم الجنس، والصحيح هو الأول يدل عليه قول أبي الصلت (الثقفي (١» <span data-type=\"title\" id=toc-5162>(٢) </span>يذكر تلك القصة.\nإن آياتِ رَبِّنا بينات ... ما يُماري بهنَّ إلا الكفورُ\nحَبَسَ الفيلَ بالمُغَمَّسِ ... حتّى ظَلَّ يَحْبو كأنَّهُ مَعْقُورُ (٣)\nأخبر عن فيل واحد.\nثم ذكر ما فعل بهم فقال:\n\n٢ - ﴿أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي (تَضْلِيلٍ) (٤)﴾ أي مكرهم، وسعيهم في تخريب الكعبة، واستباحة أهلها (٥).\n﴿فِي تَضْلِيلٍ﴾ قال عطاء: في باطل. (وقال الكلبي: في أباطيل (٦» (٧).\nوقال مقاتل: في خسار (٨).\n_________\n(١) أبو الصلت بن أبي ربيعة الثقفي، تقدمت ترجمته.\n(٢) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٣) ورد البيتان في: \"سيرة ابن هشام\" ١/ ٦٣ برواية: (ثاقبات) بدلًا من (بينات)، و\"البداية والنهاية\": م ١، ج ٢/ ١٦٣ بنفس رواية ابن هشام ولكن منسوبة إلى أبي الصلت ربيعة بن أبي ربيعة، و\"النكت والعيون\" ٦/ ٣٤١ برواية: (ناطقات لا يماري) و(مر يعوي) ونسبة إلى أبي الصلت بن مسعود، و\"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٥٦ أو نسبة إلى أبي الصلت بن أمية ابن مسعود، و\"لباب التأويل\" ٤/ ٤٠٩ برواية (ساطعات) و(ظل يعوي) \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٤٩١ برواية (باقيات) و(حتى صار يحبو).\n(٤) ساقط من (أ).\n(٥) لعله نقله عن الثعلبي بتصرف انظر: \"الكشف والبيان\" ١٣/ ٥٧ أ.\n(٦) لم أعثر على مصدر لقولهما، وقد ورد بمثله من غير عزو في: \"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٥٧ أ.\n(٧) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٨) \"تفسير مقاتل\" ٢٥٣ أ، و\"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٥٧ أ، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٥٢٨.","vol":"24","page":323},{"text":"وقال أبو إسحاق: في ذهاب (١).\nوالمعنى: في تضليل عما قصدوا له من تخريب الكعبة، ضلل كيدهم حتى لم يصل إلى البيت، وإلى ما أرادوه بكيدهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5163>٣ </span>- ﴿وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ﴾ (٢) عطف.\nقوله: \"وأرسل\" (٣) على معنى \"ألم يجعل\" لا على لفظه، ومعناه (جعل) (٤): كيدهم في تضليل، ﴿وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ﴾ كما قلنا في قوله: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١) وَوَضَعْنَا﴾ [الشرح:١ - ٢].\nوقوله (٥) تعالى: ﴿طَيْرًا أَبَابِيلَ﴾ قال ابن عباس (في رواية عطاء) (٦): يريد مجتمعة (٧).\nوقال مقاتل: يعني متتابعة بعضها على إثر بعض (٨)، (وهو قول قتادة (٩)، وعبيد بن عمير (١٠» (١١).\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥: ٣٦٣.\n(٢) بياض في (ع).\n(٣) ساقط من (أ).\n(٤) في (أ): (قوله).\n(٥) ساقط من (ع).\n(٦) ساقط من (أ).\n(٧) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٨) \"تفسير مقاتل\" ٢٥٣ أ، و\"زاد المسير\" ٨/ ٣١٢.\n(٩) \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٣٩٦.\n(١٠) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(١١) ما بين القوسين ساقط من (أ).","vol":"24","page":324},{"text":"(وقال ابن أَبْزَى (١): أقاطيع كالإبل المؤبلة (٢) (٣) (٤).\nوقال أبو سلمة: هي الزُّمَر (٥) (٦).\n(وقال أبو صالح: يتبع بعضها بعضًا (٧» (٨).\nوأمَّا أهل اللغة فقال أبو عبيدة: أبابيل: جماعات على تفرقة، يقال: جاءت الخيل أبابيل من هاهنا وهاهنا، ولم نر أحدًا (٩) يجعل لها واحدًا (١٠)، (ونحو هذا ذكر الأخفش سواء (١١» (١٢).\n_________\n(١) ابن أبزى: هو سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى الخزاعي مولاهم؛ الكوفي، روى عن أبيه، وعنه جعفر ابن أبي ربيعة، وقتادة، قال النسائي: ثقة.\nانظر: \"الجرح والتعديل\" ٤/ ٣٩ ت ١٧١، و\"تهذيب الكمال\" ١٠/ ٥٢٤ ت ٢٣٠٨.\n(٢) المؤبلة: يراد بها الكثيرة. \"تهذيب اللغة\" ١٥/ ٣٨٨ (أبل)\n(٣) \"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٥٧ أكما ورد بمثله عن إسحاق بن عبد الله بن الحارث، و\"جامع البيان\" ٣٠: ٢٩٧، و\"النكت والعيون\" ٦/ ٣٤٣.\n(٤) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٥) في (ع): الرمى.\n(٦) \"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٩٧.\n(٧) ورد معنى قوله في: \"النكت والعيون\" ٦/ ٣٤٢، و\"زاد المسير\" ٨/ ٣١٢ وكلامه: جمعًا بعد جمع.\n(٨) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٩) في (ع): أحد.\n(١٠) \"مجاز القرآن\" ٢/ ٣١٢.\n(١١) \"التفسير الكبير\" ٣٢/ ١٠٠، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ١٩٧ والكلام عنه قال: يقال جاءت إبلك أبابيل: أي خرقًا، وطير أبابيل قال: وهذا يجيء في معنى التكثير، وهو من الجمع الذي لا واحد له، و\"لسان العرب\" ٦/ ١١: (أبل). وجميع ما ذكر في معنى \"أبابيل\" أقوال متفقة وحقيقة المعنى أنها جماعات عظام. قاله النحاس. \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ١٩٧.\n(١٢) ما ببن القوسين ساقط من (أ).","vol":"24","page":325},{"text":"وقال الفراء: \"أبابيل\" لا واحد لها، مثل: الشماميط (١)، والعباديد (٢)، (والشعارير (٣» (٤).\nكل هذا لا يفرد له واحد قال: وزعم (أبو جعفر) (٥) الرؤاسي (٦) (٧)، وكان ثقة مأمونًا أنه سمع واحدها \"إبالة\"، وقال الكسائي: كنت أسمع النحويين يقولون: \"أبَوَّل\" مثل: العَجَّوْل (٨)، والعَجَاجيل، -قال الفراء- ولو قال قائل: واحد \"الأبابيل\" \"إيبالة\" كان صوابًا، كما قالوا: دينار، ودنانير (٩).\nوقال ابن الأعرابي: \"الإبَّوْلُ\" طَائرٌ ينفرد من الرَّف، وهو السَّطر من الطَّير (١٠).\n_________\n(١) الشماطيط: أي المتفرقة، يقال: وجاءت الخيل شماطيط متفرقة أرسالًا. \"القاموس المحيط\" الفيروزابادي ٢/ ٣٦٩.\n(٢) العَبَادِيدُ: الفرق من الناس الناهبون في كل وجه وكذلك العبابيد. \"الصحاح\" ٢/ ٤: ٥٠ (عبد).\n(٣) شعارِير: أي متفرقين، يقال: ذهب القوم شَعَارِير إذا تفرقوا. \"الصحاح\" ٢/ ٧٠٠ (شعر)، و\"القاموس المحيط\" ٢/ ٦٠ (شعر).\n(٤) ساقط من (أ).\n(٥) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٦) في (ع): (الرازي).\n(٧) أبو جعفر هو محمد بن الحسن بن أبي سارة الرؤاسي، قيل له ذلك لعظم رأسه، وهو أول من وضع نحو الكوفيين، ذكر ذلك ثعلب، من تصانيفه: \"معاني القرآن\"، وتصانيفه في النحو. انظر: \"بغية الوعاه\" ١/ ١٠٩: ت: ١٨٠.\n(٨) العِجَّوْل: هو ولد البقرة، ويقال: عِجْل، والأنثى عجلة، وجمع عِجول: عجاجيل. \"تهذيب اللغة\" ١/ ٣٧٢ (عجل).\n(٩) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٩٢ بتصرف.\n(١٠) \"تهذيب اللغة\" ١٥/ ٣٨٩ (ويل).","vol":"24","page":326},{"text":"وقد استعملت العرب: الأبابيل معنى الجماعات.\nقال الأعشى:\nطَريْقٌ وَجَبَّارٌ رِوَاءٌ أصولُهُ ... عَلَيْهِ أبَابِيلٌ مِنِ الطَّيْرِ تَنْعَبُ (١)\nوقال امرؤ القيس:\nتراهم إلى الداعي سراعًا كأنهم ... أبابيل طير تحت دجن مُسَجَّنِ (٢) (٣)\nواختلفوا في صفة ذلك الطير، فروي عن (ابن سيرين، عن) (٤) ابن عباس، قال: كانت طيرًا لها خراطيم كخراطيم الطير، وأكف كأكف الكلاب (٥).\nوروى عطاء عنه قال: طير سود جاءت من قبل البحر فوجًا فوجًا (٦).\n_________\n(١) ورد البيت في: \"ديوانه\" ص ١١، ط. دار صادر، و\"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٥٧ أ، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ١٩٧.\nمعناه: الطريق، والجبار: نخل طويل. أبابيل: أسراب.\n(٢) في (أ): (سخر).\n(٣) ورد البيت في: \"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٥٧ أبرواية: (مسخر)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ١٩٧ غير منسوب، وفي الهامش ذكر أنه منسوب إلى امرئ القيس وأنه لم يجده في ديوانه، و\"فتح القدير\" ٥/ ٤٩٦.\n(٤) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٥) \"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٩٧ - ٢٩٨، و\"الكشف والبيان\" ١٣/ ٥٧ اب، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٥٢٨، و\"التفسير الكبير\" ٣٢/ ١٠٠، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ١٩٦، و\"لباب التأويل\" ٤/ ٤١٠، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٨٩، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٦٣٠ وعزاه إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن مروديه، والبيهقي في \"دلائل النبوة\" ١/ ١٢٢ - ١٢٣.\n(٦) \"التفسير الكبير\" ٣٢/ ١٠٠، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٦٣٠ وعزاه إلى الفريابي وعبد بن","vol":"24","page":327},{"text":"وقال عكرمة: (خرجت من البحر [لها] (١) مثل رؤوس السباع، وقال) (٢): هي طير خضر تختلف (٣) بالحجارة <span data-type=\"title\" id=toc-5164>(٤)</span>.\nوقال قتادة: هي طير خرجت من قبل البحر بيض، مع كل طائر ثلاثة (٥) أحجار، حجران في رجليه، وحجر في منقاره، لا يصيب شيئًا إلا هشمته (٦) (٧)، فذلك قوله:\n\n٤ - ﴿تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ﴾.\nروى (عطاء) (٨) عن ابن عباس (قال) (٩): \"أرسل الله الحجارة على أصحاب الفيل جعل لا يقع حجر على أحد منهم إلا نفط (١٠) جلده وثار به\n_________\n= حميد.\n(١) غير مقروء في (ع)، وأثبت ما جاء في: \"الجامع لأحكام القرآن\" لسوقه مثل هذه الرواية\" وعن عكرمة أيضًا.\n(٢) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٣) غير مقروء في (ع).\n(٤) ورد قوله مختصرًا في: \"الكشف والبيان\" ١٣/ ٥٧ اب، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٥٢٨، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ١٩٦ \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٨٩، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٦٣١ بمعناه وعزاه إلى سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن أبي حاتم، والبيهقي في \"دلائل النبوة\" ١/ ١٢٣.\n(٥) غير واضحة في (ع).\n(٦) في (أ): (هشمه).\n(٧) \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٣٩٦، و\"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٩٩، وذلك عند تفسير: \"ترميهم بحجارة\"، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٥٢٩ غير أنه ذكر أنها طير سود، وكذا في \"فتح القدير\" ٥/ ٤٩٥.\n(٨) ساقط من (أ).\n(٩) ساقط من (أ).\n(١٠) نفط: البثرة: يقال: نفطت يده نفطًا من باب تعب، ونفيطًا إذا صار بين الجلد واللحم ماء، الواحدة نفطة، والجمع نفط، وهو الجدري. \"المصباح المنير\" ٢/ ٧٥٧ (نفط).","vol":"24","page":328},{"text":"الجدري (١)، فكان أول يوم رؤي فيه الجدري، لم يُرَ قبل ذلك (٢)، (ونحو هذا قال سعيد بن جبير (٣» (٤).\nوقال ابن سابط: كانت تحمل الحجارة لا تريد شيئًا فتخطئه، ولا تصيب شيئًا إلا أحرقته (٥) (٦).\nوروى موسى بن أبي عائشة (٧): أنها كانت تحمل حجارة أصغرها مثل العدسة (٨)، وأكبرها مثل الحمصة (٩).\nقال عبيد بن عمير: ما أرادت أصابت، وما أصابت قتلت (١٠).\n_________\n(١) الجدري: هو عبارة عن بثرات تخرج من البدن يقال لصاحبها: مجدور، فإن بالغت قلت: مجدر، ويقال: جَدري أيضًا -بفتح الجيم؛ منسوب إلى جدر العضاة، وهي كالبثرات، أو إلى الجدرة، وهي ورم كالسَّلْعة في الحلق وغيره، وإذا ضممت الجيم يكون من تغيير النسب، وهو مرض معدٍ، وقد قضي عليه تمامًا بالتطعيم.\nانظر: \"المجموع المغيث\" ١/ ٣٠٣ - ٣٠٤ (جدر)، وانظر: \"النهاية في غريب الحديث والأثر\" ١/ ٢٤٦ (جدر)، وانظر: \"الموسوعة العربية العالمية\" ٨/ ٢٢٠.\n(٢) \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٢٩٦، بنحوه من طريق عكرمة عن ابن عباس، و\"التفسير الكبير\" ٣٢/ ١٠٠، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ١٩٨ مختصرًا، وعن عكرمة بنحوه \"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٩٩\n(٣) \"التفسير الكبير\" ٣٠/ ١٠٠.\n(٤) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٥) بياض في (ع).\n(٦) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٧) تقدمت ترجمته في سورة النور.\n(٨) العدسة: من الحبوب، والجمع: العَدَس. \"لسان العرب\" ٦/ ١٣٢ (عدس).\n(٩) \"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٩٩.\n(١٠) لم أعثر على مصدر لقوله.","vol":"24","page":329},{"text":"وقال مقاتل: كان الطائر الواحد يحمل ثلاثة أحجاش، واحد في منقاره، واثنان في رجليه، يقتل بكل واحد رجل ث مكتوب على كل حجر اسم صاحبه (١).\nقال ابن مسعود: ما وقع منها حجر علي رجل إلا خرج من الجانب الآخر، (وإن وقع على رأسه خرج من دبره (٢).\n\nوقال عطاء عن ابن عباس: كانت تحمل حصاة في) (٣) منقارها، وحصاتين في رجليها مثل الحمص؛ (ترسل الواحدة على رأس الرجل فتسيل لحمه ودمه، وتبقى عظامه) (٤) خاوية لا لحم فيها، ولا دم ولا جلد <span data-type=\"title\" id=toc-5165>(٥)</span>، فذلك قوله:\n٥ - ﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ تفسير العصف قد تقدم عند قوله: ﴿وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ﴾ (٦)، ومعنى \"كعصف (مأكول) (٧) \":\n_________\n(١) بمعناه في: \"تفسير مقاتل\" ٢٥٢ أ، و\"التفسير الكبير\" ٣٢/ ١٠٠.\n(٢) \"الكشف والبيان\" ١٣/ ٥٧ اب، بمعناه، و\"النكت والعيون\" ٦/ ٣٤٣، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٥٢٩، و\"لباب التأويل\" ٤/ ٤١٠، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ١٩٩.\n(٣) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٤) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٥) ورد معنى قوله في: \"فتح القدير\" ٥/ ٤٩٦ وعزاه إلى أبي نعيم في الدلائل.\n(٦) سورة الرحمن: ١٢، ومما جاء في تفسير \"كعصف\" أنه قشور التبن التي تعلو حب الحنطة وغيره، أو هو ما على ساق الزرع من الورق الذي يبس فيتفتت، وقال بعضهم: إنه بقل الزرع، يعني أول ما ينبت منه، وهو ورق بعد، وقال ابن عباس: ورق السنبل.\nوخلاصه أقوالهم: إن \"العصف\" ورق الزرع، ثم إذا يبس وديس صار تبنًا.\n(٧) ساقط من (أ).","vol":"24","page":330},{"text":"\"كزرع (وتبن) (١) قد أكلته الدواب، ثم راثته (٢) (٣) قد يبس وتفرقت أجزاؤه، شبه تقطع أوصالهم بتفرق أجزاء الروث، وهذا معنى قول قتادة (٤)، ومقاتل (٥)، وعطاء عن ابن عباس (٦).\nوقال آخرون: يعني جعلهم كزرع قد أكل حبه وبقى تبنه (٧).\nوالمعنى على هذا: كعصف مأكول الحب، كما يقال: فلان حسن، أي حسن الوجه، فأجرى مأكول على العصف من أجل أكله حبه، لأن المعني معلوم، وهذا قول الحسن (٨).\nوقيل في معنى \"مأكول\": إنه مما يؤكل، يعني تأكله الدواب، يقال لكل شيء يصلح للأكل: هو مأكول، [ومطعوم] (٩).\n_________\n(١) ساقط من (أ).\n(٢) في (أ): (وراثته).\n(٣) راثته: يراد به الروث، وهو رجيع ذوات الحافر، والرؤثة أخص منه، وقد راثته تروث رَوْثًا.\nانظر: \"النهاية في غريب الحديث والأثر\" ٢/ ٢٧١ (روث).\n(٤) \"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٥٧ ب، و\"التفسير الكبير\" ٣٢/ ١٠١.\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ٢٥٣/ أ، \"التفسير الكبير\" ٣٢/ ١٠١.\n(٦) المرجع السابق.\n(٧) ورد هذا القول من غير عزو في: \"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٥٨ أ، وممن قال بمعناه ابن عباس، وعكرمة، وحبيب بن ثابت، وعطاء بن السائب.\nانظر: \"جامع البيان\" ٣٠/ ٣٠٤، و\"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٥٨ أ، و\"النكت والعيون\" ٦/ ٣٤٤، وقد أورد ابن قتيبة هذا القول أيضًا من قولين في \"تفسير غريب القرآن\" ص ٥٣٩.\n(٨) \"التفسير الكبير\" ٣٢/ ١٠١ - ١٠٢.\n(٩) (مضعون): هكذا ورد في النسختين، والصواب ما أثبتناه.","vol":"24","page":331},{"text":"والمعنى: جعلهم كتبن تأكله الدواب، وهو معنى قول عكرمة (١)، (والضحاك (٢».\nفحصل في المأكول ثلاثة أقوال، أحدها: مأكول على الحقيقة، والثاني: مأكول الحب، والثالث: مأكول أنه مما يؤكل.\n_________\n(١) \"التفسير الكبير\" ٣٢/ ١٠٢، و\"جامع البيان\" ٣٠/ ٣٠٤ قال: كزرع مأكول.\n(٢) \"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٥٨ أ، و\"التفسير الكبير\" ٣٢/ ١٠٢.","vol":"24","page":332},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5166>سورة قريش</span>","vol":"24","page":333},{"text":"تفسير سورة قريش <span data-type=\"title\" id=toc-5167>(١)</span>\nبسم الله الرحمن الرحيم\n\n١ - ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (١) إِيلَافِهِمْ﴾ (٢)، وقرئ: إلا فِهِمْ، وإلْفِهِم (٣). قال علماء اللغة (٤) (٥): (أَلِفْتُ الشيء، وآلفْته، إلْفًا، وإلافًا، وإيلافًا،\n_________\n(١) فيها قولان:\nأحدهما: أنها مكية، وعزاه الماوردي إلى الأكثرين من المفسرين: \"النكت والعيون\" ٦/ ٣٤٥، وحكى ابن عطية الإجماع في \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٥٢٥.\nوالثاني: أنها مدنية قاله الضحاك، وابن السائب. \"النكت والعيون\" ٦/ ٣٤٥، و\"زاد المسير\" ٨/ ٢١٣.\n(٢) ﴿إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ﴾\n(٣) قرأ ابن كثير في رواية ابن فليح وحده: \"لإيلاف قريش\" \"إلْفِهِم\" ساكنة اللام، وليس قبلها ياء، وذكر البخاري لابن كثير في هذه الرواية: \"إلافهم\" بفتح اللام مشبعة بعدها ألف، والهمزة قبلها مختلسة ليس بعدها ياء.\nوقرأ أبو جعفر: \"ليلاف قريش\" بغير همز، و\"إلافِهِم\" مختلسة الهمزة ليس بعدها ياء.\nوقرأ ابن عامر: \"لإلاف قريش\" مختلسة الهمزة ليس بعدها ياء، و\"إيلافهم\" مشبعة الهمزة بعدها ياء.\nوقرأ الباقون \"لإيلاف قريش * إيلافهم\" مشبعة الهمزة في الحرفين بعدها ياء.\nانظر: \"كتاب السبعة\" ص٦٩٨، و\"القراءات وعلل النحويين فيها\" ٢/ ٧٩٩، و\"الحجة\" ٦/ ٤٤٤، و\"المبسوط\" ص ٤١٨، و\"كتاب التبصرة\" ص ٧٣٢.\n(٤) في (أ): (اللغت).\n(٥) يعني بهم أبو عبيدة، وأبو زيد جاء ذكرهم في \"تهذيب اللغة\".","vol":"24","page":335},{"text":"بمعنى واحد (١)، فهو مألوف، ومُؤلف، وآلفت الظباء الرَّمل إذا ألِفَتْها\nقال ذو الرمة:\nمن المُؤْلِفاتِ الرَّمْلَ أدْمَاءُ حرَّةٌ ... شُعَاعُ الضُّحَى في مَتْنِها (٢) يَتَوضَّحُ (٣)\nفالإلف، والإلاف مصدر ألف، والإيلاف مصدر آلف.\nوأنشدوا:\nزَعَمْتُمْ أنَّ إخوَتَكُمْ قُرَيْشٌ (٤) ... لهمْ إلفُ وليسَ لكمْ إلاف (٥)\nويقال أيضًا: \"ألِفْتُ فلانًا الشيء أولفه إيلافًا إذا ألزمته إياه) (٦)\n_________\n(١) أي بمعنى لَزمْتُه. \"تهذيب اللغة\" ١٥/ ٣٧٨ (ألف).\n(٢) في (أ): مسها.\n(٣) ورد البيت في: \"ديوانه\" ٢/ ١١٩٧ رقم ١٦، و\"الحجة\" ٦/ ٤٤٥ برواية: (جيدها) بدلًا من (متنها).\n\"الكامل\" ٢/ ٦٩٢ برواية: (لونها) بدلًا (متنها)، و\"تهذيب اللغة\" ١٥/ ٣٧٨ (ألف)، و\"لسان العرب\" ٩/ ١٠ (ألف)، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٥٢٥ برواية (جيدها). \"البحر المحيط\" ٨/ ٥١٤، و\"الدر المصون\" ٦/ ٥٧٢، و\"روح المعاني\" ٣٠/ ٢٣٨، و\"سيرة ابن هشام\" ١/ ٥٨.\n\"المؤلفات\" اللواتي اتخذن الرمل إلفًا. يتوضح: يبرق في متنها. \"ديوانه\" ١١٩٨.\n(٤) لفظ قريش: ورد مرفوعًا على الخبر، وفي \"اللسان\" بالنصب على البدل ٩/ ١٠ (ألف)، وانظر: \"البحر المحيط\" ٨/ ٥١٤.\n(٥) البيت لمساور بن هند يهجو بني أسد، وقد ورد في: \"تهذيب اللغة\" ١٥/ ٣٧٩ (ألف)، و\"لسان العرب\" ٩/ ١٠ (ألف)، و\"الحجة\" ٦/ ٤٤٦، و\"الكشاف\" ٤/ ٢٣٥، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٢٠١، و\"البحر المحيط\" ٨/ ٥١٤ برواية (قريشًا)، و\"الدر المصون\" ٦/ ٥٧١، و\"فتح القدير\" ٥/ ٤٩٨، و\"روح المعاني\" ٣٠/ ٢٤٠.\n(٦) ما بين القوسين نقله عن \"تهذيب اللغة\" ١٥/ ٣٧٨ (ألف)، وانظر \"لسان العرب\" ٩/ ١٠ (ألف).","vol":"24","page":336},{"text":"واختلفوا في \"اللام\" في قوله: \"لإيلاف (١) قريش\"، فذكروا فيه ثلاثة أوجه:\nأحدها: وهو الأشهر الأعرف أن \"اللام\" تتعلق بالسورة التي قبلها، وذلك أن الله تعالى ذكَّر أهل مكة عظيم النعمة عليهم فيما صنع بالحبشة، ثم قال: \"لإيلاف قريش\" كأنه قال ذلك إلى نعمة عليهم في رحلة الشتاء والصيف، وتقول: نعمة إلى نعمة، ونعمة لنعمة سواء في المعنى (٢). (هذا كلام الفراء) (٣).\nوقال الأخفش: يقول فعلنا ذلك بهم لتايلف قريش (٤).\nوقال أبو إسحاق: المعنى: فجعلهم كعصف مأكول لألف (قريش) (٥)، أي أهلك الله (أصحاب الفيل لتبقى قريش، وما ألفوا من رحلة الشتاء والصيف (٦). وهذا قول أبي عبيدة (٧).\n(واعترض على هذا القول معترض فقال: إنما جعلوا كعصف مأكول لكفرهم، ولم يجعلوا كذلك لتألف قريش (٨».\n_________\n(١) ليلاف: أ.\n(٢) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٩٣ بيسير من التصرف.\n(٣) ساقط من (أ).\n(٤) ورد في معنى قوله في: \"الحجة\" ٦/ ٤٤٨، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٥٢٥، الدر المصون: ٦/ ٥٧١.\n(٥) ساقط من (أ).\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٢/ ٣١٢.\n(٧) \"مجاز القرآن\" ٢/ ٣١٢، وهو معنى قول مجاهد، وابن عباس في رواية ابن جبير عنه. انظر: \"جامع البيان\" ٣٠/ ٣٠٦.\n(٨) وممن اعترض على هذا القول الطبري، قال: وأما القول أنه من صلة قوله: =","vol":"24","page":337},{"text":"قال أبو علي: وليس هذا الاعتراض بشيء، لأنه يجوز أن يكون المعنى: أهلكوا لكفرهم، ولما أدى (١) إهلاكهم إلى أن تألف قريش قليل: أهلكوا لإيلاف قريش، وجاز ذلك كقوله: ﴿لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ (٢)، وهم لم يلتقطوه لذلك، فلما آل الأمر إليه حسن أن يجعل عليه الالتقاط) (٣).\nالوجه الثاني: قال الفراء: ويقال إنه عجَّب نبيه فقال: يا محمد اعجب لنعم الله على قريش في إيلافهم رحلة الشتاء والصيف (٤).\nوقال الأخفش: قال بعضهم: هو على التعجيب، وليس معلقًا (بما قبله؛ كأنه) (٥) قال: لإيلاف قريش، (وما صنع الله بها، كما تقول) (٦): لزيد وما صنعناه، ولزيد وكرامتنا إياه (٧).\n_________\n= \"فجعلهم كعصف مأكول\"، فإن ذلك لو كان كذلك لوجب أن يكون: لإيلاف بعض ألم تر، وأن لا تكون سورة منفصلة من \"ألم تر\"، وفي إجماع جميع المسلمين على أنهما سورتان تامتان كل واحدة منهما منفصلة عن الأخرى، ما يبيّن عن فساد القول الذي قاله من قال ذلك، ولو كان قوله: \"لإيلاف قريش\" من صلة قوله: \"فجعلهم كعصف مأكول\" لم تكن \"ألم تر\" تامة حتى توصل بقوله: \"لإيلاف قريش\"؛ لأن الكلام لا يتم إلا بانقضاء الخبر الذي ذكر. \"جامع البيان\" ٣٠/ ٣٠٦ - ٣٠٧.\n(١) في (ع): (اهدى).\n(٢) سورة القصص: ٨.\n(٣) ما بين القوسين نقله عن \"الحجة\" ٦/ ٤٤٨ بيسير من التصرف.\n(٤) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٩٣ بنصه\n(٥) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٦) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٧) ورد معنى قوله في: \"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٥٩ أ، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٥٢٩، كما ورد في حاشية \"زاد المسير\" ٨/ ٥١٤ نقلًا عن النسخة الأزهرية، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٢٠١.","vol":"24","page":338},{"text":"وقال أبو إسحاق: وقال قوم: هذه \"لام\" التعجب، (كأن المعنى: اعجبوا) (١) لإيلاف قريش (٢).\nالوجه الثالث: هو قول الخليل، وسيبوية (٣)، وهو أن هذه \"اللام\" متصل بما بعدها على تقدير: \"فليعبدوا رب هذا البيت لإيلاف قريش\"، أي: ليجعلوا عبادتهم شكرًا لهذه النعمة، واعترافًا بها (٤). واختار صاحب النظم (وابن قتيبة) (٥) الوجه الأول.\nقال صاحب النظم: الوجه الأول أشبه بالصواب، لقوله: على أثره: \"فليعبدوا رب هذا البيت\"، وهذا كما تقول في الكلام: قد فعلت بفلان كذلك.\nوكذا الخير صنعته (٦) به، فليفعل هو كذا\"، وكذا لأمر (٧) أمرته به، ولا يكاد يجيء مثل هذا الأمر بعد التعجيب (٨).\nوقال ابن قتيبة: هاتان سورتان متصلتان الألفاظ.\nوالمعنى: إن قريشًا كانت بالحرم آمنة من الأعداء أن تهجم عليها فيه، وأن يعرض لها أحد بسوء إذا خرجت منه لتجارتها، وكانوا يقولون: قريش\n_________\n(١) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣٦٥ بنحوه.\n(٣) قوله: الخليل وسيبوبه غير واضح في (ع).\n(٤) انظر: \"كتاب سيبويه\" ٣/ ١٢٧ وقد أورد أبو علي قولي الخليل وسيبويه في \"الحجة\" ٦/ ٤٤٨.\n(٥) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٦) غير واضحة في (ع).\n(٧) في (أ): الأمر.\n(٨) لم أعثر على مصدر لقوله.","vol":"24","page":339},{"text":"سكان الله (١)، وأهل الله، وولاة بيته الحرام جديب (٢) لا زرع به ولا ضرع، ولا شجر ولا مرعى، وإنما كانت تعيش قريش فيه بالتجارة، وكانت لهم رحلتان في كل سنة: رحلة في الشتاء إلى اليمن، ورحلة في الصيف إلى الشام، ولولا هاتان الرحلتان لم يكن به مقام، ولولا الأمن بجوارهم البيت لم يقدروا على التصرف، فلما قصد أصحاب الفيل إلى مكة ليهدموا الكعبة، وينقلوا أحجارها إلى اليمن فيبنوا بها هناك بيتًا ينتقل الأمن إليهم، ويصير العز إليهم، أهلكهم الله، لتقيم قريش بالحرم، ويجاوروا البيت (٣). فقال: يذكر نعمته: \"ألم تر كيف فعل ربك ... \" إلى قوله: \"فجعلهم كعصف مأكول\" \"لايلاف قريش\" أي لفعلهم؛ أي فعل ذلك ليؤلف قريشًا هاتين الرحلتين اللتين بهما تعيشهم، ومقامهم بمكة.\nتقول: ألفت موضع كذا إذا ألزمته (٤)، والفيته الله، كما تقول: \"لزمت موضع كذا، وألزمنيه الله، وكرر \"لإيلاف\" كما تقول في الكلام: أعطيتك المال لصيانة وجهك صيانةً عن كل الناس، فتكرر (٥) الكلام على التوكيد (٦).-انتهى كلامه-.\nوهذا الذي ذكره هو على أن يجعل \"الإيلاف\" واقعًا، ويكون المصدر الواقع مضافًا إلى المفعول.\n_________\n(١) أي سكان حرم الله كما في \"تأويل مشكل القرآن\" لابن قتيبة.\n(٢) أي الحرم وادٍ جديب.\n(٣) في (أ) (يجاور).\n(٤) في (أ) (ألزمته).\n(٥) في (أ) (فتكرير).\n(٦) \"تأويل مشكل القرآن\" ص ٤١٣ - ٤١٥ بيسير من التصرف، وانظر: \"تفسير غريب القرآن\" لابن قتيبة ص ٥٣٩ مختصرًا.","vol":"24","page":340},{"text":"ويجوز أن يكون مضافًا إلى الفاعل على معنى \"هم يؤلفون\" أي يهيئون ويجهزون، قال الفراء (١)، وابن الأعرابي (٢): ويجوز أن يكون الإيلاف مطاوعًا، فيكون مضافًا (٣) إلى الفاعل، على معنى: لتألف قريش رحلتيها، ولتألف (٤) قريش الرحلتين فتتصلا ولا ينقطعا. ويؤكد هذا الوجه قراءة من قرأ: \"لإلالف قريش\" و\"لإيلافهم\"، فإن هذين المصدرين للمطاوع، وقد حصل في هذا ثلاثة أقوال:\nأحدها: لتولف قريش رحلتيها.\nوالثاني: لتؤلَفَ قريش رحلتيها.\nوالآخر: لتألف قريش رحلتيها.\n(وذكر ابن الأعرابي بيان الإيلاف وكيفيته فقال: أصحاب الإيلاف أربعة إخوة: هاشم، وعبد شمس، والمطلب، ونوفل بن عبد مناف (٥)، كانوا يؤلفون الجوار يجيرون قريشًا بميرهم (٦)، وكانوا يُسَمَّوْن المجبِرِين، فأما هاشم فإنه أخذ حبلًا من ملك الروم، وأخذ نوفل حبلًا من كسرى (٧)، وأخذ عبد شمس حبلًا من النجاشي، وأخذ المطلب حبلًا من ملوك حمير،\n_________\n(١) لم أعثر على مصدر القول.\n(٢) ورد قوله في: \"تهذيب اللغة\" ١٥/ ٣٧٩ (ألف)، وانظر: \"لسان العرب\" ٩/ ١٠ (ألف) من غير نسبة.\n(٣) في (أ): (مضاف).\n(٤) في (أ): (لتا لف).\n(٥) في (أ)، و(ع): (بنوا).\n(٦) الميرة: جلب الطعام للبيع، يقال: ماره يميره ميرًا: إذا أتاه ميرة أي طعام. \"تهذيب اللغة\" ٥/ ٢٩٩ (مور).\n(٧) في (أ)، (ع): (كسرا).","vol":"24","page":341},{"text":"فكان (١) تجار قريش يختلفون إلى هذه الأمصار بحبال هؤلاء الإخوة، فلا تُعرض لهم. فكان هاشم يؤلف إلى الشام، وعبد شمس إلى الحبشة، والمطلب إلى اليمن، ونوفل إلى فارس) (٢).\nومعنى يُؤْلِف: يجير، والإجارة سبب تألف الغير، فقيل للجوار: إيلاف، وللمجير: مؤلف، (وأما قريش فهم ولد النضر بن كنانة، وكل من ولده النضر فهو قرشي، ومن لم يلده النضر فليس بقرشي) (٣)، ولذلك قال رسول الله -ﷺ-: \"إنا بني النضر بن كنانة لا نَقْفُو أمَّنا، ولا نَنْتفي من أبينا\" (٤).\nواختلفوا في سبب تسميتهم بهذا الاسم، فذهب قوم إلى:\n(أنه من القرش، وهو الجمع من هاهنا وهاهنا، وسميت قريش قريشًا لتقرشها أي لتجمعها إلى مكة من جوانبها (٥)، وكانوا متبددين في الأرض، فتقرشت أي اجتمعت بعد التفرق حين جمعهم قصي بن كلاب في الحرم،\n_________\n(١) في (أ): (وكان).\n(٢) ما بين القوسين نقله عن \"تهذيب اللغة\" ١٥/ ٣٧٩ - ٣٨١ بيسير من التصرف.\n(٣) ما بين القوسين نقله عن \"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٥٩ ب.\n(٤) الحديث رواه الإمام أحمد: ٥/ ٢١١ - ٢١٢، وابن ماجه في \"السنن\" ٢/ ٩٦: ح: ٢٦٤١: كتاب الحدود: باب: ١٣٧، من طريق عقيل بن طلحة، السلمي عن مسلم بن هيصم به، كما رواه الطبراني في: \"المعجم الكبير\" ٢/ ٢٨٥ - ٢٨٦: ح: ٢١٩٠ - ٢١٩١ من طريقين أحدهما صرح بالتحديث فيهما عن الجفشيش الكندي. قال البوصيري في الزوائد: هذا إسناد صحيح رجاله ثقات. انظر حاشية سنن ابن ماجه: ٢/ ٩٦.\nقال الألباني: وهو كما قال. \"سلسلة الأحاديث الصحيحة\" ٥/ ٤٨٩: ح: ٢٣٧٥. وقال الألباني عنه: حسن. \"صحيح ابن ماجه\" ٢/ ٩١: ح: ٢١١٥: كتاب الحدود: باب ٣٧.\n(٥) في (أ): (حواليها).","vol":"24","page":342},{"text":"ولذلك سمي مجمعًا) (١)، ومنه قول الشاعر يذكر قريشًا:\nأبوكم قُصَيٌّ كان يُدْعَى مُجَمِّعا ... به جَمَّعَ اللهُ القبائلَ من فِهْرِ (٢)\n(هذا قول الليث) (٣) (٤).\nوقال آخرون: (بل سميت قريش للتجارة، وجمع المال، وكانوا أهل تجارة، ولم يكونوا أصحاب ضرع، وزرع، والقَرْش الكسب، يقال: هو يقرش لعياله) (٥)، (ويقترش أي يكتسب، ويتقّرَّشُ ويَتَقَرَقَّحُ أي: يكسب ويطلب) (٦).\nوقال (٧) الشاعر:\n_________\n(١) ما بين القوسين نقله عن \"تهذيب اللغة\"، وهو قول الليث: ٨/ ٣٢١ (قرش) بتصرف، وانظر: \"لسان العرب\" ٦/ ٣٣٥ (قرش).\n(٢) البيت للشاعر مطرود الخزاعي. انظر: \"شرح ديوان أبي تمام\" ٤/ ٩٥، و\"التبيين في أنساب القرشيين\" ص ١، ونسبه البغدادي في \"خزانة الأدب\" ١/ ٢٣٠ إلى الفضل بن العباس.\nوقد ورد غير منسوب في: \"النكت والعيون\" ٦/ ٣٤٦، و\"الدر المصون\" ٦/ ٥٧٢، و\"التفسير الكبير\" ٣٢/ ١٠٦، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٢٠٢، و\"روح المعاني\" ٣٠/ ٢٣٩، و\"لسان العرب\" ٨/ ٦٠ (جمع)، وكلها برواية: (أبونا) بدلًا من (أبوكم).\n(٣) ذكرت ذلك في حاشية سابقة، غير أن الليث لم يذكر بيت الشعر، ولم يرد في \"تهذيب اللغة\" أيضًا.\n(٤) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٥) ما بين القوسين انظر \"تهذيب اللغة\" ٨/ ٣٢١ (قرش)، و\"لسان العرب\" ٦/ ٣٣٥ (قرش).\n(٦) ما بين القوسين من قول اللحياني في \"تهذيب اللغة\" المرجع السابق.\n(٧) في (أ): (قال).","vol":"24","page":343},{"text":"إخوةٌ قرَّشوا الذنوب علينا ... في حديثٍ من عهدهم وقديم (١)\nأي جمعوا، (وهذا قول أكثر الناس (٢» (٣).\nوقال مَعْروف (بن خَرَّبوذ (٤» (٥): إنما سميت قريشًا؛ لأنهم كانوا يفتشون الحاج عن خلتهم فيسدونها، ويطعمون جائعهم، ويكسون عاريهم، ويحملون المنقطع به، والتقريش: التفتيش (٦).\n_________\n(١) البيت لأبي جلدة اليشكري.\nوقد ورد منسوبًا في: \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٢٠٣، وغير منسوب في: \"النكت والعيون\" ٦/ ٣٤٦، و\"روح المعاني\" ٣٠/ ٢٣٩ وكلها برواية (من دهرهم) بدلًا من \"من عهدهم\".\n(٢) ذكر هذا السبب من جملة أسباب تسمية قريش بقريش من غير ترجيح، وذلك في: \"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٥٩ ب، و\"النكت والعيون\" ٦/ ٣٤٦، وانظر: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٥٣٠، و\"الكشاف\" ٤/ ٢٣٥، و\"زاد المسير\" ٨/ ٢١٤، و\"التفسير الكبير\" ٣٢/ ١٠٦، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٢٠٣، و\"لباب التأويل\" ٤/ ٤١١، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٦٣٨.\n(٣) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٤) مَعْروفٌ بنُ خَرَّبوذ المكي، مولى عثمان، روى عن أبي الطفيل عامر بن واثلة الليثي، وعنه أبو عاصم الضحاك، صدوق ربما وهم، وكان أخباريًا علامة، روى له البخاري، ومسلم، وأبو داوود، وابن ماجه.\nانظر: \"كتاب العلل ومعرفة الرجال\" ٢/ ٥٨: رقم ٣٧٧، و\"الكاشف\" ٣/ ١٤٣: ت: ٥٦٥٠، و\"تهذيب الكمال\" ٢٨/ ٢٦٣: ت: ٦٠٨٦ \"تهذيب التهذيب\" ٢/ ٢٦٤: ت: ١٢٦٦.\n(٥) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٦) ورد هذا القول من غير نسبة في: \"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٥٩ ب، و\"النكت والعيون\" ٦/ ٣٤٦ وانظر أيضًا: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٥٣٠، و\"الكشاف\" ٤/ ٢٣٥، و\"زاد المسير\" ٨/ ٢١٤، و\"التفسير الكبير\" ٣٢/ ١٠٦، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٢٠٣، و\"لباب التأويل\" ٤/ ٤١١.","vol":"24","page":344},{"text":"قال ابن حِلِّزَة (١):\nأيها الشامت المقرِّشُ عنَّا ... عِندَ عَمروٍ وهلْ لذاكَ (٢) بَقَاءُ (٣)\nوروي أن (٤) معاوية (٥) سأل ابن عباس: لم سميت قريش قريشًا؟ وقال: قريش دابة في البحر تأكل دواب البحر، ولا تؤكل، وتعلو ولا تعلى، وأنشد (فقال) (٦):\nوقريش هي التي تسكن البحر ... بها سميت قريش قريشا (٧)\n_________\n(١) تقدمت ترجمته في سورة النساء.\n(٢) في (أ): (لذلك).\n(٣) ورد البيت في \"ديوانه\" ص ٤٨ برواية: (أيها الشاني المبلغ عنا .... انتهاء) بدلًا من (بقاء).\n\"شرح المعلقات\" للزوزني ص ٢٢١ برواية (المرقش) بدلًا (المقرش).\n\"النكت والعيون\" ٦/ ٣٤٦ برواية (إبقاء) بدلًا من (بقاء)، و\"الدر المصون\" ٦/ ٥٧٢ برواية (أيها الناطق) بدلًا من (أيها الشامت) \"لسان العرب\" ٦/ ٣٣٤: (قرش) برواية (أيها الناطق).\nومعنى البيت: أيها الناطق عند الملك الذي يبلغ عنا الملك ما يريبه ويشككه في محبتنا، هل لذاك التبليغ بقاء؟ وهذا استفهام معناه النفي؛ أي لا بقاء لذلك؛ لأن الملك يبحث عنه، فيعلم أن ذلك من الأكاذيب.\n-هامش- شرح المعلقات ص ٢٢١.\n(٤) في (أ): (ابن).\n(٥) في (ع): (معومة).\n(٦) ساقط من (أ).\n(٧) ورد قول ابن عباس في: \"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٥٩ ب، و\"النكت والعيون\" ٦/ ٣٤٦، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٥٣٠، و\"الدر المصون\" ٦/ ٥٧٢، و\"الكشاف\" ٤/ ٢٣٥، و\"زاد المسير\" ٨/ ٣١٤ - ٣١٥، و\"التفسير الكبير\" ٣٢/ ١٠٦، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٢٠٣، و\"البحر المحيط\" ٨/ ٥١٣، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٦٣٨ =","vol":"24","page":345},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5168>٢ </span>- قوله: ﴿رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ﴾ قال الليث: الرحلة: اسم الارتحال من القوم للمسير (١).\nقال المفسرون (٢): كانت لقريش رحلتان: رحلة بالشتاء إلى اليمن وبلادها من جَنَد (٣) وجُرَش (٤) وما يليهما، وكان اليمن أدفأ (٥) من الشام؛ فلذلك ارتحلوا إليها بالشتاء، ورحلة بالصيف (٦) إلى الشام.\n_________\n= وعزاه إلى البيهقي في \"الدلائل\"، و\"تهذيب اللغة\" ٨/ ٣٢١ (قرش)، و\"لسان العرب\" ٦/ ٣٣٥ (قرش)، و\"روح المعاني\" ٣٠/ ٢٣٩.\nوقد نسب بيت الشعر إلى تبع في الدر المصون، وعند القرطبي، وأبي حيان. ونسب إلى الجمحي في \"الدر المنثور\" و\"روح المعاني\".\n(١) \"تهذيب اللغة\" ٥/ ٧ (رحل).\n(٢) ممن قال بذلك: ابن زيد، سفيان، والكلبي، و\"جامع البيان\" ٣٠/ ٣٠٨.\nوحكاه عن المفسرين: ابن الجوزي في: \"زاد المسير\" ٨/ ٣١٥، والفخر في \"التفسير الكبير\" ٣٢/ ١٠٦، والخازن في \"لباب التأويل\" ٤/ ٤١١، ورجحه الشوكاني في \"فتح القدير\" ٥/ ٤٩٨.\nقال به أيضًا: الفراء في \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٩٤، والزجاج في \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣٦٥ - ٣٦٦.\n(٣) جَنَد: من أعمال اليمن، بالقرب من صنعاء، والجند مسماة بجند بن شهران؛ بطن من المعافر، وبالجند مسجد بناه معاذ بن جبل (ينسب إليها المؤرخ اليماني المفضل الجندي، والبهاء الجندي، وهناك جبل في اليمن يطلق عليه الجند. انظر: \"معجم البلدان\" ٢/ ١٦٩، و\"القاموس الإسلامي\" ١/ ٦٤٠، و\"معجم ما استعجم من أسماء البلاد\" ٢/ ٣٩٧.\n(٤) جُرَش: من مخاليف اليمن من جهة مكة، وقيل هي مدينة عظيمة باليمن، وولاية واسعة، وقد فتحت في حياة النبي -ﷺ- في سنة ١٠ هـ صلحًا على الفيء، ينسب إليها يزيد بن الأسود الجرشي من التابعين. انظر: \"معجم البلدان\" ٢/ ١٢٦.\n(٥) في (أ): (أفا).\n(٦) (الصيف) مكرر في (ع).","vol":"24","page":346},{"text":"وذكر مقاتل: على القلب من هذا فقال: كانوا يمتارون في الشتاء من الأردن (١)، وفلسطين (٢)؛ لأن ساحل البحر أدفأ، فإذا كان الصيف تركوا طريق الشام والبحر من أجل الحر، وأخذوا إلى اليمن للمسيرة (٣).\nو(نحو هذا) (٤) روي عن الكلبي، وقال: كان أول من حمل\n_________\n(١) الأُرْدُن: اسم بلد، وفيها عدة كور منها: جُدَر، وصفورية، وغير ذلك، افتتحها شرحبيل بن حسنة عنوة، وهي الآن في العصر الحالي: دولة عربية تعرف باسم المملكة الأردنية الهاشمية، وتتكون من الشقة الشرقية لنهر الأردن، وكانت تحت الاحتلال الإنجليزي، ثم حصلت على استقلالها عام ١٩٤٦ م، عاصمتها عمان، وتعد الأردن من المناطق الاستراتيجية قديمًا وحديثًا، وبرزت أهميتها خلال الحروب الصليبية، كما تعتبر من المناطق الأثرية الهامة في الشرق الأوسط.\nانظر \"معجم البلدان\" ١/ ١٤٧، و\"القاموس إسلامي\" ١/ ٦٥، و\"الآثار في شمال الحجاز\" للقثامي ١/ ٢٩.\n(٢) فلسطين إقليم عربي يشغل شريطًا ضيقًا من الأراضي المتاخمة للساحل الجنوبي الشرقي من البحر الأبيض المتوسط، وقد خضعت فلسطين للانتداب البريطاني عام ١٩٢٠ م الذي مكن لليهود من الاستيطان في فلسطين.\nتعتبر القدس: العاصمة السابقة لفلسطين المركز المديني للديانتين الإسلامية والنصرانية، وسعى اليهود لجعلها مركزًا روحيًّا لأتباع ديانتهم، وأما تل أبيب فهي عاصمة الكيان الصهيوني منذ عام ١٩٤٨ م.\nاللغة الرسمية: العربية للعرب، والعبرية لليهود، ويشكل العرب المسلمون الغالبية العظمى من سكان فلسطين المحتلة، ويتبع معظمهم المذهب السني، ويتبع بعضهم المذهب الدرزي، ويقيم بجانبهم عرب نصارى فلسطينيون.\nانظر: \"معجم البلدان\" ٤/ ٢٧٤، الموسوعة العربية العالمية: ١٧/ ٤٢٢ - ٤٤٠.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ٢٥٣ ب، وورد معنى قوله في \"بحر العلوم\" ٣/ ٥١٦.\n(٤) ساقط من (أ).","vol":"24","page":347},{"text":"السمراء (١) من الشام ورحل إليها الإبل: هاشم بن عبد مناف (٢).\nوذكر (عطاء عن) (٣) ابن عباس السبب في ذلك فقال: كانت قريش إذا أصاب واحدًا منهم مخمصة (٤) خرج هو وعياله إلى موضع، وضربوا علي أنفسهم خباء حتى يموتوا، إلى أن كان هاشم بن عبد مناف، وكان سيد زمانه، وكان له ابن يقال له أسد، وكان له تِرْبٌ (٥) من بني مخزوم (٦) يحبه ويلعب معه، فشكا إليه الضر والمجاعة، فدخل أسد على أمه يبكي، فأرسلت أمه إلى أولئك بدقيق وشحم، فعاشوا فيه أيامًا، ثم أتى ترب أسد أيضًا إليه وشكا ثانيًا، فقام هاشم خطيبًا في قريش فقال: إنكم أحدثتم حدثًا تقلون فيه وتذلون، وأنتم أهل حرم الله، وأشرف ولد آدم، والناس لكم تبع، قالوا: نحن نتبع لك فليس عليك منا خلاف، فجمع كل بني أب على الرحلتين في الشتاء إلى اليمن، وفي الصيف إلى الشام للتجارات، فما ربح الغني قسمه (بينه) (٧) وبين الفقير حتى كان فقيرهم كغنيهم، فجاء الإسلام\n_________\n(١) السمراء: هي الحنطة، وقيل: الناقة الأدماء. انظر: \"لسان العرب\" ٤/ ٣٧٦ (سمر).\n(٢) \"معالم التنزيل\" ٤/ ٥٣١ ورد قوله عند تفسير \"وآمنهم من خوف\".\n(٣) ساقط من (أ).\n(٤) المخمصة: المجاعة، وخمص الشخص خمصًا فهو خميص إذا جاع. \"المصباح المنير\" ١/ ٢١٨، وانظر: \"مختار الصحاح\" ص ١٩٠.\n(٥) تِرْب: اللدة والسن، يقال: هذه ترب هذه أي لدتها، وقيل: ترب الرجل الذي ولد معه.\n\"لسان العرب\" ١/ ٢٣١ (ترب)، و\"تاج العروس\" ١/ ١٥٨ (ترب).\n(٦) بنو مخزوم: بطن من لؤي بن غالب بن قريش.\n\"نهاية الأرب\" للقلقشندي ص ٣٧١.\n(٧) ساقط من (أ).","vol":"24","page":348},{"text":"وهم على هذا، فلم يكن (١) في العرب بنو أب (٢) أكثر مالًا، وأعز من قريش، ولا أمنع <span data-type=\"title\" id=toc-5169>(٣)</span>.\nوقد قال الشاعر فيهم:\n\nالخالطين فقيرهم بغنيهم ... حتى يكون فقيرهم كالكافي <span data-type=\"title\" id=toc-5170>(٤) </span>(٥)\n٣ - (قوله) (٦): ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ﴾ قال الكلبي: يقول: فليوحدوا رب هذه الكعبة (٧).\n\n٤ - ﴿الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ﴾ أي بعد جوع، وهذا (٨) كما تقول: كسوتك من عُرْي (٩)، وهذا الإطعام يفسر على ثلاثة أوجه:\nأحدها: أن الله تعالى آمنهم بالحرم، وكونهم من أهله حتى لم يتعرض لهم في رحلتهم، وكان ذلك سبب إطعامهم بعد ما كانوا فيه من\n_________\n(١) (فلم يكن) بياض في (ع).\n(٢) في (أ): (بنو أرب).\n(٣) (من قريش ولا أمنع) بياض في (ع).\n(٤) ورد البيت غير منسوب في: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٥٣١ مختصرًا وعند تفسير \"آمنهم من خوف\"، و\"زاد المسير\" ٨/ ٣١٥ عند تفسير ﴿الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ﴾ \"التفسير الكبير\" ٣٢/ ١٠٦ - ١٠٧، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٢٠٥ برواية (الخالطون) (وحتى يصير)، و\"لباب التأويل\" ٤/ ٤١١، و\"البحر المحيط\" ٨/ ٥١٥، و\"روح المعاني\" ٣/ ٢٤٠، و\"النكت والعيون\" ٦/ ٢٤٧، برواية (الخالطون).\n(٥) ورد قوله في المراجع السابقة عدا: \"النكت\"، و\"البحر المحيط\"، و\"روح المعاني\".\n(٦) ساقط من (ع).\n(٧) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٨) في (أ): (وهاذا).\n(٩) في (ع): (عراي). وعُرْي: يقال رجل عارٍ: إذا خلع ثوبه، والمرأة عُريانة، وفرس عُرْيَ ليس عليه سرج، وعَرِي من ثيابه بالكسر، وعُرْيا بالضم فهو عار.\n\"تهذيب اللغة\" ٣/ ١٥٩ (عرى)، \"مختار الصحاح\" ٢٤٩، وانظر: \"النهاية\" ٣/ ٢٢٥.","vol":"24","page":349},{"text":"الجوع. (كما ذكر عطاء عن ابن عباس (١)، وهذا قول أكثر المفسرين (٢» (٣)\nوقال مقاتل: شق عليهم الاختلاف إلى الناحيتين في الشتاء والصيف، فقذف الله في قلوب الحبشة أن يحملوا الطعام في السفن إلى مكة، فحملوه، وجعل أهل مكة يخرجون إليهم بالإبل، والخمر فيشترون طعامهم من \"جدة\" (٤) على مسيرة ليلتين، وتتابع ذلك عليهم فكفاهم الله مؤنة الرحلتين (٥).\nوقال الكلبي: هذا الإطعام هو أنهم لما كذبوا محمدًا -ﷺ- دعا عليهم فقال: \"اللهم اجعلها عليهم سنين كسني يوسف\".\nفاشتد عليهم القحط، وأصابهم الجهد، فقالوا: يا محمد ادع الله لنا، فإنا مؤمنون، فدعا رسول الله ﷺ فأخصبت تبَالَة (٦)،\n_________\n(١) انظر: \"التفسير الكبير\" ٣٢/ ١٠٨، و\"زاد المسير\" ٨/ ٣١٥.\n(٢) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ٢٥٣ ب.\n(٤) جُدَّة: ساحل مكة، سُميت بذلك لأنها حاضرة البحر، والجُدَّ من البحر والنهر ما ولي البر، وأصل الجدة الطريق الممتد، وهي الآن ميناء بالمملكة العربية السعودية تطل على البحر الأحمر، وتعتبر المنفذ البحري لمكة، ينسب تأسيسها إلى الخليفة الثالث عثمان بن عفان -﵁- انظر: \"معجم ما استعجم من البلاد والمواضع\" ١/ ٣٧١، و\"القاموس الإسلامي\" ١/ ٥٨٥.\n(٥) \"التفسير الكبير\" ٣٢/ ١٠٨، وورد بمعناه من غير نسبه في: \"النكت والعيون\" ٦/ ٣٤٨، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٢٠٩.\n(٦) كلمة (تبالة) ساقطة من (أ)، وتَبَالَة: وهي بلدة صغيرة من اليمن، أسلم أهلها من غير حرب وكان فتحها في سنة ١٠ هـ انظر: \"معجم ما استعجم من البلاد والمواضع\" ١/ ٣٠١، و\"معجم البلدان\" ٢/ ٩.","vol":"24","page":350},{"text":"وجُرَش، والجَنَد (١) من بلاد اليمن، فحملوا الطعام إلى مكة، وأخصبت أهل مكة بعد القحط (٢)، فذلك قوله تعالى: ﴿أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾\nوهو أنهم كانوا يسافرون آمنين لا يتعرض لهم أحد، ولا يغير أحد عليهم، لا في سفرهم (٣)، ولا في حضرهم (٤)، وكان غيرهم لا يأمن سفرهم ولا في حضرهم.\nوهذا معنى قوله: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا﴾ [القصص: ٥٧] الآية، أعلم الله تعالى أن من الدلالة على وحدانيته ما فعل بهؤلاء؛ أطعمهم وهم في بلدة لا زرع فيها ولا ضرع، وآمنهم وغيرهم خائفون، وأمرهم بعبادة الذي أنعم عليهم هذه النعمة. (هذا قول جماعة المفسرين (٥» (٦).\n_________\n(١) كلمة غير مقروء في (أ).\n(٢) ورد معنى قوله في: \"التفسير الكبير\" ٣٢/ ١٠٨، وورد معناه أيضًا من غير عزو في: \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٢٠٩، و\"لباب التأويل\" ٤/ ٤١٢، و\"فتح القدير\" ٥/ ٤٩٨.\n(٣) في (ع): (سفره).\n(٤) في (ع): (حضره).\n(٥) وهو معنى قول: ابن زيد، وقتادة، ومجاهد.\n\"جامع البيان\" ٣٠/ ٣٠٨ - ٣٠٩، وانظر: \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٣٩٨، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٢٠٩، وبمعناه قال السمرقندي في: \"بحر العلوم\" ٣/ ٥١٧، والزجاج في \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣٦٦، والثعلبي في \"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٦١ أ، وانظر: \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٥٢٦، و\"زاد المسير\" ٨/ ٣١٥.\n(٦) ما بين القوسين ساقط من (أ).","vol":"24","page":351},{"text":"وقال الضحاك (١)، والربيع (٢)، (وشريك (٣» (٤)، وسفيان (٥): (وآمنهم من خوف) يعني من خوف الجذام (٦)، (فلا يصيبهم بجلدهم الجذام) (٧).\n_________\n(١) \"جامع البيان\" ٣٠/ ٣٠٩، و\"النكت والعيون\" ٦/ ٣٤٩، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٥٢٦، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٥٣١، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٢٠٩، و\"فتح القدير\" ٥/ ٤٩٨.\n(٢) المراجع السابقة عدا النكت، والمحرر.\n(٣) \"فتح القدير\" ٥/ ٤٩٨.\n(٤) ساقط من (أ).\n(٥) يراد به سفيان الثوري، وقد ورد قوله في المراجع السابقة عدا المحرر.\n(٦) الجذام: مرض يصيب الجلد والأعصاب، ويجعل الجلد متورمًا، كثير العقد، ويتغير لونه، وهو مرض معدٍ، ويعد العلاج المبكر للجذام مهمًا جدًا لأنه يمنع التشوهات، والإعاقة الجسدية. وأصل الجذم القطع، سمي بذلك لتجذم الأصابع وتقطعها. انظر: \"الموسوعة العربية العالمية\" ٨/ ٢٢٣، و\"الصحاح\" ٥/ ١٨٨٤ (جذم)، و\"لسان العرب\" ١٢/ ٧٨ (جذم).\n(٧) ما بين القوسين ساقط من (أ).","vol":"24","page":352},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5171>سورة الماعون</span>","vol":"24","page":353},{"text":"تفسير سورة أرأيت <span data-type=\"title\" id=toc-5172>(١)</span>\nبسم الله الرحمن الرحيم\n\n١ - ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ﴾ قال أبو إسحاق: الاختيار (أرأيت) بإثبات الهمزة الثانية، لأن الهمزة إنما طرحت من المستقبل نحو: ترى، وأرى، ويرى. فأما (رأيت) فليس يصح عن العرب فيها (ريت)، ولكن ألف الاستفهام لما (٢) كانت في أول الكلام سَهَّلَت إلقاء الهمزة، والاختيار إثباتها (٣)، (وقد تقدم بيان هذا في سورة الأنعام) (٤) (٥)، ومعنى\n_________\n(١) تسمى بسورة الماعون، وبسورة الدين. \"الإتقان\" ١/ ١٥٩. وفيها قولان:\nأحدهما: أنها مكية، قال به عطاء، وجابر، وعزاه ابن الجوزي إلى الجمهور.\nالثاني: أنها مدنية في أحد قولي ابن عباس، وقال به أيضًا قتادة. \"زاد المسير\" ٨/ ٣١٦، و\"النكت والعيون\" ٦/ ٣٥٠، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٢١٠.\n(٢) في (أ): (ما).\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣٦٧.\n(٤) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٥) سورة الأنعام: ٤٠، قال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾، ومما جاء في همزة \"أرأيت\" فقد اختلف القراء في هذا الحرف وما كان من بابه ودخل عليه ألف الاستفهام مثل \"أرأيتم\" \"وأرايتكم\" و\"أرأيت\" و\"أفرأيتم\" فحذف الكسائي همزة الرؤية فقرأ \"أيتكم\" كأنه =","vol":"24","page":355},{"text":"(أرأيت الذي) التنبيه على حال المخبر عنه بالتكذيب.\nقال (عطاء عن) (١) ابن عباس: نزلت (٢) في رجل من المنافقين (٣)\nوقال الكلبي: نزلت في العاص بن وائل السهمي (٤).\n(وقال السدي (٥)، وابن حيان (٦): يعني الوليد بن المغيرة) (٧)\nومعنى ﴿يُكَذِّبُ بِالدِّينِ﴾\nقال ابن عباس: بالحساب والجزاء (٨).\nوقال أهل المعاني: التكذيب بالجزاء أضر شيء على صاحبه؛ لأنه\n_________\n= حذفها للتخفيف كما قالوا: ويلمه ... وقرأ نافع بتليين همزة الرؤية، فجعلها بين الهمزة والألف على التخفيف القياسي، والباقون قرؤوا بتحقيق الهمزة؛ لأن الهمزة عين الفعل.\nومذهب الكسائي حسن، وهو كثير في الشعر وقد تكلمت العرب في مثله بحذف الهمزة.\n(١) ساقط من (أ)\n(٢) في (أ): انزلت.\n(٣) \"معالم التنزيل\" ٤/ ٥٣١، و\"زاد المسير\" ٨/ ٣١٦، و\"التفسير الكبير\" ٣٢/ ١١٢، و\"لباب التأويل\" ٤/ ٤١٢\n(٤) \"أسباب النزول\"، تح: أيمن صالح ص ٤٠٣، و\"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٦١ ب، و\"النكت والعيون\" ٦/ ٣٥٠، و\"زاد المسير\" ٨/ ٣١٧، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٢١٠، و\"فتح القدير\" ٥/ ٤٩٩.\n(٥) \"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٦١ ب، و\"النكت والعيون\" ٦/ ٣٥٠، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٥٣١، و\"زاد المسير\" ٨/ ٣١٧، و\"التفسير الكبير\" ٣٢/ ١١١، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٢١٠، و\"فتح القدير\" ٥/ ٤٩٩.\n(٦) المراجع السابقة عدا \"زاد المسير\"، و\"الجامع لأحكام القرآن\".\n(٧) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٨) لم أعثر على مصدر لقوله.","vol":"24","page":356},{"text":"يعدم به أكثر الدواعي إلى الخير، والصوارف عن الشر؛ لأنه لا يخاف عائد الضر، ولا يرجو (١) الجزاء على الخير (٢).\nثم أخبر عن المكذب بقوله:\n(قوله) (٣): ﴿فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ﴾ أي يدفعه عن حقه دفعًا بعنف وجفوة كقوله: ﴿يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ (٤) (٥).\nقال المفسرون: يظلمه ويدفعه عن حقه فلا يعطيه (٦).\nقوله: ﴿وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (٣)﴾ أي: لا يطعم المسكين، ولا يأمر بإطعامه. قال الكلبي: لا يحافظ (٧) على صدقة المسكين (٨).\nوقال مقاتل: لا يحض نفسه على طعام المسكين، يعني لا يطعم\n_________\n(١) في (أ)، (ع): (يرجوا).\n(٢) لم أعثر على مصدر لقولهم.\n(٣) ساقط من (ع).\n(٤) سورة الطور: ١٣.\n(٥) انظر: \"تفسير غريب القرآن\" ص ٥٤٠، والزجاج \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣٦٧.\n(٦) أقوال المفسرين مختلفة الألفاظ متفقة المعنى تناولت ما ذكره الواحدي، وممن قال بمعناه: قتادة، وابن عباس، وسفيان، ومجاهد، والضحاك، انظر: \"جامع البيان\" ٣٠/ ٣١٠ - ٣١١، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٦٤١ - ٦٤٢.\nوممن قال بمعنى ذلك أيضًا: الفراء في \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٩٤، والزجاج في \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣٦٧، والسمرقندي في \"بحر العلوم\" ٣/ ٥١٨، والثعلبي في \"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٦١ ب. وانظر أيضًا: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٥٣٢، و\"زاد المسير\" ٨/ ٣١٧، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٢١١.\n(٧) في (أ): (يحافظ) بغير لا.\n(٨) لم أعثر على مصدر لقوله.","vol":"24","page":357},{"text":"مسكينًا (١).\nوقال أهل المعاني: لا يحض عليه بخلًا به، وتكذيبًا بجزائه، ولذلك ذم به (٢)، ولو كان لا يحض عليه عجزًا لم يذم به.\nقوله: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤)﴾ قال الكلبي (٣) (ومقاتل (٤» (٥): يعني من المنافقين.\nثم نعتهم فقال: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥)﴾ قال ابن عباس (في رواية عطاء) (٦): لو كانت في صلاتهم ساهون، كانت في المؤمنين، ولكنها نزلت في المنافقين الذين لا يرجون لها ثوابًا إن صلوا، ولا يخافون عليها عقابًا إن تركوا، فهم عنها ساهون إذ كانوا مع النبي -ﷺ-، وإذا لم يكونوا معه تركوا (٧).\nوقال أكثر المفسرين: معنى عنها ساهون أي يغفلوا (٨) عنها حتى يذهب وقتها.\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ٢٥٤ أ.\n(٢) انظر: \"النكت والعيون\" ٦/ ٣٥١.\n(٣) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ٢٥٤ أ.\n(٥) ساقط من (أ).\n(٦) ساقط من (أ).\n(٧) ورد قوله من طريق الضحاك عن ابن عباس في: \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٢١١، وعزاه الشوكاني إلى الواحدي في \"فتح القدير\" ٥/ ٥٠٠، وورد من غير عزو في: \"زاد المسير\" ٨/ ٣١٧.\n(٨) في (أ): (يعلموا).","vol":"24","page":358},{"text":"وهو قول [سعد] (١) بن أبي وقاص (٢)، (ومقاتل (٣» (٤)، والحسن (٥): قالوا: السهو (٦) عنها تضييع وقتها حتى يفوت (٧).\nوقال قتادة: هو الذي لا يبالي (٨) أصلى أم لم يصل (٩)، ويدل على هذا أنه من صفة المنافقين.\n_________\n(١) في (أ)، (ع) (سعيد)، والصواب ما أثبتناه.\n(٢) ورد قوله موقوفًا عليه في: \"التفسير الكبير\" ٣٢/ ١١٤، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٢١١، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٨٤٢ وعزاه إلى الفريابي، وسعيد بن منصور، وابن المنذر، وابن مردويه، والبيهقي في سننه موقوفًا، و\"فتح القدير\" ٥/ ٥٠١.\nكما ورد هذا القول عنه مرفوعًا إلى النبي -ﷺ- في: \"جامع البيان\" ٣٠/ ٣١٣، و\"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٦٢ أ، و\"النكت والعيون\" ٦/ ٣٥٢، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٥٣٢، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٦٤٢، و\"فتح القدير\" ٥/ ٥٠١.\nقال الهيثمي في المجمع: ٧/ ١٤٣ رواه الطبراني في الأوسط، وفيه عكرمة بن إبراهيم، وهو ضعيف جدًا، ولهذا الحديث طرق، وقد ذكر ابن كثير أن الموقوف أصح إسنادًا من المرفوع، ثم قال: وقد ضعف البيهقي رفعه، وصحح وقفه، وكذلك الحاكم.\n\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٩٤، وانظر: \"فتح القدير\" ٥/ ٥٠١.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ٢٥٤ أ، و\"التفسير الكبير\" ٣٢/ ١١٤.\n(٤) ساقط من (أ).\n(٥) \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٤٠٠، و\"التفسير الكبير\" ٣٢/ ١١٤.\n(٦) غير مقروء في (أ).\n(٧) وإلى هذا أيضًا ذهب مصعب بن سعد بن أبي وقاص، وابن عباس، وابن أبزى، ومسروق، وأبو الضحى، ومسلم بن صبيح. \"جامع البيان\" ٣٠/ ٣١١ - ٣١٢.\n(٨) بياض في (ع).\n(٩) \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٣٩٩، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٥٢٧، و\"البحر المحيط\" ٨/ ٥١٧، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٦٤٣.","vol":"24","page":359},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5173>٦ </span>- قوله: ﴿الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ﴾ قال ابن عباس: يتركون الصلاة في السر، ويصلونها في العلانية (١)، ونحو هذا قال الكلبي: إن أبصرهم أحد صلوا (٢)؛ كقوله: (يراؤون الناس) أي لا يريدون الله بها (٣).\nثم وصفهم بالبخل أيضًا فقال:\n(قوله (٤»: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ واختلفوا في تفسير الماعون، فقال ابن عباس في رواية عطاء: يريد زكاة أموالهم (٥). وهو قول علي (٦) رضي\n_________\n(١) \"جامع البيان\" ٣٠/ ٣١٣، و\"النكت والعيون\" ٦/ ٣٥٢، و\"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٦٢ أ، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٥٣٢، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٢١٢، و\"لباب التأويل\" ٤/ ٤١٢، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٩٢، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٦٤٢ وعزاه إلى ابن مردويه، و\"لباب النقول\" ٢٣٥ وعزاه إلى ابن المنذر، و\"فتح القدير\" ٥/ ٥٠٠ - ٥٠١.\n(٢) أحد صلوا: بياض في (ع).\n(٣) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٤) ساقط من (أ).\n(٥) \"التفسير الكبير\" ٣٢/ ١١٥، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٢١٥ برواية الضحاك عن ابن عباس، و\"البحر المحيط\" ٨/ ٥١٨ \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٩٤ عن عطاء، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٦٤٥ وعزاه إلى البيهقي.\n(٦) \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٣٩٩، و\"جامع البيان\" ٣٠/ ٣١٥، و\"بحر العلوم\" ٣/ ٥١٨، و\"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٦٢ ب، و\"النكت والعيون\" ٦/ ٣٥٢، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٥٣٢، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٥٢٨، و\"زاد المسير\" ٨/ ٣١٨، و\"التفسير الكبير\" ٣٢/ ١١٥، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٢١٣، و\"لباب التأويل\" ٤/ ٤١٣، و\"البحر المحيط\" ٨/ ٥١٨ \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٩٤، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٦٤٥ وعزاه إلى الفريابي، وسعيد بن منصور، وابن المنذر، وابن أبي شيبة، والحاكم، والبيهقي في سننه.","vol":"24","page":360},{"text":"الله عنه، والزهري (١)، (وابن عمر (٢)، وابن الحنفية (٣)، ومحمد بن كعب (٤)، والحسن (٥)، والقرظي (٦) وقتادة (٧)، ومقاتل (٨)، والضحاك (٩» (١٠).\n_________\n(١) \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٩٤.\n(٢) \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٣٩٩، و\"جامع البيان\" ٣٠/ ٣١٥، و\"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٦٢ ب، و\"النكت والعيون\" ٦/ ٣٥٢، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٥٣٢، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٥٢٨، و\"زاد المسير\" ٨/ ٣١٨، و\"التفسير الكبير\" ٣٢/ ١١٥، و\"لباب التاويل\" ٤/ ٤١٣، و\"البحر المحيط\" ٨/ ٥١٨، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٩٤، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٦٤٥ وعزاه إلى سعيد بن منصور، وابن المنذر.\n(٣) \"جامع البيان\" ٣٠/ ٣١٦، و\"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٦٢ ب، و\"التفسير الكبير\" ٣٢/ ١١٥، و\"البحر المحيط\" ٨/ ٥١٨، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٩٤.\n(٤) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٥) \"جامع البيان\" ٣٠/ ٣١٦، و\"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٦٢ ب، و\"النكت والعيون\" ٦/ ٣٥٢، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٥٣٢، و\"زاد المسير\" ٨/ ٣١٨، و\"التفسير الكبير\" ٣٢/ ١١٥، و\"لباب التأويل\" ٤/ ٤١٣، و\"البحر المحيط\" ٨/ ٥١٨، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٩٤. \"تفسير الحسن البصري\" ٢/ ٤٤١.\n(٦) مكرر في (ع). والقرظي هو محمد بن كعب، وسبق بيان أني لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٧) \"جامع البيان\" ٣٠/ ٣١٦، و\"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٦٢ ب، و\"النكت والعيون\" ٦/ ٣٥٢، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٥٣٢، و\"زاد المسير\" ٨/ ٣١٨، و\"التفسير الكبير\" ٣٢/ ١١٥، و\"لباب التاويل\" ٤/ ٤١٣، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٩٤.\n(٨) \"تفسير مقاتل\" ٢٥٤ أ، و\"بحر العلوم\" ٣/ ٥١٨.\n(٩) \"جامع البيان\" ٣٠/ ٣١٦، و\"الكشف\" ١٣/ ١٦٢ ب، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٥٣٢، و\"التفسير الكبير\" ٣٢/ ١١٥ \"لباب التأويل\" ٤/ ٤١٣، و\"البحر المحيط\" ٨/ ٥١٨، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٩٤، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٦٤٥ وعزاه إلى ابن أبي شيبة.\n(١٠) ما بين القوسين ذكر بدلًا عن تعداد لفظ: (وجماعة) في (أ).","vol":"24","page":361},{"text":"قالوا: الماعون: الزكاة (١) المفروضة، وكل حق في المال.\nقال الزهري (٢)، (ومقاتل (٣» (٤): و(الماعون): المال بلغة قريش.\nوذهب أكثر المفسرين إلى أن الماعون اسم لما يتعاوزه الناس من الدلو، والفأس والقدر وما لا يمنع كالماء، والملح وأشباه ذلك، وهو قول عبد الله بن عباس (في رواية سعيد بن جبير (٥)، ومجاهد (٦) عنه وقول إبراهيم (٧)، وعكرمة (٨» (٩).\n_________\n(١) في (أ)، (ع): (الزكوة).\n(٢) \"جامع البيان\" ٣٠/ ٣١٩، و\"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٦٢ ب، و\"النكت والعيون\" ٦/ ٣٥٣، و\"زاد المسير\" ٨/ ٣١٨، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٢١٤، و\"البحر المحيط\" ٨/ ٥١٨، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٩٤.\n(٣) \"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٦٢ ب، كما ورد في الحاشية ٦ من كتاب \"زاد المسير\" ٨/ ٣١٨، وقد ورد عنه في \"تفسيره\" ١٥٤ أ: الماء وليس المال.\n(٤) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٥) \"جامع البيان\" ٣٠/ ٣١٨، و\"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٦٢ ب، و\"النكت والعيون\" ٦/ ٣٥٣، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٥٣٢، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٥٢٨، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٣١٤، و\"لباب التأويل\" ٤/ ٤١٣، و\"البحر المحيط\" ٨/ ٥١٨، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٦٤٤ وعزاه إلى آدم، وسعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وابن المنذر، والطبراني ٩/ ٢٣٥ ح ٩٠١١ - ٩٠١٣ - ١٩٠١٤ والحاكم، وصححه البيهقي وقال الهيثمي: رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح، و\"مجمع الزوائد\" ٧/ ١٤٣. كما ورد عن طريق وائل عن عبد الله بن عباس مثل هذه الرواية في \"كشف الأستار عن زوائد البزار\" ٣/ ٨٢ - ٨٣: ح: ٢٢٩٢.\n(٦) المراجع السابقة عدا: \"معالم التنزيل\".\n(٧) \"جامع البيان\" ٣٠/ ٣١٨، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٩٤.\n(٨) \"بحر العلوم\" ٣/ ٥١٨، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٥٣٢، و\"لباب التأويل\" ٤/ ٤٣، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٩٤، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٦٤٥ وعزاه إلى ابن أبي حاتم.\n(٩) ما بين القوسين كتب بدلًا من تعدادهم لفظ \"وغيره\" في (أ).","vol":"24","page":362},{"text":"قالوا (١): هي العارية وما يتعاطاه الناس من المتاع (وسئل عكرمة فقيل) (٢) من منع شيئًا من المتاع، كان له الويل، قال: لا، ولكن مع جمع ثلاثتهن فله الويل يعني: ترك الصلاة، والرياء، والبخل بالماعون (٣).\n(هذا قول المفسرين في تفسير الماعون (٤» (٥).\nوأما أهل اللغة: فقال أبو عبيدة (٦)، والأخفش (٧)، (والزجاج (٨» (٩): الماعون في الجاهلية كل ما كان فيه منفعة، وكل ما انتفع به من قليل أو كثير كالعطية والعارية، قال الأعشى:\nبِأجْوَدَ (١٠) منهُ بِماعُونِه ... إذا ما سَماءهم لم تَغِمْ (١١) (١٢)\n_________\n(١) في (أ): (قال).\n(٢) ما بين القوسين ساقط من (أ)\n(٣) ورد معنى قوله في: \"بحر العلوم\" ٣/ ٥١٨، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٢١٥، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٦٤٥ وعزاه إلى الفريابي، وابن المنذر، والبيهقي.\n(٤) وممن قال بذلك أيضًا: الحسن، وقتادة، وابن الحنفية، وابن زيد، والضحاك، وابن المسيب، وابن مسعود. انظر: \"جامع البيان\"٣٠/ ٣٠٦ - ٣١٨، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٥٢٨، و\"البحر المحيط\" ٨/ ٥١٨ كما عزاه الفخر أيضًا إلى أكثر المفسرين. \"التفسير الكبير\" ٣٢/ ١١٥.\n(٥) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٦) \"مجاز القرآن\" ٢/ ٣١٣.\n(٧) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٨) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣٦٨.\n(٩) ساقط من (أ).\n(١٠) في (أ): (بأجود).\n(١١) في (ع): (يقسم).\n(١٢) ورد بيت الشعر في \"ديوانه\" ص ١٩٩، ط. دار صادر برواية: (بما عنده). =","vol":"24","page":363},{"text":"(وقال هميان:\nلا يحرم الماعون منه الخابطا (١» (٢)\nوالماعون في الإسلام الزكاة والطاعة.\nقال الراعي (٣):\nقومٌ على الإسلامِ لما يمنعوا ... ماعُونَهُمْ ويُضَيِّعوا تهليلا (٤)\nويقال: رضّ بعيرك حتى يعطيك الماعون، أي ينقاد لك، ويعطيك الطاعة) (٥).\n(وهذا قول عطية عن ابن عباس قال في الماعون: هو الطاعة (٦» (٧)\nقال الفراء: وسمعت بعض العرب يقول: الماعون هو الماء بعينه،\n_________\n= \"جامع البيان\" ٣٠/ ٣١٤، و\"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٦٢ ب، و\"النكت والعيون\" ٦/ ٣٥٣، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٢١٤، و\"فتح القدير\" ٥/ ٥٠٠، و\"لسان العرب\" ١٣/ ٤١٠ (معن) برواية: (سماؤهم)، و\"تاج العروس\" ٩/ ٣٤٧ (معن).\n(١) ورد البيت في: \"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٦٢ ب.\n(٢) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٣) هو: عبيد بن حصين.\n(٤) ورد البيت في: \"تهذيب اللغة\" ٣/ ١٧ (ويبدلوا تبديلا) بدلًا من (ويضيعوا تهليلا)، و\"لسان العرب\" ١٣/ ٤١٠ برواية (على التنزيل) بدلًا من (على الإسلام) و(يبدلوا التنزيلا) بدلًا من (يضيعوا التهليلا)، و\"جامع البيان\" ٣٠/ ٣١٤ برواية (التنزيلا)، و\"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٦٣ أبرواية (التهليلا)، و\"النكت والعيون\" ٦/ ٣٥٣ (التهليلا) وبمثل رواية التهليلا جاء في: \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٢١٤، و\"البحر المحيط\" ٨/ ٥١٨، و\"روح المعاني\" ٣٠/ ٢٤٢.\n(٥) انظر فيه: \"المخصص\" لابن سيده ٩/ ١٤٨، و\"لسان العرب\" ١٣/ ٤٠٩، (معن)، و\"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٦٣ أ.\n(٦) \"النكت والعيون\" ٦/ ٣٥٣ ومن غير ذكر طريق عطية، و\"زاد المسير\" ٨/ ٣١٨.\n(٧) ما بين القوسين ساقط من (أ).","vol":"24","page":364},{"text":"وأنشدني:\nيمحُّ صَبِيرَةُ الماعُونَ صَبًّا (١) (٢)\nوقال أبو العباس: (الماعون) (٣) كل ما يستعار من قدوم (٤)، (وشَفْرة (٥)، وسُفْرة (٦» (٧) (٨).\nفإن قيل على هذا: كيف خص المنافقين، وهم شر الخليقة بمنع الماعون، وهو من المحقرات، وفيهم من الكبائر (٩) ما هو أكبر من كل كبيرة قيل: هذا (١٠) تنبيه على بخلهم، (وسوء خلتهم) (١١)، وموضع\n_________\n(١) عجزه:\nإذا نسمٌ من الهَيْفِ اعْتراه\nورد البيت غير منسوب في: \"تهذيب اللغة\" ٣/ ١٧ (معن)، و\"لسان العرب\" ١٣/ ٤١٠، و\"تاج العروس\" ٩/ ٣٤٧ (معن)، و\"جامع البيان\" ٣٠/ ٣١٤، و\"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٦٢ ب، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٢١٤، و\"شرح أبيات معاني القرآن\" ٢٣: ش ٢١ موضع الشاهد: الماعون هو الماء. المعنى: الصبير: السحاب. انظر: \"شرح أبيات معاني القرآن\".\n(٢) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٩٥ بنصه.\n(٣) ساقط من (أ).\n(٤) قدوم: أي الفأس برأسين. \"مجالس ثعلب\" لأحمد بن يحيى بن ثعلب: ٢/ ٤٢٩.\n(٥) شَفرة: السكين العظيم. \"مختار الصحاح\" ص ٣٤١ (شفر).\n(٦) سُفرة: السفرة طعام يصنع للمسافر، والجمع سفر، وسميت الجلدة التي يوعى فيها الطعام سفرة مجازًا، و\"المصباح المنير\" ١/ ٣٢٩ - ٣٣٠ (سفر).\n(٧) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٨) ورد قوله في \"تهذيب اللغة\" ١٣/ ١٧ (معن)، وانظر: \"لسان العرب\" ١٣/ ٤١٠.\n(٩) غير مقروء في (ع).\n(١٠) في (أ): (هلا).\n(١١) ساقط من (أ).","vol":"24","page":365},{"text":"عداوتهم، وإشارة إلى غاية بغضهم للإسلام وأهله، وذلك أنهم إذا منعوا ما لا يرزأ (١) (٢) مالًا ولا يغير حالًا فهم للكثير أمنع، وإذا لم يصلوا من مضرة المسلمين إلا (٣) إلى منع (٤) الحقير فهم (٥) بغير ذلك أدع، وإليه أسرع.\nوقال (٦) أبو إسحاق، (وغيره (٧» (٨): الماعون فاعول من المعن، وهو الشيء القليل (٩).\nومن هذا قالوا: ما له سَعْنة (١٠) ولا مَعْنَةٌ (١١) (١٢)، ومنه قول النَّمِرُ (بن\n_________\n(١) غير مقروء في (ع).\n(٢) يرزا: قال الليث: يقال: ما رَزأ فلان فلانًا شيئًا: أي ما أصاب من ماله شيئًا ولا انتقص منه. \"تهذيب اللغة\" ١٣/ ٢٤٨ (رزأ).\n(٣) في (أ): (إلي).\n(٤) في (أ): (منعهم).\n(٥) في (أ): (فلم).\n(٦) في (ع): (قال).\n(٧) منهم: ابن سيده في \"المخصص\" ٩/ ١٤٨، ١٣/ ٨٩.\n(٨) ساقط من (أ).\n(٩) لم أعثر على قوله في المعاني، وإنما وجدته في \"تهذيب اللغة\" ٣/ ١٧ (عن)، وانظر: \"تاج العروس\" ٩/ ٣٤٧ (معن).\n(١٠) في (ع): (سعته).\n(١١) في (أ). (منعه).\n(١٢) سعنة ولا معنة: أي لا قليل ولا كثير. \"إصلاح المنطق\" ٣٨٤، انظر: (معن) في. \"تهذيب اللغة\" ٣/ ١٧، و\"لسان العرب\" ١٣/ ٤١١، و\"تاج العروس\" ٩/ ٣٤٧. وأصل معنى: سعنة، ومعنة، قالوا: السعنة من المِعْزَى: صغار الأجسام في خلقها، والمعن الشيء الهين. وقالوا أيضًا: السعنة: الكثرة من الطعام وغيره، والمعنة: القلة من الطعام وغيره. وأيضًا: السعنة: القرية الصغيرة يُنبذ فيها، والسُعنة: المِظلة. \"تهذيب اللغة\" ٢/ ١٠٤ (سعن).","vol":"24","page":366},{"text":"التَّوْلب) (١):\nفإنَّ ضَياعَ مَالِكَ غَيرُ مَعْنِ (٢)\nأي غير حقير ولا يسيِر.\nوسميت الزكاة ماعونًا، لأنه يؤخذ من المال ربع عشره فهو قليل من كثير (٣) (والله أعلم بالصواب) (٤).\n_________\n(١) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٢) البيت كاملًا:\nولا ضَيَّعْتُه فأُلام فيه ... فإنَّ ضياع مالك غير معن\nورد البيت في: \"ديوانه\" ص ١١٨ تأليف د. نوري القيسي، و\"تهذيب اللغة\" ٣/ ١٦، ١٨ (معن)، و\"لسان العرب\" ١٣/ ٤٠٩، و\"تاج العروس\" ٩/ ٣٤٧، و\"المخصص\" ٩/ ١٤٨: نعوت الماء من قبل جريه وسيلانه.\nومعناه مرتبط بالبيت السابق له وهو:\nيلوم أخي على إهلاك مالي ... وما إن غاله ظهري وبطني\nيقول: لم يهلك مالي بطني، يريد الأكل والشرب، وظهري يريد لم أفنه في اللباس، وقيل: الجماع، يعني أنه لم يذهب ماله في الملاذ، ولا ضيعته: أي لم أكن سيئ التدبير فيهلك لسوء التدبير، وإنما صرف إلى الحقوق التي يلزمنا إنفاق المال بها، وغير معن: غير يسير ولا هين. \"ديوانه\" ص ١١٨.\n(٣) لم أعثر على قوله، وإنما وجدته في: \"تهذيب اللغة\" ٣/ ١٧ (معن)، وانظر: \"لسان العرب\" ١٣/ ٤١٠ (معن).\n(٤) ما بين القوسين ساقط من (أ).","vol":"24","page":367},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5174>سورة الكوثر</span>","vol":"24","page":369},{"text":"تفسير سورة الكوثر <span data-type=\"title\" id=toc-5175>(١)</span>\nبسم الله الرحمن الرحيم\n\n١ - ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (١)﴾ (الكوثر عند أهل اللغة: فوعل من الكثرة، ومعناه: العدد الكثير، والخير الكثير ويقال للرجل الكثير العطاء: كوثر. قال الكميت:\nوأنت كثيرٌ يا بن (٢) مروان طَيِّبٌ ... وكان أبوك ابنَ العقائلِ (كوثرا) (٣) (٤)\nوقالت عجوز من العرب: قدم فلان بكوثر كثير. ويقال للغبار إذا سطع\n_________\n(١) وفيها قولان:\nأحدهما: أنها مكية، قاله ابن عباس، والكلبي، ومقاتل، والجمهور.\nوالثاني: أنها مدنية، قاله الحسن، وعكرمة، وقتادة، ومجاهد. \"زاد المسير\" ٨/ ٢١٩، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٢١٦، و\"فتح القدير\" ٥/ ٥٠٢.\n(٢) في (أ): (يا ابن).\n(٣) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٤) ورد البيت في: \"ديوانه\" ١/ ٢٠٩: رقم ٢٨١، تح: د. داوود سلوم برواية: (بابن) بدلًا من (يا ابن). \"تهذيب اللغة\" ١٠/ ١٧٨ (كثر)، و\"لسان العرب\" ٥/ ١٣٣، و\"تاج العروس\" ٣/ ٥١٧، و\"التفسير الكبير\" ٣٢/ ١٢٤، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٢١٦، و\"البحر المحيط\" ٨/ ٥٢٠، و\"روح المعاني\" ٣٠/ ٢٤٥، و\"سيرة ابن هشام\" ١/ ٤٢٢، و\"المنصف\" لابن جني ٣/ ٦.","vol":"24","page":371},{"text":"وكثر: كوثرٌ، ومثله يقال: للكثير النوافل: نوفل (١» (٢) هذا معنى الكوثر في اللغة.\nواختلف (المفسرون) (٣) في تفسيره، فالذي عليه الأكثرون أنه نهر في الجنة يجري على الدر (٤)، والياقوت، طيبه مسك أذفر (٥)، [حافتاه] (٦) قباب (٧) الدُّرِّ المجوّف، ماؤها أشد بياضًا من الثلج، وأحلى من العسل، وهو قول أنس (٨)، وعائشة (٩)، وابن عمر (١٠)، ورووا ذلك عن رسول الله\n_________\n(١) غير واضحة في (ع).\n(٢) ما بين القوسين نقله عن \"تهذيب اللغة\" ١٠/ ١٧٦ - ١٧٨ (كثر) بتصرف.\n(٣) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٤) الدُّرّ: مفرده الدرة، وهي اللؤلؤة \"مختار الصحاح\" ص ٢٠٢.\n(٥) أذفر: الذفر -بالتحريك- والذَّفَرَة جميعًا: شدة ذكاء الريح من طيب أو نتن، ويفرق بينهما ما يضاف إليه ويوصف به، ومنه صفة الجنة وترابها مسك أذفر. انظر: \"لسان العرب\" ٤/ ٣٠٦ (ذفر).\n(٦) في (أ)، (ع): (حافاته)، والصواب ما أثبته.\n(٧) قباب: جمع ومفرده القُبَّة، قال ابن فارس: القاف والباء أصل صحيح يدل على جمع وتجمع من ذلك القبة، وهي معروفة، وسميت لتجمُّعِها. \"مقاييس اللغة\" ٥/ ٥ (قب).\n(٨) \"جامع البيان\" ٣٠/ ٣٢٠، و\"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٦٤ أ، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٥٢٩، و\"التفسير الكبير\" ٣٢/ ١٢٤، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٩٧.\n(٩) \"جامع البيان\" ٣٠/ ٣٢١.\n(١٠) ورد موقوفًا في \"الزهد والرقائق\" لابن المبارك ص ٥٦٢ ح ١٦١٣، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٢٩٥، و\"التفسير الكبير\" ٣٢/ ١٢٤، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٩٧، كما ورد عنه مرفوعًا في \"جامع البيان\" ٣٠/ ٣٢٤، و\"بحر العلوم\" ٣/ ٥١٩، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٥٣٣، كما ورد عن حذيفة بمعناه. قال الألباني عنه: إسناده حسن، انظر: \"ظلال الجنة في تخريج السنة\" ٢/ ٣٣٦ ح ٧٢٤، ٧٢٥.","vol":"24","page":372},{"text":"-ﷺ- أنه قال: \"هو نهر في الجنة وعدنيه ربي، عليه خير كثير، لذلك النهر حوض يرد عليه أمتي يوم القيامة آنيته عدد النجوم\" (١).\n_________\n(١) الحديث أخرجه مسلم من طريق \"أنس في صحيحه\" ١/ ٣٠٠: ح: ٥٣ - ٥٤: كتاب الصلاة، باب: ١٤: ونص الحديث كما عنده عن أنس قال بينا رسول الله -ﷺ- ذات يوم بين أظهرنا إذا أغفى إغفاءة، ثم رفع رأسه مبتسمًا، فقلنا: ما أضحكك يا رسول الله! قال: \"أنزلت عليّ آنفًا سورة \"فقرأ: \"بسم الله الرحمن الرحيم * إنا أعطيناك الكوثر * فصل لربك وانحر * إن شانئك هو الأبتر\"، ثم قال: \"أتدرون ما الكوثر؟ \" فقلت: الله ورسوله أعلم، قال: \"فإنه نهر وعدنيه ربي ﷿ عليه خير كثير، هو حوض ترد عليه أمتي يوم القيامة، آنيته عدد النجوم، فيختلج العبد منهم فأقول: رب إنه من أمتي، فيقول: ما تدري ما أحدث بعدك\". وحديث ورد عن أنس بن مالك يقول: أغفى رسول الله -ﷺإغفاءة بنحو حديث ابن مُسْهِر غير أنه قال: \"نهر وعدنيه ربي ﷿ في الجنة عليه حوض\"، ولم يذكر آنيته عدد النجوم.\nكما أخرجه الإمام أحمد في المسند\" ٣/ ١٠٢: من طريق أنس.\nوأبو داوود في \"السنن\" ١/ ٢٠١: كتاب الصلاة: باب من لم ير الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم من طريق أنس بنحو الرواية الثانية، ج ٢/ ٥٨٨: كتاب السنة: بنحو من الرواية الأولى لأنس.\nوالنسائي في: \"السنن\" ٢/ ٤٧١: ح: ٩٠٣: كتاب الإنتاج باب ٢١ بنحوه من طريق أنس بن مالك.\nوأما الحديث الذي رواه ابن عمر قال: قال رسول الله -ﷺ-: \"الكوثر نهر في الجنة حافتاه من ذهب، ومجراه على الدُّرِّ والياقوت؛ تربته أطيب من المسك، وماؤه أحلى من العسل، أبيض من الثلج\".\nأخرجه الإمام أحمد في \"المسند\" ٢/ ١١٢، والترمذي في \"سننه\" ٥/ ٤٥٠: ح: ٣٣٦١، وقال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.\nوقال الأرناؤوط في تخريج \"جامع الأصول\" ٢/ ٤٣٩: ح: ٨٨٩: وإسناده صحيح.","vol":"24","page":373},{"text":"قالت عائشة ﵂: (من أحب أن يسمع خريره (١) فليجعل أصبعيه في أذنيه\" (٢) (وبه قال من المفسرين: مقاتل (٣)، وهو قول ابن عباس في رواية عطاء (٤» (٥).\n(وقال فطر بن خليفة (٦): سألت عطاء عن (الكوثر) ونحن نطوف بالبيت فقال: حوض أعطى رسول الله -ﷺ- يكثر الناس عليه يوم القيامة) (٧).\n_________\n(١) خرير: خرير الماء أي صوته، أراد مثل صوت خرير الكوثر. \"النهاية في غريب الحديث والأثر\" ٢/ ٢١ (خرر).\n(٢) ورد الأثر في \"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٠ من طريق أبي نجيح عن مجاهد، عن رجل، عن عائشة، وبإسناد آخر عن ابن أبي نجيح عن عائشة، و\"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٦٤ ب، قال ابن كثير: وهذا منقطع بين ابن أبي نجيح وعائشة، وفي بعض الروايات عن رجل عنها، ومعنى هذا أنه يسمع نظير ذلك؛ لا أنه يسمعه بنفسه. والله أعلم.\n\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٩٦.\nكما ورد عن السيوطي في: \"الدر المنثور\" ٨/ ٦٤٨ - ٦٥٠ وعزاه إلى ابن مردويه من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، وعزاه إلى هناد، كما ورد في \"النهاية\"، ولكن عن ابن عباس: ٢/ ٢١.\n(٣) \"بحر العلوم\" ٣/ ٥١٩.\n(٤) \"النهاية في غريب الحديث والأثر\" ٢/ ٢١ (خرر).\n(٥) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٦) فِطْر بن خليفة القرشي المخزومي أبو بكر الكوفي الحناط؛ مولى عمرو بن حريث، روى عن عكرمة مولى ابن عباس، صدوق، رمي بالتشيع، مات سنة ١٥٦ هـ روى له الجماعة سوى مسلم.\nانظر: \"الكاشف\" ٢٠/ ٣٣٢: ت: ٤٥٦٤، و\"تهذيب الكمال\" ٢٣/ ٣١٢: ت: ٤٧٧٣، و\"تقريب التهذيب\" ٢/ ١١٤: ت: ٧٧.\n(٧) ما بين القوسين ساقط من (أ).","vol":"24","page":374},{"text":"قال أهل المعاني: يجوز أن يكون سمي ذلك النهر أو ذلك الحوض لكثرة الواردة، والشاربة من أمته هناك. ويجوز أن يكون سمي (١) بذلك لما فيه الخير الكثير (٢). فقد قال رسول الله -ﷺ- خير كثير) (٣). وإلى هذا ذهب ابن عباس في تفسيره الكوثر، فقال: هو الخير الكثير (الذي) (٤) أعطى الله نبيه -ﷺ- (٥) وروى (ذلك أبو بشر) (٦) عن (سعيد) (٧) بن (جبير عنه قال: أبو) (٨) بشر: قلت لسعيد: فإن ناسًا يزعمون أنه نهر في الجنة، فقال سعيد: النهر الذي في الجنة من الخير الكثير الذي أعطاه الله إياه (٩).\n_________\n(١) ورد في (أ): \"ذلك النهر أو ذلك الحوض\" وهو كلام مكرر سبق ذكره في موضعه الصحيح.\n(٢) لم أعثر على مصدر لقوله، وقد ورد بنحوه من غير عزو في \"الجامع لحكام القرآن\" ٢٠/ ٢١٧.\n(٣) سبق تخريجه.\n(٤) ساقط من (أ).\n(٥) \"جامع البيان\" ٣٠/ ٣٢١ - ٣٢٢، و\"النكت والعيون\" ٦/ ٣٥٥، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٥٣٣، و\"زاد المسير\" ٨/ ٣٢٠، و\"البحر المحيط\" ٨/ ٥١٩، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٦٤٨ وعزاه إلى ابن مردويه، و\"المستدرك\" ٢/ ٥٣٧: كتاب التفسير: تفسير سورة الكوثر، وانظر \"صحيح البخاري\" ٣/ ٣٣١: ح ٤٩٦٦، و\"فتح القدير\" ٥/ ٥٠٤، و\"مجموع الفتاوى\" ١٦/ ٥٢٩، وقد عقب الشوكاني على ما ذكره ابن عباس، قال: وهذا التفسير من حبر الأمة عن ابن عباس -﵁- ناظر إلى المعنى اللغوي، ولكن رسول الله -ﷺ- قد فسره فيما صح عنه أنه النهر الذي في الجنة. \"فتح القدير\" ٥/ ٥٠٤.\n(٦) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٧) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٨) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٩) \"جامع البيان\" ٣٠/ ٣٢١ - ٣٢٢، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٥٣٣، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٥٢٩، و\"البحر المحيط\" ٨/ ٥١٩، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٦٤٩، و\"المستدرك\" =","vol":"24","page":375},{"text":"ونحو هذا قال الكلبي: إنا أعطيناك الخير الكثير، منه القرآن، وهو أفضله (١).\n(وهذا قول الحسن في تفسير الكوثر أنه القرآن العظيم (٢» (٣).\nوقال عكرمة: هو النبوة والكتاب (٤).\nوقال أبو بكر بن عياش (٥): هو العدد الكثير من الأصحاب والأشياع (٦).\nوقول ابن عباس: شامل لهذا كله، لأنه جميع هذا من الخير الكثير.\n_________\n= ٢/ ٥٣٧، كتاب التفسير: تفسير سورة الكوثر، و\"صحيح البخاري\" ٣/ ٣٣١ ح ٤٩٦٦: كتاب التفسير: باب ١٠٨، و\"فتح القدير\" ٥/ ٥٠٤، و\"تفسير سعيد بن جبير\" ص ٣٨٢، كتاب \"الزهد والرقائق\" لابن المبارك: ٥٦٢ ح ١٦١٤.\n(١) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٢) \"النكت والعيون\" ٦/ ٣٥٤، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٥٢٩، و\"زاد المسير\" ٨/ ٣٢٠، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٢١٧، و\"البحر المحيط\" ٨/ ٥١٩، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٦٥٠ وعزاه إلى ابن أبي حاتم، و\"تفسير الحسن البصري\" ٢/ ٤٤١.\n(٣) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٤) \"جامع البيان\" ٣٠/ ٣٢٢ - ٣٢٣، و\"النكت والعيون\" ٦/ ٣٥٤، و\"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٦٥ ب، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٥٣٣، و\"زاد المسير\" ٨/ ٣٢٠، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٢١٧، و\"البحر المحيط\" ٨/ ٥١٩، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٦٥٠ وعزاه إلى هناد وابن أبي حاتم وابن عساكر.\n(٥) أبو بكر بن عياش بن سالم الأسدي الكوفي الحفاظ المقرئ، روى عن الأجلح الكندي، وعن ابنه إبراهيم، ولد سنة ٩٥، ثقة عابد، إلا أنه لما كبر سنه ساء حفظه وكتابه صحيح -قاله ابن حجر- مات سنة ١٩٣ هـ.\nانظر: \"كتاب الثقات\" ٧/ ٦٨٨، و\"تهذيب الكمال\" ٣٣/ ١٢٩ ت ٧٢٥٢، و\"تهذيب التهذيب\" ٢/ ٣٩٩ ت ٦٥.\n(٦) \"الكشف والبيان\" ج ١٣/ ١٦٥ ب، ١٦٦ أ، و\"النكت والعيون\" ٦/ ٣٥٥، و\"زاد المسير\" ٨/ ٣٢ \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٢١٧، و\"البحر المحيط\" ٨/ ٥١٩.","vol":"24","page":376},{"text":"قال أبو إسحاق: وجميع ما جاء في تفسير الكوثر قد أعطيه النبي -ﷺ-، أعطي النبوة، والإسلام، وإظهار الدين على كل الأديان، والنصر علي عدوه، والشفاعة، وما لا يحصى، وقد أعطى من الجنة على قدر فضله على أهل الجنة (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5176>٢ </span>- قوله: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ﴾ يعني الصلوات الخمس في قول مقاتل (٢)، وابن عباس (٣) (في رواية عطاء) (٤).\nوقال مجاهد (٥)، (والثوري (٦» (٧)، وعطاء (٨): صل الصبح (وانحر) البدن بمنى، وهو قول سعيد بن جبير (٩).\n_________\n(١) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣٦٩ بنصه.\n(٢) \"زاد المسير\" ٨/ ٣٢٠.\n(٣) \"جامع البيان\" ٣٠/ ٢٦ من طريق العوفي عن ابن عباس، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٢١٨ من طريق الضحاك عنه ابن عباس، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٦١٥ وعزاه إلى ابن المنذر.\n(٤) ساقط من (أ).\n(٥) \"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٦٦ أ، و\"زاد المسير\" ٨/ ٣٢٠، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٦٥١ وعزاه إلى عبد الرزاق -ولم أجده عنده- وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وورد عنه فقط تفسير \"النحر\" في \"جامع البيان\" ٣٠/ ٣٢٧، و\"النكت والعيون\" ٦/ ٣٥٥، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٩٧.\n(٦) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٧) ساقط من (أ).\n(٨) \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٤٠١ - ٤٠٢، و\"جامع البيان\" ٣٠/ ٣٢٦ - ٣٢٧، و\"النكت والعيون\" ٦/ ٣٥٥، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٥٣٥، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٦٥١ وعزاه إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم وورد عنه تفسير معنى النحر فقط في: \"زاد المسير\" ٨/ ٣٢٠، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٩٧.\n(٩) \"جامع البيان\" ٣٠/ ٣٢٦، و\"الكشف والبيان\" ج ١٣/ ١٦٦ أ، و\"الجامع لأحكام =","vol":"24","page":377},{"text":"قال (عكرمة (١» (٢) وقتادة (٣): يعني صلاة العيد يوم النحر، ثم النسك بعده، وهو نحو البدن. وأكثر المفسرين على أن هذا لغير الله، فأمر الله نبيه -ﷺ- (٤) أن تكون صلاته ونحره له (٥).\nوروى عن علي ﵁ أنه فسر هذا النحر بوضع (٦) اليدين على النحر في الصلاة (٧).\n_________\n= القرآن\" ٢٠/ ٢١٨، و\"التفسير الكبير\" ٣٢/ ١٣٠، و\"فتح القدير\" ٥/ ٥٠٤، وورد عنه فقد تفسير النحر في \"النكت والعيون\" ٦/ ٣٥٥.\n(١) \"جامع البيان\" ٣٠/ ٣٢٦، و\"الكشف والبيان\" ج ١٣/ ١٦٦ أ، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٥٣٤، و\"الجامع حكام القرآن\" ٢٠/ ٢١٨.\n(٢) ساقط من (أ).\n(٣) المراجع السابقة بالإضافة إلى \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٥٢٩ بمعناه، و\"زاد المسير\" ٨/ ٣٢٠، و\"البحر المحيط\" ٨/ ٥٢٠، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٦٥١.\n(٤) ساقط من (أ).\n(٥) وممن قال بمعنى ذلك: محمد بن كعب، وابن عباس، وعطاء الخراساني، ومجاهد، وعكرمة، والحسن، وقتادة، والضحاك، والربيع، انظر: \"جامع البيان\" ٣٠/ ٣٢٧، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٩٧ وهذا القول رجحه الطبري في تفسيره.\n(٦) في (أ): (موضع).\n(٧) \"جامع البيان\" ٣٠/ ٣٥٢ - ٣٢٦، و\"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٦٦ أ - ب، و\"النكت والعيون\" ٦/ ٣٥٥، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٥٣٠، و\"زاد المسير\" ٨/ ٣٢٠، و\"التفسير الكبير\" ٣٢/ ١٢٩، و\"القرطبى\" ٢٠/ ٢١٩، و\"البحر المحيط\" ٨/ ٥٢٠ و\"ابن كثير\" ٤/ ٥٩٧ وقال وهذا لا يصح، و\"فتح القدير\" ٥/ ٥٠٤، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٥٦٠ وعزاه إلى ابن أبي شيبة في المصنف، والبخاري في تاريخه، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والدارقطني في الأفراد، وأبي الشيخ، وابن مردويه، والبيهقي في سننه، وانظر: \"المستدرك\" ٢/ ٥٣٧ كتاب التفسير: تفسير سورة الكوثر.","vol":"24","page":378},{"text":"(وهو) (١) (قول ابن عباس في رواية أبي الجوزاء (٢» (٣).\nوروى (الأصْبَغُ بنُ نُبَاتة (٤» (٥) عن علي ﵀ - قال: لما نزلت هذه السورة، قال النبي -ﷺ- لجبريل (٦): \"ما هذه النحيرة التي أمرني بها ربي؟ \"، قال: ليست بنحيرة، ولكنه يأمرك إذا تحزمت للصلاة أن ترفع يديك إذا كبرت، وإذا ركعت، وإذا رفعت رأسك من الركوع، وإذا سجدت، فإن صلاتنا وصلاة الملائكة الذين في السموات السبع، وأن لكل شيء زينة، وزينة الصلاة رفع الأيدي عند كل تكبيرة) (٧).\n_________\n(١) غير مقروء في (ع)، وساقط في (أ). وأثبت ما رأيت فيه انتظام الكلام.\n(٢) \"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٦٦ ب، و\"النكت والعيون\" ٦/ ٣٥٥، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٥٣٤، و\"زاد المسير\" ٨/ ٣٢٠، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٢١٩، و\"لباب التأويل\" ٤/ ٤١٦، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٦٥٠ - ٦٥١ وعزاه إلى ابن أبي حاتم، وابن شاهين في السنة، وابن مردويه، والبيهقي.\n(٣) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٤) أصبغ بن نُباتة التميمي، ثم الحنظلي، ثم الدارمي، ثم المجاشعي؛ أبو القاسم الكوفي، روى عن علي بن أبي طالب، متروك، رمي بالرفض.\nانظر: \"المجروحين\" لابن حبان ١/ ١٧٣، و\"تهذيب الكمال\" ٣/ ٣٠٨ ت ٥٣٧، و\"تقريب التهذيب\" ١/ ٨١ ت: ٦١٣.\n(٥) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٦) في (أ): (بحريه).\n(٧) \"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٦٧ أ، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٢١٩، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٩٧ وقد قال ابن كثير عنه: إنه حديث منكر جدًّا.\nكما ورد في \"المستدرك\" ٢/ ٥٣٨: كتاب التفسير: سورة الكوثر: قال الذهبي: قلت: إسرائيل صاحب عجائب لا يعتمد عليه، وأصبغ شيعي متروك عند النسائي (كتب الضعفاء والمتروكين: النسائي: ٥٨: رقم ٦٦)، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٦٥٠ وعزاه إلى ابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي في سننه، و\"فتح القدير\" ٥/ ٥٠٤.","vol":"24","page":379},{"text":"وذكر الكلبي (١)، والفراء (٢) أن قوله: (وانحر) (أمر) (٣) باستقبال القبلة بنحوه.\nوذكر عن عطاء أن هذا أمر بالاستواء بين السجدتين حتى يستقل بنحوه القبلة (٤).\nوقال سليمان التيمي معناه: ارفع يديك بالدعاء إلى نحرك (٥).\n(هذا قول المفسرين، وما ذكروه في هذه الآية) (٦)، و(أصل ذلك كله من النحر الذي هو الصدر، ويقال لذبح البعير: النحر، لأن منحره في صدره حيث يريد، والحلقوم من أعلى الصدر) (٧).\n_________\n(١) \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٢١٩.\n(٢) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٩٦ بنحوه.\n(٣) ساقط من (أ).\n(٤) \"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٦٨ أ، و\"التفسير الكبير\" ٣٢/ ١٢٩ بمعناه، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٢/ ٢١٩ - ٢٢٠، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٩٧، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٦٥١ وعزاه إلى ابن أبي حاتم.\n(٥) المراجع السابقة عدا \"التفسير الكبير\"، و\"الدر\".\n(٦) ما بين القوسين ساقط من (أ)، وقد عقب ابن كثير على ما مضى من الأقوال قال: وكل هذه الأقوال غريبة جدًا، والصحيح القول الأول، وأن المراد بالنحر ذبح المناسك، ثم حسن ما رجحه الطبري من القول بالعموم.\nوإن معنى الآية: فاجعل صلاتك كلها لله دون ما سواه من الأنداد، وكذلك النحر اجعله له دون الأوثان شكرًا له على ما أعطاك من الكرامة؛ قال: وهذا الذي قاله في غاية الحسن، وقد سبقه إلى هذا المعنى محمد ابن كعب القرظي وعطاء. \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٩٧ - ٥٩٨.\n(٧) ما بين القوسين انظر فيه: \"تهذيب اللغة\" ٥/ ١٠ (نحو)، و\"لسان العرب\" ٥/ ١٩٥ (نحر)، وأيضًا: \"مقاييس اللغة\" ٥/ ٤٠٠ (نحر).","vol":"24","page":380},{"text":"فمعنى النحر في هذا هو إصابة النحر، كما يقال رأسه وبطنه، إذا أصابه ذلك منه، ووضع اليد على الصدر نحر أيضًا، كما ذكره علي ﵀-، لأنه إصابة النحر باليد، ورفع الأيدي في الصلاة أيضًا عند التكبير نحر، كما فسره جبريل (﵇) (١) للنبي -ﷺ-، وهو أن يرفع يديه إلى نحره، فتصيب (٢) يده نحره (٣)، وذلك القدر من الرفع هو السنة، واستقبال القبلة يسمى نحرًا.\n(قال) (٤) ابن الأعرابي: النحر انتصاب الرجل في الصلاة، بإزاء المحراب (٥).\n(قال ثعلب: وهو أن ينتصب بنحره بازاء القبلة ولا يلتفت يمينًا ولا شمالًا (٦» (٧).\nقال الفراء: ويقال منازلهم تتناحر، أي تتقابل، وأنشد:\nأبا حَكَمٍ هل أنتَ عمُّ مُجالدٍ ... وسيدُ أهْلِ الأبْطَحِ المتناحرِ (٨).\n_________\n(١) ساقط من (أ).\n(٢) في) أ): (لتصيب).\n(٣) في (أ): (لنحره).\n(٤) ساقط من (أ).\n(٥) نقلًا عن \"تهذيب اللغة\" ٥/ ١١ (نحر).\n(٦) نقلًا عن \"تهذيب اللغة\" المرجع السابق، وكلامه في: \"مجالس ثعلب\" ١/ ١١ قال: معنى قوله تعالى: فصل لربك وانحر، يقال: استقبل القبلة بنحرك، ويقال: اذبح.\n(٧) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٨) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٩٦. بيت القصيد لبعض بني أسد؛ ذكر ذلك الفراء. وقد ورد البيت في: برواية (ها أنت) بدلًا من (هل أنت)، و\"تهذيب اللغة\" ٥/ ١٠ (نحر)، و\"لسان العرب\" ٥/ ١٩٧، و\"تاج العروس\" ٣/ ٥٥٨، و\"جامع البيان\" ٣٠/ ٣٢٨، و\"النكت والعيون\" ٦/ ٣٥٦، و\"الكشف والبيان\" ج ١٣/ ١٦٨ أ، و\"روح المعاني\" ٣٠/ ٢٤٧، و\"التفسير الكبير\" ٣٢/ ١٣٠، و\"شرح أبيات معاني القرآن\" ص ١٧٤ س ٣٨٧.\nموضع الشاهد: يقال منازلهم تتناحر أي هذا ينحر هذا أي قُبالته.\nوالمعنى: الأبطح: المتسع العريض، وأبطح الوادي: حصاه اللين في بطن المسيل.\nوالجلد: القوة والشدة. \"شرح أبيات معاني القرآن\". المرجع السابق","vol":"24","page":381},{"text":"قوله: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ (هُوَ الْأَبْتَرُ) (١)﴾ أي مبغضك من الشنآن، وهو البغض (٢)، وقد مر (٣). (هو الأبتر).\nمعنى البتر في اللغة: (أستئصال القطع، يقال بترته أبتره بترًا، أي صار أبتر، وهو المقطوع الذنب. ويقال للذي لا عقب له أبتر، وكذلك للمنقطع (٤) عن الخير) (٥).\nقال المفسرون: يعني العاص بن وائل، قال للنبي -ﷺ-: إنه أبتر لا ابن له يقوم مقامه بعده فإذا مات انقطع ذكره واسترحتم منه، وكان قد مات ابنه\n_________\n(١) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٢) انظر \"تهذيب اللغة\" ١١/ ٤٢ (شنأ)، و\"إصلاح المنطق\" ص ٢٨٤.\n(٣) سورة المائدة: ٢، ٨ قال تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا﴾.وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا﴾ ومما جاء في معنى: \"شنآن\" قال: أبو زيد: شنئت الرجل أشنؤه شنئًا وشنآنًا ومنشاءة إذا ابغضته.\nواختلف القراء في هذا الحرف، فالأكثرون قرؤوا على فَعْلا، وحجتهم أنه مصدر، والمصدر يكثر على فعلان، ومن أسكن النون، فلأن المصدر قد جاء أيضًا على فعلان، وإذا كان كذلك، فالمعنى في القراءتين واحد، ومعناه: لا يحرمنكم بغض قوم أي بغضكم قوم بصدهم إياكم .. \"البسيط\" مختصرًا جدًا.\n(٤) في (أ): (المنقطع).\n(٥) ما بين القوسين انظر \"تهذيب اللغة\" ١٤/ ٢٧٧ (بتر).","vol":"24","page":382},{"text":"عبد الله بن خديجة. وهو قول (الكلبي (١)، ومقاتل (٢)، وابن عباس (٣) في رواية عطاء وعامة أهل التفسير) (٤).\n_________\n(١) \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٤٠٢، و\"التفسير الكبير\" ٣٢/ ١٣٢ - ١٣٣.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ٢٥٤ ب، و\"التفسير الكبير\" ٣٢/ ١٣٢.\n(٣) \"أسباب النزول\" ص ٤٠٤: قال: محققة إن رواية ابن عباس ضعيفة بسبب العوفي كما هو وارد عند ابن جرير، و\"جامع البيان\" ٣٠/ ٣٢٩ من طريق العوفي، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٥٣٠ من غير ذكر طريق عطاء، و\"زاد المسير\" ٨/ ٣٢١، و\"التفسير الكبير\" ٣٢/ ١٣٢، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٩٨ من غير ذكر طريق عطاء، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٦٥٢ وعزاه إلى ابن عساكر من طريق ميمون بن مهران، وابن مردويه.\n(٤) منهم سعيد بن جبير، ومجاهد، وقتادة. انظر \"جامع البيان\" ٣٠/ ٣٢٩، \"تفسير القرآن\" ٣٠/ ٣٢٩. وإلى القول أنه العاص ذهب السمرقندي في: \"بحر العلوم\" ٣/ ٥١٩، وقال البيهقي: والمشهور أنها نزلت في العاص بن وائل: \"الدر المنثور\" ٨/ ٦٥٢، وقاله به الزجاج في \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣٧٠.\nوالرواية التي ذكرها الواحدي وعزاها إلى المفسرين هي رواية محمد ابن إسحاق من طريق يزيد بن رومان ونصها عن محمد بن إسحاق قال: حدثني يزيد بن رومان قال: كان العاص بن وائل السهمي إذا ذكر رسول الله -ﷺ- قال: دعوه فإنما هو رجل أبتر لا عقب له، ولو هلك انقطع ذكره واسترحتم منه، فأنزل الله تعالى في ذلك \"إنا أعطيناك الكوثر\" إلى آخر السورة\nراجع ذلك: \"أسباب النزول\" ص ٤٠٤، تح: أيمن، و\"تفسيرالقرآن العظيم\" ٤/ ٥٩٨. قال د. عصام الحميدان: عن إسناد محمد ابن إسحاق عن يزيد بأنه مرسل يشهد له ما أخرجه ابن جرير عن سعيد بن جبير وقتادة مرسلًا مثله. وإسناده صحيح.\n\"أسباب النزول\" ص: ٤٦٦ حاشية: ١، تح: عصام.\nوقال آخرون: بل عني بذلك عقبة بن أبي معيط، وهو قول شمر بن عطية، وعكرمة وآخرون قالوا: كعب الأشرف وجماعة من قريش، وهو قول عكرمة، وإحدى روارات ابن عباس. \"جامع البيان\" ٣٠/ ٣٠٣.\nوقيل غير ذلك. يراجع \"النكت والعيون\" ٦/ ٣٥٦، و\"زاد المسير\" ٨/ ٣٢١.","vol":"24","page":383},{"text":"قال محمد بن إسحاق (١) (ومقاتل) (٢) (٣): لما قال العاص ذلك أنزل الله هذه السورة، قال ابن إسحاق، يعني: قد أعطيتك ما هو خير من الدنيا وما فيها؛ قال: الكوثر: العظيم من الأمر (٤).\nقال مقاتل: فرفع (٥) الله ذكر محمد -ﷺ- في الناس عامة حتى ذكر في الصلاة، والأذان، وأتاه مكان ابنه الكوثر (٦).\nوقال (عطاء عن) (٧) ابن عباس: العرب تسمى من كان له بنون وبنات، فمات البنون وبقى البنات: أبتر، وكان العاص بن وائل السهمي يمر بمحمد -ﷺ- فيقول له: إني لأشنؤك، وإنك لأبتر من الرجال، فأنزل الله تعالى (إن شانئك) يعني العاص هو (الأبتر) من خير الدنيا والآخرة (٨).\nوقال قتادة: الأبتر الحقير الذليل (٩).\n_________\n(١) سيرة النبي -ﷺ- لابن هشام ١/ ٤٢١.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ٢٥٤ ب، و\"التفسير الكبير\" ٣٢/ ١٣٢.\n(٣) ساقط من (أ).\n(٤) \"سيرة النبي -ﷺ-\" لابن هشام ١/ ٤٢١.\n(٥) في (أ): (فدفع).\n(٦) \"تفسير مقاتل\" ٢٥٤ ب.\n(٧) ساقط من (أ).\n(٨) \"الدر المنثور\" ٨/ ٦٥٢ وعزاه إلى ابن عساكر من طريق ميمون بن مهران بمعناه، وبمعناه أيضًا عن جعفر بن محمد عن أبيه: ٨/ ٦٥٣ وعزاه إلى الزبير بن بكار، وابن عساكر.\nالحديث أخرجه البيهقي في \"دلائل النبوه\" ٢/ ٧٠.\n(٩) \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٤٠٢، و\"جامع البيان\" ٣٠/ ٣٢٩، و\"بحر العلوم\" ٣/ ٥١٩، و\"النكت والعيون\" ٦/ ٣٥٦، و\"البحر المحيط\" ٨/ ٥٢٠","vol":"24","page":384},{"text":"وقال الفراء: يقول الله -تعالى-: إن مبغضك وعدوك الذي لا ذكر الله بعمل خير (له) (١)، وأما أنت فقد جعلت ذكرك مع ذكري (٢). هذا كلامه.\nوهو من القول المفهوم، وذلك أنه لما وصف عدوه بأنه أبتر، تضمن ذلك أنه ليس بأبتر، وإلا فليس في المنطق به ذكر رفع ذكر النبي ﷺ، وقال أبو إسحاق: جائز أن يكون الأبتر هو المنقطع العقب (٣)، وجائز أن يكون المنقطع عن كل خير.\nوقال أهل المعاني: معنى قوله: (هو الأبتر) أي هو الذي ينقطع ما هو عليه من كفره بموته فكان الأمر كذلك، وأما أمر النبي -ﷺ- فإنه ظهر واستفاض حتى ظهر على الدين كله (٤).\n_________\n(١) ساقط من (أ).\n(٢) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٩٦.\n(٣) العقب: هو ولد الرجل، وولد ولده، وليس له عاقبة أي ليس له نسل. \"مختار الصحاح\" ص ٤٤٣ (عقب)، و\"المصباح المنير\" ٢/ ٥٠٠ (عقب).\n(٤) لم أعثر على مصدر لقوله.","vol":"24","page":385},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5177>سورة الكافرون</span>","vol":"24","page":387},{"text":"تفسير سورة الكافرون <span data-type=\"title\" id=toc-5178>(١) </span>(٢)\nبسم الله الرحمن الرحيم\n\n١ - ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ قال جماعة المفسرين (٣): لما قرأ رسول الله -ﷺ- سورة النجم بمكة على المشركين، وألقى الشيطان في قراءته: تلك الغرانيق (٤) العلا - على ما\n_________\n(١) تسمى بالمقشقشة أي المبرئة من النفاق، وتسمى أيضًا بسورة: العبادة، وذكر الفخر أنها تسمى بالمنابذة والإخلاص.\nانظر: \"الإتقان\" ١/ ١٥٩، و\"فتح الباري\" ٨/ ٧٣٣، و\"التفسير الكبير\" ٣٢/ ١٣٦.\n(٢) فيها قولان:\nأحدهما: أنها مكية، قاله ابن مسعود، والحسن، والجمهور.\nوالآخر: أنها مدنية، قاله قتادة، واحد قولي ابن عباس، والضحاك.\n\"النكت والعيون\" ٦/ ٣٥٧، و\"زاد المسير\" ٨/ ٣٢٢، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٢٢٤.\n(٣) قال بذلك: ابن عباس، والقرظي، والضحاك، والسدي، وسعيد بن جبير، وعكرمة ومقاتل، انظر \"تفسير مقاتل\" ٢٥٤/ ب، و\"جامع البيان\" ١٧/ ١٣١، و\"معالم التنزيل\" ٣/ ٢٩٢، و\"زاد المسير\" ٥/ ٣٠٢، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ٢٣٩، \"أسباب النزول\" ص ٢٥٨، تح: أيمن.\n(٤) الغرانيق: هي الأصنام، وهي في الأصل الذكور من طير الماء، سمي به لبياضه، وكانوا يزعمون أن الأصنام تقربهم من الله ﷿، وتشفع لهم إليه، فشبهت =","vol":"24","page":389},{"text":"ذكرنا (١) (٢) - طمع مشركو قريش فيه، وقالوا: إن محمد (قد) (٣) دخل في بعض ديننا، فأتوه وقالوا له: تعبد آلهتنا سنة، ونعبد إلهك سنة، فإن كان الذي جئت به خيرًا مما نحن فيه كنا قد شركناك فيه، وأخذنا بحظنا منه، وإن كان الذي نحن عليه خيرًا كنت قد شركتنا في أمرنا، وأخذت بحظك منه، فقال رسول الله -ﷺ-: \"معاذ الله أن أشرك به غيره\"، فأنزل الله: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ (٤)، يعني المستهزئين من قريش.\n_________\n= بالطيور التي تعلو وترتفع في السماء. \"لسان العرب\" ١٠/ ٢٨٧ (غرنق)، انظر تفسير أبي العالية تح: الورثان، رسالة غير منشورة: ١/ ٢٧٢.\n(١) سورة الحج: ٥٢ قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾.\n(٢) قصة الغرانيق باطلة سندًا ومتنًا وقد تقدم التعليق عليها في سورة الحج، وقد تناولها كثير من العلماء بالنقد والتجريح، والخلاصة فيها ما يلي: وهو ما وصفه الألباني من أن أسانيد القصة على اختلاف طرقها بأنها جميعها معللة بالإرسال والضعف والجهالة، كما بين أنه ليس في أحدها ما يصلح للاحتجاج به لا سيما في أمر خطير كهذا، ثم بين أن مما يؤكد ضعفها؛ بل بطلانها ما في القصة من نكارة لا تليق بمقام النبوة والرسالة.\nانظر: \"نصب المجانيق في نسف قصة الغرانيق\" للألباني ص ١٨ وما بعدها. وممن أبطلها أيضًا ابن كثير في \"تفسير القرآن العظيم\" ٣/ ٢٣٩، وابن العربي في \"أحكام القرآن\" ٣/ ١٣٠، والشوكاني في \"فتح القدير\" ٣/ ٤٦١، والشنقيطي في \"أضواء البيان\" ٥/ ٧٣٠ ومن أراد الاستزادة فليراجع ذلك في \"تفسير أبي العالية\" رسالة غير منشورة، تح: \"نورة الورثان\" ٢/ ٢٧٢ - ٢٧٦.\n(٣) ساقط من (أ).\n(٤) ممن قال بمعنى هذه الرواية: وهب، وعكرمة عن ابن عباس، وسعيد مولي البختري، ومقاتل، وعبيد بن عمير.","vol":"24","page":390},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5179>٢ </span>- ﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ قال ابن عباس (١)، (ومقاتل (٢» <span data-type=\"title\" id=toc-5180>(٣): </span>لا أعبد آلهتكم التي تعبدون اليوم.\n٣ - ﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ﴾ إلا هي الذي أعبد اليوم. ومعنى: (ما أعبد) من أعبد، ولكنه مقابل قوله: ﴿مَا عَبَدْتُمْ﴾ أي من الأصنام. ثم حمل الثاني عليه ليتقابل <span data-type=\"title\" id=toc-5181>(٤)</span>\n٤ - ﴿وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ﴾ يعني فيما بعد اليوم. ﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ فيما بعد (٥) اليوم.\nقالوا: فلما قرأ رسول الله -ﷺ- هذه السورة عليهم علموا (٦) أنه قد تبرأ منهم فيأسوا منه، وشتموه، وآذوه.\nوقال (٧) ابن عباس: وهذه السورة براءة من الشرك (٨).\n_________\n= انظر: \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٤٠٣، و\"جامع البيان\" ٣٠/ ٣٣١، و\"زاد المسير\" ٨/ ٣٢٢ - ٣٢٣، و\"بحر العلوم\" ٣/ ٥٢٠، و\"لباب النقول\" ٢٣٧، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٦٥٥ وعزاه إلى ابن أبي حاتم والطبراني.\nوقال بها أيضًا الثعلبي في \"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٦٩/ ب، وانظر: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٥٣٥ \"التفسير الكبير\" ٣٢/ ١٤٤، و\"أسباب النزول\"، تح: أيمن ص ٤٠٥.\nقال ابن حجر: في الرواية التي من حديث ابن عباس: إن في إسناده أبا خلف عبد الله بن عيسى، وهو ضعيف. \"فتح الباري\" ٨/ ٧٣٣.\n(١) \"الوسيط\" ٤/ ٥٦٥.\n(٢) المرجع السابق.\n(٣) ساقط من (أ).\n(٤) بياض في (ع).\n(٥) في (أ): (بعد).\n(٦) في (أ): (علم).\n(٧) في (ع): (قال).\n(٨) ورد معنى قوله في: \"النكت والعيون\" ٦/ ٣٥٨، و\"زاد المسير\" ٨/ ٣٢٢ - \"حاشية الأزهرية\".","vol":"24","page":391},{"text":"وروي أن رسول الله -ﷺ- قال لرجل: \"إذا أويت إلى فراشك فاقرأ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ فإنها براءة من الشرك\" (١).\nقال أبو إسحاق: نفى رسول الله -ﷺبهذه السورة عبادة آلهتهم عن نفسه في الحال، وفيما يستقبل، (ونفى عنهم عبادة الله في الحال وفيما يستقبل) (٢)، قال: وهذا في قوم أعلمه الله أنهم لا يؤمنون، كقوله في قصة نوح ﴿أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾ [هود: ٣٦] (٣)\nونحو هذا قال أبو عبيدة (٤)، والأخفش (٥): في وجه تكرار الكلام في\n_________\n(١) الحديث أخرجه الدارمي في: \"سننه\" ٢/ ٩١٥: ح:٣٣٠٢: كتاب \"فضائل القرآن\" باب ٢٣ من حديث زهير عن أبي إسحاق عن فروة بن نوفل عن أبيه، والإمام أحمد في \"المسند\" ٥/ ٤٥٦ من حديث إسرائيل عن أبي إسحاق. وأبو داود في \"سننه\" ٢/ ٦٦١: كتاب الآداب: باب ما يقول عند النوم من طريق شعبة عن أبي إسحاق عن رجل. والترمذي في \"سننه\" ٥/ ٤٧٤ ح ٣٤٠٣: كتاب الدعوات: باب ٢٢: قال أبو عيسى: وروى زهير هذا الحديث عن أبي إسحاق عن فروة بن نوفل عن أبيه عن النبي -ﷺ- نحوه وهذا أشبه وأصح من حديث شعبة، وقد اضطرب أصحاب أبي إسحاق في هذا الحديث.\nكما ورد في \"الدر المنثور\"٨/ ٦٥٧ وزاد في عزوه إلى ابن أبي شيبة، وابن الأنباري في المصاحف، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في شعبه عن فروة بن نوفل بن معاوية الأشجعي عن أبيه: ٣/ ٤٩٨ ح ٢٥٢٠.\nكما ورد بمعناه في \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٩٩ وعزاه إلى أحمد، والطبراني في الأوسط عن الحارث بن جبلة.\n(٢) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣٧١.\n(٤) \"مجاز القرآن\" ٢/ ٣١٤.\n(٥) ورد قوله في: \"النكت والعيون\" ٦/ ٣٥٨، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٢٢٨، و\"فتح القدير\" ٥/ ٥٠٦.","vol":"24","page":392},{"text":"هذه السورة.\nوشرحه ابن الأنباري فقال حاكيًا عن أحمد بن يحيى، معنى التكرار فيه: أنه أراد (لا أعبد ما تعبدون) الساعة، وفي هذا الوقت، ﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ في هذا الوقت أيضًا (ولا أنا عابد ما عبدتم) فيما أْستقبل، (ولا أنتم عابدون ما أعبد) فيما تستقبلون (١). فحسن التكرير لاختلاف المعاني.\nوقال صاحب النظم: إنما كرر، لأنه جوزي به الكلام الذي كان هذا جوابه؛ لأنهم قالوا للنبي -ﷺ-: تعبد آلهتنا لمدة ذكروها، ونعبد إلهك، ثم تعبد آلهتنا مدة، ونعبد إلهك، فأجيبوا برد ذلك ودفعه على المثال الذي تكلموا به (٢).\n_________\n(١) لم أعثر على مصدر لقوله.\nوقد علق الشوكاني حول ما ذكره أبو عبيدة، والأخفش، وابن الأنباري قال: وكل هذا فيه من التكلف والتعسف ما لا يخفى على منصف، فإن جعل قوله: \"ولا أعبد ما تعبدون\" للاستقبال، وإن كان صحيحًا على مقتضى اللغة العربية، ولكنه لا يتم جعل قوله: \"ولا أنتم عابدون ما أعبد\" للاستقبال، لأن الجملة الاسمية تفيد الدوام والثبات في كل الأوقات، فدخول المني عليها يرفع ما دلت عليه من الدوام والثبات في كل الأوقات، ولو كان حملها على الاستقبال صحيحًا للزم مثله في قوله: \"ولا أنا عابد ما عبدتم\" وفي قوله: \"ولا أنتم عابدون ما أعبد\" فلا يتم ما قيل من حمل الجملتين الأخريتين على الحال، وكما يندفع هذا يندفع ما قيل من العكس، لأن الجملة الثانية والثالثة والرابعة كلها جمل اسمية مصدرة بالضمائر التي هي المبتدأ في كل واحد منها مخبر عنها باسم الفاعل العامل فيما بعده؛ منفية كلها بحرف واحد، وهو لفظ \"لا\" في كل واحد منها، فكيف يصح القول مع هذا الاتحاد بأن معانيها في الحال والاستقبال مختلفة. \"فتح القدير\" ٥/ ٥٠٧.\n(٢) لم أعثر على مصدر لقوله.","vol":"24","page":393},{"text":"وقال ابن قتيبة: إن من مذاهب العرب التكرار: إرادة التوكيد والإفهام، كما أن من مذاهبهم الاختصار إرادة التخفيف والإيجاز، ولا موضع أولى بالتكرار للتوكيد من الذي نزلت فيه: (قل يا أيها الكافرون)، لأنهم أرادوه على أن يعبد ما يعبدون، ليعبدوا ما يعبد أبدؤوا في ذلك وأعادوا، فأراد الله حسم أطماعهم -قال- وفيه وجه آخر:\nوهو أن القرآن كان ينزل شيئًا بعد شيء، وآية بعد آية، جوابًا لهم يسألون، وردًا عن النبي -ﷺ- فكأن المشركين قالوا (له) (١): [أسلم] (٢) ببعض آلهتنا حتى نؤمن بإلهك، فأنزل الله: (لا أعبد ما تعبدون * ولا أنتم عابدون ما أعبد) لأني لا أفعل ما قلتم.\nثم غبروا (٣) مدة فقالوا: تعبد آلهتنا يومًا، أو شهرًا، أو حولًا، ونعبد إلهك يومًا، أو شهرًا، أو حولًا، فأنزل: (ولا أنا عابد ما عبدتم * ولا أنتم عابدون ما أعبد) أي على شريطة أن تؤمنوا به [في] (٤) وقت، وتشركوا به في وقت (٥).\nأي لا أعبد آلهتكم على ما تشارطون، ولا أنتم أيضًا عابدون إلا هي (٦) على هذه الشريطة، لأني لا أفعل ما تشترطون؛ قال (٧): (وهذا\n_________\n(١) ساقط من (أ).\n(٢) في (أ)، (ع): (استلم)، والمثبت من مصدر القول.\n(٣) غير الشيء غبورًا: مكث وذهب. \"لسان العرب\" ٣/ ٥ (غير).\n(٤) ساقطة من النسختين، وأثبت ما جاء في مصدر القول لاستقامة الكلام به وانتظامه.\n(٥) \"تأويل مشكل القرآن\" ٢٣٧ - ٢٣٨ بيسير من التصرف.\n(٦) في (ع): (الهي).\n(٧) أي ابن قتية.","vol":"24","page":394},{"text":"تمثيل أردت أن أريك به موضع الإمكان) (١).\nقوله: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (٦)﴾ قال (ابن عباس (٢)، و) المفسرون (٣): \"لكم\" كفركم بالله، \"ولي\" التوحيد والإخلاص له، قالوا: وهذا قبل أن يؤمر بالحرب، ثم نسخ هذا التسليم بآية القتال (٤).\nوقال أهل المعاني: معنى الآية: لكم جزاؤكم على عبادة الوثن، ولي جزائي على عبادة ربي، وعلى هذا يكون الدين بمعنى: الجزاء، ويجوز أن يكون على تقدير: المضاف لكم جزاء دينكم ولي جزاء ديني (٥).\n_________\n(١) ما بين القوسين قول ابن قتيبة. انظر: \"تأويل مشكل القرآن\" ص ٢٣٩.\n(٢) \"التفسير الكبير\" ٣٢/ ١٤٧.\n(٣) حكاه عن المفسرين ابن عطية في: \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٥٣١، وابن الجوزي في: \"زاد المسير\" ٨/ ٣٢٣، وقال به أيضًا السمرقندي في: \"بحر العلوم\" ٣/ ٥٢١، والثعلبي في: \"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٧٠ ب.\n(٤) وممن قال أيضًا بأنها منسوخة بآية السيف: هبة الله في: \"الناسخ والمنسوخ من كتاب الله ﷿\" ص ٢٠٦، والبارزي في: \"ناسخ القرآن العزيز ومنسوخه\" ص ٥٨، وابن طاهر البغدادي في: \"الناسخ والمنسوخ\" ص ١٦١.\nوقد رد ابن الجوزي دعوى النسخ فيها قال: قال الأكثرون نسخت بآية السيف، ثم قال: وإنما يصح هذا لو كان المعنى: قد أقررتكم على دينكم، وإذا كان لم يكن المفهوم هذا بعد النسخ راجع: \"المصفى بأكف أهل الرسوخ من علم الناسخ والمنسوخ\" ص ٥٩، وله أيضًا: \"نواسخ القرآن\" ص ٢٥٣.\nكما رده أيضًا د. حلمي كامل؛ محقق كتاب البغدادي \"ناسخ القرآن العزيز\" ص ١٦١ - ١٦٥ فقد بين أنه لا تعارض بين الآية وبين آية السيف، الأمر الذي لا يدعو إلى القول بالنسخ، ثم قال: والقول بالنسخ متعارض من كل وجه لا يمكن معه الجمع بين الآيتين، لا مسوغ له، ولا يصار إليه.\n(٥) لم أعثر على مصدر لقولهم، وقد ورد بمعناه من غير عزو في: \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٢٢٩.","vol":"24","page":395},{"text":"وحسبك بجزاء دينهم وبالًا وعقابًا، كما حسبك بجزاء دينه إمتاعًا وثوابًا.","vol":"24","page":396},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5182>سورة النصر</span>","vol":"24","page":397},{"text":"تفسير سورة النصر <span data-type=\"title\" id=toc-5183>(١) </span>(٢)\nبسم الله الرحمن الرحيم\n١ - ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ﴾ هو قال المفسرون: إذا جاءك يا محمد نصر الله على من عاداك، وهم قريش، وغيرهم (٣).\n﴿وَالْفَتْحُ﴾ فتح مكة (٤).\n﴿وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا﴾ قال ابن عباس: يريد أهل مكة، و(أهل) (٥) اليمن (٦)، وهو قول عكرمة (٧)،\n_________\n(١) تسمى بسورة التوديع لما فيها من الإيماء إلى وفاته -ﷺ-. \"الإتقان\" / ١٥٩، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٢٢٩.\n(٢) أكثر كتب التفسير تذكر أنها مدنية، ولم يخالفهم إلا السمرقندي قال: إنها مكية: \"بحر العلوم\" ٣/ ٥٢٢.\n(٣) قال بذلك ابن عباس. انظر: \"جامع البيان\" ٣٠/ ٣٣٢، و\"بحر العلوم\" ٣/ ٥٢٢ وعزاه الثعلبي إلى عامة أهل التفسير. \"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٧١ أ، وانظر: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٥٣٦، و\"زاد المسير\" ٨/ ٣٢٤\n(٤) قال بذلك مجاهد، والحسن، وابن عباس انظر: \"جامع البيان\" ٣٠/ ٣٣٢، و\"النكت والعيون\" ٦/ ٣٦٠، و\"التفسير الكبير\" ٣٢/ ١٥٣.\n(٥) ساقط من (أ).\n(٦) \"جامع البيان\" ٣٠/ ٣٣٣، و\"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٧٩ أ، و\"النكت والعيون\" ٦/ ٣٦٠، و\"التفسير الكبير\" ٣٢/ ١٥٣، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٢٣٠، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٦٤٤ وعزاه إلى ابن عساكر.\n(٧) \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٤٠٤ - ٤٠٥ و\"جامع البيان\" ٣٠/ ٣٣٣ و\"الكشف =","vol":"24","page":399},{"text":"ومقاتل (١) قالا: أراد بالناس: أهل اليمن.\nوقال الحسن: لما فتح رسول الله -ﷺ- مكة قالت العرب: أما إذا ظفر محمد بأهل الحرم، وقد أجارهم الله من أصحاب الفيل، فليس لكم به يدان (٢)، وكانوا يدخلون في دين الله أفواجًا (٣).\nقال أبو إسحاق: معنى (أفواجًا) أي جماعات كثيرة، أي بعد أن كانوا يدخلون واحدًا واحدًا، واثنين اثنين، صارت تدخل القبيلة بأسرها في الإسلام (٤).\nوقوله (٥): ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ﴾\nقال ابن عباس: لما نزلت هذه السورة على النبي -ﷺ- (أنه) (٦) نعيت\n_________\n=والبيان\" ١٣/ ١٧٩ أ، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٥٣٢، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٢٣٠، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٦٠١.\n(١) \"تفسير مقاتل\" ٢٥٥ أ، و\"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٧٩ أ، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٥٣٢، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٢٣٠، \"ثلاث رسائل للحافظ ابن رجب\"، تقديم ابن جبرين ص ٣٩.\n(٢) يدان: أي طاقة نقلًا عن \"الوسيط\" ٣٤/ ٥٦٦ والذي رجعت إليه من المصادر كالنهاية واللسان لم أجد ذكرًا للطاقة.\n(٣) \"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٧٩ أ، و\"النكت والعيون\" ٦/ ٣٦٠، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٥٤١، و\"الكشاف\" ٤/ ٢٣٩، و\"زاد المسير\" ٨/ ٣٢٤، و\"لباب التأويل\" ٤/ ٤٢٣، و\"فتح القدير\" ٥/ ٥٠٩.\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣٧٣ بنصه.\n(٥) في (أ): (قوله).\n(٦) ساقط من (أ).","vol":"24","page":400},{"text":"إليه نفسه فقيل له: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ (١)\nقال الحسن: اعلم أنه قد اقترب أجله فأمر بالاستغفار والتوبة (٢).\nوقال قتادة (٣)، (ومقاتل (٤» (٥): عاش النبي -ﷺ- بعد نزول هذه السورة سنتين.\nوقال عبد الله: لما نزلت هذه السورة كان النبي -ﷺ- يكثر أن يقول: \"سبحانك اللهم بحمدك اغفر لي أنك أنت التواب\" (٦). (ونحو هذا روت\n_________\n(١) ورد معنى قوله في: \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٤٠٤، و\"جامع البيان\" ٣٠/ ٣٣٤، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٥٤٢، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٦٠١، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٦٦٠ وعزاه إلى ابن مردويه.\nوله أيضًا في ذلك حديثًا مرفوعًا، انظر \"مجمع الزوائد\" ٧/ ١٤٤ كتاب التفسير: سورة إذا جاء نصر الله، قال الهيثمي: رواه أحمد والطبراني في حديث طويل، وفي إسناده هلال بن خباب، قال يحيى: ثقة مأمون لم يتغير، ووثقه ابن حبان، وفيه ضعف، وبقية رجاله رجال الصحيح، وفي إسناده أحمد عطاء بن السائب وقد اختلط.\n(٢) ورد معنى قوله في: \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٤٠٤، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٥٤٢، و\"فتح القدير\" ٤/ ٥١٠، \"تفسير الحسن البصري\" ٢/ ٤٤٣.\n(٣) \"جامع البيان\" ٣٠/ ٣٣٥، و\"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٨٠ أ، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٥٤٢، و\"زاد المسير\" ٨/ ٣٢٤، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٦٦٠ وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.\n(٤) \"تفسير مقاتل\" ٢٥٥ أ، إلا أنه قال عاش بعدها ثمانين يومًا، و\"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٨٠ أ.\n(٥) ساقط من (أ).\n(٦) \"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٨٠ أب، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٦٦٣ وعزاه إلى عبد الرزاق، ومحمد بن نصر وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه، و\"المستدرك\" ٢/ ٥٣٨ - ٥٣٩: كتاب التفسير: سورة النصر: قال عنه صحيح، ووافقه الذهبي.","vol":"24","page":401},{"text":"عائشة (١)، وأم سلمة (٢» (٣).\nقال أبو إسحاق: أمره ﵇ أن يكثر التسبيح والاستغفار ليختم له في آخر عمره بالزيادة في العمل الصالح (٤).\nوقال (عطاء عن) (٥) ابن عباس: (فسبح بحمد ربك) صل لربك وأحمده (٦).\nوقال آخرون: نزهه عما لا يجوز عليه مع شكرك إياه (٧).\n_________\n(١) ورد قولها في: \"جامع البيان\" ٣٠/ ٣٣٢ - ٣٣٣ - ٣٣٤، و\"النكت والعيون\" ٦/ ٣٦١، و\"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٨٠ أ، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٥٤٢، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٢٣١، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٦٦٣، وعزاه إلى ابن أبي شيبة، ومسلم، وابن المنذر، وابن مردويه، وله ألفاظ كثيرة متقاربة، فراجعها في الدر، وانظر: \"الجامع الصحيح\" للبخاري ٣/ ٣٣٣: ح ٤٩٦٨: كتاب التفسير: باب ٢ والحديث عن مسروق عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله -ﷺ- يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: \"سبحانك اللهم ربنا، وبحمدك، اللهم اغفر لي\" يتأول القرآن، كما أخرجه مسلم في \"صحيحه\" ١/ ٣٥٠: ح: ٢١٧: كتاب الصلاة: باب ٤٢.\nوالإمام أحمد في: \"المسند\" ٦/ ٤٣، ٤٩، ١٩٠، وابن ماجة في: \"السنن\" ١/ ١٦٠: ح ٨٧٤: أبواب إقامة الصلاة: باب ٢٠.\n(٢) \"جامع البيان\" ٣٠/ ٣٣٥، و\"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٨٠ ب \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٢٣١، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٦٦٣ وعزاه إلى ابن مردويه.\n(٣) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٤) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥٠/ ٣٧٣.\n(٥) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٦) \"النكت والعيون\" ٦/ ٣٦١، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٢٣١، و\"زاد المسير\" ٨/ ٣٢٤.\n(٧) لم أعثر على من قال ذلك، وقد ورد بمثله من غير عزو في: \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٢٣١.","vol":"24","page":402},{"text":"وهذا هو الأولى لما روى عبد الله، وعائشة، وأم سلمة أن النبي -ﷺ- كان يكثر أن يقول: \"سبحان الله وأستغفره، وأتوب إليه بعد نزول هذه السورة\".\nوقوله (١): ﴿إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ أي على المسبحين المستغفرين؛ يتوب عليهم، فيرحمهم، ويغفر لهم، ويقبل توبتهم (بمنه وفضله) (٢).\n_________\n(١) في (أ): (قوله).\n(٢) ما بين القوسين ساقط من (أ).","vol":"24","page":403},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5184>سورة المسد</span>","vol":"24","page":405},{"text":"(تفسير) <span data-type=\"title\" id=toc-5185>(١) </span>سورة تبت (٢) (٣)\nبسم الله الرحمن الرحيم\n\n١ - ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾\nقال ابن عباس: (في رواية سعيد بن جبير) (٤) (٥) وجماعة\n_________\n(١) ما بين القوسين ساقط من (ع).\n(٢) تسمى أيضًا بسورة المسد. \"الإتقان\" ١/ ١٥٩.\n(٣) مكية بالإجماع، حكاه صاحب: \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٥٣٤، و\"زاد المسير\" ٨/ ٣٢٤، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٢٢٤.\n(٤) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٥) أخرجه البخاري في: \"الجامع الصحيح\" ٣/ ٣٣٣ ح ٤٩٧٢، ٤٩٧١: كتاب التفسير: باب ١١ ولفظه عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أن النبي -ﷺ-: خرج إلى البطحاء فصعد إلى الجبل فنادى: يا صباحاه فاجتمعت إليه قريش، فقال: أرأيتم إن حدثتكم أن العدو مصبِّحُكم أو ممسيكم أكنتم تصدقونني؟ قالوا: نعم، قال فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد، فقال أبو لهب: ألهذا جمعتنا! تبًا لك، فأنزل الله ﷿ ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ إلي آخرها.\nكما ورد قوله في: \"جامع البيان\" ٣٠/ ٣٣٦، و\"بحر العلوم\" ٣/ ٥٢٣، و\"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٨١ ب، و\"أسباب النزول\" تح: أيمن ص ٤٠٧، و\"لباب النقول\" ٢٣٧، و\"الصحيح المسند\" ص ٢٣٨ قال الوادعي: وهذا الحديث مرسل، لأن ابن عباس كان حينئذٍ إما لم يولد، أو كان طفلًا، وبه جزم الإسماعيلي في: \"عمدة القاري\" ١٩/ ١٠٢ قال: أقول هو مرسل صحابي، ومرسل الصحابي لا ضير عليه ولا مطعن فيه. الصحيح المسند.\nوللحديث طرق مختلفة، وبألفاظ مختلفة، ومعان متقاربة. راجع ذلك في: \"الجامع الصحيح\" ٣/ ٢٧٣ ح ٤٧٧٠، ٤٧٧١ كتاب التفسير، سورة الشعراء، وكتب الجنائز: باب ٩٨ ح ١٣٩٤، كتاب المناقب، باب ١٣: ح ٣٥٢٥، ٣٥٢٦، ٣٥٢٧، و\"صحيح مسلم\" ١/ ١٩٣ - ١٩٤: ح ٣٥٥ - ٣٥٦ كتاب الإيمان: باب \"وأنذر عشيرتك الأقربين\"، والإمام أحمد في \"المسند\" ١/ ٢٨١، و\"سنن الترمذي\" ٥/ ٤٥١: ح ٣٣٦٤: كتاب التفسير، باب ٩٢، والنسائي في \"عمل واليوم والليلة\" ٩٨٣، والبيهقي في \"دلائل النبوة\" ٢/ ١٨١، والنسائي في \"التفسير\" ٢/ ٥٦٩: ح ٧٣ \"المسد\".","vol":"24","page":407},{"text":"المفسرين (١): صعد رسول الله -ﷺ- ذات يوم: الصفا، قال: يا صباحاه، فاجتمعت إليه قريش، فقالوا مالك؟ فقال: أرأيتكم إن أخبرتكم أن العدو ممسيكم ما كنتم تصدقونني، قالوا: بلى، قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد. فقال أبو لهب: تبًا لك ألهذا جمعتنا!! فأنزل الله: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ إلى آخرها.\nأي خسرت يدا أبي لهب، وخسر هو، (وهذا قول عامتهم) (٢) (٣).\n_________\n(١) قال بذلك ابن زيد، وابن عباس، راجع: \"جامع البيان\" ٣٠/ ٣٣٧، و\"النكت والعيون\" ٦/ ٣٦٣، كما وردت أيضًا في: \"بحر العلوم\" ٣/ ٥٢٣، وانظر: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٥٤٣، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٥٣٤، و\"زاد المسير\" ٨/ ٣٢٥، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٢٢٤ \"لباب التأويل\" ٤/ ٤٢٤، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٦٠٣، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٦٦٦ وعزاه إلى سعيد بن منصور، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.\n(٢) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٣) قال بذلك قتادة، ومقاتل، وابن عباس.\nانظر \"جامع البيان\" ٣٠/ ٣٣٧، و\"بحر العلوم\" ٣/ ٥٢٣، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٦٦٦ وبه قال ابن قتيبة في \"تفسير غريب القرآن \" ص ٥٤١، والسمرقندي في: \"بحر العلوم \" ٣/ ٥٢٣، والزجاج في \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣٧٥، وانظر: \"معالم التنزيل\" ٤/ ٥٤٣، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٥٣٤، و\"زاد المسير\" ٨/ ٣٢٥، و\"ابن كثير\" ٤/ ٦٠٣.","vol":"24","page":408},{"text":"وتفسير التباب قد تقدم عند قوله: (غير تتبيب) (١)،\nو(إلا في تباب) [غافر: ٣٧].\nقال مقاتل: خسرت يداه (٢) بترك الإيمان، وخسر هو (٣).\nوقال الفراء: الأول: دعاء (٤)، والثاني: خبر، كما تقول: أهلكه الله وقد هلك (٥). وجعلك الله صالحًا وقد جعل (٦).\n(وأضاف التباب إلى اليد كقول العرب: خسرت يده وضاقت يده، وكسبت يده، والمراد به صاحب اليد، ولكن جرت العادة بإضافة هذه الأفعال إلى اليد) (٧).\nوأبو لهب هو ابن عبد المطلب -عم النبي -ﷺ- واسمه عبد العزى، ولهذا ذكرت كنيته دون اسمه، لأن تسميته عبد العزى خطأ (٨)، وهو عبد الله لا عبد العزى، وكان يعادي النبي -ﷺ- أشد المعاداة.\nقال طاوس بن عبد الله (المحاربي) (٩): أتى بسوق ذي\n_________\n(١) سورة هود: ١٠١، ومما جاء في تفسير \"غير تتبيب\" أي غير تخسير، والتباب: الهلاك، وفي اللغة الإهلاك، وواحدها قريب من الآخر.\n(٢) في (أ): (يده).\n(٣) كما ورد معنى قوله في: \"تفسير مقاتل\" ٢٥٥ ب، و\"بحر العلوم\" ٣/ ٥٢٣ ولفظه: خسر نفسه.\n(٤) بياض في (ع).\n(٥) في (أ): اهلك.\n(٦) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٩٨.\n(٧) ما بين القوسين لعله نقله عن \"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٨٢ أ.\n(٨) انظر: \"بحر العلوم\" ٣/ ٥٢٣، و\"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٨٢ أ.\n(٩) ما بين القوسين ساقط من (أ).","vol":"24","page":409},{"text":"المجاز (١) (٢)؛ إذا أنا بشاب يقول: يا أيها (٣) الناس قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا، وإذا رجل خلفه يرميه قد أدمى ساقيه، وعرقوبية (٤)، ويقول: يا أيها الناس إنه كذاب فلا تصدقوه، فقلت من هذا؟! فقالوا هذا محمد يزعم أنه نبي، وهذا عمه أبو لهب يزعم أنه كذاب (٥).\nقال أبو الضحى: إنما كني باللهب لحسنه، وكان يتلهب من حسنه (٦) وهو قول عبد الله ابن كثير المكي القاري، وكان يقرأ (أبي لَهْب) ساكنة الهاء (٧).\n_________\n(١) في (أ): (المجازا).\n(٢) ذي المجاز موضع سوق بعرفة، كانت تقوم في الجاهلية ثمانية أيام. \"معجم البلدان\" ٥/ ٥٥، وانظر: \"معجم ما استعجم\" ٤/ ١١٨٥.\n(٣) في (أ)، و(ع): (يايها).\n(٤) عرقوبية: العرقوب هو الوتر الذي خلف الكعبين فوق العقب.\nانظر: \"النهاية في غريب الحديث والأثر\" ٣/ ٢٢١ (عرقب).\n(٥) ووردت بنحو هذه الرواية في \"مسند الإمام أحمد\" ٣/ ٤٩٢، ٤/ ٣٤١ من طريق محمد بن عمرو عن ربيعة ابن عباد قال: رأيت رسول الله -ﷺ- وهو يدعو الناس إلى الإسلام بذي المجاز، وخلفه رجل أحول يقول: لا يغلبنكم هذا عن دينكم ودين آبائكم. قلت لأبي وأنا غلام: من هذا الأحول الذي يمشي خلفه؟ قال: عمه أبو لهب. قال عباد: أظن بين محمد بن عمرو وبين ربيعة محمد بن المنكدر.\nوانظر: \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٦٠٣، وعزاه إلى أحمد والطبراني ٥/ ٦١ح ٤٥٨٢ - ٤٥٩٠ عن ربيعة بن عباد.\nكما وردت هذه الرواية معزوة إلى (طارق) بدلًا من (طاووس) في: \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٢٣٦.\n(٦) لم أعثر على مصدر لقوله، وقد ورد بنحوه من غير عزو في \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٢٣٦.\n(٧) وقرأ الباقون: \"أبي لهَب\" \"بفتح الهاء\". \"كتاب السبعة في القراءات\" ٧٠٠، و\"القراءات وعلل النحويين فيها\" ٢/ ٨٠٥، و\"الحجة\" ٦/ ٤٥١، \"المبسوط\" ص ٤٢٠.","vol":"24","page":410},{"text":"قال أبو علي: يشبه (١) أن يكون لهْب ولَهَب لغتين <span data-type=\"title\" id=toc-5186>(٢)</span>، كالشمْع والشمَع (٣) والنهْر والنهَر، واتفاقهم في الثانية (٤) على الفتح يدل على أنه أوجه [من] (٥) الإسكان، وكذلك قوله: (ولا يغني من اللهب) (٦) \" (٧).\nوقال غيره: اتفقوا على الفتح في الثانية، مراعاة لوفاق الفواصل (٨).\nقال ابن مسعود: لما أنذر النبي -ﷺ- عشيرته (وأقربته) (٩) النار، قال: أبو لهب: إن كان ما يقوله حقًا، فإني أفتدي نفسي بمالي، وولدي، فأنزل الله:\n\n٢ - ﴿مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾ (١٠) أي: ما دفع عنه عذاب الله ما جمع من ماله، وما ولد. (وهو قول كافة أهل التفسير) (١١).\nقالوا: وما كسب يعني: ولده؛ لأن ولده من كسبه. قاله ابن\n_________\n(١) غير واضحة في (ع).\n(٢) في (ع): (كما)، وهي زيادة.\n(٣) كالسمْع والسمَع في مصدر القول.\n(٤) أي في قوله \"نارًا ذات لهب\".\n(٥) ساقطة من النسختين، وأثبتت ما جاء في مصدر القول لسلامته وانتظام الكلام به.\n(٦) سورة المرسلات: ٣١.\n(٧) \"الحجة\" ٦/ ٤٥١ بنصه.\n(٨) انظر: \"منار الهدى\" ص ٤٣٦ - ٤٣٧، و\"البحر المحيط\" ٨/ ٥٢٥.\n(٩) ساقط من (أ).\n(١٠) \"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٨٣ أ، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٥٤٣، و\"زاد المسير\" ٨/ ٣٢٦، \"لباب التأويل\" ٤/ ٤٢٤، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٦٠٣، وبمثلها عن ابن عباس في \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٢٣٨.\n(١١) ما بين القوسين ساقط من (أ).","vol":"24","page":411},{"text":"عباس (١)، وعائشة (٢) وابن سيرين (٣)، (ومجاهد (٤)، ومقاتل (٥)، وقتادة (٦» (٧): ويدل على صحة هذا ما روى أن النبي -ﷺ- قال: \"إن أطيب ما أكل أحدكم من كسبه، وإن ولده من كسبه\" (٨).\n_________\n(١) \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٤٠٦، كما ورد معنى قوله في: \"جامع البيان\" ٣٠/ ٣٨٨، و\"النكت والعيون\" ٦/ ٣٦٦، و\"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٨٣ ب، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٥٣٤، و\"الكشاف\" ٤/ ٢٤١، و\"التفسير الكبير\" ٣٢/ ٦٩، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٢٣٨، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٦٠٣.\n(٢) \"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٨٣ ب، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٦٠٣، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٦٦٦ وعزاه إلى عبد الرزاق: وابن أبي حاتم.\n(٣) \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٦٠٣.\n(٤) \"تفسير الإمام مجاهد\" ٧٥٩، و\"جامع البيان\" ٣٠/ ٣٣٨، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٢٣٨، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٦٠٣، و\"فتح القدير\" ٤/ ٥١٢، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٦٦٦.\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ٢٥٥ ب.\n(٦) لم أعثر على مصدر لقوله، وقد قال بمثل قولهم أيضًا: عطاء، والحسن. انظر \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٦٠٣، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٦٦٦.\nوحكاه عن المفسرين: الزجاج في \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣٧٥، وابن عطية في \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٥٣٤، وابن الجوزي في: \"زاد المسير\" ٨/ ٣٢٦.\nوقال به أيضًا الثعلبي في \"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٨٣ أ.\n(٧) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٨) أخرجه الإمام أحمد في \"المسند\" ٦/ ٣٠، ٤٢، ١٢٧، ١٩٣، ٢٢٠، والدارمي في \"سننه\" ٢/ ٦٩٧ ح ٢٤٤٢: كتاب البيوع، باب ٦، وابن ماجه في \"سننه\" ٢/ ٥ ح ٢١٥٣، كتاب التجارات، باب ١، والنسائي في \"سننه\" ٧/ ٢٧٦ ح ٤٤٦١، ٤٤٦٢، ٤٤٦٣، ٤٤٦٤: كتاب البيوع: باب الحث على الكسب.\nوالحديث صححه الألباني في \"صحيح سنن ابن ماجه\" ٢/ ٥ ح ١٧٣٨. \"إرواء الغليل\" ٦/ ٦٥ ح ١٦٢٦ \"مشكاة المصابيح\" للتبريزي ٢/ ٨٤٤ ح ٢٧٧٠ كتاب البيوع: باب الكسب وطلب الحلال.","vol":"24","page":412},{"text":"ثم أوعده بالنار فقال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5187>٣ </span>- (قوله) (١): ﴿سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ﴾\nقال مقاتل: يعني نارًا تلتهب (٢) عليهم (٣).\n﴿وَامْرَأَتُهُ﴾ وهي أم جميل بنت حرب، أخت أبي سفيان (٤).\n﴿حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾ كانت تحمل العصاة، والشوك فتطرحه على طريق النبي (٥) -ﷺ- ليعقره (٦)، وهو قول مقاتل (٧)، (والضحاك (٨)، وابن زيد (٩)، ورواية عطية (١٠)،\n_________\n(١) ساقط من (أ).\n(٢) في (أ): (لهب).\n(٣) بمعناه في تفسيره: ٢٥٥ ب.\n(٤) قال به الزجاج \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣٧٦، وانظر: \"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٨٣ ب، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٥٤٣.\n(٥) في (أ): (رسول الله).\n(٦) العقر: الجرح، أو ما يشبه الجرح من الهزم في الشيء. \"مقاييس اللغة\" ٤/ ٩٠ (عقر).\nوقال الفيروزبادي: العقر: الجرح وأثر كالحز في قوائم الفرس والإبل، عقره يعقره وعقره والعقير المعقور. \"القاموس المحيط\" ٢/ ٩٣ (عقر).\n(٧) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٨) \"جامع البيان\" ٣٠/ ٣٣٩، و\"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٨٤ أ، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٥٤٣، و\"زاد المسير\" ٨/ ٣٢٧، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٢٤٠، و\"فتح القدير\" ٥/ ٥١٢.\n(٩) \"جامع البيان\" ٣٠/ ٣٣٩، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٢/ ٢٤٠، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٦٦٧ وعزاه إلى ابن أبي حاتم، و\"فتح القدير\" ٥/ ٥١٢.\n(١٠) \"جامع البيان\" ٣٠/ ٣٣٨، و\"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٨٤ أ، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٥٤٣، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٥٣٥ من غير ذكر الطريق إلى ابن عباس، و\"زاد المسير\" ٨/ ٣٢٧، و\"البحر المحيط\" ٨/ ٥٢٦ من غير ذكر الطريق إلى ابن عباس، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٦٦٧ وعزاه إلى البيهقي في الدلائل، وابن عساكر.","vol":"24","page":413},{"text":"وعطاء (١) عن ابن عباس «٢).\nوقال الكلبي (٣)، ومجاهد (٤)، (وقتادة (٥)، والسدي (٦» (٧): كانت تمشي بالنميمة بين الناس وهو قول ابن عباس (في رواية أبي صالح) (٨) (٩).\nوالمعنى على هذا أنها: كانت تحرش (١٠) بين الناس، فتلقى بينهم العداوة، وتهيج نارها، كما توقد النار بالحطب. هذا هو الأصل، ثم صار الحطب اسمًا للنميمة يقال: حطب فلان بفلان، إذا سعى به، قاله\n_________\n(١) لم أعثر على مصدر ذكر طريقه إلى ابن عباس عدا \"المحرر الوجيز\"، و\"البحر المحيط\" فقد ذكرت الرواية من غير بيان الطريق إلى ابن عباس راجع الهامش السابق.\n(٢) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٣) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٤) \"تفسير الإمام مجاهد\" ص ٧٥٩، و\"جامع البيان\" ٣٠/ ٣٣٩، و\"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٨٣ ب، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٥٤٣، و\"زاد المسير\" ٨/ ٣٢٧، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٢٣٩، و\"البحر المحيط\" ٨/ ٥٢٦، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٦٦٧ وعزاه إلى ابن أبي الدنيا في ذم الغيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، و\"فتح القدير\" ٥/ ٥١٢.\n(٥) المراجع السابقة عدا \"تفسير مجاهد\"، و\"زاد المسير\"، وانظر أيضًا: \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٤٠٦.\n(٦) \"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٨٣ ب، و\"النكت والعيون\" ٦/ ٣٦٧، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٥٤٣، و\"زاد المسير\" ٨/ ٣٢٧ \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٢٣٩، و\"البحر المحيط\" ٨/ ٥٢٦، و\"فتح القدير\" ٥/ ٥١٢.\n(٧) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٨) \"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٨٣ ب من غير ذكر طريق أبي صالح، وكذلك \"زاد المسير\" ٨/ ٣٢٧، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٢٣٩، و\"البحر المحيط\" ٨/ ٥٢٦.\n(٩) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(١٠) تحرش: التحريش: الإغراء بين القوم وكذلك بين الكلام. \"الصحاح\" ٣/ ١٠٠١ (حرش)، وانظر: \"لسان العرب\" ٦/ ٢٧٩ (حرش).","vol":"24","page":414},{"text":"الليث (١) وأنشد:\nمن البِيضِ لمْ تُصْطَدْ على ظَهْرِ سوةٍ ... ولمْ تمشِ بين الحيِّ بالحطبِ الرَّطبِ (٢)\nقال ابن قتيبة: الحطب: النميمة، ويقال: فلان يحطب على فلان إذا كان يغرى (٣) به، شبهوا النميمة بالحطب، والعداوة، والشحناء بالنار، لأنهما يقعان بالنميمة كما تلتهب النار بالحطب، وأنشد البيت (٤).\nقوله (٥): ﴿حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾\nقراءة العامة: بالرفع (٦) على النعت للمرأة، وهو عطف على الضمير في \"سيصلى\" التقدير: سيصلى هو وامرأته، إلا أنه حسن أن لا يؤكد\n_________\n(١) \"تهذيب اللغة\" ٤/ ٣٩٤ (حطب).\n(٢) ورد البيت أيضًا غير منسوب في:\n\"لسان العرب\" ١/ ٣٢٢ (حطب)، و\"تاج العروس\" ١/ ٢١٧، و\"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٨٣ ب، و\"الكشاف\" ٤/ ٢٤١، و\"النكت والعيون\" ٦/ ٣٦٧ \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٢٣٩، و\"البحر المحيط\" ٨/ ٥٢٦، و\"فتح القدير\" ٥/ ٥١٢ \"روح المعاني\" ٣٠/ ٢٦٣ وجميعها برواية على (ظهر لأمة) بدلًا (على ظهر سوة) و\"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣٧٦ برواية (لأمة)، و(لم تمس بين الحي بالحطب الجزل) \"معجم مقاييس اللغة\" ٢/ ٧٩: حطب، برواية: (حبل لأمة)، و\"تأويل مشكل القرآن\" ابن قتيبة: ١٦٠ برواية (على حبل سوأة) و(بالحظر الرطب)، و\"الحجة\" ٦/ ٤٥٢ برواية (لم تسع) بدلًا (لم تمش).\n(٣) أغرى به: هكذا وردت في \"تأويل مشكل القرآن\".\n(٤) \"تأويل مشكل القرآن\" ١٦٠ بيسير من التصرف، وانظر \"تفسير غريب القرآن\" ٥٤٢.\n(٥) في (أ): وقوله.\n(٦) وقرأ عاصم وحده: (وامرأته حمالةَ الحطب) بالنصب.\nانظر: \"كتاب السبعة في القراءات\" ٧٠٠، و\"المبسوط\" ص٢٤٠، و\"حجة القراءات\" ص ٧٧٦، و\"تحبير التيسير في قراءات الأئمة العشرة\" ص ٢٠٢.","vol":"24","page":415},{"text":"لما (١) جرى من الفصل بينهما، ويجوز أن ترفع \"امرأته\" بالابتداء، و\"حمالة الحطب\" وصف لها و\"في جيدها\" خبر المبتدأ. وعلى القول الأول (في جيدها) \"في \"موضع الحال على تقدير: تصلى هي النار مسلسلًا.\n\nوهذا قول أبي علي (٢)، والزجاج (٣) (٤)، (ومعنى كلام الفراء <span data-type=\"title\" id=toc-5188>(٥» </span>(٦).\nومن نصب: (حمالةَ الحطب) فعلى معنى: أعني حمالة الحطب. قاله الفراء (٧)، والزجاج (٨)، (وأبو علي (٩» (١٠).\nوقال أبو علي: النصب في (حمالة الحطب) على الذم، وكأنها كانت\nاشتهرت بذلك، فجرت الصفة عليها [للذم؛ لا] (١١) للتخليص والتخصيص من موصوف غيرها (١٢).\n\n٥ - وقوله تعالى: ﴿فِي جِيدِهَا﴾ أي في عنقها.\n_________\n(١) في (أ): (ما).\n(٢) \"الحجة\" ٦/ ٤٥١ - ٤٥٢.\n(٣) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣٧٥.\n(٤) في (ع): (الزجاج وأبي علي).\n(٥) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢١٨.\n(٦) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٧) \"معاني القرآن\" ٣/ ٢١٨.\n(٨) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣٧٥.\n(٩) \"الحجة\" ٦/ ٤٥١ - ٤٥٢.\n(١٠) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(١١) ساقطة من النسختين، وأثبت ما جاء في مصدر القول لسلامته وانتظام الكلام به.\n(١٢) \"الحجة\" ٦/ ٤٥٢ بيسير من التصرف.","vol":"24","page":416},{"text":"﴿حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾ قال ابن عباس (١)، والمفسرون: يعني سلسلة من حديد في النار، طولها سبعون ذراعًا. وهو قول السدي (٢)، ومقاتل (٣)، (وعروة بن الزبير (٤» (٥).\n(والمسد في كلام العرب الفتل، يقال مسد الحبل يَمْسُده، إذا أجاد فتله. ورجل ممسود، إذا كان مجدول الخَلْق، وجارية ممسودة إذا كانت حسنة طي الخَلْق، والمسد: ما مسد، أي: فتل من أي شيء كان، فيقال لما فتل من جلود الإبل، ومن الليف، والخوص: مسد.\nولما فتل من حديد أيضًا: مسد. والمعنى أن السلسلة التي في عنقها فُتلَتْ من الحديد فَتْلًا محكمًا، ولوي ليًا شديدًا) (٦)، وهي السلسلة التي ذكرها الله تعالى في قوله: ﴿ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا﴾ (٧).\n_________\n(١) \"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٨٥ أ، معالم التنزيل: ٤/ ٥٤٣، كما ورد في حاشية كتاب \"زاد المسير\" ٨/ ٣٢٨ عن النسخة الأزهرية. \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٢٤٢ من رواية أبي صالح عن ابن عباس، و\"لباب التأويل\" ٤/ ٤٢٥.\n(٢) ورد معنى قوله في: \"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٨٥ أ، و\"زاد المسير\" ٨/ ٣٢٨ حاشية.\n(٣) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٤) ورد قوله في \"جامع البيان\" ٣٠/ ٣٤٠، و\"بحر العلوم\" ٣/ ٥٢٤، و\"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٨٥ أ، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٥٤٣، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٥٣٥، و\"زاد المسير\" ٨/ ٨٢٣، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٢٤٢، و\"البحر المحيط\" ٨/ ٥٢٦، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٦٠٣، و\"فتح القدير\" ٥/ ٥١٢.\n(٥) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٦) ما بين القوسين نقله عن \"تهذيب اللغة\" ١٢/ ٣٨٠، وعزا الأزهري القول من: (والمسد في كلام العرب ..) إلى (والخوص المسد) إلى ابن السكيت، ولم أجده في إصلاح المنطق.\n(٧) سورة الحاقة: ٣٢.","vol":"24","page":417},{"text":"قالوا (١): تدخل من فيها، وتخرج من دبرها، ويلوى سائرها على عنقها. ومن هذا يقال للحديدة التي تكون في البكرة: المسد، لشدة فتله، ومنه قول النابغة:\nله صِريفٌ صَرِيف القَعْوِ بالمسَدِ (٢)\nوإلى هذا ذهب مجاهد (٣)، وعكرمة (٤)، قالا: المسد الحديدة التي تكون في البكرة.\nوهذا كالقول الأول، لأن المعنى: حبل من حديد، ووهم (٥) قوم لم يعلموا أن المفتول من الحديد مسد، وظنوا أن المسد لا يكون من الحديد، فقال الشعبي: حبل من ليف (٦).\n_________\n(١) وهو قول ابن عباس وابن الزبير ومجاهد وعروة.\nانظر: \"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٨٥ أ، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٢٤٢.\n(٢) شطر الأول منه:\nمَقْذُوفَةٍ بِدخِيسِ النَّحْضِ بازِلُها\nوقد ورد البيت في: ديوانه: ٣١: ط الموسوعة العربية للطباعة والنشر، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٥٣٥، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٢٤١ \"فتح القدير\" ٥/ ٥١٢، و\"الكامل\" ٢/ ٨٤٦.\nومعنى: \"القعو\" ما تدور عليه البكرة إذا كان من خشب، فإن كان من حديد فهو خطاف، وقوله: \"مقذوفة\" يقول مرمية باللحم.\n\"الدخيس\" الذي قد ركب بعضه بعضًا، و\"والنحْص\" للحم، و\"بازلها\" نابها.\n\"الكامل\" ٢/ ١٠٢٣، وانظر: \"ديوانه\" -الحاشية-.\n(٣) \"جامع البيان\" ٣٠/ ٣٤١، و\"بحرالعلوم\" ٣/ ٥٢٤، و\"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٨٥ أ، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٥٤٤.\n(٤) \"جامع البيان\" ٣٠/ ٣٤١.\n(٥) في (أ): وهم.\n(٦) \"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٨٥ أ، و\"النكت والعيون\" ٦/ ٣٦٨، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٥٤٤.","vol":"24","page":418},{"text":"(وقال قتادة يعني: قلادة من ودع (١) (٢» (٣).\nوقال الحسن: كانت خرزات في عنقها (٤).\n(وقال سعيد بن المسيب: كانت لها قلادة في عنقها فاخرة (٥» (٦)\nوقال ابن زيد: حبل من شجر تنبت باليمن يقال لها مسد (٧).\n(وقال مؤرج: تفتل من لحاء شجر الحرم (٨).) (٩)\nوكل هذا وهم، لا ذم لها في كون القلادة في عنقها.\n_________\n(١) الودع: خرز بيض تخرج من البحر تتفاوت في الصغر والكبر. قاله القرطبي: \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٢٤٢.\n(٢) ورد قوله في: \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٤٠٦، و\"جامع البيان\" ٣٠/ ٣٤١، و\"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٨٥ أ، و\"النكت والعيون\" ٦/ ٣٦٨، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٥٤٤، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٥٣٥، و\"زاد المسير\" ٨/ ٢٦٨، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٢٤٢، و\"البحر المحيط\" ٨/ ٥٢٦، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٦٦٧ وعزاه إلى ابن الأنباري، و\"فتح القدير\" ٥/ ٥١٢.\n(٣) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٤) \"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٨٥ أ، و\"النكت والعيون\" ٦/ ٣٦٨ بمعناه، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٥٤٤، و\"زاد المسير\" ٨/ ٣٦٨ الهامش من النسخة الأزهرية، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٢٤٢، و\"البحر المحيط\" ٨/ ٥٢٦، و\"تفسير الحسن البصري\" ٢/ ٤٤٤.\n(٥) \"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٨٥ أ، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٥٤٤، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٥٣٥، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٢٤٢، و\"البحر المحيط\" ٨/ ٥٢٦، و\"فتح القدير\" ٥/ ٥١٢.\n(٦) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٧) \"جامع البيان\" ٣٠/ ٣٤٠، و\"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٨٥ أ، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٥٤٤، بمعناه في: \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٥٣٥.\n(٨) \"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٨٥ أ.\n(٩) ما بين القوسين ساقط من (أ).","vol":"24","page":419},{"text":"والمراد بقوله: (في جيدها) يعني في النار، ولا يكون في جيدها في النار حبل من ليف، ولا من لحاء شجر.\n(وذهب قوم إلى أنها كانت تحتطب على ظهرها بحبل من ليف في عنقها (١» (٢).\n(قال ابن قتيبة: ولست أدري كيف هذا، لأن الله وصف زوجها بالمال والولد، ثم ذكر في المسد مثل ما ذكرنا، وهو أنه كل ما ضفر وقتل وإن كان حديدًا أو نارًا، وما شاء الله أن يكون (٣» (٤)\nوذكر أهل العلم (من المفسرين) (٥) معجزة للنبي -ﷺ- في هذه السورة وهو أنه أخبر أن أبا لهب وزوجه يدخلان النار، وذلك (٦) إنما يكون بموتهما على الكفر، فكان الأمر كذلك، وكانا على الكفر (٧).\nوسئل الحسن فقيل: هل كان يستطيع أبو لهب أن لا يصلى النار؟ فقال والله ما كان يستطيع لا يصلاها (٨) وإنها لفي (٩) كتاب الله قبل أن يخلق\n_________\n(١) عزاه ابن قتيبة إلى بعض المتقدمين: \"تأويل مشكل القرآن\" ص ١٦١ - ١٦٢، وقد قال به: قتادة كما في: \"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٨٤ أ، و\"النكت والعيون\" ٦/ ٣٦٧.\n(٢) ما بين القوسين ساقط من (أ)\n(٣) \"تأويل مشكل القرآن\" ص ١٦١ - ١٦٢ باختصار.\n(٤) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٥) ساقط من (أ).\n(٦) في (ع): (كذلك).\n(٧) قال بذلك الثعلبي في: \"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٨٥ أ، وانظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٢٤٣ و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٦٠٤ وعزاه إلى العلماء.\n(٨) في (أ): (يصليها).\n(٩) في (أ): (في).","vol":"24","page":420},{"text":"أبو لهب وأبواه (١).\n(تمت) (٢).\n_________\n(١) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٢) ما بين القوسين ساقط من (أ).","vol":"24","page":421},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5189>سورة الإخلاص</span>","vol":"24","page":423},{"text":"تفسير سورة الإخلاص <span data-type=\"title\" id=toc-5190>(١) </span>(٢)\nبسم الله الرحمن الرحيم\n١ - ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ قال أبي بن كعب: إن المشركين قالوا لرسول الله -ﷺ-: انسب لنا ربك، فأنزل الله هذه السورة (٣).\n_________\n(١) تسمى بسورة الأساس؛ لاشتمالها على توحيد الله وهو أساس الدين. \"الإتقان\" ١/ ١٥٩\n(٢) فيها قولان:\nأحدهما: أنها مكية، وهو قول ابن مسعود، والحسن، وعطاء، وعكرمة، وجابر. والآخر: أنها مدنية وهو قول قتادة واحد قولي ابن عباس، والضحاك والسدي، و\"النكت والعيون\" ٦/ ٣٦٩، و\"زاد المسير\" ٨/ ٣٢٩، و\"البحر المحيط\" ٨/ ٥٢٧.\n(٣) وردت هذه الرواية من طريق أبي سعد الصاغاني -وهو محمد بن مُيَسَّر- وهو طريق ضعيف لضعف أبو سعد ذكر ذلك: أيمن صالح محقق: \"أسباب النزول\" ص ٤٠٩ وكذلك ضعفه الألباني في تحقيقه لكتاب \"السنة\" ١/ ٢٩٧ ح ٦٦٣ باب نسب الرب ﵎.\nقال ابن حجر: محمد بن مُيَسّر هو: الجعفي أبو الصاغاني البلخي، ضعيف، ورمي بالإرجاء \"تقريب التهذيب\" ٢/ ٢١٢ ت ٧٥٦، كما وصفه البخاري بالاضطراب؛ قال: وفيه اضطراب. \"التاريخ الكبير\" ١/ ٤٥ ت ٧٧٨. كما وردت هذه الرواية من طريق أبي العالية عن أبي بن كعب في \"المسند\" ٥/ ١٣٤، و\"سنن الترمذي\" ٥/ ٤٥١ =","vol":"24","page":425},{"text":"وقال ابن عباس (في رواية عطاء (١)، والضحاك (٢» (٣): \"إن (٤) وفد\n_________\n= ح ٣٣٦٤ كتاب تفسير القرآن، باب ٩٣، وفي \"المستدرك\" ٢/ ٥٤: كتاب التفسير: باب تفسير سورة الإخلاص وصححه، ووافقه الذهبي، و\"الأسماء والصفات\" ١/ ٦٩: جماع أبواب ذكر الأسماء التي تتبع نفي التشبيه عن الله.\nقال الترمذي: وقد روي بنحو هذه الرواية عن أبي العالية، ولم يذكر فيه عن أبي بن كعب، وهذا أصح من حديث أبي سعد. \"سنن الترمذي\" المرجع السابق.\nوقال ابن حجر في \"فتح الباري\" ٨/ ٧٣٩: بعد أن ذكر رواية أبي العالية عن أبي بن كعب: وأخرجه الترمذي من وجه آخر عن أبي العالية مرسلًا، وقال: هذا أصح، وصحح الموصول ابن خزيمة، والحاكم، وله شاهد من حديث جابر عند أبي يعلى، والطبري، والطبراني في الأوسط، وأخرجه أيضًا ابن الجوزي كما في \"جامع الأصول\" ٢/ ٤٤١ ح ٨٩٣.\nوسند رواية أبي بن كعب إن كانت من طريق أبي جعفر الرازي عن الربيع عن أنس عن أبي العالية عنه، فهو إسناد جيد.\nانظر الحكم على سند الرواية: مقالة د. حكمت بشير، منشورة في \"مجلة الجامعة الإسلامية ص: ٤٠ للسنة ٢٦ العددان: ١٠١، ١٠٢ عام ١٤١٤ - ١٤١٥، وقد وردت رواية أبي العالية عن أبي بن كعب في: \"جامع البيان\" ٣٠/ ٣٤٢، و\"الكشف والبيان\" ج ١٣/ ١٨٨ أ، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٥٤٤، و\"ابن كثير\" ٤/ ٦٠٤، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٦٦٩، وعزاه إلى أحمد، والبخاري في تاريخه، والترمذي، وابن جرير، وابن خزيمة، وابن أبي حاتم، والبغوي في معجمه، وابن المنذر، والحاكم وصححه، و\"فتح القدير\" ٥/ ٥١٣، و\"مجموع الفتاوى\" ١٧/ ٢٢١.\nكما وردت الرواية من غير ذكر الطريق في: \"بحر العلوم\" ٣/ ٥٢٥، و\"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣٧٧ و\"النكت والعيون\" ٦/ ٣٦٩، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٢٤٦، و\"لباب التأويل\" ٤/ ٤٢٦.\n(١) \"التفسير الكبير\" ٣٢/ ١٧٥.\n(٢) \"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٨٨ ب.\n(٣) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٤) في (أ): (أنى).","vol":"24","page":426},{"text":"نجران (١) قدموا على النبي -ﷺ- فقالوا: صف لنا ربك؛ أمن زبرجد، أم من ياقوت، أم من ذهب، أم من فضة؟! فأنزل الله هذه السورة\".\nوقال في رواية أبي (ظبيان (٢)، وأبي) (٣) صالح (٤): أن عامر بن الطفيل (٥)، وزيد بن ربيعة (٦) أتيا النبي -ﷺفقال عامر: إلى من تدعونا يا محمد؟ قال: إلى الله. فقال: صفه لنا، أم من ذهب هو، أم من فضة، أم من زبرجد، أم من خشب؟ فنزلت هذه السورة.\nوقال قتادة (٧)، (ومقاتل (٨» (٩): إن اليهود قالوا للنبي -ﷺ-: انسب لنا ربك، فقد أنزل الله نعته في التوراة، فأخبرنا عنه يا محمد وصفه لنا؟ فأنزل الله ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ إلى آخر السورة.\nفقال أبو إسحاق: \"هو\" كناية عن ذكر الله. المعنى: الذي سألتم تبيين نسبته (١٠) ﴿هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ قال: ويجوز أن يكون \"هو\" للأمر، كما تقول:\n_________\n(١) في (أ): (بحوران).\n(٢) \"الكشف والبيان\" ج ١٣/ ١٨٨ أ، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٥٤٤.\n(٣) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٤) \"الكشف والبيان\" ج ١٣/ ١٨٨ أ، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٥٤٤، و\"زاد المسير\" ٨/ ٣٢٩ من غير ذكر طريق أبي صالح، وكذا في: \"لباب التأويل\" ٤/ ٤٢٦.\n(٥) عامر بن الطفيل: قال ابن الأثير لم يختلف أهل النقل من المتقدمين أن عامر بن الطفيل مات كافرًا. انظر: \"أسد الغابة\" ٣/ ١٢٧.\n(٦) في (أ): (أربد).\n(٧) \"تفسير مقاتل\" ٢٥٧ أ.\n(٨) ساقط من (أ).\n(٩) \"جامع البيان\" ٣٠/ ٣٤٣، و\"النكت والعيون\" ٦/ ٣٦٩، و\"الكشف والبيان\" ج ١٣/ ١٨٨ أ، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٥٤٤، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٦٧١ وعزاه إلى ابن المنذر.\n(١٠) في (أ): (تشبيه).","vol":"24","page":427},{"text":"هو زيد قائم، أي الأمر زيد قائم (١). والمعنى: لأمر الله أحد (٢).\nقال أبو علي الفارسي: من ذهب إلى أن \"هو\" كناية عن اسم \"الله\"، كان قوله \"الله\" مرتفعًا بأنه خبر مبتدأ، ويجوز في قولك: \"أحدُ\" ما يجوز في قولك زيدٌ أخوك قائم. ومن ذهب إلى أنه كناية عن القصة، والحديث؛ كان اسم الله عنده مرفوعًا بالابتداء \"واحد\" خبره، ومثل هذا قوله: ﴿فَإِذَا هِيَ (٣) شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنبياء: ٩٧]؛ إلا أن \"هي\" جاءت على التأنيث؛ لأن في التفسير اسمًا مؤنثًا، وعلى هذا جاء: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ﴾ [الحج: ٤٦]، فإذا لم يكن في التفسير مؤنث لم يؤنث ضمير القصة لقوله: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا﴾ [طه: ٧٤] (٤).\nوقال أبو إسحاق: \"أحد\" مرفوع على معنى هو أحد، المعنى هو الله، وهو أحد (٥).\nوقال الكسائي: \"هو\" في قوله \"هو الله\" عماد (٦) مثل قوله: ﴿[إِنَّهُ] (٧) أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٨)﴾ (٩).\n_________\n(١) (زبد قائم) بياض في (ع).\n(٢) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣٧٧ بنصه.\n(٣) ما بين القوسين ساقط من النسختين، وأثبته لأنه موطن الشاهد في الآية، وهو مذكور أيضًا في \"الحجة\"، وهو مصدر القول.\n(٤) \"الحجة\" ٦/ ٤٥٨ بيسير من التصرف.\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣٧٧.\n(٦) يعني به: ضمير فصل. سبق بيانه.\n(٧) ساقط من النسختين وهو موضع الشاهد كما هو موضح في \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٩٩.\n(٨) سورة النحل: ٩.\n(٩) ورد قول الكسائي عند الفراء في \"معاني القرآن\" ٣/ ٢٩٩.","vol":"24","page":428},{"text":"وأنكر الفراء ذلك، وقال العماد: لا يكون مستأنفًا به (١) (٢).\nوأما \"أحد\"، فقد تقدم الكلام في أصله وبيانه في سورة البقرة (٣).\nقال أبو علي الفارسي: وهو اسم على ضربين أحدهما: أن يكون اسمًا نحو: أحد وعشرون، يريد به الواحد. والآخر أن يكون صفة، كبطلٍ، وحسن، وذلك نحو قول النابغة:\nبذي الجليلِ على مُسْتَأنس وَحَدِ (٤)\n_________\n(١) لا يكون مستانفًا به إلا إذا كان قبله إن أو بعض أخواتها أو كان أو الظن. \"معاني القرآن\" الفراء ٣/ ٢٩٩.\n(٢) \"معاني القرآن\" المرجع السابق.\n(٣) سورة البقرة: ١٦٣ قال تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾، ومما جاء في بيان أصله: قال: معنى الوحدة في اللغة هي الانفراد، يقال: وحد الشيء، وهو يحد حده، فهو واحد، وجمعه وحدان بالضم، والوَحْدان بالفتح بمعنى الواحِد؛ مثل قولهم: فَرْدان بمعنى الفرد، وحقيقة الواحد شيء لا يتبعض. ويقال أيضًا: وَحَد يوحُد وَحَادةً ووحَدً فهو وحيد. ويستعمل الواحد على الوجهين: أحدهما: على جهة الحكم والحقيقة، والثاني: على الوصف والمجاز .. فاما الواحد في صفة الله تعالى، فقال الأزهري له معنيان: أحدهما أنه واحد لا نظير له وليس كمثله شيء، والمعنى الثاني أنه إله واحد، ورب واحد ليس له في إلهيته وربوبيته شريك، لأن المشركين أشركوا معه آلهة فكذبهم الله تعالي فقال: \"وإلهكم إله واحد\".\n(٤) وصدره:\nكأن رحلي وقد زال النهار بنا\nوقد ورد في: \"ديوانه\" ص ٣١، ط. المؤسسة العربية برواية: (يوم) بدلًا من (بذي)، و\"تهذيب اللغة\" ٥/ ١٩ (وحد)، و\"لسان العرب\" ٣/ ٤٥٠ (وحد)، و\"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٨٩ أ، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٤٤، و\"الحجة\" ٦/ ٤٥٨، و\"تفسير أسماء الله الحسنى\" للزجاج: تح الدقاق ص ٥٨، و\"الأمالي\" لابن الشجري ٢/ ٢٧١، معناه: زال النهار: انتصف. الجليل: وادٍ قرب مكة، المستأنس: الذي ينظر بعينه؛ لأنه أحس إنسيًا. وحد: منفرد. \"ديوانه\" ٣١.","vol":"24","page":429},{"text":"وقد جمعوا \"أحدًا\" الذي هو صفة على أحْدان، وهو جمع لـ: \"أحد\" الذي يراد به الرفع من الموصوف والتعظيم له، وأنه منفرد عن الشبه والمثل (١). هذا كلامه.\nومعناه: أن \"أحدًا\" إن جعلته اسمًا لله تعالى فمعناه أنه شيء لا ينقسم في نفسه (٢)، وفيه إبطال مذهب المجسمة (٣)؛ لأن الجسم ليس بواحد إذ هو\n_________\n(١) \"الحجة\" ٦/ ٤٥٨ - ٤٥٩ باختصار.\n(٢) قوله: \"إنه لا ينقسم في نفسه\" هذا لفظ مجمل يحتمل حقًّا، وهو: نفي أنه تعالى يتفرق أو يتجزأ، أو أنه ركب من أجزاء، ويحتمل معنى باطلًا، وهو: نفي علوه على عرشه ومباينته لخلقه، أو نفي صفة الوجه واليدين ونحوها مما يليق بجلاله وعظمته. وقد اشتهر لدى المتكلمين، ومنهم الأشاعرة، ذكر هذا على المعنى الثاني، ولا شك أنه إطلاق باطل، لأن إثبات العلو والاستواء لا يستلزم الانقسام الذي نفاه هؤلاء، وقد بين شيخ الإسلام ابن تيمية ما في قول المتكلمين: \"واحد لا قسيم له\" من حق وباطل فقال:\nقولهم هو واحد لا قسيم له في ذاته، أو لا جزء له أو لا بعض له، لفظ مجمل، فإن الله سبحانه وتعالي أحد صمد لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد، فيمتنع أن يتفرف أو يتجزأ، أو يكون قد ركب من أجزاء، لكنهم يدرجون في هذا اللفظ نفي علوه على عرشه ومباينته لخلقه وامتياز عنهم، ونحو ذلك من المعاني المستلزمة لنفيه وتعطيله، ويجعلون ذلك من التوحيد. \"التدمرية: لابن تيمية\" تح: محمد السعوي ص ١٨٤ - ١٨٥.\n(٣) لفظ المجسمة لفظ مجمل اختلف المتكلمون في تحديده وتحريفه، واضطربوا فمثلًا يرى من ينفي الأسماء والصفات كالجهمية: أن من يثبت الأسماء لله كالمعتزلة مجسمة، ويرى المعتزلة نفات الصفات - أن الأشاعرة الذين يثبتون لله سبع صفات مجسمة، ويرى الأشاعرة أن أهل السنة إذا اثبتوا لله الوجه، واليدين والنزول والاستواء ونحوها مجسمة. وهذا. وقد يطلق هذا على من يشبه لله بخلقه وبجسمه =","vol":"24","page":430},{"text":"أجزاء كثيرة، وقد دل الله بهذا القول علي أنه واحد، فصح أنه ليس بجسم. وإن جعلته صفة فمعناه: الرفع من شأنه والتعظيم بأنه لا نظير له ولا شريك.\nفهو أحد في صفته؛ إذ لم يوصف غيره بما وصف به من الصفات العلية.\nوقال الأزهري: لا يوصف شيء بالأحدية غير الله -تعالى- لا يقال: رجلٌ أحدٌ، و(لا) (١) درهم أحدٌ. كما يقال: رجل وَحَدٌ، أي فرد، لأن أحدًا: صفة من صفات الله -جل ثناؤه- التي استأثر بها فلا يشركه فيها شيء، وليس كقولك: الله واحد، وهذا شيء واحد. لأنه لا يقال: شيء أحد، فأحد لا يوصف به غير الله لخلوص هذا الاسم الشريف لله جل ثناؤه (٢).\nوقول المفسرين في تفسير \"أحد\" يدل على أنه وصف لا اسم، فإن ابن عباس قال: يريد الواحد الذي ليس كمثله شيء (٣).\n_________\n= ويصفه بصفات البشر -كما فعلت المشبهة ونحوهم-، وهو في هذه الحالة الأخيرة إطلاق صحيح. (انظر: \"شرح القصيدة النونية\" لابن القيم: شرح د. محمد الهراس ١/ ٨٢، و\"موقف ابن تيمية من الأشاعرة\" د. عبد الرحمن المحمود ٣/ ١٠٩٩، و\"التدمرية\" تح السعوي: ١٨٤ - ١٨٥)، والإمام الواحدي ﵀ بما عرف من أشعريته قد يكون قصد بمذهب المجسمة. من يثبت لله الوجه واليدين والعلو والاستواء، ويقولون هذه خصائص الأجسام، وكثيرًا ما يذكرون هذا في تفسير الأول، والواحد. ولا شك أن هذا الإطلاق خطأ؛ بل إثبات هذه الصفات هو الحق الذي عليه الأئمة، وهو الصواب. والله أعلم.\nانظر: \"موقف ابن تيمية من الأشاعرة\" ٣/ ٩٤٨، و\"شرح القصيدة النونية\" ١/ ٨٢.\n(١) ساقط من (أ).\n(٢) \"تهذيب اللغة\" ٥/ ٩٧ - ١٩٨ بتصرف.\n(٣) \"الوسيط\" ٤/ ٥٧١، وبمعناه في \"زاد المسير\" ٨/ ٣٣٠ وعبارته: الأحد هو الواحد.","vol":"24","page":431},{"text":"ومقاتل قال: \"أحد\" لا شريك له (١).\nواختلف القراء في قوله: \"أحد الله الصمد\"، فقراء العامة (٢): التنوين.\nوتحريكه بالكسرة في نحو: \"أحَدُنِ الله\" وهو القياس الذي لا إشكال فيه، وذلك أن التنوين من أحد ساكن، ولام المعرفة من \"الله\" ساكن، فلما التقى ساكنان، حرِّك الأول منهما بالكسر كما تقول: اذهبِ اذهبْ. فتحرك الساكن الأول بالكسر.\nوروي عن أبي عمرو: \"أحُد الله\" بغير تنوين (٣)، وذلك أن النون شابهت حروف اللين في أنها تزاد كما يزدن (٤)، وفي أنها قد أبدلت منها \"الألف\" في الأسماء المنصوبة، وفي الخفيفة نحو: \"والله فاعبدا\"، فلما شابهتها أجريت مجراها في أنها: حذفت ساكنه للالتقاء الساكنين، كما حذفت \"الألف\" و\"الواو\" و\"الياء\" كذلك، نحو: رمى القوم، ويغزو (٥) القوم، ويرمي القوم، ومن ثم حذفت ساكنة في الفعل نحو ﴿لم يك﴾\n_________\n(١) \"الوسيط\" ٤/ ٥٧١.\n(٢) وهم: ابن كثير، ونافع، وابن عامر، وعاصم، وحمزة، والكسائي، وقرأ أبو عمر: \"أحَدْ * الله\" بغير تنوين ثم يقف.\nانظر: \"كتاب السبعة في القراءات\" ص ٧٠١، و\"القراءات وعلل النحويين فيها\" ٢/ ٨٠٧، و\"الحجة\" ٦/ ٤٥٤.\n(٣) القراءة عن هارون عن أبي عمرو بضم الدال في \"أحد\" بغير تنوين قراءة شاذة رويت أيضًا عن نصر بن عاصم، وعمر بن الخطاب انظر \"مختصر الشواذ\" ص ١٨٢وإن كان المقصود قراءته بالوقف من غير تنوين فهي قراءة صحيحة - كما مر بنا.\n(٤) في (أ): (يزد).\n(٥) في كلا النسختين: (بغزوا).","vol":"24","page":432},{"text":"[الأنفال: ٥٣]، ﴿فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ﴾ [السجدة: ٢٣]، فحذف في \"أحد الله\" لالتقاء الساكنين كما حذفت هذه الحروف. وقد جاء ذلك في الشعر كثيرًا، أنشد أبو زيد (فقال) (١):\nحَيْدَةُ خالي، ولَقيطٌ، وعَليْ ... وحَاتِمُ الطَّائيُّ وَهَّابُ المئيْ (٢) (٣)\nوأنشد أيضًا (٤) (فقال) (٥):\nلَتَجدَنِّي بِالأميرِ بَرَّا بالقَنَاةِ مِدْعَسُا ... مِكَرُّا إذا غُطَيْفُ السُّلَميُّ فَرَّا (٦)\nوقد ذكرنا هذا مستقصى (٧) عند قوله: ﴿عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠].\nوروي عن أبي عمرو أيضًا: \"أحد الله الصمد\"، وقال: أدركت القراء كذلك يقرؤونها \"أَحَدْ\" وصلًا على السكون.\n_________\n(١) ساقط من (أ).\n(٢) في (أ): (المأوى)، وفي (ع): (الماى).\n(٣) البيت لامرأة من بني عقيل تفخر بأخوالها من اليمن، وقد ورد البيت في كتاب \"النوادر في اللغة\" لأبي زيد ص ٣٢١: باب رجز.\n\"لسان العرب\" ١٥/ ٢٧ (مأى)، ونسبه للعامرية، و\"الأمالي الشجرية\" ١/ ٣٨٣، و\"المنصف\" ٢/ ٦٨.\n(٤) الرجز لقائل مجهول - انظر حاشية \"الحجة\" ٦/ ٤٥٧.\n(٥) ساقط من (أ).\n(٦) ورد البيت في: \"النوادر\" ص ٣٢١ باب رجز، و\"الحجة\" ٤/ ١٨٥، و\"لسان العرب\" ٧/ ٣٦ (دعص)، أنشد الأول منه والثاني برواية: (بالقناة) مِدْعَصا - دعصه بالرمح طعنه به، ورجل مدعَصُ بالرمح طعان، و\"لسان العرب\" ٦/ ٨٤ (دعس)، و\"الأمالي الشجرية\" ١/ ٣٨٢ - ٣٨٣، و\"الإنصاف\" ٢/ ٦٦٥، و\"معاني القرآن\" ١/ ٤٣١، و\"شرح أبيات معاني القرآن\" ص ١٤٠: ش ٣٠٢ - ٣٠٣ - ٣٠٤، و\"جامع البيان\" ٣٠/ ٣٤٤ - حاشية ١ - موضع الشاهد: غطيف أراد غطيف بالتنوين إلا أنه حذف لالتقاء الساكنين كما حذفت نون التوكيد لالتقاء الساكنين.\n(٧) في (ع): (مستقصى).","vol":"24","page":433},{"text":"قال أبو علي: قد تجرىِ الفواصل في الإدراج مجراها في الوقف،\nعلى هذا قال من قال: ﴿فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا (٦٧) رَبَّنَا﴾ [الأحزاب:٦٧ - ٦٨]، ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ (١٠) نَارٌ﴾ [القارعة: ١٠ - ١١].\nوأنشد (١):\nأصبَحْتُ لا أحمِل (٢) السِّلاحَ ... ولا أملك (٣) راسَ البعيرِ إن نَفَرا\nوالذئب أخشاه إن مررتُ به (٤) ... ............................\nقال: وهذا مبني على وصل البيت الأول بالثاني، ألا ترى أنه نصب الذئب كما قال -سبحانه-: ﴿وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ﴾ [الإنسان: ٣١] بعد قوله: ﴿يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ﴾ [الإنسان: ٣١]، وكذلك الفواصل إذا أدرجت ووصلت بما بعدها.\nومما يؤكد ذلك قطعهم لهمزة الوصل في أنصاف البيوت كقوله (٥):\nولا يُبادِرُ في الشِّتاءِ وَليدُنا ... ألقِدْرُ يُنْزِلُهَا بغير جِعالِ (٦)\nفهذا لأن النصف الثاني من الأول كالبيت الثاني من الأول، فكذلك\n_________\n(١) البيت للربيع بن ضب الفزاري.\n(٢) في (ع): (ولا أملك)؛ بدلًا من (ولا أحمل).\n(٣) في (ع): (ولا أحمل)؛ بدلًا من (ولا أملك).\n(٤) وعجزه:\nوَجْدي وأخش الرياح والمطرا\nوقد ورد في: \"كتاب سيبويه\" ١/ ٨٩ - ٩٠، و\"شرح أبيات سيبويه\" ٧١: ش ١٦٣، و\"المحتسب\" ٢/ ٩٩، و\"النوادر\" ٤٤٦.\n(٥) البيت للبيد، وليس في ديوانه نقلًا عن - حاشية ١، و\"الحجة\" ٦/ ٤٦١.\n(٦) ورد البيت في: \"كتاب سيبوية\" ٤/ ١٠٥، و\"شرح أبيات سيبوية\" ١٨٦ ش ٧٠٩، و\"لسان العرب\" ١١/ ١١٢ (جعل) برواية: \"ولا تبادر في الشتاء وليدتي\"، ونسبه إلى ابن بري، ومعنى جعال. ما تنزل به القدر من خرقة وغيرها. اللسان.","vol":"24","page":434},{"text":"\"أحد الله\" لما كان أكثر القراء فيما حكاه أبو عمرو على الوقف، أجراه في الوصل مجراه في الوقف لاستمرار الوقف عليه، وكثرته على ألسنتهم) (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5191>٢ </span>- قوله: ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ اختلف قول المفسرين في معنى \"الصمد\"، وتفسيره، فقال ابن عباس (٢) (في رواية عطاء) (٣): لما نزل: ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ قالوا: وما الصمد؟! فقال رسول الله: \"السيد الذي يصمد إليه (في) (٤) الحوائج\". وهو قول أبي عبد الرحمن السلمي (٥)؛ قال: الصمد الذي يصمد إليه في الأمر (٦).\nوقال السدي: هو المصمود إليه في الرغائب (٧).\n(روى) (٨) عمرو، عن أبيه (٩): الصامد المقاصد لحاجته.\n_________\n(١) ما بين القوسين نقله عن \"الحجة\" ٦/ ٤٥٤ - ٤٦٢ بتصرف.\n(٢) ورد معنى قوله في: \"بحر العلوم\" ٣/ ٥٢٥، و\"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٨٩ ب، و\"النكت والعيون\" ٦/ ٣٧١، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٢٤٥ من طريق الضحاك \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٦٠٩، وطريق نافع ابن الأزرق عن ابن عباس قال عنها الهيثمي: رواه الطبراني، وفي إسناده جويبر، وهو متروك: \"مجمع الزوائد\" ٧/ ١٤٥ سورة قل هو الله أحد، كما ورد من غير ذكر طريق عطاء في: \"زاد المسير\" ٨/ ٣٣٠، و\"التفسير الكبير\" ٣١/ ١٨١.\n(٣) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٤) ساقط من (أ).\n(٥) في (أ): (اللمى).\n(٦) ورد قوله في \"تهذيب اللغة\" ١٢/ ١٥٠ (صمد).\n(٧) \"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٩٠ أ، و\"النكت والعيون\" ٦/ ٣٧٢، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٥٤٥، و\"التفسير الكبير\" ٣٢/ ١٨١، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٢٤٥، و\"مجموع الفتاوى\" ١٧/ ٢١٦، و\"تفسير سورة الإخلاص لابن تيمية\" ص ٤٠.\n(٨) ساقط من (أ).\n(٩) في (أ): (الله).","vol":"24","page":435},{"text":"ويقال للمقصود: المرغوب إليه (المعروف بالإغاثة) (١) السيد الصمد (٢).\n(وقال) (٣) الليث: صمدت صمد هذا الأمر أي قصدت قصده، وقال صمدته (٤). أيضًا. قال طرفة:\nإن يَلْتَقِ الحيُّ الجميعُ تُلاقِني ... إلى ذِروة البيتِ الرفيع المصمَّدِ (٥)\nوروى الأعمش عن أبي وائل أنه قال: الصمد السيد الذي قد انتهى سؤدده (٦).\n_________\n(١) ما بين القوسين ساقط من (١).\n(٢) لم أعثر على مصدر هذا القول.\n(٣) ساقط من (أ).\n(٤) \"تهذيب اللغة\" ١٢/ ١٥١، وانظر: \"لسان العرب\" ٣/ ٢٥٨ (صمد).\n(٥) ورد البيت في: \"ديوانه\" ٣٠، ط. المؤسسة العربية، و\"معجم مقاييس اللغة\" ٣/ ٣١٠ (صمد)، و\"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٨٩ ب برواية (وإن)، و\"مجموع الفتاوى\" ١٧/ ٢١٧، و\"دقائق التفسير\" ٦/ ٣٥٧، و\"تفسير أسماء الله الحسنى\" للزجاج ص ٥٩، و\"الأمالي\" لأبي علي القالي: ٢/ ٢٨٨.\nمعنى البيت: الصمد: القصد، يقول: وإن اجتمع الحي للافتخار. تلاقني أنتمي وأعتزي. إلى ذروة البيت الشريف: إلى أعلى الشرف. يريد أنه أوفاهم حظًا من الحب أعلاهم سهمًا من النسب.\n(٦) ذكره البخاري في: \"الجامع الصحيح\" من قول أبي وائل تعليقًا ٣/ ٣٣٤: التفسير: باب ٢ وقال الحافظ ابن حجر في الفتح وصله الفريابي من طريق الأعمش عنه وجاء أيضًا من طريق عاصم عن أبي وائل يذكر ابن مسعود فيه. \"فتح الباري\" ٨/ ٧٤٠.\nوقال د. عبد العلي: أخرجه ابن أبي عاصم في \"السنة\" ١/ ٢٩٩ ح ٦٦٦، وقال الألباني: إسناده حسن وأخرجه أيضًا من قول أبي وائل من رواية ابن نمير عن وكيع، وابن إدريس عن الأعمش عنه ورجال إسناده في الصحيحين: ١/ ٣ ح ٦٢٧ =","vol":"24","page":436},{"text":"قال الأزهري: أما الله فلا نهاية لسؤدده، لأنه سؤدد غير محدود (١).\nوهذا معنى قول ابن عباس (في رواية الوالبي) (٢) قال: هو السيد الذي قد كمل في جميع أنواع الشرف والسؤدد (٣).\nواختاره أبو إسحاق، وأحسن في (العبارة عن) (٤) تفسيره فقال: تفسير الصمد (السيد) (٥) الذي ينتهى إليه السؤدد (٦).\n_________\n= وأخرجه الطبري، والبيهقي في \"الأسماء والصفات\" من وجه آخر عن الأعمش عنه (١/ ١٠٩) ورجالهما أيضًا ثقات.\n\"تفسير سورة الأخلاص\" تح د. عبد العلي ص ٣٩ و٥٢.\nكما ورد أيضًا في \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٤٠٧، و\"جامع البيان\" ٣٠/ ٣٤٦، و\"بحر العلوم\" ٣/ ٥٢٥، و\"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٨٩ ب، و\"النكت والعيون\" ٦/ ٣٧١، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٢٤٥، و\"لباب التأويل\" ٤/ ٤٢٧ وعزاه إلى البخاري في أفراده، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٦١٠، و\"الأسماء والصفات\" ١/ ١٠٩، و\"مجموع الفتاوى\" ١٧/ ٢١٦ و٢١٩ و٢٢٥، و\"دقائق التفسير\" ٦/ ٣٥٩.\n(١) \"تهذيب اللغة\" ١٢/ ١٥٠: (صمد).\n(٢) ساقط من (أ).\n(٣) \"جامع البيان\" ٣٠/ ٣٤٦ مطولًا، و\"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٨٥ ب من طريق ابن أبي طلحة، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٥٤٤ من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس، و\"زاد المسير\" ٨/ ٣٣٠ عن ابن أبي طلحة عنه، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٢٤٥، و\"لباب التأويل\" ٤/ ٤٢٧، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٦٠٩ برواية ابن أبي طلحة عنه، وكذلك \"الدر المنثور\" ٨/ ٢٦٣ وعزاه إلى ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ في العظمة، و\"الأسماء والصفات\" ١/ ١٠٨، و\"دقائق التفسير\" ٦/ ٣٥٩، و\"مجموع الفتاوى\" ١٧/ ٢٢٠، و\"تفسير سورة الإخلاص\" ص٣٩ و٤٦ وقال محققه: إن إسناده من طريق أبي صالح به لا بأس به: هامش ٥١ ص ٤٦.\n(٤) ساقط من (أ).\n(٥) ساقط من (أ).\n(٦) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣٧٧ بنصه.","vol":"24","page":437},{"text":"ومعنى هذا أن السؤدد انتهى إلى الله، فلا سيد فوقه، كما أن العلم انتهى إليه، ففوق كل ذي علم عليم حتى ينتهي العلم إليه، فلا عالم فوقه، (وهذا معنى ما روي عن عكرمة أنه قال) (١): الصمد الذي ليس فوقه أحد (٢).\nوذكر (٣) القول الأول فقال: وقيل إن الصمد الذي صمد إليه كل شيء أي الذي خلق الأشياء كلها لا يستغني عنه شيء، يريد أن المخلوق لا غنى له عن الخالق، فكل شيء يصمد (٤) بافتقاره إليه، ويدل على وحدانيته (٥).\nوقال الحسن: الصمد الدائم (٦).\nوقال مجاهد: الصمد الذي لا جوف له (٧).\n_________\n(١) ما بين القوسين ورد بدلًا منه في (أ) عبارة: قال عكرمة.\n(٢) \"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٨٩ ب، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٥٤٥، و\"تفسير سورة الإخلاص\" ٣٩.\n(٣) أي الزجاج.\n(٤) في (أ): (مصمد).\n(٥) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣٧٨ بتصرف.\n(٦) \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٤٠٧، و\"بحر العلوم\" ٣/ ٥٢٥، و\"النكت والعيون\" ٦/ ٣٧١، و\"زاد المسير\" ٨/ ٣٣١ من غير عزو، و\"مجموع الفتاوى\" ١٧/ ٢١٩، وورد بمعناه في \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٥٧٠، و\"تفسير الحسن البصري\" ٢/ ٤٤٥، قال عنه الألباني في \"كتاب السنة\" ١/ ٣٠٢: ح ٦٨١ إسناده ضعيف مقطوع.\n(٧) \"تفسير الإمام المجاهد\" ٧٦٠، و\"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٤٠٧، و\"تفسير غريب القرآن\" لابن قتيبة ص ٥٤٢، و\"جامع البيان\" ٣٠/ ٣٤٤ وعزاه أيضًا إلى الحسن وعامر، و\"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٨٩ أ، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٥٤٤، و\"زاد المسير\" ٨/ ٣٣١، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٦١٠ وعزاه أيضًا إلى ابن مسعود وابن عباسٌ وسعيد بن المسيب، وعبد الله بن بريدة، وعكرمة، وعطاء والسدي، و\"فتح القدير\" =","vol":"24","page":438},{"text":"وهو قول (عطية (١)، والضحاك (٢)، وميسره (٣)، وسعيد بن جبير (٤» (٥) قالوا: هو المصمت (٦) الذي لا جوف له.\nوقال الشعبي: الذي لا يأكل ولا يشرب (٧).\n(وقال عكرمة الذي لا يخرج منه شيء (٨).\n_________\n= ٥/ ٥١٦، و\"مجموع الفتاوى\" ١٧/ ٢١٥، ٢٢٤، و\"دقائق التفسير\" ٦/ ٣٥٩، و\"تفسير سورة الإخلاص\" ص ٥٠ - ٥١ وقال محققه: سنده صحيح، وعند الألباني في تخريج السنة: إسناده صحيح مقطوع: ١/ ٣٠٠: ح ٦٧٣.\n(١) \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٦١٠، و\"فتح القدير\" ٥/ ٥١٦.\n(٢) \"جامع البيان\" ٣٠/ ٣٤٥، و\"النكت والعيون\" ٦/ ٣٧١، و\"زاد المسير\" ٨/ ٣٣١، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٦١٠، و\"مجموع الفتاوى\" ١٧/ ٢١٥.\n(٣) \"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٧٩ ب، و\"تهذيب اللغة\" ١٢/ ١٥٠ (صمد)، و\"مجموع الفتاوى\" ١٥/ ٢١٥، قال الألباني في \"ظلال الجنة\" ١/ ٣٠٠: ح ٦٨٨، ٦٨٩: إسناده ضعيف مقطوع.\n(٤) \"جامع البيان\" ٣/ ٣٤٥، و\"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٨٩ أ، و\"النكت والعيون\" ٦/ ٣٧١، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٥٤٤، و\"زاد المسير\" ٨/ ٣٣١، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٦١٠، و\"مجموع الفتاوى\" ١٧/ ٢٢٤، قال الألباني في \"ظلال الجنة\" ٢/ ٣٠١: ح ٦٨٥ - ٦٨٦: إسناده مقطوع فيه ضعف.\n(٥) ما بين القوسين ذكرت في (أ) عبارة: (وجماعة)؛ بدلًا من (تعدادهم).\n(٦) في (أ): (المتصمت).\n(٧) \"جامع البيان\" ٣٠/ ٣٤٥، و\"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٨٩ أ، و\"النكت والعيون\" ٦/ ٣٧١، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٥٤٤، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٥٣٦، و\"البحر المحيط\" ٨/ ٥٢٨، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٦١٠، و\"فتح القدير\" ٥/ ٥١٦، و\"مجموع الفتاوى\" ١٧/ ١٥، ٢٢١، ٢٢٤ دقائق التفسير: ٦/ ٣٥٩، وقال الألباني في ظلال الجنة: ١/ ٣٠٢: ح ٦٨٢: إسناده صحيح مقطوع.\n(٨) \"جامع البيان\" ٣٠/ ٣٤٥، و\"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٩٠ أ، و\"مجموع الفتاوى\" =","vol":"24","page":439},{"text":"هذا قول هؤلاء) (١). وتحقيق ذلك أن الله تعالى لا يحتاج إلى الطعام والشراب، ولا جوف له، ولا عضو، ولا رأس ولا رجل (٢) فلا معنى لتخصيص نفي الجوف دون غيره في صفة الله تعالى.\nوأما في تفسير الصمد فقد يكون في العربية الصمد الشيء المصمت الذي لا جوف له، المسدود الجوف، ومنه يقال لسداد القارورة الصماد وقد صمدتها أصمدها وشيء مصمد صلب، وليس فيه خور (٣) (وهذا صحيح في اللغة (٤» (٥)، ولكن الصمد بهذا المعنى لا يجوز في صفة الله -تعالى- لأن المصمت هو المتضاغط (٦) الأجزاء، وهذا تشبيه وكفر بالله (٧).\n_________\n=١٧/ ٢١٥، و\"دقائق التفسير\" ٦/ ٣٥٩، \"تفسير سورة الإخلاص\" ص ٤٧ قال محققه: إسناده صحيح -حاشية ٦ -، وعلق ابن تيمية عليه فقال: كلام صحيح؛ بمعنى أنه لا يفارقه شيء منه \"مجموع الفتاوى\" ١٧/ ٢٤٠ وقال الألباني عن رواية عكرمة: إسناده ضعيف مقطوع: \"ظلال الجنة في تخريج السنة\" ١/ ٢٩٩ ح ٦٦٧.\n(١) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٢) قد أثبت الله سبحانه لنفسه صفة الرجل، فنثبت لله تعالى ما أثبته لنفسه اتباعًا لمذهب السلف من غير تشبيه ولا تمثيل ولا تعطيل ولا تكييف إثباتًا يليق بذاته، فعن أنس قال: قال رسول الله -ﷺ-: \"يلقى في النار وتقول: هل من مزيد حتى يضع قدمه أو رجله عليها فتقول قط قط\" أخرجه البخاري في: \"الجامع الصحيح\" ٣/ ٢٩٦ ح ٤٨٤٨: كتاب التفسير: باب ٥٠ رقم ١.\n(٣) الخور: هو الصوت \"الصحاح\" ٢/ ٦٥١ (خور).\n(٤) انظر: \"تهذيب اللغة\" ١٢/ ١٥٠ - ١٥١ (صمد)، و\"الصحاح\" ٢/ ٤٩٩، و\"لسان العرب\" ٣/ ٢٥٨، و\"تاج العروس\" ٢/ ٤٠١.\n(٥) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٦) المتضاغط الضغط والضغطة: عصر شيء إلى شيء ضغطه يضغطه ضغطًا: زحمه إلى حائط ونحوه، والتضاغط التزاحم. \"لسان العرب\" ٧/ ٣٤٢ (ضغط).\n(٧) هذا الكلام من الإمام الواحدي يدل على أشعريته، ويتضح ذلك عند قوله: \"ولا =","vol":"24","page":440},{"text":"ومن أجاز أن يكون معنى \"الصمد\" في صفات الله هو: ضد الأجوف\n_________\n= رجل\"؛ لثبوت هذه الصفة لله تعالى.\nوعند قوله: \"فلا معنى لتخصيص الجوف دون غيره في صفة الله تعالى\"؛ لأن قوله: \"وغيره\" قد يدخل فيه ما هو صفة ثابتة لله تعالى.\nثم نفيه لصفة الصمد بالمعنى الثاني، وهو الذي لا جوف له، وضمنه أنواعًا من النفي مثل قوله: لا جوف، لا عضو، لا رأس .. إلخ.\nوهذه طريقة المتكلمين في النفي حيث يتقون عن الله تعالى من الصفات ما لا يتضمن كماله ضده، بخلاف منهج الكتاب والسنة، فإنه قائم على النفي المتضمن كمال ضده لله تعالى كنفي السِنَة والنوم الدال على كمال الحياة والقيومية.\nوكذا وصفه بالصمد على المعنى الثاني لأنه الذي لا جوف له فإنه راجع لصفة الكمال التي دل عليها المعنى الأول، وقد وضح شيخ الإسلام ذلك فقال: والاسم \"الصمد\" فيه للسلف أقوال متعددة قد يظن أنها مختلفة، وليست كذلك، بل كلها صواب، والمشهور منها قولان:\nأحدها: أن الصمد هو الذي لا جوف له.\nوالثاني: أنه السيد الذي يصمد إليه في الحوائج.\nوالأول قول أكثر السلف من الصحابة والتابعين وطائفة من أهل اللغة، والثاني: قول طائفة من السلف والخلف وجمهور اللغويين.\nثم قال: قلت: الاشتقاق يشهد جميعًا قول من قال: إن \"الصمد\" الذي لا جوف له، وقول من قال إنه السيد، وهو على الأول أدل، فالأول أصل للثاني، ولفظ \"الصمد\" يقال على ما لا جوف له في اللغة .. وأصل هذه المادة الجمع والقوة -ثم قال- لم يقل الله صمد؛ بل قال: \"الله الصمد\"، فبين أنه المستحق لأن يكون هو الصمد دون ما سواه، فإنه المستوجب لغايته على الكمال، والمخلوق وإن كان صمدًا من بعض الوجوه، فإن حقيقة الصمدية منتفية عنه، فإنه يقبل التفرقة والتجزئة، وهو أيضًا محتاج إلى غيره، فإن كل ما سوى الله محتاج إليه من كل وجه، فليس أحد يصمد إليه كل شيء، ولا يصمد هو إلى شيء إلا الله ﵎، وليس في المخلوقات إلا ما يقبل أن يتجزأ ويتفرق وينقسم وينفصل بعضه من بعض، والله سبحانه هو الصمد الذي لا يجوز عليه شيء من ذلك؛ بل حقيقة =","vol":"24","page":441},{"text":"فقد جهل، (وقال ما لا يجوز (١)، وقد روى سعيد عن) (٢) قتادة قال كان إبليس ينظر إلى آدم ويقول: لأمر خلقت، ودخل في فيه، وخرج من دبره، فقال للملائكة: لا ترهبوا من هذا، فإن ربكم صمد، وهذا أجوف\" (٣).\n(قال ابن قتيبة: وهو على) (٤) هذا التفسير: \"الدال\" فيه مبدلة من \"تاء\"، والمصصت من صمد (٥)، وقد بينا فساد هذا القول، وأنه لا يجوز في\n_________\n= الصمدية وكمالها له وحده واجبة لازمة لا يمكن عدم صمديته بوجه من الوجوه، كما لا يمكن تثنية أحديته بوجه من الوجوه، فهو أحد لا يماثله شيء من الأشياء بوجه من الوجوه، ثم قال: ودل قوله: \"الأحد، الصمد\" على أنه لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد، فإن الصمد هو الذي لا جوف له ولا أحشاء، فلا يدخل منه شيء، فلا يأكل ولا يشرب سبحانه وتعالي .. والصمد المصمد الذي لا جوف له، فلا يخرج منه عين من الأعيان فلا يلد .. \"مجموع الفتاوى\" ١٧/ ٢٣٨ - ٢٤٠ مختصرًا وقال ابن كثير أيضًا بعد إيراده كثيرًا من هذه الأقوال في تفسير الصمد: وكل هذه صحيحة، وهي صفات ربنا ﷿ هو الذي يصمد إليه في الحوائج، وهو الذي قد انتهى سؤدده، وهو الصمد الذي لا جوف له، ولا يأكل ولا يشرب، وهو الباقي بعد خلقه .. وقال البيهقي نحو ذلك. \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٦١٠.\nوعليه فلا معنى لاستنكار الإمام الواحدي أو غيره هذه الصفة بعد إثبات معناها عن جمهرة ممن السلف وهي دالة على الكمال لله تعالى.\n(١) قد رد قول الإمام الواحدي وأبطل في الحاشية السابقة.\n(٢) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٣) ورد في \"بحر العلوم\" ٣/ ٥٢٥، و\"مجموع الفتاوى\" ١٧/ ٢٢٦، و\"دقائق التفسير\" ٦/ ٥٢ تفسير سورة الإخلاص، قال د. عبد العلي: جاء في حديث طويل أخرجه ابن جرير: ١/ ٢٠٣ والبيهقي في \"الأسماء والصفات\" ٤٥٧ عن ابن مسعود وابن عباس، وسنده ضعيف.\n(٤) ما بين القوسين غير مقروء في (ع).\n(٥) \"تفسير غريب القرآن\" ٥٤٢ بيسير من التصرف، وقد بين ابن تيمية مراد ابن قتيبة قال: لا إبدال في هذا، ولكن هذا من جهة الاشتقاق الأكبر .. ثم قال - فالأشتقاق الأصغر اتفاق القولين في الحروف وترتيبها؛ والأوسط اتفاقهما في الحروف لا في الترتيب =","vol":"24","page":442},{"text":"وصف الله (تعالى (١» (٢).\nوالقول في الصمد: أنه السيد الذي يصمد إليه الحوائج) (٣).\n(قال أبو عبيدة (٤)، والمبرد (٥): الصمد الذي انتهى إليه السؤدد، لأن الناس (تصمد إليه) (٦) في حوائجهم) (٧).\n(والعرب تقول لسيدها ولعظيمها: صمد، كما قال (٨):\nعَلَوْتُه بحسامي ثم قلت له خُذْها ... حُذَيفَ فَأَنتَ السَّيِّدُ الصَّمَدُ (٩)\n_________\n= والأكبر: اتفاقهما في أعيان بعض الحروف وفي الجنس لا في الباقي كاتفاقهما في كونهما من حروف الحلق إذا قيل حرز، وعزر، وازر، فإن الجميع فيه معنى القوة والشدة، وقد اشتركت مع الراء والزاي والحاء في أن الثلاثة حروف حلقية، وعلى هذا فإذا قيل الصمد: بمعنى المصمت وأنه مشتق منه بهذا الاعتبار، فهو صحيح، فإن الدال أخت التاء، فإن العمت السكوت وهو إمساك واطباق للفم عن الكلام. \"مجموع الفتاوى\" ١٧/ ٢٣٢.\n(١) ساقط من (أ).\n(٢) قد بينا صحة القول في معنى الصمد، على خلاف ما زعم الإمام الواحدي فليراجع في موضعه من هذه السورة.\n(٣) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٤) \"مجاز القرآن\" ٢/ ٣١٦، ولم يستشهد ببيت عمرو بن الأسلع وإنما ببيت الزبرقان، وفيه: ولا رهينة إلا سيد صمد.\n(٥) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٦) ما بين القوسين ساقط من (أ)، وغير مقروء، وأثبت ما رأيت به انتظام الكلام. والله أعلم.\n(٧) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٨) البيت لعمرو بن الأسلع العبسي -حاشية- \"الصحاح\".\n(٩) ورد البيت منسوبًا في \"الزاهر\" لابن الآنباري ١/ ١٨٠، و\"بصائر ذوي التمييز\" للفيروزابادي ٣/ ٤٤٠ وغير منسوب في: \"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٨٩ ب برواية =","vol":"24","page":443},{"text":"وأنشد أهل اللغة قول الأسدي (١):\nألا بكَّرَ النَّاعي بِخَيْري بني أسَدْ ... بعمرو بن مَسْعُود وبالسَّيِّدِ الصَّمَدْ (٢) \" (٣)\nوروي عن أبي بن كعب في تفسيره: الصمد أنه ما بعده وهو قوله: (الذي) (٤) ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣)﴾ لأنه ليس شيء يولد إلا سيموت، وليس شيء إلا سيورث، وأن الله لا يموت، ولا يورث (٥).\n_________\n= (بحسام)، و\"الصحاح\" ٢/ ٤٩٩ (صمد)، و\"لسان العرب\" ٣/ ٢٥٨، و\"تاج العروس\" ٢/ ٤٠١، و\"الأمالي\" لأبي علي القالي ٢/ ٢٨٨، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٢٤٥: برواية: (بحسام، و\"روح المعاني\" ٣٠/ ٢٧٣: برواية (حزيت)، و\"تفسير سورة الإخلاص\" ص ٤١.\n(١) الأسدي هو سبرة بن عمرو الفقعسي، وهو شاعر جاهلي. \"شرح ديوان الحماسة\" للتبريزي ١/ ٨٠.\n(٢) ورد البيت غير منسوب في: \"شعر بني أسد في الجاهلية\" د. أحمد الجاسم ص ٣٧، و\"جامع البيان\" ٣٠/ ٣٤٧، و\"مجاز القرآن\" ٢/ ٣١٦ برواية بخير، و\"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣٧٨، و\"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٨٩ ب، و\"النكت والعيون\" ٦/ ٣٧١، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٥٣٦ برواية (بخير)، و\"زاد المسير\" ٨/ ٣٣١، و\"التفسير الكبير\" ٣٢/ ١٨١، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٢٤٥، برواية (بخير)، و\"روح المعاني\" ٣٠/ ٢٧٣، و\"الأغاني\" ٢٢، ٩٢، ط. دار الكتب، و\"فتح القدير\" ٥/ ٥١٧، و\"تهذيب اللغة\" ١٢/ ١٥ (صمد)، و\"لسان العرب\" ٣/ ٢٥٨، و\"فتح الباري\" ٨/ ٧٤٠، و\"الأمالي\" لأبي علي القالي ٢/ ٢٨٨، و\"سمط اللآلي\" ص ٩٣٢، و\"تفسير سورة الإخلاص\" ص ٤١.\n(٣) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٤) ساقط من (أ).\n(٥) \"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٨٩/ ٢، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٥٤٤، و\"زاد المسير\" =","vol":"24","page":444},{"text":"(وقال عطاء عن) (١) ابن عباس: \"لم يلد\" كما ولدت مريم، ولم \"يولد\" كما ولد عيسى (٢).\nوقال مقاتل: إن مشركي العرب قالوا: الملائكة بنات الله، وقالت اليهود: عزير بن الله، وقالت النصارى: المسيح ابن الله، فأكذبهم الله، وابرأ نفسه مما قالوا فقال \"لم يلد ولم يولد\" (٣) يقول: لم يكن له ولد، ولم يولد له من أحد كما ولد عيسى، وعزير، ومريم.\n﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ قال أبو إسحاق: معناه لم يكن أحد مِثلًا له (٤).\n(وقال أبو عبيدة: يقال كفوًا وكَفِيء (٥) وكِفاءً كله واحد (٦).\nقال حسان:\nورُوحُ القُدْسِ ليسَ له كِفَاءُ (٧) (٨)\n_________\n= ٨/ ٣٣١ حاشية من النسخة الأزهرية، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٢٤٥، وانظر تخريجه عند قوله: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾.\n(١) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٢) \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٢٤٦ من غير ذكر طريق عطاء.\n(٣) \"بحر العلوم\" ٣/ ٥٢٥، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٥٤٥، و\"زاد المسير\" ٨/ ٣٣١، و\"لباب التأويل\" ٤/ ٤٢٧.\n(٤) \"تهذيب اللغة\" ١٠/ ٣٨٥: (كفأ)، ولم أجد قوله في معانيه وإنما كما ذكرت وجدته في التهذيب، ولعل الواحدي نقله عن الأزهري، والعبارة الواردة في المعاني قال ... ويقال فلان كفءٌ فلان مثل كفيّ فلان. ٥/ ٣٧٨.\n(٥) كفيئًا هكذا وردت في المجاز.\n(٦) \"مجاز القرآن\" ٢/ ٣١٦.\n(٧) في (أ): (كفاه).\n(٨) وشطره الأول: \"وجبريل آمين الله فينا\" وقد ورد البيت في: ديوانه: ٨، ط. دار =","vol":"24","page":445},{"text":"ومنه قول النابغة:\nلا تَقْذِفَنِّي بركْنٍ لا كِفاءَ لَهُ (١)\nوقال آخر:\nأما كانَ عَيَّادٌ كفيئًا لدارمٍ ... بلى ولأبيات بها الحُجُراتُ (٢)\nوالأصل في كُفُوءٌ: الضم (٣) ثم تخفف مثل: طُنُب وطُنْب، وعُنُقٍ وعُنْق.\n_________\n= صادر، ومعنى: ليس له كفاء أي ليس له نظير - \"شرح ديوانه\" ص ٥٩: دار الكتاب العربي.\n(١) الشطر الثاني منه:\nولو تأثفك الأعداءُ بالرِّخدِ\nورد البيت في: \"ديوانه\" ٣٦، ط. دار بيروت، و\"جامع البيان\" ٣٠/ ٣٤٨، وهذا البيت للنابغة لم يورده أبو علي في \"الحجة\" ٦/ ٤٦٣ - ٤٦٥.\nومعنى البيت: الكفاء: النظير والمثل. تأثفك الأعداء: صاروا حولك كالأثافي. الرفد: العصب من الناس، يريد: لا ترمني بما لا أطيق، ولا يقوم له أحد، ولا يكافئك فيه أعداؤك، ولو أحاطوا بك متعاونين. \"ديوانه\" ص ٣٦.\n(٢) البيت لرجل من الحبطات، وهم بنو الحارث بن عمرو بن تميم وكان قد خطب امرأة من بني دارم بن مالك بن زيد مناة ابن تميم فقال الفرزدق: بنو دارم أكفاؤهم آل مِسْمِع وتُنْلَح في أكفائها الحبطات\nفأجابه رجل من الحبطات فقال: أما كان .. البيت المذكور.\nانظر: \"الكامل\" ١/ ٦٤، ٢/ ٦٨، و\"جامع البيان\" ٢٦/ ٢٢١.\n(٣) قرأ ابن كثير وابن عامر والكسائي، وأبو عمرو في رواية اليزيدي وعبد الوارث (كُفُؤاْ) بضم الفاء مهموزة وروى عباس بن الفضل، والقطعي عن محبوب (كُفْؤًا) مهموزًا خفيفًا وقرأ حمزة (كُفْؤًا) مهموزة خفيفة.\nواختلف عن نافع، ففي رواية (كُفُؤا) مثقلًا مهموزًا، وبرواية أخرى (كُفْؤًا) خفيفًا مهموزًا، ورواية (كُفُوًا) مثقلًا غير مهموز.\nوقرأ عاصم في رواية أبي بكر (كُفؤا) مثقلًا مهموزًا، وروي حفص عن عاصم (كُفُوًا) مثقلًا غير مهموز. =","vol":"24","page":446},{"text":"وقال أبو علي: قوله: \"ولم يكن له كفوا أحد\" له متعلق بكان، وكفؤًا منتصب بأنه خبر تقدم، كما أن قوله: \"وكان حقًا علينا نصر المؤمنين\" كذلك) (١)\n_________\n= قال أبو منصور: هذه لغات وأجودها: كُفُؤا، ثم كُفْؤًا، وأما كُفُؤًا بترك الهمزة وضم الفاء فيس بكثير.\nانظر: \"كتاب السبعة في القراءات\" ص ٧٠٢، و\"القراءات وعلل النحويين فيها\" ٢/ ٨٠٨، و\"حجة القراءات\" ص ٧٧٧.\n(١) ما بين القوسين نقله عن \"الحجة\" ٦/ ٤٦٣ - ٤٦٥.","vol":"24","page":447},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5192>سورة الفلق</span>","vol":"24","page":449},{"text":"تفسير سورة الفلق <span data-type=\"title\" id=toc-5193>(١)</span>\nبسم الله الرحمن الرحيم\n١ - ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ قال الكلبي (٢)، ومقاتل (٣): إن لبيد بن أعصم اليهودي سحر النبي -ﷺ- في إحدى عشر عقدة في وتر، ودسه في بئر يقال لها ذَرْوَان (٤)، فمرض رسول الله -ﷺ-، (واشتد) (٥) عليه (٦) ذلك ثلاث ليال، فنزلت المعوذتان لذلك، وأخبره جبريل بمكان السحر، فأرسل إليها عليًّا\n_________\n(١) تسمى سورتا الفلق والناس المعوذتان، والمشتققتان أي المبرئتان من النفاق. الإتقان: ١/ ١٥٩، و\"النكت والعيون\" ٦/ ٣٧٣.\nوفيها قولان: أحدهما: أنها مدنية، رواه أبو صالح عن ابن عباس، وقتادة. والثاني: أنها مكية، رواه كريب عن ابن عباس، والحسن، وعطاء، وعكرمة، وجابر، قال ابن الجوزي: الأول أصح.\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٥٣٨، و\"زاد المسير\" ٨/ ٣٣٢.\n(٢) \"معالم التنزيل\" ٤/ ٥٤٦، و\"لباب النقول\": ص ٢٣٨ - ٢٣٩ من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس.\n(٣) \"تفسير مقاتل\" ٢٥٧ أ، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٤٦.\n(٤) بياض في (ع).\n(٥) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٦) في (أ): (على).","vol":"24","page":451},{"text":"﵁ فجابها، فقال جبريل للنبي -ﷺ- حل عقدة واقرأ آية، ففعل، وجعل كلما يقرأ آية انحلت عقدة، وذهب عنه ما كان يجده. وهذه القصة صحيحة (١)، .......\n_________\n(١) وردت في: \"صحيح البخاري\" من طريق هشام عن أبيه عن عائشة -﵂- قال: كان رسول الله -ﷺ- سُحِرَ حتى كان يرى أنه يأتي النساء ولا يأتيهن. قال سفيان: وهذا أشد ما يكون من السحر إذا كان كذا. فقال: يا عائشة أعلمت أن الله قد أفتاني فيما استفتيه فيه؟ أتاني رجلان فقعد أحدهما عند رأسي، والآخر عند رجلي، فقال الذي عند رأسي للآخر: ما بال الرجل؟ قال: مطبوب. قال: ومن طبَّه؟ قال لبيد بن أعصم رجل من بني زُريق حليف ليهود كان منافقًا. قال: وفيم؟. قال في مشط ومشاطة. قال: وأين؟ قال في جُف طلعةٍ ذكر تحت رعوفة في بئر ذَرْوان. قالت: فأتى النبي -ﷺ- البئر حتى استخرجه. فقال هذه البئر التي أريتها، وكأن ماءها نقاعة الحناء، وكان نخلها رؤوس الشياطين. قال: فاستخرج. قالت: فقلت أفلا -أي تنشرت- فقال: أما والله فقد شفاني، وأكره أن أثير على أحد من الناس شرًّا. \"صحيح البخاري\" ٤/ ٤٨ - ٤٩: ح ٥٧٦٣. ٥٧٦٥: باب ٤٧، ٤٩، ٥٠، ج ٢/ ٤٣٧: ح ٣٢٦٨: كتاب بدء الخلق: باب ١١.\nومسلم في \"صحيحه\": ٤/ ١٧١٩: ح ٤٣، ٤٤ مختصرًا: كتاب السلام: باب ١٧ ومن خلال ما ورد في الصحيحين يتبين أنه ليس فيه ما يدل على نزول المعوذتين على الرسول -ﷺ- عندما سحر.\nقال ابن حجر: وقد وقع في حديث ابن عباس فيما أخرجه البيهقي في: الدلائل: بسند ضعيف في آخر قصة السحر الذي سحر به النبي -ﷺ- أنهم وجدوا وترًا فيه إحدى عشرة عقدة، وأنزلت سورة الفلق، والناس وجعل كلما قرأ آية انحلت عقده. وأخرجه ابن سعد بسند آخر منقطع عن ابن عباس: أن عليا وعمارًا لما بعثهما النبي -ﷺ- لاستخراج السحر وجدا طلعة فيها إحدى عشرة عقدة فذكر نحوه. فتح البارى: ١٠/ ٢٢٥.\nوقد وردت قصة سحر النبي -ﷺ-، وأن ذلك كان سببًا في نزول المعوذتين في \"أسباب النزول\": تح: ايمن ص ٤١٠، و\"لبات النقول\": ٢٣٨ - ٢٣٩، و\"الكشف والبيان\" =","vol":"24","page":452},{"text":"والمعتزلة تنكرها (١)، ويقولون: لا يجوز أن يكون النبي -ﷺ- مسحورًا، لأن الكفار كانوا يعيرونه بذلك، فلو قلنا: إنه سحر، وجوزنا ذلك كنا قد جاوزنا ما عير به.\nوالجواب: أن هذه القصة قد ثبتت (قصتها) (٢)، وصحتها عند المفسرين، وأهل النقل، والعلم بالرواية، ودلت هذه السورة على ذلك، وهو قوله: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ يعني اللاتي ينفثن بالرقي والعزائم، فلولا أن لشرهن تأثيرًا وإلا لم يؤمر بالاستعاذة من شرهن.\nولا يجوز أن يكون النبي -ﷺمسحورًا على الوجه الذي عيره به الكفار (٣)، فإنهم كانوا يريدون أنه مخدوع مجنون سحر بتخيل عقله،\n_________\n= ١٣/ ١٩٢/ ١، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٥٤٦، و\"زاد المسير\" ٨/ ٣٣٢، و\"معاني القرآن\" للفراء ٣/ ٣٠١ قال ابن كثير تعليقًا على رواية الثعلبي: هكذا أورده بلا إسناد، وفيه غرابة وفي بعضه نكارة شديدة، ولبعضه شواهد. \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٦١٥ \"الدر المنثور\" ٨/ ٦٨٧ وعزاه إلى ابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن عائشة وابن عباس.\n(١) قال المازني: أنكر بعض المبتدعة هذا الحديث، وزعموا أنه يحط من منصب النبوة ويشكك فيها -ثم قال- وهذا كله مردود. \"فتح الباري\" ١٠/ ٢٢٦ وقال ابن القيم: وهذا الحديث -يعني الذي في الصحيح- ثابت عند أهل العلم بالحديث يتلقى بالقبول بينهم لا يختلفون في صحته، وقد اعتاص على كثير من أهل الكلام وغيرهم، وأنكروه أشد الإنكار، وقابلوه بالتكذيب. \"تفسير المعوذتين\" تحقيق مصطفى العدوي ٥٧ - ٥٨ وقد أنكره أيضًا الجصاص في \"أحكام القرآن\" ١/ ٤٩.\n(٢) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٣) نحو ما جاء في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ [سورة الفرقان: ٨]، وكقوله تعالى: ﴿قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾ [الشعراء: ١٥٣: ١٨٥].","vol":"24","page":453},{"text":"فلذلك خالفهم في الدعاء إلى توحيد الله، فأما أن يكون مسحورًا بوصف يجده في بدنه، فذلك ما لا ينكره أحد، ولم يكن الله ليسلط عليه شيطانًا أو جنيًّا أو انسيًّا فيما يؤدي إلى الضرورة في الدين، والنبوة، ولا الرسالة، وبيان الدعوة، فأما على الإضرار ببدنه فقد صح أن وجهه شج (١)، وأن رباعيته (٢) كسرت يوم أحد (٣)، ولم يقدح ذلك في نبوته كذلك السحر، والخيلة، والتوصل بالرقي الإضرار ببدنه لا ينكر (٤).\nواختلفوا في معنى \"الفلق\" فالأكثرون على أنه الصبح، وهو قول جابر (٥)، وسعيد بن جبير (٦)،\n_________\n(١) شج: أي حصل جرح في رأسه الشريف، والجراحة إذا كانت في الوجه أو الرأس تسمى شجة. \"حاشية صحيح مسلم\" ٣/ ١٤١٧.\n(٢) الرباعية: هي السن التي تلي الثنية من كل جانب وللإنسان أربع رباعيات. \"شرح صحيح مسلم\" ١٢/ ٣٩٠.\n(٣) أخرج مسلم في \"صحيحه\" ٣/ ١٤١٧: ح ١٠٤: كتاب الجهاد والسير: باب ٣٧ عن أنس أن الرسول -ﷺ- كسرت رباعيته يوم أحد، وشج في رأسه، فجعل يسلت الدم عنه ويقول: كيف يفلح قوم شجوا نبيهم، وكسروا رباعيته وهو يدعوهم إلى الله فأنول الله ﷿ ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾\n(٤) قال القاضي عياض عن بعض المحققين: وهذه الطوارئ والتغييرات المذكورة، إنما تختص بأجسامهم البشرية المقصود بها مقاومة البشر ومعاناة بني آدم لمشاكله الجنس وأما بواطنهم فمنزهة غالبًا من ذلك معصومة منه متعلقة بالملأ الأعلى والملائكة لأخذهم عنهم وتلقيها الوحي. \"الشفاء\" ٢/ ٨٦٣.\n(٥) \"جامع البيان\" ٣٠/ ٣٥٠، و\"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٩٢ ب، و\"النكت والعيون\" ٦/ ٣٧٤، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٥٤٧، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٢٥٤، و\"البحر المحيط\" ٨/ ٥٣٠، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٦١٣.\n(٦) المراجع السابقة عدا \"النكت\"، وانظر أيضًا: \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٥٣٨، و\"تفسير سعيد بن جبير\" ص ٣٨٣.","vol":"24","page":454},{"text":"(والحسن (١)، وعكرمة (٢)، ومجاهد (٣)، وقتادة (٤)، وابن عباس، وفي رواية عطاء (٥)، وعطية (٦» (٧).\n(وقال في رواية الوالبي يعني الخلق (٨). وهو قول الضحاك (٩)،\n_________\n(١) \"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٩٢/ ٢، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٢٤٧، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٥٣٨، و\"زاد المسير\" ٨/ ٣٣٣، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٢٥٤، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٦١٣، و\"تفسير الحسن البصري\" ٢/ ٤٤٥.\n(٢) \"المحرر الوجيز\" ٥/ ٥٣٨.\n(٣) \"جامع البيان\" ٣٠/ ٣٥٠، و\"تفسير الإمام مجاهد\" ٧٦١، و\"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٩٢ ب، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٥٤٧، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٥٣٨، و\"زاد المسير\" ٨/ ٣٣٣، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٢٥٤، و\"البحر المحيط\" ٨/ ٥٣٠، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٦١٣.\n(٤) \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٤٠٨، و\"جامع البيان\" ٣٠/ ٣٥٠، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٥٤٧، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٥٣٨، و\"زاد المسير\" ٨/ ٣٣٣.\n(٥) لم أعثر على مصدر لقوله من طريق عطاء.\n(٦) \"جامع البيان\" ٣٠/ ٣٥٠، و\"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٩٢ ب، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٥٤٧، وذكرت رواية ابن عباس من غير بيان طريقها في: \"البحر المحيط\" ٨/ ٥٣٠، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٦١٣، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٦٨٨ وهذا القول رجحه الطبري، وابن كثير، والبخاري في \"صحيحه\"، وعزاه الفخر إلى أكثر المفسرين ٣٢/ ١٩٠.\n(٧) ما بين القوسين ذكر بدلًا من ذكرهم عبارة (وجماعة) وذلك في (أ).\n(٨) \"جامع البيان\" ٣٠/ ٣٥١، و\"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٩٢ ب، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٥٤٧ حاشية، و\"لباب التأويل\" ٤/ ٤٢٩، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٦١٣، و\"الدرالمنثور\" ٨/ ٦٨٩ وعزاه إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم، \"صحيفة علي بن أبي طلحة\": ص ٥٤٤.\n(٩) \"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٩٢ ب، وانظر إضافة: \"النكت والعيون\" ٦/ ٣٧٤، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٥٤٧، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٦١٣.","vol":"24","page":455},{"text":"ومقاتل (١» (٢).\nوروى (مهاجر الشامي (٣» (٤) عن رجل (من) (٥) أصحاب النبي -ﷺ- قال: الفلق بيت في النار إذا فتح صاح أهل النار من شدة حره (٦)، وهو قول السدي قال: جب في جهنم (٧).\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ٢٥٧ ب.\n(٢) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٣) مُهاجر الشامي: هو مهاجر بن أبي مسلم، واسمه دينار الشامي الأنصاري. روى عن تُبيع الحميري بن امراة كعب الأحبار، وعنه ابناه محمد، وعمرو مقبول من الثالثة. كتاب الثقات: ٥/ ٤٢٧، و\"تهذيب الكمال\" ٢٨/ ٥٨٢: ت ٦٢١٧، و\"تقريب التهذيب\" ٢/ ٢٧٨، ت: ١٤١١.\n(٤) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٥) ساقط من (أ).\n(٦) وردت الرواية عن كعب الأحبار في: \"بحر العلوم\" ٣/ ٥٢٦، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٦١٣ وورد في: \"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٩٢ ب من طريق هشيم بن العوام عن عبد الجبار الحولاني عن رجل من أصحاب رسول الله -ﷺ-، وفي \"الجامع لأحكام القرآن\" عن أبي بن كعب: ٢٠/ ٢٥٤، وفي \"البحر المحيط\" ٨/ ٥٣٠ وعزاه إلى أحد الصحابة، وقد أورد ابن كثير الرواية وعزاه إلى ابن أبي حاتم وأسندها أيضًا إلى عمر بن عنبسة وابن عباس والسدي وزيد بن علي عن آبائه -ثم قال- وقد ورد في ذلك حديث مرفوع منكر إسناده غريب ولا يصح رفعه. وقال ابن تيمية: وأما من قال إنه واد في جهنم أو شجرة في جهنم أو إنه اسم من أسماء جهنم، فهذا أمر لا تعرف صحته لا بدلالة الاسم عليه، ولا بنقل عن النبي -ﷺ- ولا في تخصيص ربوبيته بذلك حكمه بخلاف ما إذا قال: رب الخلق أو رب كل ما انفلق أو رب النور الذي يظهر على العباد بالنهار، فإن تخصيص هذا بالذكر ما يظهر به عظمة الرب المستعاذ به. \"مجموع الفتاوى\" ١٧/ ٥٠٥.\n(٧) \"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٩٣ أ، و\"زاد المسير\" ٨/ ٣٣٣، و\"البحر المحيط\" ٨/ ٣٥٠ وعزاه إلى أحد التابعين، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٦١٣.","vol":"24","page":456},{"text":"وقال (أبو عبد الرحمن) (١) الحُبُلي (٢): الفلق: اسم من أسماء جهنم (٣). (هذا قول المفسرين) (٤).\nوقال أبو إسحاق: الفلق الصبح وبيانه، يقال: هو أبين من فلق الصبح (٥).\n-قال- وقيل الفلق: الخَلْق قال الله تعالى: ﴿فَالِقُ (الْإِصْبَاح) (٦)﴾ [الأنعام: ٩٥]، ﴿فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى﴾ [الأنعام: ٩٦] وكذلك فلق الأرض بالنبات، والسحاب بالقطر، وإذا تأملت الخلق تبين لك أن أكثره عن (٧) الانفلاق، فالفلق جميع المخلوقات، وفلق الصبح من ذلك (٨).\nوروى عمرو عن أبيه: الفلق جهنم، والفلق بيان الصبح (٩).\n_________\n(١) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٢) أبو عبد الرحمن الحبلي: هو عبد الله بن يزيد المعافري أبو عبد الرحمن الحُبُلي المصري -وعن ابن سعد الجبلي بالجيم- روى عن عبد الله بن عمر ثقة من الثالثة، مات سنة ١٠٠ بإفريقية \"الطبقات الكبرى\" ٧/ ٥١١، و\"تهذيب الكمال\" ١٦: ٣١٦/ ت ٣٦٦٣، \"تقريب بالتهذيب\" ١/ ٤٦٢: ت ٧٤٩.\n(٣) وقد ورد قوله في \"جامع البيان\" ٣٠/ ٣٥٠، و\"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٩٢ ب، و\"النكت والعيون\" ٦/ ٣٧٤، و\"زاد المسير\" ٨/ ٣٣٣، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٢٥٤، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٦١٣.\n(٤) ساقط من (أ).\n(٥) هذا من أمثلة العرب راجع في ذلك: \"جمهرة الأمثال\" ١/ ٢٠٥ رقم ٣٤٨، و\"مجمع الأمثال\"١/ ٢٠٨: رقم ٥٩٧.\n(٦) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٧) في (أ): (على).\n(٨) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣٧٩.\n(٩) \"تهذيب اللغة\" ٩/ ١٥٧ برواية ثعلب عن عمرو عن أبيه.","vol":"24","page":457},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5194>٢ </span>- وقوله: ﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ قال عطاء عن ابن عباس: يريد إبليس خاصة، لأن الله تعالى (لم) (١) يخلق خلقًا هو شر منه (٢).\nوقال الكلبي: يريد من شر كل ذي شر <span data-type=\"title\" id=toc-5195>(٣)</span>.\nوقال مقاتل: من شر ما خلق من الجن والإنس (٤).\n\n٣ - (قوله) (٥): ﴿وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾ قال ابن عباس: الغاسق: الليل (٦). يريد إذا أقبلت ظلمته من المشرق فدخل في النهار.\nوقال مقاتل: يعني ظلمة الليل إذا دخل سواده في ضوء النهار (٧)، وهو قول الحسن (٨)، .......\n_________\n(١) ساقط من (أ).\n(٢) \"التفسير الكبير\" ٣٢/ ٩٢، كما ورد مثله من غير عزو في: \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٢٥٦، و\"لباب التأويل\" ٤/ ٤٣٠، وورد بمثله عن الحسن، وثابت البناني. \"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٦١٣.\n(٣) \"بحر العلوم\" ٣/ ٥٢٦، وورد بمثله من غير عزو في: \"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٢٥٦، و\"لباب التأويل\" ٤/ ٤٣٠.\n(٤) لم أعثر على مصدر لقوله، وقد ورد بمثله من غير عزو في: \"لباب التأويل\" ٤/ ٤٣٠.\n(٥) ساقط من (أ).\n(٦) \"جامع البيان\" ٣٠/ ٣٥١، و\"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٩٣ أ، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٥٤٧، و\"زاد المسير\" ٨/ ٣٣٤، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٢٥٦، و\"البحر المحيط\" ٨/ ٥٣٠، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٦١٣، و\"الدر المنثور\" ٨/ ٨٨٦ وعزاه إلى الطستي.\n(٧) \"تفسير مقاتل\" ٢٥٧ ب، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٥٤٧، و\"تفسير المعوذتين\" لابن القيم ص ٤٥.\n(٨) \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٤٠٨، و\"جامع البيان\" ٣٠/ ٣٥١، و\"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٩٣ أ، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٥٤٧، و\"زاد المسير\" ٨/ ٣٣٤، و\"البحر المحيط\" ٨/ ٥٣٠، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٦١٣، و\"تفسير الحسن البصري\" ٢/ ٤٤٦.","vol":"24","page":458},{"text":"ومجاهد (١) (ومحمد بن كعب (٢» (٣) قالوا: يعني الليل إذا أقبل ودخل.\nقال الفراء: الغاسق: الليل \"إذا وقب\" إذا دخل في كل شيء، يقال غسق وأغسق إذا أظلم (٤)، نحو هذا قال أبو عبيدة (٥) وأنشد لابن الرقيات:\nإنَّ هَذا الليلَ قَدْ غَسَقَا ... واشْتَكَيْتُ الهَمَّ والأرَقَا (٦)\nوقال الزجاج: يعني به الليل إذا دخل، قال: وقيل: الليل غاسق، لأنه أبرد من النهار، والغاسق البارد (٧).\nوالغاسق (٨) على قول الفراء: المظلم، وعلى قول الزجاج معناه: (في اللغة) (٩) البارد (١٠).\n_________\n(١) \"تفسير الإمام مجاهد\" ص ٧٦١، \"الجامع الصحيح\" للبخاري: ٣٠/ ٣٣٤: كتاب التفسير: باب ١١٣ والمراجع السابقة عدا \"تفسير عبد الرزاق\".\n(٢) \"جامع البيان\" ٣٠/ ٣٥١، و\"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٩٣ أ، و\"زاد المسير\" ٨/ ٣٣٤، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٦١٣.\n(٣) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٤) \"معاني القرآن\" ٣/ ٣٠١ بيسير من التصرف.\n(٥) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٦) ورد البيت في: \"ديوانه\" ص ١٨٧، ط. دار بيروت، و\"لسان العرب\" ١٠/ ٢٨٨ (غسق)، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٥٣٨، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٢٥٦، و\"فتح القدير\" ٥/ ٥٢٠.\n(٧) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣٧٩ بيسير من التصرف.\n(٨) في (ع): (فالغاسق).\n(٩) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(١٠) ولا تنافي بين القولين، فإن الليل بارد مظلم، فمن ذكر برده فقط أو ظلمته فقط أقتصر على وصفيه، والظلمة في الآية أنسب لمكان الاستعاذة فإن الشر الذي =","vol":"24","page":459},{"text":"وذكرنا الكلام في الأصلين عند قوله: ﴿إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ (١) وقوله ﴿حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ﴾ [ص: ٥٧].\nوقال غيرهما (٢): الغاسق: السائل من قولهم: غسقت العين تغسق غسقا. إذا سألت بالغمص والماء.\nوسمي الليل غاسقًا، لانصباب ظلامه على الأرض.\nوإنما أمر أن يتعوذ من شر الليل، لأن الليل تخرج السباع من آجامها (٣) والهوام (٤) من مكامنها، وتبعث أهل الشر (٥) على العبث\n_________\n= يناسب الظلمة أولى بالاستعاذة من البرد الذي في الليل، ولهذا استعاذ برب الفلق الذي هو الصبح والنور من شر الغاسق الذي هو الظلمة، فناسب الوصف المستعاذ به المعنى المطلوب بالاستعاذة قاله ابن القيم \"تفسير المعوذتين\" ص ٤٥.\n(١) سورة الإسراء: ٧٨ قال تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ ومما جاء في تفسير الغسق الوارد في هذه الآية: غسق الليل سواده وظلمته، وقال آخرون: غسق الليل دخول أوله وأتيته حيث غسق الليل أي حين يختلط وتسد المناظر، وأصل هذا الحرف من السيلان يقال: غسقت العين يغسق وهو هملان العين بالغمص، والماء والغاسق السائل. ومن هذا قيل لما يسيل من أهل النار الغساق فمعنى غسق الليل أي انصبت بظلامه، وذلك أن الظلمة تنزل من فوق. وأما قول المفسرين، فقال ابن عباس غسق الليل: اجتماع الليل وظلمته، ولعطاء أوله حين يدخل، وعن ابن مسعود: إظلام الليل. وعن ابن عباس: دخول الليل بظلمته. \"البسيط\" باختصار.\n(٢) وهو أبو زيد كما في \"تهذيب اللغة\" ١٦/ ١٢٧ (غسق).\n(٣) آجامها: الأجمة الشجر الكثير الملتف، والجم أجمٌ، وأُجُم، أُجَمٌ، وآجام وإجام. \"لسان العرب\" ٨/ ١٢ (أجم).\n(٤) الهوام: جمع الهامَّة، ولا يقع هذا الاسم إلا على المخوف من الأحناش. \"الصحاح\" ٥/ ٢٠٦٢ (هوم).\n(٥) وتبعث أهل الشر غير واضح في (ع).","vol":"24","page":460},{"text":"والفساد، فينبت الضرر على الخلق إلا من أعاذه الله (١).\nوذكر المفسرون في تفسير هذه الآية (٢) ما روى أبو سلمة عن عائشة -﵂- أن رسول الله -ﷺ- (٣) أخذ بيدها (٤)، وأشار إلى القمر، وقال: \"استعيذي بالله من شر هذا، فإنه الغاسق إذا وقب\" (٥).\nقال ابن قتيبة: الغاسق: القمر سمي به، لأنه يكسف فيغسق أي يذهب ضوؤه ويسود -قال- ومعنى قوله -ﷺ- لعائشة: \"تعوذي بالله من شر هذا\" أي من مر شره \"إذا وقب\" إذا دخل في الكسوف (٦).\n_________\n(١) قال بذلك ابن عباس والضحاك وقتادة والسدي. \"النكت والعيون\" ٦/ ٣٧٥.\n(٢) (هذه الآية) بياض في (ع).\n(٣) (أن رسول الله -ﷺ-) بياض في (ع).\n(٤) بياض في (ع).\n(٥) أخرجه الإمام أحمد في \"المسند\" ٦/ ٦١، ٢٠٦، ٢٣٧ والترمذي في \"السنن\" ٥/ ٤٥٢: ح ٣٣٦٦: باب ٩٤: من طريق أبي سلمة عن عائشة، وقال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، والحاكم في \"المستدرك\" ٢/ ٥٤٧ وصححه، ووافقه الذهبي.\nوقال الحافظ ابن حجر: إسناده حسن. \"فتح الباري\" ٨/ ٧٤١، وابن الجزري في \"جامع الأصول\" ٢/ ٤٤٥: ح ٨٩٨، وقال الأرناؤوط: وإسناده قوي، وأبو عبيدة في \"غريب الحديث\" ١/ ٣١٣، والطبري في \"جامع البيان\" ٣٠/ ٣٥٢، والسيوطي في \"الدر\" ٨/ ٦٨٩ وعزاه إلى ابن المنذر، وأبي الشيخ في العظمة، وابن مردويه، وانظر: \"كنز العمال\" ٢/ ١٥: ح: ٢٩٥٥، قال الشوكاني: وهذا لاينافي قول الجمهور، لأن القمر آية الليل ولا يوجد له سلطان إلا فيه، وهكذا يقال في جواب من قال إنه الثريا. \"فتح القدير\" ٥/ ٥٢٠.\n(٦) \"تهذيب اللغة\" ١٦/ ١٢٨ - ١٢٩ (غسق)، وانظر \"تفسير غريب القرآن\" ص ٥٤٣، فالإمام الواحدي نقل عبارة ابن قتيبة من التهذيب، وأما تفسيره فلم أجد عند ابن قتيبة ذكر لحديث عائشة والله أعلم =","vol":"24","page":461},{"text":"قال الأزهري: هذا حديث غير صحيح، والصواب في تفسير هذه الآية: من شر الليل إذا دخل ظلامه في كل شيء (١).\nوقال ابن زيد: يعني الثريا إذا سقطت، قال: وكانت الأسقام تكثر عند وقوعها، وترتفع عند طلوعها (٢). وعلى هذا سمي الثريا غاسقًا، لانصبابه عند وقوعه في المغرب، ووقوبه (٣): دخوله إذا غاب عن الأعين، فلم ير، يقال: وقب يقب وقوبًا إذا دخل، والوقبة النُّقْرة، لأنه يدخل فيها، والإيقاب: إدخال الشيء في الوَقْبة (٤).\n_________\n= وقد رد ابن تيمية أيضًا تفسير ابن قتيبة قال: وهذا القول من ابن قتيبة ضعيف فإن ما قال رسول الله -ﷺ- لا يعارض بقول غيره، وهو لا يقول إلا الحق، وهو لم يأمر عائشة بالاستعاذة منه عند كسوفه بل مع ظهوره، وقد قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾ فالقمر آية الليل، وكذلك النجوم إنما تطلع فترى بالليل، فأمره بالاستعاذة من ذلك أمر بالاستعاذة من آية الليل، ودليله وعلامته، والدليل مستلزم للمدلول، فإذا كان شر القمر موجود فشر الليل موجود، وللقمر من التأثير ما ليس لغيره فتكون الاستعاذة من الشر الحاصل عنه أقوى ... فالقمر أحق ما يكون بالليل بالاستعاذة، والليل مظلم تنتشر فيه شياطين الإنس والجن ما لا تنشر بالنهار ... فالشر دائمًا مقرون بالظلمة.\n\"مجموع الفتاوى\" ١٧/ ٥٠٦ - ٥٠٧.\n(١) \"تهذيب اللغة\" ١٦/ ١٢٩ بيسير من الاختصار.\n(٢) \"جامع البيان\" ٣٠/ ٣٥٢، و\"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٩٣ أ - ب، و\"معالم التنزيل\" ٤/ ٥٤٧ مختصرًا، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٥٣٨، و\"زاد المسير\" ٨/ ٣٣٤، و\"التفسير الكبير\" ٣٢/ ١٩٤، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٢٥٧، و\"لباب التأويل\" ٤/ ٤٣٠ من غير عزو، و\"البحر المحيط\" ٨/ ٥٣١ مختصرًا، و\"تفسير القرآن العظيم\" ٤/ ٦١٣، و\"فتح القدير\" ٥/ ٥٢٠، و\"مجموع الفتاوى\" ١٧/ ٥٠٦.\n(٣) في (ع): (ووقوه).\n(٤) انظر فيه: \"تهذيب اللغة\" ٩/ ٣٥٤ (وقب)، و\"مقاييس اللغة\" ٦/ ١٣١.","vol":"24","page":462},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5196>٤ </span>- قوله تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَد﴾ يعني السحرة، والسواحر.\nومعنى النفث: النفخ، وكانت العرب ترقي به إذا رقت، وأنشد (أبو عبيدة) (١) لعنترة (٢):\nفإن يَبْرَأ فلم أَنْفِث عَلَيْهِ ... وإنْ يَفْقَدْ فَحَقَّ له الفُقُودُ (٣) (٤)\nوقال (أبو عبيد) (٥): النفث بالفم شبيه بالنفخ (٦).\nوقال أبو إسحاق: تنفث، وتتفل بلا ريق كأنه نفخ كما يفعل كل من يرقى (٧).\nوالعقد: الأخذ (٨). جمع عقود من عقد يعقد.\n_________\n(١) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٢) في (ع): (قول عنترة)، بدلًا من: (لعنترة).\n(٣) وورد قوله في: \"ديوانه\" ص ٢٨٣، تح: محمد مولوي، و\"الكشف والبيان\"، ١٣/ ١٩٣ ب، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٢٥٧.\nومعنى قوله: فإن يبرا: يريد جريه، يقول: إن يفق من تلك الطعنة فيتأخر أجله، فإني ما رقيته، ولا نفثت عليه، وإن يفقد أي يمت فحق له ذلك، فقد مات من هو خير منه ويحتمل أنه يريد فحق له الموت من شدة الطعنة، وأن مثلها لا يبرأ منها. \"ديوانه\" ٢٨٣.\n(٤) \"مجاز القرآن\" ٢/ ٣١٧.\n(٥) أبو عبيدة: في كلا النسختين، والصواب ما أثبته لنقل الإمام الواحدي قول أبي عبيدة عن \"تهذيب اللغة\".\n(٦) \"تهذيب اللغة\" ١٥/ ١٠٣ (نفث)، وانظر: \"لسان العرب\" ٢/ ١٩٥ (نفث).\n(٧) \"معاني القرآن وإعرابه\" ٥/ ٣٧٩ بنصه.\n(٨) يراد بالأُخْذة: الكلام الذي يقوله الساحر، وقيل خرزه يرقى عليها، أو هي الرقية نفسها. قال ابن حجر في \"فتح الباري\" ١٠/ ٢٣٣، وانظر: \"القاموس المحيط\" ١/ ٣٥٠ (أخذ).","vol":"24","page":463},{"text":"قال مقاتل: يعني السحرة، والأُخذة ينفثن في العقد والأُخذ (١).\nوقال (عطاء عن) (٢) ابن عباس: يريد السحرة الذين عقدوا السحر للنبي -ﷺ- (٣)، وإنما أتى على لفظ جمع الإناث لتأنيث الجماعات نحو ﴿وَالصَّافَّاتِ﴾، ﴿فَالتَّالِيَاتِ﴾، ﴿فَالزَّاجِرَاتِ﴾ (٤)، ومثل ذلك كثير في التنزيل ومعناه الجماعات. وقال صاحب النظم: إنما أنث (٥) النفاثات من بنات لبيد بن أعصم اليهودي سحرن النبي -ﷺ- (٦).\n_________\n(١) \"تفسير مقاتل\" ٢٥٧ ب.\n(٢) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٣) \"الوسيط\" ٤/ ٥٧٤.\n(٤) سورة الصافات: والآيات كاملة: ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا (١) فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا (٢) فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا﴾ [١ - ٣].\n(٥) إنما أنت: غير مقروء في (ع).\n(٦) هكذا وردت عبارة صاحب النظم في النسختين. ولم أعثر على مصدر لقوله، وقد ورد بنحوه في: \"زاد المسير\" ٨/ ٣٣٤ معزوًا إلى المفسرين: وهذا القول: إن النفاثات من بنات لبيد ليس بسديد، لأن الذي سحر النبي -ﷺ- هو لبيد بن عاصم، وليس بناته كما جاء ذلك في الصحيح.\nوالجواب المحقق: أن النفاثات هنا: من الأرواح، والأنفس النفاثات لا النساء النفاثات، لأن تأثير السحر إنما هو من جهة الأنفس الخبيثة والأرواح الشريرة، وسلطانه إنما يظهر منها، فلهذا ذكرت النفاثات هنا بلفظ التأنيث دون التذكير، والله أعلم. قاله ابن القيم. \"تفسير المعوذتين\" تح مصطفى العدوي: ٥٣ - ٥٤. وأما ابن تيمية فقال: وخص من السحر النفاثات في العقد، وهن النساء، والحاسد الرجال في العادة، ويكون من الرجال ومن النساء والشر الذي يكون من الأنفس الخبيثة من الرجال والنساء هو شر منفصل عن الإنسان ليس هو في قلبه كالوسواس الخناس. \"مجموع الفتاوى\" ١٧/ ٥٠٧.","vol":"24","page":464},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5197>٥ </span>- قوله: ﴿وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ قال ابن عباس (١)، ومقاتل (٢): يريد اليهود حسدوا النبي -ﷺ-، وقال الفراء: يعني لبيدًا الذي حسده (٣).\n_________\n(١) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٢) \"تفسير مقاتل\" ٢٥٧ ب، وقد ورد بمثله من غير عزو في\"لباب التأويل\" ٤/ ٤٣٠.\n(٣) \"معاني القرآن\" ٣/ ٣٠١ بتصرف.","vol":"24","page":465},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5198>سورة الناس</span>","vol":"24","page":467},{"text":"تفسير سورة الناس <span data-type=\"title\" id=toc-5199>(١)</span>\nبسم الله الرحمن الرحيم\n\n١ - ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ (القراء على ترك الإمالة في \"الناس\" (٢)، وروي عن الكسائي: الإمالة إذا كان في موضع الخفض (٣)، ولا إشكال في حسن ذلك وجوازه، وذلك أنه لو كان مكان الناس نحو: المال، والعاب (٤) لجازت إمالة \"الألف\" فيه لكسره الإعراب، فإذا كان \"الناس\" كان أحسن، لأن هذا (٥) الحرف قد أميل في الموضع الذي لا يوجب القياس إمالته، كما أميل الحجاج إذا كان علمًا، لأنهما كثرا في الكلام\n_________\n(١) فيها قولان:\nأحدهما: أنها مدنية. رواه أبو صالح عن ابن عباس.\nوالثاني: أنها مكية. رواه أبو كريب عن ابن عباس، وقتادة، و\"المحرر الوجيز\" ٥/ ٥٤٠، و\"زاد المسير\" ٨/ ٣٣٥.\n(٢) انظر: \"كتاب السبعة في القراءات\" ص ٧٠٣، و\"القراءات وعلل النحويين فيها\" ٢/ ٨١١، و\"الحجة\" ٦/ ٤٦٧، و\"المهذب في القراءات العشر\" ٢/ ٣٤٥.\n(٣) وأيضًا كان لا يميلها في موضع الرفع والنصب. المراجع السابقة.\n(٤) في (أ): (العار).\n(٥) في (أ): (هذه).","vol":"24","page":469},{"text":"فاستجيز ذلك فيهما، فإذا أميل الناس حيث لم يكن معه شيء يوجب الإمالة للكثرة فإن يقال لكسرة الإعراب أجدر) (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5200>٤ </span>- وقوله تعالى: ﴿مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ﴾ قد تقدم عند قوله: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ﴾ (٢)\nوقوله: ﴿الْخَنَّاسِ﴾ قال ابن عباس: هو الشيطان جاثم على قلب ابن آدم، فإذا سها وغفل وسوس، وإذا ذكر الله خنس (٣).\nوقال مجاهد: إذا ذكر الله خنس، وإذا لم يذكر الله انبسط على قلبه (٤). وهذا قول جماعة المفسرين في الوسواس الخناس.\nومضى تفسير الخناس عند قوله: \"الخُنَّس\" [التكوير: ١٥].\nقال مقاتل: هو شيطان في صورة خنزير يجري في جسد العبد مجرى الدم (٥)، فإذا سها ابن آدم ابتلع قلبه فوسوس، وإذا ذكر الله خنس عنه فخرج من جسده، فهو الوسواس إذا سها ابن آدم، وهو الخناس إذا ذكر (٦).\n_________\n(١) ما بين القوسين نقله عن: \"الحجة\" ٦/ ٤٦٦ - ٤٦٧ بيسير من التصرف.\n(٢) سورة الأعراف: ٢٠، ومما جاء في تفسيرها: قوله: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ﴾ قال الليث: الوسوسة: حديث النفس والصوت الخفي من ريح تهز قصبا أو شيئا كالهمس، وبه سمي صوت الحليّ وسواسًا.\nعن ابن الأعرابي: رجل يوسوس ولا يقال موسوس، لأن نفسه توسوس له. قال تعالى: \"ويعلم ما توسوس به نفسه\".\n(٣) \"جامع البيان\" ٣٠/ ٣٥٥، وقال بنحوه أيضًا قتادة. \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٤١٠.\n(٤) ورد معنى قوله في: \"تفسير الإمام مجاهد\" ص ٧٦٢، و\"جامع البيان\" ٣٠/ ٣٥٥، و\"بحر العلوم\" ٣/ ٥٢٨، و\"فتح القدير\" ٥/ ٥٢٣.\n(٥) غير مقروء في (ع).\n(٦) ورد قوله في \"تفسير مقاتل\" ٢٥٧ ب، ومختصرًا في: \"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٩٤ أ، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٢٦٣، و\"فتح القدير\" ٥/ ٥٢٣.","vol":"24","page":470},{"text":"وهذا معنى ما روى أنس أن النبي -ﷺ- قال: \"إن الشيطان واضع خَطْمَه (١) على قلب ابن آدم، فإذا ذكر الله ﷿ خنس، وإذا نسي الله ﷿ التقم قلبه، فهو قوله:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5201>٥ </span>- ﴿الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ﴾ \" (٢).\nأي بالكلام الخفي يصل مفهومه إلى القلب من غير سماع الصوت، وهو معنى الوسواس في اللغة، وقد مر (٣).\nوقوله تعالى: ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾\nقال ابن عباس: أخبر الله ﷿ أنه من الجن، والإنس (٤)، وهو قول مقاتل (٥)، وسفيان (٦)، جعلوا الذي يوسوس من الجنة والناس.\nقال قتادة في قوله ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾: من الجن شياطين، ومن\n_________\n(١) خطم: أنفه. الخطم من كل طائر منقاره، ومن كل دابة خَطَمه، مقدم أنفه وفمه. \"تهذيب اللغة\" ٧/ ٢٥٦ (خطم)، و\"الصحاح\" ٥/ ١٩١٤ (خطم).\n(٢) أخرجه أبو نعيم في: \"حلية الأولياء\" ٦/ ٢٦٨، وعزاه الهيثمي في: \"مجمع الزوائد\" ٧/ ١٤٩ إلى أبي يعلى، وفيه عدي بن أبي عمارة، وهو ضعيف، وأخرجه أيضا الثعلبي في \"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٩٥ أ، كما عزاه السيوطي في \"الدر المنثور\" ٨/ ٦٩٤ إلى ابن شاهين في \"الترغيب في الذكر\"، وابن أبي الدنيا في \"مكائد الشيطان\"، وأبي يعلى، والبيهقي في \"شعب الإيمان\" ١/ ٤٠٢ - ٤٠٣ ح ٥٤٠، كما أورده الشوكاني في \"فتح القدير\" ٥/ ٥٢٤، وضعف محقق كتاب \"الوسيط\"، و\"البسيط\" إسناد رواية الواحدي لوجود زياد بن عبد الله النميري.\n(٣) عند سورة الأعراف: ٢٠.\n(٤) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٥) \"تفسير مقاتل\" ٢٥٧ ب.\n(٦) لم أعثر على مصدر لقوله.","vol":"24","page":471},{"text":"الناس شياطين، فنعوذ بالله من شياطين الجن والإنس (١).\nوقال الحسن: هما شيطانان: أما شيطان الجن فيوسوس في صدور الناس، وأما شيطان الإنس فيأتي علانية (٢).\nوفي الآية قول آخر: وهو أن قوله: ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ تفسير لقوله: ﴿فِي صُدُورِ النَّاسِ﴾ أي يوسوس في صدور الناس من (٣) القبيلتين: الجنة والناس.\nوالمعنى: يوسوس في صدور الجني، كما يوسوس في صدور الإنس. وهذا (قول الكلبي (٤)، و) (٥) اختيار الفراء: قال: وقع الناس في قوله: \"صدور الناس\" على الجنة، وعلى الناس، كقولك: يوسوس في صدور الناس جنتهم وناسهم، قال: وسمي الجن نفرًا، ورجالًا في قوله تعالى: ﴿نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ﴾ [الجن: ١]، وقوله: ﴿يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ﴾ [الجن: ١١] وقد قال بعض العرب: جاء قوم من الجن فوقفوا فقيل من أنتم؟ فقالوا: أناس من الجن (٦) (٧).\n_________\n(١) \"تفسير عبد الرزاق\" ٢/ ٤١٠، و\"النكت والعيون\" ٦/ ٣٧٩، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٢٦٣، و\"البحر المحيط\" ٨/ ٥٣٢، و\"فتح القدير\" ٥/ ٥٢٣.\n(٢) \"بحر العلوم\" ٣/ ٥٢٨ - ٥٢٩، و\"الجامع لأحكام القرآن\" ٢٠/ ٢٦٣، و\"فتح القدير\" ٥/ ٥٢٣، و\"تفسير الحسن البصري\" ٢/ ٤٤٧.\n(٣) في (أ): (على).\n(٤) \"الكشف والبيان\" ١٣/ ١٩٤ أ.\n(٥) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٦) \"معاني القرآن\" ٣/ ٣٠٢ بتصرف.\n(٧) علق الزمخشري على المعنى الذي ذكره الفراء بقوله: وما أحقه، لأن الجن سموا جنًّا لاجتنانهم، والناس ناسًا لظهورهم، من الإيناس، وهو الإبصار، كما سموا =","vol":"24","page":472},{"text":"وقال أبو إسحاق: الناس في قوله: ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ معطوف على الوسواس.\nالمعنى: من شر الوسواس، ومن شر الناس (١).\n_________\n= بشرًا، ولو كان يقع الناس على القبيلتين، وصح ذلك وثبت لم يكن مناسبًا لفصاحة القرآن وبعده من التصنع ... \"الكشاف\" ٤/ ٢٤٥.\nوضعفه أيضا الفخر في: \"التفسير الكبير\" ٣٢/ ١٩٨، والإمام ابن القيم أيضًا رده من عدة وجوه، منها: أنه لم يقم دليل على أن الجني يوسوس في صدر الجني، ويدخل فيه كما يدخل في الإنسي، ويجري منه مجراه من الإنس، فأي دليل يدل على هذا حتى يصح حمل الآية عليه.\nالآخر: أن \"الجنة\" لا يطلق عليهم اسم الناس بوجه؛ لا أصلًا، ولا اشتقاقًا، ولا استعمالًا، ولفظهما يأبى ذلك.\nثم أبطل أيضًا الاستدلال بالآيتين على عدم امتناع إطلاق الجن اسم الرجال، ونفرًا قال: وجواب ذلك أن اسم الرجال إنما وقع عليهم وقوعًا مقيدًا في مقابلة ذكر الرجال من الإنس، ولا يلزم من هذا أن يقع اسم الناس والرجال عليهم مطلقًا.\nوأنت إذا قلت: إنسان من حجارة، أو رجل من خشب، ونحو ذلك، لم يلزم من ذلك وقوع اسم الرجل والإنسان عند الإطلاق على الحجر والخشب، وذلك لأن الناس والجنة متقابلان، وكذلك الإنس والجن .. بخلاف الرجال والجن، فإنهما لم يستعملا متقابلين، فلا يقال: الجن والرجال، كما يقال الجن والإنس. -ثم قال- وحينئذ فالآية أبين حجة عليهم في أن الجن لا يدخلون في لفظ \"الناس\"؛ لأنه قابل بين الجنة والناس، فعلم أن أحدهما لا يدخل في الآخر.\nفالصواب هو أن قوله: \"من الجنة والناس\" بيان الذي يوسوس، وأنهم نوعان: إنس وجن، فالجني يوسوس في صدور الإنس، والإنسي أيضا يوسوس في صدور الإنس. \"تفسير المعوذتين\" ص ١٢٠ - ١٢١.\n(١) \"زاد المسير\" ٨/ ٣٣٦.\nنكتة: لم أجد تفسيرًا لهذه السورة عند أبي إسحاق في المخطوط لكتاب \"معاني القرآن وإعرابه\"، وقد ذكر محقق المطبوع أن الزجاج لم يفسر سورة الناس، فعمد =","vol":"24","page":473},{"text":"والمعنى على هذا، لأنه أمر أن يستعيذ من شر الجن والإنس، ودليل ذلك قوله: ﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ ونحو هذا قال صاحب النظم، قال: لأن الخناس لا يكون من الناس، فالناس في قوله: ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ منظوم بقوله: ﴿مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ﴾ على نظم من شر الوسواس الخناس، ومن شر الناس، ويكون قوله ﴿مِنَ الْجِنَّةِ﴾ وصفًا للخناس مخصوصًا (١)، فيكون (٢) المعنى في الجملة: من شر الجن، ومن شر الناس (٣). -هذا كلامه-\nوعلى ما ذكره الفراء: الناس عطف على الجنة، والقول هو هذا (٤). (والله أعلم بالصواب.\nهذا آخر الكتاب\n_________\n= إلى تفسيرها تفسيرًا لغويًّا قريبًا من طريقة الزجاج. وأقول: وباعتبار أن الإمام الواحدي أورد للزجاج تفسير لهذه الآية (٦) من سورة الناس، فلعل للزجاج تفسيرًا لها لم يكتبه النساخ، وعليه لو استعان صاحب المطبوع على ما جاء عند الواحدي، وابن الجوزي في ما أورده عن الزجاج في \"زاد المسير\" ٨/ ٣٣٦ لكان أفضل. بالإضافة إلى ما صنعه لإتمام كتاب المعاني. والله أعلم.\n(١) في (أ): (عصوصا).\n(٢) في (أ): (ليكون).\n(٣) لم أعثر على مصدر لقوله.\n(٤) سبق الرد على ما ذكره الفراء.","vol":"24","page":474},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5202>ثُمَّ قالَ الشَّيْخُ المُفَسِّرُ ﵀ في نسخَتِهِ الأَصْل) </span>(١):\nوقد يسر الله تعالى، وله الحمد لحسن توفيقه تحرير هذا الكتاب الذي لم يسبق إلى مثله في هذا الباب شرحًا وبيانًا ونظمًا وإتقانًا، (وإطنابًا) (٢) غير ممل، وإيجازًا غير مخل، حتى برز عند تمامه كالروض غب رِهَامه (٣)، وأثواب (٤) الوشي منهما، وبدائع الحلى منظمًا قد أخرج لساني عن عهدة ضماني بإيفاء شرائطه، والقيام بموجب حقوقه، بعد تراخي المهلة، وتطاول المدة من يوم افتتاحه إلى يوم اختتامه - (لنكد الدهر، وقلة مساعدة الزمان الخوان ذي اللوان) (٥)، وقد كنت تعبت دهرًا طويلًا\n_________\n(١) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٢) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٣) الرِّهمة بالكسر المطرة الضعيفة الدائمة، والجمع رِهَم ورِهام، وروضة مرهومة. قال أبو زيد: ومن الديمة الرِهْمَة، وهي أشد وقعًا من الديمة، وأسرع ذهابًا. \"الصحاح\" ٥/ ١٩٣٩ (رهم).\n(٤) في (ع): (أفواق).\n(٥) تضمن ما بين القوسين عبارات للإمام الواحدي فيها من سب الدهر الذي نهي عنه، وجاءت الأدلة بتحريمه، فقد ورد في الصحيح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله -ﷺ-: قال الله ﷿: يؤذيني ابن آدم، يسب الدهر، وأنا الدهر بيدي الأمر، أقلب الليل والنهار). أخرجه البخاري في \"الجامع الصحيح\" ٣/ ٢٩١: ح ٤٨٢٦: كتاب التفسير: سورة ٤٥، ومعنى الحديث: أن العرب كان من شأنها ذم الدهر أي سبه عند النوازل، لأنهم كانوا ينسبون إليه ما يصيبهم من المصائب والمكاره، فيقولون: أصابتهم قوارع الدهر، وأبادهم الدهر، فإذا أضافوا إلى الدهر ما نالهم من الشدائد سبوا فاعلًا، فكان مرجع سبها إلى الله ﷿ إذ هو الفاعل في الحقيقة للأمور التي يصنعونها، فنهوا عن سب الدهر. انظر: \"فتح المجيد\" ٤١٢. والحديث صريح في النهي عن سب الدهر مطلقًا سواء اعتقد أنه فاعل أو لم يعتقد ذلك كما يقع كثيرًا ممن يعتقد الإسلام. نقلا عن \"تيسير العزيز الحميد\" ص ٥٤٥.=","vol":"24","page":475},{"text":"من عنفوان صباي إلى أن تناهى أيام شبيبتي في إحكام مقدمات هذا العلم، رجاء أن أقتدر بها على تلخيصه وتهذيبه وترهيصه، فحقق الله بفضله ذلك الرجاء، وأتم بإتمامه علي النعماء، وهو المسؤول -عزت قدرته- أن يجعله وسيلة إلى مرضاته؛ إلى التنجيح في جنابه، إذ لم أقصد به إلا ابتغاء وجهه الكريم، وفضله العظيم.\nوالحمد لله فوق حمد العارفين، وفوق شأو الواصفين، وصلواته، وتحياته على المبعوث بالبيان الساطع، والبرهان اللامع، والقرآن الكريم، والكتاب الحكيم، محمد النبي، وعلى أصحابه أجمعين آمين يارب (١) العالمين.\nوذلك (عصر يوم الأربعاء) (٢) لعشر بقين من (شهر) (٣) ربيع الأول. سنة ست وأربعين وأربعمائة والحمد لله.\n(وتم الكتاب بحمد الله ومنه) (٤).\n(كتبه الراجي عفو ربه عمر بن صديق بن معروف بالربوة المباركة، وكان الفراغ منه في العشرين من شهر رجب سنة ثلاث عشر وتسعمائة بعون الله وتوفيقه والحمد لله وحده. بلغ مقابلة ولله الحمد) (٥).\n_________\n= والكلام في النهي عن سب الدهر يراجع فيه المرجعان السابقان: \"فتح المجيد\"، و\"تيسير العزيز الحميد\".\n(١) في (ع): (آمين رب).\n(٢) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٣) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٤) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(٥) ما بين القوسين خاص بنسخة: (ع)، وقوله: بلغ مقابله ولله الحمد كتب في هامش المخطوط.","vol":"24","page":476},{"text":"(قابلت هذا الكتاب من أوله إلى آخره، أعني كتاب البسيط -رحم الله مصنفه- وأنهيته مطالعة والحمد لله .... (١) وقف عليه بعدي .... (٢) فأسأله .... (٣) الله العفو والمغفرة والرحمة .... (٤) صلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.\nكتبه الراجي عفو ربه ..... (٥) \" (٦)\n_________\n(١) غير مقروء في (ع).\n(٢) غير مقروء في (ع).\n(٣) غير مقروء في (ع).\n(٤) غير مقروء في (ع).\n(٥) غير مكتروء في (ع).\n(٦) ما بين القوسين خاص بنسخة: (ع).","vol":"24","page":477}]}